Page 1


‫الكلمة الأخرية‬

‫شهد وسيشهد هذا العام (‪ )2014‬انتخابات في أكثر ِمن بلد‪ .‬هناك َمن يشارك ألجل املشاركة ألنه يعرف أنه ال حظ‬ ‫رئاسة وزراء؟ ومع ذلك تجده يشارك‪ ،‬منها‬ ‫له بمقعد في مجلس محلي فكيف بمقعد البرملان أو برئاسة جمهورية أو‬ ‫تأكيد الحضور عبر ِّ‬ ‫َّ‬ ‫الد َّ‬ ‫االنتخابية ومنها التحضير واالستعداد لدورات ُأخر‪َ .‬‬ ‫ومن ُيشارك وحظه قوي في البرملان‬ ‫عاية‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫بل ويتطلع إلى رئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزراء‪ .‬أما املستميت على الفوز‪ ،‬وعنده األمر حياة أو موت‪ ،‬فهو الساعي‬ ‫َّ‬ ‫الوالية الثانية والثالثة والرابعة‪ ،‬ومدى الحياة‪.‬‬ ‫إلى تجديد‬ ‫جرت االنتخابات بالجزائر وفاز الرئيس َّ‬ ‫السابق بنسبة تعدت الثمانني في املائة‪ ،‬وهو على الكرسي املتحرك‪ ،‬بوالية‬ ‫رابعة‪ ،‬واألعمار بيد الله َّ‬ ‫فربما ترشح إلى خامسة‪ ،‬وهو على الكرسي نفسه‪ .‬واستبق أحد أبرز املرشحني للرئاسة‬ ‫َّ‬ ‫بالتأكيد‪ ،‬ال الظن‪ ،‬إذا حدث هذا فمعنى ذلك أن االنتخابات مزورة‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫بالعراق االنتخابات واملرشحون ليس أكثر منهم‪ ،‬عبر قوائم الكتل االنتخابية‪ ،‬وهي املرة الثالثة النتخاب‬ ‫ستجري ِ‬ ‫برملان دائم‪ ،‬وصارت دعايات املرشحني محل تندر‪ .‬تلك التي تظهر صورة زوجها وهي املرشحة‪َ ،‬‬ ‫ومن يضع يده في‬ ‫جيبه إشارة إلى أنه سيدخل البرملان ويخرج ولم يضع شيئا فيه‪ ،‬واملرشحون ِ ُمن أقارب رئيس الوزراء يشيرون في‬ ‫الدعاية إلى درجة القرابة‪ :‬ابن أخ أو ّ صهر إلى غير ذلك‪ .‬ونحن نكتب هذه الكلمة قبيل يوم امللحمة (األربعاء ‪ 30‬أبريل‪/‬‬ ‫َّ‬ ‫نيسان)‪ ،‬وال نعلم النتائج‪َّ ،‬‬ ‫لكن الكل مستميت بني طالب التغيير وطالب التثبيت في والية ثالثة‪ ،‬وتبدو استماتة األخير‬ ‫أعظم وأعظم‪.‬‬

‫بقلم‪ :‬ر�شيد اخل ُّيون‬

‫حامية‪َّ ،‬‬ ‫َّ‬ ‫لكن‬ ‫قدم مرشحو الرئاسة بمصر أسماءهم‪ ،‬على أن تجرى االنتخابات الشهر املقبل‪ ،‬وهي األخرى معركة‬ ‫املعركة على ما يبدو محسومة لصالح َمن قاد اإلطاحة بحكم اإلخوان املسلمني‪ُ ،‬‬ ‫ودعي شعبيا إلى الترشح للرئاسة‪،‬‬ ‫وهنا ينقسم الرأي إلى قسمني‪ :‬املنتظر ِمن عبد الفتاح السيسي انتشال مصر مما هي فيه‪ ،‬وتحقيق الديمقراطية مع‬ ‫ِّ‬ ‫نهوض في االقتصاد واالجتماع‪َ ،‬‬ ‫ومنهم َمن يتمنى ذلك كرها في اإلخوان املسلمني وفي النظام الذي سبقهم‪ .‬أما غير‬ ‫القادر على تعطيل هذا الفوز فينتظر ماذا ستفعل السلطة مع شعبية السيسي‪ ،‬وهي االختبار‪.‬‬ ‫ً‬ ‫غنيمة‪ ،‬لم يأت ّ‬ ‫السنة التي قضاها اإلخوان في ّ‬ ‫فلوال َّ‬ ‫الدهر‬ ‫السلطة لزاد بريقهم‪ ،‬لكنهم تورطوا فيها‪ ،‬وتعاملوا معها‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫بمثلها بعد‪ ،‬فعجلوا بتغيير كل شيء بما فيها مشيخة األزهر‪ .‬حتى سمعنا ِمن لقاء مع أمينهم املالي الدولي‪ ،‬وحافظ‬ ‫أسرار مصادر املال‪ ،‬أن خطأ حكومة مرسي أنها تأخرت كثيرا في ترتيب ُّ‬ ‫السلطة على مقاس إخواني‪ ،‬فلو استعجلت‬ ‫من أول يوم تنظيف َّ‬ ‫الدولة ِمن غير املرغوب فيهم‪ ،‬بمعنى أرادها انقالبا بسيف ديمقراطي‪ ،‬مع أن األصوات التي فاز بها‬ ‫ِ‬ ‫َّ‬ ‫اإلخوان هي (‪ 51‬في املائة)‪ ،‬بما فيها غير املحبني لإلخوان الباغضون للنظام السابق‪ .‬على‬ ‫أية حال املصريون ينتظرون ويحدوهم األمل بحكومة منهم وإليهم‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫ما تقدم ِمن النماذج‪ :‬الجزائر العراق مصر‪ ،‬فيها انتخابات وديمقراطية‪ ،‬سواء كانت في‬ ‫العمق أو على الهامش‪ ،‬فقد جاءت على أثر تحوالت كبرى في البلدان‪ ،‬الجزائر بعد موجة‬ ‫عنف كارثية‪ ،‬وفوز إسالمي ثم إسقاطه‪ ،‬والقضية تتعلق أيضا بغرور اإلسالميني‪ .‬كذلك‬ ‫حصلت بالعراق هزة كبرى‪ ،‬اجتياح أميركي أسفر عن إزاحة نظام ودولة معا‪ ،‬ففتح املجال‬ ‫أمام ِّ‬ ‫الديمقراطية ومورست حقيقة‪ ،‬وصارت السلطة بيد اإلسالميني‪ ،‬وها هي أحد عشر‬ ‫عاما ال يعرف املواطن العراقي األمن واالستقرار‪ ،‬فأخذ يتعايش مع العنف تعايش صاحب املرض العضال مع مرضه‪،‬‬ ‫ألنه قدره وال هروب ِمن القدر‪ .‬ومع ذلك ال تبدو االنتخابات فيها مقحمة أو شعارا غريبا‪ .‬وكذلك الحال بمصر‪ ،‬حدثت‬ ‫ثورة شعبية‪ ،‬أيا كان اسمها‪ :‬ربيع أم خريف‪ ،‬لكنها أسفرت عن ممارسة ديمقراطية‪ ،‬والوجوه قد تغيرت‪ ،‬فليس ِمن‬ ‫غرابة في مهرجان ِّ‬ ‫الديمقراطية فيها‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫أما الغرابة واالشمئزاز ففيما سيحدث في سوريا‪ ،‬النظام برئيسه بشار األسد يقيم مهرجان االنتخابات ومرشحه‬ ‫الرئيس نفسه‪ ،‬بما ُيذكر ببيعة العراقيني لصدام حسني (أعدم ‪ ،)2006‬والنتيجة ‪ 98‬في املائة‪ ،‬أما الدرجتان الناقصتان‬ ‫عن املائة في املائة فهي لتأكيد أن البيعة جرت بديمقراطية ال شائبة فيها‪.‬‬

‫ِّ‬ ‫انتخابات‪ ..‬الديمقراطية‬ ‫منتصرة ومغلوبة‬

‫كيف سيكون حزب البعث وأمينه ورئيس سوريا‪ ،‬وهو ِمن تركة الجمهوريات الوراثية‪ ،‬ديمقراطيا؟ ناهيك عما جرى‬ ‫الس َّ‬ ‫َّ‬ ‫السورية إلى مدن أشباح؟ سمعت أن الحكومة ُّ‬ ‫ورية دعت السوريني‪،‬‬ ‫خالل السنوات الثالث ِمن مجازر وتحويل املدن‬ ‫َ‬ ‫الذين يعيشون بالخارج‪ ،‬إلى املشاركة في هذا املهرجان‪ ،‬وال نعلم كيف سينتخب الالجئون‪ ،‬ممن تركهم العنف أشباحًا‬ ‫أيضًا‪.‬‬ ‫َمن قرأ كتاب غابرييل ماركيز (ت ‪« )2014‬خريف البطريق» (صدر قبل أن يكون بشار رئيسا بنحو ستة وعشرين‬ ‫عاما)‪ ،‬يفهم جيدا ما االنتخابات في ظل حكم الحزب الواحد‪ ،‬الذي غير مادة الدستور كي تتناسب مع سن الوريث‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫حتى قلنا لو فعلها وغير سن الوريث كان أسهل‪ ،‬فكم ِمن الناس َمن ينقص ويزيد بسنه‪ ،‬السنة والسنتان! قد يكون‬ ‫أهون لو ُعقد هذا املهرجان قبل الحرب‪ ،‬فاملرارة أقل‪ ،‬لكن بعد َّ‬ ‫الدم ذلك محال‪ .‬تلك هي تجارب االنتخابات بمنطقتنا‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫والديمقراطية منتصرة ومغلوبة‪.‬‬

‫‪66‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬


‫فضال عن االنفتاح على املتبرجات عمال على هدايتهن للحاجة‬ ‫إل��ى أص��وات املناصرين وامل�ح�ب�ين‪ .‬م��ع العمل على نشر األخ��وات‬ ‫في الجامعات ومساجدها من أجل التعارف على الطالبات وعمل‬ ‫استبيانات عن أماكن سكنهن وهوايتهن وأرقام هواتفهن‪ ،‬إضافة‬ ‫إلى دعوة األخوات إلى املسيرات والوقفات بالهاتف ويكون حولهن‬ ‫كردونات من الرجال وارت��داء املالبس املعتادة تحسبا لتعرضهن‬ ‫للتحرش‪ .‬وف��ي ه��ذا تقول الكاتبة‪« :‬أج��زم أن ال��دور النسائي كان‬ ‫السبب الرئيس ف��ي ن�ج��اح حملتهم االنتخابية ووص��ول�ه��م ألول��ى‬ ‫خطوات تكوين دولة تنتهج أفكار اإلخوان املطاطة»‪.‬‬ ‫ولم تقتصر صور االستغالل على هذا فحسب‪ ،‬بل أشارت الكاتبة‬ ‫إلى صورة أخرى من صور االستغالل املادي للمرأة داخل الجماعة‬ ‫وذلك من خالل حثها على التبرع إلقامة فعاليات الجماعة وخالفه‬ ‫وكثيرا ما تكون النساء أكثر ً‬ ‫ً‬ ‫كرما فيتبرعن بحليهن‪.‬‬

‫املحسوبية والطبقية والنمطية داخل الجماعة‬ ‫تقول الكاتبة إن التفكير السائد والشائع عن امل��رأة في الجماعة‬ ‫منطلق من تهميشها وعدم إعطائها حقوقها في اختيار املرشد‬ ‫ال�ع��ام ومنعها م��ن دخ��ول مكتب إرش��اد الجماعة رغ��م امل�ح��اوالت‬ ‫الحثيثة التي بذلها «إبراهيم الزعفراني» لدخول املرأة مكتب اإلرشاد‪،‬‬ ‫ويرتبط بذلك‪ ،‬وضع األخ��وات داخ��ل التنظيم ال��ذي غالبا ما يكون‬ ‫مرتبطا بوضع الزوج أو األب فيه‪ ،‬ففرص الصعود داخل صفوف‬ ‫الجماعة تبقى محصورة فقط في دائرة املحظوظني وأهل الثقة‪.‬‬ ‫وتقول الكاتبة إنها المست ذلك األمر عند خضوعها مع أخوات أخريات‬ ‫الختبارات الثقة والوالء والطاعة العمياء‪ ،‬وهو ما تسبب في حدوث شرخ‬ ‫في نفوسهن‪ .‬لذا لكي تصل امل��رأة إلى منصب أو مكانة مهمة داخل‬ ‫التنظيم فعليها الزواج بقيادات الجماعة أو أبنائهم‪ ،‬حيث تمثل فرصة‬ ‫ذهبية تعمل على تذليل كافة الصعوبات عالوة على إتاحة االختالط‬ ‫بالدائرة العليا املغلقة‪ ،‬بما دف��ع إل��ى خلق حالة من التنافس في هذا‬ ‫الصدد‪ ،‬فضال عما يتيسر لها من أن تتكفل الجماعة بنشر كتيباتها‬ ‫ً‬ ‫وغالبا ما‬ ‫وإعطائها فرصة إللقاء الدروس واملحاضرات في املساجد‬ ‫ً‬ ‫خصوصا طاعة الزوج‪.‬‬ ‫تتركز هذه الدروس عن الطاعة أو الخضوع‬

‫وكشفت الكاتبة ع��ن أن الجماعة ق��د تشربت ف�ك��رة ال�ت��وري��ث من‬ ‫نظام مبارك‪ ،‬وهو ما عبرت عنه من خالل رصدها ملشكالت بعض‬ ‫األخ��وات الحاصالت على مستوى تعليم عال ويعملن تحت أمرة‬ ‫أخريات حاصالت على مستوى متدن من التعليم‪ .‬وهو ما دفعها‬ ‫إلى القول إن الطبقية متفشية داخل املجتمع اإلخواني مما يجعله‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫عاجزا عن التعامل مع التطور واإلبداع‪ ،‬عالوة على النمطية‬ ‫مجتمعا‬ ‫التي وصلت إليها األخوات من خالل تقسيمهن إلى ثالثة أقسام‪:‬‬ ‫نساء القادة‪ ،‬زوجات املناضلني في السجون‪ ،‬ثم بنات العامة‪ ،‬وهن‬ ‫الجانب األسوأ في الجماعة‪ ،‬فالنهج التربوي للجماعة ينتج نساء‬ ‫ذوات طابع نمطي من السهل تطويعه وإقناعه من خ�لال خطاب‬ ‫مغلف بنصرة الدين بزيجة ثانية وثالثة‪.‬‬

‫قدسية اإلخوان‬ ‫تؤكد الكاتبة في نهاية كتابها على إصرار الجماعة على إضفاء هالة‬ ‫من القدسية على التنظيم على اعتبار أنه مذهب من املذاهب يجري‬ ‫الرجوع واالستناد إليه‪ ،‬وهو ما ظهر في ربطها بني بطرس الرسول‬ ‫وبطاركة اإلخوان‪ ،‬في عرضها ملا رأته في االحتفاالت واالحتفاءات‬ ‫التي يجري زرع اسم اإلمام حسن البنا فيها‪ ،‬حيث أكدت على اهتمام‬ ‫التابعني لبطرس برسائله وكتاباته إلى الحد الذي جعل منها أصل‬ ‫العقائد املسيحية‪ ،‬وهو ما عمل اإلخوان على اتباعه بعد وفاة اإلمام‬ ‫من خالل إرجاع كل شيء إلى «قال البنا ولم يقل»‪ ،‬فهي ترى أنهم‬ ‫يريدون صياغة املجتمع وفقا لرسائل البنا وكتبه‪ .‬وتقول الكاتبة‬ ‫إنه كان لإلخوان منهج تربوي دعوي هدفوا من خالله للوصول إلى‬ ‫مجتمع راق ومتحضر‪ ،‬وأنه لم تكن السياسة والحكم من املراحل‬ ‫التي بدأت بها جماعة اإلخوان وال الدعوة املحمدية اإلسالمية نفسها‪.‬‬ ‫وعلى العكس من ذلك فهي ترى أنهم اآلن منشغلون عن احتياجات‬ ‫الفرد بالتعاطي مع السياسة في أشكالها املختلفة في غير وقتها‪.‬‬ ‫وفي النهاية‪ ،‬حددت الكاتبة رؤيتها ملستقبل اإلخوان في ضرورة‬ ‫العودة إلى األساس الذي قامت من أجله وعليه الدعوة‪ ،‬وهو االنشغال‬ ‫بتربية الفرد وتلبية متطلبات املجتمع من مربني وموجهني يدفعون‬ ‫به إلى األمام <‬

‫فتيات مؤيدات للجماعة‬ ‫والرئيس السابق محمد مرسي‬ ‫عقب تأديتهن الصالة أثناء مظاهرة‬ ‫نسائية بالقرب من مسجد رابعة‬ ‫العدوية (يوليو ‪)2013‬‬

‫‪,,‬‬

‫لكي تصل‬ ‫املرأة إلى‬ ‫منصب أو‬ ‫مكانة مهمة‬ ‫داخل التنظيم‬ ‫فعليها الزواج‬ ‫بقيادات‬ ‫الجماعة أو‬ ‫أبنائهم‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫‪65‬‬


‫كتب‬

‫ً‬ ‫وخصوصا في الشق املتعلق باألخوات داخل‬ ‫في كتاب جديد يرصد دهاليز وكواليس جماعة اإلخوان املسلمني‬ ‫ً‬ ‫الجماعة ونظرة الجماعة لدورهن وأهميتهن ومكانتهن‪ ،‬يأتي كتاب «حكايتي مع اإلخوان» ليسجل نموذجا ألخت‬ ‫سابقة في الجماعة‪ ،‬ترى أنها تجربة فردية وفريدة فلربما تكون األخت األولى التي تنشق عن الجماعة وهو من‬ ‫الصعوبة بمكان حيث نشأتهم على مبدأ حظر إعمال العقل تارة تحت راية طاعة الله ورسوله‪ ،‬وتارة تحت راية طاعة‬ ‫والة األمر‪ ،‬وتارة أخرى بااللتزام بالعهد وميثاق الجماعة‪.‬‬

‫مذكرات أخت سابقة‪ :‬قدسية الجماعة ما بني الدعوي والسياسي‬

‫حكاييت مع اإلخوان‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫املحرر الثقافي‬

‫حكايتي مع اإلخوان‪..‬‬ ‫مذكرات أخت سابقة‬ ‫تأليف‪:‬‬ ‫انتصار عبد املنعم‬ ‫الناشر‪:‬‬ ‫الهيئة العامة‬ ‫املصرية للكتاب‬ ‫‪2012‬‬

‫غلب على كتاب «حكايتي مع اإلخ��وان» أسلوب القصص‬ ‫والروايات‪ ،‬وهو ما يمكن تفسيره في ضوء تأثر الكاتبة‬ ‫بخلفيتها األدب �ي��ة‪ ،‬فقد اح�ت��وى ال�ك�ت��اب على الكثير من‬ ‫القصص الفعلية التي تعبر عن واقع األخوات داخل الجماعة‪ ،‬وهو‬ ‫ما استطاعت الكاتبة رصده بدقة من خالل ما تناولته في الفصول‬ ‫التسعة للكتاب بالوقوف على عدة محاور رئيسة هي‪:‬‬

‫األخوات ضحية األزمات‬ ‫ترى الكاتبة أن األخوات داخل الجماعة هن ضحية ألزمات حقيقية‬ ‫تتمثل في أسلوب تربية النشء من الجنسني حيث إن الخلل الظاهر‬ ‫في التعامل التربوي ينتج عنه مشكالت أسرية عند الزواج وعلى‬ ‫الرغم من ذلك تستمر الحياة الزوجية قائمة على مفهوم «التحمل»‬ ‫مخافة عصيان الله‪ ،‬عالوة على تكريس ظاهرة تعدد الزوجات داخل‬ ‫الجماعة واستخدام التكييف الديني لهذا األمر عن طريق إعفاف‬ ‫املرأة املسلمة وزواج املروءة والضغط على املرأة اإلخوانية لكي تقبل‬ ‫بهذا األم��ر‪ ،‬وذل��ك من خالل رصدها لبعض األفكار والسلوكيات‬ ‫املتعلقة بوضع املرأة داخل الجماعة‪.‬‬ ‫وتطرقت الكاتبة إلى مفهوم االختالط بني الجنسني وتربية املراهق‬ ‫اإلخواني‪ ،‬حيث أكدت على أنها تعتمد على التعفف وتجنب االختالط‬ ‫وغض البصر‪ ،‬غير أنها تكرس الضطهاد املرأة منذ الصغر‪ ،‬وهو‬ ‫ما يؤدي بدوره إلى زيادة حاالت الطالق املبكر في أوساط الجماعة‪،‬‬ ‫حيث إنه وبعد حرمان طويل للشاب يكتشف أن زوجته التي ترتدي‬ ‫النقاب أو الخمار قد ال تكون هي فتاة أحالمه‪ ،‬وأن الخبرات الجنسية‬ ‫التي يكتسبها شباب اإلخوان تكون من كتاب "تحفة العروس" الذي‬ ‫أوصت الجماعة باستحياء بقراءته‪.‬‬

‫الدونية واالستغالل متعدد الجوانب‬

‫غالف الكتاب‬

‫‪64‬‬

‫رأت الكاتبة وملست عن قرب أوض��اع امل��رأة داخ��ل جماعة اإلخ��وان‬ ‫املسلمني وكيف تم تهميشها باسم الدين مرة‪ ،‬ثم دفعها إلى العمل‬ ‫االجتماعي والسياسي فجأة باسم الدين أيضا‪ ،‬وطريقة تفكيرهن‬ ‫واستغالل الجماعة لهن سواء كان استغالال جنسيا أو سياسيا‬ ‫أو ماليا‪ ،‬فضال عن النظرة السلبية لدور املرأة واملتمثلة في خدمة‬ ‫الرجل والعمل املنزلي وتربية األوالد‪ ،‬وترى الكاتبة أن متعة اإلخواني‬ ‫غاية سامية‪ ،‬لذلك تعمل األخ��وات على إشباعها مدللة على ذلك‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫بأن عادة ما تكون هدايا األخوات إلى بعضهن البعض عبارة عن‬ ‫مستحضرات تجميل بسيطة لتزيني املرأة وتجهيزها لعش الزوجية‪.‬‬ ‫وفي اإلطار ذاته‪ ،‬تطرقت الكاتبة إلى رأي حسن البنا (التي كانت قد‬ ‫أعجبت في شبابها بمأثوراته التي تدعو إلى االنفتاح على الحياة)‬ ‫في امل��رأة املسلمة وحديثه عن مكانتها في اإلس�لام الذي رفع من‬ ‫شأنها ومن قيمتها وجعلها شريكة للرجل في الحقوق والواجبات‬ ‫واعتراف اإلسالم بحقوقها املادية والشخصية واملدنية كاملة‪ ،‬إال‬ ‫أنها رأت هذا الرأي قد ناقضه البنا نفسه حينما قصر عمل املرأة‬ ‫على األعمال املنزلية فحسب‪ ،‬مع الجواز بالحصول على شذرات من‬ ‫العلوم التي رأى أنها لن تفيدها‪ ،‬حيث إن مكانها الطبيعي البيت وأن‬ ‫العلوم األخرى لن تفيدها‪ ،‬بل طلب البنا من الرجل أن يقوم بحسن‬ ‫تأديبها وتعليمها القراءة والكتابة والحساب والدين والتاريخ وأخبار‬ ‫السلف الصالح وتدبير املنزل ورعاية األطفال‪.‬‬ ‫وقد تمركز انتقاد الكاتبة لألخت اإلخوانية حول رضوخها للكيفية‬ ‫التي تفسر بها الجماعة الشرع دونما أدن��ى نقاش وإل��ى أي مدى‬ ‫ُ‬ ‫تختزل العالقة الزوجية في مفهوم أحادي الجانب وهو طاعة املرأة‬ ‫للزوج دونما الوقوف على سلوكياته‪ ،‬وعلى الجانب اآلخر ال يوجد‬ ‫اهتمام بتوجيه الرجل إلى تطبيق شرع الله في معاملة الزوجة القائم‬ ‫على تبادل االحترام‪ .‬وفي هذا الصدد ترى الكاتبة أن شعار الجماعة‬ ‫"الله غايتنا والرسول قدوتنا والجهاد في سبيل الله أسمى أمانينا"‬ ‫شعار مطاط أفرغه اإلخوان من مضمونه‪ ،‬فكيف يكون املوت أسمى‬ ‫األماني في حني أن اإلخوان غارقني في إشباع رغباتهم ونزواتهم‬ ‫الشخصية‪ ،‬وتغليف هذه الرغبات الشخصية بغالف الدعوة الدينية‬ ‫وقدرة الجماعات اإلسالمية على التلون ولي ذراع الشرع‪.‬‬ ‫وترى الكاتبة أن االنتخابات هي خير دليل على قمة التناقض الذي‬ ‫ّ‬ ‫ميز فكر الجماعة تجاه املرأة‪ ،‬ففي أوقات االنتخابات تختفي مقوالت‬ ‫«مكان املرأة الطبيعي هو البيت ورعاية األطفال والتزين للزوج»‪ ،‬حيث‬ ‫تندرج االنتخابات في هذا التوقيت تحت راية الجهاد وإعالء كلمة‬ ‫الله‪ ،‬ويكون لألخوات دور فاعل ومحوري في هذا الصدد‪ ،‬وترى‬ ‫الكاتبة أنه في هذا التوقيت يجري الحرص على استقطاب الفتيات‬ ‫في سن االنتخاب وإقناعهن بالتصويت لإلخوان من خالل الترغيب‬ ‫ودغدغة املشاعر ومخاطبة الجانب الروحي خالل الدروس الدينية‪.‬‬ ‫وترصد الكاتبة ما حدث في انتخابات ‪ 2005 - 2000‬كواقع عملي‬ ‫ملا سبق ذكره حيث صدرت األوام��ر بتعديل شكل الخمار املعتاد‬ ‫وتعدد ألوانه‪ ،‬عالوة على نزع زوجات بعض رموز اإلخوان النقاب‪،‬‬


‫شيخ ازهري مناهض للتيار االخواني‬

‫صودر فيها كتابه وفصل من القضاء‪ ،‬وأخرج من زمرة العلماء بإيعاز من‬ ‫امللك أحمد فؤاد‪.‬‬ ‫ يذكر محمد محمد حسني أن املؤتمر انعقد آخر األمر ‪ -‬بعد أن أجل مرتني‬‫قبل ذلك ‪ -‬في غرة ذي القعدة ‪1344‬هـ (‪ 13‬مايو‪/‬أيار سنة ‪1926‬م) وحضره‬ ‫أربعة وثالثون عضوا ‪ -‬على رأي املقطم ‪ -‬أو ثالثون عضوا ‪ -‬على رأي السياسة‬ ‫ وبعض هؤالء قد حضر بشخصه ال يمثل هيئة أو حكومة‪ ،‬وبعضهم حضر‬‫لالستماع دون املشاركة أو إبداء الرأي مثل مندوب إيران‪ .‬وفشل املؤتمر‪ ،‬إذ‬ ‫انتهى إلى تقرير أن «الخالفة الشرعية املستجمعة لشروطها املقررة في كتب‬ ‫الشريعة الغراء‪ ،‬التي من أهمها الدفاع عن حوزة الدين في جميع بالد املسلمني‬ ‫وتنفيذ أحكام الشريعة الغراء فيها‪ ،‬ال يمكن تحقيقها بالنسبة للحالة التي‬ ‫عليها املسلمون اآلن»‪ .‬ثم أراد أن يستر هذا الفشل‪ ،‬فقرر أن «تبقى هيئة املجلس‬ ‫اإلداري ملؤتمر الخالفة بمصر‪ .‬على أن ينشئ له شعبا في البالد اإلسالمية‬ ‫يكون على اتصال بها لعقد مؤتمرات موالية فيها حسب الحاجة‪ .‬وبعث هذا‬ ‫املؤتمر بقراره هذا إلى (مؤتمر مكة) الذي أعلن السلطان ابن سعود عقده لوضع‬ ‫نظام للحكم في البالد املقدسة‪ ،‬راجيا له التوفيق‪ ،‬املرجع نفسه»‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪.50‬‬ ‫ ويرى محمد محمد حسني أن هذا القرار السلبي‪ ،‬وأن هذا الفشل الذي انتهى‬‫إليه مؤتمر الخالفة‪ ،‬كان الوسيلة الوحيدة للتخلص من املأزق الذي وقع فيه‬ ‫الداعون إلى املؤتمر ممن يعملون لحساب امللك فؤاد‪ ،‬بعد الذي شاع عن عزم‬ ‫مندوبي الدولة اإلسالمية على إحباط مسعاهم‪ ،‬بأن يدعو كل منهم مللكه أو‬ ‫أميره‪ .‬املرجع نفسه‪ ،‬الصفحة نفسها‪.‬‬ ‫ وينقل عن هاملتون جيب قوله في كتابه «إل��ى أين يتجه اإلس�ل�ام؟»‪« :‬وقد‬‫ظلت الخالفة بعد ذلك موضع تنافس ملوك املسلمني وأمرائهم‪ ،‬مما كان سببا‬ ‫في فشل كل الجهود التي بذلت إلحيائها وإعادة منصبها‪ ،‬حتى لقد اضطر‬ ‫الزعيم الهندي املسلم شوكت إل��ى نفي ما أشيع من أن��ه سيدعو في مؤتمر‬ ‫القدس اإلسالمي سنة ‪ 1931‬إلى إعالن عبد املجيد ‪ -‬آخر خلفاء العثمانيني‬ ‫ خليفة للمسلمني‪ ،‬ذا سلطة روحية فقط‪ .‬وذلك حني تبني معارضة كثير من‬‫املسلمني في ذلك‪ ،‬وبعد أن عارضته مجلة (نور اإلسالم) التي تمثل األزهر»‪.‬‬ ‫املرجع نفسه‪ ،‬الصفحة نفسها‪.‬‬ ‫ عندما ن��غ��ادر مصر إل��ى الهند‪ ،‬سنلقى حماسة دينية للدولة العثمانية‪،‬‬‫وبخاصة السلطان عبد الحميد ال��ذي إح��دى م��زاي��اه عندهم‪ ،‬أن��ه أحيا فكرة‬ ‫الخالفة اإلسالمية‪ ،‬وحزنا عميقا على خلع االتحاديني ونفيهم له‪.‬‬ ‫ وقد قابل املسلمون الهنود بطوائفهم كافة‪ ،‬سنة وإسماعيلية وإثني عشرية‪،‬‬‫تقليديني وعصريني‪ ،‬إلغاء الخالفة باحتجاج عارم‪.‬‬ ‫في املداوالت حول الخالفة في تلك الفترة تتردد أسماء هندية كشوكت ومحمد‬ ‫علي (اإلخ����وان علي) وشعيب قرشي وسليمان ال��ن��دوي وه��م أع��ض��اء (وف��د‬ ‫الخالفة) وآخرين‪.‬‬ ‫تعج الهند منذ ال��ق��رن التاسع عشر ب��ت��ي��ارات إسالمية كثيرة وه��ي ف��ي هذا‬ ‫الجانب أغنى من مصر ‪ -‬ومن بني هذه التيارات‪ ،‬تيار «ندوة العلماء» و«الجماعة‬ ‫اإلسالمية» التي كانت الوعاء التنظيري لإلسالم الحركي في العالم اإلسالمي‪،‬‬ ‫وأصل رئيس ملقوالته السياسة واآليديولوجية‪ .‬فاإلخوان املسلمون املصريون‬

‫ومعهم سيد قطب تتلمذوا على كتابات هذين التيارين‪ ،‬وعلى كتابات مسلمني‬ ‫هنود‪ ،‬ال ينتمون إلى ذينك التيارين‪.‬‬ ‫واملسلمون الهنود ‪ -‬كما رأينا فيما تقدم ‪ -‬كانوا مجمعني على الوالء للخالفة‬ ‫العثمانية وعلى أن الخالفة مسألة دينية‪ ،‬وليست مسألة تاريخية‪.‬‬ ‫أبغي مما تقدم شرحه الوصول إلى الخالصات التالية‪:‬‬ ‫أن اإلخوان املسلمني بما أنهم من حيث املكان نشأوا في مصر ‪ -‬ومصر كان‬ ‫لفكر الجامعة اإلسالمية ثقل كبير فيها ‪ -‬وبما أنهم من حيث الفترة الزمنية‬ ‫نشأوا في ظل املعركة حول الخالفة‪ ،‬فقد نقلوا فكرة توحيد املسلمني توحيدا‬ ‫سياسيا تحت راية خليفة واحد‪ ،‬وكذلك نقلوا الفكرة املتممة لها‪ ،‬وهي تجاوز‬ ‫االختالفات الطائفية في اإلسالم واالختالفات العقدية في املذهب السني‪ ،‬من‬ ‫فكر الجامعة اإلسالمية‪ .‬أن الجدل حول من أحق بالخالفة‪ :‬السلطان عبد املجيد‬ ‫املخلوع واملنفي أم الشريف حسني بن علي أم امللك فؤاد‪ ،‬صار عند اإلخوان‬ ‫املسلمني في األربعينات وبطريقة غير معلنة أن األحق بها ليس واحدا من ملوك‬ ‫املسلمني‪ ،‬وإنما زعيم شعبي‪ ،‬هو حسن البنا مرشد اإلخوان املسلمني‪ .‬وقد جاء‬ ‫انتقال هذه األحقية من الحكام إلى زعامة شعبية‪ ،‬بعد موت املحاولة الضعيفة‬ ‫للمناداة بامللك فاروق خليفة للمسلمني في سنة ‪ ،1938‬التي لم يؤيدها من القوى‬ ‫واألحزاب السياسية املصرية سوى اإلخوان املسلمني وحزب مصر الفتاة‪.‬‬ ‫وظلت ه��ذه األحقية الجديدة بالخالفة عقيدة سرية‪ ،‬يبايع فيها كل مرشد‬ ‫لإلخوان املسلمني‪ ،‬يخلف املرشد السابق‪ .‬ومثلما كانت دعوة جماعة اإلخوان‬ ‫املسلمني‪ ،‬استئنافا سياسيا ملا ك��ان ب��دأه عبد الحميد الثاني في سياسته‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬فهي ترى في الوقت نفسه أن دعوتها تتمة للخالفة الراشدة‪ .‬وال‬ ‫أدل من ذلك اتخاذها لقب املرشد ‪ -‬وهو اللقب الذي أخذته عنها الثورة اإليرانية‬ ‫ اسما لزعيمها‪ .‬فاملرشد مستقى من وصف الخالفة بالراشدة‪ .‬واملرشد هو‬‫الهادي واملوجه للسير على نهج الرسول في الحكم‪ ،‬كما فعل صحابته من‬ ‫الخلفاء الراشدين‪.‬‬ ‫إن تقرير «الباب األول من (النظام العام ل�لإخ��وان) في مادته األول��ى أن مقر‬ ‫القيادة الرئيس هو مدينة القاهرة (مصر)»‪ ،‬وقول عبد الله النفيسي‪« :‬نجد‬ ‫ثمة ميال قويا ف��ي التنظيم ال��دول��ي ل�لإخ��وان نحو تأكيد (مصرية) القيادة‪،‬‬ ‫فاملرشد العام ‪ -‬وإن لم ينص على ذلك صراحة ‪ -‬ينبغي أن يكون مصريا‪،‬‬ ‫وهذا ما حدث بالفعل»‪«( ،‬الحركة اإلسالمية رؤية مستقبلية‪ :‬أوراق في النقد‬ ‫الذاتي‪ ،‬اإلخوان املسلمون‪ :‬التجربة والخطأ‪ ،‬عبد الله النفيسي»‪ ،‬ص‪ )244‬ما‬ ‫هو ‪ -‬إضافة للتعليالت التي ذكرها النفيسي في بحثه ‪ -‬إال استعادة للفكرة‬ ‫التي برزت في مصر بعد قرار إلغاء الخالفة اإلسالمية التركية وهي أن تكون‬ ‫مصر مقر الخالفة‪ ،‬ويكون الخليفة من مصر‪.‬‬ ‫ورث اإلخوان املسلمون الوالء للدولة العثمانية من «الحزب الوطني» الذي أسسه‬ ‫مصطفى كامل‪ ،‬وكان ينافسهم حزبيا إلى قيام ثورة ‪ 23‬يوليو‪ ،‬حزب مصر‬ ‫الفتاة في الوالء العثماني‪ .‬لكن منذ اإلف��راج عنهم في مطلع سبعينات القرن‬ ‫املاضي أصبحوا هم القيومني في مصر على هذا ال��والء وعلى االتجاه الذي‬ ‫يقوم على تمجيد العثمانيني وتاريخ الدولة العثمانية والسلطان عبد الحميد‬ ‫الثاني‪ .‬وهم في هذا األمر يعتمدون في األساس على كتابات قديمة ألصحاب‬ ‫هذا الحزب واملنتمني له وكتابات متأخرة ملنتمني له وموالني ألفكاره‪ ،‬وأفكار‬ ‫الحزب الوطني‪.‬‬ ‫وف��ي واق��ع األم��ر‪ ،‬إننا نجد ثمة اشتراكا في بعض األف��ك��ار وامل��واق��ف ما بني‬ ‫اإلخوان املسلمني من جهة والحزب الوطني وحزب مصر الفتاة‪ ،‬وهذا يرجع‬ ‫ بطبيعة الحال ‪ -‬إلى وحدة املنشأ الذي يتمثل في تيار الجامعة اإلسالمية‪.‬‬‫أما الفروق فهي كثيرة ومن أبرزها خلو خطاب اإلخوان املسلمني ‪ -‬منذ عهد‬ ‫املؤسس حسن البنا ‪ -‬من نبرة القومية والوطنية املصرية التي يجمع الحزب‬ ‫الوطني وحزب مصر الفتاة بينها وبني الوالء اإلسالمي العثماني‪.‬‬ ‫إن اإلسالميني واملحافظني عموما‪ ،‬يدينون تجربة محمد علي باشا‪ ،‬ويعلون‬ ‫ في املقابل ‪ -‬من تجربة السلطان عبد الحميد الثاني‪ .‬وإدانتهم لتجربة محمد‬‫علي باشا‪ ،‬ال تقوم على أخطائه الكبيرة وال على أوتوقراطيته في الحكم‪ ،‬وإنما‬ ‫هي إدانة للنهضة والتحديث الذي أقامه على أسس أوروبية حديثة‪.‬‬ ‫ويعلون م��ن ش��أن تجربة السلطان عبد الحميد ال لسبب سياسي وديني‬ ‫وحسب‪ ،‬بل ألنه حاول أن يصد رياح التحديث التي اجتاحت الدولة العثمانية‬ ‫ووالياتها العربية <‬

‫‪,,‬‬

‫يرفض‬ ‫اإلسالميون‬ ‫تسمية‬ ‫«اإلسالم‬ ‫السياسي»‬ ‫ألنها في‬ ‫نظرهم‬ ‫وسيلة يهدف‬ ‫العلمانيون‬ ‫منها إلى‬ ‫التحذير منهم‬ ‫وإلى التضييق‬ ‫عليهم وعلى‬ ‫أنشطتهم‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫‪63‬‬


‫ثقافة‬

‫‪,,‬‬

‫كانت دعوة‬ ‫جماعة‬ ‫اإلخوان‬ ‫املسلمني‬ ‫استئنافا‬ ‫سياسيا ملا‬ ‫بدأه عبد‬ ‫الحميد‬ ‫الثاني في‬ ‫سياسته‬ ‫اإلسالمية‬ ‫وتأكيدا لفكرة‬ ‫«الجامعة‬ ‫اإلسالمية»‬

‫‪,,‬‬

‫‪62‬‬

‫وبمناسبة هذه اإلحالة أشير إلى أن املؤرخ اللبناني وجيه كوثراني استفاد من‬ ‫ال��دارس املصري محمد محمد حسني في كتابه الذي أحلت إليه سابقا أكثر‬ ‫من مرة فيما يتعلق بتلك الوثيقة‪ ،‬واهتدى إليها عن طريقه من دون أن يشير‬ ‫إلى اسمه واسم كتابه!‬ ‫فمحمد محمد حسني انفرد من بني الدارسني العرب باإلشارة إلى تلك الوثيقة‪،‬‬ ‫وأبان أهميتها التاريخية في معركة الخالفة اإلسالمية وأثرها في كتاب علي‬ ‫عبد الرازق «اإلسالم وأصول الحكم»‪.‬‬ ‫يذكر وجيه كوثراني في هامش الصفحة التي أحلنا إليها‪ ،‬أن علي عبد الرازق‬ ‫في كتابه «اإلسالم وأصول الحكم» أشار إليها واستعار بعض املفاهيم واآلراء‬ ‫الواردة فيها‪ .‬وينقل عنه قوله في هذا الكتاب «ومن أوفى ما وجدت في بيان‬ ‫هذا املذهب واالنتصار له رسالة الخالفة وسلطة األمة التي نشرتها حكومة‬ ‫املجلس الوطني الكبير بأنقرة‪ .‬ونقلها من التركية إلى العربية عبد الغني سني‬ ‫بك‪ ،‬وطبعها بمطبعة الهالل بمصر سنة ‪1342‬هـ ‪1924 -‬م»‪.‬‬ ‫وقد قام وجيه كوثراني بنشر الوثيقة كاملة بترجمتها العربية في نهاية الكتاب‪.‬‬ ‫محمد محمد حسني في كتابه الصادر في سنة ‪ ،1954‬ع� ّ�د ه��ذه الوثيقة أو‬ ‫الكتيب مجهول املؤلف من ضمن أربعة كتب أسفرت عنها املعركة الطويلة‬ ‫العنيفة التي أثارها إلغاء الخالفة اإلسالمية وما سبقه من تطورات «اثنان منها‬ ‫يؤيدان مصطفى كمال‪ ،‬وهما‪( :‬الخالفة وسلطة األمة) وقد نقله عن التركية عبد‬ ‫الغني سني‪ ،‬و(اإلسالم وأصول الحكم) لعلي عبد الرازق‪ ،‬وآخران يعارضانه‬ ‫وهما‪( :‬الخالفة أو اإلمامة الغظمى) ملحمد رشيد رضا‪ ،‬و(النكير على منكري‬ ‫النعمة من الدين والخالفة واألمة) ملصطفى صبري»‪.‬‬ ‫وقد قام بتخليص ما جاء في هذه الكتب األربعة مع شيء من املناقشة والتعليق‬ ‫النقدي على الكتابني املؤيدين ملصطفى كمال‪ ،‬وشروحات وتعليقات تعضيدية‬ ‫على كتاب مصطفى صبري‪.‬‬ ‫وفيما يخص كتيب «الخالفة وسلطة األمة» قدم وصفا دقيقا له ومعلومات‬ ‫عنه‪ .‬وهذه املعلومات لم يزد عليها وجيه كوثراني سوى أن الكتاب ترجم إلى‬ ‫الفرنسية‪.‬‬ ‫وفي معرض تلخيصه لكتاب علي عبد الرازق‪ ،‬قال عن هذا الكتاب‪« :‬هو يدور‬ ‫حول إثبات أن الخالفة نظام تعارف عليه املسلمون‪ ،‬وليس في أصول الشريعة‬ ‫ما يلزم به‪ ،‬وذلك ما تصدى لبيانه‪ ،‬وترويجه من قبل كتاب (الخالفة وسلطة‬ ‫األمة) الذي أصدرته حكومة الكماليني‪ ،‬والذي لخصناه من قبل» ص‪.81‬‬ ‫ونص في الهامش‪« :‬على أن تأثر املؤلف به واضح في كثير مما جاء في كتابه‬ ‫من آراء‪ ،‬وهو يشير إلى إعجابه به إشارة صريحة في بعض املواضع»‪.‬‬ ‫وأميل إلى أن وجيه كوثراني في كتابه «الدولة والخالفة الخطاب العربي إبان‬ ‫الثورة الكمالية في تركيا‪ »..‬أهمل الشيخ التركي مصطفى صبري عن عمد فلم‬ ‫يورد نصا من كتابه «النكير على منكري النعمة من الدين والخالفة واألمة»‪،‬‬ ‫لكي يمايز بني صنيعه وصنيع محمد محمد حسني‪ ،‬ولكي يخفي أنه اهتدى‬ ‫إل��ى الكتاب ال��ذي ترجمه عبد الغني سني بك عن طريق كتاب األخير‪ .‬فهذا‬ ‫الكتاب ال يمكن القفز عليه‪ ،‬للسبب الذي ذكره محمد محمد حسني‪ ،‬وألن مؤلفه‬ ‫كان يتولى منصب املشيخة اإلسالمية في تركيا‪ .‬وألن هذا الكتاب ‪ -‬وكتابا‬ ‫آخر له اسمه «موقف العقل والعلم والعالم من رب العاملني وعباده املرسلني»‬ ‫الذي صدر سنة ‪ - 1950‬يعتمد عليها اإلسالميون في مسألة إلغاء الخالفة‬ ‫وفيما يقولونه عن كمال أتاتورك مع إعادة إحياء الكتاب األول‪ ،‬حينما نشره‬ ‫محققا وقدم له بدراسة مصطفى حلمي تحت عنوان مثير «األسرار الخفية‬ ‫وراء إلغاء الخالفة العثمانية» في مطلع الثمانينات امليالدية‪ .‬ويعود الفضل‬ ‫صبري ملحمد محمد حسني‪ ،‬فهو‬ ‫في تسليط الضوء على الشيخ مصطفى‬ ‫ّ‬ ‫أول من قدم تعريفا به وتعريفا بأعماله التي ألفها باللغة العربية في كتابه‪:‬‬ ‫«االتجاهات الوطنية في األدب املعاصر»‪ .‬وكان من ضمن مصادره في كتابه‬ ‫الثاني‪« :‬اإلسالم والحضارة الغربية»‪ ،‬في إدانته للشيخ محمد عبده وألستاذه‬ ‫الشيخ جمال الدين األفغاني‪ ،‬وذلك بنقل ما قاله عنهما في كتابه‪« :‬موقف العقل‬ ‫والعلم والعالم من رب العاملني وعباده املرسلني»‪.‬‬ ‫أشير لهذا األمر ‪ -‬مع تقديري لرصانة املؤرخ واملفكر اللبناني وجيه كوثراني‬ ‫وتثميني ألعماله ‪ -‬بغية حفظ الحق األدب��ي ملحمد محمد حسني في كتابه‬ ‫املرجعي «االتجاهات الوطنية في األدب املعاصر»‪ ،‬لكنها زلة َومن ِمن الباحثني‬ ‫يسلم من الوقوع في الزالت‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫لم يكن الوقع الشديد إللغاء الخالفة اإلسالمية التركية‪ ،‬قاصرا على التيارات‬ ‫التقليدية من مؤسسات دينية وأحزاب وأدباء‪ ،‬بل شمل بعض ممثلي التيار‬ ‫العلماني ممن هم مؤيدون للحكومة التركية العلمانية‪.‬‬ ‫فهؤالء نظروا إلى القرار الخطير الذي اتخذه مصطفى كمال إزاء الخالفة‪ ،‬ليس‬ ‫بوصفه قضية دينية عقدية‪ ،‬وإنما بوصفه قضية رمزية‪ .‬فرأوا أنه ليس من‬ ‫حق الحكومة التركية أن تنفرد بقرار إلغاء الخالفة التي هي شأن يهم املسلمني‬ ‫كافة‪ .‬جاءت ردود الفعل املصرية على النحو التالي‪:‬‬ ‫ أصدر مجموعة من علماء األزهر بيانا لم يعترفوا فيه بقرار إلغاء الخالفة‪،‬‬‫واعتبروا الخليفة املخلوع واملنفي السلطان عبد املجيد هو خليفة املسلمني‬ ‫الشرعي‪ .‬وأفتى شيخ األزهر محمد أبي الفضل‪ ،‬بأن هذا القرار باطل‪.‬‬ ‫ ملا دعا السلطان عبد املجيد من منفاه في مدينة نيس الفرنسية إلى عقد‬‫مؤتمر إسالمي بشأن الخالفة‪ ،‬رأى بعض الكتاب املصريني أن عقد هذا املؤتمر‬ ‫جدا مهم‪ .‬وأن املكان املالئم الستضافة املؤتمر هو مصر‪ ،‬ملا لها من ثقل في‬ ‫العالم اإلسالمي؛ وألنها تحوز على قدر معني من االستقالل السياسي‪.‬‬ ‫ ب��رزت في أثناء الدعوة إلى عقد مؤتمر إسالمي حول مسألة الخالفة ‪ -‬أو‬‫ب��األح��رى معها ‪ -‬ح��دد له موعد لعقده‪ ،‬وه��و شهر م��ارس من سنة ‪1925‬م‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫فكرة أخرى‪ ،‬وهي نقل الخالفة إلى مصر‪ ،‬واقترح أن يكون امللك أحمد فؤاد‬ ‫هو الخليفة‪.‬‬ ‫ انقسم علماء األزهر إلى فريقني‪ :‬فريق سحب اعترافه بالسلطان عبد املجيد‪،‬‬‫وفريق أيد اقتراح أن يكون امللك أحمد فؤاد هو الخليفة‪.‬‬ ‫ قوبل ترشيح الشريف حسني بن علي ملك الحجاز نفسه ملنصب الخليفة‪،‬‬‫استنادا إل��ى نسبه العربي الهاشمي‪ ،‬وأن��ه بويع على ه��ذا األم��ر في القدس‪،‬‬ ‫بالرفض في مصر من قبل كل التيارات والجهات واألحزاب التقليدية والعلمانية‪،‬‬ ‫بدعوى أنه على صلة تبعية باملستعمر اإلنجليزي وأن اإلنجليز هم الذين دفعوه‬ ‫إلى أن يطلب الخالفة لنفسه‪ ،‬اعتمادا على أن الخالفة ال تكون إال في العرب‬ ‫وفي بني هاشم‪ .‬وهو عربي‪ ،‬ومن نسل بني هاشم‪.‬‬ ‫مع كل الجهود املبذولة‪ ،‬وتوجيه دعوات باسم شيخ األزهر للحكومات اإلسالمية‬ ‫لحضور املؤتمر إال أن عقده في ذلك التاريخ‪ ،‬باء بالفشل‪ ،‬فتم تأجيله إلى سنة‬ ‫تالية‪ ،‬على أن يعقد في أي شهر خاللها‪.‬‬ ‫يرجع فشل عقد املؤتمر ألسباب داخلية وأسباب خارجية‪ .‬فداخليا عارضت‬ ‫األح��زاب العلمانية فكرة نقل الخالفة إل��ى مصر‪ .‬وع��ارض��ت «لجنة الخالفة‬ ‫العليا» برياسة الشيخ محمد ماضي أبو العزايم‪ ،‬وكذلك الحزب الوطني ‪ -‬املوالي‬ ‫للعثمانيني ‪ -‬أن يكون امللك أحمد فؤاد هو الخليفة‪ ،‬وهذا هو كان اتجاه القائمني‬ ‫على عقد املؤتمر‪ ،‬من علماء األزه��ر وم��ن رج��االت القصر‪ .‬وأي��دت أن يكون‬ ‫السلطان عبد املجيد هو الخليفة لحني عقد املؤتمر‪.‬‬ ‫أم��ا خارجيا‪ ،‬فقد طلبت الحكومات والهيئات اإلسالمية استيضاحات عن‬ ‫فحوى املؤتمر لتشككها في الهدف من وراء عقده‪.‬‬ ‫ صدر في سنة ‪1925‬م‪ ،‬كتاب «اإلسالم وأصول الحكم» للشيخ األزهري علي‬‫عبد ال��رازق الذي ذهب فيه إلى اإلس�لام رسالة روحية‪ ،‬وال يتضمن دستورا‬ ‫سياسيا‪ ،‬وتشريعا ينظم شؤون الدنيا‪ ،‬فثار عليه األزهر وتعرض ملحاكمة‪،‬‬


‫إن السلطان عبد الحميد الثاني املخلوع واملنفي‪ ،‬هو عند اإلسالميني آخر‬ ‫حاكم مسلم شرعي!‬ ‫مع أن مسألة الخالفة اإلسالمية انتهت على يد هوالكو سنة ‪1258‬م‪ ،‬حني قتل‬ ‫آخر خليفة عباسي مع أبنائه‪ ،‬وكانت قبلها ملا يقرب من أربعة قرون مجرد‬ ‫سلطة اسمية إال أن ه��ذه املسألة تحتل موقعا رئيسا ف��ي خطاب الحركات‬ ‫اإلسالمية‪ .‬فعمليا مرشد اإلخوان املسلمني ‪ -‬بالنسبة لإلخوان ‪ -‬هو خليفة‬ ‫املسلمني‪ .‬وحسن البنا هو الخليفة األول الذي جاء بعد الخليفة عبد الحميد‬ ‫الثاني‪.‬‬ ‫إن اإلسالميني مثل السلطان عبد الحميد الثاني يقبلون من الغرب التحديث‬ ‫امل��ادي‪ ،‬أما ما ع��داه من أشكال التحديث‪ ،‬كالتحديث السياسي واالجتماعي‬ ‫والديني والفكري والعقلي‪ ،‬فإنهم يرفضونه ويحاربونه‪ ،‬كما كان السلطان‬ ‫عبد الحميد الثاني يفعل‪.‬‬ ‫إن اإلخوان املسلمني مستغنون عن الدستور‪ ،‬فهم يقولون بمثل ما قال السلطان‬ ‫عبد الحميد الثاني‪« :‬القرآن دستورنا»‪ .‬وقد ذكرنا هذا األمر فيما تقدم من‬ ‫كالمنا‪.‬‬ ‫إن اإلسالميني يرون أن قوة الغرب وتفوقه على الشعوب األخرى ‪ -‬كما كان‬ ‫يرى السلطان عبد الحميد الثاني ذلك ‪ -‬تكمن في الوسائل واآلالت والتقنية‪،‬‬ ‫وليس في شيء آخر‪.‬‬ ‫إنهم حاربوا األفكار القومية والكيانية اإلقليمية (أو لنقل الدولة الوطنية)‪ ،‬كما‬ ‫حاربها قبلهم السلطان عبد الحميد الثاني إبان نشوئها‪ .‬ذلك ألنهم ال يؤمنون‬ ‫بمفهوم الدولة الوطنية‪ ،‬فما يؤمنون به‪ ،‬هو األممية اإلسالمية‪.‬‬ ‫إنهم يدعون ‪ -‬وعلى وجه التحديد اإلخوان املسلمون وحزب التحرير اإلسالمي‬ ‫ إلى توحيد املسلمني ‪ -‬على اختالف طوائفهم وقومياتهم ولغاتهم وبلدانهم ‪-‬‬‫توحيدا سياسيا تحت إمرة حكومة واحدة‪ .‬وهذه الدعوة هي الركيزة األساسية‬ ‫لفكرة الجامعة اإلسالمية‪ ،‬التي تبناها السلطان عبد الحميد الثاني‪.‬‬ ‫سبب نشأة هذه الدعوة املثالية الخيالية‪ ،‬اجتياح القوى االستعمارية للعالم‬ ‫اإلس�لام��ي‪ .‬وق��د استند أصحاب فكر الجامعة اإلسالمية إل��ى حجة مفادها‬ ‫أن ثمة تحالفا بني هذا القوى‪ ،‬رغم االختالفات الدينية املذهبية فيما بينها‪.‬‬ ‫فلماذا ال يتحد املسلمون بمختلف طوائفهم‪ ،‬سنة وإث�ن��ي عشرية وزيدية‬ ‫وإباضية‪ ،‬تحت راية األخوة اإلسالمية‪ .‬واملسلمون قادرون على ذلك‪ ،‬ألن نشأة‬ ‫املذاهب عندهم ‪ -‬بحسب منظور أصحاب ذلك الفكر ‪ -‬كانت بسبب االختالف‬ ‫السياسي‪ ،‬وألن تاريخ اختالفهم املذهبي أو الطائفي لم ينزلق إلى مستوى‬ ‫العنف والحرب واملذابح والتهجير الحاصل في تاريخ االختالف املذهبي أو‬ ‫الطائفي في املسيحية‪.‬‬ ‫موقف اإلسالميني الرجعي من حرية طبع الكتاب وتوزيعه ومن حرية الصحافة‬ ‫هو املوقف نفسه الذي كان اتخذه السلطان عبد الحميد‪.‬‬ ‫فجماعة اإلخوان املسلمني التي نشأت سنة ‪1928‬م‪ ،‬كانت «استئنافا سياسيا»‪،‬‬ ‫ملا كان بدأه عبد الحميد الثاني في سياسته اإلسالمية التي أطلق عليها في‬ ‫ذلك الوقت في الغرب اسم اإلسالم السياسي‪.‬‬ ‫اإلخوان املسلمون‪ :‬خلفاء لعبد الحميد وللخلفاء الراشدين‬ ‫لفكر الجامعة اإلسالمية أو باألحرى اإلسالم العثماني ثقل كبير في مصر‪.‬‬ ‫فمصر منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى ثورة ‪ 23‬يوليو‪ ،‬كان يهيمن عليها‬ ‫تياران ووالءان رئيسان‪ ،‬هما‪ :‬التيار الداعي للقومية املصرية‪ ،‬وتيار الجامعة‬ ‫اإلسالمية املوالي للدولة العثمانية‪.‬‬ ‫كان وقع إلغاء الخالفة اإلسالمية وخلع السلطان وحيد الدين سنة ‪1924‬م‪،‬‬ ‫شديدا في مصر‪.‬‬ ‫وقد سبق هذا القرار الخطير بسنتني‪ ،‬قرار علماني جريء يمهد له‪ ،‬وهو فصل‬ ‫السلطنة عن الخالفة‪ .‬أي فصل السلطة الزمنية (الدنيوية) عن السلطة الروحية‬ ‫(الدينية)‪ .‬فحني سيطر الكماليون على العاصمة وأعلنوا عزل وحيد الدين عن‬ ‫السلطنة‪ ،‬لم يجد بدا من طلب حماية قائد الجيوش اإلنجليزية املحتلة حني شعر‬ ‫بالخطر على حياته‪ ،‬فنقلوه إلى بارجة أقلته إلى مالطة‪ .‬ثم لم يلبث مصطفى‬ ‫كمال أن أعلن فصل الدين عن الدولة وعني ولي العهد عبد املجيد خليفة مجردا‬ ‫عن السلطة‪ ،‬يقيم في األستانة‪.‬‬ ‫ثم أعلن الجمهورية واتخذ أنقرة التي كانت مركز حركته عاصمة لها ومقرا‬ ‫للحكم‪ ،‬مكتفيا ب��إرس��ال ممثل لحكومة أن�ق��رة الجمهورية ل��دى الخليفة في‬

‫األستانة‪ .‬االتجاهات الوطنية في األدب املعاصر‪ ،‬ج‪ ،2‬محمد محمد حسني‪،‬‬ ‫ص‪.25‬‬ ‫وكان الغازي مصطفى كمال قبل اتخاذه هذا القرار الجريء له شعبية كبيرة في‬ ‫مصر‪ ،‬فكان الناس ‪ -‬كما يقول محمد محمد حسني ‪ -‬إذا قارنوا كفاح مصطفى‬ ‫املظفر باستسالم الخليفة القابع في األستانة مستكينا ملا يجري عليه من ذل‪،‬‬ ‫كبر األول في نظرهم بمقدار ما يهون الثاني‪ ،‬وزاد في سخطهم على الخليفة‬ ‫ما تناقلته الصحف من إهدار دم مصطفى كمال واعتباره عاصيا متمردا‪.‬‬ ‫ولم يكن مصطفى كمال في نظرهم إال بطال مكافحا يغامر بنفسه الستعادة‬ ‫مجد الخالفة‪ ،‬الذي خيل إليهم أن الخليفة يمرغه في التراب تحت أقدام الجيوش‬ ‫املحتلة‪ .‬املرجع نفسه‪ ،‬ص‪.25‬‬ ‫يقول محمد محمد حسني ع��ن رد فعل املصريني إزاء فصل السلطنة عن‬ ‫الخالفة‪« :‬تباينت مذاهب الناس في هذا االنقالب‪ .‬ولكن كثرتهم أيدت مصطفى‬ ‫كمال ورج��ت من ورائ��ه الخير للمسلمني‪ ،‬واستبشروا برد الحكم جمهوريا‬ ‫يستند إلى الشورى وإلى رأي الجمهور‪ ،‬كما سنة اإلس�لام وكما سار عليه‬ ‫الخلفاء الراشدون‪ .‬وأنكر بعض العلماء والناس هذا البدع الجديد الذي ابتدعه‬ ‫الكماليون ف��ي اإلس�ل�ام بفصلهم ب�ين السلطة وال��دي��ن‪ ،‬وأن �ك��روا م��ا أق��ام من‬ ‫خالفة مجردة عن السلطة‪ ،‬ولكنهم كانوا قلة قليلة‪ ،‬منع تيار الحماس الجارف‬ ‫ملصطفى أكثرهم أن يجهروا برأيهم‪ .‬وقد كان ذلك في أعقاب انتصاره على‬ ‫اليونان‪ ،‬وهو يفاوض الحلفاء في ل��وزان والفرح الذي فاجأ الناس بعد يأس‬ ‫غمر قلوبهم‪ ،‬فرأى بعضهم أن يمهلوه‪ ،‬وأال يعجلوا عليه باللوم‪ ،‬وهو يواجه‬ ‫عدوه وعدو املسلمني»‪ .‬املرجع نفسه‪ ،‬ص‪.26‬‬ ‫وعن اإلجراءات التمهيدية التي اتخذها مصطفى كمال إللغاء الخالفة اإلسالمية‬ ‫يخبرنا وجيه كوثراني‪ ،‬بأنه «بني قرار إلغاء السلطنة وفصلها عن الخالفة‬ ‫(‪ 4‬نوفمبر‪ /‬تشرين الثاني ‪ )1922‬وبني ق��رار إلغاء الخالفة (‪ 3‬م��ارس‪ /‬آذار‬ ‫‪ )1924‬اتخذ مصطفى كمال ع��دة خطوات تمهيدية‪ ،‬ك��ان أهمها وثيقة غير‬ ‫موقعة ولكنها شبه رسمية‪ ،‬أعدتها مجموعة من العلماء بتوجيه أحد أعضاء‬ ‫البرملان‪ ،‬وهدفت إلى تهيئة الرأي العام في تركيا والخارج لفصل الخالفة عن‬ ‫الدولة تمهيدا إللغائها»‪.‬‬ ‫تكمن أهمية هذه الوثيقة في أنها تشتمل على الحجج القانونية والفقهية التي‬ ‫اعتمد عليها الجمهوريون‪.‬‬ ‫لقد ترجمت هذه الوثيقة إلى الفرنسية وقام بترجمتها إلى العربية عبد الغني‬ ‫سني بك‪ ،‬السكرتير العام السابق لوالية بيروت‪ ،‬واملقيم في القاهرة‪ ،‬ونشرت‬ ‫في أحد أعداد األهرام عام ‪ ،1923‬مرفقة بمقدمة كتبها سني بك‪ ،‬ثم صدرت‬ ‫عن دار الهالل بعنوان «الخالفة وسلطة األمة» في عام ‪ .1924‬الدولة والخالفة‬ ‫في الخطاب العربي املعاصر إبان الثورة الكمالية في تركيا (رشيد رضا ‪ -‬علي‬ ‫عبد الرازق ‪ -‬عبد الرحمن الشهبندر)‪ ،‬دراسة ونصوص‪ ،‬ص‪.9‬‬

‫لوحة من‬ ‫«العصر العثماني»‬

‫‪,,‬‬

‫في لبنان كانت‬ ‫تسمية اإلسالم‬ ‫السياسي‬ ‫تنصرف‬ ‫ بالدرجة‬‫األولى ‪ -‬إلى‬ ‫زعامات مدنية‬ ‫علمانية في‬ ‫مجابهة الطائفة‬ ‫املارونية‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫‪61‬‬


‫ثقافة‬

‫مشهد من فيلم يتناول حياة‬ ‫مصطفى كمال أتاتورك‬

‫‪,,‬‬

‫التفسير‬ ‫السياسي‬ ‫لإلسالم تمت‬ ‫بلورته في كتاب‬ ‫أبي األعلى‬ ‫املودودي‪:‬‬ ‫«املصطلحات‬ ‫األربعة في‬ ‫القرآن» كما يقرر‬ ‫ذلك الندوي‬

‫‪,,‬‬

‫‪60‬‬

‫العبادة)‪ ،‬قد غابت معانيها الحقيقية عن املفسرين املسلمني األوائل‪ ،‬وخفيت‬ ‫عليهم‪ ،‬إثر انقراض عهد النبوة والجيل الذي أدرك العصر الجاهلي‪ ،‬ونشأ في‬ ‫اإلسالم‪ ،‬فتبدلت معانيها األصلية والصحيحة‪ ،‬بسبب قلة الذوق العربي السليم‪،‬‬ ‫ونضوب معني العربية الخاصة في العصور املتأخرة‪.‬‬ ‫هذا التفسير الذي نبه الندوي في كتابه املشار إليه آنفا‪ ،‬إلى طبيعته وشرح‬ ‫ما يترتب عليه من مفاسد ومخاطر على صعيدي النظر اإلسالمي الثقافي‬ ‫والعمل اإلسالمي الحركي‪ ،‬يرى أنه كان املسؤول األول عن ظهور الغلو عند‬ ‫قسم من جماعة اإلخوان املسلمني في مصر في مقتبل الستينات امليالدية‪.‬‬ ‫إن من يقرأ كتاب الندوي (التفسير السياسي لإلسالم)‪ ،‬ويتمعن جيدا ببعض‬ ‫ما ورد من آراء في كتاب العشماوي‪« :‬اإلس�لام السياسي»‪ ،‬يذهب الظن به‬ ‫إلى أن األخير‪ ،‬قد اطلع على كتاب األول‪ ،‬وفهم فحوى قضيته الرئيسة‪ ،‬فهما‬ ‫جيدا واستفاد منه‪.‬‬ ‫يروي الندوي‪ ،‬ويروي عنه بعض مخالطيه من أتباع الدعوة اإلسالمية الحركية‪،‬‬ ‫أنه عوتب على كتابه‪ ،‬اسما ومضمونا‪ ،‬عتابا شديدا‪ ،‬فلقد خشي معاتبوه من‬ ‫أن يستغل الخصوم االسم وما جاء فيه‪ ،‬وعلى ما يبدو أن خشيتهم كانت في‬ ‫محلها‪ ،‬إذ إن ما كانوا يخشونه ويحاذرون منه قد وقع!‬ ‫ملاذا يرفض اإلسالميون التسمية؟‬ ‫ملاذا يتحفظ كثرة من اإلسالميني على إطالق تسمية اإلسالم السياسي‪ ،‬عنوانا‬ ‫لنشاطهم وحركاتهم ورؤاهم؟‬ ‫يتحفظ كثير منهم على ذل��ك‪ ،‬ألنهم يعتقدون عن جزم وتعيني‪ ،‬أن اإلسالم‬ ‫السياسي هو قصرا‪ ،‬إس�لام الحكومات املسلمة املحدثة‪ ،‬وإس�لام كثير من‬ ‫الدول اإلسالمية القديمة‪ ،‬الذي هو في نظرهم إسالم مستغل وموظف ألغراض‬ ‫���اف‪ ،‬ليس فيه مخاتلة‬ ‫سياسية بحتة‪ ،‬بينما إسالمهم ه��و إس�لام نقي ص ٍ‬ ‫السياسة ومراوغتها للحصول على مكاسب دنيوية عاجلة!‬ ‫وألنهم اعتبروا التسمية وشاية أمنية لئيمة بهم لدى السلطات الحاكمة في‬ ‫البلدان العربية‪ ،‬يهدف العلمانيون منها إل��ى التحذير منهم‪ ،‬وإل��ى التضييق‬ ‫عليهم وعلى أنشطتهم املزدهرة‪.‬‬ ‫هناك سبب آخر‪ ،‬وهو سبب داخلي‪ .‬هذا السبب هو أن اإلسالميني أكثر سني‬ ‫القرن املاضي‪ ،‬كانوا ينكرون أن غايتهم الوصول للسلطة أو االستيالء عليها‪،‬‬ ‫وه��ذا ما كانت بعض الحكومات العربية وخصومهم السياسيني والفكريني‬ ‫والحزبيني يشنعون به عليهم‪ ،‬ابتداء من أربعينات القرن املاضي‪ ،‬لعلمهم أن‬ ‫مثل هذا االتهام مؤذ لهم دينيا‪ .‬فهناك باب في بعض الكتب الدينية اسمه «باب‬ ‫النهي عن تولية اإلمارة والقضاء وغيرهما من الواليات ملن سألها أو حرص‬ ‫عليها‪ّ ،‬‬ ‫فعرض بها»‪ .‬وهذا ما عنون به اإلمام النووي في كتابه الشهير «رياض‬ ‫الصالحني» الذي هو كتاب أساس في ثقافة اإلسالميني‪ .‬وهناك قاعدة عند‬ ‫العلماء مستلة من أحاديث نبوية‪ ،‬تقول‪ :‬طالب الوالية‪ ،‬ال يولى‪ ،‬أعاد رشيد رضا‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫الحديث عنها في كتابه «الخالفة أو اإلمامة العظمى»‪ ،‬ورشيد رضا كان أستاذا‬ ‫لحسن البنا وملهما لإلخوان املسلمني في بعض أفكارهم‪:‬‬ ‫عن أب��ي موسى األش��ع��ري ق��ال‪ :‬دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا‬ ‫ورجالن من بني عمي‪ ،‬فقال أحدهما‪ :‬يا رسول الله أمرنا على بعض ما والك‬ ‫الله عز وج��ل‪ ،‬وق��ال اآلخ��ر مثل ذل��ك‪ ،‬فقال‪« :‬إن��ا والله ال نولي هذا العمل أحدا‬ ‫سأله‪ ،‬وال أحدا حرص عليه» متفق عليه‪.‬‬ ‫وعن أبي سعيد عبد الرحمن بن سمرة‪ ،‬قال‪ :‬قال لي رسول الله‪« :‬يا عبد الرحمن‬ ‫بن ُسمرة‪ ،‬ال تسأل اإلم��ارة‪ ،‬فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها‪،‬‬ ‫وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها‪ ،‬وإذا حلفت على يمني فرأيت غيرها خيرا‬ ‫منها‪ ،‬فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك» متفق عليه‪.‬‬ ‫وعن أبي ذر‪ ،‬قال‪ :‬قال لي رسول الله‪« :‬يا أبا ذر‪ ،‬إني أراك ضعيفا‪ ،‬وإني أحب‬ ‫لك ما أحب لنفسي‪ .‬ال تأمرن ُعلى اثنني‪ ،‬وال تولني مال يتيم» رواه مسلم‪.‬‬ ‫وروى ابن سعد في طبقاته أن أبي بن كعب سأل عمر‪َ :‬لم لم تولني‪ ،‬فقال له عمر‪:‬‬ ‫«إني أكره أن تدنس دينك»‪ ..‬إلخ‪.‬‬ ‫هذا املشكل جعل الحركات اإلسالمية لها ظاهر ولها باطن وسر وعلن‪ ،‬وأن‬ ‫تكون التقية في املسألة السياسية هي دينهم‪ .‬فهم في الظاهر والعلن‪ ،‬دعاة إلى‬ ‫الله وإلى اإلسالم‪ ،‬وفي الباطن والسر‪ ،‬طالب سياسة ودنيا‪.‬‬ ‫وبعيدا عن هذا التحفظ الالمنهجي والالعلمي على تسمية اإلسالم السياسي‬ ‫م��ن قبل اإلس�لام��ي�ين‪ ،‬ف��إن املتدبر ف��ي ش��أن التسمية‪ ،‬يجد أنها غير دقيقة‬ ‫وغير معبرة عن الجديد الذي أتت به الحركة اإلسالمية في القرن العشرين‪.‬‬ ‫فالسياسة هي ج��زء من كل متكامل في فكرها‪ ،‬تتجاور فيه وتتواشج مع‬ ‫االجتماع واالقتصاد واألدب والثقافة والعلوم الطبيعية والتكنولوجيا إل��خ‪..‬‬ ‫برباط ديني إسالمي‪.‬‬ ‫فلماذا ميزت بإسالمها السياسي‪ ،‬ولم تميز بواحد من إسالماتها األخرى؟‬ ‫إن إسالمها ل��و ك��ان إس�لام��ا سياسيا وح��س��ب‪ ،‬لهان أم��ره��ا وسهل قبولها‬ ‫عند أفراد وجماعات ينتمون إلى منازع وطوائف شتى‪ ،‬والنحصرت أزماتها‬ ‫ومشكالتها مع السلطات الحاكمة في العاملني العربي واإلسالمي‪ ،‬فإسالمها‬ ‫مستوف ‪ -‬ال تميزها‪ ،‬وال تدل عليها‪.‬‬ ‫السياسي أو سياستها الدينية ‪ -‬على نحو‬ ‫ٍ‬ ‫ذلك ألن اإلسالم ومنذ العهد املدني ‪ -‬على خالف ما قاله علي عبد الرازق وما‬ ‫قاله العشماوي ‪ -‬دين ودولة‪ .‬هذا من جهة‪ ،‬ومعظم األفراد والجماعات الطامحة‬ ‫إلى السلطة السياسية في التاريخ اإلسالمي ‪ -‬سواء وفقت في طموحها أم لم‬ ‫توفق ‪ -‬كانت تلجأ في الوصول إلى غايتها هذه‪ ،‬إلى تعبير ديني‪ِ ،‬ب ْدعي أو‬ ‫أصيل‪ ،‬من جهة أخرى‪.‬‬ ‫لعل الجديد الذي أتت به الحركة اإلسالمية‪ ،‬هو اآليديولوجيا الشمولية الحادة‬ ‫والتوليتارية الصارمة التي ساعد على تأسيسها وبلورتها‪ ،‬عقائد شمولية‬ ‫وصلت إلينا من الغرب‪ ،‬الغرب بمعناه السياسي والثقافي العريض‪.‬‬ ‫واملدخل السليم لفهم بعض جوانب فكر الحركة اإلسالمية‪ ،‬هو وضعها ضمن‬ ‫إط��ار مقنن مع التدافع السياسي وال��ح��راك الثقافي وال��ص��راع العقائدي الذي‬ ‫حدث في الفكر الغربي‪ ،‬وفي محيطها العربي واملسلم املستلهم له في القرن‬ ‫العشرين‪ .‬وليس االعتماد وحسب‪ ،‬على استقراء نصوص اإلسالم واستقراء‬ ‫تاريخه أو االنتقاء منهما‪.‬‬ ‫إن اإلسالميني في الكثير من األشكال والصيغ واملضامني متأثرون ‪ -‬على‬ ‫الرغم من أنهم حركة استرجاعية للماضي اإلسالمي ‪ -‬بتيارات أدبية ونقدية‬ ‫ومذاهب سياسية واجتماعية وعقائد ثقافية وفكرية في العالم العربي‪ ،‬ذات‬ ‫منزع علماني وإطار مرجعي غربي‪.‬‬ ‫إن األسئلة التي نثيرها حول خطل تسمية اإلسالم السياسي‪ ،‬ال تعني الدعوة‬ ‫إلى تركها أو التخلي عنها ألنه ‪ -‬نظرا ‪ -‬إلى شيوعها وإجماع الكثيرين عليها‪،‬‬ ‫ال مفر من األخذ بها‪ ،‬فخطأ شائع ‪ -‬بال شك ‪ -‬هو خير من صواب مفقود‪.‬‬ ‫إني أرى في تسمية الدارسني الغربيني إلسالم الحركات اإلسالمية باإلسالم‬ ‫السياسي وجاهة تاريخية‪ ،‬وأرى أن لها ما يسوغها آيديولوجيا‪ ،‬لألسباب‬ ‫التالية‪:‬‬ ‫فللدولة العثمانية وللسلطان عبد الحميد الثاني حضور مركزي في خطاب‬ ‫الحركات اإلسالمية‪ ،‬ال يتوفر مثله ألي دولة إسالمية سابقة‪ ،‬وال ألي خليفة‬ ‫مسلم‪ ،‬بل يكاد هذا الحضور لتلك الدولة ولذلك السلطان‪ ،‬ينافس حضور الفترة‬ ‫النبوية وفترة الخالفة الراشدة في خطابهم!‬


‫لتوحيد املسلمني ومقاومة الغرب‪ .‬وأطلق على سياسته اإلسالمية‪ ،‬تسمية‬ ‫القومية اإلسالمية‪ ،‬لكنها لم تشع كما شاعت تسمية اإلسالم السياسي‪.‬‬ ‫مصدر غربي وإسالمي للتسمية‬ ‫مصدر تسمية اإلس�لام السياسي كان غربيا‪ ،‬فاإلسالم ‪ -‬أساسا ‪ -‬يتبدى‬ ‫للغرب أول ما يتبدى‪ ،‬بوصفه دينا سياسيا جامحا وعقيدة عسكرية وثابة‪.‬‬ ‫فالتسمية في أصلها وفي املالبسات التي اكتنفتها تسمية غريبة‪ ،‬ومن مخلفات‬ ‫أواخر الدولة العثمانية‪.‬‬ ‫وكان يقصد بها بعد ذلك‪ ،‬التجمعات السياسية الكيانية للمسلمني‪ .‬املتمثلة في‬ ‫دول وحكومات‪ .‬ولم تكن تميز بها الحركات اإلسالمية عما سواها‪.‬‬ ‫ثم صار الكتاب الغربيون في طور ثالث يستخدمون هذه التسمية إزاء الحركات‬ ‫اإلسالمية‪ً ،‬‬ ‫ابتداء من سبعينات القرن املاضي‪ .‬وقد عززت هذه التسمية الثورة‬ ‫اإليرانية‪.‬‬ ‫وهذه التسمية‪ ،‬تسمية اإلسالم السياسي‪ ،‬كان دارجا استعمالها عند الكتاب‬ ‫واملثقفني اللبنانيني في سياق مختلف‪ ،‬وخاص ببلدهم‪ .‬وكان يقصد بها معنى‬ ‫سياسيا واجتماعيا‪ ،‬ال يحمل في تضاعيفه إحالة دينية‪ .‬فاللعبة السياسية‬ ‫في لبنان قائمة منذ نشأة الكيان اللبناني الحديث على تقاسم السلطة بني‬ ‫املسيحيني واملسلمني‪ .‬يتصدر الفريق األول صفوة م��ن الطائفة املارونية‪،‬‬ ‫ويتصدر الفريق الثاني صفوة من الطائفة السنية‪ .‬فكانت تسمية اإلسالم‬ ‫السياسي تنصرف ‪ -‬بالدرجة األولى ‪ -‬إلى زعامات مدنية علمانية في مجابهة‬ ‫الطائفة املارونية‪ ،‬لكن من غير احتكار للتسمية أو حصر‪ ،‬وقد تنصرف في‬ ‫بعض األحيان إلى زعامات الطوائف اإلسالمية‪ ،‬مجتمعني من سنة وشيعة‬ ‫ودروز في مجابهة الزعامات املسيحية من موارنة وغير موارنة‪.‬‬

‫بوحي من تسمية اإلسالم السياسي ‪ -‬بمعنييها العثماني القديم واللبناني‬ ‫ال��خ��اص ‪َ -‬س َّ���ك منح الصلح تسمية امل��ارون��ي��ة السياسية ف��ي كتابه الشهير‬ ‫«املارونية السياسية‪ :‬سيرة ذاتية» الصادر في املنتصف األخير من سبعينات‬ ‫القرن املاضي‪.‬‬ ‫كيف تحولت تسمية قديمة إلى تسمية جديدة ورائجة للحركات اإلسالمية؟‬ ‫ال��ب��داي��ة وال��ب��ذرة كانتا م��ن ك��ت��اب أب��ي الحسن ال��ن��دوي‪« :‬التفسير السياسي‬ ‫لإلسالم‪ ،‬في مرآة كتابات األستاذ أبي األعلى املودودي والشهيد سيد قطب»‪،‬‬ ‫الصادر في عام ‪1978‬م‪.‬‬ ‫في هذا الكتاب يرى الندوي ‪ -‬وهو محق في رؤيته ‪ -‬أن التفسير السياسي‬ ‫لإلسالم تمت بلورته في كتاب أبي األعلى املودودي‪« :‬املصطلحات األربعة في‬ ‫القرآن»‪ ،‬الصادر في عام ‪ .1941‬وهي السنة التي أسس فيها املودودي الجماعة‬ ‫اإلسالمية في القارة الهندية‪ ،‬وهو التفسير الذي اعتنقه من بعد املودودي وتابع‬ ‫التنظير فيه ومن خالله سيد قطب‪.‬‬ ‫ماذا يعني الندوي بالتفسير السياسي لإلسالم الذي أوجده وعمقه املودودي‪،‬‬ ‫وأثر كثيرا في فكر الحركة اإلسالمية بمختلف تياراتها؟‬ ‫يعني به إزاحة الجانب الديني والجانب العبادي إلى مرتبة ثانوية‪ ،‬وجعلهما‬ ‫وسيلة أو ذري��ع��ة ليس إال‪ .‬وذل��ك لتحقيق مفهومني‪ ،‬هما مفهوما‪ :‬األلوهية‬ ‫والربوبية (الحاكمية اإللهية) ال��ذي بعث اإلس�ل�ام م��ن أج��ل بسطهما إل��ى أن‬ ‫تقوم الساعة‪ .‬هذان املفهومان يفسرهما املودودي تفسيرا سياسيا محضا‬ ‫ومباشرا‪ .‬فالناس صلتهم بالله ‪ -‬وفق هذا التفسير التسييسي والتثويري ‪ -‬هي‬ ‫الصلة ذاتها بني املحكومني والحاكم‪ ،‬الرعية وامللك‪ ،‬الخادم والسيد‪ ،‬وحسب‪.‬‬ ‫وه��و ي��دع��ي أن املفاهيم األس��اس��ي��ة األرب��ع��ة ف��ي اإلس�ل�ام (اإلل���ه‪ ،‬ال���رب‪ ،‬ال��دي��ن‪،‬‬

‫‪,,‬‬

‫حسن البنا وسيد قضب ومن‬ ‫خلفهما السلطان عبد الحميد‬

‫مصدر تسمية‬ ‫اإلسالم‬ ‫السياسي كان‬ ‫غربيا فاإلسالم‬ ‫يتبدى للغرب‬ ‫بوصفه دينا‬ ‫سياسيا‬ ‫جامحا وعقيدة‬ ‫عسكرية وثابة‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫‪59‬‬


‫ثقافة‬

‫إن املدخل السليم لفهم بعض جوانب فكر الحركة اإلسالمية‪ ،‬هو وضعها ضمن إطار مقنن مع التدافع السياسي‬ ‫والحراك الثقافي والصراع العقائدي الذي حدث في الفكر الغربي‪ ،‬وفي محيطها العربي واملسلم املستلهم له في القرن‬ ‫العشرين‪ .‬وليس االعتماد وحسب‪ ،‬على استقراء نصوص اإلسالم واستقراء تاريخه أو االنتقاء منهما‪.‬‬

‫اإلخوان املسلمون استأنفوا مشروع الجامعة اإلسالمية‪ ..‬ومرشدهم األعلى هو «الخليفة»‬

‫يف تاريخ مصطلح «اإلسالم السياسي»‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫علي العميم‬

‫‪,,‬‬

‫أطلق في الغرب‬ ‫على تبني‬ ‫السلطان عبد‬ ‫الحميد الثاني‬ ‫لفكرة الجامعة‬ ‫اإلسالمية‬ ‫تسمية‬ ‫«اإلسالم‬ ‫السياسي»‬ ‫ألن السلطان‬ ‫تبناها ألغراض‬ ‫وغايات‬ ‫سياسية‬

‫‪,,‬‬

‫‪58‬‬

‫«اإلسالم السياسي» تسمية قديمة‪ ،‬ويرجع تاريخها إلى أواخر القرن‬ ‫التاسع عشر والعقد األول م��ن ال�ق� ّ�رن العشرين‪ .‬وق��د ن�ش��أت هذه‬ ‫التسمية في ظل ن��وازل ونكبات حلت بالعالم اإلسالمي‪ ،‬وزعيمته‬ ‫السلطنة العثمانية‪ .‬وقد امتدت هذه النوازل وهذه النكبات‪ ،‬من مفتتح ذلك القرن‪،‬‬ ‫إلى مفتتح القرن الذي تاله‪.‬‬ ‫رفع محمد علي باشا والي مصر العثماني في ظل تلك النوازل والنكبات‪ ،‬وذلك‬ ‫في ثالثينات القرن التاسع عشر‪ ،‬شعار «وحدة العالم اإلسالمي واملسلمني في‬ ‫وجه األطماع األوروبية» ورفع السلطان العثماني محمود الثاني في مواجهة‬ ‫هذا الشعار‪ ،‬شعار‪« ،‬وحدة السلطنة ومنع انهيارها»‪.‬‬ ‫فمحمد علي باشا هو أول من رفع شعار وحدة العالم اإلسالمي‪ ،‬في القرون‬ ‫الحديثة‪ ،‬وقد حتم رفعه هذا الشعار‪ ،‬الخطر االستعماري الغربي‪ ،‬الذي كان‬ ‫يهدد باجتياح هذا العالم اإلسالمي‪ ،‬ومن ضمنه إقليم مصر الذي كان تحت‬ ‫واليته‪.‬‬ ‫رفع هذا الشعار مع أنه كان على عالقة تعاون سياسي وعسكري مع القوى‬ ‫الغربية االستعمارية وعلى عالقة استفادة منها‪ ،‬وبخاصة فرنسا في مجال‬ ‫التنظيم واإلدارة والعلم والثقافة‪ ،‬وبدرجة أولى التحديث امل��ادي‪ ،‬وعلى رأسه‬ ‫التحديث العسكري‪ .‬ولهذا كان جيش محمد علي باشا متفوقا على جيش‬ ‫الدولة التي يتبعها‪ ،‬الدولة العثمانية‪ .‬قد ال يعرف الكثيرون أن القاهرة في أواخر‬ ‫القرن التاسع عشر وأوائ��ل القرن العشرين بفضل الخديو إسماعيل حفيد‬ ‫محمد علي باشا كانت من الناحية املادية أكثر تطورا من األستانة‪ ،‬عاصمة‬ ‫الشرق اإلسالمي‪.‬‬ ‫تبنى السلطان عبد الحميد الثاني في أواخ��ر القرن التاسع عشر وفي أوائل‬ ‫القرن العشرين في ظل تلك النوازل والنكبات‪ ،‬فكرة الجامعة اإلسالمية التي‬ ‫اشتهر أن أول من دعا إليها جمال الدين األفغاني‪.‬‬ ‫وعندما تبنى السلطان عبد الحميد الثاني هذه الفكرة وأدخلها إلى حيز التنفيذ‪،‬‬ ‫رفع شعاره املدوي‪« :‬يا مسلمي العالم اتحدوا»‪.‬‬ ‫وقد لقيت الفكرة ولقي الشعار‪ ،‬استجابة كبيرة عند املسلمني على مختلف‬ ‫أق�ط��اره��م‪ ،‬وت�ع��دد قومياتهم‪ ،‬وت�ن��وع طوائفهم بسبب اج�ت�ي��اح بعض العالم‬ ‫اإلس�لام��ي‪ ،‬والخطر املنتظر في اجتياح بقيته‪ ،‬وم��ن ضمنه قصبة الخالفة‬ ‫اإلسالمية في تركيا‪.‬‬ ‫فحوى الفكرة ومضمون الشعار‪ ،‬هو توحيد املسلمني توحيدا سياسيا‪ ،‬تحت‬ ‫إمرة حكومة واحدة بشتى طوائفهم‪ ،‬وقومياتهم وبلدانهم‪ ،‬سواء أكانوا من‬ ‫املنضوين تحت لواء اإلمبراطورية العثمانية أو من هم تحت حكم اإلمبراطوريات‬ ‫الغربية املسيحية أو من هم في إمبراطورية قصية‪ ،‬كالصني أو في دولة مستقلة‬ ‫كإيران اإلسالمية الشيعية‪ ،‬وكبلغاريا املسيحية األرثوذكسية‪.‬‬ ‫ملاذا رفع عبد الحميد الشعار اإلسالمي‪ ،‬ولم يرفعه سلفه محمود الثاني؟!‬ ‫نلحظ هنا أنه حينما رفع محمد علي باشا في ثالثينات القرن التاسع عشر‪،‬‬ ‫شعارا ذا محتوى ديني إسالمي سياسي‪( :‬وحدة العالم اإلسالمي واملسلمني‬ ‫في وجه األطماع األوروبية)‪ ،‬رفع السلطان محمود الثاني في مواجهته شعارا‪،‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫ال يتضمن بعدا دينيا إسالميا‪ .‬وأن السلطان عبد الحميد في أواخر ذلك القرن‬ ‫رفع الشعار الذي ينطوي على محتوى إسالمي سياسي‪ .‬فما سبب ذلك؟ أو ما‬ ‫الذي جعل محمود الثاني حامي ديار املسلمني‪ ،‬ال يرفع شعارا إسالميا‪ ،‬وما‬ ‫الذي دفع عبد الحميد أن يرفع مثل هذا الشعار‪ ،‬على نحو متأخر؟‬ ‫لم يرفع السلطان محمود الثاني شعارا إسالميا‪ ،‬ألنه وقتها كان ثمة حلف‬ ‫إسالمي مسيحي بني السلطنة العثمانية والقوى االستعمارية‪ ،‬إلخراج جيش‬ ‫محمد علي باشا من بلدان الشام ومن بعض األراضي التركية‪ ،‬وألنه إذا رفع‬ ‫هذا الشعار سيخسر املسيحيني الذين كانت بعض ممالكهم ما زالت من ضمن‬ ‫أجزاء اإلمبراطورية العثمانية‪.‬‬ ‫ورفعه السلطان عبد الحميد‪ ،‬ألكثر من سبب‪ .‬أولها‪ ،‬أنه ليس هناك في رفعه‬ ‫لهذا الشعار ما يخسره‪ .‬فقد فقدت السلطنة العثمانية الكثير من ممالكها‬ ‫املسيحية‪ ،‬وما بقي منها تحت سيادة السلطنة‪ ،‬كان ينتظر لحظة االنقضاض‬ ‫عليه‪ ،‬وكذلك رعايا السلطنة املسيحيون‪.‬‬ ‫ثانيا‪ ،‬أن الحاضرة اإلسالمية‪ ،‬وخاصة العثمانية لم تعد كما كانت في السابق‬ ‫أكثر تقدما في مسألة نظام الطوائف من الحاضرة املسيحية‪ ،‬إذ كانت الحاضرة‬ ‫العثمانية تمثل لبعض الطوائف املسيحية‪ ،‬ولبعض الفالحني ضحايا اإلقطاع‬ ‫في بعض املناطق األوروبية املتاخمة للسلطنة العثمانية‪ ،‬وفي املناطق الداخلة‬ ‫ضمن ح��دوده��ا‪ ،‬األن�م��وذج األفضل للتعايش الديني والطائفي وامل�لاذ اآلمن‬ ‫للسلم الطبقي‪ .‬لكن مع انتشار املذهب العقلي على يد الربوبيني والريبيني‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وتحول أوروب��ا إل��ى العلمانية وتقدمها تقدما م��ادي��ا‪ ،‬خفت تدريجيا قضية‬ ‫التمييز الديني واالضطهاد الطائفي والعرقي‪ ،‬فتفوق الغرب من هذه الناحية‬ ‫على الحاضرة العثمانية‪.‬‬ ‫ففي ظل هذا االختالل أو رجحان كفة امليزان لصالح الغرب‪ ،‬لم يعد السلطان‬ ‫عبد الحميد مهتما بمراعاة مشاعر املسيحيني‪ ،‬ألنه لن يفلح في كسبهم إلى‬ ‫صفه في مواجهة القوى االستعمارية الغربية املسيحية مع انتعاش ال��روح‬ ‫القومية والنزعة الكيانية‪.‬‬ ‫ثالثا‪ ،‬أنه قاوم برفع ذلك الشعار فكرة القومية والنزعة الكيانية والنزوع إلى‬ ‫الديمقراطية املنتشرة ب�ين رع��اي��ا السلطنة‪ ،‬واس�ت�ن��د إل�ي��ه ف��ي إي�ق��اف العمل‬ ‫بالدستور‪ .‬وباملناسبة فإن شعار «القرآن دستورنا»‪ ،‬كان أول من نادى به ‪-‬‬ ‫بعد صدور الدستور العثماني سنة ‪ - 1876‬السلطان عبد الحميد‪ .‬وتبناه تاليا‬ ‫حسن البنا عندما أنشأ جماعة اإلخوان املسلمني‪.‬‬ ‫رابعا‪ ،‬إن ذلك الشعار في ظل تلك الظروف الدقيقة وفي ظل األخطار التي تهدد‬ ‫العالم اإلسالمي‪ ،‬يضمن له كسب شرعية خاصة به‪ ،‬وشعبية عند املسلمني‪.‬‬ ‫ويضمن له أن يكون هو الورقة السياسية الرابحة التي تكفل له استمرار حكمه‬ ‫واستمرار حكم العثمانيني‪.‬‬ ‫أطلق في ذلك الوقت في الغرب على تبني السلطان عبد الحميد لفكرة الجامعة‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬تسمية «اإلسالم السياسي»‪ ،‬ألن السلطان تبناها ألغراض وغايات‬ ‫سياسية‪.‬‬ ‫وهي تعني فيما تعنيه‪ ،‬االستناد إلى اإلسالم بوصفه قوة سياسية مجيشة‬


‫ّ‬ ‫خدع املؤلف‪ ،‬فقال «ريح الشمال» وهي ذات داللة محلية صرف ألن‬ ‫ريح الشمال في لبنان هي ريح قارسة‪ ،‬وهي ليست كذلك في بلدان‬ ‫أخرى‪ .‬إال أن الالمفكر فيه كان أقوى من حنكة املؤلف‪ ،‬فذكر جهة‬ ‫للريح داللتها في مسقط رأسه ال في ثقافته الجديدة‪ .‬وبالعودة إلى‬ ‫النبي نتابع‪« :‬فالحب ال يعطي إال من ذاته‪ ،‬وال يأخذ إال من ذاته‪.‬‬ ‫والحب ال يملك‪ ،‬وال يملكه أحد‪ ،‬فالحب حسبه أنه الحب»‪ .‬أو هنا‪:‬‬ ‫«ويعلم أن األمس ما هو إال ذاكرة اليوم‪ ،‬وأن الغد ما هو إال حلمه‪،‬‬ ‫وأن ما يتغنى فيكم ويتأمل ال يزال يسكن في رحاب اللحظة األولى‪،‬‬ ‫تلك التي انتثرت فيها النجوم في الفضاء»‪ .‬وهنا نعود إل��ى أول‬ ‫مقالتنا‪ ،‬في اإلشارة إلى تأثر الفتيان بأدب جبران‪ ،‬حيث تتمكن هذه‬ ‫الضبابية في الجمل أو تلك املراوغة في حجب املعنى أو إظهاره من‬ ‫خلق تأثير مفرط في الشخصية‪ ،‬خصوصا أن فترة املراهقة هي‬ ‫فترة الغموض في دوافع الشخصية وغرابة األحاسيس‪ .‬من مثل‪:‬‬ ‫«وال تظنن أنك قادر على توجيه مسرى الحب‪ ،‬فإنما الحب يقودك‬ ‫إن وجدك خليقا به»‪ .‬طبعا‪ ،‬ال يمكن التأثر اآلن بقصة الحب الذي‬ ‫يقود لو وجد من هو خليق به‪ ،‬ألن الحب أصال تحول إلى موضوع‬ ‫ميكروسكوبي قابل للعزل وللتصنيف وللنفي وللتفكيك مثله‬ ‫مثل أي مقولة ال معقولة‪ .‬وربما هذا هو السبب الذي جعل جبران‬ ‫ماض‪ ،‬بسرعة‪ ،‬ولم يعد قابال للقراءة إال بصفته جزءا‬ ‫يتحول إلى‬ ‫ٍ‬ ‫من اختبار أدى غرضه وزال تأثيره‪.‬‬

‫ذائع الصيت «النبي»‪ .‬وكما أسلفنا أشار البعض إلى تأثر جبران‬ ‫بكتاب نيتشه «ه�ك��ذا تكلم زرادش� ��ت»‪ ،‬خصوصا أن بينه وبني‬ ‫«النبي» تقاطعات تتعلق بالتبويب‪ ،‬لكن األثر الذي يتركه «هكذا تكلم‬ ‫زرادش��ت» يختلف قطعيا عن األثر الذي يتركه «النبي»‪ ،‬فاألخير‬ ‫تبشيري دع��وي‪ ،‬واألول تدميري ج��ذري يستبدل أصال بأصل‪،‬‬ ‫فضال عن أن األول من السياق املتني للفلسفة األملانية التي خرج‬ ‫منها نيتشه غاضبا‪ .‬أما «النبي» فهو مشرقي متأمل يغوص في‬ ‫أعماق املشتركات بني اإلنسان واإلنسان‪ ،‬لكن الرابط املمكن يتجلى‬ ‫في أن شخصية «املصطفى» راحلة وخارجة من بني قومها وفي‬ ‫ن��زق ال�ق��وي السوبرماني‪« :‬ليس م��ا أن��زع��ه ال�ي��وم ث��وب��ًا‪ ،‬ب��ل جلدي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أمزقه بيدي هاتني‪ .‬ولست أنزع فكرة أخلفها ورائي‪ ،‬بل هو قلب رق‬ ‫بالجوع والظمأ‪ .‬على أنه ليس لي أن أطيل البقاء»‪ .‬من ترجمة القلم‬ ‫الكبير ثروت عكاشة‪ ،‬في الطبعة التاسعة من «النبي» بتاريخ ‪1999‬‬ ‫الذي زاد عليه املترجم مقدما لتلك الطبعة التي نقرأها اآلن وهي في‬ ‫طبعتها الثالثة عشرة والصادرة عن دار الشروق‪ .‬مصر‪.2014 .‬‬ ‫وننصح القراء بتلك النسخة رفيعة الشأن ملترجم بارع ومثقف بارز‬ ‫آثر أن ينشرها بنسختيها اإلنجليزية والعربية متقابلتني عند كل‬ ‫مقطع‪ ،‬ليتمكن امللم باإلنجليزية‪ ،‬أو العكس من إضافة شيء من‬ ‫روحه على الترجمة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫كسر يجمع الوجود باملوجوات‪،‬‬ ‫يكرس جبران عالم الحب واملحبة‪،‬‬ ‫على طريقة ابن عربي «لقد صار قلبي قابال كل صورة» أو «صح‬ ‫عند الناس أني عاشق غير أن لم يعرفوا عشقي ملن»‪ .‬وفي «النبي»‬ ‫ّ‬ ‫يتفعل السر بصفته إلهامًا من خارج العالم‪« :‬إذا أومأ الحب إليكم‬ ‫َ‬ ‫فاتبعوه‪ ،‬وإن كان وعر املسالك‪ ،‬زل��ق املنحدر‪ .‬وإذا بسط عليكم‬ ‫جناحيه فأسلموا له القياد‪ ،‬وإن جرحكم سيفه املستور بني قوادمه‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫فصدقوه‪ ،‬وإن كان لصوته أن يعصف بأحالمكم كما‬ ‫وإذا حدثكم‬ ‫ّ‬ ‫تعصف ريح الشمال بالبستان»‪ .‬في هذا املقطع يظهر المفكر فيه‬

‫فكتاب «النبي» اآلن‪ ،‬هو دون أي تأثير ممكن على القارئ‪ ،‬وأصبح‬ ‫من أدب ما بني الحربني العامليتني الذي يتمتع ّ‬ ‫بكم هائل ْمن أفكار‬ ‫اإلص�لاح والحلم واألم��ل وق��وة الفرد والحس القيامي األلفي الذي‬ ‫تتناوب فيه حالتا الطوفان والخلق‪ ،‬إال أنه خسر جاذبيته ّ‬ ‫النصية‬ ‫وتراكم عليه غبار التحوالت األدبية والثقافية والسياسية والدينية‪،‬‬ ‫في نهايات القرن الـ‪ 20‬وبدايات األلفية الثالثة‪ .‬ولم يعد من املمكن‬ ‫ً‬ ‫التعامل مع اللغة القيامية األلفية إال بصفتها «رؤي��ة» أو خياال أو‬ ‫يوتوبيا أساسها اإليمان بعالم أجمل‪ ،‬سيكون‪ ،‬سواء في الكشف‬ ‫عن سر النفس والخلود‪ ،‬أو الكشف عن وحدة الوجود التي تقصي‬ ‫املختلف وتستدعي املؤتلف‪« :‬إن الخير يكمن في الشوق إلى نفسك‬ ‫الشامخة‪ ،‬وما من أحد منكم إال ويكابد هذا الشوق»‪ .‬وهنا‪« :‬ذلك‬ ‫ال��ذي ال يحده شيء فيكم‪ ،‬اإلنسان الشامل‪ ،‬ال��ذي ال تمثلون فيه‬ ‫جميعا إال الخاليا واألنسجة‪ ..‬إن في اتحادكم باإلنسان الشامل‬ ‫انطالقا ّ يخرج بكم إلى الشمول‪ ..‬إن اإلنسان الشامل فيكم كدوحة‬ ‫م��ن ال �ب��ل��وط تجللها أزه� ��ار ال �ت �ف��اح‪ ،‬ي��رب�ط�ك��م ج�ب��روت��ه ب ��األرض‪،‬‬ ‫ويعصمكم دوامة املوت»‪.‬‬ ‫وال يختلف «حديقة النبي» عن «النبي» في شيء‪ ،‬فهو استكمال‬ ‫لألول‪ ،‬إال أنه صدر بعد وفاته‪ .‬وهو على الطريق نفسه من املشرقية‬ ‫في نثر هاجسه القيامي األلفي أقوى من هاجسه االختباري‪ .‬وإن‬ ‫كان ملفهوم الحديقة ارتباط ما بالسير املنقولة‪ ،‬وعالقة الشجر‬ ‫والطبيعة باملقدس والوحي‪ ،‬فإن «حديقة النبي» هو «النبي» أسلوبا‬ ‫وإن �ش��ادا وتعليما وتبشيرا بعالم أج�م��ل ك��ام��ن خلف تفاصيل‬ ‫صغيرة‪.‬‬ ‫جبران خليل جبران‪ ،‬شاعر وناثر ومجدد‪ ،‬لكنه ككثير من التجارب‬ ‫ماض‪ .‬مع أن شعراء سبقوهم بقرون‬ ‫العربية املعاصرة‪ ،‬تتحول إلى‬ ‫ٍ‬ ‫كثيرة‪ ،‬كاملتنبي وأب��ي ن��واس وأب��ي تمام أو اب��ن الفارض ال��ذي أثر‬ ‫بجبران ّأي�م��ا تأثير‪ ،‬ال يتحولون إل��ى م��اض إال باملعنى الزمني‪،‬‬ ‫أم��ا ب��األث��ر األدب��ي فهم م�ع��اص��رون! فكيف اختفى أث��ر املجددين‬ ‫واإلحيائيني واستمر أثر الذين قالوا شعرا منذ أكثر من ألف عام؟‬ ‫ال يزال هذا األمر محتاجا إلى الدرس عبر منهجية تلحظ استمرار‬ ‫األثر األدبي لألقدم وزوال أثر األحدث <‬

‫‪,,‬‬

‫يكرس جبران‬ ‫عالم الحب‬ ‫واملحبة‬ ‫ّ‬ ‫كسر يجمع‬ ‫الوجود‬ ‫باملوجوات‬ ‫على طريقة‬ ‫ابن عربي‬ ‫«لقد صار‬ ‫قلبي قابال كل‬ ‫صورة»‬

‫‪,,‬‬

‫* صحافي وناقد سوري عمل في الصحافة العربية منذ التسعينيات‬ ‫يكتب زاوية ثابتة في «املحرر العربي» و«املجلة» و«النقاد»‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫‪57‬‬


‫ثقافة‬

‫حبه األول‪ّ .‬‬ ‫وسماه عكاشة «حبا جسديا»‪ ،‬ثم يشير عكاشة إلى أن‬ ‫جبران كان يطلب من ميشيلني إخفاء خبر عالقتهما عن ماري‬ ‫هاسكل‪ ،‬وتستجيب لرغبته ميشيلني ثم تفترق عنه وتتزوج في‬ ‫أميركا وتكون وفاتها بعد ستة أشهر من وفاة جبران نفسه في‬ ‫عام ‪ )!( 1931‬وعلى الرغم مما تركته هذا السيرة من قتامة على‬ ‫صورة جبران الشاعر أو جبران في «النبي»‪ ،‬فإن الواقع االجتماعي‬ ‫الذي جاء منه جبران من قسوة األب املفرطة والفقر والحرمان تجعل‬ ‫السلوك االنتهازي الذي يظهر منه مع النساء خاصة بسبب «رد‬ ‫فعل إلحساس بخواء نفسي»)‪ .‬بل إن ميخائيل نعيمة نال من زميل‬ ‫عمره جبران في مثل تلك النقطة‪ ،‬في حديثه عن رغبات جبران‬ ‫بقتل خصمه‪ ،‬فهي‪« :‬تكشف عن تلك النفس العنيفة لدى جبران»‬ ‫وأن أباه كان «يشجعه على هذا العنف ويضربه إن ّ‬ ‫قصر فيه»‪.‬‬

‫‪,,‬‬

‫ال يمكن‬ ‫اعتبار جبران‬ ‫فيلسوفا‬ ‫ُ‬ ‫فهو لم يقم‬ ‫بتأسيس‬ ‫مذهب فلسفي‬ ‫محدد أو رؤية‬ ‫فلسفية معينة‬ ‫بل كان مبتكرا‬ ‫للغة نثرية‬ ‫جديدة‬

‫‪,,‬‬

‫‪56‬‬

‫لوال ماري ملا كان جبران‬ ‫على الرغم من شهرة عالقة جبران بمي فإنها بقيت في نطاقها‬ ‫الفكري عبر نظام التراسل املكتوب‪ ،‬ال نظام العالقة الشخصية‬ ‫املباشرة‪ .‬وهي على الرغم من كونها تراسلية مكتوبة فقد أفاد منها‬ ‫جبران هي األخرى‪ ،‬عبر تسليطها الضوء على أدبه في مصر في‬ ‫صالونها الشهير‪ ،‬وكذلك عبر كتابتها عنه ومناقشتها ملؤلفاته في‬ ‫الصحف‪ .‬أما ماري هاسكل فهي شأن آخر سواء على املستوى‬ ‫الشخصي أو العاطفي ومن كل الوجوه‪ ،‬فقد قدمت هذه املرأة كل‬ ‫ش��يء لجبران خليل ج�ب��ران‪ ،‬ب��دءا من تعليمه إلتقان اإلنجليزية‬ ‫وانتهاء بمنحه النقود في شكل شهري ومنتظم‪ ،‬مرورا بتمويل‬ ‫إقامته في باريس‪ .‬ويشير عكاشة إلى أن هاسكل كانت تتقبل‬ ‫أحالم يقظته وهو يصور نفسه أمامها ويبالغ في هذا التصوير‪،‬‬ ‫عارفة ومدركة لحظات اإلشباع النفسي التي يجتذبه فيها الحديث‬ ‫عن نفسه‪ ،‬فيصور جسده الناحل قويا ويصور فقره الحالي ثراء‪.‬‬ ‫ويستند عكاشة إلى إخصائي نفسي لتعليل هذه الظاهرة فينقل‬ ‫عنه‪« :‬وأكثر ما تكون هذه املغاالة إذا كان الحديث إلى امرأة يريد‬ ‫امل��رء أن يخطب وده��ا ويملك نفسها‪ .‬ك��ان جبران ال يملك كثيرا‬ ‫من أسباب امتالك امل��رأة من مال أو جاه أو نسب أو فحولة‪ ،‬فقد‬ ‫كانت تلك املغاالة وسيلة يعوض بها ما افتقد»‪ .‬وينقل عكاشة عن‬ ‫ميخائيل نعيمة أن هاسكل كانت تتمنى ال��زواج بجبران‪ ،‬إال أنها‬ ‫كانت تعرف قلقه فآثرت أن تظل العالقة بينهما ص��داق��ة‪ ،‬وأنها‬ ‫كانت تحس في نفسها أن جبران ال يبادلها الحب الحقيقي الذي‬ ‫من املمكن أن تركن إليه‪ ،‬خصوصا بعد مرور هذه السنوات الطويلة‬ ‫وهي أمامه وقد بلغت الخمسني وتكبره بكثير‪ ،‬فآثرت التزوج بغيره‪،‬‬ ‫وحصل األمر عام ‪ .1926‬وتفرغت لزواجها وسافرت‪ ،‬إال أنها لم‬ ‫َّ‬ ‫تتخل كليا عنه‪ ،‬وكان آخر لقائها به‪ ،‬وهي املخلصة الحنون‪ ،‬في‬ ‫عام ‪ 1931‬يوم جنازته وهو في التابوت بعد أن أوص��ى لها بكل‬ ‫أعماله الفنية‪ .‬ويختتم عكاشة قاطعًا‪« :‬لوال ماري ملا كان جبران‬ ‫ذلك األديب امللحوظ»‪.‬‬

‫املمثلة دينا املوسوي في مشهد من عرض مسرحي متعددة‬ ‫الجنسيات بعنوان «الراحة عند الريح» يصور حياة األديب‬ ‫اللبناني جبران خليل جبران في املهجر اقيم العرض على‬ ‫مسرح الصالة الثقافية باملنامة ضمن فعاليات النسخة‬ ‫التاسعة من مهرجان ربيع الثقافة (مارس املاضي)‬

‫التصنيف املنهجي‪ ،‬فكيف به أن يترك فلسفة معينة؟ وفي التحرك‬ ‫في جميع كتبه وآث��اره‪ ،‬فإن جبران املشرقي مزيج من املسيحية‬ ‫والتصوف اإلس�لام��ي‪ ،‬ال��ذي تمثل لديه تبشيرا باملحبة وتوحيد‬ ‫البشر وإزال��ة ال�ف��وارق‪ .‬ومهما قيل عن تأثره‪ ،‬مثال‪ ،‬بالفيلسوف‬ ‫نيتشه‪ ،‬وتحديدا كتابه «هكذا تكلم زرادشت»‪ ،‬في «النبي» فإن هذا‬ ‫آت من بنية فلسفية‬ ‫ال��رأي ال يستقيم البتة‪ ،‬ألن نيتشه تدميري ٍ‬ ‫راسخة طارحا اإلنسان الكامل‪ ،‬عبر منهجية ونسق فكري عميق‪.‬‬ ‫أم��ا «النبي» فهو قد يكون تأثر بـ«هكذا تكلم زرادش ��ت» لناحية‬ ‫التبويب‪ ،‬إال أنه مجرد تأثر شكلي لن ّ‬ ‫يحول جبران فيلسوفا تحت‬ ‫أي تربيطة كانت‪ .‬هو شاعر مجدد من طبقة املجددين العرب الذين‬ ‫عرفوا في مصر والشام وال�ع��راق‪ ،‬إال أن حياته الشخصية أكثر‬ ‫غنى وتحوال وغرابة‪.‬‬ ‫واملشكلة أن صفة الفيلسوف تستخدم بسهولة في التدوين العربي‪،‬‬ ‫فكل متأمل يصبح فيلسوفا وك��ل ش��اع��ر وك��ل مصنف‪ ،‬م��ع أن‬ ‫الفيلسوف‪ ،‬ل��و ُو ِج��د‪ ،‬تتغير الحقيقة ويختلف التفكير وتتغير‬ ‫األدوات‪ ،‬فهل حصل ذلك؟ وأين؟ هناك مثقفون أكاديميون عرب هم‬ ‫أقرب إلى الفالسفة‪ ،‬كطه حسني ومحمد أركون أو عابد الجابري‬ ‫وعبد الله العروي‪ ،‬ومع ذلك هم «مفكرون» ال فالسفة‪ .‬فال يمكن‬ ‫جبران ليس فيلسوفًا‪..‬‬ ‫بحال من األحوال تسمية جبران فيلسوفا تحت أي وجه من وجوه‬ ‫ال يمكن بأي حال اعتبار جبران فيلسوفًا‪ ،‬فهو لم ُيقم بتأسيس التصنيف‪ ،‬إال أن املبالغات ارتبطت باسمه ألسباب هي من خارج‬ ‫مذهب فلسفي محدد أو رؤية فلسفية معينة‪ ،‬بل كان مبتكرًا للغة أدوات البحث العلمي وتدخل في مضمار النشاط السياسي‪ ،‬ال أكثر‪.‬‬ ‫نثرية جديدة على التأليف العربي‪ ،‬متأثرا بالخيال ال��ذي توصي‬ ‫ّ‬ ‫به الرومنطيقية‪ ،‬ومتأثرا بعدد كبير من األدب��اء واملفكرين‪ ،‬على هكذا تكلم في كتاب «النبي»‪..‬‬ ‫طريقته‪ .‬هذا مع العلم أن أشهر كتبه «النبي» لم يكتب باللغة العربية‪،‬‬ ‫بل ألفه باإلنجليزية‪ ،‬ولجمهور غير عربي في املقام األول‪ .‬وعلى ع��رف ج�ب��ران بكثير م��ن الكتب ف��ي ال�ع��ال��م ال�ع��رب��ي‪ ،‬ك��رم��ل وزب��د‬ ‫الرغم من رغبة البعض في إطالق صفة الفيلسوف عليه‪ ،‬فإن هذا ودمعة وابتسامة‪ ،‬وحديقة النبي‪ ،‬واملجنون‪ ،‬األجنحة املتكسرة‪،‬‬ ‫ال يتفق مع أي معيار أكاديمي‪ ،‬ألن جبران في طبيعته األدبية خارج واملواكب‪ ،‬واألرواح املتمردة‪ ،‬وسواها الكثير‪ ،‬وعلى رأسها كتابه‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬


‫الذي وصل إليه الشعر العربي‪ ،‬مع أنهم لم يحصروا إنتاجهم في ما يكتب من كاتب غير مسلم‪ ،‬وكذلك قرينه الريحاني‪ .‬وأكثر من‬ ‫الشعر بل في الرواية واملقالة أيضا وزاد عليهم جبران فن التصوير ذل��ك‪ ،‬ك��ان ج�ب��ران عرضة لهجوم رج��ال الكنيسة بسبب مواقفه‬ ‫ال��ذي ب��رع به وزي��ن به كتبه وكتب غيره من مجايليه كميخائيل النقدية والساخرة‪ ،‬فقد كان لويس شيخو يصفه باملجنون‪ ،‬حتى‬ ‫إن ميخائيل نعيمة قال في سيرته إن جبران رفض االنصياع لطلب‬ ‫نعيمة‪.‬‬ ‫الكاهن بإعالن االعتراف وهو على سرير املوت‪.‬‬

‫جبران ضد الباب العالي‬ ‫مما ال ش��ك فيه أن النشاط السياسي اختلط م��ع اإلن�ت��اج األدب��ي‬ ‫في شكل ما‪ ،‬فقد كان أغلب أدباء املهجر من العاملني ضد الدولة‬ ‫العثمانية‪ ،‬حتى إن جبران اتصل بالجمعيات الفرنسية التي كانت‬ ‫تطالب العثمانيني بمنح العرب استقاللهم‪ ،‬ف��إن هناك من أشار‬ ‫إلى أن جبران ساهم في مشروع ثورة مسلحة ضد العثمانيني‪.‬‬ ‫جبران نفسه أكد أنه عمل في سبيل الثورة العربية ط��وال عشر‬ ‫سنوات كاملة‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من عدائهم الشديد للدولة العثمانية ونضالهم لتحرير‬ ‫ب�لاده��م م��ن ال��وج��ود ال�ت��رك��ي‪ ،‬ف��إن عالقتهم بالثقافة اإلسالمية‬ ‫كانت مستقلة عن العمل ضد العثمانيني بصفتهم دول��ة محتلة‬ ‫ال بصفتهم مسلمني‪ ،‬فكتبوا عن اإلسالم أجمل ما كتب‪ ،‬وكانت‬ ‫الثقافة اإلسالمية مصدرا رئيسا لهم‪ ،‬حتى إن جبران قال إن في‬ ‫قلبه شطرا للمسيح وآخ��ر لنبي اإلس�لام محمد عليهما السالم‪.‬‬ ‫وكذلك أشار جبران كثيرا إلى هذه املسألة موضحا ضرورة الفصل‬ ‫ما بني الدولة العثمانية واإلسالم الذي مجده جبران في كل مناسبة‬ ‫وتأثر بالنص القرآني ودعا إلى التعلم منه‪ ،‬وكذلك أثر التصوف‬ ‫اإلسالمي كثيرا في شخص وأدب جبران كتجربة الشاعر املصري‬ ‫ّ‬ ‫املحلق اب��ن ال�ف��ارض‪ ،‬ب��ل إن شخصية النبي ف��ي «النبي» اسمها‬ ‫املصطفى عند جبران‪ ،‬أما أمني الريحاني فقد سمى بطله «خالد»‬ ‫في روايته الشهيرة‪ .‬هذا كله للداللة على أن «نضالهم» ضد الدولة‬ ‫العثمانية لم يكن موجها ضد اإلسالم الذي كتب عنه جبران أجمل‬

‫نساء جبران‬ ‫تعرف جبران في حياته إلى عدد من النساء أشهرهن وأولهن سيدة‬ ‫أميركية ّ‬ ‫تعرف إليها في والية بوسطن‪ ،‬من طريق الرسام األميركي‬ ‫ماجر الذي كان يقدم له العون في حرفة الرسم والتصوير‪ .‬وتعرف‬ ‫في مرسم ماجر على السيدة األميركية التي كانت متزوجة وقتذاك‬ ‫بتاجر يكبرها في السن كثيرا‪ .‬زواجها لم يمنعها من إقامة عالقة‬ ‫عاطفية خاصة مع جبران‪ ،‬عالقة «غير نقية انغمس فيها دون أن‬ ‫ً‬ ‫يعير وصايا أسرته باال»‪( .‬ثروت عكاشة‪ .‬مقدمة كتاب «النبي»‪.‬‬ ‫الطبعة الثالثة عشرة‪ .)2014 .‬وقد ملحت الدكتورة أفنان نظير في‬ ‫مقال إلى أن أم جبران أرغمته على العودة إلى لبنان «بعد أن وقع‬ ‫في شرك زوج��ة تاجر في الثالثني من العمر وغيابه املتكرر عن‬ ‫البيت‪ ،‬وفنت قبلها بامرأة أخرى»‪.‬‬ ‫وكان له نصيب في تشبيب النساء به‪ ،‬فقد قالت عنه بربارة يانغ‪:‬‬ ‫«وسيم‪ ،‬كثيف الحاجبني‪ ،‬داكن الشارب‪ ،‬يتموج شعره على جبهته‬ ‫العريضة‪ ،‬وتغرق في التفكير عيناه العسليتان‪ .‬في مالبسه أناقة‬ ‫تنم عن ذوق سليم» (هذا الرجل من لبنان‪ .‬بربارة يانغ‪.)1959 .‬‬ ‫امل��رأة الثانية‪ ،‬وب��ال�ع��ودة إل��ى مقدمة ث��روت عكاشة مترجم كتاب‬ ‫«النبي» وكاتب مقدمته الهامة‪ ،‬فهي «تدير مدرسة مس هاسكل»‬ ‫التي دعته إل��ى زيارتها‪ ،‬فقام بذلك ّ‬ ‫وعرفته على سيدة فرنسية‬ ‫تدعى ميشيلني «على حظ كبير من الجمال»‪ .‬ويغرف عكاشة من‬ ‫ميخائيل نعيمة في هذه الحادثة‪ ،‬مشيرا إلى أن ميشيلني هذه كانت‬

‫لوحة زيتية لجبران خليل جبران‬ ‫في منزله ‪ ،‬الذي تحول إلى متحف‬ ‫ويقع في قرية بشمال «بشري»‬ ‫مسقط رأس االديب الراحل‬

‫‪,,‬‬

‫جبران خليل‬ ‫جبران شاعر‬ ‫وناثر ومجدد‬ ‫لكنه ككثير‬ ‫من التجارب‬ ‫العربية‬ ‫املعاصرة‬ ‫تتحول إلى‬ ‫ماض‬ ‫ٍ‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫‪55‬‬


‫ثقافة‬

‫في العاشر من شهر أبريل (نيسان) املاضي‪ ،‬حلت الذكرى الـ‪ 83‬لرحيل الكاتب والشاعر والرسام اللبناني‬ ‫جبران خليل جبران‪ ،‬الذي رحل في عام ‪ 1931‬تاركًا وراءه إرثًا من املؤلفات والرسوم التي ذاع صيتها ما بني‬ ‫الشرق والغرب‪ ،‬وكتب عنها الكثير وفي أكثر من لغة‪ .‬ورغم مرور هذه العقود الطويلة‪ ،‬فإن اسم جبران ال يزال‬ ‫يتردد على األلسنة ويتناقله القراء‪ ،‬وال يزال جبران جزءا من فكرة ما أو تاريخ أدبي معني أو تمهيد لنهضوية‬ ‫رافقت جيال أدبيا عربيا عرف عنه الدعوة إلى لغة أدبية مختلفة مستلهمة من الحياة ال من القواميس‪.‬‬

‫الذكرى الـ‪ 83‬لرحيل جبران خليل جبران‪ ..‬شاعر األبناء الذي أهمله اآلباء‬

‫صدمة معرفية!‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫عهد فاضل *‬

‫‪,,‬‬

‫ال يستطيع‬ ‫قراء األدب‬ ‫ومحبوه‬ ‫بصفة عامة‬ ‫إنكار أن‬ ‫جبران خليل‬ ‫جبران يترك‬ ‫تأثيرا في‬ ‫فئات عمرية‬ ‫محددة‬

‫‪,,‬‬

‫الظاهرة ذاتها‪ ،‬وهي فقر الشعر العربي إلى درجة أن أغلب القصائد‬ ‫التي كتبت تحولت إلى األرشيف كإشارة إلى زمنها دون أي إضافة‬ ‫أو مساهمة منها في «إحياء» الشعر العربي‪ .‬فمن الخال الطالوي‬ ‫ّ‬ ‫إلى ابن النقيب الحسيني الذي ّ‬ ‫عده البعض من أوائل كتاب املسرح‪،‬‬ ‫ومنجك باشا اليوسفي ال��ذي افتخر على الناس بتحول أبيه من‬ ‫خادم إلى مخدوم ومن عبد إلى سيد‪ ،‬أو حتى عبد الغني النابلسي‬ ‫الذي نظم أقسى الهجاء بحق أهل دمشق‪ .‬وهي من أشهر أسماء‬ ‫املرحلة التي تسمى بمرحلة األدب في العصر العثماني‪ ،‬مع استثناء‬ ‫إحيائيي القرن الثامن عشر الذين تأثروا بالثقافة الغربية وامتلكوا‬ ‫ّ‬ ‫ثقافة عصرية مكنتهم من تشكيل نواة سياسية لإلصالح األدبي‬ ‫والسياسي والديني‪ ،‬ال نجد حال الشعر العربي‪ ،‬في تلك املرحلة‬ ‫وأسمائها‪ ،‬إال نوعا من التقاليد التي عمل عليها الشعراء للتعبير‬ ‫إما عن فكر ديني وإما صوفي وإما أخالقي مثالي بعامة‪ ،‬ال قيمة‬ ‫إبداعية له في كل األحوال‪.‬‬

‫على الرغم من ذيوع واشتهار اسم جبران خليل جبران‪،‬‬ ‫مؤلف «النبي» ّ‬ ‫درت��ه األشهر‪ ،‬فإن س��ؤاال يبرز كلما أعاد‬ ‫املرء قراءة هذا القلم الحائر‪ ،‬وهو السؤال الذي يتحدث عن‬ ‫ارتباط قراءة جبران بالفترات العمرية الفتية‪ ،‬وملاذا يتوقف القراء‬ ‫عن قراءته بعدما يكبرون؟! في الواقع إن جبران ارتبط عند قرائه‬ ‫باللغة العربية باملرحلة األول��ى من مراحل تكون الوعي والتربية‬ ‫عند الفتيان‪ ،‬وما إن يتطور وعيهم العمري ويدخلوا الجامعة حتى‬ ‫يتوقفوا كليا عن ق��راءة جبران خليل جبران‪ .‬مل��اذا يتوقف القراء‬ ‫عن قراءته؟ هل ألن جبران لم يستطع تشكيل فلسفة خاصة به؟‬ ‫أم ألن أدب جبران‪ ،‬بصفة عامة‪ ،‬هو نتاج «الصدمة» املعرفية التي‬ ‫حصلت جراء تعرفه إلى الغرب واألدب الغربي‪ ،‬فكان أدبه نتاج ذلك‬ ‫االصطدام مشفوعا بروح واثبة طامحة وحائرة ما بني العمل ضد‬ ‫السيطرة العثمانية على ب�لاده واملشرق بعامة‪ ،‬وال��ذي أش��ار إليه‬ ‫كثيرا في نثرياته‪ ،‬بل إلى الدرجة التي قال فيها الدكتور بطرس‬ ‫حالق إنه ‪ -‬أي جبران ‪ -‬كان من القائلني بحماية دول أجنبية من‬ ‫أجل إنجاز االنتصار على الدولة العثمانية‪ ،‬وما بني إنتاج األدب ه��ذه الحالة جعلت من اليسير على ال��دع��وات اإلبداعية أن تنطلق‬ ‫رافضة الشعر القاموسي واألغراض القيمية واالستخدام التعليمي‬ ‫والتصوير الذي كان يحبه منذ نعومة أظفاره؟‬ ‫للغة الشعرية‪ ،‬مع كل ما حفلت به تلك املرحلة من رطانة هنا وهناك‪.‬‬ ‫ال يستطيع قراء األدب العربي‪ ،‬بل قراء األدب ومحبوه بصفة عامة‪ ،‬فكان من الطبيعي أن تولد دعوات التحرر من القيود والدعوات إلى‬ ‫إنكار أن جبران خليل جبران يترك تأثيرا في فئات عمرية محددة‪ ،‬أدب إبداعي أصيل يستمد لغته من الواقع والتجربة‪ ،‬ويجمع ما‬ ‫على الرغم من موهبته وميله العارم إلى إنتاج األدب‪ ،‬إال أنه ومع بني أصالة اللغة واستخدامها العصري اللينّ ‪ .‬فرأينا مثال «جماعة‬ ‫الفئات العمرية املتقدمة يصبح من املاضي‪ ،‬وتصبح إعادة قراءته الديوان» في مصر‪ ،‬وكذلك «أبوللو» ومنظرها أحمد زكي أبو شادي‬ ‫نوعا من تذكر السني األولى‪ .‬لكن ما الذي في لغة مؤلف «النبي» (‪ )1955 – 1892‬والكالم عن الحنان ما بني الحواس والطبيعة‪ ،‬وأن‬ ‫الطبيعة‪ .‬كانت املنطقة كلها تتحرك على‬ ‫يغري الفتيان ويدفعهم إلى قراءته بنهم وحماس ال يمكن ألي منا غاية الشعر االحتماء بهذه‬ ‫ُ‬ ‫أن ينساه؟ مع أن املؤلف في األصل لم يستهدف شريحة عمرية وقع رفض القوالب الجامدة التي أ ِسر فيها الشعر العربي‪ ،‬وتكاد‬ ‫في كل األح��وال‪ ،‬وال هي من أهدافه الكتابية وال تعنيه في شيء‪ .‬تكون دعوة خليل مطران هي الدعوة األولى املسجلة في الثورة على‬ ‫لكن ملاذا انتهى هذا األدب إلى أدب شبه مخصص للفتيان؟! وكيف تلك التقاليد األدبية السائدة والقوالب الجامدة‪ ،‬هذا على الرغم من‬ ‫يمكن أن تنتهي الصدمة املعرفية بإنتاج أدب يمكن التشاغل عنه أنه‪ ،‬كسواه‪ ،‬لم يخلص لدعوته تماما‪ ،‬فكتب املوضوعات باألغراض‬ ‫ّ‬ ‫القديمة مديحا ورثاء‪ ،‬وكذلك كان في شكل ما اتباعيا‪.‬‬ ‫أو تجاهله في مراحل عمرية متقدمة؟‬

‫قرن‪ ..‬بال أدب‬ ‫إن حالة األدب العربي‪ ،‬وتحديدا منه الشعر في مطلق األح��وال‪،‬‬ ‫كانت في أس��وأ أحوالها مع نهاية القرن الثامن عشر‪ ،‬فقد كانت‬ ‫اللغة الشعرية قاموسية ونوعا من التمرين على إج��ادة البحور‬ ‫الشعرية ومن دون مضامني جديدة‪ .‬وإن كان السبب يعزى إلى‬ ‫خضوع املنطقة للسيطرة العثمانية‪ ،‬فإن السبب ليس جوهريا بقدر‬

‫‪54‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫هذا املناخ جعل من الطبيعي الدعوة إلى حياة جديدة في األدب‪،‬‬ ‫ومنها ظاهرة جبران خليل جبران امل��ول��ود سنة ‪ 1883‬في بلدة‬ ‫ّ‬ ‫بشري شمال لبنان‪ ،‬وجماعته سواء في الرابطة القلمية (‪1920‬‬ ‫وت��وق��ف��ت بعد وف���اة ج��ب��ران) ال��ت��ي تأسست ف��ي ال��والي��ات املتحدة‬ ‫األميركية‪ ،‬أو من خارج الرابطة‪ ،‬فكان هو وأمني الريحاني وميخائيل‬ ‫نعيمة وإيليا أبو ماضي‪ ،‬ومعهم الكثير من املواهب العربية التي‬ ‫تقيم في الغرب أو الشرق‪ ،‬على حد سواء‪ ،‬صورة عن رفض الحال‬


‫مجلة العرب الدولية‬ ‫شهرية سياسية‬

‫تأسست في لندن عام ‪1980‬‬

‫‪www.majalla.com‬‬

‫العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫مجلة العرب الدولية‬

‫اشرتك اآلن‬ ‫واحصل على‬ ‫نسختك الورقية‬

‫شهرية سياسية‬

‫‪‬‬

‫تأسست في لندن عام ‪1980‬‬

‫اآالن ماكوف�شكي‪ :‬اإردوغان بال قيود‪..‬وطريق تركيا ال�شتعادة العالقات مع وا�شنطن‬ ‫فايز ال�شهري‪ :‬اإ�شرتاتيجية وطنية ملكافحة الف�شاد وتعزيز النزاهة يف ال�شعودية‬ ‫جوزيف براودي‪ :‬جتربة رائدة‪..‬عالج نف�شي للتفكري اجلهادي يف ال�شعودية‬

‫‪‬‬

‫للحصول على العدد‬ ‫اسـتخـدم هاتفــك‬ ‫ال ــذكي لـمــسح‬ ‫هـ ـ ــذا الـ ــرقـ ـ ـ ــم‬ ‫‪05‬‬

‫‪ISSN 1319-0873‬‬

‫‪9 771319 087013‬‬ ‫‪‬‬

‫‪‬‬

‫‪Issue 1595 - May 2014‬‬

‫فورن أفيرز‪ /‬أيار‪ /‬مايو ‪57 - 2014‬‬

‫‪www.majalla.com‬‬


‫صحافة عالمية‬

‫حلفاء غاضبون‬ ‫تبرز التوترات التي نشأت عن دبلوماسية الهيب هوب أحد أهم الخالفات بني الجهود‬ ‫الحالية والجهود التي كانت تبذل في فترة الحرب الباردة‪ :‬حيث كانت البرامج السابقة‬ ‫توجه إلى االتحاد السوفياتي وهي دولة خصم‪ ،‬فيما تركز املبادرات الحالية على الدول‬ ‫األوروبية الصديقة‪ .‬وتنفق الواليات املتحدة حاليا ماليني الدوالرات للفوز بقلوب وألباب‬ ‫الجاليات املسلمة األوروبية الساخطة التي عادة ما تقف ضد البرامج التي تقدمها‬ ‫الدول األوروبية‪ ،‬وهو ما أغضب املسؤولني املحليني الذين يؤمنون بأن الواليات املتحدة‬ ‫تتعدى على سيادة بلدانهم لكي تروج ملصالحها القومية الخاصة‪ .‬وقد أثبتت البرقيات‬ ‫الدبلوماسية التي نشرتها «ويكيليكس» في ديسمبر (كانون األول) ‪ 2010‬صحة تلك‬ ‫الحجة؛ حيث تضمنت العديد من تلك البرقيات انتقادات وجهها مسؤولون أميركيون‬ ‫لحكومات فرنسا وبريطانيا وهولندا نظرا إلساءتهم معاملة األقليات املسلمة‪.‬‬ ‫ويبدو أن الدبلوماسيني األميركيني قلقون أساسا بشأن العواقب املحتملة للعالقات‬ ‫بني ضفتي األطلسي كما أنهم غير مقتنعني بالجهود األوروبية ملجابهة ذلك «التهديد‬ ‫الجديد»‪ .‬وكانت رسائل السفارة في باريس هي األكثر إساءة‪ ،‬فوفقا إلحدى البرقيات‪:‬‬ ‫«لدى الفرنسيني مشكلة معروفة جيدا فيما يتعلق بالتمييز ضد األقليات‪ .‬وما زالت‬ ‫وسائل اإلعالم الفرنسية تقوم بتمييز لصالح البيض‪ ..‬فمن بني كافة املؤسسات التعليمية‬ ‫النخبوية الفرنسية‪ ،‬لم ينم إلى علمنا أية محاوالت جدية للدمج بخالف محاوالت «معهد‬ ‫الدراسات السياسية بباريس»‪ .‬وألقت تلك البرقيات باللوم على عاتق الحكومة الفرنسية‬ ‫فيما يتعلق «بالجهل الرسمي باالختالفات العرقية»‪ .‬وأعرب الدبلوماسيون األميركيون‬ ‫عن خوفهم من أن يتجه شباب املسلمني الفرنسيني صوب التطرف باإلضافة إلى أن‬ ‫النزاعات اإلثنية يمكنها أن تضعف فرنسا إذا لم تتمكن فرنسا على املدى البعيد من أن‬ ‫تمنح األقليات تمثيال سياسيا حقيقيا؛‬ ‫حيث «يمكن أن تصبح البالد أضعف‬ ‫وأكثر انقساما وربما أكثر تعرضا‬ ‫لألزمات‪ ..‬وبالتالي تصبح حليفا أقل‬ ‫فعالية»‪.‬‬

‫تنفق الواليات املتحدة ماليني‬ ‫الدوالرات للفوز بقلوب و�ألباب‬ ‫اجلاليات امل�سلمة الأوروبية ال�ساخطة‬ ‫وهو ما �أغ�ضب امل�س�ؤولني املحليني‬ ‫الذين ي�ؤمنون ب�أن وا�شنطن تتعدى‬ ‫على �سيادة بلدانهم‬

‫وفي الوقت نفسه‪ ،‬يقر العاملون بالسفارة‬ ‫األميركية بأنه من املستبعد أن تقبل أغلبية‬ ‫املجتمع الفرنسي املفاهيم األميركية حول‬ ‫االختالفات العرقية والدينية أو الشراكة‬ ‫مع السفارة ملعالجة مظالم املسلمني‬ ‫الفرنسيني‪.‬‬

‫(فقد كانت فرنسا دائما ما تعتبر نفسها‬ ‫محصنة ضد املشكالت العرقية كالتي شهدتها الواليات املتحدة‪ ،‬وكانت تفتخر بتاريخها‬ ‫في توفير امللجأ لألفريقيني ‪ -‬األميركيني الذين كانوا يعانون من التمييز)‪ .‬وبالتالي‪،‬‬ ‫تقترح البرقيات التواصل املباشر مع الجمهور الفرنسي خاصة املسلمني الفرنسيني‬ ‫عبر برامج التبادل الثقافي واملهرجانات واملؤتمرات والظهور في وسائل اإلعالم إلبراز‬ ‫أن الواليات املتحدة تحترم اإلسالم «وأنها تشارك على نحو طيب في العالم العربي‬ ‫اإلسالمي»‪ .‬وأشارت البرقيات أيضا إلى أن املسؤولني بالسفارة يستهدفون أن يشرحوا‬ ‫إلى األكاديميني ورجال األعمال كيف تستطيع االستراتيجيات األميركية إلدارة التنوع‬ ‫االجتماعي مساعدة فرنسا على تحقيق قيمها املتعلقة باملساواة‪ .‬وسوف يكون الهدف‬ ‫هو خلق جدل عام حول التمييز اإليجابي‪ ،‬والتعددية الثقافية‪ ،‬والهوية املركبة وإقناع‬ ‫الزعماء الفرنسيني بإعادة التفكير في «برامجهم الثقافية» فيما يتعلق باألقليات‪ .‬وتشير‬ ‫إحدى البرقيات إلى أن «مثل تلك الجهود سوف تتطلب قدرا كبيرا من الحساسية والحذر‬ ‫والبراعة من جانبنا»‪.‬‬ ‫وبالطبع‪ ،‬كان لتلك البرقيات املسربة رد فعل سلبي في فرنسا‪ ،‬ولكن أكثر البرقيات التي‬ ‫أثارت غضب الحكومة كانت برقية كتبها كريغ ستابلتون‪ ،‬السفير األميركي أثناء ذروة‬ ‫االضطرابات املدنية بباريس في نوفمبر ‪ 2005‬والذي قال فيه‪« :‬إن املشكلة الحقيقية‬ ‫هي إخفاق فرنسا املسيحية البيضاء في النظر إلى مواطنيها داكني البشرة واملسلمني‬ ‫باعتبارهم مواطنني ولديهم حقوق»‪ .‬وفي حديث في برنامج تلفزيوني‪ ،‬سخر رئيس‬

‫الوزراء السابق دومينيك دي فولبان قائال‪« :‬تظهر هذه البرقية حدود الدبلوماسية‬ ‫األميركية»‪ .‬وأضاف أن الدبلوماسيني األميركيني كانوا يفهمون عبارة «شغب الضواحي»‬ ‫من خالل تاريخهم الخاص والذي ينظر لتلك األزمة املدنية بفرنسا عبر املنظور الديني‪.‬‬ ‫ومن جانبها‪ ،‬فإن وسائل اإلعالم الفرنسية كانت غاضبة على نحو خاص من الكشف‬ ‫عن أن الواليات املتحدة كانت تعمل سرا على تشكيل خطاب وسائل اإلعالم الفرنسية‬ ‫بشأن الدمج العرقي‪ .‬ومع ذلك فإن أكثر ما أغضب الفرنسيني كان جهود السفارة‬ ‫األميركية لتمكني األصوات املسلمة الفرنسية «املعتدلة»‪ .‬وكانت إحدى أكثر املنظمات‬ ‫املسلمة التي عملت السفارة األميركية على تأييدها هي املجلة اإللكترونية ‪Oumma.com‬‬ ‫التي تركز على شؤون املسلمني‪ ،‬والتي وصفها السفير األميركي باعتبارها «موقعا‬ ‫مميزا»‪ .‬وقد بدأ املحافظون الفرنسيون‪ ،‬الذين يعتبرون املوقع متطرفا نظرا لتعاطفه‬ ‫املزعوم مع جماعة اإلخوان‪ ،‬يتهمون الحكومة األميركية واملسلمني الفرنسيني بالتآمر‬ ‫لهدم التقاليد العلمانية الفرنسية‪( .‬وأعربت الصحافة البريطانية عن غضب مشابه‬ ‫إثر البرقيات املسربة التي أشارت إلى حملة السفارة األميركية «السرية» للتواصل مع‬ ‫املساجد «الراديكالية» بما في ذلك مسجد «فنسبار بارك» بشمال لندن والذي كان يتردد‬ ‫عليه كل من زكريا موسوي الذي اشتهر بلقب «املختطف العشرون» وريتشارد ريد‬ ‫املعروف «بمفجر الحذاء»)‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من مرور عامني على الكشف عن البرقية‪ ،‬ما زالت الهستيريا الفرنسية لم‬ ‫تخفت‪ ،‬فبعض املحافظني تحدثوا حول املسلمني باعتبارهم حصان طروادة الذي يعمل‬ ‫نيابة عن الواليات املتحدة‪ ،‬فيما قارن البعض اآلخر الرحالت التي ترعاها وزارة الخارجية‬ ‫األميركية إلى «هارلم» بالرحالت التي كان يرعاها االتحاد السوفياتي في العشرينات‬ ‫والثالثينات من القرن املاضي والتي كانت تحث املثقفني الفرنسيني على االستفادة من‬ ‫التجربة االشتراكية في املقام األول‪ .‬وفي أبريل ‪ ،2008‬نشرت صحيفة «لوباريزيان»‬ ‫اليومية قصة ال أساس لها على صفحتها األولى تزعم أن االستخبارات األميركية بدأت‬ ‫برامج خاصة في الضواحي‪ ،‬وما زالت نشاطات وكالة األمن القومي األميركية تتصدر‬ ‫عناوين الصحف الفرنسية حتى اآلن‪.‬‬

‫اللعب على وتر الجماهير‬ ‫ومن جهة أخرى‪ ،‬قوبلت برامج دبلوماسية الهيب هوب التي قدمتها واشنطن بانتقادات‬ ‫أخرى داخل مجتمع الهيب هوب ذاته‪ .‬فقد أثارت تلك البرامج جدال محموما حول الغرض‬ ‫من الهيب هوب وبشأن ما إذا كان صناع «موسيقى االحتجاجات يجب أن يعملوا مع‬ ‫الحكومات أو يقبلوا دعوات السفارات‪ .‬ووفقا ملا قاله مغني الراب اإلنجليزي الشهير‬ ‫لوكي‪« :‬لقد تمكن الهيب هوب من كشف السلطة وتحديها ولكنه لم يعمل أبدا على‬ ‫خدمتها‪ .‬فعندما تحب الحكومة األميركية نفس مطربي الراب الذين تحبهم‪ ،‬يجب أن‬ ‫نتساءل من الذي يخدمه فعليا هؤالء املطربون؟‬ ‫واملفارقة الكبرى هي أنه على الرغم من إعراب مطربي الراب اليساريني والصحافيني‬ ‫األوروبيني املحافظني والسياسيني عن غضبهم‪ ،‬أعرب شباب املسلمني الذين كانوا‬ ‫هدفا لتلك املبادرات عن تقديرهم الكامل لتلك املبادرات‪ .‬فإذا كان الهدف هو خلق انطباع‬ ‫إيجابي عن الواليات املتحدة بني املسلمني األوروبيني‪ ،‬فإن البرنامج نجح في تحقيق‬ ‫ذلك الهدف‪ .‬وعلى نحو خاص في فرنسا‪ ،‬بدأت اآلراء اإليجابية حول الواليات املتحدة‬ ‫تتزايد بحدة في فرنسا منذ ‪ 2008‬بني شباب املسلمني‪ .‬فيبدو أنهم ال يمانعون أن‬ ‫يصبحوا هدفا للبرامج الثقافية التي تقدمها الحكومة األميركية ألنهم ال يشعرون بأنهم‬ ‫يتعرضون للتمييز‪ .‬فقد قالت وداد كفتي‪ ،‬املدونة التي تبلغ ‪ 27‬عاما وشاركت في البرامج‬ ‫التي ترعاها السفارة في حوار مع «التايمز» أنها كانت تعلم أن السفارة األميركية هي‬ ‫التي دعتها ألن لديها خلفية كجزائرية مسلمة ولكنها أضافت‪« :‬ما يزعجني أكثر هو أن‬ ‫أصبح هدفا للدولة الفرنسية»‪.‬‬ ‫وأخيرا‪ ،‬يتمنى العديد من النشطاء املسلمني أن تمكنهم عالقتهم الجديدة بسفارات‬ ‫الواليات املتحدة من الضغط على حكوماتهم لكي تصغي ملظاملهم‪ .‬فيقول روخايا ديالوا‪،‬‬ ‫املنظم الفرنسي ‪ -‬السنغالي والذي يعمل من كثب مع السفارة األميركية في باريس‪« :‬إن‬ ‫السفير األميركي يظهر في الضواحي أكثر من وزراء البلد‪ ..‬ملاذا إذن؟» يعد طرح ديالوا‬ ‫ملثل ذلك السؤال إنجازا لدبلوماسية الهيب هوب التي تتبعها واشنطن‪ .‬بل إنه سيصبح‬ ‫إنجازا أكبر إذا ما شعرت الحكومة الفرنسية بأنها مضطرة لإلجابة عنه‬

‫فورن أفيرز‪ /‬أيار‪ /‬مايو ‪52 - 2014‬‬


‫على الرغم من أن الحضور قدروا تلك اللفتة‪ ،‬أعربت وسائل اإلعالم الفرنسية عن‬ ‫امتعاضها من جهود السفير األميركي؛ حيث ارتأت أنه ليس في وضع يخول له تثقيف‬ ‫فرنسا حول العدالة العرقية‪ .‬وأشار أحد كتاب املقاالت إلى ذلك باعتباره دليال على‬ ‫«التالعب األميركي السري» بالثقافة الفرنسية‪ .‬وعلى الرغم من ذلك استمرت املساعي‬ ‫الدبلوماسية الثقافية األميركية في فرنسا وكافة أنحاء أوروبا‪ .‬والسبب؟ بالنسبة‬ ‫لواشنطن‪ ،‬أصبحت عدم قدرة أوروبا على دمج األقليات تمثل خطرا على األمن القومي‬ ‫وكان املسؤولون دائما ما يقولون إن املسلمني األوروبيني‪ ،‬الذين يشعرون باإلقصاء في‬ ‫بلدانهم‪ ،‬ربما يرغبون في إيذاء الواليات املتحدة‪ .‬ويعتقد هؤالء املسؤولون أن أمامهم‬ ‫وسيلة واحدة لتقليل حدة ذلك الخطر وهي االستعانة بشعبية الثقافة األفريقية ‪-‬‬ ‫األميركية وموسيقى الهيب هوب على نحو خاص‪ .‬ونظرا ألن شعور املسلمني األوروبيني‬ ‫ الذين يعانون من صعوبات اقتصادية‪ ،‬باإلضافة إلى بزوغ نجم أحزاب اليمني املتطرف‪،‬‬‫وسياسات مواجهة اإلرهاب القاسية ‪ -‬بالحصار داخل بلدانهم يتزايد‪ ،‬تؤمن واشنطن‬ ‫بأن نموذج حركات الحقوق املدنية األميركية والسياسات املناهضة للتمييز العنصري‬ ‫وتاريخ كفاح السود للحصول على حريتهم في الواليات املتحدة يمكن أن يوفر اللغة‬ ‫التي يمكنها التعبير عن مظاملهم والدافع ملعالجة تلك املظالم عبر السياسة‪ .‬ففي النهاية‪،‬‬ ‫طور األفريقيون ‪ -‬األميركيون خطابا نقديا فعاال بشأن التمييز العرقي واإلمبراطورية‬ ‫تمكن ببراعة من ربط األحداث في الجيتوهات املحلية بالقرارات التي يجري اتخاذها في‬ ‫املنتديات الدولية‪ .‬ويتمنى الدبلوماسيون األميركيون اآلن أن يتمكنوا من إقناع املسلمني‬ ‫األوروبيني بأن ذلك النوع من الخطاب النقدي يصلح لحياتهم الخاصة‪.‬‬

‫لغة جديدة للتواصل املشترك‬ ‫تحظى الدبلوماسية الثقافية الحالية لواشنطن بجذور تعود للحرب الباردة‪ .‬ففي عام‬ ‫‪ ،1955‬بدأت وزارة الخارجية األميركية تنظيم جوالت رفيعة املستوى لفرق الجاز التي‬ ‫تعمل على الدمج العنصري مثل «ديزي غليبسي»‪ ،‬و«لويس أرمسترونغ»‪ ،‬و«ديوك‬ ‫ألينغتون»‪ ،‬و«بيني غودمان» في االتحاد السوفياتي وغيرها من دول الكتلة الشرقية‪.‬‬ ‫وكان الهدف أن تصبح تلك الفرق رمزا النتصار الديمقراطية‪ ،‬فيما تعمل موسيقى‬ ‫الجاز كتجسيد للمثل الليبرالية األميركية‪ .‬ووفقا ملا كتبته املؤرخة‪ ،‬بيني فون إيشن‪،‬‬ ‫في دراستها الرائدة حول تلك الجوالت التي جاءت بعنوان «ساتشمو يطيح بالعالم»‪،‬‬ ‫كانت وزارة الخارجية في الخمسينات تشعر بأن الثقافة األفريقية ‪ -‬األميركية يمكن‬ ‫أن تمنح الجماهير التي تشعر بالغضب في ظل الحكم السوفياتي «إحساسا بوجود‬ ‫من يشاركهم معاناتهم وتقنعهم بأن املساواة يمكن تحقيقها في ظل النظام السياسي‬ ‫األميركي»‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من أن عازف البيانو‪ ،‬ديف بربيك‪ ،‬ربما يكون قد بالغ في التعبير عن‬ ‫القضية عندما قال إن سفراء الجاز ساعدوا على إنهاء الحرب الباردة‪ ،‬يوافق العديد من‬ ‫األكاديميني على التقييم الذي قدمه مؤرخ هارفارد‪ ،‬إنغريد منسون الذي أفاد بأن جوالت‬ ‫الجاز كانت تمثل «نجاحا منقطع النظير» في الحصول على املزيد من الدعم للواليات‬ ‫املتحدة‪ .‬ويحيط تفكير مشابه حاليا بدبلوماسية الهيب هوب‪ .‬ففي عام ‪ ،2005‬وعندما‬ ‫كانت أعمال الشغب ترج أرجاء ضواحي باريس‪ ،‬بدأت وزارة الخارجية إرسال سفراء‬ ‫الهيب هوب – مطربي راب‪ ،‬وراقصني‪ ،‬ودي جي ‪ -‬لتقديم حفالت والتحدث في أوروبا‬ ‫باإلضافة إلى بعض أنحاء أفريقيا وآسيا والشرق األوسط‪ .‬وكانت توني بالكمان‪ ،‬التي‬ ‫تقدم عروضا فنية تعتمد على الشعر‪ ،‬هي أول من يعمل كسفيرة هيب هوب وتوافق على‬ ‫تقديم عروض في فعاليات ترعاها السفارة في كل مكان بداية من السنغال وصوال إلى‬ ‫إندونيسيا‪ .‬وقدم الفنانون الذين تبعوا خطاها عروضا وأقاموا ورش عمل وتحدثوا إلى‬ ‫وسائل اإلعالم حول وضع املسلمني في أميركا وحاولوا «تصحيح االعتقاد السائد حول‬ ‫قمع املسلمني في الواليات املتحدة» بحسب تعبير السفارة األميركية في ماليزيا‪ .‬واليوم‪،‬‬ ‫يجري باستمرار دعوة فناني الراب املسلمني ‪ -‬األميركيني لتقديم عروض في السفارات‬ ‫األوروبية‪ ،‬كما تجري دعوة فناني الهيب هوب املسلمني املحليني أيضا‪.‬‬ ‫وربما يبدو مستغربا أن تختار وزارة الخارجية موسيقى الهيب هوب لتمثيل الواليات‬ ‫املتحدة في جميع أنحاء العالم‪ ،‬ولكن املسؤولني في وزارة الخارجية مثل فرح بانديث‪ ،‬التي‬ ‫ما زالت حتى الوقت الراهن تعمل كمندوبة خاصة للواليات املتحدة إلى مسلمي العالم‪،‬‬ ‫يقرون بأن املوسيقى هي لغة للتواصل املشترك أو كما يطلق عليها «‪ »lingua franca‬بني‬ ‫الشباب – خاصة الشباب املهمش ‪ -‬في كل العالم‪ .‬وفي تقرير ملعهد بروكينغز‪ ،‬حاولت‬

‫كل من سينثيا شنايدر وكريستينا نيلسون‪ ،‬منظرتي البرنامج‪ ،‬أن تشرحا أسباب‬ ‫جاذبية تلك املوسيقى‪ ،‬حيث قالتا إن الهيب هوب بدأت كحركة «احتجاجية» ضد النظام‬ ‫األميركي ولكنها اآلن تتردد بني شباب املسلمني املهمشني في جميع أنحاء العالم نظرا‬ ‫ألنها «تعكس الصراع ضد السلطة» وتعبر عن «األلم» الذي يتجاوز عوائق اللغة‪.‬‬ ‫ومن جهة أخرى‪ ،‬ال يبدو مفاجئا أن تلجأ وزارة الخارجية إلى التركيز على مناح معينة‬ ‫من تلك املوسيقى على حساب مناح أخرى‪ ،‬فقد ركزت «على أهمية الجذور اإلسالمية‬ ‫ملوسيقى الهيب هوب في أميركا»‪ ،‬والتأثيرات اإلسالمية التي تأثرت بها تلك املوسيقى‪.‬‬ ‫وذكر تقرير بروكينغز أن رواد الهيب هوب كانوا من أبناء املدن املسلمني الذين اتبعوا‬ ‫«التقاليد األفريقية ‪ -‬األميركية املسلمة املتعلقة باالحتجاج ضد السلطة‪ ،‬والتي كان أبرز‬ ‫من يمثلها هو مالكولم إكس»‪ .‬وأكدت بانديث في خطاب ألقته أمام مركز جنوب آسيا‬ ‫بمجلس األطلسي في أبريل (نيسان) ‪ 2010‬بأن الهيب هوب يمكنها أن تقدم «خطابا‬ ‫مختلفا» ملواجهة «آيديولوجيا العنف» األجنبي التي يتعرض لها الشباب‪.‬‬ ‫ومن جهة أخرى‪ ،‬كانت الحكومات األوروبية أكثر حذرا حيال تأثير الهيب هوب‪ .‬فمنذ‬ ‫بداية التسعينات‪ ،‬أعرب املسؤولون الفرنسيون عن قلقهم بشأن انتشار تلك املوسيقى –‬ ‫وثقافة السود بشكل عام ‪ -‬بني الشباب الفرنسي املسلم‪ .‬كما نعت املعلقون الفرنسيون‬ ‫(على غرار العديد من نظرائهم األميركيني) ثقافة الهيب هوب بأنها مرض ثقافي‪،‬‬ ‫وحملوها وزر العديد من السلبيات االجتماعية للجيتوهات األميركية في فرنسا‪ ،‬بما‬ ‫في ذلك «نمط حياة األفريقيني األميركيني العدائي»‪ ،‬ونشر الثقافة األفريقية ‪ -‬األميركية‬ ‫(ثقافة خصم)‪ .‬وفي عام ‪ ،1994‬ونظرا لخوف الحكومة الفرنسية من األمركة‪ ،‬وإدخال‬ ‫كلمات إنجليزية إلى اللغة الفرنسية‬ ‫مررت الحكومة قانونا يحد من انتشار‬ ‫إذاعة موسيقى الهيب هوب في محطات‬ ‫اإلذاعة الفرنسية‪.‬‬

‫رمبا يبدو م�ستغربا �أن تختار وزارة‬ ‫اخلارجية مو�سيقى الهيب هوب‬ ‫لتمثيل الواليات املتحدة يف جميع‬ ‫�أنحاء العامل ولكن امل�س�ؤولني يف‬ ‫وزارة اخلارجية يقرون ب�أن املو�سيقى‬ ‫هي لغة للتوا�صل امل�شرتك‬

‫على أية حال‪ ،‬فقد كانت السياسات‬ ‫الفرنسية أكثر قلقا خالل السنوات‬ ‫املاضية بشأن نوع اإلسالم الذي ينشر‬ ‫عبر موجات «الراب» ومن ثم تدخلت‬ ‫ملنع بعض الفنانني الذين اعتبرتهم‬ ‫«راديكاليني»‪ .‬وكرد فعل على محاوالت‬ ‫مطربي الراب املتطرفني استغالل الهيب‬ ‫هوب للدعوة للعنف‪ ،‬بدأت الحكومات‬ ‫في جميع أنحاء أوروبا دعم الهيب هوب الذي يروج للهوية املسلمة «املعتدلة»‪ .‬وفي‬ ‫أبريل ‪ ،2007‬قدمت وزارة الداخلية البريطانية برنامجا يطلق عليه «منع ‪»Prevent -‬‬ ‫يعمل على توفير تمويل للمنظمات اإلسالمية لكي تتمكن من إنتاج حفالت هيب‬ ‫هوب تقدم مطربي الراب املسلمني األميركيني والبريطانيني الذين يقدمون «تفسيرات‬ ‫معتدلة» لإلسالم‪ .‬وحذت الحكومتني األملانية والهولندية حذوها‪ .‬مما ال شك فيه أن‬ ‫هناك تباينات كبرى في اآلراء حول تعريف اإلسالم «املعتدل»‪ .‬فعلى سبيل املثال‬ ‫احتفت املؤسسة الثقافية الفرنسية بالفنان الصوفي عبد املالك – الذي يقدم أغاني راب‬ ‫حول حبه للجمهورية ‪ -‬بدال من خصمه مدين املسلح الذي يستلهم أفكاره من «القوة‬ ‫السوداء»‪ .‬وعلى النقيض من ذلك‪ ،‬كانت واشنطن لديها دائما مفاهيم أكثر ليبرالية‬ ‫بشأن أنواع اإلسالم التي يجب نشرها في أوروبا‪.‬‬ ‫وفي فبراير (شباط) ‪ ،2010‬دعا السفير األميركي في فرنسا فرقة الراب املثيرة للجدل‬ ‫«كيه أوماندو توكسيك ‪ »K.Ommando Toxik -‬لتقديم عرض بمقر إقامته‪ .‬ولم يسر‬ ‫ذلك املسؤولني الفرنسيني‪ ،‬خاصة وأن الفرقة قدمت عرضا لتكريم ولدين قتال على يد‬ ‫قوات الشرطة الفرنسية في نوفمبر (تشرين الثاني) ‪ ،2007‬وهي الحادثة التي أعقبتها‬ ‫سلسلة من أعمال الشغب‪ .‬كما أثار برنامج أميركي آخر‪ ،‬سافر من خالله مجموعة من‬ ‫مطربي الراب الفرنسيني إلى الواليات املتحدة لاللتقاء بالفنانني ونشطاء الحقوق املدنية‬ ‫في هارلم موجة أخرى من الغضب‪ .‬حيث كان أحد الفنانني الذين دعتهم وزارة الخارجية‬ ‫هو مغني الراب إكوي البيتي من فرقة «ال روميو» وهي إحدى الفرق التي اتهمها الرئيس‬ ‫الفرنسي السابق نيكوال ساركوزي بالتشهير إثر إلقائهم أشعارا حول حصانة الشرطة‬ ‫الفرنسية‪.‬‬

‫فورن أفيرز‪ /‬أيار‪ /‬مايو ‪51 - 2014‬‬


‫صحافة عالمية‬

‫السياسة الخارجية األميركية تدخل عصرا جديدا‬

‫مواجهة اإلرهاب بدبلوماسية «اهليب هوب»‬

‫مطرب موسيقى الراب «الهيب هوب» املسلم االميريكي علي نيومان املعروف باسم األخ علي‬

‫بقلم‪ :‬هشام عيدي *‬

‫في سبتمبر (أيلول) ‪ ،2009‬انتقل تشارلز ريفكني‪ ،‬السفير األميركي في فرنسا‪ ،‬إلى شمال باريس لالحتفال بجدارية‬ ‫نصبت بكلية مارتن لوثر كينغ بضاحية «فلري لو بل»‪ .‬وقال ريفكني أمام جمهور من املسؤولني املحليني والطالب‬ ‫واملواطنني‪« :‬لقد دعانا الرئيس أوباما لبناء مستقبل أفضل ألطفالنا على أساس التفاهم املشترك والفرص املتساوية»‪.‬‬ ‫وفسر السفير أهمية االحتفال بيوم مارتن لوثر كينغ وأهمية قيم الحقوق املدنية التي طرحها الزعيم بالنسبة للمنطقة‬ ‫املحيطة التي كانت ترزح مؤخرا تحت وطأة الشغب‪ .‬ثم بدأ ريفكني يغني وهو يقف أمام جدارية مارتن لوثر كينغ‬ ‫امللونة والتي تم االنتهاء مباشرة من بنائها أغنية «سوف ننتصر ‪ »We shall overcome -‬بصحبة عشرات من طالب‬ ‫املدارس األفارقة واملسلمني‪.‬‬ ‫* محاضر في جامعة كولومبيا وباحث في الشؤون الدولية‬

‫فورن أفيرز‪ /‬أيار‪ /‬مايو ‪50 - 2014‬‬


‫اليونان في بداية العشرينات‪ ،‬ونفس العدد من البلقان في العقود التالية باإلضافة إلى نحو‬ ‫‪ 320‬ألفا من األتراك البلغاريني الذين فروا من بلغاريا قبل انهيار الحكومة الشيوعية في‬ ‫البالد في عام ‪ 1989‬ونحو ‪ 450‬ألفا من األكراد العراقيني الذين هربوا من مذابح صدام حسني‬ ‫في بداية التسعينات‪ .‬ولكن تدفق الالجئني السوريني إلى تركيا يعد واقعة غير مسبوقة‬ ‫لسببني‪ .‬أوال‪ ،‬نظرا ألن عدد الالجئني الذين دخلوا البالد والسرعة التي تدفقوا بها على البالد‬ ‫تفوق ما حدث في أي من األزمات السابقة‪ .‬وثانيا‪ ،‬فإن تركيا لم تفتح أبوابها على مصراعيها‬ ‫على ذلك النحو أمام الالجئني من خارج أوروبا‪ .‬ففي أزمات الالجئني السابقة‪ ،‬كانت الحكومة‬ ‫التركية تنشئ بعض املعسكرات ثم ترسل الالجئني إلى بلدانهم بمجرد أن يصبح الوضع‬ ‫آمنا‪ .‬ولكن بالنسبة للسوريني‪ ،‬أنشأت تركيا بنية تحتية كاملة جديدة للتعامل مع الالجئني‪.‬‬ ‫ففي فبراير‪ ،‬كانت الحكومة التركية قد أنشأت ‪ 22‬معسكرا في عشر مقاطعات تديرها إدارة‬ ‫الكوارث والطوارئ التابعة لرئاسة الوزراء‪.‬‬ ‫وإجماال‪ ،‬تؤوي املعسكرات ما يزيد على ‪ 220‬ألف نسمة‪ ،‬وتقع معظم املعسكرات على الحدود‬ ‫التركية السورية في كل من مقاطعة سانليورفا الجنوبية التي يقع بها ثالثة معسكرات تؤوي‬ ‫أكثر من ‪ 75‬ألف الجئ ومقاطعة غازي عنتاب التي يقع بها أربعة معسكرات تستضيف نحو‬ ‫‪ 34‬ألف الجئ‪ ،‬وكيليس التي بها معسكران تستضيف نحو ‪ 37‬ألف الجئ‪ .‬وعلى الرغم من‬ ‫أن تلك املعسكرات حازت قدرا كبيرا من االهتمام الدولي‪ ،‬فإن ذلك التركيز أغفل نقطة أساسية‪:‬‬ ‫وهي أن أغلبية السوريني في تركيا ال يعيشون في تلك املعسكرات بل إن ما يقدر بنحو ‪%65‬‬ ‫من الالجئني السوريني انتقلوا إلى املدن التركية حيث يعيش العديد من األفراد في مساكن‬ ‫مؤقتة يشارك فيها على األقل سبعة أشخاص آخرين؛ ففي حي تارالباسي الذي يقع بقلب‬ ‫إسطنبول‪ ،‬تقطن العديد من العائالت السورية في مبان مهجورة‪ .‬فقد وصفت أسرة تتكون‬ ‫من سبعة أشخاص ألحدنا منزلهم بأنه غرفة تصل مساحتها إلى خمسة في أربعة أقدام‬ ‫يأوي إليها من «ليس لديهم خيار سوى املوت»‪ .‬وال يعيش معظم الالجئني في املعسكرات‬ ‫ألنها ال تكفيهم من جهة‪ ،‬كما أن الالجئني‪ ،‬من جهة أخرى‪ ،‬اختاروا الحياة في املدن التركية‬ ‫ألسباب أخرى‪ .‬فبعض السوريني األثرياء يستطيعون دفع ثمن كلفة اإلقامة فيها‪ ،‬فيما يبحث‬ ‫آخرون عن العمل وهو ما ال توفره املعسكرات‪ ،‬كما تحركهم أيضا دوافع أخرى مثل وجود‬ ‫عائلة أو بعض أفراد جاليتهم باإلضافة إلى الغموض الذي يحيط بمستقبلهم‪ .‬ومن جهة‬ ‫أخرى‪ ،‬غير تدفق هذا العدد من الالجئني املدنيني وجه العديد من األحياء داخل تركيا‪ .‬ففي‬ ‫بعض املدن‪ ،‬بما في ذلك كيليس التي تقع على الحدود السورية‪ ،‬تضاعف عدد السكان تقريبا‪.‬‬ ‫وفي حي أكساراي بإسطنبول ظهرت املخابز الجديدة‪ ،‬واملحال‪ ،‬ووكاالت السفر واملطاعم‬ ‫التي يديرها السوريون والتي تصطف بالشارع الرئيس فيما يشبه نسخة مصغرة من حلب‪.‬‬ ‫ويدرك العديد من السوريني أنهم سيظلون بتركيا على األقل في املستقبل القريب ومن ثم‬ ‫فإنهم يرغبون في التكيف (وجدت إحصائية حكومية حديثة أن ‪ 86‬في املائة من الالجئني‬ ‫خارج املعسكرات يرغبون في تعلم اللغة التركية)‪ .‬وبالتالي‪ ،‬لم يعد السوريون في تركيا‬ ‫مجرد الجئني ينتظرون نهاية الحرب ولكنهم مهاجرون مستعدون لسطر فصل جديد في‬ ‫حياتهم‪.‬‬ ‫عندما دخل السوريون تركيا للمرة األولى في ‪ ،2011‬اعتبروا «ضيوفا»‪ .‬وكان هذا التصنيف‬ ‫القانوني قد جرى استخدامه من قبل للتعامل مع الالجئني األكراد الذين فروا من تركيا‬ ‫إلى شمال العراق في بداية التسعينات من القرن املاضي‪ .‬وبتصنيف السوريني «ضيوفا»‪،‬‬ ‫اعتقدت الحكومة التركية أنها لن تصبح مضطرة إلى تطبيق املعايير الدولية لحماية الالجئني‬ ‫وفقا لتعريف مفوضية األمم املتحدة السامية لشؤون الالجئني الذي يوفر األساس القانوني‬ ‫لبقاء الالجئني في البالد ويضمن أال يجبروا على العودة إلى بلدانهم‪ .‬ولكن الحكومة التركية‬ ‫اضطرت في نوفمبر (تشرين الثاني) ‪ 2011‬إلى تغيير مسارها ومنحت وضع الحماية املؤقتة‬ ‫لالجئني السوريني‪ .‬كما منحت الحكومة التركية أيضا الحماية املؤقتة لالجئني الفلسطينيني‬ ‫القادمني من سوريا (ما يقرب من ‪ 250‬ألفا من الالجئني الفلسطينني في سوريا الذين نزحوا‬ ‫بسبب الحرب رغم أن العديد منهم ما زال في البالد)‪ .‬وفي أبريل (نيسان) ‪ ،2013‬اتخذت‬ ‫أنقرة خطوة إضافية ومررت قانونا جديدا شامال للهجرة يضع نظاما قانونيا جديدا لحماية‬ ‫ومساعدة راغبي اللجوء في تركيا‪.‬‬ ‫ففي السابق‪ ،‬تعاملت الحكومة مع راغبي اللجوء دون أي ضمانات أو إجراءات قانونية‬ ‫موضوعية مثل الرقابة القضائية على القرارات اإلدارية‪ .‬ووفقا للقانون‪ ،‬سوف تتعامل‬ ‫مؤسسة حكومية جديدة هي املديرية العامة إلدارة الهجرة مع الالجئني السوريني وتشرف‬ ‫على تنفيذ هذه القواعد القانونية الجديدة‪ .‬وكان القانون‪ ،‬الذي كانت الحكومة تدرسه من‬ ‫قبل اندالع األزمة السورية من خالل مشاورات مستمرة مع مفوضية األمم املتحدة السامية‬

‫لشؤون الالجئني واملحكمة األوروبية لحقوق اإلنسان وجماعات املجتمع املدني‪ ،‬قد حظي‬ ‫بتأييد تلك املنظمات باعتباره نموذجا لكيفية حماية حقوق الالجئني‪ .‬ولكن الحماية املؤقتة‬ ‫وكذلك القانون الجديد للجوء ما زاال يتركان العديد من السوريني في وضع مزر‪ ،‬حيث ال‬ ‫يطبق القانون على نحو عادل‪ ،‬كما ال يجد الالجئون املوارد إذا ما رفضت الدولة منحهم‬ ‫وضع الحماية املؤقتة‪ .‬وال تعالج اإلصالحات القانونية الوضع غير القانوني لالجئني باملدن‬ ‫التركية والتي ال نعلم احتياجاتهم الحقيقية بدءا من الغذاء وصوال إلى امللجأ والتعليم‪ .‬واألهم‬ ‫من ذلك‪ ،‬فإن وضع الحماية املؤقتة ال يسمح للسوريني بالعمل بسهولة في تركيا‪ .‬فوفقا‬ ‫ملسح أجرته الحكومة مؤخرا للسوريني الذين يعيشون خارج معسكرات الالجئني فإن نحو‬ ‫‪ 77‬في املائة من املجيبني على املسح يبحثون عن وظيفة‪ .‬ويجري استغالل حاجة السوريني‬ ‫إلى العمل في استغاللهم كقوى عاملة رخيصة وهو ما اتضح من االنخفاض املستمر ألجور‬ ‫العمال في صناعات مثل البناء والنسيج والصناعات الثقيلة والزراعة‪ .‬وفي كيليس‪ ،‬انخفضت‬ ‫املعدالت اليومية لهذا النوع من العمالة مما يقدر بنحو ‪ 60‬ليرة تركية (نحو ‪ 28‬دوالرا) قبل‬ ‫وصول هذه األعداد الكبيرة من الالجئني إلى ‪ 20‬ليرة (نحو ‪ 9‬دوالرات) في أواخر العام‬ ‫املاضي‪ .‬وقد أوصت الغرفة التجارية لغازي عنتاب مؤخرا بأن يمنح السوريون تصاريح‬ ‫عمل رسمية قصيرة املدى باإلضافة إلى التدريب املهني واستحقاقات الضمان االجتماعي‪.‬‬ ‫وتضمن اقتراح الغرفة التجارية تخصيص كوتة لالجئني السوريني في كافة املشروعات‬ ‫املحلية وإنشاء مناطق صناعية على مقربة من الحدود بالشراكة بني القطاعني العام والخاص‬ ‫يمكنها تشغيل الالجئني السوريني وإنتاج البضائع التي يمكن بيعها في سوريا‪ .‬ولكن هذا‬ ‫الطرح ما زال في مراحله األولى حيث يجري العمل حاليا على صياغة العديد من التفاصيل‪.‬‬ ‫في فبراير‪ ،‬أنفقت أنقرة نحو ‪ 2.5‬مليار دوالر في استضافة الالجئني السوريني‪ ،‬فيما‬ ‫قدمت الواليات املتحدة ‪ 1.3‬مليار دوالر‬ ‫من املساعدات اإلنسانية لكافة الالجئني‬ ‫السوريني‪ ،‬وقدم االتحاد األوروبي بما‬ ‫في ذلك املفوضية األوروبية وبعض الدول‬ ‫األعضاء نحو ‪ 3.6‬مليار دوالر‪ .‬وعلى الرغم‬ ‫من أن تلك األرقام تبدو ضخمة‪ ،‬فإنه وفقا‬ ‫ملفوضية األمم املتحدة السامية لشؤون‬ ‫الالجئني‪ ،‬فإنها لم تمثل سوى ‪ 14‬في املائة‬ ‫من التمويل املطلوب ملعالجة األزمة‪ .‬وفي‬ ‫إطار دخول الحرب األهلية السورية عامها‬ ‫الرابع‪ ،‬أصبح هناك نحو ‪ 2.6‬مليون الجئ‬ ‫سوري تعهد االتحاد األوروبي بتوطني ‪ 16‬ألف منهم ولكن الوعود ال تضمن وحدها إعادة‬ ‫التوطني‪ .‬ومن جهة أخرى‪ ،‬أعادت كل من أستراليا وكندا والواليات املتحدة وبعض البلدان‬ ‫االسكندنافية توطني ما يقدر بنحو ‪ 48‬ألف الجئ من تركيا في الفترة ما بني ‪ 1995‬و‪،2013‬‬ ‫خاصة اإليرانيني والعراقيني‪ .‬ويجب على كافة تلك الدول أن تفتح حدودها أمام الالجئني‬ ‫السوريني في تركيا الذين يبحثون عن حياة جديدة‪ .‬كما يجب على تركيا أن تعزز التعاون‬ ‫مع املنظمات الدولية غير الحكومية التي تعمل في البالد‪ .‬فحتى اآلن‪ ،‬تواجه املنظمات غير‬ ‫الحكومية الدولية ظروفا صعبة في تركيا‪ .‬ففي العام املاضي‪ ،‬جرى تسجيل عشر منظمات‬ ‫دولية غير حكومية في تركيا ولكن العديد منها أعربت عن العديد من الشكاوى املتعلقة‬ ‫بالتعاون مع الحكومة‪.‬‬

‫فتحت تركيا �أبوابها �أمام‬ ‫الالجئني ال�سوريني لأنها �أرادت‬ ‫�أن ينظر �إليها باعتبارها القائد‬ ‫اجلديد يف املنطقة‬

‫وربما تحتاج املنظمات غير الحكومية أكثر من عام لتلقي التصاريح من وزارة الداخلية‬ ‫للعمل في البالد كما أنه ال يوجد أي تشريع ينظم عملها‪ .‬ووفقا ملفوضية األمم املتحدة‬ ‫السامية لشؤون الالجئني فإن اثنتني فقط من املنظمات الدولية غير الحكومية – املجلس‬ ‫الدنماركي للالجئني والهيئة الطبية الدولية ‪ -‬سمح لهما بالعمل في جنوب تركيا‪ .‬ولكن‬ ‫مجموعة األزمات الدولية تقول إن العديد من املنظمات غير الحكومية الدولية والتي تعمل في‬ ‫جنوب تركيا «بصيغ متنوعة» تعمل من خالل «تصريح غير رسمي من السلطات التركية‬ ‫املحلية»‪ ،‬فيما تعمل بعض املنظمات غير الحكومية مع السلطات التركية املحلية مثل أورتاك‬ ‫عقيل والهالل األزرق الدولي لكي تصل إلى املحتاجني من تلك الجماهير‪ .‬مما ال شك فيه‬ ‫أن تدفق الالجئني السوريني على تركيا خالل السنوات الثالث املاضية ال يشبه أي شيء‬ ‫شهدته البالد من قبل‪ .‬فقد بذلت الحكومة الكثير من الجهود ملساعدة السوريني حتى اآلن‪،‬‬ ‫ولكنها تستطيع ‪ -‬ويجب عليها ‪ -‬أن تبذل املزيد لكي تضمن استمرار وصول املساعدات‬ ‫اإلنسانية‪ .‬لقد فتحت تركيا أبوابها أمام الالجئني السوريني ألنها أرادت أن ينظر إليها‬ ‫باعتبارها القائد الجديد في املنطقة‬

‫فورن أفيرز‪ /‬أيار‪ /‬مايو ‪49 - 2014‬‬


‫صحافة عالمية‬

‫هل تستطيع تركيا دمج املهاجرين السوريني؟‬

‫اهلجرة إلى الشمال‬

‫طفل سوري ينظر من خالل نافذة حافلة في طريق وصوله مع مجموعة من الالجئني الى بلدة حدودية تركية بالقرب من مدينة هاتاي‬

‫بقلم ‪ :‬كمال كريسكي ـ وراج سالوجا *‬

‫في فبراير (شباط)‪ ،‬وفي أعقاب مؤتمر السالم في جنيف بني املعارضة السورية ونظام بشار األسد‪ ،‬أسقطت‬ ‫مروحيات الحكومة السورية دفعة تلو األخرى من «القنابل البرميلية» – براميل معدنية مملوءة باملتفجرات ‪ -‬على‬ ‫حلب‪ .‬وقد أسفر الدمار الذي خلفته تلك القنابل عما وصفه العاملون باإلغاثة بأنه أكبر موجات الالجئني منذ بداية‬ ‫الحرب األهلية بسوريا‪.‬‬ ‫* زميل «توسياد» ومدير مشروع «الواليات املتحدة وتركيا» في أوروبا بمعهد «بروكينغز»‬ ‫* كاتبة مستقلة مقيمة في اسطنبول‬

‫ربما يتجاوز عدد الالجئني السوريني في وقت قريب أعداد الالجئني األفغان‪ :‬حيث يصل‬ ‫الرقم حاليا إلى نحو ‪ 2.6‬مليون نسمة وفقا ملفوضية األمم املتحدة السامية لشؤون الالجئني‬ ‫(‪ ،)UNHCR‬وتتوقع الحكومة التركية تدفق نحو ‪ 1.5‬مليون منهم إلى تركيا بنهاية ‪.2014‬‬ ‫في الوقت الراهن‪ ،‬تستضيف تركيا نحو ‪ 800‬ألف الجئ سوري مما يجعلها سادس أكبر‬ ‫دولة مضيفة لالجئني على مستوى العالم خالل العام املاضي‪ .‬وعلى الرغم من أن األردن‬ ‫تستضيف ما يقارب ذلك العدد من الالجئني فيما تستضيف لبنان عددا أكبر‪ ،‬فإن الحكومة‬ ‫التركية‪ ،‬بخالف جيرانها العرب لم تفتح أبدا حدودها أمام الالجئني من الشرق األوسط على‬ ‫هذا النحو‪ .‬فمنذ ‪ ،2011‬عملت الحكومة التركية على إنشاء مخيمات جيدة التنظيم لالجئني‪،‬‬ ‫كما قدمت لهم رعاية صحية مجانية ووفرت لبعض الالجئني التعليم والوضع القانوني‬ ‫املالئم والحماية للمرة األولى‪ .‬وخالل العام املاضي‪ ،‬مررت أنقرة قانونا جديدا للهجرة تنشئ‬ ‫بمقتضاه وكالة حكومية إلدارة التدفق السوري وتوفير األوراق لراغبي اللجوء‪ .‬سياسة الباب‬

‫املفتوح املرنة التي كانت ترجع في جانب منها إلى األعمال اإلنسانية‪ ،‬وفي جانب آخر إلى رغبة‬ ‫حكومة رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان في مد نفوذه في سوريا وجميع أنحاء الشرق‬ ‫األوسط‪ .‬ولكن أنقرة في الوقت نفسه ال تستطيع أن تستمر في سياسة الالجئني التي تتبعها‬ ‫إلى ما ال نهاية؛ فقد اكتظت معسكراتها تماما فيما يحرز األسد تقدما‪ ،‬وتعثرت املساعي‬ ‫الدبلوماسية باإلضافة إلى انهيار املعارضة السورية التي كانت تركيا تساندها‪ .‬وفي ظل‬ ‫استمرار توافد الالجئني على البالد‪ ،‬وعدم وجود أية إشارة على أن السوريني ربما يعودون‬ ‫طواعية إلى بالدهم في ظل الفوضى السائدة هناك‪ ،‬بجب على تركيا معالجة الوضع الدائم‬ ‫للسوريني داخل حدودها خاصة فيما يتعلق بأوضاع الالجئني السوريني الذين لم يسجلوا‬ ‫لدى مفوضية األمم املتحدة السامية لشؤون الالجئني أو الحكومة أو الذين ال يعيشون في‬ ‫معسكرات الالجئني‪ .‬لم يكن وجود الالجئني أو الساعني للجوء أمرا مستغربا بالنسبة لتركيا؛‬ ‫حيث استقبلت تركيا نحو نصف مليون من املسلمني وذوي األصول التركية الذين غادروا‬

‫فورن أفيرز‪ /‬أيار‪ /‬مايو ‪48 - 2014‬‬


‫هل تستطيع تركيا دمج املهاجرين السوريني؟‬

‫اهلجرة إلى الشمال‬ ‫بقلم ‪ :‬كمال كريسكي ـ وراج سالوجا‬

‫السياسة الخارجية األميركية تدخل عصرا جديدا‬

‫مواجهة اإلرهاب بدبلوماسية «اهليب هوب»‬ ‫بقلم‪ :‬هشام عيدي‬

‫فورن أفيرز‪ /‬أيار‪ /‬مايو ‪47 - 2014‬‬


twitter

facebook google+

The Arab world has a rich history of scientific breakthroughs. Ensure youâ&#x20AC;&#x2122;re part of the scientific and medical community gaining access to the latest research in the region. From the latest news, in-depth features, expert commentaries and research highlights to regional jobs, event listings and alerts direct to your inbox â&#x20AC;&#x201C; Nature Middle East is your free comprehensive portal keeping you at the centre of science in the Arabic speaking Middle East.

nature.com/nmiddleeast Sponsored by

Get the free mobile app at

Download the free app for your / gettag.mobi phone athttp:/ http://gettag.mobi


‫بنوعياتها فقد كانت إي��ران الدولة الوحيدة خارج الواليات املتحدة‬ ‫التي حصلت علی مقاتالت «إف ـ ‪ 14‬تومكات»‪ ٬‬كما أنها كانت الدولة‬ ‫األولی التي وافقت واشنطن علی تزويدها بطائرات رصد مبكر من‬ ‫طراز «بوينغ إي ـ ‪ 3‬أواكس»‪ .‬وذلك في عام ‪( 1977‬وهي الصفقة التي‬ ‫لم تتم فصولها نظرا إللغائها في أعقاب سقوط الشاه)‪ .‬وباإلضافة‬ ‫إل��ی التركيز علی س�لاح الجو‪ ٬‬اهتمت القيادة العسكرية اإليرانية‬ ‫إبان عهد الشاه بصورة خاصة ببناء قواتها البحرية واعتبار هذه‬ ‫األخيرة الوسيلة املثلی لتمكني إي��ران من بسط نفوذها علی مياه‬ ‫الخليج‪ ٬‬وعلی هذا األساس فقد حصلت إيران في السبعينات من‬ ‫الواليات املتحدة وبريطانيا وفرنسا علی معدات بحرية رئيسية كان‬ ‫استخدامها يعد حكرا علی األساطيل العاملية الكبرى مثل املدمرات‬ ‫والفرقاطات الحاملة للصواريخ وسفن الحراسة والدورية املضادة‬ ‫للغواصات إلی جانب طائرات دورية واستطالع بحري بعيدة املدى‬ ‫من طراز «بي ‪ 3‬أوريون»‪.‬‬ ‫أما علی الصعيد البري فإن إيران لم تكتف بالحصول علی دبابات‬ ‫سالح إيراني متعدد الجنسيات صادرته العراق‬ ‫«تشيفتني» البريطانية‪ ٬‬بل إنها أوصت علی طراز محسن من هذه‬ ‫األخيرة تم تطويره خصيصا بناء علی طلب القوات اإليرانية وأطلق‬ ‫مع الواليات املتحدة تحديدا وسائر الدول الغربية عموما‪ .‬ومن ضمن عليه اسم «شير إيران» (أسد إيران)‪.‬‬ ‫هذا التحالف املعلن تحولت الدول املذكورة إلی مصادر تسليح ودعم‬ ‫للقوات اإليرانية في مختلف النواحي‪ ٬‬بما في ذلك مجاالت التدريب هذا املوقع املتميز إليران في عهد الشاه علی صعيد التسليح الغربي‬ ‫والتأهيل والصيانة وتشغيل األسلحة واملعدات والتعاون اإلنتاجي لم تعكسه أن��واع املعدات ـ التي وافقت ال��دول الغربية علی تزويدها‬ ‫والتصنيعي‪.‬‬ ‫بها فحسب‪ ٬‬بل إنه تجلی من خالل الكميات التي اشتملت عليها‬ ‫ال�ص�ف�ق��ات ال�ت��ي ع�ق��دت خ�ل�ال السبعينات‪ ٬‬وي�ك�ف��ي أن نشير إل��ی‬ ‫ولم يوفر حكم الشاه جهدا أو ماال في سبيل بناء القوة العسكرية حصول القوات اإليرانية من الواليات املتحدة آنذاك علی ما مجموعه‬ ‫اإليرانية‪ .‬وق��د يكون من الكافي أن نذكر في ه��ذا املجال أن إي��ران ‪ 614‬طائرة مقاتلة من أحدث األنواع تضمنت ‪ 80‬من طراز «إف ـ ‪14‬‬ ‫صرفت خ�لال فترة السنوات العشر املمتدة ما بني عامي ‪ 1969‬ـ تومكات» و‪ 225‬من طراز «إف ـ ‪ 4‬فانتوم» و‪ 309‬من طراز «إف ـ ‪5‬‬ ‫‪ 1979‬ما يناهز ‪ 60‬مليار دوالر علی برامج تحديث وتعزيز قواتها تايغر» كما حصل اإليرانيون في ذلك الوقت علی طائرات نقل ثقيلة‬ ‫البرية والجوية والبحرية‪ .‬وقد كانت إيران خالل تلك الفترة في مقدمة بعيدة املدى من طراز «بوينغ ـ ‪( »747‬جمبو جت) وطائرات صهريج‬ ‫زبائن الواليات املتحدة العسكريني‪ .‬إذ بلغ إجمالي قيمة مشترياتها (تموين جوي بالوقود) من طراز «بوينغ ـ ‪ »707‬بهدف استخدامها‬ ‫من األسلحة األميركية آنذاك ما يزيد على ‪ 17‬مليار دوالر‪ .‬وهو رقم في إطالة م��دی عمل الطائرات املقاتلة ونحو ‪ 60‬طائرة نقل ثقيلة‬ ‫ال تقارن به سوی مشتريات عدد ضئيل من الدول الحليفة لواشنطن بعيدة املدى من طراز «سي ـ ‪ 130‬هيركوليز»‪ ٬‬إلی جانب أكثر من‬ ‫في العالم كبريطانيا وأملانيا االتحادية وإسرائيل‪.‬‬ ‫‪ 1200‬طائرة هليكوبتر من فئات وطرازات مختلفة من بينها نحو‬ ‫ولم تكن الواليات املتحدة بطبيعة الحال املصدر الوحيد لألسلحة ‪ 200‬هليكوبتر هجومية مسلحة ملهمات مكافحة الدبابات من طراز‬ ‫اإليرانية خالل السبعينات وإن كان صحيحا أنها ظلت تمثل املرتبة «كوبرا»‪.‬‬ ‫األولی دون منازع علی هذا الصعيد‪.‬‬ ‫وإذا كان الهدف من شحنات األسلحة املذكورة تحويل سالح الجو‬ ‫فخالل السنوات الثالث ‪ 1976‬ـ ‪ 1979‬مثال ابتاعت إيران ما قيمته ‪ 8.2‬اإليراني إلی األقوى في املنطقة‪ ٬‬فإن جهود بناء القوة البرية اإليرانية‬ ‫مليار دوالر من األسلحة‪ ٬‬كان بينها ‪ 6.2‬مليارات دوالر من األسلحة لم تكن أقل شأنا‪ .‬وإن كان التركيز فيها جاء لينصب علی التعاون مع‬ ‫األميركية الصنع‪ ٬‬في حني توزع الباقي علی أسلحة ومعدات حصلت بريطانيا وقد تضمنت خطط إيران بهذا الخصوص اعتماد الدبابة‬ ‫طهران عليها عن طريق كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وأملانيا البريطانية «شير إي��ران» ك��أس��اس لقواتها امل��درع��ة ف��أوص��ت علی‬ ‫الغربية‪ ٬‬كما أنه قد يكون من الجدير بالذكر أن إيران حصلت خالل ‪ 1200‬منها بهدف إضافتها إلی ‪ 1000‬دبابة من طراز «تشيفني»‬ ‫عهد الشاه علی أسلحة من االتحاد السوفياتي‪ .‬وقد بلغت قيمة تلك كانت قد حصلت عليها في وقت سابق من بريطانيا إلی جانب ‪500‬‬ ‫األسلحة خالل الفترة املمتدة ما بني ‪ 1975‬ـ ‪ 1978‬ما يقارب ‪ 400‬دبابة أميركية من طراز «إم ـ ‪ »60‬وعدد مماثل من دبابات «إم ـ ‪48‬‬ ‫مليون دوالر‪ .‬وكانت تتضمن بالدرجة األولی عربات مدرعة وناقالت باتون»‪ .‬وعدة مئات من مدافع امليدان ذاتية الحركة من عيار ‪155‬‬ ‫جنود ومدافع مضادة للطائرات‪.‬‬ ‫ملم و‪ 175‬ملم و‪ 203‬ملم‪.‬‬ ‫غير أن��ه يبقی م��ن ن��اف��ل ال�ق��ول إن قصة التسليح اإلي��ران��ي خالل‬ ‫عهد الشاه تظل متعلقة أساسا باألسلحة الغربية واألميركية علی‬ ‫األخص‪ ٬‬التي تزودت بها القوات اإليرانية علی امتداد فترة قاربت‬ ‫السنوات العشر‪ ٬‬والتي بلغت كميات ونوعيات علی درجة ملحوظة‬ ‫من االستثنائية‪.‬‬ ‫واملقصود بذلك أن إيران تمتعت في ذلك الوقت بمعاملة متميزة سواء‬ ‫علی صعيد كميات األسلحة التي حصلت عليها‪ ٬‬أو فيما يتعلق‬

‫‪,,‬‬

‫عقدت إيران‬ ‫مع إسرائيل في‬ ‫شهر نوفمبر‬ ‫‪ 1982‬تضمنت‬ ‫تزويد الجيش‬ ‫اإليراني بما‬ ‫قيمته نحو ‪50‬‬ ‫مليون دوالر‬ ‫من صواريخ‬ ‫«ثاو» املضادة‬ ‫للدبابات‬

‫‪,,‬‬

‫وكاستكمال لهذه اآللة الحربية املتطورة حصل اإليرانيون أيضا علی‬ ‫كميات ضخمة من الصواريخ والذخائر من مختلف األنواع‪ ٬‬بما في ذلك‬ ‫عدة مئات من صواريخ «هوك» األميركية املضادة للطائرات‪ ٬‬وأكثر من‬ ‫‪ 12‬ألف صاروخ «تاو» و‪ 10‬آالف صاروخ «دراغون» مضادة للدبابات‬ ‫و‪ 2500‬صاروخ «مافريك» (جو ـ أرض) و‪ 300‬صاروخ «فونيكس»‬ ‫(جو ـ جو) من أجل تسليح مقاتالت «إف ـ ‪ 14‬تومكات» وعدة مئات من‬ ‫الصواريخ (جو ـ جو) من طرازي «سبارو» و«سايد وايندر» لتسليح‬ ‫مقاتالت «إف ـ ‪ 4‬فانتوم» و«إف ـ ‪ 5‬تايغر»<‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫‪45‬‬


‫أرشيف‬

‫بما في ذلك صفقة تم التوقيع عليها في عام ‪ 1981‬وتضمنت تزويد‬ ‫سالح الجو اإليراني بما قيمته ‪ 300‬ألف دوالر من اإلطارات الخاصة‬ ‫باملقاتالت من طراز «إف ـ ‪ 4‬فانتوم» وصفقة أخری وقعت في العام‬ ‫نفسه وبلغت قيمتها نحو ‪ 28‬مليون دوالر‪ ٬‬وقد تضمنت تزويد‬ ‫الجيش اإليراني بنحو ‪ 360‬طن من قطع الغيار الخاصة بالدبابات‬ ‫األميركية الصنع من طراز «إم ـ ‪ »60‬و«إم ـ ‪ 48‬باتون» التي يستخدمها‬ ‫الجيش املذكور‪.‬‬

‫‪,,‬‬

‫بذل‬ ‫اإليرانيون‬ ‫منذ اندالع‬ ‫حرب الخليج‬ ‫جهودا‬ ‫جبارة في‬ ‫محاوالتهم‬ ‫الهادفة إلی‬ ‫العثور علی‬ ‫حلول ناجعة‬ ‫ملشاكلهم‬ ‫التسليحية‬

‫‪,,‬‬

‫‪44‬‬

‫كما ت��ورد امل��ص��ادر العسكرية األميركية معلومات ح��ول توصل‬ ‫الجانبني في عام ‪ 1981‬إلی صفقة هامة أخری اشتملت علی ذخائر‬ ‫متنوعة‪ .‬وتفيد هذه املعلومات بأن هذه الصفقة تمت عبر شركة‬ ‫بريطانية لعبت دور الوسيط بني الطرفني وتضمنت حصول الجيش‬ ‫اإليراني علی ‪ 150‬ألف قذيفة مدفعية من عيار ‪ 155‬ملم‪ ٬‬و‪ 100‬ألف‬ ‫قذيفة من عيار ‪ 203‬ملم‪ ٬‬و‪ 50‬ألف قذيفة مدفع دبابات من عيار‬ ‫‪ 105‬ملم‪ ٬‬و‪ 100‬ألف قذيفة للمدافع املضادة للدبابات من عيار ‪106‬‬ ‫ملم‪ .‬وحسب هذه املعلومات‪ ٬‬فقد جری التوقيع علی هذه الصفقة‬ ‫في قبرص علی يد الشركة البريطانية التي لم يكن باإلمكان تحديد‬ ‫هويتها‪ ٬‬وذلك خالل شهر أغسطس (آب) ‪.1981‬‬ ‫وف����ي وق����ت الح����ق‪ ٬‬أوردت إح����دی ال���ن���ش���رات ال��دف��اع��ي��ة األم��ي��رك��ي��ة‬ ‫املتخصصة خبرا م��ف��اده أن إي���ران عقدت م��ع إس��رائ��ي��ل ف��ي شهر‬ ‫نوفمبر (تشرين الثاني) ‪ 1982‬اتفاقية لعبت فيها شركات أملانية‬ ‫وس��وي��س��ري��ة وب��ري��ط��ان��ي��ة دور ال��وس��ي��ط وتضمنت ت��زوي��د الجيش‬ ‫اإلي���ران���ي ب��م��ا قيمته ن��ح��و ‪ 50‬م��ل��ي��ون دوالر م��ن ص���واري���خ «ث���او»‬ ‫األميركية املضادة للدبابات والتي كانت إسرائيل قد حصلت عليها‬ ‫في األصل عن طريق الواليات املتحدة‪.‬‬ ‫وقد أكدت مصادر وزارة الخارجية األميركية في مايو (أيار) ‪1983‬‬ ‫األنباء التي تحدثت عن قيام إسرائيل بتزويد إي��ران خالل الفترة‬ ‫‪ 1981‬ـ ‪ 1983‬بقطع غيار وذخائر خاصة باملقاتالت من طراز «إف ـ‬ ‫‪ 4‬فانتوم» ودبابات «إم ـ ‪ »60‬و«إم ـ ‪ »48‬واملدافع من مختلف العيارات‪٬‬‬ ‫كما نشرت صحيفة «اليمان زايتونغ» األملانية في أبريل (نيسان)‬ ‫املاضي معلومات أفادت بأن صفقات األسلحة اإليرانية ـ اإلسرائيلية‬ ‫تعقد عبر وسطاء أوروبيني في كل من قبرص واليونان وسويسرا‬ ‫وهولند‪.‬‬

‫جيسكار ديستان عملية تسليم الزوارق الثالثة املتبقية إلی إيران‪.‬‬ ‫غير أن حكومة الرئيس ميتران قررت في وقت الحق املضي قدما‬ ‫بذلك‪ ٬‬وفي أغسطس ‪ 1981‬قامت مجموعة من املعارضني للحكم‬ ‫اإليراني باالستيالء علی أحد تلك الزوارق‪ ٬‬ويحمل اسم «تابارزين»‪.‬‬ ‫بغية منع وصوله إلی إيران‪ ٬‬إال أن العملية لم تتم فصولها‪ ،‬إذ سرعان‬ ‫ما استسلم الخاطفون إلی السلطات الفرنسية التي عادت وأرسلت‬ ‫ال��زورق املذكور إل��ی األسطول اإلي��ران��ي‪ ٬‬حيث دخ��ل إل��ی خدمة هذا‬ ‫األخير مع الزورقني اآلخرين من الفئة نفسها خالل مطلع عام ‪.1982‬‬ ‫■ بريطانيا‪ :‬فرضت الحكومة البريطانية في عام ‪ 1980‬حظرا علی‬ ‫بيع األسلحة وامل��ع��دات العسكرية إل��ی إي��ران تضامنا مع الواليات‬ ‫املتحدة إب��ان أزم��ة احتجاز رهائن السفارة األميركية في طهران‪.‬‬ ‫وخ�لاف��ا للتأكيدات البريطانية املستمرة بهذا ال��ش��أن وال��ت��ي تركز‬ ‫علی متابعة العمل بالحظر املذكور‪ ٬‬فإن املصادر األميركية تفيد بان‬ ‫إيران حصلت فعال خالل العامني املاضيني علی كميات محدودة من‬ ‫األعتدة عن طريق الشركات البريطانية‪ ٬‬وتشير تلك املصادر بشكل‬ ‫خاص إلی حصول إيران علی محركات وقطع غيار ما تملكه من‬ ‫دبابات بريطانية الصنع من طرازي «تشيفتني» و«سكوربيون»‪ .‬كما‬ ‫تفيد املصادر نفسها بأن إيران أبدت مؤخرا اهتمامها بالحصول‬ ‫علی مقاتالت هجومية بريطانية الصنع من طراز «جاغوار» كرد‬ ‫علی تزويد فرنسا العراق بمقاتالت «سوبر اتندارد»‪ .‬وذلك في الوقت‬ ‫الذي لم يتضح فيه تماما ما إذا كان االهتمام اإليراني قد وصل إلی‬ ‫حد التقدم بطلب رسمي للحصول علی هذه املقاتالت أم أنه كان‬ ‫مجرد عملية جس نبض أولية‪ ٬‬وعلی أي حال‪ ٬‬فإنه لم يصدر حتى‬ ‫اآلن عن الحكومة البريطانية ما يمكن اعتباره تعليقا أو ردا علی‬ ‫هذه األنباء األميركية‪.‬‬

‫وقالت الصحيفة إن إي��ران حصلت حتی اآلن علی ما قيمته ‪500‬‬ ‫مليون دوالر من املعدات العسكرية عن طريق إسرائيل‪ ٬‬بما في ذلك‬ ‫أسلحة أميركية الصنع‪ ٬‬وأخرى إسرائيلية الصنع‪ ٬‬إضافة إلی أسلحة‬ ‫سوفياتية األصل كانت القوات اإلسرائيلية قد غنمتها أثناء غزوها‬ ‫للبنان في يونيو (حزيران) ‪ .1982‬وأضافت الصحيفة األملانية أن‬ ‫إسرائيل زودت الجيش اإلي��ران��ي في ع��ام ‪ 1982‬بنحو ‪ 200‬مدفع‬ ‫دبابات من عيار ‪ 105‬ملم‪ ٬‬إضافة إلی عدد مماثل من هذه املدافع تم‬ ‫التعاقد عليه في مطلع عام ‪ 1984‬الجاري ومن املنتظر أن يتم تسليمه‬ ‫إلی إي��ران في وقت الحق من هذا الصيف‪ ٬‬ومن الجدير بالذكر أن‬ ‫ترخيص‬ ‫إسرائيل تقوم بإنتاج هذا الطراز من مدافع الدبابات بموجب‬ ‫تركة الشاه‪ :‬ترسانة وحلم!‬ ‫رسمي من الواليات املتحدة‪.‬‬ ‫كانت سياسة الشاه الدفاعية واضحة من حيث أهدافها ومن حيث‬ ‫■ فرنسا‪ :‬علی الرغم من العالقات السياسية املتوترة بني إي��ران الوسائل املوضوعة لتحقيق هذه األهداف‪ .‬وكانت تلك السياسة ترمي‬ ‫وفرنسا‪ ٬‬ف��إن ه��ذه األخيرة قامت خ�لال مطلع ع��ام ‪ 1982‬بتسليم عالنية إلی تحويل إيران خالل أقصر فترة زمنية ممكنة إلی «قوة‬ ‫سالح البحرية اإليراني ثالثة زوارق هجومية حاملة للصواريخ من إقليمية عظمی»‪ .‬وبكالم آخ��ر إل��ی وض��ع ه��ذه األخيرة في موضع‬ ‫فئة «كومباتانت»‪ .‬وكانت حكومة الشاه قد أوصت علی هذه الزوارق الدولة األكثر قوة علی املستويني العسكري املباشر واالستراتيجي‬ ‫ل��دی فرنسا في أواس��ط السبعينات‪ .‬وعند سقوط الشاه في عام العام‪ ٬‬ال في منطقة الخليج فحسب‪ ٬‬بل وفي الشرق األوسط بأكمله‪.‬‬ ‫‪ .1979‬كانت إيران قد تسلمت تسعة زوارق من أصل ‪ 12‬زورقا تم وكسبيل إلی تحقيق هذا الهدف‪ ٬‬فقد نصت تلك السياسة الدفاعية‬ ‫التعاقد عليها‪ .‬وقد جمدت حكومة الرئيس الفرنسي السابق فاليري الشاملة علی توثيق عری التحالف اإليراني علی مختلف املستويات‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬


‫ميزانية الدفاع اإليرانية احلالية‬ ‫تشير بعض املعلومات إلی أن ميزانية الدفاع اإليرانية بلغت‬ ‫ف��ي ع��ام ‪ 1982‬قيمة إجمالية تقدرها امل��ص��ادر الغربية بما‬ ‫يتراوح بني ‪ 13‬إلی ‪ 15‬مليار دوالر‪ .‬وترجح هذه املصادر أن‬ ‫تكون هذه امليزانية قد ارتفعت خالل عام ‪ 1983‬وتراوحت بني‬ ‫‪ 17‬و‪ 18‬مليار دوالر‪ ٬‬وقد وصلت في العام الحالي إلی نحو‬ ‫‪ 20‬مليار دوالر‪.‬‬

‫مدمرتان من األرجنتني إلى إيران‬ ‫ج���رت أخ��ي��را م��ف��اوض��ات ب�ين األرج��ن��ت�ين وإي����ران ب��ش��أن بيع‬ ‫األرجنتني إلی األسطول اإليراني مدمرتني حاملتني للصواريخ‪٬‬‬ ‫ق���رر س�ل�اح ال��ب��ح��ري��ة األرج��ن��ت��ي��ن��ي االس��ت��غ��ن��اء عنهما نظرا‬ ‫لكونهما م��ن صنع بريطاني‪ ٬‬والق��ت��راب م��وع��د استبدالهما‬ ‫بمدمرات جديدة أملانية الصنع‪ ٬‬وتحمل املدمرتان املذكورتان‬ ‫اسمي «هيركوليز» و«سانيسيما تراينيداد»‪ .‬وهي من فئة‬ ‫املدمرات البريطانية «ثايب ـ ‪ »42‬املسلحة بصواريخ مضادة‬ ‫للسفن من ط��راز «اكزوسيت» وصواريخ مضادة للطائرات‬ ‫«سي دارت»‪.‬‬ ‫■ الهند‪ :‬يعتبر التعاون العسكري الهندي ـ اإليراني الراهن محدودا‬ ‫باملقارنة مع غيره‪ ٬‬وقد اقتصر كما هو معروف علی األق��ل‪ .‬علی‬ ‫صفقة واحدة تم التعاقد عليها في عام ‪ 1981‬وبلغت قيمتها ‪17.2‬‬ ‫مليون دوالر‪ .‬وقد تضمنت هذه الصفقة تزويد إيران بنحو أربعة‬ ‫آالف سيارة جيب وعدة مئات من الشاحنات ونحو ‪ 10‬آالف خيمة‪٬‬‬ ‫إضافة إلی أعتدة لوجستية أخری متنوعة‪.‬‬ ‫■ ال��ب��رازي��ل‪ :‬ترتبط ال��ب��رازي��ل بعالقات ت��ع��اون تسليحي وثيقة مع‬ ‫العديد من األقطار العربية‪ ٬‬وال سيما العراق الذي حصل منها علی‬ ‫مصفحات وناقالت جنود مدرعة وراجمات صواريخ وأسلحة أخری‬ ‫متنوعة‪ ٬‬غير أن ذلك لم يمنع البرازيل كما يبدو من االرتباط مع إيران‬ ‫في املقابل بعالقات تجارية هامة ترجح معظم املصادر الغربية أنها‬ ‫تضمنت فيما تضمنته‪ ٬‬بيع القوات اإليرانية أعتدة عسكرية معينة‪٬‬‬ ‫وتذكر هذه املصادر باتفاقية عقدت بني البرازيل وإي��ران في عام‬ ‫‪ 1983‬املاضي ونصت علی حصول البرازيل علی ‪ 45‬ألف برميل من‬ ‫النفط اإليراني يوميا وعلی امتداد فترة عامني قابلة للتجديد‪ ٬‬وقد‬ ‫بلغ حجم التجارة الثنائية بني البلدين في عام ‪ 1984‬ما قيمته ‪800‬‬ ‫مليون دوالر‪ ٬‬وذلك في الوقت الذي أش��ارت فيه معلومات أميركية‬ ‫املنشأ إلی احتمال أن تكون إيران قد ابتاعت من البرازيل كمية من‬ ‫العربات املدرعة التي تعمل هذه األخيرة علی إنتاجها حاليا ‪ ٬‬بما في‬ ‫ذلك نحو ‪ 100‬ـ ‪ 200‬مصفحة من طراز «كاسافيل»‪.‬‬

‫■ بولندا‪ :‬تعاقدت إيران مع بولندا في أواخر عام ‪ 1981‬علی صفقة‬ ‫تسليحية بلغت قيمتها نحو ‪ 50‬مليون دوالر واشتملت علی تزويد‬ ‫القوات اإليرانية بأسلحة سوفياتية التصميم يتم إنتاجها في بولندا‬ ‫محليا‪ ٬‬بما في ذلك مدافع مضادة للطائرات من عياري ‪ 23‬ملم و‪27‬‬ ‫ملم وقواذف صاروخية مضادة للدروع من طراز «آر بي جي ـ ‪.»7‬‬ ‫■ أملانيا الشرقية‪ :‬تفيد معلومات أوردتها مؤخرا مصادر عسكرية‬ ‫بريطانية بأن أملانيا الشرقية تقوم منذ فترة بتدريب نحو ‪ 200‬من‬ ‫عناصر الحرس الثوري اإليراني علی قيادة الطائرات السوفياتية‬ ‫بما في ذلك املقاتالت من طراز «ميغ ـ ‪ »19‬و«ميغ ـ ت ‪ ٬»21‬ولم تشر‬ ‫ه��ذه املعلومات إل��ی موعد إتمام ه��ؤالء الطيارين اإليرانيني الجدد‬ ‫تدريباتهم‪ ٬‬غير أنه من املحتمل أن يكون ذلك في وقت ما خالل الفترة‬ ‫‪ 1984‬ـ ‪ 1985‬األمر الذي سيمكن سالح الجو اإليراني من البدء آنذاك‬ ‫بتشغيل املقاتالت من طرازي «إف ـ ‪ »6‬و«إف ـ ‪ »7‬التي يفترض أن‬ ‫يكون قد حصل عليها عن طريق الصني وكوريا الشمالية‪.‬‬ ‫■ إيطاليا‪ :‬كانت حكومة الشاه قد تعاقدت مع شركة «اغوستا»‬ ‫اإليطالية املتخصصة بصناعة ط��ائ��رات الهليكوبتر ف��ي النصف‬ ‫الثاني من السبعينات علی شراء ‪ 50‬طائرة هليكوبتر ناقلة ثقيلة‬ ‫من طراز «شينوك» (وهي طائرة أميركية األصل يتم إنتاجها في‬ ‫إيطاليا بموجب ترخيص أميركي رسمي) تبلغ قيمتها نحو ‪425‬‬ ‫مليون دوالر‪.‬‬ ‫وق��د ك��ان تسليم ال��ط��ائ��رات املطلوبة يتم تباعا عندما ب��رزت أزم��ة‬ ‫احتجاز الرهائن األميركيني في طهران‪ ٬‬وما أعقبها من فرض الدول‬ ‫الغربية للمقاطعة العسكرية علی إي��ران‪ ٬‬مما أدى إلی وقف عملية‬ ‫تسليم الطائرات املتبقية (وكان عددها آنذاك ‪ 21‬طائرة) إلی الجيش‬ ‫اإلي��ران��ي‪ .‬غير أن الشركة اإليطالية ع��ادت وسلمت هذا األخير في‬ ‫مطلع عام ‪ 1982‬كمية من الهليكوبترات املذكورة تضمنت ‪ 10‬طائرات‬ ‫وما تزال شركة «اغوستا» تحتفظ حاليا بـ‪ 11‬طائرة من هذا الطراز‬ ‫الذي باستطاعته حمل ما يقارب ‪ 50‬جنديا أو نحو ‪ 10‬أطنان من‬ ‫املعدات‪ ٬‬وهي كافة ما بقي من أصل الصفقة املخصصة إليران‪ ٬‬وذلك‬ ‫دون أن تتخذ الحكومة اإليطالية حتى اآلن قرارا نهائيا بشأن تسليم‬ ‫هذه الطائرات إلی سالح الجو اإليراني‪ ٬‬أم عدم تسليمها‪.‬‬

‫■ سويسرا‪ :‬قامت شركة «بيلوتوس» السويسرية خالل سبتمبر‬ ‫(أي��ل��ول) ‪ 1983‬ببيع س�لاح الجو اإلي��ران��ي س��ت ط��ائ��رات م��ن ط��راز‬ ‫«ب��ي س��ي ـ ‪ 7‬ت��ورب��و ت��راي��ن��ر»‪ ٬‬وذل��ك م��ع العلم ب��أن ق��وان�ين الحكومة‬ ‫السويسرية تمنع بيع املعدات الحربية إلی «مناطق التوتر» في العالم‪٬‬‬ ‫وقد تبني فيما بعد أن الطائرات املذكورة هي جزء من صفقة تعاقدت‬ ‫إيران عليها مع الشركة السويسرية وتضمنت شراء نحو ‪ 50‬طائرة‬ ‫«توربو تراينر»‪ .‬كما علم أن الحكومة السويسرية قد سمحت بتنفيذ‬ ‫بنود هذه الصفقة نظرا ألنها تصنف هذه الطائرات كمعدات حربية‪٬‬‬ ‫ومما يذكر في هذا املجال أن العراق كان قد تعاقد بدوره منذ نحو‬ ‫العامني علی شراء ‪ 52‬طائرة من هذا الطراز الذي يستخدم عادة في‬ ‫■ األرجنتني‪ :‬تتجه األرجنتني بسرعة نحو التحول إل��ی أح��د أهم مهمات التدريب واملساندة التكتيكية والذي يمكن تسليحه بمدافع‬ ‫مصادر األسلحة بالنسبة إليران‪ .‬إذ تفيد معلومات أكيدة لم يكشف رشاش وحاضنات صاروخية وقنابل متنوعة األوزان‪.‬‬ ‫النقاب عنها إال أخ��ي��را ع��ن توقيع األرجنتني وإي���ران علی اتفاقية‬ ‫تسليح هامة تقدر قيمتها بنحو ‪ 170‬مليون دوالر وتنص علی ■ إسرائيل‪ :‬تتضارب املعلومات املتوافرة بشأن حجم ومدی التعاون‬ ‫تزويد الجيش اإليراني بنحو ‪ 100‬دبابة قتال رئيسية جديدة من التسليحي القائم منذ عدة سنوات بني إي��ران وإسرائيل‪ ٬‬وذلك في‬ ‫طراز «ثام» ‪ ٬‬وهذه الدبابة التي تعمل األرجنتني علی إنتاجها بصورة الوقت الذي تجمع فيه مختلف املصادر األميركية واألوروبية علی‬ ‫محلية في الوقت الحاضر هي من تصميم أملاني غربي‪ ٬‬وهي تزن االعتبار بأن ذلك التعاون كان حيويا في مساهمته بتمكني إيران من‬ ‫‪ 30‬طنا ومسلحة بمدفع من عيار ‪ 105‬ملم‪ ٬‬وباإلضافة إلی أن إيران إدامة وتشغيل أسلحتها األميركية الصنع‪ ٬‬والثابت في هذا املوضوع‬ ‫كانت قد حصلت من األرجنتني منذ عدة أشهر علی أسلحة اشتملت أن إيران حصلت عن طريق إسرائيل علی كميات ال يستهان بها من‬ ‫قطع الغيار والصيانة الالزمة إلصالح واستخدام األسلحة املذكورة‪٬‬‬ ‫علی ‪ 60‬رشاشا ثقيال و‪ 5‬آالف بندقية آلية ومسدس‪.‬‬

‫‪,,‬‬

‫عودة التركيز‬ ‫اإليراني علی‬ ‫قضايا التسلح‬ ‫وبأي ثمن‬ ‫سوف تؤدي‬ ‫إلی ارتفاع‬ ‫جديد ضخم‬ ‫في حجم‬ ‫املصاريف‬ ‫العسكرية‬ ‫اإليرانية‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫‪43‬‬


‫أرشيف‬

‫التعاون كانت تمكني القوات املذكورة من تأمني حد ال يستهان به‬ ‫من احتياجاتها القتالية وامليدانية واللوجستية‪ ٬‬وبشكل كان كفيال‬ ‫بإدامة وتشغيل حيز غير قليل من الترسانة السالحية التي كانت‬ ‫بحوزتها منذ أيام الشاه‪.‬‬

‫الصفقات بالتفصيل‬

‫‪,,‬‬

‫علی الرغم من‬ ‫العالقات املتوترة‬ ‫بني إيران‬ ‫وفرنسا فإن هذه‬ ‫األخيرة قامت‬ ‫بتسليم سالح‬ ‫البحرية اإليراني‬ ‫ثالثة زوارق‬ ‫هجومية حاملة‬ ‫للصواريخ‬ ‫من فئة‬ ‫«كومباتانت»‬

‫‪,,‬‬

‫‪42‬‬

‫أما تفصيل العالقات والصفقات ووجهات التعاون العسكري التي‬ ‫ربطت ما بني إيران وهذه الدول خالل السنوات األربع املاضية‪ ٬‬فإنه‬ ‫باإلمكان تحديده استنادا إلی ما أوردت��ه خالل األشهر واألسابيع‬ ‫األخيرة عدة مراجع رسمية وشبه رسمية متخصصة في الواليات‬ ‫املتحدة وأوروبا من معلومات باتت بحكم املؤكدة تقريبا‪ ٬‬وذلك علی‬ ‫الشكل اآلتي‪:‬‬ ‫■ كوريا الشمالية‪ :‬تشكل كوريا الشمالية في الوقت الحاضر أحد‬ ‫أهم مصادر التسلح اإليرانية‪ ٬‬وتقدر معلومات مستقاة من مصادر‬ ‫وزارة الدفاع األميركية بأن طهران استوردت من هذه الدولة وحدها‬ ‫خالل عام ‪ 1982‬أسلحة ومعدات بقيمة تصل إلی نحو مليار دوالر‪٬‬‬ ‫أي ما يعادل نسبة ‪ 40‬في املائة تقريبا من مجموع حجم واردات‬ ‫األسلحة اإليرانية في ذلك العام‪ ٬‬كما تشير هذه املعلومات إلی اتفاقية‬ ‫تم التوقيع عليها بني طهران وكوريا الشمالية منذ مدة ونصت علی‬ ‫حصول هذه األخيرة علی ‪ 250‬ألف طن من النفط اإليراني الخام‬ ‫مقابل أسلحة ومعدات قتالية تبلغ قيمتها نحو مليار دوالر‪.‬‬

‫ضحايا الحرب أطفال يحملون السالح‬

‫عملية بيع األس�ل�ح��ة الصينية إل��ی ط�ه��ران ف��ي ال �ع��ادة عبر كوريا‬ ‫الشمالية‪ ٬‬وهي تتضمن علی ما يبدو مقاتالت من طراز «إف ـ ‪»6‬‬ ‫(ميغ ـ ‪ ٬)19‬وربما مقاتالت من طراز «إف ـ ‪( »7‬نسخة صينية من‬ ‫املقاتلة السوفياتية «ميغ ـ ‪ )»21‬ودبابات من طراز «ت ـ ‪( »59‬نسخة‬ ‫عن الدبابة «ت ـ ‪ )»54‬إلی جانب مدفعية ميدان وهاونات وأسلحة‬ ‫وذخائر أخری متنوعة‪.‬‬

‫وتتضمن األسلحة التي بات من الشائع أن إيران قد تعاقدت عليها‬ ‫مع كوريا الشمالية معدات سوفياتية وصينية الصنع‪ .‬إضافة إلی‬ ‫معدات يتم إنتاجها محليا هناك‪ ٬‬وهي تشتمل علی نحو ‪ 250‬دبابة‬ ‫من طراز «ت ـ ‪ »55/54‬و«ت ـ ‪( »59‬وهذه األخيرة هي نسخة صينية‬ ‫من الدبابة السوفياتية «ت ـ ‪ ٬ »54‬ونحو ‪ 400‬مدفع ميدان وهاوتزر‬ ‫من عيار ‪ 122‬ملم و‪ 130‬ملم‪ ٬‬ونحو ‪ 1000‬مدفع هاون‪ ٬‬و‪ 600‬مدفع‬ ‫مضاد للطائرات و‪ 12‬أل��ف رش��اش وبندقية آلية‪ ٬‬إضافة إل��ی نحو ■ ت��اي��وان‪ :‬يتشابه دور ت��اي��وان علی صعيد دع��م ج�ه��ود التسلح‬ ‫‪ 100‬طائرة مقاتلة من ط��راز «ميغ ـ ‪ »19‬ونسختها الصينية التي اإليرانية مع ذلك الذي تقوم بتنفيذه منذ مدة كوريا الجنوبية‪ ٬‬حيث‬ ‫تعرف باسم «إف ـ ‪.»6‬‬ ‫إنه يتركز في تزويد القوات اإليرانية باحتياجاتها من قطع الغيار‬ ‫ال�لازم��ة لتشغيل امل�ق��ات�لات م��ن ط��راز «إف ـ ت ‪ 5‬ت��اي�غ��ر»‪ ٬‬وغيرها‬ ‫■ كوريا الجنوبية‪ :‬علی الرغم من نفي السلطات الكورية الجنوبية من األسلحة واملعدات األميركية األصل املوجودة في حوزة القوات‬ ‫باستمرار أنها تزود إيران باألسلحة‪ ٬‬فإن املعلومات التي توردها املذكورة‪ ٬‬كما يعمل في صفوف هذه األخيرة حاليا‪ ٬‬حسب معلومات‬ ‫عدة مصادر دفاعية أميركية وبريطانية تشير إلی عكس ذلك عمليا‪ ٬‬بريطانية‪ ٬‬خبراء وفنيون من تايوان تعاقدت معهم الحكومة اإليرانية‬ ‫وتفيد تلك املصادر بأن كوريا الجنوبية شاركت فعال في عملية من أجل تشغيلهم في عملية صيانة وإصالح األسلحة العاملة لديها‪٬‬‬ ‫تسليح القوات اإليرانية طيلة السنوات القليلة املاضية‪ ٬‬بما في ذلك وقد تم التعاقد مع هؤالء بصورة تجارية وعلی أساس فردي‪ ٬‬وليس‬ ‫ت��زوي��د ه��ذه األخ�ي��رة بكميات م��ن قطع الغيار الخاصة باملقاتالت ضمن صفقة رسمية بني سلطات الجانبني كما هي العادة في مثل‬ ‫األميركية الصنع من طرازي «إف ـ ‪ 4‬فانتوم» و«إف ـ ‪ 5‬تايغر» (وهي هذه الحاالت‪.‬‬ ‫مقاتالت تعمل لدی كل من سالحي الجو الكوري الجنوبي واإليراني)‬ ‫مما ساهم بتمكني إيران من االستمرار في تشغيل وإدامة قسم مما ■ الباكستان‪ :‬أوردت إحدى النشرات البريطانية املتخصصة منذ‬ ‫تملكه من هذين الطرازين‪ .‬كما تفيد معلومات أخری غير مؤكدة بضعة أسابيع معلومات مفادها أن الباكستان لعبت دورا حيويا‬ ‫بأن كوريا الجنوبية قامت خالل الفترة ‪ 1982‬ـ ‪ 1983‬بتزويد إيران «كوسيط» في العديد من الصفقات التي عقدتها إيران في أسواق‬ ‫بعدد من صواريخ «هوك» األميركية املضادة للطائرات‪ ٬‬بعد أن تم السالح الدولية‪ ٬‬وذلك ضمن الوسائل التي اتبعتها هذه األخيرة من‬ ‫تحويل شحنة من هذه الصواريخ إلی إيران بدال من هدفها األصلي أجل االلتفاف حول قوانني تصدير األسلحة واملعدات القتالية إلی‬ ‫الذي كان مقررا لها‪ ٬‬أي وحدات الجيش الكوري نفسه‪.‬‬ ‫الخارج في ع��دد من ال��دول األوروب�ي��ة التي تفرض حظرا علی بيع‬ ‫مثل هذه املعدات إلی إيران‪ ٬‬وحسب هذه املعلومات التي أكدتها أيضا‬ ‫■ الصني الشعبية‪ :‬تحرص السلطات الصينية بدورها علی نفي نشرة أميركية مماثلة‪ ٬‬فإن الباكستان كانت تعقد هذه الصفقات‪٬‬‬ ‫األنباء املتحدثة عن قيامها ببيع األسلحة إلی إيران (وفي الواقع فإن ومن ثم يتم تحويل ما تنص عليه من معدات إلی إيران‪ ٬‬وذلك لقاء‬ ‫الصني تعد في الوقت الحاضر من أهم مصادر العراق التسليحية)‪ .‬عموالت مالية معينة‪ ٬‬وباإلضافة‪ ٬‬فقد ساهمت الباكستان في تزويد‬ ‫غ�ي��ر أن امل�ع�ل��وم��ات امل �ت��واف��رة ع��ن ط��ري��ق أوس ��اط دف��اع�ي��ة أميركية إيران بقطع غيار وذخائر خاصة باألسلحة واملعدات الغربية الصنع‬ ‫وبريطانية وأملانية غربية تؤكد في املقابل علی حقيقة قيام الصني التي تعمل في صفوف القوات اإليرانية‪ ٬‬كما تعاقدت هذه األخيرة مع‬ ‫بتزويد القوات اإليرانية بكميات ال يستهان بها من األسلحة‪ .‬وتتم عدد من الخبراء والفنيني الباكستانيني من أجل العمل في صفوفها‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬


‫في حوزة هذه األخيرة‪ ٬‬األمر الذي جعل من مسألة التعويض عن قدرة القوات اإليرانية علی االستمرار بخوض قتال ضار وعمليات‬ ‫مكثفة برية وجوية وبحرية؟ وبكالم آخر فإن التساؤل الرئيسي‬ ‫هذا النقص أولوية ملحة‪.‬‬ ‫‪ )2‬العمل علی إي�ج��اد م�ص��ادر تسلح ج��دي��دة بديلة ت�ك��ون كفيلة يعود ليتركز حول‪ :‬من أين تحصل إيران علی احتياجاتها القتالية‬ ‫بالحلول مكان مصادر التسلح التقليدية التي كانت تعتمد إيران في الوقت الحاضر؟‬ ‫عليها ف��ي امل��اض��ي‪ ٬‬وذل��ك ليس م��ن أج��ل الحصول ع��ن طريق هذه‬ ‫املصادر علی الخبرات واملعونات والقطع الكفيلة بتشغيل الترسانة من أي مكان وبأي ثمن‬ ‫العسكرية اإليرانية فحسب‪ ٬‬بل وبهدف التزود منها بأسلحة جديدة‬ ‫بغية إحاللها مكان األسلحة واملعدات القديمة التي باتت في وضع في الواقع‪ ٬‬فقد تجمعت لدی األوساط العسكرية الغربية خالل اآلونة‬ ‫غير قابل لالستخدام‪..‬‬ ‫األخيرة معلومات بات من املمكن علی ضوئها تسليط األضواء علی‬ ‫الكثير من الجوانب التي كانت ما تزال علی قدر كبير من الغموض‬ ‫فيما يتعلق ب��ال�ع�لاق��ات التسليحية وع�لاق��ات ال�ت�ع��اون ف��ي شتی‬ ‫أسواق السالح السوداء‬ ‫املجاالت العسكرية والفنية بني إي��ران ومزوديها الجدد باألسلحة‬ ‫وق ��د ب ��ذل اإلي ��ران� �ي ��ون م �ن��ذ ان � ��دالع ح ��رب ال�خ�ل�ي��ج ج �ه��ودا ج �ب��ارة واالعتدة القتالية املتنوعة‪ ٬‬بل إنه يمكن القول إن املعلومات املذكورة‬ ‫ف��ي محاوالتهم ال�ه��ادف��ة إل��ی العثور علی حلول ناجعة ملشاكلهم تساهم إلی حد كبير في تفسير ما كان قد صرح به منذ بضعة‬ ‫التسليحية‪ .‬وتضمنت تلك الجهود بطبيعة ال�ح��ال مختلف أن��واع شهور سفير إيران لدی األمم املتحدة خالل رده علی سؤال تقدم‬ ‫الوسائل العلنية والسرية‪ ٬‬بل إنها اشتملت في بعض الحاالت علی به أحد الصحافيني األميركيني مستفسرا منه عن كيفية استمرار‬ ‫وسائل بلغت حد اليأس من حيث إلحاحها‪ .‬لعل من بني األمثلة إيران بالحصول علی احتياجاتها من األسلحة رغما من املقاطعة‬ ‫البارزة علی هذا اإللحاح حقيقة أن إيران وافقت في بعض األحيان الدولية املفروضة عليها‪ ٬‬فقد أجاب السفير اإليراني سعيد رجائي‬ ‫علی دفع مبالغ طائلة من أجل الحصول علی أسلحة ومعدات من خوراساني بقوله‪« :‬إن من يملك ما يكفي من العزم واملال باستطاعته‬ ‫أس��واق السالح السوداء األوروبية وذل��ك بمعدالت كانت تصل إلی شراء أي شيء يريده في هذا العالم»‪.‬‬ ‫ثالثة أضعاف األث�م��ان العاملية املعتمدة لتلك األسلحة في السوق‬ ‫الدولية رسميا‪.‬‬ ‫وبالفعل‪ ٬‬فإن في كلمة السفير خوراساني ما يعبر أصدق تعبير‬ ‫وكان من الجلي أن عودة التركيز اإليراني علی قضايا التسلح‪ ٬‬وبأي عن حقيقة وضع التسليح اإليراني الراهن‪ ٬‬حيث باتت مصادر إيران‬ ‫ثمن‪ ،‬س��وف ت��ؤدي إل��ی ارت�ف��اع جديد ضخم في حجم املصاريف من األسلحة واملعدات العسكرية تشتمل علی دول وأطراف تجمع في‬ ‫العسكرية اإليرانية‪ ٬‬وذلك إلی حد لم يكن موجودا حتى خالل أكثر طياتها أضدادا ال يمكن الجمع فيما بينها من حيث املنطق‪ ٬‬وإن كان‬ ‫ذلك الجمع قد تم عمليا علی أرض الواقع‪ .‬ولعل في مجرد النظر إلی‬ ‫حقبات حكم الشاه إنفاقا علی الدفاع‪.‬‬ ‫قائمة الدول التي بات من املؤكد حسب مختلف املصادر الدولية أنها‬ ‫والقسم األكبر من املصاريف العسكرية اإليرانية يستهدف أساسا تقوم بتزويد القوات اإليرانية بأشكال مختلفة من العون العسكري‪٬‬‬ ‫شراء األسلحة والذخائر‪ .‬وهنا يطرح التساؤل الذي حير املراقبني سواء كان ذلك العون رسميا أم ضمنيا ما يكفل تفسير التضارب‪.‬‬ ‫العسكريني الدوليني طيلة السنوات األرب��ع املاضية‪ ٬‬وهو إذا كانت وتتراوح قيمة وحجم العالقات العسكرية التي تربط إيران مع كل‬ ‫إيران تعاني منذ مطلع الثمانينات من حظر تسليحي فرضته عليها دول��ة‪ ٬‬كما تتفاوت إل��ی ح��د بعيد أوج��ه ال�ت�ع��اون ال��ذي ي�ق��وم بينها‬ ‫الواليات املتحدة والدول األوروبية الغربية‪ ٬‬فكيف إذن يمكن تفسير وب�ين ال�ق��وات اإلي��ران�ي��ة‪ ٬‬غير أن الثابت حتى اآلن أن محصلة ذلك‬

‫غالف املجلة العدد (‪)228‬‬

‫‪,,‬‬

‫موردو السالح‬ ‫يبدأون من‬ ‫سويسرا‬ ‫وينتهون في‬ ‫إسرائيل!‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫‪41‬‬


‫أرشيف‬

‫«قل لي ملن تبيع السالح‪ ،‬يمكن أن أعرف أي سياسة تنتهج‪( .‬حكمة لبائع سالح معروف)‪ .‬وألن «املجلة» تؤمن بهذه الحكمة‬ ‫العملية‪ ٬‬فإنها حاولت أن تغوص في عالم سوق السالح العاملي لتعرف بالضبط من الذي يبيع السالح إليران وكيف وملاذا‬ ‫ونوعيته وبأية أسعار ولتحقيق أية أهداف؟ في هذا التقرير املفصل تنفرد «املجلة» بنشر تفاصيل اللوائح الكاملة للسالح الذي‬ ‫وصل إيران في السنوات الثالث املاضية‪ ،‬مع إعطاء خلفية كاملة لقصة شراء السالح من السوق العاملية بدءا من الستينات‬ ‫في عهد الشاه حتى الشهر املاضي‪« .‬املجلة» تدق ناقوس الخطر وتنبه أن دوال إسالمية ودولة صديقة‪ ٬‬للعالم العربي تقوم‬ ‫ببيع هذا السالح في الوقت الذي تعلن فيه رسميا وإعالميا أنها تلتزم موقف الحياد من هذا الصراع‪ .‬إن هذه الدول التي ننشر‬ ‫أسماءها‪ ،‬ترفع شعارات «ضبط النفس»‪ .‬لكننا نتساءل هل ضبط النفس من املمكن تحقيقه عن طريق إغراق املنطقة بكميات‬ ‫ضخمة من السالح؟ هذا التقرير يستحق القراءة املتأنية حتى تعرف أية سياسة ينتهجها «األصدقاء» تجاه منطقتنا العربية‪.‬‬

‫«املجلة» تنشر أسماء ‪ 15‬دولة باعت سالحا إليران‬

‫قصة السالح اإليراني‬ ‫من عهد الشاه إلی عهد اخلميين‬ ‫املجلة‬ ‫العدد (‪)228‬‬ ‫‪1974/6/23‬‬ ‫كتب‪:‬‬ ‫املحرر العسكري‬

‫علی امتداد نحو عشر سنوات خالل العقد املاضي‪ ٬‬كانت‬ ‫إيران تحت ظل الشاه تحتل املرتبة األولی دون منازع كالدولة‬ ‫األكثر إنفاقا علی ش��ؤون التسلح والبناء العسكري بني‬ ‫سائر أقطار املنطقة العربية والشرق األوسط‪ .‬بل إن حجم املصاريف‬ ‫العسكرية اإليرانية بلغ قبيل سقوط الشاه في أواخ��ر السبعينات‬ ‫حدا بات يقارن معه بحجم املبالغ التي ترصدها للشؤون الدفاعية‬ ‫في ال�ع��ادة دول عاملية كبری‪ .‬ففي ع��ام ‪ ،1978‬علی سبيل املثال‪٬‬‬ ‫بلغت ميزانية التسلح اإليرانية نحو ‪ 10‬مليارات دوالر‪ .‬األمر الذي‬ ‫وضع إيران في املرتبة السادسة في العالم علی الئحة الدول األكثر‬ ‫إنفاقا علی املسائل العسكرية‪ ٬‬وذلك مباشرة بعد كل من االتحاد‬ ‫السوفياتي وال��والي��ات املتحدة والصني وأملانيا االتحادية وفرنسا‬ ‫وبريطانيا‪.‬‬ ‫وعند اق�ت��راب عهد الشاه من نهايته في أواخ��ر السبعينات كانت‬ ‫جهود التسلح اإليرانية قد بلغت أوجها‪ .‬ولعله من املثير أن نذكر في‬ ‫هذا املجال أن الحكومة اإليرانية الجديدة عمدت إثر تسلمها مقدرات‬ ‫السلطة في طهران إل��ی إلغاء صفقات أسلحة ك��ان التعاقد عليها‬ ‫قد تم إبان عهد الشاه‪ ٬‬وذلك بما قيمته نحو ‪ 15‬مليار دوالر‪ .‬وقد‬ ‫تضمنت األسلحة امللغاة ‪ 160‬مقاتلة من طراز «إف ‪ 16‬فالكون» و‪7‬‬ ‫طائرات رصد وإنذار مبكر من طراز «اواكس»‪ ٬‬ومدمرتني حاملتني‬ ‫للصواريخ و‪ 400‬صاروخ جو ـ جو «فونيكس» و‪ 200‬صاروخ مضاد‬ ‫للسفن من طراز «مارك ـ ‪ »46‬و‪ 1000‬صاروخ مضاد للطائرات من‬ ‫طراز «هوك» إضافة إلی ‪ 1000‬دبابة «شير إيران» من بريطانيا‪٬‬‬ ‫وذلك إلی جانب العديد من الصفقات األخرى األصغر‬ ‫حجما والتي كانت معقودة مع بريطانيا وفرنسا وأملانيا‬ ‫الغربية وإيطاليا‪ ٬‬بما فيها صفقة مع أملانيا الغربية كانت‬ ‫تتضمن شراء ست غواصات هجومية من فئة «ثايب ـ ‪.»209‬‬

‫السلطة إلغاء الصفقات التسليحية املذكورة وتخفيض املصاريف‬ ‫العسكرية اإليرانية بأكثر من الثلثني (من ‪ 10‬مليارات دوالر في عام‬ ‫‪ 1979‬إلی نحو ثالثة مليارات في عام ‪ ٬)1980‬فإن القيادة اإليرانية‬ ‫الحالية ال ب��د وأن ت�ك��ون ق��د ش�ع��رت ب�ن��دم ب��ال��غ علی قيامها بهذه‬ ‫الخطوة‪ .‬فإلی جانب كون األسلحة امللغاة هي تمديد ما تحتاجه إيران‬ ‫حاليا من أجل خوض حربها مع العراق (ويذكر هنا علی األخص‬ ‫مقاتالت «إف ‪ »16‬وط��ائ��رات «أواك ��س» وال�ص��واري��خ والطوربيدات‬ ‫املضادة للسفن ودبابات «شير إيران» وغواصات «ثايب ـ ‪ ٬»209‬وهي‬ ‫جميعها معدات تعاني القوات اإليرانية في الوقت الحاضر من افتقار‬ ‫بالغ إلی ما يماثلها)‪ ٬‬خاصة وأن املعضلة الكبرى التي واجهت الحكم‬ ‫اإليراني الجديد منذ وصوله إلی سدة السلطة‪ ٬‬وبالذات منذ اندالع‬ ‫حرب الخليج‪ ٬‬كانت في كيفية املحافظة علی قدرات البالد العسكرية‬ ‫والعمل علی تعزيزها بما يتناسب مع متطلبات الحرب الدائرة‪.‬‬ ‫وقد تلخصت مشكلة إي��ران التسليحية خالل السنوات الثالث أو‬ ‫األربع املاضية بشقني رئيسني‪ ٬‬وهما‪:‬‬

‫‪ )1‬محاولة اإلب�ق��اء علی ما أمكن من ترسانة إي��ران الضخمة من‬ ‫األس�ل�ح��ة األميركية والغربية امل�ت�ط��ورة ف��ي وض��ع ق��اب��ل للتشغيل‬ ‫واالستخدام العملي بعد انقطاع سبل الدعم العسكري والفني الغربي‬ ‫عن إيران‪ ٬‬وباألخص نتيجة ألزمة احتجاز رهائن السفارة األميركية‬ ‫خالل ‪ 1979‬ـ ‪ 1980‬فقد افتقرت القوات اإليرانية في أعقاب سقوط‬ ‫الشاه إلی الكثير من العناصر واألطقم املتخصصة واملؤهلة لتشغيل‬ ‫األسلحة املذكورة‪ ٬‬وال سيما الطيارين وفنيي الصيانة وقادة املدرعات‬ ‫والدبابات ومشغلي أنظمة الصواريخ ممن قرر بعضهم مغادرة إيران‬ ‫إثر نجاح الثورة‪ ٬‬أو ممن سرحوا من الخدمة أو حوكموا بتهمة الوالء‬ ‫للنظام السابق‪ .‬وعلی صعيد آخر‪ ٬‬أدی انقطاع العالقات العسكرية‬ ‫مع مزودي إيران التقليديني باألسلحة‪ ٬‬كالواليات املتحدة وبريطانيا‪٬‬‬ ‫إلی بروز نقص حاد لدی القوات اإليرانية في مجاالت الصيانة وقطع‬ ‫وإذا كانت حكومة اإلمام الخميني قد قررت بعد وصولها إلی الغيار وغير ذلك من معدات ضرورية لتشغيل األسلحة املوجودة‬

‫‪40‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬


Distinguish yourself

Kingâ&#x20AC;&#x2122;s is ranked in the top 30 universities worldwide* and based in the heart of London. With nine Schools and six Medical Research Council centres, Kingâ&#x20AC;&#x2122;s offers world-class teaching and research. Our extensive range of subjects includes humanities, law, medicine, psychiatry, dentistry, nursing, mathematics; natural, biomedical, social and management sciences. For further information, please contact Ghazi Lashab at ghazi.lashab@kcl.ac.uk *QS World University Rankings, 2011

www.kcl.ac.uk


‫تقرير‬

‫كان هذا التزاما مؤقتا أال يهاجموا أهدافا محلية‪ ،‬ولكن دون أن‬ ‫يقدم النزالء أي تنازالت فكرية أو يعترفوا بشرعية ال��دول��ة‪ .‬في‬ ‫مصر وأنحاء أخرى في اإلقليم اآلن‪ ،‬بات جليا أن هذه الترتيبات‬ ‫غير كافية‪ ،‬وأن كل جهد يجب أن ُيبذل لتجنيد القيادات الدينية في‬ ‫الكفاح العقلي لهزيمة اآليديولوجيات املتطرفة على استحقاقهم‪.‬‬ ‫وفي الوقت نفسه‪ ،‬في محيط العالم العربي اليوم‪ ،‬نجد العديد من‬ ‫الدول ذات أغلبية سكانية ُمسلمة تنخرط اليوم في صراع وجودي‬ ‫مع التطرف‪.‬‬

‫صالة االلعاب البدنية‬ ‫في مركز االمير نايف‬

‫‪,,‬‬

‫فهمت‬ ‫السلطات‬ ‫السعودية‬ ‫منذ فترة‬ ‫طويلة األثر‬ ‫العميق من‬ ‫االستفادة من‬ ‫بنية األسرة‬ ‫في تعاملها مع‬ ‫«الجهاديني»‬

‫‪,,‬‬

‫‪38‬‬

‫وبمالحظة الساحل األفريقي‪ ،‬وخصوصا مالي‪ ،‬حيث تحالف‬ ‫ق��وات متقاتلة منذ أقل من عامني مع تنظيم القاعدة وغ��زت بعد‬ ‫قليل ج��زءا من البلد بحجم فرنسا‪ .‬وحظي تنظيم القاعدة في‬ ‫املغرب اإلس�لام��ي بتابعني ج��دد على ط��ول الساحل‪ ،‬واستفادت‬ ‫من الفوضى امل��وج��ودة في ليبيا للحصول على مخزون ضخم‬ ‫من األسلحة‪ .‬وبعد ذلك مع بعدنا أكثر عن املعاقل العربية‪ ،‬يتعقد‬ ‫التطرف في البيئات ذات الصراع الديني الداخلي‪ .‬وبالنظر ‪ -‬على‬ ‫سبيل املثال ‪ -‬إلى جمهورية أفريقيا الوسطى‪ ،‬حيث أدت الهجمات‬ ‫على املسيحيني بعد استيالء متمردي تحالف «سيليكا» إلى إثارة‬ ‫ميليشيات املسيحيني‪ .‬وقد أطلق الصراع أيضا تيارا خارجيا من‬ ‫الالجئني‪ ،‬وهم ‪ُ -‬يخشى ‪ -‬أن يكونوا ممن يلقي بذور الصراع في‬ ‫األمم املحيطة‪.‬‬ ‫بال شك هناك دور هام يمكن أن يقوم به مركز محمد بن نايف‬ ‫الذي يسعى إلى تصدير منهجيته وخبرته إلى جميع هذه األراضي‬ ‫املضطربة‪ .‬ه��ذا الجهد يمكن أن يصل إل��ى ن��وع جديد م��ن «ق��وة‬ ‫التدخل الناعمة» السعودية‪ ،‬وربما كعنصر من عناصر املجهودات‬ ‫املتعددة الجنسيات لتحقيق االستقرار في هذه البلدان التي هي‬ ‫إنه ألمر حاسم في نجاح هذه التعاليم في اململكة العربية السعودية‪ ،‬اآلن ال�ت��ي شنها ح�ل�ف��اء اململكة ال�ع��رب�ي��ة ال�س�ع��ودي��ة األوروب �ي��ون‬ ‫ونتيجة لذلك‪ ،‬يمكن للدولة واملجتمع أن يتحدا معا ملمارسة ضغوط واألميركيون‪.‬‬ ‫هائلة على إره��اب��ي سابق لتحويله إل��ى مواطن ملتزم بواجباته‬ ‫الوطنية‪ .‬ولكن من حيث تصدير هذا النموذج إلى بلدان أخرى‪ ،‬كما أن هناك اتفاقا واس��ع النطاق على أن املساعدة العسكرية‬ ‫فإن الظروف املحلية املتعددة تثير مجموعة متنوعة من األسئلة‪ .‬واالقتصادية يجب أن تكون مصحوبة بالعنصر «الروحي» الذي‬ ‫على سبيل املثال‪ ،‬من بني ‪ 57‬بلدا مسلما في العالم اليوم فإن هناك يحارب العقلية املتطرفة ‪ -‬ومن شأن املشاركة السعودية بمثل هذا‬ ‫العديد منها ال يتمتع الحاكم فيها بنفس املصداقية مع شعبه‪ ،‬الجهد أن يكون بالتأكيد قيما وموضع ترحيب من قبل شركائها‬ ‫مما يجعل من طاعة الحاكم «ولي األمر» مسألة يصعب تطبيقها‪ .‬منذ فترة طويلة‪.‬‬ ‫وهناك أيضا «الدول الفاشلة» أو البيئات التي مزقتها الحرب‪.‬‬ ‫ونحن ننظر بعيدا في هذه العملية واسعة النطاق‪ ،‬بعد تقلص‪ ،‬هذا‬ ‫العالم املترابط‪ ،‬والنموذج السعودي قد يثبت على حد سواء صلته‬ ‫وق��د تكون مسألة م��ن يكون «ول��ي األم��ر» ف��ي ح��د ذات�ه��ا موضع الوثيقة وصداه حتى في البيئات غير املسلمة‪ .‬في بلدي‪ ،‬الواليات‬ ‫خ�لاف‪ .‬يجب أيضا أن تثار أسئلة ح��ول املسلمني املقيمني في املتحدة‪ ،‬فقد لوحظ أن الجماعات اإلرهابية املسيحية قد قتلت املزيد‬ ‫البلدان التي ال يحكمها مسلم‪ .‬وفي هذه املسألة‪ ،‬جدير بالذكر أنه من الناس في السنوات األخيرة أكثر من الجماعات اإلسالمية‪.‬‬ ‫ليس من الصواب وصف املسلمني فقط باإلرهابيني فقد يكونون في إسرائيل في منتصف أبريل (نيسان)‪ ،‬أغلق الجيش معهدا‬ ‫مسيحني‪ ،‬أو يهودا‪ ،‬أو غيرهما من أتباع أية األديان‪ ،‬وربما كانوا دينيا لليهود املتطرفني في إح��دى مستوطنات الضفة الغربية‪،‬‬ ‫ملحدين‪ .‬فهل ه�ن��اك دروس يمكن استخالصها م��ن النموذج واجتمع ستة رؤساء سابقون لجهاز األمن الداخلي في البالد على‬ ‫ُ‬ ‫السعودي في هذه البيئات املتباينة؟ نجد الجواب من خالل النظر استخدام مصطلح «اإلرهاب اليهودي» لوصف أعمال عنف أرتكبت‬ ‫في أوضاع أجزاء أخرى من العالم تكافح ضد الجماعات املتطرفة من قبل أعضاء هذا املعهد‪ .‬في هذه األمثلة وغيرها من التطرف‬ ‫بنفسها‪.‬‬ ‫غير اإلسالمي‪ ،‬أتذكر مالحظة عبد الله القرني‪ ،‬أن «اإلره��اب ال‬ ‫دين له»‪.‬‬

‫مراجعات جماعات مصر‬

‫ربما العالم العربي هو املكان الذي ُيحترم فيه «النموذج السعودي»‬ ‫غريزيا‪ .‬خالل ص��راع مصر مع اإلره��اب في تسعينات‬ ‫احتراما‬ ‫ُ‬ ‫ُالقرن املاضي‪ ،‬أدرج مشايخ من األزه��ر على قوائم «الجهاديني»‬ ‫قناعاتهم القائمة على ال�ش��رع اإلس�لام��ي‪ .‬وفي‬ ‫وأق�ن�ع��وا بإنكار‬ ‫ُ‬ ‫مناسبات كثيرة ج��دا‪ ،‬أف ��رج ع��ن امل�س��اج�ين الع�ت�ب��ارات مرتبطة‬ ‫«بالهدنة» مع النظام الحاكم فحسب‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫هذا مبدأ أساسي في مركز محمد بن نايف ‪ -‬وهي منظمة ترتكز‬ ‫على املبادئ اإلسالمية في بلد مسلم محافظ ‪ -‬يرافقه االعتقاد‬ ‫ال��وط�ي��د ف��ي أن ال��دي��ن الحقيقي واألخ�ل�اق الحقيقية‪ ،‬ه��ي العالج‬ ‫النهائي آلفة اإلرهاب‪ .‬بل هو الرسالة التي يمكن أن تحمل بواسطة‬ ‫األس��ر والحكومات والزعماء الروحيني في أي بلد‪ .‬والعالم يجد‬ ‫أن هذا مطمئن وذو مغزى لرؤية هذه الرسالة تنتشر من أرض‬ ‫«الحرمني الشريفني» إلى أهل اإليمان في كل مكان <‬


‫ُيبنى ّ‬ ‫املكون «االجتماعي» من نهج املركز «البيولوجي ‪ -‬النفسي ‪ -‬شعور «دعم الزمالء»‪ ،‬بجلب جميع األط��راف جنبا إلى جنب مع‬ ‫االجتماعي ‪ -‬الروحي» حول واحدة من أقوى املؤسسات في اململكة إحساس الهدف املشترك‪.‬‬ ‫العربية السعودية‪ ،‬أو أي مجتمع تقليدي آخر‪.‬‬

‫الزيارات العائلية‬

‫كيفية نقل النموذج السعودي إلى دول أخرى‬ ‫ولكن إلى أي مدى يمكن نقل ذلك «األسلوب» إلى دول أخرى ترغب‬ ‫االستفادة من النموذج السعودي؟ ربما يمكن فعل ذلك أكثر‬ ‫في ً‬ ‫سهولة في املجتمعات التقليدية األخرى حيث تكون األسرة قوية‪،‬‬ ‫سواء في العالم العربي أو خارجه‪ .‬من ناحية أخرى‪ ،‬فإن الوضع‬ ‫مختلف في أنحاء من العالم حيث تكون بنية العائلة أكثر ضعفا‬ ‫والثقافة الفردية هي السائدة‪ ،‬مثل عدد من الدول في الغرب‪ ،‬على‬ ‫سبيل املثال‪ .‬ولكن حتى في الديمقراطيات املتقدمة‪ ،‬تحافظ بعض‬ ‫شرائح املجتمع على شعور الهوية الجماعية‪ ،‬وق��د يكون مركز‬ ‫محمد بن نايف قادرا على تقديم بعض الدروس القيمة عن كيفية‬ ‫الوصول واالنخراط في هذه الهويات‪.‬‬

‫يبذل موظفو املركز جهدا كبيرا لتعزيز الزيارات العائلية من اآلباء‬ ‫واألم�ه��ات‪ ،‬اإلخ��وة واألخ��وات‪ ،‬واألق��ارب األس��وي��اء لتسهيل إع��ادة‬ ‫تأهيل النزالء وعودتهم ملنازلهم في نهاية املطاف‪.‬‬ ‫قد أثبتت األسرة أنها أداة قوية للمركز‪ :‬فمن ناحية‪ ،‬يمكن ألقارب‬ ‫الشاب أن يفعلوا أكثر من أي شخص آخر ملحو العار الذي جلبه‬ ‫لعائلته عن طريق الشرود عن «الطريق الصحيح» واالنخراط في‬ ‫السلوك اإلج��رام��ي‪ .‬م��ن ناحية أخ ��رى‪ ،‬يمكن ل�لأق��ارب أي�ض��ا أن‬ ‫يطمئنوه بأنهم فخورون برغبته في العودة للحياة الطبيعية‪ ،‬وأنهم‬ ‫يحبونه ويدعمونه في مجهوده للقيام بذلك‪ .‬كما أن املركز حريص‬ ‫أيضا على مساعدة الشباب ‪ -‬املعروفني بـ «املستفيدين» ‪ -‬في‬ ‫تكوين أسر خاصة بهم‪ ،‬عن طريق إيجاد نساء مناسبات كزوجات هناك محور ثالث يعد أيضًا ذا أهمية قصوى‪ ،‬هو بالطبع الجانب‬ ‫«الروحي» أو «الديني» للمعاملة‪ .‬وتتبنى منهجية املركز مبدأ عرض‬ ‫لهم وترتيب زيارات زوجية خاصة لهم‪.‬‬ ‫املبادئ الحقيقية للدين اإلسالمي على «املستفيدين»‪ ،‬فمن املمكن‬ ‫لقد فهمت السلطات السعودية منذ فترة طويلة األثر العميق من إقناعهم ب��أن ما ك��ان ي��درس لهم من قبل املعلمني املتطرفني في‬ ‫االستفادة من بنية األسرة في تعاملها مع «الجهاديني» وهذا هو املاضي هو باطل‪.‬‬ ‫وعلى هذا األساس‪ ،‬أقام فريق من كبار علماء الدين ضد التطرف‬ ‫السبب في استخدام نفس األسلوب داخل نظام السجن نفسه‪.‬‬ ‫فاألقارب‪ ،‬في تأثيرهم‪ ،‬يكونون «كالسفراء» للمبادئ االجتماعية واآليديولوجيات «التكفيرية» على قوة النصوص الفقهية اإلسالمية‬ ‫والقانونية ألحبائهم‪ ،‬وبذلك‪ ،‬فإنهم قد يكونون أكثر إقناعا من الصحيحة‪ .‬من بني أه��م جوانب الشريعة اإلسالمية التي جرى‬ ‫أي مسؤول حكومي‪ .‬وعندما يحدث أن مسؤوال مقدما من وزارة التشديد عليها ف��ي سياق ال��دروس الدينية للمركز ه��و مبدأ أن‬ ‫الداخلية له هوية قبلية مشتركة مع كل من «املستفيد» وعائلته‪« ،‬ولي األمر» ‪ -‬عمليا‪ ،‬رئيس الدولة في مملكة مسلمة ‪ -‬هو من لديه‬ ‫فإنه غالبا ما يكون من املمكن ملركز محمد بن نايف التوصل إلى السلطة إلعالن الحرب‪.‬‬

‫مركز االمير نايف للمناصحة‬ ‫والرعاية ‪ -‬الرياض‬

‫‪,,‬‬

‫تسعة من بني‬ ‫كل عشرة شباب‬ ‫يمرون بالعالج‬ ‫النفسي للفكر‬ ‫الجهادي‬ ‫يعودون إلى‬ ‫حياة طبيعية‬ ‫ويحترمون‬ ‫القانون‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫‪37‬‬


‫تقرير‬

‫حصلت على فرصة نادرة في شهر مارس (آذار) املاضي لزيارة مركز محمد بن نايف للمناصحة والرعاية‬ ‫في الرياض‪ .‬وهي مكرسة لتأهيل املواطنني السعوديني‪ ،‬في املقام األول‪ ،‬الذين كانوا أعضاء في تنظيم القاعدة‬ ‫أو غيرها من الجماعات اإلرهابية والذين أمضوا فترة في السجون ‪ -‬إما في السعودية وإما في معتقل‬ ‫غوانتانامو الذي تديره الحكومة األميركية‪ .‬وقد اتبع املركز نهجا متعدد التخصصات بعناية ملعاملة من يطلق‬ ‫عليهم «الجهاديني» عن طريق دمج تخصصات علم النفس وعلم االجتماع‪ ،‬والدراسات الدينية مع التعليم املهني‬ ‫والزيارات العائلية‪ ،‬في محاولة إلعادة تأهيل الشباب ليكونوا مواطنني ملتزمني بالقانون صالحني للمجتمع‪.‬‬

‫تجربة رائدة‪..‬عالج نفسي للتفكير الجهادي في السعودية‬

‫سجناء أحرار !‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫جوزيف براودي‬

‫‪,,‬‬

‫دور مهم‬ ‫يمكن أن يقوم‬ ‫به مركز محمد‬ ‫بن نايف‬ ‫الذي يسعى‬ ‫إلى تصدير‬ ‫منهجيته‬ ‫وخبرته إلى‬ ‫جميع هذه‬ ‫األراضي‬ ‫املضطربة‬

‫‪,,‬‬

‫‪36‬‬

‫وقد حظيت بإمكانية اللقاء مع مختلف املختصني الذين‬ ‫يديرون املركز‪ ،‬وأيضا كانت لدي فرصة للقاء اثنني من‬ ‫ال��ش��ب��اب ال��س��ع��ودي ال��ل��ذي��ن ذه��ب��ا للعالج ه��ن��اك‪ ،‬أم�لا في‬ ‫عودتهما إلى الحياة املدنية‪ .‬وقد أجاب املسؤولون على أسئلتي‬ ‫بصراحة‪ ،‬وفي بعض األحيان تلقيت تصريحات لم أكن أتوقعها‪.‬‬

‫على سبيل املثال‪ ،‬تأثر القرني بكتاب من تأليف الطبيب النفسي‬ ‫ألبرت إليس والذي حدد فيه ‪ 11‬مما يسمى «معتقدات عامة غير‬ ‫عقالنية» يمكن التخلص منها م��ن خ�لال النصح‪ .‬م��ن ب�ين تلك‬ ‫امل��ع��ت��ق��دات على سبيل امل��ث��ال أن م��اض��ي الشخص س��وف يقرر‬ ‫مستقبله حتما؛ وأنه يوجد حل واحد مثالي ملشاكل البشر وسوف‬ ‫ينهار كل شيء من دونه‪.‬‬ ‫وجد القرني أن الكتاب له عالقة بأسلوب نصحه في املركز‪ ،‬ولكنه‬ ‫وجد من املالئم إضافة «معتقدين غير عقالنيني» آخرين‪ ،‬وكان‬ ‫طبيب النفس األردني سليمان ريحاني أوضح أنهما منتشران في‬ ‫العالم العربي‪ :‬أولهما هو افتراض أنه في العالقات اإلنسانية الرجل‬ ‫هو «األساس» ثم تأتي املرأة من بعده‪.‬‬

‫أع���رب موظفو امل��رك��ز م���رارا ع��ن أملهم ف��ي أن يصبحوا بمثابة‬ ‫نموذج ليجري «تصديره» إلى بلدان أخ��رى‪ .‬وفي الواقع‪ ،‬بالنظر‬ ‫إلى أن هناك تسعة من بني كل عشرة شباب يمرون بهذا البرنامج‬ ‫ويعودون إلى حياة طبيعية ويحترمون القانون‪ ،‬فإن من الواجب‬ ‫أن يؤخذ هذا املركز على محمل الجد‪ ،‬ويدرس بعناية من قبل أية‬ ‫دولة تشعر بالقلق إزاء ظاهرة التطرف والتشدد داخل حدودها‪.‬‬ ‫ونظرا لهذه النتيجة الناجعة‪ ،‬فالحقيقة أنه لن يكون أمرا مفاجئا واملعتقد الثاني هو ميل بعض العرب إلى اتباع نوعني من السلوك‬ ‫أن أعضاء املركز يشتركون اآلن مع عناصر في الحكومة اليمنية في املواقف العامة والخاصة‪ :‬قد يتبع بعض األشخاص التقاليد‬ ‫في محاولة لتطوير منشأة مناظرة في هذا البلد‪.‬‬ ‫االجتماعية في صحبة أشخاص معينني‪ ،‬بينما يتصرفون على‬ ‫نحو مختلف في امل��ن��زل‪ .‬أوض��ح القرني قائال‪« :‬إذا كنت تعتقد‬ ‫ولكن في عاملنا املعقد هذا ‪ -‬واملكون من مجتمعات متباينة إلى أن��ك شخص ف��ري��د‪ ،‬فيجب أن تتعلم كيف ي��ك��ون سلوكك جيدا‬ ‫حد كبير في الهياكل االجتماعية‪ ،‬والنظم السياسية‪ ،‬واملؤسسات باستمرار‪ .‬ونحن نحاول ترسيخ هذا املبدأ»‪.‬‬ ‫الثقافية‪ ،‬فضال عن أشكال متنوعة من اإلج��رام والتطرف ‪ -‬ما‬ ‫هو من شأنه أن «يصدر» من النموذج السعودي في إعادة تأهيل وجد القرني أيضا أنه من املمكن استعارة بعض جوانب «املخزون‬ ‫اإلرهابيني على نطاق أوسع؟ فإنه سيكون بال شك عملية إبداعية‪ ،‬النفسي ألنماط تفكير الجنائيني»‪ ،‬وهو منهج عاملي يعتمد على‬ ‫والتي تنطوي على تخصيص دروس للنموذج بطريقة تتفق مع استخدام العالج النفسي لتصحيح أنماط التفكير الخاصة بالعقلية‬ ‫الخصائص الفريدة ب��أي بلد تريد أن «تستوردها»‪ .‬ولكي نبدأ اإلجرامية‪ .‬ولكن كما حدث مع كتاب ألبرت إليس‪ ،‬راج��ع القرني‬ ‫في تخيل كيفية القيام بذلك‪ ،‬فمن الضروري أوال دراس��ة املركز هذه املنهجية وجعلها أكثر توافقا مع مبادئ اإلس�لام التقليدية‬ ‫ومنهجيته فيما يتعلق بالجوانب ال��ت��ي يمكن تطبيقها عامليا‪ ،‬ووضع في اعتباره أيضا بعض األطروحات الجامعية التي تناولت‬ ‫والجوانب القابلة للتطبيق في عدد محدود من البلدان‪ ،‬وما الجوانب بعض السجناء الجنائيني وأجراها باحثون سعوديون في بعض‬ ‫املميزة والفريدة سعوديا‪.‬‬ ‫من سجون اململكة‪.‬‬ ‫إذا تصورنا أن القرني يعمل على تدريب زمالء له في دول أخرى‬ ‫على إق��ام��ة م��رك��ز إع���ادة تأهيل خ��اص ب��ه��م‪ ،‬ي��ب��دو أن ج���زءا مما‬ ‫معتقدات عامة غير عقالنية‬ ‫سيدربهم عليه هو مرونة منهجه‪ .‬سوف يدرب نظراءه على كيفية‬ ‫أعلن طبيب النفس عبد الله القرني ال��ذي ي��ؤدي دورا ب���ارزا في إج���راء أبحاثهم الخاصة ف��ي العوامل البيئية املحلية التي يجب‬ ‫مركز محمد بن نايف‪ ،‬أن فريق العمل توصل إلى أسلوب عالجي وضعها في الحسبان‪ .‬ولكن باإلضافة إلى «مرونة» أسلوبه‪ ،‬يقدم‬ ‫ُ«بيولوجي ‪ -‬نفسي ‪ -‬اجتماعي ‪ -‬روح��ان��ي»‪ .‬تحدث القرني عن القرني أيضا منهجا قويا وثابتا ألفه من تأثيرات أجنبية متفاوتة‪،‬‬ ‫َ‬ ‫املك ِون النفسي في النموذج موضحا أنه استقى أفكاره من مناطق وهو منهج له سجل مثبت في إعادة تأهيل اإلرهابيني‪ ،‬وهو جدير‬ ‫مختلفة حول العالم ّ‬ ‫بنقل معرفته إلى آخرين‪.‬‬ ‫وكيفها بما يالئم البيئة املحلية‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬


ASHARQ AL - AWSAT The Leading International Newspaper

‫ﺟﺮﻳــﺪة اﻟﻌــﺮب اﻟﺪوﻟﻴــﺔ‬

editorial@asharqalawsat.com

www.aawsat.com

Design: Qussay Al-Issa

‫معك أينما تكون‬

http://www.aawsat.com

‫للحصول على‬ :‫املعلومات املفصلة‬ http://kaywa.me/1clMh


‫قضايا‬

‫الناس اليومية‪ .‬وفي اململكة العربية السعودية يمكن رصد كيف اعتمدت‬ ‫سياسات التثقيف والتوعية الرسمية ّ‬ ‫املوجهة ضد الفساد على عنصرين‬ ‫ّ‬ ‫مهمني هما‪ :‬التوعية الدينية‪ ،‬وتفعيل املناشط العلمية املرتكزة على مفاهيم‬ ‫النزاهة وتجريم الفساد بشتى أنواعه‪ .‬وقد حضرت التوعية الدينية من‬ ‫ّ‬ ‫خالل توظيف نصوص القرآن والسنة في حمالت اإلعالنات املدفوعة في‬ ‫الصحف‪ ،‬وفي حزم من العبارات والجمل ذات البعد الديني األخالقي في‬ ‫الرسائل اإللكترونية (‪ )SMS‬التوعوية‪ .‬وفي جانب املناشط العلمية نجحت‬ ‫«ن��زاه��ة» (االس��م املختصر للهيئة الوطنية ملكافحة الفساد) في تحفيز‬ ‫الجامعات واملصالح الرسمية ومؤسسات املجتمع املدني لوضع محور‬ ‫النزاهة في بؤرة نشاطاتها العلمية واإلعالمية‪ .‬ونجحت الهيئة أيضا في‬ ‫التنسيق إلقرار مناهج علمية وبرامج دبلوم ملكافحة الفساد تتاح للدارسني‬ ‫ّ‬ ‫املتخصصة‪.‬‬ ‫في املعاهد‬

‫رئيس الهيئة الوطنية ملكافحة الفساد‬ ‫الوزير محمد بن عبد الله الشريف‬

‫‪,,‬‬

‫طلب رئيس‬ ‫الهيئة الوطنية‬ ‫ملكافحة الفساد‬ ‫من وزارة‬ ‫التعليم العالي‬ ‫تأسيس مدونة‬ ‫سلوك‪ ،‬توزع‬ ‫على طالب‬ ‫الجامعات‬ ‫السعودية‬ ‫تركز على‬ ‫مفاهيم النزاهة‬ ‫ومكافحة الفساد‬

‫‪,,‬‬

‫‪34‬‬

‫العام (‪ )2014‬أت��ت اململكة في املركز الخامس عامليًا من بني عشر دول‬ ‫رائدة في استخدام «الخدمات الحكومية الرقمية»‪ ،‬بداية من توفير بوابات‬ ‫إلكترونية على اإلنترنت‪ ،‬والوصول إلى الخدمات العامة‪ ،‬واستخدام القنوات‬ ‫الرقمية ووسائل اإلعالم االجتماعية‪ ،‬إلى التواصل والتفاعل مع املواطنني‪.‬‬ ‫وهذه التوجهات اإللكترونية ستدعم بال شك جهود تعزيز النزاهة وتسهل‬ ‫املعامالت دون الحاجة إلى وسطاء‪.‬‬ ‫وق��د ظهرت بعض ثمار جهود رف��ع مستوى الشفافية وأث��ر التعامالت‬ ‫اإللكترونية حتى في الشركات العامة‪ ،‬وعلى سبيل املثال فقد حصلت‬ ‫شركة «سابك» عمالق الصناعات البتروكيماوية السعودية (تمتلك الدولة‬ ‫نسبة ‪ 70‬في املائة) من منظمة الشفافية العاملية على املركز الـ‪ 11‬عامليًا‬ ‫واألول على مستوى الشركات في الشرق األوسط‪.‬‬

‫الواقع االتصالي السعودي اليوم‪:‬‬ ‫اإلفصاح وحرية املعلومات‬ ‫ّ‬ ‫يتشكل الواقع االتصالي السعودي اليوم من مجموعة من الحقائق التي‬ ‫تقول إن السعوديني هم أكثر شعوب العالم إقباال على الشبكات االجتماعية‬ ‫(«تويتر») ويشاهدون قرابة ‪ 90‬مليون ملف فيديو يوميا على «يوتيوب»‬ ‫بعدد مستخدمني يتجاوز ‪ 16‬مليون مستخدم لشبكة اإلنترنت‪ .‬هذا الواقع‬ ‫االتصالي يتطلب املزيد من سياسات النزاهة اإلفصاح عن املعلومات‪ .‬ويجد‬ ‫املراقب أن كثيرا من هذه املفاهيم باتت حاضرة في مكونات الثقافة اإلدارية‬ ‫ملعظم املؤسسات السعودية اليوم‪ .‬ويجد املتتبع للمشهد اإلداري السعودي‬ ‫اليوم وضوح تكرار تداول مصطلحات الشفافية واإلفصاح والحوكمة في‬ ‫القطاعني العام والخاص‪ ،‬ما ينبئ عن إرهاصات ح��راك جيل جديد من‬ ‫اإلداريني الجاهزين لتبني هذه املفاهيم والعمل من خاللها‪ .‬ويبدو واضحا‬ ‫تشكل ما يشبه التعاضد بني املؤسسات العلمية واإلعالمية في جهود نشر‬ ‫ثقافة النزاهة والتعريف بحق املواطن في الشفافية واالطالع في مختلف‬ ‫أوجه النشاط الحكومي والتجاري‪.‬‬

‫الثقافة املجتمعية املعززة للنزاهة‬ ‫م��ن املسلم ب��ه أن النزاهة وم��ا يرتبط بها م��ن عناصر مساندة ال يمكن‬ ‫ّ‬ ‫أن تشيع في املجتمع ما لم تتشكل حولها ثقافة مجتمعية داعمة تواجه‬ ‫املعوقات وتذيب مكونات الثقافة السلبية السائدة كي تصبح هذه املفاهيم‬ ‫ِّ‬ ‫املعززة لها ضمن منظومة القيم اليومية وقواعد السلوك ّ‬ ‫العامة في حياة‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫وفي ذات الجانب طلب رئيس الهيئة الوطنية ملكافحة الفساد من وزارة‬ ‫التعليم العالي تأسيس مدونة سلوك‪ ،‬توزع على طالب الجامعات السعودية‪،‬‬ ‫تركز على مفاهيم النزاهة ومكافحة الفساد‪ .‬وطلب أيضا استحداث جوائز‬ ‫رمزية للطلبة الناشطني في ذلك‪ ،‬وبحث إمكانية نشر صورهم في املجالت‬ ‫واملنشورات من أجل تشجيعهم على بذل املزيد‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ويمكن أن يضاف إل��ى محور البعد التوعوي املركز ذل��ك األث��ر اإليجابي‬ ‫ال ��ذي أح��دث�ت��ه ق�ص��ص ت��دخ�لات ه�ي�ئ��ة «ن��زاه��ة» ف��ي ق�ض��اي��ا ب��دت عليها‬ ‫شبهة الفساد عند مؤسسات حكومية وبعض بيانات مالحقات «نزاهة»‬ ‫ّ‬ ‫لبعض املسؤولني عن مشاريع متعثرة‪ ،‬وما رافق بعض هذه النشاطات‬ ‫من مناوشات إعالمية بني الهيئة ومسؤولني حكوميني ألهبت صفحات‬ ‫الصحف السعودية املحلية‪.‬‬

‫مراجعة التشريعات واللوائح وتنسيق االختصاصات‬

‫ّ‬ ‫تطلبت نشاطات مواجهة الفساد وتعزيز النزاهة الكثير م��ن املراجعة‬ ‫للتشريعات واألنظمة السعودية واستحداث الكثير من اللوائح والتعاميم‬ ‫اإلداري ��ة ملواكبة ه��ذه التوجهات ال�ج��دي��دة‪ .‬ويقضي نظام الهيئة املكلفة‬ ‫بمكافحة الفساد أي�ض��ا ب��أن م��ن مهامها اق�ت��راح األنظمة والسياسات‬ ‫الالزمة ملنع الفساد ومكافحته‪ .‬كما يلزمها تنظيمها بإجراء مراجعات‬ ‫دوري��ة لألنظمة واللوائح ذات الصلة‪ ،‬ملعرفة م��دى كفايتها والعمل على‬ ‫تطويرها‪ ،‬ويشمل ذلك تسهيل اإلج��راءات اإلداري��ة وتقليصها والتوعية‬ ‫بها‪ .‬وقد ظهرت وعدلت أنظمة متماشية مع متطلبات الشفافية والنزاهة‪،‬‬ ‫كان من أهمها أنظمة املرافعات الشرعية‪ ،‬واإلجراءات الجزائية‪ ،‬واملرافعات‬ ‫أم��ام دي��وان املظالم (ص��درت ف��ي سبتمبر «أي�ل��ول» ‪ .)2011‬وق��د ع� ّ�ززت‬ ‫هذه األنظمة بشكل واض��ح من دور الرقابة اإللكترونية على اإلج��راءات‬ ‫القضائية والتوثيقية وتفعيل مبدأ عالنية الجلسات وتمكني كل املؤسسات‬ ‫والهيئات العامة والخاصة واألف ��راد من مراقبة سير العدالة وإج��راءات‬ ‫التقاضي‪ .‬وطلبت الهيئة من مجلس الشورى تقييد أي نظام حكومي‬ ‫يحتوي على استثناءات يمكن أن تكون ضمن مداخل الفساد‪ .‬وفي هذا‬ ‫السياق تجري اليوم جهود مكثفة في الجهات التشريعية لتعديل أنظمة‬ ‫مثل نظام مباشرة األموال العامة‪ ،‬واألوقاف‪ ،‬ونظام املنافسات واملشتريات‬ ‫الحكومية‪ ،‬واالستثمار األجنبي‪ ،‬ومجموعة من األنظمة املالية وذات العالقة‬ ‫باألجهزة العدلية والقضائية‪.‬‬

‫وأخيرا‪ ...‬النزاهة قيمة والفساد جريمة‬ ‫ريما تختصر عبارة «النزاهة قيمة والفساد جريمة» بعض جوانب البعد‬ ‫الديني واألخ�لاق��ي الكبير ال��ذي يوجه جهود تعزيز النزاهة ومحاربة‬ ‫الفساد في اململكة العربية السعودية‪ ،‬فما ال يستطيع القانون أن يطاله‬ ‫من سلوك دافعه الفساد يترك لفاعله املجال إلب��راء ذمته تحت إلحاح‬ ‫ّ‬ ‫صحوة الضمير بحثا عن لذة التوبة <‬


‫‪,,‬‬

‫مستثمرون سعوديون يتابعون‬ ‫حركة التداول في األسواق املالية‬ ‫خارج البورصة السعودية بالرياض‬

‫واملوجه للجهود الوطنية ّقدمت بعض مؤسسات املجتمع املدني في اململكة‬ ‫مبادرات ّ‬ ‫مهمة تتالت من خالل الكثير من األنشطة‪ ،‬خصوصا في مجال‬ ‫التوعية والتثقيف املجتمعي‪ .‬كما ظ�ه��رت م �ب��ادرات خيرية نشطة مثل‬ ‫مؤسسة «سعفة ال�ق��دوة الحسنة الخيرية»‪ ،‬وه��ي واح��دة من مؤسسات‬ ‫املجتمع املدني التي نشأت لتعزيز قيم الشفافية والنزاهة ضمن منطلقات‬ ‫االستراتيجية الوطنية التي نصت على أهمية دور مؤسسات املجتمع املدني‬ ‫في توعية وتثقيف األفراد واملؤسسات تجاه هذه األخالقيات‪.‬‬

‫مشروعة من املال العام‪ .‬وفي توضيحات إدارة الحساب نجد أن القرار ال‬ ‫يستهدف األم��وال املختلسة فقط‪ ،‬بل لكل من يريد أن يعوض تقصيره‬ ‫في العمل أو استغالله ملوارد املؤسسة التي كان يعمل بها‪ .‬وتضمن قرار‬ ‫إنشاء هذه املبادرة التأكيد على ملمح مهم يقضي بأن من يودع أمواال في‬ ‫هذا الحساب لن يتعرض للتحقيق أو أي شكل من أشكال املساءلة‪ .‬وقد بلغ‬ ‫مجموع األموال املودعة في هذا الحساب منذ إنشائه حتى بداية عام ‪2014‬م‬ ‫قرابة ‪ 260‬مليون ريال سعودي (‪ 70‬مليون دوالر)‪ .‬وكان أكبر مبلغ أودع‬ ‫من شخص واح��د في الحساب ‪ 20‬مليون ري��ال‪ .‬وحتى يكون التشجيع‬ ‫املعنوي والخيري لرد األموال متكامال فقد قررت الحكومة السعودية أن على املستوى الرسمي بدت تحركات املؤسسات الحكومية ماضية باتجاه‬ ‫كل املبالغ التي يجري إيداعها في هذا الحساب ستصرف بالكامل على تعزيز مفاهيم النزاهة والشفافية من خالل مراجعة اللوائح وتشكيل لجان‬ ‫متخصصة في النزاهة والشفافية‪ .‬كما أقر مجلس الشورى السعودي‬ ‫برامج القروض االجتماعية لذوي الدخل املحدود‪.‬‬ ‫(امل��ؤس�س��ة التشريعية وال��رق��اب�ي��ة األع�ل��ى ف��ي ال�ب�لاد) م��ؤخ��را (ف��ي أبريل‬ ‫«نيسان» ‪ )2004‬مالءمة نظام حرية املعلومات للمناقشة تحت قبة املجلس‬ ‫مؤسسات الرقابة ومكافحة‬ ‫تمهيدا إلقراره‪ ،‬وهو النظام الذي يرتكز في منطلقاته على تعزيز مفاهيم‬ ‫إساءة استخدام السلطة واملال العام‬ ‫إتاحة املعلومات والشفافية بهدف تعزيز املزيد من إجراءات النزاهة في كل‬ ‫منذ نشأة اإلدارة وال��دواوي��ن الحكومية السعودية والرقابة ج��زء أصيل املؤسسات الحكومية وشبه الحكومية‪.‬‬ ‫م��ن نشاط وأنظمة ع��دد م��ن اإلدارات املتخصصة‪ ،‬ولكن بعض املظاهر‬ ‫السلبية التي واكبت «طفرة» املشاريع واملفاهيم ومع النمو املتسارع في التعامالت اإللكترونية والبيروقراطية اإلدارية‬ ‫النشاط االقتصادي كان لزاما تقنني ومأسسة العمل الرقابي واملبادرات‬ ‫ذات العالقة‪ .‬وهكذا مع تطور اإلدارة الحكومية باشرت قضايا الفساد تعتبر التعامالت اإللكترونية أحد األركان املهمة في تفعيل اإلدارة العصرية‬ ‫وحماية النزاهة الكثير من املؤسسات الحكومية مثل ديوان املراقبة العامة وإعطاء الفرص املتساوية للمستفيد للوصول إلى الخدمات والحقوق التي‬ ‫(الرقابة الالحقة) وهيئة الرقابة والتحقيق (الرقابة الوقائية) وكذلك املباحث تمنحها مؤسسات الدولة بعيدا ّ‬ ‫عما يمكن أن يفسده العنصر البشري أو‬ ‫اإلدارية (التحري والتحقيق)‪ .‬وتتساند هذه األجهزة في ما بينها مع الكثير يسيء استغالله من إج��راءات‪ .‬وقد اهتمت الحكومة السعودية بالتحول‬ ‫من مؤسسات الضبط‪ ،‬خصوصا في القضايا املرتبطة بإشكاالت نظامية للتعامالت اإللكترونية الحكومية وصدر أمر ملكي عام ‪ 2004‬متضمنا‬ ‫معقدة‪ .‬كما تشكل في اململكة في ما بعد عدد من الوحدات اإلدارية الفنية وضع خطة لتقديم الخدمات واملعامالت الحكومية إلكترونيًا من قبل وزارة‬ ‫املتخصصة في متابعة قضايا الفساد تسندها أنظمة ولوائح‪ ،‬وكان من االتصاالت وتقنية املعلومات والجهات املساندة‪ .‬وأثمر القرار عن إنشاء‬ ‫أبرزها إدارات مكافحة غسل األموال ومتابعة التحريات املالية التي عادة ما برنامج التعامالت اإللكترونية الحكومية في عام ‪ 2006‬بمشاركة عدد من‬ ‫املؤسسات الحكومية ذات العالقة‪.‬‬ ‫ترتبط بقضايا الفساد والجرائم املرتبطة به بشتى أنواعها‪.‬‬ ‫وم��ع إق��رار االستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة التي أصبحت املرشد وبحسب دراس��ة أصدرتها مجموعة «‪ »Accenture International‬هذا‬

‫ّ‬ ‫يتشكل الواقع‬ ‫االتصالي‬ ‫السعودي اليوم‬ ‫من مجموعة‬ ‫من الحقائق‬ ‫التي تقول إن‬ ‫السعوديني هم‬ ‫أكثر شعوب‬ ‫العالم إقباال‬ ‫على شبكات‬ ‫التواصل‬ ‫االجتماعي‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫‪33‬‬


‫قضايا‬

‫لم يكن األمر الذي أصدره خادم الحرمني الشريفني امللك عبد الله بن عبد العزيز في مارس (آذار) ‪2011‬م‬ ‫بإنشاء هيئة وطنية ملكافحة الفساد أول جهد حكومي تنظيمي ّ‬ ‫موجه نحو مكافحة الفساد وتعزيز النزاهة‪،‬‬ ‫فقد سبق ذلك مجموعة من اإلجراءات واللوائح ّتوجت بتوقيع اململكة (في يناير «كانون الثاني» ‪2004‬م)‬ ‫على اتفاقية األمم املتحدة ملكافحة الفساد لتصبح بذلك قضية مكافحة الفساد التزاما دوليا وسياسة وطنية‬ ‫ترعاها مؤسسات وتوجبها أنظمة‪.‬‬

‫السعودية‪ :‬إستراتيجية وطنية ملكافحة الفساد وتبني الحكومة اإللكترونية‬

‫تعزيز النزاهة‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫فايز الشهري‬

‫‪,,‬‬

‫مكافحة الفساد‬ ‫في السعودية‬ ‫يستند إلى‬ ‫مرتكزات‬ ‫شرعية تؤصل‬ ‫ملبادئ النزاهة‬ ‫وما تتضمنه‬ ‫من مدلوالت‬ ‫االستقامة في‬ ‫التعامل مع‬ ‫الناس واملال‬ ‫العام‬

‫‪,,‬‬

‫‪32‬‬

‫أهمية األم��ر امللكي تنبع من تركيزه مهام مواجهة الفساد في‬ ‫أه��داف مؤسسة كبرى تتمتع بصالحيات واس�ع��ة‪ ،‬وليس هذا‬ ‫فحسب‪ ،‬فقد أطلق األمر امللكي معه عدة مبادرات رسمية وأهلية‬ ‫برزت على شكل برامج ونشاطات استهدفت اإلسهام في رفع مستوى‬ ‫الوعي بهذه القضية في األوساط االجتماعية واإلدارية‪ .‬وللتأكيد على أهمية‬ ‫تعزيز مفاهيم النزاهة فقد قضى األمر امللكي أن تكون هذه الهيئة الوليدة‬ ‫برئاسة وزير يرتبط بامللك مباشرة‪ .‬وتضمن قرار إنشائها توجيه أهدافها‬ ‫لتشمل مهامها كل القطاعات الحكومية‪ .‬وفي ملمح ملكي مهم وردت في‬ ‫ثنايا األمر عبارة «وال يستثنى منها كائنا من كان»‪ ،‬وهي العبارة الحازمة‬ ‫التي يستخدمها امللك عبد الله عادة لتعطي دالالتها القوية في عدم استثناء‬ ‫أي مؤسسة أو شخص مهما كان من مقاصد األمر الصادر‪.‬‬

‫موضوع مكافحة الفساد يستند في املقام األول على مرتكزات شرعية‬ ‫تؤصل ملبادئ النزاهة وما تتضمنه من مدلوالت االستقامة في التعامل مع‬ ‫الناس واملال العام بوصفها قيمة فردية عليا من مقومات بناء شخصية‬ ‫ال�ف��رد املسلم‪ .‬وه��ذا املنحى أم��ر يالحظه الفاحص للنصوص النظامية‬ ‫والتشريعات املختلفة ألنظمة الدولة السعودية عبر تاريخها‪ .‬وعلى سبيل‬ ‫املثال فقد ورد في نظام جباية األموال العامة الصادر قبل قرابة ‪ 75‬عاما‬ ‫(صدر عام ‪ )1940‬في عهد مؤسس الدولة السعودية امللك عبد العزيز ‪-‬‬ ‫يرحمه الله ‪ -‬في مادته الـ‪ 12‬عبارة «إساءة استعمال الوظيفة» وعقوبتها‬ ‫الطرد من الخدمة‪ ،‬ثم ّ‬ ‫تكرر ذلك في املادة الـ‪ 26‬بمنع «مشاركة لجنة الجباية‬ ‫ومأموري املالية» في املزايدات بأسمائهم أو بأسماء مستعارة‪ ،‬وتنص املادة‬ ‫على عقوبة الطرد ملن يرتكب هذه املخالفة‪.‬‬

‫الفساد‪ :‬اآلفة عاملية‬

‫وف��ي ن�ظ��ام محاكمة ال� ��وزراء ال �ص��ادر ع��ام ‪ 1961‬بينت امل ��ادة الخامسة‬ ‫منه قواعد تجريم استفادة ال��وزراء من الوظيفة العامة واستغالل املوقع‬ ‫للحصول على مزايا أو التدخل الشخصي في شؤون القضاء والهيئات‬ ‫والدوائر الحكومية‪ .‬ونصت هذه املادة على عقوبة السجن من ثالث إلى‬ ‫عشر سنوات ملن يدان في مثل هذه القضايا‪ .‬وفي النظام األساسي للحكم‬ ‫(وهو بمثابة مبادئ الدستور السعودي) الصادر عام ‪ 1992‬نصت املادة‬ ‫‪ 16‬على ّأن «لألموال العامة حرمتها‪ ،‬وعلى الدولة حمايتها‪ ،‬وعلى املواطنني‬ ‫واملقيمني املحافظة عليها»‪ ،‬كما ّ‬ ‫عززت املواد ‪ 74‬و‪ 79‬وامل��ادة ‪ 80‬في هذا‬ ‫النظام ع��ددا م��ن األس��س النظامية إلدارة امل��ال ال�ع��ام وال��رق��اب��ة على أوج��ه‬ ‫الصرف‪.‬‬

‫تقول تقديرات البنك ال��دول��ي إن الرقم املتحفظ للحجم السنوي للرشى‬ ‫(وحدها) في العالم يصل إلى تريليون دوالر سنويا (‪ 1000‬مليار دوالر)‪.‬‬ ‫ويكشف أول تقرير متكامل صدر عن االتحاد األوروبي مطلع هذا العام‬ ‫(فبراير «شباط» ‪ )2014‬أن تكلفة فاتورة الفساد في دول االتحاد الـ‪28‬‬ ‫تصل إلى قرابة ‪ 162‬مليار دوالر سنويا‪ ،‬تتوزع على أموال تتعلق بعقود‬ ‫التعهدات الحكومية‪ ،‬والتمويل السياسي الخفي‪ ،‬والرشى لتأمني الرعاية‬ ‫الصحية واملمارسات الفاسدة األخرى‪ .‬وهذا الرقم الضخم دفع املفوضة‬ ‫األوروبية (‪ )Cecilia Malmstrom‬التي أعلنت التقرير إلى أن تقول‪« :‬إن‬ ‫كاف لتمويل امليزانية التشغيلية السنوية لالتحاد األوروبي»‪.‬‬ ‫هذا املبلغ ٍ‬ ‫وكشفت مفوضية األمم املتحدة السامية لحقوق اإلنسان في جنيف في‬ ‫مارس ‪2013‬م أن تكلفة الفساد املالي في العالم سنويا تكفي إلطعام ‪80‬‬ ‫ضعف أعداد الجياع في العالم‪ .‬وأوضحت الهيئة الدولية أن الدول النامية‬ ‫فقدت بسبب الفساد املالي في الفترة ما بني عامي ‪ 2000‬و‪ 2009‬نحو‬ ‫‪ 8.440‬تريليون دوالر‪ ،‬أي ما يعادل عشرة أضعاف املساعدات الخارجية‬ ‫التي تلقتها تلك ال��دول خ�لال الفترة ذات�ه��ا‪ .‬وف��ي العالم العربي صنفت‬ ‫منظمة الشفافية الدولية خمس دول عربية على قائمة الدول األكثر فسادا‬ ‫في العالم‪ ،‬وهي السودان وليبيا والعراق وسوريا واليمن‪ ،‬بينما اعتبرت‬ ‫الدنمارك ونيوزيلندا الدولتني األقل فسادا‪ ،‬في دليلها السنوي لعام ‪.2013‬‬

‫كما تنص على ذات امل�ب��ادئ املرتبطة بالنزاهة ومواجهة الفساد أنظمة‬ ‫مكافحة التزوير (صدرت عام ‪ )1962‬ونظام تأديب املوظفني (صدر عام‬ ‫‪ )1971‬ونظام مكافحة الرشوة (صدر عام ‪ )1992‬وأنظمة ولوائح مباشرة‬ ‫األموال العامة (صدرت عام ‪ .)1975‬وقد أقرت اململكة االستراتيجية الوطنية‬ ‫لحماية النزاهة ومكافحة الفساد ب�ق��رار م��ن مجلس ال ��وزراء نهاية عام‬ ‫‪ .2007‬وق��د ج��اء البعد الشرعي والتنظيمي في منطلقاتها مؤكدا على‬ ‫أن «كل عمل من شأنه االنحراف بالوظيفة العامة والخاصة عن مسارها‬ ‫الشرعي والنظامي الذي وجدت لخدمته فساد وجريمة تستوجب العقاب‬ ‫في الدنيا واآلخرة»‪.‬‬ ‫ً‬ ‫«إذا شعرت بأنك أخذت ماال بغير حق وتريد إرجاعه دون مساءلة‪ ،‬نحن‬ ‫نساعدك»‪ .‬كانت هذه العبارة أحد عناوين إطالق وترويج مبادرة سعودية‬ ‫متفردة ف��ي قضايا تعزيز النزاهة واالستقامة الطوعية‪ .‬ه��ذا البرنامج‬ ‫األصول التشريعية ملكافحة الفساد في السعودية‬ ‫الحكومي انطلق بحساب مصرفي مطلع عام ‪2006‬م تحت اسم «حساب‬ ‫في بلد تحكمه الشريعة اإلسالمية مثل اململكة العربية السعودية فإن إبراء الذمة» بهدف تشجيع الراغبني في إعادة األموال املكتسبة بطرق غير‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬


‫العمل بصورة أفضل في املنطقة وعلى منصة تشريعية أوسع‪ .‬تقيد‬ ‫تشريعات أخيرة في املنطقة العربية مجال عمل املجتمع املدني بدرجة‬ ‫كبيرة‪ .‬تعلم كثير من الحكومات أن املجتمع املدني يستطيع أن يضفي‬ ‫مصداقية على جهود الحكومة‪ ،‬حيث تتسم مؤسسات املجتمع املدني‬ ‫بالصدق وفي بعض الحاالت تمتلك خبرة ال تمتلكها بالضرورة الهيئات‬ ‫الحكومية‪.‬‬

‫مهمة مكافحة الفساد‪ .‬وفي اإلم��ارات العربية املتحدة يختص ديوان‬ ‫املحاسبة بملف مكافحة الفساد‪ .‬وفي العام املاضي‪ ،‬أنهى فريق من‬ ‫الخبراء الدوليني مراجعة كاملة لجهود اإلمارات في مكافحة الفساد‪.‬‬ ‫عمل الفريق على تقييم التزام الدولة باتفاقية األم��م املتحدة ملكافحة‬ ‫الفساد؛ وعلى الرغم من االع�ت��راف بالخطوات التي تم اتخاذها ملنع‬ ‫الحاجة إلى‬ ‫ال�ف�س��اد‪ ،‬فقد ج��رى التأكيد على عناصر تحسني مثل‬ ‫ُ ِّ‬ ‫ضمان حماية الشهود وامل َبلغني‪.‬‬ ‫أدوات قانونية إضافية من شأنها ُ َ ِّ‬ ‫جميع‬ ‫في‬ ‫رئيسا‬ ‫تحديا‬ ‫غ»‬ ‫ل‬ ‫وبالفعل‪ ،‬يظل غياب قانون «حماية املب‬ ‫املعلومات وفقا للمعايير الدولية‪ ،‬وخاصة‬ ‫توفر‬ ‫قوانني‬ ‫تمرير‬ ‫املهم‬ ‫من‬ ‫ُ ِّ‬ ‫أنحاء املنطقة العربية‪.‬‬ ‫للم َبلغني والصحافيني الذي يكشفون عن‬ ‫القوانني التي توفر الحماية‬ ‫قضايا الفساد‪ .‬ويجب أن يصبح البرملان‪ ،‬بصفته أحد األعمدة الرئيسة‬ ‫في جهاز الدولة‪ ،‬جزءا من عملية الرقابة‪.‬‬ ‫الشفافية الدولية‬ ‫كما يجب أن تنص املواد الدستورية على إنشاء هيئات مستقلة ملكافحة‬ ‫يتزايد االهتمام بني صناع القرار الرئيسني في دول مجلس التعاون الفساد وتمرير قوانني داخلية مالية وإدارية محددة تعمل دون تدخل‬ ‫الخليجي بمكافحة الفساد‪ ،‬بل وأيضا بالحاجة إلى إظهار جهودهم خ��ارج��ي‪ .‬وف��ي ح�ين تضطلع سلطات م�ت�ع��ددة ف��ي ال��دول��ة بمكافحة‬ ‫في هذا الصدد‪ .‬في العام املاضي‪ ،‬شكلت لجنة خليجية تعنى بالنزاهة‪ ،‬الفساد‪ ،‬فإنه يجب الفصل بني أدوارها بوضوح‪.‬‬ ‫وتضم أعضاء من جميع دول مجلس التعاون الخليجي‪ .‬وضم تشكيل‬ ‫اللجنة أيضا ممثلني من هيئات مكافحة اإلره��اب ووزارات ومكاتب يجب أن تسعى الحكومات ومنظمات املجتمع املدني إلى (وتستمر في)‬ ‫َّ‬ ‫محاسبية وك��ل من يتولى مهام مكافحة اإلره��اب في ال��دول املعنية‪ .‬إقامة حوار بناء مع بعضها البعض على أكبر نطاق ممكن‪ .‬ويجب أن‬ ‫ي�ت�ص��در اه�ت�م��ام��ات ه��ذه اللجنة م��ا يمكنها فعله م��ن أج��ل تحسني يتجنب خطاب سياسات مكافحة الفساد استخدام املصطلحات الفنية‬ ‫تصنيفات دول الخليج في مؤشر مدركات الفساد العاملي الصادر عن غير الضرورية التي تجعل من الصعب على الجمهور عامة استيعابها‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫مؤسسة الشفافية الدولية‪ .‬أحيانا ما تستخدم الشركات األجنبية هذا يجب تطوير التشريعات التي ت� َ�ج� ِّ�رم ال�ث��راء غير امل�ش��روع للمسؤولني‬ ‫املؤشر‪ ،‬بطريق صائب أو خاطئ‪ ،‬عند اتخاذ قرار بإقامة استثمارات ال�ح�ك��وم�ي�ين‪،‬وأن تسن تشريعات تعنى ب�ت�ض��ارب امل�ص��ال��ح ل��دى كبار‬ ‫في دول ما‪.‬‬ ‫املسؤولني‪ .‬وينبغي أيضا أن تتمتع هيئات مكافحة الفساد باستقالل‬ ‫ت��ام وتمكني كامل ب��أدوات وسلطات مالئمة من أج��ل تحقيق مهمتها‪.‬‬ ‫ومن أجل تحقيق تغيير دائ��م‪ ،‬توجد عوامل رئيسة تحتاج األط��راف وفيما يتعلق بموضوع االنتخابات في بعض انظمة املنطقة العربية بشكل‬ ‫ُ َ‬ ‫املك ِافحة للفساد في الدولة أن تضعها في االعتبار‪ .‬تقدم األطراف املعنية عام بالغ األهمية‪ ،‬ينبغي أن تكون لجان االنتخابات ذات استقاللية كاملة‪،‬‬ ‫ذاتها في جميع أنحاء العالم العربي مجموعة كاملة من التوصيات‪ ،‬بناء ويجب تشكيل لجنة دائمة لالنتخابات في كل دولة‪ .‬توجد أيضا ضرورة‬ ‫على أبحاث وخبرات مباشرة مع الحكومات والشركات‪.‬‬ ‫لتطوير مبادئ تمويل األحزاب السياسية مع مدونة لقواعد السلوك في‬ ‫من‬ ‫�ي‬ ‫�‬ ‫ن‬ ‫�د‬ ‫�‬ ‫مل‬ ‫ا‬ ‫املجتمع‬ ‫يجب إع ��ادة النظر ف��ي التشريع م��ن أج��ل تمكني‬ ‫واملرشحني‬ ‫السياسية‬ ‫األحزاب‬ ‫من‬ ‫لكل‬ ‫االنتخابية‬ ‫الحمالت‬ ‫<‬

‫رؤساء أجهزة حماية النزاهة‬ ‫ومكافحة الفساد في دول مجلس‬ ‫التعاون الخليجي‬

‫‪,,‬‬

‫غياب قانون‬ ‫«حماية‬ ‫ُ ِّ‬ ‫امل َبلغ» تحدي‬ ‫رئيس في‬ ‫جميع أنحاء‬ ‫املنطقة‬ ‫العربية‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫‪31‬‬


‫قضايا‬

‫لم تجد منطقة الخليج مكافحة الفساد أمرا سهال‪ .‬تظل التوقعات والتحديات كبيرة على الرغم من ‪ -‬أو بسبب‬ ‫ ارتفاع مستوى النشاط االقتصادي والثروة الناتجة عن صناعة النفط أو قطاع الخدمات املالية‪ .‬في ظل‬‫تكوين ثروات كبيرة‪ ،‬يجب أيضا أن ترتفع املعايير‪ .‬هل هناك قدر كاف من املساءلة؟‬

‫جهود مكافحة الفساد في الخليج العربي‬

‫شفافية‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫أروى حسن‬

‫‪,,‬‬

‫في ظل تزايد‬ ‫حجم النشاط‬ ‫االقتصادي‬ ‫مع األسواق‬ ‫العاملية يزداد‬ ‫الوعي بأن‬ ‫الشركات‬ ‫النزيهة‬ ‫ترتبط‬ ‫بالدول عالية‬ ‫التقدم‬

‫‪,,‬‬

‫‪30‬‬

‫على الرغم من حجم الثراء الكبير‪ ،‬فإنه ما زالت هناك جيوب‬ ‫ُ‬ ‫يصعب على الغرباء تصديقه‬ ‫تعاني من الفقر املدقع‪ ،‬وهو ما‬ ‫في املنطقة التي يبدو فيها أحيانا الرفاهية والترف سائدين‪.‬‬ ‫ال ي�خ�ف��ى ع�ل��ى أح ��د أن ال �ف �س��اد‪ ،‬س ��واء ف��ي ال �ق �ط��اع ال �خ��اص‪ ،‬أو في‬ ‫الحكومات‪ ،‬يبتلع ق��درا كبيرا من ث��روة أي دول��ة‪ .‬ويكمن الفساد في‬ ‫صميم شعور الناس بالعدل أو الظلم‪ .‬في املنطقة العربية‪ ،‬يتخذ الفساد‬ ‫صورا عديدة منها‪ :‬اختالس العائدات؛ الفساد في املخصصات العامة‬ ‫وفي منح تعاقدات واسعة النطاق؛ وحتى استغالل النفوذ وشبكات‬ ‫املعارف القديمة‪ ،‬التي تعمل على ضمان حصول األفراد الذين ينتمون‬ ‫فقط إلى دوائر معينة على فرص العمل واستبعاد غيرهم (مثل التعيني‬ ‫بالواسطة) – جميع ما سبق يمثل أنواعا مختلفة من الفساد‪.‬‬ ‫ف��ي مواجهة ه��ذه املشكلة متعددة األوج��ه‪ ،‬يحتاج صناع ال�ق��رار إلى‬ ‫اكتساب قدرة أكبر في التأقلم على البحث عن حلول‪ .‬تحاول بعض‬ ‫األط ��راف الرئيسة ف��ي الخليج ال�ع��رب��ي اس�ت�خ��دام ال�خ�ط��اب اإلس�لام��ي‬ ‫والديني في محاربة الفساد‪ .‬ومن الضروري وضع قوانني ولوائح ذات‬ ‫تداعيات صارمة على من يخالف القانون‪ .‬ولكن باإلضافة إلى ذلك‪،‬‬ ‫ت��درك بعض ال��دول أن استخدام ال�ح��وارات األخالقية والدينية لتعليم‬ ‫املساءلة‪ ،‬وتعريف الناس بالسلوك النزيه والسلوك الفاسد عن طريق‬ ‫الخطاب الديني بدال من العلماني‪ ،‬يمكن أن يحقق نتائج فعلية‪.‬‬

‫مكافحة الفساد مادة دراسية في السعودية‬

‫وجود متابعة ورقابة مستقلة من منظمات قوية في املجتمع املدني‪.‬‬ ‫وربما يكون هذا هو أكبر تحد تشهده منطقة الخليج‪ ،‬حيث لم يتطور‬ ‫مجتمع مدني منظم في معظم دول الخليج‪.‬‬ ‫فيما يبدو أنه تطور مثير لالهتمام في اململكة العربية السعودية مؤخرا‪،‬‬ ‫تمارس هيئة مكافحة الفساد ضغوطا متزايدة على مختلف هيئات‬ ‫الحكومة؛ على سبيل املثال وزارة اإلعالم‪ ،‬ملعرفة قدر التقدم الذي أحرز‬ ‫عن طريق حمالت التوعية التي يطلقونها‪.‬‬

‫ما سبب أهمية هيئات مكافحة الفساد؟‬ ‫تشترط اتفاقية األم��م املتحدة ملكافحة الفساد ‪ -‬التي دخلت حيز‬ ‫التنفيذ في عام ‪ 2005‬وتلتزم بها جميع الدول العربية تقريبا ‪ -‬على‬ ‫الدول األعضاء وجود هيئة أو هيئات تكون مسؤولة عن منع الفساد‬ ‫ومكافحته‪ .‬وال يعني ذل��ك ب��ال�ض��رورة أن يتولى كيان واح��د حقيبة‬ ‫مكافحة الفساد‪ ،‬بل يمكن أن يشترك في املسؤولية أكثر من جهة‬ ‫حكومية‪ .‬ولكن أظهرت التجربة في العموم أن وج��ود كيان مستقل‬ ‫وقوي ذي موارد جيدة ملكافحة الفساد يمكن أن يحقق نتائج طيبة‪.‬‬ ‫في الشرق األوسط وشمال أفريقيا‪ ،‬أسست عدة دول أو في طريقها‬ ‫إلى تأسيس جهاز ملكافحة الفساد‪ ،‬وتملك استراتيجية ما ملكافحته‪،‬‬ ‫ولكنها أحيانا ما تظل بمعزل عن املجتمع املدني أو ال تضم أطرافا‬ ‫من املجتمع املدني‪.‬‬ ‫تستطيع منظمات املجتمع املدني املساعدة على خلق اإلرادة الشعبية من‬ ‫أجل وضع خطط وطنية ملكافحة الفساد والتصديق عليها ومراقبتها‬ ‫وتنفيذها بفعالية‪ .‬يمكن مل��ؤس�س��ات املجتمع امل��دن��ي ج��ذب االنتباه‬ ‫الشعبي ملوقف تحتاج فيه هيئة مكافحة الفساد إلى املوارد البشرية‬ ‫أو املادية أو الدعم السياسي أو تواجه ضغوطا سياسية تهدف إلى‬ ‫منعها من أداء عملها بنزاهة‪.‬‬ ‫في منطقة الخليج العربي توجد هيئات مكافحة الفساد في كل من‬ ‫السعودية والكويت‪ .‬في صيف عام ‪ ،2013‬أسست هيئة جديدة ملكافحة‬ ‫الفساد ومرر قانون جديد‪.‬‬ ‫ينص قانون مكافحة الفساد في الكويت على عقوبة تصل إلى السجن‬ ‫سبع س�ن��وات ف��ي ج��رائ��م م��ن بينها اس�ت�غ�لال امل�ن��اق�ص��ات وامل ��زادات‬ ‫الحكومية والرشوة والتزوير واالب�ت��زاز‪ .‬كما يغطي القانون عمليات‬ ‫الكشف املالي وغسل األموال‪ .‬ولكن في جميع أنحاء العالم العربي‪ ،‬لم‬ ‫تكن املشكلة مطلقا في وجود قوانني قوية أو عدمها‪ .‬يوجد في العديد‬ ‫من ال��دول العربية تشريعات شاملة ولكن تكمن التحديات في سوء‬ ‫تنفيذ هذه القوانني‪.‬‬

‫في اململكة العربية السعودية‪ ،‬طالبت الهيئة الوطنية ملكافحة الفساد‬ ‫(ن��زاه��ة) منذ ال�ع��ام امل��اض��ي وف��ي إج��راء بعيد النظر‪ ،‬وزارت��ي التربية‬ ‫وال�ت�ع�ل�ي��م وال�ت�ع�ل�ي��م ال�ع��ال��ي ب� ��إدراج مكافحة ال�ف�س��اد ك �م��ادة دراس�ي��ة‬ ‫وجامعية تساهم في محاربة الفساد والتشجيع على النزاهة‪ .‬كما تؤكد‬ ‫االستراتيجية الوطنية ملكافحة الفساد على أهمية التعاليم اإلسالمية‬ ‫في مكافحة الفساد‪ .‬وأص��درت هيئة كبار العلماء السعودية‪ ،‬وإدارة‬ ‫البحوث العلمية واإلفتاء عددا من القرارات والفتاوى ملنع الفساد املالي‬ ‫واإلداري ومراقبته‪ .‬ول��م يسبق التركيز مطلقا على أهمية مكافحة‬ ‫الفساد‪.‬‬ ‫ومن جانبه‪ ،‬بدأ مجلس الغرف السعودية أيضا في استهداف رجال‬ ‫األعمال‪ .‬ففي ظل تزايد حجم النشاط االقتصادي والعوملة والتداخل‬ ‫مع األسواق العاملية األخرى‪ ،‬يزداد أيضا الوعي بأن الشركات النزيهة‬ ‫والحكومة النزيهة تكون في الدول عالية التقدم‪ .‬وال يرغب أي شخص‬ ‫في أن يظهر بصورة سيئة أمام زواره األجانب‪ .‬لذلك‪ ،‬التزاما بشعار‬ ‫أن ضوء الشمس أفضل مطهر‪ ،‬ت��زداد جهود تطهير القطاع الخاص‬ ‫واإلدارات الحكومية‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫وهكذا تعد زيادة الجهود خطوة في االتجاه الصحيح‪ ،‬ولكن من أجل ف��ي ال�ب�ح��ري��ن‪ ،‬يتحمل ق�ط��اع ف��ي وزارة ال��داخ�ل�ي��ة مسؤولية مكافحة‬ ‫ُ‬ ‫ضمان استدامتها وع��دم اقتصارها على الظاهر‪ ،‬توجد حاجة إلى الفساد‪ ،‬بينما في عمان‪ ،‬يتولى جهاز الرقابة املالية واإلداري��ة للدولة‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬


‫املجموعات اليمنية املتطرفة‪ ،‬لكسب املزيد من املعلومات عن تركيبتهم وكيفية‬ ‫عملهم ومخططاتهم‪ ،‬فهي تعتمد حتى اآلن فقط على مراقبتها لهم‪ ،‬وهذا ال‬ ‫تنام كبير للتطرف‪ ،‬أيضا فرض حظر على املؤسسات واملنتديات‬ ‫يكفي في ظل ٍ‬ ‫الدينية التي تعمل تحت غطاء ثقافي لكنها ناشطة سياسيا‪ ،‬كما كان الحال‬ ‫مع تنظيم «ملة إبراهيم» و«الدعوة» و«الدين الحقيقي» في ميونيخ وهامبورغ‬ ‫وهسن وسكسونيا ووالية وستفاليا شمال الراين وشلزفيك هولشتيان‪.‬‬

‫مسلمون يتظاهرون ضد الجهاديني‬ ‫وبعد تزايد عدد القتلى واألخبار الواردة من سوريا عن الفظائع التي يرتكبها‬ ‫املتشددون يسعى املسلمون والعرب في أملانيا إلى إظهار رفضهم الشديد لها‬ ‫عبر املظاهرات‪ ،‬التي كثرت في اآلونة األخيرة خاصة في املدن التي يشاع بأن‬ ‫أغلب املقاتلني في سوريا خرجوا منها‪ .‬شهدت مدينة بريمن مظاهرة أمام‬ ‫مسجد الفرقان الثقافي والعائلي في ساحة املدينة أبريل (نيسان) املاضي‪،‬‬ ‫وحملت النساء صور أوالدهن املختفني أو الذين قتلوا‪ ،‬وحاولوا التحدث مع أحد‬ ‫املسؤولني في املسجد لكن قيل لهن إنه ال أحد يمكن التحدث معه حول القضية‪.‬‬ ‫ويوجد في بريمن نحو ‪ 300‬إسالمي نصفهم من املتشددين‪ ،‬ويرغبون في‬ ‫القتال املقدس‪ ،‬لكن حتى هؤالء ال يمكن منعهم حسب قول الوزير بسحب‬ ‫ج��وازات سفرهم مثال عند املغادرة ألنه من غير املمكن تحديد ما إذا كانت‬ ‫وجهة سفرهم سوريا من أجل القتال في صفوف املتشددين‪ ،‬أم ال‪.‬‬ ‫وتتواصل املظاهرات ولو صغيرة ضد مجموعات متشددة‪ ،‬آخرها األسبوع‬ ‫املاضي‪ ،‬وكانت ضد الداعية األملاني بيير فوغل‪ ،‬الذي اعتنق اإلسالم وينشر‬ ‫أفكاره املتطرفة على عدة مواقع في اإلنترنت‪ ،‬ويطلق على تنظيمه اسم اتحاد‬ ‫«املفتاح إل��ى الجنة»‪ ،‬ولقد قذفه املتظاهرون بالبيض من أج��ل إسكاته‪ ،‬وهو‬ ‫يلقي كلمته‪ .‬ويسعى في كل مناسبة للترويج ملعلومات تعمل على تضليل‬ ‫الشباب واألطفال‪ .‬ويتعاون حاليا فوغل من أملانيا مع األملاني برنادر فالك الذي‬ ‫يدعو إلى الجهاد املقدس‪ ،‬وكان يساريا وينتمي إلى إحدى الخاليا املناهضة‬ ‫لإلمبريالية‪ ،‬وبعدها اعتنق اإلس�لام‪ .‬كما تخطط مجموعات جهادية إلقامة‬ ‫ّ‬ ‫مركز دعوة في هانوفر يمكن «اتحاد املفتاح إلى الجنة» من عقد لقاءات ملن‬ ‫يريد التعرف على اإلسالم واعتناقه‪.‬‬

‫تمركز الجهاديني في وستفاليا شمال الراين‬ ‫ويلفت النظر تمركز أن�ص��ار الفكر ال�ج�ه��ادي وال�ح��رك��ي امل�ت�ش��دد ف��ي والي��ة‬ ‫وستفاليا والراين‪ ،‬والسبب أن فيها عددا كبيرا جدا من العمال العرب واألتراك‪،‬‬ ‫ألنها كانت منطقة صناعية والستخراج الفحم‪ ،‬وحط الرحال فيها في ستينات‬ ‫ال�ق��رن امل��اض��ي الكثير م��ن املهاجرين املسلمني لكنهم ظلوا على مستواهم‬ ‫الثقافي واالجتماعي والتقوقع‪ ،‬مما جعلهم يشكلون (كما الحال في برلني)‬ ‫مجتمعات خاصة بهم‪ .‬وبعد أن توقف إنتاج الكثير من املصانع تحول اآلالف‬ ‫إلى عاطلني عن العمل‪ .‬ويبدو أنه ومع مرور الوقت تشكلت مجتمعات ضيقة‬ ‫ترفض االندماج أو تجد صعوبة باالندماج أو االختالط باملجتمعات األملانية‪،‬‬ ‫فانكمشت على نفسها‪ ،‬ومارست شعائر خاصة بها‪ ،‬كما أصبحت ترى في‬ ‫القانون األملاني اضطهادا لها‪ ،‬وهذه العقلية السائدة وسط التنظيمات اليمينية‬ ‫املتطرفة أيضا‪.‬ولقد ساعدت هذه املشاعر في ولوج األصولية وكل تيار إسالمي‬ ‫متطرف بسهولة إل��ى ه��ذه املجتمعات املنعزلة‪ .‬ووفقا لتقرير مكتب حماية‬ ‫الدستور‪ ،‬فإن األصوليني والدعاة منهم يتمركزون بشكل خاص في كولونيا‬ ‫ودوسلدوف وفوبرتال وزولينغن‪ُ ،‬وت ّ‬ ‫عد بون أحد معاقل األصولية في أملانيا‪.‬‬

‫أحكام ضد متشددين إسالميني‬ ‫أول حكم صدر بحق إسالمي متطرف كان ضد التركي م��راد ك‪ .‬البالغ من‬ ‫العمر ‪ 27‬سنة‪ ،‬بتهمة طعن شرطية ورج��ل أم��ن بالسكني‪ ،‬وقضت املحكمة‬ ‫بسجنه ملدة ست سنوات مع دفع تعويض للضحايا‪ .‬والالفت أن مراد وخالل‬ ‫النطق بالحكم لم يبد أي اهتمام‪ ،‬بل بقي جالسا وأكد فيما بعد على أن من يهني‬

‫النبي محمد يستحق القتل‪ ،‬وقصد بذلك الجماعة اليمنية املتطرفة التي رفعت‬ ‫في املظاهرة صورا للنبي تلحق اإلساءة به‪ ،‬واعترف بخرقه لألمن وبرر طعنه‬ ‫للشرطية ورجل األمن بأنهما يمثالن الدولة‪ ،‬وبهذا فهما مسؤوالن عن أفعالها‪،‬‬ ‫ولم يندم على ما قام به‪ .‬والحادثة التي أرعبت أملانيا بالكامل كانت في عام‬ ‫‪ 2013‬عندما اكتشفت الشرطة حقيبة سفر في إحدى زوايا محطة القطارات‬ ‫في بون كانت مبرمجة كي تنفجر في ساعة يكثر فيها املسافرون‪ ،‬اتضح بعد‬ ‫ذلك أن الصاعق فيها كان ضعيفا فاشتعل ولم يحدث انفجار‪ .‬وبعد التحريات‬ ‫وتحليل كاميرات الفيديو في املحطة وفي املحالت املجاورة‪ ،‬جرى إلقاء القبض‬ ‫على أربعة رجال من والية وستفاليا شمال الراين‪ ،‬وهم ألباني وعمره ‪ 43‬سنة‬ ‫وأملانيان من أصل تركي وآخر يحمل الجنسية التركية‪ ،‬وأعمارهم ما بني الـ‪24‬‬ ‫و‪ .25‬واملتهم الرئيس هو أملاني األصل اسمه ماركو اعتنق اإلسالم قبل فترة‬ ‫وانتمى أوال إلى تنظيم القاعدة ثم إلى جماعة إسالمية متطرفة‪ .‬ويدرس االدعاء‬ ‫العام حاليا ‪ 350‬شريط فيديو وملفا في وقت يقبع فيه املشتبه بهم في السجن‪،‬‬ ‫لكن يتأكد من تورط ماركو بالعملية بعد فضح الحمض النووي الذي كان على‬ ‫الحقيبة‪ ،‬ويتهدده حكم باملؤبد‪ .‬لكن وبعكس العمليات األخرى‪ ،‬فإن األربعة‬ ‫خططوا لتفجير محطة القطار دون توكيل مباشر من تنظيم أو مجموعة تعمل‬ ‫في الخارج‪ ،‬مما يعني أنهم قد يعملون لحسابهم الخاص‪ ،‬وتأثروا بالدعايات‪،‬‬ ‫ويريدون القيام بالفعل بأعمال تخدم هذه الدعايات املتطرفة‪.‬‬ ‫وفي الـ‪ 29‬من شهر أبريل (نيسان) عام ‪ ،2011‬وبعد مراقبة ملدة ستة أشهر‪،‬‬ ‫ألقت الشرطة القبض في دوسلدورف وبوخوم على ثالثة رجال من عناصر‬ ‫«القاعدة»‪ ،‬وهم مغربي وأملاني مغربي األصل‪ ،‬وأملاني إيراني األصل‪ ،‬والتهم‬ ‫كانت التحضير لعمليات تفجير في مناطق مختلفة من أملانيا‪.‬‬ ‫وي�ه�ت��م ال �ي��وم ال�ك�ث�ي��ر م��ن امل�ت�خ�ص�ص�ين ب��ال �ش��ؤون اإلس�لام �ي��ة ب��األص��ول�ي�ين‬ ‫وباألخص باملحاربني في سوريا‪ ،‬والسؤال املحوري لديهم‪ :‬كم هو حجم خطر‬ ‫الحركات األصولية والجهادية الحقيقي على األمن في أملانيا؟‬ ‫والرد الذي يسمع من أكثر من خبير أن املتشددين قد شكلوا مجموعات‬ ‫إرهابية تقوم بعمليات‪ ،‬وهذا يجعلهم يشكلون خطرا يثير القلق‪ ،‬لذا كان‬ ‫قرار وزير الداخلية األملانية األسبق هانس بيتر فريدريش بمحاربتهم بكل‬ ‫الوسائل‪ .‬لكن املشكلة أن اإلس�لام والحركات املتشددة توضع اآلن على‬ ‫مستوى واحد‪ ،‬وهذا يدعم دراسة قامت بها مؤسسة «برتلمزمان» األملانية‬ ‫اتضح فيها أن ‪ 51‬في املائة من األملان يرون في اإلسالم تهديدا‪ ،‬مما يعني‬ ‫أنهم يناقضون أقوال رئيس الجمهورية األملاني األسبق كريستيان فولغ‪،‬‬ ‫عندما قال إن اإلسالم جزء من أملانيا <‬

‫فتاتان نمساويتان تقاتالن في‬ ‫صفوف إسالميني بسوريا قبل وبعد‬ ‫االنضام لصفوف جماعة مسلحة‬ ‫تقاتل ضد النظام السوري‬

‫‪,,‬‬

‫تربويون أملان‪:‬‬ ‫أهم أسباب‬ ‫انضمام الشباب‬ ‫لصفوف‬ ‫املتشددين‬ ‫مشكالتهم‬ ‫االجتماعية‬ ‫وأزمة الهوية‬ ‫لدى بعض‬ ‫املهاجرين‬ ‫املسلمني‬

‫‪,,‬‬

‫* كاتبة صحافية مقيمة في برلني‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫‪29‬‬


‫قصة الغالف‬

‫منهم فإنه قتل إما على يد قوات النظام السوري‪ ،‬أو خالل معارك مع املجموعات‬ ‫الكردية أو مجموعات منافسة‪ .‬وأشهر القتلى هو التركي املقيم في أملانيا والعب‬ ‫كرة القدم املعروف سابقا بوراك كاران‪ .‬ويضاف إلى الالئحة شرطي أملاني من‬ ‫مدينة بفورسهايم اعتنق اإلسالم لكنه أصيب بجروح خالل معارك في حلب‪،‬‬ ‫كما مغني الراب البرليني ديسو دوغ‪ ،‬امللقب أيضا بدنيس مامادو كوسبارت‪.‬‬ ‫والالفت أن أكثرية الذين غادروا للقتال في سوريا من أملانيا ينتمون إلى الدولة‬ ‫اإلسالمية في العراق‪.‬‬

‫العائدون من سوريا‬

‫العب املنتخب األملاني‬ ‫لكرة القدم السابق بوراك كاران‬ ‫اعتنق الفكر الجهادي وقتل في‬ ‫سوريا العام املاضي‬

‫‪,,‬‬

‫تعتقد دوائر‬ ‫املخابرات‬ ‫األملانية أن‬ ‫هناك أكثر‬ ‫من مائة ألف‬ ‫مقاتل إسالمي‬ ‫متطرف جاؤا‬ ‫من أنحاء‬ ‫مختلفة من‬ ‫العالم للقتال‬ ‫في سوريا‬

‫‪,,‬‬

‫‪28‬‬

‫تركيا بوابة السفر إلى سوريا‬ ‫وسبق ذلك أن أوقفت الشرطة األملانية أربعة جهاديني أتراك ُيحتمل أنهم كانوا‬ ‫في سوريا ويقيمون في مدينة بريمن‪ ،‬وتقول معلومات إنهم كانوا بصدد‬ ‫تجهيز جريمة خطيرة تهدد الدولة األملانية‪ ،‬ويعتقد أنهم سافروا‪ ،‬مطلع العام‬ ‫الحالي‪ ،‬من بريمن باتجاه تركيا‪ ،‬ثم إل��ى سوريا للقتال‪ ،‬ولهم أيضا عالقة‬ ‫بجمعية األسرة والثقافة في بريمن‪ ،‬التي يديرها مسجد الفرقان‪ ،‬وتحوم حوله‬ ‫شبهات بالقيام بأعمال غير قانونية‪ .‬ومدير دائرة الشرطة في والية وستفاليا‬ ‫شمال الراين أرنولد بليكرت على ثقة بأن تدفق الشباب إلى سوريا للقتال في‬ ‫صفوف املنظمات الجهادية لم ينقطع منذ اندالع الحرب في سوريا‪ ،‬فمن أصل‬ ‫نحو ‪ 300‬مقاتل فعلي هناك ما يقارب من الـ‪ 150‬من هذه الوالية‪ ،‬من بينهم ‪50‬‬ ‫أملانيا اعتنقوا اإلسالم‪ ،‬بعضهم من املمكن أن يشكلوا خطرا على أمن أملانيا‬ ‫ألنهم يعودون ولديهم توجه متشدد ومعرفة عسكرية وخاصة فيما يتعلق‬ ‫بالعمليات اإلرهابية وصناعة القنابل واملتفجرات‪ ،‬لكن البعض اآلخ��ر يعود‬ ‫مصابا بصدمات نفسية‪ ،‬وقد يرتكب أفعاال ال يمكن التنبؤ بها‪.‬‬ ‫إال أن املشكلة األخرى واألكثر تعقيدا عدم إمكانية إيقاف هذا السيل املتوجه‬ ‫إلى سوريا‪ ،‬فالسفر إلى سوريا يجري عبر تركيا‪ ،‬ويكون جويا فال يتطلب‬ ‫جواز سفر يمكن سحبه ِمن َمن تحوم حولهم الشكوك‪ ،‬بل هوية شخصية‪،‬‬ ‫وذلك بمقتضى اتفاق بني أملانيا وتركيا لزيادة عدد السياح‪.‬‬

‫جهاد املشاهير‬ ‫كما ك��ان متوقعا‪ ،‬ب��دأت تتصدر صفحات ال�ج��رائ��د واألخ �ب��ار أخ�ب��ار مقتل‬ ‫جهاديني م��ن أملانيا الق��وا حتفهم ف��ي صفوف تنظيم ال��دول��ة اإلسالمية في‬ ‫العراق والشام أو جبهة النصرة أو مجموعات حركية متشددة‪ ،‬إما من أصل‬ ‫أملاني اعتنقوا اإلس�لام أو عرب ومسلمني مقيمني في أملانيا‪ ،‬ومعظمهم من‬ ‫الجيل الثاني ويحملون الجنسية األملانية‪.‬‬ ‫وتعتقد دوائر املخابرات األملانية أن هناك أكثر من مائة ألف مقاتل إسالمي‬ ‫متطرف ج��اءوا من أنحاء مختلفة من العالم للقتال في سوريا ضد النظام‪،‬‬ ‫نصفهم ينتمي (حسب دراسة بريطانية) إلى جبهة النصرة أو الدولة اإلسالمية‬ ‫في العراق والشام‪ ،‬على الرغم من أن الجهتني في نزاع مستمر‪ .‬وإلى جانب‬ ‫الكثير من املقاتلني من الدول العربية واإلسالمية‪ ،‬فإن هناك ‪ 2000‬شخص على‬ ‫الجنسني‬ ‫األقل من بلدان االتحاد األوروبي ومن أملانيا وحدها نحو ‪ ،300‬من‬ ‫ُ‬ ‫اعتنق بعضهم حديثا الدين اإلسالمي وتوجه إلى سوريا للقتال‪ ،‬ومن قتل‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫وتريد حكومات الواليات األملانية اتباع عدة برامج وخطط من أجل مواجهة‬ ‫العائدين من سوريا وقاتلوا هناك‪ ،‬منها برنامج أطلق عليه اسم «اإلشارة» أو‬ ‫ّ‬ ‫التوجه السليم الذي يمكن َمن سلك طرق التطرف الديني من الحصول على‬ ‫املساعدة املطلوبة والتوجهات من قبل متخصصني لثنيه عن القيام بأي عمل‬ ‫إرهابي أو املساهمة في القتال‪ .‬أيضا التعريف بالتنظيمات اإلرهابية‪ ،‬وشرح‬ ‫أبعاد مخاطر االنتماء إليها‪ .‬ويمكن لألهل أو األصدقاء أيضا طلب املساعدة‬ ‫في حال امتنع الشاب من االبتعاد عن التجمعات الجهادية املتشددة أو االنتماء‬ ‫إليها‪ .‬وألن اإلنترنت من الوسائل الفعالة التي يلجأ إليها الجهاديون للتعريف‬ ‫بأفكارهم‪ ،‬تحاول محطات التلفزيون الرسمية األملانية مواجهتها‪ ،‬منها عرض‬ ‫أفالم وإجراء مقابالت مع شباب كانوا متشددين ويهاجمون اليوم هذه األفكار‪،‬‬ ‫أيضا إيقاظ الوعي لدى الشباب للتحدث مع بعضهم‪ ،‬إذا الحظوا تغييرا في‬ ‫سلوك رفيق لهم أصبحت لديه ميول إسالمية متطرفة‪ ،‬أو عرض أفالم وثائقية‬ ‫تظهر الفارق بني اإلسالم كدين والذين يستغلونه ألغراضهم السياسية‪.‬‬ ‫ويعتقد بعض التربويني أن أهم أسباب توجه الشباب إلى االنخراط في صفوف‬ ‫املتشددين هي املشكالت االجتماعية التي يعيشونها وأزمة الهوية لدى بعض‬ ‫املهاجرين املسلمني‪.‬‬

‫منع أنشطة الجماعات األصولية‬ ‫ظلت التقارير األمنية تنظر إل��ى أنشطة األصوليني املتشددين على أنها ال‬ ‫تتعدى خوض جدل ساخن في الشارع أو عرض أفالم إلثارة إعجاب الجيل‬ ‫الشاب في أملانيا بهم‪ ،‬واكتفت بحظر نشاط بعض املؤسسات التابعة لهم‪ ،‬مثل‬ ‫بيت الثقافات املتعددة في فرانكفورت‪ ،‬أوائل عام ‪ ،2003‬إال أن ذلك كان حافزا‬ ‫لبعض املجموعات املتطرفة من أجل زيادة الدعوة للجهاد املقدس الشامل بكل‬ ‫الوسائل‪ ،‬وظهر ذلك في تخطيط مجموعات السار في منطقة السار األملانية‬ ‫الذي انتمى إليها األملاني إيريك برينر من مواليد عام ‪ 1987‬وأطلق على نفسه‬ ‫اسم عبد الجعفر األملاني‪ ،‬ويقال إنه قتل خالل معركة مع القوات الباكستانية‬ ‫في أبريل (نيسان) عام ‪ 2010‬في منطقة مير الباكستانية الحدودية‪ ،‬وأقام في‬ ‫أفغانستان منذ عام ‪ ،2008‬وكان يعاني من مشكالت نفسية‪.‬‬ ‫واملشكلة الكبيرة أن السلطات األملانية واصلت التقليل من أهمية هذه املعلومات‪،‬‬ ‫إال أن�ه��ا ت��دارك��ت حقيقة الخطر م��ع ب��داي��ة ال�ح��رب ف��ي س��وري��ا‪ ،‬خ��اص��ة خطر‬ ‫املجموعات املتشددة‪ ،‬مثل دولة اإلسالم في العراق والشام والجهاديني‪ ،‬وذلك‬ ‫بعد أن أنشأت لها أوكارا‪ ،‬وبنت لها كيانات ومؤسسات تحت صفات متعددة‪،‬‬ ‫منها ثقافية ودينية‪ ،‬مما سهل لها التغلغل في أوس��اط الشباب حتى األملان‬ ‫منهم‪ ،‬وي��دل على ذل��ك املتطوعون األمل��ان األص��ل الذين يوزعون في الشوارع‬ ‫املنشورات والدعايات والكتب التي تتحدث عن اإلسالم‪ ،‬ولكن من منظورهم‬ ‫الخاطئ‪ ،‬وملاذا يجب خوض القتال املقدس السعي في املساجد‪ ،‬وعلى الرغم‬ ‫من املراقبة للترويج لهذا األفكار املتطرفة‪ .‬ولقد وصف مكتب حماية الدستور‬ ‫السلفيني (في تقريره السنوي الذي صدر عام ‪ )2012‬باملتشددين واملتطرفني‬ ‫وبأن مخاطرهم قد ازدادت‪ .‬كما اعترف بأنهم يشكلون الحركة األكثر نشاطا‬ ‫في أملانيا‪ .‬وقفز عددهم في أملانيا العام املاضي إلى ‪ ،5500‬أي ‪ 700‬أكثر من‬ ‫عام ‪ .2011‬وأخطر ما تواجهه أملانيا اليوم هو احتمال وقوع صدام بينهم وبني‬ ‫املتطرفني اليمنيني الذين يحذرون من مخاطر أسلمة أملانيا‪ ،‬لذا طالب الكثير‬ ‫من النواب بزيادة عدد املخبرين املندسني في صفوف السلفيني‪ ،‬كما الحال مع‬


‫على الذهاب إلى سوريا للقتال‪.‬‬ ‫وتزيد ريتا بروير من املكتب االتحادي لحماية الدستور القول إن مشاركة‬ ‫املرأة في القتال في سوريا أمر وارد‪ ،‬وقد يكون لالنتقام لفقدان الزوج أو األخ‪،‬‬ ‫والدليل على ذلك ما ُيسمى في الشيشان باألرامل السوداء‪.‬‬ ‫بينما يقلل خبراء إرهاب آخرون من أهمية صور املقاتالت التي تعرض في‬ ‫مواقع كثيرة‪ ،‬ألنها تستخدم فقط من قبل السلفيني املتشددين في سوريا‬ ‫كدعاية لترويج أفكارهم‪ ،‬فاملرأة بالنسبة لعقيدتهم وتعاليمهم ليست مؤهلة‬ ‫للقتال جسديا وال فكريا‪ ،‬لذا فإن مشاركتها في القتال مرفوضة‪ ،‬على األقل‬ ‫حتى اآلن‪.‬‬ ‫لكن بشكل عام إن كان األمر يتعلق بمقاتل أو مقاتلة‪ ،‬فعلى أملانيا الحذر حسب‬ ‫رأي الخبير األملاني هولغر‪ ،‬فهم يعودون بعد غسل أدمغتهم في املعسكرات‬ ‫التي يكونون فيها في سوريا مشبعني بالحقد ضد املجتمعات الغربية‪ ،‬وهذا‬ ‫سيشكل تحديا ألملانيا في السنوات املقبلة‪ ،‬لكن من جهة أخ��رى يجب بذل‬ ‫الجهد لحماية املواطنني في أملانيا من أي عمليات إرهابية قد تقع‪ ،‬وهنا التحدي‬ ‫األكبر‪.‬‬

‫مداهمات واعتقاالت‬ ‫ومنذ اندالع الحرب في سوريا ال يمر وقت إال وتقوم الشرطة بمداهمة منازل‬ ‫أو مساجد يقال إنها لجهاديني يعملون على غسل دماغ الشباب للمشاركة‬ ‫ُّ‬ ‫في القتال هناك‪ .‬ففي يونيو (حزيران) عام ‪ ،2013‬فتش الكثير من البيوت‬ ‫واملساجد في والية وستفاليا شمال الراين‪ ،‬كما أصدر وزير الداخلية االتحادي‬ ‫هانز بيتر فريدريش قرارا بحظر منظمة «ملة إبراهيم» الجهادية‪ ،‬وعلى ضوء‬ ‫هذا املداهمة وبناء على املستندات التي ُو ِجدت‪ ،‬قامت الشرطة بمداهمات أخرى‬ ‫في والي��ة مختلفة‪ ،‬مما يدفع إل��ى التأكيد على أن ع��دد املتطرفني قد تجاوز‬ ‫الـ‪ 4000‬في أملانيا‪ ،‬حسب بيانات مكتب حماية الدستور‪ ،‬لذا تريد وزارة الداخلية‬ ‫اليوم مكافحة خطرهم عبر فرض مراقبة شديدة ألماكن تجمعهم‪ ،‬ومراقبة‬ ‫األشخاص املشتبه بهم‪ ،‬والسعي لحظر تأسيس جمعيات لهم‪ ،‬أيضا العمل‬ ‫على تقييد أنشطتهم‪.‬‬ ‫وما يثير القلق اليوم أن املجموعات املتطرفة أصبح لها وجود عميق بني الشباب‬ ‫يجب الحذر منه‪ ،‬وكسبت أرضية جديدة في الوسط األملاني‪ ،‬والدليل على ذلك‬ ‫الداعية بيير فوغل الذي تحول من مالكم مهمش إلى داعية بعد اعتناقه اإلسالم‪،‬‬ ‫ويطالب بإقامة دولة إسالمية‪ ،‬وهو الذي يقول لو أن هناك دولة إسالمية وتعرض‬

‫النبي محمد لإلهانة في بلد آخر‪ ،‬فال بد من إعالنها الحرب على هذا البلد‪ ،‬وقبل‬ ‫أيام قليلة اعتقلت السلطات األمنية في مدينة مونشينغالدباخ الواعظ املحرض‬ ‫األملاني األصل سفني الو البالغ من العمر ‪ 33‬سنة‪ ،‬وكان يجمع تبرعات ألهداف‬ ‫إنسانية في سوريا‪ ،‬لكن الجهات األمنية لديها معلومات بأنه يجمعها لدولة‬ ‫اإلسالم في العراق والشام‪ .‬كما أن هناك أعضاء متشددين وجهوا عبر مواقع‬ ‫اإلنترنت تهديدا للحكومة األملانية‪.‬‬

‫دول اإلسالم في العراق والشام‬ ‫ول��م يعد وج��ود املجموعات املتطرفة مقتصرا على الحركات املتشددة‪ ،‬بل‬ ‫أصبح لدولة اإلسالم في العراق والشام موقعا أيضا‪ ،‬لذا أصبحت املداهمات‬ ‫التي تجري تستهدف أيضا أعضاء لها‪ ،‬وهذا ما كشفت عنه مداهمات مارس‬ ‫(آذار) املاضي‪ .‬فألول مرة تصل معلومات من دوائر مخابرات غربية بوجود‬ ‫نشاط ألشخاص ينتمون إلى هذا التنظيم يروجون ألفكار إرهابية‪ ،‬حسب‬ ‫تصنيف دوائر األمن األملانية‪ ،‬فقامت مجموعات من قوات الشرطة واملكتب‬ ‫الجنائي االتحادي ومكتب مكافحة اإلرهاب املسمى «جي إس جي ‪ ،»9‬برئاسة‬ ‫املدعي العام االتحادي‪ ،‬بعدة عمليات اقتحام في وقت واحد في بون وبرلني‬ ‫وف��ران�ك�ف��ورت‪ ،‬وتفتيش ع�ش��رات امل�ن��ازل‪ ،‬م��ن بينها م�ن��ازل لرجلني تركيني‬ ‫يحمالن الجنسية األملانية وامرأة من أصل بولندي عمرها ‪ 27‬عاما‪ ،‬تحمل‬ ‫الجنسيتني البولندية واألملانية‪ ،‬مع إصدار مذكرات توقيف بحقهم‪ .‬وحسب‬ ‫معلومات االدعاء العام فإن التركي فاتح ك‪ .‬ينتمي إلى دولة اإلسالم في العراق‬ ‫والشام في سوريا‪ ،‬ويقوم في أملانيا بنشر دعاية لهذا التنظيم‪ ،‬وشارك ما‬ ‫بني شهري يوليو (ت�م��وز) وسبتمبر (أي�ل��ول) من العام املاضي في معارك‬ ‫في سوريا‪ ،‬وه��ذا ما تؤكد عليه دائ��رة مكافحة اإلره��اب��ي في النيابة العامة‬ ‫في كارلسروه‪.‬‬ ‫أما البولندية وتدعى كارولينا فمتهمة أيضا باالنتماء إلى دولة اإلس�لام في‬ ‫العراق والشام والتبرع لها بنحو ‪ 5000‬يورو‪ ،‬وهناك خمسة أشخاص مشتبه‬ ‫بهم ل��م يلق القبض عليهم حتى اآلن وه��م أم��ا أع�ض��اء ف��ي ه��ذه املجموعة أو‬ ‫أنصارها‪ .‬وفي هذا الصدد يقول االدعاء العام إن عملية االعتقال والتفتيش‬ ‫وعمليات أخ��رى وم��ا ج��رت مصادرته ّ‬ ‫تعد دليال على أن ال�ن��زاع ف��ي سوريا‬ ‫أصبحت له انعكاسات مباشرة على أملانيا‪ ،‬لذا على السلطات األمنية األملانية‬ ‫اللجوء إل��ى ك��ل الوسائل القانونية ملواجهة األخ�ط��ار املحتملة والناجمة عن‬ ‫العائدين من سوريا وحاربوا هناك في صفوف التنظيمات اإلرهابية‪.‬‬

‫‪,,‬‬

‫فتاة املانية‬ ‫عرضت صورا‬ ‫لها على موقع‬ ‫الكتروني‬ ‫وهي تحمل‬ ‫سالحا وقامت‬ ‫بحملة دعائية‬ ‫تطالب النساء‬ ‫بالجهاد‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫‪27‬‬


‫قصة الغالف‬

‫عرفت أملانيا منذ خمسينات وستينات القرن املاضي توجهات دينية مختلفة منها بوذية وإسالمية‪ ،‬خاصة‬ ‫اإلخوان املسلمني في مصر الذين لجأوا إلى أملانيا هربا من الحكم االشتراكي زمن الرئيس جمال عبد‬ ‫الناصر‪ ،‬بينما نشطت املجموعات االصولية في أملانيا مع مطلع التسعينات‪ ،‬وكان ُينظر إليها كما ُينظر إلى‬ ‫أي مدرسة صوفية‪ ،‬على أنها توجه ديني روحاني‪ ،‬إال أنها لم تجد صدى كبيرا في صفوف العرب واملسلمني‪،‬‬ ‫وظلت ضمن مجموعات صغيرة غير معروفة يقتصر نشاطها على أمور دينية بحتة ال تخرج عن دائرة‬ ‫عناصرها الذين كانوا ال يتجاوزون بضع مئات‪.‬‬

‫الجهاديات األملانيات ‪ ..‬توجهن للقتال في سوريا أو الزواج من مجاهدين‬

‫خاليا نائمة‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫اعتدال سالمة *‬

‫‪,,‬‬

‫يتمركز أنصار‬ ‫الفكر الجهادي‬ ‫والحركي‬ ‫املتشدد في‬ ‫والية وستفاليا‬ ‫والراين املكتظة‬ ‫بالعمال العرب‬ ‫واألتراك‬

‫‪,,‬‬

‫صالح الدين (بيير فوغل) داعية‬ ‫إسالمي أملاني ومالكم محترف سابق‬

‫‪26‬‬

‫بالدعاية ملا يسمى بـ«الدعوة»‪ ،‬أي الدعوة لإلسالم‪ ،‬وذلك من أجل توسيع دائرة‬ ‫آيديولوجيتهم والحصول على كسب سياسي ونفوذ اجتماعي‪ ،‬في املقابل‬ ‫يعمل أنصار األصولية الجهادية للوصول إلى أهدافهم عبر العنف والقتال‪،‬‬ ‫فيتوجهون إل��ى بلدان مثل سوريا‪ ،‬من أج��ل نيل مكاسب سياسية ومواقع‬ ‫لهم في العاملني العربي واإلسالمي‪ .‬لكنهم في اآلونة األخيرة‪ ،‬وكما يبدو بدأوا‬ ‫بسلوك العنف للدفاع عن مكاسبهم في املواقع التي يوجدون فيها‪ ،‬مثل أملانيا‪،‬‬ ‫وهذا يفسر خلفية الصدامات التي سجلتها دوائر الشرطة‪ ،‬منها ما حدث في‬ ‫مدينة زولنغن في األول من مايو (أيار) عام ‪ ،2012‬وفي الخامس منه في بون‪،‬‬ ‫بحجة التصدي ألفكار تنظيم ما يسمى بـ«البرو وستفاليا» شمال الراين وهي‬ ‫جمعية يمينية متطرفة حملت رسوما معادية لإلسالم وللنبي محمد صلى‬ ‫الله عليه وسلم‪ ،‬مما أدى إلى تدخل الشرطة ووقوع جرحى واعتقال البعض‪.‬‬

‫لسنوات طويلة ظلت كلمة «أصولي» بالنسبة لألملان غير معروفة‪،‬‬ ‫ولم يربطوها بالتشدد أو اإلرهاب‪ ،‬حتى إن الكلمة ترددت في اإلعالم‬ ‫األملاني عام ‪ 2000‬فقط ‪ 600‬مرة طوال السنة‪ ،‬إال أن تكرار الكلمة‬ ‫قفز إلى ‪ 4000‬مرة في الربع األول من عام ‪ 2013‬إثر اكتشاف أنشطة إرهابية‬ ‫وعمليات تفجير فاشلة‪ .‬والالفت أن مكتب حماية الدستور استخدم ألول مرة‬ ‫كلمة «مسلم أصولي» عام ‪ ،2008‬واعتبرهم مشكلة تواجه الديمقراطية في‬ ‫أملانيا والعالم‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫إال أن ه��ذه الخطوة ب��دأت ت��رس��م لها توجهات سياسية واض�ح��ة منذ ظهور‬ ‫مجموعات دينية متطرفة‪ ،‬مثل طالبان و«القاعدة»‪ ،‬وفي السنوات القليلة املاضية‬ ‫اتسعت دائرة نشاطها السياسي في أملانيا بالشكل الذي نشهده اليوم ليأخذ‬ ‫أيضا منحى عسكريا‪ ،‬فزاد مدها بشكل سريع وقوي‪ ،‬وأصبح لها حضور‬ ‫في الكثير من التجمعات اإلسالمية والعربية‪ ،‬وباألخص في صفوف الشباب‬ ‫العاطلني عن العمل‪ ،‬وزاد ه��ذا التوسع مع األزم��ات في بعض ال��دول العربية‪ ،‬أملانيات مجاهدات‬ ‫آخرها سوريا‪ ،‬حيث ظهر واضحا نشاط املجموعات األصولية الفعلي عبر‬ ‫إرسال شباب مسلمني أو أملان اعتنقوا اإلسالم من أجل القتال في سوريا‪.‬‬ ‫ولم يعد يقتصر األمر على الشباب لالنخراط في صفوف املتشددين بل تتحدث‬ ‫دوائ��ر األم��ن األملانية عن بضع فتيات توجهن إلى سوريا من أجل القتال أو‬ ‫تقديم العون أو الزواج من مجاهدين‪ ،‬وآخر حالة سجلت لدى الشرطة تمكن‬ ‫اآليديولوجيا األصولية‬ ‫فتاة أملانية من بادن فورتنبيرغ وأخرى من مدينة كونستانز من أب جزائري‬ ‫ويقول غيدو شتاينبورغ خبير ش��ؤون اإلره��اب في مكتب حماية الدستور وأم أملانية دون الـ‪ 17‬من العمر من السفر بأوراق مزورة تقول إن آباءهما أذنوا‬ ‫االت�ح��ادي أن اآليديولوجية األصولية تنتشر وتتسع بشكل متزايد ومهني لهما بالسفر‪ ،‬واليوم ال أثر لهما‪ .‬وفتاة املانية سافرت من مدينة شتوتغارت جوا‬ ‫وم��دروس‪ ،‬فممثلوها يعرفون كيفية الدعاية الفعالة لجذب أعضاء جدد‪ ،‬وال إلى تركيا‪ ،‬ومن هناك جرى تهريبها إلى داخل سوريا‪ .‬لكن ما يقلق السلطات‬ ‫يجهلون الطرق الكفيلة بكسب املزيد من الذين يعتنقون اإلسالم‪ ،‬لكن لخدمة أيضا أن هؤالء الذين يسافرون بهدف القتال إن كانوا شبابا أو فتيات ال خبرة‬ ‫مصالحهم‪ .‬وم��ن أج��ل ه��ذا ال�ه��دف يستعينون كثيرا بالتقنيات امل�ت�ط��ورة‪ ،‬لهم بالقتال وغير مجهزين لذلك‪ ،‬وعلى الرغم من ذلك يدفعون إلى املعارك‪،‬‬ ‫وباألخص باإلنترنت‪ ،‬ألنهم يعرفون مدى فعاليته على الجيل الشاب‪ .‬وللوصول مما رفع عدد القتلى في صفوفهم‪ ،‬ويتوقع هانس جيورج ماسن مدير دائرة‬ ‫إلى أكبر عدد من األملان واملسلمني والعرب يستعينون بموقع «يوتيوب» بشكل حماية الدستور األملاني املزيد من الضحايا‪.‬‬ ‫خاص لنشر الدعاية والتحريض‪ ،‬إذ إن الكلمة املقرونة بالصورة لها تأثير أكبر ويقدر مكتب حماية الدستور األملاني عدد النساء الوافدات من أملانيا إلى سوريا‬ ‫من الكلمة املكتوبة‪ ،‬وه��ذا يفيد الدعاة من أجل نشر أفكارهم الخطيرة‪ .‬كما بنحو ‪ 400‬امرأة‪ ،‬مع ذلك ال يؤكد على دقة هذا الرقم‪ ،‬وبرأيه أن الحديث عن هذا‬ ‫يستغلون حرية التعبير والكلمة في أملانيا إلقامة أجنحة معلومات في األسواق العدد الكبير من النساء هو محاولة من املجموعات املتشددة لفت األنظار إليها‪،‬‬ ‫خاصة أي��ام السبت من كل اسبوع‪ ،‬حيث يكثر املشاة فيوزعون املنشورات كما كان الحال مع الفلسطينيات الالتي قمن في فترة السبعينات بعمليات‬ ‫والكتب والدعايات لهم‪ ،‬ل��ذا فهم يشكلون ل��دوائ��ر األم��ن تحديا ج��دي��دا‪ .‬وهنا خطف الطائرات‪ ،‬وبعد ذلك بعمليات انتحارية‪ ،‬وفعلت نساء من الشيشان‬ ‫يظهرون للعلن على أنهم جماعات عادية تمارس حرية التعبير الديني‪ ،‬وهذا الشيء نفسه‪ ،‬لكن في النهاية جرى تهميشهن‪ ،‬ولم يعد لهن أي دور يذكر في‬ ‫ما يسمح به القانون األملاني‪ ،‬لكن من جانب آخر يصعب على الجهات األمنية أي عملية سياسية على الرغم من تفاني بعضهن‪ .‬ويبدو أن التلميذة سارة‬ ‫أخذ أي ممسك عليهم‪ ،‬فهم يشكلون شبكة ناشطة لها تراتب هرمي غير ثابت‪ ،‬البالغ عمرها ‪ 15‬سنة من كونستانز أرادت إظهار مدى اعتناقها للفكر املتشدد‪،‬‬ ‫فعرضت صورا لها على أحد مواقع املجاهدين وهي تحمل سالحا‪ ،‬وقامت‬ ‫أي هرمية غير واضحة‪ ،‬من أجل تحديد املسؤول‪.‬‬ ‫وفي السنوات األخيرة انصب اهتمام الجماعات املتشددة على توزيع املهام بحملة دعائية تطالب النساء باملشاركة في الجهاد‪ ،‬لذا يقول خبير اإلرهاب‬ ‫ال�س�ي��اس�ي��ة وال �ج �ه��ادي��ة‪ ،‬ف��امل�م�ث�ل��ون ع��ن ال�ج��ان��ب ال�س�ي��اس��ي ينشغلون كليا األملاني هولغر شميت إن األمر أخذ أبعادا جديدة‪ ،‬فهذه الفتاة تشجع أخريات‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬


‫يجب أن يكون هناك عالم أفضل يمكنني أن أصل إليه من خالل قتل أكبر عدد‬ ‫إرهاب أم مقاومة؟!‬ ‫ممكن من الكالب البشرية الذين تسببوا باألذى لي‪ ،‬ولوطني‪ ..‬الوحوش غير‬ ‫وأمام ظاهرة «األرامل السود» التي بدأت تتزايد في روسيا‪ ،‬انتبهت الدراسات‬ ‫التي تكون نوعيتها غير بشرية»‪ .‬ففي الشيشان‬ ‫البشرية تولد من رحم الحياة ُ‬ ‫السوسيولوجية والنفسية إليها وسعت إلى تسليط الضوء على بعض أسبابها‪ ،‬تسود روح الثأر الدموي‪ ،‬فإذا قتل أحد أف��راد العائلة‪ ،‬فإن من حق من تبقى‬ ‫فمع أن مشاركة النساء في التفجيرات والعمليات االنتحارية (إرهابا أو إجراما‪ ،‬أن يأخذ العدالة بيده‪.‬‬ ‫استشهادا أو مقاومة) ليست جديدة في الصراعات وبؤر التوتر العاملية بدءا من‬ ‫الصراع العربي ‪ -‬اإلسرائيلي (‪ 11‬انتحارية فلسطينية خالل انتفاضة األقصى ونشرت اإلذاعة الدولية العامة «بي آر آي» تقريرا حول دوافع املرأة للقيام‬ ‫بعد عام ‪ 2002‬وتسع انتحاريات لبنانيات خالل فترة احتالل إسرائيل للجنوب بعملية انتحارية‪ ،‬في ضوء تفجيرات فولغوغراد بروسيا في أواخر ديسمبر‬ ‫اللبناني بني أعوام ‪ ،2000 - 1982‬وعراقيات كثيرات بعد االحتالل األميركي ‪ .2013‬وأشار التقرير إلى ما بات يعرف بـ«األرامل السود»‪ ،‬حيث أصبحت‬ ‫عام ‪ )2003‬وليس انتهاء بالحرب في سيريالنكا‪ ،‬إال أنه مع ذلك يبقى دور امل��رأة تشارك في الصراع الدائر بطرق يفعلها الرجال‪ ،‬تقول «ميا بلوم»‪،‬‬ ‫«األرامل السود»‪ ،‬كما درجت وسائل اإلعالم على تسميتهن‪ ،‬الفتا في التمرد أستاذ دراسات أمنية في جامعة «ماساتشوستس»‪ ،‬ومؤلفة كتاب «قنبلة‪:‬‬ ‫الطويل واملمتد بشمال القوقاز‪.‬‬ ‫امل��رأة في اإلره ��اب»‪« : ،‬أعتقد أن ذل��ك هو املكان ال��ذي صيغ فيه مصطلح‬ ‫وفي هذا السياق‪ ،‬أع��دت عاملتا النفس «آن سبيكهارد» و«كابتا أكيمودوفا» األرملة السوداء» واستدركت نافية كون كل انتحارية أرملة‪ ،‬وأشارت إلى‬ ‫دراسة كشفت أن «جميع األشخاص ضمن عينة البحث مروا بتجارب نفسية أن املصطلح نفسه أصبح مثيرا للجدل‪.‬‬ ‫مريرة‪ ،‬وأبانوا عن أع��راض مألوفة لدى أصحاب الصدمات النفسية‪ ..‬وتبدأ وإذا كانت السلطات الروسية تصور األمر باعتباره حزنا على وفاة زوجها‪،‬‬ ‫املسيرة في جل الحاالت تقريبا بمعاناة نفسية عصيبة يمر بها الشخص غير أن الحقيقة‪ ،‬وفقا لـ«ميا»‪ ،‬أن هناك تنظيما سياسيا يقف وراءهن‪ .‬إذ‬ ‫وصدمة قوية يتعرض لها تجعل الشخص أكثر انجذابا إلى الجماعات املتشددة التقت األس�ت��اذة «ميا» بالعديد من النساء اللواتي شاركن في الحركات‬ ‫ويعتنقون اآليديولوجيا الجهادية في وقت يتصارعون فيه مع مشاكلهم ومع اإلرهابية في جميع أنحاء العالم‪ ،‬بما فيهن الشيشانيات في دول عدة‪،‬‬ ‫خسارتهم وفقدانهم ألحبائهم»‪ ،‬وأضافت الدراسة أنه «وال واحدة من هؤالء لتصل إل��ى نتيجة تقول إن دواف��ع النساء ليست بالضرورة مختلفة عن‬ ‫النساء بدا أنهن تعرضن لإلكراه‪ ،‬أو تم إغراؤهن لتنفيذ العمليات االنتحارية‪ ،‬ال��رج��ال‪ ،‬إنهن ي��ردن إخ��راج ال��روس‪ .‬وتنظر الباحثة لالنتحاريات بزاوية‬ ‫بل انضممن بمحض إرادتهن»‪.‬‬ ‫مختلفة‪ ،‬الفكرة ال�ت��ي ت�ق��ول إن امل��رأة أك�ث��ر س�لام��ا م��ن ال��رج��ل تجعل من‬ ‫ُ‬ ‫وتضيف‬ ‫الناشطة الحقوقية «خيدا سارتوفا» أنه بالنسبة للنساء اللواتي اعتقل موضوع االنتحاريات يتصدر عناوين األخبار‪ ،‬فتوفر تغطية إعالمية أوسع‬ ‫ُ‬ ‫أزواجهن‪ ،‬أو فقدوا في الحرب واللواتي يتعرضن لتهميش املجتمع وإقصائه ال «للقضية» التي تحمل لواءها‪ .‬وهذا االهتمام الذي يجلبه يجعل الجماعات‬ ‫يوجد لديهن منفذ للتعبير عن أملهن وحزنهن‪ ،‬بل إن التغطية اإلعالمية الواسعة اإلرهابية تعتمد على النساء في التفجيرات االنتحارية‪ ،‬فالتنظيم اإلرهابي‬ ‫التي حظيت بها ظاهرة «األرامل السود» عمقت من معاناة النساء القوقازيات يأمل أن يصدق الناس أن النساء مساملات حتى يحدثن الصدمة‪ .‬وبعد‬ ‫في مجتمعاتهن بعدما أصبحن عرضة للمعاملة السيئة‪ ،‬األمر الذي يدفعهن مأساة مترو موسكو‪ ،‬توصلت إلى حقيقة مرة‪ ،‬تفيد بأنه في الوقت الذي‬ ‫أكثر إلى التطرف‪.‬‬ ‫كانت تصل فيه حصيلة القتلى من الهجمات اإلرهابية التي ينفذها الرجال‬ ‫وتوضح الصحافية آن��ا بوليتكوفسكا‪ ،‬أن «ال�ت��وق للجنة بالنسبة ل�ـ(األرام��ل إلى ‪ 13‬شخصا في املعدل العام‪ ،‬فإن حصيلة الضحايا الذين يسقطون في‬ ‫مطلب غير آمن بالطبع‪ ،‬لكن على الرغم من الهجمات التي تنفذها النساء ترتفع إلى ‪ 21‬على األقل!‬ ‫السود) مثل فضيلة طارئة‪ ..‬إنه ّ‬ ‫ذلك تبقى الحقيقة املاثلة هو أنهن تطلعن نحو الجنة بعد أن انهارت حياتهن ومهما كانت األسباب والدوافع التي تقف وراء العمليات االنتحارية التي تنفذها‬ ‫الحالية وتحولت إل��ى ح�ط��ام»‪ .‬وتضيف بوليتكوفسكا «بعد ذل��ك تدخل إلى نساء قوقازيات‪ ،‬يبقى األكيد أن هذه األسباب لن تختفي بسهولة ولن تزيلها‬ ‫اللعبة املعادلة املتبقية‪ :‬بات من غير املحتمل العيش في هذه الحياة‪ ،‬وبالتالي اإلجراءات األمنية الصارمة التي تتخذها السلطات الروسية<‬

‫صور نشرها االمن الروسي‬ ‫الرهابيات يشتبه بضلوعهم في‬ ‫تفجير متجر في منتجع البحر‬ ‫األسود الروسي (سوتشي) قبل‬ ‫انعقاد بطولة االلعاب الشتوية‬ ‫‪ -‬سوتشي (يناير ‪)2014‬‬

‫‪,,‬‬

‫حصيلة القتلى‬ ‫من الهجمات‬ ‫اإلرهابية التي‬ ‫ينفذها الرجال‬ ‫تصل إلى ‪13‬‬ ‫شخصا في‬ ‫املعدل العام‬ ‫بينما الهجمات‬ ‫التي تنفذها‬ ‫النساء ترتفع إلى‬ ‫‪ 21‬على األقل!‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫‪25‬‬


‫قصة الغالف‬

‫«األرامل السود »‪ ،‬هو اللقب الذي بات ُيطلق على النساء القوقازيات الالتي قمن بتنفيذ العمليات االنتحارية‬ ‫في روسيا منذ ‪ 13‬سنة‪ ،‬حيث اشتهر اللقب كثيرا في حادثتي «مسرح دوبروفكا» بموسكو ‪ 2002‬و«مدرسة‬ ‫َ‬ ‫ستقصى في الواقع من أحد أنواع العنكبوت السامة‪ ،‬حيث تقتل‬ ‫بيسالن» ‪ ،2004‬ووصف «األرملة السوداء» ُم‬ ‫األنثى ذكرها بعد االنتهاء من التزاوج‪ .‬ولقنب بهذا االسم نسبة لكون عدد منهن أرامل ملقاتلني شيشان قتلوا‬ ‫على يد القوات الروسية‪ ،‬في الكثير من مناطق القوقاز‪.‬‬

‫الحراك الدموي في روسيا‪ 46 :‬امرأة قمن بـ ‪ 26‬عملية انتحارية في ‪12‬عاما‬

‫األرامل السود‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫املحرر السياسي‬

‫‪,,‬‬

‫يتشكل صراع‬ ‫«األرامل السود»‬ ‫ضد الدولة‬ ‫الروسية من مزيج‬ ‫سام من الكراهية‬ ‫العرقية واالنتقام‬ ‫القبلي والحمية‬ ‫والتعصب الديني‬ ‫من أجل االستشهاد‬

‫‪,,‬‬

‫ديزينت عبد الرحمنوف التي شاركت‬ ‫في تفجير مترو موسكو االنتحاري‬ ‫(ابريل ‪ ) 2010‬انتقاما ملقتل زوجها‬ ‫محمدوف الذي‬ ‫يظهر الى‬ ‫جانبها في‬ ‫الصورة‬

‫وف�ق��ا مل��ا نقلته الصحافية آن��ا نمتسوفا ف��ي م��وق��ع «داي�ل��ي بيتس»‬ ‫اإلخباري في أغسطس (آب) ‪« ،2013‬بلغ عدد االنتحاريات في روسيا‬ ‫على امتداد ‪ 12‬سنة املاضية نحو ‪ 46‬امرأة قمن بـ‪ 26‬عملية انتحارية‪،‬‬ ‫وف��ي بعض األح�ي��ان ك��ان العديد م��ن النساء يشاركن ف��ي العملية‬ ‫الواحدة»‪ .‬وفي البداية يجب التأكيد على حقيقة أن الظاهرة االنتحارية ال ترتبط‬ ‫حصرا بجنس وال بقومية وال بدين ما أو باإلسالم بنوع خاص‪ ،‬لكن بحسب‬ ‫ال��رأي السائد والشائع‪ ،‬ال يمكن للمرأة أن تكون انتحارية وإن ارتبط اسمها‬ ‫بهجوم انتحاري‪ ،‬يكون ذلك على حسابها‪ ،‬أي أن تكون هي ضحيته في الغالب‪.‬‬ ‫فهذا النوع من االستراتيجيات القتالية حكر على الرجال دون سواهم‪ ،‬فاالعتقاد‬ ‫الشائع والتقليدي في املجتمع الروسي مثال هو أن املرأة هي حارسة املدفأة‪،‬‬ ‫وهي رمز النعومة والنظافة وبالدرجة األولى‪ ،‬واهبة الحياة‪ ،‬لذلك فإن األعمال‬ ‫التي تقوم بها «األرامل السوداء» ّ‬ ‫تكسر هذه القيم‪ ،‬وتنسف «الدعائم التي يقوم‬ ‫عليها العالم»‪ ،‬فهي تبدو متناقضة مع قوانني الطبيعة‪ ،‬ولذلك‪ ،‬فإن وجودهن‬ ‫أصاب املجتمع الروسي ‪ -‬على وجه الخصوص ‪ -‬بالهستيريا‪ ،‬جراء تهديداتهن‬ ‫املستمرة‪ ،‬التي نجحت أكثر من مرة وفي أكثر من مكان‪ ،‬وتسبنب بموت املئات‪.‬‬ ‫وف��ي ال��واق��ع يتشكل ص��راع «األرام ��ل ال�س��ود» ض��د ال��دول��ة ال��روس�ي��ة‪ ،‬بزعامة‬ ‫فالديمير بوتني‪ ،‬من مزيج سام من الكراهية العرقية واالنتقام القبلي والحمية‬ ‫والتعصب الديني من أجل االستشهاد‪ .‬ويقدر عددهن بنحو ‪ 10‬آالف أرملة‬ ‫مسلمة في سن الشباب أو في منتصف العمر‪ ،‬وال�لات��ي قتل أزواج�ه��ن في‬ ‫العقدين املاضيني خالل الحرب التي شنها بوتني ضد االنفصاليني في مناطق‬ ‫من القوقاز (تحديدا داغستان والشيشان)‪ ،‬ويعلن انتماؤهن لكتيبة تدعى‬ ‫«رياض الصالحني للشهداء»‪ ،‬إذ يتدربن على تقنيات عالية من القتال واملناورة‬ ‫العسكرية‪ ،‬وعلى استعمال األسلحة الخفيفة وإتقان األحزمة الناسفة‪ ،‬التي‬ ‫ّ‬ ‫يتحز َ‬ ‫من بها لتفجيرها في أماكن روسية مستهدفة‪« ،‬جهادا في سبيل الله»‪،‬‬ ‫وانتقاما ألقاربهن ال��ذي قضوا في معارك استقالل الشيشان التي اندلعت‬ ‫منذ ‪ ،1994‬في أعقاب الحرب األول��ى والثانية ضد روس�ي��ا‪ .‬إذ أدي الصراع‬ ‫املميت بالفعل إلى حصد أرواح أكثر من ‪ 200‬ألف شخص وما زال‬ ‫مستمرا‪ ،‬منذ تخلي فالديمير بوتني عن االتفاق املبرم بني‬ ‫االنفصاليني الشيشان والجنرال ألكسندر ليبيد‪ ،‬مبعوث‬ ‫الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسني عام ‪ .1996‬وعلى‬ ‫النحو‪ ،‬صار تنفيذ االغتياالت السياسية جزءا من الحياة‬ ‫العادية في الشيشان وإنغوشيتيا‪.‬‬

‫من مسرح موسكو إلى فولغوغراد‬ ‫وتعتبر خافا باراييفا‪ ،‬أول «أرملة سوداء» تفجر‬ ‫نفسها في قاعدة للجيش الروسي بالشيشان في‬ ‫يونيو (حزيران) ‪ ،2000‬تلتها بايموراتوفا‪ ،‬التي‬ ‫‪24‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫فجرت نفسها في محاولة اغتيال الرئيس الشيشاني املعني‪ ،‬أحمد قاديروف‪،‬‬ ‫وسط مهرجان حاشد بموسكو‪ ،‬مما أسفر عن مقتل ‪ 16‬شخصا وإصابة‬ ‫مسرح «دوبروفكا»‬ ‫‪ 150‬آخرين‪ ،‬وفي ‪ 23‬أكتوبر (تشرين األول) ‪ ،2002‬وفي‬ ‫ّ‬ ‫بموسكو‪ ،‬احتجز نحو ‪ 40‬مسلحا شيشانيا‪ ،‬ضمنهم نساء ُمنقبات بأحزمة‬ ‫ناسفة استعدادا لتفجير املكان‪ ،‬نحو ‪ 800‬رهينة داخل املسرح‪ ،‬والهدف مطالبة‬ ‫الشيشانية‪ ،‬لكن بعد يومني ونصف‬ ‫الجيش‬ ‫ُ‬ ‫الروسي باالنسحاب من األراضي ُ‬ ‫من الحصار‪ ،‬قتل ‪ 170‬شخصا‪ ،‬بمن فيهم املقاتلون و‪ 130‬من الرهائن‪ ،‬بعد‬ ‫ّ‬ ‫ضخت القوات الخاصة الروسية غازا كيماويا ّ‬ ‫ساما عبر فتحات التهوية‬ ‫أن‬ ‫داخل املسرح‪ ،‬أدى إلى اختناق الجميع‪ ،‬لتقوم القوات الروسية بعد ذلك باقتحام‬ ‫املسرح دون أي تفجير انتحاري‪ .‬وشهد عام ‪ 2003‬فقط تنفيذ أربع عمليات‬ ‫انتحارية متفرقة نفذتها خمس «أرامل سود»‪ ،‬واحدة منها في فندق قريب من‬ ‫مبنى الكرملني‪ ،‬والثانية على منت قطار مزدحم‪ ،‬وأخرى أثناء حفل موسيقي‬ ‫في مطار موسكو‪ ،‬وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل أكثر من ‪ 80‬شخصا‬ ‫وجرح ‪ 125‬آخرين‪ .‬وفي األول من سبتمبر (أيلول) ‪ ،2004‬اقتحم ‪ 31‬مقاتال‬ ‫شيشانيا‪ ،‬تتزعمهم نساء ُمحاطات بأحزمة ناسفة‪ ،‬مدرسة ببلدة بيسالن‬ ‫الروسية‪ ،‬وحاصروا لثالثة أيام كل من فيها‪ ..‬وكانت الحصيلة‪ ،‬بعد تدخل‬ ‫عسكري بالدبابات واألسلحة الثقيلة للقوات الروسية‪ ،‬مقتل ‪ 320‬رهينة بينهم‬ ‫‪ 186‬طفال‪ ،‬وهو ما عرف حينها بـ«مجزرة رهائن مدرسة بيسالن»‪ ،‬التي تبناها‬ ‫زعيم املقاتلني الشيشان آنذاك شامل باساييف‪.‬‬ ‫وفي أكتوبر (تشرين األول) ‪ّ ،2013‬‬ ‫فجرت انتحارية داغستانية تدعى ناييدا‬ ‫أخيالوفا‪ ،‬اعتنقت اإلسالم بعد زواجها من خبير متفجرات اعتبر أحد قادة‬ ‫متمردي شمال القوفاز‪ ،‬وقتلته الشرطة مع أربعة آخرين في داغستان أيضا‬ ‫بعد نحو شهر‪ ،‬حزاما ناسفا حملته في باص داخل املدينة‪ ،‬مما أسفر عن‬ ‫ستة قتلى معظمهم مراهقون‪ .‬وفي ‪ 29‬ديسمبر (كانون األول) ‪ 2013‬أعلنت‬ ‫السلطات الروسية إقدام امرأة انتحارية‪ ،‬تدعى أوكسانا أصالنوفا‪ ،‬وهي أرملة‬ ‫ملقاتل داغستاني‪ ،‬على تفجير نفسها داخل محطة فولغوغراد الروسية‪ ،‬القريبة‬ ‫األقل وجرح نحو‬ ‫من منطقة القوقاز املضطربة‪ ،‬مخلفة مقتل ‪ 16‬شخصا على ّ‬ ‫‪ 40‬آخرين؛ ثم أعلن عن تفجير حافلة في اليوم التالي‪ُ ،‬مما خلف ‪ 34‬ضحية‬ ‫جديدة‪ .‬وقبل أيام فقط من وقوع تفجيري فولغوغراد‪ ،‬قتل حجي مهاشيف‪،‬‬ ‫نائب رئيس الوزراء الداغستاني الذي عينته موسكو في جمهورية داغستان‬ ‫التي يقطنها املسلمون بشكل رئيس وجاء منها هاتان املرأتان االنتحاريتان‪.‬‬ ‫وجاء تفجيرا فولغوغراد املتعاقبان‪ ،‬بعد دعوة زعيم تنظيم «إمارة القوقاز»‬ ‫في الشيشان‪ ،‬دوكو عماروف‪ ،‬أتباعه من املقاتلني اإلسالميني للوقوف بالقوة‬ ‫من أجل منع إقامة دورة األلعاب الشتوية التي أقيمت في الفترة بني ‪ 7‬إلى ‪23‬‬ ‫فبراير (شباط) ‪ ،2014‬وذلك عبر شريط مصور بثه مطلع يوليو (تموز) ‪،2013‬‬ ‫قال فيه «إن روسيا تخطط إقامة األلعاب على عظام أجدادنا‪ ،‬وعظام العديد من‬ ‫املسلمني الذين دفنوا على أرضنا في البحر األسود‪ ..‬ونحن كمجاهدين علينا‬ ‫أن نمنع ذلك باستخدام كل الطرق التي أحلها الله لنا»‪.‬‬


‫ما اهتم برصده عبده مصطفى دسوقي في كتابه «تاريخ قسم األخوات‬ ‫املسلمات»‪ ،‬الذي يرصد بالوثائق بداية الفكرة مع نشأة الجماعة عام ‪1928‬‬ ‫في اإلسماعيلية‪ ،‬ثم تبلورها املبدئي في الئحة ‪ ،1933‬كما أشرت سابقا‪،‬‬ ‫ثم تطور الدور بداية من الحقبة الناصرية وحتى ثورة يناير ‪.2011‬‬ ‫عرض الكاتب ملوقف حسن البنا وفكرته عن دور املرأة بداية من رسالته‬ ‫املعنونة بـ«املرأة املسلمة» التي حدد فيها حقوق املرأة وواجباتها ودورها‬ ‫االج��ت��م��اع��ي طبقا لفكر ال��ج��م��اع��ة‪ .‬ك��م��ا ت��ن��اول ن��ش��أة وت��ط��ور «األخ����وات‬ ‫املسلمات» في الثالثينات منذ أول مسؤولة عن القسم وهي السيدة لبيبة‬ ‫أح��م��د (‪1955 – 1875‬م)‪ ،‬وك���ان رئ��ي��س القسم ه��و الشيخ عبد اللطيف‬ ‫الشعشاعي‪ ،‬واملشرف على القسم من قبل مكتب اإلرشاد األستاذ صالح‬ ‫عشماوي‪ .‬ثم عرض لقسم األخوات ولوائحه‪ ،‬وأنشطة األخوات‪ ،‬ودور القسم‬ ‫بعد مقتل حسن البنا‪ ،‬ودور «األخوات» في مراحل املحنة ومرحلة غياب‬ ‫األزواج‪ ،‬واعتقال األخوات‪ ،‬ثم تحدث الكتاب عن «األخوات» والعمل السياسي‬ ‫في انتخابات عام ‪2000‬م‪ ،‬وانتخابات ‪2005‬م‪ ،‬ثم انتخابات ‪2010‬م‪.‬‬ ‫كما رصد دور «األخوات املسلمات» في «أوقات املحن» التي مرت بالجماعة‪،‬‬ ‫فحينما ُحلت جماعة اإلخوان املسلمني في ‪1948/12/8‬م شكلت «األخوات‬ ‫املسلمات» لجانا ملساندة املعتقلني وأس��ره��م‪ ،‬فتكونت لجنتان؛ األول��ى‬ ‫مهمتها إعداد الطعام واملالبس لإلخوان بالسجون‪ ،‬والثانية مهمتها زيارة‬ ‫أسر اإلخوان املسجونني وتقديم ما تحتاجه هذه األسر‪.‬‬

‫أهمية التنظيم النسائي‬ ‫تشير هذه الشهادات والوثائق إلى وجود وأهمية التنظيم النسائي بالنسبة‬ ‫لجماعة اإلخ���وان املسلمني فيما قبل يناير ‪ ،2011‬س��واء على املستوى‬ ‫االجتماعي أو على املستوى السياسي بشكل ع��ام‪ .‬ل��ذا ك��ان طبيعيا أن‬ ‫تهتم الجماعة بوجود مثل هذا القسم النسائي‪ ،‬وكان طبيعيا أيضا وفق‬ ‫هذا السياق أن يصرح أحد قادة الجماعة ‪ -‬وهو املحامي صبحي صالح ‪-‬‬ ‫بأنه ال يصلح إلخواني إال زوجة من اإلخوان‪ ،‬وهو ما يشير إلى أي مدى‬ ‫تحظى املرأة في هذا التنظيم بأهمية خاصة‪ ،‬طبقا ملا ذكرته سيدة كانت‬ ‫يوما «أختا»‪ ،‬وهي اإلخوانية املنشقة انتصار عبد املنعم صاحبة كتاب‬ ‫(مذكرات أخت سابقة‪ ..‬حكايتي مع اإلخوان) التي تروي «اآلن» ‪ -‬بعد أن‬

‫خرجت من الجماعة تنظيميا – حكايتها وتطرح رؤيتها لطبيعة الجماعة‬ ‫وأزماتها التربوية واإلدارية‪ ،‬والبناء الطبقي داخل الجماعة والبنية الذكورية‬ ‫التي ال تسمح للمرأة بتجاوز أدوار محددة لها؛ فهي مثال ال يسمح لها‬ ‫بدخول مكتب اإلرشاد وهي الخطوة التي حاولها عضو الجماعة إبراهيم‬ ‫الزعفراني قبل استقالته لكنه فشل‪ .‬ه��ذا ب��اإلض��اف��ة إل��ى تهميش جيل‬ ‫الشباب في حاالت اتخاذ القرار وفي دخول مكتب اإلرشاد واختيار املرشد‬ ‫الذي يتم عن طريق مكتب اإلرشاد العام الذي يأخذ البيعة له من مجلس‬ ‫شورى الجماعة من الجيل الثاني والثالث في الداخل والخارج‪.‬‬

‫الوجود النسوي بعد عزل محمد مرسي‬ ‫أيا كانت االنتقادات التنظيمية التي توجه لطبيعة الوجود النسوي في جماعة‬ ‫اإلخوان املسلمني‪ ،‬فقد كان من الواضح أن دورها خاصة بعد عزل محمد‬ ‫مرسي ي��زداد يوما بعد ي��وم‪ ،‬فقد نظمت مسيرات ومظاهرات ودشنت‬ ‫حركات ومبادرات ودعت لفعاليات سياسية بشكل أثر على النظرة إليها‬ ‫بعد يناير ‪ ،2011‬وقد رفعت نساء اإلخوان شعارات ال يختلف عليها في‬ ‫املجتمع املصري مما حشد كثيرات من غير نساء اإلخ��وان‪ ،‬وذل��ك نظرا‬ ‫لعمومية الشعار وعمومية الهدف منه‪ ،‬مثل شعار «بنات مصر خط أحمر»‪،‬‬ ‫هذه العبارة التي أصبحت عنوانا لعدد كبير من الصفحات على «فيس‬ ‫ب��وك»‪ ،‬والتي دشنت كلها تقريبا بعد أح��داث ضرب وسحل الفتيات في‬ ‫مظاهرات ميدان التحرير‪ ،‬وخاصة بعد أحداث مجلس الوزراء‪ ،‬فأعقب ذلك‬ ‫مظاهرات حرائر مصر وتدشني هذا الكم الكبير من الصفحات تحت هذا‬ ‫العنوان الذي كان يستخدم كذلك ضمن شعارات هذه املسيرات النسائية‪.‬‬ ‫كما أنه أصبح طبيعيا أن يطالع املراقب عناوين مثل ألتراس بنات أزهري‪ ،‬أو‬ ‫نساء ضد االنقالب‪ ..‬لكن أشهر حركة نسائية ظهرت في املشهد السياسي‬ ‫املصري في اآلونة األخيرة كانت «حركة بنات ‪ 7‬الصبح» وهي حركة افتراضية‬ ‫تحولت إل��ى ال��واق��ع الحقيقي ملجموعة م��ن الفتيات على خلفيات تنظيمية‬ ‫إخوانية‪ .‬وقد ب��دأت هذه الحركة في الظهور في شهر نوفمبر ‪ ،2013‬على‬ ‫خلفية االع��ت��ق��االت ف��ي ص��ف��وف املتظاهرين عقب ف��ض اعتصامي رابعة‬ ‫والنهضة‪ .‬والالفت في هذه الحركات أن مطالبها لم تكن تتعلق بقضايا املرأة‬ ‫وحسب بل بمجمل القضايا السياسية في مصر<‬

‫حضور نسائي حاشد من انصار‬ ‫محمد مرسي‪ ،‬مرشح اإلخوان‬ ‫أنذاك في االنتخابات الرئاسية‬ ‫في مصر عام ‪2012‬‬

‫‪,,‬‬

‫بدأ تعبير‬ ‫«األخوات‬ ‫املسلمات» في‬ ‫التداول بني‬ ‫أعضاء الجماعة‬ ‫وفي أدبياتها‬ ‫املنشورة وغير‬ ‫املنشورة منذ‬ ‫عام ‪1933‬‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫‪23‬‬


‫قصة الغالف‬

‫على الرغم من الكم الهائل من الوثائق املنشورة عن وجود تنظيم نسائي لجماعة اإلخوان املسلمني‪ ،‬منذ‬ ‫مطلع ثالثينات القرن العشرين‪ ،‬فإن الجماعة ‪ -‬وعبر قيادييها ‪ -‬تصر دائما وفي مناسبات عدة على أنه ال‬ ‫وجود ملا يسمى جماعة «األخوات املسلمات»‪ ،‬أو ما يسمى في التداول اإلعالمي «نساء اإلخوان»‪..‬‬

‫التنظيم النسائي للجماعة‪« :‬ألتراس بنات أزهري» و«نساء ضد االنقالب»‪ ..‬وحركة «بنات ‪ 7‬الصبح»‬

‫ثورة األخوات‬

‫بقلم‪:‬‬ ‫املحرر السياسي‪:‬‬

‫‪,,‬‬

‫رفعت نساء‬ ‫اإلخوان شعارات‬ ‫ال يختلف عليها‬ ‫في املجتمع‬ ‫املصري مما‬ ‫حشد كثيرات‬ ‫من غير نساء‬ ‫اإلخوان مثل‬ ‫شعار «بنات‬ ‫مصر خط أحمر»‬

‫‪,,‬‬

‫غالف كتاب «رحلتي مع األخوات‬ ‫املسلمات» لفاطمة عبدالهادي وكيلة أول‬ ‫لجنة نسائية في اإلخوان املسلمني‬

‫‪22‬‬

‫صرح املتحدث باسم جماعة اإلخ��وان املسلمني محمود غزالن تقدر اشتراكات مالية اختيارية حسب املقدرة وتحفظ في عهدة إحدى‬ ‫في يناير ‪ ،2013‬على خلفية توقيف بعض املصريات في دولة األخوات لإلنفاق منها على مشروعات الفرقة»‪.‬‬ ‫اإلم � ��ارات ال�ع��رب�ي��ة امل�ت�ح��دة «ت�ح��اش�ي�ن��ا وج ��ود تنظيم ل�لأخ��وات‬ ‫الرجال»‪،‬‬ ‫املسلمات لحمايتهن من املخاطر وحتى ال يتعرضن ملا يتعرض له‬ ‫أيام من حياتي‬ ‫هكذا صرح‪.‬‬ ‫كما أشارت استشهاد حسن البنا ابنة مؤسس الجماعة إلى أن التنظيم وقد أكدت وجود هذا التنظيم على املستوى العملي مجموعة غير قليلة من‬ ‫النسائي اإلخواني هو تنظيم األسر العادي بني األخوات الالئي يجتمعن الوثائق املنسوبة ألعضاء وعضوات منها‪ ،‬وأن هذا التنظيم لم يكن مجرد‬ ‫معا‪ ،‬ويحضرن لقاءات كاإلخوان ولكن دون وجود تنظيم باملعنى املعروف تنظيم نظري؛ فقد روت الداعية زينب الغزالي في سيرتها «أيام من حياتي»‬ ‫تقليديا‪ ،‬الذي يكون له هيكل وقيادة تفاديا لالعتقاالت واملداهمات األمنية‪ .‬كيف رفضت التعاون مع اإلخوان املسلمني في البداية وكيف عادت بعد عام‬ ‫هذه التصريحات اإلعالمية تنفيها وثائق جماعة اإلخوان املسلمني نفسها ‪ 1948‬لتنضم للجماعة وكيف جرى تكليفها من قبل حسن البنا بوساطات‬ ‫(املعلن منها وليس الخفي) سواء على املستوى التاريخي‪ ،‬أو الراهن‪ .‬وهو بني الجماعة وحزب الوفد وزعيمه مصطفى النحاس (‪1965 – 1876‬م)‪.‬‬ ‫ما يضع كثيرا من عالمات االستفهام حول ما هو مؤكد وثائقيا ومنكر ثم موقفها بعد ذلك من جمال عبد الناصر (‪1970 – 1918‬م) الذي حل‬ ‫على مستوى التصريحات اإلعالمية‪.‬‬ ‫جمعيتها «السيدات املسلمات» وسجنها نحو ست سنوات‪.‬‬ ‫ت�ش�ي��ر زي�ن��ب ال �غ��زال��ي دون ت�ص��ري��ح إل��ى م�س�ت��وى تنظيمي ل �ـ«األخ��وات‬ ‫املسلمات»‪ .‬لكن القيادية اإلخوانية فاطمة عبد الهادي ‪ -‬وكيلة أول لجنة‬ ‫التنظيم النسائي للجماعة‬ ‫أحد قيادييها البارزين الشيخ محمد‬ ‫نسائية في اإلخوان املسلمني وزوجة ُ‬ ‫بدأ تعبير «األخوات املسلمات» في التداول بني أعضاء الجماعة وفي أدبياتها يوسف ه��واش (‪1966 – 1923‬م) ال��ذي أع��دم برفقة سيد ق�ط��ب(‪– 1906‬‬ ‫املنشورة وغير املنشورة منذ ‪1933‬م أي عقب تأسيس الجماعة األم بنحو ‪1966‬م) – صرحت بهذا ال��وج��ود التنظيمي ف��ي شهادتها «رحلتي مع‬ ‫األخوات املسلمات‪ ..‬حقائق من داخل اإلخوان وعالقتهم بثورة يوليو»‪.‬‬ ‫خمس سنوات‪.‬‬ ‫لم يكن أمر التنظيم النسائي للجماعة مثار جدل حتى بدا واضحا األثر الذي قامت فاطمة عبد الهادي في هذه الشهادة بسرد كيفية نشأة قسم األخوات‬ ‫تحدثه مشاركة املرأة في االستحقاقات االنتخابية املتعاقبة فيما بعد يناير املسلمات في الجماعة ودور املرأة واملهام املوكلة إليها‪ ،‬كما ذكرت كثيرا من‬ ‫‪ ،2011‬خاصة بعد انتخابات الرئاسة املصرية ‪ ،2012‬وقتها بدأ التساؤل خفايا العمل التنظيمي خاصة ما يتعلق منها بالجانب األسري‪ .‬ومنها مثال‬ ‫الذي طرح سابقا عن وجود تنظيم نسائي مواز للتنظيم الذكوري‪ ،‬وهو أنه على الرغم من جاذبية العمل السياسي لكثيرات من زوجات أعضاء‬ ‫ما تؤكده الئحة لتنظيم تدون اجتماعاته وتجمع من عضواته االشتراكات‪ ،‬اإلخوان املسلمني فإن زوجة مؤسس التنظيم حسن البنا لم يرق لها العمل‬ ‫وجرى تدشينه بعد نحو خمس سنوات من تأسيس الجماعة األم‪ ،‬نشرتها السياسي – حسب فاطمة عبد الهادي – حيث نأت بنفسها بعيدًا عن نشاط‬ ‫جريدة «اإلخوان املسلمون» (‪ 22‬يوليو ‪1933‬م) تحت عنوان‪« :‬أول الئحة زوجها وتفرغت لتربية أبنائها‪.‬‬ ‫لألخوات املسلمات»‪ ،‬وجاء فيها‪« :‬في غرة املحرم سنة ‪1352‬ه�ـ (‪ 26‬من تكون قسم «األخوات املسلمات» في بدايته من فاطمة عبد الهادي وأمينة‬ ‫أبريل سنة ‪1933‬م) تألفت في اإلسماعيلية فرقة أدبية إسالمية تسمى الجوهري وفاطمة توفيق وفاطمة البدري وزينب زوجة الشيخ الشعشاعي‬ ‫(فرقة األخ��وات املسلمات)»‪ .‬عبر «ال��دروس واملحاضرات في املجتمعات وأخت األخ محمود سعيد‪ ،‬وكان ذلك ‪ -‬حسب فاطمة عبد الهادي ‪ -‬عام‬ ‫الخاصة بالسيدات والنصح الشخصي والكتابة والنشر»‪.‬‬ ‫‪ ،1942‬على الرغم من أن أول الئحة للقسم النسائي في جماعة اإلخوان‬ ‫ً‬ ‫وقد حددت هذه الالئحة طبيعة هذا التنظيم بأنه «تعتبر‬ ‫عضوا في الفرقة املسلمني كانت عام ‪ ،1933‬كما تشير الالئحة سابقة الذكر‪.‬‬ ‫كل مسلمة تود العمل على مبادئها وتقسم قسمها وهو‪َّ :‬‬ ‫(علي عهد الله تعرج القيادية فاطمة عبد الهادي في شهادتها التاريخية املهمة على عالقة‬ ‫جماعة اإلخوان بنظام حكم عبد الناصر ونظام السادات في سنواته األولى‪،‬‬ ‫وميثاقه أن أتمسك بآداب اإلسالم‪ ،‬وأدعو إلى الفضيلة ما استطعت)‪.‬‬ ‫رئ�ي��س ال�ف��رق��ة ه��و امل��رش��د ال �ع��ام لجمعيات اإلخ� ��وان امل�س�ل�م�ين ويتصل باإلضافة إلى بعض الجوانب االجتماعية داخل الجماعة مثل كيفية تربية‬ ‫األعضاء والعضوات وكيفية زواج األخوات باإلخوان‪ ..‬إلخ‪.‬‬ ‫بأعضائها بوكيلة عنه تكون صلة بينهن وبينه‪.‬‬ ‫كل أعضاء الفرقة‪ ،‬ومنهن الوكيلة‪ ،‬أخوات في الدرجة واملبدأ‪ ،‬وتوزع األعمال لكن األهم في هذه الشهادة هو مالحظة تحوالت دور «األخوات املسلمات»؛‬ ‫التي يستدعيها تحقيق الفكرة عليهن‪ ،‬كل فيما يخصه‪ ..‬يعقد أعضاء حيث بدأ نشاط هذا القسم التنظيمي اجتماعيا ثم أصبح دعويا وأخيرا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫أسبوعيا ً‬ ‫خاصا بهن ي��دون فيه ما قمن به من األعمال اتجه اتجاهات سياسية واضحة‪ .‬وهو ما ظهر في األحداث املصرية األخيرة‬ ‫اجتماعا‬ ‫الفرقة‬ ‫خالل األسبوع املاضي وما يرونه في األسبوع اآلتي‪ ،‬وفي حالة ما إذا كثر التي رافقت وأعقبت ‪ 25‬يناير ‪.2011‬‬ ‫عدد األعضاء يصح أن يقتصر هذا االجتماع على املكلفات باألعمال منهن‪ .‬هذا الدور السياسي الذي كان خافتا في البداية واتسع شيئا فشيئا هو‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬


‫تعرف بمركز «باحثات»‪ ،‬مع االتجاه نحو ضم أسماء نسوية عربية قيادية‬ ‫من جماعة اإلخوان املسلمني العاملية أو قريبة النهج منها‪.‬‬ ‫تحوالت الخطاب ل��دى الشهيرات في سماء ال��دع��وة النسوية تبدو جلية‬ ‫باستعراض بعض التغريدات للدكتورة ن��ورة السعد عبر حسابها في‬ ‫«تويتر» الذي لطاملا تزين بأصابع رابعة العدوية‪ ،‬بني استحسان لكلمات‬ ‫سيد قطب وتغريدات أخ��رى شجبت فيها األوض��اع الحاصلة في مصر‬ ‫قائلة‪« :‬ليت من يهاجم اإلخوان يعظ نفسه ويتقي الله فيها ويراقب عبادته‬ ‫لله فالحياة قصيرة والقبر أقرب إليهم»‪ ،‬مبحرة في خطابها الحركي أكثر‬ ‫بتغريدة أخرى‪« :‬الله وحده العالم بحقيقة إخالص اإلخوان املسلمني»‪.‬‬

‫املرأة السعودية في التنظيمات املسلحة‬ ‫اإلسماعيلية إلى واشنطن»‪.‬‬ ‫إبراهيم املطلق‪ ،‬رئيس قسم الدراسات اإلسالمية بجامعة اإلمام محمد بن‬ ‫سعود اإلسالمية‪ ،‬أكد لـ«املجلة» االرتباط الوثيق بني الحركية النسوية في‬ ‫السعودية وخط اإلخ��وان املسلمني‪ ،‬حيث تضمنت استراتيجية التنظيم‬ ‫وتخطيطه إشراك املرأة واعتماد عضويتها عضوية فاعلة ومؤثرة‪.‬‬ ‫وقال‪« :‬استطاعت التنظيمات الحركية توظيف املرأة وتمكنت من تحريكها‬ ‫متى ما ش��اءوا باستغالل بعض ال��دور النسائية التي في ظاهرها تعليم‬ ‫املرأة كتاب الله وفي السر يتم استضافة بعض كبار قياديي التنظيم لبعض‬ ‫الدور واملكاتب الدعوية أو التعليمية النسائية في السعودية»‪.‬‬ ‫وأض��اف‪« :‬يتضمن اللقاء طرح بعض الشبه أو اإلجابة على أسئلة معدة‬ ‫سلفا وتوزيع األشرطة والكتيبات لخدمة توجهات التنظيم فيما يتعلق‬ ‫بتكفير أو تفسيق بعض الحكام املسلمني أو ما يتعلق ببعض مسائل‬ ‫الجهاد املعاصر»‪.‬‬

‫التجمع األول للداعيات السعوديات‬ ‫كانت ب��اك��ورة نتائج «التنظيم ال��دول��ي ل�لأخ��وات املسلمات» ف��ي األوس��اط‬ ‫السعودية إعالن الراعي الرسمي مركز «باحثات» والذي يرأسه الدكتور‬ ‫فؤاد العبد الكريم‪ ،‬عن إنشاء أول تجمع خارجي للداعيات السعوديات عبر‬ ‫ما سمي «رابطة املنظمات النسائية اإلسالمية» واحتفاء كل من الداعية نورة‬ ‫السعد وأسماء الرويشد بهذا التدشني‪.‬‬ ‫الالفت في اإلعالن عن الرابطة تجسد في مجلس إدارتها املكون من رئيس‬ ‫ونائب األمني العام وموقع تدشينها‪ ،‬والتي جرى اإلعالن عن تشكيلها من‬ ‫مدينة إسطنبول التركية بملتقاه األول بحضور ‪ 77‬منظمة نسائية من‬ ‫أكثر من ‪ 26‬دولة عربية‪.‬‬ ‫تولت منصب األمني العام للرابطة واملتحدث الرسمي باسمها املهندسة‬ ‫كاميليا حلمي‪ ،‬رئيس «اللجنة اإلسالمية العاملية للمرأة والطفل» ومسؤولة‬ ‫املرأة في حزب «الحرية والعدالة» الذراع السياسية لجماعة اإلخوان املسلمني‬ ‫في مصر‪ ،‬أما رئيس مجلس إدارة الرابطة فحازته الدكتورة نورة العمر‬ ‫«سعودية» مديرة اإلدارة النسائية في مركز باحثات بالرياض‪ ،‬كما وفازت‬ ‫نورة السعد بمنصب نائب الرئيس‪.‬‬ ‫وضم مجلس إدارة الرابطة ثماني عضوات من بينهن أميرة الصاعدي‪،‬‬ ‫مسؤولة مركز «إسعاد» النسائي بمكة املكرمة‪ ،‬وعدد آخر من العضوات‬ ‫العربيات والخليجيات من قطر واليمن ومصر واملغرب‪.‬‬ ‫تبرز أهمية إع�لان مركز «ب��اح��ث��ات» رعايته إلن��ش��اء ال��راب��ط��ة‪ ،‬بما يضم‬ ‫في عضويته من أسماء بارزة على الساحة الدعوية النسائية السعودية‪،‬‬ ‫متغلغال أيضا ف��ي الساحة التعليمية عبر كوكبة م��ن األك��ادي��م��ي��ات في‬ ‫مختلف الجامعات السعودية‪.‬‬ ‫قبل ذلك كانت قد اتجهت املراكز الدعوية النسوية بالسعودية أكثر نحو‬ ‫خطاب أقرب للنهج اإلخواني الدولي بانضواء هذه املراكز تحت مظلة واحدة‬

‫دخول الجهاديني في خط تجنيد النساء السعوديات اشتدت وتيرته قبيل‬ ‫أن تشهد املنطقة حالة الفوضى العربية في السنوات الثالث األخيرة‪ ،‬وهو‬ ‫ما كشف أيضا عما يسمى «تقاطع املصالح» ما بني التنظيمات الحركية‬ ‫واألخرى املسلحة في تحالف تجسد في مقولة «لم تسؤني ولم أدعو إليها»‪.‬‬ ‫أدوار لوجيستية وميدانية وشحن فكري وعقائدي‪ ،‬كلها عناصر صاهرت‬ ‫بني نسوة «القاعدة» كما صاهرن نسبا عددا من أعضائها‪ ،‬على الرغم‬ ‫من اختالفهن في مجال التسلح‪ ،‬فإنهن اتفقن في قاعدة الكيد النسوي‬ ‫العظيم»‪.‬‬ ‫فبينما دخلت وف��اء الشهري أو كما فضلت تسمية نفسها «أم هاجر‬ ‫األزدي»‪« ،‬القاعدة» من باب «األم الروحية»‪ ،‬تسللت هيلة القصير من نافذة‬ ‫«العمل امليداني» في حني اقتحمت «أسد املهاجر أو بنت نجد» ديار القاعدة‬ ‫بحملها «حقيبة التنظير الشرعي» في دولة اإلرهاب االفتراضية‪.‬‬ ‫ف��ف��ي أواخ����ر ع���ام ‪ 2009‬خ��رج��ت «أم ه��اج��ر األزدي» أو وف����اء ال��ش��ه��ري‬ ‫لالنضمام إلى زوجها سعيد الشهري برفقة أبنائها إلى اليمن لتكون أول‬ ‫امرأة سعودية تخرج من بلدها‪ ،‬بمساعدة من امرأة تنظيم «القاعدة» هيلة‬ ‫القصير التي ألقت القبض عليها الجهات األمنية بعد ذلك عام ‪ 2010‬والتي‬ ‫عملت على تجنيد النساء وجمع التمويل لـ«القاعدة»‪.‬‬ ‫ولم يمض وقت طويل حتى أعلنت السلطات السعودية في ديسمبر (كانون‬ ‫األول) ‪ 2010‬عن اعتقال خبيرة اإلنترنت صاحبة معرفات» األسد املهاجر‪،‬‬ ‫الغريبة‪ ،‬بنت نجد الحبيبة‪ ،‬النجم الساطع» على شبكة اإلنترنت‪.‬‬ ‫سرعان ما كشفت فوضى الربيع العربي عن تنامي الدور النسوي بعد‬ ‫تكسب ق��ادة التنظيمات املسلحة من وراء دف��ع «ال��ح��رائ��ر» كما يصفهن‬ ‫رجاالت التنظيمات املتطرفة إلى ساحات القتال‪.‬‬ ‫أروى البغدادي أول من استجاب لتحريض وفاء الشهري الذي أطلقته عبر‬ ‫مؤسسة «صدى املالحم» التابعة لـ«القاعدة» في ‪ 2010‬لنساء «القاعدة» في‬ ‫السعودية‪ ،‬بدعوتهن للهرب إلى اليمن طلبا لألنس مع أزواجهن‪.‬‬ ‫لحقت بها «ندى معيض القحطاني» أو من تعرف بـ«أخت جليبيب» وإنما‬ ‫على س��اح��ل آخ���ر‪ ،‬ب��إع�لان نفيرها إل��ى س��وري��ا لالنضمام إل��ى صفوف‬ ‫«داع��ش» ك��أول استشهادية‪ ،‬ول��م يمض وق��ت طويل حتى خرجت أخيرا‬ ‫مجموعة من النساء متوشحات السواد‪ ،‬زعمن أنهن «من بالد الحرمني»‬ ‫ملبايعة البغدادي من داخل السعودية‪.‬‬ ‫وتبقى مفارقات الربيع العربي أن حظي جمع نسوة القاعدة بلقب «داعية»‬ ‫تسعى لعمل الخير والتبرع للفقراء‪ ،‬من قبل جمهوره النسوي املختلط ما‬ ‫بني «سلفية جهادية» وأخرى «إخوانية حركية»‪.‬‬ ‫إن صمت الداعيات عن انتقاد السعوديات النافرات للجهاد املزعوم هو‬ ‫نتيجة النحراف موقف الداعيات الناشطات حركيا‪ ،‬كما يؤكد ذلك عبد‬ ‫الله املطلق‪« :‬فلقد تم إعداد الداعيات الحركيات لهذه املهام‪ ،‬وهن معروفات‬ ‫ومشهورات وأسماؤهن المعة في العمل الدعوي النسوي‪ ،‬ويتضح انحراف‬ ‫منهجهن من خالل مواقفهن تجاه القضايا الساخنة وأخرى تجاه مسائل‬ ‫الوالء للسلطة والوطن وقضايا الجهاد املعاصر»‪.‬‬ ‫وأكد املطلق أن صمت الداعيات الحركيات عن انتقاد النافرات للجهاد إنما‬ ‫يؤكد خروج جميع هذه التنظيمات من «رحم واحدة» <‬

‫‪,,‬‬

‫في الوقت الذي‬ ‫هاجرت فيه‬ ‫قيادات اإلخوان‬ ‫املسلمني إلى‬ ‫الدول الخليجية‬ ‫ومنها‬ ‫السعودية أتت‬ ‫معهم أسرهم‬ ‫وزوجاتهم‬ ‫فنقلوا الفكر‬ ‫اإلخواني بني‬ ‫أوساط النساء‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫‪21‬‬


‫قصة الغالف‬

‫‪,,‬‬

‫كان انشاء أول‬ ‫تجمع خارجي‬ ‫للداعيات‬ ‫السعوديات‬ ‫عبر ما سمي‬ ‫«رابطة املنظمات‬ ‫النسائية‬ ‫اإلسالمية»‬ ‫وترأست الداعية‬ ‫السعودية نورة‬ ‫العمر مجلس‬ ‫إدارته‬

‫‪,,‬‬

‫‪20‬‬

‫فاطمة عبد الهادي في شهادتها «رحلتي مع األخ��وات املسلمات» قالت‪:‬‬ ‫«تزوجت ابنتي سمية عام ‪ 1976‬ولم تزل طالبة في السنة الثانية من كلية‬ ‫الطب‪ ،‬وبعد زواجهما شعر زوجها باحتمال أن تحدث اعتقاالت لإلخوان‬ ‫وكان ذلك عام ‪ 1977‬فسافر إلى السعودية وقد عرضوا علي فكرة السفر‬ ‫معهما فقلت لنفسي‪ :‬عندما أصل لسن املعاش سوف أذهب للحج‪ ،‬وملا‬ ‫سافرت إلى الحج وأنا هناك حاول زوج ابنتي األستاذ أحمد أن يبقيني‬ ‫معهما»‪ .‬وتتابع‪« :‬ظللت هناك ‪ 14‬عاما في مكة بجوار الحرم الشريف»‪.‬‬ ‫يبدو أيضا أن تأثير هجرة عقول األخ��وات ل��م يكن ليقتصر فقط على‬ ‫التغلغل في أوس��اط املجتمعات النسوية في منطقة الحجاز‪ ،‬وإنما امتد‬ ‫الدور كما يتكشف من خالل شهادة فاطمة عبد الهادي بسياسة تزويج‬ ‫اإلخ��وان من األخ��وات أو الفتيات املناسبات وهو منهج مقارب ملا اعتمده‬ ‫تنظيم القاعدة بتزويج فتيات وزوج��ات أعضاء التنظيم ممن قتلوا في‬ ‫املواجهات من أعضاء آخرين في التنظيم‪.‬‬ ‫تقول فاطمة عبد الهادي‪« :‬أذكر أن أخي سيد أبو النور جاءني يوما وقال لي‬ ‫إنه يريد عروسا البن أحد الدبلوماسيني السعوديني كان يدرس في مصر‪،‬‬ ‫وكان هذا الشاب معجبا باإلخوان وأراد أن يتزوج بأخت من األخوات تكون‬ ‫داعية إلى الله‪ ،‬وكانت معنا فتاة صغيرة اسمها (محاسن حمودة) في‬ ‫الثانوية وهي من أكثر األخوات ذكاء ونشاطا حتى إنني طلبت من الشيخ‬ ‫حسن البنا أن تنضم إلينا في مسؤولية قسم األخوات املسلمات فرحب‪،‬‬ ‫وكانت بني الست أخوات الالئي يحضرن درسه بانتظام»‪ ،‬متابعة‪« :‬فأرسلنا‬ ‫إلى والدها الذي كان يعمل بالسعودية فوافق وأرسل إلى األستاذ حسن‬ ‫البنا يطلب منه أن يكون وكيال عنه في زواج ابنته»‪.‬‬ ‫وبحسب عبد الهادي فقد أكملت «ح�م��ودة» دراستها في السعودية مع‬ ‫زوجها‪ ،‬لتؤسس بعد ذلك شعبة لإلخوان في باكستان أنشأت بعده املنتدى‬ ‫اإلسالمي بأميركا‪.‬‬

‫النشاط اإلخواني النسائي في السعودية‬ ‫هجرة عقول قيادات من األخ��وات املسلمات إلى مكة املكرمة وجدة ألقت‬ ‫بظاللها مبكرا من حيث التأثير على النشاط الدعوي النسوي الحركي‬ ‫هناك قبل أن تتكشف مالمحه في املنطقة الوسطى‪ ،‬من خالل انخراطهن‬ ‫في مدارس الفتيات ودور تحفيظ القرآن والجامعات والجمعيات الخيرية‬ ‫والحلقات والدروس الدينية في املنازل‪.‬‬ ‫البدء بمخاض والدة فرقة األخ��وات املسلمات كتنظيم في منطقة الخليج‬ ‫كان بحسب متابعة إصدارات وأدبيات التنظيم ورواده مع بداية منتصف‬ ‫الثمانينات‪ ،‬كما ظهر من خالل كتيب الدكتور عبد الله النفيسي املثقف‬ ‫اإلسالمي الكويتي الصادر ‪ ،1986‬مقيما واقع الخطاب الحركي من خالل‬ ‫تياره النسوي بعنوان «العمل النسائي في الخليج‪ ..‬الواقع واملرتجى»‪.‬‬ ‫ق��ال فيه‪« :‬املطلوب اليوم من امل��رأة املسلمة أن تبادر بكل جسارة للقيام‬ ‫بمهامها ال�ت��اري�خ�ي��ة دون خ��وف م��ن ش��يء اس�م��ه (ال�ت�ق��ال�ي��د) فالتقاليد‬ ‫واألعراف شيء‪ ،‬والدين واألحكام الشرعية شيء آخر تماما»‪.‬‬ ‫النفيسي في كتيبه ال��ذي اعتبره الخطاب الحركي ال��دع��وي النسوي في‬ ‫الخليج والسعودية «وثيقة» ص��ور فيه املنهج الصحيح للعمل النسائي‬ ‫الحركي واملجاالت التي غاب عنها في مجتمع الخليج‪.‬‬ ‫وأكد النفيسي في وثيقته قائال‪« :‬هناك حاجة ماسة للعمل النسائي الجاد‬ ‫واملنظم‪ ،‬الجاد في منهجه ومساره وحركته‪ ،‬واملنظم في خطواته ومراحله‬ ‫وتفكيره وقياداته‪ ،‬أين نبدأ؟ هل من القضية االجتماعية؟ أم من القضية‬ ‫االقتصادية؟ أم من القضية السياسية؟ أم من القضية الثقافية التعليمية؟‬ ‫أم نبدأ عبر مبادرة واحدة وكبيرة شاملة لكل هذه املناشط والقضايا»‪.‬‬ ‫أعقب ذلك تثقيف الداعيات من قبل قادة الخطاب الصحوي الحركي على‬ ‫أدبيات اإلخوان املسلمني واستحضار رموزهم‪ ،‬وكما ذكر موسى الشريف‬ ‫في كتابه «امل��رأة الداعية» بعد أن ملس استهواء النساء الداعيات الحديث‬ ‫العاطفي الوعظي القصصي بدعوتهن إلى االستزادة من الثقافة واملزج‬ ‫بينها وبني أحاديث العاطفة‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫اقام الجناح العسكري لحركة الجهاد‬ ‫االسالمي (سرايا القدس) وحدة جيش‬ ‫نسائية تابعة للسرايا وهذه الوحدة‬ ‫مؤلفة من نساء صغيرات السن يتدربن‬ ‫بصورة مكثفة على كل املعدات العسكرية‬

‫ونصح الشريف الداعيات في السعودية الرجوع إلى مؤلفات للدكتور محمد‬ ‫األشقر‪ ،‬وللدكتور عمر عودة الخطيب‪ ،‬وأخرى للشيخ مناع القطان‪ .‬يشار‬ ‫إلى أن الشريف وكما هو مشار إليه في فهرسة كتابه قد استند إلى إحدى‬ ‫أطروحات محمود محمد الجوهري مسؤول األخوات املسلمات في مصر‬ ‫بعنوان «األخوات املسلمات وبناء األسرة القرآنية»‪.‬‬ ‫يذكر أن نشاط األخوات املسلمات قد تأسس في مصر عام ‪1937‬م بعد‬ ‫نشر مجلس الشورى للتنظيم في مجلة «اإلخوان املسلمون» األسبوعية‬ ‫«الالئحة التنظيمية لفرق األخوات بإنشاء في كل دائرة من دوائر اإلخوان‬ ‫فرقة لألخوات املسلمات‪ ،‬الغرض منها تنظيم الدعوة بني النساء وإلقاء‬ ‫ال��دروس واملحاضرات وعلى كل عضوة أن تقسم بالتالي على عهد الله‬ ‫وميثاقه أن (أتمسك بآداب اإلسالم وأدعو إلى الفضيلة ما استطعت)‪ ،‬ويعني‬ ‫املرشد العام رئيسة عامة لهذه الفرقة تشرف عليها وتتصل بها وتمدها‬ ‫ب��اإلرش��ادات العامة‪ .‬وتعد فرعا من ف��روع النشاط التي تحكمها أنظمة‬ ‫اإلخوان»‪ .‬كانت قد نشأت املرحلة األولى لفرقة األخوات املسلمات في ‪1933‬‬ ‫تولت رئاستها لبيبة أحمد انتقلت إلى الحجاز‪ ،‬ليتم تأسيس املرحلة الثانية‬ ‫من فرقة األخوات في بداية األربعينات بعد استجابة حسن البنا لنداءات‬ ‫األخ��وات املسلمات بإعادة تشكيل قسم األخ��وات وفتح شعبهن وأماكن‬ ‫تمثيلهن‪ ،‬وك��ان ذلك في عام ‪ 1944‬ت��رأس القسم عبد اللطيف الشعاعي‬ ‫واملشرف من قبل مكتب اإلرشاد صالح العشماوي‪ ،‬وحتى ‪ 1951‬بلغ عدد‬ ‫شعب األخوات املسلمات في مصر ‪ 150‬شعبة‪.‬‬

‫انزالق الحركيات السعوديات في فخ «الربيع اإلخواني»‬ ‫اليوم نجد حصاد املاضي مترجما بتحقيق «عمل نسائي حركي منظم»‬ ‫بانضمام ‪ 77‬جمعية نسوية تحت راية واحدة‪ ،‬كان ذلك عقب نجاح اإلخوان‬ ‫املسلمني في األع��وام الثالثة األخ�ي��رة في ال��وص��ول إل��ى الحكم في مصر‬ ‫وتونس ونفوذهم في ليبيا‪ ،‬وما تاله من انتكاسة انتهت بعزل الدكتور‬ ‫محمد مرسي في مصر عن كرسي الرئاسة‪ ،‬وتهديد حكومتهم في تونس‪.‬‬ ‫كانت كفيلة بكشف األوراق لدى الكوادر الصحوية النسائية في السعودية‪،‬‬ ‫بسبب التفاؤل املفرط بمستقبل «اإلخوان» فيما يسمى «الربيع العربي»‬ ‫أو دعما لـ«رابعة العدوية» في اعتصامها‪ ،‬بعد سقوط السلطة اإلخوانية‪،‬‬ ‫وف��ي إط��ار ع��ام‪ ،‬ب��دأ الحديث عن تشكيل «تنظيم نسائي دول��ي لإلخوان‬ ‫املسلمني» في الظهور اإلعالمي منذ ‪ 2009‬عقب توجيه تهم للنائب األول‬ ‫ملرشد «اإلخوان» حينها محمود عزت بالسعي إلى تشكيل «تنظيم سري»‬ ‫لألخوات املسلمات‪.‬‬ ‫في األثناء ظهرت أسماء داعيات سعوديات متهمات ضمن التنظيم الدولي‬ ‫ال�س��ري ل�لأخ��وات‪ ،‬بحسب م��ا نشرت صحيفة «ال��دس�ت��ور» املصرية في‬ ‫‪ 1431 - 11 - 23‬ه عن مشاركة ثماني داعيات سعوديات ضمن التنظيم‬ ‫ال��دول��ي‪ ،‬إض��اف��ة إل��ى م��ا نشرته مجلة «روزال�ي��وس��ف» ‪2012‬م ف��ي تقرير‬ ‫عنونته بـ«قائمة أسماء القيادات‪ :‬التنظيم العاملي لألخوات املسلمات من‬


‫ودع��ت ال�ع�ي��د إل��ى ض ��رورة ال�ت�ع��اون والتنسيق ب�ين امل��ؤس�س��ات ال��دع��وي��ة‬ ‫بتشكيل لجنة تنسيقية بني األق�س��ام النسائية في املؤسسات الخيرية‬ ‫تديرها كفاءة قيادية منتجة متجددة‪ ،‬تنظم اجتماعا دوريا ولقاء متكررا‬ ‫بني مديرات اللجان «أما شهريا أو خمسيا»‪.‬‬ ‫وتقول‪« :‬الدورات الشرعية بحسب ما رصدته في اللجان النسائية فوضى‬ ‫وارتجالية»‪ ،‬داعية إلى ض��رورة التنسيق املسبق والتوزيع املنضبط بني‬ ‫األخوات الداعيات في عناوين املحاضرات بغرض تحقيق عمل متكامل‪.‬‬ ‫فكان أن فرضت تغيرات املرحلة من وجهة نظر الخطاب الحركي ضرورة‬ ‫سن تعديالت عدة بشأن آليات الخطاب الدعوي الحركي وفحواه في أوساط‬ ‫التجمعات النسوية بداية من حيث التخطيط واإلدارة والتنفيذ وتقديم‬ ‫الدورات الشرعية والتربوية للداعيات والقضاء على الفوضى واالرتجالية‪،‬‬ ‫واالعتناء باألنشطة اإلعالمية واالنتقال بوسائل الدعوة إلى مراحل أخرى‬ ‫أكثر فاعلية‪ ،‬وإنشاء املكتبات في اللجان الخيرية النسائية كمكتبة «ابن‬ ‫القيم النسائية»‪.‬‬ ‫وكأحد أبرز مالمح دعم رجاالت الصحوة للعمل النسوي احتفلت نورة‬ ‫السعد ‪ 2006‬بافتتاح املكتب النسائي ملوقع «اإلسالم اليوم» الذي يشرف‬ ‫عليه سلمان العودة‪ ،‬قائلة‪« :‬إن افتتاح املكتب النسائي يعد انطالقة جديدة‬ ‫لتحقيق املزيد من التفاعل البناء إلسهامات امل��رأة في املوقع والتي بدأت‬ ‫منذ االنطالقة األولى من خالل املشاركة بالكتابة أو الجانب االستشاري»‪،‬‬ ‫مضيفة‪« :‬ليس افتتاح املكتب هو بدء باملشاركة‪ ،‬بل هو امتداد لها وتعميق‬ ‫لدور القلم النسائي في املوقع واملجلة واإلصدارات الشهرية»‪.‬‬ ‫احتاج كذلك الخطاب النسوي الحركي استحداث أدوات جديدة تالئم املرحلة‬ ‫ومكتسباتها شملت على تأسيس الهيئات والجمعيات اإلسالمية العاملية‬ ‫واملحلية واملشاركة في القائم منها‪ ،‬كذلك إلى االنخراط في مراكز األحياء‬ ‫بأقسامها النسائية وإقامة ف��روع نسائية ملكاتب دع��وة الجاليات‪ ،‬وفتح‬ ‫مكاتب استشارية لألسرة‪ ،‬وتكثيف املشاركات الخارجية في عدد من‬ ‫املؤتمرات العاملية واملشاركة في وسائل اإلعالم والتوجه للقنوات الفضائية‪.‬‬

‫مرجعية النشاط الدعوي النسائي‬ ‫إن املراقب لألدبيات النسائية الدعوية يلحظ من خالل ما يطرح من عناوين‬ ‫وقضايا تقليد ومحاكاة م��ا ه��و سائد على ساحة ال��دع��اة اإلسالميني‪،‬‬ ‫باألخص في استغالل قضية امل��رأة كـ«أيقونة» فلم تظهر للداعيات آراء‬ ‫واجتهادات فردية‪ ،‬وكذلك لم يسجل لهن مؤلفات بسياقات مختلفة عمن‬ ‫سبقهن في الساحة من الدعاة الرجال‪ ،‬باستثناء سهيلة زين العابدين‬ ‫التي سجلت محاوالتها من خ�لال كتاباتها في الصحافة بإعادة ق��راءة‬ ‫ما تناوله التراث الفقهي من حقوق للمرأة في اإلسالم‪ ،‬أبرزها كان بشأن‬ ‫حقوق امل��رأة السياسية في اإلس�لام وحق البيعة والشورى وحق الوالية‬ ‫والفتوى ومسائل أخرى في جوانب األحوال الشخصية كالطالق والوالية‪،‬‬ ‫فبات أصحاب األمس أعداء اليوم‪.‬‬ ‫طرح ذلك كله قضية املرجعية والقيادة التي تنطلق منها الداعيات أنفسهن‬ ‫م��ن خ�ل�ال م��ؤت�م��رات�ه��ن وم��راك��زه��ن‪ ،‬وم ��دى اخ�ت�ط��اف خطابهن ال��دع��وي‬ ‫والوعظي من قبل الرجل الداعية وتبنيه لذات الخطاب السائد دون أن يحمل‬ ‫مشروعا خاصا بها‪ ،‬وان كان مباينا ملا يرسمه الرجل من خطى لهن‪.‬‬ ‫سهيلة زين العابدين وكما ذك��رت في أحد لقاءاتها الصحافية أك��دت أن‬ ‫الحركة النسوية الدعوية افتقدت القيادة املستقلة‪ ،‬إضافة إلى اقتيادها من‬ ‫قبل الرجل قائلة «هي ال تستطيع إغضابهم مع البحث عن رضاهم دوما»‪.‬‬ ‫استنكرت ذلك الداعية نورة السعد‪ ،‬رافضة ما يقال حول اختطاف العمل‬ ‫الدعوي النسوي من قبل الرجل‪ ،‬معتبرة النشاط الدعوي تأصيال لقضايا‬ ‫العقيدة واإلصالح‪ ،‬وال مجال الختطافه من هذا أو ذاك‪.‬‬ ‫واستدركت السعد حديثها بأن الدعاة الرجال وبسبب تجربتهم الكبيرة‬ ‫واألق��دم أكثر معرفة باستراتيجيات النشاط الدعوي فباتوا يؤثرون في‬ ‫األنشطة الدعوية النسائية وال يختطفونها‪.‬‬ ‫ثلث قرن مضى على النشاطات النسوية الدعوية بالسعودية واتساعها في‬

‫مختلف املناطق السعودية‪ ،‬ولم يظهر حتى اليوم اسم تلتف حوله الداعيات‬ ‫كقيادة للنشاط النسوي‪ ،‬فيما عدا ما يتم تداوله في أوساط الداعيات من‬ ‫وصف فاطمة نصيف ب�ـ«أم الداعيات» والتي تعد من أب��رز الشخصيات‬ ‫الدعوية النسائية في غرب السعودية‪ ،‬ليبقى التأرجح قائما ما بني األسماء‬ ‫النسوية األخرى البارزة‪ ،‬وباألخص رقية املحارب ونورة السعد الناشطة‬ ‫«التويترية» أخيرا‪.‬‬

‫هجرة «األخوات املسلمات» إلى السعودية!‬ ‫دائما ما يتحدث املؤرخون عن دور هجرة العقول اإلخوانية ويغفلون أن‬ ‫هؤالء الرجال أتوا بكوادر نسائية عليا‪ ،‬ففي ذات الوقت الذي خرجت فيه‬ ‫قيادات اإلخوان املسلمني إلى الدول الخليجية‪ ،‬وباألخص السعودية إبان‬ ‫عهد الرئيس املصري جمال عبد الناصر والرئيس أن��ور ال�س��ادات‪ ،‬أتت‬ ‫أسرهم معهم ومنهم قيادات وكوادر ذات فعالية وفي ذات التأثير من قبل‬ ‫الرجال بدا تأثير النساء‪.‬‬ ‫كان على رأس األسماء القيادية اإلخوانية السيدة لبيبة أحمد أول رئيسة‬ ‫لفرقة األخ ��وات املسلمات بعد تعيينها م��ن قبل حسن البنا ف��ي أبريل‬ ‫(ن�ي�س��ان) سنة ‪1933‬م‪ ،‬فبحسب م��ا ذك��ره م��وق��ع «ويكيبيديا اإلخ��وان‬ ‫املسلمني» اقتباسا «اقتضت ظروف الحاجة لبيبة أحمد – الرئيسة العامة‬ ‫لألخوات أن تقيم بالحجاز مما أدى إلى فتور نشاط األخوات املسلمات»‪.‬‬ ‫كذلك كانت فاطمة عبد الهادي وكيلة لجنة إرشاد عامة لألخوات املسلمات‬ ‫منبثقة عن اللجنة التنفيذية لتنظيم جماعة اإلخوان املسلمني املصرية وهي‬ ‫زوجة محمد يوسف الهواش الذي أمضى بالسجن مع سيد قطب حتى تم‬ ‫تطبيق ما صدر بحقهما من أحكام باإلعدام‪.‬‬

‫‪,,‬‬

‫كشفت فوضى‬ ‫الربيع العربي‬ ‫عن استهداف‬ ‫قادة التنظيمات‬ ‫املسلحة للنساء من‬ ‫خالل دفعهن إلى‬ ‫الترويج لألفكار‬ ‫املتطرفة ودعمها‬ ‫بني األوساط‬ ‫النسائية‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫‪19‬‬


‫قصة الغالف‬

‫في منتصف شهر أبريل (نيسان) املاضي‪ ،‬تمكنت أجهزة األمن السعودية في منطقة جازان من القبض على‬ ‫امرأتني سعوديتني ‪ -‬مي الطلق‪ ،‬وأمينة الراشد‪ ،‬متهمتني باالنتماء لتنظيمات جهادية ‪ -‬وبصحبتهما ‪ 6‬أطفال‬ ‫أثناء محاولتهم عبور الحدود الجنوبية إلى اليمن لالنضمام لجماعات إرهابية‪ ،‬وتم القبض على ثالثة مهربني‬ ‫تولوا مهمة تهريبهم عبر الحدود السعودية سيرا على األقدام‪ ..‬تكشف هذه القصة التي شغلت الرأي العام‬ ‫السعودي تأثير الجماعات الحركية والجهادية في استقطاب النساء لصفوفها‪ ،‬واستخدامهن كأدوات للحشد‬ ‫والتجييش‪ ..‬فكيف بدأت القصة‪ ..‬ومتى؟‬

‫التنظيم النسائي اإلسالمي في السعودية‪ ..‬تطرف في عباءة الدعوة‬

‫استغالل حركي!‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫هدى الصالح‬

‫‪,,‬‬

‫صمت‬ ‫الداعيات‬ ‫عن انتقاد‬ ‫السعوديات‬ ‫النافرات للقتال‬ ‫هو نتيجة‬ ‫النحراف فكري‬ ‫مما يؤكد‬ ‫أن كل هذه‬ ‫التنظيمات‬ ‫خرجت من‬ ‫رحم واحدة‬

‫‪,,‬‬

‫‪18‬‬

‫انطلقت الدعوة النسائية في السعودية مع نهاية الثمانينات وبدء الندوة العاملية للشباب اإلسالمي النسائية‪ ،‬إل��ى جانب املراكز الصيفية‬ ‫عقد التسعينات من ساحات الجامعات والكليات‪ ،‬حيث «تأسست واألسواق الخيرية واملعروضات الخيرية واإلغاثية‪.‬‬ ‫الصحوة في املصليات وقاعات الدرس وأثمرت بعد بضع سنني‬ ‫كوادر متحمسة استطاعت أن تبني فكرا وتوجد تيارا قويا واعيا وفاعال والدة التنظيم النسوي‬ ‫على قد من التدين»‪ ،‬كما تؤرخ لذلك الداعية السعودية رقية املحارب في‬ ‫ورقتها «رؤية مستقبلية للدعوة النسائية»‪ .‬وسجلت هذه البداية للنشاط عقب أحداث ‪ 11‬سبتمبر (أيلول) وحتى قبل أزمة «الربيع العربي» تزايدت‬ ‫النسوي الدعوي االجتماعي املمنهج عبر التواصل بخطبها ورسائلها مع مالمح عدم الرضا من رموز الصحوة بشأن حجم دور الداعيات في الساحة‬ ‫العلماء املعتبرين وش��رح مشكالت النساء ومظاهر «االن�ح��راف»‪ ،‬لتبرز اإلسالمية السعودية ومدى فاعليته لتخرج عدد من الرسائل واملقاالت في‬ ‫أسماء دعوية نسوية عدة أبرزهن‪ :‬أسماء الرويشد‪ ،‬ونورة السعد‪ ،‬ونورة املجالت اإلسالمية ملعالجة معيقات املرأة الداعية وهمومها‪ ،‬والبحث في آلية‬ ‫تفعيل النشاط النسوي اإلسالمي‪.‬‬ ‫العمر‪ ،‬ونوال العيد‪ ،‬ورقية املحارب‪.‬‬ ‫وبحسب الباحث السعودي عبد العزيز الخضر في كتابه «السعودية سيرة دف��ع ذل��ك «رم��وز الصحوة» إل��ى ت��دارك ما ك��ان حاصال من احتجاب عن‬ ‫دولة ومجتمع»‪ ،‬فإن سلمان العودة قد كان له تأثير مبكر في أوساط الدعوة دور املرأة الدعوي وذلك من خالل وضع أولى بذور العمل املؤسسي املنظم‬ ‫النسائية‪ ،‬حيث تواصل معه عدد واسع من الناشطات‪ ،‬حيث كان العودة ‪ -‬باعتبارهم األسبق واألكثر انضباطا‪ ،‬بحسب ما ذكره الداعية اإلسالمي‬ ‫في مرحلة نجوميته الصحوية ‪ -‬يبدو أكثر تسامحا مع املرأة املتدينة لتبدو محمد ب��ن م��وس��ى ال�ش��ري��ف ف��ي ك�ت��اب��ه «امل ��رأة ال��داع �ي��ة‪ ..‬م�ع��ال��م وعقبات‬ ‫بصورة عصرية ملصلحة الدعوة‪ ،‬وفي هذا السياق انتقد العودة مبالغات ومحاذير» في طبعته األولى ‪.2005‬‬ ‫وق��ال إن «ترتيب العمل النسائي وتنسيقه وتنظيمه ضامن لتأسيس‬ ‫املتدينات حول التشدد في اللباس وتفاصيل األلوان‪.‬‬ ‫وعلى ال��رغ��م م��ن صعود أس�م��اء نسوية وعظية ف��ي الساحة السعودية‪ ،‬عبادة الشورى وتحقيق الطاعة واالنضباط في ظل قلة الرموز النسائية‬ ‫وباألخص في التسعينات امليالدية‪ ،‬فإن ذلك على األرجح لم يحظ بالرضا الواضحة»‪.‬‬ ‫وأض��اف‪« :‬ق��د تقع بعض الداعيات في فخ إنكار العمل املنظم املؤسسي‬ ‫من قبل مرجعية الخطاب الصحوي‪.‬‬ ‫الشيخ العودة سجل انتقاده في هذا الخصوص من خالل ورقته التي كانت بدعوى أنه بدعة أو غير مشروع كما يريد ذلك بعض من قل علمه وفقهه‬ ‫بعنوان «مشكالت الدعوة في األوساط النسوية» فيما الحظه من قلة عدد فال تلتفتي إلى ه��ذا»‪ .‬وتأتي دع��وة الشريف في كتابه امل��رأة الداعية بعد‬ ‫النساء الداعيات‪ ،‬وآلية تقديم املحاضرات وال��دروس الدينية‪ ،‬مؤكدا على نقده ال��واق��ع ال��دع��وي النسوي ووص�ف��ه بالعشوائية والعفوية واملزاجية‪،‬‬ ‫الداعيات املشاركة في أكبر قدر من املناشط الدعوية قائال‪« :‬نحن ال نقلل قائال بضرورة التخطيط املحكم والتنسيق واتخاذ تجارب الدول األخرى‬ ‫من أهمية الدروس والجلسات الخاصة‪ ،‬ولكن مع ذلك فقيام املرأة بنشاط نموذجا في وجود عمل نسائي منظم قوي له ضوابط قواعد وهيكل وعوائد‬ ‫ع��ام كمحاضرة أو درس ع��ام أو ن��دوة يكون أبلغ في التأثير وأوس��ع في وبحسبه‪« :‬بمثل هذا تكون الداعية لبنة من بناء املجتمع»‪.‬‬ ‫وكإحدى آليات دعم العمل النسوي الحركي ولتجاوز املعيقات االقتصادية‬ ‫املنطقة التي تخاطبها»‪.‬‬ ‫ودع ��ا امل�ن�خ��رط��ات ف��ي ال�س��اح��ة ال��دع��وي��ة إل��ى االس �ت �ف��ادة م��ن ال�ن�ش��اط��ات التي واجهتها الجمعيات بعد الرقابة املالية التي فرضت على التبرعات‬ ‫الرجالية قائال‪« :‬فلماذا نتصور أن نشاط املرأة ينبغي أن يكون محصورا؟ واملؤسسات الخيرية‪ ،‬أفتى الشريف في كتابه للداعيات جواز االستفادة‬ ‫فالنشاطات الرجالية كالدروس مثال واملحاضرات والندوات معظم الكالم من أموال الزكاة قائال‪« :‬بعض املشروعات يصح إعطاء الزكاة لتحقيقها‬ ‫فيها يصلح للرجال ويصلح للنساء أيضا‪ ،‬والشرع جاء للرجل وامل��رأة‪ ،‬كلها أو شيء منها على اختالف في الفتوى في هذه املسألة فلتحرصي‬ ‫أيضا األخت الداعية على االستفادة من أموال الزكاة حينئذ فإن النفوس‬ ‫وخاطب الجنسني معا‪ ،‬وما ثبت للرجل ثبت للمرأة إال بدليل»‪.‬‬ ‫في هذا النوع من النشاط‪ ،‬اشتهرت أسماء عدد من الداعيات‪ ،‬تاله ظهور بها أسخى»‪.‬‬ ‫املحاضرات املوجهة للمرأة من دعاة «الصحوة» وتوجيه فتيات الصحوة حالة ع��دم ال��رض��ا ونقد ال��دور النسوي ف��ي النشاط ال��دع��وي بالسعودية‬ ‫واملطالبة بأهمية التنظيم تحدثت عنها الداعية نوال العيد في مقالتها «واقع‬ ‫ومناقشة همومهن الدعوية‪ ،‬وتقديم بعض األفكار لهن‪.‬‬ ‫بالتوازي مع ذلك‪ ،‬برز الخطاب الدعوي النسائي في السعودية أكثر فأكثر الدعوة النسائية في املؤسسات الخيرية»‪ ،‬مشخصة ما تعايشه الداعيات‬ ‫في مختلف املحافل النسائية من خالل املؤسسات والجمعيات النسائية‪ ،‬في اللجان الخيرية النسوية بغياب البرامج املستقبلية والفردية والعفوية‬ ‫بما في ذلك مدارس تحفيظ القرآن ولجان وجمعيات البر واإلغاثة وأقسام واالرتجال أو التخطيط بمفهومه البسيط أو كما وصفته بـ«العتيق»‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬


‫وال بأس هنا من اإلش��ارة إلى أنني أنظر اآلن إلى قصائدي عنها بعني‬ ‫مختلفة تماما‪ ،‬وإن بقيت رسالتها الجمالية!‬ ‫وتعد سناء يوسف محيدلي (‪ 16‬ع��ام��ا)‪ ،‬العضو في الحزب السوري‬ ‫القومي االجتماعي أول انتحارية معروفة‪ .‬ففي أبريل (نيسان) ‪،1985‬‬ ‫هاجمت بسيارة مفخخة قافلة للجيش اإلسرائيلي في جنوب لبنان‪،‬‬ ‫وأسفر الهجوم عن مقتل جنديني إسرائيليني وإصابة آخرين‪.‬‬ ‫والحقا اتسع نطاق وكانت أول العمليات االنتحارية مكانا وزمانا لتصبح‬ ‫ظاهرة جديرة بالتأمل والبحث‪ .‬وف��ي نوفمبر (تشرين الثاني) ‪2008‬‬ ‫حذرت من سمتها صحيفة «التلغراف» البريطانية (أم االنتحاريات في‬ ‫العراق) أو (أم فاطمة) من ارتفاع عدد الهجمات التي تنفذها نساء‪ .‬وكانت‬ ‫السيدة املتهمة بالتغرير بالشابات وبالنساء الجاهالت الضعيفات عقليا‬ ‫ليتطوعن في شن هجمات انتحارية‪ ،‬أخبرت الشرطة في بعقوبة أن هناك‬ ‫الكثير من النساء يتبعنها‪ .‬وقد نشر تحذيرها بعد أيام من قيام فتاة‬ ‫عمرها ‪ 13‬عاما بتفجير نفسها وقتلت خمسة من الحراس في نقطة‬ ‫تفتيش‪ .‬وحسب إحصاءات رسمية عراقية فإن عدد االنتحاريات خالل‬ ‫تلك السنة وصل إلى ‪ ،30‬فيما كان عددهن ‪ 8‬سنة ‪ .2007‬وحسب مراسل‬ ‫«التلغراف»‪« ،‬أم االنتحاريات» لم تعبر عن ندمها وأنها شخصية قاسية‬ ‫جدا‪ .‬ومن التفاصيل الخطيرة التي كشفت عنها مساع لفهم هذا العالم‬ ‫السري كيف يمكن دفع امرأة أو فتاة لتفجير نفسها كنوع من التكفير‬ ‫عن «ذنب»‪ ،‬وهو أمر ال سند له من الشرع مطلقا‪ .‬والحالة التي نتحدث‬ ‫عنها تم القبض عليها قبل أمتار من املكان الذي كان يفترض أن تفجر‬ ‫نفسها فيه لـ«تصعد» إلى الجنة‪.‬‬

‫املتخاذل واالنتحارية !‬ ‫ومن املعطيات التي استخدمتها التنظيمات اإلرهابية لتجنيد االنتحاريات‬ ‫دافع االنتقام‪ ،‬فنسبة ال يستهان بها منهن كانت تنتقم ملقتل أو اختطاف‬ ‫الزوج أو األب أو االبن‪ .‬وتضخم هذه الرغبة‪ ،‬عملية دعوية تربوية منظمة‪،‬‬ ‫وت�ع��ززه��ا دون ش��ك أح ��وال أمنية ش��دي��دة ال�س��وء شهدها ال �ع��راق‪ ،‬ومع‬ ‫اإلحساس بالعجز أم��ام مثل هذا الواقع يكون التجنيد أيسر‪ .‬وتعكس‬ ‫وقائع كثيرة جهال فاضحا باألحكام الشرعية تجعلهن مركبا «منقادا»‬ ‫بشكل تام‪ .‬وفي الحالة العراقية بالتحديد نجح قيادي القاعدة الراحل أبو‬ ‫مصعب الزرقاوي في صياغة رسالة بسيطة وقادرة بشكل استثنائي‬ ‫على استثارة من تروج لهم وهي‪« :‬امل��رأة االستشهادية» مقابل «الرجل‬ ‫املتخاذل»!‬ ‫وهذه املقابلة التبسيطية بني نقيضني سمة رئيسة من سمات «الثقافة‬ ‫االنتحارية»‪ ،‬فالقتال في العراق لم يكن فرضا على كل مسلم «فرض‬ ‫عني» كما أشاع هذا الخطاب‪ ،‬والرد على هذا التقاعس املفترض‪ ،‬لم يكن‬ ‫أب��دا ظهور االنتحاريات‪ .‬وحسب املستشار في وزارة ال��دف��اع العراقية‬ ‫محمد العسكري فإن استخدام االنتحاريات يعود إلى «انحسار تأثير‬ ‫القاعدة على الشارع العراقي» معتبرا استخدام النساء نوعا من «القيمة‬ ‫الدعائية أكثر من القيمة امليدانية» فباستخدام النساء تريد القاعدة‪ ،‬أن‬ ‫تشعر الرجال بالعار «النساء تقاتل والرجال غافلون»!‬ ‫وقد كان من نتائج ذلك – من ناحية أخرى – أن ازدادت نسبة املتطوعني‬ ‫العرب واألجانب الذين دخلوا عبر الحدود لاللتحاق بالقتال مع الزرقاوي‪،‬‬ ‫ووصلت للعراق أول انتحارية قادمة من أوروب��ا هي البلجيكية موريل‬ ‫ديغوك ثم قبض في هولندا على مجموعة كانت تقوم بتدريب «نساء‬ ‫ان�ت�ح��اري��ات» م��ن بلجيكا وف��رن�س��ا‪ .‬وف�ج��رت دي�غ��وك ح��زام�ه��ا الناسف‬ ‫في دوري��ة أميركية في مدينة بعقوبة في نوفمبر ‪ .2005‬وبعد تنفيذ‬ ‫االنتحارية البلجيكية موريل ديغوك لعملية انتحارية نشر موقع إنترنت‬ ‫على رسالة موقعة من الزرقاوي وجه في نهايتها سؤاال «ألم يعد هناك‬ ‫رجال بحيث أصبح علينا تجنيد النساء؟»!‬ ‫كما أن عددا غير قليل من «زوجات أمراء القاعدة» نفذن عمليات انتحارية‬ ‫بعد مقتل أزواجهن‪ .‬وفي ‪ 2007‬أعلن تنظيم القاعدة عن تشكيل «كتيبة‬ ‫الخنساء» أول «كتيبة استشهادية» في العراق ضمت ‪ 26‬انتحارية‪.‬‬

‫وفي اإلعالم الروسي ظهر مصطلح "االرملة السوداء" مع ظهور االنتحاريات‬ ‫الشيشانيات بدءا من عام ‪ .2000‬إحدى املشاركات في عملية من عمليات‬ ‫«االرامل السود»‪« :‬قالت لي ليس لدي شيء ألخسره‪ .‬فقد فقدت جميع عائلتي‪.‬‬ ‫سأواصل هذه الطريق على رغم أنني مقتنعة أنها ليست الطريق األسلم»‪.‬‬

‫قيمة الحياة‬ ‫وهذا النمط الذي تعكسه هذه الحالة الشيشانية يمثل نسبة ال يستهان بها‬ ‫من املشاركات في الظاهرة‪ :‬اإلحساس العميق بالعدمية والعبثية ووجود‬ ‫«مظلمة شخصية» جعلتها أسيرة رغبة جارفة في االنتقام‪ ،‬والحقا تأتي‬ ‫التبريرات الفقهية والسياسية‪ ،‬ولعل هذا يعزز مصداقية ما تبنته مؤسسات‬ ‫غربية كثيرة ملا يمكن اعتباره «منابع لإلرهاب» في مقدمتها البؤس بمعناه‬ ‫ال��واس��ع‪ :‬الفقر‪ ،‬القهر‪ ،‬البطالة‪ ،‬الفساد‪ ..‬إذ ي��ؤدي ه��ذا امل��رك��ب‪ ،‬وبخاصة‬ ‫عندما يتغول إلى «أرض خصبة» يسهل أن تنمو فيها األفكار االنتحارية‪.‬‬ ‫وعندما تسيطر على الذهن الرغبة في االنتحار كحل وحيد‪ ،‬تتالشى قيمة‬ ‫«الحياة» نفسها‪ ،‬وال يتوقع من رجل أو امرأة ماتت في نفسه الرغبة في‬ ‫الحياة أن يفكر في حرمة حياة اآلخرين‪ ،‬بل تمنحه الحالة النفسية املتردية‬ ‫التي تحتويه احتواء تاما‪ ،‬إحساسا – زائفا طبعا – بأنه يقوم بعمل مجيد‪،‬‬ ‫فقط ألنه يؤلم ع��دوه الحقيقي أو املتوهم‪ .‬وفي خطاب كثير من التيارات‬ ‫املتطرفة التي تعتبر أن إيذاء «اآلخر» حتى لو كان مسلما على مذهب من‬ ‫املذاهب الفقهية‪ ،‬أو نظاما سياسيا يختلفون معه هو «الهدف األسمى»‪،‬‬ ‫وعندئذ تأتي االستباحة طوفانا كاسحا يسهل جدا أن يجد مروجوه في‬ ‫التراث الفقهي ما يمكن استخدامه سندا مهما كان واهيا‪ ،‬ونسبة كبيرة‬ ‫مم مثل هذه األسانيد أقوال شاذة<‬

‫سيدة من التيار االخواني‬ ‫تضع شعار «مشروع شهيد»‬ ‫خالل االعتصام الذي نظمه انصار‬ ‫الرئيس السابق مرسي بعد عزله‬ ‫خارج مسجد رابعة العدوية‬ ‫(أغسطس ‪)2013‬‬

‫‪,,‬‬

‫ال يتوقع من‬ ‫رجل أو امرأة‬ ‫انتهت في‬ ‫نفسه الرغبة‬ ‫في الحياة أن‬ ‫يفكر في حرمة‬ ‫حياة اآلخرين‬

‫‪,,‬‬

‫* مؤلف وباحث مصري‪ ،‬كاتب مقال رأي في عديد من الصحف العربية‬ ‫صدر له أكثر من ‪ 30‬مؤلفًا‪ ،‬بينها روايتان وعدة دوواين ومسرحية‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫‪17‬‬


‫قصة الغالف‬

‫أن ترتدي امرأة أو فتاة حزاما ناسفا وتقوم بتفجير نفسها في أي هدف‪ ،‬هو دون شك مشهد يثير الكثير من‬ ‫التساؤالت الفقهية واالجتماعية والسياسية والثقافية‪ .‬والظاهرة جزء من سياق أعم هو قيام أي شخص –‬ ‫رجال كان أو سيدة – بالفعل نفسه‪ .‬والسياق العام لتفسير الظاهرة يكاد يكون محددا سلفا تلخصه كلمتان‪:‬‬ ‫«التشدد الديني»‪ .‬وال أظن منصفا يجادل في أنه رافد رئيس‪ ،‬لكنه في الحقيقة ليس «الرافد الرئيس»‪ .‬ومن‬ ‫األدبيات التي تشكل نوعا من السباحة ضد هذا التيار تقرير إخباري نشر في عام ‪.2010‬‬

‫الحراك النسائي الراديكالي‪ :‬إنهم يفخخون القوارير‬

‫االنتحاريات‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫ممدوح الشيخ *‬

‫‪,,‬‬

‫زوجات أمراء‬ ‫القاعدة نفذن‬ ‫عمليات‬ ‫انتحارية بعد‬ ‫مقتل أزواجهن‬

‫‪,,‬‬

‫اللبنانية سناء محيدلي من الحزب السوري‬ ‫القومي االجتماعي أول انتحارية قبل كل‬ ‫التنظيمات اإلسالمية‬

‫‪16‬‬

‫ف��ي ديسمبر (ك��ان��ون األول) ‪ 2010‬ن�ش��ر امل��وق��ع اإلل�ك�ت��رون��ي في سيريالنكا ثم انتحاريي حزب العمال الكردستاني»‪ .‬وفي حالة نمور‬ ‫إلذاعة هولندا العاملية تقريرا مثيرا للجدل عنوانه‪« :‬الجهاديون التاميل القومية املتطرفة في سيريالنكا فإن النساء نفذن ‪ 40 – 30‬من‬ ‫يستلهمون تراث العلمانيني االستشهادي» (تقرير‪ :‬محمد عبد التفجيرات االنتحارية‪.‬‬ ‫الحميد عبد الرحمن‪ 28/‬سبتمبر (أيلول) ‪ .2010‬الرابط‪http://www. :‬‬ ‫‪ .)191711/rnw.nl/arabic/article‬ويتناول التقرير موضوع رسالة وهذا البعد التاريخي‪ /‬املعرفي لإلرهاب‪ ،‬مؤثر كبير في مسار كثير من‬ ‫دكتوراه للباحث العراقي الهولندي مه ريوان قانع حصل بها على الدرجة الحركات اإلسالمية املتشددة‪ ،‬وأحد قادتها السابقني أكد لي أن كتاب‬ ‫من جامعة أمستردام في العلوم السياسية‪« .‬أطروحة قانع كانت تتناول «كفاحي» كان أحد أكثر الكتب قراءة و«تأثيرا» في جماعته‪ ،‬وأن جيله‬ ‫بالتحليل ظاهرة (االستشهاد) في سياقيها العلماني والديني»‪ ،‬و«لم من شباب الحركات املتطرفة كانوا مفتونني بموجة االنقالبات العسكرية‬ ‫يكن مه ريوان شخصيا طارئا على موضوع بحثه‪ ،‬فقد انضم لحركة القومية واليسارية العربية في خمسينات وستينات القرن املاضي‪ ،‬حيث‬ ‫مقاومة كردية ضد نظام صدام قبل أن يبلغ العشرين من عمره وعرف رأوا فيها قفزا على كل املراحل ونموذجا يمكنهم بواسطته امتالك السلطة‬ ‫بالطريقة نفسها وتحقيق مشروعهم‪.‬‬ ‫معنى التضحية عن قرب شديد»‪.‬‬

‫أهو محامي الشيطان؟!‬ ‫وحسب التقرير املشار إليه «ي��رى الباحث أن ظاهرة االستشهاد وما‬ ‫استتبعها من هجمات انتحارية‪ ،‬ليست بالجديدة‪ ..‬وال يمكن أن نطمئن‬ ‫أب��دا إل��ى أنها ظاهرة تستمد عنفوانها من العقائد الدينية‪ ،‬وبخاصة‬ ‫اإلس�لام فحسب»‪ .‬فقبل وقت طويل جدا من الهجمات االستشهادية‪/‬‬ ‫االنتحارية اإلسالمية «تأسست الدولة القومية األوروبية الحديثة على‬ ‫مبدأ خلق املواطن املستعد للتضحية من أجل الوطن أو القومية‪ ،‬التضحية‬ ‫إلى حد بذل النفس فداء في سبيل الدولة القومية ذلك الكيان الذي أنتجته‬ ‫الحداثة األوروبية»‪ .‬وبالتالي‪ ،‬يخلص قانع إلى ضرورة «مراجعة الفكرة‬ ‫الشعبوية الشائعة التي تربط الهجمات االنتحارية أو االستشهادية‬ ‫بالجماعات الجهادية اإلسالمية التي ظهرت في الربع األخير من القرن‬ ‫املاضي»‪ ،‬فـ«فكرة التضحية بالذات قد أعيدت صياغتها بالكامل في‬ ‫كنف الدولة القومية األوروبية كفكرة علمانية خالصة»‪ ،‬و«حتى الجماعات‬ ‫الجهادية اإلسالمية الحديثة لم تعد إلى أصل ديني سابق للفكرة‪ ،‬بل‬ ‫تبنت تراث الفداء العلماني األوروبي الذي أنتج خالل القرنني املاضيني‬ ‫وأسست عليه خطابها»‪ ،‬وهو سياسي «بالدرجة األولى»‪.‬‬ ‫وتحت عنوان «االستشهادي امللحد» يستطرد كاتب التقرير قائال‪ ،‬إن‪:‬‬ ‫«ال��رغ�ب��ة ف��ي التضحية ب��ال��ذات تتولد م��ن ظ��روف حياتية معينة تتميز‬ ‫بانسداد األفق والشعور باملهانة والعجز‪ ،‬ويستوي في ذلك املؤمن وامللحد‬ ‫والذي ال يعبأ بالدين‪ .‬تصاحب تلك الظروف تعبئة قوية وشديدة التأثير‬ ‫في جماعة صغيرة كانت أو كبيرة تعلي قيمة الفداء والتضحية وتعد‬ ‫الشهداء بالخلود وسيان في الجنة ك��ان أو في أفئدة الناس ومسيرة‬ ‫التاريخ الصاعدة»‪ .‬والعالم املعاصر عرف «الهجمات االنتحارية بطياري‬ ‫الكاميكازي اليابانيني إبان الحرب العاملية الثانية‪ ،‬عمليات نمور التاميل‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫الخلود األرضي‬ ‫وتحت عنوان‪« :‬الخلود األرضي» يقول كاتب تقرير إذاعة هولندا العاملية‪:‬‬ ‫«هؤالء الشهداء‪ /‬االنتحاريون لم يدفعهم وعد سماوي‪ ،‬بل توق للخلود‬ ‫على األرض‪ ،‬ب�ين ال�ن��اس وف��ي ذاك��رت�ه��م‪ .‬وم��ن امل�لاح�ظ��ات ال�ف��ارق��ة التي‬ ‫طرحتها دراس ��ة م��ه ري ��وان ق��ان��ع‪ ،‬أن التنظيمات ال�ج�ه��ادي��ة اإلس�لام�ي��ة‬ ‫التي اختطفت األضواء خالل العقدين املاضيني قد اقتفت أثر الحركات‬ ‫العلمانية واملاركسية في تمجيد الشهادة دون أن تبلغ شأوها»‪ .‬و«أنتج‬ ‫اليساريون الشيوعيون في الشرق األوس��ط أدب��ا وشعرا وغناء كثيفا‬ ‫ومديدا لشهدائهم وأطلقوا مراثي وبكائيات ال نهاية لها للذين سقطوا‬ ‫منهم‪ ،‬فيما يقبع الجهاديون خلفهم بفراسخ في هذا املجال‪ ،‬مما يؤكد‬ ‫مرة أخرى أن فكرة التضحية والشهادة ما زالت ذات طعم يساري في‬ ‫منطقتنا»‪.‬‬

‫«سناء» كانت البداية‬ ‫ومن تجاربي الشخصية التي وضعت يدي – قبل هذه الرسالة األكاديمية‬ ‫التي تسبح ضد التيار السائد – أنني كنت أتحاور مع الباحث األميركي‬ ‫امل��رم��وق جيري ف��ان داي��ك عن ظاهرة «االنتحاريات» وأده�ش��ه التحليل‬ ‫سالف الذكر‪ ،‬فذكرت قصة استضافتي في قناة فضائية عام ‪ ،1998‬إذ‬ ‫طلبوا مني أن ألقي بعض قصائدي عن الشهداء وصدمهم أنني – دون‬ ‫ترتيب مسبق – ألقيت قصيدة عن اللبنانية «سناء محيدلي» أول من‬ ‫افتتحت هذا الباب قبل كل التنظيمات اإلسالمية‪ ،‬الفتا نظري إلى أنها‬ ‫شيوعية‪ ،‬وكان األفضل أن تكون قصيدتي عن «استشهادية إسالمية»‪،‬‬


‫املسؤولني األوروبيني تراجع سجل تركيا في حقوق اإلنسان‪ .‬أبرز هؤالء‬ ‫املنتقدين ستيفان فولي مفوض االتحاد األوروب��ي لشؤون التوسع –‬ ‫وهو أكثر مسؤول معني مباشرة بشؤون تركيا ربما بسبب محاولة‬ ‫انضمامها إلى االتحاد األوروبي – الذي شكك علنا في «التزام تركيا‬ ‫بالقيم واملعايير الغربية»‪ .‬كما انتقد االتحاد األوروب��ي م��رارا جوانب‬ ‫معينة في حقوق اإلنسان في تركيا في املاضي‪ .‬ولكن لم يلق أي مسؤول‬ ‫أوروبي رفيع املستوى في السابق شكوكا حول التزام تركيا األساسي‬ ‫بالقيم التي تشكل صميم عضوية االتحاد األوروبي‪.‬‬

‫العالقات مع الواليات املتحدة‬

‫الرئيس التركي عبد الله غول لدى استقابله‬ ‫الزعيم القبرصي التركي درويش ايروغلو في‬ ‫قصر كانكايا في أنقرة (يناير‪)2014 -‬‬

‫في أعقاب تلك االتهامات وطوال فترة الحملة االنتخابية‪ ،‬استمر إردوغان‬ ‫في تهديد معارضني وخاصة أنصار غولن‪ ،‬الذين يحملهم مسؤولية‬ ‫التسجيالت املسربة‪ .‬وفي خطاب الفوز الذي يحمل نبرة انتقامية‪ ،‬هدد‬ ‫إردوغ��ان بتعقب «الكذابني» وتعهد بأن يجعلهم «يسددون ثمن» هذه‬ ‫التسريبات‪ .‬ووص��ف أنصار غولن ب�ـ«اإلره��اب�ي�ين» على الرغم من أن‬ ‫زعيمهم امللهم فتح الله غولن يعظ بالسالم والتسامح‪ ،‬وعلى الرغم من‬ ‫غموض أهدافهم فإنه ال يوجد أدنى دليل على أنهم يؤيدون العنف املادي‪.‬‬ ‫وق��د وص��ل الهجوم اللفظي ال��ذي يشنه إردوغ��ان على معارضيه إلى‬ ‫مستويات غير مسبوقة على مدار الشهور املاضية‪ .‬على سبيل املثال‬ ‫من بني من وصفهم بـ«اإلرهابيني» طالب في جامعة أنقرة تظاهر ضد‬ ‫إقامة طريق عبر حرم جامعته – ووصفهم أيضا بـ«امللحدين» – وصبي‬ ‫آخر يبلغ من العمر ‪ 14‬عاما أطلقت عليه الشرطة النيران في طريقه إلى‬ ‫شراء الخبز أثناء مظاهرات يونيو املاضي‪ .‬توفي الصبي بعد غيبوبة‬ ‫استمرت أكثر من ستة أشهر‪ ،‬مما أشعل مزيدا من املظاهرات ضد‬ ‫وحشية الشرطة وفي املقابل هجوم إردوغ��ان العنيف‪ .‬وبدا أن انتماء‬ ‫الصبي للطائفة العلوية أحد العوامل التي تسببت في رد إردوغان الذي‬ ‫شبه فيه الصبي بقائد طائرة سورية أسقطتها تركيا‪ .‬ال يبشر أي من‬ ‫ذلك بالخير للتناغم االجتماعي أو السياسي في تركيا‪.‬‬ ‫ليس من املرجح أن يخفت غضب إردوغان‪ ،‬سواء فاز بالرئاسة أم ال‪.‬‬ ‫ربما تنجح التغييرات الكبرى التي أجراها بني العاملني في الشرطة‬ ‫والقضاء في إبطاء سير التحقيقات وفي النهاية إيقافها ولكن سوف‬ ‫يستغرق هذا بعض الوقت‪ .‬جرى إرسال طلبات رفع حصانة عن وزراء‬ ‫سابقني – يتردد أنهم أربعة وزراء – إلى البرملان كتمهيد ملحاكمتهم‪.‬‬ ‫وسوف تدرس اللجنة القضائية في البرملان األمر‪ ،‬مما يجعل القضية‬ ‫حية على األقل لفترة أطول‪.‬‬ ‫تنامي االس�ت�ب��داد ورد الفعل الخارجي ‪ -‬م�ح��اوالت إردوغ ��ان إلبطال‬ ‫تحقيقات الفساد‪ :‬تمرير البرملان مؤخرا لقوانني قدمها إردوغان بتقييد‬ ‫ح��ري��ات اإلن�ت��رن��ت والتأثير على استقالل ال�ق�ض��اء‪ ،‬وتعزيز سلطات‬ ‫املخابرات التركية على حساب حقوق الخصوصية؛ ورد الفعل العنيف‬ ‫ضد املتظاهرين في الربيع املاضي‪ ،‬ومحاكمة األطباء الذين عالجوا‬ ‫املتظاهرين املصابني (!) واإلجراءات املالية التي تستهدف رجال األعمال‬ ‫املعارضني للحكومة ومحاولة فرض حظر على «يوتيوب» و«تويتر» –‬ ‫جميعها تثير الشك في التزام تركيا بسيادة القانون‪ .‬وعندما يتراجع‬ ‫النمو االقتصادي في تركيا بدرجة كبيرة‪ ،‬يحمل رسالة سلبية إلى‬ ‫املستثمرين األجانب الحاليني واملحتملني‪.‬‬ ‫إنها أيضا رسالة سلبية لحلفاء أوروب��ا الغربيني ‪ -‬ينتقد العديد من‬

‫أما عن العالقات مع الواليات املتحدة‪ ،‬فتشهد تدهورا منذ ردود إردوغان‬ ‫العنيفة ض��د م�ت�ظ��اه��ري ج�ي��زي ف��ي ال �ع��ام امل��اض��ي‪ .‬وت �ح��اول اإلدارة‬ ‫األميركية إصدار أدنى قدر من التعليقات على تجاوزات إردوغان في‬ ‫مجال حقوق اإلنسان‪ ،‬ولكن كانت بعضها أكبر من إمكانية تجاهلها‪.‬‬ ‫عالوة على ذلك‪ ،‬بدا أن إردوغان أفرط في رده باتهام الواليات املتحدة‬ ‫بالتورط في مشاكله‪ .‬في بداية فضيحة الفساد‪ ،‬اتهم إردوغان سفير‬ ‫الواليات املتحدة بالتآمر ضده وهدد بطرده من البالد‪ .‬وفي خطاب الفوز‬ ‫في ‪ 30‬مارس‪ ،‬اتهم إردوغان الواليات املتحدة ضمنا بدعم «اإلنقالب»‬ ‫املزعوم ضد حكومته عندما أشار إلى «العاصمة التي تدعم (أنصار‬ ‫غولن)» في إشارة واضحة إلى مقر غولن في الواليات املتحدة‪.‬‬ ‫سوءا كان إردوغ��ان يعتقد بصدق أن الواليات املتحدة‪ ،‬التي يقيم بها‬ ‫غولن‪ ،‬متورطة في مخطط لإلطاحة به أو أنه يستغل مشاعر الكراهية‬ ‫تجاه أميركا في تركيا بهدف املكسب السياسي‪ ،‬تظل النتيجة متشابهة‪.‬‬ ‫أصبح الرئيس أوب��ام��ا‪ ،‬ال��ذي وص��ف إردوغ ��ان ذات م��رة بالرجل الذي‬ ‫يتمتع بصلة صداقة وثيقة معه‪ ،‬يتجنبه في املؤتمرات الدولية‪ .‬وفي حني‬ ‫سعى أوباما ذات مرة بحماس إلى نصيحة إردوغان في شأن الشرق‬ ‫األوس��ط‪ ،‬ن��ادرا ما يتحدث الرجالن معا اآلن‪ .‬ومنذ ذلك الحني أسقط‬ ‫صناع السياسات األميركيون فكرة أن تكون تركيا نموذجا يحتذى‬ ‫في الشرق األوسط‪.‬‬ ‫باإلضافة إلى ذلك‪ ،‬توجد خالفات أخرى بني الواليات املتحدة وتركيا‪.‬‬ ‫تختلف الدولتان ح��ول السياسات تجاه سوريا وال�ع��راق وإسرائيل‪،‬‬ ‫م�ث�لا‪ .‬كما ال ت��رض��ى أميركا ع��ن دراس��ة تركيا الحالية ل�ش��راء نظام‬ ‫دفاع مضاد للصواريخ من الصني‪ .‬وتوجد مخاوف من التزام تركيا‬ ‫بالعقوبات امل�ف��روض��ة على إي ��ران (وف��ي ذل��ك أح��د ج��وان��ب تحقيقات‬ ‫الفساد)؛ باإلضافة إلى سجلها غير املمتاز في التعاون في مكافحة‬ ‫اإلره��اب‪ ،‬وعجزها عن االل�ت��زام باملعايير الغربية في مكافحة تمويل‬ ‫اإلرهاب وغسل األموال‪ :‬ودعمها النشط لجماعة اإلخوان املسلمني في‬ ‫مصر التي تبث قناة تلفزيونية من األراضي التركية‪ ،‬ودعمها السلبي‬ ‫أيضا ملتطرفني إسالميني أجانب آخرين يمرون عبر األراضي التركية‬ ‫في طريقهم إلى القتال في سوريا‪.‬‬ ‫ال يشير أي من ذلك إلى أن العالقات األميركية مع تركيا وصلت إلى‬ ‫مرحلة االنهيار‪ .‬تظل تركيا عضوا في حلف الناتو‪ ،‬ويمنحها موقعها‬ ‫نفوذا كبيرا في العالقات الثنائية‪.‬‬ ‫يملك إردوغان أيضا أوراق لعب مهمة تسمح له باستعادة العالقات مع‬ ‫ّ‬ ‫واشنطن‪ .‬تحظى سياساته البناءة تجاه القضية الكردية ومشكلة قبرص‬ ‫بتقدير كبير في واشنطن‪ .‬وإذا جرى حل أي من هاتني املشكلتني‪ ،‬فمن‬ ‫املرجح أن يتوج صناع السياسات األميركيون إردوغان بطال‪.‬‬ ‫ولكن على األقل في الوقت الحالي‪ ،‬يوجد قلق كبير بشأن تركيا لدى‬ ‫صناع السياسات األميركيني‪ .‬وبالنسبة للمهتمني باستقرار تركيا‬ ‫الداخلي‪ ،‬والتزامها بالقيم الغربية‪ ،‬ربما يكون من املفزع عدم ظهور أي‬ ‫إمكانية في األفق القريب بأن يفقد إردوغ��ان سلطاته أو يتخلى عنها‬ ‫أو‪ ،‬ما يبعث على قلق أكبر‪ ،‬أن يتوقف عن خطاب التهديد والحسم ضد‬ ‫خصومه السياسيني أو تغيير وسائله االستبدادية <‬

‫‪,,‬‬

‫في منظور‬ ‫كثير من‬ ‫األتراك يمثل‬ ‫نجاح الحزب‬ ‫تحول السيادة‬ ‫السياسية‬ ‫من املؤسسة‬ ‫العلمانية‬ ‫القديمة إلى‬ ‫من يتبنون‬ ‫آراء وأنماط‬ ‫حياة محافظة‬ ‫ودينية‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫‪15‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫‪,,‬‬

‫أوضح‬ ‫إردوغان أنه‬ ‫يأمل في الفوز‬ ‫بالرئاسة‬ ‫لفترتني‬ ‫متتاليتني‬ ‫مما يجعله‬ ‫في السلطة‬ ‫أثناء احتفال‬ ‫تركيا بذكرى‬ ‫مرور مائة‬ ‫عام على‬ ‫تأسيسها‬

‫‪,,‬‬

‫‪14‬‬

‫الزعيم الكردي املعارض عبد الله أوجالن‪ ،‬والذي يرجون أن يحقق حال‬ ‫سلميا لهذه املشكلة أيضا‪.‬‬ ‫في النهاية‪ ،‬يعني سجل إنجازات العدالة والتنمية وتمثيله ألغلبية كانت‬ ‫مهمشة ملدة طويلة الكثير بالنسبة ملؤيديه بما يتفوق على أي فساد‬ ‫ممكن مهما كان حجمه‪ .‬أظهر استطالع رأي أن نحو ‪ 5‬في املائة من‬ ‫األت��راك الذين صوتوا لحزب العدالة والتنمية في االنتخابات البرملانية‬ ‫عام ‪ ،2011‬عارضوا الحزب هذه املرة بسبب اتهامات الفساد‪ .‬وهذا قد‬ ‫يوضح انخفاض نسبة فوز الحزب من ‪ 49.8‬في املائة في عام ‪ 2011‬إلى‬ ‫‪ 43.3‬في املائة في عام ‪ .2014‬ولكنه هزم أقرب منافسيه حزب الشعب‬ ‫الجمهوري بنحو ‪ 17‬في املائة‪.‬‬ ‫ض�ع��ف امل �ع��ارض��ة ‪ -‬ي�ح�م��ل ح ��زب امل �ع��ارض��ة ال��رئ�ي��س ح ��زب الشعب‬ ‫الجمهوري أعباء كبيرة‪ .‬فهو يحمل االسم وفي الحقيقة أيضا يمثل‬ ‫امتدادا للحزب الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك الذي أقام جمهورية‬ ‫تركيا الحديثة التي قامت في األساس على مبادئ العلمانية والقومية‬ ‫التركية‪ .‬ونتيجة لذلك‪ ،‬يتصور األتراك الذي عانوا من التهميش في ظل‬ ‫حكومة ما قبل العدالة والتنمية‪ ،‬وتحديدا األكراد واملتدينني‪ ،‬أن الشعب‬ ‫الجمهوري يرمز إلى كل ما يكرهون‪ .‬وهكذا يجذب حزب الشعب ناخبيه‬ ‫جميعهم تقريبا من مجموعتني‪ :‬األثرياء وامللتزمني بقوة بالعلمانية‪،‬‬ ‫وطائفة العلويني الذين يشكلون ‪ 15‬في املائة من األتراك الذي يخشون‬ ‫من هيمنة املسلمني السنة املتدينني في تركيا‪( .‬رئيس الحزب كمال‬ ‫قليتش دار أوغلو ينتمي إلى الطائفة العلوية ‪ -‬وهي الحقيقة التي ال‬ ‫ي�ت��ردد إردوغ ��ان ف��ي استخدامها ض��ده م��ن أج��ل الفائدة السياسية)‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من أن معظم األتراك‪ ،‬ومنهم املتدينون‪ ،‬لديهم انتماء وطني‬ ‫ويتحمسون لقصص صراع أتاتورك الناجح في االستقالل الذي تحقق‬ ‫في ‪ ،1923‬يبدو أن الجماهير ال يربطون بني حزب الشعب الجمهوري‬ ‫واملاضي املجيد‪.‬‬ ‫اتخذ قليتش دار أوغلو خطوات لتحرير سياسات حزبه وصوته‪ ،‬وجعله‬ ‫حزب التحرر العلماني والديمقراطية االجتماعية بدال من كونه قوميا‬ ‫تركيا معارضا لرجال الدين‪ .‬وفي صراع ضد الحرس القديم في الحزب‬ ‫الذين يفضلون التمسك بأفكار الحزب التقليدية‪ ،‬توقف قليتش دار‬ ‫أوغلو عن معارضة رف��ع القيود على الحجاب وتبنى إص�لاح��ات في‬ ‫القضية الكردية‪ ،‬بل وانضم إلى حزب العدالة والتنمية في إدانته للتدخل‬ ‫العسكري ضد مرسي في مصر‪ .‬سمح ذلك لبعض األتراك الليبراليني‬ ‫بالتصويت لحزب الشعب الجمهوري بأريحية أكبر في االنتخابات‪،‬‬ ‫ولكنه ظل غير مقنع لألكراد واملتدينني‪ .‬في كثير من األقاليم ذات األغلبية‬ ‫الكردية‪ ،‬أحرز حزب الشعب الجمهوري أقل من ‪ 1‬في املائة من أصوات‬ ‫الناخبني في االنتخابات األخيرة‪ .‬ويعاني الحزب من مشاكل أخرى‬ ‫أيضا‪ ،‬منها رسالة حملته االنتخابية غير الواضحة والفشل التنظيمي‬ ‫على مستوى الجماهير‪ .‬وفي املجمل انخفضت نسبة التصويت لحزب‬ ‫الشعب الجمهوري في ‪ 68‬من ‪ 81‬إقليم في تركيا مقارنة بأدائه في‬ ‫انتخابات البرملان عام ‪.2011‬‬ ‫ويبدو أن حزبي املعارضة اآلخرين الرئيسني في تركيا يحظيان بشعبية‬ ‫محدودة‪ .‬يخاطب حزب الحركة القومية ذو النزعة القومية املتشددة في‬ ‫األساس األتراك من الطبقات الدنيا املتوسطة والريفية‪ .‬وعادة ما يحقق‬ ‫ما ال يزيد على ‪ 15‬في املائة من األصوات في االنتخابات وفي عام ‪2014‬‬ ‫حقق ‪ 18‬في املائة‪ .‬بينما تقتصر شعبية حزب السالم والديمقراطية‬ ‫القومي الكردي على املناطق ذات األغلبية الكردية في الجنوب الشرقي‪.‬‬ ‫يعجز حزب السالم والديمقراطية عن الفوز بأكثر من ‪ 7‬في املائة من‬ ‫األصوات في االنتخابات الوطنية‪ ،‬على الرغم من أنه الحزب السائد في‬ ‫منطقة الجنوب الشرقي‪.‬‬ ‫وهكذا يصبح حزب العدالة والتنمية هو الحزب الوطني الوحيد في تركيا‬ ‫ال��ذي ينافس بنجاح على جميع املستويات في البالد‪ .‬يقتصر تفوق‬ ‫حزب الشعب الجمهوري بدرجة كبيرة على املناطق الليبرالية والثرية‬ ‫على ساحل بحر إيجة والبحر املتوسط؛ ويقتصر حزب الحركة القومية‬ ‫على املنطقة الوسطى والشمال الشرقي وفي بعض األحيان على أطراف‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫مناطق حزب الشعب الجمهوري‪ ،‬ويتفوق حزب السالم والديمقراطية‬ ‫في الجنوب الشرقي ذي األغلبية الكردية‪.‬‬

‫توسعة سلطات الرئيس‬ ‫إردوغ��ان منتصر ‪ -‬املضامني الرئيسة هي إع��ادة التأكيد على تفوق‬ ‫إردوغان في السياسة التركية‪ .‬في أغسطس (آب) سوف تنتخب تركيا‬ ‫رئيسا باالنتخاب الشعبي املباشر ألول مرة‪ .‬وقبل االنتخابات‪ ،‬كان‬ ‫االعتقاد السائد هو أن فضيحة الفساد سوف تطيح بأحالم إردوغان‬ ‫الرئاسية‪ .‬واآلن تبدو األحوال في صالحه‪ .‬أوضح إردوغان أنه يأمل في‬ ‫الفوز بفترتني تستمر كلتاهما خمس سنوات‪ ،‬مما يجعله رئيسا أثناء‬ ‫احتفال الجمهورية التركية بذكرى مرور مائة عام على تأسيسها في‬ ‫عام ‪ .2023‬ويعتقد إردوغان بالتأكيد أن رئاسته في تلك الفترة سوف‬ ‫تبرز تطور الدولة من أيام مؤسسها العلماني العنيد أتاتورك‪.‬‬ ‫السؤال الرئيس هو هل يستطيع إردوغان تحقيق الجزء اآلخر من هذا‬ ‫الحلم‪ :‬توسعة سلطات الرئيس حتى تصبح الرئاسة املؤسسة املهيمنة‬ ‫في النظام التركي‪ ،‬باإلضافة إلى السلطة الرمزية‪.‬‬ ‫ول�ك��ن ي��وج��د س��ؤال آخ��ر م�ه��م‪ ،‬ح��ول م��دى تأثير تحقيقات الفساد‪،‬‬ ‫بافتراض استمرارها‪ ،‬على رئاسة إردوغ ��ان‪ .‬من الناحية القانونية‪،‬‬ ‫سوف يكون الرئيس إردوغان خارج طائلة القانون‪ ،‬حيث ينص الدستور‬ ‫التركي على أن��ه يمكن محاكمة ال��رؤس��اء فقط بتهمة الخيانة‪( .‬يؤكد‬ ‫بعض معارضي إردوغ��ان أن هذا هو السبب الرئيس ال��ذي قد يجعله‬ ‫يسعى للترشح للرئاسة)‪.‬‬ ‫إردوغان املنتقم؟ بغض النظر عن مضامني الفوز الذي تحقق في ‪30‬‬ ‫مارس بالنسبة ملستقبل إردوغان الشخصي‪ ،‬فهو يثير مخاوف بشأن‬ ‫الثقافة السياسية في تركيا وعالقاتها مع الغرب‪.‬‬ ‫تسبب إردوغ��ان في استعداء من يعارضونه‪ .‬وأصبحت ه��ذه السمة‬ ‫واضحة بشدة أثناء مظاهرات متنزه جيزي في مايو (أي��ار) ويونيو‬ ‫(ح��زي��ران) املاضيني وال�ت��ي ب��دأت ف��ي م�ح��اوالت للحفاظ على املتنزه‬ ‫الصغير في إسطنبول وتحولت سريعا إلى احتجاج واسع ضد استبداد‬ ‫إردوغان املتزايد‪ .‬بدال من التواصل مع املتظاهرين والسعي إلى تهدئة‬ ‫ُ‬ ‫املوقف في مراحل مبكرة من االحتجاج‪ ،‬كما حاول الرئيس غل وبعض‬ ‫مسؤولي الحكومة اآلخرين‪ ،‬كان رد فعل إردوغ��ان عنيفا‪ ،‬أب��دى فيه‬ ‫ازدراءه للمتظاهرين ودافع فيه عن السلوك الوحشي الذي اتبعته الشرطة‬ ‫ضدهم‪.‬‬ ‫ولكن ازدادت ح��دة إردوغ ��ان بعد م��زاع��م الفساد ض��ده وض��د عائلته‬ ‫ومقربيه‪.‬‬


‫الفترة‪ .‬لذلك من وجهة نظر املعارضة‪ ،‬من العدل أن تنشر تسجيالت ملاذا فاز إردوغان؟‬

‫إردوغان املسربة‪.‬‬ ‫ردا ع�ل��ى ال�ت�س��ري�ب��ات‪ ،‬ف��رض إردوغ� ��ان ح�ظ��را ع�ل��ى ك��ل م��ن «ت��وي�ت��ر»‬ ‫و«يوتيوب» في تركيا في ‪ 21‬م��ارس‪ ،‬قبل إج��راء االنتخابات بتسعة‬ ‫أيام‪ ،‬مما نال انتقادات من الحكومات الغربية والخصوم في الداخل بأنه‬ ‫يتعارض مع حرية التعبير‪ .‬ولكن لم يكن الحظر يطبق بشكل كامل‪،‬‬ ‫حيث استمرت التسريبات‪ .‬وحتى مسؤولو الحكومة‪ ،‬ومنهم الرئيس‬ ‫ُ‬ ‫عبد الله غ��ل‪ ،‬وج��دوا طرقا ملتفة ح��ول الحظر واستمروا في إرس��ال‬ ‫تغريداتهم‪ .‬بعد أيام من االنتخابات‪ ،‬أصدرت املحكمة الدستورية في‬ ‫تركيا حكما بأن الحظر املفروض على «تويتر» غير قانوني وأنه يجب‬ ‫رفعه‪ .‬أكد إردوغان أنه ال «يحترم» قرار املحكمة‪ ،‬ولكنه سوف ينفذه‪.‬‬ ‫وفي مفاجأة لكثيرين‪ ،‬رفع الحظر‪ .‬ولكنه لم يسقط األمر من يده‪ .‬ففي‬ ‫‪ 18‬أبريل (نيسان)‪ ،‬رفع شكوى رسمية (وإن كانت غير واضحة من‬ ‫الناحية القانونية) معارضا فيها قرار املحكمة الدستورية‪ ،‬مدعيا أن‬ ‫الحظر كان ردا مالئما على اختراق خصوصية أسرته‪.‬‬ ‫يقول مسؤولون أت��راك إنهم حاليا في مفاوضات مع «تويتر» تتعلق‬ ‫بكيفية حجب الرسائل التي تخترق خصوصية أفراد أتراك‪.‬‬ ‫يظل الحظر على «ي��وت�ي��وب» كما ه��و‪ ،‬على ال��رغ��م م��ن معارضته في‬ ‫محاكم أقل درجة‪ ،‬ومن املرجح أن يصل إلى املحاكم األرفع تماما كما‬ ‫حدث مع حظر «تويتر»‪.‬‬

‫قنعا على‬ ‫في النهاية‪ ،‬حقق حزب العدالة والتنمية باالنتخابات فوزا ُم ِ‬ ‫الرغم من مزاعم الفساد‪ ،‬في حني تستمر النقاشات حول مدى إقناع‬ ‫هذا الفوز‪ .‬هزم العدالة والتنمية أقرب خصومه حزب الشعب الجمهوري‬ ‫بنسبة ‪ 45‬في املائة إلى ‪ 27‬في املائة في التصويت على اختيار مرشحي‬ ‫العمد‪ ،‬بزيادة نحو سبع درجات عن االنتخابات املحلية السابقة التي‬ ‫أجريت عام ‪ .2009‬عالوة على ذلك‪ ،‬فاز مرشحا الحزب بمنصبي العمدة‬ ‫في أهم مدينتني‪ ،‬إسطنبول أكبر مدينة والعاصمة أنقرة‪ .‬وفاز العدالة‬ ‫والتنمية بهامش مشابه ‪ 43‬في املائة مقابل ‪ 26‬في املائة في املجالس‬ ‫املحلية والبلدية في جميع أقاليم تركيا البالغ عددها ‪ .81‬وبكل املقاييس‪،‬‬ ‫تجاوزت النتيجة نسبة ‪ 40‬في املائة التي حددها إردوغان إلثبات براءته‬ ‫من تهم الفساد‪.‬‬

‫يتفق معظم املراقبني على أسباب الفوز‪..‬إنجازات حزب العدالة والتنمية‬ ‫في الحكم‪ .‬منذ أن فاز الحزب في أول انتخابات برملانية في عام ‪،2002‬‬ ‫ارتفع دخل الفرد في تركيا ثالثة أضعاف‪ ،‬وج��رى تنفيذ نظام رهن‬ ‫ع�ق��اري يسمح ملزيد م��ن األت ��راك بامتالك امل�ن��ازل‪ ،‬وحقق تحسينات‬ ‫واضحة في نظامي الصحة والتعليم‪.‬‬ ‫ال��رم��زي��ة ‪ -‬على ال��رغ��م م��ن تجنب ال�ح��زب كلمة إس�لام��ي‪ ،‬ف��إن ق�ي��ادات‬ ‫الحزب كلها تقريبا ذات نزعة دينية‪ ،‬ودائما ما يتحدث إردوغان عن الله‬ ‫واإلسالم في خطاباته الشعبية‪ .‬كان هذا هو سادس انتصار انتخابي‬ ‫متتال (ثالثة انتخابات برملانية وثالثة انتخابات محلية عامة)‪ ،‬مما‬ ‫يجعله أكثر األح��زاب نجاحا – وإردوغ��ان أكثر سياسي ناجح – منذ‬ ‫بداية تاريخ االنتخابات في تركيا عام ‪.1950‬‬ ‫م��ن م�ن�ظ��ور ك�ث�ي��ر م��ن األت � ��راك‪ ،‬ي�م�ث��ل ن �ج��اح ال �ح��زب ت �ح��ول ال�س�ي��ادة‬ ‫السياسية من املؤسسة العلمانية القديمة إلى من يتبنون آراء وأنماط‬ ‫حياة محافظة ودينية‪ ،‬ويمثلون غالبية األتراك‪ .‬كان أبرز إنجازات العدالة‬ ‫والتنمية في هذا الصدد هو رفع القيود املفروضة على النساء املرتديات‬ ‫للحجاب‪ ،‬وقد كان ذلك أقدم وأهم أحالم الطبقات التقليدية في تركيا‪.‬‬ ‫(قبل االستحواذ على السلطة من املؤسسة العلمانية‪ ،‬كان إردوغ��ان‬ ‫ذاته يشكو من أنه كان عليه إرسال ابنته إلى الواليات املتحدة لاللتحاق‬ ‫بجامعة يمكنها أن ترتدي الحجاب بداخلها)‪ .‬وبفضل إردوغان والعدالة‬ ‫والتنمية‪ ،‬تستطيع املحجبات اآلن دخول الجامعات والعمل في الحكومة‬ ‫املركزية‪ ،‬واالنضمام للبرملان‪ ،‬وكانت جميعا من املحظورات حتى فترة‬ ‫قريبة‪ .‬في دولة تكشف فيها االستطالعات أن معظم املواطنني لديهم‬ ‫نزعات دينية وأن ثلث السيدات يغطني رؤوسهن‪ ،‬يحظى حزب العدالة‬ ‫والتنمية بشعبية واسعة‪.‬‬

‫رئيس الوزراء التركي رجب‬ ‫طيب أردوغان في مطار أنقرة‬ ‫(أبريل املاضي)‬

‫‪,,‬‬

‫ينتقد العديد‬ ‫من املسؤولني‬ ‫األوروبيني‬ ‫تراجع‬ ‫سجل تركيا‬ ‫في حقوق‬ ‫اإلنسان‬

‫‪,,‬‬

‫يأتي ق��در آخ��ر م��ن التأييد ال��ذي يتمتع ب��ه ح��زب ال�ع��دال��ة والتنمية من‬ ‫بعض الليبراليني الذين يثنون على اإلصالحات السياسية التي أجراها‬ ‫إردوغ��ان في مطلع القرن بغرض جلب تركيا إلى مصاف ال��دول التي‬ ‫تتمتع بمعايير االتحاد األوروب��ي وإنهاء هيمنة املؤسسة العسكرية‬ ‫الخفية على السياسة التركية‪ .‬كما أثنوا أيضا على موقفه األخير من‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫‪13‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫حقق رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان وحزبه العدالة والتنمية فوزا حاسما في االنتخابات املحلية‬ ‫التي أجريت في البالد في ‪ 30‬مارس (آذار)‪ ،‬وهو الفوز الدرامي بسبب مزاعم الفساد التي حامت حول‬ ‫إردوغان وعائلته واملقربني منه طوال فترة الحملة االنتخابية‪.‬‬

‫القضية الكردية واألزمة القبرصية ‪ ..‬طريق تركيا الستعادة العالقات مع واشنطن‬

‫إردوغان بال قيود‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫آالن ماكوفسكي‬

‫‪,,‬‬

‫كان رد‬ ‫إردوغان‬ ‫قاسيا على‬ ‫مزاعم الفساد‬ ‫مدعيا أنها ال‬ ‫تعكس سوى‬ ‫«محاولة‬ ‫انقالب»‬ ‫نظمها‬ ‫«خونة»‬ ‫مدعومني من‬ ‫الخارج‬

‫‪,,‬‬

‫‪12‬‬

‫على الرغم من فوز اردوغ��ان بنتائج االنتخابات ‪ ،‬من املرجح‬ ‫أن يستمر االضطراب في الشأن السياسي التركي والذي بدأ‬ ‫عندما ظهرت ه��ذه امل��زاع��م ألول م��رة ف��ي منتصف ديسمبر‬ ‫(كانون األول) املاضي‪ ،‬مما تسبب في استقطاب املجتمع التركي وتوتر‬ ‫عالقات تركيا مع شركاء غربيني رئيسني في مرحلة ما قبل االنتخابات‬ ‫الرئاسية التي من املقرر أن تعقد في أغسطس (آب)‪.‬‬ ‫االنتخابات‪:‬على الرغم من أن األتراك ذهبوا إلى صناديق االقتراع فقط‬ ‫الختيار العمد واملجالس املحلية والبلدية‪ ،‬وليس البرملان الوطني‪ ،‬فإنه‬ ‫كان من الصحيح النظر إلى هذه االنتخابات كاستفتاء على إردوغان‬ ‫وحكومة حزب العدالة والتنمية‪ .‬ال يعد ذلك غير عادي‪ .‬في املاضي لم‬ ‫تكن االنتخابات املحلية التي تجرى في جميع أنحاء البالد كل خمسة‬ ‫أع��وام تعد استفتاء مهما على الحكومة القائمة‪ .‬ولكن ك��ان عنصر‬ ‫«االستفتاء» في االنتخابات هو محور التركيز في العام الحالي مما‬ ‫طغى كثيرا على جميع القضايا املحلية‪.‬‬ ‫كان رد إردوغان قاسيا على مزاعم الفساد مدعيا أنها ال تعكس سوى‬ ‫«محاولة انقالب» نظمها «كيان مواز» من «خونة» مدعومني من الخارج‬ ‫يعملون داخل السلطة القضائية‪ .‬واستخدم سلطته لضمان إزاحة مئات‬ ‫املحققني والقضاة من مناصب ذات حساسية‪ ،‬وآالف رجال الشرطة‬ ‫في محاولة إلبطاء وعرقلة التحقيقات في املزاعم‪ ،‬وإيقافها إن أمكن‪.‬‬ ‫وجد إردوغان أيضا أن حملة االنتخابات املحلية في جميع أنحاء البالد‬ ‫وسيلة مالئمة للهجوم على اتهامات الفساد‪ ،‬وسعى إل��ى جعل هذه‬ ‫االنتخابات استفتاء على شرعية حكومته‪ .‬في مرحلة مبكرة من الحملة‬ ‫االنتخابية‪ ،‬أكد إردوغان في جرأة – وكأنه يملك السلطة في ذلك – على‬ ‫أن التصويت بنسبة ‪ 40‬في املائة أو أكثر سوف يعني أن مزاعم الفساد‬ ‫باطلة‪ .‬ال يوجد سند قانوني لفكرة أن انتخابات يمكنها أن تحسم شأنا‬ ‫قضائيا‪ .‬ولكن يتناسب هذا اإلعالن مع فلسفة إردوغان العامة بشأن‬ ‫األغلبية‪ ،‬والتي ظهرت بوضوح أكبر على مدار العام املاضي‪ ،‬والتي تشير‬ ‫إلى أن الحكومة املنتخبة يمكنها أن تفعل تقريبا أي شيء تريده‪ .‬في‬ ‫الوقت ذاته‪ ،‬اختار حزب الشعب الجمهوري أيضا أن يتخذ االنتخابات‬ ‫املحلية استفتاء على إردوغان وحزب العدالة والتنمية بجعل اتهامات‬ ‫الفساد محور حملته االنتخابية‪.‬‬

‫التسجيالت املزعومة‬ ‫وكانت الحملة عبارة عن سلسلة شبه يومية من التسجيالت املزعومة‬ ‫التي تنشر عبر «تويتر» و«يوتيوب»‪ ،‬وب��دا أنها محادثات بني رئيس‬ ‫ال��وزراء وأف��راد عائلته ومساعديه تكشف عن فساد الحكومة‪ .‬كانت‬ ‫أب��رز ه��ذه التسجيالت التي يزعم اح�ت��واؤه��ا على أرب��ع محادثات في‬ ‫‪ 17‬ديسمبر (كانون األول)‪ ،‬عندما جرى اإلعالن عن أول أوامر ضبط‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫وإحضار في قضية الفساد‪ ،‬حيث أوصى إردوغان ابنه بالل بالتخلص‬ ‫من عشرات املاليني من ال��دوالرات بسرعة من منزله‪( .‬زعمت مقدمة‬ ‫مكتوبة لنص التسجيالت على «ي��وت�ي��وب» أنهما كانا يتحدثان عن‬ ‫التخلص من «مليار» دوالر‪ .‬وعلى الرغم من أن املحادثات الفعلية تناولت‬ ‫فقط عشرات املاليني‪ ،‬فإنه بدا أن رقم مليار دوالر سيطر على التصور‬ ‫الشعبي‪ ،‬على األقل بني املجموعة املعارضة إلردوغان)‪ .‬لم ينكر إردوغان‬ ‫أن الحديث كان حقيقيا‪ :‬ولكنه زعم وجود «مونتاج» مضلل في العديد‬ ‫من املحادثات املختلفة‪.‬‬ ‫بدت معظم التسجيالت املزعومة وكأنها تظهر إردوغ��ان إما متقبال‬ ‫للرشوة أو متدخال في عمليات الحكومة بصورة غير مالئمة‪ .‬نقل‬ ‫تسجيل آخر عن عضو سابق في مجلس ال��وزراء وأحد املتهمني في‬ ‫تحقيقات الفساد يطلقان تعليقات س��اخ��رة م��ن ال��دي��ن وال�ق��رآن‪ ،‬مما‬ ‫يسبب حرجا ال شك فيه لحزب يتخذ من توقير اإلسالم هوية رئيسة‪.‬‬ ‫وفي تسجيل ذي طبيعة مختلفة تماما كشف عنه في ‪ 27‬مارس‪ ،‬وردت‬ ‫محادثة في وزارة الخارجية بني وزير الخارجية ونائبه ونائب رئيس‬ ‫القوات املسلحة التركية‪ ،‬ورئيس االستخبارات التركية‪ .‬وكان املوضوع‪:‬‬ ‫هل يجب أن تقوم تركيا بغزو شمال سوريا أم ال‪ .‬لم يصل حديثهم‬ ‫إل��ى نتيجة نهائية‪ ،‬في العموم‪ ،‬ب��دا املشاركون مشككني في الفكرة‪،‬‬ ‫وهو ما بدا بناء على توصيات الرئيس‪ .‬وب��دا رد فعل إردوغ��ان على‬ ‫التسريب مؤكدا لصحته‪ .‬لعل أكثر جانب غريب في ه��ذا املوقف هو‬ ‫حقيقة أن الحوار يمكن تسجيله ونشره من األصل‪ ،‬وهي ثغرة أمنية‬ ‫صادمة لدولة كبرى وعضو في الناتو واقعة على حدود الشرق األوسط‬ ‫ومحاور أزمات أخرى‪.‬‬ ‫ظهر أن بعض املحادثات املتعلقة بالفساد ج��اءت نتيجة لتسجيالت‬ ‫قانونية‪ ،‬حتى وإن لم يكن من املناسب نشرها‪ .‬بالنسبة إلردوغان‪ ،‬كان‬ ‫مصدر التسجيالت املسربة واضحا؛ وهو مؤيدو الزعيم الديني التركي‬ ‫فتح الله غولن‪ ،‬حليف إردوغان القديم الذي يبدو أنه أصبح عدوه اللدود‬ ‫اآلن‪ .‬يعترف حتى قادة حركة غولن أن عددا كبيرا من مؤيديهم يعملون‬ ‫في القضاء والشرطة‪ ،‬وهما املؤسستان اللتان تعمالن في التحقيقات‬ ‫القانونية ومنها قضية الفساد‪.‬‬ ‫ال يمكن إلقاء اللوم على إردوغان في غضبه من نشر املحادثات الخاصة‬ ‫عبر اإلنترنت‪ .‬سواء جرت التسجيالت بأوامر من املحكمة أم في جزء‬ ‫من التحقيقات القانونية أم ال‪ ،‬فمن املؤكد أنه ليس من املفترض نشرها‬ ‫للعامة خارج نطاق املحاكمة‪ .‬وفي استغالل املعارضة السياسية لظهور‬ ‫التسجيالت انتهازية واضحة ولكن لعلها مبررة‪ .‬في املاضي‪ ،‬لم يبد‬ ‫إردوغان اهتماما بحق الخصوصية – بل على النقيض – عندما نشرت‬ ‫تسجيالت مسربة تسببت في حرج لخصومه السياسيني‪ ،‬من بينها‬ ‫تسجيالت جنسية أدت إلى استقالة زعيم حزب الشعب الجمهوري في‬ ‫عام ‪ .2010‬وفي تلك القضايا‪ ،‬يعتقد أن أنصار غولن في قوات الشرطة‬ ‫كانوا متورطني‪ ،‬ولكن كان إردوغان متحالفا مع أنصار غولن في تلك‬


‫حزب الله‪ ،‬وإن كان بصورة مؤقتة‪ ،‬ملواجهة ما تعتبره تهديدا التوافق حول عدد من القضايا اإلقليمية‪ ،‬وال سيما في شأن‬ ‫سوريا والعراق وإيران‪.‬‬ ‫سنيا أكثر خطورة‪.‬‬ ‫إذا استمر السير في هذا االتجاه‪ ،‬قد ينهار الوضع األمني في‬ ‫لبنان – وال��ذي يضم في الوقت الحالي أكثر من مليون الجئ‬ ‫سوري سني‪ ،‬مما يجعل السنة يشكلون أكبر قطاع من السكان‬ ‫حتى اآلن – مما قد يؤدي إلى العودة إلى الحرب األهلية‪.‬‬ ‫س��وف يسفر ع��دم أداء واش�ن�ط��ن دوره ��ا ك�لاع��ب أس��اس��ي في‬ ‫الشرق األوسط عن تغيير ديناميكيات املنطقة‪ ،‬مما ُيفاقم من‬ ‫االنقسام السني الشيعي‪ .‬ولكن في ه��ذه األث�ن��اء ازداد تقارب‬ ‫العديد من دول مجلس التعاون الخليجي‪ ،‬مما ساعد على تشكيل‬ ‫تحالف من الدول املتقاربة في الفكر املعارض لجماعة اإلخوان‬ ‫املسلمني‪ .‬تدرك هذه الدول الخليجية بوضوح ما يتعرض للخطر‬ ‫في هذا الشرق األوس��ط الجديد‪ ،‬فأصبحت ُت ّ‬ ‫كيف سياساتها‬ ‫وفقا لتلك املعطيات‪ ،‬بتقديم مساعدات مالية وعسكرية مهمة‬ ‫مل�ص��ر ول�ب�ن��ان أم�ل�ا ف��ي م�س��اع��دة ه��ات�ين ال��دول�ت�ين ع�ل��ى ت�ج��اوز‬ ‫عاصفة ازدواجية واشنطن‪.‬‬

‫زيارة اوباما للسعودية‬ ‫من الواضح أن الزيارة التي قام بها أوباما مؤخرا إلى اململكة‬ ‫تهدف إلى تحسني العالقات الثنائية التي تشهد تراجعا وإلى‬ ‫استعادة ثقة اململكة في واشنطن‪ .‬لم يتحدد بعد تأثير الزيارة‬ ‫على العالقات‪ ،‬ولكن يبدو أن موقف طهران على وجه التحديد‬ ‫قد تغير‪ .‬في إحدى املقاالت في الصحف اإليرانية التي صدرت‬ ‫في أبريل (نيسان) ‪ ،2014‬تحت عنوان «انفصال بني الواليات‬ ‫املتحدة والسعودية على الرغم من زيارة أوباما»‪ ،‬أشار الكاتب‬ ‫إلى أن الواليات املتحدة واململكة العربية السعودية ال تستطيعان‬

‫وف��ي ح�ين ال ي�ب��دو أن ه�ن��اك «ان �ف �ص��اال» ق��ري�ب��ا ب�ين السعودية‬ ‫وأميركا‪ ،‬بغض النظر عن زيارة أوباما‪ ،‬إال أن العالقات ما زالت‬ ‫متوترة‪ .‬ولكن في الوقت ذاته‪ ،‬يبدو أن تقارب واشنطن مع طهران‬ ‫يواجه صعوبات مؤخرا‪ .‬بعد أسابيع من عودته من السعودية‪،‬‬ ‫وقع الرئيس أوباما على قانون يمنع مبعوث إيران املعني إلى األمم‬ ‫املتحدة حامد أبو طالبي من تولي منصبه في نيويورك بسبب‬ ‫مشاركته في االستيالء على السفارة األميركية وأزمة احتجاز‬ ‫الرهائن في عام ‪ .1979‬وتدعي طهران أن خطوة الواليات املتحدة‬ ‫تتنافى مع القانون الدولي وميثاق األمم املتحدة وترفق طلبات‬ ‫بتعيني مرشح آخر في املنصب‪.‬‬ ‫وليس من املعروف كيف سيكون تأثير هذا الخالف الدبلوماسي‬ ‫على املفاوضات النووية القائمة‪.‬‬ ‫م��ا زال م��ن املبكر معرفة م��ا إذا ك��ان رف��ض إدارة أوب��ام��ا ملنح‬ ‫التأشيرة ملبعوث إيران لدى األمم املتحدة حامد أبو طالبي – الذي‬ ‫شارك في االستيالء على السفارة األميركية وأزمة الرهائن عام‬ ‫‪ُ – 1979‬يمثل إش��ارة إلى أسلوب جديد أكثر صرامة وواقعية‬ ‫تجاه إيران‪.‬‬ ‫كذلك ليس من الواضح إذا ك��ان إم��داد ث��وار الجيش السوري الحر‬ ‫ب�ص��واري��خ ت��او األم�ي��رك�ي��ة امل �ض��ادة ل �ل��دروع س��وف يستمر‪ .‬ولكن‬ ‫الواضح هو أن��ه في ظل ع��دم وج��ود سياسة أميركية فعالة بشأن‬ ‫برنامج إيران النووي بما فيها استخدام موثوق به للقوة‪ ،‬وبالتالي‪،‬‬ ‫غ�ي��اب مساعي أميركا املشتركة م��ن أج��ل تحويل م�س��ار املعركة‬ ‫امليدانية في سوريا بعيدا عن األسد وإيران لصالح املعارضة السورية‬ ‫املعتدلة‪ ،‬فسوف يتأزم الوضع األمني في الخليج <‬

‫الرئيس األمريكي باراك أوباما‬ ‫يستعرض حرس الشرف السعودي‬ ‫لدى وصوله مطار امللك خالد الدولي‬ ‫في الرياض (مارس) املاضي‬

‫‪,,‬‬

‫هل ّ‬ ‫يعد رفض‬ ‫إدارة أوباما‬ ‫منح التأشيرة‬ ‫ملبعوث إيران‬ ‫لدى األمم‬ ‫املتحدة إشارة‬ ‫إلى أسلوب‬ ‫جديد أكثر‬ ‫صرامة وواقعية‬ ‫تجاه إيران؟‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫‪11‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫في نهاية مارس (اذار) املاضي‪ ،‬أثناء مقابلة الرئيس أوباما مع امللك عبد الله بن عبد العزيز في السعودية‪،‬‬ ‫أصدر البيت األبيض بيانا يشير فيه إلى «العالقات القوية» التي تربط بني واشنطن والرياض‪ .‬وذكر البيان أن‬ ‫الواليات املتحدة تعمل بالتعاون مع اململكة على «حل عدد من القضايا الثنائية واإلقليمية ذات األهمية‪ ،‬ومن‬ ‫بينها حل األزمة في سوريا (و) منع إيران من امتالك سالح نووي»‪ .‬ولم ترد بيانات مشابهة من الرياض‬ ‫فيما بعد املقابلة‪.‬‬

‫تراجع دور واشنطن في الشرق األوسط أدى إلى تحول ديناميكية املنطقة‬

‫قلق إيراني‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫ديفيد شنيكر‬

‫‪,,‬‬

‫يخشى‬ ‫البعض من‬ ‫أن اإلدارة‬ ‫األميركية‬ ‫تنحاز إلى‬ ‫حزب الله‬ ‫وإن كان‬ ‫بصورة مؤقتة‬ ‫ملواجهة‬ ‫ما تعتبره‬ ‫تهديدا سنيا‬ ‫أكثر خطورة‬

‫‪,,‬‬

‫‪10‬‬

‫تعرضت العالقات الثنائية بني الواليات املتحدة واململكة مباشرة باملفاوضات النووية الجارية مع إيران‪ .‬بإيجاز‪ ،‬يبدو أن‬ ‫السعودية لحالة م��ن التراجع لفترة م��ا‪ ،‬ولكن مؤخرا‪ ،‬واشنطن امتنعت عن شن هجوم ضد نظام األسد نظرا لقلقها‬ ‫وبغض النظر عن زيارة أوباما األخيرة‪ ،‬تشوب العالقات من إمكانية إحباط هذا اإلجراء ملفاوضاتها مع إيران‪.‬‬ ‫القائمة من فترة بعيدة بعض املشاكل‪ .‬تدور نقطة الخالف حول‬ ‫تقارب إدارة أوباما مع إيران مع التركيز على وقف برنامج طهران وتسبب فشل مسألة «الخط األحمر» في نتيجة مضاعفة‪ .‬فهو‬ ‫النووي‪ .‬من وجهة نظر الخليج‪ ،‬ال يعد االتفاق ال��ذي جرى في أوال قوض ثقة حلفاء واشنطن العرب (واإلسرائيليني) في أن‬ ‫‪ 20‬يناير (كانون الثاني)‪ ،‬لـ «تجميد» وليس التراجع عن‪ ،‬برنامج إدارة أوباما سوف تستخدم القوة العسكرية إذا لزم األمر ملنع‬ ‫طهران املتطور‪ ،‬وال��ذي منح ما يزيد على أربعة مليارات دوالر إيران من الحصول على سالح نووي‪ .‬وفي الوقت ذاته‪ ،‬أقنع هذا‬ ‫التصرف كثيرين في املنطقة ب��أن البيت األبيض لم يعد يؤيد‬ ‫إلى الحكومة الدينية املتعثرة ماليا‪ ،‬اتفاقا جيدا‪.‬‬ ‫اإلطاحة بنظام األسد‪ ،‬ربما بسبب مخاوف من صعود تنظيم‬ ‫وفقا ملعلقني سعوديني بارزين‪ ،‬اتسمت السياسات األميركية القاعدة في سوريا‪ .‬ومع ذلك يتساءل البعض في املنطقة‪ ،‬ملاذا‬ ‫التي توجت باتفاقية اإلطار النووي ملدة ستة أشهر بالـ «سذاجة»‪ .‬تنهي اإلدارة األميركية الحظر على تصدير قطع غيار طائرة‬ ‫ف��ي ال��وق��ت ذات � ��ه‪ ،‬ت��وج��د م �خ��اوف م��ن أن م� �ب ��ادرة اإلدارة في بوينغ ‪ 747‬اإليرانية‪ ،‬وهي أفضل وسيلة تستخدمها إيران في‬ ‫امل�ف��اوض��ات تصب تركيزها الضيق على املباحثات ال�ن��ووي��ة‪ ،‬شحن األسلحة والذخائر إلى نظام األسد؟‬ ‫متجاهلة التصرفات اإليرانية املثيرة للمشاكل والتي تتسبب‬ ‫تثير فكرة أن واشنطن تفضل النظام السيئ ال��ذي تعرفه في‬ ‫في زعزعة استقرار املنطقة‪.‬‬ ‫دم �ش��ق ع�ل��ى ب��دي��ل م �ج �ه��ول‪ ،‬أو م��ن امل�ح�ت�م��ل أن ي �ك��ون تابعا‬ ‫املأساة الواقعة في سوريا‬ ‫لـ «القاعدة»‪ ،‬قلقا متزايدا لدى أصدقاء واشنطن في الخليج‪ .‬كما‬ ‫أنه يهدد أيضا استقرار لبنان الهش‪.‬‬ ‫حتى الوقت الحالي‪ ،‬تكمن أهم تبعات تحسن العالقات األميركية‬ ‫مع إيران في املأساة الواقعة في سوريا‪ ،‬حيث يستمر نظام األسد إن الوضع الطائفي في لبنان مشتعل منذ فترة طويلة‪ ،‬ولكن‬ ‫العلوي الشيعي منذ عام ‪ 2011‬بدعم من إي��ران وميليشياتها فاقمت الحرب الدائرة في سوريا من التوترات بني السنة والشيعة‪.‬‬ ‫الشيعية املسلحة في لبنان حزب الله في قتل ما وصل إلى ‪ 200‬وعلى مدار العام املاضي‪ ،‬مثلما كان الجهاديون اللبنانيون السنة‬ ‫ألف شخص أغلبهم من املسلمني السنة‪ ،‬وتشريد ‪ 40‬في املائة ونظراؤهم في ميليشيات حزب الله الشيعية يقاتلون بعضهم‬ ‫من السكان‪ ،‬والتسبب في أزمة الجئني يبلغ عددهم عدة أضعاف اآلخ��ر ف��ي س��وري��ا‪ ،‬وق��ع على األق��ل ‪ 16‬ح��ادث تفجير سيارة‬ ‫الالجئني الفلسطينيني‪ .‬على مدار األعوام الثالثة املاضية‪ ،‬كانت مفخخة في لبنان في كل من األحياء الشيعية والسنية‪ .‬كانت‬ ‫إدارة أوباما تصدر بصورة روتينية بيانات صارمة تدين فيها التسوية املؤقتة الهشة على وشك االنهيار لوال القوات املسلحة‬ ‫ّ‬ ‫األسد وجرائمه‪ ،‬ولكنها لم تتخذ خطوات فعالة من أجل املساعدة اللبنانية‪ ،‬وهي املؤسسة الوطنية «غير الطائفية» الوحيدة في‬ ‫على وقف الحرب أو النظام‪.‬‬ ‫الدولة‪.‬‬

‫ألحق التقاعس األميركي عن اتخاذ أي إجراء ضررا باملصداقية العودة إلى الحرب األهلية في لبنان‬

‫األميركية في الشرق األوس��ط‪ .‬وكانت قضية اعتبار استخدام‬ ‫األسلحة الكيماوية «خطا أحمر» على وجه التحديد ذات ضرر‬ ‫ب��ال��غ‪ .‬ك��ان إج�ه��اض ال��رد العسكري األم�ي��رك��ي على استخدام‬ ‫نظام بشار األسد أسلحة كيماوية في ‪ 21‬أغسطس (آب) ‪2013‬‬ ‫والذي أسفر عن مقتل ‪ 1500‬مدني سوري‪ ،‬باإلضافة إلى تحفظ‬ ‫اإلدارة األميركية – على الرغم من التأكيدات العامة – على إمداد‬ ‫املعارضة السورية بالسالح‪ ،‬من وجهة نظر املنطقة‪ ،‬ذا صلة‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫ولكن لم تمس القوات املسلحة اللبنانية حزب الله مطلقا؛ وفي‬ ‫الفترة األخيرة مع اقتصار الحمالت العسكرية – التي تجري‬ ‫ف��ي بعض األح �ي��ان بمساعدة امليليشيات الشيعية ‪ -‬تقريبا‬ ‫على الجماعات السنية املشتركة في الثورة السورية‪ ،‬بدأ بعض‬ ‫اللبنانيني ف��ي التشكيك ف��ي حيادية املؤسسة العسكرية‪ .‬في‬ ‫الوقت ذاته‪ ،‬يخشى البعض من أن اإلدارة األميركية تنحاز إلى‬


‫أكثر من جبهة‪ ،‬ولكنهم على اقتناع أن بقاء األسد سيزيد من تفاقم‬ ‫املشكلة‪ ،‬خاصة في مسألة االحتقان املذهبي‪ .‬املوقف األميركي أعاد‬ ‫خلط الكثير من األوراق‪ ،‬ودفع املنطقة إلى تحالفات جديدة بعضها‬ ‫معلن والبعض اآلخر غير معلن‪.‬‬ ‫أما على الصعيد الداخلي فلبنان يمر بأصعب ظروفه االقتصادية‪ ،‬مع‬ ‫تراجع النمو االقتصادي وازدياد حجم العجز في املوازنة‪.‬‬ ‫كما أن الظروف األمنية الصعبة التي يمر بها البلد‪ ،‬واملواجهة املفتوحة‬ ‫بني حزب الله والدول الخليجية أدت إلى تراجع القطاع السياحي إحدى‬ ‫امل��وارد األساسية القتصاد البلد‪ .‬أض��ف إل��ى ذل��ك تراجع حجم املال‬ ‫السياسي الوافد إلى األحزاب اللبنانية وبالتالي اضطرار تلك األحزاب‬ ‫إلى التقليص من الخدمات التي كانت تقدمها إلى مناصيريها‪ .‬هذا من‬ ‫دون إغفال التأثير الكبير ألكثر من مليون الجئ سوري على الخزينة‬ ‫اللبنانية‪ ،‬واألمن الغذائي في ظل غياب أي خطة جدية ملعالجة أوضاعهم‬ ‫وبقاء املساعدات الدولية للدول واملؤسسات املانحة وعود ال أكثر‪.‬‬

‫املرشحون للرئاسة‬ ‫املرشحون األبرز للرئاسة‪ ،‬هم أقطاب املوارنة األربعة‪ :‬ميشال عون‪،‬‬ ‫وسمير جعجع‪ ،‬وأم�ين الجميل‪ ،‬وسليمان فرنجية‪ .‬ه��م مرشحون‬ ‫دائمون عند أوان هذا االستحقاق‪ .‬لهؤالء األقطاب حيثية مارونية من‬ ‫دون أدن��ى شك ول��و بنسب متفاوتة‪ ،‬ولكنهم مشكلتهم أنهم ليسوا‬ ‫عابرين للطوائف‪ ،‬بمعنى أن منهم من ليس مقبوال أب��دا ل��دى بعض‬ ‫الطوائف‪( ،‬كسمير جعجع عند الشيعة‪ ،‬وميشال عون عند السنة)‪،‬‬ ‫وليس فقط لرمزية ماضيهما‪ ،‬بل ألنهما جنحا في الهجوم املستمر‬ ‫على خصومهما من ممثلي الطوائف األخ��رى‪ ،‬بعد عودتهم للحياة‬ ‫السياسية اللبنانية‪ ،‬حزب الله في حالة جعجع الخارج من السجن‪،‬‬ ‫وتيار املستقبل وسعد الحريري في حالة عون العائد من املنفى‪ .‬مع‬ ‫العلم أن املرشحني االثنني توددا ولو متأخرين لخصومهما‪ .‬فالعماد‬ ‫ميشال ع��ون وف��ي ب��ادرة انفتاحية على تيار املستقبل زار الرئيس‬ ‫الحريري في دارته الباريسية تحت عنوان إنقاذ ما تبقى من الدولة‬ ‫اللبنانية‪ .‬أما جعجع فخاطب حزب الله بواسطة زوجته النائبة ستريدا‪،‬‬ ‫في الندوة البرملانية عشية إعطاء الثقة لحكومة الرئيس سالم‪ ،‬داعيا‬ ‫إياه لحوار عاقل وجدي‪ .‬هذا دليل القتناع املرشحني األبرزين أنفسهما‪،‬‬ ‫إن مركز الرئاسة يجب أن يحظى بدعم أغلبية األط��راف اللبنانية‪ ،‬ال‬ ‫سيما السنة والشيعة والدرز منها‪ ،‬كونه رمزا لوحدة الوطن‪.‬‬

‫أن عون يعلم أن حدود انفتاحه على تيار املستقبل ال يتعدى الطموح‬ ‫الرئاسي‪ ،‬فتيار املستقبل يعلم هو اآلخر أن حدود انفتاحه على حزب‬ ‫الله لن يتعدى «محاربة اإلرهاب التكفيري»‪ .‬فعربة لبنان مرتبطة بقطار‬ ‫الحل الشرق األوسطي‪ ،‬أي بمعنى آخر هو رهن العالقات األميركية‬ ‫اإليرانية‪ .‬والجميع بات يعرف أن سالح حزب الله‪ ،‬العقبة األساس في‬ ‫قيام دولة ينحصر السالح واستعماالته في يدها‪ ،‬لن يكون ثمرة تغيير‬ ‫تحالفات سياسية قد تزيد الوضع صعوبة وتعقيدا خاصة في ظل‬ ‫األزمة الوجودية التي يعيشها حزب الله‪.‬‬ ‫لم يستطع النواب من انتخاب رئيس للجمهورية في الجلسة األولى‬ ‫التي دع��ا إليها الرئيس ب��ري ي��وم ‪ 23‬أب��ري��ل (ن�ي�س��ان) امل��اض��ي‪ .‬فال‬ ‫جعجع يملك األكثرية التي تؤهله لتبؤ الرئاسة وال عون أو من سينوب‬ ‫عنه في الترشح‪ .‬فرفض قوى «‪ 8‬آذار» لترشيح سمير جعجع يقابله‬ ‫رف��ض ق��وى «‪ 14‬آذار» لترشيح ع��ون‪ .‬ه��ذا األم��ر م��ن شأنه أن يحث‬ ‫األفرقاء اللبنانيني بمساعدة الدبلوماسية الغربية البحث عن مرشح‬ ‫يحظى بقبول أغلبية األف��رق��اء‪ .‬وهنا قد يبدأ البحث باألسماء األقل‬ ‫استفزازا‪ ،‬كالنائب روبير غانم أو حاكم مصرف لبنان رياض سالمة‬ ‫أو النائب السابق ج��ان عبيد‪ .‬قائد الجيش ج��ان قهوجي هو اآلخر‬ ‫مرشح للمنصب‪ .‬وبني األسماء األربعة تلك‪ ،‬الكثير من الظروف التي‬ ‫قد تفضي إلى تفضيل اسم معني على آخر‪.‬‬

‫انفتاح العماد ميشال عون على الرئيس الحريري‪ ،‬ثم تحالف التيارين‬ ‫في انتخابات نقابة املهندسني‪ ،‬ومن ثم تصويت الكتلتني النيابيتني‬ ‫على تأجيل البحث في سلسلة الرتب والرواتب‪ ،‬أطلقت العنان لكثير‬ ‫من التأويل خاصة على أبواب االنتخابات الرئاسية‪ .‬مع العلم أن تيار‬ ‫املستقبل حريص على «‪ 14‬آذار» وتماسكها وتوحدها حول مرشح‬ ‫واحد‪ ،‬ولو هو على قناعة بأن الرئيس القادم سيكون ثمرة تفاهم بني‬ ‫الفرقاء املتخاصمني‪ ،‬بشكل ال يكون استفزازيا ألي من األطراف‪ ،‬وهو‬ ‫ما يتماشى مع رغبة املجتمع الدولي في إرس��اء نوع من االستقرار‬ ‫السياسي واألمني في لبنان‪ ،‬تماما كما حصل مع حكومة الرئيس‬ ‫سالم التي شهدت تنازالت من قبل طرفي اآلذاري�ين ‪ 8‬و‪ 14‬من أجل وهذا االسم سيكون على الئحة تتقاطع أميركيا وإيرانيا وخليجيا‪،‬‬ ‫تسهيل تشكيل الحكومة‪.‬‬ ‫غير مستفز لحزب الله أو سالحه‪ ،‬وله قدرة على «محاربة اإلرهاب‬ ‫التكفيري» من جهة‪ ،‬ومقاربة األزمات االقتصادية بشكل يسهل عمل‬ ‫رئيس‪ :‬صنع في لبنان‬ ‫رئيس الحكومة القادمة‪ .‬قد ينتظر اللبنانيون طويال قبل أن ينتخبوا‬ ‫لبنان»‬ ‫في‬ ‫«صنع‬ ‫رئيسا‬ ‫<‬ ‫من ه��ذا املنظار يمكن فهم انفتاح األف��رق��اء املتخاصمة بعضها مع‬ ‫بعض‪ ،‬وفي هذا االتجاه تصب االجتماعات التنسيقية بينها‪ ،‬فتغيير‬ ‫* كاتب ومحلل سياسي وباحث أكاديمي‪ ،‬مستشار في وسائل اإلعالم‬ ‫واالتصاالت اللبنانية‪ .‬شارك في تأليف كتاب «لبنان‪ :‬التحرير والصراعات‬ ‫التحالفات في الوقت الحالي في لبنان وفي ظل الظروف الحساسة التي‬ ‫واألزمات في الشرق األوسط (تحت املجهر)»‬ ‫تعيشها املنطقة والتطورات العسكرية في سوريا أمر غير متاح‪ .‬فكما‬

‫‪,,‬‬

‫قصر بعبدا الرئاسي‬

‫بروز الدور‬ ‫اإليراني في‬ ‫تحديد هوية‬ ‫الرئيس‬ ‫اللبناني املقبل‬ ‫بعد تراجع‬ ‫نفوذ األسد‬

‫‪,,‬‬

‫سمير‬ ‫جعجع‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫‪09‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫لم تخل االستحقاقات السياسية اللبنانية املهمة‪ ،‬من تدخل العامل الخارجي أو اإلقليمي فيها‪ ،‬إن كان في‬ ‫حل األزمات الكبيرة‪ ،‬كثورة عام ‪ ،1958‬أو اتفاق الطائف الذي وضع حدا للحرب األهلية اللبنانية التي اندلعت‬ ‫عام ‪ ،1975‬أو في تأليف الحكومات‪ ،‬وآخرها عملية تأليف حكومة الرئيس تمام سالم‪ ،‬أو حتى في انتخابات‬ ‫رئيس الجمهورية‪ ،‬من بشارة الخوري إلى ميشال سليمان‪ .‬وقد مارست القوى اإلقليمية والخارجية تأثيرها‬ ‫على األفرقاء اللبنانيني إما لدفعها على التوافق أو لترجيح كفة خيار ما يتناسب ومصالحها‪.‬‬

‫رئاسة لبنان‪ :‬مطلوب رئيس يحظى بقبول الخارج وقناعة الفرقاء داخليا‬

‫وظيفة شاغرة!‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫إيلي فواز *‬

‫‪,,‬‬

‫املرشحون‬ ‫األبرز للرئاسة‬ ‫هم أقطاب‬ ‫املوارنة األربع‪..‬‬ ‫ويحضرون‬ ‫دائما عند‬ ‫أوان هذا‬ ‫االستحقاق‬

‫‪,,‬‬

‫التدخل األجنبي الفاعل لحل األزمات اللبنانية حصل بشكل‬ ‫ق��وي بعد مجازر الجبل ع��ام ‪ 1860‬حيث اجتمعت كل من‬ ‫فرنسا وبروسيا واململكة املتحدة والنمسا واإلمبراطورية‬ ‫العثمانية إلرس ��اء ن�ظ��ام إداري وق�ض��ائ��ي ج��دي��د ي�ح��ول دون تكرار‬ ‫املجازر‪ .‬واستطرادا عرف لبنان فورة عمرانية وتربوية واقتصادية‬ ‫تواصلت حتى الحرب العاملية األولى‪ .‬التدخالت األجنبية تتالت فصوال‪،‬‬ ‫إن كان على صعيد الصراع العسكري املسلح بني حزب الله وإسرائيل‬ ‫والذي أنتج في مرحلة سابقة تفاهم «نيسان» عام ‪ ،1996‬حيث ألزمت‬ ‫إسرائيل بعد استهداف املدنيني أو البنى التحتية للدولة اللبنانية‪ ،‬وبعد‬ ‫حرب «تموز» ‪ ،2006‬القرار ‪ ،1701‬الذي أوقف أعمال العنف القائمة‬ ‫بني الطرفني ونشر الجيش وقوات األمم املتحدة على طل الشيط األزرق‬ ‫وانسحاب مقاتلي حزب الله إلى ما بعد خط الليطاني‪.‬‬ ‫هذا البعد الخارجي كان فاعال أيضا عبر التاريخ في انتخابات الرئاسة‬ ‫اللبنانية‪ .‬فمثال انتخاب الرئيس فؤاد شهاب جاء نتيجة تفاهم أميركي‬ ‫م�ص��ري‪ ،‬مل��ا ك��ان للرئيس جمال عبد الناصر م��ن تأثير على الفئة‬ ‫املسلمة اللبنانية‪ ،‬ولألميركيني «مونة» على املسيحيني‪ .‬في عام ‪1988‬‬ ‫خيرهم املبعوث األميركي ريتشارد مورفي بني انتخاب ميخائيل‬ ‫الضاهر أو الفوضى‪ .‬فاختار أكثرية املوارنة الفوضى على مدى سنتني‪،‬‬ ‫قبل القبول بالعرض األميركي السوري الذي أوصل إلياس الهراوي إلى‬ ‫سدة الرئاسة األولى‪ .‬ما فتح مرحلة الوصاية السورية‪ .‬فسوريا املولجة‬ ‫بامللف اللبناني وتعقيداته رسميا بعد دعمه ومشاركته الحلف العاملي‬ ‫بقيادة الواليات املتحدة في حرب الخليج الثانية عاصفة الصحراء‬ ‫أصبحت الناخب األكثر تأثيرا في تحديد هوية الرئيس اللبناني مع‬ ‫هامش ضيق لتدخل ال��دول اإلقليمية ودول الغرب ال سيما الواليات‬ ‫املتحدة‪.‬‬

‫الحرب األهلية‬

‫ميشال‬ ‫عون‬

‫‪08‬‬

‫عندما أصر الرئيس بشار األسد التمديد للرئيس إميل لحود‪ ،‬تدخل‬ ‫العالم الغربي وأص��در القرار األممي رقم ‪ 1559‬ليعلن تأييده عملية‬ ‫انتخابية حرة ونزيهة في االنتخابات الرئاسية دون تدخل أو نفوذ‬ ‫أجنبي‪ .‬حتى انتخاب الرئيس سليمان جاء بعد اتفاق اللبنانيني في‬ ‫الدوحة بعد أحداث دامية افتعلها حزب الله في عام ‪ ،2008‬وأدخلت‬ ‫لبنان في أزمة سياسية دامت قرابة الـ‪ 18‬شهرا‪.‬‬ ‫طبعا ما سبق ال ينفي دور البعد الداخلي للمكونات اللبنانية التي‬ ‫تسوق ألحد األسماء تماما كما فعل ببراعة دولة الرئيس ميشال املر‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫على مدى عقود حتى أطلق عليه لقب مهندس الرؤساء‪ ،‬من دون أن‬ ‫يحيد عن الظرف العام الذي كان يتحكم باألجواء االنتخابية في أكثر‬ ‫من ظرف‪ .‬فأبو إلياس مثال خطط إليصال إلياس سركيس إلى سدة‬ ‫الرئاسة عام ‪ 1976‬في ظل احتداد الحرب األهلية ودخول األسد إلى‬ ‫لبنان‪ ،‬ومن ثم استنفر كل طاقاته النتخاب الرئيس بشير الجميل عام‬ ‫‪ 1982‬في عز االجتياح اإلسرائيلي‪.‬‬ ‫أما بعد اتفاق الطائف ومع نفي الجنرال عون وسجن الدكتور جعج‬ ‫مأل وحده الفراغ املسيحي‪ ،‬وأصبح يهندس االنتخابات على أنواعها‬ ‫ويرعى املصالحات بني الرئيس لحود والرئيس الشهيد رفيق الحريري‬ ‫اللذين لم يكونا على انسجام‪ ،‬حتى ب��ات الثابتة الرابعة فيما عرف‬ ‫بترويكا الحكم اللبناني‪.‬‬ ‫لكل انتخابات رئاسية ظروف تختلف باختالف األوض��اع اإلقليمية‬ ‫الكثيرة التقلب‪ ،‬واالن�ت�خ��اب��ات الرئاسية التي تطل على لبنان اليوم‬ ‫مثقلة بأحداث إقليمية كبيرة تتقدمها الحرب األهلية السورية‪ ،‬والتي‬ ‫ستؤدي بطبيعة الحال إلى تراجع نفوذ األسد في تحديد هوية الرئيس‬ ‫اآلتي بمقابل بروز الدور اإليراني في هذا املجال‪ ،‬خاصة مع االنفتاح‬ ‫األميركي عليها‪ ،‬وإدخالها شريكا أساسيا في حل أزمات املنطقة‪ ،‬بعد‬ ‫أن كانت وعلى مدى أعوام مصدرا ألغلب مشكالتها‪.‬‬ ‫كما يجري االستحقاق الرئاسي في جو من صراع سني ‪ -‬شيعي يلف‬ ‫املنطقة العربية بأكملها‪ ،‬وقد طال لبنان منذ اغتيال الرئيس الحريري‪،‬‬ ‫وتطور بشكل خطير بعد العمليات االنتحارية التي استهدفت مؤخرا‬ ‫املناطق الشيعية كرد على مشاركة حزب الله في الحرب السورية إلى‬ ‫جانب األسد‪ .‬أضف إلى ذلك االنقسام العربي الذي أحدثته االنتفاضة‬ ‫القطرية على االنتظام الخليجي بحيث انعكس صراعا في أكثر من‬ ‫ملف وأكثر من منطقة‪.‬‬

‫اإلرهاب التكفيري‬ ‫من جهة أخرى أدى بروز النشاطات العسكرية للمجموعات اإلرهابية‬ ‫التي اعتبرتها الواليات املتحدة خطرا على أمنها القومي إلى تحويل‬ ‫األن�ظ��ار عما ارتكبه الرئيس ال�س��وري بحق شعبه وال�ت��ي ترقى إلى‬ ‫جرائم حرب‪ ،‬والتركيز باملقابل على محاربة اإلره��اب التكفيري‪ .‬ما‬ ‫جعل نظريا على األقل قيام حلف يضم الواليات املتحدة وإيران وحزب‬ ‫الله واألسد وروسيا للتصدي لتلك املوجة‪ .‬وما وضع تلقائيا حلفاء‬ ‫الواليات املتحدة بموقف صعب‪ ،‬فهم ضد اإلره��اب ويحاربونه على‬


‫الكتــاب املســاهمـون يف هـذا العـدد‬ ‫آالن ماكوفسكي‪ :‬عضو لجنة الشؤون الخارجية‬ ‫والعالقات الدولية في الكونغرس األميركي‪،‬‬ ‫واملؤسس واملدير السابق ملعهد واشنطن لسياسة‬ ‫الشرق األدنى‪ .‬محاضر دولي‪ ،‬ومسؤول قضايا‬ ‫الشرق االوسط وتركيا بالخارجية االميركية‬ ‫سابقا‪.‬‬ ‫علي العميم‪ :‬كاتب وصحافي وناقد ومؤرخ‬ ‫سعودي‪ .‬من مؤلفاته «شيء من النقد شيء‬ ‫من التاريخ‪ :‬آراء في الحداثة والصحوة وفي‬ ‫الليبرالية واليسار» «وعبدالله النفيسي‪:‬‬ ‫الرجل‪ ،‬الفكرة‪ ،‬التقلبات‪ :‬سيرة غير‬ ‫تبجيلية»‪.‬‬ ‫ديفيد شينكر‪ :‬زميل أوفزين ومدير برنامج‬ ‫السياسة العربية في معهد واشنطن‪ .‬كان‬ ‫يعمل في السابق في مكتب وزير الدفاع‬ ‫لشؤون دول املشرق‪ ،‬واملساعد األعلى في‬ ‫سياسة البنتاغون الخاصة بدول املشرق‬ ‫العربي‪.‬‬ ‫فايز بن عبد الله الشهري‪ :‬عضو مجلس الشورى‬ ‫السعودي‪ ،‬مستشار وباحث في قضايا اإلعالم‬ ‫ّ‬ ‫ومقدم مشروع «نظام حرية املعلومات» في‬ ‫الجديد‪،‬‬ ‫السعودية‪ .‬مدير مركز البحوث والدراسات في كلية‬ ‫امللك فهد األمنية حاصل على درجة الدكتوراه في‬ ‫«اإلعالم االلكتروني» من جامعة شيفيلد ‪ -‬اململكة‬ ‫املتحدة‪ .‬له عشرات البحوث والكتب املنشورة‪.‬‬ ‫جوزيف براودي‪ :‬كاتب ومحلل سياسي اميركي‬ ‫متخصص في شؤون املجتمعات العربية‪ .‬آخر‬ ‫‪ )The Honored‬من‬ ‫كتبه‪« ،‬املوتى الشرفاء» (‪ُ Dead‬‬ ‫اصدار «راندوم هاوس» للنشر‪ .‬نشرت مقاالته‬ ‫في «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال»‬ ‫وغيرها من الجرائد واملجالت األميركية‪.‬‬ ‫أروى حسن‪ :‬خبيرة في التنمية الدولية تعمل‬ ‫مع حكومات ومنظمات مجتمع مدني في‬ ‫العالم العربي منذ ‪ 15‬عاما‪ .‬حاصلة على درجة‬ ‫املاجستير من جامعة كامبريدج في بريطانيا‪.‬‬ ‫تلقي محاضرات بانتظام في املحافل الدولية‬ ‫بشأن قضايا مكافحة الفساد‪ ،‬والحكم‪ ،‬واإلصالح‬ ‫املؤسسي‪.‬‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫‪7‬‬


‫المحتوى‬

‫تراجع دور واشنطن في‬ ‫الشرق األوسط أدى إلى‬ ‫تحول ديناميكية املنطقة‬

‫قلق إيراني‬

‫السعودية‪:‬‬ ‫إستراتيجية‬ ‫وطنية ملكافحة‬ ‫الفساد وتبني‬ ‫الحكومة‬ ‫اإللكترونية‬

‫تعزيز‬ ‫النزاهة‬ ‫القضية الكردية واألزمة‬ ‫القبرصية ‪ ..‬طريق تركيا‬ ‫الستعادة العالقات مع واشنطن‬

‫إردوغان بال قيود‬

‫السياسة الخارجية األميركية‬ ‫تدخل عصرا جديدا‬

‫مواجهة اإلرهاب‬ ‫بدبلوماسية «اهليب هوب»‬

‫التنظيم النسائي‬ ‫الراديكالي‪:‬‬ ‫إنهم يفخخون‬ ‫القوارير‬

‫االنتحاريات‬ ‫الذكرى الـ‪ 83‬لرحيل جبران‬ ‫خليل جبران‪ ..‬شاعر األبناء‬ ‫الذي أهمله اآلباء‬

‫صدمة معرفية!‬ ‫‪6‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬


‫مجلة العرب الدولية‬ 1980 ‫تأسست في لندن عام‬

‫شهرية سياسية‬

www.majalla.com 

‫للحصول على‬ :‫املعلومات املفصلة‬




‫االفتتاحية‬

‫رساله المحرر‬ ‫حني تطرح قضية الحركات اإلسالمية‪ ،‬وأنشطتها الراديكالية املتطرفة‪ ،‬أو مراميها السياسية‪ ،‬فإن جانبا من الحديث يغيب ويغفل‬ ‫التركيز عنه‪ ،‬وهو الشق اآلخر الفاعل بني صفوف هذه الحركات التي تساهم في ترويج ونشر األفكار املتطرفة في مناطق ال‬ ‫يستطيع الوصول إليها الرجال‪.‬‬ ‫فما هو دور املرأة في التنظيمات اإلسالمية الراديكالية‪ ،‬وكيف ساهمت في الدفاع والعمل مع شقائقهن من الرجال؟‬ ‫حول هذا املوضوع تفتح «املجلة» في عددها لهذا الشهر قضية «الحركة اإلسالمية النسائية»‪ ،‬وكيف يتجلى التطرف في عباءة‬ ‫الدعوة‪ ،‬وإلى مدى أصبحت املرأة مجندة في ساحات العنف والقتال التي لم تكن حاضرة فيه سابقا‪.‬‬ ‫الكاتب املصري ممدوح الشيخ يطرح جوانب من مسيرة التنظيم النسائي الراديكالي‪ ،‬في موضوع بعنوان «إنهم يفخخون القوارير»‪،‬‬ ‫مستعرضا وراصدا ظاهرة تجنيد االنتحاريات في أوساط الجماعات الجهادية‪ ،‬سواء في العراق أو الشيشان أو أفغانستان‪.‬‬ ‫أما الكاتبة الروسية إيرينا كرستوفروفا فتكتب عن «الحراك الدموي في روسيا» وكيف بلغ الحال بـ‪ 46‬امرأة قمن بـ‪ 12‬عملية‬ ‫انتحارية‪ ،‬مستعرضة حكاية تنظيم «األرامل السود»‪ ،‬وهو اللقب الذي بات يطلق على النساء القوقازيات الالتي قمن بتنفيذ العمليات‬ ‫االنتحارية في روسيا خالل ‪ 13‬عاما‪.‬‬ ‫أما الصحافية األملانية ‪ -‬لبنانية األصل ‪ -‬اعتدال سالمة فتسلط الضوء على األصولية في أملانيا وظاهرة «الجهاديات األملانيات»‬ ‫اللواتي توجهن للقتال في سوريا‪ ،‬وسعيهن للزواج بمجاهدين‪ ،‬ومحاوالت السلطات األملانية الحتواء هذه الظاهرة حتى ال تتسبب‬ ‫بارتداد أعمال العنف إلى داخل البالد‪.‬‬ ‫وفي موضوع آخر تقرأ الصحافية السعودية هدى الصالح واقع الحركة اإلسالمية النسائية في السعودية وصالتها الحركية‬ ‫بجماعة اإلخوان املسلمني في مصر‪ ،‬وكيف أثرت هجرات القيادات اإلخوانية إلى الخليج في تكوين كوادر نسائية ساهمت في نقل‬ ‫الفكر اإلخواني بني أوساط النساء في السعودية‪ ،‬األمر الذي أسفر عن تشكيل نشاط نسائي عريض يشكل امتدادا للفكر الصحوي‬ ‫بكل أطيافه‪.‬‬ ‫وفي ملف آخر يتناول الباحث السعودي علي العميم تاريخ مصطلح «اإلسالم السياسي» وجذوره‪ ،‬مبينا أن هذا املصطلح «تسمية‬ ‫قديمة يرجع تاريخها إلى أواخر القرن الـ‪ ،19‬ومطلع القرن الـ‪ ،20‬حيث نشأ في ظل نوازل ونكبات حلت بالعالم اإلسالمي وزعيمته‬ ‫السلطنة العثمانية»‪ .‬كما فند العميم أكاذيب اإلسالميني حول مصطلح «اإلسالم السياسي»‪ ،‬مفسرا أسباب رفضهم له‪ ،‬مؤكدا أن‬ ‫اإلخوان املسلمني استأنفوا مشروع «الجامعة اإلسالمية» الذي تبناه السلطان عبد الحميد الثاني‪« ،‬فمرشد اإلخوان يعتبر في نظرهم‬ ‫هو (الخليفة)»‪.‬‬ ‫وفي شؤون السعودية والخليج‪ ،‬يكتب عضو مجلس الشورى الدكتور فايز الشهري موضوعا حول االستراتيجية الوطنية ملحاربة‬ ‫الفساد في السعودية‪ ،‬مؤكدا أن «قرار إنشاء هيئة وطنية ملكافحة الفساد لم يكن أول جهد حكومي تنظيمي موجه نحو تعزيز‬ ‫النزاهة‪ ،‬بل سبقته إجراءات أخرى توجت بتوقيع اململكة على اتفاقيات األمم املتحدة ملكافحة الفساد‪ ،‬لتصبح بذلك هذه القضية‬ ‫التزاما دوليا وسياسة وطنية ترعاها مؤسسات وتوجبها أنظمة»‪.‬‬ ‫إضافة إلى ذلك تقدم «املجلة» نخبة مترجمة من أهم املقاالت والتحليالت السياسية التي تتناول الشؤون الدولية واإلقليمية‪ ،‬كما‬ ‫نشرت في مجلة «فورن أفيرز» األميركية‪.‬‬ ‫ندعوك عزيزي القارئ لقراءة هذه املوضوعات وغيرها الكثير على موقعنا «‪ »majalla.com‬ونرحب دائما بآرائك‪ ،‬وتعليقاتك‪.‬‬

‫المحرر‬ ‫‪4‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬


ĴĽŬĚŠĴĽŤŚťšũŤēźIJżřŭĝŤēĺżĐĴŤē +y:a`3x3Na-Mk1fM Acting CEO of NASHR Co.

Omar A. Alshaikh :‫مسؤول مكتب اخلليج‬ ‫ﻣﺴﺆول ﻣﻜﺘﺐ اﳋﻠﻴﺞ‬

‫الر�شيد‬ ‫عبد اهلل‬ ^¤7yG*Ò*^d<

ĴĽŬĚŠĴĽŤŚťšũŤēźIJżřŭĝŤēĺżĐĴŤē +y:a`3x3Na-Mk1fM :‫سكرتري التحرير‬ ‫اﻟﺘﺤﺮﻳﺮ‬ ‫ﺳﻜﺮﺗﲑ‬ ĴĽŬĚŠĴĽŤŚťšũŤēźIJżřŭĝŤēĺżĐĴŤē Acting CEO of NASHR.‫د‬Co. ‫الد�سوقي‬ ‫م�صطفى‬ Omar A. Alshaikh +y:a`3x3Na-Mk1fM

¥E¢‫الفين‬6^G*£ }H ‫اإلخراج‬

ǀżȤƾƪƵƴŽ Acting CEO of NASHR ‫عثمان‬ ‫ علي‬Co.

ΔϤϠϛϰϠϋΪϳΰΗϻ΃ΐΠϳΕϻΎϘϤϟ΍ϊϴϤΟΔχϮΤϠϣHGLWRULDO#PDMDOODFRPϲϧϭήΘϜϟϹ΍ΪϳήΒϟ΍ϰϠϋΔϠγ΍ήϤϟ΍ϰΟήϳ˯΍έ΁ϭ΃ΕϻΎϘϣϝΎγέϹ Omar A. Alshaikh

‫للمشاركة‬ ȝƾżȚǍƄŵȚ

‫كلمة‬ 800 ‫ جميع المقاالت يجب أال تزيد على‬:‫ ملحوظة‬editorial@majalla.com ‫إلرسال مقاالت أو آراء يرجى المراسلة على البريد اإللكتروني‬ ZZZLVVXXFRPPDMDOODΔϴϧϭήΘϜϟϻ΍ϲϓϙ΍ήΘηϼϟVXEVFULSWLRQV#PDMDOODFRP˰ΑϝΎμΗϻ΍ϰΟήϳˬΔϴϤϗήϟ΍ΔόΒτϟ΍ϲϓϙ΍ήΘηϼϟ

‫اشتراكات‬ ϡΎψϧϱ΃ϲϓΎϬϨϳΰΨΗϭ΃ΎϬϨϣ˯ΰΟϱ΃ϭ΃ΔϠΠϤϟ΍ΔϋΎΒσΓΩΎϋ·ϝ΍ϮΣϷ΍ϦϣϝΎΣϱ΄ΑίϮΠϳϻϭΓΩϭΪΤϣΔϛήη ΓΪΤΘϤϟ΍ΔϜϠϤϤϟ΍ ϖϳϮδΘϟ΍ϭΙΎΤΑϸϟΔϳΩϮόδϟ΍Δϛήθϟ΍ϦϋέΪμΗϲΘϟ΍ΔϠΠϤϟ΍ΔϠΠϤϟΔχϮϔΤϣήθϨϟ΍ϕϮϘΣ www.issuu.com/majalla :‫ لالشتراك في االلكترونية‬subscriptions@majalla.com :‫ يرجى االتصال بـ‬،‫لالشتراك في الطبعة الرقمية‬ ϲϘϠΘϟ˱ΎϳήϬηΔϠΠϤϟ΍έΪμΗϭ ΓΩϭΪΤϣΔϛήη ϖϳϮδΘϟ΍ϭΙΎΤΑϸϟΔϳΩϮόδϟ΍Δϛήθϟ΍ϦϣϖΒδϣ΢ϳήμΗϰϠϋϝϮμΤϟ΍ϥϭΩϪΑΎηΎϣϭ΃ΎϬϠϴΠδΗϭ΃ΎϫήϳϮμΗϭ΃Δϴϟ΁ϭ΃ΔϴϧϭήΘϜϟ·ΔϠϴγϭϱ΃ϭ΃ΓέϮλϱ΄ΑΎϬϠϘϧϭ΃ϲϋΎΟήΘγ΍ ZZZPDMDOODFRPΓέΎϳίϰΟήϳˬϲϤϗήϟ΍ϙ΍ήΘηϻ΍Ε΍έΎδϔΘγ΍

‫ وال يجوز بأي حال من األحوال إعادة طباعة المجلة أو أي جزء منها أو تخزينها في أي نظام‬.‫ التي تصدر عن الشركة السعودية لألبحاث والتسويق (المملكة المتحدة) شركة محدودة‬2009 ‫حقوق النشر محفوظة لمجلة المجلة‬ ‫ لتلقي‬.ً‫ وتصدر المجلة شهريا‬.)‫استرجاعي أو نقلها بأي صورة أو أي وسيلة إلكترونية أو آلية أو تصويرها أو تسجيلها أو ما شابه دون الحصول على تصريح مسبق من الشركة السعودية لألبحاث والتسويق (شركة محدودة‬   www.majalla.com ‫ يرجى زيارة‬،‫استفسارات االشتراك الرقمي‬

LVVXH

$XJXVW



Ώ΁βτδϏ΃ΩΪόϟ΍

++6DXGL5HVHDUFKDQG0DUNHWLQJ 8. /WG Issue 1595 - May 2014 $UDE3UHVV+RXVH+LJK+ROERUQ /RQGRQ:&9$3 HH Saudi Research and Marketing (UK) Ltd 7HO)D[ Arab Press House, 184 High Holborn, London WC1V 7AP Tel: +44 207 831 8181 - Fax: +44 207 831 2310

ϰμμΨΘϟ΍ϊσΎϘΗΔϜϣϖϳήσΕ΍ήϤΗΆϤϟ΍ϲΣνΎϳήϟ΍ΎϬϟκΧήϣ 2014 ‫ مايو‬- ‫ أيار‬1595 ‫العدد‬

$0RQWKO\3ROLWLFDO1HZV0DJD]LQH ϥΪϨϟϒΗΎϫνΎϳήϟ΍

ZZZPDMDOODFRPHQJ

‫ تقاطع التخصصى‬- ‫ طريق مكة‬- ‫ حي المؤتمرات‬- ‫الرياض‬

‫مرخص لها‬

A Monthly Political News Magazine +44 207 831 8181 :‫ لندن‬- 4419933 ‫ هاتف‬:‫الرياض‬

www.majalla.com/eng KT#DONKDOHHMLDKFRPϲϧϭήΘϜϟ·ΪϳήΑˬZZZDONKDOHHMLDKFRPϲϧϭήΘϜϟ·ϊϗϮϣ ϝϭΪϟ΍ϒϠΘΨϣϦϣϭˬϥΪϨϟˬβϳέΎΑˬϲΑΩˬΔϜϠϤϤϟ΍ϞΧ΍ΩϦϣ

ϲϧϼϋϹ΍ϞϴϛϮϟ΍

hq@alkhaleejiah.com :‫ بريد إلكتروني‬،www.alkhaleejiah.com :‫موقع إلكتروني‬ +966 11 441 1444 : ‫ ومن مختلف الدول‬، +44 207 404 6950:‫ لندن‬، +331 537 764 00:‫ باريس‬،+9714 3 914440 :‫ دبي‬،920 000 417 : ‫من داخل المملكة‬

‫الوكيل اإلعالني‬

ϲϧΎΠϣϒΗΎϫˬZZZDUDEPHGLDFRFRPϲϧϭήΘϜϟ·ϊϗϮϣˬLQIR#DUDEPHGLDFRFRPϲϧϭήΘϜϟ·ΪϳήΑ

ΕΎϛ΍ήΘηϹ΍Ϟϴϛϭ

800-2440076 :‫ هاتف مجاني‬،www.arabmediaco.com :‫ موقع إلكتروني‬، info@arabmediaco.com :‫بريد إلكتروني‬

‫وكيل اإلشتراكات‬

ˬβϛΎϓϒΗΎϫˬνΎϳήϟ΍ΏιΕ΍ήϤΗΆϤϟ΍ϲΣΔϳΩϮόδϟ΍ΔϴΑήόϟ΍ΔϜϠϤϤϟ΍ϲϓϊϳίϮΘϟ΍Ϟϴϛϭ

ZZZVDXGLGLVWULEXWLRQFRPϲϧϭήΘϜϟ·ϊϗϮϣ ،+966 11 2121774 :‫ فاكس‬+966 11 4419933 :‫ هاتف‬،11585 ‫ الرياض‬- 62116 ‫ب‬.‫ ص‬- ‫المؤتمرات‬ ‫وكيل التوزيع في المملكة العربية السعودية حي‬ www.saudidistribution.com :‫موقع إلكتروني‬ ZZZKDODSULQWFRFRPϲϧϭήΘϜϟ·ϊϗϮϣˬβϛΎϓˬϒΗΎϫˬνΎϳήϟ΍Ώι

‫�شركات ن�شر‬ ‫شركات نشر‬

ϊϳίϮΘϟ΍Ϟϴϛϭ

‫وكيل التوزيع‬

ΔϋΎΒτϟ΍ΰϛήϣ

ΔϋϮϤΠϤϟ΍ΕΎϛήη www.arabmediaco.com

Saudi Specialized Publishing ‫املتخصص‬ ‫السعودية للنشر‬ ‫ الشركة‬Company www.sspc.com.sa

áeÉ©dG äÉbÓ©dGh ¿ÓYEÓd á«é«∏ÿG

www.srpc.com 6DXGL6SHFLDOL]HG3XEOLVKLQJ&RPSDQ\

‫حقوق التوزيع لهذه المطبوعات محفوظة‬

»‫لشركة «تريبيون لخدمات اإلعالم‬

ΔχϮϔΤϣΕΎϋϮΒτϤϟ΍ϩάϬϟϊϳίϮΘϟ΍ϕϮϘΣ

©ϡϼϋϹ΍ΕΎϣΪΨϟϥϮϴΒϳήΗªΔϛήθϟ 8002440014 ‫ يرجى اإلتصال على الهاتف المجاني‬،‫المعلومات‬ ‫للحصول على المزيد من‬

»‫حقوق النشر لهذه المطبوعات باللغة العربية مرخصة «المجلة‬


‫العدد ‪ 1595‬أيار‪ -‬مايو ‪2014‬‬

‫مجلة العرب الدولية‬ ‫شهرية سياسية‬

‫‪‬‬

‫تأسست في لندن عام ‪1980‬‬

‫�آالن ماكوف�سكي‪� :‬إردوغان بال قيود‪..‬طريق تركيا ال�ستعادة العالقات مع وا�شنطن‬ ‫فايز ال�شهري‪� :‬إ�سرتاتيجية وطنية ملكافحة الف�ساد وتعزيز النزاهة يف ال�سعودية‬ ‫جوزيف براودي‪ :‬جتربة رائدة‪..‬عالج نف�سي للتفكري اجلهادي يف ال�سعودية‬

‫‪‬‬

‫للحصول على العدد‬ ‫اسـتخـدم هاتفــك‬ ‫ال ــذكي لـمــسح‬ ‫هـ ـ ــذا الـ ــرقـ ـ ـ ــم‬ ‫‪05‬‬

‫‪ISSN 1319-0873‬‬

‫‪9 771319 087013‬‬ ‫‪‬‬

‫‪‬‬

‫‪Issue 1595 - May 2014‬‬

‫‪www.majalla.com‬‬

شقائق التنظيم  

الحركة الإسلامية النسائية رقم العدد 1595 أيار - مايو 2014