د .يوسف محمد الصواني العولمة ،ال ننسانية ،الرأسمالية والديمقراطية: إشكال ت وخيا ار ت ________________________________________________________________________
____________________________
تمهـيد تتناول هذه الدراسة مسألة العولمة من النواحي المفهومية والسياسية وذلك في إطار تحديــد الكشــكال ت المرتبطــة بهــا علــى المســتويا ت السياســية والتقتصــادية والتجتماعيــة والثقافية ،محليا وعالميا .وتعتمد الدراســة علــى التحليــل النقــدي للقضــايا الــتي تثــار فــي الدبيا ت المتعلقة بالعولمة والجــدل الــدائر حولهــا فــي الوســاط العلميــة والسياســية .ان هدف هذه الدراسـة هــو تبيـان ان الجـدل الـدائر حــول العولمـة واعــادة تشـكل النظــام الكوني او العالمي له ما يبرره وان كانت مسألة تقييم الاثار الهائلة على عولمة التقتصــاد والتصال ت ما زالت مستمرة على مختلف المستويا ت. ان العولمة تثير اكشكال ت هامة خاصة فيمــا يتعلــق بالعلتقــة بيــن التقتصــاد والسياســة والعلتقة بين الثقافا ت والحضارا ت كما أنها تطرح أسئلة كــبرى لهــا علتقــة واثيقــة بــالتنظيم السياسي والعلتقا ت التجتماعية والدولية أيضا .ان ذلــك يعنــي ببســاطة فتــح بــاب الجــدل مجددا حول تقضايا التنظيم التجتماعي والقيم النسانية السامية عموما .ان من كشان ذلــك بكــل تأكيــد إعــادة العتبــار ليــس للنظريــة السياســية وفلســفة السياســة فحســب بــل ولليديولوتجيا أيضا .ان ذلك ما يظهره بكل وضوح الرتباط الواضح في الجدل الــدائر الن بين العولمة وتحدياتها والمشاريع اليديولوتجية المسماة بالطريق الثالث.
العولمة والرأسمالية :المفاهيم والكشكال ت : •
العولمة والعالمية تبرز العولمة ،عملياتها ،الخيارا ت السياسية والتقتصادية والتجتماعية والثقافية المرتبطــة بها والمعبرة عنها بالضافة إلى التحــديا ت والكشــكال ت الــتي تنتــج عنهــا علــى المســتويا ت العالمية والتقليمية والوطنية والمحلية وحــتى الفرديــة ،تــبرز كأحــد أهــم القضــايا المــثيرة للجدل في العلوم التجتماعية والسياسية المعاصرة .ولعله من المهم تقبــل التطــرق إلــى هذه الكشكاليا ت ان نبين المقصود بالعولمة ومضامينها . يمكن القول وببساطة ان العولمة عبارة عــن ارتفــاع وتزايــد غيــر مســبوق فــي حجــم وكشكل والية ومضمون ومســتوى العلتقــا ت والتبــادل ت العالميــة .إنهــا عبــارة عــن ازديــاد ملحوظ في حجم ومستوى ونــوع العلتقــا ت المتبادلــة عالميــا بيــن التقتصــادا ت المختلفــة والثقافا ت المختلفة المكونة للعالم المعاصر .ولكن هــل العولمــة تعنــى العالميــة أم أننــا أمام مفهومين مختلفين ؟ ان من الهام التمييز بين العولمة والعالمية خاصة وان العولمــة ل يمكن حصرها في المجال التقتصادي لنها أكثر كشمول وتركزا وعمقا . ان العالمية هي ،مثلما يعبر الكاتب البرتغالي ميغول تورغا " ،المحلي بــدون أســوار أو حدود " أي ان النتماء إلى مكان محدد ) وطن أو مقام ( هو ضرورة وأساس لية عالمية .إذن العالمية رغبة في التخلص من الثقافة الولية بينما العولمـة تصــوير واتقعــي للعــالم الذي نعيشه والذي يتغير بشكل هائل محداثا تغييرا أخطر ،أنه التغيير الذي يطــال الطريقــة التي بها ندرك العالم ذاته .وبذلك فإن أحد أهم تحديا ت العولمة ليست الســعي للتخلــص مما نحن فيه سعيا للعالمية بــل التــدبر فيمــا يمكــن ان نصــبح عليــه علــى مســتوى الكــرة
الرضية (Zaki, pp.1- 6)).ويؤكد محمد الجابري على التفريق بين العولمة والعالمية لما لذلك من أهميــة فــي التعــرف علــى المســاوئ الــتي يــرى أنهــا تمثــل العولمــة .العالميــة بالمنسبة للجابري هي الرتفاع بالخصوصيا ت المحلية او القومية إلى مستوى اكــثر ســموا. أنها "طموح إلــى الرتفـاع بالخصوصــية إلـى مسـتوى عــالمي".العولمـة " احتــواء للعـالم والعالمية تفتح على ما هو عالمي وكوني)".الجابري ،1998،ص (301 ويرى أحد الباحثين ان هناك على التقل اثلاثة أسباب للتنــاتقض بيــن العولمــة والعالميــة وفي مقدمتها ان العولمة توحي للمجتمعا ت بإعادة صنع اختلفاتهــا .ان ذلــك لــه علتقــة بما يسميه ريني تجيرارد
" ،Rene Girardالخوف من التوأمة أو التشابه" أي الخوف من
ان يصبح الواحد ،الخر .ان ذلك يرتبط بحقيقة ان الحاتجة لتأسيس الجذور أو الصــول تنمو وتتطور استجابة لحالة السيولة المتزايدة .ان كثيرا من الكشياء الــتي عهــد انهــا اثابتــة أصبحت سائلة .ومفهوم السيولة هنا مركزي بالنسبة للعولمــة .ان العولمــة تقائمــة علــى مفهوم السيولة أي ان كل كشئ يصبح تجزءا من عملية كشاملة وهذا ما يحدث تقلقا متزيــدا . ان العولمة تخلق حاتجة طبيعية للفرد لحماية وااثبا ت ذاته والعتراف بها من تقبل الخرين . ذلك ان العولمة تجعل الناس يشعرون بالتيه وإنهم ل يملكون في المواتجهــة إل تقــدراتهم الذاتية في عالم بدون حدود .هذا إلى تجانب الشعور بأن الفرد تحيــط بــه تقــوى مجهولــة تجعله يبحث عن المان والعترافZaki, pp.1-6 )). واثاني هذه العوامل هو التصاعد الواضح للنسبية الثقافيــة والخلتقيــة فــي العــالم كلــه وفي الغرب خاصــة .ان العولمــة تحــدث فــي وتقــت تشــعر فيــه الجماعــا ت بأنهــا ل تحــدد بمقاييس لهوتية أو دينيه وهكذا فليس للمجتمعا ت رؤى نهائية حول نفسها .ان لهــا رؤى
أخلتقية حيث السعي ليس لتحقيق المكاسب بل نحو مــا هــو عــادل مــن خلل التوافــق . والمسائلة الثالثة هي ان منطق السوق يتحكم في تقدر عظيم من الكشياء .وإضافة إلــى تحكم السوق في التفاعل ت فإن تصورنا عن السوق ذاته يسـاهم هــو الخــر فــي التــأاثير فينا مجددا ،ومن اثم فكرة كون كل ما يوتجد وما يؤدى دورا في العالم هو بالتعريف منتــج اكثر منه تقيمة .من هذه الزاوية فــإن كـل كشــئ مرتبـط بالصــراع بيــن العــرض والطلـب . العالمية هنا ل تختفي وإن كانت تصبح تقيمة كغيرها . •
العولمة ليست حداثا طارئا ونقطة النطلق التي ينبغي التيقن منها هي ان العولمة ليست حــداثا طارئــا ول لحظــة عابرة في التاريخ النساني بل هي عبارة عن ازدياد ملحوظ فــي حجــم ومســتوى ونــوع العلتقا ت المتبادلة بين الدول أو المم أو التقتصادا ت أو الثقافا ت المختلفة المكونة للعــالم وهو على مشارف القرن الحادي والعشرين .العولمة بهذا المعنــى ظــاهرة بــدأ ت حســب رأي بعض الدارســين منــذ خمســة تقــرون وعلــى الخــص منــذ الكشــوف الجغرافيــة وان ارتبطت بالتطورا ت الهائلة على مستوى التصال والتجارة وحركة المال والمعلوما ت)امين، ص (24-23ومع ذلك فليس من الممكن تقديم تعريف واحد دتقيــق للعولمــة بــالنظر إلــى تعدد هــذه التعريفــا ت فــي ســاحة أدبيــا ت العلــوم التجتماعيــة وهــى المتــأاثرة باســتمرار بتوتجها ت الباحثين الفكرية واليديولوتجية التي تعنى بالضرورة انحيازهم لها عنــدما يتعلــق ل. المر بالتجاه نحو العولمة رفضا أو تقبو ً. غير ان من المتفق عليه أن العولمة وصف لمجموع العمليا ت الــتي تتــم علــى مســتوى كوني أو كوكبي )نسبة إلى الرض( فضاءه العــالم اتجمــع .مــن اثــم فــان للعولمــة بعــدا
مكانيا إضافة إلى تعمق مستويا ت التفاعل والعتماد المتبادل بين أطراف النظام العالمي ).يسين،ص (4إن ذلك يعنى تداخل بين مستويا ت عدة مــن مســتويا ت التحليــل كمـــا عبـــر عـن ذلك تجيمس روزناو).روزنــاو،ص (6فالعولمــة تمــس مســائل واثيقــة الصــلة ومكونــة للتقتصاد والسياسة والثقافــة واليــديولوتجيا وذلــك كلــه فــي إطــار "سـهولة حركــة النــاس والمعلوما ت والسلع بين الدول على النطاق الكوني" وهــذه تشـمل الفكــار والمعلومــا ت إضافة إلى أكشكال من السلوك والتطبيقا ت).يسين،ص(7 وتتم هذه العمليا ت من خلل تقنوا ت وطرق متداخلة ومترابطة تشمل-: -1التفاعل الثنائي باستخدام وسائل التصال المتطورة. -2التصال الحادي التجاه من خلل الطبقة المتوسطة. -3عن طريق المناتقشة والتقليد أو المحاكاة. -4من خلل التمااثل بين المؤسسا ت ).يسين،ص( 7 وإذا كانت هذه هي النماط والتفاعل ت والمستويا ت التي تدور حولهـا العولمـة بشـكل عام فـــذلك مــن كشــأنه ان يؤكــد ان العولمــة أمــر ليــس بالمســتحدث أو الجديــد رغــم إن المفهوم ذاع وانتشر خلل العقود القليلة الماضية فقط كأداة لتحليــل الظــواهر المتعــددة التي تتضمنها .ومع ذلك فان بـروز الاثار الهائلة الناتجمــة عــن الثــورة التقنيــة وخاصــة فــي مجـال المعلومـا ت والتصـال ت وأاثرهـا علــى حركـة رأس المـال إضـافة إلـى التطـورا ت الدراميــة الــتي عقبــت ســقوط حــائط برليــن ،انهيــار التحــاد الســوفياتي وســقوط النظـم الشمولية في أوربا ،تجعل العولمة تبرز بشكل اكثر وضوحا الن).سمير اميــن ،1991،ص (12-5
•
العولمة أم إيديولوتجية العولمة ؟ مع انهيار نظام القطبية الثنائيـة وبـروز فكـرة النظـام العـالمي الجديـد الـذي تـبرز فيـه الوليا ت المتحدة القوة الكثر رتجحانا ،يزداد العالم تقلصـا خاصـة بفعـل التطــور والثـورة الهائلـة في مجال التصال ت والمعلوما ت ،وأتساع دائرة السوق الرأسماليـة .ومع أن ذلك يمكن اعتباره إكشارة إلى ظاهرتين مستقلتين ويمكن التمييز بينهمــا مــن الناحيــة النظريــة، فإن أكثر السئلة إلحاحا وصعوبة هي تلك المتعلقــة بــالتمييز بيــن "الحــد الــذي يبــدأ عنــده النفوذ المريكي والحد الذي تبدأ معه العولمة ) ".ســالم،ص (209إن هنــاك ارتباطــا بيــن العولمة ونتائج الصراع اليديولوتجي بين القطبين والذي انتهــى بــتراتجع لصــالح المعســكر الرأسمالي بقيادة الوليا ت المتحدة التي تسعى لترسيخ فكرة العولمة بإعطائها مضــمونا في كشكل نموذج يسعى للغاء السياســة لفائــدة التقتصــاد وإلغــاء تعــدد النمــاذج لصــالح الليبرالية واعتماد المنافسة في نظام السوق بما يعنيه من كشروط تدويل المــال وتوســيع التجارة العالمية وخدماتها ) .معلوم،ص(3 إن ذلك يثير إكشكالية تتعلق بمــا إذا كــانت العولمــة مجــرد تعــبير عــن النفــوذ المريكــي أو"كشكل من أكشكال المركة العالمية" أو أنهــا فعل تعــبر عــن تطــورا ت ذا ت طــابع كــوني مستقلة بحد ذاتهـا ول تحتـاج إل إلـى انحسـار السـيطرة المريكيـة عنهـا كشـيئا فشـيئا فـي المستقبل .إن الذين يرون بــأن العولمــة ليســت إل توســيعا للنمــوذج المريكــي وســيادته العالمية ،أي أن العولمة ترادف المركة ،يشيرون إلى ما عــبر عنــه فريــدمان بكــل وضــوح عندما تقال " العولمــة هـي المركـة ،والوليــا ت المتحــدة تقــوة مجنونــة … وأولئـك الــذين
يخشوننا على حق .ان صندوق النقد تقطة أليفة بالمقارنة مع العولمة .في الماضي كــان الكبير يأكل الصغير ،أما الن فالسريع يأكل البطيء)".بلخوتجة،ص (92 ان هناك ضرورة للتمييز بين العولمة كمجموعة من العمليا ت التقتصادية -التجتماعية - الثقافية الجارية فعل وبين أيديولوتجية العولمـة الــتي تقــدم نفســها كبــديل لكــل كشــئ .أن العولمة بمعناها الول ليست كشيئا تجديدا ول طارئا تاريخيا بل هي عمليــة تدريجيــة تجاريــة منذ زمن لكنها تسارعت واتخذ ت أكشكال تجديدة آخرها هو الناتج عن اكتمال بنــاء الســوق الرأسمالي العالمي).بشارة،ص (282إن سير الرأسمالية لتصبح نظامــا عالميــا بــدأ ت منــذ توتقيع اتفاتقية بريتــون وودز ( ( BRETTON WOODSعــام 1947وإنشــاء المؤسســا ت المالية الدولية ،المصرف الدولي ((WBوصندوق النقــد الــدولي ) (IMFواتفاتقيــة التجــارة والتعريفة الجمركية ( (GATTوغيرها مما تسيطر عليه الوليــا ت المتحــدة .ان العولمــة بهـذا المعنى نشــأ ت وانتشـر ت دون أن يسـبقها تصـور متكامـل أو حركـة فكريـة عميقـة البعاد بل هي نتاج للرأسمالية المعاصرة والتي عبر ت الشركا ت المتعدية الجنسية وسوق المال عنها أحسن تعبير. وتتــولى المؤسســا ت التقتصــادية الدوليــة مثــل المصــرف الــدولي للنشــاء والتعميــر وصندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون والتنمية التقتصادية ) ) )) OECDنادى الغنياء(( إدارة عمليا ت العولمة وتقديم التحليل ت والحصاءا ت التي تعزز الخطــاب اليــديولوتجي أو المنهجــي للعولمــة .إن هــذه المؤسســا ت الــتي تمثــل إدارة العولمــة تقــود حملــة تقنيــة ومعلوماتية لسناد خطــاب العولمــة بالدراســا ت والحصــاءا ت ذا ت الطــابع العلمــي الــتي تتناول مثل السبل الكفيلة بحل الكشــكال ت الـتي تواتجههـا التقتصـادا ت المختلفـة أو تقــديم
الوصفا ت الجاهزة للمختنقا ت ذا ت الطبيعة التقتصادية مثل الركود والتضخم وغيرهـا .إن ذلك الذي تقدمه هذه المؤسسا ت على إنه السبل المناسبة للدول الناميــة لتحقيــق التنميــة التقتصادية اثم التنمية الشاملة مثل برامج الصلحا ت الهيكلية والتنازل عــن القطــاع العــام لصالح القطاع الخــاص وتراتجــع الدولــة أو اســتقالتها التجتماعيــة خاصــة بتقليــل أو إلغــاء النفاق الحكومي على الميادين التجتماعية ،كل ذلــك ليــس إل مــن تجــانب إســناد خطــاب العولمة . إن طغيان تقوانين التبادل العالمي التي تفرضها المراكــز الصــناعية الكــبرى وحاتجاتهــا المتطورة وتميز الوليا ت المتحدة في هذا السياق هو الذي يجعــل عمليــة العولمــة كأنهــا ء للدولة الوطنية بل إكشارة إلى إنها لــن تعــد عملية أمركة .إن ذلك ،كما سنرى ،ليس إلغا ً. ممارسة للوظيفة التي كانت لهــا كوحــدة اتقتصــادية مهيمنــة ..إن القــوة الن بيــد التكتل ت التقليمية والشركا ت الكبرى التي تمارس فعلها في ما يمكــن وصــفه بــأنه اتقتصــاد النقــود والرصدة والستثمارا ت العالمية .إن طغيان تقوانين التبادل العالمي التي تفرضها المراكز الصناعية الكبرى وحاتجاتها المتطورة وتميز الوليا ت المتحدة في هــذا الســياق هــو الــذي يجعــل عمليــة العولمــة كأنهــا عمليــة أمركــة .ان ذلــك ل يعنــى بــراءة الوليــا ت المتحــدة ومنظريها من نية تحويل العالم إلى تقرية أمريكية حيث تتم الدعوة والتسويق ليديولوتجيــة العولمة التي تحاول إظهار النموذج الرأسمالي الليبرالي وكأنه المنقذ الحديث من الضلل. ويستند خطاب العولمة إلى أنها ليست مجــرد اختيــار تقابــل للتبنــي أو الرفــض بــل هــي "حتمية لمناص منها في تـوتجه النظــام العــالمي الجديــد ،ولخيــار للعــالم النـامي غيرهـا الخيار بقائه محبوسا في تخلفه ") .بوطالب،ص ( 128وتقوم دعوى العولمة على أنهــا "
أتقـرب الطـرق وأتجداها لتحقيق الحدااثة السياسية والتجتماعية والفكرية للعالم المتخلــف، وهـى أنجح الوسائل لطيه بسرعة مراحـل التنمية الشاملـة ،لنها وحدهـا الكفيلــة بتــأهيله اتقتصاديا ،وبالتالـي فكريـا واتجتماعيا) ".بوطالب( ويمكننا في هــذا الســياق فهــم العلن عن النتصار الساحق للرأسمالية العالمية..ولقد كان أوضــح إعلن إيــديولوتجي عــن هــذا النتصار ما عبر عنه فرانسيس فوكوياما في أطروحته عن نهاية التاريخ والمتعلقـة بحسـم الرأسمالية لصالحها الصراع أو الجــدل التــاريخي حـول النظـام التقتصـادي الكــثر مناســبة للبشرية. لقد كشهد ت الثلاثين عاما الماضية تحول ت تجديــدة فــي التقتصــاد العــالمي ســواء علــى مستوى التجارة أو مستوى حركة رأس المال وبزيادة لم يسبق لها مثيل .لكن أهم تغييــر على المستوى التقتصادي ليس تجارة السلع بل ما يسمى أحيانــا بالتقتصــاد " الغيــر تقابــل للوزن " ذي الطبيعة الكونية .ان ذلك إكشارة إلــي بــروز تجــارة المعلومــا ت علــى حســاب تجارة السلع وهو ما يتضح تماما في كشكل وحجم التغيــرا ت الــتي طــالت أســواق المــال والعمل ت وبروز السوق اللكتروني العالمي الذي غيــر مــن طبيعــة التجــار فــي العمل ت والسهم وغيرها من السلع الستثمارية .هذا تطور غير مسبوق ومــثير للدهشــة فــي آن واحد .وهو ما يؤكد ان العولمة ليست مجرد التجاه المميــز للرأســمالية الغربيــة كمــا عــبر عن ذلك ماركس واتباعه .إنها ليست امتدادا للرأسمالية الغربية فقط .إنها وبتعبير أنتــوني تجدنز ،نسخة غير ممركزة ،نسخة راديكاليه تماما لم تعد تحت سيطرة الدول الغربيــة ،لن في الواتقع ل أحد يسيطر على أسواق النقد ((Giddens, pp.28-33 .
وإذا كانت السبعينيا ت والثمانينيا ت تقد كشهد ت تراتجع التجارب "الكشــتراكية" و"الشــيوعية" فإن التسعينيا ت بد ت وكأنها كشاهد عصــر النتصــار الرأســمالي إذ بــد ت الرأســمالية وكأنهــا نظام التعامل التقتصادي دون منازع .بل إن أتقطارا عديدة حتى في العالم النامي ومنهــا تلك التي مازالت رسميا تعلن ولءها وتمسكها بإيديولوتجية ذا ت مضامين اكشتراكية أو غيــر رأسمالية تتجه نحو ل مجرد الندماج في النظام التقتصادي العالمي بــل تســير فــي اتجــاه إخضاع اتقتصادياتها لقوانين السوق الرأسمالية والــدخول فــي عمليــا ت الخوصصــة وهــى التوأم المباكشر للعولمة التقتصــادية .وهكــذا لــم يعــد تعميــم الرأســمالية مجــرد وصــفا ت يفرضها صندوق النقد الدولي بل ان نخبا وطنية ذا ت ميول اكشتراكية معلنــة بوضــوح بــدأ ت بتنفيذ سياسا ت الخوصصة وتصفية القطاع العام والسير في عمليــا ت الســتقالة الســريعة للدولة من المجال التجتماعي .
العولمة /السئلة الكبرى والمواتقف المختلفة : لعل واحدة من اكثر المسائل أهمية في ما يتعلــق بالعولمة هـــو أنهــا مرحلــة تجديــدة في سياق بسط الرأسمالية لسيادتها العالمية .غير أن ذلك من كشأنه أن يثير القلق ويطرح تجملة من السئلة الكــبرى الــتي ترتبــط بمصــير البشــرية بكاملهــا .ومــن هـــذه الســئلة أن لظاهــرة العولمة تداعيا ت خطيرة حتى على الصــعيد التقتصــادي وأيضـا علـى المسـتوى السياسي والتجتماع والثقافي لما بين هذه الجوانب من صلة واثيقة ) .بيترمارتن وكشومان، ص (225-220أن اكثر أعداء العولمة يرون أنها تحمل أخطارا متعددة حتى على الصــعيد التقتصادي وذلك لحصــر العمليــا ت التقتصــادية بيــن الشــركا ت العالميــة الكــبرى ..كمــا ان
العولمة تفــرض اتجاهـا ت تقلـص مــن كشــأن الصـناعا ت الوطنيــة وهـى بـذلك تزيـد فقــر الفقراء،تنشر البطالة … الخ. كما يقرر أعداء العولمة بأنها تقلص السيادة الوطنية علــى طريــق إزالتهــا تمامــا ..أنهــا تهدف إلى نشر اثقافة واحدة مهيمنة بحجة التواصل والنفتاح الثقافي والتبــادل الحضــاري في حين أنها في الواتقع تؤدى إلى تغليب اثقافة القــوى ولغتــه وتقيمــه وحضــارته لتكتســح الثقافا ت الخرى وتمسـخ هويـا ت المـم المختلفـة .فالعولمـة تتبنـى وتنشـر" إيديولوتجيــا معينــة مــن عناصــرها الساسيـــة محاربــة الذاكـــرة الوطنيــة والتاريــخ والــوعي بالتفــاو ت الطبقي وبالنتماء الوطني والقومي وبالتالي الــوعي اليــديولوتجي)".الجــابري،1997،ص (143إن العولمة تعتمد أساسا على تنفيذ برنامج إيديولوتجي على حســاب الدولــة والمــة وفى مقابل تجاوز الدولة والمة والوطن تعمل العولمــة علــى التفــتيت والتشــتيت وتــؤدى إلى "استيقاظ أطر للنتماء سابقة على الدولة) ،أعنى( القبيلة والطائفة والجهة والتعصــب المذهبي… والنتيجة تفتيت المجتمع وتشتيت كشمله)".الجابري،1997،ص (149 فإذا كانت هذه هي مجمل النتقادا ت الموتجهة للعولمة خاصة من طرف العالم النامي فإن للدول الغربية أيضا تحفظاتها علـى العولمـة .ولعـل اكـثر الجـوانب المــثيرة لتحفـظ الدول الغربية والمتقدمة هو الجانب التقتصادي المرتبط بإزالة الحواتجز والحــدود والقيــود أمام حركة المال والتجارة .ان مبعث إحساس هذه الدول بالخطر هــو التفــاو ت الواضــح بين مستوياتها التقتصادية .من ذلك اعتراض بعض الدول الوربية علــى بعــض الترتيبــا ت التقتصادية لعتقادها بأنها تخدم الصــالح المريكــي المســتند علــى اتقتصــاد ضــخم يؤهــل الوليا ت المتحدة لفرض نموذتجها وسيادتها في المجال ت المختلفة) .السد،ص(59
لكن هناك من يرى ان ل ضرر من العولمة علــى الطلق وإنهــا مرحلــة مــن المراحــل التي تمر بها الحضارة النسانية بشكل يجعل مكوناتها متاحة للجميــع وبــدون أيــة تقيــود أو حدود وذلك كله خدمة للنسان وتعزيز لحريته وكرامته .كما أن هنــاك مــن يحــدد مــوتقفه من العولمة بالنظر إلى ما توفره تكنولوتجيا المعلوما ت والتصال ت من مزايا .ان العولمــة من هذه الزاوية ليست سوى "فرصة تاريخية لكســر طــوق التخلــف عــن الــدول الناميــة". )بلخوتجة ،ص (99كما يســتند المنطــق الــداعي للعولمــة إلــى القــول بأنهــا إاثبــا ت وتعزيــز للفكرة النسانية حول "وحدة العقل وتقطبيته في الحيــاة النســانية وبــأن القــانون العــام الذي تفسر به ظــاهرة مــن الظــواهر ينطبــق فــي تجميــع العصــور علــى تلــك الظــواهر". )الكتاني ،ص ( 82ومؤدى ذلــك مثل أن أمــام المجتمعــا ت الناميــة فرصــة ذهبيــة للفل ت بالعولمة من تقفص التخلف خاصة وان إطلق الفردية )الخوصصــة فــي كــل كشــئ( تقــود إلى نتائج اتقتصادية واتجتماعية لها أهميتها القصوى فـي تنميـة المجتمعـا ت..ان مـن كشـأن تطبيق هذه الحرية وغيرها مـن تقـوانين الرأسـمالية فـي كـل المجتمعـا ت تحقيـق نفـس النتائج التي تحققت في الغرب من تقدم وتطور ..الخ وتقــد زاد مــن تعزيــز هــذه الرؤيــة النهيار الذي منيت به تجارب "الكشتراكية" في التحاد السوفاتي وبلدان كشرق أوربــا المــر الذي رآه أنصار العولمة مؤكدا لهمية وضرورة نشر النموذج الغربي عالميا .
حتمـية العـولمة لكن هل يمكن تجنب العولمة ؟ مع ان العولمة تطور له تاريخ فان القبول بحتميتها مناف لمنطق التطور والتاريــخ ذاتــه كما انــه مجــاف للعلــم والعقلنيــة بــل والديمقراطيــة والنســانية الــتي تجتهــد إيــديولوتجيا العولمة في رفع راياتها .فالعولمة حتمية بالنسبة إلـى كونهـا مرحلـة فـي تاريـخ حضـارة بعينها هي حضارة الغـرب وهــى بـالطبع ليسـت حضـارة النسـانية كلهـا ول هــي اثقافيــة النسانية بكاملها .من اثم فإن "عولمة حضارة بعينها،وهذه الحضــارة هــي بــدورها تعــبير عن اثقافة أمة معينة أو اثقافة مجموعة معينــة مــن المــم" ل تســتحق وصــف العالميــة أو التعبير عن النسانية .أن العتراف بأن "حضــارة مــا أو اثقافــة مــا تقــد اكتســحت العــالم ل يعنى العتراف بأنها تستحق أن تكتسـح العـالم بأسـره" أو أنهـا يجـب أن تكتسـح العـالم بأسره) .ابوالمجد ،ص (201تقـد يكـون انتشـار العولمـة ورسـوخها حتميـا مثل فـي أوربـا الغربية وأمريكا أو حتى في أمريكا اللتينية وكشرق أوربا لكن ذلك سيكون اتقل في أتقــاليم أخرى "وتقد ل يكون المر حتميا على الطلق بالنسبة إلى اثقافا ت مغــايرة تمامــا ،كثقافــة الصين أو الهند أو العرب").امين،ص . (34 إن العولمة التي اتجتاز ت خلل العقود القليلة الماضــية عتبــة تجديــدة تعيــد فــي الواتقــع "إنتاج الســتقطاب وتعمقــه وتــدعو كشــعوب الطــراف ،موضــوعيا ،إلــى تحركــا ت ترفــض الكمبرادورية المفروضة عليها -وهى تحركا ت ل يمكن إل أن تكون تجماهيريــة وعنيفــة" . ان الخطاب الذي يدعو إلى" إصلح النظام العالمي الذي تقدمت له حرب الخليـج مناسـبا ت واسعة للتعبير عن نفسه ،يبقــى خطابــا مزدوتجــا وخبيثــا حيــث يســتمر التشــدق بــالخلق
والحق والعدالة من اتجل تقنيع الــدفاع الوتقــح عــن المصــالح المســتترة") .ابوالمجــد ،ص (201 "ان توحيــد العــالم علــى أســاس الســوق وان تحقــق حســب رؤيــة الليبراليــة ) وهــذه الفرضية تفترض المستحيل ،أي تخلى القوى الوطنية والتجتماعية ضــحايا هــذا النــوع مــن التوحيد عن الدفاع عن مصالحها ( هذا التوحيـد لبــد أن يكـون مرعبــا وهمجيــا ") .سـمير امين ،1991،ص" (12أن حل السوق ذو البعد الواحد ل ينفع في أي حـال مـن الحـوال، إذا ل يمكنه أن يمنع تفاتقم المتناتقضا ت التجتماعية والسياسية ..لدرتجة إنها تصبح غير تقابلة للتحمل" ذلك أن مصداتقية الخطاب وعلميته تؤكد أن من المسلما ت" أن آليا ت السوق مــن تلقاء نفسها تعيد تكوين المتناتقضا ت وتعمــل علــى تعميقهــا) ".ســمير اميــن ،1992 ،ص . (16 إذن ل مجال للقبول بفكرة الحتمية التي تروح لها إيديولوتجيا العولمة .ورغم "الســيادة الحالية لخطاب اليديولوتجيا الليبراليــة عالميـا إل أن سـما ت هيكـل العالميــة المســتقبلية ل تزال محوطة بالضباب بسبب تفاعل عوامل اثلاثة حديثة وهى الثورة التكنولوتجية والعالمية المالية وتطور القدرة التنافسية المقارنة للوليا ت المتحدة واليابان وأوربا يضاف إلى ذلــك تأاثيرا ت العوامل غير التقتصادية الحديثة هــي الخــرى مثــل مشــاكل البيئــة وتطــور نوعيــة السلحة وتكثيف العلم) ".سمير امين ،1992 ،ص (272-271 أن موتقفا يرفض العولمة فقط لنها ظاهرة ل يمكن السيطرة عليها كليا أو لنهــا "آتيــة من الغرب" ليس موتق ً.فا عقلنيا وتقد يكون مضادا لمسار التاريخ ،وان كان هــذا التاريــخ ذا
سمة يحددها التقوياء ،كما أن مجرد القبول بالعولمة على أنها حتمية ول مجــال للوتقــوف في طريقها هو موتقف عاتجز أو هو في أحسن الحوال يتجاهــل مــا لبعــض تجوانبهــا مــن سلبيا ت ،إن الموتقف العلمي والتاريخي من العولمة هو الموتقف النقــدي الــذي ينبغــي ان يتجه إلى فهم طبيعتها وآلياتها وفرضياتها أو تقوانينها دون ضرورة التسليم بما تطرحــه مــن تقيم أو ما يمكن ان تقود إليه من عملية إنتاج أو إعادة إنتــاج للنظــام المرتكــز علــى فكــرة الهيمنة ) .سمير امين ،1992،ص ( 12
العولمة والدولة الوطنية إن العولمة التقتصادية تهدف إلى أضعاف الدولة بحيث ل تصبح هي المسيرة للتقتصاد الوطني بل بــدل ذلــك أداة لتكيــف هــذا التقتصــاد مــع متطلبــا ت وكشــروط بــل وكشــطحا ت التقتصاد العالمي خاصة وإن التحول ت في مجال ت الرأسمال ،النتاج ،العمــل ،والســواق المعولمـة أوتجــد ت كشــبكا ت مـن العلتقـا ت التقتصــادية الــتي ليـس للدولـة عليهـا ســيطرة لوتقوعها خارج اختصاصها التقليمي ان العولمة بهذا المعنى تعبر عن حركية مــن حركيــا ت العلتقا ت الدولية لعل أهــم مــا يميزهــا هــو الهميــة المتزايــدة والواضــحة لــدور العامــل الخارتجي في تحديد مصير الطــراف المكونــة لهــذه الــدائرة المندمجــة وبالتــالي لتوابعهــا أيضا ).عبيد ،ص (28إن ذلك من كشأنه أضعاف النظام الدولي القائم على الدولة كمحــور له ،ويرى كثير من الباحثين ان نظام الدولة في طريقه للختفاء أمام العولمة وان السيادة التقليمية تتناتقص وتتضـاءل بشـكل تجـــدي ممــا يقلــل مــن تقــدرة الدولــة علــى الســيطرة وحماية الحياة المحلية أو الوطنية (Falk, pp. 124-125) .
•
نهاية الدولة أم تبدل دورهـا ؟! لعل اكثر النتقادا ت تقوة في مجال العلتقة بين العولمة والدولــة الوطنيــة هــي ان مــن كشأن الولى القضاء على الثانية ..ان دعوة العولمة إلى إلغاء الحــواتجز والقيــود ورفــض كل تدخل وتعميم الفردية والخوصصة وإتقالة الدولة من مهامها التجتماعية من كشـأنه فـي نظـر البعض تأميم المجال الحيوي للدولة لصالح العولمة ،ان ذلك سيقود في رأى هـؤلء حتما ل إلى تقلص وظائف الدولة فقط بل إلى نهايتها الحاسمة .وكأن العولمة هنا تقــوم بتصديق نبوءة أو تحليل ت الماركسية عن اختفاء الدولة وان بمقدما ت مختلفة .
•
ما هو دور الدولة إذن في زمن العولمة؟ الدولة لن تختفي فوتجودها ضروري وان كان انتقاليــا لداء مهــام هــي مؤهلــة لدائهــا لنجاح العولمة .إن من أبرز هذه المهام هدم ما كانت الدولة تقد إتقامته في الماضــي مــن حواتجز وموانع أمام "الخر").ابوالمجد،ص (201ان العولمة بذلك ل تلغ الدولــة ول تقــود إلى اختفائها بل تفرض "ضرورة تحديــد تجديــد لــدور الدولــة .فــإذا كــانت العولمــة وليــدة التنافسية المكثفة كتعبير عن ارتقاء اتقتصــاد الســوق عالميــا فإنهــا تفــرز فــى ذا ت الــوتقت مستلزما ت تجديدة بالنسبة للدولة ،بل تعيد العتبــار لوظيفــة الدولــة ،مــن الناحيـــة الكيفيــة وليس من الناحية الكمية :فقد تتقلص مكانة الدولة كميا لتتزايد كيفيا )".ولعلو،ص(43 ان العولمة ليست اتقتصادية فقط .ومع إنها مدفوعة بالعوامل التقتصادية إلى حد كــبير فمــن الخطــأ اعتبــار العولمــة ظــاهرة اتقتصــادية فقــط لن لهــا تجــوانب أخــرى ،سياســيا، تكنولوتجيا واثقافيا .فهي سياسية لنه تحدث تغييرا في هياكل وبني الدول ؛ وتكنولوتجيــة لنها ظاهرة اتصال ت ؛ واثقافية لنها تحدث تغييرا ت في كشتى تجــوانب الحيــاة الــتي تتميــز
بأن التقاء الثورة التصالية والكومــبيوتر أهــم ســماتها المعولمــة .ان العولمــة وان كــانت تحدث تحول ت في طبيعة المؤسسا ت المختلفة ،اتقتصاديا ،اثقافيــا ،حكوميــا ،عائليــا …الــخ فإنها ل تعني نهاية الدول القومية .ان ما يمكن ملحظته هو ان دور الدولــة يتغيــر .ذلــك يعنى ان الدولة تقوم بعملية إعادة إنتاج نفسها وبذلك فإن مــا يحــدث هــو تحــول فــي مــا تعنيه الدولة أو المة .ان التحاد الوربي نموذج مناسب للتعبير عن ذلـك .فهـو أكـبر مـن الدولة وهو ليس بدولة تقومية أو أعلى من القومية وليس دولة فدرالية .أنه كشــئ مختلــف حيث فيه الدول القومية تعيد تشكيل هويتها ولكنها ل تختفي (Giiddens, pp.72-73). ان نظام الدولة القومية يمر بمرحلة تطور بفعل عمليا ت العولمــة .ان الدولــة القوميــة تتحول ولكنها ل تختفي .ان القول بأن العولمة تلتهم الدولــة الحديثــة هــو القــول مجــاف للواتقع .ان الواضح هو ان العولمة تدفع الدولة لتكون اكثر فعالية وتقــدرة .ان ذلــك بيــن عن حقيقة كون العولمة وان كانت أهم تقوة معاصرة فإن الدولة ،وبتعبير أحد الدارســين، هي تقابلة لها أكثر من كونها ضحية (Welss, pp. 176).ويرى تجدنز بأنه يمكننا القول بأننــا نعيش عصر الدولة القومية حيث وللمرة الولى في تاريخ النسانية تصبح القومية نموذتجا عالميا تقريبا .ان هذه المرحلة هي مرحلة سيطرة الدولة القومية الــتي تخضــع لتغييــرا ت راديكالية الطابع (Giddens, pp. 31-32). لكن وفى البلدان النامية التي لم تتمكن بعد من إنجاز مهمة بناء الدولــة الوطنيــة ذاتهــا او النجاح في تحقيق الندماج السياسي ناهيك عن أداء المهام التطويريــة والتنمويــة فــان الصورة يمكن ان تكون اكشد تقسوة .ان العالم النامي ما يزال النسان فيه يعانى الفقــر والجهل والمرض وما تزال اتقتصادا ت بلدانه تعــانى مــن الاثــار الســلبية للســتقطاب ومــن
النظام الجائر لتقسيم العمل الدولي .ان تقليص مهام ووظائف الدولة وتجعلها مجرد أداة لتسهيل العولمة من كشأنه ان يزيد صورة البؤس تقتامة ويزيد من حجم مأساة النسان . إن تراتجع الدولة في العالم النامي عن أداء دور تدخلي أو القيام بوظائفها التجتماعيــة التي كانت الدولة في الغرب تقد تقامت بها فى الســابق يعنــى فــي الواتقــع أن يفلــت زمــام المور من أية سيطرة وطنية لتحقيق أي نوع من العدالة والمسـاواة .إن مـن كشـأن ذلـك أن يقضى على فرص التطور والتقدم خاصــة وان العولمــة تقــوم أساســا علــى اعتبــارا ت الكفاءة والنتاتجية والمنافسة الحرة . ان ذلك يعنى في الواتقع إعادة إنتاج نظام الستقطاب وان تظل " الطراف " مهمشــة على الدوام ينحصر دورها في كونها منتجا لمواد خــام وســوتقا لســتهلك منتجــا ت العــالم الصناعي إضافة إلى توفيرهــا لليــدي العاملــة الرخيصــة .مــن اثــم فــإن إلغــاء الدولــة أو تهميش وظيفتها التجتماعية ليس ســوى سياســة تلغــى أيــة فاعليــة لي ســلح يمكــن ان يتوفر للعالم النامي في وتجه التوحيد علــى أســاس الســوق فــي كشــكل مرعــب وهمجــي الاثار على كشعوب العالم النامي.
العولمة والهويا ت والثقافا ت القومية ان العولمة بدأ ت في مجال التقتصاد كامتداد للنظام الرأسمالي العالمي الـذي يسـعى لتوفير الشروط اللزمة لكي يحقق الرأسمال القوى تقدرا متزايدا من الربــاح عــن طريــق
تحرير التجارة وإخضاع السواق للتنافس الحر بدون تقيود .هذه العولمــة أتســع نطاتقهــا وتجاوز ت مجـال التقتصـاد لتسـعى إلـى عولمـة النسـان فـي كــل مجـال وبشـكل يـراه الكثيرون تحديا للخصوصــيا ت القوميــة والفرديــة .ان ذلــك يعنــى ان للعولمــة انعكاســا ت مباكشرة على الهويا ت والخصوصيا ت الثقافية .ان ذلــك يجعــل البعــد الثقــافي أهــم أبعــاد العولمة حيث يشير بعض الباحثين إلى أننا أمام اثقافة عالمية أو أننا بصدد تكــوين اثقافــا ت عابرة للقوميا ت وإن العالم يسير نحــو تحقــق فكــرة وحــدة النســانية مــن خلل الثقافــة المعولمة .ان اكثر العتراضا ت والدعوا ت المناهضة للعولمة وان اهتمــت بالاثــار الســلبية التقتصــادية الطـــابع علــى الــدول النـــامية إل إن محـــور تركـــيزها هـــو مسألـــة الهـــوية والخصوصية ( .الصواني ،1999 ،ص( إن الذين يعتــبرون العولمــة خطــرا محــدتقا بالثقافــا ت والهويــا ت القوميــة ل يـرون فــي العولمـة إل سـعيا أمريكيــا لمركــة العـالم وصــياغته علــى النسـق المريكـي .وتقـد كــان المنظرون الفرنســيون الكــثر وضــوحا فــي الــدعوة إلــى التحفــظ مــن العولمــة وحمايــة هويتهم من مخاطرها .لقد اتخذ ت الحكومة الفرنسية عددا من السياسا ت لمقاومة الغزو الثقافي المريكي .من بين هذه السياسا ت إلزام القنــوا ت المرئيــة الفرنســية بتخصــيص %60من البرامج للنتاج الوربي وعدم صرف مساعدا ت مالية لية برامج اثقافية ل تكــون الفرنسية لغـة أعمالها .وتقد وصل المـر إلى درتجة أن الرئيس الفرنســي كشــيراك بنفســه عارض إتقامة مطعم الوتجبا ت السريعة المريكي "ماكدونالد" ببرج "ايفل" ليظل فضــاؤه منفردا بنمط العيش الفرنسي! )بوطالب ،ص(131-130
إن تقوى أوربية ترى في العولمة خطرا اثقافيا أمريكيا .ومنطق هــؤلء إن أوربــا تتميــز بغنى اثقافي هائل ناتج عن تطورها التاريخي وتطور أتقاليمها المختلفة .إن أهــم ســما ت هذا التكوين الثقافي الوربي هو روح النفتاح على الخارج .ومع ذلك فإن الهوية الثقافيــة الوربية مركبة وهشة وهو أمر يثير احتمال ت كثيرة بالنسبة لاثار العولمــة ولتطــور الثقافــة في المستقبل .ان ذلك يتطلب حساسية كبيرة في الصـل ت مـع الثقافـا ت الخـرى خاصـة تلك التي يدعمها مركز اتقتصادي وتقنــي ضــخم كـذلك الــذي للوليــا ت المتحــدة .ان أوربــا تشعر بقلق عميق إزراء مسألة الحفاظ على هويتها واثقافتهــا .إن الغــزو الــذي تقــوم بــه وسائل العلم والتصال ت والنتاج العلمي الحديثة المعتمدة على التقنية تشــكل خطــرا على التعبيرا ت الثقافية الوربية التي تصـبح مجـرد سـلعة رخيصـة يتـم تسـويقها لمصـلحة الشركا ت المسيطرة )اليابانية والمريكية( .ولقد لخص أحد الكتاب تقلق وخوف أوربا على هويتها الثقافية بقوله " ان من كشأن ذلك إلحاق الضــرر بــالقيم الوربيــة والــتراث الوربــي والهبوط بها إلى أدني مستوى .وعلى المـدى الطويل فـإن العولمــة ستقـــود إلــى ضــياع الهـوية الثقافـية لوروبـا " (Serexhe, pp.2-4) . من المهم أيضا التأكيد عل ان عالم اليوم في الواتقع ليس مكونا من دول تقومية وليس مقسما تقسيما تقوميــا وان كــان مقســما علــى دول تســمى بالــدول القوميــة تقياســا علــى التجربة الوربية .من الممكــن القــول بــأن العــالم مقســم إلــى دول ذا ت " ســيادة " وان سيادة الدولة الحديثة مركزة في حدود إتقليمية واضحة المعالم .مــن اثــم فــإن مــا تفعلــه العولمة ،وخاصة العولمة التقتصادية ،هو إحداث تحــول أساســي فــي الــتراتيب والتنظيــم التقليمي للنشاط التقتصادي والقوة التقتصادية والسياسية .
إن الجانب الشمولي للعولمة وما يرافقها من تقيم اثقافية تهدف لتحقيق الهيمنة على ما سواها
ل ترسخ فقط فكرة الولء للعالم والفضاءا ت التي يتيحها تصور العولمــة بــل
ان من كشأنها خلق بانوراما عالمية اثقافية تطرح للجدل صورة الذا ت والهويــة).معلــوم،ص (4إن فكــرة اثقافــة العولمــة تبــدو علــى أنهــا البنيــة الفوتقيــة المرتبطــة بالبنيــا ت التحتيــة التقتصادية والتكنولوتجية الكروية وما يرتبط بها من أكشــكال مؤسســاتيه .إن فكــرة اثقافــة العولمة تعكس بذلك صورة عالم القوى التقتصادية العالمية والقوى العظمى والتكوينا ت العسكرية والشركا ت العابرة وكشبكا ت التصال ت ونظام تقسيم العمل الدولي الــتي تبــدو تجميعها وهى تتدخل لزعزعة النظم الثقافية للمم والجماعا ت والشعوب . أن ذلك يعنى التجاه نحو أكشكال عابرة للقوميا ت مؤسسة على بنــى تحتيــة تكنولوتجيــة عالمية أو كروية الطابع وهى بذلك تتنصر في النهايــة وتزيــل الختلفــا ت الثقافيــة وتكــون اثقافة عالمية حقا .إن اثقافة العولمة بهــذا التصــور عالميــة ل ترتبــط بــالوتقت والمكــان أو الزمن ،أنها تقنية ذا ت طبيعة مركبــة ومصطنعة مخترعة .غير أن العــتراض علــى فكــرة اثقافة العولمة ل ينطلق من مجرد كونهــا مصــطنعة ومحداثــة ذلــك أن الثقافــا ت والتقاليــد القوميــة أيضــا يمكــن بدرتجــة أو بأخـــرى اعتبارهــا مجــرد اختراعــا ت أو أنهــا مفبركــة ) . (Andersonلكن العتراض هو أن اثقافة العولمة هذه ل تقدم أي كشئ عن الطـرق الـتي يفترض أن الكشكال الثقافية العالمية تعطيها للهويا ت المختلفة .انه في الوتقت الذي تتميز الثقافا ت القومية والاثنية بخصوصيتها وبمحدودية الزمــان وبطاتقتهــا التعبيريــة وباســتنادها إلى سما ت ومشاعر وتقيم وذكريا ت وأساطير مشتركة واحســاس بهويــة تاريخيــة ومصــير مشترك فان اثقافة العولمة ل يمكنها ان ترتبط أو تنتسب لية هوية تاريخية .انها ل ذاكــرة
لها وهى ل تجيب عن حاتجا ت حياتية معاكشة ول هــي ترتبــط حــتى بهويــة تقيــد التكــوين . وهكذا فان افتقادها إلى ماضي وذكريا ت مشتركة وهوية تجمعية يمكــن الســتناد إليهــا أو التعبير عنها يجعل اثقافة العولمة فكرة مبتسرة وعرضة للخداع .ورغــم أن الحــديث عــن اثقافة معولمة تقد يكون ل أساس له حتى الن فان ذلك ل يلغى أهمية الحديث عن البعــد الثقافي للعولمة ) .الصواني ،1999 ،ص ( إذا كانت الثقافا ت تتواصل ،تتنافس وتتعارض ،تتقابل وتتضاد الواحدة مــع الخــرى بمــا يسهم في عملية كشرذمة فكرية واثقافية للعــالم فـان ذلـك مــن كشــأنه أيضـا ان يقلــل مـن أهمية الدعاوى المتعلقة بالعالمية مهما كانت القراءا ت المعززة لذلك Smart, pp.140-) . (141ذلك انه وان اعتبرنا ان العولمة تهدد الثقافا ت القومية والوطنية بــالتجزؤ والنقســام فانه إذا كانت بعض الجماعا ت يمكن ان تتبنى ما يصفه بعض الدارسين بالثقافة العالميــة للحدااثة تثور تجماعا ت أخرى ضد التقتحام والغزو الذي تقوم به رموز غربيــة أساســا .وإذا كانت عمليا ت أضعاف الرابطة بين المواطنين والفصل بينهم وبين غيرهم من المجتمعا ت بفعل التحدي الذي تواتجهه فكــرة النــدماج والنصــهار القــومي الــتي تقــوم عليهــا الدولــة سا ،فان تقيام تجماعا ت تقومية وااثنية بالتعبير عن هوية يعنى تحــدى المفــاهيم القومية أسا ً. السائدة ودخول مفاهيم تجديدة حـول الجماعـة السياســية والمواطنــة والسـيادة والدولـة والمــة وان تصــبح هــذه الجماعــا ت رأس حربــة سياســا ت الهويــة مجــددا Linklater,). (pp.287-289 هكذا تزداد الصورة تعقيدا خاصة وأننا مازلنا نعيــش عالمــا مــازال رغــم اتســاع دائــرة العتماد المتبادل يتميز بتنظيم للختلف والتنوع اكثر مــن الوحــدة والتناســق .انــه عــالم
الختلفا ت والثقافا ت المتنافسة والخــبرا ت الثقافيــة المتميــزة عــن بعضــها .انــه عــالم بــه تعددية اثقافية كيانية .ان تكااثر الدول القومية والثقافا ت القومية والاثنية يصور ل الشــروط التي تؤسس لتكوين مجتمع عالمي بل ان كوكبة أو عولمة الحدااثة مــن خلل الرتباطــا ت المتعددة بالكشكال التقليدية الاثنية والثقافية يساهم فعليا في إعــادة صــياغة الختلفــا ت الثقافيةp. 142) .
( Smart,ومع ان هناك كشعورا متزايدا لدى مفكرى وساســة العــالم
النامى وبعض الدول الوربية بأن العولمة تؤاثر سلبا على الثقافا ت والهويا ت القوميــة فــإن العولمة من كشانها ان تؤدى إلى مزيد من الوعي بالخصوصية الثقافية والحضارية وهو مــا تقد يكون أهم تحد تواتجهه العولمة وإيديولوتجيتها . ان العالم الذي يعيش العتماد المتبادل هــو فــي ذا ت الــوتقت عــالم يشــهد تزايــدا فــي الجماعا ت الاثنية لتحدى الكيانا ت الكبر التي تضمهم وفى ذا ت الوتقت للحصول على صــفة المة المعاصرة .هكذا تجرى عملية إعادة اكتشاف لثقافا ت تساهم فــي تقســيم العــالم إلى كتل اثقافية واضحة بدون ميل واضح للتوافق .ان القوميا ت الاثنية معدة للتزايد وهكذا فان تكااثر الهويا ت القومية يثير إمكانية الستجابا ت المختلفة للتشكل الكروي أو الكوكبي. أن هناك دلئل تقليلة على فقدان الثقافا ت المحلية الستقللية .الهم أن هنــاك دلئــل ضعيفة على فقدان القومية لقوتها أو سطوتها أو علــى اختفــاء الثقافــا ت القوميــة خاصــة وأن الدولة القومية مازالت الفاعل الرئيســي الول فــي النظــام الــدولي الســائدSmart,) . ( p.143ومع ان هناك احتمال ت حقيقية من ان تؤدى العولمة في ســياتقها التقتصــادي أو العلمي إلى التأاثير في الثقافا ت القوميــة والهويــا ت القوميــة فــإن إمكانيــة خلــق نمــوذج اثقافي أو هوية تجديدة تهمش الثقافا ت والهويا ت القائمــة أو تفرغهــا مــن محتواهــا ،تظــل
غير ممكنة التحقق ،ذلـك ان تقولبـة الثقافـة وتهميـش أو إلغـاء الهويـة مـن كشـأنه تغييـب النسان وتحويله إلى تقطيع . ان تحديا ت العولمة من كشأنها ان تؤدى إلى استنهاض الرادا ت نحو تأكيد هوية واثقافــة كل مجتمع بشكل متميز .الكثر من ذلك انه رغم انطلق العولمـة مـن العقيـدة الليبراليـة فإنها ليست نظاما فكريا متكامل وهى في نظر الكثيرين ل تحمل أي هوية اثقافية لنهــا " ل تنطوي على عقيدة فى النسان أو على فلسفة أخلتقية وإنما تعبر عــن تضــخم ليبراليــة ذا ت نزوع اتقتصادي إلى اكتساح أسواق العالم)".الكتاني ،ص (84
العولمة والديمقراطية إن من أهم خصائص العولمة خلق ما يمكن تسميته بمجتمع المعلوما ت والمعرفــة أو "مجتمع المعلوما ت المفتوح ".ان ذلك إكشارة إلى الدور الهام والخطير الذي يقوم به تــآلف اثورة التصال ت والكومبيوتر فـي نقـل وصـناعة المعلومـا ت علـى المسـتوى العـالمي .إن مجتمع المعلوما ت ليس خطرا على بلــدان العــالم النــامي فقــط بحكــم ســيطرة الغــرب المتقدم بل انه خطر يتهدد الحياة الديمقراطية أيضا .ان ذلك هو الذي تجعــل البعــض ينبــه إلى الخطورة الــتي يشــكلها مجتمــع المعلومــا ت علــى الحيــاة السياســية وعلــى مشــاركة المواطن فيها .ان هــذه الوضــعية مــن كشــأنها أحــداث انقســام طبقــي تجديــد بيــن أغنيــاء المعلوما ت والمعرفة وفقراء المعلوما ت وكلما اتسعت الهوة بين الفريقين كلما زاد خطــر تحكم الفريق الول وامتلكه زمام المور في داخل الدولة .إن العولمـة مـن كشـأنها خلـق وضعية كهذه على مستوى العلتقا ت الدولية أيضا ( Angell, pp.100-112).
لقد أاثار ت العولمة وما ترتب عنها تجدل واسعا على المستويين الفكري والسياسي حول التغييرا ت الواتجب أحدااثها على التنظيم السياسي و الدولة والحكومة .ان الثورة الهائلة في مجال المعلوما ت والتقنية العالية في مجال ت التصال والتواصل تجعل الكثير من التقنيا ت المعروفة من تقبل في المجال السياسي عرضــة لعــادة نظــر .فالحــديث يجــري الن مثل حول ديمقراطية إلكترونية تحل محل الساليب التقليدية في النظم النيابية والمتاحة للتعبير عن الرؤى .غير ان أهم ما يرتبط بالعولمة في مجال السياسة هو ذلك المتعلق بالعلتقــة بيــن المــواطن والدولــة أو الســلطة والشــكل المناســب للدولــة والســلطة ذاتهــا .ومــع ان الكثيرين من منتقدي العولمــة يــرون بأنهــا تعنــي عمليــا نهايــة السياســة وبالتــالي أحــداث انقساما ت تجديدة محليا ووطنيا وعالميا من كشأنها تعميق الفجوا ت والتفاوتــا ت الموتجــودة أصل ومن اثم التضحية بالفكرة والتنظيم الديمقراطي فان العولمة من هذه الناحية ليست كشرا خالصا. ان الجدل الدائر منذ مدة ليست باليسيرة في أوساط سياسية وفكرية واســعة وخاصــة بين صفوف الديمقراطية الكشتراكية فــي أوربــا وفــي صــفوف الحــزب الــديمقراطي فــي الوليا ت المتحدة والذي يسعى ليجاد سياسا ت مناســبة لزمــن العولمــة ومقتضــياتها تجــاء فعليا للستجابة للعولمة .ان حركة المراتجعــة الفكريــة المعروفــة بــالطريق الثــالث هــي التعبير الواضح على الدراك الذي اخذ في التنامي بأن للعولمة مقتضياتها التي تحتاج إلــى علم سياسة وعلم اتقتصاد تجديدين .الرسالة الواضحة هنا هي ان العولمة ليست كشرا كلها وان اتقل إيجابياتهــا هــي تحفيــز الفكــر والعقــل لســتنباط حلــول واليــا ت عمــل للتجتمــاع المعاصر ذا ت صفة إنسانية ( .الصواني ،2000 ،ص ( 11-8
يرى عالم التجتماع البريطاني انطوني تجدنز ،إن العولمة تؤدي إلى مواطنة اكثر تفــاعل لنها في الواتقع تغزو المجال المحلي للفعل محداثــة آاثارهــا علــى العــادا ت والتقاليــد ممــا يجبر الفرد على ان يحيا حياة اكثر انفتاحا وهكذا فالمواطنة لن تكون سلبية مثلمــا كــانت . فالعولمة ل تحدث آاثارها عاليا فقط بل إنها تحداثها فــي حيــاة الفــراد أيضــا .ذلــك يعنــى حياة اكثر تفاعل واستجابة خاصة تجاه المسائل المتعلقة بمـن نحـن ،وكيـف نـرى العـالم وكيف نرى علتقتنا به ،وما هي أنماط السلوك الــتي نتبعهــا ؟ ان ذلــك يعنــى تضــاؤل دور الماضي في تشكيل السلوك والهوية أيضا .ان الفراد يعيدون صناعة أنفســهم ممــا يعنــى مواطنة تجديدة في علتقتها بالهياكل والبني السياسية القائمة(Giddens,pp.72-75). هكذا تبرز مشكلة الشرعية السياسية خاصة في المجتمعا ت الغربية حيث النــاس اكــثر نشاطا واكثر تقدرة على التعامل مع العالم اكثر مــن ذي تقبــل .ليــس لنهــم أصــبحوا اكــثر ذكاء بل لن هناك معلوما ت كثيرة متوفرة الن حولهم خاصة إذا ما تقدرنا الهمية والــدور الخطير الذي تقوم به وسائل العلم في عصر العولمة .ان ذلك هو ما يجعــل المواطنــة النشطة والفاعلة ظاهرة عالمية .ان التطور الهائل في وسائل العلم ونقــل المعلومــا ت يجعلنا أمام ما يمكن وصفه "بمجتمــع المعلومــا ت المفتــوح " .انــه المجتمــع الــذي تحــداثه وسائل العلم المختلفة ذا ت الطبيعـة المعولمـة (Angell, pp.99-112) .وهكـذا ولول مرة تصبح الحكوما ت تعيــش فــي ذا ت البيئــة المعلوماتيــة الــتي يعيشــها مواطنوهــا .فــي الماضي كان بإمكان الحكوما ت ممارسة رتقابــة وســيطرة اكــثر علــى المعلومــا ت .التــذرع بالسرية والمن كانت أحد الوســائل الــتي عــن طريقهــا تمــارس الحكومــا ت والسياســيون
نشاطاتهم .الن الوضع صار صعبا في ظل مجتمع المعلوما ت المفتوح حيث مثل ،كــل مــا تريد يمكن ان يتوفر عن طريق تجهاز الكمبيوتر (Giddens, pp.72-74) . ان مجتمــع المعلومــا ت المفتــوح يفــرض إعــادة بنــاء وهيكلــة للمجــال السياســي وللديمقراطية نفسها لنه يسلب الشرعية عن الطريقة التي كــانت تمــارس بهــا مــن تقبــل . ومع ان تجدنز يذكرنا باستمرار بان الديمقراطية الليبرالية هي الفضل فــإنه يؤكــد ان ذلــك يعود لعدم وتجود بديل أو بدائل لهـا لكــن الحقيقــة هـي ان مجتمـع المعلومـا ت المفتــوح والعولمة تلقي بظللها الكثيفة على هذه الديمقراطية وكشفت الكثير من عيوبها .ان ذلك يعنى ان الديمقراطية الليبرالية ليست النظام الوحيد الــذي يجــب ان ننظــر إليــه Angell,) . (pp.99-112ويدعو تجدنز إلى انه بدل القبول بمنطق دعاة العولمــة المتطرفيــن مــن انــه ليس أمامنا إل القبول بقــوانين الســوق ،فــإنه أمامنــا الكــثير الــذي يمكــن عملــه .إذا كــان متطرفوا العولمة يرون بأن الحكومة ليس لها دور أو أنه يجب التقليل مــن وتجودهــا فــإن تجدنز يرى بأن أولى الشروط هي توسيع دائرة الحكم والديمقراطية معا فــي المســتويا ت التي هي أتقل والتي هي أعلى من الدولة (Giddens, pp. 70-78) . هناك حاتجة إلى تفعيل دور الحكومة ولتوســيع الديمقراطيــة .أي إعــادة بنــاء وهيكلــة السياسة والديمقراطية والتطلع إلى ديمقراطية كونيــة وإحيــاء الديمقراطيــة المحليــة .ان ذلــك دعــوة إلــى إحــداث تغييــر تجــذري فــي الديمقراطيــة .هــذا التغييــر لبــد ان يكــون ديمقراطيا وراديكاليا .ان ذلك يعنى " دمقرطة الديمقراطية " .ان الديمقراطية الليبرالية مؤسسة على عمليا ت وإتجراءا ت غير ديمقراطية ولــذلك فل بــد مــن إعــادة الديمقراطيــة للديمقراطيــة مــن خلل الصــلح الدســتوري ،توســيع دائــرة حريــة المعلومــا ت ،تفــويض
السلطة ،آليا ت ديمقراطية ،كشفافية اكثر ،اعتماد تقيم النزاهة في السياســة ،إدارة وهياكــل فعالة لحداث تغييرا ت دســتورية ديمقراطيــة .ان ذلــك مــن كشــأنه معالجــة مشــكلة غربــة الديمقراطية الليبرالية عن الناس .كما ان هناك حاتجة للديمقراطيــة علــى مســتوى العــالم وعلى مستوى إعــادة النظــر فــي مؤسســا ت النظــام الــدولي وتجعلهــا اكــثر ديمقراطيــة ). (Giddens, pp.77-78
العولمة وتشكل النظام العالم ي /خلصة : رغم ان التطور بلغ حدا يجعل الحساس بأن العالم تقرية واحدة صــغيرة أتقــوى ممــا كان عليه المر فى أى مرحلــة ســابقة وبوتجــود منظومــة عالميــة لهــا أبعادهــا التقتصــادية والتكنولوتجية والبيئية والثقافية والعلمية التي تنقل نماذج الغرب إلى كل مكــان فــي ذا ت الوتقت الذي يتعزز فيه العتماد المتبادل ،فإن السما ت الجديدة لمستقبل النظــام العــالمي لم تتبلور بعد وبالتالي فإن هناك احتمال ت متباينة ممكنة . إذا كانت أهم معالم العولمة إدارة النظام التقتصادي على أساس آليا ت السوق ،كمــا يقول ســمير أميــن ،ليســت ظــاهرة خارتجيــة مســتقلة عــن ســما ت التكوينــا ت التجتماعيــة الملموســة ،فهــي ليســت نظامــا مســتقل تحكمــه عقلنيــة اتقتصــادية بحثــه كمــا تــدعى اليديولوتجيا الســائدة )ســمير اميــن ،1992،ص (7وعلــى الرغــم مــن " الســيادة الحاليــة لخطـاب اليـديولوتجيا الليبراليـة عالميـا إل ان سـما ت هيكـل العالميـة المسـتقبلية ل تـزال محوطة بالضباب" .ان ذلك يعود لتفاعل "عوامل اثلاثــة حديثــة وهــى الثــورة التكنولوتجيــة والعالمية المالية وتطور القدرة التنافسية المقارنة للوليا المتحدة واليابان وأوربــا" فهنــاك
احتمال ت عديدة لتركيب هذه العوامل بأكشكال مختلفة .ان تطـور ظروف المنافســة بيــن الوليـا ت المتحدة وأوربا واليابان هو العنصر الذي سـوف يحــدد ســما ت العالميــة ســـواء أكـانت تقــد اتخـــذ ت كشـكل منـدمجا عالميـا أم كشـكل هيكليـا اثلاثــي القطبيــة .ان فرضـية العولمة تفترض تخلي القوى الوطنية والتجتماعية من ضحاياها عن الدفاع عن مصــالحها ولكشك ان هذه تفترض المستحيل) .سمير أمين ،1992 ،ص Rosenau, pp. 26- & 16 (31 إن أهم عناصر الخطاب اليديولوتجي السائد في زمن العولمة سعيه لتوليد تقناعــة بــأن النضال ضد الواتقع ل مبرر له .ومثلما يؤكد سمير أمين ،فان لهذه الســذاتجة وظيفــة هــي " تجريد الشعوب من السلح حتى يقبلــوا اســتراتيجيا ت رأس المــال علــى أنهــا "دون بــديل" وطنيا كان أم على صعيد عالمي .فتهدف الخطة المرسومة من الشــركا ت العملتقــة الــتي تسيطر على القرار إلى تجعل النضال من اتجل "نظام عــالمي اخــر"يبــدو غيــر واتقعــي بــل ومستحيل ) ".أمين ،1999 ،ص (70-69 لكن حقيقة كون خطاب العولمة يصدر عن التقوياء في وتقت يعيش فيه العالم مرحلة مضطربة فيتم العتقاد بأن السائد والذي تتم الدعوة له هو الصحيح بينما الواتقع يؤكــد ان السائد والغالب الن الذي لديه القوة ..هو الن الــذي يقــدم اطروحــاته للعــالم ويعتبرهــا هي الحل وهذا غير صحيح ومنطقيا القوى عندما يفرض اطروحاته لنه تقوى ،وليس لنها مقنعة " .هذا التوحيد للعالم يكمل انتصار الغرب ..تقيام اخوة عالمية ليس على الطلق غاية هذا التوسع المسيطر ،فالمـر ل يتعلق بانتصار للنسان بل بانتصــار علــى النســانية،
ومثـــل المســتعمرين )بفتــح الميــم ( منــذ عهــد تقريــب فــالخوة هــم أيضــا وأول رعايــا ". )لتوش(30 ،
الهوامش والمراتجع : 1. Zaki ," Globalisation and Universality : How is Globalization Leading Us " to Renegotiate the Universal .2
تجلل أمين"،العولمة والدولة " المستقبل العربي ،العدد 1998 ،228ف .
.3
السيد يسين " ،في مفهوم العولمة " المستقبل العربي ،العدد 1998 ،228ف .
.4
تجيمس روزناو ،ديناميكية العولمـة ،مشــار إليــه فــي ،الســيد يســين " ،فــي مفهــوم العولمة " .
.5
سمير أمين ،إمبراطورية الفوضى ،ترتجمة سناء أبو كشــقراء ،بيــرو ت ،دار الفــارابى، 1991ف.
.6
بول سالم "،الوليا ت المتحدة والعولمة :معالم الهيمنة في مطلــع القــرن الحــادي والعشرين" في ،أسامة الخولي )محرر(العرب والعولمــة،بيــرو ت ،مركــز دراســا ت الوحدة العربية.1998،
.7
حسين معلوم "التسوية في زمن العولمة :التداعيا ت المســتقبلية" لخيــار "العــرب" الستراتيجي ،ندوة التطورا ت العالمية والتحول ت المجتمعية فــي الــوطن العربــي، القاهرة 1997 ،ف .
.8
محمد الحبيب بلخوتجة"،إيجابيا ت العولمة وسلبياتها" في ،العولمة والهوية ،الربــاط، أكاديمية المملكة المغربية 1997،ف .
.9
عبد الهادى بو طالب"،لبد من تكامل العولمة والهوية ليكون العالم واحدا متعــددا" في ،العولمة والهوية .
Way : The Renewal of Social
10. Anthony Giddens . The Third
Democracy , London : Polity Press , 1998 .11
هانس -بيتر مارتين ،هارالد كشــومان ،فــخ العولمــة :العتــداء علــى الديمقراطيــة والرفاهية ،ترتجمة عدنان عباس ،الكويت ؛ عالم المعرفة 1998 ،ف .
.12
محمد عابد الجابرى ،تقضايا في الفكــر المعاصــر ،بيــرو ت؛ مركــز دراســا ت الوحــدة العربية1997 ،ف .
.13
ناصر الدين السد " ،الهوية والعولمة " ،في ،العولمه والهوية .
.14
محمد الكتانى" ،أي منظور لمستقبل الهوية في مواتجهــة تحــديا ت العولمــة " ،فــي: العولمة والهوية .
.15
احمد كمال ابوالمجد "،العولمة والهوية ودور الديان " في ،العولمة والهوية .
.16
سمير أمين ،بعض تقضايا للمستقبل ،القاهرة ؛ مكتبة مدبولى 1992،ف .
.17
محمد الجابرى" ،العولمة والهوية الثقافية :عشرة اطروحا ت" المســتقبل العربــي، العدد 228،1998ف .
.18
نايف عبيد ،العولمة ..والعرب " المستقبل العربي ،العدد 221يوليو 1997ف .
?Will Globalization Win Out
19.Richard Falk , " State of Siege:
International Affairs, Vol. 73, no.1, Jan. 1997
20.Linda Welss , The Myth of Powerless States , Cornell ; Cornell University Press, 1998 عمــان،التقتصاد والتكنولوتجيا فــي الــدول العربيــة: تحديا ت العولمة،فتح ا ولعلو
.21
. 1996 ،منتدى الفكر العربي 22.Bernard Serexhe ,“Deregulation/Globalisation:The Loss of Cultural Diversity 23.Bendict Anderson, The Imagined Communities (London ; Verso, 1983) 24.Barry Smart; Postmodernity , London; Routledge, 1991 25.Andrew Linklater; “The Achievements of Critical Theory” in, Steve Smith et al, (eds.), InternationalTheory: Positivism and Beyond, Cambridge; Cambridge University Press, 1996 . 26.James Rosenau, The United Nations in A Turbulent World , Boulder & London ; Lynne Rienne Publishers, 1992 ، القـاهرة ؛ دار العـالم الثـالث، ترتجمة خليل كلفت، تغريب العالم،سيرتجى لتوش
.27
ف1992 تقييــم نقــدي، العولمــة والهويــة الثقافيــة: " العرب والعولمة،محمد عابد الجابري
.28
أســامة الخــولي )محــرر(العــرب،لممارسا ت العولمـة فــي المجــال الثقـافي" فــي .1998 ، مركز دراسا ت الوحدة العربية، بيرو ت،والعولمة 29.Ian Angell, The New Barbarian Manifesto: How to Survive the Information Age, London; Kogan Page Publishers, 2000 ( عبــد الباســط عبــد المعطــي)محــرر،رؤية نقديــة" فــي- " مناخ العصر،سمير أمين 1999 ، القاهرة؛ مكتبة مدبولي،العولمة والتحول ت المجتمعية في الوطن العربي
.30
.31
يوسف الصواني " ،العولمة والهويــا ت والثقافــة القوميــة" ،دراســا ت ،العــدد الول، .1999
.32
يوسف الصواني " ،الطريق الثــالث بيــن التوفيــق والحاتجــة إلــى العــتراف" نــدوة، الطريق الثالث خيار اللفية الثالثة ،طرابلس ،معهد النماء العربي 2-28 ،إلى -3-1 .2000