د .يوسف محمد الصواني العولمة :ليبيا :التحديات والخيارات
______________________________________________________________
تمهيد : العولمة مصطلح يستخدم بشكل شائع في الكثير من الدراسات ليشير إلى مضامين مختلفة .غير أنه يمكن القول وبشكل عام إن العولمة تشير إلى نطاق وأبعاد تحولت محددة تحدث في عالم اليوم .إن في ذلك إشارة إلى وجود قوى وتمكنها بشكل يتجاوز تأثير الدولة الوطنية والمفاهيم التقليدية للجماعة الدولية .غير أنه من المهم التعرف على حقيقة ارتباط العولمة أيضا بحدوث تغيرات عميقة في المجالت السياسية واليديولوجية التي ساهمت من ناحيتها في تسهيل العولمة ذاتها خلل العقدين الخيرين من القرن العشرين .وإذا كانت الليبرالية الجديدة وانهيار النموذج السوفيتي أبرز هذه التغيرات فإن هذه ترافقت مع تحرير للمبادلت المالية الدولية ،الثورة التقنية والتحول في عمليات النتاج . كل ذلك بالتأكيد يرتبط بالنفتاح القتصادي وانتشار السوق عالميا فيما يشهد العالم تحول أ ً أهم .إن القوة والسلطة والتأثير في المجالين الوطني والدولي تشهد انتقال أ ً من الدولة الوطنية إلى مستوى ما وراء الحدود الوطنية في ظل تصاعد قوة وسلطة وتأثير الشركات الكبرى والمنظمات العالمية المختلفة .ومع أن طبيعة العولمة هي محل جدل
مجلة فضاءات ،العدد الحادي عشر ،يناير . 2004
وخلف فإن جميع الرؤى تقريبا تنظر إليها كواقع وصيرورة ،وإن كان يفهم بطرق مختلفة . هذه الدراسة تنطلق من الحاجة إلى التعمق في فهم العولمة كمناخ جديد يفرض إشكاليات وتحديات ،وتستهدف هذه الدراسة النظر في مسألة العولمة ل من ناحية الرؤى أو المنهجية أو المواقف الثقافية بل من جانب التركيز على التحديات والشكالت التي تثيرها على مستوى الدولة والنظام السياسي .وبذلك فإن هذه الدراسة ل تتناول العولمة من جانب مناصرتها أو معارضتها ول من جانب أخذ موقف توفيقي ،بل إن هذه الدراسة تنظر إلى العولمة على أنها مسار وواقع يتمثل في جملة من الظواهر التي تطال كل شيء ذي صلة بالدولة والمجتمع والمستقبل .إن العولمة تمثل قوة دفع هامة أو مركزية تقف وراء التغيرات السياسية والقتصادية والجتماعية التي يشهدها القرن الحالي بشكل ظاهر .هذه التغيرات تلعب دورا مركزيا في عملية إعادة التشكل التي تمر بها المجتمعات المعاصرة بدرجات متفاوتة مثلما يعيشها النظام العالمي وتع ّد سمة بارزة له .ومع أن هناك أطروحات مختلفة في تقدير مضمون وأثر العولمة إل أن الواقع يؤكد تنامي الصلة بين الشئون الداخلية والخارجية مثلما ترتسم حدود جديدة للفضاء السياسي والقتصادي والجتماعي .إن هذا يقود بشكل متواصل إلى إعادة رسم مضامين وأبعاد ونطاق السلطة والحكومة الوطنية . إن العولمة وفقا لهذا الفهم أمر يفرض التعامل من خلل السياسات والبرامج التي تقدم إجابة للتحديات ،وتحاول استشراف آفاق مواجهة الشكاليات .وواضح أن ذلك ل يعني إلغاء أهمية الرؤى الثقافية أو الحضارية أو الرؤى الشمولية الطابع نحو العولمة
بقدر ما يهتم هذا المدخل بتقدير التحديات والخيارات .ولما كان القليم الذي تنتمي إليه ليبيا يحتل موقعا جوهريا في مناخ العولمة على كل مستويات النظر والمواقف والتحليل الكثر بروزا عندما يتعلق المر بسياسات القوة في النظام العالمي ،فإن هذه الدراسة تتطلع إلى دراسة التحديات والخيارات التي تضعها العولمة أمام ليبيا . إن هذه الدراسة تهتم برصد بعض مظاهر وتمثلت العولمة على كل المستويات .إن في ذلك نوعا من التكييف الذي يستهدف أساسا الحاطة "ببانوراما" وطبيعة التحديات التي تواجهها ليبيا ،ومحاولة تبصر عناصر الخيارات المتاحة أمامها تجاه ظاهرة ليست مجرد لحظة تاريخية وإن كانت مليئة ومزدحمة بالتحولت الكبرى .هذه التحولت ذات الطابع الراديكالي ليست بدون أصول أو جذور ،بل إنها تمتد في تربة التحولت الكبرى التي شهدها تاريخ النسانية مثل الثورة الصناعية وقبلها الكتابة ثم الطباعة ثم ثورة التصالت. ولعله من المفيد هنا الشارة إلى الصلة الوثيقة بين العولمة والمركة وما يشهده العالم بعد أحداث سبتمبر المعروفة .لقد أثارت الحداث المأساوية في الحادي عشر من سبتمبر 2001الكثير من السئلة المتعلقة ليس فقط بظاهرة العنف والتحدي والرهاب على المستوى العالمي بل وأيضا بواقع ومستقبل النظام العالمي المعاصر واتجاهات تطوره .ورغم كل التحليلت والمذاهب في شأن هذا المر فإن أحد أهم جوانب هذا الحدث هو أنه يؤدى إلى تسريع وتشريع العمليات المرتبطة بالعولمة وبالصعود المريكي لسدة الهيمنة ،كما يؤدى إلى تقليل فرص أو إمكانيات المعارضة أو الستقلل .
إن الجدل الدائر ثقافيا وسياسيا لم ينته بعد لكن من المهم الشارة إلى أن المسألة كلها تتعلق بالعولمة وسؤال الستقلل أو الحرية .إن لذلك أهميته الكبرى خاصة إذا ما أخذنا في العتبار أن العولمة تساهم بشكل قوى إن لم تكن تضع نهاية لحواجز التمايز والتصال
والختيار ).معلوم،ص ، 297ص (298
إن الهدف هنا هو التعرض لبعض الجوانب
المتصلة بالعولمة ،وما أعقب أحداث نيويورك ومحاولة إدراك تأثيرات ذلك في ليبيا وما يطرحه أمامها من تحديات وخيارات .
العولمة وسؤال الستقلل أو الحرية ؟ تاريخيـا ،خيار الستقلل التام لم يكن ممكنا حقا ،ومع ذلك فإن العولمة تطرح أسئلة كبرى حـول ما إذا كان من الفضل للدول أن تحافظ على استقللها وتبقى الغرب بعيدا عنها .إن لذلك علقة ليس فقط بأي تقييم لحساب الرباح والخسائر المرتبطة بالعولمة، بل أيضا ولكون الغرب واعتبارا من القرن السادس عشر تمكن بفعل قواه وموارده من ضم باقي العالم في نظام " عالمي " وحيد .وبذلك فإن أهم أو أكبر تحد على الطلق هو المتعلق بتبني خيارات مناسبة في مجالت التنمية والحرية .أي أن المر يتعلق بالجابة عن التحدي الذي يفرض السؤال عن :إما إخضاع العلقات أو الحركة الخارجية لضرورات أو احتياجات التنمية وإ ّما إخضاع التنمية لشروط النظام العالمي الذي بدا واضحا في مناخ العولمة أنه يتحكم وبشكل متزايد في فرص النمو والتقدم . لقد كان مألوفا منذ 1945أن يتم طرح خيار الستقلل أو عدم النحياز ورفض التبعية والرأسمالية والقيام بالتنمية من خلل الشتراكية .في الفترة ما بين الربعينيات
والثمانينيات من القرن الماضي ،عندما كانت هذه الفكار سائدة ،فإن الخيار الشتراكي بدا ممكنا ومرغوبا ،ولكن مع التسعينيات بدا واضحا أن هذا ليس سوى سراب بفعل غياب الشتراطات اللزمة له عمليا وبحكم فشل النماذج التي اعتبرت سياسيا منافسة للنموذج الرأسمالي .كان من شأن ذلك القول بأن النسانية المأمولة قد تحققت ولم يعد هناك مبرر للبحث عن أي جديد ول حاجة إلى ولدة قيم إنسانية جديدة . إن المغزى الحقيقي لذلك هو ولدة الطار الفكري اللزم للعمل الستراتيجي الذي تباشره قوى الهيمنة على المستوى الكوني .إن ما يمكن وصفه بالمنافس -ولو تجاوزا - لم يمثل منافسا تاريخيا يعت ّد به .أكبر سلبيات هذا المنافس فشله في تحقيق أهدافه متصور .كل ذلك من شأنه التقليل ومن َثم ساهم في تقوية الخصم أو حقق عكس ال تُ من الفرصة أمام أفكار وقيم العدالة والمساواة ليس كونيا وعمليا فقط ولكن أيضا من خلل نجاح المساعي الرامية إلى مطابقتها بتجربة مجتمعية أعلنت انتصارها على الخرين بشكل نهائي .ربما يكون التحدي الخطر على كل المستويات ،هو ان هناك مباشرة في تنفيذ التصورات بشكل عملي .ل حاجة هنا إلى التذكير بتصريحات المسئولين المريكيين خاصة والغربيين عامة وما تحمله من دللت على أن العالم يشهد الن مرحلة تنفيذ لكل ما استخلصه الغرب لذاته ويريده للخرين . م الن هو أن السوق العالمي يقرر أسبقية القتصاد على السياسة ولشك في أن المه ّ لذلك آثاره في الدولة والحكم وطريقته ودور المواطن وإدارة الشأن العام والموارد العامة بشكل خاص .وإذا كان هناك سبق للقتصاد على السياسة فإن ذلك يبدو أكثر وضوحا في السياسة اليديولوجية الطابع .ومع ذلك فإن هذا ل يعنى اختفاء الدولة ول
الهوية أو الثقافة أو القومية القتصادية ،أو السياسة الوطنية .إن هذه رغم ضآلة دور م من الطموحات والمال الحدود في التجارة ،ما تزال وستظل تلعب دورا وتعبر عن ك ٍّ والمصالح .غير أن أهم عناصر المرحلة الجديدة وقوع تحولت هامة ذات صلة بالدولة وعلقتها بالداخل والخارج .هذه التحولت تبدو بشكل أكثر وضوحا في مجالي السياسة والقانون الدولي و"بالقيم" التي تحكم السلوك العالمي وما يثيره ذلك من تحديات . إن السياسة في كل بلد ستتشكل وفقا لتاريخها ،ثقافتها وتعريفها للمصلحة الوطنية . هـذا ليس نهاية للدولة الوطنية ول للسلطة مهما كان شكلها أو علة وجودها .إذا كانت هناك حركة للمال والسلع فالبشر ما يزالون غير متحركين بل ثابتين وخاضعين للعاصمة الوطنية أكثر من خضوعهم للعالم الخارجي الذي ل يمكن النفاذ إليه بسهولة على أية حال .إن إحدى النتائج هي المتمثلة في إعادة العتبار إلى دور الدولة والسلطة خاصة في المجال السياسي والمني .إن هذا يجعل الحكومة أو السلطة أو النظام السياسي أو الذراع التنفيذي أمام مهمة وتحد كبير :إنه التحدي المتعلق بإيجاد أفضل السبل لتقليل تدخل الحكومة أو السلطة في بعض المجالت وإعادة تركيز هذا التدخل في مجالت أخرى في ذات الوقت الذي تحوز فيه الحكومة أو السلطة على الرضا الشعبي .إنه تحد للخيال .
) جدنز ،ص ، 66 -58
ص (130 -113
إنه يتطلب استيعاب حقيقة كون العالم يمر
بتحولت أساسية وفي ذات الوقت القيام بمهمة ترجمة هذه التحولت لسياسات تتفق مع الثقافة والتاريخ والهوية الوطنية .إن هذا كله -وعندما يتعلق المر بصياغة الرؤى والعمل من أجل المجتمع الديمقراطي -يقود إلى ضرورة إعادة النظر في تحديد نطاق ومجال الشأن العام .
من ناحية أخرى فإن هناك تحولت وتطورات تتسع لتشمل كل ما يتعلق بما يمكن وصفه "بالقيم" العالمية .إن هذا يبرز بشكل مفهوم في مجال القانون الدولي والشرعية .هذه التطورات تطال محتوى القانون الدولي ودوره وموقع الدولة والسيادة والشرعية . فالقانون الدولي "الن" يضع الفراد والحكومات والمنظمات غير الحكومية تحت طائلة نظم قانونية جديدة .هناك الن سلطات وقيود وحقوق وواجبات تتجاوز دعاوى الدولة الوطنية ،وبذلك يكون الناتج المنطقي لذلك هو أن سيادة الدولة لم تعد تحظى بنفس القبول غير المشروط ،بل إنها تخضع لعملية إعادة تعريف كاملة . وبصرف النظر عما كشفته الحداث الخيرة من عجز إن لم يكن النهيار النهائي للنظام العربي ،فهي بالضافة إلى ذلك تعبير واضح وصارخ عن التحول في النظر إلى فكرة الحصانة والسيادة من جميع جوانبها .هناك الن إمكانية ليس فقط لتغيير النظم بل أيضا لمحاكمة رؤساء الدول وربما لمحاكمة الدولة ذاتها .إن ذلك يعني إحداث تحول في طريقة النظر إلى العناصر التقليدية المعروفة في تكوين الدولة الحديثة بما يعني إعطاء وزن متفوق للعنصر الخارجي يعزز من أهمية عنصر العتراف الدولي . ومن المهم ملحظة أنه في ظل حالة عدم التوازن السائدة عالميا يجري تكريس اللديمقراطية أو اللمساواة في النظام العالمي ومؤسساته .ل في شك أن لذلك صلة بربط الشرعية بالديمقراطية ،فالدولة لم تعد تصرفاتها شرعية لمجرد أنها ذات "سيادة" بل الن هناك اتجاه لربط الشرعية بالديمقراطية )اليمان بقيم مشتركة( رغم وجود غموض كبير في هذا الجانب .وأخيرا فإن أهم التطورات على المستوى السياسي هو أن أحداث 11سبتمبر تجعل المن أساسيا في الحركة العالمية .وإذا كانت ذريعة المن يتم
توظيفها لخدمة أهداف خاصة فإن ذلك يؤدي إلى أن تختلط مسائل الشرعية والديمقراطية والمن القومي .من هنا يصبح من الضروري التنبيه إلى خطورة عدم التمييز بين استغلل أو استعمال المسألة الديمقراطية لتحقيق أغراض سياسية وبين ما س واضح بالديمقراطية كمفهوم وكمعطى ،خاصة بالنظر إلى تقود إليه العولمة من م ٍّ الموجات النوعية في مسار التطور التاريخي للديمقراطية .إن هذا الخير من شأنه أن يقود إلى إعادة النظر في دور الديمقراطية في الحياة المدنية المعاصرة بما يعني تجاوز وظائف الديمقراطية مسألة تبرير شرعية السلطة إلى إعادة تعريف أو صياغة دور السلطة والدولة في اتجاه حيادها مقابل الحفاظ على وجودها فيما تتم عملية إعادة التفكير في طبيعة ونطاق الشأن العام وحدوده .
ليبيا :التحدي والستجابة -: إن ليبيا لبد من أن تضع هذه التحولت المميزة لمناخ العولمة في مقدمة اهتماماتها. ل شك في أن العولمة بهذه الرؤية تفرض إشكالت وتحديات .ل شك أيضا -ولسباب سياسية وثقافية واقتصادية – في أن هذا يفرض فهما وربما تحولت تجد ليبيا مضطرة إلى التفكير فيها ومن ثم الوصول إلى مستوى مناسب من اليقين بشأنها ،عند تقرير ممارستها عمليا .ولبد في إطار تفهم العولمة من أن يجري استيعاب تطور يتعلق بأن مكانة الدولة تتحدد من خلل عمليات العولمة ،مثل الرسملة ،والخوصصة ،وانتشار العمل بآليات الطلب والعرض ،أو اقتصاد السوق بما يهدف إليه من إدماج العالم كـله في السوق الرأسمالية العالمية وصلة ذلك بأطروحات الليبرالـية .إن من الضروري أن نعرف
ن ذلك يتم في إطار عملية نشر وتعميم القيم الغربية والمريكية في سعي لعادة أ ّ تشكيل المجتمع العالمي.
) عبدالشفيع،ص ( 18 -6
إن الدولة الوطنية في زمن العولمة ليس أمامها إل مجال محدد للحركة اللزمة لقامة النظم أو التشريعات التي تتناقض مع ما تطبقه الدول المجاورة أو الجماعة الدولية .إن ذلك يعني -نظريا على القل -أن الدولة الراغبة في الستقلل التام أو التفرد تجاه هذه المسائل ،أمامها خياران -: ء ،وأن تسعى لفرض إما أن تفعل ما ترغب فعله وتحرص على تفردها أو كونها استثنا أ ً رؤيتها بأساليب غير مقبولة وتتحمل تبعات ذلك .وإن هذا يعني في نهاية المر أن تحرم نفسها من الستفادة من العلقات مع الخرين ،من الستثمار الجنبي ،من التجارة الدولية ...الخ .وإ ّما أن تعرض نفسها للعقوبات أو للتدخل في شئونها الداخلية وهو ما ل يعدم الحجج بحكم التحولت الجارية على قواعد النظام . يمكن للدولة أيضا أن تستهدف تغيير البيئة الدولية بطريقة تمكنها من تأمين سياساتها الداخلية ،وأن ذلك ممكن في زمن العولمة من خلل التوفيق بينها وبين القواعد والمعايير الخاصة بالسلوك الدولي .إن ذلك يعني العمل لحداث التغيير المطلوب في الطار الدولي عن طريق التفاوض أو بدل ذلك التخلي عن التشريعات أو النظم الوطنية. إن هذا يشير إلى ما يمكن وصفه بمساحة المناورة التي تستطيع كل دولة تحقيقها لنفسها من خلل تناغم تشريعاتها ونظمها المحلية -وليس في تناقض -مع القواعد والمعايير الدولية .
) مواضع متفرقة(
•
أو ل أ ً /تحـدي التعليم والتنمية : ل شك في أن أهم التحديات على الطلق هو ذلك المتصل بالتعليم والتنمية .إن ذلك
أمر بديهي لنه متعلق بصناعة المستقبل وما لم يحدث ارتباط وثيق بين التعليم والتنمية فلن يكون ممكنا النتقال إلى مستقبل أفضل .إن المهم أن يستجيب النظام التعليمي ل لمقتضيات الحرية وأن يتلءم ما يتعلمه الفرد مع ما لديه من ميول فحسب ولكن من المهم أيضا أن يتم تخطيط التعليم ليستجيب لشروط التنمية المستدامة من ناحية ولتحقيق بدائل من الموارد البشرية التي يمكن استثمارها بدل الموارد الطبيعية النافدة من ناحية أخرى . ومع أن هناك اتجاها إيجابيا للتركيز على التعليم التخصصي في المرحلة المتوسطة من التعليم إل أن ذلك له مشكلته ومحدوديته الواضحة .إن لذلك صلة بحقيقة كون الصلح والتطوير ل بد أن ينطلق من نقطة البداية وهي المدرسة الولية أو البتدائية .لقد كان هناك إهمال واضح للتعليم البتدائي .ربما ساهمت سياسات من نوع الترحيل والتأنيث وعدم الستقرار في الدارة أو عدم اعتمادها على الكفاءة والدراية في إلحاق الضرر بالتلميذ وهو الضرر الذي يظلون يعانون منه طوال حياتهم وبشكل يساهم في تقليل فرص نجاح الصلح في المرحلة المتوسطة . ولعله من الهمية بمكان الشارة إلى ما تبينه الدراسات العلمية من تأكيد على الهمية البالغة للتعليم قبل المدرسي)الحضانة ورياض الطفال( .البلدان العربية -مثلما ب ّين تقرير التنمية النسانية العربية -متخلفة في هذا المجال وهو ما يؤدي حتما إلى التخلف في تحديد مدى المكانات المستقبلية للعقول الناشئة العربية.
) تقرير التنمية النسانية
العربية ، 2002ص (56 -48
إن بلدا كليبيا وهي تتميز بمعدل نمو سكاني يتراوح ما بين )-2
%3سنويا( بحاجة إلى أن تولي هذا المجال الذي كان ول يزال محل تجاهل وإهمال تام، كل الرعاية . إن هناك حالة من شبه اليقين في قصور معارف وقدرات الخريجين بما يؤكد حالة طى حدود التدني العامة في نوعية التعليم ربما بما يتجاوز الحدود المقبولة بل بما يتخ ّ المان .إن ذلك يؤكد على علقة التعليم بأي مشروع للتنمية والنهوض .ل خيار سوى أن يلعب التعليم الدور الساسي ،ولذلك لبد من فلسفة للتعليم من أجل المستقبل تؤكد على تنمية العقلية المتفتحة والنقدية وعلى إثارة التساؤلت وتنمية المهارات ،والقدرة على الجدل والنتقال من الستيعاب السلبي ،إلى البحث اليجابي ،ومن أساليب التلقين إلى "يداغوجيا" المشاركة والتمكين .إن لذلك صلة وثيقة بضرورة الهتمام ببعدي التربية والمعرفة في ذات الوقت الذي لبد فيه من تحقيق تفاعل خلق بين العلم والفلسفة والفن بدل أ ً من تجزئة المعرفة أو الصرار على الستمرار في اختصار بعض فروعها مثل العلوم الجتماعية والنسانية التي يجري احتقارها والتقليل من أهميتها والعبث بتعليمها بشكل متواصل.
) الصواني،ص (132 -130
إن أية مراجعة بسيطة للحباطات المرتبطة بالنظام التعليمي السائد وبمعدلت البطالة بين الشباب من ناتج النظام التعليمي الحالي تب ّين أن هناك حاجة إلى إعادة النظر ل في النظام التعليمي فحسب بل أيضا في استشراف الصلة بين التعليم وسوق العمل ونظام توزيع الثروة في عصر العولمة القتصادية .وبرغم التطور الكمي في أعداد الطلبة والمعلمين والمدارس فإنه من الصعب القول بحدوث تطور نوعي مواز للتطور الكمي .
ومع أن الكثير من النجازات تحققت بفعل الرادة الوطنية وهي التي ل ينبغي أبدا التقليل من أهميتها فإن هناك ما يبرر القول بغياب رؤية استراتيجية يجمع عليها كل المعنيين بالشأن التعليمي .إذا كانت هناك ملمح لهذه الستراتيجية ،فإن أهدافها تميزت بعدم الوضوح أو أنها تحتاج إلى إعادة صياغة في أحسن الحوال .ذلك أساسي بشكل يسهم في التوظيف المثل للبنى المادية التحتية لقطاع التعليم ويستوعب الحاجة إلى إعادة النظر في السياسة المتعلقة بها . إن من أهم شروط وعناصر هذه الستراتيجية أن تتصدى للجابة عن السئلة المتعلقة بتحديد نوعية الجيال المطلوبة لفائدة المجتمع في المستقبل .إن لذلك صلة وثيقة بالتحديات التي تفرضها العولمة خاصة وأن المهارة التقانية والمعرفة هما الن من أهم العناصر في تقدير ما يعرف بالميزة النسبية ومعايير التفوق والتنافس العالمي .ل شك في أن كل ذلك يعتمد بشكل أساسي على جودة وتوجه التعليم في كل مراحله . إن هناك ضرورة وعلى كل المستويات لمعالجة الشكالت المرتبطة بالتعليم وإعادة العتبار إلى الصلة الهامة بين التعليم والتربية .إن التجربة بينت أن سبق التعليم للتربية ساهم في الحيلولة دون رسوخ القيم الخلقية والجتماعية ولتفرز بالمقابل قيما وسلوكيات غريبة .إن هذه يمكن التدليل عليها من الواقع التعليمي ذاته من خلل تقلص الموسم الدراسي والوضع السيئ للمعلم وتدِّني احترامه أو غياب مكانته بين الطلب، وتدِّني مكانته الجتماعية التي لشك في ان لها صلة بتدِّني مكانته القتصادية .مثلما تبرز هذه من خلل عدم احترام مواعيد الدراسة ،وعدم الهتمام باحترام الكتاب أو المبنى المدرسي أو الجامعي أو عدم الكتراث لستباحة حرمته تبرز في ارتفاع نسبة النحراف
بين الشباب وتنامي الظواهر الهدامة.
) العلكيم ،ص (6 -3
إن لذلك أيضا علقة بظاهرة أكثر
خطورة وهي التي تتمثل في انتشار التيارات السلفية ومظاهر التدين الحتجاجية والرجعية والمحافظة بين أوساط الشباب بشكل ملحوظ خاصة مع حدوث تراجع في دور الدولة الجتماعي . إن هناك ضرورة للتفكير والعمل في الدور الذي يمكن أن تقوم به الروابط والمنظمات الطلبية والشبابية .إن هذه التجمعات ل ينبغي أن يستمر النظر إليها لمجرد كـونها أدوات للتعبئة والتحريك السياسي .إن هذا الهدف وعلى أهميته ،يجب أل ّ يقف حائل أ ً دون قيام هذه التكوينات بدور فاعل ل كمؤسسات لمجتمع مدني يعزز القيم الديمقراطية والحضارية فقط بل ولتقوم بممارسة وظائف ومهام ذات صلة وثيقة بأغراض التعليم والتربية ضمن أطر وسياقات محددة لتكون عامل بناء وليس عنصر إعاقة . القصور والخلل في الدارة التعليمية وعدم الربط بين التعليم والتنمية يزداد خطورة بفعل الثر السيئ الذي بدأ يظهر جليا من خلل عدم وجود سياسة واضحة تجاه التعليم الخاص .إن أية مراجعة لهذا القطاع لبد أن تبين أنه يتأسس على قواعد تجارية ربحية أكثر من قواعد تنموية مثلما يتميز بالفوضى التامة مقابل التدني في مستوى مؤسسات التعليم العام وأدائها بشكل متواصل .إن هذا القطاع يساهم في إحداث ضرر مزدوج من خلل اعتماد هذا القطاع "الطفيلي" على بنى وموارد التعليم العام بشكل انتهازي يلحق الضرر بكل ما له صلة بالتعليم والتنمية .إن استمرار هذا الوضع يلحق ضررا معنويا خطرا
على نفسية المعلمين وأعضاء هيئة التدريس الجامعي الذين تزداد أوضاعهم ومستوى أدائهم سوءا بشكل متواصل . إن لهذه المسألة خطورتها الكبيرة خاصة إذا ما أخذت في العتبار التحولت الديموغرافية التي تعرض لها هذا المجتمع حديثا .إن ذلك يؤكد ضرورة تقدير أهمية وخطورة ارتفاع نسبة الشباب بين السكان وهو التحدي الكبر الذي يواجهه بلد محدود الموارد ممتلئ بالطموحات .ويستفاد من تقرير التنمية النسانية العربية للعام 2002أن التحولت في البنية السكانية بقدر ما تطرح من فرص تطرح تحديات .وبلغة التقرير فإن "حجم السكان والنمو السكاني والتوزيع العمري يمكن أن تكون هدية ديمغرافية أو لعنة ديمغرافية".
) تقرير التنمية النسانية العربية ،ص (34
إن التعامل مع هذا التحدي الخطير ذو
صلة وثيقة وقوية بالمستقبل والتنمية وضمان رأس المال الجتماعي مثلما له صلة بالهوية والنظام السياسي بشكل خاص . وبالنظر إلى التحديات المرتبطة بالعولمة فإن من الهمية بمكان إعادة صياغة السياسات والبرامج التعليمية بحيث تستجيب لهذه التحديات ،وبما يؤكد البعد التنموي ويعزز إمكانيات وفرص المنافسة أو الميزة التنافسية في اقتصاد معولم .من هـنا لبـد أن يستوعب النظام التعليمي الشروط المتعلقة بالمهارات وحركية العمل .من الضروري أن يجري التركيز على الحاجات المحلية والقليمية والعالمية من القوى العاملة وذلك بتوفير فرص الحصول على المهارات والمعرفة بدون حدود زمانية أو مكانية. (35 -29
) المصري ،ص
ول شك في أن واحدا من أهم التحديات هو تحويل هدف التعليم العالي من مجرد تخريج متعلمين يحملون كما من المعلومات سرعان ما يبلى ،إلى إعداد مواطنين لمجتمع ) تقرير التنمية النسانية العربية ،ص
المعرفة لديهم القابلية والقدرة للتعلم الذاتي المستمر. (186
ولعله من الضروري أن يتم إنشاء مؤسسات مستقلة لتقييم واعتماد برامج
ومؤسسات التعليم العالي على وجه الخصوص ضمانا للجودة مع استمرار مسئولية الدولة في نشر وتحسين نوعية التعليم بشكل عام.
) تقرير التنمية النسانية العربية ،ص -166
(167
•
ثانيا /تحـديات السلطة والدارة : من المهم هنا الشارة إلى أن الكثير مما هناك دافع لعمله داخليا له صلة بالبيئة
الخارجية والشروط أو القيود التي تضعها على الحركة الخاصة بالنظام السياسي في عموميتها .إن التجربة والثار الهائلة للثورة التقنية واعتماد الديمقراطية بينت أن هناك حاجة إلى أهمية تقليص الحجم في الدارة العامة .إن ذلك أمر تفرضه شروط التحول في القتصاد العالمي وما يصاحبها فضل أ ً عن التضخم الذي يعيشه جهاز الدارة العامة والشعبية والفائض البشري الذي يشكل عبئا ثقيل أ ً عليه وعلى فعاليته وعلى النفاق العام . إن هناك ضرورة لعادة النظر ،وفقا للمعايير القتصادية مثل الكلفة والكفاءة ،في الجهاز الداري وإعمال أساليب تقليص الحجم من خلل تقليص عدد الوحدات والجهزة وعدد العاملين وربما الستفادة من تجارب الدول الخرى في إسناد بعض المهام الدارية
إلى متعاقدين من خارج الدارة العامة.
) البرادعي ،ص (114 -113
وفي الوقت الذي تفرض
شروط التحول والكفاءة والفعالية إجراء عمليات تقليص الحجم فإنه من المهم الشارة إلى أن هـذه جميعا ل تشكل تعارضا ول تتناقض مع الفكار الجماهيرية .إن للفكرة الديمقراطية صلة وثيقة بجعل الدارة تنقسم إلى وحدات أصغر حجما وهو ما يمثل فكرة اللمركزية بامتياز كأساس للدارة الديمقراطية وليشمل عمليات أوسع مدى من تقليل عدد العاملين . إن لذلك علقة بالتفكير الستراتيجي بما يعنيه من عملية إعادة تفكير بدءا من التساؤل حول علة وجود المنظمة الدارية وأهدافها والنتائج المراد الوصول إليها ،وفي هذا يكون خفض التكاليف والمصروفات مجرد أدوات وليست أهدافا لذاتها .إن لذلك صلة بما يمكن وصفه بأنه عملية إعادة اختراع للمنظمات الدارية والدارة العامة وربما لفكرة الحكم من أساسها .إن لهذا صلة وثيقة بكون الفكرة الجماهيرية ل تفرد للدارة موقعا سلطويا ،فالدارة ليست سلطة ول ينبغي أن ينظر إليها هكذا .ومن ذلك فإن اللجان الشعبية مسألة عملية وليست بنيتها أساسا لفكرة السلطة الشعبية خاصة عندما يتعلق المر بعددها أو مستوياتها أو حجمها ومجال عملها . وفي الوقت الذي تتوفر فيه السباب التي تجعل التفكير في بناء المؤسسات أمرا أساسيا ،فإنه من المهم أيضا دراسة مدى فاعلية وكفاءة المؤسسات القائمة مثلما تبرز الحاجة إلى صناعة مقاييس تستوعب تميز النظام وبما يحقق إعمال معايير الشفافية والكفاءة والمحاسبة والرشد .لقد أوضحت الدراسات العلمية أهمية المؤسسات والقواعد في التفعيل السياسي والقتصادي والجتماعي .وفي الوقت الذي تخوض فيه البلد
تجربة هامة على صعيد الصلح القتصادي فإن ذلك يستوجب النظر فيما يتعلق بالمؤسسات والقواعد في إدارة السوق والقتصاد بشكل عام وبما يحقق صالح التنمية . إن التجربة التي عاشتها البلد خلل العقود الماضية -ولعتبارات مختلفة -أدت إلى عدم الهتمام بالجوانب المؤسسية بشكل واضح .إن ذلك أدى أيضا إلى نشوء ثقافة تحتقر المؤسسات والقواعد بشكل ل صلة له بالفكرة التي يستند إليها النظام السياسي. إن التجربة العالمية تبين أن الدول المختلفة تهتم بالمؤسسات وتطورها من أجل " تقليل عدم اليقين بتوفير هيكل للحياة اليومية " .إن لذلك صلة أيضا بتحقيق الهداف الجتماعية مثل تحقيق تنظيم التقسيم المنتج للعمل وتوليد وصيانة النمو الموالي للفقراء مثلما هو معزز لداء واتخاذ القرارات الل مركزية وبناء وتعزيز رأس المال الجتماعي. ) مكتب العمل الدولي ،ص (75 -73
إن إحدى المسائل التي تحتاج إلى المعالجة الهادئة على المستويين المفهومي والعملي هي تلك المتعلقة بتحديد الصلة بين السلطة والدارة بشكل ينسجم ل مع الفكرة الديمقراطية فقط بل ومع أصول وشروط الحكم الرشيد أو الدارة الصالحة للمجتمع والدولة .إن هناك حاجة إلى تقدير مدى الرتباط بين ضرورة ان يكون القرار العام ديمقراطيا وبين الحاجة إلى الدارة الفعالة الناجحة بما يحقق الكفاءة والوفرة والتوفير أيضا .إن هذا يرتبط بالسؤال حول منطقية الربط بين ديمقراطية السلطة والطريقة المناسبة لدارة الموارد والخدمات .إنه من الضروري الشارة إلى أن هذا يرتبط بشكل وثيق بالقواعد والسس العالمية التي تحدد جوانب ما صار يعرف بالحكم الصالح والرشيد مثلما يضع أطرا مقبولة للشفافية والمحاسبة .إنه من نافلة القول أيضا بيان أن
لذلك كله علقة قوية بالسس التي يقوم عليها النظام الجتماعي في مجمله والنظام المعني بحقوق النسان ومؤسسات المجتمع المدني بشكل خاص . وعندما يتعلق المر بنظام اللمركزية الذي تعزز تطبيقه مع اعتماد تقسيم البلد إلى شعبيات فإن الواقع يبين ارتباط التطبيق بعدد من الختللت والسلبيات .إن ذلك متصل بسلبيات الرباك الذي يمكن تصوره على مستوى اللجنة الشعبية العامة وخاصة بتولي قطاع الخدمات أو النتاج )سابقا( أو اللجان القطاعية )حاليا( فيها مسئولية الدارة المركزية لكثر القطاعات أهمية .إن نظام الشعبيات يبين أن هناك مجموعة من الشعبيات الغير قادرة بمفردها على الوصول إلى تحقيق المعدل الوطني من درجة الستقللية المطلوبة أو المناسبة .ويوصي المسح الخاص بأطلس التنمية في الشعبيات الذي أعدته الهيئة الوطنية للمعلومات بضرورة اعتماد منهج التخطيط المناطقي ضمن بؤر تنموية تضم عدة شعبيات لعدم امتلكها المكان التنموي بصورة منفردة . لكن من الحاسم البحث فيما إذا كانت تجربة اللمركزية بعد خمس سنوات على تمامها واكتمالها قد قادت إلى تأكيد الحجج أو الرؤى الداعمة لها نظريا وعالميا أم أنها أدت إلى نتائج معاكسة .ذلك أن التوجه نحو اللمركزية يتم في ظل اقتصاد كلي لم يزل يعاني حالة حادة من عدم التوازن الهيكلي ،وعدم القدرة على تنويع الموارد الحالية بحكم سيطرة النفط على مصادر تمويل الميزانية العامة .إن هذا ليس ضروريا من أجل إنجاح اللمركزية ودعم التوجه نحو تفعيل دور الموارد الذاتية فحسب بل هو ضروري أيضا إذا ما عرفنا أن الخطط التنموية في الشعبيات هي في العم نمطية وضعيفة من الناحية الفنية .ومثلما بَّيـن التقرير الوطني للتنمية البشرية فإن هذه الخطط ل تعدو كونها قوائم
مشروعات ذات تكاليف تقديرية إجمالية بهدف الحصول على أموال من الخزانة العامة. ) أطلس التنمية في الشعبيات(
إنه من الهمية بمكان التعرف على منجزات وسلبيات
التجربة .إن ذلك يجب أن يأخذ في العتبار أن التجاه العالمي نحو اللمركزية يستند في الساس إلى أنها تحقق أهدافا مناسبة على مستوى المحاسبة والشفافية وتقليل الفساد في ذات الوقت الذي تؤدي فيه إلى تحسين مستوى الخدمات الساسية والستجابة السرع للحتياجات المحلية .إن للمركزية أيضا صلة وثيقة بتأمين التنمية المستدامة واتساع دائرة الفعل السياسي الشعبي عند مستوياته الدنيا وتقوية المجتمع المدني. ) تقرير التنمية البشرية (2003
وبغض النظر عن الكثير من الجدال العقيم حول مدى توافق المجتمع المدني مع النظام الجماهيري من عدمه فإن هناك ضرورة للتنبه للمكانات الوظيفية للمفهوم .إن هذا يدعونا إلى أن نتأمل المسألة مجددا ونحن واعون بالتطورات العالمية في مجال إدارة شئون الدولة والمجتمع .ذلك أن إدارة النساق الكلية التي تتصف بالتعقيد ل يمكن أن تنفرد بها هيئة واحدة مركزية أو ل مركزية .إن ذلك يرجع إلى حقيقة أن إدارة النسق الكلي تحدث نتيجة لتفاعل وتعاون وتصارع وتفاوض العديد من التكوينات المسئولة عن القرار في مستوياته المختلفة ،لذلك فإن إدارة المجتمع والدولة ل تعني الحكومة أو السلطة ،ول تعني السلطة أو الذراع التنفيذي فقط بل هي نطاق أوسع يشمل أنواعا ومستويات متعددة من المنظمات والمؤسسات .
ويعزز من هذا الرأي أن التجربة العالمية بَّينت أن بناء الحكم الديمقراطي والداء الفاعل في مجال الخدمات العامة والحكم المحلي أو اللمركزي ،قام على بناء المؤسسات .وإذا كانت اللمركزية وبناء مؤسسات الدارة والحكم المحلي ضرورة على جميع المستويات فإن مجرد وجودها ل يجعلها ديمقراطية وفاعلة بطريقة آلية .إن ما يحقق ذلك هو وجود مجموعة من الشروط والضوابط التي يمكن وصفها بأنها " إطار م أداء أكثر للسياسة" .إن هذه الشروط تعمل على تشجيع الستجابة والنفتاح ومن َث َّ فعالية للخدمات .وبذلك فإن التحدي أمام اللمركزية هو وجود بيروقراطية ذات عناصر بشرية مؤهلة وكفؤة ومدربة مثلما يتطلب ترابطا وتشابكا اتصاليا ومؤسساتيا وتنظيميا. إن هذا يقتضي في المقام الول النتقال من مجرد اللمركزية إلى وضع إطار لسياسة وطنية للمركزية بما يضمن وجود البيئة المناسبة التي يمكن لمؤسسات اللمركزية أن تعمل بشكل فعال ،ديمقراطي ،مسئول وشفاف .
) (Respording to Citizens, pp19-24
لذلك فإن هناك حاجة إلى إدراك ما تنطوي عليه المسائل المرتبطة بالحكم الرشيد أو إدارة المجتمع والدولة من آليات وصيرورات وعلقات ومؤسسات ل تنحصر في السلطة وإنما تمتد لتشمل كل ما يقوم بواسطته المواطنون والمجموعات لممارسة حقوقهم وواجباتهم التي تكِّون مع الدولة نوعا من الدارة الشبكية التي تضم المجتمع المدني ومنظمات العمل الهلي .إن هناك حاجة ماسة إلى تقييم التجربة للوصول إلى استنتاجات حاسمة بما يعزز هذه الهداف أو بما يقود إلى إعادة النظر في اللمركزية برمتها .إن لذلك صلة وثيقة بالممارسة الديمقراطية والحكم الرشيد والصالح .إن ذلك
مرتبط أيضا بوجود دولة فعالتُة القدرة وسلطات محلية مخولة ،ملتزمة ،مؤهلة علوة على وجود مواطنين ومجتمع مدني مشارك ومطلع ومنظم.
•
) تامر،ص (7 -6
ثالثا /تـحدي المعلومات والثقة : إذا كانت الثورة المعلوماتية والثورة في وسائل التصالت والثورة في مجال أجهزة
الحاسوب قد أدت إلى سيادة نظم جديدة للمعلومات في بيئة أو فضاء إلكتروني للمعلومات فإن لذلك آثاره البالغة القوة التي من شأنها أن تطال كل شيء .إن لذلك صلة بما يعرف بحضارة الموجة الثالثة التي تعتمد على مواد ليس بمقدور الدولة أو السلطة أن تسيطر عليها بالسهولة المرغوبة وهو ما ينطبق على المعرفة وهي جوهر الثورة المعلوماتية . إن لحضارة الموجة الثالثة تأثيرا بالغا في الدراك النساني وفي التصورات المرتبطة بالزمان والمكان وبالمضامين المختلفة لكل ما تتناوله المعرفة المتاحة بفعل الثورة المعلوماتية اللكترونية .إن من شأن ذلك أن يحدث تأثيرا كبيرا في علقة الفرد بالسلطة وبالشأن العام والدارة العامة والتصورات الخاصة بطبيعتها ووظائفها .إن إدراك ذلك من شأنه أن يقود إلى التفكير في الوسائط العملية التي تؤدي إلى ترشيد دور السلطة أو الدارة العامة في الحياة العامة بل إلى أهمية إعادة تعريف الشأن العام أساسا . ) ابوعمود ،ص ((19 -17
إن للتطورات الحديثة في مجال تكنولوجيا التصال والمعلومات آثارا واسعة النطاق في علقة الفرد بالدولة ومؤسساتها ،ودور هذه الخيرة في حقل المعلومات والتصالت
.إن ذلك يفرض إعادة النظر في المفاهيم والساليب التقليدية في مجال التصال والمعلومات والعلم بما يعيد تأسيس هذه المفاهيم ويطرح أساليب جديدة .هناك حاجة إلى إعادة النظر في المسائل المرتبطة بالحق في التصال وتدفق المعلومات والخبار والرقابة وحرية نشر المعرفة وتداولها .وعلوة على الثار السلبية أو الثانوية الناجمة عن تدني أوضاع العلم والصحافة الوطنية فإن لذلك أهميته الخاصة على المستوى الستراتيجي .إن إعادة النظر حاسمة أيضا إذا ما أخذنا في العتبار مكانة الدور الذي يمكن أن تلعبه تقنيات المعلومات والتصال في التنمية القتصادية والجتماعية والسياسية .إن ذلك يحتاج إلى النظر العميق الذي يستوعب أن هذا يجري في ذات الوقت الذي يتم فيه التوجه على المستوى العالمي إلى جعل التنمية مرتكزة على البعد البشري . إن أهم وأخطر أبعاد العولمة هو السير نحو خلق سوق عالمية واحدة في إطار النظام الرأسمالي ونمط الديمقراطيات الغربية ،وفي ذلك دعوة وديناميكية مستمرة إلى التعددية على كل المستويات في إطار مبدأ السوق الحرة للفكار .إن ذلك يعني أن لثورة المعلومات والتصالت بعدا آخر له انعكاسات ل على النظم السياسية في الدولة القومية فحسب بل وعلى اليديولوجيات أيضا .إن المعلومات هي المادة الساسية التي يتم العتماد عليها في صنع السياسات واتخاذ القرارات .إن عصرنا الحالي -وهو عصر المعلومات بامتياز -من شأنه أن يعزز من الفكرة الديمقراطية ويسلب كل الحكومات أو أي نظام غير ديمقراطي أهم عناصر القوة السياسية .إن ذلك من شأنه أيضا التأثير
مباشرة في البناء المؤسسي وفي علقة المؤسسات بالمواطنين ،وفي النظام الجماهيري ،وفي علقة المواطن باللجان الشعبية . من الضروري اتخاذ ما يلزم من سياسات تجعل المواطن يشعر بالثقة في وسائل المعلومات والعلم الوطنية وبمصداقيتها .إن لذلك صلة بالخطار التي يمكن أن تشكلها المعلومات الواردة من وراء الحدود ،وحيث ل حدود الن أمام المعلومات على الممارسة السياسية وعلى التأثير في المواقف والقرارات .إن من شأن ذلك أيضا أن يضاعف من قوة الضغوط الخارجية على البنية الداخلية خاصة وأن نطاق الممارسة السياسية بفعل تأثيرات ثورة التصالت والمعلومات قد تغير مداه وخصائصه النوعية.
) التقرير الوطني
للتنمية البشرية(2002 ،
ومن الواضح أن التوسع في استعمال النترنت وانتشار الفضائيات التي تستقبلها كل البيوت تقريبا يلعب دورا أساسيا من التأثير في البيئة المحلية بجميع مكوناتها وأبعادها . إن ذلك يعني تمكن المجتمع من النفتاح على منتجات الثورة العلمية ومضامين رسائلها المباشرة وغير المباشرة ،وما تتضمن حواراتها مثل أ ً حول القضايا الهامة كالشفافية والمحاسبة والكفاءة والفعالية وغيرها من المسائل المرتبطة بإدارة المجتمع والدولة .إن ذلك يعني وجود ثقافة تتشكل وهو أمر يحض على الوعي بأهميته وضرورة التفاعل معه . إن التطورات العلمية والتقنية الرقمية تجعل تحقيق النجازات المادية التي تعزز توجها من هذا النوع أمرا غاية في اليسر .إن ذلك يمكن تحقيقه مبدئيا من خلل التحول إلى
استخدام التقنية الرقمية خاصة في مجال التصالت .وعلى سبيل المثال يمكن خلل أسابيع قليلة إقامة نظام شامل للتصالت الهاتفية يغطي كل الرقعة المأهولة من ليبيا . إن من شأن ذلك ليس مجرد معالجة المختنقات التصالية القائمة بل إيجاد بدائل مناسبة، وإقامة بنى اتصالية تسد الفجوة الهائلة وتخفف العباء القتصادية والنفسية لتخلف البيئة التصالية في ليبيا .ان تحقيق استجابات ملئمة للتحديات القائمة ذو صلة وثيقة بمعالجة تحدي المعلومات والثقة بجميع مستوياته وأقلها المتعلقة بالثقافة .من الواضح أن لكل ذلك صلة بالتعليم والتنمية بشكل خاص .إن هناك حاجة إلى إدراك أن مجتمع المعرفة ل يعني نقل التكنولوجيا بل هو نتيجة إدماج بين عمليات ثقافية اجتماعية وسياسية واقتصادية وتعليمية وبين قدرات تقنية حديثة في عالم التصالت والحواسيب .إن ذلك يشير أيضا إلى ما يقتضيه مجتمع المعرفة من نظم وعلقات إنتاج وتفاعلت اجتماعية ومحمولت سياسية وفكرية وثقافية.
•
رابع ا /تحـدي إعادة هيكلة القتصاد الوطني : ل شك في أن أحد أهم تداعيات العولمة على ليبيا هو ذلك المتعلق بإعادة هيكلة
القتصاد الوطني .إن لذلك أهميته الخاصة بالنظر إلى مجموعة من العناصر أو العوامل . في مقدمة هذه العوامل تلك الخصائص المميزة للقتصاد الليبي في تاريخ سيطرة الدولة أو القطاع العام عليه .إن حقيقة اعتماد هذا القتصاد على مورد النفط بشكل شبه كامل تضيف إلى الصورة العامة عنصرا من الخطورة إن لم يكن ارتهان القرارات القتصادية للخارج .هذه الخطورة تتضاعف أمام حالة من شبه النكشاف القتصادي
على مستويات النتاج الغذائي والعمالة .إن التحولت والتطورات في البنية والقواعد الحاكمة للمبادلت القتصادية العالمية ورغبة ليبيا في النضمام إلى منظمة التجارة العالمية تزيد من جسامة هذه التحديات . إن أهم تحد لعملية إعادة هيكلة القتصاد الوطني هي عدم وجود تعريف واضح للدور الجديد للدولة .وإذا ما أخذنا في العتبار القدرة المركزية الضعيفة للدولة التي هي أحد دوافع الصلح على أية حال ،فإن من شأن عدم الهتمام بالجوانب المتعلقة بإدارة الدولة والمجتمع والوصول إلى توافق اجتماعي حول صياغة وتوجه عملية إعادة الهيكلة أن يقود العملية بكاملها إلى طريق مسدود .إن لذلك صلة وثيقة ليس بمجرد إعادة التفكير حول وفي المسألة القتصادية بل أيضا بالتفكير في كل ماله صلة بالنظام الجتماعي برمته وما لذلك من صلة بالتحولت الديموغرافية الجذرية وتحدى البطالة التي تشكل نحو %10بـين السكان النشيطين اقتصاديا .إن هـذا يزداد حـدة بالنظر إلى أن الشـباب يشكـلون نحو %60من إجمالي الباحثين عـن العمل وفقـا لحصاءات . 2002 ) كانون(
ومع أن الطار التشريعي واللئحي لعملية توسيع قاعدة الملكية أو الخصخصة شهد زخما وربما إسهابا واضحا إل أن واقع الحال ب ّين أنه "رغم هذا الكم من القوانين والقرارات إل أنها لزالت في مرحلة التكوين وينقصها الكثير من التنظيم وتحديد الختصاصات وعدم وضوحها والتباطؤ في التنفيذ ،وكثرة الجهات التي تصدر لوائح وبرامج تنظم آلية عمل البرنامج".
) منيسي(
إن هناك حاجة إلى وضع أو صياغة سياسة وطنية
حيال الصلح القتصادي من المهم أيضا التساؤل عن السباب التي تجعل الخصخصة
ترتكز أو تنحصر أساسا في جانب الملكية ول تشمل أسلوب تخصيص إدارة المشروعات العامة وما يرتبط بسياسات الصلح الداري.
تحديات البيئة الخارجية ) إطار عام( إن الضغوط الخارجية والتحديات المنية والستراتيجية تفرض نمطا معينا من السياسات القتصادية الداخلية والخارجية بما لذلك من صلة بالشرعية التي يمكن للدولة أن تستمدها من قبول الطراف الخارجية أو المؤسسات العالمية لها .ل يغيب عن الذهن أن هذه الوضاع لها آثارها الواضحة في الوضاع الداخلية بتمامها وهو ما قد يطال مباشرة أو غير مباشرة البناء المؤسسي وهيكل النظام السياسي والقتصادي .وبذلك فإن التأثيرات تمس العملية السياسية والممارسة السياسية في المجتمع بمستوياتها ومجالتها المختلفة ،وهي قد تدفع إلى التفكير في المواءمة من خلل البناء الهيكلي للممارسة السياسية التي أصبح نطاقها مركبا أ ًو يتسم بالتمايز النوعي .إن ذلك كله من شأنه أن يوفر المناخ لقامة الحوار اللزم لتجذير وتطوير النظام الديمقراطي ومؤسساته وتعزيز ثقافته ،خاصة وأن الكثير من السس التي قامت عليها الفكرة الديمقراطية أساسا تخضع الن لتغيير كبير . من الواضح أن علقات ليبيا بالعالم الخارجي وخاصة بالغرب قد تحددت منذ 1969 باستخدام مقياس يعتمد على علقة أي دولة بالصراع العربي السرائيلي من ناحية وأي جانب تؤيد ،ومن ناحية أخرى بالرغبة في تحقيق أكبر منفعة ممكنة من خلل تصدير النفط ،علوة على العمليات المرتبطة بتطوير وتطبيق نموذج مجتمعي جديد .العلقات
أيضا تأثرت كثيرا بالحرص والسعي لجعل هذا النموذج جذابا للخارج والرغبة في دفع كلفة تعريف النسانية به . هـذه المسائل في الواقع عاشت خلل الثلثين عاما الماضية نوعا من التناقض. وهكذا فإن السياسة الخارجية لليبيا عانت كثيرا من نتائج التناقض الظاهر أو الباطن بين المصلحة الوطنية واليديولوجيا .كل ذلك أدى إلى خسائر ،خاصة وأن ليبيا حرصت على أن تستقل في سلوكها الخارجي وزاد من تعقيدات المر رغبة ليبيا في لعب دور قيادي على أكثر من مستوى .إن الشكاليات التي عانت منها ليبيا خارجيا وربما داخليا كانت لها صلة وثيقة بالتعارض المشار إليه وهو ما ازداد تأثيره مع التطور الواضح في التصورات للدور الذي ينبغي أن تلعبه البلد إقليميا وعالميا . الن حدثت جملة من التحولت على مستوى هذين العاملين وهذا يجعل ليبيا في حاجة إلى إعادة تعريف علقاتها مع العالم الخارجي .من المهم إدراك أن اليديولوجيا خاصة بعد تحولت ما بعد الحرب الباردة ،أصبحت في المقعد الخلفي تقريبا ،أو خضعت لعادة النظر في دورها .ليس بالمكان القول بأن ليبيا تخلت عن اليديولوجيا بل إن الكثير من تحركاتها وعملياتها السياسية في الداخل والخارج ما زالت مشبعة بشحنات واضحة من اليديولوجيا بل يمكن القول في الواقع إنها في بعض الحوال مازالت ل تعكس سوى ذلك .لكن من المهم الشارة إلى أن السياسة الليبية بشكل عام بعد انهيار الكتلة "الشتراكية" وأمام تحديات العولمة بدأت تشهد إعادة تفسير لدور اليديولوجيا . لقد صاحب هذا أيضا إعادة نظر إلى موقع البلد على الصعد القليمية والعالمية ،وهكذا
يمكن أن نجد مجالت وأوضاعا يتم فيها استخدام اليديولوجيا لتبرير ما يمكن وصفه بأنه كان غير جائز التبرير سابقا . إن السياسة الخارجية لليبيا يمكن ربطها بقوة بالموقع المركزي للنفط وعائداته وبما ط ومستويات وطبيعة للعلقات الخارجية .من ن هذه العائدات من أنما ِ يفرضه تأمي تُ الواضح أن الثار السلبية لمرحلة العقوبات ضد ليبيا والنهيار في أسواق النفط والضغط الهائل الذي تعرضت له موارد ليبيا واحتياطاتها تفرض عملية إعادة نظر .غير أن أهم عنصر يمكن ملحظته في هذا المجال هو أن النفط وموارده جعلت البلد واعية لذاتها بشكل كبير .وبغض النظر عن الطبيعة المزدوجة والخادعة لمثل هذا التصور فإنه -رغم ذلك -مهد الطريق أمام سلوك الدولة الخارجي .ومع ذلك فإن العقد الماضي ب ّين أهمية عنصر آخر في سياسة البلد ،إنه ذلك المتعلق بالصلة بين البيئة الداخلية والسلوك الخارجي والعكس .فلقد عانت ليبيا كثيرا من العقوبات وقضية لوكربي ،وهما أوضحتا مدى رهافة أو حساسية الوضع الداخلي . هذه الدروس ،علوة على اختفاء أي حليف قوى يمكن اللجوء إليه عالميا ،والحباط من الموقف العربي ،من شأنها إعادة التفكير الستراتيجي الليبي إلى نقطة البداية .إن ليبيا ل تملك -كورقة مراهنة -سوى النفط وإن النفط ل سوق له إل في الغرب ،وإن النفط أيضا يحتاج إلى تقنية الغرب وعدم إثارة حساسية الغرب بشكل مبالغ فيه .أما أزمة لوكربي فقد بينت بشكل قاطع أن أية دولة تعتمد أساسا على الصادرات يمكن أن تقع سياستها ونظامها وبسهولة أسيري عوامل أو فواعل بمنأى عنها .وهكذا فإن الحساس بذلك وبوطأة الضغط المريكي -خاصة مع الصعود المريكي للعالمية بدون منازعة -
يجعل التفكير الستراتيجي الليبي مضطرا إلى إعادة ترتيب الولويات .إن التطورات تبين أن ذلك ضروري للبقاء والستمرار. من الصعب كثيرا على اليديولوجيا المتزمتة أن تتقبل حلول براغماتية ،ومن الصعب على التصورات الخلقية أن تقبل تسويات ل تنسجم معها لكن من الواضح أيضا أنه عندما يتعلق المر بالبقاء وربما بالحفاظ ولو على قدر من التماسك والستمرار لليديولوجيا والتصور الخلقي ذاته فإن ذلك يصبح مبررا.
) مواضع مختلفة(
من المناسب الشارة إلى
أن الثلثين عاما الماضية أكدت بوضوح عدم وجود الجمود اليديولوجي .أما على المستوى النظري -وإن كان هذا ليس المجال أو المناسبة للحديث عنه -فإن النسق اليديولوجي ونموذج تطبيقه في ليبيا يتميز بديناميكية ملحوظة على صعيد النظر وعلى صعيد التطبيق .إن هذا يمكن ملحظته بوضوح في مسألة التنظيم القتصادي أو إدارة القتصاد وفي المنظور الفكري في تحليل العالم الخارجي وتفاعلته . إلى أي مدى يمكن اعتبار ذلك دليل أ ً على التماسك اليديولوجي أو على ديناميكية اليديولوجيا أو بالمقابل إشارة قوية إلى عملية الحوار أو التنافس بين المصلحة ،الواقع والرؤيا أو اليديولوجيا ،موضوع ل بد أن تختلف بشأنه التصورات خاصة وان لوكربي قادت ليبيا إلى مواجهة العالم الحقيقي وليس العالم الفتراضي الموافق للتصورات .لقد أكد نمط بناء الدولة أو الل دولة في الداخل أن هناك حاجة ماسة إلى إعطاء عناصر تم في السابق تجاهلها لمصلحة التصورات النظرية وزنا مناسبا .الواقع هنا يفرز نتائج أو خلصات نظرية لبد لليديولوجيا من استيعابها لتكون ديناميكية .
وهكـذا فإن الصلة بين السياسة الداخلية والخارجية يعاد تأسيسها وتدعيمها .أيضا فإن تطوير علقات خارجية جديدة في كل التجاهات يضع ضغطا إضافيا على الوضع الداخلي .وهكذا فإن الصلة يعاد تحديدها .إن المر يدعو إلى قدر كبير من الحاجة واللزام بالتكيف وباعتماد تدابير من شأنها إعادة صياغة البيئة القتصادية والسياسية. وفي الوقت الذي يمكن للكثير من المحللين وصف ذلك بأنه لبرلة أو تدابير ليبرالية فإن المحلل الواعي بتفاعل العوامل المختلفة في السياسة الليبية لبد ان يقدر أهمية التصور للذات و للخر الخارجي في هذه العملية .على ذلك فإن ما يمكن تصوره على أنه لبرلة أو ليبرالية أو انفتاح هو أيضا عملية يتم فيها و بواسطتها إعطاء الواقع وزنا أكثر أهمية في تشكيل البنى وصياغة السياسات والمؤسسات وفي تحديد ديناميكيتها . وبغض النظر عن أن جدال من هذا النوع يمكن أن يكون عقيما جدا فإنه من المهم الشارة إلى أن هذه العمليات المتعلقة بالسياسة والقتصاد متواصلة ومستمرة وليس آخرها طلب ليبيا النضمام إلى منظمة التجارة العالمية أو استقبال بعثة صندوق النقد الدولي أو الدخول في سلسلة من السياسات والعمليات الهادفة إلى تقليص الدور الجتماعي للدولة في إطار إعادة هيكلة القتصاد والعلقات القتصادية الخارجية .هناك إدراك بأن الزمة في القتصاد الليبي وفي أدائه ل تعود فقط إلى التدهور في الدخل أو بسبب الحصار بل إن هناك أسبابا أخرى .وأن الخلصة الهامة هي أن القتصاد الليبي بحاجة إلى الكثير ليتم استيعابه دوليا أو لكي يستوعب هو التفاعلت العالمية ولكي يمكن تقدير آثار تلك السياسية والجتماعية .إن المتتبع يمكنه أن يلحظ أن هناك الكثير الذي
يجري عمله لتفهم هذه التحديات وأن ليبيا شهدت خلل الشهور الماضية نقاشا وطنيا تناول هذه المسائل -وربما أول مرة -بشكل فيه الكثير من الشفافية والعمق . من ذلك مثل أ ً الندوة التي نظمتها أمانة القتصاد وهيئة الذاعة حول تحديات وإعادة هيكلة القتصاد الليبي وذلك في مطلع العام الحالي.
) انظر الهوامش(
إن هذا الجدل الذي
بدأ مداه ونطاقه في التساع بقدر ما يعكس أهمية التحدي فإنه بَّين استعداد الكثـير من القـوى القتصادية والجتماعية للمشاركة في صياغة الستجابة الممكنة لهذا التحدي .إن المناقشات التي جرت في الدورة الخيرة للمؤتمرات الشعبية الساسية أو في الدورة الماضية أو في مؤتمر الشعب العام أيضا مؤشر هام على عمق هذه المسألة .
أ :التحـدي الغربـي : لشك في إن التحدي الغربي يظل دائما هو الكثر مثول .ورغم كل الجدل حول النقسامات الحقيقية أو الممكنة داخل الغرب فإن ذلك ل يلغي كون الغرب أساسا هو أوربا والوليات المتحدة المريكية .رغم أهمية أوربا وما تتخذه من مواقف نحو ليبيا أو بمساعدتها .ومع أن الوليات المتحدة رأت أن ليبيا تعاونت بأكثر مما هو متوقع خاصة فيما يتعلق بمسألة الرهاب أو تعويضات لوكربي أو في المبادرة الليبية بالتخلص من البرامج والمعدات الخاصة بإنتاج أسلحة الدمار الشامل .مع ذلك فإن الموقف ل يعتمد بشكل أساسي على ما تفعله ليبيا بقدر ما يعتمد على قرار أمريكا نحوها .ان إحدى أهم المسائل خطورة هي المتصلة بالتوقف للتفكير مليا في التطورات القادمة .ل شك في أن وثيرة الحداث كانت متسارعة بشكل ملحوظ .إن من الحكمة الن القيام بطرح السئلة
حول الخطوة أو الخطوات القادمة ،والتساؤل عما يمكن توقعه أو القيام به .إن هذا حاسم فيما يتعلق خاصة بالتساؤل عما إذا كان من المفيد رسم خريطة طريق ليبية يمكن للدبلوماسية الليبية أن تتحرك وفقا لها أم الكتفاء بما تحقق وعدم الستمرار فيما يمكن ان يقود إلى الضطرار إلى التحرك وفقا لخريطة طريق أمريكية أو غربية . إن ذلك إشارة إلى المفصلية التي يمكن أن تكون للخطوات القادمة خاصة وأن النفط يبدو مستمرا في احتلل الموقع الحاسم في السياسة الليبية عموما .ذلك أمر يستحق كل الهتمام خاصأ ًة وأن الوضاع المتصلة بالطاقة العالمية تجعل الوليات المتحدة تواجه جملة من التحديات سواء كان ذلك في الخليج العربي أو منطقة القوقاز وآسيا الوسطى . ان ذلك يعني أن الوضاع الجيوبوليتيكية في المناطق الرئيسية المنتجة والغنية بالنفط تقود الوليات المتحدة إلى جعل أهداف تأمين الطاقة والحضور المريكي في أولوية التوجه المريكي .إن هذا ول شك له صلة بما وصفه زبينجو بريجنسكى ،المستشار السابق للمن القومي المريكي ،بأنه الخيار بين الهيمنة والقيادة الكونية في السياسة الخارجية المريكية.
) مخيمر ،ص (157 -156
أما بالنسبة للتحاد الوروبي فإن موقفه محكوم بالرغبة والحرص على الستفادة من ليبيا ،ومن ثم حرصت أوربا على تأمين الصلت الضرورية )نفط وتجارة( مع ليبيا .أي أن عدم وجود أي حالة تعطى )ليبيا( أهمية يلغي أي أهمية لليبيا .الن ليبيا ستجد نفسها في وضع أكثر صعوبة ما لم تقم بما من شأنه أن يدفع أوروبا خطوات أخرى نحوها .ربما هذا ليس على المستوى القتصادي فقط وهو ما حاولت ليبيا القيام به في السنوات الخيرة ولكن على المستوى السياسي أيضا وخاصة القضايا الساسية وعلى صعيد
العمل الخارجي الليبي .إن من أهم المسائل في هذا الطار أن هناك حاجة إلى تحديد موقف أكثر عملية من محتوى برشلونة ،ولبد من تقرير الحرص على عدم تجزئة سلل برشلونة وإمكانية أخذ المبادرة نحو تفعيل المشاركة في سللها المختلفة خاصة المتعلقة بالثقافة والقتصاد .ان لذلك صلة بل شك بالتحرك الليبي في الدائرتين العربية )المغاربية( والفريقية ،وما لذلك من صلة بالهواجس القتصادية والمنية لوروبا . إن لوكربي جعلت الهاجس المني يسيطر بشكل كبير على التحرك الليبي ،وبالتأكيد فإن التركيز المبالغ فيه على المن وهواجسه يفقد الدبلوماسية الكثير من تجهيزاتها وعدة شغلها ،كما تسبب المبادرات المختلفة في أكثر من اتجاه إرباكا لدبلوماسية مارست دورها في السابق اعتمادا على حركية قامت على إرادة وشرعية ومشروع يضطر الن إلى إعادة التفكير تجاه البيئة التي يتأثر بها .إن ليبيا هنا بحاجة إلى مؤسسات ربما أكثر تقليدية للتعامل مع الخارج المختلف .إن الدبلوماسية الليبية هي في حالة غير مناسبة على كل حال ،ويزيد من ضعفها مركزية مسألة المن وضغط الطموحات .ان سيطرة هذين العاملين أمر يعوق الدبلوماسية أكثر فأكثر ويدفع إلى الوراء أو إلى الخلف الهداف والمصالح الخرى ،وهو ما يزيد في ضعف الدولة وانكشافها أمام الخارج خاصة في حالة عدم إعطاء اعتبار لتوثيق الصلة بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية . إنه من الضروري أيضا إدراك حقيقة الوضاع العالمية وبشكل خاص إستراتيجية حلف شمال الطلسي)الناتو( .إن الحلف ينظر الن إلى جنوب المتوسط في إطار استراتيجي ذي علقة بالبعاد الجيوبوليتكية والقتصادية وببعد الدفاع وما بين هذه البعاد من تداخل
واعتماد متبادل.
( ) السرحان ،ص 164 -163
إن هناك حاجة لعادة التفكير استراتيجيا في
العلقة مع أوروبا والناتو بشكل عام .إن لذلك علقة قوية بما يحمله ذلك التفكير من اشتراطات ذات صلة وثيقة ل بسلة العمليات المحددة في برشلونة فقط بل أيضا بالطموحات والبرامج ذات الصلة بالسياسة الصناعية والدفاعية الوطنية .الناتو ينظر إلى المتوسط على أنه امتداد طبيعي للمن الوروبي وامتداد حتمي لهتمامات الحلف ،فيما تقود دول الجنوب في الحلف )إيطاليا ،فرنسا ،أسبانيا والبرتغال( ،مبادرة الحوار مع دول المتوسط غير العضاء في الحلف وذلك بهدف تجاوز أسباب التوتر في مصادرها قدر المكان .إن على ليبيا إدراك أبعاد هذه السياسة الوربية والطلسية ومراقبتها بحذر شديد مع ضرورة وجود الستعداد المستمر للتكيف والستفادة من الشروط اليجابية التي يمكن أن يوفرها أي حوار .إن ذلك يمكن تعزيزه من خلل الستفادة من الهوامش الحركية التي يتيحها حوار 5+5مثل أ ً . إن الرئاسة الليبية لتحاد المغرب العربي ل ينبغي النظر إليها على أنها مجرد مناسبة دبلوماسية بل إن هناك فرصا لتحقيق مكاسب وطنية ليس من خلل تفعيل هذا التحاد فقط بل أيضا من خلل توظيفه خدمة لهداف السياسة الخارجية خاصة على صعيد التعامل مع أوربا .ول شك ،ومثلما أشرنا فإن لتوسيع حلف الناتو صلة وثيقة بالخيارات القليمية .إن هذه المسائل الستراتيجية الطابع ينبغي أن يتم تناولها والتعامل معها ليس وفقا لسس وطنية فقط ،بل إن هناك ضرورة ملحة ليجاد رؤية استراتيجية مغاربية أول أ ً وعربية ثانيا ومتوسطية وافروعربية أيضا يمكنها استيعاب هذه التحولت وما يرافقها من تحديات .إن المسائل المرتبطة بتوسيع حلف الطلسي والنتائج الخاصة بتحويله إلى
منظمة سياسية ذات مشاغل تتجاوز البعاد المنية تفرض أهمية التفكير في الفوائد أو الضرار المرتبطة بذلك .ان لهذا علقة بتقدير الصلة بين الرؤية المستقبلية وبين أنماط وطبيعة التفاعلت والتقاطعات أو التناغم والتجانس بين أوربا والوليات المتحدة داخل حلف الناتو.
) السرحان ،ص (164 -163
إن هذا بالتأكيد يرتبط بما يمكن استخلصه من التوجهات والسياسات الوروبية والمريكية نحو المنطقة .إن الشمال الفريقي والمغرب العربي هو الجوار البحري لوروبا ومنطقة ذات أهمية اقتصادية وأمنية ل مجال لتجاهلها .لذلك من المهم تعظيم المكاسب من خلل هذا التحاد خاصة في إطار الشراكة الوروبية الفريقية وإعلن القاهرة الصادر عن القمة الفريقية/الوروبية في عام .200إن هناك فرصا مواتية للستفادة من ذلك في مشاركة ذات جدوى مع النشاط الوروبي في أفريقيا .إن لهذا فوائده القتصادية الواضحة علوة على ما يحققه من تجنب الصطدام مع سياسات الوليات المتحدة ومصالحها الستراتيجية.
) التقرير الستراتيجي الفريقي ،ص (317 -312
هذا
النوع من التحديات يعزز من الدعوة المتواصلة والصلية إلى الندماج في المحيط القليمي العربي والمغاربي .إن لذلك أيضا صلة بإعادة النظر في الدور والمكانة التي يمكن أن تحتلها التوجهات الفريقية في السياسة الليبية .ول شك في أن ذلك حيوي بكل م أمنى ومستقبلي في المقام ما يعنيه من إشكالت وتحديات وما يقدمه من خيارات كه ّ الول .
ب :العـرب وأفريقـيا :
لعله من الهام التذكير والتأكيد بأن التفكير الستراتيجي الليبي نحو محيطه وخاصة العربي ل ينبغي أن يتجاهل أن التغاضي عن الروابط القومية أو الجغرافية لمصلحة أية مشروعات أخرى ستقود مع غيرها من العمليات وخاصة الفشل القليمي في بناء نموذج للتكيف مع المتغيرات العالمية ،إلى المعان في إدماج النظام القليمي العربي في النظام العالمي بما يعنيه ذلك من تفكيك للمكون العربي واعادة هيكلة النظام وهو ما سيؤدي في النهاية ل إلى مجرد تهاوي القومية والفكرة والمصلحة العربية فقط بل سيقود أيضا إلى الحتماء بالقطرية ،ومنح إسرائيل الفرصة للتفوق وفي ذلك زيادة لدرجة التغلغل الخارجي في الوطن العربي.
) العمار ،مواضع متفرقة(
إن جامعة الدول العربية -وبرغم
كل ما يمكن أن توصف به من أوصاف وما مرت به من أزمات -تمثل رمزا لوجود عربي متجانس .العنصر الساسي في هذا الوجود هو ذلك القدر من التفاعل الموحد مع القضايا على المستوى الشعبي مقابل الختلف والتناقض الرسمي .إن ذلك يجعل الجامعة معبرة عن مستوى من الضمير العربي .ل شك في أن هذا عامل حاسم ول ينبغي إغفال آثاره وصلته بالتمسك بالجامعة وغيرها من مؤسسات العمل العربي يضاف إلى أهمية وحيوية المشاركة الليبية في أعمالها .ذلك أيضا حاسم في ظل وضع عربي هو أحوج ما يكون إلى عقل عربي ناقد ل يمكن بدونه الوعي بالتحديات والنطلق نحو الفعل. إن التردد عندما يتعلق بالخيارات المتصلة بالمحيط القليمي يمكن أن يؤدي إلى فقدان كل الفرص التي يمكن أن يتم اقتناصها من خلل التوجه القليمي غير القومي أو من خلل السعي للتجديد القومي .يضاف إلى ذلك ما للتردد من تأثيرات سلبية قد تساهم في
زعزعة البناء الثقافي والنفسي للشخصية الوطنية الليبية "العربية" ،ومن ثم قدرتها على التمسك بالهوية وإدراك التحدي وتوليد الفعل الثقافي أو الوطني .إن الدعوة التي تتبناها ليبيا بإقامة فضاء عربي أفريقي -ول شك -دعوة تتأسس على فهم لمنطق العولمة وتقدير رفيع للمخزون المشترك تاريخيا وثقافيا وسياسيا بين العرب والفارقة وهو ما ل يحتاج إلى تأكيد .غير أن الذي تجدر الشارة إليه هو أن الفضاءات أو التكتلت، والتجمعات ذات صلة أيضا بالبيئة القتصادية العالمية وبتنمية القدرة التفاوضية الوطنية في وقت تبرز فيه الحاجة إلى إعادة صياغة دور الدولة الوطنية . وبذلك فإن السياسة المتفهمة لمناخ العولمة ل بد أن تعمل في كل التجاهات الممكنة وأن توظف وأن تستفيد من كل التكتلت القليمية أو الكبرى القائمة أو الممكنة تعظيما للفوائد وتعزيزا للقدرة التفاوضية وبما يضمن استخدام كل العناصر ذات الصلة بالموقع والثقافة .ورغم كل التراكمات المحبطة في التجربة العربية والفريقية فإن الحكمة القتصادية تقضي بضرورة العمل في اتجاه الدعم المستمر للعمل العربي والعمل العربي الفريقي.
) البصام ،ص (29 -26
إن هناك حاجة الن إلى تقدير أو إلى إعادة تقدير
الوزان النسبية المتصلة بالتوجهات القليمية للسياسة الخارجية .إن ذلك ينبغي أن يتم تقديره ل على مجرد الخلص أو اليمان بالمشاريع التاريخية أو بالرغبة في تحقيق المنجزات المعنوية بل بالستناد إلى إعادة تقدير للوزان النسبية في صلتها بالمصالح المختلفة المستويات .إن لهذا أهميته الخاصة في التفكير الستراتيجي بشأن البعدين العربي والفريقي في السياسة الخارجية .لقد اتخذ هذان البعدان مكانتهما في السابق
لعتبارات خالطتها مسائل ذات صلة بالرؤى أو التصورات ،وهيمنت عليها تقديرات غير وثيقة الصلة دائما أو فقط بالمصلحة الوطنية . إن من شأن ذلك الدعوة إلى إعادة النظر في هذه البعاد وفقا لرؤية تستوعب التحولت العالمية والقليمية مثلما تستند إلى تقدير مدرك لها عندما يجري تحديد المصالح الوطنية على صعيدي الستراتيجية والتكتيك معا .من هنا يمكن القول مثل بأن السياسة الخارجية في حاجة إلى إعادة تقدير دور التحاد المغاربي مثلما هي بحاجة إلى إعادة النظر في البعد المؤسسي الفريقي وخاصة تقدير أهمية ودور تجمع الساحل والصحراء .إنه من الواضح أن هذا التجمع وعلوة على كونه يمثل تعارضا مؤسسيا بالنسبة للدبلوماسية الليبية وربما عبئا ثقيل على الخزانة العامة قد أدى دوره ووظيفته التاريخية . إن هذا واضح تماما بالنظر إلى ما قام به هذا التجمع كعربة للتحاد الفريقي أو قبل ذلك في التخفيف من وطأة العزلة التي فرضت على ليبيا .
خـلصـة :
من المؤكد أن التحديات والشتراطات التي تفرضها البيئة العالمية وما يحدث بها من تغيرات هي من الهمية والضخامة بحيث إنها تطال كل المسائل تقريبا .لقد كانت هذه محاولة لبراز بعض هذه التحديات ولتقديم تصورات ورؤى استطلعية في اتجاه استيعابها والتفاعل معها .غير أنه من الضروري التأكيد على أن ما قدم هنا هو فقط في مجال استطلع البيئة واكتشاف التحديات وطرح الشكاليات وهذا ل يشمل منطقيا كل ما يحدث وكل التحديات المتصورة . إن من المناسب الشارة إلى أن الرغبة في صياغة وصيانة نموذج مجتمعي بكل أبعاده لبد أن تكون منطلقة ل من دائرة القيم والرؤى فقط ،بل لبد أن تستجيب للواقع في صيرورته وان تعيش معه في جدل مستمر.
) نديم البيطار(
كذلك لبد من التأكيد على
أن التجربة والمرحلة ذات آثار مباشرة وآثار أخرى أبعد مدى وأكثر شمول أ ً تطال التصورات والختيارات المجتمعية .إن التحدي ليس مجرد تحٍّد سياسي مباشر يمكن حصره في نطاق الفعل ورد الفعل بل هو أيضا ذو طبيعة ثقافية أو فكرية .بالتأكيد إن سقوط التحاد السوفيتي وتحديات السوق والعولمة وانهيار نماذج التنمية ألحقت الضرر بفكرة المجتمع البديل .هذا واضح على مستوى أن الرأسمالية استفادت بشكل ل يقارن مع منافسيها من تجربتهم ومن النقد وعليه فهي رغم أزماتها طورت آليات متطورة وغاية في العملية لمعالجة التحديات كليا وجزئيا .الليبرالية عموما وفكرة الحكومة حققت هي الخرى استجابات مماثلة تجعل الكثير من النقص أو النقد في حاجة إلى المراجعة. ) الصواني ،مواضع مختلفة(
إن تأثيرات العولمة الكلية غير مؤكدة بحكم أنها مليئة بالتناقضات التي تتسم بها أي عملية تاريخية من هذا النوع ،أي أن هناك ديناميكية مفتوحة للحتمالت .وهكذا فرغم الضبابية التي تلف أي تصور عن مستقبل النظام العالمي فإنه من الواضح أن المستقبل يرتبط إلى حد كبير بعمليات إعادة التشكل الجتماعية والسياسية على المستويات الوطنية والقليمية .إن السؤال الجوهري هنا -مثلما يقرر سمير أمين -يتصل بما ستفضي إليه كل تلك من فتح آفاق وطنية أو الوقوع في أسر فوضى الردود الفورية عملية إعادة التش ّ والمجزأة في مواجهة ما يحاول ويسعى القوياء جاهدين لفرضه.
) أمين ،ص (36
الهوامش : ________________________________________________ ________ .1
حسين معلوم "،الدولة في عالم متغير" ,الديمقراطية ،العدد الرابع ،خريف ،2001 ص .298 -297
.2
انظر في ذلك ،انطوني جدنز ،الطريق الثالث :تجديد الديمقراطية الجتماعية ،ترجمة مالك ابوشهيوة ومحمود خلف؛ طرابلس؛ دار الرواد ،1999،ص ،66-58ص -113 . 130
.3
انظر في هذا الصدد محمد عبد الشفيع عيسى ،أبحاث في النظام العالمي ،القاهرة؛ مركز المحروسة للبحوث والتدريب والنشر. 2002 ، 4. J. Orstow Moller, National Interest, Winter, 2003/04 .
.5
برنامج المم المتحدة النمائي ،تقرير التنمية النسانية العربية للعام ، 2002عمان؛ برنامج المم المتحدة النمائي ،2002،ص . 56-48
.6
يوسف الصواني" ،المعرفة ومشروع النهاض العربي" ،قضايا استراتيجية ،العدد)(9 مارس ،2002ص . 132-130
.7
حسن حمدان العلكيم "،الواقع التعليمي والثقافي والعلمي" ،ورقة مقدمة الى مؤتمر العرب والقرن الجديد ،عمان ؛ المعهد الدبلوماسي الردني،8/11/2001-7 ، ص ). 6-3غير منشور(
.8
برنامج المم المتحدة النمائي ،تقرير التنمية النسانية العربية للعام ،2002ص .34
.9
منذر واصف المصري" ،الواقع التعليمي والثقافي والعلمي" ،قضايا استراتيجية، العدد) (9مارس ، 2002ص . 35-29
.10
برنامج المم المتحدة النمـائي ،تقرير التنمية النسانية العربية للعام ،2003عمان ؛ ،2003ص 186
.11
تقرير التنمية النسانية العربية للعام ،2003ص .167 – 166
.12
ليلى مصطفي البرادعى " ،تقليص الحجم كمدخل من مداخل الصلح الداري في الدارة العامة :الدروس المستفادة من تجارب عدة دول" ،النهضة ،العدد الثامن، يوليو ،2001ص .114-113
.13
مكتب العمل الدولي ،الخلص من الفقر ،جنيف؛ مكتب العمل الدولي ،2003 ،ص .75 – 73
.14
الهيئة الوطنية للمعلومات ،أطلس التنمية في الشعبيات ،طرابلس؛ . 2001
.15
برنامج المم المتحدة النمائي ،تقرير التنمية البشرية للعام 2003؛ نيويورك. 2003 ، 16. UNDP , Respording to Citizens ’ Need, New York; 2001, pp 19-24
.17
تامر كامل محمد " ،عالم ما بعد الحرب الباردة ومستقبل النظام العربي " ،ندوة "النظام السياسي العربي في مواجهة التحديات الجديدة " بيروت؛ مركز دراسات الوحدة العربية والجمعية العربية للعلوم السياسية ،2000 ،ص ). 8 - 6غير منشور (
.18
محمد سعيد أبو عامود " ،الديمقراطية والمن القومي في الواقع المعاصر "، الديمقراطية ،العدد الخامس ،شتاء ،2002ص . 19-17
.19
الهيئة الوطنية للمعلومات ،التقرير الوطني للتنمية البشرية لعام ،2002طرابلس ؛ . 2002
.20
محمد كانون – أمين لجنة إدارة التحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة – "متطلبات الخصخصة في ليبيا " ،ورقة في الندوة حول " دور المستثمر المحلي في توسيع قاعدة الملكية ؛ طرابلس. 25/5/2004 ،
.21
أحمد منيسي -محافظ مصرف ليبيا المركزي ،-مداخلة في الندوة حول " دور المستثمر المحلي في توسيع قاعدة الملكية " .
.22
انظر في هذا أيضا ،سيف السلم القذافي ،ليبيا في القرن الحادي والعشرين، طرابلس؛ واحد تسعة للنشر. 2000 ،
.23
هذا يصدق على مشاركة مؤسسات وقطاعات مثل اتحاد المنتجين وحركة اللجان في هذا الحوار على نفس الخطوط التي ميزت السياسات التي تتبناها اللجنة الشعبية العامة .
.24
مجلة ، National Interestشتاء 2004 / 2003
.25
أسامة فاروق مخيمر" ،حلف الناتو يتجه صوب الجنوب " النهضة ،العدد الثامن ،يوليو ) ،2001ص ( 157 – 156
.26
صايل فلح السرحان "،اثر توسيع حلف الطلسي على المن القومي العربي "، قضايا استراتيجية ،العدد التاسع ،مارس )، 2002ص . ( 164 – 163
.27
معهد الدراسات الفريقية ،التقرير الستراتيجي الفريقي ،القاهرة؛ معهد الدراسات الفريقية ،ص . 317 – 312
.28
منعم صاحي العمار " النظام القليمي العربي والمحاولت المطروحة لتهميشه " العولمة نموذج " ندوة "النظام السياسي العربي في مواجهة التحديات الجديدة"،
مركز دراسات الوحدة العربية ،الجمعية العربية للعلوم السياسية – بيروت ؛ أبريل ). 2000غير منشور( .29
دارم البصام " ,العولمة القتصادية ومستقبل التنمية في البلدان العربية" ,الموسم الثقافي الول حول التنمية البشرية في الجماهيرية ،طرابلس ؛ ،2000الهيئة الوطنية للمعلومات وبرنامج المم المتحدة النمائي ،ص )29-26غير منشور(
.30
انظر في هذا الشأن ،نديم البيطار ،التجربة الثورية بين المثال والواقع ،الرباط؛ المجلس القومي للثقافة العربية. 1989 ،
.31
يوسف الصواني " ،العولمة بعد 11سبتمبر :ليبيا التحديات والخيارات " ،المؤتمر، العدد العاشر ،نوفمبر . 2002
.32
سمير أمين في تقديمه كتاب ،ميشال كابرون ،أوربا في مواجهة الجنوب :العلقات مع العالمين العربي والفريقي ،ترجمة أديب نعمة ،بيروت ؛ دار الفارابي، 1992 ، ) ص . ( 36