Issuu on Google+

‫موىس لكمي هللا‬ ‫عليه السالم‬ ‫سلسلة خطب للدكتور عدنان ابراهيم‬


‫الفهرس‬ ‫مع الكليم موس ى ‪17-2 ... ... ... ... 1‬‬ ‫مع الكليم موس ى ‪63-18 ... ... ... ... 2‬‬ ‫مع الكليم موس ى ‪88-67 ... ... ... ... 6‬‬ ‫مع الكليم موس ى ‪74-89 ... ... ... ... 4‬‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫تفريغات خطب الدكتور‬

‫عدانن ابراهمي‬

‫مع الكليم موس ى ‪91-78 ... ... ... ... 8‬‬ ‫مع الكليم موس ى ‪111-92 ... ... ... ... 3‬‬ ‫مع الكليم موس ى ‪166-112 ... ... ... ... 7‬‬

‫‪1‬‬

‫تنسيق الكتاب‬

‫محمد عدوي‬


‫مع الكليم موسى‪ -‬ج ‪ ...-1‬قصة القدر‬ ‫إن الحمد هلل‪ ،‬نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا وسيئات‬ ‫أعمالنا‪ ،‬من يهده هللا فال مضل له‪ ،‬ومن يضلل فال هاد له‪ ،‬وأشهد أن ال إله إال هللا‬ ‫وحده ال شريك له‪ ،‬وأشهد أن سيدنا محمد عبد هللا ورسوله لى هللا ععاى عليه وعى‬ ‫ً‬ ‫آله الطيبين وصحابته املباركين وأتباعهم بإحسان إى يوم الدين وسلم عسليما كثيرا‪.‬‬ ‫عباد هللا! أوليكم ونفس ي الخاطئة بتقوى هللا العظيم ولزوم طاعته‪ ،‬كما‬

‫ثم أما بعد أيها اإلخوة املسلمون األحباب‪ ،‬أيتها األخوات املسلمات الفاضالت‬ ‫يقول املوى الجليل سبحانه وععاى في محكم التنزيل بعد أن أعوذ باهلل من الشيطان‬ ‫الرجيم‪ ،‬بسم هللا الرحمن الرحيم‬ ‫َ ْ‬ ‫َ‬ ‫‪ُ َ َ ْ 1‬‬ ‫ات ْالك َتاب ْاملُبين‪َ ،2‬ن ْت ُلوا َع َل ْي َك من َّن َبإ ُم َ‬ ‫وس ى َو ِف ْر َع ْون ِبال َح ِ ّق ِلق ْو ٍم‬ ‫"طسم ‪ِ ،‬تلك آي‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ َ َ َ َ ََْ َ ًَ ْ َ ْ ُ َ َ ً‬ ‫ُي ْؤم ُنو َن‪ ،6‬إ َّن ف ْر َع ْو َن َ‬ ‫ض ِعف طا ِئفة ِّم ْن ُه ْم ُيذ ِّب ُح‬ ‫ض وجعل أهلها ِشيعا يست‬ ‫األ‬ ‫ي‬ ‫ف‬ ‫ال‬ ‫ع‬ ‫ر‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ ُ ْ َّ ُ َ َ‬ ‫ين‪َ ،4‬و ُنر ُيد أن َّن ُم َّن َع َى َّالذ َ‬ ‫ان م َن ْاملُ ْفسد َ‬ ‫أ ْب َن ُ‬ ‫اءه ْم َو َي ْس َت ْ‬ ‫ين‬ ‫ك‬ ‫ه‬ ‫ن‬ ‫إ‬ ‫م‬ ‫اءه‬ ‫س‬ ‫ن‬ ‫ي‬ ‫ي‬ ‫ح‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َْ َ ُ‬ ‫ُ‬ ‫ْ ُ ْ ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫‪8‬‬ ‫ض ون ِري‬ ‫األ‬ ‫ي‬ ‫ف‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫ل‬ ‫ن‬ ‫ك‬ ‫م‬ ‫ن‬ ‫و‬ ‫‪،‬‬ ‫ين‬ ‫ث‬ ‫ا‬ ‫و‬ ‫ال‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫ل‬ ‫ع‬ ‫ج‬ ‫ن‬ ‫و‬ ‫ة‬ ‫م‬ ‫ئ‬ ‫أ‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫ل‬ ‫ع‬ ‫ج‬ ‫ن‬ ‫و‬ ‫ض‬ ‫األ‬ ‫ي‬ ‫ف‬ ‫وا‬ ‫ف‬ ‫استض ِع‬ ‫ر‬ ‫ر‬ ‫ر‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ْ َ ْ َ َ َ َ َ َ ُ ُ َ ُ َ ْ ُ َّ َ ُ َ ْ َ ُ َ ‪َ ْ َ َ ُ ّ ُ َ َ ْ َ ْ َ َ 3‬‬ ‫وس ى أن أ ْر ِض ِع ِيه‬ ‫ِفرعون وهامان وجنودهما ِمنهم ما كانوا يحذرون ‪ ،‬وأوحينا ِإى أ ِم م‬ ‫وه إ َل ْيك َو َجاع ُل ُ‬ ‫َفإ َذا خ ْفت َع َل ْيه َف َأ ْلقيه في ْال َي ّم َوال َت َخافي َوال َت ْح َزني إ َّنا َر ُّاد ُ‬ ‫وه ِم َن‬ ‫ِ ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ ِِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ْ ُ ْ َ َ ‪َ ْ َ ْ ُ ُ َ َ َ 7‬ن َ ُ َن ُ ْ َ ُ ّ َ َ َ َّ ْ َ ْ َن َ َ َ َ‬ ‫ان َو ُج ُن َ‬ ‫ود ُه َما‬ ‫املرس ِلين ‪ ،‬فالتقطه آل ِفرعو ِليكو لهم عدوا وحزنا ِإن ِفرعو وهام‬ ‫َ ُ َ‬ ‫َ‬ ‫اط ِئين‪"8‬‬ ‫خ‬ ‫كانوا ِ‬

‫موسى كليم هللا‬

‫أحذركم وأحذر نفس ي من عصيانه ومخالفة أمره لقوله سبحانه وععاى "من عمل‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫لالحا فلنفسه‪ ،‬ومن أساء فعليها‪ ،‬وما ربك بظالم للعبيد"‪.‬‬

‫‪2‬‬


‫لدق هللا العظيم‪ .‬وبلغ رسوله الكريم‪ ،‬ونحن عى ذلكم من الشاهدين‪ ،‬اللهم اجعلنا‬ ‫من شهداء الحق القائمين بالقسط‪ ،‬أمين اللهم أمين!‬

‫أيها اإلخوة األفاضل واألخوات الفاضالت! يوشك أن يكون تاريخ البشرية جمعاء‬ ‫تاريخ األنبياء واملرسلين‪ ،‬وبرهان ذلك أنه بعد أن تصرمت عشرات القرون وبعد أن‬ ‫حققت هذه البشرية ما حققت من تقدم ونكسات‪ ،‬من تطور وتدهور‪ ،‬إال أن األثر‬ ‫ً‬ ‫األعظم الذي يمارس عى البشر وعى الناس جملة وتفصيال ليس للفالسفة‬ ‫واملفكرين‪ ،‬كما أنه ليس للقادة السياسيين وال للقادة العسكريين‪ ،‬الذي تبقي من‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫هؤالء جميعا يشبه أال يكون إال شيئا قليال ونذرا حقيرا‪ ،‬فالناس اليوم كما هم قبل‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫مئات السنين أتباع موس ي وأتباع املسيح وأتباع محمد وهذه هي الدنيا!‬

‫في يوم من األيام كتب األديب الساخر األيرلندي جورج برنارد شو يقول‪ :‬لو قدر‬ ‫إلنسان أن يعمل عمل ما ذا قيمة‪ ،‬فشرط ذلك والبد أن ُيعمر عى األقل ثالثمائة من‬ ‫السنين‪ .‬يريد هذا األديب الكبير واملفكر الشهير أن يقول إن متوسط أعمارنا كبشر في‬ ‫حدوده العليا ال يسمح لنا أن نصل إى قدر كاف وواف من التجارب نصحح به الخطأ‬ ‫ونستدل به عى خطأ تصرفاتنا وسوء مسالكنا‪ ،‬إن هذا املتوسط ليس كافيا وليس‬ ‫وافيا ألن يحصل البشر في حدوده الحكمة الالزمة إلدارة دفة هذه الحياة‪ .‬وهذا كالم ال‬ ‫ً‬ ‫يمكن أن يصدر إال عن عقل كبير‪ ،‬وكبير جدا‪.‬‬ ‫‪3‬‬


‫ومع رغبتنا عن أن ندخل في سيجال مضن مع أديب كهذا طويل النفس ومفكر‬ ‫ً‬ ‫استثناء ال يستطيع ال هو وال أمثاله وال غيره أن يكابره عليه‬ ‫خطير‪ ،‬إال أننا البد نسجل‬ ‫أو أن يجادله بشأنه‪ ،‬هذا االستثناء هو أن هناك شريحة من البشر استثنائية في كل‬ ‫معنى ربطت حيواتنا ومنهاجنا ومسالكنا وانقساماتنا وتوجهاتنا إى ما أتتنا به‪ ،‬إى‬ ‫هداياها إلينا‪ ..‬أنهم األنبياء واملرسلون‪ ،‬أشخاص استثنائيون بكل معنى الكلمة‪ ،‬لم‬ ‫ً‬ ‫يعمر أكثر هؤالء الثالثمائة سنين التي أرادها هذا الفيلسوف شرطا للحكمة‪ ،‬إال أنهم‬ ‫أثبتوا وباقتدار وبجدارة كاملة أنهم القادة الحقيقيون‪ ،‬أنهم القادة الذين لم تنسخ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫األدهار واألعمار وكر السنين ما جاءوا به من حكمة‪ ،‬لقد ربطونا إليهم ربطا مؤبدا‬ ‫ً‬ ‫خالدا ال ينفى‪ ،‬ال تذهبه وال تضعفه وال تبطئ جذوته وال تنسخ ما رسخ منه وما استقر‬ ‫األيام واللياىي‪.‬‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫لذلك ال بأس أن نشرع بدء من هذه الخطبة بافتتاح سلسلة جديدة من قصص‬ ‫األنبياء واملرسلين خالة العظام املشاهير منهم الخالدين‪ ،‬وستكون هذه الخطبة‬ ‫فاتحة لسلسة من الخطب تدور حول الكليم الوجيه العظيم القدر الحبيب إى هللا‬ ‫وإى البشر الصفي موس ي بن عمران عليه الصالة وأفضل السالم‪.‬‬

‫ما من نبي من األنبياء ذكر باسمه كما ذكر موس ي بن عمران في القرآن الكريم‪،‬‬ ‫تكرر اسمه في عشرات السور زهاء مائة وخمسة وثالثين موضع‪ ،‬وهو أكثر نبي ورسول‬ ‫ُ‬ ‫ذكر باسمه في كتاب هللا تبارك وععاى ‪ ،‬أنه واحد من الخمسة العظام أوى العزم من‬ ‫الرسل‪ ،‬أنه نبي كريم ومرسل وجيه عند هللا "وكان عند هللا وجيها"‪ .‬قال بعض أسالفنا‪:‬‬ ‫بلغ من واجهته عن هللا سبحانه وععاى أنه حين شفع في أخيه هارون‪ ،‬وطلب إى هللا‬ ‫ً‬ ‫سبحانه وععاى أن يرسله معه سندا ووزيرا أن استجاب هللا له وأعطاه طلبه‪ ،‬وهكذا‬

‫‪4‬‬


‫ً‬ ‫ُبعث هارون نبيا بطلب أخيه‪ ،‬وذلك قالت أمنا عائشة رضوان هللا عليها‪ :‬ما من أخ هو‬ ‫ً‬ ‫أمن عى أخيه من موس ى عى أخيه هارون‪ .‬أنها منة عظيمة جدا ال يقادر قدرها‪ ،‬ألنه‬ ‫نبئ هارون عليه السالم بدعوة أخيه موس ى‪ .‬لقد كان له قدر عند هللا‪.‬‬

‫قال عليه الصالة وأفضل السالم‪ :‬موس ي بن عمران لفي هللا‪ .‬الطفاه هللا‬ ‫"الطنعتك لنفس ي"‪ ،‬لقد لاغته يد القدرة اإللهية‪ .‬نبأه هللا حين نبأه وعليه جبة من‬ ‫ً‬ ‫لوف ونعالن من لوف وثيابه الداخلية أيضا كانت من لوف‪ ،‬وعليه قلنصوة من‬ ‫لوف‪ ..‬كان متواضعا‪ ،‬وقد روى أبو نعيم أن هللا تبارك وععاى أوحي إليه وقال‪ :‬يا‬ ‫موس ي بن عمران أتدري ملا الطفيتك عى الناس برسالتي وبكالمي؟ قال‪ :‬كال يا رب ال‬ ‫ً ً‬ ‫ً‬ ‫أدرى‪ ،‬قال‪ :‬ألني لم أجد أحدا تواضع ىي تواضعك أنت‪ .‬لقد كان متواضعا جدا‪.‬‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫ً‬ ‫نحن نعرف من سماته ولفاته أنه كان غضوبا عليه الصالة وأفضل السالم‪،‬‬ ‫وهذا مما القاه من بني إسرائيل‪ ،‬ولعلها كانت لفة فيه‪ ،‬إال أنه كان شديد التواضع‬ ‫والهضم لنفسه عليه الصالة وأفضل السالم‪ .‬وف حديث آخر أن هللا تبارك وععاى نظر‬ ‫في قلوب الخلق أجمعين فلم ير قلبا فيه إخبات وتواضع كقلب موس ي‪ ،‬فالطفاه‬ ‫بنبوته وابتعثه لرسالته‪ ...‬وهكذا يكون االلطفاء اإللهي! انقضت النبوة‪ ،‬إال أن هللا‬ ‫تبارك وععاى ال يزال يصطفى بالعلم والوالية والفقه والصيانة والديانة ألمثال هذه‬ ‫ً‬ ‫األسباب‪ ،‬لإلخبات‪ ،‬للتواضع‪ ،‬أن يكون اإلنسان لغيرا عند نفسه متواضعا مخبتا هلل‬ ‫ً‬ ‫تبارك وععاى ‪ .‬عى كل‪" ،‬وكان عند هللا وجيها" موس ى بن عمران عليه الصالة وأفضل‬ ‫السالم‪.‬‬

‫‪5‬‬


‫روى اإلمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبى هريرة‬ ‫رضوان هللا ععاى عليه أجمعين‪ ،‬قال‪ :‬استب رجل من املسلمين ورجل من اليهود‪ ،‬فقال‬ ‫املسلم ال والذى الطفى محمد عى العاملين‪ ،‬فقال اليهودي‪ :‬ال والذى الطفى موس ى‬ ‫عى العاملين‪ ،‬فغضب املسلم فلطم عين اليهودي‪ ،‬فجاء اليهودى إى رسول هللا عليه‬ ‫الصالة وأفضل السالم وشكا إليه من أمر هذا املسلم‪ ،‬فدعا به النبي فأعي‪ ،‬فقال له‬ ‫عليه الصالة وأفضل السالم بعد أن اعترف وأقر بما فعل‪ :‬ال يخيروني عى موس ى بن‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫عمران‪ -‬وهذا قاله املصطفى هضما لنفسه وتواضعا‪ ،‬وإال فهو خير منه بال ريب وهو‬ ‫سيده‪ ،‬هو سيد ولد أدم‪ ،‬لكن هذا كان منه ععليما لنا لهضيمة النفس والتواضع هلل‬ ‫وألصحاب الفضل واملنزلة والهيئة من الناس‪ -‬فإن الناس يصعقون يوم القيامة‬ ‫ً‬ ‫فأكون أول من يفيق فأجد موس ى بن عمران‪ -‬في رواية ممسكا بساق العرش‪ ،‬وف هذه‬ ‫الرواية‪ -‬ممسكا بجانب العرش‪ ،‬فال أدرى أكان ممن لعق ثم أفاق‪ -‬فاق قبىي‪ -‬أو كان‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫ممن استثنائه هللا تبارك وععاى ‪ -‬أي فلم يصعق‪ ،‬وف رواية أخرى أن موس ي جوزي‬ ‫بصعقة الطور‪ ،‬يوم طلب الرؤية فصعق‪ .‬لذلك يقول الرسول ال تخيروني عى موس ي‬ ‫بن عمران ألجل هذه امليزة‪.‬‬

‫لقد اختصه هللا بالتكليم‪ ،‬فقد كان يكلم هللا تبارك وععاى متى ما أراد وهذه ليست‬ ‫إال له‪ .‬النبي كلم ربي مرة واحدة ليلة املعراج‪ ،‬أما موس ي فكان يكلم ربه متى شاء‪ .‬وامليزة‬ ‫ال تقض ي التفضيل‪ ،‬تقض ي التفضيل من وجهها فقط‪ ،‬أما من كل وجه فاألفضل هو‬ ‫محمد عليه الصالة وأفضل السالم ال ريب في ذلك‪ .‬ولذلك قد نعد لكل نبي من املزايا‬ ‫ما ليس لغيره‪ ،‬لكن املجموع واملحصلة النهائية هي ما يكون به التفاضل النهائي‪ .‬وهكذا‬ ‫ً‬ ‫الصحابة أيضا والعلماء واألولياء‪.‬‬ ‫‪6‬‬


‫ً‬ ‫لقد اختصه هللا تبارك وععاى بالتكليم هذه الخصيصة وميزة عظيمة جدا‪ ،���قال‬ ‫عليه الصالة وأفضل السالم في الحديث الذي أخرجه اإلمام الطبراني في الكبير‪،‬‬ ‫وأخرجه اإلمام الحاكم بن عبد هللا في مستدركه عى الصحيحين من حديث عوف بن‬ ‫مالك‪ ،‬قال عليه الصالة وأفضل السالم‪ :‬ما من نبي إال يكاثر بأمته‪ -‬يكاثر األنبياء‬ ‫اآلخرين من يكون أكثر أمة – وكثرتهم‪ -‬أي أمتي ستكون أكثر ممن أمم سائر النبيين‪ -‬إال‬ ‫موس ى بن عمران‪ -‬أمة موس ى في ذلك الوقت أكثر من أمة محمد‪ ،‬ألنها كانت في مهدها‪-‬‬ ‫وأني ألرجو هللا أن أكثره‪ -‬وقد فعل هللا‪ ،‬النبي يرجو ذلك وقد أعطاه هللا‪ ،‬أين أمة موس ى‬ ‫اليوم من أمة محمد؟! ال قياس‪ ..‬خمسة عشر مليون إى مليار وثالثمائة مليون‪ -‬ولقد‬ ‫أعطي موس ى بن عمران خصالت‪ ،‬األوى أنه مكث ينادى ربه أربعين ليلة وأنه ال ينبغي‬ ‫ملتناجيين أن تناجيا فوق ذلك‪ ،‬وأن هللا تبارك وععاى أن توحد‪ -‬أي تفرد‪ -‬بدفنه فلم‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫يطلع أحد عى ذلك‪ -‬ال يدرى أحد أين قبر موس ى‪ ،‬لكن النبي يعرف مكانه‪ ،‬فهو مدفون‬ ‫عن الكثيب األحمر‪ ،‬ولقد رآه وعينه‪ -‬وأن الناس يصعقون عند القيامة ويكون موس ى‬ ‫ً‬ ‫قائما عند العرش ال يصعق‪ .‬هذه خصالت ملوس ى عليه الصالة وأفضل السالم‪.‬‬

‫كان نبينا عليه الصالة وأفضل السالم يرى مشابه كثيرة بينه وبين أخيه موس ى‪،‬‬ ‫وهذا النبي العظيم من أمن األنبياء علينا كما ذكرناه مرة‪ ،‬ومن أحوط األنبياء عى هذه‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫األمة‪ ،‬واملشابه كثيرة جدا بينه وبين بنينا‪ ،‬وأيضا بين كتابه وبين كتابنا‪ .‬لذلك كثر قرن‬ ‫هللا تبارك وععاى بين ذكره وكتابه وبين محمد وكتابه عليه الصالة وأفصل السالم‪ ،‬في‬

‫‪7‬‬

‫آيات كثيرة قرن القرآن بين موس ى وكتابه ومحمد وقرآنه كما قاله سبحانه وععاى في‬ ‫‪ً َ ُ ّ َ ْ َ َ ْ َ ْ َ َ َ َّ َ 2 ُ ُّ َ ْ ُّ َ ْ َ ُ َّ َ َ ُ ّ 1‬‬ ‫ص ِّدقا‬ ‫أول آل عمران "الم ‪ ،‬اّلل ال ِإلـه ِإال هو الحي القيوم ‪ ،‬نزل عليك ال ِكتاب ِبالح ِق م‬ ‫َ ْ ُ ُ ً ّ َّ َ َ َ َل ْ ُ ْ َ َ‬ ‫ّ َ َ ْ َ َ َ ْ َ َ َ َل َّ‬ ‫الت ْو َر َاة َ‬ ‫َ‬ ‫يل‪6‬‬ ‫ان‪ ،"...‬فقرن‬ ‫اس وأنز الفرق‬ ‫لن‬ ‫ل‬ ‫ى‬ ‫د‬ ‫ه‬ ‫ل‬ ‫ب‬ ‫ق‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫‪،‬‬ ‫نج‬ ‫اإل‬ ‫و‬ ‫ِملا بين يدي ِه وأنز‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫َ‬ ‫ََ ََُ ْ‬ ‫ً‬ ‫وا ّ َ‬ ‫اّلل َح َّق ق ْد ِر ِه‬ ‫بين القرآن وبين الكتابين‪ ،‬وقال تبارك وععاى أيضا في األنعام "وما قدر‬


‫موسى كليم هللا‬

‫ُ َ ُ ً‬ ‫ْ َ ُ ْ َ َ َ َ ّ ُ َ َ َ َ ّ َ ْ ُ ْ َ ْ َ َ َ ْ َ َ َّ‬ ‫وس ى نورا‬ ‫اب ال ِذي َجاء ِب ِه م‬ ‫ِإذ قالوا ما أنزل اّلل عى بش ٍر ِمن ش ي ٍء قل من أنزل ال ِكت‬ ‫َ‬ ‫َ ُ ً ّ َّ َ ْ َ ُ َ ُ َ‬ ‫َ َ َ ْ ُ َ‬ ‫َ ُ َ ُ ُْ َ َ ً ّ ُ‬ ‫يس ت ْب ُدون َها َوتخفون ك ِثيرا َو ُع ِل ْمتم َّما ل ْم ع ْعل ُموا أنت ْم َوال‬ ‫اط‬ ‫اس تجعلونه ق َر ِ‬ ‫وهدى ِللن ِ‬ ‫َ‬ ‫َ ُ ُ ْ ُ ّ ُ ُ َّ َ ْ ُ ْ َ ْ ْ َ ْ َ ُ َ َ َ َ َ ٌ َ ْ َ ُ ُ َ َ ٌ ُّ َ ُ َّ‬ ‫ص ِّدق ال ِذي‬ ‫آباؤكم ق ِل اّلل ثم ذرهم ِفي خو ِض ِهم يلعبون‪ ،‬وهـذا ِكتاب أنزلناه مبارك م‬ ‫َ‬ ‫ْ ُ َ‬ ‫َ ْ َ َ َ ْ َ ُ َ ُ َّ ْ ُ َ َ َ ْ َ ْ َ َ َ َّ َ ُ ْ ُ َ‬ ‫ن‬ ‫اآلخ َر ِة ُيؤ ِمنون ِب ِه َو ُه ْم َعى‬ ‫ب‬ ‫نذر أم القرى ومن حولها وال ِذين يؤ ِمنو ِ ِ‬ ‫بين يدي ِه و ِلت ِ‬ ‫ُ َ‬ ‫َ َ‬ ‫لال ِت ِه ْم ُي َحا ِفظون " هم ينكرون القرآن وف تضاعيف إنكارهم لغلبة اللدد أنكروا أن‬ ‫يكون هللا أنزل هللا أي ش يء‪ ،‬واحتج هللا عليهم بالتوراة‪ .‬وبعد أن ذكر التوراة واحتج‬ ‫ُ َ َ‬ ‫بإنزالها نورا وهدى عليهم‪ ،‬ذكر الكتاب مرة أخرى‪ .‬وف نفس السورة وذاتها " ث َّم آت ْينا‬ ‫ُ َ ْ َ َ َ ً َ َّ َ‬ ‫ًُّ َ‬ ‫ً َّ َّ‬ ‫َ‬ ‫َْ‬ ‫اب ت َماما َعى ال ِذ َي أ ْح َس َن َوتف ِصيال ِلك ِ ّل ش ْي ٍء َو ُه ًدى َو َر ْح َمة ل َعل ُهم ِب ِلقاء‬ ‫موس ى ال ِكت‬ ‫َ‬ ‫َ ّ ْ ُ ْ ُ َن َ َ َ َ ٌ َ َ ْ َ ُ ُ َ َ ٌ َ َّ ُ ُ َّ ُ ْ َ َّ ُ ُ‬ ‫وه َواتقوا ل َعلك ْم ت ْر َح ُمون" مرة أخرى‪ .‬وف‬ ‫رِب ِهم يؤ ِمنو ‪ ،‬وهـذا ِكتاب أنزلناه مبارك فات ِبع‬ ‫َ َ َ ْ َ ْ َ ُ َ َ َ ُ َ ْ ُ ْ َ َ َ َ َ ْ ً ّ ْ ُ َّ َ َّ َ ْ َ َ‬ ‫ين َيخش ْون َرَّب ُهم‬ ‫األنبياء " ولقد آتينا موس ى وهارون الفرقان و ِضياء و ِذكرا ِللمت ِقين‪ ،‬ال ِذ‬ ‫َ‬ ‫ْ َ ْ َ ُ ّ َ َّ َ ُ ْ ُ َ َ َ َ ْ ُّ َ ٌ َ َ ْ َ ُ َ َ َ ُ ْ َ ُ ُ‬ ‫نك ُرون" مرة‬ ‫ِبالغي ِب وهم ِمن الساع ِة مش ِفقون‪ ،‬وهذا ِذك ٌر مبا َرك أنزلناه أفأنتم له م ِ‬ ‫أخرى‪ .‬وف القصص " َف َل َّما َج ُ‬ ‫اءه ُم ْال َح ُّق م ْن عند َنا َق ُالوا َل ْوَال ُأوع َي م ْث َل َما ُأوع َي ُم َ‬ ‫وس ى‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َََ ْ َْ ُ ُ َ ُ‬ ‫َْ ُ َ ُ‬ ‫ْ َ َ َ َ َ َ َ ُ َّ ُ ّ َ ُ َ ُْ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫أولم يكفروا ِبما أو ِعي موس ى ِمن قبل قالوا ِسحر ِان تظاهرا وقالوا ِإنا ِبك ٍل كا ِفرون‪ ،‬قل‬ ‫َُْ‬ ‫َ‬ ‫َّ ُ َ َ ْ َ ْ ُ َ َ َّ ْ ُ ُ ُ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫اّلل هو أهدى ِمنهما أت ِبعه ِإن كنتم ل ِاد ِقين" قر بينهما‪.‬‬ ‫ند ِ‬ ‫اب ِمن ِع ِ‬ ‫فأتوا ِب ِكت ٍ‬ ‫وملا جاء النبي عليه الصالة وأفضل السالم بأول ما ألقي إليه من السماء من‬ ‫الوحي الكريم إى ورقة بن نوفل وكان يقرأ الكتاب األول وكان به حاذق‪ ،‬قال‪ :‬سبوح‪...‬‬ ‫سبوح هذا هو الناموس الذي نزل عى موس ى بن عمران‪ .‬فذكر موس ى دون غيره‪.‬‬ ‫ً‬ ‫واملشابه كثيرة جدا‪ ،‬والنبي عليه الصالة وأفضل السالم يكثر من أن يتمثل بموس ى‬ ‫عليه السالم وخالة في مواقف الصبر عى ما ظلم وعى ما أؤذى‪ .‬روى البخاري في‬ ‫صحيحه وقبله اإلمام أحمد في مسنده عن ابن مسعود‪ ،‬قال‪ :‬قسم رسول هللا عليه‬ ‫الصالة وأفضل السالم قسما‪ -‬أي قسمة من غنائم‪ -‬فقال شاب‪ -‬شاب ليس كبيرا‬

‫‪8‬‬


‫حكيما مجربا‪ -‬من األنصار ما أريد بها وجه هللا عز وجل‪ ،‬قال‪ :‬فقلت أي عدو هللا! وهللا‬ ‫ألخبرن رسول هللا بما قلت‪ ،‬فذكر لرسول هللا عليه الصالة وأفضل السالم‪ ،‬فاحمر‬ ‫وجهه عليه الصالة وأفضل السالم‪ ،‬ثم قال رحمة هللا عى أخ موس ى‪ ،‬لقد لقي أكثر‬ ‫من ذلك فصبر‪ ،‬وأنا مثله‪ .‬يتمثل به عليه الصالة وأفضل السالم‪.‬‬

‫قلنا أن هذا النبي الكريم من أمن األنبياء عى هذه األمة‪ ،‬وععلمون نبأه مع رسولنا‬ ‫ومراجعته عليه الصالة وأفضل السالم لربه سبحانه وععاى بنصيحة موس ى له ليلة‬ ‫املعراج حتى لار فرض الصلوات من خمسين‪ ،‬وف رواية من خمس وخمسين لالة إى‬ ‫خمس للوات‪ ،‬هن خمس في الفرض والكسب وخمسون في األجر "ما يبدل القول‬ ‫ً‬ ‫لدي وما أنا بظالم للعبيد" كما خرجه في الصحيحين وأحمد أيضا من حديث أنس‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫املشهور عن اإلسراء واملعراج‪ .‬لذلك كان ذا فضل وذا منة عى هذه األمة‪.‬‬ ‫يقول نبينا عليه الصالة وأفضل السالم فيما رواه أبو القاسم بن عساكر‪ :‬أكثروا‬ ‫من الصالة عى نبي هللا موس ى‪ ،‬فما رأيت نبيا أحوط عى هذه األمة منه‪ .‬لذلك من‬ ‫حقه علينا واجبنا نحوه أن نكثر الصالة والسالم عى موس ى بن عمران عليه الصالة‬ ‫وأفضل السالم‪ .‬ولعل سر هذا التحوط فيما يبدو ما رواه اإلمام أبو جعفر بن جرير‬ ‫شيخ املفسرين في تفسيره بإسناده عن قتادة‪ ،‬قال‪ :‬إن موس ى عليه الصالة وأفضل‬ ‫السالم ملا أنزلت إليه األلواح مكتوبة بخط القدرة‪ ،‬قال يا رب إني في األلواح أمة هم‬ ‫خير أمة أخرجت للناس يأمرون وينهون عن املنكر‪ ،‬فأجعلها أمتي‪ ،‬قال‪ :‬ال هي أمة‬ ‫أحمد‪ -،‬وف رواية أمة حبيبي أحمد‪ -‬قال‪ :‬يا رب إني أجد في األلواح أمة هم اآلخرون‪ -‬أي‬

‫‪9‬‬

‫في الخلق‪ ،‬خلق هللا ثمانين أمة نحن أخرها وأفضلها عند هللا‪ ،‬نحن أخر أمة في الخلق‬ ‫ألنه ما من نبي بعد نبينا‪ ،‬لذلك نحن أخر أمة من أمم املرسلين‪ -‬السابقون‪ -‬أي يوم‬ ‫القيامة إى الجنة‪ ،‬يسبق حسابهم حساب غيرهم ويسبقون إى الجنة‪ -‬فأجعلها أمتي‪،‬‬


‫قال‪ :‬هي أمة أحمد‪ ،‬قال‪ :‬يا رب إني أجد في األلواح يعلمون القليل وتجزيهم عليه‬ ‫الكثير‪ ،‬قال‪ :‬هي أمة أحمد‪ ،‬قال‪ :‬يا رب إني أجد في األلواح أمة أنجيلهم في لدورهم‪-‬‬ ‫ً‬ ‫قرآنهم في لدورهم يحفظونه‪ -‬وقد كان من قبلهم يقرأون كتابهم ظاهرا‪ -‬أي من‬ ‫ً‬ ‫املصاحف‪ -‬فإذا ُرفع غاب عنهم فلم يعرفوا منه شيئا‪ -‬وقال قتادة راوي هذا األثر ‪:‬‬ ‫ولقد أعطيتهم أيتها األمة‪ ،‬أي املحمدية‪ ،‬من الحفظ ما لم ععطه أمة سواكم‪ -‬قال‪:‬‬ ‫فأجعلها أمتي‪ ،‬قال‪ :‬كال هي أمة أحمد‪ ،‬قال‪ :‬يا رب إني أجد في األلواح أمة يجاهدون في‬ ‫سبيلك حتى يقاتلوا فضول الضاللة‪ ،‬فيقاتلوا األعور الكذاب‪ ،‬فأجعلها أمتي‪ -‬أعظم‬ ‫ميزة أن يقتل الدجال عى يدي هذه األمة‪ -‬قال‪ :‬هي أمة أحمد‪ -‬هللا أكبر! ملاذا ال نعتز‬ ‫بأن نكون من هذه األمة‪ ،‬ملاذا ال نتشرف باالنتساب إى هذا النبي العظيم؟!‪ -‬قال‪ :‬يا رب‬ ‫إني في األلواح أمة إذا هم أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبتها له حسنة‪ ،‬فإن هو عملها‬

‫فأجعلها أمتي‪ ،‬قال‪ :‬هي أمة أحمد‪ .‬قال قتادة‪ :‬إن موس ى عند ذلك نبذ األلواح وقال‬

‫موسى كليم هللا‬

‫كتبتها له عشر حسنات إى سبعين إى سبعمائة ضعف‪ ،‬فأجعلها أمتي‪ ،‬قال‪ :‬هي أمة‬ ‫أحمد‪ ،‬قال‪ :‬يا رب إني أجد في األلواح أمة هي الشافعون‪ -‬وف رواية املشفعون فيهم ‪-‬‬ ‫اللهم أجعلني من أمة أحمد‪ .‬قال عليه السالم‪ :‬فأعطى موس ى خصلتين‪ -‬أي ترضية من‬ ‫هللا‪" -‬إن الطفيتك عى الناس برساالعي وبكالمي فخذ ما أتيتك وكن من الشاكرين"‪،‬‬ ‫قال‪ :‬فأخذه ورض ي‪ ،‬وأنزل هللا تبارك وععاى "ومن قوم موس ى أمة يهدون بالحق وبه‬ ‫يعدلون" فرض ي موس ى كل الرض ي‪.‬‬ ‫ً‬ ‫إذن هذا النبي له عالقة خالة وله اختصاص‪ ،‬ولنا أيضا اختصاص بهذا النبي‬ ‫ً‬ ‫الكريم‪ ،‬وف الحديث املشهور جدا عن ابن عباس رضوان هللا ععاى عليهما‪ ،‬قال‪ :‬ملا‬ ‫قدم رسول هللا املدينة وجد يهود يصومون عشوراء‪ ،‬فقال‪ :‬ما هذا اليوم الذي‬ ‫تصمون؟ قالوا‪ :‬هذا يوم كريم نج هللا فيه بنى إسرائيل من فرعون ومأله فصامه‬

‫‪10‬‬


‫موس ى ونحن نصومه‪ ،‬فقال‪ :‬أنا أحق بموس ى منكم‪ ،‬فصامه وأمر بصيامه‪ .‬إذن لنا‬ ‫اختصاص وله اختصاص بنا عليه الصالة وأفضل السالم‪.‬‬

‫ذكرت قصة هذا النبي الكريم‪ ،‬ميالده‪ ،‬منشأه‪ ،‬مرباه‪ ،‬ما بدر منه في شبابه‪ ،‬وما‬ ‫وقع له من الحوادث في مصر‪ ،‬ثم نبأ هروبه من مصر إى أرض مدين‪ ،‬وما كان بعد‬ ‫بذلك من خدمته العبد الصالح‪ ،‬ثم سيره بأهله وتلقيه الوحي والنبوة إى أخر ما‬ ‫ً‬ ‫هنالك مما ععلمون في سور كثيرة جدا‪ ،‬إال أن هناك ثالث سور من بين هذه السور‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الكثيرة التي عرضت بالذكر مرة بسطا وتفصيال‪ ،‬ومرة إيجازا واختصارا‪ ،‬من بين هذه‬ ‫السور الكثيرات ثالث سور فصل هللا تبارك وععاى فيها نبأ موس ى تفصيال سورة‬ ‫اأ��عراف وسورة طه‪ ،‬وسورة القصص‪.‬‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫وجعلنا اليوم مقدمة هذه الخطبة وبركتها مطلع سورة القصص‪ ،‬وهذه السورة‬ ‫ً‬ ‫تفردت بالحديث عن نشأة موس ى عليه السالم ومرباه تفصيال لم يفصل في موضع‬ ‫ً‬ ‫آخر‪ ،‬وهذه السورة وحيا إى أمه يوكابد عليها السالم "إنا رادوه إليك وجاعلوه من‬ ‫املرسلين"‪ .‬نزلت هذه السورة العجيبة لدى خروجه عليه الصالة وأفضل السالم من‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫مكة هاربا خائفا مطرودا‪ ،‬ووقف يقول وعينه الشريفتان اغرورقتا بالدموع الطهور‬ ‫يخاطب مكة البلد الحرام شرفها هللا وحفظها ولانها‪ :‬إنك ألحب بالد هللا إى هللا‪،‬‬ ‫وألحب بالد هللا إىي‪ ،‬ولو أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت‪ .‬وأنزل هللا عليه سورة‬ ‫القصص‪ .‬موس ى خرج من مصر خائف يترقب‪ ،‬كما محمد عليه الصالة وأفضل‬

‫‪11‬‬

‫السالم خرج من مكة خائف يترقب‪ .‬وف سورة القصص أن موس ى يعود بعد ذلك بأمر‬ ‫ً‬ ‫هللا تبارك وععاى إى بلد مؤيدا باملعجزات وبالبراهين يتحدى أكبر طاغوت عى وجه‬ ‫األرض في عصره‪ ،‬أنه نصر إلهي "بآياتنا وأنتما ومن اتبعكما الغالبون" هللا وعد موس ى‬


‫وهارون بالغلب‪ ،‬وقال لهما اذهبا أنكما لغالبون‪ ،‬وعدهما بعد كم؟ بعد أن استخدمه‬ ‫العبد الصالح عشر حجج بخيار موس ى‪ ،‬فشرطه كان ثمان حجج‪ ،‬وموس ى أكملها‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫عشر كرما منه وسماحة ورض ي‪ ،‬ومتى عاد محمد إى مكة فاتحا؟ بعد عشر سنوات‬ ‫ً‬ ‫كاملة‪ .‬مناظرة قدرية عجيبة جدا‪.‬‬

‫وأنزل هللا عند محمد عند خروجه يبكى عى مكة وفراق مكة "إن الذي فرض‬ ‫عليك القرآن لرادك إى ميعاد"‪" ،‬إنا رادوه إليك وجاعلوه من املرسلين" وكأن لسان‬ ‫القدر يخاطب مكة إنا رادوه‪ ،‬أي محمد‪ ،‬وجاعلوه من الفاتحين‪ ....‬وهكذا كان‪.‬‬

‫لها وأن نجعل لها عنوانا عاما لكل فصولها وفقرها وأحداثها‪ ،‬أي العناوين أليق وأجدر‬ ‫وأنسب بهذه السورة؟ العنوان كلمة واحدة "القدر"‪ ،‬قصة موس ى قصة القدر من‬

‫موسى كليم هللا‬

‫وسوف أختم بالجواب عى السؤال األخير‪ ،‬قصة موس ى الكليم لو أردنا أن نعنون‬

‫أولها إى أخرها‪ ،‬وقصة موس ى تتردد فيها كلمات وععبيرات تدل عى هذا بشكل عجيب‬ ‫ً‬ ‫جدا "واجعل لنا موعدا"‪" ،‬موعدكم يوم الزينة"‪" ،‬وإنك لك موعدا لن تخلفه"‪" ،‬وما‬ ‫أعجلك عن قومك يا موس ى" "ثم جئت عى قدر يا موس ى"‪" ،‬ووعدنا ثالثين ليلة"‪،‬‬ ‫قصة عجيبة من أولها إى أخرها يد قدر هي التي نسجتها وه التي أخرجتها إن صح‬ ‫التعبير‪ ،‬أنها قصة القدر من أول فصولها إى أخر مجرياتها‪.‬‬

‫إن آالف إن لم يكونوا عشرات اآلالف من ذكور العبرانيين يذبحون ألجل طفل‬ ‫يطلب ذبحه‪ ،‬يعيش هو ُيذبح كل هؤالء من أجله‪ .‬أليس القدر هنا يضرب ضربته‪،‬‬ ‫ً‬ ‫القدر غالب وهللا غالب عى أمره‪ .‬والقدر أيضا يصطفى أخاه هارون لينجو في العام‬

‫‪12‬‬


‫الذي ال ذبح فيه ويوهب فصاحة اللسان وقوة البيان وقوة الحجة‪ ،‬وأما موس ى ذا‬ ‫ً‬ ‫حبسة في لسان‪ ،‬أليس قدرا أن يكون هذا أخا هذا‪ ،‬فيأعي هارون ليغطى نقطة ضعف‬ ‫لدى موس ى‪ .‬وال يذبح هارون ألنه ولد في السنة التي ال ذبح فيها‪ ،‬فكانوا يذبحون سنة‬ ‫ويتركون سنة عى ما ذكر‪ .‬قدر عجيب‪ ،‬يلقى في املاء في لندوق من خوص‪ ،‬وحركة املاء‬ ‫محسوبة وسرعة الريح واتجاها‪ ،‬وسرعة املاء وشكل الصندوق وحجمه‪ ،‬ووزن موس ى‬ ‫عليه السالم‪ ،‬الذين كانوا عند قصر فرعون قيل زوجته وقيل ابنته وقيل الجواري‪،‬‬ ‫ويصل الصفد إى ذلكم املكان بالضبط في الوقت املحدد‪ ،‬لو تأخر ساعة أو تقدم‬ ‫ساعة ملا رأوه‪ ،‬ويكتب القدر أن يكون في بيت الطاغية امرأة لالحة‪ ،‬بل كاملة من‬ ‫األربعة الكوامل وهن أربعة في تاريخ الدنيا أسيا بنت مزاحم عليه السالم زوجة‬ ‫الطاغية يضعها القدر هناك بالضبط لكي تحامي ولكي تدفع عنه في املبدأ وف خطوات‬ ‫ً‬ ‫الحقة كثيرة‪ ،‬يهم الطاغية بذبحه وتكون هي الحامية دائما وتحول عنه املوت‪ ،‬وينجو‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫من املوت هذا الطفل الصغير‪ ،‬أليس هو القدر نفسه الغالب؟ أنه القدر بذاته وعينه‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ويقتل سبطيا عبرانيا وعرف‪ ،‬وينجو بقدرة هللا وعى يد قبطي من األشراف‪ ،‬رجل‬ ‫من القصر هو الذي يأتيه من أخر املدينة ليحذره‪ ،‬وينجو موس ى عى يد هذا القبطي‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ويخرج خائفا يترقب ويدعو هللا تبارك وععاى أن يهديه سواء السبيل‪ ،‬ويأعي القدر أيضا‬ ‫لينقله ويبارك خطوه خطوة خطوة حتى يوافي ابنتي الرجل الصالح لدى املاء عى‬ ‫الحال التي ذكر هللا تبارك وععاى ‪ ،‬ويكون هذا الخير واملعروف الذي قدمه وأهداه من‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫غير مقابل وال عوض سببا في أن يستخدمه هذا الرجل الصالح املبارك‪ ،‬وييهئ له جوا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫روحانيا جديدا يتأهل به نبي هللا الذي لم يكن‪ ،‬ليكون نبيا بعد ذلك‪ .‬إذن أراد القدر‬ ‫ً‬ ‫أيضا يخرجه من البيئة الوثنية‪ ،‬من بيئة الطغيان‪ ،‬من بيئة السحر السياس ي‪ ،‬ال‬

‫‪13‬‬


‫ً‬ ‫يمكن لنبي أن يتنبأ في هذا الجو‪ ..‬لعب جدا‪ ،‬ولذلك ساقه القدر إى بيئة أخرى أهلته‬ ‫في عشر سنوات كوامل أن يتلقى نبأ السماء ووحيها األعى الطهور‪.‬‬

‫ال أستطيع أن أذكر كل مظاهر القدر‪ ،‬لكن من أعجبها وأغربها وبه أختم ما كان‬ ‫بينه وبين العبد الصالح ونبأهما عجيب العجب كله‪ ،‬الخضر عليه الصالة وأفضل‬ ‫السالم‪ .‬النبي يقول‪ :‬رحم هللا أخ موس ى‪ ،‬لو كان لبر لقص هللا علينا من نبأهما‪ .‬أي‬ ‫ً‬ ‫لوقعت وقائع أكثر وكوائن أزيد ولتعلمنا علما أزيد‪ ،‬لكن ما كان لهذا أن يكون أبدا‪،‬‬ ‫ملاذا؟ لقد وقعت ثالث حوادث‪ ،‬وهذه الثالث الحوادث وبترتيبها جاءت مناظرة‬ ‫للحوادث الكبرى وبترتيبها في حياة الكليم‪ ..‬درس قدري من أغرب ما يكون! كيف؟‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫الخضر عليه السالم يخرق السفينة‪ ،‬وموس ى يفهم من ذلك أنه يريد أن يفسدها عى‬ ‫ً‬ ‫أهلها ويغرقهم جميعا‪ ،‬والخضر يقول له‪ :‬ال ليس كما فهمت وسيأتيك النبأ‪ .‬ثم بعد‬ ‫ً ً‬ ‫ذلك يقتل الخضر غالما زكيا من غير جريرة وال ذنب‪ ،‬ويعترض موس ى ويشدد عى‬ ‫النكير‪ ،‬وف الثالثة يتقدم الخضر ويسدى لنيع من غير عوض وال نول ويقيم جدار في‬ ‫قرية لئيمة أبت أن تقريهما‪ ،‬ويعترض موس ى‪.‬‬

‫انظروا اآلن إى الدرس اإللهي العجيب‪ ،‬أول ما وقع مع موس ى أمه تضعه في هذا‬ ‫الصفد من الخوص ثم تلقيه في املاء‪ ،‬من يرى ذلك يقول أنها تريد إهالكه‪ ،‬كما‬ ‫السفينة املنقوبة واملثقوبة ستهلك في املاء‪ ،‬فهل هلكت السفينة؟ نجت السفينة ونجا‬ ‫من فيها‪ ،‬هل هلك موس ى والصفد؟ نجا الصفد ونجا من فيه‪ .‬هذه مقابل هذه يا‬ ‫موس ى بالترتيب‪.‬‬ ‫‪14‬‬


‫الثانية الخضر يقتل الغالم من غير ذنب‪ ،‬موس ى يقتل قطبيا ما كان يستحق‬ ‫القتل‪ ،‬فوكزه موس ى فقض ى عليه‪ ،‬كأنه يقول له‪ :‬يا موس ى أنت قتلت وأنا أقتل‪،‬‬ ‫والقدر هو الذي يفعل من ورائنا‪ .‬هنا قتل وهنا قتل‪ ،‬والحكمة من وراء القتلين لم‬ ‫تكن الئحة ملوس ى‪.‬‬

‫وف الثالثة يقيم الخضر الجدار لضعيفين ويتيمين في املدينة‪ ،‬لو ظهر الكنز الذي‬ ‫ُ‬ ‫تحت الجدار لغلبا عليه ألنهما ضعيفان‪ .‬والنبي يقول استولوا بالضعيفين خيرا‪ ،‬من‬ ‫هما؟ الغالم اليتيم واملرأة‪ .‬وأما ضعيفا موس ى فمن هما؟ ابنتا الرجل الصالح‪ ،‬أنهما‬ ‫ضعيفتان ال عستطيعان أن عستقيا فسقى لهما ثم توى إى الظل‪ .‬كما فعل الخضر‬ ‫عليه السالم بالضعيفين‪ ،‬من قبل أنت يا موس ى فعلت بالضعيفتين‪ ،‬أليس ذلك؟ وهل‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫فعلته ألجر؟! لم تفعله ألجر وأنا لم أفعله ألجر‪.‬‬

‫حكمة قدرية عجيبة‪ ،‬وكأن الخضر في قصة الخضر يريد أن يجى ملوس ى عليه‬ ‫الصالة وأفضل السالم أن القدر هو الذي يصو الوجود وأن هللا هو غالب عى أمره‪،‬‬ ‫وأن العباد الكبار والرجال العظام الصالحين هم الذين يصطفيهم القدر دوما لكي‬ ‫يفعل فعله ويصنع لنيعه ويقول قوله عبر هؤالء املكرمين‪ .‬اللهم أكرمنا بكرامتك‬ ‫وافتح علينا من فتوحاتك يا رب العاملين كما فتحت عى عبادك العارفين الصالحين‬ ‫وانفعنا بذلك وارفعنا به أنك وى ذلك والقادر عليه‪ .‬أقول ما عسمعون واستغفر هللا‬ ‫ىي ولكم فاستغفروه أجمعين‪.‬‬ ‫‪15‬‬


‫الخطبة الثانية‬

‫الحمد هلل الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون‪،‬‬ ‫ويستجيب الذين أمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله‪ ،‬والكافرون لهم عذاب‬ ‫شديد‪ ،‬وأشهد أن ال إله إال هللا وحده ال شريك له‪ ،‬وأشهد أن محمد عبده ورسوله‪،‬‬ ‫لى هللا ععاى عليه وعى آله الطيبين الطاهرين وصحابته املباركين املجاهدين‬ ‫ً ً‬ ‫وأتباعهم بإحسان إى يوم الدين وسلم عسليما كثيرا‪.‬‬

‫أمارات أخر الزمان‪ ،‬ألن من أمارات أخر الزمان وصحت بها أحاديث كثيرة‪ ،‬بل هي‬ ‫ً‬ ‫مذكورة في الكتاب األول عند اليهود والنصارى خصولا كثرة الزالزل‪ ،‬وه زالزل ينشأ‬

‫موسى كليم هللا‬

‫أيها اإلخوة واألخوات ما حصل في هذه األيام من نبأ هذا الزلزال وهذا الطوفان‬ ‫ً‬ ‫املرعب الراهب‪ ،‬أيضا يمكن أن يكون له عالقة بما ذكرنا في لدر الخطبة‪ .‬أنه بعض‬

‫عنها قصف والعياذ باهلل‪ ،‬وينشأ عنها طوفان وفيضانات مرعبة‪ ،‬وكما رأيتم فقد‬ ‫ناهزت أعداد الضحايا أكثر من مائة ألف‪ .‬وهنا أيضا القدر يصنع لنيعه ويفعل‬ ‫فعله‪ ،‬من رأى هذه األشياء وهذه األختالطات يظن ويحسب أن هذه األشياء تفعل‬ ‫هكذا بغير ضبط‪ ،‬وهللا ما عسقط من نقطة ماء وال تتحرك قشة إال بحساب وقدر‪،‬‬ ‫وهذا قدر هللا تبارك وععاى ‪ ،‬وهذا أمر هللا تبارك وععاى ‪ ،‬وعلينا أن نواجهه كما شرع‬ ‫هللا تبارك وععاى ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫فهذه من عاملات أخر الزمان‪ ،‬وغيرهم مهدد أيضا‪ ،‬ومن األمم األوى املهددة ملثل‬ ‫هذه الزلزال وهذه الطوفانات العجيبة الوليات املتحدة األمريكية‪ ،‬الساحل الشرقي‬

‫‪16‬‬


‫كله لها مهدد بش يء أعظم بكثير مما رأينا‪ ،‬وهذا ما قاله علماء الجيولوجيا األمريكان‬ ‫أنفسهم‪ ،‬وقالوا أن الدراسات تحتم ذلك‪ .‬وهكذا ألنه ما عال أحد باستكبار في األرض‬ ‫إال أخذه هللا‪ ،‬هذه الجذر نعم منهم مساكين ومنهم مسلمون ومنهم برئاء‪ ،‬لكن منهم‬ ‫فسقة ومجرمون وأصحاب فواحش‪ ..‬عى كل حال الحكمة عند هللا تبارك وععاى ‪.‬‬ ‫ونحن هنا نهيب بأنفسنا وبإخواننا أن نحاول أن ندعم هؤالء املنكوبين‪ ،‬وبخالة‬ ‫إخواننا املسلمين في اندونيسيا ألن أعدادهم ععد عشرات اآلالف كما سمعتم‪ ،‬ونريد‬ ‫كما اقترح بعض الفضالء في هذا املسجد أن نساهم بمبلغ بقدر ما في وسعنا وف طوقنا‬ ‫ً‬ ‫عى األقل أن ننش ئ هنا مسجد جديدا أو مدرسة إسالمية جديدة‪ ،‬وهذا يكتب إن شاء‬ ‫هللا في ميزان حسناتنا يوم القيامة‪ ،‬ويؤكد وحدة الجسد الواحد‪ ،‬ووحدة هذه األمة‬ ‫املرحومة‪.‬‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم‪ ،‬وال ععذبنا فأنت علينا قادر‪ ،‬اللهم ال تآخذنا بما فعل‬ ‫ً‬ ‫السفهاء منا يا رب العاملين‪ ،‬اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا‪ ،‬اللهم إنا نسألك نصرا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫عزيزا مظفرا لإلسالم وللمسلمين ععز فيه أوليائك وتذل فيه وبه أنوف أعدائك‪ ،‬اللهم‬ ‫تقبل منا واغفر لنا وارحمنا وعف عن آثامنا وذنوبنا يا رب العاملين‪ ،‬واهدنا هداية‬ ‫ً‬ ‫عامة شاملة وعد بنا إى اإلسالم عودا حميدا وسائر املسلمين واملسلمات أنك وى ذلك‬ ‫يا رب العاملين يا رفيع الدرجات‪.‬‬

‫عباد هللا! إن هللا يأمر بالعدل واإلحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء‬ ‫واملنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون‪ ،‬اذكروا هللا العظيم يذكركم‪ ،‬واشكروه يزدكم‪،‬‬ ‫‪17‬‬

‫وسلوه يعطكم‪ ،‬قوموا إى لالتكم يرحمني ويرحكم هللا‪.‬‬ ‫****************************************‬


‫مع الكليم موسى –ح‪-2‬‬

‫إن الحمد هلل‪ ،‬نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا وسيئات‬ ‫أعمالنا‪ ،‬من يهده هللا فال مضل له‪ ،‬ومن يضلل فال هاد له‪ ،‬وأشهد أن ال إله إال هللا‬ ‫وحده ال شريك له‪ ،‬وأشهد أن سيدنا محمد عبد هللا ورسوله‪ ،‬لى هللا ععاى عليه‬ ‫وعى آله الطيبين الطاهرين وصحابته املباركين امليامين وأتباعهم بإحسان إى يوم‬ ‫ً‬ ‫الدين وسلم عسليما كثيرا‪.‬‬

‫أحذركم وأحذر نفس ي من عصيانه ومخالفة أمره لقوله سبحانه وععاى "من عمل‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫لالحا فلنفسه‪ ،‬ومن أساء فعليها‪ ،‬وما ربك بظالم للعبيد"‪.‬‬

‫موسى كليم هللا‬

‫عباد هللا! أوليكم ونفس ي الخاطئة بتقوى هللا العظيم ولزوم طاعته‪ ،‬كما‬

‫ثم أما بعد أيها اإلخوة املسلمون األفاضل‪ ،‬أيتها األخوات املسلمات الفاضالت‬ ‫يقول املوى الجليل سبحانه وععاى في محكم التنزيل بعد أن أعوذ باهلل من الشيطان‬ ‫الرجيم‪ ،‬بسم هللا الرحمن الرحيم‬ ‫َ ْ ‪ُ ْ َ 23 ْ َ ْ ّ َ َ 28‬‬ ‫ْ‬ ‫" ْاذ َه ْب إ َى ِف ْر َع ْو َن إ َّن ُه َط َغ ‪َ ،24‬ق َ‬ ‫احل ْل‬ ‫ال َر ِ ّب اش َر ْح ِىي لد ِري ‪ ،‬وي ِسر ِىي أم ِري ‪ ،‬و‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ ْ َ ً ّ ّ َ ‪ّ ْ َ 28 ْ َ ُ َ ْ َ 27‬‬ ‫ً‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫اج َعل ِىي َو ِزيرا ِّم ْن أ ْه ِىي‪َ ،29‬ه ُارون أ ِخي‪ ،63‬اش ُد ْد ِب ِه‬ ‫عقدة ِمن ِلسا ِني ‪ ،‬يفقهوا قو ِىي ‪ ،‬و‬ ‫َ‬ ‫َ ُ‬ ‫َ ْ ْ‬ ‫َ ً َ ْ ُ َ ً َّ ُ َ َ‬ ‫َْ‬ ‫أز ِري‪َ ،61‬وأش ِرك ُه ِفي أ ْم ِري‪ ،62‬ك ْي ن َس ِّب َح َك ك ِثيرا‪َ ،66‬ونذك َر َك ك ِثيرا‪ِ ،64‬إن َك كنت ِبنا‬ ‫َ َ َ َّ َ‬ ‫ًُ ْ‬ ‫ْ َ َ‬ ‫ًً‪َ ُ ْ َ َ َ 68‬‬ ‫يت ُس ْؤ َل َك َيا ُم َ‬ ‫وس ى‪َ ،63‬ولق ْد َمننا َعل ْي َك َم َّرة أخ َرى‪ِ ،67‬إذ أ ْو َح ْينا‬ ‫َب ِصيرا ‪ ،‬قال قد أو ِت‬ ‫َ ُ ّ َ َ ُ َ ‪ْ َ 68‬‬ ‫َّ‬ ‫الت ُ‬ ‫وت َف ْاقذفيه في ْال َي ّم َف ْل ُي ْلقه ْال َي ُّم ب َّ‬ ‫اح ِل‬ ‫الس‬ ‫اب‬ ‫ي‬ ‫ف‬ ‫يه‬ ‫ف‬ ‫ذ‬ ‫اق‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِِ‬ ‫ِ ِ ِِ‬ ‫ِإى أ ِمك ما يوح ‪ ،‬أ ِن ِ ِ ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬

‫‪18‬‬


‫َ ْ ُ ْ ُ َ ُ ٌّ ّ َ َ ُ ٌّ َّ ُ َ َ ْ َ ْ ُ َ َ ْ َ َ َ َّ ً ّ ّ َ ُ ْ َ َ‬ ‫ْ َ‬ ‫ُ ُْ‬ ‫صن َع َعى َع ْي ِني‪ِ ،69‬إذ ت ْم ِش ي أخت َك‬ ‫يأخذه عدو ِىي وعدو له وألقيت عليك محبة ِم ِني و ِلت‬ ‫َ َ ُ ُل َ ْ َ ُ ُّ ُ ْ َ َ َ َ ْ ُ ُ ُ َ َ َ ْ َ َ َ ُ ّ َ َ ْ َ َ َّ َ ْ ُ َ َ َ ْ َ َن َ َ َ ْ َ‬ ‫فتقو هل أدلكم عى من يكفله فرجعناك ِإى أ ِمك كي تقر عينها وال تحز وقتلت‬ ‫َ ْ ً َ َ َّ ْ َ َ َ ْ َ ّ َ َ َ َّ َ ُ ُ ً‬ ‫ونا َف َلب ْث َت سن َين في َأ ْهل َم ْد َي َن ُث َّم ج ْئ َت َع َى َق َدر ياَ‬ ‫نفسا فنجيناك ِمن الغ ِم وفتناك فت‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ُم َ‬ ‫وس ى‪" 43‬‬

‫لدق هللا العظيم‪ .‬وبلغ رسوله الكريم‪ ،‬ونحن عى ذلكم من الشاهدين‪ ،‬اللهم اجعلنا‬ ‫من شهداء الحق القائمين بالقسط‪ ،‬أمين اللهم أمين!‬

‫أيها اإلخوة األفاضل‪ ،‬أيتها األخوات الفاضالت! في هذه الحلقة من سيرة نبي هللا‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫وكليمه موس ى عليه الصالة وأفضل السالم سنتعرض ملا وقع له في بادئ أو في مبدأ‬ ‫أمره‪ ،‬لكن قبل أن نخوض في هذا األمر الذي فصله كتاب هللا العزيز‪ ،‬أحب أن أمهد‬ ‫بمقدمة هامة وه أن أهل امللل الثالث اليهود والنصارى واملسلمين جميعا متفقون‬ ‫عى أن موس ى عليه الصالة وأفضل السالم من إسرائيل أي من نسل يعقوب‪ ،‬فهو‬ ‫موس ى بن عمران بن قاهت‪ ،‬وبعضهم يزيد بعد قاهت بن عازر بن الوى‪ ،‬والوى هو ابن‬ ‫يعقوب‪ ،‬بن الوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم للوات هللا وعسليماته عليهم‬ ‫أجمعين‪ .‬إال أن املؤرخين املعالرين وعددهم في ازدياد يشككون في هذه الحقيقة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وإذا أردنا أن نكون أكثر وضوحا‪ ،‬فإن شخصية موس ى عليه الصالة وأفضل السالم‬ ‫ً‬ ‫وفق معايير هؤالء املؤرخين املعالرين واملحدثين منهم أيضا التي تدع بالعملية‬ ‫مشكوك فيها ألال‪ .‬فتحيط بشخصية موس ى شكوك وريب كثيرة جدا وبعضهم يقول‬ ‫إنها شخصية أسطورية ويقيم عى ذلك ما يزعم أنها دالئل‪ .‬وف الجهة األخرى أيضا‬

‫‪19‬‬

‫فإن عيس ى عليه الصالة وأفضل السالم شخصيته ليست في محل القطع واليقين عند‬ ‫أكثر هؤالء املؤرخين لألسف‪.‬‬


‫الشخصية الوحيدة‪ ،‬إذا تحدثنا عن امللل الثالث‪ ،‬التي ال ريب وال شك يكتنفها أو‬ ‫يصار بصددها هي شخصية رسولنا عليه الصالة وأفضل السالم‪ ،‬وهذا عجيب!‬ ‫فهناك موسوعات كثيرة كاملوسوعة األمريكية‪ ،‬ومؤرخون كثر عبروا بقولهم‪ :‬محمد‬ ‫ً‬ ‫النبى العربي ُولد في ضوء التاريخ الكامل‪ .‬لم يجد أحد بدا أو مناص من أن يعترف بهذه‬ ‫الحقيقة‪ ،‬ال مجال للتشكيك في شخصية هذا اإلنسان العظيم عليه الصالة وأفضل‬ ‫السالم‪ ،‬بينما موس ى مسار عشكيك وعيس ى مسار عشكيك‪.‬‬

‫عى كل حال‪ ،‬الذي وددت أن أذكره أن هؤالء متأثرين بالدراسة التي أنجزها‬ ‫العالم النمساوي ومؤسس مدرسة التحليل النفس ي سيجموند فرويد‪ ،‬الدراسة التي‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫كانت أخر دراسة كتبها‪ ،‬ويقال أن جزئها األخير نشر بعد موته بوليته‪ ،‬ألنه كان متهيب‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫جدا أن ينشرها خوفا من غضبة اليهود مع أنه كان يهوديا‪ ،‬وهذه الدراسة نشرت في‬ ‫جزأين تحت اسم "موس ى والتوحيد"‪ .‬وقد ابتكر هذا الرجل نظرية متهافتة في نظرنا‬ ‫كمسلمين‪ ،‬قبل أن تتهافت في نظر اليهود أنفسهم‪ .‬وتزعم هذه النظرية أن موس ى عليه‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫السالم ليس عبرانيا‪ ،‬إنما هو شخصية مصرية‪ ،‬وأنه كان كاهنا وحاكما مصريا تأثر‬ ‫بديانة التوحيد التي كان عليها الفرعون املصري أمونحتب الرابع املعروف بإخناتون‪،‬‬ ‫تأثر بها وكان عى دين إخناتون‪ .‬ثم بعد ذلك رأى أن يتعزز بهؤالء بقايا العبرانيين وبقايا‬ ‫اإلسرائيليين الذين يلتقون معه في هذه العقيدة‪ ،‬عقيدة التوحيد وخرج بهم وكانت‬ ‫قضية الخروج املعروفة في التاريخ‪ .‬ولسيجموند فرويد أيضا تأويل خاص لهذا الخروج‬ ‫ً‬ ‫أيضا‪.‬‬

‫‪20‬‬


‫أشتد غضبة اليهود عى فرويد بعد أن كانوا يفتخرون به إثر هذه الدراسة‪،‬‬ ‫وقالوا إنها دراسة منحرفة عش ي بعقل عمل فيه الخرف عمله‪ .‬اآلن كثير من املؤرخين‬ ‫ً‬ ‫أنفسهم يزعمون هذا الزعم ويؤكدون متابعة للمؤرخ اليهودي الشهير والقديم جدا‬ ‫الذي عاش في القرن األول امليالدي يوسيفوس‪ ،‬واعتقل في حربه مع اليهود ضد‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الرومان‪ ،‬يؤكدون هؤالء املؤرخون أن موس ى كاهنا أو حاكما مصريا وأنه ذهب في غزوة‬ ‫إى بالد الحبشة وتزوج هناك من حبشية‪ ،‬والتوراة تؤكد أنه تزوج من كوشية‪،‬‬ ‫وكوشية بمعنى حبشية‪ .‬ويأتون بأدلة كثيرة ويستأنسون بأنه من املحال عى العقل أن‬ ‫ً‬ ‫يسلم‪ -‬فضال عن العقل العمىي املنضبط بقواعد البحث العلمي‪ -‬أن أسرة لغيرة هي‬

‫موسى كليم هللا‬

‫أسرة يعقوب عليه السالم‪ ،‬وبحث سفر الخروج من التوراة فهذه األسرة كانت ععد‬ ‫ً‬ ‫سبعين نفسا حين استقدمهم يوسف إى مصر‪ ،‬وأنها بقيت زهاء أربعمائة وبعضهم‬ ‫يقول خمسمائة سنة‪ -‬وعند التحقيق التاريخي نجد أنهم مكثوا أقل من ذلك بكثير‬ ‫حواىي نصف هذه املدة‪ -‬ولم يختلطوا باملصريين ولم يندمجوا اجتماعيا وثقافيا وال‬ ‫عرقيا‪ ،‬فإن هذا األمر مستحيل‪ .‬فقد اندمج الهكسوس أنفسهم وهم ملوك الرعاة‬ ‫الذين ظلوا يحكمون مصر أربعمائة سنة بدء من األسرة الرابعة عشرة إى األسرة‬ ‫الثامنة عشرة حين طردهم أحمس وشردهم‪ .‬هؤالء الهكسوس تأثروا باملصريين‬ ‫واندمجوا فيهم وتزوجوا منهم وتكلموا لغتهم‪ ،‬بل وعسموا بأسمائهم‪ ،‬فكيف يمكن أن‬ ‫نقتنع أو نقنع اآلخرين بأن سبعين من نسل يعقوب بقوا هذه املدة املتمادية من‬ ‫السنوات ولم يختطوا بأحد‪ .‬في الحقيقة لقد اختلطوا وذابوا وانتهى نقاء هذا العرق‬ ‫ولم يبق ش يء اسمه اإلسرائيليون أو العبرانيون‪ .‬وهذا الكالم غير صحيح!‬

‫‪21‬‬

‫نريد قبل أن ندخل في قصة موس ى أن نفد هذا الكالم‪ ،‬ألن لألسف بعض‬ ‫ً‬ ‫املؤرخين العرب‪ ،‬بل واملسلمين تأثر به جدا خالة الذين لديهم نزعات قومية‪ ،‬فبعض‬


‫القوميين العرب يخالفون املنطق القرآني‪ ،‬ال بقصد مخالفته‪ ،‬وإنما بقصد الشناعة‬ ‫وشنآن اليهود وتنقيص قدر مقدساتهم‪ ،‬فحتى موس ى األسفار الخمسة الذي كتب‬ ‫الشريعة والقانون ليس من بني إسرائيل‪ ،‬أنه قبطى مصري وكان متابعة إلخناتون في‬ ‫ديانته التوحيدية‪ ،‬ولذلك يدعون أن إخناتون هو أبو التوحيد‪ .‬واآلن كثير من‬ ‫الباحثين العرب وخالة املصريين يرددون هذه الفرية وهو أن إخناتون أبو التوحيد‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وهذا كالم باطل‪ ،‬فمن املعروف‪ -‬إذا جاز لنا أن نقول أن هناك أبا للتوحيد‪ -‬فإن أدم‬ ‫هو أبو التوحيد وهو أول األنبياء املوحدين‪ ،‬لكن في التاريخ املنظور واملقروء وف تاريخ‬ ‫امللل هو إبراهيم عليه السالم هو أبو التوحيد‪ ،‬ولذلك سار حفيده يعقوب في منهجه‬ ‫"أو كنت شهداء إذا حضر يعقوب املوت إذ قال لبنيه ما ععبدون من بعدى‪ ،‬قالوا‬ ‫نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون"‪.‬‬ ‫هذه ديانة وعقيدة ونهج إبراهيم وأبناء وأحفاد إبراهيم عليهم الصلوات والتسليمات‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫أجمعين‪ .‬فإبراهيم هو أبو التوحيد‪.‬‬ ‫ً‬ ‫هذه من جهة‪ .‬ومن جهة أخرى إخناتون لم يكن موحدا باملعنى باملىي‪ ،‬فنحن ال‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫نعد من عبد حجرا أو شجرة واحدة موحدا‪ ،‬إنما من عبد هللا الخالق املدبر سبحانه‬ ‫وععاى هذا هو املوحد‪ .‬وإخناتون كان عابدا لقرص الشمس‪ ،‬واسمه أمونحتب الرابع‪،‬‬ ‫كان ينتسب إى أمون‪ ،‬ثم انتسب إى أتون وه الشمس‪ ،‬وسمي نفسه إخناتون بمعنى‬ ‫انعكاس قرص الشمس‪ ،‬وترك طيبة وإلهها أمون للمصريين الوثنيين وأعى إى تل‬ ‫العمارنة وهناك بنى معبدا ألتون‪ ،‬وله أناشيد يمجد فيها الشمس وأنوارها وضيائها‬ ‫ً‬ ‫وقدرتها وتدبيرها‪ .‬إذن لم يكن موحدا باملعنى املىي‪ ،‬فإنسان يعبد الشمس هل يقال أنه‬ ‫ً‬ ���موحد؟! هذا وثني من الوثنيين‪ ،‬ويبقى أن إبراهيم وحده هو الذي كان موحدا‪ .‬ومتى‬ ‫ً‬ ‫كان موس ى عليه الصالة وأفضل السالم داعيا لعبادة الشمس‪ ،‬وهل وضح ش يء أو أي‬

‫‪22‬‬


‫ً‬ ‫أثر لهذه الشمس املقدسة في أسفار موس ى مثال أو في شريعة موس ى؟! هذا كالم غير‬ ‫صحيح البتة‪ ،‬مجرد آراء وافتراضات لم يقم عليها إى اآلن أي دليل‪ ،‬الدليل بالعكس‬ ‫ً‬ ‫ينهض عى عكس ذلك تماما‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫هذه من جهة‪ ،‬ومن جهة ثانية موضوع االنعزال واالنفراد يفسر تفسيرا صحيحا‪.‬‬ ‫الذي في التوراة‪ ،‬وليس لدينا كمسلمين أي مانع من أن نذعن لهذا وأن نصدق به‪ ،‬أن‬

‫موسى كليم هللا‬

‫يوسف عليه الصالة وأفضل السالم حين استعدى أبويه وإخوانه وأسرته إى مصر‬ ‫ً‬ ‫وبحسب التوراة كانوا سبعين نفسا من للب يعقوب‪ ،‬خيرهم فرعون مصر الذي‬ ‫ً‬ ‫عرف ليوسف نعمته ومنته وفضله عى مصر ومليكها أيضا‪ ،‬خيرهم ملك مصر بأن‬ ‫يسكنوا األرض التي يحبونها ألنهم كانوا موحدين ويتحامون وثنية املصريين‪ ،‬فاختاروا‬ ‫ً‬ ‫أن ينزلوا في أرض معينة كانت أرض مراعي‪ ،‬ألنهم كانوا رعاة ألال‪ .‬اختاروا أن ينزلوا في‬ ‫أرض عى حدا وتكون أرض مراعي لسببين من جهة يعقوب وأبنائه يريدون أن يتحاموا‬ ‫وثنية املصريين وأن يحافظوا وأن يحاذروا أن يضلوا عن عقيدتهم ودينهم‪ ،‬فقد كانت‬ ‫ولية يعقوب عليه السالم حين مات وص ى أبنائه بالتوحيد وبهذا الدين‪ ،‬ومن جهة‬ ‫أخرى كان من املعروف من تاريخ املصريين القدماء خالة في تلكم األحقاب كانوا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫يستقذرون الرعاة‪ ،‬فاملصري كان فالحا وكان يعد الرعاة أنجاسا‪ ،‬لذلك لم يحبوا أن‬ ‫يخالطوا الرعاة وال أن يأخذوا منهم وال أن يعطوهم‪ ..‬الرعاة عى حدا واملصريين عى‬ ‫حدا‪ .‬إذن كيف يقال أن هناك امتزاج ثقافي واجتماعي وعرقي مع قوم أو فريق من‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الناس يراهم املصريون ألال نجسا ورجسا ألال‪ ،‬فاملصريون ال يحبون الرعاة‬ ‫ويتهمونهم بالنجاسة‪ ،‬وهذا مذكور في مصادر تاريخية كثيرة‪.‬‬

‫‪23‬‬


‫هذه من جهة‪ ،‬ومن جهة أخيرة وثالثة كان من املعلوم أن أقوى رابطة بين األقوام‬ ‫والجماعات والناس في تلكم الفترة كانت هي العقيدة‪ ،‬لذلك ال سبيل لاللتقاء بين‬ ‫الوثنيين املصريين وبين املوحدين من نسل إبراهيم‪ ،‬فهؤالء كانوا عى حدا وهؤالء كانوا‬ ‫عى حدا‪ .‬هذا هو الثابت وهذا هو الذي يلتئم بالحقائق ومع الحقائق التاريخية‪ ،‬وال‬ ‫ندرى ما الذي حملهم عى أن يأخذوا بهذا القول املنكر‪ .‬املؤرخ والعالم الكبير العراقي‬ ‫أحمد سوسة رحمة هللا عليه وقد كان من يهود العراق‪ ،‬إال أن هللا هدى قلبه إى‬ ‫ً‬ ‫اإلسالم وأحب اإلسالم وتمسك به ومات عليه‪ ،‬له كتاب ضخم جدا عن تاريخ العرب‬ ‫واليهود في التاريخ تبنى فيه نظرية سيجموند فرويد بالكامل‪ ،‬وحاول أن يأعي عليها بأدلة‬ ‫أخرى‪ ،‬لكنها متهافتة تهافت الزجاج وكل كاسر مكسور‪ ،‬وليس هناك ما يصح أن يسمى‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫دليال ألال‪ ،‬وأرى أنه في ذلكم كان متأثر بنزعة قومية‪ .‬بعضهم أيضا تخوض في هذه‬ ‫املسألة بغير حق وبغير دليل فزعم أن موس ى عليه السالم هو كان ابنا لألميرة‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫حتشبسوت التي ألبحت ملكة فيما بعد ذلك‪ ،‬وهذا كالم غير صحيح‪.‬‬

‫عى كل حال الراجح لدى املؤرخين ولدى أهل امللل أن موس ى عليه الصالة‬ ‫ً‬ ‫وأفضل السالم كان موجودا زهاء القرن الثالث عشر قبل امليالد‪ .‬وموس ى كما ععلمون‬ ‫هو ابن عمران التي تدعوه التوراة عمرام بامليم‪ ،‬وعمران كما ذكرنا لكم نسبه هو ابن‬ ‫قاهت بن عازر بن الوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم‪ .‬تزوج عمران من امرأة من‬ ‫نسل الوى يقال لها يوكابد‪ ،‬إذا كانت هي االبنة املباشرة ليوكابد كما يقول أكثر األدبيات‬ ‫املسيحية واليهودية فهي يوكابد بنت الوى فتكون عمته‪ ،‬وعمته املباشرة إذا حذفنا‬ ‫ً‬ ‫عازر‪ ،‬وهذا يؤكده ما كان معروف من أن زواج العمات لم يكن محرما في شرعة بنى‬ ‫إسرائيل قبل موس ى عليه السالم‪ ،‬ولم يحرم إال بعد خروج اإلسرائيليون مع موس ى‬ ‫‪24‬‬


‫عليه الصالة وأفضل السالم‪ .‬هذه شرائع ينسخ ما ينسخ ويحكم منها ما يحكم حسب‬ ‫حكمة هللا واقتضاء أمره سبحانه وععاى ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫بداية فتنة موس ى وفتنة أهله وذويه‪ ،‬ألن هناك حديثا طويال يدع حديث الفتون‪،‬‬ ‫وهو الحديث الذي أخرجه اإلمام النسائي في سننه بإسناده إى سعيد بن جبير إى‬ ‫الحبر ابن عباس رض ى هللا عنهم وأرضاهم أجمعين‪ ،‬والحديث أشبه بأن يكون مما‬ ‫تلقنه ابن عباس من كعب األحبار أو غيره من اليهود الذين أسلموا‪ ،‬فهو فيه من‬ ‫ً‬ ‫اإلسرائيليات أشياء كثيرة‪ ،‬ولم يصح منه مرفوعا عن رسول إال القليل‪ ،‬لكن ليس بنا‬

‫موسى كليم هللا‬

‫أن نكذب هذا الحديث وال أن نكذب أكثر ما فيه إذا كان ال يتناقض مع املحكمات في‬ ‫كتابنا وف كالم رسول هللا عليه الصالة وأفضل السالم‪ .‬هذا حديث الفتون الذي‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫استأنف ابن عباس لقصه نهارا كامال ألنه حديث طويل جدا‪ ،‬يمكن أن تراجعوه في كل‬ ‫كتب التفسير األثرية‪ ،‬وخالة تفسير ابن كثير‪ ،‬أو ععودوا إى املصدر األلىي وهو سنن‬ ‫النسائي مباشرة‪.‬‬

‫بداية الفتنة حين رأى الفرعون الجديد‪ ،‬ألن يوسف عليه السالم لم يكن أيام‬ ‫ً‬ ‫الفراعنة وهذا ثبت أول ما ثبت تاريخيا في أواخر القرن التاسع امليالدي أي قبل زهاء‬ ‫ً‬ ‫مائة سنة فقط‪ ،‬قبل ذلك لم يكن هذا ثابتا وكانت تتحدث التوراة‪ ،‬وقد تأثر بها كثير‬ ‫من املفسرين اإلسالميين وعغاضوا عن دقة وصحة الولف القرآني وتحدثوا عن‬ ‫ً‬ ‫فرعون يوسف‪ ،‬والقرآن لم يقل هكذا‪ ،‬فالقرآن دائما يقول امللك‪ ،‬وامللك كان يطلق‬ ‫‪25‬‬

‫عى من حكم مصر في هذه السنوات األربعمائة وه فترة حكم امللوك الرعاة وهذا‬ ‫ً‬ ‫معنى هكسوس‪ ،‬ولم يكن الهكسوس يعرفون بأنهم فراعنة‪ ،‬بل كانوا ملوكا‪ .‬أكد القرآن‬ ‫في كل سورة يوسف أنه ملك‪ ،‬ولم يذكر مرة واحدة أنه فرعون‪ ،‬لكن الكتاب املقدس‬


‫ً‬ ‫في سفر التكوين يذكر دائما في قصة يوسف عى طولها أنه الفرعون‪ .‬ثبت أن هذا غير‬ ‫صحيح ألن هناك انقطاع في حكم األسرات الفرعونية دام ملدة أربعمائة سنة هي فترة‬ ‫حكم الهكسوس أو امللوك الرعاة‪ .‬القرآن يسجل هذه الحقيقة بدقة‪ ،‬من الذي عرف‬ ‫ودل محمد عى هذه الحقيقة التي لم يعرفها املؤرخون إال في أواخر القرن التاسع‬ ‫عشر‪.‬‬ ‫ً‬ ‫هؤالء الهكسوس عرفوا ليوسف وذراريه وذراري إخوانه أيضا فضل يوسف عى‬ ‫مصر وعى أهل مصر وذلك كان هؤالء اإلسرائيليون يعيشون في دعة وف سالم‬ ‫بحيالهم في أرض جاسان قرب بلبيس اآلن‪ .‬عاشوا هناك هذه املئات القليلة من‬ ‫السنين إى أن أنقض ي حكم امللوك الرعاة عى يدي رأس األسرة الثامنة عشرة املصرية‬

‫معدودين‪ ،‬وألبحوا اآلن يعدون باملئات وباآلالف وبعشرات اآلالف‪ ،‬وكان للرجل‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫عداوات وله مطامع استعمارية أيضا‪ ،‬فقال‪ :‬أخش ى أن يصيروا حزبا واحدا مع أعداء‬

‫موسى كليم هللا‬

‫الفرعونية أحمس‪ ،‬وأعى هذا امللك الفرعوني الوثني الجديد ال يعرف لإلسرائيليين ال‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ألال وال فضال وال منة ورآهم قد تكاثروا‪ ،‬بلغه أنه دخلوا هذه البالد وكانوا أنفارا‬

‫املصريين‪ ،‬فالبد أن ينقصوا والبد أن يتفانوا هؤالء فهم كثر‪ .‬وقيل هذا هو السبب‬ ‫ً‬ ‫الذي كان تفسيرا ألمر فرعون آخر بعد ذلك‪ ،‬عى أرجع في أقاويل أكثر املؤرخين أنه‬ ‫ً‬ ‫رمسيس الثاني وهو الثالث من األسرة التاسعة عشرة‪ ،‬وهو الذي ألدر أمرا بتقتيل‬ ‫وتذبيح ذكران اإلسرائيليين واستحياء نسائهم‪.‬‬

‫كان هذا هو األلل‪ ،‬خافوا من تكاثرهم وأن يتألبوا مع أعدائهم عليهم‪ ،‬ففي‬ ‫البداية ساموهم الذل والخسف واملهانة وكلفوهم وحملوهم من األعمال كل مهين وكل‬ ‫ً‬ ‫مشين‪ ،‬استعملوهم وسخروهم في اللبن والطين وف الزراعة أيضا وف أشياء مثل هذه‬

‫‪26‬‬


‫ً‬ ‫األشياء‪ ،‬إال أنهم لم يتفانوا‪ ،‬فألدر هذا الفرعون املذكور قبل قليل أمرا لقابلتين أي‬ ‫لوالدتين‪ ،‬كانتا قابلتين مشهورتين عند املصريين تدع األوى شيفرا والثانية فوعا‪،‬‬ ‫ألدر أمر إليهما بذبح كل ذكر إسرائيىي واستحياء النساء‪ .‬تقول التوراة إال أنهما‬ ‫خافتا هللا فلم تفعال أو ربما لم تفعال األمر عى وجه‪ ،‬فدعاهما الفرعون وسألهما ملاذا‬ ‫ً‬ ‫لم تفعال؟ قالتا‪ :‬سنفعل‪ ،‬لكن العبرانيات قويات جدا ويلدن قبل أن تأعي القابلة وكان‬ ‫ً‬ ‫هذا هو العذر‪ ،‬وأن هللا كافئ هاتين القابلتين فجعل لهما بيوتا عى طريقة اليهود في‬ ‫الجزاء العاجل املادي‪.‬‬

‫موسى كليم هللا‬

‫ً‬ ‫ويقال أن هناك سببا آخر هللا أعلم بصحته‪ ،‬هو أشبه باألسطورة وخالة‬ ‫ً‬ ‫أساطير ما بين النهرين وحتى أساطير هندية التي تذكر دائما هذا املعنى وهو أن امللك‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ويكون دائما طاغية مسلط واسع النفوذ رأى في منامه أن طفال يخرج من بين الرعية‬ ‫يقود ملكه ويفل عرشه‪ ،‬هذه الفكرة مكررة في عشرات األساطير القديمة‪ ،‬وهذه كانت‬ ‫أحد أدلة الذين يزعمون أسطورة شخصية موس ى‪ .‬لكن هذا لم يرد ال في كتابنا وال في‬ ‫صحيح السنة‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫يقال إن فرعون نام فرأى فيما يرى النائم في منامه نار عظيمة تخرج من بيت‬ ‫املقدس ثم تأعى ناحية مصر فتحرق كل بيت فيها إال بيوت العبرانيين‪ ،‬فجمع الكهنة‬ ‫ً‬ ‫والسحرة وسألهم‪ ،‬فقالوا معنى هذه الرؤية ولدا يخرج من هؤالء العبرانيين يكون‬ ‫هالكنا وهاللك‪ ،‬فألدر أمره بذبح ذكران اإلسرائيليون‪ ،‬وهكذا كان الذباحون يمشون‬ ‫بالشفار وكلما سمعوا بطفل ُولد لإلسرائيليين يتقصون فإذا كان بنتا استحيوها وإذا‬ ‫ً‬ ‫كان ذكر ذبحوه‪ .‬قال تبارك وععاى د﴿"إن فرعون عال في األرض وجعل أهلها شيعا﴾"‪،‬‬ ‫فجعل األقباط عى ناحية وجعل اإلسرائيليين عى ناحية‪ ،‬مع أن هللا يقول "وجعل‬


‫أهلها" وهذا هو الذي يتسم مع العدالة ومع الحقائق الذي لار إليها اإلنسان‬ ‫والبشرية بعد هذه املئات من السنين التي ذاقت فيها املرائر‪ ..‬قبيل من الناس يقطنون‬ ‫ً‬ ‫أرضا مئات السنين أال يصبحون من أهلها‪ ،‬أليس لهم حق املواطنة وحق الجنسية وأن‬ ‫يصبحوا أبناء هذه األرض؟! بى ‪ ...‬هللا يقول "وجعل أهلها" إى متى سيظلون غرباء‬ ‫ً‬ ‫وينظر إليهم عى أنهم غرباء‪ ،‬ولكن الطواغيت من حكام البشر دائما يلعبون عى نقطة‬ ‫عرق والتفكير العنصري‪ ،‬هذا منا وهذا ليس منا‪ ،‬وهذا دخيل وهذا أليل‪ ،‬ليتسنى‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫لهم حكم الشعب‪ ،‬حتى إذا كان الشعب كله أليال‪ ،‬أيضا فرقوه وفق معايير أخرى‬ ‫قريبة من املعايير العنصرية وإن لم تكنها‪.‬‬

‫موسى كليم هللا‬

‫َ َ َ َ َََْ َ ًَ ْ َ ْ ُ‬ ‫َ‬ ‫َ ُ َّ‬ ‫ف َطائ َف ًة ّم ْن ُه ْم ُي َذ ّب ُح َأ ْب َن ُ‬ ‫اءه ْم ِإن ُه‬ ‫اءه ْم َو َي ْست ْح ِيي ِنس‬ ‫﴿"وجعل أهلها ِشيعا يستض ِع‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫ان م َن ْاملُ ْفسد َ‬ ‫ين﴾" قال " ُيذ ِّب ُح" ولم يقل يذبح وهذا يدل عى أن الذين ذبحوا كانوا‬ ‫ِ ِ‬ ‫ك ِ‬ ‫ً‬ ‫باآلالف‪ ،‬لقد كان ذبح كثير جدا وهذه فتنة عظيمة كانت لإلسرائيليين في مصر‪" .‬‬ ‫َو َي ْس َت ْحيي ن َس ُ‬ ‫اءه ْم" ملاذا سمي البنات الصغار ً‬ ‫نساء؟ هذا‪ ،‬كما يقول علماء البيان‪،‬‬ ‫ِ ِ‬ ‫ً‬ ‫نظرا إى املآل‪ ،‬ألن هذه البنت الصغيرة الوليدة إذا تركت حية ستصبح امرأة وجمع‬ ‫امرأة نساء‪ .‬ويستحيى نسائهم وهذا إيماء إى أنه قصد من وراء ذلك‪ ،‬خالة في أمة‬ ‫تقوم عى مبدأ العرقية والعنصرية ويستخذون هؤالء الرعاة وذراري الرعاة وبالتاىي ال‬ ‫مصاهرة وال زواج وال اختالط عرقي ودموي‪ ،‬فهذا إيماء أنه قصد من وراء ذلك أن‬ ‫تصير هؤالء البنات بغايا ومصدر متع محرمة لألقباط‪.‬‬

‫في حديث الفتون الذي ذكرنا مصدره وتخريجه‪ ،‬جاء قوم فرعون ومأله وقالوا‪ :‬يا‬ ‫أيها امللك إن الكبار من هؤالء يموتون بآجالهم والصغار يفنون فنوشك أن نصير عما‬ ‫قريب إى ما كانوا يكلفونه من األعمال والخدمة‪ -‬ألنهم كانوا مسخرين في خدمة‬

‫‪28‬‬


‫املصريين حتى ال يتناسلوا‪ ،‬ولكن لم يجدهم ذلك نفعا‪ ،‬فصاروا إى موضوع الذبح‪،‬‬ ‫وبعد أن فشل فرعون في قضية القابلتين ألدر أمر لجميع الشعب املصري بالتبليغ‬ ‫ً‬ ‫وبذبح ذكران اليهود‪ ،-‬فقال فرعون‪ :‬ما الذي ترونه‪ ،‬قالوا نرى أن عسامحهم عاما وأن‬ ‫ً‬ ‫تذبح ذكرانهم عاما‪ ،‬والذين يبقون من هؤالء لن يزيد بهم بنو إسرائيل‪ .‬هذه الرواية إن‬ ‫صحت تؤكد أن السبب الحقيقي ليس الرواية التي هي أشبه باألسطورية من حلم‬ ‫فرعون بالنار التي تأكل بيوت املصريين‪ ،‬إنما السبب الحقيقي هو زيادة اإلسرائيليين‪،‬‬ ‫ً‬ ‫فخافوا منهم ومن كثرتهم وأن تألبوا مع عدوهم عليهم‪ .‬وهذا يؤكد أيضا أن بنى إسرائيل‬ ‫ً‬ ‫قبل أن تحدث هذه الحوادث وأن تنجم هذه الفتن كانوا مضطهدين أيضا‪ .‬فلماذا أنت‬ ‫تخاف منهم أن يتألبوا مع عدوك؟ ألنك ظلمتهم وحقرتهم وضغطت عليهم‪ .‬هذا الذي‬ ‫يرجح هذه الرواية وهللا أعلم‪ .‬وف األخير اقتنع فرعون برأي هؤالء املأل‪.‬‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫في كثير من املواضع يؤكد القرآن أن الذي كان يسول ويوسوس لفرعون فظائعه‬ ‫شنائع أعماله هم مأله‪ ..‬البطانة السوء‪ ،‬قال ععاى "﴿فما جاءهم بالحق من عندنا‪،‬‬ ‫قالوا اقتلوا أبناء الذين أمنوا معه واستحيوا نسائهم﴾" قال ععاى "قالوا" ولم يقل‬ ‫"قال" يدل عى أن بطانة السوء هي التي كانت عسول لفرعون أعماله‪ ،‬وهذه اآلية تؤكد‬ ‫ً‬ ‫أيضا أن الذبح وقع للذكران مرتين‪ ،‬مرة قبل ميالد موس ى عليه السالم ومرة أخرى بعد‬ ‫أن بعث وجاء يتصدى ويجابه فرعون‪ ،‬لذلك قال بنو إسرائيل ملوس ى "أوذينا من قبل‬ ‫أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا" أي بسببك أوذينا من قبل‪ ،‬وبسببك أوذينا اآلن من بعد ما‬ ‫جئتنا كما في سور األعراف‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫عى كل حال إذا مشينا مع املشهور من تراث وأدبيات الكتاب املقدس‪ ،‬أي ما‬ ‫ً‬ ‫يقوله اليهود والنصارى‪ ،‬وما يقول أيضا أكثر مفسري ومؤرخي املسلمين من أن موس ى‬


‫ً‬ ‫الغيب كان مطلوبا لفرعون‪ ،‬ألنه نما إى علمه‪ -‬وهذه رواية أخرى‪ -‬النبوءة التي تؤثر‬ ‫عن إبراهيم عليه الصالة وأفضل السالم‪ ،‬وهذا هو أول حديث الفتون‪ .‬حيث تذاكر‬ ‫فرعون وقومه‪ -‬أي مأله‪ -‬ما يأثره بنو إسرائيل عى إبراهيم‪ -‬يقال أثره عليه أي أسنده‬ ‫ونسبه إليه‪ -‬أن هللا تبارك وععاى وعد نسله أن يكون منهم األنبياء وامللوك‪ .‬تذاكر‬ ‫ً‬ ‫فرعون ومآله هذه النبوءة التي كانت شائعة بين اإلسرائيليين وكانوا دائما يتباشرون‬ ‫بها‪ ،‬وذكروا أن بنى إسرائيل كانوا يظنونه يوسف بن يعقوب عليهما الصلوات‬

‫ً‬ ‫والتسليمات‪ ،‬فلما هلك قالوا ليس هكذا وعد هللا تبارك وععاى ‪ .‬فهم ينتظرون إذن نبيا‬ ‫ً‬ ‫وملكا آخر‪ ،‬فخاف فرعون من هذا‪ ،‬فسألهم ماذا ترون؟ فقالوا نرى أن تذبح ذكرانهم‪،‬‬

‫ملاذا؟ حتى تفوت الفرلة عى القدر الغالب أن يرث هذا النبي امللك الذي يقوض ملك‬ ‫ً‬ ‫فراعنة مصر‪ .‬وهذا أوجه إى أن يكون واقعيا‪ ،‬وممكن أن نصدق كالما مثل هذا‪ .‬لكن‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫هل أجدى فرعون ذلك شيئا؟ أبدا‪.‬‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫ولد يوكابد هارون عليه السالم ومريم وهما قبل موس ى عليه السالم‪ ،‬فهارون أسن‬ ‫من موس ى وقيل بسنة واحدة‪ ،‬وقد ولد في سنة املسامحة‪ ،‬وأما موس ى فولدته أمه في‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫سنة الذبح‪ ،‬وكان هذا من الفتنة وخافت عليه خوفا عظيما‪ ،‬فأوح هللا إليها‪ ،‬وهنا‬ ‫معنى "أوح إليها" أي ألهمها‪ ،‬وح إلهام وإرشاد كما قال ععاى "وأوح بربك إى‬ ‫النحل"‪ ،‬وليس وح نبوة كما فهمه العالمة اإلمام ابن حزمه رحمه هللا عليه‪ ،‬وفرع‬ ‫عليه القول بنبوة يوكابد أم موس ى وجوز أن تتنبأ النساء‪ ،‬وهذا مخالف ملا استقر عند‬ ‫أهل السنة والجماعة وكما تناوله أبو الحسن األشعري في مقاالت اإلسالميين‪.‬‬

‫ً‬ ‫والصحيح أن الوحي وح إلهام وإرشاد‪ ،‬فألقي هللا في قلبها ذلك وأوجب لها ذلك علما‬ ‫كالضروري لم عستطع مخالفة‪.‬‬ ‫‪30‬‬


‫أوح هللا إليها تبارك وععاى أنها إذا خافت عليه أن تضعه في لفد أي في تابوت‪،‬‬ ‫وتحسن إغالقه ثم ترميه في اليم‪ ،‬واليم هو نهر النيل ألن العرب ترادف بين اليم‬ ‫ً‬ ‫والبحر‪ ،‬والبحر هو كل ما استبحر من املاء‪ ،‬فكل ما كان مسطحا مائيا كبيرا يسمى‬ ‫ً‬ ‫بحرا وعى هذا لغة القرآن قال تبارك وععاى "وما يستوي البحران" ليس البحر املالح‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فقط‪ ،‬فالنهر الكبير املستبحر يسمى بحرا أيضا في اللغة العربية وأيضا في اللغة‬ ‫القرآنية وه لغة العرب‪ .‬إذن فاليم املقصود به البحر‪ ،‬واملقصود البحر هو نهر النيل‬ ‫هنا‪ .‬إذن أوح هللا إليها ذلك وفعلت‪.‬‬

‫ذكر في التوراة أنها أخفته ثالثة أشهر‪ ،‬ويبدو أنه غلب عى ظنها بعد ذلك أن‬ ‫يضبط عندها ويهلك‪ ،‬فصنعت كما تقول التوراة تابوت من قصب وطلته ُ‬ ‫بالحمر‪،‬‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫والحمر هو القطران والزفت حتى ال يدخل املاء خالله‪ .‬في التوراة أنها ربطته بخيط‬ ‫ً‬ ‫وجعلته عى الساحل عند الحلفاء‪ ،‬فكانت إذا توجست شرا قذفته والحبل عندها‪،‬‬ ‫ً‬ ‫فإذا ذهب الشر أعادته‪ .‬القرآن ال يؤكد هذا‪ ،‬وإنما يؤكد العكس تماما أنها قذفته في‬ ‫ً‬ ‫عين املوج ولم تضعه عى الساحل ألال‪ .‬لقد وضعته في اليم وهذا أظهر لغلبة قدرة‬ ‫هللا سبحانه وععاى ‪ ،‬وهللا غالب عى أمره‪.‬‬ ‫أوح هللا لها ذلك وكذلكم فعلت‪ ،‬ثم أولت أخته مريم بأن عستتبع أثره وأن ععلم‬ ‫علمه‪ ،‬وال ععود إال بعلمه‪ ،‬ففعلت وتقصت حتى رأت هذا الصفد بقدرة هللا تبارك‬ ‫وععاى يأعي إى الساحل‪ ،‬إن نهر النيل مأمور أن يلقيه إى الساحل قال ععاى "فليلقيه‬

‫‪31‬‬

‫اليم بالساحل" واآلية من سورة من القصص آية عجيبة وبديعة وه مثال عى دقيق‬ ‫ََْ َ َْ َ ُ ّ ُ َ َ ْ َ‬ ‫َ‬ ‫َ َ ْ‬ ‫وس ى أن أ ْر ِض ِع ِيه ف ِإذا ِخف ِت َعل ْي ِه‬ ‫إعجاز كالم هللا سبحانه وععاى ﴿"وأوحينا ِإى أ ِم م‬ ‫ُْ‬ ‫َ‬ ‫وه إ َل ْيك َو َجاع ُل ُ‬ ‫َف َأ ْلقيه في ْال َي ّم َوال َت َخافي َوال َت ْح َزني إ َّنا َر ُّاد ُ‬ ‫وه ِم َن امل ْر َس ِلين﴾"‪ .‬آية عجيبة‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ً‬ ‫جدا جدا!‬


‫يحكى عن عبد امللك بن سريج املعروف باأللمعي رواية أشعار العرب ومنثور‬ ‫كالمها أنه مر بجارية يقول خماسية أو سداسية‪ ،‬أي طولها خمسة أشبار أو ستة‬ ‫أشبار‪ ،‬جارية لغيرة عمرها سبع أو ثمان سنوات‪ ،‬وه تقول‪:‬‬ ‫استغفر هللا ألمري كـله قتلت إنسان بغير حىي‬ ‫مثل غزال ناعما في دله انتصف الليل ولم ألى‬

‫ألن فيه معنى أنها ستخاف‪ ،‬ألنه قال "فإذا" ولم يقل "فإن"‪ ،‬لو قال "إن خفت عليه"‬

‫موسى كليم هللا‬

‫ً‬ ‫قال قاتلك هللا ما أفصحك! قالت‪ :‬أويعد ما قتل فصيحا مع قول هللا تبارك وععاى‬ ‫ََْ َ َْ َ ُ ّ ُ َ َ ْ َ‬ ‫ْ‬ ‫َ ََْ‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫َ َ ْ‬ ‫وس ى أن أ ْر ِض ِع ِيه ف ِإذا ِخف ِت َعل ْي ِه فأل ِق ِيه ِفي ال َي ِ ّم َوال تخ ِافي َوال ت ْح َزِني‬ ‫﴿"وأوحينا ِإى أ ِم م‬ ‫ُْ‬ ‫َ‬ ‫وه إ َل ْيك َو َجاع ُل ُ‬ ‫َّ ُّ ُ‬ ‫وه ِم َن امل ْر َس ِلين﴾" وشرحت له وقالت‪ :‬في هذه اآلية الوجيزة جمع‬ ‫ِ‬ ‫ِإنا َراد ِ ِ‬ ‫هللا بين خبرين وأمرين ونهيين وبشارتين الخبران "وأوحينا" والخبر الثاني "فإذا خفت"‬ ‫معناه أنها يمكن أن تخاف ويمكن أال تخاف‪ ،‬لكن هللا قال "فإذا خفت" إذن يجب أن‬ ‫تخاف وهذا بمعنى الخبر‪ .‬وأما األمران "أرضعيه‪ ،‬ألقيه"‪ .‬وأما النهيان "وال تخافي وال‬ ‫تحزني"‪ .‬وأما البشارتان "إنا رادوه إليك" والثانية " وجاعلوه من املرسلين"‪ .‬سبحان من‬ ‫أنزل هذا الكالم‪.‬‬

‫عى كل حال‪ ،‬رسا الصفد أو التابوت عى الساحل‪ .‬عند اليهود في توراتهم أن بنت‬ ‫فرعون خرجت لكي عغتسل وعستحم ومعه وليفاتها وإمائها يمشين عى الساحل فرأت‬ ‫الصفد‪ ،‬فبعثت إحدى إمائها فأتت به‪ ،‬فلما رأت أنه وليد لبي لغير يبكى أحبته‪،‬‬ ‫وقالت طفل لغير من أطفال العبرانيين‪ ،‬واستوهبته من أبيها فوهب الطفل لها‪ ،‬ثم‬

‫‪32‬‬


‫جاءت أخته وهكذا لار إى أمه وبقى عندها حتى كبر وه ترضعه إى أن لار عنده‬ ‫ً‬ ‫سنتين أو قريبا من ذلك‪ .‬وملا عاد ألبح ابنا لبنت فرعون‪ ..‬هكذا تقول التوراة‪ .‬أما‬ ‫عندنا أن التي وجدته هي أسيا زوجة فرعون عليها السالم وه إحدى النساء األربعة‬ ‫الكوامل‪ ،‬أسيا بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد الذي كان امللك أيام يوسف‬ ‫عليه الصالة وأفضل السالم وهذا هو املشهور في نسبها‪ ،‬وقيل أنها من بني إسرائيل‪،‬‬ ‫ولكن األرجح هو القول األول‪ .‬أسيا هي التي فعلت ذلك به‪.‬‬

‫قيل أنه ملا وجدت اإلماء والوليفات الصفد أحب بعضهن أن تفتحه‪ ،‬فقال‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫بعضهن إن فيه ماال وإنا إذا فتحناه لم تصدق زوجة امللك أنا لم نأخذ منه شيئا فال‬ ‫تفتحنه‪ ،‬فأتين إى أسيا زوجة امللك بهذا الصفد‪ ،‬فلما فتحته ورأت هذا الجمال‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫اإللهي وهذا الجالل املوس ى‪ ،‬وقال ععاى ﴿"وألقيت عليك محبة منى﴾"‪ .‬يقول ابن‬ ‫عباس في حديث الفتون‪ :‬وألقى هللا عليه منها محبة لم يلقى مثلها عى بشر‪ .‬فأتت به‬ ‫إى فرعون وقالت له‪ :‬أيها امللك قرة عين ىي ولك ال تقتلوه‪ ،‬ألن الذباحين حين سمعوا‬ ‫أتوا مباشرة ومعهم الشفار لذبحه‪ ،‬فقالت لهم أمهلوني‪ ،‬فسآعي إى فرعون فإن وهبه‬ ‫ىي فقد أحسنتم وأجملتم‪ ،‬وأمركم بذبحه لم أملكم‪ ،‬قالوا‪ :‬لكي ذلك‪ ،‬فجاءت فرعون‬ ‫ً‬ ‫وقالت‪ :‬قرة عين ىي ولك‪ ،‬قال‪ :‬أما لك فنعم‪ ،‬أما ىي فال‪ .‬قال ابن عباس مرفوعا إى‬ ‫عليه الصالة وأفضل السالم‪ :‬والذى نفسه بيده لو أقر فرعون بمثل ما أقرت به‬ ‫زوجته لهداه هللا تبارك وععاى ‪ .‬لكن هللا حرمه ذلك‪.���‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫نقف عند هذه النقطة بالذات لكي نعلق عليها ععليقا قصيرا ثم نغادر هذا املقام‪.‬‬

‫‪33‬‬

‫هكذا كأن لسان حال القدر كان ينادى هذا الجبار العنيد‪ :‬أنا أريد وأنت تريد وسننظر‬ ‫ما الذي سيكون‪ .‬لقد قتل هذا الجبار آالف من األطفال بسبب طفل الغيب هذا‪،‬‬


‫والقدر يبتسم ويسخر ويقول ليس إال في بيتك‪ ،‬وبيتك ودارك وأنت بالذات سيكون‬ ‫منشأه ومرباه‪ ،‬وبطعامك وشرابك سينمو‪ ،‬وأنت الذي تحفظه وأنت الذي تحوطه‬ ‫ليكون لك عدوا وحزنا‪ ،‬وسيقود ملك عى يده أيها الجبار العنيد‪ ،‬فإن مغالب الغالب‬ ‫ً‬ ‫دائما مغلوب‪ .‬من الذي حفظ هذا الطفل في كل مناسبات الفتون هذه إال هللا سبحانه‬ ‫وععاى ‪ ،‬ولدق من قال شيخ املعرة أبو العالء‪:‬‬ ‫تقفون والفلك املحرك دائر وتقدرون وتضحك األقدار‬

‫وأحسن منه قول الشاعر الغزى رحمة هللا عليه حين قال‪:‬‬ ‫وإذا العناية الحظتك عيونها نـم فـاملخاوف كلهن أمان‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫وأقتد بها العنقاء فهى حبائله وأقتد بها الجوزاء فهي عنانه‬

‫إذا كانت معك عناية هللا فال تخاف وال عليك من كل أشرار األرض ومن كل‬ ‫طواغيت الدنيا‪ ،‬ألن معك هللا تبارك وععاى ‪ ،‬وإذا تخى هللا عنك هلك بأدنى محقور‪،‬‬ ‫بأقل محقور‪ ،‬ببعوضة‪ ،‬بذبابة‪ ،‬بميكروب‪ ،‬بفيروس‪ ،‬ويكون تدبيرك هو تدميرك‬ ‫والعياذ باهلل‪ .‬تدبير هللا العجيب وهو درس عظيم البد أن يأخذ من هذه القصة‪.‬‬

‫روى اإلمام أبو بكر الخرائطى في مكارم األخالق وابن النجار في تاريخه وغيرهما عن‬ ‫ً‬ ‫أبي هريرة مرفوعا أن رجل من بنى إسرائيل كان يقرض الناس‪ ،‬وال يقرضهم إال بكفيل‪،‬‬ ‫فأتاه رجل تقي في يوم من األيام وهو ال يعرف تقواه وأهميته وقال له أسلفني ألف‬ ‫دينار‪ ،‬قال أين كفيلك؟ قال‪ :‬هللا كفيىي‪ ،‬قال‪ :‬قد رضيت وأعطاه ألف دينار‪ ،‬وكان‬

‫‪34‬‬


‫ً‬ ‫بينهما بحرا أي نهرا‪ ،‬فانطلق الرجل إى البحر‪ ،‬فلما أعى األجل لم يتمكن الرجل الذي‬ ‫أخذ املال أن يعود إى الدائن‪ ،‬فأخذ خشبة فنقبها ووضع فيها األلف دينار وأغلق‬ ‫عليها‪ ،‬وقال‪ :‬اللهم أنك ععلم أن عبدك فالن قد عاملني باألمانة‪ ،‬اللهم فأدى عنى وقد‬ ‫خب البحر‪ ،‬ثم رماها في النهر‪ -‬مثل ما حدث مع لفد موس ى‪ ،‬هذا ليس موس ى الكليم‪،‬‬ ‫إنما هو ألف دينار‪ -‬وبلغها هللا إى حيث أراد العبد الصالح األمين الوفي‪ .‬وهكذا‬ ‫تالطمت األمواج وتناقلت هذه الخشبة الصغيرة وخرج الرجل يتوضأ لصالة الغداة‬ ‫عند الفجر فضرب ش يء بعقبه في املاء‪ ،‬فأخذه فإذا به خشبة‪ ،‬فوقع في قلبه أن في‬ ‫ً‬ ‫األمر ش يء‪ ،‬وقال ألهله ال تحدثوا حدثا حتى ألى ‪ ،‬وبعد أن لى فتح الخشبة فإذا‬ ‫باأللف دينار‪ ،‬وبعد حين التقى الرجل وقال له‪ :‬ألست أنت الذي أخذت منى األلف‬ ‫دينار؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬فأدى‪ ،‬قال‪ :‬وليعلم هللا أني قد فعلت‪ ،‬قال‪ :‬لدقت يا أخي ولقد‬ ‫فعل هللا وبلغ عنك‪ .‬يقول عليه الصالة وأفضل السالم‪ :‬فايهما أعظم أمانة الذي أداها‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫أو الذي لم ينكرها؟! فكان كالهما أمينين رض ي هللا عنهما‪ .‬وهكذا فلتكن األمانة!‬ ‫وهكذا هو أمر هللا تبارك وععاى ‪ .‬نسأل هللا تبارك وععاى أن يفقهنا في الدين وأن يفتح‬ ‫علينا فتوح العارفين‪ ،‬أنه وىي ذلك والقادر عليه‪ .‬أقول ما عسمعون واستغفر هللا ىي‬ ‫ولكم فاستغفروه أجمعين!‬

‫الخطبة الثانية‬ ‫الحمد هلل الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون‪،‬‬ ‫ويستجيب الذين أمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله‪ ،‬والكافرون لهم عذاب‬

‫‪35‬‬

‫شديد‪ ،‬وأشهد أن ال إله إال هللا وحده ال شريك له‪ ،‬وأشهد أن سيدنا محمد عبده‬ ‫ورسوله‪ ،‬لى هللا ععاى عليه وعى آله الطيبين الطاهرين وصحابته املباركين‬ ‫وأتباعهم بإحسان إى يوم الدين‪.‬‬


‫اللهم إنا نسألك الهدى والتقي والعفاف والغني‪ ،‬ال تدع لنا في هذا اليوم الكريم في‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫هذا املقام الكريم ذنبا إال غفرته وال هما إال فرجته وال كربا إال نفثته وال ميتا إال رحمته‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وال مريضا إال شفيته وال غائبا إال رددته وال أسيرا إال أحسنت فكاكه يا رب العاملين‪،‬‬ ‫اللهم زدنا وال تنقصنا واعطنا وال تحرمنا وأكرمنا وال تهنا وكن لنا وال تكن علينا‪،‬‬ ‫وانصرنا وال تنصر علينا‪ ،‬وأرض عنا وأرضنا يا رب العاملين‪ ،‬اللهم إنا نسألك ونبتهل‬ ‫إليك أن تنصر اإلسالم وأن ععز املسلمين‪ ،‬وأن ععى بفضلك كلمة الحق والدين‪ ،‬اللهم‬ ‫انصر ما نصر املسلمين وأخذل من خذل املسلمين‪ ،‬اللهم عليك بأعدائنا أعدائك‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫أعداء الدين‪ ،‬اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا وال تبق منهم أحدا ًً‪ ،‬اللهم أدر عليهم‬ ‫دائرة السوء فأنهم ال يعجزونك‪ ،‬اللهم اجعل بأسهم بينهم‪ ،‬اللهم شتت جمعهم وفرق‬

‫املجرمين‪ ،‬وانصر عبادك املوحدين‪ ،‬وأيدهم وأيد بهم‪ ،‬وأظفرهم بأعدائهم إلهنا إله‬

‫موسى كليم هللا‬

‫شملهم وبدد قوتهم‪ ،‬واجعل بأسهم بينهم شديد‪ ،‬اللهم اجعل تدميرهم تدبيرهم يا رب‬ ‫العاملين‪ ،‬وأرنا فيهم ععاجيب قدرتك وعالئم بأسك الشديد الذي ال يرد عن القوم‬ ‫الحق رب العاملين‪.‬‬

‫عباد هللا! إن هللا يأمر بالعدل واإلحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء‬ ‫واملنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون‪ ،‬أذكروا هللا العظيم يذكركم‪ ،‬واشكروه يزدكم‪،‬‬ ‫واسألوه يعطكم‪ ،‬قوموا إى لالتكم يرحمني ويرحكم هللا‪.‬‬ ‫*********************************‬ ‫‪36‬‬


‫مع الكليم موسى –ح‪ -3‬موسى في مدين‬

‫إن الحمد هلل‪ ،‬نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا وسيئات‬ ‫أعمالنا‪ ،‬من يهده هللا فال مضل له‪ ،‬ومن يضلل فال هادى له‪ ،‬وأشهد أن ال إله إال هللا‬ ‫وحده ال شريك له‪ ،‬وال نظير له‪ ،‬وال مثال له‪ ،‬وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا ورسولنا‬ ‫محمد عبد هللا ورسوله‪ ،‬ولفوته من خلقه‪ ،‬وأمينه عى وحيه‪ ،‬ونجيبه من عباده‬ ‫لى هللا ععاى عليه وعى آله الطيبين الطاهرين وصحابته املباركين وأتباعهم بإحسان‬ ‫إى يوم الدين‪.‬‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫عباد هللا! أوليكم ونفس ي الخاطئة بتقوى هللا العظيم ولزوم طاعته‪ ،‬كما‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أحذركم وأحذر نفس ي من عصيانه ومخالفة أمره لقوله سبحانه وععاى من "من عمل‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫لالحا فلنفسه‪ ،‬ومن أساء فعليها‪ ،‬وما ربك بظالم للعبيد"‪.‬‬

‫ثم أما بعد‪ ،‬أيها األخوة املسلمين األفاضل‪ ،‬أيتها األخوات املسلمات الفاضالت‬ ‫يقول هللا سبحانه وععاى ف كتابه العزيز بعد أن أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم بسم‬

‫‪37‬‬

‫هللا الرحمن الرحيم‬ ‫َ َ‬ ‫َ‬ ‫ْ َ َْ‬ ‫ََ َْ َ ُ َ ُ ُ ّ ُ َ َ ً َ‬ ‫ُ َ‬ ‫وس ى فا ِرغا ِإن ك َاد ْت ل ُت ْب ِدي ِب ِه ل ْوال أن َّرَبط َنا َعى قل ِب َها ِل َتكون‬ ‫"وألبح فؤاد أ ِم م‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ ْ ُ ْ َ ‪ْ ُ َ َ ّ ُ ْ ُ ْ َ َ َ ،13‬‬ ‫َ‬ ‫ص َرت ِب ِه َعن ُجن ٍب َو ُه ْم ال َيش ُع ُرون(‪َ ،)11‬و َح َّر ْمنا‬ ‫ِمن املؤ ِم ِنين وقالت ألخ ِت ِه ق ِص ِيه فب‬ ‫َ ُّ ُ َ َ‬ ‫َ‬ ‫ْ ُُ َ َُ‬ ‫َ ََ َ ْ‬ ‫َع َل ْي ِه ْاملَ َ‬ ‫اض َع ِمن ق ْب ُل فقالت َه ْل أ ُدلك ْم َعى أ ْه ِل َب ْي ٍت َيكفلون ُه لك ْم َو ُه ْم ل ُه‬ ‫ر‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َناص ُحو َن(‪ ،)12‬ف َر َد ْد َن ُاه إى أ ّمه ك ْي َت َق َّر َع ْي ُن َها َوال َت ْح َز َن َول َت ْعل َم أ َّن َو ْع َد َّ‬ ‫اّلل َح ٌّق َول ِك َّن‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِِ‬ ‫ِ‬


‫لدق هللا العظيم‪ ،‬وبلغ رسوله الكريم ونحن عى ذلك من الشاهدين‪ ،‬اللهم‬ ‫اجعلنا من شهداء الحق القائمين بالقسط آمين اللهم آمين‪.‬‬

‫موسى كليم هللا‬

‫ْ ً ْ ً َ َ َ‬ ‫َ‬ ‫َأ ْك َث َر ُه ْم ال َي ْع َل ُمو َن(‪َ ،)16‬و َملَّا َب َل َغ َأ ُش َّد ُه َو ْ‬ ‫اس َت َوى آت ْي َن ُاه ُحكما َو ِعلما َوكذ ِل َك ن ْج ِزي‬ ‫َ َْ َ َ َ‬ ‫َ ْ َ ّ ْ َ ْ َ َ َ َ َ َ َ ُ َْ َ ْ َ َ َ َ‬ ‫ُْ‬ ‫َ‬ ‫امل ْح ِس ِنين(‪َ ،)14‬و َدخ َل امل ِدينة َعى ِح ِين غفل ٍة ِمن أه ِلها فوجد ِفيها رجلي ِن يقت ِتال ِن هذا‬ ‫َ َّ‬ ‫َ َ‬ ‫اس َت َغ َاث ُه َّالذي من ش َ‬ ‫َ‬ ‫يعته َو َه َذا م ْن َع ُد ّوه َف ْ‬ ‫يع ِت ِه َعى ال ِذي ِم ْن َع ُد ّ ِو ِه ف َوك َز ُه‬ ‫ِمن ِش ِ ِ‬ ‫ِ ِ ِ‬ ‫ِِ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ُم َ‬ ‫ال َه َذا م ْن َع َ‬ ‫الش ْي َطان إ َّن ُه َع ُد ٌّو ُّمض ٌّل ُّمب ٌين(‪َ ،)18‬ق َ‬ ‫وس ى َف َق َض ى َع َل ْي ِه َق َ‬ ‫ال َر ِ ّب ِإ ِني‬ ‫ل‬ ‫م‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َْ َ َ‬ ‫َ ْ‬ ‫ََ ْ ُ َ ْ‬ ‫َ َ َ َ ُ َّ ُ ُ َ ْ َ ُ ُ‬ ‫الرح ُ‬ ‫يم(‪َ ،)13‬ق َ‬ ‫ال َر ِ ّب ِب َما أن َع ْمت َعى َّي‬ ‫ظلمت نف ِس ي فاغ ِف ْر ِىي فغف َر له ِإنه هو الغفور َّ ِ‬ ‫َ َ ْ َ ُ َ َ ً ّ ْ ُ ْ َ (‪ً َ َ َ ْ َ َ ْ َ َ )17‬‬ ‫اس َت َ‬ ‫فا َي َت َر َّق ُب َفإ َذا َّالذي ْ‬ ‫نص َر ُه‬ ‫فلن أكون ظ ِهيرا ِللمج ِر ِمين ‪ ،‬فألبح ِفي امل ِدين ِة خا ِئ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ْ َ ْ َ ْ َ ْ ُ ُ َ َ َ ُ ُ َ َّ َ َ َ ٌّ ُّ ٌ (‪َّ َ ْ َ َ َ َ َ ْ َ َّ َ َ )18‬‬ ‫ش ِبال ِذي‬ ‫س يستص ِرخه قال له موس ى ِإنك لغ ِوي م ِبين ‪ ،‬فلما أن أراد أن يب ِط‬ ‫ِباألم ِ‬ ‫َ‬ ‫ُ َ َ ُ ٌّ َّ ُ َ َ َ َ ُ َ َ ُ ُ َ َ ْ ُ َ َ َ َ َ ْ َ َ ْ ً َ‬ ‫ُ‬ ‫األ ْ‬ ‫س ِإن ت ِر ُيد ِإال أن‬ ‫م‬ ‫هو عدو لهما قال يا موس ى أت ِريد أن تقتل ِني كما قتلت نفسا ِب‬ ‫ِ‬ ‫َْ‬ ‫َْ َ‬ ‫َ ُ َن َ َّ ً ْ َ ْ َ َ ُ ُ َ َ ُ َن َ ْ ُ ْ َ‬ ‫ص ِل ِحين(‪َ ،)19‬و َجاء َر ُج ٌل ِّم ْن أق َص ى امل ِدين ِة‬ ‫ض وما ت ِريد أن تكو ِمن امل‬ ‫تكو جبارا ِفي األر ِ‬ ‫َ‬ ‫َ ْ َ َ َ َ ُ َ َّ ْ َ َ َ ْ َ ُ َ َ َ ْ ُ ُ َ َ ْ ُ ْ ّ َ َ َ َّ‬ ‫اص ِحين(‪،)23‬‬ ‫الن‬ ‫يسع قال يا موس ى ِإن املأل يأت ِمرون ِبك ِليقتلوك فاخرج ِإ ِني لك ِمن‬ ‫ِ‬ ‫َ َ َ َ َْ َ ً‬ ‫َّ َ‬ ‫فا َي َت َر َّق ُب َق َ َ ّ‬ ‫َ َْ ْ‬ ‫املين(‪")21‬‬ ‫فخرج ِمنها خا ِئ‬ ‫ال َر ِ ّب ن ِج ِني ِمن القو ِم الظ ِ ِ‬

‫أيها اإلخوة األفاضل أيتها األخوات الفاضالت‪ ،‬إذن سار موس ى عليه ّ‬ ‫الصالة‬ ‫وأفضل ّ‬ ‫السالم إى قصر فرعون بتقدير هللا وتدبيره سبحانه وععاى ‪ ،‬وألقى هللا عليه‬ ‫محبة منه فوقع من ّ‬ ‫ّ‬ ‫حبه ف قلب السيدة الجليلة‪ ،‬سيدة القصر‪ ،‬آسيا بنت مزاحم‬ ‫ً ً‬ ‫جما‪ّ ،‬‬ ‫عليها السالم ما لم يقع مثله ف قلب مخلوق قط‪ّ ،‬‬ ‫حبا ملك عليها‬ ‫أحبته حبا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الصبى الغريب مجهول النسب فوهبه لها‪.‬‬ ‫أقطار فؤادها‪ ،‬واستوهبت فرعون هذا‬

‫وأما أسمه عليه الصالة وأفضل السالم " موس ى" فهو عى املذكور الراجح من‬ ‫أقوال ّ‬ ‫املؤرخين أنه أسم قبطى فرعونى "موس" وموس ععنى الوليد أو املولود مثل‬

‫‪38‬‬


‫تحتمس – موس‪ ،‬مثل أحمس مشهور جدا ف أسماء الفراعنة‪ .‬وأما العبرانيون أو‬ ‫ّ‬ ‫اليهود فيزعمون ف توراتهم أنه عبرانى "موشيه" بمعنى املنتشل من املاء‪ ،‬ويعزون إى‬ ‫ابنة فرعون التى يزعمون أيضا أنها ه التى تبنته ووجدته أنها قالت‪ :‬وسميته موس ى‬ ‫ألني‪ ،‬أى موشيه بالعبرية‪ ،‬انتشلته من املاء‪.‬‬

‫واألرجح من أقوال املؤرخين والخبراء ف هذا الشأن أنه أسم فرعونى قبطى‬ ‫"موس" يعنى الوليد أو املولود‪ ،‬ولذلك ظاهر تهافت وسقوط شبهة أولئكم الذين‬ ‫ً‬ ‫أرادوا أن يثبتوا أنه فرعونى وأنه قبطى وليس عبرانيا استنادا إى اسمه‪ ،‬شبهة غبية‬ ‫ً‬ ‫جدا‪ ،‬ألنه لم يقل أحد إن موس ى عليه السالم قد ّ‬ ‫سمته أمه بهذا االسم‪ ،‬قطعا‪ ،‬ألنه‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫كان لقيا فسماه الذى لقيه‪ ،‬القصر هو الذى سماه‪ ،‬فاألرجح أنه اسم فرعونى وال‬ ‫ّ‬ ‫حجة ف هذا االسم عى أنه فرعونى عى إن موس ى فرعونى وقبطى ال حجة‪ ،‬ألن هذا‬ ‫ً‬ ‫االسم من لنيع القصر‪ ،‬من لنيع القصر ومن فيه‪ ،‬هذه حجة متهافتة جدا ال أدرى‬ ‫كيف يقع فيها بعض املؤرخين ليثبتوا هذا الزعم الباطل من فرعونية أو قبطية ألل‬ ‫موس ى عليه الصالة وأفضل السالم‪.‬‬

‫"وألبح فؤاد أم موس ى فارغا" من كل ش يء إال من موس ى وذكر موس ى وشأن‬ ‫موس ى وخطب موس ى فهي ال يبارحها وجهه ومرآه وذكراه لباح مساء وعسأل عن‬ ‫موس ى ماذا عساه يكون قد حل به‪" .‬إن كادت لتبدى به لوال أن ربطنا عى قلبها"‬ ‫أوشكت وقاربت أن تفضح أمره‪ ،‬وأن تذكر أنه ابنها وان عسأل عنه ف كل درب وناد‪ ،‬ف‬ ‫كل درب وناد‪ ،‬لوال إن هللا ثبتها وربط عى قلبها "لوال أن ربطنا عى قلبها لتكون من‬ ‫‪39‬‬

‫املؤمنين" وليبلغ هللا أمره فيه ولينجز لها وعده فيه "إنا رادوه إليك وجاعلوه من‬ ‫ّ‬ ‫املرسلين"‪ .‬وبعد ذلك خطرت لها هذه الفكرة أن تكلف أخته الكبرى مريم عليها السالم‬


‫أن تقص أثره لتعلم علمه وتدرى خبره "وقالت ألخته قصيه" ّ‬ ‫تتبع أثره‪ .‬وما ف التوراة‬ ‫أن أخته ّ‬ ‫تتبعت أثره حين ألقته أمه ف املاء عى التو من فورها‪ ،‬واملعول عى ما ف‬ ‫القرآن والحق مع قصه القرآن ف هذا الحين‪ ،‬وف هذا الظرف قالت ألخته قصيه وال‬ ‫ععلم من نبأه وال من خبره شيئا‪ ،‬عليها السالم يوكابد "وقالت ألخته قصيه فبصرت به‬ ‫ّ‬ ‫عن جنب وهم ال يشعرون" عن مبعدة‪ ،‬وقيل عن جنب هو الذى يرنو إى الش يء وكأنه‬ ‫ّ‬ ‫ال يريده ينظر ويرمق الش يء ويوهم اآلخرين أنه ال يريد هذا الش يء‪ ،‬فهذا أسلوب ف‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫التجسس والتدسس قوى جدا وذكى‪ ،‬وف هذه اآليات إشارة إى ما يتمتع به هؤالء‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والتجسس كأنها‬ ‫التدسس‬ ‫القوم‪ ،‬أعنى اإلسرائيليين‪ ،‬من قوة وقدرة غريبة جدا عى‬ ‫جبلة الزمة والزبة ثابتة قائمة فيهم‪ ،‬ألن هللا قال "وقالت ألخته قصيه فبصرت" هنا‬ ‫ً‬ ‫جدا مباشرة نجحت ف ّ‬ ‫مهمتها‪ ،‬كيف وللت إى هذه النتيجة بسرعة؟‬ ‫ععقيب سريع‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫ّ‬ ‫التدسس‬ ‫"فبصرت به عن جنب" قال "وهم ال يشعرون" كأنها مدربة عى‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫والتجسس وهكذا‪" .‬وهم ال يشعرون" معناها أنها لم تكن كبيرة جدا كانت فتاة لغيرة‬ ‫السن‪ ،‬هذه إشارة إى أن هذا طبع فيهم وهم مهرة حذاق ف هذا الباب‪ ،‬مهرة حذاق وال‬ ‫يزالون إى اليوم وال يزالون إى يوم الناس هذا‪" ،‬فبصرت به عن جنب وهم ال‬ ‫يشعرون"‪ ،‬وهذه العبارة تكررت غير مرة (وهم ال يشعرون)‪ ،‬ألن قصة موس ى عليه‬ ‫السالم‪ ،‬كما قلنا ف مقدمتها‪ ،‬قصة القدر وفعل القدر ويد القدر الخفية التى تصنع ف‬ ‫الخف ــاء‪ ،‬قصة غلبة هللا عى أمره‪( ،‬وهم ال يشعرون)‪( ،‬فبصرت به عن جنب وهم ال‬ ‫يشعرون)‪.‬‬

‫(وحرمنا عليه املراضع من قبل) مر عليه وقت وهو يتحامى كل األثداء واملراضع‬ ‫ً‬ ‫حتى خشيت عليه آسيا عليها السالم من الهالك ألنه ال ُيقبل وال ّيقبل ثديا‪ ،‬ال ُيقبل‬

‫‪40‬‬


‫عى ثدى ظئر‪ ،‬وال يقبل أن ترضعه أى ظئر‪ ،‬فخشيت عليه من الهالك فأرسلت إى كل‬ ‫من ععرف من نساءها‪ ،‬فأرسلت إى كل من ععرف من نساءها‪ ،‬أن يقومن بكل طريق‬ ‫وف كل محلة وف كل سوق يبحثن له عن ظئر ُيقبل عليها‪ ،‬وهنا استغلت مريم أخته‬ ‫الفرلة ووللت إليهم لتقول لهم (هل أدلكم عى أهل بيت يكفلونه لكم وهم له‬ ‫ناصحون ) هنا أخطأت‪ ،‬تجاوزت الحد (وهم له ناصحون ) فألقوا عليها القبض من‬ ‫الذى أعلمك أنهم له ناصحون‪ ،‬هل عندك علم بشأنه‪ ،‬هل ععرفين ألله وفصله؟‬ ‫وهذه اآلية هذه اإلشارة مع ما ذكره ّ‬ ‫املفسرون من قصتها مع قوله تبارك وععاى (إن‬ ‫كادت لتبدى به) تدل ف مجموعها عى أن آل فرعون‪ ،‬فرعون وآله‪ ،‬لم يكونوا عى‬ ‫يقين من ألل نسب موس ى‪ ،‬إذا االحتمال قائم أنه عبرانى ألقى به لكي ينجو ويكون‬ ‫بمنجاة من الذبح‪ ،‬واالحتمال قائم أيضا إنه قد يكون من عائلة قبطية أخطأت به أو‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫به أمه فأرادت أن تتخلص من عاره االحتمال قائم‪ ،‬ولذلك قال هللا ععاى (إن كادت‬ ‫لتبدى به) ولو كان مقطوعا بأنه عبرانى فماذا يكون لو أنها أبدت به‪ ،‬وعرفوا أن هذه‬ ‫أمه؟ ال ش يء ألنهم عرفوا أنه عبرانى‪ ،‬إذا إى اآلن هم ف شك وليسوا عى يقين أنه‬ ‫ً‬ ‫عبرانى‪ .‬القرآن يعطينا هذا بإشارات خفية وذكية جدا‪.‬‬ ‫(إن كادت لتبدى به) هذه إشارة قوية ف هذا الباب‪ ،‬إى اآلن ال يعلمون‪ ،‬ولذلك‬ ‫ألقوا عليها القبض من الذى أخبرك وكيف ععرفين أنهم له ناصحون‪ ،‬هل ععلمين من‬ ‫أمره شيئا؟ فقالت‪ :‬ال‪ ،‬وإنما كل أحد يسره سرور امللك‪ ،‬ويتوسل إى منفعة تصل إليه‬ ‫بهذه الخدمة وبهذا العمل– جواب سخيف‪ -‬هكذا قالت‪ ،‬كل أحد طبعا يسره أن تكون‬ ‫ً‬ ‫زوجه ظئرا لولد من آل امللك أو لولد يريد امللك له أفضل ظئر‪ ،‬ألنه سيصل له املنفعة‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ومن هنا البد أن يكون ناصحا ألنه ليس أى وريث‪ ،‬فأقنعتهم بهذا الجواب‪ ،‬فكفوا عنها‬

‫‪41‬‬

‫وأرسلوا إى أهل البيت إى أمه فجاءت‪ ،‬فلما أعطته ثديها نزل عليه وألتقمه وظل‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫يمصه حتى ألبح ريان الجنبين‪ ،‬وفرحت آسيا عليها السالم فرحا شديدا فقالت لها‪ :‬يا‬ ‫لك‪ .‬فقالت‪ :‬كنت أود ذلك إال أن‬ ‫امرأة تظلين وتبقين هاهنا ف القصر واألجرة مدفوعة ٍ‬


‫ً‬ ‫ى بيتا وأوالد ولست بتاركة ولدى وبيتى ليضيعوا‪ .‬وقد تذكرت‪ ،‬ووثقت من أمر هللا‬ ‫ووعده وأنه سينجز لها وعده ف موس ى‪ .‬وف األخير وافقت آسيا عليها السالم أن تأخذ‬ ‫ً‬ ‫موس ى معها لكى ترضعه مدة حتى يشتد وحتى يترعرع قليال وهكذا رده هللا إى أمه كما‬ ‫وعدها وأوح إليها إلهاما (إنا رادوه إليك) ولدق هللا العظيم‪.‬‬ ‫ً‬ ‫قليال ّ‬ ‫وشب استعادته آسيا عليها السالم وقالت‪ :‬إن أبنى سيزورنى‬ ‫فلما ترعرع‬ ‫اليوم‪ ،‬وعى كل واحد منكم وواحدة أن يكرمه وأن ينحله‪ ،‬وأن مرسلة بمن يحص ى ما‬ ‫ُ‬ ‫يكون منكم ف ذلك‪ .‬فلما خرج من بيت أمه‪ -‬أو أخرج من بيت أمه – إى حين بلغ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫القصر كل من يلقاه ينحله نحال ويهديه هدية ويعطيه كرامة‪ ،‬الش يء الكثير جدا‪ .‬وملا‬ ‫لار إى آسيا عليها السالم وبين يديها قالت‪ :‬ألدفعنه إى فرعون فليكرمنه ولينحلنه‪،‬‬

‫فرعون من هذه الحركة‪ ،‬وقال له املكرة الطغاة من مالءة‪ ،‬بطانة السوء‪ -‬ألنه اآلن‪ ،‬أيها‬ ‫اإلخوة‪ ،‬غلب عى ّ‬ ‫ظنهم أنه عبرانى‪ ،‬وأقبل عى هذه املرأة فلعلها تكون أمه‪ ،‬لعلها تكون‬

‫موسى كليم هللا‬

‫فدفعته إليه‪ .‬وكان قد شب خير ربما أربع سنوات أو ثالث سنوات طفل لغير غير‬ ‫مميز‪ ،‬فدفعته إليه فأخذه ف حجره فأخذ هو بلحية فرعون ّ‬ ‫ّ‬ ‫ومدها إى األرض فاغتاظ‬

‫أمه‪ -‬قالوا له ‪ :‬تذكر بشارة إبراهيم لإلسرائيليين‪ -‬العبرانيين‪ -‬وأنه سيبعث منهم نبي‬ ‫ملك يقوض ملكك ويسل عرشك ويدين قومك‪ ،‬فقال لهم‪ :‬نعم البد من ذبحه‪ ،‬فأرسل‬ ‫إى الذابحين أى الجالدين‪ .‬فدريت آسيا عليها السالم فهرعت مباشرة إى فرعون‬ ‫وقالت له‪ :‬ما الذى بدا لك ف أمر هذا الطفل الذى وهبته ى ‪ ،‬اآلن عغير رأيك اآلن تريد‬ ‫أن تذبحه مرة أخرى بعد أن وهبتنى إياه‪ .‬قال‪ :‬أما دريت ما فعل كان منه كذا وكذا‪.‬‬ ‫قالت‪ :‬أجعل بينى وبينك شيئا به يعرف الحق‪ .‬قال‪ :‬ما هو؟ قالت عليها السالم‪ :‬آت‬ ‫بلؤلؤتين وبجمرتين ثم أجعلهما بين يديه فإن بطش بالجمرتين علمت أن مثله ال يعقل‪،‬‬ ‫وأن أخذ اللؤلؤتين فأفعل ما بدا لك فيه‪ .‬وكأن هللا ألهمها ذلك ألنها كانت امرأة‬

‫‪42‬‬


‫ّ‬ ‫موحدة ولالحة عليها السالم كأن هللا ألهمها هذه القصة‪ ،‬إلهام‪ .‬فعال وهكذا أعى‬ ‫فرعون لعنة هللا عليه بلؤلؤتين وبجمرتين من نار ووضعهن أمام موس ى فبطش موس ى‬ ‫بالجمرتين‪ ،‬أخذهما بيده‪ ،‬فأخذهما فرعون خشية أن تحرقا يده‪ ،‬وقال‪ :‬لدقت‬ ‫ولرفه هللا تبارك وععاى عنه عليه السالم‪ ،‬لرف فرعون عن موس ى عليه السالم‪.‬‬ ‫وهكذا يسر هللا تبا ك وععاى ّ‬ ‫وقدر أن ينشأ هذا النبى الصالح الكريم الجليل ف بيت‬ ‫ر‬ ‫فرعون وبين يديه وتحت رعايته‪ ،‬وليس يبعد أنه ععلم ما يتعلمه أبناء امللوك‪ ،‬وتلقى‬ ‫ً‬ ‫حظه وافرا من ذلكم‪ ،‬ليس يبعد هذا‪ ،‬وإن لم يصح به خبر لكن عى عادة امللوك وأبناء‬ ‫امللوك‪.‬‬

‫ظواهر األخبار‪ ،‬وأيضا ظواهر القرآن العظيم وما تحكى التوراة من قبل يؤكد أن‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫موس ى ملا ألبح شابا واعيا أدرك ألله ونسبه وانه عبرانى ‪ -‬إسرائيى ‪ -‬فأحب أن‬ ‫يتعرف عى قومه املضطهدين املظلومين‪ ،‬عرف ألله تماما وعرف أنه من نسل‬ ‫إبراهيم من نسل إسحاق بن إبراهيم عليهما الصلوات والتسليمات‪ ،‬قال تبارك وععاى‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫(وملا بلغ أشده واستوى أتيناه حكما وعلما وكذلك نجزى املحسنين) نعم قال أكثر‬ ‫ّ‬ ‫املفسرين املراد هنا بالحكم‪ ،‬أيها األخوة‪ ،‬النبوة‪ ،‬لكن هذه النبوة لم يؤتها موس ى حين‬ ‫ً‬ ‫كان ف مصر‪ ،‬وإنما ذكر هللا ذلك تمهيد‪ -‬عفوا ‪ -‬ليقص علينا السبب الذى أولله إى‬ ‫أن ّ‬ ‫يتنبأ‪ ،‬وأن يكون نبيئأ عليه الصالة وأفضل السالم‪ ،‬السبب هو ما كان من لفة‬ ‫َْ َ ّ‬ ‫مد ِين هذا هو السبب فالنبوة بعد‬ ‫قتله القبطى ثم خروجه من مصر إى مًًًدين أو ِ‬ ‫ذلك‪ ،‬وهللا تبارك وععاى أعلم بهذا التفسير هو قول الجمهور املفسرين‪ ،‬والذى ال‬ ‫ً‬ ‫نرتاب فيه أنه كان موحدا عى دين جده وأبيه إبراهيم عليه الصالة وأفضل السالم‬

‫‪43‬‬

‫ولم يكن وثنيا‪ ،‬ولم يكن وثنيا‪ ،‬لكن يبدو أيضا ف نفس الوقت أنه كان يى أعماال‬ ‫لفرعون‪ ،‬كان يى أعماال لفرعون‪ ،‬وقد يتلبث بهذه األعمال ش يء من الظلم‪ ،‬أو ش يء‬


‫من التجاوز‪ ،‬أو ش يء من القسوة عى عادة أمثال هذه األعمال والعمال فيها‪ ،‬لذلك‬ ‫قال فيما بعد كما سيأعى بعيد قليل (قال رب بما أنعمت عى ) فلن أكون بعد أيضا‬ ‫ً‬ ‫(فلن أكون ظهيرا للمجرمين) كفرعون وأمثاله‪ .‬سأخط واختط خطة جديدة ف حياعى‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وف مسلكى‪ ،‬لكنه كان موحدا وعارفا باهلل تبارك وععاى ألنه حين قتل القبطى استغفر‬ ‫هللا وطلب منه املغفرة‪ ،‬هو يعرف هللا تبارك وععاى ‪ ،‬إذا لم يك�� عى عقيدة فرعون‬ ‫ً‬ ‫وعقيدة املأل من آل فرعون الوثنيين الكفرة‪ ،‬إنما كان موحدا عى عقيدة قومه وعى‬ ‫دين ّ‬ ‫جده خليل الرحمن إبراهيم عليه الصالة وأفضل السالم‪ .‬وكان بينه وبين قومه‬ ‫لالت‪ ،‬ولذلك حين ّ‬ ‫شب لاروا ممنوعين من السخرة ومن الظلم‪ ،‬ولاروا أعز ما‬ ‫ً‬ ‫كانوا يوما ال يصل إليهم أحد بظلم ألن موس ى يمنع الظلم عنهم‪.‬‬

‫ومن لطيف تقدير هللا تبارك وععاى أن تأعى املنح من خالل املحن الكبيرة قال (ودخل‬ ‫املدينة عى حين غفلة من أهلها) ويبدو أن هذا الوقت وقت الغفلة يكون وقت الظهيرة‬ ‫الشديدة‪ ،‬ومصر بالد شمس ّ‬ ‫وحر‪ ،‬وقت الظهيرة الشديدة حين يأوى الناس والعمال‪،‬‬

‫موسى كليم هللا‬

‫يقص هللا علينا بعد ذلك هذه القصة التى كانت سببا ف سعادته وهذا من عجيب‬

‫أيها األخوة‪ ،‬ليأخذوا حظا من قيلولة‪ ،‬ف هذا الوقت عى حين غفلة من أهلها ( فوجد‬ ‫فيها رجلين يقتتالن) أحدهما من شيعته إسرائيى عبرانى واآلخر قبطى فرعونى من قوم‬ ‫فرعون يقتتالن (فاستغاثه الذى من شيعته) أى االسرائيى استغاث بموس ى‬ ‫استنصره (عى الذى من عدوه) عى القبطى ( فوكزه موس ى) موس ى لم يكن يريد‬ ‫ّ‬ ‫القتل وال رتب ذلك عى عكس ما تقول التوراة لألسف‪ ،‬التوراة تقول "فنظر موس ى‬ ‫ً‬ ‫هنا وهناك فلما لم يجد أحدا قتله ثم طمره ف الرمل" هكذا ف سفر الخروج‪ .‬وهذا‬ ‫ّ‬ ‫كالم باطل‪ ،‬موس ى لم يكن قاتال‪ ،‬وال مجرما لكى يرتب هكذا أى عملية إجرامية أو‬ ‫ً‬ ‫جريمة بشكل واع وقالد "نظر هاهنا وهاهنا فلما لم يجد أحدا قتله ثم طمره ف‬

‫‪44‬‬


‫الرمل" هذا غير صحيح هذا من بواطيل أو أباطيل التوراة‪ .‬القرآن يقول بدقة‬ ‫(فوكزه) هكذا‪ ،‬لكن موس ى كان إديا شديد البنية وكان قوى جدا موس ى عليه السالم‪،‬‬ ‫وكان يغلب عليه ف بعض األوقات الغضب‪ ،‬كان يغضب ّ‬ ‫بشدة وهذا مذكور ف القران‬ ‫وف التوراة ف مواضع كثيرة يغضب عليه السالم بشدة وبسرعة‪ ،‬فغضب لهذا‬ ‫االسرائيى املظلوم ألن قومه بشكل عام كانوا مظلومين‪ ،‬فغضب وهو يعلم أن هذا‬ ‫الفرعونى يعلم أيضا أن موس ى إسرائيى ومع ذلك لم يكف عن الرجل فهذا الذى‬ ‫أغضب موس ى كما ف التوراة‪ ،‬فوكزه موس ى نص القرآن فقض ى عليه بتقدير هللا‬ ‫تبارك وععاى ربما ضربه ف معدته وهذا مقتل (فقض ى عليه) بضربة واحدة فأدرك أنها‬ ‫كانت سقطة (قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين‪ ،‬قال رب إني ظلمت‬ ‫نفس ي فاغفر ى فغفر) مع أنه لم ّ‬ ‫يتعمد ذلك ولم يقصد إليه عن وع ‪ ،‬كما قلنا كانت‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫سقطة بتقدير هللا تبارك وععاى (فاغفر ى فغفر له إنه هو الغفور الرحيم‪ ،‬قال رب‬ ‫ً‬ ‫بما أنعمت عى فلن أكون ظهيرا للمجرمين)‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫سيغير خطته ف الحياة ولن يى لفرعون وال آلل فرعون أى‬ ‫كما قلنا قبيل قليل‬ ‫عمل مما فيه ظلم ومما فيه عدوان‪ ،‬وهذا فيه إشارة إى انه ال يكفى ملن أراد أن يتوب‬ ‫من ذنب أن يستغفر هللا من هذا الذنب‪ ،‬بل عليه أيضا‪ ،‬هذه إشارة‪ ،‬عليه أيضا أن‬ ‫يستحدث نية عمل لالح جديد (إن الحسنات يذهبن السيئات) يعنى عمال تقول‬

‫‪45‬‬

‫عملت عمل س يء اشرع ف عمل طيب مبارك عس ى أن يعتدل هذا مع هذا ويستويا‬ ‫ً‬ ‫ولذلك قال (فلن أكون ظهيرا للمجرمين)‪ .‬وهنا ولل نبأ أو خبر مقتل هذا الفرعونى‬ ‫القبطى إى فرعون وقالوا نحن ال ّنتهم إال اإلسرائيليين فالبد من االقتصاص والقود‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حتى ال يضروا علينا‪ ،‬حتى ال يضروا علينا‪ ،‬فقال فرعون ‪ -‬ويا ليت حكام أو أكثر حكام‬ ‫العرب واملسلمين اليوم كهذا الفرعون لألسف الشديد – فقال فرعون كما ف حديث‬


‫ابن الزبير عن ابن عباس الذى رواه النسائي‪ ،‬حديث النسائي‪ ،‬حديث الفتون‪ ،‬قال‪ :‬ما‬ ‫كنت ألقتص من رجل بغير سبت وال ّبينة‪ ،‬فهذا ال يجوز‪ ،‬وإن امللك وإن كان لفوا مع‬ ‫قومه أنتم صح قومى لكن ال يجوز أن يأخذ رجال أو أحد بغير سبت وال ّبينة‪ ،‬فأتونى‬ ‫بسبت ّ‬ ‫وبينة وأنا سأقتص لكم‪ .‬هللا أكبر‪ ،‬فيه نوع من العدل عند هذا الفرعون نوع‬ ‫من العدل ونوع من العقل‪ ،‬ال يريد‪ .‬قالوا‪ :‬نعم نبحث‪ ،‬فلم يجدوا‪.‬‬

‫ف اليوم الثانى ألبح موس ى‪ ،‬أى خرج عليه الصباح وهو خائف من أن يفتضح‬ ‫أمره ويكتشف سره وقدر هللا أن يرى نفس االسرائيى أيضا ف حالة خصام وف حالة‬ ‫عراك مع رجل فرعونى آخر قبطى آخر‪ ،‬وإذا بهذا االسرائيى ّ‬ ‫كرة أخرى يستنصر‬ ‫ّ‬ ‫عدوه‪ ،‬فموس ى رفع يده يريد أن يبطش بالفرعونى عى‬ ‫بموس ى ويستصرخه عى‬

‫هذا فحوى كالم موس ى‪ .‬وهنا‪ ،‬أيها األخوة‪ ،‬خاف االسرائيى وظن أن موس ى رفع يده‬ ‫حين قال هو هذا القول يريد أن يبطش به هو فحمله الخوف والهلع عى أن يقول‬

‫موسى كليم هللا‬

‫األرجح‪ ،‬يريد أن يضربه أو يريد أن ينحيه عن أخيه االسرائيى ‪ ،‬لكنه قال لإلسرائيى‬ ‫(أنك لغوى مبين)‪ ،‬كل يوم مشكلة كل يوم خصومة يبدو أنك رجل تحب الخصومة‬

‫( أتريد أن تقتلنى كما قتلت نفسا باألمس) أمام من أمام األقباط جماعة من األقباط‬ ‫يرون هذه املشكلة ويسمعون‪ ،‬فتتاركا‪ ،‬القبطى ترك االسرائيى ومن فوره قصد إى‬ ‫قصر فرعون‪ ،‬قالت ‪ :‬علمت القاتل‪ ،‬من هو‪ ،‬قال ‪ :‬موس ى‪ ،‬واإلسرائيى أعترف عليه‪.‬‬ ‫فأرسل فرعون من فوره الجند والجالدين وقال ‪ :‬ائتونى بموس ى‪ ،‬فالبد من القصاص‬ ‫ّ‬ ‫ال بد أن أتخلص منه‪ ،‬فخرجوا عى هينتهم يمشون الهون‪ ،‬ملاذا يظنون أنه لن يعجزهم‬ ‫هو ف املدينة‪ ،‬واملدينة محاطة ومسورة البد أن نقبض عليه‪ ،‬فخرجوا يمشون عى‬ ‫هينتهم‪.‬‬ ‫‪46‬‬


‫(وجاء رجل من أقص ى املدينة) املعنى إى أنه قد يكون من األشراف وقد يكون من‬ ‫آل فرعون‪ .‬والقرآن يشير إى ذلك ألنه قال (وجاء رجل من أقص ى املدينة يسع قال يا‬ ‫موس ى إن املأل) من هم املأل أنهم بطانة فرعون ‪،‬أيها األخوة‪ ،‬فرعون وبطانته وكيف‬ ‫عرف أنهم يأتمرون به‪ ،‬األرجح انه كان منهم وشهد مجلسهم فقد كان من املأل‪ ،‬واإلشارة‬ ‫األخرى بقوله (من أقص ى املدينة)‪ ،‬ألن العرب تقول األطراف بيوت األشراف‪ ،‬ال‬ ‫يسكن ف األطراف‪ ،‬حتى هنا ف النمسا الح التاسع عشر وف األحياء البعيدة‪ ،‬الفيالت‬ ‫ال يسكن ف األطراف إال األشراف ألنهم بقوة مالهم وبقوة جاههم ُيسع إليهم بالحوائج‪،‬‬ ‫أيها اإلخوة باملآكل واملطاعم واملشارب وعندهم مراكب طبعا وسائق وقادة يقودونهم‬ ‫ويسيرون بهم‪ ،‬فاألطراف بيوت أو مساكن األشراف كما يقال‪ ،‬وهما إشارتان وهللا‬ ‫تبارك وععاى أعلم‪ ،‬إال أنه كان من املأل‪ ،‬لكنه يبدو أنه كان عى للة ّ‬ ‫ودية ببنى إسرائيل‬ ‫أو بموس ى عى األقل‪ ،‬وقد يكون عنده منزع توحيدى‪.‬‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫(قال يا موس ى إن املأل يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج) من املدينة من مصر كلها‬ ‫ّ‬ ‫(إنى لك من الناصحين‪ ،‬فخرج منها خائفا يترقب) من فوره وعى وجهه لم يتزود ولم‬ ‫يأخذ معه ال ماال وقيل انه خرج حفيان عليه السالم بغير نعلين بغير حذاءين‪ ،‬خرج‬ ‫حفيان عى وجهه إى أين قصد‪ ،‬قصد إى مدين وقصد والقران يؤكد انه قصد إى‬ ‫مدين‪ ،‬وأنه هكذا إى أى مكان وإنما قصد إى مدين‪ .‬ما السر مدين هذه؟ عند خليج‬ ‫العقبة عند خليج العقبة من أرض فلسطين‪ ،‬ملاذا خرج إليها؟ الن مدين هو اسم رجل‬ ‫لالح هو مدين بن إبراهيم عليه السالم‪ .‬إبراهيم له أوالد كثر بعد ذلك منهم مدين‪،‬‬ ‫إسحاق بن إبراهيم ومدين ابن إبراهيم وعسميه التوراة مديان بن إبراهيم عليهما‬ ‫‪47‬‬

‫السالم مديان بن إبراهيم‪ ،‬فلعل موس ى أراد أن يذهب إى مدين ملا وقع ف ظنه أنهم‬ ‫يرعون حرمة النسب حرمة النسب‪ ،‬هو من نسل إسحاق ومدين اخو إسحاق‪ ،‬ومدين‬


‫أحسن مكان ّ‬ ‫يتوجه إليه وألاب ف هذا االختيار وألاب ف هذا االختيار‪ ،‬فخرج كما‬ ‫قلنا من فوره وعى وجهه قالدا متوجها إى مدين متوجها إى مدين‪ ،‬ولكن هل يعلم‬ ‫الطريق؟! ال يعلم الطريق من أين يذهب إليها ال يعلم‪ ،‬لكنه قال (عس ى ربى أن يهدينى‬ ‫سواء السبيل) قيل هذه دعوة ما دعا بها ضال الطريق إال هداه هللا تبارك وععاى‬ ‫ومجربه إذا ضللت الطريق قول (عس ى ربى أن يهدينى سواء السبيل) مثل دعاء وجدان‬ ‫الضالة وهو مجرب سبحان هللا من أضل شيئا أى ش يء فليدعو بدعاء وجدان الضالة‬ ‫يجده ف األغلب سبحان هللا حسب نيته وهذا دعاء ملن ضل السبيل قال (عس ى ربى أن‬ ‫يهدينى سواء السبيل)‪.‬‬

‫حفيان حتى سقط خف نعليه عفوا‪ ،‬خف قدميه أى جلد قدميه من تواى املش ى‬ ‫ومتابعته من بغير نعل أو حذاء‪ ،‬وما كان له من طعام إال ورق الشجر والبقل إذا وجد‬ ‫بقل ف البرية اقتات به هو وورق الشجر‪ ،‬حتى إذا بلغ مدين بلغها وهو ف حالة من‬

‫موسى كليم هللا‬

‫وهكذا وال املش ى كما روى ابن جرير عن سعيد بن جبير ثمان ليال عى األقل‪،‬‬ ‫الن ابن جبير يقول بين مدين ومصر ثمان ليال‪ .‬بال أكل وبال طعام وبال شراب‪ ،‬وكان‬

‫اإلعياء والضعف ما ال يعلمه إال هللا تبارك وععاى ‪ ،‬لكنه كان كما قلنا قويا عظيم‬ ‫االحتمال‪ ،‬وبقيت لديه فضلة قوة تظهر فيما يأعى من قصة‪.‬‬

‫(وملا ورد ماء مدين) هناك كان ماء بئر كبيرة مشهورة ملدين (وملا ورد ماء مدين‬ ‫وجده عليها أمة) أى جماعة أو جماعات (من الناس يسقون ووجد من دونهما امرأتان‬ ‫تذودان) امرأتين قد تنحيتا جانبا تذودان غنمهما عن ماذا عن الحياض عن الجيران‬ ‫كما تقول التوراة‪ ،‬الجيران أو حياض املاء ألنهم ينزعون بالدلو وال ينزع إال من كان رجال‬ ‫قويا‪ ،‬املرأة ال عستطيع أن تنزع بالدلو الكبير املعروف بالذانوب‪ ،‬املرأة ال عستطيع أن‬

‫‪48‬‬


‫تنزع بالذانوب فينزع الرجال ثم يأخذون املاء يضعونه ف الحياض أو ف الجيران لكى‬ ‫عشرب املاشية‪ ،‬هكذا كانوا يسقون واى اليوم واى اليوم هكذا‪ ،‬فكانتا تذودان‬ ‫ماشيتهما حتى ال عشرب املاشية من حياض الناس فتحدث لهما ما تحرجهم مع هؤالء‬ ‫الرجال األقوياء القساة‪ ،‬لو لم يكونوا قساة لسمحوا لهاتين أن عسقيا غنمهما أو‬ ‫لسقوا لهما لكنهم لم يلتفتوا إى الضعيفتين‪ ،‬وهذا من لؤمهم وهذه عادة األقوياء‬ ‫ّ‬ ‫الظلمة ف كل مكان‪ ،‬القوى يغلب الضعيف عى حقه القوى يغلب الضعيف عى‬ ‫حقه‪ .‬والعرب ال تحب هذه ّ‬ ‫الصيغة من الضعيف أيضا وتلوم عى الضعيف عى‬ ‫الضعف أيضا‪ ،‬أن يحاول‪ ،‬وأن يتحين ألخذ حقه واستالبه كما قال الشاعر‪:‬‬

‫موسى كليم هللا‬

‫مقبل‬ ‫إذا هللا جزى قوما بسوء فعلهم جاز بنى العجالن رهط ابن ٍ‬ ‫أولئـك قوم لم يكـونوا ّ‬ ‫خردل‬ ‫أعزة وال يظلمـون النـاس حبة‬ ‫ٍ‬ ‫منهل‬ ‫وال يجدون املـاء إال عشيـة إذا لـدر الوراد عـن كل ٍ‬ ‫كان هذا من ضعفهم ومن خيبتهم وإال كان ينبغي عليهم أن يأخذوا بحقهم ولو‬ ‫أوقعهم ذلك ف الظلم ولكنهم يتحامون ظلم الناس ال ّ‬ ‫محبة ف العدل وإنما ألنهم‬ ‫ُ‬ ‫ضعفاء‪ ،‬وأيضا تقول العرب "رهبوت خير من رغبوت" أن ترهب خير من ترهب‪ .‬وإى‬ ‫اليوم سبحان هللا الناس ال يحترمون إال من يخافونه‪ ،‬الدول الحضارات‬ ‫اإلمبراطوريات ال تحترم وال ععطى الحق إال ملن و ال ترع جانبا إال ملن لديه قوة ومنعة‪،‬‬ ‫أما الضعيف فتسقط معه إزاءه كل مفاهيم العدالة والحقوق والكالم الفار هذا‬ ‫لألسف إى اليوم‪ ،‬هذا هو طبع اإلنسان يتوارثون كما قيل جهلة واغتياال والذى‬

‫‪49‬‬

‫يبطش بأخر الناس‪ ،‬أيها اإلخوة‪ ،‬عشية بعد أن يصدر الرعاع ماذا يستطيع يسقى‬ ‫ً‬ ‫ً ً‬ ‫ماء كدرا عكرا مختلط بطين وبتراب البئر؟ كما قال‬ ‫املاء والطين ألنه ال يبقى من املاء إال‬


‫عمرو بن كلثوم املشهور لاحب املعلقة الشهيرة‪ :‬ونشرب إن وردنا املاء لفوا (ألننا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫نشرب ف مقدمة الناس) ويشرب غيرنا كدرا وطينا (ف أخر اليوم)‪.‬‬

‫هذا ظلم شديد لم يرق ملوس ى ولم يعجبه هذا الحال ملاذا أالنهما فتاتان‬ ‫ضعيفتان‪ ،‬كما قلنا كان ف حالة من اإلعياء والضعف الشديدين إال انه مع ذلك قام‬ ‫وسقى لهما‪ .‬قال عمر بن الخطاب كما رواه ابن أبى شيبة بإسناد صحيح عنه قال ‪:‬‬ ‫كانوا يسقون حتى إذا فرغوا وضعوا صخرة عظيمة ال يطيقها إال عشرة رجال‪ ،‬ال‬ ‫يحركها إال عشرة يضعها عشرة أو أكثر وال يحركها ف اليوم التاى إال عشرة من‬ ‫الرجال‪ ،‬يضعوها عى فم البئر فال يسقى احد‪ .‬إذا كيف كانت هاتان الفتاتان عسقيان‬ ‫من فضول حياضهما الذى يبقى ف الحياض حياض ماشيتهم أو ف الجيران عسقيان‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫غنمهما من فضول حياضهم‪ .‬قال عمر رضوان هللا ععاى عليه فجاء موس ى فنح‬ ‫الصخرة وحده مع أنه ضعيف ويحتاج إى الطعام والشراب‪ ،‬وحده ّ‬ ‫ّ‬ ‫الصخرة‪ ،‬قال‬ ‫نح‬ ‫عمر وما نزع لهما إال ذانوبا‪ ،‬دلو عظيمة واحدة‪ ،‬كانت كافية لكل الغنم‪ .‬إذا نزع شديد‬ ‫نزع شديد مألها ذنوب ملئا وما نزع لهما إال ذانوبا واحدة عليه السالم هكذا‪.‬‬

‫(وملا سقى لهما توى إى الظل) ظل ماذا؟ ظل شجرة ثمرة كبيرة وارفة كثيرة‬ ‫الظالل (قال ربى إنى ملا أنزلت إى من خير فقير) هذه دعوة أيضا يعنى يا رب ارزقني‪،‬‬ ‫ماذا طلب قال ابن عباس ما طلب إال الطعام‪ ،‬جائع جوعا شديدا جدا‪ .‬قال عطاء بن‬ ‫السائب أسمع املرأة التى سقى لها وألختها‪ ،‬أسمعهما ذلك اننى أنا جائع فان كان‬ ‫عندكما ش يء فال بأس أن تصالنى به‪ ،‬هذا املعنى ما قاله عطاء بن الساءب‪ ,‬وأنا‬ ‫استبعد هذا موس ى معرفته باهلل وثقته باهلل أكبر إن شاء هللا من ذلك هو لم يسأل إال‬ ‫هللا تبارك وععاى ‪.‬‬

‫‪50‬‬


‫(قال ربى إنى ملا أنزلت إى من خير فقير) ابن مسعود رض ى هللا عنه وأرضاه يقول‬ ‫حثثت ليليتين عى جمل ى ‪ ،‬أى حثثته عى السير أو حثثت السير‪ ،‬حثثت ليليتين عى‬ ‫جمل ى حتى لبحت مدين فسألت عن الشجرة التى آوى إليها موس ى‪ .‬هللا اكبر‪ .‬ال‬ ‫يكتفون بالعلم النظرى سبحان هللا ال يكتفون بالعلم النظرى يريدون أن يعرفوا‬ ‫األشياء ف مواقعها‪ ،‬ألن التاريخ‪ ..‬ما هو التاريخ؟ التاريخ أمكنة وأحداث تجرى ف زمان‬ ‫وأشخاص‪ .‬أما الزمان فانتهى‪ ،‬أما األشخاص فقد هلكوا وبادوا‪ ،‬ماذا بقى من املكان؟‬ ‫هو اآلثار هذه بقايا التاريخ هذه بقايا التاريخ‪ ،‬فمن أراد التاريخ وأراد درس التاريخ‪ ،‬وأن‬ ‫يدرى خبر التاريخ فعليه أن يأعى البقاع واألماكن هذا هو درس التاريخ‪ .‬املستشرقون‬ ‫والغربيون يفعلون هذا حين لم يفعله العرب ف عصور انحطاطهم ش يء غريب‪.‬‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫قرأت ّ‬ ‫مرة أن مستشرق قض ى سنوات ف ارض الجزيرة العربية ثم كتب بعد ذلك‬ ‫ّ‬ ‫مصورة عظيمة جدا عن املعلقات السبع أو السبعة مع أماكنها تفصيال‪،‬‬ ‫دراسة‬ ‫بالتفصيل كل مكان كل شبر بعد أن قض ى سنوات ف أرض الجزيرة‪ .‬الصحابة كانوا‬ ‫هكذا ابن مسعود ّ‬ ‫أحب أن يرى املكان ويرى الشجرة وليليتين يسافر سفرا متوالال‬ ‫حتى أعى هذه الشجرة‪ ،‬قال‪ :‬فسألت عليها‪ُ ،‬‬ ‫فدللت عليها‪ ،‬فإذا ه شجرة هيفاء وارفة‬ ‫الظالل‪ .‬فعالجها جمى ساعة وكان جائعا‪ ،‬أخذ أكل منها‪ ،‬ثم دعوت ملوس ى عليه‬ ‫السالم وانطلقت‪ ،‬رض ى هللا عنه وأرضاه‪ ،‬حب للمعرفة املعرفة عى األرض معرفة‬ ‫تجريبية معرفة مشاهدة أيضا ليس معرفة نظرية‪ ،‬وه أرسخ وأثبت بال شك وه أرسخ‬ ‫وأثبت‪.‬‬

‫‪51‬‬


‫أوى إى هذه الشجرة ودعا رّبه هذه الدعوة وكان هللا إليه بالخير أسرع وكان هللا‬ ‫إليه بالخير أسرع‪ ،‬فما أسرع ما نبأه هللا تبارك وععاى ‪ .‬ملاذا الن الفتاتين‪ -‬التوراة تذكر‬ ‫أنهما أو ّ‬ ‫أنهن عفوا كن سبع فتيات‪ ،‬بنات كاهن مديان بنات كاهن مديان املسمى ف‬

‫التوراة يفرون‪ .‬كن سبعا‪ -‬وكما قلنا الحق ما ّ‬ ‫قصه القرآن كن اثنتين فقط‪ -‬ملا عادتا‬ ‫إى أبيهما وقد بكرتا بالعود عى غير شأنهما كل يوم‪ ،‬استرب أبوهما وسألهما ملاذا‬ ‫فقصتا عليه ّ‬ ‫ّ‬ ‫قصة هذا املصرى الغريب الذى أسدى إليهما هذه‬ ‫عدتما باكر اليوم؟‬

‫اليد البيضاء فقال‪ :‬البد أن يأعى حتى نجزيه أجر ما قدم لكما من معروف‪ .‬فبعث‬ ‫أحداهما فجاءته تمش ى عى استحياء‪ .‬يقول عمر بن الخطاب رض ى هللا عنه قائلة‬ ‫بثوبها هكذا ليست بسلفع خراجة والجة‪ُ .‬يعرف ببعض الفواتق ربما ايه من املسلمات‬ ‫ف وقته‪ .‬قال (تمش ى عى استحياء) وليس عى حياء مبالغة عى استحياء‪ ،‬السين هنا‬ ‫الحياء وتحرص عليها‪ .‬قائلة بثوبها هكذا ليست بسلفع خراجة والجة‪ .‬والسلفع كما قال‬ ‫الجوهرى من الرجال الجسور‪ ،‬ومن النساء الجريئة املرأة الجريئة تقول أنا قوية‬

‫موسى كليم هللا‬

‫للزيادة للمبالغة‪ ،‬ايها االخوة‪ ،‬وليس للطلب او لطلب الزيادة أيضا بفعلها تطلب زيادة‬

‫الشخصية ال عستح ‪ -‬ما فيش حياء يعنى ليس جيدا ال ف الرجال وال ف النساء قلة‬ ‫الحياء هذا والبزوء الشديد ‪ -‬ال الحياء ال يكون ف ش يء إال كان خيرا الحياء خير كله كما‬ ‫ف البخارى‪ .‬خراجة والجة تخرج عى الحامى والبارد كما يقال الزمي بيتك الزمي بيتك‬ ‫ليست بسلفع خراجة والجة تمش ى عى استحياء‪.‬‬

‫(قالت إن أبى يدعوك) انظروا إى العبارة! لم تقل له هلم‪ ،‬فلو قالت هلم‬ ‫الستراب ف شأنها ماذا تريد‪ ،‬لكنها لم تقل له هلم أو ععاى مع ‪ ،‬ماذا قالت ‪-‬وهذا من‬ ‫حسن توسلها وتفضلها‪ -‬قالت إن أبى‪ ،‬أنا ّ‬ ‫مجرد رسول‪ ،‬أبى هو الذى يريدك‪ ،‬أدب‬ ‫هكذا هو أدب النبوة وأدب بيت النبوة أيضا (إن أبى يدعوك ليجزيك اجر ما سقيت‬

‫‪52‬‬


‫ً‬ ‫لنا) فعال ذهب معها موس ى‪ ،‬أقنعوه ال نعرف كيف ذهب وماذا كان بينهما؟‪ .‬ذهب معها‬ ‫موس ى حتى لار بين يدى الشيخ الجليل الذى سنفصل ف شخصيته وهويته ف‬ ‫الحلقة املقبلة إن شاء هللا تبارك وععاى ونذكر ما ف ذلك من خالف‪ ،‬وملا لار بين يدى‬ ‫الشيخ الجليل أكرمه كرامة الضيف‪ ،‬وبعد أن أكرمه كرامة الضيف سأله عن نبأه‬ ‫ّ‬ ‫فقص عليه القصص‪.‬‬ ‫وعن خطبه‬ ‫الراجح أنه ما سأله وما ّ‬ ‫قص عليه إال بعد أن أجازه ضيافته أو كرامته كرامة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يقص‬ ‫فقص عليه القصص‪ ،‬وهنا الذى فهمته أن موس ى عليه السالم لم‬ ‫الضيف‪،‬‬

‫عليه فقط نبأ قتله للقبطى وإنما ّ‬ ‫قص عليه هذا النبأ عى خلفية ما كان من فرعون‬ ‫وآله نحو بنى إسرائيل وتذبيح فرعون لولدان أو ذكران بنى إسرائيل‪ .‬قص عليه القصة‬

‫موسى كليم هللا‬

‫بخلفياتها التاريخية ملاذا‪ ،‬كيف فهمنا هذا؟ لقوله تبارك وععاى (فلما قص عليه‬ ‫القصص) قال أى الرجل الصالح هذا (ال تخف نجوت من القوم الظاملين) ملاذا‬ ‫ولفهم بالظلم؟ ال يمكن أن يكون ولفهم بالظلم عى خلفية قتل القبط‪ ،‬ملاذا؟ ألنه‬ ‫ليس ف القصاص ما يوجب ولف القوم بالظلم‪ ،‬ألن موس ى هو الذى قتل الرجل بغير‬ ‫ّ‬ ‫بغض النظر قتله بغير حق فطلبهم القصاص من موس ى هو عين العدل هو عين‬ ‫حق‬ ‫العدل‪ ،‬فلماذا يصفهم الرجل الصالح بالظاملين؟ ولفهم بالظلم وهللا أعلم ألن موس ى‬ ‫ّ‬ ‫قص عليه الخلفية التاريخية لهذا الشعب‪ ،‬وأنهم ذبحوا الذكران وأنه كان أحد‬ ‫املطلوبين للذبح‪ ،‬وما كان من شأنه حين ألقته أمه‪ ...‬القصة كلها كما ذكرناها‪ ،‬ويبدو‬ ‫أن موس ى ّ‬ ‫قص عى الرجل الصالح‪ .‬وأن ما قاله البعض احتماال ولفهم بالظلم‬ ‫لكفرهم فجيد إال انه ال يناسب املقام‪ ،‬القضية مش قضية عقائد ودين قضية الظلم‬ ‫تتناسب مع سياق موس ى وقصة موس ى عليه السالم وأنه مطلوب وأنه مطلوب‬

‫‪53‬‬

‫للقصاص‪.‬‬


‫(قال ال تخف نجوت من القوم الظاملين) وف اآلية أيضا إشارة إى مسألة تاريخية‬ ‫أخرى مهمة مصر‪ ،‬ف غير أحقاب تاريخية أيام حكم األسر أو األسرات الفرعونية كان‬ ‫لها سلطان وسطوة عى فلسطين وما جاورها من بالد الشام أيضا‪ ،‬يبدو ف تلكم‬ ‫الحقبة بالذات لم يكن للمصريين يد وال نفوذ أمر عى فلسطين ومن فيها‪ ،‬لقوله‬ ‫نجوت من القوم الظاملين ال حكم لهم هنا وال نفوذ ألمرهم ف هذه البالد‪ .‬هذه إشارة‬ ‫تاريخية وال بد أن التأريخ سوف يثبتها بأبحاث تاريخية ( قال ال تخف نجوت من القوم‬ ‫الظاملين)‪.‬‬

‫قالت إحداهما‪ ،‬واألرجح أنها ه التى جاءته كرسول من أبيها‪ ،‬التى أرسلها أبوها‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫لتأعى به ( قالت إحداهما يا أبتى أستأجره) أى لرع ماشيتنا سيتحمل عنا هذا التعب‬ ‫وهذا النصب (أستأجره إن خير من استأجرته القوى األمين) ذكرت من قوته وأمانته‪,‬‬ ‫ً‬ ‫فهنا حركته ودفعته الغيرة إى إن يستنكر قائال لها‪ :‬وما أدراك ما قوته وأمانته‪ .‬الغيرة‬ ‫ّ‬ ‫بالقوة واألمانة بالقوة واألمانة وما أدراك ما‬ ‫أخذته آخذة الرجل الحر كيف تصفينه‬ ‫قوته وأمانته؟ قال عمر بن الخطاب وابن عباس ومحمد بن إسحاق وغيرهم رضوان‬ ‫أبت انك ملا عفوا أرسلتنا لنسقى وسقى لنا ملا أجد رجال اشد ف‬ ‫هللا عليهم قالت‪ :‬يا ِ‬ ‫السقي منه كان قويا جدا‪ ،‬وكما ذكرنا لكم‪ ،‬وأما األمانة فاننى ملا جئته رسوال من‬ ‫عندك فلما نظر إى ّ وشخصت له وعرف اننى امرأة لوب رأسه إى األرض فلم يرفع‬ ‫ولم ينظر إى ‪ ،‬ثم ملا أردنا أن نأعي قال ى تكونين ورائي وأكون قدامك ثم تنعتين ى‬ ‫الطريق كيف؟ قال إذا ضللت أو أضللت الطريق فاحذف ى بحصاة فاهتدى كيف‬ ‫ّ‬ ‫بالنبوة جدير وقدير‬ ‫يكون الطريق‪ .‬هللا اكبر! لم يكن نبيا بعد‪ ،‬مثل هذا جدير وقدير‬ ‫بالرسالة‪ ،‬ال يريد أن تمش ى امرأة أمامه لكى ينظر ف جرمها وف جسمها وف مشيتها ه‬

‫‪54‬‬


‫تمش ى خلفه‪ .‬وقد يقول قائل سوف ستنظر إليه هذا غير صحيح وهذا غير فاهم وغير‬ ‫فاقه لحقيقة األمر التكويني‪ .‬املرأة‪ ،‬ال يغريها إال قليال جدا مرآى الرجل ومنظره‪ ،‬أما‬ ‫الرجل نعم يغريه مرآى املرأة ومنظرها‪ ،‬ومن املعروف أن الرجل يتأثر بالصورة‪ .‬لذلك‬ ‫يقول علماء النفس الرجل يحب بعينيه‪ ،‬لذلك قد يوافق عى الزواج واالرتباط بامرأة‬ ‫ليست عى تلكم الدرجة من الخلق وااللتزام فقط ألنها جميلة مليحة القد والتقاسيم‬ ‫والتقاطيع‪ .‬أما املرأة فال‪ ،‬وه أكثر عقالنية ف هذا الباب من الرجل‪ ،‬قد توافق عى‬ ‫رجل يكبرها سنا وهيئته ليست بتلك ألخالقه ومكانته االجتماعية وحسن سمعته ف‬ ‫الناس وألنها ععلم أنه سيكون نعم الزوج واألب ألوالده‪ .‬املرأة عقالنية ف هذا الباب‪،‬‬ ‫ولذلك يقال ه ال تحب بعينيها ه تحب بأذنيها ما عسمعه من حقائق األشياء أو ما‬ ‫يسمى حقائق‪ .‬املرأة إذا نظرت ليس هناك مشكلة‪ ،‬لكن الرجل يجب أال ينظر‪ .‬حتى ف‬ ‫الصالة عند املسلمين الصفوف األوى للرجال والصفوف األخيرة للنساء وليس‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫العكس‪ .‬فقالت هكذا فعلمت أمانته وقوته فصدقها أبوها بما قالت وظن بموس ى‬ ‫الذى قالت فعال ظن أنه قوى أمين وقد ثبت ذلكم لديه‪ .‬نسأل هللا تبارك وععاى أن‬ ‫يفقهنا ف الكتاب وأن ينفعنا بالقرآن ويرفعنا به أنه وى ذلك والقادر عليه‪ .‬أقول قوىي‬ ‫هذا واستغفر هللا ى ولكم‪.‬‬

‫الخطبة الثانية‬ ‫الحمد هلل رب العاملين‪ ،‬الحمد هلل الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن‬ ‫السيئات ويعلم ما تفعلون ويستجيب الذين أمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من‬

‫‪55‬‬

‫فضله‪ ،‬والكافرون لهم عذاب شديد‪ ،‬وأشهد أن ال إله إال هللا وحده ال شريك له‪،‬‬ ‫وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله لى هللا تبارك وععاى عليه وعى آله الطيبين‬


‫ً‬ ‫الطاهرين وصحابته املباركين امليامين وأتباعهم بإحسان إى يوم الدين وسلم عسليما‬ ‫ً‬ ‫كثيرا‪.‬‬

‫أما بعد أيها اإلخوة ف هللا‪ ،‬أيتها األخوات ف هللا ععلمون أننا ف هذه األيام بفضل‬ ‫هللا تبارك وععاى ف فضل من هللا عز وجل ومنة عظيمة‪ ،‬أنها فرلة طيبة ملغانمة هذه‬ ‫األوقات ف هذه األيام وهذه اللياى ف طاعة هللا‪ ،‬ف ذكره‪ ،‬ف عسبيحه‪ ،‬ف تمجيده‪ ،‬ف‬ ‫تهليله‪ ،‬ف الصالة‪ ،‬ف القيام‪ ،‬ف القرآن ف الصدقات‪ .‬إنها العشر من ذى الحجة التى‬ ‫أقسم هللا تبارك وععاى بها ف كتابه العزيز حين قال (والفجر وليال عشر) إنها العشر‬ ‫التى قال فيها موالنا رسول هللا للوات ربى وعسليماته عليه "ما من أيام العمل الصالح‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫فيها أحب إى هللا تبارك وععاى من أيام العشر" العمل الصالح كما قلنا بكل لنوفه‬ ‫وألوانه وخالة ما يكون من الصيام والقيام وذكر هللا تبارك وععاى والصدقة‪ .‬قالوا يا‬ ‫رسول هللا وال الجهاد ف سبيل هللا‪ ،‬ألنه ّ‬ ‫عمم‪ ،‬قال وال الجهاد ف سبيل هللا إال رجل‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫خرج بنفسه وماله ف سبيل هللا أى مجاهدا ثم لم يرجع من ذلك بش يء‪ ،‬استشهد‬ ‫وهلك ماله ف ذات هللا هذا نعم يكون أفضل من الذى يعمل الصالحات ف هذه‬ ‫العشر‪ ،‬أما ما دون ذلك أو من دون ذلك فال‪ .‬ش يء عجيب جدا!‬

‫أيها اإلخوة وال ننس ى أيضا اليوم التاسع الذى هو يوم الوقفة بعرفات بسهل‬ ‫عرفات يوم مشهود من أيام هللا تبارك وععاى ‪ .‬قال النبى عليه الصالة وأفضل السالم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ف فضل ليامه "احتسب عى هللا تبارك وععاى أن يكفر‪ -‬أى ليامه– أن يكفر ذنوب‬ ‫سنة ماضية وذنوب سنة قابلة أو آتية" وهذا حديث صحيح‪ ،‬وهذا حديث صحيح‪.‬‬ ‫ليام يوم واحد يكفر بإذن هللا الذنوب الصغائر لسنتين‪ ،‬السنة التى فرطت‪ ،‬والسنة‬ ‫التى تجيء‪ ،‬أما الكبائر فال بد لها من توبة‪ ،‬أما الكبائر فال بد لها من توبة‪ ،‬وال يكفى‬

‫‪56‬‬


‫هذا الصيام وحده‪ ،‬البد من التوبة‪ ،‬فلو فرضنا أن شاء هللا ليام هذا اليوم مع نية‬ ‫التوبة من جميع الذنوب الكبائر والفواحش بأذن هللا حصل لنا الحسنيان ‪ :‬مغفرة‬ ‫الذنوب الكبيرة والصغيرة للسنة الفارطة‪ ،‬ومغفرة الذنوب الصغيرة للسنة التى تجيء‬ ‫أما ما يحدث ويستحدث فيها من كبائر فال بد أيضا من نية جديدة‪ ،‬وهللا تبارك وععاى‬ ‫اعلم‪ .‬فاحرلوا ايها االخوة وتوالوا انتم وأهلوكم أجمعين عى أن تصوموا هذا اليوم‬ ‫يوم التاسع‪ ،‬ولو لمتم أيام العشر كلها يكون أحسن أو ما بقى منها يكون أحسن‬ ‫وأفضل بإذن هللا تبارك وععاى ‪ ،‬واستزيدوا فيها من طاعة هللا واستجزال واستطال‬ ‫مثوباته ورحماته أنه وى ذلك والقادر عليه‪.‬‬

‫موسى كليم هللا‬

‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اللهم إنا نسألك أن تهدينا وتهدى بنا‪ ،‬وأن تصلحنا وتصلح بنا‪ ،‬اللهم أنت أللحت‬ ‫لك ال ّ‬ ‫صالحين فأللحنا لك يا رب العاملين حتى نكون لالحين‪ ،‬اللهم إنا نسألك‬ ‫الهدى والتقى والعفاف والغنى‪ ،‬اجعلنا نخشاك حتى كأنا نراك‪ ،‬وأسعدنا بتقواك وال‬ ‫عشقنا بمعصيتك وأقم لنا ف قضاءك وبارك لنا ف قدرتك حتى ال نحب ععجيل ما‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أخرت وال تأخير ما عجلت‪ ،‬اللهم واجعل غنانا ف أنفسنا ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا‬ ‫وقواتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا واجعل ثأرنا عى من ظلمنا وأقر بذلك عيوننا‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫اللهم إنا نسألك ونبتهل إليك أن تنصر إخواننا املسلمين املجاهدين املظلومين‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫املستضعفين ف كل مكان‪ ،‬اللهم انصرهم نصرا عزيزا مظفرا مؤيدا يا رب العاملين‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫اللهم وأعز بنصرهم اإلسالم واملسلمين وأذل بنصرهم الكفر والكافرين‪ ،‬اللهم عليك‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫بددا‪ ،‬اللهم اجعل تدبيرهم تدميرهم ّ‬ ‫وأدر‬ ‫بأعدائنا أعداء الدين‪ ،‬أحصهم عددا وأقتلهم‬ ‫عليهم دائرة السوء فأنهم ال يعجزونك‪ ،‬واكفنا شرهم بما شئت كيف شئت إلهنا‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫تجمعنا هذا ّ‬ ‫اللهم اجعل ّ‬ ‫وتفرقنا من بعده ّ‬ ‫مرحوما ّ‬ ‫تفرقا‬ ‫تجمعا‬ ‫وموالنا رب العاملين‪.‬‬

‫‪57‬‬


‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫معصوما‪ ،‬وال تدع فينا شقيا وال بائسا ويائسا وال مطرودا وال محروما برحمتك يا‬ ‫أرحم الراحمين يا أكرم األكرمين يا أجود األجودين إلهنا وموالنا رب العاملين‪.‬‬

‫عباد هللا! إن هللا يأمر بالعدل واإلحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء‬ ‫ّ‬ ‫واملنكر والبغ يعظكم لعلكم تذكرون‪ ،‬اذكروا هللا العظيم يذكركم‪ ،‬واشكروه عى‬ ‫نعمه يزدكم‪ ،‬واسألوه من أفضاله يعطكم‪ ،‬وقوموا إى لالتكم يرحمكم هللا‪.‬‬ ‫*****************************‬

‫موسى كليم هللا‬

‫‪58‬‬


‫مع الكليم موسى –ح‪ -4‬زواج موسى‬ ‫إن الحمد هلل نحمد ُه و نستعينه ونستغفره ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا‬ ‫وسيئات أعمالنا‪ ،‬من يهده هللا فال مضل له ومن يضلل فال هادى له وأشهد أن ال اله‬ ‫إال هللا وحده ال شريك له‪ ،‬وأن سيدنا ونبيا وحبيبنا محمد عبد هللا ورسوله ولفوته‬ ‫من خلقه وأمينه عى وحيه ونجيبه من عباده لى هللا عليه وعى آله الطيبين‬ ‫وصحابته املباركين امليامين وأتباعهم بإحسان إى يوم الدين وسلم عسليما كثيرا عباد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫هللا أوليكم ونفس ي الخاطئة بتقوى هللا العظيم ولزوم طاعته كما أحذركم واحذر‬ ‫َ ْ َ َ َ ً َ َْ‬ ‫ل ِالحا ف ِلنف ِس ِه َو َم ْن‬ ‫نفس ى من عصيانه مخالفة أمره لقوله سبحانه وععاى "من ع ِمل‬ ‫َأ َس َاء َف َع َل ْي َها َو َما َرُّب ُك ب َظ َّالم ّل ْل َ‬ ‫يد"‬ ‫ب‬ ‫ع‬ ‫ِ ٍ ِ ِ ِ‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫‪59‬‬

‫ثم أما بعد‪ ..‬يقول املوى سبحانه وععاى في كتابه العزيز بعد أن أعوذ باهلل من‬ ‫الشيطان‪ ،‬الرجيم بسم هللا الرحمن الرحيم‬ ‫َ َّ‬ ‫ال َع َس ى َرّبي أن َي ْهد َيني َس َواء َّ‬ ‫" َو َملَّا َت َو َّج َه ِت ْل َقاء َم ْد َي َن َق َ‬ ‫الس ِب ِيل َوملا َو َر َد َماء َم ْد َي َن‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ُ ُ ْ َ َ ْ َ ُ َ َ َ َ َ ْ ُ َُ‬ ‫َ َ َ َ َ ْ ُ َّ ً ّ َ َّ َ ْ ُ َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫و‬ ‫اس يسقو و جد ِمن د ِون ِهم امرأتي ِن تذود ِان قال ما خطبكما‬ ‫وجد علي ِه أمة ِمن الن ِ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ َ ٌ َ َ َ َ ُ َ َّ‬ ‫َق َال َتا ال َن ْسقي َح َّتى ُي ْ‬ ‫الظ ّل َف َق َ‬ ‫ص ِد َر ّ‬ ‫ال‬ ‫الر َعاء َوأ ُبونا ش ْيخ ك ِب ٌير ف َسقى ل ُه َما ث َّم ت َوى إى‬ ‫ِِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ََ ْ ْ َ َ َ ْ َ‬ ‫ّ َ َ ْ َ َ‬ ‫َ‬ ‫َ َ َ ْ‬ ‫َر ِ ّب ِإ ِني ِملا أ َنزلت ِإى َّي ِم ْن خ ْي ٍر ف ِق ٌير ف َجاءت ُه ِإ ْح َد ُاه َما ت ْم ِش ي عى اس ِتحياء قالت أن أ ِبي‬ ‫َ ْ ُ َ َ ْ َ َ َ ْ َ َ َ َ ْ َ َ َ َ َ َّ َ ُ َ َ َّ َ َ ْ ْ َ َ َ َ َ َ َ ْ‬ ‫ال ال تخف‬ ‫يدعوك ِليج ِزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص علي ِه القصص ق‬ ‫َ‬ ‫ََْ َ ْ ْ‬ ‫ْ َْ‬ ‫ْ‬ ‫َّ َ َ َ ْ‬ ‫َ َ ْ َ َ َْ ْ‬ ‫اس َتأ َج ْر َت ال َق ِو ُّي‬ ‫استأ ِج ْر ُه أن خير م ِن‬ ‫املين قالت ِإ ْح َد ُاه َما َيا أ َب ِت‬ ‫نجوت ِمن القو ِم الظ ِ ِ‬ ‫َْ‬ ‫ُ‬ ‫َ ُ َ َ ّ ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ََ َ‬ ‫َ ْ‬ ‫ال ِإ ِني أ ِر ُيد أن أ ِنك َح َك ِإ ْح َدى ْابنت َّي َهات ْي ِن َعى أن تأ ُج َرِني ث َما ِن َي ِح َج ٍج ف ِإن‬ ‫األ ِمين ق‬ ‫َ‬ ‫َأ ْت َم ْم َت َع ْش ًرا َفم ْن عند َك َو َما ُأ ُيد أن َأ ُش َّق َع َل ْي َك َس َتج ُدني أن َشاء َّ ُ‬ ‫اّلل م َن َّ‬ ‫الص ِال ِحين‬ ‫ِر‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ َ َ‬ ‫َ‬ ‫َ ُ‬ ‫َُْ َ‬ ‫ان َعى َّي َو َّ ُ‬ ‫اّلل َعى َما َن ُقو ُل َو ِك ٌ‬ ‫يل"‬ ‫ض ْيت فال عدو‬ ‫ال ذ ِل َك َب ْي ِني َو َب ْين َك أ َّي َما األ َجل ْي ِن ق‬ ‫ق‬


‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لدق هللا العظيم وبلغ رسوله الكريم ونحن عى ذلكم من الشاهدين اللهم‬ ‫اجعلنا من شهداء الحق القائمين بالقسط آمين اللهم آمين!‬ ‫وقفنا ف الخطبة السابقة مع موس ى عليه ّ‬ ‫الصالة وأفضل السالم ف حضرة الرجل‬ ‫الصالح الذى كان بال شك من أعيان مدين ومن كبرائها وأشياخها لكن تحقيق هويته‬ ‫عى سبيل الجزم واليقين أمر ليس باليقين فقد اضطربت أقوال السادة املفسرين ف‬ ‫هذه املسألة اضطراب شديد‪ ،‬منهم من قال إنه كان رجال لالحا مؤمنا يدع يسرون‬ ‫وهذا االسم وارد ف التوراة‪ ،‬وبعضهم يقول أن يسرون هذا ابن أخ شعيب عليه‬ ‫ً‬ ‫الصالة وأفضل السالم‪ ،‬ومنهم من قال إنه كان رجال لالحا مؤمنا من مدين ال عالقة‬ ‫نسيبة بينه وبين شعيب ويدع يسرى‪ ،‬ومنهم من قال إنه كان نبى هللا شعيب علية‬ ‫ويدع سعد بن سلمه الغزى أعى النبى ‪ ‬فرحب به ‪ ‬قائال مرحبا بالرجل من قوم‬

‫موسى كليم هللا‬

‫الصالة وأفضل السالم ويستشهدون بما قاله اإلمام الطبرانى ف معجمه أن أحدهم‬ ‫شعيب وأختان موس ى‪ .‬وليس مع هذا أن يصح معه الجزم أن الرجل كان شعيبا الن‬ ‫مدين قوم شعيب بال شك لكن هل كان الرجل نفسه شعبيا ليس ف الحديث ما يدل‬ ‫عى ذلك‪.‬‬

‫إنه كان شعيب عليه الصالة وأفضل السالم قول مشهور‪ ،‬وبه قال كثير من‬ ‫ّ‬ ‫املفسرين وقال به الحسن البصرى وغير واحد من السادة التابعين لكن ال دليل قاطع‬ ‫الفسار من ّ‬ ‫عى صحة هذا القول وإن كان األشهر‪ ،‬بل أن بعض ّ‬ ‫املفسرين وكان بينهم‬ ‫ابن كثير رحمة هللا ععاى يفهم من كالمه أنه استبعد هذا القول ولعله توقف ف‬ ‫ّ‬ ‫املفسر الجليل بن جرير من قبل بعد أن ععرض إى زهاء خمسة‬ ‫املسألة شأنه شأن‬ ‫أقوال فيها‪ ،‬ثم قال أن هذه املسألة يجب فيها من خبر تلزم حجته وإذ ال خبر تقوم به‬

‫‪60‬‬


‫الحجة فأعدل ش يء الصواب ما قاله هللا تبارك وععاى إنه شيخ كبير وإنه كان من‬ ‫ّ‬ ‫الصالحين كما قال مذكيا نفسه بصيغه االستثناء ستجدني أن شاء هللا من‬

‫الصالحين‪ ،‬قال هذه من باب التواضع ويبدوا أنه بال شك كان من ّ‬ ‫الصالحين و��نما‬ ‫الذين يستبعدون أنه شعيب ومنهم ابن كثير يقولوا إ شعيب كان يحكى القرآن عن‬

‫قوله وما قوم لوط منكم ببعيد ولوط هو ابن أخ إبراهيم‪ ،‬وبين إبراهيم وموس ى ما ال‬ ‫ً‬ ‫يقل عن أربعمائة سنة‪ ،‬هكذا قال الحافظ ابن كثير كما قاله غير واحد‪ .‬إذا فالعهد‬ ‫بعيد جدا ولذلك قال البعض أن شعبيا كان ممن ُعمروا أى أعطاه هللا عمرا طويال‪،‬‬ ‫غير بعيد أن يكون مراد شعيب عليه الصالة وأفضل السالم وما قوم لوط منكم ببعيد‬ ‫أى مضاربهم ومنازلهم ومكانهم وليس العهد ألنهم كانوا يعيشون ف نفس الجهة من بالد‬ ‫فلسطين‪.‬‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫إذن موس ى اآلن ف ضيافة الرجل الصالح هذا الرجل الصالح ابنته تقول له عى‬ ‫َ َ ْ ْ َ ُ َ َ َ‬ ‫َ‬ ‫حسب القرآن العظيم قالت إحداهما يا أبتي استأجره " قالت ِإحداهما يا أب ِت‬ ‫ْ َْ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ى‬ ‫استأ ِجره " أى لرع غنمنا إنه خير من استأجرت القو األمين‪ ،‬وقو هذا ف غاية‬ ‫الذكاء والحشمة وفرق كبير بينه وبين لو قالت يا أبت استأجره أنه قوى أمين ألنه مدح‬ ‫والحكم‪،‬‬ ‫شخص ي يعبر عن إعجاب بشخصه‪ ،‬وإنما ما قالت يقال كأنه يساق باملثل ِ‬ ‫وكأنها تقول خير من يستأجر ف العالم من اجتمعت فيه خصلتان الكفاية واألمانة‪.‬‬ ‫معنى قوى هنا‪ ،‬ليس قوى ف بدنه وإنما قوى ف عمله نعم هذا العمل يقتض ى قوة‬ ‫البدن ولكن القوه هنا بمعنى قوة الكفاية والقدرة عى ما املرء بقدره – فعال أى عمل‬ ‫بداية من إدارة الدولة إى أدنى األعمال وألغرها البد من وجود هاتان الخصلتان‪ ،‬إذا‬ ‫أردت أن عستأجر عامال البد أن يكون من أهل الكفاءة من هذا امليدان كما يقال ف‬

‫‪61‬‬

‫العامية أعطى الخبز لخابزه وإال أفسده والعكس صحيح‪.‬‬


‫إذن البد من الكفاية أو الكفاءة أو القدرة أو االقتدار هذه أهم خصلة‪ ،‬ولكنها‬ ‫وحدها غير كافية ملاذا؟ ألنه قد يكون كفء مقتدرا لكن غير أمين والعياذ باهلل إذن‬ ‫البد من األمانة فمن توفرت فيه الخصلتان فقد بلغت به ومعه املراد وخى لك البال‪،‬‬ ‫لو أردنا أن نشرع بعض التشريع وأن نضع ألابعنا عى بعض مصائبها ومحنها من هذه‬ ‫النقطة بالذات هذه األمة اآلن كما ولف النبى عليه الصالة وأفضل السالم يتصدرها‬ ‫ويدير أمورها العامة والخالة الذين ولفهم النبى بالرويضبة ‪ ..‬من هو الرويضبة يا‬ ‫رسول هللا؟ قال الرجل التافه يتكلم ف شأن العامة رؤساء رويضبات وزراء رويضبات‬ ‫مدراء رويضبات إى أخر هذه القائمة ليسوا أكفاء لكي يقودوا هذه األمة‪ ،‬كما كان‬ ‫يقول أحد املشايخ الفضالء‪ :‬يقودون أمة محمد قالوا وهللا ال يثوب وال يجوز وال يصح‬

‫من قل رويضبة‪ ،‬منطقه تافه شكوته تافهة ماضيه تافه أفكاره‪ ،‬تفاعله مع األحداث ‪..‬‬ ‫رويضبة لدق رسول هللا لى هللا عليه وآله وأصحابه وسلم ليسوا أقوياء وال أمناء ال‬

‫موسى كليم هللا‬

‫وال ينبغي أن يكون أحدهم مدير ملدرسة إذا كان أحدهم مديرا ملدرسة ابتدائية‬ ‫ألفسدها وال يستطيع أن يديرها وهو اآلن يدير شأن أمة من سبعين مليون من أكثر‬

‫عندهم كفاءة‪ ،‬ليس عندهم قدره عى القيام بهذه األعمال الخطيرة جدا أن تقود أمة‪.‬‬

‫عمر بن عبد العزيز ملا علم أنه هو الذى عهد إليه بالخالفة لم تحتمله رجاله‬ ‫فسقط عى األرض‪ ،‬فقد قال الرسول ‪ ‬من وى رجال عى عشرة وهو يعلم أن فيهم من‬ ‫هو أرض ى هلل منه فقد خان هللا ورسوله وجماعة املؤمنين‪ ،‬فنحن اآلن نعيش ف عهد‬ ‫الخيانات‪ ،‬خيانة األمانات‪ ،‬خيانة املنالب ‪ ..‬يتهافتون عليها والعياذ باهلل ويسفكون‬ ‫الدماء الحرام من أجل هذه املنالب وهم ليسوا أهال لها وليسوا منها ف قبيل وال أدبار‬ ‫وال شمال وال يمين والعياذ باهلل تبارك وععاى ‪ ..‬أين األمناء؟! أين األكفاء؟! ‪ ..‬ال كفائه‬

‫‪62‬‬


‫وال أمانة‪ ..‬هللا املستعان وإنا هلل وإنا إليه راجعون عى هذه املصيبة التى نحن فيها‪.‬‬ ‫يخرج أحدهم يزعم أنه زعيم األمة‪ ،‬ليس هناك زعماء أبدا هناك أى ش يء آخر إال أن‬ ‫يكونوا زعماء‪ ،‬ال يمكن أن يكون الزعيم بهذا الضعف وبهذه النذالة‪ ،‬وبهذه السفالة‪،‬‬ ‫وإن يكون زعيما ألمة إال أن تكون امة ترض ى لنفسها أن تكون أمة من األنذال واألذالء‬ ‫ونحن ال نرض ى ألنفسنا ذلك‪ ،‬ولذلك نتبرأ من هؤالء ومن زعامتهم والبد أن نعلن مليون‬ ‫مرة أنهم ليسوا من الزعامة ف ش يء‪ .‬هم من النذالة والخسة والعار ف كل ش يء‪.‬‬

‫ععرفون كيف يتحدث هؤالء؟ أنهم يتحدثون بمنطق غريب جدا وهللا لو لدر عنه‬

‫موسى كليم هللا‬

‫واحد منا ف حياته املستديمة بل ف حياته الشخصية لكان أكثر طريقا إى العار‬ ‫والدمار والفشل منطق يقول ما كان أحسن مما كان ملاذا؟ ألن األسوأ لم يأعى ‪ ..‬تماما‬ ‫ّ‬ ‫يرددون هذا املنطق لباح مساء ال نريد أن نستجيب للتحديات‪ ،‬ال نريد أن نستفز‬ ‫ّ‬ ‫يستفزنا‪ ،‬ونحن سنلحس نعالهم ‪ ..‬ملاذا؟ ألن هذا العدو قادر عى إبادتنا‪،‬‬ ‫العدو هو‬ ‫قادر أن يدمرنا وليس بيدنا ش يء وليس ف طوقنا أى ش يء إذن فلنستسلم ولنرض ى‬ ‫بالدنية والخسف والعار ولنلحس األحذية والنعال ‪ ..‬هللا اكبر! هل هذا منطق زعيم‬ ‫أمة؟! هكذا تكون زعيما ‪ ..‬هذا املنطق يستطيع بكل نكرة وبكل تافه وهللا سهل جدا أن‬ ‫يأتوا بأى احد من مستشفى املجانين بأى تافه يتبنى هذا املنطق‪ ،‬وهللا سهل جدا إدارة‬ ‫أى دولة وهو بهذا املنطق ‪ ..‬سنرض ى بكل ما كان وبما سيكون وبما يرلده ويدبره لنا‬ ‫أعدائنا ألن ليس ف اإلمكان أبدع مما كان‪ ،‬ونحن ليس بيدنا ش يء فلنستسلم‪ ،‬كل‬ ‫لغير يستطيع هذا فأين الزعامة‪ ،‬وأين العبقرية وأين الحكمة؟! ثم يقولون حكيم‪،‬‬ ‫اجتمعت له الحكم وتربع عى عرشها ألنه يعرف كيف يستسلم وكيف ال يستجيب ألي‬ ‫ععد إال باالنخالل والعياذ باهلل‪.‬‬

‫‪63‬‬


‫محنة هذه األمة عى مر تاريخها حين كانت ممتحنة ومفتنة من هؤالء الذين‬ ‫َ َ ْ‬ ‫يتصدرون أمرها من غير كفاية وال أمانه‪ -‬هذا أبلغ درس لهذه الجملة " قالت ِإ ْح َد ُاه َما‬ ‫َ َ‬ ‫ْ َْ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫يا أب ِت استأ ِجره" حتى بعض الشويهيات – الشاه– واألغنام تحتاج إى كفاية وأمانة ف‬ ‫رعيها فكيف بأمة ععد باملاليين ال حول وال قوة إال باهلل! نحن نعيش ف حاله ال يمكن أن‬ ‫تولف بأنها مأساوية أو كارثية أكثر من ذلك وأسوأ‪ ،‬لكن هذه الحالة وهذا الوضع من‬ ‫الذل واالنحالل والضعف‪ ،‬واالنحطاط ألفنا هذه األوضاع فصار أمرا عاديا‪ ،‬وكل أحد‬ ‫لألسف إال القلة املستثناة بعقلها ورشادها ال يدور إال عى تأمين مطعمه وكفى منتهى‬ ‫املراد من رب العباد‪ .‬وأمة كهذه ال يمكن أن تقوى إذا ظلت تتبنى هذا املنطق‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ْ َْ‬ ‫ََْ َ ْ َْ َ ْ َ‬ ‫َ َ ْ‬ ‫َ ُ‬ ‫استأ َج ْرت الق ِو ُّي األ ِمين" يبدو أنها‬ ‫استأ ِج ْر ُه أن خير م ِن‬ ‫"قالت ِإ ْح َد ُاه َما َيا أ َب ِت‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫اشتمت من أبيها أنه يريد أن يزوجها له‪ ،‬هكذا قال الرجل الصالح شعيب كان أو غيره‬ ‫َْ‬ ‫ُ‬ ‫َ َ ّ ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ََ َ‬ ‫ال ِإ ِني أ ِر ُيد أن أ ِنك َح َك ِإ ْح َدى ْابنت َّي َهات ْي ِن َعى أن تأ ُج َرِني ث َما ِن َي ِح َج ٍج" وفيها‬ ‫قال "ق‬ ‫دروس وعبر أولها ما أشار إليه الحافظ السيوف قال‪ :‬وفيها استحباب عرض الرجل‬ ‫موليته أن تكون ف واليته من أب أو أخت أو حفيده‪ ،‬موليته عى أهل الخير والفضل‬ ‫لينكحوها ‪ ..‬قررت بأن تخرج البنت سافرة‪ ،‬حاسرة بال حجاب شرعي والعياذ باهلل‪-‬‬ ‫ربما ترون اآلن حاالت كثرة وقد تكون هذه من بركات صحوة اإلسالم واملسلمين‪ ،‬وأنا‬ ‫رأيت وسمعت من يعرض بناته وه ف قمة األدب والجمال والدين وهللا عى بعض‬ ‫الرجال توسل فيهم الصالح هل أنت أعزب يا أخ ؟ هل تريد أن تتزوج؟ وتريد امرأة تليق‬ ‫بك؟ أنا عندى لك زوجة أنها ابنتي وبمهر نساء رسول هللا وبنات رسول هللا دنانير‬ ‫معدودات هللا اكبر! هذا هو اإلسالم حقيقة‪ ،‬ليس العادات والتقاليد والجاهلية‪.‬‬ ‫أعرف رجال كان أستاذا جامعيا وهو من قوم أتاهم هللا قدرا كبيرا من الجمال والخلقة‬ ‫ً‬ ‫ونساء كانوا معروفون بذلك وهو أستاذ جامعي واى ذلك كانت أخته‬ ‫وهللا رجاال‬

‫‪64‬‬


‫جامعيه خريجة جامعية متفوقة وعى قدر عجيب من الذكاء والجمال والحسن‬ ‫وحسن السمعة وخطبها أطباء ومهندسين وغيرهم كثير لم يرض أخوها األستاذ‬ ‫الجامعي وزوجها لبواب الجامعة‪ .‬نعم هذا البواب! سقط شهيدا منذ سنة رحمة هللا‬ ‫عليه ف االنتفاضة املباركة وكان رجال من أهل هللا ّ‬ ‫توسل فيه هذا البواب شبه األمي‬ ‫الذى كان عنده ثانوية عامة وهو بواب الجامعة التى يعمل فيها هذا األستاذ رآه ندا له‬ ‫وكفأ ألخته‪ ..‬هذا هو اإلسالم الصحيح‪.‬‬

‫قبل أيام أرى أحد املتمشيخين ف الفضائيات التى تخرج علينا بمشايخ عجيبين ال‬ ‫أدرى من أين يلتقطونهم‪ ،‬ال لغة وال حفظ وال دين وال فهم وال فقه ‪ ..‬لحية لغير أو‬ ‫كبيرة ويتكلم كما يريد وكما يشتهى يتكلم ف أشياء ما انزل هللا بها من سلطان ‪..‬‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫فالعامل ليس كفأ لجامعيه عنده والذى حالته ليست ميسورة كما يجب هكذا‬ ‫يتحدث الشيخ ش يء مقزز عن أى دين تتحدث يا رجل أنتم تبغضون الناس ف اإلسالم‬ ‫لو كان هذا هو اإلسالم سيبغضه كل حر كل نفس‪...‬ملاذا؟ أنا إنسان غير ميسور لست‬ ‫من األغنياء أنا من املياسير وحتى لست من املعاسير هذا قدرى‪ ،‬وهذا شأني وعندى‬ ‫من الخطابة ومن املزايا ما يسد ويعوض ويزيد عى أصحاب الدرهم واليورو‪ .‬قال‪:‬‬ ‫ليس كفأ‪ ..‬ملاذا؟ ألن الجاهلية تقول ذلك ‪ ..‬هذا البواب‪ ،‬بواب الجامعة قبل أن‬ ‫يستشهد كتب ف وليته رحمة هللا ععاى عليه أنه إذا وقع شهيد أو ميت بقدر هللا فإني‬ ‫أوص ى أن يعيد إى الجامعة ف غزة كذا وكذا من مئات الدوالرات‪ ،‬ملاذا؟ قال أنا أخش ى‬ ‫أن أكون ف يوم من األيام قصرت ف واجبي وتأخرت قليال ولم أقم بعمىي عى وجهه‬

‫‪65‬‬

‫فيحاسبني هللا تبارك وععاى عليه فأنا أعيد هذا القدر الذى تطمئن معه نفس ى أنني‬ ‫ألبحت بارئ الذمة والطرف تجاه هذه املؤسسة اإلسالمية ‪ ..‬هللا اكبر! هل هناك ف‬ ‫ّ‬ ‫هذا العصر رجال يفكرون بهذه الطريق؟! نعم وليسوا رجاال تخوضون ف نار ‪‬‬


‫ويختلسون أموال املسلمين العامة والخالة بال حريجة‪ ،‬بال وخذ ضمير أو مالمة هذا‬ ‫هو اإلسالم الصحيح رض ى هللا عن هذا األستاذ ورحم هذا الشهيد وأعى مقامه ف‬ ‫عليين‪.‬‬

‫هكذا هذا الذى اختاره ألخته هذا الرجل الصالح البار– قال إني أريد أن‬ ‫أنكحك ‪ ..‬ليس فيها أى منقصه وال أى عيب أن يخط الرجل البنته‪ ،‬من الصعب جدا‬ ‫أن تجد ف هذا الزمان ‪ ..‬قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين‪ ،‬مقابل ماذا؟ عى‬ ‫أن ععمل لدى ثمان سنوات‪ ،‬يقول فإن أتممت عشره فمن عندك تفضال منك وليس‬ ‫إلزاما منى وإنما تفضل منك يا موس ى ‪ ..‬وما أريد أن اشق عليك بإلزامك العشرة وال‬ ‫أريد أن أشق عليك باستيفاء األعمال ومراعاة األوقات‪ ،‬كما قال املفسرون‪ ،‬ستجدني‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫إن شاء هللا من الصالحين وهكذا كان سؤل النبى ‪ ‬عن أى األجلين قض ى موس ى‬ ‫الثمان أو العشر سنوات فقال قض ى أطيبهما وأكملهما عشر سنوات‪ .‬وروى ابن‬ ‫الجبير تفسيره عن ابن عباس أنه قض ى‪ -‬ألن سعيد بن جبير تلميذ العباس سأله‬ ‫يهودى وف البخارى أيضا أن يهوديا من أهل الحيرة سأل سعيد بن جبير قال له أى‬ ‫األجلين قض ى موس ى القصير أو الطويل؟ قال ال علم ىي لكن انظرني حتى آعى عى عالم‬ ‫العرب‪ ،‬يعنى عبد هللا بن عباس‪ ،‬قال فقدمت عليه فسألته يا أبا العباس أى األجلين‬ ‫قض ى موس ى‪ ،‬قال قض ى ّ‬ ‫أبرهما وأطهرهما‪ ،‬أنه نبى ‪ ‬قال لدق‪.‬‬

‫هنا دروس عديدة جدا‪ ،‬أهمية الزواج‪ ،‬أهمية العفة‪ ،‬عفة الطعمة وعفة الفرج‬ ‫أمر خطير جدا وله شرفه وقدره لم يمر باملرء ما هو أبلغ من هذه القصة ف ععظيم‬ ‫شأن الزواج واختيار الزوجة الصالحة ملاذا؟ رجل عظيم صحيح لم يكن نبيا لكن بال‬ ‫شك كان له الكثير من املزايا وله من الخالل والخصال وقوة الشخصية ما يجعله رجال‬

‫‪66‬‬


‫عظيما فبأن يكون نبيا رجال بهذه املثابة‪ ،‬بهذه الخطورة ف الشأن يرض ى لنفسه أن‬ ‫يؤاجر نفسه عشر سنين متواللة من أجل ماذا؟ من أجل أن يتزوج مهرا لزوجته‪،‬‬ ‫ً ً‬ ‫يؤكد أن الزواج أمر خطير جدا جدا‪ .‬إذن يمكن أن يقض ى اإلنسان سدس حياته‬ ‫كادحا عامال لكي يحصن فرجه بزوجة لالحة ‪ ..‬ملاذا؟ ألن من رزق زوجة لالحة‬ ‫تحفظه ف نفسها‪ ،‬وولده‪ ،‬وماله وععينه عى أمر دنياه وأخراه فقد أوعى نصف‬ ‫السعادة‪ ،‬نصف التوفيق بإذن هللا تبارك وععاى والزوجة الصالحة ه جوهر‬ ‫السعادة‪ ،‬ال يمكن أن تتوفر السعادة لرجل تقبع له ف البيت امرأة مشاكسة غير‬ ‫ّ‬ ‫موافقة وال مالئمة أو زوجة ال تتقى هلل وال ترقبة‪ ،‬من املستحيل أن يكون سعيدا بهذه‬ ‫الزوجة‪.‬‬

‫موسى كليم هللا‬

‫ّ‬ ‫إذن موس ى ّ‬ ‫أجر نفسه ثمان سنوات إلزاما واثنتان وفاءا منه ّ‬ ‫وبرا مقابل عفة‬ ‫فرجة وطعمة بطنه كما روى عن غير واحد من األسالف الصالحين ‪ ..‬وبعد أن قض ى‬ ‫موس ى األجل استنجز الرجل وعده ألنه عهد ملزم وأراد موس ى أن يعود بش يء لزوجته‬ ‫وتدع لفورة‪ ،‬وهذا قول أكثر املفسرين أن اسمها لفورة فقال لزوجته لفورة‬ ‫قوىي ألبيك يعطينا شيئا نتعايش به نحن نريد أن نعود إى مصر– بلده– ونريد أن‬ ‫يكون معنا ش يء‪ ،‬فسألته فقال لكما كل ما نتجت هذه املاشية قالبة لون يقول عليه‬ ‫السالم ف حديث وكانت ماشيته سوداء اللون‪ ،‬فقال قالبة لون أى ليست سوداء‪ ،‬أى‬ ‫إذا كان بها ألوان مختلطة فهى لكما‪ ،‬ورد ف بعض األحاديث‪ ،‬من حديث عتبة بن‬ ‫املنذر لاحب رسول هللا عليه الصالة وأفضل السالم‪ ،‬أن النبى قال فأخذ موس ى‬ ‫ّ‬ ‫عصاه فوسمها‪ -‬أى علمها ورد ف أحاديث أخرى أنه قشرها– ف أعالها ثم وضعها أدنى‬ ‫الحوض ثم أورد املاشية لكي عشرب فما لدرت واحدة منها إال ضربها عى جنبها شاة‬

‫‪67‬‬


‫شاة يقول عليه السالم فأأمت وألبنت – أى حملت كلها تواءم – وجاءت كلها بقوالب‬ ‫اللون أى كلها مبرقشة إال شاة أو شاتين‪.‬‬

‫ولنا ععليق عى هذا الخبر الذى ينسب إى رسول هللا‪ ،‬أن هذه القصة غريبة جدا‬ ‫أن يقوم موس ى بهذه الحيلة ألنه سوف يقدر له عما قريب أن يكون نبيا بل ورسوال‬ ‫عظيما جدا‪ ،‬ثم من وجه أخرى أن هذه القصة بعينها وردت ف التوراة‪ ،‬لكن بشأن‬ ‫يعقوب مع خاله أخ أمه اسمها رفقة وخاله اسمه البان‪ ،‬وهناك خلط غريب ‪،‬‬ ‫يقولون إن القرآن مأخوذ من العهد القديم والجديد وهذا غير صحيح‪ ،‬لو كان النبى‬

‫موس ى ‪ ..‬ليس ف قصة موس ى هذه اإليجارة‪ ،‬ولكنها وردت ف حق يعقوب أنه ّ‬ ‫أجر نفسه‬ ‫سبع سنوات عى طلب خاله البان لقاء أن يزوجه ابنته رحيل التى ستكون فيما بعد‬

‫موسى كليم هللا‬

‫ععلم العهدين والكتاب املقدس وكان النبى ذا حافظ عجيب جدا جدا ال يمكن أن يقع‬ ‫ف هذا القول فيكذب بعد ذلك‪ ،‬لكنه أعى بأشياء تخالف ما أعى ف الكتاب املقدس‬ ‫تماما‪ ،‬ما ف الكتاب املقدس أن الذى ّ‬ ‫أجر نفسه سبع سنوات هو يعقوب وليس‬

‫أما ليوسف وبنيامين عليهما السالم أجمعين‪ ،‬ولكن خاله خدعه وزوجه أختها ليئة‪ ،‬ثم‬ ‫أجر نفسه سبع سنين أخرى ليتزوج راحيل وعمل هكذا أربعة عشر سنه‪ ،‬وملا أراد أن‬ ‫يعود بزوجاته ووليفتهما وقد نكحهما أيضا – نكح الوليفات أيضا وأولدهن أوالدا‬ ‫وقصة موجودة ف سفر التكوين‪ -‬ملا أراد أن يعود قال لخاله أن يعطيه أجرته‪ ،‬فقال‬ ‫له كل ما جاء قالبة لون فهى لك هذه القصة ف حق يعقوب فتحيل يعقوب بهذه‬ ‫الحيلة وأعى بعيدان وقشرها ثم جعلها عند الحوض وارد املاشية التى كانت تتوحم‪..‬‬ ‫هكذا قالت التوراة فنتجت كلها قوالب لون فأخذها له هذا مجمل القصة‪.‬‬ ‫‪68‬‬


‫طبعا ف هذه القصة نسبة الغش والخداع ألن يعقوب عليه السالم الذى سرق‬ ‫النبوة والبركة من أبية إسحاق الذى كان يعزم أن يعطيها لنجله األكبر عيسو هكذا‬ ‫أنبياء هللا ف التوراة لألسف الشديد مخادعون كذابون محتالون ش يء غريب جدا!‬ ‫وهنا نقول إن الخالف بين التوراة والقرآن ف اإليجارة أنها وقعت ملوس ى وليس ليعقوب‬ ‫وه ثماني حجج عى أن يزوجه ابنته فلو كان النبى ناقال عن التوراة لنسبها إى‬ ‫يعقوب‪ ،‬ولم ينسبها إى موس ى‪.‬‬

‫سأختم خطبه املقام بفكرة ععليق هامة ‪ ..‬القرآن العظيم سكت عن تفاليل هذه‬ ‫الفترة التى أقامها موس ى عليه السالم ف مدين بجوار الرجل الصالح لم يذكر سوى ما‬ ‫ذكرناه من تفاليل هذا ف بداية املقام وف نهايته أنه قض ى األجل‪ ،‬وسار بأهله ماذا‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫وقع ف البين‪ ،‬بين البداية والنهاية القرآن سكت عن ذكر تفاليل‪ ،‬ذلك كما سكتت‬ ‫التوراة ‪ ..‬التوراة سكوتها أكثر فهى لم تتحدث حتى عن قضية اإليجار‪ ،‬تقول التوراة‬ ‫وهكذا رض ى الرجل أن يساكنه موس ى ثم أعطاه لفورة زوجة له فولدت له جلسوم‪-‬‬ ‫وهذا االسم يبدو فيه معنى الغربة بلغتهم اآلرامية ألنه قال سماه جلسوم ألنه كان‬ ‫ً‬ ‫بأ ض غريبة‪ -‬وهذا ما ذكر آيتان فقط القرآن ّ‬ ‫حدث ش يء زائدا لكن ال التوراة تكلمت‬ ‫ر‬ ‫وال القرآن تكلم‪ .‬وقد يخطر لبعض الناس أن يقول إن هذه الطريقة التى يصطنعها‬ ‫القرآن ف غير ما قصة خالة فيما يتعلق باألنبياء واملرسلين تؤكد أن القرآن يتعامل‬ ‫بطريقة غيبية وهذا ما قد يخطر للبعض أن يقول وإن القرآن ال يقيم وزنا وال ّ‬ ‫يصحح‬ ‫ً‬ ‫اعتبارا ألثر الظروف املوضوعية واالشتراطات الواقعية ف حياة األشخاص‬ ‫والجماعات والسيما األنبياء واملرسلين ألنه لم يتحدث هنا عن أى تفاليل‪ .‬وهذا كالم‬

‫‪69‬‬

‫غير صحيح باملرة ألن طريق القرآن تؤكد العكس وما سنقوله سيلتئم بطريقة القرآن ‪..‬‬ ‫القرآن كما أشرنا من قبل سكت عن تفاليل نشأة موس ى ف ظالل قصر فرعون‪ ،‬لكن‬


‫القرآن يتكلم بطريقة بليغة وذكاء وقدرة عى التحليل والفهم‪ ،‬طريقة القرآن وترتيبها‬ ‫تؤكد عى ذلك‪ ،‬فأوال القرآن يقول ما كان ملوس ى عليه الصالة وأفضل السالم أن يكون‬ ‫متيهئ لتلقى وح السماء األعى وهو يعيش ف ظل قصر الطاغية ف بيئة وثنية يغلب‬ ‫عليها التظالم‪ ,‬ال يمكن موس ى لم يكن مؤهال لذلك نقله القدر نقال‪ ..‬القدر هو الذى‬ ‫رسم له أن تقع الحادثة العرضية ف قتل الرجل الفرعونى‪ ،‬ثم نقله إى بيئة جديدة‬ ‫طهور‪ ،‬بيئة موحدة فيها إيمان‪ ،‬فكان مع رجل لالح قد يكون شعيبا النبى وهذا أبلغ‬ ‫وعاش فترة طويلة‪.‬‬

‫انتبهوا! اإلنسان ال يهيأ أن يكون نبيا أو رسوال أو أن يكون لالحا من أهل هللا كما‬ ‫يقول وأن يكون ملهما وحدثا ف ليلة أو ليلتين وشهر وشهرين‪ ،‬بعض الناس تجتهد ف‬ ‫أولياء هللا ف شهرين؟ ف سنة وال حتى ف سنتين؟ موس ى ف عشر سنوات ف ظالل بيئة‬

‫موسى كليم هللا‬

‫العبادة شهر وشهرين وال يرى حتى مناما حسنا يعود إى ما كان عليه تريد أن تصبح من‬ ‫جديدة غير موبوءة وفعال بعد ذلك ملا قض ى العشر سنوات ولار بأهله تلقى الوحي‪،‬‬ ‫ألبح اآلن مؤهال‪ .‬إذن فالقرآن ّ‬ ‫نص عى أن الشروط املوضوعية مهمة جدا‪ ،‬البيئة‬ ‫واشتراطاتها ومعطياتها ف غاية الخطر واألهمية‪ ،‬ف نهاية األمر كما ف بدايته كل واحد‬ ‫منا هو ابن شرعي لجيناته ومورثاته ولثقافة مجتمعه وعصره شئت أم أبيت حتى‬ ‫األنبياء واملرسلون‪.‬‬

‫ويأعي الوح بعد ذلك يضع ملساته وليطبعهم بطابعه ويصحح ما عساه من‬ ‫ّ‬ ‫السوية ف حق األنبياء واملرسلين‪ ،‬وقد يخطر‬ ‫انحرافات أو حيدة عن جادة الفطرة‬ ‫ببال أحد أن يقول أيضا هذا ال يمكن أن يخطر عى بال الواحد منا ولكن عشر‬ ‫سنوات أليست مدة طويلة‪ ،‬وبال شك أن موس ى عاشها ف رتابة– أى أنه لو كان فيها‬

‫‪70‬‬


‫كوائن ولو كان ف أحداث عظام وكبيرة لقص القرآن علينا طرفا من ذلك لكن يبدو‬ ‫أنها كانت عى نحو مكرور‪ ،‬كل يوم يخرج ف الصباح يرع الغنم يعود ف املساء‬ ‫وهكذا‪ ...‬عشر سنوات بهذه الطريق هل هذه فتره طويلة؟! كال أنها ليست فترة طويلة‪،‬‬ ‫لكن يمكن أن نفهم من جهة أخرى أن اإلنسان يمكن أن يعيش فترة طويلة‪ ،‬وبعد ذلك‬ ‫يأعى منهج السماء ليعوض كل ما فات هذا ممكن محمد عليه السالم عاش أربعين‬ ‫سنة ال يتلقى نبأ من السماء صحيح كان لادقا‪ ،‬مستقيما‪ ،‬أمينا يجاف أهله ف‬ ‫عقائدهم ووثنياتهم‪ ،‬لكنه لم يتلقى خبرا وال نبأ من السماء أربعون سنة وعاش بعد‬ ‫ذلك ف ظالل النبوة ثالث وعشرين سنة لم عغير حياة محمد ولم ععوضه أربعين سنة‬ ‫وإنما غيرت العاملين هذا ما يفعله الوح ‪ ،‬هذا ما يعطيه النهج اإللهي‪ ،‬لذلك يجب أن‬ ‫نعتصم بهذا النهج وعلينا أال نيأس‪.‬‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫بعض الناس يقول اسمع كالما جميال يعد الروح إى أشواق عالية ولطيفة ومعنى‬ ‫ّ‬ ‫ذائقيه ولكن أنا كبر سني‪ ،‬وكما يقال فاتنى قطار الزمن! هذا غير صحيح حتى لو كنت‬ ‫ف عقد السبعين حتى لو كنت ف الثمانين وأقبلت عى هللا بصدق ونهجت نهج كتابه ف‬ ‫ظل سنوات يسيرة يمكنان ععوض السنوات الفائتة ف عمرك أنت تفعل ذلك بأن هللا‬ ‫ألنك عستند إى وح السماء‪ ،‬إى كلمات هللا‪ ،‬إى نهج هللا‪ ،‬هذا يستحيل أن ععطيه أى‬ ‫فلسفة‪ ،‬أى حكمة دنيوية بشريه‪ ،‬ال يمكن إال طريق هللا‪ ،‬نهج هللا‪ ،‬كلمات هللا تبارك‬ ‫وععاى ‪.‬‬

‫‪71‬‬

‫ال أريد أن أغادر املقام قبل أن اكرر مرة أخرى أن القرآن يعطى أهمية بالغة بشأن‬ ‫الظروف املوضوعية وينبغي درسها وحفظها ووزنها وزنا دقيقا وتقويمها تقويما لادقا‬ ‫موضوعيا كما يقال فالقرآن يتحدث عن بلقيس عليها السالم قبل أن عسلم " َو َ‬ ‫ل َّد َها‬


‫َ َ َ َّ ْ ُ ُ‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫اّلل" ملاذا كأنه أعى بجمله ععليلية قال أنها كانت قوم فاسقين‬ ‫ما كانت ععبد ِمن دو ِن ِ‬ ‫ألنها كانت ععيش مجتمع فاسق‪ ،‬وثنى فصارت مثلهم عى أن املرأة بلقيس ملكة سبأ‬ ‫كانت ذا عقل وكانت ذا ذكاء وفطنة‪ ،‬ولكن لم يتهيأ لها من الثقافة ومن البيئة ومن‬ ‫ظروفها املوضوعية ما يجعلها عستثمر هذه اإلمكانيات ف شخصيتها ملا تهيأ لها ذلك‬ ‫استطاعت أن تختار القرار الحازم والحكيم‪ ،‬أنه أحزم قرار أن عغير دينك وملتك‪ ،‬أن‬ ‫تكفر بما كنت ععتقده باألمس‪ ..‬قرار لعب جدا جدا! وهكذا هديت هذه املرأة وهدت‬ ‫قومها إى سبيل هللا سبحانه وععاى ‪ .‬نوح عليه السالم عسعمائة وخمسين سنة ولم‬

‫ثقافته مما أكثر مما هو ابن مورثاته وجيناته‪ ،‬الثقافة خطرة جدا‪.‬‬

‫موسى كليم هللا‬

‫يفلح ف أن يهدى قومه إال القلة التى آمنت معه ولبت رسالة هللا ‪ ..‬ملاذا؟ ألن القوم‬ ‫َ َ َ ُ ٌ َّ ّ َ َ ْ َ َ َ‬ ‫األ ْ‬ ‫ض ِم َن‬ ‫كانوا يعانون من حالة استعصاء ثقافي ولذلك "وقال نوح ر ِب ال تذر عى‬ ‫ر‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫ْال َكافر َ‬ ‫ين َد َّيارا" وكان يعلم أن تدرهم يظلوا عبادك وال يلدوا إال فاجرا وكفارا‪ ...‬كيف‬ ‫ِِ‬ ‫عرفت؟ كل مولود عى الفطرة ال نوح اآلن انتقص الرسالة اإللهية بعد عسعمائة‬ ‫وخمسون سنة‪ ،‬وعلم أن القوم يعانون من حاله استعصاء ثقافي كامل فاإلنسان ابن‬

‫لو لم يكن القرآن يعى من شأن العوامل والظروف املوضوعية ملاذا يتحدث ف‬ ‫عشرات املواضع ف القرآن املكي واملدني إى أخر عهد الناس وهو يتحدث عن هجرة‬ ‫الذين هاجروا وهاجروا‪ ..‬ملاذا؟ ماذا ععنى الهجرة؟ ععنى أن الشروط املوضوعية قد‬ ‫عغلبك عى قناعاتك‪ ،‬عى إرادتك‪ ،‬عى رغائبك‪ ،‬عى قرارك‪ ...‬ماذا تفعل؟ تنتقل‬ ‫لتوفر لنفسك شروطا أخرى ال توفرها هذه البيئة‪ .‬الحديث املخرج ف الصحيح الرجل‬ ‫الذى قتل مائة نفس الرجل رقم مئة كان رجال عابدا ولم يكن عاملا حاذقا قال‪ :‬له ال‬ ‫لعب عليك أن تتوب كيف يقبل هللا توبتك بعد أن قتلت عسعه وعسعين‪ ،‬فقتل هذا‬ ‫العابد الذى سأله وكان رجل ذو إجرام‪ ،‬وملا سأل عن التوبة ولم يعطى قتل الذى سأله‬

‫‪72‬‬


‫وكيف أتاه الحل؟ جاءه الحل بانتقاله إى شروط طبيعية أخرى‪ ،‬قال له العالم‪ :‬إنك‬ ‫بأرض سوء‪ ،‬تريد أن عستقيم ف هذه الظروف لن عستطيع أترك هذه البالد وهاجر إى‬ ‫بالد أخرى تناسبك وتناسب قرارك الجديد وستصلح‪ ،‬وهكذا كان‪.‬‬

‫واع جدا بحمد هللا‪ ،‬الكتاب والسنة يقظان تماما لهذه املسألة وععليان جدا‬ ‫الدين ٍ‬

‫لشأن الظروف واالشتراطات الطبيعية‪ .‬هذا الذى قاله القرآن بسكوته إذن‪ ،‬هو‬

‫لمت أبلغ من الكالم‪ ،‬القرآن قال سنوات كثيرة ف قصر الطاغية ف بيئة وثنية من‬ ‫املحال أن يكون موس ى مهيأ معها لتلقى النبوة بالعكس هو كان بشكل أو بآخر يعمل‬

‫موسى كليم هللا‬

‫ضمن إنجاز خطة الطاغية العامة ف استعباد الناس‪ ،‬ولذلك احتج اإلمام عطاء ابن‬ ‫َْ َ َ ََ َ ُ َ َ ً‬ ‫أبى رباح بقوله حكاية عما قال ععاى " َق َ‬ ‫ال َر ِ ّب ِب َما أن َع ْمت َعى َّي فل ْن أكون ظ ِهيرا‬ ‫ّْ‬ ‫َ‬ ‫ِلل ُم ْج ِر ِمين" عى أنه ال يجوز للمسلم أن يعمل ف خدمة الظلمة‪ ،‬وأن ينجز ما كانوا‬ ‫يريدون‪ .‬إذن موس ى كان البد أن يخرج إى بيئة أخرى ‪ ..‬القرآن يقول ظل فيها عشر‬ ‫سنوات وملا ترحل مباشرة تلقى الوح ‪ .‬إذن البيئة فعلت فعلها أيضا ف تهيئة النفس‬ ‫والقدرة عى أن تتصل بالسماء‪ .‬البيئة أيضا مرة أخرى ‪ ..‬أقول قوىي هذا واستغفر هللا‬ ‫ىي ولكم‪.‬‬

‫الخطبة الثانية‬ ‫الحمد هلل رب العاملين‪ ،‬الحمد هلل الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن‬ ‫السيئات ويعلم ما تفعلون ويستجيب الذين أمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من‬ ‫فضله والكافرون لهم عذاب شديد‪ ،‬واشهد أن ال اله إال هللا وحده ال شريك له‪ ،‬واشهد‬ ‫‪73‬‬

‫أن سيدنا وموالنا محمد عبد هللا ورسوله لى هللا ععاى عليه وآله الطيبين الطاهرين‬ ‫وصحابته املباركين املجاهدين وأتباعهم بإحسان إى يوم الدين‪ ،‬اللهم إنا نسألك ف‬


‫هذا املقام الكريم ف هذا اليوم الكريم أن تزيدنا وال تنقصنا‪ ،‬اللهم اعطنا وال تحرمنا‪،‬‬ ‫اللهم أكرمنا وال تهنا‪ ،‬اللهم انصرنا وال تنصر علينا‪ ،‬وأرض عنا وأرضنا واجعلنا‬ ‫مرضيين يا رب العاملين‪ ،‬اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما‬ ‫أسرفنا وما أنت أعلم به منا‪ ،‬اغفر لنا ولوالدينا واملسلمين واملسلمات املؤمنين‬ ‫واملؤمنات األحياء منهم واألموات من فضلك ورحمتك َ‬ ‫ومنك انك سميع قريب مجيب‬ ‫الدعوات‪.‬‬

‫اللهم أللحنا وأللح بنا واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر‪ ،‬هداة مهتدين غير‬ ‫ضالين وال مضلين‪ ،‬اللهم إنا نسألك ونرغب إليك ونبتهل أن تنصر اإلسالم وأن ععز‬

‫بطاعتك‪ ،‬يؤمر فيه باملعروف وينهى فيه عن املنكر وتأمن فيه سبل املؤمنين‪ ،‬إلهنا‬

‫موسى كليم هللا‬

‫املسلمين‪ ،‬وأن ععى بفضلك كلمتي الحق والدين‪ ،‬اللهم اجمع هذه األمة عى أمر رشد‬ ‫وهيئ لها أمر عز يا رب العاملين ععز فيه أوليائك‪ ،‬وتذل فيه أنوف أعدائك‪ُ ،‬يعمل فيه‬ ‫وموالنا رب العاملين‪.‬‬

‫عباد هللا! أن هللا يأمر بالعدل واإلحسان وإيتاء ذي القربى‪ ،‬وينهى عن الفحشاء‬ ‫واملنكر والبغ يعظكم لعلكم تذكرون‪ ،‬اذكروا هللا العظيم يذكركم واشكروه عى‬ ‫نعمه يزدكم واسألوه من أفضاله يعطكم‪.‬‬ ‫********************************‬

‫‪74‬‬


‫مع الكليم موسى –ح‪ -5‬النبوة‬

‫ُ‬ ‫نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا وسيئات‬ ‫ان الحمد هلل‬ ‫أعمالنا من يهده هللا فال مضل له ومن يضلل فال هادى له‪ ،‬وأشهد أن ال اله إال هللا‬ ‫وحده ال شريك له وأن سيدنا ونبيا وحبيبنا محمد عبد هللا ورسوله ولفوته من خلقه‬ ‫وأمينه عى وحيه ونجيبه من عباده لى هللا عليه وعى آله الطيبين وصحابته‬ ‫املباركين امليامين وأتباعهم بإحسان إى يوم الدين وسلم عسليما كثيرا‪.‬‬

‫موسى كليم هللا‬

‫ّ‬ ‫عباد هللا أوليكم ونفس ي الخاطئة بتقوى هللا العظيم ولزوم طاعته كما أحذركم‬ ‫َ ْ َ َ َ ً‬ ‫ّ‬ ‫ل ِالحا‬ ‫وأحذر نفس ى من عصيانه ومخالفة أمره لقوله سبحانه وععاى "من ع ِمل‬ ‫َ َْ‬ ‫َ َ ْ َ َ َ َ َ َ َ َ َ ُّ ُ َ َّ ّ ْ َ‬ ‫يد"‪.‬‬ ‫ف ِلنف ِس ِه ومن أساء فعل ْيها وما َربك ِبظال ٍم ِللع ِب ِ‬ ‫ثم أما بعد‪ ..‬يقول املوى سبحانه وععاى في كتابه العزيز بعد أن أعوذ باهلل من‬

‫‪75‬‬

‫الشيطان الرجيم بسم هللا الرحمن الرحيم‬ ‫ُّ َ ً َ َ َ‬ ‫ُُ‬ ‫ََ َ َ َ َ َْ َ‬ ‫س من َ‬ ‫" َف َل َّما َق َض ى ُم َ‬ ‫َ‬ ‫ال أل ْه ِل ِه ْامكثوا‬ ‫ور نارا ق‬ ‫الط‬ ‫ب‬ ‫ن‬ ‫ا‬ ‫ج‬ ‫آن‬ ‫وس ى األجل وسار ِبأه ِل ِه‬ ‫ِِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ّ َ ْ ُ َ ً َّ َ ّ‬ ‫ُ ّ ْ َ َ َ َ ْ َ ْ َ َ َّ َ َ َّ ُ ْ َ ْ َ ُ َن َ َ َّ َ َ َ ُ‬ ‫ودي‬ ‫ن‬ ‫ِإ ِني آنست نارا لع ِىي آ ِتيكم ِمنها ِبخب ٍر أو جذو ٍة ِمن الن ِار لعلكم تصطلو فلما أتاها ِ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ْ ُ ْ َ ْ ُ َ َ َ َ َّ‬ ‫وس ى إ ّني َأ َنا َّ ُ‬ ‫الش َج َرة أن َيا ُم َ‬ ‫األ ْي َ‬ ‫اّلل َر ُّب‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫ة‬ ‫ك‬ ‫ار‬ ‫ب‬ ‫امل‬ ‫ة‬ ‫ع‬ ‫ق‬ ‫ب‬ ‫ال‬ ‫ي‬ ‫ف‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫اط ِئ ال َو ِادي‬ ‫ِِ‬ ‫ِ‬ ‫ِمن ش ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫َ ْ َ َ َ َ َ َّ َ َ َ ْ َ ُّ َ َ َّ َ َ ٌّ َ َّ ُ ْ ً َ َ ْ ُ َ ّ ْ َ ُ َ َ ْ‬ ‫ْ َ َ َ‬ ‫وس ى أق ِب ْل‬ ‫املين وأن أل ِق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان وى مد ِبرا ولم يع ِقب يا م‬ ‫الع ِ‬ ‫َ‬ ‫َ َ َ ْ‬ ‫َ‬ ‫اس ُل ْك َي َد َك في َج ْيب َك َت ْخ ُر ْج َب ْي َ‬ ‫ضاء م ْن َغ ْير ُسوء َو ْ‬ ‫ف إ َّن َك م َ‬ ‫ْ‬ ‫اض ُم ْم ِإل ْي َك‬ ‫ين‬ ‫ن‬ ‫اآلم‬ ‫ن‬ ‫ِ ٍ‬ ‫ِِ‬ ‫ِ‬ ‫وال تخ ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ْ َ ْ َ َ َ َ َّ ُ ْ َ ُ َ ْ ً َ‬ ‫َ‬ ‫الر ْهب َف َذان َك ُب ْر َه َانان من َّ ّب َ‬ ‫َج َن َ‬ ‫اح َك ِم َن َّ‬ ‫ن‬ ‫اس ِقين‬ ‫ف‬ ‫ما‬ ‫و‬ ‫ق‬ ‫وا‬ ‫ان‬ ‫ك‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫ن‬ ‫إ‬ ‫ه‬ ‫ئ‬ ‫ل‬ ‫م‬ ‫و‬ ‫و‬ ‫ع‬ ‫ر‬ ‫ف‬ ‫إى‬ ‫ك‬ ‫ِ ِ ِر‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِِ ِ‬ ‫ِ‬


‫ً‬ ‫َ َ َ ّ ّ َ َْ ُ ُْ ْ َ ْ ً َ َ َ ُ َ ْ ُُ ن َ َ َ ُ ُ ُ َ َ ْ َ ّ‬ ‫ص ُح ِم ِني ِل َسانا‬ ‫قال ر ِب ِإ ِني قتلت ِمنهم نفسا فأخاف أن يقتلو ِ وأ ِخي هارون هو أف‬ ‫َ‬ ‫ََْ ْ ُ َ َ ْ ً ُ َ ّ ُ ّ َ َ ُ ُ َ ُّ َ‬ ‫ض َد َك بأخ َ‬ ‫ال َس َن ُش ُّد َع ُ‬ ‫َ‬ ‫يك َو َن ْج َعلُ‬ ‫فأر ِسله م ِعي ِردءا يص ِدق ِني ِإ ِني أخاف أن يك ِذبو ِن ق‬ ‫ِ ِ‬ ‫َ ُ َ ُ ْ َ ً َ َ ُ َ َ ْ ُ َ َ َ َ ُ َ َ َ َّ َ َ ُ َ ْ َ ُ َ‬ ‫ن‬ ‫لكما سلطانا فال ي ِصلون ِإليكما ِبآيا ِتنا أنتما وم ِن اتبعكما الغ ِالبو "‬ ‫ّ‬ ‫لدق هللا العظيم وبلغ رسوله الكريم ونحن عى ذلكم من الشاهدين‪ ،‬اللهم‬ ‫اجعلنا من شهداء الحق القائمين بالقسط‪ ،‬آمين اللهم آمين!‬

‫بعد أن قض ى موس ى عليه الصالة وأفضل السالم األجل املضروب بينه وبين‬ ‫الشيخ املدينى انطلق موس ى‪ ،‬إال أن القرآن العظيم لم يتعرض ملسألتين بداءة املسألة‬ ‫األوى هل كان انطالق موس ى عليه السالم بعد انقضاء األجل مباشرة أم تلبث حينا من‬

‫ععقيبا‪ ،‬ال ندرى هل بقى مدة بعد ذلك كما قال مجاهد بن جبر شيخ املفسرين من‬ ‫طبقة التابعين ف وقته‪ ،‬قال نعم أقام موس ى بعدها عشر أخرى فيكون مدة إقامته‬

‫موسى كليم هللا‬

‫الدهر؟ القرآن لم يوضح ذلك وليس ف سياق اآليات وال ف تفسيرها ما يشير إى ذلك‬ ‫َ‬ ‫ألن قوله تبارك وععاى " َف َل َّما َق َض ى ُم َ‬ ‫وس ى األ َج َل َو َسار" والواو ال تفيد ال ترتيبا وال‬

‫بعيدا عن مصر ومنها عشرين سنه ف الجملة‪ ...‬هذا ما قاله مجاهد وبعضهم لم‬ ‫ّ‬ ‫يتعرض‪ .‬ومع ذلك إال أن أكثر املفسرين نحوا منح أنه ذهب مباشرة هذا ما ال يساعد‬ ‫ّ‬ ‫متوجسا من‬ ‫عليه تبدر بعض الظواهر ألن موس ى عليه الصالة وأفضل السالم كان‬ ‫فعلته التى فعل‪ ،‬فلما يكون معجال لكى يعود إى مصر حتى أن هللا تبارك وععاى بعد أن‬ ‫شرفه والطفاه وانتخبه لنبوته ولرسالته وأمره أن يأعى فرعون مصر ععلل واعتذر‬ ‫َْ ً ََ َ ُ‬ ‫ْ ُُ‬ ‫ّ َ َْ ُ‬ ‫بفعلته التى فعل " َق َ‬ ‫ال َر ِ ّب ِإ ِني قتلت ِم ْن ُه ْم نفسا فأخاف أن َيقتلو ِن" وذلك قال بعض‬ ‫املفسرين أن موس ى لم يتوجه إى مصر وإنما لار بأهله إى بيت املقدس‪.‬‬ ‫‪76‬‬


‫إذن فيكثر املقال من قيل وقال‪ ،‬القرآن لم يتعرض ال لهذه املسألة وال لهذه‬ ‫املسألة وأما ما ورد ف سفر الخروج من التوراة أن موس ى ‪ ‬كان يرع غنم كاهن مدين‬ ‫يسرون وهو حموه كان يرعاها وبعد بها حتى ولل إى جبل حوريب‪ ،‬ونحن نستبعد‬ ‫ذلك ألن املسافة بعيدة جدا مئات الكيالت بين مدين وبين جبل حوريب – جبل سيناء‬ ‫أو جبل الطور عسمية التوراة ف سبعة عشر موضع جبل حوريب وعسمية برية سيناء‬ ‫وعسميه جبل سيناء– مستحيل أن يقال إنه قطع البحر األحمر بماشيته إال أن يكون‬ ‫التف عن طريق البر وه مسافة بعيدة‪ ،‬لكن هذا ما تزعمه التوراة أنه أبعد بها حتى‬ ‫ولل إى جبل حوريب وهناك كان ما كان من شأن نبوءته ورسالته‪ ،‬ثم عاد بعد ذلك‬ ‫وعاد بهم إى مصر‪ ..‬هذا ما تقوله التوراة‪.‬‬

‫موسى كليم هللا‬

‫ُ‬ ‫أما القرآن يؤكد انه سار بداءة مع أهله وأهله كانوا معه حين نـبأ ‪ ‬فلما قض ى‬ ‫موس ى األجل ولار بأهله‪ ،‬من هم أهله هنا؟ ال يمكن أن تكون زوجته فقط ملاذا؟ ألنه‬ ‫قال لهم فيما بعد أمكثوا وال تخاطب املرأة‪ ،‬وال حتى الرجل بهذا الخطاب وإنما كان‬ ‫قال امكثي‪ ،‬ولذلك لم تكن زوجته فقط‪ .‬وقيل كان معهم خادم لهما وقيل احتمل‬ ‫أيضا معه ابنيه ذكرين وهما جلسوم الذى ذكرناه الحلقة السابقة وولد آخر يسمى‬ ‫اليعازر‪ ،‬وهذا ال يمكن أن يستند إى عى القول إنه مكث مدة فولد له هذان الولدان‬ ‫بعد انقضاء األجل‪ ،‬أو يقال إنه دخل بأول األجل وليس ف أخره‪ ،‬عى كل حال ‪ ..‬وسار‬

‫‪77‬‬

‫بأهله ما يعطيه القرآن الكريم أنه ضل الطريق إذا كررنا اآليات نستطيع أن نفهم أنه‬ ‫َّ ّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ضل هو وأهله الطريق ملاذا؟ ألنه قال "ل َع ِىي آ ِتيكم ِّم ْن َها ِبخ َب ٍر" ألنهم قد ضلوا طريقهم‬ ‫َ‬ ‫وكانت الليلة مظلمة وشديدة البرد وشديدة الزمهرير هذا أيضا مستفاد من قوله "أ ْو‬ ‫َ ْ َ َ َّ َ َ َّ ُ ْ َ ْ َ ُ َ‬ ‫صطلون" أى عستدفئون بها‪ .‬إذن فقد ضل طريقه ف ليلة‬ ‫جذو ٍة ِمن الن ِار لعلكم ت‬ ‫ظلماء شديدة البرد ويا لها من ليلة وما أشرقها وما أعظمها من ليلة!‬


‫َ َ َ‬ ‫ُّ َ ً‬ ‫ْ‬ ‫س من َ‬ ‫" َآن َ‬ ‫ور نارا" آنس أي أحس ‪ ..‬فماذا قال ألهله؟ قال " قال أله ِل ِه‬ ‫الط‬ ‫ب‬ ‫ن‬ ‫ا‬ ‫ج‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬

‫ُُ‬ ‫ْامكثوا" أى ال تتحركوا ال عغادروا مكانكم ملاذا ألنه يريد أن يستبق من هذه النار ولعل‬ ‫هذه النار يعطيه خبرا عن الطريق‪ .‬وجاء موس ى إى هذه النار العجيبة والغريبة‬ ‫حقيقتها عى غير ما حسب وعى غير ما وضعها عليه ملا اقترب وإذا ه نار تضطرم‬ ‫ّ ً‬ ‫ً‬ ‫وتتأجج ّ‬ ‫ّ‬ ‫وتأججا‬ ‫تأجج شديدا ف شجرة شوك شديدة الخضرة كلما زادت النار ضراما‬ ‫ازدادت الشجرة اخضرارا‪ ،‬وهذا ش يء عجيب– النار تزداد والشجرة تزداد خضرة وال‬ ‫تحترق– فلم يدرى عى ما يضع أمر هذه الشجرة‪ ،‬نار غريبة وشجرة عجيبة إال أنه لم‬ ‫يقدر شيئا وراء ذلك فقارب بيده يريد أن يقتبس منها شيئا– فرعا– فأدبرت النار ثم‬ ‫عادت كما ه فأطاعته‪ ،‬فطمع‪ّ ،‬‬ ‫فمد يده‪ ،‬فأدبرت فعلم أنها مصنوعة وال يدرى من‬ ‫ينظر ويرقب ويفتكر متحيرا باهتا ف أمر هذه الشجرة فحالت منه نظره إى فرع من‬ ‫فروعها وإذا هو اشد اخضرارا‪ ،‬وإذا بعامود من نور اخضر عجيب يضرم من لدن هذا‬

‫موسى كليم هللا‬

‫لنعها‪ ،‬وعلم أنها مأمورة وال يدرى من أمرها‪ ،‬واآلن لار ف حيرة وبلبال ف أمره فجلس‬

‫الفرع إى السماء العالية‪ ،‬فتبعه موس ى ببصره وإذا بهذا العامود النورانى يزداد‬ ‫الفرارا واستنارة وابيضاضا حتى لار ابيض شديد البياض وله مثل شعاع الشمس‬ ‫تكل األبصار دونه فعلم أن األمر جد وأن األمر خطير‪ ،‬فظل جالسا ف األرض وإذا‬ ‫بصوت يناديه من الشجرة وقد ارععدت فرائسه ولم تحمله قدماه مما رأى ومن هول ما‬ ‫رأى وعظمته‪ ،‬ما حس‪ ،‬وما أدرك‪ ،‬وما أبصر‪ ،‬وإذا بصوت يناديه يا موس ى– باسمه–‬ ‫فلبى مرارا وما كان سرعة تلبيته للصوت إال استئناسا من وحشته التى هو فيها قال‪:‬‬ ‫لبيك‪ ..‬لبيك‪ ..‬لبيك من أنت‪ ،‬اسمع لوتك وال أراك أين أنت– هو ال يدرى حقيقة‬ ‫األمر إى اآلن– قال أنا معك وأنا فوقك‪ ،‬وأنا قدامك‪ ،‬وأنا أقرب إليك منك‪ ،‬فأيقن أنه‬ ‫رب العاملين‪ ،‬أيقن به وقال ‪ ‬كذلك ينبغي لك يا إلهى واآلن ازداد خوفا و روعه وإجالل‬ ‫ملا هو فيه ‪.‬‬

‫‪78‬‬


‫ّ‬ ‫قال تبارك وععاى ‪ :‬يا موس ى أدنو منى– اقترب من الشجرة‪ -‬فقام يتوكأ عى عصاه‬ ‫وقدماه ال تكادان تحتماله‪ ،‬قام وهو ف ّ‬ ‫شدة الخوف تصطك أسنانه وترععد فرائسه‪،‬‬ ‫ثم وقف فقال له رب العاملين‪ ،‬فقال له ما التى بيمينك يا موس ى قال ه عصاى أتوكأ‬ ‫َ َ ْ َ َ َ َ ُ َ َ َ َ َ َ َ َ َ َّ ُ َ‬ ‫اي أت َوكأ َعل ْي َها‬ ‫عليها وأهش بها عى غنمي "وما ِتلك ِبي ِمي ِنك يا موس ى قال ِهي عص‬ ‫ُ ْ‬ ‫َ ََ‬ ‫َو َأ ُه ُّ‬ ‫ش ِب َها َعى غن ِمي َو ِى َي ِف َيها َمآ ِر ُب أخ َرى" وكما روى اإلمام أحمد ف الزهد‪ ،‬وما كان‬ ‫أحد أجرأ بذلك منه ‪ ،‬ولكن أراد أن يأنسه أى كما يقال أن يدخل معه ف حديث‬ ‫عرض ى جانبى حتى يستأنس من وحشته‪ .‬وكانت عصا غليظة طويلة ولها شعبتان ولها‬ ‫محجل تحت الشعبتين‪ ،‬قال‪ :‬القيها يا موس ى فظن موس ى أن هللا تبارك وععاى أمره أن‬

‫موسى كليم هللا‬

‫يلقيها أى أن يلقيها إلقاء رفض عن بعد فرفضها أى ألقاها عن بعد فإذا ه حية عسع‬ ‫ٌ َ‬ ‫َ َ َْ َ َ ُ َ ََْ َ َ َ َ‬ ‫اها ف ِإذا ِه َي َح َّية ع ْس َع " ‪ .‬ف آية أخرى ولفها ‪ ‬بأنها جان‬ ‫"قال أل ِقها يا موس ى فألق‬ ‫وهو نوع لطيف سريع جدا من الحيات فاجتمع لها كما قال املفسرون ولفان‬ ‫الضخم والعظم والسرعة ولطافة الحركة‪ ،‬حية عظيمة جدا لم ينظر ولم يرى الراءون‬ ‫ٌ‬ ‫مثلها كأنها كما يقولون ف الروايات فمها بئر عظيمة جدا‪ ،‬وكان لها ف رأسها عرف‬ ‫املحجل شعر فيه كالنيازك أى كالرماح عظيمة جدا ال تمر بصخرة إال أكلتها بأسنانها‬ ‫ً‬ ‫وطحنتها طحنا‪ .‬فدخل موس ى من الخوف والروع وهللا به عليم حتى أنه ذهل عما كان‬ ‫فيه بموقف الخطاب الربانى ووى وأطلق ساقيه للريح ولم يعبأ ولم ينظر خلفه فهي لم‬ ‫تكن حية عادية‪ -‬املقطوع به أنها لم تكن حية عادية لو كانت حية عادية ما كان هابها‬ ‫أبدا‪ ،‬ألنه طويل قوى القلب والبدن شديد البأس أيهاب من حية لغيرة؟!‬

‫‪79‬‬

‫ف البعض الروايات أنه حين ألقاها لفرعون أول مرة دخل فرعون الحمام كذا‬ ‫مرة ف يوم واحد أكثر من أربعين مرة انحلت أحشاؤه من شدة الخوف وتدافع الكثير‬


‫من قوم فرعون فقتل منهم العشرات بذات بعضهم بعضا‪ ،‬حية عظيمة جدا آية من‬ ‫آيات هللا‪ -‬حتى أدرك موس ى أنه أعجز الحية فهى ال تدركه تذكر فاستحي من ربه تبارك‬ ‫وععاى ‪ .‬ونودى يا موس ى أقبل وال تخف انك من اآلمنين – أنت هنا ف حضرة رب‬ ‫العاملين ف موقف خطاب لم يقفه أحد من قبل ولعل أحد ال يقفه من بعد إال من‬ ‫ّ‬ ‫استنثني هللا تبارك وععاى أو من شاء هللا ألن محمد كلم رّبه ليلة املعراج بال شك–‬ ‫ّ‬ ‫والحية تصول وتجول وتنتقل من مكان إى مكان لعظهما ولسرعتها‬ ‫فعاد موس ى‬

‫وللطافة حركتها كأنها جان فقال رب العاملين خذها‪ ،‬وكان يلبس ‪ ‬مذرعة وقد خلها‬ ‫بالخالل من خشب فجعل طرف مذرعته عى يده وأراد أن يأخذ الحية فنودى يا موس ى‬ ‫أرأيت لو ‪ ‬أذن فيما تحاذر أكان يغنيك شيئا– لو أذن أن تبتلع هذه الحية أو تنهشك‬ ‫أكان يغنيك ذلك شيئا– قال كال فاستحيى وأخرج يده ووضعها ف فمها حتى أحس‬ ‫سنعيدها إى سيرتها األوى قدرة قادر ال إله إال هو‪.‬‬

‫موسى كليم هللا‬

‫بأسنانها فإذا ه نتقلب وإذا باملحجل ف يده والعصا عادت سيرتها األوى ف يده‪،‬‬

‫ُ َ‬ ‫َ َ ُ ْ َ َ َ َ ْ‬ ‫ف َس ُنع ُ‬ ‫يد َها ِس َيرَت َها األوى " فعادت فأطمئن موس ى ‪ ،‬وهنا‬ ‫"قال خذها وال تخ‬ ‫ِ‬ ‫أخبره هللا تبارك وععاى أنه نبى ورسول أرسله ‪ ‬الستخراج بنى إسرائيل وملقارنه طاغية‬ ‫العصر‪ ،‬قال ابن عباس رض ى هللا عنهما وأرضاهما أن هللا تبارك وععاى أوح إى موس ى‬ ‫ّ‬ ‫وهارون فيما بعد أنى أرسلكما إى رجل جبار عنيد فال عغرنكم ما تريانه أن ناليته‬ ‫ّ‬ ‫بيدى‪ ،‬ال ينطق وال يطرف إال بإذني وال يغرنكم ما متعته به من زينه الحياة الدنيا ولو‬ ‫شئت أللبستكم من زينة الدنيا ما يعلم معه فرعون أنه عاجز عن مثله ولكني أزود‬ ‫أوليائى واحميهم عن الدنيا وغرورها كما يحمى الراع ابله ويزودها عن الهلكة ليبلغ‬ ‫فيهم مراده‪ ،‬وألنير لهم مراكبى بسيماهم التى يعرفون بها– أى أنه أولياء هللا وأحبائه‬ ‫وخالته وأهله من خلقه– وأنى ألثأر ألوليائي كما يثأر الليث‪ .‬وف حديث وهب عند‬

‫‪80‬‬


‫اإلمام أحمد أيضا أنه ‪ ‬قال لهما– أو له– أنى أرسلك إى جبار عنيد أخذته الدنيا‬ ‫بغرورها وجهل مكانتى حتى تطاول وأدع األلوهية ُ‬ ‫وعبد من دونى وزعم أنه ال يعرفنى‬ ‫وبطر نعمتى وجحد رببوبيتى واستضعف عبادى‪ ،‬فأدخل عليه وعظه وقل له وأخبره‬ ‫بوجوب عبادعى واإلخالص‪ ،‬وقل له فيما بين ذلك قوال لينا لعله يتذكر أو يخش ى‬ ‫واخبره أنى إى املغفرة والعفو أسرع عندى من االنتقام والعقوبة وذكره بأيامي وحذره‬ ‫بطش ي وهكذا‪..‬‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫إذن نـ ًَ ًَ ًَ ًًـبـأ موس ى ف هذه البقعة املباركة‪ ،‬ف هذا املكان القدس ولذلك قال‬ ‫هللا تبارك وععاى له اخلع نعليك‪ ،‬ما ينبغ لك أن تدوس قدميك هذا املكان هذا املكان‬ ‫الطهور القدس وأنت منتعل قال ‪ ‬ألن نعاله كانوا من جلد حمار ميت فكان ينبغ أن‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫يخلع هاتين النعلين‪ ،‬فخلعهما ودخل إى هذه الحضرة اإللهية العجيبة‪ ،‬إذن هنا ف‬ ‫ُْ‬ ‫ً‬ ‫هذا املكان وهذا الحين ن ـبـأ موس ى ‪ ‬وكما قلنا ه قصة القدر تماما‪ ،‬القدر الغالب‬ ‫الذى يسوق األمور واملواقع والشخوص واألحداث والكوائن إى غاياتها ظاهرا وباطنا‬ ‫ُْ‬ ‫بتلطف وبقسوة؟ ملاذا هناك وجهه للغرابة؟ ألن موس ى ‪ ‬ن ـبـأ ف هذه البقعة‪ ،‬ف هذا‬ ‫املكان بالضبط كما أراد هللا بسبب‪ ..‬ملاذا؟ بسبب ضالله الطريق ‪ ..‬ضل ليهتدى وأي‬ ‫ً‬ ‫هدى كان له مقدر ‪ !‬ضل الطريق لكى يهتدى‪ ،‬لكن ال إى طريق الدنيا‪ ،‬ال طريق البالد‬ ‫والبقاع‪ ،‬إنما إى طريق النبيين واملرسلين‪ ،‬إى طريق املصطفين املخلصين هكذا‪ ،‬وهذا‬ ‫من ععاجيب القدر إذا تحدثنا عن القدر وكما أقول دائما فهذه ه قصة القدر تماما‪،‬‬ ‫لو تحدثنا عن القدر البد أن نعرف أن هللا تبارك وععاى ال يغالب عى أمره ‪ ‬أرأيتم وهلل‬

‫‪81‬‬

‫املثل األعى لو أن أحدكم كان يتابع أحداث فيلم مثال‪ ،‬هذا الفيلم أخرجه مخرج وكتب‬ ‫نصه كاتب‪ ،‬ما يقع للشخصية الرئيسية ف هذا الفيلم ملن يحضره وملن يتابعه ألول مرة‬ ‫قد يهجس ف نفسك أيها املشاهد أو الناظر هواجس كثير من األلم واإلشفاق والترقب‬


‫والخوف واملحاذرة إال أن البداية والنهاية واألوساط فيما بين ذلك كلها معروفه ملن؟‬ ‫للمخرج الذى أخرج هذا الفيلم وسيسوق بطله وشخصيته الرئيسية ف هذا الفيلم إى‬ ‫املصير الذى ّ‬ ‫أعده له‪ ،‬فكيف برب العاملين ال إله إال هو! إنه لو أراد هللا ‪ ‬حماية عبد‬ ‫لو اجتمعت عليه السماوات واألرض هل تنال منه؟ كال ولو أراد إهالك عبد‪ ،‬لو‬ ‫اجتمعت السماوات واألرض لحمايته والذود عنه هل عستطيع وهل تنجح؟ ال وهللا ومن‬ ‫هنا هذه العقيدة كما الحظ بعض املستشرقين عى ما فهما أسالفنا الصالحون ه‬ ‫أكبر مبعث ومحفز عى االستشهاد وقول الحق والوقوف ف مواقف الحق والصدع‬ ‫بالحق ال يخش ى فىاهلل لومة الئم ملاذا؟ ألن يقينه باهلل‪.‬‬

‫ما أسخف حسابات الناس! لألسف أن حسابات الناس دائما ه حسابات‬ ‫هللا تبارك وععاى ‪ ..‬لقد خسرت يقينك باهلل‪ ،‬خسرت ثقتك باهلل تبارك وععاى ألنك لم‬

‫موسى كليم هللا‬

‫املصالح‪ ،‬حسابات بشريه‪ ،‬حساب لهذا وحساب لهذا‪ ،‬وف النهاية ال يصدق إال تقدير‬ ‫تجعل ثقتك باهلل ‪ ‬وانشغلت بحساباتك املادية‪ ،‬فيكون أحيانا تدبيرك ف تدميرك‬ ‫يكون هالكك من حيث طلبت النجاة أو العكس‪ ،‬وهكذا يسخر القدر من الناس وعى��� ‫كل حتى هذا املصطلح ال أرى بأسا الستخدامه (سخرية القدر) بعض الناس‬ ‫يستخدمونه‪ ،‬كال بالعكس هللا عز وجل يستهزأ بالكفار واملشركين وضعاف اإليمان‬ ‫ويسخر أيضا بأمثال هؤالء لكن كيف يسخر القدر منهم حين يشبعهم بما لم يكونوا‬ ‫يتوقعون بما لم يكن ف حسبانهم ألال‪ ،‬بضد ما خططوا له وتوقعوه هكذا يسخر‬ ‫القدر منهم‪ ،‬وتقدرون فتضحك األقدار‪ ،‬أنت تريد وأنا أريد وال يكون إال ما أريد ‪ ..‬هل‬ ‫يستطيع بشر – أى بشر كان– عالم من العلماء أن يقول ف يوم من األيام– وهذا‬ ‫السؤال غير مطروح لهذا العصر إنما مطروح إى نهاية هذه الدنيا– لقد اكتشفنا‬

‫‪82‬‬


‫أبعد نجم ف الكون؟ ال يستطيع‪ ،‬من أدراك أنه ابعد نجم‪ ،‬وستكتشف أن هناك أبعد‬ ‫منه ‪ ..‬ال عستطيع ملاذا؟ ألنك لم تقدر أقدار هذه املخلوقات‪ ،‬النجوم والكواكب‪.‬‬

‫ما معنى القدر وما معنى التقدير؟ معنى القدر والتقدير هو اإلحاطة بالحدود‬ ‫واملقادير ف الزمان واملكان والجهات واألوضاع والظروف واألحداث واألحوال هذا هو‬ ‫القدر‪ .‬إذن هللا وحده ‪ ‬هو الذى يعرف أين هو أبعد نجم من األرض‪ ..‬يقولون أن‬ ‫األنواع الحيوانية مائة ألف نوع كذا‪ ،‬وكذا‪ ،‬وكذا وبعد خمس سنوات يكتشفون‬ ‫عشرات ماليين ‪ ..‬انتبهوا ألنه قبل خمس سنوات أن األنواع اقترب إى خمسة وسبعين‬ ‫مليون نوع‪ ،‬وهذا ما لم يخطر عى بال أحد من العلماء كم يعرفون منها؟ القليل‪ ،‬وقد‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫اكتشفوا ف محيط شجرة واحدة ف حوض امليسيسبي أكثر من ثالثة آالف وخمسمائة‬ ‫نوع من أنواع الحيوانات والحشرات ألول مرة لم تكن معروفه‪ .‬إذن ال يجوز للعالم أن‬ ‫يقول عدد ما خلق هللا من النوع الحيوانى كذا‪ ،‬والنوع النباعى كذا‪ ،‬ال عستطيع فمقدر‬ ‫األقدار هو الذى يعرف ذلك ‪ ‬وععاى وهو الذى يسوق كم قلت لكم األشخاص‬ ‫واألحداث واملواقف والظروف واألحوال إى غاياتها التى قدرها هو ‪ ‬وععاى وتبطل كل‬ ‫حسابات البشر بعد ذلك كل حسابات البشر تبطل ولذلك التاريخ قد يقف عى سن‬ ‫أبرة التاريخ كله‪ ،‬يعنى مصير إمبراطورية عظمى كأمريكا هذا ممكن أن يكون معلق‬ ‫ً‬ ‫بش يء ال يمكن أن يخطر عى بال واحد منا ألال‪ ،‬عى بال أى فرد من أفراد البشر‪ ،‬وال‬ ‫يعرف ذلك إال هللا وأنتم ععلمون أن هناك حضارات اندثرت وانتهت بسبب ماذا؟‬ ‫بسبب فرس‪ ،‬وأن هناك حضارات وأمم عاشت وامتدت بسبب إلبع طفل لغير‬ ‫وضعه ف جحر‪ ،‬ف هولندا وأنقذ بلد بكامله‪ ،‬وهو ال يدرى ماذا يفعل وال تدر هذه‬

‫‪83‬‬

‫اإللبع ماذا يفعل‪ ،‬لكن مقدر األقدار هو الذى يدر ‪.‬‬


‫اآلن قطعة خبز يأكلها مسلم تكون سببا ف تخليق حيوان منوى ف أحشائه ويتولد‬ ‫منها قائد يقود هذه األمة‪ ،‬نعم من قطعة الخبز هذه التى تيسرت له وربما وهو مسلوب‬ ‫الحرية‪ ،‬مسجون ف سجون أعداء األمة نعم هذه الخبزة سبب لكى يتخلف هذا‬ ‫اإلنسان ‪ ..‬بل حدث ما هو أعجب منه مع موس ى ‪ ‬ما يدرى كما قلنا سابقا هذا‬ ‫التابوت الذى وضع موس ى الرضيع املبارك ف الربيع امليمون وساقته األقدار إى آل‬ ‫فرعون ما أدرانا كيف لنعه النجار لعله كان أضيق قليال مما يجب ألن الخشب أعوذ‬ ‫النجار‪ ،‬وهللا أراد أن يكون بهذا الحجم‪ ..‬ملاذا؟ ألن الحجم هو الحجم املناسب تماما‬ ‫لسرعة تيار املاء ف ذلكم الحين والتجاهه أيضا ولسرعة الريح‪ ،‬ولو كان أكبر قليال ملا‬ ‫بلغ آل فرعون ف الوقت املحدد ربما بلغ ناس آخرين وستضيع الحكاية ويضيع التاريخ‬ ‫طريق لكن كان بمثل هذا أن يكون‪ ،‬إذا تكلمنا عن قدر هللا ويد هللا الصانعة العاملة ف‬ ‫الخشب وعملها هكذا توفيرا للوقت فصنعه بحجم معين كان هو املناسب تماما لتيار‬ ‫املاء واتجاه الريح وسرعتها كل هذا عند هللا محسوب ودقيق جدا‪ .‬كل ش يء محسوب‬

‫موسى كليم هللا‬

‫الخفاء ‪ ‬ولعل الصحيح أيضا أنه كان أكبر قليال ألن النجار كان عنده فائض من‬

‫ومراد ولذلك سر القدر ال يدريه احد وكيفية إجراء هللا ‪ ‬وسوقه األحداث إى غايتها ال‬ ‫يمكن أن يدريها بشر إال أن يشاء هللا‪.‬‬

‫أمر إلهى لعب وغامض جدا وقدر موس ى كما قلنا وكما سنقول ف الحلقات‬ ‫األخرى كلها تؤكد عى هذا املعنى دوما وأبدا‪ ،‬وها هو يضل ‪ ‬كما قلنا ويكون ضالله‬ ‫هو السبب ف أن يحادثه وأن يكلمه رب العاملين ف البقعة التى أراد هللا‪ ،‬ف املكان‬ ‫والوقت الذى أراد هللا ‪ ‬وععاى هكذا‪ ،‬موس ى ‪ ‬يستشعر من نفسه نقاط ضعف ثالثة‬ ‫األوى اللدغة التى كانت بلسانه فكان يعانى لدغه ف لسانه‪ ،‬ال ينطق الحروف وال يجيد‬ ‫الكالم عى وجهه واألمر الثانى الفعلة التى فعل حين قتل الفرعون القبطى‪ ،‬وهو يدرك‬

‫‪84‬‬


‫ُ‬ ‫ال محالة وعى يقين أنه لو أدرك سيأخذون به‪ ،‬فيخاف أن يقتلون‪ .‬واألمر الثالث‬ ‫واألخير خشية التكذيب‪ ،‬يخاف أن يكذبوه‪ ،‬أنت يا من عاش بيننا سنين من عمره‬ ‫عقودا نعرفك جيدا ولست ف هذا األمر ال من قبيل وال دبير من أين جاءتك النبوة؟!‬

‫التوراة تبرز‪ -‬وهذا خطأ وهذا أيضا غير منطقى‪ -‬أن خشية موس ى لم تكن من‬ ‫ً‬ ‫تكذيب فرعون وإنما من تكذيب شيوخ بنى إسرائيل هكذا وضح جدا انه كان يخش ى أن‬ ‫يكذبه شيوخ بنى إسرائيل وأن هللا أعطاه آية حية وآية‪ ،‬ووعده بآية ثالثه وه أن يأخذ‬ ‫بماء النهر– نهر النيل– ويضعه عى اليابسة فكل ما أخذه من ماء أحاله إى دم‪ .‬هذه‬ ‫اآليات أوتيها موس ى لكى يحاج بها شيوخ بنى إسرائيل وليس فرعون وهذا باطل‪ .‬التوراة‬ ‫تذكر أيضا أن هللا أمره أن يأخذ معه شيوخ بنى إسرائيل وأن يخبرهم أن هللا الطفاه‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫وأن هللا نبأه وأنه طلب إليه أن يخرجهم من أرض املذلة– من مصر‪ -‬فقال أنى أخاف‬ ‫أن يكذبون فأعطاه هللا هاتين اآليتين ثم وعده بالثالثة ‪ ..‬ال أنه كان يخش ى أن يكذبه‬ ‫فرعون‪ ،‬فقد فعل واتهمه بالجنون واتهمه بالسحر واتهمه ثالثة بأن له مآرب سياسية‬ ‫وسلطوية‪ ،‬وأنه يريد أن يغلب عى البالد هو وأخوه‪ ،‬وأن يكون له األمر‪ -‬طبعا هذا‬ ‫سنوضحه تماما ف الحلقة املقبلة حين نتحدث عى مسألة الطغيان‪ ،‬والطاغية‪،‬‬ ‫والحكم الشموىي وكيف يتصرف الطغاة ف كل عصر‪ ،‬وفرعون نموذجا للطاغية‬ ‫والطغيان هو حديث مهم جدا لحياتنا كمسلمين‪.‬‬

‫‪85‬‬

‫إذن ثالث نقاط ضعف توجس منها واستشعرها موس ى ‪ ‬وكان لادق تماما ف‬ ‫تقيمه لحالته ولوضعه‪ ،‬ألن فرعون أعاب عليه وعيبه باللدغة التى بلسانه قال فرعون‬ ‫َ ْ َ َ َ ْ ٌ ّ ْ َ َ َّ‬ ‫ُ َ َ ٌ َ ََ ُ ُ ُ‬ ‫لعنة هللا عليه "أم أنا خير ِمن هذا ال ِذي هو م ِهين وال يكاد ي ِبين" قال حتى أنه ال يحسن‬ ‫الكالم‪ ،‬وموس ى تخوف من هذه اللدغة أن يقال إنه ال يحسن أن يتكلم‪ ،‬ليس فصيحا‬


‫ال يبين ‪ ‬وأما أنه خاف من أن يقال عى الرجل الذى قتله‪ ،‬نعم وقد حذره فرعون‬ ‫َ ْ َ َ َ َ َّ َ ْ َ َ َ‬ ‫وقال وفعلت فعلتك التى فعلت وأنت من الكافرين " َوف َعلت ف ْعلت َك ال ِتي ف َعلت َوأنت‬ ‫م َن ْال َكافر َ‬ ‫ين" أى كفرت نعمتنا وجحدت حقنا وأنكرت ما كان لنا من يد عليك يا‬ ‫ِ‬ ‫ِِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َّ ْ ُ‬ ‫َ ُ‬ ‫موس ى‪ ،‬فأجاب عليه "فف َر ْرت ِمنك ْم ملا ِخفتك ْم ف َو َه َب ِىي َرِّبي ُحكما َو َج َعل ِني ِم َن‬ ‫ْ‬ ‫املُ ْر َس ِل َين" إذن حدث‪ ،‬وأما الثالثة فخاف أن يكذبوه فقد حدث وحصل كما ععلمون‬ ‫واتهم كما قلنا آنفا بالسحر والجنون واتهم بأن له مآرب سلطوية وسياسية‪ ،‬وأنه يبغ‬ ‫أن يغلب عى البالد وأن يحتكرها دون حاكمها الشرع ‪.‬‬

‫قال للفصاحة املعلومة لهارون ‪ ‬أريد أن ترسله معي فيحاج بها وعنها فيحصل‬

‫موسى كليم هللا‬

‫إذن ه ثالثة نقاط ضعف ‪ ..‬كيف عولجت هذه النقاط؟ النقطة األوى هللا تبارك‬ ‫وععاى أجابه بها حين شفع ف أخيه ودعا هللا تبارك وععاى أن يرسل أخاه معه عونا‬ ‫ومعينا يصدقوني– يؤمن بي– هذا مجاز عن تحصيل ما يكون تصديق من الغير وكأنه‬ ‫االقتناع والتصديق لآلخرين ممن سبق لهم الهداية فهو مجاز عن هذا املعنى فهذا ما‬ ‫ََ َ ُ ُ ُ َ َْ َ ُ ّ َ ً ََْ ْ ُ َ َ ْ ً‬ ‫يقصد به أنى أخاف أن يكذبون "وأ ِخي هارون هو أفصح ِم ِني ِلسانا فأر ِسله م ِعي ِردءا‬ ‫ََ ََْ َ‬ ‫ُ َ ّ ُ ّ َ َ ُ َُ ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ن‬ ‫يص ِدق ِني ِإ ِني أخاف أن يك ِذبو ِ " فأرسل هللا معه أخاه هارون نبيا "ووهبنا له ِمن‬ ‫َّ ْ َ َ َ َ ُ َ ُ َ َ ّ ً‬ ‫رحم ِتنا أخاه هارون ن ِبيا" ليس مجرد محاج ومبلغ ومخلص وإنما أيضا نبى‪ .‬ولذلك أم‬ ‫املؤمنين عائشة رض ى هللا عليها وأرضاها كانت مرة ف طريقها وف هودجها فسمعت‬ ‫قائال يقول لجماعته أتدرون أى أخ ُ‬ ‫أمن عى أخيه فلم يجيبوا‪ ،‬فقالت عائشة ملن‬

‫حول هودجها قولوا هو موس ى إذ شفع عند هللا ف أخيه فأرسله هللا نبيا فهو ُ‬ ‫أمن‬

‫واحد عى أخيه‪ .‬وكما قلنا ف الحلقة األوى من وجاهته إى هللا هذه وجاهه ما بعدها‬ ‫وجاهه وه أن تطلب من هللا ينبئ أخاك‪ ،‬ليس أن يعطيه قصرا وال ماال أو مجدا مؤثرا‬ ‫دنيويا‪ ،‬طلب نبوة فنباه هللا تبارك وععاى كرامة له ولدق هللا وكان عند هللا وجيها‬

‫‪86‬‬


‫موس ى ‪ ..‬إذن هذه املسألة حلت وألبح موس ى يتكلم باملعنى ويصو هذا املعنى‬ ‫هارون بتعبير التوراة تكون أنت له إلها‪ ،‬استغفر هللا‪ ،‬عندهم ععابير عجيبة جدا‬ ‫تكون أنت له لسانا وتكون أنت له إلها ونعوذ باهلل من أمثال هذه التعابير‪ ،‬ععابير‬ ‫عجيبة غريبة‪ ،‬وألقى الكالم ف أفواهكما هكذا تقول التوراة لتخبرا عنى وتبلغا عنى‪.‬‬

‫وعن أبى العالء املعرى الذى يقول أنا مستطيع بغيري ألنه كان أعمى‪ ،‬ولكن غيره‬ ‫هو الذى يبين له وهو الذى يقوده وهنا كان موس ى مستطيعا بغيره ومن أحسن ما قال‬ ‫أبو العالء املعرى ف هذا املعنى كان يقول تصدق عى األعمى بأخذ يمينه لتهديه وامنن‬ ‫بإسماعك الصم قال هذا نوع من الصدقة‪ ،‬وهذه من أحسن الصدقات‪ ،‬فتهدى‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫األعمى إى سبيله وطريقة‪ ،‬وعسمع األلم‪ ،‬كيف؟ بإفهامه‪ ،‬أى لو أنك أفهمت األلم‬ ‫بأى طريقة من الطرق فكأنك جعلته يسمع‪ ،‬ولو تكلمت عن األلد ومن ال يبين كالما‬ ‫يحولل ويلخص به املعنى‪ ،‬وجوهر املعنى ‪،‬ويحصل عى املعنى الذى يريد والذى يجول‬ ‫ف خاطره فكأنك تكلمت عنه‪ ،‬وكأنك تكلمت بلسانه هكذا‪ -‬فهذه القضية أيضا حلت‪.‬‬ ‫ما ف التوراة أن موس ى انعزل– طالب من هللا أن يعوله من هذه املهمة ال يريد نبوه وال‬ ‫رسالة– وهذا مستحيل أن يخرج هذا الكالم من نبى وكما قيل من قبل "وأن األنبياء‬ ‫لفي أمان من العصيان عمدا وال انعزال" ال يمكن أن يطلب النبي العزل‪ ،‬وهو أيضا ف‬ ‫أمان أن يعزله هللا‪ ،‬ال يوجد نبى يؤعى النبوة ثم يعزل‪ ،‬لم يحدث هذا من قبل وال ينبغ‬ ‫لنبي أن يطلب العزل ألال‪ ،‬وهذا لم يصدر ولم يحدث غير صحيح هذا وكل من يؤيد‬ ‫هذا فهو باطل‪ ،‬وهذا من بواطل أهل الكتاب قال يا سيد – موس ى يقول للرب‪ -‬لست‬ ‫لاحب كالم ال اليوم وال أمس‪ ،‬وال من أول أمس وال ح��ن كلمت عبدا هكذا يقول‬ ‫موس ى ععابير عجيبة جدا فأرسل بيدى من ترسل‪ -‬أى أرسل من تريد أن ترسل– تقول‬

‫‪87‬‬

‫التوراة فحمى غضب الرب عى موس ى جدا‪ ،‬هللا غضب عليه غضبا شديدا وقال‬


‫هارون ألست ععرفه‪ ،‬أخوه‪ ،‬أرسله معك‪ .‬كل هذا كالم باطل وينبغي أن يتجنب وهكذا‬ ‫أرسل هللا هارون مع موس ى ‪ ‬ليبلغ رساالت هللا إى طاغية العصر‪.‬‬

‫وأما النقطة الثالثة أن يؤخذ قوال وقصالا فقد أوح هللا إليهما بآياتنا أنتما ومن‬ ‫اتبعكما الغالبون قيل كان موس ى ‪ ‬يخاف من فرعون عندما يقف أمامه وكل الناس‬ ‫ألنه كان طاغية والعياذ باهلل عظيم ف طغيانه‪ ،‬حتى أن بعض الروايات تقول أن موس ى‬ ‫ملا استأذن عليه لم يؤذن له عى اختالفه إليه وهو وهارون إال بعد سنتين‪ ...‬طاغية‬

‫هو الخوف‪ ..‬ما معنى من الرهب؟ هنا اختلف املفسرون قال عبد الحمن بن زيد‬ ‫ورجحه بن جرير‪ ،‬وقال به من الرهب أى من الخوف الذى حصل من هول ما رأيت‬

‫موسى كليم هللا‬

‫ممتنع بالحرس‪ ،‬فعكف هللا الفضيلة فجعل الخوف كله ف قلب فرعون وكنا موس ى ‪‬‬ ‫َ‬ ‫إذا وقف أمامه يخاف منه خوفا شديدا وموس ى ‪ ‬مطمئنا بإذن هللا " َو ْ‬ ‫اض ُم ْم ِإل ْي َك‬ ‫ََ‬ ‫َ‬ ‫َج َن َ‬ ‫اح َك ِم َن َّ‬ ‫الر ْه ِب فذ ِان َك ُب ْر َهان ِان ِمن َّرِّب َك" الجناح هو اليد‪ ،‬الطيور لديها جناحان‪،‬‬ ‫اليدان ذوات األربع لها جناحان القائمتان األماميتان‪ .‬ولذلك سمى اليد جناحا‪ ،‬الرهب‬

‫العصا التى تحولت إى ثعبان‪ ،‬وععنى اآلية هنا أن تضع يدك عى قلبك‪ ،‬إذا وضعت‬ ‫يدك عى قلبك يسكن ما بك وهذا ضعيف واألقوى منه الذى رجحه الكثير من‬ ‫املفسرين اآلخرين أن يكون املعنى عاما وليس بسبب رؤية ما رأى ولكن بكل حال يا نبي‬ ‫إذا دخلك خوف أو رهب فضع يدك عى قلبك يسكن ما بك دائما ف كل حال‪ ،‬قال بن‬ ‫كثير رحمة هللا عليه هذا أن كان خالا به بموس ى لكن أن فعله مؤمن عى سبيل‬ ‫اليقين باهلل واقتداء األنبياء حق له أن يحصل له نوع من األمن إن شاء هللا تبارك‬ ‫وععاى ‪.‬‬ ‫‪88‬‬


‫توكل عليه وبه‪ ،‬الثقة ف هللا تبارك وععاى ‪ ،‬وأما البرهانان هما العصا واليد وكان‬ ‫موس ى طويال جعد الشعر وكان قمحيا اللون‪ ،‬هللا أوح اليه أسلك يدك ف جيبك ما‬ ‫هو الجيب‪ ،‬ليس جيب املذرعة وكان يلبس مذرعه‪ ،‬إنما الجيب من كل ثوب ما جب من‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫أعاله هذه الفتحة جاال ونساء‪ ،‬بخمورهن عى جيوبهم " َو ْل َي ْ‬ ‫ض ِرْب َن ِبخ ُم ِر ِه َّن َعى‬ ‫ر‬ ‫ُُ‬ ‫وب ِه َّن" ما جيب وما قص من الثوب من أعاله هذا هو الجيب‪ .‬هللا أوح إليه ضع‬ ‫جي ِ‬ ‫يدك ف فتحة مذرعتك يقال لها بالعامية وبالفصح أيضا العب وهذا هو العب‪،‬‬ ‫الجيب‪ ،‬فوضع يده ف جيبه وأمره أن يخرجها فأخرجها فإذا بها شديدة البياض كأنها‬ ‫قطعه قمر ف تألأل شديد قال ععاى من غير سوء‪ ،‬من غير برص ومن غير بهق‪ ،‬إنما ه‬ ‫آية‪ .‬من عجائب التوراة تقول فأدخلها ثانية فهى كالثلج‪ ،‬هللا يقول من غير سؤ انظروا‬ ‫ّ‬ ‫إى تنزيل القرآن واى دقة الولف القرآنى عى عكس هذا التخبط آية من آيات هللا‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫عى خالف لونه تماما قلنا أن لونه قمحي شديد األدمة وأما يده ه بيضاء كالقمر حتى‬ ‫إذا أعادها مرة أخرى فعادت كما كانت إى لونها‪ .‬قال هذان برهانان من ربك إى‬ ‫َ َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫فرعون وملئه أنهم كانوا قوما فاسقين "َفذا ِن َك ُب ْر َهان ِان ِمن َّرِّب َك إى ِف ْر َع ْون َو َمل ِئ ِه ِإ َّن ُه ْم‬ ‫َ ُ َْ ً َ‬ ‫َ‬ ‫اس ِقين" ما معنى فاسقين‪ ،‬أى خارجين عن الصراط املستقيم نكروا عنه‬ ‫كانوا قوما ف ِ‬ ‫وخرجوا عن الجادة‪.‬‬

‫الخطبة الثانية‬ ‫الحمد هلل رب العاملين‪ ،‬الحمد هلل الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن‬ ‫السيئات ويعلم ما تفعلون ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من‬

‫‪89‬‬

‫فضله والكافرون لهم عذاب شديد واشهد أن ال إله إال هللا وحده ال شريك له واشهد‬ ‫أن سيدنا وموالنا محمد عبد هللا ورسوله لى هللا ععاى عليه وآله الطيبين الطاهرين‬ ‫وصحابته املباركين املجاهدين وأتباعهم بإحسان إى يوم الدين‪.‬‬


‫اللهم إنا نسألك ف هذا املقام الكريم ف هذا اليوم الكريم اللهم أللحنا كما‬ ‫أللحت الصالحين اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين وال مضلين‪ ،‬نحب بحبك‬ ‫من أحبك ونعادى بعداوتك من خالفك اللهم أهدنا وأهدى بنا وأللحنا وأللح بنا‪،‬‬ ‫اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر اللهم حقق آمالنا واختم بالباقيات‬ ‫الصالحات والسعادة آجالنا وأعمارنا‪ ،‬اللهم اجعل خير أعمارنا خواتيمها وخير‬ ‫أعمالنا أواخرها وخير أيامنا يوم نلقاك يا رب العاملين‪ ،‬اللهم اغفر لنا ولوالدينا‬ ‫وللمسلمين واملسلمات املؤمنين واملؤمنات األحياء منهم واألموات بفضلك ورحمتك‬ ‫انك سميع مجيب الدعوات‪ .‬أعنا عى ذكرك وشكرك وحسن عبادتك اللهم تقبل‬

‫اإليمان وزينه ف قلوبنا ّ‬ ‫وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين‪،‬‬ ‫اللهم ال تدع لنا ف هذا اليوم ذنبا إال غفرته وال ّ‬ ‫هما إال ّ‬ ‫فرجته وال كربا إال نفسته وال‬

‫موسى كليم هللا‬

‫توبتنا‪ ،‬واجب دعوتنا وأعطنا حاجتنا سؤالنا‪ ،‬ربنا اغفر لنا وإخواننا الذين سبقونا‬ ‫باإليمان وال تجعل ف قلوبنا غال للذين امنوا‪ ،‬رّبنا أنك رءوف رحيم‪ ،‬اللهم حبب إلينا‬

‫مريضا إال شفيته وال مسجونا إال أحسنت فكاكه‪ ،‬وال غائبا إال رددته‪ ،‬وال ّ‬ ‫ميتا إال‬

‫رحمته وال مدينا إال قضيت عنه دينه يا رب العاملين‪ ،‬اللهم زدنا وال تنقصنا واعطنا وال‬ ‫تحرمنا‪ ،‬وأكرمنا وال تهنا‪ ،‬وانصرنا وال تنصر علينا وخذل عنا وال تخذلنا وأرضنا‬ ‫برحمتك يا ارحم الراحمين‪ .‬اللهم انصر اإلسالم‪ ،‬وأعز املسلمين وأعى بفضلك كلمتي‬ ‫الحق والدين‪ ،‬اللهم انصر عبادك املوحدين إخواننا املجاهدين ف كل مكان ف‬ ‫فلسطين والعراق والشيشان وأفغانستان وف كل مكان لك فيه عباد يوحدون يا رب‬ ‫العاملين‪ ،‬اللهم انصرهم عى من عاداهم إلهنا وإلههم إله الحق رب العاملين‪.‬‬ ‫‪90‬‬


‫عباد هللا! إن هلل يأمر بالعدل واإلحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء‬ ‫واملنكر والبغ يعظكم لعلكم تذكرون اذكروا هللا العظيم يذكركم واشكروه عى نعمه‬ ‫يزيدكم واسألوه من أفضاله يعطكم‪.‬‬ ‫**************************‬

‫موسى كليم هللا‬

‫‪91‬‬


‫مع الكليم موسى –ح‪ -6‬الظاهرة الفرعونية‬

‫إن الحمد هلل‪ ،‬نحمده ونستعينه ونستغفره‪ ،‬ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا‬ ‫وسيئات أعمالنا‪ ،‬من يهده هللا فال مضل له‪ ،‬ومن يضلل فال هاد له‪ ،‬وأشهد أال إله إال‬ ‫هللا وحده ال شريك له وال نظير له وال مثال له‪ ،‬وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبد هللا‬ ‫ورسوله ولفوته من خلقه وأمينه عى وحيه لى هللا ععاى عليه وعى آله الطيبين‬ ‫الطاهرين وصحابته املباركين املجاهدين وأتباعهم بإحسان إى يوم الدين وسلم‬ ‫ً ً‬ ‫عسليما كثيرا‪.‬‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫عباد هللا! أوليكم ونفس ي الخاطئة بتقوى هللا العظيم ولزوم طاعته‪ ،‬كما‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أحذركم وأحذر نفس ي من عصيانه ومخالفة أمره لقوله سبحانه وععاى من قائل " َم ْن‬ ‫َ َ ْ َ َ َ َ َ ْ َ َ َ َ ُّ َ َ ّ ْ‬ ‫َ َ َ ً َ َْ‬ ‫َ‬ ‫يد"‪.‬‬ ‫ظ‬ ‫ب‬ ‫ك‬ ‫ب‬ ‫ا‬ ‫م‬ ‫و‬ ‫ا‬ ‫ه‬ ‫ي‬ ‫ل‬ ‫ع‬ ‫ف‬ ‫اء‬ ‫س‬ ‫أ‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫و‬ ‫ه‬ ‫س‬ ‫ف‬ ‫ع ِمل ل ِالحا ف ِلن‬ ‫ر‬ ‫الم ِللع ِب ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ٍ‬ ‫ثم أما بعد أيها اإلخوة املسلمون األفاضل‪ ،‬أيتها األخوات املسلمات الفاضالت‬ ‫يقول املوى الجليل سبحانه وععاى في محكم التنزيل بعد أن أعوذ باهلل من الشيطان‬ ‫الرجيم‪ ،‬بسم هللا الرحمن الرحيم‬ ‫َ‬ ‫ْ َ‬ ‫َ َ َ ََ ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫" َو َل َق ْد َأ ْر َس ْل َنا ُم َ‬ ‫وس ى ِب َآيا ِتنا َو ُسلط ٍان ُّم ِب ٍين‪ِ 26‬إى ِف ْر َع ْون َو َه َامان َوق ُارون فقالوا‬ ‫َ َ ُ ْ ُ ُ َ ْ َ َّ َ ُ‬ ‫اب‪َ 24‬ف َل َّما َج ُ‬ ‫اءهم ب ْال َح ّق م ْ‬ ‫َساح ٌر َك َّذ ٌ‬ ‫ين َآمنوا َم َع ُه‬ ‫ندنا قالوا اقتلوا أبناء ال ِذ‬ ‫ع‬ ‫ن‬ ‫ِ ِ ِ ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ ْ َ ُْ َ ُ ْ ََ ُْ‬ ‫َ‬ ‫ال ف ْر َع ْو ُن ذ ُروني أق ُت ْل ُم َ‬ ‫َ‬ ‫وس ى‬ ‫ِ‬ ‫الل‪ 28‬وق َ ِ‬ ‫واستحيوا ِنساءهم وما كيد الكا ِف ِرين ِإال ِفي ض ٍ‬ ‫َ‬ ‫َ ْ َ ْ ُ َ َّ ُ ّ َ َ ُ‬ ‫ْ َ َ َ ‪ّ َ ُ َ َ َ 23‬‬ ‫اف َأن ُي َب ِّد َل ِد َين ُك ْم َأ ْو َأن ُي ْظه َ‬ ‫األ ْ‬ ‫وس ى ِإ ِني‬ ‫ض الفساد وقال م‬ ‫ي‬ ‫ف‬ ‫ر‬ ‫وليدع ربه ِإ ِني أخ‬ ‫ر‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ‬

‫‪92‬‬


‫ْ‬ ‫ُع ْذ ُت ب َرّبي َو َر ّب ُكم ّمن ُك ّل ُم َت َك ّبر ال ُي ْؤم ُن ب َي ْوم ْال ِح َساب‪َ 27‬و َق َ‬ ‫ال َر ُج ٌل ُّمؤ ِم ٌن ِّم ْن ِآل‬ ‫ِ ِ ِ ِ ِ‬ ‫ٍِ‬ ‫ِ ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َّ ّ ُ‬ ‫ْ َ ْ َن َ ْ ُ ُ َ َ ُ َ َ ْ ُ ُ َن َ ُ ً َ ُ َل َ ّ َ َّ ُ َ َ ْ َ ُ ْ َ ّ َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ات ِمن رِبكم و ِإن‬ ‫ِفرعو يكتم ِإيمانه أتقتلو رجال أن يقو رِبي اّلل وقد جاءكم ِبالب ِين ِ‬ ‫َ ُ َ ً َ ََْ َ ُ ُ َ َ ُ َ ً‬ ‫ض َّالذي َيع ُد ُك ْم إ َّن َّ َ‬ ‫قا ُيص ْب ُكم َب ْع ُ‬ ‫اّلل ال َي ْه ِدي َم ْن‬ ‫يك ك ِاذبا فعلي ِه ك ِذبه و ِإن يك ل ِاد‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َْ‬ ‫َ‬ ‫ْ َ َ َ ُ َُ‬ ‫اب‪َ 28‬يا َق ْوم َل ُك ُم ْاملُ ْل ُك ْال َي ْو َم َظاهر َ‬ ‫ُه َو ُم ْسر ٌف َك َّذ ٌ‬ ‫س‬ ‫أ‬ ‫ب‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫ا‬ ‫ن‬ ‫ر‬ ‫نص‬ ‫ي‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫ف‬ ‫ض‬ ‫األ‬ ‫ي‬ ‫ف‬ ‫ين‬ ‫ر‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫الرش ِاد‪َ 29‬وق َ‬ ‫ال ِف ْرع ْون َما أريك ْم إال َما أ َرى َو َما أه ِديك ْم إال َسب َ‬ ‫اّلل إ ْن جاءنا ق َ‬ ‫يل َّ‬ ‫ال‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ َ َ َ ْ ّ َ َ ُ ََْ ُ ّ ْ َ َ ْ َ‬ ‫َّ‬ ‫األ ْح َزاب‪ 63‬م ْث َل َد ْأب َق ْوم ُنوح َو َعاد َو َث ُمودَ‬ ‫م‬ ‫و‬ ‫ي‬ ‫ل‬ ‫ث‬ ‫م‬ ‫م‬ ‫ك‬ ‫ي‬ ‫ل‬ ‫ع‬ ‫اف‬ ‫خ‬ ‫أ‬ ‫ي‬ ‫ن‬ ‫إ‬ ‫م‬ ‫و‬ ‫ق‬ ‫ا‬ ‫ي‬ ‫ن‬ ‫آم‬ ‫ي‬ ‫ذ‬ ‫ال‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫َ ْ ْ َ َ َّ ُ ُ ُ ُ ْ ً ّ ْ َ ‪َ َ ُ َ َ ّ ْ َ َ َ 61‬‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫َو َّالذ َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫عل ْي ُك ْم يوم التناد‪62‬‬ ‫ين ِمن بع ِد ِهم وما اّلل ي ِريد ظلما ِلل ِعبا ِد ويا قو ِم ِإ ِني أخاف‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُّ‬ ‫ضلل َّ ُ‬ ‫ََ ُ ْ‬ ‫َي ْو َم ُت َولو َن ُم ْدبر َ‬ ‫ين َما ل ُكم ّم َن َّ ْ َ‬ ‫اّلل ف َما ل ُه ِم ْن َه ٍاد‪"66‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫اّلل ِمن ع ِ‬ ‫ال ٍم ومن ي ِ ِ‬ ‫ِِ‬ ‫ّ‬ ‫لدق هللا العظيم‪ ،‬وبلغ رسوله الكريم‪ ،‬ونحن عى ذلكم من الشاهدين‪ ،‬اللهم‬ ‫اجعلنا من شهداء الحق القائمين بالقسط‪ ..،‬آمين اللهم آمين!‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫أيها اإلخوة األحباب‪ ،‬أيتها األخوات الفاضالت! كما وعدنا سوف نت��دث في‬ ‫خطبتنا اليوم إن شاء هللا تبارك وععاى عن ظاهرة الفرعونية التي تتجاوز فرعون‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫كشخص‪ ،‬فهذه الظاهرة ال ععادل تماما وبالضبط وبالكلية شخص فرعون‪ ،‬بل‬ ‫فرعون ذاته مكون من مكوناتها‪ ،‬وعنصر من عنالرها ليس أكثر‪ ،‬ومن هنا باستثناء‬ ‫معظم السياق الحكائي والروائي في كتاب هللا تبارك وععاى ‪ ،‬فإن فرعون ال يرد بهذا‬ ‫اللقب أو بهذا االسم‪ ،‬إنما يرد في مركب "آل فرعون" "كدأب آل فرعون"‪" ،‬نجيناكم‬ ‫ً‬ ‫من آل فرعون"‪ ،‬القرآن يتحدث كثيرا عن "آل فرعون" وليس عن فرعون باستثناء‬ ‫السياق الحكائي‪ ،‬ألن مقتضيات الرواية والحكاية أن يتحدث عن الشخوص كما كانوا‬

‫‪93‬‬

‫بمقوماتهم وبمحدداتهم‪ ،‬لكن مقتضيات االستخالص والدرس واالعتبار أن يتحدث‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والظاهرة تقتض ى أن ّ‬ ‫يتحدث عن آل فرعون عن أشيائه ووزرائه‬ ‫عن الظاهرة‪،‬‬ ‫وأعوانه وجنده وتبعه وعبادته‪ ،‬عبادته الذين دخلوا في دينه‪ ،‬الذين أطاعوا أمره‬


‫َ ْ َ َ َّ َ ْ َ ُ َ َ َ ُ ُ َّ ُ ْ َ ُ َ ْ ً َ‬ ‫َ‬ ‫اس ِقين" جعلوا طاعة‬ ‫وفسقوا عن أمر هللا "فاستخف قومه فأطاعوه ِإنهم كانوا قوما ف ِ‬ ‫فرعون لها األولوية‪ ،‬ودين فرعون له األولوية‪ ،‬وأمر فرعون له األولوية‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ما من نبي‪ ،‬كما قدمنا غير مرة‪ ،‬ذكر اسمه وكررت حكايته في الكتاب العزيز كما‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ذكر اسمه وتليت حكاية موس ى عليه الصالة وأفضل السالم‪ ،‬وإذا ذكر موس ى مباشرة‬ ‫يتبادر ذكر فرعون وذكرى فرعون لعنة هللا عليه‪ ،‬فما سر هذا الترداد وهذا التكرار‬ ‫امللفت للنظر لهذه الحكاية في كتاب هللا؟! ال شك أن هذا ّ‬ ‫السر يتجاوز اإلمتاع‬ ‫القصص ي والتلذاذ الحكائي‪ ،‬بل أن طريقة القرآن في الرواية والحكاية التاريخية ال‬ ‫يمكن أن يأخذ منها إال أن مقصد اإلمتاع هو عى األقل من بين مقالدها‪ ،‬لكنه ليس‬

‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫نعود من حيث ابتدأنا لنقول‪ :‬ما هي الظاهرة الفرعونية؟ نريد أن نحللها‪ ،‬نريد أن‬ ‫ّ‬ ‫نجرحها‪ ،‬وطبعا ال يتسع مثل هذا املقام‪ ،‬وال عشرات املقامات لهذا‪ ،‬ولذلك ربما‬ ‫سنتناولها من طرف واحد فقط‪ّ ،‬‬ ‫ولعل لنا عودة إن شاء هللا تبارك وععاى إى هذه‬ ‫الظاهرة‪ ،‬وهذا ما يمكن أن يعد من أهم ما يمكن أن يدرس ُويعتبر به في حكاية وقصة‬ ‫كليم هللا موس ى عليه الصالة وأفضل السالم‪.‬‬

‫موسى كليم هللا‬

‫من أولوياتها‪ ،‬فاألولوية لالستخاللات واالعتبار‪ ،‬وهذا هو املقصد القرآني العتيد‬ ‫والرئيس من الحكاية ّ‬ ‫والسرد الروائي ألالة‪ ،‬وقد ذكر القرآن املسلمين بذكر هذه‬ ‫ً‬ ‫الحكاية كثيرا قبل أن تكون وتقوم لهم دولة وسلطة وهيبة ومنعة‪ ،‬وكأن القرآن يريد‬ ‫ّ‬ ‫أن يلفت أنظارنا إى أن هذه الظاهرة‪ ،‬وليست ّ‬ ‫مسلط ّ‬ ‫جبار‬ ‫قصة شخص أو حاكم‬ ‫ّ‬ ‫عنيد‪ ،‬إنما هذه الظاهرة ظاهرة الفرعنة والفرعونية لعلها تتصدر قائمة أو سلسلة‬ ‫األسباب التي تقف وراء اندثار وانهيار وانكسار وضعف عجز وسلبية األمم‬ ‫ً‬ ‫والجماعات‪ ،‬وهذا ما موقع بالضبط ّ‬ ‫ألمتنا وال يزال واقعا‪.‬‬

‫‪94‬‬


‫موسى كليم هللا‬

‫ظاهرة الفرعونية‪ ،‬كما قلنا‪ ،‬هي ظاهرة ال ععادل شخص‪ ،‬هي أكبر من شخص‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫والشخص ّ‬ ‫مكون واحد بها‪ ،‬فرعون ّ‬ ‫مجرد من عباده وشيعته وأتباعه ووزرائه ومعينه‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ال يساوى إال شخصا واحدا‪ ،‬بل ال يساوى إال شخصا ضعيفا‪ ،‬ألن الطغاة في حقيقتهم‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫أشخالا وشخوص ضعاف جدا ومتهافتون وفارغون داخليا‪ ،‬وفارغون من اإلنسانية‬ ‫ً‬ ‫ألال ّأنهم بشر‪ ،‬ال يمكن أن يعدو من الناس‪ ،‬ولم يرتقوا إى رتبة إنسانية‪ ،‬إنهم بشر‬ ‫أي حمأ مسنون طين وماء ال أكثر‪ ،‬هم بشر في هذه الرتبة‪ ،‬ولكنهم لم يتساموا ولم يعلوا‬ ‫إى رتبة وإى مصاف وإى أفق إنسان وإنسانية‪ ،‬هم ّ‬ ‫مجرد بشر‪ ،‬ولذلك هم بشر ضعاف‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫جدا‪ ،‬وفارغون وتافهون بكل معنى الكلمة‪...‬إذن فرعون كشخص ال يساوى إال شخصا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ضعيفا تماما‪ ،‬لكن كيف عسنى لهذا الضعيف وبالتمام‪ ،‬وال يزال يتسنى لنفس أفراد‬ ‫هذه العائلة ّ‬ ‫سيئة الذكر‪ ،‬عائلة الفراعنة الطواغيت الدكتاتوريين املجرمين العامليين‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫واملحليين‪ ،‬كيف عسنى وال يزال يتسنى لهم أن يغروا الناس بقتل بعضهم بعضا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وبتهديد بعضهم بعضا‪ ،‬وباغتيال الحقوق وحبس الحريات والتخوض في أموال العبادة‬ ‫واألمة‪ ،‬وإرخاص الدماء وإفشال القضايا‪ ،‬وهدر كل املحرمات وتدنيس كل‬ ‫ّ‬ ‫املقدسات؟!‬

‫حكى لنا هذا القرآن الكريم والكتاب العزيز أن فرعون هذا أمر ألجيال بتذبيح‬

‫‪95‬‬

‫أجيال من ذكور بنى إسرائيل‪ ،‬أطفال لغار في املهد لم يجرحوا ال كبيرة وال لغيرة‪،‬‬ ‫كانوا يذبحون‪ ،‬ولعهم يذبحون بتشهي وبتلذاذ وبرضا تام من ذباحيهم وجزاريهم‪ ،‬وقد‬ ‫عبر القرآن عن هذا املعنى املريب املخيف بقوله ّ‬ ‫"يذبحون" ولم "يذبحون" ألنهم كانوا‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫يلتذ ويبالغ في هذا التلذاذ الوحش ي كل ّ‬ ‫ّ‬ ‫والجبارين في كل‬ ‫الجزارين‬ ‫يلتذون تماما كما‬


‫لقع وفي كل ِمصر‪ ،‬في كل آن وفي كل أين‪ ،‬أي في زمان وفي كل مكان‪...‬هذا هو السؤال‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫كيف عسنى وكيف يتسنى لهم ذلك؟!‬ ‫ً‬ ‫هذا السؤال كبير جدا‪ ،‬وقد طرحه أكثر من دارس‪ ،‬وأكثر من باحث‪ ،‬وأكثر من‬ ‫عالم إلالحي في هذا الشئون‪ ،‬ومن خير الجوابات التي وقعت عليها جواب ذلك‬ ‫ّ‬ ‫الدارس الذي قال‪ :‬يتم لهم ذلك ببساطة بهذا املفتاح السحري "توزيع املهام" أي توزع‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فردا بإنجاز ّ‬ ‫املهمة املوكلة إليه‬ ‫املهمات واملسئولية‪ ،‬ولذلك يقوم كل أحد فريقا كان أو‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يتحسس ولحظة أنه يساهم في مجزرة‪ ،‬في مذبحة‪ ،‬في جريمة كبرى أو حتى‬ ‫دون أن‬ ‫ً‬ ‫لغرى يوكل إى فريق ّ‬ ‫مهمة االعتقال فيعتقلون اآلالف وعشرات اآلالف أحيانا‪،‬‬

‫تكتمل هذه الحلقة أو هذه الدائرة الشيطانية امللعونة بأخر حلقاتها وه حلقة أولئك‬ ‫العتاة القساة ّ‬ ‫الذباحين الذين يمارسون عملية الذبح والتقتيل وبشهوة‪ ،‬وليس شهوة‬

‫موسى كليم هللا‬

‫ومئات اآلالف في أحيان أخرى‪ ،‬وإىي فريق آخر مهمة التجميع فيجمعون‪ ،‬وإى فريق‬ ‫ً‬ ‫ثالث مهمة النقل إى معسكرات االعتقال‪ ،‬وإى فريق رابع مهمة الحراسة‪ ،‬وأخيرا‬

‫االنتقام‪ ،‬إنما هي شهوة الوحش القابع والكامن لألسف في عمق كل واحد منا‪ ،‬كل‬ ‫واحد منا هناك وحش يقبع في باطنه‪ ،‬هذا الوحش يمكن يستثر في أي لحظة لذرائع‬ ‫وألسباب ومسوغات مختلفة‪.‬‬

‫هؤالء العتاة الذين يشكلون الحلقة الشيطانية األخيرة التي تكتمل وتنغلق بها‬ ‫الدائرة دائرة املجزرة‪ ،‬دائرة املذبحة‪ ،‬دائرة االضطهاد والظلم ليس من ّ‬ ‫الصعب‬ ‫ً‬ ‫والعسير العثور عليهم‪ ،‬بل نقول إنه من السهل جدا العثور عليهم‪...‬ملاذا؟ ألنه من‬ ‫ً‬ ‫السهل جدا تحريك هذا الوحش القابع في نفس كل واحد منا‪.‬‬

‫‪96‬‬


‫ً‬ ‫هناك عالم قض ى شطرا من حياته للجواب عن هذه األسئلة املحيرة التي جعلت‬ ‫أحضر لهذه الخطبة ّ‬ ‫ّ‬ ‫وأحدد عنالرها الرئيسة‬ ‫الواحد منها‪ ،‬وأنا ال أخفيكم وأنا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫وبالتقزز لكوني إنسانا‪ ،‬يغلب عليك شعور‬ ‫واستجمع أفكاري شعرت فعال بالعار‬ ‫ً‬ ‫عجيب جدا وعسأل هل أنا هذا‪ ،‬هل يمكن أن أكون أنا كهذا‪ ،‬هل يلتقي هذا معي في‬ ‫نسب أو في ألل‪ ،‬هل أنتمي إى هذا النوع العجيب؟! نحن نظلم الوحوش والحيوانات‬ ‫حين نصف هذه األفعال بالحيوانية والوحشية‪..‬ال بالعكس علماء األقوام ّ‬ ‫يقررون أن‬ ‫العدوانية بهذه الشراسة والشره هي امتياز إنساني لرف‪ ،‬وليست موجودة في الذئاب‪،‬‬ ‫وال ّ‬ ‫السباع‪ ،‬وال في الفهود‪ ،‬وال في النمور‪ ،‬وال في الحيات‪ ،‬وال في التماسيح‪ ...‬أنها امتياز‬

‫موسى كليم هللا‬

‫لهذا الكائن العجيب‪ ،‬الكائن السماوي الذي هو نفحة من روح هللا سبحانه وععاى‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫يمكن أن يحقق بها علوية وتألها باتجاه لوب الربوبية‪ ،‬لوب األقدس باملطلق‬ ‫ّ‬ ‫واإلطالق‪ ،‬لكنه في نفس الوقت قبضة من حمأ مسنون‪ ،‬من طين منتن متعفن‪ ،‬ويمكن‬ ‫ّ‬ ‫أن يتدنى بهذا العنصر الثاني في ثناويته إى أن يكون أقل من حيوان وأسفل من بهيمة‬ ‫بكثير‪ ،‬ولذلك العدوانية امتياز إنساني محض‪.‬‬ ‫ً‬ ‫أريك فروم عالم النفس وعالم االجتماع أيضا األملاني اليهودي الكبير واملشهور‬ ‫الذي شرح التدميرية اإلنسانية في كتابه الفذ "عشريح التدميرية اإلنسانية"‪ ،‬تحدث‬ ‫عن العنف بذكاء وقسمه أقسامه الثالثة حسب رأيه والطالحه ومعرفته‪ :‬عنف‬ ‫للدفاع عن النفس وهذا مشروع من حيث األلل‪ ،‬عنف دفاعي كي أدافع عن‬ ‫مقوماعي‪ ،‬عن عرض ي‪ ،‬عن أ ض ي‪ ،‬عن ّ‬ ‫مقدساعي‪ ،‬عن أمالكي‪ ،‬عن أهىي‪ ،‬عن ذاعي‪..‬‬ ‫ر‬ ‫ً‬ ‫وعنف استكماىي نستكمل به جريمة أخرى‪ ،‬ويكون من ضروريات هذه الجريمة أحيانا‪،‬‬

‫‪97‬‬

‫فمستحيل أن تتم جريمة اغتصاب إال بعنف‪ ،‬ولكن العالقة بين االغتصاب والعنف‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫معقدة جدا‪ ،‬فأيهما املقتض ي وأيهما املقتض ى مسألة تكفل بها علم النفس الذي درس‬


‫ً‬ ‫َ‬ ‫واملغتصب‪ ،‬والسرقة أحيانا تقتض ي‬ ‫املغتصب‬ ‫هذه املسألة بتوسع‪ ،‬ودرس نفسية‬ ‫ٍ‬ ‫العنف‪ ،‬وكذلك القتل‪...‬هذا العنف االستكماىي‪.‬‬ ‫والعنف الثالث هو مبحثنا اليوم حين نشرح ظاهرة الفرعنة والفرعونية‪ ،‬وهو‬ ‫عنف مرض ي بال شك وال ريب‪ ،‬أنه عنف ألجل العنف‪ ،‬ألجل االستمتاع بالعنف‪ ،‬عنف‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ألجل اللذة وألجل أن نشبع شيئا ما في أعماقنا‪ ،‬وهذا ش يء مخيف ومخيف جدا! مثل‬ ‫ً‬ ‫هذا العنف لم تنجو منه ّأمة وال جماعة‪ ،‬وقد وقع في األمم البدائية جدا‪ ،‬ويقع في األمم‬ ‫ً‬ ‫املتحضرة جدا‪ ،‬هي متحضرة إى درجة أنها قريبة‪ ،‬بل ارتدت إى البدائية كما قال أحد‬ ‫ً‬ ‫الفالسفة الفرنسيين‪ ،‬قال‪ :‬إنهم متحضرون مصقولون تماما كالحديد الذي بولغ في‬ ‫ً‬ ‫لقله فصار قابل تماما للصدأ‪ ،‬ألن الحديد إذا بولغ في لقله يصير قابل بسرعة‬ ‫للصدأ‪ ،‬وهؤالء متحضرون إى درجة أنهم ألبحوا بدائيين‪.‬‬

‫مراحل كثيرة من تاريخهم من هذا العنف الذي تمارسه السلطة بالذات‪ ،‬لكن تمارسه‬ ‫ليست كسلطة ّ‬ ‫مجردة‪ ،‬إنما تمارسه بأدواتها بي أنا‪ ،‬وبك‪ ،‬وبه‪ ،‬وبهم‪ ،‬ولذلك إذا أردنا‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫أن نعرف السلطة فنقول إن السلطة هي القدرة عى تحويل اإلنسان إى جثة أوال‪ ،‬ثم‬ ‫ً‬ ‫إى ش يء أخرا‪ ،‬يتحول إى ش يء‪ ،‬إى مجرد أداة‪...‬هذا الكيان املعقد املؤهل أن يكون‬ ‫خليفة هللا في األرض يتحول إى مجرد أداة‪ ،‬وصحيح أنها أداة بها حياة‪ ،‬ولكن حياة‬ ‫ً‬ ‫حيوانية‪ ،‬ليس من جنس ومن نوع الحياة اإلنسانية‪ ،‬هذا ي��حول إى أداة ويفقد تماما‬

‫موسى كليم هللا‬

‫هذا الذي توقعه أكثر من مفكر ألبح اآلن فلسفة حياة‪ ،‬فأنتم اآلن عسمعون عن‬ ‫ً‬ ‫فلسفة ما بعد الحداثة‪ ،‬وتماما ععادل هذه الفلسفة فلسفة البدائية‪ ،‬ما بعد الحداثة‬ ‫عساوى البدائية‪ ،‬التحلل من كل مقومات املدنية‪ ،‬من كل ما أعطى اإلنسان معاني‬ ‫ّ‬ ‫والتمدن والتمدين‪..‬هذه هي ما بعد الحداثة‪ ،‬هؤالء يبتكرون هذا‬ ‫اإلنسانية والحضارة‬ ‫العنف بدرجات مخيفة وبألوان فاقعة‪ ،‬حتى املسلمون لم ينجوا‪ -‬لألسف الشديد‪ -‬في‬

‫‪98‬‬


‫ً‬ ‫ألال غير وارد عنده‪ ،‬فال يمكن أن يكون‬ ‫خلق التساؤل عن املبرر األخالقي‪ ،‬ألن التبرير‬ ‫وار ًدا في ذهن أداة مهما بلغ بها من تطور البحث عن مبرر‪ ،‬ألنها ّ‬ ‫مجرد أداة‪ ،‬وكون‬ ‫الش يء مجرد أداة يساوى أن ُيفعل به فقط‪ ،‬وليس له أدنى فعالية‪ ،‬والتساؤل والقلق‬ ‫من باب أقسام الفاعلية‪ ،‬هكذا يتحول اإلنسان إى أداة‪ ،‬وباللغة الدارجة في بالدنا‬ ‫ً‬ ‫العربية "عبد مأمور" أي أداة‪ ،‬فأنت أقل من عبد‪ ،‬فالعبد يطالب بحريته‪ ،‬وتماما أداة‬ ‫عستخدم أداة‪ ،‬فهذا الشباك أداة وأنت ال تزيد عنه في أي ش يء‪ ،‬طاملا أنت بارئ من هذا‬ ‫التساؤل‪ ،‬من هذا القلق األخالقي الضمائري فأنت أداة إذن‪ ،‬ولكن مادام هذا القلق‬ ‫يساورك ويجتاح فتنفض وتصيبك الحمى فال عستطيع أن تنام كما ينام الوادعون‬ ‫البارئون من دماء العباد وأعراضهم وأموالهم ومظاملهم فلن تبلغ درجة أن تكون أداة‪،‬‬

‫موسى كليم هللا‬

‫أنت أداة متأنسة‪ ،‬فيك ش يء من اإلنسانية‪....‬هذا ما يريده الطغاة وهو أن يحولوا‬ ‫الناس إى أدوات‪ ،‬هذه الحلقة امللعونة األخيرة‪ ،‬حلقة العتاة القساة ّ‬ ‫الذباحين‬ ‫ّ‬ ‫الجالدين هي حلقة األدوات‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫إذن هكذا تنجز املجزرة‪ ،‬وهذا ليس كل ش يء‪...‬ملاذا؟ نقول من الذي أرغم هؤالء‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وهؤالء‪ ،‬وهؤالء‪ ،‬وهؤالء أخيرا عى أن يقوموا بما قاموا به‪ ،‬فهم بالقطع واليقين‬ ‫ً‬ ‫عندهم شائبة معرفة أو علم أن وراء األكمة شيئا‪ ،‬أن هذه اإلجراءات وهذه األفعال‬ ‫ً‬ ‫ُ ُ‬ ‫ستنتهي إى ش يء ليس حسنا في عرف الضحية‪...‬فلماذا يفعلون؟ املبدأ هو " َما أ ِريك ْم‬ ‫َ‬ ‫َ ُ‬ ‫َ َ َّ َ‬ ‫الرشاد" لقد سلخونا من إنسانيتنا‪ ،‬لقد غلبونا عى‬ ‫ِإال َما أ َرى َو َما أ ْه ِديك ْم ِإال س ِبيل‬ ‫عقولنا‪ ،‬وعى ضمائرنا وعى أحاسيسنا وعى مشاعرنا ونحن قبلنا بذلك تحت مبدأ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫الطاعة‪ ،‬أنا عبد مأمور‪ ،‬أنا رجل بيروقراطي موظف في جهاز ضخم جدا أدين له‬ ‫بالوالء وباالحترام‪ ،‬هذا الجهاز اسمه الحكومة حكومة ثورة‪ ،‬حكومة ملك‪ ،‬حكومة‬ ‫ّ‬ ‫جهنم أو إبليس ال يعنينا األمر‪ ،‬لكن أنا موظف بيروقراطي لدر إىي األمر ّ‬ ‫ومهمتي‪ ،‬بل‬

‫‪99‬‬

‫وكفاءعي تقاس وتقدر وتقيم بمقدار إنجاز هذا األمر‪..‬هكذا‪ ،‬هذا هو اإلنسان‪ ،‬هذا هو‬


‫خليفة هللا في األرض؟! كما قلت لكم‪ ،‬الحيوان خير منه‪ ،‬خير منه بكثير وسوف نرى‬ ‫ونبرر هذه املقولة مرة أخرى‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ععلمون الضابط النازي الكبير املشهور عامليا أودلف أيخمان‪ ،‬أيخمان كان‬ ‫ً‬ ‫ً ً‬ ‫جدا ومشهور‪ ،‬وهو يحتمل ً‬ ‫ضابطا نازيا في فرق العالفة ومسئول‬ ‫جزء هائلة من‬ ‫مسئولية إبادة يهود أوروبا أثناء الحرب العاملية الثانية بأمر النازي الفوهلر القائد‬ ‫هتلر‪ ،‬وقد ّزور هويته مع نهاية الحرب وفر إى األرجنتين‪ ،‬لكن املخابرات الصهيونية‬ ‫قامت بالقبض عليه وأقيمت له محكمة في القدس املحتلة‪ ...‬املحتلة من من؟ من‬ ‫ّ‬ ‫أصحاب جرائم الهولوكوست الجديد‪ ،‬من جالدي اليوم الذين كانوا باألمس القريب‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫جدا ضحايا هتلر‪ ،‬وهم اآلن يديرون هولوكوست دائما ومستمرا لشعب كامل‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫باملاليين‪...‬ش يء غريب هذا اإلنسان!‬ ‫ُحوكم هذا الرجل‪ ،‬ولم ينف أي تهمة ُوجهت إليه‪ ،‬جمعت وأمرت وأعدمت وقتلت‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫املتخصص في الدفاع عن مجرمي نازية‬ ‫وأحرقت؟ نعم كل هذا فعلته‪ ،‬ومحاميه أيضا‬ ‫ً‬ ‫أيضا بالجرائم‪ ،‬لكن دفعوا بهذا الدفع الوحيد‪ ،‬وال أدرى ملاذا لم ّ‬ ‫تتقبله‬ ‫األمس أقر‬ ‫املحكمة الصهيونية‪ ،‬كان عليها أن ّ‬ ‫تتقبله‪ ،‬وكان عى كل محكمة تفكر اليوم بعقلية‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫حداثية أو ما بعد حداثية أن ّ‬ ‫تتقبله أيضا ألنه يعكس فلسفتها بالضبط‪ ،‬تماما هذه‬ ‫فلسفتهم‪ ،‬وفلسفة الطغيان‪ ،‬وفلسفة الفراعين في كل زمان ومكان‪ ،‬قال‪ :‬أنا لم‬ ‫عساورني مسألة التسويغ األخالقي‪ ،‬هل ما فعلته حسن أو غير حسن‪ ،‬كان ينبغي أن‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫أفعل أو ال أفعل‪ ،‬هذه املسألة لم تقلقني ولم أعساءل‪ ..‬طبعا ضابط كبير ومثقف هذا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وقبل أن يبيد بعض يهود أوروبا عاش بأمر النازي في بعض الجيتوهات اليهودية في‬ ‫أوروبا‪.‬‬

‫‪100‬‬


‫املهم‪ ،‬أيخمان نفسه قال‪ :‬لم عساورني مسألة التبرير األخالقي‪ ،‬وقال ال ينبغي أن‬ ‫ّ‬ ‫تحاسبوني وال أن تقاضوني وتحاكموني عى أنني فعلت هذا الش يء‪ ،‬بل عى كيف‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فعلته‪ ،‬وقد فعلته بإتقان‪ ،‬فعلته جيدا وأدرته بشكل جيد‪ ،‬أي قتل أكبر عدد مثال في‬ ‫أقل مدة وبأساليب حضارية‪ ،‬وقال‪ :‬أنا رجل بيروقراطي لدرت ّ‬ ‫إىي األوامر فنفذتها‪،‬‬ ‫ينبغي أال تحاسبوني عى أهداف هذه اإلبادة‪ ،‬وإنما عى الوسائل والكيفية‪ ،‬كيف‬ ‫ً‬ ‫نفذت األمر‪ ،‬كيف كنت متقنا في تنفيذي لهذا األمر‪ ،‬ومعنى هذا أن هذا الرجل كان‬ ‫يطالب املجتمع العاملي واملجتمع الصهيوني بمكافئته عى أنه بيروقراطي‪ّ ،‬‬ ‫ولدقوني‬ ‫ً‬ ‫لو أردنا أن نذهب مع هذه املسألة إى آخرها فلسفيا‪ ،‬من منطلق الفلسفة الغربية‬ ‫الحداثية وما بعد الحداثية عى سواء‪ ،‬كان ينبغي أن يكافئ هذا الرجل ُويعطى جائزة‪،‬‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫ّ‬ ‫لكنهم متناقضون وكذبة‪ ،‬مسكونون بتناقضات قيمة ال ّأول لها من آخر‪ ،‬وقد رفضوا‬ ‫هذا الدفع وحكموا عليه باإلعدام‪.‬‬ ‫ً‬ ‫البعض قد ّ‬ ‫يتقزز من هذا الدفاع العجيب جدا! هذا الرجل ليس أسوأ من أي‬

‫ّ‬ ‫جالد عربي‪ ،‬ليس أسوأ من أي جالد مسلم سواء كان هذا الجالد في عهد بني أمية الذين‬ ‫قذفوا الكعبة باملنجنيق وقتلوا آل بيت رسول هللا‪ ،‬وهتكوا أعراض ألف من بنات‬ ‫الصحابة والتابعين وتابعي التابعين‪ ،‬أو من جالدي العباسيين‪ ،‬أو املماليك‪ ،‬أو‬ ‫العثمانيين‪ ،‬أو الدول العربية اليوم جمهورية وملكية ومسيحية‪ ،‬كلهم يصدرون عن‬

‫‪101‬‬

‫نفس املنطق‪ ،‬كلهم يقولون "عبد مأمور"‪ ،‬ملاذا اسأل عن التبرير األخالقي؟ ألني عبد‬ ‫مأمور‪..‬إذن مازلنا بعد ألفين وخمسمائة سنة من هالك فرعون موس ى ندين بالوالء‬ ‫وباإلتباع لقيم فرعون وقيم آل فرعون الذين أراد هللا عشرات املرات أن ّ‬ ‫ينصبهم وأن‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫يشخصهم لنا شاهدا عى انحالل اإلنسان‪ ،‬وانهيار مقومات هذا اإلنسان‪ ،‬عى‬


‫ّ‬ ‫انخفاض هذا اإلنسان إى دركة بشر‪ ،‬إى دركة طين‪ ،‬مازلنا نتفلسف بفلسفة الظاملين‬ ‫دون أن ندري‪.‬‬ ‫ً‬ ‫جلست ّ‬ ‫مرة إى مسئول عربي كبير‪ ،‬ويحتفي الرجل أنه قد عذب كثيرا من الناس‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وطبعا هو أيضا بعقلية أداتية ال يريد أن يسميهم ضحايا‪ ،‬ألن في عسميتهم ضحايا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ً ّ‬ ‫ّ‬ ‫تجريما لنفسه‪ ،‬فهو قد عذب ناسا‪ ،‬عذب بشرا‪ ،‬وفي الحقيقة هؤالء املعذبون ال‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫بشرا‪ ،‬ألنهم ُي ّ‬ ‫جردون من إنسانيتهم ومن بشريتهم هذه‪ ،‬إنهم‬ ‫يسمون ال ناسا وال‬ ‫ّ‬ ‫أرقام‪..‬السجين رقم واحد‪ ،‬السجين رقم ‪ 1833‬هم فقط أرقام‪ ،‬وهو عذب هذه األرقام‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫هكذا تختزل إنسانيتنا إى مجرد أرقام‪ ،‬ويعذب هذه األرقام تماما كما يعذب شيئا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ش يء يعذب شيئا بضمير مرتاح‪ ،‬برضا تام ألن األمر لدر إليه أن يعذب‪ ،‬أن ينتهك‪ ،‬أن‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫يقتل‪ ،‬أن يصادر‪ ،‬أن يظلم‪...‬فهو عبد مأمور‪..‬هذا هو اإلنسان! لو كان حسابك يوم‬ ‫الدينونة إى فرعون ستنجو‪ ،‬لو كان حسابك إى هتلر أو أيخمان ستنجو‪ ،‬لكن مادام‬ ‫ً‬ ‫حسابك لن يكن إال لرب العاملين‪ ،‬فاهلل رب العاملين ستهلك وأي هالك‪ ،‬ستهلك هالكا‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عظيما‪...‬ملاذا؟ ألن هذا ّ‬ ‫سيتقدمك إى نار جهنم‪،‬‬ ‫املقدم‪ ،‬فرعون زمانك‪ ،‬فرعون بلدك‬ ‫ً‬ ‫وسيوردك هذه النار لتشرب منها وبئس الورد املورود‪ ،‬ولن يملك لك ال شيئا‪ ،‬ستفشل‬ ‫تمام ًا فلسفتكما عى السواء‪ ،‬فلسفة ّ‬ ‫السيد وفلسفة العبد أمام قانون رب العاملين‬ ‫ً‬ ‫الذي لم يخلنا منه‪ ،‬ولم يتركها همال وسدى دون أن يضوء وينير حياتنا بهذا القانون‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الحجة البالغة علينا سبحانه وععاى ‪ ،‬قال‬ ‫بضوابطه‪ ،‬بمبادئه‪ ،‬بكوابحه‪ ،‬ولذلك فله‬ ‫سبحانه "إن فرعون وهامان وجنودهما" أي اآلمر واملأمور‪ّ ،‬‬ ‫ولدقوني نحن نعيش هذا‬ ‫التناقض‪ ،‬هذا التضاد والفصامية‪.‬‬

‫‪102‬‬


‫ً‬ ‫ً‬ ‫حين درسنا التاريخ وكنا لغارا ّلينين ضعافا بسطاء نتشكل كما تتشكل قطعة‬ ‫عجين‪ ،‬لم ندرس لألسف بعمق تواريخ األنبياء‪ ،‬لراعات األنبياء‪ ،‬واقرءوا القرآن‬ ‫الكريم ال عليكم أن ععودوا إى أي كتاب خارجي‪ ،‬اقرءوا القرآن الكريم وحده وحسب‪،‬‬ ‫القرآن يذكر لراعات الرسل دائما مع الفراعين والطواغيت إبراهيم ونمرود‪ ،‬موس ى‬ ‫وفرعون‪ ،‬محمد وفراعين عصره مثل أبي جهل وأمثاله‪ ،‬مع الطواغيت الكبار‪ ،‬لكن‬ ‫نحن لم ندرس التاريخ من هذا املنظور القرآني اإللهي‪ ،‬درسنا كان درس فرعوني‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وعلمونا كيف ّ‬ ‫نقدس الفراعين العظام الذين بنوا األهرامات العظيمة من عجائب‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الدنيا وخوفو وخفرع ومنقرع‪ ،‬علمونا أن نعظم هؤالء وأن نجلهم‪ ،‬وأعمونا بالكامل في‬ ‫أن ننظر في فضائحهم وآثامهم‪ ،‬في مظاملهم وأن نشرح هذه الظاهرة امللعونة‪ ،‬أعلن‬ ‫ظاهرة في تاريخ اإلنسان‪ ،‬ظاهرة الظلم والفرعنة والفرعونية‪...‬ال‪ ،‬القرآن يفعل‬ ‫العكس دوما‪ ،‬وسوف نرى إى قيم القرآن ننتمي وننحاز أم إى قيم الفراعين؟! في كل‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫أين وآن هذه مسألة أخرى البد من يجيب عنها‪ ،‬ويجيب عنها كل واحد منها‪.‬‬

‫"إن فرعون وهامان وجنودهما" لم يقل هللا إن فرعون وحده‪ ،‬وأما وزرائه‬ ‫وحاشيته وبطانته وكل جنده وأتباعه وأشياعه فهؤالء برئاء البد أن يدخلوا جنات‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫النعيم‪ ،‬ألنهم ظلموا أيضا باالستضعاف‪...‬كال! هناك مسألة هي أخطر مسألة في‬ ‫ّ‬ ‫خطبة اليوم‪ ،‬يطيب لنا دوما أن نتساءل عن مسئولية الجالد‪ ،‬عن مسئولية الجزار‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫الضحية‪.‬‬ ‫لكن ملاذا ال نرفع عاليا سؤاال آخر أهم وهو مسئولية‬

‫وعى ذكر أيخمان‪ ،‬لقد فجرت محاكمته في القدس ا��لحتلة من النازيين الجدد‬ ‫‪103‬‬

‫مسائل حساسة وعالقة إى اليوم‪ ،‬من ضمنها مسألة املجالس اليهودية‪..‬ما معنى‬ ‫املجالس اليهودية؟ تلك املجالس التي أنشأها النازي‪ ،‬والتي كانت قوادها يهودا‪ ،‬يهود‬


‫هم الذين كانوا يحرسون املعتقالت‪ ،‬ينزعون املالبس‪ ،‬ويصدرون األوامر الصغيرة‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫أيضا‪ ،‬ولعلكم رأيتهم في بعض األعمال الفنية السينمائية ما بدا وما ظهر من قسوة‬ ‫ً‬ ‫بعض هؤالء الشديد عى أبناء دينه وجلده مع أنهم كانوا يهودا‪ ،‬وهذا الذي ألقم اليهود‬ ‫ً‬ ‫حجرا ولم يستطيعوا أن يجيبوا في هذه النقطة‪...‬هؤالء يهود هم ألول وفروع‬ ‫ً‬ ‫الضحايا‪ ،‬وملجرد أنهم بيروقراطيين فقد نفذوا األوامر أيضا بدقة وبتمامية‪...‬فلماذا ال‬ ‫يحاكمون؟!‬

‫موسى كليم هللا‬

‫الجيش الفرنس ي الباغي الغازي الذي غزا بالد الشام سوريا في أول القرن‬ ‫ً‬ ‫العشرين‪ ،‬فوجئ السوريين املسلمون املوحدون أن كثيرا من عنالر هذا الجيش هم‬ ‫ً‬ ‫مسلمون من املغرب ومسلمون من السنغال‪ ،‬مسلمون أيضا كانوا يذبحون السوريين‪،‬‬ ‫ويقصفون املساجد‪ ،‬ويروعون اآلمنين‪..‬مسلمون أدوات‪ ،‬لكنهم ليسوا ضحايا‪ ،‬بمنطق‬ ‫ً‬ ‫َ ْ َ َ َّ‬ ‫اع ُ‬ ‫ف َق ْو َم ُه َف َأ َط ُ‬ ‫وه" لقد‬ ‫القرآن العظيم ضحايا‪..‬ال‪ ،‬ولكنهم أدوات‪..‬نعم "فاستخ‬ ‫ً‬ ‫خفضهم‪ ،‬وهم مخفضين إى رتبة أداة تماما كالحذاء الذي يمش ي به‪ ،‬كالصولجان‪،‬‬ ‫كالطلقة في مسدسه‪ ،‬أداة ال أكثر‪ ،‬لكن أداة من لحم ودم لألسف الشديد‪ ،‬وليس لها‬ ‫تجليات اللحم والدم العليا‪ ،‬إنما لها تجليات لحم ودم دنيا وليس عليا‪ ،‬تجليات بشرية‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ال إنسانية‪...‬فهذا السؤال أيضا البد أن نقف أمامه طويال‪ ،‬مسئولية الضحية؟!‬

‫لقد قال النازيون إن اليهود أنفسهم الضحايا كانوا يستسلمون للسجن‬ ‫ً‬ ‫واالستغالل والتجميع والذبح‪ ،‬ولو أنهم قاموا ألمكن أن ينجوا منهم ‪ ،%83‬لكنهم لم‬ ‫يقاموا‪ ،‬والذي يغيظ أمريكا اليوم وإسرائيل‪ ،‬والذين يضربون عى نغمات أمريكا‬ ‫وإسرائيل أولئك الذين يسمونهم باإلرهابيين‪ ،‬باملتردين‪..‬ععرفون ملاذا؟ ألنهم ال يريدون‬ ‫هذه الدرجة من االستخزاء واالستضحاء‪ ،‬وقد سميتها مرة قبل ذلك باالستضحاء‪،‬‬

‫‪104‬‬


‫ونحن ّنددنا بهذا االسم االستضحاوية الذي يبرزها بعض املسلمين‪ ،‬وأبرزها الشيعة‬ ‫في قرون خالية‪..‬الفئة املظلومة‪ ،‬ال! االستضحاوية مرفوضة باملنطق القرآني‪ ،‬أنا‬ ‫ً‬ ‫عزيزا‪ ،‬وإذا أريدت لهذه ّ‬ ‫العزة أن تنتقص سأعيش‬ ‫سأعيش‪ -‬هكذا منطق املسلم‪-‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫مقاوما مجاهدا‪ ،‬ألن من قتل دون نفسه فهو شهيد‪ ،‬من قتل دون عرضه فهو شهيد‪،‬‬ ‫ً‬ ‫من ُقتل دون ماله فهو شهيد ألن ماىي فيه ّ‬ ‫عزة أحيانا في حياة لم تحترم الفقر وال قيم‬ ‫ُ‬ ‫الفقر‪ ،‬ععز األغنياء والواجهين‪ ،‬أما املعدمين فال عزة وال كرامة‪ ،‬ولذلك من قتل دون‬ ‫ماله‪ ،‬دون عرقه‪ ،‬دون ّ‬ ‫عزته فهو شهيد‪ ،‬والنبي يقول‪ :‬إن مت فأنا شهيد‪ ،‬وإن لم أمت‬ ‫فأنا مجاهد سأناضل عن شرفي‪ ،‬عن ذاعي‪ ،‬عن حدودي‪ ،‬عن أرض ي‪ ،‬عن ترابي‪ ،‬عن‬ ‫ً‬ ‫كرامتي بكل ما أملك‪ ،‬هذا النضال يعطيني شرف أن أكون مجاهدا‪ ،‬وإذا سقطت فهذا‬ ‫ً‬ ‫السقوط يعطيني كرامة أن أكون شهيدا‪.‬‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫ً‬ ‫هذا املنطق ال يعجب مطلقا جورج بوش وأشياع جورج بوش في العراق وفي‬ ‫فلسطين وفي كل مكان‪ ،‬هذا منطق اإلسالم األلوىي املتطرف‪ ،‬واملصطلحات الذي ما‬ ‫أنزل هللا بها من سلطان‪ ،‬لكن املسلم ال يستطيع إال أن يعيش بها شاءوا أم أبوا‪..‬ملاذا؟‬ ‫ألنه يقرأ القرآن‪ّ ،‬‬ ‫ولدقوني أنا قلتها ّ‬ ‫مرة‪ :‬أمامهم خيار واحد فقط‪ ،‬إذا أرادوا أن‬ ‫يقضوا عى هكذا فكر فعليهم أن يمحوا هذا القرآن من الوجود وهم يحاولون‪ ،‬لكن‬ ‫سيبوئون بخيبة األمل وبالعار وباإلحباط واليأس الكامل املطلق‪ ،‬ألن هذا الكتاب ليس‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫موجودا في املهارق والصحائف فقط‪ ،‬موجود في لدور الذين أمنوا به وال يزالون اللهم‬ ‫ّ‬ ‫اجعلنا منهم‪ ،‬والذين عاشوا به وعاشوا له وال يزالون اللهم اجعلنا منهم! يعيشون له‬ ‫ويعيشون به‪ ،‬بهذا الكتاب العزيز‪ ،‬بكلمات هللا‪ ،‬بهذه العصمة من كل طغيان‪ ،‬ومن كل‬ ‫فساد وفسوق وعصيان‪..‬هذا هو العصمة الوحيدة‪ ،‬وهللا ال عصمة سواه‪ ،‬ال عصمة‬

‫‪105‬‬

‫إال بهذا الكتاب! اآلن تداخل كل ش يء‪ ،‬ال يوجد ال مركزية وال مرجعية وال نظر‪..‬كل ش يء‬


‫يضيع اآلن‪ّ ،‬‬ ‫يتبجحون اآلن بخيانتهم‪ ،‬فالخائن اآلن العميل في االستخبارات الغربية‬ ‫والصهيونية والدول االستعمارية ّ‬ ‫يتبجح بخيانته‪ ،‬والوطني الشريف كأنه بدا يشعر‬ ‫بالخزي والعار من وطنيته‪...‬في أي زمان نعيش نحن؟! أيخمان ليس أسوأ من أي جالد‬ ‫عربي أو مسلم من بني أمية إى حكومات اليوم العربية واإلسالمية‪ ،‬ليس أسوأ ألنهم‬ ‫ً‬ ‫جميعا ينطلقون من نفس املنطلق‪ ،‬ويصدرون عن نفس املصدر ونفس الفكر‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ضحية حق أن يكون‬ ‫ضحية‪...‬أنه ليس‬ ‫إذن القرآن لم يعط من يظن نفسه‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ضحية‪ ،‬أنه مجرم أيضا‪ ،‬وقد جاء أحدهم وسأل اإلمام أحمد‪ ،‬قال‪ :‬يا إمامنا‪ ،‬يا أبا‬

‫وعلماء للمسلمين‪ ،‬لقد كان بني أمية وبني العباس يسمون الظلمة بشكل واضح عند‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫العلماء وعند الناس‪ ،‬ألنهم فعال كانوا ظلمة‪ ،‬وسأقول لكم معنى عجيب جدا‪ :‬إن هللا‬ ‫ً‬ ‫سبحانه وععاى في القرآن الكريم الذي نتلوه إى اليوم يخاطب بني إسرائيل دائما عى‬ ‫أنهم قتلة األنبياء‪ ،‬عى أنهم الذين يكذبون وكذبوا األنبياء‪ ،‬لكن بني إسرائيل اليوم‬

‫موسى كليم هللا‬

‫ً‬ ‫عبد هللا!‪-‬هذا اإلمام أحمد ال يحفظ القرآن وحده‪ ،‬وإنما يحفظ مليون حديث أيضا‪،‬‬ ‫أي من أدرى ما خلق هللا من هذه األمة بنص شرعها‪ -‬أنا أعلم في سجون الظلمة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وهكذا كانوا يسمونهم‪ ،‬وليس كاملخابيل اليوم ممن ّ‬ ‫يسمون أنفسهم مفكرين ومشايخ‬

‫يقولون نحن لم نقتل األنبياء‪ ،‬صحيح كذبوا محمد‪ ،‬لكنهم لم يكذبوا األنبياء اآلخرين‬ ‫في زمان أجدادهم‪ ،‬ولكن القرآن خاطبهم بما فعل أجدادهم‪...‬ععرفون ملاذا؟ ألن‬ ‫املصادقة ال تزال موجودة‪ ،‬فهم يصادقون عى ما فعل أجدادهم‪ ،‬ولم يسموه باسم‬ ‫ً‬ ‫قبيح يبرأون ويبرئون ذمتهم مما فعل أجدادهم‪ ،‬ونحن مثلهم تماما‪ -‬كما قال الرسول‪-‬‬ ‫ُ‬ ‫إن لم نبرأ إى هللا من مظالم بني أمية وبني العباس ومظالم العرب اليوم سنحشر معهم‬ ‫يوم القيامة‪ ،‬وهللا سيقول لنا أنتم مخاطبون بخاطبهم وتنضمون تحت رايتهم ألنكم لم‬ ‫‪106‬‬


‫تبرءوا ذمتكم من أفعالهم‪ ،‬لم ععلقوا عليها الفتة وعسموها باسمها الحقيقي‪...‬ال‪ ،‬لقد‬ ‫كانوا مسلمين عى أحسن ما يكون اإلسالم‪ ،‬إذن فلتحشر معهم يوم القيامة!‬ ‫ّ ً‬ ‫ً ً‬ ‫سجانا عند العباسيين‪ ،‬فجاء وقال‪ :‬يا أبا عبد‬ ‫هذا الرجل كان واعيا جدا‪ ،‬وكان‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫سجانا‪ ،‬فهل ّ‬ ‫أعد من أعوانهم؟ فابتسم اإلمام أحمد‪ ،‬وقال‪ :‬كال يا أخي‬ ‫هللا أنا أعمل‬ ‫ّ‬ ‫لست من أعوانهم‪ ،‬أنت منهم‪...‬ما هذا السؤال ّ‬ ‫السخيف؟! أنت جالد‪ ،‬أنت ظالم‪ ،‬قال‪:‬‬

‫موسى كليم هللا‬

‫لست من أعوانهم‪ ،‬أنت منهم‪ ،‬وأعوانهم هم الذين يشعلوا لهم املصابيح في الشارع‪،‬‬ ‫الذين يبرون لهم األقالم‪ ،‬الذين يصلحون الدواب‪..‬هؤالء هم أعوانهم! أنت منهم يا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫رجل وسيحشرك هللا معهم يوم القيامة‪ ،‬وليوردنك هبهب واد في جهنم عستعيذ جهنم‬ ‫للجبارين في األرض ألنك منهم‪ّ ،‬‬ ‫منه كل يوم سبعين مرة أعدها هللا ّ‬ ‫الجبارين الظلمة‬ ‫ّ‬ ‫يتسببون في سفك الدماء وهتك األعراض وقطع األرزاق واألعناق يا مغفل‪ ،‬يا‬ ‫الذين‬ ‫من لم يفهم دينه! قال‪ :‬لست من أعوانهم‪ ،‬أنت منهم‪.‬‬ ‫أبو سعيد سفيان الثوري ّ‬ ‫قدس هللا ّ‬ ‫سره‪ ،‬اإلمام الجليل واإلمام الخامس في‬ ‫ً‬ ‫اإلسالم‪ ،‬كان في حضرة املنصور العباس ي يوما‪ ،‬وقال له املنصور‪ :‬ألق ىي الدواة بارك‬ ‫هللا فيك أي أللحها‪ ،‬فلم يستجب اإلمام لطلب الطاغي املنصور الذي كان يقول أنا‬ ‫ً‬ ‫مغضبا‪ّ ،‬‬ ‫سلطان هللا في أرضه أي أنه رسول هللا‪ ،‬فنظر املنصور‬ ‫وكررها‪ ،‬ألق ىي الدواة!‬ ‫قال‪ :‬ال‪ ،‬مر غيري فليفعل ولست بفاعل‪ ،‬قال‪ :‬لم ال أم لك؟! قال‪ :‬أخش ى أن تكتب‬ ‫بمظلمة عبد من عباد هللا فيشركني هللا معك يوم القيامة‪...‬هللا أكبر! هذا هو الحس‬ ‫املحمدي‪ ،‬هذا هو الحس الذي يمنع أن يتفرعن بعضنا وأن ينفرع البعض اآلخر‪ ،‬هذا‬

‫‪107‬‬

‫يتفرعن وهذا يفرم أو ينفرع املسكين‪ ،‬حتى مجرد إلالح الدواة‪ ،‬يصلح قنينة حبر حتى‬ ‫يبل ريشته ويكتب‪ ،‬قال‪ :‬ال أفعل هذا‪ ،‬ملاذا أللح لك وتكتب مظلمة فأشرك معك يوم‬


‫ً‬ ‫القيامة‪ ،‬وأبعث مجرما مثلك‪...‬هل وجدت مثل هذه الفلسفة‪ ،‬هل سمعتم بمثل هذا؟!‬ ‫ً‬ ‫يا أتباع محمد بعد خمسة عشر قرنا نتحول من أتباع محمد إى "عبد مأمور" لستم‬ ‫أتباع محمد فهذه املسألة إذن‪ ،‬ولن تفهموا دينه‪ ،‬ولن تصدروا عن شرعه وال وحيه‪،‬‬ ‫لستم منه وهو برئ منكم إذن‪ ،‬هو برئ من كل واحد يقول "عبد مأمور"‪.‬‬

‫القول الفصل ما قاله محمد للوات ربي وجزاه هللا عنا خير ما جزى نبي عن‬ ‫أمته‪ ،‬ألنه ما ترك ش يء إال فصل ما فيه ببيان واضح كافي مغني‪ ،‬هو الذي قال عليه‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الصالة وأفضل السالم‪ :‬ال طاعة ملخلوق في معصية الخالق‪ ،‬أيا كان هذا املخلوق‪ ،‬وأيا‬ ‫كان الثمن‪..‬رقبتي‪ ،‬دمي وحياعي فليكن‪ ،‬لكن ال طاعة لعبد حقير مثىي‪ ،‬ضعيف مثىي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والذل‪ ،‬بأن ينزع من حياته‪..‬ملاذا أطيعه وأعص ى رب العاملين؟! ألني عبد‬ ‫مهدد باملوت‬ ‫ّ‬ ‫لدقوني! هذا املوقف لن يؤمن به‪ ،‬ولن يقدره حق قدره أولئك الذين‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫يتشرفون بأن تلتقط لهم الصور مع أعوان الظلمة‪ ،‬مع كرابيج الظلمة‪ ،‬فشرف كبير‬ ‫ً‬ ‫له أنه حارس الرئيس‪ ،‬حذاء الرئيس‪ ،‬شرف كبير جدا أن يمت لحذاء الرئيس بصلة‬

‫موسى كليم هللا‬

‫مأمور؟!‬

‫وتلتقط له لورة‪...‬هذا منتهى املراد من رب العباد! ال يمكن أن يفهموا هذا املنطق‪.‬‬

‫انظروا إى أمير املؤمنين ابن الخطاب رضوان هللا عليه‪ ،‬كما روى الطبراني في‬ ‫ً‬ ‫معجمه‪ ،‬كلف أحدهم يوما بعمل من األعمال‪ -‬والية أو وزارة‪ ،‬وهذا ش يء فظيع عند‬ ‫الناس اليوم ويتقاتلون عليه‪ -‬فلما كان الغد رآه ولم يذهب ليستلم عمله الجديد‪،‬‬ ‫فقال‪ :‬يا رجل لم أراك هنا‪ ،‬ألم تذهب إى واليتك وتقوم بعملك‪ ،‬أما بلغك أن من قام‬ ‫بعمله وأتقى هللا فله عند هللا أجر املجاهد‪ ،‬قال‪ :‬لم يبلغني هذا‪ ،‬وإنما بلغني أن وىي‬ ‫ً‬ ‫أمرا من أمور األمة وأمور املسلمي�� جاء يوم القيامة حشر مغلولة يداه إى عنقه ال‬

‫‪108‬‬


‫ّ‬ ‫يفكه إال عدله إن عدل‪ ،‬ثم يؤمر به إى جسر جهنم‪ -‬الصراط‪ -‬فيوقف عليه فينتفض‬ ‫به الجسر انتفاضة ال يبقى عضو منه إال زال عن موضعه من شدة الخوف‪ ،‬ثم يعاد‬ ‫ّ‬ ‫جهنم فال يزال يهوى‬ ‫فيحاسب فإن أحسن جزى بإحسانه‪ ،‬وإن أساء انخرط به جسر‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فيها سبعين خريفا‪ -‬هكذا‪ ،‬هذا معنى أن تكون مسئوال عن الناس‪ ،‬أن عستلم عمال‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫عاما‪ ،‬إدارة شأن من شئون الناس‪ -‬فضرب عمر رأسه‪ ،‬وقال‪ :‬وعمراه! من يأخذها مني‬ ‫بمن فيها‪ ،‬فقال أبو ذر‪ :‬يأخذها من سلت هللا أنفه‪ ،‬أي يأخذها األهبل‪ ،‬وأبى الصحابة‬ ‫أن يأخذوها‪.‬‬

‫أين نحن من مثل هذا الفهم‪ ،‬أين العبيد املأمورون من هذا الفهم‪ ،‬أين من يقول‬ ‫ضغطوا عىي وأ هبوني ّ‬ ‫وهددوني أال أعود إى بلدي؟! ال كانت بلدي وال كانت عودعي‪،‬‬ ‫ر‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫بلدي حيث أكرم‪ ،‬بلدي حيث أحترم‪ ،‬بلدي حيث ألهج برضا هللا ال أخاف في هللا لومة‬ ‫الئم‪ ،‬وليذهب بلدي إى الجحيم إن كنت أبيع ضمير وديني من أجل أن أعود إى‬ ‫بلدي‪..‬ملاذا؟ لكي عستعرض السيارة‪ ،‬عستعرض اللباس والفلوس أمام أهل بلدك؟! ما‬ ‫بمثل هذا الطراز من الرجال ُينصر محمد ودين محمد‪ ،‬ما بمثل هؤالء األقزام تنتصر‬ ‫ً‬ ‫هذه األمة وععز! إنما ععز برجال لهم قيم مختلفة تماما‪ ،‬ولهم رجولة فارعة ومجد بالغ‬ ‫ّ‬ ‫يميزهم من أمثال هؤالء الصعاليك‪...‬اللهم أللحنا وأللح بنا‪ ،‬وأللح أحوال أمتنا‪،‬‬ ‫وهيأ هذا الحال إى أحسن حال يا رب العاملين‪ ،‬أقول قوىي هذا واستغفر هللا ىي ولكم‪.‬‬

‫‪109‬‬


‫الخطبة الثانية‬ ‫الحمد هلل رب العاملين‪ ،‬الحمد هلل الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن‬ ‫السيئات ويعلم ما تفعلون‪ ،‬ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من‬ ‫فضله‪ ،‬والكافرون لهم عذاب شديد‪ ،‬وأشهد أن ال إله إال هللا وحده ال شريك له‪،‬‬ ‫وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله لى هللا ععاى عليه وعى آله الطيبين‬ ‫وصحابته املجاهدين القائمين بأمر هللا ال يخافون في هللا لومة الئم‪ ،‬وأتباعهم بإحسان‬ ‫إى يوم الدين‪ ،‬وعلينا وعليكم واملسلمين واملسلمات معهم أجمعين بفضله ومنه‬ ‫ورحمته‪.‬‬

‫موسى كليم هللا‬

‫اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى ال تدع لنا في هذا اليوم الكريم‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ذنبا إال غفرته‪ ،‬وال هما إال فرجته‪ ،‬وال كربا إال نفثته‪ ،‬وال ميتا إال رحمته‪ ،‬وال غائبا إال‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫رددته‪ ،‬وال مريضا إال شفيته‪ ،‬وال أسيرا إال أحسنت فكاكه‪ ،‬وال مدينا إال قضيت عنه‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫دينه وأذهبت عنه همه يا رب العاملين‪ ،‬اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر‪ ،‬اللهم‬ ‫اجعل خشيتك أخوف األشياء عندنا‪ ،‬واجعل محبتك أحب األشياء إى قلوبنا‪ ،‬وإذا‬ ‫ّ‬ ‫أقررت أعين أهل الدنيا من ديناهم فأقر عيوننا من عبادتك يا رب العاملين‪ ،‬اللهم زدنا‬ ‫وال تنقصنا‪ ،‬وأعطنا وال تحرمنا‪ ،‬وأكرمنا وال تهنا‪ ،‬وكن لنا وال تكن علينا‪ ،‬وانصرنا وال‬ ‫تنصر علينا‪ ،‬وخذل عنا وال تخذلنا‪ ،‬وأرض عنا وأرضنا يا رب العاملين‪ ،‬بلغنا مما‬ ‫يرضيك آمالنا‪ ،‬واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا‪ ،‬وبالسعادة آجالنا وتوفنا وأنت‬ ‫ّ‬ ‫راض عنا إلهنا وموالنا رب العاملين‪ ،‬اللهم إنا نسألك أن تنصر اإلسالم وأن ععز‬ ‫ّ‬ ‫املسلمين‪ ،‬وأن ععىي بفضلك كلمتي الحق والدين‪ ،‬اللهم انصر إخواننا عبادك‬ ‫املجاهدين‪ ،‬عبادك املوحدين في كل مكان يا رب العاملين في فلسطين والعراق‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫والشيشان وأفغانستان وفي كل مكان يا رب العاملين‪ ،‬اللهم انصرهم نصرا عزيزا مؤيدا‬

‫‪110‬‬


‫ً ّ‬ ‫ً‬ ‫مظفرا مؤزرا‪ ،‬اللهم انصرهم عى من عاداهم‪ ،‬هللا اجمع شمل عبادك املوحدين‬ ‫وأللح ذات بينهم وألف بين قلوبهم وأنزل عليهم الروح والسكينة يا رب العاملين وأيدهم‬ ‫وأيد بهم إلهنا وموالنا رب العاملين‪.‬‬

‫عباد هللا! إن هللا يأمر بالعدل واإلحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء‬ ‫واملنكر والبغي يعظكم لعلكم تتذكرون‪ ،‬فستذكرون ما أقول وأفوض أمري إى هللا‪ ،‬إن‬ ‫هللا بصير بالعباد‪ ،‬قوموا إى لالتكم يرحمني ويرحكم هللا‪.‬‬ ‫**************************‬

‫موسى كليم هللا‬

‫‪111‬‬


‫مع الكليم موسى –ح‪ -7‬الظاهرة الفرعونية ‪ 2‬في فلسفة‬ ‫الهجرة‬ ‫إن الحمد هلل‪ ،‬نحمده ونستعينه ونستغفره‪ ،‬ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا‬ ‫وسيئات أعمالنا‪ ،‬من يهده هللا فال مضل له‪ ،‬ومن يضلل فال هاد له‪ ،‬وأشهد أال إله إال‬ ‫هللا وحده ال شريك له وال نظير له وال مثال له‪ ،‬وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد‬ ‫عبد هللا ورسوله ولفوته من خلقه وأمينه عى وحيه لى هللا ععاى عليه وعى آله‬ ‫الطيبين الطاهرين وصحابته املباركين املنتجبين وأتباعهم بإحسان إى يوم الدين‬ ‫ً ً‬ ‫وسلم عسليما كثيرا‪.‬‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫عباد هللا! أوليكم ونفس ي الخاطئة بتقوى هللا العظيم ولزوم طاعته‪ ،‬كما‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أحذركم وأحذر نفس ي من عصيانه ومخالفة أمره لقوله سبحانه وععاى من قائل " َم ْن‬ ‫َ َ ْ َ َ َ َ َ ْ َ َ َ َ ُّ َ َ ّ ْ‬ ‫َ َ َ ً َ َْ‬ ‫َ‬ ‫يد"‪.‬‬ ‫ظ‬ ‫ب‬ ‫ك‬ ‫ب‬ ‫ا‬ ‫م‬ ‫و‬ ‫ا‬ ‫ه‬ ‫ي‬ ‫ل‬ ‫ع‬ ‫ف‬ ‫اء‬ ‫س‬ ‫أ‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫و‬ ‫ه‬ ‫س‬ ‫ف‬ ‫ع ِمل ل ِالحا ف ِلن‬ ‫ر‬ ‫الم ِللع ِب ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ٍ‬ ‫ثم أما بعد أيها اإلخوة املسلمون األحباب‪ ،‬أيتها األخوات املسلمات الفاضالت‬ ‫يقول املوى الجليل سبحانه وععاى في محكم التنزيل بعد أن أعوذ باهلل من الشيطان‬ ‫الرجيم‪ ،‬بسم هللا الرحمن الرحيم‬ ‫ّ َّ َ ْ ُ ْ َ َ‬ ‫َ َ ُّ َ َّ َ َ ُ ْ َ َ ُ ْ َ َ َ ُ ُ ُ ْ‬ ‫وا في َ‬ ‫األ ْ‬ ‫ض‬ ‫ى‬ ‫إ‬ ‫م‬ ‫ت‬ ‫ل‬ ‫اق‬ ‫اث‬ ‫اّلل‬ ‫يل‬ ‫ب‬ ‫س‬ ‫ر‬ ‫انفر ِ ِ ِ ِ‬ ‫"يا أيها ال ِذين آمنوا ما لكم ِإذا ِقيل لكم ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫َ َّ َ ٌ ‪َ َّ 68‬‬ ‫الد ْن َيا م َن اآلخ َرة َف َما َم َت ُ‬ ‫اع ا ْل َح َياة ُّ‬ ‫َأ َ ض ُيتم ب ْال َح َياة ُّ‬ ‫الد ْن َ‬ ‫نف ُروا‬ ‫ت‬ ‫ال‬ ‫إ‬ ‫يل‬ ‫ل‬ ‫ق‬ ‫ال‬ ‫إ‬ ‫ة‬ ‫ر‬ ‫اآلخ‬ ‫ي‬ ‫ف‬ ‫ا‬ ‫ي‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ ِِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫رِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ُ َ ّْ ُ ْ َ َ ً َ ً ََ ْ َْ ْ َ ْ ً‬ ‫وه َش ْي ًئا َو ّ ُ‬ ‫ما َغ ْي َر ُك ْم َو َال َت ُ‬ ‫ض ُّر ُ‬ ‫اّلل َع َى ُك ّل َش ْي ٍء َق ِد ٌ‬ ‫ير‪69‬‬ ‫يع ِذبكم عذابا أ ِليما ويستب ِدل قو‬ ‫ِ‬ ‫َّ َ ُ ُ ُ َ َ ْ َ َ َ ُ ّ ُ ْ َ ْ َ َ ُ َّ َ َ ْ َ‬ ‫ْ‬ ‫ْ َ ْ‬ ‫ْ‬ ‫ين ك َف ُروا ثا ِن َي اث َن ْي ِن ِإذ ُه َما ِفي الغ ِار ِإذ َي ُقو ُل‬ ‫ِإال تنصروه فقد نصره اّلل ِإذ أخرجه ال ِذ‬

‫‪112‬‬


‫َ َ ْ َ ْ َّ ّ َ َ َ َ َ َ َ َ ّ ُ َ َ َ ُ َ َ ْ َ َ َّ َ ُ ُ ُ َّ َ‬ ‫َ‬ ‫ود ل ْم ت َر ْو َها َو َج َع َل‬ ‫اح ِب ِه ال تحزن ِإن اّلل معنا فأنزل اّلل س ِكينته علي ِه وأيده ِبجن ٍ‬ ‫ِلص ِ‬ ‫َ َ َ َّ َ َ َ ُ ْ ُّ ْ َ َ َ َ ُ ّ َ ْ ُ ْ َ َ ّ ُ َ ٌ َ ٌ ْ ْ َ ً َ ً‬ ‫يم‪ 43‬ان ِف ُروا ِخفافا َو ِثقاال‬ ‫اّلل ِهي العليا واّلل ع ِزيز ح ِك‬ ‫ك ِلمة ال ِذين كفروا السفى وك ِلمة ِ‬ ‫َ َ ُ ْ َْ َ ُ ْ ََ ُ ُ‬ ‫ّ َ ُ ْ َ ْ ٌ َّ ُ ْ ُ ُ ْ َ ْ َ ُ َن‪َ َ ْ َ 41‬‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫اّلل ذ ِلكم خير لكم ِإن كنتم ععلمو لو كان‬ ‫اهدوا ِبأمو ِالكم وأنف ِسكم ِفي س ِب ِيل ِ‬ ‫وج ِ‬ ‫ً َّ َّ َ ُ َ َ َ َ ُ َ ْ َ َ ْ ُ ُّ َّ ُ َ َ َ ْ ُ َ ّ َ‬ ‫ََ ً َ ً َ َ َ ً َ‬ ‫اّلل ل ِو‬ ‫الدا التبعوك ول ِـكن بعدت علي ِهم الشقة وسيح ِلفون ِب ِ‬ ‫عرضا ق ِريبا وسفرا ق ِ‬ ‫اّلل َع َ‬ ‫اّلل َي ْع َل ُم إ َّن ُه ْم َل َكاذ ُبو َن‪َ 42‬ع َفا ّ ُ‬ ‫اس َت َط ْع َنا َل َخ َر ْج َنا َم َع ُك ْم ُي ْهل ُكو َن َأ ُنف َس ُه ْم َو ّ ُ‬ ‫ْ‬ ‫نك ِل َم‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ َ َ ُ ْ َ َّ َ َ َ َّ َ َ َ َّ َ َ ُ ْ َ َ ْ َ َ‬ ‫ل َدقوا َوع ْعل َم الك ِاذ ِبين‪"46‬‬ ‫أ ِذنت لهم حتى يتبين لك ال ِذين‬ ‫ّ‬ ‫لدق هللا العظيم‪ ،‬وبلغ رسوله الكريم‪ ،‬ونحن عى ذلكم من الشاهدين‪ ،‬اللهم‬ ‫اجعلنا من شهداء الحق القائمين بالقسط‪ ..،‬آمين اللهم آمين!‬

‫موسى كليم هللا‬

‫أيها اإلخوة األفاضل‪ ،‬األخوات الفاضالت! الهجرة موضوع حديثنا اليوم ونحن‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫نستقبل عاما هجريا جديدا نضرع إى هللا سبحانه وععاى مؤملين في رحمته أن يجعله‬ ‫ً‬ ‫عاما خير من األعوام التي سلفت عى هذه ّ‬ ‫األمة‪ ،‬وما رأينا فيها من الخير إال القليل‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وال حول وال قوة إال باهلل! واستعبر هذه الخطبة عى أي حالة ولال للخطبة التي‬ ‫سبقتها‪ ،‬ألن العالقة جد واضحة بين موضوع الهجرة وبين ظاهرة اإلكراه واالستبداد‬ ‫السياس ي والقمع وإكراه الجماهير أو ما أسميناه بالظاهرة الفرعونية‪ ،‬العالقة‬ ‫ً‬ ‫واضحة تماما بين املسألتين أو بين املوضوعتين‪.‬‬

‫‪113‬‬

‫لن تناول الهجرة كما تجرى العادة من منظور حكائي أو روائي‪ ،‬ألن الهجرة بهذا‬ ‫ً‬ ‫االعتبار معروفة ومدروسة وحاضرة في وعينا جميعا‪ ،‬فلماذا نزجي األوقات ونضيع‬ ‫ّ‬ ‫أوقاتنا بالتذكير‪ ،‬وإن كان في الذكرى في أحيان كثيرة ما ينفع املؤمنين‪ ،‬ولكن البد أن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بالتذكير‪ ،‬البد أن نعيد اكتشاف جملة معان ضلت عنها‪ ،‬ال أقول‬ ‫نذكر بما هو أوى‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أمتنا‪ ،‬وإنما البشرية التائهة السادرة في جملتها‪ ،‬ضلت عن هذه املعاني التي تفتق عنها‬ ‫ّ‬ ‫النص اإللهي القرآن‪ ،‬والحديث النبوي بوضوح وبجالء شديدين‪ ،‬وفي ضوء هذه‬


‫النصوص‪ ،‬وفي أنوار هذه املعاني اإللهي الجديدة بالكلية نشأت وعاشت وانبثق‬ ‫سلطان ّأمة عظيمة كانت بداية ملرحلة جديدة في حياة الدنيا‪ ،‬وفي حياة البشر‪ ،‬وما‬ ‫ّ‬ ‫كان للتاريخ أن يكون كما كان‪ ،‬وأن يتخذ جهته الذي نعرف لو ما كان من أمر هذه‬ ‫األمة‪ ،‬ومن أمر مبادئها وعقائدها وأفكارها الجديدة بالكلية‪ ،‬لكن ما يأسف له املؤمن‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫أسفا حقيقيا ليس أن تضل البشرية عن هذه املعاني‪ ،‬بل أن تضل ّأمة هذه املعاني عن‬ ‫هذه املعاني بالذات‪ ،‬ومن هنا قوىي البد أن نقوم بمحاولة إعادة اكتشاف لهذه املعاني‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ألنها موجودة في معادننا‪ ،‬موجودة في النص اإللهي الحاضر والعزيز‪ ،‬لكن الغائب وعيا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫واستثمارا وتوظيفا في وعي هذه األمة‪ ،‬في فهم وإدراك هذه األمة إال من رحم هللا‪.‬‬

‫أعى بها هذا الدين العظيم‪ ،‬وهي فلسفة تاريخية بال شك‪ ،‬وكان يمكن استخاللها من‬ ‫خالل دراسة ّ‬ ‫معمقة ودقيقة وواعية للحدث التاريخي ذاته‪ ،‬ولكن ما كان لذلك أن‬ ‫ً ً‬ ‫ً‬ ‫يكون بعيدا عن أضواء القرآن والسنة‪ ،‬لقد كان ذلك لعبا جدا ولهذا لم يحدث‪-‬‬

‫موسى كليم هللا‬

‫إذا أردنا أن نتناول الهجرة من خالل منظورات جديدة‪ ،‬كهذا املنظور العائم‬ ‫والغائم والذي لم يضح بعد‪ ،‬فماذا نقول؟ نقول إن الهجرة ععبير عن فلسفة خالة‬

‫لألسف‪ -‬أن وللنا إى استخالص واستقطاع هذه الفلسفة بمعاملها الرئيسة والعامة‬ ‫والشاملة‪.‬‬

‫الهجرة باملنظورة القرآني ععبير عن فلسفة عالقة بين اإلنسان وبين االشتراطات‬ ‫املختلفة بين اإلنسان وبين اشتراطات الجغرافيا‪ ،‬اشتراطات البيئة االجتماعية‬ ‫والثقافية‪ ،‬االشتراطات الثقافية‪ ،‬وحتى االشتراطات الصغيرة الشخصية عى املستوى‬ ‫الشخص ي‪ ،‬في الفكر املادي الحديث‪ ،‬وأعني بالذات الفكر الجدىي املاركس ي‪ ،‬يرون‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫اإلنسان نتيجة ال سببا‪ ،‬نتيجة لألسباب‪ ،‬فماركس كان يردد ويعيد دائما أن وع‬

‫‪114‬‬


‫اإلنسان ليس هو الذي ّ‬ ‫يحدد ظروفه واشتراطاته‪ ،‬بل الظروف واالشتراطات هي التي‬ ‫تحدد وعي اإلنسان ونمط الذهنية ونمط التفكير‪ ،‬وهذا تفكير كابوس ي كارثي! ماركس‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫جاهدا‪ -‬ونحن ّ‬ ‫ونصدقه‪ -‬لتحرير اإلنسان‪ ،‬لكن وفق‬ ‫نصدق بذلك‬ ‫نفسه الذي سع‬ ‫رؤيته هو‪ ،‬وفق نماذجه‪ ،‬وفق ما استطاعه‪ ،‬ولألسف انتهى فكر هذه الرؤى إى إلغاء‬ ‫اإلنسان‪ ،‬وقمع اإلنسان بالكلية‪ ،‬إى اإلكراه الفردي والجماهيري لإلنسان واملجتمعات‬ ‫واألمم والشعوب‪ ،‬وفي النتيجة ما هو الجامع املشترك بين ظاهرتين متشاكستين مثل‬ ‫االستالينية والهتلرية؟ بعض الناس قد يقول‪ :‬مستحيل هما ظاهرتان متشاكستان‬ ‫ً‬ ‫عى طول الخط متعاديتين‪..‬كال هما متشابهتان جدا‪ ،‬وكل األخريات تنبعان من هذا‬ ‫ّ‬ ‫قدسية للفرد‪ ،‬ال عصمة للفرد‪ ،‬والبد أن ندرك‬ ‫التشابه‪...‬ما هو؟ أنه ال مكان للفرد‪ ،‬ال‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫جيدا أن أيديولوجية وأي فكر وأي رؤية تمحق الفرد نظريا لصالح ما يمكن أن ُيعرف‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫باألمة‪ ،‬بالقومية‪ ،‬بالجماعة‪ ،‬بالحزب هي رؤية شمولية مخيفة تنذر بانبثاق نظام‪ -‬في‬ ‫ً‬ ‫الوقت املناسب إذا واتت الظروف واالشتراطات‪ -‬لن يقل إرهابا وقمعية وكابوسية‬ ‫ً‬ ‫وإخفاقا عن الهتلرية واالستالينية أو عن أي نظام مشابه في القديم والحديث‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫النصية في القرآن‬ ‫وهذه رؤية بال شك تتناقض عى طول الخط مع املعطيات‬ ‫ً‬ ‫والسنة "أنه من قتل نفس بغير نفس أو فساد في األرض فكأنما قتل الناس جميعا"‬ ‫لقد أوقف الراشد الخامس ابن عبد العزيز ما ُعرف لدينا بالفتوحات من أجل رجل‬ ‫واحد هلك في الثلج‪ ،‬فقال‪ :‬ال أريد ال الفتوحات وال أموال البالد املفتوحة‪ ،‬ثم اختطت‬ ‫ً‬ ‫خطة مخالفة تماما أعادت اكتشاف خطة اإلسالم في اإللالح الحقيقي املبني عى‬ ‫تقدير واعتبار حيثية الفرد‪..‬كل فرد‪.‬‬

‫‪115‬‬


‫ً‬ ‫اإلنسان وفق الرؤية املاركسية الجدلية إذا كان نتيجة ال سببا ملا ذكر‪ ،‬فهذا يبرر‬ ‫ً‬ ‫كل ما حصل في روسيا السوفيتية‪ ،‬بل في اإلتحاد السوفيتي كله‪ ،‬وكل ما حصل أيضا‬ ‫عى يد كل طغاة التاريخ مثل كاليجوال ونيرون‪ ،‬يزيد بن معاوية‪ ،‬الحجاج‪ ،‬جنكيز خان‪،‬‬ ‫هوالكو‪ ،‬استالين‪ ،‬هتلر‪ ،‬لينين‪...‬كل هؤالء‪ ،‬ألن اإلنسان نتيجة‪ ،‬وأما القرآن فيرى أن‬ ‫اإلنسان هو السبب وليس النتيجة‪ ،‬ومن هنا يضعه مباشرة إزاء مسئوليته عن عغيير‬ ‫االشتراطات ومقاومة الظروف‪ ،‬عن تبديل األحوال‪ ،‬عن أن يكون له موقف‪ ،‬ال يمكن‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫أن يرض ى اإلسالم بإنسانه أن يكون عبئا مضافا عى الحياة‪ ،‬أن يكون قيمة زائدة في‬ ‫ُ‬ ‫موكب البشر‪...‬مستحيل‪ ،‬ما لهذا خلق خليفة هللا في األرض!‬

‫قبل رالف ولتر هملتون الذي يفتخر به األمريكان بمقالته الفلسفية اإللالحية‬

‫هملتون‪ ،‬قال محمد إقبال فليسوف اإلسالم رحمة هللا عليه‪ :‬قال ىي ربي‪ -‬وهكذا يرى‬ ‫ً‬ ‫نفسه‪ ،‬ويفهم القرآن كخطاب إلهي متوالل‪ ،‬ولم يكن إقبال قديانيا‪ ،‬بل كفر‬

‫موسى كليم هللا‬

‫الذي قال‪ :‬إذا كان هذا العالم ال يعجبكم فعليكم أن عغيروه‪ ،‬ألن األسوياء من قبلكم‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فعلوا ذلك‪ ،‬القرآن قال هذا بصيغة أكثر عمقا وجماال وروعة بكثير‪ ،‬وبعد رالف‬

‫القديانيين‪ ،‬ولم يكن يناقش في صحة عقيدة ختم النبوة‪ ،‬وكان يعلم أن محمد هو‬ ‫ً‬ ‫الخاتم‪ ،‬لكنه أيضا يتوالل مع هللا عبر الكالم اإللهي‪ ،‬وبال شك هذه طريقة مقبولة‪،‬‬ ‫وليس كما يرى بعض الحروفيين الذين ُسجنوا في أوهام الفهم الخاطئ واملزيف‬ ‫والعميق بطول واحد مليمتر فقط للنص اإللهي والنص النبوي‪.‬‬

‫إقبال قال‪ :‬قال ىي ربي هل يعجبك عصرك هذا ويناسبك؟ فقلت‪ :‬ال يا رب! فقال‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫حطمه وال تباىي‪ ،‬حطمه وأنش ئ عصرا جديدا‪...‬واسمعوا إى هذا القول اإللهي الذي‬ ‫ينبغي أن تتزلزل له كل أركان ّ‬ ‫الضعفة والذين يزايدون بتكريس مظلومتهم بالشكاوى‬

‫‪116‬‬


‫واآلهات والتباريح وبالهروع إى هنا وإى هناك يستجدون اإلنصاف والعدالة "إ َّن َّالذ َ‬ ‫ين‬ ‫ِ ِ‬ ‫ُ‬ ‫َ َ َّ ُ ُ ْ َ َ ُ َ َ ْ ُ‬ ‫ْ‬ ‫املي أنف ِس ِهم" لم يهاجروا وبقوا في مكة‪ ،‬وملا فرض عليهم أن يقاتلوا‬ ‫توفاهم املآل ِئكة ظ ِ ِ‬ ‫املجتمع الجديد والدولة اإلسالمية الجديدة بقيادة محمد بن عبد هللا للوات ربي‬ ‫وعسليماته عليه فعلوا وسقط بعضهم لرع ‪ ،‬لكنهم كانوا مؤمنين في الباطن‪ ،‬مسلمين‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ينصفون الحق باطنيا‪ ،‬قلوبهم مع محمد تماما كقلوب أولئك الذين كانت قلوبهم مع‬ ‫ً‬ ‫الحسين‪ ،‬لكن سيوفهم مع أبي جهل‪ ،‬سيوفهم مع يزيد‪ ،‬فالقرآن أيضا أفتانا في مسألة‬ ‫يزيد والحسين بهذه اآلية‪ ،‬وفي مسألة الذين خافوا أو أسكتوا أو ساهموا أو برروا‬ ‫َ‬ ‫َّ َ َ َ َّ ُ ُ ْ َ َ ُ َ َ ْ ُ ْ َ ُ ْ َ ُ ُ ْ َ ُ ْ ُ َّ ُ ْ َ ْ َ َ‬ ‫األ ْ‬ ‫ض‬ ‫ي‬ ‫ف‬ ‫ين‬ ‫ر‬ ‫"ال ِذين توفاهم املآل ِئكة ظ ِ ِ‬ ‫املي أنف ِس ِهم قالوا ِفيم كنتم قالوا كنا مستضع ِف ِ‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫َُ َ‬ ‫ْ‬ ‫ً َّ‬ ‫ْ‬ ‫َّ‬ ‫َ ْ َْ ََ ْ َ ُ ْ َْ ُ ّ‬ ‫اّلل َواس َع ًة َف ُت َ‬ ‫اج ُروا ِف َيها فأ ْولـ ِئ َك َمأ َو ُاه ْم َج َهن ُم َو َساءت َم ِصيرا‪ِ ،‬إال‬ ‫ه‬ ‫قالوا ألم تكن أرض ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ُْ ْ َ ْ َ‬ ‫ض َع ِفين‪ "...‬مأواهم جنهم إال املستضعفين الذين لم يستطيعوا الخروج والترحل‬ ‫املست‬ ‫والهجرة‪ ،‬فهؤالء في دائرة اإلعذار والعفو‪ ،‬أما اآلخرون فال‪.‬‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫‪117‬‬

‫ً‬ ‫َ ُ ْ َ َ َ ْ َ ُ ْ َ َ َّ ُ َ َ ْ َ ً‬ ‫يرا" ّ‬ ‫نتفهم وندرك تماما أن تقويم الواقع‬ ‫"فأولـ ِئك مأواهم جهنم وساءت م ِص‬ ‫ً‬ ‫موضوعيا وعلميا وبصيغة استقرائية‪ ،‬وفهم هذا الواقع هو أول الشروط لتغييره‪،‬‬ ‫ً‬ ‫لكن ال ّ‬ ‫نتفهم أن يقبع اإلنسان والجماعة والقبيل من الناس‪ ،‬وأحيانا األمة بأثرها ملا‬ ‫ً‬ ‫ُيعرف لضغط الظروف‪ ،‬الشتراطات الواقع‪...‬كال‪ ،‬هذا مرفوض إسالميا‪ ،‬مرفوض‬ ‫ً‬ ‫قرآنيا! والذي نتفهمه بهذا أيضا هو ش يء واحد فقط ال ثان له‪ ،‬وهو أن مظلومية فرد‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫واحد أعزل حيل بينه وبين أن يحارب ظروفه‪ ،‬فغلب عى نفسه كأن زج به في سجن‪ ،‬في‬ ‫ّ‬ ‫مظلوميته‪ ،‬لكن ال نستطيع حتى أن ّ‬ ‫زنزانة‪..‬هذا ّ‬ ‫نتفهم مظلومية فرد واحد كان‬ ‫نتفهم‬

‫بإمكانه أن يهاجر وأن يلوذ بعقيدته ومبادئه‪ ،‬وأن يدفع عن ّ‬ ‫حريته وكرامته واختياره‬ ‫العقدي الديني األيديولوجي‪ ،‬ال نستطيع أن نتفهم مظلوميته‪ ،‬فهذا في امليزان واملنظور‬ ‫ً‬ ‫َّ َ َ َ َّ ُ ُ ْ َ َ ُ َ َ ْ ُ‬ ‫املي أنف ِس ِه ْم"‪.‬‬ ‫القرآني ليس مظلوما‪ ،‬بل هو ظالم لنفسه "ال ِذين توفاهم املآل ِئكة ظ ِ ِ‬


‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫هذا الفكر ثوري بكله‪ ،‬وأنا ال أستطيع أن أفهم الثورة قبل أو بعد هذا الفكر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الثوري الحقيقي الذي عى ّ‬ ‫األمة أن عستعين‬ ‫هذه هي الثورة نفسها‪ ،‬هذا هو الفكر‬ ‫مما هي فيه‪ ،‬لكي تنير هذه ّ‬ ‫باكتشافه من جديد لكي تخرج ّ‬ ‫الدهمة التي ناءت علينا‪ ،‬هذه‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الحقيقية‪...‬ملاذا؟ هجرة شخص أو مجموعة أو قبيل من الناس ال عستوي‬ ‫هي الثورة‬ ‫ً‬ ‫بفرار شخوص بذواتهم‪ ،‬فهذا ال يساوى شيئا‪ ،‬وإنما عساوى الفرار ومحاولة حماية‬ ‫واستنقاذ منهج وعقيدة ومبدأ‪ ،‬نريد تخصيب واستثمار وتثمير وإعادة زارعة هذا‬ ‫املبدأ وهذه العقيدة في بيئة مهيأة‪ ،‬في الوقت املناسب ضمن اشتراطات أخرى‪ ،‬ونحن‬ ‫وسائل وأهداف ّ‬ ‫جزئية عى الطريق‪..‬هذه هي فلسفة الهجرة ال أكثر وال أقل‪ ،‬وهذا‬ ‫ً‬ ‫الذي حدث تماما‪.‬‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫ً ً‬ ‫ومن هنا كانت الهجرة معلما بارزا في حيوات كل لانعي الحضارات‪ ،‬وبناة العقائد‬ ‫واألديان واملبادئ إبراهيم هاجر عليه السالم‪ ،‬بلغ دعوة هللا وناضل ووقف أمام‬ ‫ُ‬ ‫الفرعون نمرود‪ ،‬ولكنه فشل وألقي به في النار‪ ،‬قذف به باملنجنيق في نار حامية الهبة‪،‬‬ ‫والنتيجة "إني مهاجر إى ربي" وقد أنقذه هللا بمعجزة‪ ،‬وليست القضية أن يفوز بحياته‬ ‫ويكون بمنجاة وكفي‪ ،‬ولكن "إني مهاجر إى ربي" مهاجر من أجل دين ربي‪ ،‬من أجل‬ ‫ً‬ ‫عقيدعي ومبادئي‪ ،‬من أجل كرامتي أيضا ألن ال كرامة لإلنسان بال حرية‪ ،‬ال أخالق بال‬ ‫حرية‪ ،‬ولذلك ال يوجد نظام أو فكر ديكتاتوري أخالقي‪...‬ملاذا؟ ألنه مهما ّ‬ ‫قدم من‬ ‫ّ‬ ‫خيرات للناس‪ ،‬حتى لو ّ‬ ‫قدم للناس ووفر لهم تأمينات صحية وععليمية‬ ‫ً‬ ‫وأمنا‪...‬مستحيل! ّ‬ ‫أي أمن‪ ،‬أنه أمن السوائم‪ ،‬أمن البهائم‪ ..‬كل هذا غير أخالقي ألن‬ ‫شرط األخالقي هو شرط واحد وهو الحرية‪..‬أليس ذلك؟ إذا فعلت أي ش يء باإلكراه‬ ‫ً‬ ‫أخالقيا‪ ،‬شرط األخالقي الحرية‪ ،‬ولذلك ال ّ‬ ‫حرية في نظام شموىي‬ ‫هل يعتبر هذا العمل‬

‫‪118‬‬


‫إكراهي ديكتاتوري إذن ال فهو ال أخالقي‪ ،‬ولذلك كل بيئات القمع والقهر تنتهي إى‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فساد اجتماعي وتفسخ أخالقي‪ ،‬وفي النتيجة مهما نافقت وتزلفت وتملقت هذه النظم‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫وأدعت أنها أخالقية ستنتهي إى تقديم املباذل عى تطبيق الحريات‪ ،‬تماما كما قالت‬ ‫قريش لرسول هللا‪ :‬تريد امللك‪ ،‬تريد النساء نزوجك أجمل بنات العرب؟! مباذل ومالهي‬ ‫ومشتهيات في مقابل أن تتخىي عن حريتك ومبدئك املعتقدي والتبشير به‪ ،‬فرفض‬ ‫وععرفون جوابه‪ :‬الشمس والقمر‪.‬‬ ‫جوزيف تيتو يقول لشعبه‪ :‬اتركوا ىي السياسية ّ‬ ‫ليدمر وعي الشعب السياس ي‪،‬‬ ‫ولكم الخمر والنساء‪ ،‬وهتلر من قبله قال‪ :‬إذا أردت من الشعب والجمهور ما أريد‬ ‫فإنني أتوجه إى أحقر وإى أنزل ما فيه‪ ،‬أحقر ما فيه الغدد الدمعية‪ ،‬وأنزل ما فيه‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫الغدد الجنسية‪ ،‬ثم أبلغ منه ما أريد‪..‬كل النظم اإلكراهية ال أخالقية والبد أن تنهى إى‬ ‫هذا‪ ،‬النبي عليه السالم يقول‪ :‬لنفان من أمتي لم أرهما‪ ،‬ال يدخلون الجنة وال‬ ‫يريحون ريحها‪ -‬ال يشمون رائحة الجنة‪ -‬رجال معهم سياط كأذناب البقر‪ ،‬أنهم‬ ‫ً‬ ‫الجالدون‪ ،‬أنهم الحاجة التي عشكل فردا في ثنائي لكل نظام قهري كما قال لينين‪ ،‬كل‬ ‫نظام قهري يحتاج إىي ثنائي هما الكاهن والجالد البد من كاهن لكي ّ‬ ‫يخدر‪ ،‬لكي يعطيك‬ ‫العزاء‪ ،‬عليك الصبر واالحتساب والسعادة والنجاة في دار أخرى وليس في هذه الدار‪،‬‬ ‫َ َّ َ َ َ ْ‬ ‫ّ‬ ‫اّلل ِمن‬ ‫وهللا يقول بإزاء هذا املنطق القمعي التخديري الكهنوعي "وال ِذين هاج ُروا ِفي ِ‬ ‫ًَ‬ ‫ُّ ْ‬ ‫ُ ْ َُ َ‬ ‫الدن َيا َح َسنة" لم يقل في اآلخرة‪ ،‬بل في الدنيا حسنة‪،‬‬ ‫َب ْع ِد َما ظ ِل ُموا لن َب ّ ِوئ َّن ُه ْم ِفي‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫سيقطفون ثمار الكرامة والعز والحريات بشتى طرقها في الدنيا‪ ،‬وبعدها قال " َوأل ْج ُر‬ ‫َْ َ َ ُ ْ َ َ‬ ‫اآلخ َر ِة أك َب ُر ل ْو كانوا َي ْعل ُمون"‪ ،‬لذلك القرآن بارئ من كل منطق كهنوعي‪ ،‬ومن كل كاهن‬ ‫ِ‬ ‫يلبس ّ‬ ‫جبة العالم واملفتي‪ ،‬ويعتم بعمامة رسول هللا‪ ،‬ورسول هللا برئ منه ومن‬

‫‪119‬‬


‫عمامته‪ ،‬كاهن بز ّي عالم مسلم‪..‬كال‪ ،‬القرآن بارئ من هذا املنطق‪ ،‬أيها الكاهن‪ ،‬أيها‬ ‫الحبر الصغير! إذن البد من هذا الزوج الكاهن والجالد‪.‬‬ ‫نعود إى ما كنا فيه‪ ،‬لنفان من ّأمتي لم أرهما‪ ،‬الصنف األول رجال معهم سياط‬ ‫كأذناب البقر يضربون بها ظهور الخلق‪ ،‬ونساء كاسيات عاريات مائالت‪ -‬في مشيتهم‪-‬‬ ‫مميالت‪ -‬لقلوب وأعين الرجال‪ ،‬فإن أبصار الرجال طوامح‪ -‬رؤوسهن كأسنبة البخ من‬ ‫أمثال من يذهبون إى الكوافيرات واملباذل العصرية‪ ،‬ولعل بعضنا يتساءل من لم يقرأ‬ ‫هذا الحديث قراءة ثقافية‪ ،‬وقراءة في اجتماعية‪ ،‬وقراءة سياسية بوعي حاضر ال يمكن‬ ‫أن يفهمه‪ ،‬وسوف يعتبره مجرد تلفيق وتجميع لعنالر ال جامع مشترك بينها‪ ،‬والجامع‬ ‫ً‬ ‫واضح جدا وشديد الشخوص والبروز‪ ،‬ما الجامع بين هذه املفاسد األخالقية‪ ،‬بين هذا‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫التفسخ األخالقي باملعني الجنس ي وبين الفساد السياس ي وإرهاب الجالدين والجزارين؟‬ ‫ً‬ ‫واضح جدا كما قلنا قبل قليل‪ ،‬فالحديث البد أن يقرأ قراءة سياسية وثقافية‪ ،‬ال‬ ‫قراءة لغوية لرفية بالغية‪ ،‬يقرأ ببالغة وعي ال ببالغة لفظ وجمل‪.‬‬

‫بحسب القرآن ال نستطيع أن نبرر مظلومية الجماعات وال األحزاب وال الشعوب‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫َّ َ‬ ‫وال األمم‪ ،‬وحتى األفراد أحيانا ال نستطيع أن نبرر مظلومتهم " َول ْو َت َرى ِإ ِذ الظ ِاملُون‬ ‫َ ُْ ُ َ َ‬ ‫ند َ ّبه ْم َي ْرج ُع َب ْع ُ‬ ‫ض ُه ْم إ َى َب ْعض ْال َق ْو َل‪ "..‬انتبهوا ماذا ّ‬ ‫سمي هللا الجميع؟‬ ‫موقوفون ِع ر ِِ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫الظاملون‪ ،‬ولن يقل إذ ترى الظاملون واملظلومون‪ ،‬كلهم ظلمة‪ ،‬الذي استكبر ظالم‪،‬‬ ‫ً‬ ‫والذي رض ي بأن ُيستكبر عليه هو ظالم أيضا‪ ،‬كما قال األفغاني‪ :‬ال يؤمن بسلطان‬ ‫القوة القهرية القمعية إال شبح الضعف‪ ،‬ألنك ضعيف‪ ،‬ألن قيمة مضافة‪ ،‬ألنك‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫منسحب سلبي عاجز‪ ،‬ألنك لست خليفة هلل‪ ،‬لست ابنا للقرآن‪ ،‬لست وارثا ملحمد‬

‫‪120‬‬


‫وألصحاب محمد‪ ،‬ولذلك فال تبرير وال اعتذار عن مظلوميتك‪ ،‬أنت من جيش‬ ‫الظاملين‪ ،‬أنت من جيش الطواغيت يا مسكين!‬

‫إذن الهجرة هي لياذ بما يعطي العقيدة حياتها وامتدادها وسلطانها‪ ،‬واقرءوا‬ ‫سورة البروج من هذا املنظور مرة أخرى "إن الذين فتنوا املؤمنين واملؤمنات" وفي أول‬ ‫السورة إشارة إى تخديدهم األخاديد ألولياء هللا وأحبابه‪ ،‬وتحريق الصغار والكبار‬ ‫وحتى الرضع من أجل أال تبقى إمكانية إلعادة اكتشاف الحقيقة‪ ،‬البد أن ُيقتل الكبار‬ ‫والصغار والذكور واإلناث‪ ،‬من جزى ومن لم يجزى في نظر الطاغية‪ ،‬في نظر اإلرهابي‬

‫موسى كليم هللا‬

‫الكبير‪ ،‬وبعد ذلك بماذا ختم القرآن هذه السورة العجيبة املؤملة؟ ختمها بقوله "بل‬ ‫هو قرآن مجيد في لوح محفوظ" يقول‪ :‬كال‪ ،‬العقائد اإللهية‪ ،‬املبادئ العليا‪ ،‬الدين‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الرباني ال يمكن أن يفنى‪ ،‬وسيبقى حيا ولو بحياة فرد واحد‪ ،‬وسيبقى حيا باآلليات التي‬ ‫ّ‬ ‫شرعها هذا الدين الستبقاء حياته وعى رأسها الهجرة‪ ،‬فالبد أن تتغلب عى اشتراطات‬ ‫ً‬ ‫الواقع‪ ،‬كل اشتراطات الواقع‪ ...‬بعض الناس تكون إجارة بيته أثقل وزنا من معتقده‬ ‫ً‬ ‫ولذلك ال يستطيع أن يفارق هذا البيت‪ ،‬ويضحي باملعتقد ليبقى قابعا في بيته‪ ،‬ليجلس‬ ‫ً‬ ‫في شرفاته‪...‬مسكين! أنت بذلك نتيجة ولست سببا‪ ،‬كفرك وانخذالك وضعفك‬ ‫وارتدادك ونكولك عى األعقاب‪ -‬وفق ماركس ووفق ضعفك أنت‪ -‬جاء نتيجة‬ ‫للظروف والقهريات واالشتراطات الصعبة‪ ،‬ولذلك أنا قلت‪ :‬ال يمكن أن يمثل أو يشبه‬ ‫ً‬ ‫اإلنسان في الرؤية املاركسية إال بحجر لألسف‪ ،‬وتماما هذا الحجر اتركه في الشارع‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الخسة وقلة القيمة‪ ،‬وخذه وضعه‬ ‫كما هو‪ ،‬فلن يزيد عن كونه حجر ُيضرب به املثل في‬

‫‪121‬‬

‫في قوس في مقدمة أو في مدخل قصر ملك من امللوك العظام‪ ،‬فستصبح له قيمة‬ ‫ً‬ ‫جدا ألنه ألبح ً‬ ‫جزء من تحفة معمارية في قصر امللك‪...‬نفس الحجر! فأنت‬ ‫باهظة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫كذلك‪ ،‬أنت نتيجة ولست سبب‪...‬هذه الرؤية يكفر بها القرآن تماما واستفتوا دائما‬


‫َّ َ َ َ َّ ُ ُ ْ َ َ ُ َ َ‬ ‫املي أ ْن ُف ِس ِه ْم"‪..‬هؤالء ال مظلومية لهم‪ ،‬بل حتى أنهم متورطون‬ ‫"ال ِذين توفاهم املآل ِئكة ظ ِ ِ‬ ‫حتى آذنهم في املظلومية‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫أريد أن أقرر اآلن شيئا‪ ،‬وأرجو أن يكون مقررا وقاعدا‪ ،‬وهو ش يء خطير هو أن‬ ‫ّ‬ ‫ضحية يرض ى بوضعه أو‬ ‫كل مستضعف يرض ى باالستضعاف هو مستكبر‪ ،‬كل‬ ‫ّ‬ ‫يستسلم أو يخضع أو يرض ى لإلخضاع هو جالد‪..‬قاعدة مخيفة نقررها هكذا كما هي!‬ ‫ومن هنا نستطيع أن ّ‬ ‫نفسر اإلرهاب املتعاكس كما ّ‬ ‫يسميه بعض السيسويولوجيين‪ ،‬ما‬ ‫هو اإلرهاب املتعاكس؟ إرهاب املجتمع لذاته‪ ،‬إرهاب الفرد لذاته الجماعية‪ ،‬فيهرب‬ ‫أقرب الناس إليه إخوانه‪ ،‬أبنائه‪ ،‬وزوجته وهذا حصل‪ ،‬ويحصل في كل الدول‬ ‫العربية‪ ،‬زوجة وشت بزوجها حتى ولل إى حبل املشنقة‪ ،‬والعكس صحيح‪ ،‬واألب‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫بابنه‪ ،‬وابن بأبيه‪ ،‬والجار بجاره‪ ،‬واألستاذ بتلميذه‪ ،‬وتلميذ بأستاذه‪ ،‬وشيخ بتالميذه‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ضحية‪،‬‬ ‫ومريديه‪ ،‬وتالميذ بشيخهم وخطيبهم‪ ...‬هذا هو اإلرهاب املتعاكس‪ ،‬كل جالد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫د‪..‬الجالد ينتقم من ماضيه ألنه كان هو أو أبوه أو ّ‬ ‫ّ‬ ‫جده أو من يمت له‬ ‫ضحية جال‬ ‫وكل‬ ‫ّ‬ ‫ضحية في يوم من األيام‪ ،‬فهو ينتقم من هذا املاض ي‪ ،‬والذي يعتبر‬ ‫بسبب متين أو واه‬

‫وبكليته مسئول عنه تماما كما ينتقم ّ‬ ‫املجتمع برمته ّ‬ ‫الصهاينة اليوم من ماضيهم‪ ،‬لكن‬ ‫ال من النازيين الذين أحرقوهم‪ ،‬بل من أبرياء يدعون فلسطينيين‪ ،‬ينقمون من‬ ‫ً‬ ‫ماضيهم‪ ،‬وينقمون من مخاوفهم ألن ليغة اإلرهاب وليغة اإلكراه تقوم دائما عى‬ ‫عشخيص العبرة‪ ،‬ما ّ‬ ‫يسمى باللغة القرآنية النكال‪ ،‬ولذلك يقول بعض األذكياء‪ :‬إذا‬ ‫كف هؤالء املجرمون الكبار عن أن يشوهوا ويضطهدوا ويلجموا الناس في الساحات‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫العامة‪ ،‬فقد قارب اإلرهاب أن يكف ألال عن الفعل‪ ،‬لكنهم لم يكفوا بالعكس‪...‬‬ ‫عسمعون بالخازوق‪ ،‬وأنا نفس ي كنت أعتقد أن الخازوق هو عامود معدني أو خشبي‬ ‫ً‬ ‫أحيانا ُيدخل في الدبر ويخرج من الرأس‪...‬ال‪ ،‬هذا تصور غير صحيح‪ ،‬والعملية سهلة‬

‫‪122‬‬


‫ُ‬ ‫ً‬ ‫جدا‪ ،‬فلو فعل به هكذا ملات الضحية في لحظات‪ ،‬لكنه ُيدخل من خلف العصص بين‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الجلد واللحم‪ ،‬وهكذا ُيدق دقا خفيفا عى مدى ساعات متواللة‪ ،‬وهذا ألعب من‬ ‫الصلب‪ ،‬حتى يخرج بعد ذلك من خلف الرقبة‪...‬هذه هي الخوزقة! في التاريخ العرب‬ ‫واألوروبيون والكل مارسوا الخوزقة في الساحات العامة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫لذلك يبدو املذعور لاحب النفس املذعورة‪ ،‬النفس امللتاعة واملكروبة‪ ،‬النفس‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫املتصاغرة الذليلة املهانة‪ ،‬يبدو خائفا من عدم خوفه‪ ،‬يبدو خائفا من أن يظهر أنه‬ ‫غير خائف‪ ،‬فهو يتخذ ألف حيلة وحيلة لكي يسجد خوفه وذعره وفزعه‪ ،‬وتأعي األمثال‬ ‫واملقاالت لكي عش ي وتفوح بأعى قدر من االنخذال واالنسحاب "الحيط‪..‬الحيط وقل يا‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫‪123‬‬

‫رب الستر"‪" ،‬حط راسك مع الروس وقل يا قطاع الروس" ما لنا ولهم؟! فنترك لهم‬ ‫ً‬ ‫ليس السياسة‪ ،‬بل الخمر والنساء أيضا‪ ،‬وهذا وقع للمقموعين في العصور األخيرة لم‬ ‫ً‬ ‫يبق لهم ال خمر وال نساء ألنه ليس لديهم خبز ألال‪ ،‬ليس خمر ونساء تيتو‪ ،‬ال خمر وال‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫خبز ألال‪ ،‬وتركوا لآللهة وأنصاف وأرباع وكسور اآللهة املتحكمين كل ش يء‪ ،‬وهذه‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫جريمة من يرى نفسه مظلوما‪ ،‬أنها جريمتك أوال‪ ،‬وحقا أنها ليست جريمتك أوال‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وأخيرا‪ ،‬ولكنها جريمتك أوال!‬ ‫ّ‬ ‫تقرءون في األدبيات التي تناقش هذه القضية عشبيه هؤالء املتألهين من الطغاة‬ ‫املتجبرين باأللنام (الرجل الصنم) هل تدركون سر وعمق هذا التشبيه؟ إنه عميق‬ ‫ً‬ ‫جدا واع وموح‪ ..‬فالصنم قطعة حجر‪ ،‬هل لها سلطان ذاعي‪ ،‬هل لها قوة من ذاتها‪ ،‬هل‬ ‫مجرد قطعة حجر ّ‬ ‫عستطيع أن تبرز أي فاعلية؟! مستحيل‪ ،‬أنها ّ‬ ‫لماء خرساء ميتة‬ ‫ّ‬ ‫جافة ال تنبض بالحياة‪ ،‬إذن من أين يستمد ّ‬ ‫فالصنم هذا له سلطة‬ ‫الصنم سلطته‪،‬‬ ‫ً‬ ‫جدا عند من يعبدونه ّ‬ ‫يؤلهونه؟ من الخضوع للصنم‪ ،‬كذلك هو الزعيم‪ ،‬كذلك‬ ‫فظيعة‬


‫ً‬ ‫هو الديكتاتور‪ ،‬وهو قطعة حجر ال قوة ذاتية لها بتة‪ ،‬بل هو ضعيف جدا‪ ،‬وأضعف‬ ‫نتصور‪ ،‬وهذه قاعدة أخرى‪ :‬كلما شعر اإلنسان ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫واستقر لديه الشعور بهذه‬ ‫بقوته‬ ‫مما‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫القوة كان متسامحا‪ ،‬وكان لطيفا‪ ،‬وكان عظيما‪ ،‬لذلك يحذر املثل العامي من ضربة‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الجبان‪ ،‬ألن ضربة الجبان قاتلة‪ ،‬ألنه إذا ضرب ثني وثلث ور ّبع وعشر حتى يتأكد أن‬ ‫املوت نفسه هو الحاضر بذاته‪ ،‬لذلك املرأة حين تطلق الرلاص من مسدس ال تكتفي‬ ‫عستمر في اإلطالق حتى تفر املسدس‪ ،‬ضربة ّ‬ ‫ّ‬ ‫الضعيف مخيفة‪.‬‬ ‫برلالة أو اثنين‪ ،‬بل‬

‫كونراد لورانس عالم الحيوان النمساوي الذي نال جائزة نوبل‪ ،‬وهو من أكبر‬ ‫علماء الحيوان في العالم‪ ،‬ذكر في كتاب له معلومة في منتهى األهمية تؤكد هذا‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫االستخالص الذي ذكرته قبيل قليل‪ ،‬قال‪ :‬لقد وجدت‪ -‬وهذه قاعدة علمية في علم‬ ‫ً‬ ‫الحيوان‪ ،‬ونحن أيضا حيوانات خالة إذا كنا قامعين مقموعين‪ ،‬كل من يرض ى أن‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫يكون قامعا أو مقموعا هو حيوان فقط ولم يرتق لرتبة إنسان‪ -‬قال‪ :‬الحظت أن‬ ‫ال��يوانات بصدد دراسة قوة الكوابح ضد القتل واإلبادة عندها واإلفناء‪ ،‬حين عشتجر‬ ‫بين حيوانين‪ ،‬بين طيرين‪ ،‬بين أي نوعين من أنواع الحيوان فإن قوة الكوابح عى‬ ‫اإلفناء‪ ،‬أن يفني زميله وخصمه‪ ،‬هذه القوة تضعف كلما ضعفت ثقة الحيوان‬ ‫ً‬ ‫بنفسه‪ ،‬باألحرى كلما كان الحيوان ضعيفا‪ ،‬في األنواع الضعيفة‪ ،‬وغير املسلحة‬ ‫ً ً‬ ‫ً‬ ‫عسليحا قويا‪ ،‬ويأخذ مثال بالذئاب والحمام‪ ،‬فيقول‪ :‬إذا اشتجرت حمامة مع حمامة ال‬ ‫ً‬ ‫تتركها إال بعد أن تهلكها تماما‪ ،‬تظل تنقر فيها حتى تهلكها وال تتركها‪...‬ملاذا؟ ألن الحمام‬ ‫ً‬ ‫كائن ضعيف‪ ،‬وقوة الفتك عنده ضعيفة جدا‪ ..‬قال‪ :‬وأما الباز والصقور فال تفعل‬ ‫ذلك‪ ،‬الباز ينقر نقرتين حتى إذا استسلم تركه بروح رياضية كما نقول‪ ،‬ألنه قوي‬ ‫ً‬ ‫ولديه قوة عى الفتك لكنه ال يستخدمها‪ ،‬ألنه واثق من نفسه‪ ،‬والذئاب أيضا ال تفعل‬ ‫ذلك مع الذئاب‪ ،‬فالذئب حين يشتجر مع الذئب أول ما يطأطئ اآلخر برأسه عالمة أو‬

‫‪124‬‬


‫ً‬ ‫أمارة االنسحاب والهزيمة يتركه مباشرة‪ ،‬ويقول لورانس‪ :‬ولم نر ذئبا يعتدي عى أنثي‬ ‫الذئب اآلخر أو يفتك بأوالده كما يفعل البشر‪.‬‬ ‫ويقول بعض علماء االجتماع الذين درسوا هذه املشكل‪ :‬إن ّ‬ ‫قوة الدولة أو قدرة‬ ‫ً‬ ‫الدولة أو فعل الدولة اإلكراهي يناسب ويتواءم عكسيا مع سلطتها الحقيقية‪ ،‬كلما‬ ‫ً ً‬ ‫كان للنظام سلطة حقيقية اإلكراه يكون قليال جدا‪ ،‬فهو عنده مشروعية وغير مهدد‬ ‫فلماذا القمع؟! وكلما كان النظام يشعر بالضعف وبالضحالة الجماهيرية‪ ،‬كما‬ ‫يقولون‪ ،‬وانفصام حقيقي في املصداقية الجماهيرية كلما زاد من القمع واإلكراه‪،‬‬

‫موسى كليم هللا‬

‫ولذلك أنا مستبشر بما سمعته من تصريح وزير الدفاع األمريكي رامسيفليد قبل أيام‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫يقول‪ :‬لقد كان خطئنا أننا لم نقتل قدرا كافيا من السنة‪ ،‬بعض الناس يقول‪ :‬هذا رجل‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫متوحش‪ ،‬وهذا مجرم حرب‪...‬ال‪ ،‬هذا رجل شعر بالضعف تماما‪ ،‬انتبهوا! واقرءوا هذا‬ ‫ً‬ ‫تماما ويتمنى أن ّ‬ ‫قوة اإلبادة واالضطهاد‬ ‫الكالم قراءة علمية فهو يشعر بالضعف‬ ‫واإلكراه كانت أعى ‪ ،‬ألنه اآلن شعر بضعفه عى أرض العراق‪ ،‬فوجد أنه ليس له‬ ‫ّ‬ ‫سلطة حقيقية عى مجاهدي العراق‪ ،‬فيتمنى لو أنه منذ البداية قتل أكبر قدر مما‬ ‫يسمى باملثلث السني ألنهم هم باملعظم حاملو لواء الجهاد واملقاومة‪...‬إذن هو يشعر‬ ‫بالضعف‪.‬‬ ‫ً‬ ‫نعود إى فكرة إعادة االستكشاف‪ ،‬هناك كاتبة أوربية مشهورة جدا في عالم‬

‫‪125‬‬

‫الفكر واالجتماع والتحليل اسمها روز وايدر عندها كتاب لطيف أسمته "اكتشاف‬ ‫ً‬ ‫الحرية‪ :‬لراع اإلنسان ضد السلطة" تذكر فيه كالما في منتهى الخطورة‪ ،‬تقول روز‬ ‫بالسراسنة‪ّ -‬‬ ‫وايدر‪ :‬إن األوربيين تأثروا ّ‬ ‫السراسنة هم العرب املسلمون‪ ،‬وكانوا ّ‬ ‫يسمون‬ ‫ً‬ ‫السراسنة وإحياء هذه اللفظة إحياء س يء جدا‪ ،‬هذه اللفظة توحي أن العرب‬


‫ّ‬ ‫ً ً‬ ‫ّ‬ ‫متوحشين متخلفين برابرة‪ -‬كان كثيرا جدا‪ ،‬وهو الذي فتح اآلفاق الجديدة أمام أوروبا‬ ‫التي اعتقلتها الخرافة والكنيسة عى مدى ألف عام كاملة‪ ،‬واآلن بعض الناس يكفر‬ ‫ً‬ ‫بأمته وتاريخ أمته‪ ،‬وإنجازات ّأمته وإمكانية دينه حال من جديد‪..‬ملاذا؟ ألنه رأى ّأمته‬ ‫ّ‬ ‫وقد اعتقلت في وهدة النهضة والتخلف مائة سنة فكفر بكل ش يء‪..‬مسكين أنت! ال‬ ‫ً‬ ‫تدري شيئا عن التاريخ وفلسفة التاريخ‪ ،‬قالت وايدر‪ :‬فتحت آفاق جديدة‪ ،‬ألن الفكرة‬ ‫التي كانت جاثمة عى الخالة والعامة فكرة الخلق املنتهي‪ ،‬واستفادت منها السلطة‬ ‫الحاكمة‪ -‬سلطة الكنيسة والسلطة الزمنية‪ -‬أيما استفادة‪...‬كيف؟ املعادل لهذا‬ ‫االعتقاد الكوني أن كل ش يء ثابت وغير قابل للزيادة‪ ،‬وليس في اإلمكان أبعد مما كان‪،‬‬ ‫نفس القدرية التي أراد بني أمية أن يفرضوها عى املسلمين‪ ..‬هللا كتب هذا وانتهى كل‬ ‫ً‬ ‫ش يء‪ ،‬وال مجال للتغيير ألال أو اإلضافة‪.‬‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫قالت‪ :‬أوروبا كانت مسيطرة عليها هذه الفكرة‪ ،‬فلما جرى االحتكاك والتماس مع‬ ‫املسلمين وحضارتهم وأفكارهم‪ ،‬هذا اإلسالم والقرآن بالذات جاء فكرة عجيبة جديدة‬ ‫ّ‬ ‫غير مألوفة عند األوربيين وكانت بمثابة الشرارة التي أوقدت كل هذه النار‪..‬عجيب!‬ ‫الغربيون هكذا يقولون‪ ،‬ونسمع بعض العلمانيين يقولون اإلسالم سبب تخلفنا‪،‬‬ ‫القرآن غير قادر عى مواكبة الحضارة‪ ،‬وغير واف ملقتضيات التحديث‪...‬ما هذا‪ ،‬ما‬ ‫هذا الصغار والقزامة الفكري والنفس ي؟! شرارة أوقدت كل هذه النار‪...‬كيف؟ جاء‬ ‫القرآن ليقول "يزيد في الخلق ما يشاء" عملية الخلق ليست منتهية وهي في ازدياد‬ ‫َ‬ ‫َ َّ َ َ َ ْ َ َ َ ْ َ َّ َ ُ‬ ‫وس ُعون"‪،‬‬ ‫مستمر‪ ،‬وحتى عى املستوى املادي الكوني "والسماء بنيناها ِبأي ٍد و ِإنا مل ِ‬ ‫"يزيد في الخلق ما يشاء إن هللا عى كل ش يء قدير"‪ ،‬حركة اإلنسان‪ ،‬حركة التاريخ‪،‬‬ ‫حركة األمم أنها حركة التداول "وتلك األيام نداولها بين الناس" "إن يمسسكم قرح‬ ‫َ‬ ‫ُ َ ًَ َ‬ ‫فقد مس القوم قرح مثله" أي يوم لنا ويوم علينا‪ ،‬حركة املال "ك ْي ال َيكون ُدولة َب ْين‬

‫‪126‬‬


‫َْ‬ ‫ُ‬ ‫األغ ِن َياء ِمنك ْم" حتى هذا النص له خصولية خطيرة‪ ،‬فهذا النص ال يتناوله إال‬ ‫االقتصادي املصري فقط‪ ،‬بل البد أن يتناوله فيلسوف السياسية املسلم قبل‬ ‫االقتصادي املسلم‪ ،‬فمال إذا ألبح دولة بين األغنياء فأنه يخدم مجتمع اإلكراه‬ ‫مباشرة‪ ،‬وستبرز الشموليات وكل األخريات‪...‬كيف؟!‬

‫انظروا تفسير هذه اآلية وعن غير قصد من جان جاك روسو في العقد االجتماعي‪،‬‬ ‫ً‬ ‫يقول‪ :‬في مجتمع ّ‬ ‫حر ال ينبغي أن ُيسمح لرجل أن يكون مثريا إى درجة أن يشترى‬ ‫ً‬ ‫اآلخرين‪ ،‬كما ينبغي أال ُيسمح لرجل آخر أن يكون فقيرا لدرجة عسمح بأن يبيع نفسه‬ ‫لآلخرين‪...‬هللا أكبر! هذا كالم جميل‪ ،‬لكن القرآن سبقه وبصيغة أكثر بالغة وأكثر‬ ‫ُ َ ًَ َ َْ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫تركيزا وتكثيفا للمعني‪ ،‬قال "ك ْي ال َيكون ُدولة َب ْين األغ ِن َياء ِمنك ْم"‪.‬‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫الصيغة التداولية‪ ،‬ليغة التوسيع‪ ،‬ليغة ّ‬ ‫هذه ّ‬ ‫املد‪ ،‬الصيغة الحراك املستمر‬ ‫ً‬ ‫أيضا‪ ،‬هذه ّ‬ ‫الصيغة العجيبة لم تكن‬ ‫في عالم األفكار واألشخاص والدول والعقائد‬ ‫معروفة وال مألوفة عند األوربيين‪ ،‬وهي التي أوقدت كل هذا الكم الهائل من نار ونيران‬ ‫وأنوار التنوير والحرية في الغرب‪ ،‬ولذلك كثير من مؤرخي الصليبيات ومنهم ريس‬ ‫الفرنس ي الذي ألف خمسة مجلدات عن تاريخ الحروب الصليبية‪ ،‬يقول بالحرف‬ ‫الواحد‪ :‬إن اتصال األوربيين باملسلمين أثناء الحروب الصليبية كان هو البوابة التي‬ ‫نقلت أوروبا إى أعتاب العصر الجديد‪...‬نعم مع فكر املسلمين املفتح‪ ،‬الفكر الواعي‬ ‫الذي يولم اآلن بالجمود!‬

‫‪127‬‬


‫ً‬ ‫ونقول‪ :‬ما دام املنهج محفوظا فالرؤية ينبغي أن تبقى واضحة أو إمكان وضوحها‬ ‫قائم‪ ،‬وهي اآلن ليست واضحة‪ ،‬لكن املنهج موجود‪ ،‬والنص محفوظ‪ ،‬لكن إمكان‬ ‫استجالء الرؤية‪ ،‬عشخيص‪ ،‬بلورة‪ ،‬إضاءة هذه الرؤية موجود أو غير موجود؟ هو قائم‬ ‫وهللا بشكل سليم‪ ،‬لكن ّ‬ ‫لدقوني بعد كل خطبة من أمثال هذه الخطب يأتينا عدد‬ ‫كبير من الناس يثنون عى خطبة بأنها أعجبتهم‪ ،‬وأقول لهم‪ :‬أنا عى غير رأيكم‪ ،‬أنا‬ ‫أقرب إى اليأس والقنوط‪ ،‬وأعلم أن هذه األفكار لن يستفيد منها أكثر الذين سمعوها‪،‬‬ ‫معينة‪ ،‬ورهنوا أنفسهم إى مناهج ّ‬ ‫الذين تخشبوا عى عقليات ّ‬ ‫معينة في التفكير‬ ‫والتعاطي‪ ،‬وخفض القدرة عى التجديد في أنفسهم وفي رؤاهم وفي مناظيرهم‪ ،‬لكن‬ ‫األمل في جيل لغير ُينشا نشأة طاهرة بارئة من اللوثات الفكرية عى أمثال هذه‬

‫موسى كليم هللا‬

‫األفكار‪ ،‬وأنا أميز بين نوعين من الوعي الوعي االنقداحي والوعي املنهجي‬ ‫ً‬ ‫االستمدادي‪..‬ععرفون ما هو الوعي االنقداحي؟ إذا قدحت حجرا بحجر تنقدح شرارة‬ ‫بارقة نور واحدة تنطفئ في لحيظة‪ ،‬وفرق كبير بين هذا االنقداح وبين نور وضياء‬ ‫ً‬ ‫الشمس املسترسل الذي ال يغيب عن لقع إال لكي ينور ينور ويض ئ لقعا آخر‪..‬فرق‬ ‫كبير! وهذا هو الفرق بين فرد يدرك أن الحاكم طاغية‪ ،‬وأن األوضاع فاسدة‪ ،‬وأن هذا‬ ‫لواب وهذا خطأ فقط‪ ،‬يدركه بوعي انقداحي‪ ،‬بوعي متشظي ليس بوعي منهجي يربط‬ ‫فيه االعتقاد بالشرع وكليهما بالواقع‪ ،‬والفرد باملجموع‪ ،‬وحركة الكل بمواقف املكونات‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫والعنالر‪ ،‬ويقيم من ذلكم هما لحياته ومشروعا طامحا لكل رؤاه وأفكاره‪ ،‬وناظما‬ ‫لحركته وسلوكه‪...‬هذا املسلم هو جل اإلنقاذ والنهضة ّ‬ ‫ولدقوني هو نادر وغير‬ ‫ر‬ ‫موجود بالقدر الكافي‪.‬‬ ‫قبل أيام قال ىي أحد الذين أتوا من الحج‪ ،‬نسأل هللا أن يبارك ّ‬ ‫ّ‬ ‫ويتقبله‬ ‫حجهم‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫مبرورا مشكورا‪ ،‬قال ىي‪ :‬أنا لدمت مما رأيت هناك من فوض ى املسلمين‪ ،‬ومن القذارة‬

‫‪128‬‬


‫ّ‬ ‫والقرف‪ ،‬قلت له‪ :‬جميل أنك كذلك‪ ،‬وأنا مطمئن عليك‪ ،‬لكنني أعساءل هل كثير من‬ ‫املسلمين يعودون مصدومين بالحقيقة هذه؟ ال‪ ،‬يعودون فرحين بالحج‪ ،‬وسعيدين‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫جدا أنهم ّ‬ ‫حجوا‪ ،‬وأنا وهللا ععيس جدا بهذا املشاعر الذي آب بها هذا الحاج‪...‬ععرفون‬ ‫ملاذا؟ ألن الذي يذهب هناك ويرى شرائح تمثل كل مسلمي األرض ال يرى ما ُي ّبشر يرى‬ ‫الجهل واألمية والقذارة والفوض ى وعدم الرحمة‪ ،‬فال رحمة بين املسلم وأخيه‪ ،‬وإذا‬ ‫وقع الكبير ُيداس مباشرة‪ ،‬وقد حاولنا مرات ونجحنا في استنقاذ بعض هؤالء الذين‬ ‫ً‬ ‫بالدوس ّ‬ ‫ميتا ّ‬ ‫والدهس‪...‬ما الذي يحدث إذن؟! الذي يذهب‬ ‫كان يمكن أن أحدهم‬ ‫بضمير متشظي‪ ،‬بضمير دكتاتوري‪ ،‬وأعنى ما عناه جورج أورول حين قال‪ :‬إن كل‬ ‫النظم الشمولية ععمل عى تفكيك اإلنسان‪ ،‬ثم بعد ذلك إذا عملت عى تجزئة‬ ‫وتفكيك اإلنسان‪...‬ماذا يحصل؟ ععيد بنائه بالطريقة التي تريد‪ ،‬وهذا ما حدث مع‬ ‫املسلمين في عصور السابقة لألسف الشديد‪..‬ش يء مخيف! ولذلك يقول لك املسلم‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫كاإلنسان اآلداعي الغربي ما بعد الحداثي‪ ،‬يقول لك‪ :‬ضميري املنهي الحرفي مستريح!‬ ‫الضمير‪ ،‬وهل هناك مجموعة ضمائر في داخل اإلنسان؟! ّ‬ ‫وهل يتشظى ّ‬ ‫الضمير‬ ‫الشخص ي االجتماعي األخالقي غير مرتاح ألنه يقتل الناس‪ ،‬يعدم الناس ويضطهدهم في‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫السجون‪ ،‬لكن ضميره املنهي كجالد‪ ،‬كأداة‪ ،‬كقفاز في يد الطاغية مرتاح جدا؟! ال‬ ‫أراحك هللا ال دنيا وال آخره! املسكين أعيد تركيبه‪ ،‬وهذا الوعي االستمدادي الدائم‬ ‫املفقود‪ ،‬أما الوعي االنقداحي موجود لدينا لألسف الشديد‪ ،‬ومن هنا املعضلة‪ ،‬ومن‬ ‫هنا هذا التيه الذي ال يستطيع أن نخرج منه بعد أن توغلنا فيه‪.‬‬ ‫يقول‪ :‬الناس يعرفون أن هذا الظلم‪ ،‬وهذا طغيان‪ ،‬وهذا فساد‪...‬ال يعرفون‪ّ ،‬أنهم‬ ‫يمتلكون معلومات فقط‪ ،‬لكنهم ال يمتلكون رؤية ومعرفة حقيقية‪ ،‬وقد يأعي أحدهم‬

‫‪129‬‬

‫ليحاضرك باألرقام واإلحصائيات عن الفساد املاىي أو اإلداري في بلده‪...‬هذه كلها‬


‫معلومات ال تفيد‪ ،‬أنا أريد الرؤية‪ ،‬أريد الوعي االستمدادي الدائم‪ ،‬وليس الوعي‬ ‫االنقداحي‪ ،‬وعي املعلومات واملعطيات‪.‬‬

‫ونعود ونقول إن كل فلسفة الهجرة يمكن أن تكثف وأن تركز في هذه املسألة‪ ،‬أنها‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫اللوذ وطلب الحماية للمنهج‪ ،‬ملا يعطي الرؤية دائما إمكان أن تكون واضحة وشاخصة‬ ‫"بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ"‪...‬املنهج والرؤية من بعد املنهج! هذا هو درس‬ ‫الهجرة الذي أرد أن أذكر به اليوم‪ ،‬وأن أطوف هذا الطواف الطويل حوله وحول‬ ‫عامله‪ ،‬أقول قوىي هذا واستغفر هللا ىي ولكم فاستغفروه‪.‬‬

‫الحمد هلل‪ ،‬الحمد هلل الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما‬ ‫تفعلون‪ ،‬ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله‪ ،‬والكافرون‬

‫موسى كليم هللا‬

‫الخطبة الثانية‬

‫لهم عذاب شديد‪ ،‬وأشهد أن ال إله إال هللا وحده ال شريك له‪ ،‬وأشهد أن محمد عبده‬ ‫ورسوله لى هللا ععاى عليه وعى آله الطيبين الطاهرين وصحابته املباركين‬ ‫املجاهدين وأتباعهم بإحسان عى يوم الدين‪.‬‬ ‫ً‬ ‫أيها اإلخوة! روى اإلمام الطبري عن أبو بكر الهذىي‪ ،‬قال‪ :‬كنت واقف يوما بباب‬ ‫ّ‬ ‫السفاح ّ‬ ‫عمه‪-‬‬ ‫املنصور‪ -‬أبو جعفر املنصور العباس ي ثاني الخلفاء العباسيين بعد‬ ‫ورجل إى جانبي‪ ،‬فلما خرج الخليفة‪ ،‬قال الرجل‪ :‬هذا رب العزة الذي يطعمنا‬ ‫ويسقينا‪ ،‬فقف شعر بدني‪ ،‬وكان أبو بكر هذا من ندماء املنصور‪ ،‬فلما اجتمعت‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫بالخليفة‪ ،‬قلت‪ :‬يا أمير املؤمنين قد سمعت اليوم عجبا منكرا‪ ،‬قال‪ :‬ما سمعت يا‬

‫‪130‬‬


‫هذىي؟ قال‪ :‬سمعت رجل يقول كذا‪..‬كذا‪ ،‬فسكت هنيهة ثم نكش األرض‪ ،‬ثم قال‪ :‬يا‬ ‫هذىي ألن يدخلهم هللا النار في طاعتنا أحب إلينا من أن يدخلهم الجنة في‬ ‫معصيتنا‪...‬هذا منطق حقيقي‪ ،‬والقصة قد تصح وقد ال تصح‪ ،‬لكن الذي حدث‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وليضح باملبادئ‬ ‫وليضح بالعقيدة‪،‬‬ ‫واقعيا في تاريخ هذه األمة يؤكد هذا املنطق‪،‬‬ ‫والثوابت وبالقطعيات في سبيل أن يبقى من؟ أن يبقى نصف اإلله‪ ،‬ابن إله‪ ،‬ابن‬ ‫الشمس‪ ،‬ابن السماء الذي يحيى ويميت‪.‬‬

‫موسى كليم هللا‬

‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لدقوني لألسف! صحيح أن البشر اآلن ال يؤمنون بشكل واضح أن الحكام‬ ‫وامللوك واألباطرة آلهة‪ ،‬لكن يؤمنون بال شك ويصدرون عن هذا اإليمان أنه‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫استثنائيون تماما‪ ،‬ولذلك نعيش حالة ازدواجية أيضا حينما يخرج علينا هذا بهيبته‬ ‫وجالله تجرى الدموع في مآقيها مباشرة‪ ،‬كسر اإلله‪ -‬استغفر هللا العظيم‪ -‬وحفيد اإلله‬ ‫خرج إى جمهوره ومنحهم ّ‬ ‫العزة الكرامة‪ ،‬وإذا مات شعروا باليتم ويبكونه بسخاء‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ولدق لألسف الشديد‪ ،‬فنحن مازلنا وثنيين في التعاطي مع الحكام‪ ،‬ألننا لم نعد‬ ‫استكشاف ما جاء به اإلسالم‪ ،‬الذي لم يجعل هذا الحاكم أكثر من أجير‪ ،‬وكان ُيلقب يا‬ ‫أجير املسلمين‪ ،‬ليس أكثر من أجير وله أجرة مقطوعة ليس كأعى الناس وليس‬ ‫ً‬ ‫أخفض الناس‪ ،‬وكان بين ذلك قواما‪ ،‬انتهى كل هذا ولم نعد نسمع به‪ ،‬ولم يسمعه‬ ‫التاريخ عبر أكثر من ألف سنة‪ ،‬فالبد من إعادة استكشاف‪.‬‬

‫‪131‬‬

‫لألسف‪ -‬في األخير‪ ،‬وسأختم بهذه الجملة‪ -‬يتورط الشعب املخذول املنخذل‬ ‫ُ َ‬ ‫املضطهد املستكبر‪ ،‬كالهما يتورطان في الصورة التي‬ ‫الخاذل‬ ‫والحاكم‬ ‫هد‬ ‫ضط‬ ‫امل‬ ‫ِ‬ ‫سموها والدور الذي ا تضوه لهذا املتأله الصغير‪ ،‬فالحاكم ّ‬ ‫يصدق نفسه وهم‬ ‫ر‬ ‫ر‬ ‫ّ‬ ‫يصدقون‪ ،‬ومن هنا الشرح العجيب الذي أنصح كل واحد مهتم بهذه القضايا بقراءته‬


‫من منظور علمي دقيق متعمق الذي قدمه أريك فروم في كتابه "الهروب من الحرية"‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وأيضا قدمه جورج أورول في كتابه "‪ "1984‬املشهور عامليا‪ ،‬كالهما فسر لنا بدقة‬ ‫يحسدان عليها كيف عستحيل الشعور املضغوط باإلكراه والظلم إى إعجاب‪ ،‬وينتهي‬ ‫ّ‬ ‫محبة مفعمة بالصدق‪ ..‬يضطهدنا ويفعل ما يفعل‪ ،‬وبعد‬ ‫بعد ذلك إى رضا تام‪ ،‬إى‬ ‫ً ً‬ ‫قليل ُنعجب به وفي األخير ّ‬ ‫نحبه حبا جما‪..‬هكذا يحصل مع الشعوب! أما هو املسكين‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫املتأله الصغير هذا فيصل إى حالة يصدق معها أنه لن يموت‪ ،‬لذا يبقى متشبثا‬ ‫ً‬ ‫محتكرا للقرار ألنه يرى ويعتقد أنه يحتكر الحكمة‪ ،‬كل الحكمة‪ ،‬يحتكر القرار في‬ ‫ً‬ ‫لحظات خرفه وجنونه‪ ،‬وما بو رقيبة منكم ببعيد‪ ،‬وال فرانكو أيضا‪ ،‬وال يصدقون أنهم‬ ‫يموتون أو سيموتون‪.‬‬

‫موسى كليم هللا‬

‫اسمعوا هذا الذي لعله أشبه بالنكتة عن فرانكو‪ ،‬املجرم األسباني الكبير‪ ،‬أحد‬ ‫عتاة وكبار القتلة في القرن املنصرم‪ ،‬هذا الرجل كان ُيحتضر ولكنه لم ير املوت‪ ،‬فأنا‬ ‫متأكد لو رآه النتهى كل ش يء‪ ،‬كان ُيحتضر وجاء بعض مرافقيه من الحاشية واألمن‬ ‫يتملقونه وسمع جبلة في الخارج‪ ،‬فقال‪ :‬ما هذا‪ ،‬قالوا‪ :‬الشعب جاء لوداعك‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫لوداعي‪ ،‬إى أين ينوى الشعب أن يذهب؟! فهو ال يصدق أنه هو الذي سيذهب‪ ،‬أنا لن‬ ‫ّ‬ ‫أذهب وباقي مخلد‪ ،‬وإذا كان البد من وداع إذن الشعب كله سيرحل ويذهب‪ ،‬وذلك‬ ‫تتعجبون عندما يقال إن رئيس أليب بجلطة‪ ،‬فالكل يتفاءل أنه قد يعود ويغير‪،‬‬ ‫ولكنه يغير إى األسوأ‪ ،‬إى مزيد من الذل والتآمر‪...‬أععرفون ملاذا؟ أنتم مساكين‪ ،‬هذه‬ ‫جلطة عندكم‪ ،‬أما عنده هي نذير حياة خالدة مؤبدة‪.‬‬

‫نسأل هللا أن يشفينا‪ ،‬ويشفي هؤالء املجانين‪ ،‬ويشفينا من جنوننا هذا الجنون‬ ‫الذي خيم علينا فترة طويلة‪ ،‬ونسأل هللا أن يرفق بنا ويغير هذا الحال إى غير حال‪،‬‬

‫‪132‬‬


‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اللهم ارحمنا فأنك بنا راحم‪ ،‬وال ععذبنا فأنت علينا قادر‪ ،‬اللهم ال تؤاخذنا بما فعل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫السفهاء منا‪ ،‬اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا‪ ،‬وال عسلط علينا بذنوبنا من ال يخافك‬ ‫فينا واليرحمنا‪ ،‬اللهم إنا نسألك أن تنصر اإلسالم وأن ععز املسلمين‪ ،‬وأن ععى‬ ‫بفضلك كلمتي الحق والدين‪ ،‬اغفر لنا وإلخواننا املسلمين الحاضرين والغائبين وتوفنا‬ ‫وأنت راض عنا إلهنا وموالنا رب العاملين‪.‬‬

‫عباد هللا! إن هللا يأمر بالعدل واإلحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء‬ ‫ّ‬ ‫تتذكرون‪ ،‬اذكروا هللا العظيم يذكركم واشكروه عى‬ ‫واملنكر والبغي يعظكم لعلكم‬ ‫نعمه يزدكم‪ ،‬واسألوه من أفضاله يعطكم‪ ،‬وقوموا إى لالتكم يرحمني ويرحكم هللا‪.‬‬ ‫*********************************‬ ‫موسى كليم هللا‬

‫‪133‬‬


موسى كليم الله عدنان ابراهيم