Issuu on Google+

‫مجلة شهرية بجهود فردية تصدر في الثاني عشر من كل شهر‬

‫البرش ّية بني جحيمني‬ ‫‪RoRo Evil-Girl‬‬

‫العدد الثالث واألربعون من مجلة امللحدين العرب لشهر حزيران ‪ /‬يونيو لسنة ‪2016‬‬

‫قراءة ٌ يف كتاب‬ ‫برتراند راسل‪ :‬الدين والعلم (‪)1‬‬ ‫‪Noor Dawood‬‬ ‫للتوثيق ‪ ..‬الشهيد مساري البرصي‬ ‫‪Ahmed Eazel‬‬ ‫سلسل ُة أحكام أهل الذمة‪:‬‬ ‫العهدة العمرية‬ ‫محمودجامل‬

‫مجلة امللحدين العرب هدفها نشر أفكار‬ ‫امللحدين والالدينيني العرب على اختالف‬ ‫توجهاتهم وانتماءاتهم السياسية والعرقية‬ ‫وبحري ٍة كاملة‪.‬‬ ‫ي‬ ‫اجمللة رقمي ٌة مبني ٌة بجهود فردي ٍة وال تع ّبر عن أ ّ‬ ‫توج ٍه سياسي‪.‬‬ ‫املعلومات واملواضيع املطروحة تعتبر مسؤولية‬ ‫أصحابها من الناحية األدبية وحقوق النشر‬ ‫وحفظ امللكية الفكرية‪.‬‬


‫فريق التحرير‬

‫املشارك في هذا العدد‬

‫رئيس التحرير‪:‬‬ ‫‪Gaia Athiest‬‬ ‫أعضاء هيئة التحرير‬ ‫وبناء اجمللة‪:‬‬ ‫الغراب الحكيم‬ ‫‪Alia›a Damascéne‬‬ ‫غيث جابري‬ ‫‪Ali Alnajafi‬‬ ‫أسامة البني (الوراق)‬ ‫‪Abdu Alsafrani‬‬ ‫ماري غزال‬ ‫‪Ishtar Serene‬‬ ‫‪Zorba Zad‬‬ ‫‪Tiky Mikky‬‬ ‫‪RoRo Evil-Girl‬‬ ‫‪Raghed Rustom‬‬

‫كلمة حترير اجمللة‬

‫ملاذا تستغل حكوماتنا الدين لتتسلق عليه وتكسب مواالة‬ ‫الشعوب من خالله؟ نحن نعلم أن الدين مخدر مناسب‬ ‫يتم حرشه يف كل يشء حولنا منذ نعومة أظافرنا‪ ،‬لكنه يف‬ ‫نفس الوقت يعطي تقديسا للحاكم خصوصا إذا كان يرتديه‬ ‫أمام الشعب كويل األمر الواجب طاعته وعدم الخروج عليه‪.‬‬ ‫وعىل مر التاريخ اإلسالمي ومنذ أيام محمد نفسه تع ّود األتباع‬ ‫عىل أن املرشع له استثناءات يحدد من خاللها ما يصلح له وما‬ ‫يصلح لهم‪ ،‬دون قدرة منهم عىل االعرتاض أو الرفض‪.‬‬ ‫فرنى محمد قد أحل لنفسه الزواج بأكرث من أربعة‪ ،‬وأعطى‬ ‫استثناءات خاصة وعطل حدودا وأحكاما حني يتعلق األمر‬ ‫بأشخاص عزيزين عليه‪ .‬واستمر هذا بعده مع أي خليفة يتوىل‬ ‫مقاليد الحكم‪ ،‬فإن كان الخليفة معتزل ًيا أصبح االعتزال هو االتجاه‬ ‫السائد ويقتل ويحارب من يعارضه‪ ،‬وإن كان شيع ًيا أصبح املذهب‬ ‫الشيعي هو السائد واملقبول وما يرسي يف الجوامع وخطب الجمعة‪،‬‬ ‫وإن كان عاشقا للعلم والرتجمة اتجهت البالد للرتجمة والعلوم‪،‬‬ ‫وإن كان متزمتا أصوليا أصبح التزمت هو املفروض واملطلوب‪.‬‬ ‫وهكذا كانت شعوبنا مغيبة مجهلة ألعوبة يف أيدي الحكام‬ ‫ووعاظهم من الشيوخ املرتزقة ومرتادي موائدهم‪ ،‬واستمر‬ ‫هذا الحال حتى يومنا الحارض فنجد طبقة الحكام فوق‬ ‫القوانني التي ترسي عىل البقية‪ ،‬سواء يف أسلوب حياتهم‬ ‫وترفهم وانعزالهم عام يتشدق به رجال الدين ليال نهارا‬ ‫من أوامر ونواهي عىل مغيبي الشعوب البسطاء أو يف فرض‬ ‫قدسيتهم وتبجيلهم كأنهم آلهة مصغرة متيش عىل األرض‪.‬‬ ‫وحتى ننزع هذه الهالة عن الحكام‪ ،‬ونتخلص من ازدواجية‬ ‫تقديس الحاكم وتقديس الدين‪ ،‬ونعرتف أنهم مجرد موظفني‬ ‫عندنا لخدمتنا وخدمة بالدنا يتغريون ويذهبون ويأيت غريهم‪،‬‬ ‫وعليهم ما علينا من القوانني والترشيعات وال قداسة لهم من أي‬ ‫نوع‪ ،‬عندها سيحدث التغيري‪.‬‬ ‫‪Gaia Atheist‬‬

‫‪Antoine Tannous‬‬ ‫‪X.AHTOHOB‬‬ ‫‪2‬‬


‫الفهرس‬ ‫كلمة رئيس التحرير‬

‫‪2‬‬

‫الفهرس‬

‫‪3‬‬

‫البرشيّة بني جحيمني‬ ‫‪RoRo Evil-Girl‬‬

‫‪4‬‬

‫للتوثيق ‪ ..‬الشهيد مساري البرصي‬ ‫‪Ahmed Eazel‬‬

‫‪10‬‬

‫عتبي عليك صديقي املُل ِحد (‪)4‬‬ ‫القسم الثاين ‪ :‬هذا دي ٌن وضعه‬ ‫نف ٌر من قريش!‬ ‫سامل الدليمي‬

‫‪13‬‬

‫قراءة ٌ يف كتاب‬ ‫برتراند راسل‪ :‬الدين والعلم (‪)1‬‬ ‫تلخيص ‪Noor Dawood‬‬

‫‪25‬‬

‫أسطورة اسمها اإلسالم (‪)4‬‬ ‫عمر حسني‬

‫‪35‬‬

‫سلسل ُة أحكام أهل الذمة‪:‬‬ ‫العهدة العمرية‬ ‫محمود جامل‬

‫‪48‬‬

‫هل يصلح رهان باسكال مع اإلسالم؟‬ ‫‪Ali Nuder‬‬

‫‪53‬‬

‫رواية فاتنة‬ ‫سام مار‬

‫‪59‬‬

‫‪3‬‬


‫جاء الجحيم منذ بدء التاريخ‬ ‫وعا ًء لسلق البرش مع ذنوبهم‬ ‫ظل قصور‬ ‫الالمتناهية‪ ،‬يف ّ‬ ‫اإلميان أو عدمه‪ ،‬فإ ّن ما‬ ‫يتغاىب عنه عا ّمة املؤمنني‬ ‫ويخادعون أنفسهم بأ ّن اإلله‬ ‫الذي يتبعونه ميكن أن يصبح‬ ‫عادل (لو امتثلوا لجميع‬ ‫رحيم ً‬ ‫ً‬ ‫تعاليمه مستنجدين عطفه‬ ‫ورحمته) ينبع من ظاهر ٍة‬ ‫مرض ّي ٍة موجود ٍة حقيق ًة يف‬ ‫الطب‬ ‫وطب النفس لك ّن ّ‬ ‫العلم ّ‬ ‫ٍ‬ ‫جامعات‬ ‫ال يسلّطها إال عىل‬ ‫محل ّي ٍة كاألرسى واملساجني‬ ‫وبعض العبيد‪ ،‬وتُس ّمى متالزمة‬ ‫«ستوكهومل» وتتم ّيز بولع املرء‬ ‫ٍ‬ ‫عطف من س ّيده‪....‬‬ ‫بأقل ذ ّرة‬ ‫ّ‬ ‫من م ّنا مل يُشغف بأحد والديه‬ ‫القايس دامئًا عندما يُبدي ذ ّرة‬ ‫اهتامم أو عطف؟ من م ّنا مل‬ ‫ٍ‬ ‫حب أصغر اهتاممات‬ ‫يقع يف ّ‬ ‫املحبوب الالمبايل؟ من م ّنا مل‬ ‫يجثو عىل ركبتيه يستجدي‬ ‫عطف معبوده املوروث أو‬ ‫املُختلق ومل يحلم مبكافآته؟‬

‫‪RoRo Evil-Girl‬‬

‫البرش ّية بني جحيمني‬ ‫‪4‬‬

‫احملاكمة بريشة ياكوب دي باكر ‪1583‬‬


‫البرش ّية بني جحيمني‬ ‫‪RoRo Evil-Girl‬‬

‫أل ّن اإلنسان بطبعه كائ ٌن يتّسم بالضعف والعجز ومول ٌه مبا هو ناد ٌر ومستحيل‪( ...‬لدينا بعض االستنكارات عىل كلمة‬ ‫الخاصة‪ ،‬وهذا‬ ‫«عاجز» من طرف غري املؤمنني م ّمن هم يؤمنون بالقدرات الشخص ّية الخارقة يف إخضاع الوجود لألحكام‬ ‫ّ‬ ‫أي عالق ٍة بطريق ٍة ما باإلله املعبود؟ هذا يعني‬ ‫ال يوجد ّإل يف رأسك الكبري فقط) أفتقولون أ ّن هذا أم ٌر‬ ‫طبيعي وليس له ّ‬ ‫ٌّ‬ ‫أنّها ليست مج ّرد ظاهر ٍة تخضع لقوانني مح ّددة‪.‬‬ ‫ها هو اإلنسان منذ بدء التاريخ رحل يبحث عن ٍ‬ ‫عظيم وج ّبا ًرا يعاقب ويثيب‪ ،‬فمن السخيف ّأل‬ ‫هدف لوجوده فأراده‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫فسمها غال ًبا « ُمح ّرماتٌ » لرييض فكرة‬ ‫بكل عجزه ومبا يحمله من‬ ‫نقيضا له ّ‬ ‫يلقى ً‬ ‫رغبات تزرع فيه اإلحساس بالحقارة‪ّ ،‬‬ ‫قوى خارق ٍة تعده بحمل‬ ‫عجزه بالنقيض هذا واعتربه ً‬ ‫كامل‪ ،‬نحن هنا مل نقل أنّه أخطأ‪ ،‬فمن حقّه أن يستسلم لوجود ً‬ ‫ذنوب هو مل يشعر بالرىض عنها (بعي ًدا عن فكرة الضمري) ما دام يهوى الخالص‬ ‫همومه وأثقاله وخوانقه‪ ،‬وتكافئه عىل ٍ‬ ‫فبأي ٍ‬ ‫كنت موجو ًدا إن مل تحتضن رموزًا أشعرتك بالطأمنينة؟‬ ‫هدف َ‬ ‫قوى يتّكئ عليها سيخفّف عنه‪ّ ،‬‬ ‫فإميانه هذا بذات ً‬ ‫أنا هنا ال ألومك عزيزي املؤمن‪ ،‬ما أفعله هو ّأن أخاطب حجرك امللعون الذي يصل دماغك بقلبك‪ ،‬أنت مل تخطئ ألنّك‬ ‫ضعيف ومحدود التأثري‪ ...‬ألنّها غريزتك امللعونة هي التي قادتك لتشكيل هال ٍة ضخم ٍة حول كيانك الصغري فاخرتت يف‬ ‫ٌ‬ ‫بعض األحيان عرب التص ّوف والزهد والتأ ّمل أن تتّحد بها وترتفع عن الخطايا التي كان عىل رأسها «الخطيئة الجنسيّة»‪.‬‬ ‫ناقص وليس كاف ًيا‬ ‫فقد اعتُربت أعظم الخطايا البرشيّة عىل وجه األرض‪ ،‬من م ّنا مل يعرتف بينه وبني نفسه أ ّن سلوكه اإلميا ّين ٌ‬ ‫إلرضاء املعبود ما دام يقع يف رشك رغباته السفل ّية ‪-‬قد ال يروقكم هذا من كافر ٍة وقد يستنكر غري املؤمنني ما سأقوله‪ -‬لك ّن‬ ‫الحقيقي ينطلق من الزهد لدفع الشهوات فأنت لن متنع املياه الساخنة من أن تحرقك ّإل إذا أبعدتها عنك‪ ٬‬هكذا‬ ‫اإلميان‬ ‫ّ‬ ‫هي الرغبات‪ ،‬إن مل تغذّيها لن تقربك‪ ،‬لن يثيبك هذا اإلله ّإل إذا زهدت حقًّا يف سبيله‪ّ ،‬إل إذا نزعت عن إحصاء الس ّيئات‬ ‫وما يقابلها من حسنات‪ ،‬وعن وضع إميانك يف ٍ‬ ‫خطاب‬ ‫جامعي‪ ،‬فلتكن عالقتك بربّك عالق ًة فرديّ ًة ال يشوبها تبش ٌري أو‬ ‫رشك‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫الرب –سامحني بهذا‪ -‬لن يتمكن‬ ‫ديني‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫من رؤيتك ج ّي ًدا وأنت يف الكنيسة أو‬ ‫أي ٍ‬ ‫معبد آخر ألنّك هنا‬ ‫املسجد أو يف ّ‬ ‫ال تدعه يراك ج ّي ًدا‪ ،‬ليس من الجانب‬ ‫يل من املعنى‪ ،‬ألنّك تعمد‬ ‫ّ‬ ‫الحس األص ّ‬ ‫عىل تقليد من هم حولك‪ ،‬وغال ًبا ما‬ ‫يكون إميانك ُمع ّر ًضا للبدع واملامرسات‬ ‫الخاطئة بني الجامعة‪ ،‬ص ّدقني عندما‬ ‫متارس الجنس مع زوجتك فإ ّن ربّك‬ ‫ينزع برصه عنك‪ ،‬يشعر باالشمئزاز منك‪،‬‬ ‫أنت تستمتع يف هذه الرذيلة وتتأ ّوه‬ ‫‪5‬‬


‫البرش ّية بني جحيمني‬ ‫‪RoRo Evil-Girl‬‬

‫طفل فإنّك تغضبه‪ ،‬لن يراك وأنت‬ ‫ل ّذ ًة وغشاو ًة بعي ًدا عن إلهك املعبود الذي تركته لتغرق يف امللذّات وعندما تنجب ً‬ ‫كل يش ٍء قدي ٌر ويرى ما ال نراه‪ ،‬إنّه وعىل علمك بذلك‬ ‫يف املسجد تستغفره‪ ...‬سيتع ّمد ّأل يفعل‪ ،‬ستقول يل أ ّن الله عىل ّ‬ ‫يحتل قلبك آخرون‬ ‫الحقيقي يسقط عندما ّ‬ ‫يكره من يرشك به‪ ،‬ويف تلك اللحظات الدنيئة ال تقنعني أنّك ال تفعل‪ ،‬اإلميان‬ ‫ّ‬ ‫غري الله ولو بغري مراتب‪..‬‬ ‫أنت ترتكب الخطايا وأنت تعبده عباد ًة تقليديّ ًة يح ّددها املؤمنون حولك واألشخاص املذكورون يف الكتب ‪-‬قد تكون‬ ‫بدعة‪ .-‬وإ ّن أعظم خطيئ ٍة عند اآللهة منذ بدء التاريخ هي الجنس والتكاثر‪ ،‬ولو أنّهم وضعوا القوانني والتعليامت‬ ‫رسي ٍة ال يعرفها ّإل أنت وهي‪ .‬وألنّك لن تبيل بال ًء إميان ًّيا حس ًنا يف اإلميان‬ ‫تحب تعذيبك‬ ‫ٍ‬ ‫القاسية‪ ،‬إ ّن اآللهة ّ‬ ‫لذنوب ّ‬ ‫التقليدي فإنّك ستحرتق يف الجحيم‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫مل يكن الجحيم منذ بدء التاريخ سوى للمتكاثرين من بني البرش‪.‬‬ ‫بكل وضو ٍح وشفاف ّية؛ عن غري األساطري القدمية التي من فرط ساديّة آلهتها‬ ‫يف اإلسالم‪ ٬‬الله يحذّر من اإلنجاب والتناسل ّ‬ ‫أب قد جنى عىل ابنه بالعقاب‪ ،‬فهو يعتقد أ ّن‬ ‫وظلمها تركت اإلنسان ميارس الخطيئة ليعاقب وليده عليها‪ ،‬فإ ّن ّ‬ ‫كل ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫اغتسال من الخطايا‪ ،‬بينام العكس هو الصحيح؛ فاآللهة ال ترحم وأنت يف زخم الخطايا‬ ‫وإنجاب‬ ‫كل عمل ّية جام ٍع‬ ‫يف ّ‬ ‫ٍ‬ ‫واملامرسات الجامع ّية‪ ،‬ولو أنّها ترحم ملا خلقت البرش ومعهم ملَكة التكاثر اللعينة‪ .‬طبقًا لقوانني العبث‪ ،‬فإ ّن وجود آله ٍة‬ ‫من عدمها بكرثتها‪ ،‬وحدانيّتها أو غيابها‪ ،‬لن يق ّدم عذ ًرا م ِّرب ًرا لوجودنا‪.‬‬ ‫فاإلله يف اإلسالم رحي ٌم رغم أنوف هواة اآلالم والعذاب والنضاالت الالمجدية‪ .‬أنا نفيس لو كنت مكانه لفعلت األمر‬ ‫بكل غباء‪ ،‬وميارسون خطايا الرشك أمامي كبري ًة أو صغرية‪ .‬إنّهم ال يستحقّون‬ ‫نفسه وأقدمت عىل إرعابهم وهم يتكاثرون ّ‬ ‫بكل شفاف ّية‪:‬‬ ‫العطف‪ .‬إنّهم طفيل ّياتٌ يف هذا الكون اللعني من الرائع مشاهدتها وهي تتل ّوى‪ ،‬يقولها ّ‬ ‫َ ْ َ ُ ُ َّ َ ُ ُ َ َّ ُ ْ ُ ُ ْ َ َ َ َ َّ َ ْ َ َ ْ َ ُ َ ُ َّ َ َّ َ ْ َ َ ْ َ ُ َ َ َّ َ ْ َ ْ َ ُ َ‬ ‫ون ِعلْ َم ْال َِ‬ ‫ني*‬ ‫ق‬ ‫﴿ألهاكم اتلكثر* حت زرتم المقابِر* كل سوف تعلمون* ث َم كل سوف تعلمون* كل لو تعلم‬ ‫ِ‬ ‫َ َ َ ُ َّ ْ‬ ‫ت ُو َّن َها َع ْ َ‬ ‫يم* ُث َّم ل َ َ َ‬ ‫الَح َ‬ ‫ي ْالَ ِقني* ُث َّم لَتُ ْسأ��ُ َّن يَ ْو َمئِ ٍذ َعن َّ‬ ‫انل ِع ِيم﴾ سورة التكاثر‬ ‫لتون‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬

‫﴿واعلموا إنّما أموالكم وأوالدكم فتنة﴾ سورة األنفال اآلية ‪28‬‬

‫َ َ ُّ َ َّ َ َ ُ َّ ْ َ‬ ‫ُ ْ َََْ‬ ‫ُ ْ َ ُ ًّ َّ ُ ْ َ ْ َ ُ ُ ْ َ َ ْ ُ َ َ ْ َ ُ َ َ ْ ُ َ َّ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫اجكم وأ َول ِدكم عدوا لكم فاح َذروهم وإِن تعفوا وتصفحوا وتغ ِفروا ف ِإن‬ ‫﴿يا أيها ِ‬ ‫الين آمنوا ِإن ِمن أزو ِ‬ ‫َ َ ُ ٌ َّ ٌ َّ َ َ ْ َ ُ ُ ْ َ ْ َ ُ ُ ْ ْ َ ٌ َ ُ َ ُ ٌْ‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫الل َّ غفور ر ِحيم * ِإنما أموالكم وأولدكم فِتنة والل َّ ِعنده أجر ع ِظيم﴾ سورة التغابن‪ ٬‬اآلية ‪14‬‬ ‫ّ‬

‫أيضا‪﴿ :‬وما خلقت ّ‬ ‫اجلن واإلنس إل يلعبدون﴾ سورة الذاريات‪ ٬‬اآلية ‪56‬‬ ‫كام ذكر ً‬

‫‪6‬‬


‫البرش ّية بني جحيمني‬ ‫ما قال هنا إ ّن غاية الخلق هي االستمرار أو اإلنجاب‪ ،‬إنّ ا الزهد والعبادة املو ّحدة‪.‬‬ ‫إ ّن التكاثر يف اإلسالم لله ٌو مش ٌني‪.....‬‬

‫‪RoRo Evil-Girl‬‬

‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫ُ ُّ َّ‬ ‫ْ َّ‬ ‫ْ ُ َ َ َ َ َّ َ‬ ‫ُ ِّ َ َّ‬ ‫ني َوالْ َقنَ‬ ‫الن َ‬ ‫ات ِم َن النِّ َساء َو ْ َِ‬ ‫ب َوال ِفض ِة َوالَيْ ِل ال ُم َس َّو َم ِة‬ ‫ه‬ ‫اذل‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫ة‬ ‫ر‬ ‫نط‬ ‫ق‬ ‫م‬ ‫ال‬ ‫ري‬ ‫اط‬ ‫ب الش َه َو‬ ‫اس ح‬ ‫لن‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫﴿زين ل ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫َ ُ ُ ْ ُ َْ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ََ‬ ‫َ َ َ َْ‬ ‫َ َ ُّ َ َ‬ ‫آب﴾‪ ‬سورة آل عمران‪14:‬‬ ‫واألنعامِ والر ِث ذلِك متاع اليا ِة ادلنيا والل ّ ِعنده حسن الم ِ‬

‫ث ّم إ ّن بق ّية الديانات مل تكن بهذا القدر من الوضوح‪.‬‬ ‫برشي عىل حدة ما دام البرش صاروا متشابهني ونواسخ عن بعضهم‬ ‫كل نسخ ٍة من‬ ‫ث ّم ماذا سيجني اإلله من حساب ّ‬ ‫ٍّ‬ ‫البعض؟ أوليس هذا ٍ‬ ‫معنى له؟‬ ‫بعبث متك ّر ٍر ال ً‬ ‫حتم الجامعات املتشابهة والذين يتبعون املامرسات الخاطئة م ًعا‪ ،‬وسوف لن يرحم من كان ال‬ ‫–أي إل ٍه‪ -‬سيلقي ً‬ ‫اإلله ّ‬ ‫يعلم‪ ،‬كام يحرق الكفّار ألنّهم ال يعلمون‪.‬‬ ‫الرب من فرط أنان ّيته يريدك لوحدك‪ ،‬ال يريد أن يرى غريك‪ ،‬وإن مل‬ ‫إ ّن ّ‬ ‫تنفّذ ما يبتغيه سيلقيك يف الجحيم عىل أيّة حال‪.‬‬ ‫رسي ٌة بينها‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫فربا اآللهة أخطأت عندما خلقت البرشيّة ومثّة‬ ‫ّ‬ ‫مشاكل ّ‬ ‫لهذا ال تستطيع تدمري الكون يف الوقت الحا ّيل‪ .‬مثّة من يفعل واآلخر‬ ‫يص ّده‪ .‬أفال ترون ما حدث يف العراق وفلسطني وما يحدث يف سوريا‪٬‬‬ ‫ماذا عن إبادة األرمن؟ ونبذ األعراق األمازيغ ّية والكُرديّة وغريها؟ ماذا‬ ‫العرقي يف رواندا‬ ‫عن مذبحة رسبرنيتشا‪ ٬‬ومذبحة صربا وشاتيال والتطهري‬ ‫ّ‬ ‫وما فعله النازيّون يف أملانيا وغريها؟؟‬ ‫وحتى ال تنخدعوا بأ ّن العامل عىل خري ما يُرام‪ ،‬إنّه ي ّربر فشل البرش يف نرش السالم عىل األرض‪ ،‬ها هي الكراهية متأل الدنيا‬ ‫كل لونٍ ميسح اللون اآلخر وها هي البرشيّة تفشل يف ا ّدعاءاتها اإلنسان ّية والعناية اإلله ّية‪.‬‬ ‫صخ ًبا‪ ...‬ها هو ّ‬ ‫أصل أن تتح ّمل ج ّن ًة مثاليّ ًة عىل أرضها وستستم ّر معاناتها مع الكراهية‬ ‫فإ ّن البرشيّة لن تعرف السالم يو ًما وال ميكنها ً‬ ‫واإلحتقار والعنرصيّة‪.‬‬ ‫أصل من رفض اإلنسان لوجوده يف الوعيه القائم‪ .‬فمهام ا ّدعت حقوق اإلنسان أنّها قادر ٌة‬ ‫هي هذي العنرصيّة نبعت ً‬ ‫جحيم أ ّو ٍّيل من صنع الوالدة‪.‬‬ ‫عىل تحقيق مدينة الفارايب فهذا وعينيها لن يحدث وستبقى عامئ ًة يف‬ ‫ٍ‬ ‫‪7‬‬


‫البرش ّية بني جحيمني‬ ‫‪RoRo Evil-Girl‬‬

‫كل ندا ٍء ضعيف من‬ ‫أصل لدالئل تثبت أ ّن البرشيّة تكدح يف الجحيم محاول ًة الخروج منها مع ّ‬ ‫وال نحتاج ً‬ ‫رش كام نحارب طواحني الهواء‪ ...‬ننترص عىل وجوهنا يف املرآة بينام نسقط‬ ‫جامعات حقوق اإلنسان‪ ،‬نحارب ال ّ‬ ‫عليها عندما نواجه اآلخرين‪.....‬‬ ‫نتمسك بفكرة إيقاف الحرب من أجل فكرة السالم‪ ،‬بينام‬ ‫األرشار هم نحن‪ّ ،‬‬ ‫لو أوقف البرش الحروب سيهاجمون بعضهم بغري سالح‪ ،‬سيعتمدون وسائل‬ ‫أخرى لتدمري وسحق بعضهم البعض‪ ،‬سيكونون أكرث ذكا ًء حينها ومك ًرا‪.‬‬ ‫وبالفعل كانت الحرب هي الفكرة األكرث سذاج ًة وأقلّها خطورة‪ ...‬هل مثّة‬ ‫مثل؟‬ ‫أخطر من النفاق ً‬ ‫إنّ ا الشعوب إن مل ترفع السالح يف وجوه بعضها سرتفعها من‬ ‫مثل‪ ،‬فشعبه ال يحارب‬ ‫خلف الظهور‪ ..‬كام يحدث يف لبنان ً‬ ‫الالجئني بل يعاملهم بأح ّط أنواع العنرصيّة‪ .‬لن أع ّمم عىل‬ ‫شعب بحاله‪ ..‬هذي الحال عا ّم ٌة ومستفحل ٌة‬ ‫دناءة وحقارة ٍ‬ ‫عىل األرض بر ّمتها‪ .‬من ال يطعنك بالسكّني سيعلّمك كيف‬ ‫تنتحر من تلقاء نفسك‪ ،‬هي الديبلوماس ّية العامل ّية القذرة‬ ‫التي تسيطر عىل البرش‪ ،‬ال بل إ ّن إعالن الكراهية املبارشة‬ ‫وأقل خطورة‪.‬‬ ‫أفضل منها ّ‬

‫‪8‬‬


http://arabatheistbroadcasting.com/aamagazine https://www.aamagazine.blogspot.com https://www.facebook.com/pages/AAMagazine/498136386890299 https://issuu.com/928738

9


‫صفحة إخبارية‬ ‫متعلقة بقضايا‬ ‫الملحدين‬ ‫مساري البرصي‬ ‫مساري البرصي مواليد ‪ 1989‬جنويب العراق‪.‬‬ ‫أحد املفكّرين العراقيني الشباب وأصحاب‬ ‫الفكر التنويري والذي استطاع املزج بني‬ ‫جهاد الفكر وجهاد الدم‪ .‬انخرط يف صفوف‬ ‫وتشكيالت الجيش العراقي وتخ ّرج ضابطًا‬ ‫ٍ‬ ‫سنوات تقري ًبا‪.‬‬ ‫برتبة مالزم قبل عرش‬ ‫وبقي يتنقل يف قطعات الجيش وصفوفه؛‬ ‫وكانت آخر رتب ٍة عسكري ٍة يتحصل عليها هي‬ ‫نقيب يف االستخبارات العسكرية‪.‬‬

‫عرفت الشهيد مساري البرصي منذ قرابة الخمس‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫سنوات معرف ًة شخصي ًة عىل الرغم من معرفتي‬ ‫السابقة به وبعائلته وأهله كمعرف ٍة عامة‪.‬‬ ‫جمعنا الفكر التنويري وكان من األشخاص‬ ‫املق ّربني القالئل‪ ،‬كام كانت للفقيد الكثري‬ ‫من املشاركات يف التجمعات التنويرية وله‬ ‫الفضل عىل الكثري من املتنورين الجدد‬ ‫بقلمه وفكره وأسلوبه الجميل والذي‬ ‫ال يكل واليعجز عن النزول إىل أبسط‬ ‫املستويات الفكرية ونقاشها وإقناعها‪.‬‬ ‫يف معارك تحرير الفلوجة من دنس تنظيم الدولة اإلسالمية أصيب الفقيد برصاص القناصة يف إحدى يديه‬ ‫أيام من املعارك‪ .‬سقط شهي ًدا بعد أن حاول فتح مم ٍر آمنٍ‬ ‫ورفض اإلخالء من أرض املعركة وملدة ثالثة ٍ‬ ‫لزمالئه يف إحدى املعارك ليك يختلط دمه برتاب العراق ويخط اسمه عىل جدران التاريخ كإنسانٍ‬ ‫وطني يف‬ ‫ٍّ‬ ‫زمنٍ كرث فيه م ّدعو الوطنية؛‪ .‬فعزايئ لنفيس ولكل محبيه بفقدان هكذا ظاهرة التتكرر بسهولة‪.‬‬ ‫‪10‬‬


‫صفحة إخبارية‬ ‫متعلقة بقضايا‬ ‫الملحدين‬

‫(الوحدة الحقيقية ليست أن تكون وحي ًدا بل‬ ‫أن تكون قري ًبا من ذلك الذي سوف تفقده غ ًدا)‬ ‫نعم يا رفيق الدرب هذه كانت آخر كلامتك التي ِف ْضت بها‬ ‫للتنوير‪ ،‬وكأنك تعلم بأنك سرتحل بعي ًدا يف رحلة الالعودة‪،‬‬ ‫يل‬ ‫فتقمصت الدور الذي سأعيشه بدونك وحي ًدا‪ .‬وت ّ‬ ‫ُصب ع َّ‬ ‫وعىل محبيك وتواسيهم فكام أن قريب منك ازداد كث ًريا يف‬ ‫السنوات األخرية فإ ّن الوحدة يف رحيلك الذي كنت تعرفه‬ ‫مسبقًا ازداد حجمها وكرب وقعها عىل القلوب‪ .‬مسار أيها‬ ‫القريب‬ ‫التزال تلك الطرقات التي رسنا عليها تسألني عنك بأمل‬ ‫التزال تلك األماكن التي وقفنا فيها وجلسنا م ًعا وأمضينا فيها‬ ‫أوقاتنا‪ ،‬التزال تريد مني أن أصطحبك مر ًة أخرى‪ ،‬فصوتك‬ ‫ورائحتك التزال متلؤها‪.‬‬ ‫كم هي مؤمل ٌة اللحظات التي متر بدونك وكأنها سنني‪ ،‬بعد أن كانت السنني متر معك كأنها لحظات‪ .‬أتذكر تلك‬ ‫االبتسامة عندما التقينا آخر مرة كانت قبل استشهادك بأيام‪ ،‬وكانت رحى الحرب تدور بحرار ٍة غري مسبوقة حينها‬ ‫قلت لك يارفيقي‪ :‬أما آن لك أن ترتك تلك الحرب العبثية التي ال ذنب لنا فيها؟ إنها حرب عقائد‪ ،‬إنها فنت األديان‬ ‫ُ‬ ‫والطوائف؟‬ ‫قلت يل ‪:‬‬ ‫حينها َ‬

‫وما هو أقىص مخاوفنا منها؟ أهو املوت؟ وهل ترى أفضل وأسمى من أن ميوت‬ ‫اإلنسان مداف ًعا عن أرضه؟ حينها أيقنت أنك شهي ٌد يعد األيام األخرية من حياته‪.‬‬

‫مساري البرصي ‪..‬‬ ‫مشعل أنار درب املتنورين‪ ،‬واستنار بك الكثري‪ ،‬فقلمك املجاهد كجهادك يف سوح الوغى الزال مداده ييضء‬ ‫ً‬ ‫عشت‬ ‫َ‬ ‫الطريق ملن أراد العقل‪ .‬كنت منار ًة وفك ًرا ملن يبحث عن الحقيقة ‪ ،‬أنت فك ٌر والفكر الميوت‪ .‬هنيئاً لك عشت فك ًرا‬ ‫حي المتوت‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ورحلت‬ ‫مشعل والزلت بيننا ٌّ‬

‫صديقك لالبد ‪..‬‬ ‫‪Ahmed Eazel‬‬

‫‪11‬‬


‫صفحة إخبارية‬ ‫متعلقة بقضايا‬ ‫الملحدين‬

‫نص الرسالة ‪:‬‬

‫مساء الخري ‪،‬‬ ‫أنا ضاب ٌط يف الجيش العراقي‪ .‬اليوم أقاتل داعش السنة املتمثل يف تنظيم الدولة اإلسالمية ألنني أشعر بالحاجة املاسة‬ ‫للبدء بعد ذلك بقتال دواعش الشيعة املتمثل بالحشد الشيعي وامليليشيات الشيعية بأسامئهااملختلفة وأعالمها‪ ،‬وأمتنى‬ ‫بثواب وال خوفًا من عقاب‪ ،‬ولكني أقاتل دفا ًعا عن‬ ‫أن نقيض عليه برسعة‪ .‬أنا ال أؤمن بجن ٍة وال نار؛ فأنا ال أقاتل طم ًعا ٍ‬ ‫رشا مهام كان مذهبه ومهام كانت مرجعيته‪.‬‬ ‫وطني الذي أحبه كث ًريا ضد أي عد ٍّو يريد به ً‬ ‫مساري البرصاوي ‪2016/5/29‬‬ ‫تتقدم أرسة مجلة امللحدين العرب وشبكة ومنتدى امللحدين العرب بالتعازي ألرسة وأصدقاء‬ ‫الشهيد وكافة امللحدين واإلنسانيني يف عاملنا الذي تعصف به النكبات‪ .‬مساري البرصي سيبقى‬ ‫معنا يف أفكارنا وقلوبنا لألبد‬ ‫‪12‬‬


‫عتبي عليك صديقي املُل ِحد‬ ‫(‪)4‬‬ ‫القسم الثاين‪-‬هذا دي ٌن وضعه نف ٌر من قريش‬

‫سامل الدليمي‬

‫أيضا‪.‬‬ ‫حامل بجعبته ّ‬ ‫ها هو صديقي امللحد يفي بوعده ً‬ ‫كل ما يُثري دهشتي وحنقي ً‬ ‫أهل بخري من عرفتهم بوفاء العهد‪.‬‬‫ً‬ ‫أيام أن أستكمل لك‬ ‫ً‬ ‫أهل بك يا سامل‪ ،‬أنت تخجلني مبجامالتك‪ ،‬لكن لن يطول بك األمر حتى تثري أعصايب‪ .‬وعدتك قبل ٍ‬‫ما تحتاج معرفته عن كعبتكم‪ ،‬وسأح ّدثك عن كونها ليست الكعبة الوحيدة‪.‬‬ ‫ال يا صديقي ال‪ ،‬أعدك أن أكون مستم ًعا ال يثري حنقك كام تظن‪ .‬قلت يل أن هناك ثالث ٌة وعرشين كعب ًة كانت كعبتنا‬‫من ضمنها فهل هذا صحيح؟ فقد سبق أن قرأتُ هكذا معلوم ًة‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫كعبات كان يق ّدسها العرب والسبب ال يعود لقدس ّيتها‬ ‫فعل فكعبتكم هي الوحيدة الباقية من مجموعة‬ ‫هي كذلك ً‬‫إمنا ألنكم هدمتم بقية الكعبات‪ .‬وكعبتكم هذه ليست الكعبة األصلية التي يُشار عىل أن بانيها إبراهيم‪ ،‬فالحطيم‪،‬‬ ‫والذي يُس ّمى حجر اسامعيل‪ ،‬وهو البناء املكشوف عىل شكل نصف دائر ٍة من الجهة الشاملية للكعبة كان من ضمن‬ ‫‪13‬‬


‫عتبي عليك صديقي املُل ِحد (‪)4‬‬

‫القسم الثاين ‪ :‬هذا دي ٌن‬ ‫وضعه نف ٌر من قريش‬

‫سالم الدليمي‬

‫قريش من البناء ألنها عجزت عن توفري املال لبناء جميع‬ ‫قريش بعد سيول أمطا ٍر جرفتها‪ ،‬وأخرجته ٌ‬ ‫البناء ��لكن حطَّمته ٌ‬ ‫تصل داخل الكعبة‬ ‫أجزائه‪ ،‬وأعاد بناءه عبد الله بن الزبري سنة ‪65‬هـ‪ ،‬وحتى نبيكم أخذ بيد عائشة عندما طلبت أن ّ‬ ‫صل يف هذا الحطيم فإمنا هو قطع ٌة من البيت‪..‬كام ذكر معجم البلدان الطبعة‪ :‬الثانية‪1995 ،‬م‪ ،‬جـ ‪4‬ص‬ ‫وقال لها ّ‬ ‫‪466 464‬‬‫وكانت عبادة األحجار عاد ًة شائع ًة يف الجزيرة العربية‪ ،‬فلكل كعب ٍة حجرها الخاص‪ .‬ففي مدينة غيامن الجنوبية كانوا‬ ‫يعبدون الحجر األحمر‪ ،‬ويف كعبة العبالت كانوا يعبدون الحجر األبيض‪ ،‬ويف مكة كانوا يعبدون الحجر األسود‪ ،‬والزال‬ ‫أبيضا منتص ًبا حتى اليوم عىل قمة جبل عرفات والذي كان يُس ّمى جبل إال‪’’ ،‬إلــــه القمر‘‘ وكلها كانت‬ ‫هناك حج ًرا ً‬ ‫معبوداتٌ وثني ٌة واليوم رصتم تح ُّجون لها‪.‬‬ ‫مشتق من اسم ماكها السنسكريتي‪ .‬والعرب يقولون أنّها ُس ّميت مكّة ألنها كانت تَ ُُك يف‬ ‫ذكرت لك يا سامل أ َّن اسم مكّة‬ ‫ٌ‬ ‫مكان الكعبة وأنها تقول ال يتم ح ّجنا حتى نأيت مكان الكعبة فنمك فيه‪ ،‬أي نصفر صفري املكاء حول الكعبة‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬هل سلفيّتك السابقة هي من أم ّدك بكل تلك املعلومات؟‬ ‫ ُ‬‫نعم إضاف ًة لشغفي يف دراسة التاريخ‪ ،‬لكن ما ال تعرفه إن سلف ّيتي والقرآن بشكلٍ ٍ‬ ‫خاص شكَّال سبب إلحادي‪.‬‬ ‫دع أسباب إلحادك لك وح ّدثني عن الكعبات التي ت ّدعي انتشارها يف شبه الجزيرة العربية‪.‬‬ ‫اسمع ما رواه البخاري وابن إسحاق يف السرية عن تلك الكعبات‪:‬‬ ‫ٍ‬ ‫لثقيف بالطائف وكان‬ ‫كانت كعبة ’’الالت‘‘‬ ‫معتب من ٍ‬ ‫ثقيف وخ ّربها‬ ‫سدنتُها وح ّجابها بني‬ ‫ٍ‬ ‫أبو سفيان واملغرية بن شعب ٍة‪.‬‬ ‫أ ّما كعبة ’’مناة‘‘ فكانت لألوس والخزرج ومن‬ ‫دان بدينهم من أهل املدينة عىل ساحل البحر‬ ‫ٍ‬ ‫بقديد وقد خ ّربها أبو سفيان‬ ‫من ناحية املشلل‬ ‫طالب‪.‬‬ ‫يل بن أيب ٍ‬ ‫ً‬ ‫أيضا وقيل ع ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫وخثعم‬ ‫لدوس‬ ‫وكانت كعبة ’’ذو الخلصة‘‘‬ ‫ٍ‬ ‫وبجيل ٍة ومن كان ببالدهم من العرب بتبال ٍة‬ ‫وكان يقال لها ’’الكعبة اليامنية‘‘ ولكعبتكم‬

‫‪14‬‬


‫عتبي عليك صديقي املُل ِحد (‪)4‬‬

‫القسم الثاين ‪ :‬هذا دي ٌن‬ ‫وضعه نف ٌر من قريش‬

‫سالم الدليمي‬

‫يقال ’’الكعبة الشامية‘‘‪ ،‬وكان ذو الخلصة عىل شكل حج ٍر ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫يحج له العرب ويق ّدمون له‬ ‫أبيض‬ ‫منقوش عليه شكل تا ٍج ُّ‬ ‫الهدايا ويص ّبون عليه اللنب ويذبحون له القرابني‪ .‬والناس يقصدونه لالستقسام عنده باألزالم وكانت له ثالثة أقدا ٍح‬ ‫وهي‪ :‬األمر‪ ،‬والنهي‪ ،‬واملرتبّص‪ .‬وطواف العرب حول ’’ذو الخلصة‘‘ يشبه الطواف الذي كان يت ُّم يف مكّة حول الكعبة‬ ‫التي كان يف داخلها الحجر األسود‪ ،‬لهذا أرسل نبيكم جري ًرا بن عبدالله البجيل لهدم ذو الخلصة بعد غزو مكة‪ ،‬فخرج يف‬ ‫رضمت النار يف كعبة‬ ‫بجيل ٍة وقاتل قبيلتي خثعم وباهلة اللتني دافعتا عن الصنم بشد ٍة وسقط منهام املئات من القتىل وأُ ِ‬ ‫ذو الخلصة‪ ،‬ثم جعلوها عتب ًة للمسجد هناك‪ .‬أما جدران كعبة ذو الخصلة فقد ظلَّت قامئ ًة حتى بداية القرن العرشين‪،‬‬

‫حيث أن امللك عبد العزيز آل سعود حني استوىل عىل الحجاز أمر أمريه عىل املنطقة عبد العزيز آل إبراهيم (حسبام‬ ‫ذكر الباحث رشدي ملحس) بتحطيم بقايا املعابد الوثنية وإخضاع القبائل العربية القاطنة يف رساة الحجاز‪ ،‬بحجة أن‬ ‫هذه القبائل كانت تحاول العودة إىل البدع والخرافات والتقاليد الدينية التي كانت سائد ًة قبل اإلسالم‪ ،‬وكانت بقايا‬ ‫معبد ’’ذو الخلصة ‘‘ من تلك األبنية التي شملها هذا التدمري يف تلك الفرتة‪ ،‬وأنت ترى اليوم يا سامل أن الحكم السعودي‬ ‫الوهايب الزال يقوم بتحطيم الرتاث الثقايف والتاريخي لدول املنطقة من خالل ذراعه العسكري (داعش)‪.‬‬ ‫وكانت كعبة ’’قلس‘‘ لطي ٍء ومن يليها بجبيل طي ٍء يعني أجأ وسلمى وهام جبالن مشهوران‪.‬‬ ‫وكانت كعبة ’’رئام‘‘ ِ‬ ‫لح ْم َي وأهل اليمن كام يرد ذكره يف قصة (التُّ َّبع) أحد ملوك ِح ْم َي وقصة الحربين حني خ ّرباه وقتال‬ ‫منه كل ًبا أسو ًدا‪ ،‬كام ذكر ابن الكلبي بكتابه األصنام‪ ،‬ص ‪12 11-‬‬ ‫‪15‬‬


‫عتبي عليك صديقي املُل ِحد (‪)4‬‬

‫القسم الثاين ‪ :‬هذا دي ٌن‬ ‫وضعه نف ٌر من قريش‬

‫سالم الدليمي‬

‫كعب بن ٍ‬ ‫كعب‬ ‫كعب بن ربيع ٌة بن ٍ‬ ‫وكانت كعبة ’’رضاء‘‘ لبني ربيع ٍة بن ٍ‬ ‫سعد بن زيد منا ٍة بن ٍ‬ ‫متيم‪ ،‬ولها يقول ٌ‬ ‫(املستوغر) حني غزاها‪:‬‬ ‫ولقد شد ْدت عىل رضا ٍء شد ًة فــرتكتـها قـف ًرا بـقا ٍع أسـحام‬ ‫وأعان عبد الله يف مكروهــها ومبـثل عبد الله أغىش امل ْحرما‬ ‫هشام ج‪ 1‬ص ‪187‬‬ ‫السرية البن‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫كعبات لعبادة النجوم السيارة السبعة إحداها يُدعى بيت غمدان ’’كعبة غمدان‘‘ بناها الض ّحاك‬ ‫وكانت يف اليمن سبعة‬ ‫تعظيم لل ُزهرة فهدمها الخليفة عثامن حيث أشار الشهرستاين إىل سبب قتل عثامن بن عفّان بقول الشهرستاين‬ ‫يف صنعاء‬ ‫ً‬ ‫ٌ‬ ‫مقتول‪.‬‬ ‫متت النبوة املنقوشة عىل كعبة غمدان وهي‪ :‬هادمك‬ ‫ٌ‬ ‫اختالف عىل ال ِّدين الذي كان ينتمي إليه روادها‪ ،‬لكن املعروف أن بني‬ ‫وأغرب كعب ٍة عربي ٍة هي كعبة ’’نجران‘‘ وهناك‬ ‫عبد املُدان وهم من أتباعها يدينون بالنرصانية‪ ،‬وهم الذين جاؤوا إىل نبي اإلسالم ودعاهم إىل املباهلة‪ ،‬ويذكر كتاب‬ ‫حصي ويزي ٌد بن عبد املدان كانوا وفدهم الذي‬ ‫قيس بن ْ ٍ‬ ‫املحرب ص‪ 132‬أن السيد وهب والعاقب عبد املسيح واألسقف ٌ‬ ‫أراد املباهلة وقد أورد ياقوتٌ الحموي يف معجم البلدان وابن الكلبي أن األعىش قال فيهم‪:‬‬ ‫وكعبة نجرانٍ حتْ ٌم علـيـــ‬ ‫نزور يزي ًدا وعبد املسـيح‬

‫ــــك حتى تناخى بأبوابها‬ ‫وقيـسا هـم خـري أربـابـها‬ ‫ً‬

‫إ ّن وجود أساقف ٍة فيها يُؤكّد رصاح ًة أنها كانت للنصارى‪ ،‬ويعتقد أن األسامء التي وردت يف شعر األعىش ومنها اسم‬ ‫’’عبد املسيح‘‘ كانوا شهدا ًء‪ ،‬وقد ُد ِفنت عظامهم يف املبنى الذي قال األعىش عنه أنه كعب ٌة وأنهم نالوا شيئًا من التقديس‬ ‫فأسامهم األعىش أربابها‪.‬‬ ‫ ما أعرفه يا صديقي أن أصحاب األخدود هم نجرانيون‪ ،‬فهل لهم عالق ٌة بكعبة نجران؟‬‫نعم يا سامل فشهداء نجران النصارى هم أصحاب األخدود الذي ذكرهم محمد بالقرآن‪ ،‬وكانوا سكانًا مسيحيني وصلتهم‬ ‫املبشين يف أواخر القرن الثالث أو أوائل القرن الرابع امليالدي‪ .‬ويف عام ‪ 525‬م أمر ’’ذو نواس‘‘ آخر‬ ‫املسيحية عن طريق ّ‬ ‫مي من النجرانيني أن يتح ّولوا من النصارنية إىل اليهودية‪ ،‬وعندما رفضوا حارصهم وأرسهم وأحرق من مل يُذ ِعنوا‬ ‫ملوك ِح َ‬ ‫له يف أخاديد‪ .‬وقد جاء ذكر هذا الحدث يف سورة الربوج اآليات ‪7– 1‬‬ ‫‪16‬‬


‫عتبي عليك صديقي املُل ِحد (‪)4‬‬

‫القسم الثاين ‪ :‬هذا دي ٌن‬ ‫وضعه نف ٌر من قريش‬ ‫ْ‬

‫ْ‬

‫سالم الدليمي‬

‫ْ‬

‫ْ‬

‫ْ‬

‫﴿والسماء ذات الربوج‪ .‬وال ْوم ال ْوعود‪ .‬وشاهد ومشهود‪ .‬قتل ْ‬ ‫ّ‬ ‫أصحاب ال ْخدود﴾‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬

‫ طيب يا صديقي هل هناك عالق ٌة بني كعبة نجران وكعبتنا؟‬‫كعبتكم يا صديقي وثني ٌة أما كعبة نجران فكانت معب ًدا مسيح ًيا‪ ،‬مع أن كتاب األغاين جـ ‪:13‬ص ‪ 109‬يذكر أن سادس‬ ‫ٍ‬ ‫ألسقف عليه‪ .‬وهذه الشهادة تقطع بأن كعبة مكّة‬ ‫ملوك جرهم كان عبد املسيح بن باقية‪ ،‬وكانت سدانة البيت العتيق‬ ‫كانت مسج ًدا مسيح ًيا عىل زمن بني جرهم وكان بداخلها صورة يسوع املسيح وأمه وبقيت حتى بدايات اإلسالم‪ ،‬لكن‬ ‫الربط بني الكعبتني هو فيمن أفلت من بعض النجرانيني من قبضة ’’ ذي نواس ‘‘وكان من بينهم ’’ دوس بن ثعبان‘‘‬ ‫الذي استجار بإمرباطور الروم طال ًبا النجدة‪ .‬ورأى اإلمرباطور يف ذلك فرص ًة مواتي ًة الحتالل الجزيرة العربية‪ ،‬فأرسل جيشً ا‬ ‫قوامه سبعة آالف مقاتلٍ بقيادة ’’أرياط ‘‘ ومعه ’’أبرهة األرشم‘‘ الذي جاء ذكره يف قرآنكم عىل أنه أراد هدم كعبة مكة‬ ‫مي‪ .‬ونتيج ًة لذلك ظلت‬ ‫بينام هو جاء لنرصة كعبة نجرانٍ املسيحية‪ ،‬ومتكّن جيش ’’أرياط‘‘ من القضاء عىل دولة ِح َ‬ ‫نجران عىل مسيح ّيتها وكانت تنترش بني قرى هذه املنطقة صوامع العبادة التي كانت ت ُقام فيها الطقوس الدينية‪ .‬كام‬ ‫كانت تُستخ َدم هذه الصوامع يف إنذار السكّان من خطر األعداء عن طريق دق النواقيس وإشعال النريان‪ ،‬وال صحة لغزو‬ ‫كعبتكم من قبل أبرهة األرشم وال لطيور األبابيل‪ ،‬فهل يُعقل أن الله ينرص كعبة األوثان عىل ٍ‬ ‫مسيحي يعبده؟؟‬ ‫جيش‬ ‫ٍ‬ ‫واملصيبة أنك ال تزال تتب ّجح بأحكام عقلك‪.‬‬ ‫بيت يُس ّمى كعبة إياد مكانها فيام بني‬ ‫أما كعبة ’’إياد‘‘ فقد ذكر ابن الكلبي بكتابه األصنام ص ‪ 45‬أنه كان لقبائل إياد ٌ‬ ‫الكوفة والبرصة يف موضعٍ يُع َر ُف بسندانٍ أو سندا ٍد‪ ،‬من منطقة الظهر وله يقول األعىش بن ٍ‬ ‫قيس بن ثعلبة‪:‬‬ ‫والبيت ذو الكعبات يف سنداد‬

‫بني الخورنق والسدير وبارق‬

‫وقد اكتُشف معب ٌد اسمه ’’سادن العرب‘‘ يف آثار مدينة الحرض يف صحراء سنجار بالعراق غرب تكريت‪ ،‬ويذكر جواد عيل‬ ‫ج‪ 2‬ص ‪ 610‬أن تلك اآلثار تعود ملا بني القرنني الثاين والثالث امليالدي‪ ،‬وما زالت آثار مدينة الحرض باقي ًة واالسم مع ّر ٌب‬ ‫القوي التحصني الذي يجمع ما بني الطابعني الفاريس‬ ‫من االسم اآلرامي (حطرا) وآثار املدينة تدل عىل ُحسنِ البنيان‬ ‫ّ‬ ‫واليوناين‪.‬‬ ‫وكعبة ”بعل“ يف تدمر التي ذكرها أسد خياط يف كتابه «اللغة العربية مالها وما عليها»عىل أنها لعبادة الشمس والقمر‬ ‫عند أهل اليمن‪.‬‬ ‫‪17‬‬


‫عتبي عليك صديقي املُل ِحد (‪)4‬‬

‫القسم الثاين ‪ :‬هذا دي ٌن‬ ‫وضعه نف ٌر من قريش‬

‫سالم الدليمي‬

‫وكعبة ”سقام“‪ :‬كانت للع ّزى يف أحد شعاب وادي حر ٍ‬ ‫اض الذي يقال له سقام وكانوا يضاهون به كعبة مكّة‪.‬‬ ‫أما كعبة ”اإلله سني“ الذي يرجع إىل القرن الرابع امليالدى واإلله سني يرمز للقمر وقد عبده أهل مملكة حرضموت‬ ‫التي عارصت معني وقتبان وقد ُوجدت كتاباتٌ حرضمي ٌة تحمل أسامء عد ٍد من امللوك منهم ٌ‬ ‫ملك اسمه معد يكري رب‬ ‫الشمس‪ ...‬جواد عيل ج‪ 2‬ص ‪132 130-‬‬ ‫واكتُشف حديثًا يف اليمن وجود مدين ٍة قدمي ٍة يف منطقة الجوف رشقي صنعاء اسمها معني وهي قرناو وكانت هذه‬ ‫املدينة عاصمة دولة ”معني“ التي سبقت الدولة السبأية ثم عارصتها وكانت دولة ”معني“ متحد ًة مع مدينة ”يطيل“‬ ‫التي هي خرابة براقش‪ .‬وأشهر اآللهة التي عرفها شعب دولة معني هي ”ود“ ويرمز إىل عبادة إله القمر و”عنرث“ الذي‬ ‫يرمز إىل الزهرة و”نكرح“ الذي يرمز إىل الشمس و”االلت معن“ أي آلهة معني ‪ -‬جواد عيل ج‪ 2‬ص ‪73‬‬ ‫ طيب يا صديقي‪ ،‬مل أعرف منك دو ًرا لقريش يف كعبتنا فهل لديك ما تفيدين به؟‬‫فقريش كقبيل ٍة فرضت نفسها ضمن دائرة املق ّدس‬ ‫ٌ‬ ‫نعم يا سامل‬ ‫ذات��‪ ،‬باعتبارها أهل بيته أو جريانه‪ ،‬ودخولها ضمن دائرة‬ ‫املق ّدس جعلها تفرض رشوطها عىل الناس‪ ،‬زاحف ًة بذلك عىل‬ ‫املق ّدس نفسه‪ ،‬ورشوطها التي س ّميت بالحمس كانت ذات‬ ‫بُ ٍ‬ ‫عد” اقتصادي ‪ -‬سيايس“ بالدرجة األساس‪ ،‬فمن يريد الطواف‬ ‫من غري ٍ‬ ‫قريش عليهم رمي ثيابهم التي يزعمون أنهم عصوا‬ ‫اإللــــه فيها‪ ،‬ويرتكونها ملقا ًة عىل األرض‪ ،‬وال يأخذونها بعد‬ ‫ذلك أب ًدا‪ ،‬بل ت ُداس باألرجل حتى تبىل وتتمزق‪ ،‬ويس ّمونه‪:‬‬ ‫اإللقاء أو اللقى‪.‬‬ ‫الحج‬ ‫ويذكر كتاب املن ّمق‪ :‬ص ‪ 128‬أن قريشً ا استثمرت‬ ‫ّ‬ ‫طعام جاء به معه‪ ،‬وأن ال‬ ‫كتجارة‪ ،‬فعىل الحاج أن ال يأكل من ٍ‬ ‫يستظل ّإل ٍ‬ ‫ببيت من أدم‪ ،‬وأن ال يطوف بثيابه التي قدم بها‪ ،‬بل عليه أن يستأجر ثوبًا من أهل الحمس‬ ‫ّ‬ ‫يدخل خيمة‪ ،‬وال‬ ‫يطوف به حول الكعبة‪ ،‬وكان نب ّيكم محم ٌد أحد الذين يؤ ّجرون ثيابهم يف مكّة قبل اإلسالم‪ ،‬فقد ورد يف كتاب املحرب‪:‬‬ ‫ثوب قرييش يطوف‬ ‫ص‪ 181‬أ ّن عياض بن حامر املجاشعي كان يستأجر ثياب نبيّكم عند الطواف‪ .‬ومن ال يحصل عىل ٍ‬ ‫رجل أم امرأةً‪ .‬بينام يح ّرم عىل القريش أن يطوف عريانًا‪ ،‬وقد ذكر كتاب املنمق‪ :‬ص‪ 225‬أن عبد‬ ‫بالبيت عريانًا‪ ،‬سواء كان ً‬ ‫الله بن جدعان قال لزوجته ضباعة وهي قرش ّية‪ -‬التي ذكرتُ طوافها عريانة يف املقال السابق‪ -‬وكانت قد طلبت منه‬ ‫‪18‬‬


‫عتبي عليك صديقي املُل ِحد (‪)4‬‬

‫القسم الثاين ‪ :‬هذا دي ٌن‬ ‫وضعه نف ٌر من قريش‬

‫سالم الدليمي‬

‫وأحس برغبتها بالزواج من هشام بن املغرية‪” :‬ال أفارقك حتى تحلفي أن ال تتز ّوجي هشا ًما‪ ،‬فيوم تفعلني ذلك‬ ‫الطالق‬ ‫ّ‬ ‫فعليك أن تطويف بالبيت عريانة“‪ ،‬وهو هنا ال يحاول تعجيزها فحسب‪ ،‬بل يحاول بذلك إخراجها من كونها بعض أهل‬ ‫لست أول من يقول أن دينكم‬ ‫الحرم‪ ،‬فلام سمع هشام بن املغرية ذلك‪ ،‬قال‪” :‬إنّه دي ٌن وضعه نف ٌر من قريش“ يعني ُ‬ ‫وضع ًيا وليس سامويًا‪.‬‬ ‫قلت يل أن الكعبة تع ّرضت للعدوان من ِق َبل املسلمني أنفسهم وآخر مرة كانت عام ‪ 1979‬فهل هذا‬ ‫ طيب صديقي‪َ ،‬‬‫صحيح؟‬ ‫صحيح فقد ُهدمت الكعبة يف املرة األوىل عىل يد قريش‪ ،‬يف السنة الخامسة قبل ا ّدعاء محمد للنبوة‪ ،‬بعد‬ ‫نعم هذا‬ ‫ٌ‬ ‫تأثرها بسيول األمطار وأعادوا بنائها‪ ،‬تلك الحادثة التي تر ُوونها عن رفع الحجر األسود بثوب محمد‪ ،‬وقد تركوا الجزء‬ ‫املُس ّمى بالحطيم فلم يشمله البناء ألن أموالهم الحالل مل تكفي لبنائها‪.‬‬ ‫وهدم الكعبة ألول مر ٍة بعدها كام يذكر سبط ابن‬ ‫الجوزي يف كتابه تذكرة الخواص ص ‪ 164‬كان عىل‬ ‫ترتض عنه يا سامل فقد‬ ‫يد يزيد بن معاوية‪ ،‬الذي ّ‬ ‫غزا املدينة يف واقعة الح ّرة ألن أهلها ثاروا ض ّد واليها‬ ‫وأخرجوه منها هو وسائر بني أمية وبايعوا عبد الله‬ ‫بن الزبري‪ ،‬فاستباحها جيشه حتى حبلت كل بنات‬ ‫املدينة‪ ،‬ويف السنة الثالثة من حكمه عام ‪ 64‬هـ أرسل‬ ‫نفس ذلك الجيش لقمع ثورة عبد الله بن الزبري مبكة‬ ‫وكان أول من رضب الكعبة باملنجنيق من عىل جبل‬ ‫أيب قبيس‪ ،‬وأحرق الكعبة وهدمها يف الثالث من شهر‬ ‫ربيع األول يوم السبت سنة أربع وستني هجرية وأخذوا يرتجزون ويقولون‪:‬‬ ‫خطارة مثل الفنيق املزبد‬ ‫وجعل عمرو بن حوط السدويس يقول‪:‬‬ ‫كيف ترى صنيع أ ّم فروة‬

‫نرمي بها أعواد هذا املسجد‬ ‫تأخذهم بني الصفا واملروة‬

‫ويعني بأم فروة املنجنيق‪ .‬فأعاد بنائها عبد الله بن الزبري كامل ًة كعهدها القديم‪.‬‬ ‫‪19‬‬


‫عتبي عليك صديقي املُل ِحد (‪)4‬‬

‫القسم الثاين ‪ :‬هذا دي ٌن‬ ‫وضعه نف ٌر من قريش‬

‫سالم الدليمي‬

‫واملرة الثانية كانت بعد تسع سنني من وفاة يزيد بن معاوية بعهد عبد امللك بن مروان بقيادة الحجاج بن يوسف‬ ‫الثقفي عىل رأس ‪ 6‬آالف جندي حارصوها وهدموها باملنجنيق ثم أمر عبد امللك أن يهدم ما تبقى مام مل يستطع هدمه‬ ‫الحجاج‪ ،‬ليُعاد بناؤها عىل الشكل الذي كانت عليه قبل تعديالت ابن الزبري الذي قلنا إنه أعاد لها بنائها األصيل فأنقص‬ ‫عنها عبد امللك الجزء املُس ّمى بالحطيم فقط نكاي ًة بابن الزبري‪.‬‬ ‫اسمع هذه يا سامل‪ ،‬اسمع كيف نشأت بعض مق ّدساتكم‪ ،‬جاء بتاريخ اليعقويب ج‪ 2‬ص‪ 161‬أنه حني استوىل ابن الزبري عىل‬ ‫فضج الناس‪ ،‬فبنى الجامع األقىص وبنى القبة عىل‬ ‫مكة والحجاز بادر عبد امللك بن مروان إىل‪« :‬منع الناس من الحج‪ّ ،‬‬ ‫الصخرة بفلسطني والذي تعتربونه اليوم مسج ًدا مق ّد ًسا‪ ،‬ليشغلهم بذلك عن الحج‪ ،‬ويستعطف قلوبهم‪ ،‬وكانوا يقفون‬ ‫عند الصخرة‪ ،‬ويطوفون حولها كام يطوفون حول الكعبة‪ ،‬وينحرون يوم العيد‪ ،‬ويحلقون رؤوسهم»‪.‬‬

‫وجاء يف كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ص‪ 108‬أن عبد امللك بن مروان قال عن الصخرة‪ :‬هذه صخرة الرحمن التي‬ ‫وضع عليها رجله‪ .‬لكن ابن مسعود‪ ،‬وعائشة‪ ،‬وعروة بن الزبري‪ ،‬وبن الحنفية‪ ،‬وابن عمر‪ ،‬ينكرون ما يقوله أهل الشام عن‬ ‫الصخرة‪ ،‬من أن الله وضع قدمه عليها وهذا ما جاء بكتاب األباضية عقيد ًة ومذه ًبا ص‪ 98‬يعني عبد امللك بن مروان له‬ ‫باطل لكعبتكم صار اليوم مق ّد ًسا عندكم‪ ،‬ولك أن تقيس بقية مقدساتكم‪..‬‬ ‫بديل ً‬ ‫قدسية إبراهيم عندكم‪ ،‬فام بناه ليكون ً‬ ‫يا لتعاسة عقولكم املفلسة‪.‬‬ ‫واملرة الثالثة عىل يد القرامطة املسلمني فقد غزاها سليامن بن بهرام القرمطي عام ‪319‬هـ يف موسم الحج‪ ،‬وهدم زمزم‪،‬‬ ‫ونزع كسوة الكعبة‪ ،‬وقلع البيت العتيق‪ ،‬واقتلع الحجر األسود‪ ،‬وأخذه إىل األحساء‪،‬‬ ‫‪20‬‬


‫عتبي عليك صديقي املُل ِحد (‪)4‬‬

‫القسم الثاين ‪ :‬هذا دي ٌن‬ ‫وضعه نف ٌر من قريش‬

‫سالم الدليمي‬

‫وبقي الحجر هناك عرشين سنة إىل عام ‪339‬هـ‪ .‬وخرج القرامطة من مكة ينشدون‪:‬‬ ‫لو كان هذا البيت لله ربّنا‬ ‫ألنّا حج ْجنا ح ّج ًة جاهليــ ًة‬ ‫وإنّا تركنا بني ز ْمزم والصفــا‬

‫لصب علينا النار من فوقنا صبّا‬ ‫ّ‬ ‫مـحلّـل ًة مل ت ْبـق رشق ًـا وال غربًا‬ ‫جــنائز ال تبغي سوى ربّها ربّا‬

‫و كان سبب غزوهم للكعبة أن زعيمهم ” أبو سعيد بهرام الجنايب“‪ ،‬بنى كعب ًة يف مدينة هجر‪ ،‬ودعا الناس للحج إليها‬ ‫بدل من كعبة مكة فأراد أن يستثمر الحج كتجار ٍة كام تفعل قريش‪ ،‬فلم يأته أحد‪ ،‬فا ّدعى ابنه سليامن بن بهرام أن‬ ‫ً‬ ‫سيغم الناس عىل املجيء‪ ،‬ففعل ما فعل ليأخذ الحجر‪ ،‬ويضعه يف كعبتهم التي بناها أبوه‪.‬‬ ‫الحجر األسود ُ‬ ‫أما الرابعة فلم تكن بفعل املسلمني بل بفعل سيول األمطار‪ ،‬ففي عام ‪ُ ،1630‬هدمت الكعبة إثر سيو ٍل عنيفة‪ ،‬خاص ًة‬ ‫وأن جدارها كان به صد ٌع وقد حاول السلطان العثامين أحمد األول أن يح ّجمه بإقامة حزامني من النحاس حولها لتثبيت‬ ‫الجدار‪ ،‬فته ّدمت بفعل السيول‪ ،‬فأمر السلطان مراد الرابع بتجديدها‪ ،‬و ُج ّددت عىل يد مهندسني مرصيني‪ ،‬وأخذ بناؤها‬ ‫‪ 6‬شهور‪ ،‬وهو البناء القائم حال ًيا حيث مل يحفظه ربّك ال من سيول وال منجنيق ٍ‬ ‫قائد مسلم‪.‬‬

‫ٕاﺪﺪاد وﺗﻘﺪﱘ‬

‫ﺣﺎﻣﺪ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺼﻤﺪ‬ ‫‪HAMED.TV‬‬

‫‪FB.ME/BOXOFISLAM 21‬‬


‫عتبي عليك صديقي املُل ِحد (‪)4‬‬

‫القسم الثاين ‪ :‬هذا دي ٌن‬ ‫وضعه نف ٌر من قريش‬

‫سالم الدليمي‬

‫أما خامس اعتدا ٍء عىل الكعبة يا سامل فكان عام ‪ 1979‬يف عهد امللك خالد بن عبد العزيز آل سعود حني احتلها جهيامن‬ ‫العتيبي ملدة أربعة عرشة يو ًما واضطر امللك لطلب فتوى من مجلس شيوخها للسامح برضب الكعبة‪.‬‬ ‫وكان سبب احتالل جهيامن العتيبي لها االحتجاج عىل سياسة عائلة آل سعود وخروجهم وكفرهم وطريقة عيشهم‬ ‫كأرس ٍة حاكم ٍة ففرضت هيئة اإلفتاء برئاسة بن باز عىل امللك رشوطها مقابل فتوى تسمح للملك بالهجوم عىل الكعبة‪،‬‬ ‫ومن تلك الرشوط أن عىل العائلة املالكة العودة اىل نسق الرشيعة ومنع ظهور النساء يف التلفزيون واألفالم الالأخالقية‪...‬‬ ‫الخ‪ ،‬فوافق امللك عىل رشوط بن باز‪ ،‬أما ما دار داخل صحن مكة فقد أعلن أحد جنود جهيامن العتيبي يف خطب ٍة بعد‬ ‫شاب‬ ‫أن أخذ امليكروفون من إمامها يف صالة الفجر أعلن عن ظهور املهدي الذي س ُيعيد العدالة إىل األرض وأشار إىل ٍ‬ ‫وهو صهره عىل رقبته شام ٌة حمراء وقال‪ :‬هذا هو املهدي املنتظر‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫لقوات سعودية باقتحام‬ ‫محاوالت فاشل ٍة دامت أسبوعني‬ ‫و بعد عدة‬ ‫مكّة وألن خرافة طيور األبابيل مل تعد تجدي نف ًعا سوى يف عقولكم‪،‬‬ ‫اضطر امللك لطلب مساعد ٍة من فرنسا فأرسلت اللوتانت الفرنيس‬ ‫متخصصني تابعني لفرقة الحرس‬ ‫باول باريل ‪ Paul Barril‬مع جنو ٍد‬ ‫ّ‬ ‫الفرنيس(‪ )GIGN‬الخاصة‪ .‬الحظ يا سامل هنا يسقط املق ّدس‬ ‫الوطني‬ ‫ّ‬ ‫يف الترشيعات اإلسالمية عند بن باز وامللك عىل ٍ‬ ‫حد سواء‪ ،‬فضياع‬ ‫الكعبة يعني فقدان الطرفني سلطانهم املطلق عىل عقولكم‪ .‬وال أدري‬ ‫‪255‬شخصا وأصيب‬ ‫كيف تص ّدقون أن ربّكم جعلها آمن ًة وقد قُتل فيها‬ ‫ً‬ ‫ما يقارب من ‪،560‬‬ ‫فأين اآلية ‪ 97‬من سورة آل عمران‬

‫ٌ ّ ٌ‬ ‫بيـنات ّمقام إبْراهيم ومن دخله اكن آمنًا﴾‬ ‫﴿فيه آيات‬

‫لقد ص ّدق شيوخكم املساكني اآلية ‪125‬من سورة البقرة‬

‫ْ ْ‬ ‫ّ ْ‬ ‫ْ‬ ‫ًّ‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫ً ّ ّ‬ ‫وإسماعيل أن ّ‬ ‫وعهدنا إىل إبْراهيم ْ‬ ‫طهرا‬ ‫﴿وإذ جعلنا اليْ ْت مثابة للناس وأمنًا واتذوا من ّمقام إبْراهيم مصل‬ ‫والر ّكع ّ‬ ‫بيْيت ّ‬ ‫للطائفني والعاكفني ّ‬ ‫السجود﴾‬

‫فكذّبتها الرافعة األمريكية بسقوطها فحصدت أرواح أكرث من مئة حاج‪ .‬طب ًعا ستؤ ّولونها بأنهم آمثني وأن الله املنتقم‬ ‫الجبّار قتلهم رش قتلة‪ .‬طيب نحن برش ونُجري من يدخل بيوتنا فلامذا مل يُجرهم ربّك يا سامل؟‬ ‫ولقراءة قصة جهيامن العتيبي كامل ًة بتفاصيلها الدقيقة وبالصور ميكنكم االطالع عىل مقا ٍل بعنوان‬ ‫”أرسار قصف املسجد الحرام عام ‪ “79‬مبجلة الذاكرة االلكرتونية‪.‬‬ ‫‪22‬‬


‫عتبي عليك صديقي املُل ِحد (‪)4‬‬

‫القسم الثاين ‪ :‬هذا دي ٌن‬ ‫وضعه نف ٌر من قريش‬

‫سالم الدليمي‬

‫وهذه مقالة حول نفس املوضوع وعالقة املذهب الوهايب لقبيلة جهيامن العتيبي بظهور التيارات الجهاديّة املعارصة‬ ‫السلطة‪ ،‬قبل أن تتصادم معه يف أواخر العقد الثاين من القرن‬ ‫وتلك القبيلة ساعدت امللك عبد العزيز يف االستيالء عىل ُ‬ ‫العرشين‪ ،‬بعنوان ”حول السياقات التاريخية القتحام الحرم امليك سنة ‪ “1979‬لجون فرانسوا ماير‪ ،‬ترجمة محمد الحاج‬ ‫سامل‪ .‬الجمعة ‪ 21‬ترشين األول (أكتوبر) ‪ ،2008‬مبجلة األوان االلكرتونية‪.‬‬ ‫وهذه قناة العربية تحاول التضليل عن ذكر اللوتانت الفرنيس وفريقه‪ ،‬واألفراد الباكستان ّيني املشاركني باقتحام الكعبة‪.‬‬ ‫ميكن االطالع عىل الحلقة عرب اليوتيوب‪ ،‬تحت عنوان اعتداء جهيامن عىل الكعبة املرشفة ‪1979‬م‪.‬‬ ‫درسا يف التاريخ هذا الدرس الذي مل أحبّه يو ًما يف كل سنني دراستي‪ ،‬عىل العموم‬ ‫قلت لصديقي‪ :‬كان موضوعك اليوم ً‬ ‫جف عودي وأنا بهذا السن املتقّدم ومل تعد محاولة‬ ‫أنا أشكرك عىل كل يشء وأرجو أن تغفر يل تش ّبثي مبوروثايت فقد ّ‬ ‫تقوميه ممكنة‪.‬‬ ‫املشكلة ليست فيك وحدك يا سامل‪ِ ،‬‬ ‫فصفتكم العامة أنكم ال تقرؤون‪ ،‬وإذا قرأتم ال تفهمون‪ ،‬وإذا فهمتم ال تعقلون‪ ،‬بل‬ ‫رصون عىل قناعاتكم وتصدعون رؤوسنا أنكم خري أم ٍة أخرجت للناس بينام أنتم األمة التي أخرجت الناس من ديارها‬ ‫ت ّ‬ ‫اآلمنة‪.‬‬

‫ﻣﻦ ﻧﺤﻦ؟‬ ‫ﻧﺤﻦ ﻣﺠﻤﻮﻋﻪ ﻣﻦ ﻣﺴﻠﻤني ﺳﺎﺑﻘني وﻣﺴﻠﻤني ﺑﺪرﺟﺎت ﻣﺘﻔﺎوﺗﻪ ﻣﻦ اﻟﺘﺪﻳﻦ‪.‬‬ ‫ﻣﺎذا ﻧﺮﻳﺪ؟‬ ‫ﻧﺮﻳﺪ أن ﻧﺠﺪ اﻟﺤﻘﻴﻘﺔ‪ ،‬ﻣﻬام ﻛﺎﻧﺖ‪ ،‬و أن ﻧﺤﺎرب ﻣﻦ أﺟﻞ ﺣﻘﻨﺎ ﰲ اﺗﺒﺎﻋﻬﺎ‪،‬‬ ‫ﻧﺮﻳﺪ أن ﻧﺨﻠﻖ ﻣﻜﺎﻧﺎ آﻣ ًﻨﺎ ﻟﻠﻨﺎس ﻟﻴﺘﺒﺎدﻟﻮا ﻓﻴﻪ اﻷﻓﻜﺎر اﻟﺘﻲ ﺗﻌﻠﻤﻨﺎ أﻻ ﻧﺘﺤﺪث ﻋﻨﻬﺎ‪،‬‬ ‫ﻧﺮﻳﺪ أن ﻧﺴﺎﻧﺪ ﺑﻌﻀﻨﺎ وﻧﺴﺎﻋﺪ ﺑﻌﻀﻨﺎ ﻋﲆ ﻣﻮاﺟﻬﺔ أﺳﺌﻠﺔ اﻷﻫﻞ واﳌﺠﺘﻤﻊ‪ ،‬وﺗﻜﻮﻳﻦ إﺟﺎﺑﺎت ﻟﻬﺎ‪،‬‬ ‫ﻧﺮﻳﺪ أن ﻧﻌﻄﻲ اﻟﻼدﻳﻨﻴني )ﺳﻮاء ﻣﻠﺤﺪﻳﻦ‪ ،‬رﺑﻮﺑﻴني أو ﻏريﻫﻢ( ﰲ اﻟﺒﻼد اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺻﻮﺗًﺎ ﻷﻧﻬﻢ‬ ‫ﺳﻴﻘﺘﻠﻮن إذا ﻋﻠﺖ أﺻﻮاﺗﻬﻢ‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫مسلمش |‬

‫‪www.muslimish.com‬‬


‫‪http://www.ahewar.org‬‬

‫ﺍﳌﻮﻗﻊ ﺍﻟﺮﺋﻴﺴﻲ ﳌﺆﺳﺴﺔ ﺍﳊﻮﺍﺭ ﺍﳌﺘﻤﺪﻥ‬ ‫ﻳﺴﺎﺭﻳﺔ ‪ ,‬ﻋﻠﻤﺎﻧﻴﺔ ‪ ,‬ﺩﳝﻘﺮﺍﻃﻴﺔ‬ ‫"ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﻣﺠﺘﻤﻊ ﻣﺪﻧﻲ ﻋﻠﻤﺎﻧﻲ ﺩﳝﻘﺮﺍﻃﻲ‬ ‫ﺣﺪﻳﺚ ﻳﻀﻤﻦ ﺍﳊﺮﻳﺔ ﻭﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻟﻠﺠﻤﻴﻊ"‬

‫‪24‬‬


‫صفحة ثابتة نقدم فيها قراءة ألحد الكتب القيمة‬

‫قراء ٌة يف مؤلف برتراند راسل‪:‬‬ ‫الدين والعلم (‪)1‬‬ ‫الفصل األول‪:‬‬ ‫أسباب الرصاع بني الدين والعلم‬ ‫يبدأ راسل بذكر أسبقية الفكر الديني يف وعي االنسان عىل‬ ‫الوعي العلمي‪ ،‬حتى بدأت إرهاصات تحلل النظم الدينية‬ ‫وسطوتها عىل العقل البرشي تظهر مع بداية عرص النهضة‪،‬‬ ‫وين ّبه من األيديولوجيات والنظم الفكرية املنبثقة من‬ ‫واقع العقل الديني مثل الشيوعية والنازية؛ والتي حاولت‬ ‫ديني للعلم‪ .‬ومع أن التاريخ العلمي ليس‬ ‫صناعة ٍ‬ ‫نظام ٍّ‬ ‫بجديد ولكن بدأ العلم يك ّون بني ًة ن ًّدا للخرافة بإفرازاته‬ ‫طويل ولكن ستضع نفسها ضمن إطار الوعي‬ ‫التي سرتفض ً‬ ‫الجامهريي منذ النهضة‪.‬‬ ‫ورغم املحاوالت عند اإلغريق وعلامء العرب إلعالء العلم‬ ‫بديل املوروث الديني واالجتامعي إال أنها‬ ‫والتصور العلمي ً‬ ‫مل تبلور قوة سياسي ًة أو مل تستند لجامهريي ٍة ترتكز إليها‬ ‫وأيضا تحالف النظم السياسية مع الفكر الديني‪،‬‬ ‫للثبات ً‬ ‫ٍ‬ ‫محاوالت‬ ‫وبقي مسار العلم أو الرؤية العلمية إيجابيًا رغم‬ ‫مجابهته التاريخية واملخاض العسري الذي حاول تشكيل‬ ‫واقعي عقالين‪ ،‬إال أ ّن القرن العرشين احتوى‬ ‫عام‬ ‫وعي ٍ‬ ‫ٍّ‬

‫‪25‬‬

‫تلخيص ‪Noor Dawood‬‬


‫برتراند راسل ‪ :‬الدين والعلم (‪)1‬‬

‫‪Noor Dawood‬‬

‫هز ٍ‬ ‫ات كربى‪ ،‬مثل الحربني العامليتني ليعيد اإلنسان يف ظل‬ ‫تطوير أسلحة الدمار الشامل واأليديولوجيات املذكورة وطبيعتها‬ ‫كقوى تدمريية‪ .‬وبطبيعة‬ ‫السياسية للشك باإلنجازات العلمية‬ ‫ً‬ ‫الحال فهي نظر ٌة غري موضوعي ٍة من قبل العوام ألن العامل الذي‬ ‫يعيش منجزات الحداثة كان بحاج ٍة ملثل هذه الرضبات املؤملة‬ ‫لتدمري الهياكل الدينية القابعة يف العقل العلمي واملعريف‪ .‬وهذا‬ ‫ما توقعه الفيلسوف األملاين فريدريك نيتشه أكرب الفالسفة أث ًرا‬ ‫يف فكر القرن العرشين‪ ،‬بأ ّن العامل الغريب بتحرره من الدين كان‬ ‫ٍ‬ ‫مبني عىل أنساقٍ ثقافي ٍة ال‬ ‫يواجه أزم ًة يف تكوين دينٍ‬ ‫جديد ٍّ‬ ‫تختلف عن الدين يف نظرتنا لها كاألخالق‪ .‬وبدأ التفكري بنسبية‬ ‫األشياء بدل البحث عن كليات‪ .‬ومن هنا بدأ ينحرص دور‬ ‫الفالسفة يف تفسري الظواهر الثقافية واملعرفية‪.‬‬ ‫ويشري راسل إىل دور العلم املهم عن طريق اآلليات الصلبة التي‬ ‫توصل إليها واملتطورة تاريخ ًيا من بعد االعتامد عىل التجريب‬ ‫والفلسفة التجريبية الكتشاف الحقائق الفعلية كأفضل أدا ٍة‬ ‫للوصول أو الخرتاع الحقيقة عقل ًيا؛ املستقاة من التجارب وليس اعتام ًدا عىل تصور ٍ‬ ‫ات ذهني ٍة تهاب أن يتم فحصها فعل ًيا‬ ‫يف الواقع‪ ،‬ومل يتوقع اإلنسان أن يصل به املطاف إىل عدم القدرة عىل تطويق التطور العلمي لغزارة تدفقه‪ ،‬وخلق العلم‬ ‫نو ًعا واقع ًيا من الراحة بتوفري األدوات التي تنقص اإلنسان وبتقديم العالج ألمر ٍ‬ ‫اض مل تعالج يف السابق بوسائل مجدي ٍة‬ ‫بعكس الوسائل الالهوتية العبثية وبعج ٍز يدل علىه املامرسات التي كانت متارس تجاه املرىض باألخص األمراض العقلية‬ ‫من ناحية املامرسات‪ .‬ويقدم راسل الرصاع بني الدين والعلم عىل أن الدين كان ميثل حال ًة عصابي ًة بدأت يف حالة عج ٍز‬ ‫عىل تقديم أي مرب ٍر لوجودها الحقًا‪.‬‬ ‫ويبدأ راسل بتفكيك الدين كحال ٍة معقد ٍة تاريخ ًيا قامت عىل ٍ‬ ‫أسس غري متين ٍة بعد التوصل للدين املؤسسايت الذي ميثل‬ ‫إميان الناس الجمعي‪ ،‬كالكنيسة أو املسجد‪.‬‬ ‫العقيدة وهي النظام الفكري التي تقوم عليه الجامعة ويحدد توجهاتها الفكرية ومن ثم السلوكية‪ ،‬وتتمثل قوتها‬ ‫بالدوغام والتعصب للجامعة‪ ،‬أقرب ملا يكون إىل الق َبلية‪ ،‬ومن ثم نظا ٌم يحكم األخالق الشخصية الجامدة التي ستك ّون‬ ‫عائقًا يف وجه األخالق الحقًا ألنها بُنيت ضمن تجرب ٍة محدود ٍة قارص ٍة وخرب ٍة إنساني ٍة تعد اآلن بدائية‪.‬‬ ‫‪26‬‬


‫برتراند راسل ‪ :‬الدين والعلم (‪)1‬‬

‫‪Noor Dawood‬‬

‫ومن ثم أثر املدارس الفلسفية يف الدين كالرواقية عىل األنظمة الدينية يف االمرباطورية الرومانية‪.‬‬ ‫وما زال الدين لليوم مبؤسسته يو ّرط نفسه بالرصاع مع العلم الذي يستند كام يشري راسل لوقائع وحقائق صلبة بينام‬ ‫يستند الدين لوعي الرعاع القبيل ولتصور ٍ‬ ‫ات هش ٍة يسقطها الواقع كلام اقرتبت منه‪ .‬والشكوك التي جلبها العلم للدين‬ ‫هروب‬ ‫كانت كافي ًة لتهز جذور البنى الدينية؛ وما يتذرع به الدين كوظيف ٍة له بأنه يردم الرصاع ويقرب بني البرش كحالة‬ ‫ٍ‬ ‫ملجابهة الحقيقة وتكوين وظيف ٍة مل تكن مهم ًة له‪ ،‬يثبت عكسها التاريخ الديني نفسه‪.‬‬ ‫وكانت صدمة املؤمنني مبا يحتويه الدين حني أىت العلم بالوسيلة التي ال ميكن إنكار دورها يف استخالص الحقائق‪ ،‬الذي‬ ‫أدى دو ًرا كب ًريا بانهيار ما يسمى بالحقيقة األبدية املطلقة التي ت ّدعيها النصوص الدينية كاف ًة وبدأ القضاء عىل املسلّامت‬ ‫ورضورة إعادة تكوين تصور ٍ‬ ‫ات ديني ٍة تتالئم مع العلم‪ ،‬باالعتقاد بأن النمط الديني السائد هو حالة إعاق ٍة للدين نفسه‬ ‫أي أ ّن الدين بدأ يفضح نفسه بنفسه أمام الواقع املوضوعي‪ ،‬ويجب أن ينضوي بإطا ٍر ثقا ٍّيف ال يتجاوزه وهو ما قدمته له‬ ‫ٍ‬ ‫تأويالت‬ ‫مهم لصالح التطوير وبداية تأسيس مشاريع تحديثية‪ ،‬وبرضورة صناعة وتشكيل‬ ‫العلامنية‪ ،‬وهذا التحول كان ً‬ ‫ٍ‬ ‫مجموعات كبري ٍة من البرش‪.‬‬ ‫جديد ٍة تدل عىل تحلل الدين وبداية قبول انقراضه أو انقراض فاعليته عىل‬ ‫بائسا أكرث عن طريق العقيدة التي هي مصدر الرصاع‪ ،‬حني حاول‬ ‫وأخذ الدين يف بعض أشكاله األكرث تعص ًبا أسلوبًا غبث ًيا ً‬ ‫منغلق عىل ذاته؛ وهذا ما نشهده بطبيعة الحال يف العقل اإلسالمي عىل حد تعبري محمد أركون‬ ‫عقدي‬ ‫تشييد جدا ٍر‬ ‫ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫والذي كان موجو ًدا يف القرون الوسطى املسيحية بأوروبا‪ ،‬قبل أن يأيت توما األكويني ويبدأ ببث بذور عقالنية لن تلقى‬ ‫روا ًجا كب ًريا لفرت ٍة طويل ٍة يف الدين املسيحي‪ ،‬مثل ما حل باملعتزلة اإلسالمية‪ ،‬وهنا يوجد سخري ٌة فادحة‪ ،‬ببلورة مفاهيم‬ ‫فكري غري عقالين من األساس‪ ،‬وحاول األكويني مناقشة مفاهيم ارتبطت باإلله بطبيعة الحال مبحاولة‬ ‫لنظام‬ ‫عقالني ٍة ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫تعميقها عىل أنها أعمق مام تبدو أو بنفيها عن ذات اإلله‪ ،‬وهكذا تخىل اإلله عن كثريٍ من صفاته قبل أن يعلن نيتشه‬ ‫أرسطي ذو حدين أي ميلك سلبه ضمن تأكيده‪.‬‬ ‫تقليدي‬ ‫منطق‬ ‫الحقًا اعالنه املشهور بأنه مات‪ ،‬وكان املنطق املستخدم‬ ‫ٌ‬ ‫ٌّ‬ ‫ٌّ‬ ‫ومن ثم يبدأ راسل مقارناته بكيفية الوصول العتقاد بني الدين والعلم‪ ،‬ففي حني يقوم العلم عىل مجموع ٍة من الدالئل‬ ‫والتجارب املحسوسة ليؤسس لطرقٍ معين ٍة يف التفكري ال ي ّدعي بأنها مطلقة‪ ،‬يقوم الدين عىل العكس دوا ٍع وتصور ٍ‬ ‫ات‬ ‫خلل دامئًا يف‬ ‫موروث ٍة غري مربر ٍة وتقدم نفسها عىل أنها أفكا ٌر ال ميكن أن تكون مخطئ ًة بأيّة حا ٍل من األحوال وأ ّن هنالك ً‬ ‫تطبيق األفكار الدينية‪ ،‬ولكن حتى هذا اإلشكال ال يربر العطب يف الفكر الديني الذي يؤسس لفك ٍر مشلو ٍل تجاه نفسه‬ ‫وتجاه الواقع‪ ،‬فال ميكن أن يكون الواقع بقوانينه هو اإلشكال بل األفكار التي يتم تطبيقها عىل أرض الواقع‪ ،‬والعلم ال‬ ‫وأيضا‬ ‫ومنوذج‬ ‫يبدأ بالفروض العريضة‬ ‫مسبق بل بحقائق تقيسها التجارب وهكذا يتم إنتاج منظوم ٍة علمي ٍة موثوقة‪ً ،‬‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫بدل‬ ‫البعد الزمني كمبدأ بينام هو علم ًيا الخامتة‪ ،‬والعلم ميتلك إطا ًرا مفتو ًحا ال مغلقًا‪ ،‬وهكذا تقدمت الحقائق التقنية ً‬ ‫بدل من االستمناء الفكري تجاهه عن طريق‬ ‫من امليتافيزيقيات القدمية‪ ،‬وبدأت معالجة الواقع العميل والتزاوج معه ً‬ ‫الدين‪.‬‬ ‫‪27‬‬


‫برتراند راسل ‪ :‬الدين والعلم (‪)1‬‬

‫‪Noor Dawood‬‬

‫وأيضا من الفروقات املهمة أ ّن العلم ال يعتمد عىل سلط ٍة قبلي ٍة كام هو حال الدين‪ ،‬فلنتصور أ ّن املؤسسة الدينية قامت‬ ‫ً‬ ‫علمي يناقض ما تدعو إليه ترى ما الذي سيحصل؟ بالتأكيد ستنهار هذه السلطة الدينية لذلك‬ ‫بتشييد وتغذية واقعٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫سلطة الدين وقوتها ترتبط ارتباطًا حتم ًيا وتؤسس ألزمة وعي وبالتايل أزم ًة ثقافي ًة‪ .‬إذن ميكننا أن نرى أ ّن العلم يقود من‬ ‫مشغول بتطويرها‪.‬‬ ‫ً‬ ‫خالل الحس واملالحظة إىل تجريب هذه املالحظة لتوليد حقيق ٍة يتبناها العقل ويبقى‬ ‫وتبدو طرق الدفاع الدينية جنوني ًة وهذا إن ّ‬ ‫دل عىل يشء فإنه يدل عىل ضعف التجربة الدينية ذاتها وصناعة الخلل‬ ‫الفكري الذي يؤسسه الشعور وتقوده العقيدة‪ ،‬ويف حني يفرس الدين الكون بقص ٍة مل ترتبط بالواقع كحالة الخلق‬ ‫املفاجئ من قبل إله فإ ّن العلم ال يعرتف بهذه القصة أو الحدث الذي يتبناه الدين بل يأيت مبا يفند حقيقته عىل أنه‬ ‫مجرد تصور‪ .‬ومبناقشة هذه املسألة ينتهي الفصل األول‬ ‫عن أسباب الرصاع بني الدين والعلم‪.‬‬ ‫الفصل الثاين‪:‬‬ ‫نظرية كوبرنيكوس‬ ‫يشري راسل إىل أ ّن أول معرك ٍة حامي ٍة الوطيس بني العلم‬ ‫والالهوت كانت يف مجال الفلك‪ ،‬وكانت نظرية كوبرنيكوس‬ ‫حول مركزية األرض عكس النظرية البطليموسية السائدة‬ ‫التي ت ّدعي أ ّن األرض مركز الكون يف حني أ ّن نظرية كوبرنيكوس تنفي هذا االعتقاد بأ ّن األرض غري ثابت ٍة يف مكانها‬ ‫وتتحرك حول محورها كل يوم وحول الشمس كل عام‪ ،‬وهذه النظرة الجديدة لطبيعة األرض وحجمها من الكون‪،‬‬ ‫صدعت الالهوت سواء املسيحي أو اإلسالمي الذي يق ّر بالعكس وهذا ما توضحه النصوص املقدسة بكال الدينني‪،‬‬ ‫وللنظرية أصدا ٌء بعيد ٌة عند الفيثاغوريني اإلغريق وعىل رأسهم أريستاكوس‪.‬‬ ‫ومن بعد كوبرنيكوس أىت كبلر ليصحح من النظرية الكوبرنيكية‪ ،‬بأن مدار األرض ليس بالدائري بل باإلهليجي‬ ‫وبالتايل بسبب هذه النظرية العلمية املؤكدة الحقًا انتهى أي معنى حقيقي للنظرة الطفولية بأهمية اإلنسان يف هذا‬ ‫ٍ‬ ‫تهيؤات يداري بها اإلنسان نفسه‬ ‫الكون وأنه يحظى برعاي ٍة إلهي ٍة مل يدل عليها هذا اإلله املختلق نفسه‪ ،‬بل كانت مجرد‬ ‫ٍ‬ ‫صعوبات محدد ٍة وبثت فيه التشبث باالستمرار كحاج ٍة تطوري ٍة‪ ،‬ومن ثم اتخذت‬ ‫ببدايات وعيه‪ ،‬وفكر ٍة ساعدته الجتياز‬ ‫شكل واقعه ونظامه االجتامعي والسيايس وهذا ما يعرضه تاريخ الالهوت وامليثولوجيا ويشري املفكر السوري الراحل‬ ‫حقيقي لرنجسية اإلنسان املتشكلة من هذه الفكرة بأنه‬ ‫جورج طرابييش إال أن نظرية كوبرنيكوس كانت أول جر ٍح‬ ‫ٍّ‬ ‫يحظى برعاي ٍة فوق طبيعية‪ ،‬وانه أميز الكائنات وأن هنالك صان ٌع للكون اصطفاه وخلقه عىل صورته‪.‬‬ ‫‪28‬‬


‫برتراند راسل ‪ :‬الدين والعلم (‪)1‬‬

‫‪Noor Dawood‬‬

‫ومن خالل الفكرة السابقة لنظرية كوبرنيكوس أو النظرية البطليموسية‪ ،‬ميكننا أن نالحظ ونشري للمؤمن بقصور األفكار‬ ‫ضيق من إطار الخربة املحدودة‪ ،‬فحني نظر اإلنسان للكون‬ ‫أفق ٍ‬ ‫القادمة من العصور السابقة؛ وأنها مبني ٌة عىل نظر ٍة ذات ٍ‬ ‫يف أول مر ٍة ظ ّن أ ّن النجوم أصغر من األرض ألنه مل يك ّون األداة بعد يف ذلك الحني ملعرفة العكس‪ ،‬ولوال بعض املالحظات‬ ‫من قبل الفالسفة من هم قبل سقراط الذين خرجوا عن االعتقاد السائد‪ ،‬ملا توصل العلم اليوم ملا توصل إليه‪ ،‬الذي‬ ‫مييط اللثام اليوم عن األفكار القارصة التي يحتويها الفكر الديني كمركزية األرض وأ ّن النجوم وظيفتها إنارة هذه األرض‪،‬‬ ‫وأ ّن الشهب تالحق الشياطني‪ ...‬إلخ‬ ‫ويف حني أ ّن كبلر ساعد عىل تطوير أفكار كوبرنيكوس واكتشافه األكرث دق ًة بأ ّن الكواكب تدور يف حرك ٍة إهليجي ٍة وليست‬ ‫ٍ‬ ‫اعتقادات زائفة‪ ،‬كمساعدة التنجيم للفلك‬ ‫دائري ًة وأ ّن الشمس ليست مرك ًزا بل بؤرة‪ ،‬إال أنه كان يعتقد‬ ‫ونرى برشح راسل ملا متكن اإلغريق من الوصول إليه بأ ّن الحركة فوق دائرية‪ ،‬ولكن بسبب سيطرة النظرة الجاملية عىل‬ ‫فضلوا أن ت ُعترب دائري ًة ملا اعتقدوه يف الدائرة من كامل‪ ،‬وسيطرت ذات النزعة من التحيز عىل‬ ‫النظرة العلمية اإغريقية ّ‬ ‫املدرسيني‪ ،‬لذلك يشري راسل أ ّن األفكار الجاملية أحيانا تكون مظلل ًة شانها شأٍن االعتقاد باألساطري ولكن بدرجة أخف‬ ‫وأرقى‪.‬‬ ‫ومن ثم يعرض تأثريات كبلر عىل نيوتن يف حركة األجسام وباقي القوانني‪ ،‬وعوائق املنطق التقليدي ومعاملته علم ًيا‬ ‫كنبي أو أكرث يف األوساط العلمية تاريخيًا بالذات عند العلامء يف الحضارة‬ ‫كدين ودوره يف إعاقة العلم‪ ،‬أل ّن أرسطو عومل ِّ‬ ‫العربية‪.‬‬ ‫من ثم تأيت اإلشارة إىل عا ٍمل بار ٍز آخر هو جاليللو الذي عارض الالهوت بالنظرة السائدة بأ ّن األرض مستوي ٌة بل كروية‪،‬‬ ‫وهذا ما عوقب عليه الحقًا‪ ،‬ومنع جالليلو يف نشأته من تعلم الرياضيات‪ ،‬وكان املانع هو والده وهو إن دل عى يشء‬ ‫فإنه يدل عىل خطر لغة العلم (الرياضيات) عىل االعتقادات الزائفة التي هي مضمون الدين‬ ‫وكان جالليلو كام يقول راسل ماه ًرا يف الجمع بني التجريب وامليكانيك والقدرة عىل صياغتها رياض ًيا‪ ،‬وفضله يف دراسة‬ ‫الديناميكا (علم االجسام)‪ ،‬ومل يكن جالليلو عىل عالق ٍة جيد ٍة بزمالئه من أتباع النظرة األرسطية واألمور تبدو جلي ًة‬ ‫كرصا ٍع بني التحديث والتقليد‪.‬‬ ‫وكان التلسكوب الخطر الحقيقي أو املبارش الذي لحق بجالليلو وأثار موجة السخط الالهوتية عليه‪ ،‬وكان التلسكوب‬ ‫من أهم االخرتاعات التي أثرت عىل طبيعة الرؤى العلمية ويعد ثور ًة يف حد ذاتها باملجال الفليك‬ ‫دنيوي يهتم بإخراج الوقائع النظرية أو بتثبيت السيناريو العلمي‬ ‫كعلم‬ ‫رجس من الشيطان ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫واعتربت الهندسة ٌ‬ ‫‪29‬‬


‫برتراند راسل ‪ :‬الدين والعلم (‪)1‬‬

‫‪Noor Dawood‬‬

‫ويف عام ‪ 1642‬العام الذي ُمني به جالليلو بالعمى شهد والدة عا ٍمل من أهم العلامء عىل مستوى التاريخ وهو اسحاق‬ ‫نيوتن لذلك مل يشهد العلم حالة انقطاع كام يف السابق‪ ،‬بل أ ّن النظريات الجديدة زادت من اتصاله‬ ‫ويشري راسل بأ ّن املجابهة مل تكن فقط من خارج الدين فرافق الثورة العلمية عىل االعتقاد الديني السائد ثورة اإلصالح‬ ‫الديني الربوتستانتية التي نقلت املناطق الشاملية من أوروبا يف غالبها من الكاثولكية وسلطة املؤسسة الدينية (الكنيسة)‬ ‫إىل سلطة الكتاب املقدس الذي تناثر ضمن قر ٍ‬ ‫اءات متعدد ٍة للفرق الربوتستانتية وهذه الحالة من إعادة تشكيل مالمح‬ ‫مثيل لها اليوم يف الثقافة اإلسالمية عن طريق القرآنيني الجدد‪ ،‬جعلت الدول الربوتستانتية‬ ‫جديدة للمسيحية التي نشهد ً‬ ‫أكرث مرون ًة فيام يخص البحث العلمي‪ ،‬حتى أ ّن مالحقة ديكارت يف فرنسا ولجوءه إىل هولندا التي أبت تسليمه بحجة‬ ‫وأيضا مل يكن للربوتستانتية مؤسس ًة ديني ًة لحداثتها بالذات وليس الأها تختلف‬ ‫التسامح الديني‪ ،‬كانت أمثول ًة مهمة‪ً ،‬‬ ‫عن أي ٍ‬ ‫ديني أخر يف الرتهيب واإلرهاب ومبا يخص مسائل الدي‪, ،‬هنا يبدأ بالذات انقشاع النظرة األسطورية‬ ‫منط ٍّ‬ ‫ٍ‬ ‫جديد سيتصدع الحقًا مر ًة أخرى‬ ‫بقالب‬ ‫للظواهر الطبيعي‪ ،‬وهذا يقود لحاج ٍة جديد ٍة وهي إعادة تأطري اإلله‬ ‫ٍ‬ ‫ومن األشياء التي سببت خالفًا شدي ًدا بني الالهوت والعلم هو النظر للمذنبات وبدأ العلم يكون فكرة أكرث منطقي ًة عن‬ ‫هذه األجرام الساموية‪ .‬وأيضا اعتبارات نيوتن مبا يخص الجاذبية وأنه باإلمكان تفسري كل الظواهر بنا ًء عليها‪ ،‬وبهذا‬ ‫ينتهي الفصل الثاين من هذا الكتاب‪.‬‬ ‫الفصل الثالث‪:‬‬ ‫التطور‪ ‬‬ ‫كان بدء إدراك االنسان للقوانني الفعلية التي تحكم‬ ‫األشياء‪ ،‬بداية تبديات انتصار العلم املزلزل‪ ،‬وكانت‬ ‫أكرب هذه الزلزالت التي تقاوم إىل اليوم حقائق نظرية التطور أو الداروينية‪ ،‬ولكن قبل الدخول ملضامر هذه النظرية‬ ‫يجب النظر إىل ما يحتويه الدين الذي يأ ّول أصل االنسان واألحداث التي ساعدت عىل خلقه باملصطلح الديني عن‬ ‫أيضا بل أ ّن النظرة الثانية جز ٌء من األوىل‪ ،‬وهذه املدونة‬ ‫طريق سفر التكوين الذي يلقي بظالله عىل النظرة القرآنية ً‬ ‫التي اكتسبت طابع التقديس بدأت تتعرض للفحص بسبب انتقال فكرة التطور من الفلك‪ ،‬من ثم إىل الجيولوجيا ومن‬ ‫بعدها للكائنات عن طريق البيولوجيا‪.‬‬ ‫أيضا‪ّ ،‬والتطور البيولوجي الذي يتضمن بأن اإلنسان هو‬ ‫وكان للفلك أسبقي ًة علمي ًة عن باقي هذه الحقول‪ ،‬وأثر بها ً‬ ‫كائ ٌن ضمن مملكة الكائنات الذي ينحدر من األصول ذاتها لبعض هذه الكائنات مثل الشامبانزي وباقي القردة‪ ،‬التي‬ ‫‪30‬‬


‫برتراند راسل ‪ :‬الدين والعلم (‪)1‬‬

‫‪Noor Dawood‬‬

‫ميلك عنها رؤي ًة مسبق ًة بأنها أدىن منه ومحقرة يف نظرته‪ ،‬كانت رضب ًة أخرى يف نرجسية اإلنسان‬ ‫وتجرأ البعض عىل تحديد اليوم الذي خلق به اإلنسان قبل الصدمة التطورية‪ ،‬ويجب ذكر أ ّن أول محاول ٍة لبناء نظري ٍة‬ ‫متكامل ٍة عن منو الشمس والكواكب قام بها عامنوئيل كانط يف مؤلفه* التاريخ الطبيعي العام ونظرية الساموات أو‬ ‫أسباب عجزت آرا ٌء كانت عن لفت األنظار‬ ‫فحص املكونات واألصل امليكانييك لكل بناء الكون وفقًا ملبادئ الكون *ولعدة‬ ‫ٍ‬ ‫إليها منها أنه كان فيلسوفًا ومل يكن عامل رياضيات أو فيزياء‪ ،,‬إال أ ّن بعض أجزاء نظريته كانت جيد ًة بالرغم من أن كثريٍ‬ ‫منها يكتسب طابع الخيايل‪.‬‬ ‫من هذه اآلراء اعتقاده بأ ّن سكان الكواكب األخرى اإن وجدت اأكرث تطو ًرا كلام ابتعدوا عن الشمس‪ ،‬عدا غياب االستناد‬ ‫العلمي عن نظريته‪ ،‬إىل حني أىت البالس واستحدث شيئًا قريبًا من كانط؛ ولكن بشكلٍ وبقيم ٍة أكرب‪ .‬ففي كتابه األشهر‬ ‫رشح نظام العامل الذي يقدم فيه فرضيته السدميية؛ ذكر البالس نفسه أ ّن نظامه يحيط به الشك كام يحيط بكل يشء‪،‬‬ ‫والفارق بني االثنني أ ّن كانط مل يتجرد من سطوة العقل الديني وكان متدي ًنا رغم قوة فلسفته‪ ،‬وبذلك استطاعت نظرية‬ ‫سديم كان يف األصل سدميًا واح ًدا‪،‬‬ ‫البالس أن تحل ملدة قرنس العقل الغريب‪ ،‬وهي أ ّن الشمس والكواكب كانت عبار ًة عن ٍ‬ ‫كتل متعددةً‪ ،‬وتكرار ذات العملية أدى ملا نراه اليوم‬ ‫وهذا السديم انكمش تدريج ًيا لتزداد رسعة دورانه وينفجر ويشكّل ً‬ ‫من أقام ٍر وكواكب‪ .‬وكان البالس ملح ًدا وعارص الثورة الفرنسية التي غريت كث ًريا من طرق التفكري يف أوروبا‪.‬‬ ‫وبقي الدين مبحاوالته العابثة يحاول تطويق التقدم العلمي‪ ،‬وبدأ العقل العام يربط بني الظواهر وما هو موجود أو ما‬ ‫يحتويه الدين‪ ،‬وابتدأ إدراك الرؤية الساذجة التي يقدمها الدين والتي تق ّزم من عظمة الكون‪ ،‬وبهذا يتوسع الطريق‬ ‫ٍ‬ ‫اعتقادات لتربير مسائل‬ ‫العلمي أكرث‪ ،‬واستغرق تعبيد هذا الطريق حق ًبا طويل ًة‪ ،‬وبدأ البعض كتوماس برينت يقدمون‬ ‫مثل الطوفان بالكتاب املقدس وبأ ّن أشعة الشمس ساعدت عىل تفجري مستود ٍع نائٍ من قلب األرض كعملي ٍة طبيعي ٍة‬ ‫قام بها اإلله‪.‬‬ ‫وعرف القرن الثامن عرش احتدا ًما بني نظرتني نسبت إحداها وجود كل يش ٍء للامء واألخرى نسبت وجود كل شئي ٍء‬ ‫للرباكني‪ ،‬وقامت األوىل بجمع أدل ٍة وهمي ٍة عىل الطوفان املذكور بالكتاب املقدس‪ ،‬والثانية بالغت بأهمية الرباكني‬ ‫والزالزل‪ ،‬ولكن كانت األوىل األكرث تزمتًا دينيًا حتى أنها ا ّدعت أ ّن بقايا الصخور هي كائناتٌ حي ٌة من زمن الطوفان‪ ،‬حتى‬ ‫فولتري أنكر ذلك قبل أن يضطر إىل االعرتاف أنه من املمكن أنها بقايا الحجيج إىل األماكن املقدسة تركوها وراءهم‪ ،‬وهنا‬ ‫يشري راسل اىل أن اإللحاد القوي يفوق األرثوذوكسيات خطورةً‪ ،‬يف اتجاهه املناهض للعلم‪.‬‬ ‫وقدم بيفون يف عام ‪ 1749‬أربع عرشة مبدأً أدانها الالهوت بشد ٍة يف جامعة السوربون‪ ،‬وأحد هذه املبادئ كان يتحدث‬ ‫‪31‬‬


‫برتراند راسل ‪ :‬الدين والعلم (‪)1‬‬

‫‪Noor Dawood‬‬

‫أسباب ثانوي ٌة أي أنها خارج ٌة عن القدرة اإللهية املتعارف عليها بتفسري الظواهر‬ ‫فيام يخص نشوء الجبال والوديان بأنها‬ ‫ٌ‬ ‫جيولوج ًيا‪ ،‬الذي اعتذر الحقًا عن هذه املبادئ ليك ال يدخل يف رصا ٍع مع سلطة الكنيسة‪ .‬وكان أول املنادين بنظري ٍة‬ ‫علمي ٍة جديد ٍة تخص البيولوجيا هاتون يف عام ‪ 1788‬يف كتابه نظرية األرض الذي أعاد نرشه سنة ‪1795‬‬ ‫رؤى جديد ًة كان الالهوت يغرق أكرث يف تورطاته وتكشف ما يحتويه من تناقض الواقع‪،‬‬ ‫ويف ظل هذا التطور وتقديم ً‬ ‫مم تظهره السطور يف الكتاب املقدس يبقى‬ ‫وبدأ الالهوت يأخذ مسا ًرا جدي ًدا كالتأويل بدل التفسري‪ ،‬وبأ ّن املعنى املراد ّ‬ ‫محجوبًا‪ ،‬وأىت اكتشاف العامل الجديد وبداية اكتشاف حقائق طبيعي ٍة مختلف ٍة بتعزيز رضبات العلم لالهوت ووجود‬ ‫ٍ‬ ‫كائنات حي ٍة مل ت ُعرف من قبل‪ .‬وقد قام العامل الطبيعي جوس وايلد إدموند جويس مبحاول ٍة إلنقاذ الفكر األرثذوكيس‬ ‫الديني‪ ،‬بالرغم من أنه اعرتف بالدالئل التي أىت بها الجيولوجيون عىل قدم العامل عىل النظرة الالهوتية‪ ،‬وقدم نظري ًة‬ ‫مفادها بأ ّن كل ي ٍء من املمكن أن يبدو بأ ّن هنالك تاري ٌخ له وهو‬ ‫غري ذلك‪ ،‬وبالوصول للقرن التاسع عرش الذي كلل النجاح العلمي‬ ‫بالتوصل لحقائق التطور‪ ،‬بدأ الالهوت بإفراز سبل وطرائق عاجز ًة عن‬ ‫مجابهة ما أىت به داروين ومحاوالت االشتباك بها‪ ،‬أو نقدها بحج ٍج‬ ‫ذات نزع ٍة ذاتي ٍة بسبب عدم ألفة النظرية عقل ًيا‪ ،‬وعىل أثر هذه‬ ‫النظرية التي ترضب النظرية الخلقية بعرض الحائط‪ ،‬ضعفت الهيمنة‬ ‫الكنسية عىل عقول األفراد‪ ،‬وبدأت باستخدام طرائق جديدة الحتواء‬ ‫العلم والنظرية وبأ ّن اإلله جعل أسباب الخلق عن طريق التطور‪،‬‬ ‫وبدأ االنتفاض عىل النظرة القائلة بأ ّن الوجود موجو ٌد وأ ّن الظاهرة‬ ‫الوجودية مرتبط ٌة باإلنسان‪ ،‬وأ ّن الكون عىل هذه الشاكلة لخدمته‬ ‫وكل الكائنات هي ملك يده‪ ،‬وبهذا ينتهي الفصل الثالث من هذا‬ ‫الكتاب‪.‬‬ ‫الفصل الرابع‪:‬‬ ‫الطب وعلم الشياطني والجان‪ ‬‬ ‫طبي يفيد البرش بالدرجة األوىل ألن وجود‬ ‫يناقش الفصل الرابع املعضالت التي واجهت الطب يف طريق وضع منه ٍج ٍّ‬ ‫اض حريت اإلنسان لفرت ٍ‬ ‫الطب كان وما يزال لالستفادة املبارشة واستخدامه لذلك‪ ،‬وللقضاء عىل أمر ٍ‬ ‫ات طويل ٍة وكان‬ ‫يستخدم معها طرقًا عبثي ًة نظ ًرا لغياب األدوات التي من املمكن االستفادة منها للعالج‪ ،‬وكان أكرب العقبات محاوالت‬ ‫التحلل من االعتقادات الراسخة والخزعبالت التي ضمها الالهوت ويتضمنها‪ ،‬كالشياطني والجان مبا يخص الطب النفيس‬ ‫وأن هذه الشياطني هي آلهة الوثنيني وتأيت باألمراض للناس‪ ،‬وأيضا طرق العالج عن طريق استجداء اإلله مبامرسة مذابح‬ ‫‪32‬‬


‫برتراند راسل ‪ :‬الدين والعلم (‪)1‬‬

‫‪Noor Dawood‬‬

‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫مخلفات لها قبل تطور‬ ‫أقليات طائفي ٍة مثل اليهود‪ ،‬والرتويج للفكرة السائدة التي نلمسها يف كل مجتمعٍ أو وجود‬ ‫بحق‬ ‫الطب وهو أثار القديسني عىل العالج أو الرسل ورجال الدين الصوفيني‪ ،‬وكان أكرب عاملٍ لنمو األساطري هي األجواء‬ ‫عقاب من الله ومن يحاول عالج املسألة عقالنيًا يقف يف وجه إرادة‬ ‫املضطربة كانتشار الطاعون واألوبئة املختلفة‪ ،‬بأنها ٌ‬ ‫طويل‪ ،‬وتقديم حلو ٍل ال تتعلق باملشاكل‪ ،‬وقاومت التطور الطبي‬ ‫هذا اإلله السادي‪ ،‬وهو ما ر ّوجت له املؤسسة الدينية ً‬ ‫أيضا أث ًرا سياس ًيا يف تأليه امللوك‪ ،‬وروا ٍج‬ ‫أو املحاوالت الطبية وهذا ما دفع بحياة الكثريين وكان ألثر االعتقاد باملعجزات ً‬ ‫ملرض شهريٍ يسمى برش امللوك ويقدم امللك العالج مبارش ًة ببعض الكلامت التي تعفي أي ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫عقاب أو جناي ٍة غري‬ ‫شخص من ٍ‬ ‫أيضا من هذه الحالة من الالوعي ماديًا‪ ،‬بجمع األموال كونها املؤسسة الراعية للتطبيب‬ ‫موجود ٍة‪ ،‬واستفادت الكنيسة ً‬ ‫أيضا‪.‬‬ ‫وشفاء الناس ً‬ ‫ويذكر راسل عدة تواريخ النتشار مرض الطاعون يف فرت ٍ‬ ‫ات متفرق ٍة وكيفية التعامل مع هذا املرض بوسائل المجدية‪ ،‬مثل‬ ‫يهودي إرضا ًء لله وتهدئ ًة لغضبه يف بافاريا سنة ‪ ،1348‬وثالث أالف يف إيفورت‪ ،‬وألفني‬ ‫اإلقدام عىل قتل اثنا عرش ألف‬ ‫ٍّ‬ ‫مذهب آخر داخل الدين‬ ‫ُحرقوا يف سرتاسبورغ‪ ،‬وكان الطاعون ذريع ًة ملا يحمله الدين تجاه أتباع الدين اآلخر‪ ،‬أو أي‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ملامرسات فاشية‪.‬‬ ‫من إقصا ٍء يؤسس‬ ‫ومنى الطب عىل أيدي أطباء يهود إذ كان اليهود أقل التصاقًا أو ارتباطًا بعقائدهم كام املسيحيني لغياب قوة سلط ٍة‬ ‫ديني ٍة يف مجتمعٍ مضا ٍّد لإلميان اليهودي ويستنكر هذه الجامعة الدينية‪.‬‬ ‫وتعذيب للمرىض‬ ‫ويف مجال الطب العقيل كانت املامرسات بنفس الدرجة من الفظاعة‪ ،‬كعزل املرىض بأماكن قذر ٍة‬ ‫ٍ‬ ‫لطرد األرواح الرشيرة من أجساده‪ ،‬وكان التعذيب يقود إىل جنونٍ أكرب بطبيعة الحال‪ ،‬ومل يكن سوى وسيل ًة للحجر‬ ‫عىل املرىض‪ ،‬وكان من ضمن املرىض من يخالف العقيدة السائدة بيش ٍء ٍ‬ ‫متلبسا برو ٍح رشير ٍة وهكذا ضمنت‬ ‫بسيط يُعترب‬ ‫ً‬ ‫املؤسسة الدينية مكانًا ألولئك األرشار الذين يخالفونها‪.‬‬ ‫ووصل األمر إىل امللك جورج الثالث الذي تلقى بعض التعذيب‪ ،‬وكان من ضمن املامرسات الالإنسانية املامرسات التي‬ ‫ميل ملامرسة‬ ‫تتعلق بالسحرة‪ ،‬وكان للنساء النصيب األكرب من هذا االعتقاد نظ ًرا لالعتقاد التعسفي بأن املرأة لديها ٌ‬ ‫السحر‪ ،‬الذي ال ميكن إثبات جنايته كحال الدين ال ميكن إثبات ادعاءاته بل يتم اثبات عكس ادعاءاته‪ .‬ويف أملانيا تم‬ ‫قتل حوايل مئة ألف امرأٍ ٍة بتهمة السحر حتى القرن التاسع عرش‪ ،‬ونظ ًرا للتطور الطبي واستبداله بالخزعبالت السابقة‬ ‫العاجزة‪ ،‬بدأ تفسخ االعتقاد بوجود يش ٍء يسمى بالسحر يف عام ‪ 1736‬وكان من أبرز من قتل هذا االعتقاد الفلسفة‬ ‫الشكوكية‪ ،‬وقاد هذا اليشء إىل إلغاء القوانني التي تختص مبعاقبة السحرة‪ ،‬العقاب الذي ال يحمل الجناية سابقًا بل‬ ‫‪33‬‬


‫برتراند راسل ‪ :‬الدين والعلم (‪)1‬‬

‫‪Noor Dawood‬‬

‫ٍ‬ ‫أشخاص متاثلوا مع هذه الحالة املرضية‪ .‬وير ّجح أن‬ ‫ذهني كام ذكرت بالسابق وعزو املصائب واملشاكل إىل‬ ‫مجرد تصو ٍر‬ ‫ٍّ‬ ‫إعدام للساحرات كان يف عام ‪ 1682‬أو يف عام ‪ ،1713‬أما يف انجلرتا فكانت آخر حوادث حرق الساحرات يف عام‬ ‫آخر ٍ‬ ‫‪, ،1722-1730‬ويف فرنسا ‪ 1718‬ويف نيو انجلند بأمريكا الشاملية كان يف أواخر القرن السابع عرش ‪ ،‬ولكن بقيت لفرت ٍة‬

‫الحق ٍة املامرسات يف األرياف النائية‪ ،‬وتسجل آخر الحوادث عام ‪ 1863‬يف اسكس –انجلرتا ‪ ،‬ويف ايرلندا عام ‪1821‬‬ ‫وكان الوصول اىل نهج طبي عن طريق الفحص والتمحيص يقدم امكانية ملعرفة الجسد ‪,‬وتم توليد علم وظائف األعضاء‬ ‫عىل يد العامل هاريف‪ ،‬ولكنه مل يواجه ما واجهه فيساليوس نظ ًرا للجو الذي ساد البالد الربوتستانتية كام ذكرنا والعوامل‬ ‫موجودة يف فصلٍ سابق‪.‬‬ ‫بعد إعدام امللك تشارلز األول بالذات حظي الطب بليربالي ٍة يف مجال البحث‪ ،‬ولكن بقيت بعض الجامعات تستبعد‬ ‫وأيضا تعليم ما يخص الدورة الدموية حتى نهاية القرن الثامن عرش‪.‬‬ ‫دراسة الترشيح مثل الجامعات اإلسبانية‪ً ،‬‬ ‫وكان من األزمات التي كلفت حياة الكثريين عىل يد رجال الدين‪ ،‬االعرتاض عىل التلقيح ضد الجدري ولكن تصدت‬ ‫وأيضا‬ ‫جامعة السوربون لذلك األمر‪ ،‬وكان ادعاؤهم املعروف أن التطعيم يناهض إرادة الله أو سلطتهم بكالم أخر‪ً ،‬‬ ‫اض عىل التخدير بالذات أثناء الوالدة ملا نصه الكتاب املقدس برضورة مكابدة األمل للحامل أثناء الوالدة‬ ‫كان هنالك اعرت ٌ‬ ‫وأيضا كان اعرت ًاضا عىل قضايا ما زالت لليوم تسبب حال ًة من الجدل كتحديد النسل واإلجهاض‪،‬‬ ‫برضب املثال عىل حواء‪ً ،‬‬ ‫قتل ومن ٌع ألروا ٍح بثها الله يف البرش‪ ،‬ويبدو الله عاج ًزا عن إنقاذها وإنقاذ نفسه‪.‬‬ ‫عىل أنه ٌ‬ ‫‪34‬‬


‫أسطورة اسمها اإلسالم‬ ‫(‪)4‬‬

‫رس الذي يكمن وراء عبد امللك بن مروان؟‬ ‫ما ال ّ‬ ‫وهل كان عبد امللك مسيح ًّيا؟ وملاذا بنى ق ّبة الصخرة‬ ‫عىل أطالل جبل الهيكل؟ وهل كانت ق ّبة الصخرة مج ّرد‬ ‫هيكلٍ ُمص ّغر؟ وهل كان األمر كلّه مج ّرد نزا ٍع سيايس عىل‬ ‫السلطة كان محوره ق ّبة الصخرة والكعبة؟‬ ‫‪35‬‬

‫عمر حسني‬


‫أسطور ٌة اسمها اإلسالم (‪)4‬‬ ‫عمر حسني‬

‫ يرى البعض أ ّن عبد امللك بن مروان قد يكون شخصية جاءت من‬‫وتول الحكم بعد أرسة معاوية‪ ،‬وإليه‬ ‫الرشق ذات أصو ٍل ساسانية ّ‬ ‫يُنسب الفضل يف تثبيت دعائم الدولة األمويّة‪ ،‬لكن مل تكن الدولة‬ ‫األموية أه ّم إنجازات عبد امللك‪ ،‬شخصية عبد امللك املتحفّزة املتوث ِّبة‬ ‫للسلطة والسيطرة وق ّوة شخص ّيته وكاريزم ّيته جعلته يلتفت إىل‬ ‫إحدى أه ّم الرضورات الالزمة لضامن وحدة الدولة إلكامل السيطرة‬ ‫يف املنطقة وكذلك ردع القوى الخارجية املجاورة له‪.‬‬ ‫ وميكن أن يكون عبد امللك نرصان ًّيا أو نسطوريًّا من بالد الفرس‬‫جاء ليحكم يف دمشق بعد أرسة معاوية‪ ،‬فاالسم ابن مروان يعني‬ ‫الرجل الذي من مرو وهي منطق ٌة فارس ّية‪ .‬لك ّن هذا األمر غري ٍ‬ ‫ثابت‬ ‫بصور ٍة قطعيّة‪ ،‬وعندما تسلّم الحكم رضب عمل ًة ونقش عليها صور ًة‬ ‫لرجلٍ وبيده سيف العدالة الناري للمسيح وكتب إىل جانب الصورة‬ ‫باآلرام ّية‪ :‬هلفت الله وهي تعني‪ :‬خليفة الله‪ ،‬كام أ ّن العملة التي‬ ‫رب‬ ‫رضبها عبد امللك ث ّبت عليها عبار ًة توحيدية ها ّم ًة مأخوذ ًة من الناموس‬ ‫ّ‬ ‫الرب إلهنا ٌّ‬ ‫اليهودي‪« :‬اسمع يا إرسائيل ّ‬ ‫واحد» وبالعربانية يهوه آخاد ‪ Yahweh Elohenu Echad Shema Yisrael‬وترجمتها كانت‪ :‬قل هو الله أحد‪ ،،‬ويف‬ ‫الحق‪.‬‬ ‫الوجه اآلخر‪ :‬ال إله إال الله وكتب حول الطوق‪ :‬مح ّم ٌد رسول الله أرسله بالهدى ودين ّ‬ ‫وربا لفت نظره ذلك التشظّي الذي أصاب دين‬ ‫ انتبه عبد امللك إىل البيئة الدينية التي كانت سائد ًة يف البالد السوريّة‪ّ ،‬‬‫سابق تناول الهرطقات‬ ‫النصارى من حيث كرثة الفئات عندهم وات ّساع الفجوات بينهم‪ ،‬كان النصارى كام ذكر يف فصلٍ ٍ‬ ‫اليهودي‪ ،‬وكانوا ميثّلون املسيحية اليهودية يف مواجهة‬ ‫التمسك برشيعة موىس والناموس‬ ‫ّ‬ ‫متمسكني أش ّد ّ‬ ‫يف القرون األوىل ّ‬ ‫املسيحية الهللينية وبالتايل املسيحية املرشقية يف مواجهة املسيحية الغربية التي متثّلها بيزنطة‪،‬‬ ‫ومع أ ّن الدولة العربية الناشئة كانت بالكاد قد خرجت من عباءة الهيمنة البيزنطية ّإل أ ّن األمر عىل ما يبدو راق لهذا‬ ‫ٍ‬ ‫واحد يكون متوافقًا مع دين موىس بح ّجة أ ّن‬ ‫الزعيم وتفتّق ذهنه عن فكرة توحيد هذه املذاهب النرصانية عىل دينٍ‬ ‫يسوع املسيح جاء ليكمل الناموس وبح ّجة أ ّن املسيحية الهللينية انحرفت عن رسالة املسيح األصلية وأ ّن الرسول بولس‬ ‫ارت ّد عن اإلميان القويم وصار من الواجب اآلن االقتداء باألمة من بني إرسائيل التي آمنت باإلنجيل‪.‬‬ ‫‪36‬‬


‫أسطور ٌة اسمها اإلسالم (‪)4‬‬ ‫عمر حسني‬

‫نص يثبت أو يشري بصور ٍة مبارش ٍة أو غري مبارش ٍة إىل أ ّن عبد امللك بن مروان طلب من اكلريوس النصارى أن يجمعوا‬ ‫ ال يوجد أي ٍّ‬‫كتاب ُمص ّح ٍف يُعتمد يف القراءات اليومية للصالة يكون مبثابة اإلنجيل النرصاين يف مواجهة‬ ‫له‬ ‫نصوصا يت ّم ترتيبها عىل شكل ٍ‬ ‫ً‬ ‫اإلنجيل اليونا ّين‪ ،‬كام ال يوجد أي إشار ٍة يف أي مرجعٍ كان أ ّن مثل هذا الكتاب اكتمل يف عهد عبد امللك أو أنّه اتّخذ شكال نهائيًّا‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫نصوص رسيانية كانت تُستخدم يف الطقوس الليتورجية اليومية واألسبوع ّية‪ ،‬وكان‬ ‫عىل ما يبدو ت ّم جمع القراءات من‬ ‫الغرض من هذه الكتابات أن تكون ُمف ّند ًة للعقيدة املسيحية الهللينية يف املسيح وناقد ًة لقانون اإلميان الذي أقّره ُمج ّمع‬ ‫نيقية وكذلك ُمثبت ًة ومؤكّد ًة للعقيدة املوسوية يف التوحيد والرشيعة‪ ،‬وكام كان االمرباطور يف الغرب راعي الكنيسة‬

‫والتمسك بأن تكون هذه النرصانية‬ ‫الغربية صار عبد امللك رئيس الكنيسة الرشقية النرصانية‪ ،‬وكان شديد االهتامم‬ ‫ّ‬ ‫متوافق ًة إىل ح ّد التسليم مع الرشيعة املوسوية من حيث التوحيد الخالص وااللتزام بطقوس تلك الرشيعة من ختانٍ‬ ‫الرب يف بيت املقدس‪ ،‬لك ّن الهيكل كان ُمد َّمرا ومج ّرد‬ ‫ووضو ٍء وصال ٍة‬ ‫ٍ‬ ‫وصوم وزكاة‪ .‬وجعلت قبلة الصالة نحو هيكل ّ‬ ‫هيكل ُمص ّغ ًرا ُعرف باسم مسجد قبّة الصخرة جعله مرك ًزا و ِقبل ًة ومل يجعل فيه‬ ‫أطال ٍل فام كان من عبد امللك ّإل أن بنى ً‬ ‫واستغل جدران مسجد ق ّبة‬ ‫ّ‬ ‫محرابًا وجعل الصخرة التي قيل أ ّن يسوع ُجلد عليها أو صعد منها إىل السامء يف داخل الق ّبة‪،‬‬ ‫الصخرة الداخلية وكذلك الخارجية لوضع ٍ‬ ‫آيات من الكتاب الجديد تناوىء اإلميان النيقاوي وتش ّدد عىل إميان النصارى‬ ‫فيام يتعلّق بشخصية املسيح البرش اإلنسان النبي الذي رفعه الله إليه‪.‬‬ ‫الرب يف أورشليم‪ ،‬وأراد النصارى أن يتّجهوا يف قبلة صالتهم إىل املكان ذاته‪،‬‬ ‫ كان اليهود يتّجهون يف صالتهم نحو هيكل ّ‬‫حج‪،‬‬ ‫وملّا كان الهيكل ُمد َّم ًرا وخرابًا قام عبد امللك بإعادة بنائه وابتدأ مبسجد ق ّبة الصخرة وجعلها قبلة صال ٍة وكعبة ّ‬ ‫نصوصا تتح ّدى عقيدة‬ ‫واستغل عبد امللك ج ّو االنفتاح الديني الذي كان سائ ًدا فنقش عىل جدران الق ّبة من الداخل‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫والتجسد والصلب والخالص‪.‬‬ ‫نيقية وتعلن عقيدة النصارى يف برشية يسوع وإنكار التثليث والفداء‬ ‫ّ‬ ‫بكل بساط ٍة أل ّن مكة مل‬ ‫ ملاذا بنى عبد امللك بن مروان مسجد قبّة الصخرة وجعلها قبل ًة للصالة ومل يتّخذ مكة كذلك؟ ّ‬‫ربا كانت مدين ًة قامئ ًة وفيها كعب ٌة ويطوف حولها‬ ‫تكن شيئًا ًّ‬ ‫مهم يف ذلك الوقت كام أ ّن سلطانه مل يكن ممت ًّدا إىل هناك‪ّ ،‬‬ ‫‪37‬‬


‫أسطور ٌة اسمها اإلسالم (‪)4‬‬ ‫عمر حسني‬

‫وربا كان يف مكة نصارى انترشت عندهم العقيدة الجديدة والكتاب الجديد‪ ،‬ولكن نهض يف مكة‬ ‫الناس للت ّربك والصالة‪ّ ،‬‬ ‫حج يطوف حولها املؤمنون‪ ،‬فام كان‬ ‫زعي ٌم يناوىء عبد امللك وي ّدعي املُلك وحامية الدين‪ ،‬وجعل من كعبة مكة قبلة ٍّ‬ ‫من عبد امللك ّإل أن بنى مسجد ق ّبة الصخرة وجعله كعب ًة للطواف من الداخل والخارج وقبل ًة للصالة‪.‬‬ ‫بدل من‬ ‫ استفرد زعيم مكة بالسلطة فيها وجعل كعبتها قبل ًة ونازع عبد امللك‪ ،‬وكأنّه أراد أن تكون الزعامة للحجاز ً‬‫الشام‪ ،‬فأهل الحجاز الذين عملوا يف جيوش بيزنطة ومن بعدهم يف جيوش الدولة الناشئة ومن ث ّم عادوا إىل موطنهم‬ ‫أرادوا أن يكون لهم رشف القيادة والزعامة‪ ،‬وصفت بعض املراجع زعيم مكة الذي ُعرف باسم عبد الله بن الزبري بأنّه‬ ‫طموح شخيص ورصا ٌع قبيل التقتا يف نفسه وشخص ّيته‪،‬‬ ‫كان مزي ًجا عجي ًبا من عد ٍد من العنارص يح ّركها‬ ‫ٌ‬

‫وقد ج ّرد عبد امللك حمل ًة عسكرية قاسي ًة ض ّد ابن الزبري ود ّمر كعبة مكة وأسقط مترد ابن الزبري‪ ،‬وليك يرصف عبد امللك‬ ‫بن مروان أذهان الناس عن كعبة مكة أثناء قتاله ابن الزبري بنى مسجد ق ّبة الصخرة‪ ،‬وجعل مثّة قداس ًة كربى لبيت‬ ‫املقدس مع أنّها مل تكن تحظى بأي قداس ٍة أو مج ّرد أي اهتامم‪ ،‬ومع اكتامل بناء مسجد قبّة الصخرة كان اإلسالم الذي‬ ‫مستقل ولكن كمحاول ٍة لبلورة النرصانية السائدة وإحياء ملّة إبراهيم‪.‬‬ ‫ٍّ‬ ‫نسق جهوده عبد امللك قد تبلور ولكن ليس كدينٍ‬ ‫ّ‬ ‫اب يتو ّجه نحو كعبة مكة ألنّه هو‬ ‫لقد جعل مسجد ق ّبة الصخرة مسج ًدا بثامنية أضال ٍع وق ّب ًة عريض ًة بدون أي محر ٍ‬ ‫بدل عن كعبة ابن الزبري‪ ،‬وكان يف‬ ‫الكعبة التي كانت قبل ًة للصالة‪ ،‬كام كانت وفق طريقة البناء هدفًا للطواف حولها ً‬ ‫املبنى اثنا عرش عامو ًدا تشري إىل أسباط بني إرسائيل‪ ،‬أ ّما الصخرة فهي التي صعد منها يسوع إىل السامء وقيل كذلك أنّها‬ ‫الرب وفق ما يذكر العهد القديم‪.‬‬ ‫الصخرة التي صارع فيها‬ ‫يعقوب ّ‬ ‫ٌ‬ ‫‪38‬‬


‫أسطور ٌة اسمها اإلسالم (‪)4‬‬ ‫عمر حسني‬

‫ملاذا بُنيت ق ّبة الصخرة عىل منط كنيس ٍة بيزنط ّية؟‬ ‫وملاذا تحتوي عىل ٍ‬ ‫آيات من سورة مريم وتتح ّدث‬ ‫كل النقوش بداخلها‬ ‫عن برشية يسوع الرسول؟ وملاذا ّ‬ ‫املسيحي؟‬ ‫تأخذ الطابع‬ ‫ّ‬ ‫ بُنيت ق ّبة الصخرة عىل منط كنيس ٍة بيزنطية لتكون‬‫مهوى أفئدة النصارى ومضاها ًة لكنيسة القيامة‪ ،‬ومل‬ ‫بقصة اإلرساء واملعراج ّإل يف القرن‬ ‫ترتبط ق ّبة الصخرة ّ‬ ‫قصة اإلرساء يف املوروث‬ ‫الثامن امليالدي عندما ظهرت ّ‬ ‫اإلسالمي‪ ،‬أما يف زمن عبد امللك وبداية اإلسالم فقد‬ ‫كانت تحتوي ٍ‬ ‫آيات ال عالقة لها باإلرساء واملعراج‪،‬‬ ‫واآليات املنقوشة اآلن أُضيفت يف أيّام السلطان‬ ‫العثامين عبد الحميد عام ‪ 1876‬وليست هي آيات‬ ‫النقش األصل ّية‪.‬‬ ‫ مع بناء مسجد ق ّبة الصخرة يف القدس التي قصد منها أن تكون قبلة النصارى يف مواجهة كنيسة القيامة قبلة املسيحية‬‫تتغي وبدأت النرصانية العربية تأخذ شكلها وصورتها‪ ،‬وإن مل يكن يُقصد منها‬ ‫الهللينية األرثودوكسية بدأت األوضاع ّ‬ ‫ربا مل يقصدها عبد امللك وال‬ ‫ًّ‬ ‫أن تكون دي ًنا‬ ‫مستقل ّإل أنّها سارت يف هذا االتّجاه مبوجب تصاعد األحداث بصور ٍة ّ‬ ‫خلفاؤه من بعده لك ّنها هكذا حدثت‪ ،‬فإن كانت كنيسة القيامة للمسيح ّيني الهللين ّيني فإ ّن ق ّبة الصخرة للعرب النصارى‬ ‫املته ّودين بزعامة عبد امللك بن مروان‪ ،‬وبنى مسجد قبّة الصخرة عىل جبل الهيكل حيث كان هيكل اليهود الذي د ّمره‬ ‫املسيحيي‪ ،‬وفرض عىل أتباع العقيدة‬ ‫الرومان‪ ،‬والقصد كان رغبة عبد امللك إلثبات تف ّوق عقيدته عىل اليهود وعىل‬ ‫ّ‬ ‫ست عرشة سن ًة كام يذكر املوروث اإلسالمي وقبل تحويل‬ ‫التو ّجه يف صالتهم نحو بيت املقدس‪ ،‬وقد ظلّوا عىل ذلك ّ‬ ‫القبلة نحو مكة بعد السيطرة عليها وإعادة بناء الكعبة التي د ّمرها الح ّجاج أثناء الحرب مع ابن الزبري‪.‬‬ ‫ فاآليات التي نُقشت يف األصل قُصد منها مجادلة املسيحية الهللينية من حيث طبيعة السيّد املسيح وإنكار ألوهيّته‬‫وبُن ّوته لله وإقناع الناس بعقيدة النصارى يف برشية يسوع‪ ،‬تحمل تلك اآليات شهادة التوحيد ولكن ٍ‬ ‫بقصد مختلف‪ .‬فمن‬ ‫لنص رسياين كان معروفًا يف األصل عند نصارى الشام تبدو وكأنّها شهادة التوحيد اإلسالمية الحال ّية‪،‬‬ ‫حيث هي ترجم ٌة ٍّ‬ ‫النص بتم ّعنٍ تعطي مع ًنى مختلفًا‪ ،‬فاآليات صارت من سورة مريم وتتح ّدث عن برشية يسوع املسيح‬ ‫لك ّن مراجعة ّ‬ ‫مريم رسول الله وعبده وليس ابنه عىل أي حال‪ ،‬ما نُقش عىل جدران ق ّبة الصخرة يف عرص عبد‬ ‫معلن ًة أ ّن عيىس ابن ٍ‬ ‫‪39‬‬


‫أسطور ٌة اسمها اإلسالم (‪)4‬‬ ‫عمر حسني‬

‫صحيح‬ ‫امللك يؤكّد عىل فصل النرصانية نهائ ًّيا عن بيزنطة ويرسم الحدود الجديدة بينها وبني باقي األديان اإلبراهيم ّية‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫أ ّن النرصانية هي املسيحية اليهودية املسلمة لرشيعة موىس وناموس اليهود لك ّنها مختلف ٌة من حيث إميانها باملسيح‬ ‫البرشي‪.‬‬ ‫النبي‬ ‫ّ‬ ‫التجسد والفداء والخالص ويعرض مبا يس ّميه الغل ّو‬ ‫النص املنقوش عىل جدران الق ّبة من الداخل عقائد‬ ‫ وينكر ّ‬‫ّ‬ ‫املسيحي يف تأليه يسوع وهذا بس ٌط لعقيدة النصارى يف املسيح‪ ،‬ويرى كريستوف لوكسنربغ صاحب كتاب‬ ‫نص نرصاين بامتيا ٍز يتح ّدث عن يسوع وكلمة مح ّمد ليست‬ ‫«قراء ٌة رسيانية للقرآن» أ ّن نقش ق ّبة الصخرة ٌّ‬ ‫اسم علم هنا لكنها تعني تحميد ومتجيد عبد الله ورسوله عيىس‪ ،‬فالنصارى يف الشام كانوا يرون يسوع مج ّرد‬ ‫ٍ‬ ‫أيضا‪ ،‬لك ّن نرصانية الشام كانت تنأى عن التأليه‬ ‫وعبد لله ورسو ٍل له مع أنّه كلم ٌة الله‬ ‫خادم‬ ‫وروح منه ً‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫وخاص ًة بعد مج ّمع نيقية عىل تأليه يسوع وجعله اب ًنا لله ومساويًا له‪.‬‬ ‫والغل ّو وتلوم املسيحية الهللينية‬ ‫ّ‬ ‫النص نُقش‬ ‫يورد لوكسنربغ ً‬ ‫النص الذي نقشه عبد امللك عىل جدران مسجد الق ّبة‪ ،‬طب ًعا هذا ّ‬ ‫نقل عن غرابر تفاصيل ّ‬ ‫بالرتجمة العربية املُنقّطة وليس باألصل الرسياين الذي كُتب فيه لو كان مكتوبًا عىل شكل ٍ‬ ‫آيات يف القراءات املُج ّمعة‪.‬‬ ‫تبدو آيات قبّة الصخرة التي وضعها عبد امللك بن مروان التح ّدي النرصاين للمسيحية الهللينيّة‪ ،‬مؤكّ ًدا يف هذه اآليات عىل إنسانية‬ ‫زعيم ديني ُمو ّجه ًة‬ ‫يسوع وبُن ّوته عىل الطريقة اإلبراهيمية واصفًا إيّاه بالرسول والعبد‪ ،‬وتبدو من ناحي ٍة ثاني ٍة وكأنّها بيا ٌن من ٍ‬ ‫النص القرآين كام هو معروف‪.‬‬ ‫إىل أتباع دينٍ أخر يجادلهم يف عقيدتهم ويطالبهم اإلميان مبا يؤمن به‪ ،‬وقد أُضيفت فيام بعد إىل ّ‬ ‫النص بالبسملة التي كانت معروف ًة عند الرسيان ‪:‬‬ ‫يبدأ ّ‬ ‫«بشم ألوهو رحامنو رحيمو»‪.‬‬ ‫وهي هكذا باللغة العربيّة‪:‬‬ ‫كل يش ٍء‬ ‫‪1‬ـ بسم الله الرحمن الرحيم‪/‬ال إله إال الله وحده ال رشيك له‪ /‬له امللك وله الحمد‪ /‬يحيي ومييت وهو عىل ّ‬ ‫قدير‪ /‬هذا املقطع يتطابق مع القرآن آية ‪ 2‬سورة الحديد‪.‬‬ ‫‪/‬صل‬ ‫تسليم ّ‬ ‫النبي‪/‬يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا‬ ‫ً‬ ‫‪2‬ـ مح ّم ٌد عبد الله ورسوله‪ /‬إ ّن الله ومالئكته يصلّون عىل ّ‬ ‫الله عليه والسالم عليه ورحمة الله‪ /‬جز ٌء من املقطع يعود للقرآن (األحزاب آية ‪)56‬‬ ‫الحق‪ /‬إنّ ا املسيح عيىس ابن مريم رسول الله وكلمته‬ ‫‪3‬ـ يا أهل الكتاب ال تغلوا يف دينكم وال تقولوا عىل الله ّإل ّ‬ ‫وروح منه‪/‬فآمنوا بالله ورسوله وال تقولوا ثالثة‪ /‬انتهوا خ ًريا لكم‪ /‬إنّ ا الله إل ٌه واحد‪/‬سبحانه‪/‬أن يكون‬ ‫ألقاها إىل مريم ٌ‬ ‫له ولد‪/‬له ما يف الساموات وما يف األرض‪/‬وكفى بالله شهي ًدا (النساء آية‪)171‬‬

‫‪40‬‬


‫أسطور ٌة اسمها اإلسالم (‪)4‬‬ ‫عمر حسني‬

‫‪4‬ـ لن يستنكف املسيح أن يكون عبد الله وال املالئكة املق ّربون‪/‬ومن يستنكف من عبادته ويستكرب فسيحرشكم إليه‬ ‫جمي ًعا‪( /‬النساء آية ‪)172‬‬ ‫صل عىل رسولك وعبدك عيىس ابن مريم‪ /‬والسالم عليه يوم ولد ويوم ميوت ويوم يُبعث ح ًّيا‪ /‬ذلك عيىس‬ ‫‪5‬ـ اللهم ِّ‬ ‫رب‬ ‫ابن ٍ‬ ‫مريم قول ّ‬ ‫الحق الذي فيه مترتون‪/‬ما كان لله أن يتّخذ من ولد‪/‬إذا قىض أم ًرا يقول له كن فيكون‪/‬إ ّن الله ّ‬ ‫وربّكم فاعبدوه‪/‬هذا رصا ٌط مستقيم (مريم آية ‪33‬ـ ‪)36‬‬ ‫قل هو الله أحد‪ ،‬الله الصمد‪ ،‬مل يلد ومل يولد ومل يكن له كف ًوا أحد‪،‬‬ ‫نصوصا إضافية من مثل‪ْ :‬‬ ‫ومثة مصاد ٌر أخرى تورد‬ ‫ً‬ ‫تسليم‪،‬‬ ‫النبي‪ ،‬يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا‬ ‫مح ّم ٌد رسول الله ّ‬ ‫ً‬ ‫صل الله عليه‪ ،‬إ ّن الله ومالئكته يصلون عىل ّ‬ ‫رشيك يف امللك ومل يكن له ويل من ّ‬ ‫الحمد لله الذي مل يتّخذ ول ًدا ومل يكن له ٌ‬ ‫وكبه تكب ًريا‪.‬‬ ‫الذل ّ‬ ‫هل انفصل عبد امللك بن مروان باإلسالم وجعله عقيد ًة بذاتها‬ ‫انتقا ًما من الدولة البيزنطية بعد هزامئه املتتالية أمامها؟ وملاذا مل‬ ‫يبدأ الحديث عن نبي اإلسالم وديانته ّإل مع بدايات القرن الثامن‬ ‫بطل أسطوريًّا لرتسيخ دولتهم؟‬ ‫امليالدي؟ هل احتاج األمويّون ً‬ ‫ّ‬ ‫ التساؤل الكبري يربز هنا عن سبب كراهية نصارى الشام‬‫للمسيحية الهللين ّية‪ ،‬فالبيزنط ّيون الذين انسحبوا من البالد‬ ‫ومنحوا أرسة معاوية فرصة الحكم يُفرتض أن يكونوا حلفاء‬ ‫لهذه األرسة‪ ،‬والتحالف السيايس قد يستتبع تحالفًا ثقافيًّا‬ ‫ودين ًّيا‪ ،‬ولكن يبدو أ ّن االستقالل العريب مل يكن بكامل‬ ‫إرادة البيزنط ّيني إنّ ا كان قبولهم به قبول األمر الواقع‪.‬‬ ‫فالتاريخ يخربنا أ ّن معاوية الذي دفع الجزية للبيزنط ّيني يف فرت ٍة‬ ‫ما‪ ،‬عاد وحاربهم يف الثغور وكذلك فعل عبد امللك‪ ،‬ومبا أنّه كان‬ ‫متسلّ ًحا بعقيد ٍة منترش ٍة وسائد ٍة ولها مؤيّدوها وأنصارها يف البالد تج ّرأ وواجه العقيدة املسيحية التأليهية التي تب ّناها‬ ‫كتاب وقياد ٌة مل تأبه بها الدولة البيزنطية‪،‬‬ ‫مج ّمع نيقية‪ ،‬وعندما مل تكن عقيدة أهل الشام واضح ًة وسائد ًة وليس لها ٌ‬ ‫ولكن بعد تجميع النصوص الكتابية يف مصحف قر ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫بتحريض من‬ ‫اءات عىل املذهب النرصاين بدأت مخاوف بيزنطة ورمبا‬ ‫املسيحيّني يف القدس‪ ،‬فكان تح ّدي عبد امللك ببناء قبّة الصخرة وإثبات إنسانية يسوع وبرشيّته عرب بيانٍ أُضيف فيام‬ ‫بعد إىل مصحف النصارى عىل شكل ٍ‬ ‫آيات يف سو ٍر متناثر ٍة عرب الكتاب‪.‬‬ ‫‪41‬‬


‫أسطور ٌة اسمها اإلسالم (‪)4‬‬ ‫عمر حسني‬

‫ربا كان ناب ًعا من هزامئهم املتك ّررة أمام ق ّوات بيزنطة‪،‬‬ ‫ اشتداد كراهية عبد امللك ورعاياه للدولة البيزنطية وعقيدتها ّ‬‫فكان االنتقام عرب الفصل النهايئ مع عقيدة بيزنطة وإثبات انتساب العقيدة النرصانية املسلمة للرشيعة املوسوية‬ ‫والناموس التورايت عىل ملّة إبراهيم‪ ،‬من هنا نفهم عبارة عبد امللك عىل جدران قبّة الصخرة‪ :‬إ ّن الدين عند الله اإلسالم‬ ‫قاص ًدا مخاطبة بيزنطة بأ ّن دينه هو الصحيح ألنه يتطابق مع اليهودية والعهد القديم بينام دين بيزنطة يناهض اليهوديّة‪.‬‬ ‫بعد القرن السابع وعند بداية الثامن احتاج القادة السياس ّيون الذين أقاموا الدولة إىل عقيد ٍة دينية لتوحيد اإلمرباطورية‬ ‫الجديدة‪ ،‬فبدأ األمويّون الذين ّأسسوا تلك الدولة يتح ّدثون أكرث عن اإلسالم ونبي اإلسالم وكتاب اإلسالم‪ ،‬كانت اإلمرباطورية‬ ‫األموية بحاج ٍة إىل بطلٍ أسطوري تقيم الدولة عليه‪ ،‬وملنافسة ديانة الروم والفرس احتاج األمويّون إىل اإلسالم الذي‬ ‫سيضمن لهم والء الشعوب‪ ،‬وتق ّدم األيدولوجية السياسية أفضل تفسريٍ الختالق الدين‪ ،‬فاإلمرباطورية العربية احتاجت‬ ‫مساحات واسع ٍة ض ّمتها إليها فكانت املظلّة الدينية التي تب ّنتها هي األداة التي ت ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ُخضع لهم‬ ‫ذلك لضامن السيطرة عىل‬ ‫الشعوب وتو ّحدها يف ديان ٍة تجمع ما بني اليهودية واملسيحية ولكن ببساط ٍة شديد ٍة ال ترهقهم ال فكريًّا وال ماديًّا‪.‬‬ ‫مستقل‪ -‬مرتبطًا باإلبراهيمية باليهودية بصور ٍة أو‬ ‫ٌّ‬ ‫ظل الدين الجديد ‪-‬وإن مل يُعرف أنّه دي ٌن‬ ‫ طوال عهد األمويّني ّ‬‫بأخرى إىل أن وقع االنفصال التا ّم بعد انهيار الدولة األموية وقيام الدولة العباسية يف منتصف القرن الثامن وقيام اإلسالم‬ ‫الرسمي‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫هل كانت مكة مرك ًزا دين ًّيا للنرصانية اإلبراهيمية يف ذلك الوقت؟ وملاذا أرسل عبد امللك بن مروان الح ّجاج لرضب‬ ‫الكعبة باملنجنيق؟ هل ح ّول عبد امللك بن مروان القبلة من القدس إىل الكعبة تفاديًا للتقسيم ولكسب و ّد ووالء أهل‬ ‫تول عبد امللك الحكم؟ وهل كان هناك مكة من األساس؟‬ ‫الحجاز؟ وملاذا ال يوجد أث ٌر أركيولوجي واح ٌد عن مكة قبل ّ‬ ‫ كانت ق ّبة الصخرة التي بُنيت عىل جبل الهيكل قبلة الصالة للنصارى‪ ،‬وكانت الدولة األموية محدود ًة يف بالد الشام‪،‬‬‫التوسع نحو الحجاز قد اصطُدمت بثورة ابن الزبري الذي كان يتبع النرصانية عىل ملّة‬ ‫وكانت محاوالت عبد امللك يف ّ‬ ‫يحج إليها الناس للت ّربك والصالة‪.‬‬ ‫إبراهيم ً‬ ‫أيضا ويريد أن يكون مركزها مكة وجعل فيها كعب ًة ّ‬ ‫ يف الوقت الذي جعل فيه ابن الزبري مكة مرك ًزا دينيًّا وبنى كعبتها كان عبد امللك يبني قبّة الصخرة يف القدس‪،‬‬‫وحيث مل يعجبه تف ّرد ابن الزبري يف مكة فقد أرسل إليه أحد أش ّد قادته قسوة‪ :‬الح ّجاج بن يوسف‪ ،‬وصل‬ ‫الح ّجاج مكة وحارصها وقصف الكعبة باملنجنيق ود ّمرها وقتل ابن الزبري أش ّد قتلة‪ ،‬تقول لنا الروايات التي‬ ‫كُتبت فيام بعد أنّه بعد أن قتله قطع رأسه وأرسله إىل عبد امللك وعلّق جثّته مصلوب ًة أيّا ًما ع ّدة إىل أن تشفّع‬ ‫له عبد الله بن عمر عىل ما تقول الروايات إذ قال للح ّجاج‪ :‬أما آن لهذا الفارس أن يرت ّجل؟ فأنزله وت ّم دفنه‪.‬‬ ‫أحق بزعامة النصارى؟ يف الواقع إ ّن هذا االسم قد ال يكون حقيقيًّا‪ ،‬ولك ّن الحقيقي أ ّن‬ ‫ملاذا كان ابن الزبري يرى نفسه ّ‬ ‫‪42‬‬


‫أسطور ٌة اسمها اإلسالم (‪)4‬‬ ‫عمر حسني‬

‫زعيم من زعامء الحجاز ات ّخذ مكة مرك ًزا ونازع األمويّني السلطة الدينية والسياس ّية‪ ،‬وبعد أن فرض الح ّجاج سيطرة عبد‬ ‫ً‬ ‫كل أعوان ابن الزبري قام اكلريوس عبد امللك مبراجعة ما كان ينادي‬ ‫امللك عىل مكة وعربها عىل الحجاز كلّه‪ ،‬وتخلّص من ّ‬ ‫يبش به بني الناس فتب ّناه عبد امللك وض ّمه إىل كتابه‬ ‫به ابن الزبري ويعلنه للناس‪ ،‬لقد كان لدى ابن الزبري كتابه الذي ّ‬ ‫الذي جمعه يف الشام‪ ،‬وبحكمته وحنكته ومبكر الح ّجاج ودهائه تم تحويل قبلة الصالة من قبّة القدس إىل كعبة مكة‬ ‫بأمس الحاجة إىل‬ ‫حتى ال تكون كعبة ابن الزبري هدفًا يقسم املؤمنني وليك يكسب قلوب وعقول أهل الحجاز الذي كان ّ‬ ‫سيوفهم يف تعضيد ُملكه وفرض سطوته عىل ما جاوره من بلدانٍ وشعوب‪.‬‬ ‫ وبحسب املرويّات اإلسالمية كانت مكة مهد اإلسالم‪ ،‬ولك ّن الغريب أنّها مل تُذكر بهذا اإلسم وال بهذه الصفة طوال الفرتة‬‫السابقة عىل انتصار عبد امللك عىل ابن الزبري وض ّم الحجاز إىل مملكة األمويّني‪ ،‬كام أ ّن اسم مكة مل يذكر يف املصادر غري‬ ‫قصة مكة‬ ‫اإلسالمية املعارصة للفرتة التي يُقال أ ّن اإلسالم الرسمي ظهر فيها‪ ،‬وتقول بعض املراجع الحديثة التي بحثت يف ّ‬ ‫أنها ليست كام ذكرت املرويّات اإلسالمية املتأ ّخرة‪ .‬فهي ال تقع عىل طريق التجارة بني اليمن والشام بل كانت القوافل‬ ‫مت ّر عىل بُعد مئة ميلٍ منها‪ .‬ولو كان هناك مدين ٌة عامر ٌة يف مكة وذات تجار ٍة واسع ٍة ورجال أعام ٍل كبار فمن املفرتض أن‬ ‫سجلت عمالئهم الذين كانوا يز ّودونهم بالبضائع والسلع‪.‬‬ ‫يكون لها ِذك ٌر يف ّ‬ ‫ وإذ تتح ّدث املصادر اإلسالمية عن تجارة قريش مع الروم فإ ّن املصادر البيزنطية ال تذكر شيئًا عن أي تجار ٍة مع عرب‬‫ٍ‬ ‫بحوث مضني ٍة خرجت الباحثة األوروبية باتريشيا كرونة بنتيج ٍة خطرية‪ :‬إ ّن «مح ّمد» لو كان حقيق ًّيا فإنّه‬ ‫الحجاز‪ ،‬وبعد‬ ‫مل يظهر يف مكة بل يف مكانٍ ما يف شاميل غريب الحجاز أقرب ما تكون إىل بالد الشام‪ ،‬وهي تشري أحيانًا إىل منطق ٍة ما‬ ‫بجنويب األردن‪ ،‬من الغريب أن يبقى العرب ألكرث من مئة سن ٍة بعد التاريخ املفرتض لظهور اإلسالم ال يعرفون مكّة‪ ،‬ال‬ ‫يوجد أي أث ٍر أركيولوجي يربهن عىل وجود مكة قبل فرتة عبد امللك بن مروان وال يوجد أي أث ٍر ّ‬ ‫يدل عىل أنّها كانت مم ًّرا‬ ‫وربا من هذا الباب‬ ‫تجاريًّا ًّ‬ ‫مهم ورئيس ًّيا بني الجنوب والشامل‪ ،‬وهي إن ُوجدت فلم تكن مدين ًة يسهل الوصول إليها ّ‬ ‫ات ّخذها ابن الزبري «أو زعيم نصارى الحجاز» ملجأً وحص ًنا يناوىء منها سلطة عبد امللك‪.‬‬ ‫ الرواية اإلسالمية تقول أ ّن مكة كانت منذ أيّام إبراهيم وإ ّن إبراهيم وابنه إسامعيل هام اللذان قاما ببناء الكعبة‪،‬‬‫لكن التاريخ ال يذكر شيئًا عن مكة حتى القرن الرابع للميالد‪ ،‬وبعد ذلك ليس هناك أي إشار ٍة يف أي مصد ٍر غري إسالمي‬ ‫إىل هذه املدينة إىل أن ذُكرت يف املرويّات اإلسالمية عىل أنّها مرك ٌز تجاري مه ٌّم ومهد الدين الجديد‪ ،‬كام أنّه ال يوجد‬ ‫أي دليلٍ عىل أ ّن مدينة مكة كانت موجود ًة يف زمن مح ّم ٍد املفرتض‪ ،‬وبحسب الباحث سليامن بشري هناك من الحقائق‬ ‫واألدلّة التاريخية ما ين ّبه إىل أ ّن دخول مكة اإلسالم وتح ّولها إىل أه ّم مرك ٍز لشعائره وإىل عاصمته الدينية عىل اإلطالق‬ ‫وربا كان ذلك بواسطة االحتالل العسكري األموي املبارش‬ ‫مل يت ّم يف الواقع ّإل يف الربع األخري من القرن الهجري األ ّول ّ‬ ‫زمن عبد امللك بن مروان‪.‬‬ ‫‪43‬‬


‫أسطور ٌة اسمها اإلسالم (‪)4‬‬ ‫عمر حسني‬

‫ يف ٍ‬‫بحث طويلٍ‬ ‫ودقيق يستغرب الدكتور رأفت عامري أ ّن مدين ًة قدمي ًة دينية تُع ّد مركز التوحيد بحسب اإلسالم ال ينتبه‬ ‫ٍ‬ ‫خصوصا يف ضوء اال ّدعاء بوجود ٍ‬ ‫كل‬ ‫معبد كبريٍ فيها هو الكعبة‪ ،‬مع أ ّن اليونان أحصوا ّ‬ ‫إليها أح ٌد يف القرنني الثالث والرابع‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫معبد عىل وجه األرض لك ّن مكة مل ت ُذكر ومل يُعرف يش ٌء عن الكعبة‪ ،‬ولو كان اال ّدعاء اإلسالمي بأ ّن مكة كمرك ٍز لديانة‬ ‫ٍ‬ ‫وخصوصا يف اليمن‪ ،‬كام أنّها‬ ‫حينئذ ستلفت نظر العابدين من القبائل العربية‬ ‫التوحيد موجود ٌة منذ أيّام إبراهيم فإنّها‬ ‫ً‬ ‫ستكون مح ّط اهتامم بعثات اإلسكندر‪ ،‬ومل تكن أي مدين ٍة أخرى أكرث أهمية منها ليح ّدثوا عنها زعيمهم الذي ُعرف‬ ‫عنه اهتاممه الشخيص باألديان وبتاريخ الشعوب‪ ،‬كام أنّه من املُستغرب أ ّن اسم مكة مفقو ٌد من عىل الخرائط القدمية‪،‬‬ ‫كل مدين ٍة وقري ٍة وناحي ٍة ولك ّنها بالتأكيد تذكر وتشري إىل األماكن امله ّمة املشهورة‪ ،‬من العجب‬ ‫تبي ّ‬ ‫ٌ‬ ‫صحيح أ ّن الخرائط ال ّ‬ ‫أنّه ليس من خريط ٍة واحد ٍة قبل عام ‪ 900‬للميالد ذكرت اسم مكّة‪.‬‬ ‫ تقول باتريشيا كرونة يف كتابها «تجارة مكة وظهور اإلسالم»‪ :‬إ ّن مكة كانت بقع ًة جرداء واألماكن الجرداء القاحلة‬‫ٍ‬ ‫ملحيط‬ ‫من الطبيعي ّأل تكون محطّ ًة تجارية مريحة‪ ،‬وإن وجدت مثل هذه املحطات فقد تتوفّر عىل مساف ٍة مجاور ٍة‬ ‫طريق شديد اإلنحدار إىل مكانٍ قاحلٍ مثل مكة بينام بإمكانهم التوقّف يف منطقة الطائف‬ ‫أخرض‪ ،‬فلامذا تنزل القوافل يف‬ ‫ٍ‬ ‫الخرضاء الغ ّناء؟!‬ ‫جانب من جوانب البحث العجيب يف سرية مكّة‪ ،‬ولكن مثّة حقائق أخرى أكرث غرابة‪ ،‬إ ّن مكة بهذا االسم قد تكون‬ ‫ هذا ٌ‬‫فعل مدين ًة تجارية ها ّم ًة ولك ّنها ليست يف املوقع الذي هي فيه اآلن‪ ،‬فاملوروث يقول أ ّن مكة تقع يف وادي غري ذي زر ٍع‬ ‫ً‬ ‫وأ ّن بالقرب منها مثّة مج ًرى مايئ صغري‪ ،‬لك ّن هذا ليس حال مكة املعروفة اليوم‪ ،‬هذا الوصف ينطبق عىل مكانٍ آخر‬ ‫قريب من مدينة البرتا يف جنويب األردن‪ ،‬يشري‬ ‫ٍ‬ ‫أحد الباحثني إىل أ ّن الكعبة التي د ّمرها الح ّجاج‬ ‫قد ال تكون يف مكّة‪ ،‬بل يف منطقة البرتا‪ ،‬فهناك‬ ‫وجدوا حجارة املنجنيق ومل يجدوا أي حجارة‬ ‫منجنيق يف مكّة‪ ،‬ولكن مهام يكن من أمر مكة‬ ‫ٍ‬ ‫وسواء كانت الكعبة فيها أم يف البرتا فإ ّن عبد‬ ‫امللك بحسب املرويّات اإلسالمية قام ببناء ق ّبة‬ ‫الصخرة لتكون كعب ًة وقبل ًة ومحـ ًّجا للمؤمنني‬ ‫بكتاب جديد‪.‬‬ ‫الذين جمع شملهم‬ ‫ٍ‬ ‫الحج إىل‬ ‫ملاذا منع عبد امللك أهل الشام من ّ‬ ‫مكّة؟ وكيف تغلّب عىل هذا األمر بحديث‬ ‫‪44‬‬


‫أسطور ٌة اسمها اإلسالم (‪)4‬‬ ‫عمر حسني‬

‫الثالثة مساجد؟ ملاذا تتّجه قبلة املساجد التي بُنيت قبل القرن الثامن إىل ناحية الشامل وليس إىل مكّة؟ وملاذا تتّجه‬ ‫رس البرتاء؟‬ ‫قبلة البعض اآلخر إىل الجنوب والغرب والرشق؟ وما هو ّ‬ ‫فلم رأى عبد امللك‬ ‫الحج وذلك أ ّن ابن الزبري كان يأخذهم بالبيعة ّ‬ ‫ يقول اليعقو ّيب‪ :‬ومنع عبد امللك أهل الشام من ّ‬‫فضج الناس فقال لهم‪ :‬هذا ابن شهاب الزهري يحدث ّكم أ ّن رسول الله قال ال تش ّد‬ ‫ذلك منعهم من الخروج إىل مكة ّ‬ ‫الرحال ّإل إىل ثالثة مساجد‪ ،‬املسجد الحرام ومسجدي ومسجد بيت املقدس وهو يقوم لكم مقام املسجد الحرام‪،‬‬ ‫وهذه هي الصخرة التي يُروى أ ّن رسول الله صعد منها إىل السامء تقوم لكم مقام الكعبة‪ ،‬بطبيعة الحال هذه رواي ٌة‬ ‫إسالمية متأ ّخرة‪ ،‬ولكن لنالحظ املفردات املُستخدمة‪ :‬ليس فيها أي ذك ٍر السم مح ّمد‪ ،‬وفيها حديثٌ عن الصعود‪ ،‬ويُقال‬ ‫أ ّن الصخرة التي بُنيت عليها القبّة هي الصخرة التي صعد منها يسوع املسيح إىل السامء‪ ،‬وكان النصارى يعتربون املسيح‬ ‫عبد الله ورسوله‪.‬‬ ‫ لفرت ٍ‬‫ات طويل ٍة كانت كث ٌري من املساجد تتّجه يف قبلتها بعي ًدا عن كعبة مكّة‪ ،‬اآلثار األركيولوجية املُكتشفة يف املساجد‬ ‫التي بُنيت لغاية القرن امليالدي الثامن تشري إىل أنّها كانت تتّجه ناحية مكانٍ يقع إىل الشامل من مكّة‪ ،‬فهل هي البرتا؟‬ ‫أم بيت املقدس؟ ومسجد الكوفة املبني سنة ‪ 670‬للميالد يتّجه يف قبلته نحو الغرب وليس الجنوب‪ ،‬كام أ ّن ُمخطّطات‬ ‫مسجدين من العرص األموي يف العراق‪ ،‬مسجد واسط ومسجد بغداد تشري إىل أ ّن القبلة بات ّجاه الشامل وليس مكّة‪ ،‬ويف‬ ‫رسال ٍة من يعقوب األودييس وهو شاهد عيانٍ ورسالته موجود ٌة يف املتحف الربيطا ّين‪ ،‬يقول أ ّن العرب يف مرص يصلون‬ ‫بات ّجاه الرشق نحو أرايض آبائهم األصل ّيني‪ ،‬نحو فلسطني وليس نحو مكّة‪ .‬كام أ ّن مسجد املشتى يف األردن وهو منطق ٌة‬ ‫أموي‪ ،‬يتّجه يف قبلته نحو البرتا وليس مكّة‪.‬‬ ‫رص ّ‬ ‫فيها ق ٌ‬ ‫ كام يشري البالذري إىل أ ّن بعض مساجد الكوفة كانت تتّجه يف قبلتها نحو الغرب وليس نحو مكّة‪ ،‬ويف املئة سنة األوىل‬‫كل املساجد تتّخذ كعبة‬ ‫من عمر اإلسالم الرسمي كانت املساجد تتّجه نحو البرتا ولكن بعد عام ‪ 207‬للهجرة صارت ّ‬ ‫مكة قبل ًة لها‪ ،‬تقع البرتا جغراف ًّيا شاميل املدينة املن ّورة‪ ،‬يرثب‪ ،‬أما مكة فتقع جنوبها‪ ،‬ويالحظ دان جبسون أنّه عند‬ ‫وقوع معركة املدينة فإ ّن الجيوش هاجمتها من الشامل ودافعت املدينة عن نفسها من خالل خندقٍ يف شاملها‪ ،‬وعندما‬ ‫هاجمت جيوش املدينة «املدينة املُق ّدسة» يقصد مكة فإ ّن الجيوش سارت نحو الشامل‪ ،‬وهذه مواصفاتٌ ّ‬ ‫تدل عىل أ ّن‬ ‫املدينة املُق ّدسة تقع يف الشامل‪.‬‬ ‫ براه ٌني عديد ٌة عىل أ ّن الحرم كان يف شامل الحجاز‪ ،‬القدس الفلسطينية وليس مكة الحجازية حتى بداية‬‫القرن امليالدي الثامن‪ ،‬وبطبيعة الحال ال ميكن أن يكون املسلمون األوائل مخطئني يف اتّجاه القبلة وإنّ ا كان‬ ‫مفروضا عليهم ات ّباع القبلة التي يرضاها الحاكم‪ ،‬والتغيري الذي حصل يف تحويل القبلة من بيت املقدس باتّجاه‬ ‫ً‬ ‫‪45‬‬


‫أسطور ٌة اسمها اإلسالم (‪)4‬‬ ‫عمر حسني‬

‫كعبة مكّة‪ ،‬مل يحدث يف السنة التي تشري إليها املرويّات اإلسالمية الرسمية وهي سنة ‪ 624‬للميالد وإنّ ا ت ّم‬ ‫ذلك بعد انتصار عبد امللك عىل ابن الزبري وض ّم الحجاز إىل ملكه وفرض العقيدة الجديدة باالسم الجديد‬ ‫كل مناطق مملكته‪ .‬وت ّم بعدها هدم كثريٍ من املساجد وإعادة بنائها للتوافق مع القبلة الجديدة‪.‬‬ ‫عىل ّ‬ ‫نص القرآن‬ ‫نص عريب يحايك ّ‬ ‫هناك أدلّ ٌة عىل أ ّن الحجاز ومكّة مل تكن مهد التوحيد العريب الذي تط ّور إىل اإلسالم‪ ،‬فأ ّول ٍّ‬ ‫ُوجد يف منطقة الطائف حوايل سنة ‪ 660‬م بينام االكتشافات األثرية يف الحجاز مل تثبت وجود الجاهل ّية‪ ،‬وهذا يشري‬ ‫بوضو ٍح إىل أ ّن التوحيد العريب مل ينطلق من بطحاء مكة بل من منطق ٍة ما بني سوريا وفلسطني‪ ،‬ولك ّن غرض تعريب‬ ‫الدين احتاج انتسابه إىل منطق ٍة عربية خالصة‪ ،‬لذلك فإ ّن عملية تعريب اإلسالم وازدياد وزن العرب فيه دفع إىل تب ّني‬ ‫مكة‪ ،‬رغم عدم وجود إشار ٍ‬ ‫ات ّ‬ ‫تدل عىل تحديد موقع الكعبة فعل ًّيا غري أ ّن الكشوف األثرية يف مسجدين أمويّني يف‬ ‫العراق تشري إىل أنّهام كانا منحرفني باتّجاه اليمن‪.‬‬ ‫ خالصة القول‪ ،‬إ ّن مكة ال ميكن أن تكون املرسح‬‫الذي نشأ عليه اإلسالم‪ ،‬فالقبلة كانت القدس وما‬ ‫زالت كث ٌري من املساجد ت ُكتشف وقبلتها متجه ٌة‬ ‫نحو القدس‪ ،‬لكن االنتقال من قبلة القدس إىل‬ ‫قبلة مكة مل يكن فقط السرتضاء أتباع ابن الزبري‬ ‫وبناء سري ٍة جديدة تستهوي األتباع ولكنها كانت‬ ‫أيضا لتكريس االنفصال النهايئ عن اليهودية التي‬ ‫ً‬ ‫توافقت معها النرصانية الشام ّية‪ ،‬ففي عام ‪2002‬‬ ‫سال دان جبسون مؤلّف كتاب مكة يف جغرافية‬ ‫سجل اآلثار‬ ‫القرآن‪ ،‬سأل ع ّدة علامء آثا ٍر عرب عن ّ‬ ‫حول مكّة‪ ،‬من املؤسف أنّهم مل يرغبوا يف إعالن‬ ‫سجل آثا ٍر ملكّة قبل سنة ‪ 900‬للميالد‪ ،‬لقد افرتض جبسون أنّهم سيبلّغونه‬ ‫أسامئهم لك ّنهم ات ّفقوا عىل أنّه ال يوجد أي ّ‬ ‫عن مدين ٍة قدمي ٍة ذات أسوا ٍر كانت هناك‪ ،‬مليئ ٍة بالبيوت والجنان واملباين واملعابد لك ّنهم قالوا‪ :‬ال‪ ...‬مل يوجد أي يش ٍء‬ ‫من مثل ذلك‪.‬‬ ‫طرح لنظرية املسترشق غونرت لولينج عامل األديان األملاين حول مقدار الزمن الفاصل بني وفاة نبي اإلسالم‬ ‫الحلقة القادمة‪ٌ :‬‬ ‫يل) وهل‬ ‫وبني نشوء النصوص القانونية املُق ّدسة‪ ،‬ما هي النتائج املذهلة التي ّ‬ ‫توصل إليها يف كتابه (حول القرآن األص ّ‬ ‫هناك أجزا ٌء من القرآن ُوجدت قبل مجيء نبي اإلسالم؟ وهل توجد أناشي ٌد مدائحية مسيحية تتخفّى وراء بعض أجزاء‬ ‫القرآن؟‬ ‫‪46‬‬


47


‫سلسل ُة أحكام‬ ‫أهل الذمة‬

‫محمود جامل‬

‫سلسل ٌة تتناول كيف عاش املسيحيون يف ظل الخالفة اإلسالمية‪ ،‬نُرشت سابقًا يف موقع دوت مرص‪.‬‬

‫العهدة العمرية‬

‫من أجل تبييض صفحة التاريخ‪ ،‬لخدمة ادعا ٍء مفاد ُه أن ُه عند لحظة اإلسالم توقّفت مسرية التاريخ واإلنسان‪ ،‬يزعم‬ ‫البعض أن قيم املايض كانت أرقى من قيم الحارض‪ .‬وألن صورة «عمر بن الخطاب» بالذات إحدى الصور املُرشقة يف‬ ‫ُ‬ ‫تاريخنا اإلسالمي‪ ،‬مقارن ًة بغريها‪ ،‬تتبارى أقال ُم بعض الباحثني يف تضليل القارئ‪ ،‬عرب إسقاط كل قيم ٍة انتزعها اإلنسان يف‬ ‫رحلة كفاحه الطويلة‪ ،‬عىل تاريخه ريض الله عنه وأرضاه‪ ،‬وذلك لخدمة تصو ٍر معناه‪:‬‬ ‫حل مشاكلنا يك ُمن يف العودة إىل سرية عمر‪ ،‬وهو تصو ٌر من شأنه أن يُضحك عمر يف قربه‪ ،‬عىل ح ّد تعبري «النيهوم»‪.‬‬ ‫إن ّ‬ ‫‪48‬‬


‫سلسلة أحكام أهل الذمة (‪)1‬‬

‫العهدةالعمرية‬

‫محمود جمال‬

‫حقوق املواطنة هي أحد املكاسب التي «انتزعها» اإلنسا ُن عرب رحلة كفا ٍح مرير ٍة امت ّدت لقرون! تلك حقيق ٌة ال ُياري‬ ‫ينتطح فيها عنزان‪ ،‬بيد أن املُضلّني يعمدون للقول إ ّن عمر بن الخطاب قد «منحها» طو ًعا لنصارى الشام!‬ ‫فيها عاقل‪ ،‬وال‬ ‫ُ‬ ‫الحق ملن‬ ‫وال أح ٌد يدري كيف لرجلٍ عاش يف الحقبة الدينية‪ ،‬تلك التي كان فيها الدي ُن وحده هوي ًة‪ ،‬أ ّن مينح طو ًعا هذا ُّ‬ ‫قال عنهم كتاب ُه املقدس إنهم كفا ٌر ال بد أن يُعطوا الجزية وهم أذالء صاغرون! معتمدون عىل رواي ٍة مبتور ٍة ت ُفي ُد بأ ّن‬ ‫عمر أعطى أهل «إيلياء» أمانًا ألنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمهم وبريئهم وسائر ملتهم‪.‬‬ ‫الطربي يف‬ ‫شكل‪ ،‬رواي ٌة «شاذة» أوردها‬ ‫حق املواطنة قد تحقّق يف اإلسالم قبل أربعة عرش قرنًا‪ .‬وهو‪ً ،‬‬ ‫يزع ُم هؤالء أ ّن ّ‬ ‫ُّ‬ ‫أي قبو ٍل يف أوساط الفقهاء وال املؤرخني من بعد زمان‬ ‫تاريخه «بال سند»‪ ،‬ومضمونًا تناسوا أ ّن هذه الرواية بالذات مل تلق ّ‬ ‫فقهي معترب‪ ،‬وذلك مرده أمران‪.‬‬ ‫الطربي‪ ،‬بل وطيلة أربعة عرش قرنًا كاملة مل يُنب عليها حك ٌم ٌّ‬

‫نصها «الحقيقي»‬ ‫األول‪ :‬العهد ُة العمرية‪ ،‬أو ما جرى تسميتها بالرشوط العمرية‪ ،‬جاء ُّ‬ ‫الذي اشرتطه املسلمون عىل نصارى الشام بعد موافقة عمر بن الخطاب كالتايل‪:‬‬ ‫رشطنا لك عىل أنفُسنا‪:‬‬ ‫يم َح ْولَ َها َد ْي ًرا َو َل ِق َّل َي ًة َو َل َص ْو َم َع َة َرا ِه ٍب‪َ ،‬و َل نُ َجدِّ َد َما ُخ ِّر َب ِم ْن كَ َنائِ ِس َنا‪.‬‬ ‫يس ًة‪َ ،‬و َل ِف َ‬ ‫(‪ )1‬أَ َّل نُ ْح ِد َث ِف َم ِدي َن ِت َنا كَ ِن َ‬ ‫والقلي ُة‬ ‫أي كنيس ٍة جديد ٍة يف مدينتهم‪ ،‬وال صومع ًة أو دي ًرا خارجها‪ّ .‬‬ ‫مبا يعني أنّ ُه محظو ٌر عىل املسيحيني‪ ،‬أن يبنوا ّ‬ ‫بيت من بيوت عبادة النصارى‪ .‬وكذلك يحظ ُر عليهم أن يُر ّمموا‬ ‫بحسب ما ورد عند ابن منظور يف «لسان العرب»‪ ،‬هي ٌ‬ ‫نص ُه‪:‬‬ ‫أي كنيس ٍة قدمية! بيد أ ّن هذه الكنائس الخاصة باملسيحيني مل تعد خاص ًة بهم ً‬ ‫أصل��� ،‬إذ جاء يف الرشوط ما ّ‬ ‫ّ‬ ‫السبِيلِ ‪.‬‬ ‫(‪ )2‬أَ َّل نَ ْ َن َع كَ َنائِ َس َنا ِم َن الْ ُم ْسلِ ِم َني أَنْ يَ ْن ِزلُو َها ِف اللَّ ْيلِ َوال َّن َهارِ‪َ ،‬وأَنْ نُ َو ِّس َع أَبْ َوابَ َها لِل َْم َّر ِة َوابْ ِن َّ‬ ‫ُ‬ ‫الفاروق‪ -‬ريض الله عنه‪ -‬عىل املسيحيني الطريقة التي يتّبعونها يف أداء طقوسهم حتى داخل كنيستهم؛‬ ‫وقد فرض‬ ‫إذ ُ‬ ‫تقول العهدة العمرية‪:‬‬ ‫ض َب بَ َن َوا ِق ِ‬ ‫الص َل ِة َو َل الْ ِق َرا َء ِة‬ ‫(‪َ  )3‬وأَ َّل نَ ْ ِ‬ ‫ضبًا َخ ِف ًّيا ِف َج ْو ِف كَ َنائِ ِس َنا‪َ ،‬و َل نُظْ ِه َر َعلَ ْي َها َصلِي ًبا‪َ ،‬و َل تُ ْرفَ َع أَ ْص َواتُ َنا ِف َّ‬ ‫يس َنا إِ َّل َ ْ‬ ‫ض ُه الْ ُم ْسلِ ُمونَ‪َ ،‬وأَ َّل نُ ْخر َِج َصلِي ًبا َو َل كِتَابًا ِف ُسوقِ الْ ُم ْسلِ ِم َني َوأَ َّل نُ ْخر َِج بَا ُعوث ًا َو َل شَ َعانِ َني‪.‬‬ ‫ِف كَ َنائِ ِس َنا ِف َ‬ ‫يم يَ ْح ُ ُ‬ ‫‪49‬‬


‫سلسلة أحكام أهل الذمة (‪)1‬‬

‫العهدةالعمرية‬

‫محمود جمال‬

‫والشعان ُني كلم ٌة رسياني ٌة ُمع ّرب ٌة ألحد أعياد املسيحيني‪ .‬أما الباعوثُ فكلم ٌة رسياني ٌة أخرى‪ ،‬تش ُري إىل ٍ‬ ‫طقس يشب ُه صالة‬ ‫ارس ّإل داخل الكنائس فقط‪ ،‬تلك التي‬ ‫االستسقاء عند املسلمني‪ .‬مبا يعني أن الطقوس املسيحية‪ً ،‬‬ ‫فضل عن األعياد‪ ،‬ال تُ ُ‬ ‫أصل‪ ،‬لذا‪ ،‬وبحسب ما جاء يف الرشوط‪ ،‬ليس مسمو ًحا لهم بأن يضعوا فوقها أيّة ُصلبان‪.‬‬ ‫مل تعد خاص ًة باملسيحيني ً‬ ‫ومل يتوقف األم ُر عند هذا الح ّد‪ ،‬بل جاء يف الرشوط ما يُح ّد ُد لهم سلوكهم وطريقة تعبريهم عن مشاعرهم‪ ،‬وهو ما‬ ‫ورد ذك ُره كالتايل‪:‬‬ ‫َ‬ ‫(‪ )4‬ل نَ ْر َف َع أَ ْص َواتَ َنا َم َع َم ْوتَانَا‪َ ،‬و َل نُظْ ِه َر ال ِّنريَانَ َم َع ُه ْم ِف أَ ْس َواقِ الْ ُم ْسلِ ِم َني‪َ ،‬وأَ َّل نُ َجا ِو َر ُه ْم بِالْ َخ َنازِي ِر َو َل ِب َب ْيعِ الْ ُخ ُمورِ‪.‬‬ ‫أي ٍ‬ ‫نشاط‬ ‫وبديهي‪ -‬يف ّ‬ ‫ظل هذه الرشوط‪ّ -‬أل يفوت عىل أمري املؤمنني‪ -‬ريض الله عن ُه‪ -‬أن يحظر عىل أهل ذ ّمته ّ‬ ‫ٌّ‬ ‫تبشرييحرفيا‪ ،‬وأن يُح ّرم عليهم أن يدعوا أح ًدا إىل دينهم‪ ،‬وذلك ما قد نص عليه البن ُد التايل‪:‬‬ ‫َ‬ ‫يق الَّ ِذي َج َر ْت َعلَ ْي ِه ِس َها ُم الْ ُم ْسلِ ِم َني‪.‬‬ ‫(‪ )5‬ل‪ ‬نُ َرغ َِّب ِف ِدي ِن َنا َو َل نَدْ ُع َو إِلَ ْي ِه أَ َحدً ا‪َ ،‬و َل نَ َّت ِخ َذ شَ ْي ًئا ِم َن ال َّر ِق ِ‬ ‫ينسف ا ّدعاء امل ّدعني‪ ،‬ال يعني مطلقًا أ ّن األمر‬ ‫لك ّن منع املسيحني من ال ّدعوة إىل دينهم والتّبشري به‪ ،‬وهو املن ُع الذي ُ‬ ‫نصت عىل العكس‪ ،‬حال ما أراد أح ٌد منهم أن يدخل اإلسالم‪ ،‬إذ تقول‪:‬‬ ‫باملثل مع املسلمني‪ ،‬ذلك أل ّن العهدة العمرية قد ّ‬ ‫(‪ )6‬أَ َّل نَ ْ َن َع أَ َحدً ا ِم ْن أَ ْق ِربَائِ َنا أَ َرا ُدوا الدُّ خ َ‬ ‫ُول ِف ْال ِْس َل ِم‪.‬‬ ‫وأل ّن األمر ال عالقة ل ُه باملواطنة‪ ،‬وال باملساواة يف الحقوق‪ ،‬وألنّ ُه محض متيي ٍز بني املسلمني وأهل ال ّذ ّمة من املسيح ّيني‪،‬‬ ‫الشو ُط العمري ُة شكل ال ّز ّي الذّي يتو ّج ُب عليهم ارتدا ُؤ ُه‪ ،‬ونوع ال ّدواب التي ميتطونها وطريقة الكالم التي‬ ‫فقد ح ّددت ّ‬ ‫يتح ّدثون بها‪ ،‬بل وحتّى ترسيحة الشّ عر‪ .‬وهو ما قد أُشري إليه حرف ًيا بالقول‪:‬‬ ‫(‪ )7‬أَنْ نَلْ َز َم ِزيَّ َنا َح ْيث َُم كُ َّنا‪َ ،‬وأَ َّل نَ َتشَ َّبهَ بِالْ ُم ْسلِ ِم َني ِف لُ ْب ِس َقلَ ْن ُس َو ٍة َو َل ِع َم َم ٍة َو َل نَ ْعل ْ َِي َو َل َف ْرقِ شَ ْع ٍر َو َل ِف َم َرا ِك ِبه ِْم‪،‬‬ ‫وس َنا‪َ ،‬و َل نَ ْف ُر َق نَ َو ِاص َي َنا‪َ ،‬ونَشُ دَّ ال َّزنَانِ َري َع َل أَ ْو َس ِ‬ ‫َو َل نَ َتكَل ََّم ِبك ََل ِمه ِْم َو َل نَكْ َت ِن َي ِبكُ َنا ُه ْم‪َ ،‬وأَنْ نَ ُج َّز َمقَا ِد َم ُر ُء ِ‬ ‫اط َنا‪َ ،‬و َل‬ ‫وف‪َ ،‬وأَنْ نُ َو ِّق َر‬ ‫الس ُي َ‬ ‫الس َ‬ ‫الس َلحِ َو َل نَ ْح ِملَهُ َو َل نَ َت َقلَّدَ ُّ‬ ‫وج‪َ ،‬و َل نَ َّت ِخ َذ شَ ْي ًئا ِم َن ِّ‬ ‫نَ ْنق َُش َخ َو ِاتَ َنا بِالْ َع َر ِب َّي ِة‪َ ،‬و َل نَ ْرك ََب ُّ ُ‬ ‫ُوس‪َ ،‬و َل نَطَّلِ َع َعلَ ْيه ِْم ِف َم َنا ِزلِه ِْم‪.‬‬ ‫الْ ُم ْسلِ ِم َني ِف َم َجالِ ِسه ِْم َونُ ْر ِشدَ ُه ُم الطَّر َ‬ ‫ِيق َونَقُو َم لَ ُه ْم َع ِن الْ َم َجالِ ِس إِنْ أَ َرا ُدوا الْ ُجل َ‬ ‫‪50‬‬


‫سلسلة أحكام أهل الذمة (‪)1‬‬

‫العهدةالعمرية‬

‫محمود جمال‬

‫ينس ثاين الخلفاء الراشدين أن يحفظ لشعبه‬ ‫وهكذا فلم َ‬ ‫املسلم مكانت ُه واحرتامه‪ .‬فقد فرض‪ -‬ريض الله عنه‪ -‬عىل‬ ‫السلوك الذي يسلكون ُه يف املجالس‪ ،‬وحال‬ ‫املسيحيني ّ‬ ‫طريق أو جهة‪ ،‬وأمرهم بعدم‬ ‫سألهم أح ُد الفاتحني عن‬ ‫ٍ‬ ‫ال ّنظر إىل بيوت املسلمني أو منازلهم‪ ،‬التي مل تكن ُخ ّصصت‬ ‫أصل‪.‬‬ ‫لهم ً‬ ‫ُ‬ ‫املنازل أو تُبنى‪،‬‬ ‫ُخصص للمسلمني‬ ‫وإىل هذا الحني‪ ،‬إىل أن ت ّ‬ ‫مسيحي أن يستضيف املسلم يف بيته‬ ‫كل‬ ‫يتو ّج ُب عىل ّ‬ ‫ٍّ‬ ‫ثالثة أيّام‪ ،‬إذ ُ‬ ‫تقول الوثيقة‪:‬‬ ‫يف ك َُّل ُم ْسلِ ٍم َعا ِب ِر َسبِيلٍ �ث َ َلثَ َة أَيَّ ٍام َونُطْ ِع َمهُ َم ْن أَ ْو َس ِط َما نَجِ دُ ‪.‬‬ ‫(‪ )8‬أَنْ ن ُِض َ‬ ‫الشوط فيقول‪ :‬ولهذا اشرتط عليهم أم ُري املؤمنني عم ُر ب ُن الخطّاب ريض‬ ‫ويُعق ُّب اب ُن كُثري‪ -‬رحمه الله‪ -‬عىل ُمجمل هذه ّ‬ ‫الله عنه تلك الرشوط املعروف ًة يف إذاللهم‪ ،‬وتصغريهم‪ ،‬وتحقريهم‪.‬‬ ‫وقد حظرت الوثيق ُة عىل املسيحيني أن يُعلّموا أوالدهم القرآن‪ ،‬كام حظرت عليهم أن يشاركوا املسلمني يف أعامل التجارة‬ ‫بأموالهم‪ ،‬إال يف حال ٍة واحد ٍة فقط‪ ،‬وهي أن يقوم املسلم عىل التجارة‪ ،‬وأن يكون هو س ّيدها‪ .‬وهو ما نُ ّص عليه بالقول‪:‬‬ ‫(‪ )9‬أال‪ ‬نُ َعل َِّم أَ ْو َل َدنَا الْ ُق ْرآنَ ‪َ ،‬و َل يُشَ ار َِك أَ َحدٌ ِم َّنا ُم ْسلِ ًم ِف تِ َجا َر ٍة إِ َّل أَنْ يَكُونَ إِ َل الْ ُم ْسلِ ِم أَ ْم ُر ال ِّت َجا َر ِة‪.‬‬ ‫ويفس لنا ابن القيّم هذا الرشط حني يقول‪ :‬صيان ًة للقرآن أن يحفظ ُه من ليس من أهله وال يؤم ُن به‪ ،‬بل هو كاف ٌر به‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫النبي‪ -‬صىل الله عليه وسلّم‪ -‬أن يسافر بالقرآن إىل أرض الع ُّدو مخاف ًة أن تناله أيديهم؛ فلهذا ينبغي أن يُصان‬ ‫وقد نهى ُّ‬ ‫عن تلقينهم إيّاه‪.‬‬

‫‪51‬‬


‫سلسلة أحكام أهل الذمة (‪)1‬‬

‫العهدةالعمرية‬

‫محمود جمال‬

‫وتنتهي الوثيق ُة بإقرا ٍر من املسيح ّيني عىل أنفسهم مبوافقتهم عىل ما جاء فيها‪ ،‬وأنّ ُه يف حال أخلُّوا بأحد البنود تعت ُرب‬ ‫الشو ُط الغي ًة‪ ،‬وهو ما نُ ّص عليه بالقول‪:‬‬ ‫ُّ‬ ‫شطْ َنا َع َل أَنْف ُِس َنا َو َق ِبلْ َنا‬ ‫(‪ )10‬ضَ ِم َّنا ل ََك َذلِ َك َع َل أَنْف ُِس َنا َو َذ َرا ِريِّ َنا َوأَ ْز َواجِ َنا َو َم َسا ِكي ِن َنا‪َ ،‬وإِنْ نَ ْح ُن غ َّ َْينَا أَ ْو خَالَ ْف َنا َع َّم َ َ‬ ‫ْالَ َمانَ َعلَ ْي ِه َف َل ِذ َّم َة لَ َنا‪َ ،‬و َقدْ َح َّل ل ََك ِم َّنا َما َي ِح ُّل ِلَ ْهلِ الْ ُم َعانَدَ ِة َوالشِّ قَاقِ‬ ‫وقبل أن أستأذن يف االنرصاف‪ ،‬يتو ّج ُب أن أُشري ها ُهنا إىل جمل ٍة كاشف ٍة جدا ً قالها اب ُن الق ّيم يف كتابه «أحكا ُم أهل‬ ‫ال ّذ ّمة»‪ ،‬إذ يقول‪:‬‬ ‫وشهر ُة هذه الرشوط ت ُغني عن إسنادها‪ .‬فإ ّن األمئّة تلقُّوها بالقبول وذكروها يف كتبهم واحت ّجوا بها‪ ،‬ومل يزل ذكر الرشوط‬ ‫العمرية عىل ألسنتهم ويف كتبهم‪ .‬ليس هذه فحسب‪ ،‬إذ يردف‪ :‬وقد أنفذها بعد ُه الخلفا ُء وعملوا مبوجبها‪ .‬وهو ما‬ ‫سنرش ُح ُه بالوقائع واملامرسات العمل ّية‪ ،‬يف املقال القادم‪.‬‬ ‫‪Facebook: https://www.facebook.com/theblackducks‬‬ ‫‪YouTube: http://www.youtube.com/channel/UCZPNmgRuJExL6k3QBDsX-VA‬‬ ‫‪twitter: https://twitter.com/eskandarany/‬‬

‫ﺑﺮﻧﺎﻣﺞ ﺣﻮاري ﻋﲆ اﻟﻴﻮﺗﻴﻮب ﺗﺪﻋﻢ ﺑﻌﺾ ﺣﻠﻘﺎﺗﻪ ﴍﻛﺔ‪،‬‬ ‫‪ ،Google‬ﻳﻬﺪف ﺑﺎﻟﺪرﺟﺔ اﻷوﱃ إﱃ إﺟﺮاء اﻟﺤﻮار ﻣﻊ‬ ‫اﳌﻠﺤﺪﻳﻦ واﻟﻼدﻳﻨﻴﻦﻴ اﳌﴫﻳﻦﻴ‪ ،‬واﳌﺘﺤﺪﺛﻦﻴ ﻣﻨﻬﻢ ﻟﻠﻐﺔ‬ ‫اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻣﻦ ُﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻨﺎ ﰲ اﻟﴩق اﻷوﺳﻂ وﺷﺎﻤل أﻓﺮﻳﻘﻴﺎ‬ ‫ﻓﻜﺮة وﺗﻨﻔﻴﺬ اﺳﺎﻤﻋﻴﻞ ﻣﺤﻤﺪ‬

‫املصادر‪:‬‬ ‫الطربي‪ .‬تاريخ الرسل وامللوك‪ .‬املجلد الثالث‪ ،‬صـ ‪.609‬‬ ‫ابن القيم الجوزية‪ .‬أحكام أهل الذمة‪ .‬املجلد الثالث‪ .‬صـ ‪1165‬‬ ‫ابن كثري‪ .‬مسند الفاروق‪ .‬املجلد الثاين‪ .‬كتاب الجهاد‪ .‬صـ ‪489‬‬ ‫الدّمريي‪ .‬النجم الوهاج يف رشح املنهاج‪ .‬املجلد التاسع‪ .‬صـ ‪ 421‬وما بعدها‬ ‫البيهقي‪ .‬معرفة السنن واآلثار‪ .‬املجلد الثالث عرش‪ .‬صـ ‪381‬‬ ‫ابن تيمية‪ .‬مسألة يف الكنائس‪ .‬صـ ‪136‬‬

‫‪52‬‬


‫‪Ali Nuder‬‬

‫هل يصلح‬ ‫رهان باسكال‬ ‫مع اإلسالم؟‬ ‫‪53‬‬

‫يجد أغلب املسلمني بخوضهم‬ ‫يف اإللحاد والتو ّجهات الفكريّة‬ ‫والتساؤالت املتعبة للعقل مغامر ًة‬ ‫رمبا تكون عاقبتها الخلود يف‬ ‫النار!! محت ّجني بربهان (باسكال)‬ ‫آمنت بالله ومل‬ ‫الذي مفاده إن‬ ‫ُ‬ ‫يكن موجو ًدا فأنا مل أخرس الكثري‬ ‫وإن كان موجو ًدا ومل أؤمن به‬ ‫فسأكون قد خرست الكثري‪ ..‬لكن‬ ‫يف الحقيقة ليست النار هي‬ ‫ما تخيف املسلم‪ ،‬إنّ ا مخالفة‬ ‫املجتمع وما ينتج عنه من إقصاء؛‬ ‫يل بسبب‬ ‫فلو كان خوفه األص ّ‬ ‫النار ملا ارتكب بعض املُح ّرمات‬ ‫مثل‪:‬‬ ‫الشائعة بني الناس فهو ً‬


‫هل يصلح رهان‬ ‫باسكال مع اإلسالم؟‬

‫‪Ali Nuder‬‬

‫‪1‬ـ يستمع لألغاين واملوسيقى‪ ،‬فغالب ّية املسلمني تستمع لها وال تستقبحها بينام هي مح ّرمة‪ ٬‬قال شيخ اإلسالم ابن تيم ّية‪:‬‬ ‫النبي أخرب أنّه سيكون من أ ّمته من‬ ‫«مذهب األمئّة األربعة أ ّن آالت اللهو كلّها حرام‪ ،‬ثبت يف صحيح البخاري وغريه أ ّن ّ‬ ‫يستحل الح ّر والحرير والخمر واملعازف‪ ،‬وذكر أنّهم ُيسخون قرد ًة وخنازي َر‪ ،‬ومل يذكر أح ٌد من أتباع األمئّة يف آالت اللهو‬ ‫نزا ًعا»‪ ،‬املجموع ‪.11/576‬‬ ‫ما يه ّمني من االقتباس إجامع األمئّة األربعة وليس ص ّحة الحديث الختالف الكثريين فيها والراجح بني املحدثني أنّه‬ ‫صحيح‪.‬‬ ‫قال األلبا ّين‪ :‬اتّفقت املذاهب األربعة عىل تحريم آالت الطرب كلّها‪ ،‬الصحيحة ‪.1/145‬‬ ‫َ َ ْ َ َْ َ ْ‬ ‫َْ ْ‬ ‫َ َ ُ‬ ‫الَديث لُض َّل َعن َ‬ ‫﴿و ِم َن َّ‬ ‫يف القرآن يف سورة لقامن‪َ :‬‬ ‫َّ‬ ‫غ‬ ‫ب‬ ‫الل‬ ‫يل‬ ‫ب‬ ‫س‬ ‫ي ِعل ٍم َو َي َّت ِخذها ه ُز ًوا‬ ‫تي لهو‬ ‫انل ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ ِ ِ ِ ِ‬ ‫اس من يش ِ‬ ‫ُ َ َ َُ ْ َ َ‬ ‫ُّ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫ولك لهم عذاب م ِهني (‪ ،﴾)6‬قال حرب األ ّمة ابن عبّاس‪ :‬هو الغناء‪( ،‬تفسري الطربي ‪.)21/40‬‬ ‫أ ِ‬

‫ملن يرى أ ّن رأي األمئّة األربعة غري ٍ‬ ‫أيضا؟!‬ ‫كاف فهل رأي الصحابة ال يهم ً‬ ‫للمفسين يف تفسري اآليات ت ّم بأقوال الصحابة)‪.‬‬ ‫(وأذكّركم أ ّن ثالث قاعد ٍة‬ ‫ّ‬ ‫صح ذلك عن ابن عبّ ٍ‬ ‫اس وابن مسعود‪،‬‬ ‫قال ابن القيم‪« :‬ويكفي تفسري الصحابة والتابعني للهو الحديث بأنّه الغناء فقد ّ‬ ‫قال أبو الصهباء‪« :‬سألت ابن مسعو ٍد عن قوله تعاىل‪ :‬ومن الناس من يشرتي لهو الحديث»‪ ،‬فقال‪ :‬والله الذي ال إله‬ ‫أيضا أنّه الغناء»‪ ،‬إغاثة اللهفان ‪.1/258-259‬‬ ‫وصح عن ابن عم ٍر ريض الله عنهام ً‬ ‫غريه هو الغناء‪ -‬ير ّددها ثالث م ّرات‪ّ ،‬‬ ‫ويعتقد املسلم دو ًما أ ّن ترك الدين سيجعل اإلنسان بال راد ٍع عن ارتكاب الجرائم األخالق ّية‪-‬كالرسقة واالغتصاب والرشوة‬ ‫لكن الدين مل يطلب النهي عن هذه األمور فقط ومل تكن أساسيّ ًة فيه‪.‬‬ ‫رصح يف النهاية بوجوب‬ ‫‪2‬ـ حلق لحيته‪ - :‬قال ابن عابدين‬ ‫الحنفي‪« :‬ويُح ّرم عىل الرجل قطع لحيته ـ أي حلقها ‪ -‬و ّ‬ ‫ّ‬ ‫قطع ما زاد عىل القبضة وأ ّما األخذ منها وهي دون ذلك كام يفعله بعض املغاربة ومخنثة الرجال‪ ،‬فلم يبحه أح ٌد‬ ‫وأخذها كلّها فعل يهود الهند ومجوس األعاجم»‪ ،‬ر ّد املحتار‪ .)418 / 2( :‬ألنّه قد يلتبس عند البعض بني حلق اللحية‬ ‫قصها فقط‪ ،‬فاالختالف بني الفقهاء بسبب هذا الحديث‪« :‬أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى»‪،‬‬ ‫كامل ًة بالشفرة أو املوس وبني ّ‬ ‫مسلم بلفظ (أحفوا الشوارب) ففي هذا الحديث يقول اعفوا اللحى فاإلعفاء أي‬ ‫الوارد بصحيح البخاري‪ ،‬وبصحيح‬ ‫ٍ‬ ‫الرتك الكامل والبعض قال اإلعفاء يأيت يف اللغة مبعنى الكرثة فقط‪ ،‬فمجرد أن تكون لحيتك كثّ ًة هذا يكفي وال تعترب‬ ‫‪54‬‬


‫هل يصلح رهان‬ ‫باسكال مع اإلسالم؟‬

‫‪Ali Nuder‬‬

‫كثّ ًة عندهم حتى يصل طولها لطول القبضة مقتدين‬ ‫يقص قبض عىل لحيته‬ ‫بابن عم ٍر الذي كان إذا أراد أن ّ‬ ‫بيده وأخذ منها ما زاد عن القبضة‪ ،‬لكن مل يختلف‬ ‫أح ٌد بني الفقهاء عىل حرمة حلق اللحية بالكامل‪ .‬قال‬ ‫الشافعي‪ :‬قال ابن‬ ‫الشيخ أحمد بن قاسم العبادي‬ ‫ّ‬ ‫نص‬ ‫ال ِّرفْعة يف حاشية الكفاية‪ :‬إ ّن اإلمام‬ ‫الشافعي قد ّ‬ ‫ّ‬ ‫َش‬ ‫يف األم عىل تحريم حلق اللحية وكذلك َ‬ ‫نص ال َّز ْرك ِ ّ‬ ‫الشايش‬ ‫مي يف شُ َعب اإلميان‪ ،‬وأستاذه القفّال‬ ‫ُ‬ ‫وال ُحلَيْ ّ‬ ‫يف محاسن الرشيعة‪ :‬عىل تحريم حلق اللحية»‪،‬‬ ‫[ حكم الدين يف اللحية والتدخني‪ ( :‬ص ‪ .] ) 31‬قال‬ ‫محمود خطاب السبيك‪ :‬فلذلك كان حلق اللحية‬ ‫ُمح ّر ًما عند أمئّة املسلمني املجتهدين‪ ،‬أيب حنيفة‬ ‫أيضا‪ :‬وقد‬ ‫ومالك‬ ‫والشافعي وأحمد‪ ،‬وغريهم‪ ،‬وقال ً‬ ‫ّ‬ ‫اتّفقت املذاهب األربعة عىل وجوب توفري اللحية‬ ‫وحرمة حلقها‬ ‫[ املنهل العذب املورود ]‪ .‬قال الشيخ عيل محفوظ ‪ -‬رحمه الله تعاىل ‪ -‬وقد اتّفقت املذاهب األربعة عىل وجوب توفري‬ ‫اللحية وحرمة حلقها [ اإلبداع يف مضار االبتداع‪ ( :‬ص ‪ .] ) 409‬قال الشيخ مح ّمد زكريّا الكاندهلوي وقد ذهب أصحاب‬ ‫املذاهب األربعة‪ ،‬وغريهم أ ّن حلق اللحية حرام‪ ،‬وأ ّن حالقها آث ٌم فاسق [وجوب إعفاء اللحية‪ ( :‬ص ‪.]) 36‬‬ ‫بقوم فهو منهم» ص ّححه األلبا ّين‬ ‫رسح شعره (بالجل) كالكفّار‪« :‬من تش ّبه ٍ‬ ‫‪ 3‬ـ مت ّوض (يعني لبس مالبس عىل املوضة و ّ‬ ‫وابن حبان يعني كمن يرتدي (الجنز)‪ ،‬والجنز لبس الكفّار بينام املسلمون كانوا يلبسون الثوب‪ ..‬إذًا أنت ترتدي أزياء‬ ‫وكل ٍ‬ ‫جديد يقومون به من املظاهر الشكل ّية التي استحدثوها تُعترب ُمح ّرم ٌة وكفيل ٌة بجعل‬ ‫قصاتهم‪ّ ،‬‬ ‫الكفّار وتتش ّبه بهم يف ّ‬ ‫مصريك من مصريهم ‪ -‬فهو منهم‪.‬‬ ‫مسلم يقيم بني أظهر املرشكني‪ .‬قالوا‪ :‬يا رسول الله ملَ؟ قال‪ :‬ال تَراءى نارا ُهام‬ ‫‪ 4‬ـ سافر لبالد الغرب‪ :‬قال‪ :‬أَنا بري ٌء من ّ‬ ‫كل ٍ‬ ‫الراوي‪ :‬جرير بن عبد الله | املحدث‪ :‬األلباين | املصدر‪ :‬صحيح أيب داود الصفحة أو الرقم‪ | 2645 :‬خالصة حكم املحدث‪:‬‬ ‫وكنت تستطيع أن ترى نار بيت الكافر من منزلك‪-‬كتعبريٍ‬ ‫مجازي عن وجوب البعد‬ ‫صحيح‪ ،‬هنا يقول مح ّم ٌد إن‬ ‫سكنت َ‬ ‫َ‬ ‫ٍّ‬ ‫عنهم أقىص ما ميكن ‪ -‬فمح ّم ٌد بري ٌء منك‪.‬‬ ‫‪55‬‬


‫هل يصلح رهان‬ ‫باسكال مع اإلسالم؟‬

‫‪Ali Nuder‬‬

‫«والنبي والكعبة واملصحف وحياة أ ّمي» وهذا يُعترب من الكبائر ‪ -‬سمع‬ ‫لف بغري الله‪ :‬نسمع كث ًريا من أمثال‬ ‫‪ 5‬ـ َح ٌ‬ ‫ّ‬ ‫صل الله عليه وسلّم ُ‬ ‫يقول‪ :‬من حلف‬ ‫سمعت رسول الله َّ‬ ‫تحلف بغري الله فإين‬ ‫ابن عم َر ً‬ ‫رجل يقول «والكعبة» فقال ال ْ‬ ‫ُ‬ ‫بغري الله فقد كفر وأرشك‪ .‬الراوي‪ :‬سعد بن عبيدة املحدث‪ :‬أحمد شاكر ‪ -‬املصدر‪ :‬مسند أحمد ‪ -‬الصفحة أو الرقم‪:‬‬ ‫صحيح‪ .‬قال عبد الله بن مسعود‪« :‬ألن أحلف بالله كاذبًا أحب إ ّيل من أن أحلف‬ ‫‪8/222‬خالصة حكم املحدث‪ :‬إسناده‬ ‫ٌ‬ ‫بغري الله صادقًا!!»‪ ،‬يعني الحلف الكاذب يُعترب يف مقام االغتصاب والرشوة والرسقة‪-‬بالنسبة لإلسالم‪ -‬الحلف بغري الله‬ ‫ ولو ٌ‬‫صدق أشنع‪.‬‬ ‫‪ 6‬ـ قال نكت ًة!‪ :‬قال اإلمام الفقيه ابن عثيمني‪« :‬ومن‬ ‫أعظم الكذب‪ :‬ما يفعله بعض الناس اليوم‪ ،‬يأيت باملقالة‬ ‫كذبًا يعلم أنّها كذب‪ ،‬لكن من أجل أن يُضحك الناس»‪،‬‬ ‫وقد جاء يف الحديث‪ ،‬الوعيد عىل هذا‪ ،‬فقال الرسول‪:‬‬ ‫ويل‬ ‫«ويل للذي يُح ِّدث فيكذب ليُضحك به القوم‪ٌ ،‬‬ ‫ٌ‬ ‫حسنه األلباين‪ ،‬وهذا وعي ٌد عىل أم ٍر سهلٍ‬ ‫له‪ٌ ،‬‬ ‫ويل له» ّ‬ ‫عند كثري من الناس‪ .‬رشح رياض الصالحني ‪.)297/1( -‬‬ ‫وهنا يقصد ابن عثيمني ال ُّنكت التي تتحدث عن‬ ‫يش ٍء مل يحصل عىل أرض الواقع مثل نكت املحششني‪،‬‬ ‫ويعلم قائل النكتة واملستمعني أن هذه القصة رمزي ٌة مل تحدث يف الواقع‪ .‬ففي اإلسالم هذه ال ّنكت تعترب من الكذب‬ ‫ألن الكذب هو قول يش ٍء خالف الحقيقة ومحمد مل يستثني النكت من الكذب املحرم ومن هنا يتضح عدم أهلية وجود‬ ‫ٍ‬ ‫رشع أوامر ت ُطبق حرف ًيا‪ ،‬فستؤدي إىل فتاوي سخيف ٍة كهذه‪ ،‬ألن الناس تعرف بطبعها الصح والخطأ وال ميكن‬ ‫ديانات تُ ّ‬ ‫ٍ‬ ‫لنصوص تستمر آلالف السنني‪.‬‬ ‫أن يُرتجم الصح والخطأ‬ ‫‪ 7‬ـ أعياد امليالد وعيد األم وما إىل هنالك فقد نهى محم ٌد أن يستحدث املسلم أي ٍ‬ ‫عيد غري العيدين اللذين وضعهام‪(،‬‬ ‫ِ‬ ‫فقال ُ‬ ‫نلعب فيهام يف الجاهل َّي ِة َ‬ ‫رسول اللَّ ِه املدين َة ولَهم يومانِ يل َعبو َن فيهام َ‬ ‫قد َم ُ‬ ‫رسول‬ ‫فقال ما هذان اليومانِ قالوا كُ َّنا ُ‬ ‫صل اللَّ ُه علي ِه وسلَّ َم إ َن اللَّ َه قد أبدلَكم ِبهِام خ ًريا ِمنهام يو َم األضحى ويو َم الفطرِ)‪ ،‬الراوي‪ :‬أنس بن مالك‬ ‫اللَّ ِه َّ‬ ‫| املحدث‪ :‬ابن تيمية | املصدر‪ :‬اقتضاء الرصاط املستقيم الصفحة أو الرقم‪ | 1/485 :‬خالصة حكم املحدث‪ :‬إسناده عىل‬ ‫رشط مسلم‪.‬‬ ‫‪56‬‬


‫هل يصلح رهان‬ ‫باسكال مع اإلسالم؟‬

‫‪Ali Nuder‬‬

‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫واملتنمصات»‪.‬‬ ‫والنامصات‬ ‫واملستوشامت‪،‬‬ ‫الواشامت‬ ‫‪8‬ـ نتف الحواجب‪ :‬ورد يف صحيح مسلم «لعن الل ُه‬ ‫الراوي‪ :‬عبدالله بن مسعود | املحدث‪ :‬مسلم | املصدر‪ :‬صحيح مسلم‪.‬‬ ‫الصفحة أو الرقم‪ | 2125 :‬خالصة حكم املحدث‪ :‬صحيح | النامصة التي تأخذ شعر الحاجبني‪ ،‬واملتنمصة التي تفعل‬ ‫ذلك بها‪.‬‬ ‫‪ 9‬ـ رسم ذوات األرواح‬ ‫نفسا فتُع ِّذبُه يف جه َّن َم»‪ ،‬فالناس تصفّق ملن يبدع‬ ‫ورد يف صحيح مسلم ُّ‬ ‫«كل ُمص ِّو ٍر يف النارِ‪ .‬يجعل له بكل صور ٍة ص َّو َرها‪ً ،‬‬ ‫بالرسم وتشجعه فلذلك ال يجد املسلم من حر ٍج يف الرسم مع أنه يورد النار عىل حسب اإلسالم فلامذا مل ميتنع عنه‪ ،‬لو‬ ‫فعل يخاف من النار؟‬ ‫كان ً‬ ‫صح اإلسالم‬ ‫فمن كل ما ورد نستنتج أنه ال أح ًدا يتبع رهان باسكال‪ ،‬فأكرث متّبعي رهان باسكال سيكون مصريهم النار لو ّ‬ ‫إمنا هم فقط يخشون من سخط املجتمع‪ ،‬ومبا أن ما سبق ذكره ال يجلب سخط املجتمع فال يوجد إذًا أي أهمي ٍة لسخط‬ ‫وأيضا ملن يلتزم بأوامر اإلسالم بحرف ّيتها فسيكون رهان باسكال قد سقط! ألن الرهان يقول إن آمنت بالله ومل‬ ‫اآللهة‪ً .‬‬ ‫يكن موجو ًدا فأنا مل أخرس الكثري وإن كان موجو ًدا ومل أؤمن به فسأكون قد خرست الكثري‪ ،‬لكن بالنسبة لإلسالم األمر‬ ‫مختلف متا ًما؛ فأنت إن اتبعت اإلسالم وكان كذب ًة فأنت بالحقيقة قد خرست حياتك كلها وح ّولتها لجحيم‪ .‬هذه اﻷمور‬ ‫ٌ‬ ‫مسلم ونهى عنها من جاءوا من بيئ ٍة غري متدين ٍة يندهشوا ويستغربوا بأن هذه األمور قد ت ُدخل املسلم‬ ‫عندما كنت‬ ‫ً‬ ‫النار عىل حسب اﻹسالم‪ .‬فيقول‪ :‬أيُعقل أن الله سيدخلني النار بسبب هذه اﻷشياء البسيطة التي مل تؤذي أحد! ﻷنه‬ ‫يعتقد بأن أوامر دينه يجب أن تكون منطقي ًة وكلها تدور حول اﻷخالقيات التي ندركها بطبيعتنا البرشية من غري‬ ‫بحت واظهار ايدولوجيته وإبراز‬ ‫ديانات‪ .‬لكن الحقيقة أن األخالق ليست من أولويات الدين‪ ...‬الدين هدفه‬ ‫سيايس ٌ‬ ‫ٌّ‬ ‫اختالفه عن الباقني كام تالحظوا ان كل هذه األمور املحرمة ‪-‬التشبه بالكفار حلق اللحية اتخاذ أعياد غري األعياد التي‬ ‫رشعها ‪ -‬تسبب ذوبان املسلم وعدم متييزه فلذلك اإلسالم يجد فيها تهدي ًدا كام أوردنا حديثًا عن ابن مسعود‪ ،‬كان عند‬ ‫أيضا حديث أيب ذر‬ ‫ابن مسعو ٍد املخالفات الدينية فوق املخالفات اﻷخالقية ونذكر ً‬ ‫ما ِمن ٍ‬ ‫س َق‪...‬‬ ‫عبد قال‪ :‬ال إل َه إال الل ُه‪ ،‬ثم ماتَ عىل ذلك إال د َخ َل الجن َة‪ُ .‬‬ ‫س َق؟ قال‪ :‬وإن زىن وإن َ َ‬ ‫قلت‪ :‬وإن زىن وإن َ َ‬ ‫الراوي‪ :‬أبو ذر الغفاري | املحدث‪ :‬البخاري | املصدر‪ :‬صحيح البخاري الصفحة أو الرقم‪ | 5827 :‬خالصة حكم املحدث‪:‬‬ ‫هاميش ج ًدا بالنسبة للدين ‪ -‬ولخدمة الدين يجوز كرس أي ُع ٍ‬ ‫أخالقي‪.‬‬ ‫رف‬ ‫[صحيح] بل يف الحقيقة‪ ،‬اﻷخالق هي يش ٌء‬ ‫ٌّ‬ ‫ّ‬ ‫‪57‬‬


http://www.thelandofsands.blogspot.com

58


‫رواية فاتنة‬ ‫سام مار‬

‫مختلف‬ ‫بأسـلوب‬ ‫روايـة فاتنـة تحكي قصة‬ ‫ٍ‬ ‫شـخصيات مميزةٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫حوارات تلقي‬ ‫عـن المعتـاد فـي الروايات‪ .‬تبدأ الرواية بمشـاهد‬ ‫ٍ‬ ‫الضـوء علـى تعامـل الشـخصيات مـع مواضيـع يوميـة‪ .‬إلى أن‬ ‫روائيـا‪.‬‬ ‫طابعـا‬ ‫فريـد مـن األحـداث يتخـذ‬ ‫خليـط‬ ‫تتحـول إلـى‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫عالـم آخر‪ ،‬بل على عالمك نفسـه مـن منظو ٍر‬ ‫سـتتعرف علـى‬ ‫ٍ‬ ‫آخـر‪ .‬اختـر مـن تكـون وأيـن‪ ،‬وغ ّيـر التاريـخ فـي المسـتقبل‬ ‫حـي الرمـاد الموحلـة مـع سـالم‬ ‫القريـب‪ ،‬تشـ َّرد فـي أزقـة‬ ‫ّ‬ ‫الصغيـر‪ ،‬أو خـض حر ًبـا ضـروس إلـى جانـب الزيـر المهلهـل‬ ‫وتفنـن فـي االنتقـام مـن الذيـن يرتكبـون خطـأ مواجهتـك‪،‬‬ ‫تحـدى الخنزيـر األكبـر وليـد ومسـاعده الدنـيء يوسـف‪ ،‬تع ّرف‬ ‫حـب مـع مالك المـوت اسـمها دليله‪،‬‬ ‫إلـى امـرأةٍ تعيـش قصـة‬ ‫ٍّ‬ ‫ً‬ ‫فتـاة بارعـة الجمـال وأثره في مختلـف المجتمعات مع‬ ‫أو كـن‬ ‫فاتنـة‪ ،‬واكتشـف كيـف يغ ّيـر الحـب الطاغيـة!‬

‫‪59‬‬


‫رواية فاتنة‬ ‫سام مار‬

‫أخبار املهلهل‬ ‫يقرتب قائد «جتعشكم» وقبل أن يفتح املهلهل فاه يتكلم القائد‪ :‬الشيخ سامل!‬ ‫ثم يلتفت النمرود إىل الصاحب عمر‪ :‬شيخ عمر الشيخ سامل هنا‪.‬‬ ‫املهلهل‪ :‬يف خدمة أمري املؤمنني!‬ ‫أحد جنود اإلمارة‪ :‬تعرفون بعضكم؟‬ ‫امللك منرود‪ :‬الشيخ سامل له با ٌع طويل يف الجهاد يف سبيل الله وإعالء كلمة الحق‪ .‬اتركونا وحدنا فلدينا الكثري من العمل‬ ‫اآلن فبوجود الشيخ سامل كسبنا سيفًا مسلطًا عىل رقاب الكفار وعلينا أن نتناقش يف دوره هنا‪.‬‬ ‫يخرج جنود اإلمارة تاركني النمرود والصاحب عمر مع املهلهل‪.‬‬ ‫بطلب من والدها واآلن كل‬ ‫أصبحت مطلوبًا يف البالد‪ .‬حاولت قتل عاهرة أحد أغنياء الحكومة‬ ‫املهلهل‪ :‬أنا هنا ألنني‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫قوات األمن هناك تبحث عني‪.‬‬ ‫النمرود‪ :‬ال تخف أنت هنا يف أمان بإذن الله‪.‬‬ ‫املهلهل‪ :‬بإذن الله؟ هل أنتم حقًا شيوخ اآلن؟‬ ‫اتق الله فيام تقول يا شيخ سامل‪.‬‬ ‫الصاحب عمر‪ :‬استغفر الله العيل العظيم ِ‬ ‫ينظر املهلهل إليهام مصدو ًما‪...‬ثم ينفجر النمرود والصاحب عمر بالضحك‪.‬‬ ‫النمرود ضاحكًا‪ :‬سامل بلع الطعم‪ ،‬عمر‪ ،‬أخربه ما يجري هنا‪.‬‬ ‫بعام اتصل يب الصاحب خليل وأخربين أن امللك منرود ونخب ًة من األصحاب والسباع متكّنوا‬ ‫الصاحب عمر‪ :‬بعد أن افرتقنا ٍ‬ ‫من تهريب جز ٍء كبري من أموالنا إىل هنا‪ .‬لكن كام تعلم أفضل طريق ٍة للبقاء هنا كانت أخذ غطاء ايديولوجي وقضي ًة‬ ‫لكسب املحاربني‪ .‬امللك منرود بعبقريته االسرتاتيجية انضم مع ال ُعصب التي وصلت معنا كفصيلٍ مساعد للتنظيم ثم‬ ‫صعد برسعة إىل رأس الهرم‪ .‬بعد ذلك صنع سمع ًة لتنظيمنا ولعب عىل الوتر العرقي والطائفي يف تهييج الجموع ضد‬ ‫خصوصا أن الدولة الكردية اآلن من أقوى وأغنى دول املنطقة والدولة الشيعية املوح َدة صارت قو ًة ال يُستهان‬ ‫األقليات‪.‬‬ ‫ً‬ ‫يوم يصلنا عرشات األغبياء من مختلف الدول العربية للجهاد ضد «الكرد واملجوس» كام تدفّقت علينا أموال‬ ‫بها‪ .‬كل ٍ‬ ‫الدول التي تريد لعب دو ٍر اسرتاتيجي يف املنطقة‪ .‬بالتأكيد يوجد يف الطرف اآلخر ٌ‬ ‫رجال مثلنا يستخدمون أغبياءهم‬ ‫يف الحرب مع أغبيائنا وهكذا‪ .‬املهم لدينا خط ٌة ل ُنه ِّرب عرشات املاليني من الدوالرات ونعيش حياة الرغد يف الغرب‪.‬‬ ‫أيضا‪ .‬فقط هؤالء‬ ‫الصاحب خليل يقود عملية اليوم لكنه سيعود وسنخربه بوجودك‪ .‬الصاحب عثامن والسبع ج ّبار هنا ً‬ ‫بقوا من النامريد‪ ،‬البقية قتلوا بالغارات وغريها أو هربوا‪.‬‬ ‫‪60‬‬


‫رواية فاتنة‬ ‫سام مار‬

‫امللك منرود‪ :‬لقد وصلت يف الوقت املناسب‪ .‬تنفيذ الخطة اقرتب‪ ،‬فقط أضف بعض املصطلحات الدينية إىل حديثك ونفذ‬ ‫األوامر وسننجح‪.‬‬ ‫املهلهل‪ :‬سأصمت فأنا ال أحب التمثيل‪ .‬عىل أية حال ما هي الخطة؟‬ ‫امللك منرود‪ :‬يوم ٍ‬ ‫بهجوم شامل عىل عاصمة الدولة هنا‪.‬‬ ‫غد سنقوم‬ ‫ٍ‬ ‫املهلهل‪ :‬هذا انتحا ٌر مؤكد! الطائرات األمريكية ستمسحنا عن بكرة أبينا‪.‬‬ ‫النمرود يبتسم‪ :‬متا ًما‪.‬‬ ‫املهلهل‪ :‬مل أفهم‪.‬‬ ‫النمرود‪ :‬لو بقي كل هؤالء األغبياء أحيا ًء سيجدوننا يف النهاية‪ .‬لكن إذا مات معظمهم بني ليل ٍة وضحاها سيتف ّرقون‬ ‫وينسون أمرنا بينام نهرب نحن باملال‪.‬‬ ‫املهلهل‪ :‬لكن كيف ستقنعهم بالهجوم عىل العاصمة؟ حتى الطفل الصغري يعرف أنها خطة فاشلة‪.‬‬ ‫النمرود‪ :‬اترك هذا يل‪ ،‬الشباب وقود الحروب كام يقولون‪ ،‬لدينا يش ٌء يُخيفهم أكرث من املوت‪ ،‬العذاب هنا عىل أيدينا‬ ‫أول نحتاج أن‬ ‫ثم الشواء األبدي‪ .‬بقليلٍ من الرتغيب يف الشهوات عقل الشاب املحروم س ُيقنع نفسه مبا نقوله له‪ .‬لكن ً‬ ‫درسا يف الطاعة وتؤكد والءك يف نظرهم‪.‬‬ ‫تعطيهم ً‬ ‫املهلهل‪ :‬ماذا تريدين أن أفعل؟‬ ‫النمرود‪ :‬أريدك أن تنفذ الح ّد برجلٍ بتهمة الخيانة أي أنه «حارب الله والرسول وسعى يف األرض فسا ًدا»‪.‬‬ ‫املهلهل‪ :‬أقطع يديه ورجليه وأصلبه؟‬ ‫النمرود‪ :‬ال‪ ،‬لقد اعتاد الرجال عىل ذلك‪ ،‬افعل شيئًا عىل ذوقك‪ .‬الرجل من بلدنا وكان من رجال الفرقة ج التي حمت‬ ‫قائل أنه تاب إىل الله‪ .‬تظاهرنا بقبوله‪ ،‬وسنستفيد اآلن‪.‬‬ ‫الفرقة د يوم عملية «ذبابة النمرود» ثم جاء إىل هنا ً‬ ‫املهلهل‪ :‬هذا الذي حمى الرجال الذين قتلوا دليله‪...‬لو غفر له الله فأنا لن أغفر له!‬ ‫النمرود‪ :‬بعد درس الطاعة سأخطب بهم ُخطب ًة عصامء وا ُهيجهم للقتال‪ .‬س ّمينا املعركة «القادسية الثانية» تيم ًنا‬ ‫بالقادسية األوىل‪.‬‬ ‫يضحك النمرود والصاحب عمر‪.‬‬ ‫املهلهل مبتسامً‪ :‬توكلنا عىل الله!‬ ‫يف اليوم املنتظر‪...‬‬ ‫رجل مقي ًدا إىل مربعٍ فارغ يف الوسط‪.‬‬ ‫‪ ‬يقف النمرود أمام جمهور املقاتلني بينام يجر جنود اإلمارة ً‬ ‫النمرود (أمري املؤمنني)‪ :‬من هنا ال يعرف جزاء من يحارب الله والرسول ويسعى يف األرض فسا ًدا؟‬ ‫‪61‬‬


‫رواية فاتنة‬ ‫سام مار‬

‫يسكت الجميع‪.‬‬ ‫النمرود‪ :‬أقم عليه الح ّد‪.‬‬ ‫ثقيل من الحديد ثم يقف أمام الرجل‪ ،‬الرجل يتوسل أن يقتله برسعة‪.‬‬ ‫املهلهل يسري ببطء وهو يج ّر قضي ًبا ً‬ ‫ينظر املهلهل يف عيني الرجل الذي يشعر أن وحشً ا ضاريًا ينظر إليه‪ .‬يفك املهلهل قيد الرجل الذي يبدأ بالركض دون‬ ‫تفكري‪ .‬يرمي املهلهل القضيب الحديدي الثقيل وكأنه يرمي رم ًحا ف ُيصيب الرجل يف منتصف ظهره من الخلف فيسقط‬ ‫عىل وجهه‪ .‬يتبعه املهلهل ثم يلتقط القضيب الحديدي ويرضبه به بوحشية‪ ،‬الرجل يحاول حامية نفسه بيديه ورجليه‬ ‫تتكس أمام أعني املشاهدين الذين يبدؤون بالرصاخ «الله اكرب‪...‬الله اكرب»‪ .‬الرضبات عىل جسده تصدر‬ ‫لكن عظامه ّ‬ ‫ٍ‬ ‫رضبات فيحطّم املهلهل‬ ‫صوت ًا مكتو ًما كلام هوى القضيب عليه مع تعايل رصاخه‪ .‬يتوقف الرجل عن الحركة بعد بضعة‬ ‫رأسه بالقضيب الحديدي وتتناثر الدماء‪.‬‬ ‫تتعاىل الرصخات املشجعة وكأن املشهد يف «كولوسيوم» روماين‪.‬‬ ‫يقف النمرود بني املحاربني ويخطب‪:‬‬ ‫‪ ‬يا رجال الله والرسول‪ ،‬هذا مصري املنافقني والخونة والكفار‪ .‬هكذا سننظف صفوف جيش محمد‪ ،‬فأنتم بإذن الله‬ ‫مالكم‪ ،‬والنساء نساؤكم‪ ،‬قال تعاىل يف سورة ًاألحزاب‪﴿ :‬‬ ‫الفاتحون الجدد‪ٌ ،‬وما أنتم اال مبحررين‪ ،‬فاألرض َ أرضكم‪ ،‬واملال‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬

‫َ ُ‬ ‫ْ‬ ‫ْ ُ ْ‬ ‫ْ َ ْ‬ ‫َّ َ‬ ‫َ َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫م َن ال ُم ْؤمن َ‬ ‫ني ِر َجال َصدقوا َما َعه ُدوا الل َّ َعلي ِه ف ِمن ُه ْم َم ْن قض نبَه َو ِمن ُه ْم َم ْن يَنتَ ِظ ُر َو َما بَدلوا تبْ ِديل‪ِ ،‬لَج ِز َي‬ ‫ِ‬ ‫ِِ‬ ‫ْ ْ ََُ ّ َ ْ‬ ‫َ َ َُ َ ََ‬ ‫َ َ َُ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫الل َّ الصا ِد ِقني بِ ِصد ِق ِهم ويع ِذب المنا ِف ِقني أن شاء أو يتوب علي ِهم أن الل َّ كن غفورا ر ِحيما﴾‪.‬‬

‫رأيتم بأعينكم حكم الله يف املنافق‪ ،‬وسرتون قري ًبا جزاء الصادقني بصدقهم وإن وعد الله حق‪ .‬كام سقط رستم‪ ،‬وكام‬ ‫اقتسم السلف الصالح تاج كرسى‪ ،‬ستسقط دولة املجوس الجديدة عىل أيدينا بإذن الله‪ ،‬وسنقيم حكم الله يف الكرد‬ ‫ومن واالهم‪ .‬ها هي جحافل الكفر تزحف عليكم‪ ،‬تساندهم طائرات الصليب‪ ،‬ولكن هيهات‪ ،‬قال تعاىل‪ « :‬أن كان منكم‬ ‫عرشون صابرون يغلبون مئتني»‪ .‬فهل فينا عرشون صابرون؟‬ ‫الصاحب عمر يهتف الله أكرب ويتعاىل وراءه الهتاف «الله أكرب‪ ،‬الله أكرب»‬ ‫يشري النمرود إىل الجثة الهامدة‪ :‬هكذا ستكون حال رجال الكرد واملجوس بعد أيام!‬ ‫يتعاىل الهتاف « الله أكرب‪...‬الله أكرب»‬ ‫النمرود‪ :‬كلام زاد عددهم كلام زاد عدد الجواري والغنيمة الحالل!‬ ‫«الله أكرب‪...‬الله أكرب»‬ ‫‪62‬‬


‫رواية فاتنة‬ ‫سام مار‬

‫النمرود‪ :‬من يريد رضب رقاب أحفاد ابن العلقمي؟‬ ‫«الله أكرب‪...‬الله أكرب»‬ ‫ألف من‬ ‫النمرود‪ :‬والله لنتعقبنهم تعقب الطري يف األرض! هل نخاف طائرات أمريكا ونحن نعرف أن الله أكرب ومعنا ٌ‬ ‫املالئكة مردفني؟ والله إنني أكاد أرى طري األبابيل يف األفق!‬ ‫يتعاىل الرصاخ بقوة «الله أكرب‪...‬الله أكرب»‬ ‫النمرود‪ :‬ابدؤوا الهجوم!‬ ‫ٍ‬ ‫تشكيالت وأرساب ويثور‬ ‫يندفع الرجال إىل سيارات البيك أب املعدلة والدراجات النارية وغريها‪ ،‬تنطلق أساطيلهم يف‬ ‫غبار الصحراء كام يف معارك العصور القدمية‪ .‬كل الرجال يف تلك اآلليات ثبتوا وجوههم باتجاه العاصمة مؤمنني بنرصهم‬ ‫األكيد‪ .‬بينام يستقل املهلهل سيار ًة مصفح ًة مع النمرود والصاحب عمر‪ ،‬وتتبعهم سيار ٌة مصفح ٌة ثانية فيها الصاحب‬ ‫خليل‪ ،‬الصاحب عثامن والسبع ج ّبار‪.‬‬ ‫الصاحب عمر بعد أن يبدأ بالقيادة‪ :‬عندما يحل الظالم سنأخذ طريقًا مختلفًا إىل الشامل ونبقى عىل اتصا ٍل السليك فقط‬ ‫قليل منذ مجيئك يا سامل‪.‬‬ ‫لتوجيههم‪ .‬صندوق السيارة ميلء بحقائب املال والذهب‪ .‬لقد ع ّدلنا يف الخطة ً‬ ‫املهلهل‪ :‬ما هو التعديل؟‬ ‫النمرود‪ :‬أنت ستكون صامم األمان‪ ،‬لدينا ثقة ببقية األصحاب لكنها ليست ثقة عمياء فاملال يفسد العهود‪ .‬وهم مثل‬ ‫البقية يخافونك أكرث مام يخافونني أنا شخصياً‪ .‬سنقوم بانزالك عىل بعد ثالثني كيلومرتًا من امليناء الرشقي‪ .‬من هناك‬ ‫محمل باملال الذي يكفيك بقية حياتك‪.‬‬ ‫ً‬ ‫بإمكانك أخذ قارب إىل أوروبا‪ .‬طب ًعا ستكون‬ ‫املهلهل‪ :‬ما فائدة ذلك؟ كيف سأكون صامم أمان؟‬ ‫الصاحب عمر‪ :‬هم سيظنون بأنك تتبعنا‪ ،‬لن تكون معنا لئال نُغدر جميعنا‪ ،‬سنبقى عىل اتصال معك أمامهم لذلك لن‬ ‫يتجرأ أحد عىل اللعب بل سيلتزمون بكل يشء‪ .‬هم يعرفون طبيعة انتقامك‪ .‬وهكذا نضمن أنفسنا‪ .‬إليك هذا الهاتف‪،‬‬ ‫عندما نصل أوروبا سنلتقي‪.‬‬ ‫املهلهل‪ :‬إىل أي ٍ‬ ‫بلد أنتم ذاهبون؟‬ ‫ٍ‬ ‫بعمليات يف كل أوروبا‪.‬‬ ‫سنؤسس عصاب ًة تقوم‬ ‫النمرود‪ :‬ألبانيا‪ّ ،‬‬ ‫‪63‬‬


‫رواية فاتنة‬ ‫سام مار‬

‫املهلهل‪ :‬لكن لستم بحاجة للامل‪.‬‬ ‫مبتسم‪ :‬أنا رجل أعامل وما زلت صغ ًريا عىل التقاعد‪.‬‬ ‫النمرود‬ ‫ً‬ ‫يضحك الصاحب عمر‪.‬‬ ‫املهلهل‪ :‬الظالم حل‪.‬‬ ‫النمرود‪ :‬لنفرتق عنهم برسعة‪.‬‬ ‫الصاحب عمر‪ :‬ستتم إبادتهم بعد ساعتني‪.‬‬ ‫املهلهل‪ :‬كيف تعرف؟‬ ‫الصاحب عمر‪ :‬بحساب الوقت الذي غادرت فيه طائرات ال «يب ‪ »٥٦‬الحديثة قواعدها يف أملانيا وبريطانيا‪ ،‬يوجد ‪٢٠‬‬ ‫طائرة عىل الطريق وكل واحد ٍة محملة بأطنانٍ من الصواريخ والقنابل الشديدة االنفجار‪.‬‬ ‫املهلهل‪ :‬ارى ��يارة األصحاب خلفنا‪.‬‬ ‫النمرود‪ :‬هذه هي الخطة لكننا سنفرتق قريبًا‪.‬‬ ‫بالفعل بعد بضعة كيلومرتات تفرتق السيارتان‪.‬‬ ‫الصاحب عمر‪ :‬املنطقة التي ستنزل بها ليست آمنة متاماً‪ ،‬يوجد دوريات من تنظيم «سيف عيل» من حني آلخر‪.‬‬ ‫النمرود‪ :‬رس بنفس االتجاه‪.‬‬ ‫املهلهل ساخ ًرا‪ :‬شك ًرا يا أمي‪.‬‬ ‫يضحك الجميع‪.‬‬ ‫يوقف الصاحب عمر السيارة‪.‬‬ ‫النمرود‪ :‬وصلنا‪ ،‬خذ هذه حقيب ٌة محمول ٌة عىل الظهر تحتوي مليوين دوالر‪ .‬أتذكُر بيت شعر الشنفرى الذي قلته لك يف‬ ‫مفضل لديك؟‬ ‫ً‬ ‫ليل ٍة أصف حايل وأنا تائ ٌه يف الصحراء الكربى وصار‬ ‫ٍ‬ ‫أصليت وصفراء عيطل؟‬ ‫أصحاب فؤا ٌد مشي ٌع ‪...‬وأبيض‬ ‫املهلهل‪ :‬ثالثة‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫مسدسا ذهب ًيا‪« :‬صفراء‬ ‫أصليت»‪ ،‬ثم يناوله‬ ‫«أبيض‬ ‫يضع النمرود يده عىل قلب املهلهل‪« :‬فؤا ٌد مشي ٌع»‪ ،‬يناوله سكينه‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫عيطل» يبتسم‪ :‬لكنها حديثة‪.‬‬ ‫‪64‬‬


‫رواية فاتنة‬ ‫سام مار‬

‫قليل‪.‬‬ ‫يسمع دوي انفجار هائل لكنه بعيد ج ًدا‪ ،‬تهتز األرض ً‬ ‫النمرود‪ :‬لقد وصلت القاذفات‪ ،‬يبدو أن طيور األبابيل ضلّت الطريق إىل مجر ٍة أخرى‪.‬‬ ‫الصاحب عمر مبتسامً‪ :‬ال حول وال قوة إال بالله‪.‬‬ ‫يبتسم املهلهل ويضم النمرود والصاحب عمر‪.‬‬ ‫الصاحب عمر‪ :‬هذا الالسليك يعمل هنا لكنه لن يعمل يف البحر أو أوروبا‪ .‬سنستعمله لالتصال بك والتظاهر أنك تتبعنا‪.‬‬ ‫كن ساملًا يا سامل‪.‬‬ ‫ش ٍء أحبه‪ ....‬ميوت‬ ‫املهلهل‪ :‬كونوا بخري‪ ،‬لن أقول أنني أحبكم ألن كل َ ْ‬ ‫يف الصباح التايل يف فيغاس يستيقظ جميل عىل اتصا ٍل من والده‪.‬‬ ‫انقالب قبل قليل يف القرص الجمهوري وجامعة األصدقاء املؤمنني استلمت الحكم‪ .‬أنا يف‬ ‫السيد رفيق‪ :‬جميل‪ ،‬حدث‬ ‫ٌ‬ ‫طريقي إىل الطائرة اآلن‪.‬‬ ‫ستسمع الخرب من وكاالت األنباء قري ًبا‪.‬‬ ‫جميل‪ :‬هل أنت وأمي بخري؟‬ ‫يل الذهاب اآلن أنا عىل باب الطائرة اطمنئ‪،‬‬ ‫السيد رفيق‪ :‬أجل ال تخف فقط َ‬ ‫ابق خارج البلد إىل أن نرى ماذا سيحدث‪ .‬ع ّ‬ ‫سأكلمك الحقًا إىل اللقاء‪.‬‬ ‫جميل‪ :‬إىل اللقاء يا أيب‪.‬‬ ‫فاتنة‪ :‬ماذا حدث؟‬ ‫جميل‪ :‬انقالب‪ ،‬جامعة األصدقاء املؤمنني استلمت الحكم‪.‬‬ ‫يل االطمئنان عىل أمي وأخوايت‪.‬‬ ‫فاتنة‪ :‬هل عائلتك بخري؟ ع ّ‬ ‫جميل‪ :‬ال تخايف الخرب مل ينترش بعد فهم بخري لكن اتصيل بهم عىل أية حال‪.‬‬ ‫فاتنة‪ :‬سأفعل‪.‬‬ ‫بعد ساعة تنقل وكاالت األنباء عن القناة الرسمية خطاب رجل ملت ٍح‪:‬‬ ‫حق فأعينوين‪ ،‬وإذا ما وجدمتوين عىل باطلٍ فقوموين‪،‬‬ ‫ّيت عليكم‬ ‫ولست بخريكم‪ ،‬فإذا ما وجدمتوين عىل ٍ‬ ‫ُ‬ ‫يا قوم‪ ،‬لقد ُول ُ‬ ‫أطيعوين ما أطعت الله فيكم‪ ،‬لقد انترصت ثورتنا املجيدة‪ ،‬وحان الوقت إلقامة رشع الله يف األرض‪ .‬أول مثار ثورتنا‬ ‫ستكون فرض الحجاب عىل موظفات الدوائر الحكومية‪.‬‬ ‫‪65‬‬


‫رواية فاتنة‬ ‫سام مار‬

‫فاتنة تخفض صوت التلفاز‪ :‬وكأن البلد كانت يف خري لكن مشكلتها عدم تغطية موظفات الحكومة لشعرهن‪ ،‬ستضيع‬ ‫البلد اآلن أكرث من السابق‪ ،‬جميل سيالحقونكم بالتأكيد‬ ‫جميل‪ :‬أعرف ذلك‪ ،‬وطب ًعا ستُصادر أمالكنا‪.‬‬ ‫فاتنة‪ :‬ماذا ستفعل؟‬ ‫جميل‪ :‬سأبقى يف الواليات املتحدة اآلن إىل أن نرى ما سيحدث‪.‬‬ ‫بعد شهر‬ ‫رغم أن عائلة السيد رفيق تحتفظ مببالغ كبرية يف البنوك السويرسية اال أن جميل الذي كان يدير بعض األعامل يف بالده‬ ‫عمل مؤقتًا يف إدارة األبحاث يف نفس والية الدكتور أسعد خال‬ ‫أصبح بال عملٍ اآلن‪ .‬وألنه ليس معتا ًدا عىل ذلك فقد قبل ً‬ ‫فاتنة‪ .‬وهكذا كان يرى فاتنة كل أسبوعني‪.‬‬ ‫‪ ‬يف البالد‪:‬‬ ‫يوسف‪ :‬مع هذا النظام ستزول األحكام الصادرة ضدك وخطر العودة إىل السجن‪ ،‬فام قمت به اآلن مرب ٌر تحت قانون‬ ‫درء الفتنة وحفظ األنساب الجديد‪ .‬أنت فقط أخطأت الهدف ولك أج ٌر واحد‪ .‬هههه‬ ‫يل إيجاد طريقة إلعادة ابنتي العاقة إىل البالد‬ ‫أبو صابر‪ :‬الحمد لله كنت أعرف أن الظلم ُ‬ ‫سيفع عني يو ًما ما‪ .‬اآلن ع ّ‬ ‫إلخضاعها وتأديبها عىل ما فعلت‪ .‬وذلك الولد جميل ليس هنا اآلن فكل أزالم النظام القديم فا ّرون من وجه العدالة‪.‬‬ ‫يوسف‪ :‬ميكرون وميكر الله والله خري املاكرين‪.‬‬ ‫أبو صابر‪ :‬صدق الله العظيم‪ .‬هلم بنا إىل بيت طليقتي‪ ،‬سنجرب فاتنة عىل العودة فهي تحب أمها‪.‬‬ ‫يوسف‪ :‬هيا بنا!‬ ‫بيدي هاتني!‬ ‫بيدي هاتني!‬ ‫ّ‬ ‫‪ ‬يظهر الحقد والغضب عىل وجه أبو صابر‪ :‬سأكرس عظامها ّ‬ ‫فاتنة وجميل والدكتور أسعد يجلسون إىل طاولة مقهى هادئ‪.‬‬ ‫الدكتور أسعد‪ :‬تسعدين مقابلتك سيد جميل‪ ،‬فاتنة أخربتني الكثري عنك‪.‬‬ ‫أيضا سعي ٌد مبقابلتك دكتور أسعد‪.‬‬ ‫جميل‪ :‬وأنا ً‬ ‫أسعد‪ :‬سمعت أن والدك يقيم يف سويرسا حال ًيا‪.‬‬ ‫جميل‪ :‬هذا ما تقوله شبكات األنباء لكنه يف ٍ‬ ‫بلد آخر‪.‬‬ ‫أسعد‪ :‬هل ستكون أنت وعائلتك بخري؟ أقصد كون والدك كان الرجل الثاين يف الحكم‪.‬‬ ‫جميل‪ :‬شبكة األصدقاء املؤمنني مرفوض ٌة من قبل معظم الدول الغربية وتتلقى متويلها من بضع دو ٍل مشبوهة كام تعلم‪.‬‬ ‫‪66‬‬


‫رواية فاتنة‬ ‫سام مار‬

‫لذلك لن يجدوا أذانًا صاغية ملطالبهم بتسليمنا لهم‪ .‬لكن طب ًعا لن نتمكن من العودة إىل البالد طاملا هم الحاكمون‪.‬‬ ‫أسعد‪ :‬عىل أية حال سيفشلون قري ًبا‪ ،‬هذا أسلوبهم فهم يظلون يف املعارضة منتقدين نظام الحكم دون تقديم أية بدائل‪.‬‬ ‫يوهمون الناس أن الحل هو العودة إىل منهاج السلف الصالح‪ ،‬وعند االستيالء عىل الحكم يحاولون تطبيق نظامهم‬ ‫الثيوقراطي البائس فيلفظهم املجتمع مرة ثانية‪.‬‬ ‫وسيم مثل جميل‪.‬‬ ‫فاتنة‪ :‬فيأيت طاغي ٌة عسكري جديد ويعود إىل الحكم‪ .‬لكن الطاغية القادم لن يكون ً‬ ‫الدكتور أسعد يشعر بالحرج من جرأة فاتنة‪.‬‬ ‫فاتنة‪ :‬هذا كالم الراحل فرج فودة منذ عقود من الزمن وهو حال الوطن العريب الحديث‪.‬‬ ‫جميل‪ :‬ما ِ‬ ‫زلت مصممة عىل رأيك‪ ،‬عندما ينجح منوذج غري الدين أو العسكر يف ذلك الجزء من العامل عندها سأعرتف‬ ‫بكل يشء تقولينه عني!‬ ‫يتبــع يف العدد القادم‪...‬‬

‫‪https://secularegypt.com‬‬

‫نحن حركة فكرية مرصية مستقلة‪ ،‬نهتم بشكل أسايس بنش وتعزيز قيم العلامنية ىف مرص‪،‬‬ ‫ملواجهة األصولية والخطاب الواحد ىف املجتمع املرصي‪ ،‬وذلك بشتى طرق وأساليب التوعية من‬ ‫تدشي منتديات نقاشية‪ ،‬حمالت توعية‪ ،‬إقامة مؤمترات وورش عمل‪ ،‬إصدار نشات إلكرتونية‬ ‫وأوراق عمل لتعزيز قيم العلامنية ىف املجتمع املرصي‪.‬‬ ‫‪67‬‬


‫مجلة شهرية بجهود فردية تصدر في الثاني عشر من كل شهر‬

‫مجلة امللحدين العرب هدفها نشر أفكار‬ ‫امللحدين والالدينيني العرب على اختالف‬ ‫توجهاتهم وانتماءاتهم السياسية والعرقية‬ ‫وبحري ٍة كاملة‪ .‬اجمللة رقمي ٌة مبني ٌة بجهود‬ ‫ي توج ٍه سياسي‪.‬‬ ‫فردي ٍة وال تع ّبر عن أ ّ‬ ‫املعلومات واملواضيع املطروحة تعتبر‬ ‫مسؤولية أصحابها من الناحية األدبية‬ ‫وحقوق النشر وحفظ امللكية الفكرية‪.‬‬ ‫الناشرون هم من أعضاء مجموعة مجلة‬ ‫والالديني‬ ‫امللحدينالعرب‪،‬أومنالك ّتابامللحدين‬ ‫ّ‬ ‫ممّن مت ّ التواصل معهم ألخذ اإلذن بالنشر ‪.‬‬ ‫العامة‪،‬‬ ‫مناف لألخالق‬ ‫ُينع نشر كل ماهو‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫وكذلك التحريض أو التصريحات العنصرية‪.‬‬ ‫لهيئة التحرير احلق ّ في نشر ما تراه مناس ًبا‬ ‫من املواضيع املوجودة في مجموعة اجمللة‬ ‫موضوع‬ ‫ي‬ ‫على الفيس بوك ‪ ،‬فنشر أ ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ضمنها يُعتبر تفويضا ً للمجلّة بنشره‪.‬‬

‫موقع املدونة اخلاصة بنا لألرشفة على اإلنترنت‪:‬‬ ‫‪www.aamagazine.blogspot.com‬‬ ‫البريد اإللكتروني‬ ‫‪el7ad.organisation@gmail.com‬‬ ‫‪magazine@arabatheistbroadcasting.org‬‬


مجلة الملحدين العرب: العدد الثالث والأربعون / شهر يونيو /