Skip to main content

ليبيا و العولمة التحديات والخيارات

Page 1

‫د‪ .‬يوسف محمد الصواني‬ ‫العولمة ‪ :‬ليبيا ‪ :‬التحديات والخيارات‬

‫‪‬‬

‫______________________________________________________________‬

‫‪ ‬تمهيد ‪:‬‬ ‫العولمة مصطلح يستخدم بشكل شائع في الكثير من الدراسات ليشير إلى مضامين‬ ‫مختلفة ‪ .‬غير أنه يمكن القول وبشكل عام إن العولمة تشير إلى نطاق وأبعاد تحولت‬ ‫محددة تحدث في عالم اليوم ‪ .‬إن في ذلك إشارة إلى وجود قوى وتمكنها بشكل يتجاوز‬ ‫تأثير الدولة الوطنية والمفاهيم التقليدية للجماعة الدولية‪ .‬غير أنه من المهم التعرف على‬ ‫حقيقة ارتباط العولمة أيضا بحدوث تغيرات عميقة في المجالت السياسية واليديولوجية‬ ‫التي ساهمت من ناحيتها في تسهيل العولمة ذاتها خلل العقدين الخيرين من القرن‬ ‫العشرين ‪ .‬وإذا كانت الليبرالية الجديدة وانهيار النموذج السوفيتي أبرز هذه التغيرات فإن‬ ‫هذه ترافقت مع تحرير للمبادلت المالية الدولية‪ ،‬الثورة التقنية والتحول في عمليات النتاج‬ ‫‪.‬‬ ‫كل ذلك بالتأكيد يرتبط بالنفتاح القتصادي وانتشار السوق عالميا فيما يشهد العالم‬ ‫تحول أ ً أهم ‪ .‬إن القوة والسلطة والتأثير في المجالين الوطني والدولي تشهد انتقال أ ً من‬ ‫الدولة الوطنية إلى مستوى ما وراء الحدود الوطنية في ظل تصاعد قوة وسلطة وتأثير‬ ‫الشركات الكبرى والمنظمات العالمية المختلفة‪ .‬ومع أن طبيعة العولمة هي محل جدل‬

‫‪‬‬

‫مجلة فضاءات‪ ،‬العدد الحادي عشر‪ ،‬يناير ‪. 2004‬‬


‫وخلف فإن جميع الرؤى تقريبا تنظر إليها كواقع وصيرورة‪ ،‬وإن كان يفهم بطرق مختلفة‬ ‫‪.‬‬ ‫هذه الدراسة تنطلق من الحاجة إلى التعمق في فهم العولمة كمناخ جديد يفرض‬ ‫إشكاليات وتحديات‪ ،‬وتستهدف هذه الدراسة النظر في مسألة العولمة ل من ناحية الرؤى‬ ‫أو المنهجية أو المواقف الثقافية بل من جانب التركيز على التحديات والشكالت التي‬ ‫تثيرها على مستوى الدولة والنظام السياسي ‪ .‬وبذلك فإن هذه الدراسة ل تتناول العولمة‬ ‫من جانب مناصرتها أو معارضتها ول من جانب أخذ موقف توفيقي‪ ،‬بل إن هذه الدراسة‬ ‫تنظر إلى العولمة على أنها مسار وواقع يتمثل في جملة من الظواهر التي تطال كل‬ ‫شيء ذي صلة بالدولة والمجتمع والمستقبل ‪ .‬إن العولمة تمثل قوة دفع هامة أو مركزية‬ ‫تقف وراء التغيرات السياسية والقتصادية والجتماعية التي يشهدها القرن الحالي بشكل‬ ‫ظاهر‪ .‬هذه التغيرات تلعب دورا مركزيا في عملية إعادة التشكل التي تمر بها المجتمعات‬ ‫المعاصرة بدرجات متفاوتة مثلما يعيشها النظام العالمي وتع ّد سمة بارزة له‪ .‬ومع أن‬ ‫هناك أطروحات مختلفة في تقدير مضمون وأثر العولمة إل أن الواقع يؤكد تنامي الصلة‬ ‫بين الشئون الداخلية والخارجية مثلما ترتسم حدود جديدة للفضاء السياسي والقتصادي‬ ‫والجتماعي ‪ .‬إن هذا يقود بشكل متواصل إلى إعادة رسم مضامين وأبعاد ونطاق‬ ‫السلطة والحكومة الوطنية ‪.‬‬ ‫إن العولمة وفقا لهذا الفهم أمر يفرض التعامل من خلل السياسات والبرامج التي‬ ‫تقدم إجابة للتحديات‪ ،‬وتحاول استشراف آفاق مواجهة الشكاليات ‪ .‬وواضح أن ذلك ل‬ ‫يعني إلغاء أهمية الرؤى الثقافية أو الحضارية أو الرؤى الشمولية الطابع نحو العولمة‬


‫بقدر ما يهتم هذا المدخل بتقدير التحديات والخيارات ‪ .‬ولما كان القليم الذي تنتمي إليه‬ ‫ليبيا يحتل موقعا جوهريا في مناخ العولمة على كل مستويات النظر والمواقف والتحليل‬ ‫الكثر بروزا عندما يتعلق المر بسياسات القوة في النظام العالمي‪ ،‬فإن هذه الدراسة‬ ‫تتطلع إلى دراسة التحديات والخيارات التي تضعها العولمة أمام ليبيا ‪.‬‬ ‫إن هذه الدراسة تهتم برصد بعض مظاهر وتمثلت العولمة على كل المستويات ‪ .‬إن‬ ‫في ذلك نوعا من التكييف الذي يستهدف أساسا الحاطة "ببانوراما" وطبيعة التحديات‬ ‫التي تواجهها ليبيا‪ ،‬ومحاولة تبصر عناصر الخيارات المتاحة أمامها تجاه ظاهرة ليست‬ ‫مجرد لحظة تاريخية وإن كانت مليئة ومزدحمة بالتحولت الكبرى‪ .‬هذه التحولت ذات‬ ‫الطابع الراديكالي ليست بدون أصول أو جذور‪ ،‬بل إنها تمتد في تربة التحولت الكبرى‬ ‫التي شهدها تاريخ النسانية مثل الثورة الصناعية وقبلها الكتابة ثم الطباعة ثم ثورة‬ ‫التصالت‪.‬‬ ‫ولعله من المفيد هنا الشارة إلى الصلة الوثيقة بين العولمة والمركة وما يشهده‬ ‫العالم بعد أحداث سبتمبر المعروفة ‪ .‬لقد أثارت الحداث المأساوية في الحادي عشر من‬ ‫سبتمبر ‪ 2001‬الكثير من السئلة المتعلقة ليس فقط بظاهرة العنف والتحدي والرهاب‬ ‫على المستوى العالمي بل وأيضا بواقع ومستقبل النظام العالمي المعاصر واتجاهات‬ ‫تطوره ‪ .‬ورغم كل التحليلت والمذاهب في شأن هذا المر فإن أحد أهم جوانب هذا‬ ‫الحدث هو أنه يؤدى إلى تسريع وتشريع العمليات المرتبطة بالعولمة وبالصعود المريكي‬ ‫لسدة الهيمنة‪ ،‬كما يؤدى إلى تقليل فرص أو إمكانيات المعارضة أو الستقلل ‪.‬‬


‫إن الجدل الدائر ثقافيا وسياسيا لم ينته بعد لكن من المهم الشارة إلى أن المسألة‬ ‫كلها تتعلق بالعولمة وسؤال الستقلل أو الحرية ‪ .‬إن لذلك أهميته الكبرى خاصة إذا ما‬ ‫أخذنا في العتبار أن العولمة تساهم بشكل قوى إن لم تكن تضع نهاية لحواجز التمايز‬ ‫والتصال‬

‫والختيار‪ ).‬معلوم‪،‬ص ‪، 297‬ص ‪(298‬‬

‫إن الهدف هنا هو التعرض لبعض الجوانب‬

‫المتصلة بالعولمة‪ ،‬وما أعقب أحداث نيويورك ومحاولة إدراك تأثيرات ذلك في ليبيا وما‬ ‫يطرحه أمامها من تحديات وخيارات ‪.‬‬

‫‪ ‬العولمة وسؤال الستقلل أو الحرية ؟‬ ‫تاريخيـا‪ ،‬خيار الستقلل التام لم يكن ممكنا حقا‪ ،‬ومع ذلك فإن العولمة تطرح أسئلة‬ ‫كبرى حـول ما إذا كان من الفضل للدول أن تحافظ على استقللها وتبقى الغرب بعيدا‬ ‫عنها ‪ .‬إن لذلك علقة ليس فقط بأي تقييم لحساب الرباح والخسائر المرتبطة بالعولمة‪،‬‬ ‫بل أيضا ولكون الغرب واعتبارا من القرن السادس عشر تمكن بفعل قواه وموارده من‬ ‫ضم باقي العالم في نظام " عالمي " وحيد ‪ .‬وبذلك فإن أهم أو أكبر تحد على الطلق‬ ‫هو المتعلق بتبني خيارات مناسبة في مجالت التنمية والحرية‪ .‬أي أن المر يتعلق بالجابة‬ ‫عن التحدي الذي يفرض السؤال عن ‪ :‬إما إخضاع العلقات أو الحركة الخارجية لضرورات‬ ‫أو احتياجات التنمية وإ ّما إخضاع التنمية لشروط النظام العالمي الذي بدا واضحا في مناخ‬ ‫العولمة أنه يتحكم وبشكل متزايد في فرص النمو والتقدم ‪.‬‬ ‫لقد كان مألوفا منذ ‪ 1945‬أن يتم طرح خيار الستقلل أو عدم النحياز ورفض التبعية‬ ‫والرأسمالية والقيام بالتنمية من خلل الشتراكية ‪ .‬في الفترة ما بين الربعينيات‬


‫والثمانينيات من القرن الماضي‪ ،‬عندما كانت هذه الفكار سائدة‪ ،‬فإن الخيار الشتراكي‬ ‫بدا ممكنا ومرغوبا‪ ،‬ولكن مع التسعينيات بدا واضحا أن هذا ليس سوى سراب بفعل‬ ‫غياب الشتراطات اللزمة له عمليا وبحكم فشل النماذج التي اعتبرت سياسيا منافسة‬ ‫للنموذج الرأسمالي ‪ .‬كان من شأن ذلك القول بأن النسانية المأمولة قد تحققت ولم يعد‬ ‫هناك مبرر للبحث عن أي جديد ول حاجة إلى ولدة قيم إنسانية جديدة ‪.‬‬ ‫إن المغزى الحقيقي لذلك هو ولدة الطار الفكري اللزم للعمل الستراتيجي الذي‬ ‫تباشره قوى الهيمنة على المستوى الكوني ‪ .‬إن ما يمكن وصفه بالمنافس ‪ -‬ولو تجاوزا ‪-‬‬ ‫لم يمثل منافسا تاريخيا يعت ّد به ‪ .‬أكبر سلبيات هذا المنافس فشله في تحقيق أهدافه‬ ‫متصور ‪ .‬كل ذلك من شأنه التقليل‬ ‫ومن َثم ساهم في تقوية الخصم أو حقق عكس ال تُ‬ ‫من الفرصة أمام أفكار وقيم العدالة والمساواة ليس كونيا وعمليا فقط ولكن أيضا من‬ ‫خلل نجاح المساعي الرامية إلى مطابقتها بتجربة مجتمعية أعلنت انتصارها على الخرين‬ ‫بشكل نهائي ‪ .‬ربما يكون التحدي الخطر على كل المستويات‪ ،‬هو ان هناك مباشرة في‬ ‫تنفيذ التصورات بشكل عملي ‪ .‬ل حاجة هنا إلى التذكير بتصريحات المسئولين المريكيين‬ ‫خاصة والغربيين عامة وما تحمله من دللت على أن العالم يشهد الن مرحلة تنفيذ لكل‬ ‫ما استخلصه الغرب لذاته ويريده للخرين ‪.‬‬ ‫م الن هو أن السوق العالمي يقرر أسبقية القتصاد على السياسة ولشك في أن‬ ‫المه ّ‬ ‫لذلك آثاره في الدولة والحكم وطريقته ودور المواطن وإدارة الشأن العام والموارد‬ ‫العامة بشكل خاص ‪ .‬وإذا كان هناك سبق للقتصاد على السياسة فإن ذلك يبدو أكثر‬ ‫وضوحا في السياسة اليديولوجية الطابع ‪ .‬ومع ذلك فإن هذا ل يعنى اختفاء الدولة ول‬


‫الهوية أو الثقافة أو القومية القتصادية‪ ،‬أو السياسة الوطنية ‪ .‬إن هذه رغم ضآلة دور‬ ‫م من الطموحات والمال‬ ‫الحدود في التجارة‪ ،‬ما تزال وستظل تلعب دورا وتعبر عن ك ٍّ‬ ‫والمصالح ‪ .‬غير أن أهم عناصر المرحلة الجديدة وقوع تحولت هامة ذات صلة بالدولة‬ ‫وعلقتها بالداخل والخارج ‪ .‬هذه التحولت تبدو بشكل أكثر وضوحا في مجالي السياسة‬ ‫والقانون الدولي و"بالقيم" التي تحكم السلوك العالمي وما يثيره ذلك من تحديات ‪.‬‬ ‫إن السياسة في كل بلد ستتشكل وفقا لتاريخها‪ ،‬ثقافتها وتعريفها للمصلحة الوطنية ‪.‬‬ ‫هـذا ليس نهاية للدولة الوطنية ول للسلطة مهما كان شكلها أو علة وجودها‪ .‬إذا كانت‬ ‫هناك حركة للمال والسلع فالبشر ما يزالون غير متحركين بل ثابتين وخاضعين للعاصمة‬ ‫الوطنية أكثر من خضوعهم للعالم الخارجي الذي ل يمكن النفاذ إليه بسهولة على أية حال‬ ‫‪ .‬إن إحدى النتائج هي المتمثلة في إعادة العتبار إلى دور الدولة والسلطة خاصة في‬ ‫المجال السياسي والمني‪ .‬إن هذا يجعل الحكومة أو السلطة أو النظام السياسي أو‬ ‫الذراع التنفيذي أمام مهمة وتحد كبير ‪ :‬إنه التحدي المتعلق بإيجاد أفضل السبل لتقليل‬ ‫تدخل الحكومة أو السلطة في بعض المجالت وإعادة تركيز هذا التدخل في مجالت‬ ‫أخرى في ذات الوقت الذي تحوز فيه الحكومة أو السلطة على الرضا الشعبي ‪ .‬إنه تحد‬ ‫للخيال ‪.‬‬

‫) جدنز‪ ،‬ص ‪، 66 -58‬‬

‫ص ‪(130 -113‬‬

‫إنه يتطلب استيعاب حقيقة كون العالم يمر‬

‫بتحولت أساسية وفي ذات الوقت القيام بمهمة ترجمة هذه التحولت لسياسات تتفق مع‬ ‫الثقافة والتاريخ والهوية الوطنية‪ .‬إن هذا كله ‪ -‬وعندما يتعلق المر بصياغة الرؤى والعمل‬ ‫من أجل المجتمع الديمقراطي ‪ -‬يقود إلى ضرورة إعادة النظر في تحديد نطاق ومجال‬ ‫الشأن العام ‪.‬‬


‫من ناحية أخرى فإن هناك تحولت وتطورات تتسع لتشمل كل ما يتعلق بما يمكن‬ ‫وصفه "بالقيم" العالمية ‪ .‬إن هذا يبرز بشكل مفهوم في مجال القانون الدولي والشرعية‬ ‫‪ .‬هذه التطورات تطال محتوى القانون الدولي ودوره وموقع الدولة والسيادة والشرعية ‪.‬‬ ‫فالقانون الدولي "الن" يضع الفراد والحكومات والمنظمات غير الحكومية تحت طائلة‬ ‫نظم قانونية جديدة‪ .‬هناك الن سلطات وقيود وحقوق وواجبات تتجاوز دعاوى الدولة‬ ‫الوطنية‪ ،‬وبذلك يكون الناتج المنطقي لذلك هو أن سيادة الدولة لم تعد تحظى بنفس‬ ‫القبول غير المشروط‪ ،‬بل إنها تخضع لعملية إعادة تعريف كاملة ‪.‬‬ ‫وبصرف النظر عما كشفته الحداث الخيرة من عجز إن لم يكن النهيار النهائي للنظام‬ ‫العربي‪ ،‬فهي بالضافة إلى ذلك تعبير واضح وصارخ عن التحول في النظر إلى فكرة‬ ‫الحصانة والسيادة من جميع جوانبها ‪ .‬هناك الن إمكانية ليس فقط لتغيير النظم بل أيضا‬ ‫لمحاكمة رؤساء الدول وربما لمحاكمة الدولة ذاتها ‪ .‬إن ذلك يعني إحداث تحول في‬ ‫طريقة النظر إلى العناصر التقليدية المعروفة في تكوين الدولة الحديثة بما يعني إعطاء‬ ‫وزن متفوق للعنصر الخارجي يعزز من أهمية عنصر العتراف الدولي ‪.‬‬ ‫ومن المهم ملحظة أنه في ظل حالة عدم التوازن السائدة عالميا يجري تكريس‬ ‫اللديمقراطية أو اللمساواة في النظام العالمي ومؤسساته ‪ .‬ل في شك أن لذلك صلة‬ ‫بربط الشرعية بالديمقراطية‪ ،‬فالدولة لم تعد تصرفاتها شرعية لمجرد أنها ذات "سيادة"‬ ‫بل الن هناك اتجاه لربط الشرعية بالديمقراطية )اليمان بقيم مشتركة( رغم وجود‬ ‫غموض كبير في هذا الجانب ‪ .‬وأخيرا فإن أهم التطورات على المستوى السياسي هو أن‬ ‫أحداث ‪ 11‬سبتمبر تجعل المن أساسيا في الحركة العالمية ‪ .‬وإذا كانت ذريعة المن يتم‬


‫توظيفها لخدمة أهداف خاصة فإن ذلك يؤدي إلى أن تختلط مسائل الشرعية‬ ‫والديمقراطية والمن القومي ‪ .‬من هنا يصبح من الضروري التنبيه إلى خطورة عدم‬ ‫التمييز بين استغلل أو استعمال المسألة الديمقراطية لتحقيق أغراض سياسية وبين ما‬ ‫س واضح بالديمقراطية كمفهوم وكمعطى‪ ،‬خاصة بالنظر إلى‬ ‫تقود إليه العولمة من م ٍّ‬ ‫الموجات النوعية في مسار التطور التاريخي للديمقراطية ‪ .‬إن هذا الخير من شأنه أن‬ ‫يقود إلى إعادة النظر في دور الديمقراطية في الحياة المدنية المعاصرة بما يعني تجاوز‬ ‫وظائف الديمقراطية مسألة تبرير شرعية السلطة إلى إعادة تعريف أو صياغة دور السلطة‬ ‫والدولة في اتجاه حيادها مقابل الحفاظ على وجودها فيما تتم عملية إعادة التفكير في‬ ‫طبيعة ونطاق الشأن العام وحدوده ‪.‬‬

‫‪ ‬ليبيا ‪ :‬التحدي والستجابة ‪-:‬‬ ‫إن ليبيا لبد من أن تضع هذه التحولت المميزة لمناخ العولمة في مقدمة اهتماماتها‪.‬‬ ‫ل شك في أن العولمة بهذه الرؤية تفرض إشكالت وتحديات ‪ .‬ل شك أيضا ‪ -‬ولسباب‬ ‫سياسية وثقافية واقتصادية – في أن هذا يفرض فهما وربما تحولت تجد ليبيا مضطرة‬ ‫إلى التفكير فيها ومن ثم الوصول إلى مستوى مناسب من اليقين بشأنها‪ ،‬عند تقرير‬ ‫ممارستها عمليا‪ .‬ولبد في إطار تفهم العولمة من أن يجري استيعاب تطور يتعلق بأن‬ ‫مكانة الدولة تتحدد من خلل عمليات العولمة‪ ،‬مثل الرسملة‪ ،‬والخوصصة‪ ،‬وانتشار العمل‬ ‫بآليات الطلب والعرض‪ ،‬أو اقتصاد السوق بما يهدف إليه من إدماج العالم كـله في‬ ‫السوق الرأسمالية العالمية وصلة ذلك بأطروحات الليبرالـية ‪ .‬إن من الضروري أن نعرف‬


‫ن ذلك يتم في إطار عملية نشر وتعميم القيم الغربية والمريكية في سعي لعادة‬ ‫أ ّ‬ ‫تشكيل المجتمع العالمي‪.‬‬

‫) عبدالشفيع‪،‬ص ‪( 18 -6‬‬

‫إن الدولة الوطنية في زمن العولمة ليس أمامها إل مجال محدد للحركة اللزمة لقامة‬ ‫النظم أو التشريعات التي تتناقض مع ما تطبقه الدول المجاورة أو الجماعة الدولية ‪ .‬إن‬ ‫ذلك يعني ‪ -‬نظريا على القل ‪ -‬أن الدولة الراغبة في الستقلل التام أو التفرد تجاه هذه‬ ‫المسائل‪ ،‬أمامها خياران ‪-:‬‬ ‫ء‪ ،‬وأن تسعى لفرض‬ ‫إما أن تفعل ما ترغب فعله وتحرص على تفردها أو كونها استثنا أ ً‬ ‫رؤيتها بأساليب غير مقبولة وتتحمل تبعات ذلك ‪ .‬وإن هذا يعني في نهاية المر أن تحرم‬ ‫نفسها من الستفادة من العلقات مع الخرين‪ ،‬من الستثمار الجنبي‪ ،‬من التجارة الدولية‬ ‫‪ ...‬الخ ‪ .‬وإ ّما أن تعرض نفسها للعقوبات أو للتدخل في شئونها الداخلية وهو ما ل يعدم‬ ‫الحجج بحكم التحولت الجارية على قواعد النظام ‪.‬‬ ‫يمكن للدولة أيضا أن تستهدف تغيير البيئة الدولية بطريقة تمكنها من تأمين سياساتها‬ ‫الداخلية‪ ،‬وأن ذلك ممكن في زمن العولمة من خلل التوفيق بينها وبين القواعد‬ ‫والمعايير الخاصة بالسلوك الدولي ‪ .‬إن ذلك يعني العمل لحداث التغيير المطلوب في‬ ‫الطار الدولي عن طريق التفاوض أو بدل ذلك التخلي عن التشريعات أو النظم الوطنية‪.‬‬ ‫إن هذا يشير إلى ما يمكن وصفه بمساحة المناورة التي تستطيع كل دولة تحقيقها‬ ‫لنفسها من خلل تناغم تشريعاتها ونظمها المحلية ‪ -‬وليس في تناقض ‪ -‬مع القواعد‬ ‫والمعايير الدولية ‪.‬‬

‫) مواضع متفرقة(‬


‫•‬

‫أو ل أ ً ‪ /‬تحـدي التعليم والتنمية ‪:‬‬ ‫ل شك في أن أهم التحديات على الطلق هو ذلك المتصل بالتعليم والتنمية ‪ .‬إن ذلك‬

‫أمر بديهي لنه متعلق بصناعة المستقبل وما لم يحدث ارتباط وثيق بين التعليم والتنمية‬ ‫فلن يكون ممكنا النتقال إلى مستقبل أفضل ‪ .‬إن المهم أن يستجيب النظام التعليمي ل‬ ‫لمقتضيات الحرية وأن يتلءم ما يتعلمه الفرد مع ما لديه من ميول فحسب ولكن من‬ ‫المهم أيضا أن يتم تخطيط التعليم ليستجيب لشروط التنمية المستدامة من ناحية ولتحقيق‬ ‫بدائل من الموارد البشرية التي يمكن استثمارها بدل الموارد الطبيعية النافدة من ناحية‬ ‫أخرى ‪.‬‬ ‫ومع أن هناك اتجاها إيجابيا للتركيز على التعليم التخصصي في المرحلة المتوسطة‬ ‫من التعليم إل أن ذلك له مشكلته ومحدوديته الواضحة ‪ .‬إن لذلك صلة بحقيقة كون‬ ‫الصلح والتطوير ل بد أن ينطلق من نقطة البداية وهي المدرسة الولية أو البتدائية ‪ .‬لقد‬ ‫كان هناك إهمال واضح للتعليم البتدائي‪ .‬ربما ساهمت سياسات من نوع الترحيل‬ ‫والتأنيث وعدم الستقرار في الدارة أو عدم اعتمادها على الكفاءة والدراية في إلحاق‬ ‫الضرر بالتلميذ وهو الضرر الذي يظلون يعانون منه طوال حياتهم وبشكل يساهم في‬ ‫تقليل فرص نجاح الصلح في المرحلة المتوسطة ‪.‬‬ ‫ولعله من الهمية بمكان الشارة إلى ما تبينه الدراسات العلمية من تأكيد على الهمية‬ ‫البالغة للتعليم قبل المدرسي)الحضانة ورياض الطفال( ‪ .‬البلدان العربية ‪ -‬مثلما ب ّين‬ ‫تقرير التنمية النسانية العربية‪ -‬متخلفة في هذا المجال وهو ما يؤدي حتما إلى التخلف‬ ‫في تحديد مدى المكانات المستقبلية للعقول الناشئة العربية‪.‬‬

‫) تقرير التنمية النسانية‬


‫العربية ‪ ، 2002‬ص ‪(56 -48‬‬

‫إن بلدا كليبيا وهي تتميز بمعدل نمو سكاني يتراوح ما بين )‪-2‬‬

‫‪%3‬سنويا( بحاجة إلى أن تولي هذا المجال الذي كان ول يزال محل تجاهل وإهمال تام‪،‬‬ ‫كل الرعاية ‪.‬‬ ‫إن هناك حالة من شبه اليقين في قصور معارف وقدرات الخريجين بما يؤكد حالة‬ ‫طى حدود‬ ‫التدني العامة في نوعية التعليم ربما بما يتجاوز الحدود المقبولة بل بما يتخ ّ‬ ‫المان ‪ .‬إن ذلك يؤكد على علقة التعليم بأي مشروع للتنمية والنهوض ‪ .‬ل خيار سوى أن‬ ‫يلعب التعليم الدور الساسي‪ ،‬ولذلك لبد من فلسفة للتعليم من أجل المستقبل تؤكد على‬ ‫تنمية العقلية المتفتحة والنقدية وعلى إثارة التساؤلت وتنمية المهارات‪ ،‬والقدرة على‬ ‫الجدل والنتقال من الستيعاب السلبي‪ ،‬إلى البحث اليجابي‪ ،‬ومن أساليب التلقين إلى‬ ‫"يداغوجيا" المشاركة والتمكين ‪ .‬إن لذلك صلة وثيقة بضرورة الهتمام ببعدي التربية‬ ‫والمعرفة في ذات الوقت الذي لبد فيه من تحقيق تفاعل خلق بين العلم والفلسفة‬ ‫والفن بدل أ ً من تجزئة المعرفة أو الصرار على الستمرار في اختصار بعض فروعها مثل‬ ‫العلوم الجتماعية والنسانية التي يجري احتقارها والتقليل من أهميتها والعبث بتعليمها‬ ‫بشكل متواصل‪.‬‬

‫) الصواني‪،‬ص ‪(132 -130‬‬

‫إن أية مراجعة بسيطة للحباطات المرتبطة بالنظام التعليمي السائد وبمعدلت البطالة‬ ‫بين الشباب من ناتج النظام التعليمي الحالي تب ّين أن هناك حاجة إلى إعادة النظر ل في‬ ‫النظام التعليمي فحسب بل أيضا في استشراف الصلة بين التعليم وسوق العمل ونظام‬ ‫توزيع الثروة في عصر العولمة القتصادية‪ .‬وبرغم التطور الكمي في أعداد الطلبة‬ ‫والمعلمين والمدارس فإنه من الصعب القول بحدوث تطور نوعي مواز للتطور الكمي ‪.‬‬


‫ومع أن الكثير من النجازات تحققت بفعل الرادة الوطنية وهي التي ل ينبغي أبدا التقليل‬ ‫من أهميتها فإن هناك ما يبرر القول بغياب رؤية استراتيجية يجمع عليها كل المعنيين‬ ‫بالشأن التعليمي ‪ .‬إذا كانت هناك ملمح لهذه الستراتيجية‪ ،‬فإن أهدافها تميزت بعدم‬ ‫الوضوح أو أنها تحتاج إلى إعادة صياغة في أحسن الحوال ‪ .‬ذلك أساسي بشكل يسهم‬ ‫في التوظيف المثل للبنى المادية التحتية لقطاع التعليم ويستوعب الحاجة إلى إعادة‬ ‫النظر في السياسة المتعلقة بها ‪.‬‬ ‫إن من أهم شروط وعناصر هذه الستراتيجية أن تتصدى للجابة عن السئلة المتعلقة‬ ‫بتحديد نوعية الجيال المطلوبة لفائدة المجتمع في المستقبل ‪ .‬إن لذلك صلة وثيقة‬ ‫بالتحديات التي تفرضها العولمة خاصة وأن المهارة التقانية والمعرفة هما الن من أهم‬ ‫العناصر في تقدير ما يعرف بالميزة النسبية ومعايير التفوق والتنافس العالمي ‪ .‬ل شك‬ ‫في أن كل ذلك يعتمد بشكل أساسي على جودة وتوجه التعليم في كل مراحله ‪.‬‬ ‫إن هناك ضرورة وعلى كل المستويات لمعالجة الشكالت المرتبطة بالتعليم وإعادة‬ ‫العتبار إلى الصلة الهامة بين التعليم والتربية ‪ .‬إن التجربة بينت أن سبق التعليم للتربية‬ ‫ساهم في الحيلولة دون رسوخ القيم الخلقية والجتماعية ولتفرز بالمقابل قيما‬ ‫وسلوكيات غريبة ‪ .‬إن هذه يمكن التدليل عليها من الواقع التعليمي ذاته من خلل تقلص‬ ‫الموسم الدراسي والوضع السيئ للمعلم وتدِّني احترامه أو غياب مكانته بين الطلب‪،‬‬ ‫وتدِّني مكانته الجتماعية التي لشك في ان لها صلة بتدِّني مكانته القتصادية ‪ .‬مثلما تبرز‬ ‫هذه من خلل عدم احترام مواعيد الدراسة‪ ،‬وعدم الهتمام باحترام الكتاب أو المبنى‬ ‫المدرسي أو الجامعي أو عدم الكتراث لستباحة حرمته تبرز في ارتفاع نسبة النحراف‬


‫بين الشباب وتنامي الظواهر الهدامة‪.‬‬

‫) العلكيم‪ ،‬ص ‪(6 -3‬‬

‫إن لذلك أيضا علقة بظاهرة أكثر‬

‫خطورة وهي التي تتمثل في انتشار التيارات السلفية ومظاهر التدين الحتجاجية‬ ‫والرجعية والمحافظة بين أوساط الشباب بشكل ملحوظ خاصة مع حدوث تراجع في دور‬ ‫الدولة الجتماعي ‪.‬‬ ‫إن هناك ضرورة للتفكير والعمل في الدور الذي يمكن أن تقوم به الروابط‬ ‫والمنظمات الطلبية والشبابية ‪ .‬إن هذه التجمعات ل ينبغي أن يستمر النظر إليها لمجرد‬ ‫كـونها أدوات للتعبئة والتحريك السياسي ‪ .‬إن هذا الهدف وعلى أهميته‪ ،‬يجب أل ّ يقف‬ ‫حائل أ ً دون قيام هذه التكوينات بدور فاعل ل كمؤسسات لمجتمع مدني يعزز القيم‬ ‫الديمقراطية والحضارية فقط بل ولتقوم بممارسة وظائف ومهام ذات صلة وثيقة‬ ‫بأغراض التعليم والتربية ضمن أطر وسياقات محددة لتكون عامل بناء وليس عنصر‬ ‫إعاقة ‪.‬‬ ‫القصور والخلل في الدارة التعليمية وعدم الربط بين التعليم والتنمية يزداد خطورة‬ ‫بفعل الثر السيئ الذي بدأ يظهر جليا من خلل عدم وجود سياسة واضحة تجاه التعليم‬ ‫الخاص ‪ .‬إن أية مراجعة لهذا القطاع لبد أن تبين أنه يتأسس على قواعد تجارية ربحية‬ ‫أكثر من قواعد تنموية مثلما يتميز بالفوضى التامة مقابل التدني في مستوى مؤسسات‬ ‫التعليم العام وأدائها بشكل متواصل ‪ .‬إن هذا القطاع يساهم في إحداث ضرر مزدوج من‬ ‫خلل اعتماد هذا القطاع "الطفيلي" على بنى وموارد التعليم العام بشكل انتهازي يلحق‬ ‫الضرر بكل ما له صلة بالتعليم والتنمية ‪ .‬إن استمرار هذا الوضع يلحق ضررا معنويا خطرا‬


‫على نفسية المعلمين وأعضاء هيئة التدريس الجامعي الذين تزداد أوضاعهم ومستوى‬ ‫أدائهم سوءا بشكل متواصل ‪.‬‬ ‫إن لهذه المسألة خطورتها الكبيرة خاصة إذا ما أخذت في العتبار التحولت‬ ‫الديموغرافية التي تعرض لها هذا المجتمع حديثا ‪ .‬إن ذلك يؤكد ضرورة تقدير أهمية‬ ‫وخطورة ارتفاع نسبة الشباب بين السكان وهو التحدي الكبر الذي يواجهه بلد محدود‬ ‫الموارد ممتلئ بالطموحات ‪ .‬ويستفاد من تقرير التنمية النسانية العربية للعام ‪ 2002‬أن‬ ‫التحولت في البنية السكانية بقدر ما تطرح من فرص تطرح تحديات ‪ .‬وبلغة التقرير فإن‬ ‫"حجم السكان والنمو السكاني والتوزيع العمري يمكن أن تكون هدية ديمغرافية أو لعنة‬ ‫ديمغرافية‪".‬‬

‫) تقرير التنمية النسانية العربية ‪ ،‬ص ‪(34‬‬

‫إن التعامل مع هذا التحدي الخطير ذو‬

‫صلة وثيقة وقوية بالمستقبل والتنمية وضمان رأس المال الجتماعي مثلما له صلة بالهوية‬ ‫والنظام السياسي بشكل خاص ‪.‬‬ ‫وبالنظر إلى التحديات المرتبطة بالعولمة فإن من الهمية بمكان إعادة صياغة‬ ‫السياسات والبرامج التعليمية بحيث تستجيب لهذه التحديات‪ ،‬وبما يؤكد البعد التنموي‬ ‫ويعزز إمكانيات وفرص المنافسة أو الميزة التنافسية في اقتصاد معولم ‪ .‬من هـنا لبـد‬ ‫أن يستوعب النظام التعليمي الشروط المتعلقة بالمهارات وحركية العمل ‪ .‬من الضروري‬ ‫أن يجري التركيز على الحاجات المحلية والقليمية والعالمية من القوى العاملة وذلك‬ ‫بتوفير فرص الحصول على المهارات والمعرفة بدون حدود زمانية أو مكانية‪.‬‬ ‫‪(35 -29‬‬

‫) المصري‪ ،‬ص‬


‫ول شك في أن واحدا من أهم التحديات هو تحويل هدف التعليم العالي من مجرد‬ ‫تخريج متعلمين يحملون كما من المعلومات سرعان ما يبلى‪ ،‬إلى إعداد مواطنين لمجتمع‬ ‫) تقرير التنمية النسانية العربية ‪ ،‬ص‬

‫المعرفة لديهم القابلية والقدرة للتعلم الذاتي المستمر‪.‬‬ ‫‪(186‬‬

‫ولعله من الضروري أن يتم إنشاء مؤسسات مستقلة لتقييم واعتماد برامج‬

‫ومؤسسات التعليم العالي على وجه الخصوص ضمانا للجودة مع استمرار مسئولية‬ ‫الدولة في نشر وتحسين نوعية التعليم بشكل عام‪.‬‬

‫) تقرير التنمية النسانية العربية ‪ ،‬ص ‪-166‬‬

‫‪(167‬‬

‫•‬

‫ثانيا ‪ /‬تحـديات السلطة والدارة ‪:‬‬ ‫من المهم هنا الشارة إلى أن الكثير مما هناك دافع لعمله داخليا له صلة بالبيئة‬

‫الخارجية والشروط أو القيود التي تضعها على الحركة الخاصة بالنظام السياسي في‬ ‫عموميتها ‪ .‬إن التجربة والثار الهائلة للثورة التقنية واعتماد الديمقراطية بينت أن هناك‬ ‫حاجة إلى أهمية تقليص الحجم في الدارة العامة ‪ .‬إن ذلك أمر تفرضه شروط التحول‬ ‫في القتصاد العالمي وما يصاحبها فضل أ ً عن التضخم الذي يعيشه جهاز الدارة العامة‬ ‫والشعبية والفائض البشري الذي يشكل عبئا ثقيل أ ً عليه وعلى فعاليته وعلى النفاق العام‬ ‫‪.‬‬ ‫إن هناك ضرورة لعادة النظر‪ ،‬وفقا للمعايير القتصادية مثل الكلفة والكفاءة‪ ،‬في‬ ‫الجهاز الداري وإعمال أساليب تقليص الحجم من خلل تقليص عدد الوحدات والجهزة‬ ‫وعدد العاملين وربما الستفادة من تجارب الدول الخرى في إسناد بعض المهام الدارية‬


‫إلى متعاقدين من خارج الدارة العامة‪.‬‬

‫) البرادعي‪ ،‬ص ‪(114 -113‬‬

‫وفي الوقت الذي تفرض‬

‫شروط التحول والكفاءة والفعالية إجراء عمليات تقليص الحجم فإنه من المهم الشارة‬ ‫إلى أن هـذه جميعا ل تشكل تعارضا ول تتناقض مع الفكار الجماهيرية‪ .‬إن للفكرة‬ ‫الديمقراطية صلة وثيقة بجعل الدارة تنقسم إلى وحدات أصغر حجما وهو ما يمثل فكرة‬ ‫اللمركزية بامتياز كأساس للدارة الديمقراطية وليشمل عمليات أوسع مدى من تقليل‬ ‫عدد العاملين ‪.‬‬ ‫إن لذلك علقة بالتفكير الستراتيجي بما يعنيه من عملية إعادة تفكير بدءا من‬ ‫التساؤل حول علة وجود المنظمة الدارية وأهدافها والنتائج المراد الوصول إليها‪ ،‬وفي‬ ‫هذا يكون خفض التكاليف والمصروفات مجرد أدوات وليست أهدافا لذاتها ‪ .‬إن لذلك‬ ‫صلة بما يمكن وصفه بأنه عملية إعادة اختراع للمنظمات الدارية والدارة العامة وربما‬ ‫لفكرة الحكم من أساسها ‪ .‬إن لهذا صلة وثيقة بكون الفكرة الجماهيرية ل تفرد للدارة‬ ‫موقعا سلطويا‪ ،‬فالدارة ليست سلطة ول ينبغي أن ينظر إليها هكذا‪ .‬ومن ذلك فإن‬ ‫اللجان الشعبية مسألة عملية وليست بنيتها أساسا لفكرة السلطة الشعبية خاصة عندما‬ ‫يتعلق المر بعددها أو مستوياتها أو حجمها ومجال عملها ‪.‬‬ ‫وفي الوقت الذي تتوفر فيه السباب التي تجعل التفكير في بناء المؤسسات أمرا‬ ‫أساسيا‪ ،‬فإنه من المهم أيضا دراسة مدى فاعلية وكفاءة المؤسسات القائمة مثلما تبرز‬ ‫الحاجة إلى صناعة مقاييس تستوعب تميز النظام وبما يحقق إعمال معايير الشفافية‬ ‫والكفاءة والمحاسبة والرشد‪ .‬لقد أوضحت الدراسات العلمية أهمية المؤسسات والقواعد‬ ‫في التفعيل السياسي والقتصادي والجتماعي ‪ .‬وفي الوقت الذي تخوض فيه البلد‬


‫تجربة هامة على صعيد الصلح القتصادي فإن ذلك يستوجب النظر فيما يتعلق‬ ‫بالمؤسسات والقواعد في إدارة السوق والقتصاد بشكل عام وبما يحقق صالح التنمية ‪.‬‬ ‫إن التجربة التي عاشتها البلد خلل العقود الماضية ‪ -‬ولعتبارات مختلفة ‪ -‬أدت إلى‬ ‫عدم الهتمام بالجوانب المؤسسية بشكل واضح ‪ .‬إن ذلك أدى أيضا إلى نشوء ثقافة‬ ‫تحتقر المؤسسات والقواعد بشكل ل صلة له بالفكرة التي يستند إليها النظام السياسي‪.‬‬ ‫إن التجربة العالمية تبين أن الدول المختلفة تهتم بالمؤسسات وتطورها من أجل " تقليل‬ ‫عدم اليقين بتوفير هيكل للحياة اليومية " ‪ .‬إن لذلك صلة أيضا بتحقيق الهداف‬ ‫الجتماعية مثل تحقيق تنظيم التقسيم المنتج للعمل وتوليد وصيانة النمو الموالي للفقراء‬ ‫مثلما هو معزز لداء واتخاذ القرارات الل مركزية وبناء وتعزيز رأس المال الجتماعي‪.‬‬ ‫) مكتب العمل الدولي‪ ،‬ص ‪(75 -73‬‬

‫إن إحدى المسائل التي تحتاج إلى المعالجة الهادئة على المستويين المفهومي‬ ‫والعملي هي تلك المتعلقة بتحديد الصلة بين السلطة والدارة بشكل ينسجم ل مع‬ ‫الفكرة الديمقراطية فقط بل ومع أصول وشروط الحكم الرشيد أو الدارة الصالحة‬ ‫للمجتمع والدولة ‪ .‬إن هناك حاجة إلى تقدير مدى الرتباط بين ضرورة ان يكون القرار‬ ‫العام ديمقراطيا وبين الحاجة إلى الدارة الفعالة الناجحة بما يحقق الكفاءة والوفرة‬ ‫والتوفير أيضا ‪ .‬إن هذا يرتبط بالسؤال حول منطقية الربط بين ديمقراطية السلطة‬ ‫والطريقة المناسبة لدارة الموارد والخدمات‪ .‬إنه من الضروري الشارة إلى أن هذا يرتبط‬ ‫بشكل وثيق بالقواعد والسس العالمية التي تحدد جوانب ما صار يعرف بالحكم الصالح‬ ‫والرشيد مثلما يضع أطرا مقبولة للشفافية والمحاسبة‪ .‬إنه من نافلة القول أيضا بيان أن‬


‫لذلك كله علقة قوية بالسس التي يقوم عليها النظام الجتماعي في مجمله والنظام‬ ‫المعني بحقوق النسان ومؤسسات المجتمع المدني بشكل خاص ‪.‬‬ ‫وعندما يتعلق المر بنظام اللمركزية الذي تعزز تطبيقه مع اعتماد تقسيم البلد إلى‬ ‫شعبيات فإن الواقع يبين ارتباط التطبيق بعدد من الختللت والسلبيات ‪ .‬إن ذلك متصل‬ ‫بسلبيات الرباك الذي يمكن تصوره على مستوى اللجنة الشعبية العامة وخاصة بتولي‬ ‫قطاع الخدمات أو النتاج )سابقا( أو اللجان القطاعية )حاليا( فيها مسئولية الدارة‬ ‫المركزية لكثر القطاعات أهمية ‪ .‬إن نظام الشعبيات يبين أن هناك مجموعة من‬ ‫الشعبيات الغير قادرة بمفردها على الوصول إلى تحقيق المعدل الوطني من درجة‬ ‫الستقللية المطلوبة أو المناسبة‪ .‬ويوصي المسح الخاص بأطلس التنمية في الشعبيات‬ ‫الذي أعدته الهيئة الوطنية للمعلومات بضرورة اعتماد منهج التخطيط المناطقي ضمن بؤر‬ ‫تنموية تضم عدة شعبيات لعدم امتلكها المكان التنموي بصورة منفردة ‪.‬‬ ‫لكن من الحاسم البحث فيما إذا كانت تجربة اللمركزية بعد خمس سنوات على تمامها‬ ‫واكتمالها قد قادت إلى تأكيد الحجج أو الرؤى الداعمة لها نظريا وعالميا أم أنها أدت إلى‬ ‫نتائج معاكسة ‪ .‬ذلك أن التوجه نحو اللمركزية يتم في ظل اقتصاد كلي لم يزل يعاني‬ ‫حالة حادة من عدم التوازن الهيكلي‪ ،‬وعدم القدرة على تنويع الموارد الحالية بحكم‬ ‫سيطرة النفط على مصادر تمويل الميزانية العامة ‪ .‬إن هذا ليس ضروريا من أجل إنجاح‬ ‫اللمركزية ودعم التوجه نحو تفعيل دور الموارد الذاتية فحسب بل هو ضروري أيضا إذا‬ ‫ما عرفنا أن الخطط التنموية في الشعبيات هي في العم نمطية وضعيفة من الناحية‬ ‫الفنية‪ .‬ومثلما بَّيـن التقرير الوطني للتنمية البشرية فإن هذه الخطط ل تعدو كونها قوائم‬


‫مشروعات ذات تكاليف تقديرية إجمالية بهدف الحصول على أموال من الخزانة العامة‪.‬‬ ‫) أطلس التنمية في الشعبيات(‬

‫إنه من الهمية بمكان التعرف على منجزات وسلبيات‬

‫التجربة‪ .‬إن ذلك يجب أن يأخذ في العتبار أن التجاه العالمي نحو اللمركزية يستند في‬ ‫الساس إلى أنها تحقق أهدافا مناسبة على مستوى المحاسبة والشفافية وتقليل الفساد‬ ‫في ذات الوقت الذي تؤدي فيه إلى تحسين مستوى الخدمات الساسية والستجابة‬ ‫السرع للحتياجات المحلية ‪ .‬إن للمركزية أيضا صلة وثيقة بتأمين التنمية المستدامة‬ ‫واتساع دائرة الفعل السياسي الشعبي عند مستوياته الدنيا وتقوية المجتمع المدني‪.‬‬ ‫) تقرير التنمية البشرية ‪(2003‬‬

‫وبغض النظر عن الكثير من الجدال العقيم حول مدى توافق المجتمع المدني مع‬ ‫النظام الجماهيري من عدمه فإن هناك ضرورة للتنبه للمكانات الوظيفية للمفهوم‪ .‬إن‬ ‫هذا يدعونا إلى أن نتأمل المسألة مجددا ونحن واعون بالتطورات العالمية في مجال‬ ‫إدارة شئون الدولة والمجتمع ‪ .‬ذلك أن إدارة النساق الكلية التي تتصف بالتعقيد ل يمكن‬ ‫أن تنفرد بها هيئة واحدة مركزية أو ل مركزية ‪ .‬إن ذلك يرجع إلى حقيقة أن إدارة النسق‬ ‫الكلي تحدث نتيجة لتفاعل وتعاون وتصارع وتفاوض العديد من التكوينات المسئولة عن‬ ‫القرار في مستوياته المختلفة‪ ،‬لذلك فإن إدارة المجتمع والدولة ل تعني الحكومة أو‬ ‫السلطة‪ ،‬ول تعني السلطة أو الذراع التنفيذي فقط بل هي نطاق أوسع يشمل أنواعا‬ ‫ومستويات متعددة من المنظمات والمؤسسات ‪.‬‬


‫ويعزز من هذا الرأي أن التجربة العالمية بَّينت أن بناء الحكم الديمقراطي والداء‬ ‫الفاعل في مجال الخدمات العامة والحكم المحلي أو اللمركزي‪ ،‬قام على بناء‬ ‫المؤسسات ‪ .‬وإذا كانت اللمركزية وبناء مؤسسات الدارة والحكم المحلي ضرورة على‬ ‫جميع المستويات فإن مجرد وجودها ل يجعلها ديمقراطية وفاعلة بطريقة آلية ‪ .‬إن ما‬ ‫يحقق ذلك هو وجود مجموعة من الشروط والضوابط التي يمكن وصفها بأنها " إطار‬ ‫م أداء أكثر‬ ‫للسياسة" ‪ .‬إن هذه الشروط تعمل على تشجيع الستجابة والنفتاح ومن َث َّ‬ ‫فعالية للخدمات‪ .‬وبذلك فإن التحدي أمام اللمركزية هو وجود بيروقراطية ذات عناصر‬ ‫بشرية مؤهلة وكفؤة ومدربة مثلما يتطلب ترابطا وتشابكا اتصاليا ومؤسساتيا وتنظيميا‪.‬‬ ‫إن هذا يقتضي في المقام الول النتقال من مجرد اللمركزية إلى وضع إطار لسياسة‬ ‫وطنية للمركزية بما يضمن وجود البيئة المناسبة التي يمكن لمؤسسات اللمركزية أن‬ ‫تعمل بشكل فعال‪ ،‬ديمقراطي‪ ،‬مسئول وشفاف ‪.‬‬

‫) ‪(Respording to Citizens, pp19-24‬‬

‫لذلك فإن هناك حاجة إلى إدراك ما تنطوي عليه المسائل المرتبطة بالحكم الرشيد أو‬ ‫إدارة المجتمع والدولة من آليات وصيرورات وعلقات ومؤسسات ل تنحصر في السلطة‬ ‫وإنما تمتد لتشمل كل ما يقوم بواسطته المواطنون والمجموعات لممارسة حقوقهم‬ ‫وواجباتهم التي تكِّون مع الدولة نوعا من الدارة الشبكية التي تضم المجتمع المدني‬ ‫ومنظمات العمل الهلي‪ .‬إن هناك حاجة ماسة إلى تقييم التجربة للوصول إلى‬ ‫استنتاجات حاسمة بما يعزز هذه الهداف أو بما يقود إلى إعادة النظر في اللمركزية‬ ‫برمتها ‪ .‬إن لذلك صلة وثيقة بالممارسة الديمقراطية والحكم الرشيد والصالح ‪ .‬إن ذلك‬


‫مرتبط أيضا بوجود دولة فعالتُة القدرة وسلطات محلية مخولة‪ ،‬ملتزمة‪ ،‬مؤهلة علوة على‬ ‫وجود مواطنين ومجتمع مدني مشارك ومطلع ومنظم‪.‬‬

‫•‬

‫) تامر‪،‬ص ‪(7 -6‬‬

‫ثالثا ‪ /‬تـحدي المعلومات والثقة ‪:‬‬ ‫إذا كانت الثورة المعلوماتية والثورة في وسائل التصالت والثورة في مجال أجهزة‬

‫الحاسوب قد أدت إلى سيادة نظم جديدة للمعلومات في بيئة أو فضاء إلكتروني‬ ‫للمعلومات فإن لذلك آثاره البالغة القوة التي من شأنها أن تطال كل شيء ‪ .‬إن لذلك‬ ‫صلة بما يعرف بحضارة الموجة الثالثة التي تعتمد على مواد ليس بمقدور الدولة أو‬ ‫السلطة أن تسيطر عليها بالسهولة المرغوبة وهو ما ينطبق على المعرفة وهي جوهر‬ ‫الثورة المعلوماتية ‪.‬‬ ‫إن لحضارة الموجة الثالثة تأثيرا بالغا في الدراك النساني وفي التصورات المرتبطة‬ ‫بالزمان والمكان وبالمضامين المختلفة لكل ما تتناوله المعرفة المتاحة بفعل الثورة‬ ‫المعلوماتية اللكترونية ‪ .‬إن من شأن ذلك أن يحدث تأثيرا كبيرا في علقة الفرد بالسلطة‬ ‫وبالشأن العام والدارة العامة والتصورات الخاصة بطبيعتها ووظائفها ‪ .‬إن إدراك ذلك من‬ ‫شأنه أن يقود إلى التفكير في الوسائط العملية التي تؤدي إلى ترشيد دور السلطة أو‬ ‫الدارة العامة في الحياة العامة بل إلى أهمية إعادة تعريف الشأن العام أساسا ‪.‬‬ ‫) ابوعمود‪ ،‬ص ‪((19 -17‬‬

‫إن للتطورات الحديثة في مجال تكنولوجيا التصال والمعلومات آثارا واسعة النطاق‬ ‫في علقة الفرد بالدولة ومؤسساتها‪ ،‬ودور هذه الخيرة في حقل المعلومات والتصالت‬


‫‪ .‬إن ذلك يفرض إعادة النظر في المفاهيم والساليب التقليدية في مجال التصال‬ ‫والمعلومات والعلم بما يعيد تأسيس هذه المفاهيم ويطرح أساليب جديدة ‪ .‬هناك‬ ‫حاجة إلى إعادة النظر في المسائل المرتبطة بالحق في التصال وتدفق المعلومات‬ ‫والخبار والرقابة وحرية نشر المعرفة وتداولها‪ .‬وعلوة على الثار السلبية أو الثانوية‬ ‫الناجمة عن تدني أوضاع العلم والصحافة الوطنية فإن لذلك أهميته الخاصة على‬ ‫المستوى الستراتيجي ‪ .‬إن إعادة النظر حاسمة أيضا إذا ما أخذنا في العتبار مكانة الدور‬ ‫الذي يمكن أن تلعبه تقنيات المعلومات والتصال في التنمية القتصادية والجتماعية‬ ‫والسياسية ‪ .‬إن ذلك يحتاج إلى النظر العميق الذي يستوعب أن هذا يجري في ذات‬ ‫الوقت الذي يتم فيه التوجه على المستوى العالمي إلى جعل التنمية مرتكزة على البعد‬ ‫البشري ‪.‬‬ ‫إن أهم وأخطر أبعاد العولمة هو السير نحو خلق سوق عالمية واحدة في إطار‬ ‫النظام الرأسمالي ونمط الديمقراطيات الغربية‪ ،‬وفي ذلك دعوة وديناميكية مستمرة إلى‬ ‫التعددية على كل المستويات في إطار مبدأ السوق الحرة للفكار ‪ .‬إن ذلك يعني أن‬ ‫لثورة المعلومات والتصالت بعدا آخر له انعكاسات ل على النظم السياسية في الدولة‬ ‫القومية فحسب بل وعلى اليديولوجيات أيضا ‪ .‬إن المعلومات هي المادة الساسية التي‬ ‫يتم العتماد عليها في صنع السياسات واتخاذ القرارات ‪ .‬إن عصرنا الحالي ‪ -‬وهو عصر‬ ‫المعلومات بامتياز ‪ -‬من شأنه أن يعزز من الفكرة الديمقراطية ويسلب كل الحكومات أو‬ ‫أي نظام غير ديمقراطي أهم عناصر القوة السياسية ‪ .‬إن ذلك من شأنه أيضا التأثير‬


‫مباشرة في البناء المؤسسي وفي علقة المؤسسات بالمواطنين‪ ،‬وفي النظام‬ ‫الجماهيري‪ ،‬وفي علقة المواطن باللجان الشعبية ‪.‬‬ ‫من الضروري اتخاذ ما يلزم من سياسات تجعل المواطن يشعر بالثقة في وسائل‬ ‫المعلومات والعلم الوطنية وبمصداقيتها ‪ .‬إن لذلك صلة بالخطار التي يمكن أن تشكلها‬ ‫المعلومات الواردة من وراء الحدود‪ ،‬وحيث ل حدود الن أمام المعلومات على الممارسة‬ ‫السياسية وعلى التأثير في المواقف والقرارات ‪ .‬إن من شأن ذلك أيضا أن يضاعف من‬ ‫قوة الضغوط الخارجية على البنية الداخلية خاصة وأن نطاق الممارسة السياسية بفعل‬ ‫تأثيرات ثورة التصالت والمعلومات قد تغير مداه وخصائصه النوعية‪.‬‬

‫) التقرير الوطني‬

‫للتنمية البشرية‪(2002 ،‬‬

‫ومن الواضح أن التوسع في استعمال النترنت وانتشار الفضائيات التي تستقبلها كل‬ ‫البيوت تقريبا يلعب دورا أساسيا من التأثير في البيئة المحلية بجميع مكوناتها وأبعادها ‪.‬‬ ‫إن ذلك يعني تمكن المجتمع من النفتاح على منتجات الثورة العلمية ومضامين‬ ‫رسائلها المباشرة وغير المباشرة‪ ،‬وما تتضمن حواراتها مثل أ ً حول القضايا الهامة‬ ‫كالشفافية والمحاسبة والكفاءة والفعالية وغيرها من المسائل المرتبطة بإدارة المجتمع‬ ‫والدولة ‪ .‬إن ذلك يعني وجود ثقافة تتشكل وهو أمر يحض على الوعي بأهميته وضرورة‬ ‫التفاعل معه ‪.‬‬ ‫إن التطورات العلمية والتقنية الرقمية تجعل تحقيق النجازات المادية التي تعزز توجها‬ ‫من هذا النوع أمرا غاية في اليسر ‪ .‬إن ذلك يمكن تحقيقه مبدئيا من خلل التحول إلى‬


‫استخدام التقنية الرقمية خاصة في مجال التصالت ‪ .‬وعلى سبيل المثال يمكن خلل‬ ‫أسابيع قليلة إقامة نظام شامل للتصالت الهاتفية يغطي كل الرقعة المأهولة من ليبيا ‪.‬‬ ‫إن من شأن ذلك ليس مجرد معالجة المختنقات التصالية القائمة بل إيجاد بدائل مناسبة‪،‬‬ ‫وإقامة بنى اتصالية تسد الفجوة الهائلة وتخفف العباء القتصادية والنفسية لتخلف البيئة‬ ‫التصالية في ليبيا ‪ .‬ان تحقيق استجابات ملئمة للتحديات القائمة ذو صلة وثيقة بمعالجة‬ ‫تحدي المعلومات والثقة بجميع مستوياته وأقلها المتعلقة بالثقافة‪ .‬من الواضح أن لكل‬ ‫ذلك صلة بالتعليم والتنمية بشكل خاص ‪ .‬إن هناك حاجة إلى إدراك أن مجتمع المعرفة‬ ‫ل يعني نقل التكنولوجيا بل هو نتيجة إدماج بين عمليات ثقافية اجتماعية وسياسية‬ ‫واقتصادية وتعليمية وبين قدرات تقنية حديثة في عالم التصالت والحواسيب ‪ .‬إن ذلك‬ ‫يشير أيضا إلى ما يقتضيه مجتمع المعرفة من نظم وعلقات إنتاج وتفاعلت اجتماعية‬ ‫ومحمولت سياسية وفكرية وثقافية‪.‬‬

‫•‬

‫رابع ا‪ /‬تحـدي إعادة هيكلة القتصاد الوطني ‪:‬‬ ‫ل شك في أن أحد أهم تداعيات العولمة على ليبيا هو ذلك المتعلق بإعادة هيكلة‬

‫القتصاد الوطني ‪ .‬إن لذلك أهميته الخاصة بالنظر إلى مجموعة من العناصر أو العوامل ‪.‬‬ ‫في مقدمة هذه العوامل تلك الخصائص المميزة للقتصاد الليبي في تاريخ سيطرة‬ ‫الدولة أو القطاع العام عليه ‪ .‬إن حقيقة اعتماد هذا القتصاد على مورد النفط بشكل‬ ‫شبه كامل تضيف إلى الصورة العامة عنصرا من الخطورة إن لم يكن ارتهان القرارات‬ ‫القتصادية للخارج ‪ .‬هذه الخطورة تتضاعف أمام حالة من شبه النكشاف القتصادي‬


‫على مستويات النتاج الغذائي والعمالة ‪ .‬إن التحولت والتطورات في البنية والقواعد‬ ‫الحاكمة للمبادلت القتصادية العالمية ورغبة ليبيا في النضمام إلى منظمة التجارة‬ ‫العالمية تزيد من جسامة هذه التحديات ‪.‬‬ ‫إن أهم تحد لعملية إعادة هيكلة القتصاد الوطني هي عدم وجود تعريف واضح للدور‬ ‫الجديد للدولة‪ .‬وإذا ما أخذنا في العتبار القدرة المركزية الضعيفة للدولة التي هي أحد‬ ‫دوافع الصلح على أية حال‪ ،‬فإن من شأن عدم الهتمام بالجوانب المتعلقة بإدارة‬ ‫الدولة والمجتمع والوصول إلى توافق اجتماعي حول صياغة وتوجه عملية إعادة الهيكلة‬ ‫أن يقود العملية بكاملها إلى طريق مسدود ‪ .‬إن لذلك صلة وثيقة ليس بمجرد إعادة‬ ‫التفكير حول وفي المسألة القتصادية بل أيضا بالتفكير في كل ماله صلة بالنظام‬ ‫الجتماعي برمته وما لذلك من صلة بالتحولت الديموغرافية الجذرية وتحدى البطالة التي‬ ‫تشكل نحو ‪ %10‬بـين السكان النشيطين اقتصاديا ‪ .‬إن هـذا يزداد حـدة بالنظر إلى أن‬ ‫الشـباب يشكـلون نحو ‪ %60‬من إجمالي الباحثين عـن العمل وفقـا لحصاءات ‪. 2002‬‬ ‫) كانون(‬

‫ومع أن الطار التشريعي واللئحي لعملية توسيع قاعدة الملكية أو الخصخصة شهد‬ ‫زخما وربما إسهابا واضحا إل أن واقع الحال ب ّين أنه "رغم هذا الكم من القوانين‬ ‫والقرارات إل أنها لزالت في مرحلة التكوين وينقصها الكثير من التنظيم وتحديد‬ ‫الختصاصات وعدم وضوحها والتباطؤ في التنفيذ‪ ،‬وكثرة الجهات التي تصدر لوائح وبرامج‬ ‫تنظم آلية عمل البرنامج‪".‬‬

‫) منيسي(‬

‫إن هناك حاجة إلى وضع أو صياغة سياسة وطنية‬

‫حيال الصلح القتصادي من المهم أيضا التساؤل عن السباب التي تجعل الخصخصة‬


‫ترتكز أو تنحصر أساسا في جانب الملكية ول تشمل أسلوب تخصيص إدارة المشروعات‬ ‫العامة وما يرتبط بسياسات الصلح الداري‪.‬‬

‫‪ ‬تحديات البيئة الخارجية ) إطار عام(‬ ‫إن الضغوط الخارجية والتحديات المنية والستراتيجية تفرض نمطا معينا من‬ ‫السياسات القتصادية الداخلية والخارجية بما لذلك من صلة بالشرعية التي يمكن للدولة‬ ‫أن تستمدها من قبول الطراف الخارجية أو المؤسسات العالمية لها ‪ .‬ل يغيب عن الذهن‬ ‫أن هذه الوضاع لها آثارها الواضحة في الوضاع الداخلية بتمامها وهو ما قد يطال‬ ‫مباشرة أو غير مباشرة البناء المؤسسي وهيكل النظام السياسي والقتصادي ‪ .‬وبذلك‬ ‫فإن التأثيرات تمس العملية السياسية والممارسة السياسية في المجتمع بمستوياتها‬ ‫ومجالتها المختلفة‪ ،‬وهي قد تدفع إلى التفكير في المواءمة من خلل البناء الهيكلي‬ ‫للممارسة السياسية التي أصبح نطاقها مركبا أ ًو يتسم بالتمايز النوعي ‪ .‬إن ذلك كله من‬ ‫شأنه أن يوفر المناخ لقامة الحوار اللزم لتجذير وتطوير النظام الديمقراطي ومؤسساته‬ ‫وتعزيز ثقافته‪ ،‬خاصة وأن الكثير من السس التي قامت عليها الفكرة الديمقراطية أساسا‬ ‫تخضع الن لتغيير كبير ‪.‬‬ ‫من الواضح أن علقات ليبيا بالعالم الخارجي وخاصة بالغرب قد تحددت منذ ‪1969‬‬ ‫باستخدام مقياس يعتمد على علقة أي دولة بالصراع العربي السرائيلي من ناحية وأي‬ ‫جانب تؤيد‪ ،‬ومن ناحية أخرى بالرغبة في تحقيق أكبر منفعة ممكنة من خلل تصدير‬ ‫النفط‪ ،‬علوة على العمليات المرتبطة بتطوير وتطبيق نموذج مجتمعي جديد ‪ .‬العلقات‬


‫أيضا تأثرت كثيرا بالحرص والسعي لجعل هذا النموذج جذابا للخارج والرغبة في دفع‬ ‫كلفة تعريف النسانية به ‪.‬‬ ‫هـذه المسائل في الواقع عاشت خلل الثلثين عاما الماضية نوعا من التناقض‪.‬‬ ‫وهكذا فإن السياسة الخارجية لليبيا عانت كثيرا من نتائج التناقض الظاهر أو الباطن بين‬ ‫المصلحة الوطنية واليديولوجيا ‪ .‬كل ذلك أدى إلى خسائر‪ ،‬خاصة وأن ليبيا حرصت على‬ ‫أن تستقل في سلوكها الخارجي وزاد من تعقيدات المر رغبة ليبيا في لعب دور قيادي‬ ‫على أكثر من مستوى ‪ .‬إن الشكاليات التي عانت منها ليبيا خارجيا وربما داخليا كانت لها‬ ‫صلة وثيقة بالتعارض المشار إليه وهو ما ازداد تأثيره مع التطور الواضح في التصورات‬ ‫للدور الذي ينبغي أن تلعبه البلد إقليميا وعالميا ‪.‬‬ ‫الن حدثت جملة من التحولت على مستوى هذين العاملين وهذا يجعل ليبيا في‬ ‫حاجة إلى إعادة تعريف علقاتها مع العالم الخارجي ‪ .‬من المهم إدراك أن اليديولوجيا‬ ‫خاصة بعد تحولت ما بعد الحرب الباردة‪ ،‬أصبحت في المقعد الخلفي تقريبا‪ ،‬أو خضعت‬ ‫لعادة النظر في دورها ‪ .‬ليس بالمكان القول بأن ليبيا تخلت عن اليديولوجيا بل إن‬ ‫الكثير من تحركاتها وعملياتها السياسية في الداخل والخارج ما زالت مشبعة بشحنات‬ ‫واضحة من اليديولوجيا بل يمكن القول في الواقع إنها في بعض الحوال مازالت ل‬ ‫تعكس سوى ذلك ‪ .‬لكن من المهم الشارة إلى أن السياسة الليبية بشكل عام بعد انهيار‬ ‫الكتلة "الشتراكية" وأمام تحديات العولمة بدأت تشهد إعادة تفسير لدور اليديولوجيا ‪.‬‬ ‫لقد صاحب هذا أيضا إعادة نظر إلى موقع البلد على الصعد القليمية والعالمية‪ ،‬وهكذا‬


‫يمكن أن نجد مجالت وأوضاعا يتم فيها استخدام اليديولوجيا لتبرير ما يمكن وصفه بأنه‬ ‫كان غير جائز التبرير سابقا ‪.‬‬ ‫إن السياسة الخارجية لليبيا يمكن ربطها بقوة بالموقع المركزي للنفط وعائداته وبما‬ ‫ط ومستويات وطبيعة للعلقات الخارجية ‪ .‬من‬ ‫ن هذه العائدات من أنما ِ‬ ‫يفرضه تأمي تُ‬ ‫الواضح أن الثار السلبية لمرحلة العقوبات ضد ليبيا والنهيار في أسواق النفط والضغط‬ ‫الهائل الذي تعرضت له موارد ليبيا واحتياطاتها تفرض عملية إعادة نظر‪ .‬غير أن أهم‬ ‫عنصر يمكن ملحظته في هذا المجال هو أن النفط وموارده جعلت البلد واعية لذاتها‬ ‫بشكل كبير‪ .‬وبغض النظر عن الطبيعة المزدوجة والخادعة لمثل هذا التصور فإنه ‪ -‬رغم‬ ‫ذلك ‪ -‬مهد الطريق أمام سلوك الدولة الخارجي ‪ .‬ومع ذلك فإن العقد الماضي ب ّين أهمية‬ ‫عنصر آخر في سياسة البلد‪ ،‬إنه ذلك المتعلق بالصلة بين البيئة الداخلية والسلوك‬ ‫الخارجي والعكس ‪ .‬فلقد عانت ليبيا كثيرا من العقوبات وقضية لوكربي‪ ،‬وهما أوضحتا‬ ‫مدى رهافة أو حساسية الوضع الداخلي ‪.‬‬ ‫هذه الدروس‪ ،‬علوة على اختفاء أي حليف قوى يمكن اللجوء إليه عالميا‪ ،‬والحباط‬ ‫من الموقف العربي‪ ،‬من شأنها إعادة التفكير الستراتيجي الليبي إلى نقطة البداية ‪ .‬إن‬ ‫ليبيا ل تملك ‪ -‬كورقة مراهنة‪ -‬سوى النفط وإن النفط ل سوق له إل في الغرب‪ ،‬وإن‬ ‫النفط أيضا يحتاج إلى تقنية الغرب وعدم إثارة حساسية الغرب بشكل مبالغ فيه ‪ .‬أما أزمة‬ ‫لوكربي فقد بينت بشكل قاطع أن أية دولة تعتمد أساسا على الصادرات يمكن أن تقع‬ ‫سياستها ونظامها وبسهولة أسيري عوامل أو فواعل بمنأى عنها‪ .‬وهكذا فإن الحساس‬ ‫بذلك وبوطأة الضغط المريكي ‪ -‬خاصة مع الصعود المريكي للعالمية بدون منازعة ‪-‬‬


‫يجعل التفكير الستراتيجي الليبي مضطرا إلى إعادة ترتيب الولويات ‪ .‬إن التطورات تبين‬ ‫أن ذلك ضروري للبقاء والستمرار‪.‬‬ ‫من الصعب كثيرا على اليديولوجيا المتزمتة أن تتقبل حلول براغماتية‪ ،‬ومن الصعب‬ ‫على التصورات الخلقية أن تقبل تسويات ل تنسجم معها لكن من الواضح أيضا أنه عندما‬ ‫يتعلق المر بالبقاء وربما بالحفاظ ولو على قدر من التماسك والستمرار لليديولوجيا‬ ‫والتصور الخلقي ذاته فإن ذلك يصبح مبررا‪.‬‬

‫) مواضع مختلفة(‬

‫من المناسب الشارة إلى‬

‫أن الثلثين عاما الماضية أكدت بوضوح عدم وجود الجمود اليديولوجي‪ .‬أما على‬ ‫المستوى النظري ‪ -‬وإن كان هذا ليس المجال أو المناسبة للحديث عنه‪ -‬فإن النسق‬ ‫اليديولوجي ونموذج تطبيقه في ليبيا يتميز بديناميكية ملحوظة على صعيد النظر وعلى‬ ‫صعيد التطبيق ‪ .‬إن هذا يمكن ملحظته بوضوح في مسألة التنظيم القتصادي أو إدارة‬ ‫القتصاد وفي المنظور الفكري في تحليل العالم الخارجي وتفاعلته ‪.‬‬ ‫إلى أي مدى يمكن اعتبار ذلك دليل أ ً على التماسك اليديولوجي أو على ديناميكية‬ ‫اليديولوجيا أو بالمقابل إشارة قوية إلى عملية الحوار أو التنافس بين المصلحة‪ ،‬الواقع‬ ‫والرؤيا أو اليديولوجيا‪ ،‬موضوع ل بد أن تختلف بشأنه التصورات خاصة وان لوكربي قادت‬ ‫ليبيا إلى مواجهة العالم الحقيقي وليس العالم الفتراضي الموافق للتصورات ‪ .‬لقد أكد‬ ‫نمط بناء الدولة أو الل دولة في الداخل أن هناك حاجة ماسة إلى إعطاء عناصر تم في‬ ‫السابق تجاهلها لمصلحة التصورات النظرية وزنا مناسبا ‪ .‬الواقع هنا يفرز نتائج أو‬ ‫خلصات نظرية لبد لليديولوجيا من استيعابها لتكون ديناميكية ‪.‬‬


‫وهكـذا فإن الصلة بين السياسة الداخلية والخارجية يعاد تأسيسها وتدعيمها ‪ .‬أيضا فإن‬ ‫تطوير علقات خارجية جديدة في كل التجاهات يضع ضغطا إضافيا على الوضع‬ ‫الداخلي‪ .‬وهكذا فإن الصلة يعاد تحديدها ‪ .‬إن المر يدعو إلى قدر كبير من الحاجة‬ ‫واللزام بالتكيف وباعتماد تدابير من شأنها إعادة صياغة البيئة القتصادية والسياسية‪.‬‬ ‫وفي الوقت الذي يمكن للكثير من المحللين وصف ذلك بأنه لبرلة أو تدابير ليبرالية فإن‬ ‫المحلل الواعي بتفاعل العوامل المختلفة في السياسة الليبية لبد ان يقدر أهمية التصور‬ ‫للذات و للخر الخارجي في هذه العملية ‪ .‬على ذلك فإن ما يمكن تصوره على أنه لبرلة‬ ‫أو ليبرالية أو انفتاح هو أيضا عملية يتم فيها و بواسطتها إعطاء الواقع وزنا أكثر أهمية‬ ‫في تشكيل البنى وصياغة السياسات والمؤسسات وفي تحديد ديناميكيتها ‪.‬‬ ‫وبغض النظر عن أن جدال من هذا النوع يمكن أن يكون عقيما جدا فإنه من المهم‬ ‫الشارة إلى أن هذه العمليات المتعلقة بالسياسة والقتصاد متواصلة ومستمرة وليس‬ ‫آخرها طلب ليبيا النضمام إلى منظمة التجارة العالمية أو استقبال بعثة صندوق النقد‬ ‫الدولي أو الدخول في سلسلة من السياسات والعمليات الهادفة إلى تقليص الدور‬ ‫الجتماعي للدولة في إطار إعادة هيكلة القتصاد والعلقات القتصادية الخارجية ‪ .‬هناك‬ ‫إدراك بأن الزمة في القتصاد الليبي وفي أدائه ل تعود فقط إلى التدهور في الدخل أو‬ ‫بسبب الحصار بل إن هناك أسبابا أخرى ‪ .‬وأن الخلصة الهامة هي أن القتصاد الليبي‬ ‫بحاجة إلى الكثير ليتم استيعابه دوليا أو لكي يستوعب هو التفاعلت العالمية ولكي يمكن‬ ‫تقدير آثار تلك السياسية والجتماعية ‪ .‬إن المتتبع يمكنه أن يلحظ أن هناك الكثير الذي‬


‫يجري عمله لتفهم هذه التحديات وأن ليبيا شهدت خلل الشهور الماضية نقاشا وطنيا‬ ‫تناول هذه المسائل ‪ -‬وربما أول مرة ‪ -‬بشكل فيه الكثير من الشفافية والعمق ‪.‬‬ ‫من ذلك مثل أ ً الندوة التي نظمتها أمانة القتصاد وهيئة الذاعة حول تحديات وإعادة‬ ‫هيكلة القتصاد الليبي وذلك في مطلع العام الحالي‪.‬‬

‫) انظر الهوامش(‬

‫إن هذا الجدل الذي‬

‫بدأ مداه ونطاقه في التساع بقدر ما يعكس أهمية التحدي فإنه بَّين استعداد الكثـير من‬ ‫القـوى القتصادية والجتماعية للمشاركة في صياغة الستجابة الممكنة لهذا التحدي ‪ .‬إن‬ ‫المناقشات التي جرت في الدورة الخيرة للمؤتمرات الشعبية الساسية أو في الدورة‬ ‫الماضية أو في مؤتمر الشعب العام أيضا مؤشر هام على عمق هذه المسألة ‪.‬‬

‫أ ‪ :‬التحـدي الغربـي ‪:‬‬ ‫لشك في إن التحدي الغربي يظل دائما هو الكثر مثول ‪ .‬ورغم كل الجدل حول‬ ‫النقسامات الحقيقية أو الممكنة داخل الغرب فإن ذلك ل يلغي كون الغرب أساسا هو‬ ‫أوربا والوليات المتحدة المريكية ‪ .‬رغم أهمية أوربا وما تتخذه من مواقف نحو ليبيا أو‬ ‫بمساعدتها ‪ .‬ومع أن الوليات المتحدة رأت أن ليبيا تعاونت بأكثر مما هو متوقع خاصة‬ ‫فيما يتعلق بمسألة الرهاب أو تعويضات لوكربي أو في المبادرة الليبية بالتخلص من‬ ‫البرامج والمعدات الخاصة بإنتاج أسلحة الدمار الشامل ‪ .‬مع ذلك فإن الموقف ل يعتمد‬ ‫بشكل أساسي على ما تفعله ليبيا بقدر ما يعتمد على قرار أمريكا نحوها‪ .‬ان إحدى أهم‬ ‫المسائل خطورة هي المتصلة بالتوقف للتفكير مليا في التطورات القادمة ‪ .‬ل شك في أن‬ ‫وثيرة الحداث كانت متسارعة بشكل ملحوظ ‪ .‬إن من الحكمة الن القيام بطرح السئلة‬


‫حول الخطوة أو الخطوات القادمة‪ ،‬والتساؤل عما يمكن توقعه أو القيام به ‪ .‬إن هذا‬ ‫حاسم فيما يتعلق خاصة بالتساؤل عما إذا كان من المفيد رسم خريطة طريق ليبية‬ ‫يمكن للدبلوماسية الليبية أن تتحرك وفقا لها أم الكتفاء بما تحقق وعدم الستمرار فيما‬ ‫يمكن ان يقود إلى الضطرار إلى التحرك وفقا لخريطة طريق أمريكية أو غربية ‪.‬‬ ‫إن ذلك إشارة إلى المفصلية التي يمكن أن تكون للخطوات القادمة خاصة وأن النفط‬ ‫يبدو مستمرا في احتلل الموقع الحاسم في السياسة الليبية عموما ‪ .‬ذلك أمر يستحق كل‬ ‫الهتمام خاصأ ًة وأن الوضاع المتصلة بالطاقة العالمية تجعل الوليات المتحدة تواجه‬ ‫جملة من التحديات سواء كان ذلك في الخليج العربي أو منطقة القوقاز وآسيا الوسطى ‪.‬‬ ‫ان ذلك يعني أن الوضاع الجيوبوليتيكية في المناطق الرئيسية المنتجة والغنية بالنفط‬ ‫تقود الوليات المتحدة إلى جعل أهداف تأمين الطاقة والحضور المريكي في أولوية‬ ‫التوجه المريكي ‪ .‬إن هذا ول شك له صلة بما وصفه زبينجو بريجنسكى‪ ،‬المستشار‬ ‫السابق للمن القومي المريكي‪ ،‬بأنه الخيار بين الهيمنة والقيادة الكونية في السياسة‬ ‫الخارجية المريكية‪.‬‬

‫) مخيمر‪ ،‬ص ‪(157 -156‬‬

‫أما بالنسبة للتحاد الوروبي فإن موقفه محكوم بالرغبة والحرص على الستفادة من‬ ‫ليبيا‪ ،‬ومن ثم حرصت أوربا على تأمين الصلت الضرورية )نفط وتجارة( مع ليبيا ‪ .‬أي أن‬ ‫عدم وجود أي حالة تعطى )ليبيا( أهمية يلغي أي أهمية لليبيا ‪ .‬الن ليبيا ستجد نفسها في‬ ‫وضع أكثر صعوبة ما لم تقم بما من شأنه أن يدفع أوروبا خطوات أخرى نحوها ‪ .‬ربما‬ ‫هذا ليس على المستوى القتصادي فقط وهو ما حاولت ليبيا القيام به في السنوات‬ ‫الخيرة ولكن على المستوى السياسي أيضا وخاصة القضايا الساسية وعلى صعيد‬


‫العمل الخارجي الليبي ‪ .‬إن من أهم المسائل في هذا الطار أن هناك حاجة إلى تحديد‬ ‫موقف أكثر عملية من محتوى برشلونة‪ ،‬ولبد من تقرير الحرص على عدم تجزئة سلل‬ ‫برشلونة وإمكانية أخذ المبادرة نحو تفعيل المشاركة في سللها المختلفة خاصة المتعلقة‬ ‫بالثقافة والقتصاد‪ .‬ان لذلك صلة بل شك بالتحرك الليبي في الدائرتين العربية )المغاربية(‬ ‫والفريقية‪ ،‬وما لذلك من صلة بالهواجس القتصادية والمنية لوروبا ‪.‬‬ ‫إن لوكربي جعلت الهاجس المني يسيطر بشكل كبير على التحرك الليبي‪ ،‬وبالتأكيد فإن‬ ‫التركيز المبالغ فيه على المن وهواجسه يفقد الدبلوماسية الكثير من تجهيزاتها وعدة‬ ‫شغلها‪ ،‬كما تسبب المبادرات المختلفة في أكثر من اتجاه إرباكا لدبلوماسية مارست دورها‬ ‫في السابق اعتمادا على حركية قامت على إرادة وشرعية ومشروع يضطر الن إلى‬ ‫إعادة التفكير تجاه البيئة التي يتأثر بها ‪ .‬إن ليبيا هنا بحاجة إلى مؤسسات ربما أكثر تقليدية‬ ‫للتعامل مع الخارج المختلف ‪ .‬إن الدبلوماسية الليبية هي في حالة غير مناسبة على كل‬ ‫حال‪ ،‬ويزيد من ضعفها مركزية مسألة المن وضغط الطموحات‪ .‬ان سيطرة هذين‬ ‫العاملين أمر يعوق الدبلوماسية أكثر فأكثر ويدفع إلى الوراء أو إلى الخلف الهداف‬ ‫والمصالح الخرى‪ ،‬وهو ما يزيد في ضعف الدولة وانكشافها أمام الخارج خاصة في حالة‬ ‫عدم إعطاء اعتبار لتوثيق الصلة بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية ‪.‬‬ ‫إنه من الضروري أيضا إدراك حقيقة الوضاع العالمية وبشكل خاص إستراتيجية حلف‬ ‫شمال الطلسي)الناتو( ‪ .‬إن الحلف ينظر الن إلى جنوب المتوسط في إطار استراتيجي‬ ‫ذي علقة بالبعاد الجيوبوليتكية والقتصادية وببعد الدفاع وما بين هذه البعاد من تداخل‬


‫واعتماد متبادل‪.‬‬

‫(‬ ‫)‬ ‫السرحان‪ ،‬ص ‪164 -163‬‬

‫إن هناك حاجة لعادة التفكير استراتيجيا في‬

‫العلقة مع أوروبا والناتو بشكل عام ‪ .‬إن لذلك علقة قوية بما يحمله ذلك التفكير من‬ ‫اشتراطات ذات صلة وثيقة ل بسلة العمليات المحددة في برشلونة فقط بل أيضا‬ ‫بالطموحات والبرامج ذات الصلة بالسياسة الصناعية والدفاعية الوطنية ‪ .‬الناتو ينظر إلى‬ ‫المتوسط على أنه امتداد طبيعي للمن الوروبي وامتداد حتمي لهتمامات الحلف‪ ،‬فيما‬ ‫تقود دول الجنوب في الحلف )إيطاليا‪ ،‬فرنسا‪ ،‬أسبانيا والبرتغال(‪ ،‬مبادرة الحوار مع دول‬ ‫المتوسط غير العضاء في الحلف وذلك بهدف تجاوز أسباب التوتر في مصادرها قدر‬ ‫المكان ‪ .‬إن على ليبيا إدراك أبعاد هذه السياسة الوربية والطلسية ومراقبتها بحذر شديد‬ ‫مع ضرورة وجود الستعداد المستمر للتكيف والستفادة من الشروط اليجابية التي‬ ‫يمكن أن يوفرها أي حوار ‪ .‬إن ذلك يمكن تعزيزه من خلل الستفادة من الهوامش‬ ‫الحركية التي يتيحها حوار ‪ 5+5‬مثل أ ً ‪.‬‬ ‫إن الرئاسة الليبية لتحاد المغرب العربي ل ينبغي النظر إليها على أنها مجرد مناسبة‬ ‫دبلوماسية بل إن هناك فرصا لتحقيق مكاسب وطنية ليس من خلل تفعيل هذا التحاد‬ ‫فقط بل أيضا من خلل توظيفه خدمة لهداف السياسة الخارجية خاصة على صعيد‬ ‫التعامل مع أوربا ‪ .‬ول شك‪ ،‬ومثلما أشرنا فإن لتوسيع حلف الناتو صلة وثيقة بالخيارات‬ ‫القليمية ‪ .‬إن هذه المسائل الستراتيجية الطابع ينبغي أن يتم تناولها والتعامل معها‬ ‫ليس وفقا لسس وطنية فقط‪ ،‬بل إن هناك ضرورة ملحة ليجاد رؤية استراتيجية مغاربية‬ ‫أول أ ً وعربية ثانيا ومتوسطية وافروعربية أيضا يمكنها استيعاب هذه التحولت وما يرافقها‬ ‫من تحديات‪ .‬إن المسائل المرتبطة بتوسيع حلف الطلسي والنتائج الخاصة بتحويله إلى‬


‫منظمة سياسية ذات مشاغل تتجاوز البعاد المنية تفرض أهمية التفكير في الفوائد أو‬ ‫الضرار المرتبطة بذلك‪ .‬ان لهذا علقة بتقدير الصلة بين الرؤية المستقبلية وبين أنماط‬ ‫وطبيعة التفاعلت والتقاطعات أو التناغم والتجانس بين أوربا والوليات المتحدة داخل‬ ‫حلف الناتو‪.‬‬

‫) السرحان‪ ،‬ص ‪(164 -163‬‬

‫إن هذا بالتأكيد يرتبط بما يمكن استخلصه من التوجهات والسياسات الوروبية‬ ‫والمريكية نحو المنطقة ‪ .‬إن الشمال الفريقي والمغرب العربي هو الجوار البحري‬ ‫لوروبا ومنطقة ذات أهمية اقتصادية وأمنية ل مجال لتجاهلها ‪ .‬لذلك من المهم تعظيم‬ ‫المكاسب من خلل هذا التحاد خاصة في إطار الشراكة الوروبية الفريقية وإعلن‬ ‫القاهرة الصادر عن القمة الفريقية‪/‬الوروبية في عام ‪ .200‬إن هناك فرصا مواتية‬ ‫للستفادة من ذلك في مشاركة ذات جدوى مع النشاط الوروبي في أفريقيا‪ .‬إن لهذا‬ ‫فوائده القتصادية الواضحة علوة على ما يحققه من تجنب الصطدام مع سياسات‬ ‫الوليات المتحدة ومصالحها الستراتيجية‪.‬‬

‫) التقرير الستراتيجي الفريقي‪ ،‬ص ‪(317 -312‬‬

‫هذا‬

‫النوع من التحديات يعزز من الدعوة المتواصلة والصلية إلى الندماج في المحيط‬ ‫القليمي العربي والمغاربي ‪ .‬إن لذلك أيضا صلة بإعادة النظر في الدور والمكانة التي‬ ‫يمكن أن تحتلها التوجهات الفريقية في السياسة الليبية ‪ .‬ول شك في أن ذلك حيوي بكل‬ ‫م أمنى ومستقبلي في المقام‬ ‫ما يعنيه من إشكالت وتحديات وما يقدمه من خيارات كه ّ‬ ‫الول ‪.‬‬

‫ب‪ :‬العـرب وأفريقـيا ‪:‬‬


‫لعله من الهام التذكير والتأكيد بأن التفكير الستراتيجي الليبي نحو محيطه وخاصة‬ ‫العربي ل ينبغي أن يتجاهل أن التغاضي عن الروابط القومية أو الجغرافية لمصلحة أية‬ ‫مشروعات أخرى ستقود مع غيرها من العمليات وخاصة الفشل القليمي في بناء نموذج‬ ‫للتكيف مع المتغيرات العالمية‪ ،‬إلى المعان في إدماج النظام القليمي العربي في النظام‬ ‫العالمي بما يعنيه ذلك من تفكيك للمكون العربي واعادة هيكلة النظام وهو ما سيؤدي‬ ‫في النهاية ل إلى مجرد تهاوي القومية والفكرة والمصلحة العربية فقط بل سيقود أيضا‬ ‫إلى الحتماء بالقطرية‪ ،‬ومنح إسرائيل الفرصة للتفوق وفي ذلك زيادة لدرجة التغلغل‬ ‫الخارجي في الوطن العربي‪.‬‬

‫) العمار‪ ،‬مواضع متفرقة(‬

‫إن جامعة الدول العربية ‪ -‬وبرغم‬

‫كل ما يمكن أن توصف به من أوصاف وما مرت به من أزمات ‪ -‬تمثل رمزا لوجود عربي‬ ‫متجانس‪ .‬العنصر الساسي في هذا الوجود هو ذلك القدر من التفاعل الموحد مع‬ ‫القضايا على المستوى الشعبي مقابل الختلف والتناقض الرسمي ‪ .‬إن ذلك يجعل‬ ‫الجامعة معبرة عن مستوى من الضمير العربي‪ .‬ل شك في أن هذا عامل حاسم ول‬ ‫ينبغي إغفال آثاره وصلته بالتمسك بالجامعة وغيرها من مؤسسات العمل العربي يضاف‬ ‫إلى أهمية وحيوية المشاركة الليبية في أعمالها‪ .‬ذلك أيضا حاسم في ظل وضع عربي‬ ‫هو أحوج ما يكون إلى عقل عربي ناقد ل يمكن بدونه الوعي بالتحديات والنطلق نحو‬ ‫الفعل‪.‬‬ ‫إن التردد عندما يتعلق بالخيارات المتصلة بالمحيط القليمي يمكن أن يؤدي إلى فقدان‬ ‫كل الفرص التي يمكن أن يتم اقتناصها من خلل التوجه القليمي غير القومي أو من‬ ‫خلل السعي للتجديد القومي‪ .‬يضاف إلى ذلك ما للتردد من تأثيرات سلبية قد تساهم في‬


‫زعزعة البناء الثقافي والنفسي للشخصية الوطنية الليبية "العربية"‪ ،‬ومن ثم قدرتها على‬ ‫التمسك بالهوية وإدراك التحدي وتوليد الفعل الثقافي أو الوطني ‪ .‬إن الدعوة التي تتبناها‬ ‫ليبيا بإقامة فضاء عربي أفريقي ‪ -‬ول شك‪ -‬دعوة تتأسس على فهم لمنطق العولمة‬ ‫وتقدير رفيع للمخزون المشترك تاريخيا وثقافيا وسياسيا بين العرب والفارقة وهو ما ل‬ ‫يحتاج إلى تأكيد ‪ .‬غير أن الذي تجدر الشارة إليه هو أن الفضاءات أو التكتلت‪،‬‬ ‫والتجمعات ذات صلة أيضا بالبيئة القتصادية العالمية وبتنمية القدرة التفاوضية الوطنية‬ ‫في وقت تبرز فيه الحاجة إلى إعادة صياغة دور الدولة الوطنية ‪.‬‬ ‫وبذلك فإن السياسة المتفهمة لمناخ العولمة ل بد أن تعمل في كل التجاهات الممكنة‬ ‫وأن توظف وأن تستفيد من كل التكتلت القليمية أو الكبرى القائمة أو الممكنة تعظيما‬ ‫للفوائد وتعزيزا للقدرة التفاوضية وبما يضمن استخدام كل العناصر ذات الصلة بالموقع‬ ‫والثقافة‪ .‬ورغم كل التراكمات المحبطة في التجربة العربية والفريقية فإن الحكمة‬ ‫القتصادية تقضي بضرورة العمل في اتجاه الدعم المستمر للعمل العربي والعمل‬ ‫العربي الفريقي‪.‬‬

‫) البصام‪ ،‬ص ‪(29 -26‬‬

‫إن هناك حاجة الن إلى تقدير أو إلى إعادة تقدير‬

‫الوزان النسبية المتصلة بالتوجهات القليمية للسياسة الخارجية ‪ .‬إن ذلك ينبغي أن يتم‬ ‫تقديره ل على مجرد الخلص أو اليمان بالمشاريع التاريخية أو بالرغبة في تحقيق‬ ‫المنجزات المعنوية بل بالستناد إلى إعادة تقدير للوزان النسبية في صلتها بالمصالح‬ ‫المختلفة المستويات ‪ .‬إن لهذا أهميته الخاصة في التفكير الستراتيجي بشأن البعدين‬ ‫العربي والفريقي في السياسة الخارجية‪ .‬لقد اتخذ هذان البعدان مكانتهما في السابق‬


‫لعتبارات خالطتها مسائل ذات صلة بالرؤى أو التصورات‪ ،‬وهيمنت عليها تقديرات غير‬ ‫وثيقة الصلة دائما أو فقط بالمصلحة الوطنية ‪.‬‬ ‫إن من شأن ذلك الدعوة إلى إعادة النظر في هذه البعاد وفقا لرؤية تستوعب‬ ‫التحولت العالمية والقليمية مثلما تستند إلى تقدير مدرك لها عندما يجري تحديد المصالح‬ ‫الوطنية على صعيدي الستراتيجية والتكتيك معا ‪ .‬من هنا يمكن القول مثل بأن السياسة‬ ‫الخارجية في حاجة إلى إعادة تقدير دور التحاد المغاربي مثلما هي بحاجة إلى إعادة‬ ‫النظر في البعد المؤسسي الفريقي وخاصة تقدير أهمية ودور تجمع الساحل والصحراء‬ ‫‪ .‬إنه من الواضح أن هذا التجمع وعلوة على كونه يمثل تعارضا مؤسسيا بالنسبة‬ ‫للدبلوماسية الليبية وربما عبئا ثقيل على الخزانة العامة قد أدى دوره ووظيفته التاريخية ‪.‬‬ ‫إن هذا واضح تماما بالنظر إلى ما قام به هذا التجمع كعربة للتحاد الفريقي أو قبل ذلك‬ ‫في التخفيف من وطأة العزلة التي فرضت على ليبيا ‪.‬‬

‫‪ ‬خـلصـة ‪:‬‬


‫من المؤكد أن التحديات والشتراطات التي تفرضها البيئة العالمية وما يحدث بها من‬ ‫تغيرات هي من الهمية والضخامة بحيث إنها تطال كل المسائل تقريبا ‪ .‬لقد كانت هذه‬ ‫محاولة لبراز بعض هذه التحديات ولتقديم تصورات ورؤى استطلعية في اتجاه‬ ‫استيعابها والتفاعل معها ‪ .‬غير أنه من الضروري التأكيد على أن ما قدم هنا هو فقط في‬ ‫مجال استطلع البيئة واكتشاف التحديات وطرح الشكاليات وهذا ل يشمل منطقيا كل ما‬ ‫يحدث وكل التحديات المتصورة ‪.‬‬ ‫إن من المناسب الشارة إلى أن الرغبة في صياغة وصيانة نموذج مجتمعي بكل‬ ‫أبعاده لبد أن تكون منطلقة ل من دائرة القيم والرؤى فقط‪ ،‬بل لبد أن تستجيب للواقع‬ ‫في صيرورته وان تعيش معه في جدل مستمر‪.‬‬

‫) نديم البيطار(‬

‫كذلك لبد من التأكيد على‬

‫أن التجربة والمرحلة ذات آثار مباشرة وآثار أخرى أبعد مدى وأكثر شمول أ ً تطال التصورات‬ ‫والختيارات المجتمعية ‪ .‬إن التحدي ليس مجرد تحٍّد سياسي مباشر يمكن حصره في‬ ‫نطاق الفعل ورد الفعل بل هو أيضا ذو طبيعة ثقافية أو فكرية ‪ .‬بالتأكيد إن سقوط‬ ‫التحاد السوفيتي وتحديات السوق والعولمة وانهيار نماذج التنمية ألحقت الضرر بفكرة‬ ‫المجتمع البديل ‪ .‬هذا واضح على مستوى أن الرأسمالية استفادت بشكل ل يقارن مع‬ ‫منافسيها من تجربتهم ومن النقد وعليه فهي رغم أزماتها طورت آليات متطورة وغاية في‬ ‫العملية لمعالجة التحديات كليا وجزئيا ‪ .‬الليبرالية عموما وفكرة الحكومة حققت هي‬ ‫الخرى استجابات مماثلة تجعل الكثير من النقص أو النقد في حاجة إلى المراجعة‪.‬‬ ‫) الصواني‪ ،‬مواضع مختلفة(‬


‫إن تأثيرات العولمة الكلية غير مؤكدة بحكم أنها مليئة بالتناقضات التي تتسم بها أي‬ ‫عملية تاريخية من هذا النوع‪ ،‬أي أن هناك ديناميكية مفتوحة للحتمالت‪ .‬وهكذا فرغم‬ ‫الضبابية التي تلف أي تصور عن مستقبل النظام العالمي فإنه من الواضح أن المستقبل‬ ‫يرتبط إلى حد كبير بعمليات إعادة التشكل الجتماعية والسياسية على المستويات الوطنية‬ ‫والقليمية ‪ .‬إن السؤال الجوهري هنا ‪ -‬مثلما يقرر سمير أمين ‪ -‬يتصل بما ستفضي إليه‬ ‫كل تلك من فتح آفاق وطنية أو الوقوع في أسر فوضى الردود الفورية‬ ‫عملية إعادة التش ّ‬ ‫والمجزأة في مواجهة ما يحاول ويسعى القوياء جاهدين لفرضه‪.‬‬

‫) أمين‪ ،‬ص ‪(36‬‬

‫‪ ‬الهوامش ‪:‬‬ ‫________________________________________________‬ ‫________‬ ‫‪.1‬‬

‫حسين معلوم‪ "،‬الدولة في عالم متغير"‪ ,‬الديمقراطية‪ ،‬العدد الرابع‪ ،‬خريف ‪،2001‬‬ ‫ص ‪.298 -297‬‬

‫‪.2‬‬

‫انظر في ذلك‪ ،‬انطوني جدنز‪ ،‬الطريق الثالث ‪ :‬تجديد الديمقراطية الجتماعية‪ ،‬ترجمة‬ ‫مالك ابوشهيوة ومحمود خلف؛ طرابلس؛ دار الرواد ‪ ،1999،‬ص ‪ ،66-58‬ص ‪-113‬‬ ‫‪. 130‬‬

‫‪.3‬‬

‫انظر في هذا الصدد محمد عبد الشفيع عيسى‪ ،‬أبحاث في النظام العالمي‪ ،‬القاهرة؛‬ ‫مركز المحروسة للبحوث والتدريب والنشر‪. 2002 ،‬‬ ‫‪4. J. Orstow Moller, National Interest, Winter, 2003/04 .‬‬


‫‪.5‬‬

‫برنامج المم المتحدة النمائي‪ ،‬تقرير التنمية النسانية العربية للعام ‪، 2002‬عمان؛‬ ‫برنامج المم المتحدة النمائي ‪ ،2002،‬ص ‪. 56-48‬‬

‫‪.6‬‬

‫يوسف الصواني‪" ،‬المعرفة ومشروع النهاض العربي"‪ ،‬قضايا استراتيجية ‪ ،‬العدد)‪(9‬‬ ‫مارس ‪ ،2002‬ص ‪. 132-130‬‬

‫‪.7‬‬

‫حسن حمدان العلكيم ‪ "،‬الواقع التعليمي والثقافي والعلمي"‪ ،‬ورقة مقدمة الى‬ ‫مؤتمر العرب والقرن الجديد‪ ،‬عمان ؛ المعهد الدبلوماسي الردني‪،8/11/2001-7 ،‬‬ ‫ص ‪). 6-3‬غير منشور(‬

‫‪.8‬‬

‫برنامج المم المتحدة النمائي‪ ،‬تقرير التنمية النسانية العربية للعام ‪ ،2002‬ص ‪.34‬‬

‫‪.9‬‬

‫منذر واصف المصري‪" ،‬الواقع التعليمي والثقافي والعلمي"‪ ،‬قضايا استراتيجية‪،‬‬ ‫العدد)‪ (9‬مارس ‪، 2002‬ص ‪. 35-29‬‬

‫‪.10‬‬

‫برنامج المم المتحدة النمـائي‪ ،‬تقرير التنمية النسانية العربية للعام ‪ ،2003‬عمان ؛‬ ‫‪ ،2003‬ص ‪186‬‬

‫‪.11‬‬

‫تقرير التنمية النسانية العربية للعام ‪ ،2003‬ص ‪.167 – 166‬‬

‫‪.12‬‬

‫ليلى مصطفي البرادعى‪ " ،‬تقليص الحجم كمدخل من مداخل الصلح الداري في‬ ‫الدارة العامة‪ :‬الدروس المستفادة من تجارب عدة دول"‪ ،‬النهضة‪ ،‬العدد الثامن‪،‬‬ ‫يوليو ‪ ،2001‬ص ‪.114-113‬‬

‫‪.13‬‬

‫مكتب العمل الدولي‪ ،‬الخلص من الفقر‪ ،‬جنيف؛ مكتب العمل الدولي‪ ،2003 ،‬ص‬ ‫‪.75 – 73‬‬

‫‪.14‬‬

‫الهيئة الوطنية للمعلومات‪ ،‬أطلس التنمية في الشعبيات‪ ،‬طرابلس؛ ‪. 2001‬‬

‫‪.15‬‬

‫برنامج المم المتحدة النمائي‪ ،‬تقرير التنمية البشرية للعام ‪2003‬؛ نيويورك‪. 2003 ،‬‬ ‫‪16. UNDP , Respording to Citizens ’ Need, New York; 2001, pp 19-24‬‬

‫‪.17‬‬

‫تامر كامل محمد‪ " ،‬عالم ما بعد الحرب الباردة ومستقبل النظام العربي "‪ ،‬ندوة‬ ‫"النظام السياسي العربي في مواجهة التحديات الجديدة " بيروت؛ مركز دراسات‬ ‫الوحدة العربية والجمعية العربية للعلوم السياسية‪ ،2000 ،‬ص ‪). 8 - 6‬غير منشور (‬


‫‪.18‬‬

‫محمد سعيد أبو عامود‪ " ،‬الديمقراطية والمن القومي في الواقع المعاصر "‪،‬‬ ‫الديمقراطية‪ ،‬العدد الخامس‪ ،‬شتاء ‪ ،2002‬ص ‪. 19-17‬‬

‫‪.19‬‬

‫الهيئة الوطنية للمعلومات‪ ،‬التقرير الوطني للتنمية البشرية لعام ‪ ،2002‬طرابلس ؛‬ ‫‪. 2002‬‬

‫‪.20‬‬

‫محمد كانون – أمين لجنة إدارة التحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة –‬ ‫"متطلبات الخصخصة في ليبيا "‪ ،‬ورقة في الندوة حول " دور المستثمر المحلي في‬ ‫توسيع قاعدة الملكية ؛ طرابلس‪. 25/5/2004 ،‬‬

‫‪.21‬‬

‫أحمد منيسي ‪ -‬محافظ مصرف ليبيا المركزي ‪ ،-‬مداخلة في الندوة حول " دور‬ ‫المستثمر المحلي في توسيع قاعدة الملكية " ‪.‬‬

‫‪.22‬‬

‫انظر في هذا أيضا‪ ،‬سيف السلم القذافي‪ ،‬ليبيا في القرن الحادي والعشرين‪،‬‬ ‫طرابلس؛ واحد تسعة للنشر‪. 2000 ،‬‬

‫‪.23‬‬

‫هذا يصدق على مشاركة مؤسسات وقطاعات مثل اتحاد المنتجين وحركة اللجان في‬ ‫هذا الحوار على نفس الخطوط التي ميزت السياسات التي تتبناها اللجنة الشعبية‬ ‫العامة ‪.‬‬

‫‪.24‬‬

‫مجلة ‪ ، National Interest‬شتاء ‪2004 / 2003‬‬

‫‪.25‬‬

‫أسامة فاروق مخيمر‪" ،‬حلف الناتو يتجه صوب الجنوب " النهضة‪ ،‬العدد الثامن‪ ،‬يوليو‬ ‫‪) ،2001‬ص ‪( 157 – 156‬‬

‫‪.26‬‬

‫صايل فلح السرحان ‪ "،‬اثر توسيع حلف الطلسي على المن القومي العربي "‪،‬‬ ‫قضايا استراتيجية‪ ،‬العدد التاسع‪ ،‬مارس ‪ )، 2002‬ص ‪. ( 164 – 163‬‬

‫‪.27‬‬

‫معهد الدراسات الفريقية‪ ،‬التقرير الستراتيجي الفريقي‪ ،‬القاهرة؛ معهد الدراسات‬ ‫الفريقية‪ ،‬ص ‪. 317 – 312‬‬

‫‪.28‬‬

‫منعم صاحي العمار " النظام القليمي العربي والمحاولت المطروحة لتهميشه "‬ ‫العولمة نموذج " ندوة "النظام السياسي العربي في مواجهة التحديات الجديدة"‪،‬‬


‫مركز دراسات الوحدة العربية‪ ،‬الجمعية العربية للعلوم السياسية – بيروت ؛ أبريل‬ ‫‪). 2000‬غير منشور(‬ ‫‪.29‬‬

‫دارم البصام ‪ " ,‬العولمة القتصادية ومستقبل التنمية في البلدان العربية" ‪ ,‬الموسم‬ ‫الثقافي الول حول التنمية البشرية في الجماهيرية‪ ،‬طرابلس ؛ ‪ ،2000‬الهيئة الوطنية‬ ‫للمعلومات وبرنامج المم المتحدة النمائي‪ ،‬ص ‪)29-26‬غير منشور(‬

‫‪.30‬‬

‫انظر في هذا الشأن‪ ،‬نديم البيطار‪ ،‬التجربة الثورية بين المثال والواقع ‪ ،‬الرباط؛‬ ‫المجلس القومي للثقافة العربية‪. 1989 ،‬‬

‫‪.31‬‬

‫يوسف الصواني‪ " ،‬العولمة بعد ‪ 11‬سبتمبر ‪ :‬ليبيا التحديات والخيارات "‪ ،‬المؤتمر‪،‬‬ ‫العدد العاشر‪ ،‬نوفمبر ‪. 2002‬‬

‫‪.32‬‬

‫سمير أمين في تقديمه كتاب‪ ،‬ميشال كابرون‪ ،‬أوربا في مواجهة الجنوب ‪ :‬العلقات‬ ‫مع العالمين العربي والفريقي‪ ،‬ترجمة أديب نعمة‪ ،‬بيروت ؛ دار الفارابي‪، 1992 ،‬‬ ‫) ص ‪. ( 36‬‬


Turn static files into dynamic content formats.

Create a flipbook
ليبيا و العولمة التحديات والخيارات by Youssef Sawani يوسف محمد الصواني - Issuu