Issuu on Google+


‫متيز ديننا ( اإلسالم ) بالتوازن‬ ‫العجيب بني املادة والروح ‪ ،‬بني‬ ‫متطلبات الدنيا واآلخرة ‪ ،‬وقد ذكر‬ ‫القرآن الكرمي ذلك بكل وضوح ‪ ،‬قال‬ ‫تعالى ‪ :‬ﭽ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ‬ ‫ﯬ ﯭﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ‬ ‫ﯳﯴ القصص ‪ ، 77 :‬فالذي خلق‬ ‫النفوس ‪ ،‬سبحانه ‪ ،‬يعلم انطالقتها‬ ‫في الدنيا إذا أقبلت عليها هذه الدنيا‬ ‫‪ ،‬فإذا لم يكن لإلنسان دين يحميه‬ ‫من الركض الوحشي فيها ‪ :‬ساقته‬ ‫أمامها وال تبالي بأي الوديان هلك ‪.‬‬ ‫باملقابل ‪ ،‬عندما تتمكن العقيدة‬ ‫الصحيحة من قلب املؤمن ‪ :‬يصبح‬ ‫كل ما سوى اهلل ال قيمة له ‪ ،‬كل‬ ‫الدنيا مبا فيها ‪ ،‬ويصبح الشعار‬

‫ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ‬ ‫ﯘﯙﯚ ﯛﯜﯝﯞﯟ ﯠ‬ ‫ﯡ  الشعراء ‪. 51 – 50 :‬‬ ‫إنها العقيدة الراسخة في القلب‬ ‫هي التي غيرت موقفهم ‪ ،‬ورفعت‬ ‫معنوياتهم ‪ ،‬وسمت بهم بعد أن‬ ‫كانوا يقولون‪ :‬ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣ‬ ‫ﭤ ‪.‬‬ ‫إخواني في كتائب صالح الدين ‪،‬‬ ‫وفي مكاتب جامع ‪ ،‬واجملاهدين من كل‬ ‫فصيل في امليدان ‪:‬‬ ‫إن عدونا ميكن أن ينتصر علينا إذا‬ ‫هزمنا في ميادين األخالق والدين فقبلنا‬ ‫أن نحذو حذوه في األخالق العامة‬ ‫وإن كنا نخالفه في خصوصيتها ‪،‬‬ ‫مطلوب منا أن نتواصل مع الناس ‪،‬‬

‫وينغرز بيننا وبينهم عنصر الرحمة‬ ‫والرفق ‪ ،‬فالناس ال زالوا بعيدين عن‬ ‫منهج اإلسالم في نظرته للحياة ‪،‬‬ ‫وهم في حاجة ماسة إلى ملسة حنان‬ ‫ورفق توصلهم إلى طريق اهلل ‪.‬‬ ‫إننا نعيش احلياة لنجعلها طريقنا‬ ‫إلى اآلخرة ‪ ،‬وإلى اجلنة ‪ ،‬وإلى اإلسالم‬ ‫وجهنا ووجهتنا إلى اهلل تعالى ‪ ،‬قال‬ ‫تعالى ‪  :‬ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ‬ ‫ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓﮔ‬ ‫ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ لقمان ‪. 22 :‬‬ ‫فاستمسكوا بالعروة الوثقى‬ ‫‪ ،‬وأسلموا وجهكم هلل ‪ ،‬وضعوا‬ ‫الدنيا ومتاعها خلفكم ‪ ،‬وال يغرنكم‬ ‫متاعها ‪ ،‬فمتاعها قليل ‪  ،‬ﭑ ﭒ‬ ‫ﭓ ﭔ  العنكبوت ‪. 64 :‬‬


‫ﻛﺘﺎﺋـــــــﺐ ﺻــــــﻼح اﻟﺪﻳــــــــﻦ ا�ﻳﻮﺑــــــــﻲ‬

‫* التناول القرآني للمعارك اهلجومية ‪)6( ........................................................‬‬ ‫* الثبات ام الشتات ‪ ..‬أيهما خيارك ؟ ‪)10( .............................................................‬‬ ‫* أساليب ومبادئ القائد صالح الدين األيوبي ‪)13( ..........................................‬‬ ‫* بناء املخطط االسرتاتيجي ‪)14( .........................................................................‬‬ ‫* الدفـــــــــــــــــاع ‪)16( ..................................................................................................‬‬ ‫* تقنيات التجسس احلديثة ‪)17( ........................................................................‬‬ ‫* كارل فون كالوزفيتز ‪)19( .............................................................................‬‬ ‫* أوبة كعب ‪ ..‬أيها املخلفون !! ‪)20( ....................................................................‬‬ ‫* لتكون رج ً‬ ‫ال !! ‪)22( ...............................................................................................‬‬

‫‪3‬‬


‫في معرِض اللقاء بني أبي سفيان‬ ‫سؤال‬ ‫‪ ‬وبني هرقل ملك الروم وفي ُ‬ ‫َ‬ ‫هرقل عن طبيعة العالقة بني النبي‪‬‬ ‫واملشركني والقتال بينهما‪ ،‬قال هرقل‪:‬‬ ‫ فهل قاتلتموه؟ قال أبو سفيان‪ :‬نعم‪.‬‬ ‫قال هرقل‪ :‬فكيف كان قتالكم إياه؟‬ ‫أبو سفيان‪ :‬احلرب بيننا سجال‪ ،‬ينال‬ ‫منا وننال منه ‪.‬‬ ‫مما ال شك فيه أن اجلهاد في كل‬ ‫زمان ومكان له ثوابت ومتغيرات ‪،‬‬ ‫وإن من أثبت الثوابت لهذه الفريضة‬ ‫املباركة هو قول النبي ‪ ( : ‬اجلهاد‬ ‫ماض إلى يوم القيامة ) ‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫أما املتغيرات والتي هي عكس‬ ‫الثوابت فهي أمور ثانوية في ليست‬ ‫في املنهج واملبدأ وهي من الفروع‬ ‫وليست من األصول‪ ،‬تتغير بتغير‬ ‫الزمان أو املكان أو األشخاص لها‬ ‫ضوابط شرعية عامة‪ ،‬تفصيالتها‬ ‫تخضع إلى مداخالت يقدرها اجملتهدون‬ ‫باألدلة‪ ،‬قابلة للحوار والنقاش‪.‬‬ ‫وما يهمنا هنا وفي هذه األيام‬ ‫خاصة هو أن نذكر الثوابت التي‬ ‫رسمتها النصوص الشرعية على‬ ‫طريق اجلهاد‪ ،‬وهذه الثوابت نحن‬ ‫اليوم بأمس احلاجة إلى إعادة تذكرها‬ ‫ونشرها وفقهها‪ ،‬نحن اليوم وفي هذا‬

‫‪4‬‬

‫الوضع البائس لألمة اجلريحة نحتاج‬ ‫حقيقة إلى الرجوع إلى ثوابتنا التي‬ ‫بدأ بعض املتخاذلني يعيد الكالم‬ ‫فيها ويزيد‪ ،‬ليحيلها إلى متغيرات من‬ ‫األفضل لنا في هذا الوقت أال نتمسك‬ ‫بها‪ ،‬فمن قائل ‪ :‬أين اجلهاد ؟‪ ،‬ومنهم‬ ‫من يقول ‪ :‬انتهى اجلهاد‪ ،‬ومنهم من‬ ‫ينادي ‪ :‬ألقوا السالح وارفعوا راية‬ ‫السياسية‪ ،‬وغيرهم وغيرها من‬ ‫األقاويل واالفتراءات ‪.‬‬ ‫إن الذين ينادون بهذه األقاويل‬ ‫واألراجيف لينسون أو يتناسون حقائق‬ ‫شتى عن طبيعة هذا الركن الركني من‬ ‫أركان اإلسالم بل ويهملون الطبيعة‬ ‫احلية لهذا الدين بشكل عام ‪ ،‬ولست‬ ‫هنا بصدد سرد النصوص واحلجج التي‬ ‫تؤيد هذا املذهب وحقيقته‪ ،‬ولكني‬ ‫أقول ‪ :‬إن أكثر املسلمني على قناعة‬ ‫بأن اجلهاد ماض إلى يوم القيامة‪ ،‬وإن‬ ‫أحوال أكثر املسلمني تدل على أنهم‬ ‫على قناعة بأن العالم أجمع ال ميكن‬ ‫له أن يُسقط راية اجلهاد في العالم‪ ،‬بل‬ ‫إن كثيرا ً منهم ال يدرك معنى الصراع‬ ‫بني احلق والباطل‪ ،‬وال يقرأ تاريخ األمة‬ ‫وتاريخ األنبياء من القرآن خاصة‪ .‬وما‬ ‫صولة تكساس التي قادها نضال‬ ‫مالك إال دليال واقعيا واضحا على‬

‫حياة اجلهاد في قلوب أبناء اإلسالم‪،‬‬ ‫حيث قال قائد قاعدة فورت هود روبرت‬ ‫كون‪ ( :‬إن التقارير األولية غير مؤكدة‬ ‫أشارت إلى أن مطلق النار قال ‪ :‬اهلل‬ ‫أكبر‪ ،‬مضيفا أنه لم يتوفر دليل على‬ ‫أن الهجوم كان عمال إرهابيا )‪.‬‬ ‫العالم يحارب وعد اهلل مبضي‬ ‫اجلهاد‪ ،‬ونحن نصدق اهلل ونقسم‬ ‫بهزمية العالم الذي حارب اهلل‬ ‫سبحانه وتعالى‪ ،‬النظام العاملي‬ ‫اجلديد يقوم على مفهوم محدد‬ ‫وواضح املعالم وهذا املفهوم هو‪:‬‬ ‫أن اجلهاد هو اإلرهاب‪ ،‬وكل مجاهد‬ ‫إرهابي‪ ،‬وال بد من مالحقة اإلرهابيني‬ ‫وقمع اإلرهاب‪ ،‬مبعنى ال بد من مالحقة‬ ‫أولياء اهلل وقمع شريعة اهلل سبحانه‬ ‫وتعالى‪ ،‬فحرب بهذه الصورة نتيجتها‬ ‫معروفة لنا سلفا ً قصها اهلل علينا‬ ‫في كتابه وبينها لنا رسوله ‪ ‬في‬ ‫سنته فقال عليه الصالة والسالم‬ ‫كما عند البخاري وأحمد وغيرهما‬ ‫عن أبي هريرة ‪ ‬أن النبي ‪ ‬قال‪:‬‬ ‫قال اهلل تعالى ‪( :‬من عادى لي وليا‬ ‫فقد آذنته باحلرب) أي أعلمته بالهالك‪،‬‬ ‫وحرب اهلل تعالى هي على من يعادي‬ ‫أولياءه لواليتهم هلل ويتخذهم أعدا ًء‬ ‫بسبب دينهم‪.‬‬


‫ﻛﺘﺎﺋـــــــﺐ ﺻــــــﻼح اﻟﺪﻳــــــــﻦ ا�ﻳﻮﺑــــــــﻲ‬

‫ولئن كانت هناك فترة في‬ ‫اجلهاد العراقي‪ ،‬فإن مآسي‬ ‫ومساوئ الساسة العراقيني و‬ ‫( املستعرقني ) فيها من اخليبة‬ ‫واخلذالن للشعب العراقي ما‬ ‫تُنبئ بعودة سريعة للجهاد‪،‬‬ ‫في البلد الذي تساوى عنده‬ ‫الهم في املاضي واحلاضر ‪ ،‬إال‬ ‫أنه كان يشعر بفخر العزة وعزة‬ ‫اجلهاد حينما كان الشعب كله‬ ‫يؤمن بسياسة اجلهاد ال بجهاد‬ ‫السياسة ‪.‬‬ ‫يقول تعالى ‪ :‬ﭶ ﭷ ﭸ‬ ‫ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ‬ ‫ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ  البقرة‪:‬‬ ‫‪( 193‬وإذا كان النص عند نزوله‬ ‫يواجه قوة املشركني في شبه‬ ‫اجلزيرة‪ ،‬وهي التي كانت تفنت الناس‪،‬‬ ‫ومتنع أن يكون الدين هلل‪ ،‬فإن النص‬ ‫عام الداللة‪ ،‬مستمر التوجيه واجلهاد‬ ‫ماض إلى يوم القيامة‪ .‬ففي كل يوم‬ ‫تقوم قوة ظاملة تصد الناس عن الدين‪،‬‬ ‫وحتول بينهم وبني سماع الدعوة إلى‬ ‫اهلل واالستجابة لها عند االقتناع‬ ‫واالحتفاظ بها في أمان‪ ،‬واجلماعة‬ ‫املسلمة مك ّلفة في كل حني أن‬ ‫ِّ‬ ‫حتطم هذه القوة الظاملة‪ ..‬وتطلق‬ ‫الناس أحرارا ً من قهرها يستمعون‬ ‫ويختارون ويهتدون إلى اهلل) )في ظالل‬ ‫القرآن (‪. )102/2‬‬ ‫نعم الدرب صعب والثمن باهض‬ ‫واملسيرة طويلة والشبهات شتى‪..‬‬ ‫لكن قيادة اجلهاد يفرزها امليدان‬ ‫بحره وبرده‪ ...‬تتقاسم مع القيادة‬ ‫األمن واخلوف‪...‬‬ ‫مع جنودها احللو واملّر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫قيادة تقاتل وتقتل في ساحة الشرف‬ ‫في سبيل قضيتها‪ ...‬عكس املتاجرين‬ ‫بقضايا ودماء املستضعفني‪ ...‬يقدمون‬ ‫األمة للحتوف ويجمحون إلى‬ ‫أبناء ّ‬ ‫الكهوف‪ ،‬يزجون بهم في اخلنادق‬ ‫وأما أهل‬ ‫ويختفون في الفنادق‬ ‫اإلرجاف والتخذيل؛ فهم أحط قيمة‬

‫في عني العد ّو والصديق منّا‪ ،‬ألنّهم‬ ‫رضوا بالهوان يوم أشربوا ال ّوهن‪،‬‬ ‫ومن خان دينه هل يؤمتن على شيء‪.‬‬ ‫يصفوننا بالتهور ‪ ..‬وهل تهورٌ أشد‬ ‫من محاربة دين اهلل ‪ .. ‬وإنّي‬ ‫مسائلكم؛ أكان جهاد رسول اهلل ‪‬‬ ‫وعدة؟‬ ‫وصحابته تهورا وهم أقل عددا ّ‬ ‫وماذا فعلتم أنتم بتعقلكم؟ إ ّن ما‬ ‫بحك ٍم عظيم ًة‬ ‫قدره‬ ‫قدره اهلل ‪ّ ‬‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫وفوائ َد جسيمة وانّه ليتبني املؤمن من‬ ‫املنافق‪ ،‬الذين ملا أمروا بالقتال‪ ،‬ﭟ‬ ‫ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ؛ أي ذبا ً عن‬ ‫دين اهلل وحماية له‪ ،‬وطلبا ملرضاة اهلل‪،‬‬ ‫ ﭦ ﭧ؛ عن محارمكم وبلدكم‬ ‫إن لم يكن لهم ن ّية صاحلة‪ ،‬فأبو ذلك‬ ‫واعتذروا بان قالوا؛  ﭪ ﭫ ﭬ‬ ‫ﭭ‪ ،‬وهم َك َذب ٌة في هذا ‪ ،‬فأين‬ ‫الغيرة الدينية والنخوة الرجولية؟‬ ‫ٌ‬ ‫قليــل عديــ ُدنا‬ ‫ُعيــرنا أنّا‬ ‫ت ّ‬ ‫فقلت لها إ ّن الكرا َم قليــلُ‬ ‫ُ‬ ‫وال َّ‬ ‫كانت بقايا ُه ِمثلنا‬ ‫قل من‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫للعال ُ‬ ‫وكهو ُل‬ ‫باب تسامى ُ‬ ‫ش ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫قليــل وجارُنا‬ ‫ضـــ ّرنا أنّا‬ ‫وما َ‬ ‫ُ‬ ‫ذليــل‬ ‫عزيـ ٌز وجارُ األكثريـ َن‬ ‫من األسس التّي رسخها القرآن‬

‫الكرمي في نفوس الصحابة رضي اهلل‬ ‫عنهم ؛ أ ّن بقاء اإلسالم وشرائعه‬ ‫التّي منها اجلهاد ذروة سنامه‪ ،‬ليس‬ ‫معلقا بأشخاص ولو كانوا أنبياء‪...‬‬ ‫ثم ترسخ هذا املبدأ باحلدث واحلديث‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫للهّ‬ ‫شاء ا أن تكون موقعة أحد‪ ،‬ثاني‬ ‫موقعة بني اإلميان والكفر وقتل فيها‬ ‫من الصحابة خلق كثير منهم‬ ‫حمزة أسد اهلل وسيد الشهداء‪،‬‬ ‫وأشيع مقتل النّبي ‪ ‬فخارت‬ ‫عزائم وألقى بعض الصحابة‬ ‫سالحه‪ ،‬وقال؛ على ما نقاتل بعد‬ ‫مقتله ‪ ‬؟! وقال آخرون؛ لو كان‬ ‫ن ّبيا ما قتل! بل فكرت طائفة في‬ ‫مصاحلة قريش حلقن دمائها وحفظ‬ ‫أموالها‪ ...‬فقالوا ؛ كيف نهزم ويقتل‬ ‫منّا ونحن املّسلمون على احلق‪،‬‬ ‫وعدونا على الباطل؟! واستغل آخرون‬ ‫ّ‬ ‫احلدث ‪ ،‬وث ّبت اهلل طائفة فقالت؛ إن‬ ‫كان محمد ‪ ‬قد قتل فإن اهلل حي ال‬ ‫ميوت‪ ،‬وقال آخرون؛ إن قتل ‪ ‬فلنقاتل‬ ‫ولنمت على ما مات عليه ‪. ‬‬ ‫حدثت هذه النّازلة ودعوة اإلسالم‬ ‫ودولته ال زالت في املهد لم تتخط‬ ‫اخلط األحمر‪ ،‬وفي خضم احلدث‬ ‫ويوجه‪...‬‬ ‫وتفاعالته ينزل القرآن يع ّلم‬ ‫ّ‬ ‫ ﮫ ﮬﮭﮮﮯﮰﮱ‬ ‫ﯓ ﯔ  ؛ ال تهنوا وتضعفوا في‬ ‫أبدانكم وال حتزنوا في قلوبكم عندما‬ ‫أصابتكم املصيبة وابتليتم بهذه‬ ‫البلوى فإ ّن احلزن في القلوب والوهن‬ ‫على األبدان زيادة مصيبة عليكم‬ ‫وأعون لعدوكم عليكم‪ ،‬بل شجعوا‬ ‫قلوبكم وص ّبروها وادفعوا عنها احلزن‬ ‫‪ ،‬وتصلبوا على قتال عدوكم‪ ،‬وذكر‬ ‫اهلل تعالى أنه ال يليق بهم الوهن‬ ‫واحلزن وهم األعلون في اإلميان ‪.‬‬ ‫فحري باجملاهد أن يستذكر التاريخ‬ ‫ٌ‬ ‫ويسبشر ويبشر به ‪ ،‬فالتأريخ كله‬ ‫إشارة واضحة الداللة وبينة األثر‬ ‫بصحة قوله ‪ ‬حينما يقول ‪ ( :‬اجلهاد‬ ‫ماض إلى يوم القيامة ) ‪.‬‬

‫‪5‬‬


‫عندما نتكلم عن موضوع علمي‬ ‫عسكري مثل املعركة الهجومية‬ ‫وكيفية التناول القرآني لها فليس‬ ‫معنى ذلك أننا نضفي على القرآن‬ ‫الكرمي الصبغة العلمية أو أننا ننادي‬ ‫بأن الكتاب الكرمي أحد املصادر العلمية‬ ‫الدنيوية ‪ ،‬فالقرآن الكرمي كتاب هداية‬ ‫ورحمة ‪ ،‬وكل لفظ وكل آية وكل سورة‬ ‫فيه هي إعجاز إلهي ال يشعر به إال‬ ‫املتدبر بحق واملتأمل بصدق والدارس‬ ‫بعمق ‪ ،‬وحيث يستزيد ذلك املتدبر أو‬ ‫املتأمل أو الدارس ومضات ونفحات‬ ‫روحانية تتراكم داخله في صورة إميان‬ ‫فوق إميان ونور على نور ‪.‬‬ ‫والكتاب الكرمي تناول صور املعركة‬

‫‪6‬‬

‫القتالية كما نعرفها في عصرنا اليوم‬ ‫‪ ،‬سواء كانت هذه املعركة هجومية‬ ‫ وهي الصورة الرئيسية للمعركة‬‫القتالية ‪ -‬أو الصورة الدفاعية ‪،‬‬ ‫وكل ما هو مشتق منهما من صور‬ ‫قتالية أخرى ‪ ،‬وحتى ميكننا استعراض‬ ‫التناول القرآني للمعركة الهجومية‬ ‫فمن املهم أن نوضح كيف تتم هذه‬ ‫املعركة ‪ ،‬وذلك من خالل صور واضحة‬ ‫ومبسطة يتمكن معها القارئ الكرمي‬ ‫أن يلم بتلك املعركة ‪ ،‬ثم نتناول بعد‬ ‫ذلك كيفية التناول القرآني للمعركة‬ ‫الهجومية ‪.‬‬ ‫ونظرا ً ألن املعركة الهجومية‬ ‫التي تتم في عصرنا اليوم تنفذ من‬

‫خالل مجموعة من املراحل ؛ لذا فإن‬ ‫تناولنا لها سوف يتم مرحلة مرحلة‬ ‫‪ ،‬أو صورة صورة وبالترتيب والترقيم ؛‬ ‫حتى يكون هناك سهولة ويسر عند‬ ‫إيضاح التناول القرآني ‪ ،‬ونعرف ماذا‬ ‫قال القرآن الكرمي في كل مرحلة‪،‬‬ ‫وكيف عبر عنها ‪ ،‬ووجه اإلعجاز‬ ‫املوجود في سياق التناول ‪.‬‬ ‫المعركة الهجومية في عصرنا‬ ‫تتم املعركة الهجومية في عصرنا‬ ‫اليوم من خالل ست مراحل ‪ ،‬هي‬ ‫كاآلتي ‪:‬‬ ‫‪ .1‬مرحلة حشد القوات ‪:‬‬ ‫لتنفيذ معركة هجومية ضد‬ ‫دفاعات معادية ال بد من حشد القوات‬


‫ﻛﺘﺎﺋـــــــﺐ ﺻــــــﻼح اﻟﺪﻳــــــــﻦ ا�ﻳﻮﺑــــــــﻲ‬

‫في مناطق احلشد ‪ ،‬وهي مناطق‬ ‫بعيدة عن العدو يتوفر فيها األمن‬ ‫سواء من مصادر نيران العدو أو عناصر‬ ‫استطالعه واستخباراته العسكرية‬ ‫‪ ،‬وتكون هذه املنطقة على مسافة‬ ‫من العدو مناسبة ال تسبب اإلرهاق‬ ‫للقوات عند تنفيذ التحرك ‪ ،‬وفي‬ ‫حالة تواجدها على مسافة بعيدة‬ ‫حتدد أماكن وقفات لراحة القوات ‪،‬‬ ‫وفي هذه املنطقة يتم التزاوج بني‬ ‫عناصر االلتحام واملشاة ( الدبابات‬ ‫ القوات اخلاصة ‪ ) ..‬وبني عناصر‬‫االقتحام وعناصر النيران (املدفعية ‪-‬‬ ‫الهاونات – الصواريخ ‪ ) ...‬وأيضا ً تتم‬ ‫جميع إجراءات التخطيط للمعركة‬ ‫للوصول للخطة القتالية التي سوف‬ ‫يتم تنفيذها ‪.‬‬ ‫‪ .2‬مرحلة التحرك واالقتراب من‬ ‫دفاعات العدو ‪:‬‬ ‫وفي هذه املرحلة تتحرك القوات‬ ‫من مناطق حشدها في اجتاه العدو‬ ‫من خالل تقدم يحقق السيطرة على‬ ‫القوات ‪ ،‬وغالبا ً ما تتم هذه املرحلة‬ ‫ليالً حتى ال يتكشف فيه الهجوم‬ ‫‪ ،‬إضافة إلى ذلك فإن هناك العديد‬ ‫من اإلجراءات التي تهدف إلى سرية‬ ‫التحرك واالقتراب ‪ ،‬مثل السيطرة‬ ‫على الضوضاء واإلضاءة اخلاصة‬ ‫بالقوات ‪ ،‬وعلى حجم االتصاالت‬ ‫الالسلكية حتى ال تلتقط أي محادثات‬ ‫قد يستفيد منها العدو‪.‬‬ ‫‪ .3‬مرحلة التحول من تشكيالت‬ ‫التحرك إلى تشكيالت القتال ‪:‬‬ ‫عند االقتراب من العدو ووجود‬ ‫القوات في مرامي أسلحته تقوم‬ ‫القوات بالتحول السريع من تشكيل‬ ‫التحرك إلى تشكيل املعركة ‪،‬‬ ‫ويشترط في هذه املرحلة السرعة‬ ‫في التحول ‪ ،‬ووجود إخفاء ممثل في‬ ‫درجة إظالم معينة ؛ لذلك غالبا ً‬ ‫ما جند أن هذه املرحلة تتم في فترة‬ ‫الشفق البحري حيث تستغل القوات‬

‫فترة هذا الشفق في إجراء التحول‬ ‫املطلوب من تشكيل التقدم إلى‬ ‫تشكيل املعركة ‪.‬‬ ‫‪ .4‬مرحلة الهجوم على دفاعات‬ ‫العدو ‪:‬‬ ‫بعد انتهاء القوات من اتخاذ‬ ‫تشكيالت القتال ووصولها إلى خط‬ ‫البدء للعملية الهجومية وحيث‬ ‫يكون هذا الوصول غالبا ً مع انتهاء‬ ‫الشفق البحري وبداية الشفق املدني‬ ‫والذي يعتبر نهارا ً كامالً من وجهة‬ ‫النظر العسكرية ‪.‬‬ ‫تبدأ العملية الهجومية في‬ ‫اإلضاءة الكاملة ‪ ،‬حتى تستطيع كل‬ ‫وحدة مقاتلة رؤية الهدف املطلوب‬ ‫االستيالء عليه ‪ ،‬وتقوم بالقتال في‬ ‫االجتاه الذي يؤدي بها إلى هذا الهدف‪.‬‬ ‫ويختلف شكل املناورة املستخدمة‬ ‫لتنفيذ القتال من وحدة إلى أخرى‬ ‫طبقا ً لشكل العدو وطبيعة األرض‬

‫‪ ،‬ورغم هذا اخلالف املنطقي في‬ ‫شكل قتال الوحدات إال أن هذا‬ ‫القتال لن يخرج عن اقتراب محسوب‬ ‫باستغالل النيران وخصائص األرض ‪،‬‬ ‫ثم االنقضاض السريع على القوات‬ ‫احملاربة في صورة إغارة ممزوجة بصيحة‬ ‫النصر ( اهلل أكبر ) ‪ ،‬تلك الصيحة‬ ‫التي أطلقها السلف الصالح فدانت‬ ‫لهم الدنيا شرقا ً وغربا ً وهم القلة ‪.‬‬ ‫‪ .5‬مرحلة القتال لالستيالء على‬ ‫أهداف العدو ‪:‬‬

‫تستمر القوات في تنفيذ العملية‬ ‫الهجومية لتدمير دفاعات العدو‬ ‫واختراق قواته ‪ ،‬ودفع القوات املتواجدة‬ ‫في اخللف لتطوير عملية الهجوم ‪،‬‬ ‫واستغالل النجاح الذي يتم حتقيقه‬ ‫‪ ،‬وأهم ما مييز هذه املرحلة ‪:‬‬ ‫أ‪ .‬الضوضاء الشديدة والصوت‬ ‫العالي ؛ حيث حركة املعدات القتالية‬ ‫‪ ،‬ونيران األسلحة واملدفعيات ‪،‬‬ ‫واصطدام قوات اجلانبني ببعض ‪.‬‬ ‫ب‪ .‬الرؤية احملدودة في أماكن مختلفة‬ ‫والتي تنتج عن الغبار املتصاعد من‬ ‫حركة املعدات واألسلحة واملدفعيات‬ ‫‪ ،‬وتنفيذ القوات لصور املناورة سواء‬ ‫االلتفاف أو التطويق ‪ ،‬إضافة إلى ذلك‬ ‫فقد يلجأ أحد األطراف إلى استخدام‬ ‫املواد الدخانية لتعمية الطرف اآلخر ‪.‬‬ ‫ج‪ .‬التداخل بني األطراف املقاتلة ‪،‬‬ ‫وظهور االختراقات احملدودة في دفاعات‬ ‫اجلانب املدافع في شكل جيوب ما‬ ‫تلبث أن تتوحد وتتسع مشكلة‬ ‫اختراقا ً عميقا ً يصل إلى وسط أو‬ ‫مركز القوات املدافعة ‪.‬‬ ‫د‪ .‬وتعتبر هذه املرحلة هي املرحلة‬ ‫الرئيسة في حجم اخلسائر التي تقع‬ ‫باألطراف املقاتلة سواء في األفراد أو‬ ‫املعدات ‪.‬‬ ‫‪ .6‬مرحلة تدمير العدو وتحقيق‬ ‫الهدف ‪:‬‬ ‫تتيح هذه املرحلة كما سبق‬ ‫اإليضاح من خالل توحد اجليوب التي‬ ‫جنحت القوات املهاجمة في اختراقها‬

‫‪7‬‬


‫بدفاعات العدو ‪ ،‬ويالحظ هنا أن‬ ‫عملية استغالل النجاح وتطوير‬ ‫الهجوم تتم في اجتاهات قد مت تركيز‬ ‫القوات فيها منذ بدء الهجوم بحيث‬ ‫يحقق هذا التركيز سرعة الوصول‬ ‫إلى التجمع الرئيس للعدو وتدميره‬ ‫‪ ،‬والتواجد في منتصفه أو وسطه ‪،‬‬ ‫وتعرف هذا االجتاهات باسم االجتاه‬ ‫الرئيس للهجوم ‪ ،‬وغالبا ً ما يكون هذا‬ ‫االجتاه كاآلتي ‪:‬‬ ‫أ‪ .‬إذا كان االجتاه الرئيس للقوات في‬ ‫منتصف مواجهة القتال فإنه يؤدي‬ ‫إلى تدمير التجميع الرئيس للعدو من‬ ‫خالل شطره إلى أجزاء ‪ ،‬وتدمير كل‬ ‫شطر على حدة ‪.‬‬ ‫ب‪ .‬إذا كان االجتاه الرئيس للقوات‬ ‫في ميني أو يسار مواجهة القتال فإنه‬ ‫يؤدي من خالل مناورة جانبية ومفاجئة‬ ‫غير متوقعة إلى مركز جتميع العدو ‪.‬‬ ‫املعركة الهجومية في القرآن‬ ‫‪ .1‬مرحلة حشد القوات ‪:‬‬ ‫تناول القرآن الكرمي هذه املرحلة‬ ‫في قول املولى ‪  : ‬ﯘ ﯙ ﯚ‬ ‫ﯛﯜﯝﯞﯟﯠ‬ ‫ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ‬ ‫ﯦﯧﯨ ﯩﯪﯫ‬ ‫ﯬﯭ  األنفال‪.60:‬‬ ‫ويالحظ هنا أن األمر اإللهي جاء‬ ‫في صورة عامة شامالً إعداد وجتهيز‬ ‫القوات في أوقات السلم ‪ ،‬وأيضا ً‬ ‫القيام بحشدها استعدادا ً لتنفيذ‬

‫‪8‬‬

‫القتال ‪ ،‬وواضح من قوله تعالى أن‬ ‫اإلعداد هنا يشمل عنصر القوة ممثلة‬ ‫في القوة البشرية واألسلحة واملعدات‬ ‫‪ ،‬وكذلك عنصر املناورة ممثالً في رباط‬ ‫اخليل ‪ ،‬وحيث كانت اخليل هي العنصر‬ ‫املشترك في أغلب معارك هذه الفترة‬ ‫من الزمن ‪ ،‬وكانت هي وسيلة املناورة‬ ‫الرئيسة ‪.‬‬ ‫ويجب أال ننسى هنا أن أي معركة‬ ‫قتالية تتم في عصرنا اليوم تتكون‬ ‫من عنصرين أساسيني ‪ ،‬هما ‪ :‬النيران‬ ‫‪ ،‬واملناورة وقد وردا في اآلية الكرمية‬ ‫ألهميتها القصوى عند تنفيذ القتال‬ ‫الصحيح ‪.‬‬ ‫‪ .2‬مرحلة االقتراب من دفاعات‬ ‫العدو ‪:‬‬ ‫تناول القرآن الكرمي هذه املرحلة‬ ‫من خالل القسم اإللهي في قوله‬ ‫تعالى‪ ( :‬والعاديات ضبحا ً ) ‪ ،‬والعاديات‬ ‫املقصود بها الدواب التي لها القدرة‬ ‫على العدو والسرعة خالل تنفيذ‬ ‫األعمال القتالية ‪ ،‬وهي على وجه‬ ‫التحديد اخليل واإلبل ‪ ،‬حيث كان يتم‬ ‫استخدامها في القتال في عصر نزول‬ ‫القرآن ‪.‬‬ ‫وعندما نتأمل القسم اإللهي هنا‬ ‫فال بد أن ندرك أن هناك وجه إعجاز‬ ‫في تلك اخمللوقات ‪ ،‬ويكفي إليضاح‬ ‫ذلك أن نقول ‪ :‬إن اإلبل واخليل كانتا ‪-‬‬ ‫وسوف تستمر إلى يوم قيام الساعة ‪-‬‬ ‫أداة من أدوات القتال ‪ ،‬فعلى الرغم من‬ ‫التطور الكبير الذي شهدته معدات‬ ‫املناورة مثل الدبابة والناقلة املدرعة‬ ‫والطائرة العمودية إال أن هناك العديد‬ ‫من اجليوش العاملية التي حتتفظ‬ ‫بوحدات كبيرة من اخليالة والهجانة ‪،‬‬ ‫خصوصا ً إذا كانت مسارح عمل هذه‬ ‫اجليوش ذات طبيعة جبلية أو غابات‬ ‫وأدغاال ً ‪ ،‬وأيضا ً في املسارح الصحراوية‬ ‫لتغطية مواجهات احلدود الواسعة ‪.‬‬ ‫ويالحظ هنا أن اآلية الكرمية‬ ‫عندما تكلمت عن العاديات لم‬

‫تتناول التوقيت الذي تتحرك فيه ‪،‬‬ ‫حيث سيتم استنتاج ذلك من اآلية‬ ‫التي تليها ‪ ،‬وإمنا تناولت اآلية ما‬ ‫يجب أن يراعى أثناء التحرك ‪ ،‬فجاء‬ ‫اللفظ الكرمي ( ضبحا ً ) والذي هو‬ ‫الصوت الوسط للخيل بني الصهيل‬ ‫واحلمحمة ‪ ،‬وكأمنا تريد اآلية الكرمية‬ ‫أن تدعونا إلى أن حترك العاديات‬ ‫املقترب في اجتاه العدو ال بد أن يكون‬ ‫حتركا ً مخفيا ً ال تصدر فيه عن اخليل‬ ‫أصوات عالية ‪ ،‬وإمنا أصوات مقبولة‬ ‫ال تكشف حترك القوات ‪ ،‬ولعل ذلك‬ ‫واضح من خالل حديثنا عن هذه‬ ‫الصورة في املعركة الهجومية التي‬ ‫تتم في عصرنا اليوم ‪.‬‬ ‫‪ .3‬مرحلة ال��ت��ح��ول م��ن تشكيالت‬ ‫ال��ت��ح��رك إل��ى تشكيالت ال��ق��ت��ال ‪:‬‬ ‫وقد عبر القرآن الكرمي عن هذه‬ ‫املرحلة من خالل قول املولى ‪: ‬‬ ‫(فاملو��يات قدحاً) ‪ ،‬وهو الشكل الذي‬ ‫تتخذه القوات املتحركة عند قيامها‬ ‫باتخاذ تشكيل القتال ‪ ،‬حيث تقوم‬

‫بتنفيذ ذلك بأقصى سرعة ممكنة نظرا ً‬ ‫لوجودها في ميدان العدو ‪ ،‬ونتيجة‬ ‫السرعة في التنفيذ يظهر الشرر من‬ ‫أقدام وأرجل اخليل ‪ ،‬والشرر املنطلق‬ ‫من أرجل وأقدام اخليل ال يظهر إال إذا‬ ‫كان هناك درجة من اإلظالم ‪ ،‬وحيث‬ ‫غالبا ً ما تتم هذه املرحلة في فترة‬ ‫الشفق البحري ‪.‬‬


‫ﻛﺘﺎﺋـــــــﺐ ﺻــــــﻼح اﻟﺪﻳــــــــﻦ ا�ﻳﻮﺑــــــــﻲ‬

‫ومن هنا جند أن لفظ ( قدحا ً )‬ ‫قد أوحى لنا بتوقيت هذه املرحلة ‪،‬‬ ‫وبالتالي فإن جميع املراحل السابقة‬ ‫لها تكون سابقة في التوقيت ‪ ،‬مبعنى‬ ‫إذا كانت هذه املرحلة (التحول من‬ ‫تشكيل التقدم إلى تشكيل املعركة)‬ ‫تتم في فترة زمنية بها درجة إظالم فإن‬ ‫املراحل السابقة ‪ -‬ونقصد هنا مرحلة‬ ‫االقتراب من دفاعات العدو ‪ -‬تتم في‬ ‫فترة الليل كما سبق اإليضاح‪.‬‬ ‫‪ .4‬مرحلة الهجوم على دفاعات‬ ‫العدو ‪:‬‬ ‫وقد تناول القرآن الكرمي هذه املرحلة‬ ‫في قوله تعالى ‪ ( :‬فاملغيرات صبحا ً )‪،‬‬ ‫ولعل استخدام لفظ  اإلغارة  أصدق‬ ‫كثيرا ً من لفظ الهجوم على دفاعات‬ ‫العدو ‪ ،‬فاملعركة احلديثة في عصرنا‬ ‫اليوم تتم على مواجهات واسعة‬ ‫وفواصل كبيرة ‪ ،‬األمر الذي يسمح‬ ‫للوحدات املهاجمة بالتعامل املستقل‬ ‫واملنفصل مع دفاعات العدو ‪ ،‬وتأخذ‬ ‫الصورة بعد وصول القوات إلى خط‬ ‫بدء الهجوم صورة اإلغارة ممثلة في‬ ‫االقتراب املستور واالنقضاض السريع‬ ‫على تلك الدفاعات ‪.‬‬ ‫ويالحظ هنا أن حتديد التوقيت‬ ‫جاء واضحا ً وصريحا ً ؛ حيث تتم هذه‬ ‫املرحلة صباحا ً ‪ ،‬وحيث إن الصباح أو‬ ‫النهار من وجهة النظر العسكرية‬ ‫يبدأ مع بداية الشفق املدني ‪ ،‬واملرحلة‬ ‫السابقة ( فاملوريات قدحا ً ) متت وهناك‬ ‫درجة من الظالم ‪ ،‬وهذا ما يعني أنها‬ ‫تتم في فترة الشفق البحري ‪ ،‬وبالتالي‬

‫فمرحلة ( العاديات ضبحا ً ) تتم أثناء‬ ‫الليل ووجود الظالم ‪.‬‬ ‫‪ .5‬مرحلة القتال لالستيالء على‬ ‫أهداف العدو ‪:‬‬ ‫وقد عبر القرآن الكرمي عن هذه‬ ‫املرحلة من خالل قوله سبحانه ‪:‬‬ ‫( فأثرن به نقعا ً ) ‪ ،‬ومعنىأثرن أي ‪:‬‬ ‫أحدثن به نقعا ً ‪ ،‬والنقع هنا له معان‬ ‫عديدة ‪ ،‬فهو يأتي مبعنى  شق اجليب‬ ‫(االختراق الهجومي لدفاعات العدو)‬ ‫ومعنى الغبار واألتربة ( التي تنتج من‬ ‫حركة اخليل ‪ ،‬والدبابات في عصرنا‬ ‫اليوم ) ومعنى رفع الصوت ( الضوضاء‬ ‫الناجتة عن املعركة ) ومعنى القتل‬ ‫والتدمير ( اخلسائر التي حتدث في هذه‬ ‫املرحلة ) ‪.‬‬ ‫وحيث هناك أكثر من عشر معان‬ ‫للفظ القرآني ‪ ،‬وعلى الرغم من‬ ‫اختالفها متاما ً بعضها عن بعض ‪ ،‬إال‬ ‫أن جميعها تصب في صلب موضوع‬ ‫هذه املرحلة ‪.‬‬ ‫‪ .6‬مرحلة تدمير العدو وتحقيق‬ ‫الهدف ‪:‬‬ ‫تناول القرآن الكرمي هذه املرحلة في‬ ‫قوله تعالى‪ ( :‬فوسطن به جمعا ) ‪،‬‬ ‫وكما سبق اإليضاح عند شرح هذه‬ ‫املرحلة أن توسط التجميع القتالي‬ ‫املعادي يعني النجاح الكامل في‬ ‫حتقيق الهدف النهائي ‪ ،‬وأن الوصول‬ ‫إلى ذلك يتم من خالل توحيد اجليوب‬ ‫اخملترقة مع بعضها البعض وفي‬ ‫إطار اجتاه محدد منتقى بعناية من‬ ‫قبل ( أثناء التخطيط للمعركة في‬ ‫منطقة احلشد ) بحيث يحقق هذا‬ ‫االجتاه سرعة عمل القوات املهاجمة‬ ‫واحملافظة على إجراءات التنسيق‬ ‫بينها ‪.‬‬ ‫والوصول إلى وسط التجميع‬ ‫املعادي قد يتم باملواجهة أو من‬ ‫األجناب ‪ ،‬فإذا كان من املواجهة فإن‬ ‫(وسطن) هنا تأتي مبعنى شطرا ً ‬ ‫‪ ،‬أما إذا كان الوصول إلى التجمع‬

‫املعادي من خالل األجناب فإن لفظ‬ ‫الوسط هنا يأتي مبعنى املركز ‪ ،‬وهنا‬ ‫يكون التعبير القرآني الكرمي قد غطى‬ ‫املفهوم الكامل للمرحلة وبأشكال‬ ‫املناورة املطلوبة لتحقيق ذلك ‪.‬‬ ‫الخالصــة ‪:‬‬ ‫‪ .1‬إن التناول القرآني للمعركة‬ ‫الهجومية يتم من خالل خمس آيات‬ ‫تتكون من عشرة ألفاظ ‪ ،‬ورغم ذلك‬ ‫فإن التناول القرآني عبر عن محتويات‬ ‫املعركة بالكامل ‪ ،‬بل وتطرق إلى‬ ‫تفاصيل دقيقة للغاي ة‪ ،‬وهذا‬ ‫االختصار الشديد والتكامل العجيب‬ ‫خارج قدرة البشر ‪.‬‬ ‫‪ .2‬إن التناول القرآني للمعركة‬ ‫الهجومية يتم من خالل استخدامات‬ ‫لفظية غريبة وعجيبة ‪ ،‬وانظر إلى‬ ‫لفظ  ضبحا  الذي يدل على ما يجب‬ ‫اتخاذه من إجراءات أثناء حركة القوات‬ ‫‪ ،‬ولفظ  قدحا ً  الذي يدل على توقيت‬ ‫احلدث بصورة ضمنية ‪ ،‬وطبيعة احلدث‬ ‫بصورة صريحة ‪ ...‬وهكذا ‪.‬‬ ‫‪ .3‬لفظ  نقعا ً  اللفظ العجيب‬ ‫املتعدد املعاني اخملتلفة والتي‬ ‫استخدمها املولى سبحانه بالكامل‬ ‫في سياق موضوع الذي تتحدث عنه‬ ‫املرحلة اخلامسة ‪ ،‬وهذا اللفظ في حد‬ ‫ذاته حتد واضح لكل جهابذة اللغة‬ ‫العربية ‪ :‬من يستطيع استخدام‬ ‫لفظ له عشر معان مختلفة ويسخر‬ ‫تلك املعاني في سياق املوضوع الذي‬ ‫يتكلم عنه ؟!‬

‫‪9‬‬


‫يقول الباري عز وجل ‪ :‬ﮉ‬ ‫ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ‬ ‫ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ‬ ‫ﮚﮛ ﮜﮝﮞﮟ‬ ‫ﮠﮡﮢﮣﮤﮥ ﮦﮧ‬ ‫ﮨ هود ‪. 113 – 112 :‬‬ ‫إن قضية االستمرار في االمتثال‬ ‫ألمر اهلل في املنشط واملكره من‬ ‫القضايا اجلوهرية في التصور‬ ‫اإلسالمي ‪ ،‬ومن القضايا اجلوهرية‬ ‫كذلك في بنية التشريع وأدبياته ‪،‬‬ ‫وليس أدل على ذلك من وصية اهلل‬

‫‪10‬‬

‫لنبيه ‪ ‬في هذه اآلية وفي غيرها بـ‬ ‫( االستقامة ) ‪ ،‬التي هي‪  :‬املداومة‬ ‫على فعل ما ينبغي فعله ‪ ،‬وترك ما‬ ‫ينبغي تركه  ‪.‬‬ ‫وقد قام ‪ ‬بإسداء النصح بلزومها‬ ‫ملن سأله عن قول فصل يصلح به‬ ‫هَّ‬ ‫الل‬ ‫جماع أمره ‪ ،‬ف َع ْن ُ‬ ‫س ْف َيا َن ب ْ ِن َع ْب ِد ِ‬ ‫هَّ‬ ‫الل ‪،‬‬ ‫ال َّث َق ِف ِّي َقا َل ‪ُ :‬قلْ ُت ‪ :‬يَا ر َ ُ‬ ‫سو َل ِ‬ ‫سأ َ ُل َع ْن ُه‬ ‫اإلسالم َقوال ً ال أ َ ْ‬ ‫ُق ْل لِي ِفي ْ‬ ‫أَحدا ً بعد َك ‪َ ،‬قا َل ِ‪ُ ( :‬ق ْل آمنْت باللهَّ‬ ‫َ َْ َ‬ ‫َ ُ ِ ِ‬ ‫اس َت ِق ْم ) رواه مسلم ‪.‬‬ ‫َف ْ‬ ‫ولنا مع هذه اآليات املباركة الوقفات‬

‫التالية ‪:‬‬ ‫‪ .1‬إن في قوله جل وعال ‪  :‬ﮏ‬ ‫ﮐﮑ ‪ ،‬وقوله ‪ :‬ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ‬ ‫ﮛ ﮜ ﮝ إشارة واضحة‬ ‫إلى ما يعترض سبيل االستقامة من‬ ‫مالبسات الس ّراء والض ّراء ‪ ،‬وقد أخبرنا‬ ‫ربنا أن من طبيعة البسط والتمكن‬ ‫استدعا َء البغي والطغيان ‪ ،‬حيث قال‬ ‫سبحانه ‪ :‬ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ‬ ‫ﮭ ﮮ ﮯ‪ ..‬الشورى‪ ، 27 :‬والبغي‬ ‫هو مجاوزة احلد ‪ ،‬وهو يتجسد في‬ ‫صور متعددة ‪ :‬فبغي القوة ‪ :‬البطش‬


‫ﻛﺘﺎﺋـــــــﺐ ﺻــــــﻼح اﻟﺪﻳــــــــﻦ ا�ﻳﻮﺑــــــــﻲ‬

‫بالضعفاء ‪ ،‬وبغي اجلاه والنفوذ ‪:‬‬ ‫الظلم وأكل احلقوق ‪ ،‬وبغي العلم‪:‬‬ ‫اعتماد العالم على ما لديه من‬ ‫شهرة ومكانة ؛ مما يدفعه إلى القول‬ ‫بغير دليل ‪ ،‬ورد أقوال اخملالفني من غير‬ ‫حجة وال برهان ‪ ،‬وطغيان املال ‪ :‬التبذير‬ ‫واإلسراف والتوسع الزائد في املتع‬ ‫واملرفهات ‪.‬‬ ‫والعارض الثاني لالستقامة على‬ ‫خالف األول ‪ :‬حيث تدفع الطموحات‬ ‫‪ ،‬والتطلعات املصلحية ‪ ،‬والضعف‬ ‫‪ ،‬والظروف الصعبة إلى مصانعة‬ ‫الظاملني ومداهنتهم وإشعارهم‬ ‫بالرضا عما هم فيه ‪ ،‬واالستفادة‬ ‫من قوتهم وما لديهم من متاع في‬ ‫حتسني األحوال وحتقيق املكاسب ‪...‬‬ ‫مع أن طبيعة االستقامة وااللتزام‬ ‫في هذه احلال تقتضي املناصحة ‪،‬‬ ‫والهجر ‪ ،‬والضغط األدبي ‪ ،‬والتحذير‬ ‫مناف‬ ‫من التمادي في ذلك ‪ ،‬وهذا كله‬ ‫ٍ‬ ‫للركون ؛ لكن الشيطان يبرهن دائما ً‬ ‫على أنه ميلك خبرات مميزة في تزيني‬ ‫الباطل والتلبيس على اخللق ‪ ،‬فهو‬ ‫ينسيهم أحكاما ً ومواعظ وأدبيات‬ ‫ومواقف وجتارب ‪ ،‬ويدفع بهم بعيدا ً‬ ‫عن كل ذلك !‬ ‫‪ .2‬إن االستقامة في التحليل‬ ‫النهائي ليست سوى متحور املسلم‬ ‫حول مبادئه ومعتقداته ‪ ،‬مهما كلف‬ ‫ذلك من عنت ومشقة ‪ ،‬ومهما ضيع‬ ‫من فرص ومكاسب ‪.‬‬ ‫وينبغي أن يكون واضحاً‪ :‬إن املرء إذا‬ ‫أراد أن يعيش وفق مبادئه ‪ ،‬ورغب إلى‬ ‫جانب ذلك أن يحقق مصاحله إلى احلد‬ ‫األقصى ‪ ،‬فإنه بذلك يحاول اجلمع بني‬ ‫نقيضني ‪ ،‬وسيجد أنه ال بُد في بعض‬ ‫املواطن من التضحية بأحدهما حتى‬ ‫يستقيم أمر اآلخر ‪.‬‬ ‫إن حتقيق املصلحة على حساب‬ ‫عد انتصارا ً لشهوة ‪ ،‬أو مصلحة‬ ‫املبدأ ي ُ ّ‬ ‫آن ّية ‪ ،‬أما االنتصار للمبدأ على حساب‬

‫املصلحة ‪ ،‬فإنه مبثابة ( التربع ) على‬ ‫قمة من الشعور بالسعادة والرضا ‪،‬‬ ‫والنصر واحلكمة ‪ ،‬واالنسجام والثقة‬ ‫بالنفس ‪ ،‬وقد أثبتت املبادئ أنها قادرة‬ ‫على أن تكرر االنتصار املرة تلو املرة ‪،‬‬ ‫كما أثبت اجلري خلف الشهوات دون‬ ‫قيد وال رادع أنه يحقق نوعا ً من املتع‬ ‫واملكاسب اآلن ّية ‪ ،‬لكنه ال يفتأ أن‬ ‫يرتد على صاحبه بالتدمير الذاتي ‪،‬‬

‫حيث ينمو الظاهر على حساب فساد‬ ‫الباطن ‪ ،‬ويتأ ّلف الشكل على حساب‬ ‫ضمور املضمون !‬ ‫إن املبدأ أشبه شيء بـ (النظارة)‬ ‫إذا وضعناها على أعيننا ‪ ،‬فإن‬ ‫كل شيء يت ّلون بلونها ‪ ،‬فصاحب‬ ‫املبدأ له طريقته اخلاصة في الرؤية‬ ‫واإلدراك والتقومي ‪ :‬إنه حني يرى الناس‬ ‫يتسابقون على االستحواذ على‬ ‫منصب ؛ يستغرب من ذلك ‪ ،‬ويتر ّفع‬ ‫؛ ألن مبدأه يقول له شيئا ً آخر غير ما‬ ‫تقوله الغرائز لآلخرين ‪ ،‬وإذا رأى الناس‬ ‫يخبطون في املال احلرام ؛ تقززت‬ ‫نفسه ؛ ألنه يعلم ضخامة العقوبة‬ ‫التي تنتظر أولئك ‪ ،‬وإذا أصيب مبصيبة‬ ‫؛ فإنه يتجلد ويصبر ؛ ألنه يرجو املثوبة‬ ‫عليها من اهلل تعالى ‪.‬‬ ‫إذا ق ّلبنا النظر في اهتمامات‬ ‫الناس ومناشطهم اليومية ‪ ،‬فإن‬ ‫من السهل الوقوف على احملور الذي‬ ‫يعلقون عليه توازنهم العام ‪ ،‬وهناك‬

‫همه األكبر النجاح في‬ ‫تشاهد ‪ :‬من ّ‬ ‫عمله واحملافظة على سمعته فيه ‪..‬‬ ‫كما تشاهد من يتمحور حول املتعة ‪،‬‬ ‫فهو يبحث عنها في كل نادٍ وواد ‪ ،‬ومن‬ ‫يتمحور حول املال ‪ ،‬فهو يجوب العالم‬ ‫بحثا ً عنه ‪ ..‬ومن يبحث عن السيطرة‬ ‫والنفوذ ‪ ،‬فهو مستعد ألن يفعل أي‬ ‫شيء في سبيل التمكن والتحكم ‪.‬‬ ‫وجتد ثلة قليلة بني هذا الطوفان‬ ‫من البشر استهدفت أن حتيا هلل ‪ ،‬وأن‬ ‫ثم ‪ :‬فإنه ميكن‬ ‫تبحث عن رضوانه ‪ ،‬ومن َّ‬ ‫تفسير كل أنشطتها ومقاصدها في‬ ‫ضوء هذا احملور ‪ ،‬وهذه الثلة هي التي‬ ‫النبي ‪ r‬أن يفصح عن محورها‬ ‫أ ُ ِمر‬ ‫ّ‬ ‫باعتباره رائدها وهاديها ‪  :‬ﯓ ﯔ‬ ‫ﯕﯖﯗﯘﯙ ﯚ‬ ‫ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ ﯡ ﯢ ﯣ‬ ‫ﯤ ﯥ ﯦاألنعام ‪. 163 – 162 :‬‬ ‫إن الذين يعلنون الوالء للمبادئ‬ ‫كثيرون ‪ ،‬بل هم أكثر أهل األرض‬ ‫ولكن ال برهان على ذلك لدى أكثرهم‪،‬‬ ‫وميكن أن يقال ‪ :‬إن ألكثر الناس دينني‪:‬‬ ‫��ينا ً معلَنا ً ودينا ً حقيق ّيا ً ‪ ،‬ودي ُن املرء‬ ‫احلقيقي هو الذي يكرِّس حيـاته من‬ ‫أجله ‪.‬‬ ‫إن من طبيعة املبدأ أنه ميد من‬ ‫يتمحور حوله بقوى وإمكانات خارقة‬ ‫وخارجة عن رصيده الفعلي ‪ ،‬ولذا ‪:‬‬ ‫فإن التضحيات اجلليلة ال تصدر إال‬ ‫عن أصحاب املبادئ وااللتزام ‪ ،‬وهم‬ ‫أنفع الناس للناس ؛ ألنهم يثرون احلياة‬ ‫دون أن يسحبوا من رصيدها احليوي ‪،‬‬ ‫إذ إنهم ينتظرون املكافأة في اآلخرة‬ ‫‪ ،‬والتمحور حول املبدأ هو الذي مينح‬ ‫احلياة معنى ‪ ،‬ويجعلها تختلف عن‬ ‫حياة السوائم الذليلة التي حتيا من‬ ‫أجل التكاثر ومجرد البقاء ‪ ..‬املبدأ هو‬ ‫الذي يُضفي على تصرفاتنا االنسجام‬ ‫واملنطقية ‪ ،‬ويجعلها واضحة‬ ‫مفهومة ‪.‬‬ ‫نحن ال ننكر أن الظروف الصعبة‬

‫‪11‬‬


‫إن هناك فترة سماحات تطول أو‬ ‫تقصر بني االنحراف وعواقبه ‪ ،‬وهذا هو‬ ‫تاما ً ‪ ،‬كما أنه هو‬ ‫الذي جعل االبتالء ّ‬ ‫الذي ج ّرأ أهل املعاصي على التماري‬ ‫في غيهم ‪ ،‬لكن العاقل احلصيف‬ ‫ينظر دائما ً إلى األمام ويتحسس ما‬ ‫آت ‪ ،‬ويضغط على واقعة من أجل‬ ‫هو ٍ‬ ‫السالمة في مستقبله ‪.‬‬ ‫‪ .4‬علينا أن جنمع بني النصوص‬ ‫التي تدل على ضرورة االستقامة‬ ‫وااللتزام باملنهج الرباني ‪ ،‬والنصوص‬ ‫التي تفيد رفع احلرج والعنت عن هذه‬ ‫األمة ‪ ،‬من مثل قوله تعالى ‪  :‬ﮨ‬ ‫ﮩﮪﮫ ﮬ ﮭﮮ ﮯ‬ ‫ﮰاحلج‪ ،78:‬وقوله ‪  :‬ﯗ ﯘ ﯙ‬ ‫ﯚ ﯛ ﯜ البقرة ‪ ، 286 :‬وقوله‬ ‫‪ :‬ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ‬ ‫ﯝ ﯞ البقرة ‪ ، 185 :‬وإذا فعلنا‬ ‫ذلك ‪ ،‬فإننا سنفهم من مجموعها‬ ‫أمرين ‪:‬‬ ‫األول ‪ :‬هو ضرورة تزويد املسلمني‬ ‫بثقافة شرعية تتضح فيها حدود‬ ‫الواجبات ‪ ،‬واملباحات واحملظورات ‪ ،‬مبا‬ ‫يشكل خارطة فكرية واضحة ملا‬ ‫ينبغي أن يكون عليه سلوك املسلم‬ ‫وعالقاته ‪.‬‬

‫تُو ِهن من سيطرة املبدأ على السلوك‬ ‫‪ ،‬لكن تلك الظروف هي التي متنحنا‬ ‫العالمة الفارقة بني أناس تش ّبعوا‬ ‫مببادئهم ؛ حتى اختلطت بدمائهم‬ ‫وحلومهم ‪ ،‬وأناس ال متثل املبادئ‬ ‫بالنسبة لهم أكثر من تكميل شكلي‬ ‫لبشريتهم ‪.‬‬ ‫‪ .3‬ال مياري أحد في أن اإلنسان‬ ‫اكتشف في العصر احلديث من اآليات‬ ‫والسنن ما لم يكتشف عشر معشاره‬ ‫في تاريخ البشرية الطويل ‪ ،‬لكن‬ ‫مع هذا فعنصر اخملاطرة واإلمكانات‬ ‫املفتوحة ما زال قائما ً ؛ حيث تتحكم‬ ‫في الظاهرة الواحدة عشرات األلوف‬ ‫من العالقات التي يصعب معها‬ ‫التنبؤ بنتائج االجتهادات واألنشطة‬ ‫اخملتلفة ‪ ،‬وال سيما في القضايا‬ ‫الكبرى ‪ ،‬كمصائر األمم واحلضارات ‪،‬‬ ‫وقضايا التقدم والتخلف ‪ ،‬وما تنطوي‬ ‫عليه من تفاعالت وتغيرات ‪ ،‬وإن اهلل‬ ‫قد ضمن لنا نتائج االستقامة في‬ ‫الدنيا واآلخرة ‪ ،‬فهي بوجه من الوجوه‬ ‫وعلى نحو من األنحاء ال تكون إال خيرا ً‬ ‫‪ ،‬وإال في صالح اإلنسان ‪ ،‬وقد قال اهلل‬ ‫‪  :‬ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ‬ ‫ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﯙ ﯚ ‬ ‫األعراف ‪ ، 128 :‬وقوله ‪  : ‬ﯗ ﯘ‬ ‫ﯙﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟطه ‪:‬‬ ‫‪ ، 132‬وقوله ‪  : ‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ‬ ‫ﭕﭖﭗﭘﭙ ﭚ‬ ‫ﭛﭜﭝﭞ ﭟ‬ ‫ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ األعراف ‪. 96 :‬‬ ‫أما من يسلك دروب املعاصي‬ ‫والفجور ‪ ،‬ويتبع مغريات األهواء‬ ‫والشهوات ‪ :‬فإنه يظل يتوجس خيفة‬ ‫من سوء العاقبة ‪ ،‬لكنه ال يعرف‬ ‫شكل العقوبة ‪ ،‬وال طريقة نزولها‬ ‫وال توقيتها ؛ ليكون الشك والغموض‬ ‫الثاني ‪ :‬توفير الظروف والشروط‬ ‫واخلوف عاجل جزائه ‪ ،‬ومقدم ًة للبالء املوضوعية التي جتعل التزام املسلم‬ ‫الذي ينتظره ‪ ،‬ثم تكون اخليبة الكبرى بدينه ميسورا ً ‪ ،‬وبعيدا ً عن احلرج‬ ‫واخلسارة العظمى !‬ ‫واملشقة التي ال تحُ تمل ؛ إذ أنه ال يكفي‬

‫‪12‬‬

‫أن تكون التعاليم اإلسالمية ضمن‬ ‫الطوق ‪ ،‬بل ال بُد إلى جانب ذلك من‬ ‫أن تكون الظروف املعيشية العامة‬ ‫التي يحيا فيها املسلم مناسبة ‪،‬‬ ‫ومشجعة على االلتزام ‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫إنه كلما تعقدت الظروف املطلوبة‬ ‫للعيش الكرمي ‪ّ :‬‬ ‫قل عدد أولئك‬ ‫الذين يتصرفون ضمن مبادئهم ‪،‬‬ ‫ويلتزمون حدود الشرع ‪ ،‬فحني يكون‬ ‫املرتّب الشهري للموظف ال يكفي‬ ‫لسداد أجرة البيت الذي يسكنه‬ ‫‪ ،‬فإن شريحة كبيرة من املوظفني‬ ‫سوف تلجأ إلى طرق غير مشروعة‬ ‫في تأمني احتياجاتها اليومية ‪،‬‬ ‫وآنذاك سيشعرون أن االلتزام التام‬ ‫ال يخلو من العنت ‪ ،‬وحينئذ سيكون‬ ‫عدد امللتزمني بالطرق الشرعية في‬ ‫الكسب محدودا ً ‪.‬‬ ‫إن احلضارة احلديثة أضعفت اإلرادة‬ ‫مبا أوجدته من صنوف اللهو واملتع‬ ‫‪ ،‬وجعلت الشروط املطلوبة للحد‬ ‫األدنى من العيش الكرمي فوق طاقة‬ ‫كثير من الناس ‪ ،‬كما أنها أوجدت من‬ ‫الطموحات إلى الكماليات ‪ ،‬وأشكال‬ ‫املر ِفهات ما يتجاوز بكثير اإلمكانات‬ ‫املتاحة ‪ ،‬وهذا كله جعل االستقامة‬ ‫على الشرع احلنيف بحاجة إلى منط‬ ‫من الرجال أرقى ‪ ،‬كما جعل من‬ ‫الواجب على األمة أن تفكر مل ّيا ً في‬ ‫توفير ظروف تساعد على االستقامة‬ ‫‪ ،‬وحتفز عليها ‪.‬‬ ‫واملنهجية اإلسالمية تقوم دائما ً‬ ‫على ما ميكن أن نسميه بـ ( احللول‬ ‫املركبة ) ؛ إذ إن هناك من النصوص‬ ‫واألحكام ما يرفع الوتيرة الروحية‬ ‫للمسلم ‪ ،‬كما إن هناك ما يزيد في‬ ‫بصيرته ‪ ،‬وهناك ما يدعوه إلى الصبر‬ ‫واجللد ‪ ،‬وهناك ما يحفزه على حتسني‬ ‫ظروف عيشه وأدائه ‪ ،‬وال بُد أن مننح‬ ‫الفاعلية لكل ذلك حتى ميكن جتسيد‬ ‫املنهج الرباني في حياة الناس ‪.‬‬


‫ﻛﺘﺎﺋـــــــﺐ ﺻــــــﻼح اﻟﺪﻳــــــــﻦ ا�ﻳﻮﺑــــــــﻲ‬

‫إن الرجل العسكري العبقري هو‬ ‫الذي يجعل لديه دائما ً خطة للدفاع‬ ‫عن وطنه ‪ ،‬فقد يأتي الوقت الذي‬ ‫يهاجم فيه في عقر داره ويضطر‬ ‫للدفاع عنها ضد املغيرين ‪ ،‬كان‬ ‫صالح الدين األيوبي رحمه اهلل قائدا ً‬ ‫ممتازا ً يعرف قيمة الدفاع وأهميته‬ ‫لذلك اهتم بأن يجعل ملصر حصونا ً‬ ‫قوية تقف أمام املهاجم شامخة غير‬ ‫هيابة ‪.‬‬ ‫والفكرة في إقامة احلصون أمران ‪:‬‬ ‫األول ‪ :‬أن بالد الشرق كانت تعتمد‬ ‫على احلصون في دفاعاتها ‪ ،‬والثاني ‪:‬‬ ‫أن مصر كلها سيول ‪ ،‬ومن ميلك ناحية‬ ‫اجلبل املطل على عاصمتها استطاع‬ ‫أن يسيطر على املوقف ‪ ،‬ولذلك أنشأ‬ ‫صالح الدين قلعة في مصر سماها‬ ‫باسمه وقد وضع أسس التحصينات‬ ‫الدفاعية عن بالده ‪.‬‬ ‫الشورى‬ ‫من خصائص القائد احملنك واملقاتل‬ ‫املمتاز أن ال يتقيد برأيه وينفرد مبا‬ ‫يراه بل يحاول أن يأخذ بآراء اآلخرين‬ ‫قوال ً وفعالً ‪ ،‬ويعمل مبا هو مطلوب‬ ‫ومناسب ‪.‬‬ ‫لقد كان القائد صالح الدين رحمه‬ ‫اهلل عندما يريد أن يقوم بأي عمل‬ ‫عسكري يدعو رجاله إلى االجتماع‬ ‫ويأخذهم بالنقاش ويسمع إلى آراء‬ ‫اجلميع ومن ثم يناقش حسنات‬

‫وسيئات كل رأي ويضع بعد ذلك‬ ‫اخلطة املناسبة أو العمل املنطقي‬ ‫الذي يوصل إلى نتيجة سليمة ‪.‬‬ ‫تقدير الموقف‬ ‫إن تقدير القائد للموقف احلربي‬ ‫له أثر كبير في نتيجة هذا املوقف ‪،‬‬ ‫فكلما كان القائد متخذا ً الفكرة‬ ‫والتركيز في تقديره للموقف كانت‬ ‫النتيجة أفضل وذات فائدة جيدة ‪،‬‬ ‫وهذا ما كان يتصف به القائد صالح‬ ‫الدين ‪ ،‬فلقد كان يقدر موقفه في‬ ‫كل حلظة ‪ ،‬وقد ظهر ذلك في معركة‬ ‫حطني حني انتخب موقع املعركة ‪،‬‬ ‫وأيضا ً منع احملاوالت التي كان يريدها‬ ‫اإلفرجن من قطع خط الرجعة ‪ ،‬وهذا‬ ‫يدل على حنكته وتقديره اجليد‬ ‫للمعركة ‪ ،‬وفي جميع معارك صالح‬ ‫الدين كان تقدير املوقف الذي يضعه‬ ‫ناجحا ً وصادرا ً عن تفكير عميق وخبرة‬ ‫جيدة مما أدى إلى النصر املؤزر والقضاء‬ ‫على الصليبيني ‪.‬‬ ‫االستطالع‬ ‫لقد عمل القائد صالح الدين مبا هو‬ ‫معروف في احلرب احلديثة باالستطالع‬ ‫والكشف والرصد ‪ ،‬وكان يعتمد على‬ ‫عيونه الذين يرسلون لتقصي أخبار‬ ‫العدو وأماكن ضعفه وقوته وكمية‬ ‫القوات املتحشدة ‪ ،‬وهذا ما قام به‬ ‫في حصار القدس ‪ ،‬فقد أرسل عيونه‬ ‫ملدة خمسة أيام ‪ ،‬اختبروا املناطق‬

‫الضعيفة واستطاع بعد ذلك أن‬ ‫يجتازها ويستولي على القدس ‪.‬‬ ‫عالقته بجنده‬ ‫إن ثقة القائد بنفسه ثم ثقة قادته‬ ‫وجنوده به لها تأثير كبير في عالقات‬ ‫القائد وجنوده وفي تنفيذ هؤالء اجلنود‬ ‫ألوامر قائدهم وهم مؤمنون متاما ً بأن‬ ‫ما يقوله حق ‪ ،‬وكان اجملاهد صالح‬ ‫الدين من ذوي األخالق النبيلة ‪ ،‬وكان‬ ‫مؤمنا ً بأنه يعمل لغرض شريف نبيل‬ ‫‪ ،‬وكان واثقا ً من أن نصر اهلل قريب ‪،‬‬ ‫وكل هذا جعل عالقته بجنده عالقة‬ ‫حسنة وإميانهم به اإلميان القوي‬ ‫املتني الذي يصدر عن عقيدة راسخة‬ ‫في قلوبهم ‪ ،‬كانت معاملته جلنده‬ ‫حسنة يرفع من مستواهم ويشعر‬ ‫بشعورهم ويتلمس احتياجاتهم مما‬ ‫زاد في ثقتهم به ‪ ،‬وقد كانوا يرون فيه‬ ‫األب والقائد احلاكم العادل ‪.‬‬ ‫المحارب الشجاع‬ ‫لقد كان القائد صالح الدين كغيره‬ ‫من القائد العظام في اإلِسالم ميتاز‬ ‫بشجاعة نادرة ال مثيل لها هي قدوة‬ ‫جلنوده ومرؤوسيه ‪ ،‬يدلنا على ذلك أنه‬ ‫ال يخشى سهام عدوه املرسلة إليه‬ ‫وكان يركب جواده وهو مريض ويقود‬ ‫جنده ويندفع أمامهم ‪ ،‬فإذا طلبوا‬ ‫منه أن يريح نفسه قال ‪ ( :‬إمنا أشعر‬ ‫باملرض حني أترك ظهر جوادي ) ‪.‬‬

‫‪13‬‬


‫ليست هناك استراتيجية ناجحة‬ ‫دون وجود مخطط استراتيجي ناجح‬ ‫‪ ،‬يحدد ‪:‬‬ ‫‪ .1‬الهدف األساسي من الصراع ‪.‬‬ ‫‪ .2‬ويدرس الظروف الدولية احمليطة‬ ‫به‪.‬‬ ‫‪ .3‬ويرصد اإلمكانيات االقتصادية‬ ‫واإلعالمية والعسكرية والبشرية‬ ‫والعوامل املعنوية لنا ‪ ،‬وبنفس‬ ‫الدقة التي نسلكها عند رصد نفس‬ ‫العناصر لدى العدو ‪.‬‬ ‫واخملطط االستراتيجي الناجح ال‬ ‫يتوقف عند الدراسة والرصد للعوامل‬ ‫الصانعة للعمل االستراتيجي فقط ‪،‬‬ ‫ولكنه يدرس هذه العوامل وفق رؤية‬ ‫ديناميكية ‪ ،‬أي يدرس ردود أفعال هذه‬ ‫العناصر في حالة تفاعل وتأثير ‪ ،‬ال‬ ‫حالة سكون وجمود ‪ ،‬ومن ثم فإن‬ ‫التفكير االستراتيجي يجب أن يتسم‬ ‫بقدرة عالية على  التصور املدروس ‬ ‫ويضع في حسابه موقفا ً ‪:‬‬ ‫إزاء كل تصرف يصدر عن اخلصم ‪.‬‬ ‫أو خلل يقع فيه أحد أساليبنا أو‬ ‫فشل حلركة عسكرية أو سياسية أو‬ ‫دبلوماسية أو أمنية ‪.‬‬ ‫باإلضافة إلى وضع مخطط كامل‬ ‫ملواجهة الظرف الدولي يحدد ‪:‬‬ ‫‪ .1‬مدى االستفادة من مساعدة‬

‫‪14‬‬

‫احللفاء ‪.‬‬ ‫‪ .2‬وحتييد القوى الدولية املتحالفة‬ ‫مع العدو ‪.‬‬ ‫‪ .3‬أو إبطال أي أثر إيجابي ميكن أن‬ ‫توفره هذه القوى للعدو ‪.‬‬ ‫أفضل وسيلة لبناء المخطط‬ ‫يقول ليدل هارت ‪:‬‬ ‫ إن كل مخطط ينبغي أن يأخذ‬ ‫بعني االعتبار احتماالت إحباطات‬ ‫بواسطة العدو  ‪ ،‬وأفضل وسيلة‬ ‫للتغلب على هذه املشكلة هي عمل‬ ‫مخطط ‪ :‬يتالئم بسهولة مع ��لظروف‬ ‫( مرن ) ‪ ،‬مع القدرة على االحتفاظ‬ ‫بعامل املبادأة ( الس ْبق ) ‪ ،‬ومن ثم‬ ‫يجب استخدام خط يقود إلى أهداف‬ ‫متتالية ‪ -‬مستورة ‪ ،‬أي ذات طبيعة‬ ‫ضمنية ‪ -‬جلعل اخلصم في حيره تامة‬ ‫‪.‬‬ ‫إن عدم وجود أهداف متناوبة عمل‬ ‫يخالف طبيعة الصراع احلقيقية ‪،‬‬ ‫ويناقض األفكار الالمعة التي نشرها‬ ‫بورسني في القرن الثامن عشر ‪،‬‬ ‫وكان مما قاله ‪  :‬يجب أن يكون لكل‬ ‫مخطط عدة فروع ‪ ،‬على أن يكون كل‬ ‫فرع منها قادرا ً على السير باملعركة‬ ‫إلى النجاح  ‪.‬‬ ‫وقد طبق نابليون هذا الدرس من‬ ‫بعده وكان يبحث دائما ً كما يقول‬

‫عن  إنشاء مخطط ذي فرعني  ‪ ،‬ثم‬ ‫استفاد شيرمان بعد ‪ 70‬سنة من‬ ‫هذه التجربة ‪ ،‬وخلق فكرته اجلديدة‬ ‫التي تهدف إلى  وضع العدو في حالة‬ ‫تستولي عليه فيها احليرة  ‪.‬‬ ‫هدف الصراع‬ ‫ويجب علينا عند وضع اخملطط‬ ‫االستراتيجي أن ندرس موضوعية‬ ‫هدف الصراع ‪ ،‬وإزالة أي غموض قد‬ ‫علق مبعناه ‪.‬‬ ‫إن غاية أي صراع عسكري أو‬ ‫سياسي يستهدف حتقيق السلم‬ ‫في ظروف أفضل ‪ ،‬أي سالم وطبيعة‬ ‫مستقرة ‪ ،‬لذا يجب قيادة الصراع مع‬ ‫التفكير في السلم الذي سيعقبه ‪.‬‬ ‫ركائز المخطط االستراتيجي ‬ ‫ركائز اخملطط االستراتيجي هي ‪:‬‬ ‫‪ .1‬مطابقة الهدف مع اإلمكانيات‪،‬‬ ‫ألن من احلماقة أن نرغب في أشياء‬ ‫ال نستطيع صنعها ‪ ،‬وتبدأ احلكمة‬ ‫االستراتيجية عندما ندرك ما هو‬ ‫ممكن ‪ ،‬ومدى القدرة على حشد جميع‬ ‫العناصر وتقدير األوضاع احلقيقية‬ ‫املاثلة أمامنا دون أن نكتفي مبجرد‬ ‫االعتقاد بتحقيق الهدف ‪.‬‬ ‫كما يجب الثقة في الهدف‬ ‫وعدالته ‪ ،‬والثقة في دقة وصحة‬ ‫اخملطط االستراتيجي ذاته ‪ ،‬وهذا‬


‫ﻛﺘﺎﺋـــــــﺐ ﺻــــــﻼح اﻟﺪﻳــــــــﻦ ا�ﻳﻮﺑــــــــﻲ‬

‫ما يجعل النجاح في حتقيق أهداف‬ ‫سياسية مستحيلة أمورا ً ممكنة ‪،‬‬ ‫شريطة أن ال تستهلك هذه الثقة أي‬ ‫عناصر إيجابية في قوانا ‪ ،‬أو تدفعنا‬ ‫إلى سلوك التهوين من قوة اخلصم ‪.‬‬ ‫‪ .2‬احتفظوا دائما ً بالهدف ماثالً‬ ‫أمامكم ‪ ،‬مع مطابقة مخططكم‬ ‫على الظروف ‪ ،‬وإدراك أن هناك أكثر‬ ‫من طريق للوصول إلى الهدف ‪ ،‬مع‬ ‫االهتمام باألهداف املرحلية لتأثيرها‬ ‫الشديد على الهدف األصلي ‪ ،‬ونتذكر‬ ‫أن الفشل في خطوة مرحلية أو هدف‬ ‫جزئي أمر سيء ‪ ،‬ولكن متابعة اجلهد‬ ‫غير اجملدي باستخدام أساليب عقيمة‬ ‫أشد سوءا ً ‪.‬‬ ‫‪ .3‬التقدم إلى اخلصم عند مواجهته‬ ‫من أكثر اخلطوط ابتعادا ً عن تفكيره ‪،‬‬ ‫أي التقدم إليه من خالل الظرف األقل‬ ‫توقعا ً في اعتقاده ‪ ،‬فعلينا أن نضع‬ ‫أنفسنا مكان اخلصم ‪ ،‬ونفكر كما‬ ‫لو كنا ضمن صفوفه لنقدر األشياء‬ ‫التي ال يتوقعها ‪ ،‬ونعرف ميكانيزم‬ ‫تفكيره إزاء كل حدث وإدراكه لهدف‬ ‫الصراع ‪ ،‬ومدى قوة أساليبه وجوانب‬ ‫الضعف في بنيانه ‪.‬‬ ‫‪ .4‬استثمار خط املقاومة األضعف‬ ‫‪ ،‬أي التركيز على جوانب الضعف لدى‬ ‫العدو على الصعيد السياسي أو‬ ‫االقتصادي أو العسكري أو األمني ‪.‬‬ ‫‪ .5‬إرباك اخلصم بعرض عدد من‬ ‫األهداف السياسية أو العسكرية‬ ‫بحيث تدخله في حالة من احليرة‬ ‫الدائمة ال يستطيع فيها أن يحدد‬ ‫الهدف الذي سنقدم على حتقيقه ‪.‬‬ ‫إن األخذ بخط عمليات يؤدي إلى‬ ‫أهداف متتالية يضع اخلصم في حالة‬ ‫من االرتباك واحليرة ‪ ،‬باإلضافة إلى أن‬ ‫الفشل في هدف جزئي ميكن تغطيته‬ ‫بالنجاح في حتقيق هدف أكثر أهمية‬ ‫‪ ،‬بينما يؤدي تهديدنا لهدف واحد إلى‬

‫احتمال الفشل في حتقيقه ‪ ،‬ذلك ألن‬ ‫مفاجأة اخلصم ال تدوم طويالً ‪.‬‬ ‫‪ .6‬مراعاة املرونة سواء في‬ ‫التخطيط أو في حشد القوى ‪ ،‬أو‬ ‫في املواقف السياسية بحيث تتالئم‬ ‫نتائج هذه السياسة مع الظروف وال‬ ‫تتصادم مع الهدف النهائي للصراع ‪.‬‬ ‫‪ .7‬عدم إلقاء كل إمكانياتنا في‬ ‫عمل استراتيجي أو تكتيكي إذا كان‬ ‫اخلصم يتوقع هذه اخلطوة من جانبنا‪،‬‬ ‫ألنه يكون في هذه احلالة مستعدا ً‬ ‫لصد هذه الصدمة أو حتاشيها ‪.‬‬ ‫وتعلمنا التجارب التاريخية أنه‬ ‫ال ميكن أن نحقق ضربة سياسية‬ ‫مجدية بشكل فعال إذا لم نشل أوال ً‬ ‫مقاومة العدو أو قدرته على حتاشي‬ ‫هذه الضربة ‪ ،‬وليس هناك قائد يقبل‬ ‫القيام بهجوم حقيقي على خصم‬ ‫متمركز قبل أن يتأكد من ابتداء هذا‬ ‫الشلل ‪ ،‬وينجم الشلل عن فقدان‬ ‫اخلصم للنظام أو حتطم معنوياته أو‬ ‫مفاجأته ‪.‬‬ ‫‪ .8‬ينبغي عدم جتديد الهجوم‬ ‫بنفس الرؤية أو األسلوب بعد أن‬ ‫فشل في املرة األولى ‪ ،‬حتى لو مت‬ ‫تقوية اإلمكانيات املهاجمة ‪ ،‬فإنها‬ ‫ال تبرر جتديد هذا النمط من الهجوم‬ ‫لئال يكون اخلصم قد حصل على قوى‬ ‫جديدة خالل فترة توقف الصراع ‪ ،‬كما‬ ‫أنه من املتوقع ارتفاع روحه املعنوية‬ ‫بعد أن جنح في إحباط مخططنا املرة‬ ‫األولى ‪.‬‬ ‫أنواع االستراتيجيات‬ ‫مي��ك��ن ت��ص��ن��ي��ف ال��ن��م��اذج‬ ‫االستراتيجية اخملتلفة كلها نظريا ً‬ ‫داخل نوعني رئيسني هما ‪:‬‬ ‫أ‪ .‬االستراتيجية املباشرة ‪.‬‬ ‫ب‪ .‬االستراتيجية غير املباشرة ‪.‬‬ ‫وتتالءم االستراتيجية املباشرة في‬ ‫جوهرها مع فكرة البحث عن النتيجة‬

‫احلاسمة ‪ ،‬أو الردع باستخدام قوة‬ ‫عسكرية ‪ ،‬كوسيلة رئيسة أو التلويح‬ ‫بهذه القوة ‪.‬‬ ‫وهي قبل كل شيء نابعة من‬ ‫استراتيجية كالوزفيتز التي تعتبر‬ ‫تصحيحا ً للعقيدة املبنية على‬ ‫الديناميكية العقلية ولقد كانت‬ ‫هذه العقيدة مصدر إلهام للقادة‬ ‫العسكريني في احلرب العاملية األولى‬ ‫والقادة األملان واألميركيني في احلرب‬ ‫العاملية الثانية ‪.‬‬ ‫أما االستراتيجية غير املباشرة‬ ‫فتعتبر مصدر إلهام جميع أنواع‬ ‫الصراعات التي ال تبحث عن احلل‬ ‫املباشر بصدام القوى املسلحة ولكن‬ ‫بوسائل غير مباشرة ‪ ،‬سياسية‬ ‫واقتصادية ( في حال احلرب الثورية ) ‪.‬‬ ‫تتضمن هذه االستراتيجية  عدم‬ ‫أخذ الثور من قرنيه  ‪ ،‬أي عدم اختبار‬ ‫العدو في امتحان مباشر للقوة ‪،‬‬ ‫ولكن هذه االستراتيجية تتضمن‬ ‫عدم االقتراب من اخلصم إال بعد‬ ‫أخذ االحتياطات الالزمة إلزعاجه‬ ‫ومفاجأته وخداعه بهدف زعزعة‬ ‫توازنه بهجوم غير متوقع نقوم به من‬ ‫اجتاهات متعددة ‪.‬‬ ‫والواقع أن تكتيكات االقتراب غير‬ ‫املباشر هي وسيلة تفرض نفسها‬ ‫على أحد اخلصمني املتنازعني إذا كان‬ ‫ال يثق ثقة تامة بأنه من القوة بحيث‬ ‫يستطيع التغلب على خصمه في‬ ‫معركة تنشب على أرض يختارها‬ ‫عدوه ‪.‬‬ ‫ويقترح ليدل هارت االستخدام‬ ‫املنهجي لالقتراب غير املباشر ‪ ،‬مبعنى‬ ‫التقدم نحو اخلصم من اجتاهات غير‬ ‫متوقعة ‪ ،‬ثم التقدم في اجتاهات‬ ‫متعددة والقيام بتغييرها بحيث‬ ‫تصرف تفكير اخلصم عن األهداف‬ ‫احلقيقة للهجوم ‪.‬‬

‫‪15‬‬


‫ الدفاع موقف يوجد في احلرب‬ ‫حتى يكون الهجوم أكثر فاعلية ‪.‬‬ ‫أميرال الفريد ماهان‬ ‫ ال يوجد وسيلة للدفاع على‬ ‫املدى الطويل أفضل من التوغل داخل‬ ‫حدود العدو ‪.‬‬ ‫جنرال روبرت لي‬ ‫ إن من يحاول الدفاع عن كل‬ ‫شيء في وقت واحد هم أصحاب‬ ‫التفكير السطحي ‪ ،‬أما العقول‬ ‫الواعية فينظرون إلى األمور الرئيسة‬ ‫فقط ‪ ،‬ويتحملون بعض الصعاب في‬ ‫محاولة لتفادي عاصفة شديدة وذلك‬ ‫حتى يتجنبوا عاصفة أسوأ منها ‪،‬‬ ‫إن محاولة احلصول على كل شيء‬ ‫تنتهي بحصولك على ال شيء ‪.‬‬ ‫فريدريك األعظم‬ ‫ كيف يكون انسحابا ً ‪ ،‬ونحن قد‬ ‫بدأنا للتو هجوما ً في اجتاه آخر ؟‬ ‫جنرال أوليفر سميث‬ ‫يعرف اجلنراالت أن الدفاع ال يجعل‬ ‫أحدا ً ينتصر ‪ ،‬وأنه ال بد في النهاية أن‬

‫‪16‬‬

‫تهاجم وتقتحم ‪ ،‬لذلك ميكننا أن نرى‬ ‫من خالل نصائحهم أن هناك اجتاها ً‬ ‫ضد فكرة الدفاع ‪ ،‬فاألميرال فاراجت‬ ‫يؤكد أن أفضل طريقة للوقاية من‬ ‫طلقات العدو هي طلقات محكمة‬ ‫تطلقها مدافعنا ‪ ،‬ويتفق اجلنرال‬ ‫لي مع نفس الفكرة ‪ ،‬وهي فكرة ال‬ ‫بد وأنك قد سمعت بها من قبل ‪ :‬إن‬ ‫الهجوم هو أفضل وسيلة للدفاع‬ ‫‪ ،‬بينما يكون من اخلطأ أن نفترض‬ ‫وجوب الهجوم دائما ً ‪ ،‬إال أن االحتفاظ‬ ‫بروح املبادرة في التعامل مع العدو هو‬ ‫مفهوم يستحق وضعه في االعتبار ‪.‬‬ ‫ويشرح األميرال ماهان كيف‬ ‫أن الدفاع وجد أساسا ً حتى يكون‬ ‫الهجوم أكثر فاعلية في مكان آخر‬ ‫‪ ،‬هناك مغزى لرأيه هذا ‪ ،‬فال أحد‬ ‫يستطيع أن يكون قويا ً في كل شيء‬ ‫‪ ،‬حيث ال تتوفر أبدا املوارد الكافية إذا‬ ‫ما حاولنا تقسيم مواردنا بالتساوي‬ ‫على كل احتياجاتنا ‪ ،‬بل لو فعلنا‬ ‫ذلك لضعفنا ورمبا نفشل في النهاية‬ ‫فالفكرة أن نضع املوارد واألموال‬ ‫واملعدات حيث تكون احلاجة ماسة‬ ‫لها لتحقيق أهدافنا ‪ ،‬وننفذ سياسة‬ ‫الدفاع في االجتاهات األخرى ‪.‬‬

‫يقول فريدريك شيئا ً شديد‬ ‫الشبه بهذا عندما يقول ‪ :‬إن العقول‬ ‫الصغيرة هي التي حتاول أن تدافع عن‬ ‫كل شيء ‪ ،‬إنه شيء ال ميكن حتقيقه ‪،‬‬ ‫لذلك فالسياسة السليمة في ميدان‬ ‫احلرب أو العمل أو احلياة هي تلك‬ ‫التي تختار املناطق األكثر حساسية‬ ‫أو التي ميكن أن نسميها  مواضع‬ ‫حاسمة  ثم يتم التركيز عليها مبا‬ ‫لدينا من موارد سواء عن طريق الدفاع‬ ‫أو الهجوم ‪.‬‬ ‫لذا تذكر دائما ً ‪:‬‬ ‫‪ ‬من املمكن أن يكون الهجوم‬ ‫هو أفضل وسيلة للدفاع ‪ ،‬ضع هذا‬ ‫في اعتبارك دائما ً ‪.‬‬ ‫‪ ‬من املمكن ‪ -‬بل ومن الضروري‪-‬‬ ‫أن تقترن عمليات الدفاع بعمليات‬ ‫الهجوم ‪.‬‬ ‫‪ ‬الدفاع االستراتيجي قد يتطلب‬ ‫هجوما ً تكتيكيا ً ‪.‬‬ ‫‪ ‬ال حتاول الدفاع عن كل شيء‪ ،‬لن‬ ‫تستطيع حتقيق ذلك ‪ ،‬عليك بتوجيه‬ ‫مواردك واستثمار إمكانياتك في‬ ‫املواضع احلاسمة حتى حتقق أهدافك‪.‬‬


‫ﻛﺘﺎﺋـــــــﺐ ﺻــــــﻼح اﻟﺪﻳــــــــﻦ ا�ﻳﻮﺑــــــــﻲ‬

‫ رمبا جتدها كلها أو بعضها‪ ،‬ورمبا‬ ‫تكتشف أن ابنك يلعب غدا ً بنموذج‬ ‫مصغر لها ‪ ،‬ما دام الصينيون قد‬ ‫فكوها ‪ ،‬فأبشر ‪ ..‬كل شيء سيكون‬ ‫مقلدا ً بدقة ‪ ،‬ورخيصا ً ألقصى درجة ‬ ‫هذا بالضبط ما قاله أحد خبراء‬ ‫هندسة الطيران العسكريني عند‬ ‫سؤاله عن الطائرة األميركية‬ ‫التي ضبطها الصينيون متلبسة‬ ‫مبراقبتهم ‪ ،‬فكان جزاؤها أن يتم‬ ‫فكها قطعة قطعة ‪ ،‬والكشف عن‬ ‫أسرارها ‪.‬‬ ‫أشعلت قضية تلك الطائرة‬ ‫األميركية فضول املاليني ملعرفة‬ ‫نوعية املهمة التي يقوم بها مثل هذا‬ ‫النوع من الطائرات ‪ ،‬كما بدأ الناس‬ ‫يبحثون عن اجلديد واملثير في عالم‬ ‫اجلاسوسية واالستخبارات ‪.‬‬ ‫خسارة فادحة‬ ‫حسب حتليالت مصادر عسكرية‬ ‫عديدة ‪ ،‬فإن احتجاز الدولة الصينية‬ ‫للطائرة األميركية يعتبر خسارة‬ ‫عسكرية فادحة بسبب ما حتتويه‬ ‫الطائرة من أجهزة حساسة للغاية‬ ‫من الناحية األمنية ‪.‬‬ ‫فالطائرة والتي هي من نوع  ‪EP-3E‬‬ ‫‪  ARIES II‬تعتبر جوهرة تاج البحرية‬ ‫األميركية من حيث قدرتها على جمع‬ ‫املعلومات شديدة احلساسية ؛ فتلك‬ ‫محملة بأجهزة استقبال‬ ‫الطائرة‬ ‫ّ‬ ‫وهوائيات قادرة على اعتراض وحتليل‬

‫االتصاالت الالسلكية العسكرية‬ ‫واملدنية ‪ ،‬باإلضافة إلى األنواع األخرى‬ ‫من االتصاالت االلكترونية ‪ ،‬من بريد‬ ‫الكتروني وأجهزة فاكس واتصاالت‬ ‫هاتفية ‪ ،‬وميكن للقوات األميركية من‬ ‫خالل حتليل هذه االتصاالت التع ّرف‬ ‫على خطط وحتركات القوات الصينية‬ ‫في حالتي السلم واحلرب ‪.‬‬ ‫تبلغ كلفة هذه الطائرة ‪ 36‬مليون‬ ‫دوالر ‪ ،‬وهي قادرة على الطيران ملا يزيد‬ ‫عن اثنتي عشرة ساعة وملسافة ‪3000‬‬ ‫ميل بحري ‪ ،‬أي ما يوازي ‪ 5555‬كلم ‪،‬‬ ‫ويوجد من هذا النوع نحو ‪ 12‬طائرة‬ ‫لدى البحرية األميركية ‪ ،‬وتتسع لـ‬ ‫‪ 24‬فردا ً هم طاقم الطائرة الكاملة‬ ‫ما بني طيارين وتقنيني ‪.‬‬ ‫وللطائرة أربعة محركات ‪ ،‬وطولها‬ ‫‪ 32.28‬مترا ً وعرضها باجلناحني ‪30.36‬‬ ‫مترا ً ‪ ،‬ويتوقع أن تكون الطائرة قد‬ ‫اجتهت إلى سواحل الصني من القاعدة‬ ‫األميركية املتواجدة في اليابان ‪.‬‬ ‫وقد كانت مسؤولية تلك الطائرة‬ ‫القيام برحالت منتظمة على‬ ‫السواحل الصينية من أجل معرفة‬ ‫وحتديث شفرات االتصال اخلاصة‬ ‫باألجهزة الصينية ‪ ،‬من خالل التع ّرف‬ ‫على التوقيع اإللكتروني ومصدر وتردد‬ ‫هذه االتصاالت ‪ ،‬والتي يتم تغييرها‬ ‫بشكل مستمر من أجل متويه‬ ‫السلطات األميركية ‪.‬‬ ‫ومع أن تعليمات وزارة الدفاع‬

‫األميركية واضحة لطاقم مثل هذه‬ ‫الطائرات بالنسبة إلى ضرورة تخريب‬ ‫األجهزة احلساسة وأية معلومات‬ ‫سرية موجودة على الطائرة فور‬ ‫وقوعها في أيدي العدو ‪ ،‬فإنه حتى‬ ‫ما يتبقى بعد عملية التخريب من‬ ‫معاجلات ‪ processors‬قوية للغاية‬ ‫‪ ،‬ودوائر إلكترونية شديدة السرعة‬ ‫ال متتلك مثلها الدولة الصينية‬ ‫‪ ،‬ميكن استغاللها من أجل بناء‬ ‫قذائف باليستية وأسلحة نووية‬ ‫وأنظمة القتفاء أجهزة الرادار شديدة‬ ‫احلساسية ‪.‬‬ ‫عالم اجلاسوسية مليء دائما ً‬ ‫باألجهزة املتخصصة من أجل أداء‬ ‫املهمات الصعبة ‪ ،‬فهناك الكاميرات‬ ‫صغيرة احلجم لتصوير املستندات‬ ‫الهامة ‪ ،‬والتي ميكن للجاسوس‬ ‫إخفاؤها في كعب حذائه ‪ ،‬وهناك‬ ‫علبة السجائر التي استخدمها‬ ‫جاسوس الـ  كي جي بي  نيكوالي‬ ‫خوخلوف في أوائل اخلمسينيات ‪،‬‬ ‫والذي كان يحمل السجائر املزيفة‬ ‫التي بها رصاصات مسممة ‪.‬‬ ‫وهناك أيضا ً الشمسية ذات‬ ‫الطرف املدبب املسموم ‪ ،‬والتي‬ ‫استخدمت لقتل املنشقّ البلغاري‬ ‫جيورجي ماركوف في أثناء ركوبه‬ ‫أحد األتوبيسات في لندن ‪ ،‬ثم هناك‬ ‫األجهزة احلديثة والتي ميكن شراؤها‬ ‫من األماكن املتخصصة أو حتى‬

‫‪17‬‬


‫من على االنترنت ‪ ،‬مثل الهاتف‬ ‫احملمول اجملهز بجهاز تخليط يقوم‬ ‫بتغيير شفرات االتصال ‪ 150‬مرة في‬ ‫الثانية‪ ،‬مما يعطي للمتكلم األمان‬ ‫التام من أجل نقل املعلومات الهامة‬ ‫بدون خوف من التنصت ‪ ،‬أو اجلهاز‬ ‫الصغير الذي يخبرك بوجود متنصت‬ ‫ملكاملاتك الهاتفية ‪ ،‬أو اجلهاز الذي‬ ‫يخبرك مبكان وجود أجهزة التنصت‬ ‫مبنزلك ‪ ،‬أو الساعة اليدوية اجملهزة‬ ‫بكاميرا الفيديو ‪ ،‬أو اجلهاز الصغير‬ ‫الذي يركب في لوحة املفاتيح اخلاصة‬ ‫بكمبيوتر أحد األشخاص ‪ ،‬والذي‬ ‫يسجل األصوات الصادرة في أثناء‬ ‫الكتابة على لوحة املفاتيح للتعرف‬ ‫على كل حرف يضغط عليه ‪ ،‬وبالتالي‬ ‫يستطيع التعرف على ما يكتبه‬ ‫الشخص املتجسس عليه على‬ ‫جهازه اخلاص ‪ ..‬وغيره وغيره ‪.‬‬ ‫ومع طرافة ورمبا فائدة هذه األجهزة‬ ‫بالنسبة إلى بعض اجلواسيس ‪ ،‬فإن‬ ‫عالم اجلاسوسية في حقيقة األمر‬ ‫قد أصبح أعقد وأكثر تقنية من مثل‬ ‫هذه األجهزة بكثير ‪.‬‬ ‫عالم شديد التعقيد‬ ‫متثل األقمار الصناعية رمبا أهم‬ ‫طرق التجسس في الوقت احلالي ‪،‬‬ ‫وميثل التواجد األميركي في الفضاء‬ ‫اخلارجي نحو ‪ % 90‬من املواصالت‬ ‫الفضائية ‪ ،‬وهناك أنواع عديدة من‬ ‫األقمار الصناعية ‪ ،‬فهناك مثالً‬ ‫األقمار اخلاصة بالتقاط الصور والتي‬ ‫مت ّر فوق أية نقطة على الكرة األرضية‬ ‫مرتني يوميا ً ‪ ،‬تتراوح قدرة التبني لهذه‬ ‫األقمار ما بني ‪ 10‬سنتيمترات إلى‬ ‫حوالي متر واحد ‪.‬‬ ‫وقد حدثت تطورات هامة في‬ ‫تكنولوجيا حتليل الصور امللتقطة‬ ‫‪ ،‬بحيث أصبح من املمكن تكوين‬ ‫صورة ثالثية األبعاد تبعا ً للمعلومات‬

‫‪18‬‬

‫القادمة من الفضاء اخلارجي والتي‬ ‫استخدمت عام ‪ 1995‬في تزويد‬ ‫الطيارين باملعلومات الالزمة عن‬ ‫األهداف املنشودة في البوسنة ‪ ،‬كما‬ ‫تستخدم في اكتشاف نقاط ضعف‬ ‫املناطق الواقعة حتت حراسة مشددة‬ ‫والتابعة لكبار جتار اخملدرات من أجل‬ ‫اقتحامها ‪.‬‬ ‫وميكن لهذه األقمار الرؤية عبر‬ ‫السحب وليالً ‪ ،‬بل وباستطاعة‬ ‫بعضها اكتشاف التحركات القائمة‬ ‫حتت سطح األرض !!‬ ‫وهناك نوع آخر من األقمار الصناعية‬ ‫تقوم باالستطالع اإللكتروني ‪ ،‬والقادرة‬ ‫على اعتراض ماليني االتصاالت‬ ‫الهاتفية ورسائل الفاكس والبريد‬ ‫االلكتروني يوميا ً من العالم أجمع‪،‬‬ ‫ومع أن الشبكة تسيطر عليها‬ ‫الواليات املتحدة األميركية ‪ ،‬فإن الدول‬ ‫الناطقة باالنكليزية ( بريطانيا وكندا‬ ‫واستراليا ونيوزيلندا ) تشترك معها‬ ‫فيها ‪ ،‬وقد صممت شبكة ايشالون‬ ‫في أول األمر منذ نحو عشرين سنة‬ ‫من أجل مراقبة االتصاالت العسكرية‬ ‫والدبلوماسية لالحتاد السوفياتي‬ ‫وحلفائه من دول الكتلة الشرقية‬ ‫‪ ،‬ولكن مهمتها الرسمية حت ّولت‬ ‫بعد انتهاء احلرب الباردة للكشف‬ ‫عن خطط  اإلرهابيني  وجتار‬ ‫اخملدرات واالستخبارات السياسية‬ ‫والدبلوماسية ‪.‬‬ ‫وقامت الدول املشاركة في‬ ‫الشبكة بإنشاء محطات أرضية‬ ‫لالعتراض اإللكتروني ‪ ،‬وبإنشاء أقمار‬ ‫صناعية اللتقاط جميع االتصاالت‬ ‫لألقمار الصناعية واملوجات الصغرى‬ ‫واالتصاالت اخللوية واتصاالت األلياف‬ ‫الضوئية ‪ ،‬تقوم الشبكة بتفنيد‬ ‫اإلشارات املعترضة في كمبيوترات‬ ‫ضخمة تسمى بالقواميس ‪،‬‬

‫واملبرمجة على البحث في كل اتصال‬ ‫عن كلمات أو عبارات أو عناوين أو حتى‬ ‫أصوات معينة ‪ ،‬كل دولة من الدول‬ ‫املشاركة في الشبكة مسؤولة عن‬ ‫مراقبة جزء معني من الكرة األرضية ‪.‬‬ ‫وهناك أيضا أقمار اإلنذار املبكر‬ ‫‪ ،‬والتي تكتشف إطالق الصواريخ‬ ‫من أراضي العدو ‪ ،‬وأقمار اكتشاف‬ ‫االنفجارات من أجل متابعة التجارب‬ ‫النووية ‪.‬‬ ‫للتجسس‬ ‫عصر جديد‬ ‫ّ‬ ‫دخول احلاسوب اآللي إلى أغلب‬ ‫األجهزة احلكومية وغير احلكومية ‪،‬‬ ‫بل وإلى الكثير من املنازل باإلضافة‬ ‫إلى انتشار االنترنت انتشار النيران في‬ ‫احلشائش اجلافة ‪ ،‬أدى إلى دخول عصر‬ ‫التجسس أيضا ً ‪ ،‬ويقول‬ ‫جديد من‬ ‫ّ‬ ‫أحد اجلواسيس السابقني إن ‪%90‬‬ ‫من املعلومات التي يحتاج إليها أي‬ ‫جاسوس يستطيع أن يحصل عليها‬ ‫من املصادر العامة ‪.‬‬ ‫الكثير من االتصاالت حتصل من‬ ‫خالل البريد اإللكتروني وغرف الدردشة‬ ‫‪ ،‬والتي حتصل الدول نتيجة مراقبتها‬ ‫على معلومات هامة للغاية ‪ ،‬هذا‬ ‫باإلضافة إلى إمكان اختراق أجهزة‬ ‫الكمبيوتر اخلاصة عبر االنترنت ‪.‬‬ ‫ويوفر االنترنت أيضا ً سبيالً لالتصال‬ ‫ما بني األنظمة أو اجلماعات اخملتلفة‬ ‫أضمن إلى حد ما من طرق االتصال‬ ‫التقليدية ‪ ،‬بسبب سعة االنترنت‬ ‫الهائلة وبالتالي صعوبة مراقبة‬ ‫جميع االتصاالت القائمة بها ‪ ،‬كما‬ ‫أن االنترنت يوفر لتلك اجلماعات ‪ -‬بل‬ ‫ولألجهزة احلكومية ‪ -‬ساحة خصبة‬ ‫للتعرف على الناس ومعرفة املناسب‬ ‫منهم للتجنيد ‪ ،‬وهكذا ‪ ،‬وباختصار‬ ‫شديد نرى كيف يراقب العالم بعضه‬ ‫البعض بإحساس مستمر من الريبة‬ ‫والشك والترقب ‪.‬‬


‫ﻛﺘﺎﺋـــــــﺐ ﺻــــــﻼح اﻟﺪﻳــــــــﻦ ا�ﻳﻮﺑــــــــﻲ‬

‫ولد كارل فون كالوزفيتز عام ‪1780‬‬ ‫في بورغ باملانيا ‪ ،‬وفي عام ‪ 1792‬عمل‬ ‫مدرسا ً للجيش البروسي ‪ ،‬واشترك‬ ‫في حملة الراين ( ‪، ) 1794 - 1793‬‬ ‫وانتسب إلى األكادميية العسكرية‬ ‫في برلني في عام ‪ ،1801‬ثم اشترك‬ ‫في حملة يينا عام ‪ ، 1806‬حيث‬ ‫عمل خاللها مرافقا ً عسكريا ً لألمير‬ ‫أوغوست البروسي ‪ ،‬فجرح وأسر ‪.‬‬ ‫وقد ساهم كالوزفيتز في كل‬ ‫املعارك التي كانت ضد نابليون ‪،‬‬ ‫ورفض استسالم بالده للفرنسيني ‪،‬‬ ‫كما عدل كالوزفيتز اخلطة الروسية‬ ‫للدفاع عن البالد ‪ ،‬أمام غزو نابليون ‪.‬‬ ‫وفي املرحلة النهائية من تقهقر‬ ‫نابليون في روسيا ‪ ،‬كان كارل فون‬ ‫مفوضا ً في اتفاقية توروجني ‪ ،‬والتي‬ ‫متت بني الضباط الروس واجلنرال يورك‬ ‫الذي كان يقود املفرزة البروسية في‬ ‫اجليش النابوليوني الكبير ‪ ،‬وقد أ َ َّمن َْت‬ ‫هذه االتفاقية حياد اجلنود البروسيني‬ ‫‪ ،‬وأدت إلى حرب التحرير البروسية ‪،‬‬ ‫وقد لعب كالوزفيتز دورا ً هاما ً في هذه‬ ‫االتفاقية ‪.‬‬

‫وفي حملة ‪ 1813‬عني رئيسا ً ألركان‬ ‫اجلنرال تيلمان في معارك ليني وفافر ‪،‬‬ ‫ومات متأثرا ً مبرض الكوليرا في برسالو‬ ‫عام ‪. 1831‬‬ ‫أفكار كالوزفيتز‬ ‫كان كالوزفيتز يشبه احلرب مببارزة‬ ‫على نطاق واسع ‪ ،‬ويقارنها بصراع‬ ‫بني اثنني من املتبارزين ‪ ،‬ويستنتج من‬ ‫ذلك أن احلرب عمل من أعمال العنف‬ ‫تستهدف إكراه اخلصم على فرض‬ ‫إرادتنا ‪ ،‬فالعنف إذن هو الوسيلة ‪،‬‬ ‫والغاية هي فرض إرادتنا على اخلصم ‪،‬‬ ‫وليس هناك من حدود للتعبير عن هذا‬ ‫العنف ‪ ،‬ومن هذا يستنتج كالوزفيتز‬ ‫أن الهدف من أي عمل عسكري هو‬ ‫هزمية العدو أو نزع سالحه ‪.‬‬ ‫ويسخر كالوزفيتز من النظرية‬ ‫القدمية القائلة ( باحلرب دون إهراق‬ ‫الدماء ) ‪ ،‬فيقول ‪  :‬ال حتدثونا عن قادة‬ ‫ينتصرون دون سفك دماء  ‪.‬‬ ‫من أقواله في حرب العصابات‬ ‫ إن حرب العصابات هي حرب‬‫الشعب ‪ ،‬فكلما زاد االحتكاك بالعدو‬ ‫واتسعت رقعته ‪ :‬زاد التسلح وتنامت‬

‫االستجابة الشعبية للنضال ‪ ،‬لتعمل‬ ‫كالنار املتدرجة البطيئة التي متتد‬ ‫لتتلف قواعد العدو وتقض مضاجعه‬ ‫‪ ،‬ولهذا يجب أن يوضع في احلسبان‬ ‫عند التخطيط االستراتيجي لهذا‬ ‫النوع من احلرب العمل على كسب‬ ‫مساندة الشعب ‪.‬‬ ‫ يجب اعتماد التكتيك االنتقامي‬‫والصاعق في األعمال العسكرية‬ ‫‪ ،‬وعدم التورط مبقاتلة األهداف‬ ‫الرئيسة ‪ ،‬وتفادي اجملابهات الصامدة‬ ‫‪ ،‬ألنه ال ميكن االعتماد على معركة‬ ‫واحدة بسبب استحالة الوصول إلى‬ ‫الذروة واحلسم العسكري ‪.‬‬ ‫ يجب العمل على توسيع مسرح‬‫العمليات إلى أكبر مدى ‪ ،‬إلجبار العدو‬ ‫على توزيع طاقاته وقواته ‪ ،‬وبالتالي‬ ‫إفقاده ميزة احلشد ‪ ،‬واستنزافه‬ ‫وإرهاقه ‪.‬‬ ‫ يجب أن تدار العمليات من الداخل‬‫‪ ،‬لتسهل ضبط األمور ‪ ،‬ولإلطالع‬ ‫املستمر عن كثب على األوضاع ‪،‬‬ ‫ولتلبية متطلبات املعركة في الوقت‬ ‫املناسب ‪.‬‬

‫‪19‬‬


‫اجلهاد ماض إلى يوم القيامة ‪ ،‬هكذا‬ ‫آمنا بها عقيدة لن تلني ‪ ،‬وسيلتحق‬ ‫بركبنا أبطال كثر ‪ ،‬ولن نعدم دعاء‬ ‫املعذورين ‪ ،‬وسينضم إلى كتائبنا جيل‬ ‫الشباب العاشق للجهاد ‪ ،‬الطامح‬ ‫للبذل والعطاء ‪ ،‬واملتطلع إلى نصر‬ ‫املسلمني على عدوهم ‪ ،‬وسيصبر‬ ‫ذلك اجليش اجلهادي يحدوهم اميانهم‬ ‫باهلل ‪ ، ‬وثبات مبادئهم ‪ ،‬وصدق‬ ‫نياتهم وإخالصهم في ذودهم‬ ‫وعطائهم ‪ ،‬وسيسيرون بخطى واثقة‬ ‫يبتغون الفوز باجلنة والنجاة من‬ ‫النار ‪ ،‬مسجلني في تاريخ املسلمني‬ ‫صفحات جهاد صادق ال تتيه ‪.‬‬ ‫ومنذ انطالقة اجلهاد في بالدنا‬

‫‪20‬‬

‫انضمت إلينا قلوب راسخة ‪ ،‬وأقدام‬ ‫ثابتة ‪ ،‬ال تزال تقدم وتقدم ‪ ،‬أدهشت‬ ‫بحق العاكفني على أنفسهم في‬ ‫حجرهم ‪ ،‬وأذهلت اخلصوم الذين‬ ‫يواجهون تلك القوة اجلهادية التي‬ ‫معنى للخوف من املوت في‬ ‫ال تعرف‬ ‫ً‬ ‫قلوبها ‪ ،‬مع كل من تقدم ‪ ..‬بقي هناك‬ ‫من تخلف !‬ ‫وهنا لي أن اسكب العبرات !!‬ ‫أجل ‪ ..‬أسكبها شفقة ورحمة على‬ ‫اؤلئك الذين غابت عنهم لذة اجلهاد‬ ‫في سبيل اهلل ‪ ،‬وانزووا في قارورة اآلمال‬ ‫الوهمية ‪ ،‬واختبأوا حتت عباءة  اجلهاد‬ ‫عن بُعد  أو  اجلهاد حلول شبابية ‬ ‫‪ ،‬إنني أشفق على هؤالء ألنهم لم‬

‫يشعروا بقيمة اجلهاد العملية ‪ ،‬ولم‬ ‫يذوقوا طعم احلرية التي يستشعرها‬ ‫اجملاهد وهو يحمل سالحه يذود به عن‬ ‫دينه وعرضه وأهله !!‬ ‫آن األوان أن ال يتخلف أحد ‪ ،‬وإن كان‬ ‫فينا من هو ثاني عطفه يتأمل جماله‬ ‫‪ ،‬وبرد عريشه ‪ ،‬وحسن زوجه ‪ ،‬وراحة‬ ‫عياله ‪ ،‬فإن اجلهاد اليوم بحاجة إلى‬ ‫من يؤثر الراحة ويدعها هلل ‪ ، ‬حتى‬ ‫لو أبطأ به مسيره أو بعيره ‪ ،‬أو طال‬ ‫عليه األمد ولم يقس قلبه ‪ ،‬أو حتى‬ ‫قسى قلبه ‪ ،‬فإن التفاتة إلى إصالح‬ ‫النفس باجلهاد ‪ -‬جهاد عدو اهلل ‪-‬‬ ‫كفيل بأن يحدث التغيير واإلصالح ‪..‬‬ ‫وشعار شباب اجلهاد اليوم ‪ « :‬إن كان‬


‫ﻛﺘﺎﺋـــــــﺐ ﺻــــــﻼح اﻟﺪﻳــــــــﻦ ا�ﻳﻮﺑــــــــﻲ‬

‫به خير فسيلحقه اهلل بنا ‪ ،‬وإن كان‬ ‫غير ذلك فقد أراحنا اهلل منه « ‪.‬‬ ‫روى الطبراني عن أبي خيثمة ‪‬‬ ‫‪ ،‬وابن اسحاق ومحمد بن عمر عن‬ ‫شيوخهما قالوا ‪:‬‬ ‫ملا سار رسول اهلل ‪ ‬أياما ً دخل أبو‬ ‫خيثمة على أهله في يوم حار ‪ ،‬فوجد‬ ‫فيه امراتني له في عريشني لهما‬ ‫في حائطه ‪ ،‬وقد رشت كل منهما‬ ‫عريشها ‪ ،‬وبردت له فيه ماء ‪ ،‬وهيأت‬ ‫فيه طعاما ً ‪ ،‬فلما دخل قام على باب‬ ‫العريش فنظر إلى امراتيه وما صنعتا‬ ‫له فقال ‪ :‬سبحان اهلل ! رسول اهلل ‪‬‬ ‫قد غفر اهلل له ماتقدم من ذنبه وما‬ ‫تأخر في الضح والريح واحلر ‪ ،‬يحمل‬ ‫سالحه على عنقه ‪ ،‬وأبو خيثمة في‬ ‫ظل بارد ‪ ،‬وطعام مهيأ ‪ ،‬وامرأة حسنة‬ ‫‪ ،‬في ماله مقيم !؟ ما هذا بالنَّصف !‬ ‫ثم قال ‪ :‬واهلل ال أدخل عريش واحدة‬ ‫منكما حتى أحلق برسول اهلل ‪، ‬‬ ‫فهيئا لي زادا ً ‪.‬‬ ‫ففعلتا ‪ ،‬ثم خرج في طلب رسول‬ ‫اهلل ‪ ‬حتى أدركه حني نزل تبوك‬ ‫‪ ،‬وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن‬ ‫وهب اجلمحي في الطريق يطلب‬ ‫رسول اهلل ‪ ‬فترافقا ‪ ،‬حتى إذا دنوا‬ ‫من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن‬ ‫وهيب ‪ :‬إن لي ذنبا ً فال عليك إن تخ ّلف‬ ‫عني حتى آتي رسول اهلل ‪ ، ‬ففعل‬ ‫‪ ،‬حتى إذا دنا من رسول اهلل ‪ ‬قال‬ ‫الناس ‪ :‬هذا راكب على الطريق مقبل‬ ‫‪ ،‬فقال رسول اهلل ‪ : ‬كن أبا خيثمة ‪،‬‬ ‫فقال رجل ‪ :‬هو واهلل يا رسول اهلل أبو‬ ‫خيثمة ‪ ،‬فقال رسول اهلل ‪ « :‬أولى‬ ‫لك يا أبا خيثمة « ‪ ،‬ثم أخبر رسول‬ ‫اهلل ‪ ‬اخلبر ‪ ،‬فقال له رسول اهلل ‪‬‬ ‫خيرا ً ودعا له بخير ‪.‬‬ ‫فابك على‬ ‫فكن أبا خيثمة ‪ ..‬أو‬ ‫ِ‬ ‫نفسك ‪ ،‬فقد أبكاني حالك وغفلتك‪.‬‬ ‫ولسنا نضن بحسن ظن على‬ ‫عامل اختاره العارفون ليكون في‬

‫ميدان اجلهاد بالكلمة ‪ ،‬وأن نحسن‬ ‫فيه املقال ‪ ،‬لكن ال يكون ذلك مدرسة‬ ‫تثبط أصحاب العزائم ‪ ،‬وتذهب جذوة‬ ‫احلماسة في نفوس الباذلني ‪ ،‬فأقل ما‬ ‫يقدمه جهاد الكلمة ‪ ،‬كلمة ودعاء ‪،‬‬ ‫وإن حالت األمور دون ذلك ‪ ،‬فباملال وهو‬ ‫ليس جزاء أو فضل بل واجب وملزم ‪.‬‬ ‫وإني هنا أدلكم على جتارة مغفرة‬ ‫الذنوب ‪ ،‬ورفع الدرجات ‪ ،‬وحيازة القوة‬ ‫والهيبة ‪ ،‬ولطاملا أرخت سدولها‬ ‫الليالي على مختبيء يفر من اجلهاد‬ ‫ويتولى يوم الزحف ‪ ..‬وسيغرق مرتني‬ ‫‪ ،‬مرة في وحل الهزمية ومرة في وحل‬ ‫الذنوب ‪.‬‬ ‫واخمللص من ذلك ‪ ..‬هو اجلهاد‬ ‫في سبيل اهلل ومشاركة اجملاهدين‬ ‫يومهم وليلهم وقيام الليالي للدعاء‬ ‫بنصرهم ‪ ..‬فهم من يحفظ اهلل‬ ‫بهم اليوم دينك وعرضك ونفسك‬ ‫ويحمونك ‪ ،‬ولقد هابتك اخلصوم ملا‬ ‫علمت قوة ضرباتهم وجالدة بأسهم‬ ‫‪ ،‬وما أوتيت البيوت والناس إال يوم ترك‬ ‫أهل اجلهاد بال دعاء وال مال وال علماء‬ ‫وال منافح يذكر للناس مناقبهم ‪.‬‬ ‫عن ابن مسعود ‪ ‬قال ‪:‬‬ ‫ملا سار رسول اهلل ‪ ‬إلى تبوك‬

‫جعل يتخلف عنه الرجل ‪ ،‬فيقولون‬ ‫‪ :‬يا رسول اهلل ‪ ،‬تخلف فالن ‪ ،‬فيقول ‪:‬‬ ‫« دعوه ‪ ،‬فإن يك فيه خير فسيلحقه‬ ‫اهلل تعالى بكم ‪ ،‬وإن يك غير ذلك‬ ‫فقد أراحكم منه « ‪ ،‬حتى قيل ‪ :‬يا‬

‫رسول اهلل ‪ ،‬تخلف أبو ذر وأبطأ به‬ ‫بعيره ‪ ،‬فقال رسول اهلل ‪  : ‬فإن‬ ‫يك فيه خير فسيلحقه اهلل بكم‬ ‫‪ ،‬وإن يك غير ذلك فقد أراحكم اهلل‬ ‫تعالى منه ‪ ،‬وت ّلوم أبو ذر على بعيره ‪،‬‬ ‫فلما أبطأ به أخذ متاعه فحمله على‬ ‫ظهره ‪ ،‬ثم خرج يتبع رسول اهلل ‪‬‬ ‫ماشيا ً ‪ ،‬فأدرك رسول اهلل في بعض‬ ‫منازله ‪ ،‬فنظر ناظر من القوم فقال‬ ‫‪ :‬يا رسول اهلل ‪ ،‬إن هذا الرجل ميشي‬ ‫في الطريق وحده ‪ ،‬فقال رسول اهلل‬ ‫‪  : ‬كن أبا ذر  ‪ ،‬فلما تامله القوم ‪،‬‬ ‫قالوا ‪ :‬يا رسول اهلل هو واهلل أبو ذر ‪،‬‬ ‫فقال رسول اهلل ‪  : ‬رحم اهلل أبا ذر‬ ‫‪ ،‬ميشي وحده ‪ ،‬وميوت وحده ‪ ،‬ويبعث‬ ‫وحده  ‪ ،‬فلما قدم أبو ذر على رسول‬ ‫اهلل أخبره خبره ‪ ،‬فقال ‪  :‬قد غفر اهلل‬ ‫لك يا أبا ذر بكل خطوة ذنبا ً إلى أن‬ ‫بلغتني  ) ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫لكن كعبا تخلف !!‬ ‫وإن تخلفت مثل كعب فإن كعبا ً‬ ‫تخلف وكان يقول ‪:‬‬ ‫« لم أتخلف عن رسول اهلل ‪‬‬ ‫في غزوة غزاها قط إال في تبوك ‪ ،‬غير‬ ‫أني تخلفت في بدر ‪ ،‬ولم يعاتب أحدا ً‬ ‫تخلف عنها ‪ ،‬إمنا خرج رسول اهلل ‪‬‬ ‫واملسلمون يريدون عير قريش حتى‬ ‫جمع اهلل بينهم وبني عدوهم على‬ ‫غير ميعاد « ‪.‬‬ ‫فقل لي أيها املتخلف ‪ :‬أأنت‬ ‫تخلفت ألنك لم تعلم غزوة !! أم إنك‬ ‫آثرت الدعة والراحة ‪ ،‬وقلت لنفسك‬ ‫معي من القوم كثير !!؟‬ ‫فيا شباب اجلهاد والبطولة ‪ :‬سيروا‬ ‫على دربكم في جهاد العدو ‪ ،‬وسحق‬ ‫جبروته ‪ ،‬وإرغام أنفه ‪ ..‬حتى يذله اهلل‬ ‫وينهزم بإذنه تعالى ‪.‬‬ ‫فلكل من تخلف ‪ ..‬اُعلمه أن كعبا ً‬ ‫شهد املشاهد كلها ‪ ..‬فلما تخلف‬ ‫عن تبوك ‪ ..‬عاد وتاب ‪ ..‬وإننا ننتظر‬ ‫عودة اخمللفني وإيابهم !!‬

‫‪21‬‬


‫رجولة أهل الهمم واملعالي هي‬ ‫السعي احلثيث إلى جنة عرضها‬ ‫السماوات واألرض ‪ ،‬ومن متطلبات هذا‬ ‫السعي أن تكتسب من العلم أوفره ‪ ،‬وأن‬ ‫تنال من األدب أكثره ‪ ،‬ومن معالي األمور‬ ‫وجميلها ما يزين رجولتك ‪ ،‬ويجعلك‬ ‫محط اآلمال ومعقد األماني ‪ ،‬بعيدا ً عن‬ ‫عثرات الطريق ومزالق املسير ‪.‬‬ ‫تصبح رجال أيها الشاب إذا اكتملت‬ ‫فيك مقومات الرجولة الظاهرية من‬ ‫ارتواء اجلسم ونضارته ‪ ،‬وقوة الشباب‬ ‫وحيويته وظهور الشوارب واللحى ‪،‬‬ ‫وهذه كلها تشترك فيها أمة مثلك من‬ ‫الشباب ‪ ..‬صاحلهم وطاحلهم ‪ ،‬مسلمهم‬ ‫وكافرهم ‪ ،‬برهم وفاجرهم ‪..‬‬ ‫بعض احليوانات تشترك مع اإلنسان‬ ‫في هذه الصفات من عضالت وقوة حتمل‬ ‫‪ ،‬لكنك رجل مميز وشاب متفرد ‪ ..‬نريدك‬ ‫رجالً مسلما ً ال رجالً مجردا ً ! ولكي تكون‬ ‫كذلك فاآلفاق أمامك مفتوحة ‪ ،‬ودروب‬ ‫اخلير سهلة ميسورة ‪ ،‬وحصاد العلم قد‬ ‫دان وقرب ‪ ،‬وغراس اخللق ينتظر اجلاني ‪..‬‬ ‫فهيا لتنال نصيبا ً وافيا ً من ذلك‬ ‫فتكون رجالً كما نريد ‪ ،‬وكما تريد ‪،‬‬ ‫بل وكما يريد اهلل ‪ ‬ذلك ‪ ،‬فاألسرة‬ ‫واجملتمع واألمة بحاجة إلى شباب صاحلني‬ ‫مصلحني ‪ ،‬فهذا الدين يحتاج إلى رجل‬ ‫‪ ..‬ولكن ليس رجل فحولة فحسب ‪ ،‬بل‬ ‫رجل بطولة وصبر ‪ ،‬يحمل هم الدعوة‬ ‫ويقوم بها ويصبر على ما يالقيه ‪ ،‬يسعى‬ ‫جادا ً لنيل العلم واالرتقاء في درجاته‬ ‫‪ ،‬عفيف اللسان نزيه اجلوارح ‪ ..‬تسارع‬ ‫قدمه إذا سمع األذان ‪ ..‬ويتردد بني جنباته‬ ‫آيات القرآن ‪.‬‬ ‫وبعيدا ً عن التنظير والكلمات‬ ‫اإلنشائية ‪ ،‬أذكرك بأمور ‪ ،‬إن متسكت بها‬ ‫وأخذت بأطرافها فزت ورب الكعبة ‪:‬‬ ‫أوالً‪ :‬خلقت ألمر عظيم فاحذر أن‬

‫‪22‬‬

‫يغيب ذلك عن بالك طرفة عني ‪ ،‬فاهلل‬ ‫عز وجل يقول في محكم التنزيل‪  :‬ﭳ‬ ‫ﭴﭵﭶﭷﭸ ﭹ  ‪.‬‬ ‫ثانياً ‪ :‬الصالة ‪ ..‬الصالة ! فإنها عماد‬ ‫الدين والركن الثاني العظيم ‪ ،‬وال ّ‬ ‫حظ‬ ‫في اإلسالم ملن ترك الصالة ‪ ،‬فال تتهاون‬ ‫وال تتكاسل وال تتشاغل عن أدائها في‬ ‫وقتها مع جماعة املسلمني ‪ ،‬يقول‬ ‫الرسول ‪ ( : ‬العهد الذي بيننا وبينهم‬ ‫الصالة فمن تركها فقد كفر ) ‪.‬‬ ‫ونرى البعض يغتم ويهتم لفقد أمر‬ ‫من أمور الدنيا من ضياع قلم أو فقد‬ ‫محفظة ‪ ..‬وال يهتم بأن يفوته تكبيرة‬ ‫اإلحرام أو الصالة مع اجلماعة ‪ ،‬وواهلل لن‬ ‫يفلح من تركها !‬ ‫ثالثاً ‪ :‬ما أضاع ساعات الزمن وأيام‬ ‫العمر مثل حياة الفارغني وأصحاب‬ ‫الهوايات الضائعة واألوقات املسلوبة‬ ‫ممن همهم إضاعة الساعات واألوقات‬ ‫في لهو وعبث ‪ ،‬فاحرص على وقتك فإنه‬ ‫أغلى من املال ‪ ،‬وإن كان مالك تستطيع‬ ‫أن حتافظ عليه وتنميه وتستثمره فإن‬ ‫الوقت قاتل وقاطع ‪ ،‬واألنفاس ال تعود ‪.‬‬ ‫رابعاً ‪ :‬العلم طريق الوصول إلى‬ ‫خشية اهلل عز وجل فسارع إليه وابدأ‬ ‫بالعلم الشرعي الذي تقيم به أمور‬ ‫دينك ‪ ،‬وما نلت من علم دنيوي حتتاجه‬ ‫األمة فاجعل نيتك فيه خدمة اإلسالم‬ ‫واملسلمني حتى تؤجر عليه ‪.‬‬ ‫خامساً ‪ :‬حسن اخللق كلمة لطيفة‬ ‫طرية على اللسان ‪ ،‬ولكن عند التطبيق‬ ‫تتباين الشخصيات ويفترق الرجال إلى‬ ‫أصول وفروع ! وال يغيب عن بالك أن حسن‬ ‫اخللق من صلب هذا الدين ‪ ..‬فبر والديك‬ ‫‪ ،‬وارفق بأخيك ‪ ،‬وأحسن إلى صديقك ‪،‬‬ ‫وتعاهد جارك ‪.‬‬ ‫سادساً ‪ :‬مع تنوع املعارف والعلوم ال‬ ‫بُد أن يكون لك سهم من تلك الطروحات‬

‫حتى تكون قوي الفكر ‪ ،‬ثابت املعلومة ‪،‬‬ ‫على إطالع واسع لتنمي ثقافتك ‪ ،‬ومثلك‬ ‫يحذر الطروحات الفكرية التي يدعيها‬ ‫بعض املوتورين واملرجفني ممن ال يذكرون‬ ‫اهلل إال قليال !‬ ‫سابعاً ‪ :‬القدوة علم تسير خلفه‬ ‫وتستظل بآرائه وتستلهم طريقه ‪ ،‬فمن‬ ‫قدوتك يا ترى ؟ وال أعرف البن اإلسالم‬ ‫قدوة سوى محمد ‪ ‬وصحبه الكرام‬ ‫وسلفه الصالح ‪.‬‬ ‫ثامناً ‪ :‬أنت ‪ -‬وال ريب ‪ -‬تتطلع إلى غد‬ ‫مشرق وسعادة دائمة وظل وارف ‪ ،‬فعليك‬ ‫بتقوى اهلل في السر والعلن فإنها وصية‬ ‫اهلل لألولني واآلخرين وطريق النجاة يوم‬ ‫الدين ‪ ( :‬من عمل صاحلا ً من ذكر أو أنثى‬ ‫وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ) ‪.‬‬ ‫تاسعاً‪ :‬لتكن قوي اإلرادة ‪ ،‬ماضي‬ ‫العزمية ‪ ،‬وألق ما تقع عليه عينك من‬ ‫احملرمات ‪ ،‬وابتعد عن الرذائل ومواطن‬ ‫الشبه والريب ‪ ،‬ولتكن لك قوة داخلية‬ ‫تسخرها لتزكية نفسك وصفاء سريرتك‬ ‫وذلك مبراقبة اهلل عز وجل على كل حني‬ ‫ومداومة العمل الصالح ‪.‬‬ ‫عاشراً ‪ :‬الدعاء هو العبادة ‪ ،‬وكم أنت‬ ‫فقير إلى ربك وموالك ‪ ،‬فبالدعاء يكون‬ ‫انشراح النفس وطمأنينتها وطلب‬ ‫العون من اهلل عز وجل ‪ ،‬فال تغفل عنه‬ ‫‪ ،‬واحرص على البعد عن موانع اإلجابة‬ ‫‪ ،‬وكلما غفلت تذكر كثرة دعاء األنبياء‬ ‫ألنفسهم وحرصهم على ذلك ‪.‬‬ ‫أيها الرجل الشاب ! يا من استقبلت‬ ‫الدنيا بوجهك ‪ ..‬إنها كلمات وإن كانت‬ ‫مكررة فأبشر وأمل إن وقعت في نفسك‬ ‫موقعا ً ‪ ،‬فعندها تكون رجالً وال كل الرجال‬ ‫‪ ،‬بل رجل أثنى اهلل عز وجل عليه في‬ ‫مواضع عدة من كتابه الكرمي ‪ ،‬وحسبك‬ ‫هذا الثناء لتكون رجالً ‪.‬‬


‫ﻛﺘﺎﺋـــــــﺐ ﺻــــــﻼح اﻟﺪﻳــــــــﻦ ا�ﻳﻮﺑــــــــﻲ‬

‫حني تتاح لإلنسان فرصة متميزة‬ ‫فإنه يعاب على تفريطه في‬ ‫استثمارها واغتنامها ‪ ،‬ويزداد العتب‬ ‫حني تكون الفرص محدودة واملكاسب‬ ‫املضاعة عالية وكبيرة ‪ ،‬لكن أشد‬ ‫من ذلك وأوْلى بالعتب أن يتمكن من‬ ‫فرصة فيفرط فيها ‪ ،‬وينقض غزله‬ ‫بيده ويخرب بيته بنفسه ‪.‬‬ ‫وثمة حاالت من ذلك حتصل‬ ‫للمجاهدين وهي ليست بالقليلة ‪،‬‬ ‫ومن ذلك ‪:‬‬ ‫ أن يكون الشخص في موقع له‬ ‫أهميته وتأثيره ‪ ،‬فيضحي به نتيجة‬ ‫إصراره على أعمال أو مواقف ال ترقى‬ ‫أهميتها وتأثيرها إلى ما هو فيه ‪.‬‬ ‫ أن يرتكب شخص أو قسم‬ ‫مخالفات قانونية أو أمنية أو إدارية‬ ‫تؤدي إلى التعويق عن أعمال أكثر أثرا ً‬ ‫وأهمية ‪.‬‬ ‫ أن يتسبب في القضاء على‬ ‫مشروعات قائمة بسبب اإلصرار على‬ ‫ما هو دونها في املصلحة ‪ ،‬بل قد‬ ‫يفوت األمران كالهما ‪.‬‬ ‫إن من يقرأ التاريخ سيجد حكومات‬ ‫وأحزاب وحركات إسالمية سقطت‬ ‫وقضي عليها بسبب مواقف وقرارات‬ ‫خاطئة نتيجة ما ترى أنه مصلحة ‪،‬‬ ‫وفات في ذلك من املصالح أضعاف‬ ‫أضعاف ما كانت ترنو إليه من عملها‬ ‫‪ ،‬بل قد ضاعت املصلحتان كالهما ‪.‬‬ ‫إننا قد نعتذر عن أخطائنا بأعذار‬ ‫نعتقد صحتها وليست كذلك ‪:‬‬ ‫ فتارة نعتذر بأننا مستهدفون‬

‫من أعدائنا ‪ ،‬ونشن حملة ضارية‬ ‫عليهم وعلى ما فعلوه ‪ ،‬واألعداء‬ ‫ال ينتظر منهم إال ما هو أسوأ مما‬ ‫فعلوا ‪ ،‬ولِ َم ال نعيب أنفسنا أننا لم‬ ‫نستطع اكتشاف مؤامرة العدو ‪ ،‬أو‬ ‫تفويت الفرصة عليه ‪ ،‬أو االستعداد‬ ‫ملواجهته ؟‬ ‫ وفي مواقف ليست بالقليلة‬ ‫نفسر كل ما يصدر من اآلخرين بأنه‬ ‫مؤامرة وباعثه النكاية بنا لديننا‬ ‫ودعوتنا وجهادنا وسالمة منهجنا ‪..‬‬ ‫وهذا قد يحصل كثيرا ً ‪ ،‬لكن ليس‬ ‫كل ما يفعله اآلخرون ميكن أن يفسر‬ ‫بالضرورة بهذا التفسير ‪.‬‬ ‫ وتارة نعتذر بسالمة منهجنا‬ ‫ونس ِّوغ إخفاقنا وجناح اآلخرين بأننا‬ ‫أسلم منهجا ً وأثبت طريقاً‪.‬‬ ‫ وتارة نعتذر بأن كل ما يصيبنا‬ ‫إمنا هو ابتالء من اهلل ليرفع به درجاتنا‬ ‫وميحصنا ‪ ..‬لكننا نغفل عن أن احملنة‬ ‫واالبتالء هي مقاساة عذاب الطريق‬ ‫الصحيح ‪ ،‬ولكن اخلطأ هو عذاب‬ ‫الطريق غير الصحيح ‪ ،‬فهل نحن ال‬ ‫نخطئ !‬ ‫ وتارة نحول انهزامنا إلى نصر‬ ‫‪ ،‬وإخفاقنا إلى جناح ‪ ،‬مبالغني في‬ ‫وصف منجزاتنا ‪ ،‬ومهونني من شأن‬ ‫خسائرنا ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ وتارة نشن هجوما على من‬ ‫ينتقدنا متهمني رأيه وتارة نواياه ‪.‬‬ ‫لقد قال اهلل ‪ ‬عن صفوة خلقه‬ ‫وخيرهم بعد األنبياء حني هزموا في‬ ‫أحد وأصابهم ما أصابهم ‪  :‬ﯽ‬

‫ﯾﯿﰀﰁﰂﰃ‬ ‫ﰄ ﰅﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋﰌ ﰍ ﰎ‬ ‫ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ آل عمران‬ ‫ومع ذلك لم يكن هذا األمر منقصا ً‬ ‫من شأن ذاك الرعيل ؛ بل كان دافعا ً له‬ ‫الستيعاب الدرس وجتاوز األزمة ‪.‬‬ ‫إن إدراكنا ملسؤوليتنا عن أعمالنا‬ ‫‪ ،‬والتفكير اجلاد في العواقب واملآالت‬ ‫‪ ،‬وموازنة املصالح واملفاسد ‪ :‬يعيننا‬ ‫بإذن اهلل على جتنب إخفاقات ومواقف‬ ‫فشل ‪ ،‬ويزيد من فرصة احملافظة على‬ ‫مشروعاتنا وأعمالنا اجلهادية ‪.‬‬ ‫ونحتاج أن نضيف إلى ذلك اجلرأة‬ ‫على انتقاد أنفسنا ومراجعة أعمالنا ‪،‬‬ ‫والفصل بني سالمة املنهج واملمارسة‬ ‫‪ ،‬والفصل بني حسن النية وحسن‬ ‫العمل ‪ ،‬والفصل بني صحة احلقائق‬ ‫واملنطلقات وبني مدى انطباقها على‬ ‫الواقع أو ما يعبر عنه األصوليون‬ ‫بتحقيق املناط ‪.‬‬ ‫ونحتاج أن نضيف إلى ذلك تقليل‬ ‫املساحة التي حتتلها العاطفة من‬ ‫تفكيرنا ومواقفنا ‪ ،‬والنظر البعيد‬ ‫الذي يتجاوز ما حتت أقدامنا ‪ ،‬والعمل‬ ‫باستراتيجية املدى املتوسط والبعيد‬ ‫‪ ،‬ال أن ننشغل بالعمل اليومي‬ ‫لنُستهلك ونبقى في خانة ردود‬ ‫األفعال ‪.‬‬ ‫وذلك كله لن ينقلنا للعصمة؛‬ ‫فسنبقى بشرا ً نخطئ ونصيب ‪،‬‬ ‫ونكبو وننهض ‪ ،‬لكنه سيقلل من‬ ‫حاالت اإلخفاق ‪ ،‬وسيحافظ أكثر على‬ ‫مشروعاتنا ومنجزاتنا ‪ ،‬واهلل املوفق ‪.‬‬

‫‪23‬‬



2DaSTBw58YfH