Page 1

‫دراسات ونقد‬ ‫نصوص شعرية وسردية‬ ‫مواجهات‬ ‫شهادات‬

‫الجوف تحتضن‬ ‫منتدى األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري‬ ‫للدراسات السعودية بعنوان‪:‬‬

‫الماء في المملكة‪ ..‬الواقع والحلول‬

‫‪54‬‬


‫برنامـج نشر الدراسات واإلبداعـات األدبية ودعم البحوث والرسائل العلمية‬ ‫يف مركز عبدالرحمن السديري الثقايف‬ ‫‪ -1‬نشر الدراسات واإلبداعات األدبية‬

‫يهتم بالدراسات‪ ،‬واإلبداعات األدبية‪ ،‬ويهدف إلى إخراج أعمال متميزة‪ ،‬وتشجيع حركة‬ ‫اإلبداع األدبي واإلنتاج الفكري وإثرائها بكل ما هو أصيل ومميز‪.‬‬ ‫ويشمل النشر أعمال التأليف والترجمة والتحقيق والتحرير‪.‬‬ ‫مجاالت النشر‪:‬‬ ‫أ ‪ -‬الدراسات التي تتناول منطقة الجوف في أي مجال من المجاالت‪.‬‬ ‫ب‪ -‬اإلبداعات األدبية بأجناسها المختلفة (وفقاً لما هو مب ّين في البند «‪ »٨‬من شروط النشر)‪.‬‬ ‫ج‪ -‬الدراسات األخرى غير المتعلقة بمنطقة الجوف (وفقاً لما هو مب ّين في البند «‪ »٨‬من شروط النشر)‪.‬‬ ‫شروطه‪:‬‬ ‫‪ -١‬أن تتسم الدراسات والبحوث بالموضوعية واألصالة والعمق‪ ،‬وأن تكون موثقة طبقاً للمنهجية‬ ‫العلمية‪.‬‬ ‫‪ -٢‬أن تُكتب المادة بلغة سليمة‪.‬‬ ‫‪ -٣‬أن يُرفق أصل العمل إذا كان مترجماً‪ ،‬وأن يتم الحصول على موافقة صاحب الحق‪.‬‬ ‫‪ -٤‬أن تُق ّدم المادة مطبوعة باستخدام الحاسوب على ورق (‪ )A4‬ويرفق بها قرص ممغنط‪.‬‬ ‫‪ -٥‬أن تكون الصور الفوتوغرافية واللوحات واألشكال التوضيحية المرفقة بالمادة جيدة ومناسبة‬ ‫للنشر‪.‬‬ ‫‪ -٦‬إذا كان العمل إبداعاً أدبياً فيجب أن يتّسم بالتم ّيز الفني وأن يكون مكتوباً بلغة عربية‬ ‫فصيحة‪.‬‬ ‫‪ -٧‬أن يكون حجم المادة ‪ -‬وفقاً للشكل الذي ستصدر فيه ‪ -‬على النحو اآلتي‪:‬‬ ‫ الكتب‪ :‬ال تقل عن مئة صفحة بالمقاس المذكور‪.‬‬‫ البحوث التي تنشر ضمن مجالت محكمة يصدرها المركز‪ :‬تخضع لقواعد النشر في‬‫تلك المجالت‪.‬‬ ‫ الكتيبات‪ :‬ال تزيد على مئة صفحة‪( .‬تحتوي الصفحة على «‪ »250‬كلمة تقريباً)‪.‬‬‫‪ -٨‬فيما يتعلق بالبند (ب) من مجاالت النشر‪ ،‬فيشمل األعمال المقدمة من أبناء وبنات‬ ‫منطقة الجوف‪ ،‬إضافة إلى المقيمين فيها لمدة ال تقل عن عام‪ ،‬أما ما يتعلق بالبند (ج)‬ ‫فيشترط أن يكون الكاتب من أبناء أو بنات المنطقة فقط‪.‬‬ ‫‪ -٩‬يمنح المركز صاحب العمل الفكري نسخاً مجانية من العمل بعد إصداره‪ ،‬إضافة إلى‬ ‫مكافأة مالية مناسبة‪.‬‬ ‫‪ -١٠‬تخضع المواد المقدمة للتحكيم‪.‬‬


‫‪ -2‬دعم البحوث والرسائل العلمية‬

‫يهتم بدعم م�شاريع البحوث والر�سائل العلمية والدرا�سات املتعلقة مبنطقة اجلوف‪ ،‬ويهدف‬ ‫�إلى ت�شجيع الباحثني على طرق �أبواب علمية بحثية جديدة يف معاجلاتها و�أفكارها‪.‬‬ ‫(أ) الشروط العامة‪:‬‬ ‫‪ -١‬ي�شمل الدعم املايل البحوث الأكادميية والر�سائل العلمية املقدمة �إلى اجلامعات واملراكز‬ ‫البحثية والعلمية‪ ،‬كما ي�شمل البحوث الفردية‪ ،‬وتلك املرتبطة مب�ؤ�س�سات غري �أكادميية‪.‬‬ ‫‪ -٢‬يجب �أن يكون مو�ضوع البحث �أو الر�سالة متعلق ًا مبنطقة اجلوف‪.‬‬ ‫‪ -٣‬يجب �أن يكون مو�ضوع البحث �أو الر�سالة جديد ًا يف فكرته ومعاجلته‪.‬‬ ‫‪� -٤‬أن ال يتقدم الباحث �أو الدار�س مب�شروع بحث قد فرغ منه‪.‬‬ ‫‪ -٥‬يقدم الباحث طلب ًا للدعم مرفق ًا به خطة البحث‪.‬‬ ‫‪ -٦‬تخ�ضع مقرتحات امل�شاريع �إلى تقومي علمي‪.‬‬ ‫‪ -٧‬للمركز حق حتديد ال�سقف الأدنى والأعلى للتمويل‪.‬‬ ‫‪ -٨‬ال يحق للباحث بعد املوافقة على التمويل �إج��راء تعديالت جذرية ت��ؤدي �إلى تغيري وجهة‬ ‫املو�ضوع �إال بعد الرجوع للمركز‪.‬‬ ‫‪ -٩‬يقدم الباحث ن�سخة من ال�سرية الذاتية‪.‬‬ ‫(ب) الشروط اخلاصة بالبحوث‪:‬‬ ‫‪ -١‬يلتزم الباحث بكل ما جاء يف ال�شروط العامة(البند «�أ»)‪.‬‬ ‫‪ -٢‬ي�شمل املقرتح ما يلي‪:‬‬ ‫ تو�صيف م�شروع البحث‪ ،‬وي�شمل مو�ضوع البحث و�أهدافه‪ ،‬خطة العمل ومراحله‪ ،‬واملدة‬‫املطلوبة لإجناز العمل‪.‬‬ ‫ ميزانية تف�صيلية متوافقة مع متطلبات امل�شروع‪ ،‬ت�شمل الأجهزة وامل�ستلزمات املطلوبة‪،‬‬‫م�صاريف ال�سفر والتنقل وال�سكن والإعا�شة‪ ،‬امل�شاركني يف البحث من طالب وم�ساعدين‬ ‫وفنيني‪ ،‬م�صاريف �إدخال البيانات ومعاجلة املعلومات والطباعة‪.‬‬ ‫ حتديد ما �إذا كان البحث مدعوم ًا كذلك من جهة �أخرى‪.‬‬‫(ج) الشروط اخلاصة بالرسائل العلمية‪:‬‬ ‫�إ�ضافة لكل ما ورد يف ال�شروط اخلا�صة بالبحوث(البند «بـ«) يلتزم الباحث مبا يلي‪:‬‬ ‫‪� -١‬أن يكون مو�ضوع الر�سالة وخطتها قد �أق ّرا من اجلهة الأكادميية‪ ،‬ويرفق ما يثبت ذلك‪.‬‬ ‫‪� -٢‬أن ُيق ّدم تو�صية من امل�شرف على الر�سالة عن مدى مالءمة خطة العمل‪.‬‬ ‫الجوف‪ :‬هاتف ‪ - 014 626 3455‬فاكس ‪ - 014 624 7780‬ص‪ .‬ب ‪ 458‬سكاكا ‪ -‬الجوف‬ ‫الرياض‪ :‬هاتف ‪ - 011 281 7094‬فاكس ‪ - 011 281 1357‬ص‪ .‬ب ‪ 94781‬الرياض ‪11614‬‬ ‫‪sudairy-nashr@alsudairy. org. sa‬‬


‫مجلس إدارة مؤسسة عبدالرحمن السديري‬

‫ملف ثقايف ربع �سنوي ي�صدر عن‬ ‫مركز عبدالرحمن السديري الثقافي‬ ‫هيئة النشر ودعم األبحاث‬

‫رئي�س ًا‬ ‫ع�ضو ًا‬ ‫ع�ضو ًا‬ ‫ع�ضو ًا‬

‫د‪ .‬عبدالواحد بن خالد الحميد ‬ ‫د‪ .‬خليل بن �إبراهيم المعيقل ‬ ‫د‪ .‬ميجان بن ح�سين الرويلي ‬ ‫محمد بن �أحمد الرا�شد ‬

‫رئي�س ًا‬ ‫في�صل بن عبدالرحمن ال�سديري ‬ ‫ع�ضو ًا‬ ‫�سلطان بن عبدالرحمن ال�سديري ‬ ‫زياد بن عبدالرحمن ال�سديري الع�ضو المنتدب‬ ‫ع�ضو ًا‬ ‫عبدالعزيز بن عبدالرحمن ال�سديري ‬ ‫ع�ضو ًا‬ ‫�سلمان بن عبدالرحمن ال�سديري ‬ ‫ع�ضو ًا‬ ‫د‪ .‬عبدالرحمن بن �صالح ال�شبيلي ‬ ‫ع�ضو ًا‬ ‫د‪ .‬عبدالواحد بن خالد الحميد ‬ ‫�سلمان بن عبدالمح�سن بن محمد ال�سدير ي ع�ضو ًا‬ ‫طارق بن زياد بن عبدالرحمن ال�سديري ع�ضو ًا‬ ‫�سلطان بن في�صل بن عبدالرحمن ال�سديري ع�ضو ًا‬ ‫ع�ضو ًا‬ ‫د‪ .‬م�شاعل بنت عبدالمح�سن ال�سديري ‬

‫املشرف العام‪� :‬إبراهيم بن مو�سى احلميد‬ ‫أسرة التحرير‪ :‬حممود الرحمي ‬ ‫�سكرترياً ‪� -1‬أن تكون املادة �أ�صيلة‪.‬‬ ‫حممد �صوانة ‬ ‫ ‬ ‫حمرراً ‪ -2‬مل ي�سبق ن�شرها ورقياً �أو رقمياً‪.‬‬ ‫�إخـــراج فني‪ :‬خالد الدعا�س‬ ‫‪ -3‬تراعي اجلدية واملو�ضوعية‪.‬‬ ‫قواعد النشر‬

‫املراســــــالت‪ :‬هاتف‪)+966()14(6263455 :‬‬ ‫فاك�س‪)+966()14(6247780 :‬‬ ‫ ‬ ‫�ص‪ .‬ب ‪� 458‬سكاكا اجلـوف ‪ -‬اململكة العربية ال�سعودية‬ ‫‪www.alsudairy.org.sa‬‬ ‫‪aljoubahmag@alsudairy.org.sa‬‬

‫ردمد ‪ISSN 1319 - 2566‬‬ ‫سعر النسخة ‪ 8‬رياالت ‪ -‬تطلب من الشركة الوطنية للتوزيع‬

‫‪ -4‬تخ�ضع املواد للمراجعة والتحكيم قبل ن�شرها‪.‬‬ ‫‪ -5‬ترتيب املواد يف العدد يخ�ضع العتبارات فنية‪.‬‬ ‫‪ -6‬ترحب اجلوبة ب�إ�سهامات املبدعني والباحثني‬ ‫والك ّتاب‪ ،‬على �أن تكون املادة باللغة العربية‪.‬‬ ‫«اجلوبة» من الأ�سماء التي كانت ُتطلق على منطقة اجلوف �سابقاً‪.‬‬

‫املقاالت املن�شورة ال تعرب بال�ضرورة عن ر�أي املجلة والنا�شر‪.‬‬

‫ُيعنى بالثقافة من خالل مكتباته العامة يف اجلوف والغاط‪ ،‬ويقيم املنا�شط املنربية الثفافية‪ ،‬ويتب ّني‬ ‫برناجم ًا للن�شر ودعم الأبحاث والدرا�سات‪ ،‬ويخدم الباحثني وامل�ؤلفني‪ ،‬وت�صدر عنه جملة (�أدوماتو)‬ ‫املتخ�ص�صة ب�آثار الوطن العربي‪ ،‬وجملة (اجلوبة) الثقافية‪ ،‬وي�ضم املركز ك ًال من‪( :‬دار العلوم) مبدينة‬ ‫�سكاكا‪ ،‬و(دار الرحمانية) مبحافظة الغاط‪ ،‬ويف كل منهما ق�سم للرجال و�آخر للن�ساء‪ .‬وت�صرف على‬ ‫املركز م�ؤ�س�سة عبدالرحمن ال�سديري اخلريية‪.‬‬ ‫‪www. alsudairy. org. sa‬‬


‫العدد ‪ - 54‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2016‬‬

‫‪6...............................‬‬ ‫اجلوف حتتضن منتدى األمير‬ ‫عبدالرحمن بن أحمد السديري‬ ‫للدراسات السعودية يف دورته العاشرة‬

‫‪35.............................‬‬

‫العاصي بن فهيد‬

‫‪96........................‬‬ ‫حوار مع‬ ‫الدكتور عبداهلل الغذامي‬

‫الـمحتويــــات‬

‫افتتاحية العدد ‪4 ..............................................................‬‬ ‫ملف العدد‪ :‬الجوف تحتضن منتدى األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري‬ ‫للدراسات السعودية في دورته العاشرة ‪6 ..................................‬‬ ‫دراس��ات ونقد‪ :‬ق��راءة في كتاب فصل من تاريخ وط��ن وسيرة رجال‪ :‬‬ ‫(عبدالرحمن بن أحمد السديري أمير منطقة الجوف)‪24 ..................‬‬ ‫الجوف‪ ..‬في رحلة وليم بلجريف ‪ -‬نوير العميري‪30 ........................‬‬ ‫الشاعر السعودي العاصي بن فهيد في ديوانه ممرات السنونو ‪ -‬إبراهيم‬ ‫الحجري ‪35 ................................................................‬‬ ‫الهوية والبناء السردي في روايات ما بعد الحداثة في المملكة العربية‬ ‫السعودية ‪ -‬د‪ .‬أسماء الزهراني‪40 ........................................‬‬ ‫األب��ع��اد االجتماعيّة ف��ي رواي���ة‪( :‬دُوم زي��ن) للضميري ‪ -‬د‪ .‬إبراهيم‬ ‫الدَّ هون‪44 ..................................................................‬‬ ‫لــوعـــة الفقــــد في «رائحة الفحم» ‪ -‬هشام بنشاوي‪47 .....................‬‬ ‫بعض مالمح ما بعد الحداثة في الكتابة الجديدة ‪ -‬خالد حسان ‪51 .......‬‬ ‫الصورة المجتمعيّة في رواية «كذبة إبريل» ‪ -‬د‪ .‬نهلة الشقران ‪55 ..........‬‬ ‫المعنى الشعري لرشيد الخديري ‪ -‬د‪ .‬سعيد بوعيطة ‪58 ...................‬‬ ‫قراءة في القراءة ‪ -‬محمود عبدالحافظ ‪66 .................................‬‬ ‫قصص قصيرة‪ :‬حل ٌم ال ينام ‪ -‬د‪ .‬زرياف المقداد‪73 .........................‬‬ ‫حياة عادية ‪ -‬مشاري محمد ‪76 .............................................‬‬ ‫زهرة األبوة ‪ -‬وفاء الحربي ‪77 ...............................................‬‬ ‫قلق ‪ -‬عبدالكريم النملة ‪78 ..................................................‬‬ ‫ومضات قصصية ‪ -‬فرح عبده ‪80 ...........................................‬‬ ‫امبراطورية الجمال ‪ -‬حمود علي حسين الشريف‪81 .......................‬‬ ‫شعر‪ :‬تقاز ُم األزمنةِ ‪ -‬نويّر بنت مطلق العتيبي‪84 .............................‬‬ ‫العقـد ‪ -‬نوره عبيري‪86 ......................................................‬‬ ‫أراك شمساً ال تغيب ‪ -‬أريج الزهراني ‪88 ...................................‬‬ ‫نصوص شعرية ‪ -‬جابر الدبيش ‪89 ..........................................‬‬ ‫قهوةُ غيابِكَ ‪ -‬حنان بيروتي ‪90 ..............................................‬‬ ‫الشتاء ‪ -‬أحمد الالوندى ‪93 .................................................‬‬ ‫ال دموع بعد اليوم ‪ -‬موسى البدري‪94 .......................................‬‬ ‫نص جاهز ‪ -‬عبدالعزيز الشريف ‪95 ........................................‬‬ ‫مواجهات‪ :‬حوار مع د‪ .‬الغذامي ‪ -‬حاورته هدى الدغفق‪96 ..................‬‬ ‫حوار مع الروائي مقبول موسى العلوي ‪ -‬حاوره‪ :‬عمر بوقاسم ‪103 ..........‬‬ ‫سيرة وإنجاز‪ :‬الكاتب والشاعر فارس رزق الروضان‪109 ......................‬‬ ‫ترجمة‪ :‬من ذا الذي يرغب بابنة؟ إيزابيل الليندي ‪ -‬عبداهلل الزماي ‪111 ....‬‬ ‫رسائل األم! قصة للكاتب الفرنسي‪ :‬غي دي موباسان ‪ -‬ياسمينة صالح ‪114 ...‬‬ ‫نوافذ‪ :‬أثر التطور التقني على الفرد والمجتمع ‪ -‬محمد عامر البلخي ‪117 ..‬‬ ‫نجد وحنين الشعراء ‪ -‬راكان بصير الرويلي ‪119 .............................‬‬ ‫بين قوسين ‪ -‬محمد علي حسن الجفري ‪123 ................................‬‬ ‫شعرية البورتريه في رسومات الفنانة السعودية شهد الزيد ‪ -‬إبراهيم‬ ‫الحجري ‪126 ................................................................‬‬ ‫قصر مرسال في سكاكا ‪ -‬ضاري الحميد ‪130 ...............................‬‬ ‫قراءات‪134 .................................................................... :‬‬ ‫الصفحة األخ��ي��رة‪ :‬لطيفة ال��س��دي��ري والتعليم ال��ن��س��وي بالجوف‬ ‫د‪ .‬عبدالواحد الحميد ‪136 ......................................................‬‬

‫لوحة الغالف‪ :‬قصر مرسال أحد القصور التراثية والتاريخية بمدينة سكاكا والذي بني على تل مرتفع‪،‬‬ ‫إلى الشرق من قلعة زعبل وحي الضلع التاريخي‪.‬‬


‫اف���ت���ت���اح���ي���ة‬ ‫ال�����������ع�����������دد‬ ‫■ إبراهيم احلميد‬

‫اعتبر تقرير دول��ي نُشر مؤخراً أن أكثر مستودعات المياه الجوفية‬ ‫استنزافاً هي طبقة المياه الجوفية العربية التي منها تلك التي تقع تحت‬ ‫المملكة العربية السعودية‪ ،‬واعتبرت بأنها أكثر مصدر “فائق اإلجهاد”‬ ‫في العالم‪ ،‬بمعدل نضوب يبلغ نحو عشرة ملليمترات سنويا‪ ،‬مع عدم‬ ‫وجود أي تجديد طبيعي‪ ،‬بعد أن درس العلماء (‪ )37‬مستودعا من أكبر‬ ‫مستودعات المياه الجوفية لألرض بين عامي ‪ 2003‬و‪2013‬م‪ ،‬وصنفوا‬ ‫هذه المستودعات المائية الجوفية على أنها «فائقة اإلجهاد» أو «مجهدة‬ ‫بشكل كبير»؛ ما يعني أنها تتعرض الستنزاف دون أي تجديد طبيعي‬ ‫للتعويض عن االستخدام‪ .‬وه��ذه المعلومات ليست غائبة عن مسئولي‬ ‫المياه بالمملكة‪ ،‬فقد أوضح وزير المياه في ندوة بجريدة الرياض قبل‬ ‫سنوات قليلة أن مزرعتين في بسيطا – الجوف‪ ..‬تستهلكان ما تستهلكه‬ ‫خمس مناطق سعودية‪.‬‬ ‫ولهذا‪ ،‬فمع معاناة مناطق واسعة من المملكة من جفاف شامل نتيجة‬ ‫انحباس األمطار والسيول لسنوات طويلة‪ ،‬فقد بدأت بوادر معاناة مشاريع‬ ‫منطقة بسيطا ‪ -‬الجوف الزراعية التي تستنزف فيها المزارع الكبرى‬ ‫(‪ )2.250.000‬جالون في الدقيقة الواحدة‪ ،‬على افتراض وجود (‪)1500‬‬ ‫بئر على األقل‪ ،‬إذ تضخ كل بئر منها (‪ )1500‬جالون في الدقيقة على مدار‬ ‫(‪ )24‬ساعة منذ (‪ )20‬عاماً؛ ولهذا‪ ،‬فقد بدأت الشركات الكبرى مشاريع‬ ‫‪4‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫وتستنزف مشاريع بسيطا نسبة (‪ )%99‬من المياه في زراعة البرسيم‬ ‫واألعالف على مدار العام‪ ،‬رغم كونها مصدر مياه الشرب لكل من مدن‪:‬‬ ‫القريات وطبرجل وطريف؛ ما يشكل تهديداً مستقبلياً على ضخِّ مياه‬ ‫الشرب لهذه المدن‪ ،‬على الرغم من الدعوات والقرارات الرسمية لوقف‬ ‫هذه الزراعة التي تشكل أكبر خطر استراتيجي على المياه في المملكة‪.‬‬

‫اف����������������ت����������������ت����������������اح����������������ي����������������ة‬

‫لتعميق حفر اآلبار لتصل إلى (‪ )600‬متر‪ ،‬بعد أن نضبت معظم اآلبار التي‬ ‫تقع في طبقة الـ (‪ )300‬متر ‪.‬‬

‫وقد أحس َن مركز عبدالرحمن السديري الثقافي اختيار موضوع “الماء‬ ‫في المملكة‪ ..‬الواقع والحلول” موضوعا للدورة العاشرة لمنتدى األمير‬ ‫عبدالرحمن بن أحمد السديري للدراسات السعودية‪ ،‬والذي عقد يوم‬ ‫السبت الموافق ‪ 26‬صفر ‪1438‬ه��ـ‪ ،‬بدار العلوم بمدينة سكاكا بمنطقة‬ ‫الجوف‪ .‬وفيه أفاد الدكتور محمد القنيبط خالل إحدى الجلسات أنه‬ ‫في العام الماضي ‪1437‬هـ صدر قرار مجلس الوزراء رقم (‪ ،)66‬والذي‬ ‫نص على إيقاف زراعة األعالف الخضراء لمدة ال تتجاوز ثالث سنوات‬ ‫بالمساحات التي ال تزيد عن (‪ )50‬هكتارا‪ ،‬والسماح ب��زراع��ة القمح‬ ‫بمساحات ال تتجاوز الـ (‪ )50‬هكتارا‪ ،‬كما قال الدكتور عبدالعزيز الطرباق‬ ‫في جلسة أخرى‪ :‬ليس عندنا أي موارد مثل أنهار أو بحيرات‪ ،‬فنحن نعيش‬ ‫في بيئة جافة ومعدالت األمطار فيها قليلة‪ ،‬والظروف الطبيعية المناخية‬ ‫شديدة الجفاف‪ ،‬وننسى مع األسف ‪-‬رغم كل اإلمكانات المتاحة عندنا‬ ‫واإلمكانات المادية‪ -‬أننا نعيش في صحراء؛ ولهذا‪ ،‬فقد حذر الدكتور‬ ‫حزام العتيبي في ورقته من أنه إذا ما بقي الحال على ما هو عليه‪ ،‬فمن‬ ‫المتوقع نضوب االحتياطيات القابلة لالستعمال في الطبقات الرئيسة‬ ‫الحاملة للمياه واحده تلو األخرى خالل (عدة عقود)‪ .‬إضافة إلى ارتفاع‬ ‫التكاليف المالية إلمداد المياه لألغراض البلدية إلى ‪ %10‬من الميزانية‬ ‫اإلجمالية‪ ،‬و‪ %3‬من الناتج المحلي اإلجمالي بحلول ‪2040‬م‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪5‬‬


‫الجوف تحتضن‬

‫الدورة العاشرة ‪ -‬الجوف‬ ‫‪ 26‬صفر ‪1438‬هـ (‪ 26‬نوفمبر ‪2016‬م)‬

‫الماء في المملكة‪..‬‬ ‫الـواقـع والحلـول‬ ‫‪ρρ‬إعداد‪ :‬محمود الرمحي ‪ -‬عماد املغربي‬

‫عقد منتدى األم��ي��ر عبدالرحمن ب��ن أح��م��د ال��س��دي��ري ل��ل��دراس��ات السعودية‬ ‫منتداه السنوي في دورته العاشرة في مركز الرحمانية الثقافي بمنطقة الجوف‬ ‫بعنوان‪( :‬المياه في المملكة – الواقع والحلول) وذلك يوم السبت ‪1438/2/26‬ه��ـ‬ ‫(‪2016/11/26‬م)‪.‬‬ ‫افتتح المنتدى د‪ .‬زياد بن عبدالرحمن السديري (العضو المنتدب)‪ ،‬الذي رحب‬ ‫بالحضور في منتدى األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري للدراسات السعودية‪،‬‬ ‫ف��ي دورت���ه ال��ع��اش��رة للعام ‪1438‬ه����ـ ‪2016‬م‪ ،‬وف��ي دار ال��ع��ل��وم‪ ،‬بمركز عبدالرحمن‬ ‫السديري الثقافي‪ ،‬وال��ذي يقيمه المركز سنوي ًا بالتناوب بين الجوف والغاط‪،‬‬ ‫وموضوعه هذا العام «الماء في المملكة‪-‬الواقع والحلول»‪ ،‬استشعار ًا من الهيئة‬ ‫المنظمة للمنتدى لما لهذا الموضوع من أهمية بالغة على مستوى الوطن‪ ،‬في‬ ‫ظل تزايد االستهالك من المياه بكل أنواعه‪ ،‬الزراعية والصناعية والبلدية‪ ،‬وفي‬ ‫ضوء طبيعة هذه البالد الصحراوية‪ ،‬ومحدودية مصادر المياه فيها‪.‬‬ ‫وذك����ر أن ن����دوة ال��م��ن��ت��دى ي��ش��ارك داعيا الحضور للتفاعل مع المشاركين‬ ‫فيها نخبة من األكاديميين والخبراء في ما يثري موضوع الحوار‪.‬‬ ‫والمسؤولين من جامعات ومؤسسات‬ ‫وق���ال إن��ن��ا نسعد ف��ي ه��ذا المركز‬ ‫وطنية مختصة وجهات حكومية معنية‪ ،‬بشرف اإلسهام في خدمة الثقافة على‬

‫‪6‬‬ ‫‪6‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫م� � � � � � � � � �ل � � � � � � � � ��ف ال� � � � � � � � � �ع � � � � � � � � ��دد‬

‫د‪ .‬زياد السديري (العضو المنتدب)‬

‫د‪ .‬عبدالرحمن الشبيلي (عضو هيئة المنتدى)‬

‫مستوى الوطن العزيز‪ ،‬من خالل ما توفره‬ ‫مكتبات المركز العامّة في كل من الجوف‬ ‫والغاط من مصادر‪ ،‬وما تقدمه برامجه لدعم‬ ‫مناشطُ ُه‬ ‫ِ‬ ‫األبحاث من مخرجات‪ ،‬وما تُحييه‬ ‫المنبرية من حراك‪ ،‬سعياً لتحقيق ما أراده‬ ‫وت��ف��اوت��ت تطبيقاتُ الجهات المختلفة‬ ‫خدمة‬ ‫ٍ‬ ‫مؤسس هذا المركز يرحمه اهلل من‬ ‫وتعامل ُها م��ع ن��زف ال��م��ي��اه ال��ج��وف� ّي��ة‪ ،‬بين‬ ‫للثقافة في الوطن عامة‪ ،‬والجوف بخاصة‪.‬‬ ‫السماح بحفر اآلب��ار ومنعها‪ ،‬وبين اتساق‬ ‫كما ألقى د‪ .‬عبدالرحمن الشبيلي عضو المياه والزراعة في وزارة واحدة واالنفصال‬ ‫هيئة المنتدى كلمة الهيئة‪ ،‬الذي تحدث فيها ثانية ثم إعادتهما‪ ،‬وبين توزيع األراضي البور‬ ‫عن شُ حّ المياه قديما‪ ،‬والشكاوي الخاصة على صغار المزارعين ثم حجبها‪ ،‬خشية‬ ‫بذلك خالل الخمسينيات والستينيات من تأثير اآلبار المتقاربة في المزارع الصغيرة‬ ‫القرن الميالدي المنصرم‪ ،‬وأن تلك الشكاوى على مصادر المياه‪ ،‬وتحمّست الوزارة لبناء‬ ‫لم تكن أول تعبير مجتمعي عن القلق من السدود ومنها س ّد بيشة العمالق‪ ،‬ثم تراخت‬ ‫مستقبل الماء في تاريخنا المعاصر‪ ،‬وبقيت‬ ‫عنها بسبب ما نسب إليها من سلبيّات‪ ،‬وقيل‬ ‫كلمات التشاؤم عن مخزون المياه وعن جدوى‬ ‫الكالم نفسه عن مشروع الري والصرف في‬ ‫الزراعة تكهّنات ترنّ في األذه��ان‪ .‬وجاءت‬ ‫األحساء الذي أنجز في منتصف الستينيات‪.‬‬ ‫الطفرة المالية األولى في السبعينيّات من‬ ‫وق��ال إن��ه في المقابل‪ ،‬ت��ط�وّرت تقنيات‬ ‫ال��ق��رن ال��م��اض��ي‪ ،‬لتجلب معها ممارسات‬ ‫جائرة استنزفت المياه بشقّيها‪ :‬الغمر في ترشيد االستهالك‪ ،‬وتأسيس الشركة الوطنية‬ ‫الحيازات الصغيرة‪ ،‬والرشاشات المحورية للمياه من أجل ضبط التوازن السعري بين‬ ‫في مزارع القمح والشعير‪ ،‬ما أغرى كثيرين اإلنتاج واالستهالك‪ ،‬وخُ ضنا تجربة فوترة‬ ‫لالستثمار فيها عن خبرة وتخصص أو عن الشرائح السعرية‪ ،‬لمراعاة أوضاع أصحاب‬ ‫غيرهما‪ ،‬مدفوعين بحوافز إعانات قاربت ال��دخ��ول المنخفضة‪ ،‬ومحاولة كبح جماح‬ ‫أربعة أضعاف تكاليف ما يماثلها في أسواق‬ ‫العالم‪ ،‬وتبع ذلك إسراف منزلي‪ ،‬سبّبه النم ّو‬ ‫السكاني‪ ،‬والتوسّ ع في حجم البيوت وبرك‬ ‫السباحة وسقيا الحدائق‪ ...‬الخ‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪7‬‬ ‫‪7‬‬


‫االستهالك لذوي الدخول المرتفعة‪ ،‬وأخيراً‬ ‫طرق باب الزراعة عن بُعد في مواقع عدة‬ ‫حول العالم لتخفيف الضغط على مصادر‬ ‫المياه المحلية والتقليل من استقدام األيدي‬ ‫العاملة‪.‬‬ ‫أما على مستوى الجهود البحثية الدائرة‪،‬‬ ‫فتجدر اإلشارة إلى ما تقوم به مدينة الملك‬ ‫عبدالعزيز للعلوم والتقنية‪ ،‬وكذا معهد األمير‬ ‫سلطان ألبحاث البيئة والمياه والصحراء في‬ ‫جامعة الملك سعود‪ ،‬وجائزة األمير سلطان‬ ‫العالمية ألبحاث المياه‪ ،‬وه��ي كلها جهود‬ ‫علميّة تصبّ ص��وب المشكلة‪ ،‬يُ��رج��ى أن‬ ‫تخرج من أضابير التنظير إلى أرض الواقع‬ ‫المثمر‪.‬‬

‫األب��ح��اث ف��ي ج��ام��ع��ة ال��م��ل��ك عبدالعزيز‬ ‫وغيرها من الجامعات‪ ،‬أثر ملحوظ لخفض‬ ‫تكلفة التكرير‪ ،‬ولتصنيع قطع الغيار ‪ -‬وهي‬ ‫ب��اآلالف ‪ -‬المستخدمة في المحطات‪ ،‬ما‬ ‫أبقى عملية التحلية مكلف ًة جداً‪ ،‬وخاضعة‬ ‫لمالءة الدعم الحكومي‪.‬‬

‫واستطرد قائال بأننا ن��درك جميعاً أن‬ ‫الجزيرة قبل تحلية مياه البحر المكلفة‬ ‫تعيش ب��واد غير ذي زرع‪ ،‬وأن الزراعة في‬ ‫أكثر المناطق تمثّل تحدّياً جبّاراً للطبيعة‬ ‫الصحراوية القاحلة‪ ،‬وأن استخدام الزراعة‬ ‫والصناعة يستهلك أربعة أضعاف االستعمال‬ ‫المنزلي‪ ،‬في حين تعدّدت مراكز الدراسات‬ ‫المتخصصة بالمياه في مؤسساتنا‬ ‫ّ‬ ‫العلمية‬ ‫لكننا على مستوى ال��ث��م��رة ال��ت��ي لمس التعليمية والبحثية‪ ،‬و َق����وِ يَ ال��ت��واص��ل مع‬ ‫الوطن والمواطن تأثيرها بشكل عملي‪ ،‬ال المنظمات الدولية المختصة‪ ،‬وم��ع البنك‬ ‫ب ّد من ذكر مشروع رائد تبنّته الحكومة منذ الدولي في هذا المضمار‪..‬‬ ‫اثنين وأربعين عاماً‪ ،‬غايته اإلفادة من مياه‬ ‫لكننا عندما نستعرض أدبيّات ما كُتب من‬ ‫البحر لتوفير مصدر وفير لمياه الشرب‪ ،‬دراسات‪ ،‬وما أجري من أبحاث عن مشكلة‬ ‫وهو المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة‪ ،‬المياه عبر العقود بالرغم من تأثيرها على‬ ‫م��ن خ�لال ج��ه��وده��ا الكبيرة ف��ي التحلية الحياة‪ ،‬ال نكاد نجد نظريّة علمية‪ ،‬أو جهداً‬ ‫والنقل إلى المناطق الداخلية وتوليد الطاقة تأليف ّياً مستوفياً‪ ،‬يقرر حقائق ثابتة‪ ،‬وأجوب ًة‬ ‫الكهربية‪ ،‬عبر ثالثين محطة عاملة في نحو واع��ي��ة‪ ،‬وح��ل��والً شافية للمشكلة (موضوع‬ ‫عشرين موقعاً على شواطئ الخليج العربي الندوة)‪.‬‬ ‫والبحر األحمر؛ ما جعل بالدنا أكبر الدول‬ ‫لكل هذه األسباب مجتمعةً‪ ،‬تَو ّف َر االقتناع‬ ‫المستغلّة لمياه البحر‪ ،‬بنسبة بلغت عشرين‬ ‫عند هيئة المنتدى بحجب جائزة المركز‬ ‫في المئة من اإلنتاج ال ُك ِلّي العالمي للمياه‬ ‫هذا العام‪ ،‬وكنا نتمنى أن يُرى من بين تلك‬ ‫المحلاّ ة‪ ،‬لكن نجاح المؤسسة في توفير‬ ‫نسبة عالية م��ن إم����دادات م��ي��اه ال��ش��رب‪ -‬الجهود البحثية والعلمية بالذات ما يرقى‬ ‫وه��و إسهام عملي ملموس على المستوى إلى معالجة الواقع‪ ،‬لكننا ب��إذن اهلل نتطلع‬ ‫الشعبي والمجتمعي‪ -‬لم يقابله في الجهود إلى أن تُشرق الرؤية الجديدة الواعدة للوطن‬ ‫البحثيّة؛ العلميّة والفنيّة في مركز األبحاث (‪2030‬م) عن هذا األمل الكبير‪.‬‬ ‫والتطوير التابع لها في الجبيل‪ ،‬وفي مركز‬ ‫واختتم قائال بأن هذه الندوة هي محاولة‬

‫‪8‬‬ ‫‪8‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫م� � � � � � � � � �ل � � � � � � � � ��ف ال� � � � � � � � � �ع � � � � � � � � ��دد‬

‫لتشخيص المشكلة والبحث عن حلولها‪،‬‬ ‫وهي تكتسب أهميّة مكانيّة خاصة‪ ،‬لكونها‬ ‫تنعقد في حوار مفتوح على أديم بيئة زراعية‬ ‫ناهضة‪ ،‬بين ضفاف وادي السرحان وسهول‬ ‫بسيطا‪ ،‬ذات التربة الخصبة والمياه الوفيرة‪،‬‬ ‫وعلى مقربة من مشاريع وطنية‪ ،‬رائدة في‬ ‫االس��ت��خ��دام ال��واع��ي للماء‪ُ ،‬م��ك�وّن� ًة إح��دى‬ ‫سالل الغذاء المهمة للوطن‪.‬‬ ‫ندوة المنتدى‬ ‫الماء في المملكة‪ ..‬الواقع والحلول‬

‫األستاذ حسين الخليفة (مدير عام المركز)‬

‫المياه هي عصب الحياة في أي دول��ة‪ ،‬عموماً تعد أهم مقومات قوة ومكانة الدول‬ ‫وم��ن أه��م ال��ع��وام��ل ال��ت��ي يحسب حسابها في العصر الحديث‪.‬‬ ‫صنّاع ال��ق��رار‪ ،‬مخططين كانوا أم ساسة‪،‬‬ ‫كلمة االفتتاح‬ ‫وينظر لها االق��ت��ص��ادي��ون بعين االهتمام‬ ‫سواء كانوا مزارعين أم صناعيين‪ ..‬إضافة‬ ‫افتتح الندوة مدير ع��ام المركز حسين‬ ‫إلى المواطنين الذين هم األكثر قلقاً وتأثراً الخليفة بكلمة رح��ب فيها باسمه ونيابة‬ ‫بنقصان المياه أو تدني جودتها‪ ،‬بالنظر إلى عن الزمالء العاملين في مركز عبدالرحمن‬ ‫محدودية مصادر المياه الصالحة للشرب‪ ،‬السديري الثقافي بالمشاركين والضيوف‬ ‫وبخاصة المياه الجوفية‪ ..‬نتيجة االستهالك والحضور ال��ك��رام‪ ،‬مقدماً الشكر لكل من‬ ‫ل�لاس��ت��خ��دام��ات ال��م��ن��زل��ي��ة وال��ص��ن��اع��ي��ة أسهم ب��اإلع��داد لهذا المنتدى من اللجان‬ ‫والزراعية‪.‬‬ ‫التحضيرية‪ ،‬ومقدمي أوراق العمل‪ ،‬ومديري‬ ‫إن جذور مشكلة المياه في الوقت الحاضر الجلسات‪ ،‬والسادة أعضاء الجمعية العامة‬ ‫وأسبابها ومظاهرها وأعراضها لست حديثة للمؤسسة‪ ،‬والجهات الراعية لهذا المنتدى‪.‬‬ ‫وإنما برزت منذ عشرات السنين‪ ،‬وإن التأخر‬ ‫في إيجاد الحلول االستراتيجية والمناسبة‬ ‫لها سيؤدي إلى تفاقمها في المستقبل‪ ،‬سواء‬ ‫خالل السنوات أو العقود المقبلة‪.‬‬ ‫وم��ن المعلوم أن البعد االقتصادي يعد‬ ‫معيا َر ترتيب مكانة الدول ودورها ومصالحها‬ ‫في إط��ار النظام الدولي الجديد‪ ،‬وستظل‬ ‫المياه من أه��م مقومات االقتصاد في كل‬ ‫بلد؛ فاالقتصاد واإلنتاج والموارد الطبيعية‬

‫وفال إننا نتطلع بشغف لما سيبحث اليوم‬ ‫في هذا المنتدى في دورته العاشرة‪ ،‬آملين‬ ‫أن يكون هذا الملتقى فرصة جيدة لمناقشة‬ ‫مشكلة الواقع المائي في المملكة‪ ،‬واستنباط‬ ‫أهم التوصيات المتعلقة بترشيد المخزون‬ ‫ال��م��ائ��ي‪ ،‬وال��ح��ف��اظ على ه��ذه ال��ث��روة من‬ ‫النضوب‪ ،‬التزاماً باالحتياجات المستقبلية‬ ‫لألجيال القادمة‪.‬‬ ‫وأش��ار في كلمته إل��ى دور ه��ذا المركز‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪9‬‬ ‫‪9‬‬


‫الثقافي في ممارسة أنشطته الثقافية‪ ،‬تمشياً‬ ‫مع تطلعات المؤسس األمير عبدالرحمن‬ ‫بن أحمد السديري ‪-‬يرحمه اهلل‪ -‬وقناعته‬ ‫بأهمية ال��دور الثقافي لهذا المركز‪ ،‬الذي‬ ‫آل على نفسه منذ تأسيسه لنواته األولى‬ ‫ص على تهيئته‬ ‫عام ‪1403‬ه���ـ‪1983/‬م‪ ،‬وح��رِ َ‬ ‫بكل أسباب وعوامل تطوره وتفعيل برامجه‬ ‫الثقافية واالجتماعية‪ ،‬ابتدا ًء من المكتبة‬ ‫العامة التي تطورت فيما بعد تطوراً كبيراً‪،‬‬ ‫وأصبحت تُعرف باسم مكتبة دار العلوم‪،‬‬ ‫إلى األنشطة الثقافية في قسمي الرجال‬ ‫والنساء‪.‬‬

‫والعاملون فيه من إثبات وج��وده‪ ،‬وتحقيق‬ ‫أهدافه وإيصال رسالته الثقافية التي حرص‬ ‫المؤسس‪ ،‬يرحمه اهلل‪ ،‬على ترسيخها والعمل‬ ‫على تنفيذها وفق اإلمكانات المتاحة‪.‬‬

‫إن إق��ام��ة ال��م��رك��ز لمثل ه��ذا المنتدى‬ ‫ال��س��ن��وي (ب��ال��ت��ن��اوب م��ع م��رك��ز الرحمانية‬ ‫الثقافي ب��ال��غ��اط) وال��ع��دي��د م��ن ال��ن��دوات‬ ‫والمحاضرات التي تناقش بعض اهتمامات‬ ‫المجتمع‪ ..‬يدعم ثقافة الحوار والتواصل‬ ‫بشكل حضاري‪ ،‬ويسهم في لقاء الفعاليات‬ ‫المجتمعية م��ع ال��ع��ل��م��اء والمتخصصين‬ ‫والخبراء والمسؤولين في المجاالت التي‬ ‫بفضل من اهلل ثم تهم الوطن والمواطن‪ ،‬ويسهم في تحقيق‬ ‫ٍ‬ ‫واستطرد قائال إنه‬ ‫م��ا سُ خر لهذا المركز م��ن قبل المؤسس التفاهم والتنافس العلني لخدمة هذه البالد‬ ‫والقائمين عليه‪ ،‬فقد تمكن القائمون عليه المباركة‪.‬‬ ‫الفعاليات المصاحبة‬ ‫‪ -1‬معرض إصدارات مركز عبدالرحمن السديري الثقافي‪.‬‬ ‫‪ -2‬معرض الصور الفوتوغرافية‪.‬‬ ‫‪ -3‬زيارة متحف عبدالرحمن السديري بدار العلوم‪.‬‬ ‫‪ -4‬ورشة دوائر المعرفة (كيف نوقف هدر المياه في حياتنا)‪ ،‬تنفيذ الدكتورة نوال‬ ‫الحيدري مع مجموعة من السيدات في القسم النسائي بمركز الرحمانية‪.‬‬ ‫موضوعات المنتديات السابقة‬ ‫‪ -1‬الهيئات الخيرية السعودية بعد أح��داث الحادي عشر من سبتمبر‪ :‬اآلث��ار وسبل‬ ‫تجاوزها (‪1428‬هـ‪2007 /‬م)‪.‬‬ ‫‪ -2‬األزمة المالية العالمية وتداعياتها على االقتصاد السعودي (‪1429‬هـ‪2008 /‬م)‪.‬‬ ‫‪ -3‬النظام القضائي السعودي (‪1430‬هـ‪2009 /‬م)‪.‬‬ ‫‪ -4‬النظام الصحي في المملكة العربية السعودية (‪1431‬هـ‪2010/‬م)‪.‬‬ ‫‪ -5‬اإلدارة المحلية والتنمية (‪1433‬هـ‪2011 /‬م)‪.‬‬ ‫‪ -6‬آثار المملكة‪ :‬إنقاذ ما يمكن إنقاذه (‪1434‬هـ‪2012/‬م)‪.‬‬ ‫‪ -7‬اإلعالم اليوم عالم بال حواجز‪.‬‬ ‫‪ -8‬مدينة وعد الشمال والمسؤولية االجتماعية‪.‬‬ ‫‪ -9‬االسكان ‪ -‬الواقع والتطلعات‪.‬‬

‫‪10‬‬ ‫‪10‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫المحور األول‪ :‬واقع المخزون المائي ومصادر المياه في المملكة‬ ‫المحور الثاني‪ :‬واقع االستهالك الفعلي للمياه‬

‫المتحدثون‪:‬‬ ‫د‪ .‬عبدالعزيز الطرباق‬ ‫د‪ .‬حزام العتيبي‬ ‫أ‪ .‬د‪ .‬عبدرب الرسول العمران‬ ‫م‪ .‬سعيد بن علي الدعير‬

‫م� � � � � � � � � �ل � � � � � � � � ��ف ال� � � � � � � � � �ع � � � � � � � � ��دد‬

‫حلقة الحوار األولى‬

‫فهد ب��ن عبدالعزيز ‪-‬يرحمه اهلل‪ -‬ال��ذي‬ ‫أرس��ل��ه��ا إل��ى مجلس ال��ش��ورى لدراستها‪،‬‬ ‫فأيدها المجلس‪ ،‬وت��م فصل ال��زراع��ة عن‬ ‫المياه في وزارتين مستقلتين‪.‬‬ ‫وفي العام الماضي ‪1437‬ه��ـ صدر قرار‬

‫وق���د أدار ال��ح��وار د‪ .‬محمد ب��ن حمد‬ ‫القنيبط‪ ،‬ال��ذي قال إن الملك عبداهلل بن مجلس الوزراء رقم (‪ )66‬نص على «إيقاف‬ ‫عبدالعزيز يرحمه اهلل‪ ،‬وقبل (‪ )24‬سنة‪ ،‬زراع��ة األع�لاف الخضراء لمدة ال تتجاوز‬ ‫حذر من خطورة الوضع المائي في المملكة‪ ،‬ث�لاث س��ن��وات بالمساحات ال��ت��ي ال تزيد‬ ‫وإن��ه قبل ذل��ك بعام كُلف من قبل صاحب عن (‪ )50‬هكتارا‪ ،‬والسماح بزراعة القمح‬ ‫السمو الملكي األمير سلطان بن عبدالعزيز‬ ‫بمساحات ال تتجاوز (‪ )50‬هكتارا‪.‬‬ ‫–يرحمه اهلل‪ -‬م��ع فريق بحثي متخصص‬ ‫وفي شهر رجب الماضي تم ضم وزارة‬ ‫ف��ي ال��زراع��ة وال��م��ي��اه إلع���داد دراس���ة عن‬ ‫المياه والزراعة‪ -‬الواقع والمستقبل‪ ،‬خرجوا المياه لوزارة الزراعة‪ ،‬وأصبح مسماها وزارة‬ ‫باثنتي عشرة توصية في فصل الزراعة عن البيئة والمياه الزراعية‪.‬‬ ‫المياه‪ ،‬وتوصية أخ��رى تطلب دراس��ة وضع‬ ‫ثم أعطى بدأ المشاركون بالجلسة األولى‬ ‫المياه‪ ،‬وتوصيات أخرى‪ .‬وقد أرسل سموه‬ ‫التوصيات لخادم الحرمين الشريفين الملك حوارهم‪..‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪11‬‬ ‫‪11‬‬


‫ (‪ )10‬أودي��ة رئيسة على امتداد ساحل‬ ‫البحر األحمر‪.‬‬ ‫ (‪ )415‬سداً (معظمها من أجل التغذية)‬ ‫للمياه الصحية‪.‬‬ ‫‪ .4‬تحلية مياه البحر‪ .‬وتوجد (‪ )36‬محطة‬ ‫تحلية تابعة للمؤسسة العامة لتحلية‬ ‫المياه المالحة‪ ،‬و(‪ )3‬محطات تحلية‬ ‫خاصة‪.‬‬ ‫د‪ .‬حزام العتيبي‬

‫‪ .5‬مياه الصرف الصحي المعالجة (‪)81‬‬ ‫محطة‪.‬‬

‫(دكتوراه من جامعة والية كلورادو‪ ،‬الواليات‬ ‫المتحدة األمريكية «‪1988‬م» تخصص إدارة‬ ‫مصادر المياه –هيدروجولوجيا‪ -‬جيولوجيا)‬

‫ مع مالحظة أن احتياطي المياه القابلة‬ ‫لالستعمال ت��ق��در ب��ـ (‪ )1.180‬بليون‬ ‫متر مكعب‪ ،‬أي نصف كمية المخزون‪،‬‬ ‫وغالبيته يقع ف��ي مناطق بعيدة ج��داً‬ ‫عن مناطق الطلب‪ ،‬إضافة إلى صعوبة‬ ‫االستعمال وارتفاع التكاليف‪.‬‬

‫مصادر المياه‬

‫استخدامات المياه‬

‫المتحدث األول‬ ‫د‪ .‬حزام العتيبي‬

‫تناول د العتيبي في حديثه مصادر المياه ‪ -‬استخدامات المياه حسب المصدر عام‬ ‫‪2012‬م‬ ‫واستخداماتها التي تتمثل في اآلتي‪:‬‬ ‫‪ .1‬المياه الجوفية في الطبقات الرئيسة المياه المستخدمة المصدر‬ ‫(بليون م‪/3‬سنة)‬ ‫الحاملة للمياه (غير المتجددة)‪.‬‬ ‫المياه الجوفية غير‬ ‫‪14.550‬‬ ‫ (‪ )9‬طبقات للمياه الجوفية الرئيسة‪.‬‬ ‫المتجددة‬ ‫المياه الجوفية‬ ‫‪2.312‬‬ ‫ (‪ )5‬طبقات للمياه الجوفية الثانوية‪.‬‬ ‫المتجددة‬ ‫ (‪ )250‬آبار مراقبة‪.‬‬ ‫المياه السطحية‬ ‫‪1.550‬‬ ‫ عدد أبار االنتاج (‪ )100.000‬بئراً‪.‬‬ ‫مياه الصرف الصحي‬ ‫‪193‬‬ ‫المعالجة‬ ‫‪ .2‬ال��م��ي��اه السطحية ف��ي األودي����ة وخلف‬ ‫اإلجمالي‬ ‫‪21.100‬‬ ‫السدود‪( ،‬متجددة)‪.‬‬

‫‪12‬‬ ‫‪12‬‬

‫‪ .3‬المياه الجوفية في الطبقات السطحية ‪ -‬بلغت سحوبات المياه أرب��ع��ة أضعاف‬ ‫الحاملة للمياه‪.‬‬ ‫المياه التي يتم تغذيتها طبيعياً‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫م� � � � � � � � � �ل � � � � � � � � ��ف ال� � � � � � � � � �ع � � � � � � � � ��دد‬

‫ يتم سد العجز الكبير عن طريق السحب‬‫من المياه الجوفية غير المتجددة‪.‬‬ ‫ االعتماد المتزايد على المياه المحالة‪.‬‬‫علما أن (‪ )% 61‬من اإلم��دادات البلدية‬ ‫تأتي من محطات التحلية‪ .‬وتكلفة المياه‬ ‫المحالة (‪ )4 – 3‬أضعاف تكلفة إنتاج‬ ‫المياه الجوفية‪.‬‬ ‫ بالنسبة لمياه الصرف الصحي فإن‪:‬‬‫‪ o‬معالجة وإعادة استخدام مياه الصرف‬ ‫الصحي ال ترقى للتطلعات‪.‬‬ ‫‪ %80 o‬من مياه الصرف الصحي يتم‬ ‫جمعها‪.‬‬ ‫‪ %66 o‬من مياه الصرف الصحي يتم‬ ‫معالجتها‪.‬‬ ‫‪ o‬هناك إمكانية للزيادة بنحو عشرة‬ ‫أضعاف ما يستخدم حالياً من مياه‬ ‫الصرف الصحي المعالجة‪.‬‬ ‫ثم تطرق للحلول الخاصة بوضع المياه‬ ‫في المملكة والمتمثلة في‪:‬‬ ‫ السعي إلى تقليل السحب اإلجمالي إلى‬‫النصف‪.‬‬ ‫ الوصول إلى المزيد من التوازن في نمط‬‫تخصيص المياه‪.‬‬ ‫ خفض الفاقد من المياه عبر شبكات‬‫التوزيع‪.‬‬ ‫ عرض استخدام األدوات المرشدة للمياه‬‫في المنازل والمصانع والمؤسسات‪.‬‬ ‫ القيام بحمالت التوعية العامة لترشيد‬‫المياه‪.‬‬ ‫وإذا م��ا بقي ال��ح��ال على م��ا ه��و عليه‬

‫د‪ .‬عبدالعزيز بن سليمان الطرباق‬

‫فمن المتوقع نضوب االحتياطيات القابلة‬ ‫لالستعمال في الطبقات الرئيسة الحاملة‬ ‫للمياه واحده تلو األخرى خالل عدة عقود‪.‬‬ ‫إضافة إلى ارتفاع التكاليف المالية إلمداد‬ ‫ال��م��ي��اه ل�لأغ��راض ال��ب��ل��دي��ة إل���ى ‪ %10‬من‬ ‫الميزانية اإلجمالية‪ ،‬و‪ %3‬من الناتج المحلي‬ ‫اإلجمالي بحلول ‪2040‬م‪.‬‬ ‫المتحدث الثاني‬ ‫د‪ .‬عبدالعزيز بن سليمان الطرباق‬ ‫دكتوراه في الهندسة المدنية (هيدرولوجيا‬ ‫ومصادر مياه) ‪1983‬م‪ ،‬جامعة والية كلورادو‬

‫وقد استعرض أهم التحديات الرئيسة‬ ‫التي تواجه قطاع المياه‪ ،‬فقال‪ :‬ليس عندنا‬ ‫أي م��وارد مثل األنهار أو البحيرات‪ ،‬فنحن‬ ‫نعيش ف��ي بيئة ج��اف��ة وم��ع��دالت األم��ط��ار‬ ‫فيها قليلة‪ ،‬وال��ظ��روف الطبيعية المناخية‬ ‫شديدة الجفاف‪ ،‬وننسى مع األسف‪ ،‬رغم كل‬ ‫اإلمكانات المتاحة عندنا واإلمكانات المادية‬ ‫أننا نعيش في صحراء‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪13‬‬ ‫‪13‬‬


‫ف��رص��ة م��ح��دودي��ة اس��ت��ه�لاك الصرف‬ ‫الصحي وإع���ادة استخدامها‪ ،‬ه��ي فرصة‬ ‫حقيقية‪ ،‬فكيف نستطيع أن نستهلك ثالثة‬ ‫م�لاي��ي��ن م��ت��ر م��ك��ع��ب م��ن ال��م��ي��اه البلدية‬ ‫ونستطيع معالجة ‪ %80‬منها‪ ،‬واستخدامها‬ ‫جميعها ف��ي قطاعي ال��زراع��ة والصناعة‬ ‫بشكل واضح‪.‬‬

‫أ‪ .‬سعيد بن علي بن محمد الدعير‬

‫والطلب المتصاعد على مياه البلدية فيه‬ ‫تحدٍّ مع نمو السكان الكبير‪ .‬فمن المتوقع‬ ‫أن يصل سكان المملكة عام ‪2035‬م في أقل‬ ‫تقدير إلى (‪ )46.5‬مليون نسمة‪ ،‬يعيشون‬ ‫في مدن وقرى متباعدة‪ ،‬وهذا تحدٍّ لتأمين‬ ‫مياه صالحة للشرب لكل منزل‪ ،‬ونستطيع أن‬ ‫نقلب هذا التحدي إلى فرص تستطيع إدارةَ‬ ‫بطريقة أفضل‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫ميا ِه البلدية‬

‫‪14‬‬ ‫‪14‬‬

‫ك��ل ال��دراس��ات ف��ي ه��ذا المجال تقول‪:‬‬ ‫إذا وضعنا مليون متر مكعب ف��ي شبكة‬ ‫الرياض نستطيع أن نعايش ‪ %80‬منها‪ ..‬أي‬ ‫مكعب يومياً‪ ،‬والمفروض‬ ‫ٍ‬ ‫(‪ )800‬ألف متر‬ ‫أن يعاد استخدامها كلها‪ ،‬وليس ‪ %15‬أو‬ ‫‪ %16‬منها فقط‪ ،‬فهذا هو التحدي بعينه‪،‬‬ ‫وإذا استخدمنا المياه المتجددة الصحية‪،‬‬ ‫والمياه المتجددة الجوفية‪ ،‬ومياه الصرف‬ ‫الصحي المعالجة‪ ..‬الستطعنا تغطية ثلثي‬ ‫ما يستعمله القطاع الزراعي اآلن‪.‬‬ ‫المتحدث الثالث‬ ‫أ‪ .‬سعيد بن علي بن محمد الدعير‬ ‫بكالوريوس في الجيولوجيا ‪ -‬جامعة الملك‬ ‫فهد للبترول والمعادن‬

‫فلو استطعنا أن نقلل من نسبة التسربات‬ ‫العالية‪ ،‬ونعيد هيكلة التعرفة والتوعية في‬ ‫وقد تحدث عن مصادر المياه المتجددة‬ ‫مناطق البلدية‪ ،‬الستطعنا أن نوجد فرصا‪.‬‬ ‫وغير المتجددة‪ ،‬فذ َك َر أنَّ مصادر المياه‬ ‫وال��ج��ه��ود م��ب��ذول��ة اآلن الس��ت��خ��دام ال��ري‬ ‫المتجددة هي تلك المصادر التي يأتيها شيء‬ ‫بالتنقيط‪ ،‬والري المرَشّ د‪.‬‬ ‫من مياه األمطار‪ ..‬وتنزل إلى هذه المخازن‪،‬‬ ‫كذلك هناك مشكلة اقتصادية متأصلة وتنحصر فيما يسمى بالدرع العربي الذي‬ ‫في عملية محدودية استخدام التكاليف‪ ،‬يحتل ما يقرب من ثلث مساحة الجزيرة‬ ‫فمصروفات قطاع المياه والصرف الصحي العربية‪ .‬هذه المياه المتجددة التي تتأثر‬ ‫مث ً‬ ‫ال كثيرة ومشاريعه مكلفة‪ ،‬فكيف يكون بهطول األم��ط��ار هي في رواس��ب األودي��ة‪،‬‬ ‫ذلك عام ‪2035‬م‪ ،‬فمن الصعب تأمين مياه وفي الجزء المعرض من الطبقة القاعدة‪،‬‬ ‫ومشاريع ص��رف صحي لـ (‪ )46.5‬مليون إضافة إل��ى ما يوجد في ال��ح��رات‪ ..‬وهي‬ ‫نسمة بالطريقة الحالية المتبعة‪.‬‬ ‫مصادر حاضنة لمياه الكثير من األمطار‪،‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫م� � � � � � � � � �ل � � � � � � � � ��ف ال� � � � � � � � � �ع � � � � � � � � ��دد‬

‫وهناك (‪ )Lava‬البركانية تغطي بعض األودية‬ ‫بطبقات من الرسوبيات تنحصر المياه فيها‪.‬‬ ‫أما المياه غير المتجددة‪ ،‬فهي تلك المياه‬ ‫التي تقع ف��ي ال���رّف ال��رس��وب��ي‪ ،‬وق��د يصل‬ ‫عمقها أو سمكها إل��ى نحو (‪ )5000‬متر‪،‬‬ ‫إضافة إلى ما يتمتع به هذا الرف الرسوبي‬ ‫من مخازن الهيدروكربونية‪.‬‬ ‫المتحدث الرابع‬ ‫د‪ .‬عبدرب الرسول بن موسى العمران‬ ‫دكتوراه في علوم التربة ‪ -‬جامعة أوريجون‬ ‫كرفاليس ‪ -‬الواليات المتحدة األمريكية ‪1404‬هـ‪،‬‬

‫د‪ .‬عبدرب الرسول بن موسى العمران‬

‫وتحدث عن موضوع المياه المستخدمة محصوال ما مثل النخيل يستهلك (‪)10000‬‬ ‫ف��ي ال��زراع��ة وس��ب��ل ترشيدها‪ ،‬وذل���ك من متر مكعب م��ن ال��م��اء للهكتار‪ ،‬وإذا كان‬ ‫خالل دراستين فعليتين عن النخيل‪ ،‬وعن هناك مياه غير جيدة يمكن أن نضيف ‪%20‬‬ ‫(للغسيل)‪ ،‬فإن الكمية تضاعف من (‪– 10‬‬ ‫البيوت المحمية (‪.)Green houses‬‬ ‫‪ )12.5‬ألف متر مكعب في السنة‪.‬‬ ‫أما موضوع االحتياجات المائية‪ ..‬فيعني‪:‬‬ ‫أم���ا ع��ن ك��ف��اءة اس��ت��خ��دام ال��م��ي��اه‪ :‬فلو‬ ‫ االستهالك المائي‪ .‬ما أساسه؟ وعلى أية‬‫فرضنا أن الكفاءة منخفضة من ( ‪)50 – 60‬‬ ‫عوامل يعتمد؟‬ ‫وتضاعف من (‪ )20 –10‬ألف نتيجة الفواقد‬ ‫ ما هي العوامل المؤثرة على االستهالك الموجودة في الزراعة‪ ،‬فهذا يقلل الفوائد من‬‫المائي ألي م��ش��روع (ع��وام��ل مناخية‪،‬‬ ‫(‪ )% 50-10‬بدال من ‪ 50‬أو ‪ .%40‬بالنسبة‬ ‫بيئية‪ ،‬تربة‪ ..‬إلخ)‪.‬‬ ‫لموضوع النخيل‪.‬‬ ‫وتعتمد االحتياجات المائية الكلية ألي‬ ‫كما أن المسافة المقترحة للنخيل من‬ ‫محصول على ثالثة عوامل رئيسة‪:‬‬ ‫ال����وزارة غير واق��ع��ي��ة وغ��ي��ر سليمة‪ ،‬فهي‬ ‫‪ -1‬االستهالك المائي للمحصول في عمر تزيد من كمية االستهالك المائي‪ ،‬ومساحة‬ ‫معين‪.‬‬ ‫الفوارغ (الظل) الموجودة كبيرة جداً‪.‬‬ ‫‪ -2‬نوع الماء‪.‬‬ ‫وعلى سبيل المثال‪ ،‬بالنسبة للنخيل‪..‬‬ ‫‪ -3‬كفاءة استخدام المياه‪.‬‬ ‫فالقيمة الحدية له (‪ )2.7‬في حدود (‪1800‬‬ ‫وعن أثر نوع الماء المستخدم في معرفة – ‪ ..)2000‬وكلما زادت تحتاج إلى إضافة‬ ‫كمية الماء الالزمة في ال��ري‪ ..‬ذكر لو أنّ كمية أكثر للغسيل‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪15‬‬ ‫‪15‬‬


‫حلقة الحوار الثانية‬

‫المحور الثالث‪ :‬الحلول‪ ،‬والتقنيات الحديثة‬ ‫أدارها د‪ .‬عبدالعزيز بن إسماعيل داغستاني‬

‫تساءل د‪ .‬الداغستاني في مطلع الحلقة‪:‬‬

‫إذا درسنا مشكلة المياه في المملكة‪ ،‬فكيف‬

‫نواكب ما بين الترشيد للمياه وتحقيق األمن‬ ‫الغذائي؟‬

‫وقال إنه يعتقد أن هذا المحور يجب أن‬

‫يخرجوا به عن إط��ار التنظير إلى الجهود‬ ‫ضمن خطة أو خريطة عمل للحلول التي‬

‫يجب أن توضع لمعالجة مشكلة المياه في‬

‫المملكة‪.‬‬

‫ثم وجّ ه سؤاله للدكتور وليد زباري‪ :‬هل‬

‫م��ن الممكن أن ت��ق��دم التقنيات الحديثة‬ ‫حالً‪ ،‬بحيث تتحول هذه التوصيات من واقع‬ ‫التغطية إلى واقع عملي‪ ،‬نستطيع أن نلمسه‬ ‫على كافة األصعدة في مشهد الوضع المائي‬

‫‪16‬‬ ‫‪16‬‬

‫في المملكة؟‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫المتحدث األول‬ ‫د‪ .‬وليد زباري‬ ‫دكتوراه في النمذجة الرياضية للمياه الجوفية‬ ‫‪1990‬م ‪-‬جامعة والية كلورادو‬

‫تساءل هل التقنية توصلنا إلى حلول؟‬ ‫وي��ق��ول إن��ه ال توجد دول��ة ف��ي العالم ال‬ ‫تعاني من تحديات المياه‪ ،‬وعلينا أن نعترف‬ ‫أننا نعيش في صحراء لها حدود‪ .‬ومشكلة‬ ‫المياه تكمن في عملية توظيفها التوظيف‬ ‫الصحيح‪ ،‬فطريقة تعاملنا مع المياه هي التي‬ ‫تحدد مستقبلها‪ ،‬فاستخدام المياه الجوفية‬ ‫غير المتجددة بشكل صحيح وآمن يساعد‬ ‫على توفيرها لألجيال القادمة في المملكة‬ ‫العربية السعودية بشكل خاص؛ فالتحديات‬ ‫من كافة االتجاهات وليست من اتجاه واحد‪.‬‬ ‫وقد تساءل عن‪:‬‬


‫م� � � � � � � � � �ل � � � � � � � � ��ف ال� � � � � � � � � �ع � � � � � � � � ��دد‬

‫د‪ .‬وليد زباري‬

‫أ‪ .‬د‪ .‬خالد بن نهار الرويس‬

‫ ما هي استدامة المياه المتجددة؟‬‫المائية التي يجب النظر إليها بعين االعتبار‪،‬‬ ‫ م��ا ه��ي اس��ت��دام��ة التقنية‪ ،‬وه��ل هناك وكيف نتعامل مع المياه وتنظيمها وإذا لم‬‫استدامة لها؟‬ ‫نعرف كمية المياه المستخدمة‪ ..‬فكيف لنا‬ ‫ ما هي استدامة مياه الصرف الصحي؟ أن نديرها؟ كما أنه لن يحصل أي ترشيد‬‫ ما هي استدامة القطاع الزراعي‪.‬‬‫للمياه دون دفع الفاتورة‪ .‬وعلينا إعادة النظر‬ ‫وه��ي قضايا يجب تعريفها‪ ،‬فاستدامة في التعرفة لكي نحد من استهالك المياه‪.‬‬ ‫التقنية بالنسبة ل��ه تعني ت��ح��دي��ات يجب‬ ‫المتحدث الثاني‬ ‫تحويلها إل��ى ف��رص‪ ..‬وعلى سبيل المثال‪،‬‬ ‫أ‪ .‬د‪ .‬خالد بن نهار الرويس‬ ‫التقنية في مجلس التعاون الخليجي تمثل دكتوراه في اقتصاديات اإلنتاج وإدارة منشآت‪-‬‬ ‫المصدر الرئيس للعمل‪ ،‬وعلينا أن ال نكون جامعة والية أوكالهوما الحكومية‪-‬الواليات‬ ‫مستهلكين لها‪ ،‬فما زلنا نستوردها‪ .‬يجب‬ ‫المتحدة األمريكية (‪2001‬م)‬ ‫أن نوطن التقنية وأن نعطيها قيمة مضافة‬ ‫وق��د تناول في حديثه مقارنة األسعار‬ ‫في المجتمع‪ ،‬علينا أن نصدرها للخارج‪..‬‬ ‫العالمية للغذاء مع أسعار الغذاء في المملكة‬ ‫فالمملكة تمتلك ‪ %20‬م��ن الطاقة الكلية‬ ‫فأشار إلى‪:‬‬ ‫في العالم‪ ،‬ودول مجلس التعاون الخليجي‬ ‫مجتمعة تمتلك ‪ %55‬منها‪ .‬وما زلنا نستورد ‪ -‬استمرار ارتفاع األسعار للمواد الغذائية‬ ‫في المملكة منذ ع��ام ‪2000‬م‪ ،‬بصرف‬ ‫هذه التقنية‪ ،‬فهل هذا حق؟! إذًا‪ ،‬هي قضية‬ ‫النظر عن تغير األسعار العالمية‪.‬‬ ‫أم���ن‪ ،‬كيف تعالج؟ بالعالقات السياسية‬ ‫ووجود االستثمارات المناسبة يمكن عمل كل ‪ -‬أسعار األغذية في المملكة ال تتبع مسار‬ ‫شيء‪.‬‬ ‫أسعار الغذاء في العالم فمن عام ‪2006‬‬ ‫ثم تحدث عن الحوكمة وإدارة الموارد‬

‫– ‪2012‬م مثال بقي التغيير ثابتاً‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪17‬‬ ‫‪17‬‬


‫وإن أهم العوامل الخارجية المؤثرة على الزراعي فيها‪.‬‬ ‫األم��ن الغذائي تتمثل في تحديات الطلب‬ ‫ث��م أورد ع��ن��اص��ر اس��ت��رات��ي��ج��ي��ة األم��ن‬ ‫العالمي‪ ،‬وهي‪:‬‬ ‫الغذائي «وزارة البيئة والمياه وال��زراع��ة»‬

‫ ‪o‬‬ ‫‪ o‬‬ ‫‪ o‬‬ ‫‪ o‬‬ ‫ ‪o‬‬ ‫‪ o‬‬ ‫‪ o‬‬ ‫‪ o‬‬ ‫ ‪o‬‬ ‫‪ o‬‬

‫انخفاض الدعم‪.‬‬ ‫التغيرات في عادات االستهالك‪.‬‬ ‫زي��ادة في الطلب العالمي بسبب النمو‬ ‫السكاني‪.‬‬ ‫تحسن مستوى المعيشة لعدد كبير من‬ ‫دول العالم‪.‬‬ ‫تحديات العرض والطلب وتتمثل في‪:‬‬ ‫تغيرات المناخ‪.‬‬ ‫مضاربات السوق‪.‬‬ ‫التقدم التكنولوجي‪.‬‬ ‫ع��دم كفاية االستثمارات الزراعية في‬ ‫البلدان النامية‪.‬‬ ‫التوسع في إنتاج الوقود الحيوي‪.‬‬ ‫الحواجز التجارية‪.‬‬

‫المتمثلة في‪:‬‬

‫‪ .1‬تشخيص وتحليل الوضع الراهن لألمن‬ ‫الغذائي‪.‬‬ ‫‪ .2‬تحديد السلع الغذائية االستراتيجية‬ ‫للمملكة‪.‬‬ ‫‪ .3‬تصميم وإنشاء برنامج فعّال لالحتياطي‬ ‫والخزن االستراتيجي لألغذية‪.‬‬ ‫‪ .4‬صياغة آل��ي��ة مناسبة ون��ظ��ام حوكمة‬ ‫متكامل للتنسيق ب��ي��ن ال��ج��ه��ات ذات‬ ‫العالقة باألمن الغذائي‪.‬‬ ‫‪ .5‬إن��ش��اء ن��ظ��ام ل�لإن��ذار المبكر لألمن‬ ‫ال��غ��ذائ��ي م��ت��ض��م��ن�اً ن��ظ��ام م��ع��ل��وم��ات‬ ‫األسواق الزراعية‪.‬‬

‫ث��م تعرض إل��ى عناصر األم��ن الغذائي‬ ‫والتحديات المحلية التي تواجه المملكة ‪ .6‬إع��داد برنامج وطني للحد من الفاقد‬ ‫والهدر من الغذاء‪.‬‬ ‫لتأمين الحصول على الغذاء بأسعار مقبولة‬ ‫من حيث‪:‬‬ ‫‪ .7‬إع��داد سياسة فعّالة لتجارة واستيراد‬ ‫األغذية‪ ،‬وإنشاء اتفاقيات وأ ُطُ ر للشراكة‬ ‫ زي��ادة أع��داد السكان وارتفاع مستويات‬‫مع الدول المستهدفة‪.‬‬ ‫ال����دخ����ل‪ ..‬أدى إل����ى ارت���ف���اع م��س��ت��وى‬ ‫االستهالك الغذائي‪.‬‬ ‫‪ .8‬التحليل التنظيمي للمؤسسة العامة‬ ‫ محدودية األراض���ي الصالحة للزراعة‬‫والمياه واإلنتاج‪.‬‬

‫‪18‬‬ ‫‪18‬‬

‫للحبوب وال��م��ؤس��س��ات ذات العالقة‬ ‫باألمن الغذائي‪.‬‬

‫ م��ح��دودي��ة االك��ت��ف��اء ال��ذات��ي ال��زراع��ي ‪ .9‬إعداد برنامج تدريبي للكوادر الوطنية‬‫ف���ي األم�����ن ال���غ���ذائ���ي‪ ،‬وزي������ادة وع��ي‬ ‫الموردة للمملكة‪.‬‬ ‫المواطنين بذلك‪.‬‬ ‫ث��م تعرض إل��ى استهالك المياه حسب‬ ‫القطاعات في المملكة وال��م��وارد المائية ‪ .10‬إعداد استراتيجية لتشجيع االستثمار‬ ‫الزراعي السعودي المسئول في الخارج‪.‬‬ ‫المستخدمة لتلبية ال��ط��ل��ب ف��ي القطاع‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫م� � � � � � � � � �ل � � � � � � � � ��ف ال� � � � � � � � � �ع � � � � � � � � ��دد‬

‫‪ .11‬تعزيز م��ش��ارك��ة المملكة ف��ي اللجان‬ ‫واالتفاقيات العالمية واإلقليمية الخاصة‬ ‫باألمن الغذائي‪.‬‬ ‫ان��ت��ق��ل ب��ع��ده��ا إل���ى م��ج��االت وأه����داف‬ ‫االستراتيجية الخليجية الموحدة للمياه‪،‬‬ ‫وهي‪:‬‬ ‫ال��م��ج��ال األول‪ :‬تنمية م����وارد ال��م��ي��اه‬ ‫واستدامتها‪.‬‬ ‫المجال الثاني‪ :‬استخدام م��وارد المياه‬ ‫بكفاءة وعدالة‪.‬‬ ‫المجال الثالث‪ :‬استخدام م��وارد المياه‬ ‫بكفاءة وعدالة‪.‬‬ ‫واألهداف هي‪:‬‬ ‫‪-1‬اك��ت��س��اب ال��ت��ط��ورات التقنية‪ ،‬وتصنيع‬ ‫محطات تحلية ال��م��ي��اه‪ ،‬وتنويع م��وارد‬ ‫الطاقة‪.‬‬

‫م‪ .‬سعد بن محمد مسفر السواط‬

‫الطوارئ والكوارث‪.‬‬ ‫المتحدث الثالث‬ ‫م‪ .‬سعد بن محمد مسفر السواط‬ ‫بكالوريوس علوم‪ ،‬تخصص هيدرولوجيا كلية‬ ‫الهندسة‪ ،‬جامعة أريزونا (أمريكا)‬

‫وقد طلب منه رئيس الجلسة أن يتحدث‬ ‫‪-2‬تنمية موارد المياه التقليدية وحمايتها‪.‬‬ ‫عن الواقع‪ ،‬هل الشركات الزراعية تعاني‪،‬‬ ‫‪-3‬زيادة تجميع مياه الصرف الصحي‪ ،‬ورفع هل تدفع الثمن‪ ،‬أم أنها جزء من المشكلة أم‬ ‫مستوى معالجتها‪ ،‬وزي���ادة االستخدام جزء من التحدي‪.‬‬ ‫االق��ت��ص��ادي واآلم�����ن‪ ،‬ل��م��ي��اه ال��ص��رف‬ ‫وق��د ب��دأ ال��س��واط حديثه ب��أن القطاع‬ ‫الصحي المعالجة‪.‬‬ ‫الخاص هو في الحقيقة المتضرر األول من‬ ‫‪-4‬تحقيق أمني للمعايير الدولية في تقديم‬ ‫مشكلة المياه‪ ،‬في حال عدم إيجاد حلول‬ ‫خدمات المياه والصرف الصحي‪,‬‬ ‫لها‪ ،‬وبالتالي‪ ،‬القطاع الخاص هو األجدر‬ ‫‪-5‬رف����ع ك��ف��اءة ال��م��ي��اه وإدارة ال��ط��ل��ب في بالتحرك‪ ..‬وصاحب مبادرات كبيرة في هذا‬ ‫القطاعات البلدية والصناعية‪.‬‬ ‫المجال‪ ،‬ولكن هناك أشياء في يد القطاع‬ ‫‪-6‬تحويل القطاع ال��زراع��ي إل��ى قطاع ذي الخاص وأخ��رى يجب على الدولة أن تقوم‬ ‫كفاءة عالية ويتوافق مع م��وارد المياه بها‪ ،‬يجب أن تقيم العدالة بين جميع أطراف‬ ‫المستهلكين‪.‬‬ ‫المتاحة‪.‬‬ ‫‪-7‬ت��أم��ي��ن إع�����دادات ال��م��ي��اه أث��ن��اء ح��االت‬

‫من الدراسات التي وردت‪ ،‬كان الهدف‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪19‬‬ ‫‪19‬‬


‫األول تخفيض استهالك المياه في الزراعة‪،‬‬ ‫وفي مسح أقيم في المملكة أظهر أن كفاءة‬ ‫الري في المملكة هي ‪ ،%53‬والمعدل العالمي‬ ‫‪ ،%85‬وال��س��ب��ب أن األن��ظ��م��ة المستخدمة‬ ‫في هذا المجال تحتاج أحياناً إلى أنظمة‬ ‫معينة تح ّد من عمليات استيراد بعض السلع‬ ‫الرديئة‪ .‬إن رف��ع كفاءة ال��ري إل��ى المعدل‬ ‫العالمي ‪ %85‬سيوفر لنا سبعة مليارات متر‬ ‫مكعب؛ بمعنى انخفاض من (‪ )16‬ملياراً إلى‬ ‫(‪ )9‬مليارات متر مكعب‪ ،‬وهو الرقم الذي‬ ‫تطلبه ال����وزارة؛ فهي تهدف إل��ى أن يكون‬ ‫سقف استهالك المياه في القطاع الزراعي‬ ‫‪ ،%5‬ف��إذا حسبنا الكميات الفعلية للمياه‬ ‫في المملكة‪ ،‬وحسبنا المياه التي نحتاجها‬ ‫نجد أنها (‪ )8.5‬مليار متر مكعب‪ .‬وكثيراً‬ ‫من األرق��ام التي يتم تداولها هي من واقع‬ ‫فعلي‪ ..‬ونجد أن عملية استخدام البيانات‬ ‫يجب أن تكون موجودة‪ ،‬ويكون هناك ربط ما‬ ‫بين القطاع الخاص والجهات المعنية لتوفير‬ ‫بيانات حقيقية تكون في حوكمة جيدة في‬ ‫ال القرار ال��ذي صدر للحد‬ ‫ال��ق��رارات؛ فمث ً‬ ‫من استهالك المياه‪ ،‬كان من القرارات التي‬ ‫تسببت في نزول معدل المياه بشكل كبير‪،‬‬ ‫والناس تحولت إلى زراعة العلف‪ ،‬فإذا كان‬ ‫هناك تعاون بين القطاعين فسوف ال يحدث‬ ‫ضرر وال ضرار‪.‬‬ ‫المتحدث الرابع‬ ‫د‪ .‬محمد بن شايع بن جار اهلل الشايع‬ ‫دكتوراه في عام ‪1425‬هـ‪ ،‬جامعة والية أيوا (أمريكيا)‬

‫‪20‬‬ ‫‪20‬‬

‫وال���ذي تحدث ع��ن الجهات المختصة‬ ‫وزارة الزراعة‪ -‬تحديداً في وضع سياسة‬‫اإلرشاد الزراعي‪ ،‬هل تخدم هذا الغرض‪..‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫د‪ .‬محمد بن شايع بن جار اهلل الشايع‬

‫والتوفيق ما بين اإلنتاج الزراعي واالستهالك‬ ‫المائي قائال‪..‬‬ ‫دعونا نعرّج على السياسة الزراعية في‬ ‫عجالة سريعة‪ ،‬خالل الـ (‪ )35‬سنة الماضية‪..‬‬ ‫ماذا حصل؟ بعد اكتشاف المكونات المائية‬ ‫أدخلنا مستثمرين‪ ..‬وهذه كارثة‪ ،‬ولو تحدثنا‬ ‫عن بقاء أو استدامة المزارع‪ ،‬فنحن أحضرنا‬ ‫أشخاصا غير مزارعين‪ ،‬وقد أشار إلى ذلك‬ ‫د‪ .‬الرويس بأنه يوجد لدينا (‪)600.000‬‬ ‫ال عمال‬ ‫عامل في القطاع الزراعي هم فع ً‬ ‫ال أحضرنا عمالة في‬ ‫حقيقيون‪ ،‬نحن فع ً‬ ‫حكم أنهم مستثمرون زراع��ي��ون حقيقيون‬ ‫ب��اق��ون ف��ي ال��ج��وف‪ ،‬ت��ب��وك‪ ،‬ح��ائ��ل‪ ،‬وادي‬ ‫الدواسر أو مناطق أخرى‪.‬‬ ‫سؤال يحتاج إلعادة نظر‪ ،‬وبالتالي ربما ال‬ ‫توجد المهنة األولية أو األساسية الزراعية‪،‬‬ ‫بل موظفو حكومة أو تجاراً‪ ،‬وبالتالي تطفلوا‬ ‫بطريقة أو بأخرى على الزراعة‪.‬‬ ‫األم���ر الثاني التوسع غير المقرر في‬ ‫ال��ق��روض‪ ..‬نتج عنه وج��ود أع��داد ومعدات‬ ‫واستثمارات تفوق (‪ )100‬مليار‪ ،‬المقرض‬ ‫منها ما يفوق (‪ )65‬ملياراً من قبل صندوق‬ ‫التنمية الزراعي‪.‬‬


‫‪ )1‬دع��وة وزارة البيئة والمياه وال��زراع��ة‬ ‫ل��وض��ع اس��ت��رات��ي��ج��ي��ة وط��ن��ي��ة لقطاع‬ ‫المياه للعشرين سنة القادمة بما يحقق‬ ‫المواءمة والتكامل بين األمنين المائي‬ ‫والغذائي‪.‬‬ ‫‪ )2‬وض���ع س��ي��اس��ة زراع���ي���ة ت��ت��م��اه��ى مع‬ ‫االستراتيجية المائية لتحقيق التوازن‬ ‫بين استهالك المياه وح��اج��ة البالد‬ ‫الضرورية من المحاصيل الزراعية‪.‬‬

‫‪ )7‬استخدام أحدث التقنيات في محطات‬ ‫تـحليـة الـمياه الـمالحة‪ ،‬ومحطات‬ ‫تنقية الـميـاه‪ ،‬والعمل على توطين هذه‬ ‫التقنيات‪.‬‬

‫م� � � � � � � � � �ل � � � � � � � � ��ف ال� � � � � � � � � �ع � � � � � � � � ��دد‬

‫التــــوصيــــــــات‬

‫‪ )8‬تفعيل اإلرش����اد ال���زراع���ي وت��ط��وي��ره‬ ‫ل��م��س��اع��دة ال��م��زارع��ي��ن ع��ل��ى اختيار‬ ‫المحاصيل المناسبة وأساليب الري‬ ‫ال��ح��دي��ث��ة‪ ،‬وإع�لام��ه��م بالمستجدات‬ ‫ال��م��ح��ل��ي��ة وال���دول���ي���ة ذات ال��ع�لاق��ة‬ ‫بالزراعة‪.‬‬

‫‪ ) 3‬تبني برامج إعالمية مستمرة طوال‬ ‫العام‪ ،‬للتوعية بأهمية ترشيد استهالك ‪ )9‬تحديد االحتياجات المائية للشركات‬ ‫المياه في المملكة بمختلف المجاالت‬ ‫الزراعية والمشاريع الزراعية الكبيرة‪،‬‬ ‫الزراعية والبلدية والصناعية‪.‬‬ ‫وترك الحرية لهم الختيار المحاصيل‬ ‫ال��زراع��ي��ة ال��ت��ي تحقق لهم أهدافهم‬ ‫‪ )4‬تنمية موارد الـميـاه التقليدية وحمايتها‪،‬‬ ‫االقتصادية‪.‬‬ ‫م��ن خ�ل�ال وض���ع خ��ط��ة إلط��ال��ة عمر‬ ‫مخزونها وتأهيل موارد المياه الجوفية‬ ‫ال��م��ت��ج��ددة وح��م��اي��ت��ه��ا م��ن النضوب‬ ‫والتلوث الناتج عن األنشطة السطحية‪.‬‬

‫‪ )10‬ال��ت��وص��ي��ة ل�����وزارة ال���ش���ؤون البلدية‬ ‫وال��ق��روي��ة ووزارة اإلس��ك��ان ب��أن تقام‬ ‫المدن والمصانع الجديدة على مقربة‬ ‫م��ن م��ش��روع��ات التحلية على البحر‬ ‫األحمر والخليج‪.‬‬

‫‪ )5‬ت��ح��ق��ي��ق أع��ل��ى ال��ـ��م��ع��اي��ي��ر ال��دول��ي��ة‬ ‫الهندسية والصحية والبيئية في تقديم‬ ‫خدمات الـمياه‪ ،‬والصرف الصحي‪.‬‬ ‫‪ )11‬تحسين الحوكمة والتنسيق المؤسسي‬ ‫وب��ن��اء ال���ق���درات ال��وط��ن��ي��ة وم��ش��ارك��ة‬ ‫‪ )6‬رف��ـ��ع مستوى معالجة م��ي��اه الصرف‬ ‫المستهلكين كأعمدة أساسية لتطبيق‬ ‫ال��ص��ح��ي‪ ،‬وزي����ادة نسبة االسـتخدام‬ ‫اإلدارة المتكاملة للموارد المائية في‬ ‫االقـتصادي واآلمـن لها في األغراض‬ ‫المملكة‪.‬‬ ‫الصناعية وغير البشرية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪21‬‬ ‫‪21‬‬


‫ورشة عمل‬ ‫(كيف نوقف الهدر في حياتنا)‬ ‫كما أقيمت على هامش المنتدى ورشة‬ ‫عمل ضمن فعاليات المنتدى ب��إش��راف ‪ -‬‬ ‫األستاذة نوال الحيدري‪ ،‬بعنوان (كيف نوقف‬ ‫هدر المياه في حياتنا) شارك فيها خمسا ‪ -‬‬ ‫وعشرين من سيدات المجتمع المحلي‪ .‬وقد ‪ -‬‬ ‫شملت خمس مجموعات‪.‬‬ ‫ ‬‫المجموعة ‪1‬‬

‫‪22‬‬ ‫‪22‬‬

‫مقداراً معيناً من المياه‪.‬‬ ‫اس��ت��خ��دام التنقيط ب���دالً م��ن ج��ري��ان‬ ‫المياه‪.‬‬ ‫متابعة العمال ومراقبتهم بجدية‪.‬‬ ‫قياس االس��ت��ه�لاك بترشيد استخدام‬ ‫المياه‪.‬‬ ‫م��ع��ال��ج��ة م���ي���اه ال����ص����رف ال��ص��ح��ي‬ ‫واستخدامها في ري أشجار الشوارع‪.‬‬ ‫زراعة النباتات الصحراوية التي تستهلك‬ ‫قليال من المياه‪.‬‬ ‫اختيار النباتات المناسبة لبيئة المنطقة‪.‬‬ ‫اس��ت��خ��دام التقنية ال��ح��دي��ث��ة ف��ي ري‬ ‫النباتات‪.‬‬ ‫ف��رض ض��رائ��ب على ك��ب��ار المزارعين‬ ‫المستنزفين للمياه‪.‬‬ ‫استيراد القمح بدالً من زراعته لتوفير‬ ‫مياه سقياه‪.‬‬ ‫تحديد أوقات الري عن طريق مؤقت‪.‬‬ ‫تقنين رخص منح المصانع حسب حاجة‬ ‫الوطن وليس جشع التاجر‪.‬‬

‫العادات االستهالكية التي يمارسها الفرد‬ ‫وتسهم في هدر المياه‪ ،‬وتتمثل المشكلة في‪ - :‬‬ ‫ كمية ال��م��ي��اة ال��م��ه��درة أث��ن��اء تنظيف‬‫ ‬‫األسنان‪ -‬الوضوء‪ -‬االستحمام –الطهي‪.‬‬ ‫ ‬‫ تنظيف المنازل باستخدام مياه الشرب‪.‬‬‫ ري الحدائق المنزلية بالماء العذب‪.‬‬‫ ‬‫والحل يكمن في‪:‬‬ ‫ ت��رش��ي��د اس��ت��خ��دام ال��م��ي��اه ع��ن طريق‬‫ ‬‫(التوعية االجتماعية والدينية في كل‬ ‫مجاالت االستهالك)‪.‬‬ ‫ ‬‫ وض���ع ق��وان��ي��ن الس��ت��خ��دام ال��م��ي��اه في‬‫ ‬‫المسابح وأشكال الزينة المائية‪.‬‬ ‫ فرض عقوبات للحد من هدر المياه‪.‬‬‫ الري بالطرق الحديثة‪.‬‬‫ومن أهم الحلول لتجنب الهدر المائي‬ ‫ استخدام النباتات التي ال تحتاج إلى ري ‪ -‬إعداد أفالم كرتونية بالتعاون مع وزارة‬‫بشكل مستمر‪.‬‬ ‫الزراعة لتوعية األطفال وتربيتهم على‬ ‫الترشيد في استخدام المياه‪.‬‬ ‫المجموعة رقم ‪2‬‬ ‫ عمل مسابقة في كل محافظة‪ ،‬وتقديم‬‫الزراعة سبب في هدر المياه‬ ‫مكافآت لصاحب الفاتورة المتدنية في‬ ‫وتتمثل المشكالت في‪:‬‬ ‫السعر‪ ،‬فذلك حافز رائع لتحقيق الهدف‪.‬‬ ‫ االستنزاف الجائر للمياه بسبب الزراعة‪.‬‬‫ سقاية أشجار الشوارع‪.‬‬‫المجموعة رقم ‪3‬‬ ‫ويكمن الحل في‪:‬‬ ‫الحفر العشوائي لآلبار واستنزاف وهدر‬ ‫‪ -‬تحديد مساحة معينة للزراعة تستهلك المياه‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫المجموعة (‪)4‬‬ ‫ن��وع شبكات المياه العامة والخاصة‪،‬‬ ‫وكيف تسهم في الهدر‪.‬‬ ‫المشكالت‪:‬‬ ‫ خلل في الشبكات المائية في الممتلكات‬‫العامة والخاصة‪.‬‬ ‫ ضعف صناعة الشبكات المائية‪.‬‬‫ ع��دم وج��ود الخبرة الكافية ل��دى فنيي‬‫الصيانة‪.‬‬ ‫ تأثر الشبكات المائية بمناخ المنطقة‪.‬‬‫ عدم وضع الشبكات المائية في المكان‬‫المناسب والمهيأ لها‪.‬‬ ‫ زراع��ة األشجار ذات الجذور الضخمة‬‫التي تمتد إلى التوصيالت المائية فتؤدي‬ ‫إلى إتالفها‪.‬‬ ‫الحلول‪:‬‬ ‫ ع��م��ل ف��ح��ص دوري لجميع الشبكات‬‫المائية‪.‬‬ ‫‪ -‬اختيار النوع الجيد من الشبكات المائية‪.‬‬

‫ ‬‫ ‪-‬‬ ‫ ‬‫‪ -‬‬

‫المجموعة رقم ‪٥‬‬ ‫دور وزارة ال��زراع��ة وهيئة المواصفات‬ ‫والمقاييس والمدارس والجامعات في هدر‬ ‫المياه‬ ‫المشكالت‪:‬‬ ‫ عدم التعاون مع وزارة اإلعالم في حمالت‬‫ترشيد االستهالك‪.‬‬ ‫ المياه المهدرة في الري‪.‬‬‫ زيادة عدد اآلبار‬‫الحلول ‪:‬‬ ‫ استخدام نظام التقطير في الري‪.‬‬‫ تحديد ع��دد اآلب���ار م��ع تقنين تحديد‬‫المساحات الزراعية‪.‬‬ ‫التوصيات‬ ‫ خطة وطنية موجودة بين الوزارات بهدف‬‫ترشيد المياه‪.‬‬ ‫ تشجيع االبتكار في تحلية المياه‪.‬‬‫ حفر قناة من البحر األحمر الى الخليج‬‫العربي‪ ،‬لتعويض المياه الجوفية‪.‬‬ ‫ االستفادة من تجارب الدول األخرى في‬‫ترشيد المياه في المنازل‪.‬‬ ‫ شبكتا مياه‪ :‬إحداهما للشرب‪ ،‬واألخرى‬‫لالستخدامات األخرى‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫م� � � � � � � � � �ل � � � � � � � � ��ف ال� � � � � � � � � �ع � � � � � � � � ��دد‬

‫المشكالت‪:‬‬ ‫ استهالك الماء العذب بشكل عشوائي‬‫في األغراض اليومية‪.‬‬ ‫ كثرة عدد اآلبار المحفورة في المزرعة‬‫الواحدة‪.‬‬ ‫ ح��ف��ر اآلب����ار ب����دون ت��راخ��ي��ص وبشكل‬‫عشوائي‪.‬‬ ‫الحلول‪:‬‬ ‫ أن يقنن حفر اآلبار وتوضع ضوابط من‬‫وزارة الزراعة على المخالفات‪.‬‬ ‫ توضع ش��روط لحفر اآلب��ار‪ ،‬على أن ال‬‫يكون زيادة عن بئر واحد لكل مزرعة‪.‬‬ ‫ استخدام التقطير‪.‬‬‫ تحديد عمق حفر اآلبار‪.‬‬‫‪ -‬تكثيف الرقابة على حفر اآلبار بالمزارع‪.‬‬

‫‪ -‬‬

‫اخ��ت��ي��ار ال��ف��ن��ي ال��م��ن��اس��ب ذي الخبرة‬ ‫الكافية‪.‬‬ ‫إقامة حمالت توعية مكثفة للحد من‬ ‫المشكلة‪.‬‬ ‫وجود إثبات للكشف الدوري‪.‬‬ ‫ف��رض عقوبات على ال��م��ورد إذا كانت‬ ‫الجودة غير جيدة للشبكات المائية‪.‬‬ ‫ف��رض الضرائب على المتساهلين في‬ ‫إص�ل�اح التوصيالت المائية المسببة‬ ‫للهدر‪.‬‬

‫‪23‬‬ ‫‪23‬‬


‫قراءة في كتاب فصل من تاريخ وطن وسيرة رجال‪ :‬‬

‫(عبدالرحمن بن أحمد السديري أمير منطقة الجوف)‬ ‫‪ρρ‬محمد بن أحمد الراشد*‬

‫يقدم هذا الكتاب سيرة لواحد من رجاالت المملكة الذين عملوا مع الملك المؤسس‬ ‫عبدالعزيز آل سعود‪ ،‬رجل عشق الوطن وبذل جل وقته في العطاء والعمل لخدمة وطنه‪،‬‬ ‫وقدم الكثير من المبادرات الثقافية التي كان لها وما يزال آثار طيبة في المجتمع؛ فهي‬ ‫غ���راس طيبة نبتت وأي��ن��ع��ت وظ��ل��ت تعطي ث��م��اره��ا لمحبي ه��ذه ال��م��ب��ادرات والمتفاعلين‬ ‫معها من المثقفين ومحبي المعرفة‪ ،‬بدأت بأبرز تلك المبادرات على اإلطالق دار العلوم‬ ‫بالجوف‪ ،‬ولم تنته تلك المبادرات التي تتابعت م��رورا بسباق الهجن الذي كان أول سباق‬ ‫يقام في المملكة‪ ،‬ومسابقات المزارعين ومعارض السجاد المحلي وأسبوع الجوف الثقافي‬ ‫ال��ت��راث��ي‪ ..‬وغيرها الكثير‪ .‬م��ب��ادرات ثقافية‪ ،‬م��ا ت��زال آث��اره��ا شامخة ف��ي مختلف ض��روب‬ ‫األنشطة الثقافية ومساراتها‪ .‬وقد وثق بذرته األولى في شعره‪:‬‬

‫أس�������������س�������������ت ب������������ال������������ج������������وف غ���������������������رس ودار‬ ‫وال ت���������������ش���������������ب���������������ث���������������ت ب����������������ت����������������ج����������������ارة‬ ‫ت����������������ج����������������ارت����������������ي ص�����������ح�����������ب�����������ة األخ�����������������ي�����������������ار‬ ‫ه�����������������������ذا ه�����������������������وى ال������������ق������������ل������������ب وخ���������������ي���������������اره‬ ‫ص��درت الطبعة الثانية م��ن ه��ذا الكتاب‬

‫ال��م��ع��ن��ون‪ :‬ف���ص���ل م����ن ت����اري����خ وط������ن وس���ي���رة‬ ‫رجال‪ :‬عبدالرحمن ب����ن أح���م���د ال���س���دي���ري‬ ‫أمير منطقة الجوف‪ ،‬عن مركز عبدالرحمن‬

‫السديري الثقافي ‪1437‬هـ (‪2016‬م)‪ .‬وكانت‬

‫‪24‬‬

‫ومزيدة‪ ،‬ومما زيد في هذه الطبعة عديد من‬ ‫قصائد معالي األمير عبدالرحمن بن أحمد‬ ‫السديري يرحمه اهلل‪ ،‬التي لم يسبق نشرها‬ ‫في ديوانه الصادر بعنوان (دي��وان القصائد)‬ ‫الصادر عام ‪1983‬م‪.‬‬

‫الطبعة األولى قد صدرت في العام ‪1428‬هـ‬ ‫ج��اء ه��ذا الكتاب في (‪ )512‬صفحة من‬ ‫(‪2007‬م)‪ .‬وج���اءت الطبعة الثانية منقحة القطع الكبير‪ ،‬وبتجليد فاخر‪ ،‬وطبعة أخرى‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫دراس �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ات ون �ق �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��د‬

‫بتجليد ورقي عادي‪ ،‬خصص للقراء من محبي‬ ‫التجليد الخفيف‪ .‬تم تقسيم مادة الكتاب إلى‬ ‫أربعة أبواب تضم سبعة عشر فصال‪ ،‬إضافة‬ ‫الى توطئة‪ ،‬وتقديم‪ ،‬وتمهيد واقتباسات‪ ،‬وخُ ِت َم‬ ‫ال��ك��ت��اب بالمالحق ال��ت��ي ضمت قصائد لم‬ ‫تنشر من قبل‪ ،‬وقائمة ببلوجرافية‪ ،‬والمراجع‪،‬‬ ‫والصور‪ ،‬وكشاف األسماء والمواقع‪.‬‬ ‫الكتاب يؤرخ ألحداث وطنية مهمة شارك‬ ‫صاحب السيرة فيها‪ ،‬وعاصرها خالل عمله‬ ‫أميرا لمنطقة الجوف‪ ،‬شمالي المملكة العربية‬ ‫السعودية‪ ،‬عمل فيها أميرا لفترة امتدت لنحو‬ ‫نصف قرن من الزمان‪ .‬‬ ‫كان صاحب السيرة مسكوناً بحب الجوف‬ ‫إلى درج��ة العشق‪ ،‬وفي أشعاره وكتاباته من‬ ‫حب الجوف وارتباطه بها ما يزيد من اهتمام‬ ‫القارئ ورغبته في معرفة السر الكامن وراء‬ ‫ه��ذا ال��ن��وع م��ن الحب والتعلّق‪ ،‬على الرغم‬ ‫م��ن أن األم��ي��ر ول��د وت��رع��رع ف��ي ال��غ��اط‪ ،‬ثم‬ ‫انتقل أميراً لمنطقة الجوف في عهد الملك‬ ‫عبدالعزيز ع��ام ‪1362‬ه��ـ (‪1943‬م) وه��و في‬ ‫الرابعة والعشرين من عمره‪ .‬‬ ‫يدخل الكتاب الذي نحن بصدده في باب‬ ‫السير الغيرية نظرا لمشاركة عدد من الباحثين‬ ‫في تدوين جوانب سيرة األمير الراحل‪ ،‬ولكن‬ ‫ما يميز كتاب عبدالرحمن السديري‪ ،‬أن ثالثة‬ ‫من أبنائه شاركوا في كتابة بعض فصوله‪ ،‬وهم‬ ‫فيصل وزياد ولطيفة‪ ،‬وقد قدم كل منهم توثيقاً‬ ‫لفترات مهمة من تاريخ والدهم‪ ،‬في أحداث‬ ‫ووق��ائ��ع ال يعرفها غيرهم؛ كما ش���ارك في‬ ‫إعداده كوكبة من الكتّاب الذين رافقوا األمير‬ ‫وعاصروه‪ ،‬فكانت لهم ذكريات مشتركة معه‪ .‬‬ ‫ك��م��ا ح��ظ��يَ ال��ك��ت��اب ب���ت���ق���دي���م م����ن خ����ادم‬

‫ال���ح���رم���ي���ن ال���ش���ري���ف���ي���ن ال���م���ل���ك س���ل���م���ان ب��ن‬ ‫عبدالعزيز‪ ،‬الذي كان أميراً لمنطقة الرياض‬ ‫وق���ت ص���دور الطبعة األول����ى م��ن ال��ك��ت��اب‪،‬‬ ‫وق���د ت��ح��دث ف���ي ت��ق��دي��م��ه ع���ن إس��ه��ام��ات‬ ‫أس��رة السديري المتعددة في تاريخ الدولة‬ ‫السعودية‪ ،‬ودع��ا ليكون الكتاب ب��ادرة لمزيد‬ ‫م��ن ال��دراس��ات العلمية الموثّقة ع��ن تاريخ‬ ‫أسرة السديري وإنجازاتها الوطنية؛ وقد ذكر‬ ‫المحرر د‪ .‬عبدالرحمن الشبيلي في تمهيده‬ ‫للكتاب نبذة مختصرة عن حياة األمير وأسرته‬ ‫ونشأته وتعليمه ثم اختياره من قبل الملك‬ ‫عبدالعزيز أميراً لمنطقة الجوف‪ ،‬التي استمر‬ ‫فيها نحو نصف قرن من الزمان‪ ،‬كانت زاخرة‬ ‫باإلنجازات واألعمال الثقافية واالجتماعية‬ ‫واإلدارية‪ ،‬تستحق أن تسجّ ل وتوثّق لما تمثله‬ ‫من فترة مهمة في تاريخ الوطن ومسيرته‪.‬‬ ‫ال ضمتها‬ ‫وج��اء الكتاب في سبعة عشر فص ً‬ ‫أربعة موضوعات رئيسة‪ .‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪25‬‬


‫نسبة لحسن استقباله الضيف واهتمامه به‬ ‫ومعاشرته له‪ ،‬وكان دائماً على رأس مائدته‬ ‫المفتوحة للجميع‪ .‬وقد جعل في منزله «دكة»‬ ‫محاذية للشارع العام دون ب��اب أو حراسة‪،‬‬ ‫يأتيها من يشاء في كل وقت (ص ‪.)114‬‬

‫‪26‬‬

‫في الموضوع األول «أس���رة وسيرة»‪ ،‬ثالثة‬ ‫فصول‪ :‬أعد الفصل األول الباحث المتخصص‬ ‫في تاريخ الجزيرة العربية‪ ،‬د‪ .‬عبدالفتاح أبو‬ ‫عليَّه تحدث فيه عن أسرة السديري تاريخا‬ ‫ونسبا‪ ،‬وعالقتها باألسرة المالكة منذ الدولة‬ ‫السعودية األول��ى ودوره���م في إدارة العديد‬ ‫وي��خ��ت��م ال��ف��ص��ل ب��ق��ول��ه‪« :‬إن وال����دي ذو‬ ‫من إم��ارات المناطق وقيادة بعض الحمالت شخصية ذات أبعاد مركبة‪ ،‬ال تخضع للتحليل‬ ‫العسكرية التي سيّرها آل سعود‪.‬‬ ‫المسطّ ح؛ يتناول األمور بأناة بالغة‪ ،‬فيحللها‬ ‫وج���اء ال��ف��ص��ل ال���ث���ان���ي ب��ع��ن��وان‪« :‬األب‪ ..‬ويذهب فيها مذاهب بعيدة‪ ،‬مقداماً ال تثنيه‬ ‫ال���رئ���ي���س» ب��ق��ل��م ف��ي��ص��ل ب���ن ع��ب��دال��رح��م��ن عن غايته الظنون وال المخاوف واالنتقادات‪،‬‬ ‫السديري‪ ،‬قدم لنا فيه أحداثاً وقصصاً واقعية بسيط في هندامه‪ ،‬متواضع خلوق خفيض‬ ‫ال��ص��وت‪ ،‬يأنف من ق��ول «ال»‪ ،‬ويبذل جاهه‬ ‫حدثت مع األمير عبدالرحمن‪ ،‬منذ تكليفه‬ ‫وماله في كل مبادرة تطلب فيها مساعدته؛ ذو‬ ‫باإلمارة‪ ،‬وتظهر فيها حكمة األمير‪ ،‬وتعامله‬ ‫ثقافة واسعة يتقبل التجديد ويرفض التقليد‬ ‫مع عامة الناس ببساطة وحنكة ورحمة وشعور‬ ‫األعمى‪ ،‬يميل إلى الريادة‪ .‬وله سبق في عنايته‬ ‫المسؤول‪ ،‬بما يحس به المواطن‪ ،‬والعمل على‬ ‫بالمرأة وحقها في التعليم واإلسهام في خدمة‬ ‫فض الخالفات التي كانت تنشأ أحياناً بين‬ ‫مجتمعها‪ .‬ويدعو د‪ .‬زياد القارىء إلى التفكير‬ ‫بعض المواطنين‪ .‬‬ ‫في مثل هذه الصفات الريادية في هذا الوقت‬ ‫وف��ي الفصل الثالث المعنون‪« :‬حياته»‪ ،‬الذي نمر فيه بمنعطف في مسارنا وأزمة في‬ ‫يقدم د‪ .‬زياد السديري المعلومات الموثّقة عن عالقاتنا وت��ص��ادم ف��ي م��ح��اور ثقافتنا؛ لعلنا‬ ‫مولد صاحب السيرة ونشأته‪ ،‬فيقول‪ :‬في ليلة نفيد ك��ث��ي��ر ًا إذا وق��ف��ن��ا ع��ل��ى س��ي��رة م��ث��ل ه��ذه‪،‬‬ ‫مولده رأى أبوه عبدالرحمن في منامه أنه رزق ت��ؤك��د أن ثقافتنا ليست ذات وج��ه واح���د كما‬ ‫بمولود اسمه صالح؛ وألنه لم يُعرف في األسرة ي��ق��ول��ون‪ ،‬وأن األص���ال���ة ل��ي��س��ت ص��ف��ة يدعيها‬ ‫مثل هذا االس��م أسماه‪« :‬عبدالرحمن» (ص بعضنا عن سوانا‪( ،‬ص ‪ .)130‬‬ ‫‪ .)89‬وقد ولع منذ صغره بالقنص بالصقور‬ ‫وفي الموضوع الثاني‪« :‬مراسالته وشعره»‪،‬‬ ‫ورك��وب الخيل والسباق‪ ،‬وت��داول الشعر‪ .‬كما يقدم د‪ .‬سد البازعي قراءة لمراسالت األمير‬ ‫يتحدث ع��ن أس��ف��اره ورح�لات��ه إل��ى الرياض خ�لال إم��ارت��ه ب��ال��ج��وف‪ .‬ف��دراس��ة الرسائل‬ ‫ولقائه بالملك عبدالعزيز‪ ،‬ثم مرافقته الملك أمر مهم لدى المشتغلين بالتاريخ؛ فهي تعد‬ ‫عبدالعزيز إلى الحج عام ‪1359‬ه��ـ (‪1940‬م) مصدراً رئيساً للمعلومات‪ ،‬إذ ثمة تفاصيل‬ ‫(ص ‪ .)106‬ويتحدث عن أسلوب إدارته فينقل دقيقة يصعب العثور عليها في مصادر أخرى‬ ‫وصف مجموعة ممن عرفوه صغيراً باألناة غيرها؛ ما يمنحها خصوصية وأهمية بالغة‪.‬‬ ‫وط��ي��ب المعشر وال��ب��ع��د ع��ن ال��غ��ض��ب (ص ثم يستعرض عدداً من رسائل األمير مع الملك‬ ‫‪ .)112‬وق��د لقبته البادية بـ«عشير ضيفه» عبدالعزيز ومع سمو وزير الداخلية‪ ،‬حول عمل‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫وف��ي ال��ف��ص��ل ال��خ��ام��س يتحدث د‪ .‬سعد‬ ‫الصويان عن شعر األمير عبدالرحمن المتميز‬ ‫باألخالقيات والقِ يَم‪ ،‬وتوثيق كثير من القضايا‬ ‫واألح��داث والمشاعر الفياضة‪ ،‬وتفانيه في‬ ‫خدمة اآلخرين وحنينه إلى الغاط‪ .‬فقد كان‬ ‫الشعر صديقاً مالزماً له ونديمه وأنيسه‪ .‬وفي‬ ‫البيت التالي نلحظ أناته وسعة صدره مع من‬ ‫يخالفه‪:‬‬ ‫أنا رفيقي لو غلط ما أقدر أجزيه‬ ‫إال ب�����ص�����ف�����ح وع�������ف�������ة ع���������ن ش����ن����ات����ه‬ ‫وف��ي بيت آخ��ر تلحظ تألمه على أوض��اع‬ ‫المسلمين وما آلت إليه‪ :‬‬ ‫أرى ال���ن���اس ت��خ��ط��ي وال����زم����ان ح��ن��ون‬ ‫ع�����ل�����ى غ�����ي�����ر ت�����ش�����ري�����ع اإلل������������ه ي����ب����ون‬ ‫وفي الموضوع الثالث‪« :‬في عيون اآلخرين»‬ ‫يعرض د‪ .‬فائز الحربي شخصيته كما رسمها‬ ‫الشعراء؛ فتناول صفاته وخصاله من خالل‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫دراس �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ات ون �ق �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��د‬

‫اإلمارة ومهام األمير‪ ،‬ودور مؤسسات الدولة‪،‬‬ ‫والخدمات المقدمة للمواطنين‪.‬‬

‫شعره وشعر غيره من الشعراء‪ ،‬ومنها‪ :‬كرمه‪،‬‬ ‫ومضيَ ُف ُه المفتوح‪ ،‬والعفو والتسامح والتواضع‬ ‫ْ‬ ‫والصبر والتحمل وعفته ووف���اؤه‪ ،‬وعالقته‬ ‫الحميمة مع ال��ن��اس‪ ،‬وقربه من المواطنين‬ ‫وس��داد رأي��ه‪ ،‬ودوره في إص�لاح ذات البين‪،‬‬ ‫ومساعيه في الخير ون��م��اذج من إنجازاته‪.‬‬ ‫ث��م يتحدث د‪ .‬ميجان ال��روي��ل��ي ع��ن ص��ورة‬ ‫صورت «بأقالم غربيين»‪ ،‬منهم‪:‬‬ ‫السديري كما ُ‬ ‫البريطانيون وليم النكستر‪ ،‬وج‪ .‬ف‪ .‬والفورد‪،‬‬ ‫وجيفري كنغ‪ ،‬وجون برادلي‪ ،‬واألمريكي آرون‬ ‫ليرنر‪ .‬ث��م يبحر بنا األس��ت��اذ عبدالرحمن‬ ‫الدرعان في «ذكريات»‪ ،‬فيعنى برصد روايات‬ ‫توثّق تفاصيل لم تنل حظها من االهتمام‪،‬‬ ‫ت��ض��يء زواي����ا مهمة ف��ي شخصية صاحب‬ ‫السيرة‪ .‬ويختم الدرعان الفصل بكلمة مؤثرة‬ ‫إذ ي��ق��ول‪« :‬م���ا ل���م ت��ق��ل��ه ال���ش���ه���ادات‪ ...‬الح��ت‬ ‫ل��ي ف��ك��رة المدينة االف��ت��راض��ي��ة ال��ت��ي شيّدها‬ ‫عبدالرحمن السديري بين الجوف والغاط؛‬ ‫م���دي���ن���ة ش���اه���ق���ة م���م���زوج���ة ب���رائ���ح���ة ال��ح��ب‬ ‫والنخيل وال��م��اء وال��ت��رب��ة الطيبة وال��زي��ت��ون‪،‬‬

‫‪27‬‬


‫ب��أس��واره��ا وع�لاق��ات��ه��ا ال��وث��ي��ق��ة‪ ،‬ال��ت��ي وط��دت‬ ‫أواصر القربى بين الكثيرين من أهالي الجوف‬ ‫والغاط‪ ،‬يتقاطعون مع ًا في قلب إنسان ظلت‬ ‫بصماته باقية بعد رحيله‪ ..‬إنه يمثل مساحة‬ ‫شاسعة في هذه المدينة االفتراضية العصية‬ ‫على االندثار»‪ .‬ويختم يوسف العتيق بفصل‬ ‫«ف��ي الصحافة» مستعرضاً سجل األخبار‬ ‫والتقارير الصحفية التي نشرتها الصحف‬ ‫عن نشاطات األمير اإلداري���ة واالجتماعية‬ ‫والخيرية والثقافية‪ .‬‬ ‫أما الموضوع الرابع‪ ،‬وعنوانه‪« :‬في خدمة‬ ‫ال���ج���وف» فقد اشتمل على ثمانية فصول‪،‬‬ ‫بدأها د‪ .‬خليل المعيقل بالتاريخ المعاصر‬ ‫ل��ل��ج��وف ال�����ذي ت���ح���دث ف��ي��ه ع���ن ال��ت��ط��ور‬ ‫التنظيمي واإلداري والتنموي في حواضر‬ ‫منطقة الجوف؛ وفي الفصل الحادي عشر‬ ‫استعرض األستاذ أحمد بن عبداهلل آل الشيخ‬ ‫عدداً من الرسائل والبرقيات المحفوظة في‬ ‫«أرشيف اإلم��ارة» التي توضح أعمال األمير‬ ‫عبدالرحمن السديري وجهوده لنقل أوضاع‬ ‫منطقة الجوف إلى أولي األمر والمسؤولين‬ ‫ف��ي الحكومة وب��ي��ان احتياجاتها التنموية‬ ‫والحضرية‪ ،‬ومقترحاته لحلها‪ ،‬كما يذكر‬ ‫مرافقته األمير سعود في زيارة له إلى سوريا‬ ‫في أواخر عهد الملك عبدالعزيز‪ ،‬وحصوله‬ ‫على وس��ام االستحقاق السوري من الدرجة‬ ‫الممتازة (ص ‪.)296‬‬

‫‪28‬‬

‫الرئيسة «دار الجوف للعلوم» التي أصبحت‬ ‫مركز إشعاع معرفي يخدم الباحثين والقراء‬ ‫بقسميها للرجال والنساء‪ ،‬من خالل ما يزيد‬ ‫ع��ن (‪ )160‬أل��ف كتاب إض��اف��ة إل��ى (‪)250‬‬ ‫ال عن أوعية معلوماتية متنوعة‬ ‫دوري��ة‪ ،‬فض ً‬ ‫ومخطوطات ووث��ائ��ق ومسكوكات ووس��ائ��ل‬ ‫سمعية وبصرية وغيرها‪ .‬ويتحدث الحميد‬ ‫عن برنامج النشر في المركز ال��ذي تشرف‬ ‫عليه هيئة خاصة وقد صدر عنها حتى اآلن‬ ‫ما يزيد على (‪ )130‬إص���داراً‪ ،‬إضافة إلى‬ ‫(‪ )12‬بحثاً علمياً تدرس موضوعات متنوعة‬ ‫ف��ي ال��ج��وف ب��إش��راف باحثين جامعيين‪.‬‬ ‫ويختم د‪ .‬عبدالواحد الحميد‪ ،‬بالوقوف عند‬ ‫نظرة األمير وثاقب بصيرته عندما استطاع‬ ‫توظيف فكرة «ال��وق��ف» لخدمة مركز ثقافي‬ ‫رائد في مجاله‪ .‬‬

‫وفي الفصل الثالث عشر قدم أحد رجال‬ ‫التعليم بالجوف‪ ،‬د‪ .‬عارف المسعر ‪-‬يرحمه‬ ‫اهلل‪ -‬ع��ن التنمية التعليمية التي عاشتها‬ ‫الجوف وحظيت بها خالل فترة عمل األمير‬ ‫السديري‪ ،‬وقدرته على إقناع األهالي بإرسال‬ ‫بناتهم إلى المدارس أسوة بتدريس الذكور‪،‬‬ ‫واف��ت��ت��اح أول م��درس��ة للبنات ع��ام ‪1382‬ه��ـ‬ ‫(‪1962‬م)‪ .‬وانتشار المدارس في ربوع منطقة‬ ‫الجوف ليصل عددها إل��ى ‪ 75‬مدرسة عام‬ ‫‪1410‬ه��ـ (تاريخ تقاعد األم��ي��ر)‪ .‬ثم يحدثنا‬ ‫إبراهيم خليف السطام في الفصل الرابع عشر‬ ‫عن «التنمية البلدية والقروية» في الجوف‬ ‫وف���ي ال���ف���ص���ل ال���ث���ان���ي ع���ش���ر ي��ت��ح��دث د‪ .‬ودور األمير في االهتمام بالتنظيم البلدي‪،‬‬ ‫عبدالواحد بن خالد الحميد عن «التنمية وت��رس��ي��خ التخطيط ال��ع��م��ران��ي والمشاريع‬ ‫الثقافية» التي أسهم فيها األمير السديري اإلنشائية ومشاريع اإلسكان الريفية‪.‬‬ ‫بل ربما هو من أرسى قواعدها في الجوف‪،‬‬ ‫ثم يتحدث فيصل بن عبدالرحمن السديري‬ ‫وما تزال شامخة كما هي مؤسسته ومنشأتها ف��ي ال��ف��ص��ل ال��خ��ام��س ع��ش��ر ع��ن التنمية‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫وعن جهود السديري في «توطين البادية»‬ ‫يحدثنا د‪ .‬خالد الرديعان في الفصل السادس‬ ‫ع��ش��ر‪ ،‬ع��ن دور األم��ي��ر ف��ي ت��وط��ي��ن ال��ب��دو‬ ‫وتشجيعهم على التعليم والزراعة في المنطقة؛‬ ‫فأقام مشروع وادي السرحان لتوطين البدو‬ ‫ع��ام ‪1379‬ه���ـ (‪1959‬م)‪ ،‬ثم مشروع حماية‬ ‫وتنمية المراعي ‪1382‬هـ (‪1962‬م)‪ ،‬وغيرهما‪ .‬‬ ‫أما الفصل السابع عشر‪« :‬تنمية األسرة»‬ ‫فقد أع��دت��ه ابنته لطيفة وال��ك��ات��ب��ة هداية‬ ‫دروي����ش‪ ،‬ع��رض��ت��ا ف��ي��ه ج��وان��ب م��ن الحياة‬ ‫األس��ري��ة لصاحب السيرة‪ ،‬ال��ذي اع��ت��اد أن‬ ‫يفتح قلبه وبيته ألهله وذويه؛ فيعمر الحب كل‬ ‫أرجاء منزله‪ .‬وأنه كان دائم االستشارة للمرأة‬ ‫داخل بيته‪ :‬زوجته وبناته‪ .‬‬ ‫كما تضمن الكتاب ع��دداً من المالحق‪،‬‬ ‫هي‪« :‬ضيف الجزيرة» وهو حوار أجري عام‬ ‫‪1402‬ه��ـ (‪1981‬م) مع األمير‪ ،‬وفيه إجابات‬ ‫مهمة عن تاريخ أسرة السدارى‪ ،‬ونظرة األمير‬ ‫عبدالرحمن إلى الحياة والعمل العام وطلب‬ ‫العلم وغيرها‪ .‬والملحق الثاني‪« :‬قصائد لم‬ ‫تنشر» وهي قصائد كتبها األمير بعد صدور‬ ‫ديوانه «القصائد» ع��ام ‪1403‬ه��ـ (‪1983‬م)‪.‬‬ ‫والملحق الثالث‪ :‬قائمة ببليوجرافية بما نشرته‬ ‫الصحف خ�لال ف��ت��رة إم��ارت��ه م��ن نشاطات‬

‫تبدو بصمات المحرر واضحة في هيكلة‬ ‫الكتاب‪ ،‬واختيار الصور والوثائق وتوزيعها‬ ‫وشرحها‪ ،‬وإب��راز بعض النصوص المقتبسة‬ ‫المهمة‪ ،‬وتصنيف مقاالت الكتّاب وتوزيعها‪،‬‬ ‫وتثبيت بيانات شرح الهوامش حيثما كان ذلك‬ ‫ضرورياً بما فيه شرح غريب ألفاظ الشعر‬ ‫وتعريف باألماكن وغيرها‪ .‬‬

‫دراس �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ات ون �ق �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��د‬

‫الزراعية التي كان لألمير اهتمام خاص بها‬ ‫فهي «عشقه الخاص وهوايته األولى»‪ ،‬فعمل‬ ‫ع��ل��ى دف���ع عجلة ت��ط��وره��ا‪ ،‬وأدخ����ل وس��ائ��ل‬ ‫التقنية الزراعية الحديثة‪ ،‬ويسّ ر وصولها إلى‬ ‫المزارعين‪ ،‬وجلب أن��واع الزراعات المطورة‬ ‫المناسبة للمنطقة؛ فأصبحت الجوف مركزاً‬ ‫مهماً في إنتاج المحاصيل الزراعية‪.‬‬

‫إدارية واجتماعية‪ ،‬توثّق جزءاً من حياته‪ .‬كما‬ ‫احتوى الكتاب على قائمة بالمراجع العربية‬ ‫واألجنبية‪ ،‬وملحق لصور ضم (‪ )56‬صورة‬ ‫فوتوغرافية توثّق فعاليات شارك فيها األمير‬ ‫وصنع العديد من أحداثها‪ .‬إضافة إلى ملحق‬ ‫كشاف األسماء والمواقع الواردة في الكتاب‪ .‬‬

‫ح��ق�اً‪ ،‬نحن أم���ام س��ي��رة حياتية متشعبة‬ ‫لرجل مميز‪ ،‬تنوعت اهتماماته وإنجازاته بين‬ ‫خدمة الوطن والمواطن إداري �اً واجتماعياً‪،‬‬ ‫والنهوض بالمرأة‪ ،‬وتوطين البادية‪ .‬ثم تلك‬ ‫البصمة التي تركت أثراً شامخاً ينمو ويكبر‬ ‫كل يوم‪ ،‬وهي مبادرته الثقافية والتنموية في‬ ‫مشروعه الثقافي المتمثل في دار الجوف‬ ‫للعلوم وبرامجها الثقافية والمعرفية‪ ،‬ومركز‬ ‫الرحمانية الثقافي بالغاط‪ ،‬كما أن أبناءه‬ ‫حرصوا على رعاية ه��ذه الغرسة الثقافية‪،‬‬ ‫وأمدوها بعوامل النمو والتطور؛ ما يؤكد أن‬ ‫األمير السديري كان ذا بصيرة ثاقبة‪ ،‬عندما‬ ‫وحصنها بمن يثق‬ ‫ّ‬ ‫غرس مبادرته الثقافية‪،‬‬ ‫أنه سيرعاها ويوفر لها أسباب النماء‪ ..‬رحم‬ ‫اهلل صاحب السيرة‪ ،‬األمير عبدالرحمن بن‬ ‫أحمد السديري‪ ،‬وب��ارك في غرسه‪ ،‬وجعلها‬ ‫في ميزان حسناته‪.‬‬

‫* باحث سعودي‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪29‬‬


‫الجــــــــــــــــوف‬

‫في رحلة وليم بلجريف‬ ‫‪ρρ‬نوير العميري*‬

‫وليم بلجريف‬

‫إن لكتب الرحالت أهمية خاصة؛ فهي تقدم وصف ًا لكثير‬ ‫من جوانب الحياة‪ ،‬ما يوفر ثروة تاريخية كبيرة‪ ،‬لها قيمتها‬ ‫(‪)1‬‬ ‫في توضيح األح��داث واستقرائها‪ .‬ويعد المستر بلجريف‬ ‫من أشهر الرحالة اإلنكليز الذين ساحوا في البالد العربية‬ ‫في القرن الماضي‪ ،‬وك��ان يتقن اللغة العربية إتقان ًا جيداً‪،‬‬ ‫ودرس مبادئ الطب من بعض الكتب العربية واإلفرنجية التي‬ ‫حملـها معه ليستفيد منها في مهمته من الرحلة التي قام‬ ‫بها متنق ًال في ب�لاد العرب منتحال شخصية طبيب س��وري‪،‬‬ ‫ولم يكتشف أمره طيلة مدة رحلته وإقامته الطويلة في بعض‬ ‫المدن‪ ،‬ومنها مدينة حائل في زمن طالل بن رشيد‪ ،‬التي أقام‬ ‫فيها شهرين‪ ،‬ومدينة ال��ري��اض التي أق��ام فيها نحو أربعين‬ ‫يوماً‪ ،‬وكان رجال العائلتين السعودية والرشيدية يتعالجون‬ ‫عنده دون أن يدركوا حقيقة شخصيته أو هدفه من رحلتة‪.‬‬

‫لقد استهوت جزيرة العرب الكثير من ‪1846‬م‪ ،‬والرحالة داوتي ‪1878‬م‪ ،‬والرحالة‬ ‫الرحالة األوربيين بسحرها وغموضها‪ ،‬الليدي انبلنت ‪1869‬م‪ ،‬والرحالة إيوتنغ‬ ‫وتعددت أهدافهم في رحالتهم(‪)2‬؛ فكان ‪1884‬م‪ ،‬والرحالة تشارلز هيوبر ‪1883‬م‪.‬‬ ‫منهم المكلف بمهمة سياسية‪ ،‬فتظاهر‬ ‫وقد أسهمت كتب هؤالء الرحالة ‪-‬على‬ ‫بعد‬ ‫باإلسالم‪ ،‬ومنهم من دفعه حب االستطالع‪ .‬ما فيها من محذورات ‪ -‬في إضفاء ٍ‬ ‫غير أن ما قام به هؤالء الرحالة قد أسهم لحياة تلك الفترات التي لم تحظ بتدوين‬ ‫في التعريف بتاريخ الجزيرة العربية‪.‬‬ ‫من قبل األهالي‪ ،‬والتي غالباً ما ركزت‬

‫‪30‬‬

‫وشهدت مدينة الجوف خالل فترات‬ ‫مختلفة زيارة عدد من الرحالة األجانب‬ ‫م��ن مختلف الجنسيات‪ ،‬منهم‪ :‬أولريخ‬ ‫سيتزن ‪1810‬م‪ ،‬والرحالة جورج اوغست‬ ‫والن ‪1845‬م‪ ،‬والرحالة كارلو جوارماني‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫على الجوانب السياسية‪ ،‬في حين تميزت‬ ‫كتاباتهم برصد جميع مظاهر الحياة‬ ‫االجتماعية‪ ،‬إذ تعمق الرحالة في الحياة‬ ‫االجتماعية‪ ،‬فلم يتركوا عاد ًة إال عرفوها‪،‬‬ ‫وال صغيرة أو كبيرة إال دوّن��وه��ا‪ .‬األمر‬


‫دراس �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ات ون �ق �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��د‬

‫ال��ذي جعل مدوناتهم م��ص��دراً مهماً لوصف‬ ‫معالم عديدة لم توفرها كتب التاريخ ذاتها‪.‬‬ ‫فقد أس��ه��م ال��رح��ال��ة األج��ان��ب ال��ذي��ن زاروا‬ ‫الجزيرة العربية في رسم صورة أنثروبولوجية‬ ‫للحياة االجتماعية التي كانت سائدة فيها‪.‬‬ ‫أما عن أهداف رحلته‪ ،‬فقد أشار بلجريف‬ ‫في مقدمة جولته مقاصدها‪ ،‬والتي جمعت‬ ‫بين األهداف الشخصية والسياسية والدينية‪،‬‬ ‫بقوله‪« :‬رب��م��ا ي��ود ال��ق��ارئ أن يعرف الهدف‬ ‫المخصص لهذه الرحلة‪ ،‬والظروف الحاكمة‬ ‫لها‪ ،‬لقد كان يحدوني أمل كبير في اإلسهام‬ ‫ب��ش��يء م��ن أج���لِ ال��ص��ال��ح االج��ت��م��اع��ي لهذه‬ ‫المناطق الشاسعة‪ ،‬كان يحذوني أمل تحريك‬ ‫مياه الحياة الشرقية الراكدة‪ ،‬حتى تلحق بأنهار‬ ‫التقدم األوربي الجارية وتتصل بها‪ ،‬وربما لديَّ‬ ‫أيضاً دافع لتعرف ذلك الذي كنت أجهله حتى‬ ‫ذلك الحين‪ ،‬وكذلك الرغبة في االستكشاف‬ ‫التي تمأل قلوب اإلنجليز‪ .‬كانت تلك الدوافع‬ ‫األساس‪ ...‬أضف إلى ذلك أنني كنت منضماً‬ ‫في ذلك الوقت إلى الجمعية اليسوعية‪ ،‬تلك‬ ‫الجمعية التي اشتهرت في حوليات التأريخ‬ ‫بأعمالها التي تستهدف حب البشر‪ ،‬والناس‪.‬‬ ‫وي��ج��ب أي��ض �اً أن أع��ت��رف ب��خ��ال��ص شكري‬ ‫إلمبراطور فرنسا(‪ )3‬الحالي على كرمه في‬ ‫توفير المخصصات النقدية ال�لازم��ة لهذه‬ ‫الرحلة»‪.‬‬

‫وصل بلجريف إلى أواسط الجزيرة العربية‬ ‫وشماليها‪ ،‬منطلقاً من معّان في األردن في‬ ‫منتصف سنة ‪1862‬م‪1278/‬هـ‪ .‬وكانت الجوف‬ ‫هي أولى محطات رحلته‪ ،‬ثم انطلق منها إلى‬ ‫ال‬ ‫حائل فالقصيم ثم الرياض فاإلحساء‪ ،‬مواص ً‬ ‫رحلته إلى الخليج العربي‪ ،‬واستغرقت رحلته‬ ‫م��ا ي��ق��ارب ال��ع��ام‪ .‬أق��ام بلجريف ف��ي الجوف‬ ‫ثمانية عشر يوما‪ ،‬وصلها في أول يوليو من‬ ‫عام ‪1862‬م‪ .‬قام بهذه الرحلة متخفياً‪ ،‬دون‬ ‫أن يكشف عن حقيقة شخصيته أو هدفه من‬ ‫الرحلة‪ .‬وكان ينتحل شخصية طبيب سوري‪،‬‬ ‫باسم سَ ليم أبو محمود إلياس‪.‬‬ ‫زار ب��ل��ج��ري��ف ال���ج���وف‪ ،‬ووص����ف بيوتها‬ ‫وقالعها‪ ،‬كما تحدث عن بعض المعالم واآلثار‪،‬‬ ‫وتطرق للحديث عن سكان الجوف‪ ،‬وأعطى‬ ‫نبذة مقتضبة عن المعالم التاريخية واألثرية‪.‬‬

‫الجدير بالذكر أن رحالت بلجريف وغيره‬ ‫م��ن الرحالة ال��ذي��ن يعملون لحساب فرنسا‬ ‫أث���ارت روح التنافس بين فرنسا وإنجلترا؛‬ ‫األم��ر ال��ذي دف��ع إنجلترا إل��ى التنافس على‬ ‫يروي بإطاللته على المدينة بقوله‪« :‬الجوف‬ ‫الشرق‪ ،‬ولعل ذلك كان دافعاً لقيام الكولونيل‬ ‫واد عميق يميل إلى االنخفاض‪ ،‬مرحلة بعد‬ ‫ٍ‬ ‫لويس بيلي للقيام برحلته الشهيرة إلى الرياض‬ ‫ومقابلة اإلمام فيصل بن تركي للحصول على أخ��رى حتى يصل على نهاية عميقة تحجبها‬ ‫ع��ن ال��ن��ظ��ر سلسلة جبلية ش��اه��ق��ة‪ ،‬تتعرج‬ ‫صداقة األمير السعودي(‪.)4‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪31‬‬


‫بألوانها المحمرة‪ ،‬والمنظر عبر هذا الوادي‬ ‫وحتى نهايته تظلله بساتين النخيل‪ ،‬وأشجار‬ ‫الفاكهة‪ ،‬ال��ت��ي تحمل عناقيد ث��م��اره��ا‪ ،‬كما‬ ‫يظللها لون أسود ضارب إلى االخضرار على‬ ‫مدى انحناءات الوادي‪ ،‬وثمة مبنى غير منتظم‬ ‫يلوح ككتلة سمراء على قمة جبل في المنطقة‬ ‫ال��وس��ط��ى‪ ،‬وراءه قلعة طويلة م��ن��ف��ردة‪ ،‬تطل‬ ‫على الجانب اآلخر من ال��وادي‪ ،‬وإلى األسفل‬ ‫ال تلوح أبراج صغيرة دائرية ورؤوس منازل‬ ‫قلي ً‬ ‫مسطحة‪ ،‬تختفي وتظهر بين أوراق أشجار‬ ‫البساتين‪ ،‬وكأن الوادي يغتسل في تيار عمودي‬ ‫م��ن ال��ض��وء وال���ح���رارة‪ ،‬ك��ان ه��ذا أول منظر‬ ‫لمدينة الجوف عندما اقتربنا منها‪ .»..‬وقد‬ ‫ق�دّر بلجريف امتداد المدينة بأربعة أميال‪،‬‬ ‫وأما متوسط عرضها ال يزيد عن نصف ميل‪.‬‬ ‫وم��ا ك��اد يصل إل��ى هناك مع رفاقه حتى‬ ‫تصدى لـه اثنان من رج��ال المدينة وكبارها‬ ‫هما غ��اف��ل وض��اف��ي ال��ح��ب��وب‪ ،‬وق��د ن��زل في‬ ‫ضيافة غافل الحبوب‪ ،‬وحفلت أيام إقامته فيها‬ ‫بدعوات كريمة من وجهاء المدينة وكبارها‪،‬‬

‫وأكرمه بلجريف في الجوف الكثير من الناس‬ ‫ودعوه إلى منازلهم‪ .‬لقد ذكر بلجريف هؤالء‬ ‫أحياناً بأسمائهم‪ ،‬وأش��ار إليهم م��رات أخرى‬ ‫دون ذكر أسماء‪ ،‬يصف قهوة مضيفه متخذاً‬ ‫قهوة غافل أنموذجاً لبقية المقاهي الجوفية‬ ‫بقوله‪:‬‬ ‫«كانت (غرفة) قهوة غافل عن صالة بيضاوية‬ ‫كبيرة‪ ،‬يصل ارتفاعها إلى عشرين قدماً‪ ،‬وطولها‬ ‫خمسون قدماً‪ ،‬وعرضها نحو ستة عشر قدماً‬ ‫تقريبا‪ ،‬وكانت ج��دران الغرفة مطلية بألوان‬ ‫سمجة ه��ي البني واألب��ي��ض‪ ،‬تُخلل جدرانها‬ ‫تجاويف مثلثة الشكل‪ ،‬خصصت لوضع الكتب‬ ‫برغم أنها لم تتوفر لغافل هي والمصابيح‪،‬‬ ‫واألش��ي��اء األخ���رى م��ن ه��ذا القبيل‪ ،‬وسطح‬ ‫القهوة مسطح ومصنوع من الخشب‪ ،‬أما أرضية‬ ‫القهوة فكانت مفروشة بالرمل الناعم النظيف‪،‬‬ ‫ومزيّنة بطول جوانب الجدران‪ ،‬بقطع طويلة من‬ ‫وصفَّت من فوقه على بعد مسافات‬ ‫السجاد‪ُ ،‬‬ ‫متساوية مَسانِد مكسوّة بالحرير‪ ...‬وفي أقصى‬ ‫أطراف القهوة‪ ،‬بالتحديد عند الطرف البعيد‬

‫قلعة زعبل‬

‫قصر خزام بدومة الجندل‬

‫‪32‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫قلعة مارد‬


‫أما عن النشاط االقتصادي لسكانها‪ ،‬فتأتي‬ ‫الزراعة بالدرجة األولى‪ ،‬ويشير إلى البساتين‬ ‫وم��زارع النخيل‪ ،‬ويعدها أكثر انتاجاً مقارنة‬ ‫بمزارع شمّر ونجد‪ ،‬وعنها يذكر‪ :‬إن البساتين‬ ‫في الجوف مسوّرة بجدران طويلة من اللبن‪،‬‬ ‫وتجري بداخلها جداول من الماء من شجرة إلى‬ ‫أخرى ومن جدول إلى آخر‪ ،‬ومن بين المزروعات‬ ‫ينفرد التمر بالمكانة األولى بالبيع والتصدير‪.‬‬ ‫والذي يعد السلعة الرئيسة في التجارة‪.‬‬ ‫أما عن عدد السكان فهو يراوح ما بين ثالثة‬ ‫وثالثين إلى أربعة وثالثين ألف نسمة‪ ،‬معتمداً‬ ‫على تعداد المساكن‪ ،‬وعلى الروايات الشفوية‬ ‫مع األهالي‪ ،‬كما تتألف من ‪ 10-8‬قرى‪ ،‬وتتكون‬ ‫كل قرية من ‪ 60-50‬منزالً‪.‬‬ ‫وي���ش���رح ب��ل��ج��ري��ف ب��ال��ت��ف��ص��ي��ل ال��ظ��روف‬ ‫السياسية التي تعاقبت على المنطقة منذ‬ ‫الفترة التي سبقت ظهور اإلسالم‪ ،‬إلى الوضع‬ ‫السياسي آنذاك‪ ،‬وسيطرة طالل بن رشيد على‬ ‫الجوف‪ ،‬ويذكر أن السكان هنا ينحدرون أصال‬ ‫من قبيلة طيء‪ ،‬وهم بشكل عام «طوال القامة‪،‬‬ ‫أجسامهم متناسقة ذوي بشرة فاتحة اللون‬ ‫وشعر أسود فاحم»‪ ،‬وهم إضافة‬ ‫ٍ‬ ‫إلى حد ما‪،‬‬ ‫إلى هذا يتمتعون بالصحة والنشاط ويبقون‬ ‫هكذا إل��ى سن متقدمة‪ ..‬وال شك أن لمناخ‬ ‫منطقتهم الجيد ونمط الحياة التي يحيونها‬ ‫عالقة بذلك‪ ..‬وأهم ما يميز سكان الجوف هو‬ ‫كرمهم‪ ..‬وال يوجد في شبه الجزيرة العربية‬ ‫كلها مكان يعامل فيه الضيف كما يعامل هنا‪ ،‬وال‬

‫دراس �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ات ون �ق �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��د‬

‫قرب الباب‪ ،‬يوجد وجار صغير يتكون من كتلة‬ ‫كبيرة مربعة من صخور الجرانيت‪ ،‬يبلغ ضلعها‬ ‫نحو عشرين بوصة‪ ،‬ويوجد بهذه الكتلة تجويف‬ ‫على شكل مدخنة‪ ،‬مفتوح من األعلى‪ ،‬ويتصل‬ ‫من األسفل بأنبوب أفقي صغير‪ ،‬يمر من خالله‬ ‫الهواء‪ ،‬الذي يدفع بواسطة منفاخ»‬

‫يستطيع أحد أن ينكر على السكان شجاعتهم‬ ‫وكرمهم مع جيرانهم‪ .‬وقد وصف بلجريف هذه‬ ‫الضيافة بقوله‪« :‬وفي بعض األحيان‪ ،‬كنا نتلقى‬ ‫دع��وة من أح��د كبار م�لاك األراض���ي‪ ،‬لقضاء‬ ‫فترة الصباح في حديقته‪ ،‬ونأكل من األعناب‪،‬‬ ‫ونمتع أنفسنا بطريقتنا الخاصة‪ ،‬بأن نجلس‬ ‫تحت كرمات العنب التي يعلوها النخيل‪ ،‬وينابيع‬ ‫الماء تجري من حولنا‪ ،‬كم كان ذلك جميال بحق‬ ‫بعد الصحراء‪.»..‬‬ ‫كان الطعام في الجوف‪ ،‬هو الطعام التقليدي‬ ‫إلى حد كبير في نجد عموماً‪ ،‬ويشير بلجريف‬ ‫أن «الجريش» يشكل الوجبة الرئيسة عند أهل‬ ‫الجوف‪ ،‬كما يقدمون التمر مع العشاء‪.‬‬ ‫بلجريف لم ينس موضوعاً مهماً لدى أمثاله‬ ‫ال ُكثْر من الرحالة‪ ،‬اآلث��ار وم��ا يتعلق بها من‬ ‫أماكن أثرية تاريخية‪ .‬ولعل اآلث��ار ومحاولة‬ ‫التعرف عليها سبب من األسباب التي دفعت به‬ ‫إلى الجزيرة العربية‪ ،‬فعادة ما يبحث الرحالة‬ ‫والمستكشفون ف��ي رح�لات��ه��م ع��ن الجديد‬ ‫والغريب‪ ،‬واآلثار مطلب مهم لهؤالء‪ ،‬فهو يبحث‬ ‫ويستقصي في رحالته واصفاً م��ؤرخ�اً؛ نجد‬ ‫ذلك في حديثه عن االستحكامات التي رآها‬ ‫والقالع التي مر بها في طريقه‪ ،‬ومنها قلعة‬ ‫مارد التي وقف على آثارها‪.‬‬ ‫ب��ع��د أرب��ع��ة أي���ام م��ن وص��ول��ه‪ ،‬أت��ي��ح��ت له‬ ‫الفرصة لزيارة أميرها حمود العقال‪ ،‬الذي كان‬ ‫نائباً لألمير طالل الرشيد في الجوف(‪ )5‬بعد أن‬ ‫رطل من القهوة‪ ،‬وقد‬ ‫قدم له هدية عبارة عن ٍ‬ ‫وصف لنا بلجريف األمير حمود بقوله‪« :‬ظهر‬ ‫لا ق��ويَّ البنية‪ ،‬عريض‬ ‫لنا الحاكم حمود رج� ً‬ ‫المنكبين‪ ،‬ذا حواجب‪ ،‬وعيون س��وداء‪ ،‬يرتدي‬ ‫ثوباً أبيض محلِّي الصناعة‪ ،‬وعليه عباءة سوداء‬ ‫أنيقة مطرزة بالحرير األح��م��ر‪ ،‬وعلى رأسه‬ ‫المهيب منديل حرير أو ما يعرف بالكوفية‪،‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪33‬‬


‫يشدها عقال أبيض منسوج من وبر اإلبل بدقة‪ ،‬لضمان فرض سيطرته عليها‪ ،‬إلى جانب ما‬ ‫وبكفه مروحة من السعف»‪.‬‬ ‫فرضه م��ن ض��رائ��ب منتظمة على العقارات‬

‫ص��ادف ق��دوم بلجريف إل��ى ال��ج��وف وقتاً والماشية‪ ،‬والتي يقول عنها «وف��ي ظل هذه‬ ‫شهدت فيه المنطقة العديد م��ن التطورات‬ ‫الترتيبات الجديدة استعادت منطقة الجوف‬ ‫السياسية‪ ،‬فيذكر أنه لم يب َق للنفوذ العثماني‬ ‫للمنطقة سوى ذكر اسم السلطان في الخطبة‪ ،‬الكثير من عافيتها ورفاهها السابق»‪ ،‬وبناؤه‬ ‫وف��ي تلك السنة استطاع ط�لال الرشيد أن قصر خ��زام كمقر للحاكم‪ ،‬أش��رف على بنائه‬ ‫يخضع ال��ج��وف تحت سيطرته بعد أن عين‬ ‫األمير عبيد بن رشيد الذي بقي في الجوف‬ ‫عليها حاكماً عاما‪ ،‬وعين حمود العقال نائباً‬ ‫عنه فيها‪ ،‬كما شكل مجلساً استشارياً يتكون لمدة شهرين حتى تم االنتهاء منه‪.‬‬ ‫من ثالثة أشخاص من حائل‪ ،‬وجعل فيها حامية‬ ‫هذا وقد غ��ادر بلجريف الجوف في اليوم‬ ‫عسكرية لتجنيد عدد من األهالي على هيئة‬ ‫حرس خاص لنائبه في الجوف‪ ،‬واحتفظ األمير الثامن من شهر يوليو ‪1862‬م متوجهاً إلى حائل‬ ‫طالل بأربعةٍ من الرهائن من أعيان الجوف بعد أن مكث فيها نحو ثمانية عشر يوما‪.‬‬ ‫ * باحثة في التاريخ الحديث‪.‬‬ ‫(‪ )1‬نشر بلجريف كتابه عن هذه الرحلة في جزءين بعنوان‪:‬‬ ‫‪( central and eastern Arabia 1862 - 63‬قصة عام من الرحالت عبر وسط الجزيرة العربية وشرقيها‬ ‫‪1862‬م‪1863-‬م) وقد أهدى الكتاب إلى ذكرى «كارستن نيبور» وقال عنه (في تكريم الذكاء والشجاعة‬ ‫التي فتحت أبواب الجزيرة العربية ألوروبا)‪ .‬الجدير بالذكر أن رحلة بلجريف هذه أحدثت صدىً واسعاً‬ ‫بين المستشرقين‪ ،‬فممن أنكر رحلة بلجريف بادجر والسير هاري سانت جون فلبي المعروف بـ (عبداهلل‬ ‫فيلبي) وجاكلين بيرين وغيرهم‪ ،‬أبو عقيل عبدالرحمن الظاهري‪ :‬مسائل من تاريخ الجزيرة العربيَّة‪،‬‬ ‫ص ‪196‬م‪ .‬ومع ذلك يتميز كتاب بلجريف هذا عن غيره من كتب الرحالة األوائل بالتوصيف االجتماعي‬ ‫والفروقات النفسية والجسدية لسكان المناطق التي م َّر بها‪ ،‬فتجده يعقد المقارنات بين سكان الشمال‬ ‫وبين سكان نجد‪ ،‬ومقارنات بين المناطق داخ��ل نجد نفسها‪ ،‬ومقارنات بأهل اإلحساء والقطيف‬ ‫والصراعات المذهبية والحضارية بين السكان‪ ،‬ومن يمر فوق أراضي الجزيرة العربية‪.‬‬ ‫له كتاب «وسط الجزيرة العربية وشرقها» في جزأين‪ ،‬ترجمة صبري محمد حسن‪ ،‬المجلس األعلى للثقافة‬ ‫– مصر ‪2001 ،‬م‪.‬‬ ‫(‪ )2‬للمزيد من التفاصيل حول الرحالة وأهدافهم انظر‪ :‬أهداف الرحالة الغربيين في الجزيرة العربية‪ ،‬ضمن‬ ‫بحوث ندوة الرحالت إلى شبه الجزيرة العربية‪( ،‬دارة الملك عبدالعزيز‪1421 ،‬هـ‪2001/‬م)‪ ،‬وجمال زكريا‬ ‫قاسم‪ :‬الدوافع السياسية لرحالت األوربيين إلى نجد والحجاز‪ ،‬دراسات تاريخ الجزيرة العربية‪ ،‬الكتاب‬ ‫األول‪ ،‬الجزء الثاني‪ ،‬الرياض‪1397 ،‬هـ‪ ،‬ص‪.21-9‬‬ ‫(‪ )3‬مما يؤكد على االهتمام الفرنسي بالجزيرة العربية أن اإلمبراطور نابليون الثالث مَّ��ول رحلة كارلو‬ ‫جورماني التي قام بها في عام ‪1863‬م إلى أمير شمر‪ ،‬وكان هدف الرحلة الظاهري شراء خيل لإلصطبل‬ ‫االمبراطوري‪ ،‬وألف كتابا بعنوان‪« :‬شمال نجد‪ :‬رحلة من القدس إلى عنيزة»‪.‬‬ ‫(‪ )4‬جمال زكريا قاسم‪ :‬الدوافع السياسية لرحالت األوربيين إلى نجد والحجاز‪ ،‬دراسات تاريخ الجزيرة‬ ‫العربية‪ ،‬الكتاب األول‪ ،‬الجزء الثاني‪ ،‬الرياض‪1397 ،‬هـ‪ ،‬ص ‪.19‬‬ ‫(‪ )5‬للمزيد من التفاصيل عن عالقة األمير طالل الرشيد بالجوف‪ ،‬انظر‪ :‬خليف الشمري‪ :‬طالل عبداهلل آل‬ ‫رشيد ‪1283-1238‬هـ‪1867-1822/‬م قراءة سيسو تاريخية‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار جداول‪2016 ،‬م‪ ،‬ص ‪.224-210‬‬ ‫‪Narrative of a year's journey through‬‬

‫‪34‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫لغة شعرية تلبس لبوس التح ّول واالنزياح‪ ،‬ممغورة بالمعاني المتجددة‬

‫دراس �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ات ون �ق �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��د‬

‫الشاعر السعودي العاصي بن فهيد‬ ‫في ديوانه ممرات السنونو‬

‫‪ρρ‬إبراهيم احلجري*‬

‫يواصل الشاعر السعودي العاصي بن فهيد نحته‬ ‫لتجربته ف��ي الكتابة ب��ص��وت يسمه ال��ت��ع��دد وال��ث��راء؛‬ ‫فبعد مجموعته المفتوحة «شيخ الصعاليك» (القاهرة‬ ‫‪2003‬م)‪ ،‬ومجموعته الشعرية «أهل الخانكة» (القاهرة‬ ‫‪2004‬م)‪ ،‬وم��ج��م��وع��ت��ه ال��ش��ع��ري��ة «م����م����رات ال��س��ن��ون��و»‬ ‫(ال��ق��اه��رة ‪2015‬م)‪ ،‬ي��رت��اد ع��ال��م المحكي ال��روائ��ي من‬ ‫خالل إص��دار روايته القصيرة األول��ى (نوفيال) «صورة‬ ‫في المزاد» (القاهرة ‪2016‬م)‪ ،‬لتكتمل أرك��ان التعدد في تحديه العنيد لتقاليد‬ ‫الكتابة وحدودها‪ ،‬معلنا أن ورش اإلبداع لديه مفتوحة اآلفاق على مصراعيها أمام‬ ‫التنوع واالختالف‪ ،‬وأن معايير الشكل أو الجنس األدبي لن تكون عائقا أمام فورته‪،‬‬ ‫وهواجسه‪ ،‬وأفكاره‪ ،‬التي تتأبى على االنكماش ضمن قالب فني واحد وأوحد‪.‬‬ ‫لذلك كله‪ ،‬يجرب العاصي الكتابة ص��ور تصنعها البشاعة اإلنسانية في‬ ‫في كل األشكال واألنواع واألجناس بحثا عالم تجتلب أركانه بقوى الشر‪ ،‬ونوازع‬ ‫ع��ن ص��وت التفرد ل��ل��ذات‪ ،‬وتنقيبا عن الخطيئة‪.‬‬ ‫قالب يكون جديرًا بهذا المغص الكتابي‬ ‫‪ .1‬شعرية الخراب‬ ‫الهجاسيّ ؛ وك��أن العكوف على الكتابة‬ ‫تنبثق القصائد المشكلة للديوان من‬ ‫بالنسبة إليه ورشا مفتوحا على الرياح‬ ‫القادمة من كل الجغرافيات األجناسية روح يباس‪ ،‬تتشقق تربتها وتنزف‪ ،‬لتقول‬ ‫وال���ق���ارات األس��ل��وب��ي��ة‪ ،‬غ��اي��ت��ه األس��م��ى آهات ال حد لها‪ .‬من أول سطر يطالعك‬ ‫في ذلك بناء معنى على أنقاض معنى‪ ،‬األنين‪ ،‬ويصدر عن العبارات والكلمات‬ ‫وتشكيل ص���ورة للجمال ع��ل��ى أن��ق��اض عصف من الدمار‪ ،‬وبراكين من الخراب‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪35‬‬


‫ال��ذي يدمر الكيان قبل العمران‪ ،‬والشاعر‬ ‫بذلك‪ ،‬يعبّر عن وضع واقعي ونفساني‪ ،‬ويوجّ ه‬ ‫ن��ق�دًا الذعً ���ا لتوجّ ه اإلن��س��ان الجديد ال��ذي‬ ‫وطىء على كل القيم اآلدمية‪ ،‬وراح يقتفي أثر‬ ‫همجيته وحيوانيته‪ ،‬وغ��رائ��زه ورغباته التي‬ ‫ليس لها حدّ‪.‬‬ ‫يستلهم الشاعر بن الفهيد روح قصيدة‬ ‫«األرض اليباب»‪ ،‬ويستنهض رمادها البعيد‬ ‫الذي لم يخمد دفؤه بعد‪ ،‬في القصيدة العربية‬ ‫المعاصرة‪ ،‬مشكّال أرضه اليباب الخاصة به‪،‬‬ ‫ومستخلصا عتمات‬ ‫ً‬ ‫مصغيًا لكونه الجواني‪،‬‬ ‫الواقع العربي الذي وصل‪ ،‬في تصور الشاعر‬ ‫التخييلي‪ ،‬إلى حالة من الخراب الذي يشبه‬ ‫إلى حد بعيد‪ ،‬ما وصفته شعرية س‪ .‬إليوت‬ ‫تتشبث ثم تغور في الضفة الرطبة‪ .‬الريح‬ ‫قبل قرن من الزمن‪.‬‬ ‫وبتأملنا لِكِ ل ْتي القصيدتين‪ ،‬قصيدة إليوت‪،‬‬ ‫وقصيدة العاصي «ممرات السنونو» (لنعدها‬ ‫�ص��ا ك��ب��ي �رًا) ف��ي م��ح��اول��ة إلي��ج��اد‬ ‫ت���ج���اوزًا ن� ً‬ ‫المشترك بينهما‪ ،‬سنجد أن أج��وا ًء وحقوالً‬ ‫معجمي ًة ودالل��ي � ًة ت��ت��ردد هنا وه��ن��اك‪ ،‬لكن‬ ‫بنفَس إنساني‪ ،‬وبالغة تنبثق عن الخصوصية‬ ‫الكونية‪ ،‬بينما كانت «ممرات السنونو» تتحدث‬ ‫بلسان حال صاحبها الباحث عن قيم الحب‬ ‫والسالم واألمن واالطمئنان والمعنى في زمن‬ ‫الال معنى‪ ،‬زمن الضياع والحيرة‪ ،‬زمن انفلتت‬ ‫فيه ك��ل القيم م��ن مواقعها‪ ،‬وانقلبت رأس��ا‬ ‫على عقب‪ .‬فراح يفتش‪ ،‬بروح مدماة‪ ،‬ونف َِس‬ ‫شعري منكسر‪ ،‬عن العبارات التي تستعيد‬ ‫ِ ٍّ‬ ‫للذات موقعًا في العالم‪ ،‬وتنتشل ال��روح من‬ ‫م��وات شتوي قاهر‪ .‬وم��ن األج���واء اإلليوتية‬ ‫ٍ‬ ‫التي يستعيدها المنجز الشعري نورد المقطع‬ ‫التالي‪:‬‬

‫‪36‬‬

‫«خيمة النهر هوت‪ :‬أواخر الورقات‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫ت��ج��ت��اح األرض ال��س��م��راء‪ ،‬غ��ي��ر مسموعة‪.‬‬ ‫الحوريات انصرفن‪.‬‬ ‫أيها (التيمز) الحبيب‪ ،‬اجر الهوينا‪ ،‬حتى‬ ‫أتمّ اغنيتي‪.‬‬ ‫النهر ال يحمل قناني فارغة‪ ،‬أوراق شطائر‪،‬‬ ‫مناديل حرير‪ ،‬علَب مقوّى‪ ،‬أعقاب دخائن‬ ‫أو ش����واه����د أخ������رى م����ن ل���ي���ال���ي ال��ص��ي��ف‪.‬‬ ‫الحوريات انصرفن‪.‬‬ ‫ورف���اق���ه���ن‪ ،‬ال��م��ت��س��ك��ع��ون م���ن ورث�����ة أرب����اب‬ ‫المال؛‬ ‫انصرفوا‪ ،‬ولم يتركوا عناوين‪.‬‬ ‫(‪)1‬‬ ‫وبكيت‪»...‬‬ ‫ُ‬ ‫جلست‬ ‫ُ‬ ‫عند مياه (ليمان)‬ ‫ويقول العاصي مستعيرًا الجو ذاته‪:‬‬

‫من جزر التأمل ابتلعت‬ ‫من فاضت دموعي‬ ‫من له رحيق الصالة‬ ‫ومورد الجمعة‬ ‫أوشك فدنا‬


‫‪ .2‬كثافة مرجعية‬ ‫لعل الملفت أيضا‪ ،‬في مجموع القصائد‬ ‫الشعرية‪ ،‬هو هذه الكثافة المرجعية التي تؤثث‬ ‫النصوص‪ ،‬من حيث األسماء تحديدًا‪ ،‬والتي‬ ‫تحيل على مراجع في الفن واألدب والفكر من‬ ‫قوميات وثقافات مختلفة‪ .‬وهذا الحضور ليس‬ ‫اعتباطيا‪ ،‬بل له ما يبرره من خالل النصوص‬ ‫نفسها‪ ،‬ومن داخل المتن‪ ،‬فالشاعر في لحظة‬ ‫�االت إنسانية‪،‬‬ ‫انفعاله مع مقوله‪ ،‬يستذكر ح� ٍ‬ ‫وأعالم في مختلف المجاالت لهم عالقة بتلك‬ ‫ٍ‬ ‫الحالة الشعورية أو الال شعورية المخلخلة‬ ‫للوجدان والكيان‪ ،‬فيوردها ليعضد بها مقوله‬ ‫من جهة‪ ،‬وليثري بها جهات الحكي الشعري‬ ‫من جهة ثانية‪.‬‬ ‫إن االسم المستوحى ال يحضر منسلخا عن‬ ‫تراثه‪ ،‬ودالالت��ه‪ ،‬ورمزيته الثقيلة‪ ،‬خاصة لما‬ ‫يكون صاحبه قد صار رميمًا‪ ،‬فما عاد منه‬ ‫سوى إرثه الثقافي الذي يحتفظ له به التاريخ‪،‬‬ ‫فيعود صاحب هذا االسم ليحيى من جديد‪،‬‬ ‫في النص‪ ،‬بصورة محيّنة‪ ،‬وبأسلوب آخر يجعل‬ ‫صوته يتماهى مع األص��وات األخ��رى‪ ،‬فضال‬ ‫عن صوت الباث الذي هو الشاعر‪ ،‬فتتشكل‬ ‫رؤي��ة منزاحة للكون والعالم‪ ،‬من رح��م هذا‬ ‫التفاعل النصي واإلرثي‪.‬‬ ‫وقد استحضر الشاعر عددًا من األسماء‬

‫دراس �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ات ون �ق �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��د‬

‫من له على البعد أنا‬ ‫لو لم تمسسه نار‬ ‫من له ترف األسى‬ ‫ومبضع المشكاة‬ ‫دنا فتدلى‪...‬‬ ‫لحية السيد‬ ‫بين اصبعيه‬ ‫(‪)2‬‬ ‫وقطر المقل»‬

‫المشعة في التاريخ‪ ،‬والمشعة في ذاكرة الباث‬ ‫كمرجعيات كبرى مؤثرة‪ ،‬ليسهل عملية تمرير‬ ‫خطابه الشعري من خالل المحموالت االسمية‬ ‫التي ص��ارت م�لأى ب��دالالت جديدة ترهّ نها‬ ‫وتشحنها بالحيوية والمعنى‪ ،‬ومنها أذكر على‬ ‫سبيل التمثيل ال الحصر‪( :‬ابن سينا‪ ،‬كازانوفا‪،‬‬ ‫لويك ش��وف��ال‪ ،‬ع��ب��دال��رزاق ال��ب��ن‪ ،‬كاسندرا‪،‬‬ ‫بنديكت جابرييلي‪ ،‬عبداهلل الريامي‪ ،‬كارل‬ ‫ماركس‪ ،‬ابن الرومي‪ ،‬متمم بن نويرة‪.)...‬‬ ‫‪ .3‬حقول داللية كابوسية‬ ‫تحضن القصيدة في هذا المنجز الشعري‬ ‫ح��ق��والً معجمية ث��ري��ة‪ ،‬ت��ت��ف��اوت م��ن حيث‬ ‫بياناتها ووظيفتها في تشييد البنية العامة‬ ‫للنص‪ ،‬ويمكن تحديدها أس��اسً ��ا‪ ،‬ف��ي حقل‬ ‫ال��ذات‪ ،‬وحقل العالم‪ ،‬وحقل اآلخ���ر‪ ...‬وهي‬ ‫ح��ق��ول ت��ت��داخ��ل م��ع بعضها ب��ع��ض �اً‪ ،‬فحقل‬ ‫ال��ذات ينبثق عن فيض إحساسي رهيف من‬ ‫الشاعر‪ ،‬خاصة عندما يغوص في جوانياته‪،‬‬ ‫ويستفيض في توصيف لواعجها‪ ،‬وآالمها‪ ،‬في‬ ‫انسجام مع السياق المتحدث عنه‪ ،‬في الوقت‬ ‫الذي يتنمى حقل العالم أو المحيط أو الكون‬ ‫عندما يلتفت الشاعر إلى برانيته‪ ،‬وينسلخ عن‬ ‫ذاته‪ ،‬ويخرج من جسده؛ متأمال ما حوله من‬ ‫مالمح وكائنات وسلوكيات ومظاهر اجتماعية‬ ‫وسياسية وثقافية‪ .‬أم��ا الحقل اآلخ��ر فهو‬ ‫ينشط على الخصوص‪ ،‬لما يدخل الباث في‬ ‫رؤيته النسقية‪ ،‬إلى اآلخر مهما كان تجليه؛‬ ‫مكانا أو زمانا أو شخصا مختلفا في الرؤية‬ ‫والتصور والسياق الثقافي‪ ...‬وأغلب اللحظات‬ ‫الشعورية؛ يكون فيها هذا اآلخر امرأة يُتوجّ ه‬ ‫إليها بضمير المخاطب‪ .‬ويبدو أحيانا‪ ،‬كأ ّن‬ ‫هذا اآلخر ليس سوى تج ّل لألنا الباث بصيغة‬ ‫من الصيغ‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪37‬‬


‫ويغلب على هذه الحقول نبرة من الحزن‬ ‫��ام م��ع ال��ع��وال��م التي‬ ‫واألس����ى‪ ،‬ف��ي ت��ن��اغ� ٍ�م ت� ٍ‬ ‫تجتاحها اللحظة الكتابية؛ فالعالم المشيّد‬ ‫تخييليًا منهار‪ ،‬ومن الطبعيّ أن تكون العبارات‬ ‫والمفردات والمقوالت المعجمية معززة لهذه‬ ‫البشاعة اإلنسانية‪ ،‬إذ نجد استفحاال تراجيديا‬ ‫لتيمة الموت ومشتقاتها من المرادفات التي‬ ‫تتشاكل دالليًا لتؤسس جوًا عامًا‪ ،‬تهيمن عليه‬ ‫وفي الصدد نفسه‪ ،‬يتحرك اإلط��ار العام‬ ‫السوداوية والضبابية‪ .‬وقد سبق للشاعر س‪.‬‬ ‫لمجموعة الشاعر العاصي بن فهيد‪ ،‬الذي‬ ‫إليوت أن المس هذه األج��واء نفسها‪ ،‬بطعم‬ ‫يستلهم ه��ذه األج��واء ويسقطها على الواقع‬ ‫آخر‪ ،‬وإن تشابهت الرؤى‪ ،‬يقول‪:‬‬ ‫العربي الملتبس‪ ،‬وك��أن السيرورة التاريخية‬ ‫«بعد وهج المشاعل على الوجوه العَرِ قة‬ ‫ت��ت��ردد هنا وه��ن��اك‪ ،‬حسب السياق‪ ،‬وتجدد‬ ‫بعد صمت الصقيع في البساتين‬ ‫لحظتها في بيئات مشابهة أو مختلفة‪ ،‬وربما‬ ‫بعد اآلالم في األماكن الحجرية‬ ‫سبب لتمثيل هذا السياق‬ ‫داع أو ٍ‬ ‫كان أكثر من ٍ‬ ‫والصياح والعويل‬ ‫في تجربته‪ ،‬ولعل ما يعيشه العالم العربي من‬ ‫والسجن والقصر وتجاوب‬ ‫ومآس متتالية‪ ،‬تنهك الحق‬ ‫ٍ‬ ‫انتكاسات وفواجع‬ ‫رعد الربيع على الجبال القصيّة‬ ‫�اف‬ ‫اإلن��س��ان��ي على مستوى ك��ل األص��ع��دة‪ ،‬ك� ٍ‬ ‫الذي كان ح ّي ًا هو اآلن ميت‬ ‫إلشعال نار القلق واالنهيار في أي ذات غيورة‬ ‫الذين كنا أحياء نحن اآلن نموت‬ ‫على هويتها ووجودها‪ ،‬يقول الشاعر العاصي‬ ‫بقليل من الصبر‬ ‫في إحدى مقاطعه الشعرية‪:‬‬

‫بل رعد جاف عقيم بال مطر‬ ‫حتى الوحدة ال توجد في الجبال‬ ‫بل وجوه حمراء عابسة تشخر وتنخر‬ ‫من أبواب بيوت طين متصدّ ع‬ ‫لو كان ثمة ماء‬ ‫وال صخر‬ ‫لو كان ثمة صخر»‪.‬‬

‫ال ماء هنا بل مجرد صخر‬ ‫«في الحانة‬ ‫صخر وال ماء والطريق الرملي‬ ‫طقوس سرية للبكاء‬ ‫الطريق المتلوّي صعد ًا بين الجبال‬ ‫وعصفور ميت يتأمل المروحة‬ ‫التي هي جبال صخر بال ماء‬ ‫ينبش حفرة في قلبك‬ ‫لو كان ثمة ماء لوقفنا وشربنا‬ ‫بين الصخور ال يستطيع المرء ان يقف أو يزرع فيها امرأة‬ ‫إذا كدت ال ألمس شيئا‬ ‫يفكّ ر‬ ‫فافتح فمك‬ ‫العرق جاف واألقدام في الرمل‬ ‫وابتلع األرض»(‪.)3‬‬ ‫لو كان ثمة ماء بين الصخر‬

‫‪38‬‬

‫والمالحظ أن الشاعر يُكثر من المفردات‬ ‫ف��م جبلي ميت ب��أس��ن��ان ن��خ��رة ال ي��ق��در أن‬ ‫وال��م��ق��والت ال��دال��ة ع��ل��ى ال��ض��ي��اع وال��ح��ي��رة‬ ‫يبصق‬ ‫هنا ال يقدر المرء أن يقف أو يستلقي أو والتشرد واأللم والموت‪ ،‬وما يشاكلها من قبيل‪:‬‬ ‫(الموت‪ ،‬النكد‪ ،‬القبر‪ ،‬البكاء‪ ،‬األلم‪ ،‬األسى‪،‬‬ ‫يجلس‬ ‫الدمع‪ ،‬الفقد‪ .)...‬كما أن مقولة الحانة‪ ،‬وما‬ ‫حتى الصمت ال يوجد في الجبال‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫‪ .4‬إليوت مرة أخرى‪:‬‬

‫ع��رف الشاعر العاصي ب��ن الفهيد كيف‬ ‫يستثمر ثقافته الشعرية‪ ،‬ورؤياه للعالم ليبلور‬ ‫شعريته المتفردة‪ ،‬ويبتكر لذاته صوتا مميزا‬ ‫يشغل اللغة وال��ح��واس والمقروء والملموس‬ ‫وال��م��ع��ي��ش؛ ل��ي��ق��ول خصوصيته ال��ج��وان��ي��ة‪.‬‬ ‫وقد جاءت القصائد التي تتنوع بين الشذرة‬ ‫والمطولة‪ ،‬عاصفة بأحاسيس األلم والضيم‬ ‫والمفارقات‪ ،‬ناظمة بذلك‪ ،‬ألوانا من البؤس‬ ‫ال��ب��ش��ري‪ ،‬وص���ورا شتى م��ن دم���ار الكينونة‬ ‫والجوهر اإلنسانيين‪.‬‬

‫دراس �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ات ون �ق �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��د‬

‫يدور في فلكها أو يحيل عليها من مؤشرات‬ ‫بشكل حشوي في المجموعة لتعضد‬ ‫ٍ‬ ‫تتردد‬ ‫ثيمة الضياع والحزن اللذين يمآلن نفسية‬ ‫الشاعر‪ .‬وهي أج��واء داللية ال نشك في أن‬ ‫ال��واق��ع المعيش يستنبتها في روح الشاعر‪،‬‬ ‫ويحفز على تصويرها شعريًا‪ ،‬حتى وإن كانت‬ ‫أجواء مشابهة لقصيدة «األرض اليباب» من‬ ‫حيث حمولتها الفجائعية‪.‬‬

‫أمير (أكيتين) ذو البرج المنهار‬ ‫هذه النثارة دعّ مت بها خرائبي‬ ‫إذن ألت��دبّ��رن أم���رك‪( .‬هيرونيمو) ق��د ُج��نّ‬ ‫من جديد‬ ‫أعطوا‪ ،‬تعاطفوا‪ ،‬سيطروا‪.‬‬ ‫سالم‪ ..‬سالم‪ ..‬سالم»‪.‬‬

‫يؤدي بنا المناص األول‪ ،‬أو العتبة األولى‪-‬‬ ‫ال��ع��ن��وان‪ ،‬م��ب��اش��رة إل��ى األج����واء الكابوسية‬ ‫لقصيدة «األرض اليباب» إلليوت‪ ،‬ف��إذا كان‬ ‫هذا األخير ينهي قصيدته بترنيمة السنونو‪،‬‬ ‫التي يتمنى أن تتملكه كأفق للخالص‪ ،‬فشاعرنا‬ ‫العاصي بن الفهيد يصدّر بها مقوله الشعريّ ‪،‬‬ ‫منذ البداية‪ ،‬أي أنه قلب الصورة‪ ،‬ليستعير‬ ‫مقولة السنونو بحموالتها الغنية التي تفيض‬ ‫تبدو اللغة الشعرية في المجموعة بسيطة‬ ‫عن القواميس‪ ،‬كي يبئر جو الكآبة والحيرة‪،‬‬ ‫ويبدأ ع��زف سمفونية الخراب بلحن عربيّ أحيانا‪ ،‬وتتعقد أحيانا أخ��رى‪ ،‬لتلبس لبوس‬ ‫خاص‪ .‬يقول س‪ .‬إليوت مستعينا باإليحاءات التحوّل واالن��زي��اح‪ ،‬لكنها في العمق تستند‬ ‫ّ‬ ‫التي تثيرها لفظة «السنونو»‪:‬‬ ‫إلى طبقات سمينة من ال��دالالت‪ ،‬تفضي كل‬ ‫طبقة جديدةٍ ممهورةٍ بالمعاني‬ ‫ٍ‬ ‫قراءة فيها‪ ،‬إلى‬ ‫«أصطاد‪ ،‬والسهل القاحل خلفي‬ ‫يتوجب علّي في األقل ترتيب شؤوني؟ المتجددة‪ ،‬وكأنها تأسست لتشعل نار الشجن‬ ‫ّ‬ ‫أما‬ ‫ف��ي متلقيها‪ .‬إنها شعرية للشجب واإلدان���ة‬ ‫(جسر لندن) يتهاوى يتهاوى يتهاوى‬ ‫للقيم المتفسخة‪ ،‬المنحازة عن منطق الغريزة‬ ‫ثم توارى في اللهب المطه ٍّر‬ ‫م��ت��ى س��أص��ب��ح م��ث��ل ال��س��ن��ون – س��ن��ون��و يا البشرية‪ ،‬وقوانين ال��ك��ون‪ ،‬والمؤسسة على‬ ‫سنونو‬ ‫تمثيل الشهوات‪ ،‬والماديات‪ ،‬والنكوص القيمي‪.‬‬ ‫ * ناقد وروائي من المغرب‪.‬‬ ‫(‪ )1‬انظر توماس ستيرنز إليوت‪ :‬األرض اليباب‪ ،‬ترجمة عبدالواحد لؤلؤة‪ ،‬المؤسسة العربية للدراسات‬ ‫والنشر‪ ،‬بيروت لبنان‪ ،‬الطبعة الثالثة‪1985 ،‬م‪.‬‬ ‫(‪ )2‬ممرات السنونو‪ :‬مصدر مذكور‪ ،‬ص ‪.18‬‬ ‫(‪ )3‬العاصي بن فهيد‪ :‬ممرات السنونو‪ ،‬دار صفصافة للطبع والنشر والتوزيع‪ ،‬الجيزة‪ /‬القاهرة‪ ،‬مصر‬ ‫العربية‪ ،‬ط‪ .‬األولى‪2015 ،‬م‪ ،‬ص‪.16 .‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪39‬‬


‫الهوية والبناء السردي‬ ‫ُ‬

‫في روايات ما بعد الحداثة‬ ‫في المملكة العربية السعودية‬ ‫‪ρρ‬د‪ .‬أسماء الزهراني*‬

‫ت��رت��ب��ط فلسفة «م���ا ب��ع��د ال��ح��داث��ة» ل���دى ب��ع��ض روائ��ي��ي��ن��ا ب��ال��ف��وض��ى الفكرية‬ ‫والالمعنى ورفض االعتداد بأي تقاليد‪ ،‬وعلى رأسها التقاليد التي تحدد النوع‬ ‫السردي – من دون أن يعني ذلك أن تقيده عن التطور‪ -‬ولعل ذلك ناشئ عن قراءة‬ ‫منقوصة لهذا المصطلح الفضفاض‪ ،‬الذي يحتاج إللقاء المزيد من الضوء على‬ ‫دالالته وحضوره العالمي‪ ،‬ما دام حاضرا في ثقافتنا شئنا أم أبينا‪ ،‬وما دام يتمدد‬ ‫بأشكال مختلفةٍ تتسلل إلى مناحي حياتنا كافة‪ ،‬مسرودة وغير مسرودة‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫وم��ن مظاهر ع��دم استيعاب تيار «ما‬ ‫بعد الحداثة» في تطبيقاته الروائية‪ ،‬تلك‬ ‫العالقة السلبية بين مسألة «الهوية» ‪-‬التي‬ ‫تُعَد أحد أهم مرتكزات ذلك التيار‪ -‬وبين‬ ‫البناء السردي للرواية‪ ،‬فما عالقة فلسفة‬ ‫ما بعد الحداثة بالهوية؟ وهل من أهدافها‬ ‫إزالة الحدود من خارطة العالم الثقافية‬ ‫أم رسمها؟ والسؤال األهم‪ :‬ما الهوية التي‬ ‫تعد بها هذه الفلسفة؟‬

‫‪40‬‬

‫يمكن البدء من نقطتي الثبات والتحديد‪.‬‬ ‫فبمنطق فلسفة ما بعد الحداثة –بكل ما‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫يندرج تحتها من توجهات وتفسيرات‪ -‬ال‬ ‫توجد هوية ثابتة وال محددة منكفئة على‬ ‫ذاتها‪ ،‬ولم تنشأ تلك الفلسفة لتهدد الهوية‬ ‫بالفناء أو التذويب‪ ،‬بل لتعمل على إعادة‬ ‫تشكيل هذه الهويّات على منوال احتياجات‬ ‫ومصالح جديدة‪ .‬وينطوي تيار «ما بعد‬ ‫الحداثة» فكرياً على مفاهيم نقيضة لكل‬ ‫ظاهرةٍ سلطوية (مركزية)‪ ،‬وه��ي ليست‬ ‫ت��ه��دي�دًا للهوية إال بقدر م��ا تشكّله من‬ ‫سلطة واس��ت��ب��داد‪ .‬وحين تُ��وظَّ ��ف الهوية‬ ‫بوصفها أداة سلطوية‪ ،‬تستفز الروائي‬


‫وم������ن ال���م�ل�اح���ظ ع��ل��ى‬ ‫الروايات التي تمثل مقاومة‬ ‫سلطة الهوية توكيدها لهذه‬ ‫المقاومة ابتداء من العنوان‬ ‫(أول عتبات ال��ن��ص)‪ ،‬حيث‬ ‫تحضر الهوية فيه‪ ،‬محاصرة‬ ‫وخ��اض��ع��ة للتمييز وملمحة‬ ‫لإلقصاء‪ ،‬كما ف��ي عناوين‪:‬‬ ‫«حب في السعودية»(‪ ،)1‬و«بنات‬ ‫ال��ري��اض»(‪ ،)2‬و«اآلخ���رون»(‪،)3‬‬ ‫و«سورة الرياض»(‪.)4‬‬

‫وم���ن ال��م��ل��ف��ت أن ه��ذه‬ ‫ح��دث‬ ‫ٍ‬ ‫ال���رواي���ة ت��ق��وم ع��ل��ى‬ ‫رئ��ي� ٍ�س ه��و ان��ح��راف البطلة‬ ‫وميولها المثلية‪ ،‬وهذا يعني‬ ‫أن ال���رواي���ة ت��ت��أس��س على‬ ‫خلل في الهوية‪ ،‬إذ أن هوية‬ ‫ٍ‬ ‫ال��ب��ط��ل��ة ال ت��ت��ج��ه للتحقق‬ ‫بالتمايز واالختالف‪ ،‬كما هو‬ ‫المعروف‪ ،‬بل تتجه لالرتداد‬ ‫على ذات��ه��ا والتماثل معها‪.‬‬ ‫وهذا شكل من أشكال تكسير‬ ‫الهوية وتمييعها‪« .‬اآلخ��رون»‬ ‫ف���ي ال��ن��ه��اي��ة ص���رخ���ة ضد‬ ‫التمييز بكل أن��واع��ه‪ ،‬ضد‬ ‫الهوية المركزية‪ ،‬ومطالبة‬ ‫بتذويب الهوية‪ ،‬والمساواة في‬ ‫ظل هوية إنسانية واحدة‪ ،‬ال‬ ‫يفرق فيها بين سني وشيعي‪،‬‬ ‫وال بين سوي وغير سوي‪ ،‬وال‬ ‫بين ذكر وأنثى‪.‬‬

‫ي���ش���ي���ر ال�����ع�����ن�����وان ف��ي‬ ‫«اآلخ���������رون» ‪-‬م����ث��ل�اً‪ -‬إل��ى‬ ‫اآلخ���ر‪ ،‬المغاير ل��ل��ذات‪ ،‬من‬ ‫ه��م اآلخ����رون ف��ي ال��رواي��ة؟‬ ‫السُّ نة مقابل الشيعة‪ ،‬والذكر‬ ‫مقابل األنثى‪ ،‬السوي مقابل‬ ‫ال��ش��اذ‪ ،‬درج���ات م��ن الهوية‬ ‫تحضر في ال��رواي��ة‪ ،‬تكثفها‬ ‫الكاتبة في العنوان‪« .‬اآلخرون‬ ‫هم الجحيم» عبارة تصدر بها‬ ‫الكاتبة روايتها‪ ،‬وهي عبارة‬ ‫ملغزة‪ ،‬فهي من جهة يمكن‬ ‫أن تتضمن اعتراضا مجازيا‬ ‫على مضمونها‪ ،‬الذي يتضمن‬ ‫التفرقة العنصرية بين فئات‬ ‫من البشر‪ ،‬أو لعلها اعتراف‬ ‫وتوكيد لمعناها ال��ذي يعني‬ ‫اآلخ��ري��ن م��ن ال���ذك���ور‪ ،‬ك��ون‬

‫ي��ن��ع��ك��س ت��ف��ك��ك ال��ه��وي��ة‬ ‫وتشظيها ف��ي ال��رواي��ة على‬ ‫ب��ن��ي��ت��ه��ا‪ ،‬ف��ف��ي «اآلخ������رون»‬ ‫تتألف البنية ال��س��ردي��ة من‬ ‫م���ج���م���وع���ة م����ن ال��ق��ص��ص‬ ‫القصيرة واألحداث الملصقة‬ ‫بعضها ببعض‪ ،‬بشكل أفقي‬ ‫يفتقر للتصاعد والتشابك‬ ‫المقنع لألحداث والتفاصيل‪،‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫دراس �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ات ون �ق �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��د‬

‫لمقاومتها‪ ،‬إذ تصبح ممثلة‬ ‫للسلطة‪ ،‬فتكون مرفوضة من‬ ‫حيث المبدأ‪ ،‬ويتمرد عليها‬ ‫بوسائل السرد‪.‬‬

‫ال����رواي����ة ت��ت��ض��م��ن ان��ح��ي��از‬ ‫البطلة جنسيًا لعالم اإلناث‪،‬‬ ‫وهو أم ٌر ينطوي على خلفيات‬ ‫نفسية معقدة‪.‬‬

‫‪41‬‬


‫بحيث ال تكاد تجمعها حبكة‪،‬‬ ‫إنه نوع من االنتشاء بتكسير‬ ‫نموذج الهوية مرة بعد مرة‪،‬‬ ‫تمارسه بطلة ال��رواي��ة عبر‬ ‫حشد من العالقات المكررة‪،‬‬ ‫�ذات‬ ‫تكرر ال��ص��ورة نفسها ل� ٍ‬ ‫تتشظّ ى وت��ف��ق��د مالمحها‪،‬‬ ‫ووعيها بتلك المالمح‪ ،‬في‬ ‫سبيل تحطيم شبح الهويات‬ ‫المسيطرة‪ :‬ال��سُّ ��ن��ة‪ ،‬رج��ال‬ ‫ال��دي��ن ال��ش��ي��ع��ة‪ ،‬ال���ذك���ور‪..‬‬ ‫إلى آخر هرم السلطات في‬ ‫المجتمع‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫وت��ت��ص��در ال��ه��وي��ة ع��ن��وان‬ ‫رواي������ة أخ�����رى ه���ي «ب��ن��ات‬ ‫ال���ري���اض» ل��رج��اء ال��ص��ان��ع‪،‬‬ ‫وه��ي رواي��ة تتمحور كما هو‬ ‫واضح من اسمها حول هوية‬ ‫مكانية وثقافية معينة هي‬ ‫بيئة الرياض‪ ،‬بما تحيل عليه‬ ‫تقاليد‬ ‫ٍ‬ ‫ف��ي ال���رواي���ة‪ -‬م��ن‬‫وصبغةٍ دينيةٍ متشددة‪ ،‬تدور‬ ‫أحداثها في فضاء الرياض‪/‬‬ ‫ال��م��دي��ن��ة‪ ،‬وت��ت��م��ح��ور ح��ول‬ ‫ال��ري��اض‪/‬ال��ه��وي��ة‪ .‬مجموعة‬ ‫فتيات يواجهن ه��ذه الهوية‬ ‫ال��خ��ان��ق��ة ل���ه���ن‪ ،‬وي��ت��م��ردن‬ ‫عليها بطرق مختلفة‪ ،‬تتمثل‬ ‫ف��ي س��ل��وك��ي��ات خ��ارج��ة عن‬ ‫ح���دود اإلط���ار ال���ذي تمثله‬ ‫ال����ري����اض‪ /‬ال���ه���وي���ة‪ .‬وك��م��ا‬ ‫في «اآلخ���رون» تتفكك بنية‬ ‫ال��رواي��ة في بنات الرياض‪،‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫فتأتي على صيغة مجموعة‬ ‫رسائل بريد إلكتروني مجمعة‬ ‫بشكل عشوائي‪ ،‬في محاولة‬ ‫ت��وف��ي��ق��ي��ة‪ ،‬ت��ف��ت��ق��ر للمنطق‬ ‫والمعالجة السردية القائمة‬ ‫ع��ل��ى ال��ت��ص��اع��د ال���درام���ي‬ ‫المقنع‪ .‬وه��و م��ا ق��د يرتبط‬ ‫ب��ش��ك��ل م���ا ب��ت��ش��ظ��ي ال��وع��ي‬ ‫بالذات‪ ،‬وانفصال الهوية عن‬ ‫نموذجها وضياعها بين أصل‬ ‫في الرياض ‪-‬تحاول الكاتبة‬ ‫أال تنفك عنه انفكاكا كامال‪-‬‬ ‫ون��م��وذج خارجي من الشرق‬ ‫وآخ���ر م��ن ال��غ��رب‪ ،‬يُحتذى‬ ‫ب����دون ه���دف وال ن��ظ��ام وال‬ ‫غاية‪.‬‬ ‫وت���ت���ع���دد األم���ث���ل���ة ل��ه��ذه‬ ‫العالقة بين تشظي الهوية‬ ‫وارت���ب���اك المنطق ال��س��ردي‬ ‫ف����ي ن����م����اذج م����ن ال����رواي����ة‬ ‫السعودية‪ ،‬فهل يرتبط تيار‬ ‫ما بعد الحداثة في التجربة‬ ‫ال��س��ع��ودي��ة ب��ان��ه��ي��ار البنية‬ ‫التقنية ال��س��ردي��ة ل��ل��رواي��ة؟‬ ‫وانخفاض المعايير الفنية في‬ ‫كتابتها؟‬ ‫ي��أت��ي ج���زء م���ن اإلج��اب��ة‬ ‫ع��ل��ى ال���ت���س���اؤالت ال��س��اب��ق��ة‬ ‫ف��ي عملين ي��ت��س��اوق��ان في‬ ‫م��وض��وع��ه��م��ا وإن ي��ك��ن لكل‬ ‫منهما استقالله الفني‪ ،‬هما‬ ‫«جاهلية»(‪ )5‬لليلى الجهني‪،‬‬ ‫و«ميمونة»(‪ )6‬لمحمود تراوري‪،‬‬


‫والرحيل ف��ي ضياع العبودية م��ن عصر إلى‬ ‫عصر وقارة إلى قارة‪ .‬لكنه لم يظهر في تفكك‬ ‫بنية ال��رواي��ة ولحمتها كما ح��دث في رواي��ات‬ ‫«اآلخ���رون» و«بنات الرياض» وال تبعد عنهما‬ ‫رواي���ة «ح��ب ف��ي ال��س��ع��ودي��ة»‪ ،‬وه���ذا اختالف‬ ‫يحسب للروايتين‪.‬‬ ‫ما الذي يميز جاهلية وميمونة عن معظم‬ ‫جيلهما م��ن ال��رواي��ات؟ وم��ا ال��ذي يجعل من‬ ‫ال��رواي��ات األخ��رى تتأخر في مستواها الفني‬

‫دراس �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ات ون �ق �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��د‬

‫وفي كال العملين رفض للعنصرية‪ ،‬واستنكار عن الروايتين األخيرتين؟ وما موقع تيار ما بعد‬ ‫لتسبب الهوية في ضعف عنصر أمام عنصر الحداثة في هذا اإلشكال‪.‬‬ ‫آخ��ر متسلط‪ .‬تتحدث ميمونة ع��ن األف��ارق��ة‬ ‫ال يمكن الجزم بأن تفكك بنية الرواية في‬ ‫المجاورين للحرم المكي الشريف‪ ،‬وظ��روف‬ ‫ال��رواي��ات المدروسة وم��ا يقترب منها راج � ٌع‬ ‫معيشتهم ومعاناتهم في االندماج وسط البيئة‬ ‫كليا النتمائها لفلسفة ما بعد الحداثة وتأثرها‬ ‫السعودية‪ ،‬وتتحدث جاهلية ع��ن قصة حب‬ ‫بتقنياتها‪ ،‬ورغم وضوح مظاهر هذه الفلسفة‬ ‫م��رف��وض��ة اجتماعيا ت��رب��ط ش��ا ًب��ا م��ن أص��ل‬ ‫على تلك الروايات وتفشيها‪ ،‬من خالل توظيف‬ ‫أفريقي بشابة سعودية‪ ،‬ويشير العنوان مباشرة‬ ‫وسائل العولمة المختلفة من الحاسب والجوال‬ ‫إلى البيئة الجاهلية‪ ،‬في مقابل اإلسالمية‪ ،‬تلك‬ ‫البيئة التي يتمايز فيها الناس حسب ألوانهم‪ .‬وغير ذلك من وسائل االتصال والتقنية‪ ،‬ومن‬ ‫خ�لال مضامين ثقافة ما بعد الحداثة التي‬ ‫إن��ه ص��راع القيم‪ ،‬ال��ذي يظهر في تناقض‬ ‫تناولناها‪ ،‬وم��ن خ�لال حضور هاجس الهوية‬ ‫الهوية‪ ،‬وتخلخلها هذا التناقض هو الذي يدفع‬ ‫وإشكاالتها‪ ،‬إال أن هناك أسبابا أخرى قد تتعلق‬ ‫أح��داث الروايتين للتقدم والتشابك‪ ،‬ويتحكم‬ ‫ببيئتنا المحلية وظ��روف مجتمعنا الثقافية‪،‬‬ ‫في حبكتيهما‪ .‬تظهر ثيمة ضياع الهوية من‬ ‫فتفكك بنية الرواية في األمثلة المشار لها آنفا‪،‬‬ ‫خ�لال تيه الشخصيات في المكان والزمان‪:‬‬ ‫قد يكون مرتبطا نوعا ما بسطحية التجربة‬ ‫المجاورون للحرم بال مكان في ميمونة‪ ،‬وبال‬ ‫تاريخ في جاهلية‪ ،‬س��وى تاريخ مثقل بالتيه والتسرع في النشر‪.‬‬ ‫وتدعم تجارب تراوري والجهني هذا القول‪،‬‬ ‫فكالهما منشغل ف��ي رواي��ت��ه بمواجهة شبح‬ ‫الهوية المتضخم على حساب هويات أخرى‬ ‫م��س��ح��وق��ة‪ ،‬م��ن غ��ي��ر أن ي��ؤث��ر ه���ذا ف��ي بنية‬ ‫الروايتين من حيث النضج ال��س��ردي‪ ،‬روايتا‬ ‫«جاهلية» و«ميمونة» كانتا تجسيدًا لمبادئ ما‬ ‫بعد الحداثة في الثورة على تهميش اإلنسان‬ ‫لعِ رقه وتمجيد ه��وي��ة أخ���رى لعرقها‪ ،‬لكنها‬ ‫قدمت مستوىً متماسكا في البناء‪.‬‬

‫* ناقدة من السعودية‪.‬‬ ‫(‪ )1‬إبراهيم بادي‪ ،‬حب في السعودية‪ ،‬دار اآلداب‪ ،‬بيروت‪2007 ،‬م‬ ‫(‪ )2‬رجاء الصانع‪ ،‬بنات الرياض‪ ،‬دار الساقي‪ ،‬بيروت‪2005 ،‬م‬ ‫(‪ )3‬صبا الحرز‪ ،‬اآلخرون‪ ،‬دار الساقي‪2006 ،‬م‬ ‫(‪ )4‬أحمد الواصل‪ ،‬سورة الرياض‪ ،‬دار الفارابي‪ ،‬بيروت‪2007 ،‬م‬ ‫(‪ )5‬ليلى الجهني‪ ،‬جاهلية‪ ،‬دار اآلداب‪ ،‬بيروت‪ ،‬الطبعة األولى‪2006 ،‬م‪.‬‬ ‫(‪ )6‬محمود تراوري‪ ،‬ميمونة‪ ،‬دائرة الثقافة واإلعالم‪ ،‬الشارقة‪ ،‬الطبعة األولى‪2002 ،‬م‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪43‬‬


‫االجتماعية‬ ‫األبعاد‬ ‫ّ‬ ‫في رواية‪( :‬دوم زين) للضميري‬ ‫الدهون*‬ ‫‪ρρ‬د‪ .‬إبراهيم َّ‬

‫وسمت بــ‪(:‬دُوم زين)‬ ‫صد َر حديث ًا عن الدَّ ار العربيّة للعلوم ناشرون‪ ،‬بيروت‪ ،‬رواية ِ‬ ‫السعودي عقل مناور الضميري‪ ،‬في مائتين وست صفحات من القطع‬ ‫للكاتب ّ‬ ‫جسدت واقع ًا معيشيا‪،‬‬ ‫المتوسط‪ ،‬أطلق فيها الضميري أبعاد ًا ورؤى اجتماعيّة ّ‬ ‫وعالم ًا حقيقي ًا خَ ��ب�� َر ُه ف��ي حياته العمليّة وت��م��رُّ ِس��ه العتيد ف��ي أم��اك��ن متباينة‪.‬‬ ‫��اض ِغمار‬ ‫فالتقط بعدسة عينيه البصيرتين دق��ائ��ق أم��ور جهلها كثيرٌ ممن خ َ‬ ‫العمل الحكومي‪ ،‬والعمل المؤسساتي‪.‬‬ ‫بدأ الضميري يرسم للقارئ لوحات‬

‫ف��ال��ض��م��ي��ري‪ ،‬ي��ع��ل��ي ح��ق اإلن��س��ان‬

‫من مشاهد متنقلة‪ ،‬ومحطات دقيقة بأمور اعتقدها آخرون بسيطة؛ لكنّها‬ ‫انتشرت بين ال � َّن��اس‪ ،‬اع��ت��ادوا عليها‪ ،‬ع��ن��ده عظيمة ال ي��م��ك��ن إغ��ف��ال��ه��ا أو‬ ‫حتّى أصبحت مألوفة‪ ،‬مقبولة ال يأنف التنازل عنها؛ وأولها‪ :‬اسمه‪ ،‬فمن حقه‬ ‫منها أحد‪ ،‬أو يمجّ ها رافض أو معاند‪ ،‬البسيط أن يحمل اسماً حسناً أو عنواناً‬ ‫برغم من سلبيتها وبذاءتها وتشويهها لطيفاً لشخصه‪ ،‬ال يفارقه طوال حياته‬ ‫لمظاهر كينونة اإلنسان‪ ،‬بما هو مخلوق الدنيوية؛ فمن هنا‪ ،‬يرى مثلبة سليمان‬ ‫أكثر سمواً وأعلى رقياً على غيره من بأنّه ألصق أو ألبس ابنه ناكر م�لاء ًة‬

‫‪44‬‬

‫المخلوقات األرضية‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫سوداويّة أحاطت به إلى الممات‪ ،‬إزاء‬


‫دراس �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ات ون �ق �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��د‬

‫اسمه الطافح ب��دالالت وملفوظات الرّفض‬ ‫والعصيان‪.‬‬ ‫الضميري في إعالءِ شأن الحوار‬ ‫ويتكئ ّ‬ ‫في ثنايا روايته‪ ،‬وذلك عن طريق االستعانة‬ ‫بشخصيتين متناقضتين األول��ى شخصية‬ ‫سليمان أبو ناكر وما ترمز إليه من ثيمات‬ ‫ال��ن��ك��ران وال��ت��ره��ل ف��ي ال��ع��م��ل اإلداري‪،‬‬ ‫ب��اإلض��اف��ة إل��ى سلوكيات أخ���رى اتّخذها‬ ‫منهجاً في حياته‪ ،‬تمثّلت بالتدخل في شؤون‬ ‫اآلخرين‪ ،‬والحط من قيمة زمالئه والتطلع‬ ‫إلى ما يمتلك غيره من أم��وال أو ماديات‪.‬‬ ‫والشّ خصية الثانية تجسّ دت بشخصية علي‬ ‫وم��ا ترمز إليه من قيم الفضيلة والصدق‬ ‫واإلخالص في األمانة بالعمل‪.‬‬

‫وإنَّ المتمعن لرواية (دوم زين) يلحظ أنَّ‬

‫الضميري حريص أن يسيطر سيطرة كاملة‬

‫وهكذا‪ ،‬استمرّت عدسة الضميري تجوب على عقلية القارئ حتّى يكشف له حقائق‬ ‫بنا المكان‪ ،‬وتأخذ المتلقي إل��ى محطات مجتمعية غفل عنها‪ ،‬أو غابت في قاموسه‬

‫ال معها‪ ،‬نحو‪:‬‬ ‫مختلفة من ص��روف الدّهر حيناً‪ ،‬ونماذج اليومي؛ ألنّه أكثر قرباً‪ ،‬وتواص ً‬ ‫النَّاس حيناً آخر‪ ،‬فإذا كان نموذج سليمان مدير الجامعة الجديد‪ ،‬إذ جسّ د أنموذجاً‬

‫مرفوضاً منبوذاً لدن الضميري‪ ،‬فإنَّ نايف لكثير م��ن أم��ث��ال المسؤولين الرافضين‬ ‫مثال النموذج الطامح المثقف المتعلم ذي ألع��م��ال أو خطط السّ ابقين ل��ه بوصفها‬ ‫النظر الثاقب إل��ى خدمة وط��ن��ه‪ ،‬وتحمّل قديمة مُنهجتْ في حقبة الرّاحل‪ ،‬إضافةِ إلى‬ ‫أعباء النهوض به‪ ،‬فترك بصمة الفتة للعيان‪ ،‬امتعاض الراوي من ادّعاء رؤساء أو أصحاب‬ ‫واستطاع أن يسهم في جذب المتلقي معها‪ ،‬مناصب أعماالً ليست لهم‪ ،‬أو لم يكن لهم‬ ‫فال يتركها إلى نهاية الرواية لما حملته من فضل بها إال بحكم منصبهم‪ ،‬دفعت ما دونهم‬

‫مزايا الخلق والعزم والجلد رغم الثغرات إلى أن يدونوا أسماءهم بصفتهم مشرفين أو‬ ‫وع��راق��ي��ل األع�����داء وم��ث��ب��ط��ات ال��خ��ص��وم متابعين لسير العمل‪ .‬وهذا مَا قا َد نايف إلى‬ ‫والمتربصين له‪.‬‬

‫أن يناقش مديره الجديد بغرابة واستهجان‪،‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪45‬‬


‫كيف يرضى أن يضع اسمه على غالف خطّ ة كان من (ألين) زميلة دراسة مشروع األسماء‬

‫الدّراسة الممنهجة والمرسومة قبل أن يتم إال أن تقدّم نفسها زوجة لالرتباط بنايف لما‬

‫تعينه مديراً للجامعة؟!‬

‫شاهدته نتيجة العمل المشترك بالمشروع‬

‫يتابع الضميري تعرية صنوف وتقريعها في ب�لاده من صفات نبيلة إلنسان متوثب‬ ‫حيناً من فئات المجتمع الشّ رقي‪ ،‬فبالرغم متوقد ال يكل العمل أو يمله‪ ،‬وما ميزه عن‬

‫من براعة حيلة اللص ودهائه‪ ..‬فإنَّ نهايته غيره من مزايا اإلدارة والخلق والمبادرة‪.‬‬

‫السقوط في براثن أفعاله السيئة‪ ،‬وهذا ما‬

‫ول��و تركنا األب��ع��اد السّ لبية‪ ،‬ونتائجها‬

‫حدث مع شخصية سليمان أبو ناكر‪ ،‬فحاول التّشاؤمية في الرواية سنلمس أهدافاً غائرة‬ ‫مرّة أخرى أن يعيد لملمة أوراق��ه ليثأر من في بطن ال��راوي‪ ،‬رسّ خها بطريقة مضادة‪،‬‬

‫نايف بااللتفاف ح��ول مديره الجديد‪ ،‬إال انكشفت بشخصية نايف تارة ووالديه تارة‬ ‫أنَّ نيته الفاسدة أوقعته شر مكانة‪ ،‬فدخل أخرى‪ ،‬وشخصية وكيل الجامعة أيضاً لحظة‬ ‫السّ جن لينقل معه طبيعته البليدة‪ ،‬وفكره إص���راره على بقاء أم��ث��ال نايف لخدمتهم‬ ‫الصادقة لوطنهم‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫المظلم للسجناء بعد أن اقترح عليهم أن‬

‫يعلم ك ّل واحد منهم اآلخر ما يتقنه من عمل‬

‫فكأننا أمام لسان الضميري يقول‪ :‬كما‬

‫أو حرفة‪ ،‬فيصبح هذا المنهج مدعاة لنشر أنَّ هناك موظفاً طُ فيلياً‪ ،‬ركب على ظهور‬ ‫الضالة ّ‬ ‫الرذيلة أو الحرفة ّ‬ ‫الضارة بممتلكات اآلخرين باالرتقاء‪ ،‬فإننا ال ننسى مَن كدَّ ‪،‬‬ ‫النّسيج المجتمعي ومكوناته‪.‬‬

‫وتعب ووض��ع اسماً ال يريد منه الشهرة أو‬

‫بيد أنَّ الضميري يأبى أن يقف يراعه عَ لماَ أو م���راءاة‪ ،‬بل ت��رك عمله ومنجزاته‬

‫عند مستنقع آسن ولغ منه فاسق أو ماجن تتكلم عنه‪.‬‬

‫فحسب‪ ،‬ب��ل نلحظه ينطلق مشدوهاً إلى‬

‫الضميري األدبيّة‬ ‫وأخيراً‪ ،‬تبقى تجربة ّ‬

‫ال فن ّياً جميالً‪ ،‬جمع في بوتقته خبرته‬ ‫اإلن��س��ان ال��ش��رق��ي ال��م��ث��ال‪ ،‬ش��رق��ي اعتلى عم ً‬ ‫منصة اإلب���داع‪ ،‬ون��ال مكانة مرموقة عند العمليّة‪ ،‬ليكون جسراً ينقلنا عبره إلى لغة‬

‫ِ‬ ‫أساتذته في‬ ‫ال بها أفعاالً إنسانيّة راوحت‬ ‫الغرب‪ ،‬وأقرانه في ال ّدراسة طوّعها‪ ،‬مشك ً‬ ‫هناك‪ ،‬فحظي حظوة ال تقف على جمال بين القبول وال��رف��ض‪ ،‬تاركاً للقارئ حرية‬ ‫اللون‪ ،‬أو ثراء المال‪ ،‬وإنما وجدوا فيه إنسانا االخ��ت��ي��ار ب��ع��د أن ي��ع� ّب��ر ع��ن رؤي��ت��ه تجاه‬ ‫للعالقة االجتماعيّة والحياة األسريّة‪ ،‬فما المنحَ يين أو الطريقين‪.‬‬ ‫ * الجامعة الهاشمية ‪ -‬األردن‪.‬‬

‫‪46‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫دراس �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ات ون �ق �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��د‬

‫لــوعـــة الفقــــد‬ ‫في «رائحة الفحم» لعبدالعزيز الصقعبي‬ ‫‪ρρ‬هشام بنشاوي*‬

‫يستهل عبدالعزيز الصقعبي روايته البكر «رائحة الفحم» بالحديث عن ذلك‬ ‫الشج الذي يعده السارد الذكرى األولى الشاحبة التي عرف من خاللها كيف يكون‬ ‫مثار فضول‪ ،‬ويتذكر عبثه بالفحم األسود‪ ،‬وهو يرسم على الحائط الرخامي ما‬ ‫وشمسا‬ ‫ً‬ ‫كان يعشقه في الحي‪ ..‬حمامة ونخلة‪ ..‬كان يرسم وجهً ا وطف ًال يلعب الكرة‬ ‫ونخلة‪ .‬تتعطل لغة الكالم وه��و عاجز عن وص��ف مقدار حنينه إليها‪« : ‬حاولت‬ ‫أقض مضجعي‪ ..‬أتعودين‪..‬‬ ‫أن أراك‪ ..‬توهمتك طيفا‪ ..‬كنت ذلك الصمت الذي َّ‬ ‫وتعدينني ب��أن تكملي تلك الكلمات التي ِخ��فْ ��ت أن تمزق وجهك ح��رارت��ه��ا‪ ..‬ال‬ ‫تخافي‪ ،‬فهذا الصمت بوحٌ لكل المشاعر‪.»...‬‬ ‫في المستشفى‪ ،‬تحت تأثير حقنة أخ��اه��ا‪ ،‬ال��ذي ك��ان يلعب معه‪ ،‬وال��ذي‬ ‫التخدير‪ ،‬حيث تنتفي المسافة بين الوهم ت��ح�وّل إل��ى كومة لحم تحت شاحنة‪..‬‬ ‫والواقع‪ ،‬يتصور نفسه شبحا يحلق في اشترت له ذات يوم قلمًا وزجاجة عطر‬ ‫سماوات األلم‪ ،‬يحلم سعيد – يا لمفارقة وكتابًا‪ ،‬وقالت له إنها تريده أن يصير‬ ‫ال أنيقا‪ ،‬وغادر الحي الصغير ذات‬ ‫االسم‪ -! ‬بابنة عمه ه��دى‪ ،‬التي كانت رج ً‬ ‫تكبره بسنوات‪ ،‬كانت تضحك دائما‪ ،‬صيف‪ ،‬وحين عاد قالوا له إنها رحلت‬ ‫وتهتم ب��ه‪ ،‬أحيانا تبكي عندما تتذكر بعد أن وجدت نصفها اآلخر‪ .‬لهذا صار‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪47‬‬


‫يخشى الرحيل‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫بعد م��وت األم‪ ،‬اتفق األب وزوجته على‬ ‫إرساله إلى بيت خالتها‪ ،‬ثم لحقت به أخته‬ ‫باكية‪ ،‬وكان يشعر بأن األب يبتعد عنه كلما‬ ‫زاره بصحبة أخته في اإلجازات المدرسية‪.‬‬ ‫ويشعر بالشوق يشده إلى الماضي ويدفعه‬ ‫إل��ى تذكر تفاصيل صغيرة لحياة بسيطة‪،‬‬ ‫وحين يرهقه التذكر يلجأ إل��ى أخته لكي‬ ‫تحكي له قصصا عن الحي الصغير‪ ،‬وعن‬ ‫خالته‪ .‬يتذكر فصله من المدرسة بعد هروب‬ ‫بعض التالميذ‪ ،‬الذين سيطرت عليهم رغبة‬ ‫تحدي األبواب المغلقة‪ .‬كان يراقبهم عن كثب‬ ‫حين قذف أحدهم الحارس العجوز بحجر‬ ‫حتى يبتعد عن البوابة‪ ،‬وحين هربوا فوجىء‬ ‫بالحارس يمسك به‪ ..‬هكذا تسبب فضوله‬ ‫في ضياعه‪ .‬وعمل فترة من الزمن في مكتبة‪ ،‬واعتبرت سكون الدخان الشهادة الصامتة‬ ‫لكنها ما لبثت أن أغلقت لكساد سوق الكتب‪ .‬لفترة اختناق‪ ..‬رائحة الفحم‪ ..‬ال���دوار‪...‬‬ ‫لكنها لم ت��أت‪ ،‬وسعيد غ��ادر الحي بعد أن‬ ‫***‬ ‫صدمه زواج هدى‪ .‬لكن سكون ماتت واختفى‬ ‫يتوقف السارد عند انتظار الجميع للخالة من األزقة عبقها الخاص‪ .‬سكون التي هددها‬ ‫األرملة «سكون» لحضور حفل زفاف هدى‪ ،‬والدها وهي طفلة تلعب في أحد أزقة الحي‬ ‫لكي يتلصصوا عليها وهي ترقص‪ ،‬والبرد ب��أن يجعلها خرساء إن سمعها م��رة أخرى‬ ‫يتجول في أزقة الحي ويدخل جميع البيوت‪ ،‬تغني!‬ ‫ويعلن البرد احتضاره في الغرفة التي يعلو‬ ‫***‬ ‫جدارها صورة سعيد‪ ،‬بمجرد مشاهدة اللهب‬ ‫غنى سعيد في زفاف صاحب المنجرة‪.‬‬ ‫يتخلل قطع الفحم الصغيرة‪ ،‬وينبعث الدخان‬ ‫من اللهب وتمتلئ الغرفة س���وادا‪ ،‬وتهمس لكنه س��رع��ان م��ا غ��ادر المكان الصاخب‪،‬‬ ‫سكون لنفسها‪« : ‬الليلة يريدني الجميع أن وقد أصابه الملل وتركهم يمارسون فرحهم‬ ‫أكون قمرا يشع‪ ..‬يجب أن أكون أجمل‪ ...‬ال بأغنيات مبتذلة بعد االع��ت��ذار منهم بعدم‬ ‫بأس من وضع شيء من البخور على الفحم»‪ .‬استطاعته االستمرار في الغناء‪ .‬اتجه الى‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫دراس �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ات ون �ق �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��د‬

‫المقهى الهادئ‪ ،‬وحدثه صديقه عن رغبته‬ ‫في الزواج بابنة الجار محمود‪ ،‬لكن سعيدا‬ ‫اشترط أن تكون العروس الموعودة تشبه‬ ‫فاتنته الممرضة ليلى‪ ،‬التي تعلق بها وهو‬ ‫محموم‪ ،‬وص���ارح صديقه برغبته بالبحث‬ ‫عنها بعد أخذ عنوانها من المستشفى‪ .‬وفكر‬ ‫سعيد في أن يزين حائط غرفته بصورته‪،‬‬ ‫وكأنها محاولة يائسة السترجاع مالمح تدب‬ ‫فيها الحياة‪ .‬تذكر حين كان صغيرًا يرسم‬ ‫بالفحم على الجدران الرخامية األشياء التي‬ ‫الكاتب عبدالعزيز الصقعبي‬ ‫ال‬ ‫يحبها‪ ،‬ويتمنى لو قٌ�� ِّد َر له أن يرجع طف ً‬ ‫ليرسم بجانب الحمامة وجه ليلى‪ ،‬وتحسر‬ ‫حذو خالته سكون بمغادرة الحي والبحث عن‬ ‫ألنه ال يملك قطعة فحم‪ ،‬والحائط مطلي‬ ‫مدينة سرابية‪ ..‬مدينة فاضلة‪ ..‬ورائحة الفحم‬ ‫بدهان زيتي‪ .‬فـأحضر ورقة بيضاء‪ ..‬وحاول‬ ‫تحاصره وتجعله يهذي‪ ،‬وتدفعه في إلحاح إلى‬ ‫أن يستحضر مالمحها‪.‬‬ ‫البحث عن سكون‪ ،‬وال��س��ؤال عنها إن كانت‬ ‫فرح حين أخبره صديقه أن ليلى عادت ماتت حقا‪ .‬شعر باالختناق في غرفته‪ ،‬والتي‬ ‫إلى المستشفى‪ ،‬وفوجئ بأنها عادت بصحبة ماتت فيها خالته‪ .‬ذهب للقاء عمه الذي أصر‬ ‫زوج��ه��ا ال��ط��ب��ي��ب‪ ،‬واس��ت��ح��ض��ر أم���ل دنقل على لقائه‪ ،‬وهو الذي رفضت سكون من قبل‬ ‫وكلماته التي بقيت تحاصره (كل هذا البياض ال��زواج به‪ ..‬فأخبره العم أنه قد عثر عليها‬ ‫يذكرني بالكفن)‪ .‬عاتبه صديقه‪ ،‬وال��ذي وهي حامل‪ ،‬ولم يطلع أحدًا سواه على التقرير‬ ‫طلب منه أن يذهب بدال منه ويطلب يدها خوفا من العار‪ .‬وطلب منه أن ينساها ويبيع‬ ‫أن��ه ك��ان من األول��ى أن يتأكد من أنها غير البيت ويحرق كل أشيائها‪ ،‬ويمسح من ذاكرة‬ ‫متزوجة قبل أن يهيم بها‪ .‬وآلمته سخريتها‪ : ‬الجميع اسمها‪ .‬وصارحه العم بأنه يعلم برغبته‬ ‫«بعد اآلن‪ ،‬ستضع الممرضات الفتات كبيرة في ال��زواج من ه��دى‪ ،‬فنفى ذلك بالقول إن‬ ‫على صدورهن كتب عليها متزوجة‪ ..‬غير ذلك كان في مراهقته‪ ..‬ونعلم أن العم يتقرب‬ ‫إليه بعد طالق ابنته‪ ..‬التي تعده مثل أخ‪ ،‬كما‬ ‫متزوجة‪!»..‬‬ ‫أخبرته أخته‪ .‬قرر أن يتناسى هدى التي لم‬ ‫****‬ ‫تكن تعلم برغبته القديمة وكذلك سكون‪ ،‬لكي‬ ‫انهار قصر األحالم الوردية الرملي‪ ،‬وقرر يتأكد من حقيقة التقرير األس���ود‪ ،‬حتى ال‬ ‫سعيد أن يغادر غرفته وكتبه‪ ،‬واختار أن يحذو تهتز صورتها األمومية الموشومة في الذاكرة‪،‬‬

‫‪49‬‬


‫وبعد ذلك يبحث عن مرفأ طالما بحث عنه‪،‬‬ ‫«لن تكون مدينتي سرابية‪ ..‬وستتحول رائحة‬ ‫الفحم إلى عبق رائع مثل تلك الرائحة التي‬ ‫عرفت بها سكون»‪.‬‬ ‫في بيتها‪ ،‬يذكره كل شيء أسود برائحة‬ ‫الفحم‪ ..‬باالختناق «هل ألن السواد هو لون‬ ‫النجاة من الموت»‪ ،‬ونفذ األمنية التي طالما‬ ‫رددها قبل أن يرحل؛ يفتح متجرًا صغيرًا في‬ ‫بيت سكون‪ ،‬ويبقى في انتظار من يدله على‬ ‫مدينته السرابية‪ ،‬ثم انقض على بائع الفحم‬ ‫متهما إياه بأنه السبب في موت سكون‪.‬‬

‫والغناء في حفل زفاف صغرى بنات عمه‪ ،‬ولم‬ ‫يتعرف عليه أي أحد من المدعويين‪ ،‬الذين‬ ‫بدأوا يتصايحون‪« : ‬سكون لم تمت»‪ ،‬واعتبره‬ ‫األهالي جالبا للعار للحي‪ ،‬بعد افتضاح أمره‪،‬‬ ‫وانهالوا عليه بالضرب‪ ،‬وطردوه من الحفل‪.‬‬ ‫وظل فاقدا للوعي‪ ،‬وفي المستشفى‪ ،‬رفض‬ ‫ال��ح��دي��ث م��ع المحقق‪ ،‬بعدما ب��دأ يسترد‬ ‫وعيه‪ ،‬ونطق بأسماء أفراد أسرته‪ ،‬وفوجىء‬ ‫بالممرضة ليلى تدخل الغرفة حاملة حقنة‬ ‫صغيرة‪ ،‬أوقعتها عندما نطق باسمها‪ ،‬وغادرت‬ ‫مسرعة‪.‬‬ ‫***‬

‫وبعد بحث مضن‪ ،‬اهتدى إلى أنه تمادى‬ ‫في العبث‪ ،‬وتساءل إن كان الموت هو الحقيقة‬ ‫يكتب عبدالعزيز الصقعبي ‪ -‬عن مأزق‬ ‫التي يطالب بها؛ «كلمة م��ات فعل م��اض‪ ..‬العيب في مجتمعات ازدواجية‪ ،‬تحترف النبذ‬ ‫وال��م��اض��ي ال ي���ع���ود‪ ،»..‬ون��ع��ت بالمجنون‪ ،‬واإلقصاء‪ ،‬تدفع البطل المأزوم‪ ،‬ذي النظرة‬ ‫وطالبه عمه بمغادرة الحي‪.‬‬ ‫الطفولية إل��ى ال��ن��اس واألش���ي���اء‪ ..‬للبحث‬ ‫في الحي الجديد‪ ،‬تزوج بعفيفة‪ ،‬بعد أن المضني والالمجدي عن عالم مثالي نقي‪،‬‬ ‫سمعها تغني في حفل زفاف‪ ،‬ولم يطلعها على والبحث الملتاع عن حنان األمومة المفقود‪-‬‬ ‫تفاصيل حياته القديمة‪ ،‬وكانت تتلذذ عند بلغة شاعرية تقطر شجنا تجعلك تتساءل‪: ‬‬ ‫سماع حديثه عن سكون وه��روب��ه إل��ى هذه «هل هي رواية أم قصيدة حزن؟ هذا السؤال‬ ‫المدينة ومحاولته نسيان رائحة الفحم‪ ،‬وهو يطرح نفسه عليك كلما أوغلت في القراءة‬ ‫يحمل في جسده كل تفاصيل األرق والغربة حتى إذا ما شارفت النهاية يكون الجواب إن‬ ‫والحزن‪ ،‬وحفر في ذاكرة أهالي الحي أوجاعه‪« .‬رائحة الفحم» رواية وقصيدة في آن معاً»‪.‬‬

‫وعند عودته الى الحي‪ ،‬فوجىء بعمارة شاهقة‬ ‫حلت محل بيت س��ك��ون‪ ،‬وح���اول ش��راءه��ا‪،‬‬ ‫وطلب من زوجته أن تتقمص شخصية سكون‪،‬‬ ‫لكي يفجر ذاكرة أهالي الحي‪ ،‬وطلب منها أال‬ ‫يعرفوا أنها زوجته إال بعد االنتهاء من الرقص‬

‫‪50‬‬

‫ * كاتب من المغرب‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫“(رائحة الفحم) هي أكثر من رواي��ة‪ ،‬هي‬ ‫إضافة شعرية حاول ال��راوي من خاللها أن‬ ‫يشير إلى عالقة التالزم بين الحياة والموت‪،‬‬ ‫فهما وجهان لعملة واحدة‪ ،‬ووجود أحدهما‬ ‫شرط لوجود اآلخر”‪.‬‬


‫«الحركات الرئيسة لرقصة الميرينجو»‬ ‫للشاعر عصام أبو زيد‬

‫دراس �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ات ون �ق �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��د‬

‫بعض مالمح ما بعد الحداثة في الكتابة الجديدة‬ ‫دراسة في ديوان‬

‫‪ρρ‬خالد حسان*‬

‫م��ن أه���م تجليات م��ا ب��ع��د ال��ح��داث��ة ف��ي ق��ص��ي��دة ال��ن��ث��ر ن��زوع��ه��ا ال��واض��ح نحو‬ ‫التداولية (التداولية أو البراجماتية ‪ pragmatique‬هو مصطلح لصيق بثقافة ما‬ ‫بعد الحداثة التي اهتمت بدراسة أشكال التعبير الشفاهي والطرق األكثر تداوال؛‬ ‫فالكالم المتداول هو الكالم المستخدم في لغة الحياة اليومية والتداولية بذلك‬ ‫سمة من سمات األدب ما بعد الحداثي الذي التصق بالواقعي واليومي والمعيش‪،‬‬ ‫وااللتحام بطرق وأدوات التعبير الشفاهي)‪ ،‬وإذا كان هذا النزوع قد بدأ التكريس له‬ ‫“محمد الماغوط” بوصفه تيارًا مغايرً ا داخل جماعة “شعر” اللبنانية‪ ،‬فإن النزوع‬ ‫إلى الشفاهية وطرق التعبير التداولي قد وصل إلى ذروته مع جيل التسعينيات‪.‬‬ ‫لكن التداولية سرعان ما أصبحت مطلبًا جماليًا يقصد إليه داخ��ل القصيدة‪،‬‬ ‫وتحولت من ضرورة تمليها مجموعة من المتغيرات السوسيو‪ -‬تاريخية إلى تيمة‬ ‫فنية يعول عليها كثيرً ا في صناعة الشعر وتلقيه‪ ،‬األم��ر ال��ذي ح��ال كثيرً ا دون‬ ‫تفجير الشعر‪ ،‬وأدى بقصائد كبار الشعراء إلى الدخول في رتابة اللغة النثرية ال‬ ‫حيويتها وعنفوانها‪.‬‬ ‫لقد وقفت كثيرًا بالتأمل والمراجعة‬ ‫أم��ام دي��وان الشاعر المصري “عصام‬ ‫أبو زيد” األخير المعنون بـ “الحركات‬ ‫الرئيسة لرقصة الميرينجو”‪ ،‬محاوالً‬ ‫البحث عن بعض الخيوط التي يمكن‬ ‫بالتقاطها الولوج إلى عالم غريب وساحر‬

‫تطرحه القصائد‪ ،‬لكنني وجدتني في‬ ‫موقف ال أحسد عليه‪ ،‬فنحن أمام شاعر‬ ‫ال يكتب الشعر‪ ،‬بمعنى أن��ه ال يكتب‬ ‫الشعر الذي نعهده‪ ،‬بل يحاول أن يضيف‬ ‫تحت أقدامنا مساحة جديدة في أرض‬ ‫الشعر‪ ،‬هو ال يكتب عن الحياة بقدر‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪51‬‬


‫ما يكتبها‪ ،‬نحن أمام اقتراح جديد لمفهوم‬ ‫الشعر‪ ،‬آليات أخرى يمكن االتكاء عليها في‬ ‫تعريفنا لما هو شعري‪ ،‬إن ما يقدمه الشاعر‬ ‫هنا ينتمي بقوة إلى مفهوم التداولية كأحد‬ ‫تجليات ما بعد الحداثة في قصيدة النثر‪،‬‬ ‫بحيث ال تظهر التداولية هنا كتيمة فنية‬ ‫أو آلية جمالية يتم االت��ك��اء عليها لتفجير‬ ‫الشعر‪ ،‬بل تبدو كصيغة مكافئة للشعري في‬ ‫عالم سقطت فيه كافة الحدود بين األجناس‬ ‫والثقافات والشعوب‪ ،‬عالم سائل‪ ،‬شفاف‪ ،‬هو‬ ‫عالم ما بعد الحداثة‪.‬‬ ‫أع��ت��ق��د أن أه���م م��ا يميز ت��ل��ك الكتابة‬ ‫أنها تقلص أو تلغي المسافة بين الواقع‬ ‫والخيال‪ ،‬بين ما نعيشه وما يمكن أن نعيشه‬ ‫أو نتمناه‪ ،‬هنا ال يظهر الخيال أو العالقات‬ ‫الغريبة داخل النص‪ ،‬بوصفها عالمًا مغايرًا‬ ‫للواقعي‪ ،‬والممكن والحقيقي‪ ،‬بقدر ما يبدو‬ ‫الخيال كأنه امتداد للواقع أو تجلٍّ آخر من‬ ‫تجلياته‪ ،‬هنا يحرص الشاعر على أن ينقل لنا‬ ‫صوت الحياة بصخبها وعنفوانها‪ ،‬بضجرها‬ ‫وقسوتها وبرودها وآليتها‪ ،‬يحرص الشاعر‬ ‫على أن يسمعنا ص��وت اإلن��س��ان الداخلي‪،‬‬ ‫حديثه بينه وبين نفسه‪ ،‬ذلك الحديث الذي‬ ‫هو حتمًا حديث شفاهي يمتلئ باالستطرادات‬ ‫والتكرار والحذف‪ ...‬إلخ من سمات الخطاب‬ ‫الشفاهي‪ ،‬يمكن بسهولة أن نتلمس هذا‬ ‫الوعي الشفاهي في كل نصوص الديوان‪،‬‬ ‫ال إلى النص اآلتي‪:‬‬ ‫انظر مث ً‬

‫‪52‬‬

‫تقول لنفسها لم أعد أحبه‬ ‫تقول نعم لم أعد أحبه‬ ‫تخرج مع صديقات لطيفات‬ ‫تخرج معهن وتضحك‬ ‫تشتري ساعة جديدة‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫عصام ابو زيد‬

‫تشتري ساعة جديدة وردية‬ ‫ثم تحطم الساعة‬ ‫تقول لنفسها لم أعد أحبه‬ ‫هي جميلة جدً ا‬ ‫هي تحب الرجل الخطأ‬ ‫هي تنظر في العين السحرية‬ ‫وتراه مبتسمً ا مضيئا‬ ‫يحمل عصفور ًا كناريا‬ ‫يحمل العصفور في قفص أبيض‬ ‫القفص بشرائط وردية‬ ‫ويطرق باب جارتها‬ ‫وجارتها ال ترد‬ ‫نصا مكتوبًا‪ ،‬لكنه‬ ‫الشاعر هنا يقدم لنا ً‬ ‫يحمل مالمح شفاهية واضحة‪ ،‬انظر إلى‬ ‫االس��ت��غ��راق ف��ي التكرار «ت��ق��ول لنفسها لم‬ ‫أع��د أح��ب��ه»‪« ،‬ت��ق��ول نعم ل��م أع��د أح��ب��ه»‪،‬‬ ‫انظر إليه وه��و يقول «تخرج مع صديقات‬ ‫لطيفات‪ ،‬تخرج معهن وتضحك»‪ ،‬بالطبع كان‬ ‫من الممكن أن يقول «تخرج مع صديقات‬ ‫�ض��ا‪:‬‬ ‫لطيفات وتضحك» وه��ك��ذا‪ ،‬ي��ق��ول أي� ً‬


‫دراس �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ات ون �ق �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��د‬

‫«ت��ش��ت��ري س��اع��ة ج���دي���دة‪ ،‬ت��ش��ت��ري ساعة‬ ‫جديدة وردي��ة» ك��ان من الممكن أن يحذف‬ ‫الجملة األولى‪ ،‬وكذلك تكرار «هي»‪ ،‬وتكرار‬ ‫الفعل «يحمل»‪ ،‬وهكذا نصبح أمام مجموعة‬ ‫كبيرة من الصيغ التداولية وأدوات التعبير‬ ‫الشفاهي التي يظهر من خاللها النص كما‬ ‫لو كان ترجمة لتسجيل صوتي ألغنية شعبية‬ ‫أو معزوفة موسيقية‪ ،‬تقفز خاللها الكلمات‬ ‫لتعبر عن إيقاع داخلي مدهش وج��ذاب‪ .‬ال‬ ‫يقصد الشاعر هنا إلى التأثير في القارئ‬ ‫أو محاولة استثارة انفعاله‪ ،‬هو ينقل إيقاع‬ ‫ال��ح��ي��اة بمنتهى ال��ح��ي��ادي��ة‪ ،‬يسجل حديث‬ ‫النفس الغائر في عمق الذاكرة في منطقة‬ ‫رمادية بين وعي الشاعر وال وعيه‪.‬‬

‫ب��ص��رف ال��ن��ظ��ر ع���ن ال��ل��غ��ة ال��ت��داول��ي��ة‬ ‫الواضحة‪ ،‬وأدوات التعبير الشفاهي‪ ،‬ينجح‬ ‫النص بشكل ملفت ف��ي اخ��ت��زال مجموعة‬ ‫كبيرة من اإليحاءات واالنفعاالت والمشاعر‬ ‫المبتورة والمتناقضة التي تمتلكها تلك المرأة‬ ‫إزاء ذلك العاشق المخاطب‪ .‬يصنع النص‬ ‫مجموعة متالحقة من الومضات الخاطفة‪،‬‬ ‫والجمل المتوترة التي تعكس حالة غريبة‬ ‫ومتفردة من الحب‪.‬‬ ‫من الواضح أن النص أو الحوار أو الرسالة‬ ‫قد خرج من المرأة بعدما استبد بها الشوق‬ ‫والشعور بالوحشة‪ ،‬فهي تريد أن تعبر عن‬ ‫مشاعر كثيرة وأفكار موحشة‪ ،‬تخيَّل معي‪:‬‬ ‫عندما تكون غاضبًا من شخص ما وتقول‬ ‫له بشكل فجائي وبنبرة ح��ادة وأن��ت تقطب‬ ‫ما بين حاجبيك‪ :‬اسمع‪ ..‬كذا وك��ذا وكذا‪.‬‬ ‫وهكذا يأتي النص كما لو كان حديث شخص‬ ‫غاضب‪ ،‬منفعل‪ ،‬مليء باالستطرادات‪ ،‬في‬ ‫جمل قصيرة ومقتضبة‪.‬‬

‫تظهر معظم ن��ص��وص ال��دي��وان كما لو‬ ‫كانت مجتزءًا من ح��وار بين شخصين‪ ،‬في‬ ‫الغالب رجل وامرأة‪ ،‬ويأتي النص كما لو كان‬ ‫استطرادًا أو تكملة لحديث ممتد بينهما‪،‬‬ ‫يتنوع ال��ح��وار بين ال��رج��ل وال��م��رأة بحيث‬ ‫يتجاذبا أطراف الحديث على مدار الديوان‪،‬‬ ‫يعكس الحوار حالة من الشعور المستبد‬ ‫فتبدو مجموعة النصوص كما لو كانت رسائل باالفتقاد والوحشة‪ ،‬لدرجة أن تلك المرأة‬ ‫بين عاشقين‪ ،‬تقول المرأة مثال‪:‬‬ ‫تبدو وكأنها تحاول أن تسكت كل األصوات‬ ‫اسمع‪ ...‬لن أكمل الصالة‬ ‫التي تحول دون تعبيرها عن ذلك الشعور‪،‬‬ ‫اهلل لم يعد يريدني‪ ،‬وأنا‬ ‫فهي تتخلص بشكل حاد وغاضب من مسألة‬ ‫أفتقدك بشدة‪..‬‬ ‫ع��دم إكمال الصالة بحجة أن اهلل لم يعد‬ ‫هل تصدقني لو قلت‪:‬‬ ‫يريدها‪ ،‬تتخلص من ذلك بسرعة لتأتي إلى‬ ‫إني رأيت أسطو ًال بحريًا كام ًال‬ ‫مأربها من النص وهو التعبير عن شعورها‬ ‫يهرب أمام سفينة واحدة للقراصنة‬ ‫المفجع ب��االف��ت��ق��اد‪ ،‬فتقول بشكل مباشر‬ ‫ولن تصدق أن القراصنة كلهم يشبهونك وقاطع وال يحتمل التأويل « أفتقدك بشدة‪»..‬‬ ‫هل كنت قرصانًا قبل ذلك؟‬ ‫أعتقد أن هاتين الكلمتين هما بيت القصيد‬ ‫أح ُّ‬ ‫�����ب ب�����ذرة ال���ش���ر ال��ص��غ��ي��رة ف���ي أع��م��اق كما يقولون‪ ،‬فعندما تنتهي منهما تهدأ وكأنّها‬ ‫روحك‬ ‫أخرجت فيهما كل ما في داخلها من غضب‬ ‫وأعتقد أنك خطفتني‪.‬‬ ‫وانفعال‪ ،‬بعدها تحكي بشيء من االستفاضة‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪53‬‬


‫حكاية األسطول البحري ال��ذي هرب أمام‬ ‫سفينة للقراصنة‪ ،‬وتخلص منها إلى اتهام‬ ‫ذل���ك ال��رج��ل ب��أن��ه ي��ب��دو ك��ق��رص��ان‪ ،‬فلقد‬ ‫خطفها‪ ،‬ورغم كل ما تعيشه من عناء وألم‬ ‫وشعور بالوحشه هي تحب ذلك‪.‬‬ ‫ال شك أن الشاعر هنا يضع نفسة في‬ ‫مخاطرة كبيرة‪ ،‬فهو يغامر بهذه الكتابة‬ ‫التي تتنصل من كافة المحددات والضوابط‬ ‫والتصورات التي ارتبطت بقصيدة النثر منذ‬ ‫نشأتها وحتى اآلن‪ .‬فهو فتح باب الشعر على‬ ‫مصراعيه ليجعله مكافئًا للحياة‪ ،‬الحياة‬ ‫التي زال��ت فيها كافة الحدود والمسافات‬ ‫بين الواقعي والخيالي‪ ،‬النخبوي والشعبوي‪،‬‬ ‫األدب���ي واالستهالكي‪ ،‬الفن الرفيع والفن‬ ‫الهابط‪ ،‬الحياة التي تظهر في شكل مجموعة‬ ‫هائلة من الصور المتالحقة‪ ،‬الحياة التي ال‬ ‫تعرف حتى المفارقة‪ ،‬التي هي من صنع‬ ‫ال��ش��ع��راء‪ ،‬فالصور المتناقضة ف��ي الحياة‬ ‫تتجاور وتتالحم‪ ،‬بل وتبدو غير متناقضة‬ ‫ال ع��ن أنها ليست األص��ل في‬ ‫أص�لا‪ ،‬فض ً‬ ‫هذا العالم‪ ،‬فاألصل هو االتساع واالختالط‬ ‫والتجاور‪ ،‬وكذا يتنصل نص «عصام أبو زيد»‬ ‫من جمالية مهمة من جماليات قصيدة النثر‪،‬‬ ‫وهي المفارقة‪ ،‬وينحاز النص في مقابل ذلك‬ ‫لعادية الحياة وتالحم صورها ومعانيها‪ ،‬انظر‬ ‫إليه وهو يقول‪:‬‬

‫هنا م��ف��ارق��ة م��ن ن��وع خ���اص‪ ،‬ح��ال��ة من‬ ‫المفارقة ليست صارخة‪ ،‬كلمة «حزين» هنا‬ ‫ج��اءت لتنهي النص بشكل ع��ادي وه��ادئ‪،‬‬ ‫بال محاولة لالفتعال أو اإلدهاش‪« ،‬الصيف‬ ‫رائع هنا وحزين» هكذا تبدو مشاهد الحياة‬ ‫عادية ورتيبة‪ ،‬وليست مفارقة أو متناقضة أو‬ ‫مدهشة بالشكل الصارخ الذي تصوره أغلب‬ ‫قصائد النثر‪.‬‬

‫اس��ت��ط��اع «ع��ص��ام أب���و زي���د» م��ن خ�لال‬ ‫ديوانه األخير «الحركات الرئيسة لرقصة‬ ‫الميرينجو» أن يجعل الحياة تنبض بين دفتي‬ ‫ديوانه‪ ،‬لقد ترك للحياة فرصة لتتحدث عن‬ ‫نفسها أمامنا دون تدخل أو مراقبة أو أي نوع‬ ‫أحب رقصة الميرينجو‬ ‫أنا ُّ‬ ‫من أنواع السلطة‪ ،‬حتى سلطة الشعر أظنها‬ ‫ِ‬ ‫وأنت تحبين مالعب الغولف قرب بحيرة سقطت من خالل هذه الكتابة التي تتأبى‬ ‫انريكييو‬ ‫على كثير من محاوالت التعريف والتأطير‪،‬‬ ‫لن نسافر هذا العام‬ ‫وتقترح نفسها قفزة واسعة المدى في سماء‬ ‫الصيف رائعٌ هنا‪ ،‬وحزين‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫الشعر!‬

‫‪54‬‬

‫* شاعر وناقد من مصر‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫دراس �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ات ون �ق �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��د‬

‫المجتمعية‬ ‫الصورة‬ ‫ّ‬

‫في رواية «كذبة إبريل» لــ«سمر المقرن»‬ ‫‪ρρ‬د‪ .‬نهلة الشقران*‬

‫تبدو العناصر الشكلية في النص ذات قدرة إيحائية لبيان إصرار البطلة على‬ ‫البحث عن ذاتها وانعكاسها في اآلخر المفقود؛ فالصور المجتمعيّة التي وظفتها‬ ‫والحس المرجعيّ ‪ ،‬والبيئة‬ ‫ِّ‬ ‫الكاتبة في روايتها تعبّر عن عدة أمور‪ ،‬هي‪ :‬عمق الرؤيا‪،‬‬ ‫المادي الذي يحيط بها‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫المألوفة‪ ،‬والعالم‬ ‫أه � ّم م��ا ميّز ال��رواي��ة ف��ي ه��ذا الصدد‬ ‫ه��و تصوير االن��ده��اش أوال م��ن ال��ص��ورة‬ ‫المجتمعيّة‪ ،‬وتسليط ال��ض��وء ثانيا على‬ ‫الخلخلة والخرق والتحوّل فيها‪ ،‬ثم ثالثا‬ ‫المواجهة والـتأسيس لألنا التي تعي هذه‬ ‫ال��ص��ورة وت��ح��اول ال��ت��ع��ام��ل معها بعقليّة‬ ‫دارية‪ .‬فالرواية تحمل في طيّاتها وظيفتان‪:‬‬ ‫وظيفة تعبيرية انفعالية تتضح بك ّل جالء‬ ‫في تسلسل األح���داث من جهة‪ ،‬وتصوير‬ ‫الوجدان من جهة ثانية‪ ،‬ووظيفة مرجعية‬ ‫تتعلق بمسح توثيقي لقصة ت��ت��ك�رّر في‬

‫المجتمع الخليجي‪ ،‬بؤرتها المرأة وقضية‬ ‫تهميشها في حرية اختيار الشريك‪ ،‬وفي‬ ‫القدرة على الرفض‪ ،‬حين يتحقّق الوعي‬ ‫بما يجب أن يكون وما ال يجب‪.‬‬ ‫وع��ل��ي��ه‪ ،‬ف��ق��د ال��ت��ج��أت ال��روائ��ي��ة إل��ى‬ ‫مجموعة من المبادئ التداولية بغية التأثير‬ ‫على ال��ق��ارئ‪ ،‬وإق��ن��اع��ه ذهنيا ووج��دان��ي��ا‬ ‫وحركيا‪ .‬لذا‪ ،‬وظفت مجموعة من األحداث‬ ‫ال��واض��ح��ة ال��م��أل��وف��ة الم���رأة ف��ي مجتمع‬ ‫خليجي محافظ‪ ،‬فلم توغل في التجريد‬ ‫وال��غ��م��وض واإلب���ه���ام‪ ،‬ب��ل ات��ص��ف��ت لغتها‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪55‬‬


‫‪56‬‬

‫جميل كانت تحياه البطلة‪ ..‬سرعان ما اكتشفت‬ ‫أنه كذبة معروفة وليس كذبًا حسب‪ ،‬بل كذبة‬ ‫متكرّرة كتكرّر شهر إبريل ك ّل سنة‪ ،‬ومشروعة‬ ‫بسبب ت��ع��ارف المجتمع عليها‪ ،‬ف�لا يُحاسب‬ ‫عليها قانون‪ ،‬وال ينكرها فرد من أفراد المجتمع‪،‬‬ ‫وكذلك الحب الذي تأمّلته المرأة في البطلتين مع‬ ‫الرجل‪ ،‬لم يكن إلاّ كهذه الكذبة مناسبة تقليدية‬ ‫بالسالسة والمباشرة‪ ..‬فبدت أقرب لجميع فئات اعتاد الناس فيها على االحتفال وإطالق النكات‬ ‫ال��ق��راء‪ ،‬ويعني ه��ذا أ ّن الروائية أخ��ذت بمبدأ وخداع بعضهم بعضاً‪.‬‬ ‫التعاون التداولي‪ ،‬مع اح��ت��رام عقدة التواصل‬ ‫إن الثنائية المجسدة ف��ي ال��ع��ن��وان‪ :‬كذبة‪/‬‬ ‫بينها وبين المتلقي‪ ،‬وذلك عبر تمثّل مجموعة‬ ‫من القواعد التداولية كقانون الصدق‪ ،‬وقانون إبريل‪ ،‬نجدها تمثّل بؤرة النص منها تتفجّ ر كل‬ ‫االستقصاء‪ ،‬فاختارت الحقيقة والتعيين والقرب الدالالت‪ ،‬وتتفرّع عنها ثنائيات أخرى طرفٌ لها‬ ‫من الواقع المجتمعي بما في هذا األمر من جرأة مذكور في العنوان‪ ،‬وطرفٌ آخر مُغيّب يفهم من‬ ‫محمودة لها‪ ،‬ورغبة في كشف الخبايا لقصص رب��ط المفردتين ببعضهما في العنوان‪ ،‬وهذه‬ ‫الثنائيات تستم ّد من الثنائية األص��ل (ص��دق‪/‬‬ ‫كثيرة تجري كل يوم‪.‬‬ ‫ك��ذب)‪ ،‬ومنها يت ّم تأطير سير األح��داث‪ ،‬لتظهر‬ ‫كما يتمثل قانون االستقصاء أو قانون الكمية‪ ،‬الثنائيات اآلتية‪ :‬نور‪/‬ظالم‪ ،‬براءة‪/‬شرّ‪ ،‬بياض‪/‬‬ ‫وذل���ك عبر االس��ت��ق��راء واالس��ت��ط��راد‪ ،‬وتقديم‬ ‫اسوداد‪ ،‬ذات معتدى عليها‪ /‬ذات معتدية‪ ..‬فنجد‬ ‫معلومات واف��ي��ة ع��ن المجتمع ال��س��ع��ودي في‬ ‫األحداث تتحرك على منحيين متضادين يحاول‬ ‫نظرته للمرأة وزواجها وعملها‪ ،‬ثم تصوير بيت‬ ‫كل واحد منهما الوقوف في وجه اآلخر وتغييبه‪.‬‬ ‫الزوجيّة الذي يُتكتم على حيثياته‪ ،‬فدخلت في‬ ‫إ ّن أهم خاصيات الخطاب الروائي هي أنه‬ ‫روايتها غرفة النوم التي غالبا تكون من حصة‬ ‫المرأة فقط‪ ،‬والديوانية التي تصبح كيان الزوج س��ردي‪ ،‬وهيمنة السرد في ه��ذه ال��رواي��ة يغفر‬ ‫المجهول‪ ،‬والمطبخ البارد الذي ال يجمع عائلة لها بساطة لغتها‪ ،‬فاشتغال الخطاب الروائي‬ ‫بقدر ما يلبي رغبات عابرة لضيوف مجهولين‪ .‬على القصة بأشخاصها وأحداثها وفضائها كان‬ ‫ملمحا‪ ،‬إذ ب��دت ال��رواي��ة قصة قصيرة مكبّرة‪،‬‬ ‫ت ّم عرض األحداث وتتابعها بأسلوب تصويري‬ ‫واق��ت��رب��ت م��ن الحميميّة ال��م��وج��ودة ف��ي عالم‬ ‫واض��ح يجمع بين التعيين والتضمين‪ ،‬ويسمى‬ ‫القصة بين العقدة الواحدة واألحداث المنبثقة‬ ‫هذا بالمحاكاة التامة في الوصف‪ ،‬وكأن الروائية‬ ‫منها‪ ،‬وأغلقت فضاءات الرواية الواسعة‪.‬‬ ‫تنقل القارئ ليحيا ما تعانيه بطلتاها‪ ،‬تتجسّ د‬ ‫ما يميز الرواية أنها تنتج خطابا صريحا‪ ،‬وال‬ ‫الوقائع أمامهما‪ ،‬فتشعران بالمعاناة التي تروي‬ ‫كذبة تثبتها الروائية حقيقة علنية في عنوانها تلعب على المضمر من القول‪ ،‬بل تنتج أفعاال‬ ‫«كذبة إبريل»‪ ،‬هذا العنوان الموحي بسيميائية تستبطن رسالة م��ا‪ ،‬وتتضمن خطابا ملموسا‬ ‫خاصة‪ ،‬أوال‪ :‬اإلضافة بين المفردتين وما توحي يُجسّ د بما هو محقق من األفعال‪ ،‬تقول البطلة‬ ‫به من تخصيص لكذبة إبريل التي عبّرت عن حلم مثال‪:‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫وف��ي ه��ذا رس��ال��ة صريحة توجّ هها الكاتبة‬ ‫بوساطة بطلتها لكل فتاة تحيا ف��ي المجتمع المرأة في هذا الصدد‪ ،‬انتصارها الوحيد في‬ ‫نفسه‪ ،‬وتطالبها بالشجاعة والصمود في مواجهة الهرب‪ ،‬وطيّ الصفحة بصمت‪.‬‬ ‫شبح العنوسة كي ال تقع فريسة أشباح ال ح ّد لهم‬ ‫يبرز ال��ح��وار األم��ر ذات��ه ك��ح��وار البطلة مع‬ ‫في ما بعد إن لم تحسن االختيار‪ ،‬وتعي قبل هذا‬ ‫صديقتها الذي تبثّ فيه خوفها من عودة زوجها‬ ‫كيف يكون االختيار‪.‬‬ ‫لزوجته األولى‪:‬‬ ‫إن ق���ارئ ال���رواي���ة ي��ج��ده��ا ت��غ� ّي��ب ال��ص��راع‬ ‫«لدي مخاوف أن تتغير نظرته ويفكر بالعودة‬ ‫الحدثيّ ‪ ،‬وتبرز فعل الكالم‪ ،‬وال��ح��وار‪ ،‬فتصف‬ ‫الظاهرة المجتمعيّة المقصودة بحذافيرها‪ ،‬وفي لها‪ ،‬فكما تعلمين كثير من الرجال تحلو المرأة‬ ‫الوقت نفسه تفسح المجال للفعل المادي‪ ..‬لكن األول���ى بعينه بعد أن يرتبط ب��أخ��رى! ن��وال‪..‬‬ ‫بصورة ضئيلة‪ ،‬ولنأخذ مثاالً على هذا وصف قالتها عواطف بحدة وهي تريد أن توقفني عن‬ ‫البطلة في هذا المقطع‪:‬‬ ‫الحديث‪ .‬وأكملت‪ :‬أشعر دائما أن المرأة عندنا‬

‫دراس �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ات ون �ق �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��د‬

‫(للتو استوعبت أنني تزوجت على طريقة‬ ‫«خ��ذوه‪ ..‬فغلّوه»‪ ،‬لم أعترض‪ ،‬فليس لي الحقّ‬ ‫في هذا أوال‪ ،‬كما أنّني أردت الخروج عن شبح‬ ‫العنوسة الذي بدأ يدبّ في أركان الفتاة رعبا منذ‬ ‫بداية العشرينيات! ص‪.»26‬‬

‫سمر المقرن‬

‫«بقيت خلف النافذة مرتعبة حتى في محطات تعيش الحب وه��ي بانتظار صدمة لذلك كلما‬ ‫ال��ه��دوء‪ ،‬بقيت أرتعش خوفا‪ ،‬وأوم��ئ بجسدي أحبّت أكثر رمت شرارة القلق في جوف العالقة‬ ‫رقصا على أنغام الموت‪ ،‬هذا الموت المنبعث أكثر‪.‬‬ ‫من داخلي‪ ،‬لم يكن في ذهني أنّه آت من عالم‬ ‫المرأة في ب�لادي تعرف أحيانا كيف تفسد‬ ‫مجهول‪ ...‬هو آت هذه المرة من حيث تعلم روحي‪،‬‬ ‫العالقة‪ ،‬أ ّم��ا الرجل فيعرف دائما كيف يهرب‬ ‫ومن حيث رسمتها خارطة جسدي المتواطئ مع‬ ‫ليوقد توتر امرأة أخرى‪ .‬السعوديون يعرفون كيف‬ ‫صرير هواء النوافذ‪ ،‬هذه الليلة يتواطؤون على‬ ‫يحبون‪ ..‬لكنهم ال يطمئنون لفكرة الحب‪ ».‬ص‪63‬‬ ‫طيّ أوراقي ودسّ ها في علبة الذكريات»‪.‬‬ ‫وهكذا يتعطل عمل الفعل ليفسح‪ ‬المجال‪ ‬لفعل‬ ‫فنالحظ أنها تنتج خطابا صريحا‪ ،‬وتقوم‬ ‫ب��أف��ع��ال تستبطن خ��ط��اب��ا ي��م��ك��ن ق���راءت���ه من القول‪ ،‬تغيب الثقة بالذات التي تجعلها قادرة على‬ ‫خالل األفعال‪ ،‬لكنّها تميل للفعل القولي أكثر التخلّص من الصورة المجتمعيّة‪ ،‬وتح ّل محلّها‬ ‫من الحدثيّ ‪ ،‬فهي تصف بعاطفة األنثى اآلثار خوف الذات من المجتمع وتفكيره ونظرته المنتج‬ ‫السلبية الواقعة على البطلة حين أحبّت بصدق‪ ،‬للقتل والمؤرخ ألحكام معدّة مسبقا عن المرأة‬ ‫وهي تؤكّد في الوقت ذات��ه أن ال سبيل لتغيير والرجل والحب‪.‬‬ ‫ * أكاديمية وقاصة من األردن‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪57‬‬


‫المعنى الشعري‬

‫لرشيد الخديري‬ ‫لملمة حبات العقد المنفرط‬ ‫‪ρρ‬د‪ .‬سعيد بوعيطة*‬

‫األخاذ الذي‬ ‫منذ القديم إلى اليوم‪ ،‬لم تتوقف محاوالت الكشف عن ذلك السر ّ‬ ‫يسكن اللغة الشعرية ويميّزها عن لغة النثر والمخاطبات اليومية بين الناس‪.‬‬ ‫ولعل هذا ما جعل من بين أهم انشغاالتهم النظريّة والتصوُّ رية في ذلك‪ ،‬مسألة‬ ‫الشعر‪ .‬فقد سعى الباحثون والنقاد على السواء للكشف عن خصائصه‬ ‫المعنى في ّ‬ ‫ومميّزاته وأنماط اشتغاله‪ .‬لكن البحث في هذا المعنى انتقل في العصر الحديث‬ ‫من تحديد مفهوم معنى الشكل إلى تحديد مفهوم شكل المعنى‪.‬‬ ‫انعكس هذا التحول‪ ،‬على البنية الدّاللية‬ ‫للقصيدة وسياقها وفاعليّتها في إنتاج‬ ‫المعنى‪ .‬ويمكن لنا أن نشير إل��ى أ ّن��ه‬ ‫ب��دأن��ا ننتقل م��ن بنية ال��ع��روض حيث‬ ‫هيمنة الوزن وأسبقيّته في تحديد مُكوّن‬ ‫النص‪ ،‬إلى بنية الداللة‬ ‫ّ‬ ‫الشعرية داخل‬ ‫حيث التركيز على المعنى وطرائق تمثيله‬ ‫وتشكيله فنّياً‪.‬‬

‫‪58‬‬

‫لقد شكّل بروز الشّ عر الحر‪ ،‬وقصيدة‬ ‫النثر تالياً‪ُ ،‬منْعطفاً الفِ ��ت �اً ف��ي تاريخ‬ ‫الشّ عرية العربية‪ ،‬إذ انْ��ه��ا َر المعمار‬ ‫التّقليدي للقصيدة‪ .‬فإلى جانب الثورة‬ ‫على اإلي��ق��اع التقليدي‪ ،‬وم��ا صاحبها‬ ‫النصي‪ ،‬ب��دأت‬ ‫ّ‬ ‫م��ن تغيّرات ف��ي البناء‬ ‫ع�لاق��ة ال��ش��اع��ر باللغة ت��أخ��ذ مناحيَ‬ ‫وجماليّات جديدة من الصوغ واالنْبِناء‬ ‫والتدليل‪ ،‬من خالل االستخدام الفرديّ‬ ‫اتّضح أن الشّ اعر لم يعد يهت ُّم بتحرير‬ ‫ل��ه��ا وإع����ادة تشكيلها خ���ارج طبيعتها‬ ‫الراسخة وأوضاعها القاموسية الثّابتة‪ .‬أخيلته من تسلُّط التراث البياني عليها‪،‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫حداثة اللغة وإشكاليّ ة الداللة‬ ‫لقد أصبح سؤال الحداثة الشعرية‪ ‬ضاغِ طاً‬ ‫على‪  ‬نصوص الشعراء وتجاربهم في تمثيل‬ ‫الذات والحقيقة بأكثر أدوات التعبير الشعري‬ ‫أصال ًة وج ّد ًة من خالل رؤاهم الشعرية للحياة‬ ‫والكون عامة‪ .‬وفي خض ّم التجربة الجديدة‪،‬‬ ‫بات في وسع الشّ اعر الحديث السباحة في‬ ‫بحار المعرفة السبعة بتعبير الشاعر صالح‬ ‫عبدالصبور‪ .‬ينهل من معارف العصر وثقافاته ‪ -2‬إغناء اللّغة بأشكال من المفارقة والتّجريد‬ ‫المتنوّعة الواردة من وراء البحر‪ .‬وأن يدعها‬ ‫والتناص‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫والتّرميز‬ ‫�ص��ورة بوصفها طاقة‬ ‫تمتزج ف��ي نفسه وف��ك��ره بثقافته العربيّة‪ -3 .‬توسيع م��دل��ول ال� ُّ‬ ‫ليستعين بها على تحليل واق��ع��ه وال��وق��وف‬ ‫اح��ت��م��ال� ّي��ة ت��ت��غ�ذّى م��ن ب�لاغ��ة التكثيف‬ ‫على المتناقضات والمالبسات التي تكتنفه‬ ‫واالنزياح‪.‬‬ ‫وإدراكها إدراكاً موضوع ّياً‪ .‬ومن ثمّ‪ ،‬التعبير‬ ‫النصي الذّي يشي بنوع من‬ ‫ّ‬ ‫‪ -4‬تشظي البناء‬ ‫عن ذلك كلّه بصوته الذاتي المفرد بشيْ ءٍ من‬ ‫راب��ط‬ ‫التشتُّت واالنتشار والتشذُّر‪ ،‬بال ٍ‬ ‫المعاناة‪ ،‬والقلق‪ ،‬والسخرية‪ ،‬ومراوغة الشكّ‬ ‫منطقيّ ‪.‬‬ ‫والتمرّد على واقع الهزيمة الفردية (الذاتية)‬ ‫لقد عملت هذه المميزات وغيرها على‬ ‫والجماعية‪  ..‬‬ ‫نقل حركة انبثاق المعنى من دائ��رة الدّاللة‬ ‫‪ ‬وبهذا تعددت المصادر الكتابيّة الجديدة المعجميّة إل���ى دائ����رة ال��دالل��ة السياقية‬ ‫إمكانات عدة‪ .‬بحث ثم إعادة‬ ‫ٍ‬ ‫الّتي صار شعر الحداثة يغترف منها ويُدْمنها؛ المفتوحة على‬ ‫ما أسهم في تكثيف المعنى إلى درجة التّعقيد بناء العالقات الوظيفيّة بين اللغة والمعنى‪.‬‬ ‫أحيانا‪ ،‬والغموض أحايين أخرى‪ .‬بهذا‪ ،‬وجد‬ ‫ش � ّك��ل ه���ذا ال��ت��ص��ور وغ���ي���ره‪ ،‬األس���اس‬ ‫المتلقي نفسه أم��ام إشكاليّة الداللة‪ .‬فقد‬ ‫المعرفي لكتاب المعنى ال��ش��ع��ري‪ :‬األف��ق‬ ‫تميزت هذه األخيرة بسمات عدة نذكر منها‪ :‬‬ ‫الجمالي وشعريات الرؤى للشاعر المغربي‬ ‫ٍ‬ ‫‪ -1‬تكسير الدّاللة الواحدة‪ ،‬وتفجير‬ ‫دالالت رشيد الخديري‪ .‬الصادر عن دائرة الثقافة‬ ‫واإلع�ل�ام بالشارقة‪ .‬سلسلة كتاب الرافد‪،‬‬ ‫جديدة‪ .‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫دراس �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ات ون �ق �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��د‬

‫وربطها بتجربته الجديدة فحسب‪ ،‬بل تعدّى‬ ‫ذل��ك إل��ى ال���دأب على توسيع أف��ق الصورة‬ ‫نفسها‪ ،‬لتت ِّسع أكبر ق��در م��ن االحتماالت‬ ‫المتَّصلة بأعماق التجربة‪.‬‬

‫‪59‬‬


‫العدد (‪ ،)126‬سبتمبر ‪2016‬م‪ .‬يقع الكتاب‬ ‫ف��ي (‪ )120‬ص��ف��ح��ة‪ ،‬وي��ت��ك��ون م��ن مقدمة‬ ‫وخمسة م��ح��اور صغرى (ل��ك��ون الكتاب لم‬ ‫يقسم إلى فصول)‪ .‬بحيث يمكن تحديد هذه‬ ‫المحاور كما يأتي‪:‬‬ ‫ المقدمة‪ :‬ص ‪.5‬‬‫ المعنى الجمالي وشعريات الرؤى‪ ،‬ص ‪.7‬‬‫ تجربة الشاعر عبدالهادي روضي‪ ،‬ص ‪19‬‬‫(من خالل ديوانه‪ :‬بعيدا قليال)‪.‬‬ ‫ تجربة الشاعر عبداللطيف ال��وراري‪ ،‬ص‬‫‪( 39‬من خالل ديوانه‪ :‬ذاكرة ليوم آخر)‪.‬‬ ‫ ت��ج��رب��ة ال��ش��اع��ر محمد ج��ع��ف��ر‪ ،‬ص ‪57‬‬‫(من خالل ديوانه‪ :‬في هفوة الليل‪ ،‬أول‬ ‫أسفاري)‪.‬‬ ‫ تجربة الشاعر محمد اللغافي‪ ،‬ص ‪( 79‬من‬‫خالل ديوانه‪ :‬يسقط شقيا)‪.‬‬ ‫وإذا كان علينا دائما أن ننصاع لنصح حجة‬ ‫اإلسالم اإلمام الغزالي في عدم االرتكان إلى‬ ‫معرفة الحق بالرجال‪ ،‬بل على العكس معرفة‬ ‫الحق أوال لنعرف أهله‪ .‬ف��إن ه��ذه المقولة‬ ‫كانت بالنسبة لي إرشادا أعانني على تصور‬ ‫ع��دة خصائص في شخصية ه��ذا الباحث‪.‬‬ ‫تحتم علينا الموضوعية التي يجب أن نسجلها‬ ‫في نهاية العرض ال في بدايته‪ .‬لكننا سننزاح‬ ‫عن هذه القاعدة ونسجل بعض المالحظات‬ ‫المحورية قبل عرض هذا الكتاب بنوع من‬ ‫ال��ت��ف��ص��ي��ل‪ .‬وذل����ك م��ن خ�ل�ال مالحظتين‬ ‫أساسيتين هما‪:‬‬

‫‪60‬‬

‫ت��ص��ورن��ا ع��ل��ى األق���ل إل���ى ك���ون الكتاب‬ ‫ق���راءات (ق����راءات عاشقة كما يسميها‬ ‫بعضهم)‪ ،‬ص��ادرة عن شاعر وليس عن‬ ‫ناقد ينطلق من تصور نقدي مُعيَّن يفرضه‬ ‫النص‪ .‬وإنما عن شاعر (لكون الباحث‬ ‫رش��ي��د ال��خ��دي��ري ش��اع��را ول��ي��س ن��اق��دا‬ ‫حسب معرفتي ب��ه)‪ .‬ولعل هذا ما أشار‬ ‫إليه الباحث الخديري نفسه في الصفحة‬ ‫السادسة من الكتاب‪ .‬يقول‪( :‬بهذا التصور‬ ‫ح��ول الشعر‪ ،‬وم��ا يبعثه ف��ي ال���روح من‬ ‫لذة وجمال‪ ،‬حاولت تتبع بعض التجارب‬ ‫الشعرية على تباينها واختالفها بحثا عن‬ ‫المفتقد والجوهري بين هذا وذاك‪ ،‬أ ُقِ ُّر‬ ‫بأنني لست ناقدا‪ ،‬وال باحثا يهتدي إلى‬ ‫النصوص بعدة األكاديمي الصارم‪ ...‬الخ)‪.‬‬ ‫‪ -2‬إن الحديث عن تجربة شعرية معينة‪ ،‬هو‬ ‫بالضرورة حديث عن التراكم الشعري‬ ‫ال��ذي حققه ه��ذا الشاعر أو ذاك؛ ألن‬ ‫هذا التراكم هو الذي يحدد مالمح تجربة‬ ‫شعرية معينة‪ .‬في حين اكتفى الباحث‬ ‫رشيد الخديري ب��دي��وان شعري واح��د‪،‬‬ ‫باستثناء الشاعر عبدالهادي روضي الذي‬ ‫تناوله الباحث من خالل ديوانين‪.‬‬ ‫الكتابة والبحث عن اإلشراق‬

‫حاول الباحث في مقدمة الكتاب‪ ،‬تقديم‬ ‫بعض ال��رؤى المختلفة المرتبطة بالكتابة‬ ‫األدبية (اإلبداع عامة)‪ .‬ليؤكد أن (من يمتهن‬ ‫حرفة الكتابة‪ ،‬ال بد له من إشراقات تخترق‬ ‫حجب المعنى) ص (‪ .)6 ،5‬كما حد َد الباحث‬ ‫‪1‬ـــ عدم اعتماد منهج نقدي في تناول هذه الشعر بوصفه اختراقا وكشفا ورؤي���ا‪ ،‬إنه‬ ‫التجارب الشعرية‪ .‬وقد يرجع ذلك حسب يجدد الحياة واللغة‪ .‬من خالل هذا التصور‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫دراس �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ات ون �ق �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��د‬

‫حول الكتابة والشعر‪ ،‬ح��اول الباحث رشيد‬ ‫الخديري تتبع هذه التجارب الشعرية على‬ ‫تباينها واختالفها أحيانا وتداخلها أحايين‬ ‫أخرى‪.‬‬ ‫المعنى الشعري وشعريات الرؤى‬ ‫ناقش الباحث رشيد الخديري في هذا‬ ‫اإلط����ار مجموعة م��ن ال��ق��ض��اي��ا‪ :‬التجربة‬ ‫ال��ش��ع��ري��ة وف��ع��ل ال��م��ك��اش��ف��ة‪ ،‬م����رآة النقد‬ ‫المكسورة‪.‬‬ ‫بالنسبة للمسألة األولى‪ ،‬يرى الباحث أن‬ ‫التجربة الشعرية تتشكل من حالة شعورية‪،‬‬ ‫أو هي شحنة وجدانية تندفع بقوة‪ .‬لتنزف‬ ‫على البياض‪ .‬تستقي هذه الشحنة مكوناتها‬ ‫وت��ج��ارب��ه��ا م���ن ت��ع��دد ال���راف���د ال��م��ق��روئ��ي��ة‬ ‫والثقافية‪ ،‬وك��ذا من رؤى الشاعر لألشياء‪.‬‬ ‫لعل هذه الخاصية هي التي تعطي للمبدع‬ ‫عامة والشاعر خاصة تفرده وتميزه من خالل‬ ‫تجربته اإلب��داع��ي��ة‪ .‬كما أش��ار الباحث إلى‬ ‫أهمية الرؤيا الشعرية‪ .‬يقول في الصفحة ‪10‬‬ ‫«من هنا‪ ،‬كانت الرؤيا أحد الروافد األساس‬ ‫في إغناء التجربة الشعرية‪ ،‬ومدّها بالعمق‬ ‫الذي تسعى إليه‪ ،‬ال معنى للقصيدة دون أفق‬ ‫يكشف لها تلك المعاني الثاوية في األعماق»‪.‬‬ ‫لكن على الرغم من أهمية تصور الباحث‬ ‫المرتبط بالرؤيا‪ ،‬فإننا نذهب جازمين إلى‬ ‫أن اإلب��داع عامة بكل أجناسه المختلفة ال‬ ‫يخلو من ه��ذه الرؤيا التي يبلورها المبدع‬ ‫من خالل أدواته وعناصره الفنية‪ .‬بعد ذلك‬ ‫أشار الباحث بنوع من االختزال إلى التطور‬ ‫والتحول الذي عرفته الشعرية العربية‪ .‬تح ُّو ٌل‬ ‫أدى في بعض مراحله إل��ى تراجع الشعر‪.‬‬

‫يقول ف��ي الصفحة ‪« :11‬المتأمل للراهن‬ ‫الشعري العربي اآلن قد يلحظ ذلك التكلس‬ ‫الذي يطبع الكثير من النماذج الشعرية‪ ،‬وفي‬ ‫اعتقادي أن التناصية السلبية‪ ،‬واالجترار‪،‬‬ ‫وغياب الرؤيا‪ ،‬هي من األسباب التي جعلت‬ ‫القصيدة تسقط في التهلهل والضعف‪.»...‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪61‬‬


‫منبن بشكل صحيح من جهة‪.‬‬ ‫إنه حكم غير ٍ‬ ‫كما أنه يتطلب معالجة عميقة وشاملة‪ .‬وفي‬ ‫المقابل‪ ،‬يشير الباحث الخديري كذلك إنه‬ ‫ينظر إلى الراهن الشعري بنوع من االبتهاج‪.‬‬ ‫نظرا لما تعرفه الساحة الثقافية من حركة‬ ‫إبداعية وتعدد التجارب وكثرة اإلص��دارات‪.‬‬ ‫إن هذا التضارب في المواقف واآلراء عند‬ ‫الباحث جعل أغلب تصوراته تعرف نوعا من‬ ‫الضبابية والغموض‪.‬‬

‫‪62‬‬

‫أما بالنسبة للمسألة الثانية التي تناولها‬ ‫الباحث في ه��ذا المحور فتجلت في مرآة‬ ‫النقد المكسورة‪ ،‬ناقش من خاللها إشكالية‬ ‫المنهج النقدي العربي؛ فرأى أن النقد العربي‬ ‫ال��ق��دي��م (ال��ت��راث ال��ن��ق��دي) ال يغني النص‬ ‫الشعري الحديث في ش��يء‪ ،‬أم��ا الرحالت‬ ‫المتوالية إل��ى المناهج ال��واف��دة (ال��غ��رب)‬ ‫(يقصد النقد العربي الحديث) فلن تخدم‬ ‫النص الشعري بتاتاً (ص ‪ .)14‬لكن حين‬ ‫انتقل الباحث رشيد الخديري من الحديث‬ ‫عن النص الشعري وما يعتوره من خلل‪ ،‬إلى‬ ‫إشكالية المنهج النقدي‪ ،‬م َّر على ذلك مرور‬ ‫الكرام كما يقال‪ .‬في حين أن إشكالية المنهج‬ ‫النقدي كذلك تتطلب معالجة شاملة‪ .‬وقد‬ ‫سبق لمجموعة من الباحثين أن خصصوا‬ ‫لهذه اإلشكالية أعماال كاملة‪ .‬نذكر من بينهم‬ ‫(عباس الجراري في كتابه خطاب المنهج‪،‬‬ ‫عبدالعزيز حمودة في كتابه الخروج من التيه‪،‬‬ ‫سيد البحراوي في كتابه البحث عن المنهج‬ ‫في النقد العربي الحديث ‪...‬ال���خ)‪ .‬لينتقل‬ ‫الباحث من هذه النظرات الشعرية والنقدية‬ ‫إل��ى ت��ن��اول التجارب الشعرية التي شكلت‬ ‫المحور التطبيقي للكتاب‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫في التجارب الشعرية‬ ‫‪ -1‬تجربة الشاعر عبدالهادي روضي‪:‬‬ ‫تناول الباحث رشيد الخديري في هذا‬ ‫اإلط��ار تجربة الشاعر المغربي عبدالهادي‬ ‫روضي‪ ،‬من خالل ديوانه بعيدا قليال‪ .‬ناقش‬ ‫من خاللها قضايا عدة‪ :‬قصيدة النثر كخيار‬ ‫أول (ص ‪ ،)20‬مع الخليل وضده (ص ‪،)23‬‬ ‫وجع األمكنة (ص ‪ ،)26‬بنية الخطاب الشعري‬ ‫(ص ‪ .)32‬إن الشاعر عبدالهادي روضي في‬ ‫دي��وان��ه بعيدا قليال‪ ،‬ينطلق م��ن مغامرته‪،‬‬ ‫مدفوعا بهاجس نقدي قرائي‪ .‬يحاول معرفة‬ ‫النص من الداخل؛ بمعنى آخر يحيا داخل‬ ‫القصيدة وخارجها‪ .‬وبهذا‪ ،‬فإن ديوان بعيدا‬ ‫قليال للشاعر عبدالهادي روضي‪ ،‬عبارة عن‬ ‫تجربة لها امتداد في األفق الشعري المغاير‬ ‫والمختلف لقصيدة النثر‪ .‬تتكىء هذه المغامرة‬ ‫الشعرية على ثنائية الرؤيا والمحو‪ :‬الرؤيا‬ ‫كفعل استشرافي لتحوالت الشعرية العربية‪.‬‬ ‫ثم المحو واالستنبات‪ ،‬كمحاولة للتخلص من‬ ‫سلطة األب المجسد رمزيا في أوزان الخليل‬ ‫والبحث عن آف��اق أخ��رى لتصريف الذائقة‬ ‫الشعرية‪.‬‬ ‫‪ -2‬تجربة الشاعر عبداللطيف الوراري‪:‬‬ ‫تجلت التجربة الثانية التي تناولها الباحث‬ ‫رشيد الخديري في تجربة الشاعر المغربي‬ ‫عبداللطيف الوراري من خالل ديوانه ذاكرة‬ ‫ليوم آخر‪ .‬ناقش فيها مجموعة من القضايا‪:‬‬ ‫هبة الفراغ‪ ،‬مغامرة اإليقاع‪ ،‬حدود الشعري‬ ‫والنقدي‪ .‬وإذا كان الشاعر عبدالهادي روضي‬ ‫ال يولي أكبر اهتمام لمستوى األوزان‪ ،‬فإن‬ ‫الشاعر عبداللطيف ال��وراري‪ ،‬يجعل اإليقاع‬


‫دراس �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ات ون �ق �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��د‬

‫عامال أساسً ا في التأثير الجمالي للقصيدة‪.‬‬ ‫فهو ينتقي ال��ج��رس الموسيقي المناسب‬ ‫لترجمة تموجات االنفعال‪ .‬إن��ه يعمل على‬ ‫تأثيث الفضاء النصي بموسيقى داخلية‪ .‬وفي‬ ‫حديثه عن الحد بين الشعري والنقدي عند‬ ‫الشاعر ال��وراري‪ ،‬يرى الباحث الخديري أنه‬ ‫يملك مجموعة من ال��رؤى تؤهله للنفاذ إلى‬ ‫الدواخل واحتضان التفاصيل‪ .‬وبهذا تبقى‬ ‫تجربة الشاعر عبداللطيف الوراري (حسب‬ ‫الباحث رشيد ال��خ��دي��ري)‪ ،‬شعريا ونقديا‪،‬‬ ‫تجربة غنية بانعطافاتها وتجلياتها‪ .‬ومن‬ ‫المؤكد أنها ترسم لنفسها خطا تصاعديا‬ ‫بنفس مغاير‪ .‬تمتح سماتها العامة‬ ‫نحو الكتابة ٍ‬ ‫من الشعرية العربية الراهنة دون التوقف عن‬ ‫مساءلة المعيارية القديمة جماليا وإيقاعيا‬ ‫وبنائيا‪.‬‬ ‫ال بد في ه��ذا اإلط��ار من ال��وق��وف عند‬ ‫مسألة المعيارية القديمة (حسب الباحث)‪.‬‬ ‫إن المعيارية ال ترتبط بكل م��ا ه��و قديم‬ ‫(حسب تصوري على األق��ل)‪ .‬لكن تُبنى من‬ ‫خالل التراكم الذي تحققه األجناس األدبية‪.‬‬ ‫تظل ه��ذه المعيارية ح��اض��رة ب��ق��وة‪ .‬نظرا‬ ‫لفاعليتها أحيانا‪ .‬فحتى حين نرفضها‪ ،‬فإننا‬ ‫نحاورها ونجددها ونضيف إليها‪ .‬وبهذا فهذه‬ ‫المعيارية ترافق اإلبداع في كل وقت وحين‪.‬‬ ‫إنها حاضرة في تقويم ما اعوج من اإلبداع‪.‬‬ ‫وتتطور بتطور اإلب��داع وتغيراته المستمرة‪ .‬مصدر إجابات؛ ما يعني أن القراءة النقدية‬ ‫إن العملية النقدية تعتمد المعايير ولو بشكل ال تصدر عن ف��راغ‪ ،‬وإنما عن وعي وخبرة‬ ‫نسبي‪ .‬كما أن ال��ق��راءة النقدية ه��ي التي وإدراك‪.‬‬ ‫تخرج النص اإلب��داع��ي م��ن منطقة الثبات‬ ‫‪ -3‬تجربة الشاعر محمد جعفر‪:‬‬ ‫واالطمئنان وتدفع به إل��ى منطقة الحركة‬ ‫ت��ن��اول الباحث رشيد الخديري تجربة‬ ‫واألسئلة‪ .‬ألن النص اإلبداعي منتج أسئلة ال‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪63‬‬


‫الشاعر المغربي محمد جعفر من خالل‬ ‫ديوانه في هفوة الليل‪ ،‬أول أسفاري‪ .‬وذلك‬ ‫من خالل مجموعة من المستويات‪:‬‬ ‫أ‪ -‬بحور الشعر المستعملة‪.‬‬ ‫ب‪ -‬نظام التقفية‪.‬‬ ‫ج‪ -‬الموسيقى الداخلية‪.‬‬

‫‪64‬‬

‫يؤكد الباحث رشيد الخديري أن تجربة‬ ‫محمد جعفر الشعرية (تجدد األفق وتبلور‬ ‫ال��وع��ي بقيم ال��ت��ذوق الجمالي والمعرفي‬ ‫ل�لأش��ي��اء‪ ).‬ص ‪58‬؛ م��ا ي��ج��ع��ل ال��خ��ط��اب‬ ‫الشعري عند محمد جعفر مفصوال عن‬ ‫ب��اق��ي ال��ت��ج��ارب األخ����رى‪ ،‬س���واء م��ن حيث‬ ‫اللغة أو الصور أو اإليقاع‪ .‬لكن ما يميز هذه‬ ‫التجربة الشعرية أكثر هو إص��راره��ا على‬ ‫االنهمار تفعيليا‪ ،‬بدل الكتابة تحت وصاية‬ ‫قصيدة النثر‪ .‬وبهذا‪ ،‬فالشاعر محمد جعفر‬ ‫(حسب الباحث الخديري)‪ ،‬يستلهم الكتابة‬ ‫عن وعي متجذر داخل موجة من الخيارات‬ ‫الجمالية‪ .‬أما على مستوى اإليقاع‪ ،‬فيرى‬ ‫الخديري (بعد تحليل نماذج من شعر محمد‬ ‫ج��ع��ف��ر)‪ ،‬أن ه��ذا ال��ش��اع��ر ق��د عمد أثناء‬ ‫استحضاره لإليقاع الخليلي إلى التنويع في‬ ‫نظام التقفية؛ ما خلق نوعا من المتوازيات‬ ‫الصوتية لدى الشاعر‪ .‬ولعل هذه هي الميزة‬ ‫األس���اس ف��ي شعر محمد جعفر‪ .‬وب��ه��ذا‪،‬‬ ‫يخلص رشيد الجديري في تناوله لتجربة‬ ‫محمد جعفر إل��ى ك��ون ه��ذا ال��ش��اع��ر قد‬ ‫تبنّى خيار قصيدة التفعيلة‪ .‬بما هي مرجع‬ ‫أس��اس للبوح الشعري‪ .‬ه��ذا األخير الذي‬ ‫تميز بتقنيات عروضية‪ ،‬ما منحه قوة شعرية‬ ‫وإبداعية‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪ -4‬تجربة الشاعر محمد اللغافي‪:‬‬ ‫أم���ا ال��ت��ج��رب��ة ال��ش��ع��ري��ة األخ���ي���رة التي‬ ‫تناولها الباحث الخديري‪ ،‬فتجلت في تجربة‬ ‫الشاعر المغربي محمد اللغافي من خالل‬ ‫دي��وان��ه يسقط شقياً‪ .‬تجنح ه��ذه التجربة‬ ‫(ح��س��ب ال��ب��اح��ث) نحو التمثل ال��درام��ي‪،‬‬ ‫وتنفتح في الوقت نفسه على األفق العدمي‬ ‫المعتم‪ .‬وكأننا إزاء رحلة تراجيدية نحو كل‬ ‫ما هو سوداوي؛ ما يخلق لدى الشاعر نوعا‬ ‫من القلق الوجودي‪ .‬وبعد تحديد هذه السمة‬ ‫المحورية في شعر محمد اللغافي‪ ،‬تناول‬ ‫الخديري ث�لاث مستويات ميّزت الشاعر‬ ‫اللغافي‪ :‬البناء ال��درام��ي‪ ،‬تصدع الداخل‪،‬‬ ‫اللغة والمقصدية‪.‬‬ ‫فبالنسبة للمستوى األول (البناء الدرامي)‪،‬‬ ‫يؤسس الشاعر اللغافي نصوصه الشعرية‬ ‫من خالل االحتدام الدرامي وتشظي الداللة؛‬ ‫بغية لململة الداخل وحفظه من االنهيار‪.‬‬ ‫وبهذا‪ ،‬تعيش القصيدة عند اللغافي داخل‬ ‫بنية من التفتت والتالشي؛ وبموجب ذلك‪،‬‬ ‫ترسم لنفسها مسارًا من الحلم واالغتراب‪،‬‬ ‫وتظل خاضعة لبناء درامي يحدد اشتراطاتها‬ ‫ومصيرها (ص ‪.)87‬‬ ‫أم��ا المستوى الثاني (تصدع الداخل)‪،‬‬ ‫فيرتبط حسب الخديري‪ ،‬بكون كل حركة‬ ‫في نصوصه الشعرية لها قيمتها الداللية‬ ‫والبنائية والجمالية المتميزة بالهدم والبناء؛‬ ‫بحيث تتناسل ه���ذه ال��ص��ورة معلنة تلك‬ ‫العذابات التي يعيشها الشاعر‪ .‬إنها عزف‬ ‫على وثر التفجع والحزن‪.‬‬


‫القبض على إشراقة المعنى‬ ‫(الخاتمة)‪:‬‬

‫ب‪ -‬عدم ضبط مجموعة من المصطلحات‪:‬‬

‫بعد تناول هذه التجارب الشعرية المغربية‬ ‫وتحديد أهم مميزاتها‪ .‬أش��ار الباحث إلى‬ ‫أنها بمثابة نافذة تطل على تحوالت المعنى‬ ‫الشعري في القصيدة المغربية الجديدة‪ .‬إن‬ ‫الشاعر عبدالهادي روضي (حسب الباحث)‬ ‫يرفض بشكل علني وصاية الخليل (العروض‬ ‫الشعري)‪ ،‬وينتصر بشكل كلي لقصيدة النثر‪.‬‬ ‫وذل��ك م��ن خ�لال اس��ت��ش��راف آف��اق شعرية‬ ‫جديدة‪ .‬في حين وجد الباحث الخديري أن‬ ‫الشاعر عبداللطيف الوراري‪ ،‬أكثر ارتباطا‬ ‫بالشعرية العربية القديمة‪ ،‬نظرا النبهاره‬ ‫بهذا التراث والنهل منه‪ .‬وهو بهذا يتبنى‬ ‫أفقا شعريا يستند إلى الوعي بالتراث في‬ ‫بناء المعنى الشعري‪ .‬إنها الخاصية نفسها‬

‫المصطلح من أهم مكونات البحث‪.‬‬

‫دراس �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ات ون �ق �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��د‬

‫أما المستوى الثالث (اللغة والمقصدية)‪ ،‬للشاعر محمد جعفر‪ .‬ألن رؤيا هذا األخير‪،‬‬ ‫فيربطها الباحث بمميزات النص الشعري محكومة ب��إرث إيقاعي يشحذها بالطاقة‬ ‫عند الشاعر اللغافي‪ .‬هذا النص مسكون ال�لازم��ة ل�لان��دف��اع وال��ت��ف��رد‪ .‬أم��ا الشاعر‬ ‫بهواجس الكتابة والقلق الوجودي بعيدا عن محمد اللغافي‪ ،‬فيغترف من اليومي‪ ،‬وذلك‬ ‫تلك اللغة التي تمتح من اليومي والنبش في من أجل الخروج من مأزق العدم‪.‬‬ ‫التفاصيل؛ ما يستوجب عليه رك��وب هذه‬ ‫ن��خ��ت��م ه����ذه ال����ق����راءة ب��ت��س��ج��ي��ل بعض‬ ‫اللغة‪ ،‬ألنها تكشف عن خبايا الروح‪ .‬وبهذا‬ ‫المالحظات على مستويات ع���دة‪ ،‬يمكن‬ ‫يخلص الباحث ال��خ��دي��ري‪ ،‬إل��ى أن دي��وان‬ ‫الشاعر اللغافي‪ ،‬مليء بالطاقات واألحالم إجمالها فيما يأتي‪:‬‬ ‫والرؤى‪ ،‬ويستحضر بعضا من جنون وطقوس أ‪ -‬ع��ل��ى م��س��ت��وى ال��م��ن��ه��ج‪ :‬غ��ي��اب تصور‬ ‫الشاعر من مواجهة سطوة الزمن وتقلبات‬ ‫منهجي ب���ارز ك��م��ا أش��رن��ا ف��ي ب��داي��ة‬ ‫الحياة (ص ‪.)94‬‬ ‫القراءة‪.‬‬ ‫المعنى‪ ،‬الرؤيا‪ ،‬الشعرية‪ ...‬إلخ؛ لكون‬

‫ج‪ -‬كون رؤيا شاعر أو مبدع معين تستخلص‬ ‫م��ن أع��م��ال ع��دة (تراكمه اإلب��داع��ي)‪.‬‬ ‫ويتعذر استخالصها من العمل الواحد‪.‬‬ ‫إن هذه الرؤيا هي التي تحدد المعنى‬ ‫ال��ش��ع��ري (اإلب���داع���ي ع���ام���ة)‪ ،‬وه��ذه‬ ‫ال��م��ح��اول��ة بمثابة لملمة ح��ب��ات عقد‬

‫منفرط‪.‬‬

‫لكن على الرغم من ه��ذه المالحظات‪،‬‬

‫ف��إن كتاب المعنى الشعري للباحث رشيد‬ ‫الخديري يُعد إضافة جديدة للخزانة العربية‪،‬‬ ‫كما سيسهم في تحقيق التراكم الذي يعرفه‬

‫نقد الشعر المغربي خاصة والعربي عامة‪.‬‬

‫* كاتب وناقد من المغرب‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪65‬‬


‫قراءة في القراءة‬ ‫‪ρρ‬محمود عبداحلافظ خلف اهلل*‬

‫ال يوجد دليل على أهميتها أعظم من كونها الكلمة األولى في محكم التنزيل‪،‬‬ ‫اس ِم‬ ‫والتكليف األول لسيد المرسلين‪ ،‬صلى اهلل عليه وسلم‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬اقْ َر ْأ بِ ْ‬ ‫أل ْكرَم} {ال َِّذي عَ َّل َم بِ ا ْل َقلَم}‬ ‫ُّك ا َ‬ ‫ِّك ال َِّذي خَ لَق}{خَ لَقَ اإلِ نسَ ا َن ِمنْ عَ لَق}{اقْ َر ْأ َو َرب َ‬ ‫َرب َ‬ ‫{عَ َّل َم اإلِ نسَ ا َن مَا لَمْ يَعْ لَم} (سورة العلق‪.)5 – 1 :‬‬ ‫فهي مفتاح ال��ع��ل��وم وخ��زان��ة ال��ف��ك��ر‪ ،‬ووق���ود ال��م��ع��رف��ة‪ ،‬ق��داح��ة العقل وم��رش��دة‬ ‫البصيرة‪ ،‬ومطمئنة السريرة‪ ،‬وصيرورة اإلحكام وناصرة األقالم‪ ،‬صانعة الحضارات‬ ‫ومؤلفة األشتات‪ ،‬ملهمة األدباء وأسيرة العلماء‪ ،‬غنيمة العلم وزاد الحلم‪ ،‬جامعة‬ ‫ومفرقة‪ ،‬مانعة ومغدقة‪ ،‬زاد العقول وفسحة الحَ يْران‪ ،‬مدحها األول��ون وقدسها‬ ‫‏سئلت عمن سيقود الجنس البشري؟ أجبت‪:‬‬ ‫اآلخ���رون‪ ،‬ق��ال عنها فولتير‪ :‬لما ُ‬ ‫«الذين يعرفون كيف يقرؤون»‪ .‬وقال عنها األستاذ العقاد‪ :‬القراءة طعام الفكر‪.‬‬ ‫وق���ال عنها عميد األدب العربي ط��ه حسين‪« :‬وم���ا ن��ع��رف شيئًا يحقق لإلنسان‬ ‫تفكيره وتعبيره ومدنيته كالقراءة‪ ،‬فهي تُصوٍّر التفكير على أنه أصل لكل ما يقرأ‪.‬‬

‫‪66‬‬

‫وفي المجتمعات المعاصرة ال أحد األفكار‪ ،‬وتنقل المفاهيم‪ ،‬فتقيم بذلك‬ ‫ينكر أهمية القراءة‪ ،‬فهي من أهم نوافذ أواصر اللحمة الفكرية بين أبناء األمة‬ ‫المعرفة اإلنسانية التي يطل منها الفرد ال��واح��دة‪ ،‬فبها يتم التقارب والتشابه‬ ‫على الفكر اإلنساني في قطار الحياة‬ ‫واالنسجام فيما بينهم‪ ،‬وه��ي أساس‬ ‫ال���ذي ي��ن��زل ب��ه ف��ي أع��م��اق الماضي‪،‬‬ ‫ويجوب به الحاضر؛ ليصل المستقبل‪ .‬الحضارة البشرية‪ ،‬والوسيلة األساسية‬ ‫إن��ه��ا القيمة ال��ج��وه��ري��ة ال��ك��ب��رى في للنزول إل��ى ال��م��اض��ي‪ ..‬وال��ع��ب��ور إلى‬ ‫حياة كل أم��ة؛ فهي األداة التي تحمل المستقبل‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫دراس �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ات ون �ق �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��د‬ ‫مفهوم عملية القراءة‬ ‫يبذله الكاتب نفسه إذا أراد تأكيد فكرة ما‬ ‫يعتقد أصحاب الرؤية التقليدية لعملية يقتنع بها القارئ من قبل الولوج إلى القراءة‬ ‫القراءة أن المعاني قابعة في النص‪ ،‬ويقتصر عنها‪.‬‬ ‫دور ال��ق��ارئ على استخراج ه��ذه المعاني‬ ‫وي��ؤك��د أص��ح��اب ال��رؤي��ة التفاعلية في‬ ‫ونقلها إلى ذاكرته كما أرادها الكاتب بتجرد القراءة على أن المعنى نتاج تالقح خبرات‬ ‫وحيادية‪ .‬وعليه‪ ،‬فإن القراءة من هذه الوجهة القارئ مع بنيان النص‪ ،‬وعملية القراءة –‬ ‫تعد مهارة سلبية استقبالية ليس للقارئ أي طبقًا لهذه الرؤية‪ -‬تحكمها ضوابط معيارية‪.‬‬ ‫دور ف��ي إع��م��ال عقله فيها‪ ،‬وه��ذه الرؤية وبنا ًء عليه‪ ،‬فإن حرية القارئ في فهم النص‬ ‫لم تنل فقط من مفهوم ال��ق��راءة‪ ،‬بل نالت مكفولة مادام التزم هذه الضوابط؛ فمن غير‬ ‫من القدرة الذهنية للقارئ وإرادت���ه‪ ،‬فهي‬ ‫معان ودالالت بعيدة ال‬ ‫المعقول تحميل النص ٍ‬ ‫تسلبه القدرة على التحرر من عقل الكاتب‬ ‫تستند على مسوغات نصية وسياق معقول‪،‬‬ ‫وفكره‪ .‬وهذا يخالف الحقيقة‪ ..‬بل الفطرة‬ ‫به حواضن لفظية تشي ب��دالالت وإش��ارات‬ ‫جملة وتفصيلاً ‪ ،‬إذ إن طبيعة ديناميكية‬ ‫يستند إليها القارئ في تأويالته‪.‬‬ ‫العقل قائمة على معارضة األفكار وردها ال‬ ‫وح��ريّ بالقول إن الكاتب ‪ -‬قطعًا – ال‬ ‫موافقتها والتسليم بها‪ ،‬والدليل على ذلك أن‬ ‫الجهد الذي يبذله الكاتب أو المتحدث في يستنفد أفكاره ومعانيه التي أراد تحميلها‬ ‫إقناع المتلقي بفكرة ما جديدة أو تخالف النص – وإن حرص على ذلك – أثناء الكتابة‪،‬‬ ‫قناعاته‪ ،‬تمثل أضعافًا ع��دة للجهد الذي فحتمًا سيترك عتبات تركيبية يعرج عليها‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪67‬‬


‫ال��ق��ارئ‪ ،‬ف��ي��رى م��د بصيرته م��ن المعاني‬ ‫وال�����دالالت األخ����رى ل��ل��ن��ص‪ .‬وي��ؤك��د ذل��ك‬ ‫(أمبيرتو إيكو) بقوله‪ :‬إن النص بخيل كسول‬ ‫يحيا عطا ًء مع قيمة كل معنى زائد يدخله‬ ‫القارئ عليه؛ فالقارئ ليس فقط من يُكسب‬ ‫النص الحياة‪ ،‬بل يعد أساسً ا لتفعيله‪.‬‬

‫انعكاسً ا لمفهوم التعلم المتواضع آن��ذاك؛‬ ‫فجُ ل اهتمام المعلم في ذلك الوقت ينصب‬ ‫على تعليم التالميذ (ال��ت��ع��رف والنطق)‪،‬‬ ‫إضافة إلى أن األبحاث في تلك الفترة كانت‬ ‫متجهة إل��ى ال��ن��واح��ي الجسمية المتعلقة‬ ‫بالقراءة كحركات العين‪ ،‬وأعضاء النطق‪.‬‬

‫و بذا‪ ،‬فإن القراءة تعد فعلاً كليًا متكاملاً‬ ‫للمهارات اللغوية واإلدراك��ي��ة‪ ،‬فهي عملية‬ ‫عقلية معقدة تشمل تفسير ال��رم��وز التي‬ ‫يتلقاها القارئ عن طريق عينيه‪ ،‬وتستلزم‬ ‫تدخله ال��دق��ي��ق الس��ت��دع��اء جميع خبراته‬ ‫السابقة ك��ي يفهم ويتفاعل بوعي م��ع ما‬ ‫يقرأ‪ .‬كما أنها عملية تفاعلية تأملية تحدث‬ ‫في شكل عمليات مرحلية متداخلة بالغة‬ ‫التعقيد‪ ،‬تستهدف الحصول على المعاني‬ ‫من المادة المكتوبة‪ ،‬إضافة إلى أنها عملية‬ ‫دائرية تبدأ بالتركيز على الكلمة المكتوبة‪،‬‬ ‫وتنتهي بالحصول على المعنى‪.‬‬

‫وفي العقد الثاني من القرن نفسه أجرى‬ ‫(ثورنديك) سلسلة من األبحاث تتعلق بأخطاء‬ ‫التالميذ الكبار في القراءة‪ ،‬وخرج من ذلك‬ ‫بنتيجة أثرت تأثيرًا كبيرًا في مفهوم القراءة‪،‬‬ ‫فقد استنتج أن القراءة ليست عملية آلية‬ ‫بحتة تقتصر على مجرد التعرف والنطق‪،‬‬ ‫بل إنها عملية معقدة تستلزم الفهم‪ ،‬وبالتالي‬ ‫أ ُضيف إلى مفهوم القراءة عنصر آخر‪ ،‬هو‬ ‫(الفهم)‪ ،‬وتمخض عن هذه النتائج االهتمام‬ ‫بالقراءة الصامتة‪.‬‬

‫وب��ن��ا ًء ع��ل��ي��ه‪ ،‬ف���إن َم���ن ي��ت��أم��ل األس��ط��ر‬ ‫السابقة يدرك مدى ضخامة مفهوم القراءة‬ ‫وتعقيده وتعدد جوانبه‪ ،‬واختالف المدارس‬ ‫التي تفسره‪ ،‬ه��ذا فضلاً عن استنادها –‬ ‫أقصد القراءة ‪ -‬إلى التطور المتنامي في‬ ‫علوم اللغة بوجه عام‪ ،‬وعلم اللغة النفسي‬ ‫وعلم المعرفة العصبي بشكل خاص‪ ،‬والتقدم‬ ‫الهائل في بحوث القراءة وتفسير عملياتها‪.‬‬ ‫تطور مفهوم القراءة تاريخيً ا‬

‫‪68‬‬

‫لقد تطور مفهوم ال��ق��راءة تطورًا كبيرًا‬ ‫عبر التاريخ؛ فكان في بداية القرن العشرين‬ ‫ال يتعدى كونه عنصرًا واح���دًا؛ هو تعرّف‬ ‫الحروف والكلمات والنطق بها‪ ،‬إذ كان ذلك‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫وقد تطور بعد ذلك؛ ليكون هناك عنص ٌر‬ ‫ثالثٌ إضاف ًة إلى العنصرين السابقين وهو‬ ‫(ال��ن��ق��د)‪ ،‬ف��ال��ق��ارئ عندما يقرأ ال يكتفي‬ ‫بالتعرف على الحروف والكلمات والجمل أو‬ ‫فهم النص فقط‪ ،‬بل ال بد له من أن يقرأ‬ ‫قراءة ناقدة واعية‪ ،‬وبالتالي يصدر أحكاماً‬ ‫على ما يقوم بقراءته‪ ،‬ويستخلص األفكار‬ ‫الضمنية ويحدد اتجاه الكاتب‪.‬‬ ‫وبعد ذلك اتسع مفهوم القراءة؛ ليساعد‬ ‫اإلنسان على حل المشكالت التي تواجهه في‬ ‫مجال تخصصه أو في حياته العامة‪ ،‬أو في‬ ‫كافة المجاالت األخرى‪ ،‬وبذا يكون قد تجاوز‬ ‫ال من التعرف والفهم والنقد إلى مرحلة‬ ‫ك ً‬ ‫القراءة اإلبداعية‪ .‬ومع ظهور عصر الصناعة‬ ‫ومن بعده التقانة التي وفرت بعض الوقت‬


‫دراس �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ات ون �ق �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��د‬

‫المحموم‪.‬‬

‫للراحة واالستجمام في المجتمعات األكثر‬ ‫ثباتًا‪ ،‬ظهر تطور آخر لمفهوم القراءة‪ ،‬وهو ‪ -‬الدافع الفردي ال��ذي يهدف إل��ى تربية‬ ‫القراءة لالستمتاع‪ ،‬إذ يستطيع اإلنسان من‬ ‫المواطن لنفسه تربية كاملة من النواحي‬ ‫خاللها اإلفادة مما يحيط به طلباً للسرور‬ ‫العقلية‪ ،‬والخلقية‪ ،‬والعاطفية ‪.،‬ومساعدة‬ ‫والمتعة‪ ،‬وإشباعً ا للشبق النفسي والعقلي‪.‬‬ ‫نفسه على النمو السوي المتكامل‪.‬‬ ‫وي��رج��ع تطور مفهوم ال��ق��راءة إل��ى عدة ‪ -‬انتهاء فكرة التعلم التقليدي الموجه‬ ‫عوامل هي‪:‬‬ ‫والولوج إلى التعلم الذاتي الذي احتضنته‬ ‫الثورة التقنية الحديثة‪.‬‬ ‫ االزدياد المطرد للحاجة إلى القراءة منذ‬‫بداية القرن العشرين حتى اليوم‪.‬‬ ‫الترميز في تعلم القراءة‬ ‫ ال��ت��غ��ي��رات ال��س��ي��اس��ي��ة ال��ع��ال��م��ي��ة التي‬‫تجاوزت بزخمها التأثير في الكيانات‬ ‫السياسية إلى التأثير الفعلي على حياة‬ ‫المواطن العادي؛ ما اضطره إلى القراءة‬ ‫المستمرة ف��ي ك��ل االت��ج��اه��ات بهدف‬ ‫التحليل والمقارنة والنقد‪ ،‬بغية المشاركة‬ ‫الفعلية في التخطيط لمستقبله وحماية‬ ‫نفسه وأسرته من مقتضيات ذلك التسارع‬

‫إن النظرة إل��ى ال��ق��راءة فقط على أنها‬ ‫إدراك المعاني تعد نظرة قاصرة؛ فجانب‬ ‫الترميز على ق��در كبير م��ن األه��م��ي��ة‪ ،‬أو‬ ‫باألحرى تستطيع القول‪ :‬إن إدراك الحروف‬ ‫وأص��وات��ه��ا‪ ،‬والكلمات وتركيبها ق��د يكون‬ ‫شرطاً جوهرياً وأساساً في إدراك المعنى‪،‬‬ ‫وال يستطيع ال��ق��ارئ أن يتخطاه وص��والً‬ ‫ل��ل��م��ع��ان��ي؛ إذ إن���ه ل��و ل��م يستطع ترجمة‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪69‬‬


‫الحروف والكلمات إلى أصواتها فال معنى كلمة (قاموا ‪ -‬يقوموا) وهناك أصوات تنطق‬ ‫لقراءته كليةً‪.‬‬ ‫وال تكتب كالتنوين في محم ٌد والتي تنطق‬ ‫والترميز م��ن وج��ه��ة نظر األط��ف��ال هو (محمدن)… إلخ‪.‬‬ ‫القراءة عينها‪ ،‬وهذا ما أكده ماكى ‪ Makee‬عام‬ ‫والطفل أثناء تعلم القراءة يمر بمراحل‬ ‫‪1984‬م في تصميمه التدريسي الذي ركز فيه م��ن االنتباه (التركيز)‪ ،‬انتقاالً م��ن الرمز‬ ‫على عمليات الترميز عند تعليم القراءة‪ ،‬وقد للمعنى‪ ،‬ففي المرحلة المبتدئة‪ ،‬يركز انتباه‬ ‫حاول تأكيد ذلك حينما ابتكر أبجدية جديدة األطفال على دراسة الصور‪ ،‬والنظرة للقراءة‬ ‫لتقابل حروف اللغة اإلنجليزية‪ ،‬وأكد على تكون لفك الرمز‪ ،‬واتحاده لتكوين الكلمات‬ ‫أن تعلم هذه األبجدية شرط أس��اس لفهم المنطوقة‪ ،‬والوعي هنا يكون دائماً للمعنى‬ ‫اللغة المكتوبة بها‪ ،‬وبرهن على ذلك بقوله‪ :‬العام للمواد على أساس الصور‪.‬‬ ‫فلنتخيل أن شخصاً ما واجه قطعة مكتوبة‬ ‫وح��ي��ن��م��ا ي��ك��ون ل���دى األط���ف���ال معرفة‬ ‫بهذه األبجدية‪ ،‬ما الذي سوف يحتاجه هذا‬ ‫بالحروف وأص��وات��ه��ا؛ فاالنتباه يركز على‬ ‫الشخص ليكون ق���ادراً على ال��ق��راءة بهذه‬ ‫فك رموز الكلمات‪ ،‬مع وعي ثانوي للصور‬ ‫األبجدية ال��ج��دي��دة؟ إن ه��ذا الموقف هو‬ ‫والمعنى العام للكلمات‪ ،‬وحينما يكون فك‬ ‫نفسه ما يواجهه األطفال عند تعلم القراءة‬ ‫الرمز تلقائياً؛ فاالنتباه يركز على الفهم مع‬ ‫ألول مرة في اللغة األم أو غيرها من اللغات‬ ‫انتباه ثانوي لفك الرمز واستنباط المعلومات‬ ‫الثانية‪.‬‬ ‫من الصور‪ ،‬وحينما يمكن للقارئ التركيز‬ ‫وال ت��ق��ل ال��رم��وز ال��ص��وت��ي��ة أه��م��ي��ة عن على مختلف األح����وال‪ ،‬فيمكنه االهتمام‬ ‫ال��رم��وز الخطية‪ ،‬واالرت���ب���اط بين ال��رم��وز بمعظم المعاني الواضحة‪.‬‬ ‫الخطية (المكتوبة) والرموز الصوتية على‬ ‫ملكة القراءة‬ ‫جانب كبير من األهمية منذ تعلم القراءة‪،‬‬ ‫ال تعني ملكة القراءة تحقيق الهدف من‬ ‫خاصة وأنه ليس هناك قوانين تتبع بصفة‬ ‫دائ��م��ة للعالقات فيما بينها‪ ،‬ففي اللغة القراءة بفهم المعنى‪ ،‬بل تتجاوز إلى ما يمثل‬ ‫ال ‪ noze‬بمعنى األنف تتهجى اإلجابة عن هذين السؤالين التاليين‪ :‬كم‬ ‫اإلنجليزية مث ً‬ ‫‪ nose‬واالتجاه لليمين تنطق ‪ rite‬بينما تكتب كتابًا تقرأ في الشهر مثلاً ؟ وكيف تقرأه؟‬ ‫‪ right‬وكذلك كلمة األم نطقها ‪ Muther‬ولكنها‬ ‫فإذا كنت ال تقرأ كتابًا – على األقل ‪ -‬في‬ ‫تتهجى ‪.Mother‬‬ ‫الشهر‪ ،‬فأنت تفتقر ‪ -‬حتمًا – لملكة القراءة‪،‬‬

‫‪70‬‬

‫وليست هذه الحال مقصورة على اللغة‬ ‫اإلنجليزية؛ فاللغة العربية أيضاً تتميز بهذه‬ ‫الميزة‪ ،‬فهناك في العربية حروف تكتب وال‬ ‫تنطق كألف التفريق بعد واو الجماعة في‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫والتذرع بضيق الوقت يؤكد واقعيًا ضمور‬ ‫الملكة لديك؛ ألن من يشتكي ضيق الوقت‬ ‫يجد أوق��ا ًت��ا – مثلاً – لمشاهدة التلفاز أو‬ ‫متابعة وسائل التواصل االجتماعي‪ ،‬فضال‬


‫دراس �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ات ون �ق �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��د‬ ‫عن األوقات التي يقضيها في النوم والطعام‪ .‬وقد فعَّلت الواليات المتحدة األمريكية‬ ‫هذه الفكرة عام ‪1988‬م‪ ،‬عندما أسست‬ ‫كيف تنمي ملكة القراءة لديك؟‬ ‫ما يسمى «بهيئة قراء الحمام» (‪Bathroom‬‬ ‫‪ .1‬استغالل أوقات االنتظار‪:‬‬ ‫‪ ،)Reader's Institute‬وهي مؤسسة تجارية‬ ‫للطباعة وال��ن��ش��ر‪ ،‬ت��ق��وم بطباعة كتب‬ ‫ يغفل كثير م��ن ال��ن��اس ع��ن اإلف���ادة من‬ ‫ثقافية خفيفة مخصصة للقراءة أثناء‬ ‫أوقات انتظارهم أثناء انشغالهم بقضاء‬ ‫الوجود في الحمام‪.‬‬ ‫حوائجهم اليومية (ف��ي السيارة – في‬ ‫الدوائر الحكومية – في عيادة الطبيب‪ .2 ...‬تفعيل فكرة الكتاب المسموع‪:‬‬ ‫إلخ)‪ ،‬إن اصطحابك لكتاب صغير يوميًا يعد من الوسائل المهمة في تكوين ملكة‬ ‫�وض��ا ع��ن معاناة‬ ‫سيكون – بالفعل – ع� ً‬ ‫ال��ق��راءة بتقريبها م��ن نفس اإلن��س��ان‪،‬‬ ‫شعورك بالقلق في أوقات االنتظار‪.‬‬ ‫وهو عبارة عن تسجيل مسموع لقراءة‬ ‫مختصرة في كتب متنوعة‪ ،‬معدة بطريقة‬ ‫مشوقة تجذب المستمع إلى البحث عن‬ ‫هذه الكتب وقراءتها‪ .‬ويمكن للشخص أن‬ ‫يستمع إلى هذه التسجيالت في السيارة‬ ‫أو أثناء ممارسة الرياضة‪ ...‬إلخ‪.‬‬

‫ ويقص أحد القراء تجربته في االستفادة‬ ‫من أوقات الفراغ التي يهملها الناس وال‬ ‫يلقون لها باالً‪ ،‬فصمم على أن يأخذ معه‬ ‫كتابًا صغيرًا يقرأه في وقت قضاء حاجته‬ ‫البيولوجية‪ ،‬فاكتشف أن الوقت الذي‬ ‫يخجل بعض الناس من التحدث عنه‪ ،‬ورغم قدم هذه الظاهرة في دول الحضارة‬ ‫يمكن أن يستغل بشكل جيد بما يوفر ما‬ ‫إال أنها ال ت��زال في بدايتها في العالم‬ ‫العربي‪ ،‬وتعد تجربة (المجمع الثقافي)‬ ‫يقارب من (‪ )150‬دقيقة شهريًا‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪71‬‬


‫في إم��ارة أب��و ظبي في دول��ة اإلم��ارات‬ ‫العربية المتحدة ال���ذي تبنى مشروع‬ ‫خدمة الواقع أو القطاع الذي ينتمي إليه‬ ‫الكتاب المسموع في العالم العربي منذ‬ ‫هدف ذلك الكتاب ومضمونه‪.‬‬ ‫عام ‪1977‬م إلى يومنا هذا‪ ،‬هي التجربة‬ ‫العربية الوحيدة ف��ي ه��ذا المجال‪ ،‬إذ ‪ .5‬ح��م�لات ت��وع��ي��ة إع�لام��ي��ة ع��ن ال��ق��راءة‬ ‫تصدر عنه عشرات اإلصدارات المتنوعة‬ ‫والترويج لها من خالل برامج مخصصة‬ ‫بين العلوم والفنون واآلداب‪.‬‬ ‫ل��ذل��ك‪ ،‬ومقابلة ق��راء لعرض تجاربهم‬ ‫‪ .3‬إضافة مقرر للقراءة الحرة في جميع‬ ‫ال��ق��رائ��ي��ة‪ ،‬وع�لاق��ة ذل���ك بنجاحاتهم‬ ‫مراحل التعليم العام‪:‬‬ ‫الدراسية والمهنية‪.‬‬ ‫ ينبغي إضافة مقرر للقراءة الحرة في‬ ‫جميع م��راح��ل التعليم ال يقل ع��ن (‪ .6 )8‬مشروع وطني للترجمة يهدف النتقاء‬ ‫س��اع��ات أسبوعية‪ ،‬ي��ك��ون للطالب في‬ ‫أه��م الكتب على الساحة العالمية في‬ ‫جزء من الوقت الحرية في اختيار المادة‬ ‫جميع ال��م��ج��االت وترجمتها إل��ى اللغة‬ ‫المقروءة بشكل مطلق‪ ،‬ويكون هناك عدد‬ ‫العربية‪ ،‬لمساعدة الجميع على تطوير‬ ‫من الساعات مخصص للقراءة الموجهة‬ ‫أفكاره وتكوين اتجاهات إيجابية نحو فن‬ ‫من قبل المعلم في اتجاهات مختلفة‪.‬‬ ‫القراءة‪.‬‬ ‫وينبغي أن يكون التقويم في هذا المقرر‬ ‫غير تقليدي‪ ،‬حيث يطلب من كل طالب‬ ‫آثرت من خالل العرض السابق أن أقدم‬ ‫تقديم ق��راءة نقدية للكتاب ال��ذي قرأه‪،‬‬ ‫أو تقديم رؤي��ة تطبيقية لما أف��اده من ومضات متنوعة عن القراءة‪ ،‬هذه المعجزة‬ ‫الكتاب‪ ،‬أو نقل تجربته القرائية إلى بقية التي منحها اهلل جميع خلقه دون تفريق أو‬ ‫زمالئه الذين لم يقرأوا الكتاب نفسه‪ ..‬تمييز؛ فتباينوا بها فكريًا وحضاريًا‪ ،‬ك ٌل‬ ‫إلخ‪ .‬وينبغي أن يصاحب التقويم تحفيز بحسب ما أصاب منها وبها صعودًا وهبوطً ا؛‬ ‫متنوع (أدبي ومعنوي)‪.‬‬ ‫إن أمة آثرها اهلل بحمل شرف العلم ونشره‬ ‫‪ .4‬تنظيم مسابقات قرائية دورية في جميع‬ ‫ب��أن جعل أول دستورها دع��وة له س��ادت –‬ ‫مؤسسات الدولة‪:‬‬ ‫عندما وف��ت ووع��ت ‪ -‬بها الدنيا فأنارت‬ ‫ ينبغي أن تقدم جميع مؤسسات الدولة‬ ‫عقول وأض��اءت درو ًب��ا‪ ،‬ولما تولت وتخلت‪،‬‬ ‫اً‬ ‫مسابقات دوري��ة تشجع القراءة الحرة‪،‬‬ ‫وتعطي مكافآت ألفضل تقارير مكتوبة تفلت من يدها الزمام وباتت أمة في خطر‪...‬‬ ‫عن الكتب المقروءة‪ ،‬ومكافآت أخرى عن أفال يتدبر أولو األلباب؟!‬ ‫أفضل رؤية لتفعيل ما تناوله الكتاب في‬

‫‪72‬‬

‫* أكاديمي وباحث مصري‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫ق� � � � � � �ص � � � � � ��ص ق� � � � �ص� � � � �ي � � � ��رة‬

‫حلم ال ينام‬ ‫ٌ‬ ‫‪ρρ‬د‪ .‬زرياف املقداد*‬

‫في عتمةِ الليل‪ ..‬عندما يبد ُأ األلمُ حكاياتِ ه عنْ النّهار‪ ،‬وتسوّر األمهات حزنهُّ ن‬ ‫برفق دموعهّ ن‬ ‫الشهداء ف��وقَ وج��وهِ مقابرهم‪ ،‬يمسحو َن ٍ‬ ‫يجلس ّ‬ ‫ُ‬ ‫بالبكاء صمتاً‪،‬‬ ‫برفق فوق سواعدهن‬ ‫األمهات‪ ،‬وينامون ٍ‬ ‫ِ‬ ‫حكايات الجدّ ات على‬ ‫ِ‬ ‫يقصون‬ ‫النازفةِ ‪ّ .‬‬ ‫واحد منْهم إلى قبره‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫الظلمة‪ :‬رجع َكلُّ‬ ‫المُ ضناةِ تضرع ًا إلى اهلل‪ ،‬حتى إذا جنَّت ُّ‬ ‫الظلمة‪ ،‬أك��ل��ةُ ال��نّ��ار والليل ال��م��ق��اب��رَ‪ ،‬ي��ح��اول��و َن التقاطهم في‬ ‫يقتحمُ رج���الُ ُ‬ ‫الضوء الصارخ‪.‬‬ ‫فتسقط عصيُّ هم وبنادقُ هم في ل ُّجة ّ‬ ‫ُ‬ ‫مقابرِ هم‪ ،‬لكنَّ النَور يُبهرهم‬ ‫الرؤوس‬ ‫ُ‬ ‫الصبح حين تنا ُم‬ ‫وفي عتمةِ ّ‬ ‫الكبيرةُ م ْن شد ِة السّ هر‪ ،‬وربّما هي ال‬ ‫تقوى على ضوء النهار‪ .‬يصحو حمزة‬ ‫وبيد ِه حل ُم الليلِ ‪ ،‬وقد ائتمنَتْه ُحوري ُة‬ ‫الصغار‪..‬‬ ‫الليل عليه كي يوزعه على ّ‬

‫ه��ن��اكَ ح��ي��ثُ األل���� ُم ال ح����دو َد ل��ه‪،‬‬ ‫يختفي ظ���لَّ اإلن��س��ان م��ن ع��ل��ى وج��ه‬ ‫األرض‪ .‬ويصي ُر الصغا ُر مجر َد أرق� ٍ�ام‬ ‫ِ‬ ‫المجرات الكونّية‪ .‬من شد ِة‬ ‫ٍ‬ ‫تائهة في‬ ‫ٍ‬ ‫النازف فيها‪ ..‬تتوه وال تقد ُر على‬ ‫ِ‬ ‫الوجعِ‬ ‫عدّها‪ ..‬ويصبح ُال حكاية لأللم‪.‬‬ ‫ أمي أنا خارج!‬‫ُ‬ ‫يقف حمزة أم��ام ال��م��رآة‪ ،‬فهو بع ُد ‪ -‬انتظ ْر حتى تأكل‪..‬‬ ‫زيت وزعترْ؟‪ .‬أكلت‪..‬‬ ‫لمَّ ا يمشّ ط شعرَه قبل أ ْن ينام‪ ،‬فإذا ما ‪ْ -‬‬ ‫رأتْه حور ّي ُة الليل يُبهرها وجهُه المنبعثُ ‪ -‬انتظ ْر حتى‪..‬‬ ‫شمساً‪.‬‬ ‫‪ -‬أنا خارج‪..‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪73‬‬


‫يضحك حمزة (يا اهلل صرت رجالً!) ثم‬ ‫ويسرعُ كالبرق‪.‬‬ ‫ْدس حتى العظم‪ ،‬في‬ ‫يصيح بالجندي‪ :‬أنا من ٌ‬ ‫ويقف أم��ا َم المرآة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫الصبي‪،‬‬ ‫فُجأة يعو ُد ّ‬ ‫فمي طع ُم الحريّة كالعسل‪ ،‬وف��ي أصابعي‬ ‫س ما كا َن ما سينبتُ من‬ ‫يتأ ّم ُل وجهه‪ ،‬يتحسّ ُ‬ ‫صوتي‪ ،‬وفي وجهي لو ُن الشّ مس‪ ،‬و‪ ..‬وجه‬ ‫الشّ عر على وجهه‪ ،‬يبتسمُ‪ ،‬ثم يمشّ طُ شعره‬ ‫أمي‪ ،‬وقد أَرهَ َق ُه البكاءُ فو َق قبري‪.‬‬ ‫منتصف الرأس (جل) يزي ُد‬ ‫ِ‬ ‫بإتقان‪ :‬خطٌ في‬ ‫ٍ‬ ‫أنا من بقايا األجسادِ التي اهتزّت صوتاً‬ ‫الشّ عر اس���وداداً‪ ،‬ولمعاناً‪ ،‬يُصلح هنْدامه‪،‬‬ ‫نازفاً فوق الجسر؟‬ ‫ويخر ُج كما دخ َل كالبرق‪.‬‬ ‫أنا من م ّز َق وج َه السّ ماء‪ ،‬فانهمرتْ دمعاً‬ ‫قبض ُة ي��ده محكم ٌة على ش��يءٍ م��ن أث��رِ‬ ‫حط في الزيدي‬ ‫طاف فو َق الوديان‪ ،‬وهناكَ َّ‬ ‫َ‬ ‫الرّسول!‬ ‫حوط خاصرة َحوران‪.‬‬ ‫َ‬ ‫وقد‬ ‫ي��ط� َل ج��ن��ديٌّ م��دجّ ��ج ٌب��س�لاح��هِ ‪ ،‬وعيناه‬ ‫يُصعق الجنديّ مما سمع‪ ،‬ثم يُطلق ببالدةٍ‬ ‫الضوء‪،‬‬ ‫محميتان بنظارةٍ سودا َء خشي َة ّ‬ ‫ورخص آدمي ناره باتجاه الصبيّ ‪ ،‬ث َّم يغمض‬ ‫ٍ‬ ‫يخشى قبض َة حمزة‪!..‬‬ ‫عينيه حتى ال يقتله الضوء المنبعث منهما‪.‬‬ ‫يقتل ال��ظ��نُّ ال��ج��ن��ديَ وه��و يُ��خ� ّم��ن‪ :‬بيدِ‬ ‫هناكَ حيثُ ال أن��وا َر وال كهرباء‪ ،‬هناكَ‬ ‫الحصار يأك ُل ويأك ُل كلَّ شيءٍ ‪ ،‬هناكَ‬ ‫الصبي قنبلة أو م��ادّة حارِ قة وربّما حجرٌ‪ ،‬حيثُ ِ‬ ‫وربّما مستقبل يحمله الولد بيده‪ !..‬حتى أنَّ حيثُ طاوالت المفاوضات تقت ُل ك ّل األمل‪.‬‬ ‫الجندّي ال يعرف ما يخشاه‪.‬‬ ‫بحلم هربَ من عتمةِ الليل‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫يضيء الشّ ارع‬

‫‪74‬‬

‫وح��م��زة ي��ص� ُّر ف��ي قبضته ك��لَّ األح�لام وق��د التقطتْ عدس ُة الكاميرا التائهةِ في‬ ‫النازف اللحظة َاألخيرةَ لوجه حمزة‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫الدّم‬ ‫واألمنيات‪ ،‬التي أودعتْ ُه إيّاها حوريّة الليل‬ ‫ُصفف الشعر‪ ،‬حل ُم الورد ما يزال‬ ‫ُ‬ ‫(صبيٌّ م‬ ‫تسقطُ منه إحدى األمنياتْ ‪..‬‬ ‫ف��ي وجنتيه‪ ،‬ون��ظ��رتُ��ه الحالمة تغزو وجه‬ ‫آبه بسالحِ الجُ نديّ أمامه‪.‬‬ ‫يعو ُد غي َر ٍ‬ ‫عتبات المدن النائمة‬ ‫ِ‬ ‫العالم‪ ،‬تسقط على‬ ‫النازف في مدنِنا الباكية)‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫األرض‪ ،‬ويلتقطها بحنّو على الوجعِ‬ ‫ِ‬ ‫ينحني على‬ ‫لطفل غف َل‬ ‫ٍ‬ ‫ويخفيها في ص��دره «ربّما هي‬ ‫في الشَ ارعِ المجاورِ‬ ‫رغيف الخبزِ ونا َم الليل بال خبز‪ ،‬وبال‬ ‫ُ‬ ‫عنْه‬ ‫الحداء أو األنين‪..‬‬ ‫غناءٌ يُشب ُه ِ‬ ‫حلم!»‬ ‫مشارف‬ ‫ِ‬ ‫غ��ن��اءٌ يُشب ُه زح��ف نينوى على‬ ‫في فمِ الشّ ارع فُوجئ الجندي المفترس‬ ‫المُدنِ التائهة‪ ،‬وحين ينا ُم التاري ُخ واألسطورة‬ ‫بوجه آدمي لصبيّ رجل ينحني‪ ،‬ويلتقط شيئاً‬ ‫ٍ‬ ‫ودالل‬ ‫ٍ‬ ‫عن ك ّل شيءٍ ‪ ،‬يبقى‪ :‬غناءُ الروزنة بغنجِ‬ ‫ما‪..‬‬ ‫وشعر أش��ع��ثَ ‪ ،‬وبيدين مشققتين تستقب ُل‬ ‫ٍ‬ ‫قف يا رجل ! م ْن أنتَ ؟‬ ‫يصي ُح به‪ْ :‬‬ ‫الصبح‪ .‬تمسحانِ على رأس‬ ‫(ن��دى وم��دى) ّ‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫في الجانب المظلم‬ ‫قيل ل��ل��ج��وارحِ ف��ي أع��ال��ي الغيم‪ :‬هناكَ‬ ‫جس ٌم متحركٌ ‪ .‬قوةُ النبّض لديهِ هي لرجالِ‬ ‫‪..‬اقض عليه فوراً‪»..‬‬ ‫ِ‬ ‫في مقتبلِ العُمرِ‬

‫ق� � � � � � �ص � � � � � ��ص ق� � � � �ص� � � � �ي � � � ��رة‬

‫ِالحمارِ ‪.‬‬ ‫صبيٌ يلتهم وجوهنا على مائدة الطعام‪..‬‬ ‫ت��س��ت��ق��ب�لان ال��ن��ه��ار‪ ،‬وتُ���س���رع ال��ف��ت��ات��انِ عيناه منتزعتان ب��إح��ك��ام‪ ،‬ورأس���ه مسدلة‬ ‫بذهول فو َق جسده‪ ،‬ثقوب في الجسدِ بطعمِ‬ ‫ٍ‬ ‫وعيونُهما تبحثانِ عن حمزة !‬ ‫العلقم‪ .‬وبقايا آدمية محترقة تخجل العدسة‬ ‫باألمس عن هديةِ الحوريةِ‬ ‫ِ‬ ‫لقد أَخبرهما‬ ‫من النظر فيها‪.‬‬ ‫إليهما (مفتا ُح األمنيات)‪.‬‬ ‫تسقطُ عي ُن المُشاهد على ع��ريٍّ يُشبه‬ ‫تَضحكُ ندى وتقول له (يا مجنون هذا‬ ‫رغيف الخبزِ في الثلج‪،‬‬ ‫َ‬ ‫الضوءَ‪ ،‬عريٌّ يُشب ُه‬ ‫في الحُ لم)‪..‬‬ ‫ع��ريٌ يقت ُل الدّهشةَ‪ُ ،‬ع��ريٌ يش ُّل الحقيقةَ‪،‬‬ ‫َ‬ ‫تُوقظها مدى‬ ‫(أليس الحُ لم مفتاح حياتنا؟ ويكت ُم صرختَها‪ ،‬ع��ريٌّ حتى ح��دودِ الوقت‬ ‫العربة)‬ ‫ٍ‬ ‫بأمان ولو على‬ ‫ٍ‬ ‫دعِ الحُ لم يزورنا‬ ‫النازف فينا دوماً‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫والزمنِ‬ ‫سؤا ٌل يُشبه الدّهش َة حين تلته ُم كلَّ شيءٍ ‪،‬‬ ‫ويصب ُح ال مفرَّ‪ ..‬البدَّ من اإلجابةِ ‪ :‬أَخبروني‬ ‫كيف سألعبْ ؟‬ ‫اآل َن َ‬

‫يجلس ف��و َق وج��هِ قبره مبتسماً‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫حمزة‬ ‫األمنيات‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫لحظات اشتع ْل الشَ ارع‪ ،‬وانفج ْر الجُ سم وبيده ِمفتا ُح‬ ‫المُتحرك‪ .‬ال حمزةَ وص�لْ‪ ،‬وال الصغيرتان‬ ‫ينادي أرقاماً كانتْ لها أسما ْء فإذا بهم‪:‬‬ ‫أخذتا مفتاح األمنيات!‬ ‫م��روة وه��اج��ر وت��ام��ر ومحمد وأي��ه��م ون��دى‬ ‫وفي سراديبهم المظلمة‪ ،‬قالوا‪ :‬ت َّم القضاءُ ومدى‪..‬‬ ‫حامالت الصورايخِ المتحركة‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫على أحدِ‬ ‫دامعة يقو ُل‬ ‫ٍ‬ ‫وبعين‬ ‫ٍ‬ ‫يصمتُ الصبي فجأة‪،‬‬ ‫للعب معنا فوق‬ ‫ِ‬ ‫الضوء الذي ال ينام‪ :‬عدس ٌة شقي ٌة ك ّل أطفال وطني مدعووّن‬ ‫وفي ّ‬ ‫عربة يجرّها وجوه ِالمقابر!‬ ‫التقطتْ الحكاية‪ :‬صغيرانِ فو َق ٍ‬

‫حما ٌر عنيدٌ‪ ،‬وربّما صغيرتان كانتا تضحكانِ ‪،‬‬ ‫وهما تشيرانِ إلى الطائر ِة المحلقةِ في الجو‪،‬‬ ‫اليابس إلطعامِ الحمارِ ‪.‬‬ ‫َ‬ ‫كانتا تجمعانِ الخب َز‬ ‫نحيبُ نينوى‪ ،‬يصب ُح أنيناً موجعاً ينا ُم على‬ ‫مشارف األرض وال يصحو!‬ ‫ِ‬

‫يأتيهِ صوتٌ م ْن حيثُ ال يحتسبْ ‪ :‬ال تخف‬ ‫ْستلعبُ معنا الغُميضة‪ ،‬وإ ْن سُ ملِتْ عيناك‪،‬‬ ‫وسوف ترانا وتلتقطنا كالفراش الملون الذي‬ ‫ال يخاف اللهب‪.‬‬

‫أط��ف��ا ٌل بعمرِ ال���وردِ ‪ ،‬وق��د انحنى ال��ور ُد‬ ‫ال من وردِ هم يحترقو َن ثم تخض ُّر المقبرةُ‬ ‫آخ ُر التقارير‪« :‬ما من فائدة ك ّل شيء يشي ُر خج ً‬ ‫لألرض وجهَها وللماءِ لونه‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫تموزاً آخ َر يعي ُد‬ ‫إلى أنَّ حجم الدمار غير قاب ْل لإلعمار»‬ ‫ * قاصة وروائية سورية مقيمة في فرنسا‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪75‬‬


‫حياة عادية‬

‫‪ρρ‬مشاري محمد*‬

‫لم يأتها يوم ًا لحظة شك بأنها كانت تعيش حياة عادية‪،‬‬ ‫حيث أنها نشأت في عائلة متدينة محافظة‪ ،‬وبما أنها كانت‬ ‫االبنة السابعة بعد ستة من األبناء الذكور فلم تعلم أو تالحظ‬ ‫أنها جميلة‪ .‬تزوجت في سن الخامسة والعشرين بعد حياة‬ ‫رتيبة في المنزل إثر تركها للدراسة بعد المرحلة الثانوية‪.‬‬ ‫في الحقيقة لم يكن في زوجها شيء‬ ‫يميزه أبداً غير بشرته البيضاء والشارب‬ ‫األسود الكث في وجهه‪ ،‬أنجبت منه أربع‬ ‫بنات جميعهن تزوجن ومنحنها التشريف‬ ‫الكسول للجدات‪ .‬تعودت من زوجها بعد‬ ‫أن بلغوا هذا السن االنزالقات الدائمة‬ ‫في الحمام فما عاد الموضوع غريباً أبداً‪،‬‬ ‫ولكن في أحد األيام وهي تشرب الشاي‬ ‫في الصالة بهدوء‪ ،‬سمعت سقوطاً قوياً ٍآت‬ ‫من الحمام‪ ،‬كان صوت السقوط أقوى من‬ ‫مثيالته‪ ،‬قامت فَزِ عة وفتحت باب الحمام‬ ‫مستلق بسرواله القصير‬ ‫ٍ‬ ‫ووجدت زوجها‬ ‫على األرض‪ ،‬حاولت أن تبدأ بتوبيخه لكي‬ ‫يظهر الموضوع بشكل عادي مثل باقي‬ ‫حوادثه‪ ،‬لكنه لم يرد هذه المرة‪ ،‬اتصلت‬ ‫على اإلس��ع��اف ونقلوه إل��ى المستشفى‬ ‫وقالوا لها بأنه ال يوجد شيء استثنائي‪،‬‬ ‫ولكنه في حالة غيبوبة‪ ،‬ونصحوها بأخذه‬ ‫إلى البيت ألنه ما من شيء يستطيعون‬ ‫ال��ق��ي��ام ب��ه ه��ن��ا‪ ،‬ج���اءت ب��ه إل���ى البيت‬ ‫ووظ��ف��ت ممرضة تسهر عليه‪ ،‬ودخلت‬ ‫عليه بعد أيام‪ ،‬والحظت أن ذقنه نظيفة‬ ‫ * قاص من السعودية‪.‬‬

‫‪76‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫بيضاء تماماً‪ ،‬نادت الممرضة لتسألها إن‬ ‫كانت قد حلقت له ذقنه‪ ،‬فأجابت بالنفي‪،‬‬ ‫عندها وبعد تأمل اكتشفت ألول مرة بأن‬ ‫زوجها ال ينبت له ذقن‪ ،‬تذكرت لحظتها‬ ‫العادة اليومية لزوجها بحلق ذقنه بالموس‬ ‫أم��ام��ه��ا‪ ،‬عرفت حينها بأنه ك��ان يحلق‬ ‫الش��يء خالل أربعين سنة من زواجهما‬ ‫ليحافظ على مظهر رجولي أمام زوجته‪ .‬‬ ‫نظرت إليه في تلك اللحظة وشعرت‬ ‫ت��ج��اه��ه بخليط م��ن ال��ح��ب والشفقة‬ ‫وعرفت بأنها لم تعش حياة عادية تماماً‪ .‬‬ ‫نوبات عمق‬ ‫ك��ان��ت تصيبه ن��وب��ات م��ن العمق في‬ ‫بداية س��رده لحكاياته العادية‪ ،‬ك��ان كل‬ ‫مايهمه هو البداية القوية للحكاية ثم‬ ‫بعدها ال يهم ما يقول‪ .‬‬ ‫ال «لقد أضاع حذاءه وهو‬ ‫كان يقول مث ً‬ ‫يبحث عن نفسه»‪ ،‬في حين أن القصة‬ ‫تتحدث عن جارته العجوز التي ال تدفع‬ ‫اإليجار بانتظام‪ .‬‬


‫‪ρρ‬وفاء احلربي*‬

‫مرَّ زمن طويل وأنا أعاني من ألم يتنقل داخلي‪ ،‬ال أستطيع تحديد موضعه بدقة‪ ،‬ألم‬ ‫يشبه األلم الذي يتركه الفقد في أنحاء الجسد‪ ،‬غير أنني ال أعرف ما الذي أفتقده‪ ،‬وخز‬ ‫مباغت في الصدر‪ ،‬المفاصل والخاصرة‪ ،‬صداع‪ ..‬وغالبا رغبة ملحة في البكاء والبقاء قيد‬ ‫ٌ‬ ‫حركة مستمرة كحيوانات المعصرة‪ ،‬ال تفيد معه المسكنات وال المضادات الحيوية‪ .‬شهدت‬ ‫امتالء غرفة االنتظار في عيادة األطفال باآلباء واألمهات وأطفالهم‪ .‬طفل يبكي‪ ،‬وآخر‬ ‫يلعب مع شقيقه لعبة المطاردة‪ .‬وس��ط كل ه��ذه الفوضى والضوضاء لمحت ًّأم��ا تمسح‬ ‫القيء عن وجه طفلها‪ ،‬بينما لم تتوقف األم التي ظلت تذرع الغرفة جيئة وذهابا عن هز‬ ‫رضيعها الذي لم يستطع النوم‪ .‬على المقعد قرب الباب ٌأب يمسح مخاط ابنه وهو يتذمر‬ ‫دت أنهض لوال أنّ آخر سبقني لمساعدة األب الذي ركع على األرض‬ ‫بكلمات غير مفهومة‪ .‬كِ ُ‬ ‫يجمع المنشورات المتناثرة بعد أن أسقط ابنه رفوف العرض المتحركة التي تحملها‪.‬‬ ‫كنت أجلس على المقعد في الزاوية‪ ،‬يجلس‬ ‫عن يساري أبٌ ت��اركٌ طفله كثير الحركة‪،‬‬ ‫يحشر جسده في الفراغ الصغير الذي يفصل‬ ‫غرس مرفقه في خاصرتي‬ ‫َ‬ ‫بيننا‪ ،‬وكلما تحرك‬ ‫أك��ث��ر‪ ،‬سألني م��ن ب��اب ال��ف��ض��ول‪ :‬ه��ل أنت‬ ‫بمفردك؟ أجبته متلعثما‪ :‬أوه ال‪ ،‬ابني قادم‬ ‫مع أمه‪ ،‬لم يصال بعد‪ .‬كدت أغص بكذبتي‪،‬‬ ‫وهممت بالنهوض ألخ��رج لوال أن األم التي‬ ‫تجلس عن يساري مدت لي طفلتها‪ ،‬وطلبت‬ ‫مني اإلمساك بها لبضع دقائق حتى تأخذ‬ ‫شقيقها لقضاء حاجته‪ .‬ارتبكت‪ ،‬أحسست‬ ‫ب���أن ك��ل ال��ع��ي��ون ال��ت��ي ف��ي ال��غ��رف��ة ص � ّوبَ��ت‬ ‫نظراتها نحوي كما لو أن لديهم سابق معرفة‬ ‫بأنني ال أجيد التصرف مع ه��ذه الكائنات‬ ‫المالئكية‪ .‬ك��ان جسد الرضيعة يتفلت من‬ ‫ي��دي مثل العجينة‪ ،‬لم أع��رف كيف أمسك‬ ‫بها دون أن أؤذيها‪ ،‬وجدت نفسي متورطً ا مع‬

‫ق� � � � � � �ص � � � � � ��ص ق� � � � �ص� � � � �ي � � � ��رة‬

‫زهرة األبوة‬

‫كائن بلغ من اللطافة والنعومة بحيث تذكرت‬ ‫ٍ‬ ‫ف��ورًا العصافير الصغيرة التي أسرفْتُ في‬ ‫القبض عليها بكفوفي في طفولتي‪ ،‬فهشمت‬ ‫أضالعها وماتت‪ ،‬سال لعابها على يدي‪ ،‬لم‬ ‫يقرفني ذلك أبدا‪ .‬حين التقت عيني بعينيها‬ ‫تقوّست شفتها الصغيرة مُشكِّلة ابتسامة‬ ‫ساحرة أصابتني برعشة قوية‪ .‬شيء ما كان‬ ‫مغلقًا في قلبي يتسبب لي بذلك األلم المتنقل‪،‬‬ ‫تفتح كما تتفتح الزهرة‪ ،‬مرت الثالث دقائق‬ ‫موجعة ولذيذة في آن معا‪ ،‬طويلة كما لو أنها‬ ‫ثالث ساعات‪ .‬جاءت أمها وأخذتها أخيرًا من‬ ‫ي��دي‪ .‬نهضتُ وأسرعتُ الخطى خارجً ا من‬ ‫العيادة‪ ..‬وقلبي ينبض بشدة‪ ،‬اختلط األمر‬ ‫على مشاعري‪ ،‬فطوال الطريق إلى منزلي‬ ‫كنت أبكي وأضحك في الوقت نفسه‪ .‬إلى أين‬ ‫يذهب رجل عقيم إذا أراد أن يختبر شعور‬ ‫األبوة الحقيقي غير عيادة األطفال؟‬

‫* قاصة من السعودية‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪77‬‬


‫قلق‬ ‫‪ρρ‬عبدالكرمي النملة*‬

‫جلس قبالتي على الكرسي اآلخر للطاولة‪ ،‬أمامنا الساحة الكبيرة المتسعة‬ ‫في هذه المدينة السياحية الجميلة‪ ،‬كنت أزور هذه المدينة وأتردد عليها‪ ،‬لكنني‬ ‫وعدت إليها هذه األيام‪ ،‬لم تكن عودتي لزيارة‬ ‫ُ‬ ‫في السنوات األخيرة انقطعت عنها‪،‬‬ ‫هذه المدينة بريئة كما كنت أفعل من قبل‪ ،‬بل أتيت إليها محمّ ًال بأوصاب ثقُ لت‬ ‫على كتفيّ ‪ ..‬أرهقتني‪ ..‬ف��ق��ررت التخفف منها‪ ،‬إذ ف��ي اعتقادي أن ال ه��واء في‬ ‫العالم يمكن أن يُجلي نفسي مثل هواء هذه المدينة الوادعة التي تغتسل رياحها‬ ‫الطرقات أمامي‪،‬‬ ‫كل صباح بأنهار عذْ بة تحيطها من كل جانب‪ ،‬جئت بعد أن ُسدَّ ت ُ‬ ‫بعد أن قتلوا حمامتي‪ ،‬بعد أن شربوا رحيق غمامتي‪ ،‬فلم أجد بُد ًا من مفارقتهم‪،‬‬ ‫علّ نفسي المنسكبة بين ثنايا ترّهاتهم تعود لملكيتي كما كانت‪ ،‬علّ قلبي ينجلي‬ ‫صدؤه‪ ،‬ويعتلي نف َُسه‪.‬‬ ‫س��اح��ة م��ت��س��ع��ة‪ ..‬أط���ف���ال ي��ل��ه��ون نقود يضعونها في ج��وف قبعته التي‬

‫بتعقب الحمام الذي يحط على األيدي يضعها أمامه‪ ،‬وآخ��رون تجمّعوا أمام‬ ‫واألك���ت���اف؛ ط��م��ع�اً ف��ي ح��ب��وب شهيّة كنيسة تاريخية قديمة‪ ،‬يلتقطون صوراً‬ ‫يلتقطها‪ ،‬توضع له هنا أو هناك‪ .‬وهناك‬ ‫من ينتحل شخصيات مهرجة‪ ،‬أو يقف‬

‫صامتاً دون ح��راك‪ ..‬فقط كي يجلب‬

‫‪78‬‬

‫تذكارية‪.‬‬ ‫جلس الرجل قبالتي صامتاً ينظر‬

‫انتباه ال��م��ارة‪ ،‬فيعطفوا عليه ببضع حيث أ ُقلّبُ نظري بصمت وتأمّل‪..‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫ق� � � � � � �ص � � � � � ��ص ق� � � � �ص� � � � �ي � � � ��رة‬

‫رج��� ٌل ل�وّح��ت��ه الشمس ف��أب��دل��ت مالمحه‪ ،‬يعينه‪ ..‬وحين عجزا‪ ،‬انهزم صوته وخَ فَتْ ‪،‬‬ ‫أره��ق��ه تعاقب األي���ام‪ ،‬فنحتَتْ قلبه وأقست فالتفتُّ إليه وشجّ عته‪ ،‬مربتاً على كتفه‪ ،‬مسح‬ ‫تعرجات وجهه‪ ،‬حين التفَتُ إليه‪ ..‬ح��اول أن عينيه‪ ،‬واسترسل مجدداً في بوحه‪،‬‬ ‫يُلين شيئاً من مالمحه كي أتقبّل وجهه دون‬ ‫ترصد السائحين‪ .‬أموا ُج‬ ‫غرقتُ ثاني ًة في ّ‬ ‫صدّ‪ ،‬هو قريب بعيد في آن واحد‪ ،‬لم أستطع م��ن البشر بكل أل��وان��ه��م وع���ادات لباسهم‬ ‫تبين سبب انطباعي األول عنه؛ إذ‪ ،‬وفجأة‬ ‫تجمعهم هذه الساحة الواسعة‪ ،‬اشتد الزحام‬ ‫تدفّق الحبّ له من أعماق قلبي‪ ،‬فشعرت بقربي‬ ‫وتدافعت الجموع‪ ،‬وصديقي الجديد منهمكٌ‬ ‫منه وقربه منّي‪ ..‬وكأننا أصدقاء أو اشقاء!‬ ‫ف��ي ب��وح��ه‪ ،‬ك��ان فمه يهدر بكلمات حزينة‬ ‫لماذا انهمر قلبي شغفاً به وحناناً عليه‪ ،‬تدفعها كلمات ملتهبة‪ ،‬وحين تشدني عبارة‬ ‫وهو بعد لم ينطق بكلمة واحدة‪ ،‬نظرت إليه ما‪ ،‬أعاود النظر إليه بتركيز شديد‪ ،‬محاوالً‬ ‫كي يتحدث‪ ..‬كي ينطق‪ ..‬كي يخبرني ماذا استيعاب معانيه المقصودة‪ .‬لكن ما راعني‬ ‫يريد منّي‪ ،‬ول��م��اذا جلس على طاولتي أنا وأقلقني هو أنني كلما التفتُ إليه‪ ،‬رأيت‬ ‫بالذات‪ ،‬هل يعرفني؟‬ ‫مالمحه تتغير تدريجياً‪ ،‬وحين أركّز النظر‬ ‫ق��ال إن��ه آن��س قرباً مني‪ ،‬وك��أن شيئاً ال إليه وأرخ��ي له سمعي‪ ،‬أكتشف أن صوته‬ ‫يتغير أيضاً‪ ..‬لكن بشكل بطيء‪.‬‬ ‫يدركه جلبه للجلوس معي!‬

‫ق��ال إن��ه لم يجد أح��داً يسمعه‪ ،‬ينصت‬ ‫بعمق لقلبه‪ ،‬ثم أطرق رأسه صامتاً‪ ،‬ظننته‬ ‫يمهّد لسؤال ما‪ ،‬لكنه رفع رأسه بقوة وكأنّه‬ ‫تذكر شيئاً‪ ،‬فقال‪ :‬إن��ه ال يريد أن أمنحه‬ ‫شيئاً‪ ،‬ق��ال فقط امنحني سمعك وكفى‪،‬‬ ‫أوم���أت ب��رأس��ي م��واف��ق�اً‪ ،‬ث��م ب��دأت عيناي‬ ‫ت��ج��وب��ان ال��س��اح��ة المكتظة ب��ك��ل أص��ن��اف‬ ‫البشر من جنسيات مختلفة‪ ،‬أخ��ذ يتدفق‬ ‫ب��ال��ك�لام‪ ،‬وأخ���ذت ن��ظ��رات��ي ت�لاح��ق الناس‬ ‫وتالحق تصرفاتهم الصغيرة‪ ،‬لم أكن أقطع‬ ‫امتداد نظري إال حين يخفت صوته‪ ،‬كنت‬ ‫كلمات ثقاالً لم يستطع‬ ‫ٍ‬ ‫حينها أعلم أن هناك‬ ‫إخراجها من فمه‪ ،‬وحين عجز ب��دأ‪ ،‬دمعه‬

‫ت��ح��دث ص��دي��ق��ي ك��ث��ي��راً‪ ..‬أف���رغ ك��ل ما‬ ‫في قلبه وقذفه في قلبي‪ ،‬تحدّث عن ألمه‬ ‫الناشب‪ ،‬عن حياته المتعثرة‪ ،‬عن أحالمه‬ ‫الموؤدة‪ ،‬تحدث كثيرا كثيراً‪ ،‬وحين تهدجت‬ ‫كلماته‪ ..‬وص��ارت مسكينة ضعيفة‪ ،‬التفتُ‬ ‫إليه‪ ،‬فإذا مالمحه تتغيّر كلياً‪ ،‬فيبدو‪ ،‬وكأنّه‬ ‫بدأ يشبهني‪ ،‬أكمل بوحه وصراعه المحتدم‬ ‫مع نفسه‪ ،‬ت��أوّه كثيراً‪ ..‬فبكى وأبكى‪ ،‬نزع‬ ‫حزنه طمأنينة قلبي‪ ،‬سقط رأسي بين كفيّ ‪،‬‬ ‫وب���دأت أنشج معه‪ ،‬وحين خَ � َف��تَ صوته‪..‬‬ ‫التفتُ إليه‪ ،‬فلم أر له أث��راً‪ ،‬اختفى تماماً‪،‬‬ ‫سألت نادل المقهى عنه‪ ،‬ابتسم‪ ..‬وقال ال‬ ‫يوجد بجانبك أحد‪.‬‬

‫ * قاص من السعودية‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪79‬‬


‫ومضات قصصية‬ ‫‪ρρ‬فرح عبده*‬

‫حلم‬ ‫ٌ‬ ‫ينظف الشوارع ومالمح الحزن بادية‬ ‫أمسكَ طائرته الورقية بيده‪ ،‬وتخيل على وجهه‬ ‫نفسه طياراً‪.‬‬ ‫يقترب منه بعض األطفال‪ ،‬ليهينوه‬ ‫أخ��ب��ر صديقه ع��ن حلمه‪ ،‬فسخر بسخرية‪ ..‬وينادوه «صديق»!‬ ‫منه‪..‬‬

‫كبر‪ ،‬وأصبح يحلق بالسماء‪..‬‬ ‫واآلخر ما زال يسخر‪!!...‬‬ ‫مشاعر‬

‫ليس لديه إال الصمت!‬ ‫غربة‬ ‫يتأمل وط��ن��ه م��ن خ�لال ص���وره‪ ،‬ال‬ ‫يستطيع الحديث!‬

‫يطلب م��ن قلبه التحدث‪ ،‬فيكتفي‬ ‫يمسك القطه بوحشية ليمثل فلماً‬ ‫بنبضات الحنين‪..‬‬ ‫عن «الرفق بالحيوان»‪.‬‬ ‫تموت القطة‪..‬‬ ‫ويكسب المعجبون!!‬ ‫أوراق اختبار‬ ‫كانت الدرجات ترصد على اإلجابات‬

‫يطلب م��ن عينيه‪ ،‬ف�لا يجد سوى‬ ‫دمعات الشوق‪!...‬‬ ‫فيكتفي بالصمت‪..‬‬ ‫ِقطة‬

‫يمد يده بألم لوسادته‪ ،‬يضغط عليها‬ ‫فأصبحت ترصد على « االٍ س��م»‪..‬‬ ‫ال تخافوا على درجاتكم ي��ا أصحاب بشدة‪..‬‬ ‫المناصب‪!..‬‬ ‫ينتظر مواساة أحد‪ ،‬فال يجد سوى‬

‫المعلم الظالم!!‬ ‫ٍ‬ ‫لكن‪ ..‬خافوا عليها عند وجود‬ ‫الصادق!!‬ ‫لحظات‪ ..‬تدخل إل��ى غرفته وهي‬ ‫تموء‪..‬‬ ‫صديق‬ ‫تقترب منه لتستقر بحضنه‪ ،‬وكأنها‬ ‫رج��ل بلحية بيضاء يبلغ من العمر‬ ‫تشعر به !‬ ‫خمسين عاما‪..‬‬

‫‪80‬‬

‫ * الجوف ‪ -‬سكاكا‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫‪ρρ‬حمود علي حسني الشريف*‬

‫يحتضرُ في األف��ق بعد مُ جابهةٍ طويلة‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫عندما كان الرمق األخير من النهار‬ ‫أطبق الغروب جفنيه عليه مُ نهيا حياة ذلك الرمق‪ ،‬وكاشفا لنا عن والدة ليل جديد‬ ‫مجهول المالمح‪ ،‬مولود ما إن ظهر للحياة إال وأخذ يطرق أبواب الجميع مخبرً ا‬ ‫أعرف إلى أين‬ ‫إياهم أنه قد وصل‪ .‬كعادتي‪ ..‬خرجت من القرية‪ ،‬وهذه المرة لم أكن ُ‬ ‫أذهب وال ماذا أُريد‪ ،‬تائها‪ ..‬أسيرُ إلى المجهول‪ ،‬أسيرُ إلى حيث تُطيعني أقدامي‪،‬‬ ‫أثقل عاتقي كرمُ المآسي‪ ،‬وابتسامة األحزان‪ ،‬واستقبال الهموم‪ ،‬لم أستطع حينها‬ ‫أن أُفُ كر حتى إلى أين أذه��ب‪ ..‬كان القمر ليلتها يتأمل في حالتي من مكان في‬ ‫��ص يبحث عن طريق نجاة‪ ،‬وجنوبا عن‬ ‫أقصى سقف السماء مُ تعجبًا‪ ،‬كأنني ل ٌ‬ ‫القرية‪ ،‬وفكرت في النهاية أن أذهب مفترق طرق يقو ُد كل واحد منها إلى أماكن‬ ‫كنت أسمع على جانبيه صدى‬ ‫نائية بعيدة‪ ،‬امتطيت طريقا ليس منها ببعيد‪ُ ،‬‬ ‫صرخات الطفولة تعبث بسكون الليل‪ ،‬مجموعة من األطفال يلعبون ويتبادلون‬ ‫يشاكس كُ ل واحد منهم اآلخر‪ ،‬وبين الخطوة واألخرى أشاهدُ النجم يسهرُ‬ ‫ُ‬ ‫المرح‪،‬‬ ‫على صدى ضحكاتهم التي تعانق السماء‪.‬‬ ‫ومع أني كنت أغبطهم على تلك الحياة عابرون‪ ..‬فهل أنت يا لي ُل وط ُن العابرين؟!‬ ‫النقية التي يستمتعون بها‪ ،‬إال أن خطواتي‬ ‫استمر الطريق في إنهاك أقدامي حتى‬ ‫تابعت دق التراب ومالزمة الطريق‪ ،‬تاركة صرخَ ت خطواتي‪ :‬توقف‪ ..‬حينها توقفتُ‬ ‫وراءها براءة الطفولة وبساطتها‪ ..‬وكأنني عن دقِّ التراب ومالزمة الطريق‪ ،‬وسكت‬ ‫في ٍ‬ ‫سفر طويل مع الذات‪ ،‬تم ُر في طريقي قرع النعال بجوار مزرعة صغيرة أخذتني‬ ‫أس����رابُ ال��ذك��ري��ات وذئ���اب ال��ب��ال‪ ،‬وحتى الخُ طوات إليها دون قصد‪ ،‬تَب ُع ُد مسافة‬ ‫أحزان الغرباء‪ ..‬نعم تَم ّر عابر ًة مثلي‪ ..‬كلما كبير ًة ج �دًا عن القرية‪ ،‬بها قنوات مائية‬ ‫حاولت أن استوقفها ترفض‪ ،‬نعم ترفض! مُتعددة‪ ،‬وب��ج��وارِ إح��دى القنوات المائية‬ ‫ُم َع ِلل َة ذلك بأنها ذاهب ٌة في ٍ‬ ‫سفر بعيد مداه كانت البداية‪ ..‬إذِ استرخيتُ آلخُ َذ قِ سطً ا‬ ‫أقصى ح��دود النسيان‪ ..‬إذاً‪ ،‬فلست أنا من الراحة من عناء الطريق‪ ،‬وحينها كًنت‬ ‫حالمة وادع� ٍ�ة‬ ‫ٍ‬ ‫ليلة‬ ‫ماسة لقضاء ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫العابر الوحيد فيك يا ليل‪ ،‬فكًلنا فيك يا لي ُل بحاجة‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫ق� � � � � � �ص � � � � � ��ص ق� � � � �ص� � � � �ي � � � ��رة‬

‫امبراطورية الجمال‬

‫‪81‬‬


‫مع ال��ذات‪ ،‬ليلة أتجر ُد فيها من هموم الحياة‬ ‫المتالحقة‪ ،‬وأستعيد فيها ذك��ري��ات الطفولة‬ ‫الغائبة‪ ،‬وأستمتع فيها بأشعار شاعر الحُ ب‬ ‫والجمال (ن��زار قباني)‪ ..‬وخصوصا تلك التي‬ ‫يخاطب فيها محبوبته ومنها قوله‪:‬‬ ‫�������ك ي�����ام�����ن ت���س���ك���ن���ي���ن دم����ي‬ ‫إن��������ي ُأح�������ب ِ‬ ‫نت في القمرِ‬ ‫الصين أو إن كُ ِ‬ ‫ِ‬ ‫إن كُ نت في‬ ‫أو تلك التي يُع ِب ُر فيها عن حُ زنِه وانكساره‬ ‫ومنها قوله‪:‬‬ ‫����اح ال�����ط�����ري�����ق ص���دي���ق���ت���ي‬ ‫إن�������ي ك����م����ص����ب ِ‬ ‫أب��������ك��������ي وال أح���������������دٌ ي������������رى دم�����ع�����ات�����ي‬

‫‪82‬‬

‫تحت س��م��اءٍ يكون القمر فيها أشبه بمل ٍِك‬ ‫قصرُه السماء وحاشيته النجوم‪ .‬لكن ما إن شعرَتْ‬ ‫قُطعان الظالم بتلك األمنيات التي تجول بخلدي‪،‬‬ ‫وحتى قبل أن أُت��اب��ع س��رد أمنياتي وب���دون أي‬ ‫مُقدمات وحتى سابق إنذار‪ ،‬كان لها كالم آخر‪..‬‬ ‫إذ أرادت أن يكون ذلك الليل سخيا معي!! وبالفعل‬ ‫كان سخيًا باستبداده وعنجهيته التي تجاوزت‬ ‫هتلر وستالين‪ ،‬وأرادت أن ينفذ أحكامها بقتل‬ ‫أمنياتي بليل حالم وادع‪ .‬تالشت تلك األمنيات‬ ‫في داخلي وانتهت أمام ذلك االستبداد خُ طوات‬ ‫األمل الرغيدة التي كانت تسكن ربيع مشاعري‬ ‫ليل ال يعرف‬ ‫المتوقدة‪ ،‬ليتحول ذلك الليل إلى ٍ‬ ‫للسكون طريقا‪ .‬طائر البوم مأل سماء ذلك الليل‬ ‫موحش لم تعد تسمع فيه‬ ‫بصوته المُفزع‪ ،‬لي ٌل ِ‬ ‫حفِ يفًا لألوراق‪ ،‬وال حتى فحيحً ا لألفاعي‪ ،‬على‬ ‫أسوأ احتمال‪ ..‬لي ٌل مسكو ٌن بوحشته‪ِ ،‬صرتُ فيه‬ ‫ظُ لمة وسط ظُ لمة‪ ،‬أقل ما يمكن أن يُقال عنه أنه‬ ‫خاف حتى من نفسه‪ ،‬انهار كٌل شيءٍ داخلي‪..‬‬ ‫لي ٌل َ‬ ‫فلم أعُد أعرف ماذا أفعل وال لماذا تُحاصرني كُل‬ ‫َصبَبتُ براكين غضبي‬ ‫هذه الحُ ظوظ القاسية؟! ف َ‬ ‫على هذه الحقيقة الزمنية التي يسمونها (الليل)‬ ‫قائلاً له‪ :‬اذهب من غير رجعة‪ ،‬اذهب لتستعبد‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫أُناسً ا غيري‪ ،‬وتُنغص عليهم أفراحهم‪ ،‬وتضطهد‬ ‫ُك��ل بارقة أم��ل في حياتهم‪ ،‬فمن اآلن أق��ول لك‬ ‫لم تعُد هناك أبوابٌ مفتوح ٌة بانتظارك‪ ،‬ولم يعُد‬ ‫هناك صب ٌر يُطي ُق وج���ودك‪ ،‬فهاجر إل��ى حيث‬ ‫أسمع بخبر وفاتك‪ ،‬وتأكد أنني أول من يعزي‬ ‫ال فيك‪ ،‬وأول من يدق مسمارًا بنعش جنازتك‪.‬‬ ‫أه ً‬ ‫فكرت بالعودة إلى القرية‪ ،‬وبالفعل امتطيتُ طريق‬ ‫العودة‪ .‬كانت األمنيات زادي‪ ،‬والطريق راحلتي‪،‬‬ ‫وفي جيبي ينام الحُ لم ليصحُ و من نومه خائبا‬ ‫وغير آمن لمُفآجات الطريق‪ ،‬متشائما من ذلك‬ ‫الليل قاتل حُ لمي‪ .‬وبين كُل لحظةٍ وأخرى يستيقظ‬ ‫الحُ لم الغافي فأُخبره أن ال جديد يُذكر‪ ..‬استمر‬ ‫في نومك‪ .‬وتستمر وحشتي لتداهمني في تلك‬ ‫ال��ب��راري‪ ،‬وي��ع��اودن��ي ذل��ك الليل ال��ذي م��ا ي��زال‬ ‫ال على ظهره حقيبة الكآبة المريرة‪،‬‬ ‫يستفزني حام ً‬ ‫فتحاول تجاهله خُ طواتي المُكبلة بالخيبة‪ ،‬وتتابع‬ ‫سيرها الشاحب المالمح في عُتمة الليل‪ ،‬وعلى‬ ‫مسافة ليست بالقريبة وال بالبعيدة من القرية‪..‬‬ ‫أمطرت السماء بشراسة‪ ،‬ماسحة أثر الخُ طوات‬ ‫الخائبة‪ ،‬لم اكترث بشراسة المطر‪ ..‬وكابرتْ‬ ‫برياح عاتية جدًا‬ ‫ٍ‬ ‫خُ طواتي على المسير‪ ،‬وإذا‬ ‫تُواجهنا‪ ،‬فما كان منها إال أن أيقظت نوم ذلك‬ ‫الحُ لم الغافي وجعلته في يقظَ ةٍ مُستمرة‪ .‬حبات‬ ‫المطر تَجلدني على ظهري‪ ،‬وأمنياتي المُتشبثة‬ ‫بظهري تصرُخ من شدة الجلد‪ ،‬وفي أذني تعوي‬ ‫ال��ري��اح‪ ،‬ذهبت يمينًا وي��س��ارًا‪ ..‬ال ش��يء نحتمي‬ ‫صنع يدي‪،‬‬ ‫به‪ ،‬استسلمتُ للقدر‪ ،‬فما القدر من ُ‬ ‫لكن كان من لطف اهلل بنا أن رأيت كُوخا صغيرًا‬ ‫لشيخ م ُِسنِّ يعيش في‬ ‫بمزرعة مهجورةٍ ‪ ،‬يعود مُلكها ٍ‬ ‫ضواحي القرية‪ ،‬احتميت به أنا ورفيقي (الحُ لم)‬ ‫فترة هطول المطر الطويلة نسبيا‪ ،‬وبعد أن سكت‬ ‫المطر وتعبت الرياح من العواء‪ ،‬خرجت من ذلك‬ ‫الكوخ الصغير‪ ،‬ف��إذا السماء صافية‪ ،‬والنجوم‬ ‫والشعاب‪،‬‬ ‫المعة‪ ،‬وقد سالت على إثر ذلك الوديان ِ‬ ‫فكان لزامًا علينا أن نعبُ َر أحد الوديان في طريق‬


‫ب��ك��ل ب��س��اط��ة‪ ،‬أن���ا م��ن ت��ج��دن��ي ب��ي��ن سطور‬ ‫الروايات‪ ،‬وفي أفواه الحكايات‪ ،‬وتجدني رسمة‬ ‫بجبين القمر‪ ،‬ومنقوشة على ورق الشجر‪ ،‬وأنا‬ ‫لغة الطير والدرر‪ ..‬فهل عرفتني؟!‬

‫ق� � � � � � �ص � � � � � ��ص ق� � � � �ص� � � � �ي � � � ��رة‬

‫عودتنا ألواص��ل سيري‪ ،‬وف��ع�ًل�اً ‪ ..‬وبعد صعوبة‬ ‫بالغة‪ ،‬تمكنت من عبور أحد الوديان‪ ،‬وبالقرب‬ ‫من الوادي الذي قطعتُ ‪ ..‬سمعنا صوتا شديدًا‪،‬‬ ‫فقلت‪ :‬يبدو أن هذا الليل مُصمم على إكرامنا مرة‬ ‫أخرى‪ ،‬وعلى ما يبدو أنه لم يبح بكامل أسراره‬ ‫(فما يزال الليل طفال يحبو) كما تقول العرب؛‬ ‫أي أنه ما يزال في أوله وبدايته‪ .‬قادني الفضول‬ ‫الكتشاف مصدر هذا الصوت‪ ،‬فإذا به خرير أحد‬ ‫الوديان المجاورة‪ ،‬حمدنا اهلل كثيرا‪ ..‬ولكن في‬ ‫المقابل‪ ،‬وعلى الطرف اآلخ��ر من ال���وادي ثمة‬ ‫ش��يء يتوهج بريقًا‪ ،‬دارت في خلدي تساؤالت‬ ‫وتساؤالت‪ ،‬فترددْتُ من االقتراب من ذلك الشيء‬ ‫اب��ت��داءً‪ ،‬ومنعني الخوف في المرة الثانية‪ ،‬لكن‬ ‫كان البد أن أعرف ِس ِّر هذا المجهول‪ ،‬فقررت‬ ‫القيام بمغامرة التحقق من ذلك الشيء‪ ،‬وشيئا‬ ‫فشيئا إلى أن اقتربت منه‪ ..‬فوجدت ما لم تحتمل‬ ‫عيناي رؤيته (مالك في صورة امرأة خلف قضبان‬ ‫جفنيها يقبع الكثير من األسرى والعاشقين‪ .‬في‬ ‫نظراتها احتالل طويل‪ ،‬واجتثاث لثقافة االنعزال‬ ‫هي أكبر من مفردات التودد واالنحناء‪ ،‬من يشاهد‬ ‫تضاريس مالمحها‪ ..‬سيعرف أنها السفر الطويل‬ ‫في عقول الكائنات‪ ،‬وسيعرف أن الطريق إليها‬ ‫نوع من الوهم‪ ،‬وأن الوصول إليها انتحارٌ‪ ،‬فال‬ ‫نبالغ إذ قلنا إنها من انحنى لجمالها القمر‪ ،‬أو‬ ‫قلنا إنها مخلو ٌق تجاوز حدود الوصف‪ ،‬أو قلنا‬ ‫إنها فوق الكلمات‪ ،‬أو هي سجن الكالم‪ ،‬وقلنا‪...‬‬ ‫وقلنا)‪ ..‬فبادرتها باستفهامات تشتَ ُم منها رائح ُة‬ ‫االستغراب والتعجب‪ ،‬فكان من أبجديات حواري‬ ‫معها هذا السؤال‪ :‬كيف لمن انحنى لجمالها القمر‬ ‫أن تكون بمفردها في مكان مجهول المالمح دون‬ ‫خاف‬ ‫ليل ٍ‬ ‫خوف أو وجل‪ ،‬ودون سراج أو ضوءٍ في ٍ‬ ‫حتى من نفسه‪ ..‬وهي تملك كل هذا العنفوان؟‬ ‫لسراج يُضيء له الطريق أو‬ ‫ٍ‬ ‫وه��ل يحتاج مثلي‬

‫حتى أن يسير معه أح��د! مُخطىء م��ن يعتقد‬ ‫مثل اعتقادك‪ ،‬فأنا ال أسير وحدي دون سراج‪،‬‬ ‫فسراجي هو بريق عيني الذي تحتضر أمامه كل‬ ‫ظلمة‪ ،‬وأنا ال أسير دون رفقة‪ ،‬كما تظن؛ فالنجوم‬ ‫أنت يا مَن تحملين جمال‬ ‫وقمرها يسيران معي‪ِ ،‬‬ ‫األنوثة الطاغي‪ ..‬أال سبيل لمعرفتك؟‬

‫ي��ب��دو أن��ك ل��م تعرفني ب��ع��د‪ ،‬فلسان حالك‬ ‫وتعابير وجهك يدالن على ذلك!! فأنت محتاج ألن‬ ‫تعرفني بِدقة أكثر‪ ،‬فأنا من اشترطت على كل من‬ ‫يريد الكتابة عني اختراع لغة جديدة‪ ،‬فكل اللغات‬ ‫التي كتبت عني أعرفها جيدًا ومللتها وتعبت منها‪،‬‬ ‫فمتى ستفر ُغ المفردات من الحديث عني وأنا حب ُر‬ ‫المفردات‪ ،‬أنا ال أعترف بالحقائق الزمنية القائلة‬ ‫ال ونهاراً‪ ،‬فمنذ متى أعرف ليال‪ ،‬فأنا‬ ‫إن هناك لي ً‬ ‫أع��رف نهارين فقط‪ ،‬نهار الناس والليل الذي‬ ‫أملؤه نهارا‪ ،‬فيزول الليل من معاجمي فيصبح‬ ‫لدي نهاران فقط‪ ،‬كل شيء حولي ناطق‪ ،‬فجمالي‬ ‫فرض على الصخر أن ينطق بما في جوفه من‬ ‫ماء فنطق‪ ،‬وعلى الليل أن يذهب فاختفى‪ ،‬وعلى‬ ‫الشوارع أن تتحدث بلغتها ففعلت‪ ،‬برغم كل ما‬ ‫قلت‪ ..‬سأظ ُّل أجه ُل إصرارك على البقاء وليس‬ ‫ِ‬ ‫برفقتك إال الظالم‪ ،‬لكني مُضط ٌر أن أتابع طريق‬ ‫عودتي إلى القرية‪ ،‬نعم تابع طريق عودتك‪ ..‬هي‬ ‫تقول ذلك! وقبل ذلك أتمنى أن تكون أيها الحاذق‬ ‫البصير قد عرفتني؟!! فأنا أرى فيك التعبير‬ ‫الذي ال يختز ُل المشوار‪ ،‬لذا أرجو أن يبخل عليك‬ ‫القدر بلحظاته المؤلمة على اعتبار أن الحياة ال‬ ‫تخلو من لحظات مؤلمة‪ ،‬لتسرح عيناك من جديد‬ ‫في مالمح امبراطورية الجمال‪.‬‬

‫* قاص وشاعر من السعودية‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪83‬‬


‫األزمنة‬ ‫تقازم‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬

‫نوير بنت مطلق العتيبي*‬ ‫‪ّ ρρ‬‬

‫‪84‬‬

‫مضى أولُ المساءِ‬ ‫متعجل‬ ‫والليلُ األزرقُ‬ ‫صاخب بالمنى‪..‬‬ ‫ٌ‬ ‫قادمٌ باألوهامِ ‪..‬‬ ‫اس‬ ‫مُ ثقلٌ بتسابيحَ قُ دّ ٍ‬ ‫يختلسونَ جمالَ الحياةِ‬ ‫ويفقؤونَ عنهم العيونَ‬ ‫بدوي االستغفارِ ‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫القديم تبدّ لَ ‪..‬‬ ‫ِ‬ ‫وجهُ الصحراءِ‬ ‫باأللوان النافرةِ‬ ‫ِ‬ ‫فأضحى معجونًا‬ ‫وباعةُ الكالمِ‬ ‫الطريق صمتَهُ‬ ‫ِ‬ ‫يسرقونَ منَ‬ ‫المصابيح‬ ‫ِ‬ ‫ويحلبونَ من‬ ‫ضوءً ا يُ بدِّ دُ سوادَهم‬ ‫مضى أولُ المساءِ‬ ‫باعث ًا لنا مالكً ا الحزينَ‬ ‫نمارس معَهُ الغِ نا َء‬ ‫َ‬ ‫كي‬ ‫اندلقت على أراضينَا‬ ‫ْ‬ ‫منذُ‬ ‫ناج‪..‬‬ ‫الدماءُ واُختزلَ الفرحُ في مُ قلتي ٍ‬ ‫لم يعدْ يفهمُ حدي َثنَا‬ ‫ولم يُ عنهِ غُ د َّونَا‬ ‫أو الروا َح‬ ‫فاحا‪..‬‬ ‫الجبنَ ِس ً‬ ‫الخوف داخ َلنَا‪ ..‬وحم ْلنَا ُ‬ ‫َ‬ ‫ربّـينَا‬ ‫للزمن‬ ‫ِ‬ ‫ال قيم َة‬ ‫الصباح‬ ‫ِ‬ ‫بخيوط‬ ‫ِ‬ ‫اختلط الغَسَ قُ‬ ‫َ‬ ‫وقد‬ ‫ألف مرةٍ‬ ‫مت العروبةُ فينَا‪َ ..‬‬ ‫هُ زِ ْ‬ ‫التاريخ فُ كاهةً تُروى‬ ‫ِ‬ ‫وص ْرنَا ألساطيرِ‬ ‫ِ‬ ‫جنون‪ ..‬من غباءٍ ‪..‬‬ ‫ٍ‬ ‫وخليطا من‬ ‫ً‬ ‫على كفينَا‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫ش� � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � �ع � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��ر‬

‫مجد ِخ ْلنَا ُه‬ ‫ٍ‬ ‫نقش‬ ‫ُ‬ ‫يكفي للحياةِ‬ ‫هلل في عليائِ هِ ينتظرُ صنيعً ا‬ ‫وا ُ‬ ‫الريح‬ ‫ِ‬ ‫يُ غيُّ ر موج َة‬ ‫الربيع‬ ‫ِ‬ ‫األرض لونَ‬ ‫َ‬ ‫ويمنحُ‬ ‫وما يرى‪..‬‬ ‫غي َر غاللةِ الكالمِ‬ ‫الطاوالت‬ ‫ِ‬ ‫وأحجيةٍ تُزجى على‬ ‫كلُّ عامٍ‬ ‫تدق خاصرةِ الغَسَ ِق‬ ‫ُّ‬ ‫بافتراءٍ‬ ‫غضبةٌ عربيةٌ مُ ضحكةٌ‬ ‫األوراق‪..‬‬ ‫ِ‬ ‫ال تُحر ُِّك سوى أكوامِ‬ ‫المثقل بالدعاءِ‬ ‫ِ‬ ‫الليل‬ ‫ِ‬ ‫يا آخ َر‬ ‫أهجرُ مُ دنًا بِ ضاع َتهَا‪ ..‬كالمٌ ‪ ..‬ومالمٌ ‪..‬‬ ‫بتصافح ووعودٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ينتهي‬ ‫تقتلُ األحيا َء‬ ‫الليل‪..‬‬ ‫ِ‬ ‫يا آخ َر‬ ‫أجهض األحال َم‬ ‫ْ‬ ‫المريع‬ ‫ِ‬ ‫الكسل‬ ‫ِ‬ ‫تبتئس من‬ ‫ْ‬ ‫ال‬ ‫مالك‪..‬‬ ‫َ‬ ‫نادِ‬ ‫كي يغني‪ ..‬كي يصيحَ ‪ ..‬كي يخبرَهُ م‬ ‫عن تقازمِ األزمنةِ‬ ‫في جغرافيةِ الخائبينَ‬ ‫التاريخ‬ ‫ِ‬ ‫كي يتل َو عليهم‪ ..‬من ِسفْ رِ‬ ‫َّط كالحجرِ‬ ‫مجد تُحن ُ‬ ‫ٍ‬ ‫أكاذيبَ‬ ‫تغرف‬ ‫ُ‬ ‫الجرا َح التي‬ ‫ويذكّرُ هم ِ‬ ‫رح‪..‬‬ ‫الج ِ‬ ‫من ُ‬ ‫مئات السنينَ ‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫منذُ‬ ‫ * شاعرة من السعودية‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪85‬‬


‫العقـد‬ ‫تناثر العقد الثمين وتبعثر لؤلئي‪..‬‬ ‫و تكسر زجاج الحلم من يدي‪..‬‬ ‫أد َل ْو بدلوِ الحرمان‬ ‫وجففوا بئِ ر موعدي‬ ‫صلوا بالمدينة فجرهم‬ ‫َعش قُ بلتي‬ ‫وأنا قبلت ن َ‬ ‫صبحا‪ ..‬والصبح ليلً ‪..‬‬ ‫ً‬ ‫تناقض الليل‬ ‫قمرُ الراحةِ صلى عذابهُ‬ ‫مدفونٌ بالجدي‬ ‫مت وكذَّ ب ُْت من قالوا إن الموت واحدُ‬ ‫ُّ‬ ‫ورب نوح‬ ‫رب يونس َّ‬ ‫ناديت يا َّ‬ ‫ُ‬ ‫ورب جرح مقلتي‪..‬‬ ‫َّ‬ ‫كف الدعاءِ علَها‬ ‫رفعت َ‬ ‫ُ‬ ‫تمسك سماءً شحَّ بها مطري‬ ‫علها فوق البساتين‪..‬‬ ‫ُنبت ورد معذبي‬ ‫ت ُ‬ ‫ما سكت الغصن الندي بحداده‬ ‫وحبه بالفؤاد‪..‬‬ ‫كما عقد فاتنة انقطع‪..‬‬ ‫المولد‬ ‫ِ‬ ‫فبكت‪ ..‬وأبكت جرح‬

‫‪86‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪ρρ‬نوره عبيري*‬


‫ش� � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � �ع � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��ر‬

‫زق‬ ‫بكاء منها مُ مَ ِ‬ ‫سحبوا المناديلَ من حول أصابعها‬ ‫وفستانُها المفتون بجمالها‬ ‫مكذب‬ ‫ِ‬ ‫تقطع في رقص‬ ‫تدثرت ببعض شعرها‬ ‫بكيت‪ ..‬يا ويل ويلي‪ ..‬ويا ويل قبر أبي‬ ‫ُ‬ ‫إن‬ ‫ستموت أمي علقم إن لم أشرب الليلة‪..‬‬ ‫يا عـ ـقـ ـ ـ ــدُ ‪..‬‬ ‫ما تبقى من بقاياك من خيط مقطوع‬ ‫و ال من لؤلئي‬ ‫كُ ن حلم ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـًا‪..‬‬ ‫ميتً ا‪..‬‬ ‫نعشك رمشي‪ ..‬ودثارك يدي‪.‬‬ ‫لملمت عقد الحكاية‬ ‫وجرت حريرها تولولُ‬ ‫آه‪ ..‬ليت هذا اللؤلؤ األخير مات‪..‬‬ ‫وودعني‪...‬‬ ‫ضاعت من بين يدي تفاصيل الحكاية‬ ‫انقطع اللؤلؤ الثمين‪..‬‬ ‫و باحت سرها المفتون عذراء قصيدتي‪..‬‬ ‫ * شاعرة من السعودية‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪87‬‬


‫أراك شمس ًا ال تغيب …‬ ‫‪ρρ‬أريج الزهراني*‬

‫أج��������م��������ي��������ل‪ ..‬ي���������ا ح�������ب������� ًا ت������م������لّ������ك خ����اف����ق����ي‬ ‫ح���������ت���������ى ت���������ق���������يّ���������د ف��������������ي ه�����������������������واك أس���������ي���������را‬ ‫ي�����خ�����ش�����ى ال�������ف�������ك�������اك وأن يُ��������ح��������لّ وث�������اق�������هُ‬ ‫أرأي���������������������������تَ ق������������ي������������د ًا ي����������رف����������ض ال�������ت�������ح�������ري�������را‬ ‫إنّ�����������������ي أرى ف�������ي�������ك ال��������ج��������م��������ال م�����ح�����ط�����ةً‬ ‫وأراك ِم���������������ن ب��������ي��������ن ال�������������رج�������������ال أم��������ي��������را‬ ‫َ‬ ‫وأراك ش�������م�������س������� ًا ال ت������غ������ي������ب ون������ج������م������ةً‬ ‫وأراك ب�����������������������در ًا ف������������ي ال������������ظ������ل�����ام م������ن������ي������را‬ ‫����������ون ح������ي������ن تُ����ح����ي����ط����ن����ي‬ ‫وأراك ك���������ل ال����������ك ِ‬ ‫وأراك ف�����������������وق ال����������ص����������اغ����������ري����������ن ك������ب������ي������را‬ ‫أش������ع������ل������تَ ف��������ي ب�����ح�����ر ال���������غ���������رام ق����ص����ي����دت����ي‬ ‫ه�������������ي ك�������ل�������م�������ا غ�����������رق�����������ت ت�������������زي�������������دُ س������ع������ي������را‬ ‫وزرع���������������������تَ ف���������ي ع�����ي�����ن�����ي ح���������دائ���������ق ب����ه����ج����ةٍ‬ ‫ون������������ث������������رتَ ف�����������ي ف�����������لَ�����������كِ ال������������ف������������ؤاد ع�����ب�����ي�����را‬ ‫�����������رش ع����واط����ف����ي‬ ‫������ب ق�������د مُ �������لِّ�������كْ �������تَ ع َ‬ ‫ب������ال������ح ِ ّ‬ ‫أص������������ب������������ح������������تَ س����������ل����������ط����������ان���������� ًا ع���������ل���������ي���������ه ق����������دي����������را‬ ‫ * شاعرة من السعودية‪.‬‬

‫‪88‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫‪ρρ‬جابر الدبيش*‬

‫ضياع‬

‫جوف الليلْ ـ‬ ‫كسرب طيورٍ في ِ‬ ‫ِ‬ ‫أعرف أن‬

‫شماالً؟!‬

‫تأتي األعما ْر‬

‫شماالً؟!‬

‫الغصن‬ ‫ِ‬ ‫ظلم‬ ‫ويفرَّ من ِ‬

‫يموت‬ ‫ُ‬ ‫الجنوب‬ ‫ُ‬ ‫لماذا‬

‫القيظ‬ ‫ِ‬ ‫سوط‬ ‫ِ‬

‫كصمت نفا ُه الضجيجْ ؟‬ ‫ٍ‬

‫ورقُ األشجا ْر‬

‫كضوءٍ تالشى على مفرَقين!‬

‫���رس ال��م��ص��ل��وبَ ع��ل��ى ك ِّ��ف‬ ‫����رف أن ال���ج َ‬ ‫أع ُ‬

‫لماذا الرياحُ تعيدُ‬ ‫مهده؟‬ ‫الجنوبَ إلى ِ‬ ‫لحده‬ ‫فيجري شما ًال إلى ِ‬ ‫ذئاب عوتْ‬ ‫الحتوف ٌ‬ ‫َ‬ ‫كأن‬ ‫فأي فالةٍ تنمِّ ي خطاه؟‬ ‫ُّ‬ ‫شتات يلبي مناه؟‬ ‫ٍ‬ ‫وأي‬ ‫ُّ‬ ‫إذا ما تساوت على مقلتيه‬ ‫دروب الضياعْ‬ ‫ُ‬ ‫أجراس‬

‫األجراس معلقةً‬ ‫ِ‬ ‫حين أشاهدُ كلَّ‬ ‫العالم‬ ‫ِ‬ ‫حلق‬ ‫كلهاةٍ في ِ‬

‫ش� � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � �ع � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��ر‬

‫نصوص شعرية‬

‫الراهب‬ ‫ِ‬ ‫يرفع يدَه‬ ‫ويلوّحُ ‪ :‬قد مات األسبوعْ‬ ‫في عينيّ يسوعْ‬ ‫الباب‬ ‫ِ‬ ‫أعرف أني أسكنُ في‬ ‫وخاتمتي في ضغطةِ ز ْر‬ ‫أعرف أن الصوتَ اآلتيَ‬ ‫ال يعنيني‬ ‫أو يعنيني‬ ‫ال ما َء لديه‬ ‫أعرف‪..‬‬ ‫ُ‬ ‫أعرف‪..‬‬ ‫ُ‬

‫تهرف للريحْ‬ ‫ُ‬

‫أعرف س ّر ًا‬ ‫ُ‬ ‫لكني ال‬

‫الرابض في رئتيها‬ ‫َ‬ ‫أعرف أن الصوتَ‬ ‫ُ‬

‫منْ كبَّـلَ باب ًا بالمفتاحْ ؟‬

‫يتحينُ أمر ًا لإلقالعْ‬

‫الجرس األرواحْ‬ ‫ِ‬ ‫ينفث في‬ ‫ُ‬ ‫منْ‬

‫الراكض كسرتْ ساقاه‬ ‫َ‬ ‫أعرف أن الزمنَ‬

‫كي تبدأَ أو تنهيَ عمر ًا‬

‫* شاعر من السعودية‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪89‬‬


‫ُ‬ ‫غياب َك‬ ‫قهوة‬ ‫ِ‬ ‫‪ρρ‬حنان بيروتي*‬

‫القهو ُة أميرة‬ ‫أطراف الفستان‬ ‫َ‬ ‫ترفع بأناقة‬ ‫كي ال تتعثر‪ ..‬ويبكي الفنجان!‬ ‫***‬

‫هي امرأةٌ‬ ‫تسقي يبابَ السنين‬ ‫بذاكرة الورد‪ ..‬وعطر الكالم‬ ‫وفي قلبها‬ ‫يزهر ‪-‬كل صباح‪ -‬عمرٌ جديد!‬ ‫***‬

‫تذوقت قهو َة غيابك‬ ‫ُ‬ ‫كلما‬ ‫سقط َالفنجان‬ ‫من كف السؤال‬ ‫***‬

‫ما كسرتَ القلب‪ ..‬لكن أغلقتَ دون العمر أبواب الفرح‬ ‫ما تركتَ الجرح مكشوفا‪ ،‬لكن نكأتَ كلَّ أتراح الزمن!‬ ‫***‬

‫يا امرأ ًة من عطر الحرف‬ ‫أوصدت قلبك دوني‬ ‫ِ‬ ‫كلما‬ ‫تشرع طرواد ُة كلماتي‬ ‫الباب!‬ ‫***‬

‫‪90‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫***‬

‫ش� � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � �ع � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��ر‬

‫القهو ُة حالةُ حب‬ ‫ما بين الرشفةِ والرشفة‪ ..‬ثمة شفتان‬ ‫تفترقان للحظة‪ ..‬وتلتقيان!‬ ‫العين‬ ‫ِ‬ ‫كوني كالرمشةِ في‬ ‫نبضة قلب في شرياني‬ ‫كُ وني َكوْنِ ي‬ ‫كونيني!‬ ‫***‬

‫لترم َم جرحك‬ ‫ال تجدي شرفة للبوح‬ ‫إال من يشبه قلبك!‬ ‫***‬

‫السحاب‬ ‫درج ّ‬ ‫لو أستطيعُ تسلُّقَ ِ‬ ‫لضفرت لطفلة المساء جديلتَها‬ ‫ُ‬ ‫فوانيس السهر‬ ‫َ‬ ‫وأثثتُ لليل‬ ‫ورتبت النجو َم كأزرار معطف‬ ‫ُ‬ ‫ونثرت في براري العمر األحالم!‬ ‫ُ‬ ‫***‬

‫غيرة المرأ ُة‬ ‫تقر ُأ ما بين سطور القلب‬ ‫وتفرِّق بين أداة الجزم وبين أداة النصب‬ ‫تشتم الزهر وبرعمه وتميز أعراض الحب‬ ‫تنتظر النكران‪ ،‬وملح الكذب كهدنة حرب!‬ ‫***‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪91‬‬


‫لوجيب القلب نبضتان‬ ‫تبكي األولى غيابك‬ ‫وثانيها تمحو عنك النسيان!‬ ‫***‬

‫القهوة تدلل يومي‬ ‫أصحو كأميرة صولجانها‬ ‫فنجان!‬ ‫***‬

‫ايقظيني من سباتي‬ ‫بعثري عمري بعطرك‬ ‫بباقات انتظارك‬ ‫ِ‬ ‫رتبي فرحي‬ ‫كوني صباحي‬ ‫واهمسي في أذن يومي‬ ‫حروف اسمك‬ ‫***‬

‫تتشرب روحي تباشير المطر‬ ‫كأنه امتدادٌ لربيع عينيك في قلبي‪..‬‬ ‫***‬

‫عجل‬ ‫ٍ‬ ‫تشرب قهوتَك على‬ ‫ْ‬ ‫ال‬ ‫عناق‬ ‫ٌ‬ ‫للقهوة والوقت‬ ‫كف الليل يصافحُ مشتاقً ا‬ ‫هي ُ‬ ‫يومَ ك!‬ ‫***‬

‫“أحبك”‬ ‫ِ‬ ‫المرأ ُة ال تفهم كلمة‬ ‫إال في المرة األولى‪..‬‬ ‫بعد األلف!‬ ‫‪92‬‬

‫ * شاعرة من األردن‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫‪ρρ‬أحمد الالوندى*‬

‫الشتا َء كثيرً ا‪..‬‬ ‫أ ُِح ُّب ِّ‬ ‫يم‪،‬‬ ‫الشتا َء يُ ذكِّرني باللِّقاءِ الحَ ِم ِ‬ ‫ألنَّ ِّ‬ ‫بأُمِّ ي‪،‬‬ ‫أصطَ فيها‪،‬‬ ‫بأُغنيةٍ ْ‬ ‫بهذا الفُ ُطورِ الَّذي‪..‬‬ ‫يم لنا‪..‬‬ ‫كا َن ي َْجمَ عُ نا حَ وْلَ فُ ر ٍْن ق َِد ٍ‬ ‫يا رِ فَاقُ ‪..‬‬ ‫الشتا َء كثيرً ا‪..‬‬ ‫أ ُِح ُّب ِّ‬ ‫يد‪،‬‬ ‫الحقُ ولَ تبوحُ بأسرارِ ها للمُ رِ ِ‬ ‫ألنَّ ُ‬ ‫وت َْضحَ ُك في أو ُْجهِ العابرينَ‬ ‫الشتا َء كثيرً ا‪..‬‬ ‫أ ُِح ُّب ِّ‬ ‫َيسرَ‪..‬‬ ‫ألنَّ أبي في المساءِ يُ رتِّلُ مَ ا قَدْ ت َّ‬ ‫ِمنْ كَدْ ِحهِ ‪..‬‬ ‫في البناءِ ‪،‬‬ ‫ص علينا الحَ كايا‪،‬‬ ‫يَقُ ُّ‬ ‫ويُوقدُ نارًا بغُرْفَتِنا كي تزولَ البُرودةُ‪..‬‬ ‫ي َْح ِضنُنا‪/‬‬ ‫ثُ مَّ يَفْ رِ ُش ق ًَّشا‪..‬‬ ‫ننامُ عليهِ ‪..‬‬ ‫ْف غُ رْبتِ نا القاسي ْة‬ ‫أنا ال أُحبُّ َك يا َصي َ‬

‫ش� � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � �ع � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��ر‬

‫الشتاء‬ ‫الصافي ْة‬ ‫بيل ل َتر ِْج َع ب َْسمَ تُ نا َّ‬ ‫َفهَلْ ِمنْ سَ ٍ‬ ‫الشتا َء كثيرً ا‪..‬‬ ‫أ ُِح ُّب ِّ‬ ‫ْ��ت (أن��ي��س��ةَ)‬ ‫ْ����ت أذك���رُ ل��مَّ ��ا َت���هَ���دَّ َم َب��ي ُ‬ ‫وم��ا زِ ل ُ‬ ‫جارتِ نا‪..‬‬ ‫ول المَ طَ رْ‪..‬‬ ‫ِمنْ هُ ُط ِ‬ ‫ين سَ قْ َف الغُ ر َْف‪،‬‬ ‫بالط ِ‬ ‫ِّس ِّ‬ ‫كانَ جَ دِّ ي يُ َلي ُ‬ ‫بالجيرِ ُجدرانَها‪،‬‬ ‫ِّض ِ‬ ‫يُ بي ُ‬ ‫بداخل مَ ْطرٍ ق َِصيٍّ ‪..‬‬ ‫ِ‬ ‫َظ ُأ ْرزًا‬ ‫وي َْحف ُ‬ ‫أقامَ ْه‬ ‫الشتا َء كثيرً ا‪..‬‬ ‫أ ُِح ُّب ِّ‬ ‫يب‬ ‫الشوار َع في َقرْيتي ال تَغِ ُ‬ ‫ألنَّ َّ‬ ‫وال يحتويها األرقْ ‪..‬‬ ‫فار ِْج ِعي‪..‬‬ ‫الشتاءِ ‪..‬‬ ‫يا لياليَ هذا ِّ‬ ‫فأن ِْت انتفاضةُ ُحلْمي‪،‬‬ ‫ومُ نقذتي‪..‬‬ ‫رين ال َقلَقْ ‪.‬‬ ‫ِمنْ عَ ِ‬

‫ * شاعر من مصر‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪93‬‬


‫دموع بعد اليوم‬ ‫ال‬ ‫َ‬ ‫‪ρρ‬موسى البدري*‬

‫ه�����ذي ال����دم����وع ع���ل���ى ال����خ����دود س��ك��ب��ت��ـ��ُه��ا‬ ‫���ك ح��ب��س��ت��ـ��ُه��ا‬ ‫ح��ت��ى ان���ت���ه ْ���ت وح���س���ب���تَ ع���ن َ‬ ‫ُح��������زن��������ي ي�����رق�����رق�����ه�����ا وي��������دف��������ع س���ي���ل���ه���ا‬ ‫وإذا رض�������ي�������تَ ل�����ف����� ْرح�����ت�����ي رق����رق����ت����ـُ����ه����ا‬ ‫واآلن م������ا ع������������ادتْ دم������وع������ي وف�������ـْ�������قَ م��ا‬ ‫������ك ص��ب��ب��ت��ـُ��ه��ا‬ ‫أه���������وى وف�������ي ش�����وق�����ي إل������ي َ‬ ‫���ك ص��������دْ ق م��ا‬ ‫وه�������ي ال����ت����ي ت���ع���ن���ي ل���ع���ي���ن َ‬ ‫�����ك ال������ت������ي أع���ل���ن���ت���ـُ���ه���ا‬ ‫ب�������ي م�������ن م�����ح�����بّ�����ت َ‬ ‫�����ت دم�����وع�����ي –س������يّ������دي‪ -‬م�����ن ل����ؤل����ؤ ٍ‬ ‫ك�����ان ْ‬ ‫�����ك ن���ث���رت���ـُ���ه���ا‬ ‫�����رك إذ ع�����ل�����ي َ‬ ‫ع�������������زّتْ ل�����غ�����ي َ‬ ‫ول������ط������ال������م������ا ب������ي������دي������ك دوع��������������ب د ُّره�����������ا‬ ‫������ت ل�����ل�����م�����س�����ات ح�����ي�����ن أث�����رت�����ـُ�����ه�����ا‬ ‫وح������ن������ن ُ‬ ‫م�����ا أج����م����ل ال����ق���� ْرب����ى وم������ا أح����ل����ى ال��ل��ق��ا‬ ‫�������ذاك ي������ا ك��������لَّ ال������ه������وى أح���ب���ب���ت���تُ ���ه���ا‬ ‫َ‬ ‫ف�������ل‬ ‫���ت دم����وع����ي اآلن م����ن ط�����ول ال���ن���وى‬ ‫ج���ف���ـ ّ ْ‬ ‫ل������و ك�����ن�����تَ ت�����دن�����و ب�����ال�����وص�����ال م��ن��ح��ت��ـُ��ه��ا‬ ‫* شاعر من السعودية‪.‬‬

‫‪94‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫‪ρρ‬عبدالعزيز الشريف*‬

‫الريح‬ ‫ِ‬ ‫سأدخلُ حدَّ‬ ‫السراب‬ ‫ِ‬ ‫حاسر ًا من عناءِ‬ ‫الطريق‬ ‫ِ‬ ‫ضجيج‬ ‫ِ‬ ‫ومن‬ ‫ومن لوحةٍ باهت ْه‬ ‫سأدخلُ غرفةً بارد ْه‬ ‫إني ‪..‬‬ ‫القوافل‬ ‫ِ‬ ‫تعب‬ ‫تعبت من ِ‬ ‫ُ‬ ‫جفاف الدموعِ‬ ‫ِ‬ ‫ومن‬ ‫مدن تأكلُ أسماءَها‬ ‫ومن ٍ‬ ‫مدن غادرتْها العناونينُ‬ ‫ٍ‬ ‫واستباحت نواصي دمي‪.‬‬ ‫ْ‬ ‫كالحديد فيها‬ ‫ِ‬ ‫غرف‬ ‫ٌ‬ ‫وبؤس شديدٌ‬ ‫ٌ‬ ‫شقاءٌ‬ ‫تحرقُ آمالَهم‪،‬‬ ‫للسبات اللعينْ ‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫أودعتْهم‬ ‫شمس تشرقُ على توابيتِ هم‬ ‫َ‬ ‫ال‬ ‫أو بخو َر يطهرُ أرواحَ هم‬ ‫من الهواءِ الثقيلْ ‪.‬‬ ‫أنجبت ولد ًا سارق ًا‬ ‫ْ‬ ‫التوابيت التي‬ ‫ُ‬ ‫يمت حزنُها‪.‬‬ ‫بقتل العصافيرِ التي لم ْ‬ ‫ِ‬ ‫يجاهرُ‬ ‫األرض الملتفةِ بالسوادِ‬ ‫ِ‬ ‫يا هدأ َة‬ ‫ويا شجر ًا ماتَ كملحمةِ االنتحارِ‬ ‫كشمس اللغةِ المدججةِ‬ ‫ٍ‬ ‫ورجع األنينْ ‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫ببكاءِ المرايا‬ ‫المميت‬ ‫ِ‬ ‫اللهب‬ ‫ِ‬ ‫أنخت خطيئ َة‬ ‫ُ‬ ‫وحين‬ ‫َّشت عن لغةِ الموتى‬ ‫فت ُ‬ ‫نهد أنثى‬ ‫وعن ِ‬ ‫األرض الحرامْ‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫تراتيل‬ ‫ِ‬ ‫تندس فيه‬ ‫ُ‬

‫ش� � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � �ع � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��ر‬

‫نص جاهز‬

‫* شاعر من السعودية‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪95‬‬


‫الدكتور عبداهلل الغذامي‬

‫‪:‬‬

‫الثقافةُ تسكن في اللغة‬ ‫وكل لسان ينطق هذه اللغة‏المعينة فهو وطن هذه الثقافة‬

‫ُصدِّ َر ُه بتعريفه‬ ‫حرص الدكتور عبداهلل الغذامي في كتابه (حكاية الحداثة) أن ي َ‬ ‫للحداثة بأنها (ال��ت��ج��دي��د ال���واع���ي)؛ وح��س��ب ال��غ��ذام��ي‪ ،‬فمفهوم ال��وع��ي يتعمق‬ ‫ويغوص بنا إلى شروط معرفية ونقدية تنطلق من معنى الوعي وشروطه‪ ،‬ومدى‬ ‫قدرة المبدع على تحويل ما هو وعي ليصبح نصا تنتقل عدوى وعيه إلى قارئيه‪.‬‬ ‫ومن هنا‪ ،‬يأتي تعريف الحداثة بوصفها تجديد ًا واعي ًا ليكون قيمة معرفية عميقة‬ ‫وإشكالية على مستوى التصور النقدي‪ .‬كتب الغذامي في نقد التيار المتأسلم‬ ‫بمثل ما كتب عن التيار المتلبرل‪ ،‬ونقد الحداثيين بمثل ما نقد الصحويين‪..‬‬ ‫وهو ما يسميه (العمى الثقافي)‪ ،‬وهذا أحد أس��رار شعبية هذا الناقد‪ .‬وفي هذا‬ ‫الحوار‪ ،‬يتناول المفكر الناقد الغذامي مصطلح المؤلف ال��م��زدوج‪ ،‬مشيرً ا إلى‬ ‫أننا اليوم في زمن (النظرية النقدية) وهي التي حلّت محل الفلسفة‪ .‬الغذامي‬ ‫تحدث عن العالقة الحميمة بينه وبين تويتر‪ ..‬وقيمة تلك األداة المعرفية ثقافيا‬ ‫واجتماعيا‪ ،‬في الحوار اآلتي‪:‬‬ ‫‪ρρ‬حاورته‪ :‬هدى الدغفق*‬

‫¦ ¦في كتابك عن الحداثة في السعودية‬

‫‪96‬‬

‫المرأة السيارة؟‪‎‎‬‬

‫بينت أن ال��س��ع��ودي��ة دول���ة ح��داث��ي��ة‪ρ ρ .‬س����ؤال ي��ق��ع ف���ي ص��م��ي��م المشكل‬ ‫ف��م��ا م��ع��اي��ي��رال��ح��داث��ة ل��دي��ك؟ ‏وأين‬ ‫االص���ط�ل�اح���ي‪ ،‬ورب���م���ا ي��ك��ون هو‬ ‫ال���ت���ق���اط���ع ب���ي���ن ال���ح���داث���ة وس��ي��اق��ة‬ ‫سبب ك��ل ال��خ�لاف��ات والتشنجات‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫م� � � � � � � � � � � � � � � � ��واج � � � � � � � � � � � � � � � � �ه� � � � � � � � � � � � � � � � ��ات‬

‫التي صارت ضد الحداثة‪ ،‬ألن كل واحد‬ ‫يحمل في رأسه تعريفا يخصه وال يشمل‬ ‫غيره‪ ،‬وهذا أمر ينطبق على الحداثيين‬ ‫أنفسهم‪ ،‬وكذلك على خصوم الحداثة‪،‬‬ ‫ول��و وضعنا مثال مئة شخص لخرجنا‬ ‫منهم بمئة تعريف عن الحداثة‪ ،‬أي أنها‬ ‫مصطلح سائل (من السيولة‪ ،‬وقد تواتر‬ ‫استخدام هذه الصفة اآلن)؛ ولهذا‪ ،‬فقد‬ ‫حرصت في كتابي (حكاية الحداثة) أن‬ ‫أص��دِّره بتعريفي ال��ذي أنطلق منه‪ ،‬مع‬ ‫عرض لحال المصطلح بعامة‪ ،‬وتعريفي‬ ‫ٍ‬ ‫للحداثة أنها (التجديد ال��واع��ي)‪ ..‬وقد‬ ‫يتبدى التعريف سهال‪ ،‬ولكنه في حقيقته‬ ‫معقد‪ ،‬وتمييز التجديد ليس تلقائيا‪ ،‬وكم‬ ‫من تقليد متقن تبدى لنا أنه جديد‪ ،‬وقد‬ ‫نطرب لمهارة التقليد‪ ،‬وتشغلنا مهارته‬ ‫عن تقليديته مثال‪ ،‬انظري ألغاني صباح‬ ‫ف��خ��ري‪ ،‬وال��ق��دود الحلبية‪ ،‬وك��م نطرب‬ ‫ه��ن��ا ي��أت��ي ت��ع��ري��ف ال��ح��داث��ة بوصفها‬ ‫ل���ه‪ ..‬ليس ألن��ه م��ج��د ٌد م��ب��دعٌ‪ ،‬ب��ل ألنه‬ ‫تجديدًا واعيًا ليكون قيمة معرفية عميقة‬ ‫مقل ٌد ماهرٌ‪ ،‬وكذا نطرب للجواهري‪ ،‬ولن‬ ‫وإشكالية على مستوى التصور النقدي‪.‬‬ ‫يقول ناقد بصير إن الجواهري مجدد‬ ‫بأي حال‪ ،‬ولكنه ماهر في التماهي مع ¦ ¦‪‎‬أعتقد أن��ك أول م��ن اشتغل على النقد‬ ‫الثقافي ف��ي المنطقة أي ف��ي الخليج‪.‬‬ ‫القصيدة العربية التقليدية بكل تقليديتها‬ ‫إل��ى أي��ن وصلت ‏بهذا النقد وم��ا مكانته‬ ‫المتوارثة‪ ،‬وميزته أنه أتقن لعبة التماهي‬ ‫في الخليج؟‪‎‎‬‬ ‫حتى احتوانا عبرها‪ ،‬ونحن معه نستلهم‬ ‫الموروث ونطرب لذاكرتنا التراثية‪.‬‬ ‫‪ρ ρ‬ال أظ��ن��ن��ي س��أح��ص��ر األم����ر ف���ي بقعة‬ ‫جغرافية دون أخرى‪ ،‬فالثقافة تسكن في‬ ‫وإذا جئنا للركن الثاني (ال��واع��ي)‪ ،‬فإن‬ ‫اللغة‪ ،‬وكل لسان ينطق هذه اللغة المعينة‬ ‫مفهوم ال��وع��ي يتعمق وي��غ��وص بنا إلى‬ ‫فهو وط��ن ه��ذه الثقافة‪ ،‬وك��ل م��ا يكتب‬ ‫شروط معرفية ونقدية تنطلق من معنى‬ ‫بالعربية فالعربية وطنه بصرف النظر‬ ‫الوعي وشروطه‪ ،‬ومدى قدرة المبدع على‬ ‫ع��ن ج���واز س��ف��ره‪ ،‬وام���رؤ القيس ليس‬ ‫نصا تنتقل‬ ‫تحويل ما هو وع� ٍ�ي ليصبح ً‬ ‫ع��دوى وعيه إل��ى قارئيه‪ .‬وه��ذه درج��ة‬ ‫ال يتم تحققها إال في ح��االت إبداعية‬ ‫عميقة جدا‪ ،‬وكثيرا ما اتخذت الحداثة‬ ‫نصا مثل (األرض اليباب) إلليوت‪ ،‬وهي‬ ‫ً‬ ‫قصيدة تنطلق من وع��ي معمق‪ ،‬وكأنها‬ ‫نص فلسفي بمثل ما هي نص شعري‪،‬‬ ‫وهذا مثال على التجديد الواعي بركنيه‬ ‫(الجدة والوعي المعرفي)‪ ،‬بما إن الجدة‬ ‫ت��ج��اوز للمعطى أي المتحقق سابقا‪،‬‬ ‫وتأسيس للمبني أي ما هو إضافة‪ ،‬حسب‬ ‫كلمات باشالر‪ .‬وأشير في هذا السياق‬ ‫لقصيدة السياب (أن��ش��ودة المطر)‪ ،‬ثم‬ ‫نقفز باتجاه محمود درويش‪ ،‬وهو الملهم‬ ‫الذي جعل معاني الوعي المعرفي خطابا‬ ‫في النصوصية يتجاوز المعطي باتجاه‬ ‫المبني‪ ،‬حتى ليتجاوز نفسه في كل نص‬ ‫جديد يختلف فيه عما كان فعل بما قبله‪.‬‬

‫‪97‬‬


‫وأسمي عملي تنويريا‪.‬‬

‫‪98‬‬

‫سعوديًا مثال‪ ،‬وإن كان من ديارنا‪ ،‬بمثل ما‬ ‫إن المتنبي ليس عراقيًا وإن كان من تلك‬ ‫لست هذا‪ ،‬وأنا أنقد هذه السلطوية أو ما‬ ‫الديار‪ .‬ميزة اللغة أنها تحول المتعامل‬ ‫أسميه (العمى الثقافي) حين يرى صاحبه‬ ‫معها إلى كائن لغوي‪ ،‬جنسيته وهويته هي‬ ‫أن ما لديه حق وما لدى غيره باطل‪ ،‬عنده‬ ‫لغته‪ .‬لذا‪ ،‬فإن النقد الثقافي يتواكب مع‬ ‫وحده التنوير وعند غيره الظلمات‪ ،‬عنده‬ ‫ثقافة الصورة والثقافة البصرية ونظريات‬ ‫التقدم وعند غيره التخلف‪ .‬ه��ذه لعبة‬ ‫االستقبال ونظريات عصر القارئ‪ ،‬وهذه‬ ‫تنتمي للحماقة الثقافية‪ ..‬وليست من‬ ‫كلها ح��ق��ائ��ق معرفية وث��ق��اف��ي��ة حيوية‬ ‫المعرفة في شيء‪ ،‬ولن أكونها‪.‬‬ ‫ويومية‪ ،‬ومن هنا‪ ،‬صار النقد الثقافي‬ ‫¦ ¦‏كثيرا م����ا ت���ب���دو ت��ل��ق��ائ��ي��ا ف����ي ح��دي��ث��ك‬ ‫هو النظرية الثقافية للمرحلة التي هي‬ ‫وبخاصة في ندواتك مستغال المداخالت‬ ‫مرحلة التعددية الثقافية‪.‬‬ ‫للتعليق‪ .‬هل ترى ‏أن هذه التلقائية هي‬ ‫¦ ¦هل ما كتبته من كتب ودراسات ومقاالت‬ ‫أساس ابتكار األفكار الخالقة؟‏‬ ‫ن��اب��ع م���ن ح��س��ك ب�����دورك ال��ت��ن��وي��ري في‬ ‫‪ρ ρ‬ن��ع��م‪ ،‬كما ف��ي س��ؤال��ك‪ ،‬ل��م يعد لنا في‬ ‫المجتمع أم ماذا؟‬ ‫هذا الزمن‪ ،‬زمن ثقافة الصورة والثقافة‬ ‫‪ρ ρ‬أهم شيء عندي أن أكون (حرًا مستقال)‪،‬‬ ‫البصرية والتفاعلية‪ ،‬إال أن نكون كذلك‪،‬‬ ‫كتبت ف��ي نقد ال��ت��ي��ار المتأسلم بمثل‬ ‫كنت في ما مضى أقف على المنصة وقفة‬ ‫م��ا كتبت ع��ن التيار المتلبرل‪ ،‬ونقدت‬ ‫الكائن األكاديمي‪ ،‬أدقق في مفردات لغتي‬ ‫الحداثيين بمثل ما نقدت الصحويين‪،‬‬ ‫وفي شروطها النحوية والبالغية‪ ،‬ويحدث‬ ‫وأقول بنقد النقد بمثل ما أقول بحتمية‬ ‫لي العجب من نفسي اآلن كلما شاهدت‬ ‫(نقد الناقد)؛ أي أن أكون منقودًا بمثل‬ ‫تسجيالت وصورًا على اليوتيوب لمواقف‬ ‫ٍ‬ ‫م��ا أن��ا ن��اق��د‪ ،‬وذل���ك لكسر السلطوية‬ ‫قديمة كانت لي مع المنصات والجمهور‬ ‫والمرجعية‪ ،‬ولو تعالى الناقد عن كونه‬ ‫وكنت فيها رسميا‪ ،‬وتبدو صورتي متجمدة‬ ‫م��ن��ق��ودًا‪ ..‬ل��ص��ار سلطة أخ���رى تضاف‬ ‫حتى ال حركة بيدي وال بالتفاتاتي‪ ،‬وكأنني‬ ‫إلى جدول السلط التي تمتلئ بها الحياة‬ ‫مذيع نشرة أخبار رسمية بلغة مؤسساتية‬ ‫البشرية‪.‬‬ ‫أك��ادي��م��ي��ة‪ ،‬وبجمل م��ن معاجم القاعة‬ ‫هنا لست ت��ن��وي��ر ًي��ا‪ ،‬بمعنى أن��ي أحمل‬ ‫الجامعية‪ ،‬ث��م م��ع ال��زم��ن ص��رت أتغير‬ ‫عصا أهش بها على األفكار كي تصبح‬ ‫تدريجا تدريجا‪ ،‬حتى نشطت عندي لغة‬ ‫بروتوكو َل حياة‪ ،‬ولست تنويريًا بمعنى أني‬ ‫الجسد في الحركات والنظرات‪ ،‬ولم يك‬ ‫أعادي نوعا من الطبقات والفئويات أو‬ ‫ذاك تعمدًا‪ ،‬ولكن مداومة الوقوف على‬ ‫المستويات الثقافية فأسميها (ظالمية)‬ ‫منصة النادي األدبي بجدة أسبوعيًا ما‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫م� � � � � � � � � � � � � � � � ��واج � � � � � � � � � � � � � � � � �ه� � � � � � � � � � � � � � � � ��ات‬

‫متحدث رئيس‪ ،‬أخذ‬ ‫ٍ‬ ‫معلق أو مدير جلسة أو‬ ‫ٍ‬ ‫بين‬ ‫دوره على بنيتي الجسدية والذهنية‪ ،‬وصرت أتغير‬ ‫تلقائيا‪ ،‬ودخلت عالم الواقعية التلقائية‪ ،‬وطرحت‬ ‫يوما مقولتي (تفصيح العامية‪ ،‬وتعميم الفصحى)‪،‬‬ ‫وأقصد بتعميم الفصحى أن نجعلها يومية وتلقائية‪..‬‬ ‫بمثل ما العامية تلقائية ومحكية‪ ،‬ومن المهم لكي‬ ‫نجعل لغتنا إنسانية‪ ،‬أن تكون تلقائية وق��ادرة على‬ ‫االنسحاب من خارج المعاجم‪ ،‬لتمشي في الشارع‬ ‫العام دون أن تتعثر بمطبات الحياة‪ ،‬ولعلي حققت‬ ‫درجة من هذا الهدف النبيل‪ ،‬في زعمي‪.‬‬ ‫¦ ¦‪‎‬قلت في كتابك (المرأة واللغة) الكثير عن شهرزاد‪،‬‬ ‫ولكن هل ما نقل لنا عن شهرزاد ‏صحيحا؟ إذا كان‬ ‫ص��ح��ي ً��ح��ا‪ ،‬ت����رى م���ن ك��ت��ب م���ا ك��ان��ت ت��ق��ول��ه ش��ه��رزاد‬ ‫لشهريار؟‪‎‎‬وكيف‏استطاع شهريار نفسه السهر طوال‬ ‫الليل ومتابعة أم��ور حياته وش��ؤون مملكته صباحا‬ ‫وهو‏لم يأخذ قسطا من الراحة؟‪‎‬‬ ‫‪ρ ρ‬هناك في النقد الثقافي مصطلح المؤلف المزدوج‪،‬‬ ‫أي أن ه��ن��اك مؤلفا (م��ؤل��ف��ة) آخ��ر ب���إزاء المؤلف‬ ‫المعتاد‪ ،‬وتلك هي الثقافة‪ ،‬فالثقافة ليست ماثلة‬ ‫أمامنا فحسب‪ ،‬وليست منتوجا لنا فحسب‪ ،‬بل هي‬ ‫أيضا مخبوءة في كل مكوناتنا الذوقية والذهنية‬ ‫والشعورية‪ ،‬وأيضا هي تصنعنا وتنتجنا‪ ،‬ولذا فإن‬ ‫الحكايات الشعبية واألمثال والنكت والشائعات تأتي‬ ‫في غالبها خلوًا من مؤلف (مؤلفة) معين‪ ،‬ومع ذلك‬ ‫تشيع وتنتشر‪ ،‬وال نسأل عادة من مؤلف هذه النكتة‬ ‫مثال‪ ،‬وهذا يعني أنها نصوص تعبر عن مضمرات‬ ‫الثقافة‪ ،‬ولذا فإن النقد الثقافي يهتم بهذه الصيغ‬ ‫بدرجة كبيرة‪ ،‬ألنها هي حاملة األنساق‪ ،‬وهي مخزنها‬ ‫الذي يؤدي إلى استدامتها‪ ،‬وإلى تمريرها دون نقد‪،‬‬ ‫ونحن نلحظ مثال أن المرأة ال تتحسس من نقل نكتة‬ ‫ضد النساء‪ ،‬أو رواية قصة تشوّه صورة المرأة‪ ،‬مثل‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪99‬‬


‫قصة (كيد النساء) في ألف ليلة وليلة‪،‬‬ ‫وهي في تفاصيلها تحمل كيدًا ذكوريًا قام‬ ‫به بطل القصة‪ ،‬وكانت المرأة فيها هي‬ ‫الضحية‪ ،‬ولكن رواية النص توجهها بأنها ¦ ¦‏هل ك����ان ل��ل��ش��ج��اع��ة ال��ث��ق��اف��ي��ة األدب���ي���ة‬ ‫من كيد النساء‪ ،‬وقد كتبت عنها في كتابي‬ ‫النقدية التي تتمتع بها د‪.‬عبداهلل تأثير‬ ‫«ال��م��رأة واللغة»‪ ،‬وف��ي «ثقافة الوهم»‪.‬‬ ‫سلبي على عالقاتك الثقافية بشكل عام‪،‬‬ ‫وهذه صيغ من إنتاج األنساق وتسويقها‬ ‫أم على العكس من‏ذلك؟ أرجو التوضيح‪.‬‬ ‫على أذواقنا وعقولنا‪.‬‬ ‫‪ρ ρ‬أكيد دفعت وما زلت أدف��ع‪ ،‬ومن الالزم‬ ‫وتجاوبا مع سؤالك عن شهرزاد‪ ،‬وهل هي‬ ‫أن أدفع‪ ،‬ألن البضاعة الكاسدة هي التي‬ ‫صانعة الحكايات‪ ..‬فالجواب أن المؤلف‬ ‫ال ثمن لها‪ ،‬وكلما رأينا أننا ندفع ثمنا‬ ‫المزدوج هو العامل الحاسم هنا‪ ،‬وأقصد‬ ‫ألفكارنا‪ ،‬فهذا يعني أننا فعلنا شيئا‪،‬‬ ‫أن الثقافة هي العامل المرادف وسط‬ ‫وأقسى ضربة توجه ألي موقف‪ ،‬أو ألية‬ ‫هذه الحكايات‪ ،‬ويكفي أن نتصور الدور‬ ‫فكرة هي أن تمر بسالم‪ .‬واألثمان التي‬ ‫الهائل الذي تصنعه هذا الحكايات‪ ،‬وهو‬ ‫ندفعها لموقفنا تتحول لتصنع سيرة‬ ‫دور يشير إلى أننا نقرأ «ألف ليلة وليلة»‪،‬‬ ‫حياتنا‪ ،‬ولعلي سجلت أطرافًا منها في‬ ‫ألنها تعبر عن مضمر في نفوسنا‪ ،‬وحينها‬ ‫كتابي «حكاية الحداثة» وفي كتابي «ما‬ ‫نصبح نحن المؤلفين‪ ،‬بمعنى أن الثقافة‬ ‫بعد الصحوة»‪ ،‬وكالهما عمالن في سيرة‬ ‫تعطينا غذاءنا النسقي عبر اإلمتاع‪ ،‬أما‬ ‫وس��ي��رورة وص��ي��رورة الثقافة بالمعاني‬ ‫تاريخيًا فال أح��د يعرف سيد ًة واقعي ًة‬ ‫الثالثة كلها‪.‬‬ ‫اس��م��ه��ا ش���ه���رزاد‪ ،‬وال أح���د ي��ع��رف هل‬ ‫¦ ¦رف��ض��ت ج��ائ��ز ة أدب���ي ال��ري��اض ف��ي بضع‬ ‫حدثت هذه األم��ور‪ ،‬بل إن مجنون ليلى‬ ‫سنوات مضت‪ ،‬كما رفضت دع��وة النادي‬ ‫وقصته ليست حقيقية مثلها مثل روميو‬ ‫أكثر من ‏مرة إللقاء ندوة‪ ،‬وقبلت مؤخرا‬ ‫وجولييت‪ ،‬وكلها صنعها الخيال البشري‪،‬‬ ‫من خالل الحديث عن تجربتك الثقافية‬ ‫وص��ن��ع ل��ه��ا مؤلفين س��م��اه��م ب��م��ا إنهم‬ ‫األدب��ي��ة والحياتية‪ .‬فما ال��ذي تغير بين‬ ‫أبطال سردية تجري عبرهم الوقائع‪،‬‬ ‫مرحلة رفضك سابقا وقبولك اآلن؟‪‎‬‬ ‫وهذه النصوص مهمة بما إنها متخيلة‪،‬‬ ‫أي أن الخيال هنا هو تعبير عن رغبات ‪ρ ρ‬ش��ك��را ل��س��ؤال��ك ه���ذا‪ ،‬وأظ��ن��ن��ي بحاجة‬ ‫ف��ع�لا إلي��ض��اح ذل���ك‪ ،‬وح���دث ف��ع�لا أن‬ ‫بشرية تبحث عمن يكشفها وتتحقق‬ ‫رشحني أخوة كرام مرارًا لجائزة الملك‬ ‫الرغبة عبر متعة القراء للنص‪ ،‬ولعلي قد‬ ‫فيصل‪ ،‬وفعلوها م��رات في غيبة مني‪،‬‬ ‫توسعت بهذا في كتابي «المرأة واللغة»‬ ‫وحين علمت‪ ..‬تواصلت مع أمين الجائزة‬ ‫في الفصل الذي عن شهرزاد‪ ،‬والفصل‬ ‫الذي عن الجارية تودد‪ .‬وكذلك كتبت عن‬ ‫مجنون ليلى وأن القصة متخيلة (كتابي‬ ‫ثقافة الوهم)‪.‬‬

‫‪100‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫م� � � � � � � � � � � � � � � � ��واج � � � � � � � � � � � � � � � � �ه� � � � � � � � � � � � � � � � ��ات‬

‫الدكتور عبداهلل العثيمين‪ ،‬يرحمه اهلل‪،‬‬ ‫وسحبت كتبي م��ن ع��ن��ده‪ ،‬وبمثل ذلك‬ ‫كتبت رسائل رسمية لقسم اللغة العربية‬ ‫في جامعة الملك سعود‪ ،‬وشرحت لهم‬ ‫سبب رغبتي بحذف اسمي من الترشيح‪،‬‬ ‫وهو أنني حصلت في حياتي العلمية على‬ ‫جوائز عدة‪ ،‬فرحت بها حينها وأحسست‬ ‫أنها تقدير علمي له م��ردوده المعنوي‪،‬‬ ‫وهذا حقق عندي اكتفاء معنويًا يجعلني‬ ‫أت��رك المجال لغيري ممن لم يحصلوا‬ ‫على فرص مماثلة‪ ،‬وما دمت قد ُكرّمت‪،‬‬ ‫وهلل الحمد‪ ،‬كثيرا وف��ي ب��ل��دان عربية‬ ‫متعددة‪ ،‬فإني أشعر أن المروءة تقتضي‬ ‫مني أال أزاحم الناس على مائدة من بعد‬ ‫ما شبعت منها وارتويت‪ ،‬بفضل من اهلل‬ ‫ومنّة منه‪.‬‬

‫وفي المقابل‪ ،‬دخلت الليبرالية في تضاد‬ ‫مع االشتراكية‪ ،‬وصارت نظرية اقتصادية‬ ‫تتأسس على الرأسمالية‪ ،‬وهنا تضافر‬ ‫المعنى السياسي مع المعنى االقتصادي‬ ‫وسحباها من كونها نظرية فلسفية إلى‬ ‫أن تكون برنامج حكم من الحكومات‪،‬‬ ‫وبرنامج تحكم من البنوك وسوق العمل‪..‬‬ ‫وج���اء مصطلح ال��س��وق ال��ح��رة‪ ،‬لتكون‬ ‫حرية ال��م��ال أعلى م��ن حرية اإلن��س��ان‪،‬‬ ‫وسحق اإلنسان هنا وقتلت كل احتياجاته‬ ‫المعيشية‪ ،‬وف���از بها ال��ط��م��اع الجشع‬ ‫واألن���ان���ي‪ ،‬وك��س��ب ال��س��وق ح��ي��ث خسر‬ ‫اإلن��س��ان‪ ،‬ه��ذا هو م��آل الليبرالية عبر‬ ‫معنى الليبرالية الجديدة‪ ،‬هنا توشمت‬ ‫ال��ل��ي��ب��رال��ي��ة ح��ي��ن ت��س� ّي��س��ت (وش��رح��ت‬ ‫مصطلحات ه���ذا ال��ت��ح��ول وس��ي��رورت��ه‬ ‫مفصلة في كتابي «الليبرالية الجديدة»)‪.‬‬

‫¦ ¦ف���ي م��ح��اض��رة ل���ك ب��ع��ن��وان «ال��ل��ي��ب��رال��ي��ة‬ ‫الموشومة» ذكرت أن مصطلح الليبرالية ¦ ¦لماذا ال يمتلك السعوديون فكرً ا فلسفيًا‬ ‫واضحا حتى اليوم؟‬ ‫ً‬ ‫ل��م ي��ك��ن م���ت���داو ًال‏لدى ج��ي ٍ��ل س��اب ٍ��ق ك��ان‬ ‫ل��ي��ب��رال��يً ��ا ك��م��ا ه��و م���ت���داول ل���دى الجيل ‪ρ ρ‬ال��س��ع��ودي��ون ه��م ج��زء م��ن ال��ع��ال��م‪ ،‬ولن‬ ‫الحالي‪ ،‬بالرغم من األسماء التي‏عرفت‬ ‫يتسنى أبدًا أن يكون العالم في أمر‪ ،‬وال‬ ‫ب���ـ ل��ي��ب��رال��ي��ت��ه��ا‪ .‬ب���رأي���ك م���ا ه���ي األس��ب��اب‬ ‫يكون السعوديون في هذا األم��ر نفسه‪،‬‬ ‫الل���ت���ص���اق ال��ت��س��م��ي��ة ب��ج��ي��ل الح�����ق م��ن‬ ‫والفلسفة مدونة إنسانية عمرها قرون‪،‬‬ ‫ال��ل��ي��ب��رال��ي��ي��ن دون ‏جيل س��ب��ق��ه؟ وب��م��اذا‬ ‫وكلها في الكتب‪ ،‬وم��ن أراده��ا وجدها‪،‬‬ ‫تختلف الليبرالية ال��س��ع��ودي��ة ع��ن تلك‬ ‫وهي متاحة‪ ،‬كما أن تعلّم اللغات العالمية‬ ‫العالمية من وجهة نظرك؟‪‎‬‬ ‫صار للسعوديين أمرًا متاحً ا‪ ،‬وكان متاحً ا‬ ‫‪ρ ρ‬الليبرالية ف��ي أصلها فلسفة‪ ،‬وكانت‬ ‫منذ عهد التأسيس‪ ،‬والبعثات ألمريكا‬ ‫تثري وتطور المبحث الفلسفي ومفاهيم‬ ‫وبريطانيا كانت منذ أكثر من ستين عاما‪،‬‬ ‫ال��ح��ري��ة ت��ح��دي��دا‪ ،‬ولكنها ف��ي مرحلة‬ ‫ال بعد جيل‪،‬‬ ‫وأجيال المبتعثين توالوا جي ً‬ ‫زمنية تَسيّست‪ ،‬وصارت عناوين ألحزاب‬ ‫ومن هفت نفسه للفلسفة وجدها‪ ،‬وإن‬ ‫سياسية لها خططها وبرامجها الرسمية‪،‬‬ ‫ك��ان ال بد أن نشير إل��ى أن الترجمات‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪101‬‬


‫العربية معيبة جدا‪ ،‬ويصعب على من ال‬ ‫يجيد لغة عالمية أن يستقي فلسفته من‬ ‫ترجمات‪ .‬ونحن اليوم على أية حال في‬ ‫زمن (النظرية النقدية) وهي التي حلت‬ ‫محل الفلسفة‪ ،‬وقد طرحت المقولة منذ‬ ‫الثمانينيات‪ ،‬وأش���رت إليها ف��ي كتابي‬ ‫الخطيئة والتكفير‪ ،‬وري��ت��ش��ارد رورت��ي‬ ‫بجملة كتبها على مكتبه في‬ ‫ٍ‬ ‫ختم حياته‬ ‫الجامعة بلوحة تقول‪( :‬ماتت الفلسفة)‪،‬‬ ‫مشيرا إلى دور النظرية النقدية كصيغة‬ ‫حيّة للعقل النقدي‪ ،‬و«هوكنج» من جانبه‬ ‫أشار إلى أن الفيزياء خطفت أهم أسئلة‬ ‫الفلسفة‪ ،‬وهو (سؤال الماوراء) ولم يبق‬ ‫للفلسفة سؤال جذري‪ ،‬كما كانت ت ّدعي‬ ‫من قبل‪.‬‬ ‫¦ ¦ماذا تعلمت من تويتر؟‬ ‫‪ρ ρ‬تعلمت دروس���ا ك��ث��ي��رة‪ ،‬أهمها أن أك��ون‬ ‫تلميذا بعد بلوغي السبعين‪ ،‬ولهذا تجردت‬ ‫من لقبي العلمي‪ ،‬دكتور أو بروفيسور‪،‬‬ ‫وصرت (عبداهلل) دون رتوش‪ ،‬وكل تغريدة‬ ‫تأتيني كرد فعل على شيء قلته هي درس‬ ‫من نوع ما‪ ،‬بدءًا من تغريدات الشتم مثال‪،‬‬ ‫وهي تعلمنا الصبر والحكمة وتحيي فينا‬ ‫مقولة اب��ن حنبل‪( :‬تسعة أعشار حسن‬ ‫الخلق التغافل)‪ ،‬على أن التغافل غير‬ ‫التجاهل‪ ،‬فالتجاهل غطرسة واستحقار‪،‬‬ ‫أما التغافل‪ ..‬فهو مروءة بأن تسمع وتصبر‬ ‫وتلين من جانبك‪ ،‬وكثيرًا ما يكون هذا‬ ‫درسً ��ا كريمًا يرتد إيجابًا على الفاعل‪،‬‬

‫‪102‬‬

‫* أديبة وشاعرة من السعودية‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫حيث ن��ت��رك ل��ه ح��ق ال��ق��ول‪ ،‬وال نعامله‬

‫بالمثل‪ ،‬وهذا واح ٌد من دروس كثيرة تأتي‬

‫تقريبا مع كل تغريدة‪ ،‬وبعضها قمة في‬ ‫اإليجاب واألخوية‪ ..‬مثل أن يلفت نظري‬

‫المتابعون والمتابعات إلى موعد الساعة‬ ‫الثامنة مساء‪ ،‬وهو موعد انصرافي عن‬ ‫تويتر‪ .‬وك��م هي لحظة مذهلة لي حين‬

‫يتكرمون علي ويقولون‪ :‬بقي خمس دقائق‬ ‫وع��ش��رون ثانية ي��ا ب��و غ���ادة‪ ،‬ث��م يستمر‬

‫العداد حتى تدق الثامنة‪ ..‬ونعلن كلنا عن‬ ‫االنصراف‪ ،‬وصديقنا النهدي أطلق نكتة‬ ‫ت��ق��ول‪( :‬الساعة اآلن الغذامي تماما)‪،‬‬

‫ملمحا للثامنة تماما‪ ،‬وتظل عبارة‪ :‬الثامنة‬ ‫حدي‪ ،‬تحياتي لكم) هي العبارة التي كلنا‬

‫نتحين لها‪ ،‬وكأننا كلنا نحتفل بشيء اسمه‬

‫تنظيم الوقت واح��ت��رام عقارب الساعة‬ ‫التي تلسعنا بإيقاع الوقت كي ال يفوتنا‬

‫فنتخلف عن (الوقت)‪ ،‬وبالتالي تويتر كلها‬ ‫دروس‪ ،‬وكلما خالط المرء الناس شاركهم‬ ‫في عقولهم وجعل ما عندهم مزيدًا يرفع‬

‫رصيده‪ ،‬وكما قال الجاحظ فالقراءة هي‬ ‫عقل غ��ي��رك تضيفه إل��ى عقلك‪ ،‬وه��ذه‬

‫تويتر أيضا‪ ،‬وكأن الواحد منا يضع نفسه‬ ‫في امتحان عملي ليعرف ما في داخله‬ ‫من القيم السلوكية في التعامل مع الناس‪،‬‬ ‫وك���ذا القيم المعرفية‪ ،‬وه��ل ه��و ماهر‬

‫بتوصيلها وجعلها قريبة‪ ،‬أو تظل أكاديمية‬

‫منغلقة كما كانت في زمن عشته لسنوات‪.‬‬


‫م� � � � � � � � � � � � � � � � ��واج � � � � � � � � � � � � � � � � �ه� � � � � � � � � � � � � � � � ��ات‬

‫‪:‬‬

‫الروائي مقبول موسى العلوي‬ ‫الجوائز األدبية ليست معيارً ا لنجاح الكاتب أو فشله‪،‬‬ ‫إنما هي لمسة تكريم ال أكثر‬

‫‪ρρ‬حاوره‪ :‬عمر بوقاسم*‬

‫مدينة القنفذة‪ ..‬التي تشغل ف��ض��اءً م��ن ساحل البحر األح��م��ر جنوبي مكة‬ ‫ال��م��ك��رم��ة‪ ،‬ه��ي مسقط رأس ضيفنا ال��روائ��ي ال��س��ع��ودي مقبول م��وس��ى العلوي‪.‬‬ ‫تعمدت أن أبدأ هذه الديباجة بمسقط رأسه لألثر القوي الذي تركته هذه المدينة‬ ‫ُ‬ ‫في شخصه وفي أعماله الروائية‪« ،‬فتنة جدة»‪« ،‬زرياب»‪« ،‬سنوات الحب والخطيئة»‪،‬‬ ‫«ال��ب��دوي الصغير»‪ ..‬ه��ذه بعض عناوين أعماله التي ترمز ل�لأح��داث التاريخية‬ ‫واالجتماعية‪ ،‬واستطاع بها أن يتميز ويحصد الكثير من الجوائز ويوثّق همه‬ ‫ببوح خ��اص‪ ..‬وعند سؤالي عن مكتبته أشار إلى الرف الذي يحوي الكتب التي‬ ‫ٍ‬ ‫يصطفيها‪ ،‬وق���ال‪« :‬األع��م��ال ال��روائ��ي��ة تتصدر الكتب‪ ،‬إض��اف��ة إل��ى كتب التاريخ‪،‬‬ ‫وهناك قسم محبب لي فيها‪ ..‬وهو قسم كتب التاريخ االجتماعي‪ ،‬فهي تتحدّ ث‬ ‫عن حياة العامة في األزمنة المختلفة‪.»..‬‬

‫الرواية تغيرت وتطورت‪!..‬‬

‫ه��و أك��ب��ر وأخ��ط��ر‪ ،‬وه���و المغامرة‬

‫¦ ¦‪«..‬ال أح��د يمكن أن يلغي عوامل‬ ‫ال���ت���أث���ي���ر ال������ذي ت���رك���ت���ه ال����رواي����ة‬ ‫العربية‪ ،‬ولكني أرى أن هناك ما‬

‫غ���ي���ر ال���م���ح���س���وب���ة ل���ل���ك���ث���ي���ر م��ن‬ ‫ال���ك���ت���اب‪ ،‬وخ���اص���ة ج��ي��ل م���ا بعد‬ ‫ع��ام ‪2000‬م‪ .‬فهو جيل يكتب دون‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪103‬‬


‫م��رج��ع��ي��ة واض���ح���ة‪،‬‬ ‫دف��������ع��������ه اإلع��������ل�������ام‪،‬‬ ‫وشجعته دور النشر‬ ‫¦«ف���ت���ن���ة ج�����دة»‪،‬‬ ‫¦‬ ‫ال���ع���رب���ي���ة ال��رب��ح��ي��ة‬ ‫«زري���������������������اب»‪« ،‬س������ن������وات‬ ‫أك����ث����ر م����ن اإلي����م����ان‬ ‫الجمود على أسلوب واحد في‬ ‫ال����ح����ب وال���خ���ط���ي���ئ���ة»‪،‬‬ ‫ب������ق������ي������م������ة ال������ن������ص‬ ‫كتابة الرواية يجعل الروائي يكرر «ال�������ب�������دوي ال���ص���غ���ي���ر»‪،‬‬ ‫ال������روائ������ي‪ .‬ف��ظ��ه��رت‬ ‫نفسه ويراوح مكانه‪.‬‬ ‫«ف���������ت���������ي���������ات ال������ع������ال������م‬ ‫أع�������م�������ال م���س���ت���ف���زة‬ ‫ال����س����ف����ل����ي»‪« ،‬خ����رائ����ط‬ ‫ي���ب���ح���ث أص���ح���اب���ه���ا‬ ‫ال��م��دن ال��غ��اوي��ة»‪ ،‬ه��ذه قائمة عناوين‬ ‫عن شهرة أكثر من تسجيل اسم أدبي‬ ‫ألع��م��ال��ك ال��روائ��ي��ة ال��ت��ي أث���ري���تَ بها‬ ‫واإلسهام في تحسين بيئة النصوص‬ ‫المكتبة العربية‪ ،‬فضال على حصدك‬ ‫ال��روائ��ي��ة ج��م��ال��ي�� ًا وف���ك���ري���اً»‪ ..‬ه���ذا ما‬ ‫إع��ج��اب ال���ق���ارئ‪ ،‬ه��ل ل��ك أن تدخلنا‬ ‫ق��ال��ه ال��دك��ت��ور ال��ن��اق��د ح��س��ن النعمي‬ ‫ف��ي إح���دى ح���وارات���ه‪ .‬ال��روائ��ي مقبول‬ ‫عالم الروائي مقبول العلوي لنكتشف‬ ‫ال��ع��ل��وي‪ ،‬ه��ل تتفق م��ع م��ا ذه���ب إليه‬ ‫أدواته الخاصة في بناء الرواية؟‬ ‫الدكتور النعمي؟‬ ‫‪ρ ρ‬الحديث عن البناء الروائي يطول‪ ،‬وهو‬ ‫‪ρ ρ‬ما قاله الدكتور حسن النعمي صحيح‬ ‫هاجس لكل من يكتب رواية‪ .‬األدوات‬ ‫إل��ى حد كبير‪ ،‬ولكننا اآلن في العام‬ ‫تتغير بتغير الرواية وموضوعها؛ فإذا‬ ‫‪2017‬م‪ ،‬واعتقد أنّ كتابة الرواية خالل‬ ‫ك��ان��ت رواي���ة تاريخية م��ث�لا‪ ..‬فأنت‬ ‫ه��ذه ال��س��ن��وات ق��د تغيرت وت��ط��ورت‬ ‫تحتاج للبحث التاريخي عن الفترة‬ ‫أساليبها كثيرًا عن السابق‪ .‬العملية‬ ‫التي حدث فيها زمن الرواية‪ ،‬وكذلك‬ ‫تراكمية في األساس‪ .‬في تلك الفترة‬ ‫ع��ن ت��اري��خ ال��م��ك��ان‪ ،‬وح��ت��ى ال��ت��اري��خ‬ ‫التي يتحدث عنها ال��دك��ت��ور النعمي‬ ‫االجتماعي للواقع المعاش في الفترة‬ ‫طغى الكم على الكيف‪ ،‬وكان هناك نو ٌع‬ ‫المختارة‪ ،‬وأعتقد أنّ الجمود على‬ ‫من التسرّع في كتابة الرواية‪ ..‬فدخل‬ ‫أسلوب واحد في كتابة الرواية‪ ،‬يجعل‬ ‫في مجالها ك� ّل من يعتقد أ ّن��ه يكتب‬ ‫الروائي يكرر نفسه‪ ..‬وي��راوح مكانه‪.‬‬ ‫رواي��ة‪ ،‬وه��و في الحقيقة يكتب نوعً ا‬ ‫الب��د من التطوير‪ ،‬وه��ذا التطوير ال‬ ‫من جوانب حياته التي يراها مهمة‬ ‫يأتي إال بالتجريب والغوص والتمعّن‬ ‫لآلخرين‪ ،‬أم��ا اآلن‪ ..‬فالرهان على‬ ‫في أعمال ال ٌكتّاب اآلخرين الذين لهم‬ ‫القارئ الفاحص الذي يستطيع اختيار‬ ‫باع كبير في كتابة الرواية وصياغتها‪.‬‬ ‫الرواية الجيدة التي تقدّم شيئًا مهماً‪.‬‬ ‫‪ ...‬اآلن الرهان على القارئ‬ ‫الفاحص الذي يستطيع اختيار‬ ‫الرواية الجيدة التي تقدّ م شيئًا‬ ‫مهماً‪.‬‬

‫‪104‬‬

‫التجريب والغوص‬ ‫والتمعّ ن‪!..‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫م� � � � � � � � � � � � � � � � ��واج � � � � � � � � � � � � � � � � �ه� � � � � � � � � � � � � � � � ��ات‬

‫لم أحصل على جائزة «البوكر»‪!..‬‬ ‫¦ ¦حصدت الكثير من الجوائز عربي ًا ومحلي ًا بعدة‬ ‫أعمال‪ ،‬مثال بروايتك «فتنة ج��دة» حصلت على‬ ‫الجائزة العالمية للرواية العربية ع��ام ‪2011‬م‪،‬‬ ‫وح��ص��ل��ت ع��ل��ى ج���ائ���زة وزارة ال��ث��ق��اف��ة واإلع��ل�ام‬ ‫ب��م��ع��رض ال���ري���اض ال���دول���ي ل��ل��ك��ت��اب ع���ام ‪2015‬م‬ ‫بروايتك «زري���اب»‪ ،‬وأي��ض�� ًا جائزة صاحب السمو‬ ‫ال��م��ل��ك��ي األم���ي���ر س���ع���ود اب����ن ع��ب��دال��م��ح��س��ن بن‬ ‫عبدالعزيز للرواية السعودية بمنطقة حائل عام‬ ‫‪2016‬م‪ ،‬حصدُ الجوائز هل تجده معيار ًا لنجاح‬ ‫العمل اإلبداعي؟‬ ‫أن��ا لم أحصل على الجائزة العالمية للرواية‬ ‫العربية (البوكر)‪ ،‬بل ترشحّ ت للقائمة الطويلة‪،‬‬ ‫وهذا بحد ذاته يعد إنجازًا مهماً في أول إطاللة‬ ‫لي في كتابة الرواية‪ .‬الجوائز يجب أن ال تكون‬ ‫هدفًا للروائي‪ ،‬وإذا جعلها الروائي سببًا للكتابة‪..‬‬ ‫سيخسر الكثير‪ ،‬وسيصاب بخيبة األمل إذا لم‬ ‫يحصل على أي جائزة‪ .‬ال بدّ للكاتب الحقيقي‬ ‫أن يكتب؛ ألنّه يريد أن يقول شيئًا ما‪ .‬الجوائز‬ ‫تكمن أهميتها في كونها تلفت األنظار للعمل‬ ‫الروائي‪ ،‬فالناس مهووسون بكل كتاب ممنوع‪،‬‬ ‫وبكل كتاب يحصد جائزة ما‪ .‬أرى أنّ الهدف‬ ‫األسمى لها هو االنتشار‪ ،‬وهناك نقطة مهمة‪..‬‬ ‫وهي أنّ الجوائز األدبية ليست معيارًا لنجاح‬ ‫كاتب أو فشله‪ ،‬إنما هي لمسة تكريم وشكر ال‬ ‫أقل وال أكثر‪.‬‬ ‫نحتاج إلى مسافة زمنية طويلة‪!..‬‬ ‫¦ ¦كيف ترى أثر التغيرات السياسية واالقتصادية‬ ‫التي يشهدها العالم العربي‪ ،‬على شكل الخطاب‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪105‬‬


‫زم��ن��ي��ة ط��وي��ل��ة ن��وعً ��ا م��ا ح��ت��ى نفهم‬ ‫ونستجلي ما وراء األشياء واألحداث‪..‬‬ ‫حينها سنكتب عن مثل هذه التحوالت‬ ‫بصدق‪..‬‬ ‫نجوم في تويتر والفيس بوك‪!..‬‬ ‫¦ ¦ان���ت���ش���رت ع��ل��ى ال���ن���ت م����واق����ع‪َ ،‬ت���دَّ ع���ي‬ ‫أن��ه��ا ال��ح��اض��ن��ة ل��ل��ت��ج��ارب اإلب��داع��ي��ة‬ ‫الشبابية‪ ،‬وك��أن��ه��ا تلزمهم بالحضور‬ ‫ك��ب��واب��ةٍ ل��دخ��ول ع��ال��م األدب ال��م��وثّ ��ق‪،‬‬ ‫ه���ل ت��ج��د ه����ذا االن���ت���ش���ار ل��م��ث��ل ه��ذه‬ ‫المواقع‪ ،‬ظاهرة صحية لإلبداع؟‬

‫‪106‬‬

‫الشبكة العنكبوتية منصة مهمة للكتّاب‬ ‫الشباب والمبتدئين‪ .‬انظر حولك‪..‬‬ ‫ستجد هناك نجومًا في تويتر وفي‬ ‫اإلبداعي ومضمونه؟‬ ‫الفيس بوك‪ ،‬رغم أنّه ال يوجد لهم أي‬ ‫ال��ت��غ��ي��رات السياسية واالق��ت��ص��ادي��ة‬ ‫إنتاج مطبوع أو منشور‪ .‬النت مدخل‬ ‫تتسارع وتيرتها في هذا الزمن‪ ،‬ولن‬ ‫يفضلون‬ ‫ّ‬ ‫مهم لعالم ال��ش��ب��اب‪ ،‬فهم‬ ‫ي���ك���ون ت��أث��ي��ره��ا‬ ‫ال��ق��راءة م��ن شاشات‬ ‫واض��ح �اً ف��ي اآلنِ‬ ‫الشبكة العنكبوتية منصة مهمة‬ ‫جواالتهم المحمولة‪،‬‬ ‫للكتّاب الشباب والمبتدئين‪..‬‬ ‫نفسه‪ ،‬إنما سيكون‬ ‫ِ‬ ‫يفضلون ال��ق��راءة‬ ‫ّ‬ ‫وال‬ ‫هناك نجوم في تويتر وفي‬ ‫ت��أث��ي��ره��ا ب�����ارزاً‬ ‫من الكتاب مباشرة‪..‬‬ ‫الفيس بوك‪ ،‬رغم أنّه ال يوجد‬ ‫للعيان بعد م��رور‬ ‫ه��ذه حقيقة الب��د أن‬ ‫لهم أي إنتاج مطبوع أو منشور‪.‬‬ ‫ف��ت��رة م��ن ال��زم��ن‪،‬‬ ‫ن��درك��ه��ا ت��م��ام �اً‪ .‬إنّ��ه‬ ‫هناك نقّ اد نجوم بارزون في‬ ‫إذ ال ب ّد لألحداث‬ ‫عصر التسارع في كل‬ ‫مجالهم ولكنهم ال يلتفتون إلى‬ ‫الكبرى وال��ه �زّات‬ ‫ش����يء‪ .‬ل��ك��ن أرى أنّ‬ ‫النصوص المطروحة‪!..‬‬ ‫االج��ت��م��اع��ي��ة أن‬ ‫من أهم عيوب الكتابة‬ ‫ال يمكن إغفال أنّ هناك أعما ًال‬ ‫تختمر أوالً قبل‬ ‫ف���ي ع��ال��م اإلن��ت��رن��ت‬ ‫مترجمة لها أهميتها في تكوين‬ ‫ال���ك���ت���اب���ة ع��ن��ه��ا‪.‬‬ ‫معرضة‬ ‫ّ‬ ‫أنّ كتاباتك‬ ‫الوجدان القرائي لعشاق القراءة‪.‬‬ ‫للضياع‪ ،‬فال يوجد ما‬ ‫نحتاج إلى مسافة‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫النقد ال يستطيع مواكبة هذا‬ ‫الكم‪!..‬‬

‫¦ ¦أي����ن ال��ش��ع��ر م���ن اه��ت��م��ام��ات ال���روائ���ي‬ ‫م��ق��ب��ول ال���ع���ل���وي‪ ،‬وه����ل ت���ؤم���ن ب��م��ب��دأ‬ ‫التخصص؟‬

‫¦ ¦أحد النقاد السعوديين ردد هذه العبارة‬ ‫«النقد في السعودية تفوّق على النص ‪ρ ρ‬ال��ش��ع��ر ج��ن��س إب���داع���ي ق��دي��م ول��ه‬ ‫جذوره‪ ..‬ومكانته في نفوس الكثيرين‪،‬‬ ‫اإلبداعي»‪ ،‬ما رأيك؟‬ ‫وال يزال له حضوره وجمهوره‪ .‬أنا أقرأ‬ ‫‪ρ ρ‬كالمه صحيح‪ .‬لمحة سريعة للمنجز‬ ‫الشعر وأتذوقه‪ ،‬واستمتع به‪ ،‬وأتوقف‬ ‫اإلبداعي الكثير‪ ..‬نجد أنّ النقد ال‬ ‫كثيرًا عند ص��وره العالية الحساسة‬ ‫يستطيع مواكبة ه��ذا الكم‪ ،‬ولكن ال‬ ‫والمفرطة في الجمال‪ ،‬ولكنني أقرأ‬ ‫يمنع من القول أنّ هناك نقّادًا نجومًا‬ ‫كثيرًا في مجال الرواية ألستفيد من‬ ‫وبارزين في مجالهم‪ ،‬ولكنهم ال يلتفتون‬ ‫تجارب اآلخرين‪.‬‬ ‫إلى النصوص المطروحة‪ ،‬وال أعرف‬ ‫السبب‪ .‬ربما يتغير الحال في الزمن‬ ‫القادم‪.‬‬ ‫نسير على الطريق نفسه‪!..‬‬ ‫¦ ¦م��ا تقييمك ل��ل��رواي��ة ف��ي ال��س��ع��ودي��ة‪،‬‬ ‫مقارنة بالساحات العربية؟‬

‫م� � � � � � � � � � � � � � � � ��واج � � � � � � � � � � � � � � � � �ه� � � � � � � � � � � � � � � � ��ات‬

‫هو أهم من الكتاب في حفظ اإلبداع‪.‬‬

‫اقرأ الشعر وأتذوقه‪..‬‬

‫ال يمكن لإلنسان االنسالخ من‬ ‫تاريخه‬

‫¦ ¦من خالل طبيعة أعمالك التي تتغذى‬ ‫بالسياق التاريخي‪ ،‬فمن المؤكد أنت‬ ‫قارئ جيد للتراث من العصر الجاهلي‬ ‫واألم��وي والعباسي‪ ..‬الخ‪ ،‬كتّاب اليوم‬ ‫منهم مَ ��ن لم يقرأ وليس لديه أدوات‬ ‫ل��ق��راءة ه��ذا ال��م��وروث‪ ،‬بقدر حرصهم‬ ‫على ق���راءة بعضهم وم��ا ه��و مترجم‪،‬‬ ‫ماذا تقول في هذا؟‬

‫‪ρ ρ‬ال��رواي��ة السعودية مطلوبة ومقروءة‬ ‫مزيد‬ ‫ٍ‬ ‫ولها جمهورها‪ .‬هي تحتاج إلى‬ ‫من الزمن لتنضج أكثر‪ ،‬وهناك أصوات‬ ‫روائية تكتب بشكل جيد‪ ..‬لكن الرواية‬ ‫ف��ي ال����دول ال��ع��رب��ي��ة األخ����رى ب��دأت‬ ‫تأصلت فيه التجربة ‪ρ ρ‬ال ي��م��ك��ن ل�لإن��س��ان االن���س�ل�اخ من‬ ‫منذ زمن طويل ّ‬ ‫تاريخه‪ ،‬حتى وإن لجأ لقراءة األعمال‬ ‫ال���روائ���ي���ة ون��ض��ج��ت‪ ،‬ون��ح��ن نسير‬ ‫المترجمة س���وا ًء أك��ان��ت تاريخية أم‬ ‫على نفس الطريق‪ .‬وأرى أن الرواية‬ ‫اجتماعية‪ ،‬وال يمكن إغفال أنّ هناك‬ ‫السعودية في قادم األيام ستكون لها‬ ‫أعماالً مترجمة لها أهميتها في تكوين‬ ‫بصمتها ال��واض��ح��ة ع��ل��ى الخريطة‬ ‫الوجدان القرائي لعشاق القراءة‪.‬‬ ‫األدبية العربية والعالمية بإذن اهلل‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪107‬‬


‫أكتب ولو على قطعة من ورق‪..‬‬ ‫¦ ¦بعض الشعراء والمبدعين بصفة عامة‬ ‫يلتزمون بطقس مُ عيّن أثناء الكتابة‪،‬‬ ‫مقبول العلوي‪ ،‬كيف ومتى يكتب؟‬ ‫‪ρ ρ‬ليست ل��ي طقوس معينة للكتابة وال‬ ‫زمن محدد أيضا‪ .‬اكتب عندما يزورني‬ ‫هاجس الكتابة ولو على قطعة من ورق‪.‬‬ ‫أن��ج��زت معظم أعمالي ال��روائ��ي��ة في‬ ‫المدرسة ‪-‬حيث أعمل بالتدريس‪ -‬في‬ ‫حصص الفراغ‪ ،‬وفي المساء والصباح‬ ‫الباكر في أيام اإلجازات‪..‬‬ ‫األعمال الروائية تتصدر الكتب‪..‬‬ ‫¦ ¦ه�����ل ل����ن����ا أن ن����ت����ع����رف ع����ل����ى م���ح���ت���وى‬ ‫مكتبتك؟‬ ‫‪ρ ρ‬كوّنت مكتبتي على مدى أع��وام كثيرة‪،‬‬ ‫وأك��ث��ر م��ا أقتنيته م��ن ك��ت��ب ك���ان من‬ ‫خ�لال سفري وترحالي لمختلف دول‬ ‫العالم‪ .‬كنت وما أزال اشتري كتبًا كثيرة‬ ‫ع��ن ط��ري��ق م��ع��ارض ال��ك��ت��ب وال��ش��راء‬ ‫اإلل��ك��ت��رون��ي‪ .‬ف���ي مكتبتي األع��م��ال‬ ‫الروائية تتصدر الكتب إضافة إلى كتب‬ ‫التاريخ‪ ،‬وهناك قسم محبب لي فيها‪..‬‬ ‫وه���و ك��ت��ب ال��ت��اري��خ االج��ت��م��اع��ي فهي‬ ‫تتحدّ ث عن حياة العامة في األزمنة‬ ‫المختلفة‪..‬‬ ‫‪108‬‬

‫* شاعر وكاتب من السعودية‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫فارس رزق الروضان‬

‫س � � � � � � � � � � �ي� � � � � � � � � � ��رة وإن � � � � � � � � � � �ج� � � � � � � � � � ��از‬

‫الكاتب والشاعر‬

‫‪ρρ‬إعداد احملرر الثقايف*‬

‫شاعر وروائ���ي وصحفي من مواليد منطقة ال��ج��وف‪ ،‬تنقل بين مدارسها حتى أنهى‬ ‫دراسته الثانوية‪ ،‬التحق بعدها بكلية المعلمين في مدينة سكاكا حاضرة الجوف‪ ،‬وحصل‬ ‫منها على درجة البكالوريوس في العلوم عام ‪1410‬هـ‪.‬‬ ‫بدأ مشواره العملي معلماً‪ ،‬ثم تفرغ للصحافة والعمل الحر‪ ،‬فأسس دار أصوات وأصدر‬ ‫مجلة «أصوات» التي حققت نجاحات الفتة‪ ،‬توقفت بعد بضعة أعداد من إصدارها نتيج َة‬ ‫تَحوُّ ل القراء إلى القراءة اإللكترونية والضغوط التي واجهتها المؤسسات االعالمية‪.‬‬ ‫للكاتب الروضان ثالثة مؤلفات‪ ،‬إضافة الى أنه كاتب ساخر متعدد المواهب‪ ،‬يكتب‬ ‫المقاالت الرياضية‪ ،‬والفنية‪ ،‬والساخرة‪ ..‬إضافة إلى المقاالت العامة‪ ،‬ن ُِشرت له مقاالت‬ ‫ف��ي ج��ري��دة ال��ري��اض‪ ،‬ومجلة اليمامة‪ ،‬ومجلة أص���وات‪ ،‬وج��ري��دة ال��رؤي��ة اإلم��ارات��ي��ة‪ ،‬كما‬ ‫كتب عشرات المقاالت من زاوية «مسافات حضارية» التي حظيت بشهرة كبيرة لدى قراء‬ ‫جريدة الرياض‪ ،‬إال أنها لم تكن تُكتب باسم كاتبها‪ ،‬وتميزت كتاباته باإلتقان‪ ،‬وبعدها‬ ‫األدبي‪ ،‬والشعرية السردية‪.‬‬ ‫عمل الروضان معلمً ا حتى عام ‪1418‬ه��ـ‪ ،‬ثم مسئوال للعالقات العامة بتعليم الجوف‬ ‫إل��ى أن استقال م��ن عمله وت��ف��رغ م��دي��رً ا لمكتب مؤسسة اليمامة الصحفية بمنطقة‬ ‫الجوف‪ .‬وهو عضو الجمعية السعودية للمعاقين‪ ،‬ومجلس إدارة نادي الجوف األدبي‪،‬‬ ‫ومهرجانات الجوف الصيفية‪ ،‬والمجلس الثقافي لمركز عبدالرحمن السديري الثقافي‪،‬‬ ‫والهيئة السعودية للصحفيين وجمعية الصحفيين العرب‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪109‬‬


‫اإلنتاج العلمي والفكري‬

‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬

‫•ديوان شعر‪.‬‬ ‫•كتابة عدد من حلقات المسلسالت المحلية‬ ‫مثل مسلسل طاش ما طاش الشهير‪.‬‬ ‫•كتاب اذكريني كل ما فاز الهالل‪.‬‬ ‫•كتاب موعدي الساعة ثمان‪.‬‬ ‫•رواية لولوة في باريس‪.‬‬ ‫•مجلة أصوات‪.‬‬ ‫•ع��دد من القصائد المغناة من ع��دد من‬ ‫الفنانين منهم عبد الرب إدريس ويوسف‬ ‫المهنا‪.‬‬ ‫•مخطوطات دواوين شعرية لم تنشر بعد‪.‬‬ ‫•مخطوطات مجموعة قصصية‪.‬‬ ‫•مخطوطة لمقاالت الكاتب ستنشر في‬ ‫كتاب‪.‬‬ ‫«لولوة في باريس»‬

‫صدرت الرواية عن دار «مدارك للنشر» بدبي‬ ‫عام (‪ 2015‬م)‪ ،‬وتمثل اإلصدار الروائي األول له‬ ‫بعد كتابين أصدرهما سابقا‪ ،‬وقد كانت مفاجأة‬ ‫للمتابعين أن تنفد نسخ الطبعة األولى للرواية قبل‬ ‫وصولها للمكتبات السعودية‪ .‬جاءت الرواية محمّلة‬ ‫باألحداث الشيقة‪ ،‬وغنية بالشعر‪ ،‬والتضمين من‬ ‫كلمات الروائي الذي يعد أحد الشعراء السعوديين‬ ‫الذين غنى لهم ع��دد من المطربين‪ ،‬وبأسلوب‬ ‫روائ��ي آس��ر يُسهل على ال��ق��ارئ متابعة القراءة‬ ‫نتيجة مهارة التشويق التي أجادها الروضان‪.‬‬

‫‪110‬‬

‫ج��اءت ال��رواي��ة سخية متصلة بلغة شفافة‪،‬‬ ‫امتلك الروائي ناصيتها بروح من الشعر والجمال‪،‬‬ ‫مشبعة بالشوق ولحظات األل��ق وال��درام��ا‪ ،‬كما‬ ‫جاءت محمّلة في مقاطع مميزة منها بالسخرية‪،‬‬ ‫يعيش معها قارئها لحظات العشق والحب والشوق‬ ‫والحزن‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫ت � � � � � � � � � � � � � � � � � ��رج � � � � � � � � � � � � � � � � � � �م � � � � � � � � � � � � � � � � � ��ة‬

‫َمن ذا الذي يرغب بابنة؟‬ ‫إيزابيل الليندي‬ ‫‪ρρ‬ترجمة‪ :‬عبداهلل الزماي*‬

‫توفيت ابنتي «باوال» في السادس من ديسمبر لعام ‪1992‬م في مرض نادر متعلق‬ ‫بالدم‪ ،‬وال��ذي ال يجب أن يكون مميتًا هذه األي��ام‪ .‬لكن بإهمال في المستشفى‪،‬‬ ‫حيث أعطيت جرعة دواء خاطئة‪ ،‬ودخلت في غيبوبة‪ ،‬وبعد خمسة أشهر‪ ..‬حين‬ ‫أعادها لي المستشفى أخيرا ‪ ،‬كانت في حالة غياب عن الوعي‪ .‬أخذتها إلى البيت‬ ‫واعتنيت بها حتى توفيت بسالم على ذراع���ي‪ .‬كانت ف��ي الثامنة والعشرين من‬ ‫العمر‪ ،‬فتاة جميلة وذكية وذات قلب سخي‪ .‬وكانت تعويذتها‪« :‬أنت ال تملك إال ما‬ ‫تمنح‪ ،‬بالعطاء ستصبح ثريا»‪.‬‬ ‫الحزن على فقد «باوال» كان كالمشي حاسوبي أو أذرع االستديو بخطاي‪،‬‬

‫وحيدة في نفق طويل مظلم‪ .‬استغرق وتفكيري مشلول‪ .‬الجفاف الداخلي‬ ‫األم���ر ع��دة س��ن��وات ألص��� َل إل��ى نهاية مرعب بالنسبة لشخص يعيش ألجل‬

‫النفق وأبصر النور من جديد‪ .‬كانت الكتابة‪ .‬عبثًا أستدعي التفكير‪ .‬حتى‬ ‫سنوات من االرتباك والحزن‪ ،‬شعرت المشاعر المتسخة قد هجرتني‪ .‬بعد‬

‫ألوقات بمخلب في حلقي وأنني بالكاد ثالث سنوات من الشلل العاطفي‪ .‬قرر‬ ‫أتنفس‪ .‬ودون حتى أدن���ى وع� ٍ��ي مني زوج��ي «ويلي» وصديقتي «تابرا» أنني‬ ‫كنت أتش ُح بالكامل بالسواد‪ .‬حاولت أحتاج أن أم�لأ خزائني‪ ،‬واقترحا أن‬ ‫أن أكتب‪ ..‬ولكن كانت محاوالتي دون نذهب في رحلة إلى الهند‪ ،‬ألنها ‪-‬كما‬ ‫ج���دوى‪ .‬أمضيت س��اع��ات أح���دق في يقولون ‪ -‬من التجارب التي تضع بصمة‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪111‬‬


‫طلبنا من «سريندر» أن يتوقف‪ ،‬وسرتُ أنا‬ ‫و«تابرا» نحو النساء‪ .‬أخذن بالتراجع‪ ،‬لكن‬ ‫فضولهن تغلب على خجلهن‪ ،‬وعما قليل كنا‬ ‫سويا تحت األكاسيا محاطين بأطفال عراة‪.‬‬

‫في الحياة‪ .‬أرض مليئة بالتناقضات‪ ..‬جمال‬ ‫استثنائي‪ ،‬وفقر مدقع‪ ،‬وبالتأكيد‪ ..‬سأجد‬ ‫إلهامًا ما هناك‪ .‬قبلتُ على الرغم من أنني‬ ‫لم أك��ن راغبة في السفر‪ ..‬وتحديداً إلى‬ ‫الهند‪ ،‬أبعد نقطة ممكنة عن موطننا قبل أن‬ ‫كانت النساء يتوشحن بمالبس من الساري‬ ‫أبدأ العودة مرة أخرى من الجانب اآلخر من مغبرة ومهترئة‪ .‬كن صغيرات بشعر أسود‬ ‫الكوكب‪.‬‬ ‫طويل‪ ،‬وبشرة جافة‪ ،‬وعيون غائرة مدعجات‬ ‫يمتلك «سريندر» ‪ -‬سائقنا ودليلنا في بالكحل‪ .‬يفتقر الناس في الهند‪ ،‬كما في‬ ‫الهند ‪ -‬من الشجاعة والخبرة ما نحتاجه معظم بلدان العالم‪ ،‬إلى مفهوم المساحة‬ ‫خالل تنقلنا في الطرق الريفية المتعرجة ال��ش��خ��ص��ي��ة‪ ،‬ال����ذي ن��داف��ع ع��ن��ه ب��ض��راوة‬ ‫وال��ط��رق المرورية في المدينة المجنونة‪ ،‬ف��ي ال��غ��رب‪ .‬وبسبب ان��ع��دام لغة مشتركة‬ ‫بعضا باالبتسامات‪،‬‬ ‫ً‬ ‫السيارات المراوغة والحافالت وعربات بيننا‪ ،‬حيينا بعضنا‬ ‫الحمير والدراجات وأكثر من بقرة جائعة‪ .‬ثم فحصتنا النساء بأصابع جريئة لمسن‬ ‫ال أح��د مستعجل ‪ -‬ال��ح��ي��اة طويلة ‪ -‬ما مالبسنا ووجوهنا وشعر «ت��اب��را» األحمر‪،‬‬ ‫عدا الدبابات المتعرجة ذات الطوربيدات والمجوهرات الفضية التي للتو اشتريناها‬ ‫ال��س��ري��ع��ة‪ ،‬وال��ت��ي ت��ق��ل ع��ائ��ل��ة م��ن خمسة في اليوم السابق‪ .‬نزعنا أساورنا وقدمناها‬ ‫ركاب فوقها‪ .‬لم يكن لدينا حزام أمان‪ ،‬كان للنساء اللواتي أخذنها ببهجة‪ .‬كانت كافية‬ ‫معنا القدر‪ ،‬ال أحد يموت قبل أوان��ه‪ .‬كان لهن بمقدار اثنتين أو ثالثة لكل واحدة‪.‬‬ ‫«سريندر» قليل الكالم‪ ،‬وتعلمت أنا و«تابرا»‬ ‫إح��دى النساء التي كانت بعمر «ب��اوال»‪،‬‬ ‫أ ّال نوجّ ه له أية أسئلة؛ ألن الشخص الوحيد تناولت وجهي بيديها وقبلت جبيني بخفة‪.‬‬ ‫الذي أجاب على أسئلته هو «ويلي»‪.‬‬ ‫ش��ع��رت ب��ش��ف��ت��ي��ه��ا ال��ع��ط��ش��ى‪ ،‬ورائ��ح��ت��ه��ا‬

‫‪112‬‬

‫في إحدى الظهيرات المتأخرة‪ ،‬كنا نتجول‬ ‫في الريف‪ ،‬في منظر طبيعي مغبر ومحمر‪،‬‬ ‫حيث القرى متباعدة‪ ..‬والسهول ممتدة على‬ ‫م ّد النظر‪ .‬رأينا شجرة منفردة‪ ،‬ربما كانت‬ ‫أكاسيا‪ ،‬ومجموعة تتكون م��ن أرب��ع نساء‬ ‫وعدد من األطفال تحت أغصانها‪ .‬تساءلنا‬ ‫ماذا يفعلون هناك‪ ،‬في منتصف الالمكان‪،‬‬ ‫بعيدا عن منازل أو بئر‪ .‬كانت الشمس تتجه‬ ‫نحو المغيب‪ ،‬والسماء مبقعة بلون الشفق‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫وأنفاسها الدافئة‪ .‬كانت مثل إي��م��اءة غير‬ ‫متوقعة‪ ،‬وحميمة جدا‪ ،‬ذلك أنني لم أستطع‬ ‫لجم دموعي‪ .‬ر ّبتَتْ النساء األخريات على‬ ‫كتفي بصمت‪ ،‬وقد اندهشن من ردة فعلي‪.‬‬ ‫اس��ت��دع��ان��ا م��ن ج��ه��ة ال��ط��ري��ق ص���وت ب��وق‬ ‫السيارة ال��ذي أطلقه «سريندر»‪ .‬إنه وقت‬ ‫الذهاب‪ .‬ودّعنا النساء وعدنا إلى السيارة‪،‬‬ ‫ل��ك��ن واح����دة منهن تبعتنا‪ .‬لمست كتفي‬ ‫فالتفت‪ ،‬كانت تحمل صرة صغيرة‪ .‬اعتقدت‬


‫ت � � � � � � � � � � � � � � � � � ��رج � � � � � � � � � � � � � � � � � � �م � � � � � � � � � � � � � � � � � ��ة‬

‫أنها ستعطيني شيئا ما عوضا عن األساور‪،‬‬ ‫فحاولت أن أوضح باإلشارات أنه ليس من تمتلك بعض القصص القوة للشفاء‪ .‬ما‬ ‫الضروري‪ ..‬ولكنها أرغمتني على أخذه‪.‬‬ ‫حدث ذلك اليوم تحت شجرة األكاسيا‬ ‫ح��لَّ العقدة التي كانت تخنقني‪ ،‬أماط‬ ‫لم تكن ت��زن شيئا تقريبا‪ ،‬ب��دت وكأنها‬ ‫ش��ب��ك��ة ال��ش��ف��ق��ة ع��ل��ى ال�����ذات ب��ع��ي��دا‪،‬‬ ‫حزمة من الخرق‪ .‬لكن حين عدت ألطويها‪،‬‬ ‫وأرغمني على أن أعود إلى العالم وأترجم‬ ‫ف��إذا بها طفل رضيع‪ ،‬حديث ال��والدة‪ ،‬كان‬ ‫فقدي البنتي إلى ح��دث‪ .‬لم أتمكن من‬ ‫صغيرا وأسمر‪ .‬عيناه مغلقتان‪ ..‬وال تبدو‬ ‫إنقاذ تلك الطفلة أو أمها اليائسة أو‬ ‫رائحته مثل بقية األطفال الذين سبق وأن‬ ‫الماليين من النساء مثلها‪ ،‬ولكن بإمكاني‬ ‫حملتهم‪ ،‬رائحة الذع��ة من الرماد والغبار‬ ‫على األقل أن أحاول التخفيف كثيرا في‬ ‫والبراز‪ .‬قبلت وجهه‪ ،‬ودع��وت له‪ ،‬وحاولت‬ ‫حياة بعضهم‪ .‬كان لدي حساب بمدخرات‬ ‫أن أعيده ألمه‪ ..‬ولكنها عادت مسرعة إلى‬ ‫ال أمسها‪ ..‬كنت أخطط الستثمارها في‬ ‫األخ��ري��ات بينما أن��ا واقفة هناك‪ ،‬أهدهد‬ ‫ش��يء ما يجعل من «ب��اوال» فخورة‪ .‬في‬ ‫الطفل‪ ،‬غير مستوعبة لما حدث‪.‬‬ ‫تلك اللحظة تذكرت أنها حينما كانت‬ ‫أتى «سريندر» بعد دقيقة يصيح ويجري‪.‬‬ ‫على قيد الحياة كنت أهاتفها وأطلب‬ ‫انتزع الطفل من ذراعي واتجه نحو النساء‪،‬‬ ‫منها النصيحة ‪ -‬حياتي كمهاجرة جديدة‬ ‫ولكنهن هربن مذعورات من حنق الرجل‪.‬‬ ‫في الواليات المتحدة وزوجة أب ألوالد‬ ‫بعد ذلك انحنى ووضع الطفل على األرض‬ ‫«ويلي» المدمنين كانت باألحرى مجهدة‬ ‫الجافة تحت الشجرة‪ ،‬بينما النساء يراقبنه‬ ‫جدا ‪-‬وكانت تأتي إجابتها دائما بشكل‬ ‫من مسافة آمنة‪.‬‬ ‫س���ؤال “أم����ي‪ ،‬م��ا ال��ش��يء األك��ث��ر كرما‬ ‫بذلك الوقت كان «ويلي» قد أتى أيضا‪،‬‬ ‫لتفعليه في هذه الحالة؟”‪.‬‬ ‫دفعني وأعادني حثيثا إلى السيارة وهو يكاد‬ ‫ (اآلن ع��رف��ت م��ا س��أف��ع��ل ب��م��دخ��رات��ي‬‫يرفعني عن األرض‪ ،‬تتْبَعُنا «ت��اب��را»‪ .‬أدار‬ ‫«أعلنت لويلي وتابرا»‪ .‬سأنشئ مؤسسة‬ ‫سريندر محرك السيارة وابتعدنا‪ ،‬وأنا أدفن‬ ‫لمساعدة النساء واألطفال)‪.‬‬ ‫وجهي في صدر زوجي‪.‬‬ ‫وبالفعل قمت بذلك حالما ع��دت إلى‬ ‫ «لماذا تحاول تلك المرأة أن تتخلص من كاليفورنيا‪ ،‬لم أك��ن أتخيل أن تلك البذرة‬‫طفلها؟» غمغم «ويلي»‪.‬‬ ‫س��ت��ص��ب��ح ع��ب��ر ال���س���ن���وات ش��ج��رة ك��ب��ي��رة‬ ‫ «إنها بنت‪ .‬من ذا الذي يريد بنتا؟» أجاب كاألكاسيا‪.‬‬‫«سريندر» وهو يهز كتفيه‪.‬‬

‫* كاتب ومترجم من السعودية‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪113‬‬


‫ُ‬ ‫رسائل األم !‬ ‫قصة للكاتب الفرنسي‪ :‬غي دي موباسان‬ ‫‪ρρ‬ترجمة‪ :‬ياسمينة صالح*‬

‫توفيت دون��م��ا وج��ع‪ ،‬كما يمكن الم���رأة عاشت حياة فاضلة أن ت��م��وت‪ .‬ه��ا هي‬ ‫اآلن مستلقية في فرشتها‪ ،‬بعينيها المغمضتين‪ ،‬ومالمحها المطمئنة‪ ،‬وشعرها‬ ‫األب��ي��ض الطويل المصفوف بعناية‪ ،‬كما ل��و أنها مشطته للتو‪ .‬كانت سحنتها‬ ‫شاحبة ودقيقة‪ ،‬تبدو مستسلمة لقدرها‪ ،‬توحي لمن يراها بأن روحا طيبة سكنت‬ ‫هذا الجسد‪ ،‬لتحظى بهذه النهاية المطمئنة!‬ ‫جثا ابنها على ركبتيه قرب السرير‪ ،‬أن يطلبا معرفة بقية التفاصيل!‬ ‫وجلست ابنتها ال��راه��ب��ة «م��ارغ��ري��ت»‬ ‫تناولت «يواللي» يد والدتها وقبلتها‬ ‫التي يسمونها أيضا «ي��والل��ي»‪ ..‬كان وه��ي تبكي‪ ..‬ب��دت ي��د الميتة بيضاء‬ ‫ابنها قاضيا محترما‪ ،‬يُــعرف لدى كالعاج‪ ،‬مسجاة على السرير بال حراك‪.‬‬ ‫الجميع بقوة دفاعه عن مبادئه‪ ،‬وعدم في الجانب اآلخ��ر‪ ،‬تبدو اليد األخرى‬ ‫تنازله عنها‪ ..‬لقد ربتهما أمهما على أن ممسكة بجزء من الغطاء‪ ،‬كما يمكن‬ ‫األخالق والدين والواجب‪ ،‬قوة ال يستهان للصورة األخيرة أن تظل راسخة قبل‬ ‫بها‪ ،‬وكانت تلك التربية الفاضلة كافية الغياب األخير للميت!‬ ‫لتجعل من االبن أحد أبرز المدافعين‬ ‫�ف ع��ل��ى ال���ب���اب جعل‬ ‫ط����ر ٌق خ��ف��ي� ٌ‬ ‫عن القانون‪ ،‬ومن البنت ام��رأة زاهدة‬ ‫ف��ي ال��رج��ال‪ ،‬مكرسة حياتها للصالة الشقيقان يرفعان عينيهما المغرورقتين‬ ‫بالدموع‪ ..‬أطل القس برأسه‪ ،‬ثم دخل‪.‬‬ ‫والعبادة‪.‬‬ ‫كان يتنفس بسرعة‪ ،‬كمن جاء ركضا‪..‬‬ ‫لم يعرفا والديهما‪ ،‬لكنهما سمعا أنه من الواضح أنه تلقى خبر موت المرأة‬ ‫كان قاسيا تسبب باألذى لوالدتهما‪ ،‬دون وهو يتناول طعامه‪ ،‬فقد كانت رائحة‬

‫‪114‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫كان القس حزينا‪ ،‬أو هكذا يبدو‪ ،‬فالموت‬ ‫بالنسبة لشخص مثله بمثابة مصدر رزق‪.‬‬ ‫ح��رك ي��ده كمن يصلي‪ ،‬وق���ال ب��ص��وت من‬ ‫تعوّد على هذا النوع من المواقف‪« :‬جئت‬ ‫يا أعزائي ألشاطركما مصابكما في هذه‬ ‫الساعات العصيبة‪».‬‬

‫سكينة ال متناهية تنبعث من ذلك الجسد‬ ‫المسجّ ى‪ ،‬سكينة تبدو وكأنها غمرت ما‬ ‫حولها‪ ..‬كان القاضي ما ي��زال جاثيا على‬ ‫ركبتيه‪ ،‬غارسا وجهه في غطاء السرير‪،‬‬ ‫ب��ص��وت كتمه ال��ح��زن وال��دم��وع ظ��ل ي��ردد‪:‬‬ ‫«أماه‪ ..‬أماه‪ ..‬أماه‪ »! ..‬بينما شقيقته تضع‬ ‫جبهتها على مقبض ال��س��ري��ر وه��ي ت��ردد‬ ‫باكية» يا إلهي‪ ..‬يا إلهي‪ ..‬أم���ي‪ ،»...‬كانا‬ ‫يبكيان بحرقة‪.‬‬

‫نهضت «يواللي» وهي تقول‪:‬‬ ‫ «شكرا جزيال أيها األب‪ ،‬ولكننا نريد‪،‬‬‫أن��ا وأخ���ي‪ ،‬البقاء لوحدنا معها‪ .‬إنها‬ ‫آخر مرة سوف نراها فيها‪ ،‬ونريد نحن‬ ‫الثالثة أن نكون معا‪ ،‬كما كنا دائما‪ ،‬وأن‬ ‫تكون والدت‪ »...‬لم تستطع انهاء جملتها‪،‬‬ ‫خنقتها الدموع فأُجهشت بالبكاء‪ .‬حرك‬ ‫القس رأسه بانحناءة صغيرة‪ ..‬كان يتمنى‬ ‫لو ظل مستلقيا على سريره‪ ..‬قال بصوت‬ ‫أقرب إلى الهمس‪:‬‬ ‫ «كما ترغبان يا أبنائي»‪.‬‬‫ ث���م ج��ث��ا ع��ل��ى رك��ب��ت��ي��ه ق����رب ال��ج��س��د‬ ‫المسجى‪ ،‬وحرك يده وهو يتمتم بالدعاء‪،‬‬ ‫ونهض متوجها نحو الباب ومتمتما «لقد‬ ‫كانت أمكما مالكا»!‬

‫ت � � � � � � � � � � � � � � � � � ��رج � � � � � � � � � � � � � � � � � � �م � � � � � � � � � � � � � � � � � ��ة‬

‫القهوة تنبعث من فمه‪..‬‬

‫تتدحرج وتصطدم بالجدار‪.‬‬

‫م���ض���ى وق�����ت ط����وي����ل‪ ،‬ق���ب���ل أن ي��ه��دأ‬ ‫الشقيقان‪ ..‬رفعا بصرهما إلى الجثة النائمة‬ ‫في اطمئنان‪..‬‬ ‫ذك���ري���ات ك��ث��ي��رة ك��ان��ت ب��األم��س قريبة‬ ‫وع��زي��زة ت��ب��دو اآلن حزينة وم��وج��ع��ة‪ ،‬بكل‬ ‫تفاصيلها الحميمة والقريبة من النفس‪..‬‬ ‫تذكرا حوادث وكلمات‪ ،‬وابتسامات‪ ،‬والنبرة‬ ‫الخاصة التي تتميز بها والدتهما الغالية‬ ‫كلما قالت كالما تراه مهمّا وعليهما اإلصغاء‬ ‫إليه‪ .‬لقد أحَ بّاها ح ّبًا جمّا‪ ،‬وها هما يشعران‬ ‫أنهما سيكونان وحيدين‪ .‬كانت سندهما في‬ ‫الحياة‪ ،‬مرشدهما للطريق الصحيح طوال‬ ‫شبابهما‪ ،‬تبدو تلك المرحلة وكأنها ترحل‬ ‫اآلن دون رجعة‪ .‬أمهما التي كانت الرابط‬ ‫الحميم ال��ذي يجمعهما إل��ى الحياة‪ ،‬إلى‬ ‫اآلخرين‪ ،‬إلى الماضي‪ ،‬إلى األج��داد‪ ،‬إلى‬ ‫التفاصيل‪ ..‬يشعران اآلن أنهما لن يستطيعا‬ ‫النظر إلى الخلف بسهولة‪.‬‬

‫بقي الشقيقان وحيدين مع والدتهما في‬ ‫سكون ال يقطعه سوى صوت عقارب ساعة‬ ‫في مكان ما من الغرفة‪ ،‬ورائحة قش وخشب‬ ‫تتسلل مع ضوء القمر من النافذة المفتوحة‪.‬‬ ‫رفعت الراهبة عينيها إل��ى أخيها وهي‬ ‫بدا الريف غارقا في صمت جنائزي ال يسمع‬ ‫فيه سوى نقيق الضفادع‪ ،‬أو صرير حشرة تقول‪:‬‬ ‫ «ه���ل ت��ذك��ر ي��ا أخ���ي ك��ي��ف كانت‬‫ليلية تبدو في خضم الصمت الثقيل ككرة‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪115‬‬


‫والدتنا تحب ق��راءة رسائلها القديمة؟ كل ‪« -‬حبيبتي‪ ،‬ك��م أح��ب��ك! إل��ى درج��ة أشعر‬ ‫رسائلها موجودة هنا في ال��درج‪ .‬ما رأيك‬ ‫فيها أنني أفقد صوابي‪ .‬آهٍ ‪ ..‬كم أحبك‪،‬‬ ‫أن نقرأها كما كانت تفعل‪ ،‬لنستعيد حياتها‬ ‫يا أغلى ما عندي‪.»...‬‬ ‫الليلة‪ ،‬حياتها وحياة جدنا وجدتنا اللذين‬ ‫اعتدل القاضي في جلسته وهو يحدق‬ ‫لم نعرفهما من قبل‪ ..‬هل تذكر كيف كانت‬ ‫في أخته التي توقفت عن القراءة‪ .‬أخذ منها‬ ‫تحكي عنهما؟‬ ‫الرسالة بحثا ع��ن توقيع‪ ،‬ول��م يجد سوى‬ ‫تناول األخوان دزينة من الرزم الصغيرة عبارة‪« :‬محبك هنرى»‪.‬‬ ‫التي تحتوي على مجموعة م��ن الرسائل‬ ‫ل��م تكن م��ن وال��ده��م��ا ال���ذي ك��ان اسمه‬ ‫ذات ال��ورق األصفر‪ ،‬المصفوفة بعناية‪ ،‬ثم «رينيه»‪ .‬بيدين مرتعشتين راح يبحث في‬ ‫وضعاها على السرير‪ ،‬وتناوال رسالة مكتوبًا بقية الرسائل‪ ..‬تناول رسالة أخرى وقرأ‪:‬‬ ‫عليها عبارة «األب»‪ ،‬فتحاها وشرعا في‬ ‫ «يستحيل العيش من دونك‪!».‬‬‫القراءة‪.‬‬ ‫وقف على قدميه وهو ينظر إلى الميتة‬ ‫ك��ان��ت م��ن ن��وع ال��رس��ائ��ل العتيقة التي‬ ‫متهم‪ .‬كانت «يواللي»‬ ‫ٍ‬ ‫كما تعود النظر إلى‬ ‫يمكن العثور عليها عادة في أدراج البيوت‪،‬‬ ‫جالسة‪ ،‬والدموع تنهمر من عينيها‪ ،‬منتظرة‬ ‫قرن من الزمن‪ .‬الرسالة األولى‬ ‫تحمل عبق ٍ‬ ‫ما يمكن أن يصدر عن أخيها‪ ..‬مشى نحو‬ ‫تبدأ بعبارة «عزيزتي»‪ ،‬والثانية «صغيرتي‬ ‫النافذة بخطوات بطيئة ومنهكة‪ ،‬ووقف ملقيا‬ ‫الجميلة»‪ ،‬وأخرى‪« :‬ابنتي الحبيبة»‪ ،‬وأيضا‬ ‫نظراته بعيدًا في ظالم الليل‪ ..‬كان يفكر‪.‬‬ ‫«ابنتي العزيزة»‪ ..‬فجأة بدأت الراهبة تقرأ‬ ‫عندما استدار نحو أخته‪ ،‬وجدها واقفة‬ ‫تاريخ الفقيدة الغالية وذكرياتها الدافئة‪..‬‬ ‫اتكأ القاضي بمرفقه على مسند السرير قرب السرير وقد توقفت عن البكاء‪ .‬مشى‬ ‫وبدأ يصغي‪ ،‬كان ينظر إلى وجه والدته التي نحو حزمة الرسائل‪ ،‬وتناولها بحركة غاضبة‬ ‫ورماها في ال��درج‪ ،‬ثم أغلق الستائر حول‬ ‫خيل إليه أنها سعيدة!‬ ‫السرير‪.‬‬ ‫توقفت «يواللي» عن القراءة وهي تقول‪:‬‬ ‫بدت الشموع على الطاولة شاحبة أمام‬ ‫ «ي��ج��ب وض���ع ه���ذه ال��رس��ائ��ل معها في ضوء الصباح البازغ‪ ..‬نهض االبن عن كرسيه‬‫ال��ت��اب��وت‪ ،‬ف��ه��ي أش��ي��اء ع��زي��زة عليها‪ ،‬دون أن يلقي نظرة أخيرة إلى أمه‪ ،‬ثم بصوت‬ ‫وستكون أنيسها في قبرها»‪.‬‬ ‫من يصدر حكما قال لشقيقته‪:‬‬ ‫تناولت حزمة جديدة من الرسائل خالية من‬ ‫ هيا بنا ي��ا أخ��ت��ي‪ ،‬دعينا ن��خ��رج من‬‫أي اسم‪ .‬وراحت تقرأ بصوت مرتفع‪:‬‬ ‫هنا‪»!..‬‬

‫‪116‬‬

‫* روائية من الجزائر‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫‪ρρ‬د‪ .‬محمد عامر البلخي*‬

‫ن � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��واف � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��ذ‬

‫أثر التطور التقني‬ ‫على الفرد والمجتمع‬ ‫التعلّم عملية أساسية في الحياة‪ ،‬فنحن نتعلم من المهد إل��ى اللحد‪ ،‬قال‬ ‫تعالى‪« :‬الرحمن‪ ،‬علّم القرآن‪ ،‬خلق اإلنسان‪ ،‬علّمه البيان» (الرحمن‪ :‬من ‪.)4-1‬‬ ‫وقال عز وجل‪« :‬علّم اإلنسان ما لم يعلم» (العلق‪ .)5 :‬وقال سبحانه‪« :‬وعلّم آدم‬ ‫األس��م��اء كلها ثم عرضهم على المالئكة فقال أنبئوني بأسماء ه��ؤالء إن كنتم‬ ‫صادقين» (البقرة‪« .)31 :‬قالوا سبحانك ال علم لنا إال ما علمتنا إنك أنت العليم‬ ‫الحكيم» (البقرة‪.)32 :‬‬ ‫والتعلُّم تعديل في سلوك الفرد عن طريق الخبرة والممارسة‪ .‬وهو ليس من‬ ‫إنسان في مجال عمله‬ ‫ٍ‬ ‫طبيعة المعلمين وحدهم‪ ،‬ف��األب‪ ،‬وصاحب العمل‪ ،‬وكل‬ ‫معلم‪.‬‬ ‫إن التفجر المعرفي الذي يشهده هذا‬ ‫العصر‪ ،‬أصبح يتضاعف بعد انتشار‬ ‫شبكات المعلومات الحاسوبية‪ ،‬ما يلقي‬ ‫على مؤسسات المجتمع مسؤوليات‬ ‫كبيرة في إعداد األفراد‪ ،‬بما يساعدهم‬ ‫على مواكبة هذا التفجر والتطور التقني‬ ‫وق��د بيّن ه��ن��درس��ون (‪)Henderson‬‬ ‫السريع‪ ،‬وضرورة التكيّف مع متطلبات‬ ‫العصر‪ ،‬ومواجهة تحدياته باألساليب معنى التغيير في العملية التربوية‪ ،‬بأنه‬ ‫ال يمكن التنبؤ بإمكانية ال��ن��اس على‬ ‫والوسائل المالئمة‪.‬‬ ‫التغيير دون أن يتعلموا معنى التغيير‪،‬‬ ‫لقد أصبحت التقنية منتشرة من وم��ا التغييرات التي يمكن أن تحسن‬ ‫حولنا‪ ،‬وص��ار وج��وده��ا أكثر رؤي��ة في التعليم‪ ،‬إنها تفاعل المتعلم باستخدام‬ ‫المستقبل القريب‪.‬‬ ‫الوسائل التقنية (‪.)Henderson, 1993, 17‬‬ ‫إن التطور التقني المتسارع‪ ،‬وما‬ ‫أحدثه من تغيرات متالحقة في جميع‬ ‫مناحي الحياة‪ ،‬فرض على مؤسسات‬ ‫ال��م��ج��ت��م��ع ض������رورة اس��ت��ي��ع��اب ه��ذه‬ ‫التغيرات‪ ،‬واإلسهام في التغيير التقني‪،‬‬ ‫وتسخيره لمصلحة أفراد المجتمع‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪117‬‬


‫لقد تغيََّر دور مؤسسات المجتمع مع‬ ‫ظهور التقدم الصناعي والتقني‪ ،‬فلم تعد‬ ‫مهمة الفرد النظر إلى األح��داث والتعرف‬ ‫عليها فحسب‪ ،‬بل البحث عن العلل التي‬ ‫تفسر وقوعها وتتحكم بها‪.‬‬

‫يبحث في األرض ليريه كيف ي��واري سوأة‬ ‫أخيه» (المائدة‪ .)31 :‬وفي قصة موسى مع‬ ‫فرعون‪ ،‬في قوله تعالى‪« :‬فألقى عصاه فإذا‬ ‫هي ثعبان مبين» (األعراف‪ .)107 :‬وفي قوله‬ ‫جل وع�لا‪« :‬فألقى موسى عصاه ف��إذا هي‬ ‫تلقف ما يأفكون» (الشعراء‪ .)45 :‬واآليات‬ ‫كثيرة في هذا المجال‪.‬‬

‫لذا‪ ،‬بدأ اهتمام المربين في الحثِّ على‬ ‫استخدام التقنيات الحديثة في المدارس‬ ‫والجامعات‪ ،‬لالنتقال بالتعليم من صورته‬ ‫وإضافة إلى مجال التعليم‪ ،‬جاء انتشار‬ ‫التقليدية إل��ى التعليم الفعال واالهتمام ال��ت��ط��ور التقني أي��ض �اً ف��ي م��ج��ال الصحة‬ ‫بتكوين عقلية المتعلم‪ ،‬وتعويده كيف يتعلم‪ .‬كالمستشفيات وال��م��راك��ز الصحية‪ ،‬وفي‬ ‫وت��ب��دو فاعلية التقنيات التعليمية في مجال األم��ن العام بمختلف نواحيه‪ ،‬وفي‬ ‫استخدامها الشامل في المواد الدراسية‪ ،‬لما مجال المواصالت‪ ،‬واالتصاالت‪ ،‬ومؤسسات‬ ‫تتصف به هذه التقنيات من مزايا ال تتوافر الكهرباء والمياه‪ ،‬وغيرها من المؤسسات‬ ‫في التدريس بالطريقة التقليدية‪ ،‬إذ يمكن التي تقدم الخدمات ألفراد المجتمع‪.‬‬ ‫لهذه التقنيات تقديم المحتوى التعليمي‬ ‫ويمكن أن نجمل أبرز فوائد التطور التقني‬ ‫بأسلوب مشوِّق ومثير لالنتباه؛ ما يؤدي إلى‬ ‫وميزاته باآلتي‪:‬‬ ‫احتفاظ المتعلم بالمعلومات في ذاكرته لفترة‬ ‫ اختصار الوقت والجهد‪.‬‬‫أطول مما لو تلقاها بأسلوب التلقين‪.‬‬ ‫وق��د أش���ار غالبريث (‪ )Galbreath‬إلى ‪ -‬تحسين جودة العمل‪.‬‬ ‫أن األف��راد يتذكرون (‪ )%20‬مما يسمعون‪ - ،‬االحتفاظ بالبيانات والمعلومات‪.‬‬ ‫و(‪ )%40‬مما يرون ويسمعون معاً‪ ،‬و(‪ - )%75‬تنمية القدرة على التعلم الذاتي وحب‬ ‫االطالع‪.‬‬ ‫مما يرون ويسمعون ويعملون معاً‪Galbreath,( .‬‬ ‫ غرس القيم اإليجابية لدى األفراد‪.‬‬‫‪.)1992, 28‬‬ ‫ التواصل السريع بين جهات العمل‪.‬‬‫والتقنية تجعل الخبرات التعليمية أكثر‬ ‫ تنمية مهارات األفراد باستمرارية مزاولة‬‫ف��اع��ل��ي��ة‪ ،‬وت��ق��دم أس��اس��اً م��ادي��اً ل�ل�إدراك‬ ‫التقنية‪.‬‬ ‫ال��ح��س��ي‪ ،‬وق��د أش���ار ال��ق��رآن ال��ك��ري��م إلى‬ ‫وال شك أنَّ التقنية أصبحت جزءاً أساساً‬ ‫بيان أهمية الوسيلة كمظهر م��ن مظاهر‬ ‫التقنية‪ ،‬وهذا ما نجده في قصة ابني آدم‪ ،‬ومهماً في حياة الفرد والمجتمع تلبي حاجاته‬ ‫وذل��ك بقوله ع��ز وج��ل‪« :‬فبعث اهلل غراباً وطموحات أفراده‪.‬‬ ‫ * أكاديمي في جامعة الجوف‪.‬‬ ‫ المراجع‪:‬‬

‫‪Galbreath, J , 1992‬‬ ‫‪.Education Video Production , Educational Technology , October‬‬ ‫‪:Henderson , R. E , 1993‬‬ ‫‪.The Rocky But Exciting Road to Restructuring, The Education Digest, Vol. (58) , No. (6) , February‬‬

‫‪118‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫ن � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��واف � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��ذ‬

‫نجد وحنين الشعراء‬ ‫‪ρρ‬راكان بصير الرويلي*‬

‫م��ن األم��اك��ن م��ا يرتبط ب��ال��ذاك��رة األدب��ي��ة واإلن��س��ان��ي��ة‪ ،‬وي��ت��ج��اوز دائ���رة ال��واق��ع‬ ‫ليصبح رم��زً ا لمعنى‪ ،‬أو مثيرً ا الستدعاء ح��ال‪ ،‬أو ش��ع��وراً‪ ،‬أو ذك��رى‪ .‬وف��ي الشعر‬ ‫العربي القديم أسماء للعديد من األماكن التي أصبحت لكثرة دورانها على ألْسنة‬ ‫الشعراء‪ ،‬وارتباطها باإلحساس الشعري (نفسيا وجغرافيا) رموزا لمعاني الحب‬ ‫والشوق‪ ،‬أو اللقاء والوصال‪ ،‬أو اإلش��ارة إلى مكان األهل واألحباب وموقعهم في‬ ‫المكان أو الزمان‪ ،‬بصرف النظر عن اقتران الشاعر نفسه بهذا المكان في سيرته‬ ‫الشخصية أو حركته التي ال تهدأ من موضع إلى آخر‪.‬‬ ‫وم��ن األم��اك��ن األث��ي��رة على قلب كل‬ ‫عربي «نجد»‪ ..‬تلك المفازة المرتفعة‬ ‫م��ن أرض ال��ج��زي��رة ال��ع��رب��ي��ة‪ ،‬تحفل‬ ‫جنباتها بالعديد من أنواع النبت وصنوف‬ ‫الريحان‪ ،‬كما حباها اهلل تعالى بأجواء‬ ‫نقية‪ ..‬وأنسام ندية‪ ..‬وروائ��ح عطرية‪،‬‬ ‫تبهج وتسر‪ ..‬وقد زعم األصمعي قائال‪:‬‬ ‫‪«‎‬من يتنسَّ م هواء نجد ويل ّذ بمائها‪،‬‬ ‫ل��ن ي��غ��ادره��ا‪ ،‬وإن فعل ذل��ك ال ب��د أن‬ ‫يرجع إليها يوما»‪.‬‬ ‫‪ ‎‬وما أكثر ما تَغنّى النجديون بتلك‬

‫ال��ظ��واه��ر الطبيعية التي أ ِل��ف��وه��ا في‬ ‫ديارهم وعايشوها عن كثب‪ ،‬فوصفوها‬ ‫وأب��دع��وا في الوصف‪ ،‬وه��م على هذا‬ ‫االم���ت���داد ال��رم��ل��ي ال��م��رت��ف��ع المتسع‬ ‫الجنبات‪ ،‬تهب على حصبائها أحيانا‬ ‫ري���� ٌح ت��أت��ي إل��ي��ه��م م��ن ب��ع��ض ن��واح��ي‬ ‫الجزيرة العربية‪ ،‬تدعى نسيم الصبا‪،‬‬ ‫تحمل في طياتها رطوبة محببة غالبا‬ ‫ما تكون منعشة منشطة‪ ،‬فتطيب لها‬ ‫نفوسهم ويخالج السرور قلوبهم‪ ،‬وقد‬ ‫وصفها «قيس ابن الملوح»‪ ،‬بقوله‪:‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪119‬‬


‫في هذه البيئة المفعمة بأنفاس الربى‬ ‫‪ ‎‬ي�����ا ج���ب���ل���ي ن����ع����م����ان ب�������اهلل خ��ل��ي��ا‬ ‫سبيل الصبا يخلص إليّ نسيمها وأريج األقحوان‪ ،‬وشميم العرار‪ ،‬ولد الشاعر‬ ‫النجدي «الصمة القشيري» وت��رع��رع في‬ ‫ف����إن ال��ص��ب��ا ري����ح إذا م���ا تنسمت‬ ‫هضباتها‪ ،‬ولما أ ُجْ بِر على مغادرتها والنزوح‬ ‫محزون تجلّت همومها منها على أثر خالف دبَّ بينه وبين قومه‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫على نفس‬ ‫أنشد‪:‬‬ ‫وهذه هند بنت عاصم السدوسية‪ ،‬ينتابها‬ ‫الحزن وضيق األنفاس جراء بعدها عن أهلها ت����م����ت����ع م������ن ش����م����ي����م ع����������رار ن��ج��د‬ ‫ووطنها األول «لينة» (موضع من بالد نجد)‪،‬‬ ‫ف����م����ا ب����ع����د ال����ع����ش����ي����ة م������ن ع������رار‬ ‫عندما زوجوها ألحد األعراب في بالد بعيدة‬ ‫عارم إلى أال ي������ا ح�����ب�����ذا ن����ف����ح����ات ن��ج��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬ ‫ٍ‬ ‫بشوق‬ ‫ٍ‬ ‫عن موطنها األول‪ ،‬فتنشد‬ ‫وري����������������ا روض����������������ه غ����������ب ال������ق������ط������ار‬ ‫تلك الربوع قائلة‪:‬‬

‫ال في تالفيف الغربة‪،‬‬ ‫ولما مضى متوغ ً‬ ‫‪‎‬أال ال أرى م������اء ال���ص���ب���ح ش��اف��ي��ا‬ ‫استبدت به الوحشة‪ ،‬وعصف به الحنين‬ ‫ن���ف���وس���ا إل������ى أم���������واه ب����ق����اء ن���زع���ا‬ ‫واش��ت��اق إل���ى ن��ج��د وأه��ل��ه��ا‪ ،‬ف��م��زق غاللة‬ ‫الصمت‪ ،‬ونزع عنه رداء التجلد‪ ،‬وهتف من‬ ‫ف���م���ن ج�����اء م�����اء ال���س���ب���ال ب��ش��رب��ة‬ ‫ف��������إن ل������ه م������ن م��������اء ل���ي���ن���ة أرب����ع����ا أعماقه قائال‪:‬‬

‫‪‎‬قفا ودع��ا نجد وم��ن حل بالحمى‬ ‫وق����د زادن������ي وج������دً ا ب��ب��ق��ع��اء أن��ن��ي‬ ‫وق�������ل ل���ن���ج���د ع����ن����دن����ا إن ي����ودع����ا‬ ‫رأي����������ت م����ط����اي����ان����ا ب���ل���ي���ن���ة ظ��ل��ع��ا‬ ‫وفي هذا السياق عينه‪ ،‬يخبرنا األصمعي وليست عشيات الحمى برواج ــع‬ ‫ع��ل��ي��ك ل��ك��ن خ���ل ع��ي��ن��ي��ك ت��دم��ع��ا‬ ‫قائال‪:‬‬ ‫نزلت يوما في علياء نجد‪ ،‬وك��ان الجو‬ ‫شديد الحرارة‪ ،‬فالتقيت ببدوي يتقلب على‬ ‫الرمل بالقرب من قطيعه وسألته‪ :‬يا هذا‬ ‫كيف تصنعون بهذه البادية إذا اشتد القيظ‬ ‫وانتعل كل شيء ظله؟‬

‫‪120‬‬

‫وقد سار على خطى القشيري الكثير من‬ ‫الشعراء العرب‪ ،‬حتى باتت نجد موطنا فعليا‬ ‫وشط‬ ‫َّ‬ ‫أو رمزيا لكل غريب نَ�أَتْ به ال��دار‪..‬‬ ‫به المزار‪.‬‬

‫وسئل إعرابي أدت به الظروف وتقلُّب‬ ‫األحوال‪ ،‬إلى االبتعاد عن أرض نجد‪ ،‬هل ال‬ ‫فابتسم وهز رأسه قائال‪:‬‬ ‫يزال يذكر وطنه ذاك؟ على الرغم من ابتعاده‬ ‫«وهل العيش إال ذاك‪ ،‬كيف ال يصبر من‬ ‫الطويل عن تلك البالد وأهلها‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫ك��ان طعامه الشمس وشرابه الريح؟ حيث‬ ‫ينصب ‪«‎‬كيف ال أذكر رمل ًة كنت جنين ركامها‪..‬‬ ‫يمشي أحدنا ميال ليتصبب عرقا‪ ،‬ثم ُ‬ ‫قبة يكتال ورضيع غمامها‪ ..‬وحضنتني أحشاؤها‪..‬‬ ‫عصاه‪ ،‬ويلقي عليها كِ ساه‪ ،‬في ٍ‬ ‫الريح فيبرد عرقه‪ ،‬فيشعر وكأنه في إيوان وأرضعتني أثداؤها»‪.‬‬ ‫كسرى»!‬ ‫ومرض أعرابي وهو في ديار بعيدة عن‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫‪»‎‬بأبي أن��ت وأم��ي‪ ،‬بلغني أن��ك مريض‪..‬‬ ‫فضاق واهلل عليَّ األم��ر العريض‪ ..‬وأردت ت��م��ن��ت أح���ال���ي���ب ال����رع����اة وخ��ي��م��ة‬ ‫إتيانك فلم يكن بي نهوض‪ ..‬فلما حملتْني‬ ‫بنجد ف��ل��م يقضي ل��ه��ا م��ا تمنــت‬ ‫رِ جْ �ل�اي أتيتك ب��رزم��ة ش��ي��ح‪ ..‬فقط شمها‬ ‫تستريح‪ ..‬واذك��ر نجد‪ ..‬فهو الشفاء بإذن إذا ذك������رت م�����اء ال���ع���ذي���ب وط��ي��ب��ه‬ ‫وب��������رد ح����ص����اة آخ�������ر ال����ل����ي����ل أنَّ�����ت‬ ‫اهلل»‪.‬‬

‫ال���ن���وى‪ ،‬م���ن ح��ي��ث ل���م ت��ك��ن ظنت‬

‫ن � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��واف � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��ذ‬

‫أهله ووطنه نجد‪ ،‬فعاده أعرابي آخر من ذات فأنشدت‪:‬‬ ‫البلد التي ينتمي إليها‪ ،‬فقال له‪:‬‬ ‫‪ ‎‬م�����ا ذن������ب أع����راب����ي����ة ق������ذف ب��ه��ـ��ـ��ـ��ـ��ا‬

‫وهذا «مالك بن الريب» الشاعر الفارس‪ ،‬ل����ه����ا أن����������ةٌ وق��������ت ال�����ع�����ش�����اء وأن��������ةٌ‬ ‫لجن ـ ــت‬ ‫ُس���ح���ي���رً ا فَ���� َل����وْال أنَّ���ت���اه���ا ٌ‬ ‫يخرج غازيًا في جيش الفتح‪ ،‬فيدركه المرض‬

‫وهو في بالد العجم‪ ،‬فينتابه الشوق لبالده‪،‬‬ ‫وهذه «زينب الضبية»‪ ،‬فتاة نجدية تزوجت‬ ‫وإل��ى نبات الغضا ت��ح��دي�دًا‪ ،‬ال��ذي طالما في إحدى بالد الحضر‪ ،‬ولما عايشت حياة‬ ‫ازده��ت به رب��وع نجد ووديانها‪ ،‬وحفلت به النعيم في المدينة‪ ،‬وزايلت ضروب حياتهم‪،‬‬ ‫هضباتها‪ ،‬واشتملت عليه قيعانها‪ ،‬فيقول‪:‬‬ ‫سُ ئلت عن أي الحالين أفضل؟ فردت بشعر‬ ‫جميل عذب‪ ،‬تقطر مفرداته شوقا وحنينا‪:‬‬ ‫‪‎‬أال ليــت ش��ع��ري ه��ل أبيتن لي ـ ــلة‬

‫بجنب الغضا أزجي الغالص النواجيا ‪‎‬أق�����������ول ألدن�����������ى ص�����ح�����اب�����ي أس�������ره‬ ‫فليت الغضا لم يقطع الركـب عرضه‬ ‫وللعين دمع يحدر الكحل ساكبه‬ ‫وليـت الغضــا ماشي الركــاب لياليــا ي������ا ح�����ب�����ذا ن����ج����د وط�����ي�����ب ت����راب����ه‬ ‫لقد كان في أهل الغضا لو دنا الغضـا‬ ‫م���زا ٌر ولكــن الغضـ ــا ليس داني ـ ـ ــا وأق���س���م أال أن���س���اه م���ا دم����ت حية‬ ‫وت��زوج أح��د الخلفاء فتاة نجدية‪ ،‬ولما‬ ‫وم�����ا دام ل���ي���ل م����ن ن����ه����ار ي��ع��اق��ب��ه‬ ‫إذا ه��ض��ب��ت��ه ب���ال���ع���ش���ى ه���واض���ب���ه‬

‫نقلها إلى بغداد أخذت تعتل وتتأوه من ألم‬

‫وال زال ه���ذا ال��ق��ط��ر ي��س��ف��ر لوعة‬ ‫الفراق‪ ،‬مع ما هي عليه من صنوف النعيم‬ ‫ب��ذك��راه‪ ،‬حتى ي��ت��رك ال��م��اء شاربه‬

‫ومظاهر ال��دع��ة وال��ت��رف‪ ،‬واألم���ر والنهي‪،‬‬ ‫والخدم والحشم‪ ،‬فسألها يوما عن حالها‪،‬‬ ‫فأخبرته بما تحمل م��ن ش��وق إل��ى عيش‬ ‫ال��ب��راري‪ ،‬وأح��ال��ي��ب ال��رع��اة‪ ،‬وورد غ��دران‬ ‫الماء حيث اعتادت‪ ،‬منذ يفاعتها‪ ،‬فقال لها‪:‬‬ ‫أبشري أنت الغالية وطلبك الرخيص‪. .‬‬

‫ول��م��ا ذه���ب ع��ق��ل «ق��ي��س ب���ن ال��م��ل��وح»‬ ‫وتوحّ ش‪ ،‬كان يهيم على وجهه يضرب في‬ ‫أفاق األرض‪ ،‬يواصل السير وحده على غير‬ ‫ه �دْي‪ ،‬حتى ينتهي به المطاف إلى اليمن‪،‬‬ ‫فتأتيه ريح كأنها نسيم الصبا‪ ،‬فيثاب إليه‬ ‫رش��ده‪ ،‬فيجد األرض غير األرض والناس‬ ‫غير الناس‪ ،‬فيسألهم‪:‬‬

‫وه��بَّ من ساعته‪ ،‬فبنى لها قصرًا على‬ ‫شاطئ دجلة‪ ،‬وأمر رعاة اإلبل واألغنام أن‬ ‫تسرح بين يديها وعلى مرأى من عينيها‪ ،‬فلم ‪ ‎‬ب��اهلل عليكم‪ ..‬أي��ن أن��ا من نجد وأرض‬ ‫يزدها ذلك إلى اشتياقًا إلى وطنها الحبيب‪ ،‬بني عامر؟»‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪121‬‬


‫فيقال له‪:‬‬ ‫‪ ‎‬فيشتعل أوار شوقه إلى نجد‪ ،‬ويفيض‬ ‫«أين أنت من نجد؟ أنت في اليمن‪ ..‬عليك حزنا ولوعة جراء فراقها‪ ،‬فينشد‪:‬‬ ‫بنجم كذا فاتبعه»‬ ‫خ��ل��ي��ل��ي ه���ل ب��ال��ش��ام ع��ي��ن حزينة‬

‫ت��ب��ك��ي ع��ل��ى ن��ج��د ل��ع��ل��ي أع��ي��ن��ه��ا؟‬

‫‪ ‎‬عندها تعصف به لواعج الحنين ويعلو‬ ‫أواره��ا في داخله‪ ،‬فينشد من قلب حزين وه��ل بائع نفس بنفسي أو األسى‬ ‫مكلوم‪:‬‬

‫إل��ي��ه��ا‪ ،‬ف��أخ�لا ل��ه��ا ب����ذاك حنينها‬

‫‪‎‬أال يا صبا نجد متى هجت من نجد‬ ‫وأس��ل��م��ن��ه��ا ال���ب���اك���ون إال ح��م��ام��ة‬ ‫لقد زادني مسراك وجدً ا على وجد‬ ‫م���ط���وق���ة وق�����د ب�����ان ع��ن��ه��ا ق��ري��ن��ه��ا‬ ‫أإن هتفت ورقاء في رونق الضحى‬ ‫فنن غض النبات من الرندي ت���ج���اوب���ه���ا أخ������رى ع���ل���ى خ���ي���زران���ة‬ ‫على ٍ‬ ‫ي���ك���اد ي��دن��ي��ه��ا م���ن األرض لينها‬ ‫بكيت ك��م��ا يبكي ال��ول��ي��د ول���م أزل‬ ‫وأبديت الذي لم أكن أبدي ن��ظ��رت بعيني م��ؤن��س��ي��ن ف��ل��م أك��د‬ ‫ُ‬ ‫جليدً ا‪،‬‬ ‫أرى م���ن س��ه��ي��ل ن���ظ���رة أستبينها‬ ‫وأص���ب���ح���ت ق���د ق��ض��ي��ت ك���ل ل��ب��ان��ة‬

‫ت��ه��ام��ي��ة‪ ،‬واش��ت��اق قلبي إل���ى ِ‬ ‫نجد ف��ك��ذب��ت ن��ف��س��ي ث��م أرج��ع��ت نظرة‬ ‫ف���ه���يَّ���ج ل����ي ش���وق���ا ل��ن��ج��د ي��ق��ي��ن��ه��ا‬ ‫وق�����د زع����م����وا إن ال���م���ح���ب إذا دن���ا‬ ‫ي��م��لُّ ‪ ،‬وإن رأى يشفى م��ن ال��وج��د‬ ‫ه��ذه لقطات سريعة ومكثفة‪ ،‬تتحدث‬

‫‪ ‎‬ثم يزودوه ببعض الطعام والماء‪ ،‬ويعود‬ ‫أدراج��ه يسي ُر مترنحا ش��ار َد الذهن‪ ،‬حتى‬ ‫يصل تخوم الشام‪ ،‬فيرى بالدًا ينكرها وقومًا‬ ‫ال يعرفهم‪ ،‬فيسأل بعض أهلها‪:‬‬ ‫‪«‎‬بأبي وأمي أنتم‪ ..‬أين أنا من نجد وأرض‬ ‫بني عامر؟»‬ ‫فيأتيه الجواب‪:‬‬

‫عن تداعيات الغربة‪ ،‬وم��ا يعانيه الغريب‬ ‫وكمد في ال��روح‪..‬‬ ‫ٍ‬ ‫لوعة في النفس‪..‬‬ ‫ٍ‬ ‫من‬ ‫وسقم في الجسد قد ال يشعر بها اآلخر‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ولربما استهجنها‪ ،‬على الرغم من تعاطف‬ ‫بعض الناس مع الغريب ومواساته بالكالم‬ ‫القليل والتحلّي بالصبر الجميل‪ .‬وال يسعني‬ ‫والحالة هذه إال التذكير بقول الشاعر‪:‬‬

‫«أنت في بالد الشام‪ ..‬وإذا أردت نجد‪‎ ،‬ال ي��ع��رف ال���ش���وق إال م���ن ي��ك��اب��ده‬ ‫وال ال���ص���ب���اب���ة إال م�����ن ي��ع��ان��ي��ه��ا‬ ‫فعليك بنجم كذا فاتجه صوبه»‬ ‫* الجوف‪ ،‬سكاكا‪.‬‬ ‫ المراجع‪ -‎1 :‬األصفهاني األغاني دار الفكرـ بيروت ‪1982‬م‬ ‫ ‬ ‫‪ -‎2‬جعفر الحسيني مصارع العشاق دار الكتب بيروت ‪1998‬م‪.‬‬ ‫‪-‎3‬اسأمه بن منقذ المنازل والديارـ مكتبة اقرأ القاهرة ‪2006‬م‪.‬‬ ‫ ‬ ‫‪ -‎4‬ابن الحموي ‪-‬ثمرات األوراق‪ -‬دار اإلرشاد –حمص ‪1984-‬م‪.‬‬ ‫ ‬ ‫‪-‎5‬عبد اهلل عفيفي‪-‬المرأة العربية وشعر الحنين‪-‬ط‪ .‬القاهرة‪1982-‬م‬ ‫ ‬

‫‪122‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫ن � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��واف � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��ذ‬

‫بين قوسين‬ ‫‪ρρ‬محمد علي حسن اجلفري*‬

‫عن دار ج��داول للنشر في بيروت‪ ،‬صدر كتاب (بين قوسين) للكاتب السعودي‬ ‫الراحل رض��ا محمد الري‪ ،‬وق��د وف��ق المؤلف في عنوانه‪ ،‬فهو موجز وقريب من‬ ‫الجناس‪ .‬وألنَّ وض��ع أي عبارة «بين قوسين» يعني التنبيه على ش��يء قد يغفل‬ ‫القارئ عن مالحظته‪.‬‬ ‫قائم باألعمال في‬ ‫عمل رضا في السلك الدبلوماسي السعودي‪ ،‬وشغل منصب ٍ‬ ‫مدريد في إسبانيا‪ ،‬وفي داكار بالسنغال‪ .‬وقد ترك لنا ثروة تقدر بماليين الكلمات‬ ‫الخالدة‪ .‬فقد كتب ‪-‬بعد تقاعده ‪ -‬في معظم الصحف‪ ،‬لكن كتابه «بين قوسين»‬ ‫ال يزيد عن سبعين ألف كلمة‪ ،‬منها ما كتبه عثمان جمعان الغامدي الذي اعتنى‬ ‫بموضوعات الكتاب‪ ،‬وس��ي��رة مؤلفه‪ ،‬وم��خ��ت��ارات م��ن مقاالته التي تشكل الجزء‬ ‫األكبر منه‪..‬‬ ‫وف��ي م��غ��ادرة رض��ا إلسبانيا قصة‪ ،‬القمامة)‪ .‬لكنه ذكر أنه يسومها بثالثة‬ ‫تتلخص في أن جاءه جاره وقال له إنه آالف دوالر‪ .‬فدهش رضا من ذلك وقد‬ ‫علِم بعودته إلى بالده‪ ،‬وإنه يرغب في أعجبه الحديث عنها فقال‪ :‬هل جننت‬ ‫شراء الجالّلة‪ .‬فظن أنه يمازحه‪(،‬فهي ي��ا رج���ل؟ أب��ي��ع ه��ذه ال��ج�لاّل��ة العتيقة‬ ‫سجادة قديمة ينوي رميها في صندوق بثالثة آالف دوالر؟‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪123‬‬


‫رضا محمد الري‬

‫إذاً‪ ،‬كم تطلب فيها؟‬

‫التي تصدر عن مؤسسة عكاظ ولمدة اثنتي‬

‫قال‪ :‬خمسة آالف دوالر‪.‬‬

‫عشرة سنة‪ .‬ليتسلم منصب المدير العام‬

‫قال الجار‪ :‬ما عندي سوى أربعة آالف‬ ‫دوالر‪ ،‬وإن كنت أعتقد أنها تستحق أكثر من‬ ‫ذلك‪.‬‬

‫لمؤسسة عكاظ‪ ،‬وكان قاب قوسين أو أدنى‬ ‫م��ن ترشيحه ل��رئ��اس��ة تحرير ع��ك��اظ مرة‬ ‫أخ���رى‪ ،‬لكن ت��م عزله م��ن منصب المدير‬ ‫العام‪ ،‬وم��ن رئاسة تحرير سعودي جازيت‬

‫أخذ رضا المبلغ وطلب من الشغالة طيها التي ل��م تستطع منافسة غريمتها «ع��رب‬

‫وربطها جيدًا وتسليمها للجار العزيز!‬

‫عاد رضا إلى المملكة‪ ،‬وعمل كاتبا ‪-‬من‬

‫نيوز» طيلة ثالثة عقود‪.‬‬ ‫بعد ذل��ك اخ��ت��ار الكتابة ال��ح��رة‪ ،‬فكتب‬

‫منزله‪ -‬في عكاظ مع صديقه وقريبه علي ف��ي ج��ري��دة ال��ش��رق األوس���ط وف��ي الحياة‪،‬‬ ‫حسين شبكشي‪ .‬وم��ا أن استقال عبداهلل وال��ري��اض‪ ،‬وال��ج��زي��رة‪ ،‬والمدينة‪ ،‬وال��ن��دوة‪،‬‬ ‫الجفري رئيس التحرير غير المثبت حتى وال��ب�لاد‪ ،‬وال��ي��وم‪ ،‬ما ع��دا عكاظ‪ .‬والمعنى‬ ‫عين رض��ا رئيسا خلفا ل��ه‪ .‬واس��ت��م��ر في في بطن الشاعر‪ .‬لم يكن ليهتدي بالمأثور‪:‬‬ ‫منصبه بضع سنوات‪ ،‬تركه ليعمل بعد خمس (أحبب حبيبك هونا م��ا‪ ..‬عسى أن يكون‬

‫‪124‬‬

‫سنوات رئيسا لتحرير جريدة سعودي جازيت بغيضك ي��وم��ا م��ا‪ ،‬وأب��غ��ض بغيضك هونا‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫العربية‪ .‬وم��ع ذل��ك ك��ان شخصيته مرحة‪،‬‬ ‫تترك أثرها في أفئدة الذين يجالسونه‪ .‬وقد‬ ‫كان صديقا لألمراء‪ ..‬سلطان‪ ،‬وعبدالمجيد‪،‬‬ ‫وط�لال أبناء الملك عبدالعزيز‪ ،‬حتى أن‬ ‫األمير تركي بن عبدالعزيز أعلن استعداده‬

‫ن � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��واف � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��ذ‬

‫المخططات الغربية والمؤامرات على األمة‬

‫لعالج رضا في أي مستشفى يرغب أهله‬ ‫إدخاله إليه في مرضه األخير‪.‬‬ ‫ك��ان ب���ارا ب��وال��دي��ه‪ .‬ول��م��ا اح��ت��اج وال��ده‬ ‫ل��ل��ع�لاج ف��ي ال���خ���ارج أخ����ذه ع��ل��ى كرسي‬ ‫متحرك إل��ى مجلس الملك فيصل‪ ،‬كي‬ ‫ما‪ ..‬عسى أن يكون حبيبك هونا ما)‪ .‬ولما‬ ‫ك��ان ملتزما بالكتابة في جريدة الرياض‪،‬‬ ‫فقد انزعج حين ق��ررت الجريدة تخفيض‬ ‫مكافآت الكتاب بنسبة ستين في المئة‪ .‬فما‬ ‫كان منه رغم صداقته مع رئيس تحريرها‬ ‫تركي السديري إال أن توقف عن الكتابة‬ ‫األسبوعية فيها‪.‬‬ ‫ك��ان يرحمه اهلل يكافح م��ن أج��ل لقمة‬

‫يطلب منه الموافقة على ع�لاج��ه خ��ارج‬ ‫المملكة‪ .‬وانتظر في طابور حتى وصل ومعه‬ ‫والده إلى الملك فيصل‪ .‬وكان له هيبة تهز‬ ‫األفئدة‪ ،‬وما أن شرع رضا في الكالم حتى‬ ‫أخذ أحد الحراس يشد ثوبه‪ ،‬فالتفت إليه‬ ‫وأفرغ توتره فيه قائال بصوت عال‪:‬‬ ‫أنت الملك أم فيصل؟‬ ‫ف��أش��ار الملك للحارس باالبتعاد عنه‪.‬‬

‫العيش بقلمه‪ .‬فكان يكتب بخطه الجميل ش��رح له ما يريد‪ ،‬فوافق يرحمه اهلل على‬ ‫مقاالت أسبوعية في أكثر من صحيفة‪ .‬وقد عالج والده على حساب الدولة ومعه مرافق‪.‬‬ ‫تميز بكتاباته السياسية واالجتماعية القوية‪،‬‬

‫وظل رضا بارا بوالديه حتى بعد موتهما‪..‬‬

‫وآرائ���ه الثاقبة في تناول قضايا العروبة‪ ،‬وكما ك��ان ب��ارا بوالده فقد رزق��ه اهلل ذرية‬ ‫والدفاع عن الشعب الفلسطيني‪ ،‬ومقارعة صالحة بارة به‪.‬‬ ‫* كاتب من السعودية‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪125‬‬


‫شعرية البورتريه‬ ‫في رسومات الفنانة السعودية شهد الزيد‬ ‫‪ρρ‬إبراهيم احلجري*‬

‫تراوح الفنانة التشكيلية السعودية شهد بنت سعد الزيد اهتمامها بين اللوحة‬ ‫التشكيلية التجريدية ولوحة البورتريه‪ ،‬غير أنها تمنح األولوية للنزوع الفني‬ ‫الثاني‪ ،‬لكونها تجد ذاتها في القلم ال��رص��اص‪ ،‬وتلفي تجريبيتها أكثر مع هذا‬ ‫الكائن األص��م‪ ،‬مع أن الكثيرين يعدون البورتريه من أصعب أن��واع الرسم التي‬ ‫تمتاز بتعقيداتها العتمادها على تقديم شخصية ما من خ�لال مالمح الوجه‬ ‫وقسماته في أشد تفاصيلها غورًا‪.‬‬

‫‪126‬‬

‫إذ يحتاج الفنان‪ ،‬فضال عن تركيزه على الراسمة لتوصيله إلى المتلقي‪.‬‬ ‫الوجه المرسوم‪ ،‬مع التدقيق في التقاط‬ ‫‪ .1‬وجوه وشخصيات‬ ‫هذه القسمات‪ ،‬إلى التعمق في التفصيالت‬ ‫يسعى البورتريه إل��ى تقديم الصورة‬ ‫الهامشية‪ ،‬ألنها هي التي يفرغ فيها شحناته‬ ‫ولبوساته النفسية واالجتماعية والفكرية‪ ،‬الشخصية؛ بمعنى نقل م�لام��ح وسمات‬ ‫فمع الحرص على أن تكون الرسيمة أكثر الشخصية اإلنسانية وتسجيلها في دقائقها‬ ‫لفرد‬ ‫ٍ‬ ‫التصاقا بصورة الوجه المشخّ ص‪ ،‬يكون الخاصة المميزة‪ .‬وع���ادة م��ا تكون‬ ‫كذلك‪ ،‬الحرص موازيًا‪ ،‬وباألهمية نفسها‪ ،‬ما حقيقي أو متخيل‪ ،‬باستخدام مجاالت‬ ‫على أن تنزاح الرسيمة عن مجرد المطابقة الفنون التشكيلية‪ ،‬س���واء ف��ي ال��رس��م أو‬ ‫إلى الغور في ما هو أعمق‪ ،‬من تلك القسمات التصوير أو النحت أو الجرافيك‪ ..‬إلخ‪.‬‬ ‫الظاهرة‪ ،‬ومحاولة جعلها تنطق بغير ما‬ ‫وي��م��ث��ل ال��وج��ه اإلن��س��ان��يّ بتقاسيمه‬ ‫ي��راه ال��رائ��ي ع��ن طريق ال��ب��وح وال��ت��أوي��ل‪ .‬المتنوعة والمختلفة أهم المسانيد الفنية‬ ‫ففي نهاية المطاف‪ ،‬ال بد أن تكون تلك التي شغلت اهتمام الكثير من الفنانين على‬ ‫الرسيمة‪ -‬البورتريه مرآة عاكسة لنفسية م ّر العصور‪ ،‬بحكم كونه قادرًا على التعبير‪،‬‬ ‫الباث‪ -‬الراسم‪ ،‬يصب فيها مشاعره ودفقه واإلي��ح��اء‪ ،‬وتمثيل المشاعر واللبوسات‬ ‫اإلب��داع��ي‪ ،‬وأسئلته حول الحياة والوجود الشعرية؛ فهو ال��واج��ه��ة التي تمثل أكثر‬ ‫وال��واق��ع‪ ..‬بمعنى أ ّن الوجه ال يكون سوى الحواس إمعانا في الحساسية؛ فعالمات‬ ‫وسيط لتمرير خطاب مبطن تسعى الذات التوتر والقلق وال��س��رور وال��ح��زن والفرح‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫ن � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��واف � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��ذ‬

‫وما دونها من انفعاالت متنوعة ومتضاربة كلها‬ ‫تظهر أول ما تظهر على قسمات الوجه‪ ،‬العينين‪،‬‬ ‫الحاجبين‪ ،‬الفم‪ ،‬الجبين‪ ،‬الخدين‪ ..‬وعلى الرغم‬ ‫من كون العمل على الوجه البشري يع ّد صعبا‪،‬‬ ‫لعدة مقتضيات فنية وشكلية‪ ،‬فإن تعبيريته ال‬ ‫تُضاهى‪ ،‬مقارنة بباقي المسانيد والحوامل‬ ‫والواجهات الفنية‪.‬‬ ‫ولقد استندت مجموعة األعمال التشكيلية‬ ‫ال��ت��ي قدمتها شهد ال��زي��د على محاكاة صور‬ ‫شخصية متعددة خ�لال م��راح��ل متعاقبة من‬ ‫حياتها‪ ،‬وفي وضعيات وحاالت نفسية متداخلة‬ ‫ومتقاطعة ومتعددة‪.‬‬ ‫وتهدف هذه األعمال‪ ،‬فضال عن عملية توثيق‬ ‫لحظة معينة من تاريخ هذه الشخصيات الفكرية‬ ‫والسياسية والفنية وحتى العائلية‪ ،‬إلى تدشين‬ ‫خطاب بصري يتمظهر عمليا من خالل حوامل‬ ‫ه��ذه ال��وج��وه والمالمح‪ ،‬فهي تصبّ لبوساتها‬ ‫الشعورية والشّ عرية في الوجه وتقاسيمه (القالب‬ ‫نصا حابال بالداللة‬ ‫والواجهة والمسند) فتجعله ً‬ ‫والمعنى‪.‬‬ ‫‪ .2‬الخيارات الشكلية للبورتريه لدى‬ ‫الفنانة شهد الزيد‬ ‫من المعروف في األدبيات التشكيلية العالمية‪،‬‬ ‫أن أن��م��اط التعامل م��ع ال��ب��ورت��ري��ه والرسيمة‬ ‫الخاصة ب��ه تتعدد م��ن فنان إل��ى آخ��ر‪ ،‬لكنها‬ ‫على العموم‪ ،‬تنحصر م��ن خ�لال تجربة شهد‬ ‫الزيد في شكلين أو نمطين‪ :‬البورتريه الجبهي‪،‬‬ ‫وهو تمحيص لتقاسيم الوجه فقط‪ ،‬مع إمكانية‬ ‫االستعانة بظهور الكتفين‪ ،‬وهو األكثر انتشارًا‬ ‫وح��ض��ورا بين الفنانين ال��ذي��ن يتعاطون لهذا‬ ‫الشكل التعبيري البصري‪ .‬ثم البورتريه النصفي‪،‬‬ ‫وهو تشخيص لمالمح الوجه والرقبة والكتفين‬ ‫والصدر‪ ،‬مع إمكانية ظهور اليدين‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪127‬‬


‫ولعل المتأمل ألعمال شهد الفنية ورسيماتها الشكليات والعناصر مجموع اللوحة‪ ،‬وتضفي‬ ‫في ه��ذا الخصوص‪ ،‬يالحظ اهتمامها بهذين عليها جمالية وداللة ومعنى‪.‬‬ ‫النمطين (ال��ب��ورت��ري��ه ال��ج��ب��ه��ي‪ ،‬وال��ب��ورت��ري��ه‬ ‫وعلى العموم‪ ،‬وبقراءتنا المتفحصة لألعمال‬ ‫النصفي)‪ ،‬إذ يبرز الوجه بوصفه أهم المقوالت المقصودة بالدرس‪ ،‬يمكننا تسجيل المالحظات‬ ‫األساس في اللوحة‪ -‬البورتريه‪ ،‬ومن المعروف الفنية اآلتية‪:‬‬ ‫أيضا‪ ،‬أن الوجه مفردة تشكيلية تعد أعم وأشمل‬ ‫من الصورة الشخصية لكونه يستضمرها كلها ‪ -‬تركز شهد على ح��روف الوجه وتقاسيمه‪،‬‬ ‫وت��ح��رص على نحتها ب��وض��وح‪ ،‬وكأنها هي‬ ‫بما في ذلك من مشيرات متضمنة‪ ،‬ومن تعبيرات‬ ‫المبأّرة فنيا (اللحية‪ ،‬الشارب‪ ،‬التجاعيد‪،‬‬ ‫وتلميحات هامشية يصدرها الوجه من خالل‬ ‫الشفتان‪ ،‬النظرات‪.)...‬‬ ‫تقاسيمه وإيحاءاته وحواسه‪ ،‬شديدة االنفعال‬ ‫ تن ّو ُع بين التقاط مالمح الوجوه التقليدية ذات‬‫والتفاعل مع اللحظة النفسية‪.‬‬ ‫السمات الفلكلورية أحيانا (العمامة‪ ،‬الشال‪،‬‬ ‫وإذا كانت األدبيات الفنية تتعدد من حيث‬ ‫الشارب‪ ،‬اللحية)‪ ،‬ومالمح الوجوه الحداثية‬ ‫أساليب التعبير الفني حسب اختيارات الفنان‬ ‫سواء من خالل التقليعة أو أسلوب الحالقة‬ ‫ومبادئه الفنية‪ ،‬وتبعًا لحموالته الواعية عن كل‬ ‫أو موضة اللباس‪ ،‬أو شكل الشعر‪.‬‬ ‫مفهوم أو مفردة من المفردات التشكيلية الكثيرة؛‬ ‫إذ نلفي األسلوب الطبيعي أو الواقعي‪ ،‬الخيالي أو ‪ -‬تصحبُ شهد أحيانا‪ ،‬الوجه المرسوم بشيء‬ ‫مميز يؤرخ للقصد أو الذكرى‪ ،‬مثل القلم أو‬ ‫المثالي‪ ،‬التعبيري‪ ،‬التجريدي‪ ...‬وكل أسلوب من‬ ‫الوردة‪ ،‬أو غير ذلك‪.‬‬ ‫هذه األساليب يشكل نمطا فنيًا يتضمن مجموعة‬ ‫مركبة ومتكررة من العناصر الفنية التي يتصل ‪ -‬تتميز رسمات الفنانة التشكيلية شهد بكونها‬ ‫بعضها ببعضها اآلخر‪ ،‬ومنها‪ :‬المادة الموضوعية‬ ‫خاصا عن طريق‬ ‫ً‬ ‫ال‬ ‫تتعامل مع اإلط��ار تعام ً‬ ‫التي يتناولها الفنان‪ ،‬مفهوم الفنان عن الموضوع‪،‬‬ ‫إمالته‪ ،‬أو ت��دوي��ره‪ ،‬بمعنى أنها تشتغل في‬ ‫والشكل الفني الخاص بطريقة التنفيذ‪.‬‬ ‫إطار فارغ قاعدته إحدى الزوايا‪.‬‬ ‫وق���د س��ع��ت ش��ه��د م��ن خ�ل�ال تمثلها لهذه‬ ‫األساليب في كليتها أو جزئياتها إل��ى اعتماد‬ ‫األسلوب الطبيعي أو الواقعي؛ من خالل تقليد‬ ‫الشكل الطبيعي تقليدًا دق��ي� ًق��ا‪ ،‬مستندة في‬ ‫ذلك على مالحظة وتحليل وتسجيل التفاصيل‬ ‫الواقعية الدقيقة للصورة الشخصية‪ ،‬وكذا من‬ ‫خالل تأمل التفاصيل الواقعة في مجال اإلدراك‬ ‫البصري للفنان‪.‬‬

‫‪128‬‬

‫ تعمل ال��ف��ن��ان��ة ش��ه��د ع��ل��ى إق��ح��ام ذاتيتها‬‫في قالب ال��ص��ورة الشخصية‪ ،‬وف��ي الوجه‬ ‫تحديدًا‪ ،‬فتجعله تارة قلقا‪ ،‬وت��ار ًة متفائالً‪،‬‬ ‫وتار ًة أخرى حزيناً‪ .‬وبال شك‪ ،‬فهذه المشاعر‬ ‫واألحاسيس ليست بالضرورة‪ ،‬للشخصية‬ ‫المرسومة‪ ،‬بل قد تُسكب فيها سكبًا من لدن‬ ‫الفنانة التشكيلية‪ ،‬ويصبح الوجه‪ ،‬بناء على‬ ‫نصا إبداعيًا‪ ،‬وليس رسيم ًة انعكاسية‬ ‫ذلك‪ً ،‬‬ ‫لمنظورٍ معين‪.‬‬

‫وكما هو معلوم‪ ،‬يمكن للفنانة أن تستعين‬ ‫بعناصر متعددة في لوحة أو بورتريه واحد أو ‪ -‬تجد شهد ذاتها واختياراتها الفنية في الوجوه‬ ‫عدة بورتريهات دون أن ينقص ذلك من جوهر‬ ‫البشرية التي تستلهمها من واقعها‪ ،‬وسياقها‬ ‫العمل الفني‪ ،‬بما أن األساس هو أن تثري هذه‬ ‫الثقافي المتعدد‪ ،‬االجتماعي‪ ،‬االقتصادي‪،‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫ن � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��واف � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��ذ‬

‫والنفسي؛ إذ تشكل‪ ،‬بالنسبة إليها‪ ،‬مادة طيعة‬ ‫تستجيب‪ ،‬بشكل فعال‪ ،‬للسيولة الداللية التي‬ ‫تضخّ ها فيها الذات الباثّة للخطاب‪.‬‬ ‫ تجسد البورتريهات أيضا؛ مراحل عمرية‬‫معينة م��ن خ�لال االستناد إل��ى التجاعيد‪،‬‬ ‫والنظارات‪ ،‬ولون الشعر‪ ،‬وغيره‪.‬‬ ‫ ال ترسم الفنانة شهد وج��وه الشخصيات‬‫البشرية فحسب‪ ،‬بل تطال تجربتها أيضا‪،‬‬ ‫وجوه بعض الحيوانات المميزة مثل الحصان‪،‬‬ ‫بحكم ال��دالل��ة المتعددة التي يحملها هذا‬ ‫ال��ك��ائ��ن ال��ع��ري��ق‪ ،‬ال��ج��واد‪ ،‬المبجل ف��ي كل‬ ‫الحضارات‪.‬‬ ‫وللذكر‪ ،‬فإ ّن الفنانة شهد تعد رسم البورتريه‬ ‫ورس��ي��م��ات ال��شّ ��خ��وص ج�����زءًا م���ن انشغالها‬ ‫بالتّجريب الفنّي‪ ،‬فهي بقدر ما تعمل على مسانيد‬ ‫أخرى مثل اللوحة التشكيلية التجريدية‪ ،‬ولوحة‬ ‫المسند‪ ،‬فهي تجرّب الرسم بالقلم الرصاص‪،‬‬ ‫مطارد ًة بذلك‪ ،‬شعاع اإلبداع لديها؛ حيثما تجلّى‪،‬‬ ‫وحيثما شاءت لها قريحتها الفنيّة المتعدّدة في‬ ‫إط��ار االنفتاح على الثقافة التشكيلية بصفة‬ ‫عامة لتخصيب التجربة وإغنائها‪ ،‬وتبتيلها بكل‬ ‫اإلمكانيات المتاحة أمامها‪ ،‬في انسجام مع‬ ‫القدرات والمؤهالت الفردية‪.‬‬ ‫أي��ض��ا‪ ،‬رص��ي��دًا ح��س� ًن��ا من‬ ‫ً‬ ‫وتمتلك ش��ه��د‬ ‫اللوحات التشكيلية‪ .‬والمالحظ أنها في هذه‬ ‫أيضا‪ ،‬ال تبتعد عن الحالة النفسية والثقافية‬ ‫لإلنسان في شتى تمظهراته وسياقاته التّاريخيّة‬ ‫واالجتماعية‪ ،‬فهي تحتفل بأطياف الكائنات‬ ‫البشرية الغائمة‪ ،‬والغامضة‪ ،‬والتي تتحرك في‬ ‫مسارات وفضاءات متاهية؛ داللة على معاناتها‬ ‫وعل َقها في أحابيل الدراما الحياتية‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪129‬‬


‫قصر مرسال‬ ‫في سكاكا‬ ‫‪ρρ‬ضاري احلميد‬

‫تميز أهالي مدينة سكاكا الجوف‪ ،‬على امتداد تاريخهم ببناء القصور المحاطة‬ ‫بالبساتين‪ ،‬وكانت القصور الطينية تنتشر في جميع أنحاء المدينة وشقيقتها‬ ‫األثيرة «دومة الجندل»‪.‬‬ ‫ومن هذه القصور القديمة في مدينة سكاكا‪ ،‬والتي بقيت بعيدة عن االهتمام‬ ‫الرسمي‪ ،‬قصر مرسال‪ ،‬والذي بُني كما بنيت قلعة زعبل على رأس جبل‪ ،‬متميزً ا‬ ‫عن أقرانه من القصور التي بنيت في عصره؛ إذ تتواتر القصص عن أن سبب بناء‬ ‫هذا القصر على الجبل‪ ،‬يعود إلى رغبة بانيه في مزيد من الحماية‪ ،‬بعد تعرضه‬ ‫لهجوم في قصره السابق‪ .‬ولموقعه ميزة جميلة من حيث إطاللته على المناطق‬ ‫المحيطة‪ ،‬ومراقبته للطريق والقوافل؛ ما يدل على بعد نظر بانيه‪ ،‬يرحمه اهلل‪.‬‬

‫ي��ت��ك��ون ال��ق��ص��ر م���ن ع����دد من‬ ‫الغرف‪ ،‬وقسم خاص للرجال (القهوة‬ ‫أو ال��م��ض��اف��ة)‪ ،‬وث�لاث��ة م��داخ��ل من‬ ‫الناحية الغربية‪ ،‬وما تزال آثار إيقاد‬ ‫النار ماثلة في المضافة إلى اليوم‪.‬‬ ‫‪130‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫وق�����د ذك������رت م��ج��ل��ة ال���وس���ط‪،‬‬ ‫الصادرة عن دار وصحيفة الحياة‪،‬‬ ‫لناشرها األمير خالد بن سلطان بن‬ ‫عبدالعزيز‪ ،‬في عددها رقم (‪)125‬‬ ‫الصادر في ‪1994/6/20‬م الموافق‬


‫ن � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��واف � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��ذ‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪131‬‬


‫‪1415/1/11‬هـ وعلى الصفحات‬ ‫(‪« :)61 , 60 , 59‬إن قلعة أخرى‬ ‫تقع على إحدى الهضاب القريبة‬ ‫م��ن قلعة زع��ب��ل‪ ،‬وه��ي قصر ‪-‬‬ ‫أو قلعة ‪ -‬م��رس��ال‪ -‬أح��د أبناء‬ ‫سكاكا‪ ،‬وإن تاريخها يزيد على‬ ‫مائتي سنة مضت»‪.‬‬ ‫وق����د ت���ف���رق أب���ن���اء م��رس��ال‬ ‫صاحب القصر بين أحياء الضلع‬ ‫والشعيب وال��ل��ق��اي��ط‪ ،‬إذ يذكر‬ ‫أحفاده أن بعض أبنائه قد غادر‬ ‫القصر الذي ولد فيه قبل أكثر‬ ‫من (‪ )80‬عامًا‪ ،‬واشتروا بستانًا‬ ‫في حي اللقايط‪ ،‬وب���دأوا حياة‬ ‫جديدة هناك‪ ،‬بعد أن كثر األحفاد‬ ‫وتفرق اإلرث؛ بينما قامت بلدية‬ ‫سكاكا سابقا‪ ،‬بنزع ملكية القصر‬ ‫م��ن ورث��ت��ه ل��ص��ال��ح ش��ق ط��ري� ٍ�ق‬ ‫قبل أكثر من (‪ )40‬عاماً‪ ،‬إال أنه‬ ‫ولِحُ سْ ن الحظ‪ ،‬نجا القصر من‬ ‫الهدم‪ ،‬وبقي على حاله‪.‬‬ ‫ت��ه��دم��ت ب��ع��ض أج���زائ���ه مع‬ ‫موسم األم��ط��ار‪ ،‬وبقيت أج��زاؤه‬ ‫األخ���رى ش��اه��د ًة على أهميته‪،‬‬ ‫وحُ ��سْ ��نِ بنائه‪ ،‬واخ��ت��ي��ار موقعه‬ ‫الحصين‪.‬‬ ‫‪132‬‬

‫وق���د ط��ال��ب م��واط��ن��ون بضم‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫مشيرين إلى تبعية آث��ار منطقة‬ ‫الجوف للهيئة العامة للسياحة‪،‬‬ ‫وكون القصر أحد اآلثار القديمة‬ ‫ف��ي ال��م��دي��ن��ة‪ ..‬وال����ذي ل��م يتم‬ ‫استغالله حتى تاريخه‪ ،‬مؤكدين‬

‫ن � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��واف � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��ذ‬

‫«القصر» إلى آثار مدينة سكاكا‪،‬‬

‫أن القصر تم نزع ملكيته من قبل‬ ‫بلدية سكاكا سابقا قبل أكثر‬ ‫من (‪ )35‬ع��ام�اً‪ ،‬وأصبح ملكي ًة‬ ‫للدولة‪ ،‬مشيرين إلى أن القصر‬ ‫قد بني على أطالل قصر قديم‪،‬‬ ‫على جبل يقع ش��رق «الضلع»‪،‬‬ ‫وهو الحي القديم لزعبل‪ ،‬وقد‬ ‫بناه أحد أعيان سكاكا في زمانه‪،‬‬ ‫وه��و م��رس��ال الضويحي‪ ،‬وذل��ك‬ ‫ق��ب��ل ن��ح��و م��ائ��ت��ي ع���ام‪ .‬وي��وف��ر‬ ‫ضم القصر للهيئة الفرصة أمام‬ ‫الباحثين لدراسة القصر وموقعه‬ ‫ب��ش��ك��ل أوس�����ع‪ ،‬وب��ض��م��ه ي���زداد‬ ‫عدد المواقع السياحية األثرية‬ ‫ال��م��ح��ي��ط��ة بالمنطقة األث��ري��ة‬ ‫بزعبل من حي الضلع والزعفرانة‬ ‫بمدينة سكاكا‪ ،‬إضافة إلى أهمية‬ ‫ترميم القصر وإعادته إلى حالته‬ ‫األصلية‪ ،‬وبناء األجزاء المهدمة‬ ‫منه‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫‪133‬‬


‫الكتاب ‪ :‬أطياف تراوغ الظمأ‬

‫الكتاب ‪ :‬حوراء – شعر ‪-‬‬

‫املؤلف ‪ :‬حسن العاصي‬

‫املؤلف ‪ :‬عبداهلل أحمد األسمري‬

‫الناشر ‪ :‬مؤسسة شمس للنشر واإلعالم ‪ -‬القاهرة‬

‫الناشر ‪ :‬نادي أبها األدبي‬

‫مجموعة شعرية تقع في (‪ )74‬صفحة‬

‫أرب��ع��ون قصيدة ضمتها مجموعة «أطياف‬ ‫ت���راوغ ال��ظ��م��أ» للشاعر ال��دن��م��ارك��ي م��ن أصل‬ ‫(ثمان وعشرين‬ ‫ٍ‬ ‫من القطع المتوسط‪ ،‬شملت‬ ‫فلسطيني «حسن العاصي»‪ ،‬وهي تقع في (‪)192‬‬ ‫قصيدة تنوعت ما بين الشعر العمودي وشعر‬ ‫صفحة من القطع المتوسط‪.‬‬

‫تستحق تجربة الشاعر في مجموعته هذه التفعيلة‪.‬‬

‫الخوض فيها‪ ،‬وكلما مضينا في غابته الكثيفة‬ ‫الممطرة؛ كلما أدرك��ن��ا أننا أم��ام قامة فكرية‬ ‫امتدت إلى كل نواحي حياتنا‪ ،‬ولم تنقصه الجرأة‬ ‫في طرح قضايانا س��واء الفكرية أو السياسية‬ ‫أو الفلسفية‪ ،‬وقد وظَّ ف قدرته البالغية العالية‬ ‫ودق��ة تصويره وخياله الواسع كعامل طرح رفع‬ ‫هذه القضايا أمام البصر مكللة بطوق المنطق‬ ‫وسعة البصيرة وجمال التعبير‪.‬‬

‫م��ن عناوينها‪ :‬قنديل األم���م‪ /‬وطني‪/‬‬ ‫حوراء‪ /‬لحن الوصال‪ /‬قطار الشوق‪/‬عنف‬ ‫السنين‪ /‬الطلل ال��خ��ال��ي‪ ..‬ال��ت��ي أقتطف‬ ‫منها‪..‬‬

‫هنا منجلي‪..‬‬

‫والمميز في لغة الشاعر أنها تأتي بقواميس خط في لوحتي سنبلة‪..‬‬ ‫الفلسفة المتخمة المعقدة وتجدلها بعبارة طيعة‪ /‬هنا ذكريات الطفولة مترعة‪..‬‬

‫سهلة صعبة‪ ..‬صعبة لمن وقف على الرصيف هرعت‪..‬‬ ‫ولم يعبر نهر النثرية وسلواه‪ ،‬سهلة لمن بلل أكفه‬

‫بأجنة الخالص وحاز على بذرة المعنى الصغيرة تلفت حولي‪..‬‬ ‫«الشاسعة»‪ .‬وتلك لغة المستقبل؛ اللغة التي غريب هنا‪..‬‬ ‫تقول الدهر بعبارة‪ ..‬اللغة التي تفصل المارين‬

‫‪134‬‬

‫عن الماضيين عن الباقيين‪ ..‬اللغة التي تنتقي وغريب هناك‪..‬‬ ‫سأشطب من لوحتي هذا الغريب‪..‬‬ ‫وتفاضل‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬


‫املؤلف ‪ :‬شريفة عبدالرزاق املرهق‬

‫املؤلف ‪ :‬د‪ .‬حسني املناصرة‬

‫الناشر ‪ :‬نادي اجلوف األدبي‬

‫الناشر ‪ :‬مؤسسة شمس للنشر واإلعالم بالقاهرة‬

‫مجموعة قصصية تنوعت فيها الشخوص‬

‫صدر للقاص الفلسطيني «حسين المناصرة»‬ ‫مجموعة قصص قصيرة ج���دًا بعنوان «سيد‬ ‫المفاتيح»‪ ،‬وهي المجموعة القصصية السابعة‬ ‫للمؤلف‪ ،‬والثالثة في مستوى القصة القصيرة‬ ‫جدًا‪ ،‬بعد مجموعتيه‪« :‬الليلة الشاردة ال��واردة»‬ ‫عام ‪1999‬م‪ ،‬و«التنفس حلمًا» عام ‪2009‬م‪.‬‬

‫راوح���ت أح���داث المجموعة بين العالقات‬

‫تقع المجموعة في (‪ )128‬صفحة من القطع‬ ‫المتوسط‪ ،‬وتضم مئة قصة قصيرة جدًا‪ ،‬تعبِّر‬ ‫عن واق��ع م��أزوم بالنفاق‪ ،‬والظلم‪ ،‬والتشرذم‪،‬‬ ‫والعنصرية‪ ،‬والصراع‪ ...‬وتجيء بعض القصص‬ ‫كأنها لعنة تالحق آخرين يتسلقون جدران الوعي‬ ‫والثقافة واإلن��س��ان��ي��ة‪ ،‬وه��ي تبرأ منهم؛ ألنهم‬ ‫يمتلكون مفاتيح الشر‪ ،‬والقمع‪ ،‬والمؤامرة‪ ،‬وكل‬ ‫ما هو شيطاني أفعواني‪ .‬كان اإليقاع الرمزي‬ ‫سمة مهيمنة على قصص المجموعة؛ بدءًا من‬ ‫اإله��داء ال��ذي وجهه «حسين المناصرة» (إلى‬ ‫«رجل» حقود حسود لئيم غدار‪ ..‬لن ينفعه ترميم‬ ‫قلبه األسود يومًا ما!! وإلى «ام��رأة» تمتلك س َّم‬ ‫األف��اع��ي‪ ،‬وقلب الذئاب المسعورة‪ ..‬إل��ى سيد‬ ‫المفاتيح‪ ،‬والمرأة األفعى‪.)!.‬‬

‫واألحداث واألمكنة‪ ،‬استقت المؤلفة مادتها من‬ ‫واقع الحياة وجزئياتها المعاشة‪ ،‬ووضعت فيها‬

‫عصارة تجربة حياتية ليست بالطويلة‪ ..‬لكنها‬

‫ثرية تنم عن تجربة علمية ومطالعة دائبة‪..‬‬

‫األسرية واالجتماعية‪ ..‬وما يتخللها من تفاصيل‬

‫يومية تكتنفها األفراح واألتراح‪ ،‬والنجاح واإلخفاق‬ ‫وال��وف��اء واإلن��ك��ار‪ ..‬والمتأمل ف��ي حيثياتها‪..‬‬

‫والمتعمق في مجرياتها يلحَ ظُ مالمستها للواقع‬

‫في كثير من جوانبها الفنية واألدبية‪ ..‬وقد تكون‬ ‫إضافة جديدة على أدب القصة السعودية الذي‬ ‫يشهد تطورا ملحوظا في جودة الطرح وحسن‬

‫السبك وروعة التقديم‪..‬‬

‫تقع المجموعة‪ ،‬وه��ي األول���ى للقاصة في‬

‫(‪ )110‬صفحات من القطع المتوسط‪ ،‬وتشتمل‬ ‫من قصص المجموعة‪ :‬أوالد الحرام ‪ -‬بيضة‬ ‫على تسع عشرة قصة‪ ،‬من عناوينها‪ :‬عذرا إنه‬ ‫الديك ‪ -‬التغريدة ‪ -‬برلين أو الرياض – ناقد‪-‬‬ ‫ليس ذنبي‪ /‬أمل‪ /‬طوق الياسمين‪ /‬صرخ الجرح أم أرب��ع وأربعين ‪ -‬وصمة عار ‪ -‬حالة زواج ‪-‬‬ ‫بكبرياء ‪ -‬الذي جاء عنوانا لهذه المجموعة‪.‬‬ ‫وطواط ‪ -‬النذل والطاووس‪...‬إلخ‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1438‬هـ (‪)2017‬‬

‫ق � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � � ��راءات‬

‫الكتاب ‪ :‬وصرخ اجلرح بكبرياء‪-‬قصص‪-‬‬

‫الكتاب ‪ :‬سيد املفاتيح‬

‫‪135‬‬


‫لطيفة السديري‬

‫والتعليم النسوي بالجوف*‬ ‫■ د‪ .‬عبدالواحد احلميد‬

‫َفقَد التعليم النسوي بالمملكة في األسبوع‬ ‫الماضي رائ��دة كبيرة من رواد التعليم النسوي‬ ‫األس���ت���اذة لطيفة ب��ن��ت ع��ب��دال��رح��م��ن ب��ن أحمد‬ ‫ال��س��دي��ري ال��ت��ي انتقلت إل��ى رح��م��ة اهلل تعالى‬ ‫بعد سنوات طويلة من العمل ال��ري��ادي التربوي‬ ‫والتعليمي وال��دع��م الحثيث للمسيرة التعليمية‬ ‫النسوية في منطقة الجوف‪.‬‬

‫وق���د عُ����رِ ف عن‬ ‫ال����س����ي����دة ل��ط��ي��ف��ة‬ ‫السديري اهتمامها‬ ‫بالعملية التعليمية‬ ‫وال���ت���رب���وي���ة بشكل‬ ‫دق������ي������ق‪ ،‬وك����ان����ت‬ ‫ت����ول����ي األن���ش���ط���ة‬ ‫الالمنهجية اهتماماً‬ ‫بالغاً وتشجع على إقامة المسابقات الثقافية بين‬ ‫المدارس وتحضرها بنفسها وتشارك فيها‪.‬‬

‫ففي مطلع الستينيات الميالدية‪ ،‬وم��ع بدء‬ ‫انتشار تعليم البنات بالمملكة‪ ،‬كان أهالي منطقة‬ ‫الجوف بين متحمس لتعليم بناته لدرجة تسجيلهن‬ ‫وم��ع��روف عنها أي��ض�اً رحمها اهلل اهتمامها‬ ‫في مدارس البنين لعدم وجود مدارس للبنات في‬ ‫المنطقة آن��ذاك وبين مرتاب ومتردد إزاء فكرة بالبيئة المدرسية‪ ،‬فكانت تحرص على سالمة‬ ‫المباني ونظافتها وتوفير كل ما يمكن توفيره من‬ ‫تعليم البنات من أساسها‪.‬‬ ‫إمكانيات بالرغم من ضعف ميزانيات التعليم في‬ ‫ولكي ال يفوت قطار التعليم على بعض البنات ذلك الوقت‪ .‬وهناك الكثير من القصص والمواقف‬ ‫ال�لات��ي ك��ان��ت أس��ره��ن م��ت��رددة ف��ي تسجيلهن ال��ت��ي ترويها الطالبات والمعلمات ع��ن حرص‬ ‫بالمدرسة التي تم افتتاحها بعد ط��ول انتظار‪ ،‬األستاذة لطيفة على البيئة المدرسية سواء البيئة‬ ‫بادر األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري رحمه المادية أو البيئة التعليمية والتربوية‪.‬‬ ‫اهلل الذي كان أميراً للمنطقة في ذلك الوقت إلى‬ ‫وح��ت��ى ع��ن��دم��ا ت��رك��ت موقعها ال��رس��م��ي في‬ ‫تسجيل ابنتيه حصة ولطيفة‪.‬‬ ‫الوظيفية التعليمية الحكومية‪ ،‬ظل اهتمامها بتعليم‬ ‫وتقول األستاذة لطيفة رحمها اهلل في ذكرياتها البنات مستمراً من خالل مدارس البنات الخاصة‬ ‫عن تلك الفترة إن مبادرة والدها لتسجيل بناته التابعة لمؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية‬ ‫كانت بهدف «أن يكُن القدوة لبنات الجوف في بالجوف التي مارست اإلش��راف عليها ومتابعة‬ ‫العمل بالمدرسة والقيام بعملية التسجيل‪ ،‬فكان أدائها وأنشطتها حتى آخر أيام حياتها‪.‬‬ ‫ش��ي��وع الخبر مبعثاً للثقة ف��ي ن��ف��وس األم��ه��ات‬ ‫لقد أخلصت لطيفة السديري للعمل التربوي‬ ‫واألسر‪ ،‬وحافزاً لألسر إلدخال بناتهن»‪.‬‬ ‫النسوي وتشجيع الفتاة الجوفية على االنخراط‬ ‫وبعد افتتاح ال��م��درس��ة األول���ى للبنات بحي في ال��دراس��ة كطالبة وممارسة العمل التربوي‬ ‫المطر بسكاكا‪ ،‬التحقت لطيفة السديري بالعمل والتعليمي كمعلمة‪ ،‬كما دعمت األنشطة الثقافية‬ ‫ب��ه��ا‪ ،‬وت��ول��ت شقيقتها األس���ت���اذة ح��ص��ة إدارة النسوية التي كانت تقدمها دار العلوم بالجوف‬ ‫المدرسة‪ ،‬واستمرت لطيفة في ممارسة العمل التابعة لمركز عبدالرحمن السديري الثقافي‪.‬‬ ‫التربوي والتعليمي عبر مواقع متعددة في السلك‬ ‫نسأل اهلل ان يتغمد التربوية الرائدة األستاذة‬ ‫التعليمي حتى أصبحت مديرة لمكتب اإلشراف لطيفة بنت عبدالرحمن السديري برحمته جزاء ما‬ ‫التربوي النسوي‪.‬‬ ‫قدمته لمجتمعها ووطنها وأن يسكنها فسيح جناته‪.‬‬ ‫ * مقال نشر في صحيفة الجزيرة العدد ‪ - 16172‬السبت ‪1438/3/9‬هـ (‪2017/1/7‬م)‪.‬‬


‫من إصدارات اجلوبة‬


‫من إصدارات برنامج النشر في‬

‫صدر حديثا‬

مجلة الجوبة 54 Aljoubah Magazine  

'الجوبة' تحلل واقع الماء في السعودية العدد 54 من المجلة السعودية يحمل العديد من المواد الإبداعية والمقالات والدراسات وقراءات الكتب. مي...

Read more
Read more
Similar to
Popular now
Just for you