Page 1

1


‫منهجية علم‬ ‫الجتماع‬ ‫بين‬ ‫الماركسية‬ ‫والوظيفية‬ ‫والبنيوية‬

‫د‪ .‬أحمدالقصير‬ ‫‪2‬‬


‫الهيئة المصرية العامة للكتاب‬ ‫الطبعة الثالثة ‪2012‬‬

‫منهجية علم الجتماع‬ ‫بين‬

‫الماركسية والوظيفية والبنيوية‬

‫د‪.‬أحمد القصير‬ ‫الطبعة الولي ‪ :1985‬الهيئة المصرية العامة للكتاب‬ ‫الطبعة الثانية ‪ :2006‬دار العالم الثالث‬ ‫الطبعة الثالثة ‪ :2012‬الهيئة المصرية العامة للكتاب‬

‫‪3‬‬


‫مقـدمة‬ ‫ظلت الدراسات التجتماعية في مصر تهتم‪ ،‬لفترة طويلة‪ ،‬بالتجوانب التطبيقية‪ .‬إواذا‬ ‫كانت هذه الدراسات قد أسهمت في تتجميع القدر الكبير من المعطيات الواقعية‪ ،‬فإن‬ ‫الستفادة الكاملة من هذه المعطيات يستلزم اللمام الكامل بالقضايا المحورية والمنهتجية‪.‬‬ ‫وفضل عن ذلك فإن تملك ناصية التقنيات التجرائية للبحوث الميدانية ل يتأتي إل بربط‬ ‫هذه التقنيات ذاتها بالمبادئ المنهتجية التي تمكن الباحث من وضع البعاد المتعددة‬ ‫للحياة التجتماعية في اعتباره‪.‬‬

‫ومن هنا تظهر أهمية أن يزداد الرتباط بين المنطلقات المنهتجية والبحوث‬ ‫الميدانية في الدراسات التجتماعية في مصر‪ .‬أي ينبغي أن يتخطى علم التجتماع في‬ ‫مصر مرحلة القتصار على متجرد وصف الواقع‪ .‬فإن معظم هذه الدراسات ل يزال يتسم‬ ‫بالفعل بهذه الصبغة‪ .‬وهي صبغة تتجعل من المدرسة الفكرية لعلم التجتماع في مصر‬ ‫مدرسة وصفية في المقام الول‪ .‬إواذا كنا نقول بذلك التوصيف فإنما نستند في ذلك إلى‬ ‫رأي أحد الرواد في متجال علم التجتماع في مصر حينما قرر أن المدرسة الفكرية لعلم‬ ‫التجتماع في مصر هي »مدرسة وصفية أول وقبل كل شيء« )انظر‪ :‬حسن الساعاتي‪،‬‬ ‫»تطور المدرسة الفكرية لعلم الجتماع في مصر«‪ ،‬المجلة الجتماعية القوميـة‪ ،‬العدد الول(‪ .‬إواذا‬ ‫كانت تلك السمة التي تميز هذه المدرسة قد ارتبطت بالبدايات الولى لعلم التجتماع في‬ ‫مصر فإن توطد أركـان هـذا العلـم في بلدنا يقتضـي مواصلة التطور لهذه المدرسة‬ ‫الفكريـة‪ .‬ويتأتـى هـذا بالمزيـد مـن الهتمـام بالقضايا المنهتجية المحورية لعلم التجتماع‪.‬‬ ‫وانطلقا من ذلك تحدد موضوع هذه الدراسة‪.‬‬ ‫وكمــا تــبين هــذه الد ارســة فــإن القتصــار علــى وصــف الواقــع التجتمــاعي ل يشــكل ســوى‬ ‫خطوة‪ ،‬بل خطوة غير كاملة‪ ،‬في متجال الدراسات التجتماعية‪ .‬ومن هنا حاول البــاحث أن‬ ‫يتنـ ــاول القضـ ــايا المنهتجيـ ــة الساسـ ــية الـ ــتي يرتبـ ــط بعضـ ــها بإيتجـ ــاد علقـ ــة بيـ ــن النظريـ ة‬ ‫والتطــبيق‪ .‬وقد تجـاءت الد ارســة فــي ةثلةثــة أبـواب تحتــوي علــى سـتة فصــول‪ .‬ويتنــاول البــاب‬ ‫الول المــدخل المعرف ي للنظري ة التجتماعيــة‪ .‬وتج اءت المعالتجــة فــي فصــلين‪ :‬الول عــن‬ ‫الص ــفة النوعي ــة المتميـ ـزة للظ ــاهرة التجتماعي ــة‪ ،‬وال ــتي تش ــير إل ــى ض ــرورة معالتجته ــا وفــق‬ ‫مقولت خاصة تضع في اعتبارها الخصائص النوعية لهذه الظاهرة‪ .‬وهي خصائص تتسم‬ ‫‪4‬‬


‫أساســا بالنســبية والتاريخيــة‪ .‬أمــا الفصــل الةثــاني فيتنــاول بعــض القضــايا المعرفيــة الــتي يــرى‬ ‫الباحث أن تناولها يمةثل مدخل أساسيا يعين على تحديد بعض المنطلقات عند الشروع في‬ ‫د ارســة القضــايا الــتي يتناولهــا علــم التجتمــاع‪ .‬أمــا البــاب الثــاني مــن هــذا البحــث فيتنــاول‬ ‫النظريات الجتماعية المعاصرة وهي نظرية المادية التاريخية ونظرية التحليــل الــوظيفي‬ ‫ثم نظرية التحليل البنيوي‪ .‬إواذا كانت الدراسة قد اقتصرت على هذه النظريات فذلك لن‬ ‫الباحث يرى أنها تمثل المنطلقات الرئيسية السائدة في علم الجتماع المعاصر‪ .‬وينبغـي‬ ‫أن نشير إلى أن هذا التقسيم ل يعني أن الدراسة لم تتعرض لبعــض ال تـجاهــات النظريـة‬ ‫الخـــرى المـــؤثرة فـــي علـــم الجتمـــاع‪ .‬فقـــد تعرضـ ت الدراســـة لتلـــك ال تـجاهـــات ارتباطـــا‬ ‫بالموضوعات موضع البحث‪ .‬وعلى سبيل المثال فإن تقســيم فصــول الدراســة لــم يشــتمل‬ ‫على جزء خاص بأوجست كونت‪ ،‬ومع ذلك فإن بعض منطلقاته المنهجية جرت الشــارة‬ ‫إليها في سياق تناول القضايا موضع البحث‪ .‬وثمة حقيقة اتضــحت مــن خل لـ الدراســة‪،‬‬ ‫وه ي تـأثيرات كـل مـن كـونت ودورك ايم علـى علــم الجتمـاع المعاصـر‪ .‬وفـي هـذا الصــدد‬ ‫يتضــح التــأثير الشــديد لهــذه الشخصــية الخيــرة بالــذات‪ ،‬وخاصــة تأثيره ا فــي كــل مــن‬ ‫الوظيفية والبنيوية‪ .‬ومن هنا كان دوركايم متواجدا في معظم فصول هذه الدراسة‪.‬‬

‫أما الباب الةثالث من هذه الدراسة فيتناول المفهوم المحوري في علم التجتماع‪.‬‬ ‫ونعني بذلك مفهوم »البنية التجتماعية«‪ .‬فهذا المفهوم تتركز حوله المنطلقات المنهتجية‬ ‫المختلفة في علم التجتماع‪ .‬ومن هنا يمكن اعتبار الفصول الخمسة الولى بمةثابة التمهيد‬ ‫لتناول هذا المفهوم التجوهري‪ .‬ويشمل هذا الباب فصل وخاتمة‪ .‬وقد تم فيه تناول المبادئ‬ ‫المنهتجية لدراسة البنية التجتماعية‪ .‬وعرضت الخاتمة المبادئ المنهتجية المستخلصة‬ ‫نتيتجة تناول المعالتجات الوظيفية والماركسية والبنيوية لمفهوم البنية التجتماعية‪.‬‬

‫وقد حاولت الدراسة أن تركز في الباب الةثالث على توضيح أوتجه التفاق‬ ‫والختلف بين المبادئ المنهتجية التي تطرحها كل من الوظيفية والماركسية والبنيوية‪.‬‬ ‫وأوضحت دراستنا لهذه المنطلقات المنهتجية أن المدخل الصائب لدراسة البنية التجتماعية‬ ‫ل يقف عند متجرد وصف الواقع التجتماعي‪ .‬ومن هنا اتضح مدى قصور النزعة‬ ‫المبريقية التي تتبناها الوظيفية بالذات وترفضها كل من الماركسية والبنيوية‪ .‬وهكذا‬ ‫تتضح أهمية أن تنطلق البحوث التجتماعية‪ ،‬ل من متجرد إطار تصوري‪ ،‬إوانما من‬ ‫مبادئ منهتجية عامة تمكن الباحث من أن يعالج المواد والمعطيات الواقعية معالتجة‬ ‫صائبة تتيح الكشف عن الواقع غير المرئي المختفي وراء ما هو قابل للملحظة المباشرة‪.‬‬ ‫لقد أوضحت هذه الدراسة أن البنية التجتماعية ل يمكن دراستها عن طريق‬ ‫الملحظة المباشرة‪ ،‬وأن هدف البحث العلمي ينبغي أن يتخطى ذلك للكشف عن القوانين‬ ‫‪5‬‬


‫الداخلية التي تحكم البنية التجتماعية وتطورها‪ ،‬والتي ل تخضع للملحظة المباشرة‪ .‬ومن‬ ‫هنا تنبع أهمية السس المنهتجية التي تنطلق من نظرة متعددة البعاد‪ ،‬ول نقول التكامل‬ ‫المنهتجي‪ .‬فدراسة البنية التجتماعية دراسة تتسم بالشمول‪ ،‬وتسير‪ ،‬مةثلما أوضحت‬ ‫الدراسة‪ ،‬وفق منطلقات منهتجية متكاملة بالفعل‪ ،‬ولكنها غير مرتبطة بالفكرة التي تتردد‬ ‫في علم التجتماع عن »التكامل المنهتجي«‪ .‬فليس المر هنا تتجميع فكرة مفيدة من هنا‬ ‫وفكرة أخرى من هناك‪ ،‬كما أنه ليس متجرد اقتطاع فكرة معينة من سياق نظرية ما‬ ‫لنستكمل بها نظرية أخرى‪ .‬إذ أوضحت الدراسة أن هناك بالفعل منطلقات منهتجية بشأن‬ ‫البنية التجتماعية ول يتجرى الشارة إليها بشكل متكامل في الدراسات التجتماعية‪ ،‬كما أن‬ ‫الخطوة الولى‪ ،‬حسبما يرى الباحث‪ ،‬تتمةثل في وضع هذه المنطلقات أول موضع التحقيق‬ ‫وموضع المزيد من البحث ةثم بعد ذلك – وبعد ذلك فقط‪ -‬يمكننا أن نرى إن كنا في حاتجة‬ ‫إلى تلك الفكرة القائلة بالتكامل المنهتجي أم ل‪.‬‬

‫لقد حاول الباحث أن يتناول في هذه الدراسة القضايا المنهتجية الساسية في علم‬ ‫التجتماع‪ .‬غير أن ذلك ل يعني أن هذه القضايا ل تحتاج إلى مزيد من التعمق في‬ ‫البحث‪ .‬وةثمة قضية نستخلصها‪ ،‬في هذا الصدد‪ ،‬من التتجربة الشخصية للباحث وينبغي‬ ‫الشارة إليها‪ .‬ونعني بذلك أن بعض التجوانب ل تتضح تجيدا للباحث إل بعد أن تتكامل‬ ‫دراسته في صورتها النهائية‪ ،‬أي بعد أن ينتجز دراسته بالفعل‪ ،‬وبعد أن تكون خطة البحث‬ ‫قد فرضت منطقها على سياق البحث‪ .‬إواذا كان لهذا المنطق فائدته في توتجيه الباحث فإن‬ ‫له أيضا قيوده التي ل يتبينها المرء إل بعد أن يكون البحث قد انتهى بالفعل‪ ،‬بل بعد أن‬ ‫يكون قد تم طبعه أيضا‪ .‬غير أن هذا المر في حد ذاته يمةثل دعوة إلى مواصلة الدراسة‪،‬‬ ‫والبحث‪ ،‬والقيام برحلة عكسية للتخلص بقدر المكان من تلك القيود‪ ،‬للنطلق في دراسة‬ ‫تجديدة‪ .‬وهذا ما يأمل الباحث أن يسترشد به‪.‬‬ ‫القاهرة – يوليو ‪1978‬‬

‫‪6‬‬


7


‫الباب الول‬ ‫المدخل المعرفي للنظرية الجتماعية‬

‫‪8‬‬


9


‫الفصل الول‬ ‫الصفة النوعية للظاهرة الجتماعية‬ ‫تمهيد‪:‬‬

‫إذا كانت معرفة طبيعة الظواهر التجتماعية‪ ،‬أي المعرفة العلمية للمتجتمع تبدأ‪،‬‬ ‫شأنها شأن أي معرفة‪ ،‬باستعراض الوقائع والحداث ووصفها‪ ،‬فإن عملية الستعراض‬ ‫والوصف هذه ليست إل متجرد بداية‪ .‬أما العلم ذاته فل يبدأ إل حيث يقوم التعميم‪ ،‬وحيث‬ ‫تتكشف القوانين‪ ،‬وتظهر النظريات حول تلك الوقائع‪ ،‬أي حول مادة العلم‪ ،‬لتقدم تفسي ار‬ ‫لها‪.‬‬ ‫وقبل ظهور علم التجتماع كعلم مستقل لم يكن هناك تحديد دقيق لطبيعة المادة‬ ‫التي يتناولها العلم التجتماعي ونوعيتها‪ .‬أي لم يكن هناك تحديد دقيق للصفة النوعية‬ ‫للظاهرة التجتماعية ومعرفة ما يميزها عن بقية الظواهر‪ .‬وهذا التحديد هو الذي ساعد‬ ‫فيما بعد على تقدم علم التجتماع وتعيين متجال دراسته وصياغة نظرياته ومبادئه‬ ‫المنهتجية‪ .‬لهذا »يتجب أن نعلم قبل البدء في البحث عن الطريقة التي تتناسب مع دراسة‬ ‫الظواهر التجتماعية حقيقة الظواهر التي يطلق عليها الناس هذا السم«)‪.(1‬‬

‫وبالرغم من عدم نضج المحاولت التي ظهرت عبر تاريخ العلم في هذا الشأن فقد‬ ‫ساهمت‪ ،‬بل أفضت في النهاية إلى خلق علم التجتماع‪ .‬ونقصد »علم التجتماع بمعناه‬ ‫الدقيق الذي يدل على معالتجة النظرية التجتماعية بوصفها علما خاصا‪ ،‬له موضوعه‬ ‫الخاص‪ ،‬إواطاره التصوري ومنهتجه الخاص‪ .‬فهنا ينظر إلى النظرية التجتماعية على أنها‬ ‫»علم المتجتمع« الذي يبحث فيما بين الناس من علقات تحمل الطابع التجتماعي على‬ ‫وتجه التخصيص‪ ،‬وفي القوانين والتتجاهات التي تؤةثر فيها‪ .‬وهذا يعني أن أمةثال هذه‬ ‫العلقات التجتماعية يمكن أن تميز من العلقات المادية أو القتصادية‪ ،‬أو السياسية‪،‬‬ ‫أو الدينية‪ ،‬إوان كان من التجائز أنها ل تحدث أبدا بدون هذه الخيرة‪ .‬فعلم التجتماع‬ ‫‪1‬‬

‫‪10‬‬

‫)‪ (1‬اميل دوركايم‪ ،‬قواعد المنهج في علم التجتماع‪ ،‬ترتجمه وقدم له محمود قاسم‪ ،‬مكتبة النهضة‬ ‫المصرية‪ ،‬القاهرة‪ ،1974 ،‬ص ‪.50‬‬


‫بوصفه علما خاصا )نوعيا‪ -‬الباحث(‪ ،‬يترك عددا كبي ار من المشكلت التجتماعية لكي‬ ‫تعالتجه العلوم الخرى المتخصصة‪ ،‬إوان كان يختص بالدراسة العامة للمتجتمع«)‪.(1‬‬

‫ومهما كان المر »فإن التجميع متفقون على أن علم التجتماع لم يتطور ارتباطا‬ ‫بموضوع إيتجابي إوانما كنشاط متبق من نشاطات أخرى ليمل البقع المظلمة في الخريطة‬ ‫الفكرية‪ .‬والستعارة هنا ليست استعارة مةثالية لنها تركز النتباه على السمة المميزة لعلم‬ ‫التجتماع المعاصر«)‪ .(2‬بل إن لزارسفيلد يقول أيضا وبشكل مباشر إن »علم التجتماع‬ ‫لم يظهر كنسق معترف به بسبب ظهور موضوع خاص به‪ ،‬إوانما لن علوما اتجتماعية‬ ‫أخرى تطورت إلى متجالت معينة استلزمت وتجود نماذج تجديدة للنشاط الفكري«)‪.(3‬‬

‫وتشير هذه الكلمات إلى أن هناك متجالت معرفية أخرى ساهمت في تطور علم‬ ‫التجتماع‪ ،‬بل في تحديد بعض سماته الراهنة‪ .‬وما يعنينا الن هو ما قدمته تلك المتجالت‬ ‫المعرفية في القضية التي نتناولها الن وهي الصفة النوعية للظاهرة التجتماعية‪.‬‬ ‫ولتوضيح كيفية التوصل إلى تحديد تلك الصفة سنتعرض لةثلث قضايا‪:‬‬ ‫الولى‪ :‬ظهور فكرة أن الحياة التجتماعية تخضع لقانون خاص بها‪.‬‬ ‫الثاني‪ :‬القانون العلمي وصفاته‪.‬‬

‫الثالثة‪ :‬النسبية في تناول الظاهرة التجتماعية أو فكرة النسبية السسيولوتجية حسب‬ ‫تعبير تجورفيتش‪.‬‬

‫ومن خلل ذلك سنتعرض للظروف التاريخية التي كانت تؤةثر على قصور أساليب‬ ‫ومناهج البحث في المرحلة السابقة على نشأة علم التجتماع‪ .‬وتتمةثل نقطة البدء في‬ ‫تناول هذه القضايا في استعراض أفكار عصر التنوير‪ .‬وذلك لن التجانب الكبر من علم‬ ‫التجتماع الكلسيكي نشأ في سياق تجدال مع فكر منتصف القرن الةثامن عشر من تجانب‪،‬‬ ‫ةثم بعد ذلك مع الوريث الحقيقي لتلك الفكار في القرن التاسع عشر وهو ماركس‪.‬‬ ‫»ولهذا يبدو عصر التنوير نقطة النطلق الكةثر ملءمة لدراسة أصول النظرية‬ ‫التجتماعية‪ .‬فالمفكرون في القرن الةثامن عشر كانوا أكةثر تلؤما واتساقا من سابقيهم في‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪11‬‬

‫)‪ (1‬هربرت ماركيوز‪ ،‬العقل والةثورة‪ ،‬ترتجمة فؤاد زكريا‪ ،‬الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر‪ ،‬القاهرة‪،‬‬ ‫‪ ،1970‬ص ص ‪.359 -358‬‬ ‫‪P. Lasarsfeld, Main Trends in Sociology, George Allen and Unwin Ltd., London, 1970,‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫)‪(3‬‬

‫‪.p.8‬‬ ‫‪.Ibid., p. 7‬‬


‫دراسة الظروف البشرية بطريقة منهتجية وحاولوا أن يطبقوا بوعي ما اعتقدوا أنه مبادئ‬ ‫عملية لتحليل النسان‪ ،‬وطبيعته‪ ،‬ومتجتمعه«)‪.(1‬‬

‫ظهور فكرة خضوع الظاهرة الجتماعية لقانون‪:‬‬

‫تعتبر قوانين العلوم المختلفة انعكاسا‪ ،‬بدرتجة أو بأخرى‪ ،‬للقواعد والمبادئ التي‬ ‫تحكم تطور العالم الموضوعي‪ .‬وتتقدم دراسة أي ظاهرة باكتشاف القوانين التي تحكمها‬ ‫وتؤةثر في تطورها‪ .‬ول شك أن وصول التفكير التجتماعي إلى مرحلة البحث عن قوانين‬ ‫الظاهرة التجتماعية كان خطوة بارزة في متجال تطور الفكر التجتماعي‪.‬‬

‫إن أبرز مساهمة في هذا الصدد تجاءت من تجانب فلسفة القانون وفلسفة التاريخ‬ ‫والقتصاد السياسي‪ .‬ويبرز في هذا المتجال الفيلسوف اليطالي فيكو )‪(1774-1668‬‬ ‫الذي أبدع فلسفة التاريخ بكتابه »مبادئ علم تجديد« )عام ‪ (1725‬حيث استند إلى نتائج‬ ‫فقه اللغة )الفيلولوتجي( ليةثبت وحدة النمو البشري‪ ،‬ووحدة القانون الذي يسير بمقتضاه هذا‬ ‫النمو عند مختلف الشعوب التي يتحتم عليها أن تمر بنفس الطوار المتعاقبة في‬ ‫تطورها‪ ...‬وفي رأيه أن تجميع الشعوب مضطرة أن تمر على نسق واحد بالعصور‬ ‫المتعاقبة نفسها)‪.(2‬‬

‫كما يقول زايتلن إن فيكو قرر »أنه من الممكن أن نطبق في دراستنا للمتجتمع‬ ‫البشري والتاريخ المنهج الذي نادى به بيكون في دراسة العالم الطبيعي‪ .‬وفي عام ‪1725‬‬ ‫كتب فيكو ونشر مؤلفا قام بتعريفه بأنه مبادئ علم تجديد ويتناول طبيعة المم‪ ،‬ويتم من‬ ‫خلله توضيح مبادئ تجديدة للقانون الطبيعي للشعوب«)‪.(3‬‬

‫ةثم تجاء يوهان هردر الفيلسوف اللماني )‪ (1803-1744‬ليؤكد في كتابه »أفكار‬ ‫عن فلسفة تاريخ البشرية« العلقة الوةثيقة بين البشرية والطبيعة‪ .‬فقد انطلق من مفهوم‬ ‫التقدم في الطبيعة ليطور فكرة التقدم في التاريخ‪ .‬وقد رأى أن التقدم البشري عبارة عن‬ ‫عملية طبيعية يتجرى فيها كل شيء وفقا لقوانين ةثابتة‪ .‬مةثل نمو الكائنات الطبيعية‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫) ‪(1‬‬

‫‪I. Zeitlin, Ideology and Development of Sociological Theory, Prentice-Hall onc.,‬‬ ‫‪.New Jersy, 1968, p. VII‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪12‬‬

‫)‪ (2‬تجاستون بوتول‪ ،‬تاريخ علم التجتماع‪ ،‬ترتجمة محمد عاطف غيث وعباس الشربيني‪ ،‬الدار القومية‬ ‫للطباعة والنشر‪ ،‬اسكندرية‪ ،1964 ،‬ص ‪.37‬‬ ‫‪.I. Zeitlin, op. cit., p. 11‬‬ ‫)‪(3‬‬


‫كما كانت قوانين التقدم قد شغلت أيضا تجان كوندرسيه )‪ (1794-1743‬المفكر‬ ‫الفرنسي حيث صاغ نظرية التطور غير المحدود للبشرية في كتابه »لوحة تاريخية« عن‬ ‫تقدم العقل البشري‪.‬‬ ‫أما مونتسيكيو )‪ (1755-1689‬فهو أساسا الذي أدخل فكرة القانون إلى ميدان‬ ‫العلوم التجتماعية‪ ،‬وذلك في كتابه روح القوانين )عام ‪» .(1748‬ويبدأ الكتاب بتعريف‬ ‫كلسيكي تمت صياغته تحت التأةثير الواضح للعلوم الطبيعية في عصره‪ .‬كتب يقول إن‬ ‫القوانين بأوسع معنى للكلمة هي العلقات الضرورية التي تنشأ من طبيعة الشياء‪ .‬وبهذا‬ ‫المعنى فكل شيء موتجود له قوانينه الخاصة به‪ ...،‬وهذا التعريف يؤكد الطبيعة‬ ‫الموضوعية للقوانين«)‪ .(1‬وعلى الرغم من هذا فإن مونتسيكيو عبر عن فكرة أن النسان‪،‬‬ ‫بوصفه كائنا مفكرا‪ ،‬قادر على خلق قوانين لنفسه«)‪.(2‬‬ ‫إن مونتسيكيو‪ ،‬مةثله مةثل فلسفة التنوير‪ ،‬رأى أن العالم تحكمه الفكار‪» .‬وكان‬ ‫هدف مونتسيكيو أن يتجعل التاريخ واضحا‪ .‬وقد سعى إلى فهم الحقيقة التاريخية‪ .‬ولكن‬ ‫هذه الحقيقة التاريخية ظهرت له في شكل متنوع‪ ،‬بغير حدود تقريبا‪ ،‬من الخلقيات‪،‬‬ ‫والعادات والقوانين‪ ،‬والمؤسسات‪ .‬وكانت نقطة انطلقه في البحث هو ذلك التنوع الذي‬ ‫يبدو وكأنه غير مترابط‪ ،‬وأن هدف البحث ينبغي أن يكون إحلل نظام تصوري محل هذا‬ ‫التنوع غير المترابط«)‪.(3‬‬ ‫وقطعت فكرة القانون شوطا أبعد في التطور على أيدي رتجال القتصاد السياسي‬ ‫خاصة »الفيزوقراطيين«‪ ،‬أصحاب المذهب الطبيعي‪ .‬فقد قدم كيسناي ‪Quesney (1694-‬‬ ‫‪ (1774‬فكرة نظام طبيعي قائم على الزراعة في كتابه »لوحة اقتصادية« عام ‪.1758‬‬ ‫وةثانيا نتجد أن ما تجمعه ديبون دي نمور عام ‪ 1768‬من مقالت كيسناي تحت عنوان‬ ‫»الفيزوقراط« يعبر تعبي ار دقيقا عن فكرة القوانين الطبيعية ومدى تحكمها في الظواهر‪...‬‬ ‫ويتحدث ديبون دي نمور نفسه عن القوانين الفيزيقية الخاصة بالمتجتمع‪ .‬ويعلن أن‬ ‫‪1‬‬

‫‪2‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪13‬‬

‫)‪(1‬‬

‫)‪( 2‬‬ ‫) ‪(1‬‬

‫‪G. Glezerman, The Laws of Social Development, Foreign Lgnguages Publishing‬‬ ‫‪.(.House, Moscow, p. 47. (n,d‬‬ ‫‪.Ibid., p. 48‬‬ ‫‪R. Aron, Main Currents in Sociological Thought, Vol. 1, Basie Books inc., New‬‬ ‫‪.york, 1965, p. 14‬‬


‫القوانين الطبيعية هي الشروط التجوهرية التي يتم كل شيء بمقتضاها في نطاق النظام‬ ‫الذي أنشأه خالق الطبيعة)‪.(1‬‬

‫ونقاط القوة والضعف عند الفيزوقراطيين واضحة ‪ ...‬فهم حين يضعون النظام‬ ‫الطبيعي للشياء في تعارض مع التفكير الذاتي للنسان ويؤكدون أن القوانين الطبيعية‬ ‫ذات طبيعة موضوعية فإنهم على صواب تماما‪ .‬ولكن حين ينظرون إلى هذه القوانين‬ ‫نظرة غير تاريخية‪ ،‬فإنهم يكشفون عن ضيق أفق في التفكير‪ .‬فهم يعتبرون قوانين‬ ‫الرأسمالية مةثل قوانين خالدة ويمدون نطاقها إلى كافة التشكيلت التجتماعية‪.‬‬

‫إن الفيزوقراطيين »نظروا إلى الشكال البرتجوازية للنتاج على أنها أشكال‬ ‫فسيولوتجية للمتجتمع‪ ،‬أي على أنها أشكال ناشئة عن الضرورة الطبيعية للنتاج‪ ،‬أشكال‬ ‫تعتبر مستقلة عن إرادة أي شخص‪ ،‬وعن السياسات ‪ ...‬وما إلى ذلك‪ .‬إنها قوانين مادية‪،‬‬ ‫والخطأ يتمةثل فقط في أن هذا القانون المادي لمرحلة تاريخية اتجتماعية محددة ينظرون‬ ‫إليه كقانون متجرد يحكم كل أشكال المتجتمعات«)‪.(2‬‬ ‫إن محاولة تطبيق القانون الطبيعي في متجال معرفة المتجتمع البشري‪ ،‬كانت تتميز‬ ‫غالبا بتطابق قوانين الطبيعة مع تلك الخاصة بالمتجتمع‪ .‬وكان هذا هـو أسلوب التفكير‬ ‫الذي اتبعه أصحاب فلسفة التاريخ بل كةثير من الفلسفة الماديين في القرن الةثامن عشر‬ ‫الذين حاولوا أن يخلقوا نوعا من »الفيزيقيا« التجتماعية التي تسعى إلى تفسير الحياة‬ ‫التجتماعية بقوانين لم تضع في اعتبارها الصفة النوعية تماما للظاهرة التجتماعية‪ .‬كما‬ ‫أن سان سيمون وكونت ‪ -‬وهما اللذان يعتبرهما تراث علم التجتماع مؤسسين لهذا العلم‪-‬‬ ‫لم يستطعا أن يتغلبا على هذا القصور‪ .‬وهو ما سوف نتناوله عند الحديث عن موقفهما‬ ‫تتجاه النسبية في تناول الظواهر التجتماعية‪.‬‬ ‫ونخلص مما سبق إلى القول بأن تلك المحاولت أحدةثت تقدما في التفكير‬ ‫التجتماعي عندما أكدت أن الظاهرة التجتماعية تخضع لقوانين‪ .‬لكن القصور تمةثل في‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪14‬‬

‫)‪ (2‬أرمان كوفيلييه‪ ،‬مقدمة في علم التجتماع‪ ،‬ترتجمة السيد محمد بدوي وعباس أحمد الشربيني‪ ،‬دار‬ ‫المعارف بمصر‪ ،‬القاهرة‪ ،1961 ،‬ص ‪.11‬‬ ‫‪K. Marx, Theories of Surplus Value, Vol. 1, Progress Publishers, Moscow, 1963, p.‬‬ ‫)‪(3‬‬ ‫‪.34‬‬


‫أنها لم تتمةثل الشيء التجوهري في الظاهرة التجتماعية الذي تنبع منه تلك القوانين‪ .‬وفي‬ ‫ضوء ما سبق أن تناولناه علينا أن نتعرض لمعنى القانون العلمي وتعريفه‪.‬‬

‫تعريف القانون العلمي والصفات التي يتميز بها‪:‬‬

‫أول‪ :‬إن أي قانون لبد أن يعكس الروابط التجوهرية بين الظواهر‪ .‬فهنـاك عدد ل‬ ‫نهائي من الروابط في الحياة‪ ،‬البعض منها أساسي والبعض الخر ةثانوي‪ .‬ولكي نصل‬ ‫إلى اكتشاف القانون علينا أن نصل إلى تجوهر الظواهر ونكشف عن الروابط الساسية‪.‬‬ ‫وذلك لن القانون بمةثابة علقة‪ ،‬وبالتحديد علقة تجوهرية بين الشياء‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬ل يعبر القانون عن علقة فردية‪ ،‬بل عن علقة كلية‪ .‬فالقانون هـو أحد‬ ‫أشكال الشمول‪ ،‬ولكتشافه علينا معرفة ما هو عام فيما هو فردي وخاص‪.‬‬ ‫ثالثا‪ :‬يعبر القانون عن علقة ةثابتة مستقرة بين الظواهر‪ .‬ومع أن الطبيعة‬ ‫والمتجتمع في تغير مستمر إل أن هناك علقة محددة ةثابتة نسبيا‪ .‬ومعنى ذلك أن القانون‬ ‫هو الشيء الةثابت والدائم في الظواهر‪.‬‬ ‫ويمكن أن نستخلص من هذه الصفات صفتين أساسيتين لي قانون‪:‬‬ ‫أول‪ :‬إن القانون أو العلقة ليست ةثابتة بشكل مطلق‪ .‬بل تعتبر تاريخية بشكل‬ ‫معين‪ ،‬حيث ل توتجد إل إذا ظلت الظروف كما هي‪ .‬فقوانين البيولوتجيا مةثل لم تظهر إل‬ ‫مع ظهور الحياة‪ ،‬وقوانين المتجتمع القطاعي في بلد معين تزول من المتجتمع مع انهيار‬ ‫ذلك النظام‪ .‬كما أن قوانين المتجتمع الرأسمالي كان يستحيل وتجودها إل مع ظهور‬ ‫الرأسمالية في مرحلة تاريخية معينة‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬وفي نفس الوقت يعتبر القانون مطلقا ودائما من زاوية معينة‪ ،‬أي في حالة‬ ‫استمرار الظروف التي يعمل في ظلها كما هي)‪ .(1‬إن القوانين التي تحكم الظواهر‬ ‫التجتماعية‪ ،‬شأنها شأن القوانين في متجال الطبيعة‪ ،‬تعبر عن الروابط التجوهرية‬ ‫والضرورية في الظواهر التجتماعية‪ ،‬لكنها تختلف في محتواها عن قوانين الطبيعة‪ .‬وقد‬ ‫خطا مفكرو عصر التنوير خطوات هامة في توضيح ذلك‪ .‬وكان مونتسيكيو كما رأينا‬ ‫أول من اقترب من هذه الفكرة‪ .‬كما كان إقرار فكرة النسبية في متجال تناول الظاهرة‬ ‫‪1‬‬

‫‪15‬‬

‫)‪ (1‬انظر‪ :‬أحمد القصير‪ ،‬المنهج التجدلي في علم التجتماع‪ ،‬متجلة الداب‪ ،‬بيروت‪ ،‬العدد الرابع‪ ،‬أبريل‬ ‫‪ ،1972‬ص ‪.60‬‬


‫التجتماعية بمةثابة الخطوة الهامة في ذلك الشأن‪ ،‬وذلك لنها ساعدت على تحديد الصفة‬ ‫النوعية للظاهرة التجتماعية‪ .‬وترتب على ذلك بالطبع معرفة القوانين النوعية الخاصة‬ ‫بهذه الظاهرة‪.‬‬

‫إن علم التجتماع المعاصر مدين بالفعل لتلك المنتجزات‪ ،‬وقد كانت منتجزات هامة‪،‬‬ ‫وهي تذكرنا بقول لزارسفليد بأن علم التجتماع قد نشأ وتطور نتيتجة اتساع ونمو متجالت‬ ‫معرفية أخرى‪ .‬ويمكن الشارة في هذا الصدد إلى إنتجازات فلسفة التاريخ على وتجه‬ ‫التحديد‪ .‬ذلك لن فلسفة التاريخ يتم تناولها أحيانا بوصفها شيئا شاذا وغريبا في تاريخ علم‬ ‫التجتماع‪ .‬وذلك بالرغم من أنها قدمت إسهامات بالغة الهمية ساعدت علم التجتماع‬ ‫على التطور‪ .‬ويمكن تلخيص إنتجازات فلسفة التاريخ على مستويين‪ .‬المستوى الفلسفي‬ ‫والمستوى العلمي‪ .‬فقد قدمت لعلم التجتماع على المستوى الفلسفي فكرة النمو والتقدم‪ .‬ول‬ ‫يمكن أن نغفل أنه بالرغم من مةثالية هيتجل مةثل فإنه قدم العالم الطبيعي والتاريخي والعقلي‬ ‫لول مرة على أنه في حالة حركة وتغير وتحول دائم‪ .‬أما إسهامات فلسفة التاريخ على‬ ‫المستوى العلمي فتكمن في طرحها مفهومات المراحل التاريخية والنماط التجتماعية‪.‬‬

‫فكرة النسبية في تناول الظاهرة الجتماعية‪:‬‬

‫على الرغم من أن فلسفة التاريخ قالت بتقدم البشرية إل أنها صورت هذا التقدم‬ ‫وكأنه يتجرى في اتتجاه واحد مستمر‪ ،‬وكأنه يتجرى وفق نسق واحد نحو هدف سبق وتجوده‬ ‫في العقل‪ .‬كما أن القتصاد السياسي قال بقوانين وأنظمة للمتجتمع خالدة وأبدية‪ .‬ولكن‬ ‫ظهرت بعد ذلك مؤةثرات أدت إلى إدخال فكرة النسبية في القوانين التي تحكم الظاهرة‬ ‫التجتماعية‪ ،‬إوالى العتقاد بالصبغة التاريخية للظواهر التجتماعية‪ .‬وقد ساعد ذلك على‬ ‫تحديد الصفة النوعية للظواهر التجتماعية ووتجه نظر علماء التجتماع إلى فكرة قابلية‬ ‫النظم التجتماعية للتغير‪.‬‬ ‫وةثمة اكتشافات أربعة ساهمت في بروز ذلك التتجاه وساعدت على التخلص من‬ ‫التصورات المةثالية إواقرار فكرة النسبية‪ .‬وتقع ةثلةثة من تلك الكتشافات في متجال العلوم‬ ‫الطبيعية‪ ،‬أما الكتشاف الرابع ففي متجال أحد العلوم التاريخية وهو علم اللغة‪ .‬وكانت له‬ ‫دللة منهتجية بالغة إوان كان تأةثيره لم تتم ملحظته على نطاق واسع مةثل اكتشافات العلوم‬ ‫الطبيعية مع أنه كان سابقا عليها‪.‬‬ ‫‪16‬‬


‫وهذه ال كـتشافات هي‪:‬‬ ‫لدينا أول كشف الخلية بصفتها الوحدة التي ينمو التجسم النباتي والحيواني كله عن‬ ‫طريق تكاةثرها وانقسامها‪ ،‬بحيث لم يقتصر المر على العتراف بأن تطور ونمو كل‬ ‫تكوين أعلى مرتبة يسير وفقا لقانون عام واحد‪ ،‬بل إنه نتيجة لطاقة الخلية على التغير‬ ‫أمكن أن نعرف السبيل الذي بواسطته تستطيع التكوينات أن تغير جنسها‪.‬‬ ‫وةثانيا هناك تحول الطاقة الذي أوضح أن كافة ما يوصف بالقوى المؤةثرة في‬ ‫الطبيعة غير العضوية – القوة الميكانيكية وما يكملها أي ما يقال له الطاقة الموتجودة‬ ‫بالقوة )الكامنة( والح اررة والشعاع )الضوء أو الح اررة الشعاعية( والكهربية والمغناطيسية‬ ‫والطاقة الكيماوية‪ -‬هذه القوى كلها أشكال مختلفة تبدو بها الحركة الكلية وهي الشكال‬ ‫التي ينتقل كل منها إلى الخر بنسب محدودة بحيث إذا اختفت كمية معينة من شكل ما‬ ‫ظهرت مكانها كمية معينة من شكل آخر‪ ،‬ولهذا تصبح حركة الطبيعة عبارة عن هدف‬ ‫العملية المتصلة من التحول من شكل إلى آخر‪.‬‬ ‫وأخي ار تجاء الكشف الةثالث على هيئة الدليل الذي قدمه دارون أول بأن ما يحيط بنا‬ ‫اليوم من المنتتجات العضوية للطبيعة هو نتيتجة عملية تطور طويلة من بضع نوعيات من‬ ‫النوع ذي الخلية الواحدة)‪.(1‬‬ ‫ومن دلئل تأةثير هذه الكتشافات ظهور بعضها بشكل مباشر في النظرية‬ ‫العضوية‪ .‬فقد كان الكتشاف الةثالث على وتجه التحديد أحد المصادر للنظرية التطورية‬ ‫التي صاغها هربرت سبنسر )‪ .(1903-1820‬فقد تجعل من هذا الكتشاف أحد القوانين‬ ‫الةثلةثة التي صاغها في كتابه »المبادئ الولى« )‪ .(2)(1862‬ويتمةثل الكتشاف الرابع‬ ‫في أن علم اللغة حقق »في مستهل القرن التاسع عشر ةثورة في منهج العلم لها أهميتها‬ ‫العظيمة بالنسبة إلى علوم التاريخ والطبيعة‪ .‬ومن مفارقات المور أن علم اللغة كان أول‬ ‫علم تاريخي يقيم البرهان على وتجود قوانين التطور في التاريخ ويرسي أسس إمكانية إعادة‬ ‫بناء الماضي انطلقا من المخلفات الحاضرة أو الشكال المشتقة المعروفة ورتجوعا إلى‬ ‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪17‬‬

‫)‪ (1‬فردريك انتجلز‪ ،‬التفسير الشتراكي للتاريخ‪ ،‬عربها وعلق عليها راشد البراوي‪ ،‬دار النهضة العربية‪،‬‬ ‫القاهرة‪ ،1968 ،‬ص ص ‪.68 - 67‬‬ ‫)‪ (2‬نيقول تيماشيف‪ ،‬نظرية علم التجتماع طبيعتها وتطورها‪ ،‬ترتجمة محمود عودة وآخرون‪ ،‬دار المعارف‬ ‫بمصر‪ ،‬الطبعة الولى‪ ،1970 ،‬ص ‪.50‬‬


‫الشكال الصلية المتجهولة‪ .‬بل إنه عقد لواء النصر لطروحات مذهب النشوء والتطور‬ ‫حتى قبل أن )يصوغها( لمارك في عام ‪ 1801‬في مضمار البيولوتجيا‪ ،‬وكان السباق‬ ‫إلى اعتماد مخططات تفسيرية وتجدت صورتها المكةثفة‪ ،‬التي تجعلتها البيولوتجيا مشهورة‪،‬‬ ‫في آلية التطور على أساس تمايز فروع السرة الواحدة انطلقا من تجذع مشترك«)‪.(1‬‬ ‫كان هذا الكتشاف يمةثل تقدما هاما‪ .‬ولكن تأةثيره ظل محدودا‪ ،‬حيث لم يكتب له‬ ‫الذيوع مةثل تلك الكتشافات التي أشرنا إليها في متجال العلوم الطبيعية مع أنه كان سابقا‬ ‫عليها‪ .‬وهذا ما دفع ميشيل فوكوه إلى القول إنها »ةثورة مرت في غالب الحيان دونما‬ ‫ضتجة وأحيطت بشيء من الكتمان إن لم نقل السرية«)‪.(2‬‬

‫إن هذا النتجاز الذي حققه علم اللغة انطلق من مسألة اكتشاف اللغة السنسكريتية‬ ‫لغة الدب الهندي القديم‪ .‬فبعد اكتشاف هذه اللغة تبين أن هناك تشابهات مذهلة مع‬ ‫اللغات الهندو أوروبية الحديةثة أو القديمة‪ .‬فقد »اكتشف راسك )‪ (1818‬وتجريم )‬ ‫‪ ،(1822‬في معرض دراستهما لتغيرات الحرف الصامتة في اللمانية والسنسكريتية‬ ‫واليونانية واللتينية‪ ،‬انتظاما مدهشا فيما بينها ل يمكن أن يكون ابن )المصادفة( ويفتح‬ ‫الباب أمام افتراض وتجود قوانين للتحول الوراةثي ولتطور هذه اللغات بدءا من شكل سلفي‬ ‫كان له وتجوده بل أدنى شك بالرغم من أنه انطفأ منذ عهد بعيد وبالرغم من أنه ل يزال‬ ‫متجهول‪ .‬ولقد اكتشفت من ذلك الحين على حد تعبير ميشيل فوكوه الرائع‪ :‬آلية داخلية‬ ‫)‪( 3‬‬ ‫للغات تحدد ل فردية كل لغة فحسب‪ ،‬بل أيضًا أوتجه الشبه بينها وبين سائر اللغات« ‪.‬‬

‫تلك هي الكتشافات التي أحدةثت تأةثي ار ملحوظا على التفكير العلمي بشكل عام‪،‬‬ ‫وامتد تأةثيرها إلى التصورات الفكرية ذاتها بشأن العالم‪ .‬وقد ساعدت تلك الكتشافات في‬ ‫وضوح عدم اتساق التصورات المةثالية لفلسفة التاريخ عن المتجتمع النساني وظواهره‪.‬‬ ‫كما أنها أبرزت حقيقة معينة وضع بعض مفكري عصر التنوير أيديهم عليها ولكنها‬ ‫اختلطت لديهم بتصورات مةثالية‪ .‬ونعني بذلك فكرة انتظام الظواهر التجتماعية‪ ،‬وأن هذه‬ ‫الظواهر ذات طبيعة تاريخية‪ .‬وليس معنى القول بأهمية تلك الكتشافات أن الفكر‬ ‫التجتماعي لم يتطور إل بتأةثيرها‪ .‬فةثمة فروع أخرى في العلوم النسانية كان لها‬ ‫‪1‬‬

‫‪2‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪18‬‬

‫)‪ (3‬تجان شينو وآخرون‪ ،‬حول نمط النتاج السيوي‪ ،‬نقله إلى العربية تجورج طرابيشي‪ ،‬دار الحقيقة‪،‬‬ ‫بيروت – الطبعة الولى‪ ،1972 ،‬ص ‪.148‬‬ ‫)‪ (4‬المرتجع السابق‪.‬‬ ‫)‪ (1‬المرتجع السابق‪ ،‬ص ‪.147‬‬


‫إنتجازاتها‪ .‬ولكن الملحظة التجديرة بالنتباه هي أن من أسهموا بالتجانب الساسي في‬ ‫إقرار فكرة النسبية أو العتبارات التاريخية في الدراسات التجتماعية وفكرة انتظام الظواهر‬ ‫التجتماعية وبالتالي خضوعها لقوانين كانوا من متجالت معرفية ل يعتبر علم التجتماع‬ ‫الكاديمي امتدادا لها‪» .‬فعلى الرغم من أن كونت مةثل يعطي أهمية للنسبي في شرحه‬ ‫لمفهوم الوضعي فإن النسبية التجتماعية هي أكةثر ما يفتقده كونت‪ .‬فقد كان يرى أن‬ ‫الطبيعة النسانية تظل غير متغيرة عبر التقدم«)‪.(1‬‬ ‫إوان تناول أفكار كونت بشيء من التفصيل سوف يبين فعل أنه يفتقر إلى النسبية‬ ‫التجتماعية وأن نوعية الظاهرة التجتماعية لديه هي نوعية بيولوتجية شأنه شأن سان‬ ‫سيمون‪ .‬فالفسيولوتجيا التجتماعية عند سان سيمون »كانت مرادفة لعلم التجتماع بوصفها‬ ‫دراسة المتجتمع خلل عمله«)‪ .(2‬فقد تصور سان سيمون ما أطلق عليه »العلم التجديد«‬ ‫على غرار الفسيولوتجيا‪ ،‬وفي مذكرته عن علم النسان يخلص »إلى أن الفسيولوتجيا التي‬ ‫يكون علم النسان تجزءا منها‪ ،‬يتجب أن تدرس تبعا للمنهج الذي تسير عليه العلوم‬ ‫الفيزيقية الخرى«)‪ .(3‬ولهذا يقول تجورفيتش خلل انتقاده لعلم التجتماع عند سان سيمون‬ ‫إنه يتميز »بالخلط بين علم التجتماع )علم النسان( أو الفسيولوتجيا التجتماعية كما كان‬ ‫يسميه وبين فلسفة التاريخ‪ ،‬مما تجعله يبشر بمفهوم الفترة العضوية التي يقوم فيها الهرم‬ ‫التجتماعي من تلقاء نفسه وحيث ل يظهر أي صراع«)‪.(4‬‬ ‫أما بالنسبة لكونت فالموقف قريب الشبه من ذلك‪ .‬فقد كان يسمى العلم التجديد‬ ‫الفيزياء التجتماعية في دروسه الولى عن الفلسفة الوضعية ةثم اختار اسم علم التجتماع‬ ‫للعلم التجديد في المتجلد الرابع )‪ (1839‬لن كيتليه اغتصب السم القديم – حسب تعبير‬ ‫كونت‪ -‬ليضعه عنوانا لكتاب له في الحصاء هو »مقال في الفيزيقا التجتماعية«‪ .‬وقد‬ ‫كتب كونت يقول »وأعني بالفيزياء التجتماعية ذلك العلم الذي يتخذ من الظواهر‬

‫‪1‬‬

‫)‪(2‬‬

‫‪2‬‬

‫)‪( 1‬‬

‫‪3‬‬

‫‪19‬‬

‫‪G. Gurvitch. Traité de Sociologie, Tome Permier, Presses Universitaires de France. Paris,‬‬

‫)‪ (2‬أرمان كوفيلييه‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ‪.33‬‬

‫‪.1962, p. 42‬‬ ‫‪.Ibid,. p. 32‬‬ ‫‪4‬‬

‫)‪(3‬‬

‫‪.G.Gurvitch, op. cit., p. 34‬‬


‫التجتماعية موضوعا لدراسته باعتبار أن هذه الظواهر من نفس روح الظواهر الفلكية‬ ‫والطبيعية والكيماوية والفسيولوتجية من حيث كونها موضعا للقوانين الطبيعية الةثابتة« ‪.‬‬ ‫)‪( 1‬‬

‫وعلى الرغم من أن كونت يؤكد أن الطبيعة التجتماعية شيء آخر يختلف تماما‬ ‫عن كونه متجرد ملحق للفسيولوتجيا‪ ،‬مما يشير إلى الطابع الذي ل يمكن اختزاله للواقع‬ ‫التجتماعي‪ ،‬فإن فكرة النوع لديه فكرة بيولوتجية‪ .‬وحسب كلمات كونت فإن »الظواهر‬ ‫التجتماعية‪ ،‬باعتبارها ظواهر إنسانية‪ ،‬يتجب بل شك أن تدرج بين الظواهر‬ ‫الفسيولوتجية‪ ...‬إن الفيزياء التجتماعية لبد أن تتجد نقطة انطلقها في فسيولوتجيا‬ ‫الفراد«)‪.(2‬‬

‫لكن ما هو السبب في أن سان سيمون وكونت رغم إيتجابياتهما لـم يتوصل إلى فهم‬ ‫الطبيعة المتميزة للظاهرة التجتماعية‪ ،‬ولتجأ كل منهما إلى المماةثلت البيولوتجية؟ إن‬ ‫بليخانوف يقدم إتجابة لهذا التساؤل‪» :‬لقد نشأ عن النقيصة التجذرية التي أشرنا إليها من‬ ‫قبل في الفكرة التي تبناها الطوبويون – وليسوا وحدهم في هذا كما عرفنا الن‪ -‬حول‬ ‫تطور النسانية‪ .‬لقد فسروا تاريخ النسانية بطبيعة النسان‪ ،‬وحالما تتحدد هذه الطبيعة‪،‬‬ ‫تتحدد بالتالي قوانين التطور التاريخي«)‪.(3‬‬ ‫فإذا كانت دراسة الطبيعة النسانية هي التي تقدم تفسي ار لقوانين التطور فإن معنى‬ ‫ذلك هو أن ما يهمني »ليس هو دراسة وقائع التاريخ بقدر ما هو الوصول إلى فهم سليم‬ ‫للطبيعة النسانية‪ ،‬وحالما أكسب فكرة صحيحة عن هذه الخيرة فإنني أفقد كل اهتمام‬ ‫بالحياة التجتماعية كما هي عليه وأركز انتباهي على الحياة التجتماعية كما يتجب أن‬ ‫تكون عليه وفقا للطبيعة النسانية«)‪.(4‬‬

‫والحق أن سان سيمون اتخذ نقطة انطلق هامة ولكنه لم يطورها إلى النهاية‪ ،‬لنه‬ ‫تبنى الفكرة التي أشار إليها بليخانوف آنفا‪ .‬فقد انطلق سان سيمون لدراسة تاريخ أوروبا‬ ‫الغربية منذ سقوط المبراطورية الرومانية‪ .‬وتتضح تجدة آرائه واتساعها من أن تلميذه‬ ‫تييري)‪ (5‬قد استطاع بالفعل أن يحدث ةثورة في دراسة التاريخ الفرنسي‪ .‬وكان في وسع‬

‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪3‬‬ ‫‪4‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪20‬‬

‫)‪ (4‬انظر‪ :‬نيقول تيماشيف‪ ،‬مرتجع سابق ص ص ‪.31 -30‬‬ ‫)‪ (5‬انظر‪ :‬تجورج بليخانوف‪ ،‬تطور النظرة الواحدية إلى التاريخ‪ ،‬ترتجمة محمد مستتجير مصطفى‪ ،‬دار‬ ‫الطليعة‪ ،‬بيروت‪ ،‬الطبعة الةثانية‪ ،1975 ،‬ص ‪.57‬‬ ‫)‪ (1‬المرتجع السابق‪ ،‬ص ‪.38‬‬ ‫)‪ (2‬المرتجع السابق‪ ،‬ص ‪.39‬‬ ‫)‪ (3‬تجاك نيكولي أوتجستين تييري )‪ (1856-1795‬مؤرخ فرنسي كان السكرتير الخاص لسان سيمون‪.‬‬


‫سان سيمون أن يتتبع بواعث التطور الداخلي للمتجتمعات الوروبية أكةثر من المؤرخين‬ ‫المتخصصين في عصره‪ .‬إواذا كان تييري ومينيه)‪ (1‬وتجيزو)‪ (2‬قد أشاروا إلى علقات‬ ‫الملكية كأساس لي نظام اتجتماعي‪ ،‬فإن سان سيمون الذي ألقى الضوء ساطعا للمرة‬ ‫الولى على تاريخ هذه العلقات في أوروبا الحديةثة قد سار إلى أبعد من هذا وسأل نفسه‪:‬‬ ‫لماذا تلعب هذه العلقات بالتحديد وليس غيرها من العلقات – مةثل هذا الدور الهام؟ وهو‬ ‫يرى أنه يتجب البحث عن إتجابة ذلك في متطلبات التطور الصناعي‪ ...‬وقد يبدو أن‬ ‫التطور المنطقي لهذه الراء لبد أن يدفع سان سيمون إلى القول بأن قوانين النتاج هي‬ ‫القوانين التي يتحدد بها التطور التجتماعي في نهاية المطاف‪ ...‬والحق أنه في بعض‬ ‫الوقات قد اقترب من هذه الفكرة‪ ،‬ولكن في بعض الوقات فحسب«)‪.(3‬‬

‫إن طريقة معالتجة سان سيمون لفكرة متطلبات المتجتمع الصناعي أدت إلى القول‬ ‫بأن هذا التطور يفترض ابتداع أدوات معينة‪ ،‬وذلك يتطلب درتجة من التطور العقلي لدى‬ ‫المنتج‪ ،‬بمعنى أن تطور الصناعة هو نتيتجة ل شك فيها لتطور العقل النساني‪ ،‬إوان‬ ‫تطور المعرفة عند سان سيمون هو العامل الساسي للتقدم التاريخي‪ .‬كما حاول أن‬ ‫يكتشف قوانين هذا التطور‪» .‬وهكذا وضع قانون المراحل الةثلث من اللهوتية‬ ‫والميتافيزيقية والوضعية‪ ،‬الذي قدمه أوتجست كونت فيما بعد بنتجاح كبير على أنه من‬ ‫اكتشافه‪ ،‬لكن سان سيمون يفسر هذه القوانين أيضا ‪ -‬في المدى الطويل‪ -‬بخصائص‬ ‫الطبيعة ال نـسانية‪ .‬فهو يقول‪ :‬ويتكون المجتمع من أفراد‪ ،‬وبالتالي فإن تطور العقل‬ ‫الجتماعي ل يمكن أن يكون سوى صورة لتطور العقل الفردي على نطاق أوسع‪ .‬إواذ‬ ‫ينطلق من هذا المبدأ الساسي فإنه يعتبر أن قوانينه عن التطور التجتماعي إنما تتأكد‬ ‫وتةثبت في النهاية أينما ينتجح في اكتشاف تماةثل يتوافق معها في تطور الفرد«)‪.(4‬‬

‫إن الستناد إلى الطبيعة النسانية صبغ كل »قوانين« التطور التجتماعي التي‬ ‫صاغها سان سيمون بصبغة خاصة‪ .‬ففي حالة اعتبار أن سبب كل التقدم التاريخي‬ ‫التجتماعي يكمن في طبيعة النسان‪ ،‬وأن المتجتمع يتكون من أفراد كما قرر سان سيمون‬

‫‪ (4) 1‬فرانسوا أوتجست ماري مينيه )‪ (1884-1796‬مؤرخ فرنسي وعضو في الكاديمية الفرنسية للعلوم‬ ‫الدبية والسياسية منذ ‪ 1832‬ةثم سكرتيرها الدائم منذ سنة ‪.1838‬‬ ‫‪ (5) 2‬فرانسوا بيير تجيزو )‪ (1874-1787‬مؤرخ كان أستاذا للتاريخ الحديث في السربون‪.‬‬ ‫‪ (1) 3‬المرتجع السابق‪ ،‬ص ‪.35‬‬ ‫‪ (2) 4‬المرتجع السابق‪ ،‬ص ص ‪.36 - 35‬‬ ‫)*( ظهرت الطبعة الولى من كتاب بليخانوف »تطور النظرة الواحدية إلى التاريخ« في سان بطرسبرج عام‬ ‫‪.1895‬‬

‫‪21‬‬


‫أو حسبما قال كونت »من أن الفيزياء التجتماعية لبد أن تتجد نقطة انطلقها في‬ ‫فسيولوتجيا الفراد«‪ ،‬فإن طبيعة الفرد هي التي ستزودنا في هذه الحالة بمفتاح تفسير‬ ‫التطور‪ .‬على ذلك النحو لتجأ سان سيمون وكونت إلى المماةثلت البيولوتجية‪ .‬فإن »وتجهة‬ ‫نظر الطبيعة النسانية قد ولدت في النصف الول من القرن التاسع عشر سوء استخدام‬ ‫المماةثلت البيولوتجية‪ ،‬الذي ل نزال نشعر به حتى يومنا هذا)*( – قويا في كتابات علم‬ ‫التجتماع الغربي‪ ،‬وعلى الخصوص في كتابات علم التجتماع الروسي المهوش«)‪.(1‬‬ ‫إن الصفة المتميزة تماما للظاهرة التجتماعية تتجعل من المستحيل أن نتعرف على‬ ‫القوانين التي تحكم تطورها من خلل مقولت العلم الطبيعي‪ .‬ولهذا يصعب مةثل أن نقدم‬ ‫أي تفسير للظواهر التجتماعية عن طريق مقولت البيولوتجيا‪ .‬فأي تفسيرات من هذا النوع‬ ‫تتتجاهل الختلف الكيفي بين الظواهر التجتماعية والظواهر البيولوتجية‪ ،‬كما تتتجاهل‬ ‫الصفة التاريخية للقوانين التجتماعية‪ .‬أي تتتجاهل »النسبية التجتماعية« حسب تعبير‬ ‫تجورج تجورفيتش‪.‬‬

‫كان تطور الفكر التجتماعي في اتتجاه النضج يحتاج كما قلنا إلى أن تبرز فكرة أن‬ ‫الظواهر التجتماعية تخضع لقوانين بالرغم أن العنصر الفعال فيها هو النسان‪ ،‬وأن هذه‬ ‫الظواهر ذاتها وتلك القوانين أيضا ذات صبغة تاريخية‪ ،‬بمعنى إقرار فكرة النسبية‪.‬‬ ‫ويلحظ أن المساهمة الساسية في هذا الصدد تجاءت من أتبــاع سان سيمون ةثم ماركس‪.‬‬ ‫»فقد هاتجم أنصار سان سيمون ذلك الحكم الخاطئ الشائع‪ ،‬الذي يقول إن الملكية ظاهرة‬ ‫غير قابلة للتغير‪ ،‬ةثم عارضوه بتأكيـد‪ :‬أن الملكية ظاهرة اجتماعية تخضع‪ ،‬مثل جميع‬ ‫الظواهر الجتماعية الخرى‪ ،‬لقانون التقدم‪ ...‬ويمكن القول أن الماركسية بصفة خاصة‬ ‫هي الخطوة الحاسمة في هذا التغير نحو النسبية‪ .‬فقد أعلن كارل ماركس نفسه‪ ،‬عندما‬ ‫أخذ في مراتجعة نقد فلسفة )الحق( لهيتجل بأنه أخذ يفكر بأن العلقات القانونية والشكال‬ ‫السياسية ل يمكن إدراكها بذاتها‪ ،‬ول يمكن أن تفسر بالتقدم المزعوم للعقل البشري«)‪.(2‬‬ ‫ول ينفرد كوفيلييه وحده بهذا الرأي‪ ،‬إذ نتجد تجورج تجورفيتش يقول »إن أحد تجوانب‬ ‫اختلف ماركس عن الرواد الوائل لعلم التجتماع يتمةثل في أنه لعب دو ار في تحرير علم‬ ‫التجتماع بعدم الخلط بين متجاله ومتجال دراسة التاريخ ةثم إدخال علم اتجتماع المعرفة‪،‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪22‬‬

‫)‪ (1‬المرتجع السابق‪ ،‬ص ‪.56‬‬ ‫)‪ (2‬أرمان كوفيلييه‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ص ‪.21 -20‬‬


‫وبذلك نتجح في أن يضع نسبية المعاملت النسانية ‪ Coefficients Humains‬في علم‬ ‫التجتماع«)‪ .(1‬ومع ذلك »ما تزال كةثرة من التجامعات حتى اليوم تتلكأ متخلفة وراء ركب‬ ‫الدراسات السسيولوتجية الحديةثة‪ ،‬كل شئ يبدو وكأن العلم الذي بدأ في ظلها عند أوتجست‬ ‫كونت قد بلغ ذروته عند دوركايم ةثم توقف عن المسير والتقدم‪ .‬لقد كانت علوم النسان‬ ‫إلى العهد قريب‪ ،‬ومن بينها علم التجتماع وعلم النفس‪ ،‬تتخذ من العلم الطبيعي الرياضي‬ ‫أنموذتجها ومةثلها العلى‪ ،‬ومن ةثم كان عليها أن تفهم الموضوعية مرادفة للشيئية وأن‬ ‫تعتبر التحليل الذي يفتت الظاهرة إلى عناصرها الولية المكونة هو المنهج العلمي‬ ‫الوحيد‪ .‬ومن هنا فلم يكن غريبا أن نتجد أوتجست كونت بعلم اتجتماعه – ضمن الحقيقة‬ ‫التجتماعية – موضوعا قوامـه أشياء‪ ،‬قوامه هذه القشرة التي يبست‪ ،‬وهذه النظمة‬ ‫التجتماعية التي تجمـدت ‪ ....‬أما التجوانب الدينامية من الحقيقة التجتماعية فقد كان عليه‬ ‫أن يرفضها بحسبانها غير علمية«)‪.(2‬‬ ‫كان ذلك هو مستوى التفكير التجتماعي أيام كونت‪ .‬وحسب رأي كوفيلييه‬ ‫وتجورفيتش فإن التطور الهام في متجال ذلك الفكر حدث بمساهمة ماركس‪ .‬وكانت نقطة‬ ‫البدء عند ماركس هي البحث عن العلقة الولية التجوهرية التي تميز الظواهر‬ ‫التجتماعية والمتجتمع النساني‪ ،‬أي تلك العلقة التي تلتقي فيها كل الظواهر المتباينة في‬ ‫الحياة‪ .‬فالمتجتمع وكل ما يتعلق بتاريخه هو نتاج تجمع غفير من الفراد‪ .‬وتصرفات‬ ‫الفراد متباينة إلى أقصى حد‪ .‬ولكن مهما كانت درتجة التباين فإنهم يقومون بشيء‬ ‫مشترك هو النتاج التجتماعي‪ .‬ومن هنا اعتبر ماركس أن العمل النتاتجي هو العلقة‬ ‫الولية بين الطبيعة والنسان‪ .‬وهذه السمة النوعية التي رأى أنها تميز الحياة التجتماعية‬ ‫هي التي تجعلته يرفض فكرة تفسير الحياة التجتماعية سواء باستخدام »الفيزيقا‬ ‫التجتماعية« أو »الفسيولوتجيا التجتماعية«‪ .‬ومن هنا رأى أن تفسير الظواهر التجتماعية‬ ‫وتطور المتجتمع يتجب البحث عنه في الساس المادي النتاتجي للحياة التجتماعية‪ .‬فأةثناء‬ ‫تغيير النسان لدوات وأسلوب النتاج يغير كل من علقته بالطبيعة وعلقاته المتبادلة‬ ‫‪1‬‬

‫)‪(1‬‬ ‫‪.38‬‬

‫‪2‬‬

‫‪23‬‬

‫‪G. Gurvitch, op. cit., p.‬‬

‫)‪ (2‬صلح مخيمر وعبده ميخائيل رزق – من مقدمة الترتجمة التي قدما بها كتاب تجورج تجيرفيتش‪ .‬علم‬ ‫التجتماع عند ماركس الشاب‪ ،‬مكتبة النتجلو المصرية‪ ،‬القاهرة ‪.1964‬‬


‫في النتاج‪» .‬فإن الذين يقيمون علقات اتجتماعية في تطابق مع إنتاتجهم المادي إنما‬ ‫ينتتجون أيضا المبادئ والفكار في تطابق وةثيق مع علقاتهم التجتماعية«)‪.(1‬‬ ‫بهذا يرفض ماركس أفكار »برودون« الذي كان يرى أن العلقات التجتماعية‬ ‫ليست سوى تتجسيدات لمبادئ ومقولت عقلية‪ .‬كما أنه يرفض فلسفة التاريخ ويعترض‬ ‫صراحة على محاولة تفسير أعماله وتحويلها إلى فلسفة تأملية تاريخية‪ .‬وهذا العتراض‬ ‫يؤكد فكرة النسبية التجتماعية في أفكاره‪ .‬وفي »اليديولوتجية اللمانية« قدم ماركس‬ ‫وانتجلز افتراضا يشير إلى نقطة البدء في فهم الظاهرة التجتماعية وتحديد نوعيتها‪» :‬إن‬ ‫البديهيات التي ننطلق منها ليست بديهيات تعسفية‪ .‬كما أنها ليست دوتجماطيقية‪ ،‬إوانما‬ ‫بديهيات واقعية يمكن أن يستمد منها وحدها التتجريد في الذهن‪ .‬فإننا نبدأ بالفراد‬ ‫الواقعيين‪ ،‬بنشاطهم وظروفهم المادية التي يعيشون في ظلها‪ ،‬وهي الظروف التي وتجدوا‬ ‫أنفسهم يعيشون فيها بالفعل وتلك التي ينتتجونها بنشاطهم‪ .‬وهذه البديهيات يمكن التحقق‬ ‫منها بطريقة امبريقية بحتة‪.‬‬ ‫"وان البديهية الولى في كل التاريخ البشري هي بالطبع الوتجود التجتماعـي للناس‬ ‫إ‬ ‫‪ ...‬إوان كل شكل متجرد من النشاط النتاتجي يرتبط به شكل محدد من التعبير عن حياة‬ ‫الناس ‪ ...‬وهكذا فإن طبيعة الناس تعتمد على الظروف المادية التي تحدد إنتاتجهم«)‪.(2‬‬

‫كانت تلك الفتراضات هي التي تمت صياغتها فيما بعد في العبارة الشهيرة‬ ‫القائلة‪» :‬ليس وعي الناس هو الذي يحدد وتجودهم‪ ،‬إوانما على العكس من ذلك فإن‬ ‫وتجودهم التجتماعي هو الذي يحدد وعيهم«‪.‬‬

‫ويرى البعض أن ماركس قدم بذلك التصور »عنص ار أساسيا لعلم التجتماع وهو‬ ‫تأكيد الصفة النوعية للظاهرة التجتماعية«)‪.(3‬‬ ‫ولتوضيح معنى ذلك ودللته المنهتجية نستعرض المبررات التاريخية لقصور‬ ‫أساليب البحث في ذلك الحين‪ .‬فقد قام ماركس وانتجلز بانتقاد أساليب البحث السابقة‬

‫‪1‬‬

‫) ‪(1‬‬

‫‪2‬‬

‫)‪(2‬‬

‫‪.95‬‬

‫‪.p. 30‬‬

‫‪3‬‬

‫‪24‬‬

‫‪K. Marx, The Poverty of Philosophy, Progress Publishers. Moscow, 1973, p.‬‬ ‫‪K. Marx and F. Engels, The German Ideology, Progress Publishers, Moscow, 1964,‬‬

‫)‪ (3‬أرمان كوفيلييه‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ‪.86‬‬


‫عليهما‪ ،‬كما انتقدا التفسيرات التي كانت تقدم حول التطور التجتماعي‪ ،‬وأعلنا أن تلك‬ ‫الساليب غير قادرة على تقديم أساس سليم للنظرية التجتماعية‪ .‬فكل النظريات ومناهج‬ ‫البحث يشوبها هدف مةثالي‪ ،‬وتسعى إلى حقيقة أبدية قائمة على تصورات مسبقة وعلى‬ ‫مماةثلت مستمدة من متجالت أخرى‪ .‬ويقدم انتجلز تحليل لسباب القصور في البحث في‬ ‫ذلك العصر وذلك في كتاب الرد على دوهرنج والذي ق أر ماركس مخطوطته قبل نشره‪.‬‬ ‫يستعرض انتجلز في ذلك المؤلف عدة قضايا من بينها‪:‬‬ ‫‪1‬ـ أشكال القصور في البحث السابقة عليهما‪.‬‬ ‫‪2‬ـ المبررات التاريخية لذلك العتجز‪.‬‬

‫‪3‬ـ مهمة النظرية المادية التي قدمها ماركس في متجال الدراسة التجتماعية‬ ‫والتخلص من فلسفة التاريخ‪.‬‬

‫وفيما يتعلق بالمسألة الولى والةثانية يقول انتجلز‪» :‬عندما نتناول الطبيعة أو تاريخ‬ ‫البشرية أو نشاطنا الذهني‪ ،‬فإن الصورة الولى التي تخطر لنا تتكون من علقات‬ ‫وتفاعلت متشابكة إلى أقصى حد‪ ،‬ل يبقى منها أي شيء كما هو أو في الوضع الذي‬ ‫هو عليه‪ ،‬بل إن كل شيء يتحرك‪ ،‬يولد‪ ،‬ويتحول‪ ،‬ويفنى‪ .‬إن هذا المفهوم البسيط عن‬ ‫العالم‪ ،‬والذي يعتبر صحيحا في حد ذاته كان هو نفس مفهوم الفلسفة اليونانية القديمة‪،‬‬ ‫والذي صاغه لول مرة هرقليطس‪ :‬كل شيء موتجود وغير موتجود أيضا‪ ،‬لن كل شيء‬ ‫يتجري‪ ،‬كل شيء في تغير مستمر‪ ،‬في صيرورة وانتهاء دائمين‪ .‬غير أن هذا المفهوم‬ ‫الذي ينطبق بشكل صحيح على السمة العامة لصورة الظواهر‪ ،‬في متجموعها‪ ،‬ل يستطيع‬ ‫أن يفسر التفاصيل التي تتكون منها الصورة في متجموعها‪ ،‬ولفهم هذه التفاصيل علينا أن‬ ‫ننتزعها من روابطها الطبيعية والتاريخية‪ ،‬ونفحص كل منها وندرسه على حدة‪ ،‬وفقا‬ ‫لطبيعتها‪ ،‬وأسباب وتجودها‪ ،‬ومؤةثراتها وما إلى ذلك«)‪.(1‬‬

‫ةثم يستطرد قائل إن السلوب الميتافيزيقي في التفكير ينشأ أو يبدأ من نفس‬ ‫إنتجازات المناهج العلمية في التفكير‪ .‬ةثم يوضح كيف تأةثرت الفلسفات التجتماعية بذلك‪.‬‬ ‫»فإن تحليل الطبيعة إلى التجزاء المكونة لها‪ ،‬وتتجميع العمليات والموضوعات الطبيعية‬ ‫المختلفة في فئات محددة‪ ،‬ودراسة التكوين الداخلي للتجسام العضوية في أشكالها‬ ‫‪1‬‬

‫‪25‬‬

‫)‪(1‬‬

‫‪.p. 33‬‬

‫‪F. Engels, Anti-Duhring, Foreign Languages Publishing House, Moscow 1962,‬‬


‫المتنوعة – كل ذلك كان بمةثابة الشروط الساسية للوةثبات التجبارة في متجال معرفتنا‬ ‫بالطبيعة والتي تحققت خلل الربعة القرون الماضية‪ .‬ولكن هذا المنهج في البحث‬ ‫أورثنا عادة ملحظة الموضوعات والعمليات وهي في عزلتها‪ ،‬وهي منتزعة من مجموع‬ ‫الروابط المتبادلة للشياء‪ .‬ومن ثم النظر إليها في ثباتها وليس في حركتها‪ ،‬النظر‬ ‫إليها كأشياء ثابتة ل كأشياء متغيرة في أساسها‪ ،‬النظر إليها في خمودها ل في‬ ‫حياتها‪ .‬وحين قام بيكون ولوك بنقل هذه النظرة للمور في ميدان العلم الطبيعي إلى‬ ‫الفلسفة ولدا أسلوب التفكير الميتافيزيقي الضيق الفق الذي يميز القرن الماضي«)‪.(1‬‬

‫ويخلص من ذلك إلى ضرورة التغلب على ذلك القصور في البحث وتخطي‬ ‫الظروف التاريخية التي نتج عنها ذلك القصور حيث كان يتجرى فحص التجزاء قبل‬ ‫إمكانية فحص العمليات‪ .‬فقد كان البحث يتم عن ماهية أي موضوع قبل ملحظة ما‬ ‫يتجرى له من عمليات‪ ،‬ولهذا كانت مهمة فلسفة التاريخ هي إحلل العلقات المتداخلة‬ ‫التي يصوغها عقل الفيلسوف محل العلقات الواقعية‪ .‬ولذلك أصبح من الضروري‬ ‫القضاء على تلك العلقات المفتعلة التي صاغها الذهن‪ .‬وذلك عن طريق الكشف عن‬ ‫العلقات الحقيقية‪ ،‬أي الكشف عن قوانين حركة الظواهر التجتماعية‪ .‬ولهذا يحدد انتجلز‬ ‫مهمة النظرية المادية )نظرية ماركس( في متجال المتجتمع النساني فيما يلي‪:‬‬ ‫»هذه النظرية تضع حدا للفلسفة في ميدان التاريخ مةثلما وضعت النظرية التجدلية‬ ‫في الطبيعة نهاية للفلسفة الطبيعية كلها وتجعلتها غير ذات ضرورة ومستحيلة‪ ،‬لم يعد‬ ‫المر عبارة عن اختراع علقات متداخلة من أدمغتنا‪ ،‬بل أصبحت المسألة عبارة عن‬ ‫كشف هذه العلقة من الحقائق‪ ،‬أما الفلسفة التي أبعدت من نطاق الطبيعة والتاريخ فلم‬ ‫يتبق أمامها سوى الفكر الخالص‪ :‬نظرية قوانين عملية الفكر ذاتها‪ ،‬أي المنطق‬ ‫والديالكتيك«)‪.(2‬‬ ‫إن تحديد أوتجه القصور في مناهج البحث على ذلك النحو قد أوتجد مدخل تجديدا‬ ‫في معالتجة القضايا التجتماعية‪ .‬فقد ساهم هذا المدخل في حسم قضايا أساسية بالنسبة‬ ‫للنظرية التجتماعية بما يترتب على ذلك من مبادئ منهتجية وتلك القضايا هي‪:‬‬

‫‪1‬‬

‫)‪( 1‬‬ ‫‪.34‬‬

‫‪2‬‬

‫‪26‬‬

‫)‪ (2‬فردريك انتجلز‪ ،‬التفسير الشتراكي للتاريخ‪ ،‬ص ‪.84‬‬

‫‪Ibid, p.‬‬


‫‪1‬ـ إن الواقع التجتماعي‪ ،‬أو بالحرى‪ ،‬الوتجود التجتماعي هو أساس الوعي‬ ‫التجتماعي‪.‬‬ ‫‪2‬ـ تأكيد فكرة النسبية التجتماعية والطابع التاريخي للظواهر التجتماعية‪.‬‬

‫الهمية المنهجية لهذه القضايا‪:‬‬

‫أول‪ :‬إن حل قضية الوعي التجتماعي على النحو الذي قدمه ماركس قدم أسسا‬ ‫منهتجية تجديدة للدراسات التجتماعية‪ .‬فقد حدد متجال الدراسة لعلم التجتماع‪ ،‬ةثم حدد‬ ‫مدخل منهتجيا للدراسة‪ .‬فعندما يقول ماركس بضرورة البحث عن نشأة الفكار في الحياة‬ ‫التجتماعية‪ ،‬فإنه يوتجه بذلك النظار إلى مادة البحث التجتماعي‪ .‬وعلى سبيل المةثال‬ ‫نتجده ينتقد » برودون « لنه يضع الفكار أساسا للمتجتمع‪ ،‬ولذلك يضطر إلى اختراع‬ ‫افتراض العقل الكلي‪ .‬وفي هذا الصدد يقول‪» :‬ليس هناك أسهل من أن نخترع عبارات‬ ‫مفرغة المعنى‪ .‬ولكن ما هو المتجتمع أيا كان شكله؟ إنه وليد النشاط المتبادل الذي يقوم‬ ‫به الناس«)‪ .(1‬إن ماركس يحدد هنا رأيه في أصل ومنشأ التكوينات التجتماعية بما في‬ ‫ذلك من تصورات وأفكار‪ .‬وهو يقول في نفس الرسالة »إن برودون لم يفهم أيضا أن‬ ‫الناس الذين ينتتجون علقاتهم التجتماعية وفقا لمستوى إنتاتجيتهم‪ ،‬ينتتجون أيضا الفكار‬ ‫والمقولت‪ ،‬أي التعبير الفكري المتجرد لنفس هذه العلقات التجتماعية‪ .‬ومن ةثم فإن هذه‬ ‫المقولت ليست أكةثر خلودا مما تعبر عنه من علقات‪ .‬إنها منتتجات تاريخية مؤقتة‪،‬‬ ‫ولكن على نقيض ذلك يرى برودون أن التتجريدات والمقولت هي العلة الولى‪ ،‬وأنها –‬ ‫وليس الناس‪ -‬هي التي تصنع التاريخ«)‪.(2‬‬

‫والنتيتجة التي »يخلص إليها ماركس من هذا كله إنما تعد تجد هامة‪ .‬إنها بطلن‬ ‫كل تصور للمتجتمع خارج أعضائه‪ ،‬على أنه ذات خارتجية أو موضوع خارتجي‪ ،‬إنها‬ ‫رفض أي صورة من صور التعالي للمتجتمع – وأية صورة من صور العزل للفراد‪ .‬إن‬ ‫ماركس يعلن‪ :‬ينبغي قبل كل شيء أن نتجنب تثبيت المجتمع وكأنه تجريد في مواجهة‬ ‫الفراد‪ ..‬وكل ما يعنينا الن هو أن نتبين ما هي تصورات الحقيقة التجتماعية التي‬ ‫‪1‬‬

‫) ‪(1‬‬

‫‪2‬‬

‫)‪( 2‬‬

‫‪27‬‬

‫» ‪Karl Marx, to P. Annenekov, Dec. 28, 1846», in The Poverty of Philosophy, p.‬‬

‫‪.156‬‬ ‫‪.166‬‬

‫‪Ibid, p.‬‬


‫تصدى ماركس لمناهضتها في هذا النص الذي أوردناه‪ .‬بديهي أنه لم يكن يتصدى‬ ‫لدوركايم ونظريته عن الشعور التجمعـي المتعالي‪ ،‬فما كان ليستطيع ذلك إل من قبيل‬ ‫التنبؤ‪ ،‬فالمر هنا ل يمكـن إل أن يتعلق بالمدرسة التاريخية في القانون عند سافيني‬ ‫وبوختا‪ ...‬عند بونالـد بنظريته عن النظام التجتماعي المتعالـي وخاصة عند أوتجست‬ ‫كونت الذي كان قد صدرت بالفعل متجلداته الستة محاضرات في الفلسفة الوضعية )‬ ‫‪.(1)«1842-1830‬‬

‫إذا كان ماركس يقف‪ ،‬حسب رأي تجورفيتش ضد فكرة الشعور التجمعي المتعالي‬ ‫عند كونت وآخرين‪ ،‬وبالتالي ضد امتداد هذه الفكرة‪ ،‬بشكل ما‪ ،‬عند دوركايم فذلك بسبب‬ ‫تصور دوركايم للظواهر التجتماعية بوصفها »أشياء« ولتأكيده أن المتجتمع يسير نحو‬ ‫تحقيق فكرة »التضامن العضوي«‪ .‬ولذلك يرى تجورفيتش أن دوركايم لم يبتعد كةثي ار عن‬ ‫كونت في هذا الصدد حيث »أن القيم النسانية عند أوتجست كونت تظل بل تغيير عبر‬ ‫التقدم«)‪.(2‬‬ ‫إن دوركايم قد انتقد كل من كونت وسبنسر في وضوح في كتابه »قواعد المنهج«‪،‬‬ ‫ولكن هل توصل بانتقاده إلى تحديد الصفة النوعية للظاهرة التجتماعية تحديدا سليما؟ إن‬ ‫الكلمات التي انتقد بها كل من كونت وسبنسر تبين في حد ذاتها أن هناك صلة بين‬ ‫تصوره وتصورات كونت وسبنسر‪ .‬وينطلق انتقاده من القواعد التي وضعها لملحظة‬ ‫الظاهرة التجتماعية‪» :‬إن أولى هذه القواعد وأكةثرها أهمية هي القاعدة التية‪ :‬يتجب‬ ‫ملحظة الظواهر التجتماعية بوصفها أشياء«)‪.(3‬‬ ‫وانطلقا من هذه القاعدة ينتقد كونت فيقول‪:‬‬ ‫»وحقيقة لم يقم علم التجتماع‪ ،‬حتى يومنا هذا‪ ،‬بدراسة الشياء الحقيقية‪ ،‬ولكنه‬ ‫عالج على وتجه التقريب فقط‪ ،‬بعض المعاني العامة‪ .‬حقا لقد صرح أوتجست كونت بأن‬ ‫الظواهر التجتماعية ظواهر طبيعية وبأنها تخضع لبعض القوانين الطبيعية‪ ،‬وهذا‬ ‫اعتراف ضمني من كونت بأن الظواهر التجتماعية تنطوي على بعض خواص‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (1‬تجورج تجيرفيتش‪ ،‬علم التجتماع عند ماركس الشاب‪ .‬ص ص ‪.45 - 44‬‬ ‫‪G. Gurvitch, op. cit., p.‬‬ ‫)‪( 2‬‬

‫‪3‬‬

‫)‪ (3‬اميل دوركايم‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ‪.70‬‬

‫‪2‬‬

‫‪28‬‬

‫‪.48‬‬


‫»الشياء«‪ .‬وذلك لن الطبيعة ل تحتوي على شيء آخر سوى »الشياء«‪ .‬ولكن حينما‬ ‫خرج كونت من نطاق هذه الراء الفلسفية فحاول تطبيق مبدئه واستنباط الحقائق العملية‬ ‫التي ينطوي عليها تجعل بعض المعاني العامة موضوعـا لدراسته«)‪.(1‬‬ ‫ةثم يواصل دوركايم حتى يقول »واختصا ار للقول نرى أن كونت قد خلط بين التطور‬ ‫التاريخي وبين الفكرة التي سبق أن كونها لنفسه عن هذا التطور«)‪.(2‬‬ ‫وقبل التعليق على هذا النص نورد أول انتقاد دوركايم لسبنسر ةثم نورد بعد ذلك‬ ‫نصا آخر لدوركايم يشير إلى أنه لم يبتعد عنهما كةثيرا‪.‬‬ ‫يقول دوركايم في انتقاده لسبنسر‪:‬‬

‫»ففي الواقع يرى سبنسر أن البيئة الكونية‪ ،‬والتركيب العضوي النفسي لدى الفرد‬ ‫هما العاملن الساسيان في وتجود الظواهر التجتماعية‪ ،‬ولكن العامل الول ل يستطيع‬ ‫التأةثير في المتجتمع إل بواسطة العامل الةثاني‪ ،‬ولهذا فالعامل الخير هو السبب الساسي‬ ‫الذي يدعو إلى وتجود التطور التجتماعي‪ .‬وترتجع نشأة المتجتمع إلى هذا السبب‪ ،‬وهو أن‬ ‫الفراد يرغبون في تحقيق طبيعتهم النسانية«)‪.(3‬‬

‫إن دوركايم يعترض على هذا التصور برفضه أن يكون علم النفس دائما هو الحكم‬ ‫الخير‪ » :‬فلما كانت الخاصية التجوهرية التي تمتاز بها هذه الظواهر )يقصد الظواهر‬ ‫التجتماعية – الباحث( تنحصر في القيام بضغط خارتجي على ضمائر الفراد‪ ،‬كان ذلك‬ ‫دليل على أنها ليست وليدة هذه الضمائر‪ ،‬وبناء على ذلك فليس علم التجتماع تكملة لعلم‬ ‫النفس وذلك لن مقدرة الظواهر على القهر دليل على أنها تعبر عن طبيعة أخرى مخالفة‬ ‫لطبيعتنا الفردية «)‪.(4‬‬ ‫ونبدأ أول بانتقاده لسبنسر‪.‬‬

‫إن دوركايم يرفض أن تكون الظواهر التجتماعية معبرة عن طبيعة فردية‪ .‬لكنه‬ ‫يضع بدل من ذلك تصو ار من نفس النوع تقريبا إوان كان أكةثر تعاليا‪ :‬العقل التجمعي‪.‬‬ ‫فمما ل شك فيه أن دوركايم تصور دائما الظواهر التجتماعية كأشياء ذات طبيعة عقلية‪.‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪3‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪29‬‬

‫)‪(1‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫)‪(3‬‬ ‫)‪(4‬‬

‫المرتجع السابق‪ ،‬ص ‪.77‬‬ ‫المرتجع السابق ‪ ،‬ص ص ‪.79 - 78‬‬ ‫المرتجع السابق ‪ ،‬ص ص ‪.208 - 207‬‬ ‫المرتجع السابق ‪ ،‬ص ‪.210‬‬


‫كما أن النصوص التي سنوردها الن توضح صلته بسبنسر‪ .‬يقول دوركايم‪ » :‬فلقد سبق‬ ‫أن بينا أنه مما ل شك فيه أن الظواهر التجتماعية تنشأ عن تركيب الظواهر النفسية على‬ ‫نحو خاص «)‪ .(1‬وتشير هذه الفقرة إلى أن الختلف مع سبنسر يتمةثل في ذلك » النحو‬ ‫الخاص « الذي يشرحه دوركايم بنفسه على النحو التالي‪:‬‬

‫»ول ريب في أنه من المستحيل أن توتجد ظاهرة اتجتماعية ما إل بشرط أن توتجد‬ ‫الضمائر الفردية‪ ،‬ولكن هذا الشرط‪ ،‬إوان كان ضروريا‪ ،‬فليس شرطا كافيا‪ ،‬وذلك لنه لبد‬ ‫من وتجود شرط آخر وهو أن تتركب هذه الضمائر الفردية فيما بينها‪ ،‬وأن يكون تركيبها‬ ‫على نحو خاص‪ .‬إذ أن الحياة التجتماعية تنشأ بسبب هذا التركيب‪ ،‬ويترتب على ذلك‬ ‫أنه ليس من الممكن تفسير هذه الحياة إل بهذا التركيب‪ ،‬فإن نفوس الفراد حينما‬ ‫تتتجاذب‪ ،‬وحينما يؤةثر بعضها في بعض‪ ،‬وحينما يندمج بعضها في بعض‪ ،‬يؤدي إلى‬ ‫وتجود كائن تجديد – إذا شئنا – ولكن لهذا الكائن شخصية نفسية من تجنس تجديد‪" .‬وحينئذ‬ ‫فمن الواتجب علينا أن نبحث عن السباب المباشرة التي تؤدي إلى وجود الظواهر‬ ‫الجتماعية عن طريق دراستنا لطبيعة تلك الشخصية النفسية الجديدة«)‪) .(2‬التشديد من‬ ‫الباحث(‪.‬‬ ‫إن دوركايم بهذا يرى تصو ار مةثاليا لنشأة الظواهر التجتماعية‪ .‬ويتمةثل ذلك في‬ ‫التركيب الذي ينشأ عن ضمائر الفراد‪» ،‬أي الشخصية النفسية التجديدة«‪ .‬وهو بذلك ل‬ ‫يرتبط بسبنسر فحسب‪ ،‬بل أيضا بكونت صاحب فكرة »الطبيعة النسانية« التي تحدث‬ ‫عنها دوركايم‪ .‬إواذا كان يقول عن كونت إنه خلط بين التطور وفكرته المسبقة عن هذا‬ ‫التطور‪ ،‬فإن النص المقتبس الذي أوردناه آنفا يشير إلى أن دوركايم وضع تركيبة عقلية‬ ‫وقال إنها سبب وتجود الظواهر التجتماعية‪ .‬كما أنه يبتعد كةثي ار عن الواقع بقوله إن‬ ‫الظاهرة التجتماعية »ضرب من السلوك«‪ .‬غير أن ذلك ل ينفي أن دوركايم أشار في‬ ‫بعض كتاباته إلى ما يناقض ذلك‪ .‬فمع أنه قال دائما بأن الظواهر التجتماعية هي أشياء‬ ‫إل أنه »بذل قصارى تجهده في رسالته عن تقسيم العمل )‪ (1893‬ليبين أن هذه الظواهر‬ ‫العقلية الخاصة بالحياة التجمعية هي نتاج التركيب التجتماعي«)‪ .(3‬كما أنه قال أيضا في‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪30‬‬

‫)‪ (1‬المرتجع السابق ‪ ،‬ص ‪.225‬‬ ‫)‪ (2‬المرتجع السابق ‪ ،‬ص ص ‪.214 - 213‬‬ ‫)‪ (1‬أرمان كوفيلييه‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ‪.72‬‬


‫» قواعد المنهج«‪» :‬إن الظواهر المورفولوتجية تلعب دو ار هاما في الحياة التجتماعية‬ ‫الخرى«)‪ .(1‬وفي مكان آخر يقول دوركايم‪:‬‬ ‫»أرى أنها فكرة مفيدة للغاية تلك التي تقول أن الحياة التجتماعية يتجب شرحها‪ ،‬ل‬ ‫بأفكار الناس الذين يعيشون تلك الحياة‪ ،‬بل بتلك السباب الكامنة‪ ،‬وأظن كذلك أن هذه‬ ‫السباب يتجب أن ترى مباشرة على هدى الطريقة التي تتجمع فيها الفراد المترابطون‪.‬‬ ‫وبهذه الوسيلة فقط‪ ،‬كما يبدو لي‪ ،‬يمكن أن يصبح التاريخ علما وأن يوتجد علم التجتماع‬ ‫ذاته«)‪ .(2‬ومع ذلك واتجه دوركايم انتقادات شديدة لما قال به في قواعد المنهج‪ .‬وقد ناقش‬ ‫بعض هذه النتقادات في مقدمة الطبعة الةثانية لكتابه وأكد فيها وتجهة نظره بأن الظواهر‬ ‫التجتماعية إنما هي »أشياء«‪ .‬كما أنه بعد أن كتب ذلك الرأي المشار إليه سابقا واصل‬ ‫تأكيده بأن الحياة التجتماعية تقوم في أساسها على التصورات‪ .‬غير أن فكرة دوركايم عن‬ ‫الظواهر كأشياء تعرضت دوما للنتقاد حتى قبل ذلك التاريخ أيضا‪ .‬ففي عام ‪1895‬‬ ‫انتقده تجورج سوريل لنه »وضع منهتجية لدراسة الشياء في ذاتها أو التجواهر بدل من‬ ‫دراستها هي نفسها‪ ،‬بروح علمية – بدراسة العلقات بين الشياء كما فعل ماركس«)‪.(3‬‬ ‫لكننا نعتقد أن ماركس إوان كان يدرس العلقات بين الظواهر إل أنه لم يكن يدرس‬ ‫العلقات بين »الشياء« على نحو ما يقول سوريل‪ .‬بل إن ما يسمـى »شيئا« نظر إليه‬ ‫ماركس على أنه علقة‪ .‬ومةثال ذلك نظرته إلى رأس المال ذاته‪ .‬فعندما تعرض للتعريفات‬ ‫السائدة حول رأس المال رفض اعتبـاره شيئـا‪ .‬وفي سياق ذلك يقول‪» :‬ففي كافة هذه‬ ‫الحالت يبدو رأس المال وكأنه شـيء‪ ،‬كما يبدو لو كان متطابقا بشكل كلي مع المادة‬ ‫المؤلف منها‪ .‬غير أن سيـاق التحليـل سيوضح هذه المشكلة وغيرها من القضايا ‪ ...‬إن‬ ‫بإمكان السلعة مةثل أو النقود أن تمةثل رأس المال أو الدخل وما إلى ذلك‪ .‬وبهذا يبدو‬ ‫واضحا حتى لعلماء القتصاد أن النقود ليست شيئا ملموسا‪ ،‬حيث يمكن إدراتجها حينا‬ ‫تحت اسم رأس المال وحينا آخر تحت مصطلح مناقض كلية‪ ،‬ووفقا لذلك قد يكون‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪31‬‬

‫)‪ (2‬اميل دوركايم‪ ،‬قواعد المنهج‪ ،‬ص ‪.227‬‬ ‫‪T. Bottomore and M. Rubel (eds.), Karl Marx-Selected Writtings in Sociology‬‬ ‫)‪ (3‬انظر‪:‬‬ ‫)‪( 4‬‬

‫‪.p. 47‬‬

‫‪.and Social Philosophy, Pelican Books, London, 1964, P. 48‬‬ ‫‪Ibid.,‬‬


‫رأسمال أو ل يكون‪ ،‬فمن الواضح أن رأس المال علقة‪ ،‬ول يمكن أن يكون سوى علقة‬ ‫من علقات النتاج«)‪.(1‬‬

‫وفي موضع آخر أوضح ماركس شكل تلك العلقة التـي يمةثلهـا رأس المال‪ .‬فقد‬ ‫أكد أن رأس المال إنما هو »علقة إنتاتجية محددة‪ ،‬علقة اتجتماعيـة محددة يدخل فيها‬ ‫ملك شروط النتاج مع القدرة الحية على العمل في عملية النتاج«)‪ .(2‬بهذا يتحدد‬ ‫مدخل متميز لتناول الظواهر التجتماعية نرى أنه يرفض مسبقا أفكار دوركايم مةثل قبل‬ ‫أن توتجد‪ .‬وهي الفكار التي يرى تيماشيف أيضا أنها خاطئة حينما يقرر »أن معالتجة‬ ‫دوركايم للظواهر التجتماعية والضمير التجمعي قد عملت على خلط كةثير من الحقائق‬ ‫السسيولوتجية الهامة ببعض الفكار المضللة بل الخاطئة«)‪.(3‬‬

‫وفضل عن أن دوركايم اعتبر الظاهرة التجتماعية شيئا‪ ،‬فإنه أيضا لتجأ إلى‬ ‫المماةثلة »حيث نظر إلى المتجتمع كنوع من الكل العضوي الحي‪ .‬بل يذهب رادكليف‬ ‫براون إلى أن دوركايم هو أول من قام بصياغة منهتجية لهذه المماةثلة بين المتجتمع والحياة‬ ‫العضوية«)‪.(4‬‬

‫خاتمة‪:‬‬

‫لقد انتقل هذا التتجاه إلى الوظيفية سواء في علم التجتماع أو النةثروبولوتجيا ول‬ ‫يزال مستمرا‪ ،‬بدرتجة ما‪ ،‬عند الوظيفيين المعاصرين‪ ،‬بل عند أبرز شخصياتهم كتالكوث‬ ‫بارسونز‪.‬‬

‫ويرى الباحث أنه بالرغم من خطأ تلك التتجاهات التي كانت تبحث عن تشبيهات‬ ‫للظاهرة التجتماعية في متجالت أخرى‪ ،‬فإنها وضعت أسسا هامة في تطور الفكر‬ ‫التجتماعي من الزاوية المنهتجية بالذات‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪32‬‬

‫)‪(1‬‬

‫‪K. Marx, Pre-Capitalist Economic Formation, International Publishers, New York,‬‬ ‫‪.1975, p. 120‬‬

‫)‪ (2‬انظر‪ :‬ر‪ .‬كوسولبرف‪ ،‬الماركسية والحرية‪ ،‬ترتجمة محمد مستتجير مصطفى‪ .‬دار الةثقافة التجديدة‪،‬‬ ‫القاهرة‪ ،1975 ،‬ص ‪.58‬‬ ‫)‪ (3‬نيقول تيماشيف‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ‪.195‬‬ ‫)‪ (4‬أحمد أبو زيد‪ ،‬البناء التجتماعي‪ ،‬مدخل لدراسة المتجتمع‪ ،‬التجزء الول‪ ،‬المفهومات‪ ،‬الدار القومية‬ ‫للطباعة والنشر‪ ،‬السكندرية‪ ،1966 ،‬ص ‪.63‬‬


‫فأول‪ :‬وتجهت النظار إلى أن الظاهرة التجتماعية ظاهرة متميزة وتخضع لقانون‪،‬‬ ‫بغض النظر عن مسألة تحديد شكل هذا التميز‪ ،‬وبغض النظر عن التوصل أو عدم‬ ‫التوصل إلى نوعية ذلك القانون‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬ساهمت تلك المحاولت في تأكيد فكرة التطور والتغير التجتماعيين‪.‬‬

‫ثالثا‪ :‬كانت الزدواتجية وعدم التساق في أفكار بعض الرواد عامل ساهم هو ذاته‬ ‫في توضيح خطأ تصوراتهم الفلسفية‪ .‬ويبرز في هذا الصدد أوتجست كونت بازدواتجيته‬ ‫المشهورة‪ ،‬حيث تقدم من تجانب بفكرة إنشاء علم التجتماع كعلم مميز عن المتجتمع‬ ‫موضحا الطابع المتميز للواقع التجتماعي‪ ،‬وربط هذا الطابع بمفهوم المتجتمع ككل عيني‪،‬‬ ‫لكنه من تجانب آخر أخطأ فوحد بين هـذا الواقـع وبين البشرية‪ .‬فضل عن أنه تحت زعم‬ ‫طرد الفلسفة من العلوم التجتماعية فرض فلسفته الوضعية‪.‬‬

‫صفات الظاهرة الجتماعية‪:‬‬

‫ويمكننا الن أن نستخلص الصفات التي تميز الظاهرة التجتماعية‪:‬‬

‫أول‪ :‬إن الصفة النوعية الساسية التي تميز النسان ككائن اتجتماعي هي القدرة‬ ‫على إنتاج وسائل الحياة‪ ،‬بل وسائل إنتاج تلك الحياة ذاتها‪ .‬وبالتالي علينا أن ننظر‬ ‫للظاهرة التجتماعية كعلقة داخل الحياة الجتماعية‪ .‬وبالتالي فهي ليست »شيئا« على‬ ‫النحو الذي يقول به دوركايم‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬ل يمكن أن نبحث عن أصل الظاهرة التجتماعية وخصائصها باللتجوء إلى‬ ‫المماةثلت العضوية‪ ،‬ول بالبحث فيما يسمى بالطبيعة النسانية‪ ،‬ول فيما يسمى بضروب‬ ‫السلوك‪ .‬ذلك أن خصائصها مرتبطة بالسلوب الذي يتملك به النسان موارد الطبيعة‬ ‫ووسائل حياته‪ ،‬أي الحياة التجتماعية ذاتها‪.‬‬

‫ثالثا‪ :‬إن الظاهرة التجتماعية تشكل نوعا من النتظام في الحياة التجتماعية‪ ،‬ومن‬ ‫ةثم تنظمها قوانين تعبر عن نوعيتها‪ ،‬قوانين نابعة من المتجال التجتماعي الموتجودة فيه‬ ‫هذه الظاهرة‪ .‬ومن هنا تظهر استحالة استعارة قوانين من متجال آخر لتفسير ذلك‬ ‫النتظام‪.‬‬ ‫رابعا‪ :‬للظاهرة التجتماعية طابعها النسبي والتاريخي‪ .‬كما أن للقوانين الخاصة بها‬ ‫تاريخيتها ونسبيتها هي الخرى‪.‬‬

‫‪33‬‬


‫الفصل الثاني‬ ‫القضايا المعرفية للظاهرة الجتماعية‬ ‫يعتمد تقدم أي علم على حل المشاكل المعرفية للمتجال الذي يتناوله واستنباط‬ ‫المقولت المعبرة عن هذا المتجال‪ .‬وفي حالة توصل أي علم إلى ذلك فإنه يمضي قدما‬ ‫في معالتجة الظواهر التي يتناولها بمقولته النوعية الخاصة به‪ .‬وفي هذه الحالة فإن‬ ‫عمليات الستعارة التي عادة ما تلتجأ إليها العلوم في نشأتها تتوقف‪ ،‬ويتم الستغناء عن‬ ‫المقولت التي كانت تستخدم في البداية بمةثابة كاشف لنه لم يكن هناك بديل متاح‬ ‫غيرها‪ .‬إوان كل تقدم في أحد تجوانب العلم يعني إدخال مصطلحات ومقولت تجديدة‪.‬‬ ‫‪34‬‬


‫ويوضح تاريخ علم التجتماع أنه مر بالفعل بشيء من هذا القبيل‪ .‬فقد رأينا في الفصل‬ ‫السابق محاولة استعارة مقولت علوم أخرى ليتم بها تناول الظاهرة التجتماعية وتحليلها‪.‬‬ ‫ومع تقدم علم التجتماع أخذت تتضح مقولته ومصطلحاته الخاصة به المرتبطة بمتجاله‬ ‫النوعي‪.‬‬

‫وسوف نتناول في هذا الفصل بعض القضايا المعرفية التي تعبر عن هذا النتقال‪،‬‬ ‫أي النتقال من متجال الستعارة إلى متجال اكتشاف المقولت النوعية الخاصة التي تعالج‬ ‫بها ظواهر المتجتمع‪ .‬وتتمةثل القضايا التي سيعالتجها هذا الفصل فيما يلي‪:‬‬ ‫أول ‪ :‬العلقة بين التجانب المادي والتجانب الفكري في الحياة التجتماعية‪.‬‬ ‫ثانيا ‪ :‬الحقيقة المطلقة والحقيقة النسبية‪.‬‬

‫ثالثا ‪ :‬العلقة بين ما هو نظري وما هو عملي‪.‬‬

‫رابعا‪ :‬قضية أحكام القيمة في علم التجتماع‪.‬‬

‫العلقة بين الجانب المادي والجانب الفكري في الحياة الجتماعية‪:‬‬

‫تؤدي معالتجة هذه القضية إلى بروز مسألة العلقة بين علم التجتماع والفلسفة‪.‬‬ ‫ولكن الذي يعنينا هنا هو زاوية معينة من تلك العلقة‪ ،‬ونعنـي بذلك الزاوية المنهتجية التي‬ ‫تساهم بها الفلسفة في معالتجة بعض القضايا للعلوم النوعية‪ .‬وما يهم علم التجتماع‪ ،‬على‬ ‫وتجه التحديد‪ ،‬هو إيتجاد حل معرفي لبعض القضايا المرتبطة بالمتجال النوعي للعلم‪ ،‬وذلك‬ ‫للوصول إلى مقولت اتجتماعية الطابع لمعالتجة الظاهرة التجتماعية بدل من معالتجتها‬ ‫وفق مقولت فلسفية بحتة أو مقولت بيولوتجية بحتة‪.‬‬ ‫وقد تعرضت الفلسفة‪ ،‬بسبب نشأة علم التجتماع في أحضان فلسفة التاريخ‪ ،‬إلى‬ ‫هتجوم يصل إلى حد النكار لي دور لها‪ .‬ومع ذلك فإن أهميتها‪ ،‬حسبما يقول بيتروينك‬ ‫تنبع من »أن الفلسفة‪ ،‬باعتبارها دراسة لطبيعة إدراك النسان للواقع‪ ،‬يمكن أن تلقى‬ ‫الضوء على طبيعة العلقات النسانية المتبادلة في المتجتمع‪ .‬فمهما كان الموقف الذي‬ ‫يتبناه المرء في نظريته لطبيعة علم التجتماع فإنه ل يمكنه في النهاية أن يستبعد من‬

‫‪35‬‬


‫متجال علم التجتماع مناقشة طبيعة الظواهر التجتماعية في عمومها«)‪ .(1‬وهو يستطرد‬ ‫ليرد على دعوى إنكار الفلسفة قائل‪» :‬إنني أرى من الخطأ أن نقول ذلك بالنسبة لعلم‬ ‫التجتماع ذلك أن القضايا التي تنشأ ليست كيانات غريبة مربكة علينا إزالتها قبل أن‬ ‫يستطيع علم التجتماع أن يمضي في دروبه العلمية المستقلة الخاصة به‪ ،‬بل على‬ ‫العكس من ذلك‪ ،‬إن القضية المركزية في علم التجتماع‪ ،‬أي قضية تناول طبيعة الظواهر‬ ‫التجتماعية بشكل عام إنما ترتبط بالفلسفة«)‪.(2‬‬

‫واستنادا إلى ذلك يمكن القول إنه »من الواتجب عدم الخلط بين تحرر علم‬ ‫التجتماع من الفلسفة وبين إنكار الفلسفة«)‪ .(3‬ذلك أننا نرى أن علم التجتماع هو أحد‬ ‫أشكال الوعي التجتماعي‪ .‬ومن ةثم فإن بعض قضاياه يتجب تناولها فلسفيا من زاوية‬ ‫منهتجية‪ .‬إوان تاريخ علم التجتماع الذي يذخر بمحاولت التخلص من سيطرة فلسفة‬ ‫التاريخ ل ينبغي أن يتجعلنا ننكر أن للفلسفة وظيفة معالتجة القوانين والتتجاهات الساسية‬ ‫للعلوم النوعية‪ ،‬أي المشاكل المعرفية للعلوم‪ .‬يضاف إلى ذلك ما يبرزه أوسيبوف مةثل بأن‬ ‫»السبب في الهمية التجتماعية للفلسفة هو أنها تزود الباحث في أي علم بالمعرفة بأكةثر‬ ‫مقولت الواقع الموضوعي عمومية ‪ ...‬إن قيمة الفلسفة تتمةثل في المقام الول في‬ ‫أهميتها المنهتجية لتجميع العلوم«)‪.(4‬‬

‫إن إيتجاد تلك الحلول المعرفية التي أشرنا إليها من قبل يحدث عبر صلة معينة‬ ‫بين الفلسفة وعلم التجتماع مما يتيح مةثل عدم تطبيق المقولت التي تعكس خصائص‬ ‫العمليات الطبيعية على الحياة التجتماعية وظواهرها‪ ..‬فالعمليات في ميادين العلوم‬ ‫الطبيعية هي عمليات من نوع واحد قد تكون فيزيقية أو كيمائية أو فسيولوتجية أو نفسية‪.‬‬ ‫وهي تعالج وفق مفهومات من نوع واحد تتناسب مع الطبيعة المتميزة لهذه العمليات‪ .‬كما‬ ‫أن هذه العلوم الطبيعية ل تواتجه مشكلة مةثل التي نواتجهها في علم التجتماع‪ ،‬ونعني بذلك‬ ‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪36‬‬

‫)‪(1‬‬ ‫)‪( 2‬‬

‫‪.42-43‬‬

‫‪P. Winch, The Idea of a Social Science and its Relation to Philosophy, Routledge and‬‬ ‫‪.Kegan Paul, London, eighth impression, 1973, pp. 40-41‬‬ ‫‪Ibid., pp.‬‬

‫)‪ (3‬هربرت ماركيوز‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ‪.359‬‬ ‫)‪ (1‬ج‪ .‬اوسيبوف‪ ،‬قضايا علم التجتماع‪ ،‬ترتجمة سمير نعيم أحمد وفرج أحمد فرج‪ .‬دار المعارف بمصر‪،‬‬ ‫القاهرة‪ ،1970 ،‬ص ص ‪.12 - 11‬‬


‫العلقة بين الوعي والواقع‪ .‬لذلك كانت هذه العلوم قادرة على أن تتطور إلى علوم مستقلة‬ ‫خارج نطاق الفلسفة وفي استقلل نسبي عنها‪ .‬بل إن علم النفس مةثل‪ ،‬الذي تعتمد‬ ‫عملياته بشكل مباشر على عمليات أعصاب المخ‪ ،‬قد استطاع هو الخر أن يتطور في‬ ‫استقلل نسبي عن كل من الفلسفة والفسيولوتجيا‪.‬‬ ‫لكن المتجال التجتماعي وعالم الظواهر التجتماعية ليس متتجانس البنية‪ .‬فهو ل‬ ‫يشمل أنظمة ومؤسسات اتجتماعية واقتصادية وحسب بل تجوانب ةثقافية وأشكال معينة‬ ‫للوعي التجتماعي‪ .‬ولهذا يقول عالم التجتماع اليوغسلفي زيفكوفيتش »إن قضية العلقة‬ ‫بين الفلسفة والعلم في متجال العلم التجتماعي ليست قضية عديمة الهمية‪ ،‬بل تعتبر‬ ‫قضية أولية في علم التجتماع‪ .‬وهي تنبع من السمات النوعية للعمليات التجتماعية‪،‬‬ ‫وبالتالي من المضمون الحقيقي للمتجتمع‪ .‬ومن ةثم فإن حلها يحدد سمة المقولت الساسية‬ ‫للعلم التجتماعي وبنيته المنطقية بأسرها«)‪.(1‬‬

‫إن هذا النسق التجتماعي المتميز عن كافة النساق الطبيعية يؤةثر على مضمون‬ ‫العلم الذي يدرسه‪ .‬وطالما أن النسق التجتماعي يشتمل حسبما أشرنا على تجوانب مادية‪،‬‬ ‫أي أنظمة اتجتماعية واقتصادية‪ ،‬الخ‪ ،‬وتجوانب روحية‪ ،‬فإن العلقة بين هذين التجانبين‬ ‫تحتاج حل معرفيا‪ .‬وهي العلقة بين الواقع التجتماعي والوعي التجتماعي‪ .‬فل يتجب أن‬ ‫نتوقف عند وصف المتجتمع والمزيج الذي تتشكل منه عناصره المختلفة‪ .‬كما ل ينبغي‬ ‫من تجانب آخر أن نقف عند التأملت الفلسفية حول هذه العلقة‪ .‬وقد كان ماركس هو‬ ‫الذي طرح حل سسيولوتجيا لهذه القضية‪ ،‬وهو الحل الذي كان مساهمة في نشأة ما يسمى‬ ‫بعلم اتجتماع المعرفة‪ .‬وتمةثلت نقطة انطلق ماركس في طرح ذلك الحل في قوله إن‬ ‫الوتجود التجتماعي هو أساس الوعي التجتماعي‪ .‬فإن أساس البداع التاريخي ل يكمن‬ ‫في وعي الفرد المنعزل أو الوعي بصفة عامة إوانما هو تعبير عن نشاط النسان‬ ‫التجتماعي‪ ،‬وهو نشاط ل يتم في عزلة‪ ،‬إوانما في نطاق متجتمع معين بعلقات اتجتماعية‬ ‫محددة‪ .‬ومن خلل هذا النشاط التجتماعي النتاتجي يؤكد النسان وعيه‪ .‬ذلك أن‬ ‫»النتاج – أو كما يقول ماركس غالبا القوى النتاتجية من حيث هي نشاط اتجتماعي‪ -‬ل‬ ‫يمكن خفضـه ل إلى ضروريات العيش إوانتاج هذه الضروريات ول إلى أدوات النتاج‬ ‫الصناعي‪ ،‬ول – أخي ار وبصورة أعم‪ -‬إلى النتاج القتصادي وحده‪ .‬فماركس يتحدث‬ ‫‪1‬‬

‫‪37‬‬

‫) ‪(2‬‬

‫‪D. Zivkovich «The Structure of Marxist Sociology», in P.Berger (ed.), Marxism‬‬ ‫‪.and Sociology, Appleton-Century-Crofts. New York, 1969, p. 99‬‬


‫أيضا عن النتاج الروحي‪ ،‬مؤكدا أن النتاج المادي والروحي متداخلن في النشاط‬ ‫التجتماعي الكلي‪ ،‬الذي هو محسوس‪ ،‬شامل‪ ،‬حي‪ .‬إن إنتاج الفكار والتصورات‬ ‫والوعي‪ ،‬إنما هو في المقام الول‪ ،‬متضمن مباشرة في النشاط المادي وفي التعامل‬ ‫المادي بين الفراد«)‪.(1‬‬

‫يشير ذلك إلى مقولة تجديدة ليست فلسفية بحتة إوانما مقولة تعبر عن تفرد الواقع‬ ‫التجتماعي في نوعيته‪ .‬وهي مقولة تنقل تصور العلقة بين الواقع والوعي من متجال‬ ‫الفلسفة إلى متجال الحياة المادية للبشر لتشمل قضايا العلقات المتداخلة بين التجانبين‬ ‫الرئيسيين في متجال الحياة التجتماعية‪.‬‬

‫وقد تجاءت تلك المعالتجة لقضية العلقة بين الواقع والفكار عبر عمليـة تدليل‬ ‫تناولها ماركس في أكةثر من مناسبة‪ .‬ففي كتاب اليديولوتجية اللمانية )‪(1846-1845‬‬ ‫طرح هذه القضية قائل‪:‬‬ ‫»ما دمنا نتعرض لللمان الخالين من كل بديهة فلبد أن نبدأ بأول بديهية للوتجود‬ ‫النساني كله‪ ،‬ومن ةثم للتاريخ كله‪ ،‬وهي قضية أن الناس لبد أن يوتجـدوا في وضع‬ ‫يمكنهم من أن يعيشوا حتى يكونوا قادرين على أن يصنعـوا التاريـخ‪ .‬لكن الحياة تتضمن‬ ‫قبل أي شيء آخر الكل والشرب والسكن والملبس وأشياء أخرى كةثيرة‪ .‬وهكذا فإن أول‬ ‫فعل تاريخي هو إنتاج وسائل إشباع هذه الحتياتجـات‪ ،‬إنتاج الحياة المادية ذاتها‪ .‬والحق‬ ‫أن هذا فعل تاريخي وشرط أساسـي للتاريخ كله‪ ،‬لبد أن يتم اليوم‪ ،‬مةثلما تم منذ عشرة‬ ‫آلف سنة ‪ ...‬وهكذا يتضح تماما منذ البداية أنه توتجد علقة مادية بين الناس‪ ،‬تحددها‬ ‫احتياتجاتهم وأسلوبهم في النتاج ‪ ...‬وتأخذ هذه العلقة على الدوام أشكال تجديدة‪ ،‬وهكذا‬ ‫تمةثل تاريخا‪ ،‬بشكل مستقل عن وتجود أي هراء سياسي أو غيره يمكن بشكل خاص أن‬ ‫يقوم بتتجميع الناس معا«)‪.(2‬‬ ‫ةثم يستطرد بعد ذلك موضحا نشأة الوعي بشكل لحق لذلك الفعل التاريخي قائل‪:‬‬ ‫»والن فحسب‪ ،‬أي بعد أن رأينا لحظات أربع‪ ،‬تجوانب أربع للعلقات التاريخية الولية‪،‬‬

‫‪1‬‬

‫)‪ (1‬تجورج تجيرفيتش‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ص ‪.54 - 53‬‬ ‫‪2‬‬ ‫)‪K. Marx and F. Engels. The German Ideology, Progress Publishers, Moscow, 1964, pp. (1‬‬

‫‪38‬‬

‫‪.39-40‬‬


‫نتجد أن النسان يمتلك أيضا وعيا ‪ ...‬يتلقى مزيدا من التطور والتساع عن طريق ازدياد‬ ‫النتاتجية وازدياد الحتياتجات«)‪.(1‬‬ ‫على ذلك النحو طرح ماركس حل للمشكلة المعرفية الهامة‪ ،‬وقدم بذلك مقولة‬ ‫نوعية لمعالتجة الظاهرة التجتماعية‪ .‬وهي المقولة الخاصة بالعلقة بين الواقع التجتماعي‬ ‫وأشكال الوعي‪ .‬وهو الحل الذي أصبح من مكونات ماديته التاريخية‪ .‬ويرتبط هذا الحل‬ ‫بنظرة فلسفية مادية يتبناها ماركس بصراحة‪ .‬والحق أنه منذ كونت وماركس ل نتجد‬ ‫الشخصيات البارزة في علم التجتماع تعلن مةثل هذا الوضوح بالنسبة لنظريتها وتصوراتها‬ ‫الفلسفية‪ .‬ول ينطبق هذا القول بالطبع على بعض امتدادات الماركسية وبعض امتدادات‬ ‫وضعية كونت‪.‬‬ ‫إن ذلك الحل المعرفي لقضية الواقع التجتماعي وأشكال الوعي الموتجودة في هذا‬ ‫الواقع تجعل هربرت ماركيوز يقول إن »تجميع التصورات الفلسفية للنظرية الماركسية هي‬ ‫كلها مقولت اتجتماعية واقتصادية«)‪ .(2‬بل يصل ماركيوز إلى ما هو أبعد من ذلك ويرى‬ ‫أن تحليل ماركس للعمل في ظل الرأسمالية كان متعمقا إلى حد بعيد يتتجاوز نطاق‬ ‫التركيب المميز للعلقات القتصادية‪ ،‬ويصل إلى مضمونها النساني الفعلي‪ .‬فهو ينظر‬ ‫إلى العلقات التي تقوم بين رأس المال والعمل‪ ،‬وبين رأس المال والسلعة وبين العمل‬ ‫والسلعة‪ ،‬وكذلك العلقات بين السلع‪ ،‬ينظر إلى هذه العلقات على أنها علقات إنسانية‪،‬‬ ‫أي علقات في حياة النسان التجتماعية)‪.(3‬‬ ‫كانت صياغة ماركس لمقولتي الوتجود التجتماعي والوعي التجتماعي أساسا‬ ‫نهض عليه مفهوم التكوين التجتماعي والقتصادي‪ .‬وهما مقولتان اتجتماعيتان يختلفان‬ ‫عن مقولتي الوتجود والوعي الفلسفيتين‪.‬‬

‫ففي المتجال المعرفي لبد أن يرتبط أسلوب طرح القضايا ارتباطا وةثيقا‬ ‫بالخصائص المميزة للظاهرة التي يتناولها البحث‪ .‬ومن هنا فإن أسلوب صياغة المقولت‬ ‫وطرحها يؤةثر في القتراب الصائب من الظاهرة‪ .‬ويعتمد أسلوب الصياغة على تحديد‬ ‫‪1‬‬

‫)‪( 2‬‬

‫‪.p. 41‬‬

‫‪2‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪39‬‬

‫)‪ (3‬هربرت ماركيوز‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ‪.254‬‬ ‫)‪ (1‬المرتجع السابق‪ ،‬ص ‪.272‬‬

‫‪Ibid.,‬‬


‫نقطة البدء التي تحل التناقضات التي تبدو محيرة‪ .‬فالبحث عن أصل الملكية‪ ،‬على سبيل‬ ‫المةثال‪ ،‬لن يؤدي إلى أي نتيتجة إل إذا بدأنا بالمدخل المناسب‪ ،‬وهو في هذه الحالة يتمةثل‬ ‫في مفهوم العمل‪ .‬فالملكية ستبدو لنا كشيء غريب وغير مفهوم إذا لم ندرك أنها ناتتجة‬ ‫عن العمل ذاته‪ .‬وكان ذلك السلوب في المعالتجة هو الذي يميز ماركس في متجال‬ ‫المعرفة‪ .‬ويشير المةثال التالي إلى طريقة التناول هذه حيث يقرر‪:‬‬ ‫»وتماما كما استخلصنا مفهوم الملكية الخاصة من مفهوم العمل المغترب‪،‬‬ ‫المنسلب عن طريق التحليل فإننا نستطيع بنفس الطريقة أن نصل إلى كل مقولة‬ ‫للقتصاد السياسي بمساعدة هذين العاملين‪ ،‬وسنتجد كذلك في كل مقولة مةثل التتجارة‬ ‫والمنافسة ورأس المال والنقود متجرد تعبير محدد ومتطور عن السس الولى«)‪.(1‬‬

‫والساس الذي يستند إليه ماركس في أن الملكية هي نتيتجة للعمل يتمةثل في أن‬ ‫علقة »العامل بالعمل تولد علقة الرأسمالي – أو أي اسم يختاره المرء لسيد العمل‪-‬‬ ‫بالعمل‪ .‬وهكذا فإن الملكية الخاصة هي نتاج العمل المغترب – العلقة الخارتجية‬ ‫بالطبيعة وبذاته‪ -‬ونتيتجته وعاقبته الضرورية«)‪.(2‬‬ ‫وبعد ذلك يصل إلى تجوهر الفكرة التي أشرنا إليها بقوله‪:‬‬

‫» لقد مضينا بالفعل شوطا بعيدا في حل هذه المشكلة بتحويل السؤال عن أصل‬ ‫الملكية الخاصة إلى مسألة علقة العمل المنسلب بمتجرى تطور البشرية‪ .‬ل نـه حين‬ ‫يتحدث المرء عن الملكية الخاصة فإنه يتصور أنه يفكر في شيء خارجي عن‬ ‫ال نـسان‪ .‬وحين يتحدث ال نـسان عن العمل فإنه يتحدث مباشرة عن ال نـسان بذاته‪.‬‬ ‫وهذه الصياغة الجديدة للمسألة تحوي بالفعل حلها«)‪) .(3‬التشديد من الباحث(‪.‬‬ ‫غير أن ذلك الحل المعرفي الذي طرحه ماركس لقضيـة العلقـة بين الوتجود‬ ‫التجتماعي والوعي واتجه النتقاد الدائم من تجانب بعض علماء التجتمـاع‪ .‬وبدل من‬ ‫تناول ذلك في إطاره المحدد مضت النتقادات تقول إن ماركس يفسر الحياة التجتماعية‬ ‫وفق عامل واحد هو العامل القتصادي‪ .‬ول يزال هـذا الموضـوع محل مناقشة بين‬ ‫‪1‬‬

‫‪2‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪40‬‬

‫)‪ (2‬مخطوطات كارل ماركس لعام ‪ ،1844‬ترتجمة محمد مستتجير مصطفى‪ ،‬دار الةثقافة التجديدة‪،‬‬ ‫القاهرة‪ ،1974 ،‬ص ‪.79‬‬ ‫)‪ (1‬المرتجع السابق‪ ،‬ص ‪.77‬‬ ‫)‪ (2‬المرتجع السابق‪ ،‬ص ‪.79‬‬


‫الماركسية ونقادها منذ أيام ماركس‪ .‬ويصر الماركسيون على رفض ذلك التفسير القائل‬ ‫بأن نظرة ماركس هي نظرة واحدية التجانب‪ .‬ومةثال ذلك قول انتجلز‪:‬‬

‫»تنظر النظرية المادية في تفسير التاريخ إلى النتاج والنتاج المتتجدد على أنهما‬ ‫العنصر الول في تعيين متجرى التاريخ وأحداةثه‪ .‬ولم يقل كلنا – ماركس وأنا‪ -‬شيئا‬ ‫أكةثر من هذا‪ ،‬فإذا قام أحد بتحوير دعوانا‪ ،‬إلى القول بأن العنصر القتصادي هو الوحيد‬ ‫الذي يعين سير التاريخ‪ ،‬فإنه بعمله هذا يتجعل من نظريتنا عبارة عديمة المعنى‪ ،‬متجردة‪،‬‬ ‫وسخيفة«)‪.(1‬‬

‫ويستطرد انتجلز موضحا أن المركز القتصادي هو الساس‪ .‬ولكن العناصر‬ ‫المتنوعة التي يتكون منها الصرح العلوي كالشكال السياسية التي يتخذها صراع الطبقات‬ ‫وما يترتب عليه من نتائج‪ ،‬وأشكال القانون حتى الصور الذهنية التي تعكسها هذه العوامل‬ ‫في أذهان الناس والمحاربين‪ ،‬كالنظريات السياسية والدينية والفكار‪ ،‬هذه تجميعها لها‬ ‫آةثرها في متجرى نواحي الصراع التاريخي‪ ،‬بل في كةثير من الحيان تكون لها الغلبة‪.‬‬ ‫هناك علقة متبادلة بين كافة هذه العناصر‪ ،‬وفي النهاية نتجد أن الحركة القتصادية هي‬ ‫العنصر الضروري والتجوهري‪.‬‬ ‫إن ماركس وانتجلز لم يعلنا تمسكها بهذا الرأي حسب‪ ،‬بل طبقاه في أبحاةثهما‪ ،‬ومن‬ ‫أبرز أعمال ماركس التي أوضح فيها مدى تشابك هذه العوامل ومدى تأةثير العوامل غير‬ ‫القتصادية هو كتاب »الةثامن عشر من برومير – لويس بونابرت«‪ .‬ولبد أن نقول أن‬ ‫هذا الكتاب وضع عام ‪ 1852‬أي بعد صدور البيان الشيوعي بحوالي أربع سنوات‪.‬‬ ‫وأهمية ذلك أن البعض يرى‪ ،‬ومنهـم تجـورج تجـورفيتش – ويتردد صدى هذه الرؤية في‬ ‫مصر)‪ -(2‬أن ماركس الشاب‪ ،‬أو ماركسية ما قبل البيان الشيوعي‪ ،‬هي التي تضع اعتبا ار‬ ‫لكافة العوامل وليس العامل القتصادي وحده‪ .‬إن ماركس يبين في ذلك الكتاب مدى‬ ‫تأةثير التقاليد والمةثل القديمة في الحداث بل في الةثورات‪ .‬وعلى سبيل المةثال فإن الناس‬ ‫وهم »يصنعون تاريخهم ل يستطيعون التخلص من تأةثير تقاليد التجيال الماضية‪ .‬وعندما‬ ‫ينشغل هؤلء الناس في تغيير الشياء المحيطة بهم وخلق شيء تجديد‪ ،‬عند ذلك بالضبط‬ ‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪41‬‬

‫)‪ (3‬رسالة انتجلز إلى يوسف بلوخ في ‪ 21‬سبتمبر ‪) 1890‬في فردريك إنتجلز‪ ،‬التفسير الشتراكي‬ ‫للتاريخ(‪ ،‬ص ص ‪.128 - 127‬‬ ‫)‪ (1‬مةثال ذلك‪ :‬صلح مخيمر وعبده ميخائيل رزق‪ ،‬في الشتراكية العربية – ماركس يدحض‬ ‫الماركسية‪ .‬الدار القومية للطباعة والنشر‪ ،‬القاهرة‪ ،1966 ،‬ص ‪.21‬‬


‫وفي فترات الزمات الةثورية نراهم يلتجأون في وتجل إلى استحضار أرواح الماضي لتخدم‬ ‫مقاصدهم‪ ،‬ويستعيرون منها السماء والشعارات القتالية‪ .‬وهكذا ارتدى لوةثر قناع بولس‬ ‫الرسول واكتست ةثورة ‪ 1814 – 1789‬بةثوب التجمهورية الرومانية تارة وةثوب‬ ‫المبراطورية الرومانية تارة أخرى ‪ ...‬فقد كان بعث الموتى في تلك الةثورات يؤدي مهمة‬ ‫تمتجيد الصراعات التجديدة«)‪.(1‬‬

‫وفضل عن ذلك فإن بليخانوف يشدد على رفض الزعم بأن الماركسية تغفل‬ ‫العوامل الخرى‪ .‬ويناقش هذه القضية بالتفصيل ليوضح كيف أن الماركسية تضع في‬ ‫اعتبارها العوامل المختلفة‪ .‬ويستند في ذلك إلى نصوص ماركس‪» .‬والن فلنسترتجع ما‬ ‫يقوله ماركس عن العلقة بين القتصاديات من ناحية وبين القانون والسياسة من الناحية‬ ‫الخرى‪ :‬تتشكل المؤسسات القانونية على أساس العلقات الفعلية في عملية النتاج‬ ‫التجتماعي‪ ،‬فلفترة من الوقت تسهل هذه المؤسسات تقدم القوى النتاتجية لشعب ما‪،‬‬ ‫وازدهار حياته القتصادية‪ .‬تلك بدقة هي كلمات ماركس‪ ،‬إواننا لنسأل أي إنسان ذي‬ ‫ضمير نقابله هل تحوي هذه الكلمات أي إنكار لهمية العلقات السياسية في التطور‬ ‫القتصادي؟ وهل يفند ماركس هؤلء الذين يذكرونه بتلك الهمية؟ أليس صحيحا أنه ليس‬ ‫ةثمة أةثر لمةثل هذا النكار لدى ماركس‪ ،‬وأن هؤلء الناس ل يفندون أية فكرة على‬ ‫الطلق؟ إوالى هذا الحد أليس صحيحا أن المسألة التجديرة بأن تةثار ليست هي مسألة‬ ‫تفنيد آرائه إوانما هي مسألة لماذا يسيئون فهمه إلى هذا الحد؟ «)‪.(2‬‬

‫إن الفعل المتبادل بين السياسة والقتصاد موتجود بالفعل عند ماركس‪ .‬وتصوره‬ ‫حول هذه القضية يزيل تلك الةثنائية التي تضع تعارضا بين الوتجود والوعي ل يقبل الحل‪.‬‬ ‫فهو يرى أن اقتصاد المتجتمع ووعيه يمةثلن تجانبين لظاهرة واحدة هي إنتاج حياة الناس‪.‬‬ ‫وبذلك يطرح حل لذلك التعارض‪.‬‬

‫وتتمةثل الهمية المعرفية لهذا المنحى في تناول القضية في أنه قدم إمكانية فهم‬ ‫الشكال اليديولوتجية التي كانت تشكل مصدر خطأ لي استقصاء علمي في حالة النظر‬ ‫إليها في ذاتها‪ .‬وهذا ما دفع بوتومور وربل‪ ،‬على سبيل المةثال‪ ،‬إلى القول‪ :‬بأن ماركس‬ ‫كان في واقع المر‪ ،‬واحدا من مؤسسي نظرية علم اتجتماع المعرفة‪ ،‬التي كانت في رأيه‬ ‫نظرية نقدية هدفها إعداد الطريق إلى إنشاء علم اتجتماعي صارم‪ ،‬وهؤلء الذين أتوا بعد‬ ‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪42‬‬

‫)‪(2‬‬

‫‪K. Marx, the Eighteenth of Brumaire – Louis Bonaparte. Progress Publishers, Moscow,‬‬

‫)‪ (1‬تجورج بليخانوف‪ ،‬مرتجع سابع‪ ،‬ص ‪.134‬‬

‫‪.1964, pp. 11-14‬‬


‫ماركس في نفس المتجال تحدةثوا كةثي ار عن علم اتجتماع المعرفة‪ ،‬ولكنهم قدموا إنتجازات‬ ‫هامة إلى تاريخ الفكر‪ ،‬وخاصة الفكر السياسي)‪.(1‬‬

‫الحقيقة المطلقة والحقيقة النسبية‪:‬‬

‫إن مصالح الناس تؤةثر تأةثي ار مباش ار في تقييم الظواهر التجتماعية وفي‬ ‫الستنتاتجات المترتبة على تحليل هذه الظواهر‪ .‬ويدفعنا ذلك إلى إةثارة السؤال التالي‪ :‬هل‬ ‫يمكن للعلوم التجتماعية أن تصل إلى الحقيقة الموضوعية‪ ،‬أن تصل إلى الصدق‬ ‫العلمي؟ أم إن على علم التجتماع مةثل أن يكتفي بالوصف والتستجيل دون محاولة النفاذ‬ ‫إلى المنطق الداخلي للظواهر‪ ،‬استنادا إلى الرأي القائل بأن الصدق العلمي يصعب‬ ‫الوصول إليه في متجال الظواهر التجتماعية؟‬

‫إن هذه المشكلة تنفرد بها العلوم التجتماعية عن العلوم الطبيعية‪ .‬فإن منتجزات‬ ‫الفيزياء والرياضيات على سبيل المةثال يعترف بأهميتها التجميع ويتجري تطبيقها في كل‬ ‫مكان بغض النظر عن نوع المتجتمع وعن النظرة العامة تتجاه الحياة‪ .‬أما بالنسبة للعلوم‬ ‫النسانية ومن بينها علم التجتماع فل تمتلك موضوعات يعترف بها التجميع‪ .‬ول يرتجع‬ ‫ذلك إلى نقيصه في هذه العلوم ذاتها إوانما يرتجع المر إلى اختلف المصالح والمنطلقات‬ ‫الفلسفية‪.‬‬ ‫وينتج عن ذلك بعض الرتباكات المعرفية‪ .‬فهي تدفع البعض إلى القول بأنه ل‬ ‫يمكن الوصول إلى الحقيقة التجتماعية‪ .‬ويدفعنا هذا ةثانية إلى طرح السؤال التالي‪ :‬هل‬ ‫يمكن لعلم التجتماع أن يصل في دراساته إلى حقيقة موضوعية أم أن الحقيقة‬ ‫الموضوعية مسألة في غير متناول العلم؟‬

‫إن إتجابة هذا السؤال ستحدد المسار والمنحى الذي يتخذه العلم‪ .‬فإذا كانت التجابة‬ ‫بأن الحقيقة الموضوعية ليست في متناول أيدينا فإن ذلك سيعني أن دراستنا لن تستطيع‬ ‫أن تفعل أكةثر من الوصف الظاهري للمادة التي نعالتجها‪ ،‬أما إذا كانت التجابة عكس ذلك‬ ‫فإن العلم سيضع في متجال مهامه الكشف عن الحقائق الموضوعية في الظواهر‬ ‫التجتماعية وما ينتظمها من قواعد ومن ةثم قوانين‪ ،‬وبالتالي الكشف عن مسار التطور‪.‬‬ ‫وقد كان ذلك السؤال يحتل مكانة بارزة في متجال الفلسفة وانتقل منها إلى متجالت‬ ‫العلوم الطبيعية والعلوم التجتماعية‪ .‬وزاد من تعقيد المور بالنسبة للعلوم التجتماعية‪ ،‬أن‬ ‫‪1‬‬

‫‪43‬‬

‫)‪( 2‬‬ ‫‪.37‬‬

‫‪T. Bottomore and M. Rubel, op. cit., p.‬‬


‫أولئك الفلسفة الذين ناصروا التتجاه التتجريبي وتبنوا الدعوة له اتخذوا موقفا ل أدريا‬ ‫بالنسبة للمعرفة العلمية أي أن موقفهم كان ل يتسم بالتساق‪.‬‬ ‫لقد عتجزت فلسفة تجورج بيركلي )‪ (1758 – 1685‬عن استيعاب إنتجازات العلوم‬ ‫المعاصرة لها‪ ،‬حيث زعمت أنها ل تعترف بالعلوم وأعلنت أنها تجوفاء‪ ،‬وكان الفلسفة‬ ‫المةثاليون الذين يسيرون في ركاب بيركلي يقفون بمعزل عن القضايا العلمية‪ .‬لكن العلوم‬ ‫أحرزت منذ القرن الةثامن عشر تطو ار أدى إلى انهيار مركز بيركلي خاصة بعد أن صاغ‬ ‫نيوتن النظرية الميكانيكية العامة حول العالم)‪.(1‬‬

‫ومن هذا الوضع اتخذت الفلسفة المةثالية التقليدية موقفا تجديدا في مواتجهة‬ ‫التتجاهات المادية يتلخص في القول إن المادية تزعم أن المادة هي التي لها الولوية‪ ،‬أما‬ ‫نحن فل نعلم عن ذلك شيئا‪ .‬ومن هنا ظهرت تسميتهم باللأدرية كطريق ةثالث‪ .‬وقد كانت‬ ‫المةثالية الموضوعية ترتجع المادة إلى روح كلية والمةثالية الذاتية تذيب المادة في إحساسنا‬ ‫أو شعورنا‪ .‬لكن الولى بددت صورتها العلوم الطبيعية أما الةثانية فتهاوت بتأةثير علم‬ ‫الفسيولوتجيا والعلوم التجتماعية)‪.(2‬‬

‫ولهذا ظهر اتتجاه تجديد يعترف بالعلوم ولكنه يقول إنه ل يوتجد تأكيد بأن العلم‬ ‫يتجعلنا نعرف الواقع الموضوعي‪ .‬ذلك أننا نريد أول أن نعرف إن كانت روحنا تستطيع أن‬ ‫تعرف الواقع في ذاته أم ل‪ .‬كان هذا التتجاه يدعي استحالة الرد على السؤال الساسي‬ ‫في الفلسفة بحتجة عتجزنا المستمر عن معرفة المبادئ الولية للشياء‪.‬‬

‫وكان دافيد هيوم )‪ (1776 - 1711‬هو المبشر بهذا التتجاه في القرن الةثامن‬ ‫عشر‪ ،‬أما امانويل كانت )‪ (1804 – 1724‬فقد كان أبرز ممةثليه‪ ،‬كما كان أوتجست‬ ‫كونت من أنصاره في القرن التاسع عشر‪.‬‬

‫كان ذلك التتجاه ماديا في بعض تجوانبه ومةثاليا ول أدريا في التجوانب الخرى‪ .‬كما‬ ‫أنه كان يضم كانت من المذهب العقلي وهيوم من المذهب التتجريبي‪ .‬وكان دافيد هيوم‪،‬‬ ‫على سبيل المةثال‪ ،‬يقسم الواقع إلى مستويين‪ :‬المنضدة كما نراها‪ ،‬أي المنضدة لذاتنا‪،‬‬ ‫وهي التي توتجد في وعينا على شكل صورة‪ ،‬وتكون ذاتية وليست سوى مظهر‪ .‬ةثم‬ ‫المنضدة الواقعية‪ ،‬أي المنضدة في ذاتها وهي التي تكون خارج شعورنا‪ ،‬وتكون‬ ‫موضوعية وتشكل الواقع إل أنها ل تقبل المعرفة‪ .‬ومعنى ذلك أننا ل نعرف أبدا سوى‬ ‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪44‬‬

‫)‪ (1‬تجورج بوليتزير‪ ،‬المادية والمةثالية في الفلسفة‪ ،‬ترتجمة إسماعيل المهدوي‪ ،‬دار الكاتب العربي للطباعة‬ ‫والنشر‪ ،‬القاهرة‪ ،1957 ،‬ص ‪.86‬‬ ‫)‪ (2‬المرتجع السابق‪ ،‬ص ‪.87‬‬


‫مظاهر الشياء‪ ،‬ولكننا نتجهل دائما حقيقتها‪ .‬ومن ةثم ل يمكن تحديد موقف محدد‪.‬‬ ‫فالمادي يمكن أن يعطي الهمية للتجانب المادي من الظواهر‪ ،‬والمةثالي يعطي الهمية‬ ‫للتجانب المةثالي‪ ،‬لكن يستحيل أن نقرر ما هي الشياء في ذاتها لن كل منا ستجين وتجهة‬ ‫نظره‪.‬‬

‫إن مةثال المنضدة مةثال حقيقي استخدمه هيوم‪ .‬فهو يقرر حقيقة هامة وهي أن‬ ‫العالم الخارتجي موتجود وأن وتجوده ل يعتمد على إدراكنا‪ .‬لكنه يعود ليقول‪ » :‬إل أن هذا‬ ‫الرأي المبدئي سرعان ما يهتز أمام الفلسفة البسيطة التي تعلمنا أن الروح ل يمكن أن‬ ‫تصل إل إلى الصورة فقط ‪ ...‬فالمنضدة التي نراها‪ ،‬تبدو أصغر كلما ابتعدنا عنها‪ .‬أما‬ ‫المنضدة الواقعية التي توتجد مستقلة عنا فل تتغير‪ .‬ومعنى ذلك أن روحنا ل تدرك سوى‬ ‫صورة المنضدة«)‪.(1‬‬

‫لقد أةثر هذا التتجاه الل أدري في فلسفة العلوم وانتقل إلى العلوم التجتماعية عامة‪.‬‬ ‫وكةثي ار ما نتجد هذه النظرة في علم التجتماع بشكل أو بآخر‪ ،‬وعلى سبيل المةثال فإن هذا‬ ‫التتجاه الل أدري ظهر أيضا في وضعية أوتجست كونت بتأكيده أن العلم يتجب »أن‬ ‫يكتفي بتقرير العلقات بين الوقائع دون أن يبحث سبب هذه الوقائع‪ .‬ويتجب أن يمتنع عن‬ ‫البحث في »لماذا« الشياء‪ ،‬أي يتجب أل يتجري وراء المطلق‪ .‬فكل بحث من هذا النوع‪،‬‬ ‫أي كل نظرية تفسيرية تلقي الضوء على تجوهر الظواهر‪ ،‬تكون نظرية ميتافيزيقية يدينها‬ ‫أوتجست كونت«)‪.(2‬‬

‫هنا نتجد بذور أو أصل التتجاه المبريقي الذي يقنع بالمعرفة المستمدة من‬ ‫الملحظة‪ ،‬من الحساسات والنطباعات المباشرة‪ .‬وهذا ما يتجعلنا نستنتج أن النزعة‬ ‫المبريقية السائدة في علم التجتماع تعود إلى أصول فلسفية معينة على عكس ما يزعم‬ ‫أصحابها من أنها بريئة من أي شـيء مـن هـذا القبيل‪ .‬ونتجد مـا يـدعم استنتاتجنا هذا في‬ ‫قول زكي نتجيب محمود إن القضايا المتعلقة بالواقع‪ ،‬حسبما يؤكد هيوم »يستحيل أن‬ ‫تدخل في متجال إدراكنا إل عن طريق آخر‪ ،‬هو طريق الحواس‪ ،‬فالخبرة الحسية هي‬

‫‪1‬‬

‫) ‪(1‬‬

‫‪.p. 22‬‬

‫‪2‬‬

‫‪45‬‬

‫‪See: V. Lenin, Collected Works, Vol. 14, Progress Publishers, Moscow, 163,‬‬

‫)‪ (2‬تجورج بوليتزير‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ‪.92‬‬


‫وحدها المصدر الذي نستقي منه العلم بالعالم الخارتجي‪ ،‬وبهذا القول أصبح هيوم في‬ ‫طليعة الرواد‪ ،‬إن لم يكن الرائد الول بحق‪ ،‬للفلسفة الوضعية الراهنة«)‪.(1‬‬

‫إن القول باستحالة إدراك الواقع إل عبر ما تمدنا به الحواس يعني في واقع المر‬ ‫أننا ل نستطيع سوى إدراك المظهر الخارتجي للظواهر‪ .‬وذلك أمر يدفع في متجال مةثل‬ ‫علم التجتماع إلى نزعة إمبريقية بحتة‪ .‬ويمكن أن نتجد أمةثلة عديدة لذلك‪ .‬وهو ما يتضح‬ ‫أيضا عند التعرض لعلم اتجتماع المعرفة عند كارل مانهايم‪ .‬إن هذا التتجاه يرتبط بالرأي‬ ‫القائل بأن كل منا ستجين وتجهة نظره الخاصة‪ ،‬وبالتالي فإن الحقيقة الموضوعية ل يمكن‬ ‫التوصل إليها‪ .‬كما أننا سنتجد امتداد هذا التتجاه في الوظيفية المعاصرة‪ .‬وسيتضح هذا‬ ‫عندما نتناول مفهوم البنية التجتماعية‪.‬‬

‫الصول التاريخية لل أدرية‪:‬‬

‫ينبغي أن نشير إلى أن فرانسيس بيكون )‪ (1626 – 1561‬وتجون لوك )‪1632‬‬ ‫– ‪ (1704‬يمةثلن المقدمات التمهيدية لدافيد هيوم في التتجاه التتجريبي الذي انتقل عن‬ ‫طريقهما إلى كافة العلوم‪ .‬فقد وتجد » الموقف التتجريبي أوسع تعبير عنه في فلسفات‬ ‫هؤلء المفكرين‪ .‬فالفكرة القائلة أن الدراك الحسي هو مصدر المعرفة ومعيارها النهائي‪،‬‬ ‫هي النتيتجة التي تؤدي إليها أبحاةثهم آخر المر «)‪.(2‬‬

‫كانت التتجريبية في بدايتها غير متسقة مع نفسها‪ .‬فتتجريبية لوك تقتصر على‬ ‫»المبدأ القائل أن تجميع التصورات وضمنها تصورات الرياضة والمنطق‪ ،‬تأتي إلى ذهننا‬ ‫من خلل التتجربة‪ .‬وهو ليس على استعداد للتوسع في هذا المبدأ بحيث يشمل الرأي‬ ‫القائل أن كل معرفة تركيبية ل تتحقق إل من خلل التتجربة‪ .‬وتمشيا مع هذا الموقف غير‬ ‫النقدي‪ ،‬فقد أخذ بالستدلل الستقرائي دون نقد‪ .‬وعده آداة مفيدة لكل معرفة تتجريبية‪ .‬فلم‬ ‫يخطر بذهن بيكن أو لوك احتمال الشك في مشروعية هذه الداة وهدم الساس الذي‬ ‫ترتكز عليه التتجريبية«)‪.(3‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪46‬‬

‫)‪ (3‬زكي نتجيب محمود‪ ،‬نحو فلسفة علمية‪ ،‬مكتبة النتجلو المصرية‪ ،‬القاهرة‪ ،‬الطبعة الولى‪،1958 ،‬‬ ‫ص ‪.31‬‬ ‫)‪ (1‬هانز ريشنباخ‪ ،‬نشأة الفلسفة العلمية‪ ،‬ترتجمة فؤاد زكريا‪ ،‬دار الكاتب العربي للطباعة والنشر‪ ،‬القاهرة‪،‬‬ ‫‪ ،1968‬ص ‪.79‬‬ ‫)‪ (2‬المرتجع السابق‪ ،‬ص ‪.84‬‬


‫غير أن دافيد هيوم عندما حاول معالتجة الستدلل الستقرائي بموقف نقدي أدى‬ ‫به المر إلى »النتقال من التتجريبية إلى الل أدرية‪ ،‬وهو ينادي – فيما يتعلق بالمستقبل‪-‬‬ ‫بفلسفة للتجهل تقول إن كل ما أعرفه هو أنني ل أعرف أي شيء عن المستقبل«)‪.(1‬‬

‫أما كانت فعلى الرغم من انتمائه إلى المذهب العقلي فإنه وضع فلسفته عن العلم‬ ‫اعتمادا على تدليلت هيوم‪ .‬فعن طريق كانت برزت فكرة وتجود سر في الشياء يصعب‬ ‫إدراكه‪ ،‬كما برزت فكرة الحيادية حيث يحسن أل نقرر كةثيرا‪ ،‬لن هناك صوابا وخطأ في‬ ‫كل شيء‪ .‬ويميز كانت بين الشيء في ذاته الذي ل يقبل المعرفة والشيء لذاتنا أو‬ ‫المظهر‪ ،‬وهو الذي ينتج الةثر الذي يحدةثه الشيء في ذاته في أعضائنا الحسية‪.‬‬

‫فهو يقرر أنه »ل يمكن أبدا معرفة الشياء في ذاتها بطريقة قبلية أو بعدية‪ .‬فل‬ ‫يمكن معرفتها بطريقة قبلية لنه كيف يكون عندنا علم بما ينبغي أن يحل على الشياء‬ ‫في ذاتها ‪ ...‬وكذلك فإن معرفة طبيعة الشياء في ذاتها بعديا تكون مستحيلة لنه إذا‬ ‫كنت أعرف القوانين التي تنظم وتجود الشياء عن طريق التتجربة فإن هذه القوانين بوصفها‬ ‫خاصية الشياء في ذاتها ينبغي أن تنظم هذه الشياء بالضرورة خارج التتجربة«)‪ .(2‬ةثم‬ ‫يقرر في النهاية نتيتجة حاسمة بقوله »وهكذا فنحن ل نعرف بالتتجربة طبيعة الشياء في‬ ‫ذاتها«)‪.(3‬‬ ‫إن مصدر هذا المنحى يرتجع إلى أن كانت يرى أن قوانين العلم والعلقات بين‬ ‫الظواهر هي من صنع الروح البشرية وحدها‪ .‬فهي ل تعكس القوانين الواقعية للمادة‬ ‫المتحركة إوانما تعكس قوانين الروح البشرية‪ ،‬وهي ل تمةثل الحقيقة الموضوعية‪ ،‬إوانما‬ ‫تمةثل حقيقة ذاتية ل أكةثر‪ .‬ولهذا يصف زكي نتجيب محمود موقف كانت قائل‪» :‬لو سئل‬ ‫كانت ما هو هذا الشيء في ذاته الذي تنبعث منه هذه المعطيات الحسية‪ ،‬أو الذي هو‬ ‫مصدر وراء الظواهر التي تنشأ عنها خبراتنا الحسية لتجاب‪ :‬لست أدري‪ ،‬ول حاتجة بي‬ ‫إلى هذه الدراية‪ ،‬فهو ل يدري لن الشيء في ذاته بحكم التعريف ل يقع في خبرته‪ ،‬إذ أن‬ ‫الخبرة محدودة بالظواهر ل تتتجاوزها إلى الحقائق الكامنة وراءها‪ ،‬ةثم هو في غير حاتجة‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪47‬‬

‫)‪ (1‬المرتجع السابق‪ ،‬ص ‪.87‬‬ ‫)‪ (2‬أمانويل كنت‪ ،‬مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة يمكن أن تصير علما‪ ،‬ترتجمة نازلي إسماعيل حسين‬ ‫ومراتجعة عبد الرحمن بدوي‪ ،‬دار الكاتب العربي للطباعة والنشر‪ ،‬القاهرة‪ ،1968 ،‬ص ‪.97‬‬ ‫)‪ (3‬المرتجع السابق‪ ،‬ص ‪.98‬‬


‫إلى العلم بهـذه الحقائق الكامنة وراء الظواهر لنها لن تكون تجزء من علم‪ ،‬كائنا ما كان‬ ‫ذلك العلم«)‪.(1‬‬

‫إن تبني مةثل ذلك الموقف يعني في واقع المر إنكار العلم إوانكار إمكانياته في‬ ‫التوصل إلى فهم الظواهر‪ .‬فإن تجوهر ذلك التتجاه يعني »أن العلم يظل على سطح‬ ‫الشياء‪ .‬فالواقع أن القاعدة الحقيقية التي تقوم عليها فكرة التقدم الوهمـي للعلوم‪ ،‬هي فكرة‬ ‫السر المطلق والمستغلق والبدي‪ ،‬وترتيبا على هذه الفكرة‪ ،‬يتجب أل ننسب إلى العلم أية‬ ‫حقيقة مطلقة‪ .‬فما هو إل نوع من التفسير‪ ،‬ومن هنا تؤدي الكانطية مباشرة إلى الشكلية‬ ‫والتوقف في مختلف المتجالت‪ ،‬بما فيها متجال البحث النظري«)‪.(2‬‬ ‫يتضح مما سبق أن هذه الفلسفات المةثالية التتجاه رغم تعدد انتماءاتها المذهبية‬ ‫تنكر إمكانية معرفة العالم وقوانينه ول تعترف بالحقيقة الموضوعية‪ ،‬ذلك أن العالم يحفل‬ ‫»بأشياء في ذاتها« ل يستطيع العلم الوصول إلى معرفتها‪.‬‬

‫وقد كانت هذه النزعة اللأدرية أحد المصادر التي يرى الباحث أنها ساهمت في‬ ‫تشكيل علم اتجتماع المعرفة عند كارل مانهايم‪ .‬وذلك بالرغم من قول مانهايم أنه استمد‬ ‫أفكاره من مفهوم الساس التجتماعي للوعي لكارل ماركس‪ .‬ولكنه وكما يقول قباري‬ ‫إسماعيل »مزج العناصر الماركسية بالكةثير من التتجاهات والنزعات الفكرية‬ ‫المتعددة«)‪.(3‬‬

‫يرتكز تصور مانهايم على الفصل بين المعرفة العلمية الطبيعية والمعرفة‬ ‫التجتماعية‪ .‬ويرى أن نمط المعرفة التي يعبر عنها العلم الطبيعي تختلف تجذريا عن نمط‬ ‫المعرفة التاريخية‪ .‬فهدف العلم الطبيعي أن يدرك ما هو عام وشامل وضروري علوة‬ ‫على القانون الذي يحكم الظواهر‪ ،‬ومن ةثم فإن المنهج في هذه العلوم يكمن في تعميم‬ ‫وتتجميع الظواهر والعمليات المختلفة تحت مفهومات ونظريات عامة‪ .‬أما هدف العلم‬ ‫التاريخي‪ ،‬حسبما يراه مانهايم‪ ،‬فيتمةثل في إدراك الظواهر الفردية والخاصة والمنعزلة‪.‬‬

‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪48‬‬

‫)‪ (1‬زكي نتجيب محمود‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ‪.39‬‬ ‫)‪ (2‬تجورج بوليتزير‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ص ‪.92 - 91‬‬ ‫)‪ (3‬قباري محمد إسماعيل‪ ،‬علم التجتماع اللماني‪ ،‬الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر‪ ،‬السكندرية‪،‬‬ ‫طبعة أولى‪ ،1971 ،‬ص ‪.421‬‬


‫وبالتالي فإن منهج هذا العلم يتسم بالنظرة الفردية ويصف الوتجود التاريخي النوعي الذي‬ ‫يعتبر فريدا ل يحكمه قانون عام‪.‬‬

‫وسبب ذلك هو أنه يرى أن الحقيقة مطلقة‪ .‬ومن ةثم ل توتجد في المتجال التاريخي‪.‬‬ ‫ول يتجوز للنظريات التجتماعية أن تدعي » الحقيقة المطلقة « التي يمكن قبولها من‬ ‫تجميع الفئات التجتماعية‪ .‬ذلك أن النظريات التجتماعية ما هي إل تعبير عن وتجهات‬ ‫نظر خاصة بطبقات اتجتماعية‪ .‬ولهذا ل يمكنها سوى أن تقدم معرفة نسبية الطابع‪ ،‬أي‬ ‫مرتبطة وظيفيا بالوضع التجتماعي للطبقات ومصالحها القتصادية والسياسية‪ .‬ومن ةثم‬ ‫فهي معرفة مشوهة‪ .‬وبهذا يرى أن تاريخ المعرفة التجتماعية هو‪ ،‬بدرتجة ما‪ ،‬سلسلة من‬ ‫الخطاء)‪.(1‬‬ ‫إن أفكار مانهايم هذه تمةثل نوعا من الل أدرية‪ .‬ويمكننا أن نشير إلى خطأين في‬ ‫ذلك التصور لمانهايم‪.‬‬

‫الول‪ :‬ويكمن في أن مانهايم يحاول توضيح الوظيفة التجتماعية لنوعين من‬ ‫الفكر التجتماعي المشوه )والذي يقسمه إلى أيديولوتجيا ويوتوبيا( دون تحليل الوظيفة‬ ‫التجتماعية لتلك الفئات التي تعتنق أشكال الفكر المختلفة‪ .‬فهو يرغب في الكشف عن‬ ‫دينامية الفكار في التطور التاريخي دون تناول ديناميات التطور التاريخي ذاته‪ ،‬ودون‬ ‫تحليل بنية المتجتمع‪ ،‬والسلطة‪ ،‬واتتجاهات التطور في ذلك المتجتمع الذي تتبنى طبقاته‬ ‫هذا النمط من الوعي أو ذاك‪ .‬وهو إذ يصف كافة وتجهات النظر والتصورات بوصفها‬ ‫تشويهات للواقع فإنه يهدم بنفسه افتراضه حول السببية التجتماعية للمعرفة‪ .‬فالمعرفة‬ ‫تصبح مشوهة في كافة الحالت‪» .‬فعلى الرغم من أنه يشير إلى حقيقة أن مصالح فئات‬ ‫وطبقات اتجتماعية معينة هي السبب في تشويه المعرفة الصلية بالواقع‪ ،‬فإنه يطرح‬ ‫استنتاتجا ل يتفق مع ذلك بقوله إن مصالح كافة الطبقات في كافة الزمان هي التي تشوه‬ ‫تلك المعرفة«)‪.(2‬‬ ‫أما النتقاد الثاني الذي يمكن أن يوتجه إلى أفكار مانهايم فيرتبط بمشكلة الحقيقة‬ ‫حسبما يتصورها‪ .‬فإن مانهايم ل يقر بوتجود حقيقة موضوعية نسبية‪ .‬فهو يرى أن الحقيقة‬ ‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪49‬‬

‫)‪( 2‬‬ ‫‪.42‬‬

‫)‪(1‬‬

‫‪L. Moskvichov, The End of Ideology: Illusions and Reality, Progress Publishers,‬‬ ‫‪.Moscow 1974, pp. 40-41‬‬ ‫‪Ibid, p.‬‬


‫المطلقة هي وحدها التي يمكن أن تكون موضوعية‪» .‬وطالما يرى أنه ل توتجد طبقة أو‬ ‫فئة اتجتماعية بإمكانها أن تمةثل الحقيقة المطلقة‪ .‬فل يمكن بالتالي أن توتجد الحقيقة‬ ‫الموضوعية«)‪.(1‬‬ ‫إن مانهايم ل يحاول أن يدرس المحتوى الموضوعي لمختلف وتجهات النظر‪ ،‬إوانما‬ ‫يطرح فقط مقولة ترى أن هذا المحتوى مشوه إذا نظرنا إليه من وتجهة نظر الطرف‬ ‫المقابل‪ .‬إن مانهايم وصل بفكرة ماركس عن الساس التجتماعي للوعي إلى نسبية مطلقة‬ ‫تجعلته يختلف في نهاية المر في مقولته الساسية عن مقولت ماركس‪.‬‬

‫يضع مانهايم تناقضا بين العلم والنظرة الشاملة‪ ،‬بين موضوعية العلم ومصالح‬ ‫الطبقات‪ .‬وسيفضي بنا اتباع هذه النظرة إلى قصر مهمة العلم على متجرد وصف ما هو‬ ‫قائم فحسب‪ .‬إن هذا السلوب في طرح القضايا المعرفية هو في واقع المر امتداد عكسي‬ ‫للسلوب الذي كانت تطرح به القضية في الفلسفات التقليدية‪ .‬فقد كانت تلك الفلسفات‬ ‫تفهم »الحقيقة المطلقة« كمعرفة تامة كاملة ومحددة‪ .‬أي أنها كانت تعتبر أن المعرفة‬ ‫البشرية هدفها الوصول إلى حقيقة محددة نهائيا‪ ،‬وأن هذه المعرفة مطلقة تنتظر عبقرية‬ ‫تكشف سرها‪ .‬وتجاءت الفلسفات الل أدرية واتخذت موقفا عكسيا‪ .‬وذلك بدل من أن تتجد‬ ‫الصيغة الملئمة للعلقة بين المعرفة المطلقة والمعرفة النسبية‪ .‬ولهذا أنكرت وتجود‬ ‫الحقيقة المطلقة واعتبرتها لفظا ميتافيزيقيا‪ ،‬وحصرت نفسها في نطاق الحقائق النسبية‬ ‫التي تقدمها حقائق »الحياة اليومية« على حد تعبير تجون ديوي‪.‬‬

‫إن تلك التتجاهات تغفل أن المعرفة البشرية هي معرفة تاريخية تكتمل تدريتجيا أي‬ ‫أن الحقيقة المطلقة تتقدم تاريخيا بالقدر الذي تزداد به دقة انعكاس الواقع الموضوعي في‬ ‫وعي الناس‪ .‬ويؤكد تاريخ العلم أنه ل يوتجد شيء ل يقبل أن يكون موضوع معرفة‪ ،‬كما‬ ‫أن نسبية الحقيقة ليست مطلقة‪ .‬بل لبد من إدراك أن الناس وهم يعكسون الواقع الخارتجي‬ ‫إنما يعيشون في ظروف نسبية من حيث مدى التقدم العلمي والفني ومن حيث التكوينات‬ ‫الفكرية التي يتأةثرون بها‪ .‬وهذه الظروف النسبية هي الخرى هي التي تتجعل المعرفة‬ ‫العلمية تتسم بالطابع النسبي‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪50‬‬

‫)‪(1‬‬

‫‪.Ibid‬‬


‫إواذا انتقلنا إلى تصور الماركسية للعلقة بين النسبي والمطلق سنتجد أنه ينهض‬ ‫على أمرين‪ :‬الول تحديد معنى محدد للحقيقة المطلقة‪ .‬والثاني تحديد للعلقة بين‬ ‫الحقيقة المطلقة والحقيقة النسبية‪ .‬وبالنسبة للحقيقة المطلقة نتجد أن انتجلز يقول‪:‬‬ ‫» ليس هناك شيء نهائي‪ ،‬ول مطلق‪ ،‬ول مقدس بالنسبة للفلسفة التجدلية‪ .‬إنها‬ ‫تكشف عن الطابع النتقالي لكل شيء وفي أي شيء «‪.‬‬ ‫غير أن تأكيد المنهج الماركسي لفكرة النسبية ل يعني أنه يضع النسبي مقابل‬ ‫المطلق‪ .‬فإدراك النسبية ل يحدث بمعنى إنكار الحقيقة الموضوعية‪ ،‬إوانما بمعنى أن‬ ‫حدود اقتراب معرفتنا من هذه الحقيقة خاضعة لظروف تاريخية‪.‬‬

‫ويقرر لينين استنادا إلى مؤلف انتجلز » الرد على دوهرنج « أنه رغم المكانة التي‬ ‫تضعها الماركسية للنسبية فل يمكن أن تتجعل منها الساس في المعرفة‪ ،‬فذلك معناه‬ ‫إنكار لي مقياس موضوعي أو الواقع المستقل عن وعي النسان والذي تعتبر معرفتنا‬ ‫تقريبا له‪ .‬فإن اقتراب معرفتنا من الحقيقة الموضوعية المطلقة مشروط تاريخيا وتحكمه‬ ‫ظروف تاريخية‪ ،‬غير أن وتجود تلك الحقيقة غير خاضع لشرط)‪.(1‬‬

‫ويعني ذلك أنه ما دامت معرفتنا ليست إل تقريبات للواقع فهي تكون نسبية دوما‪.‬‬ ‫غير أنها بقدر ما تمةثل التقريب الفعلي للواقع الموضوعي الموتجود مستقل عن وعينا‪،‬‬ ‫تكون دوما مطلقة‪ ،‬فإن الصفة النسبية والمطلقة للحقيقة تشكل وحدة تجدلية غير قابلة‬ ‫للقسمة‪.‬‬

‫العلقة بين النظرية والتطبيق‪:‬‬

‫إن المعرفة ليست متجرد عملية حسية‪ .‬فالدراك الحسي يمدنا بالصورة الولية‬ ‫للظواهر‪ .‬أي يمدنا بالمادة الولية للمعرفة‪ .‬لكنه ل يصل إلى تزويدنا بفهم لمضمون‬ ‫الظاهرة‪ .‬فالمفهوم العلمي عن الواقع التجتماعي ل ينشأ ببساطة عن طريق عملية تتجريد‬ ‫مباشر تستمد من تصوراتنا التلقائية‪ .‬إوانما ينبغي أن تتخطى عملية المعرفة تلك‬ ‫التصورات والنطباعات الولية لكي نصل إلى المنطق الداخلي للحياة التجتماعية‪ .‬وكما‬ ‫سيتضح عند تناول مفهوم البنية التجتماعية فإن النموذج الذي يشيده العلم يتجب أن‬ ‫يعكس ما هو غير مرئي وراء الواقع الظاهر للعيان‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪51‬‬

‫)‪( 1‬‬

‫‪.137‬‬

‫‪V. Lenin, op. cit., pp. 136-‬‬


‫يعني ذلك أن المعرفة تتشكل من خطوتين‪ :‬الولى معرفة حسية‪ .‬والثانية عقلية‬ ‫تحاول الوصول إلى فهم الرتباطات الداخلية في الظاهرة وما هو مشترك بين الظواهر‪.‬‬ ‫ومن ةثم تنشأ المفهومات والمعاني العامة‪ .‬غير أن الواقع ذاته هو المحك الذي يختبر‬ ‫صحة تلك المفهومات النظرية‪ .‬ومن ةثم يظهر دور التطبيق أو الممارسة في عملية‬ ‫المعرفة‪ .‬فالممارسة هي معيار صدق النظرية‪ .‬ومن هنا توتجد علقة متبادلة التأةثير بين‬ ‫ما هو نظري وما هو عملي‪ .‬فالممارسة العملية تفضي إلى معرفة نظرية‪ .‬والمعرفة‬ ‫النظرية عندما تكتمل تؤةثر بدورها على الممارسة وتنقلها إلى مستوى تجديد‪ .‬فليست‬ ‫العلقة بين النظرية والتطبيق بمةثل تلك البساطة التي تضع النظرية في تجانب والعملي‬ ‫في تجانب آخر‪.‬‬

‫إن مةثل هذا الفصل يؤدي إلى إغفال النظرية مةثلما هو واضح في بعض‬ ‫التتجاهات في علم التجتماع‪ .‬ومن تجانب آخر يحرم النظرية من وسيلة اختبارها في‬ ‫التطبيق‪ » .‬فالحياة التجتماعية هي من ناحية التجوهر عملية‪ .‬وكل السرار التي تحرف‬ ‫النظرية نحو الصوفية تتجد حل عقليا لها في نشاط النسان العملي‪ ،‬وفي فهم هذا النشاط‬ ‫«)‪ .(1‬أي أن ربط النظرية بالممارسة هو ضمان حمايتها من التحريف والتصاقها بالوهام‪.‬‬ ‫غير أن بعض علماء التجتماع يعتقدون أن تقدم العلم والتخلص من التتجاهات الفلسفية‬ ‫الغائية ومن فلسفة التاريخ يعني إغفال التجانب النظري أو الفصل بين النظرية والتطبيق‪.‬‬ ‫ولكن هناك اتتجاهات أخرى في علم التجتماع أيضا ترى أنه يستحيل وضع مةثل هذه‬ ‫التفرقة بصورة مطلقة‪ ،‬ومن ةثم يستحيل تبرير الرأي القائل بضرورة التمييز بين الحقيقة‬ ‫الموضوعية التي نقر لها‪ ،‬عن طيب خاطر‪ ،‬بأنها حركية في أساسها وبين المعرفة التي‬ ‫يمكن بل يتجب أن تبقى نظرية خالصة لتلك الحقيقة‪ .‬فهذا الرأي يعني أن عالم التجتماع‬ ‫ينبغي أن يكون متجرد ملحظ للظواهر التجتماعية‪ .‬كما أن هذا التمييز يكمن خلفه عالم‬ ‫من الوهام)‪ .(2‬وذلك لن الموضوع الذي يتناوله علم التجتماع هو النشاط النساني‪ ،‬أي‬ ‫مظاهر الحياة التجتماعية بتجوانبها القتصادية والسياسية والفكرية‪ .‬ومن هنا ل يكون‬ ‫المرء مشاهدا فحسب بل مشاركا في ذلك النشاط‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫)‪( 1‬‬

‫‪.647‬‬

‫‪2‬‬

‫‪52‬‬

‫‪K. Marx, «Theses on Feurbach», in The German Ideology, p.‬‬

‫)‪ (2‬أرمان كوفيلييه‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ‪.101‬‬


‫فأول‪ :‬حسبما يرى لهي أحد علماء النفس الصناعي » فإن العلوم تنشأ عن‬ ‫ابتكارات يحققها النسان في الميدان العملي‪ ،‬ومن هذه الطرق العملية‪ ،‬وبفضل المناهج‬ ‫التي تسير أكةثر فأكةثر نحو الكمال‪ ،‬تتولد النظرية‪ ،‬ةثم عن طريق الحركة التجدلية يظهر‬ ‫العلم‪ ،‬فالعلم إذًا ليس هو النظرية الخالصة‪ ،‬ول متجرد التطبيق العملي‪ ،‬ولكنه مركب من‬ ‫العملي الموتجه بالنظرية ومن النظري الذي ل ينفك يزداد ةثراء بالعملي «)‪.(1‬‬ ‫وثانيا‪ :‬فإن المعرفة التي يعطينا إياها علم التجتماع عن التطور البشري‪ ،‬تؤةثر‬ ‫على الفكرة ذاتها التي يمكن أن نكونها عن العلم الوضعي‪ .‬فإن أية صورة من صور‬ ‫الفكر لبد أن تكون دائما نتاتجا تاريخيا لظروف اتجتماعية محددة‪.‬‬

‫وثالثا‪ :‬ليس »هناك أشد معارضة لعلم التجتماع في رأينا من ذلك الدعاء لعالم‬ ‫التجتماع الذي ينصب نفسه مشاهدا فحسب‪ ،‬ويتتجرد على هذا النحو مـن التاريخ بطريقة‬ ‫ما‪ .‬ذلك أن عالم التجتماع هو بالضرورة إنسان من عصر معين وبيئة معينة‪ ،‬ل يستطيع‬ ‫أن يعيش كآلهة أبيقور فيما بين العوالم‪ .‬وفضل عن ذلك إن تاريخ علم التجتماع ذاته‬ ‫يةثبت ذلك بصورة كافية‪ .‬حقيقة أن الماركسية وحدها هي التي أكدت في تجلء ذلك‬ ‫التضامن الوةثيق بين كل نظري وكل عملي‪ ،‬لدرتجة أنه خلل المناقشة التي حدةثت عام‬ ‫‪ ،1902‬في التجمعية الفرنسية للفلسفة‪ ،‬اعتقد تجورج سورل ‪ G. Sorel‬أنه يستطيع عن‬ ‫طريق هذا التضامن أن يعرف المادية التاريخية«)‪.(2‬‬ ‫يوضح ذلك أن هناك علقة وةثيقة بين النظرية والتطبيق كما تقول بذلك‬ ‫الماركسية‪ .‬كما أن ما يدفع كل من تجورج سوريل وأرمان كوفيلييه إلى العتقاد بذلك هو‬ ‫أن الماركسية تنظر إلى النظرية كمرشد للعمل‪ .‬ومن تجانب آخر تعتبر أن الممارسة‬ ‫العملية هي طريق اختبار النظرية‪.‬‬

‫إن إيتجاد العلقة السليمة بين النظرية والممارسة يمنع من الوقوع في خطأين‪:‬‬ ‫التجمود المذهبي الذي يبحث عن تدليلت عقلية تجوفاء غير مرتبطة بالواقع الفعلي للحياة‬ ‫التجتماعية‪ .‬وينبع هذا التجمود في حالة إغفال الممارسة‪ .‬أما في حالة إغفال النظرية‬ ‫فيفضي بنا المر إلى الوقوع في النزعة المبريقية التي ل ترى إل ما هو تحت أقدامها‪.‬‬ ‫وهي تلك النزعة التي تتغلف بكلمات مةثل »الموضوعية« و»الحياد«‪.‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪53‬‬

‫)‪ (1‬المرتجع السابق‪ ،‬ص ‪.102‬‬ ‫)‪ (2‬المرتجع السابق‪ ،‬ص ‪.103‬‬


‫ويرى الباحث أن »الموضوعية« و»الصدق العلمي« ل يعنيـان عدم السترشاد‬ ‫بأي نظرية‪ .‬بل يعنيان التمسك بالنظرية التي تتطابق مع العمليات الموضوعية للحياة‬ ‫التجتماعية‪ ،‬أي النظرية التي يتم اختبارها في الناحية العملية‪ ،‬أي في الممارسة‪.‬‬

‫قضية أحكام القيمة في علم الجتماع‪:‬‬

‫ترتبط هذه القضية بأعمال ماكس فيبر بشكل خاص‪ .‬وعن طريق فيبر انتشرت‬ ‫فكرة الدعوة للتخلص من أحكام القيمة في علم التجتماع‪ .‬وقد حاول ماكس فيبر أن يعالج‬ ‫المعرفة التجتماعية ووظائفها في سياق تاريخي اتجتماعي وفكري‪ .‬ويرى فيبر أن تلك‬ ‫المعرفة تعتمد على ظروف سياسية واتجتماعية ودينية واقتصادية وأخلقية والتي تشكل‬ ‫في متجموعها حضارة معينة »ومةثال ذلك تصوره الذي يرى أن السمة المميزة لوروبا‬ ‫الغربية تكمن في الطابع العقلني المبريقي والتطبيقي للمعرفة‪ .‬ومن ةثم نظر إلى‬ ‫مسارات التطور العلمي في هذا التتجاه‪ .‬وحاول فيبر أن يعزل العلم عن العناصر غير‬ ‫العقلنية – أنساق القيم‪ ،‬والنساق السياسية‪ ،‬والنظرة إلى العالم‪ .‬ومن ةثم ركز النتباه‬ ‫على العلقة بين المعرفة العلمية والقيم‪ .‬ومن هنا اعتبر أن المهمة الرئيسية للمعرفة‬ ‫العلمية هي خلق مبادئ منهتجية تستبعد تأةثير عناصر القيم في عملية البحث«)‪.(1‬‬ ‫يرى فيبر أن القيم التجتماعية ذاتها يمكن أن تكون موضوعا للبحث والتحليل‬ ‫العقلنيين‪ .‬أما العلم فليس بإمكانه أن يتخذ موقفا يستند إلى العقلنية في متجال أنساق‬ ‫القيم‪ .‬فعندما يتم تفضيل قيمة معينة‪ ،‬فإن المر يقوم‪ ،‬حسب رأي ماكس فيبر‪ ،‬على‬ ‫العتقاد والرغبة وليس على الحقائق والعقل‪ .‬إن عالم التجتماع عند ماكس فيبر ل يملك‬ ‫ما يقوله في متجال القيم والهداف التجتماعية حيث يرى أن ذلك من اختصاص‬ ‫السياسيين‪ .‬فهو يفصل تماما القيم وأحكام القيمة عن متجال المعرفة العلمية‪ .‬ويقول مةثل‪:‬‬ ‫»إن اتخاذ موقف سياسي وعملي هو شيء والقيام بتحليل علمي للبنيات السياسية‬ ‫ومواقف الحزاب هو شيء آخر تماما«)‪.(2‬‬ ‫لقد صاغ فيبر مبدأ التحرر من القيم ‪ .Value-free‬وفقا لهذا المبدأ ينبغي على‬ ‫عالم التجتماع‪ ،‬كباحث موضوعي‪ ،‬أن يتخذ موقفا محايدا تتجاه نسق القيم‪ .‬ذلك لن القيم‬ ‫‪1‬‬

‫)‪( 1‬‬ ‫‪.76‬‬

‫‪2‬‬

‫‪54‬‬

‫‪L. Moskvichov, op. cit., p.‬‬

‫)‪ (1‬ماكس فيبر‪ ،‬صنعة العلم‪ ،‬ترتجمة أسعد رزوق‪ ،‬الدار العلمية‪ ،1972 ،‬ص ‪.47‬‬


‫التجتماعية تنهض على عواطف وأمزتجة الفراد‪ ،‬وأن أحكام القيمة تخص السياسة‬ ‫والسياسيين ول ترتبط بمنهتجية العلوم المبريقية)‪.(1‬‬

‫ويفترض فيبر أن أسلم وسيلة لحماية البحث العلمي من تأةثير القيم هو دراسة‬ ‫الحياة التجتماعية بالستناد إلى النماذج المةثالية ‪ .Ideal Types‬وهو يعرف النموذج‬ ‫المةثالي كصرح تحليلي يتم بواسطته تنظيم الواقع المبريقي‪ .‬ويرى أن عملية تشكيل‬ ‫»النموذج المةثالي« تكشف تجوهر عملية التعميم والتنظير‪ .‬فالمفاهيم هي وسائل فكرية‬ ‫للتحويل الفكري لمعطيات إمبريقية‪.‬‬ ‫ويرى ماكس فيبر أن أيا »من التعميمات والمفاهيم أو النماذج المةثالية ليست سوى‬ ‫صورة للعالم الموضوعي أو انعكاسا لتجوانب تجوهرية معينة من هذا العالم‪ .‬إنها فقط‬ ‫يوتوبيا ل يمكن أن توتجد إمبريقيا في الواقع«)‪.(2‬‬ ‫يرى الباحث أن موقف ماكس فيبر في مشكلة القيم يحمل طابعا مزدوتجا‪ .‬ويتمةثل‬ ‫التجانب اليتجابي في هذه الزدواتجية في تحذيره من الخلط بين الوضاع الحقيقية الواقعية‬ ‫وبين الرغبات الذاتية تتجاه هذه الوضاع‪ .‬فكما يقول برنال فل »يمكن أن تشكل الحقائق‬ ‫بحيث تتفق وأهواءنا«)‪.(3‬‬ ‫لكن فيبر يقلص عملية التعميم إلى متجرد عملية نفسية وعاطفية ويخلص إلى عدم‬ ‫وتجود أهمية معرفية للقيم وأحكام القيمة‪ .‬وهذا يتناقض مع حقيقة واقعية وهي أن المعرفة‬ ‫الموضوعية إنما ترتبط بشروط اتجتماعية ‪ ..‬أي أن المعرفة ترتبط بسياق تاريخ معين تكلم‬ ‫عنه فيبر بنفسه‪ .‬ومن هنا فإن الخطأ المنهتجي في تصور ماكس فيبر بشأن مبدأ التحرر‬ ‫من القيم يفضي إلى أن الموقف الفكري ل يلتقي بالمعرفة الموضوعية للواقع التجتماعي‪.‬‬ ‫ويتسم موقفه بالشكلية البحتة التي ترى أن كافة اليديولوتجيات غريبة على الواقع‬ ‫التجتماعي‪ .‬كما يمكننا القول إن موقفه ينبع بالفعل من موقف قيمي معين تتجاه الحياة‬ ‫‪1‬‬

‫)‪( 2‬‬

‫‪2‬‬

‫)‪(3‬‬

‫‪.77‬‬

‫‪.p. 90‬‬

‫‪3‬‬

‫‪55‬‬

‫‪L. Moskvichov, op. cit., p.‬‬ ‫‪M. Weber, On the Methodology of the Social Science, Free Press, Glencoe, 1949,‬‬

‫)‪ (4‬برنال‪ ،‬رسالة العلم التجتماعية‪ ،‬ترتجمة إبراهيم حلمي عبد الرحمن‪ ،‬ومراتجعة محمود على فضلي‪،‬‬ ‫إدارة الترتجمة بو ازرة المعارف العمومية‪ ،‬القاهرة‪ ،1949 ،‬ص ‪.529‬‬


‫التجتماعية يتجعله ينظر إلى المفهومات »كيوتوبيا ل يمكن أن توتجد إمبريقيا في الواقع«‪.‬‬ ‫أي أن المعرفة ل تستطيع في واقع المر أن تعكس العالم الواقعي‪.‬‬

‫ينبغي أن نفرق بين أهمية عدم خلط الرغبات بالواقع وبين أهمية القيم في المتجال‬ ‫المعرفي‪ .‬ذلك أننا حسبما يقول هالدين عالم الوراةثة البريطاني »تجزء من التاريخ ول‬ ‫يمكننا أن نتتجنب ما يترتب على ذلك من التفكير بشكل متحيز«)‪ .(1‬والتحيز هنا بمعنى‬ ‫الرتباط بقيم معينة تتجاه واقع الحياة التجتماعية‪ ،‬بمعنى الكتراث بالعالم الذي نعيش فيه‬ ‫والذي تتناوله دراساتنا‪ .‬إن القيم وأحكام القيمة ل تمةثل أهمية للعلوم التجتماعية ومن بينها‬ ‫علم التجتماع فحسب‪ ،‬بل بدأت تظهر أهميتها في العلوم الطبيعية أيضا‪ .‬فالتقدم العلمي‬ ‫الذي يشهده العصر تنبني عليه آةثار اتجتماعية شديدة الرتباط والتأةثير في الواقع‬ ‫التجتماعي‪ .‬وعدم اللتزام بقيم معينة يؤدي إلى سوء استخدام تلك المنتجزات أو عدم‬ ‫الهتمام بتأةثيراتها التجتماعية التي قد تكون ضارة‪ .‬وأبلغ دليل على اهتمام العلوم‬ ‫الطبيعية بمشكلة القيم المخاوف التي عبر عنها نوربيرت فينر ‪ Norbert Wiener‬الذي‬ ‫وضع كلمة السبيرنيطيقا ‪ Cybernetics‬عنوانا للعلم التجديد الخاص بالعقول اللكترونية‬ ‫وأتجهزة التنظيم‪ .‬وهي مخاوف تحاول تتجنب عملية هبوط قيمة المخ البشري التي تترتب‬ ‫على الةثورة الصناعية المعاصرة‪ .‬وهي الةثورة التي نهضت على علم السبيرنطيقا الذي‬ ‫وضعه فينر نفسه‪.‬‬ ‫وكان ل يمكن أن يعلن الرأي الذي سنورده الن دون أن يتبنى قيما معينة فهو‬ ‫يقول‪ :‬لو اعتبرنا أن الةثورة الصناعية الةثانية قد تحققت نتجد أن الكائن النساني العادي لن‬ ‫يكون لديه شيء يبيعه يمكن أن يدفع فيه أي إنسان مبلغا من المال )أي أنه لن يتجد‬ ‫عمل(‪ .‬ولذلك يبحث فينر عن مخرج‪» :‬والحل هو بالطبع أن نقيم متجتمعا بحيث ل يقوم‬ ‫على قاعدة البيع والشراء بل على قيم بشرية أخرى‪ .‬ولبلوغ هذا المتجتمع نحتاج إلى قدر‬ ‫أوفر من التخطيط ويلزمنا تجهاد كبير هو‪ ،‬إذا صارت المور إلى أحسن ما تئول إليه‪،‬‬ ‫تجهاد في صعيد الفكار‪ ،‬إوال فمن يدري«)‪.(2‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪(1‬‬

‫‪.108‬‬

‫‪2‬‬

‫‪56‬‬

‫‪C. Waddington, The Scientific Attitude, Pelican Book, London, 1946, p.‬‬

‫)‪ (1‬نوربيرت فينر‪ ،‬السبرنتيكا‪ ،‬ترتجمة رمسيس شحاته واسحق إبراهيم حنا‪ ،‬الهيئة المصرية العامة‬ ‫للكتاب‪ ،‬القاهرة‪ ،1972 ،‬ص ‪.51‬‬


‫إن فينر يلتزم هنا بقيم معينة تنبع من شعوره بأن إنتجازاته »تنطوي على الخير‬ ‫والشر«‪ .‬وهو لم يتخذ موقفا حياديا ولم يعلن أنه رتجل علم يتناول الظواهر بغض النظر‬ ‫عن أي ظروف‪ ،‬أي لم يتخذ موقف عدم الكتراث‪ ،‬ولم يتذرع بحتجة أن العلم يقتضي‬ ‫التتجرد من القيم ويتناول ما يدرسه من ظواهر في معزل عن الحياة‪ ،‬بل على العكس من‬ ‫ذلك يعلن فينر في وضوح »إن الذين أسهموا في العلم التجديد السبرنتيكا يتجدون أنفسهم‬ ‫بهذا الشكل في وضع أدبي هو على أقل تقدير وضع ل تتوفر فيه الراحة التامة‪ .‬لقد‬ ‫أسهموا في بدايات علم تجديد يضم كما قلت تحسينات تكنية تنطوي على احتمالت‬ ‫عظيمة للخير والشر ول نملك إل أن نسلمها إلى العالم القائم من حولنا وهو عالم‬ ‫هيروشيما‪ .‬وليس لنا حتى الخيار في وأد هذه التحسينات إنها ملك للعصر‪ ...‬إن أفضل‬ ‫ما نستطيع أن نفعله هو أن نسعى إلى أن نتجعل تجمهو ار كبي ار يفهم التتجاه والنتائج التي‬ ‫يحملها في طياته العمل الراهن‪ ،‬وأن نقصر تجهودنا الشخصية على تلك المتجالت البعيدة‬ ‫عن الحرب والستغلل مةثل الفسيولوتجيا والسيكلوتجيا«)‪.(1‬‬

‫إن هذه الكلمات توضح بشكل ساطع أهمية القيم في المتجال العلمي‪ .‬وفي متجال‬ ‫مةثل علم التجتماع تصبح هذه المسألة قضية حياة يومية‪ ،‬ذلك أن علم التجتماع يتناول‬ ‫بشكل مباشر‪ ،‬الحياة التجتماعية ذاتها‪ .‬وفي واقع المر ل يوتجد علم اتجتماع يخلو من‬ ‫أحكام القيم‪ .‬وحسبما يرى تجونار ميردال فإن المصطلحات العلمية‪ ،‬في متجال العلوم‬ ‫التجتماعية‪ ،‬تتسم هي ذاتها بطابع قيمي‪ ،‬لن المتجتمع عبارة عن وتجود إنساني يسعى‬ ‫إلى أهداف معينة)‪ .(2‬ويؤكد ميردال »أنه ل يوتجد أي أسلوب لدراسة الواقع التجتماعي‬ ‫سوى تناوله من وتجهة نظر إنسانية‪ ،‬حيث لم يوتجد في يوم من اليام أي علم اتجتماع دون‬ ‫مصلحة كما ل يمكن أن يوتجد«‪.‬‬ ‫إن علم التجتماع شديد الرتباط‪ ،‬في واقع المر‪ ،‬بالتكوينات اليديولوتجية السائدة‬ ‫هنا وهناك‪ .‬كما أنه هو ذاته أحد أشكال الوعي بالحياة التجتماعية‪ .‬ومن هنا فإن عزله‬ ‫عن القيم وأحكام القيمة يعني في واقع المر فرض قيم معينة في متجاله‪ .‬والحل الصائب‬

‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪57‬‬

‫)‪ (2‬المرتجع السابق‪ ،‬ص ‪.52‬‬ ‫‪G. Myrdal, Value in Social Theory, Harper and Brothers, New York, 1958,‬‬ ‫) ‪(3‬‬ ‫‪.p. 45‬‬


‫هو إيتجاد العلقة الصائبة بين قضية عدم الخلط بين الرغبات الذاتية والواقع وبين اللتزام‬ ‫بموقف تتجاه الواقع الذي نتناوله بدراستنا‪.‬‬

‫‪58‬‬


‫الباب الثاني‬ ‫النظريات الجتماعية المعاصرة‬ ‫‪59‬‬


60


‫الفصل الثالث‬ ‫المادية التاريخية‬ ‫تمهيد‪:‬‬

‫ظلت أفكار ماركس ونظريته التجتماعية‪ ،‬لفترة طويلة‪ ،‬في عزلة‪ ،‬من الناحية‬ ‫الرسمية‪ ،‬عن العلوم التجتماعية في معظم تجامعات العالم‪ .‬واستمرت هذه العزلة بالرغم‬ ‫من أن النظرية التجتماعية كانت تتطور من الناحية الفعلية ارتباطا بماركس‪ ،‬إوان كان‬ ‫هذا الرتباط ل يتم بشكل مباشر‪ .‬فإن معظم التتجاهات المؤةثرة في علم التجتماع‬ ‫المعاصر‪ ،‬وفي شكله الكاديمي‪ ،‬قد تبلورت في صراع مع أفكار ماركس‪ .‬وينطبق هذا‬ ‫المر على اميل دوركايم ةثم ماكس فيبر وفالفريدو باريتو‪ .‬وعن طريق هؤلء امتد هذا‬ ‫الصراع إلى أبرز شخصيات علم التجتماع المريكي المعاصر‪ ،‬ونعني بذلك تالكوت‬ ‫بارسونز‪.‬‬

‫لذلك كان أسلوب التعرف على نظرية ماركس التجتماعية في المتجال الكاديمي ل‬ ‫يتم عادة بشكل مباشر إوانما من خلل الصراع مع هذا الفكر‪ .‬ومن هنا ظلت تلك النظرية‬ ‫غامضة في معظم تجوانبها إلى تجانب ما أضفاه عليها ذلك الصراع من معان غير‬ ‫صائبة‪.‬‬

‫‪61‬‬


‫غير أن عدم التعرف على نظرية ماركس التجتماعية ل يرتجع إلى ذلك المر‬ ‫وحده‪ .‬بل أن هناك أسبابا أخرى تتمةثل فيما يلي‪:‬‬

‫أول‪ :‬إن العمال الكاملة لماركس وانتجلز ظهرت على فترات متباعدة‪ .‬وفضل عن‬ ‫ذلك فإن بعض تلك العمال لم ينشر إل بعد كتابته بما يكاد يقرب من قرن كامل‪ .‬فكتاب‬ ‫»اليديولوتجية اللمانية« )‪ (1846 – 1845‬مةثل‪ ،‬لم ينشر إل في ةثلةثينات القرن‬ ‫العشرين‪ ،‬وذلك بالرغم مما يمةثله ذلك الكتاب من أهمية حيث أنه كتب‪ ،‬حسبما قال‬ ‫ماركس وانتجلز‪ ،‬بقصد تصفية الحسابات الفكرية مع هيتجل والتطهر من تأةثيره‪ .‬كما أن‬ ‫مخطوطات ماركس لعام ‪ 1858 – 1857‬لم تنشر إل في عام ‪ 1939‬باللغة اللمانية‪،‬‬ ‫ولم يتم ترتجمتها إلى النتجليزية والفرنسية إل في ستينات هذا القرن‪ ،‬وذلك بالرغم من أن‬ ‫ماركس وصف ذلك العمل بأنه »ةثمرة أبحاث خمسة عشر عاما هي أفضل سنوات‬ ‫حياتي«‪ ،‬وذلك في رسالته إلى لسال في ‪ 12‬نوفمبر ‪.1858‬‬ ‫وثانيا‪ :‬يعود السبب الةثاني إلى طبيعة النظرية الماركسية ذاتها‪ .‬فهي متعددة‬ ‫التجوانب‪ .‬ويصعب فهم أي تجانب منها إذا أخذ على حدة‪ .‬بل إن كتـاب »رأس المال«‬ ‫بمتجلداته الةثلةثة رغم ما يمةثله من أهمية بالنسبة للنظرية التجتماعية يصعب العتماد‬ ‫عليه وحده في استيعاب نظريات ماركس‪ .‬ودليل ذلك أن ماركس يحيل القارئ في إحدى‬ ‫المقدمات التي وضعها لرأس المال إلى عمل آخر نشره عام ‪ 1959‬وهو »مساهمة في‬ ‫نقد القتصاد السياسي« بوصفه يشمل أفكا ار له عن المادية التاريخية‪.‬‬ ‫وثالثا‪ :‬إن البعض قد يبحث عن منهج ماركس في عمل واحد من أعماله ولكن‬ ‫هذا المر قد يضلل الباحث‪ .‬كما أن هناك بعض المبادئ المنهتجية الهامة المعروضة في‬ ‫كتاب »رأس المال« ولكن معظمها تم طرحه بشكل غير مباشر‪ ،‬أي أن ماركس لم يضع‬ ‫صياغة مستقلة لبعض المبادئ المنهتجية التي استخدمها‪ .‬إوانما طبقها وهو يعالج ما‬ ‫تناوله من قضايا‪ ،‬وربما اكتفى بصياغاته لتجانب من تلك المبادئ في مخطوطاته لعام‬ ‫‪ .1858 – 1857‬ولذلك لم يسرد معظمها في »رأس المال« بشكل مباشر‪.‬‬ ‫رابعا‪ :‬يعود السبب الرابع الذي نراه وراء عدم توفر إمكانية التعرف الكامل على‬ ‫نظرية ماركس التجتماعية إلى ارتباط فكره بحركة سياسية‪ .‬ولذلك كانت النتقادات‬ ‫الموتجهة إلى فكره ترتبط وتتأةثر‪ ،‬في معظم الحيان‪ ،‬بمواقف سياسية مضادة‪ .‬وهنا تظهر‬ ‫أيضا مسئولية الماركسيين في عدم وضوح فكر ماركس‪ .‬فنتيتجة لظروف سياسية معينة‬ ‫‪62‬‬


‫كانوا يمتنعون عن مناقشة بعض القضايا النظرية التي يةثيرها خصومهم‪ .‬وهنا تظهر‬ ‫أهمية ملحظة تجرامشي المفكر اليطالي الذي يرى أن التجانب العلمي في الماركسية لم‬ ‫تتم متابعته وتطويره بالقدر الكافي)*(‪.‬‬ ‫غير أن هذه العزلة تضاءلت أخي ار إلى حد كبير‪ .‬وأبدى كةثير من علماء التجتماع‬ ‫في التجامعات الغربية اهتماما كبي ار بالنظرية التجتماعية عند ماركس‪ .‬وأصبح البعض‬ ‫يرى أن أعمال ماركس كانت تهدف إلى إنشاء علم اتجتماع صارم‪ .‬وأنها أقرب إلى علم‬ ‫التجتماع المعاصر من ذلك العلم الذي أراد كونت تأسيسه‪ .‬وفي هذا الصدد يقول‬ ‫بوتومور وربل‪:‬‬ ‫ولعل ما يبرر اتتجاه ماركس النتقادي تتجاه موضوع علم التجتماع كما فهمه‬ ‫أوتجست كونت أن علم المتجتمع عند ماركس يرتبط باهتمامات علم التجتماع المعاصر‬ ‫أكةثر من ارتباطه بتلك النظرية التي أطلقت عليه هذا السم)‪.(1‬‬ ‫وبعد هذه الملحظات التمهيدية علينا أن نحدد القضايا التي سوف يتناولها هذا‬ ‫الفصل‪ .‬وهي تتمةثل فيما يلي‪:‬‬ ‫أول‪ :‬العلقة بين المادية التاريخية وعلم التجتماع‪ .‬والهدف من ذلك توضيح ما إذا‬ ‫كانت المادية التاريخية بديل لعلم التجتماع أم أنها تجزء من مكوناته‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬تعريف المادية التاريخية‪.‬‬ ‫وتحت هذا العنوان سوف نتناول القضايا التالية‪:‬‬ ‫‪1‬ـ مفهوم التكوين التجتماعي القتصادي‪.‬‬ ‫‪2‬ـ نظرية مراحل تطور المتجتمعات‪.‬‬ ‫‪3‬ـ مفهوم الطبقة التجتماعية والصراع الطبقي وأهمية هذا المفهوم لعلم التجتماع‬ ‫وخاصة من الناحية المنهتجية‪.‬‬ ‫مفكرايطالي تناولت أعماله القضايا‬ ‫* )*( أنطونيو تجرامشي )‪Antonio Gramsci (1937 – 1891‬‬ ‫إ‬ ‫اليديولوتجية المرتبطة بعلم التجمال وعلم التجتماع وتاريخ الةثقافة‪.‬‬ ‫‪T. Bottomore and M. Rubel, (eds.), op. cit., p.‬‬ ‫‪( 1)1‬‬ ‫‪.45‬‬

‫‪63‬‬


‫‪4‬ـ التناقض التجدلي واختلف التجدل الماركسي عن التجدل الهيتجلي‪.‬‬

‫أول ـ العلقة بين المادية التاريخية وعلم الجتماع‪:‬‬ ‫تتناول الدراسات التجتماعية الظواهر والعمليات التي تظهر وتحدث في الحياة‬ ‫التجتماعية‪ .‬بيد أن هذه الموضوعات تتعرض لها علوم اتجتماعية عديدة مةثل القتصاد‬ ‫السياسي والتاريخ إلى تجانب علم التجتماع‪ .‬ومع ذلك فإن المادية التاريخية لها مادتها‬ ‫النوعية التي تدرسها ‪ .Specific Subject-matter‬إوان ما يميزها عن العلوم التجتماعية‬ ‫الخرى هو أن تلك العلوم تدرس متجالت منفصلة من الحياة التجتماعية‪ .‬على سبيل‬ ‫المةثال‪ :‬الدولة والقتصاد والحياة الةثقافية‪ ،‬وما إلى ذلك‪ .‬ولكن حياة المتجتمع في تكامل‬ ‫وترابط بين المظاهر المختلفة‪ .‬لذلك فإن تلك الدراسات ل تنفي الحاتجة إلى دراسة عامة‬ ‫للمتجتمع‪ ،‬دراسة للروابط والعلقات بين الوتجه المختلفة للحياة التجتماعية في استمرارها‬ ‫التاريخي‪ .‬وفي هذه النقطة بالتحديد تتميز المادية التاريخية عن العلوم التجتماعية‬ ‫الخرى‪ .‬فهي تتناول المتجتمع في متجموعه وتكشف عن قوانينه العامة‪ ،‬وعن عملية‬ ‫التفاعل والروابط المتبادلة بين الوتجه المختلفة للحياة التجتماعية‪.‬‬

‫وفي معرض توضيح أهمية المادية التاريخية في هذا الصدد يقول لينين‪» :‬إن علم‬ ‫التجتماع فيما قبل ماركس وكذلك التدوين التاريخي يقدمان – في أحسن الحوال‪ -‬تراكما‬ ‫من الحقائق الولية التي تجمعت بطريقة عشوائية‪ ،‬ووصفا لبعض تجوانب العمليات‬ ‫التاريخية‪ .‬ولقد أوضحت الماركسية بفضل دراستها لمتجموع التتجاهات المتعارضة‬ ‫إوارتجاعها – على وتجه الدقة‪ ،‬إلى ظروف الحياة والنتاج المحددة لطبقات المتجتمع‬ ‫المختلفة وتنحيتها النزعة الذاتية والعشوائية عند انتقائها للفكار الموتجهة المختلفة أو في‬ ‫تفسيرها وكشفها عن أن كل الفكار‪ ،‬كل الفكار المختلفة دون استةثناء‪ ،‬لها تجذورها في‬ ‫ظروف القوى المادية للنتاج‪ ،‬وأوضحت بفضل كل ذلك الطريق إلى دراسة شاملة‬ ‫تستوعب عملية نشأة التكوينات التجتماعية القتصادية وتطورها«)‪.(1‬‬

‫يشير هذا الرأي إلى ما تقدمه المادية التاريخية إلى علم التجتماع‪ .‬وهو يركز على‬ ‫أن المادية التاريخية تقدم أفكا ار تجديدة لعلم التجتماع والعلوم التاريخية عامة‪ .‬ولم يقل إنها‬ ‫علم التجتماع‪ .‬ومع ذلك تسود بين الكاديميين الماركسيين أفكار مختلفة حول القضية‪.‬‬ ‫‪(1 ) 1‬‬

‫‪V. Lenin, The Three Sources and The Three Components Parts of Marxism, Progress‬‬ ‫‪Publishers, Moscow, 1964, p. 28‬‬

‫‪64‬‬


‫فالبعض منهم يعتبر أن المادية التاريخية هي علم التجتماع ذاته‪ .‬وبالتالي ل حاتجة لذلك‬ ‫العلم الذي يحمل هذا السم‪ .‬ومنهم من يرى ضرورة التوفيق بين المادية التاريخية وعلم‬ ‫التجتماع‪ .‬والبعض الخر يرى أن المادية التاريخية تطرح نظرية ومنهتجا لعلم التجتماع‬ ‫وليست بديل له‪.‬‬

‫وقد لخص هذا الوضع اةثنان من الكاديميين السوفييت بقولهما‪» :‬تعتبر المادية‬ ‫التاريخية تجزءا تجوهريا ل ينفصل عن الفلسفة الماركسية‪ .‬كما تعتبر في نفس الوقت‬ ‫دراسة علمية للمتجتمع مما تعارفنا على تسميتها بعلم التجتماع‪ .‬ول يوتجد تناقض في أن‬ ‫تتضمن المادية التاريخية عناصر من كليهما‪ ،‬الفلسفة والعلم التجتماعي‪ .‬ومهما يكن من‬ ‫شيء فإن أدبيات الماركسية‪ ،‬وخاصة تلك التي نشرت حديةثا‪ ،‬تفصح عن آراء مختلفة‬ ‫حول علقة المادية التاريخية بالفلسفة وعلم التجتماع‪ .‬فقد ذهب بعض الدارسين إلى أن‬ ‫المادية التاريخية تجزء من علم التجتماع ووصلوا من ذلك إلى عدم تجواز اعتبارها تجزءا‬ ‫يندرج تحت الفلسفة الماركسية‪ .‬وعلى النقيض من ذلك يؤكد آخرون أن المادية التاريخية‬ ‫ركن من أركان الفلسفة الماركسية‪ .‬ويرفضون تناولها بوصفها فرعا من فروع علم‬ ‫التجتماع باعتبارها في أحسن الحوال أساسا منهتجيا ونظريا ذا طابع عام لعلم التجتماع‪.‬‬ ‫وهؤلء يؤكدون أن هناك احتياتجا إلى خلق علم تجديد أو إذا استدعى المر – علوم‬ ‫اتجتماع تجديدة إلى تجانب المادية التاريخية تتميز عنها وتعتمد عليها بشكل مباشر‪ .‬وةثمة‬ ‫آخرون يبحةثون عن حل توفيقي ملحين على ضرورة إبراز التفرقة بين التجانبين‪ ،‬بين‬ ‫التجانب الذي ينتمي إلى الفلسفة والذي ينتمي إلى علم التجتماع داخل المادية التاريخية‬ ‫ذاتها«)‪.(1‬‬ ‫غير أنهما بعد أن يستعرضا التتجاهات الموتجودة بين الماركسيين يحددان موقفهما‬ ‫بأن المادية التاريخية تحقق المتطلبات التي يستوتجبها علم التجتماع‪ ،‬إواذا كان هناك‬ ‫تجانب فلسفي في علم التجتماع فإن ذلك ل يرتجع إلى عوامل ذاتية إوانما يرتجع إلى‬ ‫الطبيعة الخاصة لمتجال الدراسة‪ ،‬حيث أن دراسة المتجتمع تحتاج حل معرفيا لبعض‬ ‫القضايا وهذا ما توفره المادية التاريخية)‪.(2‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪65‬‬

‫)‪ (1‬ف‪ .‬كونستانتينوف وف كليل‪ ،‬علم التجتماع الماركسي‪ ،‬ترتجمة سعد صموئيل‪ ،‬دار الطليعة‪،‬‬ ‫بيروت‪ ،‬الطبعة الولى‪ ،1970 ،‬ص ص ‪.11 - 10‬‬ ‫)‪ (2‬المرتجع السابق‪ ،‬ص ‪.13‬‬


‫وتشير هذه الكلمات إلى موقف واضح يرى أن المادية التاريخية تقدم لعلم‬ ‫التجتماع بعض السس الهامة‪ .‬ومعنى ذلك أن صاحبي ذلك الرأي ل يعتبران المادية‬ ‫التاريخية هي علم التجتماع‪.‬‬

‫ولكن إذا رتجعنا إلى القاموس الفلسفي الذي أعده اةثنان من الكاديميين السوفييت‬ ‫أيضا نتجده يقرر أن »المادية التاريخية هي علم اتجتماع علمي يشكل الساس النظري‬ ‫والمنهتجي للبحوث التجتماعية العينية ولكافة العلوم التجتماعية«)‪.(1‬‬

‫إن هذا الرأي يتجمع بين اتتجاهين ل يتسمان بالتساق‪ .‬فاعتبار أن المادية‬ ‫التاريخية تشكل أساسا نظريا هو اتتجاه نرى أنه يتفق مع ما يقصده الذين صاغوا المادية‬ ‫التاريخية ذاتها‪ ،‬أما القول بأنها هي ذاتها علم اتجتماع علمي فمسألة غير صائبة‪ .‬وهناك‬ ‫أكةثر من دليل على ذلك‪ .‬الول يمكن أن نراه في وصف انتجلز للفتراض الساسي‬ ‫للمادية التاريخية حينما يقول إن »الفتراض بأن عملية الحياة التجتماعية والسياسية‬ ‫والفكرية هي تجميعا مشروطة بنمط إنتاج الحياة المادية إوان كافة العلقات السياسية‬ ‫والتجتماعية والنساق القانونية وكل التصورات النظرية التي تنشأ في متجرى التاريخ ل‬ ‫يمكن فهمها إل في حالة فهم الظروف المادية للحياة خلل الفترة المعنية‪ ،‬إوان الولى‬ ‫تعود إلى هذه الظروف المادية‪ ،‬نقول إن هذا الفتراض إنما كان اكتشافا ةثوريا ليس لعلم‬ ‫القتصاد فحسب إوانما لكافة العلوم التاريخية – أي كافة فروع العلوم التي ليست علوما‬ ‫طبيعية إوانما تاريخية«)‪.(2‬‬ ‫إن انتجلز يضع هنا افتراضات المادية التاريخية في متجال أوسع من ميدان علم‬ ‫بعينه‪ ،‬وينظر إليها على أساس أنها مبادئ نظرية ومنهتجية للعلوم التجتماعية‪.‬‬

‫أما السبب الةثاني الذي نرى أنه يؤكد أن المادية التاريخية ليست هي علم التجتماع‬ ‫وليست بديل عنه إوانما تقدم أسسا نظرية ومنهتجية لعلم التجتماع‪ ،‬نقول إن المبرر لهذا‬ ‫الرأي نراه في الواقع العملي‪ .‬فبغض النظر عن تلك المناقشات التي أشرنا إليها فإننا نتجد‬ ‫أن هناك ما يسمى بالفعل علم التجتماع الماركسي في مواتجهة علم التجتماع الغربي‪.‬‬ ‫ودللة ذلك‪ ،‬بغض النظر عن الصفتين )ماركسي – وغربي(‪ ،‬أن المادية التاريخية ل‬ ‫‪(1)1‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪M. Rosenthal and P. Yudin, A Dictionary of Philosophy, Progress Publishers, Moscow,‬‬

‫)‪ (2‬نشر هذا التعليق ضمن ملحق كتاب‪:‬‬

‫‪.1976, p. 272‬‬

‫‪K. Marx, A Contribution to the Critique of Political Economy.‬‬

‫‪66‬‬


‫تلغي علم التجتماع‪ .‬ولكن تبلور في علم التجتماع المعاصر تصوران عن المتجتمع‬ ‫يختلفان في منطلقاتهما‪ ،‬بغض النظر عن اتفاقهما حول بعض القضايا‪ .‬وكل تصور له‬ ‫مقولته وبنيته المنطقية‪ .‬أحدهما علم التجتماع على النحو الذي يسود في الغرب‪ ،‬ويتسم‬ ‫أساسا بطابع إمبريقي‪ .‬ويسمى الخر علم التجتماع الماركسي الذي يستند في نظريته‬ ‫عن المتجتمع على المادية التاريخية‪.‬‬

‫وفضل عن ذلك فإن هناك دلئل تشير إلى أن علم التجتماع عامة قد تبني خلل‬ ‫تطوره بعض تجوانب الفكار المنهتجية التي طرحتها المادية التاريخية‪ ،‬وإن كان ذلك قد تم‬ ‫بشكل تتجزيئي‪ ،‬أي باقتطاع بعض التصورات وتغليفها في سياق آخر أحيانا أو‬ ‫استخدامها للخروج باستنتاتجات مغايرة في أحيان أخرى‪ .‬وفي بعض الحالت الخرى‬ ‫كانت هذه التصورات التي يستمدها علماء التجتماع والنةثروبولوتجيا من المادية التاريخية‬ ‫تضاف لتصبح من مكونات علم التجتماع في شكله التقليدي‪ .‬وكان ذلك يتم دون‬ ‫العلن عنه تارة أو يعلن عنه صراحة تارة أخرى‪ .‬وسوف تتضح هذه القضية عند تناولنا‬ ‫للسس المنهتجية في دراسة البنية التجتماعية في الفصل السادس‪.‬‬ ‫ويمكننا أن نقول في نهاية تناولنا لقضية العلقة بين علم التجتماع والمادية‬ ‫التاريخية إن ما تقدمه المادية التاريخية هو تصور نظري ومبادئ منهتجية تلئم علم‬ ‫التجتماع لكنها ل تلغيه وليست بديل عنه‪ ،‬إوان كنا نرى أن علم التجتماع ل يمكنه أن‬ ‫يستغنى عن هذه النظرية وتلك المبادئ‪.‬‬

‫تعريف المادية التاريخية‪:‬‬

‫تعرضت المادية التاريخية لتفسيرات عديدة‪ .‬ويمكننا أن نشير إلى بعض التفسيرات‬ ‫التي انطلقت من اتتجاهين متعارضين لكنهما يبعدان عن الصواب‪.‬‬ ‫الول‪ :‬يرى أنها نظرة فلسفية تأملية وأنها تقوم على التجدل الهيتجلي أو ما يسمى‬ ‫بالةثلةثية الهيتجلية‪ .‬وهذا الموضوع سوف نتناوله من خلل العرض التفصيلي لمفهوم‬ ‫المادية التاريخية ومكوناتها‪ ،‬ومن خلل تحديد الختلفات بين التناقض التجدلي عند‬ ‫ماركس والتناقض التجدلي عند هيتجل‪.‬‬

‫والثاني‪ :‬وهو الذي يرى أن المادية التاريخية ل ترتبط بنظرة مادية‪ .‬وسوف نتناول‬ ‫هذا باختصار الن‪ .‬فتجوزيف شومبيتر‪ ،‬على سبيل المةثال‪ ،‬يقول إننا »نستطيع أن ندافع‬

‫‪67‬‬


‫عن ماركس من ناحية أخرى أسئ فهمه فيها‪ .‬فلقد أطلق كةثي ار على تفسيره القتصادي‬ ‫للتاريخ اسم التفسير المادي للتاريخ‪ .‬ولقد أطلق ماركس نفسه هذا السم عليه أحيانا‪ .‬ول‬ ‫ريب أن هذه التسمية لنظريته قد أكسبتها كةثيرين من النصار‪ ،‬ولكنها أكسبتها أيضا‬ ‫الكةثيرين من العداء‪ .‬ولكنني ل أرى أي معنى فيها‪ .‬فلم تكن فلسفة ماركس أكةثر مادية‬ ‫من فلسفة هيتجل‪ .‬ولم تكن نظريته عن التاريخ أكةثر مادية من أي محاولة أخرى للبحث‬ ‫في العملية التاريخية بالوسائل التي يوفرها العلم الختباري أو التتجريبي«)‪.(1‬‬ ‫إن شومبيتر يصر على تسمية نظرية ماركس بالتفسير القتصادي للتاريخ بالرغم‬ ‫من أنه يقول أن ماركس أطلق على نظريته التفسير المادي وليس القتصادي‪ .‬والحق أن‬ ‫ماركس لم يقل مطلقا أنه مادي اقتصادي‪ .‬وكتابات انتجلز وخاصة »لودفيج فيورباخ‬ ‫ونهاية الفلسفة الكلسيكية اللمانية« و»الرد على دوهرنج« ترفض هذه التهمة وتلح على‬ ‫التمسك بالمصطلحات التي قال بها ماركس وعدم الخلط بينها وبين مصطلحات ومعان‬ ‫أخرى‪ .‬والحق أن شومبيتر يمتجد ماركس بالرغم من محاولة رفض ماديته‪ .‬فهو يقول »ول‬ ‫ريب أن الةثمرة التـي وصلت إليها محاولته في صياغة هذا المنطق والمسماة بالتفسير‬ ‫القتصـادي للتاريـخ كانت من أعظم منتجزات علم التجتماع الفردية حتى يومنا هذا‪ .‬وأمام‬ ‫هذه العظمة تتضاءل أهمية السؤال عما إذا كان هذا النتجاز أصل مبتك ار من تجانبه كل‬ ‫البتكار – أو أن بعض الفضل فيه الذي لم يحدد مداه يعود إلى أسلفه من ألمان‬ ‫وفرنسيين«)‪.(2‬‬ ‫إن شومبيتر يختلف اختلفا كبي ار في تقييمه لماركس عن تلك التتجاهات القائلة‬ ‫بأن ما قدمه ماركس حتمية اقتصادية‪ .‬فشومبيتر رغم إص ارره على تسمية نظرية ماركس‬ ‫بالتفسير القتصادي ل يقول بأن ماركس يغفل العناصر الخرى‪ ،‬ويؤكد أن ماركس لم‬ ‫يقل قط أن الديانات والغيبيات والمذاهب الفنية والفكار الخلقية والدارات السياسية‪،‬‬ ‫كلها إما عناصر ل أهمية لها‪ ،‬أو خاضعة للدوافع القتصادية)‪.(3‬‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪68‬‬

‫)‪ (1‬تجوزيف شومبيتر‪ ،‬الرأسمالية والشتراكية والديمقراطية‪ ،‬التجزء الول‪ ،‬تعريب وتعليق خيري حماد‪،‬‬ ‫الدار القومية للطباعة والنشر‪ ،‬القاهرة‪ ،1964 ،‬ص ‪.35‬‬ ‫)‪ (2‬المرتجع السابق‪ ،‬ص ‪.33‬‬ ‫)‪ (1‬المرتجع السابق‪ ،‬ص ‪.34‬‬


‫لكننا بالرغم من ذلك نرى أهمية في التأكيد على أن نظرية ماركس التجتماعية‬ ‫ترتبط بماديته‪ .‬وفضل عن ذلك ينبغي التنويه أيضا أن النظرية الفلسفية لماركس تختلف‬ ‫تجذريا عن نظرة هيتجل الفلسفية المةثالية وليست المادية‪.‬‬

‫وفي متجال الراء التي ترى أن نظرية ماركس التجتماعية ل ترتبط بنظرة مادية‬ ‫يبرز أيضا التتجاه الذي يعبر عنه بوتومور وربل بقولهما‪:‬‬

‫»يسمى منهج ماركس عادة بالمادية التاريخية‪ ،‬وهذا فيه خداع إلى الحد الذي‬ ‫ينسب لماركس مقصدا فلسفيا لم يكن لديه‪ .‬فإن ماركس لم يكن مهتما ل بالمشكلة‬ ‫النطولوتجية للعلقة بين الفكر والوتجود ول بقضايا نظرية المعرفة‪ .‬فإن فلسفة تأملية من‬ ‫هذا النوع كانت هي التي رفضها ماركس ليضع العلم مكان الميتافيزيقا في متجال تجديد‬ ‫للمعرفة«)‪.(1‬‬

‫إن بوتومور وربل يدفعان عن ماركس هنا تهمة طالما لحقته‪ .‬وهما محقان في‬ ‫تأكيدهما أن ماركس رفض الفلسفة التأملية ذلك أن منطلقاته كانت سسيولوتجية‪ .‬لكن هذه‬ ‫المنطلقات السسيولوتجية ذاتها توصلت إلى نتائج ليست مقصورة على علم التجتماع‬ ‫وحده‪ ،‬إوانما أةثرت على مقولت فلسفية معينة وعلى نظرية المعرفة‪ .‬ففي الوقت الذي كان‬ ‫ماركس يسعى فيه إلى حل قضايا سسيولوتجية وتجد حلول لقضايا معرفية مغايرة لتلك التي‬ ‫كانت سائدة في الفلسفة‪ .‬وذلك هو المعنى الذي يؤكده هربرت ماركيوز بقوله أن مقولت‬ ‫ماركس الفلسفية هي في الساس مقولت اتجتماعية واقتصادية‪.‬‬ ‫ولهذا فإن تسمية نظرية ماركس بالمادية التاريخية ليست تسمية زائفة‪ .‬والحق أن‬ ‫ماركس لم يطرح هذه التسمية حسبما يقول بوتومور‪ .‬ولكنه ق أر مخطوطات كتاب »الرد‬ ‫على دوهرنج« لنتجلز قبل أن ينشر‪ .‬وفي ذلك الكتاب يحدد انتجلز اكتشافات ماركس‬ ‫الرئيسية في قضيتين‪:‬‬ ‫الولى‪» :‬المفهوم المادي للتاريخ«‪.‬‬ ‫الثانية‪» :‬نظرية فائض القيمة«‪.‬‬

‫ومن هنا فإن قول بوتومور وربل بأن ماركس رفض الميتافيزيقا ليضع العلم في‬ ‫مكانة تجديدة ل ينفي أن ماركس طرح صياغة لنظرية مادية في المعرفة‪ .‬فافتراضاته‬ ‫النابعة من أوضاع واقعية‪ ،‬والتي تناولها بمنطلقات اتجتماعية لم تصطدم لديه بنظرة مةثالية‬ ‫‪1‬‬

‫)‪( 2‬‬ ‫‪p. 36‬‬

‫‪69‬‬

‫‪T. Bottomore and M. Rubel, (eds.), op. cit.,‬‬


‫قد تمنع المرء من قبول فكرة أن الحياة المادية هي أساس الوعي التجتماعي‪ .‬وبكلمات‬ ‫أخرى فإن نظرته المادية لم تقف عقبة أمام قبول تلك الفتراضات التجديدة‪.‬‬ ‫لهذا نؤكد أن المادية التاريخية ترتبط بصلة ما بالتصور المادي‪ .‬غير أن فكرة‬ ‫عزلها عن هذا التصور المادي ليست تجديدة إوانما تعود إلى آواخر القرن التاسع عشر‬ ‫حيث عبر عن هذا التتجاه برنشتاين بقوله إن المفهوم المادي للتاريخ ل يرتبط بالفلسفة‬ ‫المادية‪ ،‬وعن طريق برنشتاين انتشرت هذه الفكرة)‪.(1‬‬

‫إن المادية التاريخية تدرك الوتجود التجتماعي مستقل عن الوعي التجتماعي‪ .‬ومن‬ ‫هنا تأتي صلتها بالنظرة المادية‪ .‬وبكلمات أخرى فإن المادية التاريخية هي امتداد للنظرة‬ ‫المادية تتجاه العالم ككل إلى ميدان الحياة التجتماعية‪ .‬ويعني هذا التصور الذي طرح‬ ‫حل لقضية الفكر التجتماعي التي شغلت العلماء والمفكرين طويل أن المادية التاريخية‬ ‫لها مضمونها ومقولتها الخاصة النابعة من الحياة التجتماعية المتميزة عن المقولت‬ ‫الفلسفية‪ .‬واستنادا إلى ذلك الفهم يطرح تجلزرمان عالم التجتماع السوفييتي التعريف‬ ‫التالي‪:‬‬

‫إن المادية التاريخية هي النظرة العامة للعملية التاريخية تم استخلصها من‬ ‫دراسة التكوينات الجتماعية القتصادية‪ .‬وهي في نفس الوقت منهج ل كـتساب المعرفة‬ ‫بالظواهر الجتماعية‪.‬‬

‫يشير هذا التعريف إلى أن المادية التاريخية هي في الساس منهج لدراسة الحياة‬ ‫التجتماعية ونظرة عامة تتجاه المتجتمع‪ ،‬وأنها لم تستمد من نسق فلسفي تأملي‪ ،‬إوانما‬ ‫تجاءت نتيتجة لدراسة واقعية لتكوين اتجتماعي اقتصادي معين‪ ،‬هو التكوين التجتماعي‬ ‫الرأسمالي بالذات‪ .‬وعلى أساس هذه الدراسة تم استخلص قوانين للتطور تحكم التكوينات‬ ‫التجتماعية وعملية تحولها‪.‬‬

‫طريقة طرح ماركس لفرضياته‪:‬‬

‫وقبل أن نتناول مكونات المادية التاريخية ومقولتها سنتعرض للكيفية التي طرح‬ ‫بها ماركس فرضياته‪ ،‬والتي استمر لفترة طويلة يعالج فيها هذه الفروض معالتجة نظرية‬ ‫ومنهتجية‪ .‬وقد استمرت هذه الفترة منذ عام ‪ 1844‬حتى عام ‪ ،1859‬أي طوال الخمسة‬ ‫‪1‬‬

‫‪70‬‬

‫)‪ ( 1‬انظر‪:‬‬ ‫‪.p. 8‬‬

‫‪G. Glezerman, op. cit.,‬‬


‫عشر عاما التي قال عنها ماركس أنها أفضل سنوات حياته‪ .‬وقد بدأ عمله الفكري في هذا‬ ‫المتجال بعملية انتقاد لهيتجل استمرت فترة من الزمن شاركه فيها فردريك انتجلز‪ .‬وكانت‬ ‫نقطة البداية في ابتعادهما عن أنصار هيتجل تتمةثل فيما نشراه في »الحوليات اللمانية‬ ‫الفرنسية لعام ‪.«1844‬‬

‫وقد اشتمل هذا المتجلد على مؤلفي ماركس »مساهمة في نقد فلسفة الحق لهيتجل«‬ ‫و»حول المسألة اليهودية«‪ .‬ومؤلفي انتجلز »الوضع في انتجلترا« و»مختصر لنقد‬ ‫القتصاد السياسي« الذي كتبه قبل أن يلتقي بماركس‪ .‬وفي انتقاد ماركس لفلسفة الحق‬ ‫عند هيتجل أعلن أن التحول التجتماعي ل يمكن تفسيره بوعي الناس إوانما بتحليل‬ ‫العلقات التجتماعية‪ .‬ةثم أعلن في المخطوطات القتصادية – الفلسفية )‪ (1844‬أن‬ ‫العمل‪ ،‬أي النتاج المادي‪ ،‬لعب دو ار حاسما في ظهور وتطور البشرية‪ .‬غير أن العمل‬ ‫في نفس الوقت الذي طور فيه النسان قام باستعباده‪ .‬لكن الصطلحات التي استخدمت‬ ‫في هذا المؤلف كانت تبين تأةثره بفيورباخ‪.‬‬ ‫أما الصياغة والتحول الكامل في أفكار ماركس وانتجلز فيظهران بشكل تجزئي في‬ ‫»العائلة المقدسة« ‪ The Holy Family‬وبشكل متكامل في »اليديولوتجية اللمانية« )‬ ‫‪ .The German Ideology (1846 – 1845‬ويمةثل كتاب اليديولوتجية اللمانية –‬ ‫حسب كلمات ماركس في مقدمة كتابه مساهمة في نقد القتصاد السياسي )‪– (1859‬‬ ‫استقرار فكرهما‪ ،‬وصياغة للمفهوم المادي للتاريخ الذي استم ار يعمقانه في بقية المؤلفات‪.‬‬ ‫وقد حمل »البيان الشيوعي« عام ‪ 1848‬بعض أفكار هذه المقدمة‪ ،‬فضل عن‬ ‫الصياغات التي قدمها من قبل في »بؤس الفلسفة« عام ‪ .1847‬غير أنه تبين أخي ار أن‬ ‫تجانبا هاما من تلك المعالتجة النظرية والمنهتجية لفتراضاته قد تجاء في مخطوطات‬ ‫‪ 1858 – 1857‬التي أشرنا إليها من قبل‪ ،‬والتي يرى البعض أنها تمةثل السس النظرية‬ ‫التي تجعلت ماركس يطرح تلك الصياغة المركزة التي تجاءت في مقدمة ‪ ،1859‬أي أن‬ ‫هذه المقدمة تختزل العمل النظري الذي أنتجزه في مخطوطات ‪ 1858 – 1857‬إلى عدد‬ ‫قليل من الفرضيات‪.‬‬

‫كانت نقطة البدء عند ماركس هي البحث عن العلقة الولية التي تميز المتجتمع‬ ‫النساني‪ .‬أي تلك العلقة التي تلتقي فيها كل الظواهر المتباينة في الحياة‪ .‬فإن المتجتمع‬ ‫وكل شيء يتعلق بتاريخه هو نتاج تجمع غفير من الفراد رتجال ونساء‪ ،‬وتصرفات الفراد‬ ‫‪71‬‬


‫متغايرة إلى أقصى حد‪ ،‬ولكن مهما كان التباين فإنهم يعملون شيئا واحدا مشتركا هو‬ ‫النتاج التجتماعي‪ .‬ومن هنا فإن ماركس اعتبر العمل النتاتجي هو العلقة الولية بين‬ ‫الطبيعة والنسان‪ .‬وهذه السمة النوعية التي تميز الحياة التجتماعية هي التي تجعلته‬ ‫يرفض فكرة تفسير الحياة التجتماعية سواء باستخدام »الفيزيقا التجتماعية« أو‬ ‫»الفسيولوتجيا التجتماعية« كما أوضحنا من قبل‪ .‬ولذلك قال بأن تفسير الحياة والتطور‬ ‫يتجب البحث عنه في الساس المادي النتاتجي للحياة التجتماعية‪ ،‬وأن تطور التكوينات‬ ‫القتصادية التجتماعية عملية من عمليات التاريخ الطبيعي‪ .‬وقد قام ماركس بعزل‬ ‫المتجال القتصادي عن المتجالت الخرى للحياة التجتماعية‪ ،‬أي عزل علقات النتاج‬ ‫من بين كل العلقات التجتماعية واعتبرها العلقة الولية والساسية التي تتحدد وفقا لها‬ ‫العلقات الخرى‪.‬‬ ‫وفي مقدمة كتاب »مساهمة في نقد القتصاد السياسي« يشرح ماركس كيف كان‬ ‫يفكر حول هذه القضية وما توصل إليه‪ .‬وهذا الشرح يمةثل المبادئ التجوهرية للمادية عند‬ ‫تطبيقها على المتجتمع النساني‪.‬‬

‫»إن العمل الول الذي قمت به لتبديد الشكوك التي كانت تراودني هو العرض‬ ‫النتقادي لفلسفة الحق لهيتجل ‪ ...‬وأدى بحةثي هذا إلى أن العلقات القانونية والشكال‬ ‫السياسية ل يمكن فهمها من ذاتها ول مما يسمى بالتطور العام للعقل البشري‪ ،‬إوانما على‬ ‫الصح لها تجذورها في الظروف المادية للحياة ‪ ...‬والنتيتجة العامة التي توصلت إليها ‪...‬‬ ‫يمكن صياغتها باختصار كما يلي‪ :‬يدخل الناس خلل قيامهم بعملية النتاج التجتماعي‬ ‫في علقات محددة ل يمكن الستغناء عنها ومستقلة عن إرادتهم‪ .‬وعلقات النتاج‬ ‫‪ Relations of Production‬هذه تتوافق مع المرحلة المحددة لتطور القوى المادية للنتاج‬ ‫‪ .Material Productive Forces‬ويشكل المتجموع الكلي لعلقات النتاج هذه البنية‬ ‫القتصادية للمتجتمع ‪ ،Economic Structure of Society‬وهو الساس الحقيقي الذي تقوم‬ ‫عليه البنية الفوقية السياسية والقانونية والتي تتوافق معها أشكال محددة للوعي‬ ‫التجتماعي‪ .‬إن أسلوب ‪ Mode‬إنتاج الحياة المادية هو الذي يحدد عمليات الحياة‬ ‫التجتماعية والسياسية والفكرية بشكل عام‪ .‬فليس وعي الناس هو الذي يحدد وتجودهم‬ ‫إوانما على العكس من ذلك فإن وتجودهم التجتماعي هو الذي يحدد وعيهم‪ .‬وفي مرحلة‬ ‫معينة من مراحل تطور قوى النتاج المادية في المتجتمع تتصادم هذه القوى مع علقات‬ ‫‪72‬‬


‫النتاج القائمة ومع علقات الملكية التي كانت تمارس نشاطها من قبل في إطارها‪.‬‬ ‫وعلقات الملكية هذه ليست سوى التعبير القانوني عن علقات النتاج‪ .‬وخلل تطور‬ ‫قوى النتاج تتحول علقات الملكية إلى قيود تحد من عملية التطور‪ .‬وعندئذ تبدأ فترة من‬ ‫الةثورة التجتماعية‪ .‬ومع تغير الساس القتصادي تتغير أيضا كل البنية الفوقية‬ ‫‪ Superstructure‬الهائلة ومع تفاوت في سرعة هذا التغير‪ .‬وعندما ننظر إلى هذا التحول‬ ‫يتجب أن نميز بين تحول الظروف القتصادية للنتاج التي يمكن أن تتحدد بنفس دقة‬ ‫العلوم الطبيعية وبين الشكال القانونية والسياسية والدينية والفلسفية والفنية‪ ،‬أو باختصار‬ ‫الشكال اليديولوتجية التي تنبه الناس إلى هذا التصادم فيقاومونه‪ .‬وكما أن فكرتنا عن‬ ‫الفرد ل تبنى على أساس ما يعتقده هو عن نفسه فل يمكننا أن نحكم على مةثل فترة‬ ‫التحول هذه على أساس ما يسود فيها من وعي‪ ،‬بل على العكس من ذلك فإن هذا الوعي‬ ‫يتجب أن يتم تفسيره من خلل تناقضات الحياة المادية‪ ،‬وعن طريق الصراع القائم بين‬ ‫القوى التجتماعية للنتاج وعلقات النتاج‪ .‬ول يزول أي نظام اتجتماعي ‪Social Order‬‬ ‫أبدا قبل أن تنمو كافة القوى النتاتجية التي تتجد متجال للنمو فيه‪ ،‬ول تظهر علقات إنتاج‬ ‫أعلى مرتبة عن سابقتها قبل أن تنضج في داخل المتجتمع القديم الحوال المادية اللزمة‬ ‫لوتجود هذه العلقات ‪ ...‬وهكذا فإننا نستطيع أن نحدد في خطوط عريضة أساليب النتاج‬ ‫السيوية والقديمة والقطاعية والبرتجوازية الحديةثة كمراحل متقدمة في التكوين القتصادي‬ ‫للمتجتمع«)‪.(1‬‬

‫يشتمل هذا النص الهام الشديد التركيز على العناصر والمكونات التي تندرج تحت‬ ‫مفهوم المادية التاريخية‪:‬‬ ‫فأول‪ :‬يشير إلى مفهوم التكوين التجتماعي ببنيته التحتية ‪ Infrastructure‬والتي‬ ‫يسميها أحيانا البنية القتصادية أو بنية الساس ‪ ،The Base‬وذلك إلى‬ ‫تجانب البنية الفوقية‪.‬‬ ‫وثانيا‪ :‬نظرية المراحل المتعاقبة من أنماط المتجتمعات‪.‬‬

‫وثالثا‪ :‬التناقضات داخل السلوب النتاتجي والمتمةثلة في عدم توافق القوى‬ ‫النتاتجية مع علقات النتاج‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪73‬‬

‫)‪( 1‬‬

‫‪.20-21‬‬

‫‪K. Marx, A Contribution to the Critique of Political Economy, pp.‬‬


‫رابعا‪ :‬أما الصراع الطبقي فلم تتم الشارة إليه بشكل مباشر في هذا النص‪.‬‬

‫وعندما يتحدث عن الصراع يقول إن ذلك يكمن في عدم توافق القوى النتاتجية مع‬ ‫علقات النتاج‪ .‬وعلى سبيل المةثال فإن »العلقات البرتجوازية للنتاج هي آخر شكل‬ ‫يتسم بطابع التعادي في العملية التجتماعية للنتاج – وليس التعادي هنا بمعنى تعاد بين‬ ‫أفراد‪ ،‬إوانما هو تعادي ينشأ عن الظروف التجتماعية لحياة أولئك الفراد‪ .‬وفي نفس‬ ‫الوقت الذي تتطور فيه القوى النتاتجية داخل المتجتمع البرتجوازي فإن ذلك يخلق الظروف‬ ‫المادية لحل ذلك التعادي«‪.‬‬

‫لكن ماركس يشير بعد ذلك بسطور إلى العمال الخرى التي تحمل تجوانب مكملة‬ ‫لوتجهة نظره‪ .‬ومن تلك العمال التي أشار إليها »اليديولوتجية اللمانية« و»بؤس‬ ‫الفلسفة« )‪ (1847‬و»البيان الشيوعي« )‪ .(1848‬وتوتجد في تلك المؤلفات بالفعل‬ ‫خاصة »البيان« معالتجة لموضوع الطبقات والصراع الطبقي‪.‬‬

‫إن تلك القضايا العامة للمادية التاريخية‪ ،‬ينظر إليها لينين‪ ،‬على سبيل المةثال‪،‬‬ ‫على أنها أحد الفروض التي قام ماركس بتحقيقها فيما بعد‪ .‬ففي مؤلفه »من هم أصدقاء‬ ‫الشعب« الذي يناقش فيه أفكار بعض علماء التجتماع في روسيا نتجد لينين يقول »إن‬ ‫فكرة المادية هذه في علم التجتماع كانت في حد ذاتها ضربا من العبقرية‪ .‬وبالطبع كانت‬ ‫لبعض الوقت متجرد فرض‪ ،‬لكنه فرض خلق إمكانية معالتجة علمية ودقيقة للقضايا‬ ‫التاريخية والتجتماعية«)‪.(1‬‬ ‫ةثم يعرض لينين بعد ذلك عدة أسباب لتأييد هذا الرأي‪:‬‬

‫أول‪ :‬كان علماء التجتماع قبل ذلك ل يهتمون بمعرفة ما هي العلقات الولية‪.‬‬ ‫ومع ذلك نراهم يقومون ببحث ودراسة الشكال السياسية والقانونية معتمدين على أنها‬ ‫نشأت عن أفكار بشرية معينة‪ .‬ومةثال ذلك‪ ،‬المفهوم الذي عبر عنه كتاب »العقد‬ ‫التجتماعي«‪ .‬فالحقيقة إنه لم يحدث أن أدرك أعضاء المتجتمع العلقات التجتماعية التي‬ ‫يعيشونها كشيء محدد متكامل‪ ،‬بل إنهم يكيفون أنفسهم مع هذه العلقات‪ .‬كما أن‬ ‫مفهومهم عنها – باعتبارها علقات اتجتماعية تاريخية ومؤقتة ليس سوى مفهوم بسيط‬ ‫غير متكامل‪ .‬وقد أزالت المادية هذا الغموض والتناقض بالمضي في تحليل أعمق حول‬ ‫‪1‬‬

‫‪74‬‬

‫)‪(1‬‬

‫‪.139‬‬

‫‪V. Lenin, Collected Works, vol 1, Progress Publishers, Moscow, 1962, p.‬‬


‫أصل أفكار النسان التجتماعية ذاتها‪ .‬وذلك على أساس أن سمة واتتجاه نشاط النسان‬ ‫تحدده ظروف الحياة المادية‪ .‬ولكن مع اعتبار أن هذه الظروف يغيرها الناس بأنفسهم‪.‬‬ ‫فهم يملكون وعيا إوارادة‪ ،‬أي مع اعتبار للسمة النوعية للحياة التجتماعية في اختلفها عن‬ ‫الطبيعة‪» .‬فكل منتج على حدة يدرك بالطبع أنه يدخل هذا التعديل أو ذاك في تكنيك‬ ‫النتاج‪ .‬وكل مالك يدرك بالطبع أنه يبادل منتتجاته بمنتتجات أخرى‪ ،‬ولكن هؤلء المنتتجين‬ ‫والملك ل يدركون أنهم بهذا يغيرون الوتجود التجتماعي‪ .‬إن سبعين شخصا من أمةثال‬ ‫ماركس ل يستطيعون أن يستوعبوا كل هذه التغييرات في تجميع فروع القتصاد العالمي‪،‬‬ ‫والمر التجوهري هو أنه قد تم اكتشاف قوانين هذه التغييرات‪ ،‬وأن المنطق الموضوعي‬ ‫لهذه التغييرات أو تطورها التاريخي قد تم تبينه ‪ ...‬فحقيقة أنك تعيش وتقوم بأعمالك‬ ‫وتنتجب أطفالك وتنتج وتبادل‪ ،‬تؤدي إلى نشأة سلسلة من الحداث‪ ،‬سلسلة من التطورات‬ ‫الضرورية موضوعيا والمستقلة عن وعيك التجتماعي‪ ،‬والتي لم يدركها الوعي بشكل‬ ‫كامل مطلقا‪ ،‬إوان الواتجب السمي للنسانية هو أن ندرك هذا المنطق الموضوعي للتطور‬ ‫القتصادي‪ ،‬لتطور الحياة التجتماعية – بقسماته العامة والساسية«)‪.(1‬‬ ‫وثانيا‪ :‬إن هذا الفرض كان أول شيء يصل »بعلم التجتماع إلى مستوى‬ ‫العلم«)‪ .(2‬ويشير هذا القول إلى أن علماء التجتماع كانوا غير قادرين على أن يميزوا بين‬ ‫ما هو هام وغير هام في الشبكة المعقدة للظواهر التجتماعية‪ .‬ومن ةثم كانوا غير قادرين‬ ‫على إيتجاد معيار موضوعي لعلمية التمييز‪ .‬وقد قدم ماركس المعيار المطلوب عن‬ ‫طريق عزل علقات النتاج على أنها تمةثل هيكل المتجتمع‪ .‬إوان تحليل هذه العلقات‬ ‫يتجعل من الممكن أن نلحظ التكرار والنتظام في الظواهر التجتماعية‪ ،‬وأن نقوم بتعميم‬ ‫أنظمة البلدان المختلفة في مفهوم أساسي هو التكوين التجتماعي ‪.Social-Formation‬‬ ‫وكل تكوين اتجتماعي يميزه نوع معين من علقات النتاج‪ ،‬إل أن ذلك ل يعني أن هذا‬ ‫التكوين ل يمةثل إل الساس القتصادي‪ .‬إنه يتضمن أيضا البنية الفوقية بكل مظاهرها‪.‬‬

‫كيف حقق ماركس الفتراض الذي توصل إليه؟‬

‫‪1‬‬

‫) ‪(1‬‬

‫‪2‬‬

‫)‪( 2‬‬

‫‪75‬‬

‫‪V. Lenin, Collected Works, Vol. 14, p.‬‬

‫‪.325‬‬ ‫‪.140‬‬

‫‪V. Lenin, Collected Works, Vol. 1,p.‬‬


‫بعد أن وضع ماركس صياغته لهذا الفرض في أربعينات القرن التاسع عشر‬ ‫مضى يدرس المعطيات الواقعية لحد التكوينات القتصادية التجتماعية‪ ،‬أي التكوين‬ ‫الرأسمالي‪ ،‬وظهرت هذه الدراسة في شكل المؤلف الضخم »رأس المال«‪ .‬فأةثناء تحليل‬ ‫ماركس للمتجتمع الرأسمالي من زاوية علقات النتاج قام بدراسة البنية الفوقية المتطابقة‬ ‫مع هذه العلقات فأظهر التكوين التجتماعي الذي يدرسه بكل تجوانبه ومظاهره‬ ‫التجتماعية والتناقضات الطبقية الكامنة في علقات النتاج‪ .‬وقد أسس ماركس هذه‬ ‫النتائج باستخدام متجموعة ضخمة من الحقائق والبيانات الواقعية التي تجعلته قاد ار على‬ ‫وضع تعميماته‪ .‬وفي هذا الصدد نتجد لينين يعقد مقارنة بين داروين وماركس ويقول‪:‬‬

‫»كما أن داروين وضع حدا للمفهوم الذي يرى أن أنواع الحيوان والنبات ل يرتبط‬ ‫بعضها ببعض وأنها عرضية ول تتغير‪ ،‬وكما أنه كان بذلك أول من وضع علم الحياة‬ ‫على أساس علمي بشكل كامل حين أةثبت تغير النواع وتسلسلها‪ ،‬كذلك نتجد أن ماركس‬ ‫وضع هو الخر حدا للمفهوم الذي كان يرى أن المتجتمع تتجمع آلي من أفراد يتعرض لكل‬ ‫أنواع التبدل وفقا لهواء السلطات )أو وفقا لهواء المتجتمع والحكومة( وأن ذلك المتجتمع‬ ‫يولد ويتغير وفقا للصدفة‪ .‬وكان ماركس بذلك أول من وضع أساسا علميا لعلم التجتماع‬ ‫حين أقام مفهوم التكوين القتصادي للمتجتمع على أنه متجموعة من علقات النتاج‪،‬‬ ‫وحين قرر أن تطور تلك التكوينات عملية تاريخية طبيعية ‪ ...‬والن ومنذ ظهور كتاب‬ ‫رأس المال لم يعد المفهوم المادي للتاريخ متجرد فرض إوانما قضية تم برهنتها علميا«)‪.(1‬‬ ‫إن البعض قد يختلف مع النتائج التي توصل إليها ماركس‪ ،‬ولكن سيبتعد عن‬ ‫الصواب من يقول أن المنطق الذي استخدمه ماركس »ليس منطقا منهتجيا يتخذ نقطة‬ ‫البداية من الظواهر«‪ .‬والغريب أن لينين يدفع عن ماركس اتهاما يوتجه إليه من الزاوية‬ ‫المقابلة تماما‪ .‬فأةثناء مناقشة لينين لكتابات ميخالوفسكي عن »ماركس« و»رأس المال«‬ ‫يقول‪» :‬فإن تبدأ بالسؤال عما هو المتجتمع وما هو التقدم يعني أن تبدأ من النهاية‪ .‬فمن‬ ‫أين ستحصل على مفهوم عن المتجتمع وعن التقدم عموما إذا لم تكن قد درست تشكيل‬ ‫اتجتماعيا واحدا على وتجه الخصوص‪ ،‬إواذا لم تكن قاد ار أيضا على إقامة هذا المفهوم‪ ،‬إذا‬ ‫لم تكن قاد ار أيضا على القيام بمعالتجة موضوعية تجادة‪ ،‬أي تحليل موضوعي للعلقات‬

‫‪1‬‬

‫‪76‬‬

‫)‪( 1‬‬

‫‪.142‬‬

‫‪Ibid, p.‬‬


‫التجتماعية من أي نوع كانت؟ إن هذه علمة واضحة على الميتافيزيقية التي تبدأ مع كل‬ ‫علم‪ .‬وما دام الناس ل يعرفون كيف يشرعون في دراسة الحقائق فإنهم يخترعون عادة‬ ‫نظريات عامة مسبقة‪ ،‬وعادة ما تكون هذه النظريات عقيمة«)‪.(1‬‬

‫إن لينين يقرر بذلك أن الخطوة التجبارة التي قام بها ماركس تكمن بالتحديد في أنه‬ ‫استبعد المتجادلت حول المتجتمع وحول التقدم وأنتجز تحليل عمليا لمتجتمع معين‪» .‬غير‬ ‫أن ميخالوفسكي يلوم ماركس لنه بدأ البداية الصحيحة ولم يبدأ من النهاية‪ ،‬ولنه بدأ‬ ‫بتحليل الحقائق وليس بالستنتاتجات النهائية‪ ،‬بدأ بدراسة علقات اتجتماعية معينة تحددت‬ ‫تاريخيا‪ ،‬ولم يبدأ بنظريات عامة عن مكونات هذه العلقات التجتماعية«)‪.(2‬‬

‫إن الطريقة التي قام بها ماركس بتحقيق الفرض الذي وضعه هي التي تجعلت‬ ‫تجلزرمان يقول في تعريفه للمادية التاريخية أنها قد استخلصت من دراسة التكوينات‬ ‫التجتماعية‪ .‬ونعتقد أن هذا القول لم ينسب إلى ماركس شيئا لم يكن يقصده‪ .‬فقد حدد‬ ‫بنفسه الهدف من كتاب رأس المال في مقدمة الكتاب بقوله‪» :‬إن الهدف الساسي لهذا‬ ‫العمل هو كشف القانون القتصادي لتطور المتجتمع الحديث«‪ .‬والقيمة الساسية هنا هي‬ ‫قيمة منهتجية‪ .‬والشيء الهام في هذا المنهج هو المعالتجة الموضوعية للقانون الذي يحكم‬ ‫الظواهر موضع البحث إواظهار قانون التغير‪ ،‬أي تطور الظواهر وتحولها من شكل إلى‬ ‫آخر‪ .‬إوان المنهج الذي استخدمه في ذلك هو الذي أوضح قصور المناهج التي استخدمها‬ ‫السابقون عليه‪ .‬ومن هنا فهو يرفض فكرة أن قوانين الحياة القتصادية تعتبر واحدة‬ ‫بالنسبة للماضي والحاضر‪ .‬إوان ما كتبه ماركس في مقدمة »مساهمة في نقد القتصاد‬ ‫السياسي« يؤكد ذلك‪ .‬فكل نسق من علقات النتاج يعتبر بنية اتجتماعية لها صفات‬ ‫نوعية إلى تجانب تلك السمات المشتركة بين كافة التكوينات‪ .‬وتطبيق منهج ماركس ليس‬ ‫سوى معيار يرى أنه المعيار الموضوعي الذي يمكن أن نفهم به ما هو أساسي في الشبكة‬ ‫المعقدة للحياة التجتماعية‪ .‬ومن هنا تظهر أهمية أن يمتد هذا المنهج إلى دراسة‬ ‫التكوينات التجتماعية الخرى‪ .‬فالنظرية المادية ل تدعى تفسير كل شيء إوانما تشير‬ ‫فقط إلى المنهج العلمي في متجال دراسة المتجتمع‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪( 2‬‬

‫‪2‬‬

‫)‪(3‬‬

‫‪77‬‬

‫‪.144‬‬ ‫‪.Ibid‬‬

‫‪Ibid, p.‬‬


‫إن طرح القضايا التجتماعية بأسلوب تجديد هو الذي تجعل من الممكن أن ينتقل‬ ‫علماء التجتماع من متجرد وصف الظواهر التجتماعية وتطورها من وتجهة نظر مةثالية أو‬ ‫من متجرد تجمع المواد الخام إلى التحليل العلمي الدقيق‪ ،‬الذي يعزل‪ ،‬ونقول على سبيل‬ ‫المةثال‪ ،‬ما يميز بلدا رأسماليا عن آخر ويبحث ما هو عام أو مشترك بينهما‪ .‬فكل تطور‬ ‫هو مزيج بين ما هو فريد ول يقبل التكرار وبين ما هو عام مشترك وقابل للتكرار‪ ،‬أي‬ ‫اتحاد ما بين الفردي والعام‪ .‬فتجميع المتجتمعات القطاعية‪ ،‬على سبيل المةثال‪ ،‬تحكمها‬ ‫قوانين أساسية مشتركة‪ ،‬ولكن كل بلد على حدة له ما يميزه ويؤةثر أيضا على ما هو عام‪.‬‬ ‫ومن هنا فإن هذا المفهوم يقر بوتجود قوانين عامة وقوانين نوعية في كل التكوينات‪.‬‬

‫إن مفهوم التكوين التجتماعي يتعارض مع تلك الدراسات وأساليب البحث المنتشرة‬ ‫عند بعض علماء التجتماع المعاصرين الذين ل ينظرون إلى المتجتمع ككيان في‬ ‫متجموعه‪ ،‬بل يمضون في بحث تجوانب الحياة في معزل عن بعضهـا‪ .‬كما أن هذا الفرض‬ ‫خلق إمكانية وتجود »علم اتجتماعي علمي«‪ .‬فإن اختزال العلقات التجتماعية إلى‬ ‫علقات النتاج واختزال الخيرة إلى مستوى القوى النتاتجية قد قدم أساسا راسخا لمفهوم‬ ‫أن تطور المتجتمع عملية تاريخية طبيعية‪ .‬وبدون تلك النظرية ل يمكن أن يوتجد علم‬ ‫اتجتماعي‪ .‬فمةثل على الرغم من أن الذاتيين يعترفون بأن الظواهر التاريخية تمتةثل إلى‬ ‫قانون‪ ،‬فإنهم غير قادرين على اعتبار تطور تلك الظواهر كعملية تاريخية طبيعية‪ ،‬ذلك‬ ‫لنهم على وتجه التحديد يرتبكون أمام الفكار التجتماعية للنسان وأهدافه وغير قادرين‬ ‫على إرتجاعها إلى العلقات التجتماعية المادية‪.‬‬

‫عناصر التكوين الجتماعي القتصادي‪:‬‬

‫بعد أن حدد ماركس أن أسلوب النتاج هو الذي يرتجع إليه تحديد تجميع الظواهر‬ ‫التجتماعية الخرى‪ ،‬وأن علقات النتاج التجتماعي تتشكل منها البنية القتصادية‬ ‫للمتجتمع وأن هذه البنية تنشأ معها بنية فوقية متوافقة معها بما فيها من أشكال سياسية‬ ‫وقانونية وأشكال من الوعي التجتماعي‪ ،‬بعد أن حدد ذلك طرح مفهوم التكوين التجتماعي‬ ‫القتصادي الذي يتجمع في داخله بنية الساس )البنية القتصادية( والبنية الفوقية‪ .‬أي أن‬ ‫مفهوم التكوين التجتماعي مدخل لدراسة النسق التجتماعي بكافة مظاهره‪ .‬كما يرى‬ ‫ماركس أيضا أن تاريخ المتجتمعات هو عبارة عن تكوينات اتجتماعية متعاقبة‪.‬‬ ‫‪78‬‬


‫وقبل تحديد عناصر كل تكوين اتجتماعي معين علينا أن نشير إلى التفرقة بين‬ ‫مفهومين‪ :‬مفهوم أسلوب النتاج ومفهوم التكوين التجتماعي‪ .‬ذلك أن هناك نوعا من‬ ‫التشابك بينهما قد يؤدي إلى الخلط الذي ينبع من أن كل تكوين اتجتماعي هو تعبير عن‬ ‫أسلوب إنتاتجي محدد‪.‬‬

‫إن مفهوم أسلوب ال نـتاج يبرز ما هو أساسي وعام في عدد من المتجتمعات‬ ‫البشرية القائمة‪ .‬وهو ل يرتبط ول يتطابق مع أي متجتمع من المتجتمعات‪ .‬فتحليل ماركس‬ ‫لسلوب النتاج الرأسمالي ل يرتبط بوصف متجتمع معين أو محدد‪ .‬ول يرتبط بالمتجتمع‬ ‫النتجليزي الذي استمد منه أمةثلة لدراسته عن أسلوب النتاج الرأسمالي‪ .‬وحينما كان‬ ‫ماركس يلتجأ إلى شواهد في متجتمعات بعينها إنما كان ذلك لقامة البراهين على صحة‬ ‫النموذج المتجرد الذي قام باستخلصه‪ ،‬أي نموذج أسلوب النتاج‪ .‬وتعبير أسلوب النتاج‬ ‫هو تتجريد علمي‪ ،‬أي عملية استخلص وتكةثيف تجوانب رئيسية في النتاج التجتماعي‪.‬‬ ‫وهي تجوانب ل تظهر في حيز الوتجود في شكل نقي وصاف‪.‬‬

‫أما مفهوم التكوين الجتماعي القتصادي فيرتبط بالتاريخ الواقعي‪ ،‬بمتجتمعات‬ ‫معينة ويمكن القول إنه حالة واقعية لنموذج أسلوب النتاج‪ .‬حالة تتضمن خصائص‬ ‫اتجتماعية واقتصادية وفكرية ترتبط بهذا التكوين المحدد أو ذاك‪ .‬إن كل أسلوب إنتاتجي‬ ‫هو الذي يعين نوعية بنية الساس‪ .‬وهي البنية التي ينهض عليها التجانب المكمل للتكوين‬ ‫التجتماعي أي البنية الفوقية‪ .‬فإن الناس‪ ،‬حسب تصور ماركس‪ ،‬إذ ينتتجون الخيرات‬ ‫المادية إنما ينتتجون بالتالي ويعيدون إنتاج أسلوب حياتهم‪ .‬فإن نوعية كل تكوين‬ ‫اتجتماعي تتعين بأسلوب إنتاج الحياة التجتماعية الملزم لها‪.‬‬

‫عناصر بنية الساس‪:‬‬

‫تتشكل البنية التحتية من عنصرين‪ ،‬أو بالحرى بنيتين أخريين‪ :‬القوى النتاتجية‬ ‫وعلقات النتاج التجتماعية المتوافقة معها‪ .‬وسوف نتناول مكونات كل عنصر على‬ ‫حدة ةثم نتعرض للعلقة بين العنصرين‪ ،‬أي بين قوى النتاج وعلقات النتاج‪.‬‬

‫أ ـ القوى ال نـتاجية‪ :‬وتتشكل من العاملين وما يستحوذون من خبرة في العمل‬ ‫بالضافة إلى وسائل النتاج التي تتشكل بدورها من مادة العمل ‪ +‬وسائل العمل‪ .‬فبدون‬ ‫هذه العناصر ل يتحقق العمل ول تنشأ علقات اتجتماعية‪ .‬ولكل عنصر من تلك‬

‫‪79‬‬


‫العناصر تأةثير مختلف‪ .‬فمادة العمل هي المادة الخام‪ ،‬وتتمةثل في كل ما يتعرض في‬ ‫عملية النتاج لهذا التعديل أو ذاك‪ ،‬لهذه التغيرات أو تلك‪ ،‬ليتحول إلى ناتج ضروري‬ ‫للنسان بواسطة وسائل العمل‪ ،‬فهي متجموعة متنوعة تشمل النشاءات بما فيها من قوى‬ ‫محركة ومبان ووسائل نقل وما إلى ذلك‪ .‬غير أن ماركس يضع أهمية لدوات النتاج)‪،(1‬‬ ‫أي أدوات العمل بين مكونات وسائل العمل هذه‪ .‬فأدوات العمل هي مقياس الحكم على‬ ‫مستوى قوى النتاج‪ ،‬كما أن لها تاريخا خاصا بها‪ .‬وهي التي تحدد مدى تأةثير النسان‬ ‫في الطبيعة‪ .‬وحسب كلمات ماركس فإن »الدوات التي تصنع بها المنتتجات والسلوب‬ ‫الذي تتم به صناعتها هي التي تمكننا من التمييز بين المراحل القتصادية المختلفة‬ ‫وليست تلك المنتتجات ذاتها‪ .‬فأدوات العمل ل تبين لنا مستوى درتجة التطور التي بلغها‬ ‫العمل البشري فحسب‪ ،‬إوانما هي أيضا مؤشرات للظروف التجتماعية التي يتجرى في‬ ‫ظلها العمل«)‪.(2‬‬

‫ويعتبر ماركس أن القوى النتاتجية هي العنصر الحاسم في أسلوب النتاج‪ .‬فمن‬ ‫تجانب هي أكةثر العناصر حركة وتغيرا‪ ،‬كما تتولد عنها علقة ملكية وسائل النتاج‪.‬‬ ‫ويمكن تلخيص تلك المكونات في المعادلت المبسطة التالية‪:‬‬ ‫مادة العمل ‪+‬‬

‫وسائل النتاج‬

‫وسائل العمل‬ ‫‪+‬‬

‫= وسائل النتاج‬

‫المنتتجين‬

‫= القوى النتاتجية‬

‫ب ـ علقات ال نـتاج‪:‬‬

‫تتشكل في كل متجتمع عيني‪ ،‬أي ملموس‪ ،‬علقات اتجتماعية للنتاج تتضمن‬ ‫علقات الناس في العملية المباشرة للنتاج علوة على مختلف أشكال التقسيم التجتماعي‬ ‫للعمل والتبادل التجتماعي للنشاط‪ ،‬كما تتضمن شكل معينا لتوزيع الخيرات بين الناس‪.‬‬ ‫وتتحدد تلك العلقات التجتماعية في متجموعها وفقا لعلقات الناس بوسائل النتاج‪.‬‬ ‫فلكي نحدد نوعية علقات النتاج التجتماعية لبد أن نعرف من الذي يمتلك وسائل‬ ‫النتاج )مادة العمل ‪ +‬وسائل العمل(‪ .‬فعلقات النتاج التجتماعية هي علقات الملكية‬

‫‪1‬‬

‫)‪( 1‬‬

‫‪2‬‬

‫)‪( 1‬‬

‫‪80‬‬

‫‪K. Marx, Capital, Vol. 1, p.‬‬

‫‪.174‬‬ ‫‪.176‬‬

‫‪Ibid, pp. 175-‬‬


‫أول وقبل كل شيء‪ .‬ويعني ذلك أن تنوع هذه العلقات هو انعكاس لشكل للملكية محدد‬ ‫تاريخيا‪ .‬فإذا كانت وسائل النتاج في يد المتجتمع بأسره فإن أعضاء هذا المتجتمع‬ ‫يصبحون متساوين في علقاتهم بوسائل النتاج‪ .‬أما إذا كانت وسائل النتاج ملكا لفئة‬ ‫معينة في المتجتمع فحسب‪ ،‬فإن الملكية ينبةثق عنها علقات السيطرة‪.‬‬

‫العلقات بين قوى ال نـتاج وعلقات ال نـتاج‪:‬‬

‫إن تركيب القوى النتاتجية تنشأ عنه علقة النتاج أي العلقة بملكية وسائل‬ ‫النتاج‪ .‬وهي علقة تؤةثر في ترتيب الناس داخل إطار العلقات التجتماعية‪ .‬ومن ةثم‬ ‫فإن علقة الملكية‪ ،‬علقة المنتتجين بوسائل النتاج وبملكيتها‪ ،‬هي العامل الحاسم في‬ ‫الشكل الذي تتخذه العلقات التجتماعية النتاتجية‪ .‬إوان تاريخ القوى النتاتجية وعلقات‬ ‫النتاج في كافة البلدان يوضح أن هناك سمة أساسية مشتركة بينها تجميعا‪ .‬وتتمةثل هذه‬ ‫السمة في أن مستوى معينا من القوى النتاتجية يتطلب مستوى يتفق معه من علقات‬ ‫النتاج‪ .‬وعندما ينظر إليهما معا يكشفان عن الطريقة التي تنتج بها الشعوب وسائل‬ ‫معيشتها في مرحلة معينة من التاريخ‪.‬‬

‫إواذا كانت القوى النتاتجية هي العنصر الحاسم في أسلوب النتاج فإن ذلك يرتجع‬ ‫إلى أنها أكةثر العناصر حركة وتغيرا‪ .‬ويرتجع ذلك إلى أن الناس في عملية النتاج‬ ‫يكتسبون معرفة وخبرة باطراد‪ ،‬ويساعدهم ذلك في تحسين أدوات النتاج‪ ،‬وبذلك تواصل‬ ‫قوى النتاج تطورها‪ .‬ويختلف المر بالنسبة للعلقات التجتماعية‪ .‬فأشكال الملكية ل‬ ‫تتغير كل يوم‪ ،‬وهي مستقرة نسبيا‪ ،‬كما أن تغيرها خاضع للتغير في تركيب القوى‬ ‫النتاتجية ذاتها‪ .‬ولكن ينبغي ملحظة أن علقة النتاج تكون في مراحل معينة دافعا‬ ‫لتطور القوى النتاتجية‪ ،‬ومةثال ذلك ما حدث في المراحل الولى للنظام الرأسمالي‪ ،‬حيث‬ ‫تمكن من تطوير القوى النتاتجية بدرتجة لم يسبق لها مةثيل من قبل‪.‬‬

‫لكن عندما تتطور القوى النتاتجية لدرتجة معينة تزول حالة التتجانس بينها وبين‬ ‫علقات النتاج‪ .‬فيبدأ صدام بينهما لن علقات النتاج تعوق تطور القوى النتاتجية‪،‬‬ ‫وينتهي ذلك بأن تحل علقات إنتاتجية تجديدة تتوافق مع القوى النتاتجية التي نمت‬ ‫وتطورت‪ .‬وعلى سبيل المةثال‪» ،‬فإن وسائل النتاج والتبادل التي قامت البرتجوازية على‬ ‫أساسها‪ ،‬بزغت داخل المتجتمع القطاعي‪ ،‬وحينما بلغت مرحلة معينة من التطور لم تعد‬ ‫الظروف التي كان المتجتمع القطاعي ينتج ويتبادل في ظلها‪ ،‬لم يعد التنظيم القطاعي‬ ‫‪81‬‬


‫للزراعة وصناعة الورش‪ ،‬وفي كلمة واحدة لم يعد النظام القطاعي للملكية يتفق مع القوى‬ ‫النتاتجية التي تطورت بالفعل بل تحول إلى قيود تعرقلها‪ .‬وأصبح من الواتجب تحطيم هذه‬ ‫القيود‪ .‬وقد تحطمت بالفعل‪ .‬وظهرت مكانها المنافسة الحرة ونظام اتجتماعي وسياسي‬ ‫يتوافق معها وكذلك السيطرة القتصادية والسياسية لطبقة البرتجوازية«)‪.(1‬‬

‫البنية الفوقية‪:‬‬

‫تتشكل هذه البنية من الشكال السياسية والقانونية وأشكال الوعي التجتماعي أو‬ ‫اليديولوتجية‪ .‬وتتضمن اليديولوتجية متجمل الفكار السياسية والفلسفية والمذاهب‬ ‫الخلقية والتصورات والنظريات التجمالية السائدة‪ .‬ولكن ينبغي ملحظة أنه يوتجد إلى‬ ‫تجانب هذه الشكال التي لها السيادة في كل تكوين اتجتماعي أفكار وأشكال وعي أخرى‬ ‫تعكس أيضا مواقع الفئات المضطهدة في المتجتمعات الطبقية وتعمل اليديولوتجية السائدة‬ ‫على كبتها والحد من تأةثيرها‪ .‬ومعنى ذلك أن البنية الفوقية ليست بنية عزلء خامدة بل‬ ‫يدور داخلها صراع يؤةثر أيضا على بنية الساس‪ .‬فبينما تعمل الشكال اليديولوتجية‬ ‫التي لها السيادة على تدعيم بنية الساس‪ ،‬فإن أشكال الوعي الخرى المرتبطة بالطبقات‬ ‫المقهورة تعمل هي الخرى في اتتجاه مضاد‪ .‬ومحصلة هذا الصراع تؤةثر بدورها على بنية‬ ‫الساس ذاتها‪.‬‬ ‫كما ينبغي الشارة إلى أن عملية التطور التي تحدث في بنية الساس ل تتجرى‬ ‫بشكل ميكانيكي‪ .‬ونتجد أن كلمات ماركس في مقدمة »مساهمة في نقد القتصاد‬ ‫السياسي« تؤكد هذا المعنى‪ .‬فإذا كان التغير في القوى النتاتجية يحدث بطريقة يمكن‬ ‫ملحظتها بوضوح ودقة فإن تغير البنية المصاحبة لها يمر بتعرتجات ويسير في خط‬ ‫حلزوني قد يصادف فيه لحظات انتكاس‪.‬‬

‫وحسب رأي لبريول ‪ Labriola‬أستاذ التجتماع اليطالي فإن الدور الحاسم للهيكل‬ ‫القتصادي)‪ (2‬ليس عملية ميكانيكية تنبةثق عنها البنية الفوقية من مؤسسات وقوانين‬ ‫وأيديولوتجية‪ .‬فهناك عملية معقدة‪ ،‬بل وقد تتسم أحيانا بالتعرتجات التي ل تدرك بسهولة‪،‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪82‬‬

‫)‪(1‬‬ ‫)‪( 1‬‬ ‫‪.51‬‬

‫‪K. Marx and E. Engels, The Manifesto of the Communist Party, Foreign Languages‬‬ ‫‪.Press, Peking, 1965, p. 31‬‬ ‫‪T. Bottomore and M. Rubel, op. cit., p.‬‬


‫وعندما يعرف لبريول علم التجتماع بأنه علم الوظائف والتغيرات التجتماعية فإنه يضع‬ ‫مساهمة ماركس في هذا المتجال التجديد للمعرفة كسلسلة من الكتشافات التي ستمكن‬ ‫النسان من أن يصبح سيد مصيره‪.‬‬

‫إن فكرة البنية الفوقية القائمة على أسلوب إنتاتجي معين قد أبعدت فكرة أن النظمة‬ ‫التجتماعية خالدة وأبدية‪ .‬فكل أسلوب للنتاج – وهو يقوم على شكل معين من أشكال‬ ‫الملكية – ل يمكن أن يكون سوى مرحلة تاريخية‪ .‬والنظمة التجتماعية المصاحبة لذلك‬ ‫السلوب ليست إل أنظمة تاريخية ومؤقتة‪.‬‬ ‫وبهذا المعنى يوتجه ماركس وانتجلز حديةثهما إلى البرتجوازيين قائلين‪:‬‬

‫»إن مفهوماتكم المغرضة تدفعكم إلى اعتبار العلقات التجتماعية المتولدة عن‬ ‫أسلوبكم في النتاج وعلقات الملكية‪ ،‬هذه العلقات التاريخية التي يمحوها سير النتاج‬ ‫ذاته‪ ،‬قوانين طبيعية وعقلية‪ .‬إنكم لم تنفردوا بهذه المفهومات فقد تمسكـت بها من قبل كل‬ ‫الطبقات التي حكمت من قبلكم‪ ،‬إن ما تقرونه بوضـوح فيمـا يتعلق بالملكية القطاعية‬ ‫ليس في استطاعتكم أن تقبلوه بالنسبة للملكية البرتجوازية«)‪.(1‬‬

‫لقد كانت الفكار التي وضعتها الماركسية حول هذه القضية تطوي ار لفكار‬ ‫المفكرين التجتماعيين السابقين عليها‪ .‬وقد أكد لينين هذه القضية في مطلع كتابه‬ ‫»مصادر الماركسية«‪ .‬وكما اتضح لنا من قبل فإن تييري ومينيه وتجيزو– المؤرخين‬ ‫الفرنسيين‪ -‬أشاروا إلى علقات الملكية كأساس لي نظام اتجتماعي ةثم تجاء سان سيمون‬ ‫وألقى الضوء لول مرة على تاريخ هذه العلقات في أوروبا الحديةثة)‪.(2‬‬ ‫كان لفكار ماركس في هذا الصدد تأةثيره الشديد على الفكر التجتماعي‪ ،‬خاصة‬ ‫من زاوية منهج الدراسة في علم التجتماع‪ .‬ونتجد البعض يقدر أهميته بقوله‪» :‬إن الميزة‬ ‫العظيمة لماركس تتمةثل في أنه وضع تميي از في متجال الظواهر التجتماعية‪ ،‬بين أساس‬ ‫فعال وبنية فوقية تتذبذب بين رمزية ووعي واضح بنفس المعنى – وماركس يقول هذا‬ ‫صراحة – حيث يضطر علم النفس أن يضع تميي از بين السلوك الفعلي والوعي‪ .‬وعلقة‬ ‫‪1‬‬

‫)‪( 1‬‬ ‫‪.53‬‬

‫‪2‬‬

‫‪83‬‬

‫)‪ (2‬أنظر الفصل الول‪.‬‬

‫‪K. Marx and Engels, The Manifesto, pp. 52-‬‬


‫البنية الفوقية بأساسها المادي هي نفس علقة وعي الفرد وسلوكه«)‪ .(1‬غير أنه ينبغي‬ ‫التأكيد بأن نقطة التشديد الرئيسية عند ماركس تكمن في البدء بتحليل أسلوب النتاج وما‬ ‫ينتج عنه من علقات اتجتماعية وذلك لكي نصل إلى فهم النسق التجتماعي بكل ما‬ ‫يحويه من عناصر مختلفة‪ .‬وحسب كلماته فإن »العلقات المباشرة لملك شروط النتاج‬ ‫بالمنتتجين المباشريـن – وهي علقة تتوافق بشكل طبيعي دائما مع مرحلة محددة في‬ ‫تطور أساليب العمل‪ ،‬ومن ةثم انتاتجيته التجتماعية‪ -‬هي دائما التي تكشف أخفى‬ ‫)‪( 2‬‬ ‫السرار‪ ،‬أي الساس الخفي للبنية التجتماعية بأسرها ‪. «The Entire Social Structure‬‬ ‫يوتجد بين علماء التجتماع من يقرر أن الماركسية تضع أهمية للدور الفعال‬ ‫للفكار في التطور‪ ،‬لكنهم يستخدمون هذه الحقيقة في توتجيه النقد إلى المادية التاريخية‬ ‫فكارل موس ‪ Muhs‬عالم التجتماع اللماني‪ ،‬على سبيل المةثال‪ ،‬يقول إن إقرار الدور‬ ‫الفعال للفكار في التطور يتعارض مع المقولة الساسية للمادية التاريخية التي تقول إن‬ ‫الفكار تعتمد على الوتجود التجتماعي‪ .‬ةثم يستخلص من ذلك أن إقرار التفاعل بين‬ ‫الوعي التجتماعي والوتجود التجتماعي يتجعل الماركسية في الواقع توأما للمةثالية خصمها‬ ‫اللدود‪ ،‬مع بقاء متجرد »ظل بسيط« من الختلف يتمةثل في أن الماركسية ترتجع العوامل‬ ‫الفكرية لسباب اقتصادية)‪.(3‬‬ ‫ويعلق تجلزرمان على ذلك الرأي قائل أنه يرد على نفسه بنفسه‪ .‬فهذا »الظل‬ ‫البسيط« هو الشيء التجوهري‪.‬‬

‫نظرية المراحل وتعاقب التكوينات الجتماعية‪:‬‬ ‫نتجد في الفقرة المطولة التي نقلناها من قبل عن مقدمة »مساهمة في نقد القتصاد‬ ‫السياسي« صياغة ماركس الشديدة الختصار والتركيز حول مراحل التقدم البشري على‬ ‫شكل تكوينات اتجتماعية‪ .‬فهو يذكر أنه بامكاننا أن نحدد في خطوط عريضة أساليب‬ ‫‪1‬‬

‫)‪( 3‬‬

‫‪2‬‬

‫)‪( 1‬‬

‫‪3‬‬

‫)‪( 2‬‬

‫‪84‬‬

‫‪T. Bottomore and M. Rubel, op. cit., p.‬‬

‫‪.63‬‬

‫‪K. Marx, Capital, vol 111, Progress Publishers, Moscow 1974, p.‬‬

‫‪.791‬‬ ‫‪.105‬‬

‫‪See: Glezerman, op. cit, pp, 104 -‬‬


‫النتاج السيوية والقديمة والقطاعية والبرتجوازية الحديةثة بوصفها مراحل مختلفة في تقدم‬ ‫التكوين القتصادي للمتجتمع‪ .‬ولم يناقش ماركس في تلك المقدمة التحليل الذي أفضى‬ ‫إلى وتجهة النظر هذه‪ .‬ولكن يمكن ملحظة وتجود فقرات متعددة في »نقد القتصاد‬ ‫السياسي« وفي كتاب »رأس المال« وبالذات المتجلد الةثالث تتضمن تجزءا من هذا‬ ‫التحليل الذي يلقي الضوء على صياغته المختصرة التي تجاءت في مقدمة ‪1859‬‬ ‫المشهورة‪.‬‬ ‫وفضل عن ذلك فقد اتضح بعد نشر مخطوطاته لعام ‪ .1858 – 1857‬وذلك‬ ‫لول مرة في عام ‪ .1939‬أنه عالج هذه القضية معالتجة تفصيلية وخاصة في التجزء‬ ‫الذي تجرى نشره بشكل مستقل تحت عنوان »التكوينات القتصادية السابقة على‬ ‫الرأسمالية)‪.Pre-Capitalist Economic Formations .(1‬‬

‫إواذا كانت هذه المخطوطات تلقي بالفعل الضوء على أفكار ماركس حول المراحل‬ ‫التي تمر بها التكوينات التجتماعية فإنها ل تلغي المتجادلت والتفسيرات حول نظرية‬ ‫المراحل ذاتها‪ .‬وهي النظرية التي لقيت دون أفكار ماركس الخرى النتقادات المختلفة‬ ‫وأيضا التأويلت المختلفة حتى أةثناء حياته‪ .‬ومن هنا فقد رأينا ماركس يرد بنفسه على‬ ‫النتقادات والتفسيرات والتأويلت التي رأى أنها خاطئة‪.‬‬

‫فمن تجانب كانت النتقادات مؤداها أن هذه النظرية تنتمي على فلسفة التاريخ‪.‬‬ ‫ومن تجانب آخر تعرضت لتفسيرات وتأويلت خاطئة تتجعل منها فلسفة للتاريخ وتصور‬ ‫‪1‬‬

‫‪85‬‬

‫)‪ (1‬نشرت تلك المخطوطات لول مرة باللغة اللمانية في موسكو عام ‪ 1939‬تحت عنوان‬ ‫‪ der Kritik der Politischen Okonomie‬أي »معالم نقد القتصاد السياسي«‪ .‬وفي عام ‪ 1953‬صدرت‬ ‫لها طبعة أخرى باللمانية في المانيا الديمقراطية‪ .‬ومنذ ذلك الحين وهي مشهورة باسم ‪The Grundrisse‬‬ ‫حتى بعد أن صدرت ترتجمة لها باللغة النتجليزية عن دار بنتجوين وأخرى بالفرنسية‪ .‬وقد أةثارت‬ ‫المخطوطات منذ صدورها مناقشات عديدة حيث أنها تلقى الضوء على بعض نظريات ماركس‪ .‬ولذلك‬ ‫فقد صدرت كتيبات مختلفة وطبعات عديدة تتضمن بعض أتجزاء تلك المخطوطات وخاصة التجزء الذي‬ ‫وضعه ماركس تحت عنوان » مدخل « بالضافة إلى نص »التكوينات السابقة على الرأسمالية«‪ .‬وفي‬ ‫عام ‪ 1974‬صدرت باللغة العربية عن دار ابن خلدون ببيروت ترتجمة لنص »التكوينات« بالضافة إلى‬ ‫»المدخل« مع تقديم مطول بقلم أحد أساتذة التاريخ الحديث بتجامعة لندن هو إيريك هوبزباوم‪ .‬والعنوان‬ ‫الذي صدر به الكتاب باللغة العربية هو‪» :‬كارل ماركس‪ ،‬نصوص حول أشكال النتاج ما قبل‬ ‫الرأسمالية«‪.‬‬

‫‪Grundrisse‬‬


‫أن ماركس يضع التاريخ في مراحل خمس الزامية وهي الشيوعية البدائية‪ ،‬والعبودية‪،‬‬ ‫والقطاعية‪ ،‬والرأسمالية‪ ،‬والشيوعية‪.‬‬

‫وهو المر الذي رفضه ماركس بشدة مع الرأي الخر الذي يتجعل من نظريته‬ ‫حتمية اقتصادية ترى أن تطور القوى النتاتجية يؤدي بشكل ميكانيكي إلى تحول المتجتمع‬ ‫وأن البنية الفوقية بالتالي ل تأةثير لها‪ .‬ولكن ينبغي معرفة أن ماركس عندما سلط الضوء‬ ‫على المراحل الكبرى في تطور المتجتمع البشري‪ ،‬وهي المراحل التي أفضت إلى ظهور‬ ‫الرأسمالية‪ ،‬إنما كان يشير إلى خط تطور التاريخ‪ ،‬وبالتالي يقدم وسيلة مفيدة منهتجيا‬ ‫للبحوث العينية‪ .‬ولم يزعم ماركس مطلقا أنه يحدد مقدما نتيتجة هذه الدراسات‪ .‬بل حذر‬ ‫من الوقوع في هذا الخطأ‪ .‬حيث كان يرى أن تتجريداته ل قيمة لها إذا أخذت في حد ذاتها‬ ‫وتجرى فصلها عن التاريخ الواقعي)‪.(1‬‬

‫كما أن ماركس أعلن صراحة أنه يرفض تحويل نظريته إلى فلسفة تأملية أو إطار‬ ‫تعسفي يتم إدخال التاريخ قس ار في نطاقه‪ :‬فعندما رأى محاولة من هذا النوع قام بها عالم‬ ‫التجتماع الروسي ميخالوفسكي كتب في عام ‪ 1877‬خطابا إلى هيئة تحرير المتجلة‬ ‫الروسية التي نشرت آراء ميخالوفسكي قال فيه إن ميخالوفسكي »يرى أنه ملزم بأن يحول‬ ‫تخطيطي التاريخي الولي لتكوين الرأسمالية في أوروبا الغربية إلى نظرية تاريخية –‬ ‫فلسفية للمتجرى العام الذي يفرضه القدر على كل شعب دون أي اعتبار لنوعية الظروف‬ ‫التاريخية التي يتواتجد فيها هذا الشعب أو ذاك‪ .‬ولكن ينبغي أن اعترض‪ .‬فقد أضفى على‬ ‫الكةثير من الشرف‪ ،‬ولكنه في نفس الوقت احتقرني بتصويره هذا«)‪ .(2‬وبعد أن يسوق أمةثلة‬ ‫تاريخية على أن حوادث متشابهة تفضي إلى نتائج متباينة بسبب وتجودها في محتوى‬ ‫تاريخي مختلف‪ ،‬يؤكد ماركس ةثانية »إننا لن نتمكن من فهم أي شيء إذا اعتمدنا بشكل‬ ‫كامل على نظرية فلسفية تاريخية تتمةثل صفتها الرئيسية في أنها أصبحت فوق‬ ‫التاريخ«)‪.(3‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪( 1‬‬ ‫‪.12‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪86‬‬

‫)‪(2‬‬

‫)‪( 3‬‬

‫‪.379‬‬

‫‪K. Marx and . Engels, The German Ideology, p.‬‬ ‫‪K. Marx and F. Engles, Selcted Correspondence, Foreign Languages Publishing‬‬ ‫‪.House, Moscow, p. 378‬‬ ‫‪Ibid., p.‬‬


‫ولم تكن تلك المناسبة الوحيدة التي أعلن فيها ماركس مةثل ذلك الرأي‪ .‬فإن‬ ‫مسودات خطابه إلى في ار زاسوليتش في ‪ 8‬مارس ‪ 1881‬تؤكد نفس هذا الموقف‪ .‬كما‬ ‫أنها تشير إلى أنه بالرغم من وتجود اتتجاهات عامة للتطور فإن تلك التتجاهات مفعمة‬ ‫بالحتمالت‪ .‬فقد أرسلت إليه في ار زاسوليتش تسأله عن رأيه حول المصير المحتمل‬ ‫للمشاعات الريفية في أوروبا وحول النظرية القائلة بأن تجميع شعوب العالم لبد أن تمر‬ ‫بحكم الضرورة التاريخية بتجميع مراحل النتاج التجماعي‪.‬‬

‫وحول النقطة الولى تجاء رد ماركس مستعرضا أوضاع تلك المشاعية الريفية في‬ ‫أوروبا وآسيا وأوضح بأنه »بالنسبة للطور الخير« من التكوين البدائي للمتجتمع فإن‬ ‫التجماعية الزراعية هي في نفس الوقت مرحلة انتقالية للتكوين الةثانوي‪ ،‬أي النتقال من‬ ‫متجتمع قائم على ملكية مشتركة إلى متجتمع قائم على ملكية خاصة‪ .‬كما ينبغي أن ندرك‬ ‫بأن التكوين الةثانوي يشتمل على سلسلة من المتجتمعات قائمة على العبودية والقنانة«)‪،(1‬‬ ‫ةثم يستطرد بعد ذلك مبينا أنه ليست هناك حتمية لشكل النتقال بقوله‪:‬‬

‫»ولكن هل يعني هذا أن المهمة التاريخية للتجماعية الزراعية لبد وأن تفضي حتما‬ ‫إلى هذه النتيتجة؟ ل‪ ،‬بكل تأكيد‪ ،‬فالزدواتجية التي في داخلها تسمح ببديل آخر‪ :‬فإما أن‬ ‫يتغلب عنصر الملكية فيها على عنصر التجماعية‪ ،‬إواما أن يحدث العكس‪ .‬فكل شيء‬ ‫يعتمد على الظروف التاريخية التي يتجرى فيها ذلك«)‪.(2‬‬ ‫وفي موضع آخر في نفس خطابه يؤكد ما تجاء في رأس المال)‪ (3‬ومخطوطاته‬ ‫‪ .1858 – 1857‬فقد قال في خطابه المشار إليه أيضا أنه‪:‬‬

‫»بالنسبة لتحليل تكوين النتاج الرأسمالي أقول إن النظام الرأسمالي يقوم في تجوهره‬ ‫على انفصال المنتج انفصال تجذريا عن وسائل النتاج ‪ ...‬ومصادرة ملكية المزارعين‬ ‫هي أساس هذا التطور‪ .‬ولم يتم ذلك النفصال بشكل تجذري سوى في إنتجلترا‪ ،‬ولكن‬ ‫تجميع بلدان أوروبا الغربية تتجتاز المسيرة ذاتها‪ .‬ولذا فإن حتمية هذه المسيرة التاريخية‬ ‫مقصورة دون أي لبس على بلدان أوروبا الغربية«‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪( 1‬‬

‫‪2‬‬

‫)‪(2‬‬

‫‪3‬‬

‫)‪ ( 3‬أنظر‪:‬‬

‫‪87‬‬

‫‪See K. Mar., Pre-Capitalist Economic Formation, p.‬‬

‫‪.145‬‬ ‫‪.Ibid‬‬

‫‪.316‬‬

‫‪K. Marx, Capital, vol. 1, p.‬‬


‫ونلحظ أن كلمات هذا الخطاب تستخدم بعض مصطلحات »اليديولوتجية‬ ‫اللمانية« التي كتبها قبل تاريخ الخطاب بةثلةثين عاما‪ .‬ومةثال ذلك تعبير »نظرية‬ ‫تاريخية – فلسفية عامة«‪ .‬كما أن هذا الموقف الذي يرفض الفلسفة التاريخية التأملية‬ ‫يتفق مع انتقادات ماركس العنيفة التي وتجهها إلى »برودون« متهما أياه بأنه فيلسوف‬ ‫تاريخ‪.‬‬

‫إن ماركس يصور مراحل التطور الكلسيكية )أسلوب النتاج السيوي‪ ،‬والقديم‪،‬‬ ‫والقطاعي‪ ،‬والرأسمالي( على أنها نماذج تطور أساسية لعلقات النتاج المعروفة في‬ ‫التاريخ‪ .‬وتصوره هذا ل يعني أنه يضع تجدول يستوعب بشكل كامل كافة أنواع علقات‬ ‫النتاج وأساليب النتاج‪ ،‬فالشيء التجوهري في نظرية ماركس هو أنه حدد خط التطور‬ ‫الساسي الذي أفضى إلى ظهور الرأسمالية‪ ،‬وخلق إمكانية ظهور الشتراكية‪ .‬وكما يقول‬ ‫تجان سوريه – كانال فإنه ل ينبغي أن نضفي على هذا التعاقب معنى مشتطا ومتعسفا‪.‬‬ ‫فهو يعبر عن الستمرار التاريخي )ل التجغرافي( الذي يقودنا من الشرق القديم إلى العالم‬ ‫الغريقي – الروماني )الوسيط(‪ ،‬ةثم إلى إقطاع أوروبا الغربية لينتهي بنا إلى الرأسمالية‪.‬‬ ‫وطريق التطور هذا له‪ ،‬بهذا المعنى‪ ،‬وبهذا المعنى فقط له قيمة شمولية‪ .‬ومن الضلل‬ ‫والعسف أن نريد العةثور عليه أينما كان‪ .‬وعلى سبيل المةثال‪ ،‬يبدو أن المرحلة الرقية‬ ‫كانت خاصة بالعالم الغريقي الروماني‪ ،‬وأن اليابان انتقلت إلى المرحلة القطاعية من‬ ‫دون أن تمر بذلك الطريق«)‪.(1‬‬

‫وفضل عن ذلك فإن لتصور ماركس حول المراحل قيمة منهتجية أخرى بالنسبة‬ ‫لدراسة بلدان الشرق‪ .‬ويتمةثل ذلك في طرحه لنموذج أسلوب النتاج السيوي بشكل متميز‬ ‫عن أساليب النتاج والذي وتجد في آسيا وبلدان الشرق الوسط وفي بعض مناطق أفريقيا‪.‬‬ ‫ولكن هذا الموضوع لم يحظ بالهتمام أو الدراسة إل بدءا من منتصف هذا القرن‪ .‬ويرتجع‬ ‫ذلك إلى عوامل‪:‬‬ ‫فأول‪ :‬بالرغم من أن الصيغة المشهورة لماركس عن التكوينات التجتماعية‬ ‫المختلفة تضمنت الشكل السيوي كنموذج رئيسي‪ ،‬إل أن كتابات ماركس التي كانت‬ ‫معروفة لم يكن بها سوى إشارات قليلة حول ذلك السلوب النتاتجي‪ .‬وقد تجاءت بعض‬ ‫تلك الشارات في »رأس المال«‪ .‬ولكن بعد نشر مخطوطات ‪ 1858-1857‬المعروفة‬

‫‪1‬‬

‫‪88‬‬

‫)‪ (1‬تجان شينو وآخرون‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ‪.29‬‬


‫باسم تجروندرسه ‪ Grundrisse‬في عام ‪ 1939‬اتضح أن هذا الموضوع شغل حي از رئيسيا‬ ‫في ذلك العمل‪ .‬ومن ةثم بدأ الهتمام بأسلوب النتاج السيوي انطلقا من ذلك‪.‬‬ ‫وثانيا‪ :‬قامت متجموعة من الكاديميين السوفييت بتنظيم مناقشة حول أسلوب‬ ‫النتاج السيوي بين عامي ‪ 1931-1929‬في مدينتي تفليس وليننتجراد‪ .‬ولكن الحصيلة‬ ‫العامة للمناقشة أدت إلى اعتبار المتجتمعات التي كان يسميها ماركس آسيوية ما بين‬ ‫متجتمعات عبودية أو إقطاعية‪ .‬وتلك المتجتمعات هي الشرق القديم والهند والمتجتمعات‬ ‫المماةثلة )إمبراطوريتنا الزتيك والتكاني بأمريكا التجنوبية( والممالك الفريقية التي كانت‬ ‫موتجودة في المنطقة الستوائية‪ ،‬ومتجتمعات عديدة في الشرق القصى(‪ .‬وقد أةثر وضع‬ ‫الةثورة في الصين على تلك المناقشات خوفا من أن يفضي اعتبار أن الصين كانت في‬ ‫نطاق نظام النتاج السيوي إلى التشكيك في إمكانية انتقال الصين إلى الشتراكية‪.‬‬ ‫غير أن معظم المتخصصين السوفييت يرون الن خطأ تلك النتيتجة‪ .‬بل إن بعض‬ ‫الذين شاركوا في تلك المناقشات ظلوا يدافعون خلل المناقشة وبعدها عن تميز ذلك‬ ‫السلوب النتاتجي السيوي عن المتجتمعات العبودية والقطاعية‪ .‬ومن أولئك يوتجين‬ ‫فارتجا‪ .‬بل وظهرت كتابات عديدة تتناول هذا الموضوع‪.‬‬ ‫وثالثا‪ :‬كان من عوامل تتجدد الهتمام بأسلوب النتاج السيوي ذلك التقدم في‬ ‫المعارف بشأن تاريخ المتجتمعات القديمة في العالم غير الوروبي‪ .‬وعلوة على ذلك‬ ‫ظهرت مشاركة عدد من الباحةثين من البلد التي يقال أنها تنتمي للنتاج السيوي في‬ ‫الدراسات حول هذا الموضوع)‪.(1‬‬ ‫وتكمن أهمية ذلك النموذج لعدد كبير من البلدان النامية في أنه يتيح النطلق‬ ‫لفهم خصائص تطور تلك البلدان‪.‬‬

‫القسمات الرئيسية لسلوب ال نـتاج السيوي‪:‬‬ ‫قام ماركس في مخطوطات ‪ ،1858-1857‬أي في »التجروندرسه«‪ ،‬بتحليل‬ ‫سمات ذلك السلوب النتاتجي بالتفصيل‪ ،‬خاصة في التجزء الذي يعرف باسم »التكوينات‬ ‫‪1‬‬

‫‪89‬‬

‫)‪ (1‬من الكتابات المصرية في هذا الشأن أنظر‪ :‬إبراهيم عامر‪ ،‬الرض والفلح المسألة الزراعية في‬ ‫مصر‪ ،‬الدار المصرية للطباعة والنشر والتوزيع‪ ،‬القاهرة‪.1958 ،‬‬


‫السابقة على الرأسمالية«‪ .‬وتجاء هذا التحليل استنادا إلى دراسة الوضع في الهند بشكل‬ ‫خاص‪ .‬وأوضح أن النتاج في تلك التكوينات ينظم في إطار المشاعات الزراعية أو‬ ‫القروية التي تكفي نفسها ذاتيا إلى درتجة ما‪.‬‬ ‫كما أن تلك التكوينات ل تعرف الملكية الخاصة للرض‪ .‬ذلك أن ملكية الرض‬ ‫»ملكية تجماعية يعاد توزيعها بين السر الموسعة والرعوية‪ ،‬تبعـا لحاتجاتها‪ .‬حيث أن‬ ‫الناس يعتبرون أنفسهم ملك الرض المشتركين‪ ،‬كأعضاء في تجماعة تنتج وتعيد إنتاج‬ ‫نفسها بالعمل الحي‪ .‬ول يعتبر الفرد نفسه مالكا أو متملكا )حائزا( إل إذا كان عضوا في‬ ‫مةثل هذه التجماعة بالمعنى الحرفي والمتجازي للكلمة«)‪.(1‬‬

‫غير أن الملكية التجماعية للرض ل تعني أن ذلك التكوين السيوي لم يكن طبقيا‪.‬‬ ‫فقد ظهر تجهاز أكبر فوق تلك المشاعات القروية‪ ،‬وهو تجهاز تقليدي الشكل – بيت ملكي‬ ‫أو تجماعة رعوية ضخمة بهذا القدر أو ذاك‪ .‬ويتسم هذا التجهاز بالخصائص التالية‪:‬‬ ‫أول‪ :‬يظهر هذا التجهاز كشكل للدولة‪ .‬وهو الذي يقوم بالستغلل أساسا‪.‬‬

‫بها‪.‬‬

‫وثانيا‪ :‬يظهر كرمز للمشاعة العليا التي تضم تحت تجناحيها المشاعـات الملحقة‬

‫وثالثا‪ :‬يتسم هذا التجهاز العلوي بدوره المباشر في العملية النتاتجية‪ .‬ومن أمةثلة‬ ‫ذلك دور الدولة في تنظيم الري‪ ،‬في بعض مناطق آسيا وأفريقيا‪ ،‬على نطاق أوسع من‬ ‫المشاعات القروية المحلية‪ .‬وقد أفضى الحتياج إلى عملية تنظيم الري إلى سهولة تركيز‬ ‫السلطة في أيدي مستبد يمةثل التتجسيد الول للدولة‪ .‬وكان هذا المستبد يبدو للنظار‬ ‫وكأنه المالك العلى للراضي)*(‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫*‬

‫‪90‬‬

‫)‪( 1‬‬

‫‪K. Marx, Pre-Capitalist Economic Formations, p.‬‬ ‫‪.69‬‬

‫)*( صدرت عدة دراسات بشأن تاريخ ملكية الرض الخاصة في مصر‪ ،‬وتشير هذه الدراسات إلى أن‬ ‫الملكية الخاصة للرض في مصر لم تظهر إل في العصر الحديث‪ .‬ومن الكتابات البارزة في هذا‬ ‫المتجال أعمال تجبريل بايير أستاذ التاريخ الحديث بالتجامعة العبرية بالقدس خاصة الدراسة التي وضعها‬ ‫تحت عنوان »تطور الملكية الخاصة للرض في مصر والهلل الخصيب« والتي نشرها بعد ذلك في‬ ‫كتابه‪.Studies in The Social History of Modern Egypt :‬‬


‫وصف ماركس تلك الخصائص المميزة للبنية الفوقية انطلقا من حديةثه عن شكل‬ ‫علقة الملكية التجماعية للرض‪» ،‬فحيةثما كانت العلقة الساسية على ذلك النحو‪ ،‬فإن‬ ‫ذلك الشكل يمكن أن يتحقق بأساليب متنوعة‪ .‬وعلى سبيل المةثال‪ ،‬فكما هو الحال في‬ ‫معظم الشكال السيوية الرئيسية فإن هذا الشكل يتوافق تماما مع حقيقة أن الوحدة‬ ‫الشاملة للكل التي تقف فوق كل تلك التجماعات المشتركة الصغيرة يمكن أن تبدو في‬ ‫مظهر المالك العلى أو الوحد‪ ،‬بينما تكون التجماعات الواقعية متملكة بالوراةثة فحسب‪.‬‬ ‫وطالما أن الوحدة هي المالك الحقيقي‪ ،‬فضل عن أنها الشرط المسبق للملكية المشاعية‪،‬‬ ‫فإنه من الممكن تماما أن تبدو وكأنها شيء منفصل وسام فوق التجماعات الفعلية التجزئية‬ ‫المتعددة‪ .‬إن الفرد في هذه الحالة‪ ،‬هو في الحقيقة متجرد من الملكية وليس مالكا – أي أن‬ ‫علقة الفرد بالظروف الطبيعية للعمل إواعادة النتاج‪ ،‬بالطبيعة غير العضوية التي‬ ‫يتجدها ويتجعلها ملكا له‪ ،‬الشكل الموضوعي لذاتيته – هذه العلقة تبدو للفرد وكأنها ل‬ ‫تأتيه إل عن طريق منحة من الوحدة الكلية‪ .‬والوسيط في توصيل المنحة هو المشاعة‬ ‫المعنية‪ .‬ويظهر الحاكم المستبد هنا وكأنه أب لكافة التجماعات‪ ،‬وبهذا يحقق وحدتها‬ ‫المشتركة«)‪ .(1‬ةثم يواصل ماركس مشي ار إلى شكل الستغلل بقوله‪» :‬ويستتبع ذلك أن‬ ‫فائض النتاج )الذي يتحدد‪ ،‬بالمناسبة‪ ،‬قانونيا على أساس التملك الفعلي عن طريق‬ ‫العمل( يعود إلى هذه الوحدة العليا‪ .‬ومن ةثم يبدو أن الستبداد الشرقي يفضي إلى غياب‬ ‫قانوني للملكية‪ .‬وعلى أية حال فإن الحقيقة هي أن أساسها هو الملكية القبلية أو‬ ‫المشاعية التي يتم خلقها‪ ،‬في معظم الحالت‪ ،‬بذلك التجمع بين الصناعة اليدوية والزراعة‬ ‫داخل المشاعة الصغيرة مما يتجعلها مكتفية بذاتها كلية ومتضمنة كافة شروط النتاج‬ ‫وفائض النتاج‪ .‬إن تجزءا من فائض عمل التجماعات يعود إلى التجماعة العليـا‪ ،‬التي‬ ‫تظهر في نهاية المر كشخص«)‪ .(2‬أما الشكل المميز للستغلل فإنه »يتم بتقديم فائض‬ ‫العمل في شكل إتاوة أو تجزية ‪ Tribute‬وفي شكل عمل مشترك من أتجل متجد الوحدة‬ ‫العليا‪ ،‬وبالتالي متجد الحاكم المستبد ومتجد الكلية القبلية المتخيلة للله«)‪.(3‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪(1‬‬

‫‪2‬‬

‫)‪( 2‬‬

‫‪91‬‬

‫‪.Ibid‬‬

‫‪.-70‬‬

‫‪Ibid., pp. 69‬‬


‫كانت للعنصر الحي في عملية النتاج‪ ،‬أي النسان‪ ،‬أهمية كبرى في أسلوب‬ ‫النتاج السيوي‪ .‬فهو الذي يتحقق به ذلك النمط من الملكية المشتركة‪ .‬وهذا النمط يمكن‬ ‫أن يظهر في مظهرين‪» :‬فالمشاعات الصغيرة تعيش تجنبا إلى تجنب في استقلل‪ ،‬حيث‬ ‫يعمل الفرد داخل كل منها بصورة مستقلة مع عائلته على الرض المخصصة له‪ .‬ويكون‬ ‫هناك أيضا قدر من العمـل يخصص للمخزن المشــترك – كتأمين إذا تجاز القول‪ ،‬ولتغطية‬ ‫نفقات التجماعة بصفتها تجماعة‪ ،‬أي من أتجل الحروب والعبادات الدينية‪ ،‬وما إلى ذلك‪.‬‬ ‫ول تبرز سيطرة السياد بمعناها الصيل تماما‪ ،‬إل عند هذه النقطة‪ .‬مةثلما هو الحال‬ ‫بالنسبة للمشاعات السلفية والرومانية‪ -‬نسبة إلى رومانيا )هنا يكمن التحول إلى‬ ‫العبودية(‪ .‬وةثانيا‪ ،‬يمكن للوحدة العليا أن تتضمن تنظيما مشتركا للعمل ذاته‪ ،‬والذي يمكن‬ ‫بدوره أن يشكل نظاما حقيقيا ‪ Veritable‬مةثلما هو الحال بالنسبة للمكسيك وبشكل خاص‬ ‫بيرو وبين السيلتيين)*( القدماء ‪ Celts‬وبعض قبائل الهند«)‪.(1‬‬ ‫وأهم ما يمكن إب ارزه من ذلك النص هو أن أسلوب النتاج السيوي يعني عند‬ ‫ماركس تكوينا متمي از يختلف عن العبودية‪ .‬ويمكننا استنادا إلى ما سبق أن نحدد‬ ‫الخصائص الساسية لذلك السلوب المسمى بالسيوي فيما يلي‪:‬‬ ‫‪1‬ـ عدم وتجود الملكية الخاصة للرض‪.‬‬

‫‪2‬ـ إن النتاج موتجه أساسا للمعيشة‪ ،‬أي أنه يعبر عن اقتصاد معيشي يستند‬ ‫أساسا إلى الكتفاء الذاتي‪ ،‬وعدم النفصال بين الزراعة والصناعة‪ .‬ويرى‬ ‫ماركس في ذلك الكتفاء الذاتي )إنتاتجا واستهلكا في حدود القرية( سر‬ ‫ركود المتجتمعات المسماة بالسيوية‪.‬‬ ‫‪3‬ـ ضعف مستوى تقسيم العمل‪.‬‬ ‫‪4‬ـ لم يكن ذلك السلوب النتاتجي قائما على العبودية‪ .‬وكان الستغلل يحدث في‬ ‫شكل ضريبة عينية‪ ،‬وأساسا بتقديم تجانب من العمـل الضافي سواء للمشاعة‬ ‫‪3‬‬

‫)‪( 3‬‬

‫‪.p. 70‬‬

‫*‬ ‫‪1‬‬

‫)*( سكان التجزر البريطانية‪.‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪Ibid‬‬

‫‪92‬‬

‫‪Ibid.,‬‬


‫المحلية أو الدولة‪ ،‬وان كان ماركس قد وصف ذلك الستغلل الذي يحمل‬ ‫طابعا شامل وليس فرديا بأنه عبودية عمومية‪.‬‬ ‫‪5‬ـ النفصال لم يكن كامل بين بنية الساس والبنية الفوقية حيث كانت الدولة أو‬ ‫التنظيم العلى يساهم بدور مباشر في العملية النتاتجية‪ .‬والدولة أو من‬ ‫يمةثلها هو المستغل الول والقائد للمشاعات المحلية والمالك الرسمي الوحد‪.‬‬ ‫‪6‬ـ إذا كانت ظروف ومقتضيات تنظيم الري قد سهلت من تقوية السلطة المركزية‬ ‫فل يعني ذلك أن ظهور ذلك السلوب المسمى بالسيوي يتوقف على‬ ‫ظروف تجغرافية‪ .‬فليست تلك المتجتمعات متجتمعات هيدروليكية على النحو‬ ‫الذي يقول به فيتفوتجل‪ .‬فأسلوب النتاج السيوي حسبما يقول تجان شينو هو‬ ‫»مقولة ينبغي تحديدها بالنسبة إلى النتاج ذاته‪ ،‬وينبغي أن تعبر عن‬ ‫العلقات التجتماعية المخلوقة تلبية لحاتجات النتاج‪ .‬وقانونه الساسي ل‬ ‫يمكن أن يظهر ل على مستوى تقنيات النتاج‪ ،‬ول على مستوى المقتضيات‬ ‫التجغرافية )الري‪ ،‬تجفاف المناخ(‪ ،‬ول على أشكال التنظيم التجتماعي‬ ‫والسياسي )الرستقراطية القبلية‪ ،‬والبيروقراطية(‪ ،‬إوانما على مستوى النتاج‬ ‫عينه«)‪.(1‬‬ ‫لهذا يمكن القول إنه ينبغي النظر إلى ذلك السلوب النتاتجي كشكل نوعي متميز‪،‬‬ ‫كشكل من أشكال استغلل الطبيعة والنسان معا‪ .‬ويستلزم نوعا من تنظيم العمل ونوعا‬ ‫من التعاون‪ ،‬وشكل من أشكال الكراه‪ .‬وتستلزم كل تلك القضايا الدراسة التفصيلية‬ ‫والعينية‪.‬‬ ‫إن القضايا التي يةثيرها نموذج النتاج السيوي بين الكاديميين الماركسيين على‬ ‫النطاق العالمي‪ ،‬في المحل الول‪ ،‬إنما تشير إلى أن ما طرحه ماركس هو متجرد الطار‬ ‫العام الذي يزداد التحقق منه بالدراسات العينية‪ .‬كما أن ذلك يتفق مع وتجهة نظره في عدم‬ ‫تحويل نظرياته إلى نظرة فلسفية تاريخية يتم إسقاطها على كافة الشعوب دون مراعاة‬ ‫لظروفها التاريخية والنوعية‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪93‬‬

‫)‪ (1‬تجان شينو وآخرون‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ص ‪.51 – 50‬‬


‫وعلوة على ذلك فإن نظريته العامة عن المراحل ينطبق عليها نفس الرأي‪ .‬فقد‬ ‫حدد النماذج النتاتجية الرئيسية المعروفة في تاريخ البشرية وحدد أشكال العلقات‬ ‫التجتماعية المرتبطة بها‪ .‬ول يعني هذا التوقف عن الدراسة إوانما يمكن استخدام تلك‬ ‫المنطلقات كأسس منهتجية للدراسات العينية‪ .‬وحسبما يقول إريك هوبزباوم فإنه يمكن‬ ‫عرض وتجهة نظر ماركس في هذا الشأن »على أنها الكشف التدريتجي للمكانيات‬ ‫المنطقية الكامنة في عدد قليل من التحديدات الولية والبديهية تقريبا ‪ ...‬على أنها‬ ‫الحصيلة التجدلية لتناقضات العمل – الملكية – وتقسيم العمل‪ .‬كما تعطينا رؤيا ماركس‬ ‫نموذتجا لتصور الوقائع ‪ ...‬إوان تعدد البعاد في نظرية ماركس هو مصدر العتجاب‬ ‫)‪( 1‬‬ ‫والحترام اللذين يحظى بهما كمفكر من قبل التجميع حتى ولو كانوا غير متفقين معه« ‪.‬‬

‫مفهوم الطبقة الجتماعية ونظرية الصراع الطبقي‪:‬‬

‫نبهت الصدامات التي تنشأ بين الفراد في المتجتمع المفكرين إلى هذه الظاهرة‪.‬‬ ‫ولكن أحدا قبل ماركس لم يضع صياغة واضحة ومحددة لفكرة الطبقات التجتماعية‪ .‬فهو‬ ‫يقول‪ :‬إن تاريخ كل المتجتمعات التي وتجدت حتى الن هو تاريخ الصراع الطبقي‬ ‫)وأضاف انتجلز‪ :‬باستةثناء تاريخ المتجتمعات البدائية(‪» .‬فالحرار والعبيد‪ ،‬النبلء‬ ‫والعامة‪ ،‬السيد القطاعي والقن‪ ،‬صاحب الحرفة والصانع التجير‪ ،‬وباختصار‬ ‫الستغلليون والمستغلون كانوا في تعارض دائم‪ ،‬كان بينهم صراع مستمر‪ ،‬أحيانا بشكل‬ ‫ظاهر وأخرى بشكل مستتر‪ ،‬صراع ينتهي دائما إما بإعادة بناء المتجتمع بأكمله على‬ ‫أساس ةثوري إواما بانهيار الطبقتين المتصارعتين معا)‪.(2‬‬ ‫ويوضح ماركس وانتجلز أيضا أنه يوتجد داخل كل طبقة من هذه الطبقات مراتب‬ ‫ودرتجات خاصة‪ .‬وعندما وضع ماركس هذه النظرية استند إلى عملية تنظيم النتاج‬ ‫وتقسيم العمل‪ .‬فالوضع الذي يشغله المرء في عملية النتاج هو بمةثابة الدليل على‬ ‫الطبقة التجتماعية التي ينتمي إليها‪ .‬غير أن ماركس يقول أن وتجود الطبقة التجتماعية‬ ‫يستلزم أيضا أن تعي الطبقة ذاتها‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫) ‪(1‬‬

‫‪E. Hobsbawm's Introduction to: K. Marx, Pre-Capitalist Economic Formation, p.‬‬

‫‪2‬‬

‫)‪( 2‬‬

‫‪K. Marx and F. Englis, The Manifesto, p.‬‬

‫‪94‬‬

‫‪.16‬‬ ‫‪.31‬‬


‫والحق أن ماركس لم يكتشف وتجود الطبقات ول الصراع الطبقي‪ .‬فقد أشار‬ ‫مفكرون آخرون من قبله إلى هذه القضايا‪ .‬ولكن تكمن أهمية ماركس في صياغته‬ ‫التجديدة لمفهوم الطبقة والصراع الطبقي‪ .‬وقد قال بنفسه‪»:‬ل يعود إلى الفضل في‬ ‫اكتشاف وتجود الطبقات في المتجتمع الحديث‪ ،‬ول اكتشاف الصراع الطبقي الذي تخوضه‬ ‫فيما بينها‪ .‬فهناك مؤرخون برتجوازيون تعرضوا قبلي بفترة طويلة للتطور التاريخي لصراع‬ ‫الطبقات‪ .‬كما أن اقتصاديين برتجوازيين وصفوا أشكاله القتصادية‪ .‬إن التجديد الذي أتيت‬ ‫به يتمةثل في‪:‬‬ ‫‪1‬ـ إةثبات أن وجود الطبقات مرتبط تماما بمراحل تاريخية محددة من تطور‬ ‫ال نـتاج‪.‬‬ ‫‪2‬ـ إن صراع الطبقات يفضي إلى ديكتاتورية الطبقة العاملة‪.‬‬

‫‪3‬ـ إن هذه الديكتاتورية ذاتها ل تمةثل سوى انتقال نحو إلغاء تجميع الطبقات‪ .‬ونحو‬ ‫متجتمع بدون طبقات)‪.(1‬‬

‫إن أبرز ما يهمنا هنا هو الصفة التاريخية للطبقات التجتماعية من تجانب‪.‬‬ ‫وارتباطها من تجانب آخر بمراحل معينة من تطور النتاج‪ .‬وأهمية ذلك تكمن في أن كل‬ ‫مستوى إنتاتجي معين ترتبط به نوعية مختلفة من الطبقات التجتماعية‪.‬‬ ‫وتكمن الهمية المنهتجية لمفهوم الطبقة والصراع الطبقي عند ماركس فيما يلي‪:‬‬

‫أول‪ :‬تعميم تصرفات الفراد بإرتجاعها إلى تصرفات تجماعات معينة مما يوضح‬ ‫أن الختلف في أوضاع الطبقات التي ينقسم إليها المتجتمع هو مصدر الماني‬ ‫المتصارعة بين الناس‪ .‬فالعلقات التجتماعية القائمة على تصارع الطبقات ليست‬ ‫علقات بين فرد وآخر إوانما هي علقات بين عامل ورأسمالي في المتجتمع الرأسمالي‬ ‫مةثل وبين مزارع ومالك عقاري في متجتمع إقطاعي أو شبه إقطاعي‪.‬‬ ‫وثانيا‪ :‬إنها تحدد مفهوم التجماعة التجتماعية بأسلوب مادي‪ ،‬أي أنها تقدم معيا ار‬ ‫للتمييز بين التجماعات التجتماعية‪ .‬فالظواهر الدينية والةثنوتجرافية والسياسية والقانونية‬ ‫وما إلى ذلك يمكن أن تستخدم كمقياس للتمييز بين التجماعات‪ .‬ولكنها تمييزات عشوائية‬ ‫‪1‬‬

‫‪95‬‬

‫)‪(1‬‬

‫‪Karl Marx To J. Wegdmeyer, March 5, 1852, in K. Marx and F. Engels, Selected works,‬‬ ‫‪.Vol. 11, Foreign Languages Publishing House, Moscow, 1958, p. 452‬‬


‫غير دقيقة‪ .‬ولكن نظرية الصراع الطبقي تقدم معيا ار آخر يختزل نفس هذه الظواهر إلى‬ ‫أصولها‪ .‬فإنقسام المتجتمع إلى طبقات يحدده الوضع الذي تشغله تلك التجماعات في‬ ‫عملية النتاج‪.‬‬ ‫وثالثا‪ :‬تضع أفكا ار للطريقة التي يتجري بها التطور‪ ،‬فما تاريخ المتجتمع سوى تاريخ‬ ‫صراع الطبقات‪ .‬ويقول شومبيتر‪» :‬ويعني هذا القول الوصول بالدعاء إلى أقصى‬ ‫الذرى‪ .‬ولكن حتى لو شئنا الهبوط به إلى حد متجرد الفرضية القائلة بأن الحداث‬ ‫التاريخية يمكن تفسيرها في الغالب على صعيد المصالح الطبقية والمواقف الطبقية‪ ،‬وأن‬ ‫البنيانات الطبقية القائمة هي دائما عوامل مهمة في التفسير التاريخي‪ ،‬فإن ما يتبقى منها‬ ‫يظل كافيا لدفعنا إلى الحديث عنه كمفهوم نادر ل يقدر بةثمن«)‪ .(1‬ولكن هذه النظرية‬ ‫ليست إل إحدى مقولت المفهوم المادي للتاريخ‪ ،‬أي من القوانين التي اكتشفتها المادية‬ ‫التاريخية‪ .‬لذا يمكن اعتبار نظرية الصراع الطبقي من مكونات المنهج الذي تقدمه‬ ‫المادية التاريخية إلى علم التجتماع‪.‬‬ ‫ويقول لينين وهو ينتقد علم التجتماع عند تجماعة النارودنيك الروس »إن السيد‬ ‫استروف على حق تماما حينما يقول إن نظرية الصراع الطبقي تتوج المسعى العام لعلم‬ ‫التجتماع لرتجاع العناصر الفردية إلى أصول اتجتماعية«)‪ .(2‬كما أن هذه النظرية توضح‬ ‫كيف يحل نظام اتجتماعي محل آخر نتيتجة لذلك الصراع‪ .‬بل إن تالكوت بارسونز نفسه‬ ‫يقول‪» :‬إن النظرية الماركسية عن الصراع الطبقي منظو ار إليها في تطور العلم‬ ‫التجتماعي أكةثر منها دعوة للةثورة إنما تمةثل خطوة متميزة ‪ ....‬إواذا ما سلطنا الضوء على‬ ‫التطور اللحق للنظرية التجتماعية المعاصرة فإن للفكار الماركسية مكانة هامة حيث‬ ‫تشكل نقطة انطلق لصياغة كةثير من المبادئ الساسية لنظرية المؤسسات التجتماعية‪.‬‬ ‫فوتجهة النظر الماركسية عن أهمية البنية الطبقية لها ما يؤكدها بطريقة عريضة«)‪.(3‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫)‪ (1‬تجوزيف شومبيتر‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ‪.39 ،38‬‬ ‫)‪( 2‬‬ ‫‪.1, p. 410‬‬

‫)‪(3‬‬

‫‪335‬‬

‫‪96‬‬

‫‪V. Lenin, Collected Works, Vol.‬‬

‫‪T. Parsons, Essays in Sociological Theory, Free Press, New York, 1954, p.‬‬


‫الختلف بين جدل ماركس وجدل هيجل‪:‬‬ ‫إن تعبير التناقض التجدلي ومقولة الةثلةثية الهيتجلية ومصطلح التجدل الهيتجلي –‬ ‫الماركسي تتردد كةثي ار في علم التجتماع المعاصر‪ .‬وناد ار ما نتجد كتابات تتعرض للسس‬ ‫المنهتجية في علم التجتماع المعاصر دون أن تتعرض لتلك المفهومات‪ .‬ولكن ناد ار أيضا‬ ‫ما نتجد معالتجة صحيحة لهذه القضايا‪ .‬ولذلك ل يستفيد علم التجتماع من أي قيمة‬ ‫منهتجية قد تكون كامنة في تلك المفهومات‪ .‬ومن تجانب آخر فإن تجلب مفهوم الةثلةثية‬ ‫الهيتجلية على وتجه التحديد إلى ميدان علم التجتماع‪ ،‬إنما هو أمر ضار حيث أنها حسبما‬ ‫سيتضح تقدم حلول وهمية حول الواقع التجتماعي وتناقضاته‪.‬‬ ‫وينبع ذلك الخلط أساسا من عدم فهم مضمون التناقض التجدلي الماركسي‬ ‫واختلفه عن تجدل هيتجل وةثلةثيته المشهورة‪ .‬إوان كان الباحث يرى أن ذلك الخلط ل يعود‬ ‫إلى عدم استيعاب مضمون التجدل عند ماركس أو عند هيتجل فحسب‪ .‬فهناك بعض‬ ‫المبررات التي قد تدفع البعض إلى التوقف عندها‪ .‬ونعني بذلك إعلن ماركس في وقت‬ ‫من الوقات بأنه هيتجلي بعد أن كان قد انتقد هيتجل انتقادا عنيفا‪ .‬غير أن التوقف عند‬ ‫ذلك وعدم إدراك السياق الذي أعلن فيه ماركس ذلك يفضي إلى خطأ بالغ‪ .‬ويوضح‬ ‫ماركس بنفسه هذه القضية بقوله‪:‬‬

‫»لقد انتقدت التجانب الصوفي في التجدل الهيتجلي منذ ةثلةثين عاما‪ ،‬في وقت كان‬ ‫ما يزال فيه الموضه الشائعة‪ .‬ولكن في الوقت الذي كنت أقوم فيه بتأليف المتجلد الول‬ ‫من رأس المال كان أبلغ ما يسر المتغطرسين والمتعتجرفين والدعياء الذين تعلو أصواتهم‬ ‫اليوم في المانيا المةثقفة‪ ،‬أن يعاملوا هيتجل بنفس الطريقة التي تصرف بها مندلسون‬ ‫الشتجاع‪ ،‬في عهد ليسنج‪ ،‬تتجاه سبينوزا‪ ،‬أي أنهم اعتبروه كلبا ميتا‪ .‬ولهذا أعلنت على‬ ‫المل أنني تلميذ لذلك المفكر العظيم‪ .‬بل أنني كتبت بعض أتجزاء الفصل الخاص بنظرية‬ ‫القيمة بأسلوب هيتجل الخاص في التعبير«‪ .‬وبعد هذا التوضيح يستطرد ماركس على‬ ‫الفور قائل‪» :‬فعلى الرغم مما يعانيه التجدل من تشويه بالصوفية على يدي هيتجل‪ ،‬فإن‬ ‫هذا ل يلغي مكانته بوصفه أول من عرض بعمق ووعي أشكال الحركة‪ .‬إن التجدل عند‬

‫‪97‬‬


‫هيتجل يقف على رأسه‪ .‬وينبغي قلبه ليقف على قدميه إذا ما كنا نريد أن نكتشف اللب‬ ‫العقلني داخل القشرة الصوفية«)‪.(1‬‬

‫إن ماركس يعلن هنا تقديره لهيتجل كمفكر عظيم الشأن بغض النظر عن‬ ‫اختلفهما‪ .‬وفي نفس الوقت يؤكد ضرورة تخليص التجدل من التشويه الذي تعرض له‬ ‫على يدي هيتجل‪ .‬ولكن بالرغم من ذلك لم تكف حتى الن محاولة الحاق ماركس بالتجدل‬ ‫الهيتجلي‪ .‬وتتساوى في هذا الشأن الكتابات المحلية والتجنبية في علم التجتماع‪ ،‬لكننا‬ ‫سنكتفي بةثلةثة نماذج‪.‬‬

‫والنموذج الول يرى أن »المنطق التجدلي الذي تستعين به الماركسية منطق‬ ‫مذهبي يحكم عليه إطار العقيدة المتزمتة‪ ،‬وهو ليس منطقا منهتجيا وموضوعيا يتخذ نقطة‬ ‫البداية من الظواهر‪ ،‬ويعين على استخلص خصائصها بالدراسة الموضوعية المستندة‬ ‫إلى الحصاء الدقيق والمقارنة السليمة‪ .‬هنا نرى الماركسية تعني بكل وسيلة أن تضع‬ ‫الظواهر تجميعها في إطار تجدلها المحكم وتفرض علينا الحقيقة التي تزعم أنها تصل‬ ‫إليها«)‪.(2‬‬ ‫والنموذج الةثاني يؤكد أنه‪:‬‬

‫»مما يؤخذ على آراء ماركس أنها قامت على طريقة هيتجل التجدلية لن هذه‬ ‫الطريقة صحيحة من ناحية المنطق وما وراء الطبيعة ولكن تطبيقها العملي ل يخلو من‬ ‫العتداء على الحقائق والساءة إلى التاريخ‪ ،‬وعندما نعرض حوادث التاريخ نرى أنها ل‬ ‫تطابق تمام المطابقة السلوب التجدلي الذي يقول به هيتجل‪ ،‬كما أن إخضاع التغيير‬ ‫لعامل واحد يقضي بتتجاهل الكةثير من العوامل«)‪.(3‬‬

‫أما النموذج الةثالث فل يرفض التجدل‪ ،‬إوانما يرى أنه أداة منهتجية تفيد في دراسة‬ ‫الواقع التجتماعي‪ .‬لكن أصحاب هذا النموذج ينظرون إلى التجدل أيضا في صورة ل‬ ‫تختلف كةثي ار عن الرأي السابق الشارة إليه‪ .‬ونعني بذلك تصويره على أنه عباره »ةثلةثية«‬ ‫أيضا‪ .‬وتقدم وتجهة النظر التي نعنيها تصورها كما يلي‪:‬‬

‫‪1‬‬

‫)‪( 1‬‬ ‫‪.29‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪98‬‬

‫‪K. Marx, Capital Vol. 1, p.‬‬

‫)‪ (1‬محمد فتحي الشنيطي‪ ،‬الفلسفة الماركسية أصولها اليديولوتجية وتطبيقاتها التجتماعية‪ ،‬دار المعرفة‪،‬‬ ‫القاهرة‪ ،1958 ،‬ص ‪.12‬‬ ‫)‪ (2‬عبد الباسط محمد حسن وآخرون‪ ،‬أصول علم التجتماع‪ ،‬مطبعة لتجنة البيان العربي‪ ،‬ص ‪231‬‬ ‫)التاريخ غير مبين(‪.‬‬


‫»واعترافا بما في كل المفهومات والتصورات والنظريات من إغفال لبعاد الواقع‬ ‫التجتماعي‪ ،‬يسعى الفكر التجدلي إلى مواتجهة قصور هذه المفهومات والتصورات‬ ‫والنظريات بالمناقشة والحوار التجدلي العقلي‪ .‬ولذا كان الفكر التجدلي في حركة ل تهدأ‪،‬‬ ‫وفي حوار ل يستقر‪ .‬بل إن الفكرة تسلم إلى نقيضها‪ ،‬ويسلم كلهما إلى التأليف بينهما‬ ‫ويصبح هذا التأليف – في مستوى آخر‪ -‬متجال للمناقشة والحوار النظري‪ ،‬ولهذا كان‬ ‫للتجدل فائدته في دراسة الظواهر التجتماعية«)‪.(1‬‬ ‫إن وتجهات النظر السابقة تستند إلى خطأ شائع‪ .‬فةثمة اعتقاد بأن ماركس يفسر كل‬ ‫شيء باستخدام الةثلةثية الهيتجلية‪ .‬وسنوضح هذه القضية أول ةثم ننتقل إلى مضمون تجدل‬ ‫ماركس ومحتوى تجدل هيتجل‪.‬‬ ‫إن المقولة الةثلةثية الهيتجلية الشهيرة ‪ Hegelian Triad‬مؤداها أن كل موضوع‬ ‫‪ Thesis‬يحتوي على نقيضه ‪ ،Antithesis‬وان الصراع بينهما يؤدي إلى ظهور مركب‬ ‫الموضوع ‪ .Synthesis‬ووفقا لرأي انتجلز ولينين فإن الزعم بأن ماركس يفسر كل شيء‬ ‫وفقا لهذه الةثلةثية هو تشويه وتحريف لمنهج ماركس‪ .‬فقد شرح انتجلز في »الرد على‬ ‫دوهرنج« كيف أن ماركس لم يعتزم أن يبرهن أي شيء باستخدام الةثلةثية الهيتجلية‪ .‬ولم‬ ‫يفعل ماركس شيئا سوى أن درس وبحث العمليات الواقعية‪ ،‬وأن المعيار الوحيد لنظريته‬ ‫هو مدى تطابقها مع الواقع )‪ .(2‬وقد تعرض انتجلز للدور الذي يلعبه نفي النفي عند‬ ‫ماركس قائل إن ماركس ضع استنتاتجاته النهائية التي استخلصها من البحث التاريخي‬ ‫والقتصادي حول التراكم الولي لرأس المال‪ ،‬وبعد ذلك قام بإيضاح أن السلوب‬ ‫الرأسمالي للنتاج يخلق الظروف المادية التي ستمحوه‪ ،‬وأن هذه عملية‪.‬تاريخية‪ ،‬إواذا‬ ‫كانت تتفق في نفس الوقت مع التجدل فإن ذلك ليس خطأ ماركس‬ ‫كما أن لينين يهاتجم علماء التجتماع الذين يزعمون أن »أساس النظريات‬ ‫السسيولوتجية عند الماديين )الماركسيين( يقوم على الةثلةثية الهيتجلية ‪ ...‬فعندما يق أر‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪99‬‬

‫)‪ (1‬محمد عارف عةثمان‪ ،‬المنهج الكيفي والمنهج الكمي في علم التجتماع في ضوء نظرية التكامل‬ ‫المنهتجي لدراسة الظواهر التجتماعية‪ ،‬بحث مقدم للحصول على درتجة الدكتوراه في علم التجتماع‪ ،‬كلية‬ ‫الداب‪ .‬تجامعة القاهرة‪ 1971 ،‬ص ‪) ،272‬انظر أيضا الصفحات ‪ 91-77‬التي يتضح منها عدم‬ ‫وتجود أي تفرقة بين ماركس وهيتجل في متجال التجدل(‪.‬‬ ‫‪F. Engels, Anti-Duhring, p.‬‬ ‫)‪( 2‬‬ ‫‪.184‬‬


‫ميخالوفسكي الكتابات الماركسية يصادف باستمرار إشارات إلى المنهج التجدلي في العلم‬ ‫التجتماعي إوالى التفكير التجدلي في متجال القضايا التجتماعية‪ ،‬وما إلى ذلك‪ .‬وبسبب‬ ‫بساطة قلبه – وسيكون حسنا لو كان المر متجرد بساطة‪ -‬يفترض تجدل أن هذا المنهج‬ ‫يعني حل كل القضايا السسيولوتجية وفقا لقوانين الةثلةثية الهيتجلية‪ .‬إن كل من يق أر تعريف‬ ‫وشرح المنهج التجدلي‪ ،‬الذي قدمه انتجلز في »الرد على دوهرنج« وفي »الشتراكية‬ ‫الخيالية والعلمية« أو الذي قدمه ماركس )تعليقات مختلفة حول رأس المال( ةثم في مقدمة‬ ‫الطبعة الةثانية وفي »بؤس الفلسفة« سوف يرى أن الةثلةثية الهيتجلية لم تتم الشارة إليها‬ ‫مطلقا«)‪ .(1‬كما يقول انتجلز في موضع آخر إن »نظريتنا في التاريخ هي قبل كل شيء‬ ‫مرشد للدرس وليست أداة بناء وفقا لسلوب تجماعة الهيتجليين«)‪ .(2‬لقد قال انتجلز هذه‬ ‫الكلمات وهو يتعرض لولئك الذين لديهم أفكار ساذتجة عن المادية ويتصورون أنهم‬ ‫بإطلق كلمة مادي على أي شيء يستغنون عن الدراسة والبحث‪.‬‬

‫مفهوم الجدل عند ماركس‪:‬‬

‫إن ماركس لم يقلب تجدل هيتجل فحسب‪ .‬بل قلب أيضا التصور الهيتجلي للتاريخ‪.‬‬ ‫فالتصور الهيتجلي للتاريخ ينهض استنادا إلى تجدل المبادئ الداخلية لكل متجتمع معين‪.‬‬ ‫وتجدل المبادئ الداخلية لي متجتمع هو تجدل لحظات الفكرة‪ .‬وقد قال ماركس م ار ار إن‬ ‫هيتجل يشرح ويفسر الحياة المادية‪ ،‬أي التاريخ العيني‪ ،‬لتجميع الشعوب عن طريق تجدل‬ ‫الوعي‪ ،‬وعي الشعب لنفسه – أي أيديولوتجيته‪ .‬أما بالنسبة لماركس فإن حياة الناس‬ ‫المادية هي التي تفسر تاريخهم‪ ،‬وبالتالي وعيهم وأيديولوتجيتهم‪ .‬ولهذا قال ماركس »إن‬ ‫منهتجي التجدلي ل يختلف فحسب عن المنهج الهيتجلي‪ ،‬إوانما هو مضاد له تماما‪.‬‬ ‫فبالنسبة لهيتجل‪ ،‬فإن العملية الحية للمخ البشري‪ ،‬أي عملية التفكير‪ ،‬التي يطلق عليها‬ ‫اسم الفكرة‪ ،‬بل والتي يحولهـا إلـى ذات مستقلة‪ ،‬هي القوة الخلقة للعالم الواقعي‪ ،‬إوان‬ ‫العالم الواقعي هو متجرد الشكل الظاهري الخارتجي »للفكرة«‪ .‬أما بالنسبة لي فعلى العكس‬

‫‪1‬‬

‫)‪( 1‬‬

‫‪.165‬‬

‫‪2‬‬

‫)‪ (2‬فردريك انتجلز‪ ،‬التفسير الشتراكي للتاريخ‪ ،‬ص ‪.127‬‬

‫‪100‬‬

‫‪V. Lenin, Collected Works, Vol. 1, p.‬‬


‫من ذلك‪ ،‬فإن المةثالي ليس سوى العالم المادي معكوسا عن طريق العقل البشري ومترتجما‬ ‫إلى أشكال الفكر«)‪.(1‬‬ ‫هكذا يتمايز الفرق بين ماركس وهيتجل‪ .‬ولكن من الواضح أن البعض لم يدرك بعد‬ ‫مةثل هذا التمايز‪ .‬ولهذا ل تزال هناك حاتجة إلى تحديد الختلفات بشكل أكةثر تفصيل‪.‬‬ ‫وذلك لنه يبدو‪ ،‬حسبما يقول لويس التوسير‪ ،‬أن »هناك شبحا له أهمية محورية اليوم‬ ‫بشكل خاص‪ .‬إنه شبح هيتجل‪ .‬ولرتجاع هذا الشبح إلى ظلمة الليل‪ ،‬فإننا نحتاج إلى مزيد‬ ‫من الضوء على ماركس أو نحتاج إلى مزيد من الضوء الماركسي على هيتجل نفسه‪.‬‬ ‫عندئذ نستطيع أن نبتعد عن تشويشات عملية قلب التجدل إوابهاماتها«)‪.(2‬‬

‫ويتضح الخلف بين هيتجل وماركس – حسبما يرى التوسير – بشكل أكةثر تجلء‬ ‫إذا تناولنا فلسفة التاريخ عند هيتجل – ذلك أنها تبين أن التناقض عند هيتجل هو تناقض‬ ‫بسيط ل يتأةثر بانعكاس التناقضات الخرى الموتجودة في نفس الكيان عليه‪ .‬أما التناقض‬ ‫عند ماركس فهو تناقض »متعدد التحديدات« ‪ .(*)Over-determination‬وتلك البساطة‬ ‫التي يتسم بها التناقض عند هيتجل تجعلته »يختزل تجميع العناصر التي تشكل الحياة‬ ‫العينية لي حقبة تاريخية )بالمؤسسات القتصادية والتجتماعية والسياسية والقانونية‪،‬‬ ‫والعادات والتقاليد والخلق والفن‪ ،‬والدين‪ ،‬بل والحداث التاريخية‪ ،‬والحروب‪ ،‬والمعارك‪.‬‬ ‫والهزائم‪ ،‬وما إلى ذلك(‪ ،‬اختزلها إلى مبدأ واحد للوحدة الداخلية‪ ،‬وهذا ذاته ل يصبح ممكنا‬ ‫إل على أساس شرط مطلق يرى الحياة العينية بأسرها لي شعب تتجسيدا واغترابا‬ ‫)مظاهر خارتجية واستلبا( لمبدأ روحي داخلي‪ ،‬مبدأ ليس بكل تأكيد‪ ،‬سوى الشكل الكةثر‬

‫‪1‬‬

‫)‪( 3‬‬

‫‪2‬‬

‫)‪(1‬‬

‫‪K. Marx, Capital, Vol. 1, p.‬‬

‫‪.29‬‬

‫‪.116‬‬

‫‪L. Althusser, For Marx, Penguin University Books, England, 1969, p.‬‬

‫*)*( استعار لويس التوسير هذا الصطلح من سيتجموند فرويد حيث كان يستخدمه للشارة إلى الدللت‬ ‫المختلفة التي تحملها عناصر الحلم‪ .‬وفي الترتجمة العربية لكتاب » تفسير الحلم « لفرويد نتجد أن‬ ‫المترتجم مصطفى صفوان عالم التحليل النفسي الشهير قد وضع تعبير »الحتم المضاعف« مقابل ذلك‬ ‫الصطلح‪ .‬وعندما استعار التوسير هذا الصطلح فإنه استخدمه كأداة توضيحية فحسب‪ ،‬وذلك لتوضيح‬ ‫أن التناقض عند ماركس هو متعدد التحديدات بمعنى أن التناقض تنعكس داخله ظروف وتجوده هو ذاته داخل‬ ‫الكيان المعقد بأسره‪ ،‬أي تأةثره بالتناقضات الخرى الموتجودة داخل ذلك الكيان‪.‬‬

‫‪101‬‬


‫تتجريدا لوعي تلك الحقبة التاريخية ذاتها‪ :‬وعيها الديني أو الفلسفي‪ ،‬أي أيديولوتجيتها‬ ‫الخاصة«)‪.(1‬‬

‫بهذا يرى التوسير أن تلك »القشرة الصوفية« التي تحدث عنها ماركس إنما تؤةثر‬ ‫في لب تجدل هيتجل وتلوةثه‪ .‬وبهذا ل يمكن أن نفهم القشرة الصوفية على أنها متجرد قلب‬ ‫مذهب هيتجل الميتافيزيقي ورؤيته للعالم إوانما المر يرتبط ببنية التجدل ذاتها‪ .‬ولذلك فإن‬ ‫عملية الستخراج التي تحدث عنها ماركس ل تتتجاهل في واقع المر »العلقة الوةثيقة‬ ‫بين بنية التجدل الهيتجلي ورؤية هيتجل للعالم‪ ،‬أي بنية التجدل وفلسفته التأملية‪ ،‬وهذه النظرة‬ ‫للعالم ل يمكن التخلص منها‪ ،‬في واقع المر‪ ،‬دون أن نضطر إلى تحويل بنى هذا التجدل‬ ‫تحويل عميقا«)‪.(2‬‬ ‫إن ذلك التحويل الذي يتحدث عنه التوسير هو الذي مكن ماركس مـن التخلص‬ ‫من تلك الحركة السحرية التي يقوم بها التجدل عـند هيتجـل‪ .‬أي تلك الحركة السحرية التي‬ ‫»تجعلت هيتجل يصور التاريخ العالمي )في كتاب »فلسفة التاريخ« ‪ -‬الباحث( من الشرق‬ ‫القديم حتى العصر الراهن على أنه تجدلي‪ ،‬أي يتحرك بفعل الحركة البسيطة لمبدأ تناقض‬ ‫بسيط‪ .‬وذلك هو السبب في أنه ل يوتجد عند هيتجل أي انقطاع رئيسي على الطلق‪ ،‬أي‬ ‫ل توتجد أي نهاية حقيقية لي تاريخ واقعي‪ .‬كما ل توتجد أي بداية تجذرية له‪ .‬وذلك هو‬ ‫السبب في أن فلسفته للتاريخ مزخرفة بتغايرات تجدلية مطردة‪ .‬ول يمكن لهيتجل الدفاع عن‬ ‫هذا المفهوم الذي يدعو للدهشة إل باعتلئه ذروة الروح‪ .‬فمن هناك ل يهم أن يموت‬ ‫شعب مادام قد تجسد المبدأ المحدد للحظة من لحظات الفكرة )التي ستتلوها لحظات كةثيرة‬ ‫قادمة(‪ ،‬فإن تتجسيده لها يعني أيضا أنه استنفذها وأضافها إلى الذات ‪ -‬الذاكرة التي هي‬ ‫التاريخ«)‪.(3‬‬

‫‪1‬‬

‫)‪( 2‬‬

‫‪2‬‬

‫)‪( 1‬‬

‫‪3‬‬

‫)‪( 2‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬

‫‪.103‬‬ ‫‪Ibid., pp. 103-‬‬

‫‪.104‬‬ ‫‪.103‬‬

‫‪102‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬


‫أما التناقض التجدلي عند ماركس فليس على ذلك النحو‪ .‬فإذا كان تصور هيتجل‬ ‫للتاريخ يرتبط بمفهوم التجدل لديه‪ .‬فإن البنية المتميزة للتناقض التجدلي الماركسي ترتبط‬ ‫هي الخرى بتصور ماركس للتاريخ‪.‬‬

‫إن ماركس لم يغير من بنية التجدل عند هيتجل فحسب‪ .‬بل وحلل أيضا أسلوب‬ ‫التفكير الخاطئ الذي أفضى بهيتجل إلى القول بأن العالم الحقيقي إنما هو حصيلة‬ ‫التفكير‪ .‬وقد تجاء التحليل في حديةثه عن المنهج العلمي في تناول متجال القتصاد‬ ‫السياسي‪ .‬وسننقل فقرة مطولة لنها تبين الطريقة التحليلية المتميزة لماركس‪ ،‬فضل عن‬ ‫أهميتها المنهتجية‪ .‬يقول ماركس في »المدخل« بمخطوطات ‪» :1858 – 1857‬عندما‬ ‫ندرس بلدا معينا من زاوية القتصاد السياسي فإننا نبدأ بالسكان وانقسامهم إلى طبقات‪،‬‬ ‫والمدينة والريف والفروع المختلفة للنتاج والتصدير والستيراد والنتاج والستهلك‬ ‫السنويين وأسعار السلع وما إلى ذلك‪.‬‬

‫»سيبدو لنا أن البدء بالواقعي والعيني‪ ،‬أي الشروط المسبقة الفعلية هي البداية‬ ‫السليمة‪ .‬أي أن نبدأ بالسكان الذين هم أساس وموضوع الفعل الجتماعي ‪Social Act‬‬ ‫لل نـتاج‪ .‬ومع ذلك فإن التمعن في المر يبين أن هذه بداية زائفة‪ .‬فالسكان هم فكرة‬ ‫مجردة إذا ما تجاهلنا الطبقات التي يتألفون منها‪ .‬كما أن هذه الطبقات كلمة جوفاء إذا‬ ‫لم نعرف العناصر التي تنهض عليها كالعمل المأتجور ورأس المال وغيرهما‪ ،‬وهذان‬ ‫العنصران يتضمنان التبادل وتقسيم العمل والسعار وما إلى ذلك‪ .‬فرأس المال مةثل ل‬ ‫يمةثل أي شيء دون العمل المأتجور والقيمة والنقود والسعار وما إلى ذلك‪ .‬ولهذا فإذا بدأنا‬ ‫بالسكان‪ ،‬فإن ذلك يعني البدء بتصور مشوش لهذا الكل‪.‬‬

‫»إنني أود أن أصل تحليليا إلى مفاهيم أكةثر بساطة‪ ،‬من العيني الذي على مستوى‬ ‫التصور إلى تتجريدات بالغة البساطة إلى أن أصل إلى أبسط التحديدات‪ .‬وعند تلك‬ ‫النقطة ينبغي السير في الرحلة في التتجاه المعاكس حتى نصل ةثانية إلى السكان‪ .‬ولكن‬ ‫في هذه المرة لن يكون السكان كتصور مشوش لكل معين‪ ،‬إوانما ككل غني بتحديدات‬ ‫وعلقات عديدة‪ .‬إن السلوب الول )أي البدء بالسكان ككل مشوش‪ -‬الباحث( هو‬ ‫السلوب الذي اتبعه القتصاد )السياسي( والذي اعتمد فيه على الطريقة التاريخية في‬ ‫طور تكوينه‪ .‬فعلماء القتصاد في القرن الةثامن عشر‪ ،‬على سبيل المةثال‪ ،‬بدأوا دائما‬ ‫بالحياة ككل‪ ،‬بالسكان‪ ،‬المة‪ ،‬الدولة‪ ،‬أو عدة دول وما إلى ذلك‪ .‬إل أن تلك الطريقة‬ ‫كانت تفضي بهم في نهاية المطاف‪ ،‬عبر التحليل‪ ،‬إلى اكتشاف عدد قليل من العلقات‬ ‫‪103‬‬


‫الكلية والمتجردة مةثل تقسيم العمل‪ ،‬النقود‪ ،‬والقيمة وما إلى ذلك‪ .‬ولكن بعد أن زاد إرساء‬ ‫هذه العوامل على قدر من الوضوح )التتجريد(‪ ،‬بدأت )النظمة القتصادية( تنتقل من‬ ‫مفهومات بسيطة كالعمل والطلب والقيمة التبادلية إلى مفهومات كالدولة والتبادل الدولي‪.‬‬ ‫ومن الواضح أن السلوب الخير هو المنهج الصائب علميا‪ .‬فالعيني هو عيني لنه‬ ‫متجموع تحديدات كةثيرة‪ ،‬ومن ةثم يمةثل وحدة لتنوع )أي مختلف أوتجه الظاهرة – الباحث(‪.‬‬ ‫لذا يظهر العيني على صعيد الفكر كخلصة‪ ،‬كنتيجة وليس كنقطة انطل قـ‪ ،‬على الرغم‬ ‫من أنه نقطة ال نـطل قـ الحقيقية‪ ،‬ومن ثم أيضا نقطة انطل قـ للدراك والتصور‪ .‬إن‬ ‫المنهج الول يضفي صو ار ذات معنى على تعريفات متجردة‪ .‬أما الةثاني فيسمح بالنتقال‬ ‫من التعريفات المتجردة إلى توليد العيني على صعيد الفكر‪ .‬ومن ثم فإن هيجل وقع في‬ ‫وهم إدراك ما هو واقعي على أنه نتيجة للتفكير الذي يتولد ذاتيا ويتعمق ذاتيا ويتحرك‬ ‫ذاتيا‪ .‬هذا في حين أن المنهج الذي ينتقل من المجرد إلى العيني هو مجرد طريقة‬ ‫لتمثل العيني ليعيد إنتاجه كعينية فكرية‪ ،‬وليست عملية التمةثل هذه هي منشأ العيني‬ ‫ذاته«)‪.(1‬‬

‫ربما سلط هذا النص بعض الضوء الماركسي على هيتجل الذي يطالب به‬ ‫التوسير‪ .‬ولم يكن في إمكاننا تقطيع هذا النص أو اختصاره‪ ،‬مع ملحظة أننا لم نستكمله‬ ‫بعد بل توقفنا عند النقطة التجوهرية التي تهمنا‪ .‬وهي أن الشرح السابق وصل إلى قضية‬ ‫الختلف مع هيتجل‪ .‬ويتضح أنه من الضروري – حتى ل نقع في تصورات وهمية‬ ‫ونتفادى خطأ هيتجل – أن نفرق بين مسألتين‪ :‬العيني على صعيد الفكر والذي هو معرفة‪،‬‬ ‫والواقع العيني الذي يعتبر موضوع هذه المعرفة‪ .‬أي يتجب أل نماةثل بين الةثنين‪ .‬وأل نقع‬ ‫في الوهام التأملية وأل نسير في ركب هيتجل ونماةثل بين العيني »في الفكر« والعيني‬ ‫الحقيقي‪ .‬فليس »مفهوم« الفاكهة على سبيل المةثال هو الذي ينتج الفاكهة العينية إوانما‬ ‫على العكس فإن الفاكهة العينية هي التي تنتج المفهوم المتجرد للفاكهة‪ .‬وتلك التفرقة‬ ‫مسألة تجوهرية لن »الموضوع الواقعي يظل‪ ،‬قبل وبعد عملية المعرفة‪ ،‬خارج العقل في‬ ‫وتجود مستقل‪ ،‬بينما )من تجانب آخر( يتصرف العقل بطريقة تصورية فحسب‪ .‬ولذلك فإنه‬ ‫فيما يتعلق باستخدام المنهج النظري‪ ,‬ينبغي أن نضع في اعتبارنا دوما أن الموضوع‪،‬‬ ‫وهو المتجتمع‪ ،‬هو الشرط المسبق لي تصور«)‪.(2‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪(1‬‬

‫‪104‬‬

‫‪T. Carver (ed.), Karl Marx: Texts on Method, Baines and Noble Books, New York, 1975,‬‬ ‫‪.pp. 72 - 73‬‬


‫إن تلك الراء التي يطرحها ماركس ل تختلف عن تصورات هيتجل فحسب‪ ،‬بل‬ ‫إنها تحقق قطيعة على الصعيد المنهتجي بين الماركسية والهيتجلية وكافة النظريات السابقة‬ ‫على ماركس‪.‬‬

‫وفضل عما سبق فإن هناك تحليلت ترى أن ماركس لم يعتنق كافة قوانين التجدل‪.‬‬ ‫ويدلل لويس التوسير على هذا الرأي قائل‪» :‬إذا كان التجدل الماركسي يتعارض من ناحية‬ ‫المبدأ مع التجدل الهيتجلي إواذا كان عقلنيا وليس صوفيا‪ ،‬فإن هذا التمايز التجذري لبد‬ ‫وأن يظهر في تجوهره‪ ،‬أي في تحديداته المميزة وبنياته المميزة‪ .‬ولكي أكون واضحا فإن‬ ‫هذا يعني أن البنى الساسية للتجدل الهيتجلي مةثل النفي‪ ،‬ونفي النفي وتطابق الضداد‪،‬‬ ‫والتخطي العلئي ‪ ،Supression‬والتحول الكمي إلى الكيفي‪ ،‬والتناقض وما إلى ذلك إنما‬ ‫لها عند ماركس‪ ،‬إلى الحد الذي يتبناها فيه )وهو ل يتبناها كلها بأي حال(‪ ،‬بنية مختلفة‬ ‫عن البنية التي لها عند هيتجل‪ .‬كما يعني هذا أن هذه الختلفات البنيوية يمكن إظهارها‬ ‫ووصفها وتحديدها وتناولها«)‪.(1‬‬ ‫يشير التوسير هنا إلى أن ماركس لم يؤمن بكافة قوانين التجدل‪ .‬والقضية المعنية‬ ‫هنا بالذات هي قانون تطابق الضداد ‪ .Identity of Opposites‬فليس هناك أول ما يشير‬ ‫في أعمال ماركس إلى تبنيه ذلك القانون إوانما هناك ما يوضح العكس‪ .‬وخاصة في قول‬ ‫ماركس إنه »ليس أسهل على الهيتجلي من أن يطابق بين النتاج والستهلك‪ .‬وعلى ذلك‬ ‫النحو سار الكتاب الشتراكيون وتبعهم علماء القتصاد المبتذلون ‪ ...‬إن أي شعب مةثل‬ ‫ل يستهلك متجمل إنتاتجه ‪ ...‬وفضل عن ذلك فمن الخطأ اعتبار المتجتمع كذات واحدة‪،‬‬ ‫فإن تناوله على هذا النحو إنما هو تناول زائف وتأملي‪ .‬فتناول المتجتمع على أنه ذات‬ ‫واحدة سيتجعل النتاج والستهلك يبدوان كلحظات في فعل واحد«)‪.(2‬‬ ‫لقد ردد ماركس هذا الرأي في أعمال أخرى أيضا‪ .‬كما أن بعض الباحةثين الذين‬ ‫تتبعوا في دراساتهم أعمال ماركس يؤكدون أن قانون تطابق الضداد كان غريبا على‬

‫‪2‬‬

‫)‪( 2‬‬

‫‪1‬‬

‫)‪( 1‬‬

‫‪2‬‬

‫)‪( 2‬‬

‫‪Ibid., pp. 73‬‬

‫‪.- 74‬‬ ‫‪L. Althusser, For Marx, pp. 93‬‬

‫‪.- 94‬‬ ‫‪.p. 63‬‬

‫‪105‬‬

‫‪T. Caver (ed.), op. cit.,‬‬


‫ماركس‪ .‬ويشارك في هذا الرأي‪ ،‬على سبيل المةثال‪ ،‬كل من لويس التوسير وايتين‬ ‫باليبار)‪ (1‬وموريس تجودلييه علوة على عالم النفس المشهور تجان بياتجيه الذي يقول‪:‬‬ ‫»إننا أيضا نوافق على ملحظة التوسير الةثانية‪ ،‬وأعني بذلك أن التناقض الجدلي‬ ‫عند ماركس ل يحمل أي تشابه مع التناقض الجدلي الهيجلي الذي يتم اختزاله‪ ،‬في‬ ‫نهاية المطاف‪ ،‬إلى تطابق الضداد ‪ Identity of Contraries‬في حين أن التناقض‬ ‫الجدلي عند ماركس هو نتيجة لتحديدات متعددة‪ .‬إواذا فهمنا ماركس فهما صائبا فإن‬ ‫هذا التعدد للتحديدات سيترتب عليه بالضرورة التفاعلت غير المنفصلة عنه‪ .‬كما أن‬ ‫التوسير على حق أيضا حينما أوضح الختلف بين المفهوم الماركسي والمفهوم الهيتجلي‬ ‫بشأن الكلية ‪.(2)«Totality‬‬ ‫أما موريس تجودلييه فيتفق أيضا مع هذا الرأي ويؤكد أن »هيتجل اخترع افتراض‬ ‫تطابق الضداد ليبرهن على وتجود حل داخلي للتناقضات الداخلية لي بنية ‪ ...‬أما‬ ‫أعمال ماركس فتستةثنى‪ ،‬بشكل تجذري‪ ،‬هذه المكانية‪ ،‬حيث ل يوتجد تطابق )تماةثل( بين‬ ‫العناصر المتناقضة داخل أي بنية ول بين البنى المتناقضة داخل أي نسق‪ ،‬كما ل يمكن‬ ‫لكل منها أن يختزل إلى الخر ‪ ....‬إن تطابق الضداد هو في واقع المر‪ ،‬أداة سحرية‬ ‫استخدمها هيتجل لبناء قصر الفكار الذي هو معرفة مطلقة‪ ،‬وذلك من أتجل إضفاء‬ ‫مظهر عقلني على الخدعة اليديولوتجية التي اتخذها كنقطة انطلق للمةثالية المطلقة‬ ‫التي يستحيل إيتجاد برهان لها«)‪.(3‬‬ ‫ويرى الباحث أن ذلك الرأي ل يبتعد عن التصورات الحقيقية لماركس وانتجلز‪ .‬وقد‬ ‫دافع انتجلز بالفعل في »الرد على دوهرنج« عن السمة المميزة لمنهج ماركس التجدلي‬ ‫برفضه أن يتم تحويله إلى آداة تقول »إن كل شيء يتساوى في النهاية‪ ،‬ومن ةثم يصبح‬ ‫الرأسماليون والعمال ويصبح السلوب الرأسمالي والسلوب القطاعي والسلوب‬ ‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫)‪ (1‬انظر أعمال الحلقة الدراسية التي عقدت عام ‪ 1965‬بكلية النورمال العليا بباريس وخصصت‬ ‫لدراسة منهج ماركس‪ .‬وهي العمال التي صدرت في كتاب من متجلدين بعنوان‪Reading Capital :‬‬ ‫‪J. Piaget, Structuralism, Rutledge and Kegan Paul, London, 1971, p.‬‬ ‫)‪( 2‬‬ ‫‪.126‬‬

‫‪3‬‬

‫‪106‬‬

‫)‪(3‬‬

‫‪M, Goldelier, "Structure and Contradiction in Capital», in R. Blackburn (ed.),‬‬ ‫‪.Ideology in Social Science, Fontana-Collins, Glascow, 1975, pp. 357 - 358‬‬


‫الشتراكي في النتاج‪ ،‬على سبيل المةثال‪ ،‬واحدا في النهاية عند ماركس«)‪ .(1‬ةثم يستطرد‬ ‫موضحا خطأ تحويل تجدل ماركس إلى فكرة غير مفهومة ومشوشة ترى أن كل شيء‬ ‫واحد‪.‬‬ ‫إن تناول التجدل الماركسي على النحو الذي عرضناه يوضح خطأ كل محاولة‬ ‫تختزله إلى تلك الةثلةثية الهيتجلية أو تنسبه إلى تجدل هيتجل وتصوراته عن التاريخ‪.‬‬

‫ويتضمن تراث علم التجتماع بالفعل أعمال توصلت إلى نفس النتائج التي تعرضنا‬ ‫لها من قبل‪ .‬ولكن تكمن المشكلة في أن تلك العمال لم يتح لها التداول الواسع النطاق‪.‬‬ ‫كما أنها من تجانب آخر ظلت فترة طويلة دون محاولة لتطويرها وتحقيقها في ضوء‬ ‫معطيات العلم الحديةثة‪ .‬ومن أمةثلة تلك العمال بعض مواد المؤتمر الدولي الول لعلم‬ ‫التجتماع المنعقد عام ‪ .1900‬ففي ذلك المؤتمر استعرض تجروبالي عالم التجتماع‬ ‫اليطالي‪ ،‬كتابات ماركس ابتداء من »الحوليات اللمانية الفرنسية« )‪ (1844‬حتى‬ ‫»مساهمة في نقد القتصاد السياسي« )‪ (1859‬وأعلن أنها تكشف عن التحرر النتقادي‬ ‫لفكر ماركس من قيود فلسفة هيتجل‪ ،‬وقال إن المفهوم المادي للتاريخ ليس نسقا ميتافيزيقيا‬ ‫إوانما آداة لتفسير الحياة التجتماعية وشرحها‪ .‬وقد اختبر ماركس نفسه صحتها بدراساته‬ ‫التاريخية والقتصادية)‪.(2‬‬ ‫لقد تميز ماركس بمنطلقاته المنهتجية التي انطلق في دراساته وفقا لها‪ .‬وقد عالج‬ ‫في دراساته قد ار ضخما من المعطيات الواقعية التي يصعب أن تقارن بها أي أعمال‬ ‫أخرى‪ .‬ومع ذلك فإن هذا ليس هو ما يميز ماركس‪ .‬إن ما يميزه هو المنطلقات المنهتجية‬ ‫التي أضفت قيمة على أعماله وعلى تلك المواد الواقعية التي تحتويها متجلدات »رأس‬ ‫المال« على وتجه التحديد‪ .‬ذلك هو الذي تجعل من أعمال ماركس إسهاما كبي ار في الفكر‬ ‫التجتماعي خاصة بالنسبة للمتجالت التالية‪:‬‬ ‫أول‪ :‬تحديد الصفة النسبية والتاريخية للظاهرة التجتماعية‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪( 1‬‬

‫‪2‬‬

‫)‪( 2‬‬

‫‪F. Engels, Anti-Duhring, p.‬‬

‫‪.170‬‬ ‫‪.57‬‬

‫‪107‬‬

‫‪T. Bottomore and M. Rubel (eds.), op. cit., p.‬‬


‫ثانيا‪ :‬تحديد فاصل بين الدراسات التجتماعية وفلسفة التاريخ‪ ،‬المر الذي ساعد‬ ‫على تحديد متجال الدراسة لعلم التجتماع‪.‬‬ ‫ثالثا‪ :‬طرح نظرية اتجتماعية في المعرفة‪.‬‬

‫رابعا‪ :‬تحليل البنية القتصادية للمتجتمع وعلقاتها بالتجوانب الخرى للبنية‬ ‫التجتماعية من أشكال سياسية وفكرية )أي البنية الفوقية(‪.‬‬ ‫خامسا‪ :‬نظرية الطبقات التجتماعية والصراع الطبقي‪.‬‬

‫سادسا‪ :‬صياغة مفهوم عيني للتطور التجتماعي على أساس أن كل أسلوب من‬ ‫أساليب النتاج يمةثله تكوين اتجتماعي‪ .‬وبكلمات أخرى نظر إلى تطور المتجتمع بوصفه‬ ‫تعاقب تكوينات اتجتماعية اقتصادية موضحا أن التناقضات الداخلية للتكوين التجتماعي‬ ‫بما يشمله من بنى هي عوامل التطور‪.‬‬

‫‪108‬‬


‫الفصل الرابع‬ ‫الوظيفية‬

‫تمهيد‪:‬‬

‫كانت الوظيفية تتمتع برواج في علم التجتماع منذ الربعينات حتى منتصف‬ ‫ستينات القرن العشرين‪ .‬فقد ظلت لكةثر من ةثلةثين عاما تحظى بأوسع انتشار بين‬ ‫النظريات التجتماعية‪ .‬وربما تتجسد المكانة التي احتلتها الوظيفية وما تتعرض له منذ‬ ‫منتصف الستينات الفكرة القائلة أن العلوم التجتماعية ذاتها تشكل تجزءا من العالم الذي‬

‫‪109‬‬


‫نعيش فيه‪ .‬فإن طبيعة أي علم ومكانته ووظيفته التجتماعية ترتبط ببعضها البعض‬ ‫ويؤةثر كل منها في الخر‪ .‬وقد برزت مكانة الوظيفية في أعقاب الزمة التي كان يعانيها‬ ‫النظام الرأسمالي في الةثلةثينات حيث كان يتجرى البحث عن أساليب استقرار النظام‪.‬‬ ‫وبرز مع الوظيفية‪ ،‬وساعد على بروزها‪ ،‬تالكوت بارسونز أكةثر المنظرين التجتماعيين‬ ‫انتشا ار في مرحلة ما بعد المنظرين الكلسيكين‪ .‬وكان بروزه مع كتابه »بنية الفعل‬ ‫التجتماعي« )‪ (1937‬الذي سلط الضوء على الدور الرئيسي لميل دوركايم وماكس‬ ‫فيبر في تشكيل علم التجتماع الكلسيكي‪.‬‬ ‫غير أن بارسونز الذي ظل فترة طويلة محو ار أساسيا في التجدال حول النظرية‬ ‫التجتماعية أصبح الن أكةثر شخصيات علم التجتماع عرضة للنتقاد‪ .‬ومن هنا فإن‬ ‫تناولنا لفكار الوظيفية المعاصرة سيرتبط بالتعرض في المحل الول لبارسونز وزميله‬ ‫وتلميذه السابق روبرت ميرتون‪ .‬غير أن إلقاء الضوء على فكرهما التجتماعي يقتضي‬ ‫التعرض أيضا للتجذور أو الصول التاريخية لنظرية التحليل الوظيفي في النةثروبولوتجيا‬ ‫وعلم التجتماع‪ .‬ومن هنا فإننا سنتناول في هذا الفصل القضايا التالية‪:‬‬ ‫أول‪ :‬الصول التاريخية للوظيفية المعاصرة‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬المفهومات الرئيسية للوظيفية والنتقادات الموتجهة لها‪.‬‬

‫ثالثا‪ :‬أزمة التحليل الوظيفي ومحاولة الوظيفيين التقارب مع الماركسية‪.‬‬

‫الصول التاريخية للوظيفة المعاصرة‪:‬‬

‫بعد تأسيس علم التجتماع على يدي سان سيمون بدأ العلم ينقسم إلى أكةثر من‬ ‫اتتجاه‪ .‬ويمةثل النقسام الول كل من كونت وماركس‪ .‬فالتتجاه الوضعي لكونت والذي‬ ‫أطلق اسم علم التجتماع على العلم التجتماعي التجديد كان بداية علم التجتماع‬ ‫الكاديمي‪ .‬والتتجاه الةثاني تمةثل في النظرية المادية التاريخية لماركس والتي كانت لها‬ ‫صلة ما بالمتجال الكاديمي‪.‬‬

‫وقد تطور علم التجتماع الكاديمي في القرن التاسع عشر تحت تأةثير التتجاه‬ ‫الوضعي‪ .‬وشارك هربرت سبنسر إلى تجانب كونت في هذا التطوير‪ .‬واتخذ هذا التطور‬ ‫اتتجاهين‪ :‬أحدهما علم اتجتماع نظري والخر ارتبط أساسا بالدراسات المبريقية‪ .‬وحاول‬

‫‪110‬‬


‫التتجاه النظري أن يشيد مراحل تطورية رئيسية في تاريخ البشرية‪ ،‬وأن يصف في الوقت‬ ‫نفسه بنية المتجتمع‪ .‬وقد مةثل سبنسر هذا التتجاه النظري‪.‬‬

‫وهذا ما يدفع البعض إلى وصف علم التجتماع الكاديمي في النصف الةثاني من‬ ‫القرن التاسع عشر بأنه »كان أول ذا طابع موسوعي‪ ،‬إذ كان يهتم بالحياة التجتماعية‬ ‫للنسان في متجموعها‪ ،‬وبالتاريخ بأكمله‪ .‬ةثم كان ةثانيا تطوريا‪ ،‬وذلك تحت تأةثير فلسفة‬ ‫التاريخ‪ ،‬مدعمة بواسطة نظرية التطور الحيوي‪ .‬فكان يسعى إلى تحديد المراحل الرئيسية‬ ‫للتطور التجتماعي ‪ ...‬كانت العلوم التجتماعية تفهم بصفة عامة إبان القرن الةثامن عشر‬ ‫على أنموذج الفيزياء‪ ،‬أما علم التجتماع فكان يفهم في القرن التاسع عشر على أنموذج‬ ‫علم الحياة«)‪ (1‬باستةثناء النظرية التجتماعية لماركس‪.‬‬

‫وقد بذلت الوظيفية المعاصرة محاولة لربط المبريقية باتتجاه نظري وبإطار‬ ‫تصوري على القل‪ .‬كما أنها حاولت خلق تركيبة تتجمع ما بين بعض التجوانب النظرية‬ ‫لرواد علم التجتماع في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين‪ .‬وبكلمات أخرى حاولت‬ ‫أن تتجمع ما بين الفكار النظرية لسبنسر ودوركايم وماكس فيبر علوة على النظرة‬ ‫المبريقية لكونت‪ .‬وقد يبدو القول بأن الوظيفية المعاصرة تحمل بعض أفكار سبنسر‬ ‫منطويا على نوع من التناقض حيث أن الوظيفية المعاصرة سواء في علم التجتماع أو‬ ‫النةثروبولوتجيا ترفض النزعة التطورية‪ .‬ولكن التمعن في بعض تجوانب أفكار سبنسر‬ ‫وأفكار الوظيفية المعاصرة يمكننا من إيتجاد الصلة الوةثيقة بينهما فضل عن معرفة‬ ‫الفكار المحددة لسبنسر التي وتجدت استم ارريتها في أفكار الوظيفية المعاصرة‪.‬‬

‫فأول‪ :‬حاول »سبنسر« أن يستعير من البيولوتجيا تفرقتها بين البنية والوظيفة‪،‬‬ ‫وهما المصطلحان اللذان حظيا بانتشار كبير في علم التجتماع المعاصر)‪.(2‬‬

‫وثانيا‪ :‬في محاولة سبنسر تطبيق قوانين البيولوتجيا وقوانين التطور التي وضعها‬ ‫هذا العلم على المتجتمع »اقترح لذلك صيغة فريدة وهي التكامل عبر التمايز أو التغاير‪،‬‬ ‫ولكنه تتجنبا للنزعة التجبرية ‪ Fatlist‬اعترف بإمكانية التحلل في مواتجهة التطور‪ ،‬وهو ما‬

‫‪ (1)1‬بوتومور‪ ،‬تمهيد في علم التجتماع‪ ،‬ترتجمة وتعليق محمد التجوهري وآخرون‪ ،‬دار الكتب التجامعية‪،‬‬ ‫اسكندرية‪ ،‬الطبعة الولى‪ ،1972 ،‬ص ‪.16‬‬ ‫‪G. Gurvitch, op. cit., p.‬‬ ‫‪(1)2‬‬ ‫‪.43‬‬

‫‪111‬‬


‫يتمةثل في رأيه في التحلل عبر التشابه«)‪ .(1‬وقد أوضحنا من قبل استمرار فكرة التكامل‬ ‫عبر التباين عند الوظيفية المعاصرة‪.‬‬

‫وثالثا‪ :‬كان سبنسر‪ ،‬بالرغم من نزعته التطورية المرفوضة في الوظيفية المعاصرة‬ ‫هو الذي رأى أن المتجتمع كل عضوي وأن الرابطة بين التجزاء المشكلة للكل تتشكل من‬ ‫إسهامات تلك التجزاء‪ .‬كما أنه هو الذي وضع الصياغة القائلة أن التطور هو بحث دائم‬ ‫عن توازن تجديد‪ .‬وقد أشرنا في الفصل الول إلى آرائه الممتدة إلى الوظيفية المعاصرة‬ ‫بالفعل‪.‬‬

‫أما التأةثير الكبر فيعود إلى دوركايم‪ ،‬حيث أن الوظيفية كنظرية اتجتماعية ترتبط‬ ‫بشكل دقيق بأعمال دوركايم التي طرحت التفسير الوظيفـي‪ .‬ومةثال ذلك كتاب »الصور‬ ‫الولية للحياة الدينية«‪ .‬لكن دوركايم »قد اقـترح نوعـين متعارضين للتفسير هما التفسير‬ ‫الوظيفي والسببي‪ ،‬ولـم يستطع علـى الطـلق أن يقدم حل لما هو ملئم منها لعلم‬ ‫التجتماع أو أن يدرس أوتجـه الرتبـاط بينهما‪ ...‬حقيقة أنه في كتاباته المبكرة أشار إلى أن‬ ‫التفسير الوظيفي وحده ليس كافيا‪ ،‬إذ أن القول بأن للظاهرة التجتماعية وظيفة معينة ل‬ ‫يبرر وتجودها الذي يتجب تفسيره في ضوء السباب الكافية‪ .‬ولكنه في كتاباته الخيرة كان‬ ‫يفسر الظواهر التجتماعية – ببساطة‪ -‬بواسطة وظائفها دون تبرير ذلك‪ .‬وقد سار‬ ‫رادكليف براون على طريقته في هذا المتجال«)‪.(2‬‬

‫كان تأةثير دوركايم هو الكةثر عمقا بالفعل‪ .‬ويشير الوظيفيون الن إلى هذا‬ ‫بوضوح‪ .‬ويمكن في هذا المتجال أن نشير إلى رادكليف براون وبارسونز‪ .‬بل إننا نتجد أن‬ ‫بارسونز يعبر بشكل أكةثر تحديدا عن صلة الوظيفية المعاصرة بدوركايم‪ .‬وفي هذا‬ ‫المتجال يقول‪» :‬لقد كان دوركايم – في حدود علمي‪ -‬أول عالم اتجتماعي يدرك إدراكا‬ ‫عميقا‪ ،‬هذا التعقيد البالغ للعمل التحليلي للعلم التجتماعي حين تحدث عن البيئة‬ ‫التجتماعية من زاوية الفرد الفاعل بوصفها بيئة معطاة له في واقع المـر‪ ،‬ومفهوماه‬ ‫الساسيان عن »الوقائع التجتماعية«‪ ،‬و»الوسط التجتماعي« يتضمنان هذا الدراك‪.‬‬ ‫وبمتجرد أن نفهم مغزى هذه النظرة النافذة لدوركايم‪ ،‬فإن نسق – الفعل الموازي للتفرقة‬ ‫الفسيولوتجية بين البيئة الخارتجية والبيئة الداخلية‪ ،‬الذي ألح عليه كل من كلود برنار‬ ‫وكانون إلحاحا شديدا‪ ،‬يصبح لفتا للنظر حقا«‪ .‬ويواصل بارسونز قائل‪:‬‬ ‫‪( 2)1‬‬ ‫‪ (1)2‬بوتومور‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ‪.51‬‬

‫‪112‬‬

‫‪.Ibid‬‬


‫»وقد ألمح دوركايم لهذا الرأي بوضوح لول مرة في كتابه قواعد المنهج في علم‬ ‫التجتماع )‪ .(1895‬ولكن كان من الصعب استيعاب دللته بسبب نزعة دوركايم‬ ‫المشوشة لمعاملة المتجتمع ككيان عيني‪ .‬ةثم تتجلى هذا الرأي بمزيد من الوضوح في عمل‬ ‫دوركايم اللحق الشكال الولية للحياة الدينية‪ ،‬وكان السبب التجوهري في ذلك أن دوركايم‬ ‫كان قد بلغ في ذلك الحين مرحلة التنظير على مستوى ما أسميته ومعي عديد من الزملء‬ ‫بالنسق العام للفعل‪ .‬فالتفرقة بين النساق الفرعية أتاحت معاملة الفرد بوصفه فاعل في‬ ‫بيئة اتجتماعية خارتجية بالنسبة له إوان كانت تظل مع ذلك تجزءا من نسق الفعل‪ .‬ويلقـي‬ ‫هـذا مزيدا من الضوء على تصور دوركايم المبكر للوقائع التجتماعية كتصور ينصب –‬ ‫من زاوية الفرد الفاعل‪ -‬على خصائص متجموعة معطاة من الموضوعات في العالم«)‪.(1‬‬ ‫يشير بارسونز بوضوح كاف إلى تأةثيرات دوركايم‪ ،‬خاصة بالنسبة لمفهومين‬ ‫رئيسيين للوظيفية المعاصرة‪:‬‬ ‫أ ـ مفهوم نسق الفعل‪.‬‬

‫ب ـ مفهوم النسق التجتماعي الذي تنهض صياغته استنادا إلى مماةثلة بيولوتجية‪.‬‬ ‫وسيتضح ذلك بشكل أكةثر سطوعا عند التعرض لمفهوم النسق التجتماعي‪.‬‬

‫وقد تدعمت بعض هذه المفهومات الوظيفية بظهور أعمال رادكليف براون بالذات‪.‬‬ ‫فتحت تأةثيرها اتتجهت النةثروبولوتجيا التجتماعية عامة والبريطانية بوتجه خاص نحو‬ ‫الكشف عن وظائف العناصر المختلفة داخل النسق التجتماعي‪ .‬وربط رادكليف براون‬ ‫مفهوم الوظيفة في النساق التجتماعية بمفهوم الوظيفة في البيولوتجيا أيضا‪.‬‬

‫ويتأكد هذا من قوله إن »البنية العضوية كبنية حية تعتمد في وتجودها المتصل‬ ‫على العمليات التي تتجعل الحياة تقوم بعمليتها ‪ ...‬وفي الشارة إلى النساق التجتماعية‬ ‫وفهمها نظريا فإن استخدام مفهوم الوظيفة هو نفس استخدامه العلمي في الفسيولوتجيا‪.‬‬ ‫فيمكن استخدامه للشارة إلى العلقة المتبادلة بين البنية التجتماعية وعملية الحياة‬ ‫التجتماعية‪ .‬فالمفهومات الةثلةثة للعملية والبنية والوظيفة هي بهذا مكونات نظرية واحدة‬ ‫كمخطط لتفسير النساق التجتماعية«)‪.(2‬‬ ‫‪(2)1‬‬

‫‪T. Parsons «The Present Status of Structural Functional Theory in Sociology», in L.‬‬

‫‪.Coser (ed.), The Idea of Social Structure, Harcourt Brace Javanich inc., New York, 1975, p. 72‬‬

‫‪(1)2‬‬

‫‪113‬‬

‫‪A. Radcliffe Brown, Structure and Process in Primitive Society, Oxford University‬‬ ‫‪.Press, London, p. 12‬‬


‫وكما ستوضح هذه الدراسة سنتجد أن هناك استم اررية وصلة وةثيقة بين أعمال‬ ‫رادكليف براون وتالكوت بارسونز والتي تشكل في مضمونها المبادئ الساسية للوظيفية‬ ‫المعاصرة‪ .‬بل إن بارسونز ألف كتابا يحمل عنوانه مضمون الرأي السابق الشارة إليه‬ ‫لرادكليف براون‪ .‬ونعني بذلك كتاب »البنية والعملية في المتجتمعات الحديةثة« ‪Structure‬‬ ‫‪ .and Process in Modern Societies‬غير أن كل ما سبق ل ينفي أن النتشار الواسع‬ ‫للوظيفية يعود في نهاية المر إلى أعمال بارسونز وميرتون في ميدان علم التجتماع‪.‬‬

‫بعض جوانب تفوق الرواد‪:‬‬

‫على الرغم من اعتماد بارسونز في تطوير نظرياته على أعمال الوظيفيين الرواد‬ ‫خاصة دوركايم إل أن ذلك ل يعني أن ما قدمه بارسونز وزملؤه كان دائما أكةثر تطو ار‬ ‫من أعمال أولئك الرواد‪ .‬ومةثال ذلك ما يتعلق بقضية المفاهيم في علم التجتماع‪.‬‬ ‫فالمفاهيم تستخدم حتى الن »بمعان مختلفة ‪ ..‬والمفاهيم العديدة لم يتم ربطها وتحقيق‬ ‫التكامل بينها عن طريق الوصف أو التفسير‪ .‬ويبدو‪ ،‬في الحقيقة‪ ،‬أن سوء الفهم في‬ ‫استخدام المفاهيم هو أحد مصادر الصعوبات‪ .‬ولقد وتجهت عناية خاصة في بعض‬ ‫المتجالت الحديةثة لتطوير أطر المفاهيم في علم التجتماع‪ ،‬وخاصة تلك التي قام بها‬ ‫تالكوت بارسونز وزملؤه‪ ،‬حين اتتجهوا إلى تعريف المفاهيم أكةثر من استخدامها في‬ ‫التفسير‪ .‬وهذه ولشك خطوة إلى الوراء‪ ،‬إذا ما قورنت بأعمال دوركايم وماكس فيبر‪ ،‬حيث‬ ‫قدم كلهما بعض المفاهيم وحددا معناها حينما حاول تطوير نظريات تفسيرية«)‪.(1‬‬

‫ومن المةثلة الخرى في هذا الصدد أيضا أن الهتمام الذي كان عند ماكس فيبر‬ ‫مةثل لمعرفة الخصائص المميزة لفترات تاريخية معينة انعدم »بوضوح في أعمال أولئك‬ ‫الذين اهتموا بتطوير نظريات الفعل التجتماعي«)‪ .(2‬ويعني ذلك أن بارسونز على وتجه‬ ‫التحديد تغافل عن أحد التجوانب الهامة للذين يعتبر هو نفسه امتدادا لهم بشكل ما‪.‬‬

‫كما توتجد مفارقات ينبغي الشارة إليها‪ .‬فقد وقف النةثربولوتجيون الوظيفيون في‬ ‫البداية ضد الفكار التطورية ومن ةثم التصقت بالوظيفية فكرة عدم تناول التغير في‬ ‫المتجتمعات‪ .‬ولكن بالرغم من عدم صواب وتجهات نظر التطوريين بشأن الفكرة الكلية عن‬

‫‪ (1)1‬بوتومور‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ص ‪.43 – 42‬‬ ‫‪ (2)2‬المرتجع السابق‪ ،‬ص ‪.48‬‬

‫‪114‬‬


‫التطور فإنهم قدموا مساهمة تتمةثل في نشر فكرة التغير في حد ذاتها‪ .‬لكننا نتجد أن‬ ‫بارسونز ل يزال يستخدم بعض أفكارهم لتدعيم مقولة معاكسة‪ ،‬أي تدعيم فكرة النسق‬ ‫التجتماعي المغلق والذي يحافظ على اتزانه في مواتجهة أي شيء‪ .‬وهذا ما سوف‬ ‫نتعرض له عند مناقشة مفهوم النسق التجتماعي‪ .‬غير أن بارسونز‪ ،‬من تجهة أخرى‪ ،‬يرى‬ ‫أيضا أن معارضة علماء التجتماع والنةثروبولوتجيا للفكار التطورية‪ ،‬وبشكل حاد‪ ،‬أمر‬ ‫غير سليم‪ .‬وقد عبر عن ذلك بقوله‪:‬‬

‫»إن وتجود مماةثلت مفيدة بين ظواهر الحياة العضوية وظواهر الشخصيات‬ ‫والمتجتمعات والةثقافات النسانية يستند أساسا على سمات وامتدادات تشترك فيها النماط‬ ‫المختلفة للنساق الحية‪ .‬ونكتفي بمةثل واحد فنقول إن كل من علماء التجتماع‬ ‫والنةثروبولوتجيا مروا بمرحلة معارضة حادة لستخدام الفكار التطورية فيما يختص‬ ‫بالمتجتمعات النسانية‪ .‬وكانت هذه العتراضات تقوم في معظم الحيان على ضروب‬ ‫من سوء الفهم لنظرية التطور البيولوتجية وعلى إساءة تطبيقها على الظواهر التجتماعية‬ ‫النسانية‪ .‬لكنني مع ذلك أتمسك بقوة بالرأي القائل بأن العلم التجتماعي ل يمكن أن‬ ‫يكون كامل دون دراسة متأنية للبعاد التي يمكن أن تسمى بحق أبعادا تطورية«)‪.(1‬‬

‫الخلفية النظرية والمنهجية للمفهومات الوظيفية‪:‬‬

‫بعد عصر المنظرين التجتماعيين الكلسيكيين اهتم علم التجتماع عموما‪،‬‬ ‫وخاصة المدرسة المريكية التي كانت لها الغلبة‪ ،‬بالدراسات المبريقية‪ .‬وكان ذلك يتجرى‬ ‫دون اهتمام بالنظرية التجتماعية‪ .‬وكان إغفال النظرية يستتبعه إهمال النواحي المنهتجية‪.‬‬ ‫غير أنه يمكن القول إن الغراق في الدراسات المبريقية يعني في حد ذاته النطلق من‬ ‫مبادئ منهتجية أيضا‪ .‬لكنها تنظر إلى الحياة التجتماعية بشكل تتجزيئي يكتفي بمعالتجة‬ ‫المظهر الخارتجي للظواهر‪.‬‬ ‫ومنذ الةثلةثينات أخذت تظهر أهمية تطعيم البحوث والدراسات المبريقية بنظرية‬ ‫اتجتماعية عامة أو بالحرى »بإطار تصوري« حسب تعبير بارسونز‪ .‬كما أن ميرتون‬ ‫أبدى اهتماما أيضا بهذا الموضوع‪ .‬لكنه كان اهتماما يتسم بالتواضع ويدعو إلى نظرية‬ ‫متوسطة المدى‪ .‬فبالرغم من العتراف بأهمية النظرية‪ ،‬نادى ميرتون بالكتفاء بمزيد من‬ ‫التعميمات التجزئية وبنظريات من المرتبة المتوسطة وتأتجيل بناء نظرية عامة لعلم‬

‫‪( 1)1‬‬

‫‪115‬‬

‫‪.T. Parsons, op. cit., pp. 74 - 75‬‬


‫التجتماع إلى وقت يتراكم فيه قدر كاف من المعطيـات فيصح في المكان الرتفاع إلى‬ ‫مستوى أكبر من التعميمات‪ .‬وقد عبر ميرتون عن رأيه في كل من عملية التنظير المتجرد‬ ‫وعملية البحث الميداني المنعزل بقوله‪:‬‬ ‫»إن نموذج المنظر التجتماعي الذي يحلق في سماء الفكار التي ل تدنسها‬ ‫الوقائع يصبح باليا بنفس السرعة التي تصيب أي باحث يتسلح بصحيفة استبيان وينكب‬ ‫على إحصاءات منعزلة ل معنى لها«)‪ .(1‬يعبر ميرتون هنا عن رأيه في عدم كفاية‬ ‫البحوث الميدانية إذا أخذت في حد ذاتها‪ ،‬لكنه أيضا يعترض على عملية التنظير التي‬ ‫تتخذ شكل التأملت‪ .‬لكن موقف ميرتون الحقيقي‪ ،‬والذي يتمسك به منذ الربعينات هو‬ ‫رفض وتجود نظرية عامة لعلم التجتماع‪ ،‬وهو في ذلك على خلف مع بارسونز ويقول‪:‬‬ ‫»حينما يقترح بارسونز أن مهمتنا الرئيسية أن نتعامل مع نظرية أفضل من تعاملنا مع‬ ‫نظريات فلبد أن أتخذ موقف العتراض«)‪.(2‬‬

‫يرتجع سبب اعتراض ميرتون إلى أنه يدعو إلى نظريات متوسطة المدى‪ .‬وفضل‬ ‫عن ذلك فهو يرى »أن علم التجتماع يرتبط بتعددية التتجاهات النظرية التي تشمل نماذج‬ ‫متميزة ونظريات متوسطة المدى أكةثر من ارتباطه بنظرية حقيقية واحدة أو نظرية شاملة‬ ‫توشك أن تتحقق«)‪.(3‬‬ ‫وينبغي أن نلحظ أن ميرتون كان في الربعينات يعلن مةثل هذا الرأي في مواتجهة‬ ‫بارسونز‪ .‬لكنه يعبر عنه الن في مواتجهة من ينتقدون الوظيفية‪ ،‬وهو ما سيتضح لنا فيما‬ ‫بعد‪ .‬ويكفي أن نشير الن إلى أن الفقرة التي أوردناها آنفا نقل عن ميرتون قيلت في‬ ‫سياق اعتراضه على من ينتقدون الوظيفية الن‪ .‬بل إن ميرتون يقول لولئك النقاد إن‬ ‫التجدال الدائر اليوم »يمةثل استم ار ار تاريخيا للتجدال الذي يطرح تعدد النماذج‪ ،‬التي يتجرى‬ ‫تدعيمها كلما أمكن‪ ،‬في مقابل المةثل العلى والمطمح الذي يسعى إلى نسق نظري‬ ‫شاهق«)‪.(4‬‬

‫‪(1)1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫)‪.R. Merton, Sociological Ambivalence and Other Essays, Free Press, New York, 1976, p. 131 (2‬‬ ‫‪.Ibid., p. 129‬‬ ‫‪( 3)3‬‬ ‫‪.Ibid‬‬ ‫‪( 4)4‬‬ ‫‪.R. Merton, Social Theory and Social Structure, Free Press. Glencoe, 1957, p. 102‬‬

‫‪116‬‬


‫غير أن بارسونز كان ول يزال أكةثر طموحا‪ .‬لكن هذا الطموح يقع أيضا في نطاق‬ ‫المحاولت رغم إنتاتجه الغزير‪ .‬وهو يرى أن أي محاولة لوضع إطار عام لنظرية‬ ‫اتجتماعية ينبغي أن تنطلق من الوظيفية‪ .‬وفي تقييمه للحالة التي عليها النظرية يرى أن‬ ‫النماط النظرية الموتجودة في علم التجتماع الحديث غير موضوعية‪ .‬وعندما يسعى‬ ‫لتحديد الطار العام لنظرية علم التجتماع يعتبر أن »المقولة الولية في هذا العمل تعتبر‬ ‫أن النمط الوظيفي – البنيوي للنسق هو النمط الكةثر تفصيل ‪ More likely‬والكةثر‬ ‫ملءمة لكي يلعب دو ار سائدا في نظرية علم التجتماع«)‪.(1‬‬ ‫وفي هذا الصدد يطرح بارسونز خمس قضايا يرى أنها أكةثر المسلمات التجوهرية‬ ‫أهمية‪ .‬كما يرى أن تلك القضايا تقوم بدور المنطلقات للمهمة الكةثر تقنية لبناء معالتجة‬ ‫نسقية للنظرية التجتماعية)‪.(2‬‬ ‫والقضايا الخمس يحددها كما يلي‪:‬‬

‫‪1‬ـ »النظرية النسقية ذاتها ذات أهمية تجوهرية لي علم‪ ،‬ول توتجد‪ ،‬بالطبع‪ ،‬أي نية‬ ‫لنكار ذلك العمل الذي يمكن أن يسمى بحق عمل علميـا ‪ ...‬فالمورفولوتجيات‬ ‫والتصنيفات والتعميمات المبريقية من كافة النواع قد لعبت أدوا ار هامة في تطور علوم‬ ‫شتى‪ .‬وعلى أية حال‪ ،‬فإن أعلى مستويات التطور العلمي ل يتم التوصل إليها دون وضع‬ ‫إطار تصوري على المستوى الذي يسمى عادة النسق النظري«‪.‬‬ ‫وبعد أن يصل بارسونز إلى هذه النقطة يستخلص على الفور نتيتجة هامة تبين‬ ‫مطمحا لم يتحقق‪ .‬وما نعنيه هنا هو قوله »وبقدر اقتراب العلم التجتماعي من تحقيق هذه‬ ‫المكانية )أي وضع إطار تصوري على مستوى النسق النظري‪ -‬الباحث(‪ ،‬بقدر ما يمكن‬ ‫النظر إليه كعلم يتحلى بالنضج‪ ،‬وبقدر ما تزيد القدرة التنبؤية التي يمتلكها«‪ .‬وهنا يصل‬ ‫للمسلمة الةثانية فيقرر‪:‬‬

‫‪2‬ـ »أن النسق النظري الذي هو أمر تجوهري لعلم التجتماع ينبغي أن يكون أوسع‬ ‫من نسق علم التجتماع ذاته‪ .‬وينبغي بدرتجة ما أن نضع مخططا نظريا يربط ميداننا‬ ‫)‪( 3‬‬ ‫الخاص بالميادين الخرى التي تمةثل تجزءا مساويا من النسق الساسي الوسع ذاته« ‪.‬‬ ‫‪(1)1‬‬ ‫‪.33‬‬

‫‪( 2)2‬‬ ‫‪( 3)3‬‬

‫‪117‬‬

‫‪T. Parsons, Essays in Sociological Theory Pure and Applied, Free Press, Glencoe, 1949, p.‬‬ ‫‪.Ibid., p. 4‬‬

‫‪.Ibid‬‬


‫أما القضية التالية فترتبط بالمماةثلة بالبيولوتجيا التي دائما ما يلتجأ إليها بارسونز‪.‬‬ ‫وهو يطرحها على النحو التالي‪:‬‬

‫‪3‬ـ »إن النظرية النسقية الكةثر إةثما ار لمتجالنا ينبغي أن تتوافق مع الطراز الوظيفي‬ ‫– البنيوي »‪ «Structural-Functional‬الشائع في النظرية البيولوتجية‪ ،‬وعلى الخص في‬ ‫الفسيولوتجيا ‪ ...‬إن أكةثر المسائل تجوهرية بالنسبة لنظرية وظيفية – بنيوية تتمةثل في أنه‬ ‫باستخدام المقولت البنيوية يتم تبسيط القضايا الدينامية إلى الدرتجة التي يصبح فيها‬ ‫التجزء الكبر منها في متناولنا إمبريقيا عبر وسائل الملحظة والتحليل وهو ما نطمح في‬ ‫تحقيقه في المستقبل القريب«)‪.(1‬‬ ‫وسوف يتبين فيما بعد كيف ربط بارسونز بين هذا الفتراض وبين صياغته لمفهوم‬ ‫النسق التجتماعي‪ .‬أما القضية أو المسلمة الرابعة التي يرى بارسونز أنها أساسية‬ ‫لصياغة نظرية اتجتماعية فترتبط بالطار المرتجعي للفعل‪:‬‬

‫‪4‬ـ »إن النظرية ينبغي صياغتها في الطار المرتجعي للفعل‪ .‬ول يمكن أن تكون‬ ‫سلوكية بشكل كامل وبالمعنى الذي يلغي كل ما هو مرتجعي من وتجهة نظر الفاعل نفسه‬ ‫‪ ...‬فإن هذه الفرضية إنما هي فرضية تجوهرية من أتجل أن يصبح ممكنا أن نحقق بدرتجة‬ ‫كبيرة عملية الربط بمقولت الدوافع لعلم النفس المعاصر الذي يتناول مسائل كالمواقف‪،‬‬ ‫والعواطف‪ ،‬والهداف‪ ،‬وما إلى ذلك«)‪.(2‬‬ ‫ويرى بارسونز أن من الشروط المنهتجية لصياغة أي نسق »تحليل الطار‬ ‫المرتجعي للفعل«‪.‬‬ ‫وفي مؤلف آخر يحمل نفس عنوان كتاب بارسونز المشار إليه آنفا‪ ،‬مع اختلف‬ ‫بسيط‪ ،‬يشير إلى هذه النظرية بوصفها أحد خمسة نماذج للنمو النظري‪ .‬وهي »النظرية‬ ‫الخاصة بدوافع السلوك التجتماعي وتأةثيره على القضايا الدينامية للنساق التجتماعية‪،‬‬ ‫أي تأةثيره على كل من شروط استقرار النساق التجتماعية وعوامل تغيرها البنيوي‪.‬‬ ‫ويتضمن هذا‪ ،‬بالطبع‪ ،‬العلقات بالمستوى السيكولوتجي لتحليل الشخصية والدوافع«)‪.(3‬‬ ‫‪( 1)1‬‬ ‫‪.Ibid‬‬ ‫‪( 2)2‬‬ ‫‪3‬‬ ‫)‪.T. Parsons, Essays in Sociological Theory, Free Press, New York, 1954, p. 351 (1‬‬

‫‪.Ibid., p. 5‬‬

‫‪118‬‬


‫أما المسلمة الخامسة والخيرة فترتبط بالعلقة بين النسق النظري والمفهومات‬ ‫التجرائية‪ .‬ويطرح بارسونز صياغته لهذه المسلمة كما يلي‪:‬‬ ‫‪5‬ـ »أما النسق النظري فيتجب أن يوضع‪ ،‬وبقدر المكان في إطار مفهومات‬ ‫إتجرائية أصيلة‪ .‬والمطمح هو الحصول على مقولت نظرية تتسم بما يسمح بأن تنتج على‬ ‫الفور‪ ،‬بإتجراءات الملحظة‪ ،‬القيم المبريقية للمتغيرات المعنية‪ .‬وفي ميادين قليلة نسبيا‬ ‫للعلم التجتماعي من الممكن القتراب من هذا‪ ،‬ولكن بمزيد من التطور على التجانب‬ ‫النظري وباختراع إتجراءات تتجريبية تجديدة وللملحظة أيضا‪ .‬ومن المتوقع تحقيق مدى‬ ‫كبير من التقدم في هذا التتجاه«)‪.(1‬‬

‫ويرى بارسونز هنا أيضا أن تحليل الطار المرتجعي للفعل هو أحد الشروط‬ ‫المنهتجية التي ينبغي أن توضع في العتبار‪ .‬وذلك لنه »من الضروري استخلص‬ ‫بعض الخصائص الساسية والتضمينات في الفعل‪ .‬وتوتجد أساليب عديدة لتحقيق ذلك‪.‬‬ ‫ولكن الكةثر إةثما ار هو أن نميز في المحل الول إتتجاه الفاعل من تجانب وبنية الموقف‬ ‫من تجانب آخر‪ .‬وبالرغم من أن الموقف يتضمن البيئة الفيزيقية وأشخاصا آخرين فإن‬ ‫وتجهة النظر التي ينبغي أن يتجري بها التحليل لهذا الغرض ليست هي وتجهة نظر العلوم‬ ‫الفيزيقية أو البيولوتجية‪ ،‬إوانما يتجرى التحليل من زاوية النماط المختلفة لدللة الحقائق‬ ‫الموقفية بالنسبة للفاعل‪ .‬وهذا يعني أن تحليل الموقف ينبغي أن يتكامل تماما مع تحليل‬ ‫الفعل ذاته«)‪.(2‬‬ ‫وفضل عن التمييز بين اتتجاه الفاعل وبنية الموقف في عملية التحليل يرى‬ ‫بارسونز أيضا ضرورة التمييز بين المستوى الوصفي والمستوى التحليلي عند تناول‬ ‫الطار المرتجعي للفعل‪ ،‬حيث يرى أنه »من الضروري التمييز بين مستويين مختلفين‬ ‫يمكن على أساسهما استخدام مخطط الفعل بكافة خصائصه الرئيسية‪ ،‬وهما المستوى‬ ‫الوصفي والمستوى التحليلي‪ .‬فأية ظاهرة يتم تطبيق النظرية عليها يمكن أن يتم وصفها‬ ‫كنسق فعل بالمعنى العيني‪ .‬كما أن ذلك النسق يمكن دائما أن يتم تقسيمه إلى أتجزاء أو‬ ‫أنساق فرعية‪ .‬إواذا ما تم اتباع التقسيم أو التحليل لدرتجة كافية استنادا إلى هذه الخطة‪،‬‬

‫‪( 2)1‬‬ ‫‪( 3)2‬‬

‫‪119‬‬

‫‪.T. Parsons, Essays in Sociological Theory Pure and Applied, p. 5‬‬

‫‪.Ibid., pp. 5 - 6‬‬


‫فإننا سنصل في آخر المر إلى ما يسمى وحدة الفعل‪ .‬وتعتبر هذه أصغر وحدة في نسق‬ ‫الفعل«)‪.(1‬‬

‫تلك هي القضايا التي يرى بارسونز ويتمنى أن تكون بمةثابة كشاف لمناقشة‬ ‫وتوضيح القضايا المنهتجية والنظرية‪ .‬وهي القضايا التي يمةثل فيها مفهوم الطار‬ ‫المرتجعي للفعل مكانة رئيسية حيث نتجد أن الشروط المنهتجية التي يطرحها بارسونز‬ ‫لصياغة النسق ترتبط بشكل أو بآخر بالطار المرتجعي للفعل وبالشخاص كفاعلين‪.‬‬ ‫ويتأكد ذلك من أمرين‪:‬‬ ‫‪1‬ـ الشروط المنهتجية التي يرى أنها لزمة لصياغة النسق النظري‪.‬‬ ‫‪2‬ـ العناصر التصورية الرئيسية للنسق التجتماعي‪.‬‬

‫ويحدد بارسونز تلك الشروط المنهتجية المشار إليها فيما يلي‪:‬‬

‫)أ( تحليل الطار المرتجعي للفعل‪ .‬وهو أمر يكرر بارسونز ترديده دوما‪ .‬وقد‬ ‫سبقت الشارة إلى ما يقصده بارسونز بذلك‪.‬‬

‫)ب( الشروط الوظيفية المسبقة للنسق التجتماعي‪ .‬وهي ترتبط أيضا حسبما‬ ‫سيتضح من كلمات بارسونز بالطار المرتجعي للفعل‪ .‬فإن تحليل الشروط الوظيفية‬ ‫للنسق التجتماعي يعني عند بارسونز تحليل »نسق الفعل التجتماعي الذي يشمل عديدا‬ ‫من الفراد المتفاعلين ‪ ...‬فالنسق ل يمكن أن يؤدي وظيفته إل إذا أدت نسبة كافية من‬ ‫أعضائه الدوار التجتماعية الرئيسية‪ ،‬وبدرتجة ملئمة من الفاعلية«)‪.(2‬‬ ‫)ج( أما الشرط المنهتجي الةثالث فيتمةثل عند بارسونز في أسس تركيب النساق‬ ‫التجتماعية‪ ،‬حيث يرى »أن بؤرة الهتمام المنهتجية الةثالةثة هي طبيعة عملية تكون النسق‬ ‫التجتماعي والنقاط المرتجعية التي ينبغي وضعها في العتبار لتحليل تلك العملية‪،‬‬ ‫وينبغي تناول أي مقولة بنيوية – من زاوية أهميتها للنسق الوظيفي البنيوي‪ -‬بوصفها‬ ‫عملية تنميط ةثابتة نسبيا لعلقة بين أتجزاء‪ ،‬وهي في حالتنا المعنية هذه كمتجموعة فاعلين‬ ‫أو أدوار‪ ،‬وذلك تبعا لنوع المشاركة في العلقات التجتماعية«)‪.(3‬‬ ‫‪(1 ) 1‬‬ ‫‪(2 )2‬‬ ‫‪( 1)3‬‬

‫‪120‬‬

‫‪.T. Parsons, The Structure of Social Action, Free Press, Glencoe, 1949, p. 731‬‬ ‫‪.T. Parsons, Essays in Sociological Theory Pure and Applied, pp. 6 - 7‬‬ ‫‪.Ibid., p. 7‬‬


‫إواذا انتقلنا إلى العناصر التصورية الرئيسية للنسق التجتماعي‪ ،‬والتي يرى بارسونز‬ ‫أن التحليل النظري يقتضي تحديدها سنتجدها كما يلي‪:‬‬ ‫) أ ( بنية الموقف‪.‬‬

‫)ب( التقاليد الةثقافية‪.‬‬

‫)ج ( عملية تركيب النسق‪.‬‬

‫)د ( قوى وميكانزمات الدوافع ‪.‬‬ ‫)‪( 1‬‬

‫إن تلك السس النظرية والمنهتجية التي يطرحها بارسونز والتي يرى الباحث أنها‬ ‫تدور أساسا حول مفهوم »الفعل« ليست كما يقول بارسونز »نسقا لنظرية علم التجتماع‪،‬‬ ‫إوانما هي‪ ،‬بالحرى‪ ،‬برنامج لتطوير مةثل ذلك النسق«)‪.(2‬‬

‫ويرى الباحث أن كلمات بارسونز هذه تتوافق مع رأي بوتومور القائل إننا نتجد في‬ ‫علم التجتماع الحديث »اهتماما ضئيل نسبيا ببناء نظريات شاملة‪ .‬والعمال التي قدمها‬ ‫تالكوت بارسونز وتلميذه‪ ،‬التي تبدو على أساس أنها استةثناء لهذه القضية‪) ،‬استطاعت‬ ‫في الحقيقة( أن تطور إطا ار تصوريا يمكننا في مراحل لحقة من صياغة فروض‬ ‫ونظريات دون أن يقدم نسقا نظريا«)‪.(3‬‬

‫مفهوم النسق الجتماعي‪:‬‬

‫يمةثل مفهوم النسق التجتماعي عند الوظيفية المعاصرة‪ ،‬كما يمةثلها بارسونز‬ ‫وميرتون‪ ،‬المحور الساسي الذي يرتبط به مفهوم البنية ومفهوم الوظيفة‪ .‬ويطرح بارسونز‬ ‫خاصيتين‪ ،‬أساسيتين للنسق‪ .‬ويتجري أسلوب تحليله للخاصية الولى كما يلي‪:‬‬ ‫»لقد أخذت تسمية »الوظيفية – البنيوية« تبدو في نظري غير ملئمة على نحو‬ ‫تزايد مع اليام‪ .‬ومن هنا قد يكون من المناسب أن أبدأ بتفسير أسباب هذا الشعور‪.‬‬

‫»هذه السباب تتمةثل في المقام الول في أن مفهومي البنية والوظيفة ليسا‬ ‫بالمفهومين المتوازيين‪ .‬فكلهما ضروري تماما في علم التجتماع وفي أي عمل نظري‬ ‫آخر يتصدى لمعالتجة النساق الحية‪.‬‬ ‫‪( 2)1‬‬ ‫‪( 3)2‬‬ ‫‪ (4)3‬بوتومور‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ‪.54‬‬

‫‪121‬‬

‫‪.Ibid., p. 8‬‬

‫‪.Ibid., p. 13‬‬


‫»ولكن يظل من المهم أن نفهم العلقة التي تربط كل منهما بالخر ‪ ...‬فالنسق‬ ‫التجتماعي يبدو مفهوما رئيسيا ل غنى عنه يتصل معناه بشكل مباشر بمفهوم البيئة‪.‬‬ ‫والقضية المهمة هنا تكمن في أن الظروف الداخلية بالنسبة لنسق حي تختلف دائما عن‬ ‫الظروف في بيئته وأنها بوتجه عام أكةثر استق اررا‪ .‬وقد قدم ميرتون )كما فعل من قبله والتر‬ ‫كانون( عرضا ناصع الوضوح لطبيعة علقة النسق – بالبيئة في بحةثه المعنون‬ ‫الوظائف الظاهرة والوظائف الكامنة‪ .‬وقد أخذت هذه الفكرة عن العالم الفسيولوتجي‬ ‫الفرنسي العظيم كلود برنار‪ .‬ولكنها تطورت بوتجه خاص على أيدي كانون‪ .‬وةثمة نتيتجتان‬ ‫بالغتا الهمية تترتبان على التفرقة بين النسق والبيئة الولى هي وتجود حدود بين الةثنين‬ ‫وأهمية هذه الحدود‪ .‬من هنا يكون الكائن الحي الفرد محدودا بشيء كالبشرة الخارتجية‬ ‫تقوم في داخلها ظروف تختلف عن تلك القائمة خارتجها‪ ،‬ففي الكائنات ذات الدم الحار‬ ‫مةثل تختلف درتجة الح اررة عن تلك الموتجودة في البيئة‪ .‬وتظل عند مستوى ةثابت تقريبا في‬ ‫مواتجهة تغيرات رئيسية في درتجة ح اررة البيئة«)‪.(1‬‬ ‫يمكننا أن نلحظ هنا أن صياغة بارسونز لمفهوم النسق تتجعله نسقا مغلقا يتمتع‬ ‫بقوة طبيعية خارقة تحفظ استق ارره وذلك عن طريقين‪:‬‬ ‫الول‪ :‬بالعتماد على مفهوم النسق العضوي‪.‬‬

‫وثانيا‪ :‬بمحاولة التدليل على أن هناك حدودا بين النسق والبيئة وكل منها مغلق‬ ‫أمام الخر‪ .‬مما يتجعل النسق في نهاية المر محصنا ضد التغيرات‪.‬‬

‫ويرى الباحث أن أي صياغة لمفهوم النسق الجتماعي لبد وأن تضع في‬ ‫اعتبارها الختلف الجذري بين المجتمع البشري وكافة ال نـساق الطبيعية‪ .‬فإن أي‬ ‫نسق طبيعي‪ ،‬بما فيها أنساق الكائنات العضوية‪ ،‬إنما يولد علقاته المتداخلة الخاصة‬ ‫به بنفس الخصائص التي تميز تركيبه ومظهره‪ .‬كما أن تلك ال نـساق تتكامل بشكل‬ ‫سلبي مع بعضها البعض‪ .‬أما في النسق الجتماعي فلبد أن نلحظ أن ال نـسان يغير‬ ‫بنشاطه الجتماعي‪ ،‬وعلى الدوام‪ ،‬من علقاته المتبادلة وأوجه نشاطه ذاتها‪.‬‬ ‫إواذا انتقلنا إلى الخاصية الةثانية التي يحددها بارسونز لمفهوم النسق سنتجد أنها‬ ‫تدعم الفكار التي تتضمنها الخاصية الولى‪ .‬يقول بارسونز‪:‬‬

‫‪1‬‬

‫)‪. T. Parsons, «The Present Status of Structural-Functional Theory in Sociology», pp. 67-68 (1‬‬

‫‪122‬‬


‫»أما الخاصية الساسية الةثانية في النساق الحية فتتمةثل في أنها أنساق منظمة‬ ‫لنفسها بمعنى ما‪ .‬فالمحافظة على استقرار نسبي‪ ،‬بما في ذلك استقرار عمليات تغيير‬ ‫بعينها كنمو الكائن الحي‪ ،‬في مواتجهة تغيرات بيئية أوسع مدى‪ ،‬بما ل يقارن‪ ،‬إنما يعني‬ ‫– على حد تعبير ميرتون مرة أخرى‪ -‬أن هناك بالضرورة »ميكانزمات« تقوم بتطويع‬ ‫حالة النسق بما يتناسب والتغيرات في بيئته«)‪.(1‬‬

‫إن تلك التصورات تفضي ببارسونز إلى رؤية المتجتمع كنسق اتجتماعي متكامل‬ ‫يقوم كل عنصر بنيوي فيه بوظيفة معينة للحفاظ على اتزان النسق واستق ارره‪ .‬ويةثير ذلك‬ ‫التصور عدة قضايا هامة بشأن التحليل الوظيفي بشكل عام‪ .‬أو كما يقول تجولدنر فإن‬ ‫»هناك ةثلةثة أسئلة عامة تجدا تترتب على وتجهة نظر التحليل النسقي عند بارسونز‪.‬‬ ‫فأول‪ :‬وكما يقول بارسونز فإن الخاصية الكةثر عمومية وأساسية لنسق ما هي العتماد‬ ‫المتبادل بين التجزاء والمتغيرات‪ ،‬ومن هنا تنشأ أسئلة بشأن طابع العتماد المتبادل‪ .‬ةثم‬ ‫تأتي ثانيا مشكلة المحافظة على النسق‪ .‬فالنساق قد تحتفظ بقدر من الستقرار عن‬ ‫طريق عمليات تبادل عند الحدود‪ ،‬وعن طريق ميكانزمات تعيد إليها توازنها حين يختل‬ ‫هذا التوازن‪ .‬ومن هنا يتحول تجانب كبير من التحليل النسقي لبارسونز إلى أسئلة تنصب‬ ‫إما على طبيعة العتماد المتبادل للنسق أو طبيعة قوى الستقرار النسقي‪ ،‬أي‬ ‫الميكانزمات التي تحافظ على الحدود أو على التوازن‪ .‬على أنه من الواضح مع ذلك أن‬ ‫العتماد النسقي المتبادل والتوازن النسقي مستقلن تحليليا‪ .‬ذلك أنه إذا كان التوازن‬ ‫يتضمن العتماد المتبادل‪ ،‬فالعتماد المتبادل ل يتضمن بالضرورة التوازن‪ .‬وثالثا وأخي ار‬ ‫فإنه يهمنا أيضا أن نعرف رأي بارسونز في التغير النسقي أي في الطرق التي يمكن أن‬ ‫تتغير بها النساق سواء في دينامياتها الداخلية أو في بنيتها ككل«)‪.(2‬‬ ‫إن هذه السئلة التي يطرحها تجولدنر ل يمكن التجابة عليها إل إذا تناولنا مفهوم‬ ‫الختلل الوظيفي الذي أدخله روبرت ميرتون لمواتجهة النتقادات الموتجهة للوظيفية‪ ،‬ةثم‬ ‫تناول موقف الوظيفية من التطور بالذات‪ .‬وقد اعترف ميرتون قبل أن يطرح هذا المفهوم‬ ‫بأن الوظيفية تغفل بالفعل معالتجة التغير‪ ،‬لكنه أوتجد المبررات حيث يقـول‪» :‬لوحظ أن‬ ‫المحللين الوظيفيين يميلون إلى التركيز على استاتيكية البنية التجتماعية ويغفلون دراسة‬

‫‪( 1)1‬‬ ‫‪(1)2‬‬

‫‪123‬‬

‫‪.Ibid., p. 68‬‬ ‫‪A. Gouldner, The Coming Crisis of Western Sociology, Heinemann, London, 1972,‬‬ ‫‪.pp. 211-212‬‬


‫التغير البنيوي‪ .‬إن هذا التأكيد على التجوانب الستاتيكية ليس متأصل في نظرية التحليل‬ ‫الوظيفي‪ ،‬إوانما هو‪ ،‬بالحرى‪ ،‬تأكيد عارض ينبع من اهتمام النةثروبولوتجيين الوائل‬ ‫بمقاومة التتجاهات السابقة عليهم لكتابة تاريخ المتجتمعات البدائية‪ .‬وهذا المنحى الذي‬ ‫كان مفيدا في البداية حينما تم استخدامه في النةثروبولوتجيا له مساوئ استمرت في أعماق‬ ‫بعض علماء التجتماع الوظيفيين«)‪.(1‬‬

‫وبعد أن يستجل ميرتون هذا يطرح حل ل يتسم بالحسم حيث يقول »إن مفهوم‬ ‫الختلل الوظيفي الذي يتضمن مفهوم التوتر والضغوط على المستوى البنيوي إنما يوفر‬ ‫مدخل تحليليا لدراسة الديناميات والتغير«)‪.(2‬‬

‫غير أن هذا المفهوم ذاته تعرض أيضا للنتقادات حيث أنه ل يتناول التغيرات إل‬ ‫في إطار التوازن‪ .‬وذلك لن مفهوم الختلل الوظيفي يرى فيه ميرتون أنه الفعل الذي‬ ‫يخل باتزان واستقرار النسق لكنه يقوي في نهاية المر من استق ارره‪ .‬فالختلل الوظيفي ل‬ ‫يعتبر من دوافع التطور‪ .‬ولهذا ل يقضي على استاتيكية الوظيفية‪ .‬فالمحصلة العامة‬ ‫تتمةثل في أن الوظيفية ترى النساق في حالة توازن‪ .‬كما أن التغير يحدث في أضيق‬ ‫الحدود نتيتجة استتجابات توافقية مع التغيرات الخارتجية‪ .‬وهذه الستتجابات »تميل إلى‬ ‫تقليل القدر النهائي للتغير داخل النسق إلى أقل قدر ممكن‪ .‬فالتتجاه السائد يتتجه على‬ ‫هذا النحو إلى الةثبات والقصور الذاتي عبر ميكانزمات التوافق والضبط التجتماعي ‪...‬‬ ‫إوان الختلل الوظيفي والتوازن والنحرافات قد توتجد وبإمكانها أن تستمر لوقت طويل‪،‬‬ ‫لكنها تميل إلى تذويب نفسها ‪ ...‬وعلى حين أن التوازن التام أو التكامل التام ل يتم بلوغه‬ ‫مطلقا فإن هذا التوازن هو الحد الذي تميل نحوه النساق التجتماعية«)‪ .(3‬كما أن التغير‬ ‫في مفهوم الوظيفية يتجرى بأسلوب توافقي وتدريتجي وينبع من مؤةثرات خارتجية في‬ ‫الساس وليس نتيتجة لتناقضات داخلية في النساق والبنى‪ .‬ول تعترف الوظيفية أيضا‬ ‫بالتغيرات الفتجائية والةثورية‪ .‬إواذا حدةثت تغيرات عنيفة فإنها ل تؤةثر إل في البنية الفوقية‬ ‫بينما تترك العناصر التجوهرية للبنية التجتماعية والةثقافية دون تغيير إلى حد كبير)‪.(4‬‬ ‫‪( 2)1‬‬ ‫‪(3)2‬‬

‫‪.R. Merton, Sociological Ambivalence…, p. 107‬‬

‫‪.Ibid‬‬

‫‪(1)3‬‬

‫‪P. Vanden Berghe. «Dialectic and Functionalism Toward a Synthesis», in N. Demerath‬‬

‫‪.111 and R. Peterson (eds.), System, Change and Confict, Free Press, New york, 1967, pp. 294-295‬‬

‫‪( 2)4‬‬

‫‪124‬‬

‫‪.Ibid., p. 295‬‬


‫غير أننا سنلحظ‪ ،‬عند تناول مفهوم البنية التجتماعية‪ ،‬أن روبرت ميرتون سيتقدم خطوة‬ ‫إلى المام فيما يتعلق بالتناقضات والصراعات الداخلية‪ .‬وقبل أن ننتقل الن إلى مفهوم‬ ‫نسق القيم ينبغي أن نشير إلى موقف بارسونز من مفهوم اختلل التوازن‪ .‬إن بارسونز‬ ‫يؤكد اتفاقه التام في هذا الشأن مع روبرت ميرتون ويرى »أن مفهوم اختلل التوازن له‬ ‫)‪( 1‬‬ ‫بالطبع‪ ،‬أهمية تعادل أهمية مفهوم الوظيفة بالمعنى اليتجابي‪ ،‬كما أنه محوري تماما« ‪.‬‬

‫مفهوم نسق القيم‪:‬‬

‫ترى الوظيفية أن نسق القيم هو العامل الحاسم المؤةثر في النسق التجتماعي‪،‬‬ ‫وذلك لن بارسونز يرى أن »نسق الموتجهات القيمية الذي يلتزم به أعضاء أي نسق‬ ‫اتجتماعي يمكن أن يكون بمةثابة نقطة مرتجعية أساسية لتحليل البنية والعملية في النسق‬ ‫التجتماعي‪ .‬ويمكن اعتباره هو ذاته )أي نسق الموتجهات القيمية – الباحث( كمعتقد‬ ‫رئيسي للنظرية التجتماعية الحديةثة‪ .‬فالقيم بهذا المعنى هي تعهدات لشخاص وأفراد بأن‬ ‫يتبعوا ويدعموا اتتجاهات أو أنماطا معينة من الفعال من أتجل التجماعة كنسق‪ .‬ومن ةثم‪،‬‬ ‫بشكل ةثانوي‪ ،‬من أتجل أدوارهم في التجماعة«)‪.(2‬‬ ‫إن بارسونز هنا يلتقي بتيارات قديمة في التفكير التجتماعي تتجعل من التجانب‬ ‫الفكري أساسا للحياة التجتماعية‪ .‬أي تتجعل من تغير المعتقدات أساسا لتغير الحياة‬ ‫التجتماعية وليس العكس‪ .‬وحينما نذكر ذلك فإننا نعتمد في قولنا على بارسونز نفسه‬ ‫حين يقول إنه »إذا تغير نسق القيم ‪ ..‬فمعنى ذلك حدوث تغير عميق في نمط‬ ‫النسق«)‪.(3‬‬

‫بل إن نسق القيم أيضا هو مفتاح التكامل داخل النساق‪ .‬وحسبما يرى فاندنبرج‬ ‫فإن »أكةثر العوامل أهمية وتجوهرية عند الوظيفية في متجال إحداث التكامل التجتماعي‬ ‫هو التجماع القيمي‪ ،‬أي أنه تكمن وراء البنية الةثقافية والتجتماعية بأسرها أهداف ومبادئ‬ ‫يعتبرها أعضاء أي نسق اتجتماعي معين مرغوبا فيها ومتفقا عليها‪ .‬وليس نسق القيم‬

‫‪( 3)1‬‬ ‫‪(4)2‬‬

‫‪.T. Parsons, «The Present Status…» p. 73‬‬ ‫‪T. Parsons, Structure and Process in Modern Societies, Free Press, Glencoe, 1960, p.‬‬

‫‪.172‬‬

‫‪( 1)3‬‬ ‫‪.174‬‬

‫‪125‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬


‫وحده )أو روح المتجتمع( هو المصدر العمق والكةثر أهمية للتكامل إوانما أيضا أكةثر‬ ‫العناصر ةثباتا في النساق التجتماعية الةثقافية«)‪.(1‬‬

‫ومن هنا فإن قيام عناصر النسق بوظائفها إنما يعتمد على نسق القيم‪ .‬حيث أن‬ ‫القيم تقدم للنسان نماذج السلوك التي ينبغي عليه أن يتبعها لكي يتم ضمان استقرار‬ ‫النسق‪ .‬والفرد يقوم بدوره وفقا لتوقعات المحيطين به‪ ،‬أي ينبغي أن يسهم بسلوكه في قيام‬ ‫النسق بوظائفه بصورة عادية‪ .‬ولهذا كانت مصطلحات كالقيم والنسق والدوار هي‬ ‫عناصر النسق التجتماعية الساسية عند بارسونز وأنصاره‪.‬‬

‫إن موقف الوظيفية من التغير التجتماعي هو الذي يتجذب اهتمام النقاد عادة‪.‬‬ ‫غير أن الباحث يرى إن إلقاء الضوء بشكل كاف على موقف الوظيفية من التغير يتطلب‬ ‫النطلق من فهم مكانة نسق القيم في النظرية الوظيفية‪ .‬إن مفهـوم نسق القيم يذكرنا‬ ‫بدوركايم وخاصة »ضروب السلوك« التي وصف بها الظواهر التجتماعية‪.‬‬

‫ويرى الباحث أن هذا هو الذي تجعل تجورج تجورفيتش يقول إن بارسونز قد أخذ‬ ‫على عاتقه في تعريفه للنسق تتجميع عدة أفكار‪» .‬فأخذ في وقت واحد عن دوركايم كلمة‬ ‫التجزاء والطابع المعد مقدما ‪ ...‬إلى متجموعات المعتقدات المفروضة على الفراد‪ .‬وأخذ‬ ‫عن مالينوفسكي »النظم الةثقافية«‪ ،‬ومن عند سمنر وكلر »التقاليد المنظمة المعترف‬ ‫بها«‪ ...‬ونتيتجة لهذا العمل الذي يرمي إلى التوفيق والتقريب بين المتناقضات لم ينتجح‬ ‫بارسونز إل في تجمع عناصر متنافرة تحت سقف واحد أو في المحافظة على متجموعة‬ ‫من الحتيالت إن صح التعبير ‪ ...‬ول يستطيع هذا البناء المضحك الذي ل يمةثل سوى‬ ‫لمامة مضطربة من الفكار المبتذلة‪ ،‬مصحوبة بةثرةثرة ةثقيلة‪ ،‬أن يعطي مظهر النظرية إل‬ ‫إذا لتجأ إلى روحانية متطرفة ل أمل فيها‪ .‬وقد قام بارسونز باعطاء السبقية للقيم‪.‬‬ ‫ولشك أنها مفضلة في المتجتمع‪ .‬فنتجح في وصل الطرفين وذلك على الرغم من ضعف‬ ‫فكرته«)‪.(2‬‬ ‫‪( 2)1‬‬ ‫‪.294‬‬

‫‪P. Van den Berghe, op. cit., p.‬‬

‫‪ (1)2‬تجورج تجورفيتش‪ ،‬مفهوم البناء التجتماعي‪ ،‬ترتجمة خليل صابات‪ ،‬في متجلة »مطالعات في العلوم‬ ‫التجتماعية«‪ ،‬مركز التعاون العلمي لليونسكو في الشرق الوسط ودار المعارف بمصر‪ ،‬العددان السابع‬ ‫والةثامن – صيف ‪ /‬خريف ‪ .1960‬ص ص ‪) .133 - 132‬رقم تصنيف المتجلة في دار الكتب – الدوريات‬ ‫‪.(3241 ،3240‬‬

‫‪126‬‬


‫يشير هذا الرأي إلى أن بارسونز يخلط بين أسباب السلوك ونتائتجه‪ .‬وهو ما يتجعله‬ ‫يرى في النتائج العنصر الحاسم في تحديد الوضاع داخل النسق‪ .‬كما ينبغي الشارة إلى‬ ‫أن تلك التصورات النظرية والفتراضات المنهتجية لم يخضعها بارسونز للتحقيق‪ .‬فلم نتجد‬ ‫على سبيل المةثال‪ ،‬محاولة من تجانب بارسونز لوضع مفهوم نسق القيم تحت الختبار في‬ ‫دراسة عينية على النحو الذي فعله ماركس مةثل في تحقيق افتراضاته »المادية‬ ‫التاريخية«‪ .‬بل إن دوركايم وفيبر أيضا يتميزان في هذا المتجال بغض النظر عن طبيعية‬ ‫منطلقاتهما المنهتجية‪ .‬ويرى بوتومور مةثل أن ما يحدث الن هو أن علماء النظرية‬ ‫يمنحون أنفسهم »فرصة صياغة نسيج من الفكار المتداخلة‪ ،‬بأمل أن تخضع في يوم ما‬ ‫للختبار المبريقي ‪ ...‬ونستطيع في هذا الصدد أن نتعلم الكةثير من دوركايم وماكس‬ ‫فيبر ‪ ...‬وتعتبر أعمال دوركايم بصفة خاصة‪ ،‬نماذج ممةثلة للعرض والستقصاء‬ ‫العلمي‪ ،‬ففي كل حالة كانت توضع المشكلة النظرية بوضوح أول ةثم تعرض التفسيرات‬ ‫المتاحة لها‪ ،‬وبعد ذلك يقدم دوركايم الحل الذي يراه ملئما‪ ،‬مدعما بالشواهد«)‪.(1‬‬

‫ويرى الباحث أن هذا القصور‪ ،‬المتمةثل في عدم اختبار صحة الفتراضات‪،‬‬ ‫يفضي إلى مشكلة أخرى وهي الغموض في المفهومات‪ .‬فإن إخضاع أي مفهوم للتحقيق‬ ‫هو محك لزيادة تحديد مضمونه إواحكام صياغته بحيث يفضي إلى مدلولت محددة‪.‬‬ ‫ولهذا نتجد عددا كةثي ار من علماء التجتماع يصف مفهومات الوظيفية بعدم الوضوح‪.‬‬ ‫ويكفي أن نشير هنا إلى كنتجزلي ديفز الذي يرى »أن من السهل اكتشاف التباين‬ ‫والغموض في تصورات التحليل الوظيفي ‪ ...‬فمن ناحية نتجد أن النقاد يصفون الوظيفيين‬ ‫بأنهم يهتمون في المقام الول ببقاء النسق التجتماعي الةثابت والمتكامل والمتتجانس‪ .‬ومن‬ ‫ناحية أخرى يتم وصف الوظيفيين بأنهم يستمدون الضرورات والحتياتجات الحضارية من‬ ‫منابع فسيولوتجية‪ ،‬وأحيانا نتجد أن أحد النقاد يقول إن الوظيفية تستخدم التفسيرات‬ ‫السيكولوتجية‪ ،‬وفي أحيان أخرى نتجد ناقدا آخر يةثني عليها لنها على القل لم تقع في هذا‬ ‫الخطأ‪ ،‬بينما نتجد ناقدا ةثالةثا يلومها لتتجاهل الواقع«)‪.(2‬‬ ‫إن كنتجزلي ديفز يخرج من انتقاده للوظيفية بنتيتجة مؤداها أنه من الضروري إعادة‬ ‫تعريف التحليل الوظيفي‪ .‬لكنه يشير إلى أن البعض حاول ذلك ومن بينهم ميرتون‬ ‫‪ (2)1‬بوتومور‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ‪.56‬‬ ‫‪K. Davis, «The Myth of Functional Analysis as a Special Method in Sociology‬‬ ‫‪(1 ) 2‬‬

‫‪127‬‬

‫‪.and Anthropology», in N. Demerath and R. Peterson (eds.), op. cit., p. 380‬‬


‫ورادكليف براون‪ .‬وهي محاولت يرى كنتجزلي ديفز أنها تجاءت دون وضوح ولم تحدث‬ ‫تحسنا‪ ،‬مما يدفع »المرء إلى اعتبار التباين ذاته سمة أساسية أكةثر منه سمة عرضية‪.‬‬ ‫ومن ةثم يتطلب تفسيرا«)‪.(1‬‬ ‫وبعد أن يقرر ديفز ذلك يستطرد موضحا أنه »إذا انتقلنا من التباين التام‬ ‫للتصورات إلى السمات التي يتم عادة التنويه إليها بوصفها تميز التحليل الوظيفي‪ ،‬نتجد‬ ‫قول شائعا مؤداه أن الوظيفية تحقق أمرين‪ :‬ربط أتجزاء المتجتمع ككل‪ ،‬وربط كل تجزء‬ ‫بالخر‪ .‬أما فيما يتعلق بطريقة تحقيق ذلك الربط فإنه يقال عادة إنه يتحقق عن طريق‬ ‫إدراك أن كل تجزء إنما »يؤدي وظيفة« أو »إشباع حاتجة أو مطلب« للمتجتمع ككل أو‬ ‫لبعض أتجزائه‪ .‬وما يلفت النظر هنا هو أن السمتين الوليين تصفان في بساطة ما يفعله‬ ‫أي علم كان ‪.(2)«...‬‬ ‫إن كافة المحاولت التي قدمتها الوظيفية في علم التجتماع لم تنتجح في الوصول‬ ‫إلى مدخل حقيقي لمعالتجة الظواهر التجتماعية‪ .‬فقد عتجزت على وتجه التحديد في كشف‬ ‫السباب الحقيقية التي تربط مختلف عناصر النسق التجتماعي ولم تصل إلى قوانين‬ ‫تطوره وتغيره ول مصادر هذا التغير‪ .‬كما أن محاولت القتراب من الماركسية‪ ،‬التي‬ ‫سنتعرض لها فيما بعد‪ ،‬لم تساعدها أيضا على ذلك‪ .‬لنها لم تتخل مطلقا عن تجوهر‬ ‫منطلقاتها المنهتجية‪.‬‬

‫أزمة التحليل الوظيفي ـ البنيوي‪:‬‬

‫ل ينكر أحد وتجود أزمة‪ .‬بل ان أقطاب الوظيفية‪ ،‬خاصة بارسونز وميرتون‬ ‫يعترفون بوتجود هذه الزمة‪ ،‬ولكنهم يقدمون تبريراتهم الخاصة بشأنها‪ .‬وحينما قال تجولدنر‬ ‫»إنني أرى الوظيفية‪ ،‬وهي أكةثر المواقف النظرية تأةثي ار في علم التجتماع الكاديمي‬ ‫المعاصر‪ ،‬تتعرض الن لزمة عميقة«‪ ،‬رد عليه روبرت ميرتون قائل إنها »أزمة‬ ‫مزمنة«‪ .‬كما يرى ميرتون أن تجولدنر حينما وضع كلمات »الزمة المقبلة لعم التجتماع‬

‫‪( 2)1‬‬ ‫‪.381‬‬

‫‪(3)2‬‬

‫‪.Ibid‬‬

‫‪128‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬


‫الغربي« عنوانا لكتابه إنما »قلل‪ ،‬إلى حد ما‪ ،‬من شأن المشكلة‪ ،‬لنه يمكن الزعم‪ ،‬دون‬ ‫تناقض‪ ،‬وباقتناع عميق أن علم التجتماع كان في حالة أزمة طوال تاريخه«)‪.(1‬‬

‫ةثم يشير ميرتون إلى ظهور تشخيصات أكةثر إةثارة لهذه الزمة حسب رأيه‪ .‬وفي‬ ‫هذا الشأن يذكر عام ‪ 1956‬حينما أعلن تجورفيتش »أزمة التفسير السسيولوتجي«‪ ،‬وحينما‬ ‫نشر سوروكين رؤية خاصة أخرى عن الزمة في كتابه »بدع ونقائص في علم التجتماع‬ ‫المعاصر« ‪.Fads and Foibles in Modern Sociology‬‬ ‫وقبل أن ننتقل إلى مناقشة الراء حول هذه الزمة وأسبابها نشير أيضا إلى أن‬ ‫بارسونز هو الخر يتناولها على النحو التالي‪:‬‬

‫فهو يقرر أنه »يلحظ في السنوات الخيرة وتجود قدر كبير من الحديث حول أفول‬ ‫النظرية الوظيفية – البنيوية أو التحليل الوظيفي حسبما أفضل تسميتها‪ ،‬وذلك لحساب‬ ‫أنماط تصورية وتعميمات نظرية أخرى ‪ ...‬وأعتقد أن كنتجزلي ديفز قد اقترب من الحقيقة‬ ‫حينما قال ‪ ...‬إنه ل يوتجد حديث كةثير حول التحليل الوظيفي وذلك لسبب أساسي هو أن‬ ‫كل النظريات التجادة في الميدان قد أصبحت وظيفية«‪ .‬وبعد أن يستشهد بارسونز بديفز‬ ‫يقول إنه »ل تجدال في أن هناك اختلفا ملحوظا في وتجهات النظر حول هذه القضية‬ ‫) أي قضية أفول الوظيفية‪ -‬الباحث(‪ ،‬ول شك أن هناك بعض الستةثناءات حيث اعتقد‬ ‫أن العتبارات النظرية خاضعة لحركات سياسية«)‪.(2‬‬ ‫وبعد ذلك يطرح بارسونز حل يقول فيه إنه من التعسف تصنيف من يعملون في‬ ‫إطارات متقاربة بشكل ما إلى مدارس مختلفة اختلفا تجذريا‪.‬‬

‫غير أن تجولدنر يرى أزمة علم التجتماع الغربي هي أساسا أزمة الوظيفية‬ ‫البارسونزية في علم التجتماع المريكي‪ ،‬ويتم التعبير عن هذه الزمة في اندفاعات نحو‬ ‫الماركسية‪ ،‬وفي التحلل الداخلي للمدرسة الوظيفية‪ ،‬وفي ظهور أنماط تجديدة في متجال‬ ‫البحث والنظرية‪ .‬كما يرى تجولدنر أن أزمة الوظيفية قد ظهرت أول وقبل كل شيء بتأةثير‬

‫‪( 1)1‬‬

‫‪R. Merton, Sociological Ambivalence and Other Essays, pp. 109-‬‬

‫‪.110‬‬

‫‪( 1)2‬‬ ‫‪.79‬‬

‫‪129‬‬

‫‪T. Parsons, The Status of Structural - Functional Theory in Sociology, p.‬‬


‫ةثقافة تجديدة بين الطلبة والطبقة المتوسطة ونشأة دولة الرفاهية بمطلبها لستخدام علم‬ ‫التجتماع)‪.(3‬‬

‫والحق أن ميدان علم التجتماع في الوليات المتحدة أصبح ميدانا مضطربا‪ .‬فمن‬ ‫تجانب هناك حركة معارضة للنظريات السائدة من تجانب الطلبة والكاديميين الشبان‬ ‫الذين يصدرون متجلتين تعبران عن فكرهم إحداهما باسم »عالم التجتماع المتمرد« ‪The‬‬ ‫‪.Insurgent Sociologist‬‬

‫غير أنه من الخطأ العتقاد أن الزمة التي يتجرى الحديث عنها ناتتجة عن‬ ‫النتقادات المستمرة والعنيفة التي توتجه إلى التحليل الوظيفي‪ .‬فالنتقاد وحده ل يهدم‬ ‫نظرية‪ .‬إوانما ينبغي البحث عن السباب في الظروف التجتماعية‪ ،‬أي في الوسط الذي‬ ‫تنتشر فيه هذه النظرية أو تلك‪ .‬ومن المور المةثيرة للنتباه تواكب النتقاد‪ ،‬الذي يتزايد‬ ‫ضد التحليل الوظيفي‪ ،‬مع بعض التغيرات والهزات في المتجتمع المريكي معقل هذه‬ ‫النظرية ذاتها‪ .‬فقد شهد المتجتمع المريكي في الستينات هزات تمةثلت في هبات اتجتماعية‬ ‫إلى تجانب تأةثير حرب فيتنام‪ .‬وأدى ذلك إلى حدوث شرخ في المتجال الكاديمي لعلم‬ ‫التجتماع ضمن ما تعرض له المتجتمع ذاته‪ .‬فعلم التجتماع المريكي – والوظيفية هي‬ ‫العنصر الرئيسي فيه‪ -‬كان قد أصبح مؤسسة ضخمة مرتبطة بشكل رئيسي بالنظام‬ ‫القائم‪ .‬ومن تجانب آخر عتجز التحليل الوظيفي الذي يرتكز على فكرة التزان في النسق‬ ‫عن تفسير ذلك التجديد الذي يحدث‪.‬‬ ‫كما أن هناك ظاهرة أخرى ل يقل تأةثيرها أهمية في هذا الصدد‪ ،‬ونعني بها تغير‬ ‫الوضاع الدولية وظهور علقات تجديدة بين الشرق والغرب‪ .‬ومن تجانب آخر الةثورة‬ ‫العلمية والتكنولوتجية وتأةثيراتها التجتماعية وما ترتب على ذلك من احتياج إلى أنساق‬ ‫نظرية تجديدة تفسر وتعالج هذه الوضاع‪ .‬فالنظريات ل تنعزل في واقع المر عن‬ ‫الوضاع السائدة وأشكال التعبير اليديولوتجي‪ .‬وكما يقول الفن تجولدنر فإن »المنهجية‪،‬‬ ‫حيث ننظر إليها من أحد الزوايا تبدو كمسألة فنية بحتة منبتة الصلة باليديولوجية‪،‬‬ ‫حيث يجرى الزعم بأنها تتصل فقط بمناهج استخلص معلومات يعتد بها من العالم‬ ‫كجمع البيانات‪ ،‬وصحفية الستبيان‪ ،‬وأخذ العينات وتحليل النتائج‪ .‬لكنها دائما ما‬ ‫‪ (2)3‬انظر الفصلين التاسع والعاشر من كتاب تجولدنر‪.‬‬

‫‪130‬‬


‫تشمل أكثر من ذلك إلى حد بعيد‪ ،‬ذلك أنها تمتزج بافتراضات متوافقة معها ايديولوجيا‬ ‫بشأن طبيعة الحياة الجتماعية‪ ،‬وماهية البحث الجتماعي وطبيعة العلقة بين‬ ‫ال ثـنين«)‪) (1‬التشديد من الباحث(‪.‬‬ ‫إن إدراك مضمون ما تعبر عنه هذه الكلمات لتجولدنر‪ ،‬علوة على الوضاع التي‬ ‫أشرنا إليها آنفا‪ ،‬يفضي إلى القول بأن الحتياج إلى نظريات تجديدة كان مسألة واردة في‬ ‫هذا الوقت بالذات‪ .‬ومن هنا انتشرت على نطاق واسع وبسرعة نظرية »المتجتمع ما بعد‬ ‫الصناعي« ‪ Post-Industrial Society‬في ذلك الوقت بالذات‪ .‬وواكب هذا النتشار فقدان‬ ‫التحليل الوظيفي بريقه على مستويين في آن واحد‪ .‬مستوى علماء التجتماع أنفسهم الذين‬ ‫طالما انتقدوا الوظيفية‪ .‬ومستوى النظام والدولة التي روتجت للنظرية البديلة المتمةثلة في‬ ‫نظرية »المتجتمع ما بعد الصناعي« ودولة الرفاهية‪ .‬ومن هنا كان معظم أصحاب‬ ‫النظرية التجديدة على صلة مباشرة بدوائر الحكم وميدان صياغة الستراتيتجية السياسية‬ ‫ابتداء من والت روستو إلى برزيتجنسكي‪ .‬وذلك إلى تجانب أصحاب النظرية البارزين مةثل‬ ‫دانيال بيل وهرمان كاهن وليزلي هوايت وريمون آرون‪.‬‬ ‫ومن المفارقات في هذا المتجال أن النظرية التجديدة تنطلق من مقولة ماركسية‪،‬‬ ‫لكنها تضع صياغة خاصة لها‪ ،‬فتتجعل منها حتمية تكنولوتجية‪ .‬فالمبدأ المنهتجي الذي‬ ‫ينطلقون منه هو استقللية العامل العلمي والتكنولوتجي عن السياق التجتماعي‪ .‬أي أنهم‬ ‫يركزون على »مستوى تطور قوى النتاج«‪ ،‬أي تلك المقولة الماركسية‪ .‬ولكنهم يتتجاهلون‬ ‫قول ماركس إن هذه القوى النتاتجية توتجد وتعمل داخل إطار علقات إنتاج معينة‪،‬‬ ‫وعلقات طبقية محددة‪ .‬إن ليزلي هوايت مةثل يقول »إن النظمة التجتماعية شيء ةثانوي‬ ‫وتابع‪ ،‬بأدق ما تعنيه الكلمة‪ ،‬للنظمة التكنولوتجية‪ ...‬فالتكنولوتجية متغير مستقل‪ .‬والنظام‬ ‫التجتماعي متغير تابع«)‪.(2‬‬

‫‪( 1)1‬‬ ‫‪.-51‬‬

‫‪A. Gouldner, op. cit., pp. 50‬‬

‫‪ (1)2‬ايتجور سوكولوف‪ ،‬التقدم العلمي والتكنولوتجي والتغيير التجتماعي‪ ،‬ترتجمة أحمد القصير‪ .‬في متجلة‬ ‫»الكاتب«‪ ،‬أبريل ‪ ،1974‬ص ‪.25‬‬

‫‪131‬‬


‫كما أن ريمون آرون يتساءل‪» :‬إلى أي مدى يمكن أن تتباين علقات النتاج‬ ‫والتنظيم التجتماعي حينما تصبح القوى النتاتجية‪ ،‬والعلم والتكنولوتجيا‪ ،‬وبشكل متزايد‪،‬‬ ‫متماةثلة في كافة المتجتمعات المتقدمة صناعيا؟«)‪.(1‬‬

‫يرى الباحث أن انتشار نظرية »المتجتمع ما بعد الصناعي« ونظرية نهاية‬ ‫اليديولوتجية الوةثيقة الصلة بها كان من عوامل النحسار التجزئي للوظيفية‪ .‬ومن هنا فإن‬ ‫الماركسية لم تكن هي التي احتلت المساحة التي انحسرت عنها الوظيفية‪ .‬بل احتلت‬ ‫تجزءا فقط من تلك المساحة‪ .‬أما التجزء الكبر فقد شغلته بشكل مؤقت نظرية »المتجتمع‬ ‫ما بعد الصناعي«‪ .‬ونقول بشكل مؤقت لنها سرعان ما انحسرت موتجتها هي الخرى‪.‬‬

‫محاولة الوظيفية للقتراب من الماركسية‪:‬‬

‫بدأ يظهر في السنوات الخيرة في أعمال الوظيفيين اهتمام بأفكار ماركس‬ ‫ونظرياته كأحد شواهد أزمة التحليل الوظيفي‪ .‬ويرصد تجولدنر عدة شواهد على ذلك‪ .‬فأول‬ ‫يرى »أن تحليل التغير التجتماعي قاد بارسونز م ار ار في اتتجاه النماذج والفتراضات‬ ‫الماركسية حتى مع استم ارره في المتجادلة ضدها‪ .‬وبشكل متزايد يتحرك بعض الوظيفيين‬ ‫الن نحو التقارب مع الماركسية«)‪.(2‬‬ ‫ةثم يذكر تجولدنر بعد ذلك عدة أمةثلة أخرى على ظهور تأةثير ماركس في بعض‬ ‫أعمال الوظيفيين‪ .‬لكن تتجدر الشارة إلى موقف كل من بارسونز وميرتون من هذه‬ ‫القضية‪ .‬فأول نتجد أن محاولة الستفادة من الماركسية أو التقارب منها ليست تجديدة‬ ‫بالنسبة لتالكوت بارسونز‪ .‬أما روبرت ميرتون فقد تأةثر بأزمة الوظيفية وحاول أن يؤكد أن‬ ‫الوظيفية تعرف ماركس منذ أمد بعيد وأن يضع تشخيصا محددا للزمة الراهنة في علم‬ ‫التجتماع وهو ما سنتعرض له بعد تناول موقف بارسونز‪.‬‬

‫ففي الخمسينات عبر بارسونز في كتاب »البنية والعملية في المتجتمعات الحديةثة«‬ ‫)‪ (1956‬عن رأي يقول إنه ليس هناك أي تعارض بين منطلقات الوظيفية والمنطلقات‬ ‫الماركسية‪ .‬وظهر ذلك في تأكيده »أن نسق القيم ل يحقق نفسه تلقائيا‪ ،‬بل يرتهن البقاء‬ ‫على سيطرته النسبية على سلسلة من الميكانزمات التي تكتسب بها هذه القيم كيانا‬ ‫متماسكا‪ ،‬وطابعا اتجتماعيا راسخا‪ ،‬وعلى ميكانزمات الضبط التجتماعي‪ .‬وينبغي أن‬ ‫‪ (2)1‬المرتجع السابق‪ ،‬ص ‪.23‬‬ ‫‪( 1)2‬‬ ‫‪.296‬‬

‫‪132‬‬

‫‪A. Gouldner, op. cit., p.‬‬


‫يكون واضحا أن استخدام القيم كمنطلق للتحليل البنيوي )الوظيفي – الباحث( للنساق‬ ‫التجتماعية ل يعني أنها المحددات الوحيدة أو حتى الكةثر أهمية للبنى والعمليات القائمة‬ ‫في هذه النساق‪ .‬ول أعتقد أن من المفيد أن نسلم بوتجود تباين عميق بين نظريات تولى‬ ‫أهمية للمعتقدات والقيم من ناحية )يقصد نظرياته – الباحث( ونظريات تهتم بما تسميه‬ ‫مصالح واقعية كالمصالح القتصادية وغيرها )يشير إلى الماركسية – الباحث(‪.‬‬ ‫فالمعتقدات والقيم تتحقق على نحو تجزئي وغير كامل في مواقف واقعية من التفاعل‬ ‫التجتماعي وتتحدد النتائج بالقيم والحتياتجات الواقعية معا‪ .‬أما ما يسمى بالمصالح على‬ ‫المستوى العيني فل يمكن بحال اعتبارها مستقلة عن القيم التي اتخذت طابعا راسخا في‬ ‫هذه التجماعة أو تلك‪ ...‬ول تغفل النظرية الماركسية هذه الصعوبة المتمةثلة في هذا‬ ‫التواصل ذلك أن ماركس قد أدرج بصراحة ما أسميته من مؤسسات في صورة قانون‬ ‫الملكية‪ ،‬على سبيل المةثال‪ ،‬في علقات النتاج«)‪.(1‬‬

‫وقبل تناول هذا النص بالتعليق نود الشارة إلى نوع من الخلط يقع فيه بارسونز‪.‬‬ ‫فهو يقول إن ماركس أدرج قانون الملكية في علقات النتاج‪ .‬لكننا نشير إلى أن ما‬ ‫أدخله ماركس في علقات النتاج هو علقة الملكية وليس قانون الملكية‪ .‬فل يوتجد‬ ‫لماركس أي حديث عما يسمى بقانون الملكية في هذا المتجال‪.‬‬ ‫وبعد هذا التوضيح نستجل الملحظات التالية‪:‬‬

‫أول‪ :‬كان برسونز يقول من قبل – عام )‪ (1949‬وحسبما أشرنا في هذه الدراسة‪-‬‬ ‫إن القيم هي السس المحددة‪ ،‬ولكنه تجاء ليقول في الخمسينات أن هناك شريكا للقيم في‬ ‫التحديد‪ .‬والماركسية ل تغفل‪ ،‬كما يقول بالفعل‪ ،‬دور القيم‪ ،‬ولكنها تضع الولوية للساس‬ ‫التجتماعي ذاته‪.‬‬

‫وثانيا‪ :‬إن محاولة بارسونز للتوفيق لم تغفل تجوهر نظريته‪ ،‬بل أكدتها من تجديد‪،‬‬ ‫فهو يؤكد هنا أيضا أن السيطرة لنسق القيم‪ .‬وما يضيفه هو أن سيطرتها تتأةثر »بعامل‬ ‫اقتصادي« أيضا‪ .‬غير أنه ينبغي الشارة إلى أن ما يسمى بالعامل القتصادي ليس‬ ‫متجرد مصالح حسبما يتصور بارسونز‪ ،‬إوانما هو أوضاع وعلقات كامنة في ظروف‬ ‫النتاج والعلقات التجتماعية‪ ،‬وذلك حسبما اتضح لنا من قبل‪.‬‬

‫‪( 2)1‬‬

‫‪.173‬‬

‫‪133‬‬

‫‪T. Parsons, Structure and Process in Modern Societies, p.‬‬


‫أما روبرت ميرتون الذي يقر بوتجود أزمة مزمنة في علم التجتماع فيرفض‬ ‫التشخيصات التي يقدمها نقاد الوظيفية ويقرر أن سبب الزمة الراهنة يعود إلى اختلف‬ ‫التجيال‪ .‬غير أن أهم ما يعنينا هو تأكيده أنه »ما من صيغة بمفردها بإمكانها أن تبين‬ ‫قدرتها على تقصي المدى الكامل للقضايا الجتماعية«)‪ .(1‬ةثم يضيف مؤكدا أنه ل يوافق‬ ‫على وتجهات النظر الداعية إلى صياغة نظرية عامة قائل‪» :‬إن المةثل العلى لنظرية‬ ‫موحدة وشاملة ليس موضع بحث«)‪.(2‬‬

‫ومن هنا يدعو ميرتون إلى تعايش بين نظريات مختلفة في ميدان علم التجتماع‬ ‫حتى إوان كانت متداخلة‪ .‬وفي هذا الشأن يقول‪» :‬وبالطبع فإن وتجود نظريات متميزة غالبا‬ ‫ما يعني وتجود مفاهيم وافتراضات متداخلة بين هذه النظرية وتلك‪ .‬ولكن الشيء الهام هنا‬ ‫هو أن تقدم هذه النظمة يكمن في خلق عدد كبير من نظريات تتلءم مع أنواع معينة من‬ ‫الظواهر‪ ،‬كما يكمن في اكتشاف العلقات المتبادلة بين هذه النظريات وليس في تركيز‬ ‫الهتمام على نظرية معينة«)‪.(3‬‬ ‫ويستطرد ميرتون بعد ذلك موضحا أن ذلك هو السبب في أن البعض منا أخذ‬ ‫يستخدم منذ الربعينات مصطلحات مةثل »النماذج« و »التتجاهات النظرية« ليشير‬ ‫للبنية النظرية لعلم التجتماع القائمة بالفعل‪.‬‬

‫إن كلمات ميرتون تعني بوضوح أنه إذا كانت الوظيفية غير قادرة على تقصي‬ ‫المدى الواسع للقضايا التجتماعية فإن ذلك يصعب أن تحققه أيضا أي نظرية أخرى‪.‬‬ ‫ومن هنا يؤكد ما سبق أن قرره في كتابه »النظرية التجتماعية والبنية التجتماعية« بأن‬ ‫النظرية الشاملة غير ممكنة التحقيق‪.‬‬ ‫ولكن إذا استعرضنا وتجهة نظر ميرتون حول تاريخ التحليل السسيولوتجي سنتجد‬ ‫دللت أخرى‪ .‬فهو يؤكد أن الوظيفية قد قامت بمزج فكر ماركس مع فكر دوركايم منذ‬ ‫الةثلةثينات‪ .‬ومن ةثم يرى »أن التحليل البنيوي )الوظيفي – الباحث( في علم التجتماع‬

‫‪( 1)1‬‬

‫‪R. Merton, Sociological Ambivalence..», p.‬‬

‫‪.117‬‬

‫‪(2)2‬‬

‫‪.Ibid‬‬

‫‪( 1)3‬‬ ‫‪.131‬‬

‫‪134‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬


‫يشمل حشدا من الفكار المستمدة أساسا من دوركايم وماركس‪ .‬كما أن الفكار المستمدة‬ ‫من أعمالهما ليست متناقضة حسبما يزعم البعض أحيانا‪ ،‬إوانما هي مكملة بعضها‬ ‫البعض‪ ..‬وعلى نحو أكةثر إيتجا از فإن النموذج الذي اقترح للتحليل الوظيفي في الةثلةثينات‬ ‫ونشر عام ‪ 1948‬يلفت النتباه إلى تداخل وليس تطابق هذه التتجاهات النظرية‪ .‬وتكمن‬ ‫المةثلة في المفاهيم الرئيسية »للتناقضات« لدى أحدهما »والختلل الوظيفي« عند‬ ‫الخر‪ ،‬فالمكانة الساسية تحتلها »ظروف« المتجتمع عند ماركس ويحتلها »السياق‬ ‫البنوي« في التحليل البنيوي‪ ،‬ومقولة ماركس في متجال علم اتجتماع المعرفة بأن تغير‬ ‫الوتجود التجتماعي للناس هو الذي يحدد وعيهم إنما يطابق تصور دوركايم القائل أن‬ ‫التمةثيلت التجمعية ‪ Collective Representations‬تعكس واقعا اتجتماعيا«)‪.(1‬‬

‫ةثم يستطرد ميرتون مشي ار إلى ما يؤكد وتجهة نظره السالفة الذكر‪ .‬وهو في هذا‬ ‫يستخدم نفس التدليلت التي يستخدمها نقاد الوظيفية‪ ،‬لكنه يستنتج منها دللت أخرى‪.‬‬ ‫ويتضح هذا من قوله »إن مزج هذه الخيوط الفكرية لم يحدث دون أن يلحظه أحد‪ .‬ذلك‬ ‫أن تحليلت ستنشكومب ‪ Stinchombe‬حول التداخل بين متجموعة أفكار نظرية معينة‬ ‫تجعلته ينحت تعبير الوظيفية الماركسية ‪ ،Marxism-Functionalism‬بينما نتجد أن تجولدنر‬ ‫قد أخذ ملحظتي المتكررة حول تأكيد صلة النسب بينهما ليستنتج ملحظة حول التحليل‬ ‫في »البنية التجتماعية واختلل المعايير« ليقول إن ميرتون يستخدم ماركس هنا ليتمعن‬ ‫في دوركايم‪ .‬كما أن كالب يصف منهج ماركس بوصفه إدراكا للتحليل البنيوي بطريقة‬ ‫جدلية‪ ،‬كما لحظ العتماد المتبادل بين التحليل التاريخي والتحليل البنيوي عند‬ ‫ماركس‪ .‬وعلى هذا النحو فعل أيضا المؤرخ هربرت بترفيلد منذ سنوات مضت حينما‬ ‫وصف السهام الرئيسي للماركسية في علم التاريخ بأنه إسهام يعلمنا أن نجعل تاريخنا‬ ‫قطعة بنيوية من التحليل«)‪) .(2‬التشديد من الباحث(‪.‬‬ ‫كما يستشهد ميرتون بفاندنبرج أيضا ورأيه القائل بأن المدخلين الرئيسيين السائدين‬ ‫في العلم التجتماعي هما الماركسية والوظيفية وأن أحدهما يكمل الخر‪ .‬وعلى الرغم من‬ ‫ذلك يستخلص ميرتون نتيتجة مختلفة عن تلك التي يقول بها من ينتقدون الوظيفية‪.‬‬

‫‪( 2)1‬‬

‫‪Ibid., pp. 121 -‬‬

‫‪.122‬‬

‫‪( 1)2‬‬ ‫‪.123‬‬

‫‪135‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬


‫ويتضح هذا في تأكيده أنه »طالما أن عناصر المزج بين ماركس ودوركايم واضحة‬ ‫منذ الةثلةثينات على القل فل يمكن تناول المسألة على النحو الذي يرى فيه تجولدنر‬ ‫علمة أخرى على الزمة التي ينسبها إلى علم التجتماع الماركسي وعلم التجتماع‬ ‫الوظيفي في الستينات‪ .‬إوانما يتجب تناول المسألة بشكل أشمل ‪ ...‬إن ذلك أبعد من أن‬ ‫يشكل بالضرورة علمة على أزمة نظرية أو انهيار‪ ،‬فإن تقارب خطوط فكرية منفصلة‬ ‫يمكن في هذه الحالة أن يتضمن عملية تدعيم مفهومات وأفكار وافتراضات تفضي إلى‬ ‫نماذج أكةثر عمومية«)‪.(1‬‬

‫إن روبرت ميرتون يدفع عن الوظيفية تهمة إغفالها للصراع والتناقضات‪ .‬وهو‬ ‫يفعل دلك من خلل التأكيد أن الوظيفية التقت بالفعل بأفكار ماركس‪ .‬غير أن هذا القول‬ ‫ل يعني أن الوظيفية تعالج بالفعل قضايا التغير والصراع معالتجة صائبة‪ .‬فأةثناء تدليل‬ ‫ميرتون على أن الوظيفية ل تغفل قضايا التغير يصر على طرح هذه القضايا من خلل‬ ‫مفهومات »السلوك المنحرف« و »اختلل التوازن«‪ .‬ول يهتم في هذا الصدد أن يشرح‬ ‫كيفية حدوث التغير من خلل هذه المفهومات‪ ،‬بقدر اهتمامه بالستشهاد بالراء التي‬ ‫تؤكد أنه يعرف الماركسية‪ .‬ويلتجأ بشكل خاص إلى التحليل الذي طرحه تجولدنر عن‬ ‫»السلوك المنحرف« في أعمال ميرتون كدليل على معالتجة الوظيفية لقضايا التغير‪.‬‬ ‫ويؤكد ميرتون في هذا الصدد موافقته على هذا التحليل‪ ،‬ويقول أنه يقتبس كلمات تجولدنر‬ ‫كما هي لعدم استطاعته إدخال أي تحسينات على صياغتها التي تقول)‪:(2‬‬

‫»إن كل من ميرتون وميلز ترك الطريق مفتوحا للقتراب من النظرية الماركسية‪.‬‬ ‫وفي واقع المر فكل منهما لتجأ إلى نوع من الصمت إزاء الماركسية‪ .‬وكانت ماركسية‬ ‫ميلز دائما أكةثر صمتا مما بدا في موقفه الراديكالي‪ ،‬بينما كان ميرتون دائما أكةثر‬ ‫ماركسية من حالت صمته التي تبدو حول هذه المسألة ‪ ...‬لقد عرف ميرتون ماركسه‬ ‫دائما‪ ،‬وأدرك الفوارق الدقيقة للتجدال في الةثقافة الحية‪ ،‬كما طور ميرتون تحليله المعمم‬ ‫لمختلف أشكال السلوك المنحرف عن طريق وضعها في إطار الصياغة النسقية لنظرية‬ ‫دوركايم عن اختلل المعايير ‪ ،Anomie‬والتي حقق من خللها بعدا تحليليا لنه‪ ،‬وفي‬ ‫‪(2)1‬‬

‫‪.Ibid‬‬

‫‪( 1)2‬‬ ‫‪.128‬‬

‫‪136‬‬

‫‪Ibid., p. 127 -‬‬


‫صمت‪ ،‬وضع نفسه في إطار النطولوتجية الماركسية للتناقض التجتماعي«‪ .‬إن ميرتون‬ ‫يورد هذا النص عن تجولدنر لكي يؤكد أن موقف الوظيفية بشأن السلوك المنحرف‬ ‫والصراع الطبقي »يتناقض بشكل حاد مع مفهوم مبتذل يسود في بعض الدوائر في علم‬ ‫التجتماع التي تعتقد أن التتجاه النظري الذي يسمى »علم اتجتماع الصراع« هو معارض‬ ‫بالضرورة لنمط التحليل البنيوي )الوظيفي – الباحث(«)‪.(1‬‬ ‫قد توحي كلمات ميرتون هذه بعدم وتجود تناقض بين الوظيفية والماركسية‪ .‬وربما‬ ‫يزيد من تأكيد ذلك قول ميرتون إن الوظيفية قامت بمزج الماركسية مع أفكار دوركايم منذ‬ ‫الةثلةثينات بالفعل‪ .‬غير أنه من الضروري الشارة إلى التناقض في موقف ميرتون‪.‬‬ ‫فاستشهاده بتماةثل بعض مقولت كل من ماركس ودوركايم ل يعني أن الوظيفية تتبنى هذه‬ ‫المقولت‪ .‬فإذا كانت مقولة ماركس القائلة أن وتجود الناس يحدد وعيهم لها ما يماةثلها عند‬ ‫دوركايم ل يعني أن ميرتون أو الوظيفية يتبنيان هذه المقولة المنهتجية‪ ،‬كما ل يعني أن‬ ‫الوظيفية تخلت عن مقولتها الساسية التي ترى أن القيم هي العنصر الحاسم في النسق‬ ‫التجتماعي‪.‬‬ ‫وفضل عن ذلك فإنه إذا كان ميرتون يستخدم فكرة حدوث مزج بين أفكار ماركس‬ ‫ودوركايم لمواتجهة الدعوة القائلة بضرورة وتجود نظرية تتجمع بين الوظيفية والماركسية‪،‬‬ ‫فإن ذلك ل يلغي أن لهذه الدعوة من يعبر عنها بالفعل‪.‬‬

‫ونظ ار للعتبارات السابقة يرى الباحث ضرورة التجابة على السؤال المطروح‪ :‬هل‬ ‫يمكن بالفعل حدوث تقارب حقيقي يتجمع النظريتين في نظرية اتجتماعية واحدة؟ من‬ ‫الضروري أن نشير أول إلى بعض المحاولت في هذا الصدد‪ .‬ويكفي أن نشير أول إلى‬ ‫رأي تجولدنر إوالى محاولة فاندنبرج‪ .‬فتجولدنر يرى أن أزمة الوظيفية يعبر عنها في‬ ‫اندفاعات نحو الماركسية‪ .‬كما أنه يعتبر أن التوترات العميقة التي تعاني منها الوظيفية‬ ‫تنتج عن تحليلها للتغير وأن »اندفاع الوظيفية نحو التقارب مع الماركسية هو محاولة‬ ‫لمعالتجة التوترات التي تشعر بها في هذا المتجال الفكري‪ ،‬كما أنه علمة على الزمة‬ ‫المتصاعدة التي تعانيها«)‪ ،(2‬كما أن هذا التتجاه للتقارب يتم التعبير عنه اليوم بشكل أقل‬

‫‪( 2)1‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬

‫‪.123‬‬

‫‪( 1)2‬‬ ‫‪.369‬‬

‫‪137‬‬

‫‪A. Gouldner, op. cit., p.‬‬


‫أو أكةثر وضوحا‪» ...‬فبعض الوظيفيين يتحركون بشكل متزايد نحو التقارب مع‬ ‫الماركسية‪ .‬وغالبا ما يفعلون ذلك وهم على وعي ذاتي ل يعاني من صراع‪ .‬وما يحدث‬ ‫الن هو أن الشارة إلى ماركس ل تظهر أكةثر وأكةثر فحسب في العمال الحديةثة لبعض‬ ‫الوظيفيين‪ ،‬إوانما أصبح هؤلء يقدرون أيضا عمله بصراحة على الرغم من أن هذا التقدير‬ ‫ناد ار ما يأتي دون انتقاد«)‪.(1‬‬

‫أما فاندنبرج فيمضي إلى ما هو أبعد من تجولدنر‪ .‬وهو يبدأ محاولة التقريب من‬ ‫الماركسية والوظيفية بافتراض معين‪ .‬ويبدأ هذا الفتراض بالقول إن الهيتجلية الماركسية‬ ‫والوظيفية هما النظريتان السائدتان في علم التجتماع المعاصر‪ .‬أي أنه يبدأ بتقرير أهمية‬ ‫الوظيفية والماركسية‪ .‬لكننا نلحظ أنه يربط الماركسية بالهيتجلية وهو ما أكدنا من قبل‬ ‫عدم صحته‪ .‬غير أن فاندنبرج ينطلق بعد ذلك ليشير إلى أن كل من الوظيفية والهيتجلية‬ ‫– الماركسية ينهض على نموذج للتوازن‪ .‬فمن تجانب تتضمن الةثلةثية الهيتجلية فكرة‬ ‫التوازن في شكل‪ :‬الموضوع – نقيض الموضوع – مركب الموضوع‪ .‬ومن تجانب آخر‬ ‫فإنه لو تخلت الوظيفية عن الفتراض غير الضروري القائل بأن المتجتمع يميل إلى‬ ‫اختزال التغير فلن يتبقى اختلف تجوهري بين الفكار التجدلية والوظيفية عن التوازن‪.‬‬ ‫وبعد أن يقرر فاندنبرج كل ذلك ل ينسى أن يضيف أن بعض الوظيفيين »قد تخلوا بالفعل‬ ‫عن هذا الفتراض غير الضروري«)‪.(2‬‬ ‫لقد تعرضنا من قبل‪ ،‬وبشيء من التفصيل‪ ،‬إلى أن ماركس لم يستخدم الةثلةثية‬ ‫الهيتجلية‪ .‬كما أوضحنا الختلفات التجوهرية بين كل من التناقض التجدلي الماركسي‬ ‫والتناقض التجدلي الهيتجلي‪ .‬ولكن هذا التوضيح وحده ليس مبر ار كافيا للقول بعدم صواب‬ ‫هذه المحاولة للتقريب بين الماركسية والوظيفية‪.‬‬

‫فالمسألة هنا أبعد من متجرد عملية تنازلت تجزئية من هنا وهناك‪ .‬أو عملية تتجميع‬ ‫المزايا‪ .‬فالستناد إلى الفهم الصائب للنظريتين يوضح ما يلي‪:‬‬

‫‪( 2)1‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬

‫‪.368‬‬

‫‪( 1)2‬‬ ‫‪.306‬‬

‫‪138‬‬

‫‪P. van den Berghe, op. cit., pp. 305 -‬‬


‫أول‪ :‬أن الماركسية‪ ،‬غير الهيتجلية بالطبع‪ ،‬أكةثر من متجرد نظرية وظيفية بنيوية‬ ‫على الرغم من أنها تمتلك من المبررات ما يتجعلها الولى في هذا الصدد‪ .‬والذي يتجعل‬ ‫منها أكةثر من متجرد نظرية وظيفية هو ما يلي‪:‬‬

‫‪1‬ـ قولها بتعدد مستويات الظواهر التجتماعية من بنية أساس وبنية فوقية وأشكال‬ ‫للوعي‪ .‬وعلوة على ذلك تأكيدها على الصفة التاريخية لهذه الظواهر‪.‬‬ ‫‪2‬ـ المنطلق المنهتجي الذي يرى أن الوتجود التجتماعي هو أساس الوعي‬ ‫التجتماعي‪.‬‬

‫‪3‬ـ القول بوتجود صراعات وتناقضات داخلية في المتجتمع وأنها أساس عملية‬ ‫تطور المتجتمعات‪ .‬وسيتضح هذا عند تناول مفهوم البنية التجتماعية بشكل‬ ‫أكةثر تحديدا‪.‬‬

‫‪4‬ـ رفضها الوقوع في النزعة المبريقية التي ل ترى ما هو أبعد من الواقع المرئي‪.‬‬ ‫وهذا ما سوف نتناوله تفصيل عند التعرض للسس المنهتجية لدراسة البنية‬ ‫التجتماعية‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬أما بالنسبة لمقولة البنية – الوظيفة التي ترددها الوظيفية فإننا نتجدها‬ ‫متضمنة في أعمال ماركس‪ .‬فكتاب رأس المال يذخر بتحليل مكونات النسق الرأسمالي‬ ‫حتى وظائف النقود والسلع‪ .‬وفضل عن ذلك فإن »البنية التجتماعية« كاصطلح‬ ‫ومفهوم تجرى استخدامه من تجانب ماركس قبل رادكليف براون بأكةثر من سبعين عاما‪.‬‬ ‫ولكن هل أخطأ ماركس وأخطأ نقاده في عدم تسمية منهتجه بأنه وظيفي؟ بالطبع ل‪ .‬فلم‬ ‫يخطئ ماركس ول نقاده في هذا الشأن‪ .‬فالتحليل الوظيفي ليس منهتجا بالنسبة لماركس‬ ‫إوانما أداة من أدوات البحث يضعها في سياق منهج شامل يكشف في النهاية حركة‬ ‫المتجتمع بكل متناقضاته الداخلية ودينامياته وعلقاته الداخلية‪.‬‬

‫أي أننا نتجد نظرة تتجزيئية في تجانب‪ ،‬ونظرة تمتد إلى البعاد المتعددة للظاهرة‬ ‫التجتماعية في تجانب آخر‪ .‬إواذا كنا نقول نظرة تتجزيئية فإننا نستند إلى رأي ميرتون الذي‬ ‫يرى استحالة قيام أي نظرية بمعالتجة كافة البعاد‪ .‬فهو يقول‪» :‬وكمبدأ نظري ‪ ...‬فإن‬ ‫التحليل البنيوي ) الوظيفي – الباحث( شأنه شأن ال تـجاهات النظرية الخرى في علم‬

‫‪139‬‬


‫الجتماع ل يمكن أن يزعم أنه قادر على تناول النطاق الكامل للظواهر الثقافية‬ ‫والجتماعية«)‪) .(1‬التشديد من الباحث(‪.‬‬

‫يرى الباحث أن هذه الكلمات تمةثل تقييما للوظيفية بالفعل‪ .‬ولكن ميرتون يحاول‬ ‫القول إن ما ينطبق على الوظيفية ينطبق أيضا على غيرها من النظريات‪.‬‬

‫ثالثا‪ :‬يضاف إلى أول وةثانيا أن ماركس لم يغفل المظهر الخارتجي للبنية‬ ‫التجتماعية وما يط أر على هذا المظهر من تغيرات‪ ،‬ول يتتجاهل أهمية تحليلها‪ .‬ويكفي في‬ ‫هذا الصدد أن نورد النص التالي حيث يرى الباحث أنه ينطوي على دللت هامة‪ .‬يقول‬ ‫ماركس في المتجلد الةثالث من رأس المال‪:‬‬

‫»إن الشكل القتصادي النوعي الذي يستخلص به العمل الفائض غير المدفوع )لم‬ ‫يقل غير مدفوع التجر لن المر ل يقتصر على الرأسمالية – الباحث( من المنتتجين‬ ‫المباشرين يحدد العلقة بين الحاكمين والمحكومين‪ ،‬ذلك أنه ينبع مباشرة من النتاج ذاته‬ ‫ةثم يعود فيؤةثر فيه كعنصر محدد )حاسم – الباحث(‪ .‬وعلى هذا الشكل يقوم تكوين‬ ‫التجماعة القتصادي بأسره الذي ينشأ عن علقات النتاج ذاتها‪ ،‬ومن ةثم يقوم في نفس‬ ‫الوقت شكلها السياسي النوعي‪ .‬فالعلقة المباشرة التي تربط مل كـ شروط ال نـتاج‬ ‫بالمنتجين المباشرين ‪ -‬وهي علقة تتوافق دائما بشكل طبيعي مع مرحلة محددة من‬ ‫تطور طرق العمل وبالتالي مع تطور إنتاتجيته التجتماعية ‪ -‬هي التي تكشف دائما عن‬ ‫أخفى السرار‪ ،‬تكشف عن الساس الخفي للبنية الجتماعية بأسرها ‪The Entire‬‬ ‫‪ Social Structure‬وللشكل السياسي لعلقة السيادة والتبعية‪ ،‬أي بالختصار شكل الدولة‬ ‫النوعي المتوافق مع بنية الساس‪ .‬وهذا ل يمنع الساس القتصادي – نفس الساس‬ ‫القتصادي منظو ار إليه من زاوية شروطه الساسية‪ -‬من أن يكشف عن تنوعات‬ ‫وتدرتجات ل نهائية في المظهر ‪Infinite Variations and Graduations in Appearance‬‬ ‫نتيجة لظروف إمبريقية مختلفة ل يشملها الحصر‪ ،‬من بنية طبيعية‪ ،‬وعلقات عرقية‪،‬‬ ‫وتأثيرات تاريخية خارجية إلى آخره‪ .‬وهي تنوعات وتدرجات ل يمكن التيقن من حقيقتها‬ ‫إل بتحليل الظروف المعطاة إمبريقيا«)‪) .(2‬التشديد من الباحث(‪.‬‬ ‫‪( 1)1‬‬

‫‪R. Merton, Sociological Ambivalence..», p.‬‬

‫‪.126‬‬

‫‪( 1)2‬‬ ‫‪.792‬‬

‫‪140‬‬

‫‪K. Marx, Capital, vol. 111, pp. 791 -‬‬


‫يكشف هذا النص عن أبعاد متعددة ل تلقي ما تستحق من تنويه‪ .‬فإذا كان ماركس‬ ‫يطمح إلى كشف المنطق الداخلي لي تكوين فإنه ل يتتجاهل ما يط أر على مظهر هذا‬ ‫التكوين من »تنوعات« و »تدرتجات« و »تباين«‪ .‬لكن ينبغي التأكيد أن دراسة التغيرات‬ ‫الطارئة على المظهر إنما ترتبط بمسعى آخر هو دراسة البنية بكافة تجوانب حركتها‬ ‫وتناقضاتها وقوانينها‪ .‬إوان البعاد المتعددة التي يكشف عنها منهج ماركس في تناول‬ ‫الظواهر إنما يعني أن الوظيفية ل تقدم منطلقات منهتجية تنفرد بها إوانما هي‪ ،‬في واقع‬ ‫المر تقتطع بعض المنطلقات المنهتجية من سياقها العام الشمل وتكتفي بأن تعالج البنية‬ ‫من زاوية أساسية واحدة‪ .‬ونعني بذلك زاوية التوازن والستقرار‪ .‬ويمكننا هنا أن نقول أن‬ ‫الوظيفية لم يتبق لها سوى استاتيكيتها وسعيها للكشف عن التوازن الدينامي‪ .‬ومن ةثم ليس‬ ‫في وسعها تقديم منطلقات منهتجية تنفرد بها للمساهمة في خلق نظرية تجديدة‪ .‬فكافة‬ ‫المبادئ المنهتجية التي تتميز بها إنما هي مبادئ مقتطعة من نظريات أخرى أكةثر تكامل‪،‬‬ ‫ومن ةثم فإن المنطلقات المنهتجية للتحليل الوظيفي إنما هي منطلقات تتسم بالتتجزيئية‬ ‫والقصور‪.‬‬

‫‪141‬‬


‫الفصل الخامس‬ ‫البنيــوية‬

‫تمهيد‪:‬‬ ‫ينبغي أن نوضح في البداية معنى البنيوية ‪ Structuralism‬كمنهج في متجال‬ ‫الدراسات التجتماعية‪ .‬فقد يحدث خلط بينها وبين الوظيفية‪ ،‬خاصة أن بعض الوظيفيين‬ ‫يستخدمون أحيانا تعبير التحليل البنيوي ‪ Structural Analysis‬للشارة إلى الوظيفية‪ .‬وقد‬ ‫رأينا من قبل أن روبرت ميرتون على وتجه التحديد يستخدم هذا التعبير‪ .‬وفضل عن ذلك‬ ‫فإن البنيوية تتخذ من البنية أيضا والعلقات داخلها محو ار لمنهتجها‪ .‬كما تنبع أيضا أهمية‬ ‫التعريف بالبنيوية أنها لم تنل الهتمام الكافي في الدراسات التجتماعية في العالم العربي‬ ‫بوصفها منهتجا في العلوم التجتماعية‪ ،‬وذلك على الرغم من الهمية المنهتجية التي تعزى‬ ‫إليها‪ .‬كما أن الواقع يوضح أن البنيوية تؤةثر الن في متجالت معرفية عديدة‪ .‬فالبنيوية‬ ‫تعلن أنها تقدم بصيرة تجديدة ووعيا تجديدا بالنسان وأفعاله‪ ،‬ومن ةثم يتطرق منهتجها إلى‬ ‫كافة العلوم النسانية ومن بينها علم التجتماع والنةثروبولوتجيا‪.‬‬ ‫وقد شهدت السنوات الخيرة إنتجازات للبنيويين في متجالت معرفية شتى‪ .‬وعلى‬ ‫سبيل المةثال ظهرت أعمال تستخدم المنهج البنيوي في اللغات‪ ،‬وعلم النفس والبيولوتجيا‬

‫‪142‬‬


‫والنقد الدبي‪ .‬بل إن إنتجازات اللغويات البنيوية كانت الساس الذي انطلق منه المنهج‬ ‫البنيوي‪ .‬ويمكن أن نشير‪ ،‬باختصار‪ ،‬إلى أبرز أعمال البنيويين في هذه المتجالت‪ .‬وهي‬ ‫تتمةثل في أعمال فرديناند دي سوسير ‪ Ferdinand de Saussure‬ورومان ياكوبسون‬ ‫‪ Roman Jakobson‬في اللغويات‪ ،‬وتجان بياتجيه في علم النفس بالضافة إلى أعماله‬ ‫النظرية في متجال المنهج البنيوي‪ ،‬وفوكوه ‪ M. Foucault‬في متجال تاريخ العلوم والةثقافة‬ ‫النسانية‪ ،‬وذلك علوة على أعمال ليفي شتراوس إوانتجازاته النظرية والمنهتجية في علم‬ ‫التجتماع والنةثروبولوتجيا‪.‬‬ ‫ويمكننا أن نضيف سببا آخر لضرورة التعريف بالبنيوية‪ .‬فإن انتشارها في فرنسا‬ ‫بالذات‪ ،‬قد صاحبته فكرة عامة‪ ،‬ترى أن البنيوية حركة فلسفية في الساس وليست متجرد‬ ‫منهج للعلوم التجتماعية‪ .‬وترتجع أسباب هذه الفكرة إلى أن التجدال العام الذي برز حول‬ ‫البنيوية في فرنسا فيما بين ‪ 1965‬و ‪ 1967‬كان مرتبطا بهتجوم ليفي شتراوس على‬ ‫سارتر والفلسفة الوتجودية‪ .‬وقد تجاء هذا النتقاد الحاد في كتاب ليفي شتراوس »العقل‬ ‫الهمتجي« )‪ .«The Savage Mind» (1962‬غير أن البنيويين يرفضون أن توصف‬ ‫حركتهم بأنها فلسفية‪ ،‬بل إن معظم كتاباتهم معادية للفلسفة في اتتجاهها الساسي‪ .‬وتتركز‬ ‫دعوة البنيويين في هذا الصدد في العلن عن نهاية الفلسفة باسم علوم النسان‪ .‬ومن ةثم‬ ‫كان انتقادهم للفلسفة المةثالية عامة وفلسفة سارتر على وتجه الخصوص‪ .‬ويؤكد البنيويون‬ ‫أنهم إنما يقدمون منهتجا هدفه الوصول بالعلوم النسانية إلى مستوى دقة العلوم الطبيعية‬ ‫والرياضية‪ .‬وفي واقع المر ل يمكن القول بأن البنيوية ل تحمل أي اتتجاهات فلسفية‪.‬‬ ‫ولكن ذلك المر ل يعني إغفال أو تتجاهل ما تطرحه في المتجالت المعرفية المختلفة‬ ‫وعلى الخص في متجال علم التجتماع‪ .‬وعلى سبيل المةثال فإن العمال المصرية النادرة‬ ‫التي تتناول البنيوية ل تقدم سوى إشارات بسيطة للغاية عنها‪ .‬بل إن هذه الشارات تكتفي‬ ‫بتصوير علقتها بالفلسفة على أنها تشبه العلقة بين الفلسفة وعلم التجتماع في تجامعة‬ ‫لنـدن مـع أن البنيوية تتميز بمنطلقات منهتجية مغايرة لتلك التي تتميز بها الوضعية‬ ‫المحدةثة مةثل‪.‬‬ ‫إن الرأي المشار إليه آنفا يرى »أن تأةثير الفلسفة أو المزج بين الفلسفة وعلم‬ ‫التجتماع ودراسة القتصاد السياسي كما هو حادث في تجامعة لندن قد أدى إلى مواقف‬ ‫‪143‬‬


‫معرفية تبناها علماء التجتماع في أوروبا مةثل الكانتية المحدةثة والوضعية المحدةثة‬ ‫والظواهرية‪ .‬إن انتشار التتجاه البنائي )البنيوي – الباحث( في فرنسا يعكس هذا التتجاه‬ ‫في المنهج في العلوم التجتماعية الذي ينقلب في أغلب الحيان إلى مناقشة فلسفية«)‪.(1‬‬ ‫إن تأةثير الفلسفة على علم التجتماع في إنتجلت ار بشكل عام أفضى بالفعل إلى‬ ‫النتيتجة التي يقررها النص الذي أوردناه آنفا‪ .‬غير أن المر يختلف بالنسبة للبنيوية‪ .‬فهي‬ ‫إوان كانت تتسم في نهاية المر بنوع من الكانتية‪ ،‬وهو ما يتضح من ةثنائيتها‪ ،‬إل أنها‬ ‫تدعو إلى تخليص علوم النسان من الفلسفة بغض النظر عن تحررها من أي نظرة‬ ‫فلسفية أم ل‪ .‬ومن تجانب آخر‪ ،‬فإن منطلقاتها تختلف في تجوانب كةثيرة عن منطلقات علم‬ ‫التجتماع والنةثروبولوتجيا في البلد النتجلوسكسونية عامة‪ .‬وسوف يتضح ذلك تجيدا فيما‬ ‫بعد‪ ،‬خاصة عند تناول مفهوم البنية التجتماعية‪ .‬ويكفي الن أن نشير إلى قول بياتجيه‬ ‫إن »مفهوم البنية في البلدان النتجلوسكسكونية يميل إلى القتصار على العلقات القابلة‬ ‫للملحظة«)‪ ،(2‬وهو ما ترفضه البنيوية‪.‬‬ ‫ونظ ار للعتبارات التي أشرنا إليها في هذا التمهيد فإننا سنتناول في هذا الفصل‬ ‫القضايا التالية‪:‬‬ ‫أول‪ :‬تعريف البنيوية بشكل عام‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬الصول التاريخية التي أةثرت في تشكل اتتجاه التحليل البنيوي والتي تتمةثل‬ ‫في‪ :‬اللغويات‪ ،‬والماركسية‪ ،‬وأعمال دوركايم التي وتجدت استم ار ار ما لها في أعمال ليفي‬ ‫شتراوس بالذات‪.‬‬ ‫ثالثا‪ :‬التعريف بليفي شتراوس إواسهاماته المنهتجية في علم التجتماع‬ ‫والنةثروبولوتجيا باعتباره أبرز ممةثلي البنيوية تأةثي ار في هذه المتجالت‪ .‬فإن كافة الكتابات‬ ‫التي تتناول البنيوية من زاوية علم التجتماع إنما تضعه بالفعل في هذه المكانة‪ .‬ومن‬ ‫أمةثلة ذلك القول بأنه »في حدود ما يتعلق المر بالعلوم التجتماعية‪ ،‬يشعر المرء بةثقة‬ ‫‪ (1)1‬محمد عاطف غيث‪ ،‬الموقف النظري في علم التجتماع المعاصر‪ ،‬دار الكتب التجامعية‪ ،‬إسكندرية‪،‬‬ ‫‪ ،1972‬ص ‪.163‬‬ ‫‪J. Piaget, op. cit., p.‬‬ ‫‪( 1)2‬‬ ‫‪.102‬‬

‫‪144‬‬


‫تامة عندما يطلق على ليفي شتراوس وصف قائد الحركة‪ ،‬أو على القل‪ ،‬أبرز مدافع‬ ‫عنها في متجال النةثروبولوتجيا وعلم التجتماع«)‪.(1‬‬ ‫لكن ينبغي توضيح أن هذه العناوين تشير إلى القضايا التي سوف نتناولها أكةثر‬ ‫من إشارتها إلى التقسيمات التي سنتبعها في الدراسة‪ .‬لن طبيعة الموضوع تقتضي مةثل‪،‬‬ ‫عدم الفصل بين ما تجاء تحت البند ةثانيا والبند ةثالةثا‪ .‬ولهذا فسوف نتناول التعريف‬ ‫بالبنيوية بشكل مستقل أما الصول التاريخية إواسهامات ليفي شتراوس فسوف يتم دمتجها‬ ‫معا‪.‬‬

‫ما هي البنيوية؟‬

‫تكمن أهمية البنيوية كاتتجاه في المعرفة في أنها تحاول أن تقدم وعيا تجديدا‬ ‫بالمتجتمع بما يبدو أنه طريقة تجديدة‪» .‬ولم تهتم البنيوية أن تعلن فلسفة تجديدة قدر‬ ‫اهتمامها أن تظهر عتجز المفهومات الفلسفية القائمة‪ ،‬وذلك في ضوء المعرفة المتتجمعة‬ ‫عن طريق علوم النسان«)‪ .(2‬وعلى الرغم من ذلك فقد كان انتشارها الواسع في فرنسا في‬ ‫الستينات مرتبطا بانتقاد البنيويين لفلسفة سارتر الوتجودية‪ .‬ومن هنا ظهرت مقولت‬ ‫»البنية« و »الموضوعية« و »الدقة العلمية« كمقولت رئيسية بدل من مقولت »الفعل‬ ‫الحر« و »الذاتية« ومقولة »التتجربة المعاشة«‪ .‬فالبنيوية تحدد لنفسها مهمة الوصول‬ ‫بالعلوم الخاصة بالنسان إلى متجالت معرفية لها نفس دقة الفيزياء على سبيل المةثال‪.‬‬

‫لقد قدمت البنيوية »تفسي ار للنسان والةثقافة بلغة سماها تشومسكي ‪ Chomsky‬بنى‬ ‫عميقة ‪ .Deep Structures‬وهذه البنى العميقة هي مبادئ غير واعية للعمل الوظيفي‬ ‫للعقل تحاول البنيوية اكتشافها في النةثروبولوتجيا وعلم التجتماع على القل‪ ،‬لتكشف‬ ‫عنها كأساس حقيقي لظاهرة الةثقافة‪ .‬وفي محاولتها الكشف عن هذه العناصر التجماعية‬ ‫غير الواعية المحددة للسلوك‪ ،‬تلعب البنيوية في العلوم التجتماعية دو ار مشابها لدور‬ ‫التحليل النفسي في علم النفس الفردي‪ .‬وكلهما يدعى إعطاء وعي تجديد وبصيرة أعمق‬ ‫‪(2)1‬‬

‫‪C. Badcock, Leve-Strauss: Structuralism and Sociological Theory, Holmes and‬‬ ‫‪.Meier Publishers, New York, 1976, p. 11‬‬

‫‪ (1)2‬لوسيان سيف‪ ،‬موقع الفلسفة البنائية من المنهج العلمي‪ ،‬ترتجمة أحمد القصير‪ ،‬متجلـة الكـاتب‪ ،‬العدد‬ ‫‪ ،134‬مايو ‪ ،1972‬ص ‪.107‬‬

‫‪145‬‬


‫بالعمليات التي تؤةثر علينا‪ ،‬ولكننا لم نكن ندركها إدراكا واضحا حتى نشأت تلك الفروع‬ ‫من المعرفة«)‪.(1‬‬

‫وقد كان لتساع المتجالت التي تتطرق البنيوية إليها ما تجعلها أشبه بحركة معرفية‬ ‫بالفعل‪ .‬بل إن روبرت ميرتون يرى أن هناك صلة ما مؤةثرة لهذه الحركة في التحليل‬ ‫الوظيفي‪ .‬ويتضح ذلك من قوله »إن الفكار الرئيسية للتحليل البنيوي )ما يعنيه ميرتون‬ ‫هنا هو التحليل الوظيفي – الباحث( في علم التجتماع تضرب بتجذورها في تركيب‬ ‫الحركة الةثقافية والتجتماعية المعروفة باسم البنيوية ‪ .Structuralism‬فهي بإقامتها روابط‬ ‫بين مضمون اتتجاهات مختلفة قد أصبحت أخي ار موضوع اهتمام واسع وأحيانا مرك از‬ ‫لحركة اتجتماعية والتي استغلت على مدى غير منظم النفوذ الفكري لشخصيات مةثل‬ ‫فريناند دي سوسير ورومان ياكوبسون في اللغويات‪ ،‬وكلود ليفي شتراوس في‬ ‫النةثروبولوتجيا‪ ،‬وتجان بياتجيه في علم النفس‪ ،‬وحديةثا فرانسوا تجاكوب ‪ Francois Jacob‬في‬ ‫البيولوتجيا‪ .‬وباختصار‪ ،‬فبالرغم من أن التحليل البنيوي )يقصد الوظيفي – الباحث( في‬ ‫علم التجتماع قد تأةثر بخصائص معينة في البنيوية التي تستخدم كسياق معرفي – وعلى‬ ‫سبيل المةثال وتجود توازن معين بين دوركايم ودي سوسير – فإنه من الناحية التاريخية‬ ‫ليس مستمدا من تلك التقاليد الةثقافية بأكةثر مما هو مستمد من التحليل البنيوي الذي طوره‬ ‫ويسلي ليونتيف في القتصاديات«)‪.(2‬‬

‫يؤكد رأي ميرتون الفكرة التي ذكرناها من أن البنيوية حركة معرفية تتطرق إلى‬ ‫متجالت عديدة‪ ،‬كما يؤكد من تجانب آخر أهمية البنيوية في متجال الدراسات التجتماعية‪.‬‬ ‫ويشير أيضا إلى أن البنيوية ل تعتمد على شخصية بارزة واحدة تنتمي إلى متجال معين‪،‬‬ ‫إوانما تعتمد على حشد من الباحةثين في متجالت مختلفة إوان كان معظمهم قد أصبح من‬ ‫أبرز العاملين في هذه المتجالت‪ .‬غير أن ليفي شتراوس هو أبرز ممةثلي البنيوية وأوسعهم‬ ‫انتشارا‪ ،‬كما أنه صاحب التأةثير المباشر في المتجال المنهتجي لعلم التجتماع‬ ‫والنةثروبولوتجيا‪.‬‬

‫‪( 2)1‬‬

‫‪C. Badcock, opcit., pp. 11-‬‬

‫‪.12‬‬

‫‪( 1)2‬‬ ‫‪121‬‬

‫‪146‬‬

‫‪R. Merton Sociological Ambivalence and Other Essays, p.‬‬


‫لقد أشرنا من قبل إلى أن البنيويين يؤكدون أنهم يطرحون منهتجا ل فلسفة خاصة‪.‬‬ ‫وفي هذا الصدد يؤكد تجان بياتجيه »ان للبنيوية تاريخا طويل‪ .‬وتتمةثل أحد الدروس التي‬ ‫يمكن استخلصها من هذا التاريخ في أن البنيوية ل يمكن أن تكون مذهبا أو فلسفة‬ ‫)‪( 1‬‬ ‫خاصة ‪ ...‬فالبنيوية إنما هي منهج أساسا بكل ما يتضمن هذا التعبير من معنى« ‪.‬‬

‫وعندما يشير بياتجيه إلى تاريخ البنيوية يوضح أن هذا »التاريخ يشكل تجزءا من‬ ‫تاريخ العلم ‪ ..‬وكان لبد أن يمضي وقت طويل قبل أن يتم اكتشاف إمكانياتها‪ ،‬ويعود‬ ‫ذلك أساسا‪ ،‬بالطبع‪ ،‬إلى الميل الطبيعي للعقل البشري للبدء من البسيط للنتقال إلى‬ ‫المعقد‪ ،‬ومن ةثم يغفل العتماد المتبادل بين الكليات ونسقيتها‪ ،‬إلى أن يأتي وقت تفرض‬ ‫فيه مشاكل التحليل هذه المور علينا وتلفت انتباهنا إليها‪ .‬كما يعود ذلك أيضا إلى حقيقة‬ ‫أن البنى ليست شيئا يمكن ملحظته‪ ،‬حيث تقع في مستويات يمكن الوصول إليها فقط‬ ‫عن طريق أشكال من التتجريد«)‪.(2‬‬

‫إن بياتجيه في محاولة تفسيره سبب عدم انتشار البنيوية حتى وقت قريب يشير إلى‬ ‫سمة أساسية تميز البنيوية‪ ،‬وهو موقفها الذي يرفض النزعة المبريقية‪ .‬فالبنيوية تطمح‬ ‫إلى ما هو أكةثر من هذه المبريقية المتجدبة وتنظر إلى علم التجتماع ودراسة البنى‬ ‫التجتماعية على وتجه الخصوص على أنها وسيلة نحو إدراك أكةثر عقلنية للوقائع‬ ‫التجتماعية والسياسية والقتصادية‪ .‬كما تحاول أن تنتجز ذلك بما يبدو أنه أسلوب تجديد‪.‬‬ ‫وذلك ما يستوتجب أن يهتم السسيولوتجيون بما تطرحه البنيوية لمعرفة المدى الحقيقي‬ ‫للنتجازات التي تقدمها‪.‬‬

‫وقبل النتقال إلى الصول التاريخية للبنيوية ومضمون منهتجها يمكننا أن نرصد‬ ‫الن ةثلةثة أسباب تعود إليها المكانة التي تحتلها البنيوية في متجال الدراسات التجتماعية‪.‬‬ ‫أول‪ :‬رفضها للفلسفات المةثالية الذاتية‪ .‬وهو الرفض الذي كان كتاب »العقل‬ ‫الهمتجي« لليفي شتراوس تعبي ار عنه‪.‬‬ ‫وثانيا‪ :‬مطالبتها بتعميم نتائج البحث في مختلف المتجالت المعرفية‪.‬‬ ‫‪( 2)1‬‬

‫‪J. Piaget, op.‬‬

‫‪.cit., pp. 136-137‬‬

‫‪( 1)2‬‬ ‫‪.136‬‬

‫‪147‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬


‫وثالثا‪ :‬قيام البنيويين في الفترة الخيرة بإتجراء دراسات تجادة تسير وفق المنهج‬ ‫البنيوي‪ .‬وقد تجاء بعض هذه الدراسات بشكل متميز في متجاله‪.‬‬ ‫ونتجد تجان بياتجيه يصور هذا الوضع بقوله‪» :‬بالرغم من أن الكةثير من التطبيقات‬ ‫التجادة للمنهج حديةثة فإن البنيوية ذاتها ليست حديةثة العهد«)‪.(1‬‬ ‫يشير ذلك التاريخ الذي يتحدث عنه بياتجيه إلى المؤةثرات التي ساهمت بالفعل في‬

‫بروز البنيوية المعاصرة‪ ،‬والتي تعتبر أعمال ليفي شتراوس من البدايات الولى‪ .‬فقد نشر‬

‫أول عمل هام له وهو كتاب »البنى الولية للقرابة« عام ‪ .1949‬وبعد ذلك بفترة‪ ،‬أي في‬ ‫الستينات‪ ،‬بدأت تبرز أعمال هامة للبنيويين تنتمي إلى متجالت معرفية مختلفة‪ .‬وعلى‬

‫الرغم من أن اللغويات هي صاحبة التأةثير الساسي على المنهج البنيوي فإن واقع المر‬

‫يؤكد أن ذلك التاريخ الذي يتحدث عنه بياتجيه يشير إلى أكةثر من متجال معرفي قدم‬

‫إسهاماته في بروز البنيوية المعاصرة وذلك باعتراف البنيويين أنفسهم‪ .‬إواذا أردنا تلخيص‬ ‫ذلك الوضع في كلمات موتجزة نلتجأ إلى لوسيان سيف حيث يقول‪» :‬إن البحاث الرئيسية‬

‫التي تعتبر أساس البنيوية المعاصرة إنما ترتجع إلى الةثلةثينات‪ .‬بل ويرتجع معظمها إلى ما‬

‫قبل الحرب العالمية الولى‪ .‬ففي متجال اللغويات يمكن الشارة إلى أعمال دي سوسير‪،‬‬

‫وفيما بعد إلى أعمال تروبتسكوي وياكوبسون وأعمال حلقة براغ‪ ،‬وفي متجال علم النفس‬ ‫إلى أعمال منظري التجشتطالت التي ساهمت إلى حد كبير في فترة ما بين الحربين في‬

‫ظهور آراء البنيويين الراهنة‪ ،‬كما يمكن الشارة أيضا‪ ،‬من وتجهة نظر معينة‪ ،‬إلى أعمال‬

‫فرويد‪ .‬وفي الميدان الفلسفي يمكن الشارة إلى هوسرل وأعمال باشلر اللحقة حول‬ ‫القضايا الفلسفية للعلم«)‪.(2‬‬

‫تأثير اللغويات‪:‬‬ ‫كانت اللغويات هي المتجال الذي تأكد فيه بروز المنهج البنيوي عندما قام فرديناند‬ ‫دي سوسير‪ ،‬عالم اللغويات السويسري‪ ،‬في عشرينات هذا القرن بالتنبيه إلى ضرورة‬ ‫‪(2)1‬‬

‫‪.Ibid‬‬

‫‪ (1)2‬لوسيان سيف‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ‪.108‬‬

‫‪148‬‬


‫إتجراء تمييز دقيق في متجال دراسة اللغة بين محورين رئيسيين‪ :‬المحور عبر الزمني‬ ‫‪ ،Diachronic‬أي محور التطور التاريخي ومحور الدراسة النية ‪ ،Synchronic‬أي‬ ‫المحور الذي ترتبط به الظواهر اللغوية في لحظة زمنية معينة‪ .‬وبينما ركزت الدراسات‬ ‫اللغوية التاريخية المقارنة‪ ،‬والتي سادت في القرن التاسع عشر تركي از كامل على حقائق‬ ‫تطور اللغة‪ ،‬وبشكل خاص‪ ،‬على إعادة تركيب اللغة الهندو – أوروبية‪ ،‬وذلك عن طريق‬ ‫البحث عن ظواهر معينة في لغات معينة في عصور مختلفة‪ ،‬نتجد أن دي سوسير وتجه‬ ‫اللغويات إلى العصر الراهن مؤكدا أن التجانب الني أكةثر أهمية من التجانب التاريخي‬ ‫ذلك أنه حسب رأيه هو التجانب الحقيقي والواقعي الوحيد بالنسبة لتجمهرة المتكلمين)‪.(1‬‬

‫وكانت النتجاحات التي حققتها حلقة براغ للغويات )تروبتسكوي‬ ‫وياكوبسون( )‪ (2‬في هذا الصدد من أسباب بروز هذه القاعدة المنهتجية التي نادى بها دي‬ ‫سوسير‪ ،‬ومن ةثم انتقالها إلى متجالت معرفية أخرى‪ .‬غير أنه لبد أن نشير إلى أن‬ ‫مضمون هذه القاعدة المنهتجية )أولوية المعالتجة النية على المعالتجة التاريخية( إنما‬ ‫يرتجع‪ ،‬في واقع المر‪ ،‬إلى ماركس في خمسينات القرن التاسع عشر‪ .‬وهذا ما سيتضح‬ ‫فيما بعد‪ .‬ولكن إنتجازات اللغويات طرحته بوضوح وسلطت عليه الضوء من تجديد‪.‬‬ ‫‪Trubetskoi‬‬

‫وعلى الرغم من أننا أوضحنا الصلة بين اللغويات والبنيوية إل أن تلك الصلة في‬ ‫حد ذاتها ل تشير إل إلى الطار العام فقط‪ .‬ولذلك ينبغي التطرق إلى تجوهر ذلك المبدأ‬ ‫خاصة في التطبيق‪ .‬لن وضوح ذلك سيدلنا على الخصائص المتميزة التي انتقلت من‬ ‫اللغويات إلى علم التجتماع والنةثروبولوتجيا‪ .‬ونعني بذلك النظرة الستايتكية‪ .‬فتشديد دي‬ ‫سوسير على المعالتجة النية ينصب بوضوح على الطبيعة النسقية ‪ Systematic‬للغة التي‬ ‫كانت قد أغفلتها المقارنة التاريخية‪ .‬ومن ةثم يؤكد دي سوسير أن التجانب الني من اللغة‬ ‫هو وحده النسقي وليس التجانب عبر الزمني‪ .‬ففي هذا التجانب الني تقوم اللغة بوظائفها‬ ‫كنسق اتصال‪ ،‬كنظام إشارة‪ .‬ويرى دي سوسير أنه طالما أن الشارات اللغوية تحكمية‬

‫‪(1 ) 1‬‬ ‫‪134‬‬

‫‪M. Saifulin (ed.), The Future of Society, Progress Publishers, Moscow, 1973, p.‬‬

‫‪ (2)2‬في عام ‪ 1928‬ظهرت بذور النزعة البنيوية في بحث لةثلةثة من علماء اللغة السوفيت هم تروبتسكوي‬ ‫وياكوبسون وكارشفسكي‪ .‬وبعد ذلك انضم هؤلء العلماء إلى حلقة براغ للغويات التي كانت قد تأسست عام‬ ‫‪ .1926‬وفي عام ‪ 1929‬دعا هؤلء إلى إتباع المنهج البنيوي لكتشاف قوانين بنية النساق اللغوية‪.‬‬ ‫وأصبحوا بعد ذلك من أبرز المساهمين في أعمال تلك الحلقة‪.‬‬

‫‪149‬‬


‫‪ Arbitrary‬فليس من الضروري ربطها بالشياء التي تدل عليها‪ ،‬بل ينبغي دراستها في‬ ‫علقاتها الراهنة المتبادلة‪ .‬فهذه العلقة المتبادلة في النسق هي التي تحدد دور كل‬ ‫عنصر)‪.(1‬‬ ‫ويتمةثل تطوير مدرسة براغ لفكار دي سوسير في أنها استخلصت قواعد تجديدة‬ ‫عن طريق عزل الفونولوتجيا ‪ ،Phonology‬أي دراسة تاريخ التغيرات الصوتية في تطور‬ ‫لغة ما‪ ،‬عن علم الصوتيات ‪ ،Phonetics‬أي دراسة مخارج الحروف وأصواتها مع طريقة‬ ‫كتابتها باللف باء الصوتية‪ ،‬ةثم وضع أصوات الكلم البشري في أنساق طبقا لوظيفتها‪.‬‬ ‫وبعد ذلك قامت المدرسة وغيرها من المدارس البنيوية بدراسات تستهدف كلها غاية‬ ‫أساسية واحدة هي تحديد الطريقة التي تستخدم بها اللغات المختلفة أساليب مختلفة لحل‬ ‫مشكلة بعينها‪ ،‬أي مهمة تنظيم التصال والتفاهم بين البشر‪ .‬واتضح في نهاية الدراسات‬ ‫أن هذه الساليب ليست متباينة مطلقا‪ .‬فعن طريق عزل تجانبها الشكلي وتصنيفها وفقا‬ ‫للنماط العامة للعلقات المتبادلة أمكن استخلص بنى )تجمع بنية( عامة معينة تظهر‬ ‫بتنوعات مختلفة‪ .‬ومن ةثم كان من الطبيعي أن تنشأ فكرة المنهج الستنباطي ‪Deductive‬‬ ‫في معالتجة البنى اللغوية ودراستها بوسائل رياضية)‪.(2‬‬ ‫يعني ذلك أن الفكار التي قدمتها اللغويات البنيوية‪ ،‬لم تكن متجرد فهم اللغة كنسق‬ ‫مترابط‪ .‬فذلك كان قد حدث منذ فترة مضت‪ ،‬إوانما كانت هذه الفكار تتمةثل أساسا في‬ ‫البحث في اللغة عن بنى معينة غير بادية للعيان وأكةثر تتجريدا‪ ،‬وذلك عن طريق نقل‬ ‫الهتمام من عناصر النسق إلى العلقات القائمة بين هذه العناصر والتي تشكل في‬ ‫»وان أكةثر البنيويين اتساقا مع أنفسهم وأكةثرهم تطرفا من وتجهة نظر‬ ‫متجموعها بنية اللغة‪ .‬إ‬ ‫خصومهم يسعون على تقديم النساق اللغوية كمتجموعة من العلقات البحتة تتعين‬ ‫داخلها العناصر تعيينا كليا بالعلقات حيث أن هذه العناصر ل تمتلك أي محتوى خاص‬ ‫بها‪ .‬فالعناصر متجرد حزمة من علقات‪ .‬ولكن إذا كانت هذه الفكرة تعتبر صائبة بالنسبة‬ ‫لنظم الشارة الصطناعية فإنها ل تنطبق على اللغة الطبيعية والتي تعتبر في متجموعها‬ ‫‪( 3)1‬‬

‫‪Ibid., pp. 134-‬‬

‫‪135‬‬

‫‪( 1)2‬‬ ‫‪.136‬‬

‫‪150‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬


‫نظام إشارة من نوع خاص‪ .‬فالمطابقة بين اللغة وبين نظام إشارة اصطناعي يؤدي منطقيا‬ ‫إلى استبعاد قضية التطور من الدراسات اللغوية‪ .‬فالنظمة الصطناعية للشارة ل‬ ‫تتطور‪ .‬فهي من تجانب تفتقر إلى الحافز الداخلي للتطور‪ ،‬ومن تجانب آخر يعتبر الحافز‬ ‫الخارتجي‪ ،‬في واقع المر‪ ،‬خارج إطار مقدرة تلك النظمة«)‪.(1‬‬ ‫ومن ةثم فإن تشبيه ما يتجري في اللغة الحية بقواعد تركيب أي نظام اصطناعي‬ ‫للشارة يفضي إلى نظرة استاتيكية‪.‬‬

‫إن تلك النظرة تدفع البنيويين إلى »النظر للتجانب الني للغة ل بوصفه مقطعا‬ ‫مستعرضا في لحظة معينة يبين حالة اللغة وطريقة تأديتها لوظيفتها في مرحلة معينة من‬ ‫مراحل تطورها إوانما على أساس أن هذا التجانب يكشف عن البنى العامة التي لها صفة‬ ‫الدوام والتي تتجعل التصال ممكنا‪ .‬إن المدخل الني أصبح هنا مطابقا للستاتيكي‪ .‬بل‬ ‫وقد حاول أعضاء المدرسة البنيوية بكوبنهاتجن‪ ،‬برئاسة لويس هيلمسليف‪ ،‬تصوير كل‬ ‫اللغات المعاصرة والبائدة على أنها تنوعات لبنية واحدة لم تتطور في متجرى تطور اللغة‪،‬‬ ‫إوانما تعرضت لمتجرد إعادة التركيب والتتجميع«)‪.(2‬‬

‫عند هذه النقطة نستطيع أن نرى ارتباط ليفي شتراوس الوةثيق باللغويات البنيوية‪.‬‬ ‫فليفي شتراوس يعتبر اللغويات هي المةثال الذي ينبغي أن يحتذى به‪ .‬كما أنه يرى فيما‬ ‫أشرنا إليه من قبل على أنه مدخل استاتيكي تقدما تنفرد به اللغويات‪ .‬ويتضح هذا من‬ ‫قوله »إن علما اتجتماعيا واحدا فحسب بلغ النقطة التي اندمج فيها التفسير الني والتفسير‬ ‫ر إليه كدراسة فونولوتجية ‪Phonological‬‬ ‫عبر الزمني ‪ ...‬وهذا العلم هو اللغويات منظو ا‬ ‫‪.(3)«Study‬‬

‫كما أننا نتجد أن ليفي شتراوس يضع اللغويات كمرشد للعلوم التجتماعية الخرى‪.‬‬ ‫ويتضح ذلك من كتابه »النةثروبولوتجيا البنيوية« والذي يعتبر أهم مؤلفاته التي يطرح فيها‬ ‫أفكاره النظرية والمبادئ المنهتجية التي يسير وفقا لها‪ .‬ويقول ليفي شتراوس‪» :‬إن‬ ‫اللغويات ليست متجرد علم اتجتماعي مةثل سائر العلوم التجتماعية الخرى إوانما هي‪،‬‬

‫‪( 1)1‬‬

‫‪Ibid., pp. 136-‬‬

‫‪.137‬‬

‫‪( 2)2‬‬ ‫‪.137‬‬

‫‪151‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬ ‫‪3‬‬

‫) ‪(3‬‬

‫‪C. Levi-Strauss, The Elementary Structures of Kinship, Eyre and Spottiswood,‬‬ ‫‪.London, 1969, pp 492 - 493‬‬


‫بالحرى‪ ،‬العلم الذي حقق أكبر تقدم‪ .‬وربما كان الوحيد الذي يمكنه أن يزعم بحق أنه علم‬ ‫‪ ...‬إن علم اللغة سوف يتجد علماء من أنظمة على صلة ما به ولكنها تنتمي إلى متجالت‬ ‫مختلفة يستمدون اللهام من نموذتجه)*( ويحاولون أن يقتفوا أةثره«)‪.(1‬‬

‫وعلى الرغم من أن ليفي شتراوس يعتبر اللغويات العلم الذي يتجب أن تحتذى به‬ ‫المبادئ المنهتجية التي يستخدمها فإنه مزج هذه المبادئ بعناصر أخرى ومصادر فكرية‬ ‫مختلفة‪ .‬ويبرز في هذا المتجال تأةثير الماركسية والتجشتطالت ودوركايم‪ .‬وينبغي التأكيد أن‬ ‫ذلك ليس مصدره التفسيرات المختلفة لعمال ليفي شتراوس بقدر ما هو صادر عن ليفي‬ ‫شتراوس نفسه‪ .‬وهو ما سوف نشير إليه عند تناول العلقة بين ليفي شتراوس والمصادر‬ ‫السسيولوتجية المؤةثرة في البنيوية‪ .‬ويلحظ أن البنيويين‪ ،‬بشكل عام‪ ،‬ل يخفون إوانما‬ ‫يشيرون دائما إلى المتجالت المعرفية التي أةثرت في تشكيل منطلقاتهم‪ .‬ولم تكن متجرد‬ ‫مصادفة أن ليفي شتراوس يوتجه – في تقديمه لكتاب »البنى الولية للقرابة«‪ -‬الشكر إلى‬ ‫رومان ياكوبسون ‪ Roman Jakobson‬لص ارره »على ضرورة استكمال هذا العمل‪ ،‬ولنه‬ ‫يرتجع إليه الكةثير في متجال اللهام النظري«)‪.(2‬‬

‫إواذا كانت الصلة قد اتضحت بين البنيوية واللغويات على المستوى النظري‪ ،‬فإن‬ ‫تناول المتجال العملي سيؤكد ذلك أيضا‪ .‬فقد انطلق ليفي شتراوس في دراساته‬ ‫النةثروبولوتجية‪ ،‬مستوحيا مةثال اللغويات‪ ،‬للبحث عن بنى غير ظاهرة تختلف عن‬ ‫المتجموع المباشر للعلقات التجتماعية وتمةثل نوعا من الرمز اللساني )الشفرة(‪ .‬وبهذا‬ ‫اختزل عددا كبي ار من أنساق مختلفة للقرابة في متجتمعات بدائية إلى عدد قليل من أنماط‬ ‫تبادل النساء‪ .‬وبالستعانة بالتحليل البنيوي درس ليفي شتراوس أيضا متجالت »تنتمي‬ ‫إلى بنية فوقية« ‪) Superstructural‬حسب تعبيره( أخرى لحياة متجتمعات بدائية مةثل‬ ‫الطوطمية‪ ،‬الشعائر‪ ،‬السحر‪ ،‬والساطير‪ .‬وهنا أيضا تجرى تطبيق المبدأ المنهتجي البنيوي‬ ‫القائل بأولوية العلقات على العناصر‪ .‬ومن ةثم فإن التصورات الفردية والرموز الموتجودة‬ ‫في الساطير لم يتم تفسيرها‪ ،‬إوانما تم مقارنة علقاتها المتبادلة والمكانة التي تشغلها في‬ ‫‪ (*) 1‬ويذكرنا هذا برأي تروبتسكوي الذي ترك دراسة الةثنوتجرافيا واتتجه إلى اللغويات باعتبارها العلم الوحيد‬ ‫الذي يمتلك منهتجا علميا بين العلوم النسانية‪.‬‬ ‫‪C. Levi-Strauss, Structural Anthropology, Penguin University Books, England, 1972, p.‬‬ ‫‪(1)2‬‬ ‫‪.35‬‬

‫)‪( 2‬‬

‫‪152‬‬

‫‪.C. Levi-Strauss, The Elementary Structures of Kinship, p. xxvii‬‬


‫السطورة بهدف التمكن من اكتشاف سلسلة كاملة من التطابقات ةثم تعميم أكةثر الساطير‬ ‫تباينا)‪.(1‬‬ ‫إن هذه الصلة الوةثيقة بين منهج ليفي شتراوس واللغويات ستعاود الظهور مرة‬ ‫أخرى‪ .‬ولكن لنفهم ذلك علينا أول أن نتعرض للصلة بين ليفي شتراوس ودوركايم‪.‬‬

‫العلقة بين بنيوية ليفي شتراوس ودوركايم‪:‬‬

‫تميزت صلة ليفي شتراوس بدوركايم بطابع خاص‪ .‬ويمكن القول إن هذه الصلة‬ ‫تقع على مستويين‪ :‬المستوى الول ويتمةثل في تطوير ليفي شتراوس لبعض بذور أفكار‬ ‫دوركايم‪ .‬ويتمةثل المستوى الةثاني في محاولة تخطي العقبات السسيولوتجية التي واتجهت‬ ‫دوركايم ولم ينتجح في حلها‪ .‬ويمكننا أن نتجد في كتابات ليفي شتراوس أكةثر من مةثال‬ ‫يشير إلى المستوى الول‪ .‬ومن بين ذلك قول ليفي شتراوس »إن دوركايم وماوس‬ ‫‪ ،Mauss‬على سبيل المةثال‪ ،‬قد اهتما على الدوام بأن يستبدل – كنقطة بدء في إتجراءات‬ ‫مسح لمقولت التفكير عند السكان الصليين‪ -‬التمةثيلت الشعورية ‪Conscious‬‬ ‫‪ Representation‬السائدة بين السكان الصليين بتلك التي تنشأ عن ةثقافة الباحث‬ ‫النةثروبولوتجي الخاصة‪ .‬وكان ذلك‪ ،‬ولشك‪ ،‬خطوة هامة‪ .‬ومع أنها لم تبلغ غايتها لن‬ ‫كليهما لم يكن على دراية كافية بالتصورات الشعورية للسكان الصليين‪ ،‬فقد تكون رغم‬ ‫أهميتها بعيدة تماما عن الواقع اللشعوري شأنها شأن غيرها من التصورات«)‪.(2‬‬

‫والمةثال الةثاني في هذا الصدد يرتبط بالنماذج اللية والنماذج الحصائية‪ .‬فإن فكر‬ ‫ليفي شتراوس يتصل بفكر دوركايم فيما يتعلق بالتمييز الذي يضعه ليفي شتراوس بين ما‬ ‫يسميه النماذج اللية والنماذج الحصائية‪ .‬ويرى البعض أن دوركايم هو الذي يعود إليه‬ ‫الفضل في ذلك حيث كان قد تصور هذا التمييز بين هذين النوعين المختلفين من النماذج‬ ‫حسبما يتضح في كتابيه »تقسيم العمل« و»النتحار«‪» .‬ولكن هذا ل يقلل من أهمية‬ ‫صياغة ليفي شتراوس لهذه القضية‪ .‬فقد كان أول عالم انةثروبولوتجي يقرر بوضوح الةثار‬ ‫المترتبة على هذا التمييز وما يتضمنه‪ .‬ومنذ دوركايم كان كل عالم انةثروبولوتجي بارز‬

‫‪( 1)1‬‬

‫‪M. Saifulin (ed.), op. cit., p.‬‬

‫‪.138‬‬

‫‪( 2)2‬‬ ‫‪.282‬‬

‫‪153‬‬

‫‪C. Levi-Strauss, Structural Anthropology, p.‬‬


‫يبحث في هذا المتجال )مةثل رادكليف براون‪ ،‬مالينوفسكي‪ ،‬ايفإنز بريتشارد‪ ،‬وفورتس(‬ ‫يدرك صراحة أو ضمنا‪ ،‬المشاكل التي تترتب على هذا التمييز‪ ،‬رغم أنه لم يكن دائما في‬ ‫إطار نفس العلقة‪ .‬وهكذا أتجد من الصعب أن أدرك السبب في أن علماء النةثروبولوتجيا‬ ‫الذين قدموا إسهامات نظرية – باستةثناء ليتش )‪ (1954‬ونادل )‪ (1957‬لم يوتجهوا إل‬ ‫اهتماما قليل إلى صياغة ليفي شتراوس لهذه القضية وحله لها ‪ ...‬ويبدو أنهم كانوا أكةثر‬ ‫تنبها إلى مساهماته في حل مشاكل نوعية أخرى أكةثر من الهتمام بآرائه حول النماذج‬ ‫وبنائها«)‪.(1‬‬

‫وتقوم التفرقة التي يضعها ليفي شتراوس بين النماذج اللية والنماذج الحصائية‬ ‫على النحو التالي‪ :‬إذا أردنا مةثل أن نتناول ظاهرة كالنتحار فإنه يمكن أن ندرسها على‬ ‫مستويين مختلفين‪ .‬فأول يمكن عن طريق دراسة المواقف الفردية أن نشيد ما يمكن أن‬ ‫نسميه بالنماذج اللية للنتحار‪ .‬وفي هذه النماذج نضع في اعتبارنا شخصية المنتحر‬ ‫وتاريخ حياته‪ .‬علوة على التجماعات الولية التي نشأ فيها‪ .‬كما يمكن على عكس ذلك‪،‬‬ ‫أن نشيد نماذج ذات طبيعة إحصائية عن طريق تستجيل تعدد حالت النتحار في فترة‬ ‫معينة من الزمن في متجتمع معين بالذات‪ ،‬أو في عدد من المتجتمعات‪ ،‬وفي مختلف‬ ‫التجماعات الولية‪ .‬وبهذا فإن هذه المستويات المختلفة إنما تضفي على الدراسات البنيوية‬ ‫للنتحار قيمة استراتيتجية‪ .‬لنه يصبح في المكان إقامة نماذج إواتجراء المقارنة بينها من‬ ‫الزوايا التالية‪:‬‬ ‫‪1‬ـ بالنسبة لنماط مختلفة من النتحار‪.‬‬ ‫‪2‬ـ بالنسبة لمتجتمعات مختلفة‪.‬‬

‫‪3‬ـ بالنسبة لنماط مختلفة من الظواهر التجتماعية‪.‬‬

‫ويقول ليفي شتراوس في هذا الصدد إن مهمة التقدم العلمي ل تكمن في الكشف‬ ‫عن متجرد تغيرات تجديدة تنتمي إلى تلك المستويات إوانما أيضا في اكتشاف مستويات‬ ‫يمكن فيها الحصول على نفس القيمة الستراتيتجية من دراسة نفس الظواهر)‪.(2‬‬ ‫‪(1)1‬‬

‫‪H. Nutini, "Some Consideration on the Nature of Social Structure and Model‬‬

‫‪Building: A Critique of Claude Levi-Strauss and Edmund Leach», in E. Hayes and T. Hayes (eds.),‬‬

‫‪( 1)2‬‬ ‫‪.285‬‬

‫‪154‬‬

‫‪.Claude Levi-Strauss, The Anthropologist as Hero, M.T.T. Press, England, 1973, p. 74‬‬ ‫‪C. Levi-Strauss, op. cit., pp. 284-‬‬


‫أما بالنسبة للمستوى الةثاني لصلة ليفي شتراوس بدوركايم فيشير إليه كتاب »البنى‬ ‫الولية للقرابة« وكتاب »العقل الهمتجي«‪ .‬وحسبما يقول بادكوك فإن »أول مؤلف هام‬ ‫لليفي شتراوس وهو البنى الولية للقرابة يبدو ظاهريا دراسة انةثروبولوتجية ذات وزن‬ ‫لنساق القرابة‪ ،‬لكنه يمكن أن ينظر إليه‪ ،‬في واقع المر‪ ،‬على أنه محاولة لحل واحدة من‬ ‫أهم المشاكل في النظرية التجتماعية وهي المشكلة التي ورةثها ليفي شتراوس عن دوركايم‬ ‫أهم سلف له في علم التجتماع الفرنسي«)‪.(1‬‬ ‫ولتوضيح هذه المشكلة وطريقة تناول ليفي شتراوس لها نشير أول إلى تصور‬ ‫دوركايم لعلم التجتماع وما انتهى إليه‪.‬‬

‫فقد حاول دوركايم في كتاب »قواعد المنهج في علم التجتماع« تخليص علم‬ ‫التجتماع من أسوأ مبالغات فلسفة كونت الوضعية وكرر عدة مرات رفضه الفكار‬ ‫»المتجردة«‪ .‬وبدل من ذلك رأى إرساء علم المتجتمع على أساس من الحقيقة المبريقية‪.‬‬ ‫وكانت تلك المحاولة للحديث فقط بلغة الحقائق التجتماعية هي التي أفضت بدوركايم‪،‬‬ ‫بدوره‪ ،‬إلى صعوبات نظرية وتناقضات منهتجية تماةثل بالدقة تلك التي قادت كونت إلى‬ ‫الدين الوضعي)‪.(2‬‬

‫فعلم التجتماع الوضعي المبريقي بالنسبة لدوركايم »ينتهي إلى أن يكون دراسة‬ ‫معايير إواحصائيات من ناحية‪ ،‬ودراسة وظيفية بنيوية من ناحية أخرى‪ ،‬ومؤلفاه الكبيران‬ ‫»النتحار« و»الشكال الولية للحياة الدينية« تعتبر أمةثلة على الولى والخيرة‪ .‬وهذا‬ ‫الدراك لما يمكن أن نسميه في اللغة الحديةثة بالساس المعياري ‪ Normative‬للدراسات‬ ‫التجتماعية أفضى بدوركايم لن يتصور الحياة التجتماعية على أنها مخرج من شيء‬ ‫قمعي فيما يتعلق بالفرد‪ ،‬وأصبح الفرد ينظر إليه كمتجرد فاعل ‪ ،Actor‬وبلغة أحدث‬ ‫»لعب دور«‪ ،‬كتفرد منحرف أعطى مكانا ومغزى فقط في النسق عن طريق معايير‬ ‫بنيوية‪ .‬إن حالت النشاط التجمعي تؤدي إلى ظهور التمةثيلت التجمعية‪ ،‬ومن ةثم يفترض‬ ‫دوركايم على أساسها أن أنظمة التصنيف التجتماعي مةثل الطوطمية ل يمكن تفسيرها‬ ‫كلية‪ .‬والكةثر من ذلك أن هذا الستنتاج السلبي غير اليتجابي يفترض أن الضمير‬

‫‪( 2)1‬‬

‫‪C. Badcok, op. cit.,‬‬

‫‪.p. 15‬‬

‫‪( 3)2‬‬ ‫‪.23‬‬

‫‪155‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬


‫التجمعي هو حقيقة ل يمكن اختزالها أو تفسيرها كلية ‪ ....‬فالمقولت التي تنبع من‬ ‫الضمير التجمعي تتحدى الختبار العقلي والنتقادي‪ .‬وقد تكون نظريته مركزية اتجتماعية‬ ‫‪ ،Sociocentric‬ولكن ما ترتكز حوله يبدو أنه سحابة عدم معرفة سسيولوتجية‪ .‬وهذا أةثر‬ ‫محدود ومنهتجي تماما لموقف كونت شبه الديني من علم التجتماع«)‪.(1‬‬

‫أعلن دوركايم عن محاولته للتخلص من أسوأ آةثار وضعية كونت‪ ،‬ومع ذلك يحتفظ‬ ‫بالمتجتمع‪ ،‬أو بدقة أكبر‪ ،‬الضمير التجمعي – كذاتية شبه ميتافيزيقية متتجاو از الفراد‪ ،‬وهي‬ ‫من بعض الوتجوه‪ ،‬غامضة على العلم‪ .‬وفضل عن ذلك كان دوركايم غير قادر على‬ ‫معرفة أصل التمةثيلت التجمعية التي قال بها‪ .‬وهذا القصور هو الذي حاول ليفي‬ ‫شتراوس أن يتخطاه بطريقته الخاصة‪ .‬فدوركايم باختزاله الظاهرة التجتماعية إلى شعور‬ ‫تجمعي وصل إلى مصاعب منهتجية حيث يصعب تفسير هذا الشعور التجمعي‪ .‬ولحل هذه‬ ‫المشكلة يفترض ليفي شتراوس في الفصول الفتتاحية من »البنى الولية للقرابة« وتجود‬ ‫حقيقة اتجتماعية قبلية ‪ .Pre-Social Fact‬ورغم صعوبة هذا التصور نتجد أن ليفي شتراوس‬ ‫يقول إنه يمكن تحققه بالطريقة التالية‪ :‬إن أي طبيعة اتجتماعية »طبيعية« يمكن تصورها‬ ‫باعتبارها حقيقة شاملة لكافة المتجتمعات‪ .‬ويرى أن هناك عديدا من أمةثال هذه الحقائق‪.‬‬ ‫ولكن معرفتها تتطلب ضرورة تعريفها بشكل أكةثر تحديدا‪ .‬ويقول ليفي شتراوس في‬ ‫الفصل الول من »البنى الولية للقرابة« إن ما يتطلبه المر هو »حقيقة اتجتماعية‬ ‫توضح السمة التجوهرية للةثقافة‪ ،‬أي أنها ينبغي أن تكون‪ ،‬تعسفية«)‪ .(2‬ولكنها توضح‬ ‫كذلك العلمة المميزة للطبيعة‪ ،‬أي ينبغي أن تكون ضرورية‪ .‬والنتيتجة العامة التي ينتهي‬ ‫إليها هو وتجود أساس مشترك بين كافة متجالت الحياة التجتماعية‪.‬‬

‫وهذا الساس المشترك هو نشاط العقل البشري‪ .‬وهذا النشاط للعقل ليس شعوريا‬ ‫إوانما غير شعوري‪ ،‬ويمةثل قوانين بنيوية معينة فرضتها منطقة اللشعور في الذهن‬ ‫البشري على أكةثر المضامين تباينا‪ .‬وتعتبر اللغة والةثقافة بالنسبة لهذا النشاط شكلين‬ ‫متوازيين‪ .‬فاللغة انعكاس للةثقافة أو شرط للةثقافة‪» .‬فمن الناحية النظرية يمكن القول بأن‬ ‫اللغة هي شرط الةثقافة لن المادة التي تبنى منها اللغة هي من نفس طراز ‪ Type‬المادة‬ ‫التي تبنى منها الةثقافة ككل‪ :‬العلقات المنطقية والتقابلت‪ ،‬والترابطات وما إلى ذلك‪.‬‬ ‫‪( 1)1‬‬

‫‪Ibid., pp. 23-‬‬

‫‪.26‬‬

‫‪( 2)2‬‬ ‫‪.35‬‬

‫‪156‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬


‫واللغة من هذه الزاوية تبدو أنها تضع أساسا لبنى أكةثر تعقيدا تطابق التجوانب المختلفة‬ ‫للةثقافة«)‪.(1‬‬

‫إن ليفي شتراوس يتفوق على دوركايم بتقنياته ومنطلقاته التي يمزج فيها أفكا ار‬ ‫سسيولوتجية مختلفة‪ .‬لكنه يرتبط بدوركايم من زاوية طرحه لتصورات مطلقة ومةثالية مةثل‬ ‫التي تتجعل من اللغة الساس المشترك لكل شيء‪ .‬وهو أمر يتناقض مع النسبية الشديدة‬ ‫الموتجودة في أعماله‪ .‬وبالرغم من التقدير الكبير الذي تحظى به أعمال ليفي شتراوس من‬ ‫تجانب علماء التجتماع فإن هذه القضية بالذات من المحاور التي يدور حولها انتقاد‬ ‫البنيوية‪ .‬ومن أمةثلة هذا النتقاد قول تجورفيتش إننا »ل نميل بشكل تحكمي إلى قصر‬ ‫الحداث التاريخية على اللغة كأساس لهذه الحداث«)‪.(2‬‬

‫كما أن هذا التصور لليفي شتراوس تجعله يتعرض لنتقاد بعض البنيويين أيضا‪،‬‬ ‫وخاصة من تجانب ممةثلي ما يسمى البنيوية التطورية مةثل تجان بياتجيه الذي يؤكد أن ليفي‬ ‫شتراوس يرى أن التغيرات التي يتجلبها التاريخ‪ ،‬تؤةثر في العقل البشري ذاته‪ .‬ومن ةثم فإن‬ ‫»رؤية ليفي شتراوس استاتيكية نسبيا وغير تاريخية‪ ،‬وهذا ما أفضى به إلى التقليل من‬ ‫شأن العمليات التجدلية«)‪.(3‬‬

‫العلقة بين البنيوية والماركسية‪:‬‬

‫على الرغم من وضوح الصلة بين بنيوية ليفي شتراوس وكل من اللغويات ودوركايم‬ ‫فكةثي ار ما يوصف ليفي شتراوس بأنه ماركسي‪ .‬بل وكةثي ار ما ينظر إلى البنيوية ذاتها كنوع‬ ‫من ماركسية تجرى تطويرها على أسس بنيوية‪ .‬والحق أن تلك التفسيرات إنما تعتمد على‬ ‫أعمال البنيويين أنفسهم‪ .‬إن ليفي شتراوس‪ ،‬على سبيل المةثال‪ ،‬يقول إنه يعتبر نفسه‬ ‫ماركسيا مةثلما يعتبر نفسه بنيويا‪ .‬كما يقول في كتاب العقل الهمتجي‪» :‬آمل أن أقدم‬ ‫إسهامي إلى نظرية البنى الفوقية‪ ،‬التي ناد ار ما عالتجها ماركس«)‪ .(4‬ومن ةثم يعتبر الرموز‬ ‫الةثقافية مةثل القرابة والطوطمية كأشكال أيديولوتجية‪.‬‬

‫‪( 1)1‬‬

‫‪C. Levi-Strauss, op. cit., pp. 68-‬‬

‫‪.69‬‬

‫‪ (2)2‬تجورج تجورفيتش‪ ،‬مفهوم البناء التجتماعي‪ ،‬ص ‪.120‬‬ ‫‪( 3)3‬‬

‫‪J. Piaget, op. cit., p.‬‬

‫‪.122‬‬

‫‪( 1)4‬‬ ‫‪.72‬‬

‫‪157‬‬

‫‪C. Badcock, op. cit., p.‬‬


‫ومن هنا يؤكد البعض أن ليفي شتراوس يستخدم منهتجين سسيولوتجيين ل منهتجا‬ ‫واحدا‪» .‬فعندما يحلل الةثقافة كشفرة ‪ Code‬يلتجأ إلى الوضعية البنيوية لدوركايم‪ .‬وهي‬ ‫مدخل نظري يؤكد على التكامل الوظيفي والتجماع المعياري‪ ،‬ولكنه يتسم بالعقم عند‬ ‫تناول مشكلة التغير‪ .‬وعندما يتناول بالتحليل الةثقافة كاتصال )كرسالة( ‪ Message‬فإن‬ ‫ليفي شتراوس يلتجأ بدرتجة أو أقل إلى ماركسية ترى المتجتمع كحصيلة للعلقات المادية‬ ‫المتصارعة«)‪.(1‬‬

‫لكن حسبما سيتضح لنا‪ ،‬فإن صلة ليفي شتراوس بالماركسية تبدو أكةثر مما يعبر‬ ‫هذا الرأي‪ .‬فهذه الصلة ترتبط بمسألة التفرقة بين بنية الساس والبنية الفوقية‪ ،‬كما ترتبط‬ ‫أيضا بمفهوم البنية التجتماعية‪ ،‬وما يترتب على ذلك من رفض البنيوية والماركسية‬ ‫للنزعة المبريقية‪ .‬غير أن كل ذلك ل ينفي التناقض في موقف البنيوية ككل وموقف ليفي‬ ‫شتراوس بشكل خاص‪ ،‬تتجاه الماركسية‪ .‬فالفكار المعلنة في هذا الشأن تتناقض أحيانا‬ ‫مع اتتجاه الدراسات‪ .‬ولكن ينبغي النظر إلى هذه القضية من زاوية معينة قد تسمح بتفسير‬ ‫هذا التناقض‪ .‬وهذه الزاوية التي نعنيها تتمةثل في أن الطلع على الماركسية في حد ذاته‬ ‫ومعرفة تصوراتها تجيدا يؤةثر في آفاق الدراسات‪ .‬وهذا ما نتجد كلمات ليفي شتراوس تعبر‬ ‫عنه بوضوح‪ .‬ففي كتاب »المدارات الحزينة« ‪ Tristes Tropiques‬يقول‪» :‬لقد هزني‬ ‫ماركس‪ .‬فمن خلل عقله التجبار اطلعت على التتجاه الفلسفي متنقل من كانت إلى‬ ‫هيتجل‪ :‬إن عالما بأسره قد فتح أمامي‪ .‬ومنذ ذلك الحين لم يفارقني هذا الحساس‪ .‬وناد ار‬ ‫ما أحاول معالتجة أي قضية من قضايا علم التجتماع أو النةثروبولوتجيا دون أن أنعش‬ ‫أفكاري أول بقراءة صفحات من كتاب الةثامن عشر من برومير لويس بونابرت وكتاب‬ ‫مساهمة في نقد القتصاد السياسي«)‪.(2‬‬ ‫وفضل عن ذلك فإنه يقول في كتاب »النةثروبولوتجيا البنيوية«‪» :‬إنني أريد إعادة‬ ‫توحيد المعرفة النةثروبولوتجية التي تم إنتجازها خلل الخمسين عاما الماضية مع التراث‬ ‫الماركسي«)‪ .(3‬كما يؤكد أنه استعار مفهوم البنية التجتماعية من ماركس وانتجلز وآخرين‪.‬‬ ‫‪( 2)1‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬

‫‪.75‬‬

‫‪ (3)2‬أنظر‪ :‬لوسيان سيف‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ص ‪.114-113‬‬ ‫‪( 1)3‬‬ ‫‪.343‬‬

‫‪158‬‬

‫‪C. Levi-Strauss, op. cit., p.‬‬


‫ول ينفرد ليفي شتراوس وحده بتأكيد الصلة بين البنيوية والماركسية‪ .‬بل نتجد تجان‬ ‫بياتجيه يؤكد ذلك أيضا وبشكل أكةثر تحديدا بالرغم من أنه ل يعتبر نفسه ماركسيا‪ .‬ومن‬ ‫المةثلة التي تشير إلى رأي بياتجيه قوله إنه »يوتجد عند ماركس خط بنيوي وخط تحليلي‪.‬‬ ‫ويتضح هذا من تمييزه بين بنية الساس الحقيقية وبين البنية الفوقية اليديولوتجية«)‪.(1‬‬ ‫وعلى الرغم من ذلك فإنه توتجد‪ ،‬في واقع المر‪ ،‬اختلفات تجذرية بين الماركسية‬ ‫والبنيوية سوف تتضح تجيدا عند تناول مفهوم البنية التجتماعية‪ ،‬ولكن يمكن القول إن‬ ‫البنيوية أقرب إلى الماركسية من الوظيفية على سبيل المةثال‪ .‬وعندما يتعرض ليفي‬ ‫شتراوس للنتقاد بسبب موقفه من التطور التاريخي وتطور البنى واستبعاده للتناقضات‬ ‫فإنه يلتجأ إلى الستشهاد بماركس‪ .‬وفي سياق هذه العملية يطور‪ ،‬بعض الشيء‪ ،‬من‬ ‫نظرياته‪ .‬ومةثال ذلك تأكيده‪:‬‬

‫»ل أقول بأي نوع من التوافق القائم سلفا بين المستويات المختلفة للبنية‪ .‬فهي ربما‬ ‫تكون – وغالبا ما تكون – متناقضة تماما‪ .‬غير أن أنماط ‪ Modes‬التناقض كلها تنتمي‬ ‫لنفس الطراز ‪ .Type‬ول شك أنه من الممكن دائما وفقا للمادية التجدلية أن ننطلق‪ ،‬عن‬ ‫طريق التحول من البنى التجتماعية أو القتصادية إلى بنية القانون‪ ،‬أو الفن‪ ،‬وما إلى‬ ‫ذلك‪ .‬لكن ماركس لم يزعم مطلقا أن هناك دائما ط ار از واحدا فقط للتحول – فلم يذهب‬ ‫مةثل إلى القول بأن اليديولوتجية هي متجرد صورة مرآة للعلقات التجتماعية‪ .‬فهذه‬ ‫التحولت في نظره تجدلية‪ .‬وفي بعض الحالت مضى إلى مدى أبعد ليكتشف التحولت‬ ‫الحاسمة التي تبدو للوهلة الولى وكأنها تستعصى على التحليل«)‪.(2‬‬ ‫على الرغم من إقرار ليفي شتراوس هنا بإمكانية وتجود التناقضات – وهي متجرد‬ ‫إمكانية لنه يقول »ربما تكون متناقضة وغالبا ما تكون« فإنه يختزل أيضا التناقضات‬ ‫إلى طراز واحد‪ .‬لكنه لم يذكر ما هو ذلك الطراز‪ .‬ومع ذلك فإن الفهم الصائب لعمال‬ ‫ليفي شتراوس ينبغي أن يضع في اعتباره دائما – حسب كلماته‪ -‬التمييز بين الفروض‬ ‫التي يستخدمها والنتائج العملية لدراساته‪ .‬فهو يريد أن تكون نتائتجه العلمية هي معيار‬ ‫‪( 2)1‬‬

‫‪J. Piaget, op. cit., p.‬‬

‫‪.125‬‬

‫‪( 3)2‬‬ ‫‪.333‬‬

‫‪159‬‬

‫‪C. Levi-Strauss, op. cit., p.‬‬


‫الحكم عليه وليست الفروض السسيولوتجية والسيكولوتجية التي يستخدمها كمتجرد سقالة‪.‬‬ ‫كما يعتبر نفسه غير مسئول عن انتشار هذه الفروض والستخدام اليديولوتجي والسياسي‬ ‫للنتائج العلمية في الوليات المتحدة وأماكن أخرى)‪ .(1‬بل إن ليفي شتراوس ل يريد أن‬ ‫تفسر أعماله على أنها تتسم بالنسبية الةثقافية الشائعة في النةثروبولوتجيا الةثقافية‬ ‫المريكية‪ .‬ول يرتجع رفضه لذلك بسبب إمبريقية تلك النةثروبولوتجيا فحسب‪ .‬فهو يؤكد أنه‬ ‫»بعيد كل البعد عن النسبية الستاتيكية – أي تلك النسبية الستاتيكية التي يتسم بها‬ ‫النةثروبولوتجيون المريكيون‪ ،‬إوان مكسيم رودنسون ‪ M. Rodinson‬على صواب في‬ ‫انتقاده للنةثروبولوتجيين المريكيين‪ ،‬لكنه يخطئ حينما يتجمع بيني وبينهم – فإنني أدين‬ ‫النسبية الستاتيكية بوصفها خط ار دائما على المسار النةثروبولوتجي‪ .‬والحل الذي طرحته‬ ‫هو حل تركيبي‪ ،‬حيث أنه مستمد من مبدأين متناقضين ظاهريا‪ ،‬وهو احترام المتجتمعات‬ ‫المختلفة عن متجتمعاتنا‪ ،‬والمشاركة النشطة في تحول متجتمعنا الخاص‪ ...‬ولم اعتزم في‬ ‫أعمالي سواء في التجنس والتاريخ ‪ Race and history‬ول في المدارات الحزينة ‪Tristes‬‬ ‫‪ Tropiques‬أن أقلل من شأن فكرة التقدم‪ ،‬إوانما بالحرى‪ ،‬أرغب في أن أرى التقدم يتحول‬ ‫من مرتبة مقولة شاملة للتطور البشري إلى نمط خاص من الوتجود‪ ،‬نمط مميز لمتجتمعنا‬ ‫الخاص – وربما لمتجتمعات أخرى عديدة‪ -‬حينما يصل ذلك المتجتمع إلى مرحلة الوعي‬ ‫بالذات«)‪.(2‬‬

‫يتضح من هذا أن المشكلة الساسية عند ليفي شتراوس هي أنه يتصور أن التطور‬ ‫هو مقولة شاملة أي كلية ومطلقة‪ ،‬أي أنه ينسب لمن يقولون بالتطور افتراضا خاطئا ةثم‬ ‫يرفضه‪ .‬غير أنه على الرغم من ذلك يبحث عن نقاط التفاق مع الماركسية ويدعو‬ ‫الماركسيين إلى عدم توسيع نطاق الخلف‪ .‬كما يوتجه ليفي شتراوس حديةثه للماركسيين‬ ‫الذين ينتقدونه ويطلبون منه أن يتبنى مفهوم المتجتمع بدل من مفهوم الةثقافة قائل‪» :‬إن‬ ‫من يق أر كتاب الجنس والتاريخ جيدا سوف يكتشف – بالضافة إلى وجود الفتراض‬ ‫الماركسي حول أصل الكتابة‪ -‬أن دراستين حول قبائل برازيلية تنهضان على المادية‬

‫‪( 1)1‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬

‫‪.343‬‬

‫‪( 2)2‬‬ ‫‪.335‬‬

‫‪160‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬


‫الجدلية‪ .‬إوان جدة هذا المدخل في العمال ال نـثروبولوجية الغربية ربما تستحق المزيد‬ ‫من الهتمام والتعاطف«)‪) (1‬التشديد من الباحث(‪.‬‬

‫غير أن هذا القول لم يمنع استمرار توتجيه النتقاد لليفي شتراوس لموقفه من‬ ‫التطور التجتماعي‪ .‬وهو انتقاد يوتجه إليه حتى من أكةثر الناس تتبعا لعماله وتفهما له‪.‬‬ ‫ويمكن أن نشير هنا إلى موريس تجودلييه الذي كان من تلميذه والذي يعمل معه حتى‬ ‫الن في مركز البحوث بالكلية التطبيقية للدراسات العليا في باريس‪ .‬وسيتضح ذلك عند‬ ‫تناول مفهوم البنية التجتماعية‪ .‬ويمكننا القول إنه بالرغم من النتجازات العلمية العينية‬ ‫فإن البنيوية أةثرت في انبعاث المفهومات الصوفية حول التاريخ في العلوم النسانية‪.‬‬ ‫فالمعنى التاريخي يحط من شأنه‪ ،‬ووعي النسان يعزل عن البنى الحقيقية ويتم تصويره‬ ‫على أنه كيان مكتف بذاته‪ .‬كما أن البنيوية‪ ،‬التي يمةثلها ليفي شتراوس ل تعترف‪ ،‬في‬ ‫واقع المر‪ ،‬بالتناقضات التجدلية في العملية التاريخية‪ .‬ومن ةثم ل يمكنها أن تحدد المنشأ‬ ‫الحقيقي للظواهر التجتماعية‪ .‬ولهذا فليس مصادفة أنها اضطرت أن تسلم بأولوية‬ ‫وشمول قوانين العقل البشري‪ .‬وهي تنظر إلى البنى ذاتها على أنها مراتب )اشتقاقات(‬ ‫ةثانوية من هذه القوانين‪ .‬ولكن ينبغي التأكيد على أن البنيويين ل ينظرون إلى »قوانين‬ ‫العقل البشري« على أنها محددة سلفا من أعلى‪ .‬إوانما على أنها بنى افتراضية للعقل‬ ‫)‪( 2‬‬ ‫البشري ةثابتة وفطرية‪ .‬وهذا ما يوتجد صلة ما بينها وبين بيولوتجية القرن التاسع عشر ‪.‬‬

‫ويعني ذلك أن البنيوية لم تحقق ما دعت إليه من تخليص العلوم النسانية من‬ ‫الفلسفات الذاتية‪ .‬أما إذا نظرنا إلى التجانب العملي المرتبط بنتائج الدراسات والخطوات‬ ‫المنهتجية التي تتبع فإننا نتجد ما يميز البنيوية‪ .‬ويكفي أن نشير إلى وصف ليفي شتراوس‬ ‫للمنهج البنيوي في كتاب »طوطمية العصر الراهن«‪ .‬فهو يقول‪:‬‬

‫»ينبغي على المرء أن يتجمع الحقائق المتفرقة ويحللها ةثم يرتبها في قائمة شاملة‪.‬‬ ‫وةثانيا أن يعين الروابط المتبادلة بين الحقائق‪ ،‬ويصنفها في متجموعات‪ ،‬ويحدد ارتباطاتها‬

‫‪( 1)1‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬

‫‪.344‬‬

‫‪(2)2‬‬

‫‪.218‬‬

‫‪161‬‬

‫‪L. Séve, «Sur Le Structuralisme» - La Nouvelle Revue Internationale, Juin, 1971, p.‬‬


‫الداخلية‪ .‬وةثالةثا أن يركب التجزاء في كيان واحد‪ ،‬أي العناصر المعنية في نسق واحد‪.‬‬ ‫وبهذا ينتج موضوع للبحث متفرد كامل«)‪.(3‬‬

‫ويؤكد ليفي شتراوس أن الخطوة الولى في التجراء العلمي إنما تتمةثل في التحليل‬ ‫البنيوي للمادة موضع البحث – سواء أكانت متجموعة من الحقائق التجتماعية أو الحقائق‬ ‫اللغوية أو سواء – حسبما وضع المر بنفسه‪ -‬تشكيل النماذج التي تخبرنا بما هو أكةثر‬ ‫من متجرد وصف الحقائق‪ .‬ويشير كل ذلك إلى سمة هامة تتميز بها أعمال ليفي‬ ‫شتراوس‪ .‬فهي تعالج موضوعات شديدة التخصص‪ .‬ولكنها في نفس الوقت تعالج‬ ‫القضايا النظرية لعلم التجتماع والقضايا المرتبطة بالتطبيق النةثروبولوتجي‪ .‬وهي القضايا‬ ‫التي تحتاج إلى مزيد من إلقاء الضوء عليها‪ .‬ول تتسع هذه الدراسة لتناولها‪ .‬فإن هدف‬ ‫هذه الدراسة هو التعرض للمنطلقات المنهتجية العامة للبنيوية‪ .‬ومن ةثم فهي ل تغني عن‬ ‫دراسات أخرى تخصص كلية لتناول هذا التتجاه المعرفي في العلوم التجتماعية والذي‬ ‫يرى أن اللغويات هي النظام الموتجه لكافة العلوم النسانية‪ .‬وبالرغم مما في هذه‬ ‫الستعارة من عدم مراعاة الخصائص المتميزة للمتجالت النوعية‪ ،‬ومن ةثم علومها النوعية‬ ‫التي تعالتجها‪ ،‬فإن دعوة البنيوية إلى تحليل العناصر وروابطها داخل أي نسق تجديرة‬ ‫بالهتمام‪.‬‬

‫‪ (1)3‬أنظر‪ :‬لوسيان سيف‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ص ‪.111 - 110‬‬

‫‪162‬‬


163


‫الباب الثالث‬ ‫مفهوم البنية الجتماعية‬

‫‪164‬‬


‫الفصل السادس‬ ‫المبادئ المنهجية لدراسة البنية الجتماعية‬ ‫) المعالجـات الوظيفيــة والماركسيــة والبنيويــة (‬ ‫‪165‬‬


‫تمهيد‪:‬‬

‫يعتبر مفهوم البنية التجتماعية من المفاهيم الرئيسية في علم التجتماع‬ ‫والنةثروبولوتجيا‪ .‬ول نغالي إذا قلنا إنه المفهوم المحوري بالنسبة لعلم التجتماع‪ .‬ويتفق‬ ‫كةثير من علماء التجتماع على أنه أول القضايا الرئيسية التي ينبغي على علم التجتماع‬ ‫أن يتناولها بالمعالتجة‪.‬‬

‫وعلى سبيل المةثال نذكر أن رايت ميلز في »الخيال السسيولوتجي« يقول إن‬ ‫النظرية التجتماعية مطالبة بالتجابة أول على ما هي طبيعة البنية التجتماعية للمتجتمع‬ ‫علوة على المكونات الساسية لهذه البنية‪ .‬كما أن موريس تجينزبرج عالم التجتماع‬ ‫البريطاني يطرح قضية البنية التجتماعية بوصفها القضية الولى من قضايا علم‬ ‫التجتماع إوان كان يؤكد أن دراسة البنية التجتماعية لبد أن تشمل بوضوح أتجزاء معينة‬ ‫مما يسمى عادة المشاكل الديموتجرافية‪ ،‬أي توزيع السكان كميا وكيفيا‪ ،‬طالما أن هذا يؤةثر‬ ‫في العلقات التجتماعية)‪ .(1‬كما أن ت‪ .‬بوتومور يقول إن »المفهوم الساسي أو الفكرة‬ ‫الموتجهة في علم التجتماع هي )البنية التجتماعية(‪ .‬فعن هذا المفهوم صدر اهتمام عالم‬ ‫التجتماع بتجوانب الحياة التجتماعية المختلفة التي لم تكن تدرس من قبل إل بطريقة غير‬ ‫منهتجية«)‪ ،(2‬بل ويصل البعض إلى تحديد موضوع علم التجتماع على أنه كل ما يرتبط‬ ‫بالبنية التجتماعية‪ .‬ويطرح أصحاب هذا الرأي تصورهم كما يلي‪ :‬يمكن القول بأن‬ ‫التفاق يكاد أن يتم اليوم على تعريف موضوع علم التجتماع بأنه‪:‬‬ ‫»)أ( دراسة )البنى التجتماعية( والعناصر المكونة للمتجتمعات ووظائفها‪.‬‬ ‫»)ب( دراسة الظروف التي تطورت فيها بعض النظم‪.‬‬

‫»)ح( مقابلة النتائج التي توصلت إليها العلوم التجتماعية الخاصة‪.‬‬

‫»)د( دراسة التوافق بين تراكيب المتجتمعات والتراكيب العقلية للفراد الذين يكونون‬ ‫هذه المتجتمعات‪.‬‬ ‫»)هـ( دراسة العوامل التي تساعد في حدوث التغيرات في )البنى التجتماعية«)‪.(3‬‬

‫‪(1)1‬‬

‫‪M. Ginsberg, Essays in Sociology and Social Philosophy, Penguin Books, England,‬‬

‫‪ (2)2‬بوتومور‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ‪.23‬‬ ‫‪ (1)3‬تجاستون بوتول‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ص ‪.119 - 118‬‬

‫‪166‬‬

‫‪.1988, pp. 7 - 8‬‬


‫على الرغم من التحفظات الكةثيرة التي يةثيرها تجورج تجيرفيتش مةثل حول مفهوم‬ ‫البنية التجتماعية بسبب سوء استخدامه فإنه يعبر عن اقتناعه بوتجود احتياتجات لهذا‬ ‫المفهوم حيث أن »مفهوم )البنية التجتماعية( يتصل بالحاتجة الملحة إلى تحطيم ذلك‬ ‫التقسيم الخاطئ لعلم التجتماع إلى ساكن أو استاتيكي ومتحرك أو ديناميكي‪ .‬لقد أضر‬ ‫هذا التقسيم بعلم التجتماع ضر ار بالغا‪) .‬فالبنية التجتماعية)*(( تطور دائم«)‪.(1‬‬

‫ولهمية مفهوم البنية التجتماعية تعددت الصياغات حول تعريفه وتحديد المبادئ‬ ‫التحليلية اللزمة وذلك تبعا لختلف المنطلقات المنهتجية في دراسة البنية التجتماعية‪.‬‬ ‫لذلك ل نتفق مع الرأي القائل بأن الراء المتضاربة حول هذه القضية »كةثي ار ما يرتجع‬ ‫اختلفها إلى التعبير عن المعنى الواحد في ألفاظ مختلفة أو استخدام أحد المصطلحات‬ ‫في غير ما يقصد الكاتب إليه«)‪ .(2‬وكما سيتضح فإن الخلفات المنهتجية العميقة تظهر‬ ‫بدءا من التعريف الخاص بالبنية التجتماعية‪ .‬ولهذا سنحاول في هذا الفصل أن نناقش‬ ‫القضايا المتعلقة بدراسة البنية التجتماعية من خلل مناقشة المعالتجات التي تقدمها في‬ ‫هذا الصدد كل من الوظيفية والبنيوية والماركسية‪ .‬وذلك لنها هي التي قدمت السهامات‬ ‫الساسية في هذا الشأن‪ .‬وخلل ذلك سنوضح نقاط التفاق والختلف بين هذه‬ ‫المعالتجات الةثلث للبنية التجتماعية‪ .‬وسوف يتم ذلك من خلل تناول ةثلث قضايا‬ ‫رئيسية‪:‬‬ ‫أول‪ :‬تعريف البنية التجتماعية‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬العلقة بين المعالتجة النية‬ ‫والمعالتجة عبر الزمنية‬

‫‪Synchronic Approach‬‬ ‫‪Diachronic Approach‬‬

‫ثالثا‪ :‬تناقضات البنية وعوامل تغيرها مع الكشف عن العنصر الولي الذي له‬ ‫التأةثير الكبر في مكونات البنية‪ .‬وسوف نحدد من خلل مناقشة تلك القضايا المبادئ‬ ‫المنهتجية اللزمة لدراسة البنية التجتماعية‪.‬‬ ‫*)*( يلحظ أن كافة الكتابات عن البنية باللغة العربية والمشار إليها في هذا البحث تستخدم كلمة بناء‬ ‫وتجمعها أبنية‪ ،‬ونظ ار إلى عدم دقة كلمة بناء فإنه في حالة القتباس عن أحد المراتجع باللغة العربية فإننا‬ ‫نستخدم كلمة بنية وتجمعها بنى مع وضعها بين قوسين‪.‬‬ ‫‪ (2)1‬تجورج تجورفيتش‪ ،‬مفهوم البناء التجتماعي‪ ،‬ص ص ‪.111 - 110‬‬ ‫‪ (3)2‬أحمد أبو زيد‪ ،‬البناء التجتماعي‪ ،‬التجزء الول‪ ،‬المفهومات‪ ،‬ص ‪.53‬‬

‫‪167‬‬


‫تعريف البنية الجتماعية‪:‬‬ ‫التعريف الوظيفي‪:‬‬

‫تقدم كل من الماركسية والوظيفية والبنيوية تعريفاتها للبنية التجتماعيـة‪ .‬وهي‬ ‫تعريفات تكشف منذ اللحظة الولى عن اتفاق حول بعض المسلمات وخلف تجذري حول‬ ‫بعض المسلمات الخرى‪ .‬ومن أبرز الوظيفييـن الذيـن قدمـوا تعريفا للبنية رادكليف براون‬ ‫بل يعود إليه التأةثير الهام في انتشار المفهوم بعد المحاضرة التي ألقاها عام ‪،1940‬‬ ‫بعنوان »حول البنية التجتماعية« ‪.On Social Structure‬‬ ‫ولكن هذا المفهوم‪ ،‬حسبما اتضح في هذه الدراسة‪ ،‬يعود إلى القرن التاسع عشر‬ ‫حيث نتجد أن ماركس قد استخدمه في كتاب »رأس المال«‪ .‬ولهذا فإن قول تجورفيتش بأن‬ ‫فكرة المفهوم كانت موتجودة قبل رادكليف براون في صياغات »البنية التحتية« و»البنية‬ ‫الفوقية« لماركس وفي كتابات دوركايم عن التركيبات المورفولوتجية)‪ ،(1‬إنما ل يعبر بالدقة‬ ‫عن واقع المر‪ .‬فهذه الصطلحات تتضمن بالفعل فكرة المفهوم موضع البحث‪ ،‬ولكن‬ ‫إذا كان المفهوم ذاته قد تم استخدامه قبل رادكليف براون بالفعل فإننا ل نكتفي بالقول أن‬ ‫الفكرة كانت موتجودة إوانما نقول إن المفهوم ذاته كان موتجودا بالفعل‪ .‬غير أن ذلك ل‬ ‫يلغي أن رادكليف براون هو الذي يرتجع إليه الدور الهام في انتشار المفهوم في الدراسات‬ ‫التجتماعية‪.‬‬

‫كان لتصور رادكليف براون عن البنية التجتماعية تأةثيره على الوظيفيين حتى‬ ‫بارسونز وميرتون‪ ،‬إوان كان بعض الوظيفيين يختلف معه وينتقده‪ .‬وهو ما سنراه فيما بعد‪.‬‬

‫يقول رادكليف براون في تقديمه لكتابه البنية والوظيفة في مجتمع بدائي‪» :‬إن‬ ‫الكتاب يحتوي على تجزء بعنوان البنية التجتماعية إوان هذا التجزء كان قد تم تقديمه في‬ ‫زمن الحرب ونشر بشكل مختصر‪ ،‬ولذلك فهو ليس بالوضوح الذي ينبغي أن يكون‬ ‫عليه«)‪ .(2‬ولهذا يقدم بعض التوضيحات والتأكيدات حول مفهوم البنية ويقول مةثل »حينما‬ ‫نستخدم تعبير بنية فإنما نشير إلى نوع من الترتيب المنتظم للتجزاء أو المكونات‪ .‬فاللحن‬ ‫‪ (1)1‬تجورج تجورفيتش‪ ،‬مفهوم البناء التجتماعي‪ ،‬ص ‪.107‬‬ ‫‪( 1)2‬‬ ‫‪.9‬‬

‫‪168‬‬

‫‪A.R. Radcliffe – Brown, op. cit., p.‬‬


‫الموسيقي له بنيته‪ ،‬وأيضا أي عبارة لها بنية‪ .‬والبناء له بنيته ‪ ..‬ومكونات أو وحدات‬ ‫البنية التجتماعية هي أشخاص ‪ ،Persons‬وأي شخص هو كائن بشري ينظر إليه ل‬ ‫بوصفه كائنا إوانما كمحتل لوضع في بنية اتجتماعية«)‪ .(1‬ةثم يواصل القول »وتتمةثل إحدى‬ ‫القضايا النظرية الساسية في علم التجتماع في طبيعة التواصلية أو الستم اررية‬ ‫التجتماعية‪ .‬وتعتمد التواصلية في أشكال الحياة التجتماعية على التواصلية البنيوية‬ ‫‪ Structural Continuity‬أي ذلك النوع من التواصلية في ترتيبات الشخاص في علقاتهم‬ ‫ببعضهم البعض ‪ ...‬والعلقات التجتماعية التي تشكل منها الشبكة المستمرة بنية‬ ‫اتجتماعية ليست تتجميعا كيفما اتفق لفراد إوانما تتجميع تعينه العملية التجتماعية«)‪.(2‬‬

‫إن رادكليف براون يؤكد بالكلمات السابقة أن البنية التجتماعية تتشكل من‬ ‫العلقات التجتماعية وأن هذه البنية ليست تركيبا عشوائيا إوانما يتحدد بالعملية‬ ‫التجتماعية‪ .‬وفضل عن ذلك فهو يؤكد في تلك المقدمة مسألة هامة أخرى وهي ضرورة‬ ‫»التمييز بين التفسير التاريخي للمؤسسات والفهم النظري لها«)‪ .(3‬ةثم يقول إن‬ ‫»النةثروبولوتجيين الذين ينظرون لدراستهم كنوع من الدراسة التاريخية يلتجأون إلى الظن‬ ‫والتخيل ويخترعون تاريخا زائفا أو تفسيرات سببية زائفة ‪ ...‬ووتجهة النظر التي أتبناها هنا‬ ‫هي أن تلك التأملت ليست عديمة النفع فقط‪ ،‬إوانما هي أسوأ من ذلك‪ .‬ول يتضمن هذا‬ ‫الرأي مطلقا رفض التفسير التاريخي إوانما على العكس تماما ‪ ...‬إن علم التجتماع‬ ‫المقارن‪ ،‬الذي تعتبر النةثروبولوتجيا فرعا منه‪ ،‬إنما ننظر إليه هنا كدراسة نظرية هدفها‬ ‫تقديم تعميمات مقبولة‪ ،‬والفهم النظري لمؤسسة ما هو بمةثابة تفسيرها في ضوء تلك‬ ‫التعميمات«)‪.(4‬‬

‫‪( 2)1‬‬

‫‪Ibid., pp. 9-‬‬

‫‪.10‬‬

‫‪( 3)2‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬

‫‪.10‬‬

‫‪( 1)3‬‬ ‫‪.3‬‬

‫‪(2)4‬‬

‫‪.Ibid‬‬

‫‪169‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬


‫إن رادكليف براون يقف ضد تطورية القرن التاسع عشر التي رأت أن أي متجتمع‬ ‫ليس سوى متجموعة عادات موروةثة من مرحلة ماضية يستطيع المرء إعادة تركيبها عن‬ ‫طريق افتراضات غير مؤكد صحتها‪ ،‬وغالبا ما تكون غير قابلة للةثبات‪ .‬وهو في هذا‬ ‫يتفق مع الماركسية حسبما سيتضح فيما بعد‪ .‬لكن رادكليف براون يرى مةثل معظم‬ ‫الوظيفيين أن معرفة تاريخ النسق ل تساعد في معرفة كيف يعمل وظيفيا‪.‬‬ ‫إواذا كانت قضية دراسة تاريخ النسق تةثير خلفا حتى بين الوظيفيين‪ ،‬فإنها ليست‬ ‫القضية الوحيدة في هذا الصدد‪ .‬فهناك أيضا خلفات تةثيرها بقية أفكار رادكليف براون‬ ‫عن البنية وتتمةثل في القضايا التالية‪:‬‬ ‫الولى‪ :‬قول رادكليف براون بأن الملحظة المباشرة تدلنا على أن الكائنات البشرية‬ ‫)وانني( استخدم تعبير )البنية‬ ‫ترتبط بعضها ببعض بشبكة من العلقات التجتماعية‪ .‬إ‬ ‫التجتماعية( لعبر عن هذه العلقات بالفعل)‪.(1‬‬ ‫وثانيا‪ :‬تتمةثل القضية الخلفية الةثانية في التفرقة التي يضعها رادكليف براون بين‬ ‫»البنية الواقعية أو المشخصة« وبين »الشكل البنيوي« ‪.Structural Form‬‬ ‫وهو يقول إن هذا »التمييز الهـام بيـن )البنيـة( مـن حيث هي واقـع عيني موتجود‬ ‫)* (‬ ‫بالفعل )‪ (Concrete Reality‬يمكن ملحظته مباشرة وبين )الشكل البنيوي ‪Structural‬‬ ‫‪ (Form‬يمكن توضيحه إذا نظـرنا )للبنيـة التجتماعية( خلل الزمن‪ .‬فقد يتغير )الشكل‬ ‫البنيوي( أحيانا بالتدريج أو قد يكون التغير فتجائيا إلى حد ما في أحوال أخرى – كما هو‬ ‫الحال في الةثورات والغزو العسكري‪ -‬ومع ذلك تظل )البنية( متماسكة حتى في أعنف‬ ‫حالت التغيرات الةثورية«)‪.(2‬‬

‫‪ (3)1‬أ‪ .‬ر‪ .‬رادكليف براون‪ ،‬في البناء التجتماعي‪ ،‬ترتجمة عبد الحميد الزين ومراتجعة أحمد أبو زيد في متجلة‬ ‫» مطالعات في العلوم التجتماعية «‪ ،‬العددان السابع والةثامن‪ ،‬صيف ‪ -‬خريف ‪ ،1960‬ص ‪.3‬‬ ‫*)*( التعبير الموتجود في الصل الذي نقلنا عنه هو » الصورة البنائية « دون إشارة للتعبير بالنتجليزية‪ .‬لكننا‬ ‫استخدمنا تعبير » الشكل البنيوي « بدل منه لن التعبير بالنتجليزية هو ‪ .Structural Form‬ولذلك فإن تعبير‬ ‫الصورة البنائية ل يؤدي المعنى‪ ،‬بل قد تكون له دللت أخرى‪.‬‬ ‫‪ (1)2‬المرتجع السابق‪ ،‬ص ص ‪.6 - 5‬‬

‫‪170‬‬


‫والقضية الثالثة التي تةثير الخلف هي قوله بأن »دراسة )البنية التجتماعية( تؤدي‬ ‫مباشرة إلى دراسة المصالح أو القيم باعتبارها أسسا محددة للعلقات التجتماعية«)‪.(3‬‬ ‫إن بعض الوظيفيين يختلفون‪ ،‬بدرتجة أو بأخرى‪ ،‬مع الفكار التي يقدمها رادكليف‬ ‫براون حول البنية التجتماعية‪ .‬ونشير في هذا الصدد إلـى ايفانـز بريتشارد وسيتجفريد نادل‬ ‫وماير فورتس وادموند ليتش الذين سنتعرض لفكارهم فيما بعد‪.‬‬

‫ومع ذلك فإن تصورات رادكليف براون عن البنية التجتماعية هي المحور الساسي‬ ‫لتصورات الوظيفية في هذا الشأن‪ .‬ويتضح هذا إذا تعرضنا لفكار اةثنين من الوظيفيين‬ ‫البارزين أحدهما في متجال النةثروبولوتجيا والخر في متجال علم التجتماع نتجد أنهما ل‬ ‫يقتربان من رادكليف براون فحسب‪ ،‬بل إنهما يتشابهان أحدهما مع الخر‪ ،‬وأعني بذلك‬ ‫كل من ريموند فيرث وتالكوت بارسونز‪ .‬أما ريموند فيرث فيطرح تصوره كما يلي‪:‬‬ ‫»الحياة في متجتمع معناها تنظيم مصالح الفراد وتوتجيه سلوكهم بعضهم تتجاه‬ ‫بعض ومحاولة تصنيفهم إلى تجماعات من أتجل العمل المشترك‪ ،‬وبذلك نستطيع أن نرى‬ ‫في العلقات التي تقوم بينهم نوعا من التخطيط أو النسق يمكن أن نسميه )البنية‬ ‫التجتماعية(‪ .‬أما الطريقة التي تعمل بها هذه العلقات بالفعل بحيث تؤةثر في حياة‬ ‫الفراد وطبيعة المتجتمع ذاته فيمكن أن نسميها الوظائف التجتماعية‪ .‬وقـد يمكن مقارنة‬ ‫)البنية التجتماعية( والوظيفة التجتماعية بعلم التشريح وعلم وظائف العضاء بالنسبة‬ ‫للكائن الحي«)‪.(2‬‬

‫نلحظ أول‪ :‬أن فيرث يرى أن العلقات القائمة بين الناس بشيء من التنظيم هي‬ ‫البنية التجتماعية‪ .‬وثانيا‪ :‬نلحظ أن فيرث يساوي بين النسق والبنية شأنه في ذلك شأن‬ ‫تالكوت بارسونز المر الذي سنتعرض له بعد قليل‪ .‬لكن فيرث يرى أن الوصول إلى فهم‬ ‫أفضل للمبادئ التي تنظم البنية التجتماعية والعلقات بين الناس يعني التوتجه لدراسة‬ ‫المتجتمعات البدائية بدل من دراسة المتجتمعات الصناعية‪ .‬وفي هذا الشأن يقول‪:‬‬ ‫»ونستطيع أن نتبين أن )البنية التجتماعية( ‪ -‬فيما يختص بكل من التجماعات والنظم –‬ ‫تقوم على مبادئ محددة‪ .‬فالتجنس والسن والوطن والقرابة من أهم هذه المبادئ الساسية‬ ‫‪ (2)3‬المرتجع السابق‪ ،‬ص ‪.13‬‬ ‫‪ (1)2‬ريموند فيرث‪ ،‬بعض مبادئ البناء التجتماعي‪ ،‬ترتجمة محمود محمد الشربيني ومراتجعة أحمد أبو زيد‬ ‫)في متجلة مطالعات للعلوم التجتماعية(‪ ،‬العددان السابع والةثامن‪ ،‬ص ‪.65‬‬

‫‪171‬‬


‫في كل المتجتمعات البشرية‪ ،‬ولكي نصل إلى فهم أفضل عن كيف تعمل هذه المبادئ‬ ‫فيستحسن دراستها في المتجتمعات البدائية التي تتميز بصغر الحتجم وبساطة التنظيم‪،‬‬ ‫بدل من أن ندرسها في المتجتمعات الصناعية المعقدة الكبيرة الحتجم«)‪.(1‬‬

‫غير أن فيرث يتميز في دراساته العملية بالهتمام بتجوانب الحـياة الماديـة في‬ ‫المتجتمعات المر الذي تجعله يتناقض أحيانا مع الوظيفية حسبما سنرى فيما بعد‪ .‬إن‬ ‫المحور الساسي لفكار كل من رادكليف براون وريموند فيرث نتجد امتدادها لدى تالكوت‬ ‫بارسونز‪ .‬إوان كنا نرى أن أفكار رادكليف براون أكةثر اتساقا من الفكار التي يقدمها‬ ‫بارسونز مع أنهما وةثيقا الرتباط في أفكارهما بشأن البنية التجتماعية‪ .‬وسيتضح هذا من‬ ‫تناول التعريفات التي قدمها بارسونز حول البنية التجتماعية‪.‬‬ ‫في الدراسة الحديةثة لبارسونز)‪ (2‬المعنونة »الحالة الراهنة للنظرية الوظيفية البنيوية‬ ‫في علم التجتماع« قدم تعريفا للبنية موضحا أنها »عبارة عن أي مجموعة من العلقات‬ ‫بين أجزاء أي نسق حي والتي يمكن أن تظهر‪ ،‬على أساس إمبريقي‪ ،‬في شكل ةثابت‬ ‫على امتداد فترة من الزمن«‪) .‬التشديد من الباحث(‪.‬‬

‫يبدو لنا هذا التعريف أكةثر تحديدا من التعريف الذي قدمه بارسونز في أعماله‬ ‫السابقة‪ ،‬والذي سنورده هو الخر‪ .‬فالتعريف الذي أوردناه الن هو تلخيص مركز‬ ‫للتعريف الوظيفي‪ .‬بل نرى فيه تلخيصا لفكار رادكليف براون‪ ،‬ويدفعنا إلى ذلك أمران‪.‬‬ ‫الول يتمةثل في قول بارسونز إن البنية متجموعة من العلقات بين أتجزاء أي نسق‪.‬‬ ‫والثاني‪ :‬قوله إنها يمكن أن تظهر على أساس إمبريقي‪ .‬فهذه الفكار هي المعبرة عن‬ ‫التصور الوظيفي حول البنية التجتماعية‪ ،‬الذي يرى أن البنية يمكن رؤيتها بالملحظة‬ ‫المباشرة على أساس أنها واقع عيني‪ ،‬والذي يرى أيضا أن متجموع العلقات هي البنية‪.‬‬ ‫وتلك هي الفكار ذاتها التي يدور حولها الخلف بين الماركسية والبنيوية من تجانب وبين‬ ‫الوظيفية من تجانب آخر‪ ،‬وفي بعض الحيان بين الوظيفيين أنفسهم‪.‬‬ ‫ومع ذلك تظل هناك فكرة أساسية من أفكار الوظيفية حول البنية ل تظهر في هذا‬ ‫التعريف عبر عنها بارسونز بشكل دائم ومتكرر في أعماله الخرى‪ .‬وهي فكرة أن القيم‬

‫‪ (2)1‬المرتجع السابق‪.‬‬ ‫‪T. Parsons, «The Present Status of Structural Functional Theory in Sociology», p.‬‬ ‫‪(1 ) 2‬‬ ‫‪.69‬‬

‫‪172‬‬


‫هي الساس الذي يحدد العلقات التجتماعية ومن ةثم البنية‪ .‬وهي الفكرة التي ترددت في‬ ‫مفهوم رادكليف براون عن البنية حسبما أشرنا منذ قليل‪.‬‬ ‫أما التعريف الخر الذي يقدمه بارسونز حول البنية فقد أةثار التجدل حول المعاني‬ ‫التي يقصدها على أساس أنه يصعب تحديد معاني مصطلحاته تحديدا دقيقا‪ .‬وقد دفع‬ ‫هذا مةثل تجورج تجورفيتش إلى اعتبار أن بارسونز ليس محددا‪ ،‬بل يتسم بالغموض في‬ ‫تعريفه للبنية وأنه يخلط بين مفهوم البنية والنسق‪ ،‬بل بينه وبين مفاهيم أخرى‪.‬‬ ‫وفي هذا الصدد يقول تجورفيتش على وتجه التحديد‪:‬‬

‫»إننا نتجد مصطلحات مةثل أنساق ‪ Systems‬و بنى ‪ Structures‬ومؤسسات‬ ‫‪ Institutions‬تتحدد كل منها بالخرى ويحيل كل منها إلى الخر‪ ،‬بل إنـه يخلط تارة بين‬ ‫‪ ) Type‬بمعناه المستخدم عند فيبر ( وبين البنية ‪ Structure‬ويميز بينهما تارة أخرى‪ ،‬مما‬ ‫يكشف عن عتجز بارسونز عن تحديدها تحديدا دقيقا‪ ،‬ويكشـف أيضا عتجزه عن إدراك‬ ‫الواقع التجتماعي ككل نوعي ودينامي من ناحيـة أخرى«)‪.(1‬‬ ‫غير أننا نرى أن القضايا التي يةثيرها تعريف بارسونز ل تتوقف عند الخلط بين‬ ‫البنية والنسق‪ .‬فتعريف بارسونز يقول‪» :‬إن البنية هي متجموعة من علقات نمطية ةثابتة‬ ‫نسبيا بين وحدات‪ .‬وحيث أن وحدة النسق التجتماعي ‪ Social System‬هي الفاعل‪ ،‬فإن‬ ‫البنية التجتماعية هي نسق منمط ‪ Social Structure is a Patterned System‬لعلقات‬ ‫اتجتماعية بين فاعلين‪ .‬وعلى أية حال فإن الخاصية المميزة لبنية أنساق الفعل التجتماعي‬ ‫هي أن الفاعل في معظم علقاته ل يشارك ككيان كلي‪ ،‬إوانما في ارتباط فقط بقطاع‬ ‫متباين معين من الفعل الكلي‪ .‬ومةثل ذلك القطاع الذي يعتبر وحدة أي نسق للعلقات‬ ‫التجتماعية أصبح يسمى عادة دو ار مسيطرا‪ .‬ولذلك فإن الصياغة السابقة ينبغي تعديلها‬ ‫لتقول إن البنية التجتماعية هي نسق لعلقات نميطة لفاعلين وهم يقومون بأدوار في‬ ‫ارتباط كل منهم بالخر‪ .‬والدور هو المفهوم الذي يربط النساق الفرعية للفاعل بوصفه‬ ‫كيانا يسلك سلوكا سيكولوتجيا تتجاه البنية التجتماعية المميزة«)‪.(2‬‬ ‫‪( 1)1‬‬

‫‪G. Gurvitch, Traité de Sociologie, p.‬‬

‫‪.17‬‬

‫‪( 2)2‬‬ ‫‪.34‬‬

‫‪173‬‬

‫‪T. Parsons, Essays in Sociological Theory Pure and Applied, p.‬‬


‫يشترك هذا التعريف مع التعريف الذي أوردناه من قبل في أن بارسونز يؤكد في‬ ‫التعريفين أن البنية متجموعة من علقات‪ .‬وثانيا‪ ،‬نتجد أن بارسونز يصل بالبنية‬ ‫التجتماعية إلى نسق اتجتماعي‪ .‬ةثم يصل بالنسق التجتماعي إلى نسق أدوار‪ .‬وهو ما‬ ‫يةثير الخلط ويذكرنا بضروب السلوك التي وصف بها دوركايم الظاهرة التجتماعية‪ .‬فإذا‬ ‫كان مفهوم البنية التجتماعية مدخل لدراسة المتجتمع بوصفه نسقا اتجتماعيا‪ ،‬سيتضح لنا‬ ‫الخلط‪ .‬فالبنية التجتماعية ليست هي التعبير أو الشيء المساوي للنسق التجتماعي‪ .‬ذلك‬ ‫أن النسق التجتماعي أشمل وتحتاج دراسته إلى دراسة البنى التي يتشكل منها ذلك‬ ‫المتجتمع‪ .‬فاصطلح النسق التجتماعي يشير إلى المتجتمع ذاته‪ .‬وكما يقول تجان بياتجيه‬ ‫فإن »البنية يمكن أن تعيش فقط داخل أنساق«)‪ .(1‬ولعل مةثل هذا التصور هو الذي دفع‬ ‫تجورفيتش للقول إن علم التجتماع عند بارسونز وتلميذه‪ ،‬مةثل ميرتون‪ ،‬يستبعد مفهوم‬ ‫البنية في واقع المر‪ .‬ةثم يتساءل‪» :‬قد يكون من الصواب في هذه الظروف أن نسأل‬ ‫أنفسنا ما إذا كان يوتجد عموما عند بارسونز فرق بين )البنية التجتماعية( والنسق‬ ‫التجتماعي‪ ،‬ذلك أن الصطلح الةثاني يشبه تماما اصطلح الفعل التجتماعي )بمعنى‬ ‫سلوك ل بمعنى عمل(« )‪.(2‬‬

‫ويرى الباحث أن ذلك الرأي له ما يبرره‪ ،‬ذلك أن بارسونز كان معنيا‪ ،‬قبل كل‬ ‫شيء‪ ،‬ل بدراسة الميكانزمات الفعلية للبنية التجتماعية وتناقضاتها مةثل‪ ،‬إوانما بضروب‬ ‫سلوك الفراد أو الفاعلين‪ ،‬والقيم الموتجهة التي تدفع إلى تماسك المتجتمع‪ ،‬على اعتبار أن‬ ‫ذلك هو محور النظرية التجتماعية عنده‪ .‬وعلى أية حال فإن ذلك الموقف هو سمة‬ ‫أساسية في التتجاه الوظيفي‪ ،‬حيث نتجد أن رادكليف براون هو الخر يعبر عن هذا الرأي‬ ‫بقوله‪» :‬ومن وتجهة النظر التي حاولت عرضها هنا تؤلف النظم التجتماعية ‪Social‬‬ ‫‪ Institutions‬من حيث أنها طرق مقننة للسلوك – التجهاز الذي يساعد على حفظ‬ ‫واستمرار شبكة العلقات التجتماعية التي نسميها )البنية التجتماعية(« )‪.(3‬‬

‫‪( 1)1‬‬

‫‪.cit.,142‬‬

‫‪ (2)2‬تجورج تجورفيتش‪ ،‬مفهوم البناء التجتماعي‪ ،‬ص ‪.120‬‬ ‫‪ (3)3‬أ‪ .‬ر‪ .‬رادكليف براون‪ ،‬في البناء التجتماعي‪ ،‬ص ‪.14‬‬

‫‪174‬‬

‫‪J. Piget, op.‬‬


‫وفضل عن ذلك فإن بارسونز يتفق مع رادكليف براون في اعتبار أن القيم هي‬ ‫السس المحددة في متجال البنية التجتماعية والعلقات التجتماعية‪ .‬فقد أوردنا من قبل‬ ‫قول رادكليف براون بأن دراسة البنية التجتماعية تؤدي مباشرة إلى دراسة المصالح أو‬ ‫القيم باعتبارها أسسا محددة للعلقات التجتماعية‪ .‬ونعتقد أنه ل يختلف كةثي ار عن قول‬ ‫بارسونز الذي سبق أن أشرنا إليه والقائل إن »نسق الموتجهات القيمية الذي يلتزم به‬ ‫أعضاء أي نسق اتجتماعي يمكن أن يكون بمةثابة نقطة مرتجعية أساسية لتحليل البنية‬ ‫والعملية في النسق التجتماعي‪ ،‬ويمكن اعتباره هو ذاته كمعتقد رئيسي للنظرية‬ ‫التجتماعية الحديةثة«‪.‬‬

‫ول يتوقف التشابه بين بارسونز ورادكليف براون عند ذلك بل يمتد إلى متجال‬ ‫المماةثلة العضوية‪ .‬ويتضح هذا من النصوص التالية‪ .‬يقول رادكليف براون في حديةثه عن‬ ‫الوظيفة التجتماعية إن »البنية العضوية كبنية حية تعتمد في وتجودها على العمليات التي‬ ‫تتجعل الحياة في متجملها تقوم بعمليتها ‪ ...‬وفي الشارة إلى النساق التجتماعية وفهمها‬ ‫نظريا فإن استخدام مفهوم الوظيفة هو نفس استخدامه العلمي في الفسيولوتجيا‪ .‬فيمكن‬ ‫استخدامه للشارة إلى العلقة المشتركة بين البنية التجتماعية وعملية الحياة التجتماعية‪.‬‬ ‫وهذا الستخدام لكلمة وظيفة هو الذي يبدو لي أنه يتجعل منه مصطلحا مفيدا في علم‬ ‫التجتماع المقارن‪ .‬فالمفاهيم الةثلث للعملية والبنية والوظيفة هي بهذا مكونات نظرية‬ ‫واحدة بوصفها مخططا لتفسير النساق التجتماعية البشرية«)‪.(1‬‬ ‫أما بارسونز فيقول في سياق عرض أفكاره عن النظرية البنيوية – الوظيفية »إن‬ ‫المةثلة التي استخدمها مستمدة من البيولوتجيا‪ ،‬ولكن نفس المبادئ ترتبط بشكل مساو‬ ‫بالنساق التجتماعية أو أنساق الشخصية«)‪.(2‬‬

‫إن رادكليف براون يعرف تماما أنه يعود بتلك المماةثلة إلى تشبيه المتجتمع بالكائن‬ ‫العضوي مةثلما كان شائعا عند فلسفة القرون الوسطى‪ .‬ولكنه يقول إنها كانت تستخدم‬ ‫استخداما خاطئا‪ ،‬إوان الستخدام الصحيح لها يساعد التفكير العلمي‪ .‬ففي معرض حديةثه‬ ‫»والى تجانب الدراسة المورفولوتجية التي‬ ‫عن دور ومهام الدراسات النةثروبولوتجية يقول‪ :‬إ‬ ‫‪( 1)1‬‬

‫‪A. R. Radcliffe – Brown, op cit., p.‬‬

‫‪.12‬‬

‫‪( 2)2‬‬ ‫‪.69‬‬

‫‪175‬‬

‫‪T. Parsons, «The Present Stauts…», p.‬‬


‫تتكون من تعريف ومقارنة النساق )البنيوية( المختلفة توتجد دراسة أخرى فسيولوتجية‪.‬‬ ‫والمشكلة التي تعالتجها هذه الدراسة هي كيف تستمر النساق )البنيوية( في الوتجود؟ وما‬ ‫هي الميكانزمات التي تساعد وتجود هذه الشبكة من العلقات التجتماعية وكيف تعمل‬ ‫هذه الميكانزمات؟ وقد أبدو عندما استخدم كلمتي المورفولوتجيا والفسيولوتجيا أنني أعود‬ ‫إلى تلك المماةثلة بين المتجتمع والكائن العضوي التي كانت شائعة عند فلسفة القرون‬ ‫الوسطى والتي كةثي ار ما استخدمها علماء التجتماع في القرن التاسع عشر استخداما‬ ‫خاطئا‪ ،‬والتي يرفضها تماما كةثير من الكتاب المحدةثين‪ .‬ولكن المماةثلت إذا استخدمت‬ ‫استخداما صحيحا فإنها تساعد مساعدة فعالة في التفكير العلمي«)‪.(1‬‬ ‫لقد سبق أن ذكرنا أن بعض الوظيفيين يختلفون مع رادكليف براون اختلفا شديدا‬ ‫حول مفهومه عن البنية التجتماعية‪ .‬غير أننا نرى إرتجاء الشارة إليها إلى موضع آخر‪،‬‬ ‫ذلك أن دللتها المنهتجية ستتضح بشكل أكةثر بعد استعراض التعريف الذي تقدمه البنيوية‬ ‫ممةثلة في ليفي– شتراوس وذلك علوة على التعريف الماركسي‪.‬‬

‫التعريف البنيوي للبنية الجتماعية‪:‬‬

‫قدم ليفي شتراوس تعريفه للبنية التجتماعية لول مرة باللغة النتجليزية في شكل‬ ‫بحث بعنوان »البنية التجتماعية« ‪ Social Structure‬وكان ذلك ضمن مؤلف أمريكي عن‬ ‫النةثروبولوتجيا)‪.(2‬‬

‫يقول ليفي – شتراوس‪» :‬إذا انتقلنا إلى مهمة تعريف البنية الجتماعية فإن هناك‬ ‫مسألة ينبغي توضحيها على الفور‪ ،‬وهي أن فكرة البنية الجتماعية ل ترتبط بالواقع‬ ‫المبريقي‪ ،‬لكنها ترتبط بالنماذج التي تبنى على غرار هذا الواقع‪ ،‬وعلى هذا النحو‬ ‫يظهر الختلف بين مفهومين شديدي القرب إلى الحد الذي جعل البعض يخلط بينهما‬

‫‪ (1)1‬أ‪ .‬ر‪ .‬رادكليف براون‪ .‬في البناء التجتماعي‪ ،‬ص ‪.9 ،8‬‬ ‫‪ (2)2‬وهو كتاب‪ . Anthropology To-day», edited by Kroeber » :‬ويحتل البحث الصفحات ‪553 -524‬‬ ‫من المؤلف‪ .‬وفي عام ‪ 1958‬نشر ليفي – شتراوس هذا البحث باللغة الفرنسية في كتابه ‪Anthropologie‬‬ ‫‪ ،Structurale‬ةثم أعيد نشر البحث في الترتجمة النتجليزيـة لذلك الكتاب ويحتل الصفحات ‪.323 - 277‬‬ ‫وفي عام ‪ 1960‬صدرت ترتجمة لهـذا البحث باللغة العربية في متجلة »مطالعات في العلوم التجتماعية«‬ ‫السابق الشارة إليها ويحتـل الصفحات ‪ .57 - 19‬والقتباسات التي نقلناها عن هذا البحث مأخوذة عن اللغة‬ ‫النتجليزية وتم مراتجعة بعض الفقرات على النص الفرنسي‪.‬‬

‫‪176‬‬


‫أحيانا‪ ،‬أعني بذلك مفهوم البنية الجتماعية ومفهوم العلقات الجتماعية‪ .‬ويكفي أن‬ ‫أقرر الن أن العلقات التجتماعية هي المادة الخام التي تستخدم لبناء النماذج التي تتجلو‬ ‫)تظهر( البنية التجتماعية ذاتها‪ .‬وعلى هذا فالبنية التجتماعية ل يمكن أن ترد إلى تجماع‬ ‫العلقات التجتماعية التي يمكن ملحظتها في متجتمع معين«)‪) (1‬التشديد من الباحث(‪.‬‬ ‫من الواضح أن هذا التعريف يتناقض في وضوح مع التعريف الوظيفي لرادكليف‬ ‫براون‪ .‬فأول يفرق ليفي – شتراوس بين البنية التجتماعية والعلقات التجتماعية على‬ ‫عكس الخلط بين المفهومين عند رادكليف براون حيث يقول إنه يستخدم تعبير البنية ليعبر‬ ‫به عن العلقات التجتماعية‪ .‬وةثانيا إن البنية ل تلحظ عند ليفي شتراوس بشكل مباشر‬ ‫على عكس رادكليف براون الذي يقول إنها تظهر بالملحظة المباشرة‪ .‬وهذا الختلف‬ ‫تجعل ليفي – شتراوس ينتقد أفكار رادكليف براون ويقول‪:‬‬

‫»على أية حال‪ ،‬فمن الواضح أن مفهوم البنية التجتماعية عند رادكليف براون‬ ‫يختلف من عدة نواح عن المسلمات التي حددتها في بداية هذا البحث‪ .‬ففي المحل‬ ‫الول‪ ،‬يبدو له مفهوم البنية وسيلة لربط النةثروبولوتجيا التجتماعية بالعلوم البيولوتجية‪.‬‬ ‫فهو يقول‪ :‬إن هناك تماةثل حقيقيا له دللته بين البنية العضوية والبنية التجتماعية‪ .‬ولذلك‬ ‫– فبدل من أن يرفع رادكليف براون الدراسات المتعلقة بالقرابة إلى نفس مستوى نظرية‬ ‫التصال حسبما يقترح كاتب هذا البحث فإننا نتجده قد هبط بتلك الدراسات إلى مستوى‬ ‫الظواهر التي تتناولها المورفولوتجيا الوصفية والفسيولوتجيا«)‪.(2‬‬ ‫ةثم يواصل ليفي – شتراوس انتقاده ليصل إلى النقاط الحاسمة التي تعنينا بشكل‬ ‫أكةثر فيقول‪:‬‬

‫»إن المدخل المبريقي لرادكليف براون يتجعله يرفض بشدة التمييز بين البنية‬ ‫التجتماعية والعلقات التجتماعية‪ .‬وفي واقع المر‪ ،‬فإن البنية التجتماعية تبدو في‬ ‫أعماله على أنها ليست سوى الشبكة الكلية للعلقات التجتماعية‪ .‬والحق أنه حدد أحيانا‬ ‫الفرق بين البنية والشكل البنيوي‪ .‬لكن المفهوم الخير )أي الشكل البنيوي( يبدو أنه‬ ‫‪( 1)1‬‬

‫‪C. Levi-Strauss, Structural Anthropology, p.‬‬

‫‪.279‬‬

‫‪( 2)2‬‬ ‫‪.303‬‬

‫‪177‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬


‫مرتبط بالدراسة عبر الزمنية‪ ،‬كما أن دوره الوظيفي في تفكير رادكليف براون النظري يبدو‬ ‫أنه قد تضاءل«)‪ .(1‬ةثم يشير ليفي – شتراوس إلى أن مايرفورتس قد ناقش هذه التفرقة‬ ‫مناقشة عميقة ساهمت حسب رأي ليفي شتراوس‪ ،‬مساهمة بارزة في إبراز التفرقة بين‬ ‫»النموذج« والواقع‪ ،‬وهو المر الذي يعتبر غريبا على رادكليف براون‪ .‬ونظ ار لن‬ ‫مايرفورتس يلتقي مع ليفي – شتراوس نتجد الخير يقتبس كلماته القائلة »إن البنية ل ترى‬ ‫بشكل مباشر في الواقع العيني ‪ ....‬فحينما نصف بنية ما ‪ ....‬إنما نبدو وكأننا في عالم‬ ‫النحو والصرف وتركيب التجملة وليس عالم الكلمة المنطوقة«)‪ .(2‬ولهذا السبب يعارض‬ ‫مايرفورتس التفرقة التي وضعها رادكليف براون بين ما أسماه البنية الواقعية والشكل‬ ‫البنيوي‪ .‬فمايرفورتس يرى أن الوسيلة الوحيدة لكتشاف البنية ومعرفتها هي الستقراء‬ ‫والمقارنات والتحليلت التي تقوم على الحداث التجتماعية البسيطة التي تتخذ فيها‬ ‫المؤسسات والتنظيمات والعادات التجتماعية أشكال مختلفة)‪.(3‬‬ ‫كما أننا نتجد أن تجان بياتجيه يوافق ليفي – شتراوس بشأن مفهومه الساسي عن‬ ‫البنية‪ .‬ويتضح هذا في قول بياتجيه »إن البنية التجتماعية‪ ،‬مةثلها مةثل السببية في‬ ‫الفيزياء‪ ،‬هي صرح نظري وليست شيئا معطى إمبريقيا«)‪.(4‬‬

‫يوضح كل ما سبق أن النتقادات الموتجهة إلى تصور رادكليف براون عن البنية‬ ‫التجتماعية خاصة النتقادات التي وتجهها ليفي شتراوس إنما تعود إلى خلفات في‬ ‫المعالتجات المنهتجية‪ .‬وهي انتقادات ترتبط بمضمون المنهج ول تعود إلى متجرد اختلف‬ ‫في الصياغة‪ .‬وهو ما سبق أن أشرنا إليه‪.‬‬

‫التعريف الماركسي للبنية الجتماعية‪:‬‬

‫‪(1)1‬‬

‫‪.Ibid‬‬

‫‪( 2)2‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬

‫‪.304‬‬

‫‪ (3)3‬أحمد أبو زيد‪ ،‬البناء التجتماعي‪ ،‬التجزء الول‪ ،‬ص ‪.36‬‬ ‫‪( 4)4‬‬ ‫‪.98‬‬

‫‪178‬‬

‫‪J. Piget, op. cit., p.‬‬


‫تقدم الماركسية تعريفا للبنية ينطلق هو الخر مةثل تعريف ليفي – شتراوس من‬ ‫رفض المفهوم المبريقي الوظيفي عن البنية مةثلما هو متمةثل في أفكار رادكليف براون‬ ‫وبارسونز أيضا حسبما سنرى‪ .‬وينهض هذا التعريف استنادا إلى تصور ماركس عن‬ ‫النسق التجتماعي بوصفه تكوينا اتجتماعيا اقتصاديا ‪ .Socio-Economic Formation‬إوالى‬ ‫تجانب ذلك كان ماركس يستخدم أحيانا تعبير »بنية المتجتمع« ‪ Structure of Society‬أو‬ ‫»البنية التجتماعية« ‪ Social Structure‬في أحيان أخرى‪ .‬ولكن مفهوم التكوين‬ ‫التجتماعي القتصادي هو الساسي والشمل عند ماركس حيث يضع المتجتمعات في‬ ‫سياقها التاريخي‪.‬‬

‫وحسبما اتضح من الفصل الةثالث فإن البنية التجتماعية تتشكل من بنى أخرى‪.‬‬ ‫واستنادا لمفهوم ماركس يطرح لوسيان سيف تعريفا ماركسيا للبنية التجتماعية‪ .‬وهو يشير‬ ‫قبل أن يطرح ذلك التعريف إلى نصين لماركس‪ .‬الول حديةثه في مقدمة »مساهمة في‬ ‫نقد القتصاد السياسي« بشأن علقات النتاج التجتماعية التي تتشكل منها البنية‬ ‫القتصادية والتي تنهض عليها بنية فوقية متوافقة معها‪.‬‬

‫أما النص الةثاني الذي يستند إليه لوسيان سيف‪ ،‬فقد نقله عن مخطوطات ماركس‬ ‫لعام ‪ ،1858-1857‬والذي يقول فيه »إن كل علقة اقتصادية في أي نظام برتجوازي‬ ‫تعني ضمنا وتجود علقة أخرى‪ ،‬أي وتجود علقة برتجوازية اقتصادية الشكل‪ ،‬فكل علقة‬ ‫مشروطة بأخرى مةثلما هو الحال في كل نسق عضوي‪ .‬إن مةثل هذا النسق العضوي‪،‬‬ ‫باعتباره كيانا متكامل‪ ،‬يمتلك ضروراته الخاصة به‪ .‬كما أن تطوره في اتتجاه الوحدة‬ ‫المتكاملة يكمن في إخضاعه كل عناصر المتجتمع أو في خلق ما يفتقر إليه من أعضاء‪.‬‬ ‫هكذا‪ ،‬ففي متجرى التطور التاريخي ينصهر النسق في كلية واحدة«)‪.(1‬‬

‫استنادا إلى ذلك يعرف لوسيان سيف البنية قائل »إن مفهوم البنية يشير‪ ،‬في‬ ‫أوسع معانيه‪ ،‬إلى نظام من علقات داخلية ثابتة يحدد السمات الجوهرية لي كيان‪،‬‬ ‫ويتشكل منه كل متكامل ل يمكن اختزاله إلى مجرد حاصل مجموع عناصره«)‪.(2‬‬ ‫ويرى لوسيان سيف أن هذا التعريف ل يختلف مع التعريف الذي يقدمه ليفي‪-‬‬ ‫شتراوس إل في أن البنيويين يقومون بمحاولة الصياغة الرياضية لهذا المفهوم‪.‬‬

‫‪ (1)1‬أنظر‪ :‬لوسيان سيف‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ‪.110‬‬ ‫‪ (2)2‬المرتجع السابق‪ ،‬ص ‪.111‬‬

‫‪179‬‬


‫إوالى تجانب ذلك فإن موريس تجودلييه النةثروبولوتجي الفرنسي يقدم مساهمة بارزة‬ ‫في هذا الصدد يوضح فيها أن التعريف الماركسي للبنية التجتماعية يتفق مع تعريف‬ ‫ليفي‪ -‬شتراوس ويتعارض مع التعريف الوظيفي‪.‬‬

‫ويرى تجودلييه أن ماركس مضى في كتاب »رأس المال« وفق منهج يعالج أول‬ ‫الداء الوظيفي الظاهر للنظام ةثم ينتقل إلى بنيته الداخلية الخفية‪ .‬ويؤكـد تجودلييه »أن ما‬ ‫يعنيه ماركس بأي نظام اقتصادي هو مركب محدد من أنماط معينة لنتاج وتبادل وتوزيع‬ ‫السلع المادية‪ .‬ويلعب نمط إنتاج السلع الدور المسيطر في هذا المركب‪ .‬ويتكون نمط‬ ‫النتاج من بنيتين ل يمكن اختزال الواحدة منها إلى الخرى‪ :‬بنية القوى النتاتجية وبنية‬ ‫علقات النتاج‪ .‬ويشير مفهوم القوى النتاتجية إلى متجموعة عوامل النتاج – أي الموارد‬ ‫والدوات‪ ،‬والبشر – التي تميز متجتمعا محددا في مرحلة محددة‪ ،‬والتي تمتزج معا بطريقة‬ ‫خاصة لتنتج السلع الضرورية لذلك المتجتمع‪ .‬أما مفهوم علقات النتاج فيشير إلى‬ ‫الوظائف التي يقوم بها الفراد والتجماعات في عملية النتاج وفي السيطرة على عوامل‬ ‫النتاج‪ .‬وعلى سبيل المةثال‪ ،‬فإن علقات النتاج الرأسمالية هي علقات بين طبقة من‬ ‫الفراد يملكون القوى النتاتجية ورأس المال ملكية خاصة وبين طبقة من الفراد يتعين‬ ‫عليهم أن يبيعوا للولى قوة عملهم مقابل أتجر‪ .‬وكل من هاتين الطبقتين تكمل الخرى‬ ‫وتفترض وتجودها«)‪.(1‬‬

‫وبعد ذلك يؤكد تجودلييه »أن ماركس يرى أن الفهم العلمي للنظام الرأسمالي يكمن‬ ‫في اكتشاف البنية الداخلية المختبئة وراء وظيفته الظاهرية‪ .‬وبذلك يرى ماركس‪ ،‬مةثله‬ ‫مةثل ليفي‪ -‬شتراوس‪ ،‬أنه ل يتجوز أن نخلط بين البنى وبين العلقات التجتماعية الظاهرة‬ ‫أو المرئية‪ ،‬فالبنية تشكل مستوى غير مرئي من مستويات الواقع‪ ،‬لكنه مستوى يكمن وراء‬ ‫العلقات التجتماعية المرئية«)‪ .(2‬ويعني ذلك أن منطق العلقات التجتماعية وكذلك‬ ‫قوانين الممارسة التجتماعية بشكل عام‪ ،‬إنما تعتمد على الداء الوظيفي ‪Functioning‬‬ ‫لتلك البنية المختفية‪ ،‬إوان اكتشاف هذه البنية يتيح لنا تعليل كل الحقائق الملحظة‪ .‬ويرى‬ ‫الباحث أنه بالنظر إلى المنهج الذي اتبعه ماركس في رأس المال‪ ،‬أةثناء تناوله للسلعة‬ ‫‪( 1)1‬‬

‫‪M. Godelier, "Structure and Contradiction in Capital", p.‬‬

‫‪.335‬‬

‫‪( 2)2‬‬ ‫‪.336‬‬

‫‪180‬‬

‫‪Ibid., pp. 335-‬‬


‫على سبيل المةثال‪ ،‬يتضح لنا أنه يسير وفق الفكرة التي يعبر عنها تجودلييه بالفعل‪ .‬يقول‬ ‫ماركس‪» :‬إن قيمة السلع تختلف تماما عن الشيء المادي الخشن المشكلة منه‪ .‬فليست‬ ‫هناك ذرة من المادة تدخل في تكوين قيمة السلع‪ .‬وقد نقلب أي سلعة في أيدينا ونتفحصها‬ ‫مةثلما نفعل دائما‪ ،‬ومع ذلك تظل موضوع قيمة‪ .‬ويبدو من المستحيل إدراكه‪ .‬وعلى أية‬ ‫حال إذا وضعنا في اعتبارنا أن قيمة السلع لها واقع اتجتماعي بحت‪ ،‬وأنها تكتسب هذا‬ ‫الواقع من حيث أنها تعبيرات وتتجسيدات لتجوهر اتجتماعي مطابق وهو العمل البشري‬ ‫سوف يستتبع ذلك‪ ،‬بالطبع‪ ،‬أن القيمة يمكن أن تظهر نفسها فقط في العلقة التجتماعية‬ ‫بين سلعة وسلعة‪ .‬والواقع أننا قد انطلقنا من القيمة التبادلية أو العلقة التبادلية )الظاهرة‬ ‫– الباحث( للسلع لكي نصل إلى القيمة المستترة وراءها«)‪.(1‬‬

‫ولهذا يقول ماركس‪ ،‬تأكيدا لفكرة أن المظهر الخارتجي يخفي واقعا آخر إن »السلع‬ ‫تبدو‪ ،‬لول وهلة كشيء بالغ التفاهة وسهل الدراك‪ .‬ولقد بين تحليلنا‪ ،‬في الواقع‪ ،‬أنها‬ ‫ذات طبيعة معقدة تجدا ‪ ...‬ومن حيث هي قيمة استعمالية‪ ،‬ليس ةثمة شيء غامض فيها‬ ‫سواء إذا نظرنا إليها من زاوية خصائصها القادرة على إشباع حاتجات إنسانية أو من زاوية‬ ‫أن هذه الخصائص هي نتائج العمل البشري ‪ ..‬إن الطابع الغامض للسلع ل يصدر عن‬ ‫قيمتها الستعمالية‪ ،‬وكذلك ل يصدر عن العوامل التي تحدد هذه القيمة ‪ ....‬فمن أين‬ ‫يصدر إذن الطابع المبهم لنتائج العمل منذ أن يكتسي شكل السلع؟ بديهي أن يصدر عن‬ ‫هذا الشكل نفسه«)‪ .(2‬أي يحدث في عملية التبادل واكتساب السلعة وتجودا اتجتماعيا‬ ‫متميزا‪ .‬فدخول السلعة‪ ،‬بوصفها نتاج عمل إنساني‪ ،‬إلى متجال التبادل يضفي عليها‬ ‫طابعا يسميه ماركس »فيتشية« السلعة أو تقديسها ‪ Fetishism‬بمتجرد إنتاتجها لتكون‬ ‫سلعة‪ ،‬أو حسب تعبير ماركس »الفيتشية التي تلصق نفسها بمنتتجات العمل«‪.‬‬

‫إذن فإن »فيتشية« السلعة تكمن في السمة التجتماعية المميزة للعمل الذي أنتتجها‪.‬‬ ‫»وكقاعدة عامة فإن المواد ذات المنفعة الستعمالية ل تصبح سلعة إل لنها نتاج عمل‬ ‫خاص لفراد أو تجماعات من الفراد الذين يقوم كل منهم بعمله مستقل عن الخر‪.‬‬ ‫ومتجموع هذه العمال يشكل العمل الكلي للمتجتمع‪ .‬وطالما أن المنتتجين ل يدخلون في‬ ‫‪( 1)1‬‬

‫‪K. Marx, Capital, Vol. 1, p.‬‬

‫‪.54‬‬

‫‪( 2)2‬‬ ‫‪.76‬‬

‫‪181‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬


‫علقة اتجتماعية مع بعضهم البعض إل مع تبادل منتتجاتهم‪ ،‬فإن السمة التجتماعية‬ ‫النوعية لعمل كل منتج منهم ل تظهر نفسها إل في عملية التبادل‪ .‬وبكلمات أخرى‪ ،‬فإن‬ ‫عمل الفراد ل يؤكد نفسه‪ ،‬كتجزء من عمل المتجتمع‪ ،‬إل عن طريق عملية التبادل التي‬ ‫تنشأ بين المنتتجات بشكل مباشر‪ ،‬ومن ةثم بشكل غير مباشر بين الذين أنتتجوا تلك‬ ‫المنتتجات‪ ،‬ولذلك فإن العلقات التي تربط عمل كل فرد منهم بالخر‪ ،‬تبدو في نظر‬ ‫المنتتجين ل كعلقة اتجتماعية مباشرة بين أفراد يعملون‪ ،‬إوانما كعلقات مادية بين أفراد‬ ‫وكعلقات اتجتماعية بين أشياء‪ .‬إنه عن طريق التبادل فحسب تكتسب منتتجات العمل‪،‬‬ ‫بوصفها قيمة‪ ،‬وتجودا ‪ Status‬اتجتماعيا موحد الشكل‪ ،‬متمي از عن الشكال المادية المتعددة‬ ‫لها كأشياء ذات قيمة استعمالية«)‪.(1‬‬ ‫هنا يبرز السؤال التالي‪ :‬ما هي تلك الصفة التجتماعية للعمل التي تتجعل السلع‬ ‫واقعا معقدا وغامضا؟ إذا حاولنا نقل هذا الكلم النظري إلى متجال الحياة الواقعية سنتجد‬ ‫حسب منطق ماركس أن كل شيء يتجرى في النظام الرأسمالي وكأن العامل يتناول أتج ار‬ ‫مقابل عمله‪ ،‬وكأن رأس المال يتمتع بخاصية النمو التلقائي الذي يوفر الربح لصاحبه‪.‬‬ ‫فل يوتجد برهان مباشر أو إمبريقي في الحياة اليومية على أن الربح يتشكل حسب قول‬ ‫ماركس من عمل العامل الذي لم يأخذ مقابله أتجرا‪ ،‬أي فائض القيمة الذي يقول به‬ ‫ماركس‪.‬‬

‫لكن ماركس لم يتوقف عند هذا الشكل الظاهري‪ .‬وأتجرى دراسته ليوضح أن الربح‬ ‫هو عبارة عن ذلك التجزء من القيمة التبادلية للسلع يستبقيه صاحبها‪ .‬وتستلزم القيمة‬ ‫التبادلية للسلع وحدة قياس‪ .‬ول يمكن أن تكون القيمة الستعمالية هي الوحدة لذلك‬ ‫القياس‪ .‬إوانما تنبع وحدة القياس الحقيقية من الخصائص المشتراكة للسلع بوصفها‬ ‫منتتجات عمل‪ .‬وبذلك يكون تجوهر القيمة ومقياسها هو »العمل الضروري اتجتماعيا«‬ ‫لنتاج السلع‪ .‬والربح هو عبارة عن قوة العمل المبذولة في إنتاج سلعة ما والتي لم يتم دفع‬ ‫أتجر مقابلها‪ .‬وبذلك يكون الربح عمل بدون مقابل‪ .‬وأوضح ماركس أن هذه الحقيقة‬ ‫الخفية تبدو في أعين الناس‪ ،‬وأيضا بالنسبة للرأسماليين والعمال وكأن التجر يدفع مقابل‬ ‫العمل‪ .‬وهذا هو الشكل الظاهري الذي يتجعل من العلقة الفعلية علقة خفية‪.‬‬

‫‪( 1)1‬‬ ‫‪.77‬‬

‫‪182‬‬

‫‪Ibid., pp. 76-‬‬


‫لهذا قال ماركس إن السلعة مةثل تبدو كشيء بالغ التفاهـة وسـهل الدراك في حين‬ ‫أنها بالغة التعقيد وتخفي وراءها أوضاعا وعلقات اتجتماعية معينة‪ ،‬وبالذات قيمة العمل‪،‬‬ ‫أو العمل التجتماعي اللزم الذي ل يدخل فيه ذلك التجزء من العمل غير المدفوع التجر‪،‬‬ ‫والذي يمةثل فائض القيمة‪ ،‬أي ذلك العمل التجتماعي الذي ل يظهر للعيان‪ .‬وعلى سبيل‬ ‫المةثال »فإن القيمة ل تمشي وعليها تعريف يصف ما هو متضمن فيها ‪ ...‬إن الكتشاف‬ ‫العلمي الحديث بأن منتتجات العمـل‪ ،‬مـن حيث هي قيم‪ ،‬إنما هي تعبير مادي عن العمل‬ ‫البشري المنفق في إنتاتجها‪ ،‬هو ول شك‪ ،‬يميز مرحلة في تاريخ تطور البشرية‪ ،‬لكن ذلك‬ ‫ل يبدد مطلقا الضباب الذي تظهر لنا وسطه السمة التجتماعية للعمل وكأنها سمة‬ ‫موضوعية للمنتتجات ذاتهـا«)‪.(1‬‬ ‫إن ماركس يرى أن سبب الوقوف عند المظهر الخارتجي للظواهر يرتجع إلى أن‬ ‫المرء يتناول أشكال في الحياة بعد أن مرت بمرحلة معينة من التطور‪ .‬أي يتناولها بعد‬ ‫أن اتخذت شكل معينا يبدو ةثابتا‪ ،‬وأن هذا الةثبات الظاهري يبدو لنا على أنه من طبيعة‬ ‫الظواهر التي نعالتجها‪ .‬ولذلك من الضروري الكشف عن الميكانزمات التي تجعلت‬ ‫الظواهر تتخذ هذا الشكل من أتجل تفسيرها‪ .‬وهو يقول‪» :‬إن تفكير النسان في أشكال‬ ‫الحياة التجتماعية‪ ،‬وبالتالي تحليله العلمي لهذه الشكال يتخذ متجرى معاكسا مباشرة‬ ‫للمتجرى الواقعي لتطورها التاريخي‪ .‬فالنسان يبدأ بعد مضي زمن ما‪ ،‬بنتائج عملية تطور‬ ‫تامة قائمة أمامه«)‪ .(2‬أي أنه يدرس نتيتجة قائمة لعملية تطور‪ .‬وهذا يخفي‪ ،‬في واقع‬ ‫المر‪ ،‬تجوانب من التكوين الحقيقي للظواهر‪.‬‬ ‫لذلك ترفض الماركسية الرأي القائل أن البنية بمةثابة واقع يمكن ملحظته بشكل‬ ‫مباشر‪ .‬أي تتفق مع الرأي الذي يقول به أيضا ليفي شتراوس في هذا الشأن‪ .‬بل إن ليفي‬ ‫شتراوس يقول صراحة إنه استعار مفهوم البنية من ماركس وانتجلز وآخرين‪ ،‬بل يضيف‬ ‫أيضا أنه يريد إعادة توحيد إنتجازات النةثروبولوتجيا خلل الخمسين عاما الماضية مع‬ ‫التراث الماركسي‪.‬‬ ‫‪( 1)1‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬

‫‪.79‬‬

‫‪( 2)2‬‬ ‫‪.80‬‬

‫‪183‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬


‫أشرنا من قبل إلى انتقاد ماير فورتس لرأي رادكليف براون ورفضه أن البنية يمكن‬ ‫ملحظتها بشكل مباشر‪ .‬ويمكننا الن أن نشير إلى وتجهة نظر كل من نادل وليتش‪ ،‬إوان‬ ‫كانت انتقادات نادل تمتد إلى قضية أخرى يشاركه فيها الرأي ايفانز بريتشارد وسنتناولها‬ ‫عند معالتجة البعد الزمني‪ .‬وفي البداية نذكر أن انتقادات كل من ليتش ونادل ل تسير في‬ ‫خط واحد إنما تتعارض‪ ،‬كما يمتد انتقاد نادل إلى كل من ليفي‪ -‬شتراوس وليتش أيضا‪.‬‬ ‫إن نادل يوافق على أن البنية هي مظهر للواقع التجتماعي ذاته مةثله مةثل رادكليف براون‪.‬‬ ‫ومع ذلك يتبنى وصف ليفي شتراوس للبنية التجتماعية بوصفها نموذتجا‪ .‬يقول نادل‪:‬‬ ‫»على الرغم من أنني تبنيت وصف ليفي‪ -‬شتراوس للبنية التجتماعية بوصفها‬ ‫نموذتجا‪ ،‬فإنه ينبغي أن أوضح أن استخدامه للكلمة ينطوي على تضمينات معينة تتعلق‬ ‫بمسألة واقعية البنية التجتماعية‪ ،‬وهي تضمنيات ل تتفق مع وتجهة النظر التي أعبر‬ ‫عنها‪ ،‬فالبنية التجتماعية عند ليفي‪ -‬شتراوس ليست لها علقة بالواقع المبريقي إوانما‬ ‫ترتبط بالنماذج التي تقام على غ ارره ‪ ..‬وليس ليفي شتراوس وحده هو الذي يتبنى فكرة‬ ‫النماذج بهذا المعنى ‪ ..‬فإن ليتش يتشابه معه إلى حد ما حينما يعتبر أن البنى التي‬ ‫يصفها النةثروبولوتجي ليست أكةثر من نماذج توتجد فقط كصروح منطقية في مخيلته ‪..‬‬ ‫إوانني لست على استعداد لن استبعد الواقع المبريقي من الصورة الفتراضية التي‬ ‫نسميها بنية اتجتماعية‪ .‬إن الختلف الحاسم بين ليفي‪ -‬شتراوس وليتش من تجانب وبيني‬ ‫من تجانب آخر يكمن في أن البنية عندهما هي أداة تفسيرية لفهم حقائق الوتجود‬ ‫التجتماعي موضوع الملحظة‪ ،‬ولفهم المنطق الكامن وراء الواقع التجتماعي‪ .‬ومن‬ ‫تجانبي اعتبر أن البنية هي الواقع التجتماعي ذاته‪ ،‬وليست المنطق الكامن وراء هذا‬ ‫الواقع‪ ،‬كما أنني أعتبر أن التحليل البنيوي )الوظيفي – الباحث( ليس سوى منهج‬ ‫وصفي«)‪.(1‬‬ ‫ويؤكد نادل موقفه هذا بقوله‪» :‬إن معظم الذين كتبوا عن البنية التجتماعية يبدو‬ ‫أنهم على اقتناع بأنها تتشكل من أشخاص يدخلون في علقات مع بعضهم البعض‪،‬‬ ‫وأنها متجموع هذه العلقات‪ .‬أما ليفي‪ -‬شتراوس فهو الذي يصر على أن متجرد متجموع‬ ‫‪(1 ) 1‬‬

‫‪.150‬‬

‫‪184‬‬

‫‪S. F. Nadel, The Theory of Social Structure, Free Press, Glencoe, 1958, pp. 149-‬‬


‫العلقات القائمة ليس هو البنية«‪ .‬وبعد أن يقرر نادل ذلك يصل إلى القول بأننا نمتلك‬ ‫كافة الشروط المطلوبة لتعريف حول البنية التجتماعية ويمكننا أن نضعه على النحو‬ ‫التالي )وفقا لنص كلمات بارسونز(‪ :‬إننا نصل إلى بنية أي متجتمع بأن نتجرد من السكان‬ ‫بوضعهم العيني‪ ،‬ومن سلوكهم‪ ،‬نمط ‪ Pattern‬أو شبكة )أو نسق( العلقات القائمة بين‬ ‫الفاعلين وهم يقومون بأدوار في ارتباط كل منهم بالخر‪ .‬غير أن نادل رغم ذلك يقول إن‬ ‫هذا التعريف الذي يعتبر صائبا مةثل التعريفات المشابهة‪ ،‬إنما يخفي هو الخر مةثل هذه‬ ‫التعريفات صعوبات منهتجية خطيرة وذلك لن إقامة نظرية عن البنية التجتماعية استنادا‬ ‫إلى ذلك إنما يفترض وتجود نظرية ملئمة عن الدوار‪ ،‬ولم يتقدم أحد بمةثل هذه النظرية‬ ‫حتى الن بأسلوب نسقي)‪.(1‬‬

‫إن نادل يوافق على وصف البنية كنموذج إذا كان المر متجرد عملية تبسيط في‬ ‫التحليل ل أكةثر‪ .‬إوان ما ذكره عن ادموند ليتش ربما يوحي أن ليتش يتبنى وتجهة نظر‬ ‫ليفي شتراوس بالكامل‪ .‬غير أن واقع المر يشير إلى وتجود نوع من التفاق والختلف‬ ‫بينهما‪ .‬إن ليتش يقدم تعريفة للبنية في كتابه »النظام السياسي لهضبة بورما« قائل‪:‬‬ ‫»إنني أزعم أن البنية التجتماعية في أوضاع عملية )مقابل النموذج المتجرد لعالم‬ ‫التجتماع( تتكون من متجموعة أفكار حول توزيع السلطة بين أشخاص وتجماعات من‬ ‫أشخاص«‪ .‬وبعد أن يشير ليتش إلى النماذج التي يشيدها علماء التجتماع‬ ‫والنةثروبولوتجيون يضيف تعريفا وظيفيا بحتا حيث يقول‪» :‬إن البنية التجتماعية هي‬ ‫مبادئ التنظيم التي توحد التجزاء المكونة للنسق«‪ ،‬ةثم يضع استنتاتجا يقول »إن البنى‬ ‫التي يصفها النةثروبولوتجي هي نماذج توتجد كصروح منطقية في مخيلته فحسب«)‪.(2‬‬

‫إن ليتش عندما يعتبر أن البنية هي المبادئ التي تحكم عملية توحيد التجزاء‬ ‫المكونة للنسق إنما يعبر عن فكرة وظيفية‪ .‬وحينما يتكلم عن النماذج )حسبما رأينا في‬ ‫حديث نادل عنه( فإنما يقترب من ليفي‪ -‬شتراوس‪ .‬وعلى أية حال فإن ليتش يعبر بنفسه‬ ‫عن ذلك حينما يقول‪» :‬على الرغم من أنني انتقد هنا ليفي شتراوس لعدم الدقة‬ ‫الةثنوتجرافية فإنني اتعاطف مع اتتجاهه النظري العام تعاطفا كبيرا‪ .‬فقد لحظ البروفسور‬

‫‪( 1)1‬‬ ‫‪.12‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬

‫)‪(2‬‬

‫‪2‬‬

‫‪185‬‬

‫‪M. Godelier, Rationality and Irrationality in Economics, New Left Books, London,‬‬ ‫‪.1972, p. xix‬‬


‫ليفي شتراوس بنفسه التشابه بين الرأي حول البنية التجتماعية المتضمن في أول بحث لي‬ ‫وبين دراسته عن البنية‪ ،‬كما أن كافة أعمالي اللحقة توضح مدى ديني لليفي‬ ‫شتراوس«)‪.(1‬‬ ‫إن هذه الراء بالضافة إلى تصور ليتش عن البنية تتجعل البعض يقول إن ليتش‬ ‫يقف بين الوظيفية البريطانية والبنيوية الفرنسية)‪.(2‬‬

‫غير أن تجودلييه يرى أن »ليفي شتراوس يؤكد‪ ،‬مةثل رادكليف براون‪ ،‬أن واقع البنى‬ ‫التجتماعية يوتجد خارج العقل البشري‪ ،‬وبهذا يعارض ليتش‪ ،‬ولكن ليفي شتراوس يعارض‬ ‫رادكليف براون في نفس الوقت طالما أن واقع البنى التجتماعية بالنسبة له‪ ،‬ليس عملية‬ ‫انتظام العلقات التجتماعية التي يمكن ملحظتها بشكل مباشر‪ .‬وأدى به هذا إلى انتقاد‬ ‫الوظيفية لعدم قدرتها على إدراك النظام الكامن وراء العلقات المرئية‪ ،‬وعدم قدرتها على‬ ‫إقامة أساس راسخ لعلم مقارن للمتجتمعات‪ .‬وبالتالي وتجد نفسه تجنبا إلى تجب مع ليتش‬ ‫الذي ينتقد أيضا بديهيات الوظيفية‪ ،‬ولكنه يمضي في التتجاه المضاد لليفي شتراوس‪ ،‬أي‬ ‫يمضي في اتتجاه الشكلية التي تحتفظ بوتجهة النظر المبريقية حول الواقع«)‪ .(3‬إن‬ ‫تجودلييه يرفض منطق ليتش مؤكدا‪» :‬إن من المستحيل للمعرفة العلمية أن تنهض استنادا‬ ‫إلى التصورات التلقائية التي يشكلها الفراد عن علقاتهم التجتماعية ‪ ....‬ويتفق ماركس‬ ‫وليفي‪ -‬شتراوس حول هذه النقطة‪ ،‬إوان تحليل ليفي‪ -‬شتراوس للميكانيزمات التي تتشكل‬ ‫بها الصور الخرافية ‪ Mystical‬عن الواقع إنما هو مكسب علمي تجوهري‪ .‬غير أن‬ ‫ماركس ل يعتبر أن مهمة العلم هي متجرد اكتشاف ميكانزمات التفكير الخرافي‪ ،‬إوانما‬ ‫أيضا اكتشاف الميكانزمات التي توتجد خارج الفكر وتفرض عملية التصورات الوهمية التي‬ ‫يشكلها عن الواقع علوة على محتواها وضرورتها التاريخية«)‪.(4‬‬ ‫‪( 1)1‬‬

‫‪E. Leach, Re-thinking Anthrpology, Athelones Press, London, 1961, p.‬‬

‫‪.vi‬‬

‫‪( 2)2‬‬

‫‪E. Hayes and T. Hayes (ed.), op. cit., The‬‬

‫‪.Preface‬‬

‫‪( 3)3‬‬

‫‪M. Godelier, Rationality ad Irrationality, in Economics, pp.xx-‬‬

‫‪.xxi‬‬

‫‪( 1)4‬‬

‫‪.xxvi‬‬

‫‪186‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬


‫إن ليفي شتراوس‪ ،‬كما هو واضح لنا‪ ،‬محور كل مناقشة عن البنية التجتماعية‪.‬‬ ‫وفي هذا السياق يرى البعض أنه »قدم خدمة كبيرة للعلم بتخليصه من المفهوم الضيق‬ ‫الفق لرادكليف براون‪ ،‬ومن سار حذوه‪ ،‬بما في ذلك نظرته الميكروسكوبية ومدخله‬ ‫المنهتجي الخاطئ إلى درتجة ما‪ ،‬وكذلك بنقله هذا المفهوم إلى متجال أكةثر غنى«)‪.(1‬‬ ‫والمقصود بالتفكير الضيق الفق لرادكليف براون هنا هو النظر إلى »بنية أي حقائق‬ ‫اتجتماعية بوصفها المتجموع العام لتجزائها‪ .‬أما ليفي شتراوس فقد نظر إليها بشكل ةثاقب‬ ‫على اعتبار أن متجرد متجموع العلقات التجتماعية ل يشكل بنية«)‪.(2‬‬

‫على أن الهمية العلمية لليفي شتراوس تكمن في واقع المر في قضيتين‪ :‬الولى‬ ‫ترتبط بإنتجازاته التي حققها في دراساته العملية ودللت تلك النتائج‪ .‬والثانية المبادئ‬ ‫المنهتجية واستنتاتجاته التي التقى في بعض منها بماركس وبالذات فيما يتعلق بالشكل‬ ‫الظاهر والشكل الخفي للبنية‪.‬‬

‫»فبينما كان ليفي شتراوس يحاول تعليل حالة خاصة غير قابلة للتصنيف تحت‬ ‫الشكال المعهودة للةثنولوتجيا‪ ،‬اكتشف وتجود عائلة تجديدة من البنى وفسر طبيعتها‪ .‬كما‬ ‫أن المبادئ المنهتجية لليفي‪ -‬شتراوس واستنتاتجاته ل تقل أهمية في المتجال المعرفي‪،‬‬ ‫فسواء كانت البنية مضمرة كما عند المورتجينيين أم سافرة عند الكاتشيين فإنها في الحالتين‬ ‫ل يمكن رؤيتها بشكل مباشر ول تقبل التفسير على المستوى المبريقي مطلقا‪ ،‬إوانما‬ ‫ينبغي اكتشافها بالعمل النظري عبر استنباط الفروض والنماذج‪ .‬وبهذا يرفض وظيفية‬ ‫رادكليف براون وكل علم التجتماع النتجلوسكسوني الذي يعتبر أن البنية تجزء من الواقع‬ ‫المبريقي«)‪.(3‬‬ ‫بالرغم من اتفاق الباحث مع هذا الرأي فإننا نشير إلى ظهور رأي تجديد لحد‬ ‫الوظيفيين البارزين وهو روبرت ميرتون‪ .‬فقد نشر في عام ‪ 1976‬رأيا يتناقض مع رأي‬

‫‪( 2)1‬‬

‫‪H. Nutini, op. cit., pp. 78-‬‬

‫‪.79‬‬

‫‪( 3)2‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬

‫‪.85‬‬

‫‪( 4)3‬‬

‫‪.341‬‬

‫‪187‬‬

‫‪M. Godelier, «Structure and Contradiction in Capital», pp. 340-‬‬


‫رادكليف براون وبارسونز اللذين يقولن بأن البنية يمكن إظهارها على أساس إمبريقي‬ ‫حسبما رأينا من قبل‪ .‬فقد كتب ميرتون يقول‪:‬‬

‫»من المفيد‪ ،‬من الزاوية التحليلية‪ ،‬أن نميز بين المستويات الظاهرة والكامنة للبنية‬ ‫التجتماعية‪ ،‬ومةثلما هو الحال بالنسبة للوظيفة )يقصد الوظيفة الظاهرة والوظيفة الكامنة‬ ‫– الباحث( والبنيوية في مذاهب أخرى – ياكوبسون‪ ،‬وليفي شتراوس‪ ،‬وتشومسكي على‬ ‫سبيل المةثال – نتجد أنه من الضروري التمييز بين السطح وبين البنية العميقة«)‪.(1‬‬

‫إن ميرتون يتأةثر في هذا الرأي‪ ،‬وبوضوح‪ ،‬بوتجهة نظر البنيوية والماركسية‪ .‬لكنه‬ ‫لم يذكر الماركسية مع أن ليفي شتراوس نفسه قال إنه استعار مفهوم البنية من ماركس‬ ‫وانتجلز وآخرين‪ .‬إن مسألة التفرقة بين الظاهر والكامن في البنية هي مسألة تجديدة بالنسبة‬ ‫لميرتون حيث أنه في كتابه الشهير »النظرية التجتماعية والبنية التجتماعية« أتجرى‬ ‫التفرقة بين ما أسماه الوظيفة الظاهرة والوظيفة الكامنة فحسب‪ .‬ونلحظ أيضا أنه يدعو‬ ‫الوظيفية لضرورة تبني هذا الموقف التجديد وأن تحذو حذو ليفي شتراوس‪ .‬ويمكننا أن‬ ‫نربط بين ظهور هذا الرأي وبين الهتجوم الذي تتعرض له الوظيفية طوال السنوات الخيرة‬ ‫واتهامها بالعتجز والقصور‪.‬‬ ‫لكن ميرتون كان أكةثر تواضعا من تالكوت بارسونز‪ ،‬الذي بدل من أن يعترف‬ ‫بقصور الوظيفية في مواتجهة المنطلقات التحليلية الخرى‪ ،‬حاول أن يعتبر تلك‬ ‫المنطلقات ملحقا للوظيفية‪ .‬وقد أراد تطبيق ذلك على كل اتتجاه يرى أنه حقق نتجاحا ما‬ ‫في دراساته قائل‪:‬‬

‫»ل ينبغي أن نتتجاهل أن عددا كبي ار يعمل في إطارات مشابهة إلى حد ما أو أن‬ ‫آخرين يحتفظون بعلقة وةثيقة مع هذا الطار )يقصد الطار الوظيفي – الباحث(‪ .‬ولهذا‬ ‫سوف يكون من التعسف أن نصنفهم في مدارس تختـلف عنـا تجذريا«‪ .‬ةثم يستطرد‬ ‫بارسونز ليصوغ استنتاتجا أكةثر حسما ووضوحا بقوله‪» :‬ول يقل عن ذلك أهمية أن أذكر‬ ‫حقيقة اعتقادي بأن التقدم الكبير في النظرية القتصادية من تجانب واللغويات من تجانب‬ ‫آخر ينبغي أن ينظر إليه‪ ،‬بل أي شك‪ ،‬على أنه يتبع مقولة التحليل الوظيفي«)‪.(2‬‬ ‫‪( 1)1‬‬

‫‪.128‬‬

‫‪188‬‬

‫‪R. Merton, Sociological Ambivalence and Other Essays, p.‬‬


‫المعالجة النية للبنية قبل المعالجة عبر الزمنية‪:‬‬ ‫بالنسبة لهذا المبدأ المنهتجي يبدو واضحا أن هناك نوعا من التفاق بين كل من‬ ‫المعالتجة الوظيفية والبنيوية والماركسية‪ .‬ومع ذلك يظهر الخلف بين الماركسية من‬ ‫تجانب وكل من الوظيفية والبنيوية من تجانب آخر حول فهم طبيعة العلقة بين المدخل‬ ‫الني والمدخل عبر الزمني‪ .‬لكن ينبغي ملحظة أن المبادئ المنهتجية لدراسة البنية‬ ‫تستلزم التفرقة بشكل واضح بين دراسة البنية التجتماعية من زاوية حالتها وآدائها الوظيفي‬ ‫في وقت معين أو لحظة معينة‪ ،‬وهو ما اصطلح على تسميته بالمعالتجة النية‬ ‫‪ Synchronic‬وبين دراسة طريقة تغير هذه البنية عبر الزمن أي دراسة أصلها وتطورها‪.‬‬ ‫وهو ما اصطلح على تسميته المعالتجة عبر الزمنية ‪ .Diachronic‬ومعنى ذلك أنه ل‬ ‫يتجوز الخلط بين الحالة التي عليها البنية وبين عملية تغيرها)‪ .(1‬إواذا أردنا الشارة إلى‬ ‫موقف الوظيفية مةثل نتجد أن ايفانز بريتشارد يطرح هذه المسلمة بوصفها مبدأ متفقا عليه‪.‬‬ ‫يؤكد ايفانز بريتشارد هذا التتجاه بقوله‪» :‬إن معظم علماء النةثروبولوتجيا يرون أنه‬ ‫ما دام تاريخ الشعوب البدائية غير معروف لنا تماما‪ ،‬فإن الدراسة المنهتجية لهذه النظم‬ ‫على ما هي عليه الن بالفعل يتجب أن تسبق كل محاولة لتخمين كيف نشأت وتطورت‬ ‫هذه النظم‪ .‬كذلك يعتقدون أن نشأة وتطور النظم التجتماعية مسألة تختلف تمام‬ ‫الختلف عن مسألة وظيفة هذه النظم في المتجتمع بغض النظر عما إذا كانت هناك‬ ‫علقة بين المسألتين – وأنه ينبغي فحصها على حدة وبطرائق خاصة تلئمها«)‪.(2‬‬ ‫إن هذا المبدأ يعتبر مبدأ متفقا عليه في متجال النةثروبولوتجيا التجتماعية‪ .‬ةثم‬ ‫تجاءت البنيوية لتزيد من بروز أهميته في متجال العلوم التجتماعية بشكل عام‪.‬‬ ‫وكما اتضح من قبل فقد كانت اللغويات هي المتجال الذي تأكد فيه بروز هذا‬ ‫المبدأ‪ .‬حيث قام دي سوسير بالتنبيه إلى ضرورة التمييز بين محورين‪ :‬الدراسة النية‪،‬‬ ‫ومحور الدراسة عبر الزمنية‪ .‬لكن تاريخ الفكر التجتماعي يشير إلى أن هذا المبدأ‬ ‫‪(1)2‬‬ ‫‪.80‬‬

‫‪T. Parsons, "The Present Status of Structural Functional Theory», pp. 79 -‬‬

‫‪ (2)1‬لوسيان سيف‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ‪.112‬‬ ‫‪ (3)2‬أ‪ .‬ايفانز – بريتشارد‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ص ‪.59 - 58‬‬

‫‪189‬‬


‫المنهتجي في الدراسات التجتماعية قد استخدم بوضوح في خمسينات وستينات القرن‬ ‫التاسع عشر‪ .‬فقد استخدمه ماركس في »رأس المال«‪ .‬ومن تجانب آخر فإنه تحدث عنه‪،‬‬ ‫إلى تجانب قضايا منهتجية أخرى‪ ،‬بوصفه منطلقا منهتجيا أساسيا‪ .‬وتجاء ذلك في‬ ‫مخطوطاته لعام ‪.1858 – 1857‬‬ ‫في »مدخل« المخطوطات يشرح ماركس بالتفصيل أهمية اتباع ذلك المبدأ على‬ ‫النحو التالي‪:‬‬

‫»بالنسبة لتطور المقولت القتصادية ينبغي – مةثلما هو الحال بالنسبة لي علم‬ ‫اتجتماعي تاريخي بصورة عامة‪ -‬أن نتذكر دوما أن موضوعها موتجود في الواقع‪ ،‬ومن ةثم‬ ‫في الذهن )والموضوع هنا هو المتجتمع البرتجوازي الحديث(‪ ،‬وأن المقولت تعبر بالتالي‬ ‫عن شكل وتجود هذا المتجتمع وشروط وتجوده‪ .‬وأحيانا عن تجوانب منفردة لذلك المتجتمع‬ ‫المحدد‪ ،‬باعتباره هو الموضوع‪ .‬ومن ةثم فإن )العلم التجتماعي( ل يبدأ كعمل علمي مع‬ ‫بداية حديةثنا عن ذلك المتجتمع‪ .‬وينبغي وضع ذلك في العتبار لنه يمةثل شيئا حاسما‬ ‫بالنسبة لترتيب المقولت‪ .‬وعلى سبيل المةثال‪ ،‬يبدو أن الشيء الطبيعي هو أن نبدأ بالريع‬ ‫العقاري‪ ،‬بملكية الرض‪ ،‬طالما أن ذلك مرتبط بالرض التي هي مصدر النتاج‬ ‫والوتجود‪ ،‬يبدو أنه من الطبيعي أن نبدأ بأشكال النتاج الولى لكل المتجتمعات التي‬ ‫حققت قد ار من الستقرار والزراعة‪ .‬ولكن ليس هناك ما أكثر زيفا من ذلك ‪ ...‬فالريع‬ ‫العقاري ل يمكن فهمه بدون رأس المال‪ .‬أما رأس المال فيمكن فهمه بدون الريع‬ ‫العقاري‪ .‬ورأس المال هو القوى القتصادية للمتجتمع البرتجوازي‪ ،‬القوى التي تسيطر على‬ ‫كل شيء‪ .‬إنه ينبغي أن يكون نقطة البداية ونقطة الوصول‪ .‬وينبغي معالجته قبل‬ ‫معالجة الملكية الزراعية‪ .‬وبعد دراسة كل منهما على حدة يجب تناول علقتهما‬ ‫المتبادلة‪ .‬لذلك سوف يكون من المستحيل والخطأ أن نتناول المقولت القتصادية بنفس‬ ‫التسلسل التعاقبي الذي لعبت به دو ار حاسما في التاريخ‪ .‬بل على العكس من ذلك فإن‬ ‫سياق تسلسلها تحدده العلقة القائمة بينها في المتجتمع البرتجوازي المعاصر‪ .‬وهو تماما‬ ‫عكس ما يبدو أنه تسلسلها الطبيعي أو أنه متطابق مع سياق التطور التاريخي‪ .‬إننا ل‬ ‫نتناول الوضاع التي شغلتها العلقات القتصادية تاريخيا في مختلف التكوينات‬ ‫التجتماعية المتعاقبة‪ ،‬كما ل نتناول أيضا مشكلة تتابعها في الفكرة )برودون( التي تحرف‬ ‫‪190‬‬


‫مفهوم العملية التاريخية‪ ،‬إوانما بالحرى نتناول ترتيب هذه المقولت داخل المتجتمع‬ ‫البرتجوازي الحديث«)‪.(1‬‬

‫يؤكد ماركس هنا أنه ينبغي أن نبدأ بالحالة التي عليها المتجتمع الراهن قبل أن‬ ‫نمضي لدراسة تطور هذا المتجتمع‪ .‬فرأس المال مةثل يتجب أن يكون نقطة البدء حتى يتم‬ ‫تحليله وتفسيره قبل أن يتم تفسير الملكية العقارية‪ ،‬أي قبل دراسة خصائص المرحلة التي‬ ‫تسبق مرحلة سيادة رأس المال من تجانب ودراسة المتجتمـع الرأسمالي ذاته‪ .‬ويعني ذلك أنه‬ ‫يضع قضية المعالتجة التاريخية كمرحلة تالية للمعالتجة النية‪ .‬ومن هنا يلح على تأكيد‬ ‫الصفة التاريخية للظواهر التجتماعية فيمضي قائل‪:‬‬

‫»إن المتجتمع البرتجوازي هو التنظيم التاريخي للنتاج الكةثر تطو ار والكةثر تعقيدا‬ ‫حتى الن‪ .‬والمقولت التي تعبر عن علقات هذا المتجتمع وتضمن تفهم بناه )تجمع بنية‬ ‫– الباحث( تتيح لنا في نفس الوقت أن نفهم بنية وعلقات إنتاج المتجتمعات التي وتجدت‬ ‫في السابق والتي قام على أنقاضها وعناصرها هذا المتجتمع البرتجوازي‪ ،‬والتي ما تزال‬ ‫بعض مخلفاتها لم يتمةثلها هذا المتجتمع بعد ‪ ...‬إن تشريح النسان هو مفتاح تشريح القرد‬ ‫‪ ...‬ولذلك يزودنا المتجتمع البرتجوازي بمفتاح لفهم اقتصاد العالم القديم‪ .‬وعلى أية حال‪،‬‬ ‫يستحيل تحقيق ذلك باستخدام مدخل القتصاديين الذين يطمسون كافة الختلفات‬ ‫التاريخية ويرون كل أشكال المتجتمعات على غرار الشكل البرتجوازي‪ .‬إن الذي يعرف‬ ‫معنى الريع العقاري بإمكانه أن يفهم معنى التجزية والعشر ‪ .Tribute and Tithes‬ولكن‬ ‫ينبغي أل نخلط بينها«)‪.(2‬‬

‫إن ماركس ل يتجعل من قضية أصل أو تاريخ العلقات التجتماعية أو المتجتمعات‬ ‫القضية الولية‪ .‬وبهذا فهو على اتفاق في هذا الصدد مع الوظيفية‪ ،‬خاصة رادكليف –‬ ‫براون‪ ،‬حسبما أشرنا من قبل مع ملحظة أن ماركـس كتب ذلك عام ‪ .1857‬فقد كتب‬ ‫بشكل واضح في مخطوطات عام ‪ 1858 – 1857‬يقول‪:‬‬

‫‪( 1)1‬‬

‫‪T. Carver (ed.), Karl Marx, Texts on Method, pp. 80 -‬‬

‫‪.81‬‬

‫‪( 2)2‬‬ ‫‪.79‬‬

‫‪191‬‬

‫‪Ibid, pp, 78 -‬‬


‫»ليس من الضروري كتابة التاريخ الفعلي لعلقات ال نـتاج لكي يتم تحليل قوانين‬ ‫القتصاد البرجوازي«)‪.(3‬‬

‫يرى الباحث أن هذه المعالتجة للقضايا المنهتجية ارتبطت أيضا بشكل وةثيق بالمنهج‬ ‫الذي اتبعه ماركس في رأس المال‪ .‬فليست تلك المخطوطات التي كانت متجهولة حتى‬ ‫وقت قريب هي وحدها التي تشير إلى أن ماركس تبنى فكرة أولوية أو أسبقية المعالتجة‬ ‫النية‪ .‬فالمنهج الذي سار وفقا له في كتاب »رأس المال« يؤكد ذلك‪ .‬فقد كان ماركس‬ ‫يريد حسبما قال بنفسه »الكشف عن قوانين تطور التكوينات التجتماعية القتصادية«‪.‬‬ ‫ومع ذلك لم يبدأ بالبحث في تاريخ المتجتمعات وأصلها ومنشأها على النحو الذي فعله‬ ‫التطوريون‪ ،‬إوانما رأى استحالة معالتجة تلك القضية دون أن يتم أول تحليل ودراسة‬ ‫العلقات الداخلية بين الوتجه المختلفة لبنية المتجتمع التي كان يدرسها وهي بنية المتجتمع‬ ‫البرتجوازي الحديث حسب تعبيره‪.‬‬ ‫وعلى الصعيد العملي تجاءت خطة »رأس المال« وفقا لذلك‪ .‬ففي المتجلد الول لم‬ ‫يبدأ بنظرية عن المتجتمع ول عن رأس المال‪ ،‬إوانما بتعريف لمتجموعة المقولت الضرورية‬ ‫لدراسة أي نظام لنتاج السلع واستنباط ذلك من تعريف للقيمة التبادلية للسلع‪ ،‬ةثم عالج‬ ‫النقود كسلعة خاصة لها وظيفة قياس القيمة التبادلية للسلع الخرى والتعبير عنها‪ ،‬ةثم‬ ‫تحول النقود من متجرد وسيلة لتداول السلع إلى رأس مال يأتي بعائد من النقود‪ .‬ومن هنا‬ ‫يأتي التعريف العام لرأس المال مهما كان شكله‪ ،‬تتجاريا أم ماليا أم صناعيا‪ ،‬على أنه‬ ‫القيمة التي تنتج قيمة وتأتي بفائض قيمة‪ .‬وبعد أن يحلل الظواهر التي تشكل عملية‬ ‫النتاج الرأسمالي يصل في منتصف المتجلد الول إلى الدوات النظرية للتعرف على‬ ‫البنية المتميزة للنظام الرأسمالي في تجوانبها المرتبطة بتأسيس نظرية رأس المال‪ .‬ول‬ ‫يطرح ماركس مسألة تشكل علقات النتاج الرأسمالية إل في نهاية المتجلد الول عند‬ ‫مناقشته لما تعارف عليه القتصاديون الكلسيكيون »بالتراكم البدائي«‪ .‬وباختصار فإن‬ ‫خطة »رأس المال« كانت حسب كلمات ماركس تقوم على أن المتجلد الول مخصص‬ ‫»لتحليل الظواهر التي تشكل عملية النتاج الرأسمالي كعملية إنتاتجية مباشرة دون اعتبار‬ ‫لي مؤةثرات ةثانوية تؤةثر فيها من الخارج‪ .‬ولكن هذه العملية المباشرة للنتاج ل تستنفد‬

‫‪( 1)3‬‬

‫‪.211‬‬

‫‪192‬‬

‫‪See: La Nouvelle Revue International, Juin, 1971, p.‬‬


‫حياة رأس المال‪ ،‬فتم استكمالها في العالم الفعلي بعملية التوزيع التي كانت الموضوع الذي‬ ‫يدرسه المتجلد الةثاني ‪ ...‬ويصف المتجلد الةثالث الشكال العينية التي تنشأ عن حركة رأس‬ ‫المال في متجموعها«)‪.(1‬‬

‫ويعني هذا أن ماركس تدرج في دراسته من التشريح الدقيق للشكال القتصادية‬ ‫الولية إلى المعالجة »عبر الزمنية«‪ ،‬فإلى العملية التاريخية في مجموعها‪ .‬وهذا‬ ‫يوضح أيضا أن المعالجة التاريخية عند ماركس مغايرة تماما لكل مذهب تاريخي‪.‬‬ ‫فتحليله للبنية المتميزة للنظام الرأسمالي والظروف التي شكلتها ل ينتج تاريخا‬ ‫للرأسمالية‪ ،‬وذلك على الرغم من أنه استخلص قوانين هذه البنية وعوامل تطورها‪ ،‬أي أنه‬ ‫رأى في هذه البنية شأنها شأن أي بنية اتجتماعية أخرى صفة تاريخية مرتبطة بظروف‬ ‫معينة‪.‬‬

‫إن قضية المعالجة النية وعلقتها بالمعالجة التاريخية ل يتم تناولها بشكل‬ ‫كاف من جانب الوظيفية والبنيوية‪ .‬وذلك ل نـهما تقولن بأولوية المعالجة النية‬ ‫وحسب‪ .‬أي تقران هذا المبدأ‪ ،‬بينما تغفل نـ في الواقع أهمية المعالجة التاريخية‪ .‬ولذلك‬ ‫ل نجد في أعمال الوظيفيين والبنيويين ما يوضح بشكل نظري وعملي‪ ،‬وعلى النحو‬ ‫الذي تقدمه الماركسية‪ ،‬حقيقة العلقة بين المدخلين‪ ،‬أي العلقة بين دراسة البنية في‬ ‫حالتها الراهنة والدراسة التاريخية لهذه البنية‪ .‬لذلك تظهر انتقادات من تجانب بعض‬ ‫الوظيفيين لموقف الوظيفية في هذا الشأن‪ ،‬وكذلك انتقادات من تجانب بعض البنيويين‬ ‫لليفي ‪ -‬شتراوس بالذات‪ .‬وفي متجال الوظيفية نشير إلى كل من ايفانز بريتشارد ونادل‬ ‫وفي متجال البنيوية إلى تجان بياتجيه‪ .‬وعلى سبيل المةثال يقول ايفانز بريتشارد‪» :‬المسلمة‬ ‫الةثانية من مسلمات النةثروبولوتجيا الوظيفية ومؤداها أن النساق التجتماعية أنساق‬ ‫طبيعية وأنه ليس من الضروري معرفة تاريخ هذه النساق حتى يمكن دراستها دراسة‬ ‫علمية صحيحة«)‪.(2‬‬ ‫لقد أوردنا هذا النص عن ايفانز بريتشارد تأكيدا لرأي الوظيفية وليس تعبي ار عن‬ ‫رأيه الخاص‪ ،‬وذلك أنه ل يقر الوظيفيين على رأيهم هذا‪ ،‬بالرغم من اعترافه أنه وظيفي‬ ‫‪( 1)1‬‬ ‫‪.25‬‬

‫‪ (1)2‬أ‪ .‬ايفانز – بريتشارد‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ‪.78‬‬

‫‪193‬‬

‫‪K. Marx, Capital, Vol. 111, p.‬‬


‫التتجاه‪ .‬وهو يشير إلى أهمية المعالتجة التاريخية بقوله‪» :‬أما العلماء الذين ل يقرون‬ ‫الوظيفيين على موقفهم من التاريخ فيرون أنه على الرغم من ضرورة القيام بدراسة خاصة‬ ‫عن المتجتمعات في حالتها الراهنة والقيام بدراسات أخرى متميزة عن تطورها في الماضي‬ ‫واستخدام طرائق ووسائل مختلفة في كل من النوعين من الدراسات‪ ،‬وعلى الرغم من أنه‬ ‫يستحسن أن يقوم بهذه الدراسات المختلفة – في بعض حالت معينة على القل‪-‬‬ ‫أشخاص مختلفون‪ ،‬فإن معرفة ماضي ذلك المتجتمع تساعد على الوصول إلى فهم أفضل‬ ‫لطبيعة الحياة التجتماعية الحالية في تلك المتجتمعات‪ .‬فليس التاريخ مجرد تتابع‬ ‫لتغيرات واحدا بعد الخر‪ ،‬إوانما هو كما قال بعض العلماء نمو واطراد وتقدم‪ .‬فالماضي‬ ‫يحتويه الحاضر كما يوجد الحاضر في المستقبل‪ .‬ولست أعني بذلك أنه يمكن فهم‬ ‫الحياة بمعرفة ماضيها‪ ،‬إوانما أعني أن هذه المعرفة تهيئ لنا فهما أوفى وأعمق لتلك‬ ‫الحياة مما نحصل عليه لو أن ماضيها كان متجهول بالنسبة لنا‪ .‬ومن الواضح أيضا انه ل‬ ‫يمكن دراسة مشكلت التطور الجتماعي إل في حدود التاريخ«)‪) (1‬التشديد من‬ ‫الباحث(‪.‬‬

‫يشير هذا الرأي ليفانز بريتشارد إلى أن موقف الوظيفية تتجاه التاريخ يلقي‬ ‫معارضة الوظيفيين أنفسهم‪ ،‬ومن شخصيات بارزة‪ .‬ويتأكد هذا أيضا بموقف نادل‪ ،‬إوان‬ ‫كان ليس على درتجة الوضوح الذي يتسم به موقف ايفانز بريتشارد‪ .‬إن نادل يرى بوضوح‬ ‫الصعوبات المنهتجية الناتتجة عن موقف الوظيفية لكنه ل يقدم حلول حاسمة‪ .‬فهو يقرر‬ ‫أنه »ل يود أحد أن ينكر أن التقييم المعقول للمعطيات النةثروبولوتجية يؤكد أنها ل تزال‬ ‫تعكس مصاعب منهتجية خطيرة ‪ ..‬ومع أهمية ما يوفره مفهوم البنية في متجال الدراسة‬ ‫فإن هذه المكانية في حد ذاتها تشير أيضا إلى ضعف خطير أو عدم اكتمال التحليل‬ ‫البنيوي )الوظيفي – الباحث(‪ ،‬لنه بالرغم مما يقدمه المفهوم من إمكانيات إل أنه ل‬ ‫يضع كما يبدو‪ ،‬اعتبا ار للحداث عبر الزمن والتي تؤةثر في البنية وفي تنوعها«)‪.(2‬‬ ‫غير أن نادل‪ ،‬بالرغم من ذلك‪ ،‬ل يتجد مخرتجا لنه يتمسك بمفهوم البنية بالمعنى‬ ‫الوظيفي‪ .‬إن نادل يةثير الكةثير من القضايا التي يرى أنها تمةثل نقاط ضعف في التحليل‬

‫‪ (2)1‬المرتجع السابق ص ‪.86‬‬ ‫‪( 1)2‬‬ ‫‪.126‬‬

‫‪194‬‬

‫‪S. Nadel, op. cit., pp. 125 -‬‬


‫الوظيفي أو البنيوي حسبما يسميه‪ .‬لكنه ل يقدم الحلول الملئمة‪ .‬فهو يعبر عن عدم‬ ‫اقتناعه بكةثير من المعالتجات التي تقدمها الوظيفية‪ .‬ومن أمةثلة ذلك عدم قدرة الوظيفية‬ ‫على معالتجة قضايا التغير في البنية حيث يعلن‪:‬‬ ‫»إنني أرفض اللجوء إلى تلك العبارات المبهمة مثل التوازن الدينامي أو حد‬ ‫المحافظة على النسق التي يستخدمها بارسونز‪ .‬كما أنني أرفض بالمثل أن اتبنى‬ ‫التفرقة التي يقيمها رادكليف براون بين البنية الجتماعية بوصفها مجموعة علقات‬ ‫قائمة في الواقع الفعلي في لحظة معينة من الزمن وتربط بين كائنات بشرية بعضهم‬ ‫ببعض وبين الشكل البنيوي الذي يظل متماسكا عبر فترة أطول أو أقصر من الزمن‬ ‫وذلك لن العلقات من النوع السالف ل يمكن أن نلصق بها عدم التغير«)‪) (1‬التشديد من‬ ‫الباحث(‪ .‬ويسعى نادل إلى حل هذا المأزق عن طريق استعارة مفهوم القتصاديين عن‬ ‫الحالت الساكنة أو المستقرة‪ ،‬في شكله المدقق‪ ،‬لن ذلك المفهوم يتضمن النحرافات‬ ‫والتقلبات الداخلية في البنية المعنية‪.‬‬ ‫كما أننا نتجد خلفا مشابها بين البنيويين حول هذه القضية‪ .‬فإن ليفي شتراوس‬ ‫يتعرض للنتقاد ل من الماركسيين وحدهم إوانما من بعض البنيويين خاصة تجان بياتجيه‪.‬‬ ‫يرى ليفي – شتراوس أن التاريخ هو متجرد تعاقب أحداث عرضية إلى تجانب عدم ضرورة‬ ‫البحث عن أصل الظواهر التجتماعية‪ ،‬وبالتالي أهمل معالتجة تغيرات البنية التجتماعية‪.‬‬ ‫ولهذا يطلق بياتجيه صفة الستاتيكية على من ينحو هذا المنحى من البنيويين‪ ،‬حيث يرى‬ ‫أن الخطأ الرئيسي للبنيوية الستاتيكية يكمن في أنها تخلق فتجوة بين البنية ومنشأها‪.‬‬ ‫ويقول إن ليفي – شتراوس يرتكز كلية على مفهوم استاتيكي عن البنية‪ ،‬كما أنه غافل عن‬ ‫عملية نشؤها‪ .‬أما انتقاده الشد فيتتجه إلى ميشيل فوكوه‪:‬‬ ‫»لقد أخذ من البنيوية الستاتيكية كافة تجوانبها السلبية‪ :‬التقليل من أهمية التاريخ‬ ‫والمنشأ ‪ Genesis‬وعدم العتراف بالوظائف‪ ،‬ةثم في التحليل الخير إنكار الموضوع‬ ‫ذاته«)‪ .(2‬ويرى بياتجيه »أن هناك علقة متداخلة ضرورية بين النشوء والبنية‪ .‬فالنشوء‬ ‫‪( 2)1‬‬

‫‪Ibid.,‬‬

‫‪.p. 133‬‬

‫‪( 1)2‬‬ ‫‪.135‬‬

‫‪195‬‬

‫‪I. Piaget, op. cit., pp. 134 -‬‬


‫هو ببساطة تحول من بنية إلى أخرى‪ ،‬إنه تحول تكويني‪ ،‬تحول يفضي دوما إلى تكوينات‬ ‫أكةثر تعقيدا ‪ ...‬البنية ببساطة نسق تحولت ‪ ....‬ولكن ذلك يعتمد على تكوين قبلي‬ ‫لدوات التحول – أي قواعد وقوانين التحول«)‪.(1‬‬ ‫إن التفاق الذي كان واضحا حتى الن بين ليفي ‪ -‬شتراوس وماركس حول‬ ‫المعالتجة المنهتجية للبنية التجتماعية ينتهي عند إقرار مبدأ أولوية المعالتجة النية‪ .‬كما أن‬ ‫الوظيفية في اتتجاهها العام تختلف هي الخرى مع الماركسية في هذا الشأن مع عدم‬ ‫إغفال وتجود بعض التتجاهات داخل الوظيفية‪ ،‬مةثل اتتجاه ايفانز بريتشارد الذي يرى أن‬ ‫التاريخ ليس متجرد تعاقب أحداث عرضية‪ .‬وهو في هذا يتفق بدرتجة ما مع الماركسية‪.‬‬

‫تناقضات البنية وعوامل تطورها‪:‬‬

‫لقد تبنت كل من الوظيفية والبنيوية والماركسية‪ ،‬حسبما رأينا‪ ،‬المبدأ المنهتجي‬ ‫القائل بأولوية المعالتجات النية‪ .‬ولكن ةثمة اختلف تجوهري بين الهدف من تبني هذا‬ ‫المبدأ عند الماركسية في تجانب والوظيفية والبنيوية في تجانب آخر‪ .‬فقد قالت الوظيفية‬ ‫والبنيوية بأولوية دراسة البنية في حالتها الراهنة ليتتجنبا بعد ذلك قضية تطور البنية‪ .‬بينما‬ ‫كان هدف ماركس من تبني أولوية المعالتجة النية أن يوفر الدوات اللزمة لللتقاء‬ ‫بحركة التاريخ وبقضية التطور التجتماعي‪ ،‬ولكن بمفهوم متميز ومدخل منهتجي يختلف‬ ‫عن التطورية والنتشارية وعن فلسفة التاريخ‪ .‬فماركس ل يستبعد التاريخ في معالتجته‪.‬‬ ‫لكن يستبعد النزعة التاريخية التطورية‪ ،‬موضحا أن التاريخ الواقعي لشروط ظهور أسلوب‬ ‫النتاج الرأسمالي‪ ،‬على سبيل المةثال‪ ،‬ل يمكن تناوله قبل دراسة البنية المتميزة لهذا‬ ‫الشكل من أشكال النتاج التجتماعي‪ .‬وقد اهتم بالناحية المنهتجية بإبراز المرحلة التي‬ ‫يمكن للمعالتجة المنهتجية أن تتناول فيها التطور التاريخي‪ .‬فالتطور ل يمكن تناوله إل من‬ ‫خلل بنية اتجتماعية معينة ومراحل تاريخية محددة‪ .‬ولم تكن مسألة إقرار قوانين لتطور‬ ‫التاريخ هي القضية التجديدة التي أدخلها ماركس‪ .‬فقد كان قد برز بالفعل اتتجاه لقرار هذه‬ ‫المسألة‪ .‬بل تمةثل التجديد في أن »التقدم« اتخذ معنى محددا تجديدا على التفكير‬ ‫التجتماعي‪ .‬وهذا المعنى يتمةثل في قوله إن الساس الخير للتطور يكمن في مستوى‬ ‫‪( 2)1‬‬ ‫‪.141‬‬

‫‪196‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬


‫العلقات التجتماعية بين البشر‪ ،‬وبأن هناك قوانين للتطابق بين شكل نمط النتاج وبين‬ ‫العلقات التجتماعية‪ .‬فالتاريخ يتطور ويتقدم أيضا على أساس مغاير لما تصوره‬ ‫المفكرون في عصره‪ .‬ويتمثل هذا المعنى في قوله بضرورة تحول العلقات الجتماعية‬ ‫للتوافق مع تغير القوى ال نـتاجية وعلقات ال نـتاج‪ .‬ومعنـى ذلك على وجه التحديد هو‬ ‫أن البنية ذاتها تحمل عوامل تطورها بما فيها من تناقضات‪.‬‬

‫غير أن تناول هذه القضية يستلزم منا أول معرفة مكونات البنية التجتماعية أو‬ ‫عناصرها حتى نتعرف على الميكانزمات الداخلية والوظائف المختلفة لعناصرها‬ ‫والعلقات بينها‪ ،‬وتوضيح العلقات الحاسمة المؤةثرة في التكوين ككل‪ ،‬علوة على نوع‬ ‫التناقضات وعلقات التتجانس وعدم التتجانس داخل البنية‪.‬‬

‫عناصر البنية الجتماعية‪:‬‬

‫يشير مبدأ المعالتجة النية عند ماركس إلى تركيب البنية أو الترتيبات داخلها‪.‬‬ ‫ولكن الترتيبات هنا ليست ترتيبات أشخاص حسب وتجهة نظر رادكليف براون‪ ،‬إوانما‬ ‫ترتيبات لعلقات داخل التكوين التجتماعي‪ ،‬داخل البنية التجتماعية ككل بالضافة إلى‬ ‫ميكانزمات توافق أو عدم توافق المستويات المختلفة لي تكوين‪ ،‬فضل عن وظائف‬ ‫المكونات المختلفة‪ .‬وتشير المعالتجة التاريخية عنده إلى مبدأ التقسيم إلى مراحل وفقا لنوع‬ ‫البنية القتصادية‪ .‬وبالنسبة للمبدأ الول يشير ماركس إلى ةثلةثة مستويات داخل‬ ‫التكوين‪ :‬الساس القتصادي أو البنية القتصادية‪ ،‬والبنية الفوقية السياسية والقانونية‪،‬‬ ‫وةثالةثا أشكال الوعي التجتماعي‪ .‬إن هذه المستويات تعني أن هناك عملية اختزال مزدوج‬ ‫لما يمكن أن نسميه »التواصلية الزمنية« بمعنى يقترب من معنى التواصلية التجتماعية‬ ‫التي تحدث عنها رادكليف براون‪ .‬فمن تجانب هناك عملية اختزال لما هو ةثابت في‬ ‫العناصر التي توتجد في كل بنية اتجتماعية‪ .‬ومن تجانب آخر هناك عملية التقسيم إلى‬ ‫مراحل التي تضع محل الستمرار التاريخي أو التواصلية التاريخية نوعا من عدم‬ ‫التواصلية متمةثل في تعاقب حالت لبنية ةثابتة نسبيا‪ ،‬لكنها تتغير بتحولت إوايقاعات‬ ‫سريعة )ةثورة(‪.‬‬ ‫ولتصوير شكل ومضمون تلك الحالت المتعاقبة من البنية نستعير تحديد ايتين‬ ‫باليبار لها حيث يقول‪:‬‬

‫‪197‬‬


‫»ان حالت البنية هي أساليب إنتاج‪ ،‬وتاريخ المجتمع يمكن اختزاله إلى تعاقب‬ ‫غير متصل لساليب إنتاج«)‪.(1‬‬

‫ويعني هذا أن مكونات البنية تكمن في مكونات نمط النتاج‪ .‬كما أن تحليل عملية‬ ‫التشكيل التاريخي لبنية ما هو تحليل لظروف نشأة عناصرها الداخلية والطريقة الخاصة‬ ‫التي ترتبط أو تتوحد بها تلك العناصر‪ .‬كما يعني ذلك أن تحليل بنية معينة هو في نفس‬ ‫الوقت تحليل لعملية تحلل بنية أخرى‪ .‬وبهذا تمتزج عملية المعالتجة النية بالمعالتجة‬ ‫التاريخية بحيث يؤدي الفصل بينهما إلى عدم إدراك العملية التاريخية‪ .‬وتعتمد كل من‬ ‫عملية التشكيل والنحلل على عملية واحدة هي تطور التناقضات الداخلية في البنية‬ ‫القديمة‪ .‬فإن »البنية القتصادية للمتجتمع الرأسمالي قد نمت من داخل البنية القتصادية‬ ‫للمتجتمع القطاعي‪ .‬فتحلل الخيرة أطلق عناصر الولى«)‪ .(2‬ويكمن الشرط الساسي‬ ‫في هذه الحالة في أن »النسق الرأسمالي يفترض سلفا النفصال الكامل للعمال عن كل‬ ‫ملكية يتحقق بها عملهم«)‪.(3‬‬ ‫ولتحديد العناصر المكونة للبنية‪ ،‬وبمعنى أخر‪ ،‬لستخلص العنصر الةثابت‬ ‫المؤةثر في تشكل العلقات الداخلية في البنية حسبما تصوره ماركس نشير إلى نصين‪:‬‬ ‫الول‪ :‬ورد في المتجلد الةثاني من رأس المال‪.‬‬

‫والثاني‪ :‬ورد في مطلع التجزء الخاص »بالتكوينات التجتماعية القتصادية‬ ‫السابقة على الرأسمالية« ضمن مخطوطات عام ‪.1858 – 1857‬‬ ‫يقول النص الول‪:‬‬

‫»مهما كان شكل النتاج التجتماعي يظل العمال ووسائل العمل على الدوام هما‬ ‫عناصر هذا الشكل ‪ ...‬ولكي يمضي النتاج ينبغي أن يتحدا )يمتزتجا(‪ .‬والسلوب‬ ‫الخاص الذي يتحقق به هذا ال تـحاد هو الذي يميز المراحل القتصادية المختلفة لبنية‬ ‫المجتمع ‪ The Structure of Society‬عن الخرى‪ .‬وفي الحالة الراهنة )يقصد بنية‬ ‫‪( 1)1‬‬

‫‪L. Althusser and E. Balibar, op. cit., p.‬‬

‫‪.204‬‬

‫‪( 2)2‬‬ ‫‪.668‬‬

‫‪(3)3‬‬

‫‪.Ibid‬‬

‫‪198‬‬

‫‪K. Marx, Capital, Vol. 1, p.‬‬


‫المتجتمع الرأسمالي( فإن انفصال العمل الحر عن وسائل إنتاتجه هو نقطة النطلق التي‬ ‫تعنينا‪ ،‬وقد رأينا كيف وفي أي ظروف يتم توحيد هذين العنصرين في أيدي الرأسمالي‪،‬‬ ‫أعني كأسلوب إنتاتجي لوتجود رأسمالية«)‪.(1‬‬

‫يشير ماركس هنا إلى نقطة البدء في فهم مكونات البنية‪ .‬ويحدد أن هناك عناصر‬ ‫ةثابتة تتواتجد في كل بنية اتجتماعية بغض النظر عن حالتها‪ .‬وهذه العناصر الةثابتة هي‪:‬‬ ‫‪1‬ـ العمل‪.‬‬

‫‪2‬ـ وسائل العمل‪.‬‬

‫وهما يتواتجدان في كل بنية‪ .‬أما ما يميز بنية عن أخرى فهو نوع العلقة التي‬ ‫توحد بين هذين العنصرين وما يتولد عنها من عناصر أخرى وعلقات أخرى‪ .‬فعملية‬ ‫التوحيد في المتجتمع الرأسمالي تتم من تجانب عنصر ةثالث هو الرأسمالي )رأس المال(‪.‬‬ ‫وينشأ عن دخول هذا العنصر علقة تجديدة هي علقة التملك‪.‬‬

‫أما حديث ماركس عن انفصال العمل الحر عن وسائل إنتاتجه فهو يرتبط بتناول‬ ‫بنية معينة وأسلوب إنتاتجي معين هو السلوب الرأسمالي‪ .‬ويؤكد ماركس ذلك بقوله‪» :‬إن‬ ‫العمل الحر وتبادله مقابل النقود هو أحد المتطلبات الساسية للعمل المأتجور وأحد‬ ‫الشروط التاريخية لرأس المال‪ ،‬وذلك من أتجل إعادة إنتاج النقود وتحويلها إلى قيم‪ ،‬لكي‬ ‫تستهلكها النقود ةثانية‪ ،‬وةثمة مطلب أساسي آخر هو انفصال العمل الحر عن الشروط‬ ‫الموضوعية لتحققه – أي عن وسائل العمل وموارده‪ .‬وهذا يعني‪ ،‬قبل كل شيء‪ ،‬ضرورة‬ ‫انفصال العامل عن الرض التي تقوم بوظيفة مختبره الطبيعي«)‪.(2‬‬

‫وبكلمات أخرى فإن النسق الرأسمالي يفترض سلفا النفصال الكامل للعمال عن‬ ‫كل ملكية يتحقق بها عملهم‪.‬‬

‫إننا أمام علقة أساسية هي علقة العمل‪ /‬وسائل العمل‪ ،‬وفي السلوب الرأسمالي‬ ‫تتخذ هذه العلقة شكل العمل‪ /‬رأس المال التي تنهض على تبادل العمل بالنقود‪ ،‬والتي‬ ‫تنشأ بأسلوب خاص يوحد بين العمل ووسائل العمل حسبما أشرنا من قبل‪ .‬واكتشاف مةثل‬ ‫هذه العلقة في كل بنية‪ ،‬أي اكتشاف هذا العنصر الةثابت‪ ،‬مسألة ضرورية للدراسة‬ ‫‪( 1)1‬‬

‫‪K. Marx, Capital Vol. 11, Progress Publishers, Moscow, 1971, p. 36 -‬‬

‫‪.37‬‬

‫‪( 1)2‬‬ ‫‪.67‬‬

‫‪199‬‬

‫‪K. Marx, Pre-Capitalist Economic Formation, p.‬‬


‫التحليلية ولمعرفة عوامل تطور البنية‪ .‬فالتغير التجوهري في البنية ينشأ عن تغير نوع هذه‬ ‫العلقة‪ .‬بل إنها المنشأ لتناقضات البنية‪ .‬إوادراك هذه القضية سيوضح لنا مدى التبسيط‬ ‫الخاطئ‪ ،‬بل والفهم الخاطئ‪ ،‬لعملية الصراع والتناقض اللذين قال بهما ماركس‪ .‬فإن‬ ‫نموذج ماركس المتميز عن التطور‪ ،‬بما يتضمن من دور الصراع الطبقي‪ ،‬وتعاقب‬ ‫التكوينات التجتماعية القتصادية‪ ،‬وميكانزمات التحول من تكوين إلى آخر ل يزال يةثير‬ ‫النقاش دون تحديد المضمون الذي كان يعنيه ماركس تحديدا دقيقا‪ .‬وقد كان البعض‬ ‫يستغنى عن محاولة تتبع ذلك بالدراسة والتحقيق ويكتفي‪ ،‬مةثل‪ ،‬بالقول إن التطور عند‬ ‫ماركس هو »حتمية اقتصادية«‪ .‬لكن القول بذلك هو ترديد لكلمات ل تفسر ول تشرح‬ ‫شيئا‪.‬‬

‫تناقضات البنية ودور كل منها‪:‬‬

‫ينتج عن العلقة التي أشرنا إليها من قبل نوعان من التناقضات يرى فيهما ماركس‬ ‫التناقضات الرئيسية صاحبة التأةثير الساسي في تطور البنية‪ .‬غير أن ذلك ل يعني عدم‬ ‫وتجود تناقضات أخرى‪ .‬فإن بنية المتجتمع الرأسمالي‪ ،‬على سبيل المةثال‪ ،‬تتضمن‬ ‫تناقضات أخرى مةثل التناقض بين الرأسمالية والملكية الحرفية‪ .‬كما تظهر في الزمات‬ ‫أيضا تناقضات بين الستهلك والنتاج‪ .‬لكن ما يهمنا هنا هو تلك التناقضات الساسية‪.‬‬ ‫التناقض الول‪ :‬ويتمةثل في التناقض المرتبط بأسلوب النتاج الرأسمالي ذاته‪ ،‬أي‬ ‫التناقض بين العمل ورأس المال‪ ،‬أي العمال والرأسماليين‪ .‬ويتجرى هذا داخل إحدى‬ ‫البنيتين اللتين تتشكل منهما بنية الساس‪ .‬ونعني بذلك أن هذا التناقض يوتجد داخل‬ ‫علقات النتاج‪ .‬كما أن الصراع الطبقي هو الشكل الذي يتم من خلله التعبير عن هذا‬ ‫التناقض‪ .‬ومن سمات هذا التناقض إنه تناقض عدائي ويستمر منذ بداية النظام حتى‬ ‫زواله‪ .‬إن الشيء الهام هنا هو أنه تعبير عن فاعلية النسان في تغير البنية وتطورها‪.‬‬ ‫كما أن تصاعده يزيد من حدة التناقض الرئيسي الةثاني‪ ،‬أي التناقض بين القوى النتاتجية‬ ‫وعلقات النتاج‪.‬‬

‫التناقض الثاني‪ :‬ويتمةثل في عدم التوافق بين قوى النتاج وعلقات النتاج‪ ،‬بين‬ ‫الطابع التجتماعي للقوى النتاتجية وبين الملكية الخاصة لوسائل النتاج‪ .‬ومعنى ذلك أنه‬ ‫ليس تناقضا مباش ار بين أفراد أو تجماعات‪ .‬كما أنه تناقض غير مقصود‪ ،‬ويظهر في‬

‫‪200‬‬


‫مرحلة معينة من مراحل تطور الرأسمالية‪ .‬ففي مرحلة ظهور الرأسمالية مةثل كانت‬ ‫علقات التوافق والتتجانس دافعا على تطوير قوى النتاج‪ .‬وخلل تطور أسلوب النتاج‬ ‫الرأسمالي يتولد هذا التناقض‪ ،‬أي عدم التتجانس بين قوى النتاج وعلقات النتاج نتيتجة‬ ‫تفاعلت مكونات ذلك السلوب‪ .‬ومن هنا يعتبر تناقضا غير مقصود وليس هدفا لحد‪.‬‬ ‫لكن حدته تزداد بتأةثير التناقض الول عليه‪.‬‬ ‫ويصف ماركس هذا التناقض وكيفية نشأته قائل‪:‬‬

‫»إن التناقض‪ ،‬إذا ما استخدمنا تعبي ار عاما‪ ،‬يكمن في أن أسلوب النتاج‬ ‫الرأسمالي ينطوي على نزعة نحو التطور المطلق للقوى النتاتجية بغض النظر عن‬ ‫الظروف التجتماعية التي يتجرى في ظلها النتاج الرأسمالي‪ .‬في حين أن أسلوب النتاج‬ ‫الرأسمالي يهدف إلى المحافظة على قيمة رأس المال الموتجود ودفع نموه الذاتي إلى‬ ‫أقصى حد )أي المساعدة على تحقيق نمو ل ينفك يزداد سرعة لهذه القيمة(‪ .‬والسمة‬ ‫المميزة هنا هو أنه يستخدم القيمة الموتجودة لرأس المال كوسيلة لزيادة هذه القيمة إلى‬ ‫أقصى حد‪ .‬والساليب التي يتحقق بها هذا تشمل هبوط معدل الربح واستهلك رأس المال‬ ‫الموتجود وتطوير قوى العمل النتاتجية على حساب القوى النتاتجية الموتجودة فعل«)‪.(1‬‬

‫بهذا يرتبط هذا التناقض بميكانزمات أسلوب النتاج ذاته‪ ،‬ولهذا فهو تناقض ليس‬ ‫مقصودا كما أشرنا من قبل‪ .‬كما أنه غير مستمر مةثل التناقض الول‪ .‬فهو يظهر في‬ ‫الزمات من حين إلى آخر‪ .‬كما أن »الزمات ليست سـوى حلـول ل تعدو أن تكون في‬ ‫كل الحوال حلول وقتيـة وعنيفـة للتناقضـات القائمة‪ ،‬وهذه الزمات فورانات عنيفة تعيد‬ ‫لبعض الوقت التوازن المختل«)‪.Disturbed Equilibrium (2‬‬

‫وقبل أن نتناول المعنى الذي يقصده ماركس باستعادة التوازن‪ ،‬علينا أن نستكمل‬ ‫أول توضيح كيف ينشأ التناقض من طبيعة السلوب الرأسمالي للنتاج ذاته‪ ،‬حيث يرى‬ ‫ماركس »أن الحاتجز الحقيقي أمام النتاج الرأسمالي هو رأس المال ذاته‪ ...‬وهذه‬ ‫الحواتجز تدخل‪ ،‬بشكل متواصل‪ ،‬في صراع مع طرق النتاج التي يستخدمها رأس المال‬ ‫لتحقيق أغراضه‪ ،‬والتي تمضي نحو التوسع غير المحدود للنتاج‪ ،‬نحو النتاج كغاية في‬

‫‪( 1)1‬‬ ‫‪.249‬‬

‫‪(1)2‬‬

‫‪.Ibid‬‬

‫‪201‬‬

‫‪K. Marx, Capital, V. 111, p.‬‬


‫حد ذاته‪ ،‬نحو التطور غير المشروط للنتاتجية التجتماعية للعمل‪ .‬وتدخل الوسائل‬ ‫)التطور غير المشروط للقوى النتاتجية لمتجتمع( في صراع بشكل متواصل مع الغرض‬ ‫المحدد‪ ،‬أي التوسع الذاتي لرأس المال الموتجود‪ .‬ولهذا السبب فإن أسلوب النتاج‬ ‫الرأسمالي هو وسيلة تاريخية لتطوير القوى المادية للنتاج وخلق سوق عالمي ملئم‪،‬‬ ‫وهو في نفس الوقت صراع متصل بين هذه المهمة التاريخية وبين علقات ال نـتاج‬ ‫الجتماعي المتوافقة معه«)‪.(1‬‬

‫ومعنى ذلك أن أسلوب النتاج الرأسمالي ذاته‪ ،‬أي إعطاء رأس المال قيمة‪ ،‬هو ما‬ ‫يؤدي دون قصد من أحد إلى عدم التوافق في العلقة ما بين القوى النتاتجية والعلقات‬ ‫التجتماعية القائمة على الملكية الخاصة لوسائل النتاج‪ .‬والحاتجز الحقيقي أمام النتاج‬ ‫الرأسمالي هو رأس المال ذاته‪» .‬فإن رأس المال ذاته وتوسعه الذاتي يظهر كنقطة بداية‬ ‫وكنقطة نهاية«)‪ .(2‬وذلك لن »تطوير القوى النتاتجية للعمل التجتماعي هو المهمة‬ ‫التاريخية لرأس المال ومبرره‪ .‬وتلك الطريقة هي على وتجه التحديد التي يخلق بها دون‬ ‫وعي الشروط المادية لسلوب أعلى من النتاج«)‪.(3‬‬ ‫يحدد ماركس خطوط الحركة العامة للسلوب الرأسمالي وبنيته القتصادية مبينا‬ ‫أن هذه الحركة وتناقضاتها ليست متجرد انحرافات في البنية أو اختلل توازن‪ ،‬ةثم توازن‬ ‫دينامي حسبما تتصور الوظيفية‪ .‬وهو يحلل بالفعل الوظائف المختلفة لكافة عناصر‬ ‫البنية مظه ار أن تتجانسها أو عدم تتجانسها ينبع من تركيب البنية ذاتها‪ .‬كما أنه يتحدث‬ ‫أيضا بصراحة عن الحلول المؤقتة للتناقضات والتي »تعيد لبعض الوقت التوازن‬ ‫المختل«‪ .‬ويتضح هنا أن استعادة التوازن‪ ،‬حسبما يراه وبكلماته‪ ،‬هو حل مؤقت يحدث‬ ‫من خلل الزمات‪ .‬وليست الفقرة التي أوردناها من قبل عن استعادة التوازن كلمات‬ ‫عابرة‪ .‬وذلك لنه يعود إلى نفس القضية قائل‪» :‬في عملية تطور قوى العمل النتاتجية‬

‫‪( 2)1‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬

‫‪.250‬‬

‫‪(3)2‬‬

‫‪.Ibid‬‬

‫‪( 1)3‬‬ ‫‪.259‬‬

‫‪202‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬


‫يحدث انخفاض في معدل الربح‪ ،‬وهذا بمةثابة قانون يدخل في لحظة معنية في صراع‬ ‫عدائي مع هذا التطور‪ ،‬ويتجري التغلب على هذا التناقض بشكل مستمر في الزمات« ‪.‬‬ ‫)‪( 1‬‬

‫إن تلك الحلول المؤقتة ل تلغي استم اررية التناقض حيث أنه مرتبط بمكونات‬ ‫البنية‪ .‬فالعلقات الداخلية‪ ،‬التي تقدم المنطق الكامن للداء الوظيفي للمتجتمعات‬ ‫وتاريخها‪ ،‬إنما تحددها في نهاية المطاف شروط إنتاج إواعادة إنتاج أساسها المادي‪.‬‬ ‫وباستخدام مصطلحات ماركس نقول شروط أسلوب إنتاتجها‪ .‬وتكمن أهمية هذه المقولة‬ ‫في أنها تشير إلى خطأ فهم التاريخ والتطور على أنه متجرد تتابع أحداث عرضية‪ ،‬أي‬ ‫ذلك الرأي الذي تتبناه كل من الوظيفية والبنيوية مع ملحظة أننا رأينا‪ ،‬من قبل‪ ،‬أن بعض‬ ‫الوظيفيين يعترضون على ذلك كايفانز بريتشارد‪.‬‬

‫وطالما اتضح لنا أن هناك شروطا ضرورية لتطور البنى ولترابطها ترابطا متسقا‬ ‫وعليتها المتميزة فإن التاريخ كواقع ل يمكن أن يختزل إلى تتابع متجرد أحداث عرضية‪.‬‬ ‫فالحداث كما اتضح من سياق العرض لها ضرورتها الخاصة‪ ،‬ذلك أن التطور تعبير‬ ‫عن الخصائص الموضوعية للعلقات التجتماعية‪ ،‬تعبير عن خصائص التساق وعدم‬ ‫التساق التي تكمن خلف النظام الخاص لتحولتها الممكنة وهو النظام الذي يرتبط بنطاق‬ ‫محدد‪.‬‬ ‫إن هذا التصور يختلف تماما عن التصورات التي تقدمها كل من الوظيفية‬ ‫والبنيوية‪.‬‬

‫فالوظيفية تتناول التغير داخل إطار التوازن الدينامي‪ .‬وهي تتناول التغير من‬ ‫خلل ط ارزين‪ :‬النمو في التعقد عبر التباين ةثم التوافق مع التغيرات الخارتجية للنسق‪ .‬كما‬ ‫أنها ل تضع في اعتبارها أن التغير يمكن أن يكون ةثوريا‪ ،‬أي مفاتجئا وعميقا)‪ .(2‬وذلك‬ ‫علوة على النظرة للبنية التجتماعية كعمود فقري استاتيكي للمتجتمع‪ ،‬حسبما اتضح لنا‬ ‫من قبل)‪.(3‬‬ ‫‪( 2)1‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬

‫‪( 1)2‬‬

‫‪See: P. Van den Berghe, op. cit., p.‬‬

‫‪.258‬‬ ‫‪.297‬‬

‫‪ (2)3‬انظر الفصل الرابع‪.‬‬

‫‪203‬‬


‫غير أن روبرت ميرتون عبر أخي ار عن رأي يتعلق بالتناقضات الداخلية في البنى‬ ‫حيث يقول‪:‬‬

‫»علوة على تأةثير الحداث الخارتجية‪ ،‬تولد البنى التجتماعية تغي ار داخل البنية‬ ‫وتغي ار للبنية‪ ،‬وهذه النماط من التغير تحدث من خلل اختيارات نمطية تراكمية في‬ ‫السلوك وتضخم نتائج الختلل الوظيفـي الناتـج عـن أنواع معينة من التوترات‬ ‫والصراعات والتناقضات في البنية التجتماعية التي تتعرض للتباين«)‪.(1‬‬ ‫ويرى الباحث أن هذا النص يشير إلى أكةثر من قضية‪:‬‬

‫فأول‪ :‬يرى ميرتون أن البنية تولد تغيرا‪ ،‬أي أن التغير يمكن أن ينتج عن البنية‬ ‫ذاتهـا ول يتوقف التغـير على مؤةثرات خارتجية حسبما تقـول الوظيفيـة عـادة‪.‬‬

‫وثانيا‪ :‬إذا أمعنا النظر في أسباب ذلك التغير المتولد عن البنية ذاتها سنتجده ناتتجا‬ ‫حسب كلمات ميرتون عن أمرين‪:‬‬ ‫‪1‬ـ اختيارات نمطية تراكمية في السلوك‪.‬‬ ‫‪2‬ـ تضخم نتائج الختلل الوظيفي‪.‬‬

‫وهو يؤكد أن هذه الختيارات النمطية التراكمية في السلوك ونتائج الختلل‬ ‫الوظيفي تنتج عن أشكال من التوترات والصراعات والتناقضات‪ .‬ويرى أن ذلك يعني أن‬ ‫الصراع والتناقض يتحول من تجانب إلى اختلل وظيفي ومن تجانب آخر إلى اختيارات‬ ‫نمطية من السلوك‪ .‬أي أن التغير إرادي‪ ،‬مقصود‪ .‬وهذا عكس تصور ماركس الذي يرى‬ ‫أن التناقض الرئيسي الذي يدفع إلى التغير ليس مقصدا لحد ويتجرى دون وعي‪ .‬ومن‬ ‫تجانب آخر فقد رأينا أن أشكال الختلل الوظيفي عند ماركس ل تحدث تغيرا‪ ،‬بل يتم‬ ‫استعادة التوازن بعد مرور الزمات‪ .‬فالختلل تعبير عن ظهور التناقض‪ ،‬واستعادة‬ ‫التوازن تعبير عن حل مؤقت لهذا الختلل‪ .‬أما التغير فقضية مختلفة‪.‬‬ ‫وثالثا‪ :‬فإن التغير عند ميرتون يرتجع إلى أسباب خارتجية في المحل الول ةثم تأتي‬

‫بعد ذلك السباب الداخلية‪ .‬فأول عبارة في النص تقول »علوة على تأةثير الحداث‬ ‫الخارتجية تولد البنى التجتماعية تغي ار داخل البنية ‪.«....‬‬

‫‪( 3)1‬‬

‫‪.128‬‬

‫‪204‬‬

‫‪R. Merton, Sociological Ambivalence and other Essays, p.‬‬


‫ولكل ذلك يرى الباحث أن التجديد الذي قال به ميرتون هو متجرد إقرار بوتجود‬

‫صراعات وتناقضات دون الخروج من إطار الفكرة الوظيفية التي ترى أن التطور متجرد‬ ‫انحرفات في البنية‪ ،‬واختلل توازن‪ ،‬ةثم توازن دينامي‪.‬‬

‫لكن ينبغي ملحظة أن مواقف الوظيفيين تبدو في أحيان كةثيرة غير متسقة‬

‫وخاصة عندما يتعلق المر بالقضايا التي تةثير الخلف مع النظريات التجتماعية‬

‫الخرى‪ .‬ولهذا كةثي ار ما نلحظ‪ ،‬على سبيل المةثال‪ ،‬عدم التساق في أفكار الوظيفيين‬

‫بالنسبة لبعض القضايا الخلفية بين الوظيفية وبين الماركسية‪ .‬وكةثي ار ما نلحظ تناقضهم‬

‫مع نزعتهم الوظيفية ويقتربون من الماركسية دون أن يخرتجوا باستنتاتجات حاسمة‪.‬‬

‫ويبرز في هذا الصدد كل من فيرث وليتش‪ .‬ذلك أن ليتش مةثل يقول في كتابه‬

‫»النظمة السياسية في هضبة بورما«‪:‬‬

‫»إن المفهومات التي تناقش في القسم الحالي ذات أهمية قصوى لتدليلي العام‬

‫لنها تقدم المقولت التي ترتبط العلقات التجتماعية وفقا لها بالحقائق القتصادية‪ .‬وفي‬ ‫التحليل الخير‪ ،‬فإن علقات السلطة في أي متجتمع ينبغي أن ترتكز على السيطرة على‬

‫السلع الحقيقية والمصادر الولية للنتاج‪ .‬غير أن هذا التعميم الماركسي ل يحملنا بعيدا‬ ‫تجدا«)‪.(1‬‬

‫لكن ريموند فيرث يتناول هذه القضية بشكل أكةثر تجدية من ليتش وذلك في مقدمة‬ ‫الطبعة الةثانية لكتابه »القتصاد البولينيزي البدائي«‪Primitive Polynesian Economy‬‬ ‫حيث يقول‪» :‬بعد نشر عرض للبنية التجتماعية‪ ،‬وخاصة لبنية علقات القرابة )نحن‪،‬‬ ‫التيكوبيا ‪ ،(We, The Tikopia, London, 1939‬قمت بتحليل البنية القتصادية للمتجتمع‪،‬‬ ‫لن كةثي ار من العلقات التجتماعية أصبحت أكةثر وضوحا في محتواها القتصادي‪ .‬ول‬ ‫تجدال في أن البنية التجتماعية‪ ،‬وبشكل خاص البنية السياسية كانت تعتمد بشكل واضح‬ ‫على علقات اقتصادية خاصة ناشئة عن نظام السيطرة على الموارد‪ ،‬وبهذه العلقات‬ ‫بدورها ترتبط النشاطات والمؤسسات الدينية للمتجتمع«)‪.(2‬‬ ‫‪( 1)1‬‬

‫‪See: M. Godelier, Rationality and Irrationality in Economics, p.‬‬

‫‪.xxx‬‬

‫‪( 2)2‬‬

‫‪.xxxv‬‬

‫‪205‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬


‫أما بالنسبة للبنيوية ممةثلة في ليفي شتراوس فإننا نتجد النظرة لعمليات التطور‬ ‫تحمل طابعا مزدوتجا‪ .‬ففي متجال تفسير التحولت التاريخية »يقبل ليفي شتراوس السيادة‬ ‫غير المشكوك فيها للبنى التحتية«)‪ .(1‬ونتجد أن ليفي شتراوس يؤكد »أن إمبريقية بعض‬ ‫علماء التجتماع المعاصرين هي متجرد تكرار‪ ،‬بأشكال مختلفة‪ ،‬لخطأ مةثالية عفى عليها‬ ‫الزمن ‪ ...‬إن قوانين التفكير – البدائي أو المتحضر‪ -‬هي نفس القوانين التي تعبر عن‬ ‫الواقع الفيزيقي أو الواقع التجتماعي والتي ل تعتبر سوى أحد تجوانب هذا الواقع«)‪ .(2‬لكن‬ ‫تجودلييه يرى أن هذه النظرة‪ ،‬أي النظرة للعلقة بين القتصاد والمتجتمع‪ ،‬قد اختفت عندما‬ ‫تناول ليفي شتراوس استنتاتجاته في مؤلفه »من العسل إلى الرماد« ‪Du Miel Aux‬‬ ‫‪ Cendres‬حيث يرى أن التاريخ حتى ولو وهب قانون النظام فهو محروم من أية ضرورة‪.‬‬ ‫كما أنه ينظر إلى مولد الفلسفة والعلم الغربي كمتجرد أحداث عرضية‪ .‬ذلك أن ليفي‬ ‫شتراوس يقول في من العسل إلى الرماد‪ :‬إن التحول لم يكن هنا أو هناك ضروريا‪ .‬إواذا‬ ‫احتفظ التاريخ بموقعه في الصفوف الولى‪ ،‬فإن هذا الموقع ينتمي بحق إلى مصادفة ل‬ ‫يمكن تغييرها‪ .‬وبهذا يتجد ليفي شتراوس نفسه في النهاية في اتفاق مع النزعة المبريقية‬ ‫التي ترى في التاريخ تعاقبا لحداث عرضية«)‪.(3‬‬ ‫ومما يزيد أهمية هذا النتقاد الذي يطرحه موريس تجودلييه بشأن موقف ليفي‬ ‫شتراوس تتجاه التطور التاريخي وتحول البنى وتغيرها‪ ،‬أن تجان بياتجيه يستند إليه في‬ ‫تدعيم انتقاده لليفي شتراوس‪ .‬فبياتجيه يرى أن »الستنتاج النهائي الذي خرج به تجودلييه‬ ‫يستحق الهتمام حيث أنه ل يلخص اعتراضاتنا ضد ليفي شتراوس فحسب‪ ،‬إوانما أيضا‬ ‫ضد الفكار الرئيسية التي من هذا القبيل«)‪ .(4‬وبعد أن يقرر بياتجيه ذلك يورد على الفور‬ ‫النص التالي عن موريس تجودلييه‪:‬‬

‫‪( 3)1‬‬

‫‪Ibid., p.‬‬

‫‪.xxxi‬‬

‫‪( 4)2‬‬

‫‪C. Levi-Strauss, The Elementary Structures of Kinship,‬‬

‫‪.451‬‬

‫‪( 1)3‬‬

‫‪M. Godelier, op. cit., xxxv-‬‬

‫‪.xxxvi‬‬

‫‪( 2)4‬‬ ‫‪.128‬‬

‫‪206‬‬

‫‪J. Piaget, op. cit., p.‬‬


‫»إن النةثروبولوتجيا ل تستطيع أن تستمر في تحدي التاريخ‪ .‬ول يمكن تحدي‬ ‫التاريخ بالنةثروبولوتجيا‪ ،‬كما أن وضع تعارض بين علم النفس وعلم التجتماع‪ ،‬وبين علم‬ ‫التجتماع والتاريخ‪ ،‬مسألة عقيمة‪ .‬ذلك أن إمكانية أي علـم للنسان سوف تعتمد‪ ،‬في‬ ‫نهاية المطاف على إمكانية اكتشاف القوانين التي تحكم عمل وتطور البنى التجتماعية‬ ‫والعلقات الداخلية لهذه البنى ‪ ...‬وبكلمات أخرى‪ ،‬فإن منهج التحليل البنيوي ينبغي‬ ‫تطويره ليصبح قاد ار على تفسير شروط تنوع وتطور البنى ووظائفها«‪.‬‬

‫إن ليفي شتراوس ينكر في واقع المر أي تقدم حقيقي في تطور البشرية‪ .‬ويشاركه‬ ‫في هذا معظم البنيويين‪ .‬فبينما توافق البنيوية على أن البنى تتطور عبر الزمن فإنها ل‬ ‫تعالج ذلك على اعتبار أن التطور عملية مسقطة على المستقبل‪ ،‬إوانما على العكس من‬ ‫ذلك تتناوله بوصفه حركة نحو الكتمال ةثم الخمود‪ .‬وعلى هذا النحو كتب أ‪ .‬ج‪.‬‬ ‫تجريماس عالم اللغويات قائل‪:‬‬

‫»إن التاريخ ليس نقطة انطلق مةثلما يقال دائما إوانما على العكس هو اكتمال‪ ،‬إنه‬ ‫أشبه ما يكون بالفرملة وليس المحرك ‪ ..‬إن ةثمة قسطا كبي ار من الحقيقية في القول‬ ‫المأةثور‪ :‬مهما يتغير يظل كما هو«)‪.(1‬‬

‫إن ذلك التصور ل يرى التاريخ كعملية تطور مستمر للمتجتمع البشري‪ .‬وأينما‬ ‫قالت البنيوية بالتغيرات في البنى نتجدها تعتبر أن هذه التغيرات متجرد انفتجار في البنية‬ ‫ناتج عن تصادمها مع الظروف الخارتجية‪ .‬وذلك لن البنيوية تقر بالتتام المتتجاور‬ ‫المشترك للظواهر والبنى‪ ،‬فاهتمامها ينصرف إلى التتام المتتجاور لعناصر أي نسق‪ ،‬مةثل‬ ‫نسق القرابة أو نسق التصورات‪ .‬فإن البنيوية مةثلها مةثل الوظيفية تقصر اهتمامها على‬ ‫قضايا الداء الوظيفي للعناصر‪ ،‬أي ميكانزمات الظواهر‪ .‬ول تمضي إلى محاولة كشف‬ ‫أن مةثل ذلك الةثبات الظاهري لهذه الميكانزمات يحتجب العمليات المتناقضة التي تنشأ‬ ‫عنها الميكانزمات ذاتها وتحولها إلى ميكانزمات تجديدة‪ .‬ويعني ذلك أنهما ل تقران‬ ‫بالتناقضات التجدلية التي ترى الماركسية أنها حلقة الوصل بين البنى والتاريخ‪.‬‬ ‫لكن ينبغي توضيح أن الدور الفعال للبنية القتصادية ل يعني عدم وتجود نوع من‬ ‫الستقلل النسبي لبنى التكوين التجتماعي القتصادي‪ .‬فإذا كان أسلوب النتاج له‬

‫‪ (1)1‬انظر‪ :‬لوسيان سيف‪ ،‬مرتجع سابق‪ ،‬ص ‪.115‬‬

‫‪207‬‬


‫الفعالية‪ ،‬في نهاية المطاف‪ ،‬فهناك أيضا الستقلل النسبي للبنية الفوقية وفاعليتها‬ ‫النوعية‪.‬‬

‫وانطلقا من ذلك يقول لويس التوسير إن ماركس »قدم طرفي السلسلة على القل‪،‬‬ ‫ول تزال هذه العلقة النوعية بين بنية الساس والبنية الفوقية تستحق تطوي ار وتقصيا‬ ‫نظريين‪ .‬فالتجدل القتصادي ل يعمل مطلقا في حالة نقية خالصة‪ .‬والتاريخ ل يعرف‬ ‫حالة تنسحب فيها البنى الفوقية بتجلل‪ ،‬بعد أن تؤدي عملها أو حينما تحين الساعة‪،‬‬ ‫لتتبدد أمام صاحب التجللة القتصاد وهو يخطو على الطريق الملكي للتجدل«)‪.(1‬‬

‫خاتمة‪:‬‬ ‫السس المنهجية لدراسة البنية الجتماعية‪:‬‬

‫يمكننا الن استنادا إلى ما تناولناه في هذا الفصل أن نستخلص المبادئ المنهتجية‬ ‫لدراسة البنية التجتماعية وهي كما يلي‪:‬‬

‫أول‪ :‬المبدأ المنهجي القائل بأن العلقات الجتماعية ينبغي تحليلها بوصفها‬ ‫تشكل أنساقا‪ ،‬وأن المجتمع كنسق يتكون من أجزاء مترابطة‪ ،‬وأن مفهوم البنية‬ ‫الجتماعية مدخل لدراسة المجتمع كنسق متكامل‪.‬‬

‫وفي هذا الشأن يظهر ال تـفاق بين الوظيفة والماركسية والبنيوية‪ .‬لكن‬ ‫الماركسية تمضي إلى ما هو أبعد من هذا المستوى الولي‪ .‬فهي تعالج المستويات‬ ‫المختلفة أو البنى المختلفة التي تتشكل منها البنية الجتماعية‪ .‬ولهذا تطرح‬ ‫الماركسية مفهوم التكوين القتصادي الجتماعي الذي يمثل حالة واقعية لسلوب‬ ‫إنتاجي معين‪ .‬كما أن كل تكوين اقتصادي اجتماعي يتشكل من بنى مختلفة مثل بنية‬ ‫الساس )القتصادية( والبنية الفوقية‪ .‬بل تصل الماركسية إلى مستوى تحليلي أبعد من‬ ‫ذلك حيث تقرر مةثل أن البنية القتصادية تتشكل بدورها من بنيتين‪ :‬بنية القوى النتاتجية‬ ‫وبنية علقات النتاج‪ .‬كما أن البنية الفوقية تتشكل هي الخرى من بنى عديدة‪ :‬البنية‬ ‫السياسية وبنية الوعي وما إلى ذلك‪.‬‬ ‫‪( 2)1‬‬ ‫‪.113‬‬

‫‪208‬‬

‫‪L. Althusse, For Marx, p.‬‬


‫ثانيا‪ :‬هناك المبدأ المنهجي القائل أن البنية الجتماعية ل يمكن اختزالها إلى‬ ‫مجموع العلقات الجتماعية‪ ،‬أي أن العلقات الجتماعية ليست تعبي ار مباش ار عن‬ ‫البنية‪ .‬وفي هذا الصدد يظهر التفاق بين البنيوية والماركسية‪ ،‬بينما ترى الوظيفية أن‬ ‫البنية هي المتجموع العام لتجزائها‪ ،‬أي أن العلقات التجتماعية هي التعبير المباشر عن‬ ‫البنية‪.‬‬

‫ثالثا‪ :‬المبدأ المنهجي الذي يرى أن البنية ل يمكن ملحظتها بشكل مباشر‪،‬‬ ‫إوانما دراسة البنية تقتضي البدء بتحليل العلقات الظاهرة والداء الوظيفي الظاهر‬ ‫لمكونات البنية حتى يمكن الوصول إلى المنطق الخفي للبنية المختفية هي ذاتها وراء‬ ‫العلقات الجتماعية الظاهرة والمرئية‪.‬‬ ‫وطبقا لهذا المبدأ المنهتجي فإن ما هو مرئي إنما يخفي واقعا آخر أعمق غير‬ ‫ظاهر‪ .‬وتمةثل مسألة اكتشافه مضمون هدف المعرفة العلمية‪.‬‬

‫وفي هذا الصدد يبدو التفاق واضحا بين البنيوية والماركسية حيث ترفضان‬ ‫التعريف المبريقي الذي تقدمه الوظيفة الذي يرى أن البنية واقع عيني يمكن ملحظته‬ ‫بشكل مباشر‪ .‬غير أننا لبد أن نشير إلى أن روبرت ميرتون قال أخي ار بضرورة التمييز‬ ‫بين ما يسميه السطح والبنى العميقة‪ .‬ومن ةثم يطالب بإتباع المنحى الذي يسير ليفي‬ ‫شتراوس وفقا له‪ ،‬إوان ظل في إطار نزعته المبريقية‪.‬‬

‫رابعا‪ :‬المبدأ المنهجي القائل أن دراسة البنية في حالتها الراهنة تسبق دراسة‬ ‫أصلها وتطورها‪ .‬وهو المبدأ الذي اصطلح على تسميته بأولوية المعالجة »النية«‬ ‫على المعالجة »عبر الزمنية«‪.‬‬

‫وتتفق كل من الوظيفية والماركسية والبنيوية حول هذا المبدأ‪ .‬ولكن الختلف‬ ‫يظهر بين الماركسية من تجانب والوظيفية والبنيوية من تجانب آخر حول العلقة بين‬ ‫المدخلين المنهتجيين‪ :‬معالتجة البنية في حالتها الراهنة‪ ،‬ومعالتجة البنية عبر التاريخ‪:‬‬ ‫فالوظيفية والبنيوية تقران بأولوية »النية« ةثم تغفلن دراسة أصل البنية وتطورها‪ ،‬بينما‬ ‫تقول الماركسية بأولوية دراسة حالة البنية الراهنة من أجل فهم أفضل لتطور هذه‬ ‫البنية‪ .‬كما أن الماركسية هي التي تقدم عرضا نظريا ومنهجيا وتطبيقيا لعلقة متميزة‬ ‫بين السلوبين في معالجة البنية الجتماعية‪ .‬وقد عالج ماركس هذه العلقة معالتجة‬ ‫منهتجية‪ ،‬وبالتفصيل‪ ،‬في مخطوطات ‪ ،1858 – 1857‬ةثم سار وفق هذه المعالتجة في‬ ‫دراساته خاصة في »رأس المال«‪ .‬وكما يتضح من هذا الكتاب فإن اهتمام ماركس بأصل‬

‫‪209‬‬


‫البنى وتطورها ل يرتبط بأي صلة بأي مذهب تاريخي‪ .‬كما أن معالتجته لبنية النظام‬ ‫الرأسمالي لم ينتج عنها تأريخ للرأسمالية‪.‬‬

‫وينبغي الشارة إلى أن بعض الوظيفيين )كايفانز بريتشارد على وتجه التحديد‬ ‫وسيتجفريد نادل إلى درتجة ما( ل يقرون التتجاه العام للوظيفية في إغفالها البعد التاريخي‪.‬‬ ‫ومن تجانب آخر فإن بعض البنيويين يرفضون أيضا التتجاه البنيوي الذي يمةثله ليفي‬ ‫شتراوس الذي يغفل المعالتجة التاريخية‪ .‬ويمكننا أن نشير إلى تجان بياتجيه رغم انتمائه‬ ‫إلى متجال معرفي غير متجال علم التجتماع‪ .‬فكما اتضح لنا من قبل فإن تجان بياتجيه‬ ‫يقف ضد ليفي شتراوس لغفاله التناقضات وأصل البنى وتطورها‪.‬‬ ‫خامسا‪ :‬يتمثل المبدأ المنهجي الخامس في دراسة البنية الجتماعية في اعتبار‬ ‫أن أسلوب الحياة الجتماعية للناس هو العنصر الساسي في تحديد أشكال البنى‬ ‫الخرى من سياسية وقانونية وأشكال للوعي‪ .‬غير أن ذلك ل ينفي العتماد والتأثير‬ ‫المتبادلين بين العناصر المختلفة للبنية الجتماعية فضل عن الستقل لـ النسبي لكل‬ ‫عنصر داخل البنية‪.‬‬ ‫ويظهر التفاق بشأن هذا المبدأ المنهتجي بين كل من الماركسية والبنيوية بدرتجة ما‬ ‫– أما الوظيفية فتنظر إلى القيم باعتبارها السس المحددة حسبما اتضح لنا من وتجهة‬ ‫نظر كل من رادكليف براون وبارسونز‪ .‬غير أن بعض الوظيفيين‪ ،‬مةثل ادموند ليتش‬ ‫وريموند فيرث‪ ،‬يتفقون مع الماركسية والبنيوية بالنسبة لهذا المنطلق المنهتجي الخامس‪.‬‬ ‫سادسا‪ :‬والمبدأ المنهجي السادس هو اعتبار أن عوامل تطور البنية إنما تكمن‬ ‫في تناقضاتها الداخلية‪ .‬وال نـماط المميزة للتحولت التي تحدث داخل البنى الجتماعية‬ ‫هي التي تمكننا من التمييز بين أنماط مختلفة من المجتمعات‪ .‬والماركسية هي التي‬ ‫تنفرد بالقول بهذا المبدأ المنهتجي‪.‬‬

‫إن هذه المبادئ المنهتجية إنما تعكس حقيقة هامة ينبغي وضعها في العتبار عند‬ ‫النطلق في البحث العلمي وتناول قضايا علم التجتماع‪ .‬ونعني بذلك أن السس‬ ‫المنهتجية الصائبة لتناول القضايا التجتماعية إنما تعني ضرورة تفادي النزعة المبريقية‬ ‫التي تقنع بما يمكن ملحظته‪ .‬فالمعرفة العلمية بالحياة التجتماعية بكافة تجوانبها إنما‬ ‫تعني عدم الكتفاء بوصف المظاهر الخارتجية للظواهر التجتماعية‪ .‬ول يمكن أن نقف‬

‫‪210‬‬


‫عند تصوراتنا التلقائية حول تلك الظواهر‪ .‬بل ينبغي أن نتخطى تلك التصورات المباشرة‬ ‫للوصول إلى المنطق الداخلي للواقع التجتماعي لتناول هذه الواقع بكافة تفاصيله‪ ،‬ولكي‬ ‫نتتبع الروابط الداخلية ونحلل أشكال تطوره‪.‬‬

‫إن مصدر الخلط في المعرفة العلمية ينبع من أن الواقع المباشر يمةثل لنا نقطة‬ ‫البدء في التصورات‪ .‬غير أن البحث العلمي ل ينبغي أن يقف عند هذا المستوى‪ ،‬بل‬ ‫ينبغي أن يتخطى هذا الوعي التلقائي‪ .‬فالوصول إلى فهم صائب للواقع التجتماعي‬ ‫)ودراستنا لمفهوم البنية التجتماعية تؤكد ذلك( يعني أن النموذج الذي يشيده العلم ينبغي‬ ‫أن يكون مماةثل ل للواقع المرئي‪ ،‬الذي يمكن ملحظته بشكل مباشر‪ ،‬إوانما لواقع يختفي‬ ‫وراءه‪.‬‬

‫ومن هنا تظهر أهمية المبادئ المنهتجية التي تمكن البحث التجتماعي من النتقال‬ ‫من متجرد وصف الواقع التجتماعي إلى فهم روابطه الداخلية وقوانين حركته‪ .‬ومن ةثم‬ ‫يستطيع علم التجتماع أن يستكشف التجوانب المختلفة للحياة التجتماعية‪.‬‬

‫‪211‬‬


‫المراجع‬ ‫أول ‪ :‬مراجع باللغة العربية‬ ‫) أ ( كتب ورسائل جامعية ‪:‬‬

‫‪ -1‬أحمد أبو زيد‪ ،‬البناء التجتماعي – مدخل لدراسة المتجتمع‪ ،‬التجزء الول‪ ،‬المفهومات‪ ،‬الدار‬ ‫القومية للطباعة والنشر‪ ،‬السكندرية‪ ،‬الطبعة الةثانية‪.1966 ،‬‬ ‫‪ -2‬أرمان كوفيلييه‪ ،‬مقدمة في علم التجتماع‪ ،‬ترتجمة السيد محمد بدوي وعباس أحمد الشربيني‪،‬‬ ‫دار المعارف بمصر‪ ،‬القاهرة‪.1961 ،‬‬ ‫‪ -3‬امانويل كنت‪ ،‬مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة يمكن أن تصير علما‪ ،‬ترتجمة نازلي إسماعيل حسين‪،‬‬ ‫ومراتجعة عبد الرحمن بدوي‪ ،‬دار الكاتب العربي للطباعة والنشر‪ ،‬القاهرة‪.1968 ،‬‬ ‫‪ -4‬اميل دوركايم‪ ،‬قواعد المنهج في علم التجتماع‪ ،‬ترتجمه وقدم له محمود قاسم وراتجعه السيد‬ ‫محمد بدوي‪ ،‬مكتبة النهضة العربية‪ ،‬القاهرة‪.1974 ،‬‬ ‫‪ -5‬ايفان أ‪ .‬ايفانز بريتشارد‪ ،‬النةثروبولوتجيا التجتماعية‪ ،‬ترتجمه أحمد أبو زيد‪ ،‬الهيئة المصرية‬ ‫لكتاب‪ ،‬السكندرية‪ ،‬الطبعة الرابعة‪.1974 ،‬‬ ‫‪ -6‬د‪ .‬برنال‪ ،‬رسالة العلم التجتماعية‪ ،‬ترتجمة إبراهيم حلمي عبد الرحمن ومراتجعة محمود علي‬ ‫فضلي‪ ،‬إدارة الترتجمة بو ازرة المعارف العمومية‪ ،‬دار الفكر العربي‪ ،‬القاهرة‪.1949 ،‬‬ ‫‪ -7‬بوتومور‪ ،‬تمهيد في علم التجتماع‪ ،‬ترتجمة وتعليق محمد التجوهري وآخرون‪ ،‬دار الكتب‬ ‫التجامعية‪ ،‬اسكندرية‪ ،‬الطبعة الولى‪.1972 ،‬‬ ‫‪ -8‬تجاستون بوتول‪ ،‬تاريخ علم التجتماع‪ ،‬ترتجمة محمد عاطف غيث وعباس الشربيني‪ ،‬الدار‬ ‫القومية للطباعة والنشر‪ ،‬السكندرية ‪.1964‬‬ ‫‪ -9‬تجان شينو وآخرون‪ ،‬حول نمط النتاج السيوي‪ ،‬نقله إلى العربية تجورج طرابيشي‪ ،‬دار الحقيقة‪،‬‬ ‫بيروت‪.1972 ،‬‬ ‫‪ -10‬ج‪ .‬أوسيبوف‪ ،‬قضايا علم التجتماع‪ ،‬ترتجمة سمير نعيم أحمد وفرج أحمد فرج‪ ،‬ومراتجعة عاطف‬ ‫غيث‪ ،‬دار المعارف بمصر‪ ،‬القاهرة‪.1970 ،‬‬ ‫‪ -11‬تجورج بوليتزير‪ ،‬المادية والمةثالية في الفلسفة‪ ،‬ترتجمة إسماعيل المهدوي‪ ،‬دار الكاتب العربي‬ ‫للطباعة والنشر‪ ،‬القاهرة‪.1957 ،‬‬ ‫‪212‬‬


‫‪ -12‬تجورج بليخانوف‪ ،‬تطور النظرة الواحدية إلى التاريخ‪ ،‬ترتجمـة محمد مستتجير مصطفى ومراتجعة‬ ‫مراد وهبه‪ ،‬دار الطليعة‪ ،‬بيروت‪ ،‬الطبعة الةثانية‪.1975 ،‬‬ ‫‪ -13‬تجورج تجيرفيتش‪ ،‬علم التجتماع عند ماركس الشاب‪ ،‬ترتجمة صلح مخيمر وعبده ميخائيل‬ ‫رزق‪ ،‬مكتبة النتجلو المصرية‪ ،‬القاهرة‪.1964 ،‬‬ ‫‪ -14‬تجوزيف شومبيتر‪ ،‬الرأسمالية والشتراكية والديمقراطية‪ ،‬التجزء الول‪ ،‬تعريب وتعليق خيري‬ ‫حماد‪ ،‬الدار القومية للطباعة والنشر‪ ،‬القاهرة‪.1964 ،‬‬ ‫‪ -15‬حسن الساعاتي‪ ،‬علم التجتماعي الخلدوني – قواعد المنهج‪ ،‬دار النهضة العربية للطباعة‬ ‫والنشر‪ ،‬بيروت‪ ،‬الطبعة الةثانية‪.1974 ،‬‬ ‫‪ -16‬ر‪ .‬كوسولبوف‪ ،‬الماركسية والحرية‪ ،‬ترتجمة محمد مستتجير مصطفى‪ ،‬دار الةثقافة التجديدة‪،‬‬ ‫القاهرة‪.1975 ،‬‬ ‫‪ -17‬زكي نتجيب محمود‪ ،‬نحو فلسفة علمية‪ ،‬مكتبة النتجلو المصرية‪ ،‬القاهرة‪ ،‬الطبعة الولى‪،‬‬ ‫‪.1958‬‬ ‫‪ -18‬سيتجموند فرويد‪ ،‬تفسير الحلم‪ ،‬ترتجمه مصطفى صفوان وراتجعه مصطفى زيور‪ ،‬دار‬ ‫المعارف بمصر‪ ،‬القاهرة‪ ،‬الطبعة الةثانية‪.1969 ،‬‬ ‫‪ -19‬صلح مخيمر وعبده ميخائيل رزق‪ ،‬في الشتراكية العربية – ماركس يدحض الماركسية‪ ،‬الدار‬ ‫القومية للطباعة والنشر‪ ،‬القاهرة‪.1966 ،‬‬ ‫‪ -20‬عبد الباسط محمد حسن وآخرون‪ ،‬أسس علم التجتماع‪ ،‬مطبعة البيان العربي‪ ،‬القاهرة )التاريخ‬ ‫غير مبين(‪.‬‬ ‫‪ -21‬فردريك انتجلز‪ ،‬التفسير الشتراكي للتاريخ‪ ،‬عربها وعلق عليها راشد البراوي‪ ،‬دار النهضة‬ ‫العربية‪ ،‬القاهرة‪ ،‬الطبعة الةثانية‪.1968 ،‬‬ ‫‪ -22‬ف‪ .‬كونستانتيلوف وف‪ .‬كيل‪ ،‬علم التجتماع الماركسي‪ ،‬ترتجمة سعد صموئيل‪ ،‬دار الطليعة‪،‬‬ ‫بيروت‪ ،‬الطبعة الولى‪.1970 ،‬‬ ‫‪ -23‬قباري محمد إسماعيل‪ ،‬علم التجتماع اللماني‪ ،‬الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر‪،‬‬ ‫السكندرية‪ ،‬طبعة أولى‪.1971 ،‬‬ ‫‪ -24‬ماكس فيبر‪ ،‬صنعة العلم‪ ،‬تعريب أسعد رزوق‪ ،‬الدار العلمية‪ ،‬بيروت‪ ،‬الطبعة الولى‪.1972 ،‬‬ ‫‪ -25‬محمد عارف عةثمان‪ ،‬المنهج الكيفي والمنهج الكمي في علم التجتماع في ضوء نظرية التكامل‬ ‫المنهتجي لدراسة الظواهر التجتماعية‪ ،‬بحث مقدم للحصول على درتجة الدكتوراه في علم‬ ‫التجتماع‪ ،‬كلية الداب‪ ،‬تجامعة القاهرة‪.1971 ،‬‬ ‫‪ -26‬محمد عاطف غيث‪ ،‬الموقف النظري في علم التجتماع المعاصر‪ ،‬دار الكتب التجامعية‪،‬‬ ‫السكندرية‪.1972 ،‬‬ ‫‪213‬‬


‫‪ -27‬محمد فتحي الشنيطي‪ ،‬الفلسفة الماركسية أصولها اليديولوتجية وتطبيقاتها التجتماعية‪ ،‬دار‬ ‫المعرفة‪ ،‬القاهرة‪.1958 ،‬‬ ‫‪ -28‬مخطوطات كارل ماركس لعام ‪ ،1844‬ترتجمة محمد مستتجير مصطفى‪ ،‬دار الةثقافة التجديدة‪،‬‬ ‫القاهرة‪.1974 ،‬‬ ‫‪ -29‬نوربيرت فينر‪ ،‬السبرنتيكا‪ ،‬ترتجمة رمسيس شحاته واسحق إبراهيم حنا‪ ،‬الهيئة المصرية العامة‬ ‫للكتاب‪ ،‬القاهرة‪.1972 ،‬‬ ‫‪ -30‬نيقول تيماشيف‪ ،‬نظرية علم التجتماع طبيعتها وتطورها‪ ،‬ترتجمة محمود عودة وآخرون ومراتجعة‬ ‫محمد عاطف غيث‪ ،‬دار المعارف بمصر‪ ،‬القاهرة‪ ،‬الطبعة الولى‪.1970 ،‬‬ ‫‪ -31‬هانز ريشنباخ‪ ،‬نشأة الفلسفة العلمية‪ ،‬ترتجمة فؤاد زكريا‪ ،‬دار الكاتب العربي للطباعة والنشر‪،‬‬ ‫القاهرة‪.1968 ،‬‬ ‫‪ -32‬هربرت ماركيوز‪ ،‬العقل والةثورة ‪ :‬هيتجل ونشأة النظرية التجتماعية‪ ،‬ترتجمة فؤاد زكريا‪ ،‬الهيئة‬ ‫المصرية العامة للتأليف والنشر‪ ،‬القاهرة‪.1970 ،‬‬

‫) ب ( دوريات ‪:‬‬

‫‪ -33‬أحمد القصير‪» ،‬المنهج التجدلي في علم التجتماع«‪ ،‬في متجلة »الداب«‪ ،‬بيروت‪ ،‬نيسان‬ ‫)ابريل(‪.1972 ،‬‬ ‫‪ -34‬أ‪ .‬ر‪ .‬رادكليف براون‪» ،‬في البناء التجتماعي«‪ ،‬ترتجمة عبد الحميد الزين ومراتجعة أحمد أبو‬ ‫زيد‪ ،‬في »متجلة مطالعات في العلوم التجتماعية«‪ ،‬مركز التعاون العلمي لليونسكو في الشرق‬ ‫الوسط ودار المعارف بمصر‪ ،‬العددان السابع والةثامن‪ ،‬صيف‪ /‬خريف ‪.1960‬‬ ‫‪ -35‬ايتجور سوكولوف‪» ،‬التقدم العلمي والتكنولوتجي والتغير التجتماعي«‪ ،‬ترتجمة أحمد القصير‪ ،‬في‬ ‫متجلة »الكاتب«‪ ،‬العدد ‪ ،157‬ابريل ‪.1974‬‬ ‫‪ -36‬حسن الساعاتي‪» ،‬تطور المدرسة الفكرية لعلم التجتماع في مصر«‪ ،‬في »المتجلة التجتماعية‬ ‫القومية«‪ ،‬العدد الول‪ ،‬يناير ‪.1964‬‬ ‫‪ -37‬تجورج تجورفيتش‪» ،‬مفهوم البناء التجتماعي«‪ ،‬ترتجمة خليل صابات‪ ،‬في متجلة »مطالعات في‬ ‫العلوم التجتماعية«‪ ،‬العددان السابع والةثامن‪ ،‬صيف‪ /‬خريف ‪.1960‬‬ ‫‪ -38‬ريموند فيرث‪» ،‬بعض مبادئ البناء التجتماعي«‪ ،‬ترتجمة محمود محمد الشربيني مراتجعة أحمد‬ ‫أبو زيد‪ ،‬في متجلة »مطالعات في العلوم التجتماعية«‪ ،‬العددان السابع والةثامن‪ ،‬صيف‪ /‬خريف‬ ‫‪.1960‬‬ ‫‪ -39‬لوسيان سيف‪» ،‬موقع الفلسفة البنائية من المنهج العلمي«‪ ،‬ترتجمة أحمد القصير‪ ،‬في متجلة‬ ‫»الكاتب« العدد ‪ ،134‬مايو ‪.1972‬‬

‫ثانيا ‪ :‬مراجع باللغات الجنبية‬ ‫‪214‬‬


A. BOOKS: 1. Althusser, L. For Marx, Penguin University Books, England, 1969. 2. Althusser, L. and Balibar, E. Reading Capital, Pantheon Books, New York, 1970. 3. Aron, R. Main Currents in Sociological Thought, Vol. 1, Basic Books Inc., New York, 1965. 4. Badcock, C. Levi-Strauss: Structuralism and Sociological Theory, Holmes and Meier Publishers, New York, 1976. 5. Bottomore, T. And Rubel, M. (eds.), Karl Marx, Selected Writings in Sociology and Social Philosophy, Pelican Books, London, 1963. 6. Carver, T. (ed.), Karl Marx: Texts on Method, Barnes and Noble Books, New York, 1975. 7. Davis, K. «The Myth of Functional Analysis as a Speical Method in Sociology and Anthropology», in N. Demerath III and R. Peterson (eds.), System, Change and Conflict, Free Press, New York, 1967. 8. Engels, F. Anti-Duhring, Foreign Languages Publishing House, Moscow, 1962. 9. Ginsberg, M. Essays in Sociology and Social Philosophy, Penguin Books, England, 1968. 10. Glezerman, G. The laws of Social Development, Foreign Languages Publishing House, Moscow, (n.d.). 11. Godelier, M. Rationality and Irrationality in Economics, New Left Books, London, 1972. 12. Godlier, M. «Structure and Contradiction in Capital», in R. Blackburn (ed.), Ideology in Social Science, Fontana-Collins, Glasgow, 1975. 13. Gouldner, A. The Coming Crisis of Western Sociology, Heinemann, London, 1972. 14. Gutvitch, G. Traite de Sociologies, Tome Premier, Presses Universities de France, Paris, 1962. 15. Kelle, V. and Kovalson, M. Historical Materialism, Progress Publishers, Moscow, 1973. 16. Leach, E. Re-thinking Anthropology, Athelones Press, London, 1961. 17. Lenin, V. Collected Works, Vol. 1, Foreign Languages Publishing House, Moscow, 1962. 18. Lenin, V. Collected Works, Vol. 14, Foreign Language Publishing House, Moscow, 1962. 19. Lenin, V. The Three Sources and The Three Component parts of Marxism, Foreign Languages Publishing House, Moscow, 1962. 20. Levi-Strauss, C. The Elementary Structures of Kinship, Eyre and Spottiswoode, London, 1969. 21. Levi-Strauss, C. Structural Anthropology, Penguin University Books, England, 1968.

215


22. Marx, K. A Contribution to the Critique of Political Economy, Progress Publishers, Moscow, 1970. 23. Marx, K. Capital, Vol. 1, Progress Publishers, Moscow, (n.d.). 24. Marx, K. Capital, Vol.II, Progress Publishers, Moscow, 1971. 25. Marx, K. Capital, Vol. III, Progress Publishers, Moscow, 1974. 26. Marx, K. The Eighteenth of Brumaire: Louis Bonaparte, Progress Publishers, Moscow, 1964. 27. Marx, K. Pre-Capitalist Economic Formation, International Publishers, New York, Seventh Printing, 1972. 28. Marx, K. The Poverty of Philosophy, Progress Publishers, Moscow, 1973. 29. Marx, K. Theories of Surplus Value, Progress Publishers, Moscow, 1963. 30. Marx, K. and Engels, F. The German Ideology, Progress Publishers, Moscow, 1964. 31. Marx, K. and Engels, F. Manifesto of The Communist Party, Foreign Languages Press, Peking, 1965. 32. Marx, K. and Engels, F. Selected Correspondence, Foreign Languages Publishing House, Moscow, 1958. 33. Marx, K. and Engels F. Selected Works, Vol. II, Foreign Languages Publishing House, Moscow, 1958. 34. Merton, R. Social Theory and Social Structure, Free Press, Glencoe, 1957. 35. Merton, R. Sociological Ambivalence and Other Essays, Free Press, New York, 1976. 36. Moskvichov, L. The End of Ideology: Illusion and Reality, Progress Publishers, Moscow, 1974. 37. Myrdal, G, Value in Social Theory – a Selection of Essays on Mythology, Harper and Brothers, New York, 1958. 38. Nadel, S. The Theory of Social Structure, Free Press, Viencoe, 1958. 39. Nutini, H. «Some Considerations on the Nature of Social Structure and Model Building: A Critique of Claude Levi-Strauss and Edmund Leach», in E. Hayes and T. Hayes (eds.), Claude Levi-Strauss: The Anthropologist as Hero, M.T.T. Press, England, 1973. 40. Parsons, T. «The Present Status of Structural-Functional Theory in Sociology», in L. Coses (ed.), The Idea of Social Structure-Papers in Honor of Robert K. Merton, Harcourt Brace Jovanovich Inc., New York, 1975. 41. Parsons, T. Essays in Sociological Theory Pure and Applied, Free Press, Glencoe, 1949. 42. Parsons, T. Essays in Sociological Theory, Free Press, New York, 1964.

216


43. Parsons, T. Structure and Process in Modern Societies, Free Press, Glencoe, 1960. 44. Parsons, T. The Structure of Social Action, Free Press, Glencoe, 1949. 45. Piaget, J. Structuralism, Rutledge and Kegan Paul, London, 1971. 46. Radcliffe-Brown, A. Structure and Function in Primitive Society, Oxford University Press, London, 1952. 47. Rosental, M. and Yudin, p. (eds.), A Dictionary of Philosophy, Progress Publishers, Moscow, 1976. 48. Saifulin M. (ed.), The Future of Society, Progress Publishers, Moscow, 1973. 49. Vanden Berghe, P., «Dialectic and Functionalism Toward a Synthesis» in Demerath III and R. Peterson (eds.), System, Change and Conflict, Free Press, New York, 1967. 50. Waddington, C. The Scientific Attitude, Pelican Books, London, 1948. 51. Weber, M. On the Methodology of the Social Sciences, Free Press, Gloncce -Illinois, 1949. 52. Winch, P. The Idea of a Social Science and its Relation to Philosophy, Routledge and Kegan Paul, London, Eighth impression, 1973. 53. Zeitlin, I. Ideology and the Development of Sociological Theory, Prentice-Hall inc., New Jersy, 1968. 54. Zivkovic. L. «The Structure of Marxist Sociology, in P. Berger (ed.), Marxism and Sociology, Appleton-Century -Crofts. New York, 1969.

B. Periodicals: 55. La Nouvelle Revue Internationale Juin, 1971 . 56. Peace, Freedom and Socialism, May 1971.

217


‫الفهـرس‬ ‫صفحة‬

‫مقدمة ‪3 ....................................................................‬‬

‫الباب الول‪ :‬المدخل المعرفي للنظرية الجتماعية‬ ‫الفصل الول‪ :‬الصفة النوعية للظاهرة التجتماعية ‪.........................‬‬ ‫الفصل الثاني‪ :‬القضايا المعرفية للظاهرة التجتماعية ‪......................‬‬

‫‪9‬‬ ‫‪35‬‬

‫الباب الثاني‪ :‬النظريات الجتماعية المعاصرة‬ ‫الفصل الثالث‪ :‬المادية التاريخية ‪..........................................‬‬ ‫الفصل الرابع‪ :‬الوظيفية ‪113 ...........................................‬‬ ‫الفصل الخامس‪ :‬البنيوية\\ ‪............................................‬‬ ‫‪147‬‬

‫الباب الثالث‪ :‬مفهوم البنية الجتماعية‬ ‫الفصل السادس‪ :‬المبادئ المنهتجية لدراسة البنية التجتماعية‪:‬‬ ‫المعالتجات الوظيفية والماركسية والبنيوية ‪171 .........‬‬ ‫‪218‬‬

‫‪63‬‬


‫المراجع ‪219 ......................................................‬‬

‫‪219‬‬

كتاب منهجية علم الاجتماع .. بين الماركسية والوظيفية والبنيوية  

كتاب: منهجية علم الاجتماع بين الماركسية والوظيفية والبنيوية تأليف: د.أحمد القصير إصدار الهيئة المصرية العامة للكتاب الطبعة الثالثة

كتاب منهجية علم الاجتماع .. بين الماركسية والوظيفية والبنيوية  

كتاب: منهجية علم الاجتماع بين الماركسية والوظيفية والبنيوية تأليف: د.أحمد القصير إصدار الهيئة المصرية العامة للكتاب الطبعة الثالثة

Advertisement