Page 1

‫مجلة شهرية بجهود فردية تصدر يف الثاين عرش من كل شهر‬

‫غيت التاريخ‬ ‫مالحم ّ‬ ‫راوند دلعو‬

‫اإلعجاز العلمي بني القرآن‬ ‫وفالسفة اليونان‬

‫‪Mohammed Waleed‬‬

‫َف ُّن ِص َنا َع ِة اإلِع َجاز‬

‫العدد السابع والسبعون من مجلة امللحدين العرب ‪ -‬أبريل ‪ /‬نيسان لسنة ‪.2019‬‬

‫مصطفى ح ّجي‬

‫الدور املحوري الذي‬ ‫لعبه علامء غربيون يف‬ ‫الرتويج لإلعجاز القرآين‬ ‫دانييل غولدن‬

‫تهدف مجلّة امللحدين العرب إىل نرش وتوثيق أفكار امللحدين العرب املتنوعة وبحريّ ٍة كاملة‪ ،‬وهي مجلّ ٌة رقمي ٌة غري ربح ّية‪ ،‬مبني ٌة‬ ‫أي توج ٍه سيايس‪ .‬املعلومات واملواضيع املنشورة يف املجلّة متثل آراء كاتبيها فقط‪ ،‬وهي مسؤول ّيتهم من‬ ‫بجهو ٍد طوعي ٍة ال تتبع َّ‬ ‫الناحية األدب ّية ومن ناحية حقوق النرش وحفظ امللك ّية الفكريّة‪.‬‬


‫كلمة تحرير املجلة‬

‫ازدهرت يف أواخر القرن املايض وبداية هذا القرن صنع ٌة جديد ٌة‬ ‫يف مجال ِ‬ ‫الدين مل تكن موجود ًة يف الثقافة االجتامعية والدينية من‬ ‫قبل وهي صنعة اإلعجاز العلمي يف القرآن والس ّنة‪ .‬وانطلق إىل‬ ‫الشهرة ومتتّ َع باملال واالحرتام كل من أفتى وتداول بهذه البضاعة‬ ‫التي القت روا ًجا كب ًريا بني املستهلكني من عامة الشعوب اإلسالمية‪،‬‬ ‫ومع أنها ليست بيش ٍء ٍ‬ ‫جديد فهناك ُم ّدعو إعجا ٍز يف أغلب الديانات‬ ‫يقولون بوجود أرسا ٍر خفي ٍة وعلمي ٍة يف نصوصهم املقدسة‪ ،‬وبعضهم‬ ‫له األفضلية عىل كل اإلعجازات اإلسالمية لِام تتحىل به هذه‬ ‫اإلعجازات من دق ٍة ووضو ٍح وصحة‪ ،‬ومع ذالك ال يوجد أي اعرت ٍ‬ ‫اف‬ ‫ٍ‬ ‫بسيط‬ ‫لسبب‬ ‫ال بها وال باإلعجازات اإلسالمية يف الوسط العلمي‬ ‫ٍ‬ ‫وهو أن ال ِعلم التجريبي ال ميكن تطبيقه عىل الغيبيات والخوارق‪.‬‬ ‫باختصار‪ ،‬منطق اإلعجاز يف جميع األديان يأخذ الشكل البسيط‬ ‫التايل‪ ،‬العرض ‪ :1‬النص الديني يقول أن «س» حقيقة‪ .‬العرض ‪:2‬‬ ‫العلم الحديث يكتشف أن «س» حقيقة‪ .‬العرض ‪ :3‬مبا أنه ال ميكن‬ ‫ٍ‬ ‫ألحد أن يعرف الحقيقة «س» يف زمن كتابة هذا النص الديني‪ ،‬إذا‬ ‫دليل عىل أن املعلومة قد أتت من كيانٍ خارقٍ‬ ‫النتيجة ‪ :1‬هذا ٌ‬ ‫للطبيعة متفوقٍ عىل املعرفة هو اإلله «ص»‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫ومستح ٌق للعبادة‪ ،‬وبغض‬ ‫النتيجة ‪ :2‬اإلله «ص» موجو ٌد حقيق ًة‬ ‫النظر عن فساد العرض األول والثاين والثالث يف جميع اإلعجازات‬ ‫أيضا‪ ،‬ونرى ذلك بكل‬ ‫التي ت ُق َّدم فإن االستنتاجني النهائيني فاسدان ً‬ ‫رس وسهول ٍة إذا ما واج َهنا أحد املسلمني بإعجازات دينٍ آخر مثل‬ ‫ي ٍ‬ ‫الهندوسية أو البوذية‪ ،‬عندها ستجد أن املسلم لن يعىص عليه أب ًدا‬ ‫العثور عىل مواطن الخلل يف هذه االدعاءات اإلعجازية‪ .‬إذن ملاذا‬ ‫متتلك هذه االدعاءات اإلعجازية اإلسالمية هذه القوة والسلطة‬ ‫ٍ‬ ‫ادعاءات إعجازي ٍة‬ ‫عىل عقول املسلمني‪ .‬وبشكلٍ أعم ملاذا متتلك أي‬ ‫يف أي دينٍ تلك القوة والسلطة عىل متّبعي دينها؟ أقتبس مقول ًة‬ ‫تفس هذه الظاهرة‬ ‫لعامل الفيزياء الكونية كارل ساغان التي رمبا ّ‬ ‫دليل بل ألن لديهم‬ ‫عندما قال‪« :‬املؤمنون يؤمنون ليس ألن لديهم ً‬ ‫حاج ًة عميق ًة لإلميان»‪ .‬املؤمنون عام ًة واملسلمون خاص ًة يحتاجون‬ ‫لإلميان بصحة هذه اإلعجازات وليس من املهم إن كانت صحيح ًة‬ ‫أو باطل ًة بالنسبة لهم‪ .‬هي باختصا ٍر تقديم العاطفة عىل الواقع‪.‬‬ ‫العامل بالنسبة لهم هو ما يرغبون بأن يكون حقيق ًة ال ما هو‬ ‫‪2‬‬

‫فريق التحرير‬

‫املشارك يف هذا العدد‬

‫رئيس التحرير‬ ‫الغراب الحكيم‬ ‫أعضاء هيئة التحرير وبناء املجلة‬ ‫‪John Silver‬‬ ‫‪Gaia Athiest‬‬ ‫أسامة البني (الوراق)‬ ‫‪Alia’a Damascéne‬‬ ‫غيث جابري‬ ‫‪Abdu Alsafrani‬‬ ‫‪Raghed Rustom‬‬ ‫‪Johnny Adams‬‬ ‫ليث رواندي‬ ‫‪Rama Salih‬‬ ‫إيهاب فؤاد‬ ‫‪Yonan Martotte‬‬

‫موجو ٌد يف الواقع‪ ،‬وأعتقد أن هذا هو أحد‬ ‫أهم أسباب التأخر والفشل الذي تعاين منه‬ ‫املجتمعات اإلسالمية والعربية‪.‬‬

‫الغراب الحكيم‬


‫الفهرس‬ ‫كلمة تحرير املجلة‬

‫‪2‬‬

‫الفهرس‬

‫‪3‬‬

‫املبادرة املفقودة‬ ‫د‪ .‬عبد العزيز القناعي‬

‫‪4‬‬

‫غيت التاريخ‬ ‫مالحم ّ‬ ‫راوند دلعو‬

‫‪8‬‬

‫اإللحاد جـ ‪ :6‬مقاالت فلسفية (‪)3‬‬ ‫‪Enki‬‬

‫‪14‬‬

‫قراءة يف كتاب «األيام األخرية ملحمد‪:‬‬ ‫التحقيق يف الوفاة الغامضة للنبي» للكاتبة‬ ‫هالة وردي بقلم أورسوال لنديس‬

‫‪27‬‬

‫اإلعجاز العلمي بني القرآن وفالسفة اليونان ‪31‬‬ ‫‪Mohammed Waleed‬‬ ‫َف ُّن ِص َنا َع ِة اإلِع َجاز‬ ‫مصطفى ح ّجي‬

‫‪38‬‬

‫الدور املحوري الذي لعبه علامء غربيون يف ‪46‬‬ ‫الرتويج لإلعجاز القرآين‬ ‫دانييل غولدن‬ ‫القلم (قصة قصرية)‬ ‫الغراب الحكيم‬

‫‪57‬‬

‫سرية محمد بن آمنة‬ ‫ترجمة عن منشورات شاريل إيبدو‬

‫‪62‬‬

‫كاريكاتور‬

‫‪70‬‬

‫‪3‬‬


‫املبادرة املفقودة‬ ‫د‪.‬عبد العزيز القناعي‬

‫ولهذا حملت العديد من التجارب الدولية واملحلية مبادر ٍ‬ ‫ات‬ ‫مختلف ًة يف السياسة والتعليم واالقتصاد والتنمية والثقافة‬ ‫الوطنية‪.‬‬

‫االختالف والتنوع والتعددية يف األفكار واملعتقدات‬ ‫والحضارات مل يكن وجودها ناب ًعا فقط من استيعاب‬ ‫مبادئ حرية الرأي وإبداع الفكر وإيقاد العقل يف التفكري‬ ‫والصناعة والتحليل والتجريب‪ ،‬بل كانت قبل ذلك تحمل‬ ‫روح املبادرة يف داخل اإلنسان‪ ،‬يف التغيري والتجربة والبناء‬ ‫والنهضة‪.‬‬

‫وخصوصا يف مجتمعاتنا العربية‬ ‫إال أن الكثري من املبادرات‬ ‫ً‬ ‫تكون ح ًربا عىل ورقٍ أو عرض ًة لالستنزاف الحكومي‬ ‫واملجتمعي وهيمنة الفساد واملحسوبيات عىل برامجها‬ ‫وخططها‪.‬‬

‫فاملبادرة كام جاء تعريفها يف قاموس املعجم الوسيط هي‪:‬‬ ‫(القدرة أو امليل املطلوب لبدء يش ٍء ما مثل تجارة‪ ،‬أو‬ ‫عمل‪...‬إلخ يقرره الشخص)‪.‬‬

‫يف املجتمعات املتقدمة والحاملة لقيم الفردانية والصناعة‬ ‫والعقالنية والحريات‪ ،‬تزدهر الدميقراطية وترتاجع‬ ‫السلوكيات االستبدادية‪ ،‬حيث تسود قيم املواطنة واملساواة‬ ‫وتكافؤ الفرص وتداول السلطة وبسط هيمنة القضاء‬ ‫والربملان عىل الفساد والغش والتالعب‪.‬‬

‫وتكمن أهمية املبادرة يف االختالف ويف إحداث وصناعة‬ ‫فعل يساهم‬ ‫أمو ٍر غائب ٍة عن العقل البرشي‪ ،‬كام وأن املبادرة ٌ‬ ‫يف تقديم الحلول املتعددة التى تواجه اإلنسان واملجتمع‪.‬‬ ‫‪4‬‬


‫املبادرة املفقودة‬ ‫ٍ‬ ‫عقبات يف طرح‬ ‫لهذا يصبح من املتعذر أن يواجه اإلنسان أي‬ ‫وخصوصا يف مجاالت العلم واملجتمع‬ ‫املبادرات الفردية وتنميتها‬ ‫ً‬ ‫والتطوع وغريها من القضايا التى تهم املجتمع والدولة‪ ،‬ألنها‬ ‫مبادراتٌ سوف متر يف مختلف القنوات الرسمية واملجتمعية التي‬ ‫تؤكد صحتها وفائدتها من عدمها‪ ،‬وبنفس الوقت ال يخىش الفرد‬ ‫من رسقتها من املشاهري أو من الحكومة‪ ،‬ونستثني هنا بالطبع‬ ‫املبادرات السياسية التى تدور يف فلك املكر السيايس واالستفادة‬ ‫من مناطق الرثوة ورشاء السالح‪ ،‬حيث تكون مثل تلك املبادرات‬ ‫صفقات لتنمية الرشكات الدولية أو إلحداث تغيري ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ات‬ ‫مجرد‬ ‫سياسي ٍة تطال الحكام الفاسدين ومتكني الدميقراطية السياسية يف‬ ‫املناطق املنكوبة‪.‬‬ ‫بينام من ناحي ٍة أخرى‪ ،‬يف املجتمعات التي تسود فيها التنظيامت الهرمية مثل الجامعات العقائدية والقبلية والفئوية‬ ‫والطائفية‪ ،‬يصبح من املتعذر عىل اإلنسان أن يحظى مبساحته الخاصة للحرية واإلبداع‪ ،‬وبالتايل تتقلص هنا كل جهود القيام‬ ‫بنظم ديني ٍة واجتامعي ٍة وسياسي ٍة تراقب ومتنع كل ما يتعارض مع‬ ‫باملبادرات الفردية وحتى املجتمعية ألنها تكون محارص ًة ٍ‬ ‫محدداتها األيديولوجية‪ ،‬وهو ما يجعل من حصيلة الحراك الفكري والعلمي والحضاري يف املجتمع يقرتب من الصفر أو‬ ‫حاصل يف بعض مجتمعاتنا العربية القابعة يف أسفل مؤرشات اإلبداع والتنافس واإلنتاج‪ .‬وهو ما يقود بالتايل‬ ‫ٌ‬ ‫العدم كام هو‬ ‫إلی إضعاف قدرة املجتمع عىل تحقيق التنمية والنهضة املستدامة‪.‬‬ ‫ونستثني هنا بعض املبادرات الفردية الخاصة لبعض الشباب والشابات الذين كافحوا وقدموا أفضل ما لديهم يف مجال‬ ‫التصنيع واإلنتاج واالبتكار حتى وصلت أفكارهم إلی العاملية لتستقطبهم الدول املتقدمة وتحضن إبداعاتهم‪.‬‬ ‫فعل القيام بتبني الكثري من الطاقات واألفكار‬ ‫كام أشيد باملبادرات الشخصية يف ديب وحاكمها محمد بن راشد الذي استطاع ً‬ ‫الخالقة لجعلها حقيق ًة عىل أرض ديب بعد أن دعم وصنع البيئة الحاضنة ملثل تلك املبادرات واملتمثلة يف التمويل وتقليص‬ ‫الدورة املستندية ومتكني الثقة بني الفرد وطاقته املبدعة‪.‬‬ ‫إن شعوبنا العربية اليوم‪ ،‬تعيش يف عصور ما قبل الصناعة بضعف قدراتها عىل اإلنتاج والصناعة والتفكري‪ ،‬ورغم حصول‬ ‫وخصوصا الدول الخليجية عىل ما ٍل وفريٍ من النفط من دون عنا ٍء يُذكر يف استخراجه واستصناعه‪ ،‬إال‬ ‫بعض الدول العربية‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫نشاطات استهالكي ٍة وليست إنتاجية‪ ،‬فتشييد البنى التحتية الحديثة ال‬ ‫أن الشعوب العربية عام ًة متيل إلی إنفاق أموالها عىل‬ ‫يشفع أب ًدا يف التقدم طاملا أن املوارد البرشية يف تلك املجتمعات يتم تهميشها وتجهيلها وتغييبها عن دورها املحوري واملركزي‬ ‫يف التقدم وصناعة التغيري ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وكفاءات عقلي ٍة يتم فتح األبواب لها لخوض مغامرات اإلبداع واإلنتاج والصناعة بدون‬ ‫بأيد وطني ٍة‬ ‫قيو ٍد وبدون (روتني) الحكومات املتعارف عليه يف مجتمعاتنا واملعطل األساس يف إطالق العمل الفردي‪.‬‬ ‫‪5‬‬


‫املبادرة املفقودة‬ ‫إن الثقة االجتامعية بني الحكومات‬ ‫العربية وبني مواطنيها غائب ٌة متا ًما يف‬ ‫مجال العمل الحر وهو ما أنتج بالتايل‬ ‫برشي فشل يف تحقيق التنمية‬ ‫رأس ما ٍل ٍ‬ ‫االقتصادية وتقليل االعتامد عىل النفط‬ ‫وغريه من املوارد الطبيعية الجاهزة‪،‬‬ ‫ونجح يف زيادة أعداد البطالة املقنعة‬ ‫والتكدس الوظيفي والعمل الحكومي‬ ‫غري املبدع والفساد الرسمي والشعبي يف‬ ‫مختلف األماكن‪.‬‬ ‫اتيجيات تنموي ٍة تقوم عىل إحداث تغيري ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ات اقتصادي ٍة هيكلي ٍة قوامها‬ ‫وبدلً من أن تعمل األنظمة العربية عىل تبني اسرت‬ ‫ٍ‬ ‫متكني الشباب من إطالق مبادراتهم الفكرية والصناعية‪ ،‬وتغيري ٍ‬ ‫وتحوالت ثقافي ًة واجتامعي ًة وسياسي ًة واسع ًة يف مجاالت‬ ‫ات‬ ‫الحرية والدميقراطية ودعم اإلبداع وجهود التصنيع‪ ،‬إال أنها رفضت هذه الخطوات أو خشيت مام قد تؤ ّدي إليه من تغيري ٍ‬ ‫ات‬ ‫حقيقي ٍة يف شكل الحكم ومتكني الدميقراطية‪ .‬فعززت باملقابل مبادر ٍ‬ ‫ات حكومي ًة هش ًة غرضها التنفيع وتعطيل التنمية‬ ‫الحقيقية مستخدم ًة يف هذا الشأن سفهاء املجتمع ومروجي الدعايات اإلعالنية ومثقفي السلطة الذين يأكلون الفتات عىل‬ ‫طاولة الزعامء واألمراء واملستبدين‪.‬‬ ‫ويف مثل هذه األجواء لن تنموا املبادرات الشبابية ذات الطابع الحقيقي ولن تتقدم املجتمعات فكريًا وصناع ًيا بل سوف‬ ‫فوضی إعالني ٍة وتدفّق معلوما ٍّيت ضحلٍ وساذ ٍج ميثل‪ ،‬بعد تغييب الوعي العام‪ ،‬بأنه األولوية القصوى للدولة‪.‬‬ ‫نعيش يف ً‬ ‫املبادرة املفقودة يف مجتمعاتنا العربية‪ ،‬هي مبادرة اإلنسان يف تنمية ذاته وتطوير كفاءته حتى يكون قاد ًرا عىل مواجهة‬ ‫فعل ذلك اإلنسان املبدع واملفكر‬ ‫مستقل ال يخىش من القيود والعرثات‪ ،‬وحتى يكون ً‬ ‫ً‬ ‫التحديات واألزمات‪.‬وحتى يكون فر ًدا‬ ‫والباحث واملشكك يف كل ما حوله حتى ينجح يف الحياة‪.‬‬ ‫إن اإلنسان قيم ٌة وثرو ٌة عظمى غائب ٌة عن مجمل تطلعاتنا وحراكاتنا السياسية واالجتامعية واالقتصادية‪ ،‬ولهذا نفشل دامئًا‬ ‫يف خلق التغيري لتتكرر التجارب الفاشلة واملحاوالت العقيمة يف التطور‪.‬‬ ‫لذا عزيزي اإلنسان العريب‪ ،‬حني تعجز عن إيجاد الحلول أو ت ُحبط من وضعك وأزماتك يف الحياة‪ ،‬تذكر أن هناك دامئًا أنت‪،‬‬ ‫وصنع الحضارة واكتشاف العلوم‪ ،‬أنت خلقت املعجزات وخاطبت كل البرش مبختلف اللغات‪،‬‬ ‫أنت من استطعت بناء األرض ُ‬ ‫أنت عالجت املريض ورسمت البهجة عىل النفوس وتح ّديت الطبيعة‪ ،‬فال تركن إلی املاورائيات واملجهول‪ ،‬بل إلی نفسك‪،‬‬ ‫إلی ذاتك‪ ،‬إلی نظرائك يف الطبيعة والوجود‪ ،‬فال تيأس حني تخفق وال تنزل إلی مستوى الخوف والقلق‪ ،‬فوجودك كان هبة‬ ‫الطبيعة الخالبة وأسمى أشكال التواصل الكوين‪ ،‬فقط كن أنت‪.‬‬ ‫‪6‬‬


https://www.facebook.com/groups/arbangroup/

7


‫غيت التاريخ‬ ‫مالحم ّ‬

‫راوند دلعو‬

‫عىل هامش أزمة املمثل عباس النوري‬ ‫مع القائد العسكري صالح الدين‪ ،‬هنالك‬ ‫وحروب كربى خاضها الجنس البرشي‬ ‫مالح ٌم‬ ‫ٌ‬ ‫فصنع من خاللها معامل التاريخ األساسية‬ ‫وأحداثه األهم‪ ،‬ويجب علينا من باب الوفاء أن‬ ‫نقوم بتخليد ذكرى أبطال هذه املالحم بال ُنصب‬ ‫التذكارية والرموز املعنوية!‬ ‫(‪)1‬‬

‫سوري قال يف ٍ‬ ‫يل يف شهر نوفمرب ترشين ثاين ‪ 2018‬عن صالح الدين بأنه كذبة‪ ،‬وأن «ما‬ ‫بث‬ ‫ممثل‬ ‫‪ -1‬عباس النوري ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫إذاعي مح ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫برشوط صليبي ٍة بدون معارك‪ ».‬لكنه تراجع بعض اليشء بعد حمل ٍة‬ ‫يعرف عن تحرير صالح الدين للقدس غري صحيح‪ ،‬وأنه تم‬ ‫واسع ٍة ويف سائل التواصل االجتامعي ضده‪ .‬فقال عىل صفحته عىل الفيسبوك أن كالمه «جاء يف معرض الرضورة الالزمة‬ ‫والوطنية إلعادة بناء الكثري من املفاهيم التي تربينا ونشأ وعينا وشخصياتنا الوطنية عليها‪ ،‬منها مفاهيم جاءت من التاريخ‬ ‫اإلسالمي والعريب عمو ًما‪ ،‬وال يجوز اقتطاع جز ٍء وبرته عىل حساب الكل عىل طريقة (وال تقربوا الصالة‪ )...‬من دون تتمة‪».‬‬

‫‪8‬‬


‫غيت التاريخ‬ ‫مالحم ّ‬ ‫راوند دلعو‬

‫مثل معركة الخوارزمي مع ِ‬ ‫الصفر وحروبه الرضوس‬ ‫خذ ً‬ ‫مع الجرب واملقابلة‪ ،‬حروب انتهت بإهراق مداد برميلٍ‬ ‫تفش علم‬ ‫من ح ٍرب عىل مئات الجثث الورقية‪ ،‬حيث ّ‬ ‫الجرب ونضج ثم انترش ل ُيبنى عليه فيام بعد مايُس ّمى‬ ‫بالخوارزميات والحوسبة الرقمية‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫صعيد آخر‪ ،‬هنالك مالحم وحروب العبقري‬ ‫وعىل‬ ‫(توماس ألفا إديسون) والتي حدثت وقائعها يف مختربه‬ ‫ٍ‬ ‫لسنوات‬ ‫يف الواليات املتحدة األمريكية حيث خاضها‬ ‫ضد الظالم الدامس حتى انترص يف النهاية‪ ،‬وأسفرت معركته األهم مع العتمة عن ميالد أول مصبا ٍح وبطارية‪ ،‬فأ ّدت إىل‬ ‫انتشا ٍر واسعٍ لجثث آالف الوصالت والكبالت املعدنية وال ُحبابات الزجاجية امللقاة يف أطراف املخترب! (وأقرتح أن يؤرخ‬ ‫البرش أليامهم ابتدا ًء من يوم ميالد املصباح الكهربايئ عىل يد إديسون‪ ،‬وذلك ألهمية تلك اللحظة التاريخية املرعبة)‪.‬‬ ‫مثل ت ُلكم املالحم الرهيبة التي خاضها نيوتن يف كل ٍ‬ ‫حرف من حروف كتابه العظيم الدائر حول مبادئ ِعلم‬ ‫وهناك ً‬ ‫امليكانيك‪ ،‬السيام معاركه مع الجاذبية وحركة الكواكب وحرب القوانني الثالث‪ ،‬نيوتن األول ونيوتن الثاين ونيوتن‬ ‫سالم مع امليكانيك الكالسييك وفيزياء الرسعة والتسارع ومن ث َم استسالم املادة بال ٍ‬ ‫رشوط‬ ‫الثالث‪ ،‬والتي انتهت مبعاهدة ٍ‬ ‫وترويضها من ِقبل العقل البرشي‪.‬‬ ‫مثل تلك املجزرة الرهيبة التي ارتكبها داروين عرب التأمل يف مئات الكائنات الحية ليتوصل إىل كتابه العظيم (أصل‬ ‫خذ ً‬ ‫ٍ‬ ‫سنوات من‬ ‫رشحة واألوراق املوزونة وعرش‬ ‫األنواع)‪ ،‬تلك املجازر الداروينية التي راحت ضحيتها آالف املستحاثات امل ُ ّ‬ ‫عمر الرجل وسفره وترحاله وشقائه‪...‬لكنه انترص يف نهاية الحرب‪ ،‬واكتشف شجرة الحياة ليق ّدمها هدي ًة للجنس البرشي!‬ ‫أما الحرب األهم يف القرن العرشين فهي تلك التي دارت‬ ‫ٍ‬ ‫وريقات ح ّرر خاللها النظرية‬ ‫بني آينشتاين وخمس‬ ‫ليغي تصورنا للوجود إىل األبد‪...‬‬ ‫النسبية عام ‪1905‬م‪ّ ،‬‬ ‫‪9‬‬


‫غيت التاريخ‬ ‫مالحم ّ‬ ‫راوند دلعو‬

‫مثل معركة واتسون مع ال ‪DNA‬‬ ‫ثم إليك ً‬ ‫معركة تِسال مع التيار املتناوب!‬ ‫معارك باستور يف الطب!‬ ‫حرب البِنسلني!‬ ‫حرب لِقاح الجدري!‬ ‫حروب مندل يف الوراثة!‬

‫جيمس واتسون‬

‫فان كوخ بريشته‬

‫لوي پاستور‬

‫معركة كوري مع الذرة حتى فهمتها‪،‬‬ ‫ومعركة ماكس بالنك مع ميكانيكا الكم!‬ ‫معارك فان كوخ وبيكاسو مع األلوان!‬ ‫الحرب الشاملة التي شنها ستيفن هوكنغ عىل الثقوب السوداء‪...‬إلخ إلخ‪ ...‬كلها معارك يستحق أبطالها الخلود‪ ،‬ال‬ ‫كتامثيل يف الشوارع فقط بل يف ضمري وذاكرة الجنس البرشي األبدية‪ ،‬فقد قاتلوا ع ّنا أشد قتا ٍل ليزيدوا من رصيدنا‬ ‫املعريف ولتنعكس تلك الزيادة املعرفية كرفاهي ٍة وسعاد ٍة يف حياتنا الواقعية‪.‬‬ ‫أما يف ما يسمى ب (حطني) و(الزالقة) و(ذات الصواري)‬ ‫و(بواتييه) و(القادسية) وذات السالسل وذات الذبح‬ ‫وذات الفتح وذات الصليب وتشالديران والبوذي األكرب‬ ‫ٍ‬ ‫سنوات‬ ‫والهندويس الفاتح والريموك األسود وحرب السبع‬ ‫عام وفتح األندلس وإغالق الصومال‪...‬‬ ‫وحروب املائة ٍ‬ ‫(ومثيالتها من الحروب الدينية واالستعامرية البائسة)‬ ‫فهي ٍ‬ ‫مآس مل ينترص فيها أح ٌد إال املوت!‬ ‫إذ خرست البرشية ماليني الضحايا واملغفلني من أجل إرواء النزعة الطائفية والسادية لبعض العسكر الذين أجادوا فن‬ ‫قيادة وخداع القطيع بُغ َية إرواء نزواتهم املتوحشة يف السيطرة والتوسع والضحك عىل الجياع واللعب عىل خبزهم‪!...‬‬ ‫رص منهم بتشكيل وعي الجغرافيا التي احتضنها تحت جنح سيفه وإرهاب جربوته‪ ،‬فلقّن األجيال املغلوبة‬ ‫ثم قام كل منت ٍ‬ ‫ثم كرر تلقينها حتى اإلقناع بأنه الفضيلة والنقاء واالرتقاء وغريه هم األعداء!‬ ‫و هكذا يا ساديت ُهزِم اإلنسان يف هذه املجازر الدموية واملذابح املجنونة‪...‬‬ ‫‪10‬‬


‫غيت التاريخ‬ ‫مالحم ّ‬ ‫راوند دلعو‬

‫الدمشقي‬ ‫مثل يق ّدس صالح وعقبة وعمرو وو‪ ...‬ألن‬ ‫فالدمشقي ً‬ ‫َّ‬ ‫ني ببساطة! فهو خاض ٌع حتى نخاع ج ّده العارش لسيوف بني‬ ‫ُس ٌّ‬ ‫العباس منذ ألف سنة‪ ،‬مام شكّل وعيه وانتامءه فلم يعد يستطيع‬ ‫تخيل الفضيلة خارج نطاق عائلة (قريش)!‬ ‫سيف من سيوف العائلة القرشية يدافع عن توسعها‬ ‫وصالح الدين ٌ‬ ‫متثال عظيم؟ بل كيف يُ َ‬ ‫ويرضب بسيفها! فكيف ال يُنصب له ٌ‬ ‫شكك‬ ‫بفضيلته‪...‬؟‬ ‫مثل‪ ،‬يُق ّدس عباس الصفوي وابن العلقمي واملختار والطويس وال ُخميني‪ ،‬إذ تم تشكيل وعيه بسيوف هؤالء!‬ ‫و الشيعي ً‬ ‫فاريس عىل املطالبة بهدم متاثيل هؤالء وإزالتها من‬ ‫فع ّباس الصفوي فوق النقد والخميني روح الله! فهل يجرؤ مواط ٌن‬ ‫ٌّ‬ ‫شوارع أصفهان‪...‬؟!‬ ‫وهل يجرؤ مغو ٌّيل عىل املطالبة بهدم متثال تيمورلنك املُش ّيد يف العاصمة املنغولية إىل اليوم؟!‬ ‫أما املسيحي ف ُيقدس ريتشارد وشارملان وقسطنطني وكل من قاتل وقُتل يف سبيل رفع الصليب ونرش املسيحية!‬ ‫و ِق ْس عىل ذلك جميع العسكر وأتباعهم‪...‬فأين البطولة يف ذلك؟ وأين النرص البرشي؟ ولِم الرمزية والتخليد‪...‬؟‬ ‫أنُخلِّد هؤالء العسكر ونرتك الفاتحني الحقيقيني ممن حاربوا باسم الجنس البرشي ككلٍ ضد الجهل والظالم؟ (أعني‬ ‫إديسون وفريقه)‪.‬‬ ‫هامش انتهازي يرسل برسع ٍة إىل بلدية (دمشق)؛‬ ‫ول بالرفع والنصب وتزيني الساحات ومداخل ال ِقالع من حجار ٍة ترمز إىل كبار العسكر‬ ‫أكاليل من الجوري والياسمني‪ ،‬أَ َ‬ ‫تبجيل لتامثيل هؤالء الذين احرتفوا قص الرقاب وانتهاك األعراض تحت مسمى السبايا وملكات‬ ‫ً‬ ‫عرب التاريخ‪ ،‬فكفانا‬ ‫اليمني والفتح والتحرير!‬ ‫وأنا ال أقصد هنا صالح الدين فقط بل أوزّع ُس ِّمي اإلنساين عىل متاثيل جميع العسكر من شتى الطوائف والتيارات‬ ‫السياسية عرب التاريخ إىل اليوم‪ ،‬والتي تشم ُخ يف الساحات الكربى ملختلف مدن العامل‪ ،‬فالسيف يبقى سيفًا سوا ًء حمله‬ ‫ِ‬ ‫الفتك بالسيف السني وتسمية حامله فات ًحا يف حني أُج ِّرم سيف‬ ‫شيعي أو ملحد! وال أستطيع تربير‬ ‫بوذي أو‬ ‫سني أو ٌّ‬ ‫ٌّ‬ ‫ٌّ‬ ‫ريتشارد!‪ ...‬فقط ألنه مسيحي‪!...‬‬ ‫‪11‬‬


‫غيت التاريخ‬ ‫مالحم ّ‬ ‫راوند دلعو‬

‫الحق الحق أقول لكم‪ ،‬فلنهدم متاثيلهم جمي ًعا ولنزرع مكانها رموزًا للعلم والياسمني يف مدينة الياسمني‪...‬‬ ‫فابن النفيس الدمشقي أ ْوىل بال(تَ ثَلَ ِة) والنحت والنصب والرفع والتدشني من صالح الدين وريتشارد قلب األسد‬ ‫وهوالكو وطارق وابن الدن وجورج بوش وجنكيز خان وهتلر وترششل وديغول والبغدادي وجميع من مروا من هنا‪...‬‬ ‫والزنبقة السورية (أوربة) أوىل بالرتبُّع مكان السيف األموي الذي ال‬ ‫ميت بصل ٍة ال لإلنسانية وال لدمشق الياسمني‪...‬‬ ‫عب عن رأيه بجرأ ٍة ورصاحة! لكنه أخطأ‬ ‫فكفاكم هجو ًما عىل كل من ّ‬ ‫ترب عىل عبادة العسكر من‬ ‫إذ مل يُدرك أنه يخاطب القطيع الذي ّ‬ ‫أصحاب التامثيل!‬ ‫وهنا يحق يل التساؤل‪ ...‬يات ُرى متى ستتعلم أمتنا احرتام الرأي اآلخر وتقبله؟! متى ستتعلم الفصل بني الحكم والعاطفة؟!‬ ‫فقد أختلف معك يف ُحكمك عىل فكر ٍة ما‪ ،‬لكن أب ًدا لن يستتبع هذا عاطفة كراهي ٍة لصاحب الفكرة!‬ ‫بطل ودماء اآلالف‬ ‫بطل ونحرتم ذلك‪ ،‬لكن فلتحرتموا وجهة نظر من ال يراه ً‬ ‫أما أنتم جامعة التعصب لصالح الدين‪ ،‬فرتونه ً‬ ‫تقطر من تاريخه مثله مثل أي ٍ‬ ‫عسكري خاض حروبًا طائفي ًة‪...‬‬ ‫قائد‬ ‫ٍّ‬ ‫أبطال‪ !...‬نحرتم ذلك‪ ،‬لكن فلتحرتموا وجهة نظر من ال‬ ‫و أنتم جامعة عباس الصفوي وابن العلقمي‪ ،‬يا من ترونهم ً‬ ‫يرونهم كذلك!‬ ‫الحق الحق أقول لكم‪ ،‬الزلنا نعيش يف ِخض ّم أزمة معايري وأزمات إنتامء‪ ،‬فلن نرتقي يف سلّم الحضارة طاملا أن َوعيُنا عب ٌد‬ ‫ملن شكّلوه بالسيف‪ ...‬علينا أن نحاكم التاريخ من الخارج‪ ،‬ومبوضوعية وتجرد‪...‬‬ ‫الحق الحق أقول لكم‪ ،‬املعارك الحقيقية الجديرة بالخلود هي تلك املعارك واملالحم التي حدثت يف رؤوس العباقرة‬ ‫ومخابر العلم يف الغرب ومحابر األدباء العظام يف الرشق والغرب‪ ،‬والتي أسفرت عن اكتشاف القوانني وميالد األعامل‬ ‫غيت حياتنا إىل األبد‪.‬‬ ‫األدبية العظيمة واخرتاع األجهزة واآلالت التي ّ‬ ‫سوري أقول‪ :‬األزمة ليست أزمة متثا ٍل لصالح الدين بل إنه ملن املعيب واملخجل أن يكون هناك ساح ًة‬ ‫وأخ ًريا وكمواطنٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫باسم املحتلني األمويني وأخرى باسم املحتلني العباسيني يف دمشق سوريا‪ ،‬وال يكون هناك وال حارة أو زاوية باسم‬ ‫(كاراكاال) أو (فيليب الدمشقي) أو غريهم من عظامء سوريا الحقيقيني‪.‬‬ ‫‪12‬‬


http://arabatheistbroadcasting.com/aamagazine https://www.aamagazine.blogspot.com https://www.facebook.com/pages/AAMagazine/498136386890299 https://issuu.com/928738

13


‫اإللحاد جـ ‪:6‬‬ ‫مقاالتفلسفية(‪)3‬‬ ‫‪Enki‬‬

‫نستكمل معكم نرش فصول كتاب «اإللحاد»‬ ‫تجميع ملنشور ٍ‬ ‫ات قام بنرشها‬ ‫إلنيك‪ ،‬وهو‬ ‫ٌ‬ ‫إنيك يف منتدى امللحدين العرب والحقًا تم‬ ‫تجميعها عىل شكل ملف ‪ pdf‬تم نرشه يف‬ ‫العام ‪ .2008‬قمنا يف العددين السابقني بنرش‬ ‫ٍ‬ ‫فصول عنونّاها «مقاالت فلسفية»‪،‬‬ ‫مجموعة‬ ‫ويف هذا العدد ننرش الجزء الثالث من هذه‬ ‫املقاالت‪ ،‬ويقابل الجزء الثالث الفصلني‬ ‫الخامس عرش والسادس عرش من الكتاب‪،‬‬ ‫وعنواناهام هام‪:‬‬ ‫‪ -15‬أنا موجو ٌد إ ًذا اإلله غري موجود!‬ ‫نقد لدليل الحدوث عند املتكلمني‪.‬‬ ‫‪ٌ -16‬‬

‫‪14‬‬


‫اإللحاد جـ ‪:6‬‬ ‫مقاالت فلسفية (‪)3‬‬

‫‪Enki‬‬

‫‪ -15‬أنا موجو ٌد إ ًذا اإلله غري موجود!‬ ‫كان أفضل ما قدمته يف منتدى التوحيد الوهايب هو ما أسميته دليل امتناع الغري والذي خطر يل بينام كنت استقل سيار ًة‬ ‫من نوع (‪ )Kia‬يف منطقة الدورة ببغداد ويا محاسـن الـصدف كـدت أُصاب بالجنون!! إذ أن هذا الدليل ال ينقض أب ًدا‪،‬‬ ‫كلـي لفكرة تباين الخالق عن الخلق التي يرددها أهل األديان‪ ،‬طب ًعا إنّها ال تشمل‬ ‫قلّبته من جميع الجهات وهـو ٌ‬ ‫نقـض ٌّ‬ ‫كل الهدف من جدالنا؟ نحن غال ًبا ما نتجادل مع‬ ‫كل إل ٍه محتملٍ أو أي فكر ٍة أخرى عن املوضوع ولكن أليس هذا هو ّ‬ ‫ّ‬ ‫أول ما هو الدليل وما هي مقدماته بدل السفسطة التي‬ ‫أهل األديان وال شأن لنا باإللهيني‪ .‬قبل أن نبدأ يجب أن نفهم ً‬ ‫كتبها أطفـال منتدى التوحيد‪.‬‬ ‫ابن سينا حينام يحاول أن يثبت وجود إل ٍه فإنّه ينطلق من الحادث إىل الواجـب أي انّه يبـدأ بإثبات أن العامل حادثٌ‬ ‫قديم ال علّة له فمن سار بهذا‬ ‫وأنّه ال ب ّد من علّ ٍة لحدوثه والمتناع الدور والتسلسل فإنّه ال ب ّد من علّ ٍة وواجب وجو ٍد ٍ‬ ‫االتجاه نسميهم السينويني‪.‬‬ ‫رجل يف الفلسفة اإللهية عكَس االتجاه املذكور‪ ،‬فهو ال يبدأ من العامل وال شأن لـه به بل يبدأ بإثبات واجب‬ ‫ولكن هناك ً‬ ‫الوجود ومن الواجب ينطلق إلثبات املمكن‪ ،‬إنّه صـدر املتـألهني وهو رجل وحدة الوجود وكان ال ب ّد لدلييل أن يستند‬ ‫طويل وأنت ال تريد إثبـاتًا يتطلـب‬ ‫طريق ٌ‬ ‫عىل مبدأ وحـدة الوجـود‪ ،‬ولكن طريق صدر املتألهني إلثبات وحدة الوجود ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫بأي‬ ‫مقدمات كثري ًة بل تريد إثبات ًا يقوم عىل أقل عد ٍد ممكنٍ من املقدمات البديهية حتى ال يـستطيع أح ٌد أن يطعن ٍّ‬ ‫منها‪ ،‬وأبو مريم الذي يتبنى مذهب املتكلمني ال يؤمن بأصالة الوجود الذي هو مذهب الفالسفة وال ميكن أن أحاول‬ ‫أغي موقفه فالحل الوحيد هو إثبات وحدة الوجود ولكن‬ ‫الدخول يف جد ٍل حول هذا املوضوع‪ ،‬إذ من املستحيل أن ّ‬ ‫وبـديهي وفـي سبيل ذلك لجأت إىل الرجل الثاين يف وحدة الوجود وهو الطباطبايئ‪ .‬فالطباطبايئ عنده‬ ‫بأسلوب سهلٍ ج ًدا‬ ‫ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫كل ما احتاجه إلثبات وحدة الوجود‪.‬‬ ‫العدم ال متايز فيه وهذا هو ّ‬ ‫وحدة الوجود ليست هي وحدة املوجود أو أنّه ال يوجد هناك ّإل املعشوق مثل فكرة ابن عريب وغريه‪ ،‬ولكن يقصد بها‬ ‫هنا أن الوجود حقيق ٌة واحد ٌة ومفهو ٌم واح ٌد غري متعد ٍد مثلام أن العدم مفهو ٌم واح ٌد غري متعد ٍد‪ ،‬العدم ليس شيئًا فهو‬ ‫ليس ذاك الذي تجده خارج الكون فأغلب الناس يظ ّنون أن العدم موجـو ٌد خارج الكون‪ .‬العدم نقيض الوجود والنقيضان‬ ‫ال يجتمعان م ًعا وال يرتفعان م ًعا فإذا صـدق أحـدهام كـذب اآلخر ال محالة‪.‬‬ ‫محضا!‬ ‫فجمل ٌة من نوع (العدم موجود) هي جمع متناقضني ألن العدم نقيض الوجود فكيف يكون موجود العدم بطالنًا ً‬ ‫إذن رمبا سنقول أن العدم غري موجود!! ولكن حتى هذه تطرح مشكل ًة بح ّد ذاتها ألن املوجـود هو فقط ما يُخرب عنه‪،‬‬ ‫قائل أنّه غري موجود‪.‬‬ ‫فعندما تقول العدم غري موجو ٍد فأنت هنا أخربت عن العدم ً‬ ‫‪15‬‬


‫اإللحاد جـ ‪:6‬‬ ‫مقاالت فلسفية (‪)3‬‬

‫‪Enki‬‬

‫وهذا جمع متناقضني إذ أنّك جعلته موجو ًدا بإخبارك عنه بينام حكمـت بأنّـه‬ ‫غيـر موجود!‬ ‫العدم ال يُخرب عنه‪ ،‬حس ًنا كيف نثبت أن العدم غري متامي ٍز أو أنّه ال متايز يف‬ ‫لعل أبا مريم ينكر القضية كلها‪ ،‬فنقول التاميز إما أن يكون بتامم‬ ‫العدم؟ إذ ّ‬ ‫الذات مثل ما هو الحال باألجناس العالية مثل اإلنسان والحجر فنحن نحكم‬ ‫أن اإلنسان متميز كل ًيا عن الحجر فالحيوان والجامد متاميزان بتامم ذاتهام‬ ‫أو يكون التاميز بجزء الذات فالفرس متامي ٌز عن اإلنسان وإن كان كالهام‬ ‫كل الذات‬ ‫مشرتكني يف أنّهام حيـوان‪ ،‬فالتاميز هنا ببعض الذات ال يف ّ‬ ‫أو يكون التاميز فـي األعـراض مثـل األحمـر واألخرض فهذا متمي ٌز عن ذاك ولك ّن العدم ال ذات له فال يتميز ال بهذه‬ ‫وال بتلك‪ ،‬فالعدم بنـا ًء عىل ذلك مفهو ٌم واح ٌد غري متعد ٍد أو العدم واح ٌد فليس هناك أنوا ٌع من العدم بل يكـون العـدم‬ ‫واح ًدا‪.‬‬ ‫وواضح أن هذا الجزء ال يُر ّد عليه‪ .‬حس ًنا‪ ،‬الوجود نقيض العدم فإذا كان العدم واح ًدا فإ ّن نقيضه ال ميكن أن يكون‬ ‫ٌ‬ ‫متعد ًدا وإلّ نـتج عنه ارتفاع النقيضني!!‬ ‫مثل أنا موجود والكتاب موجود فهل وجودي مغاي ٌر لوجود الكتاب من حيث املفهوم أم أنّهمـا‬ ‫لذا فالوجود واحد‪ً ،‬‬ ‫بنفس املعنى؟ فاألول يُعرف باالشرتاك اللفظي والثاين يُعرف باالشرتاك املعنوي‪.‬‬ ‫لنفرض األول وهو قول املشائني (أتباع أرسطو)‪ ،‬فاآلن إذا كان وجودي غري وجود الكتاب فإ ّن كون وجود الكتاب مغاي ٌر‬ ‫لوجودي يلزم منه أنّه غري موجو ٍد إذ أن غري الوجود هو العدم فمن جه ٍة هو ليس مبوجو ٍد ومن جه ٍة أخـرى هـو موجو ٌد‬ ‫وهو ارتفاع املتناقضني‪ .‬ثبت وحدة الوجود عندنا وبطريق ٍة ال ترد‪.‬‬

‫وهكذا كتبت الرشح املتقدم بهذه الطريقة‪:‬‬ ‫يف هذا الربهان سننطلق من حقيق ٍة بديهي ٍة ج ًدا وهي أنّه ال متايز يف العدم‪ ،‬ملاذا ال متـايز يف العدم قد يسأل أبو مريم‬ ‫مبا أنّه مل يجب عىل هذه النقطة‪ ،‬ألن التاميز تار ًة يكون بتمـام الذات وتار ًة يكون بجزء الذات وتار ًة يكون باألعراض‬ ‫محض فال ذات له حتى يتاميز بتامم الذات أو بأجزائها أو باألعراض لذا فالعدم ال متايز فيه‪ ،‬وإذا مل يكـن‬ ‫والعدم بطال ٌن ٌ‬ ‫العـدم متامي ًزا فإ ّن العدم واحد‪ ،‬وأل ّن الوجود نقيض العدم فال ب ّد أن يكون الوجود واح ًدا ألن نقيض الواحد ال يكون‬ ‫متعد ًدا وإلّ نتج عنه اجتامع أو ارتفاع النقيضني‪ .‬فينتج عندنا ‪-‬إلـى اآلن‪ -‬أن الوجود واح ٌد ال متعدد‪.‬‬ ‫‪16‬‬


‫اإللحاد جـ ‪:6‬‬ ‫مقاالت فلسفية (‪)3‬‬

‫‪Enki‬‬

‫أيضا‪،‬‬ ‫كل ما علينا فعله هو أن نقصف نظرية أيب مريم ونظرية املتكلمـني باملدفعيـة الثقيلـة‬ ‫اآلن ّ‬ ‫ٍ‬ ‫وبأسلوب ال ير ُّد ً‬ ‫ومختلف عن وجود اإلله ومادام‬ ‫مختلف عن وجود الشجرة‬ ‫فأبو مريم يرى تباين املوجودات فعنده وجود اإلنسان‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫متباي ًنا فإ ّن اإلله والكون أو حتى أنا أو أنت مشرتكان يف حقيقة الوجود من جه ٍة ومتاميزان من جه ٍة أخرى ألنّنا اثنان‬ ‫ولسنا واحـ ًدا وأل ّن مـا بـه االشرتاك (وهو الوجود) غري ما به االمتياز (أل ّن وجوده مباي ٌن عن وجودي) فيلزم منـه الرتكب‬ ‫ألي شيئني أن يكون هناك جهة اشرت ٍ‬ ‫اك وأن يكون هنـاك جهة امتيا ٍز وأن يكون ما به االشرتاك‬ ‫ألن هذا هو رشط الرتكب ّ‬ ‫غري ما به االمتياز والزم الرتكب حاجة املركّب إلـى األجزاء!!‬ ‫ولكن اإلله ال ميكن أن يكون محتا ًجا ألن وجود الواجب هو مناط الغنى الـرصف فيلزم منه عدم وجود إله!‬ ‫فأنا موجو ٌد إذن اإلله غري موجود‪ .‬ما أسهلها عيل وما أثقلها عليكم أيّها املتكلمون!‬

‫وهذا هو القسم الثاين من الدليل‪:‬‬ ‫فاآلن وجود اإلله املزعوم وجوب وجوده إما أن يكون مغاي ًرا لوجود الكـون املزعـوم أو إنّه مم ّك ٌن أو مشرتك‪.‬‬ ‫باطل كام رأينا‪،‬‬ ‫* فإن قيل هو مغاي ٌر له فليزم منه أن يكون الوجود متعد ًدا لفرض املغـايرة بينهام وهو ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫مشرتك فليزم منه الرتكب ألنّهام مشرتكان مـن جهـ ٍة ومتاميزان من جه ٍة لكونهام اثنان وما به االشرتاك غري‬ ‫* وإن قيل‬ ‫ما به االمتياز والزم الرتكب الحاجـة إىل األجزاء وهي تنايف الوجود الذايت الذي هو مناط الغنى الرصف‪.‬‬ ‫بطريق ٍ‬ ‫واحد وقد ِخفت أن يفطن أبو مريم له ولكن بعـد أن كتب يف ر ّده أن الوجود‬ ‫ال ميكن الرد عىل هذا الدليل إلّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫مستحيل‪.‬‬ ‫ً‬ ‫مشرتك لفظي (إ ّن الوجود عنده متباين) صار الر ُّد‬ ‫عنده‬ ‫لنسمع الرد منه‪:‬‬ ‫تعليق فيـه تهج ٌم أو سخري ٌة أو استهزا ٌء‬ ‫محل (إل ٍه) يا غبي (وهكذا سأضع كلمة «غبي» ضمن أي‬ ‫ومن قال لك أن هذا ُ‬ ‫ٍ‬ ‫حتى يرتدع)؟! دليلك العبقري غري ٍ‬ ‫أي يشء‬ ‫أي يش ٍء بدلً من ّ‬ ‫مقيد بواجـب وجـو ٍد وال ممكن وجو ٍد بل هو عا ٌّم يف إثبات ّ‬ ‫(فنظرية املايونيز) أو عدم متايز العدم التي اكتشفتها سيادتك تعنى أنّه ال يوجد سوى يش ٍء ٍ‬ ‫واحد فقط إمـا س أو ص‬ ‫فإن ُوجد س فـ ص غري موجود ٍة وإن وجد ص فـ س غري موجود ٍة ومبا أنّنـي أسـتطيع رؤية الباذنجان فإيف غري موجود!‬ ‫‪17‬‬


‫اإللحاد جـ ‪:6‬‬ ‫مقاالت فلسفية (‪)3‬‬

‫‪Enki‬‬

‫طب ًعا الشتائم نتحملها فهي رضيبة الحوار مع الشتامني واألطفال‪ ،‬ولكنه رأى أن هذا الدليل يثبت موجو ًدا واح ًدا يعني‬ ‫أي يش ٍء فإنّه سيثبت أنّه غري موجود! وهذا خطأ! وهذا كان الرد‪:‬‬ ‫إذا رفعت كلمة إل ٍه ووضعت محله ّ‬ ‫لنج ّرب أبا مريم والطعام‪ ،‬وجود أيب مريم إما أن يكون مغاي ًرا لوجود الطعام أو مـشرتكًا‪.‬‬ ‫باطل فيبقى الفرض الثاين ولكن ما غاية ما يلـزم مـن الفـرض الثاين؟‬ ‫الفرض األول ٌ‬ ‫محتاج للطعام‪ ،‬وماذا يعني ذلك؟‬ ‫يلزم أن أبا مريم‬ ‫ٌ‬ ‫محتاج للطعام؟؟‬ ‫أين التناقض يف قولنا أبو مريم‬ ‫ٌ‬ ‫محتاج للطعام أو يف القول أن الطعام يدخل يف تركيب اإلنسان؟‬ ‫أو اإلنسان‬ ‫ٌ‬ ‫وأين التناقض حتى يكون أحدهام موجـو ًدا فقـط؟ ويلـزم أن يكـون األخـر غيـر موجـود؟؟‬ ‫لنجرب الشجرة واملاء فامذا يلزم؟ يلزم أن تكون الشجرة محتاج ًة للامء؟‬ ‫ومـاذا يعنـي إذا قلنا املاء يدخل يف تركيب الشجرة؟ اإلنسان والهواء؟ الناتج هو اإلنسان محتاج للهواء‪ ،‬أين التناقض؟‬ ‫حتى يستلزم أن يكـون أحدهام موجو ًدا واآلخر غري موجود؟ وماذا يعني إذا قلنا أن الهـواء يـدخل فـي تركيـب اإلنسان؟‬ ‫إرسائيل وأمريكا‪ ،‬الناتج هو إرسائيل محتاجة ألمريكا! أين التناقض؟ التناقض يحصل فقط عندما تضع واجب وجو ٍد ألنّه‬ ‫ال ميكن أن يكون محتاج ًـا ألن الوجود الذايت هو مناط الغنى الرصف أما باقي املوجودات مام عدا اإلله فال تناقض يف‬ ‫محتاج لآلخر‪ ،‬اعرتاضك ضعيف يا أبا مريم‪.‬‬ ‫القول أن بعضها‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫جديد مل ير ّد بيشء‪ ،‬يف الحقيقة هو ض ّيع عىل نفسه الفرصة الوحيدة للر ّد والتي بها يهدم فكـره‪ ،‬إذ أن بإمكانـه أن‬ ‫من‬ ‫قائل ‪:‬‬ ‫ير ّد ً‬ ‫أن ما به االشرتاك ليس مغاي ًرا ملا به االمتياز بل أن ما به االشرتاك من سنخ (جنس) ما به االمتياز‪ ،‬مثال ذاك النور القوي‬ ‫ضعيف ولكن ما‬ ‫قوي واآلخر‬ ‫ٌ‬ ‫والنور الضعيف فهام مشرتكان من جه ٍة يف حقيقة النورية ومتمـايزان من حيث أن األول ٌّ‬ ‫به االمتياز من جنس مام بـه االشـرتاك ليس مغاي ًرا له حتى نقول أن الضوء القوي والضوء الضعيف مركبان!‬ ‫ٌ‬ ‫مشكك إىل مراتب مثل مـا أن‬ ‫فالزم الرتكب غيـر متحقق‪ ،‬ففي الحقيقة الوجود ميكن تشبيهه مثل النور فهو مفهو ٌم‬ ‫ٌ‬ ‫وضعيف وتد ّرجات يف النورية‪.‬‬ ‫قوي‬ ‫النـور‬ ‫ٌ‬ ‫مشكك إىل مراتب فهناك نو ٌر ٌّ‬ ‫متدرج فـي القوة والضعف والكامل وال ّنقص فالواجب (اإلله يف الفلسفة اإللهية) هو الوجود الرصف‬ ‫وهكذا الوجود‬ ‫ٌ‬ ‫(الكامل غري املحتاج لغريه الذي ال يعرتيه نقص) وكل املوجودات األخرى تتدرج يف حقيقة الوجود ويف حقيقة التكامل‪،‬‬ ‫‪18‬‬


‫اإللحاد جـ ‪:6‬‬ ‫مقاالت فلسفية (‪)3‬‬

‫‪Enki‬‬

‫واإلله هو املفيض للوجود عىل املوجودات مثل ما أن النور يفيض عىل العني مسب ًبا اإلبصار فهكذا اإلله يفيض وجوده‬ ‫عىل املوجودات فتصبح بربكة وجـوده موجودةً‪ ،‬هذا هو ما يُعرف بالتشكيك يف الوجود أو الوحدة يف عني الكرثة والكرثة‬ ‫يف عـني الوحـدة‪،‬‬ ‫ومحمد أطلق النار عىل هذه الفكرة عندما قال إن اإلله ليس كمثله يشء! فحكم أن وجود اإلله مغاير لوجود البرش‬ ‫فقىض عىل الفكرة الفلسفية وقىض عىل وجود إلهه يف نفـس املحـل‪ .‬وهنا كام أقول دامئًا موطن الفرق بني الفيلسوف‬ ‫وبني غريه‪.‬‬

‫نقد لدليل الحدوث عند املتكلمني‪.‬‬ ‫‪ٌ -16‬‬ ‫لعل أحد أشهر األدلة عند الفكر الديني عىل وجود إل ٍه هو دليل الحدوث فمـا‬ ‫ّ‬ ‫إسالمي حتى تجده يف أول األدلة التي تُذكر عىل وجود‬ ‫أي منت ًدى‬ ‫ٍ‬ ‫أن تـدخل ّ‬ ‫إله‪ ،‬وال يقترص األمر عىل هذا بل وجدنا الفيلسوف املسيحي ‪William Lane‬‬ ‫‪ Craig‬يعيد إحياء هذا الـدليل فـي العـامل املسيحي وتحت اسـم «حجـة‬ ‫علمـاء الكـالم الكونيـة» أو ‪ ،Kalam Cosmological Argument‬وحتى ال‬ ‫أطيل عليكم فإ ّن دليل الحدوث متكو ٌن من برهانني ونتيجـة الربهـان األول‬ ‫تشكل صغرى الربهان الثاين‪:‬‬ ‫الربهان األول‪:‬‬ ‫كل متغريٍ حادث‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫العامل متغري‪.‬‬ ‫لذا‪ :‬العامل حادث‪.‬‬ ‫وهذه النتيجة تشكل كام قلنا صغرى الربهان الثاين‬ ‫الربهان الثاين‪:‬‬ ‫العامل حادث‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫حادث يحتاج إىل محدث‪.‬‬ ‫كل‬ ‫ّ‬ ‫لذا‪ :‬العامل يحتاج إىل محدث‪.‬‬ ‫‪19‬‬


‫اإللحاد جـ ‪:6‬‬ ‫مقاالت فلسفية (‪)3‬‬

‫‪Enki‬‬

‫للوهلة األوىل سنسلم للمتكلمني قولهم «العامل متغري» فال ب ّد للمتكلمني كيام تـصح حجـتهم أن يثبتوا كربى القياس‬ ‫األول والثاين أي‪:‬‬ ‫كل متغريٍ حادث‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫حادث يحتاج إىل محدث‪.‬‬ ‫كل‬ ‫ّ‬ ‫أما األول فقد طرح املتكلمون برهانًا مل يوافق الفالسفة عليه ولكن الفالسـفة برهنـوا تلـك املقدمة بطريق ٍة أخرى ولهذا‬ ‫ٍ‬ ‫حادث يحتاج إىل محدث»‬ ‫«كل‬ ‫أي حا ٍل فال يتبق لدينا سوى كربى القيـاس الثاين وهي ّ‬ ‫فنحن سنقبل بها عىل ّ‬ ‫سبيل إلثبات تلك املقدمة ألن الحادث مـن‬ ‫وهنا نجد أن الفالسفة ال يوافقون املتكلمني عليهـا بل يرون أنّه ال يوجد ٌ‬ ‫حيـث هـو حـادث ‪-‬أي مسبوقية وجود اليشء بالعدم‪ -‬غري محتا ٍج إىل علّ ٍة وإنّ ا مناط الحاجة إىل العلّة هو اإلمكان‬ ‫بحسب الفالسفة السينويني (أتباع ابن سينا) فالفالسفة يرون أن مناط الحاجة إىل العلّة ال ب ّد أن يبحث يف ذات املعلول‬ ‫ال يف العدم السابق له‪.‬‬ ‫وقبل أن نستمر فإ ّن الجملة السابقة حول مناط الحاجة إىل علّ ٍة تحتاج بعض الرشح والتفصيل‪ ،‬ما هي علّة الحاجة إىل‬ ‫كل يش ٍء ال ب ّد له من علّة؟‬ ‫علّة؟ أي متى يكون من الرضوري أن يكون لليشء علّة؟ وهل ّ‬ ‫املتكلمون وبعض أدعياء الفلسفة يرون أن الحدوث هو مناط الحاجة إىل العلّة ‪ ..‬يعني اليشء مل يكن موجو ًدا أو كان‬ ‫ومفيضا يفـيض عليه الوجود‬ ‫معدو ًما ث ّم ُوجد بعد ذلك‪ ،‬فخروجه إىل الوجود يستدعي مان ًحا‬ ‫ً‬ ‫وإل فال ميكن أن يكون وجود ذاك‬ ‫ّ‬ ‫اليشء صدف ًة إذ أن األمر بني مـدارين‬ ‫إمـا يوجد اليشء بعل ٍة أو باالتفاق‬ ‫والصدفة وحيث أن الصدفة ممتنع ٌة‬ ‫يف هكذا مور ٍد فيكون ال ب ّد لكل ما مل‬ ‫يكن موجو ًدا ث ّم ُوجد من علّ ٍة وعليه‬ ‫فإ ّن القديم ‪-‬أي املوجود‪ -‬منذ األزل‬ ‫ال علّة لـه وليس هذا استثنا ًء من‬ ‫قانون العلّية ألن القديم ال يخـضع‬ ‫لـرشط العلّيـة وهـو الحـدوث‪،‬‬ ‫‪20‬‬


‫اإللحاد ‪..‬جـﰲ‪:6‬ﺻﻮرﺗني‬ ‫اﳌﻮت‬ ‫مقاالت فلسفية (‪)3‬‬

‫اﻷﺳﺌﻠﺔ ﻫﻮ‬ ‫القديمﻫﺬا‬ ‫ﺗﺬﻛﺮت أن‬ ‫واﻹﻧﺠﻴﻞ؟ ﺛﻢ‬ ‫ﻛﺘﺎﺑﺔ‬ ‫اﻟﻌﺪو‪ .‬ما سواه‬ ‫كل‬ ‫ويجعلون ّ‬ ‫ﻣﻦاإلله‬ ‫اﻟﻨﻮع أو‬ ‫بالواجب‬ ‫يحرصون‬ ‫اﻟﻘﺮآناملتكلمني‬ ‫وعليه فإ ّن‬ ‫حادث ًا مل يكـن موجو ًدا ث ّم ُوجِد وهو ما يعرف بالحادث الزماين فيتصورون نقطة‬ ‫اﳌﻤﻜﻦ أن‬ ‫وﻫﻞ ﻣﻦ‬ ‫ﻋﲆ ﻧﺎر‬ ‫اﻟﺠﺎذﺑﻴﺔ‬ ‫لكل ﺗﺮى‬ ‫ﻧﻔﴘ ّﻳﺎ‬ ‫مثل‬ ‫والحقيقة أن‬ ‫ﺟﻬﻨﻢُوجِد‬ ‫قبلها ث ّم‬ ‫موجو ًدا‬ ‫ﺗﺄﺛريالعامل‬ ‫ﻫﻮيكن‬ ‫العاملﻣﺎلـم‬ ‫ﺳﺄﻟﺖزماني ٍة‬ ‫بد ٍء‬ ‫يكونوأﻏﻠﺐ‬ ‫اﻟﻜﻔﺎر ﻛ ٌرث‬ ‫اﳌﻌﺮوف أن‬ ‫بنظر أﺳﻮد‬ ‫ﺛﻘﺐ‬ ‫ﺗﺘﺤﻮل إﱃ‬ ‫األمر ٍ‬ ‫العامل‬ ‫تص ّور أن‬ ‫ﻣﻦ ال ميكن‬ ‫ﻛﺘﻠﺘﻬﺎ؟ٍل إذ‬ ‫ازدﻳﺎد مقبـو‬ ‫ﺑﺴﺒﺐيع ّد غري‬ ‫الفالسفة‬ ‫هذا‬ ‫ﺳﻜﺎن اﻷرض ﺳﻴﻨﺘﻬﻲ ﺑﻬﻢ اﳌﻄﺎف ﻫﻨﺎ‪ .‬ﻛﻢ ﻣﻠﻴﺎر إﻧﺴﺎنٍ‬ ‫معلولها‪،‬ﻋﲆ‬ ‫ﺟﻬﻨﻢ ﻟﺘﻨﻬﺎر‬ ‫ﺗﺤﺘﺎج‬ ‫بعدم يف الزمان السابق إذ يلزم من ذلك انفكاك العلّة عن‬ ‫مسبوقًا ٍ‬ ‫ﻟﺜﻘﺐ أﺳﻮد؟‬ ‫ﻧﻔﺴﻬﺎ وﺗﺘﺤﻮل ٍ‬ ‫بل يرى الفالسفة أن كليات العامل غري حادث ٍة زمان ًيا ولكن جزئيات العـامل هـي‬ ‫ﺑﻌﻘﻞٍ‬ ‫ﳌﺎذا ﺧﻠﻘﻨﻲ‬ ‫ﻣﺤﻤﻮد‪ ،‬ﻟﻜﻦ‬ ‫اﻷﺳﺌﻠﺔ‬ ‫ﺗﺬﻛﺮت أن‬ ‫ﺛﻢ‬ ‫اﳌﻌﻠﻢالواجب‬ ‫وجودها عن‬ ‫مستغني ٌة يف‬ ‫كلياتﻏريالعامل‪-‬‬ ‫اﻟﻨﻮعنّهاﻣﻦ‪-‬أي‬ ‫ﻫﺬايعني أ‬ ‫وهذا ال‬ ‫الحادثة‬ ‫الواجبﻣﺎبلﺧﻠﻘﻪ‬ ‫بذاتاﺳﺘﺨﺪام‬ ‫القديم ﻋﲆ‬ ‫يحرصونﻳﻌﺎﻗﺒﻨﻲ‬ ‫اﳌﻌﻠﻮﻣﺎت‪ ،‬ﺛﻢ‬ ‫وﻳﺤﺎﻛﻢ‬ ‫ﻫﺬه يفاﻷﺳﺌﻠﺔ‬ ‫يرونﱄ؟أن‬ ‫الفالسفة ال‬ ‫األمر أن‬ ‫كل مـا‬ ‫ﻳﻄﺮح ّ‬ ‫بل‬ ‫ﻓﺮﺻ ٌ‬ ‫ً‬ ‫داﺧﻞ‬ ‫أﻛﻮن‬ ‫أن‬ ‫ﺗﻌﻮض‬ ‫ﻻ‬ ‫ﺔ‬ ‫ﻟﻜﻨﻬﺎ‬ ‫اﻷﺑﺪ‬ ‫إﱃ‬ ‫ﺳﺄﺣﱰق‬ ‫أﻧﻨﻲ‬ ‫ﺻﺤﻴﺢ‬ ‫‪،‬‬ ‫ﺔ‬ ‫أﺳﺌﻠ‬ ‫ﻛﻔﻰ‬ ‫محتاج إىل علّ ٍة ومتكأٍ بوجوده عىل الواجب وهذا‬ ‫اليشء قد يكـون ٌأزليـًا ولكنه‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫الـذايتدون أن‬ ‫وأرﺻﺪﻫﺎ‬ ‫ﺗﻔﺎﻋﻼت‬ ‫أﻣﻮت‪.‬فإ ّن املتكلمني مل يتعمقوا يف فهم مناط‬ ‫وللحقيقـة‬ ‫بالحدوث‬ ‫ﻫﻜﺬاعرف‬ ‫ما يُ‬ ‫الحاجة إىل علّ ٍة بل إنّهم حرصوا األمر بالحدوث ومـا دفعهم إىل هذا هو قولهم‬ ‫النقلﻛﺎﻣريا‬ ‫ﻻﺣﻈﺖمواوﺟﻮد‬ ‫بحدوثأﴏخ‬ ‫اﻟﻌﺬاب وأﻧﺎ‬ ‫دﺧﻠﺖرشﻧﺎرائعﺟﻬﻨﻢ‬ ‫عىل‬ ‫ﻟﻜﻨﻲأنّهم قـ ّد‬ ‫وأﺗﻌﺬب‪،‬يعني‬ ‫العامل زمان ًيا!‬ ‫وﺑﺪأنطقت‬ ‫الحقة»‬ ‫إن «ال‬ ‫أﻋﲆ ﺟﻬﻨﻢ ﺗﺼ ّﻮر ﻋﺬايب وﺗﺒﺜﻪ ﻷﻫﻞ اﻟﺠﻨﺔ ﻟيك ﻳﺘﻤﺘﻌﻮا ﺑﻌﺬايب‪.‬‬ ‫ﰲالعقل‪.‬‬ ‫ﻏﻠﻴﻠﻬﻢ‪،‬‬ ‫منـاطﻳﺸﻔﻮا‬ ‫ﻳﺴﺘﻄﻴﻌﻮن أن‬ ‫اﻟﻌﻠﻤﻴﺔكوناﻟﻴﻮم‬ ‫ﺗﺤﻤﻠﻮا‬ ‫اﳌﺆﻣﻨﻮن‬ ‫إلـى‬ ‫الحاجـة‬ ‫الحـدوث هـو‬ ‫ﻣﻘﺎﻻيتدعوى‬ ‫ردو ٍد عىل‬ ‫اﻟﺬﻳﻦثالث‬ ‫كملخص‬ ‫فهناك‬ ‫ﻫﺎ أﻧﺎ أﺣﱰق وأﺗﻌﺬب وﻫﻢ ﻋﲆ اﻷراﺋﻚ ﻣﺘﻜﺌﻮن‪ ،‬ﻓﺮﺣني مبﺎ أﻋﻄﺎﻫﻢ اﳌﻌﻠﻢ ﻣﻦ‬ ‫علّة‪:‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ﻓﺎﻛﻬﺔ وإﺟﺎص وﻧﺒﻴﺬ‪ ،‬اﻟﺬﻛﻮر ﻳﻀﺎﺟﻌﻮن اﻟﺤﻮرﻳﺎت واﻟﻨﺴﺎء ﻳﺸﺎﻫﺪن أزواﺟﻬﻦ‬ ‫وﻳﺤﻔّﺰﻧﻬﻢ ﻋﲆ اﳌﺰﻳﺪ‪ .‬ﻛﻢ ﻫﻢ ﺳﻌﺪاء؟!‬ ‫مناط الحاجة إىل علّة يجب أن يبحث يف ذات املعلول ال يف العدم السابق له‪.‬‬ ‫ﻳﺄﻛﻠﻮن ٍاﻹﺟﺎص وﻳﺘﻀﺎﺟﻌﻮن دون‬ ‫هناك إﱃ‬ ‫يكونﻣﺘﻜﺌني‬ ‫اﻷراﺋﻚ‬ ‫ﺗﻮﻗﻒ‪،‬جا‬ ‫اﻷﺑﺪ‪ ،‬غري‬ ‫موجو ًدا‬ ‫ﻋﲆ أن‬ ‫ﺳﻴﺒﻘﻮن من‬ ‫ال ميتنع‬ ‫حادث زمان ًيا ومع ذلك يكون محتا ً‬ ‫ﴫ ﻫﻨﺎ وذاك ﻟﻪ ٌ‬ ‫ﻣﻨﺰل ﻫﻨﺎك‪.‬‬ ‫ﻗ‬ ‫ﻫﺬاعلﻟﻪّة‪ٌ .‬‬ ‫إىل‬ ‫واملؤثر‪ .‬أﻧﻬﺎ ٌر‬ ‫باألثر اﻷرض‪،‬‬ ‫الحال ًريا ﻋﲆ‬ ‫ﻧﺴﻤﻴﻪ ﻋﺼ‬ ‫ﻳﺴﻜﺮ أو ﻣﺎ‬ ‫تفرساﻟﺬي ﻻ‬ ‫اﻟﻨﺒﻴﺬ‬ ‫نظريةأﻧﻬﺎ ٌر ﻣﻦ‬ ‫ﻳﻮﺟﺪ‬ ‫الوجوديةﻛﻨﺎكام هو‬ ‫العلل غري‬ ‫الحدوث ال‬ ‫ﻣﻦ اﻟﻌﺼري‪.‬‬ ‫أما عموم الفالسفة املؤمنني بأصالة املاهية أو م ّمن اغفلوا البحث يف هذا‬ ‫ﺟﻨﺎنٍ‬ ‫ﻟﻠﻤﻀﺎﺟﻌﺔ‬ ‫مناطﻫﻲ‬ ‫ﻓﻜﺮة‪ ،‬ﻣﺎ‬ ‫ﺧﻄﺮتـمﰲ ﺑﺎﱄ‬ ‫ﻓﺠﺄ ٌة‬ ‫ﻛﻴﻒال‬ ‫اﻷﺑﺪ؟وملن‬ ‫عىلإﱃاملاهية‬ ‫اﻟﻐﺎﻳﺔإىلﻣﻦالعلّة هو التوفر‬ ‫الحاجة‬ ‫يرون أن‬ ‫املوضـوع فه ُ‬ ‫ماهية أن ﻫﺬا‬ ‫مثلﺗﺬﻛﺮت‬ ‫اﻟﻜﻮن؟ ﺛﻢ‬ ‫اﻟﻮﺟﻮديفوﻋﻈﻤﺔ‬ ‫املاهيةاﻟﺠﻨﺎن‬ ‫ﺗﻜﻮن ﻫﺬه‬ ‫اإلنسان‬ ‫جواب ما هو‬ ‫ﻋﲆما يقال‬ ‫اﻟﺠﻮابهي‬ ‫ﻫﻲاملاهية‬ ‫أقول أن‬ ‫يذكر‬ ‫اﻟﻨﻮع ﻣﻦ اﻷﺳﺌﻠﺔ ﻫﻮ اﻟﺬي ﻗﴣ ﻋﲇ‪.‬‬ ‫هي الحيوانية والناطقية‪.‬‬ ‫‪21‬‬ ‫‪36‬‬

‫ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻋﲆ اﻟﻔﻴﺴﺒﻮك‬


‫اإللحاد جـ ‪:6‬‬ ‫مقاالت فلسفية (‪)3‬‬

‫‪Enki‬‬

‫هناك صفاتٌ رضوري ٌة لصحة تص ّور بعض القضايا واألشياء بحيث ال يصح تص ّور الـيشء إذا ما سلبت تلك الصفة منه‪،‬‬ ‫فمثل صفة الزوجية يف الرقم أربعة هي صف ٌة ضـروري ٌة للـرقم أربعة إذ ال ميكن أن يكون الرقم أربعة ّإل زو ًجا وال ميكنك‬ ‫ً‬ ‫أن تتص ّور الرقم أربعة ّإل زو ًجا فإذا انتفت هذه الصفة منه ما عاد أربعة وإنّ ا صار شيئًا آخر‪ ،‬ولكن صفة الوجـود‬ ‫كل‬ ‫لإلنـسان ليست رضوري ًة إذ باإلمكان أن تتص ّور اإلنسان غري موجو ٍد أو معدو ًما وبإمكاننا أن نتص ّوره موجو ًدا وهكذا ّ‬ ‫ماله ماهي ًة بإمكاننا أن نتص ّور أن وجوده أو عدمـه ممكـن أو أن صـفة الوجود أو حتى العدم غري رضوري ٍة له فاصطلح‬ ‫وأيضا فإ ّن‬ ‫الفالسفة عىل هذا اليشء بأنّه ممكن‪ ،‬فاملمكن بحسب التعريف هو ّ‬ ‫كل ما تتساوى نسبته إىل الوجود والعدم ً‬ ‫كل ذي ماهي ٍة ممكن‪ ،‬وهذا يشكّل املقدمة األوىل ملناط الحاجة إىل العلّة عند السينويني‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫املقدمة الثانية من القانون العقيل القائل باستحالة الرتجح بال مرج ٍح‬ ‫كل كف ٍة هناك مجموع ٌة متامثل ٌة‬ ‫مثل تص ّور ميـزانًا ذا كفتني ويف ّ‬ ‫يعني ً‬ ‫من األوزان بحيث يكون امليزان متوازنًا والكفة األوىل مستوي ٌة مع الثانية‬ ‫فليك نجعل إحدى الكفتني ترجح عىل األخرى ال ب ّد أن نرفع بعـض‬ ‫األوزان من إحداهام أو نزيد بعض األوزان‪ ،‬أما إذا تركنا امليزان عىل حاله‬ ‫فإنّنا سنحكم قطع ًـا أنّه ال ميكن أن ترتجح إحدى الكفتني عىل األخرى‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫بحائط وتتجه‬ ‫ومثال آخر أنّك تشاهد كر ًة تتحرك برسع ٍة ومن ث ّم تصطدم‬ ‫يسا ًرا فعندها نتساءل ما الذي جعل الكرة تتجه يسا ًرا بينام كـان من‬ ‫املمكن أن تتجه ميي ًنا؟‬ ‫ال ب ّد من وجود عاملٍ رجح هذا االتجاه عىل ذاك‪ ،‬إنّنا نتساءل عن هكذا عاملٍ كث ًريا يف حياتنا فنسأل حتى عن ترصفات‬ ‫اإلنسان فلامذا اختار فال ٌن هذا الطريـق ومل يخرت الطريق اآلخر؟ ما الذي رجح هذا االختيار عىل اآلخر؟ ما الذي جعـل‬ ‫أمريكـا تحتل العراق؟ أي ما الذي رجح خيار الحرب عىل خيار عدم الحرب؟ إذ أن التـرجح بـال مرج ٍح أم ٌر غري قابلٍ‬ ‫كل املتكلمون كعادتهم أنكروا هذا االمتناع ورأوا جواز الرتجح‬ ‫عقل ونحن نحكم بديه ًيا بصحة هذا املبدأ‪ ،‬عىل ٍّ‬ ‫للتص ّور ً‬ ‫ورضبوا أمثل ًة سخيف ًة يف جواز ذلك ال أرى حتى أنّها تستحق ِ‬ ‫الذكر‪.‬‬ ‫فإذا كان اليشء تتساوى نسبته إىل الوجود والعدم ث ّم وجدنا هذا اليشء موجو ًدا فإنّنا سنتساءل ما الذي أخرج ذاك‬ ‫اليشء عن حد االستواء بحيث صار موجو ًدا؟ ما هو املرجح لوجود اليشء عىل عدم وجوده؟ إذ ال ب ّد من مرج ٍح لرتجيح‬ ‫وجود اليشء عىل عدمه وهذا املرجح هو العلّة فإذا ُوجدت العلّة وجب وجود املعلول وإذا مل توجد العلّة مل يوجد‬ ‫املعلول‪ ،‬عىل أنّنـا عنـدما نقول املمكن هو ما تتساوى نسبته إىل الوجود والعدم ال نعني بذلك أنّه موجو ٌد يف الوسـط‪،‬‬ ‫‪22‬‬


‫اإللحاد جـ ‪:6‬‬ ‫مقاالت فلسفية (‪)3‬‬

‫‪Enki‬‬

‫اعتباري وليس تساويًا فعل ًّيا وواقعـ ًّيا فاملمكن فعل ًيا إما موجو ٌد‬ ‫إذ ال يوجد وس ٌط يف البني بل إن هذا التساوي هو تسا ٍو‬ ‫ٌّ‬ ‫وإما معدوم‪.‬‬ ‫إذن فمناط الحاجة إىل العلّة هو أم ٌر أوسع من مجرد الحدوث الذي يتكلم عنه املتكلمـون‪ ،‬بـل مناط الحاجة هو‬ ‫ٍ‬ ‫محتاج يف وجوده إىل علّ ٍة إذا كان ممك ًنا أو كان‬ ‫حادث زمان ًيا ومـع هـذا فإنّه‬ ‫قديم غري‬ ‫اإلمكان ومن املمكن تص ّور يش ٍء ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫ذا ماهي ٍة وهذا ما يعرف بنظريـة املاهيـة‪،‬‬ ‫ومام يذكر هنا هو أن سبب عدم حاجة الواجب إىل علّ ٍة هو أن الواجب ال ماهية له حتى يكون بحاج ٍة إىل علّة‪ ،‬وهذا‬ ‫مر ًة أخرى ليس استثنا ًء يف قانون العلّية املاهوي‪ ،‬ومن عجب أنّك تجـد عامة املسلمني عندما تسألهم‪ :‬ما هو الله؟‬ ‫رص عن معرفة ماهيتـه!!! فهم يثبتون له ماهي ًة ويطلقون النار عىل عقولهم قائلني أنّنا عاجزون‬ ‫يقولون لك إن عقلنا قا ٌ‬ ‫عن إدراكهـا‬ ‫والحقيقـة بحسب الفالسفة اإللهيني هو أن اإلله أو قل الواجب ال ماهية له حتى يـُسأل مـا هـو الله؟ فالسؤال فاس ٌد من‬ ‫األساس‪ ،‬وحتى نختم البحث يف هذا املورد نقول إن الفالسفة يقولون إن املاهية مقدم ٌة علـى اإلمكـان واإلمكان مقد ٌم‬ ‫عىل الحاجة والحاجة مقدم ٌة عىل اإليجاب وإيجاد العلّة والعلّة متقدمـ ٌة علـى وجوب وجود املعلول ووجود املعلول‬ ‫مقد ٌم عىل حدوث املعلول‪ ،‬ومن هنا فحني يُقال وجـود املعلول مقد ٌم عىل حدوثه ألن الحدوث هو مسبوقية الوجود‬ ‫عقل عىل أن نفهم من التقدم هنا التقـدم‬ ‫وصف للوجود‪ ،‬ومـن الواضح أن املوصوف مقد ٌم عىل الصفة ً‬ ‫بالعدم وهو ٌ‬ ‫الرتبـي ال التقدم الزمني‪ ،‬وعندما سنأيت ملناقشة دليل اإلمكان أو برهان الصديقني السينوي سرنى أن كال الفريقني كان‬ ‫مخطئًا يف كالمه بشأن مناط الحاجة إىل علّ ٍة وسأختم مناقشة نظرية الحدوث بهذا البيت الشعري لـصاحب املنظومـة‬ ‫(الـسبزواري)‪:‬‬

‫من يف حدوث العامل قد انتهج فإنّه عن منهج الصدق خرج‬

‫‪23‬‬


‫اإللحاد جـ ‪:6‬‬ ‫مقاالت فلسفية (‪)3‬‬

‫‪Enki‬‬

‫هل العامل واحد‪:‬‬ ‫سلمنا فيام مىض باملقدمة التي تقول إن العامل متغ ٌري فاآلن نريد أن ننـاقش هـذه املقدمـة والسؤال الذي سنطرحه عىل‬ ‫املتكلمني هو هل العامل واح ٌد بالوحدة الشخصية أو أنّه غري ٍ‬ ‫واحد بالوحدة الشخصية؟‬ ‫فاألول ‪-‬أي الوحدة الشخصية‪ -‬أُشبّهه بجسم اإلنـسان إذ مـن الواضـح أن أجزاء الجسم مرتبط ٌة ببعضها البعض ارتباطًا‬ ‫وثيقًا ويتكئ بعضها عىل الـبعض اآلخـر فـي صحة عملها بحيث إذا عطب أحد األجهزة الحيوية فإنّه يؤدي إىل عطب‬ ‫اإلنسان بأكمله‪.‬‬ ‫اض متنوع ٌة بحيث قد يكون ال عالقة‬ ‫أما الثاين فأُشبهه مبثل املخزن واملستودع حيث تخزن فيه أمو ٌر متعدد ٌة وأغر ٌ‬ ‫لبعضها بالبعض اآلخر‪،‬‬ ‫واضح هو أن العامل إذا مل يكن‬ ‫والهدف من السؤال كام هو‬ ‫ٌ‬ ‫واح ًدا بالوحدة الشخصية فال حرج من فرض أن بعضه حادثٌ‬ ‫ٌ‬ ‫معلول واآلخـر غيـر معلـول‪ ،‬إذ أنّه‬ ‫وبعضه قدي ٌم وأ ّن بعضه‬ ‫مجموعة أجزا ٍء غري مرتبط ٍة كلّها ببعضها البعض مثل مثال‬ ‫املستودع املذكور آنفًـا فيكـون بعضه علّ ًة لوجود البعض اآلخر‬ ‫كل العامل إذ أنّه أجزا ٌء‬ ‫التغي يف بعض العامل ال يعني تغيري ّ‬ ‫كام أن ّ‬ ‫غري مرتبط ٍة ارتباطًا وثيقًا مع بعضها‪.‬‬ ‫فعـل واحـ ٌد وأجزاءه مرتبط ٌة ببعضها‬ ‫اآلن الفالسفة اإللهيني يرون أن العامل واح ٌد بالوحدة الشخصية ويرون أن العامل ٌ‬ ‫كل‬ ‫البعض ارتباطًا وثيقًا وهذا كلّه بهدف النجاة من السنخية التي تكلمنا عنها يف موضو ٍع آخر‪ ،‬إذ أن البسيط من ّ‬ ‫يصح األمر‪،‬‬ ‫فعل واحـد‪ ،‬فال ب ّد أن يكون العامل واح ًدا ويكون الخلق كلّه ً‬ ‫الجهات ال يصدر منه إلّ ٌ‬ ‫فعل واح ًدا حتى ّ‬ ‫وهؤالء الفالسفة قدموا إثبات ًا عىل وحدة العامل ولكن هذا اإلثبات يعتمد عىل علم الفلك القديم املوروث من اليونانيني‬ ‫وهـو أم ٌر مل يعد مقبولً يف زمننا‪.‬‬ ‫هناك ظاهر ٌة جميل ٌة ومخيف ٌة يف الكون وهي الثقوب السوداء وهذه الثقوب كام تعرفون كلّكم لها من املجال الجذيب‬ ‫الهائل أنّها قادر ٌة عىل جذب وابتالع مجر ٍة كامل ٍة تحـوي مئـات ماليـني الشموس!!! فلو فرضنا أن الكون كلّه مرتب ٌط‬ ‫كل‬ ‫يبعضه ارتباطًا وثيقًا عن طريق الجاذبية لكـان أدى هذا االرتباط إىل فناء الكون إذ أن تلك الثقوب السوداء ستبتلع ّ‬ ‫كل البعد عن نطاق الجذب لهذه األجـسام‬ ‫كل ما هو مستق ٌر وقت ًيا يف الكون بعي ًدا ّ‬ ‫يش ٍء مرتب ٌط معها بـل ال ب ّد أن يكون ّ‬ ‫املخيفة!‬ ‫‪24‬‬


‫اإللحاد جـ ‪:6‬‬ ‫مقاالت فلسفية (‪)3‬‬

‫‪Enki‬‬

‫ومثال ذلك من يصاب بالجذام فتتساقط أعضاءه الواحد تلو اآلخر‪ ،‬فالكون بالحقيقـة وإن كان يف بعض مناطقه ترتبط‬ ‫كل يش ٍء يرتبط ببعضه بنفس هذه الدرجة فيمكن‬ ‫أجزاءه مع بعضها كام هو الحال مبجموعتنا الشمسية ولكن ليس ّ‬ ‫القول أن العلم الحديث محاي ٌد من هذه الناحية فال هو يثبت األول وال يثبت الثاين وإن كان عندنا أدل ٌة عىل الثاين فإذا‬ ‫مل يثبت أن الكون واح ٌد بالوحدة الشخصية فال يوجد مان ٌع من افرتاض أن يكون بعضه علّ ًة لآلخر وأن يكون بعـضه‬ ‫قديم‪.‬‬ ‫قدميًا واآلخر غري ٍ‬

‫ما الذي يثبته دليل الحدوث؟‬ ‫ٍ‬ ‫محدث‬ ‫محتاج إىل‬ ‫كل ما قاله املتكلمون فام الذي يثبت عندنا؟ يثبت أن العامل حادثٌ وأنّه‬ ‫ط ّيب‪ ،‬دعونا نفرتض صحة ّ‬ ‫ٌ‬ ‫دليل عىل وجود مجرد علّ ٍة‬ ‫دليل عىل وجود إل ٍه وال نريد ً‬ ‫محتاج إىل علّ ٍة يف حدوثه‪ ،‬ولكن نحن نريـد من املؤمنني ً‬ ‫أو‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫محدث‬ ‫للكون أو‬ ‫دليل عىل وجود مجرد علّ ٍة‬ ‫إذ ما املانع أن يكون املحدث والعلّة ليست بإله؟ إذ أن اإلله ليس مجرد علّ ٍة ونحن ال نريد ً‬ ‫دليل عىل كون العلّة‬ ‫للكون‪ ،‬رمبا تنفع هذه الحجة مع من ال يؤمنون بوجود علّ ٍة للعامل ولكن لـيس معنا فنحن نريد ً‬ ‫حـي رز ٌاق و ُم ِ‬ ‫كل الصفات التي ينسبها‬ ‫رس ٌل لألنبياء وله جن ٌة ونا ٌر وإىل ّ‬ ‫األوىل هي ٌ‬ ‫فاعل مري ٌد علي ٌم حكي ٌم سـمي ٌع بـص ٌري ٌّ‬ ‫الفكر الديني عىل تنوعهـا إىل اإلله وبال استثناء‪،‬‬ ‫كل مـا‬ ‫دليل يقين ًّيا عىل ّ‬ ‫إذ أننا ال نقبل بأي يش ٍء ّإل بدليل كام أنّنا نريد ً‬ ‫دليل منطقيًّا صحي ًحا من حيث املادة والصورة ال دليل شبايب‬ ‫تقدم ونريد ً‬ ‫من منط أدلة شـباب املنتديات ومن شاكلتهم‪.‬‬ ‫مل يكتب أح ٌد من فجر البرشية مثل هكذا دليلٍ أنّهم يثبتون قدميًا أو‬ ‫واج ًبا أو علّ ًة أوىل ومن ث َم يقولون اإلله موجو ٌد وهذه قفز ٌة فوق النتائج‬ ‫ومغالط ُة يف صورة االستدالل إذ أن النتيجة غيـر متوفر ٍة يف املقدمات بل‬ ‫هي أكرب من املقدمات!!!‬ ‫دليل عىل وجود‬ ‫فعجيب أمركم يا متدينني مل تكتبوا منذ بداية البرشية ً‬ ‫إل ٍه ومع هذا تريدوننا أن نؤمن بوجوده؟ حقًا أم ٌر عجيب‪.‬‬ ‫‪25‬‬


‫قناة جسور | ‪Bridges.TV‬‬

‫رب ملن ال منرب له‪ ،‬وقنا ٌة لحرية التعبري والتواصل والتعايش مع‬ ‫قناة جسور هي من ٌ‬ ‫املختلف ولتالقح األفكار بصور ٍة حضارية‪ ..‬صوتك مقبول هنا مهام كان‪.‬‬ ‫عنوان القناة عىل اليوتيوب‪:‬‬

‫‪https://www.youtube.com/channel/UChuvYgfSwGXkLtZYmSGc8eQ‬‬ ‫صفحة جسور عىل الفيسبوك‪:‬‬

‫‪https://www.facebook.com/Bridgestv2‬‬ ‫انضموا إلينا يف مجموعة جمهورية الردة‪:‬‬

‫‪https://www.facebook.com/groups/186192008960773/‬‬ ‫إمييل القناة‪:‬‬

‫للتواصل عرب سكايب‪:‬‬

‫‪Bridgestv1‬‬

‫‪bridgestv1@gmail.com‬‬

‫لدعم القناة عىل الـ‪:PayPal‬‬

‫‪https://www.paypal.me/SalBridgesTV‬‬

‫‪26‬‬


‫صفحة ثابتة‬ ‫نقدم فيها قراءة‬ ‫ألحد الكتب‬ ‫القيمة‬

‫كتاب‬

‫«األيام األخرية ملحمد»‬ ‫التحقيق يف الوفاة الغامضة للنبي‬ ‫للكاتبة هالة وردي‬

‫نقل عن موقع «الفنار لإلعالم‬ ‫بقلم أورسوال لينديس ً‬ ‫عن التعليم والبحوث والثقافة» عىل اإلنرتنت‪.‬‬

‫أورسوال لينديس‬ ‫‪27‬‬


‫األيام األخرية ملحمد‬

‫هالة وردي‬

‫ٍ‬ ‫محمد عىل املصادر‬ ‫اعتمدت دراس ٌة جديد ٌة عن األيام األخرية للنبي‬ ‫اإلسالمية التقليدية لرسم صور ٍة مثري ٍة ملشاعر النبي يف فرتة مرضه‬ ‫والحاشية املحيطة به‪ .‬ومنذ نرشه يف آذار‪ /‬مارس من ِقبل دار النرش‬ ‫الفرنسية ألبني ميشيل‪ ،‬حظي كتاب «األيام األخرية ملحمد‪ :‬التحقيق‬ ‫يف الوفاة الغامضة للنبي»‪ ،‬ملؤلفته هالة وردي‪ ،‬أستاذة األدب بجامعة‬ ‫تونس املنار‪ ،‬باستقبا ٍل حا ٍر يف كل من تونس وفرنسا‪.‬‬ ‫وباختيارها للرتكيز عىل وقت األمل الجسدي والتدهور الصحي للنبي‬ ‫محمد – وعىل لحظ ٍة يشوبها قد ٌر كب ٌري من الشك يف ٍ‬ ‫وقت مبك ٍر من‬ ‫تاريخ اإلسالم – رسمت وردي بوضو ٍح هذا الرجل املقدس يف جسده‬ ‫مكتوب حصلت عليه الفنار لإلعالم‪ ،‬أوضحت‬ ‫وتاريخه‪ .‬ويف ر ٍّد‬ ‫ٍ‬ ‫الكاتبة بأن التجارب واملعاناة التي واجهها محم ٌد يف أيامه األخرية‬ ‫وتقسم املجتمع املسلم إىل‬ ‫بشت ً‬ ‫جعلت شخصيته ككل «أكرث إنساني ًة وجاذبي ًة»‪ .‬كام ّ‬ ‫أيضا بربوز القضايا التي تؤرق ّ‬ ‫يومنا هذا‪ ،‬بحسب الباحثة‪.‬‬ ‫يف مقدمة كتابها‪ ،‬كتبت وردي ما ييل «اليوم‪ ،‬يدفع عشق املسلمني للنبي إىل مثل هذه النوبات املفاجئة بحيث يحيط‬ ‫حقيقي من الكفر بالشخصية‪ .‬ألن التبجيل الذي يحيط به قد قام بتحجريه إىل ح ٍّد ما»‪ .‬وأضافت بأن رفض متثيل‬ ‫هاجس‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫رجل بال ظل‪،‬‬ ‫كتبت‪« :‬أليست مشكلة املسلمني تكمن يف أن نبيهم قد أصبح ً‬ ‫النبي مبثابة «نقطة‬ ‫ضعف لإلسالم»‪ .‬حيث ْ‬ ‫أو كائ ًنا تم تجريده من الصفات اإلنسانية‪ ،‬ويقع خارج إطار التاريخ والتمثيل؟»‪.‬‬ ‫ومن أجل روايتها لأليام األخرية قبل وفاة‬ ‫النبي‪ ،‬اعتمدت وردي عىل القرآن واألحاديث‬ ‫النبوية (وهي مجموعة األقوال النبوية التي‬ ‫تُع ّد مبئات اآلالف أو أكرث وتُص َّنف من ِقبل‬ ‫علامء املسلمني عىل أنها أكرث أو أقل موثوقي ًة)‪،‬‬ ‫والسنة النبوية (وهي الروايات املتعلقة‬ ‫بأفعال وأقوال النبي)‪ .‬وقالت أنها اعتمدت‬ ‫عىل املصادر الشيعية والسنية م ًعا‪.‬‬ ‫‪28‬‬


‫األيام األخرية ملحمد‬

‫هالة وردي‬

‫حللت وردي العديد من الروايات املتناقضة املتعلقة باأليام األخرية للنبي‪،‬‬ ‫لتحقق يف سبب وفاته‪ ،‬ومحاولته الفاشلة يف وضع وصي ٍة نهائي ٍة مكتوبة‪ ،‬وتأخري‬ ‫دفنه‪ ،‬وخالفته‪ .‬حيث أن الرصاع عىل قيادة املجتمع اإلسالمي‪ ،‬والتي وضعت‬ ‫الصحابيني أبا بك ٍر وعمر ضد ابن عمه عيل‪ ،‬هي أصل الفجوة بني املسلمني‬ ‫السنة والشيعة‪ .‬كام أن صور زوجات الرسول‪ ،‬وأفراد أرسته‪ ،‬وأصحابه رائع ٌة‬ ‫وإن مل تكن دامئًا جذاب ًة‪ .‬ففي أيامه األخرية كام كتبت وردي‪ :‬كان «محم ٌد‬ ‫وسط زوبع ٍة من مشاعر الحب‪ ،‬والغرية‪ ،‬والطموحات‪ ،‬واملعارك الداخلية‬ ‫امللحمية»‪.‬‬ ‫لقد مات النبي بال وصية‪ ،‬وقد وضعت وفاته الدين الجديد والدولة‬ ‫التي أسسها عرض ًة لخطر االنهيار‪ .‬لكن «عبقرية» الخليفة األول‪ ،‬أيب‬ ‫بكر‪« ،‬تكمن يف فهمه قبل غريه بأن اإلبقاء عىل ذاكر ٍة جامعي ٍة هو أساس مامرسة السلطة‪ ،‬وأن‬ ‫السيطرة عىل القرآن وأحاديث الرسول ستشكل‪ ،‬ولعدة قرون‪ ،‬أدا ًة مضمون ًة للهيمنة ورشعية السلطة»‪.‬‬ ‫بهدف مواجهة هذا الخطاب السائد جزئ ًيا‪ ،‬ألقت أستاذة األدب «نظر ًة تبدد الغموض ميكن أن تساهم يف إزالة تاريخ‬ ‫اإلسالم من قبضة العقيدة الدينية والرؤية التربيرية البحتة»‪ .‬وتناقش وردي كيف كان مؤرخو صدر اإلسالم ومنذ فرت ٍة‬ ‫طويل ٍة متشككني يف دقة التأريخ اإلسالمي‪ ،‬عىل الرغم من اعتامدهم عليه كمصد ٍر رئييس‪ .‬يف اآلونة األخرية‪« ،‬توقف‬ ‫النقد التاريخي للمصادر اإلسالمية عن الرتكيز عىل البحث «عام حدث حقًا» لريكّز عىل تحليل «نوايا املؤلفني»‪ ،‬كام كتبت‬ ‫الكاتبة‪ .‬وقد أدى ذلك إلنتاج أعام ٍل غني ٍة‬ ‫للغاية تتجاوز االنقسام ما بني ثنائية‬ ‫«الصحيح» و«الكاذب» لتطرح أسئل ًة‬ ‫حول آليات إنتاج النصوص»‪.‬‬

‫هشام جعيط‬

‫يوسف ص ّديق‬

‫‪29‬‬

‫كانت تونس – يف الفرتة التي أعقبت‬ ‫حقبة االستعامر فيها بقيادة الحبيب‬ ‫بورقيبة‪ -‬علامني ًة بقو ٍة ويُعترب التحليل‬ ‫األديب والتاريخي واالجتامعي للنصوص‬


‫األيام األخرية ملحمد‬

‫هالة وردي‬

‫أو الشخصيات الدينية أم ًرا شائ ًعا‪ .‬ويشمل‬ ‫هذا التقليد األكادميي هشام جعيط‪ ،‬الذي‬ ‫كتب عام ‪ 1989‬دراس ًة مؤثر ًة عن الفتنة‬ ‫بني املسلمني السنة والشيعة‪ ،‬ومحم ٌد‬ ‫الطالبي‪ ،‬املؤرخ بجامعة تونس‪ ،‬الذي‬ ‫إسالمي يستند إىل العودة‬ ‫دعا إىل إصال ٍح‬ ‫ٍ‬ ‫للقرآن وإعادة تفسريه‪ ،‬ويوسف ص ّديق‪،‬‬ ‫عامل األنرثوبولوجيا الشهري الذي أشار يف‬ ‫كتابه «نحن مل نقرأ القرآن قط» إىل وجود‬ ‫فاطمة املرنييس‬ ‫تأثريٍ لألساطري والفكر اليونا ّين عىل القرآن‪،‬‬ ‫وشجع قُ ّراء ُه عىل التغلب عىل «املاكنة العقائدية الهائلة التي تحذر كل قارئٍ محتملٍ بوجوب التخيل عن القراءة‬ ‫عمل‬ ‫عوضا عنهم‪ .‬ويف املغرب‪ ،‬أنتجت الباحثة النسوية فاطمة املرنييس(‪ً )1‬‬ ‫واالعتقاد بأن كل يش ٍء قد متت قراءته بالفعل» ً‬ ‫ٍ‬ ‫جديد يستند إىل تفسري ٍ‬ ‫ات نسوي ٍة للنصوص املقدسة‪ .‬ومييل هؤالء الباحثون للجمع بني التمكن من املصادر‬ ‫مبثابة فت ٍح‬ ‫اإلسالمية والتدريب األكادميي الغريب‪ ،‬وقد كتب عد ٌد غري قليلٍ منهم باللغة الفرنسية‪.‬‬ ‫أورسوال لينديس‪ :‬عملت أورسوال لينديس كمراسلة الرشق األوسط لصحيفة الكرونيكل منذ عام ‪ .2010‬انتقلت مؤخ ًرا إىل‬ ‫العيش يف الرباط يف املغرب‪ .‬تكتب عن التعليم واإلعالم والثقافة والسياسة يف العامل العريب يف مجلة نيوزويك‪ ،‬ونيويورك‬ ‫تاميز‪ ،‬وموقع نيويوركر اإللكرتوين‪ .‬حصلت أورسوال عىل درجة املاجستري يف دراسات الرشق األدىن (مع الرتكيز عىل األدب‬ ‫املرصي املعارص) من جامعة نيويورك‪ .‬تتقن أورسوال اللغة العربية قراء ًة ومحادث ًة‪.‬‬

‫‪ -1‬يف ‪ 30‬ترشين الثاين‪ /‬نوفمرب ‪ ،2015‬توفيت عاملة االجتامع والكاتبة والباحثة النسوية املغربية فاطمة املرنييس يف الرباط عن عمر يناهز ‪ 75‬عا ًما‪ .‬أنتجت املرنييس أبحاث ًا رائد ًة‬ ‫ٍ‬ ‫بصوت ينبض بالحياة‪ .‬طوال األيام التي أعقبت وفاتها‪ ،‬كتب العديد من زمالئها‪ ،‬وطالبها‪ ،‬وقراؤها عن التأثري الهائل الذي أحدثته القراءة األوىل ألعاملها يف تطورهم الفكري‬ ‫كتبتها‬ ‫ورؤيتهم النسوية‪ .‬نشأت املرنييس يف عائلة من الطبقة الوسطى يف فاس‪ ،‬وكانت جز ًءا من الجيل األول الذي يحرض مدارس الفتيات التي تم تأسيسها حديثًا‪ .‬حصلت املرنييس عىل‬ ‫شهادة البكالوريوس يف علم االجتامع من جامعة محمد الخامس‪ ،‬ودرست يف جامعة السوربون‪ ،‬وحصلت عىل شهادة الدكتوراه من جامعة برانديز‪ .‬كتابها األول ما وراء الحجاب‪:‬‬ ‫الجنس كهندس ٍة اجتامعية (مطبعة جامعة إنديانا‪ ،‬طبعة منقحة ‪ ،)1987‬واملعتمد عىل أطروحتها‪ ،‬لفت األنظار للتشابه بني العالقات األرسية والعالقات السياسية‪ ،‬وركز عىل‬ ‫التوترات والتناقضات يف الدولة املغربية بعد الحقبة االستعامرية والناجمة عن تشجيع الدولة للنساء عىل تثقيف أنفسهن ودخول سوق العمل مع استمرار توقعها منهن بأن‬ ‫[نقل عن موقع الفنار اإلعالمي]‪.‬‬ ‫يعملن عىل توافق ذلك مع األدوار التقليدية للجنسني‪ً .‬‬

‫‪30‬‬


‫اإلعجاز العلمي بني القرآن‬ ‫وفالسفة اليونان‬ ‫منذ عرص النهضة يف أوروبا‪ ،‬والعامل‬ ‫يزداد اعتام ًدا عىل العلم والعقل يف‬ ‫بناء حضارته بكافة مجاالتها املتنوعة‬ ‫واملتعددة‪ ،‬ويزداد ابتعا ًدا عن الدين‬ ‫وأساطريه‪ ،‬بحيث فَقد الدين قوة‬ ‫تأثريه السابقة عىل الناس‪ ،‬نتيج ًة‬ ‫الستمرار رجال الدين بتقديم‬ ‫دينهم عىل أساس اإلميان‬ ‫الغيبي فقط‪ ،‬اإلميان بكل ما‬ ‫جاءت به الكتب املقدسة‬ ‫لهذه الديانات‪،‬‬

‫‪Mohammed Waleed‬‬ ‫‪31‬‬


‫اإلعجاز العلمي بني القرآن‬ ‫وفالسفة اليونان‬ ‫‪Mohammed Waleed‬‬

‫حتى لو خالفت العقل والعلم واملنطق‪ ،‬هذا اإلميان بالغيبيات مل يعد ذو تأثريٍ كبريٍ عىل الناس يف العامل املعارص الذي‬ ‫نعايشه اليوم‪ ،‬لهذا السبب وغريه من األسباب‪ ،‬ظهرت فئ ٌة جديد ٌة من اتباع هذه األديان‪ ،‬تحاول تقديم الدين بواجه ٍة‬ ‫علمي ٍة حديثة‪ ،‬ومنها اإلسالم‪ ،‬حيث نطالع بني فرت ٍة وأخرى‪ ،‬آخر صيحات اإلعجاز العلمي يف القرآن والسنة النبوية‪،‬‬ ‫متخصصا يف ذلك مثل زغلول النجار وعبد الدائم الكحيل وغريهم‪.‬‬ ‫وأصبح البعض منهم‬ ‫ً‬ ‫لن يكون هدف املقالة هو الرد عىل هذه‬ ‫االدعاءات الفارغة‪ ،‬التي يق ّدمها دعاة اإلعجاز‬ ‫العلمي‪ ،‬ألنها قد فُ ّندت يف أعدا ٍد سابق ٍة من مجلة‬ ‫امللحدين العرب‪ ،‬وطريقتهم يف التدليس والتالعب‬ ‫يف معاين الكلامت القرآنية أصبحت واضح ًة ج ًدا‬ ‫للجميع‪ ،‬وقد فقدوا مصداقيتهم عند كثريٍ من‬ ‫املسلمني أنفسهم‪ ،‬كام حصل مع زغلول النجار يف‬ ‫جانب من ندوة النجار يف األردن إثر الشجار‪ ،‬يونيو حزيران ‪2017‬‬ ‫محارضاته عن اإلعجاز العلمي يف املغرب واألردن‪،‬‬ ‫حيث تم انتقاد منهجه فيام يدعيه من إعجاز‪ ،‬وتط ّو َر األمر إىل شجا ٍر بني الزغلول والحارضين يف الندوة‪ ،‬بسبب عدم‬ ‫تقبله للنقد‪.‬‬ ‫إن هدف املقالة هو انتقاد املنهج الذي يستند عليه دعاة اإلعجاز العلمي اإلسالمي وبقية دعاة اإلعجاز يف الديانات‬ ‫األخرى مثل املسيحية والهندوسية‪ ،‬حيث أنهم يأتون ببعض النصوص الدينية التي تتحدث عن علم الفلك أو الطب‬ ‫وغريها من فروع املعرفة‪ ،‬ليقولوا لك أن هذه املعرفة العلمية من املستحيل أن يتم‬ ‫برشي وهو الله‪ ،‬لعدم توفر الوسائل‬ ‫التوصل إليها يف ذلك الوقت دون مصد ٍر غري ٍ‬ ‫العلمية واملنهج التجريبي العلمي يف ذلك الوقت‪ ،‬فبالتايل يجب أن تؤمن أن اإلسالم‬ ‫هو الدين الحق‪.‬‬ ‫اآلن سوف نستخدم نفس املنهج الذي يستخدمه دعاة اإلعجاز‪ ،‬لنثبت أن الفالسفة‬ ‫اليونانيني هم أنبيا ٌء مرسلون من ِقبل اإلله وحش السباغيتي الطائر؛ رحلتنا مع‬ ‫ٍ‬ ‫فيلسوف يف تاريخ البرشية‪ ،‬طاليس‬ ‫اإلعجاز العلمي لفالسفة اليونان تبدأ مع أول‬ ‫(‪ 550 - 624‬ق‪.‬م‪ ).‬الذي عاش قبل سبعة قرونٍ من ميالد املسيح‪ ،‬انطلق طاليس‬ ‫مادي ٍ‬ ‫بحت وهو «املاء» الذي اعتربه طاليس‬ ‫يفرس العامل والوجود من خالل مبدأٍ ٍّ‬ ‫املادة األوىل التي انبثق منها الوجود بجميع مظاهره املختلفة‪ ،‬يقول برتراند رسل تص ّو ٌر لطاليس كام ورد يف «تأريخ نورنربغ»‪،‬‬ ‫حوايل العام ‪ 1500‬م‪.‬‬ ‫عن فلسفة طاليس حول املاء‪« :‬وقوله أن كل يش ٍء مصنو ٌع من املاء‪ ،‬ميكن اعتباره‬ ‫‪32‬‬


‫اإلعجاز العلمي بني القرآن‬ ‫وفالسفة اليونان‬ ‫‪Mohammed Waleed‬‬

‫فرضا علميًا‪ ،‬وليس هو بالقول الهراء‪ ،‬فمنذ عرشين عا ًما كان الرأي الراجح هو أن كل يش ٍء مصنو ٌع من الهيدروجني‬ ‫ً‬ ‫الذي يتألف منه ثلثا املاء‪ .‬فلنئ كان اإلغريق يترسعون يف فرضهم الفروض‪ ،‬إال أن املدرسة امللطية عىل األقل كانت تأخذ‬ ‫باختبار تلك الفروض اختبا ًرا قامئًا عىل التجربة الحسية»(‪.)1‬‬ ‫وتروي إحدى الروايات أنه ‪-‬وهو يف مرص‪ -‬ق ّدر ارتفاع األهرام بقياس ظلّها يف الساعة التي يكون فيها ظل اإلنسان مساويًا‬ ‫لطول قامته‪ .‬وقد أدهش طاليس اليونانيني حينام أفلح بالتنبؤ بكسوف الشمس الذي حدث يف الثامن والعرشين من‬ ‫مايو عام ‪ 585‬ق‪.‬م(‪.)2‬‬

‫أ‬

‫وضع الفيلسوف طاليس مربهن ًة ُس ّميت باسمه (‪ )Thales theorem‬وال‬ ‫تزال ت ُد ّرس إىل اليوم يف مناهج الرياضيات‪ ،‬وهي مربهن ٌة مهم ٌة يف الهندسة‬ ‫حول نسب ال ِقطع املستقيم ‪-‬املتعددة املتوازية املتقاطعة يف نفس النقطة‪-‬‬ ‫املتكونة عند تقاطع زوجني من املستقيامت املتوازية‪.‬‬

‫ه‬ ‫ج‬

‫د‬ ‫ب‬

‫أنكسمندر (‪ 547 - 611‬ق‪.‬م‪ ).‬ثاين فالسفة املدرسة األيونية والذي كان‬ ‫تلميذًا لطاليس‪ ،‬استطاع أن يق ّدم لنا رأيًا يف نشأة الحياة وتطورها فوق‬ ‫ــــــد‬ ‫ــــــ = أ‬ ‫ــــــ = أ ه‬ ‫مربهنة طاليس‪ :‬د ه‬ ‫قريب مام وصل إليه العلم الحديث‪ ،‬فقد كان يرى أن األرض‬ ‫األرض‪ ،‬لعلّه ٌ‬ ‫بج أج أب‬ ‫وف خالل ذلك انصبت فوق‬ ‫كانت ً‬ ‫سائل ثم أخذت تتجمد شيئًا فشيئًا‪ِ ،‬‬ ‫األرض حرار ٌة الفح ٌة تبخر من سائلها بخا ًرا يتصاعد ويك ّون طبقات الهواء‪،‬‬ ‫فهذه الحرارة عندما التقت بربودة األرض ك ّونت الكائنات الحية‪ ،‬وقد كانت‬ ‫ٍ‬ ‫درجات أعىل‬ ‫تلك الكائنات أول أمرها منحط ًة‪ ،‬ثم سارت يف طريق التطور إىل‬ ‫غريزي يدفعها إىل املالءمة بني أنفسها والبيئة‬ ‫فأعىل مبا فطر فيها من دافعٍ‬ ‫ٍ‬ ‫الخارجية‪ .‬إذن فقد كان اإلنسان يف أول مراحل حياته سمك ًة تعيش يف املاء‪،‬‬ ‫فلام انحرس املاء بفعل التبخر اضطرت األسامك املختلفة إىل املالءمة بينها‬ ‫وبني البيئة‪ ،‬فانقلبت زعانفها عىل مر الزمن أعضا ًء صالح ًة للحركة عىل األرض‬ ‫اليابسة‪ ،‬وهي ما ترى من أرجلٍ ٍ‬ ‫وأيد‪ ،‬ولعلك ٌ‬ ‫مدرك يف سهولة ما بني هذا الرأي‬ ‫ونظرية داروين من تشابه(‪.)3‬‬ ‫فسيفساء رومانية لصورة أنكسمندر‬

‫‪ -1‬برتراند رسل‪ .‬تاريخ الفلسفة الغربية‪ .‬املجلد األول ص‪.63‬‬ ‫‪ -2‬د‪ .‬مصطفى النشار‪ .‬تاريخ الفلسفة اليونانية من منظو ٍر رشقي‪ .‬الجزء األول ص‪ .101 - 100‬دار قباء للطباعة والنرش‪.‬‬ ‫‪ -3‬قصة الفلسفة اليونانية‪ ،‬زيك نجيب ص‪.23‬‬

‫‪33‬‬


‫اإلعجاز العلمي بني القرآن‬ ‫وفالسفة اليونان‬ ‫‪Mohammed Waleed‬‬

‫ومن اإلنجازات العلمية التي ت ُنسب إليه املزولة الشمسية التي تقيس الوقت‬ ‫اعتام ًدا عىل طول أو قرص ظل العصا(‪.)4‬‬ ‫ذهب فيثاغورس (‪ 495 - 570‬ق‪.‬م) إىل أن األشياء كلها أعداد‪ ،‬فاألعداد كانت‬ ‫ترد يف ذهن فيثاغورس عىل هيئة أشكال‪ ،‬كام تبدو يف زهر اللعب وورق‬ ‫اللعب‪ ،‬ومازلنا حتى اليوم نقول‪ ،‬مربع العدد ومكعب العدد‪ ،‬وهي ألفا ٌظ‬ ‫ٍ‬ ‫كشف قام به فيثاغورس‪ ،‬أو قام به أتباعه املبارشون‪ ،‬هو‬ ‫ورثناها عنه‪ ،‬وأعظم‬ ‫النظرية الخاصة باملثلثات قامئة الزوايا‪ ،‬والتي ُسميت باسمه وال تزال تُدرس‬ ‫مزولة شمسية يونانية‬ ‫إىل اليوم يف املدراس والجامعات‪ ،‬وتنص عىل أن مجموع املربعني القامئني عىل‬ ‫الضلعني املجاورين للزاوية القامئة يساوي املربع القائم عىل الضلع املثلث‪ ،‬وهو وتر املثلث(‪.)5‬‬ ‫وألتباع مدرسته الفيثاغوريني آرا ٌء فلكي ٌة قيمة‪ ،‬ومنها نقضهم للفكرة السائدة يف ذلك الحني من أن األرض مركز الكون‪ ،‬إذ‬ ‫كوكب من الكواكب التي تدور حول النار املركزية‪ ،‬وليست هذه النار املركزية هي الشمس‪ ،‬ألن الشمس‬ ‫ق ّرروا أن األرض ٌ‬ ‫نفسها تدور حولها‪ ،‬وقد كانوا بذلك أول من اتجه بالنظر الفليك هذا االتجاه الصحيح‪ ،‬والذي أدركه كوبرنيكوس وسار‬ ‫به نحو الدقة العلمية(‪.)6‬‬ ‫اما أمباذقليس (‪ 430–490‬ق‪.‬م‪ ).‬فإن أهم ما أضافه يف دنيا العلم‬ ‫رص قائ ٌم بذاته‪ ،‬وقد برهن عىل ذلك برهانًا يقوم‬ ‫كشفه بأن الهواء عن ٌ‬ ‫عىل املشاهدة‪ ،‬وهي أنك إذا وضعت دل ًوا مقلوبًا يف املاء‪ ،‬فاملاء ال‬ ‫مثل واح ًدا عىل األقل للقوة الطاردة عن‬ ‫يدخل الدلو‪ .‬وكذلك كشف ً‬ ‫املركز‪ ،‬وهو أنك إذا أدرت فنجانًا من املاء مربوطًا بخيط‪ ،‬فإن املاء ال‬ ‫اتصال جنس ًيا‪.‬‬ ‫ينسكب منه‪ .‬وعرف أن بني النباتات ً‬ ‫وأما يف الفَلك فقد قال إن الضوء يستغرق يف انتقاله زم ًنا‪ ،‬لكنه زم ٌن‬ ‫يبلغ من القرص ح ًدا ال نتمكن من مالحظته‪ ،‬وعرف كذلك أن كسوف‬ ‫الشمس يحدث بتوسط القمر بني األرض والشمس (‪.)7‬‬ ‫‪ -4‬الفلسفة اليونانية حتى أفالطون‪ ،‬عزت قرين ص‪.26‬‬ ‫‪ -5‬برتراند رسل‪ .‬تاريخ الفلسفة الغربية‪ .‬املجلد األول ص‪.76‬‬ ‫‪ -6‬قصة الفلسفة اليونانية‪ ،‬زيك نجيب ص‪.36‬‬ ‫‪ .7‬برتراند رسل‪ .‬تاريخ الفلسفة الغربية‪ .‬املجلد األول ص‪.108‬‬

‫‪34‬‬

‫مخطوطة يونانية تظهر مربهنة فيثاغورس‬


‫اإلعجاز العلمي بني القرآن‬ ‫وفالسفة اليونان‬ ‫‪Mohammed Waleed‬‬

‫وكانت ألناكسجوراس (حوايل ‪ 428 - 500‬ق‪.‬م) منزل ٌة‬ ‫عالي ٌة يف العلم‪ ،‬فهو أول من ّبي أن القمر ييضء‬ ‫بأشع ٍة منعكسة‪ ،‬وكذلك ق ّدم أناكسجوراس النظرية‬ ‫الصحيحة عن الكسوف والخسوف‪ ،‬وعرف أن القمر‬ ‫أدىن فلكًا من الشمس‪ ،‬وقال إن الشمس والنجوم‬ ‫صخو ٌر مشتعلة‪ ،‬وإذا ك ّنا ال نحس حرارة النجوم‪ ،‬فام‬ ‫جبال(‪.)8‬‬ ‫ذاك إال لبعدها‪ ،‬وقال إن يف القمر ً‬ ‫أما فالسفة املدرسة الذرية‪ ،‬املتمثلني بلوقيبوس (تويف‬ ‫يف القرن ‪ 5‬ق‪.‬م) ودميقريطس (‪ 370 - 460‬ق‪.‬م) فقد حساب أرسطرخس السامويس لنسب أحجام الشمس‪ ،‬فاألرض فالقمر من‬ ‫اليسار إىل اليمني‬ ‫قالوا باملذهب الذري‪ ،‬وقد جاءت وجهة نظرهم قريبة‬ ‫الشبه مبا يقوله العلم الحديث‪ ،‬عىل صور ٍة تستوقف النظر‪ ،‬وتراهام قد اجتنبا معظم األخطاء التي كان التفكري التأميل‬ ‫عند اليونان أقرب إىل الوقوع فيها‪ ،‬فهام يعتقدان أن كل يش ٍء مك ّون من ذرات‪ ،‬والذرات ال تقبل االنقسام من الوجهة‬ ‫املادية‪ ،‬وإن تكن قابل ًة لهذا االنقسام من الوجهة الهندسية‪ ،‬ويذهبان إىل أن الذرات يفصل بعضها عن ٍ‬ ‫بعض فراغ‪ ،‬وأن‬ ‫الذرات يستحيل فناؤها‪ ،‬وأنها كانت منذ األزل‪ ،‬وستظل إىل األبد يف حرك ٍة دامئة‪ ،‬وأن هناك من هذه الذرات عد ًدا ال‬ ‫وحجم(‪.)9‬‬ ‫شكل‬ ‫نهاية له‪ ،‬بل ال نهاية لعدد أنواع الذرات التي تختلف بعضها عن بعض ً‬ ‫ً‬ ‫هل يُعقل أن كل هذه االكتشافات العلمية التي توصل إليها هؤالء الفالسفة من دون أي وسائل علمي ٍة مساعد ٍة‬ ‫قد توصلوا إليها بأنفسهم؟! أم مبساعدة الوحي القادم من وحش السباغيتي الطائر؟؟ هذا هو املنطق نفسه الذي‬ ‫خصوصا أن اإلعجاز اليوناين أفضل من اإلعجاز اإلسالمي مبراحل كبرية‪،‬‬ ‫يريد دعاة اإلعجاز العلمي أن ننساق وراءه‪.‬‬ ‫ً‬ ‫فاملعلومات العلمية التي توصل لها الفالسفة‪ ،‬كانت واضح ًة وال تقبل اللبس أو التأويل ملع ًنى ثاين‪ ،‬كام هو األمر مع‬ ‫ما يدعيه دعاة اإلعجاز يف املعلومات العلمية املوجودة يف القرآن‪ ،‬فعىل سبيل املثال‪ ،‬توصل بعض الفالسفة يف اليونان‬ ‫لحقيقة أن األرض هي من تدور حول الشمس‪ ،‬وليس العكس كام كان سائ ًدا يف ذلك الوقت وبقي لقرونٍ بعد ذلك‪،‬‬ ‫فهذه املعلومة كانت واضح ًة وال تقبل التأويل والتفسري ملع ًنى آخر‪ ،‬يف مقابل ذلك‪ ،‬نجد أن دعاة اإلعجاز العلمي يقولون‬ ‫تالعب مبعاين نصوص القرآن التي تدل عىل مع ًنى‬ ‫أن القرآن أثبت كروية األرض وأنها تدور حول الشمس‪ ،‬عن طريق‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫محمد‬ ‫خصوصا أن هذا املعنى الذي يتبناه دعاة اإلعجاز مل يقل به أح ٌد قبلهم‪ ،‬حيث أن املسلمني منذ زمن النبي‬ ‫آخر‪،‬‬ ‫ً‬ ‫‪ .8‬برتراند رسل‪ .‬تاريخ الفلسفة الغربية‪ .‬املجلد األول ص‪.123‬‬ ‫‪ .9‬برتراند رسل‪ .‬تاريخ الفلسفة الغربية‪ .‬املجلد األول ص‪.126‬‬

‫‪35‬‬


‫اإلعجاز العلمي بني القرآن‬ ‫وفالسفة اليونان‬ ‫‪Mohammed Waleed‬‬

‫إىل قبل عدة عقود‪ ،‬كانوا يؤمنون أن القرآن يقول أن الشمس هي من تدور حول‬ ‫األرض‪ ،‬بالنتيجة يواجه دعاة اإلعجاز اآلثار املرتتبة عىل ادعائهم‪ ،‬ومنها أن املسلمني‬ ‫من صحاب ٍة وتابعني ومفرسي القرآن وفقهاء كانوا أغبياء ولَم يستطيعوا فهم القرآن‬ ‫بصور ٍة صحيحة‪ ،‬والثاين أن بالغة القرآن التي يدعيها البعض‪ ،‬غري موجودة‪ ،‬والدليل‬ ‫أن الله فشل يف توصيل املعنى الصحيح عن طريق نصوصه القرآنية إىل املسلمني‪،‬‬ ‫أول باإلعجاز الذي ي ّدعوه‪ ،‬ألن‬ ‫ونصيح ٌة لدعاة اإلعجاز أن يذهبوا ليقنعوا السلفيني ً‬ ‫السلفيني يرصون إىل اليوم أن الشمس هي من تدور حول األرض‪ ،‬بل وصل األمر بابن‬ ‫باز أن يفتي بكفر من يقول أن األرض هي التي تدور حول الشمس‪.‬‬ ‫عبد العزيز بن باز‬

‫األفضلية األخرى لإلعجاز اليوناين‪ ،‬هي أقدمية الفالسفة عىل اإلسالم‪ ،‬حيث أن الفالسفة‬ ‫اليونانيني عاشوا قبل ألف سن ٍة من حياة محمد‪ ،‬أي قبل ‪ 2400‬سن ٍة من اآلن‪ ،‬ورغم‬ ‫ٍ‬ ‫معلومات‬ ‫ذلك فإن املعلومات العلمية عند الفالسفة ال يوجد فيها وج ٌه للمقارنة مع ما يُ ّدعى وجوده يف القرآن من‬ ‫علمية‪.‬‬ ‫بطبيعة الحال تعمدت أن أنقل فقط االكتشافات العلمية التي أثبت العلم الحديث صحتها‪ ،‬وتجاهلت الشطحات‬ ‫أيضا دعاة‬ ‫العلمية التي آمن بها الفالسفة‪ ،‬ألنهم ببساط ٍة جز ٌء من عرصهم مهام بلغوا من ذكا ٍء وتقدم‪ ،‬وهذا ما يفعله ً‬ ‫أيضا بقدر اإلمكان أن‬ ‫اإلعجاز‪ ،‬حيث أنهم يتغافلون عن األخطاء العلمية الكثرية يف القرآن والسنة والنبوية‪ ،‬ويحاولون ً‬ ‫ٍ‬ ‫جاهل غري مطلعٍ عىل ما توصلت إليه الحضارات والديانات السابقة عليه‪ ،‬حتى يستطيعوا‬ ‫رجل أم ًيا ً‬ ‫محمد ً‬ ‫يجعلوا من‬ ‫إقناع الناس أن محم ًدا كان ال ميتلك أي مصد ٍر آخر للمعرفة سوى الله‪ ،‬لكن الواقع والتاريخ يثبت أن محم ًدا مل يكن يف‬ ‫جزير ٍة معزول ٍة عن التاريخ‪ ،‬بل أنه تواجد يف قلب العامل القديم‪.‬‬ ‫فيا صديقي املسلم املؤمن باإلعجاز العلمي‪ ،‬أمتنى منك أن تستخدم القليل من العقل النقدي ليك ال تنطيل عليك هذه‬ ‫األكاذيب والخدع التي ميارسها ممتهني مهنة اإلعجاز العلمي‪ ،‬وأن تعرف أن ادعاء وجود بعض املعلومات العلمية يف‬ ‫النصوص القدمية‪ ،‬من السهل مبكان ادعائه‪ ،‬وكام فعلت أنا يف هذه املقالة‪ ،‬يف حني أن التفسري املنطقي لِام توصل إليه‬ ‫الفالسفة اليونانيون‪ ،‬هو أنهم استفادوا من حضار ٍ‬ ‫ات سبقتهم مثل حضارة بالد النهرين وحضارة مرص‪ ،‬وقاموا بتنقية ما‬ ‫وصل إليهم منها من خر ٍ‬ ‫افات وشعوذ ٍة دينية‪ ،‬وحاولوا قدر اإلمكان أن ينظروا للعامل املحيط بهم نظر ًة عقلي ًة‪ ،‬وكانت‬ ‫النتيجة توصلهم للفلسفة وبدايات ما نطلق عليه اليوم بالعلم‪ ،‬وهذا هو بالضبط ما يجب أن تفعله مع كل ادعا ٍء‬ ‫علمي يف القرآن أو السنة‪.‬‬ ‫بوجود إعجا ٍز ٍّ‬ ‫‪36‬‬


s www.facebook.com/M-80-II-941772382615672

37


‫َف ُّن ِص َنا َع ِة ا ِإلع َجاز‬ ‫تعلَّم صناعة اإلعجاز العلمي والعددي‬ ‫والغيبي يف القرآن يف أقل ِمن عرش دقائق‪.‬‬ ‫مقدم ٌة بسيطة‪:‬‬ ‫رشف الله العرب املسلمني واللُّغة‬ ‫لقد ّ‬ ‫العربية باإلعجاز القرآين وترك خلقه‬ ‫اآلخرين‪ -‬غري العرب‪ -‬يرطنون بلغاتهم‬ ‫كتاب ُمعجز‪ .‬وال يجوز السؤال‬ ‫بدون ٍ‬ ‫عن سبب اختصاص هذه اللغة بهذا‬ ‫اإلعجاز دونًا عن غريها من لغات‬ ‫األغلب األعم من البرش الذين ال‬ ‫يفهمونها‪ ،‬فإن الفضل لله يؤتيه‬ ‫من يشاء ويختار البعض من‬ ‫عباده دون اآلخرين ودون‬ ‫أسباب‪.‬‬

‫مصطفى ح ّجي‬ ‫‪38‬‬


‫َف ُّن ِص َنا َع ِة ا ِإلع َجاز‬ ‫مصطفى ح ّجي‬

‫بكل ما سيكتشفه الكفّار فيام بع ُد يف القرآن قبل قرونٍ ِمن توصلهم إليه‪ ،‬لك ّن‬ ‫ومن نِ َعم الله عىل املسلمني أنّه أخربهم ّ‬ ‫لسبب آخر مجهول‪ ،‬أما‬ ‫املسلمني مل يفهموا شيئًا من تلك العلوم التي يف القرآن قبل اكتشافها ليس بسبب الغباء بل‬ ‫ٍ‬ ‫قليل ث ُّم يسوقهم‬ ‫توصل باجتهاده إىل تلك االكتشافات التي أ ّدت إىل تقدمه وازدهاره‪ ،‬ميتعهم ً‬ ‫الغرب الكافر بالقرآن فقد ّ‬ ‫إىل عذاب السعري‪.‬‬ ‫نسبي ومتغري‪ ،‬لكن ال مانع من استخدامنا للنظريات‬ ‫ٌ‬ ‫صحيح أ ّن العلم ٌّ‬ ‫مستقبل ارتحنا‬ ‫ً‬ ‫مادام مل يت ّم بُطالنها‪ ،‬فإذا بطلت النظرية العلمية‬ ‫بقيت االكتشافات والتجارب‬ ‫منها وكفى الله املؤمنني القتال‪ ،‬وإذا ْ‬ ‫العلمية الحديثة تؤيدها بقينا نقول أ ّن القرآن قال بها قبل الكفار‪،‬‬ ‫ببساط ٍة نحن ال نؤمن بالعلم لكن ال حرج يف استخدامه لغسل‬ ‫أدمغة البعض بالقرآن‪.‬‬ ‫قد يكون هذا املقال ساخ ًرا بعض اليشء يف أسلوبه لكنه جا ٌد يف‬ ‫تعليم حـِـ َيـل صناعة خرافات اإلعجاز القرآين يف عرش دقائق فقط‪.‬‬ ‫لنبدأ‪:‬‬

‫اإلعجاز العلمي‬

‫ٍ‬ ‫مبعلومات علمي ٍة صحيح ٍة وموث َّق ٍة ال عالقة لها بالنص القرآين ملجرد اإليهام بعلمية املوضوع‪ ،‬اخرت بعد‬ ‫‪ -1‬ابدأ موضوعك‬ ‫أي ٍ‬ ‫معارض للعلم‪.‬‬ ‫نص قرآ ٍين غري واضح املعنى أو كام يزعم الكفار ليس له مع ًنى أو‬ ‫ٌ‬ ‫ذلك ّ‬ ‫الس َم َو ِ‬ ‫ات َواأل ْر َض كَانَتَا َرتْقًا‪.‬‬ ‫مثال‪ :1‬أَ َولَ ْم يَ َر ال َِّذي َن كَ َف ُروا أَ َّن َّ‬ ‫ش ٍء َح ٍّي‪.‬‬ ‫مثال‪َ :2‬و َج َعلْ َنا ِم َن ال َْم ِء ك َُّل َ ْ‬ ‫مثال‪ :3‬يُ َك ِّو ُر اللَّ ْي َل َع َل ال َّن َها ِر َويُ َك ِّو ُر ال َّن َها َر َع َل اللَّ ْيلِ ‪.‬‬ ‫علمي لتشبيهه بالنص القرآين‪.‬‬ ‫أي تعبريٍ ٍ‬ ‫أي كلم ٍة ليس للمراد منها وجو ٌد يف العلم‪ ،‬واخرت ّ‬ ‫تناس ّ‬ ‫‪َ -2‬‬ ‫مثال‪« :‬الساموات» أو «األرضني»‬ ‫إسالمي حتى لو كانت‬ ‫تجاهل ذكر النصوص اليهودية لذلك وأخربهم أنّها طبقات األرض والغشاء الجوي وهو إعجا ٌز‬ ‫ٌ‬ ‫اليهودية ذكرته قبل اإلسالم‪.‬‬ ‫‪39‬‬


‫َف ُّن ِص َنا َع ِة ا ِإلع َجاز‬ ‫مصطفى ح ّجي‬

‫‪ -3‬تجاهل تناقض النصوص اإلسالمية فيام بينها واخرت ما هو أنسب لغرضك منها فقط‪.‬‬ ‫مثال‪:‬‬ ‫أول ما خلق الله‪ :‬القلم أم العرش أم املاء؟‬ ‫حديث «كان الله ومل ُيك يش ٌء قبله‪ ،‬وكان عرشه عىل املاء وكتب بيده كل يش ٍء ث ّم خلق السموات واألرض»‪ ،‬وحديث‬ ‫«أول ما خلق الله القلم» حديثٌ آخر يذكر أ ّن املاء هو‬ ‫أول ما خلق الله «إ ّن الله تعاىل كان عرشه عىل املاء ومل‬ ‫يخلق شيئًا قبل املاء‪ ،‬فلام أراد أن يخلق الخلق أخرج من‬ ‫أرضا‪ ،‬ثم فتقها‬ ‫املاء دخانًا فارتفع‪ ،‬ثم [أيبس] املاء فجعله ً‬ ‫فجعلها سبع أرضني‪ ،‬إىل أن قال‪ :‬فلام فرغ الله عز وجل‬ ‫من خلق ما أحب‪ ،‬استوى عىل العرش»‪.‬‬ ‫رغم التناقضات الواضحة يف هذه األحاديث لكن سأتجنب‬ ‫النقاش فيها اآلن ألننا نتكلم عن موضو ٍع آخر‪ .‬لنكمل‪.‬‬ ‫اخرت املاء هنا أل ّن فرصته أفضل عىل ما يبدو من القلم والعرش‪.‬‬ ‫‪ -4‬اغ ِفل ذكر األساطري السابقة عىل اإلسالم حني تذكر نفس ما ذكره القرآن ولو علمت أن تلك األساطري هي أصل املعجزة‬ ‫املزعومة بينام اإلسالم مجرد ناقل‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫تنبؤات واضح ٍة ٍ‬ ‫ألناس مل ي ّدعوا النبوة ومل يكونوا مسلمني أو حتى موحدين مثل أبيقور ودميقريطس‬ ‫أيضا صدق‬ ‫تجاهل ً‬ ‫ودافنتيش‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫كلامت يف اللغات القدمية مقابل ًة ملصطلحات العلم الحديث واخرت أي كلم ٍة موجود ٍة يف‬ ‫‪ -5‬انكر حقيقة عدم وجود‬ ‫القرآن وازعم أن هذه الكلمة تعني ما أراده االصطالح العلمي الحديث‪:‬‬ ‫أي هراء‪.‬‬ ‫مثال‪ :‬كلمة ‪ singularity‬معناها فتق‪ ،‬رتق‪ ،‬أو ّ‬ ‫فعل‪.‬‬ ‫علمي ً‬ ‫الحظ هنا أهمية استخدام الكلامت األعجمية لوقعها يف نفوس الناس وإيهامهم بأ ّن املوضوع ٌ‬ ‫‪ -6‬إن رأيت أ ّن ذلك واضح البطالن أو أ ّن النص القرآين املراد إثبات إعجازه مل يذكر كلم ًة واحد ًة أو اثنتني بل جمل ًة فازعم‬ ‫أ ّن الجملة القرآنية ترشح املصطلح العلمي‪:‬‬ ‫علمي يعجبك هنا)‪.‬‬ ‫مثال‪ :‬فقلنا لها ولألرض ائتيا طو ًعا أو كر ًها = (اكتب أي مصطل ٍح ٍ‬ ‫‪40‬‬


‫َف ُّن ِص َنا َع ِة ا ِإلع َجاز‬ ‫مصطفى ح ّجي‬

‫تنس استغالل بعض الكلامت العربية الحديثة أو معانيها املستجدة التي مل تعرفها لغة القرآن‪.‬‬ ‫‪ -7‬ال َ‬ ‫مثال‪ :‬قل للذي تحاول استهباله‪ -‬عف ًوا أعني هدايته أو تثبيت قلبه عىل اإلسالم‪ -‬باستخدام الالصق اإلعجازي أن كلمة‬ ‫«يك ّور» تعني يجعل اليشء كرةً‪ ،‬وتجاهل أ ّن اآلية خاطئ ٌة فعل ًيا‪ ،‬تجاهل كام‬ ‫يفعل اإلعجازيون‪ ،‬فهم يتجاهلون هذه النقطة املهمة متا ًما‪ ،‬حيث لو كان‬ ‫القرآن قد قال (يُك ّو ُر األرض عىل الليل والنهار) كام ذكر ابن عثيمني لكان‬ ‫دال عىل دوران األرض حول نفسها ومتّفقًا مع العلم الحديث‪ ،‬أي أ ّن‬ ‫ذلك ً‬ ‫األرض تلتف عىل جهة االستدارة فيقابل نصف األرض قرص الشمس فيكون‬ ‫ليل‪ ،‬أليس هذا‬ ‫نها ًرا ويدابر النصف اآلخر من األرض قرص الشمس فيكون ً‬ ‫ما يحصل بالفعل أم أ ّن اإلعجازيني يرون أ ّن النهار هو من يلتف حول األرض‬ ‫ليقابل الوجه اآلخر البعيد عن الشمس!‬ ‫أي عالق ٍة فعلي ٍة لها مع النص‪.‬‬ ‫أي نظري ٍة علمي ٍة أو فرضي ٍة للمقارنة مع النص القرآين‪ ،‬ال يهم وجود ّ‬ ‫‪ -8‬اخرت ّ‬ ‫أي نظري ٍة أو تغيريها كث ًريا‪ ،‬وهذا متوق ٌع أكرث مع الفرضيات التي مل تُخترب كث ًريا أو البحوث‬ ‫من املمكن نظريًا بطالن ّ‬ ‫الجديدة املنفردة باقرتا ٍح ما‪ ،‬لكن إذا حصل ذلك فلديك الخيارات التالية‪:‬‬ ‫‪ .1‬اإلرصار عىل أ ّن الفرضية أو النظرية األقدم صحيح ٌة‪ ،‬وتجاهل النظريات العلمية األحدث واألقوى‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫عمل تأويلٍ‬ ‫جديد لنفس النص القرآين السابق والزعم أنّه يتفق مع النظرية الجديدة أكرث من اتفاقه مع األقدم‪.‬‬ ‫‪ُ .2‬‬ ‫‪ .3‬إذا بدا ذلك كذبًا ب ّي ًنا‪ ،‬ميكنك اختيار ٍ‬ ‫نص آخر والزعم أنّه يوافق النظرية الجديدة البديلة وتناىس النص القرآين األقدم‪.‬‬ ‫مثل مخالفًا للقرآن قلنا إن هذه النظرية (‪ ،)fifty fifty‬أي‬ ‫‪ .4‬إذا كان تعديل النظرية العلمية جزئ ًيا‪ ،‬فأصبح نصفها ً‬ ‫أ ّن نصفها إعجا ٌز ونصفها خطأٌ وأ ّن القادم من األيام سيثبت أ ّن الجزء املخالف للقرآن يف النظرية العلمية مغلوط‪ ،‬أو‬ ‫ميكنك بدلً عن ذلك مامرسة لعبة تأويل النص القرآين لجعله مطابقًا للنظرية كليًا‬ ‫ف ُنحقق نسبة إعجا ٍز ‪ 100%‬ونفحم أعداء الله‪.‬‬ ‫‪ -9‬ال تيأس إن مل تجد نظري ًة علمي ًة أو حتى فرضي ًة مالمئ ًة لتلفيق إعجاز ٍ‬ ‫نص‬ ‫أي ٍ‬ ‫بحث منشو ٍر يف مجل ٍة علمي ٍة رصين ٍة أو غري رصين ٍة أو حتى مجل ٍة‬ ‫قرآين‪ ،‬اخرت ّ‬ ‫أو صحيف ٍة لألخبار العامة غري علمية‪.‬‬ ‫تجاري وت َه ّمها‬ ‫علمي لكن غرضها‬ ‫مجل ٍت ظاهرها‬ ‫هناك كث ٌري من املقاالت يف ّ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫وكل كلم ٍة تجمعها بعرش حسنات‬ ‫اإلثارة‪ ،‬ستجد عناوي ًنا مناسب ًة لك إن اجتهدت ّ‬ ‫(والحسابة بتحسب)‪.‬‬ ‫كذلك هناك بحوثٌ كثري ٌة يوجد ما يعارضها وال تجد طريقها إىل املساهمة يف بناء‬ ‫‪41‬‬


‫َف ُّن ِص َنا َع ِة ا ِإلع َجاز‬ ‫مصطفى ح ّجي‬

‫ٍ‬ ‫بحوث مستقبلي ٍة فمن النادر َأل تجد بحثًا ناف ًعا لغرضك‪.‬‬ ‫نظري ٍة‪ ،‬حيث يعاد تفسري نتائج البحث بنا ًء عىل معطيات‬ ‫أيضا فاخرتع قص ًة من قبيل بروفيسور (ال حاجة لذكر االسم) يف جامع ٍة (نسيت اسمها) يف مدين ٍة (ميكنك‬ ‫لكن إن مل تجد ً‬ ‫أصل) قام بتأكيد صحة ٍ‬ ‫نص قرآ ٍّين وأسلم هو وفريق بحثه أجمعني‪.‬‬ ‫ذكر اسم أي مدين ٍة حتى لو مل تكن فيها جامع ٌة ً‬ ‫أي معلوم ٍة علمي ٍة ولو بسيط ٍة عن أشياء ُسئل عنها بأن النبي مل يأت ليرشح أمو ًرا علمي ًة!‬ ‫نبي اإلسالم ّ‬ ‫‪ -10‬ب ّرر عدم ذكر ّ‬ ‫ٍ‬ ‫تلميحات فقط‪.‬‬ ‫النبي يعطي‬ ‫ب ّرر كذلك تعارض عدم رشحه ألمو ٍر علمي ٍة مع زعمك بوجود إعجا ٍز ٍ‬ ‫علمي يف القرآن بأن ّ‬ ‫ازعم أ ّن الوضوح ليس من رشوط املعجزة بل إ ّن إعجاز اإلسالم من النوع املبهم أو الغامض ‪.Mysterious‬‬

‫اإلعجاز العددي‬ ‫‪ -11‬يذكر القرآن غال ًبا زوجني من الخيارات املتباينة‬ ‫والل َّْتي ال تجتمعان مثل الج ّنة والنار‪ ،‬الحياة واملوت‪...‬‬ ‫مامثل أو متقاربًا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫إلخ‪ ،‬ومن الطبيعي أن يكون عد ًدا‬ ‫تظاهر ببساط ٍة أ ّن هذا األمر قد أدهشك!‬ ‫فمثل وجدت أن عدد‬ ‫‪ -12‬إذا مل يكن العددان متامثلني ً‬ ‫مرات ذكر اليابسة ليست نفس تلك التي للامء‪ ،‬ارضب‬ ‫أي عملي ٍة رياضي ٍة تخدم الهدف‪ ،‬وحاول اخرتاع عالق ٍة جديد ٍة فالعالقات‬ ‫قسمه أو استخدم ّ‬ ‫العدد (باثنني أو ثالثة) أو ّ‬ ‫مثل نسبة اليابسة إىل املاء من حيث املساحة التي يغطّيها عىل األرض أو‬ ‫حتم عالق ًة‪ ،‬ج ّرب ً‬ ‫بني األشياء كثري ٌة وستجد ً‬ ‫كثافة املاء أو لزوجته أو درجة تبخره أو تجمده ‪...‬إلخ‪.‬‬ ‫ومن األمثلة الشهرية‪ :‬املغفرة ضعف الجزاء‪ ،‬ال ُيرس ثالثة أضعاف ال ُعرس‪.‬‬ ‫كتاب آخر غري القرآن هو محض مصادف ٍة أو من الشيطان أو اختبا ٌر من‬ ‫ال تنس الزعم أ ّن ّ‬ ‫أي ٍ‬ ‫كل عالق ٍة بني األعداد يف ّ‬ ‫الله إلمياننا‪.‬‬ ‫‪ -13‬إذا مل ينفع ذلك‪ ،‬أضف الكلامت التي فيها «ال» التعريف أو اخرت املفرد فقط أو أدخل مشتقات الكلمة يف الحساب‬ ‫وأ ِعد املحاولة حتى يصبح العدد مطابقًا أو من أضعافه‪.‬‬ ‫فمثل إذا أردت القول بتنبؤ القرآن بنسبة اليابسة واملاء عىل‬ ‫‪ -14‬إذا مل تصل لنتيج ٍة رغم ذلك فعليك بلعبة املرادفات‪ً ،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫كل منها بعد ٍد معني‬ ‫بكلامت مثل الرب‪ ،‬األرض مع رضب ّ‬ ‫كلامت مختلف ًة مثل البحر‪ ،‬النهر‪ ،‬املاء وقارنها‬ ‫الكوكب جرب‬ ‫كل مرة‪.‬‬ ‫وأعد التجربة بزيادة العدد واح ًدا يف ّ‬ ‫‪42‬‬


‫َف ُّن ِص َنا َع ِة ا ِإلع َجاز‬ ‫مصطفى ح ّجي‬

‫بعوامل مختلف ٍة‬ ‫َ‬ ‫تغي بعض األرقام والحقائق مبرور الزمن مثل تغري نسبة املياه واليابسة عىل الكوكب لتأثرها‬ ‫تناس ّ َ‬ ‫‪َ -15‬‬ ‫فلن يلحظ هذا أح ٌد كون العقلية اإلسالمية ثابت ًة ال تعرتف باملتغريات‪.‬‬ ‫أيضا إضافة أو طرح ٍ‬ ‫واحد أو اثنني أو حتى عرشة إن احتجت إىل ذلك‪ ،‬غالبًا لن يتحقق أحد من املوضوع‪،‬‬ ‫‪ -16‬ميكنك ً‬ ‫كذلك ميكنك بالطبع استخدام ٍ‬ ‫خليط مختا ٍر بعناي ٍة من كل األدوات «اإلعجاز وعددية» أعاله إن لزم األمر‪.‬‬

‫اإلعجاز الغيبي‬ ‫أي ٍ‬ ‫نص قرآ ٍين يبدو أنّه يتوقع حدوث‬ ‫‪ -17‬اخرت ّ‬ ‫يش ٍء يف املستقبل‪ ،‬تحدي ًدا تلك النصوص التي‬ ‫تفاصيل كثري ًة أو محدد ًة عن الزمان‬ ‫ً‬ ‫ال تذكر‬ ‫واملكان والحدث وما يحيط به وذلك لزيادة‬ ‫قريب من النص بعد تأويله‪.‬‬ ‫احتامل حدوث أم ٍر ٍ‬ ‫كذلك تجاهل رضورة إثبات أ ّن وقت تأليف‬ ‫النص القرآين كان قبل وقوع الحادثة إن لزم‬ ‫كامل قبل ‪ 1400‬سن ٍة دون إضاف ٍة أو تعديلٍ أو غريه‪.‬‬ ‫يل عىل أ ّن القرآن قد كُتب ً‬ ‫األمر‪ِ .‬ع ً‬ ‫لم أنّه ال يوجد إثباتٌ فع ٌّ‬ ‫ثبت عدم وقوع ما تنبأت به أو أ ِّولها أو أخرب الناقد للقرآن بأنّها ستتحقق يف‬ ‫تناس ّ‬ ‫كل النصوص الدينية التي َ‬ ‫‪َ -18‬‬ ‫املستقبل ولكنهم قو ٌم يستعجلون‪ ،‬ال تحدد سقفًا زمن ًيا لتحقق النبوءة فقد تُكشف اللعبة إذا مل تتحقق النبوءة خالل‬ ‫تلك الفرتة‪.‬‬ ‫أي تنب ٍؤ هو معجز ٌة وأنّه ال ميكن أن يصادف وقوع الحدث التوقعات السابقة‪.‬‬ ‫‪ -19‬ازعم أ ّن ّ‬ ‫مالحظاتٌ مفيد ٌة بخصوص عملية تصنيع مختلف أنواع اإلعجاز‪:‬‬ ‫‪ -20‬ال مانع من الكذب يف سبيل الله لهداية الناس‪ ،‬الكذبة سيئ ٌة واحد ٌة فقط بينام هداية إنسانٍ خ ٌري لك من الدنيا وما‬ ‫فيها‪.‬‬ ‫‪43‬‬


‫َف ُّن ِص َنا َع ِة ا ِإلع َجاز‬ ‫مصطفى ح ّجي‬

‫تذكّر أ َن قلّ ًة من البرش يجيدون العربية ويف ذلك فرص ٌة عظيم ٌة لجعلهم يدخلون اإلسالم مبزاع َم كاذب ٍة عن اإلعجاز يف‬ ‫القرآن لن يستطيعوا التأكد من صحتها‪.‬‬ ‫أيضا تأث ُّر بعض مؤلفي املعاجم العربية بلغة القرآن وكذلك عدم وجود ترجم ٍة موحد ٍة للمصطلحات العلمية‬ ‫‪ -21‬استغل ً‬ ‫الحديثة‪ ،‬انظر املعاجم والقواميس العربية املختلفة ومنشورات املؤسسات املتنوعة مثل مجمع اللغة العربية يف القاهرة‬ ‫ومكتب تنسيق التعريب يف الرباط واخرت كلم ًة مذكور ًة يف القرآن أو قريب ًة منها تخدم عملية إنتاج اإلعجاز من إحدى‬ ‫هذه املصادر الكثرية‪.‬‬ ‫غبي إىل درج ٍة متنعه من تخيل يش ٍء‬ ‫‪ -22‬ازعم أ ّن اإلنسان الذي أنتج ّ‬ ‫كل ما أنتجه من العلوم والتكنولوجيا والفلسفة ٌّ‬ ‫كل هذا الشبه الواضح (حسب تلفيقك طب ًعا) بالنظرية العلمية أو التنبؤ املزعوم‪.‬‬ ‫فيه ّ‬ ‫كمسلم تؤمن مبعجز ٍ‬ ‫ات ألنبيا ٍء تصل إىل إحياء املوىت رغم عدم إميانك بالكتب التي أتوا بها ‪ -‬ألنها‬ ‫‪ -23‬تجاهل أنّك‬ ‫ٍ‬ ‫أيضا‪.‬‬ ‫مح ّرف ٌة أو منسوخة‪ -‬ومن املمكن أن يقال هذا عن كتابك ً‬ ‫سبب يُلزمهم فكريًا أو أخالق ًيا أن يهتموا بها‬ ‫تناس عدم معرفة كثريٍ من الناس مبزاعم اإلعجاز يف دينك وعدم وجود ٍ‬ ‫‪َ -24‬‬ ‫ويضيعوا وقتهم وجهدهم يف التع ّرف عليها دون غريها من املزاعم الكثرية لألديان املختلفة‪.‬‬ ‫‪ -25‬وأخ ًريا تجاهل عدم سامع املسلمني أنفسهم بظاهرة اإلعجاز العلمي يف القرون املاضية منذ نشأة اإلسالم وحتى‬ ‫ظهور العلم الحديث وال تسأل عن سبب إسالمهم إن مل يكن هناك عل ٌم حديثٌ وقتها‪.‬‬

‫‪44‬‬


‫‪http://www.ahewar.org‬‬

‫ﺍﳌﻮﻗﻊ ﺍﻟﺮﺋﻴﺴﻲ ﳌﺆﺳﺴﺔ ﺍﳊﻮﺍﺭ ﺍﳌﺘﻤﺪﻥ‬ ‫ﻳﺴﺎﺭﻳﺔ ‪ ,‬ﻋﻠﻤﺎﻧﻴﺔ ‪ ,‬ﺩﳝﻘﺮﺍﻃﻴﺔ‬ ‫"ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﻣﺠﺘﻤﻊ ﻣﺪﻧﻲ ﻋﻠﻤﺎﻧﻲ ﺩﳝﻘﺮﺍﻃﻲ‬ ‫ﺣﺪﻳﺚ ﻳﻀﻤﻦ ﺍﳊﺮﻳﺔ ﻭﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻟﻠﺠﻤﻴﻊ"‬

‫‪45‬‬


‫الدور املحوري الذي لعبه علامء‬ ‫غربيون يف الرتويج لإلعجاز القرآين‬ ‫دانييل غولدن‬

‫دانييل غولدن‬

‫جو يل سيمپسون ‪ Joe Leigh Simpson‬هو رئيس قسم التوليد واألمراض النسائية يف كلية بيلور للطب ‪Baylor‬‬ ‫مسيحي پرسبيتريي(‪ Presbyterian )2‬يداوم عىل زيارة الكنيسة‪،‬‬ ‫‪ College of Medicine‬يف هيوسنت(‪ ،)1‬وهو‬ ‫ٌ‬ ‫صحيح من الناحية التاريخية والعلمية‬ ‫كتاب‬ ‫ٌ‬ ‫لكنه صار ُيعرف بني املسلمني كأحد أهم منارصي فكرة أن القرآن ٌ‬ ‫بكل تفاصيله‪ ،‬وذلك بفضل مجموعة مؤمتر ٍ‬ ‫ات شارك فيها يف مثانينيات القرن املايض‪ .‬يقول الدكتور سيمپسون‬ ‫‪ - 1‬عند ترجمة هذا املقال كان سيمپسون قد انتقل للعمل يف جامعة فلوريدا الدولية ‪.Florida International University‬‬ ‫تسيه مجالس شيو ٍخ مسؤولني‬ ‫‪- 2‬الپرسبيتريية ‪ Presbyterianism‬أو الكنيسة املشيخية هي مجموعة كنائس تتبع تعاليم الالهويت جون كالڤن ‪ John Calvin‬وتقوم عىل تنظيمٍ ّ‬ ‫مثل تسمح بزواج املثليني يف أمريكا وترحب باألعضاء املثليني [مالحظة‬ ‫عن انضباط الكنيسة يحكمون بشكلٍ دميوقراطي‪ .‬ت ُعترب الكنيسة املشيخية من أكرث الطوائف انفتا ًحا‪ ،‬فنجدها ً‬ ‫املرتجم]‪.‬‬

‫‪46‬‬


‫الدور املحوري الذي لعبه علام ُء‬ ‫غربيون يف الرتويج لإلعجاز القرآين‬ ‫دانييل غولدن‬

‫ٍ‬ ‫تعليقات يف حينها قد أُخرجت من سياقها فصارت تبدو «سخيف ًة‬ ‫اليوم أنه قال ع ّدة‬ ‫ومحرج ًة»‪ ،‬عىل ح ّد تعبريه‪ ،‬لكن رغم ذلك فربامج التلفزيون يف الرشق األوسط والكتب‬ ‫ومواقع اإلنرتنت فيه ال زالت تقتبس سيمپسون وهو يقول أن القرآن ال بد وأنه «قد‬ ‫ٍ‬ ‫مبكتشفات حديث ٍة يف علم األجنة والوراثة‪.‬‬ ‫اشتُ ّق من الله»‪ ،‬ألنه تنبأ‬

‫اآللة اإلعالمية‬ ‫لقد وجد الدكتور سيمپسون نفسه مع غريه من العديد من العلامء غري املسلمني قد وقع يف فخ آل ٍة إعالمية تابع ٍة‬ ‫لذرا ٍع من أذرع األصولية اإلسالمية‪.‬‬ ‫إسالمي‬ ‫يف العام ‪1976‬م كتب الج ّراح الفرنيس موريس بوكاي ‪ Maurice Bucaille‬كتابًا(‪ )3‬وضع فيه ما تح ّول الحقًا لفك ٍر‬ ‫ٍ‬ ‫يقابل نو ًعا ما حركة الخلقية ‪ creationism‬يف الغرب‪ .‬صار هذا الفكر يشار إليه بالبوكائية(‪ .Bucailleism )4‬يكمن‬ ‫مثل أن القرآن تنبأ بنظرية البيغ بانغ‬ ‫الفرق يف أن الخلقية ترفض غالبية العلم الحديث‪ ،‬بينام تتقبله البوكائية التي تقول ً‬ ‫‪ ،Big bang theory‬والسفر عرب الفضاء وغري ذلك من الكشوف العلمية الحديثة‪.‬‬ ‫ويف ذات الوقت‪ ،‬تشري إىل أن الكتاب املقدس يرتكب الكثري من األخطاء‪،‬‬ ‫مام يضعه يف مرتب ٍة أقل من حيث هو كلمة الله‪ .‬واملسلمون يؤمنون أن‬ ‫ٍ‬ ‫محمد بواسطة مالك‪.‬‬ ‫وحي من الله أنزله عىل النبي‬ ‫القرآن ٌ‬ ‫عام أن املرحلة التي سبقت ظهور الكواكب‬ ‫يرى العلم الحديث بشكلٍ ٍ‬ ‫والنجوم كان الكون مك ّونًا من ُس ُد ِم من الغبار والغاز‪ ،‬ويقول اتباع‬ ‫بوكاي يف هذا الشأن أن القرآن يف القرن السابع امليالدي قد سبق العلم‬ ‫نص قرآين يقول‪ُ ﴿ :‬ث َّم ْ‬ ‫اس َت َوى إ َل َّ‬ ‫الحديث إىل هذا االستنتاج يف ٍ‬ ‫الس َماءِ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫َ َ ُ َ ٌ‬ ‫ه دخان‬ ‫السوداء يف‬ ‫الثقوب‬ ‫اكتشاف‬ ‫عن‬ ‫وماذا‬ ‫‪.)11‬‬ ‫لت‪:‬‬ ‫ُص‬ ‫ف‬ ‫(‬ ‫﴾‬ ‫وِ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ َ‬ ‫ت َّ‬ ‫الس َم ُاء فَكنَ ْت أب ْ َوابًا﴾‬ ‫الفضاء؟ هو موجو ٌد بحسبهم يف اآلية ﴿ َوفتِح ِ‬ ‫(النبأ‪.)19 :‬‬ ‫مكتوب بالفرنسية وترجمته العربية عنوانها‪« :‬القرآن والتوراة واإلنجيل‪ :‬دراس ٌة يف ضوء العلم الحديث» والعنوان األصيل‪:‬‬ ‫‪ - 3‬الكتاب‬ ‫ٌ‬ ‫‪[ La Bible, le Coran et la Science: Les Écritures Saintes examinées à la lumière des connaissances modernes‬مالحظة املرتجم]‪.‬‬ ‫‪ - 4‬ترد الكلمة كذلك مع ّرب ًة عىل النحو‪« :‬البوكايية»‪ ،‬كام أن هنالك من يبقي الالم الصامتة فيكتبها‪« :‬البوكايلية» [مالحظة املرتجم]‪.‬‬

‫‪47‬‬


‫الدور املحوري الذي لعبه علام ُء‬ ‫غربيون يف الرتويج لإلعجاز القرآين‬ ‫دانييل غولدن‬

‫رغم أن غالبية العلامء يستنكرون البوكائية ويستهجنونها‪ ،‬إال أنها لعبت دو ًرا ها ًما يف اعتناق البعض لإلسالم ويف حفاظ‬ ‫الشباب ذوي امليول نحو الغرب عىل إميانهم(‪ .)5‬ويتم تعليم هذا الفكر يف املدارس الثانوية اإلسالمية‪ ،‬حيث ت ُولّد الفكرة‬ ‫شعو ًرا بالفخر لدى املسلم برتاثه وتوفّق بني ما قد يراه التالميذ رصا ًعا بني معتقداتهم الدينية واملهن ذات الطابع‬ ‫العلامين التي يدرسونها‪ ،‬كالهندسة والحاسوب‪.‬‬ ‫مظفر إقبال‬

‫ات مسجلة‬ ‫ات وتصوير ٌ‬ ‫مؤمتر ٌ‬ ‫يقول مظفر إقبال ‪ Muzaffar Iqbal‬رئيس مركز اإلسالم‬ ‫‪ Center for Islam and Science‬يف ألربتا يف كندا‪:‬‬

‫والعلم(‪)6‬‬

‫«ستجد يف الجامعات يف أرجاء العامل العريب متسكًا متزاي ًدا بهذا النمط‬ ‫من التفكري بني الناس‪ ،‬فمصداقيته هناك أعىل من مصداقية الخلقية‬ ‫هنا‪ .‬وال توجد يف العامل اإلسالمي معارض ٌة منظم ٌة ضده(‪.»)7‬‬ ‫زغلول النجار‬

‫أما الجيولوجي املرصي زغلول النجار‪ ،‬والذي ير ّوج للفكرة عرب برنام ٍج تلفزيو ٍين‬ ‫أسبوعي يُعرض عىل الشاشات العربية فيقول‪:‬‬ ‫ٍ‬ ‫«إن من أكرث األسباب إقنا ًعا العتناق اإلسالم هو الكم الهائل من الحقائق العلمية‬ ‫املوجودة يف القرآن»‪.‬‬ ‫ويعترب الشيخ عبد املجيد الزنداين‪ ،‬وهو أحد تالميذ زغلول النجار‪ ،‬من أبرز من‬ ‫ساهموا يف إصعاد البوكائية إىل املكانة التي وصلت إليها بني املسلمني‪ ،‬وذلك عرب‬ ‫حمل ٍة ممول ٍة بشكلٍ ممتاز‪.‬‬ ‫ميني ومؤسس «الهيئة العاملية لإلعجاز العلمي‬ ‫أكادميي‬ ‫والزنداين هو‬ ‫ٌ‬ ‫وسيايس ٌ‬ ‫ٌ‬

‫‪ - 5‬متت كتابة هذا املقال عام ‪ ،2002‬أي يف بدايات فرتة دخول اإلنرتنت إىل حيز الوجود بني املسلمني وقبل ظهور مواقع التواصل االجتامعي وموجة ترك الدين التي أتت بعد ذلك‬ ‫سهل [مالحظة املرتجم]‪.‬‬ ‫يف فرت ٍة صار فيها البحث عن املعرفة ً‬ ‫‪ - 6‬عند إجراء هذه الرتجمة صار اسم املركز‪ :‬مركز العلوم اإلسالمية ‪[ Center for Islamic Sciences‬مالحظة املرتجم]‪.‬‬ ‫‪ - 7‬هنا أيضً ا نرى أن تاريخ كتابة املقال تيش بفرتة سابق ٍة عىل ما نعيشه اليوم‪ .‬ال نزال ال نرى معارض ًة منظمةً‪ ،‬لكننا نرى معارض ًة شعبي ًة عفوية ًوحركة نفو ٍر عامٍ من فكرة اإلعجاز‬ ‫مثل االنتقادات والتشكيك اللذان قوبل بهام زغلول النجار عام ‪ 2017‬يف املؤمتر العاملي الرابع لعلوم القرآن يف املغرب‪.‬‬ ‫العلمي لدى فئ ٍة متنامي ٍة يف العدد‪ ،‬ال سيام من الشباب‪ ،‬ونذكر ً‬ ‫[مالحظة املرتجم]‪.‬‬

‫‪48‬‬


‫الدور املحوري الذي لعبه علام ُء‬ ‫غربيون يف الرتويج لإلعجاز القرآين‬ ‫دانييل غولدن‬

‫يف القرآن والسنة» ومقرها السعودية‪ ،‬وقد كان كذلك أمينها العام لفرت ٍة يف السابق‪ .‬وكان الزنداين هو من نظّم‬ ‫املؤمترات التي استضافت الدكتور سيمپسون وغريه من العلامء‪ ،‬حيث تم تصوير مشاركاتهم فيها‪.‬‬

‫صديق أسامة بن الدن‬ ‫ليمني آخر من أتباع البوكائية املخلصني هو‬ ‫وقد كان الزنداين صديقًا ومرش ًدا‬ ‫ٍ‬ ‫كاتب‬ ‫أسامة بن الدن‪ .‬وبحسب يوسف بودانسيك ‪ ،Yossef Bodansky‬وهو ٌ‬ ‫لسرية ابن الدن ومدير فريق عملٍ يف الكونغرس األمرييك للتعامل مع اإلرهاب‪،‬‬ ‫بانتظام حول ما إذا كان تنظيم العلميات‬ ‫فإن ابن الدن كان(‪ )8‬يستشري الزنداين‬ ‫ٍ‬ ‫اإلرهابية موافقًا لإلسالم‪.‬‬ ‫ويقول بودانسيك أن‪:‬‬ ‫«الزنداين كان من أكرث املقربني البن الدن»‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫مقابالت أجراها مع العديد من أجهزة املخابرات‪ ،‬ومع إرهابيني حاليني وآخرين‬ ‫وينسب بودانسيك استنتاجات كتابه إىل‬ ‫سابقني وغريهم‪.‬‬ ‫ترك الزنداين األمانة العامة لهيئة اإلعجاز عام ‪،1995‬‬ ‫ٍ‬ ‫معارض‬ ‫ميني‬ ‫واليوم هو شخصي ٌة سياسي ٌة رئيسي ٌة يف ٍ‬ ‫حزب ٍ‬ ‫يؤيد فكرة إنشاء دول ٍة إسالمية‪ ،‬لكن الحكومة األمريكية‬ ‫ال تعتربه إرهاب ًيا(‪ ،)9‬وقد رفض التعليق عىل مقالنا عىل‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫لسانٍ‬ ‫مشغول بشؤونٍ سياسي ٍة وأكادميية‪.‬‬ ‫وسيط بيننا أنه‬ ‫قال الزنداين يف شهر مايو أيار املايض(‪ )10‬يف مقابل ٍة نرشتها‬ ‫عبد املجيد الزنداين‬ ‫مجل ٌة تابع ٌة لهيئة اإلعجاز العلمي أن املسلمني عندما‬ ‫رصح بصدد مدى‬ ‫يدركون دقة القرآن العلمية فإنهم «يشعرون بالفخر والثقة والرىض بأنهم عىل الدين الحق»‪ ،‬وقد ّ‬ ‫قوة إقناع األدلة أنها «واضح ٌة وب ّينة‪ ،‬تشهد لها مجموع ٌة من العلامء املرموقني من غري املسلمني يف مباحث متعددة»‪.‬‬ ‫مكتوب بصيغة الحارض‪ ،‬حيث أن ابن الدن كان ال يزال ح ًيا وقت كتابته‪ ،‬لكننا قمنا بتغيري الجمل املتعلقة بابن الدن لتوائم حقيقة أنه قُتل يف عملي ٍة أمريكي ٍة‬ ‫‪- 8‬النص األصيل‬ ‫ٌ‬ ‫عام ‪[ 2011‬مالحظة املرتجم]‪.‬‬ ‫‪ - 9‬يف العام ‪ 2004‬قررت وزارة الخزانة األمريكية اعتبار الزنداين إرهابيًا عامليًا ‪[ .Specially Designated Global Terrorist‬مالحظة املرتجم]‬ ‫‪ - 10‬الكالم عن عام ‪[ 2001‬مالحظة املرتجم]‪.‬‬

‫‪49‬‬


‫الدور املحوري الذي لعبه علام ُء‬ ‫غربيون يف الرتويج لإلعجاز القرآين‬ ‫دانييل غولدن‬

‫زخم حول العام ‪ ،1980‬عندما صار‬ ‫بدأت البوكائية تكتسب ً‬ ‫فريق تشكّل يف جامعة امللك عبد العزيز هدفه‬ ‫الزنداين مدير ٍ‬ ‫استقدام علامء لزيارة السعودية‪.‬‬ ‫وقد كان أول إنجازاته عندما قام أحد مساعديه‪ ،‬واسمه مصطفى‬ ‫عبد الباسط أحمد بتقديم علق ٍة لكيث مور ‪،Keith Morre‬‬ ‫وهو أستا ٌذ يف جامعة تورنتو الكندية ‪University of Toronto‬‬ ‫تدرييس رائج االستخدام يف ِعلم األجنة‪.‬‬ ‫لكتاب‬ ‫ومؤلف‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وقد أراد مصطفى أحمد تبيان مالءمة تشبيه وصف اإلنسان يف‬ ‫مراحله الجنينية املبكرة كام يُرى تحت املجهر بالعلقة‪.‬‬ ‫كيث مور‬

‫ٍ‬ ‫شديد من شدة‬ ‫ويقول السيد أحمد أن األستاذ مور أُصيب بذهو ٍل‬ ‫التشابه بني العلقة والجنني يف مراحله املبكرة‪ ،‬فام كان من مور‪ ،‬وهو ابن ٍ‬ ‫قس پروتستانتي‪ ،‬إال أن استنتج أن الله قد‬ ‫أوحى بالقرآن ملحمد‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫ومل يكتفي مور بالترصيح بهذا الرأي عرب تسجيالت الزنداين املصورة‪ ،‬بل تعدى ذلك إىل نرشه يف محارض ٍ‬ ‫ونقاشات‬ ‫ات‬ ‫علمي ٍة ومقاالت‪.‬‬ ‫وقد سمح األستاذ مور عام ‪ 1983‬بنرش نسخ ٍة من كتابه ‪ The Developing Human‬مخصص ًة للعامل اإلسالمي كتبها‬ ‫ٌ‬ ‫فصول من «املضافات اإلسالمية» بقلم‬ ‫بالتعاون مع الزنداين‪ ،‬ويحتوي الكتاب عىل فصو ٍل من العلم التقليدي تتخللها‬ ‫الزنداين عن القرآن‪.‬‬ ‫ويف جزء الشكر يف الكتاب‪ ،‬يتوجه الزنداين بالشكر «للعلامء املرموقني الذي وفروا الدعم الرسمي والشخيص»‪ ،‬ومن ضمن‬ ‫جنب مع الدكتور سيمپسون وغريه من العلامء الغربيني‪.‬‬ ‫من شكرهم الزنداين يذكر الشيخ أسامة بن الدن جن ًبا إىل ٍ‬ ‫ويذكر زغلول النجار‪ ،‬أستاذ الجيولوجيا املرصي الذي تعلّم الزنداين عىل يده أن البوكائية أثارت اهتامم ابن الدن أثناء‬ ‫دراسته الجامعية بعد سامعه ملحارض ٍة للزنداين‪ ،‬وأنه ساهم بدفع تكاليف نرش الكتاب‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫مشغول بتنقيح كتابه‬ ‫عندما حاولنا مقابلة األستاذ املتقاعد مور رفض املقابلة‪ ،‬وعندما تواصلنا معه يف تورنتو قال أنه‬ ‫التدرييس وأنه «قد م ّرت ‪ 10‬أو ‪ 11‬سن ًة منذ انخراطي يف العمل عىل القرآن»‪.‬‬ ‫‪50‬‬


‫الدور املحوري الذي لعبه علام ُء‬ ‫غربيون يف الرتويج لإلعجاز القرآين‬ ‫دانييل غولدن‬

‫استقطاب العلامء‬ ‫دائم يف جامعة‬ ‫يف العام ‪ ،1984‬بعد أن تم رفض تعيني الزنداين يف‬ ‫ٍ‬ ‫منصب ٍ‬ ‫امللك عبد العزيز التجأ إىل رابطة العامل اإلسالمي‪ ،‬وهي منظم ٌة غري ربحي ٍة‬ ‫مصدر دعمها األسايس هو الحكومة السعودية‪.‬‬ ‫دعم مال ًيا إلنشاء هيئة اإلعجاز العلمي‪ ،‬وعىل اإلثر‪ ،‬تم‬ ‫قدمت الرابطة ً‬ ‫إيفاد السيد أحمد إىل الواليات املتحدة‪ ،‬حيث انتقل للعيش يف مدينة‬ ‫شهري بلغ ‪ 3‬آالف دوالر‪ ،‬فصار يجوب‬ ‫مبرتب‬ ‫شيكاغو يف العام ‪1983‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫أمريكا وكندا من املحيط إىل املحيط مستقط ًبا العلامء األمريكيني والكنديني‪.‬‬ ‫وقد متكنت الهيئة من اجتذاب العلامء إىل مؤمتراتها مع تذاكر طائر ٍة‬ ‫درج ٍة أوىل لهم ولزوجاتهم‪ ،‬وحجزوا لهم غرفًا يف أفضل الفنادق ودفعوا‬ ‫مكافأ ًة مالي ًة قيمتها ‪ 1000‬دوالر لقاء املشاركة‪ ،‬وقاموا بدعوتهم لحضور‬ ‫مآدب مع قادة العامل اإلسالمي‪ ،‬كحفل عشا ٍء مع الرئيس الپاكستاين ضياء‬ ‫الحق يف قرصه قُبيل أن يلقى مرصعه يف حادث اصطدام طائرة‪.‬‬

‫كذلك قام السيد أحمد بإهداء ساع ٍة من الكريستال لعا ٍمل ٍ‬ ‫واحد عىل األقل‪ .‬وقد ترك السيد أحمد الهيئة علم ‪ ،1996‬وهو‬ ‫اليوم يدير مدرس ًة إسالمي ًة ابتدائي ًة يف والية پنسلڤينيا ‪ Pennsylvania‬األمريكية‪ ،‬ويقول أنه أكّد للعلامء أن عمل الهيئة‬ ‫ٍ‬ ‫معلومات قد تناقض القرآن بصد ٍر رحب‪.‬‬ ‫كان «محاي ًدا متا ًما» وأنها ستقابل أي‬ ‫كل منهم آي ًة من القرآن ليفحصها يف ظل مجال خربته‪ ،‬وبعد‬ ‫لكنهم رسعان ما اكتشفوا أن األمر كان غري ذلك‪ .‬فقد أُعطي ٌّ‬ ‫وحي ربا ٍين يف‬ ‫ذلك قابل الزنداين ً‬ ‫كل منهم وتم تصوير املقابلة التي كان الزنداين من خاللها يدفع العامل لإلقرار بوجود ٍّ‬ ‫اآلية‪.‬‬

‫‪51‬‬


‫الدور املحوري الذي لعبه علام ُء‬ ‫غربيون يف الرتويج لإلعجاز القرآين‬ ‫دانييل غولدن‬

‫تم إعطاء عامل األحياء البحرية وليام هيه ‪ William Hay‬من جامعة‬ ‫كولورادو ‪ University of Colorado‬األمريكية آي ًة تش ّبه عقل‬ ‫مظلم فال يرى فيه‬ ‫الكافر الجاحد بلقاء ربه كمن يعيش يف بح ٍر‬ ‫ٍ‬ ‫شيئا من تراكم الظلامت فيه‪﴿ :‬أَ ْو َك ُظلُ َمات ف َبْر لُ ّّ‬ ‫ج َي ْغ َشاهُ َم ْوجٌ‬ ‫ٍ َِ َ ٍ ِ ٍ َ َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ًَ‬

‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫اب ُظل َم ٌ‬ ‫م ِْن ف ْوقِهِ َم ْو ٌج م ِْن ف ْوقِهِ َس َ‬ ‫ح ٌ‬ ‫خ َر َج يَ َدهُ‬ ‫ات َب ْعض َها ف ْوق َب ْع ٍض إِذا أ‬ ‫َ ْ َ َ ْ َ َ َ َ َ ْ َ ْ َ ْ َ َّ ُ َ ُ ُ ً َ َ َ ُ ْ ُ‬ ‫ور﴾ (النور‪.)40 :‬‬ ‫لم يكد يراها ومن لم يع ِل الل ل نورا فما ل مِن ن ٍ‬

‫يف الڤيديو نرى الزنداين يضغط عىل األستاذ هيه ليقر بأنه ما‬ ‫ٍ‬ ‫ملحمد أن يعرف عن األمواج الداخلية التي تسببت يف تباين‬ ‫كان‬ ‫الكثافات يف أعامق املحيط‪ .‬وعندما اقرتح األستاذ هيه أن محم ًدا‬ ‫رص الزنداين أن النبي مل يزر‬ ‫لرمبا قد تعلّم عن الظاهرة من البحارة أ ّ‬ ‫مرفأً قط‪.‬‬

‫وليام هيه‬

‫ٍ‬ ‫فرضيات أخرى عىل الزنداين‪ ،‬لكن هذا األخري كان‬ ‫منهاجي (ميثودي) أنه صار يطرح‬ ‫مسيحي‬ ‫يقول األستاذ هيه‪ ،‬وهو‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫يستبعدها الواحدة تلو األخرى‪ ،‬حتى استسلم هيه إىل أن تلك اإلشارة لظاهرة األمواج كانت بالفعل وح ًيا إله ًيا‪.‬‬ ‫وال تزال أصداء جملته هذه ترتدد عىل املواقع اإلسالمية عىل اإلنرتنت‪ .‬يقول األستاذ هيه بصدد ذلك‪ ،‬وهو يعمل اآلن يف‬ ‫ٍ‬ ‫وقعت يف الفخ‪ ،‬فرصت أحذر الناس من الوقوع فيه»‪.‬‬ ‫بحري أملاين‪« :‬لقد‬ ‫ُ‬ ‫معهد ٍ‬ ‫أما يف حالة الجيولوجي آليسون (پيت) پاملر ‪ ،Allison “Pete” Palmer‬والذي كان يف حينها جيولوج ًيا يعمل لصالح‬ ‫الجمعية الجيولوجية األمريكية ‪ ،Geological Society of America‬فلم ينفع أسلوب الزنداين بالضغط يف تغيري موقفه‪،‬‬ ‫وحي إلهي‪.‬‬ ‫فأرص عىل موقفه بأن محم ًدا قد استقى علمه من التاريخ الشفوي يف الرشق األوسط بال شك‪ ،‬ال من ٍ‬

‫آليسون (پيت) پاملر‬

‫ويف أحد الڤيديوهات نرى الزنداين يقر أن السيد پاملر ال زال‬ ‫بحاجة «ملن يريه طريق الحقيقة»‪ ،‬لكنه يزعم بأن ذلك العامل‬ ‫«مذهول» من دقة وصف القرآن‪ .‬أما پاملر نفسه فيقول‬ ‫ً‬ ‫كان‬ ‫أن ذلك الزعم هو مبالغة‪ ،‬لكنه رغم ذلك يذكر الزنداين بالخري‪،‬‬ ‫لطيف حقًا»‪ .‬ويقول پاملر وباقي العلامء‬ ‫ٌ‬ ‫فيصفه بأنه‬ ‫«رجل ٌ‬ ‫علم بصلة الزنداين بابن الدن‪ ،‬وعىل‬ ‫األمريكيني أنهم مل يكونوا عىل ٍ‬ ‫كل األحوال‪ ،‬فأمريكا مل تعترب ابن الدن مجر ًما يف ذلك الوقت‪.‬‬ ‫‪52‬‬


‫الدور املحوري الذي لعبه علام ُء‬ ‫غربيون يف الرتويج لإلعجاز القرآين‬ ‫دانييل غولدن‬

‫بحث عن املصادقة‬ ‫يقول األستاذ جريالد غورينغر ‪ ،Gerald Goeringer‬وهو عامل أجن ٍة‬ ‫ٍ‬ ‫متقاعد من جامعة جورجتاون ‪ ،Georgetown University‬أنه‬ ‫كان يحث الهيئة عىل أن يحاولوا البحث عن مصادق ٍة بتعيني ٍ‬ ‫باحث‬ ‫مستقلٍ لفحص ما إذا ما يقوله القرآن قد أُخذ من أرسطو‪ ،‬الفيلسوف‬ ‫والعامل اإلغريقي‪ ،‬والذي سبق القرآن بحوايل ‪ 1000‬عام‪.‬‬

‫جريالد غورينغر‬

‫ويضيف األستاذ املتقاعد غورينغر أنه توقف عن الذهاب إىل تلك املؤمترات خوفًا من أن يُقرتن اسمه بالتعصب الديني‪،‬‬ ‫يقول‪« :‬لقد كان تالع ًبا متبادلً ‪ :‬فمن طرفنا زرنا أماكن ما ك ّنا لنزورها لوال ذلك‪ ،‬ومن طرفهم‪ ،‬أرادوا إضافة هال ٍة من‬ ‫االحرتام عىل ما كانوا ينرشون»‪.‬‬ ‫أما األستاذ سيمپسون‪ ،‬والذي كان قد حرض مؤمتر ٍ‬ ‫ات ُعقدت يف السعودية والقاهرة وإسالم أباد‪ ،‬فيستذكر أنه طُلب إليه‬ ‫ٍ‬ ‫اتهامات باطل ٍة‬ ‫تحليل قص ٍة من السنة النبوية يف ضوء املعرفة الحديثة عن علم الوراثة كان مغزاها التثبيط عن إطالق‬ ‫ٍ‬ ‫محمد يشكو أن زوجته ولدت غال ًما أسود‪ ،‬فسأله محم ٌد عن إبله ولونها‪ ،‬فقال الرجل إن لون‬ ‫رجل إىل‬ ‫بالزنا‪ ،‬يأيت فيها ٌ‬ ‫قائل بأنه لرمبا ورث لونه‬ ‫ضارب إىل الحمرة‪ ،‬لكن أحدها غامق اللون‪ ،‬فش ّبه النبي الغالم بذلك الجمل الغامق ً‬ ‫بعضها‬ ‫ٌ‬ ‫عن بعض أسالفه (‪.)11‬‬ ‫وتحت إلحا ٍح من منظمي املؤمتر شهد األستاذ سيمپسون بأن هذا الحديث يتوافق مع طريقة توريث الجينات (املو ّرثات)‬ ‫للصفات املتن ّحية والتي قد ال تظهر لدى األبوين‪ ،‬لكن سيمپسون قال يف ذات الوقت أن التشابهات‪ ،‬وإن كانت صادم ًة‪،‬‬ ‫وحي إلهي‪.‬‬ ‫ال تشكل بالرضورة ً‬ ‫دليل عىل ٍ‬ ‫يقول سيد نعامن الحق ‪ ،Syed Nomanul Haq‬وهو مؤر ٌخ پاكستا ٌين يعمل‬ ‫يف جامعة پنسلڤانيا األمريكية ‪ University of Pennsylvania‬ومن أبرز‬ ‫نقّاد البوكائية‪ ،‬أن فكرة توريث الصفات من األسالف كانت أم ًرا شائ ًعا يف‬ ‫زمن محمد‪ ،‬وهو ينسب ظهور البوكائية إىل «عقدة ٍ‬ ‫نقص عميق ٍة ج ًدا»‬ ‫بني املسلمني الذين ال زالوا يعيشون آثار اإلهانة التي وقعت عليهم من‬ ‫ج ّراء االستعامر‪ ،‬محاولني إعادة إحياء أمجا ٍد ضائع ٍة ملايض اإلنجاز العلمي‬ ‫اإلسالمي‪.‬‬ ‫سيد نعامن الحق‬ ‫ونص الحديث كالتايل‪َ « :‬جا َء َر ُج ٌل ِم ْن بَ ِني فَ َزا َر َة ِإ َل ال َّنب ِِّي َص َّل اللَّ ُه َعلَ ْي ِه َو َسلَّ َم‪ ،‬فَق ََال‪ِ :‬إ َّن ا ْم َرأَ ِت َولَدَتْ غ َُل ًما أَ ْس َودَ‪ ،‬فَق ََال ال َّنب ُِّي َص َّل اللَّ ُه َعلَ ْي ِه َو َسلَّ َم‪َ :‬ه ْل ل ََك ِم ْن إِبِلٍ ؟ ق ََال‪:‬‬ ‫‪ُّ - 11‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫نَ َع ْم‪ ،‬ق ََال‪ :‬ف ََم ألْ َوانُ َها؟ ق ََال‪ُ :‬ح ْم ٌر‪ ،‬ق ََال‪َ :‬ه ْل ِفي َها ِم ْن أ ْو َر َق؟ ق ََال‪ :‬إِ َّن ِفي َها لَ ُو ْرقًا‪ ،‬ق ََال‪ :‬فَأ َّن أت َا َها َذلِ َك؟ ق ََال‪َ :‬ع َس أ ْن يَكُو َن نَ َز َع ُه ِع ْر ٌق‪ ،‬ق ََال‪َ :‬و َهذَا َع َس أ ْن يَكُو َن نَ َز َع ُه ِع ْر ٌق» صحيح‬ ‫مسلم‪ :‬كتاب اللعان‪ ،‬حديث ‪[ 2848‬مالحظة املرتجم]‪.‬‬

‫‪53‬‬


‫الدور املحوري الذي لعبه علام ُء‬ ‫غربيون يف الرتويج لإلعجاز القرآين‬ ‫دانييل غولدن‬

‫يقع املقر الرئييس لهيئة اإلعجاز العلمي يف مدينة مكة‪ ،‬لكن لها فر ٌع يف ضواحي مدينة جدة يف مب ًنى من ثالث طوابق‪.‬‬ ‫وبحسب األمني العام الحايل للهيئة(‪ ،)12‬حسن بن عبد القادر باحفظ الله‪ ،‬فإن الهيئة ال ترتبط بالزنداين حال ًيا بأية عالق ٍة‬ ‫رسمية‪ ،‬لكنه ال يزال مدع ًوا لحضور فعاليات الهيئة‪ .‬أما عن عالقة الزنداين بابن الدن‪ ،‬فيقول األمني العام‪:‬‬ ‫«كل ما أعرفه أنه أثناء الجهاد يف أفغانستان اعتاد الزنداين زيارة ابن الدن هناك»‪.‬‬ ‫وبحسب السيد باحفط الله‪ ،‬فإن الهيئة تجمع ما قيمته ‪ 250‬ألف دوالر سنويًا من األفراد واملؤسسات‪ ،‬هذا عدا عن‬ ‫الدعم الذي تحصل عليه من رابطة العامل اإلسالمي‪ ،‬ومنذ العام ‪ 1986‬قامت الرابطة بعقد خمسة مؤمترات‪ ،‬آخرها كان‬ ‫يف بريوت يف العام ‪ ،)13(2000‬كانت تكلفة كل ٍ‬ ‫واحد من هذه املؤمترات تربو عىل ‪ 100‬ألف دوالر‪.‬‬ ‫ويستمر أثر تلك املؤمترات‪ ،‬فمن ضمن ما تنتجه الهيئة‪،‬‬ ‫مسجل بعنوان «إنه الحق»(‪ )14‬يحتوي مقابالت‬ ‫ٌ‬ ‫يوجد رشي ٌط‬ ‫الزنداين مع العلامء غري املسلمني إضاف ًة إىل تعليقه عىل‬ ‫املحتوى‪ ،‬مبا يف ذلك النبوءة القرآنية القائلة‪:‬‬ ‫َّ َّ َ َ‬ ‫ج ْ‬ ‫ارا ُكَّ َما نَض َ‬ ‫ك َف ُروا بآيَات َِنا َس ْو َف نُ ْصل ِيه ْم نَ ً‬ ‫ت‬ ‫﴿إِن الِين‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َّ َّ َ َ َ‬ ‫ُ ُ ُ ُ َ َّ َ ُ ْ ُ ً‬ ‫ي َها ِلَذوقوا ال َعذ َ‬ ‫ودا غ ْ َ‬ ‫اب ۗ إِن الل كن‬ ‫جلودهم بدلاهم جل‬ ‫يزا َحك ً‬ ‫َعز ً‬ ‫ِيما﴾ (النساء‪.)56 :‬‬ ‫ِ‬

‫‪ - 12‬عند ترجمة هذا املقال كان رئيس مجلس إدارة الهيئة هو محم ٌد بن عبد الكريم العيىس‪ ،‬وبحسب موقع جريدة الرياض بتاريخ ‪ 13‬نوفمرب ترشين ثاين ‪ ،2010‬فإن باحفظ‬ ‫الله قد تويف‪[ .‬مالحظة املرتجم]‬ ‫‪ - 13‬بحسب موقع الهيئة الرسمي‪ ،‬فقامئة املؤمترات العاملية التي عقدوها كاآليت‪:‬‬ ‫• املؤمتر العاملي األول لإلعجاز العلمي يف القرآن والس ّنة بالقاهرة عام ‪1408‬هـ ‪1985 /‬م‪.‬‬ ‫• املؤمتر العاملي الثاين لإلعجاز العلمي يف القرآن والس ّنة بإسالم آباد ‪1408‬هـ ‪1987 /‬م‪.‬‬ ‫• املؤمتر العاملي الثالث لإلعجاز العلمي يف القرآن والس ّنة بدكارـ السنغال يف ‪1412‬هـ ‪1990 /‬م‪.‬‬ ‫• املؤمتر العاملي الرابع لإلعجاز العلمي يف القرآن والس ّنة مبوسكو ‪1414‬هـ ‪1993 /‬م‪.‬‬ ‫• املؤمتر العاملي الخامس لإلعجاز العلمي يف القرآن والس ّنة بإندونيسيا ‪1415‬هـ ‪1994 /‬م‪.‬‬ ‫• املؤمتر العاملي السادس لإلعجاز العلمي يف القرآن والس ّنة يف بريوت ـ لبنان ‪1421‬هـ ‪.‬‬ ‫• املؤمتر العاملي السابع لإلعجاز العلمي يف القرآن والسنة بديب ‪ -‬اإلمارات ‪1425‬هـ ‪2004 /‬م‪.‬‬ ‫• املؤمتر العاملي الثامن لإلعجاز العلمي يف القرآن والسنة بدولة الكويت ‪1427‬هـ ‪2006 /‬م‪.‬‬ ‫• املؤمتر العاملي التاسع لإلعجاز العلمي يف القرآن والسنة بسطيف ‪ -‬الجزائر ‪1429‬هـ ‪2008 /‬م‪.‬‬ ‫• املؤمتر العاملي العارش لإلعجاز العلمي يف القرآن والسنة بإسطنبول ‪-‬تركيا ‪1432‬هـ ‪2011 /‬م‪.‬‬ ‫• املؤمتر العاملي الحادي عرش لإلعجاز العلمي يف القرآن والسنة مبدريد‪-‬إسبانيا ‪1436‬هـ ‪2015 /‬م‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ْ َ‬ ‫َُْ‬ ‫متداول للزنداين بنفس العنوان‪ ،‬وهو مستقًى من الشعار الذي ترفعه الهيئة وهو اآلية القائلة‪َ { :‬س ُنيه ْم آيَات َ‬ ‫سه ْم َح َّت يَتَ َب َّ َ‬ ‫ي ل َ ُه ْم أنَّ ُه ْ َ‬ ‫ٌ‬ ‫ف‬ ‫ال‬ ‫ف‬ ‫ا‬ ‫ِن‬ ‫ال ُّق}‬ ‫كتاب‬ ‫اق َو ِف أنف ِِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫‪ - 14‬يوجد ٌ‬ ‫ِ ِ‬ ‫(فصلت‪ ،)53 :‬والتي يفرسها البعض عىل أنها إشار ٌة إىل إميان الكفار بعد أن يتبني لهم محتوى القرآن‪ ،‬وهي فكر ٌة أساسي ٌة يف منهج من يؤمنون باإلعجاز العلمي [مالحظة املرتجم]‪.‬‬

‫‪54‬‬


‫الدور املحوري الذي لعبه علام ُء‬ ‫غربيون يف الرتويج لإلعجاز القرآين‬ ‫دانييل غولدن‬

‫كذلك قام نارشون وعد ٌد من املنظامت اإلسالمية بتوزيع ‪ 800‬ألف نسخ ٍة من‬ ‫«دليل مصو ٌر موج ٌز لفهم اإلسالم» ‪A Brief Illustrated Guide to‬‬ ‫ٌ‬ ‫كتاب‬ ‫‪ ،Understanding Islam‬والذي يعيد نرش أجزا َء كبري ٍة من نص برنامج «إنه‬ ‫الحق»‪ ،‬مبا يف ذلك شهادات العلامء‪.‬‬ ‫كام ويتوافر النص عىل مواقع عديد ٍة عىل اإلنرتنت كموقع ‪،islamcity.com‬‬ ‫والذي زاد زواره عىل املليون يف شهر نوڤمرب(‪.)15‬‬ ‫ويدار املوقع من مدينة كلڤر ‪ Culver City‬يف والية كاليفورنيا األمريكية‪،‬‬ ‫وبحسب محمد عبد العليم‪ ،‬وهو املدير التنفيذي للموقع‪ ،‬فإن القامئني عليه‬ ‫يقومون بتحويل محارضات الزنداين عن العصمة القرآنية إىل صيغ ٍة رقمية‪،‬‬ ‫وهو يقوم بزيار ٍ‬ ‫ات للمدارس املحلية ليتحدث فيها عن املقابالت بني القرآن‬ ‫والعلم الحديث‪ .‬ويقول أن‪:‬‬ ‫«البوكائية تجد أصدا َء قوي ًة بني اليافعني واملثقفني وباألخص يف صفوف املسلمني الذين يدرسون يف الجامعات األمريكية»‪.‬‬ ‫ترجم املقال من اإلنجليزية‪ :‬أسامة البني (الوراق)‬ ‫شارك يف إعداد املقال‪ :‬جيمس دوريس ‪ James Dorsey‬من مدينة جدة وإيلينا ترشين ‪ Elena Cherney‬من مدينة‬ ‫تورنتو الكندية‪.‬‬ ‫تم نرش املقال األصيل يف جريدة الوول سرتيت ‪ Wall Street Journal‬بتاريخ ‪( 2002/01/23‬تاريخ مح ّدث) وعنوانه‬ ‫‪.Western Scholars Play Key Role In Touting ‘Science’ of the Quran‬‬

‫‪ - 15‬الكالم طب ًعا يتحدث عن سنة ‪[ 2002‬مالحظة املرتجم]‪.‬‬

‫‪55‬‬


http://www.thelandofsands.blogspot.com

56


‫الْ َقلَ‬

‫الغراب الحكيم‬

‫‪57‬‬


‫القلم‬ ‫الغراب الحكيم‬

‫الصامت‪ ،‬قال‪ :‬سمعت‬ ‫ح ّدثني أيوب بن أيب زيد‪ ،‬عن عبادة بن الوليد بن عبادة‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن ج ِّده عبادة بن ّ‬ ‫رسول الله ‪-‬صلعم‪ -‬يقول‪« :‬إ ّن أول يش ٍء خلقه الله القلم‪ ،‬فقال له‪ :‬اجرِ‪ ،‬فجرى مبا هو كائ ٌن إىل يوم القيامة ولكن‬ ‫ما مل يُذكر هو أ ّن القلم كانت له غاياتٌ ومآرب أخرى»‬ ‫ٍ‬ ‫رصاص بني أنفه‬ ‫جلس راف ًعا قدميه عىل املكتب واض ًعا قلم‬ ‫وشفته وهو يرتقب الوقت‪ ،‬متى تنتهي ساعات عمله يك يغرق‬ ‫السكْر وينىس كل ما كان من ٍ‬ ‫ماض أتعبه‪.‬‬ ‫يف بحر ُّ‬ ‫أطل منه‬ ‫سمع أزي َز صوت الباب فرفع عينيه إىل الباب الذي َّ‬ ‫وبكل برود‪ :‬أريد رؤية‬ ‫شاحب خا ٍل من االبتسامة قال له ّ‬ ‫وج ٌه‬ ‫ٌ‬ ‫باب الخروج‪ ،‬فأنا تائ ٌه هنا منذ أعوام‪.‬‬ ‫ر ّد عليه وعىل وجهه ابتسام ٌة صفراء‪ :‬وماذا تفعل هنا؟‬ ‫أنزل العجوز عينيه إىل األرض راف ًعا حاجبيه‪ :‬كنت أبحث عن‬ ‫أوراقي وكتابايت ٍ‬ ‫لوقت طويل‪ ،‬ال أعرف ملاذا جلبتها معي وكيف‬ ‫أضعتها‪ ،‬من أحرضين إىل هنا وملاذا؟‬ ‫تهكّم ال ّرجل وهو ما يزال يوازن القلم بني شفته وأنفه وقال‪ :‬وهل تحسبني البواب أم رجل األمن؟ اذهب عني‬ ‫بعي ًدا‪.‬‬ ‫تبسم الرجل ذو الوجه الشاحب ابتسام ًة حزين ًة وقال‪ :‬أما زلت تنتظر انتهاء الدوام لتعود لزوجتك الجميلة؟‬ ‫ّ‬ ‫أنزل الرجل حذاءه من عىل ظهر املكتب ووضع القلم الذي كان تحت أنفه يف الدرج بعصب ّي ٍة ووقف منزع ًجا من‬ ‫رجل يضع قلم ٍ‬ ‫ورقي وهو يلهث‬ ‫كالم العجوز قبل أن يقاطعهام ٌ‬ ‫رصاص فوق أذنه ويحمل كوب ٍ‬ ‫شاي عىل صحنٍ ٍ‬ ‫بعصبية‪:‬‬

‫‪58‬‬


‫القلم‬ ‫الغراب الحكيم‬

‫«هل يعرف أحدكام من طلب كوب الشاي هذا؟ هل هو أنت أم أنت؟ الشاي سيربد ويجب أن أجد األحمق الذي‬ ‫طلبه‪ ،‬أنا مستعجل»‪.‬‬ ‫«انس كوب الشاي‪ ،‬عليك بالبحث عن باب الخروج»‪.‬‬ ‫ر ّد عليه الرجل العجوز بربو ٍد شاحب‪َ :‬‬ ‫ٍ‬ ‫بصمت وتع ّج ٍب لربه ٍة ثم انطلق وهو يتمتم بعصبي ٍة باحثًا‬ ‫تلفّت النادل بني العجوز والرجل الواقف أمام املكتب‬ ‫عن صاحب الكوب‪:‬‬ ‫«ألست من تبحث عن أوراقك وكتاباتك؟ اذهب وابحث عنها يف مكانٍ آخر»‪ .‬قال الرجل الواقف خلف املكتب‪.‬‬ ‫كل املوجودين هنا غارقون يف فكر ٍة ما تلتهمهم‪...‬‬ ‫نظر العجوز إليه لربه ٍة وقال‪« :‬هذه هي املشكلة‪ّ ،‬‬ ‫عقارب عىل ساعة الحائط‪ ،‬والنادل يجري خلف صاحب كوب‬ ‫«أنت تنتظر ساعات الدوام لتنتهي رغم عدم وجود‬ ‫َ‬ ‫كنت غارقًا يف البحث عن أوراقي وكتابايت التي مل أعد أذكر هل كتبتُها‬ ‫الشاي الذي جفّت مياهه منذ سنني وأنا ُ‬ ‫وهم آخر يدفعني للجري والتوتر والبحث املضني بال نهاية‪ .‬لقد أدركت أنّنا هنا منذ زمنٍ‬ ‫بالفعل أم أنّها مجرد ٍ‬ ‫طويلٍ ج ًدا وأنّه يجب البحث عن باب املخرج‪ .‬وال أعرف حتى ما إذا كان موجو ًدا أم أنّه وه ٌم آخ ُر علينا أن نجري‬ ‫وراءه»‪.‬‬

‫‪59‬‬


‫القلم‬ ‫الغراب الحكيم‬

‫ٍ‬ ‫للحظات بني الرجل العجوز والرجل الواقف‬ ‫ساد الصمت‬ ‫خلف املكتب قبل أن متت ّط ابتسام ٌة عصبي ٌة عىل وجهه‬ ‫الذي بدأ ٌ‬ ‫عرق بار ٌد يظهر عليه‪ :‬ارحل عني‪ ،‬ماذا تقول؟ أنت‬ ‫دقائق قبل أن أُنهي دوامي‬ ‫تزعجني‪ ،‬أنت مجنون‪ ،‬كلّها بض ُع َ‬ ‫وأعود للبيت إىل زوجتي الحبيبة‪ .‬أنت مجنون‪ ،‬ارحل ع ّني‪.‬‬ ‫الكريس الدوار‪ ،‬وأشاح بوجهه‪ .‬تق ّدم العجوز من‬ ‫وجلس عىل‬ ‫ّ‬ ‫املكتب وأخرج من جيبه قل َم رصاص‪- :‬‬ ‫انظر إىل هذا‪ ،‬إنّه نفس القلم الذي يحمله النادل عىل أذنه!‬ ‫وهو نفس القلم الذي كنت تضعه تحت أنفك منذ قليل!‬ ‫نظر الرجل للقلم لربه ٍة وعرفه‪ ،‬ث ّم فتح درج املكتب برسع ٍة‬ ‫فلم يجد قلمه! رفع عينيه إىل األعىل فوجد يد العجوز فارغ ًة!‬ ‫ما هذا؟ هل تعبثْ معي بحركات الخفّة الرخيصة هذه؟‬ ‫رد العجوز‪ :‬هذه ليست ألعاب خفّة‪ ،‬لقد أدركت منذ فرت ٍة‬ ‫كل ما هو موجو ٌد ويحدث هنا‪،‬‬ ‫طبيعي يف ّ‬ ‫أ ّن هناك شيئًا غري‬ ‫ٍّ‬ ‫أيضا‪ .‬الحقيقة يا صديقي الشاب أنّه ال‬ ‫وأنت بدأت ترى هذا ً‬ ‫يوجد هناك قلم رصاص‪ ،‬ومل يكن أب ًدا موجو ًدا‪.‬‬ ‫كتبت هذه القصة عىل خلفية إلهام من خاطر ٌة قصصي ٌة عىل‬ ‫الفيسبوك لـ ‪.Sunds Fdys‬‬ ‫‪60‬‬


61


‫ﺳﻴﺮة‬ ‫ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ آﻣﻨﺔ‬ ‫اﻟﺤﻠﻘﺔ اﻟﺴﺎدﺳﺔ واﻟﻌﺸﺮون‪ :‬ﻓﺎﻃﻤﺔ واﻟﻴﻬﻮد‬

‫ﺗﺮﺟﻤﺔ ﻋﻦ اﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻟﻜﺘﺎب‬ ‫‪LA VIE DE MAHOMET‬‬ ‫ﺗﺮﺟﻤﺔ‪ :‬ﺳﺎرة ﺳﺮﻛﺴﻴﺎن‬ ‫ﺗﺪﻗﻴﻖ ﺗﺮﺟﻤﺔ وﺗﺪﻗﻴﻖ ﻣﺼﺎدر وإﺧﺮاج‪:‬‬ ‫أﺳﺮة ﺗﺤﺮﻳﺮ ﻣﺠﻠﺔ اﻟﻤﻠﺤﺪﻳﻦ اﻟﻌﺮب‬ ‫‪62‬‬


‫ﻓﺎﻃﻤﺔ ‪،‬‬ ‫اﻟﺒﻨﺖ اﻟﻤﺪﻟّﻠﺔ‬

‫ﻋﻨﺪﻣﺎ أﺧﺒﺮ رﺳﻮل اﷲ ﻓﺎﻃﻤﺔ ﺑﻘﺮاره‪،‬‬ ‫ﻃﺄﻃﺄت رأﺳﻬﺎ وﺳﻜﺘﺖ‪ .‬ﻛﺎن ﻋﻤﺮﻫﺎ‬ ‫ﺧﻤﺲﻋﺸﺮةﺳﻨﺔﻓﻘﻂ‪.‬‬

‫ﺛﻢأﺟﻬﺸﺖﺑﺎﻟﺒﻜﺎء‪.‬‬

‫ﺷﻌﻮر‬ ‫أﺑﺘﺎه‪ ،‬ﻋﻨﺪي ٌ‬ ‫ﺑﺄﻧﻚﺳﺘﺰوﺟﻨﻲﺑﺄﻓﻘﺮ‬ ‫ﻣﺤﺘﺎج ﻓﻲ ﻗﺮﻳﺶ‪.‬‬

‫ﻣﺤﻤﺪ أﻏﻠﻰ ﺑﻨﺎﺗﻪ ﻓﻲ ﻧﻔﺲ ﺳﻨﺔ‬ ‫ّزوج ٌ‬ ‫ﻣﻌﺮﻛﺔ ﺑﺪر‪ ،‬واﺧﺘﺎر ﻟﻬﺎ أﺣﺴﻦ زوج‪،‬‬ ‫وﻫﻮ ﻋﻠﻲ ﺑﻦ أﺑﻲ ﻃﺎﻟﺐ‪.‬‬

‫واﻟﺬيﺑﻌﺜﻨﻲﺑﺎﻟﺤﻖ‪،‬ﻟﻦأﻛﻠّﻤﻚﻋﻦ‬ ‫ﻫﺬا اﻟﺰواج ّإﻻ ﺑﺄﻣ ٍﺮ ﻣﻦ اﷲ‪.‬‬

‫وأﻧﺎ أواﻓﻖ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ‬ ‫ﻳﻘﺒﻞ ﺑﻪ اﷲ ورﺳﻮﻟﻪ‪.‬‬

‫ﻣﺤﻤﺪ ﺑﺄﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺛﻼث ﻋﺸﺮة‬ ‫ﺗﺰوج ٌ‬ ‫ﺣﺪد اﻟﻌﺪد ﻷﺗﺒﺎﻋﻪ‬ ‫اﻣﺮأة‪ ،‬ﻟﻜّﻨﻪ ّ‬ ‫إﺿﺎﻓﺔ إﻟﻰ ﻣﺎ‬ ‫ﺑﺄرﺑﻊ زوﺟﺎت‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ﻣﻠﻜﺖ أﻳﻤﺎﻧﻬﻢ‪.‬‬

‫ﻃﻠﺐ ﻣﻦ زوج اﺑﻨﺘﻪ ّ‬ ‫أﻻ ﻳﺘﺰوج ﻋﻠﻴﻬﺎ اﻣﺮأةً أﺧﺮى‪ ،‬وأن ﻳﺒﻘﻰ وﻓﻴًﺎ ﻟﻬﺎ ﻃﻮال ﺣﻴﺎﺗﻬﺎ‪.‬‬

‫)‪(1‬‬

‫‪63‬‬


‫اﻟﻴﻬﻮد‬

‫ﻓﻲ اﻟﺴﻨﺔ اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻟﻠﻬﺠﺮة‪ ،‬ذﻫﺒﺖ زوﺟﺔ أﺣﺪ اﻷﻧﺼﺎر ﻟﺴﻮق ٍ‬ ‫ﻗﺒﻴﻠﺔ‬ ‫ذﻫﺒﺎ ﻣﻦ ٍ‬ ‫ﺻﺎﺋﻎ ﻳﻬﻮدي‪.‬‬ ‫ﻳ ٍ‬ ‫ﻬﻮدﻳﺔ ﻟﺘﺸﺘﺮي ً‬

‫ﻴﻠﺔ ﻳﻬﻮدﻳّ ًﺔ ﺗﺴﻜﻦ‬ ‫ﻛﺎﻧﺖ ﺑﻨﻮ ﻗﻴﻨﻘﺎع ﻗﺒ ً‬ ‫ﻓﻲ أﻃﺮاف اﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﻣﻨﺬ ز ٍ‬ ‫ﻣﻦ ﺑﻌﻴﺪ‬ ‫ﻴﻠﺔ ﻳﻬﻮ ٍ‬ ‫دﻳﺔ‬ ‫أول ﻗﺒ ٍ‬ ‫وﻛﺎﻧﻮا ّ‬ ‫ﻳﻌﺎدﻳﻬﺎﻣﺤﻤﺪ‪.‬‬

‫ﻓﺘﺤﺮش ﺑﻬﺎ ﺑﻌﺾ اﻟﻴﻬﻮد ﻓﻲ اﻟﻤﺘﺠﺮ‪،‬‬ ‫ّ وﻧﺰﻋﻮاﻋﻨﻬﺎﺣﺠﺎﺑﻬﺎ‪.‬‬

‫ﻓﺘﺠﻤﻊ اﻟﻴﻬﻮد ﻋﻠﻰ اﻟﻘﺎﺗﻞ‪ ،‬وأوﺳﻌﻮه‬ ‫ﺿﺮﺑًﺎ ﺣﺘﻰ اﻟﻤﻮت‪.‬‬

‫ﻣﺴﻠﻢ اﻟﺤﺎدﺛﺔ‪ ،‬ﻓﺴﺎرع إﻟﻰ ﻗﺘﻞ اﻟﺼﺎﺋﻎ‬ ‫ﺷﺎﻫﺪ ٌ‬ ‫اﻟﻴﻬﻮدي‪.‬‬

‫ﻣﺤﻤﺪ ﺑﺎﻟﻘﺼﺔ‪ ،‬ﻏﻀﺐ‬ ‫ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺳﻤﻊ ٌ‬

‫ﻏﻀﺒًﺎﺷﺪﻳﺪا‪.‬‬

‫‪64‬‬


‫ﻓﺤﺎﺻﺮ ﻗﺒﻴﻠﺔ ﺑﻨﻲ ﻗﻴﻨﻘﺎع ﺧﻤﺴﺔ ﻋﺸﺮ ﻳﻮﻣًﺎ ﺑﻠﻴﺎﻟﻴﻬﺎ‪.‬‬

‫ﻣﺬﺑﺤﺔ‬ ‫ﺑﻨﻲ ﻗﺮﻳﻈﺔ‬

‫ﺣﺘﻰاﺳﺘﺴﻠﻤﻮاوﻏﺎدروااﻟﻤﻨﻄﻘﺔﺗﺎرﻛﻴﻦ‬ ‫وراءﻫﻢ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﻤﻠﻜﻮن‪ ،‬ﻛﺎﻧﻮا ﺣﻮاﻟﻲ‬ ‫)‪(2‬‬ ‫اﻟﺴﺒﻌﻤﺎﺋﺔ‪.‬‬

‫دﺧﻞ اﻟﺼﺎدق اﻷﻣﻴﻦ إﻟﻰ ﺑﻴﺖ ﻋﺎﺋﺸﺔ ﻣﻨﻬﻜ ًﺎ‬ ‫ﺑﻌﺪ ﻏﻴﺎب ﺷﻬﺮ‪.‬‬ ‫ﻣﺎء‬ ‫أﺣﻀﺮي ﻟﻲ ً‬ ‫ﻷﻏﺘﺴﻞ‪.‬‬

‫ﺑﻌﺪ ٍ‬ ‫ﻋﺪة‪ ،‬وﺑُﻌﻴﺪ ﻋﻮدة ﻣﺤﻤ ٍﺪ ﻣﻊ ﺟﻴﺸﺔ‬ ‫ﺳﻨﻮات ّ‬ ‫ﻳﺨﺺ‬ ‫ﻏﺮﻳﺐ ّ‬ ‫إﻟﻬﻲ ٌ‬ ‫ﻣﻦ ﻏﺰوة اﻟﺨﻨﺪق‪ ،‬ﺟﺎءه ٌ‬ ‫أﻣﺮ ٌ‬ ‫ﻗﺒﻴﻠﺔ ﺑﻨﻲ ﻗﺮﻳﻈﺔ‪ ،‬وﻫﻲ ﻗﺒﻴﻠﺔ ﻳﻬﻮدﻳﺔ ﻣﻦ اﻟﻤﺪﻳﻨﺔ‬ ‫ﻛﺎﻧﺖ ﻗﺪ ﻧﻘﻀﺖ ﻋﻬﺪﻫﺎ ﻣﻊ رﺳﻮل اﷲ‪.‬‬ ‫ﻣﺎ إن ﺳﻜﺐ اﻟﻤﺎء ﻋﻠﻰ رأﺳﻪ‪ ،‬ﺣﺘﻰ‬ ‫ﻗﺎﺋﻼ‪:‬‬ ‫ﺟﺎءه ﺟﺒﺮﻳﻞ ً‬

‫ﻫﻞ وﺿﻌﺖ اﻟﺴﻼح؟‬

‫واﷲ ﻧﺤﻦ اﻟﻤﻼﺋﻜﺔ‬ ‫ﻟﻢ ﻧﻀﻊ اﻟﺴﻼح‪.‬‬

‫‪65‬‬


‫ﻟﻜﻦ ﻣﺤﻤﺪًا أﻣﺮ ﺑﺬﺑﺢ ﺟﻤﻴﻊ اﻟﺮﺟﺎل‪ ،‬ﻣﻮاﻓﻘًﺎ ﻋﻠﻰ ﺣﻜﻢ ﺳﻌﺪ ﺑﻦ ﻣﻌﺎذ ﻓﻴﻬﻢ‪.‬‬

‫رﺣﻴﻤﺎ ﻛﻌﺎدﺗﻪ‪،‬‬ ‫ﻣﺤﻤﺪ ً‬ ‫وﻋﻠﻰ اﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﻛﻞ ﻫﺬا‪ ،‬ﺑﻘﻲ ٌ‬ ‫ﻃﻔﺎﻟﻬﻦ اﻟﺼﻐﺎر ﺣﺘﻰ‬ ‫ﻓﻘﺪ ﺳﻤﺢ ﻟﻸﻣﻬﺎت ﺑﺮﻋﺎﻳﺔ أ‬ ‫ّ‬ ‫ﻳﺒﻠﻐﻮا‪.‬‬

‫ﺛﻢﺗﻘﺎﺳﻢاﻟﻤﺴﻠﻤﻮنأﻣﻮالﺑﻨﻲﻗﺮﻳﻈﺔوﻧﺴﺎءﻫﻢوأﻃﻔﺎﻟﻬﻢ‪.‬‬

‫ﻣﺤﻤﺪ ﻣﻦ ﺑﻴﻦ اﻟﺴﺒﺎﻳﺎ رﻳﺤﺎﻧﺔ‪ ،‬ﻓﻘﺪ أﻋﺠﺒﺘﻪ ﻣﻦ اﻟﻨﻈﺮة‬ ‫اﺧﺘﺎر ٌ‬ ‫ﺟﺎرﻳﺔ ﻋﻨﺪ‬ ‫اﻷوﻟﻰ‪ ،‬وﻗﺮرت رﻳﺤﺎﻧﺔ اﻟﺪﺧﻮل ﻓﻲ اﻹﺳﻼم ﻟﺘﺼﻴﺮ ً‬ ‫رﺳﻮل اﷲ‪ ،‬رﻏﻢ أن ﺟﻤﻴﻊ رﺟﺎل ﻋﺎﺋﻠﺘﻬﺎ ﻗﺘﻠﻮا ﻓﻲ ﻧﻔﺲ‬ ‫اﻟﻴﻮم‪.‬‬

‫ﻧﺼﻴﺐ ﻣﻦ اﻟﺴﺒﺎﻳﺎ‬ ‫ﺑﻌﺪ ﺳﻨﺘﻴﻦ‪ ،‬وﻓﻲ ﻏﺰوة ﻳﻬﻮد ﺧﻴﺒﺮ‪ ،‬ﻛﺎن ﻟﺒﻼل اﻟﺤﺒﺸﻲ ٌ‬ ‫ﻋﺒﺪا ﻓﻲ اﻟﻤﺎﺿﻲ‪ ،‬وﺑﻴﻨﻤﺎ ﻛﺎن ﻳﺴﻴﺮ ﺑﺒﻌﺾ اﻟﺴﺒﺎﻳﺎ‬ ‫واﻷﻃﻔﺎل‪ ،‬وﻫﻮ اﻟﺬي ﻛﺎن ً‬ ‫ﻣﺮ ﻋﻠﻰ ﻗﺘﻠﻰ ذوﻳﻬﻢ‪ ،‬ﻓﺘﻌﺮﻓﺖ اﻣﺮأٌة ﻋﻠﻰ أﻫﻠﻬﺎ وﺻﺎرت ﺗﺼﺮخ‪.‬‬ ‫ّ‬

‫أﺑﻌﺪواﻫﺬه‬ ‫اﻟﻤﺴﻌﻮرة!‬

‫‪66‬‬

‫ﻣﺎذا ﻓﻌﻠﺖ؟ ﻛﻴﻒ ﻃﺎوﻋﻚ ﻗﻠﺒﻚ‬ ‫ﻋﻠﻰ ﺗﺮﻛﻬﺎ ﺗﺮى ﺟﺜﺚ أﻫﻠﻬﺎ‬ ‫)‪(3‬‬ ‫اﻟﻤﻘﺘﻮﻟﻴﻦ؟‬


‫(‪ .)1‬زواج فاطمة بعيل بن أيب طالب‪:‬‬

‫يل بفاطمة ريض الله تعاىل عنهام‪ :‬أي عقد عليها يف رمضان وقيل يف رجب‪ ،‬ودخل بها يف ذي الحجة‪ .‬وقيل بعد أن تز ّوجها‬ ‫‪ l‬وكان يف تلك السنة تزويج ع ّ‬ ‫يل يومئذ إحدى وعرشين سنة‬ ‫بنى بها بعد سبعة أشهر ونصف‪ ،‬أي فيكون عقد عليها يف أول جامدى األوىل‪ .‬وكان عمرها خمس عرشة سنة‪ ،‬وكان سن ع ّ‬ ‫يل قال ﷺ «إن عليا يخطبك فسكتت» أي‬ ‫وخمسة أشهر‪ ،‬أي وأومل عليها بكبش من عند سعد وآصع من ذرة من عند جامعة من األنصار‪ .‬وملا خطبها ع ّ‬ ‫ويف رواية قال لها «أي بنية إن ابن عمك عليا قد خطبك فامذا تقولني؟ فبكت‪ ،‬ثم قالت‪ :‬كأنك يا أبت إمنا أدخرتني لفقري قريش‪ ،‬فقال ﷺ‪ :‬والذي بعثني‬ ‫بالحق ما تكلمت يف هذا حتى أذن يل الله فيه من السامء‪ ،‬فقالت فاطمة ريض الله عنها‪ :‬رضيت مبا ريض الله ورسوله»‪.‬‬ ‫ وجاء أنه ﷺ قال «إن بني هشام بن املغرية استأذنوين يف أن ينكحوا ابنتهم عيل بن أيب طالب‪ ،‬فال آذن‪ ،‬ثم ال آذن‪ ،‬ثم ال آذن إال أن يريد ابن أيب طالب‬‫أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم‪ ،‬فإمنا هي بضعة مني‪ ،‬يريبني ما أرابها‪ ،‬ويؤذيني ما آذاها»‪.‬‬ ‫‪ n‬السرية الحلبية ‪ -‬إنسان العيون يف سرية األمني املأمون‪ ،‬لعيل بن إبراهيم بن أحمد الحلبي‪ ،‬دار الكتب العلمية – بريوت‪ ،‬الطبعة الثانية ‪1427( -‬هـ‪/‬‬ ‫‪2006‬م)‪ ،‬الجزء (‪ ،)2‬الصفحة (‪.)284-281‬‬

‫(‪ .)2‬غزوة بني قينقاع‪:‬‬

‫‪ l‬وهم‪ :‬قوم من اليهود وكانوا أشجع يهود‪ ،‬وكانوا صاغة‪ ،‬وكانوا حلفاء عبادة بن الصامت ريض الله عنه وعبد الله بن أ ّيب ابن سلول‪ .‬فلام كانت وقعة‬ ‫بدر أظهروا البغي والحسد‪ ،‬ونبذوا العهد أي ألنه ﷺ كان عاهدهم وعاهد بني قريظة وبني النضري أن ال يحاربوه‪ ،‬وأن ال يظاهروا عليه عدوه‪.‬‬ ‫فإنه مع ما هم عليه من العداوة لرسول الله ﷺ قدمت امرأة من العرب بجلب لها‪ :‬أي وهو ما يجلب ليباع من إبل وغنم وغريهام فباعته بسوق بني‬ ‫قينقاع وجلست إىل صائغ منهم‪ ،]...[ .‬فجعلوا أي جامعة منهم يراودونها عن كشف وجهها فأبت‪ ،‬فعمد الصائغ إىل طرف ثوبها فعقده إىل ظهرها‪ .‬قال‬ ‫ويف رواية‪ :‬خله بشوكة وهي ال تشعر‪ ،‬فلام قامت انكشفت سوأتها فضحكوا منها فصاحت‪ ،‬فوثب رجل من املسلمني عىل الصائغ فقتله‪ ،‬وشدت اليهود‬ ‫عىل املسلم فقتلوه‪ ،‬فاسترصخ أهل املسلم املسلمني عىل اليهود‪ ،‬فغضب املسلمون أي وتقدم وقوع مثل ذلك‪ ،‬وأنه كان سببا لوقوع حرب الفجار األول‪،‬‬ ‫وملا غضب املسلمون عىل بني قينقاع أي وقال لهم ﷺ «ما عىل هذا أقررناهم» تربأ عبادة بن الصامت ريض الله عنه من حلفهم‪.‬‬ ‫فسار إليهم رسول الله ﷺ ولواؤه وكان أبيض بيد عمه حمزة بن عبد املطلب ريض الله تعاىل عنه [‪ ]...‬واستخلف ﷺ عىل املدينة أبا لبابة‪ ،‬وحارصهم‬ ‫خمس عرشة ليلة أشد الحصار‪ ،‬ألن خروجه ﷺ كان يف نصف ش ّوال‪ ،‬واستمر إىل هالل ذي القعدة الحرام‪ ،‬فقذف الله يف قلوبهم الرعب وكانوا أربعامئة‬ ‫حارس وثالمثائة دارع‪ ،‬فسألوا رسول الله ﷺ أن يخيل سبيلهم‪ ،‬وأن يجلوا من املدينة‪ :‬أي يخرجوا منها‪ ،‬وأن لهم نساءهم والذرية وله ﷺ األموال‪ ،‬أي‬ ‫ومنها الحلقة التي هي السالح‪ .‬والظاهر من كالمهم أنه مل يكن لهم نخيل وال أرض تزرع‪ ،‬وخمست أموالهم أي مع كونها فيئا له ﷺ ألنها مل تحصل‬ ‫بقتال وال جلوا عنها قبل التقاء الصفني‪ ،‬فكان له ﷺ وألصحابه األربعة األخامس‪.‬‬ ‫‪ n‬السرية الحلبية ‪ -‬إنسان العيون يف سرية األمني املأمون‪ ،‬لعيل بن إبراهيم بن أحمد الحلبي‪ ،‬دار الكتب العلمية – بريوت‪ ،‬الطبعة الثانية ‪1427( -‬هـ‪/‬‬ ‫‪2006‬م)‪ ،‬الجزء (‪ ،)2‬الصفحة (‪.)285-284‬‬

‫(‪ .)3‬غزوة بني قريظة‪:‬‬

‫‪ l‬ملا رجع رسول الله ﷺ من الخندق وكان وقت الظهرية‪ ،‬أي وقد صىل الظهر‪ ،‬ودخل بيت عائشة ريض الله عنها‪ ،‬وقيل زينب بنت جحش ريض الله‬ ‫عنها‪ ،‬ودعا مباء‪ ،‬فبينام هو ﷺ يغتسل [‪ ]...‬أىت جربيل عليه السالم النبي ﷺ معتجرا بعاممة‪ :‬أي سوداء من استربق‪ ،‬وهو نوع من الديباج‪ ،‬مرخيا منها‬ ‫بني كتفيه [‪ ]...‬فقال‪ :‬أو قد وضعت السالح يا رسول الله؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال جربيل عليه السالم‪ :‬ما وضعت السالح‪ .‬ويف رواية‪ :‬ما وضعت مالئكة الله السالح‬ ‫بعد [‪ ]...‬إن الله يأمرك يا محمد باملسري إىل بني قريظة‪ ،‬فإين عامد إليهم‪ ،‬زاد يف رواية‪ :‬مبن معي من املالئكة‪ ،‬فمزلزل بهم الحصون‪ ،‬زاد يف رواية‪ ،‬فقال‬ ‫رسول الله ﷺ‪ :‬إن يف أصحايب جهدا فلو نظرتهم أياما‪ ،‬فقال جربيل عليه السالم‪ :‬اهض إليهم‪ ،‬فو الله ألدقنهم كدق البيض عىل الصفا‪ ،‬وألدخلن فريس هذا‬ ‫عليهم يف حصونهم ثم ألضعضعنها‪ ،‬فأدبر جربيل عليه السالم ومن معه من املالئكة حتى سطع الغبار يف زقاق بني غنم‪ ،‬وهم طائفة من األنصار [‪ ]...‬أي‬ ‫وهذا يؤيد أنه ﷺ كان عند منرصفه من الخندق يف بيت عائشة‪ ،‬وأبرز رسول الله ﷺ مؤذنا‪ :‬أي وهو بالل كام يف سرية الحافظ الدمياطي‪ ،‬فأذن يف‬ ‫الناس‪ :‬من كان سامعا مطيعا فال يصلني العرص‪ ،‬أي ويف رواية‪ :‬الظهر إال ببني قريظة‪.‬‬ ‫‪ n‬السرية الحلبية ‪ -‬إنسان العيون يف سرية األمني املأمون‪ ،‬لعيل بن إبراهيم بن أحمد الحلبي‪ ،‬دار الكتب العلمية – بريوت‪ ،‬الطبعة الثانية ‪1427( -‬هـ‪/‬‬ ‫‪2006‬م)‪ ،‬الجزء (‪ ،)2‬الصفحة (‪.)441-440‬‬

‫‪67‬‬


‫(‪ .)4‬وقائع ومجريات غزوة بني قريظة‪:‬‬

‫‪ l‬وحارص رسول الله ﷺ بني قريظة خمسا وعرشين ليلة‪ ،‬وقيل خمسة عرش يوما‪ ،‬أي وقيل شهرا [‪ ]...‬حتى جهدهم الحصار‪ ،‬وقذف الله يف قلوبهم‬ ‫الرعب‪.‬‬ ‫ثم إن بني قريظة نزلوا عىل حكم رسول الله ﷺ‪ ،‬فأمر بهم فكتفوا وجعلوا ناحية‪ ،‬وكانوا ستامئة‪ ،‬وقيل سبعامئة وخمسني مقاتال‪ ،‬وهو الذي تقدم عن‬ ‫حيي بن أخطب‪ .‬وال يخالف هذا ما قيل إنهم كانوا بني الثاممنائة والسبعامئة‪ .‬وقيل كانوا أربعامئة مقاتل‪ .‬وال يخالف ما قبله‪ ،‬ألنه يجوز أن يكون ما زاد‬ ‫عىل ذلك كانوا أتباعا ال يعدون‪ ،‬وأخرج النساء والذراري من الحصون وجعلوا ناحية‪ :‬أي وكانوا ألفا‪.‬‬ ‫وقيل إنهم قالوا ننزل عىل حكم سعد بن معاذ ريض الله عنه فريض بذلك رسول الله ﷺ‪ ،‬أي وكان سعد بن معاذ ريض الله عنه يومئذ يف املسجد يف خيمة‬ ‫رفيدة ريض الله عنها‪ ،]...[ ،‬فأتاه قومه فحملوه عىل حامر؛ ثم أقبلوا به إىل رسول الله ﷺ وهم يقولون له‪ :‬يا أبا عمرو أحسن يف مواليك‪ ،‬فإن رسول الله‬ ‫ﷺ إمنا والك ذلك لتحسن فيهم فأحسن فيهم‪ ،‬فقد رأيت ابن أ ّيب وما صنع يف حلفائه‪ ،‬وهو ساكت‪ ،‬فلام أكرثوا عليه‪ ،‬قال ريض الله عنه لقد آن لسعد‬ ‫أن ال تأخذه يف الله لومة الئم‪ ،‬فقال بعضهم واقوماه‪.‬‬ ‫فلام انتهى سعد ريض الله عنه إىل رسول الله ﷺ [‪ ]...‬فقالوا‪ :‬يا أبا عمرو إن رسول الله ﷺ قد والك أمر مواليك لتحكم‪ .‬ويف رواية‪ :‬فقمنا صفني يحييه‬ ‫كل رجل فقال [‪ ]...‬رسول الله ﷺ‪ :‬أحكم فيهم يا سعد [‪ ]...‬فقال سعد لبني قريظة‪ :‬أترضون بحكمي‪ ،‬قالوا نعم‪ .‬فأخذ عليهم عهد الله وميثاقه أن‬ ‫الحكم ما حكم به‪ .‬قال سعد‪ :‬فإين أحكم فيهم أن تقتل الرجال‪ ،‬ويف لفظ‪ :‬أن يقتل كل من جرت عليه املوىس‪ ،‬وتغنم األموال‪ ،‬وتسبى الذراري والنساء‪،‬‬ ‫زاد بعضهم‪ :‬وتكون الديار للمهاجرين دون األنصار‪ ،‬فقالت األنصار‪ ،‬إخواننا يعنون املهاجرين لنا معهم‪ ،‬فقال‪ :‬إين أحببت أن يستغنوا عنكم‪ .‬فقال رسول‬ ‫الله ﷺ لسعد‪« :‬لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» أي السموات السبع‪.‬‬ ‫ثم غدا ﷺ إىل املدينة‪ ،‬ثم خرج إىل سوق املدينة فخندق فيها خنادق‪ :‬أي حفر فيها حفائر‪ .‬ثم أمر بقتل كل من أنبت‪ ،‬فبعث إليهم فجاؤوا إليه أرساال‪،‬‬ ‫ترضب أعناقهم ويلقون يف تلك الخنادق‪ .‬وقد قال بعضهم لسيدهم كعب بن أسيد‪ :‬يا كعب ما تراه يصنع بنا؟ قال‪ :‬يف كل موطن ال تعقلون‪ ،‬أما ترون أن‬ ‫من ذهب منكم ال يرجع؟ هو والله القتل‪.‬‬ ‫فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله ﷺ‪ .‬أي وذلك ليال عىل شعل السعف‪ .‬ثم ر ّد عليهم الرتاب يف تلك الخنادق‪ ،‬وعند قتلهم صاحت نساؤهم‪،‬‬ ‫وشقت جيوبها‪ ،‬ونرشت شعورها‪ ،‬ورضبت خدودها‪ ،‬ومألت املدينة نواحا‪.‬‬ ‫ثم بعث رسول الله ﷺ سعد بن زيد األنصاري بسبايا بني قريظة إىل نجد فابتاع لهم بهم خيال وسالحا‪ .‬قال‪ :‬ويف لفظ بعث سعد بن عبادة إىل الشام‬ ‫بسبايا يبيعهم ويشرتي بهم سالحا وخيال‪ .‬أي فاشرتى بذلك خيال كثريا قسمها رسول الله ﷺ عىل املسلمني‪.‬‬ ‫ونهى رسول الله ﷺ أن يفرق بني األم وولدها‪ ،‬أي يف السبايا األعم من قريظة‪ ،‬وقال «ال يفرق بني أم وولدها حتى يبلغ‪ ،‬قيل‪ :‬يا رسول الله وما بلوغه؟‬ ‫قال‪ :‬تحيض الجارية ويحتلم الغالم‪.‬‬ ‫واصطفي ﷺ لنفسه منهم ريحانة بنت عمرو [‪ ،]...‬وكانت متز ّوجة يف بني قريظة‪ ،‬ولعله مراد من قال إنها كانت من بني قريظة‪ ،‬أي وكانت جميلة‪،‬‬ ‫رس رسول الله ﷺ‬ ‫وأسلمت بعد أن أبت اإلسالم ووجد ﷺ يف نفسه‪ :‬أي غضب بسبب ذلك‪ ،‬أي بسبب عدم إسالمها‪ ،‬ومل يظهر ذلك‪ ،‬ثم ملا أسلمت ّ‬ ‫بذلك [‪ ]...‬أي فقد خريها ﷺ بني أن يعتقها ويتزوجها أو تكون يف ملكه يطؤها بامللك؟ فاختارت أن تكون يف ملكه‪.‬‬ ‫‪ n‬السرية الحلبية ‪ -‬إنسان العيون يف سرية األمني املأمون‪ ،‬لعيل بن إبراهيم بن أحمد الحلبي‪ ،‬دار الكتب العلمية – بريوت‪ ،‬الطبعة الثانية ‪1427( -‬هـ‪/‬‬ ‫‪2006‬م)‪ ،‬الجزء (‪ ،)2‬الصفحة (‪.)456-444‬‬

‫‪68‬‬


‫ﻣﺴﻠﻤﻮ ﺃﻣﺮﻳﻜﺎ ﺍﻟﺸﻤﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﻮﻥ‬

Ex-Muslims of North America NO BIGOTRY, NO APOLOGY

‫دون ﺗﻌﺼﺐ أو اﻋﺘﺬار‬ ‫ﻧﺒﻨﻲ ﺟﻤﺎﻋﺎﺕ ﺩﺍﻋﻤﺔ‬

Building Communities

‫ﻧﻨﺸﺮ ﺍﻟﻘﻴﻢ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻴﺔ‬

Promoting Secular Values

‫ﻧﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﺗﺨﻔﻴﻒ ﻋﻮﺍﻗﺐ ﺍﻟﺮﺩﺓ‬

Mitigating Costs of Apostasy

‫ﻧﺴﻌﻰ ﻟﺘﻄﺒﻴﻊ ﺍﻻﻧﺸﻘﺎﻕ ﺍﻟﺪﻳﻨﻲ‬

Normalizing Religious Dissent

facebook.com/exmna

exmna.org

@exmuslimsofna

theexmuslim.com

E MNA 69


‫‪Sofia Morgan‬‬

‫يارب انا اختار ما اخرتت يل‪ ،‬واعلم انك ان احببتني ابتليتي‪ ..‬غري اين ارى‬ ‫انك احببتتي اكرث من اللزوم مؤخرا!‬ ‫ـ‬

‫يا رب يا رب حقق يل امنيتي التي تعرفها‬ ‫وحقق جميع أمنيايت املستقبلية التي انا ال اعرفها وانت تعرفها‬ ‫وليك ال احتاج ان ادعوك مرة اخرى واتعب يدي ولساين‬

‫‪Shady Srur‬‬

‫‪Abdelhakim A A Ibrahim‬‬

‫الذي يدعو لفرشاة األسنان‬ ‫يحصل عىل نفس نتيجة دعائه اىل الله‬

‫‪Rama Salih‬‬

‫الرب املفصل عىل هوى العقل‬

‫‪70‬‬


‫مجلة شهرية بجهود فردية تصدر في الثاني عشر من كل شهر‬

The Arab MagazineMagazine is a digital produced TheAtheists Arab Atheists is apublication digital publication by volunteers andbycommitted and produced volunteerstoandpromoting committedthetothought promoting writingstheof thought atheists and of various complete freewritingspersuasions of atheistswith of various persuadom. Thewith Magazine doesfreedom. not adoptThe or endorse anydoes formnotof adopt politisions complete Magazine cal ideology affiliation or or endorse any form of political ideology or affiliation Contributors of the content, illustrations Contributorsbear bearthethefullfullresponsibility responsibility of the content, illustraandtions topicsandthey provide insofar as it covers copyright and issues topics they provide insofar as it covers copyright andof intellectual property issues of intellectual property Express permission for tofor publish in the in Magazine is provided by conExpress permission to publish the Magazine is provided tributors, whether they are members of the Arab Atheists by contributors, whether they are members of the ArabMagazine Atheists Group of other atheists and non-religious contributors Magazine Group of other atheists and non-religious contributors TheTheMagazine does notnot publish material thatthat is unethical or or thatthat inMagazine does publish material is unethical cites racism or bigotry incites racism or bigotry The Editorial Board reserves the rightthe to republish content originally The Editorial Board reserves right to republish content published on the Magazine’s Facebook group, as publishing originally published on the Magazine’s Facebook group,there as implicitly contains consent for republication in the Magazine publishing there implicitly contains consent for republication in the Magazine

:‫موقع املدونة اخلاصة بنا لألرشفة على اإلنترنت‬ www.aamagazine.blogspot.com ‫البريد اإللكتروني‬ el7ad.organisation@gmail.com magazine@arabatheistbroadcasting.org

مجلة الملحدين العرب / العدد السابع والسبعون / أبريل نيسان / 2019  

نقدم لكم العدد السابع والسبعين من مجلة الملحدين العرب، وتقرؤون في افتتاحيته مقالًا للدكتور عبد العزيز القناعي بعنوان «المبادرة المفقودة»، يل...

مجلة الملحدين العرب / العدد السابع والسبعون / أبريل نيسان / 2019  

نقدم لكم العدد السابع والسبعين من مجلة الملحدين العرب، وتقرؤون في افتتاحيته مقالًا للدكتور عبد العزيز القناعي بعنوان «المبادرة المفقودة»، يل...

Profile for 928738
Advertisement