Page 1

‫مجلة شهرية بجهود فردية تصدر يف الثاين عرش من كل شهر‬

‫من مظلومية الدين واملذاهب‬ ‫إىل مظلومية الليربالية والحريات‬ ‫د‪.‬عبد العزيز القناعي‬

‫يقدمها‬ ‫أهمية الب ّينات التي ّ‬ ‫غري املسلمني يف الدراسات‬ ‫القرآنية جـ ‪2‬‬

‫‪Ibn Warraq‬‬

‫الحلم التافه غال ًبا هو‬ ‫الذي يقود إىل اإلبداع‬

‫العدد الثاين والثامنون من مجلة امللحدين العرب ‪ -‬سبتمرب ‪ /‬أيلول لسنة ‪.2019‬‬

‫‪John Silver‬‬

‫ما هي الهندوسية؟‬ ‫‪Gogito‬‬

‫(ترجمة شادي سليمي)‬

‫تهدف مجلّة امللحدين العرب إىل نرش وتوثيق أفكار امللحدين العرب املتنوعة وبحريّ ٍة كاملة‪ ،‬وهي مجلّ ٌة رقمي ٌة غري ربح ّية‪ ،‬مبني ٌة‬ ‫أي توج ٍه سيايس‪ .‬املعلومات واملواضيع املنشورة يف املجلّة متثل آراء كاتبيها فقط‪ ،‬وهي مسؤول ّيتهم من‬ ‫بجهو ٍد طوعي ٍة ال تتبع َّ‬ ‫الناحية األدب ّية ومن ناحية حقوق النرش وحفظ امللك ّية الفكريّة‪.‬‬


‫كلمة تحرير املجلة‬

‫يف ذكرى وفاة جون سلفر (‪ )John Silver‬والذي كان أحد مؤسيس مجلة‬ ‫امللحدين العرب وموقع قناة امللحدين بالعريب‪ ،‬واألهم من ذلك هو‬ ‫شقيق يل شخص ًيا‪.‬‬ ‫صديق حكي ٌم للكثريين وأ ٌخ ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫نتذكره يف عملنا الدؤوب يف هذه الرسالة التنويرية والتي عىل الرغم من‬ ‫ٍ‬ ‫لهدف أسمى وأكرب م ّنا‬ ‫وعورة ُسبلها وخطورة طُرقها إال أننا منيض فيها‬ ‫جمي ًعا‪ٌ ،‬‬ ‫هدف اسمه املستقبل‪ .‬ما هو املستقبل الذي تتمنى أن تعيش‬ ‫فيه؟ يف عاملنا املمتد من الرشق األوسط إىل شامل أفريقيا نتمنى االزدهار‬ ‫واألمان‪ ،‬فقد نخرت الحروب واملآيس واملستبدون قلوبنا وأصبحت أبسط‬ ‫لم عيص املنال لدى الكثريين منا‪ .‬نتمنى أن يأيت يو ٌم‬ ‫حقوق اإلنسان ُح ً‬ ‫يستطيع أطفالنا أو أحفادنا الذهاب للمدرسة بدون القلق من مفج ٍر‬ ‫انتحاري يريد الوصول بدون (ترانزيت) إىل السامء السابعة‪.‬‬ ‫ٍّ‬ ‫مستقبل‬ ‫ً‬ ‫نتمنى أن يكرب أبناؤنا بدون أدلج ٍة وغسيل دماغ‪ .‬نريد لهم‬ ‫يستطيعون فيه مساءلة كل يش ٍء بحريّ ٍة وأال يكون التعبري عن سخطهم‬ ‫حكم باإلعدام‪ .‬نريد أن يتوقف النزف‬ ‫بل وحتى عن رأيهم توقي ًعا عىل ٍ‬ ‫االقتصادي الذي يسيل أنها ًرا من الرثوات لدعم املعابد والخرافات‬ ‫واملشعوذين وحسابات بنوك القساوسة والشيوخ والكهان الذين هم‬ ‫مج ّرد عاطلني عن العمل وجدوا ضالتهم يف بيع الوهم ويا لها من تجار ٍة‬ ‫رابح ٍة يف زمن اليأس والخوف‪ .‬نتمنى أن يكون هناك قانو ٌن ٌ‬ ‫حيادي‬ ‫عادل‬ ‫ٌ‬ ‫حاكم‬ ‫علام ٌين نتمكن معه من قول كلمة الحق بدون القلق من‬ ‫بلطجي ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫صبي معلّم‪.‬‬ ‫أو‬ ‫ٍّ‬ ‫(رسرسي) باشا أو ّ‬ ‫نحلم أن تكون هناك مدارس تُد ِّرس العلوم واملنطق وال تخفيها عىل‬ ‫حساب أنها تهدد املنهاج الرئييس املك ّون من الخرافات والشعوذة‬ ‫والعلوم الكاذبة‪ .‬نحلم أن نتمكن من العودة للوطن الذي سيحتضننا‬ ‫دون كر ٍ‬ ‫اهيات عرقي ٍة أو عنرصي ٍة أو طائفي ٍة أو طبقي ٍة بحيث نتمكن‬ ‫أخ ًريا من زرع البذور وحصد الثامر دون اقتطا ٍع أو خسار ٍة أو إتاوة‪.‬‬ ‫نحلم ونحلم ونحلم بالكثري‪ ،‬ونعرف أن الطريق طويل؛ وأقتبس هنا‬ ‫مقط ًعا من قصيد ٍة قدمي ٍة لشاع ٍر سوري‪:‬‬ ‫أنا ما ُولدتُ بأفقٍ ظليل‪ ....‬وأعل ُم أ ّن احرتاقي طويل‪ ....‬وأين سأُق َه ُر‪....‬‬ ‫أصلب‪...‬أُكوى اشتياقًا … وقد أرمتي َ‬ ‫فوق ُحلمي قتيل‪ ....‬أل ّن الخيا َم‬ ‫ُ‬ ‫تضاريس شعبي‪ ....‬ألن‬ ‫الجسو َر السجو َن الكامئن عىل الجر ِح ظلت‬ ‫َ‬ ‫الهوي َة كرتُ اإلعاشة‪ ....‬أل ّن الهمو َم ارتطا ُم الجبال‪ ....‬أل َّن احرت َاق الخاليا‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫زحوف الرما ِل العقيمة‬ ‫وآهات قه ِر نسي ُم الهجري‪ ....‬أل ّن‬ ‫وقو ُد الشتاء‪....‬‬ ‫ُ‬ ‫يأس الرجال…‬ ‫سحق الربي َع ِ‬ ‫تحاول َ‬ ‫برحم ال ِتالل‪ ....‬لهذا تكو ُن الخيان ُة َ‬ ‫ٌ‬ ‫الغيوم احتضا َن الجرمية‪ .‬وألن هناك ٌ‬ ‫وعقول حكيم ٌة‬ ‫رجال أوفيا ُء‬ ‫وصمت‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬

‫‪2‬‬

‫فريق التحرير‬

‫املشارك يف هذا العدد‬

‫رئيس التحرير‬ ‫الغراب الحكيم‬ ‫أعضاء هيئة التحرير وبناء املجلة‬ ‫‪John Silver‬‬ ‫‪Gaia Athiest‬‬ ‫أسامة البني (الوراق)‬ ‫‪Alia’a Damascéne‬‬ ‫غيث جابري‬ ‫‪Abdu Alsafrani‬‬ ‫‪Raghed Rustom‬‬ ‫‪Johnny Adams‬‬ ‫ليث راوندي‬ ‫‪Rama Salih‬‬ ‫إيهاب فؤاد‬ ‫‪Yonan Martotte‬‬

‫وقلوب شجاع ٌة يف هذا الزمان كان ال بد أن يحدث‬ ‫ٌ‬ ‫يشء‪ ....‬ال بد أن تُزرع بذرة‪ ....‬ال بد أن تقال‬ ‫كلم ٌة ليك ال نقع يف اليأس وميوت الحلم‪ ....‬وليك‬ ‫نكون عىل عهد من رحلوا نحمل راي ًة من الرايات‬ ‫العديدة التي تحلم ٍ‬ ‫بغد أفضل لنسري عىل هذا‬ ‫الدرب «م ًعا نحو مستقبلٍ منري»‪.‬‬

‫الغراب الحكيم‬


‫الفهرس‬ ‫كلمة تحرير املجلة‬

‫‪2‬‬

‫الفهرس‬

‫‪3‬‬

‫من مظلومية الدين واملذاهب إىل مظلومية‬ ‫الليربالية والحريات‬ ‫د‪ .‬عبد العزيز القناعي‬

‫‪4‬‬

‫أهمية الب ّينات التي يقدّمها غري املسلمني يف‬ ‫الدراسات القرآنية جـ ‪2‬‬ ‫‪Ibn Warraq‬‬

‫‪8‬‬

‫قراءة يف كتاب «كشف الحلقة املفقودة بني ‪27‬‬ ‫أديان التعدد والتوحيد» لخزعل املاجدي‬ ‫هيثم األخرس‬ ‫خلف خطى يسوع جـ ‪ :5‬يسوع الثائر‬ ‫الغريب بن ماء السامء‬

‫‪31‬‬

‫ما هي الهندوسية؟‬ ‫‪Cogito‬‬

‫‪46‬‬

‫بيت السكة (قصة قصرية)‬ ‫الغراب الحكيم‬

‫‪59‬‬

‫الحلم التافه غال ًبا هو الذي يقود إىل اإلبداع ‪66‬‬ ‫‪John Silver‬‬ ‫كاريكاتور‬

‫‪70‬‬

‫مالحظة‪ :‬عناوين املقاالت هي روابط‪ ،‬انقروا عليها لتأخذكم مبارش ًة إىل املقال‬

‫‪3‬‬


‫من مظلومية الدين‬ ‫واملذاهب إىل مظلومية‬ ‫الليربالية والحريات‬

‫د‪.‬عبد العزيز القناعي‬

‫اإلنتاج الغزير لرسديات املظلومية يف املنطقة العربية‬ ‫واإلسالمية أصبح اليوم مرتك ًزا ملامرسة الظلم عىل اآلخر‬ ‫رشا أم ضد الدولة واملجتمع‪ .‬وهذه‬ ‫املختلف‪ ،‬سوا ٌء أكان ب ً‬ ‫مظلوم إىل ظا ٍمل نجد صداها يف‬ ‫املفارقة الغريبة يف التحول من‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫مجتمعاتا العربية واإلسالمية بشكلٍ ٍ‬ ‫وعنيف ومستم ٍر‬ ‫كثيف‬ ‫ألسباب عد ٍة سنأيت عىل ذكرها الحقًا‪ .‬فاملظلوميات الكثرية‬ ‫ٍ‬ ‫يف التاريخ البرشي يف غالبها تتجه إىل نو ٍع من املظلوميات‬ ‫يف السياسة واالقتصاد والحقوق العاملية‪ ،‬بينام يف مجتمعاتنا‬ ‫ارتكزت عىل الهوية واألصل والدين واملذهب‪ .‬وينطلق مفهوم‬ ‫وشعور الفرد والجامعة بالظلم واملظلومية من االعتقاد‪ ،‬ليس‬ ‫فقط بأن جامعتنا وديننا ووجودنا عىل حق‪ ،‬بل وأن ما ميا َرس‬ ‫ضدنا هو الظلم املطلق بكل األحوال حتى لو أن جامعتنا‬ ‫تفتقد للمقاييس األخالقية‪ ،‬فاملهم واألهم أننا مظلومون‬ ‫وعلينا مواجهة املجتمع والدولة باملزيد من التنازالت من‬ ‫أجل مصلحة جامعتنا‪ .‬ورغم أننا ال ننكر تاريخ ًيا بأن هناك‬ ‫ٍ‬ ‫متييزي‬ ‫جامعات قد تعرضت إىل مظامل حقيقي ٍة عىل نح ٍو‬ ‫ٍّ‬ ‫بأشكا ٍل سياسي ٍة واجتامعية‪ ،‬إال أن استحضارها بشكلٍ عدا ٍّيئ‬

‫ومتييزي ضد اآلخر هو الظلم بعينه بل السذاجة يف‬ ‫وشخيص‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍّ‬ ‫جلب التعاطي مع املظلومية بشكلٍ إنساين‪.‬‬ ‫وحتى نفهم ملاذا استمرت قصص املظلوميات يف املجال‬ ‫التداويل العريب‪ ،‬علينا أن نفهم الذات العربية يف طريقة‬ ‫تعاطيها مع األزمات الوجودية التي تواجهها‪ ،‬فالذات العربية‬ ‫مكبل والحرية ممنوع ٌة والجسد‬ ‫تعيش بشكلٍ مقيد‪ ،‬والعقل ٌ‬ ‫ممته ٌن والوالءات موزع ٌة بني الدين واملذهب والقبيلة‬ ‫والحاكم‪ ،‬ولهذا تكون العدالة مجزأ ًة ومختلف ًة بني أصلها وبني‬ ‫والء اإلنسان ملا يؤمن به دون أن يعطي للعدالة عدالتها يف‬ ‫إطالق األحكام بدون موارب ٍة أو انحياز‪ .‬ومل يتخلص العقل‬ ‫العريب املسلم حتى اليوم من تلك املحددات لغياب سؤال‬ ‫الحرية يف داخله اإلنساين‪ ،‬وبقاء نزعات التعصب والكراهية‬ ‫يف أخالقه وسلوكه ومنط تعليمه وتدينه عىل مدار التاريخ‬ ‫العريب اإلسالمي يك تحدد تعاطيه مع ذاته ومع اآلخرين‬ ‫بشكلٍ ال عقال ٍّين بل دو ٍّين باعتباره فاق ًدا للمعرفة والعقل‬ ‫والفهم‪.‬‬ ‫‪4‬‬


‫من مظلومية الدين واملذاهب إىل مظلومية الليربالية والحريات‬ ‫ينطلق خطاب املظلومية من انكسار النفس وتحطيمها معنويًا ومحاولة االلتصاق بالجامعة والتامهي معها بالشكليات‬ ‫والطقوس الغارقة بالسوداوية والحزن وحض النفس عىل البقاء ضمن دائر ٍة من األمل وانتظار الخالص من خالل التأكيد‬ ‫السيكولوجي كإطالق صفة املذهب املظلوم أو الشعب املظلوم أو الدين املظلوم وهكذا حتى ينغمس الوعي الجمعي‬ ‫حل‪ .‬ولعل أكرث األمثلة وضو ًحا يف مجتمعاتنا العربية واإلسالمية داخل ضمن هذا املفهوم‬ ‫باملظلومية دون أن يجد لها ًّ‬ ‫هو مظلومية الشيعة ومظلومية اليهود والعرب والكرد والسنة واألمازيغ (الرببر) والعلويني واملسيحيني‪ ،‬ومؤخ ًرا ظهرت‬ ‫يف مجتمعاتنا مظلوميات املثليني وامللحدين والليرباليني والحبل عىل الجرار‪.‬‬ ‫ألسباب عدة‪ ،‬يتعلق‬ ‫وتلقى مثل هذه الرسديات روا ًجا يف مجتمعاتنا‬ ‫ٍ‬ ‫بعضها باألنظمة والسلطات الحاكمة التي تستغل هذه األقليات‬ ‫لتحقيق مآرب سياسي ٍة ورضب التيارات السياسية ببعضها البعض‬ ‫إلشغال املجتمع بالرصاعات الداخلية وتغييب قضايا الحريات‬ ‫والدميقراطية وتداول السلطة‪ ،‬ويتعلق بعضها اآلخر بالعطب الداخيل‬ ‫ٍ‬ ‫الذي يصيب تلك األقليات ويحولها إىل فعلٍ‬ ‫وسلوك وطاق ٍة سلبية‪.‬‬ ‫فعىل سبيل املثال استمرت مظلومية الشيعة مئات السنني ألنها متلك‬ ‫تراث ًا عميقًا من مظلومية آل البيت املو ّجه بضمنه ضد أحفاد معاوية‬ ‫أو يزيد‪ ....‬إلخ‪ .‬هذا االستمرار املفجع بالسواد واللطم والحزن يستمد‬ ‫رمزيته وذاكرته من معركة كربالء والحسني الشهيد أو زينب السبية‬ ‫(الحظ اإلسقاط االسمي ومفاعيله النفسية والعاطفية لدى عقلٍ‬ ‫أصل ملذهبه)‪ ،‬وغريهام من األشخاص الذين يتم إحياؤهم‬ ‫محتج ٍز ً‬ ‫تاريخي مكر ٌر ال ينفك عن أدلجة أجيا ٍل كامل ٍة بهذه املظلومية‬ ‫عام مبا فيهم الحيوانات كاألسد وغريه‪ .‬وهو اسرتجا ٌع‬ ‫كل ٍ‬ ‫ٌّ‬ ‫دون التقدم خطو ًة واحد ًة إىل األمام أو تجاوز األمل والحزن والرتكيز عىل املشرتكات اإلنسانية والتعايش وقبول املغاير‪.‬‬ ‫وال غرو أن تستمر تلك الرسدية يف املخيال الشيعي الجمعي‪ ،‬فالعدو أو املنافس أو الظامل هم السنة أو النواصب الذين‬ ‫ميثلون املخزن الداعم لبقاء املظلومية بشكلٍ ٍ‬ ‫متقد ال ينطفئ مام أصاب عالقاتنا السياسية واالجتامعية وحتى االقتصادية‬ ‫ٍ‬ ‫وعداوات ظلت إىل اليوم بشكلٍ‬ ‫مذهبي بني جامع ٍة مؤمن ٍة واحد ٍة يف التاريخ‬ ‫ديني‬ ‫برشو ٍخ‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍّ‬ ‫مأساوي لتُشكّل أطول رصا ٍع ٍّ‬ ‫البرشي‪.‬‬ ‫ويف ملها ٍة أخرى‪ ،‬تتكرر اليوم بشكلٍ‬ ‫مالصق ملظلومية الشيعة مظلومي ٌة من نو ٍع آخر‪ ،‬مظلومي ٌة ال يجب أن تكون كذلك‬ ‫ٍ‬ ‫وال أن تخطو خطاها يف البكاء والحزن‪ ،‬ما عدا اللطم عىل الصدور‪ ،‬ورمبا هي مرحل ٌة الحق ٌة لهم‪ .‬فاليوم تعلو أصوات‬ ‫البعض من الليرباليني ودعاة اإلنسانية والحريات والحقوق باملظلومية التي ي ّدعونها‪ ،‬وبالظلم املام َرس عليهم وضدهم‬ ‫من الناس واملجتمع والدولة وحتى من املثقفني غري املنتمني إليهم‪ .‬هذه املظلومية‪ ،‬وأرى أن أسميها باسمها املناسب‬ ‫وهو مظلومية االستعالء النفاقي‪ ،‬لكونها تنطلق مام يُسمى بالنخب املثقفة أو املفكرة أو الناشطة سياس ًيا واجتامع ًيا‬ ‫وحقوق ًيا إىل آخر هذه املسميات الخالية من أي مضمونٍ فكري‪ ،‬وليت شعري أي نو ٍع من النخب أو الثقافة تلك التي‬ ‫ٍ‬ ‫إرهاصات سياسي ًة واجتامعي ًة واقتصادي ًة فاعل ًة ومنتج ًة ومؤثر ًة‬ ‫ُغي واقعها أو تنتج‬ ‫تبيك وتنتحب عىل وضعها دون أن ت ّ‬ ‫نخب تلك التي تحارب‬ ‫أي ٍ‬ ‫أو حتى تنتقد األسس الثابتة وتسقط اليقينيات املوروثة التي ي ّدعون أنهم يحاربونها‪ّ ،‬‬ ‫أي ثقاف ٍة تلك التي ترتكز عىل فعل التسفيه واالحتقار‬ ‫الدولة واملجتمع والناس ثم تطلب منهم املساعدة واإلسناد‪ّ ،‬‬ ‫واالزدراء والشتم والطعن لكل من يخالف رأيهم حتى يبقى فكرهم هو الحقيقة املطلقة والصواب األكمل‪ ،‬أي أفرا ٍد‬ ‫‪5‬‬


‫من مظلومية الدين واملذاهب إىل مظلومية الليربالية والحريات‬ ‫هم وقد انغمسوا بالصفقات السياسية واللعب عىل الحبال الوطنية وتشويه مضامني الليربالية والعلامنية والحريات‬ ‫وفقًا ملعتقداتهم الدينية والقبلية ومكانتهم االجتامعية التي ال يريدون فقدانها من أجل عيون الليربالية والحريات‬ ‫والحقوق‪ .‬فالسجون ليست مكانهم‪ ،‬وإمنا اللطم واتهام الكل والهروب إىل الخارج وحضور املؤمترات والسكن يف الفنادق‬ ‫هو نضالهم املوعود‪.‬‬ ‫إن الخطري يف موضوع املظلوميات‬ ‫وجعلها واق ًعا ال ميكن نقده أو‬ ‫إلغاءه‪ ،‬ترت ّبت عليه أمو ٌر معنوي ٌة‬ ‫أول‪،‬‬ ‫ونفسي ٌة ومجتمعي ٌة متثلت‪ً :‬‬ ‫أن املظلوم بكل أشكاله البد له‬ ‫أن يبقى أسري ظالمه وظالمته‬ ‫ومظلوميته انتظا ًرا للمخلّص الذي‬ ‫سوف ينقذه ويعيد العدالة إىل‬ ‫مجراها‪ ،‬وهذا التعطيل للذات‬ ‫يؤدي بالرضورة إىل بقاء الكراهية‬ ‫متوجسا من اآلخر املختلف ومنعزلً ضمن جامعته وهويته ال مع مواطنته‪ .‬وثان ًيا‪،‬‬ ‫نافذ ًة ومستمرةً‪ ،‬وبقاء هذا الفرد‬ ‫ً‬ ‫يك تستمر املظلومية يجب أن تتوافر قي ٌم مجتمعي ٌة وثقاف ٌة مجتمعي ٌة وقوانني مجتمعي ٌة تدعم وتحض عىل املظلومية‬ ‫وترشيعها وإضفاء القداسات عليها وعىل أصحابها واستغاللها سياس ًيا يف السباق عىل السلطة والربملان‪ ،‬مام يعطل بالتايل‬ ‫انتاجية املجتمع والعمل وإشغال القضاء والترشيع القانوين بقضايا ال طائل من ورائها أو ال تجدي نف ًعا للمجتمع والدولة‬ ‫ٍ‬ ‫يف التقدم كام يف حالة املظلومية الشيعية‪ ،‬أو يف خلق رص ٍ‬ ‫تشوهات‬ ‫اعات سياسي ٍة وحزبي ٍة تعيق الدميقراطية وتخلق‬ ‫يف مفاهيم النقد والحداثة كام لدى مظلومية الليرباليني وامللحدين الجدد‪ .‬وثالثًا‪ ،‬بقاء الصور واألشكال والتمظهرات‬ ‫الطقوسية ميثل عالم ًة عىل االنسداد التاريخي والفشل الحضاري الذي تعيشه الشعوب واملجتمعات العربية واإلسالمية‬ ‫يف العرص الحديث‪.‬‬ ‫رش عىل‬ ‫إن وجود الظلم واستمراره‪ ،‬ووجود املظلوميات وانتشارها‪ ،‬ليس ً‬ ‫دليل عىل صحة الذات واملجتمع‪ ،‬بل هو مؤ ٌ‬ ‫وخصوصا الحديثة‪ ،‬أن نفصل‬ ‫واجتامعي كبريين‪ .‬لذا يلزمنا اليوم‪ ،‬يف سبيل مواجهة املظلوميات الظاملة‬ ‫سيايس‬ ‫انحدا ٍر‬ ‫ً‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍّ‬ ‫بني املفاهيم الحداثية وبني من يدعي متثيلها‪ ،‬كام‬ ‫وعلينا مقاومة وتفكيك مقوالت نحن األفضل وغرينا‬ ‫األسوأ واستبدالها بفكر املواطنة واملساواة والتعايش‬ ‫األخالقي‪ .‬فالعدالة تقتيض أن يكون اإلنسان مساويًا‬ ‫لآلخر وال يتفوق عليه بسبب دينه أو هويته أو‬ ‫ثقافته‪ ،‬وأخ ًريا علينا مواجهة من يفصل الحقائق عىل‬ ‫منطقه الخاص أن نذكّره بالتاريخ‪ ،‬وأن ليس هنالك‬ ‫من يش ٍء خارج التأويل النعدام الحقائق العلمية يف‬ ‫العصور القدمية‪.‬‬ ‫‪6‬‬


‫‪http://www.ahewar.org‬‬

‫ﺍﳌﻮﻗﻊ ﺍﻟﺮﺋﻴﺴﻲ ﳌﺆﺳﺴﺔ ﺍﳊﻮﺍﺭ ﺍﳌﺘﻤﺪﻥ‬ ‫ﻳﺴﺎﺭﻳﺔ ‪ ,‬ﻋﻠﻤﺎﻧﻴﺔ ‪ ,‬ﺩﳝﻘﺮﺍﻃﻴﺔ‬ ‫"ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﻣﺠﺘﻤﻊ ﻣﺪﻧﻲ ﻋﻠﻤﺎﻧﻲ ﺩﳝﻘﺮﺍﻃﻲ‬ ‫ﺣﺪﻳﺚ ﻳﻀﻤﻦ ﺍﳊﺮﻳﺔ ﻭﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻟﻠﺠﻤﻴﻊ"‬

‫‪7‬‬


‫يقدمها غري‬ ‫أهمية الب ّينات التي ّ‬ ‫املسلمني يف الدراسات القرآنية جـ ‪2‬‬

‫‪Ibn Warraq‬‬

‫البحث القرآين يف القرن التاسع عرش‬

‫(‪)1‬‬

‫ازدهرت الدراسة العلمية لإلسالم واللغة‬ ‫ٍ‬ ‫العربية والقرآن بشكلٍ‬ ‫ملحوظ خالل‬ ‫مفاجئ‬ ‫القرن التاسع عرش‪ ،‬فظهر عد ٌد‬ ‫ٌ‬ ‫بكرب حجمه من علامء اإلسالميات األملان‬ ‫بشكلٍ‬ ‫أسايس مع بعض الربيطانيني‬ ‫ٍ‬ ‫والسويديني‪ ،‬وقد كان ظهورهم‬ ‫ٍ‬ ‫الهوت پروتستانتي‪ ،‬يبحثون‬ ‫كأساتذة‬ ‫يف العهد القديم ومن املدارس‬ ‫اليهودية الحاخامية متأثرين بقيم‬ ‫عرص التنوير‪.‬‬

‫‪ -1‬لقد استفدت جدًا من مذكرات غونرت لولنغ ‪ Gunter Lüling‬وتاريخه يف االسترشاق األملاين‪:‬‬ ‫‪G. Lüling, Preconditions for the Scholarly Criticism of the Koran and Islam, with some‬‬ ‫‪Autobiographical Remarks The Journal of Higher Criticism, Vol.3 Spring 1996, pp.73-109.‬‬

‫‪8‬‬


‫يقدمها غري املسلمني‬ ‫أهمية الب ّينات التي ّ‬ ‫يف الدراسات القرآنية جـ ‪2‬‬

‫‪Ibn Warraq‬‬

‫مثل انتقال باحثني من أمثال يوليوس ڤلهاوزن‬ ‫نرى ً‬ ‫(‪ Julius Wellhausen (1918-1844‬وفريدريخ شْ ڤايل‬ ‫(‪ Friedrich Schwally (1919-1863‬من أعضاء هيئة‬ ‫كليات الالهوت الپروتستانتي إىل القسم العريب يف كليات‬ ‫فقه اللغة (الفيلولوجيا) حديثة اإلنشاء بعد أن دخال يف‬ ‫مشاكل مع من هم أعىل منهم بسبب آرائهم الليربالية‬ ‫الناقدة للجمود العقائدي‪ .‬فقد ترك ڤلهاوزن الالهوت‬ ‫ألجل دراسة العربية واإلسالم عام ‪ ،1882‬ألنه مل يشأ إحداث‬ ‫بلبل ٍة لدى طالبه بآرائه املتطرفة نظ ًرا ألن غالبيتهم سينتهي‬ ‫شڤايل‬ ‫ڤلهاوزن‬ ‫املطاف بهم إىل العمل الكنيس‪ .‬أما شْ ڤايل فقد تم رفض ترقيته لريأس قسم دراسات العهد القديم عندما طرح فكر ًة‬ ‫وجدتها باقي هيئة الكلية املحافظة أكرث مام ميكن أن تحتمل حني قال‪« :‬أن حديث األخرويات ‪ Eschatology‬وتوقع‬ ‫(‪)3( )2‬‬ ‫عودة املسيح هي أمو ٌر تعود يف أصلها للدين اإلرسائييل القديم املتعلق باألماكن العالية ‪».‬‬ ‫شقيق دون‬ ‫جلب هؤالء الباحثون‪ ،‬ال سيام اليهود منهم‪ ،‬معرف ًة عميق ًة يف اللغات السامية ونو ًعا من التعاطف مع دينٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫مبحث فيلولوجي‪.‬‬ ‫هجوم أو سجاالت‪ .‬ومع العلمنة التدريجية للمجتمع األوروپي‪ ،‬تحولت دراسة اإلسالم والقرآن إىل‬ ‫ٍ‬ ‫وبحسب لورنس كونراد ‪ ،Lawrence Conrad‬فقد شهدت بدايات القرن التاسع عرش ازديا ًدا يف املهنية واالحرتاف‬ ‫يف مجال البحث االسترشاقي‪ ،‬وباألخص يف أملانيا وهولندا‪ ،‬إذ تركزت أبحاث أساتذة الجامعات فيها عىل «جوانب‬ ‫فقه اللغة (الفيلولوجيا) والجوانب النصية‪ ،‬وكان ذلك بقد ٍر كبريٍ بسبب الدور الذي لعبه الباحث ه‪ .‬ل‪ .‬فاليرش‬ ‫‪( ».H. L. Fleischer‬انظروا أدناه ملعرفة سريته)(‪ .)4‬فهو كان قد د ّرب ثالثة أجيا ٍل من‬ ‫الطالب الذين سيطروا الحقًا عىل مبحث دراسات الرشق األوسط يف أملانيا‪ .‬وعنى الرتكيز عىل‬ ‫الجوانب النصية والفيلولوجية أن نرش النصوص واملصادر العربية كان يف غاية األهمية‪ ،‬مام‬ ‫يعني أهمية أعامل باحثني من أمثال ڤوستنفلد ‪( Wustenfeld‬راجعوا أدناه)‪ ،‬آل ُويز شپرنغر‬ ‫(‪ Aloys Sprenger (1893-1813‬والباحث يف الشؤون العربية الهولندي م‪ .‬ي‪ .‬دي غويه‬ ‫(‪ .M. J. de Goeje (1909-1836‬ومل يستطع املسترشقون تطوير ٍ‬ ‫صارم إال‬ ‫علمي ٍ‬ ‫بحث ٍ‬ ‫بالتدريج عىل مدار القرن التاسع عرش‪ ،‬حيث انحرص ذلك يف مجال الدراسات التاريخية؛‬ ‫طويل‪ ،‬وهو مل مير بنفس التمحيص الفيلولوجي الذي أُخضع‬ ‫أما النقد القرآين فتلكّأ ً‬ ‫فاليرش‬

‫‪ -2‬األماكن العالية‪ :‬במות‪ ،‬ومفردها במה وتستعمل يف العربية املعارصة لتعني منصة أو مرسح‪[ .‬مالحظة املرتجم]‪.‬‬

‫‪3- G. Lüling op. cit. p.74 and footnote 2.‬‬ ‫‪4- Lawrence I. Conrad, Introduction to J. Horovitz, The Earliest Biographies of the Prophet and their Authors. Princeton: Darwin Press, 2002, pp.x-xi.‬‬

‫‪9‬‬


‫يقدمها غري املسلمني‬ ‫أهمية الب ّينات التي ّ‬ ‫يف الدراسات القرآنية جـ ‪2‬‬

‫‪Ibn Warraq‬‬

‫إليه الكتاب املق ّدس بع ُد من طرف النقاد األملان‪ .‬وقد كتب جون وانزبرو ‪ John Wansbrogh‬يف زمنٍ غري بعيد‪ ،‬عام‬ ‫‪ ،1975‬أنه يتحرس عىل «أن القرآن من حيث هو وثيق ٌة قابل ٌة للتحليل بأدوات وتقنيات نقد الكتاب املق ّدس ال زال‬ ‫ٍ‬ ‫مستكشف تقري ًبا‪ .‬فمن ناحية‪ ،‬توجد عوائق عقائدي ٌة‬ ‫كتابًا غري‬ ‫معروف ٌة تحول تقليديًا دون إنجاز هذا البحث‪ .‬وهذه العوائق‬ ‫ال تقترص عىل اعتبار القرآن كالم الله غري املخلوق الذي ال‬ ‫شكل أو مضمونًا‪ ،‬وإمنا تتعدى ذلك لتشمل‬ ‫ميكن اإلتيان مبثله ً‬ ‫التاريخ اإلسالمي بأرسه‪ ،‬وتلك مجتمع ًة خلقت رسدي ًة معقول ًة‬ ‫ملالبسات نزول الوحي مام ثبط من العزمية لفحص القرآن من‬ ‫حيث هو عين ٌة متثل منطًا أدب ًيا تقليديًا»(‪.)5‬‬ ‫ريپني‬

‫قائل‪« :‬لطاملا قابلت أفرا ًدا جاؤوا لدراسة اإلسالم من خلفيات دراس ٍة‬ ‫ويؤيد آندرو ريپني ‪ Andrew Rippin‬إحباط وانزبرو ً‬ ‫نقدي يف الكتب‬ ‫عبوا عن دهشتهم النعدام وجود فك ٍر ٍ‬ ‫تاريخي ٍة للكتاب املق ّدس اليهودي أو للمسيحية املبكرة‪ ،‬والذين ّ‬ ‫ٌ‬ ‫وواضح هي فكر ٌة يفرتضها الكثري ممن يكتبون تلك‬ ‫معروف‬ ‫التعريفية باإلسالم‪ ،‬ففكرة أن تاريخ والدة اإلسالم هو تاري ٌخ‬ ‫ٌ‬ ‫الكتب‪ .‬ورغم اإلقرار بالحاجة للتوفيق بني الروايات التاريخية املختلفة‪ ،‬ال يبدو أن األمر يطرح مشكل ًة يف وجه أولئك‬ ‫الكتّاب تتعدى قيامهم باتخاذ قرا ٍر بصدد ما يرونه معقولً بحسب املوقف‪ .‬لكن بالنسبة للطالب املعتادين عىل مناهج‬ ‫نقد املصادر ‪ Source criticism‬واإلنشاء املبني عىل الصيغ ‪ Oral formulaic composition‬والتحليل األديب والبنائية‬ ‫‪ ،Structuralism‬وهي كلها أدواتٌ ت ُستخدم لدراسة اليهودية واملسيحية‪ ،‬فإن الدراسة التاريخية الساذجة املستخدمة‬ ‫لتحليل اإلسالم توحي وكأمنا دراسة اإلسالم ليست بنفس الشفافية األكادميية التي تستعمل لغريه»(‪.)6‬‬ ‫وأخ ًريا يق ّدم جيمس بالمي ‪ James A. Bellamy‬التعليقات الهامة التالية‪« :‬مثة مزي ٌة غريب ٌة متيز الدراسات القرآنية يف‬ ‫الغرب خالل الـ ‪ 150‬سن ًة املاضية تتمثل بقلة االهتامم بالنص القرآين نفسه‪ .‬لقد ق ّدم االسترشاق العديد من الكتابات‬ ‫عن القرآن‪ ،‬وهذا يُحسب له‪ ،‬لكن‪ ،‬عند البحث عن التطبيق النظامي لتقنيات النقد النيص ملشاكل القرآن النصية نجده‬ ‫معدو ًما‪ ،‬مقارن ًة بالجهود املوصولة التي بذلها باحثو الكتاب املق ّدس يف هذا املجال عىل مر القرون املاضية بهدف‬ ‫ٍ‬ ‫استثناءات قليلة‪ ،‬حذوا حذو املفرسين‬ ‫تحسني نوعية النص الذي يدرسونه‪ ....‬أيًا كانت األسباب‪ ،‬فالباحثون الغربيون‪ ،‬مع‬ ‫املسلمني باالمتناع عن تعديل النص‪ ،‬فعندما تعرتضهم مشكلة‪ ،‬نرى الباحثني الغربيني يلجؤون إىل أصول الكلامت ور ّدها‬ ‫قيم من الدراسة املتعلقة بالقرآن وأصول اإلسالم‪ ،‬لكنهم مارسوا‬ ‫إىل مصادرها األجنبية‪ ،‬وهم بذلك راكموا قد ًرا كب ًريا ً‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫نصوص فاسدة‪ ،‬مام ولّد بالتايل محض‬ ‫مهاراتهم تلك عىل‬ ‫خياالت وهمية»(‪.)7‬‬ ‫‪5- J. Wansbrough, Quranic Studies, Amherst: Prometheus Books, 2004, p.xxi.‬‬ ‫‪6- A. Rippin, Muslims. Their Religious Beliefs and Practice, Vol. 1: The Formative Period, London, 1991, p. ix.‬‬ ‫‪7- J. Bellamy, Some Proposed Emendations to the Text of the Koran, in JAOS 13, (1993) pp.562-73., also in Ibn Warraq ed. What the Koran Really‬‬ ‫‪Says, Amherst: Prometheus Books, 2002. p.488.‬‬

‫‪10‬‬


‫يقدمها غري املسلمني‬ ‫أهمية الب ّينات التي ّ‬ ‫يف الدراسات القرآنية جـ ‪2‬‬

‫‪Ibn Warraq‬‬

‫قمت باستخراج بعض األمثلة من القامئة الجزئية التي جمع فيها غونرت لولينغ ‪Gunter‬‬ ‫ٍ‬ ‫خلفيات مسيحي ٍة والهوتي ٍة‬ ‫‪ Lüling‬أسامء الباحثني يف اإلسالم الذين جاؤوا للمبحث من‬ ‫تلمودية‪ ،‬وقد ركزت عىل أولئك الذين اشتغلوا يف مجاالت الدراسات القرآنية‪ ،‬مضيفًا‬ ‫بعض الوصف لكل منهم‪ .‬فعىل الجانب املسيحي لدينا التالية أسامؤهم‪:‬‬ ‫‪ -1‬هايرنيخ فاليرش (‪ Heinrich Fleischer )1888-1801‬والذي درس الالهوت يف أملانيا‬ ‫ثم توجه إىل پاريس حيث اكتسب معرف ًة عميق ًة باللغات العربية والفارسية والرتكية‪ .‬كان‬ ‫فاليرش أستاذ ٍ‬ ‫جاذب يف جامعة اليپتسيغ ‪ ،Leipzig‬استقطب طالبًا‬ ‫أسلوب‬ ‫لغات رشقي ٍة ذا‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫جاعل بذلك جامعة اليپتسيغ أحد أكرث املراكز املرموقة يف الدراسات‬ ‫من أرجاء أوروپا‪ً ،‬‬ ‫لولينغ‬ ‫العربية حول العامل‪ ،‬وقد كان من مؤسيس الجمعية الرشقية األملانية ‪Deutsche Morgenländische Gesellschaft‬‬ ‫عام ‪ ،1845‬وال زالت إسهامات فاليرش الفيلولوجية يف الدراسات القرآنية تحتفظ بأهميتها إىل اليوم(‪.)8‬‬ ‫‪ -2‬هايرنيخ إيڤالد (‪ ،Heinrich Ewald )1875-1803‬والذي كان قد درس الالهوت والفيلولوجيا الكالسيكية‬ ‫ٍ‬ ‫سنوات يف توبنغن‬ ‫واللغات السام ّية يف غوتنغن ‪ ،Göttingen‬والتي عاد إليها للتدريس بعد عملٍ دام عرش‬ ‫‪ .Tübingen‬ويعترب إيڤالد من مؤسيس مبحث الفيلولوجيا السام ّية يف أملانيا‪ ،‬وتشمل كتاباته «قواعد اللغة العربية» (‪)1828‬‬ ‫‪Grammatik der hebräischen Sprache‬؛ «القواعد النقدية للغة العربية» (‪Grammatica critica linguae )1831-33‬‬ ‫‪arabicae‬؛ وكتاب «حول الكتابات العربية للفالسفة اليهود» (‪Über die arabische geschriebenen Werke )1844‬‬ ‫‪.jüdischer prachgelehrten‬‬ ‫‪ -3‬فرديناند ڤوستنفلد (‪ ،Ferdinand Wüstenfeld )1899-1808‬والذي درس اللغات الرشقية يف غوتنغن وبرلني‪،‬‬ ‫وقام بتحرير العديد من النصوص العربية التي كتبها مؤرخون وجغرافيون من أمثال ابن خلّكان وابن هشام وابن قتيبة‬ ‫وابن دريد والنووي‪ ،‬وياقوت الحموي‪ ،‬والقزويني‪.‬‬ ‫‪ -4‬وليام روبرتسون سميث (‪ William Robertson Smith )1894-1846‬وقد درس الالهوت يف إدنربه‬ ‫‪ Edinburgh‬وبون ‪ Bonn‬وغوتنغن‪ .‬ويف العام ‪ 1870‬ا ُنتخب رئيس قسم اللغات الرشقية يف كلية الكنيسة الحرة يف‬ ‫آبردين ‪ ،Free Church College of Aberdeen‬لكنه عند محاولته إدراج أفكا ٍر اكتسبها من الباحثني األملان الناقدين‬ ‫للجمود العقدي‪ ،‬طُلب إليه مغادرة منصبه‪ ،‬إال أنه متكن من الحصول عىل منصب أستا ٍذ يف اللغة العربية يف كيمربدج‬ ‫ٍ‬ ‫توصيات من العديد من الباحثني يف اإلسالميات‪ .‬وقد كان لكتابه «القرابة والزواج يف تاريخ‬ ‫‪ Cambridge‬مبساعدة‬ ‫الجزيرة العربية املبكر» ‪ ،Kinship and Marriage in Early Arabia 1885‬عظيم األثر يف تصوير الخلفية االجتامعية‬ ‫التي ظهر اإلسالم منها‪.‬‬ ‫‪8- H. Fleischer, Kleinere Schriften, 3 Vols, Leipzig, 1885-1888. Lüling finds much of interest in Fleischer’s comments on the Arabic negative particle kalla.‬‬

‫‪11‬‬


‫يقدمها غري املسلمني‬ ‫أهمية الب ّينات التي ّ‬ ‫يف الدراسات القرآنية جـ ‪2‬‬

‫‪Ibn Warraq‬‬

‫‪ -5‬كارل فولرز (‪ ،Karl Vollers )1909-1857‬والذي درس الالهوت واللغات الرشقية يف توبنغن‪ ،‬ويف هاله ‪،Halle‬‬ ‫وبرلني وشرتاسبورغ ‪ .Straßburg‬عمل أمني مكتب ٍة يف كلٍ من برلني والقاهرة‪ ،‬ثم صار أستاذًا للغات السام ّية يف يينا ‪،Jena‬‬ ‫وحرر عد ًدا من األعامل الكالسيكية العربية‪ .‬سأعود الحقًا ألناقش أفكا ًرا ق ّدمها متت شيطنتها‪.‬‬ ‫ِس (‪ .Friedrich Schulthess )1922-1868‬درس الالهوت واللغات الرشقية يف بازل ‪Basel‬‬ ‫‪ -6‬فريدريخ شول ْته ْ‬ ‫ٍ‬ ‫جامعات مرموق ٍة عديدة‪ ،‬وضمت‬ ‫وغوتنغن وشرتاسبورغ وزوريخ ‪ .Zürich‬شغل منصب أستاذ الفيلولوجيا السام ّية يف‬ ‫اسات لسو ٍر قرآنية‪ ،‬ودر ٍ‬ ‫إسهاماته در ٍ‬ ‫اسات لشعراء سبقوا اإلسالم‪ ،‬مثل أمية بن أيب الصلت‪ ،‬ثم لنص كليلة ودمنة‪ ،‬وأجزاء‬ ‫ٍ‬ ‫مخطوطات ُوجدت يف الجامع األموي بدمشق‪.‬‬ ‫‪ -7‬تور آندريه (‪ .Tor Andræ )1947-1885‬درس آندريه اللغات السام ّية وتاريخ الدين يف جامعة أوپساال‬ ‫السويدية ‪ ،Uppsala universitet‬وتضم كتاباته «أصول اإلسالم واملسيحية» ‪Der Ursprung des Islams und das‬‬ ‫‪ ،Christentum‬والذي ع ِمل عىل تأليفه يف أوپساال وستوكهومل عام ‪ ،1928‬وكتابًا لسرية محمد‪.‬‬ ‫أما عىل الجانب اليهودي‪ ،‬فيمكن ذكر من ييل‪:‬‬ ‫‪ -1‬غوستاف ڤايل (‪ ،Gustav Weil )1889-1808‬والذي تلقى تعليمه يف املدرسة التلمودية يف متز ‪Ecole‬‬ ‫‪ Talmudique in Metz‬ثم مىض ليدرس التاريخ واللغة العربية يف جامعات هايدلربغ ‪ Heidelberg‬وپاريس‪ .‬عمل‬ ‫ٍ‬ ‫كمرتجم يف مرص ووصل درج ًة عالي ًة من إتقان العربية‪ ،‬كام وتعلم الفارسية والرتكية‪ .‬انتهى به‬ ‫لسنوات عد ٍة‬ ‫ڤايل‬ ‫ٍ‬ ‫املطاف كأستا ٍذ يف جامعة هايدلربغ‪ .‬تشمل أعامله «مقدم ٌة تاريخية‪-‬نقدي ٌة للقرآن» ‪Historisch-kritische 1844‬‬ ‫‪ ،Einleitung in den Koran‬وكتاب «األساطري التوراتية لدى املسلمني» ‪Biblische Legenden der 1845‬‬ ‫‪ ،Muselmänner‬و«تاريخ الخلفاء» ‪ ،Geschichte der Kalifen 1851-1846‬وقد أظهر يف كتابه األخري هذا ريب ًة‬ ‫بصدد صحة األحاديث‪ ،‬فرغم أن البخاري قام بغربل ٍة حذر ٍة آلالف األحاديث مل تُبقي سوى ‪ 4000‬اعتربها صحيح ًة‪ ،‬فإن‬ ‫ٍ‬ ‫حديث آخر مام تبقى‪ .‬كانت سرية ڤايل ملحمد(‪ ،)9‬واملنشورة‬ ‫ڤايل يرى أن الناقد األوروپي يستطيع استبعاد قرابة ألفي‬ ‫عام ‪ 1843‬أول سري ٍة مبني ٍة عىل معرف ٍة عميق ٍة ونقدي ٍة للمصادر العربية‪ ،‬واألوىل الخالية من االنحياز والتهجم‪ .‬كذلك‪،‬‬ ‫فقد كتب دراس ًة هام ًة يف القرآن(‪ )10‬ت ُعترب «مصد ًرا تاريخ ًيا ومعيا ًرا للتصنيف التأريخي لبعض مجموعات اآليات وحتى‬ ‫ٍ‬ ‫كأساس السرتجاع وإعادة بناء التاريخ»(‪.)11‬‬ ‫بعض السور‪ ،‬هدفه تسهيل استعامل القرآن‬ ‫‪ -2‬آبراهام غايغر (‪ ،Abraham Geiger )1874-1810‬وستتم مناقشته أدناه‪.‬‬ ‫‪9- G. Weil, Muhammad der Prophet.Sein Leben und seine Lehre, Stuttgart, 1843.‬‬ ‫‪10- G. Weil, Historisch-kritische Einleitung in den Koran, Bielefeld, 1844 [Revised edition 1870].‬‬ ‫‪11- Lawrence I. Conrad, Introduction to J. Horovitz. The Earliest Biographies of the Prophet and their Authors. Princeton: Darwin Press, 2002, p.xv.‬‬

‫‪12‬‬


‫يقدمها غري املسلمني‬ ‫أهمية الب ّينات التي ّ‬ ‫يف الدراسات القرآنية جـ ‪2‬‬

‫‪Ibn Warraq‬‬

‫‪ -3‬كارل پاول كاسپاري (‪ Karl Paul Caspari )1892-1814‬والذي درس اللغات السام ّية يف اليپتسيغ‪ ،‬ثم درس‬ ‫الالهوت يف جامعة برلني بعد تحوله إىل املسيحية عام ‪ .1838‬قام بتدريس التفسري التورايت يف السويد‪ ،‬وقد قام وليام‬ ‫راي ت ‪ William Wright‬برتجمة كتابه «قواعد اللغة العربية» ‪ 1848‬إىل اإلنجليزية بعنوان �‪Grammar of the Ara‬‬ ‫‪ bic Language‬بني العامني ‪ 1859‬و‪ ،1862‬ثم قام روبرتسون سميث ‪ Robertson Smith‬وم‪ .‬ي‪ .‬دي غويه ‪M. J. de‬‬ ‫‪ Goeje‬بالعمل عىل نسخ ٍة منقح ٍة بني العامني ‪ 1896‬و‪.1898‬‬ ‫‪ -4‬موريتس شتاينشنايدر (‪ Moritz Steinschneider )1907-1816‬والذي درس الفلسفة واللغات يف پراغ ‪Prague‬‬ ‫ٍ‬ ‫أيضا‬ ‫‪ )Praha‬التشيكية‪ ،‬والتاريخ واللغات الساميّة يف ڤيينا واليپتسيغ وبرلني‪ .‬د ّرس‬ ‫لسنوات عديد ٍة يف برلني‪ ،‬حيث كان ً‬ ‫ٍ‬ ‫مكتبات مهم ٍة واكتشف العديد من املخطوطات التي مل تكن‬ ‫مدي ًرا ملدرسة البنات اليهوديات‪ .‬أجرى أبحاثه يف بضع‬ ‫معروف ًة يف السابق‪ .‬ومن كتاباته «أدبيات اليهود بالعربية» ‪ ،Die arabische Literatur der Juden 1902‬و«الرتجمة‬ ‫األوروپية من العربية حتى منتصف القرن السابع عرش» (‪Die europäischen Übersetzungen aus )1904-1905‬‬ ‫‪.dem Arabischen bis Mitte des 17. Jahrhunderts‬‬ ‫‪ -5‬ياكوب بارت (‪ ،Jacob Barth )1914-1851‬والذي درس يف املعهد الحاخامي يف برلني ‪Rabbiner-Seminar zu‬‬ ‫‪ Berlin‬ويف جامعة برلني‪ .‬وتشمل كتاباته «التكوين االسمي يف اللغات السامية» (‪Die Nominalbildung )91-1889‬‬ ‫‪« ،in den semitischen Sprachen‬دراساتٌ يف أصول املفردات وخاص ًة يف املعجم العربي» ‪Etymologische 1893‬‬ ‫‪ ،Studien zum semitischen, insbesondere hebräischen Lexikon‬وسآيت بالتفصيل عىل أهمية دور بارت أدناه‪.‬‬ ‫أيضا يف املعهد الحاخامي يف برلني‪،‬‬ ‫‪ -6‬هرمن ِر ِك ْندورف (‪ Hermann Reckendorf )1923-1863‬والذي بدأ دراساته ً‬ ‫لكنه ترك دراساته الدينية بهدف العمل عىل الفيلولوجيا الرشقية والفلسفة يف برلني وهايدلربغ واليپتسيغ‪ .‬وقىض آخر‬ ‫أيامه كأستا ٍذ يف جامعة فرايبورغ ‪ .Freiburg‬ومن أعامله «محمد وأتباعه» ‪Mohammed und die Seinen 1907‬؛‬ ‫وكتاب «الرشوط النحوية للغة العربية» ‪Die syntaktischen Verhältnisse des Arabischen 1898‬؛ و«النحو العريب»‬ ‫‪.Arabische Syntax 1921‬‬ ‫‪ -7‬يوزف هوروڤيتس (‪ Josef Horovitz )1931-1874‬وهو ينحدر من عائل ٍة حاخامي ٍة أورثوذوكسي ٍة معروفة‪ .‬نشأ‬ ‫يف فرانكفورت ودرس يف برلني عىل إدوارد زاخاو (‪ ،Eduard Sachau )1930-1845‬والذي كان املحرر العام لكتاب‬ ‫الطبقات البن سعد‪ .‬كانت أطروحة الدكتوراه التي كتبها هوروڤيتس عن علم التأريخ ‪ Historiography‬اإلسالمي‬ ‫(‪)12‬‬ ‫املبكر‪ ،‬كام وألف عد ًدا من الدراسات عن موضوعات القرآن‪ ،‬مبا فيها «أسامء العلم اليهودية ومشتقاتها يف القرآن»‬ ‫و«تحقيقات قرآنية»(‪.Koranische Untersuchungen)13‬‬ ‫‪12- J. Horovitz, Jewish Proper Names and Derivatives in the Koran. HUCA 2 (1925) 145-227.‬‬ ‫‪13- J. Horovitz، Koranische Untersuchungen, Berlin and Leipzig, 1926.‬‬

‫‪13‬‬


Ibn Warraq

‫يقدمها غري املسلمني‬ ّ ‫أهمية الب ّينات التي‬ 2 ‫يف الدراسات القرآنية جـ‬ Abraham Geiger (1810-1874( ‫آبراهام غايغر‬

‫ دخل آبراهام‬Georg Freytag (1788-1861( ‫بتشجيعٍ من معلمه غيورغ فرايتاغ‬ ‫) يف بدايات عقده الثاين يف مسابق ٍة نظمتها هيئة الكلية الفلسفية بجامعة‬14(‫غايغر‬ ‫ وهدفها استجالب دراس ٍة تدور حول املوضوعات القرآنية املشتقة من‬،‫بون‬ ‫ فاز غايغر بالجائزة وقام بتقديم دراسته كأطروحة دكتوراه يف جامعة‬.)15(‫اليهودية‬ ‫أصل بالالتينية‬ ً ‫ تم تنقيح األطروحة املكتوبة‬،‫ بعد ذلك‬.Marburg ‫ماربورغ‬ ‫ تحت عنوان‬1833 ‫رشها عىل نفقته الخاصة مرتجم ًة إىل األملانية عام‬ ِ ‫وتوسعتها ون‬ Was hat Mohammed aus dem »‫«ما الذي استعاره محم ٌد من اليهودية؟‬ ‫ وقد تم إدراك أهمية هذه الدراسة الرائدة‬Judenthume auf genommen? Theodor Nöldeke ‫ حتى اعتربها باحثٌ مبكانة تيودور نولدكه‬،‫بُعيد نرشها‬ ً ‫تلق‬ َ ‫ مل‬1902 ‫ لكن النسخة الالحقة التي صدرت عام‬.)16(‫عمل من الطراز األول‬ ‫غايغر‬ ‫ واللذان اعتقدا‬،‫ ويوزف هوروڤيتس‬Hubert Grimme ‫استحسان هوبرت ْغرِميه‬ .)17(‫أن ظهور العديد من املصادر األولية خالل السبعني سن ًة منذ نرش النسخة األوىل يستدعي دراس ًة جديد ًة أكرث تطو ًرا‬ ٍ ‫وقد كان من منطويات أعامل غايغر زياد ًة يف ظهور در‬ ‫ وقد أثنى هايرنيخ شْ َپايِر‬.)18(‫اسات حول أثر اليهودية عىل اإلسالم‬ .)19(‫ يف مقدمة دراسته املرموقة عىل إحاطة ودراية غايغر باملصادر اليهودية واإلسالمية‬Heinrich Speyer (1897-1935( n

ٍ‫ «أفضلية عقل‬:‫ فكانت لديه بحسب تعبريه‬،‫ بل كانت تحليلي ًة كذلك‬،‫مل تكن دراسة غايغر للموضوع وصفي ًة بحت ًة‬ 14- I have benefited considerably from two studies on Geiger: Jacob Lassner, Abraham Geiger: A Nineteenth Century Jewish Reformer on the Origins of Islam, in Martin Kramer, ed. The Jewish Discovery of Islam, Tel Aviv: The Moshe Dayan Center for Middle Eastern and African Studies Tel Aviv University, 1999, pp103-136; Max Wiener Abraham Geiger and Liberal Judaism, The Challenge of the Nineteenth Century (Eng. translation by Ernst J. Schlochauer) Philadelphia: The Jewish Publication Society of America, 1962. 15- In Latin, “Inquiratur in fontes Alcorani seu legis Mohammedicae eas qui ex Judaismo derivandi sunt”. 16- T. Nöldeke, Geschichte des Qorans, ed. F. Schwally, 2nd Edn. Leipzig: T. Dieter 1901-1938, p.208ff. 17- Hubert Grimme [1864-1942] in Orientalistische Literaturzeitung 7 (1904): pp.226ff; J. Horovitz in Zeitschrift fur die hebraische Bibliographie 6 (1903): p.10. 18- For example, Max Grunbaum, Neue Beitrage zur semitischen Sagenkunde, Leiden: Brill, 1893; Harwig Hirschfeld ,Judische Elemente im Qoran Berlin, 1878; Israel Schapiro, Die haggadischen Elemente im erzahlenden Teil des Korans , Berlin: G.Fock , 1907 ; D.Sidersky , Les origines des legendes musulmanes dans le Coran , Paris: Geuthner , 1933; Abraham I. Katsh , Judaism in Islam, New York, 1954 [reprinted, New York: Sepher-Hermon Press, 1980], B. Heller, “Recits et personnages bibliques dans la legende mahometanen,” Revue des Etudes Juives, 85 (1928) pp.113-136, and “La legende biblique dans l’Islam,” Revue des Etudes Juives , 98 (1934), pp.1-18; P. Jensen .”Des leben Muhammads und die David-Sage,” Der Islam 12 (1922) pp.84-97; H. Schwarzbaum, “The Jewish and Moslem Versions of Some theodicy Legends, Fabula 3 (1959-60), pp.119-69; Claude Gilliot, “Les Informateurs juifs et chretiens de Muhammad Reprise d’un probleme traite par Aloys Sprenger et Theodor Nöldeke,” JSAI 22 (1998) pp.84-126. 19- Heinrich Speyer, Die biblischen Erzalungen im Qoran, Berlin, 1931; reprinted Hildesheim: G. Olms, 1961, pp. vii-viii.

14


‫يقدمها غري املسلمني‬ ‫أهمية الب ّينات التي ّ‬ ‫يف الدراسات القرآنية جـ ‪2‬‬

‫‪Ibn Warraq‬‬

‫غري منحاز‪ ،‬ال يرى النص من منظور املفرسين العرب من ناحية‪ ،‬وال يجد يف القرآن آراء الفقهاء الجامدة وال رسديات‬ ‫مؤرخيهم»(‪.)20‬‬ ‫ٍ‬ ‫كتابات مثل «تاريخ ظهور العريب» ‪Speciae Historiae‬‬ ‫استند غايغر إىل‬ ‫‪ ،Arabum‬إلدوارد پوكوك ‪ ،Edward Pococke‬وإىل لودوڤيكو م ّراتيش يف‬ ‫كامل»(‪ ،Alcorani Textus Universus )21‬واملكتبة الرشقية‬ ‫كتابه «نص القرآن ً‬ ‫‪ Bibliotheque Orientale‬لديربلوه(‪ ، D’Herbelot )22‬وتفسري البيضاوي لسورة‬ ‫يونس‪ ،‬واملخترص يف أخبار البرش أليب الفداء (‪ ،)23()1331-1273‬والبغوي (متوىف‬ ‫‪ 1122‬أو ‪( )1117‬أو ‪ Elpherar‬كام أسامه)(‪ .)24‬أما بالنسبة للكتابات اليهودية‪،‬‬ ‫فقد اعتمد عمو ًما عىل الكتاب املق ّدس‪ ،‬والتلمود واملدراش(‪ ،)25‬ذلك أن غايغر‬ ‫قرر استبعاد كل الكتابات اليهودية التي أتت بعد محمد(‪.)26‬‬

‫پوكوك‬

‫كانت نقطة انطالق نقاش غايغر هي املفاهيم التي استُعريت من اليهودية‪ ،‬حيث بدأ بتعداد ونقاش ‪ 14‬تعب ًريا أتت من‬ ‫العربية الحاخامية إىل القرآن‪ ،‬وتشمل‪ :‬تابوت‪ ،‬توراة‪ ،‬جنة عدن‪ ،‬جهنم‪ ،‬أحبار‪ ،‬درس‪ ،‬رباين‪ ،‬سبت‪ ،‬سكينة‪ ،‬طاغوت‪،‬‬ ‫فرقان‪ ،‬ماعون‪ ،‬مثاين‪ ،‬وملكوت‪ .‬ويقول غايغر بصددها‪« :‬ت ُّبي هذه الكلامت األربع عرش‪ ،‬والتي اشتقت بشكلٍ واض ٍح‬ ‫من العربية املتأخرة أو الحاخامية (الربانية) مفاهيم ديني ٍة بالغة األهمية تم متريرها من اليهودية إىل اإلسالم‪ ،‬وهذه‬ ‫املفاهيم تحدي ًدا تشمل أفكار الرعاية اإللهية‪ :‬السكينة وامللكوت‪ ،‬الوحي‪ :‬الفرقان واملثاين‪ ،‬الحساب بعد املوت‪ :‬جنة‬ ‫عدن وجهنم إضاف ًة إىل غريها‪.)27(»...‬‬ ‫‪20- A. Geiger, Judaism and Islam, trans. by F.M. Young, Madras, 1898, p. xxxi.‬‬ ‫‪21- Edward Pococke [1604–91] ed. Speciae historiae Arabum (Oxford: Henry Hall, 1650) The latter was the first book using Arabic type., and is a‬‬ ‫‪short account of the history and customs of the Arabs, based on the chronicle of Bar Hebraeus, [Abu’l-Faraj (1226-1286)] a thirteenth-century Jew‬‬‫‪ish scholar from Syria. Pococke worked as chaplain in Aleppo, Syria, where he collected many Arabic, Hebrew and Syriac manuscripts and studied‬‬ ‫‪several Semitic languages.‬‬ ‫‪22- Herbelot, Barthelemy d’ [1625-1695]. Bibliotheque Oriental, ou Dictionnaire Universal contenant generalement tout ce qui regarde la Connais‬‬‫‪sance des Peuples de l’Orient. Paris: La Compagnie des Libraires, 1697 (Completed by Antoine Galland ).‬‬ ‫‪23- Abu’l-Fida [1273-1331] Mukhtasar ta’rikh al-bashar was a universal history covering the pre-Islamic period and Islamic history down to 1329.‬‬ ‫‪It was the main source on Islamic history for eighteenth and even early nineteenth century European orientalists through the editions of J. Gagnier,‬‬ ‫‪De vita ...Mohammedis, Oxford, 1723, and J. .J. Reiske -J. G. Chr. Adler, Annales Moslemici, Leipzig , 1754 and Copenhagen, 1789-94.‬‬ ‫كامل‪ :‬أبو محمد الحسني بن مسعود بن محمد الف ّراء البغوي (ويسمى أحيانًا بابن الف ّراء)‪ ،‬وتفسريه للقرآن «معامل‬ ‫‪ -24‬ميكن فهم مصدر التسمية ‪ Elpherar‬بالنظر السم البغوي ً‬ ‫ٌ‬ ‫معروف يف أوروپا‪ ،‬حيث وجدت نسخ منه يف لندن ومدريد وغوتا األملانية ‪ Gotha‬وغريها‪ ،‬والكثري من محتواه مستقى من الثعالبي‪.‬‬ ‫التنزيل»‬ ‫‪ -25‬املدراش تشري إىل مبحث يف الدين اليهودي يعنى بتفسري النصوص املقدسة‪ .‬تعني الكلمة حرف ًيا املطلب‪ ،‬وتأيت من الجذر درش‪ ،‬وهو نفس مصدر درس العربية‪[ .‬تحرير املجلة]‪.‬‬ ‫‪26- A. Geiger, Judaism and Islam, trans. by F. M. Young, Madras, 1898, pp. xxxii-xxxxiii.‬‬ ‫‪27- A. Geiger, What did Muhammad Borrow from Judaism? in I. Warraq ed. The Origins of the Koran, Amherst: Prometheus Books, 1998. p172.‬‬

‫‪15‬‬


‫يقدمها غري املسلمني‬ ‫أهمية الب ّينات التي ّ‬ ‫يف الدراسات القرآنية جـ ‪2‬‬ ‫ٍ‬ ‫بعرض للتصورات املستعارة من اليهودية‪،‬‬ ‫يتبع ذلك‬ ‫لآلراء العقدية‪ ،‬مثل وجود سبع ساموات‪ ،‬والحساب‬ ‫بعد املوت‪ ،‬والنعيم األبدي‪ ،‬والوحي‪ ،‬وفكرة األرواح‪،‬‬ ‫والقواعد األخالقية والترشيعية املتعلقة بالصالة‪،‬‬ ‫وبالنساء‪ ،‬وبالحياة‪ ،‬هذا إضاف ًة إىل العديد من القصص‬ ‫املستعارة من اليهودية بصدد اآلباء ‪ Patriarchs‬بد ًءا من‬ ‫آدم مرو ًرا بنو ٍح إىل إبراهيم فموىس وداوود وسليامن‪.‬‬ ‫واالستعارة هي لدرج ٍة يصعب معها فهم القصة القرآنية‬ ‫بشكلٍ واض ٍح دون اللجوء إىل القصة املقابلة يف املصادر‬ ‫التلمودية التي استُقيت منها‪.‬‬

‫‪Ibn Warraq‬‬

‫اآلباء‪ ،‬متحف الڤاتيكان‬

‫كنت أرشت إىل باحثني مقتنعني‬ ‫بد ًءا من غايغر‪ ،‬صار الباحثون يؤكدون التأثريين اليهودي أو املسيحي عىل القرآن‪ ،‬وقد ُ‬ ‫عرضا مقتض ًبا للباحثني املقتنعني بأن محم ًدا يدين بالقدر‬ ‫بأن القرآن يدين لليهودية بالقدر األكرب(‪ ،)28‬أما هنا فسأُقدم ً‬ ‫األكرب للمسيحية‪.‬‬

‫غولدتسيهر‬

‫كان يوليوس ڤلهاوزن (‪ Julius Wellhausen (1844-1918‬ممن قدم حج ًجا يف صالح أثر‬ ‫(‪)30‬‬ ‫املسيحية(‪ )29‬يف إلهام محمد‪ .‬ومن أكرث ما لفت انتباه ڤلهاوزن إشارة القرآن للصابئة‬ ‫والذين يرى أنهم املندائيون‪ ،‬وهي جامع ٌة غنوصي ٌة مارست التعميد‪ .‬ومبا أن الوضوء‬ ‫من مراسيم اإلسالم البارزة‪ ،‬فقد وجد ڤلهاوزن يف ذلك ربطًا بني الدينني‪ .‬وهو يرى يف‬ ‫ٍ‬ ‫صلوات أم ًرا يعود للصابئة‪ .‬أما غولدتسيهر(‪Goldziher (1921-1860( )31‬‬ ‫فرض خمس‬ ‫فيعتقد أن الصلوات الخمس مر ّده إىل الزرادشتية‪ ،‬أما توري(‪ Torrey )32‬فمن وجهة‬ ‫نظره أن الوضوء والصلوات الخمس قد أتت من اليهودية‪ .‬وعىل جميع األحوال‪ ،‬يبدو‬ ‫كل من تيودور نولدكه‪ ،‬وفريدريخ شڤايل وڤيلهلم رودولف ‪Wilhelm Rudolph‬‬ ‫أن ً‬

‫‪28- See footnote 1003 above.‬‬ ‫‪29- Julius Wellhausen, Reste arabischen Heidentums, Berlin 1887, pp.204- 212, discussed in C. C. Torrey, The Jewish Foundation of Islam, New‬‬ ‫‪York, 1933, p.‬‬ ‫َ َ َّ َ َ َ ْ َ ُ َ َ َّ َ َ‬ ‫َّ َّ َ َ َ ٰ ُ ّ‬ ‫َّ َّ َ َ ُ َ َّ َ َ ُ‬ ‫ادوا َو َّ‬ ‫الل َي ْفص ُل بَيْ َن ُه ْم يَ ْو َم الْق َِي َ‬ ‫ش ُكوا إ َّن َّ َ‬ ‫ِين أ ْ َ‬ ‫ك َ ْ‬ ‫الصابِئِني وانلصار ٰ‬ ‫ش ٍء َش ِه ٌيد} (الحج‪{ ،)17 :‬إِ َّن ال َِّذي َن آ َم ُنوا َوال َِّذي َن َهادُوا‬ ‫امةِ ۚ إِن الل‬ ‫ى والمجوس وال‬ ‫‪{ -30‬إِن الِين آمنوا والِين ه‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ع ِ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َّ‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫الصا ِبئُو َن‬ ‫و‬ ‫ُوا‬ ‫د‬ ‫ا‬ ‫ه‬ ‫ن‬ ‫ي‬ ‫َّذ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫و‬ ‫وا‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫آ‬ ‫ن‬ ‫ي‬ ‫َّذ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ن‬ ‫إ‬ ‫{‬ ‫‪،)59‬‬ ‫(البقرة‪:‬‬ ‫َ}‬ ‫ن‬ ‫ُو‬ ‫ن‬ ‫ز‬ ‫ح‬ ‫ي‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫و‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫ي‬ ‫ل‬ ‫ع‬ ‫ف‬ ‫و‬ ‫خ‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫و‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫ب‬ ‫ر‬ ‫د‬ ‫ن‬ ‫ع‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫ر‬ ‫ج‬ ‫أ‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫ل‬ ‫ف‬ ‫ا‬ ‫ح‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ص‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫م‬ ‫ع‬ ‫و‬ ‫ر‬ ‫خ‬ ‫ال‬ ‫و‬ ‫ي‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫و‬ ‫ه‬ ‫ل‬ ‫ِال‬ ‫ب‬ ‫ن‬ ‫ْ‬ ‫َّ‬ ‫َ َ ْ مِ‬ ‫َ َُ َ َ َ‬ ‫الصا ِب ِئ َني َم ْن آ َم َ‬ ‫ِ َ َ َ ً ُ ْ ْ ُ ُ ْ ْ َ َ ِّ ِ ْ َ َ ْ َ ْ ِ ْ َ ُ ْ َ ْ َ‬ ‫َ َّ‬ ‫َوال َّن َصا َرى َو َّ‬ ‫َوال َّن َصا َرى َم ْن آ َم َن بِاللَّ ِه َوالْ َي ْومِ ْال ِخ ِر َو َع ِم َل َصالِ ًحا ف ََل َخ ْو ٌف َعلَ ْي ِه ْم َو َل ُه ْم يَ ْح َزنُونَ} (املائدة‪.)69 :‬‬ ‫‪31- I. Goldziher, «Islam et Parsisme « In Actes du premier Congres International d’Histoire des religions, I (Paris, 1900), 119ff [ = Gesammelte‬‬ ‫‪Schriften, IV, 232ff ].‬‬ ‫‪32- C C. Torrey, The Jewish Foundation of Islam, New York, 1933, p.‬‬

‫‪16‬‬


‫يقدمها غري املسلمني‬ ‫أهمية الب ّينات التي ّ‬ ‫يف الدراسات القرآنية جـ ‪2‬‬

‫‪Ibn Warraq‬‬

‫أيضا يف مسألة تفسري مصطلح «حنيف» الذي أثار الكثري من‬ ‫يقبلون موقف ڤلهاوزن(‪ .)33‬تتعارض آراء توري وڤلهاوزن ً‬ ‫ٍ‬ ‫محمد لها عىل األرجح كان من قبيل املديح‬ ‫النقاشات‪ .‬فبالنسبة لتوري‪ ،‬تأيت الكلمة من العربية حنف ָחנֵ ף‪« ،‬واستعامل‬ ‫ال التقريع‪ ،‬فهي تشري يف فهمه إىل من ابتعد عن عبادة األوثان السائدة حوله»(‪ ،)34‬أما ڤلهاوزن فريى أن كلمة حنيف‬ ‫أصل إىل املتصوف املسيحي ويرى يف الكلمة تطوي ًرا محليًا للكلمة(‪.)35‬‬ ‫كانت تشري ً‬ ‫قام كارل آرنز ‪ Karl Ahrens‬بدراس ٍة استنفادي ٍة‬ ‫شامل ٍة(‪ )36‬وجد فيها أن يف القرآن عنارص آري ٍة‬ ‫ونسطوري ٍة وغنوصي ٍة ومانوي ٍة تأيت من العهد القديم‬ ‫عرب األناجيل‪ ،‬وسفر أعامل الرسل‪ ،‬ورسائل القديس‬ ‫بولس وسفر الرؤيا‪ .‬ويف مواضع أخرى يقدم آرنز‬ ‫حج ًجا معارض ًة لتوري فيام يتعلق بالصدقة يف‬ ‫مجلدات التلمود البابيل‬ ‫اإلسالم‪ ،‬حيث يرى آرنز أن املصطلح رغم أنه ذو‬ ‫أصو ٍل يهودية‪ ،‬إال أن املامرسة نفسها مأخوذ ٌة من املسيحية‪ ،‬يف حني يرى توري أن املصطلح واملامرسة أصلهام يهودي(‪.)37‬‬ ‫«كل من اليهودية واملسيحية لعبتا دو ًرا يف تك ّون‬ ‫ومن منظور ريتشارد بل(‪ ،Richard Bell )38‬فإن من الواضح أن ً‬ ‫العقيدة اإلسالمية ويف تهيئة الرتبة الروحية يف الجزيرة الستقبال اإلسالم»‪ .‬ومن الصعب تحديد مدى مساهمة كلٍ من‬ ‫الديانتني لوجود الكثري من املشرتك بينهام‪ ،‬كذلك‪« :‬فعلينا أن نتذكر وجود العديد من أمناط املسيحية التي تتدرج بد ًءا‬ ‫من الكنيسة األورثوذوكسية السائدة يف القرن السابع وانتها ًء باليهودية التي منها خرجت تلك الكنيسة‪ .‬وهذه األشكال‬ ‫اليهودية من املسيحية حافظت عىل صورتها يف املرشق‪ ،‬يف حدود الجزيرة العربية‪ ،‬فهنالك بعض األمور التي تبدوا‬ ‫ٍ‬ ‫قنوات مسيحية‪ .‬ولكن حتى بافرتاض ذلك‪ ،‬فال شك من وجود‬ ‫يهودي ًة ج ًدا يف القرآن واإلسالم قد تكون أتت ظاهريًا عرب‬ ‫ٍ‬ ‫تأثريٍ‬ ‫أبي أن تأثريها املبارش عىل النبي‬ ‫يهودي كبري‪ .‬إن الدليل عىل تأثري املسيحية عىل‬ ‫ٍ‬ ‫محمد غري واضح‪ ،‬لكنني أرجو أن ّ‬ ‫وإن مل يكن بقوة تأثري اليهودية‪ ،‬إال أنه خلق منا ًخا ساهم يف تشكيل اإلسالم كان عىل األرجح أكرب من أثر اليهودية»‪.‬‬ ‫رش عىل املسيحية أو اليهودية أو الكتاب املقدس(‪ .)39‬فمحم ٌد مل يعرف‬ ‫ويرفض ب ِْل فكرة أن محم ًدا كان عىل أي اطال ٍع مبا ٍ‬ ‫‪33- T. Nöldeke-F,Schwally, Geschichte des Qorans, Leipzig: Dieterich’sche Verlagsbuchhandlung , 1909 Vol.1,p.7; W. Rudolph, Die Abhangigkeit des‬‬ ‫‪Qorans von Judentum und Christentum, Stuttgart, 1922 p.67 See also T. Nöldeke .ZDMG 1858 .xii p.699f on the sources of Muhammad’s knowledge‬‬ ‫‪of Christianity.‬‬ ‫‪34- C. C. Torrey, The Jewish Foundation of Islam, New York, 1933 p.87.‬‬ ‫‪35- Julius Wellhausen, Reste arabischen Heidentums , Berlin 1887, Vol. II p.238f.‬‬ ‫‪36- K. Ahrens. Christliches im Koran, ZDMG, LX (1930), pp 15-68, 148-190.‬‬ ‫‪37- K.Ahrens, Muhammad als Religionsstifter, Leipzig, 1935 p.119; Torrey, op .cit., p.141.‬‬ ‫‪38- R. Bell, The Origin of Islam in its Christian Environment, London: Macmillan and Co., 1926, pp. 13-15.‬‬ ‫‪39- Bell. op. cit. p. 67.‬‬

‫‪17‬‬


‫يقدمها غري املسلمني‬ ‫أهمية الب ّينات التي ّ‬ ‫يف الدراسات القرآنية جـ ‪2‬‬

‫‪Ibn Warraq‬‬

‫املحتوى الفعيل للعهد الجديد؛ إال أن القرآن يعج بجملٍ متناثر ٍة تذكر ب ِْل بعبار ٍ‬ ‫ات تأيت من ترانيم مسيحية‪ .‬فسورة‬ ‫الفاتحة بأرسها تتكون من عبار ٍ‬ ‫ات قد تستخدم يف الصلوات اليهودية واملسيحية(‪ .)40‬يروي محم ٌد «قصة العشاء األخري‬ ‫ٍ‬ ‫معلومات غامض ٍة مساءة الفهم‪ )41(»..‬كام ويرفض ب ِْل اقرتاح ڤلهاوزن بأن‬ ‫مبني عىل العهد الجديد‪ ،‬ولكن عىل‬ ‫بشكلٍ غري ٍ‬ ‫محم ًدا كان لديه أي اطال ٌع عىل دين الصابئة(‪.)42‬‬ ‫تتعلق كل هذه التعليالت ٍ‬ ‫أحداث مغلوطة‪ ،‬وبجغرافيا مغلوطة‪ ،‬وتحت افرت ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫اضات مغلوط ٍة فيام‬ ‫زمني ذي تسلسل‬ ‫بخط ٍّ‬ ‫ٍ‬ ‫يتعلق بتاريخية الرسديات التقليدية لحياة ٍ‬ ‫ملحمد عالق ًة ما بالقرآن‪،‬‬ ‫شخص ما يدعى محم ًدا‪ .‬فلو انطلقنا من افرتاض أن‬ ‫ٍ‬ ‫عندئذ مل َزمون بالنظر يف وجود اليهود واملسيحيني‬ ‫وأن كل األحداث املرتبطة به يف السرية قد حدثت يف الحجاز‪ ،‬فنحن‬ ‫ٍ‬ ‫محمد معهم وموقفه منهم‪ ،‬ملزمون بتفسري كل فقر ٍة مبهم ٍة‬ ‫يف الجزيرة‪ ،‬مل َزمون بالسؤال عن طبيعة عالقة وتواصل‬ ‫من فقرات القرآن عىل أنها ذات صل ٍة بحياة محمد‪ .‬ولكن حتى لو صحت بعض طروحات املجددين‪ ،‬فسيكون من غري‬ ‫ٍ‬ ‫أصل وإمنا يف‬ ‫يهودي يف الجزيرة‪ ،‬فبالنسبة للمجددين مل يولد اإلسالم يف الجزيرة ً‬ ‫مسيحي أو‬ ‫تواجد‬ ‫املجدي البحث عن‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫بؤرة التناحر الطائفي يف الرشق األدىن‪.‬‬ ‫وعىل كل حال‪ ،‬فإن الباحثني الذين نظروا يف املسألة‪ ،‬من أمثال سپنرس ترمنغهام ‪ ،Spencer Trimingham‬مل يجدوا أث ًرا‬ ‫يُذكر للمسيحيني يف الجزيرة خالل القرنني السادس والسابع‪ .‬وقد لخص ابن الراوندي نتائج ترمنغهام‪« :‬يف سياق نقاش‬ ‫وجود الدين التوحيدي غرب الجزيرة‪ ،‬فإن ترمنغهام يالحظ أن املسيحية كانت غري موجود ٍة بني عرب غرب الجزيرة‬ ‫جنويب قبائل جذام‪ .‬ويف فصلٍ عنونه (مسيحيون يف الحجاز) يستنتج بعد وصف‬ ‫تاريخ مكة بحسب املصادر اإلسالمية إضاف ًة إىل موقعها الجغرايف‪ ،‬أن هذه العوامل‬ ‫كفيل ٌة بتفسري غياب أي تأثريٍ للمسيحية بأي صور ٍة من صورها عىل سكان تلك‬ ‫مسيحي من نو ٍع ما يف الحرية‪ ،‬والتي تبعد قرابة ‪600‬‬ ‫املنطقة»(‪ .)43‬كان مثة وجو ٌد‬ ‫ٌ‬ ‫ميل عن مكة‪ ،‬والتي من الصعب تصنيف موقعها كمرك ٍز الجزيرة‪.‬‬ ‫أما عن وجود اليهودية يف الجزيرة‪ ،‬لنقرأ استنتاج جون وانزبرو حيث يقول‪:‬‬ ‫«يبالغ بعض الباحثني يف القيمة التي يعطونها للمصادر اإلسالمية يف مسألة وجود‬ ‫املجتمعات اليهودية وأهميتها الثقافية يف الحجاز‪ ،‬وهو أم ٌر ال نجده مذكو ًرا يف‬

‫وانزبرو‬

‫‪40- Bell, op. cit., p. 140.‬‬ ‫‪41- Bell. op. cit. p. 141.‬‬ ‫‪42- Bell, op. cit. p. 148.‬‬ ‫‪43- Ibn Rawandi in I. Warraq ed. What the Koran Really Says, Amherst: Prometheus Books, 2002 p. 689. Quoting J. S. Spencer Trimingham, Chris‬‬‫‪tianity Among the Arabs in Pre-Islamic Times, London: Longman, pp. 249-25.‬‬

‫‪18‬‬


‫يقدمها غري املسلمني‬ ‫أهمية الب ّينات التي ّ‬ ‫يف الدراسات القرآنية جـ ‪2‬‬ ‫انعدام لإلشارات إىل جزيرة العرب يف األدبيات‬ ‫املصادر اليهودية‪ .‬فنجد شبه‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫معلومات تاريخي ٍة ذات قيمة‪ ،‬ال سيام‬ ‫الحاخامية بشكلٍ يتعذر معه استخراج‬ ‫فيام يتعلق بالحجاز خالل القرنني السادس والسابع‪ .‬ومل تتم إزالة التعارض بني‬ ‫املصادر اإلسالمية وتلك اليهودية إال بشكلٍ جزيئ‪ ،‬لكن سيطرة فكرة أن اإلسالم‬ ‫خرج من الحجاز تظهر من خالل اإلرصار عىل ادعاء وجود هجر ٍة يهودي ٍة كبري ٍة‬ ‫اتجهت نحو مركز الجزيرة‪ .‬قام رابني ‪ Rabin‬بتجميع دالئل اشتملت عىل تصورات‬ ‫نهاية العامل ‪ ،Apocalypse‬وأمو ٍر تتعلق بوصف النبوة متثل رش ًحا لألفكار من‬ ‫خالل تواصل األفراد‪ ،‬لكنها ال تستلزم خرو ًجا جامع ًيا من يهودا صوب الصحراء‬ ‫العربية»(‪.)44‬‬ ‫لو كانت سرية النبي املتداولة خيالي ًة يف مجملها‪ ،‬فمن غري املجدي أن نض ّيع‬ ‫ٍ‬ ‫حاخامات جوالني قد يكون تس ّنى لكل منهم أن‬ ‫الوقت باحثني عن رهبان أو‬ ‫متعلم نصه املقدس؛ كذلك‪ ،‬من غري املجدي التكهن‬ ‫يهمس يف أذن تاج ٍر عر ٍيب غري‬ ‫ٍ‬ ‫فمثل‪ ،‬اقرتح أونري المان‬ ‫حول ارتباط كل فقر ٍة من فقرات القرآن بحياة محمد‪ً .‬‬ ‫‪ Henri Lammens‬كام سرنى الحقًا بأن هنالك فقر ٍ‬ ‫ات يف القرآن متت فربكتها‬ ‫لفك غموض فقر ٍ‬ ‫ات قرآني ٍة أخرى‪.‬‬

‫غوستاف ْفلُو ِغل (‪Gustav Flügel (1870-1802‬‬ ‫ُولد فلوغل يف باوتزن ‪ Bautzen‬بأملانيا عام ‪ ،1802‬وبني‬ ‫العامني ‪ 1821‬و‪ 1824‬درس الالهوت واللغات الرشقية‬ ‫يف اليپتسيغ ثم انتقل إىل پاريس ليصب اهتاممه عىل‬ ‫اللغات العربية والفارسية والرتكية‪ .‬نرش النص العريب‬ ‫ٍ‬ ‫مفردات يف العام ‪ .1842‬وال‬ ‫للقرآن عام ‪ ،1834‬وقامئة‬ ‫علم لنا ما هي املخطوطات التي اعتمد عليها يف النص‬ ‫الذي نرشه‪ ،‬ولكن‪ ،‬عندما قام آرثر جفري ‪Arthur‬‬ ‫‪ Jeffery‬ومندلسون ‪ I. Mendelsohn‬بفحص رسم‬

‫فلوغل‬

‫‪44- John Wansbrough, Quranic Studies, Amherst: Prometheus Books, 2004 [ Ist edn.1977] pp. 50-51.‬‬

‫‪19‬‬


‫يقدمها غري املسلمني‬ ‫أهمية الب ّينات التي ّ‬ ‫يف الدراسات القرآنية جـ ‪2‬‬

‫‪Ibn Warraq‬‬

‫مذهل‪« :‬إن من املذهل عدد تطابقات‬ ‫ً‬ ‫مخطوطة قرآن سمرقند‪ ،‬والتي تعود إىل القرن التاسع من العراق‪ ،‬وجدا شيئًا‬ ‫نهايات اآليات يف املخطوطة بتلك التي تبناها فلوغل يف نصه‪ ....‬ولكن‪ ،‬مبا أننا ال نعلم املصدر الذي استقى منه فلوغل‬ ‫أي من أنظمة‬ ‫تقسيامته لآليات‪ ،‬فإن هذه التطابقات ذات مغ ًزى‪ .‬فنهايات اآليات التي اعتمدها فلوغل ال تتامىش مع ٍ‬ ‫التقسيم التي وصلت إلينا عرب التاريخ فيام يعرف برؤوس اآلي‪ ،‬وقد اعتُقد عمو ًما‬ ‫اعتباطي اختلقه هو‪ .‬ومدى التوافق بني‬ ‫نظام‬ ‫أنه اختار نهايات اآليات بحسب ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫نظامه‪ ،‬وذلك املتبع يف مخطوطة مصحف سمرقند تيش بأنه لرمبا اعتمد عىل‬ ‫مخطوط ٍة ما كانت بحوزته تتبع نظا ًما رشق ًيا مختلفًا‪ .‬لكن ال بد من اإلقرار بأن‬ ‫جدول شبونني ‪( Shebunin‬وهو باحثٌ‬ ‫رويس درس املخطوطة األصلية يف مدينة‬ ‫ٌ‬ ‫سانت بطرسربغ عام ‪ )1891‬املبني عىل اختالفات نهايات اآليات بني مخطوطة‬ ‫ٌ‬ ‫طويل ال ميكن تجاهله‪ ،‬مام يُبقي مسألة نظام‬ ‫جدول ٌ‬ ‫سمرقند ونص فلوغل هو‬ ‫فلوغل غري محسوم ٍة وتحتاج املزيد من النظر»(‪.)45‬‬ ‫عىل أي حال‪ ،‬تبقى نسخة فلوغل املرجع املعتمد خالل القرن التاسع عرش‪.‬‬

‫تيودور نُ ْولْ ِد ِكه (‪Theodor Nöldeke (1930-1836‬‬ ‫كان نولدكه من أعظم الباحثني يف السام ّيات‪ ،‬ويظل كتابه «تاريخ القرآن»‬ ‫عمل مركزيًا ح ّدد أجندة البحث‬ ‫‪ Geschichte des Qorans‬من عام ‪ً 1860‬‬ ‫القرآين الذي تال‪ .‬ويلخص ريپني ‪ Rippin‬تاريخ وأهمية مساهمة نولدكه‬ ‫بشكلٍ يثري اإلعجاب‪:‬‬ ‫«متت كتابة النص األصيل بالالتينية وتم تقدميه كأطروح ٍة عام ‪ 1856‬حصلت‬ ‫نقدي لنص‬ ‫عىل جائز ٍة يف مسابق ٍة پاريسي ٍة هدفها كتابة دراسة «تاري ٌخ‬ ‫ٌ‬ ‫ككتاب ألول مر ٍة‬ ‫القرآن»‪ .‬وقد تم التوسع فيه ثم نرش الطبعة األوىل منه‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫مجلدات أعاد كتابة وتحرير‬ ‫باألملانية عام ‪ .1860‬جاءت الطبعة الثانية يف ثالث‬ ‫أول مجلدين منها فريدريخ شڤايل (‪Friedrich Schwally (1919، 1909‬‬ ‫أما املجلد الثالث فكتبه غوتهلف برغشرتارس ‪ Gotthelf Bergstrasser‬وأوتّو‬ ‫پرتزل (‪ .Otto Pretzl (1938‬وقد حدد إنجاز نولدكه هذا أجندة العمل ملا‬ ‫لحقه من أجيا ٍل متعاقب ٍة من الباحثني يف القرآن من خالل تأكيده عىل أهمية‬

‫غالف أول نسخة لرتجمة فلوغل‬ ‫من العام ‪1834‬‬

‫نولدكه‬

‫‪45- A .Jeffery and I. Mendelsohn. The Orthography of the Samarkand Quran Codex .Journal of the American Oriental Society, 62 (1942) pp.180-181.‬‬

‫‪20‬‬


‫يقدمها غري املسلمني‬ ‫أهمية الب ّينات التي ّ‬ ‫يف الدراسات القرآنية جـ ‪2‬‬

‫‪Ibn Warraq‬‬

‫الرتكيز عىل فحص التسلسل الزمني للنص وعىل البحث يف خلفياته التوراتية‪ .‬عالو ًة عىل ذلك‪ ،‬فقد ولّدت مالحظاته‬ ‫الفيلولوجية العميقة قيم ًة طويلة األمد؛ فمعالجته للّغة‪ ،‬وتأكيده عىل البحث يف أصول الكلامت‪ ،‬ومالحظاته يف القواعد‪،‬‬ ‫كل ذلك خلق منوذ ًجا يُحتذى للبحث الفيلولوجي يف القرآن‪ ،‬إضاف ًة إىل أن كتابته ال زالت متثل مصد ًرا مرجع ًيا للباحثني‬ ‫الالحقني»(‪.)46‬‬ ‫متثلت أول إسهامات نولدكه الكبرية يف الدراسات القرآنية برتسيخه أسس بحث التسلسل التاريخي للقرآن‪ ،‬أوقات نزول‬ ‫السور باعتبار املبكرة منها مكي ًة واملتأخرة مدني ًة‪ .‬فرأى نولدكه حدوث «تغيريٍ متدر ٍج يف األسلوب من املقاطع ذات الرتكيب‬ ‫الشعري املفخم يف السنوات األوىل إىل املقاطع الطويلة النرثية التي أتت الحقًا»(‪ .)47‬ورغم أنه تق ّبل التقسيم اإلسالمي‬ ‫ٍ‬ ‫فقسم‬ ‫التقليدي إىل سو ٍر نزلت يف مكة وأخرى يف املدينة‪ ،‬فإن نولدكه يضيف إىل ذلك‬ ‫تقسيامت فرعي ًة للسور املكية‪ّ ،‬‬ ‫الحقبة املكية إىل ثالث فرت ٍ‬ ‫ات تختلف يف أطوالها وأساليبها وإيقاعاتها وموضوعاتها‪.‬‬ ‫لكن السور املدنية مل ت ُظهر نفس التنوع األسلويب‪ ،‬وموضوعاتها األساسية اختلفت‬ ‫ٍ‬ ‫وترشيعات ملجتمع‬ ‫جذريًا عن سابقاتها املكية‪ ،‬حيث تركز املحتوى عىل قوان ٍني‬ ‫املدينة‪ .‬خالل الفرتة املكية األوىل‪ ،‬نرى «تعب ًريا واض ًحا للهياج املتشنج الذي شعر به‬ ‫اضمحالل‬ ‫ً‬ ‫النبي»‪ ،‬فاآليات ذات طابعٍ نبو ٍيئ غري مهذب‪« .‬أما سور الفرتة الثانية‪ ،‬نرى‬ ‫ملحوظًا يف بريق الخيال؛ بقيت الحامسة والحركة موجودتان‪ ،‬لكن النربة تحولت‬ ‫أقرب إىل النرث‪ .‬ومع انحسار حرارة القلق وعدم السكون األصليني‪ ،‬نرى الحقب‬ ‫تطول‪ ،‬وتطول كذلك أحجام الفقرات املوحاة عمو ًما»‪ .‬وأخ ًريا‪« ،‬تُشكّل سور الفرتة‬ ‫يل نرثية‪ .‬وحجم‬ ‫املكية الثالثة نسب ًة كبري ًة من القرآن الحايل‪ ،‬وهي بشكلٍ شبه ك ٍ‬ ‫طول مقارن ًة بالسور األقدم‪ ،‬وال نرى‬ ‫الفقرات كبري‪ ،‬وحتى اآليات املفردة صارت أكرث ً‬ ‫فيها قو ًة شعري ًة إال يف أماكن متناثرة‪ ،‬وتغلب عليها الخطابة الدينية»(‪.)48‬‬ ‫مونتغومري واط‬ ‫اعتقد واط ‪ Watt‬أن مكمن الضعف يف أطروحة نولدكه يتمثل بتعامله مع السورة الواحدة كوحد ٍة متكاملة‪ ،‬مش ًريا إىل‬ ‫ما قاله باحثون الحقون بصدد إدخال فقر ٍ‬ ‫ات متأخر ٍة يف سو ٍر مبكرة(‪.)49‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫نصوص مقدسة‪ ،‬وباألخص‬ ‫شخوص من‬ ‫ويعتقد نولدكه أن محم ًدا مل يستعمل املصادر املكتوبة‪ .‬فقصص القرآن «تحيك عن‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫من العهد القديم‪ ،‬لكن مع انحر ٍ‬ ‫حكايات أسطوري ٍة‬ ‫ملحوظ عن الرسدية التوراتية‪ .‬فالعديد من التغيريات موجود ٌة يف‬ ‫اف‬ ‫‪46- A. Rippin, in Foreword to John Wansbrough, Quranic Studies, Amherst: Prometheus Books, 2004 Ist Ed. 1977, p. x.‬‬ ‫‪47- R. Bell and W. M. Watt. Introduction to the Quran, Edinburgh: Edinburgh University Press, 1977, p.110.‬‬ ‫‪48- T. Nöldeke, The Koran, Encyclopædia Britannica, 9th Ed., vol.16 (1891) pp. 597ff; also, in Ibn Warraq ed. The Origins of the Koran, Amherst:‬‬ ‫‪Prometheus Books, 1998, p. 53.‬‬ ‫‪49- Ibid., p. 111.‬‬

‫‪21‬‬


‫يقدمها غري املسلمني‬ ‫أهمية الب ّينات التي ّ‬ ‫يف الدراسات القرآنية جـ ‪2‬‬

‫‪Ibn Warraq‬‬

‫موجود ٍة يف أساطري الهغداه הגדה اليهودية والكتب املنحولة‬ ‫فهم ال‬ ‫مبني عىل سوء ٍ‬ ‫من العهد الجديد؛ لكن العديد اآلخر ٌ‬ ‫يقع فيه إال من سمع القصة‪ ،‬ال َمن قرأها‪ .‬فحتى أجهل اليهود‬ ‫لن يعتقد خطأً أن هامان (وزير أخشورش الفاريس) هو نفسه‬ ‫وزير الفرعون‪ ،‬أو أن يعتقد أن مريم أخت موىس هي مريم‬ ‫أم املسيح»‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫مالحظات‬ ‫أما عند الحديث عن أسلوب القرآن‪ ،‬فلدى نولدكه‬ ‫قاسي ًة عنه‪« :‬إن الفقرات الطويلة يف القرآن محتد ٌة ومبتورة‪،‬‬ ‫صفحة من هغداه الفصح‬ ‫يف حني أنها كان من األفضل لو متيزت بنرثٍ ملحمي‪ .‬هنالك‬ ‫روابط مفقود ٌة ال غنى عنها من حيث التعبري وتسلسل األحداث‪ ،‬بحيث أننا حتى نفهم التاريخ املروي يسهل علينا اليوم‬ ‫أن نفهم املقصود أفضل ممن سمعوه ألول مر ٍة لتوفر مصادر أفضل لدينا‪ .‬إضاف ًة إىل ذلك‪ ،‬فهنالك كٌم كب ٌري من الكالم‬ ‫الزائد‪ ،‬ووترية تقدم الرسد يف كل النص مضطرب ٌة وغري مستقرة‪ ....‬وهنالك مشاكل مشابه ٌة يف املقاطع التي ال تحتوي‬ ‫أيضا‬ ‫ضعيف ج ًدا‪ ،‬وحتى الرتاكيب اللغوية والنحو يَ ِشيان‬ ‫رس ًدا‪ .‬إن أفكار القرآن مفكك ٌة وترابطها‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫بأسلوب أخرق‪ .‬هنالك ً‬ ‫ٍ‬ ‫متعمد ذي هدف‪ .‬كام وتبدأ‬ ‫إكثا ٌر من إعادة ترتيب كلامت الجملة ‪ ،Anacolutha‬بشكلٍ يصعب تفسريه كفعلٍ أد ٍيب‬ ‫الكثري من الجمل بـ«يومئذ» بشكل مبتو ٍر دفع املفرسين برشحها مضيفني بوادئ من منط‪« :‬تفكر يف هذا» أو يش ٍء من‬ ‫مثل‪ ،‬يتكرر تعبري « َح َّت‬ ‫أيضا ال نرى مهار ًة أدبي ًة يف تكرار نفس الكلامت والجمل‪ ،‬ففي سورة الكهف ً‬ ‫قبيل ذلك‪ .‬ويف ذلك ً‬ ‫َ‬ ‫إِذا» ما ال يقل عن مثان مرات‪ .‬وباختصار‪ ،‬مل يكن محم ٌد بأية صور ٍة متفوقًا يف األسلوب»(‪.)50‬‬ ‫أما فيام يتعلق مبجموعات األحرف الغامضة التي تقع يف فواتح تسعٍ وعرشين سورة‪ ،‬فاقرتح نولدكه يف مرحل ٍة ما «أن هذه‬ ‫الفواتح مل تنتمي لنص محمد‪ ،‬ورمبا كانت اختصارات أسامء ماليك املصاحف‪ ،‬والتي لرمبا أدرجها النساخون كجز ٍء من‬ ‫النص القرآين النهايئ من باب اإلهامل»‪ .‬لكن‬ ‫نولدكه غري رأيه الحقًا معتق ًدا أن «محم ًدا كام‬ ‫يبدو أراد لهذا األحرف أن تكون إشار ًة غامض ًة‬ ‫لنص القرآن األصيل(‪ )51‬يف السامء»(‪.)52‬‬ ‫‪50- T. Nöldeke, The Koran, Encyclopaedia Britannica, 9th Ed., vol.16 (1891) pp.597ff; also, in Ibn Warraq ed. The Origins of the Koran, Amherst:‬‬ ‫‪Prometheus Books, 1998, p.46.‬‬ ‫‪ -51‬رمبا يقصد نولدكه هنا ما يسميه املسلمون باللوح املحفوظ‪[ .‬مالحظة املرتجم]‪.‬‬ ‫‪52- T. Nöldeke in Ibn Warraq ed. The Origins of the Koran, Amherst: Prometheus Books, 1998, p.55.‬‬

‫‪22‬‬


‫يقدمها غري املسلمني‬ ‫أهمية الب ّينات التي ّ‬ ‫يف الدراسات القرآنية جـ ‪2‬‬

‫‪Ibn Warraq‬‬

‫واستنا ًدا للعديد من الباحثني‪ ،‬فإن أثر نولدكه عىل تطور مبحث الدراسات القرآنية يف الغرب كان سلب ًيا بسبب مكانته‬ ‫«رجل يحاول احتكار املحادثة‪ ،‬رغم أن‬ ‫فمثل‪ ،‬يكتب ألفرد فون كرمير ‪ Alfred von Kremer‬أن نولدكه كان ً‬ ‫املرموقة‪ً .‬‬ ‫ٍ‬ ‫بتعجرف‬ ‫املرء يستطيع الربهنة عىل وجود عرشات األخطاء الفاحشة يف كل كتاباته املنشورة‪ ....‬وأنه كان يصدر أحكا ًما‬ ‫عىل أمو ٍر ال يفقهها»(‪.)53‬‬ ‫لقد كان محافظًا‪ ،‬ويبدو أنه سلّم بالزعم التقليدي السائد بني املسلمني‬ ‫رص عىل أن القرآن ٌ‬ ‫أصيل ككل(‪ .)54‬فكان يتم‬ ‫حول جمع القرآن‪ ،‬وكان ي ّ‬ ‫ٍ‬ ‫نظريات جديد ٍة عن اللغة العربية القرآنية من فورها‪ ،‬كام‬ ‫استبعاد أية‬ ‫مثل بالطرح األصيل الذي ق ّدمه كارلو ده الندبرغ (‪Carlo de‬‬ ‫حدث ً‬ ‫(نبيل) سويديًا‪ ،‬حيث كان‬ ‫‪ ،Landeberg (1927-1848‬والذي كان كاونتًا ً‬ ‫ٍ‬ ‫محمد كانت بال‬ ‫أول من اقرتح بأن لهجة العربية املحكية زمن النبي‬ ‫حركات إعراب‪ ،‬وليست الفصحى املعروفة من الشعر العريب القديم(‪.)55‬‬ ‫قائل بأن «القرآن‬ ‫وكان كارل فولرز (‪ Karl Vollers (1919-1857‬باحثًا ذو خلفي ٍة الهوتية‪ ،‬وانطلق من طرح ده الندبرغ ً‬ ‫ٍ‬ ‫لتنقيحات جذري ٍة أعادت كتابته حتى اتخذ صيغته املكتوبة بالفصحى‪ ،‬وكام اعتمده املسلمون تقليديًا»(‪.)56‬‬ ‫ال بد خضع‬ ‫لكن لولنغ يرى أن رأي نولدكه ألقى بظله إىل اليوم‪ ،‬حيث ال يجرؤ أح ٌد عىل االقرتاح بوجود لهج ٍة محلي ٍة ‪Vernacular‬‬ ‫قبل اإلسالم ويف أيام اإلسالم املبكرة عىل غرار نظرية الندبرغ وفولرز‪ .‬ومينع هذا الخوف أي تحليلٍ‬ ‫نقدي للقرآن ال‬ ‫ٍ‬ ‫يُخضع محتوى القرآن ملنظور قواعد الفصحى الكالسيكية(‪.)57‬‬ ‫ٍ‬ ‫ضافات دخيلة ‪ ،Interpolation‬وأن من‬ ‫ومنذ وقت فولرز ظهر باحثون قالوا بأن يف القرآن دالئل تنقي ٍح وتغيريٍ و ُم‬ ‫اليونانية‬ ‫غري املمكن أن نفهم القرآن دون تعديل النص عىل نفس النمط املتبع يف األبحاث التي تعالج النصوص‬ ‫َ‬ ‫ِيشة َّراض َية ‪َ ٪‬وأَماَّ‬ ‫َُ‬ ‫والالتينية‪ .‬ويقول فيرش ‪ ،Fischer‬عىل سبيل املثال أن اآليات ‪ 7‬و‪ 8‬من سورة القارعة ﴿فه َو ِف ع ٍ ِ ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫مضافات تتعدى‬ ‫جمل ُمضافة‪ ،‬كام أن «من الرضوري اإلقرار باحتامل وجود‬ ‫َم ْن َخ َّف ْت َم َوازِ ُين ُه﴾ (القارعة‪ )8-7 :‬هي ٌ‬ ‫‪53- Quoted in G. Lüling, Preconditions for the Scholarly Criticism of the Koran and Islam, with some Autobiographical Remarks, The Journal of‬‬ ‫‪Higher Criticism, Vol.3 Spring 1996, p. 78, referring to Kremer’s Geschichte der Herrschenden Ideen des Islams, Leipzig, 1868 [Reprint Hildesheim,‬‬ ‫‪1961] last note‬‬ ‫‪54- T. Nöldeke, Orientalische Skizzen Berlin, 1892 p.56‬‬ ‫‪55- See Nöldeke’s review of Carlo de Landeberg, La langue arabe et ses dialectes Communication faite au XIVe Cogres international des Orientalistes‬‬ ‫‪a Alger, Leiden 1905, in ZDMG 59 (1905) pp. 412-419‬‬ ‫‪56- G. Lüling, A Challenge to Islam for Reformation, Delhi: Motilal Banarsidas Publishers Pvt. Ltd. 2003, p. 178‬‬ ‫‪57- G. Lüling. Preconditions for the Scholarly Criticism of the Koran and Islam, with some Autobiographical Remarks, The Journal of Higher Criti‬‬‫‪cism, Vol. 3 Spring 1996, p. 83.‬‬

‫‪23‬‬


Ibn Warraq

‫يقدمها غري املسلمني‬ ّ ‫أهمية الب ّينات التي‬ 2 ‫يف الدراسات القرآنية جـ‬

ٍ ‫ والسبب األسايس يف أن وجود هذه املضافات مل يثبت بعد هو انعدام وجود در‬،‫ما اقرتحته أنا هنا‬ ‫اسات نقدي ٍة مفصل ٍة‬ ٌ ‫ وقد قام‬.)58(»‫وجذري ٍة للقرآن‬ J. Barth (1914-1851( )60(‫ وبارت‬،C. C. Torrey (1863-1956( )59(‫كل من توري‬ ٍ P. Casanova (1926-1861( )62(‫ أما كازانوڤا‬،‫تعديالت عىل النص القرآين‬ ‫ باقرتاح‬J. Bellamy )2015-1925( )61(‫وبالمي‬ .‫تالعب وإضاف ٍة يف النص القرآين‬ ‫فقد وافق فولرز بوجود وفر ٍة يف الدالئل التي تشري إىل حدوث‬ ٍ ‫لقد أنتجت األبحاث املبهرة التي أجريت يف القرن التاسع عرش عد ًدا من األعامل‬ ‫ وقد كتب يف ذلك ألويز شپرنغر‬،‫التي تعاملت مع املصطلحات األعجمية يف القرآن‬ Bengali Journal )63(‫ مقالً يف الدورية البنغالية‬Aloys Sprenger (1893-1812( ‫ وهو‬،Rudolf Dovrak (1920-1860( ‫ أما رودولف دڤورجاك‬،1852 ‫يعود إىل العام‬ ‫ ويف ضوء‬.)64(‫ فقد كتب أطروحته يف نفس هذا املوضوع‬،‫مؤسس االسترشاق التشييك‬ ‫ فإن الدراسة التي ق ّدمها زيغموند فرينكل‬،Luxenberg ‫أهمية ما ق ّدمه لوكسنربغ‬ ‫ ال زالت صالحة املحتوى إىل‬1886 ‫ من العام‬Siegmund Fraenkel (1909-1855( Aramäische Fremdwörter »‫اليوم وعنوانها «كلامتٌ آرامي ٌة أجنبي ٌة يف اللغة العربية‬ Alphonse Mingana ‫ وكذلك حال املؤلَف الريادي أللفونص منغنا‬،im Arabischen Syriac Influence on the Style of )65(»‫وعنوانه «األثر الرسياين عىل أسلوب القرآن‬ ‫شپرنغر‬ 5 ‫ فإن األثر اإلثيوپي سيحوز عىل‬،‫ وحدة‬100 ‫قسمنا التأثري األجنبي عىل أسلوب ومفردات القرآن إىل‬ ّ ‫ «لو‬.the Koran ‫ يف‬5 ‫ بينام تأثري الفارسية هو‬،‫ يف املئة‬10 ‫ أما التأثري اليوناين الروماين فهو كذلك‬،‫ يف املئة‬10 ‫ والعربي عىل حوايل‬،‫يف املئة‬ Arthur ‫ لقد ق ّدم آرثر جفري‬.)66(»)‫ يف املئة هي تأث ٌري رسيا ٌين (يشمل اآلرامية والرسيانية الفلسطينية‬70 ،‫ والبقية‬،‫املئة‬ »‫ كتابًا توليف ًيا أخذ بعني االعتبار املؤلفات املشار إليها أعاله أسامه «املفردات األجنبية يف القرآن‬1938 ‫ عام‬Jeffery .‫ كلم ًة وأصولها األجنبية‬275 ‫ وقام يف الكتاب بنقاش حوايل‬،The Foreign Vocabulary of the Quran 58- A. Fischer, A Quranic Interpolation in Ibn Warraq ed., What the Koran Really Says, Amherst: Prometheus Books, 2002, p. 455, originally in Orientalischen Studien, Theodor Nöldeke zum 70, Geburtstag, 1. Band (Giessen, 1906) pp.33-55. 59- C. C. Torrey, Three Difficult Passages in the Koran, and A Strange Reading in the Quran, in Ibn Warraq, ed. What the Koran Really Says, Amherst: Prometheus Books, 2002, pp. 466-487. 60- J. Barth. Studies Contributing to Criticism and Exegesis of the Koran, in Ibn Warraq, ed. What the Koran Really Says. Amherst: Prometheus Books, 2002, pp. 399-435. 61- J. Bellamy, Some Proposed Emendations to the Text of the Koran, in Ibn Warraq, ed. What the Koran Really Says. Amherst: Prometheus Books, 2002, pp. 488-516. 62- P. Casanova, Mohammed et la fin du monde, Paris 1911-24. 63- A Sprenger, Foreign words occurring in the Qoran, Journal of the Asiatic Society of Bengal 21 (1852) pp. 109-11. 64- R. Dvorak, Ein Beitrag zur Frage uber die Fremdworter im Koran, Munchen 1884; also R. Dvorak. Uber die Fremdworter im Koran, Wien, 1885. 65- A. Mingana, Syriac Influence on the Style of the Koran, in Ibn Warraq, ed. What the Koran Really Says. Amherst: Prometheus Books, 2002, pp. 171-192, originally in Bulletin of the John Rylands Library 11 (1927) pp. 77-98. 66- A. Mingana, Syriac Influence on the Style of the Koran, in Ibn Warraq , ed. What the Koran Really Says. Amherst: Prometheus Books, 2002, pp. 174-175.

24


‫يقدمها غري املسلمني‬ ‫أهمية الب ّينات التي ّ‬ ‫يف الدراسات القرآنية جـ ‪2‬‬

‫‪Ibn Warraq‬‬

‫وبحكم إتقان منغنا للرسيانية ومعرفته باألدب الرسياين‪ ،‬فمن املفاجئ أنه مل يتوصل‬ ‫ٍ‬ ‫أحداث‬ ‫إىل نفس استنتاجات لوكسنربغ الثورية‪ .‬ومرد ذلك يف رأيي إىل اعتامده تسلسل‬ ‫خاطئ‪ ،‬حاله كحال كل الباحثني الغربيني يف القرن التاسع عرش‪ ،‬إذ نرى األمر مرا ًرا‬ ‫وتكرا ًرا‪ ،‬لدى باحثني كفولرز ومنغنا‪ .‬فرغم أن أبحاثهم واستنتاجاتهم كانت ستؤدي‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫بتنقيحات تعرض لها القرآن إال أنهم‬ ‫جذري يف الرتاث اإلسالمي املتعلق‬ ‫تشكيك‬ ‫إىل‬ ‫ٍ‬ ‫أحجموا عن ذلك‪ .‬وبحسب ما قاله يل باحثٌ مرموق‪ ،‬فإن الرتاث اإلسالمي عمو ًما‪،‬‬ ‫خصوصا‪ ،‬هي ما حدد مسارنا يف حديقة القرآن لقرونٍ‬ ‫رشاح‬ ‫ً‬ ‫وأعامل املفرسين وال ّ‬ ‫متل أدغال تلك‬ ‫طويلة‪ ،‬وأنه بات علينا تخليص أنفسنا من كل األعشاب الضارة التي ً‬ ‫الحديقة‪ ،‬وأننا لن نصل إىل الحقيقة ما دمنا ال ننظر إىل الرتاث بع ٍني فاحصة‪ ،‬ولن‬ ‫نفهم االستنتاجات التي يوشك لوكنسربغ اإلفصاح عنها(‪.)67‬‬ ‫قام بالرتجمة من اإلنجليزية‪ :‬أسامة البني (الو ّراق) ‪Usama al-Binni‬‬ ‫جاء النص األصيل من كتاب ‪ Virgins, what virgins? And Other Essays‬البن و ّراق ‪ ،Ibn Warraq‬وهو يحمل‬ ‫نفس عنوان املقال الحايل‪.The Significance Of Non-Muslim Evidence For Koranic Studies :‬‬ ‫مالحظة‪ :‬املرتجم والكاتب شخصان مختلفان رغم تبنيهام لقب «الو ّراق»‪ ،‬نسب ًة للملحد أيب عيىس الوراق من القرن ‪9‬م‪.‬‬ ‫‪ -67‬قام لوكسنربغ عام ‪ 2000‬بنرش كتابه «قراءة آرامية رسيانية للقرآن»‬ ‫‪ ،Die syro-aramäische Lesart des Koran: Ein Beitrag zur Entschlüsselung der Koransprache‬وعام ‪ 2007‬نرش الرتجمة اإلنجليزية للكتاب‪[ .‬مالحظة املرتجم]‪.‬‬

‫ﻣﻦ ﻧﺤﻦ؟‬ ‫ﻧﺤﻦ ﻣﺠﻤﻮﻋﻪ ﻣﻦ ﻣﺴﻠﻤني ﺳﺎﺑﻘني وﻣﺴﻠﻤني ﺑﺪرﺟﺎت ﻣﺘﻔﺎوﺗﻪ ﻣﻦ اﻟﺘﺪﻳﻦ‪.‬‬ ‫ﻣﺎذا ﻧﺮﻳﺪ؟‬ ‫ﻧﺮﻳﺪ أن ﻧﺠﺪ اﻟﺤﻘﻴﻘﺔ‪ ،‬ﻣﻬام ﻛﺎﻧﺖ‪ ،‬و أن ﻧﺤﺎرب ﻣﻦ أﺟﻞ ﺣﻘﻨﺎ ﰲ اﺗﺒﺎﻋﻬﺎ‪،‬‬ ‫ﻧﺮﻳﺪ أن ﻧﺨﻠﻖ ﻣﻜﺎﻧﺎ آﻣ ًﻨﺎ ﻟﻠﻨﺎس ﻟﻴﺘﺒﺎدﻟﻮا ﻓﻴﻪ اﻷﻓﻜﺎر اﻟﺘﻲ ﺗﻌﻠﻤﻨﺎ أﻻ ﻧﺘﺤﺪث ﻋﻨﻬﺎ‪،‬‬ ‫ﻧﺮﻳﺪ أن ﻧﺴﺎﻧﺪ ﺑﻌﻀﻨﺎ وﻧﺴﺎﻋﺪ ﺑﻌﻀﻨﺎ ﻋﲆ ﻣﻮاﺟﻬﺔ أﺳﺌﻠﺔ اﻷﻫﻞ واﳌﺠﺘﻤﻊ‪ ،‬وﺗﻜﻮﻳﻦ إﺟﺎﺑﺎت ﻟﻬﺎ‪،‬‬ ‫ﻧﺮﻳﺪ أن ﻧﻌﻄﻲ اﻟﻼدﻳﻨﻴني )ﺳﻮاء ﻣﻠﺤﺪﻳﻦ‪ ،‬رﺑﻮﺑﻴني أو ﻏريﻫﻢ( ﰲ اﻟﺒﻼد اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺻﻮﺗ ًﺎ ﻷﻧﻬﻢ‬ ‫ﺳﻴﻘﺘﻠﻮن إذا ﻋﻠﺖ أﺻﻮاﺗﻬﻢ‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫مسلمش |‬

‫‪www.muslimish.com‬‬


‫قناة جسور | ‪Bridges.TV‬‬

‫رب ملن ال منرب له‪ ،‬وقنا ٌة لحرية التعبري والتواصل والتعايش مع‬ ‫قناة جسور هي من ٌ‬ ‫املختلف ولتالقح األفكار بصور ٍة حضارية‪ ..‬صوتك مقبول هنا مهام كان‪.‬‬ ‫عنوان القناة عىل اليوتيوب‪:‬‬

‫‪https://www.youtube.com/channel/UChuvYgfSwGXkLtZYmSGc8eQ‬‬ ‫صفحة جسور عىل الفيسبوك‪:‬‬

‫‪https://www.facebook.com/Bridgestv2‬‬ ‫انضموا إلينا يف مجموعة جمهورية الردة‪:‬‬

‫‪https://www.facebook.com/groups/186192008960773/‬‬ ‫إمييل القناة‪:‬‬

‫للتواصل عرب سكايب‪:‬‬

‫‪Bridgestv1‬‬

‫‪bridgestv1@gmail.com‬‬

‫لدعم القناة عىل الـ‪:PayPal‬‬

‫‪https://www.paypal.me/SalBridgesTV‬‬

‫‪26‬‬


‫صفحة ثابتة‬ ‫نقدم فيها قراءة‬ ‫ألحد الكتب‬ ‫القيمة‬

‫كتاب‬

‫«كشف الحلقة‬ ‫املفقودة بني أديان‬ ‫التعدد والتوحيد»‬ ‫لخزعل املاجدي‬ ‫بقلم هيثم األخرس‬

‫هيثم األخرس‬ ‫‪27‬‬


‫كشف الحلقة املفقودة بني‬ ‫أديان التعدد والتوحيد‬ ‫خزعل املاجدي‬

‫هذا الكتاب‪ ،‬للدكتور خزعل املاجدي املتخصص يف تاريخ األديان‬ ‫والحضارات القدمية؛ لعله من أهم الكتب التي من املمكن أن‬ ‫نقرأها يف هذه الفرتة‪ ،‬وهو محاول ٌة ملعرفة ما جرى ومعرفة كيفية‬ ‫ظهور أديان التوحيد الباطني (العرفاين) الذي سبقت أديان التوحيد‬ ‫سهل بل مليئًا‬ ‫اإلبراهيمي‪ ،‬اليهودية واملسيحية واإلسالم‪ .‬ليس كتابًا ً‬ ‫باملعلومات واملراجع يف مجال علم األديان‪.‬‬ ‫يركز الكتاب عىل املرحلة الهلنستية‪ ،‬وهي من أكرث املراحل أهمي ًة‬ ‫من الناحيتني الدينية والروحية يف تاريخ البرشية (املرحلة التي تلت‬ ‫وفاة اإلسكندر املقدوين‪ ،‬وانتهت بقيام الدولة البيزنطية؛ أي ما بني‬ ‫‪ 323‬ق‪.‬م – ‪ 303‬م) ألنها املرحلة الحاسمة التي تم فيها التحول‬ ‫الكبري من األديان متعددة اآللهة إىل األديان املو ِّحدة‪ ،‬لكن األمر مل‬ ‫يحدث بالبساطة التي نتصورها أو من خالل التاريخ الرسمي املعلن الذي نعرفه لهذه املرحلة‪ ،‬كام تعلمناه أو قرأناه‬ ‫أو فُرِض علينا‪.‬‬ ‫لقد اكتشف املؤلف أن هناك «حلق ًة مفقودةً» بني أديان التعدد (التي تسمى بقليلٍ من الدقة بالديانات الوثنية) وأديان‬ ‫التوحيد‪ ،‬شغلتها تياراتٌ ديني ٌة غنوصي ٌة بشكلٍ خاص‪ ،‬وكان معها تياراتٌ مساري ٌة وهرمسية‪ ،‬هي التي بدأت بالتوحيد‬ ‫الرسي عىل طريقتها‪ ،‬فانبثقت من حضورها املؤثر هذا‪ ،‬التوحيدية اليهودية ثم املسيحية‪،‬‬ ‫الباطني العرفاين (الغنويص)‬ ‫ّ‬ ‫وجاء اإلسالم يف أعقاب هذا التأثري يف ٍ‬ ‫وقت متأخ ٍر نسبيًا‪ ،‬ولكنه كان ضمن دائرة التأثريين املبارش وغري املبارش لها‪.‬‬ ‫يق ّدم خزعل املاجدي بحثًا متأن ًيا ويحاول استكشاف هذه الحلقة املفقودة التي تجمع املسارية والهرمسية والغنوصية كام‬ ‫يرى أنها البادئة بفكرة التوحيد العرفاين الباطني (الخايل من الوحي)‪ ،‬والتي تحملت عناء االصطدام مع كتلتني كبريتني‪ :‬األوىل‬ ‫هي كتلة املايض الصلد لألديان التعددية‪ ،‬والثانية هي كتلة األديان ذات التوحيد الظاهري الناشئة حديثًا واملؤمنة بالوحي‪،‬‬ ‫والتي انتعشت بفضل املناخ الروحاين والفلسفي الذي أشاعته «املرحلة الهلنستية»‪ .‬وبعد رصا ٍع طويل‪ ،‬متكن التوحيد‬ ‫الباطني من االنتصار عىل األديان متعددة اآللهة‪ ،‬ولكنه فشل أمام األديان التوحيدية الظاهرية الجديدة (غري العرفانية)‬ ‫التي أخذت التوحيد‪ ،‬وجعلت منه شعا ًرا ممي ًزا‪ ،‬وجعلته ظاهريًا ال باطن ًيا وأسبغت عليه صفة الوحي‪ ،‬وهيأت له رشائع‬ ‫ثابت ًة أصبحت‪ ،‬مع الزمن‪ ،‬موجه ًة لعقائده وفازت بالتوحيد النهايئ‪ ،‬ولكنها دمرت كل تلك الجذور األوىل التي بدأها التوحيد‬ ‫العرفاين (الغنويص)‪ ،‬ودمرت كل ما ميت بصل ٍة للتوحيد العرفاين الباطني الذي تسلقت عليه وظهرت من خالله‪.‬‬ ‫‪28‬‬


‫كشف الحلقة املفقودة بني‬ ‫أديان التعدد والتوحيد‬ ‫خزعل املاجدي‬

‫يتألف الكتاب من مق َّدم ٍة وسبعة فصول‪ ،‬وكل فصلٍ ق ُّسم إىل عدة مباحث‪:‬‬ ‫ يف الفصل األول‪ ،‬عرض الكاتب تاريخ الحضارة‬‫الهلنستية ويتألف من ثالثة مباحث‪ ،‬رشح فيها‬ ‫بالتفصيل‪ :‬نشوء وتقسيم اإلمرباطورية اإلغريقية‬ ‫(الهلنستية) والعرص الهلنستي (‪ 30 - 323‬ق‪ .‬م)‬ ‫وحروب خلفاء اإلسكندر وتقسيم اإلمرباطورية‬ ‫املقدونية (‪ 281 - 323‬ق‪ .‬م) ثم استعرض تاريخ‬ ‫املاملك الهلنستية (البطلمية والسلوقية واملقدونية‬ ‫وبرجام) وثم عرض ملا أسامه العرص الرومانستي‬ ‫(أي العرص الروماين الهلنستي املمتد من (‪ 30‬ق‪.‬‬ ‫م ‪ 323 -‬م) وملرص الرومانية وللشام والعراق يف ظل‬ ‫الحكم الروماين‪.‬‬ ‫ يف الفصل الثاين‪ ،‬عرض عن االتجاهات الروحية الظاهرية يف العرص الهلنستي (دراس ٌة يف النظم الالهوتية واألفكار‬‫أيضا من ثالثة مباحث تتعلق بالعبادة الهلنستية وأنواعها (التعددية والتفريدية والتوحيدية‬ ‫الدينية الهلنستية) ويتألف ً‬ ‫(التوحيد الباطني والتوحيد الظاهري)‪ .‬وأشكال العبادة الهلنستية (عبادة امللوك وعبادة النجوم «القضاء والقدر»‬ ‫وعبادة الحظ) ويعرض للمؤسسة الدينية الهلنستية ومعابدها‪.‬‬ ‫عرض للمثولوجيا الهلنستية يف مرص (رسابيس وإيزيس وهاربوقراطيس) ووادي الرافدين‪.‬‬ ‫ يف الفصل الثالث‪ٌ ،‬‬‫ يف الفصل الرابع‪ ،‬يتحدث عن الفلسفة الهلنستية ودورها يف التوحيد من خالل العقائد الدينية الفلسفية والعقائد‬‫الدينية الهلينية املنشأ‪.‬‬ ‫ يف الفصل الخامس‪ ،‬يعرض بشكلٍ مفصلٍ ومن خالل خمسة مباحث لالتجاهات الروحية الباطنية يف العرص الهلنستي‬‫ٍ‬ ‫كحاضنات للتوحيد)‪.‬‬ ‫(املسارية «ديانات األرسار» والهرمسية والغنوصية‬ ‫ يف الفصل السادس‪ ،‬يتكلم عن إعادة صياغة اليهودية يف العرص الهلنستي (من كونها ديان ًة مرشك ًة إىل ديان ٍة تفريدي ٍة‬‫وعرض للكتاب اليهودي املقدس (التناخ) والنتقال اليهودية من املحلية إىل اليهودية الهلنستية من خالل‬ ‫ثم توحيدية) ٌ‬ ‫‪29‬‬


‫كشف الحلقة املفقودة بني‬ ‫أديان التعدد والتوحيد‬ ‫خزعل املاجدي‬

‫واإلسينيون‪.‬‬ ‫املؤلفني اليهود الهلنستيني والهرمسية اليهودية والغنوصية اليهودية ّ‬ ‫عرض للمسيحية كديان ٍة غنوصي ٍة وكيف ُولدت املسيحية من‬ ‫ يف الفصل السابع‪ٌ ،‬‬‫رحم الثقافة الهلنستية (املسيح كشخصي ٍة غنوصية‪ ،‬بولس الرسول والغنوصية‪،‬‬ ‫األصل الغنويص للرهبنة املسيحية‪ ،‬الفرق الغنوصية املسيحية األوىل‪ ،‬الغنوصيون‬ ‫عرض لألناجيل املسيحية وتصنيفها‬ ‫املسيحيون األوائل «الكنيسة الغنوصية») ثم ٌ‬ ‫بني ما أسامه األناجيل القانونية وأناجيل الجدل واألناجيل غري القانونية واألناجيل‬ ‫عرض للفلسفة الغنوصية وفالسفتها‬ ‫الضائعة ومخطوطات نجع حامدي ثم ٌ‬ ‫(رسنثيوس‪ ،‬باسليدس‪ ،‬فالنتينوس‪ ،‬مرقيون‪ ،‬بطليموس الغنويص‪ ،‬بار ديصان) ويبني‬ ‫كيف قامت املسيحية الرسمية بثور ٍة عىل الغنوصية وكيف قامت بتصفيتها ‪.‬‬ ‫هذا الكتاب محاول ٌة ملعرفة ما جرى ومعرفة كيفية ظهور التوحيد الباطني‬ ‫الوحيي‪ ،‬وهو جدي ٌر بالقراءة‪.‬‬ ‫العرفاين الذي سبق التوحيد الساموي أو اإللهي أو‬ ‫ّ‬

‫املسارية والهرمسية والغنوصية كحاضنات للتوحيد‬

‫‪30‬‬


‫خلف خطى يسوع جـ ‪:5‬‬ ‫يسوعالثائر‬

‫الغريب بن ماء السامء‬

‫لِتَتَ َعلَّ ِم الْ َم ْرأَ ُة ب ُِسك ٍ‬ ‫ُوت ِف ك ُِّل ُخ ُضوعٍ‪َ .‬ول ِك ْن ل َْس ُت آ َذ ُن‬ ‫لِلْ َم ْرأَ ِة أَ ْن تُ َعلِّ َم َوالَ تَتَ َسلَّ َط َع َل ال َّر ُجلِ ‪ ،‬بَ ْل تَكُو ُن ِف ُسك ٍ‬ ‫ُوت‪،‬‬ ‫ألَ َّن آ َد َم ُجب َِل أَوَّلً ث ُ َّم َح َّوا ُء‪َ ،‬وآ َد ُم لَ ْم يُ ْغ َو‪ ،‬ل ِك َّن الْ َم ْرأَ َة أُ ْغ ِويَ ْت‬ ‫فَ َح َصل َْت ِف التَّ َع ِّدي‪َ .‬ول ِك َّن َها َستَ ْخل ُُص ِب ِوالَ َد ِة األَ ْوالَ ِد‪ ،‬إِ ْن ث َ َب ْ َت ِف‬ ‫ا ِإل َميانِ َوالْ َم َح َّب ِة َوالْ َق َد َاس ِة َم َع التَّ َعقُّلِ ‪.‬‬ ‫(رسالة بولس الرسول األوىل إىل تيموثاوس (‪.)11-15 :2‬‬ ‫الرضع ال تحتوي‬ ‫غني عن الذكر أن قصة أمر هريو ُدس بقتل األطفال ّ‬ ‫ٌ‬ ‫تاريخي خارج األناجيل‪ ،‬ويبدو أنها كانت موضة العرص‬ ‫دعم‬ ‫عىل أي ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫القديم‪ ،‬فكام حدث مع موىس وأمر فرعون بقتل املواليد الجدد‪،‬‬ ‫أيضا وإن‬ ‫كذلك أمر هريو ُدس بقتلهم‪ ،‬بل انتقلت القصة إىل اإلسالم ً‬ ‫قليل حيث كاد عبد املطلب أن يقتل عبد الله‬ ‫كانت بطريق ٍة مشذب ٍة ً‬ ‫ٍ‬ ‫محمد بعد النذر الذي نذره‪ .‬رمبا هو عنرص التشويق [عىل الطريقة‬ ‫أبا‬ ‫القدمية] حتى نالحظ كيف استطاع البطل النجاة رغم كيد الكائدين‬ ‫وأن الله مت ّم رسالته [حسب التعبري اإلسالمي]‪.‬‬ ‫‪31‬‬


‫خلف خطى يسوع جـ ‪5‬‬

‫يسوع الثائر‬

‫الغريب بن ماء السامء‬

‫وال داعي ألن نذكر قصة املجوس الذين جاؤوا ليبرشوا مبولد يسوع ومعرفتهم وقت ومكان والدته‪ ،‬فهي تدخل بطبيعة‬ ‫الحال يف الخيال الديني املحيط بشخصية ِ‬ ‫املؤسس‪.‬‬ ‫شخص يف العامل هو ‪-‬رمبا‪« -‬يسوع»‪ ،‬ورغم ذلك فهو أكرث ٍ‬ ‫والغريب يف األمر أن أشهر ٍ‬ ‫شخص ال نعرف عنه شيئًا تقري ًبا!‬ ‫ٍ‬ ‫يتيم وهو يف سن ‪ 12‬يف أورشليم‪ ،‬ثم ال نعرف أي يش ٍء فيام بعد إال حني بلغ‬ ‫ال يوجد أي يش ٍء عن طفولته سوى‬ ‫مشهد ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫سنوات تقريبًا‪.‬‬ ‫الثالثني ولِيموت بعدها بثالث‬ ‫فكامريا تصوير كتبة األناجيل مركز ٌة فقط عىل أربعة محاور‪:‬‬ ‫‪ -1‬الوالدة من عذراء‪.‬‬ ‫‪ -2‬تبشريه بامللكوت‪.‬‬ ‫‪ -3‬الصلب والفداء‪.‬‬ ‫‪ -3‬قيامته من بني األموات‪.‬‬ ‫لكن هذا هو يسوع املسيحي‪ ،‬أو يسوع الذي ينبغي أن يكون وفق‬ ‫مختلف عن يسوع التاريخي‪ ،‬الرجل الذي عاش‬ ‫العقيدة املسيحية‪ ،‬وهو‬ ‫ٌ‬ ‫يف زمنٍ ما‪ ،‬وأحب وكَره وحل َم وقاوم وتكلم‪ ،‬الرجل اإلنسان ابن اإلنسان‪.‬‬ ‫رمبا نستطيع معرفة مهنته عىل األقل‪ ،‬حيث تشري األناجيل إىل أنه كان‬ ‫يعمل ن ّجا ًرا‪.‬‬ ‫يقول إنجيل مرقس‪« :‬أَلَ ْي َس هذَا ُه َو ال َّن َّجا َر ابْ َن َم ْريَ َم؟» (مرقس ‪.)3 :6‬‬ ‫قليل يف املعنى الذي ينقله عن مرقس‪ ،‬ويجعل يوسف‬ ‫فيغي ً‬ ‫لكن إنجيل متّى‪ ،‬يرى أن هذه املهنة رمبا ال تناسب يسوع ّ‬ ‫هو النجار فيقول‪« :‬أَلَيْ َس هذَا ابْ َن ال َّن َّجارِ؟» (متّى ‪.)55 :13‬‬ ‫وس َف؟» (لوقا ‪.)22 :4‬‬ ‫أ ّما لوقا فيزيد هو ً‬ ‫أيضا يف تغيري املعنى وميحو كلمة «النجار» ويذكر فقط االسم‪« :‬أَلَ ْي َس هذَا ابْ َن يُ ُ‬ ‫فهل كان يسوع يعمل نجا ًرا؟‬ ‫«أهل يا رفيق»‬ ‫مثل‪ً :‬‬ ‫عاد ًة ما يحيل املعجم اللغوي للمتكلم إىل تو ّجهه الفكري أو االجتامعي‪ ،‬فحني يقول لك أحدهم ً‬ ‫فأنت تستطيع تقري ًبا معرفة الخلفية الفكرية للمتكلم باستعامله لكلمة «رفيق»‪ ،‬ونحن نعرف أن محم ًدا كان تاج ًرا‪،‬‬ ‫أيضا يشري إىل مهنة‬ ‫اب‬ ‫أجانب معارصون فإن القرآن ً‬ ‫ّ‬ ‫وبغض النظر أن هذه الشهادة ليست فقط عربي ًة بل ذكرها كتّ ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫مثل آيات‪:‬‬ ‫املتكلم‪ ،‬فنجد ً‬ ‫ُ ْ َ َ َّ َ ْ َ ُ ُ ْ َّ َ َ ْ ُ َ َ َ َ َ ّ َ َ ُ ُ ْ َ َ َ ُ ْ‬ ‫ْ َ َ ْ ََ ْ َ ُ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫﴿أولئِك الِين اشتوا الضاللة بِالهدى فما ربِحت ِتارتهم وما كنوا مهتدِين﴾ (البقرة‪﴿ ،)16 :‬بِئسما اشتوا بِهِ أنفسهم﴾‬

‫‪32‬‬


‫خلف خطى يسوع جـ ‪5‬‬

‫يسوع الثائر‬

‫الغريب بن ماء السامء‬

‫َّ َّ َ ْ َ َ ُ ْ ْ ُ‬ ‫اب أَ ِل ٌم﴾ (آل عمران‪﴿ ،)177 :‬إ َّن َّ َ‬ ‫ضوا ْ َّ َ‬ ‫الل َشيْ ًئا َول َ ُه ْم َع َذ ٌ‬ ‫ك ْف َر ب َ‬ ‫يمان لَن يَ ُ ُّ‬ ‫الل‬ ‫(البقرة‪﴿ ،)90 :‬إِن الِين اشتوا ال‬ ‫ِ‬ ‫اإل ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ َ َّ ُ ْ ُ َّ َ َ ْ ً َ َ ً َ ُ َ َ ُ َُ‬ ‫َ ْ ُ ْ َ َ ُ َ ُ ْ َ َ ْ َ َُ‬ ‫ْاش َ َتى م َِن المؤ ِمن ِني أنفسهم وأموالهم﴾ (التوبة‪﴿ ،)111 :‬من َذا ال ِْي يق ِرض الل قرضا حسنا فيضاعِفه ل﴾ (الحديد‪:‬‬ ‫َّ‬ ‫َ َّ‬ ‫َ‬ ‫َ ْ َ ْ ُ ُ َّ َ َ‬ ‫الل ق ْر ًضا َح َس ًنا﴾ (املائدة‪ّ ﴿ ،)12 :‬مِن قبْ ِل أن يَأ ِ َت يَ ْو ٌم ال َبيْ ٌع فِيهِ َوال ُخل ٌة﴾(البقرة‪ ،)254 :‬إلخ‪.....‬‬ ‫‪﴿ ،)11‬وأقرضتم‬

‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ملحمد بوصفه تاجر‪.‬‬ ‫مفردات من ضمن املعجم اللغوي‬ ‫فنجد الرشاء والبيع والقرض‬

‫لكن حني نقرأ كالم يسوع فإننا ال نجد أي إشار ٍة إىل مهنته وال يستعملها يف‬ ‫ملتصق باألرض واألشجار والنبات‪ ،‬مام يجعلنا نر ّجح أنه‬ ‫رموزه‪ ،‬بل كل كالمه‬ ‫ٌ‬ ‫كان يعمل فال ًحا أو زار ًعا يف منطقة الجليل‪ ،‬ورمبا كان يعمل يف أرض أحد‬ ‫النبالء وال ميلك أرضه الخاصة حيث أن أمه كانت فقري ًة وهو ما نستنتجه‬ ‫حني نرى ذهابها إىل املعبد لتضحي عن يسوع ابنها البكر‪ .‬ووصف التضحية‬ ‫سائِ َيل ِم َن‬ ‫اليهودية جاء يف التوراة عىل النحو اآليت‪« :‬ألَ َّن ِل ك َُّل ِب ْك ٍر ِف بَ ِني إِ ْ َ‬ ‫ال َّن ِ‬ ‫اس َو ِم َن الْ َب َهائِ ِم‪( ».‬العدد ‪ ،)17 :8‬وبالطبع ال يقوم الوالدان بالتضحية‬ ‫بابنهم البكر‪ ،‬فهام يق ّدمان ‪ 5‬شيقل إىل كاهن املعبد كتضحي ٍة رمزي ٍة بعد‬ ‫أيام يجب عىل األم أن تحمل إىل املعبد‬ ‫ثالثني يو ًما من الوالدة‪ .‬ثم بعد عرشة ٍ‬ ‫حامم للتضحية بهم‪.‬‬ ‫خروفًا ال يتجاوز عمره سن ًة وميام ًة أو فرخ ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫خروف فإ ّن‬ ‫ويف حالة أن يكون األبوان فقريين وليس باستطاعتهام رشاء‬ ‫التوراة تخفّف األضحية إىل حاممتني‪َ « :‬وإِ ْن لَ ْم ت َ َن ْل يَ ُد َها كِفَايَ ًة لِشَ ا ٍة تَأْ ُخ ُذ‬ ‫َ َيا َمتَ ْ ِي أَ ْو فَ ْر َخ ْي َح َم ٍم‪ ،‬الْ َو ِ‬ ‫اح َد ُم ْح َرقَ ًة‪َ ،‬واآل َخ َر َذبِي َح َة َخ ِطيَّ ٍة‪ ،‬فَيُ َك ِّف ُر َع ْن َها‬ ‫الْكَا ِه ُن فَتَطْ ُه ُر‪( ».‬الالويني ‪.)8 :12‬‬ ‫وس‪َ ،‬ص ِع ُدوا ِب ِه إِ َل أُو ُرشَ لِي َم‬ ‫ولوقا يشري إىل األضحية التي ق ّدمتها مريم‪َ « :‬ولَمَّ تَ َّْت أَيَّا ُم تَطْ ِهريِ َها‪َ ،‬ح َس َب َ ِ‬ ‫شي َع ِة ُم َ‬ ‫وب ِف نَا ُم ِ‬ ‫ك يُ َق ِّد ُموا َذبِي َح ًة ك ََم ِق َيل‬ ‫وسا لِل َّر ِّب‪َ .‬ولِ َ ْ‬ ‫وس ال َّر ِّب‪ :‬أَ َّن ك َُّل َذكَ ٍر فَاتِ َح َر ِح ٍم يُ ْد َعى قُ ُّد ً‬ ‫لِ ُي َق ِّد ُمو ُه لِل َّر ِّب‪ ،‬ك ََم ُه َو َم ْكتُ ٌ‬ ‫ِف نَا ُم ِ‬ ‫وس ال َّر ِّب‪َ :‬ز ْو َج َ َي ٍام أَ ْو فَ ْر َخ ْي َح َم ٍم‪( ».‬لوقا ‪.)22-24 :2‬‬ ‫ٍ‬ ‫خروف واقترصت عىل التخفيف الذي هو فرخا حامم‪ ،‬ونفهم أن أمورها املادية‬ ‫فمريم هنا مل يكن باستطاعتها رشاء‬ ‫كانت ضيق ًة‪ ،‬لذلك أرشتُ إىل أن يسوع مل يكن يعمل يف ٍ‬ ‫أرض ميلكها بل عند أرض أحد املالكني‪.‬‬ ‫لكن إنجيل متّى يسقط يف ٍ‬ ‫تناقض حني يشري إىل هرب مريم ويوسف إىل مرص وكأنهام ميلكان املال الالزم لإلقامة فرت ًة‬ ‫‪33‬‬


‫خلف خطى يسوع جـ ‪5‬‬

‫يسوع الثائر‬

‫الغريب بن ماء السامء‬

‫طويل ًة هناك‪ ،‬وهذا األمر ال يقدر عليه الفقراء‪ ،‬وكام أرشنا إىل أن قصة قتل األطفال هي قص ٌة مختلق ٌة ٍ‬ ‫لغرض ديني‪،‬‬ ‫فكذلك قصة الهرب من هذا القتل إىل مرص هي مختلق ٌة والدافع هو لتُوافق األحداثُ يف النبوءةَ‪ ،‬فإنجيل متّى يأخذ‬ ‫جمل ًة من العهد القديم [كنبوءة] ويبني عليها قص ًة‪ ،‬بل يشري إىل ذلك دون أن يشعر‪ ،‬فيقول‪:‬‬ ‫ك يَ ِت َّم َما ِق َيل ِم َن ال َّر ِّب بِال َّنب ِِّي الْقَائِل‪:‬‬ ‫ص‪َ .‬وكَا َن ُه َن َاك إِ َل َوفَا ِة ِه ُريو ُد َس‪ .‬لِ َ ْ‬ ‫«فَقَا َم َوأَ َخ َذ َّ‬ ‫ص َف إِ َل ِم ْ َ‬ ‫الصب َِّي َوأُ َّم ُه لَ ْي ًل َوانْ َ َ‬ ‫الصبْيَانِ ال َِّذي َن‬ ‫وس َس ِخ ُروا ِب ِه غ َِض َب ِج ًّدا‪ .‬فَأَ ْر َس َل َوقَتَ َل َج ِمي َع ِّ‬ ‫ص َد َع ْوتُ ابْني»‪ِ .‬حي َن ِئ ٍذ لَمَّ َرأَى ِه ُريو ُد ُس أَ َّن الْ َم ُج َ‬ ‫« ِم ْن ِم ْ َ‬ ‫ِف بَ ْي ِت لَ ْح ٍم َو ِف ك ُِّل ت ُ ُخو ِم َها‪ِ ،‬منِ ابْنِ َس َنتَ ْ ِي ف ََم ُدونُ‪ِ ،‬ب َح َسب ال َّز َمانِ ال َِّذي تَ َح َّق َق ُه ِم َن الْ َم ُج ِ‬ ‫وس‪( ».‬متّى ‪.)14-16 :2‬‬ ‫النبي!‬ ‫نعم ليك يتم ما قال ّ‬ ‫أيضا‪ ،‬فنجد يف القرآن آي ًة تقول‪:‬‬ ‫وبناء‬ ‫القصص عىل «الكالم املق ّدس» هو أمر شائ ٌع ونجده قد انتقل بكرث ٍة إىل اإلسالم ً‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َّ ْ َ َ ْ َ ْ َ ٌ ٌ َ َ ُّ َ َّ ْ ُ ْ ُ ُ َ َ َ ُ ْ َ َ ْ َ َّ ُ ْ ُ َ ْ َ ُ َ ُ ُ ُ ُ َ ُ ْ َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ت إِذا أتَ ْوا ٰ‬ ‫﴿ َح َّ ٰ‬ ‫ع َوادِ انلم ِل قالت نملة يا أيها انلمل ادخلوا مساكِنكم ل ي ِطمنكم سليمان وجنوده وهم ل‬ ‫َْ ُُ َ‬ ‫يشعر‬ ‫ون﴾ (النمل‪ ،)18 :‬فنقرأ َيف تفسري القرطبي‪« :‬فَأَ َت َع َل َوا ِدي ال َّن ْمل‪ ،‬فَقَا َم ْت نَ ْلَة تَ ِْش َو ِه َي َع ْر َجاء تتكاوس ِمثْل‬ ‫ش ّي‪َ :‬س ِم َع ُسلَ ْي َمن ك ََلم َها ِم ْن �ث َ َلث َة أَ ْم َيال‪َ ،‬وكَانَ ْت تَ ِْش َو ِه َي‬ ‫ال ِّذئْب ِف الْ ِعظَم؛ فَ َنادَتْ ‪« :‬يَا أ ّي َها انلَّ ْمل‪ْ »..‬اليَة‪ .‬ال َّز َم ْخ َ ِ‬ ‫َع ْر َجاء تَتَكَا َوس؛ َو ِق َيل‪ :‬كَا َن اِ ْسم َها ط ِ‬ ‫َاخية»‪ .‬وأشار ابن كثري يف تفسريه إىل أنها من قبيلة بني شيصان!‬ ‫وهكذا فقد عرفوا اسمها واسم قبيلتها‪ ،‬واألسطورة تولّد األسطورة‪ ،‬فبام أن النمل يتكلم‬ ‫أيضا أن يكون له اس ٌم وقبيلة‪.‬‬ ‫فال ضري ً‬ ‫وإنجيل متّى فعل اليشء نفسه ببناء ٍ‬ ‫سابق ليوافق رؤيته الدينية‪.‬‬ ‫كالم ٍ‬ ‫قصص عىل ٍ‬ ‫وهنا نتساءل‪:‬‬ ‫إن كان يسوع يعمل يف األرض فمن أين جاءت تسمية النجار إذن؟‬ ‫قائل‪:‬‬ ‫هذا السؤال أجاب عنه ِجرار مورديّا ‪ً Gérard Mordillat‬‬ ‫‪34‬‬

‫ِجرار مورديّا‬


‫خلف خطى يسوع جـ ‪5‬‬

‫يسوع الثائر‬

‫الغريب بن ماء السامء‬

‫أيضا «الحكيم» [أي ابن الرشع العارف بالناموس] حيث نجد يف تلمود‬ ‫كلمة النجار يف الرتاث التلمودي نجدها تعني ً‬ ‫أورشليم‪[ :‬حني يأيت الحديث عن قضية توراتي ٍة عويصة] «هذا أم ٌر ال يستطيع تفسريه ال ن ّجار وال ابن نجاّر»‪ ،‬ونقرأ يف‬ ‫التلمود البابيل‪« :‬ال يوجد ن ّجار وال ابن ن ّجار يستطيع تفسري هذه القضية»(‪ )1‬يف إشار ٍة إىل أن معنى كلمة ن ّجا ٍر هو الرجل‬ ‫الحكيم(‪.)2‬‬ ‫ونرى هذا املعنى يف إنجيل مرقس حني يقول‪:‬‬ ‫هذ ِه؟ َو َما ِ‬ ‫السبْ ُت‪ ،‬ابْتَ َدأَ يُ َعلِّ ُم ِف الْ َم ْج َمعِ‪َ .‬وكَ ِث ُريو َن إِ ْذ َس ِم ُعوا بُ ِهتُوا قَائِلِ َني‪ِ « :‬م ْن أَيْ َن لِهذَا ِ‬ ‫هذ ِه ال ِْح ْك َم ُة‬ ‫« َولَمَّ كَا َن َّ‬ ‫الَّ ِتي أُ ْع ِط َي ْت لَ ُه َحتَّى ت َ ْجر َِي َع َل يَ َديْ ِه قُ َّواتٌ ِمث ُْل ِ‬ ‫ُوب َويُ ِ‬ ‫وس َويَ ُهوذَا‬ ‫هذ ِه؟ أَلَ ْي َس هذَا ُه َو ال َّن َّجا َر ابْ َن َم ْريَ َم‪َ ،‬وأَ ُخو يَ ْعق َ‬ ‫َو ِس ْم َعانَ؟ أَ َولَ ْي َس ْت أَ َخ َوات ُ ُه ه ُه َنا ِع ْن َدنَا؟» فَكَانُوا يَ ْع ُ ُثو َن ِب ِه‪( ».‬مرقس ‪.)2-3 :6‬‬ ‫إضافة تحرير املجلة‪ :‬يستحق موضوع كلمة «نجار» هنا‬ ‫بعض االستفاضة‪ .‬ففي اليونانية القدمية(‪ )3‬نجد أن كلمة‬ ‫«تِ ْكتُون» ‪ τέκτων‬تستعمل لإلشارة إىل ِ‬ ‫الحريف وباألخص‬ ‫النجار‪ ،‬ونراها مستخدم ًة يف النسخة السبعينية للعهد‬ ‫الصا ِق ُل‬ ‫القديم ً‬ ‫الصائِغَ‪َّ .‬‬ ‫مثل يف سفر إشعياء‪« :‬فَشَ َّد َد ال َّن َّجا ُر َّ‬ ‫الس ْن َدانِ ‪ ،‬قَائِ ًل َعنِ ا ِإللْ َح ِام‪ُ « :‬ه َو‬ ‫بِالْ ِمطْ َرقَ ِة َّ‬ ‫الضار َِب َع َل َّ‬ ‫َجيِّ ٌد»‪ .‬فَ َم َّك َن ُه بِ َ َسا ِم َري َحتَّى الَ يَتَ َقلْق ََل‪( ».‬إشعياء ‪)7 :41‬‬ ‫والتي ترد يف النسخة السبعينية كاآليت‪:‬‬ ‫‪ἴσχυσεν ἀνὴρ τέκτων καὶ χαλκεὺς τύπτων‬‬ ‫‪σφύρῃ ἅμα ἐλαύνων ποτὲ μὲν ἐρεῖ‬‬ ‫‪σύμβλημα καλόν ἐστιν ἰσχύρωσαν αὐτὰ ἐν‬‬ ‫‪ἥλοις θήσουσιν αὐτὰ καὶ οὐ κινηθήσονται‬‬

‫يسوع يتعلم النجارة من يوسف‬

‫وهذه هي الكلمة نفسها التي تستعمل لإلشارة ملهنة يسوع (أو يوسف) يف العهد الجديد‪ ،‬وتتم ترجمتها إىل نجا ٍر أو‬ ‫ِحر ٍّيف أو حتى ب ّناء‪ ،‬لكن األصل العربي يف العهد القديم (إشعياء ‪ )13 :44‬يستعمل تعبري «حريف خشب» ָח ַרׁש ֵעצִ ים‬ ‫وهو يختلف عن الكلمة املعتمدة اليوم لإلشارة للنجار بالعربية باستخدام مقابل شبي ٍه للكلمة العربية נגר (تلفظ ناغار)‬ ‫‪ -1‬النص التلمودي‪“ :‬אסורות ולית נגר ולא בר נגר דיפרקינה אמר רב ששת אנא לא נגר אנא ולא בר נגר”‪ ,‬תלמוד בבלי‪ ,‬עבודה זרה נ״ב‪[ .‬تحرير‬ ‫املجلة]‪.‬‬ ‫‪2- Gérard Mordillat, Jesus contre Jesus, p. 29-30.‬‬ ‫‪3- H. G. Liddell and R. Scott, Greek-English Lexicon, Clarendon Press, Oxford, 1843.‬‬

‫‪35‬‬


‫خلف خطى يسوع جـ ‪5‬‬

‫يسوع الثائر‬

‫الغريب بن ماء السامء‬

‫امي يستعملها البعض كمقابلٍ أفضل للكلمة املستخدمة‬ ‫وهي كلم ٌة ذات أصلٍ آر ٍّ‬ ‫يف اليونانية‪ ،‬فقد اقرتح الباحث الهنغاري الربيطاين غزا ڤرمش ‪ Géza Vermes‬أن‬ ‫استخدام التلمود لكلمة נגר لإلشارة إىل الحكيم أو املتعلم تعطي الكلمة مع ًنى‬ ‫آخر(‪ ،)4‬وقام من بعده الكاتب الربيطاين آندرو ويلسون ‪Andrew Norman‬‬ ‫‪ Wilson‬باالستفاضة يف األمر ونرشه(‪ .)5‬لكن كلمة ‪ τέκτων‬اليونانية ال يبدو‬ ‫أنها تحمل هذا املعنى‪ ،‬إذ أن أقرب نظريٍ يف العهد الجديد موجو ٌد يف رسالة بولس‬ ‫الثانية إىل تيموثاوس‪« :‬ا ْجتَ ِه ْد أَ ْن ت ُ ِقي َم نَف َْس َك لل ِه ُم َز ُك‪َ ،‬عا ِم ًل الَ يُ ْخ َزى‪ُ ،‬مف َِّص ًل‬ ‫ِاالس ِتقَا َم ِة‪ ».‬والتي تظهر باليونانية عىل شكل ‪ ،ἐργάτης‬مبعنى‬ ‫كَلِ َم َة الْ َح ِّق ب ْ‬ ‫من يتقن قسمة كلمة الحق‪ ،‬وقد اعترب البعض ذلك تصوي ًرا ِ‬ ‫لحرفة النجارة(‪.)6‬‬ ‫أما كلمة ناغار فهي غري موجود ٍة ال بالنص اآلرامي للكتاب املقدس وال العربي‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫نصوص‬ ‫وال يف الوثائق اآلرامية من فرتة كتابة العهد الجديد(‪ ،)7‬وهي موجود ٌة يف‬ ‫تلمودي ٍة الحق ٍة استعملت فيها كمجا ٍز لوصف من يتقن التعامل مع كلمة الرب(‪.)8‬‬ ‫انتهت إضافة تحرير املجلة‪.‬‬

‫غزا ڤرمش‬

‫وال يشء آخر ميكننا استخالصه عن طفولة يسوع أو شبابه من األناجيل القانونية‪ ،‬إال قصة ذهابه إىل أورشليم يف س ّن ‪12‬‬ ‫أيضا مختلق ًة ودوافعها الدينية واضح ًة]‪.‬‬ ‫سن ًة وجداله مع الكهنة [وهذه القصة تبدو ً‬ ‫أ ّما األناجيل املنحولة (األپوكريفية) فقد أسهبت يف الحديث عن طفولة يسوع‪ ،‬كصنعه طيو ًرا من الطني ثم نفخه فيها‬ ‫الروح‪ ....‬إىل غري ذلك من هذه القصص التي ساهمت يف بناء عيىس اإلسالمي والتي سنتع ّرض لها‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫فرضيات عن طفولته‪ ،‬أو باألحرى «أسطورتان» وفرضي ٌة منطقية‪ ،‬أما األسطورتان فهام كالتايل‪:‬‬ ‫بيد أنه توجد ثالث‬ ‫‪ -1‬األسطورة األوىل‪ :‬يسوع ذهب إىل الهند [مع القوافل التجارية املتجهة إليها] وهناك تعلم البوذية ثم عاد ليلقنها‬ ‫لليهود‪ ،‬وتضيف رواي ٌة أخرى أنهم أرادوا صلبه لكنه نجا وعاد إىل الهند ّ‬ ‫وتوف عن س ّن ‪ 120‬سن ًة‪.‬‬ ‫طفل مع عمه يوسف الرامي التاجر‪ ،‬ثم حني ُصلب احتفظ‬ ‫‪ -2‬األسطورة الثانية‪ :‬يسوع ذهب إىل إنجلرتا حني كان ً‬ ‫يوسف بالكأس الذي رشب فيه يسوع آخر ليل ٍة قبل صلبه وحمله إىل إنجلرتا‪ ،‬وتضيف رواي ٌة أخرى أن الكأس حملته‬ ‫‪4- Géza Vermes, Jesus the Jew: a historian’s reading of the Gospels. 1983, pages 21–22.‬‬ ‫‪5- A.N. Wilson. Jesus. Random House UK. pp. 82.‬‬ ‫‪6- Witness Lee, The Life-Pulse of the Lord’s Present Move page 61, 1986.‬‬ ‫‪7- Martin McNamara, Targum and New Testament: Collected Essays, page 207, 2011.‬‬ ‫‪8- Douglas Welker and Kennard Messiah, Jesus: Christology in His Day and Ours, page 71, 2007.‬‬

‫‪36‬‬


‫خلف خطى يسوع جـ ‪5‬‬

‫يسوع الثائر‬

‫الغريب بن ماء السامء‬

‫نيت عليها رواية «شيفرة دافنيش»‪.‬‬ ‫مريم املجدلية إىل فرنسا وهي القصة التي بُ ْ‬ ‫أي ٍ‬ ‫تاريخي‪ ،‬رغم أن األسطورة األوىل‬ ‫سند‬ ‫هذه كلّها رواياتٌ شفوي ٌة أسطوري ٌة ليس لها ّ‬ ‫ّ‬ ‫[أي ذهاب يسوع إىل الهند] كان ذكرها أ ّول مر ٍة الصحفي واملغامر نيكوال نوتوڤيتش‬ ‫‪ Nicolas Notovitch‬يف آخر القرن التاسع عرش حيث أشار إىل أنه قرأ هذه القصة يف‬ ‫ٍ‬ ‫مخطوطات هندي ٍة قدمي ٍة معارص ٍة ليسوع كتبها بوذيون وبراهامن ّيون واستطاع ترجمتها‬ ‫مبعونة أحد الرهبان‪ .‬والجدير بالذكر أن اسم يسوع يف هذه املخطوطات هو «عيىس»‪.‬‬ ‫لكن استطاع ماكس مولر(‪ Max Müller )9‬أن يثبت أن هذه القصة غري صحيحة‪ ،‬حيث أنه‬ ‫يلتق هؤالء الرهبان املرتجمني بنيكوال نوتوڤيتش‬ ‫ال وجود لهذه املخطوطات أ ّو ًل‪ ،‬وثان ًيا مل ِ‬ ‫نيكوال نوتوڤيتش‬ ‫وثالثًا أن البوذية مل تدخل إىل منطقة التبت إال يف القرن السابع ميالدي وراب ًعا أن املعبد‬ ‫(‪)10‬‬ ‫كل هذا هو‬ ‫الذي عاش فيه يسوع واسمه ‪ Jagannath‬مل يتم بناؤه إال يف القرن العارش ميالدي‪ ....‬إلخ ‪ ،‬لكن األه ّم يف ّ‬ ‫عدم وجود هذه املخطوطات لدراستها علم ًيا‪.‬‬

‫يسوع يتأمل يف الهند‬

‫أما الفرضية املنطقية‪ ،‬فهي أن يسوع كان قد قىض طفولته [يعمل يف الزراعة‬ ‫اإلسينيّني مع يوح ّنا املعمدان الذي صار أستاذه فيام بعد‬ ‫رمبا] ويتعلم عند ّ‬ ‫[أي يوح ّنا صار أستاذ يسوع] وهو األمر الذي نستشفّه من كالمه ‪-‬إن صح‪-‬‬ ‫يف األناجيل‪ ،‬بل ذهب جيمس تيبور ‪ James Tabor‬إىل أن كالم يسوع يف‬ ‫املصدر ‪ Q‬يكاد يكون كلّه كالم يوح ّنا(‪ ،)11‬لوال بعض اإلضافات الالحقة من‬ ‫طرف كتبة األناجيل التي توافق عقيدتهم مام أدى إىل خلق التناقض يف النص‪،‬‬ ‫يغي شيئًا يف التوراة ومن ناحي ٍة‬ ‫حيث نجد يسوع يقول مر ًة أنه ال ومل ولن ّ‬ ‫أخرى يقوم ببعض األفعال املضادة‪ ،‬وعىل كل حال‪ ،‬فإ ْن تعلّم يسوع عىل يد‬ ‫يني [وهو الراجح بالنسبة يل] فمن املستحيل أن يخرج قيد أمنل ٍة‬ ‫يوح ّنا ّ‬ ‫اإلس ّ‬ ‫عن تعاليم التوراة حيث كانوا يطبقونها بدق ٍة شديدة‪.‬‬ ‫يني‪ ،‬فحني كان‬ ‫ونستطيع أن نفهم كالم يسوع ويوح ّنا وفق هذا املذهب ّ‬ ‫اإلس ّ‬ ‫قائل‪:‬‬ ‫يوح ّنا يف السجن وأرسل إىل يسوع ً‬

‫‪9- Max Müller and J. Archibald Douglas, Jesus Did Not Live in India: Proof that Notovitch‘s “The Unknown Life of Jesus Christ” Was a Fabrication.‬‬ ‫‪Amazon Kindle Edition.‬‬ ‫‪10- P. Joseph-Marie Verlinde, La vie inconnue de Jésus-Christ en Inde et au Tibet. 2005: http://www.final-age.net/La-vie-inconnue-de-Jesus-Christ-en.‬‬ ‫‪html?artsuite=2‬‬ ‫‪11- James Tabor, La veritable histoire de jesus, Laffont, Paris 2007, p. 183.‬‬

‫‪37‬‬


‫خلف خطى يسوع جـ ‪5‬‬

‫يسوع الثائر‬

‫الغريب بن ماء السامء‬

‫اآلت أَ ْم نَ ْنتَ ِظ ُر آ َخ َر؟» (لوقا ‪ ،)19 :7‬لكن املدهش‬ ‫«أَنْ َت ُه َو ِ‬ ‫هنا هو أن يسوع مل يجبه حسب إشعياء فيقول مثال‪:‬‬ ‫ش الْ َم َساكِ َني‪،‬‬ ‫وح َّ‬ ‫« ُر ُ‬ ‫ل‪ ،‬ألَ َّن ال َّر َّب َم َس َح ِني ألُبَ ِّ َ‬ ‫الس ِّي ِد ال َّر ِّب َع َ َّ‬ ‫َسي الْ َقل ِْب‪ ،‬ألُنَا ِد َي لِلْ َم ْس ِبيِّ َني بِالْ ِعتْ ِق‪،‬‬ ‫أَ ْر َسلَ ِني ألَ ْع ِص َب ُم ْنك ِ ِ‬ ‫َولِل َْمْ ُسورِي َن بِا ِإلطْالَقِ ‪( ».‬إشعياء ‪ .... )1 :61‬إلخ‪،‬‬ ‫لتلميذي يوحنا اللذين كانا قد‬ ‫بل كانت إجابته (مو ّجه ًة‬ ‫ّ‬ ‫أرسلهام لسؤال يسوع)‪« :‬ا ْذ َه َبا َوأَ ْخ ِ َبا يُو َح َّنا بِ َا َرأَيْتُ َم‬ ‫صونَ‪َ ،‬والْ ُع ْر َج َ ْيشُ ونَ‪َ ،‬وال ُ ْْب َص‬ ‫َو َس ِم ْعتُ َم‪ :‬إِ َّن الْ ُع ْم َي يُ ْب ِ ُ‬ ‫الص َّم يَ ْس َم ُعونَ‪َ ،‬والْ َم ْو َت يَقُو ُمونَ‪َ ،‬والْ َم َساكِ َني‬ ‫يُطَ َّه ُرونَ‪َ ،‬و ُّ‬ ‫يُ َبشَّ ُ ونَ» (لوقا ‪.)22 :7‬‬

‫جزء املسيح يشفي الربص من لوحة «العظة عىل الجبل»‬ ‫روسل‬ ‫بريشة كوزميو ّ‬

‫اإلسين ّيني‬ ‫ٌ‬ ‫وأقول أن جواب يسوع‬ ‫مدهش ألنه نقله تقري ًبا حرف ًيا من مخطوطة قمران ‪ 4Q521‬وهي من مخطوطات ّ‬ ‫أي أن يسوع ويوح ّنا يتحدثان بلغ ٍة يفهامنها هام االثنان بوصفها موجود ًة يف كتبهام التي يحفظانها‪[ .‬رمبا هذا األمر‬ ‫أيضا يف تدعيم عدم وجود يسوع‪ ،‬حيث وكأ ّن كاتب اإلنجيل كانت أمامه هذه النصوص ويبني عليها الحكاية‪ ،‬لكننا‬ ‫يزيد ً‬ ‫التاريخي]‪.‬‬ ‫اخرتنا منذ البداية منهج وجوده‬ ‫ّ‬

‫(‪)12‬‬

‫يل يف‬ ‫انضم يسوع إىل حركة «املقاومة» اليهودية‪ ،‬املتناثرة يف منطقة الجليل وخاص ًة يف قرية جامال גַ ְמלָ א‪ّ ،‬‬ ‫وكل جلي ٍ‬ ‫ذلك الوقت تنظر إليه روما بعني الريبة والشك لكرثة االضطرابات التي كانوا يُحدثونها‪ ،‬وإذا كان يسوع مقاو ًما ويح ّرض‬ ‫حكيم «نجار» ويعرف الناموس معرف ًة تام ًة لذلك فهو يريد تطبيقه‪ ،‬وهو يف ذلك يعادي‬ ‫أيضا رجل دينٍ‬ ‫عىل الثورة فهو ً‬ ‫ٍ‬ ‫أيضا من ناحي ٍة والذين ال يط ّبقون التوراة كام ينبغي من ناحي ٍة أخرى‪ ،‬فيشتم كهنة املعبد‪:‬‬ ‫اليهود املوالني لروما ً‬ ‫«أَيُّ َها الْ ُج َّه ُال َوالْ ُع ْم َيانُ! أَ ُّ َيا أَ ْعظَ ُم‪ :‬أَل َّذ َه ُب أَ ِم الْ َه ْيك َُل ال َِّذي يُ َق ِّد ُس ال َّذ َه َب؟» (متّى ‪.)17 :23‬‬ ‫«أَيُّ َها الْ ُج َّه ُال َوالْ ُع ْم َيانُ! أَ ُّ َيا أَ ْعظَ ُم‪ :‬أَلْ ُق ْربَا ُن أَ ِم الْ َم ْذبَ ُح ال َِّذي يُ َق ِّد ُس الْ ُق ْربَانَ؟» (متّى ‪.)19 :23‬‬ ‫«أَيُّ َها الْ َح َّياتُ أَ ْوالَ َد األَفَا ِعي! كَ ْي َف ت َ ْه ُربُو َن ِم ْن َديْ ُنونَ ِة َج َه َّن َم؟» (متّى ‪.)33 :23‬‬ ‫أيضا‪ ،‬وليس فقط يشتمهم بل يطالب بقتلهم‪:‬‬ ‫ويعتربهم يسوع أعداءه ً‬ ‫«أَ َّما أَ ْع َد ِائ‪ ،‬أُول ِئ َك ال َِّذي َن لَ ْم يُرِي ُدوا أَ ْن أَ ْملِ َك َعلَ ْي ِه ْم‪ ،‬فَأْتُوا ِب ِه ْم إِ َل ُه َنا َوا ْذبَ ُحو ُه ْم قُ َّدا ِمي» (لوقا ‪.)27 :19‬‬ ‫‪ -12‬مخطوطات قمران‪ ،‬طبعة كاملة‪ ،Michael Wise ،‬دار نرش ‪ ،Plon‬ص ‪ ،545‬باريس‪.2001 ،‬‬

‫‪38‬‬


‫خلف خطى يسوع جـ ‪5‬‬

‫يسوع الثائر‬

‫الغريب بن ماء السامء‬

‫رسل(‪« :)13‬نكتشف ولعدة مر ٍ‬ ‫ات يف األناجيل أن يسوع يحمل حق ًدا ورغب ًة يف االنتقام ممن ال يقبلون‬ ‫وكام يقول برتراند ّ‬ ‫بتعاليمه»‪.‬‬ ‫وإذ حاولت األناجيل تغطية أو محو هذا املحور الثاين العنيف من شخصية يسوع فقد أوقعت نفسها يف العديد من‬ ‫التناقضات‪ ،‬فمر ًة يقول‪َ « :‬و َم ْن لَ ْي َس لَ ُه [مال] فَلْ َي ِب ْع ث َ ْوبَ ُه َويَشْ َ ِت َس ْيفًا» (لوقا ‪ ،)36 :22‬ومر ًة أخرى يقول العكس‪« :‬ك َُّل‬ ‫ِالس ْي ِف يَ ْهلِكُونَ» (متّى ‪ .)52 :26‬ومل يقترص التناقض عىل محاولة إخفاء شخصية يسوع الثائرة‬ ‫الس ْي َف ب َّ‬ ‫ال َِّذي َن يَأْ ُخذُو َن َّ‬ ‫ٍ‬ ‫أحداث عديدة‪ ،‬بسبب كرثة االشتغال عىل هذه األناجيل والتنقيحات املتتالية التي أحدثوها‬ ‫بل امتد إىل كل األناجيل يف‬ ‫تناقضا يف العهد الجديد‪ ،‬نذكر منها عىل سبيل املثال ال الحرص‪:‬‬ ‫فيها‪ ،‬وقد أحىص بعضهم ‪ً 250‬‬ ‫يقول يسوع‪:‬‬ ‫«إِ ْن كُ ْن ُت أَشْ َه ُد لِ َنف ِْس فَشَ َها َد ِت لَ ْي َس ْت َحقًّا»‪( .‬يوحنا ‪ = )31 :5‬شهادته ليست حقًا‪.‬‬ ‫أيضا‪:‬‬ ‫ويقول يسوع ً‬ ‫حق‪.‬‬ ‫«إِ ْن كُ ْن ُت أَشْ َه ُد لِ َنف ِْس فَشَ َها َد ِت َح ٌق»‪( .‬يوحنا ‪ = )14 :8‬شهادته ّ‬ ‫تشري األناجيل إىل أن يسوع أحيا املوىت‪ ،‬لكن بولس له رأي‬ ‫آخر‪:‬‬ ‫يح‪ ،‬يَ ُك ْن ُه َو أَ َّو َل ِق َيا َم ِة األَ ْم َو ِ‬ ‫ات‪ُ ،‬م ْز ِم ًعا أَ ْن‬ ‫«إِ ْن يُ َؤل َِّم الْ َم ِس ُ‬ ‫يُ َنا ِد َي ِب ُنو ٍر لِلشَّ ْع ِب َولِألُ َم ِم» (أعامل الرسل ‪ ،)23 :26‬أي‪،‬‬ ‫أن يتأمل املسيح ويكون هو أول من يقوم من بني األموات‬ ‫لينادي بالنور للشعب ولألمم‪.‬‬ ‫يح يُ ْك َر ُز ِب ِه أَنَّ ُه قَا َم ِم َن األَ ْم َو ِ‬ ‫ات‪،‬‬ ‫« َول ِك ْن إِ ْن كَا َن الْ َم ِس ُ‬ ‫ُول قَ ْو ٌم بَ ْي َن ُك ْم إِ ْن لَ ْي َس ِق َيا َم ُة أَ ْم َو ٍ‬ ‫فَ َك ْي َف يَق ُ‬ ‫ات؟» (رسالة‬ ‫بولس الرسول األوىل إىل أهل كورنثوس ‪َ « ،)12 :15‬ول ِكنِ‬ ‫يح ِم َن األَ ْم َو ِ‬ ‫ات َو َصا َر بَاكُو َر َة ال َّرا ِق ِدي َن‪».‬‬ ‫اآل َن قَ ْد قَا َم الْ َم ِس ُ‬ ‫(رسالة بولس الرسول األوىل إىل أهل كورنثوس ‪.)20 :15‬‬

‫إقامة أليعازر من املوت بريشة ّجوت ّو‬

‫فيسوع هو أول من يقوم من بني األموات حسب بولس الذي ال يعرف القصص األخرى الخيالية‪ ،‬لكنه استطاع إحياء‬ ‫ثالثة موىت بحسب األناجيل األخرى‪.‬‬ ‫‪[ Bertrand Russell -13‬املشكلة األخالقية‪ ،‬الفصل‪ ،13‬ص‪.]39-42‬‬

‫‪39‬‬


‫خلف خطى يسوع جـ ‪5‬‬

‫يسوع الثائر‬

‫الغريب بن ماء السامء‬

‫يعيانه ويستهزئان منه‪َ « :‬واللَّذَانِ ُصلِ َبا َم َع ُه كَانَا‬ ‫وحني تم صلب يسوع فقد كان بني ّ‬ ‫لصني مصلوبني معه وقد أخذا ّ‬ ‫يُ َع ِّ َيانِ ِه» (مرقس ‪ ،)32 :15‬بينام يبدو أن كاتب إنجيل لوقا مل يعجبه األمر كث ًريا فأعاد الصياغة وذكر أن واح ًدا فقط‬ ‫يعيه بينام اآلخر آمن به‪َ « :‬وكَا َن َو ِ‬ ‫يح‪ ،‬فَ َخل ِّْص نَف َْس َك‬ ‫اح ٌد ِم َن الْ ُم ْذنِ َب ْ ِي الْ ُم َعلَّق ْ ِ‬ ‫َي يُ َج ِّد ُف َعلَ ْي ِه قَائِ ًل‪« :‬إِ ْن كُ ْن َت أَنْ َت الْ َم ِس َ‬ ‫ّ‬ ‫اب اآل َخ ُر َوانْتَ َه َر ُه قَائِ ًل‪« :‬أَ َوالَ أَنْ َت ت َ َخ ُ‬ ‫اف الل َه‪ ،‬إِ ْذ أَنْ َت تَ ْح َت هذَا الْ ُحك ِْم ِب َع ْي ِن ِه؟ أَ َّما نَ ْح ُن فَ ِب َع ْدل‪ ،‬ألَنَّ َنا نَ َن ُال‬ ‫َوإِيَّانَا!» فَأ َج َ‬ ‫ْاس ِت ْحق َ‬ ‫َاق َما فَ َعلْ َنا‪َ ،‬وأَ َّما هذَا فَلَ ْم يَ ْف َع ْل شَ ْيئًا لَ ْي َس ِف َم َحلِّ ِه»‪( ».‬لوقا ‪.)39-41 :23‬‬ ‫ويقول يسوع‪:‬‬ ‫«لِ َمذَا تَ ْد ُعوين َصالِ ًحا؟ لَيْ َس أَ َح ٌد َصالِ ًحا إِالَّ َو ِ‬ ‫اح ٌد َو ُه َو الل ُه‪( ».‬متى ‪ = )17 :19‬يسوع ليس صال ًحا‪.‬‬ ‫الصالِ ُح» (يوحنا ‪ = )11 :10‬يسوع صالح‪.‬‬ ‫«أَنَا ُه َو ال َّرا ِعي َّ‬ ‫وهو ال ميانع أن تسكب امرأ ٌة قارورة عط ٍر باهظ الثمن عليه‬ ‫حتى أن تالميذه اغتاظوا من هذا التبذير وتعجبوا كيف ال تعطى‬ ‫أموال هذا العطر إىل الفقراء بدل سكبها عىل رأسه [أو قدميه] بال‬ ‫معنى‪ ،‬والحديث يطول عن التناقضات وليس مكانه هنا وإمنا ما‬ ‫فعل [بغض النظر عن التناقض يف تاريخ ميالده بني‬ ‫يلفت االنتباه ً‬ ‫متّى ولوقا] هو الجهد الذي بذله متّى ولوقا إلعطاء أسامء أجداد‬ ‫يوسف زوج مريم‪ ،‬وحاوال أن يجعاله من نسل داود‪ ،‬وأقول أنه‬ ‫ملفت لالنتباه ألن يوسف ال عالقة له بيسوع إطالقًا فال يهمنا إن‬ ‫ٌ‬ ‫الداودي أم ال‪ ،‬بل الذي يهم هو أن يكون يسوع‬ ‫كان من البيت‬ ‫ّ‬ ‫نفسه من ذلك البيت ورغم ذلك مل يكلّفا نفسيهام [أي متّى ولوقا] عناء اختالق شجر ٍة عائلي ٍة ملريم يربطانها من خاللها‬ ‫الداودي!‬ ‫بالبيت‬ ‫ّ‬ ‫والنقطة الثانية التي تلفت االنتباه هي التالية‪:‬‬ ‫« َوإِذَا َو ِ‬ ‫رجل يأيت إىل‬ ‫الصالِ ُح‪ ،‬أَ َّي َصالَ ٍح أَ ْع َم ُل لِتَكُو َن ِ َل الْ َحيَا ُة األَبَ ِديَّ ُة؟» [ها هنا ٌ‬ ‫اح ٌد ت َ َق َّد َم َوق ََال لَ ُه‪« :‬أَيُّ َها الْ ُم َعلِّ ُم َّ‬ ‫يسوع ويطلب منه أن يوصيه ماذا يعمل لينال الحياة األبدية‪ ،‬فامذا كان رد يسوع «ابن الله»؟ لنستمع‪« ]:‬إِ ْن أَ َردْتَ‬ ‫َس ْق‪ .‬الَ‬ ‫أَ ْن تَ ْد ُخ َل الْ َح َيا َة فَا ْحف َِظ الْ َو َصايَا» [فيسأله الرجل‪« ]:‬ق ََال لَ ُه‪« :‬أَيَّ َة الْ َو َصايَا؟» فَق ََال يَ ُسو ُع‪« :‬الَ ت َ ْقتُ ْل‪ .‬الَ تَ ْزنِ ‪ .‬الَ ت ْ ِ‬ ‫ت َشْ َه ْد بِال ُّزورِ‪ .‬أَكْ ِر ْم أَبَ َاك َوأُ َّم َك‪َ ،‬وأَ ِح َّب قَرِي َب َك كَ َنف ِْس َك»‪[ ».‬ما هذا؟ ما الجديد الذي جاء به؟ إنها وصايا موىس والجميع‬ ‫يعرفونها‪ ،‬بل مل يق ّدم الوصايا العرش كامل ًة بل فقط نصفها‪ ،‬هل جاء يسوع ليعيد تكرار الوصايا العرش؟! فيجيبه الرجل‪]:‬‬ ‫اب‪ِ :‬‬ ‫«هذ ِه كُلُّ َها َح ِفظْتُ َها ُم ْن ُذ َح َداث َ ِتي‪ .‬ف ََمذَا يُ ْع ِوزُين بَ ْع ُد؟» [كأ ّن الرجل يقول له‪ :‬يا أخي هذه نعرفها‪ ،‬فهل‬ ‫ق ََال لَ ُه الشَّ ُّ‬ ‫من جديد؟ فيجيب يسوع‪« ]:‬إِ ْن أَ َردْتَ أَ ْن تَكُو َن كَا ِم ًل فَا ْذ َه ْب َوب ْع أَ ْمالَك ََك َوأَ ْع ِط الْ ُف َق َرا َء‪ ،‬فَ َيكُو َن ل ََك كَ ْن ٌز ِف الس ََّم ِء‪،‬‬ ‫َوتَ َع َال ات ْ َب ْع ِني»‪[ .‬لك ّنه ال ميانع أن تبذّر امرأ ٌة قارورة عط ٍر باهض الثمن عىل قدميه وال تعطيها للفقراء]‪( .‬متّى ‪.)16-21 :19‬‬ ‫‪40‬‬


‫خلف خطى يسوع جـ ‪5‬‬

‫يسوع الثائر‬

‫الغريب بن ماء السامء‬

‫ومير يسوع إىل التطبيق والفعل فيذهب إىل معبد أورشليم ويستويل عليه‪ ،‬وكام أرشنا سابقًا‪ ،‬كانت معه كتيب ٌة من الثوار‬ ‫حتى يستطيع مقاومة حرس الهيكل‪ ،‬حيث أحدث فوىض عارم ًة حتى أنه منع كل ٍ‬ ‫شخص يخرج من هناك مبتاع‪:‬‬ ‫« َو َجا ُءوا إِ َل أُو ُرشَ لِي َم‪َ .‬ولَمَّ َد َخ َل يَ ُسو ُع الْ َه ْيك ََل ابْتَ َدأَ يُ ْخر ُِج الَّ ِذي َن كَانُوا يَبِي ُعو َن َويَشْ َ ُتو َن ِف الْ َه ْيكَلِ ‪َ ،‬وقَل ََّب َم َوائِ َد‬ ‫اس بَا َع ِة الْ َح َم ِم‪َ .‬ولَ ْم يَ َد ْع أَ َح ًدا يَ ْجتَا ُز الْ َه ْيك ََل بِ َتَاعٍ» (مرقس ‪.)15-16 :11‬‬ ‫َّ‬ ‫الص َيا ِرفَ ِة َوكَ َر ِ َّ‬ ‫ال ب ّد أنه كان يف موقع قو ٍة ليمنع الناس من املرور رغم الحراسة املشددة‪ ،‬فأين الرومان‪ ،‬أمل يتدخلوا؟‬ ‫بىل لقد تد ّخلوا وسنورد تحليلنا لهذه الحادثة‪:‬‬ ‫ٍ‬ ‫مبسافات‬ ‫كام أرشنا سابقًا‪ ،‬فإن معبد أورشليم كان كب ًريا وواس ًعا‪ ،‬ويشري فالڤيوس إىل أنه عىل مدخله‪« :‬كانت توجد أعمد ٌة‬ ‫ٍ‬ ‫أجنبي‬ ‫شخص‬ ‫مكتوب عليها باليونانية والالتينية‪ ،‬قانون الطهارة‪ ،‬ومتنع كل‬ ‫متساوي ٍة‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫الحق يف الدخول إىل املعبد [وذلك حتى‬ ‫من الدخول إىل املعبد»(‪ .)14‬فاليهود فقط لهم ّ‬ ‫ال يدنسه الوثنيون]‪ ،‬وقد جاءت األبحاث األثرية لتؤكد كالم فالڤيوس‪ ،‬حيث اكتشف‬ ‫كلريمون غانو(‪ Clermont-Ganneau )15‬سنة ‪ 1871‬حج ًرا كب ًريا ينتمي إىل حجارة املعبد‬ ‫وكل ٍ‬ ‫شخص [غري‬ ‫[وثني] الدخول إىل املعبد‪ّ ،‬‬ ‫أممي‬ ‫مكتوب عليه باليونانية‪ :‬ال ّ‬ ‫يحق ّ‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫ألي ّ‬ ‫يهودي] يدخل‪ ،‬فإنّه سيتع ّرض للموت(‪.)16‬‬ ‫ّ‬ ‫كلريمون غانو‬

‫ويق ّدم لنا إنجيل لوقا رواي ًة غريب ًة‪:‬‬ ‫اب يَ ُسو ُع َوق ََال‬ ‫اضا ِف ذلِ َك الْ َوق ِْت قَ ْو ٌم يُ ْخ ِ ُبونَ ُه َعنِ الْ َجلِيلِ ِّي َني ال َِّذي َن َخلَ َط بِيالَط ُُس َد َم ُه ْم ِب َذبَائِ ِح ِه ْم‪ .‬فَأ َج َ‬ ‫« َوكَا َن َح ِ ً‬ ‫لَ ُه ْم‪ :‬أَتَظُ ُّنو َن أَ َّن ه ُؤالَ ِء الْ َجلِيلِ ِّي َني كَانُوا ُخطَا ًة أَك َ َْث ِم ْن ك ُِّل الْ َجلِيلِ ِّي َني ألَنَّ ُه ْم كَابَ ُدوا ِمث َْل هذَا؟ كَالَّ! أَق ُُول لَ ُك ْم‪ :‬بَ ْل إِ ْن لَ ْم‬ ‫ش‬ ‫تَتُوبُوا فَ َج ِمي ُع ُك ْم كَذلِ َك تَ ْهلِكُونَ‪ .‬أَ ْو أُول ِئ َك َ‬ ‫الثَّمنِ َي َة َع َ َ‬ ‫ال َِّذي َن َس َق َط َعلَيْ ِه ُم ال ُ ْْب ُج ِف ِسلْ َوا َم َوقَتَلَ ُه ْم‪ ،‬أَتَظُ ُّنو َن أَ َّن‬ ‫ه ُؤالَ ِء كَانُوا ُم ْذنِ ِب َني أَك َ َْث ِم ْن َج ِميعِ ال َّن ِ‬ ‫الساكِ ِن َني ِف‬ ‫اس َّ‬ ‫أُو ُرشَ لِي َم؟» (لوقا ‪.)1-4 :13‬‬ ‫ها هنا يذكر بر ًجا اسمه ِسلْ َوا َم (سلوان) سقط وقتل‬ ‫بعض األشخاص‪ ،‬وال تذكر املصادر التاريخية أي يش ٍء عن‬ ‫سقوط هذا الربج‪ ،‬وال ميكن أن يكون قد سقط بفعل‬ ‫زلزا ٍل وإال ملا تر ّددت املصادر يف ذكره باعتباره عقابًا‬ ‫‪ -14‬يوسيفوس فالڤيوس‪ ،‬حروب اليهود‪.2 ،5 ،5 ،‬‬ ‫‪ -15‬شارل سيمون كلريمون غانو كان عامل آثا ٍر ومسترشقٍ فرنيس عاش بني األعوام ‪1846‬م و‪1923‬م‪[ .‬تحرير املجلة]‪.‬‬ ‫‪16- Deissmann’s Licht vom Osten, 4e éd., 1923, p. 62.‬‬

‫‪41‬‬


‫خلف خطى يسوع جـ ‪5‬‬

‫يسوع الثائر‬

‫الغريب بن ماء السامء‬

‫برج‬ ‫إله ًيا‪ ،‬وقد اكتشفت األبحاث األثرية(‪ )17‬هذا الربج سنة ‪ 1913‬بقيادة عامل اآلثار رميون ڤايل ‪ Raymond Weill‬وهو ٌ‬ ‫(‪)18‬‬ ‫مبني لحراسة الجانب الجنويب ويتناوب عليه الجنود الرومان‪.‬‬ ‫يتبع معبد أورشليم يقع يف جنوب املعبد وهو ٌّ‬ ‫يقول كارمايكل ‪« Carmichael‬يبدو أنه من املستبعد أن هذا البناء [أي املعبد] الذي تم بناؤه حديثًا من طرف هريودس‬ ‫برج هكذا بال سبب‪ ،‬ورمبا سقوط هذا الربج الذي‬ ‫الكبري [مع العلم أن هناك صخو ًرا فيه تزن ‪ 10‬أطنان] أن يسقط منه ٌ‬ ‫أشار إليه لوقا حدث حني استوىل يسوع عىل املعبد‪ ،‬وتد ّخل الرومان إلعادة حفظ النظام‪ ،‬ورمبا وقعت محارصة املعبد‬ ‫من طرفهم‪[ ،‬حيث أن بعض أفراد كتيبة يسوع استولوا عىل الربج كمكانٍ اسرتاتيجي] ورضبهم الرومان باملنجنيق‪ ،‬وإال‬ ‫فام الذي يدعو الرومان إىل إسقاط برج حراس ٍة لهم إذا مل يكن قد تم االستيالء عليه؟»(‪.)19‬‬ ‫شخصا]‪ ،‬إال أن الجنود الرومان مل يبقوا‬ ‫لكن يسوع استطاع الهروب ومات بعض من كان معه يف هذا التصادم [‪18‬‬ ‫ً‬ ‫مكتويف األيدي بطبيعة الحال‪ ،‬يقول إنجيل يوح ّنا‪« :‬فَأَ َخ َذ يَ ُهوذَا الْ ُج ْن َد َو ُخ َّدا ًما ِم ْن ِع ْن ِد ُر َؤ َسا ِء الْ َك َه َن ِة َوالْ َف ِّر ِ‬ ‫يسيِّ َني‪َ ،‬و َجا َء‬ ‫ِيح َو ِسالَ ٍح»‪( .‬يوح ّنا ‪.)3 :18‬‬ ‫إِ َل ُه َن َاك بِ َشَ ا ِع َل َو َم َصاب َ‬ ‫النص اليوناين تعني «الكتيبة»‪:‬‬ ‫الرتجمة هنا غري دقيقة‪ ،‬فالكلمة التي باألحمر كام جاءت يف ّ‬ ‫‪ο ουν ιουδας λαβων την σπειραν‬‬

‫وترجمة الجملة إىل اإلنجليزية‪:‬‬ ‫‪Judas then, having received the Roman cohort‬‬ ‫تقل عن ‪ 600‬شخص‪ ،‬ولك ّنها يف حالة‬ ‫والكتيبة الرومانية ال ّ‬ ‫يسوع كانت متكون ًة من ألف شخص‪ ،‬حيث يقول يوح ّنا‪:‬‬ ‫«ث ُ َّم إِ َّن الْ ُج ْن َد َوالْقَائِ َد َو ُخ َّدا َم الْيَ ُهو ِد قَبَ ُضوا َع َل يَ ُسو َع َوأَ ْوثَقُو ُه»‬ ‫(يوحنا ‪.)12 :18‬‬ ‫كلمة «القائد» يف األصل اليوناين مكتوب ٌة هكذا‪χιλιαρχος :‬‬ ‫وباألحرف الالتينية ت ُنطق‪chiliarchos :‬‬ ‫جندي‪.‬‬ ‫وتعني حرف ًيا‪ :‬قائد كتيبة األلف‬ ‫ّ‬

‫متثيل حديث لكتيبة رومانية‬

‫‪ -17‬املصدر السابق‬ ‫ٍ‬ ‫يهودي فرنيس‪ ،‬زار‬ ‫ر‬ ‫آثا‬ ‫عامل‬ ‫هو‬ ‫ڤايل‬ ‫«رميون‬ ‫اآليت‪:‬‬ ‫هو‬ ‫ائيلية‪،‬‬ ‫رس‬ ‫اإل‬ ‫اآلثار‬ ‫ارة‬ ‫ز‬ ‫و‬ ‫تديره‬ ‫رسمي‬ ‫ع‬ ‫موق‬ ‫وهو‬ ‫‪،cityofdavid.org.il‬‬ ‫اإلنرتنت‬ ‫عىل‬ ‫داود»‬ ‫«مدينة‬ ‫موقع‬ ‫‪ -18‬ما يقوله‬ ‫ٌ‬ ‫ٍّ‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫حفريات مبعوث ًا من البارون روتشيلد الذي كان قد اقتنى أرضً ا عىل تلة مدينة داود‪ .‬وقد أجرى حفرياته يف الجزء الجنويب من‬ ‫أورشليم مرتني يف بدايات القرن العرشين إلجراء‬ ‫التلة وكشف عن محج ٍر كان قد دمر كهفني ُحفرا يف الصخر‪ .‬وبحسب ڤايل‪ ،‬كان الكهفان مقابر ملكية للساللة الداودية ابتدا ًء من داود فمن تاله‪ ،‬لكن الباحثني اليوم ال يقبلون‬ ‫هذا التفسري‪ .‬ويف نفس املنطقة اكتشف كذلك نقشً ا يونان ًيا من حقبة املعبد الثاين يوثق بناء ٍ‬ ‫يهودي عىل يد كاهنٍ اسمه ثيودوتوس‪ .‬كان ڤايل يف نهاية حياته من مؤسيس‬ ‫معبد‬ ‫ٍّ‬ ‫متحف اآلثار يف بريوت»‪[ .‬تحرير املجلة]‪.‬‬ ‫‪ -19‬املصدر السابق‪.‬‬

‫‪42‬‬


‫خلف خطى يسوع جـ ‪5‬‬

‫يسوع الثائر‬

‫الغريب بن ماء السامء‬

‫رش من بيالطس‪ ،‬حيث يقول‬ ‫وهذه الكتيبة ال تخرج إال بأم ٍر مبا ٍ‬ ‫جيمس تيبور ‪« :James Tabor‬هذه عملي ٌة عسكري ٌة منظّمة‪،‬‬ ‫وتحدث مبوافقة بيالطس»(‪.)20‬‬ ‫جندي للقبض عىل رجلٍ‬ ‫ما الذي يدعو الرومان إىل إرسال ألف‬ ‫ٍ‬ ‫يدعو إىل الحب والسالم وليس معه إال ‪ 11‬تلميذًا؟‬ ‫لهذا فإن إرسال مثل هذا العدد يد ّعم رأينا بوقوع أحداث الشغب‬ ‫التي أثارها يسوع يف الهيكل‪ ،‬ثم هربه مع كتيبته [رمبا يكون‬ ‫بطرس يقطع أذن الجندي ملخس‬ ‫عددهم ‪ 900‬رجلٍ كام ذكر قايض بتينيا يف القرن الرابع ميالدي(‪ ])21‬وال ينفي حدوث قتا ٍل بني أتباعه وبني الجنود‪ ،‬بل‬ ‫الجندي‪ ،‬بل وزادونا من الشعر بيتًا بأن جعلوا‬ ‫نر ّجحه بشد ٍة وإن كان اقترص كتبة األناجيل عىل ذكر قطع سمعان ألذن‬ ‫ّ‬ ‫متناقض مع الكالم اآلخر ليسوع كام أوضحت أعاله‪.‬‬ ‫يسوع يقول‪ :‬أغمد سيفك! وهو كال ٌم‬ ‫ٌ‬ ‫إذن فالقبض عىل يسوع كان بتهمة التحريض عىل الثورة وقتل بعض الناس‪ ،‬وهي تهمة «باراباس» نفسها‪ ،‬ولننظر كيف‬ ‫يقع التحريف‪:‬‬ ‫تهمة باراباس‪:‬‬ ‫اس ُموثَقًا َم َع ُرفَقَائِ ِه ِف الْ ِفتْ َن ِة‪ ،‬ال َِّذي َن ِف الْ ِفتْ َن ِة فَ َعلُوا قَتْ ًل» (مرقس ‪.)7 :15‬‬ ‫« َوكَا َن الْ ُم َس َّمى بَا َرابَ َ‬ ‫كلمة‪« :‬قَتْ ًل» تعني بطبيعة الحال إثارة الفوىض وقتل ٍ‬ ‫النص اليوناين‪:‬‬ ‫أناس أبرياء‪ ،‬وانظروا كيف يذكرها ّ‬

‫‪ην δε ο λεγομενος βαραββας μετα των στασιαστων δεδεμενος οιτινες εν τη στασει φονον‬‬ ‫‪πεποιηκεισαν‬‬

‫بينام لننظر تهمة يسوع‪:‬‬ ‫أي أن بيالطس علم أن تهمة يسوع من طرف اليهود كانت بسبب‬ ‫«ألَنَّ ُه َعلِ َم أَنَّ ُه ْم أَ ْسلَ ُمو ُه َح َس ًدا» (متّى ‪ّ ،)18 :27‬‬ ‫الحسد‪.‬‬ ‫النص اليوناين‪ ،‬حني يذكر الحسد‪:‬‬ ‫وانظروا ّ‬ ‫‪εγινωσκεν γαρ οτι δια φθονον παραδεδωκεισαν αυτον οι αρχιερεις‬‬ ‫تهمة باراباس‪ :‬قاتل ‪φονον‬‬ ‫تهمة يسوع‪ :‬حسد ‪φθονον‬‬ ‫‪20- James Tabor, La veritable histoire de jesus, Laffont, Paris 2007, p. 218.‬‬ ‫‪ -21‬راجعوا الجزء الثالث من هذا املقال املنشور يف العدد ‪ 81‬من مجلة امللحدين العرب‪.‬‬

‫‪43‬‬


‫خلف خطى يسوع جـ ‪5‬‬

‫يسوع الثائر‬

‫الغريب بن ماء السامء‬

‫ماذا فعل كتبة األناجيل؟‬ ‫حرف ٍ‬ ‫قاموا بإضافة ٍ‬ ‫واحد وهو حرف الثيتا ‪ θ‬اليوناين‬ ‫(ما يقابل الثاء العربية) فكانت الكلمة‪phonon :‬‬ ‫فتغي املعنى متا ًما‪ ،‬ولكن‪،‬‬ ‫فصارت ‪phthonon‬‬ ‫ّ‬ ‫ورغم ذلك فإنهم ق ّدموا لنا صور ًة طفولي ًة ال ترقى‬ ‫لشخصية بيالطس! فهو يعرف أنهم سلّموه بسبب‬ ‫الحسد ورغم ذلك يصلبه‪ ،‬هل يوجد استهزا ٌء أكرث‬ ‫من هذا؟‬ ‫الرومان الذين يطبّقون القانون بدق ٍة وساهموا‬ ‫يف الحضارة اإلنسانية بالعلوم القانونية واإلدارية‪،‬‬ ‫واملحافظ بيالطس الذي يطبق القانون يف أورشليم‪ ،‬ال يجدون أي تهم ٍة عىل يسوع‪ ،‬بل يقول بيالطس أنه بري ٌء من دمه‪،‬‬ ‫نزول عند رغبة اليهود‪ ،‬هؤالء اليهود الذين قتل منهم أعدا ًدا بالجملة يف مواطن أخرى وال يقيم لهم‬ ‫ورغم ذلك يصلبه ً‬ ‫ونازل عند رغبتهم!‬ ‫وزنًا‪ ،‬نراه اآلن يبدو مضط ًرا وضعيفًا ً‬ ‫بل صار بيالطس هنا يهوديًا أكرث من اليهود‪.‬‬ ‫وصار اليهود هنا رومانيني أكرث من الرومان [حيث يطالبون بصلب من تح ّدى روما]‪.‬‬ ‫املسيح أم باراباس‪ ،‬بريشة هاري مرتويش‬

‫شخص واح ٌد‬ ‫كل هذه الرواية تشري إىل أن بيالطس هو الذي قبض عىل يسوع وهو الذي صلبه‪ ،‬وباراباس ويسوع هام ٌ‬ ‫قسمه كتبة اإلنجيل إىل شخصيتني‪ ،‬وبيالطس ال يتسامح مع من يتحدى ويثور ضد روما‪ ،‬خاص ًة أن اإلشاعات متواتر ٌة‬ ‫انقض عليه الرومان مبارشةً‪،‬‬ ‫بني اليهود عن املخلّص الذي سيظهر ويحررهم‪ ،‬لذلك كلام رفع أح ٌد رأسه لي ّدعي امللوكية ّ‬ ‫ويسوع قد ت ّم صلبه مع قاتلَني آخرين كانت لهام تهمة يسوع نفسها‪ ،‬لذلك ُصلبوا جميعهم مع بعض‪.‬‬ ‫ويحض عىل الخري واملحبة‪ ،‬قلت لو‬ ‫رمبا لو مل يوجد يسوع «املسيحي» أي كام تُق ّدمه املسيحية لنا‪ ،‬كرجلٍ يكره العنف‬ ‫ّ‬ ‫رجل ويقول أنه املسيح لكن بطريق ٍة «معنوية» ويأمر بإعطاء ما‬ ‫أصل‪ ،‬ففي مصلحته أن يأيت ٌ‬ ‫مل يوجد ألوجده بيالطس ً‬ ‫لقيرص لقيرص [كام تزعم األناجيل] ومينع حمل السيف‪ ،‬فهذا الرجل سيكون يف مصلحة روما وليس ضدها ولو ُوجد‬ ‫لسانده بيالطس بل وقام بحاميته ووفّر له كل ما يلزم‪.‬‬ ‫لكن يسوع مل يكن كذلك‪.‬‬ ‫يُتبع‪.........................‬‬ ‫‪44‬‬


‫اﺷﺘﺮك اﻵن‬ ‫ﻓﻲ ﻗﻨﺎﺗﻨﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﻴﻮﺗﻴﻮب‬ ‫‪https://www.youtube.com/c/ahmedzayedchannel‬‬

‫ﻗﺮاﺑﺔ ‪ 10‬ﻣﻠﻴﻮن ﻣﺸﺎﻫﺪة‬ ‫ﻣﺸﺘﺮك‬ ‫أﻟﻒﻣﺸﺎﻫﺪة‬ ‫و‪70‬ﻣﻠﻴﻮن‬ ‫ﻗﺮاﺑﺔ اﻟﻌﴩة‬

‫أﺣﻤﺪ ﺳﻌﺪ زاﻳﺪ‬

‫ﻗﻨﺎة أﺣﻤﺪ ﺳﻌﺪ زاﻳﺪ ﻋﲆ اﻟﻴﻮﺗﻴﻮب ﻫﻲ ﻗﻨﺎة ﻣﻌﻨﻴﺔ ﺑﺎﻟﺘﻨﻮﻳﺮ اﻟﻔﻜﺮي واﻟﺜﻘﺎﰲ وﻫﻲ ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻟﻠﺘﻔﻜ اﳌﻮﺿﻮﻋﻲ اﻟﻌﻘﻼ ﻣ ًﻌﺎ‪.‬‬ ‫وﺗﺠﺪون ﻓﻴﻬﺎ اﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ اﻟﺴﻼﺳﻞ وﻣﻨﻬﺎ‪:‬‬

‫أﻟﻒ ﺑﺎء ﻓﻠﺴﻔﺔ ﻟﺘﺒﺴﻴﻂ اﳌﻌﺮﻓﺔ اﻟﻔﻠﺴﻔﻴﺔ‬

‫ﻟﻠﺘﻮاﺻﻞ ﻣﻌﻨﺎ ﻋﲆ ﺻﻔﺤﺔ اﻟﻘﻨﺎة ﻋﲆ اﻟﻔﻴﺴﺒﻮك‪:‬‬ ‫‪https://www.facebook.com/aszayedtv‬‬

‫ﺗﺎرﻳﺦ اﻟﺤﻀﺎرة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ اﻻﺳﻼﻣﻴﺔ‬

‫ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺗﻌﺮﻳﻔﻴﺔ ﺑﺮﻣﻮز ﻓﻜﺮﻳﺔ ﻋﺮﺑﻴﺔ وﻏﺮﺑﻴﺔ‬

‫ﺻﻔﺤﺔ أﺣﻤﺪ ﺳﻌﺪ زاﻳﺪ اﻟﺸﺨﺼﻴﺔ‪:‬‬ ‫‪https://www.facebook.com/ahmedsaadzayed‬‬

‫ﻛﺎﳌﻌﺮي واﻟﺮازي وأرﺳﻄﻮ وﻣﺎرﻛﺲ وراﺳﻞ‬

‫ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺑﺘﺤﻠﻴﻞ ﺧﻼﻓﺎت اﻟﺼﺤﺎﺑﺔ وﻗﺘﺎﻟﻬﻢ‬

‫ﺳﻠﺴﺔ ﺗﻄﻮر ﺗﺎرﻳﺦ اﻹﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺎت اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ واﻟﻔﻠﺴﻔﺎت‬

‫وﻏ ذﻟﻚ ﻛﺜ ﻣﻦ ﻣﺤﺎﴐات وﻣﻘﺎﺑﻼت ﻟﺮﻣﻮز ﻓﻜﺮﻳﺔ ﻓﺎﻟﻘﻨﺎة ﺑﻬﺎ أﻛ ﻣﻦ ‪ 700‬ﻣﺤﺎﴐة‪ ،‬وﻫﻲ ﺟﻬﺪ ﻃﻮﻳﻞ وﻣﺘﻮاﺿﻊ ﻣﻦ اﻟﻌﻤﻞ‬ ‫اﻟﺜﻘﺎﰲ وﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻧﴩ اﻟﻮﻋﻲ واﻟﻌﻘﻼﻧﻴﺔ واﻟﻌﻠﻤﻴﺔ ﻗﺪر اﳌﺴﺘﻄﺎع ﻟﻠﻤﺘﺤﺪﺛ ﺑﺎﻟﻌﺮﺑﻴﺔ‪.‬‬ ‫ﻟﺪﻋﻢ اﻟﻘﻨﺎة‪:‬‬

‫‪https://www.patreon.com/ahmedzayed‬‬

‫‪45‬‬

‫‪https://www.paypal.me/ahmedsaadzayed/100‬‬


‫ما هي الهندوسية؟‬

‫هذا املقال هو ترجمة لڤيديو منشور عىل قناة ‪ -Cogito-‬عىل اليوتيوب‪.‬‬ ‫عنوانه األصيل‪ ،What is Hinduism? :‬وعند الرتجمة كان الڤيديو عىل الرابط اآليت‪:‬‬ ‫‪https://www.youtube.com/watch?v=xlBEEuYIWwY‬‬ ‫قام بالرتجمة شادي سليمي‬ ‫‪d‬‬

‫‪46‬‬

‫‪Cogito‬‬


‫ما هي الهندوسية؟‬ ‫‪Cogito‬‬

‫فهم عىل غري الهندوسيني‪ ،‬حتى أن البعض يقول عنها‬ ‫الهندوسية‪ ،‬هي دين أكرث من مليار إنسان‪ ،‬أقدم األديان واألصعب ً‬ ‫بأنها رشيعة حيا ٍة أكرث من كونها دين‪ .‬ويسميها الهندوسيون أنفسهم ساناتانا دارما (‪،)Sanata Dharma सनातन धर्म‬‬ ‫وتعني التقليد أو الرتاث األبدي‪.‬‬ ‫فام هي الهندوسية إذًا؟ وهل نعيش الحياة ملر ٍة واحد ٍة من نظرتهم تجاه العامل؟ ومن هو هذا الفيل الذي تشتهر به‬ ‫الهندوسية؟ لنستكشف كل ذلك تال ًيا‪.‬‬

‫ﺴﺘﺎن‬

‫ﭘﺎﻛ‬

‫الهندوسية هي أقدم دينٍ ال زال نشطًا‬ ‫اﻟﻬﺠﺮة اﻟﻬﻨﺪو‪-‬آرﻳﺔ‬ ‫لحد اآلن يف العامل‪ ،‬وهي نتيجة دمج‬ ‫ﻫ ّﺮاﭘﺎ‬ ‫الس ْند ‪Indus Valley‬‬ ‫حضارة وادي ِّ‬ ‫ﻣﻮﻫﻨﺠﻮ‪-‬دارو‬ ‫‪ Civilization‬مع البدو الهندو‪-‬آريني‬ ‫ﺣﻀﺎرة وادي‬ ‫ﺑﻨﻐﻼدش‬ ‫اﻟﺴﻨﺪ‬ ‫الذين دخلوا الهند حوايل عام ‪1500‬‬ ‫قبل امليالد‪ .‬ويقول بعض الخرباء بأنها‬ ‫اﻟﻬﻨﺪ‬ ‫قد ترجع إىل ما قبل ذلك بعديد آالف‬ ‫السنوات‪ .‬ولكننا لن نبحر كث ًريا يف‬ ‫التواريخ‪ ،‬ألن التواريخ يف الهندوسية‬ ‫هي موضع جد ٍل كبريٍ ج ًدا‪ .‬ولكن اليشء املؤكد هو أن الهندوسية قدمية‪ ،‬فعمرها عىل األقل يساوي ستًا وثالثني ضعفًا من‬ ‫مفهومي‬ ‫عمر املمثلة األمريكية املخرضمة بيتي وايت (‪ 97‬سنة)‪ .‬فالهندوسية كانت موجود ًة منذ زمنٍ طويلٍ بحيث أن‬ ‫ّ‬ ‫الهندوسية والهند مفهومان غري منفصلني‪ ،‬بل حتى أن اسمي الهندوسية والهند من نفس الكلمة األصلية‪.‬‬ ‫وقد كانت السنسكريتية اللغة القدمية للهندوس‪ ،‬واالسم السنسكريتي لنهر السند هو سندو (ु‪ ،)Sindhu सिन्ध‬أما الفُرس‬ ‫القدماء الذين عاشوا عىل الضفة املقابلة من النهر‪ ،‬فقد كانت‬ ‫لغتهم تقلب حرف (س) إىل (هـ)‪ ،‬فتحولت لديهم تسمية السكان‬ ‫القاطنني عىل الطرف الثاين من نهر السند من ِس ْندو إىل ِه ْندو‪.‬‬ ‫وانتقلت الكلمة من الفرس إىل اليونان‪ ،‬والذين ال تحوي لغتهم‬ ‫الصوت املقابل للحرف (هـ) يف آخر الكلمة فأبدلوه باملقطع (‪)ia‬‬ ‫وبالتايل تحولت كلمة هندو (‪ )Hindhu‬إىل كلمة (‪ ،)India‬والتي‬ ‫صارت لديهم تعني الهند‪.‬‬ ‫لقطة لجزء من نهر السند‬

‫‪47‬‬


‫ما هي الهندوسية؟‬ ‫‪Cogito‬‬

‫موغل يف القدم‪ ،‬ولكن يف معرض موضوعنا‬ ‫ومتلك الهندوسية تاري ًخا ً‬ ‫هذا سنقترص عىل الكالم عن املعتقدات األساسية للهندوسية (‪Core‬‬ ‫‪ ،)beliefs‬ألننا لو أبحرنا يف الكالم عن تاريخ الهندوسية سنستغرق‬ ‫ٍ‬ ‫ساعات يف الكالم عنها‪.‬‬ ‫إن الهندوس جامع ٌة متنوعة‪ ،‬فبعضهم متزمتني يقضون حياتهم يف‬ ‫الصالة‪ ،‬بينام ال يؤمن البعض اآلخر بأي إل ٍه ولكنهم يتبعون الفلسفة‬ ‫قسم الهندوسية إىل سبعة‬ ‫الهندوسية‪ .‬ولتسهيل فهم األمور س ُن ّ‬ ‫ٍ‬ ‫معتقدات أساسية‪ ،‬وهنا اإلصدار النظامي لذلك‪:‬‬ ‫ً‬ ‫أول‪ :‬اإلميان بروحٍ كوني ٍة واحدة‪ :‬يؤمن الهندوس برو ٍح كوني ٍة اسمها‬ ‫برا ْهامن (्‪ )Brahman ब्रह्मन‬وهو مصدر كل الوجود‪ ،‬ال جنس له‬ ‫وال شكل‪ ،‬وبراهامن هو الكون واملادة التي ت ُشكل الكون‪ .‬إنه مفهو ٌم‬ ‫صعب نو ًعا ما‪ ،‬فلنشبه براهامن باملحيط وكل يش ٍء آخر كقطرات ما ٍء‬ ‫ٌ‬ ‫تنبثق منه لحظيًا‪ ،‬تنفصل عن املحيط للحظات‪ ،‬ثم تعود لتتحد معه‪،‬‬ ‫تنفصل عنه‪ ،‬لكنها تبقى جز ًءا منه‪.‬‬

‫ثان ًيا‪ :‬اإلميان بروحٍ خالد ٍة يف الفرد‪ :‬يف الهندوسية تعرف األرواح‬ ‫بـِ(آمتَن) (्‪ .)Ātman आत्मन‬تؤثر أفعال الروح أثناء وجودها يف ٍ‬ ‫جسد‬ ‫مع ٍني يف الحياة التالية لتلك الروح‪ .‬فعندما متوت تنتقل روحك إىل‬ ‫جسم آخر جديد‪ ،‬وهذا يُسمى بتناسخ األرواح (‪.)Transmigration‬‬ ‫ٍ‬ ‫أما نوع الجسد املنتقلة إليه الروح فتحدده الكارما‪.‬‬ ‫‪48‬‬


‫ما هي الهندوسية؟‬ ‫‪Cogito‬‬

‫ثالثًا‪ :‬اإلميان بالكارما (‪ :)Karma कर्म‬الكارما هي الفعل‪ ،‬وتشري عاد ًة إىل األفعال السيئة أو الحسنة التي تؤثر يف املجتمع‪.‬‬ ‫وبالنسبة للهندوس فإن أحداث الكارما يف املايض تؤثر علينا اليوم‪ .‬وأفعالنا اليوم تؤثر عىل أرواحنا يف املستقبل‪.‬‬ ‫راب ًعا‪ :‬اإلميان باملوكشا (‪ :)Moksha मोक्ष‬إن الهدف من الحياة الهندوسية هو‬ ‫الرجوع بطريق ٍة ما إىل براهامن‪ ،‬وإذا استطاع الهندويس ذلك فسيتم تحريره من‬ ‫دورة الحياة واملوت‪ .‬وهذا يُسمى املوكشا (الخالص)‪ .‬وميكنك تحقيق املوكشا‬ ‫بإدراك فردانيتك مع براهامن‪ ،‬أما الكيفية التي تُحقق بها ذلك فيعتمد عليك‪.‬‬ ‫ولهذا السبب فإن صالة الهندويس تقول «أخرجني من الوهم إىل الحقيقة»‪.‬‬ ‫خامسا‪ :‬اإلميان بالڤيدا (‪ :)Veda वेद‬الڤيدا هي كتب املعرفة الهندوسية‬ ‫ً‬ ‫املقدسة‪ .‬توجد أربعة كتب ڤيدا‪ ،‬يؤمن الهندوس بأنه أوحي بها إله ًيا إىل عد ٍد‬ ‫من حكامئهم قد ًميا‪ ،‬وسوف نتعرف عىل تلك الكتب بعد قليل‪.‬‬

‫كالي يوغا‪,1200 ,‬‬ ‫‪%10‬‬ ‫كريتا يوغا‪,4800 ,‬‬ ‫‪%40‬‬

‫دڤارپارا يوغا‪,2400 ,‬‬ ‫‪%20‬‬

‫تريتا يوغا‪,3600 ,‬‬ ‫‪%30‬‬

‫األرقام متثل دورات‪ ،‬للحصول عىل عدد‬ ‫السنوات يتم رضب كل عدد ب‪365‬‬

‫‪ॐ असतो मा सद्गमय ।‬‬ ‫‪तमसो मा ज्योतिर्गमय ।‬‬ ‫‪मृत्योर् मामृतं गमय ।‬‬ ‫‪ॐ शान्तिः शान्तिः शान्तिः ॥‬‬ ‫أُ ْو ْم‪ ...‬أخرجنا من الوهم إىل الحقيقة‬ ‫من الظالم إىل النور‬ ‫من املوت إىل الخلود‬ ‫أُ ْو ْم‪ ...‬سالم‪ ...‬سالم‪ ...‬سالم‪..‬‬

‫سادسا‪ :‬اإلميان بالزمن الدوري‪ :‬حيث ال توجد بالنسبة للهندوس بداياتٌ‬ ‫ً‬ ‫أو نهايات‪ ،‬والزمن لديهم هو سلسل ٌة من الدورات‪ ،‬تحتوي كل دور ٍة‬ ‫عىل أربعة عصور (كل منها يسمى يوغا) ( ु‪ )Yuga यग‬وهذه العصور‬ ‫هي كريتا أو ساتيا ( ु‪ )Krita Yuga कृ त यग‬وتريتا (‪Treta Yuga त्रेता‬‬ ‫‪ )युग‬ودڤاپارا ( ु‪ )Dvapara Yuga द्वापर यग‬وكايل (‪Kali Yuga कलि‬‬ ‫رص فإن‬ ‫‪ ،)युग‬وبجمعها م ًعا تكون ‪ 4.32‬مليون سن ًة‪ .‬ويف نهاية كل ع ٍ‬ ‫أخالقيات الناس املنحطة تقود إىل دمار الواقع‪ .‬ويؤمن الهندوس بأننا يف‬ ‫العرص الرابع واألخري (كايل)‪.‬‬

‫ساب ًعا‪ :‬اإلميان بالدارما (‪ :)Dharma धर्म‬الدارما كلم ٌة صعبة‬ ‫الرتجمة‪ ،‬ولكن تقريب معناها بالقول أنها السلوك القويم‪ ،‬وهي‬ ‫تقوم بصيانة والحفاظ عىل توازن الكون‪ .‬طاملا كل يش ٍء يف الكون‬ ‫مثل الناس والحيوانات والنباتات يتبع الدارما الخاصة به (أي سلوكه‬ ‫القويم) فإن كل يش ٍء سيكون بخري‪ ،‬أما إن شذّوا عن ذلك السلوك‬ ‫(أخلّوا بالدارما) فإن األمور ستجري عىل غري ما يرام‪ .‬ولكل كائنٍ‬ ‫مثل هي قتل الظبي وأكله‪ ،‬ودارما‬ ‫الدارما الخاصة به‪ ،‬فدارما األسد ً‬ ‫‪49‬‬


‫ما هي الهندوسية؟‬ ‫‪Cogito‬‬

‫امللك هي الحكم بالعدل‪ .‬وبالنسبة للبرش فإن دارما الفرد عاد ًة تعتمد عىل عمر اإلنسان وطائفته‪ .‬فللمس ّن دارما مختلف ٌة‬ ‫عن دارما تاجر ٍة شابة‪.‬‬ ‫وبالتايل فإن هذه املعتقدات األساسية السبعة‬ ‫للهندوسية‪ ،‬والتي ميكن من خاللها أن نفهم‬ ‫العقلية الهندوسية‪ .‬وعىل عكس املسيحية أو‬ ‫اإلسالم فإن الهندوسية ليست رسال ًة ساموي ًة‬ ‫وبدل من‬ ‫ذات رسول‪ ،‬وليس لها كتاب «منزل»‪ً .‬‬ ‫هائل من النصوص املقدسة‬ ‫ذلك لديهم عد ٌد ٌ‬ ‫(كتب‬ ‫املختلفة‪ .‬وتشكل كتب الڤيدا األربعة ٌ‬ ‫ديني ٌة هندوسية) قواعد اإلميان الهندويس‪ .‬ويف‬ ‫صفحة من أحد نصوص الڤيدا‬ ‫هذا املوضع سنلقي نظر ًة عليها‪:‬‬ ‫‪ -1‬كتاب ڤيدا ريغ (‪ :)Rig Veda ऋग्वेद‬وهو مجموع ٌة من األغاين التي متجد اآللهة وتناقش أفكا ًرا كالحقيقة والواقع‬ ‫والكون‪ ،‬بالتوازي مع مناقشة الحرب والزواج والطقوس‪.‬‬ ‫‪ -2‬كتاب ڤيدا ياجور (‪ :)Yajur Veda यजुर्वेद‬يغطي مواضيع مثل شعائر وطقوس التضحية‪.‬‬ ‫‪ -3‬كتاب ڤيدا َسام (‪ :)Sama Veda सामवेद‬واملعنى الحريف لكلمة َسام هو «األغنية العذبة املدمرة للحزن»‪ ،‬وهذا الكتاب‬ ‫يف معظمه عبار ٌة عن أغانٍ مهدا ٌة لآللهة لتمجيدها‪ ،‬فهو يختلف عن باقي كتب الڤيدا لكون نَ ّصه ُمغ ّنى عىل لحن املوسيقى‪.‬‬ ‫مثل إلنزال اللعنة‬ ‫كتاب لعمل اللعنات والسحر‪ ،‬فيستخدم ً‬ ‫‪ -4‬فيدا األتاراڤا (‪ :)Atharva Veda अथर्ववेद‬باختصا ٍر هو ٌ‬ ‫باألعداء‪ ،‬أو سحر من نريدهم أن يحبونا‪ ،‬أو إلنزال املطر‪ ،‬أو حتى الكتشاف األدوية‪ ،‬النصائح يف الحرب كصنع السهام السامة‬ ‫نصها‪« :‬اجتنبينا أيتها اللعنة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫مثل‪ ،‬والكثري من التعويذات واللعنات‪ ،‬بل إنه يحتوي لعن ًة مضاد ًة لواضعي اللعنات‪ ،‬يقول ّ‬ ‫كام تجتنب النار املتّقدة املاء‪ ،‬وأنزيل الوبال فيمن يلعننا كام يرضب برق الساموات الشجر»‪ ،‬ونص هذه الڤيدا متوف ٌر عىل‬ ‫اإلنرتنت يف حال احتجتم تعويذ ًة للحصول عىل زوج ٍة أو لطرد طيور الحامم‪.‬‬

‫‪50‬‬


‫ما هي الهندوسية؟‬ ‫‪Cogito‬‬

‫وبعد كتب الڤيدا األربعة تأيت كتب األوپانيشاد‬ ‫्(‪ )Upanishads उपनिषद‬وهي مثل التتمة التي‬ ‫تجعل كتب الڤيدا األربعة أكرث منطقي ًة‪ .‬وهي مكتوب ٌة‬ ‫يف الفرتة ما بني ‪ 800‬إىل ‪ 500‬قبل امليالد‪ ،‬وذلك خالل‬ ‫العرص الذي بدأ فيه الهندوس يشكّكون يف الڤيدا‬ ‫فصارت كتاباتهم اسمها األوپانيشاد‪ .‬فاألوپانيشادات‬ ‫كتب يف الفلسفة‪ ،‬كالتي كتبها أفالطون وأرسطو‪.‬‬ ‫هي ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫إجابات‬ ‫تعج بالشك والتساؤل والنقاش‪ ،‬وإيجاد‬ ‫فهي ّ‬ ‫ألصعب األسئلة الحياتية‪.‬‬ ‫إحدى األفكار األساسية يف تعترب كتب األوپانيشاد أن الناس ليسوا مجرد‬ ‫عقولهم أو أجسادهم أو ذواتهم‪ ،‬وإمنا هم األمتان الخاص بهم (‪)Ātman‬‬ ‫وقد ذكرنا سابقًا تعريف األمتان‪ .‬روحك هي ماهيتك‪ ،‬وكل يش ٍء آخر هو غري‬ ‫حقيقي ومؤقت‪.‬‬ ‫ٍ‬

‫وبعد النصوص املقدسة املذكورة سابقًا (الڤيدا‬ ‫نصوص مقدس ٌة أقل مرتب ًة لكنها تظل‬ ‫واألوپانيشاد) تأيت‬ ‫ٌ‬ ‫نصوصا مثل‪:‬‬ ‫مهم ًة‪ ،‬وتشمل‬ ‫ً‬ ‫‪ -1‬كتب الپورانا (‪)Puranas परु ाण‬‬ ‫‪ -2‬الباغڤاد غيتا (‪ )Bhagavad Gita भगवद्गीता‬أو‬ ‫اختصا ًرا (غيتا)‪.‬‬ ‫‪ -3‬الراماينا (्‪)Ramayana रामायणम‬‬ ‫‪ -4‬املاهاباراتا (्‪.)Mahabarata महाभारतम‬‬

‫والپورانات هي مبثابة موسوعة املعتقدات الهندوسية‪ .‬ويوجد ‪ 18‬پورانات‬ ‫شائعة‪ .‬وتتحدث عن مواضيع تبدأ باليوغا وتنتهي بتنظيم الجيش والرضائب‬ ‫وأنظمة الطوائف‪ ،‬والجحيم واآللهة وكل ما يخطر عىل البال‪.‬‬ ‫أما الغيتا (‪ )Gita‬فهي أحد أهم النصوص الهندوسية‪ .‬تجري أحداثها يف‬ ‫ساحة القتال يرفض فيها أرجونا (‪ ،)Arjuna अर्जुन‬املقاتل املغوار أن‬ ‫يقاتل‪ .‬فيخطو اإلله كريشنا ليحث أرجونا عىل القتال‪ ،‬ويغطي نقاشهام هذا‬ ‫مواضيع مثل الدارما وكيف تعيش حيا ًة فضىل‪ ،‬فينرصف أرجونا للقتال بعد‬ ‫أن علّمه اإلله كريشنا حقيقة الدارما‪ .‬وكفر ٍد من طائفة املحاربني‪ ،‬فإن دراما‬ ‫أرجونا كانت أن يقاتل ضد الرش‪.‬‬ ‫‪51‬‬

‫من مواضيع الپورانات‬


‫ما هي الهندوسية؟‬ ‫‪Cogito‬‬

‫والدرس املستقى من الغيتا هو أن كل إنسانٍ يواجه الخيارات‬ ‫الصعبة‪ ،‬ويتوجب عليه االختيار بنا ًء عىل الدارما الخاصة به‪،‬‬ ‫بغض النظر عن مدى تعاستها‪.‬‬ ‫إضاف ًة إىل كل هذه النصوص الفلسفية‪ ،‬فإن يف الهندوسية‬ ‫ملحمتني مليئتني باألحداث واإلثارة‪ ،‬هام الرامايانا واملهاباراتا‪.‬‬ ‫اإلله كريشنا يتحدث إىل أرجونا‬

‫والرامايانا هي امللحمة األسبق تاريخيًا بني االثنتني‪ ،‬وتقص‬ ‫حكاية األمري راما وكيف تم نفيه ‪ 14‬عا ًما‪ ،‬واختطاف زوجته سيتا‪ ،‬وقتاله مع العفريب راڤانا‪ ،‬وكذلك مرافقه القرد هانومان‪.‬‬

‫ٍ‬ ‫أهداف عىل اإلنسان‬ ‫الخاصة به‪ .‬ويف الهندوسية توجد أربعة‬ ‫أن يحققها ليحظى بحيا ٍة صالحة‪.‬‬ ‫‪ -1‬أولها هو الدارما (‪،)Dharma धर्म‬‬ ‫‪ -2‬متبوعة باآلرثا (‪ )Artha अर्थ‬والتي هي السعي لتحقيق‬ ‫الرخاء والسمعة الحسنة‪.‬‬ ‫‪ -3‬ثم الكاما (‪ )Kama काम‬والتي تعني سعادة الجسد‬ ‫والروح‪.‬‬ ‫‪ -4‬وأخ ًريا املوكشا (‪ )Moksha मोक्ष‬وهي االنعتاق من‬ ‫دورات إعادة امليالد‪.‬‬ ‫ويجب عىل الهندوس مامرسة اآلرثا والكاما مع الدارما من‬ ‫أجل تحقيق املوكشا‪.‬‬ ‫‪52‬‬

‫أما امللحمة الثانية فهي املاهاباراتا‪ ،‬وهي القصيدة األطول‬ ‫يف العامل‪ ،‬فهي أطول بخمس مر ٍ‬ ‫ات من الكتاب املقدس‪،‬‬ ‫ومثاين مر ٍ‬ ‫ات أطول من اإللياذة واألوديسة مجتمعتني‪.‬‬ ‫ومن حيث الدارما تنافس أطول املسلسالت التلفزيونية‬ ‫(أوپرات الصابون)‪ ،‬ففيها القتل والخيانة والحب والقتل‬ ‫بسبب الحب واملعارك العمالقة‪ .‬املاهاباراتا تحتوي كل‬ ‫ذلك‪ .‬واملوضوع األسايس املوجود يف كل من الرامايانا‬ ‫واملاهاباراتا هو أن صالح املجتمع يكمن يف اتباعه للدارما‬


‫ما هي الهندوسية؟‬ ‫‪Cogito‬‬

‫كام وتوجد إغراءاتٌ يجب الهندويس بذل ٍ‬ ‫جهد لتجنبها‪ ،‬وهي كالتايل‪:‬‬ ‫‪ -1‬كاما الشهوة واملادية‪ :‬وهذه الكاما مختلف ٌة عن الكاما الصالحة املذكورة سابقًا‪.‬‬ ‫‪ -2‬كرو ْدها (‪ )Krodha क्रोध‬وهي الغضب‪.‬‬ ‫‪ -3‬لو ْبها (‪ )Lobha लोभ‬وهي الطمع‪.‬‬ ‫‪ُ -4‬موها (‪ )Moha मोह‬وهي التعلق غري الالواقعي بالناس وباألشياء وبالقوة‪.‬‬ ‫‪ -5‬مادا (‪ )Mada मद‬وهي الخيالء‪.‬‬ ‫‪ -6‬مات َْساريا (‪ )Matsarya मात्सर्य‬وهي الغرية‪.‬‬ ‫فباتّباع الدارما وتجنب هذه اإلغراءات الست يستطيع الهندويس كرس دورة إعادة امليالد ودمج روحه وإرجاعها إىل براهامن‬ ‫(تحدثنا عنه سابقًا كنقطة ميا ٍه خرجت من البحر ثم عادت له)‪ .‬ولكن بالرغم من أن كل يش ٍء يأيت من براهامن وهو اليشء‬ ‫الوحيد يف الهندوسية‪ ،‬فإن الهندوس لديهم آالف اآللهة‪ ،‬دعونا إذًا نلقي نظر ًة عىل بعضهم‪.‬‬ ‫أول‪ :‬براهام (‪ ،)Brahma ब्रह्मा‬الخالق‪ ،‬خلق كل يش ٍء يف الكون‬ ‫ً‬ ‫ولكنه ليس الكون نفسه ألن الكون هو براهامن‪ ،‬وبراهام يختلف‬ ‫رؤوس كل ٍ‬ ‫عن براهامن‪ .‬ولدى براهام أربعة ٍ‬ ‫رأس منها يتوجه‬ ‫ألحد االتجاهات األربعة‪ ،‬لتمثيل كتب الڤيدا األربعة التي‬ ‫أيضا ميسك كتابًا وميثّل‬ ‫خلقها‪ ،‬وحقب اليوغا األربعة كذلك‪ .‬وهو ً‬ ‫املعرفة‪ .‬ويركب بَجع ًة عمالق ًة ألنه يحب البهرجة‪ .‬أما زوجته فهي‬ ‫ساراسوايت (‪ ،)Saraswati सरस्वती‬إلهة التعلم‪.‬‬

‫براهام‬

‫ثان ًيا‪ :‬ڤيشنو ु‪ ،)Vishnu विष्(ण‬فهو الحافظ‪ ،‬والعضو الثاين يف الثالوث‬ ‫الهندويس‪ .‬وهو يحفظ العامل الذي خلقه براهام إىل أن يدمره شيڤا يف‬ ‫قرصا ويستخدمه يف قطع أي ٍ‬ ‫واحد يحاول العبث‬ ‫النهاية‪ .‬وميسك يف ميينه ً‬ ‫بالدارما الخاصة به‪ ،‬ومبساعدة املحارة التي متثل رم ًزا للنرص والعنارص‬ ‫الخمسة‪ .‬ولدى ڤيشنو العديد من التجسيدات‪ ،‬مثل كريشنا وراما الذي‬ ‫يستخدمه للدفاع عن الدارما عىل كوكب األرض‪ .‬ويركب ڤيشنو الصقر‬ ‫العمالق غارودا (‪ .)Garuda गरुड‬ولديه زوجتان األوىل اإللهة الكشمي‬ ‫(‪ )Lakshmi लक्ष्मी‬إلهة الحظ الجيد والرثوة‪ ،‬والثانية اإللهة بو ديڤي‬ ‫(‪ )Bhudevi भुमीदेवी‬إلهة األرض‪.‬‬ ‫‪53‬‬


‫ما هي الهندوسية؟‬ ‫‪Cogito‬‬

‫ثالثًا‪ :‬شيڤا املدمر (‪ ،)Shiva शिव‬وهو ثالث الثالوث الهندويس‪ ،‬ووظيفته‬ ‫هي تدمري الكون من أجل التحضري لعملية تجديده يف نهاية كل دور ٍة‬ ‫زمنية‪ .‬وأكرث مالمحه التي متيزه هي عينه الثالثة‪ ،‬والتي عاد ًة ما يبقيها‬ ‫مغلق ًة‪ .‬إذا فتحها وشخص ما أمامه‪ ،‬فسيحرتق وجهه‪ .‬وعندما ال يكون‬ ‫مشغولً بتدمري العامل يقيض شيڤا وقته عىل ظهر ثوره ناندي (‪Nandi‬‬ ‫‪ .)नन्दि‬ويف نهاية العرص الرابع للعامل‪ ،‬عرص الكايل يوغا‪ ،‬يقوم شيڤا‬ ‫برقص ٍة تدمر الكون‪ .‬أما زوجات شيڤا فهن پاراڤايت (‪)Paravati पार्वती‬‬ ‫وسايت (‪ ،)Sati सती‬ولديه ابنان غانيشا (‪ )Ganesha गणेश‬وموروغان‬ ‫(‪.)Murugan मुरुगन‬‬ ‫ويُعبد غانيشا باعتباره إله التخلص من العقبات‪ ،‬بينام موروغان هو إله‬ ‫الحرب‪ .‬ولغانيشا مكان ٌة خاص ٌة يف قلوب الهندوس بسبب كونه قاد ًرا‬ ‫عىل تخليصهم من مشكالتهم‪ .‬وأسهل طريق ٍة للتعرف عليه هي عن‬ ‫شيڤا يرقص‬ ‫طريق رأس الفيل‪ .‬فقد ُولد هو ٍ‬ ‫برشي ولكن بعد أن قطع شيڤا‬ ‫برأس ٍّ‬ ‫عوضا عن رأسه‪.‬‬ ‫رأسه اضطر إىل اللجوء الستعامل رأس فيلٍ ً‬ ‫مسلم فأنت تدرك‬ ‫من املعروف أنك إذا كنت مسيحيًا أو‬ ‫ً‬ ‫كرثة التفرعات والفرق والطوائف يف ديانتك‪ ،‬مثل السنة‬ ‫والشيعة يف اإلسالم‪ ،‬والكاثوليك والپروتستنات يف املسيحية‪.‬‬ ‫وكذلك الحال يف الهندوسية‪ .‬فقد تكونت يف الهندوسية‬ ‫أربع طوائف رئيسية‪ ،‬ولبعضها طوائف فرعية‪:‬‬ ‫‪ -1‬فطائفة الڤايشاناڤا ‪ Vaishanava‬يعبدون ڤيشنو‪.‬‬ ‫‪ -2‬وطائفة الشايڤا ‪ Shaiva‬يعبدون شيڤا بشكلٍ رئييس‪ ،‬هو وولديه‪.‬‬

‫غانيشا‬

‫نصوصا مقدس ًة مثل الپورانات والرامايانا واملاهابارتا بدلً من كتب الڤيدا‪ .‬ويعبدون‬ ‫السامرتا ‪ Smarta‬فيتبعون‬ ‫ً‬ ‫‪ -3‬أما ْ‬ ‫ٍ‬ ‫‪ )Durga दर्गा‬وسوريا (‪ )Surya सूर्य‬وشيڤا (‪)Shiva शिव‬‬ ‫خمسة آله ٍة‬ ‫وإلهات وهم غانيشا (‪ )Ganesha गणेश‬ودورغا ( ु‬ ‫وتجس ًدا معي ًنا يفضلونه لڤيشنو‪.‬‬ ‫‪ -4‬وأخ ًريا الشاكْتا ‪ Shakta‬ويعبدون اإللهة ديڤي (‪ ،)Devi देवी‬وهم يرون يف ديڤي الحقيقة املطلقة واألبدية كرباهامن مؤنث‪.‬‬ ‫‪54‬‬


‫ما هي الهندوسية؟‬ ‫‪Cogito‬‬

‫وبالرغم من كل هذه الطوائف وغريها فإن املعتقدات‬ ‫الجوهرية تبقى غال ًبا نفسها‪ .‬يؤمن الهندوس بأن الدارما‬ ‫تحفظ التوازن يف الكون‪ .‬وإذا بدأت موازين الخري والرش تنوء‬ ‫نحو الرش‪ ،‬فإنه يجب عىل يش ٍء ما التدخل ألجل إصالح دارما‬ ‫الكون‪ .‬هذا التدخل اإللهي يعرف بالتجسيد أڤاتار ‪Avatar‬‬ ‫‪ .अवतार‬واملعنى الحريف لكلمة أڤاتار هو النزول أو الهبوط‪.‬‬ ‫ديڤي‬

‫والتجسيدات هي آله ٌة تهبط لألرض للتدخل عند الحاجة‬ ‫للمساعدة الستعادة الدارما‪ .‬عىل سبيل املثال عندما انغمرت األرض مبياه املحيطات هبط ڤيشنو إىل ألرض عىل صورة‬ ‫ٍ‬ ‫حاالت أخرى ُولد ڤيشنو عىل األرض‬ ‫التجسد ڤاراها (‪ ،)Varaha वराह‬أي الخنزير‪ ،‬وسحب األرض لخارج املحيط‪ .‬ويف‬ ‫ٍ‬ ‫برشي مثل راما وكريشنا‪ ،‬حيث أمىض سنني تجسده بتلك الصورة يف إصالح الدارما‪.‬‬ ‫كتجسد ٍ‬ ‫لننظر اآلن إىل نظام الطوائف الطبقية ‪ .Caste system‬إذا‬ ‫كنتم أيها القراء األعزاء تعرفون شيئًا واح ًدا عن الهندوسية فهو‬ ‫غال ًبا عن نظام الطوائف الطبقية‪ .‬وهو نظا ٌم يراه الناس جائ ًرا‬ ‫يصنف الناس إىل ٍ‬ ‫فئات ال تتغري بنا ًء عىل أحوال ميالدهم‪.‬‬ ‫ولرد ٍح كبريٍ من التاريخ هذا ما حصل‪ ،‬لسوء الحظ‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫مستويات يولد اإلنسان‬ ‫فلنضع توضي ًحا رسي ًعا ملاهية نظام الطوائف الطبقية‪ .‬توجد يف الهندوسية أربعة طوائف طبقي ٍة أو‬ ‫يف أحدها وهي‪:‬‬ ‫الكهنة‬ ‫‪ -1‬الرباهمة ‪( Brahmins ब्राह्मण‬الكهنة)‬ ‫الرباهمة‬ ‫‪ -2‬والكْشاتريا ‪( Kshatryias क्षत्रिय‬املحاربني)‬ ‫املحاربني‬ ‫الكشاتريا‬ ‫‪ -3‬والڤايشيا ‪( Vaishyas वैश्य‬التجار)‬ ‫التجار‬ ‫‪ -4‬والشودرا ‪( Shudras शूद्र‬العاملة اليدوية)‪.‬‬ ‫الڤايشيا‬ ‫ونستطيع إيجاد القواعد الرئيسية لنظام الطوائف العاملة اليدوية‬ ‫الشودرا‬ ‫كتب مثل باغاڤاد غيتا وڤيدا ريغ‪.‬‬ ‫الطبقية يف ٍ‬ ‫يقول كريشنا يف الغيتا «إين خلقت نظا ًما رباع ًيا‬ ‫املنبوذون (األنجاس)‬ ‫من أجل التمييز بني الناس عىل أساس الصفات‬ ‫والوظائف»‪ .‬ويشري كتاب ڤيدا ريغ إىل الطوائف الطبقية األربعة‪ ،‬حيث يقول بأن البرش ُخلقوا من أجزاء من جسم اإلله‬ ‫پوروشا (‪ ،)Purusha परुु ष‬ف ُخلق الرباهمة من وجهه‪ ،‬والشاتريا من ذراعيه‪ ،‬والڤايشيا من فخذيه والشودرا من قدميه‪.‬‬ ‫‪55‬‬


‫ما هي الهندوسية؟‬ ‫‪Cogito‬‬

‫وكان من املفرتض يف هذا النظام أن يحدد وظائف الناس بنا ًء عىل قدراتهم وليس عىل حسب ظروف والدتهم‪ .‬فإذا امتلك‬ ‫أحدهم مؤهالت الرباهمة أو الڤايشيا فإنه يستطيع أن يشغل الوظيفة التي تتطلب هذه القدرات‪ .‬مل متنع الغيتا التنقل‬ ‫بني الطوائف الطبقية‪ ،‬فأدى نظام الطبقات دوره املتوقع لفرتة‪ ،‬وذلك حتى ظهرت وثيق ٌة معروف ٌة بـ«قوانني مانو» يف القرن‬ ‫्‪.)Manusmrti मनस‬‬ ‫الخامس قبل امليالد‪ ،‬واملعروفة شعب ًيا ب س ِمريت مانو (أو مانوشمريت ‪ु तमृ ि‬‬ ‫وقد وضعت قوانني صارم ًة لحياة الهندوس‪ .‬وتوجد فيها قاعدتان ساهمتا يف تحويل نظام الطوائف الطبقية إىل ما صار عليه‬ ‫الحقًا‪ .‬يقول مانو يف القاعدة األوىل بأن الرباهمة كانوا أسياد كل الطوائف الطبقية األخرى‪ .‬أما يف القاعدة الثانية فيمنع مانو‬ ‫التنقل بني الطوائف الطبقية‪ ،‬فالطائفة التي تولد فيها هي الطائفة التي ستبقى فيها‪.‬‬ ‫قسمت الناس إىل مراتب هرمي ٍة فإنهم سوف يستغلون ذلك‪،‬‬ ‫وإذا ّ‬ ‫وهذا سيؤدي إىل تر ّدي األحوال برسعة‪ .‬فمع مرور الوقت صار‬ ‫الهندوس ينظرون إىل هذه الطوائف الطبقية مبنطق الطوائف الراقية‬ ‫فمثل تنظيف الحاممات ودباغة الجلود والتعامل مع‬ ‫والدنيئة‪ً .‬‬ ‫منتجات الحيوانات (اللحوم) ت ُعترب أعاملً «نجس ًة»‪ .‬فتمت تسمية من‬ ‫‪ ،)Untouchables अस्श्य‬أو من ال‬ ‫يقومون بهذه املهام املنبوذون ( ृ‪प‬‬ ‫ميسهم املرء‪ ،‬أو األنجاس‪ .‬وهم يف أسفل الرتتيب الهرمي‪ ،‬بال طائف ٍة‬ ‫ّ‬ ‫طبقية‪ ،‬وما حدث بعد ذلك كان من تبعات هذا األمر‪.‬‬ ‫وبالرغم من ذلك فإن العامل الحديث أحدث الكثري من التغيريات‪ .‬فالهندوس اليوم مختلطون بحرية‪ ،‬يعملون مع بعضهم‬ ‫عام يعيشون مع بعضهم البعض‪ .‬ولكن يف قضايا مثل الزواج‬ ‫البعض يف نفس األعامل ويذهبون إىل نفس املدرسة‪ .‬وبشكلٍ ٍ‬ ‫أيضا يتغري‪ ،‬فعىل‬ ‫فإن الكثري من الهندوس يبقون مرصين عىل الزواج من نفس الطائفة الطبقية التي ينتمون إليها‪ .‬ولكن هذا ً‬ ‫مواقع التعارف الهندوسية عىل اإلنرتنت نرى البعض يذكر عدم اهتاممه بخانة الطائفة الطبقية‪.‬‬ ‫وبهذا ق ّدمنا لكم أساسيات الهندوسية‪ ،‬لكننا ال ن ّدعي أننا غطينا كل يش ٍء يف سياق هذه العجالة‪ ،‬فالهندوسية متنوع ٌة كث ًريا‪،‬‬ ‫وعميق ٌة ج ًدا وتعني الكثري من األشياء املختلفة ٍ‬ ‫ألناس مختلفني‪ .‬ولكن تعلّم حتى أساسيات هذه الديانة القدمية والساحرة‬ ‫يعطينا نظر ًة عىل الرؤية الكونية ألكرث من مليار شخص‪.‬‬

‫‪56‬‬


‫ما هي الهندوسية؟‬ Cogito

:‫املصادر التي استعملت يف إنشاء الڤيديو األصيل‬ 1- Kim Knott, Hinduism: A Very Short Introduction (Very Short Introductions) 2nd Edition, Kindle Edition. 2- Gavin Flood, The Blackwell Companion to Hinduism (Wiley Blackwell Companions to Religion Book 6). 3- Stephen Jacobs, Hinduism Today: An Introduction (Religion Today) Kindle Edition. 4- You can find all Vedas here: https://www.sacred-texts.com/hin/index.htm 5- Amrutur V. Srinivasan, Hinduism For Dummies Kindle Edition. 6- R.K. Pruthi, Indus Civilization: Part 9 (Google book). 7- Hindu American Foundation, Hinduism Basics: https://www.hafsite.org/hinduism-101/hinduism-basics 8- Hinduism, A general introdcution, http://www.religioustolerance.org/hinduism2.htm 9- Bhagavad Gita: Chapter 18, Verse 41, https://www.holy-bhagavad-gita.org/chapter/18/verse/41 10- B. The Mahabharata, K. The Rsis of Ancient Indian Tradition, Veda Vyasa, The Great Indian Sage: http://www.mahavidya.ca/category/vedic-religion/

57


‫األخطاءاللغوية يف‬

‫ال���� ال��ي�‬ ‫د‪ .‬سامي الذيب‬

‫كتاب أخطاء القرآن حيصر أكثر من ألفني ومخسمائة خطأ لغوي يف القرآن ويرتجم‬ ‫النص القرآني لثالث لغات ويقدمه ألول مرة بالرتتيب التارخيي الصحيح‬ ‫ً‬ ‫متوفر اآلن على موقع أمازون وجمانا على الرابط التايل‬ ‫‪goo.gl/emoQDp‬‬ ‫‪58‬‬


‫بيت‬ ‫السكة‬ ‫الغراب الحكيم‬

‫‪59‬‬


‫بيت‬ ‫السكة‬

‫الغراب الحكيم‬

‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫صديق يل من دمشق حكاها يل وأنا بني مصدقٍ‬ ‫أحداث‬ ‫ومشكك ملا حملته من‬ ‫أكتب هذه القصة كتسجيلٍ لرواية‬ ‫ٍ‬ ‫تقشع ّر لها األبدان وتحتار فيها العقول‪.‬‬ ‫بدأت القصة معه يف بيت أحد األصدقاء يف منطقة املهاجرين التي ترتامى عىل سفح جبل قاسيون بأنوثتها الواضحة بني‬ ‫شوارع مرصوف ٍة بالحجر وأشجا ٍر تطل من خلف أسوار البيوت لتظلل الشوارع‪.‬‬ ‫كان األربعة منهمكني بلعب الورق (الرتكس)‬ ‫ورشب املتة والضحك والتامزح حتى روى‬ ‫أحدهم قص ًة حدثت معه متعلق ًة ٍ‬ ‫عتيق‬ ‫ببيت ٍ‬ ‫مهجو ٍر وكانت كالتايل‪:‬‬ ‫كنت أقف أنتظر السريفيس يف آخر الليل وأنا‬ ‫ٍ‬ ‫بامتعاض وإذ يب أرمق ذلك‬ ‫أدخن سيجار ًة‬ ‫البيت املهجور عىل الطرف اآلخر من الشارع‪.‬‬ ‫حديدي صدئٌ وأمامه حاوية قامم ٍة عىل الرصيف وعىل‬ ‫باب‬ ‫ٌ‬ ‫كان بيتًا دمشق ًيا كالسيك ًيا بني بنائني حديثني نو ًعا ما‪ ...‬له ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫تكييف مام يوحي أنه كان مسكونًا منذ فرت ٍة ليست ببعيدة‪ ...‬عىل األقل بالنسبة للطابق األول‬ ‫جدرانه يوجد جهازي‬ ‫طابق ثانٍ وبر ٍج مبنيني عىل غرار البيوت القدمية من الطني‬ ‫املبني بالحجر األبيض والبني واألسود‪ ،‬حيث يطل من فوقه ٌ‬ ‫والخشب‪.‬‬ ‫كان واقفًا يدخن وهو يرمق ميالنات السقف اآليل لالنهيار بتأملٍ كأنه يتأمل لوح ًة رسيالي ًة وإذ به يلحظ حرك ًة ما يف‬ ‫النافذة املكسورة ولكنه توقع أن تكون قط ًة ما‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫يطل عليه وهو يضحك‬ ‫طفل صغ ًريا ّ‬ ‫لحظات وإذ به يرى يف النافذة ً‬ ‫ولكن بُعيد‬ ‫ويختفي مجد ًدا بابتسام ٍة لعوبة‪ ...‬هنا‪ ،‬قلق الشاب بعض اليشء‪..‬‬ ‫طفل ضائع‪ ...‬أو هناك عائل ٌة الجئ ٌة سكنت يف البيت املهجور‪...‬‬ ‫لعله ٌ‬ ‫قليل وإذ بيش ٍء ما يُرمى عليه من الشباك‪ ،‬ثم وقعت بقربه جوز ٌة بالستيكي ٌة بنية‬ ‫ً‬ ‫اللون من تلك التي يُربط فيها فوالر املريول املدريس االبتدايئ‪..‬‬ ‫‪60‬‬


‫بيت‬ ‫السكة‬

‫الغراب الحكيم‬

‫هنا شعر الشاب ببعض املسؤولية والقلق‪ ...‬أطفأ سيجارته واقرتب من الباب الحديدي ونادى‪« :‬دستور يا أهل الدار»‪...‬‬ ‫ولكنه مل يجد ر ًدا‪ ...‬طرق عدة مر ٍ‬ ‫ات دون أن يجيبه أحد‪.‬‬ ‫كان الباب الحديدي بدون قفلٍ فشده بقو ٍة وإذ به يُفتح‪ ...‬نادى مر ًة أخرى‬ ‫ٍ‬ ‫خطوات صغري ٍة يف الطابق الثاين املتهالك‪.‬‬ ‫فسمع‬ ‫خشبي‬ ‫باب‬ ‫نظر إىل لداخل فكان موز ٌع صغري‪ ...‬وأمام الشاب وقف ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫أخرض مهرتئٌ وعىل ميينه درجاتٌ حجري ٌة لألعىل‪..‬‬ ‫عىل ما يبدو مدخل الطابق األول الحجري من مكانٍ آخر فمن الواضح‬ ‫بيت مختلف‪.‬‬ ‫أنه ٌ‬ ‫صعد عىل مهلٍ معتم ًدا عىل ضوء الشارع القادم من الباب وعىل ضوء‬ ‫النوافذ املكسورة يف الطابق الثاين الذي ييضء الدرجات العليا من الدرج‬ ‫وهو ينادي‪« :‬يا أهل الدار‪ ...‬دستور»‪ ...‬ولكن مل يجد ر ًدا‪...‬‬ ‫مدخل واح ٌد عىل اليمني فقد بابه‪ ...‬والغرفة‬ ‫ٌ‬ ‫صعد الدرجات فكان هناك‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫متهالك ُمنحنٍ وعىل األرض التي‬ ‫بسقف‬ ‫التي وجدها كانت فارغ ًة متا ًما‬ ‫تضيؤها أعمدة اإلنارة يف الشارع بعض أوراق الشجر والقاممة وبعض‬ ‫األخشاب التي كانت رمبا جز ًءا من السقف‪.‬‬ ‫تقدم خطوتني بحذر وهو يبحث عن ذلك الولد وإذ به يرى عىل األرض أمامه فوال ًرا مدرسيًا ومريولً بنيًا عىل جانبه‬ ‫عالمات احرتاقٍ واضحة‪...‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ومعوذات والذ بالفرار‪.‬‬ ‫بسمالت‬ ‫فأطلق من فوره عدة‬ ‫رد عليه صديقه وهو يرمي بورقة لعب‪« :‬وملاذا هربت؟»‬ ‫أجابه‪« :‬واضح أن البيت مسكون‪»..‬‬ ‫ «شو عرفك أنو مسكون؟»‬‫سأل آخر‪« :‬والولد ما لقيتو؟»‬ ‫رد بتذ ّمر‪« :‬لك يا أجدب ما هاد هو الجني اليل ساكن البيت»‪.‬‬ ‫رد آخر‪« :‬اشمعنى؟»‬ ‫ «ألنو اختفى واملريول كان عىل األرض محروق‪»..‬‬‫‪61‬‬


‫بيت‬ ‫السكة‬

‫الغراب الحكيم‬

‫«طيب شو اليل بيخوف باملريول والفوالر؟»‬ ‫ «أعوذ بالله منكون‪ ...‬ما الولد استغفر الله اختفى‪ ...‬واملريول ما هو املريول األزرق اليل بيلبسوه طالب االبتدايئ‪...‬‬‫هاد مريول قديم كتري»‪.‬‬ ‫ «إي إنت خرطي وبتخاف من كل يش‪ ...‬شو اليل بيخليك تتأكد أنو بيت مسكون‪ ...‬؟ لعاب‪ ...‬إجى دورك»‪.‬‬‫رمى ورق ًة إىل كومة األوراق بتململٍ قبل أن يرد الالعب الثالث‪« :‬رصاحة أنا بعرفو لهالبيت وهو بالفعل مسكون‪...‬‬ ‫عندي صديق اسمو أبو حسن‪ ...‬واحد حرامي‪ ...‬كنت سهران عندو وقيل أنو بدو يعفش املكيفني (يرسقهون) كونو بيت‬ ‫مهجور‪»..‬‬ ‫رد عليه األصدقاء الثالثة باهتامم‪« : ...‬أي‪ ...‬وشو صار؟»‬ ‫«ما صار يش‪ ...‬اختفى أسبوع زمان ما نعرف وينو‪ ...‬وبس ملا قابلتو بالصدفة رفض إنو يحيك وين كان وملا سألته عىل‬‫موضوع املكيفني تعوذ وغادر رسيعا‪» ...‬‬ ‫رد الصديق الثالث هنا‪« :‬معناها أنتو لقيتو بيت مسكون رسمي‪ ...‬شو رأيكون نلعب عىل رشط‪ ...‬اليل بيلبس اللعبة‬ ‫اليوم بيطلع عىل البيت املسكون‪»..‬‬ ‫رد الرابع‪« :‬إي‪ ...‬وبعدين‪ ...‬شو بدو يعمل هنيك؟»‬ ‫ «وال يش‪ ...‬بيجبلنا عالمة إنو راح للبيت‪ ...‬يجيب الفوالر مثال‪»..‬‬‫وافق الجميع عىل مضض‪ ...‬ولكن من سوء حظ صديقي الالعب الرابع وراوي القصة أنه كان الخارس وأن عليه أن يذهب‬ ‫للبيت ويحرض عالمة‪.‬‬ ‫استمر صديقي بروايته‪...‬‬ ‫ذهبت بعد انتهاء السهرة إىل مكان البيت ووجدته كام تم وصفه يل‪...‬‬ ‫كنت مرتد ًدا ووقفت قبالته عىل الشارع وأنا أرمقه لفرت ٍة طويلة‪ ...‬ال أعرف هل كنت أترقب ظهور يش ٍء غري متوقعٍ يثبت‬ ‫قصص أصدقايئ أم أنني كنت فقط خائفًا‪ ...‬ولكن ال يشء‪ ...‬مجرد ٍ‬ ‫بيت فار ٍغ مهجور‪...‬‬ ‫‪62‬‬


‫بيت‬ ‫السكة‬

‫الغراب الحكيم‬

‫تقدمت من الباب ونقرت عليه‪ ...‬ما من جواب‪ ...‬ناديت مرتني‪ ...‬ما من جواب‪...‬‬ ‫تلفت حويل ألرى إن كان هناك أح ٌد من املارة ولكن الشارع كان فارغًا متا ًما‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫أمسكت يد الباب الحديدي وشددته بقو ٍة وإذ به يُفتح عىل أزي ٍز عال‪...‬‬ ‫نظرت إىل الداخل وكان متا ًما كام وصفه صديقي‪ ...‬أرضية ٍ‬ ‫باب‬ ‫خشبي مهرتئٌ وعىل مييني درجاتٌ‬ ‫بالط قديم‪ ...‬أمامي ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫حجري ٌة لألعىل‪...‬‬ ‫صعدت الدرجات ببط ٍء وحذ ٍر وكان العرق البارد يتصبب عىل جبيني‪...‬‬ ‫خشبي متهالك‪.‬‬ ‫باب‬ ‫وصلت ألعىل الدرج‪ ...‬ونظرت للداخل من خالل إطار ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫قديم مكسو ٍر ينفذ منها‬ ‫متا ًما كام الوصف‪ٌ ...‬‬ ‫أرض متسخ ٌة بالقاممة وأوراق الشجر‪ ،‬نوافذ منحني ٌة مع الجدار ذات زجا ٍج ٍ‬ ‫ضوء الشارع الربتقايل الخافت‪...‬‬ ‫ٍ‬ ‫خطوات ببط ٍء وإذ يب أجد املريول والفوالر عىل األرض‪ ...‬هممت باالقرتاب ألخذ الفوالر كعالم ٍة عىل‬ ‫تقدمت بضع‬ ‫وجودي وإذ يب أسمع صوتًا خلفي‪...‬‬ ‫صوت ٍ‬ ‫أحد يتسلل خلفي عىل الدرجات وهو يتكركر (يخفي ضحكته)‪.‬‬ ‫للحظ ٍة جمدت يف مكاين من الخوف ولكني أدركت أنه قد يكون أحد أصدقايئ يريد أن «يخفف دم ويعمل فيني‬ ‫مقلب»‪.‬‬ ‫متلبسا وأنا أقول‪« :‬مقلبكم فشل!»‪ ،‬ولكن‪ ...‬مل يكن هناك أح ٌد‬ ‫التفت وأطللت برأيس برسع ٍة إىل الدرج ليك أمسك به‬ ‫ُّ‬ ‫ً‬ ‫عىل الدرج‪ ،‬كانت الدرجات خالي ٌة ييضء أسفلها الباب املفتوح عىل الشارع‪...‬‬ ‫هنا تعوذت وبسملت وعدت ألخطف الفوالر من األرض وأهرب‪ ،‬فالشلة لن تغفر يل إن أنا جبنت ومل أحرض عالم ًة‬ ‫وسأكون محط سخري ٍة واستهزا ٍء بينهم‪ .‬ولكن‪...‬‬ ‫املريول والفوالر مل يكونا عىل األرض يف املكان الذي رأيتهام فيه منذ لحظة‪!!..‬‬ ‫تلفت حويل وإذ يب أجد املريول‬ ‫جمدت حوايس وتصلبت قدماي متا ًما وأنا أرمق املكان الذي كانا فيه عىل األرض‪ُّ ...‬‬ ‫والفوالر معلقني عىل الجدار بواسطة عالق ٍة خشبية‪...‬‬ ‫هنا غمرين الهلع والخوف وجريت عىل الدرج ولكن‪...‬‬ ‫فقط الدرجات العليا كانت مرئي ًة‪ ...‬هناك من أغلق الباب‪ ...‬وكان أسفل الدرج ظال ٌم دامس!!‬ ‫ٍ‬ ‫بخوف ّ‬ ‫ألتعث وأُلقي بيدي عىل جدا ٍر أسفل الدرج ليسندين‪ ...‬ألقيت بيدي اليرسى ألدفع الباب الحديدي‪..‬‬ ‫ركضت عىل الدرج‬ ‫باب يف الظالم‪ ...‬تل ّمست حويل مكان الباب‪ ...‬ولكن كل ما وجدت كان جدا ًرا حجريًا بار ًدا ورط ًبا‪...‬‬ ‫مل يكن هناك ٌ‬ ‫‪63‬‬


‫بيت‬ ‫السكة‬

‫الغراب الحكيم‬

‫هنا وأنا أقف مرتع ًدا يف الظالم أسفل الدرج أتلمس باحثًا عن الباب‪ ...‬وإذ يب أسمع صوت ضحكات ٍ‬ ‫ولد صغريٍ ينزل عىل‬ ‫الدرج خلفي‪...‬‬ ‫هنا ومن ذعري بدأت أتخبط وألقي بيدي عىل الجدران حويل يف الظالم‪ ...‬وإذ بالباب الخشبي املهرتئ يفتح عىل ساحة‬ ‫البيت (أرض الديار) التي كانت مضاء ًة بضوء القمر الرمادي الخافت‪.‬‬ ‫ركضت إىل آخرها وسندت ظهري عىل الجدار الحجري وأنا أرتجف وأبسمل وأتعوذ وعيناي تسمرتا باتجاه الباب‬ ‫ظالم دامس‪.‬‬ ‫الذي خرجت منه‪ ...‬كانت العريشة امليتة تتسلق الجدار أمامي لتصل فوق الباب املفتوح عىل ٍ‬ ‫برتقب وهلعٍ أن يُطل‬ ‫كنت أمتعن باحثًا عن الباب أو رمبا أنتظر‬ ‫ٍ‬ ‫هذا اليشء الذي سمعته خلفي من ظالم الباب‪ ...‬كنت ألهث‬ ‫ٍ‬ ‫بصوت عا ٍل والتعرق البارد بلل قمييص وأنا أبحلق بهذا الباب‬ ‫املفتوح‪ ...‬يف تلك اللحظة‪ ...‬ي ٌد ثقيل ٌة نزلت تربت عىل كتفي األمين‬ ‫ٍ‬ ‫بأنفاس دافئ ٍة قريب ٍة وفجعني صوت شي ٍخ‬ ‫ويف أذين اليرسى شعرت‬ ‫ٍ‬ ‫عميق يقول يل‪« :‬قوم توضأ!»‬ ‫أجش‬ ‫ٍ‬ ‫هنا فقدت الوعي واستفقت عىل أصدقايئ يف الصباح يوقظونني‬ ‫وأنا ملقًى أمام باب البيت الحديدي من الخارج‪.‬‬ ‫كان الباب مغلقًا كام كان‪ ...‬وال يشء يوحي بحدوث أي يشء‪..‬‬ ‫كانت هذه رواية صديقي الذي بدأ شعره يشيب بشكلٍ مبك ٍر عىل‬ ‫إثر هذه الحادثة‪ ....‬ومازال هذا البيت كام هو يف شارع السكة يف‬ ‫منطقة املهاجرين يف دمشق‪.‬‬ ‫شارك يف كتابة القصة‬ ‫الغراب الحكيم‬ ‫أبو لىس‬ ‫ل‪.‬س‬ ‫أ‪.‬م‬ ‫ر‪.‬ط‬ ‫‪64‬‬


http://arabatheistbroadcasting.com/aamagazine https://www.aamagazine.blogspot.com https://www.facebook.com/pages/AAMagazine/498136386890299 https://issuu.com/928738

65


‫الحلم التافه‬

‫غال ًبا هو الذي يقود إىل اإلبداع‬ ‫َمن م ّنا مل يحلم وهو صغ ٌري بأن يكون‬ ‫ذلك البطل املغامر؟ َمن م ّنا مل يجلس‬ ‫مع أقرانه ليلعبوا لعبة البطل والرشير؟‬ ‫َمن م ّنا مل يتخيل نفسه يصارع أعتى‬ ‫الرجال ويتغلب عليهم وحبيبته‬ ‫تنظر له من رشفة النافذة سعيد ًة‬ ‫بانتصاراته‪ ،‬وأحيانًا يكون هو‬ ‫من ض ّحى ألجلها بكل ما ميلك‬ ‫(ماله‪ ،‬عينيه‪ ،‬سمعه‪،‬‬ ‫حياته)؟‬

‫‪John Silver‬‬ ‫‪66‬‬


‫الحلم التافه غال ًبا هو‬ ‫الذي يقود إىل اإلبداع‬ ‫‪Johne Silver‬‬

‫عندما كنت صغ ًريا كنت أحلم بأن أُحب فتا ًة أض ّحي ألجلها بالكثري‪ ،‬وأحيانًا‬ ‫كنت أتخيل الفتاة التي ص ّدتني وأنا أقوم بحاميتها من األرشار وبعدها أذهب‬ ‫حزي ًنا ألنني الزلت متأث ًرا من الطعنة التي أصابتني منها‪ ،‬كنت أحلم أنني‬ ‫أطري وأُنقذ الطائرة التي ستقع والتي بها َمن أُحب‪ ،‬أو أركض يف الرباري ألقاتل‬ ‫األسود والدببة التي تحاول افرتاس حبيبتي‪.‬‬ ‫واقع ًيا هذه كلها خياالت مراهق ٍة ولكن هل سأل أحدكم أين ذهبت؟‬ ‫لِم مل نعد كام كنا وهل هذا يش ٌء جي ٌد أم هو يش ٌء يسء؟ هل أحالمنا تقود‬ ‫شخصيتنا ليك تكون شخصي ًة مهلهل ًة أم تعطي هذه الشخصية طاب ًعا معي ًنا؟‬ ‫كنا نجلس يف البيت أنا وأوالد خايل وأوالد عمومتي مع ٍ‬ ‫أقص عليهم القصص‪....‬‬ ‫بعض وكانوا يتحينون الفرصة ليك ّ‬ ‫رصاح ًة كنت أخرتع القصص من بنات أفكاري وأرويها لهم متا ًما كام أتخيلها‪ ،‬فمن قصة «كابوس شارع بغداد» إىل قصة‬ ‫«البيت املهجور» إىل «الفارس الناري» و«طيور املحيط» وغريها الكثري‪.‬‬ ‫تناقض أو تخبط ‪ ....‬نعم كانت‬ ‫كانت األفكار تأيت يف رأيس وتتسلسل متتابع ًة دون أدىن تحضريٍ ودون أن يكون هناك ٌ‬ ‫عندي تلك امللكة للرسد وذلك ألين ومنذ صغري كنت مول ًعا بالروايات والقصص األسطورية من األدب الرويس واألورويب‪،‬‬ ‫كنت أقرأ الكثري وكنت يف الصف الرابع والخامس عندما أمسك كتابًا وأبدأ بقراءة القصة وبعد (كان يا مكان) أذهب يف‬ ‫غيبوب ٍة ألعيش مع أبطال هذه القصص لحظ ًة بلحظة‪ ،‬كنت أحزن إن انتهت أي قص ٍة وأقول يف نفيس «لِم تنتهي هنا‪،‬‬ ‫لِم ال تكون لها تكملة؟»‬ ‫أريد أن يستمر البطل يف بطوالته ويهرب الرشير ليعاود الحرب عىل البطل‪،‬‬ ‫حتى يف القصص األدبية (نسب ًيا) مثل «الفدايئ الصغري» و«مصارعوا الثريان‬ ‫من قرية فاسيوكوفكا» مل أكن أرغب يف أن تنتهي‪ ،‬وعندما كربت أكرث‬ ‫ودخلت املرحلة اإلعدادية كنت مول ًعا بـ «يوم سقينا الفوالذ» وروايات‬ ‫غوغول وبعض قصص تولستوي‪.‬‬ ‫وذهبت تلك الروايات أدراج الرياح‪.‬‬ ‫لألسف نسيت الكثري‬ ‫ْ‬ ‫مل أعد اقرأ كام كنت سابقًا‪ ،‬وذاك البطل سافر بعي ًدا وتلك القصص التي‬ ‫استقيت منها ملكتي لقص الحكايا ألقربايئ ضاعت‪.‬‬ ‫‪67‬‬


‫الحلم التافه غال ًبا هو‬ ‫الذي يقود إىل اإلبداع‬ ‫‪Johne Silver‬‬

‫الحلم ذهب ضمن ضوضاء الحياة والعمل‬ ‫والدخول يف دوامة الدنيا التي ترمي بكل‬ ‫رومانسي ٍة وخيا ٍل عىل أقرب قارع ٍة للطريق‬ ‫وتقول لها يف سخرية‪« :‬انتهى وقتك»‪.‬‬ ‫أتوق لذلك الشاب الذي ينتظر حبيبته التي‬ ‫تطل من النافذة وتنظر له‬ ‫مل يكلّمها يو ّما ليك ّ‬ ‫بطرف عينها متبسم ًة‪،‬‬ ‫اهق يصارع التنني ويهوي عليه بسيفة ليرصعه رغم النريان التي تخرج من فمه‪،‬‬ ‫أتوق ليك أحلم من جديد‪ ،‬حلم ٍ‬ ‫شاب مر ٍ‬ ‫أتوق لذلك الشجاع الذي سينقذ حبيبته ال ألنه يريد منها أي يش ٍء سوى أن يرمقها بنظرة عتاب‪.‬‬ ‫بطل‬ ‫أحيانا أحالمنا تكون من زخم ما استقيناه‪ -‬من الحياة‪ ،‬من قراءاتنا‪ ،‬من خياالتنا التي تعودت أن تُربز لنا كل مر ٍة ً‬ ‫شخصا يكتب قص ًة يحايك بها روحه قبل‬ ‫ال يقدر عليه أحد‪ -‬وص ّدقوين لوال هذه الخياالت ملا ُوجد اإلبداع وملا كنا لنجد ً‬ ‫أن يحايك الواقع‪.‬‬ ‫رمبا لن يعود ذلك البطل ورمبا لن يعود ذلك الشاب وألنه كان هناك فهذا أجمل ما يف هذه القصة حتى لو مل يوجد‬ ‫التنني يو ًما وال األرشار الذين يقهقون‪ ،‬فجامل هذه األمور يبقى يف الذاكرة ويبقى هناك يف املايض‪ ،‬فلوال التنني والبطل‬ ‫الصغري ملا ُوجدت أعتى الروايات والقصص العاملية والواقعية واألدبية فكلها سلسل ٌة تبدأ بفكر ٍة صغري ٍة تنمو لتُك ّون‬ ‫هيكل من شخص إنسان‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ال أكذب عليكم‪ ،‬أحيانًا أرمي برأيس عىل املخدة وأتذكر ما كان يدور يف مخيلتي وأنا صغ ٌري وأضحك وأقول‪:‬‬ ‫«أحقًا كنت أفكّر هكذا»؟ وبعد فرت ٍة أُدرك أين لو مل أكن أفكر هكذا ملا كنت ما أنا عليه اليوم‪.‬‬

‫‪68‬‬


https://www.facebook.com/groups/arbangroup/

69


‫انا مش عارفني‪ ،‬انا تهت مني‪ ،‬انا مش انا‬ ‫ال دي مالمحي‪ ،‬وال شكيل شكيل‪ ،‬وال ده انا‬

‫‪Nicholas Nahhat‬‬

‫نضالاخلطيب‬

‫دامئا كنت اسال هل الذين صلبوا املسيح وعذبوه لهم نار عقاب عىل ذلك ام‬ ‫سيدخلون الجنة النها كانت مشيئته؟‬

‫‪Nicholas Nahhat‬‬

‫استيالد املسيحية من رحم اليهودية أنجب إل ًها يعاين من اضطراب الهوية الفصامي‪ ...‬فهو يف‬ ‫الظاهر يدعو للمحبة والسالم لكن ال يقوى عىل الت ّربؤ من تاريخه املجبول بالدم والتعاليم‬ ‫اإلجرامية‬

‫‪Shady Zoher‬‬

‫االله مكتبة شاملة من الصفات البرشية لتقرا منها ما يناسبك وان‬ ‫تناقضت وهذا رس بقائها‬

‫‪70‬‬


‫مجلة شهرية بجهود فردية تصدر في الثاني عشر من كل شهر‬

The Arab MagazineMagazine is a digital produced TheAtheists Arab Atheists is apublication digital publication by volunteers andbycommitted and produced volunteerstoandpromoting committedthetothought promoting writingstheofthought atheists and of various complete freewritingspersuasions of atheists with of various persuadom. Thewith Magazine doesfreedom. not adoptThe or endorse formnotof adopt politisions complete Magazineanydoes cal ideology affiliation. or or endorse any form of political ideology or affiliation Contributors of of thethe content, illustrations Contributorsbear bearthethefullfullresponsibility responsibility content, illustraandtions topicsandthey provide insofar as it covers copyright and issues topics they provide insofar as it covers copyright andof intellectual property. issues of intellectual property Express permission to publish in the Magazine is provided by conExpress permission for to publish in the Magazine is provided tributors, whether they are members of the Arab Atheists by contributors, whether they are members of the Arab Magazine Atheists Group or of other atheists and non-religious contributors. Magazine Group of other atheists and non-religious contributors TheTheMagazine does notnot publish material thatthat is unethical or or thatthat inMagazine does publish material is unethical cites racism or bigotry. incites racism or bigotry The Editorial Board reserves the rightthe to republish content originally The Editorial Board reserves right to republish content published on the Magazine’s Facebook group, as publishing originally published on the Magazine’s Facebook group,there as implicitly contains consent for republication in the Magazine. publishing there implicitly contains consent for republication in the Magazine

:‫موقع املدونة اخلاصة بنا لألرشفة على اإلنترنت‬ www.aamagazine.blogspot.com ‫البريد اإللكتروني‬ el7ad.organisation@gmail.com magazine@arabatheistbroadcasting.org

مجلة الملحدين العرب / العدد الثاني والثمانون / سبتمبر أيلول / 2019  

نقدم لكم العدد الواحد والثمانين من مجلة الملحدين العرب. افتتاحيتنا مع د. عبد العزيز القناعي في مقاله «عقولٌ خاملةٌ ونصوصٌ قاتلة»، بعد ذلك تق...

مجلة الملحدين العرب / العدد الثاني والثمانون / سبتمبر أيلول / 2019  

نقدم لكم العدد الواحد والثمانين من مجلة الملحدين العرب. افتتاحيتنا مع د. عبد العزيز القناعي في مقاله «عقولٌ خاملةٌ ونصوصٌ قاتلة»، بعد ذلك تق...

Profile for 928738
Advertisement