Page 1

‫‪cartier.com‬‬

‫روتوند دو كارتييه‬

‫مكرر الدقائق‪ ،‬التوربيون المحلقة ‪ 9402‬إم سي‬ ‫موثقة بدمغة جنيف‪ ،‬الكاليبر ‪ 9402‬إم سي دو كارتييه تجمع مابين اثنتين من أكثر تعقيدات الساعات الكبرى اعتباراً و‬ ‫ً‬ ‫هيبة‪ :‬مكرر الدقائق و التوربيون المحلقة‪ .‬بضغطة واحدة على الزر الجانبي يقوم مكرر الدقائق بتفعيل مطرقتين يمكن‬ ‫رؤيتهما من خالل ميناء الساعة فتعطيان الرنات التي تشير بالترتيب إلى الساعات و أرباع الساعات و الدقائق بالتطابق مع ما‬ ‫تؤشر إليه عقارب الساعة‪ .‬يتم تنظيم الرنات بواسطة دوالب موازنة يعمل بالقصور الذاتي و يمكن رؤيته في موقع الساعة‬ ‫السادسة و يكمل ألف دورة في الدقيقة‪ .‬مطور من خالل عدم وجود الجسر الذي يربطه إلى ميناء الساعة‪ ،‬يظهر التوربيون‬ ‫المحلق و كأنه يطفو في قلب الساعة مبدع ًا تأثيراً بصري ًا فريداً‪.‬‬ ‫علبة الساعة من التيتانيوم‪ ،‬تاج مصقول مرصع بحجر السافير بقطع كابوشون‪ ،‬حركة ميكانيكية بتعبئة يدوية شغل الدار‪،‬‬ ‫مكرر الدقائق و توربيون محلق كاليبر ‪ 9402‬إم سي‪ ،‬تصديق دمغة جنيف (‪ 45‬جوهرة‪ 447 ،‬جزءاً‪ ،‬تردد ‪ 21600‬ذبذبة في‬ ‫الساعة‪ ،‬خزان طاقة مزدوج‪ ،‬احتياطي الطاقة قرابة ‪ 50‬ساعة)‪ ،‬مكرر الدقائق مع دوالب موازنة‪ ،‬مطارق و أجراس قرصية‬ ‫مرئية على جانب الميناء‪ ،‬توربيون محلق بدوار على شكل الحرف ‪. C‬‬

‫بوتيك كارتييه في المملكة العربية السعودية‪ ،‬الرياض‪ ،‬ساكس فيفث أفنيو‪ ،‬مركز المملكة‪،)01( 211 2450 :‬‬ ‫مجمع سنتريا‪ ،‬شارع العليا العام‪)01( 462 6959 :‬‬ ‫ّ‬ ‫جدة‪ ،‬شارع التحلية‪)02( 660 0720 :‬‬ ‫ّ‬ ‫مجمع الراشد مول‪)03( 881 4484 :‬‬ ‫‪،13‬‬ ‫الخبر‪ ،‬بوابة‬ ‫ّ‬


‫الكلمة الأخرية‬

‫تقاطعت دربي في الصحافة وفي الصداقة مع عدد من السادة األمناء العامين في ثالث مؤسسات‪ :‬الجامعة العربية‪،‬‬ ‫واألمم المتحدة‪ ،‬ومجلس التعاون الخليجي‪ .‬ساقتني دروب المهنة إلى معرفة ومودة مع جميع أمناء الجامعة‪ ،‬منذ‬ ‫أمينها الثاني‪ ،‬عبد الخالق حسونة باشا إلى الدكتور نبيل العربي‪ ،‬مروراً بالتونسي الشاذلي القليبي‪ ،‬يوم انتقلت‬ ‫الجامعة إلى تونس على أثر المقاطعة العربية لمصر بعد اتفاقيات كامب ديفيد‪ .‬وفي األمم المتحدة نشأت معرفة‬ ‫ومودة مع ثالثة من سفراء مصر‪ ،‬ما لبثوا أن أصبحوا أمناء للجامعة‪ ،‬كال بدوره‪ :‬الدكتور عصمت عبد المجيد‬ ‫والدكتور عمرو موسى والدكتور نبيل العربي‪ .‬األمين الوحيد الذي لم تجمعني به صداقة أو مودة هو السيد محمود‬ ‫رياض‪ ،‬وال أشعر أنني أضعت شيئاً‪.‬‬ ‫عندما جئت إلى األمم المتحدة أول مرة عام ‪ ،1973‬كان أمينها العام الدكتور كورت فالدهايم‪ ،‬الذي سوف يُصبح‬ ‫بعد تقاعده رئيساً للنمسا‪ .‬لكن نشوب حرب ‪ 1973‬وتحول المنظمة إلى قفير نحل في العمل الدبلوماسي‪ ،‬جعلني‬ ‫ال أطلب حتى مقابلة مع الرجل الطويل القامة‪ ،‬الذي شهدت واليتاه في المبنى األزرق أهم األحداث‪ ،‬وتوسع هيئة‬ ‫األمم‪ ،‬وانضمام الدول الصغيرة إليها زرافات زرافات‪ .‬فكلما استقلَّت جزيرة‪ ،‬تكاد ال تبين على الخريطة‪ ،‬تقدمت‬ ‫بطلب االنتساب‪ .‬وبعض مندوبي هذه الدول‪ ،‬كان هو السفير وهو السكرتير وهو الحاجب‪ .‬ولكن المشهد كان إنسانيا‬ ‫ومسلياً‪ .‬الدول الصغيرة‪ ،‬مثل الكبيرة‪ ،‬تتمتع بعد زوال االمبراطوريات االستعمارية‪ ،‬بشيء ماتع يدعى االستقالل‪.‬‬

‫بقلم‪� :‬سمري عطااهلل‬

‫*‬

‫ذكريات‬ ‫ال�سادة الأمناء‬

‫إلى أي مدى كان االستقالل حقيقياً؟ لقد شهدنا في نصف القرن الماضي انحسار االستعمار المباشر في كل مكان‪.‬‬ ‫وشهدنا آخر سقوط للرجل األبيض في جنوب أفريقيا‪ .‬ولكن هل كان االستقالل يعني حقاً الحرية؟‬ ‫كنت صحافيا مبتدئاً عندما أعلن استقالل الكونغو عام ‪ .1960‬وما أن خرج المستعمر البلجيكي حتى تفجر البلد في‬ ‫حروب انفصالية‪ .‬واليوم أصبح الكونغو ثاني أكبر بلد في أفريقيا‪ ،‬لكنني ال أذكر أنه عاش من دون حروب في أي‬ ‫عام من أعوام االستقالل‪.‬‬ ‫في الكونغو فقدت األمم المتحدة أشهر أمنائها المؤسسين‪ ،‬داغ همرشولد‪ .‬ومعه تطور دورها من سياسي احتفالي إلى‬ ‫منظمة فاعلة‪ ،‬يوكل إليها حل المشاكل والقضايا التي تهدد بحروب كبرى‪ .‬طبعاً لم تنجح دائماً‪ ،‬وربما لم تنجح غالباً‪.‬‬ ‫ولكن هل في إمكان أحد أن يتصور هذا العالم الذي نحن فيه‪ ،‬من دون الضابط العدلي المعروف باسم األمم المتحدة‪.‬‬ ‫ليس الهدف من هذه السلسلة الغرق في التحليل السياسي أو التاريخي‪ ،‬لكن ليس من الممكن استذكار السادة األمناء‬ ‫وشخصياتهم ومراحلهم‪ ،‬من دون التوقف عند األحداث التي صنعتهم وصنعوها‪ .‬لن تبدأ هذه السلسلة بالدكتور‬ ‫فالدهايم‪ ،‬ألنني لم أعرفه جيداً كما أسلفت‪ .‬لكنني تعرفت إلى خلفه‪ ،‬الدبلوماسي خافيير بيريز دي كويار‪ ،‬وسوف‬ ‫تجمعني صداقة بخلفه الدكتوب بطرس بطرس غالي‪ ،‬الذي كان حريصاً على عالقته مع الصحافة العربية ويسميها‬ ‫الحكومة‪ .‬وكلما التقيته‪ ،‬في نيويورك أو باريس أو لندن أو بيروت أو القاهرة‪ ،‬كان يهتف من بعيد «أخبار الحكومة‬ ‫إيه النهار ده»‪.‬‬ ‫شخصيات غنية ومتعددة رأت نفسها في موقع معقد ومتعدد‪ .‬الدبلوماسي الذي يصبح سفيراً‪ ،‬ليس عليه سوى أن‬ ‫يمثل بلده‪ ،‬أما السفير الذي يصبح أميناً عاماً في منظمة إقليمية أو دولية‪ ،‬فإن عليه أن يضبط إيقاع المجموعة التي‬ ‫يمثلها‪ ،‬وأن يراعي المصالح والطباع والسياسات المختلفة أو المتضاربة أو المتعادية أحيانا‪ .‬وعلى مثل هذا الرجل‬ ‫أن يتمتع بأقصى قدر ممكن من الحكمة والرؤية والتبصر‪ .‬وقد عرفت في الشيخ جميل الحجيالن المثال األهم لهذه‬ ‫المرتبة من الرجال‪ .‬وقد جاء إلى أمانة مجلس التعاون الخليجي بعد مرحلة التأسيس‪ ،‬التي أدارها بكل شغف الدكتور‬ ‫عبد اهلل بشارة‪ .‬كالهما جاء من خبرة دبلوماسية مميزة‪ :‬أمضى الحجيالن نحو ‪ 22‬عاماً سفيرا للمملكة في باريس‪،‬‬ ‫وامضى بشارة نحو ‪ 10‬سنوات سفيراً للكويت في األمم المتحدة‪ .‬ونقل كالهما التجربة الدولية إلى العمل اإلقليمي‪.‬‬ ‫كانت واليتا الحجيالن من أهم مراحل التنظيم في المجلس‪ ،‬وكان األمين الالمع يقول إنه سوف يركز عمله على‬ ‫تحقيق الممكن‪ ،‬لكي ال يضيع الوقت في طلب المستحيل‪.‬‬ ‫لم أكن أتقصد أن أعرف كل هذه المجموعة من السادة األمناء‪ .‬لكنه القدر المهني‪ ،‬الذي تنقلت به وتنقل بي حول‬ ‫العالم‪ .‬وعندما التقيت السيد بان كي مون على مائدة وزير خارجية البحرين الشيخ خالد الخليفة‪ ،‬في المنامة‪ ،‬قلت له‬ ‫يؤسفني أنني انقطعت على أيامك‪ ،‬عن عادة جميلة‪ ،‬هي الذهاب إلى األمم المتحدة كل عام‪ .‬فالمرء يستطيع من هناك‬ ‫رؤية أحوال العالم أجمع‪ ،‬مع أن المشهد ليس جميال وال مريحاً في غالب األحوال‪.‬‬

‫* كاتب وصحافي لبناني يكتب في جريدة النهار‬ ‫وجريدة الشرق األوسط‬

‫‪66‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫كان لبنان يومها على مشارف انتخابات برلمانية‪ ،‬فقال لي األمين العام ضاحكاً‪ :‬دعني أتمنى لك انتخابات جيدة‪.‬‬ ‫وقلت له‪ ،‬دعني أتمنى لك تمديداً طيباً‪ .‬جميع أسالفك عرفوا دورتين‪ ،‬إال صديقنا بطرس غالي‪ ،‬فقد كان من سوء‬ ‫حظه أن دخل في مبارزة مع المسز مادلين أولبرايت‪ .‬ويبدو‪ ،‬من حيث القوة‪ ،‬أنها أشد‪.‬‬ ‫إلى اللقاء‬


‫مراجعات‬

‫�أف�ضل ‪ 5‬كتب‪ ..‬من ليندون جون�سون �إىل حركة ال�سالم‬ ‫تعر�ض «املجلة» على قرائها ‪ 5‬من �أف�ضل الكتب بح�سب جملة «فورن �أفريز»‪ ..‬كتب قيمة ت�ستحق القراءة والت�أمل بخا�صة‬ ‫و�أنها تتعر�ض ل�شخ�صيات �أثرت يف العامل مثل الرئي�س الأمريكي ال�سابق ليندون جون�سون وت�ستعر�ض حمطات مهمة يف تاريخ‬ ‫الإن�سانية مثل حركة ال�سالم التي ترجع �أ�صولها �إىل الفرتة التالية للحروب املدمرة يف ع�صر نابليون بالقارة الأوروبية‪.‬‬ ‫عدم المساواة وانعدام االستقرار‪ :‬دراسة‬ ‫االقتصاد العالمي قبل األزمة الكبرى‬

‫يقولون‪ :‬السالم‬ ‫جاي نوردلينغر‬ ‫الناشر‪ :‬إنكاونتر‬

‫جيمس غالبريث‬ ‫الناشر‪ :‬جامعة اكسفورد‬

‫السالم العالمي هو كل ما نطمح إليه‪ ،‬ولكننا لسنا‬ ‫بارعين في تحقيقه‪ .‬يرجع تاريخ حركة السالم في‬ ‫العصر الحديث إلى حوالي ‪ 200‬عام‪ ،‬حيث ترجع‬ ‫أصولها إلى الفترة التالية للحروب المدمرة في عصر‬ ‫نابليون في أوروبا‪ .‬ولكن لم يكن لحركات السالم تأثير‬ ‫ملحوظ على األحداث العالمية‪ ،‬بل أحيانا كانت سيئة‪،‬‬ ‫مثلما سهلت حركة السالم ونزع السالح األوروبية‬ ‫في خطط هتلر للثأر في الثالثينات‪.‬‬

‫سنوات ليندون جونسون‪ :‬طريق السلطة‬ ‫روبرت ايه كارو‬ ‫الناشر‪ :‬كنوبف‬

‫في الجزء الرابع من سيرة ليندون جونسون المكونة‬ ‫من خمسة أجزاء‪ ،‬يعتني روبرت كاور بالتفاصيل‬ ‫ويركز على الشخصية والهوس بالسلطة‪ .‬يبدأ الكتاب‬ ‫من فترة الخمسينات حيث كان جونسون زعيما‬ ‫لألغلبية في الكونغرس ويتابع مسيرته حتى أصبح‬ ‫نائبا للرئيس‪ ،‬وهي الفترة التي كانت مهينة لجونسون‬ ‫وانتهت بعد اغتيال كينيدي ووصول جونسون إلى‬ ‫المكتب البيضاوي‪.‬‬

‫الالتينيون في األلفية الجديدة‬ ‫لويس فراغا وجون غراسيا ورودني هيرو ومايكل جونز‬ ‫كوريا وفاليري مارتينز‪-‬إيبرز وغاري إن سيغورا‬ ‫الناشر‪ :‬جامعة كمبريدج‬

‫يقدم كتاب «الالتينيون في األلفية الجديدة» بيانات‬ ‫تصحيحية متعلقة باألميركيين من أصول التينية‪ .‬حشد‬ ‫المؤلفون وهم مجموعة من الخبراء األكاديميين قدرا‬ ‫هائال من المعلومات المتعلقة بآراء الالتينيين السياسية‬ ‫والشخصية شاملة جميع األصول القومية وأوضاع‬ ‫المواطنة والهجرة‪ ،‬ومستويات الدخل والتعليم‪.‬‬

‫‪64‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫قبل وقوع األزمة‬ ‫المالية الحالية الحظ‬ ‫عــالــــم االقتصــــاد‬ ‫جـــيمس غــــالبريث‬ ‫إغفـــــال األبحــــاث‬ ‫االقتصاديـــة التــــي‬ ‫تتناول عدم المساواة‬ ‫فــي األجــور وضع‬ ‫فئة لعـدم المساواة‬ ‫المتعلقة بالعمـل فـي‬ ‫النظام المالي»‪ .‬يحتل‬ ‫عدم المساواة وانعدام‬ ‫االستقــرار المالــــي‬ ‫أهمية بالغة في الوقت الراهن ولكن األهم من‬ ‫ذلك هو أنهما متصالن ببعضهما اآلخر‪.‬‬

‫العالم الذي صنعته أميركا‬ ‫روبرت كاغان‬ ‫الناشر‪ :‬كنوبف‬

‫يتحدث كاغان عن‬ ‫الدور المهم الذي‬ ‫لعبته أميركا في‬ ‫صناعــــة النظـــام‬ ‫العالمـــي خـــــالل‬ ‫‪ 60‬عاما مضت‪،‬‬ ‫شهـــــدت نـــــدرة‬ ‫الحـــروب واسعــة‬ ‫النطاق ونموا غير‬ ‫مسبـــوق لالقتصاد‬ ‫وتضــاعف أعـــداد‬ ‫الـدول الديمقراطية‪.‬‬ ‫ويشير إلى أن النفوذ األميركي ما زال مهما‬ ‫للحفاظ على النظام العالمي‪.‬‬


‫ولكن برغم التحديات وتنازع الملك استطاعوا العودة‬ ‫إلى اإلمامة بيد تركي بن سعيد عام ‪.1888‬‬ ‫ومر المؤلِّف على تاريخ البحرين ّ‬ ‫الصراع بين قوى‬ ‫ّ‬ ‫محل ِّ‬ ‫فارس وعمان وبريطانيا‪ ،‬فكان حكام البحرين يوازنون‬ ‫بين القوى لحفظ استقاللهم‪ ،‬وظلّوا يمارسون الحكمة في‬ ‫وحسن‬ ‫التّعامل مع هذا التنافس‪ ،‬ما أكسبهم مرونة كبيرة‪ُ ،‬‬ ‫الجانب الخارجي‪ ،‬أما‬ ‫إدراك لموازين القوى‪ ،‬هذا في َ‬ ‫في الجانب الداخلي فقد قامت قبائل قطريّة بالنزوح عن‬ ‫السيادة البحرينيّة‪ ،‬وبدأت ببلورة نزعة استقالليّة‪ ،‬دفع‬ ‫ِّ‬ ‫ذلك حكام البحرين للهجوم على قطر الستردادها‪ّ ،‬‬ ‫ولكن‬ ‫هذا الهجوم بالرغم من أنّه ألحق دمارا بقطر‪ ،‬إال أنه‬ ‫ّ‬ ‫شكل األساس القانوني الستقاللها ً‬ ‫الحقا‪ ،‬فقد انتهى األمر‬ ‫بترسية استقالل قطر عن البحرين بسبب خرقها التفاق‬ ‫الهدنة في نظر بريطانيا‪.‬‬ ‫مر ال ِكتاب أيضا على آل صباح في الكويت وقد بدأوا‬ ‫ّ‬ ‫يحققون مزيدا من االستقرار‪ ،‬فرسخت عالقتها بالدولة‬ ‫العثمانية‪ ،‬ودخل في صراعات بسبب ذلك‪.‬‬ ‫أما الساحل المتصالح‪ ،‬كان بانوراما من الصراعات بين‬ ‫القبائل‪ ،‬برز فيه في السنين األولى بعد توقيع االتفاقية‬ ‫سلطان بن صفر شيخ القواسم‪ ،‬وقاد حمالت متعددة‬ ‫لبسط النفوذ كان ً‬ ‫حليفا دائمًا للسعوديين‪ ،‬على الرغم مما‬ ‫القاه منهم في عام ‪ ،1809‬وبعد وفاته‪ ،‬برز الشيخ زايد‬ ‫بن خليفة الكبير الذي أمّن قبائل بني ياس‪ ،‬ووثق عالقته‬ ‫بدبي‪ ،‬واستطاع فرد سيطرته‪ ،‬وجرت خالفات كثيرة‬ ‫بينه وقطر‪ ،‬بعد أن دعم البحرين‪.‬‬ ‫تعرض الكتاب أيضا الى نشوء إمارة قطر ومالبساتها‪،‬‬ ‫باتفاقية بين بريطانيا والبحرين سنة ‪ ،1868‬وقد رحب‬ ‫جاسم بن محمد آل ثاني بوصول العثمانيين إلى األحساء‪،‬‬ ‫رغم تحفظ والده‪ ،‬وعاش صراعات مع حاكم أبوظبي‬ ‫زايد بن خليفة حول خور العديد ومع عيسى بن علي‬ ‫حاكم البحرين حول الزبارة‪ ،‬ووثق عالقته بأمير حائل‬ ‫محمد آل رشيد وخطط معه لغزو إمارات الساحل‪ ،‬كما‬ ‫نسق للقيام بحملة لدعم معارضي الشيخ مبارك الصباح‬ ‫حاكم الكويت‪.‬‬ ‫تنافسا عثمانيًا روسيًا ألمانيًا‬ ‫في تلك الفترة شهد الخليج ً‬ ‫ً‬ ‫مشتركا‪ ،‬إال أن الحرب العالمية األولى أعادت رسم كل‬ ‫األوضاع بعدها‪ ،‬بما عزز مكانة بريطانيا في منطقة‬ ‫الخليج من جانب‪ ،‬وزادت أهمية تلك المنطقة من جانب‬ ‫آخر‪ ،‬خاصة وقد حولت البحرية البريطانية عام ‪1911‬‬ ‫وقود بواخرها من الفحم إلى النفط‪ ،‬واحتاج البريطانيون‬ ‫إلى مطارات الخليج في رحالتهم التجارية إلى الهند‪.‬‬

‫النفط واالستقالل‬ ‫بني اقتصاد المنطقة على الغوص للؤلؤ‪ ،‬وبلغ الطلب‬ ‫العالمي على اللؤلؤ أقصاه في عام ‪ ،1925‬واألزمة‬ ‫االقتصادية العالمية عام ‪ 1929‬تسببت بكساد كبير في‬

‫األسواق‪ ،‬وزادت الحرب العالمية الثانية الطين بلة‪ ،‬لم‬ ‫ينقذ اقتصادياتها إال ظهور النفط‪ ،‬وقد بدأت الشركات‬ ‫التنقيب وهي تحصل على حصة األسد‪ ،‬ولم تتغير‬ ‫نسب الحصص بين الشركات ودول الخليج‪ ،‬إال بعد‬ ‫تفجر الخالف بين حكومة مصدق في إيران وشركة‬ ‫النفط اإلنجلو‪/‬فارسي والتي وصلت لحد تأميم الشركة‪،‬‬ ‫فتنازلت الشركة ووافقت على تقاسم األرباح مع إيران‬ ‫في عام ‪ ،1950‬ولكن الشركات أخذت تتحكم في كمية‬ ‫االنتاج وتحديد األسعار العالمية‪ ،‬لتقليص هامش الربح‬ ‫للدول المنتجة‪ ،‬فقامت الدول المنتجة بتأسيس منظمة‬ ‫األقطار المصدرة للنفط (أوبك) في عام ‪.1960‬‬

‫التطورات السياسية‬ ‫خالل القرن العشرين‬ ‫عاشت الكويت تطورا في عهد الشيخ مبارك عام‬ ‫‪ 1896‬الذي حاول التمدد وفشل‪ ،‬ودخل في معاهدة‬ ‫عثمانية بريطانية تنص على بقاء الكويت تحت السيادة‬ ‫العثمانية مع منحها حكما ذاتياً‪ ،‬يتصرف فيه شيخها من‬ ‫دون تدخل عثماني‪ ،‬وفي الحرب العالمية األولى وقفت‬ ‫الكويت مع بريطانيا التي ضمنت حماية الكويت من‬ ‫االنتقام العثماني‪ ،‬وفي عام ‪ 1938‬في عهد أحمد الجابر‬ ‫بدأ إنتاج النفط‪ ،‬ولكن تصديره تأخر حتى عام ‪1946‬‬ ‫بسبب الحرب العالمية الثانية‪ ،‬وبدأت االستفادة الفعلية‬ ‫من عائداته في عهد عبداهلل السالم‪ ،‬ونالت استقاللها في‬ ‫عام ‪ ،1961‬وسط مطالبات عبدالكريم قاسم بضمها إلى‬ ‫العراق‪.‬‬ ‫في عام ‪ 1919‬وقف الشعب البحريني ضد قرار بريطانيا‬ ‫تطبيق القانون الجنائي الهندي في البحرين‪ ،‬ساهم ذلك‬ ‫في دعم موقف الشيخ عيسى بن علي الذي أبدى تذمره‬ ‫غير مرة من التدخالت البريطانية‪ ،‬لم تنجح الحركة‪،‬‬ ‫وتحولت السلطة إلى االبن األكبر للشيخ وهو حمد‪ ،‬وزاد‬ ‫إشراف بريطانيا حتى على القضاء والشرطة‪ ،‬مضت‬ ‫الحياة السياسة البحرينية مليئة بالمشاكل بسبب التنوع‬ ‫الكثيف الذي تعيشه المنطقة‪ ،‬وظهر مستوى عال من‬ ‫الوعي بين طبقات البحرينيين ساهم في تفجر الوعي‬ ‫في عام ‪ 1954‬ـ ‪ ،1956‬مطالبين بطرد المستشار‬ ‫البريطاني وتحسين وضع العمال وهو ما رضخت له‬ ‫بريطانيا‪ .‬وقرر الشيخ سلمان بن حمد (‪)1942-1961‬‬ ‫إنشاء مجلس إداري يكون بمثابة مجلس وزراء البالد‪.‬‬ ‫وانتهى الكتاب بذكر البحرين وقضية زعم إيران السيادة‬ ‫على البحرين األمر الذي انتهى بإيفاد األمم المتحدة عام‬ ‫‪ 1970‬بعثة الستفتاء السكان حول رغبتهم في انضمام‬ ‫بلدهم إلى إيران أو التمسك باالستقالل‪ ،‬فأظهرت األغلبية‬ ‫تمسكها بوطنها البحرين‪ ،‬فأذعنت لذلك حكومة الشاه‪.‬‬ ‫أما قطر فقد واصلت االحتماء بالدولة العثمانية إلى‬ ‫أن دخلت في معاهدة شبيهة بمعاهدات الخليج في عام‬ ‫‪ ،1916‬تعهدت كبقية دول الخليج بالكف عن القرصنة‬

‫وتجارة الرقيق والتمسك بالسلم البحري وتحريم‬ ‫تجارة السالح والتعامل مع أي دولة أخرى بغير إذن‬ ‫من بريطانيا‪ ،‬على أن تقوم بريطانيا بحمايتها في حال‬ ‫حدوث أي هجوم‪ ،‬استغلت قطر النفط لتطوير عالقتها‬ ‫مع بريطانيا وتمكنت من تصدير أول شحنة من الخام‬ ‫في ‪ ،1949‬وظلت خالفاتها على وتيرة معقولة إلى نيل‬ ‫استقاللها في عام ‪ ،1971‬بفضل تطوير المؤسسات‬ ‫الحكومية المختلف‪.‬‬ ‫الساحل المتصالح فقد وصف الكتاب تولي الشيخ زايد‬ ‫أما ّ‬ ‫بن سلطان إلمارة أبوظبي في عام ‪ 1966‬بأنه «خطوة‬ ‫مباركة فتحت أبوب التطور والنمو على مصراعيها»‪،‬‬ ‫أما دبي فتحولت إلى ميناء تجاري نشط في ظل إدارة‬ ‫آل مكتوم‪ ،‬وشهدت نشاطاً ثقافياً هي والشارقة‪ ،‬أما عمان‬ ‫فقد عاشت الصراع بين السلطنة واإلمامة وثورات‬ ‫الداخل واالنشقاق‪ ،‬ولم تنته إال بعودة قابوس بن سعيد‬ ‫في عام ‪.1970‬‬ ‫في الخاتمة يقول الكاتب‪ ،‬حكاية عن كل المراحل‪ ،‬إنه‬ ‫«لم يضعف انتماء سكان الخليج في ِخضم التفاصل‬ ‫الدولي المتواصل منذ القدم قوة الروح الوطنية في‬ ‫أعماق نفوسهم‪ ،‬فاتسموا بحرص واضح على الحفاظ‬ ‫على هويتهم الذاتية وثقافتهم المتميزة‪ ،‬وأظهروا استعدادا‬ ‫قوياً للدفاع عنهما بكل ما ملكوا من قوة»‪.‬‬

‫الحصاد‬ ‫الخالصة‪ ،‬هي البداية‪ ،‬وهي اإلقرار ّ‬ ‫بأن محاولة على‬ ‫حالة مجتمع‪ ،‬عبر إسقاط آليات جامدة وسريعة تحكم‬ ‫على المجتمع من زاوية نظر آنية ضيّقة نبتت في بيئة‬ ‫ال تتصل به‪ ،‬يع ُد مغامرة ال يقوم بها إال المؤدلجون‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وضخ‬ ‫ساع إلعادة قراءة الواقع وتكييفه‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫بضمير ٍ‬ ‫أفكارهم وقيمهم الجديدة في ثناياه‪ ،‬فينخلع لهم ُ‬ ‫لب من‬ ‫ُجيل النظر في‬ ‫ينهبل على الشعارات‪ ،‬من دون أن ي ِ‬ ‫التاريخ‪ ،‬ويفهم كيف ّ‬ ‫يتشكل المجتمع‪ ،‬وكيف ينضج‪،‬‬ ‫وكيف تبدو التجارب وتنطوي المرارات ليبدأ الحصاد‪.‬‬ ‫إننا نحتاج دومًا لقراءة التاريخ‪ ،‬حتى نستطيع فهم ّ‬ ‫أي‬ ‫حالة من سلوكيات المجتمع‪ ،‬أو ّ‬ ‫أي قرار سياسي ثبت‬ ‫عليه‪ ،‬وال يمكننا القيام بخطوة لإلمام أو االنتهاض‬ ‫ِّ‬ ‫والترقي‪ ،‬ما لم نقرأ تفاعل اإلنسان القديم مع البيئة‪ ،‬وما‬ ‫فصلته فيه من قوانين‪ ،‬وما نح َته هو من ِقيم‪ ،‬وما ّ‬ ‫تشكل‬ ‫ّ‬ ‫من عقائد وإيمان‪ ،‬فالذي نحن فيه‪ ،‬ال ينبت من فراغ‪ ،‬بل‬ ‫يَنسل من تراكم التّجارب ّ‬ ‫الروحية‬ ‫الذاتية والجماعية‪ّ ،‬‬ ‫والمادية‪ ،‬والقفز عليها‪ ،‬أو باسمها‪ ،‬يقتل روح المجتمع‬ ‫ويشوهها‪ ،‬لذلك ّ‬ ‫فإن الرحلة في التاريخ تجلّي الصورة‪،‬‬ ‫وتبيّن الركائز التي قام عليها الحاضر‪ ،‬والعظات‪،‬‬ ‫ولكنّها رحلة تبقى مقرونة بمحاذير أبرزها أن ال نعلَق‬ ‫في تفاصيلها‪ ،‬ونجتر مراراتها لتعيش معنا‪ ،‬فهذا الكتاب‪،‬‬ ‫مبذول ومفتوح لكل من أراد أن يفهم لماذا يتصالح‬ ‫الخليج‪ ،‬ولماذا ّ‬ ‫تشكل واقعه السياسي بهذا الشكل‪ ،‬على‬ ‫أن يقرأه بنفس االتعاظ ال وقود الفتن<‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪63‬‬


‫كتب‬

‫البرتغاليون والصفيون والعثمانيون‪..‬‬ ‫الصراع على الخليج وأهله‬ ‫مر الكتاب على صراعات البرتغاليين والجبريين‪ ،‬والتي‬ ‫ّ‬ ‫انتهت بوضع البحرين تحت الهيمنة البرتغالية بالتعاون‬ ‫مع هرمز‪ ،‬وتركوا حكمها لحاكم تعينه هرمز‪ ،‬وقد ثارت‬ ‫البحرين ضد البرتغاليين مرات‪ .‬رصد الكتاب صراع‬ ‫البرتغاليين مع الدول األخرى في الخليج‪ ،‬كالصفويين‪،‬‬ ‫ألن إسماعيل الصفوي مهتم بالبر وهم يريدون البحر‪ ،‬‬ ‫عدو مشترك هو اإلمبراطوريّة العثمانيّة اآلخذة‬ ‫ولوجود ٍ‬ ‫في التّوسع‪ ،‬فقد عقدا اتفاقاً مها ِد ًنا في العام ‪ ،1515‬ولم‬ ‫يتم تفعيله بشكل جدي حتى عهد عباس األول‪.‬‬ ‫وشهد الخليج ً‬ ‫أيضا صراعا عثمانيا برتغاليا في الخليج‪،‬‬ ‫فقد تنبّه الخليفة العثماني للخطر البرتغالي وتلقى‬ ‫استغاثات حاول أن يلبيها بإمداد السكان بالمدافع النارية‪،‬‬ ‫ثم تعزيز ذلك بالهجوم الكامل للقضاءعلى الوجود‬ ‫البرتغالي في الخليج‪ ،‬فأرسل حملة عام ‪ 1538‬للمحيط‬ ‫الهندي‪ ،‬وحمالت أخرى على القطيف وحمالت كبرى‬ ‫في ‪ 1551‬وحملة ‪ ،1581‬وبعدها مال الجانبان إلى‬ ‫السلم‪.‬‬

‫انجلترا في الخليج‪..‬‬ ‫شكل دخول اإلنجليز في التنافس على الخليج عالمة‬ ‫فارقة‪ ،‬فما لبثت المطامع التجارية أن تنمو وتجذبهم‬ ‫للخطو في هذا االتجاه‪ ،‬وقد لعب عباس الصفوي‬ ‫بذكاء في التخيّر بين البرتغاليين واإلنجليز‪ ،‬فقام‬ ‫بابتزاز البرتغاليين وقام بانتزاع البحرين عنوة‪ ،‬وعزز‬ ‫العالقة مع اإلنجليز كحليف بديل‪ ،‬وأصدر في ‪1615‬‬ ‫نص على تبادل السفراء بينه وانجلترا‪ّ ،‬‬ ‫ومكنها‬ ‫فرمانا ّ‬ ‫من تسهيالت تجاريّة‪ ،‬صاحب ذلك أو تسبب بتدهور‬ ‫مريع لعالقته بالبرتغالين‪ ،‬احتكرت بريطانيا بذلك‬ ‫الحرير الفارسي مقابل تعهدات بالمساعدة في طرد‬ ‫البرتغاليين من الخليج‪ ،‬وبالفعل تم ذلك‪ ،‬فقام البرتغاليون‬ ‫بهجمات انتقاميّة ضد سواحل الفرس‪ ،‬مما حرك‬ ‫تحالفاَ انجلو‪-‬فارسي‪ ،‬أدى إلسقاط هرمز واستسالم‬ ‫البرتغاليين وانسحابهم عنها‪ ،‬ولكن خروجهم لم يكن‬ ‫الساحة لبريطانيا‪،‬‬ ‫نهاية الصراعات ال ّدولية‪ ،‬ولم تخل ّ‬ ‫منافسا جدي ًدا‪ ،‬ولم تدم الكفة لجهة على‬ ‫فظهرت هولندا‪ً ،‬‬ ‫مدى طويل‪ ،‬فلو ّ‬ ‫أن الهولنديين دالت لهم الفترة من عام‬ ‫‪ 1638‬إلى منتصف القرن‪ ،‬ونالوا بندر عباس الميناء‬ ‫المحوري‪ ،‬واحتكروا تصدير الحرير الفارسي‪ّ ،‬‬ ‫فإن‬ ‫عالقتهم تضعضعت بالصفويين وجرى تنافس بينهم‬ ‫واإلنجليز من جديد‪ ،‬بل وتضررت مصالحهم جراء‬ ‫اجتياح األفغان لفارس في ‪.1722‬‬ ‫وتوالت حوادث أدت في مجملها إلى خروج الهولنديين‬ ‫في عام ‪ .1765‬ولكن الجو لم يخل لإلنجليز ً‬ ‫أيضا‪ ،‬فقد‬ ‫ظهر الفرنسيون‪ ،‬الذين نجحوا في إبرام اتفاق مع الدولة‬ ‫الصفوية في ‪.1708‬‬ ‫‪62‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫�شكل دخول الإجنليز يف التناف�س‬ ‫على اخلليج عالمة فارقة‪ ،‬فما لبثت‬ ‫املطامع التجارية �أن تنمو وجتذبهم‬ ‫للخطو يف هذا االجتاه‪ ،‬وقد لعب عبا�س‬ ‫التخي بني الربتغاليني‬ ‫ال�صفوي بذكاء يف رّ‬ ‫والإجنليز‪ ،‬فقام بابتزاز الربتغاليني وقام‬ ‫بانتزاع البحرين عنوة‪ ،‬وعزز العالقة مع‬ ‫الإجنليز كحليف بديل‬

‫هذا كلّه صقل في إنسان الخليج ال ُدربة‪ ،‬والتعامل‬ ‫الذكي‪ ،‬مع الصراعات‪ ،‬والعيش في وسط الصراعات‪،‬‬ ‫والخروج من التنافس الدولي بأقل ُ‬ ‫الكلفة‪ ،‬ولم يبدو ذلك‬ ‫إال بعد أعوام طويلة‪ ،‬وقرون‪ ،‬نتلمس آثارها اليوم‪.‬‬

‫تاريخ الخليج العربي‬ ‫بين أعوام ‪ 1650‬و ‪1820‬‬ ‫السابقة كان في عام‬ ‫أبرز ما حدث في عمان في الحقبة ّ‬ ‫‪ 1624‬إذ تنادى سبعون من علماء اإلباضيّة في مدينة‬ ‫الرستاق‪ ،‬واختاروا ناصر اليعربي إماماً لهم واس َتطاع‬ ‫ّ‬ ‫والساحل‬ ‫توحيد عمان وطرد البرتغاليين من مسقط ّ‬ ‫العماني‪ .‬واستطاع العمانيون مطاردة البرتغاليين حتى‬ ‫شرق افريقيا‪ ،‬وضمّوا جزيرة زنجبار إلى الممالك‬ ‫التي تواليهم‪ ،‬وفي عهد سلطان األول‪ ،‬وعهد بلعرب‬ ‫مر الكتاب على‬ ‫(‪ ،)1680-1692‬وأخيه قيد األرض‪ّ ،‬‬ ‫عالقة اليعاربة مع الصفويين‪ ،‬واإلنجليز والهولنديين‪،‬‬ ‫وقد كان اليعاربة مقلقين لمنافسيهم للحد الذي وصف‬ ‫حرر‬ ‫فيه الكاتب «انهيار الدولة اليعربية في ‪ّ ،»1718‬‬ ‫اإلنجليز والهولنديين من هم كبير كان يؤرقهما‪.‬‬ ‫فصلها الكتاب ‪ -‬الدولة البوسعيدية‬ ‫ثم قامت لظروف ـ ّ‬ ‫في عمان‪ ،‬وأسسها أحمد بن سعيد‪ ،‬بيّن المؤلِّف عالقاتها‬ ‫بالفرس وقد حققت جالء الفرس من عمان‪ ،‬كما شرح‬ ‫القواسم الذين قاموا في جلفار على أنقاص‬ ‫عالقته مع‬ ‫ِ‬ ‫دولة اليعاربة‪ ،‬وظلّت العالقة معهم متوترة حتى وفاة‬ ‫مر على عالقتهم مع األوربيين‪،‬‬ ‫أحمد في ‪ ،1783‬كما ّ‬ ‫وشرح األوضاع العمانيّة بعد وفاة أحمد بن سعيد‪ ،‬سواء‬ ‫في عهد ابنه سعيد‪ ،‬وحمد والسيّد سلطان بن أحمد‪،‬‬ ‫وقد واجه سعيد التحديات خالل سنين حكمه (‪1806‬ـ‬ ‫‪ )1856‬الخارجية بدهاء وقد انتهج نهج المُصالحة مع‬ ‫بريطانيا‪.‬‬

‫تطور أوضاع أقطار الخليج‬ ‫حتى ‪ ..1820‬نواة النضج‬ ‫مر ال ِكتاب على العتوب الذين‬ ‫ياسي‪ّ ،‬‬ ‫لشرح التكوين ِّ‬ ‫الس ِ‬

‫استقروا بالكويت بعد أن تجاوزوا الهضبة بين نجد‬ ‫ّ‬ ‫والساحل‪ ،‬واختاروا صباح بن جابر شيخا لهم‪ .‬واجه‬ ‫ّ‬ ‫العتوب ِّ‬ ‫تحديات في رسم العالقة بال ّدولة العثمانيّة‪ ،‬وتتبع‬ ‫ال ِكتاب العتوب المهاجرين من الكويت إلى البحرين‬ ‫ليصيروا ً‬ ‫مر المؤلّف على صراع‬ ‫الحقا حكامها‪ ،‬كما ّ‬ ‫الجالهمة وآل خليفة‪ ،‬وفي الفترة ذاتها تشكل كيان بني‬ ‫ياسي وهو اتحاد قبلي استوطن ّ‬ ‫أول األمر إقليم‬ ‫ياس ِّ‬ ‫الس ِ‬ ‫والساحل الممتد من دبي إلى قطر‪،‬‬ ‫الظفرة‪ ،‬ث ّم أبوظبي ّ‬ ‫الساحل‬ ‫وتزعمه في تلك الفترة عيسى آل نهيان‪ ،‬وعلى ّ‬ ‫القواسم الذين ّ‬ ‫شكلوا قوة ضاربة‬ ‫أيضا تشكلت دولة‬ ‫ِ‬ ‫على الخليج‪ ،‬لذلك نالتهم الحظوة األكبر من الصدامات‬ ‫مع بريطانيا‪ ،‬خاصة بعد أن وظفوا إيراداتهم المالية‬ ‫في بناء قوة كبيرة بلغت ثالثا وستين سفينة‪ ،‬بتسعة‬ ‫َ‬ ‫وسيطروا من رأس مسندم إلى دبي‪،‬‬ ‫عشر ألف رجل‪،‬‬ ‫وبدأت مناوشات بينه وبين البريطانيين الذين اتهموهم‬ ‫بالقرصنة‪.‬‬ ‫ومر الكتاب على حملة عام ‪ ،1805‬التي نتج عنها‬ ‫ّ‬ ‫اتفاق عام ‪ 1805‬الذي مهّد لهدنة بين القواسم وبريطانيا‬ ‫وتعهد باحترام متبادل وتساهيل للقواسم في موانئ‬ ‫الهند وللبريطانيين في ساحلي الخليج‪ ،‬لكنها انهارت‬ ‫في عام ‪ ،1808‬وتوترت خارطة التحالفات الداخلية‪،‬‬ ‫فكانت حملة عام ‪ 1809‬التي هزت القواسم ولكنها لم‬ ‫تنههم‪ ،‬فتجددت اتفاقية عام ‪ 1814‬التي نصت على‬ ‫احترام السفن التي ترفع علم بريطانيا أو علم القواسم‬ ‫ً‬ ‫طويال حتى عادت‬ ‫المستحدث‪ ،‬ولكن االتِّفاق لم يدم‬ ‫األعمال العدائية‪ ،‬صبرت بريطانيا إلى أن انكسر ظهر‬ ‫القواسم بسقوط الدرعية في عام ‪ 1818‬فسارعت‬ ‫بريطانيا بإرسال حملتها عام ‪ ،1819‬والتي نتج عنها‬ ‫المعاهدة العامة التي وقعها شيوخ الساحل تباعاً ونصت‬ ‫على تنظيم المالحة والتوقف عن ما سمي بالقرصنة‬ ‫وتجارة الرقيق‪ ،‬والدخول في سالم وحمايته‪ ،‬واختارت‬ ‫الحملة حامية دائمة لقوات بريطانيا في الخليج‪.‬‬

‫الساحل المتصالح‪ ..‬بعد ‪1820‬‬ ‫عززت بريطانيا هيمنها على الخليج باالتفاقيات‪،‬‬ ‫كاتفاق الهدنة البحرية‪ ،‬بين مشايخ اإلمارات برعاية‬ ‫المقيم البريطاني‪ ،‬تطورت إلى توقيع هدنة دائمة بين‬ ‫شيوخ إمارات الساحل في عام ‪ ،1853‬أكدت مسؤولية‬ ‫بريطانيا من رعاية السالم في مياه الخليج‪ ،‬وسمت أحد‬ ‫شطري الخليج بالساحل المتصالح‪.‬‬

‫تش ّكل نواة الدول‬ ‫فصل الكتاب‬ ‫كان على حكم عمان سعيد بن سلطان‪ّ ،‬‬ ‫مراحل حياته وسلطانه على عمان والساحل اإلفريقي‪،‬‬ ‫وعالقاته بالخليج‪ ،‬وإصراره على التّنِسيق مع بريطانيا‪،‬‬ ‫إلى أن توفي في عام ‪ ،1856‬فدبّت الخالفات بعده‬ ‫خاصة ّ‬ ‫أمرا‬ ‫وأن علماء‬ ‫اإلباضيّة كانوا يدبِّرون ً‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫لتحفظاتهم الشرعيّة تجاه اتفاق البوسعيدين مع بريطانيا‪،‬‬


‫أكثر مما تدين لسلطة أي حكومة مركزيّة‪ ،‬كما آمنت‬ ‫بأديان متعددة مثل الوثنيّة‪ ،‬واليهوديّة‪ ،‬وكانت المسيحيّة‬ ‫آخرها‪ ،‬ودخلَت في َ‬ ‫القرن الميالدي الثالث‪ ،‬وصارت‬ ‫بالمحرق البحرينيّة‪ ،‬لعل ذلك‬ ‫األسقفية بقرية “سماهج”‬ ‫ّ‬ ‫مهّد لتقبل دعو ٍة سماوية الحقة‪ ،‬وسهّل االستجابة لدعوة‬ ‫نبي العرب‪.‬‬ ‫الرسول محمد صلى اهلل عليه وسلم‬ ‫حينما وصل كتاب ّ‬ ‫إلى “المزربان” ال َفارسي “سيبخت”‪ ،‬لم يمنع تردده أهل‬ ‫الخليج من االستجابَة للدَعوة التي وصلتهم عبر ال ِكتاب‬ ‫وعبر العالء الحضرمي‪ ،‬فتابَعوا المنذر بن ساوى‪ ،‬وقد‬ ‫الرغبة في الخروج عن االحتالل الفارسي‪ ،‬كما‬ ‫دعمتهم ّ‬ ‫عمان التي دخلت اإلسالم بعد تردد لتطرد المستعمر‪،‬‬ ‫ليدينا لدين وسلطة تكفالن لهما اختيار حاكم من بينهم‪،‬‬ ‫مع الوالء للرسول والمدينة‪.‬‬ ‫وبعد وفاة الرسول صلى اهلل عليه وسلم‪ ،‬وضمن حمالت‬ ‫الردة في البحرين‪،‬‬ ‫الردة‪ ،‬قاد الحطم بن ضبيعة العبدي‪ِّ ،‬‬ ‫ِّ‬ ‫وفي عمان قادها ذو التاج لقيط بن مالك األزدي‪ ،‬ولكن‬ ‫سرعان ما حسمت جيوش المدينة األمر وأعادت‬ ‫االستقرار إلى الخليج‪ ،‬بقيادة العالء الحضرمي في‬ ‫البحرين‪ ،‬وحذيفة بن محصن في عمان‪ ،‬وبعدها وخالل‬ ‫عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬أسهم سكان الخليج في حركة‬ ‫“الفتوحات” بفاعليّة‪.‬‬

‫أنصار علي في البحرين‪..‬‬ ‫واإلباضية في عمان‬ ‫ياسية لإلسالم الخليجي من العقد الهجري‬ ‫تبدأ األبعاد ِّ‬ ‫الس ِ‬ ‫الرابع بعد الفتنة بعد وفاة عثمان بن عفان‪ ،‬فمالت قبائل‬ ‫البحرين ناحية علي بن أبي طالب‪ ،‬وفي الفترة نفسها‬ ‫ظهرت بذور الوالء لمن عرفوا بالخوارج في عمان‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ياسية طاغيًا إلى اآلن مع‬ ‫الساحة ِّ‬ ‫وظل وجودهما في َّ‬ ‫الس ِ‬ ‫تعديالت‪ ،‬وفقد الخليج استقراره في العهد األموي بعد‬ ‫تولي يزيد بن معاوية الخالفة‪ ،‬فنشط الخوارج وبدأت‬ ‫الثورات منذ نجدة بن عامر بثورة اليمامة في ‪66‬‬ ‫هـ‪ ،‬وض ّم البحرين إلى ملكه الجديد‪ ،‬فحاول األمويون‬ ‫السيطرة عليها‪ ،‬ولم ينجحوا كليًا‪ ،‬كما حاول‬ ‫استعادة ّ‬ ‫الحجاج بن يوسف الثقفي تأديب زعماء القبائل‪ ،‬لكسر‬ ‫شوكتهم‪ ،‬لكن البحرين والخليج‪ ،‬ظال محل نزاع وقالقل‪،‬‬ ‫وتوالت فيه الثورات‪ ،‬ونالحظ أن العنصر القبلي ّ‬ ‫أطل‬ ‫كالعب رئيس بشكل طاغ‪.‬‬

‫القرامطة‪ ..‬اإلمارة العيونية‪ ..‬العصفورية‬ ‫أرسل العباسي الحاسم أبو جعفر المنصور إلى البحرين‬ ‫حملة تأديبية استطاعت التنكيل بقائدها سليمان بن‬ ‫حكيم‪ ،‬واستتب األمن بها إلى آخر العهد العباسي األول‬ ‫‪247‬هـ‪ ،‬ونجح العامل االقتصادي بشغل الشعب عن‬ ‫التفاعل السياسي‪ ،‬ولكن تضعضع الخالفة العباسية‬ ‫بمقتل المتوكل في العام ‪ 247‬هـ‪ ،‬والحالة االقتصادية‬

‫التي بدأت تسوء مهّدت لحمدان بن األشعث “قرمط”‬ ‫أن يبعث أبا سعيد الجنابي إلى القطيف لتأسيس دعوة‬ ‫قرمطيّة‪ ،‬وقد نجح المبعوث في قيادة ثورة انتهت‬ ‫بتأسيس اإلمارة القرمطية في البحرين‪ ،‬واستطاع في‬ ‫أول عهده أن يحقق العدالة االجتماعية‪ ،‬إال ّ‬ ‫أن ضغوطات‬ ‫اقتصادية وأفكار شاذة ووتيرة متصاعدة من العنف حوّال‬ ‫اإلمارة إلى “عصابة” تفرض اإلتاوات على الممالك‬ ‫اإلسالميّة نظير السماح للحجيج بالمرور‪ ،‬فقاموا‬ ‫بابتزاز ال ّدول بالغزو والقرصنة‪ ،‬وأشهر ما قاموا به‬ ‫هو اختطاف الحجر األسود الثنين وعشرين عامًا‪ ،‬ولكن‬ ‫دولتهم تدهورت وانتهت بيد عبداهلل بن علي العيوني في‬ ‫سنة ‪469‬هـ فبدأ على أنقاضها عهد اإلمارة العيونية في‬ ‫البحرين والقطيف واألحساء‪ ،‬ولكن دولته لم تختلف عن‬ ‫سابقاتها وانتهت بفعل الصراع القبلي في العام ‪636‬هـ‪،‬‬ ‫بيد قبائل بني عامر بقيادة عصفور بن راشد‪ ،‬الذي ّ‬ ‫دشن‬ ‫إقامة اإلمارة العصفورية‪ ،‬التي عانت من أتابك فارس‬ ‫أبوبكر السلغري‪.‬‬ ‫المملكة العصفورية استفادت من المغول بأن شغلوا لهم‬ ‫الفرس‪ ،‬ولكنهم عادوا ليخافوا من المغول الذين فكروا في‬ ‫الجنوح إلى الخليج‪ ،‬لذلك كان تقدير المملكة العصفورية‬ ‫كبيرا‪ ،‬فقد مثّل انتصارهم على المغول في عين‬ ‫للمماليك ً‬ ‫جالوت عام ‪1260‬م‪ ،‬مصدر راحة كبيرة‪ ،‬وبداية عالقة‬ ‫بين المماليك والمملكة العصفورية‪ ،‬وبين مصر والخليج‬ ‫بشكل عام‪ ،‬كما استفاد العصفوريون من رؤوس األموال‬ ‫الهاربة من دمار المغول في بغداد والشام وفارس إلى‬ ‫أراضيهم‪.‬‬ ‫لم يغب صراع السيادة‪ ،‬فقد عاد بقوة لدائرة التنازع‪،‬‬ ‫وحافظ العصفوريون على التعامل ببراغماتية معه‪،‬‬ ‫فأذعنوا ألي سيادة تدفع لهم المعهود من العطيات‪،‬‬ ‫إلى أن سقطت إمارتهم في أخريات القرن الرابع عشر‬ ‫الميالدي بيد الشريف سعيد بن مغامس‪ ،‬وسقط هو‬ ‫اآلخر لتبدأ اإلمارة الجبرية‪ ،‬بفعل الحسابات القبلية‪،‬‬ ‫وقد خضعت السواحل فيها لمملكة هرمز وبقيت اليابسة‬ ‫على سلطة اإلمارة الجبرية‪ّ ،‬‬ ‫وشكل هذا األمر مصدر‬ ‫إزعاج‪ ،‬فاقتنص الجبريون الفرص واستولوا على ميناء‬ ‫القطيف‪ ،‬وقد أجاد زامل بن حسين بن جبر‪ ،‬نجح أجود‬ ‫بن زامل في الظفر باتفاقية وقعت في ‪1475‬م تنص‬ ‫على أن المملكة الهرمزية ال سيادة لها على القطيف‬ ‫والبحرين إال مزرعة نخيل‪ ،‬وكانت مقابل أن ينصر‬ ‫أجود “أحد طرفي النزاع سلغور‪ ،‬ولكن سلغور ما‬ ‫لبث أن قلب ألجود ظهر المجن‪ ،‬وانتهت االتفاقية إلى‬ ‫حروب‪ ،‬ت ّم تسويتها بأن يدفع الجبريون الخراج إلى‬ ‫هرمز القويّة‪ ،‬ومضت حروب التطاحن إلى وصول‬ ‫البرتغاليين‪.‬‬

‫عمان‪ ..‬حلم اإلمامة‬ ‫أما عمان فقد استطاع آل الجلندي من تدشين عهد اإلمامة‬ ‫اإلباضية األول‪ ،‬وعاشت الش ّد والجذب مع العباسيين‪،‬‬

‫ما أدى الضطرابها إلى أن استطاع إماما اسمه الصلت‬ ‫بن مالك (‪237‬هـ ‪273 -‬هـ) تحقيق استقرار اقتصادي‬ ‫وسياسي‪ ،‬لكنّه سرعان تفتت بسيطرة القرامطة على‬ ‫جزء منها‪ ،‬ثم تفتت الوحدة السياسية لها‪ ،‬فخضعت‬ ‫لحكم السالجقة‪ ،‬مع وجود خفي ألئمة اإلباضية يبايعهم‬ ‫الناس خفية‪ ،‬وأفرزت الصراعات في القرن الثاني عشر‬ ‫الميالدي األسرة النبهانية التي لم تنج من الصراعات‬ ‫الداخلية‪ ،‬والخارجية أبزها صراع على ظفار‪ ،‬فآلت إلى‬ ‫نفوذ واضح من السلطة الجبرية‪ ،‬مع محاوالت القوى‬ ‫المهيمنة في فارس لالستيالء عليه‪ ،‬أبرز النتائج الدائمة‬ ‫للصراعات الداخلية في عمان‪ ،‬هي أن يلجأ أحد أطراق‬ ‫النزاع إلى شرق إفريقيا‪ ،‬ما جعل عالقة وثيقة بين‬ ‫عمان وما تولّد عنها من ممالك في شرق إفريقيا مثل‬ ‫بات (بته)‪ ،‬لم يغب حلم الخالفة أب ًدا‪ ،‬في كل مراحل‬ ‫تاريخ عمان‪ ،‬ونجح اإلباضيون في تحقيقه أكثر من مرة‬ ‫أبرزها كان تنصيب محمد بن إسماعيل في عام ‪1500‬‬ ‫بدعم من الجبريين‪ ،‬ولكن عمان لم تتوحد فقد سيطر‬ ‫على الساحة الداخلية النباهنيون‪ ،‬أما الساحل فكان تحت‬ ‫سيطرة مملكة هرمز‪.‬‬

‫الخليح العربي ‪1650 1500-‬‬ ‫البرتغاليون والكشوفات‪..‬‬ ‫في هذه الفترة‪ ،‬رفعت الممالك المسلمة التي استوطنت‬ ‫طريق الحرير وغيره من الطرق التجارية الضرائب‬ ‫والمكوس‪ ،‬كما اتفق مصدرو البضائع العابرة من‬ ‫الشرق إلى أوروبا مع تجار البندقية‪ ،‬للتربح بالتحكم‬ ‫في طرق التجارة واحتكارها‪ ،‬ففكر األروبيون بجدية‪،‬‬ ‫في طرق بديلة‪ ،‬هذا باإلضافة إلى عوامل دينية وثقافية‬ ‫تضافرت كلها لتشجيع حركات الكشوف الجغرافيّة‬ ‫التي تص ّدرت لها البرتغال‪ ،‬ولم يكن اسم هرمز غريبًا‬ ‫ً‬ ‫مركزا لتجارة الشرق‪ ،‬وعلى‬ ‫على البرتغاليين باعتباره‬ ‫الرغم من سيطرتهم على سواحل المليبار‪ ،‬إال أنهم‬ ‫أرادوا توحيد طرق المالحة لتكون عبر رأس الرجاء‬ ‫قصرا‪ ،‬فأرادوا بنا ًء على ذلك إغالق مضيق‬ ‫الصالح ً‬ ‫متفرعة‬ ‫هرمز‪ ،‬فقاد «ألبوكيرك» إلى الخليج حملة ّ‬ ‫عن قوة وجهها ملك البرتغال باحتالل الموانئ العربية‬ ‫وغلق البحر األحمر‪ ،‬ولكن البوكيرك يمم صوب‬ ‫الخليج العربي‪ً ،‬‬ ‫بداية من ميناء قلهات الذي هادنه‬ ‫واليها وتزود منه‪ ،‬ومضى نحو قريات وأحالها إلى‬ ‫خراب وارتكب فيها مذابح مؤلمة‪ ،‬وكذلك في مسقط‬ ‫التي ّ‬ ‫نكل بها بعد مفاوضات فاشلة‪.‬‬ ‫ويقول الكاتب أن البوكيرك تبنى سياسة القوة والبطش‪،‬‬ ‫فأحرق خورفكان‪ ،‬ومضى نحو رأس مسندم ومنها إلى‬ ‫هرمز التي لم ينصرها الشاه إسماعيل الصفوي وتخلّى‬ ‫عنها‪ ،‬فأذعنت لبوكيرك بعد قتال ووقعت معاهدة سبتمبر‬ ‫أقرت فيها هرمز بتبعيتها للبرتغال‪ ،‬وبعد‬ ‫عام ‪ّ ،1507‬‬ ‫صوالت وجوالت متعافبة‪ ،‬استقرت األمور للبرتغاليين‬ ‫السلع المهمة‪ ،‬مؤذنين ببداية‬ ‫لمدة قرن‪ ،‬اح َت ّكروا فيها ّ‬ ‫صراعات طويلة لن تنته إال بعد أربعة قرون‪.‬‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪61‬‬


‫كتب‬

‫مختصر التاريخ السياسي للخليج العربي‬

‫رمال متحركة‬ ‫الكتاب‪ :‬مختصر التاريخ السياسي للخليج العربي‬ ‫منذ أقدم حضاراته حتى سنة ‪1971‬‬ ‫المؤلف‪ :‬خالد السعدون‬ ‫الناشر‪ :‬جداول للنشر بيروت‬ ‫النشر ‪ :‬أغسطس (آب) ‪2012‬‬ ‫عدد الصفحات‪380 :‬‬ ‫الذين يرون الخليج الهادئ المستقر الذي يعيش في‬ ‫الذهبي من‬ ‫زماننا هذا ـ على ما فيه من استثناء ‪ -‬زمنه‬ ‫ّ‬ ‫الرفاه واالستقرار‪ ،‬يَظنون أنّه َ‬ ‫عاش طول د ْ‬ ‫َهره على‬ ‫َّ‬ ‫الجزيرة العربية ب ُه ُدوء وسكينة‪ ،‬فيغريهم هدوء‬ ‫هامش‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الصحراء ليتصوّروا لياليها وكأن ذاكرتها ما ضمّت لمع‬ ‫السيوف‪ ،‬وال تطاير البارود برائحته البغيضة في رمالها‬ ‫خليج النّفط واللُّ ْؤلُؤ والمحار‬ ‫وصدور رجالها‪ ،‬ويرون َ‬ ‫ّ‬ ‫مرت به من البَاليا‬ ‫ُدركون كم ّ‬ ‫على أنه هبة أزليّة‪ ،‬ال ي ِ‬ ‫والنِّزاعات «الضروريّة»‪ ،‬وكم وهب لساكنيه «الردى»‪،‬‬ ‫ُدركون ّ‬ ‫أن تاريخه مليء بال ّدماء ِّ‬ ‫والدموع ال َمالحة‪،‬‬ ‫وال ي ِ‬ ‫والصراع‪ ،‬وفيه كما في الصحراء‬ ‫والحروب‪ ،‬والتّناحر‪ِّ ،‬‬ ‫مر بكل ال َمال ِمح التي تعيشها‬ ‫كانت بذور الوطنيّة‪ ،‬وأنّه ّ‬ ‫األمم‪ّ ،‬‬ ‫سياسيّة‬ ‫وأن ما َوصل إليه أهل الخليج من تشكيلة ِ‬ ‫ونظام سياسي اجتماعي‪ ،‬هي نتاج االتِّعاظ من صراعات‬ ‫قرون من التَّدافع‪.‬‬ ‫اإلنسان مع اإلنسان‪ ،‬وحصاد لخبرة ٍ‬ ‫كانت َثمرة المخاض الطويل هي الوصول إلى نموذج‬ ‫ُعاش اآلن يضمن استمرار المجتمعات‪ ،‬فيه من‬ ‫م ٍ‬ ‫األخطاء ما سيعالجه الزمن برويّة‪ ،‬وفيه من العظات‬ ‫ما يجعله عصيًا على الكسر‪ّ ،‬‬ ‫فكل تفاصيل دول الخليج‬ ‫الموجودة اآلن‪ ،‬لها جذور ومرافعات وظالل لم تأت‬ ‫وليدة تجربة تمتد إلى قرن أو اثنين‪ ،‬بل لممارسات‬ ‫منذ آالف السنين‪ ،‬تشكلّت كلها لترسم النموذج الخليجي‬ ‫السطوة‬ ‫الحالي‪ ،‬فالخليج لم يبنه النِّفط‪ ،‬وعائالته لم تبنها َّ‬ ‫والصبر َّ‬ ‫والحكمة‪،‬‬ ‫الصبر‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫واالثرة‪ ،‬ولكن ّ‬ ‫الطويل ِ‬ ‫والتَّجربة الواعية والمحقونة بالعظات هي ما صنع كل‬ ‫شيء‪ ،‬بهذا المعنى يستطيع القارئ فهم مقولة الشيخ زايد‬ ‫بن سلطان آل نهيان (ت ‪« )2004‬لقد علمتنا الصحراء‬ ‫‪60‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫أن نصبر طويال حتى ينبت الخير»‪ ،‬فمن أراد أن يفهم‬ ‫الحرص على الخير والحفاظ على التّجربة‪ ،‬فعليه أن‬ ‫ينتبه لك ّم الصبر الذي بُذل ليصل النّاس لما وصلوا إليه‪.‬‬

‫لماذا هذا الكتاب؟‬ ‫األستاذ الجامعي الدكتور خالد السعدون‪ ،‬المتخصص‬ ‫في التاريخ اإلسالمي و تاريخ الخليج العربي‪ ،‬لم يبن‬ ‫نتعرض له‪ ،‬على ما قدمناه من‬ ‫مشروعه البحثي الذي ّ‬ ‫ّ‬ ‫استفزه الجهل الكبير الذي يلف مجموعة‬ ‫مرافعة‪ ،‬بل‬ ‫القراء والباحثين حيال الخليج العربي‪ ،‬والرغبة في‬ ‫من ّ‬ ‫توثيق أكاديمي ييسر على دارسي المجال اإللمام بصورة‬ ‫الرصد والتّجميع حاضرة في باله‪،‬‬ ‫عامة‪ ،‬فبقيت فكرة ّ‬ ‫لكنّها نائمة‪ ،‬ولم يو ِق َظها‪ ،‬إال ِّادعاء باحث وأستاذ جامعي‬ ‫كبير ‪ -‬لم يذكر اسمه ‪ -‬إذ قال في حوار له ّ‬ ‫«إن الخليج‬ ‫منطقة بال تاريخ»‪ ،‬فأيقظت الكلمات في السعدون الهمَّة‪،‬‬ ‫لتسجيل ِرواية شا ِملَة ألهم األحداث لتفي بحاجة القارئ‬ ‫ِ‬ ‫العام والطالب المبتدئ ِّ‬ ‫وتوفر عليهما عناء البحث‪ .‬فبدأ‬ ‫مارا‬ ‫رحلته من العصر الحجري وانتهى بالعام ‪ً ،1971‬‬ ‫بكل مراحل التطور السياسي وأحداثه‪ ،‬محقبًا بحثه‪.‬‬

‫الخليج منذ العصر الحجري حتى نهاية‬ ‫القرن التاسع الميالدي‬ ‫الرحلة من العصور الحجريّة‪ ،‬فاآلثار ّ‬ ‫تدل على أن‬ ‫بدأت ِّ‬ ‫ً‬ ‫يعرف شيء‬ ‫وال‬ ‫نة‪،‬‬ ‫س‬ ‫ألف‬ ‫مائة‬ ‫منذ‬ ‫مأهوال‬ ‫كان‬ ‫الخليج‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫مؤكد عن هويَّة َ‬ ‫سكانه القدماء‪ ،‬ولكن سلسلة الحضارات‬

‫في التاريخ المكتوب بدأها السعدون منذ أ ّم النّار (‪3000‬‬ ‫ـ ‪ 2500‬ق‪.‬م) قرب أبوظبي‪ ،‬وبدت فيها هوية تديّن‬ ‫مر الكتاب‬ ‫وإيمان بحياة أخرى‪ ،‬وامتهن أهلها الزراعة‪ّ ،‬‬ ‫منها إلى حضارة باربار (‪ 2500‬ـ ‪ 2000‬ق‪.‬م) التي‬ ‫سجله التّاريخ‬ ‫الح ّس ال َفنِّي‪ ،‬ثم طاف على ما ّ‬ ‫تطور فيها ِ‬ ‫فر ِصد ساللة أرض البحر األولى‪،‬‬ ‫من سالالت حاكمة ُ‬ ‫والكاشيون‪ ،‬والصراعات بين اآلشوريين والعالميين‬ ‫وساللة أرض البحر الثانية على الخليج‪ ،‬وصوال إلى‬ ‫وفصل في العهد الساساني‪،‬‬ ‫العهد الهيليني‪ ،‬والفرثيوني‪ّ ،‬‬ ‫مارا قبله على حضارات دلمون ومجان‪ ،‬وقال بأن‬ ‫ً‬ ‫المسحة الساميّة في الخليج بدأت تتضح بعد األلف الثاني‬ ‫قبل الميالد‪ّ .‬‬ ‫وكل هذه الحقب‪ ،‬كان النظام السياسي‪ ،‬مبني‬ ‫على عامود عشائري وتحالفات قبلية تؤمن بالساللة‪.‬‬

‫العرب في الخليج ‪..‬‬ ‫اإلسالم‪ ..‬الردة‪ ..‬الفتوحات‬ ‫في القرون اللاّ حقة تميّز من بين األقوام الساميّة من‬ ‫سمتهم الكتابات اآلشوريّة خالل القرن التّاسع قبل‬ ‫الميالد «عربو»‪ ،‬وتوالت ّ‬ ‫الحضور‬ ‫الشواهد على ُ‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ال َعربي‪ ،‬وقد أظهرت اآلثار شيوع اللغة العربيّة الشماليّة‬ ‫في َ‬ ‫الخليج خالل القرن الثالث قبل الميالد‪ ،‬ومع ازدياد‬ ‫أقر‬ ‫ياسي ظهرت ممالك مثل ال َم َنا ِذ َرة‪ ،‬وقد ّ‬ ‫النفوذ ِّ‬ ‫الس ِ‬ ‫اطق ال ّداخلية‬ ‫ّ‬ ‫الساَسا ِنيُّون بعض الحكام ال َعرب على الم َن ِ‬ ‫في عمان‪ ،‬واستعانوا بكبار شيوخ قبائلهم في ال َمهام‬ ‫اإلداريّة واالستشاريّة‪ ،‬لتسهيل أمور الحكم‪ .‬وتبقى‬ ‫لسلطة ِش َ‬ ‫يوخها‬ ‫المالحظة األهم أن المنطقة بقيت تُ ِدين ُ‬


‫نيتهم هي خلع رئيس الوزراء من خالل اقتراع بعدم‬ ‫الثقة إذا ما استمر في الحنث بوعوده الخاصة بمشاركة‬ ‫السلطة والتي قطعها عند تشكيله الحكومة في بداية عام‬ ‫‪ ،2010‬بعدما تم انتخابه لفترة ثانية‪.‬‬ ‫ويبدو أن برزاني كان يعتقد أن لديه اليد العليا‪ .‬حيث‬ ‫كانت “إكسون موبيل” قد وقعت عقدا لالستكشاف مع‬ ‫حكومة كردستان المستقلة في أكتوبر (تشرين األول)‬ ‫‪ - 2011‬أول شركة بترول كبرى تفعل ذلك ‪ -‬في حركة‬ ‫أغضبت حكومة المالكي التي هددت الشركة بفرض‬ ‫عقوبات عليها‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من أن األكراد كانوا لم يعثروا بعد على‬ ‫وسيلة سهلة لتصدير النفط‪ ،‬فإن وصول “إكسون‬ ‫موبيل” قد منحهم ثقة جديدة وعزز حجتهم حول أن‬ ‫مليارات البراميل من البترول القابل للتسويق ال يمكن‬ ‫أن يتم تخزينها‪ ،‬وبالتالي فإن قيمتها الكبيرة سوف تجبر‬ ‫بغداد على قبول صفقة تصدير‪ .‬واألهم من ذلك‪ ،‬كان‬ ‫تقديم تركيا لنفسها كمشتر محتمل للنفط الكردي‪ ،‬يشير‬ ‫إلى أنها مستعدة لتجاوز بغداد إذا ما وجدت خطوط‬ ‫األنابيب الضرورية‪ .‬وبالتالي‪ ،‬تعرضت العالقة بين‬ ‫المالكي ورئيس الوزراء التركي رجب طب أردوغان‪،‬‬ ‫التي كانت قد ضعفت بالفعل إثر دعم العراق للنظام‬ ‫السوري ضد االنتفاضة المستمرة‪ ،‬لضربة جديدة‪.‬‬ ‫ولكن األكراد أخفقوا‪ ،‬فقد أخفقوا في خلع المالكي‪ ،‬الذي‬ ‫يتمتع بتأييد تكتيكي من كل من إيران والواليات المتحدة‪.‬‬ ‫واكتشفوا أن الحكومة الفيدرالية‪ ،‬التي تزايد إنتاجها من‬ ‫البترول بحلول يوليو (تموز) ‪ 2012‬أكثر من أي وقت‬ ‫آخر في السنوات العشر الماضية‪ ،‬لن تتنازل في قضية‬ ‫المدفوعات لشركات البترول‪ .‬وكعقاب‪ ،‬هدد المالكي‬ ‫بتقليل مخصصات موازنة حكومة كردستان المستقلة‬ ‫بقدر المال الذي كانت الحكومة المركزية تخسره إثر‬ ‫مقاطعة صادرات البترول الكردية ونقل صغار التجار‬ ‫النفط إلى إيران‪.‬‬ ‫وفي بداية أغسطس (آب)‪ ،‬كانت إدارة أوباما‪ ،‬التي‬ ‫كانت تخشى أن يتسبب انخفاض صادرات البترول‬ ‫من العراق في رفع أسعار البنزين‪ ،‬تضغط على‬ ‫األكراد إلنهاء موقفهم‪ .‬ودون الفوز بأي تسويات بشأن‬ ‫المدفوعات إلى شركات البترول من بغداد‪ ،‬استسلمت‬ ‫حكومة كردستان المستقلة وأعادت فتح الصمامات‪.‬‬ ‫وفي أواسط سبتمبر (أيلول)‪ ،‬عاد الجانبان لصفقتهما‬ ‫األصلية ولكن ذلك لم يخرج حكومة كردستان المستقلة‬ ‫من الوضع الذي كانت قابعة فيه وتأمل أن تفر منه عبر‬ ‫استغالل ثروة الهيدروكربون في المنطقة‪ :‬فقد ظلت‬ ‫معتمدة ماليا على الحكومة الفيدرالية التي ما زالت‬ ‫حتى اآلن لديها اليد العليا‪.‬‬

‫دور تركيا‬ ‫من المستبعد أن تتحسن العالقات بين برزاني‬ ‫والمالكي‪ ،‬ويتزايد تطلع الزعيم الكردي لتركيا من أجل‬ ‫الخالص رغم تاريخ البالد السيئ فيما يتعلق بحقوق‬

‫تأييد وحدة العراق‪ ،‬في مقابل الخطة (ب)‪ ،‬توثيق‬ ‫العالقات مع كيانات منفصلة عن بغداد مثل األكراد‬ ‫والمحافظات السنية الكبيرة في شمال العراق‪ ،‬رغم‬ ‫مخاطر قطع الصالت بالعراق‪ .‬وبالفعل‪ ،‬تغير الخطاب‬ ‫في أنقرة‪ .‬فلم يعد المسؤولون يشيرون للوحدة العراقية‬ ‫باعتبارها عنصرا رئيسيا‪ ،‬بل إنها أًصبحت اآلن‬ ‫عنصرا اختياريا‪.‬‬

‫عندما قامت الواليات املتحدة‬ ‫بغزو العراق يف ‪ ، 2003‬انفتحت نافذة‬ ‫�أخرى �أمام الأكراد‪ .‬فعندما انتهى نظام‬ ‫�صدام ح�سني‪ ،‬كان �أمام �أكراد العراق‪،‬‬ ‫بالإ�ضافة �إىل العراقيني العائدين من‬ ‫املنفى‪ ،‬فر�صة نادرة لت�شكيل العراق‬ ‫اجلديد‪ :‬عراق دميقراطي‪ ،‬متعدد‪،‬‬ ‫وغري مركزي‪ .‬وقد جنحت التجربة لفرتة‬ ‫حمدودة ولكن عدم خربة الواليات‬ ‫املتحدة يف بناء الدولة‪ ،‬واجلهل‬ ‫الثقايف‪ ،‬والإدارة القمعية‪ ،‬جميعها‬ ‫مثلت عقبات على الطريق‬ ‫األكراد‪ .‬فعلى الرغم من أن تركيا كانت دائما تؤيد‬ ‫وحدة األراضي العراقية كحصن ضد النفوذ اإليراني‬ ‫وحصن ضد امتداد النزعة االنفصالية إلى سكانها‬ ‫األكراد‪ ،‬بدأت حكومة أردوغان مؤخرا في تغيير‬ ‫استراتيجيتها‪ .‬فمنذ ‪ ،2008‬كونت عالقة اقتصادية‬ ‫وثيقة مع حكومة كردستان العراق من خالل فتح‬ ‫حدودها وتشجيع االستثمارات التركية في المنطقة‬ ‫الكردية‪ ،‬بينما تراجعت عالقتها ببغداد نظرا لتحول‬ ‫المالكي إلى السلطوية وتفهم نظرة أنقرة إلى المالكي‬ ‫باعتباره وكيال إليران‪.‬‬ ‫والسؤال هو‪ :‬إلى أي مدى سوف يذهب الزعماء‬ ‫األتراك؟ فهل هم مستعدون للتخلي عن الخطة (أ)‪،‬‬

‫ويقال إن أردوغان كان قد وعد برزاني بأن تحمي‬ ‫القوات التركية المنطقة الكردية في حالة وقوع هجوم‬ ‫عسكري من بغداد‪ .‬وحتى إذا ما كانت الزيارة غير‬ ‫المعلن عنها والتي قام بها وزير الخارجية التركي أحمد‬ ‫أوغلو إلى مدينة كركوك المتنازع عليها في أغسطس‬ ‫(آب) لم تكن تشير إلى دعم مزاعم األكراد حول‬ ‫األرض‪ ،‬فإن رد فعل بغداد الغاضب أظهر أنها نظرت‬ ‫للزيارة من ذلك المنطلق‪ .‬فقد أعلن المالكي عن خطط‬ ‫لتأسيس مقر جديد للجيش في كركوك‪ ،‬وهناك إشارات‬ ‫أخرى حول تزايد عسكرة المدينة‪.‬‬ ‫ومن جانبه‪ ،‬قدم برزاني حوافز قوية لتركيا لالبتعاد‬ ‫عن بغداد‪ :‬تدفق منتظم ألكثر من مليون برميل من‬ ‫البترول يوميا من خالل مجموعة من األنابيب المباشرة‬ ‫التي يتم بناؤها حاليا‪ ،‬منطقة عازلة كردية سنية على‬ ‫الحدود الجنوب شرقية لتركيا ضد حكومة المالكي‬ ‫التي يهيمن عليها الشيعة‪ ،‬ومساعدة حكومة كردستان‬ ‫المستقلة في منع المتمردين األكراد من االمتداد إلى‬ ‫المناطق الكردية في سوريا‪.‬‬ ‫بالنسبة لتركيا‪ ،‬سوف تكون مخاطر تأييد أكراد العراق‬ ‫هائلة‪ .‬فسوف يعزز وضع العراق المفكك مساعي‬ ‫إيران للهيمنة اإلقليمية ويعزز وجود دولة مستقلة في‬ ‫كردستان العراق من أوضاع األقلية الكردية في تركيا‪.‬‬ ‫ومن ثم فإن الزعماء األكراد يواجهون معضلة جدية‪.‬‬ ‫فهم ال يستطيعون التنبؤ بنتائج األزمة في سوريا أو إلى‬ ‫أي مدى سوف يتأثر بها األكراد في البلدان األربعة‬ ‫التي يسكنون بها‪.‬‬ ‫ومن جهة أخرى‪ ،‬تحتاج تركيا على نحو عاجل إلى‬ ‫الوصول إلى موارد الطاقة بالعراق‪ ،‬وطالما استمرت‬ ‫عالقاتها ببغداد في حالة من التراجع‪ ،‬يبدو أن أنقرة‬ ‫ستصبح مستعدة لشراء البترول مباشرة من األكراد‬ ‫دون أخذ الضوء األخضر من حكومة المالكي‪ .‬وسوف‬ ‫يساعد مثل ذلك السلوك المنطقة الكردية على أن‬ ‫تحصل على قدر أعلى من الحكم الذاتي عن بغداد‬ ‫ويمنحها عنصر قوة في مواجهة أنقرة ولكنه لن يسفر‬ ‫عن دولة‪ .‬وفي النهاية‪ ،‬سوف يظل األكراد عالقين في‬ ‫العراق‪ ،‬ولكن بشروطهم الخاصة‪.‬‬ ‫وأخذا في االعتبار تاريخهم الذي تسوده االضطرابات‪،‬‬ ‫يعد ذلك تقدما جديا ويضع األساس الذي يمكن أن يتم‬ ‫بناء شيء أفضل فوقه<‬ ‫* نائب مدير برنامج الشرق األوسط‬ ‫وشمال أفريقيا بمجموعة األزمات الدولية‬ ‫وباحث بمركز الدراسات الدولية بمعهد‬ ‫ماساتشوستس للتكنولوجيا‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪59‬‬


‫صحافة عالمية‬

‫خارجيتها‪ ،‬ورئيس األركان في الجيش)‪.‬‬ ‫وخالل التحول‪ ،‬أوضح األكراد أنهم سوف يظلون‬ ‫ملتزمين تجاه العراق الجديد شريطة أن يكون‬ ‫فيدراليا وديمقراطيا وإذا ما تمت معاملتهم كشركاء‬ ‫وليس كأقلية يتم تحييدها من خالل منحها منطقة شبه‬ ‫مستقلة‪ .‬ولكن ما حصلوا عليه بدال من ذلك كان نظاما‬ ‫في بغداد يشبه في بعض مناحيه نظام صدام‪ .‬حيث‬ ‫تمارس الحكومة الجديدة محاباة األقارب نفسها التي‬ ‫كان النظام القديم يمارسها‪ ،‬كما استمر انعدام الثقة‬ ‫المتبادل‪ ،‬والخوف من التأثير على المناخ السياسي‪،‬‬ ‫كما ظلت الدولة مركزية إلى حد بعيد‪ ،‬وأصبح من‬ ‫الواضح أن المواطن العادي قد قبل بشكل من أشكال‬ ‫الحكم السلطوي كثمن لالستقرار‪ .‬وربما تكون‬ ‫األراضي التي يهيمن عليها األكراد تعاني من نفس‬ ‫المثالب‪ ،‬ولكن ذلك لم يكن نوع العراق الذي كانوا‬ ‫يرغبون في أن يصبحوا جزءا منه‪.‬‬ ‫فبدال من ذلك‪ ،‬ظل تطلعهم الرئيسي هو بناء كردستان‬ ‫مستقلة‪ .‬وبالتالي‪ ،‬فعلى الرغم من أن األكراد حصلوا‬ ‫على دور فعال في الحكومة العراقية الجديدة‪ ،‬فإنهم‬ ‫بدأوا وضع األسس لدولة مستقبلية خاصة بهم‪ ،‬بما في‬ ‫ذلك المساعدة في وضع الدستور الجديد والدائم للعراق‬ ‫والذي يعطيهم حكما ذاتيا واسعا‪ .‬ثم وفي عام ‪،2005‬‬ ‫اشتعلت حرب شوارع بين السنة والشيعة ساهمت في‬ ‫القضاء على جاذبية المشاركة في الحكم في بغداد‪.‬‬ ‫كذلك كان بزوغ المالكي مرة أخرى‪ ،‬الذي أصبح أكثر‬ ‫سلطوية ودخل في نزاع مع األكراد حول عدد من‬ ‫القضايا‪ .‬وتزايد الزخم حول كردستان المستقلة‪.‬‬ ‫من وجهة النظر الكردية‪ ،‬اتخذت األمور منحى سيئا‬ ‫في عام ‪ ،2007‬في ظل انتشار القوات األميركية‪ .‬ففي‬ ‫ظل تجديد وعودها بإصالح األمور في العراق‪ ،‬بدأت‬ ‫الواليات المتحدة في تمكين العرب السنة لمواجهة‬ ‫المتمردين وضغطت على األكراد لقبول صفقات‬ ‫لمشاركة السلطة مع نفس الناس الذين اقترفوا ضدهم‬ ‫مذابح تطهير عرقي خالل عصر صدام‪ .‬وكان موقف‬ ‫واشنطن هو أن األكراد يجب أن يساعدوا في الحفاظ‬ ‫على الوحدة العراقية من خالل تعلم العمل مع الحكومة‬ ‫في بغداد‪ .‬وقد قام األكراد بذلك ولكنهم استمروا في‬ ‫السعي وراء االستقالل‪ .‬وقد أيدوا المجلس التشريعي‪،‬‬ ‫سواء في بغداد أو في المنطقة الكردية‪ ،‬وهو ما هدد‬ ‫بإضعاف السيطرة المركزية خاصة في إطار الترتيبات‬ ‫الفيدرالية للمحافظات األخرى واألهم من ذلك البترول‪.‬‬

‫السياسات البترولية‬ ‫في ظل تخليهم التدريجي عن العراق الموحد‪ ،‬بدأ األكراد‬ ‫يستغلون أصولهم األكثر فعالية‪ :‬االحتياطي الهائل من‬ ‫البترول الخام والغاز الطبيعي الذي يقع في إطار‬ ‫أراضيهم‪ .‬ففي عام ‪ ،2007‬وبعد انهيار المفاوضات‬ ‫مع بغداد حول القانون الفيدرالي للنفط والغاز‪ ،‬بدأت‬ ‫كردستان العراق في تطوير قطاع الهيدروكربون‬ ‫‪58‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫أن كال الطرفين اتفقا على مبدأ مشاركة العائدات‪،‬‬ ‫أصر األكراد على الحق في توقيع العقود سعيا وراء‬ ‫الحصول على دخل مستقل‪ ،‬وهو ما أثار غضب بغداد‬ ‫في بعض األحيان‪ .‬واألهم من ذلك‪ ،‬فإن وجود حقول‬ ‫بترول كبيرة‪ ،‬سوف يزود المنطقة بنوع من المزايا‬ ‫االقتصاية التي يمكنها أن تساعد على قيام الدولة‪.‬‬

‫لقد كان الأكراد دائما �ضحايا التاريخ‪،‬‬ ‫واجلغرافيا‪ ،‬ومع ذلك‪ ،‬فقد متكنوا يف‬ ‫بع�ض الأحيان من حتقيق طموحاتهم‪.‬‬ ‫فلمدة قرن تقريبا‪ ،‬كانوا يجاهدون‬ ‫لتحرير �أنف�سهم من الهيمنة املركزية‪،‬‬ ‫والتغلب على موقعهم املنعزل‪ .‬واليوم‪،‬‬ ‫تقدم لهم املنطقة �سريعة التغري‬ ‫حلفاء جددا وفر�صا جديدة‪ .‬ولكن هناك‬ ‫�سببا قويا يجعلنا نعتقد �أن الأكراد �سوف‬ ‫ي�ضطرون �إىل ت�أجيل م�ساعيهم للح�صول‬ ‫على دولة م�ستقلة مرة �أخرى‪ ،‬حيث‬ ‫�إنهم ا�ستبدلوا قب�ضة بغداد اخلانقة‬ ‫باعتماد اختياري على تركيا‬ ‫لديها في تحد واضح للحكومة الفيدرالية‪ .‬وكانت هناك‬ ‫بالفعل بعض شركات استكشاف البترول الصغيرة التي‬ ‫قد بدأت العمل‪ ،‬ولكن المنطقة بدأت في جذب الشركات‬ ‫متوسطة الحجم من جميع أنحاء العالم بما في ذلك‬ ‫الشركات األميركية مثل “هانت أويل” و”إتش كيه‬ ‫إن”‪ ،‬و”ماراثون أويل”‪ ،‬و”مورفي أويل”‪ ،‬و”هيس»‪.‬‬ ‫وقد تحدت بغداد حق حكومة كردستان المستقلة في‬ ‫توقيع عقود مستقلة مع شركات البترول التي أرادت‬ ‫أن تبدأ في االستكشاف في كردستان ورفعت شكاوى‬ ‫ضد مساعي حكومة كردستان المستقلة لدمج األراضي‬ ‫المتنازع عليها والغنية بالنفط والغاز إلى المنطقة‬ ‫الكردية‪ ،‬خاصة منطقة كركوك‪ .‬وعلى الرغم من‬

‫وحتى عندما انهارت عالقتهم ببغداد‪ ،‬ظل األكراد‬ ‫معتمدين على الحكومة المركزية حيث ما زالوا‬ ‫يتلقون حصة تعادل ‪ 17%‬من الموازنة الفيدرالية‬ ‫السنوية‪ ،‬والتي ينفقون معظمها على رواتب العاملين‬ ‫في القطاع العام‪ .‬باإلضافة إلى أنه عندما بدأت بعض‬ ‫حقول البترول مرحلة اإلنتاج‪ ،‬واجه األكراد حقيقة‬ ‫أن ‪ -‬حتى اآلن على األقل ‪ -‬السبيل الوحيد لتوصيل‬ ‫منتجاتهم لألسواق هو إرسالها من خالل األنابيب‬ ‫الموجودة والتي تمر خارج حدود منطقة كردستان‪،‬‬ ‫من مدينة كركوك إلى ميناء “جيهان” التركي على‬ ‫البحر المتوسط‪ .‬وبمعنى آخر‪ ،‬فإنهم سوف يحتاجون‬ ‫إلى موافقة بغداد على بيع صادراتهم األكثر أهمية‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من أن عائدات البترول سوف تتدفق إلى‬ ‫الخزينة الوطنية‪ ،‬رفضت حكومة المالكي ليس فقط‬ ‫حق حكومة كردستان المستقلة في التوقيع على عقود‬ ‫البترول ولكنها رفض أيضا طبيعة تلك العقود والتي‬ ‫تمنح الشركات الموقعة حصة في البترول‪.‬‬ ‫في عام ‪ ،2009‬وفي ظل احتياج الطرفين للعائدات مع‬ ‫انخفاض األسعار العالمية للبترول‪ ،‬توصل الطرفان‬ ‫التفاقية مؤقتة‪ ،‬وبدأ األكراد ضخ البترول من خالل‬ ‫األنابيب العراقية‪ .‬وبالتالي بدأت فترة من التقدم‬ ‫المتقطع في قضية البترول‪ .‬حيث استمرت الصفقة‬ ‫األولى لعدة أشهر فقط‪ ،‬وانهارت حينما واجه األكراد‬ ‫ضغوطا مالية من الشركات المنتجة التي تسعى‬ ‫الستعادة تكلفتها‪ ،‬والتي قالت بغداد إن حكومة كردستان‬ ‫المستقلة يجب أن تسددها من مخصصاتها السنوية من‬ ‫الموازنة الفيدرالية‪ .‬وبعد ذلك بعام‪ ،‬وعندما تزايدت‬ ‫اإلمكانات اإلنتاجية لكردستان‪ ،‬عقدت بغداد وحكومة‬ ‫كردستان المستقلة صفقة جديدة كان من المفترض أن‬ ‫ينتج األكراد من خاللها ‪ 100‬ألف برميل يوميا في عام‬ ‫‪( 2011‬و‪ 175‬ألف برميل يوميا في ‪ )2012‬وكانت‬ ‫الحكومة الفيدرالية سوف تكافئ الشركات المنتجة على‬ ‫استثماراتها‪ .‬ولكن تلك الصفقة لم تدم‪ ،‬فقد انهارت إثر‬ ‫نزاع يخص عائدات نفقات الشركات النفطية‪.‬‬ ‫وقد أثبتت المعركة األخيرة أنها القشة التي قصمت‬ ‫ظهر البعير بالنسبة لحكومة كردستان المستقلة‪ .‬ففي‬ ‫أبريل (نيسان) الماضي‪ ،‬وفي نفس الوقت الذي كان‬ ‫النموذج السلطوي لحكومة المالكي يتزايد فيه‪ ،‬علقت‬ ‫حكومة كردستان المستقلة صادرات البترول من خالل‬ ‫األنابيب العراقية‪( .‬ولكن التجار األكراد استمروا‬ ‫في نقل البترول إلى إيران وهو ما كان يوفر بعض‬ ‫العائدات لحكومة كردستان المستقلة)‪ .‬وبعد ذلك بوقت‬ ‫قصير‪ ،‬استضاف برزاني اجتماعا لخصوم المالكي‪،‬‬ ‫كافة الشركاء الرسميين في الحكومة االئتالفية‪ .‬وكانت‬


‫األكراد‪ :‬هذه‬ ‫كردستان وليس‬ ‫العراق!‬

‫قمع المساعي الكردية للحصول على دولة مستقلة‪،‬‬ ‫بالعنف في أغلب األحيان‪.‬‬ ‫وكلما كانت الحكومة المركزية في العراق تعاني‬ ‫من حالة من الضعف نتاج األزمات الداخلية – على‬ ‫سبيل المثال‪ ،‬خالل خلع الملكية في عام ‪،1958‬‬ ‫واالنقالب البعثي في ‪ ،1968‬والحرب اإليرانية‬ ‫العراقية ‪ - 1988-1980‬كان األكراد يمارسون‬ ‫الضغوط‪.‬‬ ‫وكلما توصلوا لصفقة مع بغداد‪ ،‬كانوا سرعان ما يتم‬ ‫تخييب آمالهم من خالل حمالت مواجهة التمرد التي‬ ‫أسفرت عن مقتل اآلالف وتدمير قراهم‪ .‬وجاء األسوأ‬ ‫في أيام الضعف التي شهدها العراق خالل نزاعه مع‬ ‫إيران‪ ،‬عندما استخدم نظام صدام حسين الغاز السام‬ ‫ضد المقاتلين األكراد والمدنيين وشن ضدهم حملة إبادة‬ ‫تعرف باسم “األنفال” راح ضحيتها عشرات اآلالف‬ ‫الذين قتلوا بشكل منهجي‪.‬‬ ‫وقد حصل األكراد على هدنة في عام ‪ ،1991‬في‬

‫أعقاب حرب الخليج‪ .‬حيث شجع الرئيس األميركي‪،‬‬ ‫جورج دابليو بوش‪ ،‬األكراد والشيعة على حمل‬ ‫السالح ضد صدام ولكنه لم يقدم أبدا مساعدات‬ ‫عسكرية لدعم قضيتهم‪ .‬وعندما قمع صدام بوحشية‬ ‫االنتفاضة التي نجمت عن ذلك‪ ،‬فرض حلفاء حرب‬ ‫الخليج منطقة حظر طيران ووفروا ملجأ آمنا في‬ ‫شمال العراق مما منح األكراد حماية دولية ألول‬ ‫مرة‪.‬‬ ‫وكانت تلك فرصتهم الحقيقية األولى‪ ،‬وسرعان ما‬ ‫استفادوا منها‪ .‬ففي عام ‪ ،1992‬وبمساعدة دولية‪ ،‬تمكن‬ ‫األكراد من إجراء انتخابات برلمانية‪ ،‬مما أحيا المجلس‬ ‫التشريعي للحكم الذاتي الذي كان النظام البعثي قد سمح‬ ‫به في أيامه األولى‪ ،‬ومهد لشكل من أشكال الحكم‬ ‫الذاتي‪ .‬وكان ذلك المشروع معركة متنامية‪ :‬فقد كان‬ ‫األكراد يعانون من نزاع دام بين حزبيهم السياسيين‬ ‫الكبيرين‪ ،‬ويهيمنون على منطقة منعزلة‪ ،‬كما أن الجار‬ ‫الذي يعتمدون عليه كمنفذ على العالم‪ ،‬وهو تركيا‪،‬‬ ‫كان يخشى أن تمثل التجربة الكردية العراقية من‬

‫الحكم الذاتي مصدر إلهام لألقلية الكردية في تركيا‪.‬‬ ‫وقد فرضت الحكومة التركية حظرا بحكم األمر الواقع‬ ‫على المنطقة حيث لم تسمح سوى للمساعدات اإلنسانية‬ ‫بالمرور من حدودها ولم تسمح بمرور الموارد التي‬ ‫يحتاج إليها األكراد لبناء مجتمعهم المنهار‪.‬‬ ‫وعندما قامت الواليات المتحدة بغزو العراق في‬ ‫‪ ،2003‬انفتحت نافذة أخرى أمام األكراد‪ .‬فعندما انتهى‬ ‫نظام صدام حسين‪ ،‬كان أمام أكراد العراق‪ ،‬باإلضافة‬ ‫إلى العراقيين العائدين من المنفى‪ ،‬فرصة نادرة لتشكيل‬ ‫العراق الجديد‪ :‬عراق ديمقراطي‪ ،‬متعدد‪ ،‬وغير‬ ‫مركزي‪ .‬وقد نجحت التجربة لفترة محدودة ولكن عدم‬ ‫خبرة الواليات المتحدة في بناء الدولة‪ ،‬والجهل الثقافي‪،‬‬ ‫واإلدارة القمعية‪ ،‬جميعها مثلت عقبات على الطريق‪.‬‬ ‫وقد أنتجت تلك العوامل تحوال سياسيا ودستوريا‬ ‫غير فعال‪ ،‬وهو ما دفع األكراد في النهاية بعيدا عن‬ ‫الحكومة المركزية‪ ،‬رغم أنهم تمكنوا من احتالل بعض‬ ‫المواقع الريادية (كان يشغلون منذ عام ‪ ،2006‬منصب‬ ‫الرئيس العراقي‪ ،‬وأحد نواب رؤساء الوزراء‪ ،‬ووزير‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪57‬‬


‫صحافة عالمية‬

‫االنفصال عن بغداد‪ ..‬أو عندما ينتقم األكراد‬

‫�أحالم م�ؤجلة‬

‫ت�سود كال من �أربيل‪ ،‬وال�سليمانية‪ ،‬ودهوك ‪� -‬أكرب ثالث مدن يف‬ ‫كرد�ستان العراق ‪ -‬هذه الأيام �أجواء مبهجة‪ ،‬وهو ما يعود ل�سبب قوي‪،‬‬ ‫فهناك الكثري الذي ميكن �أن يحتفل به �أكراد العراق‪ ،‬الذين يعي�شون‬ ‫يف منطقة تخ�ضع ملا ي�شبه احلكم الذاتي وتديرها حكومة كرد�ستان‬ ‫الإقليمية‪ .‬فهم يتمتعون ب�سالم ن�سبي وا�ستقرار مقارنة بباقي‬ ‫�أنحاء البالد‪ ،‬ولديهم جمتمع مفتوح �إىل حد ما‪ ،‬وخالل العام املا�ضي‪،‬‬ ‫ح�صلوا على تعزيز وا�ضح للثقة يف اقت�صادهم النا�شئ من بع�ض كربى‬ ‫�شركات البرتول العاملية‪ ،‬مبا يف ذلك “�إك�سون موبيل”‪�“ ،‬شيفرون”‪،‬‬ ‫“توتال”‪“ ،‬غازبروم”‪ ،‬والتي وقعت جميعها عقود ا�ستك�شاف مع‬ ‫حكومة كرد�ستان الإقليمية‪.‬‬ ‫بقلم‪ :‬جوست آر هيلترمان *‬ ‫ال تشهد كردستان العراق فقط ازدهارا على مستوى‬ ‫البناء ولكن أهل كردستان أًصبحوا يتداولون فكرة‬ ‫كانت تبدو مستحيلة من قبل‪ :‬وهي أن اليوم الذي‬ ‫سيصبحون فيه أحرارا ومستقلين عن باقي العراق‬ ‫قد أصبح وشيكا‪.‬‬ ‫وفي ظل استمرار األكراد في مساعيهم‪ ،‬يتزايد‬ ‫انفصالهم عن حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري‬ ‫المالكي‪ ،‬وكانت العالقات الشخصية بين المالكي‬ ‫ورئيس حكومة كردستان‪ ،‬مسعود برزاني قد وصلت‬ ‫إلى أدنى مستوياتها‪ ،‬مما جعلهما ال يتمكنان من‬ ‫التوصل إلى حلول للنزاعات المتقدة حول السلطة‪،‬‬ ‫واألرض والموارد‪ .‬وفي يونيو (حزيران) الماضي‪،‬‬ ‫حاول برزاني وغيره من خصوم المالكي أن يخلعوا‬ ‫رئيس الوزراء من خالل اقتراع بعدم الثقة‪ ،‬وعلى‬ ‫الرغم من أنهم أخفقوا في ذلك‪ ،‬فإن رغبتهم ما زالت‬ ‫قائمة‪.‬‬ ‫لقد كان األكراد دائما ضحايا التاريخ‪ ،‬والجغرافيا‪،‬‬ ‫‪56‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫ومع ذلك‪ ،‬فقد تمكنوا في بعض األحيان من تحقيق‬ ‫طموحاتهم‪ .‬فلمدة قرن تقريبا‪ ،‬كانوا يجاهدون‬ ‫لتحرير أنفسهم من الهيمنة المركزية‪ ،‬والتغلب على‬ ‫موقعهم المنعزل‪ .‬واليوم‪ ،‬تقدم لهم المنطقة سريعة‬ ‫التغير حلفاء جددا وفرصا جديدة‪ .‬ولكن هناك سببا‬ ‫قويا يجعلنا نعتقد أن األكراد سوف يضطرون إلى‬ ‫تأجيل مساعيهم للحصول على دولة مستقلة مرة‬ ‫أخرى‪ ،‬حيث إنهم استبدلوا قبضة بغداد الخانقة‬ ‫باعتماد اختياري على تركيا‪.‬‬

‫أحالم مؤجلة‬ ‫لقد بدأت مشكالت األكراد تقريبا منذ قرن‪ .‬فعندما‬ ‫انهارت اإلمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب‬ ‫العالمية األولى‪ ،‬انقسم األكراد‪ ،‬الذين كانوا يمثلون‬ ‫مجموعة عرقية كبيرة داخل اإلمبراطورية‪ ،‬بين‬ ‫تركيا‪ ،‬وإيران‪ ،‬وسوريا (تحت االنتداب الفرنسي)‪،‬‬ ‫والعراق (تحت االنتداب اإلنجليزي)‪ .‬وكانت تركيا‬ ‫الجديدة عازمة على أنها ال تستطيع احتمال دولة‬

‫حكم ذاتي‪ ،‬ناهيك عن دولة مستقلة‪ ،‬لكردستان على‬ ‫حدودها الشرقية‪ ،‬ومن ثم فإنها بذلت جهودا محمومة‬ ‫لكي تحافظ على معظم األراضي الكردية تحت‬ ‫سيطرتها المباشرة‪.‬‬ ‫وقد منح الصراع الكبير على السلطة لألكراد لحظة‬ ‫من األمل في عام ‪ 1920‬عندما حددت قوات التحالف‬ ‫مصير اإلمبراطورية العثمانية من خالل “معاهدة‬ ‫سيفر”‪ .‬حيث مهدت تلك المعاهدة الستقالل كامل‬ ‫لألكراد في أعقاب فترة من الحكم الذاتي‪ .‬ولكن لم يتم‬ ‫أبدا المصادقة على تلك المعاهدة‪ ،‬وبعد ذلك بثالث‬ ‫سنوات‪ ،‬تم استبدالها بمعاهدة “لوزان” التي لم يتم‬ ‫اإلشارة إلى وضع األكراد بها على اإلطالق‪ .‬وقد‬ ‫اضطرت الجمهورية التركية الجديدة إلى التخلي عن‬ ‫معظم ما يمثل شمال العراق حاليا لدولة العراق الجديدة‬ ‫الخاضعة للهيمنة البريطانية في عام ‪ .1926‬وحتى‬ ‫يومنا الحالي‪ ،‬يشعر األكراد بأنهم تعرضوا لخيانة‬ ‫كبرى من قبل القوى المنتصرة التي تخلت عنهم خالل‬ ‫نزاع ما بعد الحرب العالمية األولى‪.‬‬ ‫في العقود التي تلت الحرب العالمية األولى‪ ،‬تم‬


‫المتهم أحمد حسين‬ ‫ميرزا عبد الخالق‬

‫قاعدة خفر السواحل في المحرق‬ ‫مشهد عام لمحطات تكرير‬ ‫النفط في البحرين‬

‫المتهم‬ ‫خالد عبد‬ ‫الرسول‬ ‫محمد‬ ‫األميري‬

‫المتهم نب‬

‫تعاون خليجي‬

‫يل باقر ا‬

‫ب‬ ‫راهيم باقر‬

‫* ما مدى التعاون بين دولة البحرين‪ ،‬ودول‬ ‫مجلس التعاون في مجال تبادل المعلومات الخاصة‬ ‫باألعمال التخريبية ومتابعة الفارين؟‬ ‫ إن التعاون األمني بين البحرين ودول مجلس التعاون‬‫على مستويات ثنائية‪ ،‬وعلى مستويات جماعية‪ ،‬قوي‬ ‫ومتين‪ ،‬وهو كذلك ليس من اليوم فقط‪ ،‬وإنما منذ‬ ‫السنوات األولى الستقالل هذه الدول‪.‬‬ ‫وقد ازداد هذا التعاون دعما وتدفقا على كل المستويات‪،‬‬ ‫وعبر كل القنوات منذ إنشاء مجلس التعاون لدول‬ ‫الخليج العربية‪ .‬وتكفي اإلشارة هنا إلى معنى ومغزى‬ ‫كون المجلس األعلى لمجلس التعاون قد صادق على‬ ‫االستراتيجية األمنية‪ ،‬التي وقعتها وتلتزمها جميع الدول‬ ‫األعضاء‪ .‬وقد تم ذلك في اجتماع الرياض في ديسمبر‬ ‫‪ .1987‬وأغتنم هذه المناسبة ألسجل تقديري واعتزازي‪،‬‬ ‫بعمليات التعاون وتبادل المعلومات واآلراء واالتصاالت‬ ‫المنظمة بين دول مجلس التعاون في كل المجاالت‬ ‫األمنية‪ ،‬وعلى كل المستويات القيادية في أجهزة األمن‬ ‫في هذه الدول <‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪55‬‬


‫أرشيف‬

‫من مواليد عام ‪ .1965‬ألقي القبض عليه يوم ‪28‬‬ ‫نوفمبر ‪.1987‬‬ ‫‪ – 3‬خالد عبد الرسول محمد أميري‪ .‬من مواليد‬ ‫البحرين ‪ ،1963‬بحريني‪ .‬متخرج من كلية الخليج‬ ‫للتكنولوجيا‪ .‬مهندس مدني يعمل في قسم إسالة المياه في‬ ‫وزارة األشغال والكهرباء والماء‪ ،‬له معرفة واتصال‬ ‫سابقان مع أحمد حسين ميرزا منذ عام ‪ .1984‬وقد أمده‬ ‫بمعلومات وخرائط عن المناطق المهمة والحساسة في‬ ‫البحرين‪.‬‬ ‫كما له قدرات ومهارات في ركوب البحر‪ ،‬ويمتلك‬ ‫قاربا بخاريا‪ .‬عرضت عليه خطة التدمير والتخريب في‬ ‫أكتوبر (تشرين األول) ‪ 1987‬بواسطة أحمد حسين‪،‬‬ ‫ودوره كان محددا في تسلم األسلحة والمتفجرات من‬ ‫عرض البحر وإدخالها الى البحرين‪.‬‬

‫تفاصيل القصة‬ ‫* من خالل متابعتكم للقضية‪ ،‬ما هي تفاصيل تحركات‬ ‫المتهمين واتفاقاتهم لتنفيذ مخططاتهم التخريبية‬ ‫والتدميرية؟‬ ‫ نشأت فكرة التدمير والتخريب في تفكير نبيل باقر‪،‬‬‫وتكاملت الصورة والنوايا في سبتمبر (أيلول) ‪1987‬‬ ‫للقيام بعمل تخريبي في مصفاة شركة “بابكو”‪ .‬وقد‬ ‫أفضى بتفكيره ونواياه الى أحمد حسين ميرزا‪ ،‬الذي‬ ‫قام بإبالغ الصورة والنوايا عبر عالقاته المريبة‪،‬‬ ‫فطلب من نبيل مزيدا من المعلومات والبيانات عن‬ ‫األهداف الممكنة أو المحتملة لهذه العملية التخريبية‪،‬‬ ‫واستطاع نبيل أن يأخذ من ملفات مكتبه ووثائقه خرائط‬ ‫ومخططات تتعلق برصيف تحميل شركة “بابكو” في‬ ‫سترة‪.‬‬ ‫وقدم معلومات تفصيلية عن الرصيف وصهاريج‬ ‫البترول‪ ،‬بعدها اتصل أحمد حسين مع خالد أميري‬ ‫الذي قبل التعاون‪ ،‬وذهبا سويا في القارب البخاري‬ ‫إلى رصيف التحميل‪ ،‬وتم تصويره في فيلم فيديو‪ ،‬كما‬ ‫تم تعيين مواقع السفن ورصيف التحميل على خريطة‬ ‫هيدروغرافية‪.‬‬ ‫والستكمال الخطة طلب نبيل إجازة من العمل من أول‬ ‫نوفمبر حتى ‪ 15‬نوفمبر ‪ ،1987‬وتم ذلك بعد أن أبلغه‬ ‫أحمد حسين خطة السفر إلى الخارج‪ ،‬وقدم له تذكرة‬ ‫سفر من البحرين إلى ألمانيا الغربية‪ .‬وحصل نبيل على‬ ‫تأشيرة الدخول وحجز على “طيران الخليج” يوم ‪2‬‬ ‫نوفمبر‪.‬‬ ‫نفذ نبيل تعليمات أحمد حسين بعد وصوله إلى هناك‪،‬‬ ‫حيث اتصل برقم تليفوني معين‪ .‬ونتيجة لهذا االتصال‬ ‫تم ترتيب سفره إلى خارج ألمانيا يوم ‪ 5‬نوفمبر‪.‬‬ ‫ومن السادس من نوفمبر وحتى الـ‪ 13‬منه‪ ،‬تفيد األدلة‬ ‫لدى أجهزة األمن أنه تم خالل هذه الفترة تدريب نبيل‬ ‫على استخدام المسدسات األوتوماتيكية‪ ،‬وتفجير القنابل‬ ‫اليدوية‪ ،‬وتفجير “تي‪.‬ان‪.‬تي” في معسكرات التدريب‪.‬‬ ‫وأنه قدم تقريرا مفصال وخرائط عن مصفاة النفط في‬ ‫‪54‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة‬ ‫يتحدث لمندوبة «المجلة»‬ ‫البحرين‪ .‬وتم رصد األهداف المحتملة‪ ،‬مثل رصيف‬ ‫التحميل وصهاريج الوقود ووحدة وقود التكسير‬ ‫بالحفر المعروفة باسم جهاز التقطير‪ .‬كما جرى بحث‬ ‫األسلوب الذي سيستخدم في عملية التخريب‪ ،‬وهل‬ ‫سيكون باستخدام دائرة كهربائية إلشعال الغاز في‬ ‫المصفاة‪ ،‬أم باستخدام “تي‪.‬ان‪.‬تي” والتفجير بجهاز‬ ‫التحكم عن بعد (ريموت كونترول)‪ .‬أم باستخدام جهاز‬ ‫التفجير بواسطة سلك كهربائي‪ .‬كذلك تم االتفاق على‬ ‫نقل األسلحة والمتفجرات إلى البحرين باستخدام طريق‬ ‫البحر بواسطة القارب الذي يملكه خالد أميري‪ ،‬ومن‬ ‫خالل قيام نبيل بشراء جهاز “نافستار” الذي يستخدم‬ ‫في االستكشاف البحري الليلي‪.‬‬ ‫في ‪ 14‬نوفمبر عاد نبيل إلى البحرين وتقابل مع أحمد‬ ‫ميرزا‪ ،‬وتم استعراض نتائج الرحلة واالتفاقات وخطط‬ ‫التدمير والتخريب التي كان مقررا تنفيذها في أواخر‬ ‫فبراير(شباط) وأوائل مارس (آذار) ‪ .18‬ولكن أجهزة‬ ‫األمن ألقت القبض على نبيل يوم ‪ 21‬نوفمبر‪ .‬ثم ألقي‬ ‫القبض على زميليه‪ .‬وتم إحباط المخطط نهائيا‪.‬‬

‫ال عالقات محلية أو خليجية‬ ‫* هل لهذه الخلية السرية عالقات مع دول أخرى أو‬ ‫تنظيمات محلية؟‬ ‫ األدلة المتوفرة لدى أجهزة األمن منذ أواخر شهر‬‫سبتمبر ‪ 1987‬حتى اليوم‪ ،‬تؤكد أن هذه الخلية السرية‬ ‫ليست لها عالقات تنظيمية مع أي من الهيئات أو‬ ‫الجماعات أو المنظمات في دولة البحرين‪ ،‬أو أي دولة‬

‫املتهم الأول �أخذ �إجازته‬ ‫ال�سنوية ليتدرب على الأ�سلحة‬ ‫واملتفجرات خارج البحرين‬ ‫ال عالقة حتى الآن‬ ‫للخلية ال�سرية ب�أية تنظيمات‬ ‫داخلية �أو خليجية‬

‫أخرى من دول مجلس التعاون‪.‬‬

‫المحاكمة واألدلة‬ ‫* هل هناك تطورات جديدة في محاكمة المتهمين؟‬ ‫ القضية اآلن معروضة أمام القضاء‪ .‬وقد بدأت‬‫المحكمة النظر فيها في جلستها يوم ‪ 21‬يناير (كانون‬ ‫الثاني) ‪ .1988‬وقررت هذه المحكمة تأجيل جلساتها‬ ‫إلى يوم ‪ 24‬فبراير ‪ 1988‬إلتاحة الفرصة الستكمال‬ ‫االطالع على أوراق القضية‪ .‬ومن هنا‪ ،‬فإن دور‬ ‫أجهزة األمن قد اكتمل وتوقف بالنسبة إلى هذه القضية‬ ‫أمام المحكمة‪.‬‬ ‫ووزارة الداخلية‪ ،‬مثل باقي المؤسسات والقيادات في‬ ‫البحرين‪ ،‬تفخر وتعتز بالقضاء ونزاهته وعدالته‪.‬‬ ‫ونراه معلما واضحا ومضيئا في حياة دولة البحرين‪،‬‬ ‫بشهادة الجميع في الداخل والخارج‪ .‬وقد قامت أجهزة‬ ‫األمن العام بدورها الوقائي بنجاح كامل‪ .‬فقد جمعت‬ ‫البيانات‪ ،‬وتابعت األدلة واالثباتات‪ ،‬وقدمتها متكاملة‬ ‫أمام قاضي التحقيق‪ ،‬حيث مثل المتهمون أمامه يوم ‪23‬‬ ‫ديسمبر (كانون األول) عام ‪ 1987‬لإلدالء بإفاداتهم‬ ‫واعترافاتهم‪ ،‬ثم قدمت األوراق واألدلة مع قرار‬ ‫االتهام الى المحكمة المختصة‪ .‬وقد كانت من بين األدلة‬ ‫المقدمة أوراق ووثائق وشرائط فيديو وكاميرا فيديو‬ ‫وخرئط وغير ذلك‪.‬‬

‫تدابير أمنية‬ ‫* ما التدابير التي اتخذتموها لمنع مثل هذه النشاطات‬ ‫التخريبية؟‬ ‫ تمتلك وزارة الداخلية تصورا لمخطط العمل والضبط‬‫األمني في الدولة‪ ،‬ولوال وجوده لما كانت أجهزة األمن‬ ‫قد تمكنت من إلقاء القبض على أعضاء هذه الخلية قبل‬ ‫أن ينتقل تدبيرهم إلى مجال إجراءات التنفيذ في عملية‬ ‫التخريب‪.‬‬ ‫ومع ذلك‪ ،‬فإن الوزارة‪ ،‬عمال بمبدأ المراجعة وإعادة‬ ‫النظر والتقسيم للترتيبات والتنظيمات األمنية – وهذا‬ ‫ما تقوم به باستمرار منذ أن بدأت الحرب العراقية‬ ‫اإليرانية – قامت باتخاذ إجراءات منوعة في اإلقليم‬ ‫البري‪ ،‬وفي اإلقليم البحري للدولة بهدف رفع درجة‬ ‫اليقظة والمتابعة والتأمين بالنسبة إلى المواطنين‬ ‫والمؤسسات والمرافق العامة‪.‬‬


‫مل تنج دولة البحرين‪ ،‬تلك اجلزيرة‬ ‫الآمنة يف �أح�ضان اخلليج العربي‪ ،‬من‬ ‫حماوالت تخريبية ا�ستهدفت �أمنها‬ ‫وا�ستقرارها‪ .‬ولوال ال�سيا�سة احلكيمة‬ ‫وزير الداخلية‬ ‫واملتزنة التي تنتهجها حكومتها‪،‬‬ ‫ويقظة حكومتها‪ ،‬وجهازها الأمني الشيخ محمد بن‬ ‫ومتر�سه‪ ،‬ملا قدر لهذه اجلزيرة الهادئة‬ ‫�أن حتافظ على ا�ستقرارها‪ ،‬وحتمي خليفة آل خليفة‬ ‫�شعبها من �إفرازات احلرب اخلليجية يكشف لـ »المجلة»‬ ‫التي امتدت حرابها التخريبية �إىل دول‬ ‫فادية الزعبي‬ ‫قريبة وبعيدة عن ميدان االقتتال‪.‬‬ ‫وللو�صول �إىل �أ�صدق املعلومات و�أدقها‬ ‫عن املحاولة التخريبية التي �أجه�ضتها‬ ‫قوات الأمن البحرينية‪ ،‬وهي يف طور‬ ‫التخطيط وقبل بدء التنفيذ‪ ،‬قابلت‬ ‫“املجلة” وزير الداخلية ال�شيخ حممد‬ ‫بن خليفة �آل خليفة‪ .‬وقد �أجاب الوزير‬ ‫على جميع اال�ستف�سارات‪ ،‬ما عدا بع�ض‬

‫نشر الموضوع بالعدد ‪417‬‬ ‫بتاريخ ‪ 3‬فبراير ‪1988‬‬

‫الق�صة‬ ‫الكاملة‬ ‫ملحاولة التخريب يف البحرين‬

‫املعلومات التي ميكن �أن مي�س الك�شف‬ ‫عنها �سري الق�ضية املعرو�ضة الآن‬ ‫�أمام الق�ضاء‪� .‬إذ قال بدبلوما�سية �إن‬ ‫“املو�ضوع الآن بني يدي الق�ضاء‪ ،‬ونحن‬ ‫يف الوزارة ال نتدخل يف �ش�ؤون الق�ضاء‪،‬‬ ‫وال نقوم ب�أي �أمر قد مي�س من قريب �أو‬ ‫بعيد �إجراءات املحاكمة”‪.‬‬ ‫وهنا ن�ص احلديث‬ ‫مع وزير داخلية البحرين‪:‬‬

‫وزير داخلية البحرين‬ ‫يروي القصة الكاملة‬ ‫لمحاولة التخريب‬

‫* في البداية‪ ،‬هل نستطيع معرفة أسماء وجنسيات‬ ‫وعمل أفراد الخلية السرية الذين تم القبض عليهم؟‬ ‫ المتهمون في القضية الذين قدموا إلى المحاكمة ثالثة‪،‬‬‫هم‪:‬‬ ‫‪ - 1‬نبيل باقر إبراهيم باقر‪ ،‬من مواليد البحرين ‪.1964‬‬ ‫بحريني‪ ،‬مهندس في قسم الصيانة في شركة “بابكو”‪.‬‬ ‫ألقي القبض عليه يوم ‪ 21‬نوفمبر (تشرين الثاني)‬ ‫‪ .1987‬تخرج من كلية الخليج للتكنولوجيا‪ .‬وقد تعرف‬ ‫عليه المتهم الثاني أحمد حسين في فترة الدراسة في‬ ‫الكلية‪.‬‬ ‫‪ – 2‬أحمد حسين ميرزا عبد الخالق‪ .‬إيراني الجنسية‪.‬‬ ‫يعيش في البحرين‪ .‬والده وشقيقه يعيشان اآلن في‬ ‫إيران‪ .‬يعمل مدرسا في المدرسة اإليرانية في المنامة‪،‬‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪53‬‬


‫أرشيف‬

‫المنطقة‪ ،‬أم للسيطرة على منابع النفط‪ ،‬أو‬ ‫توسيع نطاق مؤامرة كامب ديفيد؟‬

‫هناك اليوم ليس لها أهمية‪ .‬فمصر‬ ‫مستمرة في إطار اتفاقية كامب ديفيد‪،‬‬ ‫ولكن األمل كبير في عودة مصر‪ ،‬كما‬ ‫قلنا‪ ،‬للصف العربي‪.‬‬

‫ التصورات حسب ما ذكرت قد تكون واردة‪،‬‬‫وقد ال تكون‪ .‬ولكن ما يهمنا كأبناء لهذه المنطقة‪،‬‬ ‫هو تحقيق سياسة دفاعية مشتركة ومتكاملة‪،‬‬ ‫مزودة بأفضل المعدات والطاقة التي يمكن‬ ‫االعتماد عليها إلحباط أية مخططات خارجية‪.‬‬

‫* يقال إن ما يجري من تنسيق بإشراف‬ ‫أميركي‪ ،‬هو محاولة نقل لقوات‬ ‫األطلسي إلى منطقة الخليج‪ ،‬باعتبارها‬ ‫األكثر التهابا‪ ،‬بحجة الحماية أو التدخل‬ ‫السريع‪ ،‬وما هو في الحقيقة إال احتالل‬ ‫جديد؟‬

‫* طرح االتحاد السوفياتي على لسان‬ ‫بريجنيف‪ ،‬مشروعا يتعلق بتصورات بلده‬ ‫بالنسبة إلى منطقة الخليج‪ ،‬ما هو رأي‬ ‫وزير الدفاع البحريني في هذا المشروع؟‬

‫ موقفنا واضح تجاه هذه التحركات‪ .‬وقد‬‫أطلعنا أكثر من مرة المسؤولون‪ ،‬وباألخص‬ ‫البريطانيين‪ ،‬أثناء زيارة وزير الدفاع‬ ‫البريطاني للبحرين‪ ،‬على ما اقترح من إرسال‬ ‫قوات أميركية وبريطانية‪ ،‬وكان موقفه متفهما‬ ‫لمشاعرنا من أن هذه مسؤولياتنا‪ .‬أما ما هو‬ ‫خارج حدود منطقتنا‪ ،‬فمتروك للدول األخرى‪.‬‬

‫ في هذا المجال علينا القيام بما نؤمن‬‫به‪ ،‬ويتخلص بأن على دول المنطقة‬ ‫بناء القوة الذاتية لتحقيق األمن المالئم‬ ‫لحياتنا واتصالنا بالعالم‪ .‬وعلى أي حال‬ ‫فإن التوازن مطلوب في مختلف أنحاء‬ ‫المعمورة إليجاد سالم عالمي مبني‬ ‫على التوازن‪ ،‬وهذا متفق عليه بينهم‪.‬‬ ‫* اختلفت اآلراء والتفسيرات حول‬ ‫حقيقة الصراع في لبنان؟‬ ‫ إسرائيل تقول إن ما يجري في لبنان سببه‬‫المقاومة الفلسطينية‪ ،‬ونحن نقول إن سبب تدهور‬ ‫لبنان هو إسرائيل‪ .‬فالهدف الجغرافي والمتطلبات‬ ‫الدفاعية المزعومة إلسرائيل أو كما يزعمون‪،‬‬ ‫هي الوصول للنهر والبدء بتقسيم الدول العربية‬ ‫إلى دويالت صغيرة تستطيع السيطرة عليها‪.‬‬ ‫وضمن هذا المخطط‪ ،‬تسعى إسرائيل لضرب‬ ‫االستقرار في لبنان وتحريك اي خالف‬ ‫لصالحها‪ .‬أما بالنسبة الدعاءاتها حول دور‬ ‫المقاومة الفلسطينية في حرب لبنان‪ ،‬فإننا نقول‬ ‫إن الفلسطينيين عندما يدافعون عن أراضيهم‬ ‫وشرفهم‪ ،‬فهم يقومون بواجبهم تجاه أمتهم‬ ‫العربية وأرضهم وتراثهم وأهلهم‪ ،‬وهذا يؤكد‬ ‫أهمية استمرارية المقاومة‪ ،‬ويؤكد أن اسرائيل‬ ‫هي عامل عدم االستقرار في لبنان وفي منطقة‬ ‫الشرق األوسط‪.‬‬ ‫* كادت تتفق أغلب آراء دول الخليج بصفة‬ ‫خاصة‪ ،‬والوطن العربي بصفة عامة على أن‬ ‫عدو منطقة الخليج هو إسرائيل وليس روسيا‪،‬‬ ‫كما تقول أميركا بين الحين واآلخر‪ .‬فما رأيكم؟‬ ‫ إسرائيل تضرب هذه األمة منذ أكثر من ثالثين‬‫عاما‪ ،‬بحيث بات الجميع يدرك أنها تشكل الخطر‬ ‫الحقيقي‪ .‬إسرائيل هي الخطر‪ ،‬وبدا هذا بوضوح‬ ‫أكثر للجميع‪ .‬وكلنا أمل في أن يكون الرأي العام‬ ‫العالمي‪ ،‬وباألخص األميركي‪ ،‬أكثر ميال للعدالة‬ ‫‪52‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫والحق‪.‬‬ ‫* ما تحليلكم للعالقة بين أميركا والسادات‬ ‫وإسرائيل؟‬ ‫ كامب ديفيد مشروع أميركي إسرائيلي ينطلق‬‫من مصالحهما األساسية‪ .‬وفي تصوري أن‬ ‫الرئيس السادات بمشاركته في هذا المثلث‪ ،‬نظر‬ ‫الى الموضوع نظرة مصرية بحتة‪ ،‬وكأنما ال‬ ‫وجود لهذه األمة العربية‪.‬‬ ‫وربما يكون موقفه لصالح مصر كما صرح‪ .‬لكن‬ ‫حتما ليس لصالح األمة العربية‪ ،‬التي ترى أن‬ ‫مصلحتها في أن تظل مصر ـ شعبا وقيادة ـ جزءا‬ ‫ال يتجزأ من مسيرتها وكفاحها‪ ،‬للحصول على‬ ‫حقوقها المشروعة‪.‬‬ ‫وهذا األسلوب تعتمده اسرائيل من أجل تشتيت‬ ‫القوى العربية وتوزيعها‪ ،‬لتكون هي القوة‬ ‫المهيمنة تتصرف كما تشاء لسنين القادمة‪.‬‬ ‫وإني أوجه هنا دعوة لمصر بالعودة إلى الصف‬ ‫العربي‪ ،‬وتحقيق التضامن العربي‪.‬‬ ‫* ما الذي يمكن أن تفعله المعارضة المصرية‬ ‫في هذا الثالوث الخطير؟‬ ‫‪ -‬حسب علمي هناك «مؤيد ومعارض» واألقلية‬

‫* مؤتمر الحوار بين الشمال والجنوب المقرر‬ ‫عقده في المكسيك قريبا‪ ،‬صحيح أن البحرين‬ ‫لن تشارك فيه‪ ،‬لكن بعض دول من المنطقة‬ ‫كالسعودية ستشارك‪ .‬هل جرى اتصال لوضع‬ ‫تصور خليجي وتنسيق مشترك‪ ،‬تحمله الدول‬ ‫المشاركة عنها وعن جيرانها؟‬ ‫ نحن نطالب بحوار جنوب جنوب‪ ،‬قبل الشمال‬‫والجنوب‪ ،‬ونأمل أن تكون هناك صورة واضحة‬ ‫لإلخوان الذي سيمثلون الجميع في هذا المؤتمر‬ ‫عن مشاكل التنمية في دولنا‪ ،‬إلعطاء صورة‬ ‫متكاملة أكثر عن الوضع كي نخرج من التركيز‬ ‫على مادة البترول فقط‪ ،‬والتي في تصوري‬ ‫الهدف األساسي من هذا الحوار‪.‬‬ ‫وليس هناك شك في أن الشمال سيكون مستفيدا‬ ‫أكثر من الجنوب‪ ،‬إن لم تتضح لدى األخير العديد‬ ‫من الصور‪.‬‬ ‫وبالنسبة للبحرين حسب علمي‪ ،‬لم يتم أي تنسيق‬ ‫في هذا الموضوع حتى اآلن‪ .‬لكني شخصيا أدعو‬ ‫ألن يقوم اإلخوان بدعوة مؤتمر أو اجتماع للتفاهم‬ ‫حول ما يمكن ان يبحث في المكسيك (ان لم يكن‬ ‫قد تم ذلك) وفي اعتقادي أن هناك دوال في الوطن‬ ‫العربي‪ ،‬لديها الثروة وأخرى الطاقة البشرية‪ .‬فلو‬ ‫نسقنا بين العنصرين‪ ،‬ألمكننا أن نذهب إلى هناك‬ ‫بصورة أوضح عن امكانياتنا‪.‬‬ ‫* ومن في نظركم الدولة المؤهلة للدعوة إلى‬ ‫حوار الجنوب – الجنوب؟‬ ‫ حسب رأيي‪ ،‬فإن الدولة المؤهلة لعقد حوار مثل‬‫هذا‪ ،‬هي المملكة العربية السعودية <‬


‫ الدكتور التريكي هو أمين الخارجية الليبي‬‫ومسؤول االتصاالت‪ ،‬لتحقيق أفضل اتصال ممكن‬ ‫مع أكبر عدد من الدول‪ ،‬وباألخص في الوطن‬ ‫العربي‪.‬‬ ‫وفي الواقع نحن بحاجة الى تقوية العالقات بيننا‪،‬‬ ‫وبحاجة إليجاد البرامج التي تؤدي لنجاح سريع‪.‬‬ ‫أما بالنسبة للموضوع األساسي (الفائض النفطي)‬ ‫فالبحرين ليست عضوا في «أوبيك»‪ .‬ولكن بتأييد‬ ‫دول «أوبيك» للموؤتمر المقبل‪ ،‬نأمل أن يصل‬ ‫اإلخوة المشاركون الى الحل المناسب‪.‬‬ ‫ودول مجلس التعاون الخليجي بالذات‪ ،‬يجب أن‬ ‫يكون لها سياسة واحدة‪ ،‬في مثل هذه القضايا التي‬ ‫تنبع من هدف تشكيله‪.‬‬

‫مجلس الخليج‬ ‫* هل تعتقد أن الدول العربية تحسن استخدام النفط‬ ‫كسالح؟‬

‫فعلي يمس الواقع‪ ،‬ألن القرار السياسي قرار مؤقت‬ ‫وقد يزول بزوال المؤثر أو الوقت‪ ،‬ويتأثر بالعديد‬ ‫من العوامل المحيطة‪ .‬أما القرارات االقتصادية‬ ‫واإلدارية فهي تنبع من الواقع‪ ،‬وهدفها اإلنسان‬ ‫العربي بشكل رئيسي ومباشر‪ .‬وللعدالة فإن معظم‬ ‫القرارات كانت إيجابية وتم تنفيذ أغلبها‪.‬‬ ‫* طرح األمير فهد ولي عهد المملكة العربية‬ ‫السعودية مؤخرا‪ ،‬اقتراحات لتحقيق السالم في‬ ‫المنطقة في ثماني نقاط‪ .‬ما هو موقف البحرين من‬ ‫المشروع السعودي المقترح؟‬ ‫ نحن أيدنا مقترحات األمير فهد‪ ،‬حول إيجاد حل‬‫للقضية التي تعتبر أساسية الستقرار المنطقة‪ ،‬ونأمل‬ ‫أن تسند هذه الخطوات‪ .‬وال يوجد حل للمشاكل التي‬ ‫يتعرض لها الوطن العربي غير التضامن‪.‬‬ ‫وبالتالي يبقى الحل بيدنا نحن العرب‪ ،‬ويجب أال‬ ‫تنتظر أي مبادرة خارجية أخرى‪ .‬وأملنا كبير من‬ ‫مؤتمر القمة القادم‪ .‬والمشروع السعودي هو المالئم‬ ‫في هذه األيام لحل جوهر مشكلة الشرق األوسط‪.‬‬ ‫واهلل الموفق‪.‬‬ ‫* أمين االتصال الليبي الدكتور التريكي زار عددا‬ ‫من دول المنطقة مؤخرا‪ ،‬حامال مقترحات ليبية‬ ‫لتخفيض الفائض النفطي في السوق العالمية‪،‬‬ ‫تمهيدا لرفع األسعار‪ ،‬وكانت البحرين إحدى‬ ‫محطات الزيارة‪ .‬هل يمكن أن نعرف موقف البحرين‬ ‫من المقترحات الليبية التي طرحت رسميا‪ ،‬وتلك‬ ‫التي طرحت من دون اإلعالن الرسمي؟‬

‫ يجب أال ينظر إلى النفط كسالح أوال وأخيرا‪ ،‬بل‬‫علينا خلق أسلحة بديلة‪ .‬فالنفط ال يدوم لالبد‪ ،‬وانما‬ ‫استخدام هذا النفط في المشاريع االنمائية‪ ،‬يجعل‬ ‫امكانية االستفادة منه ضمن المنظور البعيد ممكنة‬ ‫كسالح‪.‬‬ ‫إال أننا نأمل في الوقت ذاته ان يتوصل وزراء النفط‬ ‫لوضع استراتيجية للمنطقة في اجتماعهم المقبل‪.‬‬ ‫* لوحظ في الفترة األخيرة أن العالقات االقتصادية‬ ‫السعودية البحرينية‪ ،‬قد بدأت تأخذ أبعادا جديدة‬ ‫وتترجم فعليا بشكل قوي‪ ،‬بالمقارنة ببقية دول‬ ‫المنطقة‪ .‬هل يمكن أن نعرف أبعاد هذه العالقة من‬ ‫وجهة النظر البحرينية؟‬ ‫ أبعاد العالقات في مختلف المجاالت بين البحرين‬‫والسعودية عز وخير للجميع‪ ،‬ونأمل أن تكون‬ ‫نموذجا للتعاون بين األقطار العربية‪.‬‬ ‫* هل يمكن تقييم إنشاء مجلس التعاون الخليجي‬ ‫بعد مرور فترة تأسيسه‪ ،‬ال سيما أنه لم يترجم إلى‬ ‫اآلن أي قرار فعلي ظاهرا؟‬ ‫ نحن ال نعطي األمور – ولألسف – الوقت الكافي‬‫إلنضاجها‪ ،‬واعتقد لم تمر مدة طويلة على تعيين‬ ‫األمين العام للمجلس‪ ،‬الذي سيتكفل بوضع العديد‬ ‫من الدراسات مع الوزراء المختصين ليتعهدها‬ ‫المجلس‪ .‬والمجلس كإطار للعمل الجماعي في‬ ‫الجزيرة العربية‪ ،‬أمر نعتز ونفتخر بإيجاده وهو‬ ‫تتويج للعالقات القديمة ما بين اإلخوة أعضاء دول‬ ‫المجلس‪ ،‬وأعتقد أننا بتشكيله سلكنا الطريق السليم‪،‬‬ ‫حيث اإليمان موجود في نفس كل مواطن‪ ،‬وليس‬

‫فقط حلم قائد أو مسؤولين‪.‬‬ ‫وبذلك تتشابك المصالح ويزداد االرتباط الموجود‪:‬‬ ‫«وقل اعملوا فسيرى اهلل عملكم ورسوله‬ ‫والمؤمنون»‪.‬‬ ‫* هل هناك نية لعقد لقاء لوزراء الدفاع في الخليج‬ ‫قريبا؟‬ ‫ سيجرى لقاء لوزراء الخارجية للتنسيق واالعداد‬‫لمؤتمر قمة الرياض‪ ،‬واذا اتفقوا على توصية‬ ‫بضرورة اجتماع وزراء الدفاع لحل أي مشكلة في‬ ‫التنسيق العسكري القائم حاليا‪ ،‬فإننا نرحب به‪.‬‬ ‫* ما هو رأي وزير الدفاع ولي عهد البحرين في‬ ‫الورقة األمنية التي قدمتها عمان‪ ،‬في اجتماع قمة‬ ‫أبو ظبي؟ وهل حقيقة أن ذلك تم بطلب من دول‬ ‫المجلس؟‬

‫املطلوب‬ ‫�سيا�سة‬ ‫دفاعية‬ ‫م�شرتكة‬ ‫يف اخلليج‬ ‫ الورقة العمانية اجتهاد طيب من سلطنة عمان‪،‬‬‫ولكن المطلوب ورقة تقدم من الجميع‪ ،‬اذ ال يمكن‬ ‫لدولة واحدة أن تقدم ورقة تتعلق باالستراتيجية أو‬ ‫المتطلبات العامة‪.‬‬ ‫وكما يقال في المثل «أهل مكة أدرى بشعابها»‪.‬‬ ‫أما بشأن تكليف المجلس لعمان بوضع الورقة‪،‬‬ ‫فإن عمان أقرب دول المنطقة إلى مضيق هرمز‪،‬‬ ‫ويمكنها أن تطرح تصورات جيدة بصدده‪ .‬أما‬ ‫طموحاتنا فهي كما ذكرت‪ ،‬وضع مشروع دفاع‬ ‫متكامل‪ ،‬يتم باجتهاد الجميع‪ ،‬وهذا ال يتم إال بوجود‬ ‫إرادة قيادية‪ ،‬يمكن أن تتجه في اتجاهات التعامل‬ ‫والتنسيق الدفاعي‪.‬‬

‫مصر وكامب ديفيد‬ ‫* في تصوركم‪ ،‬أمن الخليج من وجهة النظر‬ ‫األميركي‪ ،‬هل هو إليجاد قواعد أميركية في‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪51‬‬


‫أرشيف‬

‫يستفيد العالم العربي من ارتباطاته الدولية وعالقاته‬ ‫بصورة تخدم مصالحه‪ ،‬وال مجال للوصول الى‬ ‫أهدافنا بعزله عن العالم‪.‬‬

‫أقرت حكومة البحرين التنظيمات الالزمة لتطوير‬ ‫الحياة ووضع العامل ايمانا منها بأن تطور وضع‬ ‫العمالة يحقق خدمة للعامل وللبلد في نفس الوقت‪.‬‬

‫* ما هو موقف البحرين من سياسة التجنيد‬ ‫االجباري‪ ،‬وما هي األسباب التي وقفت أمام عدم‬ ‫تطبيقها حتى اليوم؟‬

‫التنسيق مع دول الخليج‬

‫ نحن نؤمن في البحرين بأن الخدمة العسكرية‬‫يجب أن تكون طوعية ال اجبارية‪ ،‬حتى نحصل‬ ‫على نوعية أفضل من المتطوعين‪ .‬والتدريب‬ ‫العسكري يتطلب اليوم الوقت الكثير نظرا للتقدم‬ ‫الفني والتقني وللتطور الحاصل في الدراسات في‬ ‫هذا المجال‪ .‬ومن غير المعقول أن تعتبر شخصا –‬ ‫نظرا لتجنيده عام أو اثنين – مقاتال‪ .‬وسياسة التجنيد‬ ‫الطوعي في البحرين لم تالق أي صعوبة‪ ،‬بل ساهم‬ ‫خيرة شباب البحرين بكل وطنية وحماس لتشكيل‬ ‫الفريق المطلوب‪ ،‬في حين أن سياسة التجنيد‬

‫�أدعو‬ ‫م�صر �إىل‬ ‫العودة‬ ‫�إىل ال�صف‬ ‫العربي‬ ‫اإلجباري قد تأتي قسرية بالنسبة الى المواطنين‪،‬‬ ‫وبذلك يكون الجيش الذي تعتمد عليه الدولة جيشا‬ ‫معنويا فقط غير مؤثر ميدانيا‪.‬‬ ‫* يقال إن هناك دعوة عمالية لمزيد من «البحرنة»‬ ‫للمشاريع األجنبية العاملة في البحرين‪ ،‬ويطالبون‬ ‫بنقابات عمالية ومزيد من الحرية ألنظمة العمل؟‬ ‫ بالنسبة إلى «بحرنة» الوظائف أعتقد أن نسبة‬‫كبيرة من العاملين في القطاعات المختلفة‪ ،‬هم من‬ ‫البحرينيين وأملنا أن يجتهدوا أكثر للحصول على‬ ‫المزيد من الخبرة والمؤهل الذي يؤهلهم لتسلم‬ ‫مناصب أخرى‪ .‬والدولة وضعت برامج عديدة‬ ‫ليستفيد منها المواطنون‪ ،‬ولتعمل على تقليص‬ ‫االعتماد على األجانب الذين يشكلون نسبة ضئيلة‬ ‫في مختلف القطاعات‪.‬‬ ‫وبالنسبة الى النقابات والتنظيمات العمالية فقد‬ ‫‪50‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫* هناك بعض البحرينيين يتساءل عن التوجه‬ ‫الحالي نحو التنسيق والتعاون مع الدول الخليجية‬ ‫األخرى‪ .‬فما رأيكم؟‬ ‫ تحرر البحرين ال يخرج عن تحرر اآلخرين في‬‫المنطقة‪ .‬فالمشاعر االسالمية والدينية تجدها في‬ ‫البحرين قوية كما هي في الدول االسالمية‪ .‬وال‬ ‫أعتقد أن البحريني يشعر بأي اختالف عن إخوانه‬ ‫في المنطقة‪ .‬فمنذ القديم والبحرين على اتصال‬ ‫مستمر مع الدول الخليجية األخرى‪ .‬وبالمقابل‬ ‫استقبلت البحرين في كثير من األوقات اعدادا‬ ‫كبيرة من أبناء الدول المجاورة‪ .‬ونحن اليوم نرى‬ ‫أن أهم موضوع يتعلق بالشباب في المنطقة‪ ،‬هو‬ ‫بناء مراكز علمية وعملية في هذه الدول‪ ،‬ليتسنى‬ ‫لشبابها القيام بالبحوث الالزمة والمكملة لبعضها‬ ‫اآلخر‪ .‬وفي اجتماعاتي مع إخواننا من مختلف‬ ‫دول المنطقة‪ ،‬لم أجد فرقا بين أبناء الخليج العربي‬ ‫في تناولهم لمواضيع تطوير حياتنا لألفضل‪ ،‬أو‬ ‫طموحاتهم وهذا هو المطلوب‪.‬‬ ‫* الثورة اإليرانية أعطت صورة جديد النهيار‬ ‫الدكتاتورية؟ برأيكم ما هو الطريق السليم لمعاجلة‬ ‫األوضاع الداخلية‪ ،‬وما هي افرارات هذه الثورة‬ ‫على البحرين؟‬ ‫ نعتبر أن ما يجري في ايران مسائل داخلية تخص‬‫إيران‪ ،‬والمطلوب من دولة إيران كجارة لنا ولعدد‬ ‫من الدول األخرى‪ ،‬أن تكون عالقاتها الخارجية‬ ‫طيبة وودية‪ .‬أما عن تأثرنا بالثورة‪ .‬فماديا نحن لم‬ ‫نتأثر‪ ،‬ومعنويا نرى أن المفروض أن تشارك إيران‬ ‫في الخير الذي تعيش فيه هذه المنطقة‪ ،‬حتى تزدهر‬ ‫وتستقر وعليها البدء في بناء نفسها‪.‬‬ ‫* ما هي تصوراتكم النتهاء الحرب العراقية‬ ‫اإليرانية؟‬ ‫ نحن نبذل الجهد في هذا االتجاه‪ ،‬وهناك عدة‬‫جهات تبحث مع الطرفين مسألة إنهاء الحرب‬ ‫بينهما‪ ،‬ونأمل أن يتوصلوا إلى حل إلنهاء الخالف‬ ‫القائم‪.‬‬ ‫* هناك من يقول إن انتهاء هذه الحرب مرهون‬ ‫ببقاء أو زوال أحد النظامين‪ .‬ما رأيكم؟‬ ‫ ال أعتقد أن كل هذه التضحيات مرتبطة فقط ببقاء‬‫هذا النظام أو ذاك‪ .‬فالحقوق المطالب باسترجاعها‬ ‫أصبحت ملزمة للجميع‪ ،‬وأملنا كبير في أن تكون‬

‫ولي العهد مع الزميل‬ ‫عدنان صادق‬

‫الجهود المبذولة حاليا للتوصل إلى اتفاق إلنهاء‬ ‫الخالف طريقنا ألبعاد تدخل القوى الخارجية‬ ‫الطامعة في منطقتنا‪.‬‬

‫اقتراحات األمير فهد‬ ‫* هناك دعوة من بعض الدول العربية (لبنان –‬ ‫المقاومة) لعقد قمة عربية طارئة‪ ،‬في ضوء تطور‬ ‫األحداث األخيرة‪ ،‬في حين أبدت دول عربية أخرى‬ ‫رغبة في اإلبقاء على الموعد في نوفمبر‪ .‬إلى أي‬ ‫الرأيين تتجه البحرين؟‬ ‫ بالنسبة إلى مؤتمر القمة ال فرق بين انعقاده في‬‫اكتوبر أو نوفمبر‪ .‬ولكن ليس من المعقول أن يلتقي‬ ‫رؤساء الدول مرتين خالل شهر واحد‪ ،‬فليعقد‬ ‫المؤتمر مرة واحدة‪ ،‬وليستمر المدة الكافية حسب‬ ‫ما تطلبه الضرورة‪.‬‬ ‫* جرت العادة على أن تكون قرارات المؤتمرات‬ ‫حبرا على ورق‪ ،‬بحيث تختفي أو تفتقر لجان‬ ‫المؤتمرات إلى لجان لمراقبة التنفيذ‪ .‬ما هو السبب‬ ‫في نظركم؟‬ ‫ السبب يكمن في أن الحلول التي تخرج بها هذه‬‫المؤتمرات هي حلول سياسية‪ ،‬وال تمس األوضاع‬ ‫المطلوبة‪.‬أي االقتصادية واإلدارية‪ .‬وأعتقد أنه‬ ‫سيأتي اليوم الذي تطرح فيه األمور بصورة‬ ‫أفضل‪ ،‬لنتمكن من إيجاد حلول لمشاكل مزمنة‬ ‫نعاني منها في الوطن العربي‪ .‬ويجب في نظري‬ ‫أن نلغي الحلول السياسية‪ ،‬بحيث نتجه الى قرار‬


‫نشر الحوار بالعدد ‪81‬‬ ‫بتاريخ ‪ 29‬أغسطس ‪1981‬‬

‫التقت “املجلة” ال�شيخ حمد بن عي�سى‬ ‫�آل خليفة ويل عهد البحرين والقائد العام‬ ‫لقوة الدفاع فيها‪ ،‬و�أجرت معه حوارا‬ ‫تناول عددا من الق�ضايا والأمور املتعلقة‬ ‫بالو�ضع يف اخلليج وبدور البحرين‪،‬‬ ‫وبالتطورات يف املنطقة العربية‪ ،‬ويف ما‬ ‫ي�أتي ن�ص احلوار مع ويل عهد البحرين‪:‬‬ ‫حوار شامل مع الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة‬

‫ويل عهد البحرين لـ املجلة‪:‬‬

‫ولي عهد البحرين‪:‬‬ ‫اقتراحات األمير فهد‬ ‫لحل المشكلة‬

‫اقرتاحات الأمري فهد هي املالئمة حلل جوهر م�شكلة ال�شرق الأو�سط‬ ‫�أدعو م�صر �إىل العودة �إىل ال�صف العربي‪ ..‬والأمل كبري يف ذلك‬ ‫ما يهمنا هو و�ضع �سيا�سة دفاعية م�شرتكة يف اخلليج‬ ‫لإحباط �أية خمططات خارجية‬ ‫عدنان علي صادق‬ ‫* تعيش المنطقة تجارب في تطبيق الحياة‬ ‫الديمقراطية‪ .‬كيف ترى البحرين إمكانية عودة‬ ‫الحياة الديمقراطية فيها مرة أخرى؟‬ ‫ البحرين جزء ال يتجزء من المنطقة كدولة وشعب‪،‬‬‫وما هو صالح للدولة والشعب‪ ،‬لن نتأخر عن تنفيذه‬ ‫يوما ما‪ ،‬واالتجاه في إيجاد تجربة شبيهة بالمنطقة‬ ‫ومناسبة لوضعنا االجتماعي الخاص تحت الدراسة‬ ‫والتحليل‪ .‬وأعتقد أن القيادة الحكيمة هي تلك التي‬ ‫تتلمس مشاعر األفراد‪ ،‬وتنفذ في الوقت المناسب ما‬

‫يتالءم وطموحات شعوب منطقتنا‪.‬‬ ‫* ما هو تعليقكم على تجديد اتفاقية القاعدة‬ ‫أو ال يسيء‬ ‫العسكرية في الجفير بعد االستقالل؟ َ‬ ‫هذا إلى استقاللية البحرين بشكل عام؟‬ ‫ لقد ألغيت هذه االتفاقية سنة ‪ 1973‬وأن ما يجري‬‫اال هو القيام بزيارات لميناء سلمان التجاري من‬ ‫قبل بعض القطع األميريكة الحربية‪ ،‬حسب نظام‬ ‫السفن العسكرية األخرى الزائرة‪ .‬وإني ألرجو أن‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪49‬‬


‫أرشيف‬

‫‪48‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬


‫التزاماً باألوامر الصادرة لهم ـ أمسكوا عن الحديث‬ ‫عن هذا الكتاب حتى لدى أبناء ملتهم من اإلخوان‬ ‫المسلمين والصحويين عامة‪ ،‬الذين ال يعلمون شيئاً‬ ‫عن هذا الخبر‪.‬‬ ‫كالم عبداهلل ابو عزة الذي تضمن تلك المعلومة‬ ‫جاء تصحيحاً النطباع خاطئ عن د‪ .‬عزام التميمي‪.‬‬ ‫فعبداهلل عزام كان يعتقد أن كتاب «دعاة القضاة» تال‬ ‫بسنوات نقد أبو عزة لسيد قطب‪ .‬يعتقد بهذا‪ ،‬رغم أنه‬ ‫من يفاعته في مطلع السبعينات في بلد إقامته الكويت‪،‬‬ ‫نشأ على فكر الصحوة‪.‬‬ ‫إن هذا االنطباع الخاطئ ينطق بأنه ـ كما شاء له‬ ‫اإلخوان المسلمون ـ سمع بالكتاب لكنه لم يقرأه‪ .‬فلو‬ ‫قرأه سيعرف أن تاريخ كتابته كانت في آخر سنة من‬ ‫عقد الستينات‪.‬‬ ‫تلك الصفحة التي كان يجب أن تط َوى‪ ،‬ألن فيها‬ ‫إصبعاً لنظام عبدالناصر‪ ،‬وألنها غير مفيدة لهم في‬ ‫مرحلة ما بعد السجن‪ ،‬أرغموا على بحثها على نطاق‬ ‫ضيق‪ ،‬فطبعوا الكتاب سنة ‪ ،1977‬وهم مكرهون على‬ ‫طباعته‪ .‬ذلك أنهم في سنة طباعته ـ كما حدثنا ناشره‬ ‫ـ‪« :‬إذا بنا نفاجأ بمقاالت تكررت في الصحف عن‬ ‫جماعات الهجرة (يقصد جماعة التكفير والهجرة)‪.‬‬ ‫تغالي في أمرها (!) وتهوّل من مخاطرها (!)‪ .‬ولعل‬ ‫القصد من ذلك محاوالت حاقدة لتنفير الناس من الدعاة‬ ‫إلى شرع اهلل»‪.‬‬ ‫فالباعث األصلي ـ وقبل أن يتطور إلى بواعث أخر‪،‬‬ ‫وهي التي ألمحت إليها في كالم سابق ـ هو (التهوين)‬ ‫من أمر جماعة التكفير والهجرة‪ ،‬و(التقليل) من‬ ‫مخاطرها ر ّدًا على مقاالت (تغالي) (!) وتهوّل (!)‬ ‫والتي هي ليست سوى (محاوالت حاقدة) لتنفير الناس‬ ‫من اإلخوان المسلمين‪( ،‬الدعاة إلى شرع اهلل)‪.‬‬ ‫إن الناشر‪ ،‬وبما يخالف مضمون الكتاب ومع صعود‬ ‫موجة التطرف الديني في مصر‪ ،‬يفهم القضية‬ ‫ويفسرها على النحو الح ّدي‪ :‬هناك جماعة غايتها‬ ‫ومبتغاها الدعوة إلى شرع اهلل‪ ،‬وهم مع أنه لم يصرح‬ ‫بهم ـ اإلخوان المسلمون‪ .‬وهناك فئة حاقدة على‬ ‫الدعوة إلى شرع اهلل‪.‬‬ ‫وهناك سواد أعظم تسعى الجماعة إلى هدايته إلى‬ ‫شرع اهلل‪ ،‬وتستهدفه الفئة الحاقدة بصرفه عن شرع‬ ‫اهلل وتنفيره من الدعاة إليه‪.‬‬ ‫إنها لمفارقة ساخرة أن يكتب قطبي مقدمة لكتاب أنشئ‬ ‫للرد على فكر سيد قطب في معالمه والرد على أفكار‬ ‫أتباعه في السجن!‬ ‫وبما أن اإلخوان المسلمين ال يبتغون سوى الدعوة‬ ‫إلى شرع اهلل‪ ،‬وهم عباده الصالحون‪ ،‬فهم مبتلون‬

‫قبل غيرهم‪.‬‬ ‫و»مما أبتلي به اإلخوان في سجونهم ومعتقالتهم‪،‬‬ ‫ما أظهره البعض من رأي نادى بتكفير المسلمين أو‬ ‫التشكك في حقيقة إسالمهم وإيمانهم»‪.‬‬ ‫وبالمناسبة‪ ،‬هذه هي الرواية التي يجمع عليها اإلخوان‬ ‫المسلمون في نشأة التكفير في صفوفهم‪ ،‬وإن كان‬ ‫كثير منهم يعزون نشأتها لسبب ظاهر في (دنيويته)‪،‬‬ ‫وهو التعذيب ‪ -‬بما فوق طاقة البشر‪ -‬الذي تعرض له‬ ‫اإلخوان المسلمون في المعتقالت الناصرية‪.‬‬ ‫«ولقد سارع اإلخوان ـ رغم قسوة سجنهم ومعتقالتهم‬ ‫ـ إلى تصحيح هذا الفهم‪ .‬ال رهبة من أحد وال زلفى‬ ‫ألحد سوى الواحد األحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن‬ ‫له كفوا أحد‪ .‬وقال مرشدهم ـ آنذاك ـ األستاذ حسن‬ ‫إسماعيل الهضيبي ـ رضوان اهلل عليه ـ ر ّدًا على تلك‬ ‫الدعوى كلمته الجامعة التي ح ّددت طريق اإلخوان‬ ‫المسلمين وعبرت عن منهجهم وصورت مهمتهم‪:‬‬ ‫(نحن دعاة ولسنا قضاة)‪ .‬وأشرف ـ رحمه اهلل ـ على‬ ‫وضع أبحاث في عقيدة أهل السنة في الموضوعات‬ ‫التي أثار حولها أصحاب تلك الدعوى شبهات‪.‬‬

‫أهل السنة في الموضوعات التي أثار حولها أصحاب‬ ‫تلك الدعوى شبهات‪.‬‬ ‫وبما أن اهلل جعل في تلك األبحاث الشفاء‪ ،‬فهدأت‬ ‫الخواطر واطمأنت النفوس‪ ،‬وانتفت الشبهات‪ .‬و»كان‬ ‫الواضح أن أمر تلك الفتنة قد انقضى»‪ .‬فلم ال تكتفي‬ ‫الحكومة المصرية بالكتاب الذي أشرف على وضعه‬ ‫الهضيبي‪ ،‬والذي فيه فصل الخطاب‪ ،‬والعالج الشافي‪،‬‬ ‫وال تلتفت إلى المحاوالت الحاقدة التي تغالي في أمر‬ ‫جماعة التكفير والهجرة وتهول من مخاطرها‪ .‬هذا ما‬ ‫حوّم حوله السطران األخيران مما اقتبسته من مقدمة‬ ‫الناشر‪ .‬وكان من ضمن ما اقتبسته ومن المقدمة‬ ‫بأكملها ما يلي‪:‬‬ ‫أن دعوى التكفير التي تفشت بينهم ليس سببها‬ ‫التطور األخير لفكر سيد قطب‪ ،‬وال المسؤول عنه‬ ‫اإلخوان المسلمون‪ ،‬وإنما هو ابتالء من اهلل ليختبر‬ ‫عباده الصالحين‪ ،‬اإلخوان المسلمين‪ .‬بادر اإلخوان‬ ‫المسلمون من عند أنفسهم الحتواء دعوى التكفير‬ ‫بدحضها‪ ،‬وقد أكد هذه المبادرة بكلمات قوية‪ ،‬مما‬ ‫يشير من طرف خفي إلى أنها لم تكن مبادرة داخلية‪،‬‬ ‫وإنما إلزام خارجي‪.‬‬

‫وكان من فضل اهلل ورحمته أن جعل فيها الشفاء‪،‬‬ ‫فهدأت الخواطر واطمأنت النفوس بعد أن الح الحق‬ ‫وانتفت الشبهات»‪.‬‬

‫ا ّدعى أن فتنة التكفير قضي عليها بواسطة كلمة‬ ‫الهضيبي الجامعة‪ ،‬وبالبحث الذي أشرف على‬ ‫وضعه‪ .‬وهو أمر غير صحيح‪ ،‬فمصر ـ منذ مهد‬ ‫السبعينات ـ كانت تغص بتنظيمات وجماعات تقوم‬ ‫على تكفير المسلمين‪ .‬خلت المقدمة من أية إشارة تفيد‬ ‫أن الكتاب كان ر ّدًا على سيد قطب في معالمه ومن أية‬ ‫إشارة لسيد قطب‪.‬‬

‫يجب �أال نغفل كذلك �أن كثرياً من‬ ‫علماء الأزهر يف العهد امللكي ويف‬ ‫عهد الثورة �إىل ال�سنوات الأوىل من‬ ‫حكم ال�سادات‪ ،‬مل يكونوا ت�أثروا فكرياً‬ ‫واجنذبوا عاطفياً بعد‪� ،‬إىل الإن�شاء‬ ‫الإ�سالمي احلركي املحدث‪ ،‬ومل يكونوا‬ ‫قد وقعوا بعد حتت �سطوة �أقاويله‬ ‫املطاطة ودعاويه العري�ضة‪ ..‬مبعنى‬ ‫�أنه كان ثمة متايز �صارم بني فهم‬ ‫علماء الأزهر للدين‪ ،‬وفهم ذلك الإن�شاء‬ ‫احلركي املحدث للدين‬

‫أن المقدمة نصت على أن الكتاب كتبت أبحاثه تحت‬ ‫إشراف الهضيبي مع أن غالف الكتاب الخارجي‬ ‫وغالفه الداخلي ال يقوالن بهذا‪ ،‬فعنوانه يقول باآلتي‪:‬‬ ‫(دعاة ال قضاة‪ :‬أبحاث في العقيدة اإلسالمية والدعوة‬ ‫إلى اهلل) لألستاذ حسن اسماعيل الهضيبي‪ ،‬المرشد‬ ‫العام لإلخوان المسلمين‪ .‬فالعنوان ـ كما نرى ـ يقول‬ ‫بأن مؤلف الكتاب الهضيبي ولم يقل بأنه ألف أو وضع‬ ‫تحت إشرافه‪ .‬نصت المقدمة على أن جملة “نحن‬ ‫دعاة ولسنا قضاة” قالها الهضيبي‪ ،‬ولم تنص على أنها‬ ‫وضعت تحت إشرافه!‬

‫بما أن دعوى التكفير كانت مما ابتلى اهلل اإلخوان‬ ‫به في السجون والمعتقالت‪ ،‬وبما أن اهلل قيّض حسن‬ ‫الهضيبي للرد عليها بكلمته الجامعة (نحن دعاة ولسنا‬ ‫قضاة)‪ ،‬وباإلشراف على وضع أبحاث تبين عقيدة‬

‫إن النظام الناصري‪ ،‬لطبيعته البوليسية وعقيدته‬ ‫الشمولية ‪ -‬كما مر بنا ‪ -‬أصدر قراراً يحظر اسم سيد‬ ‫قطب‪ ،‬وبمقتضى هذا القرار لم يذكر مؤلفو الكتاب‬ ‫الحقيقون اسمه‪ ،‬ولو كان النظام الناصري مع طبيعته‬ ‫قليال‪ ،‬وسمح أن يكون الرد رداً مباشراً‬ ‫وسع من أفقه ً‬ ‫تلك ّ‬ ‫على سيد قطب وعلى معالمه‪ ،‬بالنص على اسمه وعلى‬ ‫إيراد نصوص من كتابه‪ّ ،‬‬ ‫لتعذر على اإلخوان المسلمين‬ ‫أن يطبعوا الكتاب سنة ‪ ،1977‬مع أنه استجد عليهم‬ ‫ظرف يحتم طباعته‪ ،‬ولما كانوا أتحفونا بتلك المقدمة‬ ‫الملتوية والتي ليست من الصدق بشيء <‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪47‬‬


‫دراسات‬

‫األوسط) في أوائل الثمانينات الميالدية وصدرت في‬ ‫كتاب في منتصفها‪ ،‬ذكر أن الهضيبي كتب كتابه (دعاة‬ ‫ال قضاة) مستعيناً بابنه مأمون الهضيبي ومصطفى‬ ‫مشهور‪.‬‬

‫�سيد قطب ال جدل حول موهبته‬ ‫الثقافية والتنظريية والكتابية‪ ،‬لذا‬ ‫كان اله�ضيبي يتوك�أ عليه‪ .‬ولأن �سيد‬ ‫قطب كان منت�سباً م�ستجداً للجماعة‪،‬‬ ‫وي�شغل من�صباً متو�سطاً فيها‪ ،‬فلقد‬ ‫كان ي�ستند كلية �إىل اله�ضيبي‪ ،‬بحكم‬ ‫�أن اله�ضيبي يتوىل من�صب املر�شد‬ ‫العام‪ ،‬وكان اله�ضيبي يوفر له الغطاء‬ ‫ال�سيا�سي ال�شرعي الالزم يف مواجهة‬ ‫قياديني �آخرين‪ .‬ومن بني �أ�سباب‬ ‫التحالف �أي�ضاً‪� ،‬أن كليهما كان ي�ضمر‬ ‫العداوة لعبد النا�صر ول�ضباط الثورة‬

‫رواية فؤاد عالم لقصة هذا الكتاب ‪ -‬على ضوء ما‬ ‫عرضت له من أدلة ووقائع متعلقة بكل ما يحف بالكتاب‬ ‫ رواية صحيحة‪ ،‬ولم أتردد في تصديقها منذ أول مرة‬‫قرأتها‪ ،‬لالستشكال الذي ذكرته في فقرة متقدمة من‬ ‫المقال‪.‬‬

‫وساعد على قبوله ورضاه هذه‪ ،‬أن من يعرف حقيقة‬ ‫األمر‪ ،‬ابنه وحلقة ضيقة من المقربين منه الذين يطيعونه‬ ‫طاعة عمياء‪.‬‬

‫وفي ما رواه فؤاد عالم في كتاب (اإلخوان) أن الذين‬ ‫شاركوا في الكتاب بعض المعتقلين من اإلخوان الذين‬ ‫كانوا يتعاونون مع جهاز أمن الدولة مثل عبدالمتعال‬ ‫الجبري وسعد الدين متولي إبراهيم»‪.‬‬ ‫ومن جملته هذه ‪ -‬مع أنها ملبسة ‪ -‬يفهم القارئ أنهم‬ ‫مجموعة ع ّد منهم اثنين‪ ،‬وبالتالي قد يكون المرشد العام‬ ‫الراحل مشهورا ‪ -‬كما ذكر التلمساني‪ -‬شارك في الكتاب‪.‬‬ ‫لم يحدد فؤاد عالم في أي موضع من الكتاب كانت‬ ‫مشاركة «بعض اإلخوان المعتقلين المتعاونين مع أمن‬ ‫الدولة»‪ ،‬وألنه لم يحدد هذا األمر‪ ،‬فإني أميل إلى أنها‬ ‫كانت في الملحق الذي جاء في آخر الكتاب في صيغة‬ ‫سؤال وجواب‪ ،‬تحت عنوان‪( :‬تساؤالت حول موضوع‬ ‫البحث‪ :‬نحن دعاة ولسنا قضاة‪ .‬وإجابات فضيلة المرشد‬ ‫العام على األستاذ حسن الهضيبي رحمه اهلل)‪.‬‬

‫ألدع فؤاد عالم يروي القصة بنفسه‪« :‬خططنا في‬ ‫ذلك الوقت ألن نستغل جناحاً كان معارضاً إلى حد ما‬ ‫لفكر التكفير‪ .‬ونجح األمن في أن يدفع حسن الهضيبي‬ ‫من دون أن يدري ألن يصدر كتاب (نحن دعاة ولسنا‬ ‫قضاة)‪ ..‬وحقيقة األمر‪ ،‬أن حسن الهضيبي لم يشارك‬ ‫بأي رأي أو فتوى في هذا الكتاب ولم يفعل فيه شيئاً‪،‬‬ ‫وإنما تم إعداده بواسطة بعض علماء األزهر‪.‬‬ ‫ورسمنا خطة أمنية دقيقة إلدخال األبحاث واآلراء‬ ‫لبعض العناصر اإلخوانية في ليمان طره‪ ،‬وكانوا‬ ‫يجتمعون بمأمون الهضيبي ويناقشونه ويسلمونه‬ ‫األبحاث‪ .‬وقام بنسبتها إلى نفسه وسلمها لوالده حسن‬ ‫الهضيبي على أساس أنه هو الذي قام بإعدادها‪.‬‬ ‫والحقيقة أنه لم تكن له أدنى عالقة بهذا الكتاب من‬ ‫قريب أو بعيد‪ ..‬وتركنا حسن الهضيبي يسرب الكتاب‬ ‫إلى خارج السجن من دون أن يشعر‪ ،‬وسهلنا عملية‬ ‫طبعه ونشره‪ .‬وسيفاجأ اإلخوان بهذه المعلومات التي‬ ‫تذاع ألول مرة»‪.‬‬ ‫لقد قبل الهضيبي بهذا التدليس‪ ،‬ورضي أن يضع اسمه‬ ‫على كتاب ُّ‬ ‫يرد على أفكار هو دعمها ويؤمن بها لغاية‬ ‫براغماتية‪ ،‬ألنه كان بحاجة ماسة ليثبت أهليته أمام زمر‬ ‫من اإلخوان‪ ،‬كانت ال ترى فيه التأهيل العلمي المطلوب‪،‬‬ ‫وال أنه يحمل مؤهالت شخصية ذات بال‪.‬‬ ‫‪46‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫دعوة تكفيرية‬ ‫إن سيد قطب لو لم يورث له أتباعاً كثراً‪ ،‬خاصة من‬ ‫تنظيم ‪ ،1965‬الذين استمروا في بث دعوته التكفيرية‬ ‫في السجون‪ ،‬وزادوا فيها تكفيراً على تكفير‪ ،‬ل َم تجشم‬ ‫جهاز أمن الدولة تكليف علماء من األزهر عناء الرد‪.‬‬ ‫ولظلت حكومة عبدالناصر على سياستها في إهمال‬ ‫ً‬ ‫إهماال تاماً‪ ،‬لمحو اسمه واسم كتبه ‪-‬‬ ‫سيد قطب وكتبه‬ ‫حتى ما كان منها أدبياً ‪ -‬من الوجود‪ .‬الغاية التي من‬ ‫أجلها خطط جهاز أمن الدولة‪ ،‬بطريقة مؤامرتية‪ ،‬أن‬ ‫يصنع هذا الرد‪ ،‬ويحمل اسم الهضيبي‪ ،‬غاية محض‬ ‫أمنية حتى ال يتكرر تنظيم ‪ ،1965‬مرة أخرى‪ .‬لكن‬ ‫هذه الغاية أخفقت أيما إخفاق‪ ،‬والشاهد على ذلك‬ ‫تناسل التنظيمات الدينية المتطرفة كما األرانب منذ‬ ‫مهد سبعينات القرن الماضي‪.‬‬ ‫طباعة اإلخوان المسلمين لكتاب (دعاة ال قضاة) بعد‬ ‫بضع سنين من اإلفراج عن الهضيبي ومن وفاته‪ ،‬يدل‬ ‫داللة ساطعة على أن الهضيبي قبل وفاته‪ ،‬لم يحرص‬ ‫موجه للناس‪ .‬ألن هواه‬ ‫على طباعته في كتاب عام ّ‬ ‫كان مع معالم سيد قطب وليس مع الكتاب الذي أُلِّف‬ ‫له‪.‬‬ ‫كذلك كان موقف قادة اإلخوان المسلمين المنطلق من‬ ‫وصح تقديرهم‬ ‫السبب نفسه‪ .‬فالمرحلة ‪ -‬كما ق ّدروا‬ ‫ّ‬

‫ـ مرحلة سيد قطب‪ ،‬إذ أن كتبه اإلسالمية وحكاية‬ ‫تحوله من ناقد أدبي إلى كاتب إسالمي‪ ،‬وحكاية‬ ‫ابتعاثه ألميركا ورفضه لقيم المجتمع األميركي‬ ‫والحياة األميركية‪ ،‬وما نسجه هو وهم من بعده من‬ ‫أكاذيب حول هذه الحكاية‪ ،‬والسبب الذي عزو إليه‬ ‫قرار إعدامه‪ ،‬هي قضايا ستكفل الدعاية الكبرى لها‬ ‫وانتشار دعوتهم مجدداً وفي الوقت نفسه ستحقق لهم‬ ‫الثأر من جمال عبدالناصر ومن نظامه‪.‬‬ ‫وكانوا مجمعين على أن كتاب (دعاة القضاة) صفحة‬ ‫من الماضي يجب أن تُمحى‪ ،‬وأن ال يجري ذكرها‬ ‫حتى ال يعلم بها أحد‪ .‬فالذين كانوا يعلمون بأمر الكتاب‬ ‫وتداولوا نسخه المطبوعة‪ ،‬المؤرخة بثاني شهر من‬ ‫سنة ‪ ،1969‬هم ـ فقط ‪ -‬سجناء ‪ 1954‬وسجناء‬ ‫‪ .1965‬وبحسب شهادة فؤاد عالم‪ ،‬فإن جهاز أمن‬ ‫الدولة سهّل أمر طباعته‪ ،‬من حيث ال يشعر اإلخوان‬ ‫المسلمون غير المتعاونين مع جهاز أمن الدولة بما‬ ‫يجري حولهم‪ ،‬وسهّل ـ أيضاً ـ تسريبه لإلخوانيين‬ ‫الذين هم خارج السجن‪.‬‬ ‫وبما أن من كان يعلم بأمره هم ـ فقط ‪ -‬اإلخوان‬ ‫المسلمين‪ ،‬نزالء المعتقالت الناصرية‪ ،‬فقد كان‬ ‫متيسراً طي تلك الصفحة ومحوها‪ .‬ولنالحظ أنه‬ ‫حتى الذين رفضوا ما جاء في الكتاب وقالوا بكفر‬ ‫جمال عبدالناصر حينما كانوا في السجن‪ ،‬كشكري‬ ‫مصطفى ومحمد قطب إلخ‪ ..‬لم يشنعوا على الكتاب‬ ‫بعد خروجهم من السجن‪ ،‬ولم تتناوله الجماعات‬ ‫والتنظيمات الدينية المصرية الخارجة من معطف سيد‬ ‫قطب في كتابه المعالم‪ ،‬في رسائلها ال من قريب وال‬ ‫من بعيد في المنتصف األول من عقد السبعينات‪ .‬ولم‬ ‫يتم الحديث عنه إال في وقت متأخر‪ ،‬وهو سنة ‪،1991‬‬ ‫وذلك حينما قدم أحمد عبدالمجيد ـ أحد قياديي تنظيم‬ ‫‪ 1965‬ـ شهادته عن إنشاء التنظيم وتجربته في السجن‬ ‫في كتابه (اإلخوان وعبدالناصر)‪.‬‬ ‫ولتبيان نجاحهم في طي تلك الصفحة ومحوها‪ ،‬برغم‬ ‫بعض التسريبات لنسخ من الكتاب التي كانت متداولة‬ ‫بين مساجين اإلخوان المسلمين في مصر‪ ،‬أذكر أن‬ ‫اإلخوان المسلمين من غير المصريين‪ ،‬كانوا يجهلون‬ ‫أن ثمّة كتاب يرد على معالم سيد قطب‪ ،‬موقع باسم‬ ‫الهضيبي‪.‬‬ ‫فبحسب كالم لعبداهلل أبوعزة ـ وكان في وقت مضى‬ ‫قيادياً في تنظيم اإلخوان المسلمين الفلسطينيين ـ في‬ ‫لقاء أجراه معه عزام التميمي في قناة الحوار‪ ،‬أنه‬ ‫اطلع على نسخة من الكتاب في مؤتمر إخواني ُعقد‬ ‫في عمّان سنة ‪ ،1973‬أحضرها معه أحد اإلخوان‬ ‫المسلمين من مصر‪ ،‬والذي كان من ضمن المسجونين‪.‬‬ ‫وبرغم هذا التسريب المحدود‪ ،‬فإنه تم التكتم التام‬ ‫على الكتاب‪ ،‬ولم يعرف بخبره إال نفر قليل من قادة‬ ‫اإلخوان المسلمين من غير المصريين‪ .‬وهؤالء ـ‬


‫حسن الهضيبي المرشد العام الثاني لجماعة اإلخوان المسلمين يتوسط مجموعة من اإلخوان ومن الضباط‬ ‫المرشد العام لإلخوان المسلمين حسن الهضيبي بكتاب‬ ‫(دعاة ال قضاة) هكذا كانوا يلخصون ـ باجتراء كبير‬ ‫وبتر عظيم ـ أمر الكتابين‪.‬‬ ‫يلخصونه على هذا النحو‪ ،‬للتفاخر والتباهي واالدعاء‬ ‫والتدليس بأن جماعة اإلخوان المسلمين فيها متسع للرأي‬ ‫والرأي اآلخر‪ ،‬وفيها مجال للجدل الديني الحر‪ ،‬الهادئ‬ ‫والرفيع‪ ،‬والمثال على ذلك هو ما حصل ما بين زعيمها‬ ‫الهضيبي وأبرز مفكر فيها‪ ،‬سيد قطب‪.‬‬ ‫وجراء هذه البروباغندا الرخيصة‪ ،‬اعتقد كثيرون ـ وأنا‬ ‫منهم ـ أن (دعاة ال قضاة) رد مباشر على كتاب سيد‬ ‫قطب (معالم في الطريق) وباالسم‪ ،‬اسمه واسم كتابه‪،‬‬ ‫مع أن األمر هو خالف ما كنا نعتقد‪ .‬فهم تعاملوا مع‬ ‫الكتاب ً‬ ‫شكال وعنواناً بوصفه حلية وزينة‪ ،‬تساعدهم على‬ ‫المراوغة لستر مضمون فكرهم ذي الطبيعة الديكتاتورية‬ ‫وذي الحمولة التكفيرية‪ ،‬ولتقديم صورة زائفة عن تاريخ‬ ‫االختالف عندهم‪.‬‬

‫مشروع شمولي‬ ‫في هذا المجرى الضيق كانوا يريدون استخدام الكتاب‬ ‫وال يريدون أن يستخدموه في مجال أوسع‪ ،‬نظراً ألن‬ ‫الكتاب ـ حتى في عنوانه ‪ -‬نقيض لمشروعهم الشمولي‪،‬‬ ‫الذي ال يقوم على أنهم دعاة وحسب‪ ،‬فهم لم يعودوا كذلك‬ ‫منذ أن أدخل إمامهم وصانع دعوتهم الجماعة في معترك‬ ‫السياسة في فترة مبكرة من تاريخها‪.‬‬ ‫فمن يريدهم أن يكونوا دعا ًة وحسب‪ ،‬وأن يردهم إلى‬

‫نشأتهم األولى‪ ،‬بوصفهم أرباب جمعية دينية دعوية‪ ،‬هو‬ ‫حكومة جمال عبدالناصر‪.‬‬ ‫إنها كانت تقية منهم عندما سلموا بعنوان الكتاب‪ ،‬وبما‬ ‫جاء فيه من مضمون‪ ،‬فأعلنوا أنهم دعاة ال قضاة‪ ،‬وذلك‬ ‫للخالص من نير السجون‪ ،‬وعندما خرجوا منها سعوا‬ ‫مجدداً إلى أن يكونوا (دعاة) و(قضاة) و(حكاماً)‪ .‬وألن‬ ‫الكتاب في مضمونه يتناقض والمسعيين اآلخرين‪ ،‬ح ّدوا‬ ‫من انتشاره‪ .‬ونجحوا في هذا كل النجاح‪.‬‬ ‫إن هتافهم‪ ،‬وهم في سجون النظام الناصري‪ :‬نحن دعاة‬ ‫ولسنا بقضاة‪ ،‬ال يختلف بشيء عن تصريح حسن البنا‬ ‫المدوّي بأن قتلة النقراشي ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين!‬ ‫ولو كان الهضيبي مؤلف الكتاب ‪ -‬أقولها افتراضاً‪ ،‬وإال‬ ‫فأنا على يقين على أنه كان يعجز أن يأتي بمثل صفحة‬ ‫واحدة من الكتاب ‪ -‬لما كان أسلوبه بذلك القدر العالي‬ ‫من الصرامة العلمية والجفاف اللغوي والحياد الفكري‪.‬‬ ‫فحتماً سيكتبه بصيغة مختلفة جذرياً عن الصيغة التي‬ ‫كتب بها‪ ،‬إن ً‬ ‫شكال وإن مضموناً‪.‬‬ ‫إنه لو كان هو مؤلف الكتاب‪ ،‬سيسلك الكتاب ‪ -‬على األقل‬ ‫ طريق المناقشة بالحسنى‪ .‬وستساق فيه التبريرات تلو‬‫التبريرات وتلمس األعذار وانتحالها‪ .‬ولن يكون الكتاب‬ ‫ كما هو حاله ‪ -‬بنا ًء مصمتاً من المناظرة الصلدة التي‬‫ليست فيها روح وال عاطفة‪ ،‬وال حد أدنى من الدفق‬ ‫اإلنساني الذي توجبه الرابطة األيديولوجية والصلة‬ ‫الشخصية واللحمة الحزبية‪ ،‬وال أية إشارة شخصية‬ ‫أو معلوماتية عن االتجاه الفكري الذي هو مناط الرد‬

‫وموضع الدحض فيها‪.‬‬ ‫إنه لو كان مؤلفه‪ ،‬البد وأن يكون في أسلوب الكتاب‬ ‫قدر من الذاتية وشيء من الحنو العاطفي‪ .‬فسيد قطب‬ ‫كانت تربطه بالهضيبي عالقة تفوق عالقته بقادة‬ ‫اإلخوان المسلمين‪ .‬فلقد كان الهضيبي رافعته السياسية‬ ‫ومالذه السلطوي‪ ،‬وبه ومن خالله ثبت دعائم منهجه‬ ‫وأشاد بنيانه الفكري في أرض اإلخوان المسلمين‪،‬‬ ‫إلى جوار بناء غير راسخ فيها وهش‪ .‬هذا البناء غير‬ ‫الراسخ والهش هو ما يصطلح على تسميته‪ ،‬باألطروحة‬ ‫األساسية أو األصلية لإلخوان المسلمين‪.‬‬ ‫إنه لو كان مؤلفه‪ ،‬لكان كتبه على نسق ما كتبه بعض كتاب‬ ‫اإلخوان المسلمين في عقدي الثمانينات والتسعينيات من‬ ‫القرن الماضي‪ ،‬وإلى يومنا هذا‪ ،‬في نقد فكر سيد قطب‬ ‫ونقد فكر أتباعه‪ ،‬أصحاب الجماعات الدينية المتطرفة‪.‬‬ ‫وسيتخذ الصيغة التي اتخذها نقدهم‪ .‬فنقدهم ‪ -‬وعلى رأس‬ ‫هؤالء الشيخ يوسف القرضاوي ‪ -‬هو أقرب إلى النقد‬ ‫الرخو منه إلى النقد الصارم‪ .‬فهو يأتي مشفوعاً بالثناء‬ ‫العاطر وانتحال التبريرات واالعتذارات بشتى السبل‪،‬‬ ‫منها ما هو ممكن ً‬ ‫عقال ومنها ما هو متكلف ومنها ما هو‬ ‫معتسف‪ .‬ومن مجمل هذا النقد نستخلص أن سيد قطب‬ ‫وأتباعه المنقودين‪ ،‬حمالن شاردة عن قطيع اإلخوان‬ ‫المسلمين‪ .‬وأن هذه الحمالن وهذا القطيع‪ ،‬كان ضحية‬ ‫استذئاب السلطة وفتكها بهم!‬ ‫في ذكريات عمر التلمساني الذي خلف الهضيبي في‬ ‫منصبه‪ ،‬والتي أعدها عصام غازي‪ ،‬ونشرت تحت‬ ‫عنوان (مذكرات ال ذكريات) في جريدة (الشرق‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪45‬‬


‫دراسات‬

‫(يقصد المعترضين على التنظيم والمهدد باإلبالغ هو‬ ‫صالح شادي) قال إن فالناً (ربما يكون فريد عبدالخالق‪،‬‬ ‫ألنه كان من القادة المعترضين على قيام التنظيم‪ ،‬وكان‬ ‫خارج السجن‪ ،‬وقد أوهمه سيد قطب أن التنظيم أوقف‬ ‫إلي عدة مرات من أجل ذلك وقال‪ :‬إن‬ ‫نشاطه) حضر ّ‬ ‫هؤالء حيودوا الجماعة في داهية‪ ،‬ويشكون من خطورة‬ ‫كتاب المعالم‪ ،‬فأجبته‪ :‬انتو خايفين من ايه وجماعة ايه‬ ‫اللي انتو خايفين عليها‪ ،‬ما انتوا موتوها طول العشر‬ ‫سنين‪ ،‬هو انتو فاكرين اللي قدمتوه هو ده كل شيء‪ ،‬دا‬ ‫المسيحيين على خالف بينهم مات منهم يجي ستين ألف‪،‬‬ ‫دا الفالحين بيموت منهم عشرين وال ثالثين في أكله‪»...‬‬ ‫إزاء مواقف حسن الهضيبي هذه‪ ،‬لنا أن نسأل‪ :‬ما الذي‬ ‫يجعله في فترة وجيزة ال تتعدى السنتين ينقلب على سيد‬ ‫قطب وعلى معالمه وعلى أتباعه‪ ،‬وهو الذي رمى بكل‬ ‫ثقله لدعمهم ومؤازرتهم؟!‬ ‫فبعد أن كان يقول‪« :‬ما قاله صاحب الظالل هو الحق‬ ‫الذي ال شك فيه» يرسل – وهو في السجن – مذكرات‬ ‫إلى سجناء ‪ ،1954‬وسجناء ‪ ،1965‬جاءت فيها هذه‬ ‫العبارة‪ ..« :‬وما كنت أعلم أن صاحب الضالل غير‬ ‫مفهوم الجماعة»!!‬

‫الكتاب العبث‬ ‫إن الكتاب يصبح بال معنى أو هو أشبه عند اإلخوان‬ ‫المسلمين بالعبث الذي ال جدوى منه‪ ،‬حينما نتعرف على‬ ‫الحقائق التالية‪:‬‬ ‫األولى‪ :‬ثمة شباب متدين في اإلسكندرية والقاهرة بعد‬ ‫توجيه جمال عبدالناصر ضربته لتنظيم ‪ ،65‬ال صلة لهم‬ ‫بهذا التنظيم وال بالجماعة األم جماعة اإلخوان المسلمين‪،‬‬ ‫اتصلوا بالهضيبي بعد اإلفراج عنه سنة ‪ ،1971‬وكانوا‬ ‫متأثرين بدرجة كبيرة بسيد قطب في كتابيه‪( :‬معالم في‬ ‫الطريق) و(في ظالل القرآن) وبكتابي أخيه محمد قطب‪:‬‬ ‫(هل نحن مسلمون؟) و(جاهلية القرن العشرين) وبكتب‬ ‫اللبناني القطبي فتحي يكن‪ ،‬وكتب السوري القطبي سعيد‬ ‫حوى‪ ،‬اتصلوا به عن طريق زينب الغزالي‪ ،‬وبارك‬ ‫توجههم الذي ّ‬ ‫يتغذى من كتاب المعالم والذي يستهدف‬ ‫وصل ما انقطع من التجربة الثورية أو االنقالبية األولى‪:‬‬ ‫تنظيم ‪ ،1965‬التي ّ‬ ‫نظر لها‪ ،‬وقادها سيد قطب‪.‬‬ ‫هؤالء كانوا الجماعة اإلسالمية (أو تنظيم الكلية الفنية‬ ‫العسكرية) التي قادها الفلسطيني صالح سرية الذي كان‬ ‫امتداداً لتنظير وفكر سيد قطب‪.‬‬ ‫الثانية‪ :‬نشرت في مجلة (الشهاب) اإلخوانية اللبنانية‬ ‫سنة ‪ 1972‬وكانت مجلة نصف شهرية ناطقة‬ ‫بلسان اإلخوان المسلمين ـ بعيد إطالق سراح حسن‬ ‫الهضيبي بعام وما يقارب الشهرين ـ مقالة توزعت‬ ‫على عددين غير متتالين‪ ،‬تتضمن مراجعة نقدية‪،‬‬ ‫‪44‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫معالمه‪ ،‬أقول مع كل هذا‪ ،‬وقبيل وفاة حسن الهضيبي‬ ‫بستة أشهر وقرابة ثالثة أسابيع ‪ -‬أعلنت المجلة‪ ،‬فجأة‬ ‫عن إغالق النقاش حول قول سيد قطب بالجاهلية‬ ‫والتكفير‪ .‬السر في ذلك هو أن أوامر عليا صدرت من‬ ‫قيادات كبرى في اإلخوان المسلمين بإغالق هذا الملف‪،‬‬ ‫ولم يُفتح بعدها طوال سنوات السبعينات والثمانينات في‬ ‫هذه المجلة وال مجالت إسالمية غيرها‪ ،‬مجال لنقد سيد‬ ‫قطب من الناحية الفكرية‪.‬‬

‫جماعة الإخوان امل�سلمني التي‬ ‫تزحف �إىل املجال الديني‪ ،‬بغر�ض‬ ‫املناف�سة واملزاحمة ثم اال�ستحواذ‪،‬‬ ‫كانت م�ستجدة على هذا املجال‬ ‫ولي�ست لها تقاليد عتيقة ورا�سخة‬ ‫كما هو احلال يف الأزهر‪ ،‬ومعظم‬ ‫الأ�سماء فيها كانت قادمة من تعليم‬ ‫مدين وزعيمهم كان �أفندياً متح�صال‬ ‫على تعليمه من دار العلوم‪ ،‬ويعمل‬ ‫مدر�سا يف التعليم االبتدائي‪ ،‬ومل‬ ‫يكن �شيخاً يف الدين‪ ،‬لذا كان الأزهر‬ ‫وعلما�ؤه ينظرون �إليهم بقدر كبري‬ ‫من التعايل العلمي‬ ‫لينة عطوفة‪ ،‬واعتذارية‪ ،‬لمنهج سيد قطب في‬ ‫كتابه (معالم في الطريق) بقلم ع‪ .‬أبوعزة ( اسمه‬ ‫عبداهلل أبوعزة‪ ،‬وهو إخواني فلسطيني‪ ،‬وكان مقيماً‬ ‫وقتذاك في الكويت)‪ ،‬آثار القسم الثاني منها‪ ،‬نقاشاً‬ ‫في أعداد متتالية ومع أن كل المقاالت التي نشرت‬ ‫كانت ضد مراجعته (مقال واحد وكان المقال األول‪،‬‬ ‫أيد ‪ -‬فقط ‪ -‬فكرة الحوار في العلن حول مشكالت‬ ‫الحركة اإلسالمية‪ ،‬واألغلب أن كاتبه اختفى تحت‬ ‫اسم مستعار)‪ ،‬وأن الجريدة تدخلت في مقال كتبه ع‪.‬‬ ‫أبو عزة رداً على النقاط التي أثيرت حول القسم الثاني‬ ‫من مقاله‪ ،‬فحذفته من الرد‪ ،‬وأبقت على القسم الخاص‬ ‫بإثبات أن سيد قطب يقول بكفر المجتمعات اإلسالمية‪،‬‬ ‫وأن من هو ليس على منهجه‪ ،‬فهو كافر كفر الجاهلية‬ ‫األولى‪ ،‬وذلك بإيراد نصوص واضحة وقاطعة من‬

‫الثالثة‪ :‬بعد اكتمال اإلفراج عن اإلخوان المسلمين مع‬ ‫سنة ‪ 1974‬سوقوا لكتاب (معالم في الطريق) وروجوا‬ ‫له ‪ -‬على نحو مهول ‪ -‬في عدد من البلدان العربية وفي‬ ‫مجتمعات الطلبة العرب والمسلمين في أوروبا وفي‬ ‫أميركا‪ .‬وفي بلدان الخليج تكاد ال تخلو منه مكتبة‪ .‬وقدم‬ ‫الكتاب‪ ،‬بطريقة دعائية مثيرة مغرية‪ ،‬وهي أنه سبب‬ ‫إعدام سيد قطب‪ ،‬وأن سيد قطب أعدم لمجرد أنه ألّفه!!‬ ‫وكانوا قبلها بسنوات قليلة‪ ،‬وذلك حينما كانوا في‬ ‫السجون‪ ،‬يخضعون رعاياهم من سجناء ‪ 1954‬وسجناء‬ ‫‪ ،1965‬كل على حدة – كما روى أحمد عبدالمجيد –‬ ‫لسؤال إجباري هو‪ :‬هل جمال عبدالناصر مسلم أم كافر؟‬ ‫من قال هو مسلم هو ضمن الجماعة‪ ،‬ومن قال بكفره‬ ‫هو خارج الجماعة‪ ،‬وكذلك يكون مصير من ال يؤيد‬ ‫عبدالناصر والحكومة المصرية‪ .‬وأن من يخالف ما ورد‬ ‫في كتاب (دعاة ال قضاة) – الذي هو رد على كتاب‬ ‫(معالم في الطريق)‪ -‬يفصل من الجماعة‪ .‬وقد روى أنه‬ ‫اتخذت قرارات فصل بهذا الشأن!‬ ‫وبعد أن خرجوا من السجن‪ ،‬جعلوا من عبدالناصر عدواً‬ ‫مبيناً لإلسالم‪ ،‬وجعلوا من الذي قال الهضيبي بحقه‪:‬‬ ‫أنه صاحب الضالل ال صاحب الظالل‪ ،‬قديس اإلسالم‬ ‫األكبر في عصرنا الحاضر!‬ ‫الرابعة‪ :‬أن كتاب (دعاة ال قضاة) الذي فرضوا على‬ ‫سجناء ‪ 1954‬وسجناء ‪ ،1965‬قراءته وتدبره واإليمان‬ ‫بكل ما جاء فيه‪ ،‬لم يطبعوه إال في وقت متأخر‪ ،‬في طبعة‬ ‫محدودة‪ ،‬سنة ‪ 1977‬ولم يهتموا بتسويقه وترويجه حتى‬ ‫بالقدر الذي يوازي حتى تسويقهم وترويجهم لكتب ألفها‬ ‫صغار كتبة اإلخوان المسلمين‪.‬‬ ‫وألنهم ح ّدوا من انتشاره‪ ،‬ولم يفرضوا قراءته والتدبر‬ ‫فيه واإليمان به ‪ -‬كما فعلوا حينما كانوا في السجون ـ‬ ‫على شباب اإلخوان المسلمين وشباب الصحوة عموماً‬ ‫في البلدان العربية‪ ،‬لم يقرأ هؤالء الشباب في ذروة‬ ‫انتشار ظاهرة الصحوة‪ ،‬الكتاب‪ .‬فالكتاب كان في تلك‬ ‫اآلونة‪ ،‬مشهورا عندهم اسماً‪ ،‬وقلة قليلة منهم أتيح لها‬ ‫أن تقرأه‪.‬‬ ‫مشهور عندهم وعند غيرهم اسماً‪ ،‬ألن اإلخوان المسلمين‬ ‫والمشايعين والمتعاطفين معهم يوردون في بعض كتبهم‬ ‫وفي بعض مقاالتهم وفي بعض أحاديثهم هذه الجملة‪:‬‬ ‫كتب الشهيد سيد قطب (معالم في الطريق) فرد عليه‬


‫الحال في األزهر‪ ،‬ومعظم األسماء فيها كانت قادمة من‬ ‫تعليم مدني وزعيمهم كان أفندياً متحصال على تعليمه من‬ ‫دار العلوم‪ ،‬ويعمل مدرسا في التعليم االبتدائي‪ ،‬ولم يكن‬ ‫شيخاً في الدين‪ ،‬لذا كان األزهر وعلماؤه ينظرون إليهم‬ ‫بقدر كبير من التعالي العلمي‪.‬‬ ‫كما أن دعوة اإلخوان المسلمين ليست جزءاً داخلياً‬ ‫من كيان األزهر‪ ،‬بل هم جسم ولد خارج رحمه‪،‬‬ ‫ونما وترعرع وكبر بمعزل عن عنايته ورعايته‪،‬‬ ‫وبعيداً عن سلطته ونفوذه‪.‬‬ ‫ويجب أال نغفل أن األزهر‪ ،‬علما ًء وطالباً في المنتصف‬ ‫األول من القرن الماضي وقبل ثورة يوليو (تموز)‪،‬‬ ‫كانت أعداد منهم منتمية ألحزاب سياسية خاصة حزب‬ ‫الوفد الذي كان يحوز على تأييد أغلبيتهم والذي دخلت‬ ‫جماعة اإلخوان معه ومع غيره من أحزاب أخرى في‬ ‫صراعات حزبية‪ ،‬فكان من الطبيعي أن تُ ّكن تلك األعداد‬ ‫للجماعة إحناً وعداوات حزبية‪.‬‬ ‫ويجب أال نغفل كذلك أن كثيراً من علماء األزهر في‬ ‫العهد الملكي وفي عهد الثورة إلى السنوات األولى من‬ ‫حكم السادات‪ ،‬لم يكونوا تأثروا فكرياً وانجذبوا عاطفياً‬ ‫بعد‪ ،‬إلى اإلنشاء اإلسالمي الحركي المحدث‪ ،‬ولم يكونوا‬ ‫قد وقعوا بعد تحت سطوة أقاويله المطاطة ودعاويه‬ ‫العريضة‪ .‬بمعنى أنه كان ثمة تمايز صارم بين فهم‬ ‫علماء األزهر للدين‪ ،‬وفهم ذلك اإلنشاء الحركي المحدث‬ ‫للدين‪ .‬وللوقوف على هذا التمايز يحسن االطالع على‬ ‫التقرير الذي كتبه الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي ـ‬ ‫رئيس لجنة الفتوى في األزهر ـ في كتاب (معالم في‬ ‫الطريق)‪ ،‬وذلك بنا ًء على طلب من شيخ األزهر‪ ،‬حسن‬ ‫مأمون‪.‬‬ ‫كانت هناك عالقة تحالف متينة تربط المرشد حسن‬ ‫الهضيبي بسيد قطب منذ أن انضم األخير إلى جماعة‬ ‫اإلخوان المسلمين‪ ،‬والتي كان من بين أسبابها‪ ،‬أن‬ ‫الهضيبي مجرد من المواهب التي كان يتمتع بها سلفه‬ ‫المرشد األول حسن البنا‪ .‬وسيد قطب ال جدل حول‬ ‫موهبته الثقافية والتنظيرية والكتابية‪ ،‬لذا كان الهضيبي‬ ‫يتوكأ عليه‪ .‬وألن سيد قطب كان منتسباً مستجداً‬ ‫للجماعة‪ ،‬ويشغل منصباً متوسطاً فيها‪ ،‬فلقد كان يستند‬ ‫كلية إلى الهضيبي‪ ،‬بحكم أن الهضيبي يتولى منصب‬ ‫المرشد العام‪ ،‬وكان الهضيبي يوفر له الغطاء السياسي‬ ‫الشرعي الالزم في مواجهة قياديين آخرين‪ .‬ومن بين‬ ‫أسباب التحالف أيضاً‪ ،‬أن كليهما كان يضمر العداوة لعبد‬ ‫الناصر ولضباط الثورة‪ ،‬دافعها كان مختلفاً عند االثنين‪.‬‬ ‫وألن الهضيبي كان شخصية ضعيفة ومجرد من أية‬ ‫مواهب‪ ،‬يفترض أن تكون متوفرة في القائد‪ ،‬كان سيد‬ ‫يبالغ في إظهار االحترام والتوقير له وفي إعالن امتثاليته‬ ‫ألوامره‪ ،‬مما زاده قرباً على قرب‪ ،‬لقلب الهضيبي‬ ‫وعقله‪ .‬وكان سيد يفعل ذلك ليصعد قيادياً‪ ،‬وليكون هو‬ ‫موجهه النفسي والفكري‪.‬‬

‫لقطات من رحلة الهضيبي‬ ‫الى بالد الشام سنة ‪1954‬‬

‫يقول أحمد عبدالمجيد صاحب كتاب (اإلخوان‬ ‫وعبدالناصر) ً‬ ‫نقال عن سيد قطب‪« :‬عندما شكا أعضاء‬ ‫مكتب اإلرشاد‪ ،‬وهم في سجن الواحات‪ ،‬وكان المرشد‬ ‫تحت اإلقامة الجبرية‪ ،‬من آراء سيد قطب الواردة (في‬ ‫ظالل القرآن) ونقلوا شكواهم وشكوى اإلخوان منها في‬ ‫هذا السجن‪ ،‬للمرشد حسم الشكوى لصالح سيد قطب‪،‬‬ ‫فأجابهم‪« :‬ما قاله صاحب الظالل هو الحق الذي ال‬ ‫شك فيه»‪ ،‬وبدأ اإلخوان بعدها يتدارسون الظالل في‬ ‫سجن الواحات في صورة مجموعات‪ ،‬بإشراف أعضاء‬ ‫مكتب اإلرشاد‪ ،‬وكذلك تم نفس الشيء في سجن القناطر‬ ‫باستثناء البعض‪ .‬وتم ذلك على اعتبار كالم المرشد‬ ‫موافقة على ما ورد في الظالل‪ ..‬ولما سئل المرشد عن‬ ‫كتاب (معالم في الطريق) قال‪ :‬إنه كتاب عظيم»‪.‬‬ ‫وفي مسألة إحياء جماعة اإلخوان المسلمين التي كان‬ ‫قادة اإلخوان المسلمين في السجون معترضين عليها‪،‬‬

‫ألنه في حالة الكشف عن التنظيم سيؤخر اإلفراج‬ ‫عنهم‪ ،‬ووصل االعتراض عند بعضهم بالتهديد بإبالغ‬ ‫المباحث عنهم‪ ،‬فتدخل الهضيبي وحسم الجدل لصالح‬ ‫التنظيم الجديد‪ ،‬وأعطاه اإلذن بالعمل إلحياء جماعة‬ ‫اإلخوان المسلمين مرة أخرى‪ ،‬بطريقة ثورية وفق أفكار‬ ‫سيد قطب ال حسن البنا‪ ،‬كما صاغها في كتابه (معالم في‬ ‫الطريق)‪ ،‬ورضي لهذا التنظيم أن يكون قائده سيد قطب‬ ‫المفرج عنه قريباً من السجن‪.‬‬ ‫فالهضيبي كان مؤيداً لألطروحة القطبية‪ ،‬ومؤيداً‬ ‫ألتباعها في صفوف اإلخوان المسلمين‪ ،‬ودعم مشروع‬ ‫سيد قطب التكفيري وأسكت األصوات المعترضة عليه‪،‬‬ ‫دعمه بغضاً وكراهية في ثورة يوليو‪ .‬وبسبب هذا البغض‬ ‫كان عنده استعداد للتضحية بثالثمائة من أعضاء التنظيم‬ ‫الجديد‪ .‬يقول أحمد عبدالمجيد‪« :‬لما أثار (سيد قطب)‬ ‫معه موضوع اإلخوان المخالفين لنا والسابق ذكرهم‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪43‬‬


‫دراسات‬

‫وتكرر إيراد اسم المودودي تحت العنوان األول وتحت‬ ‫العنوان الثاني‪ ،‬ولم يذكر اسمه تحت العنوان الثالث‪.‬‬ ‫وكان المعني في مفردة «البعض» في العنوان الثاني‪،‬‬ ‫سيد قطب‪.‬‬

‫وهذا يشير إلى أن الحظر شمل اسم المودودي وأسماء‬ ‫كتبه‪ ،‬لكن الحاجة أجبرتهم على ذكر اسمه واسم كتابه‪،‬‬ ‫استناداً إلى قاعدة فقهية معروفة‪ ،‬وهي أن الضرورات‬ ‫تبيح المحظورات‪ .‬والحق يقال؛ إنهم لم (يتوسعوا) في‬ ‫استعمال هذه القاعدة!‬

‫وبعد عرض مؤلفي الكتاب ما رتب البعض (المقصود‬ ‫سيد قطب) من كالم المودودي من نتائج وبنوا عليها‬ ‫أحكاماً‪ ،‬زعموا أنها مقتضى شريعة اهلل‪ ..‬عرضوا لقول‬ ‫آخر‪ ،‬قالوا في تقديمه‪ :‬زاد البعض‪ .‬والمقصود بالبعض‬ ‫هنا‪ ،‬أتباع سيد قطب الذين زادوا على نتائجه وأحكامه‬ ‫الشرعية التي هي ً‬ ‫أصال زيادة في كالم المودودي‪ .‬راجع‬ ‫ص ‪.18،19 ،16‬‬ ‫تؤكد هذه الملحوظة أن الكتاب ليس للهضيبي‪ .‬وأنه ـ‬ ‫بالفعل ـ كان وراءه جهاز مباحث أمن الدولة‪ ،‬ألن هناك‬ ‫قراراً بعد القبض على تنظيم ‪ 65‬بمنع كتب سيد قطب‬ ‫ومنع كتب أخيه محمد قطب‪ .‬وحظر ذكر اسم األخ‬ ‫األكبر‪.‬‬ ‫وبسبب هذا القرار لجأ بعض دارسي األدب الذين‬ ‫أعادوا طباعة كتبهم‪( ،‬وكان اسم سيد قطب مذكوراً فيها‬ ‫أيام كان ناقداً أدبياً)‪ ،‬إبان قرار الحظر‪ ،‬إما إلى حذف‬ ‫الصفحات المذكور فيها اسمه‪ ،‬وإما اإلشارة إلى اسمه‬ ‫من بعيد‪ ،‬كـ (محرر الرسالة) أو (كاتب الرسالة)‪ ،‬بحكم‬ ‫أن له صلة تحريرية بمجلة (الرسالة)‪ ،‬وأنه كان من‬ ‫كتابها المشهورين‪.‬‬ ‫وتنفيذاً لهذا القرار‪ ،‬لم ينشر اسمه وال أسماء القادة‬ ‫اآلخرين في كتاب (رأي الدين في إخوان الشيطان)‬ ‫الصادر عن مجلة (منبر اإلسالم) التابعة للمجلس األعلى‬ ‫للشؤون اإلسالمية في سنة ‪ ،1965‬بمناسبة اكتشاف‬ ‫التنظيم الجديد لإلخوان المسلمين الذي قاده سيد قطب‪،‬‬ ‫والقبض على أعضائه‪ .‬وقد تقدم األسماء المشاركة في‬ ‫الكتاب شيخ األزهر أنذاك حسن مأمون‪ ،‬التي توزعت ما‬ ‫بين مشايخ وكتبة إسالميين وصحافيين وأديبة ومحامية‬ ‫وشاعر ورسام كاريكاتير!‬ ‫وقد الحظت أن اسم سيد قطب ذكر في مقالين أو‬ ‫ثالثة في مجلة (الكاتب) نشرت سنة ‪ ،1965‬وربما‬ ‫هذا يرجع إلى أن هذه المجلة كانت منبراً غير رسمي‪،‬‬ ‫يجمع بعض المثقفين اليساريين الموالين لحكم جمال‬ ‫عبدالناصر‪ .‬بطبيعة الحال‪ ،‬فإن جهاز أمن الدولة‪،‬‬ ‫سيكون أشد من اآلخرين في تنفيذ قرار حظر ذكر اسم‬ ‫سيد قطب غير أن جهاز أمن الدولة‪ ،‬وكذلك األزهر‪،‬‬ ‫جابه معضلة هي كالتالي‪ :‬الكتاب مكرس للرد على‬ ‫أفكار صاحب االسم والكتاب المحظور‪ ،‬فكيف يرد‬ ‫عليه من دون أن يذكر اسمه واسم كتابه‪ ،‬ومن دون‬ ‫إيماءة‪ ،‬تشير إلى اسمه واسم كتابه من بعيد‪ .‬ولقد اهتدوا‬ ‫إلى حل المعضلة‪ ،‬وذلك بالرد عليه بواسطة الرد على‬ ‫المودودي وباالسم‪ ،‬على اعتبار أن المودودي وكتابه‬ ‫(المصطلحات األربعة في القرآن الكريم) مصدر كتابه‬ ‫(معالم في الطريق)‪.‬‬ ‫‪42‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫حجج فقهية وأصولية‬ ‫هناك ملحوظة تقطع بأن الكتاب ليس للهضيبي‪ .‬هذه‬ ‫الملحوظة هي أن الكتاب كتب بأسلوب علمي صرف‬ ‫ناشف‪ ،‬أسلوب يستهدف الزام الخصم ال ُم َناظر (بضم‬ ‫الميم وفتح الظاء) بالتسليم‪ ،‬وذلك من خالل حصره‬ ‫ومحاصرته بحجج فقهية وأصولية دامغة‪.‬‬

‫ف�ؤاد عالم‪ :‬خططنا لأن ن�ستغل‬ ‫جناحاً كان معار�ضاً �إىل حد ما‬ ‫لفكر التكفري‪ .‬وجنح الأمن يف �أن‬ ‫يدفع ح�سن اله�ضيبي من دون �أن‬ ‫يدري لأن ي�صدر كتاب (نحن دعاة‬ ‫ول�سنا ق�ضاة)‪ ..‬وحقيقة الأمر‪� ،‬أن‬ ‫ح�سن اله�ضيبي مل ي�شارك ب�أي‬ ‫ر�أي �أو فتوى يف هذا الكتاب ومل‬ ‫يفعل فيه �شيئاً‪ ،‬و�إمنا مت �إعداده‬ ‫بوا�سطة بع�ض علماء الأزهر‬ ‫ويلحظ ‪ -‬تفريعاً للملحوظة السابقة الخاصة بالطريقة‬ ‫التي تم فيها التعامل مع اسم المودودي ومع اسم كتابه‬ ‫(المصطلحات األربعة)‪ -‬أن مؤلفي الكتاب ذكروا اسمه‬ ‫ مع احتساب ذكر اسمه في العناوين الجانبية الثالث‬‫ خمس مرات فقط وذكروا اسمه كتابه‪ ،‬مرة واحدة!!‬‫وقد ذكروا اسمه في صفحات متقدمة من الكتاب هي‬ ‫(الصفحة السادسة عشرة والثامنة عشرة والتاسعة‬ ‫عشرة) ولم يرد اسمه مرة أخرى في صفحات الكتاب‬ ‫المتبقية‪ ،‬والتي يبلغ عددها مائة واثنتين من الصفحات!‬ ‫عالم تدل طريقة التعامل هذه مع اسم المودودي واسم‬ ‫كتابه؟ تدل على أنهم تعاملوا مع اسمه واسم كتابه‬ ‫اضطراراً‪ ،‬وكانوا حريصين – كل الحرص‪ -‬أن‬ ‫يحصروا ذكر اسمه واسم كتابه في أضيق نطاق ممكن‪،‬‬ ‫ويتخلصوا من ذكرهما في بقية صفحات الكتاب‪.‬‬

‫ساعد على كتابة هذا الكتاب بهذا األسلوب الذي لم يعهد‬ ‫عن اإلخوان المسلمين حتى عند المتفقهين منهم في‬ ‫سنوات الثالثينات واألربعينات والخمسينات والستينات‬ ‫من القرن الماضي‪ ،‬أن الذين كتبوه هم جهة علمية‬ ‫رسمية‪ ،‬متمرسة في أساليب الجدل اللغوي والفقهي‬ ‫واألصولي (أو الكالمي)‪.‬‬

‫هذه الجهة هي ثلّة من علماء األزهر‬ ‫واألزهر وعلماؤه هم ‪ -‬حقيقة ‪ -‬كانوا مهيئين روحياً‬ ‫وعقلياً ونفعياً وقبل ذلك علمياً‪ ،‬أن يكتبوا الكتاب بذلك‬ ‫األسلوب التقريري الصرف الناشف‪ .‬هذا إذا ما أخذنا‬ ‫بعين االعتبار طبيعة العالقة ما بين األزهر وجماعة‬ ‫اإلخوان المسلمين ما قبل منتصف القرن الماضي وما‬ ‫بعدها‪ ،‬بما يزيد ً‬ ‫قليال عن عقدين‪ .‬فاألزهر وعلماؤه‬ ‫كانوا يختلفون مع دعوة جماعة اإلخوان المسلمين ومع‬ ‫طريقتهم في الدعوة‪ ،‬منذ أن نمت الجماعة‪.‬‬ ‫واختالفهم هذا ال يستمد أسبابه ‪ -‬بوصفهم تابعين للدولة‬ ‫ من تردي عالقة الجماعة بالقصر في أخريات العهد‬‫الملكي‪ ،‬وال من استفحال الصراع على السلطة ما بين‬ ‫ضباط الثورة والجماعة‪ ،‬الذي أعقبه بطش ضباط الثورة‬ ‫بها‪.‬‬ ‫إننا إن وضعنا تلك العالقة في سياقها الزمني أو في‬ ‫إطارها التاريخي‪ ،‬سنجد أنها تتعدى االختالف إلى النفرة‬ ‫من قبل االزهر وعلماؤه‪ ،‬فجماعة اإلخوان المسلمين بعد‬ ‫أن اشتد عودها صارت تنافسهم وتزاحمهم على مجال‬ ‫يرون أنه هو مجالهم‪ ،‬وال يسع أحد أن ينافسهم فيه‬ ‫ويزاحمهم عليه‪ .‬وأعني به المجال الديني بما يختلط به‬ ‫من سلطة سياسية وهيمنة اجتماعية ومنافع اقتصادية‪.‬‬

‫منافسة فمزاحمة فاستحواذ‬ ‫هذه الجماعة التي تزحف إلى المجال الديني‪ ،‬بغرض‬ ‫المنافسة والمزاحمة ثم االستحواذ‪ ،‬كانت مستجدة على‬ ‫هذا المجال وليست لها تقاليد عتيقة وراسخة كما هو‬


‫وراجعه ملزمة ملزمة‪ ،‬وفقاً للروايات التي جاءت في‬ ‫الكتب التي صدرت خالل السنوات الماضية‪ ،‬بعد رحيل‬ ‫جمال عبد الناصر بعشرين عاماً‪.‬‬ ‫ثم عقب على هذا بكالم قال فيه‪« :‬ولكن المرشد العام‬ ‫أصدر كتاباً عنوانه (دعاة ال قضاة) تراجع فيه عن‬ ‫اآلراء الواردة في كتاب سيد قطب‪ ،‬بل إنه فند هذه اآلراء‬ ‫بالرد‪ ،‬ليبين أنها بعيدة عن اإلسالم حتى أنه وصف سيد‬ ‫قطب بأنه (صاحب الضالل)‪ .‬وكانوا يطلقون عليه‬ ‫صاحب الظالل نسبة إلى كتابه (في ظالل القرآن)»‪.‬‬

‫هنا محل االضطراب‬ ‫إنه يقرر في الهامش اإليضاحي ـ من دون إسناد ـ‬ ‫أن كتاب (دعاة ال قضاة) ليس للهضيبي‪ ،‬وينطلق في‬ ‫مقدمة الحديث من أن الكتاب للهضيبي‪ ،‬وأن الهضيبي‬ ‫في هذا الكتاب ـ الذي هو له ـ قد تراجع عن اآلراء‬ ‫الواردة في كتاب سيد قطب (معالم في الطريق) والتي‬ ‫كان ـ ً‬ ‫قبال ‪ -‬موافقاً عليها‪ ،‬بل إنه فعل أكثر من ذلك‪ ،‬فلقد‬ ‫فندها وبيّن أنها بعيدة عن اإلسالم إلى حد وصف فيه‬ ‫سيد قطب‪ ،‬بأنه صاحب الضالل ال صاحب الظالل‪..‬‬ ‫وقع عبداهلل إمام في هذا االضطراب والتناقض لدافع لن‬ ‫أقف عنده‪ ،‬لكيال نبتعد عن لب موضوعنا‪.‬‬ ‫وأما الكاتب عبد الرحيم علي‪ ،‬فلقد تعرض لما كشفه‬ ‫اللواء فؤاد عالم في مقال له عنوانه (دولة اإلخوان‪:‬‬ ‫أوراق من دفتر دعاة الدولة الدينية) لكنه في تعرضه‬ ‫له همشه‪ ،‬وذلك حينما قال في صدر مقاله‪« :‬ودون‬ ‫الدخول في تفاصيل حول المؤلف الحقيقي للكتاب‪ :‬هل‬ ‫هو للمستشار الهضيبي أم لمجموعة من علماء األزهر‬ ‫وبعض المعتدلين المتعاونين من اإلخوان»‪ ،‬وسلم ً‬ ‫جدال‬ ‫بأن الكتاب للهضيبي‪.‬‬ ‫ومع أنه سلَّم ً‬ ‫جدال بهذا‪ ،‬فقد الحظ ـ كما الحظ غيره‬ ‫ «أن اسم سيد لم يرد فيه مرة واحدة‪ ،‬وتركز الهجوم‬‫على األفكار التكفيرية‪ ،‬ونقدها عند المفكر اإلسالمي أبي‬ ‫األعلى المودودي»‪.‬‬ ‫وشهد للكتاب بأنه أشهر وأهم المحاوالت اإلخوانية‬ ‫للتبرؤ من تداعيات ونتائج األفكار التي دعا إليها سيد‪،‬‬ ‫لكن من دون تبرؤ مماثل من المفكر اإلخواني ـ يعني‬ ‫سيد قطب ‪ -‬الذي أنتج هذه األفكار‪ .‬وسأل مشككاً‪ ،‬هل‬ ‫يمكن التمييز بين المودودي وسيد قطب‪ ،‬وهل من‬ ‫تناقض حقيقي بينهما؟!»‪.‬‬ ‫واستناداً إلى ما قالته زينب الغزالي أن حسن‬ ‫الهضيبي «قد قرأ كتاب معالم في الطريق‪ ،‬وأعاد‬ ‫قراءته قبل طبعه‪ ،‬ووافق عليه‪ ،‬وقال إن هذا الكتاب‬ ‫قد حصر أمله كله في سيد‪ ،‬وأنه األمل المرتجى‬ ‫للدعوة»‪ ،‬سأل مرة أخرى‪ ،‬مشككاً‪« :‬هل كان‬ ‫الهضيبي في دعاة ال قضاة يرد على األفكار التي‬ ‫يرى أن صاحبها هو األمل المرتجى؟!»‪.‬‬

‫تناقضات وغموض‬ ‫في تقديري‪ ،‬أن عبد الرحيم علي يميل إلى تصديق رواية‬ ‫اللواء فؤاد عالم‪ ،‬بأن الكتاب ليس للهضيبي‪ .‬فمالحظته‬ ‫وسؤااله التشكيكيان‪ ،‬ينبئان بطريقة مراوغة عن هذه‬ ‫الميل الذي هاب أن يصرح به بوضوح‪ ،‬كما فعل عبداهلل‬ ‫إمام‪.‬‬ ‫وفي تقديري أيضاً‪ ،‬أن عبد الرحيم علي لم يحسن قراءة‬ ‫ما يحف بالكتاب من تناقضات ونقائض وغموض‪ ،‬ولم‬ ‫يستفد مما كشفه عالم عن حقيقته‪.‬‬ ‫د‪ .‬رفعت السعيد في كتابه‪( :‬اإلرهاب المتأسلم)‪،‬‬ ‫كان أشد تقية من عبد الرحيم علي‪ ،‬ففي مختتم‬ ‫عرضه لبعض ما جاء في كتاب (دعاة ال قضاة)‬ ‫أورد ما كشفه عالم عن حقيقة هذا الكتاب‪ ،‬واكتفى‬ ‫بالقول إنها مسألة شديدة األهمية!‬ ‫علة سكوت الباحثين في تاريخ اإلخوان المسلمين الذين‬ ‫بيّنت صفتهم فيما سبق عما كشف عنه عالم‪ ،‬وعلة‬ ‫تردد عبدالرحيم علي في تبنيها‪ ،‬وحذر رفعت السعيد‬ ‫أن يقول بها هو أن فؤاد عالم ذو صفة أمنية مباحثية‪،‬‬ ‫ومن سيتجرأ على األخذ بروايته‪ ،‬يعرفون أن اإلخوان‬ ‫المسلمين سيطعنون بهذا األخذ‪ ،‬اتكاء على الصفة التي‬ ‫يحملها هذا الرجل‪ ،‬وسيرهبونه باتهامه أنه صحافي (أو‬ ‫مثقف) أمن دولة!‬ ‫أما عبداهلل إمام‪ ،‬فإن هذا الحكم ال ينسحب عليه‪ ،‬فهو‬ ‫أراد أن يقنع قارئه أو يوهمه بأن وجهة النظر التي تبناها‬ ‫أصبحت من المتواتر المقطوع به الذي نقلته جماعة عن‬ ‫جماعة‪ ،‬ولهذا السبب لم ينص على مصدره‪ ،‬إلنه إن‬ ‫راو واحد‪ .‬وهذا الراوي‬ ‫نص عليه‪ ،‬سيتبيّن أن القائل به ٍ‬ ‫روايته مجروحة ألنه رجل أمن ومباحث مكلّف تعقب‬ ‫نشاط اإلخوان‪ ،‬تعقباً أمنياً‪.‬‬ ‫ما يجب أن يقال أن اللواء فؤاد عالم عندما كشف حقيقة‬ ‫ً‬ ‫استشكاال حيّر بعض الذين‬ ‫كتاب (دعاة ال قضاة)‪ ،‬حل‬ ‫قدر لهم قراءة الكتاب من دون أن يقصد ذلك‪ ،‬فمقصده‬ ‫كان ‪ -‬عندما كشف هذا األمر وأموراً أخرى ‪ -‬مجرد‬ ‫إيالم أعدائه اإلخوان المسلمين‪ ،‬حد الفضح والتشنيع‬ ‫والتشهير‪ ،‬بعدما أثخنه بعضهم في بعض المؤلفات‬ ‫(خاصة أحمد رائف في بوابته السوداء) القائمة على‬ ‫حشد حكايات عن التعذيب في السجون الناصرية‪،‬‬ ‫والصادرة في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي‪.‬‬ ‫وبعدما ّ‬ ‫فت في عضده المجالت والمنشورات اإلسالمية‬ ‫اإلخوانية‪ ،‬باتهامه بقتل كمال السنانيري ـ أحد أفراد‬ ‫النظام الخاص وزوج أمينة قطب ـ تحت التعذيب في‬ ‫مطلع عهد رئيس مصر السابق‪ ،‬حسني مبارك‪.‬‬ ‫االستشكال هو أن كتاب (دعاة ال قضاة) عبارة عن‬ ‫مبحث فقهي أصولي‪ ،‬صيغ بأسلوب المناظرة العلمية‪،‬‬ ‫والمطلع على نتاج الهضيبي الساذج والمحدود ـ عدداً‬

‫ومضموناً ـ يعسر عليه أن يهضم أنه منشئ ذلك الكتاب‬ ‫الحجاجي المتين‪.‬‬ ‫في قسم من بحث لي عن سيد قطب نشر في عدد سبتمبر‬ ‫الماضي في مجلة (المجلة)‪ ،‬وصفت مؤلفات اإلخوان‬ ‫المسلمين الصادرة عن قسم نشر الدعوة بالمركز العام‬ ‫لإلخوان المسلمين إلى مشارف الخمسينات‪ ،‬بأنها‬ ‫مؤلفات هزيلة‪ .‬وللهضيبي رسالة عنوانها (دستورنا)‬ ‫صدرت ضمن هذا المؤلفات‪ ،‬ال أتردد في القول عنها‪،‬‬ ‫ً‬ ‫هزاال‪ .‬فرسالته هذه‬ ‫إن كانت من ضمن المؤلفات األشد‬ ‫ورسائل أخرى‪ ،‬جمعت في كتاب واحد بعد رحيله‪،‬‬ ‫وكانت بحجم المقاالت القصيرة‪ ،‬تنطق بأننا أمام واعظ‪،‬‬ ‫واعظ محدود الموهبة‪.‬‬

‫مقوالت قطب والمودودي‬ ‫كذلك هو األمر فيما نقل في كتب اإلخوان المسلمين‬ ‫من تعليق له على محاضرة ألقاها سيد قطب في مطلع‬ ‫الخمسينيات‪ .‬ومن إبداء رأي فيما اشتجر اإلخوان‬ ‫المسلمون فيه في المعتقالت حول قضية التكفير التي‬ ‫تسبب في إحداثها سيد قطب بتنظيره الديني السياسي‬ ‫المتطرف‪ ،‬في فترة ما قبل اإلفراج عنه وفي سنتي‬ ‫ما بعد اإلفراج عنه‪ ،‬وفي فترة ما بعد إعدامه‪ ،‬حيث‬ ‫جاء كتاب (دعاة ال قضاة) في السنوات المتأخرة من‬ ‫الستينيات‪ ،‬ليفند مقوالت قطب ومقوالت ملهمه الفكري‪،‬‬ ‫أبي األعلى المودودي ومقوالت أتباعه التكفيريين الذين‬ ‫كان أحدهم أخاه محمد قطب‪.‬‬ ‫هذه المقوالت كان المتضرر األول منها في ذلك الوقت‪،‬‬ ‫اإلخوان المسلمين الذين كانوا يمضون عقوبتهم في‬ ‫السجون‪ .‬إن ما كتبه الهضيبي في تلك الرسائل‪ ،‬وما‬ ‫نقل عنه في تلك المصادر‪ ،‬يفصح بأنه ذو قوام علمي‬ ‫نحيل‪ ،‬ال يقوى على إنشاء كتاب هو دون (دعاة ال‬ ‫قضاة) بكثير‪.‬‬ ‫لقد قيل عنه‪ :‬إنه قليل الكالم‪ .‬وما لم يقل عنه‪ :‬أن بضاعته‬ ‫في العلم أقل‪ ،‬رغم أنه قبل أن يكون مرشداً عاماً لإلخوان‬ ‫المسلمين‪ ،‬كان مستشاراً بمحكمة النقض!‬ ‫ثمة ملحوظة ال تحتاج إلى إجالة نظر تستوقفك في‬ ‫الكتاب‪ ،‬وهي أنه لم يُذكر فيه اسم سيد قطب وال اسم‬ ‫كتابه (معالم في الطريق)‪ ،‬رغم أن الكتاب كان رداً على‬ ‫أفكاره في هذا الكتاب‪ ،‬المستخلص من بعض أجزاء‬ ‫تفسيره (في ظالل القرآن)‪ .‬استعاض الكتاب عن ذلك‪،‬‬ ‫بذكر اسم المودودي واإلحالة إلى كتابه (المصطلحات‬ ‫األربعة في القرآن الكريم)‪ ،‬فلقد ذكر اسم المودودي في‬ ‫العناوين التالية‪:‬‬ ‫(بعض آراء األستاذ المودودي)‪( .‬أحكام شرعية رتبها‬ ‫البعض على ما قدمناه من رأي األستاذ المودودي)‪.‬‬ ‫(اعتراض على بعض ما قرره المودودي)‪.‬‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪41‬‬


‫دراسات‬

‫هل ألّف المستشار حسن الهضيبي‬ ‫«دعاة ال قضاة»؟‬

‫بحث يف كتاب‬ ‫«مغموز الن�سب»!‬

‫بقلم‪ :‬علي العميم‬

‫عندما ك�شف اللواء ف�ؤاد عالم ‪ -‬وكيل مباحث �أمن الدولة امل�صرية الأ�سبق ‪ -‬يف كتابه «الإخوان و�أنا»‪ ،‬ب�أن الرد‬ ‫على كتاب �سيد قطب «معامل يف الطريق» املو�سوم بـ»دعاة ال ق�ضاة»‪ ،‬املن�سوب للم�ست�شار ح�سن اله�ضيبي‪،‬‬ ‫لي�س هو الذي كتبه‪ ،‬و�إمنا الذي كتبه جمموعة من كبار علماء الأزهر‪ ،‬و�أنه �شارك يف كتابته معتقلون من الإخوان‬ ‫امل�سلمني من الذين كانوا يتعاونون مع �أمن الدولة‪ ،‬كعبد املتعال اجلربي و�سعد الدين متويل �إبراهيم‪ ..‬مل‬ ‫يلق ك�شفه هذا الرجع املتوقع عند الباحثني يف تاريخ جماعة الإخوان امل�سلمني من غري املنحازين �إليها‪،‬‬ ‫وكذلك خ�صومها‪ ،‬وذلك �إما بتبني الك�شف و�إما مبناق�شته وبحثه‪� ،‬إذ �أنهم جتاوزوه �أو لنقل �سكتوا عنه‪.‬‬ ‫يستثنى من هذا الحكم‪ ،‬الكاتب الناصري الراحل عبداهلل إمام‪ ،‬الذي تبنى ما كشف‬ ‫عنه عالم‪ .‬ففي كتابه «عبدالناصر واإلخوان المسلمون»‪ ،‬الصادر سنة ‪،1997‬‬ ‫ذي الطبعة الثانية المزيدة (والتي زعمت دار الخيال وزعم المؤلف أنها الطبعة‬ ‫األولى‪ ،‬وهذا غير صحيح‪ ،‬فالطبعة األولى صدرت سنة ‪ 1981‬عن دار الموقف‬ ‫العربي) ‪ -‬وهو يتحدث عن موافقة الهضيبي على كتاب سيد قطب «معالم في‬ ‫الطريق» ‪ -‬وضع في الصفحة الثالثة من هذا الحديث هامشاً إيضاحياً‪ ،‬هذا نصه‪:‬‬ ‫حسن الهضيبي‬

‫«اتضح أن كتاب دعاة ال قضاة ال يعبر عن فكر اإلخوان بالمرة‪ ،‬وأن الذي‬ ‫وضعه هم مجموعة من علماء الدين بطلب من المباحث العامة‪ ،‬وأعطوه لمأمون‬ ‫الهضيبي الذي أوصله إلى والده‪ ،‬ثم أصدره ككتاب باسمه‪.»..‬‬ ‫يالحظ على هذا الهامش اإليضاحي الذي اقتبسه عبد اهلل إمام من كتاب فؤاد عالم‬ ‫(اإلخوان وأنا)‪ ،‬أنه خال من إسناده إلى صاحبه الذي يرجع له فضل اإليضاح بأن‬ ‫الهضيبي لم يكتب شيئاً في الكتاب‪ ،‬والذي دلنا على الجهة التي كتبته وأغفل أن‬ ‫لبعض اإلخوان المسلمين – الذين قال عنهم صاحب اإليضاح أنهم من المتعاونين‬ ‫مع أمن الدولة – مشاركة فيه‪.‬‬ ‫ويالحظ عليه أن ما جاء فيه ال يتسق مع مما جاء في مبتدأ الحديث‪ .‬ففي مبتدأ‬ ‫الحديث‪ ،‬قال‪« :‬وكان المرشد العام حسن الهضيبي قد وافق على كتاب سيد قطب‬

‫‪40‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬


‫قصة الغالف‬

‫العربية والجزيرة في قلب الحدث‬

‫وكانت القوات المسلحة هي حربتها‪ .‬فقد توصل‬ ‫األسد إلى أنه إذا لم يعد بإمكانه الحفاظ على احترام‬ ‫ووالء المواطنين العاديين‪ ،‬فربما يستطيع (الجيش‬ ‫العربي السوري) ذلك‪ .‬فنظرا ألنه كان مستفيدا‬ ‫من موازنات الدفاع الهائلة ومصدر شبكات الدعم‬ ‫الرئيسة في الوقت نفسه‪ ،‬كان الجيش السوري أكثر‬ ‫المؤسسات قوة في سوريا‪ ،‬وخط الدفاع الرئيس‬ ‫لألسد‪ .‬فقد كان ضروريا أن تركز الحملة اإلعالمية‬ ‫للنظام ليس على حشد السوريين حول األسد ذاته‪،‬‬ ‫ولكن حول الجيش السوري الذي يترأسه‪ .‬وهو فارق‬ ‫دقيق يمكن أن يصبح حاسما في حشد الدعم الرئيس‬ ‫لألسد بين األقليات الدينية والطبقات الوسطى المدنية‪،‬‬ ‫والذين يرى العديد منهم تمرد الجيش السوري الحر‪،‬‬ ‫باعتباره نذيرا بانهيار مصالحهم‪.‬‬ ‫وتعج القنوات التابعة للدولة بدعاية صارخة موالية‬ ‫للجيش‪ .‬فهي تسعى لتصوير الجندي كمدافع ملتزم‬ ‫ومنكر للذات عن القيم السورية والحضارة في‬ ‫مواجهة «العصابات اإلرهابية المسلحة» التي‬ ‫تعرضت لغسيل المخ‪ ،‬والتي يمولها ويدربها األعداء‬ ‫الخارجيون‪ .‬حيث يتم بث أغاني تمجد فضائل المقاتل‪،‬‬ ‫وإعالنات تلفزيونية تشجع على التجنيد في األفرع‬ ‫المختلفة للقوات المسلحة‪.‬‬ ‫ففيما أصبح جزء رئيس من النشرات اإلخبارية‪،‬‬ ‫يظهر صحافيات شابات يرتدين سترات واقية في‬ ‫‪38‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫فقدان املعار�ضة �سيطرتها على‬ ‫اخلطاب الإعالمي جراء �صعود الف�صائل‬ ‫امل�سلحة وانح�سار دور الن�شطاء‬ ‫ال�سلميني �أ�ضعف اجلهود ال�سيا�سية‬ ‫التي قد بذلتها يف ك�سب تعاطف‬ ‫الغرب‪ ،‬حيث انتقل احلديث من جرائم‬ ‫الأ�سد بحق �شعبه �إىل م�س�ألة وجود‬ ‫تنظيم القاعدة �ضمن �صفوف الثوار‬ ‫مصاحبة الجيش السوري إلذاعة تقارير يومية من‬ ‫الخطوط األمامية التي تبرز انتصارات الجيش‬ ‫وتضحياته‪ .‬حيث يتضمن التقرير التقليدي حوارا‬ ‫مع «المدافعين عن البالد» الذين يؤكدون دائما‬ ‫أن معنوياتهم مرتفعة للغاية ويتعهدون بهزيمة‬ ‫اإلرهابيين أينما كانوا‪ .‬كما أنهم يذيعون لقاءات مع‬ ‫المدنيين المحليين الذين يعلنون تقديرهم للجيش‪ ،‬نظرا‬ ‫ألنهم أخرجوا «اإلرهابيين» من أحيائهم وأعادوا‬ ‫«األمن واألمان»‪ .‬وعادة ما تشتمل تلك التقارير‬ ‫على قصة إنسانية‪ ،‬مثل قصة حول مواطن في إحدى‬

‫ضواحي دمشق سرقه المتمردون وأعاد الجيش ماله‪،‬‬ ‫أو حول جندي طلب أن يعاد إرساله للجبهة من دون‬ ‫أن يقلق بشأن فقدانه لذراعه اليسرى في هجوم شنه‬ ‫«الجيش السوري الحر»‪ .‬وفي مثل تلك التقارير‪ ،‬كان‬ ‫يتم إجراء عمليات تجول في األحياء السكنية‪ ،‬عادة‬ ‫ما كانت تنتهي بمشاهد لمواطنين فخورين يهتفون‬ ‫«اهلل محيي الجيش» أو بصور لألطفال وهم يمنحون‬ ‫الجنود األبطال الحلوى أو أكوابا من الشاي والقهوة‪.‬‬ ‫ويحمل التعبير عن فكرة الجندي البطل شكال أكثر‬ ‫انطالقا على شبكة اإلنترنت‪ .‬فعلى الرغم من أن‬ ‫النظام كان أداؤه متراجعا على تلك الجبهة نظرا‬ ‫إلى جيوش المعارضة من نشطاء اإلنترنت‪ ،‬هناك‬ ‫عدد من قنوات «يوتيوب» التي يتم تحديثها يوميا‬ ‫من قبل مؤيدي النظام الذين يركزون حاليا على‬ ‫تمجيد الجيش السوري العربي‪ .‬من بين تلك القنوات‬ ‫قناة «‪ »SyriaTube‬التي سوف تجد عليها صورا‬ ‫ألحد قتلى مقاتلي الجيش السوري الحر بمصاحبة‬ ‫تعليقات نصية تقول‪« :‬تم الدعس بالحذاء العسكري‬ ‫على رقبة هذا اإلرهابي»‪ .‬وهناك مقطع فيديو آخر‬ ‫يشير إلى صف من دبابات الجيش السوري وسياراته‬ ‫وهي تسير لعدة أميال على خلفية موسيقية من فيلم‬ ‫«صالة لراحة حلم» ويحمل مقطع الفيديو عنوان‪:‬‬ ‫«حلب‪ :‬نحن قادمون»‪ .‬وهو تعبير جامح عن حالة‬ ‫فاشية عسكرية يستغلها بشار األسد لبناء أوهامه حول‬ ‫السلطة وحول استمراريته <‬


‫السوري الحر» إلى الجيش السوري في حلب‪.‬‬ ‫وكما أن «العربية» و»الجزيرة» تأثرتا بالثورة‪،‬‬ ‫فإنهما بطبيعة الحال كانتا في موقع يسمح لهما‬ ‫بالتأثير على الثورة‪ .‬من أهم تلك التأثيرات دورهما‬ ‫في إبراز قيادات معارضة معينة‪ ،‬فاسم عمار‬ ‫القربي أو برهان غليون لم يكن مألوفا لدى المواطن‬ ‫السوري قبل الثورة‪ ،‬ولكن بفضل هاتين القناتين‬ ‫أصبحا هما ورفاقهما في المعارضة «نجوما»‬ ‫على الساحتين اإلعالمية والسياسية‪« .‬الجزيرة»‬ ‫و»العربية» لم تشهرا قيادات وحسب‪ ،‬بل ساهمتا‬ ‫في تأطير مفهوم معين لما يحدث في سوريا من‬ ‫خالل تبني لغوي لعبارات مثل «تنسيقيات»‬ ‫و»شبيحة» و»الجيش النظامي»‪ ،‬األمر الذي‬ ‫«شرعن» استخدامها لدى نشطاء الثورة‪ ،‬وأصبح‬ ‫في صميم خطابهم اإلعالمي‪.‬‬

‫وطهران‪ .‬وقد أصبح موقفهم ضعيفا عندما أعلنت‬ ‫قطر عن موقفها وانضمت للسعودية والغرب في‬ ‫تحالف معاد لألسد‪ .‬وهو ما أدى إلى استقالة عدد‬ ‫من كبار العاملين بالجزيرة‪ ،‬أبرزهم‪ ،‬مدير مكتب‬ ‫بيروت‪ ،‬غسان بن جدو الذي اتجه لتأسيس قناة‬ ‫«الميادين» التي يقع مقرها في بيروت‪ ،‬وهي قناة‬ ‫إخبارية فضائية تمثل إضافة مهمة بالنسبة لجبهة‬ ‫وسائل اإلعالم السورية ‪ -‬اإليرانية‪.‬‬ ‫وقد بدأت القناة في يونيو (حزيران) عام ‪ 2012‬والتي‬ ‫تزعم تقديم نسخة صحافية «تلتزم بالقومية‪ ،‬والوحدة‬ ‫العربية‪ ،‬والقضايا اإلنسانية في إطار الحياد الصحافي‬ ‫المهني»‪ .‬وهي واحدة من القنوات القليلة التي يتم‬ ‫إرسال صحافييها برفقة قوات األسد‪ .‬وقد تعرضت‬ ‫مؤخرا النتقادات حادة من نشطاء المعارضة الذين‬ ‫اتهموها بتمرير معلومات حول مواقع «الجيش‬

‫في الحرب بين القنوات الفضائية‪ ،‬يمكنك القتال‬ ‫فقط إذا ظللت على الهواء‪ .‬وقد تم اتخاذ القرار‬ ‫في بداية شهر سبتمبر (أيلول) الماضي من قبل‬ ‫«عرب سات» و«نايل سات» بوقف بثهما لقناة‬ ‫سوريا الرسمية‪ ،‬في استجابة لتوجيهات الجامعة‬ ‫العربية‪ ،‬وهو ما مثل ضربة للجهود اإلعالمية‬ ‫للنظام السوري‪ .‬وعلى الرغم من أنه ما زال من‬ ‫الممكن مشاهدة التلفزيون الرسمي لسوريا أرضيا‪،‬‬ ‫فإن ذلك القرار يؤثر على مدى انتشاره ومكانته‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من وجود وسائل قانونية إلغالق‬ ‫القنوات الفضائية‪ ،‬وقعت قناة «الجزيرة» ضحية‬ ‫لوسيلة غير قانونية من قبل الجمهورية اإلسالمية‬ ‫أال وهي التشويش عليها‪ .‬ففي يناير (كانون الثاني)‬ ‫عام ‪ ،2012‬أعلنت «رويترز» أن التردد الذي‬ ‫تستخدمه قناة «الجزيرة» قد تعرض للتشويش‬ ‫في موقعين بإيران‪ ،‬وهو ما دفع القناة التي يقع‬ ‫مقرها بالدوحة إلى تغيير ترددها لمشاهدي‬ ‫«عرب سات»‪( .‬وكانت العربية وعدد من القنوات‬ ‫السورية المعارضة تتعرض للتشويش المنهجي‬ ‫من قبل مصادر إيرانية منذ سنوات)‪.‬‬

‫الجندي البطل والهجوم المضاد‬ ‫في حوار مع قناة روسية في مايو (أيار) الماضي‪،‬‬ ‫اعترف الرئيس السوري بشار األسد بأن نظامه‬ ‫كان يخسر الحرب اإلعالمية‪ ،‬ولكنه قال‪« :‬إن‬ ‫الحقيقة هي األهم»‪ ،‬وليس «الضالالت» التي‬ ‫تخلقها وسائل اإلعالم‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فإن تلك‬ ‫الضالالت هي المجال الرئيس لخبرة وسائل‬ ‫اإلعالم السورية الرسمية‪ .‬ونظرا لوعيه الكامل‬ ‫بأن القوة الجوية لقوات حلف شمال األطلسي‬ ‫هي الفيصل النهائي في الحروب األهلية العربية‪،‬‬ ‫ركزت االستراتيجية اإلعالمية لألسد أساسا على‬ ‫استعراض قدرته على االستمرار‪ ،‬حيث إنه يعتقد‬

‫أنه إذا ما استطاع أن يقنع عددا كافيا من شعبه‬ ‫والدول الغربية الرئيسة بأن القضاء عليه لن يتم‬ ‫بالبساطة التي تم بها القضاء على زمالئه األقل‬ ‫حظا‪ ،‬فإنه سوف يستطيع تحمل العاصفة‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من أن الرسائل التكتيكية للنظام‬ ‫تغيرت في كل مرحلة من مراحل النزاع‪ ،‬فقد ظلت‬ ‫الخطوط العريضة للرسائل التي يرسلها النظام‬ ‫ثابتة طوال الوقت‪ .‬فقد حددت المستشارة اإلعالمية‬ ‫لألسد‪ ،‬بثينة شعبان‪ ،‬النغمة العامة بعد خمسة أيام‬ ‫من اندالع أولى المظاهرات الحاشدة عندما أعلنت‬ ‫في مؤتمر صحافي أن سوريا تتعرض لهجوم‬ ‫«مؤامرة طائفية»‪ .‬فما زالت فكرة القوات األجنبية‬ ‫المعادية التي تحرك أطرافا داخلية لزعزعة‬ ‫االستقرار وتدمير البالد تحت شعارات ديمقراطية‬ ‫زائفة‪ ،‬تتمركز في قلب الخطاب اإلعالمي الواسع‬ ‫للنظام‪.‬‬ ‫ومنذ البداية‪ ،‬كانت الحملة اإلعالمية للنظام تعاني‬ ‫من أزمة مصداقية متزايدة‪ ،‬حيث إن إخفاقها‬ ‫في نقل التقارير حول المظاهرات الحاشدة التي‬ ‫تعج بها البالد‪ ،‬ومحاوالتها اإلساءة إلى سمعة‬ ‫المتظاهرين الملتزمين تماما بالقانون‪ ،‬قد أثار سخط‬ ‫العديد من مشاهديها‪ .‬ولم يكن لمحاوالتها المتكررة‬ ‫التي تهدف إلى تعزيز خطابها عبر تسجيالت سرية‬ ‫أو اعترافات تلفزيونية‪ ،‬عادة ما تصور أسلحة‬ ‫ومخدرات وكميات مصادرة من النقد األجنبي فقط‬ ‫تأثير محدود على المناطق التي كانت عازمة على‬ ‫إسقاط األسد‪ ،‬ولكنها ساهمت أيضا في دفع عدد‬ ‫من المحايدين إلى االنضمام للمظاهرات‪ .‬ولم تمنع‬ ‫المحاوالت المستمرة للقنوات الموالية للنظام إلبراز‬ ‫التقارير غير الدقيقة التي تبثها «القنوات المعادية»‬ ‫مثل الفقرة اليومية على قناة «الدنيا» والمعنونة‬ ‫بـ«كذب اإلعالم» والتي تكشف عن المعلومات‬ ‫الخاطئة التي يبثها «العدو»‪ ،‬حتى إن المتظاهرين‬ ‫كانوا يهتفون «اإلعالم السوري كاذب»‪.‬‬ ‫ربما يكون النظام قد خسر معركة التقارير الدقيقة‪،‬‬ ‫ولكن خطابه كان ال يزال حيا للغاية‪ .‬كما كانت لديه‬ ‫ميزة أساسية في مواجهة المعارضة‪ ،‬وهي أن آلته‬ ‫اإلعالمية كانت تخضع لسيطرة مركزية تتم من‬ ‫مكتب في القصر الرئاسي‪ .‬وقد حدث تغير ملحوظ‬ ‫في استراتيجية وسائل اإلعالم التابعة للنظام في‬ ‫أعقاب حصار «بابا عمرو» في فبراير (شباط)‬ ‫الماضي‪ .‬وفي ذلك الوقت‪ ،‬شن الجيش حملة واسعة‬ ‫النطاق تهدف إلى تحقيق انتصار عسكري كامل‬ ‫على المعارضة المسلحة التي تتزايد عدوانية‪.‬‬ ‫وعندما تزايد مستوى العنف‪ ،‬وتراجعت آمال النظام‬ ‫في تهدئة الجماهير من خالل إصالحات محدودة‪،‬‬ ‫تحولت وسائل إعالم النظام إلى هجوم مضاد شامل‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪37‬‬


‫قصة الغالف‬

‫«شهداء اإلعالم الحر»‪ ،‬ومن أشهرهم كانت‬ ‫ماري كولفن‪ ،‬مراسلة «صنداي تايمز»‪ .‬وأصبح‬ ‫المزيد من الشهداء يعني المزيد من مقاطع الفيديو‬ ‫للشهداء‪ ،‬والمزيد من األسباب لتحدي حكم األسد‪.‬‬ ‫فقد أصبح المتظاهرون الذين يخرجون بالماليين‬ ‫يهتفون بالشعار الذي أصبح شعارا عاما للربيع‬ ‫العربي‪« :‬الشعب يريد إسقاط النظام»‪.‬‬ ‫وكانت الوكاالت اإلخبارية التابعة للنشطاء تفحص‬ ‫الصور التي يلتقطها المصورون الهواة‪ ،‬عادة‬ ‫بكاميرات الهواتف الجوالة‪ ،‬بعناية بالغة لكي‬ ‫توائمها مع خطاب محدد‪ ،‬وهو أن البالد تشهد‬ ‫ثورة سلمية‪ ،‬وغير طائفية ينضوي تحت لوائها‬ ‫كافة السوريين‪ ،‬وتهدف إلى إنهاء الديكتاتورية‬ ‫الدموية وبداية عصر «الحرية والكرامة»‪ .‬لم يتم‬ ‫أبدا التساؤل حول ما تعنيه كل من الحرية والكرامة‬ ‫من منطلق سياسي عملي‪ ،‬وما التأثير الذي يمكن‬ ‫أن يحدث للبنى االجتماعية ـ االقتصادية القائمة‬ ‫بالفعل‪ .‬وكان خطاب المعارضة ناجحا بقدر ما‬ ‫تمكن من الحصول على التضامن العربي والدولي‪،‬‬ ‫ولكن في ظل انتقال الصراع إلى مرحلة الحرب‬ ‫األهلية‪ ،‬يصبح المدى الذي يمكن أن يظل إليه ذلك‬ ‫الخطاب صحيحا مسألة مطروحة للتساؤل‪.‬‬ ‫رفع السالح لمواجهة آلة القمع األسدية لم يشكل‬ ‫المعضلة اإلعالمية الوحيدة بالنسبة للمعارضة‪،‬‬ ‫فكما أن صور المقاتلين المناهضين للنظام التي‬ ‫انتشرت في وسائل اإلعالم أضعفت الخطاب الذي‬ ‫يتحدث عن سلمية الحراك الشعبي‪ ،‬فإن لجوء‬ ‫بعض الفعاليات اإلعالمية المعارضة للتحريض‬ ‫الطائفي أضر بالطابع المدني للثورة والتي لطالما‬ ‫تغنت به المعارضة‪ .‬قناة «أموي» على موقع‬ ‫«يوتيوب» مثال أصبحت القناة األكثر رواجا‬ ‫في نقل مقاطع مصورة لعمليات الجيش السوري‬ ‫الحر‪ ،‬وشعارها هو «لطرد االحتالل النصيري‪».‬‬ ‫ً‬ ‫مقبوال في بداية األمر‪ ،‬إال أن طبيعة‬ ‫لم يكن ذلك‬ ‫المعركة على األرض أفرزت انقساما طائفيا‬ ‫واضحا استغله مروجو كال الطرفين‪ ،‬األمر الذي‬ ‫من شأنه أن يكرس هذه الحالة في الفضاء اإلعالمي‬ ‫لفترة من الزمن‪ .‬فقدان المعارضة سيطرتها على‬ ‫الخطاب اإلعالمي جراء صعود الفصائل المسلحة‬ ‫وانحسار دور النشطاء السلميين أضعف الجهود‬ ‫السياسية التي قد بذلتها في كسب تعاطف الغرب‪،‬‬ ‫حيث انتقل الحديث من جرائم األسد بحق شعبه إلى‬ ‫مسألة وجود تنظيم القاعدة ضمن صفوف الثوار‪.‬‬ ‫ما أسهم في بناء هذا االنطباع هو المئات من‬ ‫المقاطع المصورة المحملة على االنترنت والتي‬ ‫تبدو مستوحاه من التجربة اإلعالمية لفصائل‬ ‫المقاومة العراقية‪ .‬المكتب اإلعالمي في “كتائب‬ ‫أحرار الشام” يتبع نمطا بات مألوفا في اإلخراج‪:‬‬ ‫يفتتح التسجيل بالبسملة ثم بإظهار شعار الكتيبة‬ ‫‪36‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫مصحوبا بصوت أزير أسود أو بصوت انفجارات‬ ‫وإطالق رصاص كثيف‪ ،‬يتبعها صور للعملية مع‬ ‫شرح المصور لما يدور على أرض المعركة‪،‬‬ ‫وعادة ما تحتوي تلك التسجيالت على أناشيد‬ ‫تحض على الجهاد وتختتم بعبارة “ال تنسونا من‬ ‫صالح الدعاء‪ ”.‬هذه التسجيالت نجحت في جلب‬ ‫الشهرة والمال للجيش الحر‪ ،‬وفي حين أنها لن‬ ‫تؤثر على عزيمة الدول العربية في االستمرار‬ ‫بدعم الجهود الرامية إلسقاط األسد‪ ،‬ولكنها من‬ ‫دون أدنى شك قد افقدت الثورة بريقها عند الغرب‪،‬‬ ‫فالثورة بالنسبة لساستها باتت مجرد حرب أهلية‬ ‫بين فصيلين مسلحين‪ .‬قد تنتصر قوى المعارضة‬ ‫في النهاية‪ ،‬ولكن حينها ستفرض ضرورات إعادة‬ ‫إعمار الدولة والمجتمع‪ ،‬بوصلة إعالمية جديدة‬ ‫تقوم على تمجيد الحياة وليس الموت‪.‬‬

‫الممانعة في مقابل االعتدال‬ ‫ما زالت ساحة الحرب الرئيسة في المعركة‬ ‫اإلعالمية‪ ،‬بالطبع‪ ،‬هي القنوات الفضائية‪ .‬في بداية‬ ‫االنتفاضة‪ ،‬كان لدى المعارضة السورية قناتان‬ ‫فضائيتان مواليتان‪« :‬بردى»‪ ،‬و«أورينت»‪.‬‬ ‫وفي الوقت نفسه‪ ،‬كان لدى النظام قنواته التي‬ ‫تديرها الدولة‪ ،‬كما كان يستطيع االعتماد على‬ ‫قناة «الدنيا» الخاصة‪ ،‬واالستعانة أيضا بعدد من‬ ‫القنوات التي تمولها إيران‪ .‬وقد ارتفع عدد القنوات‬ ‫الفضائية التابعة للمعارضة إلى تسع واشتملت على‬ ‫قنوات لها ميول دينية مثل قناة «شدا الحرية»‪،‬‬ ‫باإلضافة إلى القنوات المحلية التي تركز على‬ ‫النشاطات الثورية في منطقة محددة من سوريا مثل‬ ‫«حلب اليوم» و«قناة دير الزور»‪ .‬ولكن بالنسبة‬ ‫للمعارضة‪ ،‬كانت أهم وسائل االستقطاب من بين‬ ‫كافة تلك الوسائل قناتي «العربية» و«الجزيرة»‪،‬‬ ‫اللتين تحظيان بأعلى نسب مشاهدة في العالم‬ ‫العربي‪.‬‬ ‫ويعد قرار بعض الدول العربية دعم سقوط نظام‬ ‫األسد أهم تطور في الحرب اإلعالمية بين النظام‬ ‫والمعارضة‪ .‬بالنسبة لقناة «العربية»‪ ،‬جاءت نقطة‬ ‫التحول في أغسطس (آب) عام ‪ 2011‬عندما‬ ‫بثت القناة رسالة للعاهل السعودي يدين فيها «آلة‬ ‫القتل» لنظام األسد‪ ،‬ويدعو فيها القيادة السورية‬ ‫أن «تستخدم الحكمة قبل فوات األوان»‪ .‬وهو‬ ‫ما انعكس مباشرة على تغطية قناة «العربية»‬ ‫لالنتفاضة السورية‪ .‬ومما ال شك فيه أن احتفاء‬ ‫القناة بعد ذلك باالنتفاضة السورية قد رفع معنويات‬ ‫المعارضة‪ ،‬حيث أصبحت الشرعية السياسية‬ ‫التي تم إضفاؤها عليها من خالل ذلك االحتفاء‬ ‫التلفزيوني‪ ،‬هي الجائزة الحقيقية للمعارضة‪.‬‬ ‫وبانضمامهما للمعركة‪ ،‬اصطدمت “العربية”‬

‫و”الجزيرة” مباشرة مع نظيراتهما في «محور‬ ‫الممانعة»‪ ،‬وأصبح من المرجح حدوث نتائج غير‬ ‫متوقعة‪ .‬قناة «العربية» تمكنت من االستمرار‬ ‫دون أضرار تذكر‪ ،‬وهو ما يرجع أساسا إلى أن‬ ‫اإلدارة العليا بها تشتمل على صحافي في حجم‬ ‫عبد الرحمن الراشد‪ ،‬الذي ال يخفي في مقاالته‬ ‫الصحفية “عداءه” لنظام بشار األسد ورفضه‬ ‫صراحة لسياسة إيران في المنطقة‪.‬‬ ‫أما بالنسبة لقناة «الجزيرة»‪ ،‬فإن تأثير التغير‬ ‫المفاجئ للتوجهات التحريرية كان واضحا للغاية‪،‬‬ ‫حيث كانت القناة تشتهر‪ ،‬جزئيا‪ ،‬بوجود العديد‬ ‫من الصحافيين «الموالين للممانعة» في المناصب‬ ‫اإلدارية العليا بها والذين كانوا يستخدمون القناة‬ ‫للتعبير عن مواقفهم المناهضة ألميركا‪ ،‬وهو ما‬ ‫يلقى رواجا في العالم العربي‪ ،‬خاصة في دمشق‬


‫بعد عام من اندالع االنتفاضة السورية‪ ،‬قامت‬ ‫قناة «العربية» الفضائية بشيء استثنائي‪ ،‬فقد بثت‬ ‫تفاصيل دقيقة حول الرسائل اإللكترونية الخاصة‬ ‫بالرئيس السوري بشار األسد‪ ،‬والتي سربها‬ ‫قراصنة من المعارضة‪ .‬وقد احتوت الرسائل على‬ ‫معلومات حساسة حول الخطط األمنية للنظام‪،‬‬ ‫ووضع االقتصاد السوري‪ ،‬باإلضافة إلى تعليقات‬ ‫محرجة حول عمليات الشراء الباذخة التي تقوم بها‬ ‫أسماء األسد إلكترونيا‪ .‬وعلى الرغم من أن وسائل‬ ‫اإلعالم العربية كانت دائما ما تتجنب القصص‬ ‫التي تحمل هجوما شخصيا على الرؤساء العرب‪،‬‬ ‫فإن قناة «العربية» قد تخطت المحظور بما يشبه‬ ‫االقتراب من إعالن حرب‪.‬‬

‫فرضه النظام على دخول الصحافيين للبالد ـ لجأ‬ ‫المتظاهرون إلى وسائل اإلعالم االجتماعية لكي‬ ‫يصلوا إلى الصحافيين‪ .‬فربما يكون «تويتر»‬ ‫و«فيس بوك» قد لعبا دورا حيويا في الثورة‬ ‫المصرية‪ ،‬ولكن «يوتيوب» هو من يلعب دورا‬ ‫مؤثرا في االنتفاضة السورية‪ ،‬حيث إن طبيعة‬ ‫ذلك الموقع البصرية تجعله مثاليا في نقل القصص‬ ‫للقنوات الفضائية مثل «العربية» و«بي بي سي»‬ ‫العربية اللتين كانتا تتوقان للحصول على مقاطع‬ ‫مصورة للمظاهرات تضيفها إلى روايات شهود‬ ‫العيان‪.‬‬

‫كان النزاع السوري قد فاقم المعركة اإلعالمية‬ ‫بين المعسكرين المتعارضين في المنطقة‪ :‬ما‬ ‫يطلق عليه الدول العربية «المعتدلة»‪ ،‬و«محور‬ ‫الممانعة»‪ .‬فمن جانب‪ ،‬كانت القنوات الفضائية‬ ‫السورية المعارضة‪ ،‬والشبكات اإلخبارية التي‬ ‫تمولها دول عربية تؤيد االنتفاضة‪ ،‬وعلى الجانب‬ ‫اآلخر كانت هناك القنوات التابعة للنظام السوري‪،‬‬ ‫باإلضافة إلى تلك القنوات التي يمتلكها أو يمولها‬ ‫الحليف الرئيس للنظام السوري‪ ،‬إيران‪.‬‬

‫سجل الشهداء‪ :‬إعالم المعارضة‬ ‫لقد كان العنصر الرئيس الستراتيجية المعارضة‬ ‫السورية للنصر في مواجهة األسد‪ ،‬هو السيطرة‬ ‫على الخطاب اإلعالمي‪ .‬وكانت حساباتهم تعتمد‬ ‫على الدروس التي أفادوها من تونس ومصر وليبيا‬ ‫والتي كانت تشير إلى أنه إذا ما تم ضبط الخطاب‬ ‫اإلعالمي على النحو الصحيح‪ ،‬يمكن أن يتدخل‬ ‫الغرب لدعم «االنتفاضة الشعبية» لخلع الدكتاتور‬ ‫السوري بالقوة إذا ما كان ذلك ضروريا‪ .‬وكنتيجة‬ ‫لذلك‪ ،‬فإن ما بدأ كمظاهرات محدودة نظرا للمظالم‬ ‫المحلية في مدينة درعا الجنوبية‪ ،‬سرعان ما تطور‬ ‫إلى حركة تظاهر واسعة النطاق ضد األسد‪.‬‬ ‫بالنسبة لوسائل اإلعالم التابعة للمعارضة‪ ،‬كان‬ ‫الهدف الرئيسي هو الفوز بالتأييد الغربي والعربي‬ ‫عبر تقديم تغطية واسعة لحركة االحتجاج على‬ ‫شاشات التلفزيون ـ ومحاوالت النظام الوحشية‬ ‫لسحقها‪.‬‬ ‫وكان لذلك أهمية خاصة‪ ،‬أخذا في االعتبار أن‬ ‫الصحافيين األجانب الموجودين في سوريا لم‬ ‫يكن مسموحا لهم بزيارة المناطق التي تقع فيها‬ ‫المظاهرات‪ .‬وقد تم اعتقال وترحيل من حاول‪،‬‬ ‫مثل دوروثي بارفاز‪ ،‬الصحافية بقناة «الجزيرة»‬ ‫اإلنجليزية‪ .‬فلم يكن مسموحا سوى للصحافيين‬ ‫التابعين للنظام بأن يخبروا العالم ماذا يحدث‪ ،‬وكان‬

‫هؤالء الصحافيون يقولون إنه ال توجد مظاهرات‪.‬‬ ‫وكانت المعارضة ترد بنشر عاصفة من مقاطع‬ ‫الفيديو التي يصورها الهواة على شبكات اإلنترنت‬ ‫والتي تثبت العكس‪.‬‬ ‫ونظرا ألنه كان من قبل رئيسا للجمعية العلمية‬ ‫السورية للمعلوماتية‪ ،‬كان بشار األسد مدركا تماما‬ ‫إلمكانات اإلنترنت المؤثرة‪ .‬فأثناء رئاسته للبالد‪،‬‬ ‫كانت مواقع «فيس بوك» و«يوتيوب» و«تويتر»‬ ‫محظورة‪ ،‬باإلضافة إلى عشرات من المواقع‬ ‫اإللكترونية الخاصة بالمعارضة أو بالمستقلين‪.‬‬ ‫وكان النشطاء يواجهون ذلك من خالل االستعانة‬ ‫بخوادم الوكيل (‪ )proxy server‬وبرامج التجهيل‬ ‫لكي يعرقلوا المراقبة اإللكترونية‪ .‬ولكن في بلد‬ ‫ال يستطيع فيه سوى ‪ 17‬في المائة من السكان‬ ‫االتصال بشبكة اإلنترنت‪ ،‬تظل الشبكات الفضائية‬ ‫هي أكثر وسائط التواصل انتشارا‪ .‬فعادة ما ينبهر‬ ‫زائرو سوريا بعدد األطباق الفضائية على أسطح‬ ‫المنازل‪ ،‬والتي يستطيع السوريون من خاللها‬ ‫مشاهدة األخبار والتعليقات غير المراقبة‪ .‬ومن ثم‪،‬‬ ‫فإذا أرادت المعارضة توصيل رسالتها على النحو‬ ‫األمثل‪ ،‬عليها تقديم الصور لكي تتمكن من جذب‬ ‫اهتمام القنوات التلفزيونية الفضائية‪.‬‬ ‫وبدال من أن ينتظروا زيارة الصحافيين لهم ـ‬ ‫وهو ما كان شبه مستحيل نظرا للحظر الذي‬

‫ومع ذلك‪ ،‬فإن الرقابة التحريرية تعني وضع‬ ‫محاذير على استخدام المحتوى الذي ينتجه غير‬ ‫المتخصصين‪ ،‬ولذلك كانت القنوات اإلخبارية‬ ‫تحاول إضفاء مصداقية على مقاطع الفيديو عبر‬ ‫التأكيد على أنها ال تستطيع أن تتحقق تماما من‬ ‫مصداقيته‪ .‬وهو ما دفع النشطاء إلى إنشاء وكاالت‬ ‫إخبارية تتكون أساسا من مجموعات من الهواة‪،‬‬ ‫والشبان السوريين الماهرين في استخدام وسائل‬ ‫اإلعالم‪ ،‬وقد أنشأوا قنوات «يوتيوب» مثل شبكة‬ ‫«شام» اإلخبارية‪ ،‬وشبكة «فالش» اإلخبارية‪،‬‬ ‫و«أوغاريت»‪ ،‬وغيرها‪ .‬وتعد المهام الرئيسة‬ ‫لهذه الشبكات تلقي األفالم الخام‪ ،‬والتحقق من‬ ‫مصداقيتها‪ ،‬وتحريرها‪ ،‬ووضعها في سياق‬ ‫وتحويلها إلى فيلم صالح لالستخدام تشعر القنوات‬ ‫اإلخبارية بقدر أعلى من الثقة وهي تبثه‪.‬‬ ‫وقد أثبتت الطريقة التي استغلت بها وسائل‬ ‫اإلعالم صور القتلى أو المدنيين الذين يحتضرون‬ ‫وسيطرت عليها‪ ،‬أنها أكثر وسائل االستقطاب‬ ‫فعالية‪ .‬فقد كانت مذبحة «أزرع» التي وقعت‬ ‫على مقربة من درعا في ‪ 22‬أبريل (نيسان) عام‬ ‫‪ 2011‬لحظة فارقة في االنتفاضة السورية‪ .‬ففي‬ ‫ذلك المساء‪ ،‬بثت كافة المحطات اإلخبارية الرئيسة‬ ‫صورا تظهر أبا منهارا وهو يحمل جثة ابنه الذي‬ ‫أصيب بطلق ناري في الرأس‪ .‬وكان ذلك هو نوع‬ ‫الصور المخصص إلثارة استجابة انفعالية مباشرة‬ ‫من المشاهد‪ ،‬وقد نجح بالتأكيد في إقناع العديد من‬ ‫الشبان السوريين بالخروج للتظاهر التضامني‪.‬‬ ‫بعد ذلك بعدة أسابيع‪ ،‬تمت إعادة جثة حمزة‬ ‫الخطيب‪ 13 ،‬عاما‪ ،‬الذي كان قد تم اعتقاله‪ ،‬إلى‬ ‫أسرته وهي منتفخة وممتلئة بالكدمات‪ .‬وقد قالت‬ ‫أسرته إن المخابرات أمرتهم بالتزام الصمت‪،‬‬ ‫ولكنهم بدال من ذلك قاموا بتصوير عملية تشريح‬ ‫الجثة ورفعها على «يوتيوب»‪ .‬وكان هناك أطفال‬ ‫آخرون قد تعرضوا للتعذيب‪ ،‬مثل ثامر الشرعي‪،‬‬ ‫ومواطنين صحافيين أصيبوا بطلق ناري‪ ،‬مثل‬ ‫رامي السيد‪ ،‬باإلضافة إلى زعماء المظاهرات‬ ‫الذين تم نحرهم مثل إبراهيم قاشوش‪ .‬وحتى‬ ‫الصحافيين األجانب الذين قتلوا تم اعتبارهم‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪35‬‬


‫قصة الغالف‬

‫الثورة السورية‪ ..‬اإلعالم سالح االعتدال والممانعة!‬

‫حرب الف�ضائيات‬

‫بقلم‪ :‬مالك العبدة‬

‫خالل الت�سعة ع�شر �شهرا املا�ضية‪ ،‬قامت جيو�ش ال�صحافيني املحرتفني والن�شطاء الهواة من‬ ‫مع�سكرين �سيا�سيني مت�صارعني ب�شن حرب عرب موجات التلفزيون و�شبكات الإنرتنت‪ .‬وكانت‬ ‫و�سائل الإعالم التقليدية واحلديثة قد مت ا�ستخدامها يف تلك املعركة‪ ،‬كما �شن كال املع�سكرين‬ ‫حربا �إلكرتونية‪ .‬لقد كان �صداما بني خطابني متناق�ضني متاما‪.‬‬ ‫‪34‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬


‫قصة الغالف‬

‫الرقمي‪ :‬لبنان»‪ ،‬صدرت عن «مؤسسة المجتمع‬ ‫المفتوح» في عام ‪ 2012‬والتي شارك جاد مالكي‬ ‫من الجامعة األميركية ببيروت في إعدادها‪ ،‬عن‬ ‫أن «مالك وسائل اإلعالم في لبنان‪ ،‬يدركون أنها‬ ‫مسألة وقت قبل أن تصبح نماذج األعمال التقليدية‬ ‫بائدة»‪ .‬ومن ثم‪ ،‬فإنهم يتطلعون الستراتيجيات‬ ‫جديدة لخلق العائدات‪ .‬وفي الحقيقة‪ ،‬من المقرر أن‬ ‫يشهد لبنان قريبا تجربتين جديدتين في الصحافة‬ ‫الرقمية‪.‬‬ ‫«لبنان الجديد» هو موقع إلكتروني باللغة‬ ‫اإلنجليزية بدأ إلكترونيا في عام ‪ 2007‬من دون‬ ‫إعالنات‪ .‬وكان يموله في البداية أصحاب المصالح‬ ‫السياسية‪ ،‬ممولين من ائتالف ‪ 14‬آذار‪ ،‬ثم الحقا‬ ‫من قبل أصحاب المصالح المالية‪ ،‬وفقا لرئيسة‬ ‫تحريره‪ ،‬حنين غدار‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من شعبيته وأنه حافل بالقراء‪،‬‬ ‫فإنه لم يحقق أبدا عائدات‪ .‬وكانت هناك حاجة‬ ‫الستراتيجية جديدة‪ .‬وبعد أشهر من الدراسة‪ ،‬سوف‬ ‫يكشف الموقع عن شكله الجديد خالل أسابيع‪.‬‬ ‫فسوف يظهر بتصميم جديد وتوجهات جديدة‬ ‫ويوسع محتواه‪ ،‬باإلضافة إلى تقديم شريك جديد‬ ‫«أونالين» في شكل كيان تجاري يبيع المحتوى‬ ‫الرقمي‪ ،‬وفقا لغدار‪ ،‬التي أضافت أن الهدف هو‬ ‫أن يوفر الشريك التجاري ما يكفي من العائدات‬ ‫لمساندة العمل الصحافي لموقع «لبنان اآلن»‪.‬‬ ‫وفي الوقت نفسه‪ ،‬وفي بداية عام ‪ ،2013‬قال‬ ‫الصحافي سامر حسيني إنه سوف ينشئ نوعا‬ ‫جديدا من المواقع اإلخبارية‪ ،‬ال تحتفي بصحافة‬ ‫المواطن ولكنها تكافؤها‪.‬‬ ‫وسوف ينشر الموقع الذي أطلق عليه اسم‬ ‫«يكشف» تقارير حول األحداث الجارية من‬ ‫أشخاص مسجلين كمشاركين في الموقع «إنه‬ ‫مثل (تويتر)‪ ،‬حيث يستطيع الجميع أن تكون لهم‬ ‫صفحة كصحافيين إلكترونيين‪ ،‬ويمكنهم الحصول‬ ‫على نقاط في كل مرة تتم مشاهدة أخبارهم بها‪،‬‬ ‫أو يتم التعليق عليها أو مشاركتها‪ .‬وفي النهاية‪،‬‬ ‫سوف يجد المشاركون المنتظمون والذين يكتشف‬ ‫أن أخبارهم صادقة‪ ،‬عائدا ماديا مقابل النقاط التي‬ ‫حصلوا عليها»‪.‬‬ ‫والفكرة‪ ،‬وفقا للحسيني‪ ،‬هي «تقديم أخبار‬ ‫باستمرار من مواقع مختلفة وأشخاص مختلفين‬ ‫ووجهات نظر مختلفة‪ ..‬إنه شيء جديد يحدث في‬ ‫العالم العربي‪ .‬وسوف نرى أين يمكننا أن نذهب‬ ‫بعد ذلك»‪.‬‬ ‫وبالطبع سوف نتجه لإلعالن في النهاية‪ ،‬ولكن‬ ‫حتى يقف الموقع على قدميه‪ :‬ربما يأتي بعض‬ ‫‪32‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫المصدر‪ :‬نظرة على اإلعالم العربي ‪( 2011-2015‬نادي دبي للصحافة)‬

‫رجال األعمال لالستثمار في الموقع شريطة أال‬ ‫يكون هناك انحياز أو رقابة»‪.‬‬ ‫وهناك نماذج في أماكن أخرى بالمنطقة‪،‬‬ ‫حيث قدم «زوايا» نموذجا هجينا يطلق عليه‬ ‫«فريمام»‪ .‬ويقدم موقع األخبار المالية‪ ،‬والذي‬ ‫قامت «رويترز» بشرائه في بداية العالم الحالي‬ ‫للقراء بعض المعلومات مجانا‪ .‬ولكن إذا ما أرادوا‬ ‫معلومات أكثر عمقا أو أكثر شموال‪ ،‬فإنهم يجب‬ ‫أن يدفعوا في مقابلها‪ .‬ثم هناك «دبيزل» وهو يقدم‬ ‫فضاء لإلعالنات اإللكترونية‪ ،‬التي كانت تمثل من‬ ‫قبل مصدرا مستقرا للعائدات بالصحف المطبوعة‪.‬‬

‫ماذا عن المستقبل‬ ‫إذن ما الذي يحمله المستقبل للصحافة المطبوعة‬ ‫في العالم العربي‪ ،‬بعيدا عن المنافسة الشرسة لكي‬ ‫تصبح مبدعة ومرنة؟ بعد عشر سنوات من اآلن‪،‬‬ ‫وفقا لبارجافا‪ ،‬سوف تكون هناك عدد من الصحف‬ ‫المطبوعة‪.‬‬ ‫«سوف تستمر الصحف الرئيسة بالطبع في إصدار‬ ‫النسخة المطبوعة‪ ،‬ولكنها سوف تصبح أكثر نشاطا‬ ‫في الفضاء الرقمي‪ .‬وسوف تصبح التجربة متعددة‬ ‫البرامج للمستخدمين أكثر ثراء مما هي عليه اآلن‪.‬‬

‫وأنا متأكد أنني سوف أرى عددا أكبر من‬ ‫الصحافي المواطن الذي سوف يصبح «إن لم‬ ‫يكن منافسا‪ ..‬شكال إضافيا من الصحافة المهنية»‪.‬‬ ‫وسوف تقل أيضا عدد المجالت ومن ينجو منها‪،‬‬ ‫سوف يكون مقتصرا على الجماهير الخاصة‪.‬يقول‬ ‫دمشقي من «ليو بورنت» إن النجاح المستقبلي‬ ‫للصحافة المطبوعة‪ ،‬يعني أن تصبح متاحة على‬ ‫الهواتف الجوالة‪.‬‬ ‫«يجب أن توجد بها‪ .‬حيث إن معيار النجاح‬ ‫لمشاهدة المحتوى الرقمي اآلن‪ ،‬ليس كيف ستبدو‬ ‫على الالبتوب‪ ،‬ولكن كيف ستبدو على أجهزة مثل‬ ‫اآلي باد‪.‬‬ ‫أما بالنسبة للنموذج المالي في المستقبل‪ ،‬يقول‬ ‫دمشقي‪ ،‬إنه سوف يعتمد على العديد من العوامل‪،‬‬ ‫بما في ذلك االقتصاد العالمي‪ ،‬ومعدل انتشار‬ ‫أجهزة الجوال‪ ،‬وتكلفة االتصال باإلنترنت‬ ‫ومستويات الفقر في العديد من البلدان العربية‪.‬‬ ‫فيقول‪« :‬لكل تلك العوامل تأثير على ما سوف‬ ‫يحدث للصحافة المطبوعة‪ .‬فهل سوف تستمر في‬ ‫التقلص؟ بالطبع‪ ،‬نعم‪.‬‬ ‫والسؤال األهم هو‪ :‬بأي معدل؟ فهل سوف ينتج‬ ‫الشرق األوسط خالل األعوام الخمسة التالية معادال‬ ‫لـ(نيوزويك)؟ لست متأكدا‪ ،‬ولكنني لن أندهش»<‬


‫«إن الملكية الحكومية لن تعمل بالضرورة على‬ ‫تباطؤ التحول»‪ .‬مؤكدا أن المبادرة الحكومية‬ ‫في الخليج مثل المدن اإلعالمية والمناطق الحرة‬ ‫تستهدف تشجيع التوسع الرقمي‪.‬‬ ‫وبدوره يقول جوليان هواري‪ ،‬المدير التنفيذي‬ ‫بشركة «ميديا كويست» بدبي‪ ،‬إن الملكية هي أحد‬ ‫عوامل الثورة الكبرى التي تعد من أكبر التحديات‬ ‫المعاصرة التي تواجهها الصحف المطبوعة‪ .‬وذلك‬ ‫أن الدعم الحكومي «ربما ينجح لبعض الوقت‪،‬‬ ‫ولكن في النهاية‪ ،‬سوف تصبح العديد من الصحف‬ ‫في المنطقة غير مالئمة للعصر‪ ،‬ألن قضية‬ ‫الصحافة المطبوعة بسيطة للغاية‪ :‬فأنت تنشر‬ ‫أخبار األمس‪ ..‬وال أحد يرغب في االطالع عليها‪.‬‬ ‫والمشكلة هي أن نموذج الصحف المطبوعة يعتمد‬ ‫على ذلك‪ .‬وبالتالي فإما تغير هذا النموذج تماما‬ ‫لكي تبقى مواكبة أو سوف تواجه االنقراض»‪.‬‬ ‫وتعالج مالحظة هواري االختبار الرئيس الذي‬ ‫تواجهه الصحافة المطبوعة‪ :‬المنافسة مع العديد من‬ ‫مصادر األخبار على اإلنترنت‪ .‬فعلى سبيل المثال‪،‬‬ ‫هناك صحف إلكترونية مثل «سبق»‪ ،‬و«إيالف»‬ ‫ومدونات ومواقع للشبكات االجتماعية مثل «فيس‬ ‫بوك» ومحركات بحث مثل «ياهو» و«غوغل»‪،‬‬ ‫باإلضافة إلى المواقع اإللكترونية التي يتم تحديثها‬ ‫باستمرار بفيديوهات للقنوات التلفزيونية الدولية‬ ‫مثل «الجزيرة» و«بي بي سي» و«العربية»‪.‬‬ ‫ويجب أال ننسى النجم غير المتوقع «تويتر»‪ .‬يقول‬ ‫هواري‪« :‬ال يمكن أن تتحرك أية وكالة إخبارية‬ ‫أسرع من (تويتر)»‪.‬‬ ‫وليس فقط على الصحافة المطبوعة أن تفصل‬ ‫نفسها عن تلك المنافسات‪ ،‬ولكن عليها أيضا أن‬ ‫تعقد شراكات مع العديد من أشكال نشر المعلومات‬ ‫بوسائل تمكنها من خلق نماذج تمويل جديدة تحقق‬ ‫العائدات‪ .‬فكما قال تقرير «نظرة على اإلعالم‬ ‫العربي»‪« :‬لقد كانت المواقع مثل (تويتر) تمثل‬ ‫تهديدا وفرصة في الوقت نفسه بالنسبة للمنظمات‬ ‫اإلخبارية المحترفة‪ ،‬حيث تقدم إطارا لجذب‬ ‫الجمهور للمواقع اإلخبارية من جانب‪ ،‬وتشتت‬ ‫أعين تلك الجماهير عن المواقع المحترفة من جهة‬ ‫أخرى‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فإن المؤسسات اإلخبارية التي‬ ‫كانت قادرة على استخدام مواقع مثل «تويتر»‬ ‫بذكاء‪ ،‬لن تكون هي تلك المواقع التي سوف تفيد‬ ‫من الفرص التي تقدمها على المدى الطويل‪.‬‬

‫المشكالت والتحديات‬ ‫ولكن باإلضافة إلى تعزيز هويتها‪ ،‬وخلق تحالفات‬ ‫استراتيجية تكافلية‪ ،‬على الصحف المطبوعة‬ ‫أيضا أن تطور محتوى إلكترونيا مقنعا‪ ،‬وهو ما‬

‫المصدر‪ :‬نظرة على اإلعالم العربي ‪( 2011-2015‬نادي دبي للصحافة)‬

‫تفتقر إليه حتى اآلن‪ ،‬وفقا لمعظم خبراء اإلعالم‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من أن معظم الصحف لديها مواقع‬ ‫إلكترونية‪ ،‬فإن محتواها ليس متجددا وال مثيرا وال‬ ‫جذابا بما يكفي‪ ،‬وفقا للعديد من الخبراء‪ .‬فيجب أن‬ ‫تقدم التجربة اإللكترونية أكثر مما تقدمه النسخة‬ ‫المطبوعة من الصحيفة‪ .‬فيجب أن تصبح تفاعلية‪،‬‬ ‫ومتعددة الوسائط‪ ،‬كما يجب أن تقدم تطبيقات‬ ‫وخدمات للقراء‪.‬‬ ‫ويقول أرنولد فرشر‪ ،‬مؤسس شركة «تونك‬ ‫إنترناشيونال»‪ ،‬شركة اإلعالنات والتسويق‬ ‫بدبي‪« :‬كما يجب على المواقع اإلخبارية أيضا‬ ‫أن تقدم للمعلنين خيارات وفرص أكثر إبداعا مما‬ ‫تقدمه اآلن‪ .‬نحن نعاني تماما لكي نبيع اإلعالنات‬ ‫اإللكترونية‪ ،‬وهو ما يرجع جزئيا إلى أن الكثير من‬ ‫اإلعالنات على المواقع اإللكترونية للصحف‪ ،‬هي‬ ‫مجرد كلمات منقوشة على الصحيفة‪ .‬فهي مجرد‬ ‫ضوضاء‪ ،‬أو ملصقات جدارية ال تقدم أي شيء‬ ‫مثير‪.‬‬ ‫ولكن اإلعالنات اإللكترونية تعمل على نحو أفضل‬ ‫عندما تتخذ شكل األفالم أو الرسوم المتحركة‪،‬‬ ‫ولكن ذلك ليس ممكنا في معظم األحوال نظرا‬ ‫للمحدودية الفنية لتلك المواقع‪ ،‬سواء كانت القدرة‬ ‫على االتصال باإلنترنت غير قوية بما يكفي برامج‬ ‫تلك المواقع لدعم رفع أفالم الفيديو‪.‬‬ ‫ووفقا للعديد من الخبراء‪ ،‬فإنه باإلضافة إلى‬ ‫القصور التقني‪ ،‬هناك عامل سلبي آخر كان يعرقل‬ ‫تطور المحتوى الرقمي التنافسي وهو االفتقار‬

‫للمواهب المحلية‪ .‬يقول كمال دمشقي‪ ،‬المدير‬ ‫اإلقليمي لشركة «ليو بورنت» بدبي‪« :‬ليست هناك‬ ‫ثروة من المواهب ذات المعرفة والخبرة الرقمية‪،‬‬ ‫كالتي تجدها في الغرب»‪ .‬وأضاف مدير تنفيذي‬ ‫آخر باإلعالنات أنه كان مندهشا عندما سأله أحد‬ ‫العمالء‪ ،‬الذي يعمل كمدير للتسويق بإحدى كبرى‬ ‫الشركات‪« :‬هل لدي (يوتيوب) على حاسوبي؟»‪.‬‬

‫نماذج تمويل جديدة‬ ‫وفقا لبارجافا وزميله من شركة «بوز آند كومباني»‬ ‫في تقريرهما لعام ‪ 2011‬حول األخبار الرقمية‪،‬‬ ‫فإن الصحف والمجالت العربية ‪ -‬لكي تتمكن من‬ ‫استئناف مهمتها الصحافية في المستقبل ‪ -‬سوف‬ ‫تحتاج إلى أن «تفكر مليا فيما تستطيع أن تقدمه‪،‬‬ ‫باإلضافة إلى المحتوى حتى تقنع المستخدمين‬ ‫بالدفع»‪ .‬وأضاف التقرير‪« :‬هذا ليس قرارا سريعا‬ ‫وسهال‪ .‬فهو يتطلب تجديدا حقيقيا للمنتجات في‬ ‫العالم الرقمي ونماذج جديدة للتسعير لم يفكر بها‬ ‫سوى عدد محدود من الناشرين حتى اآلن»‪.‬‬ ‫وما زالت نماذج التمويل الناجحة التي تدر العائدات‬ ‫مراوغة نسبيا‪ ،‬نظرا ألن الشرق أوسطيين‪ ،‬على‬ ‫غرار الناس في كل مكان‪ ،‬يقاومون الدفع في‬ ‫مقابل المحتوى اإللكتروني‪ .‬فمن بين ‪ 500‬سعودي‬ ‫وإماراتي استطلعت شركة «بوز» آراءهم‪ ،‬أعرب‬ ‫‪ 74‬في المائة عن ترددهم في الدفع مقابل مثل ذلك‬ ‫النوع من المحتوى‪.‬‬ ‫كما كشفت دراسة بعنوان «وضع خارطة لإلعالم‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪31‬‬


‫قصة الغالف‬

‫العريضة» تتزايد يوميا في كل مكان بالمنطقة‪،‬‬ ‫حيث توفر اتصاال باإلنترنت أسرع وأرخص‬ ‫وأكثر استقرارا لمزيد من الناس‪ .‬كما أن أجهزة‬ ‫الهواتف الجوالة القادرة على الدخول على‬ ‫اإلنترنت في انتشار مستمر‪ .‬وإجماال‪ ،‬يمثل انتشار‬ ‫الهواتف الذكية في المنطقة نحو ‪ 18‬في المائة‪،‬‬ ‫وفقا للتقرير‪.‬‬ ‫وفي بعض البلدان‪ ،‬يمثل نسبة أعلى بكثير‪67.6 :‬‬ ‫في المائة في السعودية‪ ،‬و‪ 28‬في المائة في مصر‪.‬‬ ‫أما بالنسبة للمجالت‪ ،‬فإن حصتها من عائدات‬ ‫اإلعالنات تتراجع أيضا (من ‪ 6‬في المائة في عام‬ ‫‪ 2009‬إلى ‪ 5‬في المائة في ‪ )2011‬ولكن المجالت‬ ‫الموجهة لجمهور محدد‪ ،‬وفقا للتقرير‪ ،‬تتمتع‬ ‫باستقرار أكبر من الصحف «حيث تظهر صحف‬ ‫جديدة في مجاالت الموضة والمرأة»‪« .‬وما زالت‬ ‫المجلة المطبوعة تتمتع بجاذبية كبيرة لدى المعلنين‬ ‫في المنطقة»‪.‬‬

‫الصحف‪ ..‬المتنفس من األزمة‬ ‫وما زال االنخفاض في عائدات إعالنات الصحف‬ ‫أٌقل حدة من أنحاء العالم األخرى‪ ،‬وربما يستمر‬ ‫كذلك‪ .‬وهو ما يعود لعدد من األسباب‪ .‬أوال‪،‬‬ ‫وفقا لبارجافا‪ ،‬تحقق الصحف في المنطقة أرباحا‬ ‫من خالل التلفزيون العربي‪ .‬فعلى الرغم من أن‬ ‫هناك أكثر من قناة تلفزيونية مجانية‪ ،‬تهيمن عدة‬ ‫قنوات عربية على السوق مثل مجموعة «إم بي‬ ‫سي»‪ ،‬و«روتانا»‪ .‬وتهيمن هذه المحطات العربية‬ ‫الكبيرة على حصة األسد من الجمهور وعائدات‬ ‫اإلعالنات‪.‬‬ ‫ولدى التلفزيونات الوطنية األخرى‪ ،‬والتي تدير‬ ‫الدول أغلبها‪ ،‬عدد أقل من المشاهدين‪.‬وبالتالي‪،‬‬ ‫فعندما يرغب المعلنون المحليون الكبار‪ ،‬مثل‬ ‫البنوك وشركات االتصاالت‪ ،‬في إنشاء حمالت‬ ‫إعالنية وطنية (ليست على المستوى العربي)‪،‬‬ ‫فإنهم يلجأون للصحف‪.‬‬ ‫ووفقا لبارجافا‪ ،‬فإن ذلك أدى إلى وضع غريب‬ ‫حيث «يذهب أكثر من ‪ 60‬في المائة من النفقات‬ ‫اإلعالنية المحلية في بعض البلدان العربية‬ ‫للصحافة المطبوعة‪ ،‬وهو ما ال يحدث في أي مكان‬ ‫آخر بالعالم‪ .‬فعادة ما نجد التلفزيون والصحافة‬ ‫المطبوعة متقاربين إلى حد كبير‪ ،‬فيما يتعلق‬ ‫بحجم الحصة التي يحصلون عليها من المعلنين‬ ‫في البالد»‪.‬‬ ‫كما أن «ثقافة الصحافة» القوية سبب آخر في أن‬ ‫المعلنين يفضلون الصحافة المطبوعة‪ .‬تقول ماجدة‬ ‫‪30‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫المصدر‪ :‬نظرة على اإلعالم العربي ‪( 2011-2015‬نادي دبي للصحافة)‬

‫أبو الفضل‪ ،‬مديرة برنامج تدريب الصحافيين‬ ‫في بيروت‪« :‬ما زال هناك أناس يحبون شراء‬ ‫الصحف وإمساك الصحيفة بين يديهم»‪.‬‬ ‫فيما تقول سناء نفعة من شركة «الخليجية» و«بي‬ ‫آر كومباني» بلندن‪« :‬في الغرب‪ ،‬يبدأ الجميع‬ ‫يومهم بتصفح األخبار على الالبتوب‪ .‬ولكن هذه‬ ‫ليست عادة شائعة في الشرق األوسط‪ .‬ويدرك‬ ‫المعلنون أن البالغين ذوي القوة الشرائية ما زالوا‬ ‫يقرأون الصحف المطبوعة»‪.‬‬ ‫وثالثا‪ ،‬فإنه على الرغم من تزايد إمكانات‬ ‫«برودباند»‪ ،‬ما زال العديد من الناس يفتقرون‬ ‫للقدرة على الوصول السهل والسريع إلى اإلنترنت‪.‬‬ ‫فيقول فادي سالم‪ ،‬مدير برنامج الحوكمة واالبتكار‬ ‫بكلية دبي لإلدارة الحكومية‪« :‬ما زال هناك‬ ‫مستقبل للصحافة التقليدية والمطبوعة‪ ،‬أخذا في‬ ‫االعتبار أن الناس الذين لديهم قدرة على االتصال‬ ‫باإلنترنت ليسوا األغلبية بعد»‪.‬‬ ‫وهذا هو الحال في مصر‪ ،‬حيث إن انتشار‬ ‫«برودباند» أقل بكثير من انتشاره في دول الخليج‪،‬‬ ‫ومن ثم سوف يستمر الناس في قراءة الصحف‬ ‫المطبوعة لفترة قادمة‪ .‬فيقول خالد عمر‪ ،‬الصحافي‬ ‫بـ«المصري اليوم»‪ ،‬أكبر الصحف المصرية‬ ‫اليومية من حيث التوزيع (‪ 250‬ألف نسخة)‪:‬‬ ‫«حتى الشبان ما زالوا يقرأون الصحف المطبوعة‬ ‫بانتظام‪ ،‬خاصة وهم في طريق عودتهم من العمل‬ ‫إلى المنزل‪.‬‬ ‫هم مهتمون للغاية بالسياسة وال يستطيعون‬ ‫الحصول على القدر الكافي من المعلومات من‬ ‫خالل اإلنترنت»‪.‬‬

‫دور رأس المال‬ ‫يقول بعض المحللين إن هناك سببا آخر في أن‬ ‫العديد من الصحف العربية المطبوعة ال تعاني‬ ‫من أزمة حقيقية‪ ،‬مقارنة بنظيراتها الغربية‪ ،‬وهو‬ ‫أن العديد من تلك الصحف تحصل على دعم من‬ ‫الحكومات أو من جماعات ذات صالت سياسية أو‬ ‫أفراد أثرياء‪ ،‬وبالتالي فهم محصنون ضد انخفاض‬ ‫عائدات اإلعالنات‪.‬‬ ‫ويقول جاد مالكي‪ ،‬مدير برنامج الدراسات‬ ‫اإلعالمية بالجامعة األميركية ببيروت‪« :‬يعد هذا‬ ‫العامل وثيق الصلة بكيفية تطور النماذج المالية‬ ‫للصحافة المطبوعة‪ .‬فمن المهم أن نؤكد أن ذلك‬ ‫النموذج المالي في العالم العربي‪ ،‬وخاصة في لبنان‬ ‫كان يعتمد على المال الذي يأتي لدعم تلك الصحف‬ ‫وليس على اإلعالنات‪ .‬فمعظم تلك األموال‬ ‫سياسية‪ ..‬سواء تأتي مباشرة من الحكومة‪ ،‬أو على‬ ‫نحو غير مباشر من الحكومة عبر اإلعالنات على‬ ‫سبيل المثال‪ ،‬أو يأتي من الجماعات السياسية‪ .‬ففي‬ ‫لبنان‪ ،‬هناك قدر كبير من المال يأتي من الخارج‬ ‫من مصادر سياسية‪ ،‬ومن حكومات أجنبية‪ ..‬وكان‬ ‫ذلك النموذج للتمويل موجودا منذ فترة»‪.‬‬ ‫ولكن هل سيمنع هذا النموذج للتمويل شركات‬ ‫الصحافة المطبوعة من تبني استراتيجيات جديدة‬ ‫للعصر الرقمي؟ سوف يظل هذا السؤال مفتوحا‪.‬‬ ‫وقد ذكر بارجافا أن الشركات اإلعالمية التي توجد‬ ‫باالعتماد على العائدات التجارية‪ ،‬وال تحصل على‬ ‫أي دعم هي تلك التي تتحول إلى اإلصدار الرقمي‬ ‫على نحو أسرع‪.‬‬ ‫ولكن سانتينو ساغوتو من «ديليوت» والذي ساعد‬ ‫في إعداد تقرير «نظرة على اإلعالم العربي» قال‬


‫وبخالف نظيرتها الغربية‪ ،‬ما زال أداء معظم‬ ‫الصحف العربية والعديد من المجالت جيدا إلى‬ ‫حد ما‪ .‬فعلى الرغم من أن عائدات اإلعالنات‬ ‫انخفضت خالل األعوام الماضية‪ ،‬فإنها لم تنخفض‬ ‫بقدر يسفر عن أزمة‪ .‬فما زال متابعو األخبار في‬ ‫الشرق األوسط يحبون تصفح الصحيفة المحببة‬ ‫إليهم‪ ،‬وهم يتناولون فنجان القهوة الصباحي‪ .‬وما‬ ‫زالت المجالت النسائية ذات الصحف البراقة‬ ‫تتصدر مبيعات أكشاك الصحف‪ .‬وحتى اآلن‪،‬‬ ‫لم تدخل الثورة الرقمية الصحف المطبوعة في‬ ‫منافسة شرسة مع محتوى «أون الين» بما يكفي‬ ‫إلزعاج نوم المحررين‪ .‬ولكن المستقبل مسألة‬ ‫مختلفة‪.‬‬

‫العاصفة القادمة‬ ‫ليست الصحافة المطبوعة في العالم العربي‬ ‫محصنة تجاه الثورة الرقمية‪ .‬فعلى الرغم من أن‬ ‫الثورة الرقمية تؤثر على المطبوعات في الشرق‬ ‫األوسط ببطء أكثر من تأثيرها على الغرب‪،‬‬ ‫فإنها بدأت تغير طريقة جمع األخبار ونقلها‪ ،‬وفقا‬ ‫للحوارات التي تم إجراؤها مع المحررين العرب‬ ‫والمستشارين اإلعالميين‪.‬‬ ‫وما زال لم يتضح بعد كيف يمكن لهذا أن يؤثر‬ ‫على النموذج المالي الحالي للصحافة المطبوعة‪،‬‬ ‫والذي يعتمد على اإلعالنات‪ .‬ولكن المؤكد‪ ،‬وفقا‬ ‫لهؤالء الخبراء‪ ،‬أنه إذا رغبت الصحف المطبوعة‬ ‫في أن تنجو من العاصفة القادمة‪ ،‬عليها أن تبدأ‬ ‫على الفور في تجربة المحتوى الرقمي الجديد‪،‬‬ ‫واستكشاف أساليب جديدة للوصول إلى القراء‬ ‫وتحقيق العائدات‪.‬‬ ‫يقول جايانت بارجافا أحد مديري شركة «بوز‬ ‫آند كومباني»‪« :‬مما ال شك فيه أن المستقبل‬ ‫رقمي‪ ،‬حتى وإن استغرق وقتا أطول حتى يصل‬ ‫إلى الشرق األوسط مما استغرقه في أنحاء العالم‬ ‫األخرى»‪ .‬ويتحدث تقرير نشرته شركة «بوز»‬ ‫في ‪ 2011‬ساعد بارجافا في إعداده بعنوان‪:‬‬ ‫«وصول األخبار الرقمية لدول مجلس التعاون‬ ‫الخليجي» حول «الخطر الرقمي الزاحف» على‬ ‫الصحافة المطبوعة في المنطقة‪.‬‬ ‫وفي استطالع آلراء أكثر من ‪ 500‬قارئ في‬ ‫المملكة العربية السعودية ودولة اإلمارات‪،‬‬ ‫اكتشف تقرير «بوز» أن نحو ‪ 76‬في المائة قد‬ ‫حدوا أو توقفوا تماما عن قراءة الصحف المطبوعة‬ ‫واستبدلوها بالمحتوى اإللكتروني‪ .‬وأخذا في‬ ‫االعتبار تلك النتيجة المنذرة‪ ،‬حذر التقرير من أن‬ ‫وسائل اإلعالم التقليدية «يجب أن تستعد الحتمالية‬ ‫خسارة حصة من العائدات التي تحققها حاليا»‪.‬‬

‫المصدر‪ :‬نظرة على اإلعالم العربي ‪( 2011-2015‬نادي دبي للصحافة)‬

‫وأضاف التقرير أن ذلك ليس بالعملية السهلة أخذا‬ ‫في االعتبار أن «المشهد الرقمي ما زال يتطور‪،‬‬ ‫وأن النموذج المالي الحالي يجب أن يتم تغييره‬ ‫تماما»‪.‬‬ ‫وبدوره‪ ،‬يقول محمد الفال‪ ،‬نائب رئيس تحرر‬ ‫صحيفة «عكاظ» التي تصدر في جدة‪ ،‬وهي من‬ ‫الصحف األكثر قراءة في المملكة حيث يبلغ معدل‬ ‫توزيعها اليومي ‪ 150‬ألف نسخة‪« :‬إنهم يشعرون‬ ‫بالخطر القادم في األيام المقبلة»‪ .‬لكن المؤسسات‬ ‫اإلعالمية ليست غافلة عما يحدث‪ ،‬فهي ترى‬ ‫الخطر المحدق بها في األيام المقبلة‪.‬‬ ‫ويقول الفال إن وسائل اإلعالم اإللكترونية تحظى‬ ‫بقدر قليل من اهتمام المعلنين السعوديين‪ ،‬الذين‬ ‫ما زالوا يفضلون أن ينفقوا معظم أموالهم على‬ ‫الصحف المطبوعة والتلفزيون‪ .‬ولكنه أضاف‪:‬‬ ‫«أعتقد أن هذه التوجهات سوف تتغير سريعا‪ .‬فال‬ ‫يمكن أن تستمر على هذا المنوال»‪.‬‬

‫منافسة بين الرقمي والمطبوع‬

‫اإلعالنات بالمنطقة قد انخفضت منذ عام ‪2007‬‬ ‫(أصبحت تمثل ‪ 39‬في المائة في عام ‪)2009‬‬ ‫ومن المتوقع أن تستمر في التقلص ـ إلى نسبة ‪31‬‬ ‫في المائة في عام ‪ .2015‬وكان توزيع الصحف‬ ‫المطبوعة أيضا يتباطأ‪ ،‬وقد سجل أقل زياداته في‬ ‫عام ‪ .2011‬فيقول التقرير‪« :‬ما زال عدد الصحف‬ ‫المطبوعة قليال إلى حد ما‪ ،‬على الرغم من تزايد‬ ‫األنشطة التي نجمت عن إصدار صحف جديدة‪،‬‬ ‫وإغالق صحف سابقة والتحول المستمر إلى‬ ‫الصحافة اإللكترونية»‪.‬‬ ‫وفي الوقت نفسه‪ ،‬حصلت الصحافة اإللكترونية‬ ‫على نسبة ‪ 4‬في المائة فقط من عائدات اإلعالنات‬ ‫في ‪ .2011‬ومع ذلك فإن مستقبلها مشرق‪ ،‬فوفقا‬ ‫للتقرير‪ ،‬الصحافة الرقمية هي «أسرع البرامج‬ ‫نموا في المنطقة» ومن المتوقع أن تتزايد حصتها‬ ‫من اإلعالنات إلى ‪ 10‬في المائة بحلول عام ‪2015‬‬ ‫ـ وهي زيادة سوف تكون على حساب «الصحافة‬ ‫المطبوعة»‪ .‬وبالمقارنة‪ ،‬فإن حصة الصحافة‬ ‫الرقمية في ‪ 2011‬من النفقات اإلعالنية‪ ،‬بلغت‬ ‫‪ 32.3‬في المائة في المملكة المتحدة و‪ 6.8‬في‬ ‫المائة في الواليات المتحدة‪.‬‬

‫وفقا لتقرير نظرة على اإلعالم العربي ‪2011-‬‬ ‫‪ ،2015‬الذي نشره نادي صحافة دبي في بداية‬ ‫العام الحالي بالتعاون مع «ديليوت آند توش»‪،‬‬ ‫حصل التلفزيون على الحصة األكبر من اإلنفاق‬ ‫على اإلعالنات في عام ‪ ،2011‬والتي كانت تمثل‬ ‫‪ 40‬في المائة‪ ،‬تلته الصحف المطبوعة التي كانت‬ ‫تمثل ‪ 37‬في المائة‪.‬‬

‫وتعد األسباب التي سوف تجعل ما يطلق عليه‬ ‫«البرنامج الرقمي» يستحوذ على المزيد من‬ ‫عائدات اإلعالنات واضحة للغاية‪ .‬فأوال‪ ،‬يعد‬ ‫الشرق األوسط منطقة شابة‪ ،‬حيث إن ‪ 53‬في المائة‬ ‫من سكانه أقل من ‪ 25‬سنة‪ .‬وعادة ما يشعر الشباب‬ ‫بالراحة في تصفح األخبار والتفاعل اإللكتروني‪.‬‬

‫واألهم‪ ،‬هو أن حصة الصحف من عائدات‬

‫وثانيا‪ ،‬فإن إمكانات البرودباند «الموجات‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪29‬‬


‫قصة الغالف‬

‫تحديات صناعة النشر في الشرق األوسط‬

‫م�ستقبل ال�صحافة‬ ‫بقلـم‪ :‬كاريل مورفي‬

‫يف ظل الزخم الذي اكت�سبته الثورة الرقمية يف العامل العربي‪ ..‬هل ت�ستطيع ال�صحافة املطبوعة‬ ‫مواجهة التحدي؟ �س�ؤال �أ�صبح ملحا يف ظل تراجع الإقبال على ال�صحف واملجالت الورقية ومع‬ ‫توفر و�سائل التقنية احلديثة التي جتعل املعلومة يف متناول اليد ومتوفرة “دون عناء” عرب‬ ‫�أجهزة متطورة اقتحمت العقول قبل البيوت واملكاتب‪.‬‬ ‫لعشق الصحف المطبوعة تاريخ طويل في‬ ‫الشرق األوسط‪ ،‬حيث بدأت الصحف في الظهور‬ ‫في بداية القرن التاسع عشر‪ ،‬كصحف حكومية‬ ‫في بعض األحيان لنشر األخبار الرسمية‪ .‬وكان‬ ‫ذلك هو الغرض من إصدار صحيفة «الوقائع‬ ‫المصرية»‪ ،‬وهي صحيفة مصرية رسمية‬ ‫خرجت للوجود عام ‪ 1828‬زمن محمد علي‪،‬‬ ‫حاكم مصر آنذاك‪ .‬ثم بدأت الصحف الخاصة‬ ‫في الظهور في بغداد والقاهرة وبيروت وغيرها‬ ‫من المدن العربية في الفترة نفسها تقريبا‪ .‬حيث‬ ‫ظهرت صحيفة «األهرام»‪ ،‬التي ما زالت صحيفة‬ ‫مصرية مرموقة‪ ،‬في عام ‪ .1875‬وكانت المملكة‬ ‫العربية السعودية رائدة في صناعة الصحافة في‬ ‫‪28‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫منطقة الخليج من خالل صحف مثل «المدينة»‬ ‫و«البالد» اللتين بدأتا في الثالثينات من القرن‬ ‫المنصرم‪ .‬وقد أدى ارتفاع عائدات البترول في‬ ‫السبعينات من القرن الماضي إلى توسع المملكة‬ ‫في مجال الصحافة المطبوعة‪ ،‬حيث أصبح لديها‬ ‫اآلن نحو ‪ 12‬صحيفة وطنية‪ .‬باإلضافة إلى أن‬ ‫السعوديين يمتلكون اثنتين من الصحف العربية‬ ‫المرموقة التي يقع مقرها في لندن وهما‪« ،‬الشرق‬ ‫األوسط» و«الحياة»‪.‬‬ ‫وحاليا هناك نحو ‪ 200‬صحيفة في العالم العربي‪،‬‬ ‫معظمها يصدر باللغة العربية‪ ،‬فيما يصدر ربعها‬ ‫باللغتين الفرنسية واإلنجليزية‪ .‬ووفقا لتقرير‬

‫«نظرة على اإلعالم العربي»‪ ،‬فإن إجمالي توزيع‬ ‫الصحف في المنطقة العربية في عام ‪2012‬‬ ‫بلغ ‪ 12.8‬مليون نسخة‪ .‬وسوف تحقق الصحف‬ ‫نحو ‪ 1.7‬مليار دوالر من اإلعالنات خالل العام‬ ‫الحالي‪ ،‬من إجمالي النفقات اإلعالنية في العالم‬ ‫العربي والذي يبلغ ‪ 4.7‬مليار دوالر‪.‬‬ ‫وبالمقارنة‪ ،‬فإن عدد مستخدمي «فيس بوك» في‬ ‫العالم العربي تضاعف ثالث مرات في العامين‬ ‫الماضيين‪ ،‬حتى وصل في يونيو (حزيران)‬ ‫الماضي إلى ‪ 45.2‬مليون مستخدم‪ ،‬وفقا «لتقرير‬ ‫اإلعالم االجتماعي العربي» الذي تصدره كلية دبي‬ ‫لإلدارة الحكومية و«برنامج الحوكمة واالبتكار»‪.‬‬


‫وهذا مفهوم‪ ،‬فروابط األيديولوجيا وأماني انتقال‬ ‫الحالة لبلدانهم تمأل عقولهم قبل عواطفهم‪ ..‬لكن‬ ‫بعض المثقفين ألقى تاريخه القديم وراء ظهره‬ ‫بحثا عن الشعبوية‪ ،‬وبعض اإلعالميين إما‬ ‫عاوده الشوق اإلخواني القديم‪ ،‬أو أنه خضع‬ ‫لسلطة الجماهير وأسلم قياده لها‪ ،‬والمبررات‬ ‫حاضرة‪ ،‬فحجم الشعارات المرفوعة اليوم تمكن‬ ‫كثيرا منهم من االختباء تحتها للتعبير عما يُنيل‬ ‫مزيدا من الشعبوية‪ ،‬أو يبحث عن مكان تحت‬ ‫شمس اإلخوان الجديدة»‪.‬‬ ‫النقد الفكري المستمر من قبل بعض الكتاب‬ ‫الليبراليين المتواصل للفكر اإلخواني‪ ،‬حول أثر‬ ‫(اإلخوان المسلمين‪ ،‬وخطر وصولهم للسلطة‬ ‫بعد الربيع العربي) باإلضافة إلى الزخم الذي‬ ‫أحدثته تصريحات وزير الخارجية اإلماراتي‬ ‫الشيخ عبداهلل بن زايد التي قال فيها بأن‬ ‫(اإلخوان) ال يحترمون السيادة الوطنية للدول‪،‬‬ ‫ويسعون الختراق هيبتها وقوانينها‪ ،‬رافقتها‬ ‫تصريحات نارية من رئيس شرطة دبي في‬ ‫اإلمارات العربية المتحدة ضاحي خلفان الذي‬ ‫شن هجوماً عنيفاً على تنظيم اإلخوان المسلمين‬ ‫في مصر‪ ،‬وأتباعهم في الخليج‪.‬‬ ‫هذه الحملة النقدية للحركات اإلسالمية لما‬ ‫بعد الربيع العربي لم تثر حفيظة وغضب‬ ‫اإلسالميين فحسب‪ ،‬بل أثارت امتعاضاً ورفضاً‬ ‫من كتاب ومحللين محسوبين على التيار‬ ‫الليبرالي السعودي‪ .‬ففي مقاله بصحيفة عكاظ‬ ‫الذي جاء بعنوان (هلكتونا باالخوان) تحدث‬ ‫الكاتب السعودي خلف الحربي ‪ -‬وهو كاتب‬ ‫محلي ينتمي للتيار الليبرالي‪ ،‬يهتم بقضايا‬ ‫الخدمات وإشكاليات المواطنين وتحظى مقاالته‬ ‫بمتابعة عالية ‪ -‬عن «بعض المثقفين والصحفيين‬ ‫المنافقين الذين تخصصوا هذه األيام في تضليل‬ ‫الشارع العربي وإلصاق أي تهمة باإلخوان‬ ‫المسلمين»‪ ،‬ويضيف ساخراً « فكرت بأن أصبح‬ ‫أخونجيا ليس لقناعة بفكر اإلخوان المسلمين‬ ‫ولكن عناداً لهؤالء الصحفيين»‪.‬‬ ‫ويرى الحربي في مقاله المنشور في اكتوبر‬ ‫‪ 2012‬أن اإلخوان المسلمين ليسوا مخلوقات‬ ‫فضائية بل هم ينتمون إلى واحد من أكبر‬ ‫وأقدم األحزاب السياسية في الوطن العربي‪،‬‬ ‫ومهما اختلفنا معهم إال أن هذا ال يلغي أنهم‬ ‫قدموا مجموعة ال يستهان بها من السياسيين‬ ‫والمفكرين ورجال االقتصاد في كافة أنحاء‬ ‫العالم العربي‪ ،‬وقد دفعوا أثمانا غالية من أجل‬ ‫الحفاظ على وجودهم خصوصا في مصر‬ ‫وسوريا‪ ،‬ولو تقاعس اإلخوان عن مناصرة‬ ‫القضايا التي تشغل الشارع العربي اليوم‬ ‫ألتهمهم الناس بالنفاق والدجل‪ ،‬وهم في كل‬

‫خلف احلربي‪ :‬بع�ض املثقفني وال�صحفيني املنافقني‬ ‫تخ�ص�صوا هذه الأيام يف ت�ضليل ال�شارع العربي و�إل�صاق‬ ‫�أي تهمة بالإخوان امل�سلمني‪ ،‬فكرت ب�أن �أ�صبح �أخوجنيا‬ ‫لي�س لقناعة بفكر الإخوان امل�سلمني ولكن عناداً له�ؤالء‬ ‫ال�صحفيني‪ ...‬الإخوان قدموا جمموعة من ال�سيا�سيني‬ ‫واملفكرين ورجال االقت�صاد يف العامل العربي‪ ،‬ودفعوا‬ ‫�أثمانا غالية من �أجل احلفاظ على وجودهم‪.‬‬ ‫ثورات الربيع العربي وقفوا في ذات المكان‬ ‫الذي يقف فيه الليبراليون والسلفيون وبقية‬ ‫التيارات األخرى فكيف يكون عملهم شريرا‬ ‫وعمل غيرهم بطوليا؟!‪».‬‬ ‫لكن مشاري الذايدي في مقال سابق له ‪ -‬نشر‬ ‫في يونيو ‪ - 2012‬وكأنه يرد على هذه األفكار‬ ‫المتذمرة من نقد اإلخوان‪ ،‬يقول‪« :‬إن جولة‬ ‫موجزة بهدوء في تاريخ وأدبيات «اإلخوان»‪،‬‬ ‫كافية للتنور والفهم‪ ،‬عوضاً عن التسمر على‬ ‫شاشات الـ«آي باد» والـ«آي فون» لمتابعة‬ ‫ثرثرات «تويتر»‪ ،‬أو الفضائيات الخفيفة»‪.‬‬ ‫يضيف الذايدي‪«« :‬اإلخوان» يدركون هذه‬ ‫الهشاشة ويعملون على استثمارها‪ ،‬بما فيه‬ ‫استثمار الشعارات المدنية الفضفاضة لخلق‬ ‫«جبهة» من التحالفات تغطي على النواة‬ ‫اإلخوانية الصلبة‪ ،‬التي ال تظهر إال لحظة‬ ‫االستحقاق السلطوي وتوزيع المغانم»‪.‬‬ ‫وفي ظل هذا الهجوم الالذع على اإلخوان‬ ‫المسلمين‪ ،‬وصعودهم في الربيع العربي كتبت‬ ‫ً‬ ‫مقاال معاكساً في نوفمبر ‪2011‬‬ ‫بدرية البشر‬ ‫أشادت فيه بأفكار الشيخ راشد الغنوشي زعيم‬ ‫حركة النهضة اإلخوانية بتونس وقالت‪:‬‬ ‫«المبادئ التي أطلقها راشد الغنوشي ظننت‬ ‫أنني وحدي من سيحترمها‪ ،‬لكنني فوجئت‬ ‫بشيوخ ودعاة وطلبة علم شرعي يهللون مثلي‬ ‫لراشد الغنوشي‪ ،‬لماذا قبلوا من راشد الغنوشي‬ ‫القيم والمبادئ التي تحترم الحريات واألقليات‬ ‫وحقوق المرأة‪ ،‬واعتبروه المسلم الحق الذي‬ ‫يستحق الدعم والتأييد‪ ،‬وحين قلنا ربع ما قال‬ ‫صرنا الليبراليين العلمانيين‪ ،‬طيب ممكن‬ ‫تعتبروني بدرية «الغنوشي»»‪.‬‬ ‫ويتساءل الدكتور عبدالرحمن الحبيب في‬

‫خلف احلربي‬

‫مقال له بصحيفة الجزيرة في نوفمبر ‪2011‬‬ ‫ً‬ ‫قائال‪« :‬ما الذي يجعل ليبراليين يتخوفون من‬ ‫نجاح اإلسالميين المعتدلين رغم أنهم أتوا بآلية‬ ‫الديمقراطية الليبرالية؟»‪ .‬يجيب الحبيب‪« :‬إنها‬ ‫الخصومة التي جعلت من ليبراليين ال يرون‬ ‫ً‬ ‫مدخال للتطرف واالستبداد‪.‬‬ ‫في هذا النجاح إال‬ ‫إال أن األحزاب ذات الواقعية السياسية أدركت‬ ‫نتائج الربيع العربي الذي غير المشهد السياسي‬ ‫برمته‪ ،‬وركزت على االستحقاق االنتخابي‬ ‫متجهة نحو قضايا شعوبها األساسية لتحسين‬ ‫معيشتها وحقوقها تاركة متشددي السلفية‬ ‫والعلمانية يتناحرون في خطابهم األيديولوجي»‪.‬‬ ‫لكن الكاتب عبداهلل بن بجاد العتيبي يرد ويقول في‬ ‫مقال بعنوان (الليبرو إخوان) في يوليو ‪2012‬‬ ‫ً‬ ‫قائال‪« :‬يجني المثقف كثيرا على تاريخه وعلى‬ ‫أتباعه حين ينظر لجماعة اإلخوان من ثقب‬ ‫صندوق االقتراع‪ ،‬حيث ال تاريخ وال وعي وال‬ ‫ثقافة وال سياسة‪ ،‬بل مجرد أرقام ترصف بجوار‬ ‫بعضها بعضا ثم يتم تقديسها بوجوب الخضوع‬ ‫والتسليم‪ ...‬يمكن ألي متابع استحضار كثير من‬ ‫تخبطات رموز «اإلخوان» المنتخبين أخيرا‬ ‫ومرشديهم غير المنتخبين في تونس ومصر‪،‬‬ ‫ولكن بعض «الليبرو إخوان» وبشكل طقوسي‬ ‫يفضلون التغاضي عنها تماما واعتبارها غير‬ ‫ذات معنى لوجه صندوق االقتراع وأرقامه»‪.‬‬ ‫أما األستاذ يوسف الديني ‪ -‬وهو باحث ليبرالي‬ ‫وكاتب بصحيفة الشرق األوسط ‪ -‬فيقول في‬ ‫مقال له بعنوان (الصعود اإلخواني والمكارثية‬ ‫الليبرالية) في يوليو ‪ 2012‬معلقاً على بعض‬ ‫الكتابات الليبرالية المتعاطفة مع اإلخوان‬ ‫المسلمين‪« :‬حين أستمع لخطاب مدعي الليبرالية‬ ‫ممن كانت جل خصومتهم مع التطرف الديني‪...‬‬ ‫أهمس بابتسامة وأقول‪« :‬عزيزي المتلبرل‬ ‫أخرج اإلخواني الذي بداخلك» <‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪27‬‬


‫تحقيق‬

‫التيارات األصولية‪ ،‬وأن هتاف وحراك من‬ ‫يسمون بالمدنيين‪ ،‬لن يكون إال وقودا في نار‬ ‫«اإلخوان» التي ستأكل األخضر واليابس‪،‬‬ ‫وتحاصر فكرة الحرية المدنية نفسها»‪.‬‬ ‫ويستمر الذايدي في ذات المقال وبلغة صريحة‬ ‫وحازمة منتقداً المثقفين والكتاب الذين استشروا‬ ‫بالربيع العربي‪ ،‬يقول‪« :‬منذ بدية موسم ما سمي‬ ‫مدو‬ ‫بالربيع العربي ونحن نشهد حالة سقوط ٍّ‬ ‫للنخب العربية التي صفقت للشارع العربي‬ ‫العظيم‪ ،‬وهللت لثورة الحرية‪ ،‬وبشرت بهطول‬ ‫أمطار دولة القانون والكرامة‪ ،‬وعودة الحرية‬ ‫المنيرة‪ ،‬ونهاية أساطير األنظمة السابقة»‪.‬‬ ‫ويتفق مع ذات النسق الباحث والكاتب الليبرالي‬ ‫منصور النقيدان ‪ -‬كان أحد أبرز الشخصيات‬ ‫الجدلية بالسعودية في موقفها الحاد ضد الصحوة‬ ‫اإلسالمية منذ وقت مبكر ‪ -‬الذي قال بأن الربيع‬ ‫العربي ونتائجه أثبتت أنها ماهي إال أماني كاذبة‬ ‫وتطلعات حالمة‪ ،‬تؤكد أن «القدرة الخالقة على‬ ‫الحشد والتجميع وإثارة الفوضى ال تعني القدرة‬ ‫على البناء وفرض االستقرار»‪.‬‬ ‫ففي مقاله المنشور في يناير ‪ 2012‬بصحيفة‬ ‫االتحاد اإلماراتية بعنوان (تنبؤات عام ‪)2012‬‬ ‫يقول النقيدان «في عام ‪ 2011‬تفجرت طاقة هائلة‬ ‫استنفدت واستهلكت‪ ،‬وكانت ثمرة كل ذلك مثل‬ ‫قبض على الريح‪ .‬و‪ 2012‬سيكون عام تواضع‬ ‫من شمخت أنوفهم وظنوا أن دولتهم قد دالت‪،‬‬ ‫وسيكون عام الفاقة لمن ظنوا أن األماني الكاذبة‬ ‫والخداع برفع المصاحف والنوم مع الشيطان‬ ‫يمكنه أن يطعم الماليين‪ ،‬ويوفر الوظائف‪،‬‬ ‫ويجني اللبن والعسل»‪.‬‬

‫الموقف من حكم اإلسالميين‬ ‫ساهم فوز مرشح اإلخوان المسلمين في مصر‬

‫الدكتور محمد مرسي بمنصب رئاسة الجمهورية‬ ‫المصرية في إثارة ردود فعل ليبرالية نقدية‬ ‫حادة متخوفة من تغول الحركات اإلسالمية بعد‬ ‫الربيع العربي وسيطرتها على مفاصل بعض‬ ‫الدول العربية‪ ،‬يرى هؤالء الكتاب أن اإلخوان‬ ‫المسلمين بتاريخهم وتجاربهم اليمكن الوثوق‬ ‫بهم واالطمئنان إلى احترامهم للعملية السياسية‬ ‫وقواعد التداول السلمي للسلطة‪ ،‬فتراثهم يشير‬ ‫بقوة إلى أنهم سيصلون للسلطة ديمقراطياً ثم‬ ‫يقبعون فيها ويتحولون إلى ديكتاتور جديد‪.‬‬ ‫يتحدث عن ذلك بوضوح الكاتب مشاري الذايدي‬ ‫الذي قال في مقاله (الربيع اإلخواني) ‪ -‬نوفمبر‬ ‫‪« :2011‬هناك من يقول لك‪ :‬حسنا‪ ،‬لندع‬ ‫اإلسالميين يجربون حظهم‪ ،‬فإما أن يتطوروا‪،‬‬ ‫مثل إسالميي تركيا‪ ،‬وهذا ما نريده‪ ،‬وإما أن‬ ‫يفشلوا‪ ،‬ويكفونا شر أنفسهم لألبد‪ .‬في نظري‪،‬‬ ‫هذه الحجة األخيرة مضللة‪ ،‬ألنها مبنية على‬ ‫فرضية خاطئة‪ ،‬وهي أن اإلسالميين لم يجربوا‬ ‫الحكم في العالم العربي‪ ،‬واآلن أتت فرصتهم‪.‬‬ ‫لكن الواقع يقول إنهم حكموا السودان وإيران‪..‬‬ ‫واألمر اآلخر من يضمن أن األصوليين‬ ‫السياسيين إذا ثبت فشلهم سيخرجون من الحكم‬ ‫بعد أن يمتلكوا أسباب القوة والهيمنة؟‪ ..‬هل نفع‬ ‫هذا في إيران التي تدار من قبل تالميذ الخميني‬ ‫منذ أكثر من ثالثة عقود؟»‪.‬‬ ‫لكن يختلف معه الدكتور تركي الحمد الذي‬ ‫صرح في حديث خاص لمجلة «المجلة» مؤكداً‬ ‫حق التيارات جميعها في الوصول للسلطة‬ ‫مادامت تلتزم بمبادئ العملية الديمقراطية‪،‬‬ ‫«فللجميع الحق في االختيار وللجميع الحق‬ ‫في تداول السلطة مهما كانت مشاربهم‬ ‫اإليديولوجية أو اتجاهاتهم السياسية والمذهبية‬ ‫ولكن بشرط واحد أال وهو االلتزام بمبادئ‬ ‫الديمقراطية وقواعد اللعبة السياسية في إطارها‬ ‫الديمقراطي‪ ،‬حينها فإن للشعب أن يقرر من‬ ‫يكون في السلطة أو ال يكون‪ ،‬سواء كان علمانياً‬

‫عبداهلل بن بجاد العتيبي‪� :‬إن الدول واجلماعات ّ‬ ‫املنظمة‬ ‫ال تتحرك يف �أزمنة الفو�ضى وفق ال�شعارات والأحالم‬ ‫واخلياالت‪ ،‬ولك ّنها ّ‬ ‫توظفها جميعاً خلدمة م�صاحلها‪،‬‬ ‫بطريقةٍ منظمةٍ وفاعلةٍ ‪ ،‬فالإخوان حني يعلنون �أ ّنهم‬ ‫وديع ال يريدون �سلط ًة وال رئا�س ًة وال دول ًة‪ ،‬ف�إن هذا‬ ‫كحملٍ ٍ‬ ‫ال يعني �إال �شيئاً واحداً هو �أنهم متف ّرغون للعمل اجلا ّد‬ ‫ّ‬ ‫برمته‪.‬‬ ‫واملنظم على الأر�ض لل�سيطرة على امل�شهد ّ‬ ‫‪26‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫عبداهلل بن بجاد العتيبي‬

‫أو إسالموياً‪ ،‬دينياً أو دنيوياً»‪.‬‬ ‫لكن الدكتور الحمد الذي بارك وأيد الربيع‬ ‫العربي‪ ،‬قال مشككاً في حديثه بمنطلقات ومبادئ‬ ‫وشعارات معظم األحزاب والتيارات اإلسالمية‪،‬‬ ‫حيث يرى أنها متناقضة تماماً مع أسس الفلسفة‬ ‫الليبرالية وقواعد العملية السياسية الديمقراطية‪،‬‬ ‫ومن هنا يأتي الخوف من انقالب هذه التيارات‬ ‫وتلك األحزاب على اإلطار الديمقراطي للعملية‬ ‫السياسية حين تصل إلى السلطة وتقبض على‬ ‫مفاتيح السلطة بحسب مايقوله الدكتور الحمد‪،‬‬ ‫لكنه يؤكد أن الحركات اإلسالمية لم تعد قادرة‬ ‫على االنقالب على العملية الديمقراطية ألن‬ ‫الظروف تغيرت بعد الربيع العربي‪ ،‬فالثورات‬ ‫الشعبية التي خلقت ظروف الديمقراطية الحالية‬ ‫قد منحت الشعوب ثقة في النفس وبالتالي قدرة‬ ‫على الحركة لرفض أي أنظمة تحاول أن تُعيد‬ ‫أجواء القمع والتوتاليرية المهيمنة سابقاً‪.‬‬ ‫لكن الكاتب والروائي الليبرالي السعودي عبده‬ ‫خال يقول في مقال له بصحيفة عكاظ السعودية‬ ‫بعنوان (صناعة فرعون جديد) ‪ -‬اكتوبر ‪2012‬‬ ‫‪« :‬ثوراتنا العربية قامت بها الشعوب واختطفتها‬‫قلة من المنتفعين وهي اآلن ترسي دعائم استبداد‬ ‫بصورة جديدة ولألسف تم إدراج الدين كوسيلة‬ ‫لتمرير أهداف الزعماء فأصبح االعتراض على‬ ‫سياساتهم اعتراضا على الدين مما يسهل عليهم‬ ‫قمع أي صوت ينبه تلك المجتمعات بأن فرعونا‬ ‫جديدا قادما ليقول لهم‪ :‬أنا ربكم األعلى!»‪.‬‬

‫المثقفون اآلخرون‪ ..‬الليبرو إخوان‬ ‫لم يكن غريباً أن يرحب اإلسالميون في العالم‬ ‫العربي واإلسالمي بفوز الحركات اإلسالمية‬ ‫بالحكم في مصر وتونس وغيرها‪ ،‬لكن المشهد‬ ‫على ضفاف نتائج انتخابات الربيع العربي‬ ‫كان غريباً هذه المرة حين رحب بالنتائج كتاب‬ ‫وشخصيات ليبرالية وعلمانية‪ .‬هذا ما استغربه‬ ‫بشدة الكاتب مشاري الذايدي حين قال‪« :‬أن‬ ‫يفرح اإلخوان ومن لف لفهم في مصر أو‬ ‫خارجها بهذا المقعد الرئاسي‪ ،‬فأمر مفهوم‪،‬‬ ‫فهم أهل الشأن‪ ،‬ومن حقهم الفرح‪ ،‬لكن ما ال‬ ‫تفهمه كيف يغني ويصفق من يقول إنه علماني‬ ‫ويدعو لحماية الحقوق والحريات الشخصية‬ ‫والفنون وحرية التعبير والتفكير وكل ما يمت‬ ‫بصلة إلى فكرة الدولة العلمانية؟! هل هو جهل‬ ‫أو تجاهل‪..‬؟! ال ندري‪»..‬‬ ‫يتفق معه في ذات المالحظة الكاتب عبداهلل بن‬ ‫ً‬ ‫قائال‪« :‬انتشى اإلسالميون في‬ ‫بجاد العتيبي‬ ‫الخليج بفوز الرئيس محمد مرسي أيما انتشاء‪،‬‬


‫واحترام الدستور‪ ،‬وتفعيل القوانين المدنية‪،‬‬ ‫ومحاربة الفساد‪ ...‬نحن أمام مطالبات جديدة‬ ‫وتغيّرات جذرية تنفي تلك االتهامات المزيفة‪،‬‬ ‫التي ورطتنا بها الحركات اإلسالمية اإلرهابية‬ ‫التي جعلت العالم يعتقد أن األنظمة العربية‬ ‫متقدمة على شعبها»‪.‬‬ ‫وفي حديثها عن أثر أحداث الربيع العربي‬ ‫منطقة الخليج في مقال لها بعنوان (اللهم‬ ‫حوالينا والعلينا) نشر في فبراير ‪ 2011‬تقول‬ ‫حركت ثورتي تونس‬ ‫‪« :‬إن الطاقة الشبابية التي ّ‬ ‫ومصر‪ ،‬هي عبقرية اكتسبها الشباب بسبب‬ ‫وسائل االتصال العالمي وليس بسبب التعليم‬ ‫المتخلّف‪ ،‬وهم أكثرية الشرائح‪ .‬المجتمعات‬ ‫الخليجية مثلهم مثل تونس ومصر‪ .‬فماذا أعدت‬ ‫األنظمة الخليجية لهذه العبقرية الشبابية؟ الخليج‬ ‫على تعدد درجات التشابه فيه واالختالف‪ ،‬يعاني‬ ‫من غياب الحريات والفرص االجتماعية أو‬ ‫السياسية واالقتصادية‪ .‬وكلها تحتاج إلى المعالجة‬ ‫السريعة‪.‬‬

‫د‪ .‬بدرية الب�شر‪� :‬إن الطاقة ال�شبابية التي ح ّركت ثورتي‬ ‫تون�س وم�صر‪ ،‬هي عبقرية اكت�سبها ال�شباب ب�سبب‬ ‫و�سائل االت�صال العاملي‪ ،‬واملجتمعات اخلليجية مثلهم‬ ‫مثل تون�س وم�صر‪ .‬فماذا �أعدت الأنظمة اخلليجية لهذه‬ ‫العبقرية ال�شبابية؟‪..‬‬ ‫الفر�صة متاحة اليوم للأنظمة اخلليجية‪ ،‬حتى ال جتد كرة‬ ‫الثلج و �شرارة الغ�ضب منحدراً لها‪.‬‬ ‫ثورات‬ ‫ملل من االنتظار‪ ،‬وهي ‪ -‬أيضاً ‪ -‬ليست‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫بمعنى أنها جاءت عبر تراكم الرؤية الفكرية‬ ‫بخطاب‬ ‫والثقافية والتاريخية التي تعبّر عن نفسها‬ ‫ٍ‬ ‫متماسك ورؤي ٍة واستراتيجية جديد ٍة تسعى‬ ‫جدي ٍد‬ ‫ٍ‬ ‫لها وتضحي من أجلها»‪.‬‬

‫تقلل الخسائر وتسعى لصناعة بارقة أمل وإن بعد‬ ‫ألي قد ال يكون يسيرا»‪.‬‬

‫وكتب في مقالة «صعود األصوليات والزمن‬ ‫األصولي» االتحاد اإلماراتية‪ ،‬مايو ‪ 2011‬يقول‪:‬‬ ‫«ويبقى الثابت األوضح هو صعود األصوليات‬ ‫والدخول في الزمن األصولي»‪.‬‬

‫في ذات السياق األستاذ مشاري الذايدي ‪ -‬كاتب‬ ‫وباحث ليبرالي بارز في شؤون الحركات‬ ‫اإلسالمية ‪ -‬تناول بشكل مبكر في مقاالته‬ ‫خطر صعود اإلسالميين المتشددين والحركات‬ ‫المتطرفة بسبب الربيع العربي‪ ،‬تتميز لغته‬ ‫بالحدة والنقد الالذع للثورات العربية ومنتجاتها‪،‬‬ ‫يؤكد أن الوعي العربي رغم الثورات مازال‬ ‫متهالكاً‪ ،‬وبنية التخلف فيه مازالت قائمة‪ ،‬جاء‬ ‫ذلك واضحاً في مقاالت تحت عنوان (الربيع‬ ‫اإلخواني)‪ ،‬و(الربيع العربي الكاذب)‪ ،‬وفي مقال‬ ‫له بعنوان (سنة تملق الجماهير) ‪ -‬يناير ‪2012‬‬ ‫ أكد الذايدي فيه فشل الربيع العربي وشعاراته‬‫المدنية المرفوعة‪ً ،‬‬ ‫قائال «لم يكد المشهد العربي‬ ‫الثوري يكشف زيف القشرة المدنية لحقيقة‬ ‫الثورة‪ ،‬ويتبين وجود ثوران ديني مبني على‬ ‫هشاشة التأسيس المدني في الوعي العربي العام‪،‬‬ ‫حتى وقعت الواقعة على رؤوس محرقي البخور‬ ‫منذ سنة في معبد الميادين الثورية العربية‪،‬‬ ‫خصوصا من نخب الكتاب واإلعالميين العرب‪،‬‬ ‫صار المشهد سورياليا‪ ،‬ليصبح التحكك باإلخوان‬ ‫المسلمين واإلسالميين هو الحاكم‪ ،‬وبدأت اللغة‬ ‫المدنية تخبو قليال وبدأ التبرؤ من العلمانية وما‬ ‫يمت لها بصلة‪ ،‬تقرباً للمشاعر الشعبية البسيطة»‪.‬‬

‫هو يصرح بكل حسم ووضوح في مقالة له‬ ‫نشرت في الشرق األوسط الدولية في مايو‬ ‫‪ 2012‬بعنوان (االعتراف بفشل ما يسمى‬ ‫بـ«الربيع العربي») قال فيها‪« :‬أحسب أن من‬ ‫المهم االعتراف سريعا بفشل ما سمّي بثورات‬ ‫الربيع العربي‪ ،‬خاصة من قبل النخب الثقافية‬ ‫والسياسية الواعية‪ ،‬ألن االعتراف وإن تأخر‬ ‫خير من المكابرة‪ ،‬فهو أول طريق استعادة‬ ‫الوعي والرؤية وبالتالي البحث عن مخارج آمنة‬

‫ويؤكد الذايدي موقفه المبكر الرافض للربيع‬ ‫العربي في مقال له بعنوان (هل انتهى موسم‬ ‫التصفيق للشارع) في صحيفة الشرق األوسط‬ ‫في يونيو ‪« :2012‬لقد كان من الواضح بالنسبة‬ ‫لي وللقلة القليلة جدا ‪ -‬وهذه ليست حكمة بأثر‬ ‫رجعي‪ ،‬بل سبقت كتابتها في هذا المكان على‬ ‫مدار عام وأكثر ‪ -‬أن ثمار الربيع العربي كما‬ ‫يسمونه ستتدحرج‪ ،‬خصوصا في مصر وليبيا‬ ‫وربما اليمن‪ ،‬في سالل «اإلخوان» وبقية‬

‫التغيير السلمي ليس فقط هو فرصة متاحة‬ ‫للشعوب‪ ،‬بل هو أيضاً فرصة متاحة اليوم‬ ‫لألنظمة الخليجية‪ ،‬حتى ال تجد كرة الثلج أو‬ ‫شرارة الغضب منحدراً لها»‪.‬‬

‫كما أنّه يؤكد كثيراً ومنذ بداية الثورات العربية‪،‬‬ ‫أن الربيع العربي ماهو إال ربيع للحركات‬ ‫األصولية‪ ،‬وفرصة الزدهار تنظيم القاعدة‪.‬‬

‫أما الدكتور عبدالرحمن الحبيب فيشيد في مقال‬ ‫له بصحيفة الجزيرة السعودية ‪ -‬فبراير ‪2011‬‬ ‫ بالثورة المصرية واصفاً إياها بأنها كسرت‬‫كل قوانين علم االجتماع السياسي التقليدي‪،‬‬ ‫«فهي ثورة الشارع الشبابي بال تيار أو حركة‬ ‫سياسية أو حزب أو رمز أو قائد‪ .‬ثورة تشكلت‬ ‫وانتظمت وحددت مسيرتها عبر شبكة التواصل‬ ‫االجتماعي اإللكتروني‪ ..‬ثورة نظيفة جدا وسلمية‬ ‫جداً ومنظمة جداً‪ ..‬من راهنوا على الفوضى‪،‬‬ ‫ومن راهنوا على التشدد الديني‪ ،‬ومن راهنوا‬ ‫على سطحية الشباب وتهورهم‪ ..‬إلخ‪ ،‬كلها‬ ‫رهانات سقطت‪ ..‬والرموز النخبوية سقطت معها‬ ‫أو كادت»‪.‬‬

‫في مقالة له بعنوان هل «سرق» القرضاوي‬ ‫منصة التحرير؟ نشرت في االتحاد اإلماراتية‬ ‫فبراير ‪ 2011‬يقول‪« :‬إن الدول والجماعات‬ ‫ّ‬ ‫المنظمة ال تتحرك في أزمنة الفوضى وفق‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الشعارات واألحالم والخياالت‪ ،‬ولكنها توظفها‬ ‫جميعاً لخدمة مصالحها‪ ،‬بطريق ٍة منظم ٍة وفاعل ٍة‪،‬‬ ‫وديع ال‬ ‫كحمل‬ ‫فاإلخوان حين يعلنون أنّهم‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫رئاسة وال دولة‪ ،‬فإن هذا ال‬ ‫سلطة وال‬ ‫يريدون‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫متفرغون للعمل‬ ‫يعني إال شيئا واحدا هو أنهم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والمنظم على األرض للسيطرة على‬ ‫الجا ّد‬ ‫المشهد برمّته»‪.‬‬

‫لكن في مقابل ذلك‪ ،‬األستاذ عبداهلل بن بجاد‬ ‫العتيبي ‪ -‬وهو كاتب ليبرالي بارز وباحث في‬ ‫شؤون الحركات اإلسالمية ‪ -‬تحفظ على تسمية‬ ‫ما جرى في العالم العربي بالثورات‪ ،‬فهو كتب‬ ‫في مقاله «حول تعريف ما يجري في العالم‬ ‫العربي» في صحيفة االتحاد اإلماراتية‪ ،‬أبريل‬ ‫‪ ،2011‬يقول‪ّ :‬‬ ‫«إن ما يُسمّى بالثورات في العالم‬ ‫ثورات بالمعنى الحقيقي للكلمة‬ ‫العربي ليست‬ ‫ٍ‬ ‫ولكنّها احتجاجات تريد التغيير للتغيير‪ ،‬وتعبّر‬ ‫تنازع للسلطة بين أجنحة األنظمة القائمة‪،‬‬ ‫عن‬ ‫ٍ‬ ‫التي يسعى بعض أطرافها لخلخلة تلك األنظمة‬ ‫لتعبير عن‬ ‫بأية طريق ٍة‪ ،‬لرغب ٍة في سلط ٍة أكبر أو‬ ‫ٍ‬

‫د‪ .‬بدرية الب�شر‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪25‬‬


‫تحقيق‬

‫حول هذه الظواهر الجديدة المنبثقة من داخل‬ ‫البيت الليبرالي يعلق الدكتور تركي الحمد في‬ ‫حديث خاص لمجلة «المجلة» مؤكداً أن هؤالء‬ ‫أصال‪ً ،‬‬ ‫ً‬ ‫قائال ‪« :‬إن من تبرأ‬ ‫لم يكونوا ليبراليين‬ ‫من الليبرالية وفقاً للمعطيات السياسية التي أفرزها‬ ‫الربيع العربي‪ ،‬فإني ال أظن أنه كان ليبرالياً من‬ ‫األساس‪ ،‬أو أن لديه مفهوماً مغلوطاً عن الليبرالية‪،‬‬ ‫ً‬ ‫مغازال لها ليس إال‪ ،‬كما هو اليوم مغازل‬ ‫أو أنه كان‬ ‫لإلسالموية في صعودها‪ ،‬أو صاحب مصلحة أو‬ ‫منفعة‪ ،‬ولكنه ليس ليبرالياً بأي حال من األحوال»‪.‬‬

‫مفاجأة الربيع العربي‪ ..‬االنقسام‬ ‫سيكون من الصعب جداً على أي باحث أو‬ ‫مراقب حصر ورصد الكم الكبير من المقاالت‬ ‫والكتابات الليبرالية المحللة أو الناقدة لحالة‬ ‫الربيع العربي والخروج باستنتاجات ومحددات‬ ‫كلية منها‪ ،‬نظراً الستقاللية كل كاتب بخطابه‬ ‫ونمطه الخاص‪ ،‬إضافة إلى تسارع وتضخم‬ ‫أحداث الربيع العربي‪ ،‬وتعقدها وتداخلها‪ ،‬األمر‬ ‫الذي يعني بالضرورة اختالفاً في آراء الكاتب‬ ‫نفسه وموقفه عن بداية الربيع العربي ولحظة‬ ‫المفاجأة‪ ،‬إلى لحظة الهدوء والركود في الوسط‪،‬‬ ‫إلى النهايات في مرحلة «نتائج انتخابات الربيع‬ ‫العربي»‪.‬‬ ‫لكن يمكن تلمس افتراق بعض المنطلقات‬ ‫والمواقف للكتاب الليبراليين السعوديين تجاه‬ ‫الربيع العربي في أطر عامة تنبثق من تحديد‬ ‫األولويات للمشروع الليبرالي‪ ،‬فالشخصيات‬ ‫الليبرالية التي تجعل من اإلصالح السياسي‬ ‫أولوية وضرورة ولو استدعى ذلك التحالف‬ ‫مع اإلسالميين استبشروا كثيرا بأحداث الربيع‬ ‫العربي‪ ،‬ووقفوا معها‪ ،‬وأيدوها بقوة‪ ،‬باعتبارها‬ ‫لحظة تاريخية لميالد عهد الحرية والكرامة‬ ‫لدى المواطن العربي‪ ،‬وبداية الستقالل الشعوب‬ ‫العربية‪ ،‬وسقوط الديكتاتوريات واالستبداد‪.‬‬

‫في حين كان زمالؤهم اآلخرون المناوئون‬ ‫للحركة اإلسالمية باستمرار‪ ،‬المتمسكون بأولوية‬ ‫اإلصالح الثقافي يرون في الربيع العربي حالة‬ ‫من الفوضى المفتوحة‪ ،‬والمستقبل الغامض‪،‬‬ ‫وأنها تشكل ربيعاً للجماعات الجهادية‪ ،‬وتمكيناً‬ ‫للحركات اإلسالمية المتطرفة‪.‬‬ ‫كانت نقطة االختالف البارزة بين االتجاهين‬ ‫أيضاً في الموقف من وصول الحركات‬ ‫اإلسالمية للحكم‪ ،‬بين من يقول أنهم جاءوا عبر‬ ‫صناديق االقتراع الديمقراطية‪ ،‬وهذا تطور‬ ‫نوعي في فكر الحركات اإلسالمية التي آمنت‬ ‫أخيراً بالديمقراطية‪ ،‬كما أنه يجب احترام حق‬ ‫الشعوب في اختيارها‪ ،‬فإن نجح اإلسالميون في‬ ‫الحكم فهذا لصالح المواطن العربي‪ ،‬وإن فشلوا‬ ‫فإن الصناديق التي جاءت بهم سوف تزيحهم في‬ ‫المرة القادمة‪.‬‬ ‫في الطرف اآلخر عارض هذا الرأي كتاب‬ ‫آخرون متمسكون بموقفهم الرافض لحكم‬ ‫الحركات اإلسالمية مؤكدين أن مبادئ تلك‬ ‫الحركات وتراثها يؤكد أنّها ستنقلب على العملية‬ ‫الديمقراطية في حال وصولها للحكم‪ ،‬وسوف‬ ‫تنتج ديكتاتوريات دينية متطرفة ال تقل سوءاً عن‬ ‫أنظمة االستبداد السابقة‪ .‬وبين هذين االتجاهين‬ ‫كانت مساحة االنقسام في الخطاب الليبرالي تجاه‬ ‫الربيع العربي وصعود الحركات اإلسالمية تتسع‬ ‫حيناً وتتقلص حينا آخر تبعاً لنتائج وتطورات‬ ‫الثورات العربية‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من أن هناك مراجعات واضحة لدى‬ ‫بعض الكتاب الليبراليين المتحمسين مع أحداث‬ ‫الربيع العربي في بداياته حيث شرعوا أخيراً‬ ‫يتحدثون عن اختطاف الثورة‪ ،‬ومصادرتها‪،‬‬ ‫وضرورة المحافظة على قيمها‪ ،‬إال أن شرارة‬ ‫االنقسام منذ البداية مازالت مستمرة تطل برأسها‬ ‫بين الفينة واألخرى‪.‬‬

‫د‪ .‬عبداهلل الغذامي‪ :‬الليرباليون خمارون ال ي�ستطيعون‬ ‫جتاوز حتى هوام�شهم العن�صرية القبلية‪� ،‬إنهم ُ�س ّذج‬ ‫وم�شو�شون ومتناق�ضون‪ ،‬وال ي�ؤمنون �إال بحريتهم هم‬ ‫فقط‪ .‬ال يحملون خطاباً �سيا�سياً‪ ،‬وميار�سون تزييف‬ ‫الوعي‪ ،‬ويرتكبون ف�ضائح يف ت�صرفاتهم وحماولة‬ ‫حجرهم على حريات الآخرين‪ ،‬وهم بال م�شروع حقيقي‬ ‫�إنهم جمرد جمموعة من ُك ّتاب املقاالت يف ال�صحف‪.‬‬ ‫‪24‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫د‪ .‬عبداهلل الغذامي‬

‫في ذات السياق يتحدث األستاذ إبراهيم البليهي‬ ‫ أحد أبرز دعاة الليبرالية في السعودية ‪ -‬الذي‬‫تساءل معلقاً على أحداث الربيع العربي منتصف‬ ‫‪ « :2011‬هل أفاق العرب؟ يبدو العرب اآلن‬ ‫فاعال إيجابياً‬ ‫ً‬ ‫يتهيؤون لدخول التاريخ دخوال‬ ‫بعد ان خرجوا منه أو بعد أن دخلوه دخوال‬ ‫سلبيا لإلعاقة وليس للمشاركة»‪ ،‬وأشاد البليهي‬ ‫بالثورة المصرية بقوة‪ ،‬مؤكداً أن انهيار النظام‬ ‫المصري «المتعفن» سيكون اعظم اثرا على‬ ‫العالم من انهيار جدار برلين‪ ،‬فـ»العالم كله يتجه‬ ‫اآلن لمرحلة جديدة الن الحكم المصري الفظيع‬ ‫كان من اعتى حصون التخلف وقد انهار هذا‬ ‫الحصن»‪.‬‬ ‫لكن البليهي في حوار له مع صحيفة عكاظ‬ ‫السعودية في أبريل ‪ 2012‬تراجع بعض الشيء‬ ‫وقال إن المؤشرات ال تبشر بمستقبل ليبرالي‬ ‫مزدهر للثورات العربية‪ ،‬فتجربة الربيع العربي‬ ‫مازالت «محفوفة بالمخاطر والمعوقات وهي‬ ‫في الغالب معوقات ثقافية‪ ،‬فمصر وليبيا قد‬ ‫أزيل فيهما العائق السياسي ولكن العائق الثقافي‬ ‫مازال يهدد المستقبل وقد يعيدهما إلى وضع ال‬ ‫يقل انغالقا عن سابقه‪ ،‬فالصراع على السلطة‬ ‫تخوضه أحزاب لم تتآلف مع الفضاء الليبرالي‬ ‫بل هي نتاج عهود االستبداد وتخضع لثقافة‬ ‫منغلقة»‪.‬‬ ‫في حين يرى الدكتور تركي الحمدـ الذي قال في‬ ‫ندوة ألقاها ضمن فعاليات (ملتقى نجران الثقافي)‬ ‫في أكتوبر ‪ 2011‬أن الثورات الشعبية العربية‬ ‫أعادت اإلنسان العربي والشعوب العربية إلى‬ ‫ً‬ ‫مفعوال بها‪ .‬مؤكداً أن عام‬ ‫الفعل بعدما كان‬ ‫‪ 2011‬وما يجرى فيه من تغييرات في بعض‬ ‫الدول العربية كان منطلقه البحث عن الحرية‪،‬‬ ‫فـ»الفرد الذي يرضى أن يعيش لمجرد أن يأكل‬ ‫ويشرب دون أن يحلم بحريته وكرامته اإلنسانية‬ ‫وكرمه على سائر‬ ‫ليس هو اإلنسان الذي خلقه اهلل ّ‬ ‫خلقه‪ ،‬ألن اإلنسان الحقيقي هو كتلة من حرية‬ ‫وكتلة من كرامة»‪.‬‬ ‫وفي مقال لها بعنوان (الغضب العربي ثورة‬ ‫خارج الحساب) نشر في صحيفة الحياة‬ ‫السعودية‪ ،‬يناير ‪ ،2011‬تؤكد الكاتبة الدكتورة‬ ‫بدرية البشر ‪ -‬وهي صوت نسائي ليبرالي بارز‬ ‫ معلقة على أحداث الربيع أن الشعوب العربية‬‫أصبحت متقدمة وأكثر وعياً من األنظمة‪« ،‬فمن‬ ‫استمع للتلفزيون التونسي‪ ،‬وهو يبث مطالب‬ ‫الشعب التونسي الثائر سيتملكه العجب وهو‬ ‫يستمع لقاموس ممتلئ بمفردات الوعي السياسي‪،‬‬ ‫المطالب كلها اشتقت من قاموس التغيير السلمي‪،‬‬ ‫ورفض احتكار السلطة‪ ،‬والمطالبة بالتعددية‪،‬‬ ‫وحكم المؤسسات‪ ،‬واحترام حقوق اإلنسان‪،‬‬


‫يشير لهذا االنقسام الكاتب الصحفي السعودي‬ ‫أحمد عدنان الذي يقترب كثيراً من الليبراليين‬ ‫اإلصالحيين كما في كتابه «السعودية البديلة»‬ ‫حيث أكد بأن الليبرالية السعودية ليست فئة واحدة‪،‬‬ ‫والليبراليين السعوديين ليسوا جميعاً يطالبون‬ ‫باإلصالح والتغيير السياسي‪ ،‬بل انحصر دور‬ ‫بعضهم في مناوأة الخطاب الديني‪ ،‬والنقد الثقافي‪،‬‬ ‫وكانوا رافضين ومعادين بوضوح لمشاريع‬ ‫ومطالبات اإلصالح السياسي من زمالئهم‬ ‫الليبراليين اآلخرين بحسب كالم عدنان‪.‬‬ ‫وعلى الرغم أن الدكتور تركي الحمد كان من‬ ‫أبزر الموقعين على بعض البيانات اإلصالحية‬ ‫والسياسية في السعودية التي وقعها خليط من‬ ‫الليبراليين واإلسالميين إال أنه قال معلقاً وناقداً‬ ‫زمالءه المتحالفين مع اإلسالميين في حديثه‬ ‫للباحث الفرنسي ستيفان الكروا‪« :‬لقد ُخدع هؤالء‬ ‫الليبراليون بواسطة اإلسالميين بالطريقة ذاتها التي‬ ‫خدع بها الخميني الليبراليين اإليرانيين‪ .‬ويدعي‬ ‫اإلسالميون أنهم ديمقراطيون‪ ،‬ولكن إذا وصلوا‬ ‫إلى السلطة‪ ،‬فسيضعون نظاما على شاكلة النظام‬ ‫الموجود في إيران»‪.‬‬ ‫يبدو أن هذا التحالف السياسي‪ /‬اإلصالحي بين‬ ‫أطياف ليبرالية وإسالمية قد ساهم في تخفيف‬ ‫حدة النقد المتبادلة بين الطرفين‪ ،‬احتل اإلصالح‬ ‫السياسي مكانة بارزة في خطاب ومقاالت بعض‬ ‫الليبراليين في حين تراجع نقدهم للفكر الديني‪،‬‬ ‫ونشاط الصحوة‪ ،‬وفي المقابل بدأت تظهر أصوات‬ ‫إسالمية‪ /‬إصالحية تستثني حين نقدها لليبرالية‬ ‫الشخصيات اإلصالحية المتحالفة معها‪ ،‬وهذه‬ ‫نغمة جديدة في الخطاب اإلسالمي الذي اعتاد جمع‬ ‫الليبراليين ورميهم في سلة واحدة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫طويال‪ ،‬حتى جاء طوفان التحذير‬ ‫لكن ذلك لم يدم‬ ‫من (خطر التغريب) الذي قادته الصحوة في حربها‬ ‫الحديثة ضد الليبرالية‪ ،‬ليحتل المشهد‪ ،‬ويعيد رسم‬ ‫الصراع الثقافي من جديد‪.‬‬

‫الليبرالية الموشومة‪ ..‬بوابة كل عدو‬ ‫شهدت السعودية في السنوات األخيرة هجمة‬ ‫صحوية متصاعدة ضد الفكر الليبرالي‪ ،‬والليبراليين‬ ‫السعوديين الذين يمثلون (مشروعاً لتغريب بالد‬ ‫المسلمين) بحسب وصفهم‪ ،‬برز ذلك في مؤلفات‬ ‫وندوات وبيانات جماعية تحذر من (خطر تغريب‬ ‫المرأة واإلعالم والتعليم في السعودية)‪ ،‬تزامن‬ ‫ذلك مع تجمع عدد من المجموعات «االحتسابية»‬ ‫لالعتراض ضد الفعاليات والندوات الثقافية‪،‬‬ ‫وأنشطة معرض الرياض الدولي للكتاب الذي‬ ‫يصفه هؤالء بأنه يحقق أغراض وأهداف المشروع‬

‫د‪ .‬عبد الرحمن احلبيب‪ :‬ما الذي يجعل ليرباليني‬ ‫يتخوفون من جناح الإ�سالميني املعتدلني رغم‬ ‫�أنهم �أتوا ب�آلية الدميقراطية الليربالية؟ �إنها بقايا‬ ‫اخل�صومة الأيديولوجية ما قبل الربيع العربي‪.‬‬ ‫تلك اخل�صومة التي جعلت من ليرباليني ال يرون‬ ‫يف هذا النجاح �إال مدخ ًال للتطرف واال�ستبداد‪.‬‬

‫الليبرالي «التغريبي» في البلد‪.‬‬ ‫في هذه األجواء المشحونة بين التيار الليبرالي‬ ‫واإلسالمي‪ ،‬وقبيل أحداث الربيع العربي‬ ‫بأيام‪ ،‬خرج الدكتور عبداهلل الغذامي ‪ -‬وهو ناقد‬ ‫أدبي‪ ،‬وأحد أبرز رموز حركة الحداثة األدبية‬ ‫في السعودية ‪ -‬بمفاجأة مثيرة وصاخبة‪ ،‬عبر‬ ‫تصريحات تبرأ فيها من «الليبرالية الموشومة»‬ ‫التي رأى أنها «سقطت في مهدها الغربي ابتداءً‪،‬‬ ‫قبل أن تموت وهي خديج في العوالم األخرى‪ ،‬بما‬ ‫فيها مجتمعنا»‪ .‬جاء ذلك في ندوة ثقافية بجامعة‬ ‫الملك سعود في منتصف ديسمبر ‪.2010‬‬ ‫الدكتور الغذامي الذي كان من أبرز خصوم‬ ‫الصحوة وألد أعدائها في الثمانينات والتسعينات‬ ‫فهو صاحب كتاب «الخطيئة والتكفير»‪،‬‬ ‫وصدرت فتاوى دينية بتكفيره والتحذير من‬ ‫أفكاره‪ ،‬وهو الذي قال في مؤتمر الحوار الوطني‬ ‫السعودي ‪ 2004‬أن المناهج الدينية تعزز التكفير‬ ‫وتفرخ اإلرهاب‪ ،‬هاجم هذه المرة زمالءه‬ ‫السابقين من الليبراليين السعوديين واصفاً إياهم‬ ‫بأنهم «خمارون ال يستطيعون تجاوز حتى‬ ‫هوامشهم العنصرية القبلية‪ ،‬إنهم ُس ّذج ومشوشون‬ ‫ومتناقضون‪ ،‬وال يؤمنون إال بحريتهم هم فقط‪.‬‬ ‫ال يحملون خطاباً سياسياً‪ ،‬ويمارسون تزييف‬ ‫الوعي‪ ،‬ويرتكبون فضائح في تصرفاتهم‬ ‫ومحاولة حجرهم على حريات اآلخرين‪ ،‬وهم بال‬ ‫مشروع حقيقي إنهم مجرد مجموعة من ُكتّاب‬ ‫المقاالت في الصحف»‪.‬‬ ‫استقبل اإلسالميون تصريحات الغذامي بحفاوة‬ ‫شديدة‪ ،‬فقد (شهد شاهد من أهلها) خصوصاً‬ ‫أنها جاءت في توقيت كانت فيه وتيرة الصراع‬ ‫بين التيارين في أوجها‪ ،‬األمر الذي أفرز ردات‬ ‫فعل واسعة بين مؤيد ورافض ومتحفظ تجاه كالم‬ ‫الغذامي‪.‬‬

‫د‪ .‬عبدالرحمن احلبيب‬

‫بعد ذلك شهدت تلك الفترة ظاهرة أطلق عليها‬ ‫مجازاً (توبة ليبرالي) ظهرت فيها مواقف‬ ‫مختلفة من ليبراليين سابقين انتقدوا فيها اصحابهم‬ ‫وزمالءهم بشدة‪ ،‬وبعضها اتسم بأسلوب (نشر‬ ‫الغسيل) من شخصيات معروفة‪ ،‬وأسماء أخرى‬ ‫مجهولة في مواقع التواصل االجتماعي‪.‬‬ ‫ومن ذلك موقف الكاتب في صحيفة الوطن‬ ‫السعودية صالح الشيحي ‪ -‬على الرغم من‬ ‫تخصصه في تناول شؤون الخدمات وهموم‬ ‫المواطنين إال أنه كان قريباً من فكر التيار الليبرالي‬ ‫في العموم ‪ -‬حين هاجم زمالءه على هامش ملتقى‬ ‫المثقفين السعوديين ‪ -‬المحسوب على الليبراليين ‪-‬‬ ‫الذي تنظمه وزارة اإلعالم‪ ،‬في ما عرف بقضية‬ ‫(بهو الماريوت) في يناير ‪ 2012‬حين قال عبر‬ ‫حسابه الشخصي في تويتر «إن ما حدث في بهو‬ ‫الماريوت على هامش ملتقى المثقفين عار وخزي‬ ‫على الثقافة‪ ..‬لقد آمنت أن مشروع التنوير الثقافي‬ ‫المزعوم في السعودية يدور حول المرأة»‪.‬‬ ‫لحقه الكاتب السعودي خالد الغنامي ‪ -‬كان من‬ ‫األصوات الليبرالية الشابة الفاعلة في نقد الفكر‬ ‫الصحوي بعد أحداث ‪ 11‬سبتمبر ‪ -‬حيث كتب في‬ ‫ً‬ ‫مقاال في صحيفة الشرق السعودية‬ ‫مارس ‪2012‬‬ ‫بعنوان (الليبرالية بوابة كل عدو) قال فيه‪ « :‬كيف‬ ‫لي أن أنتقد الفكر الليبرالي اليوم وقد كنت أحد‬ ‫المعجبين به؟ لقد رأيت أن الليبراليين السعوديين‬ ‫هم مجموعة من حاطبي الليل‪ ،‬ومن المعلوم‬ ‫أن حاطب الليل تلتوي األفعى في ساقه وهو ال‬ ‫يدري‪ ..‬لقد أصبحت الليبرالية بوابة لكل عدو كاره‬ ‫ساع لتفتيته‪ .‬فكل من يكره شخصيتنا‬ ‫لمجتمعنا ٍ‬ ‫ومذهبنا ومنهجنا وديننا‪ ،‬لم يكن يحتاج إال أن يقدم‬ ‫نفسه على أنه «ليبرالي» لكي يأخذه الليبراليون‬ ‫باألحضان ويوجهون له الدعوات ليكون واحداً‬ ‫منهم‪ ،‬واحداً من المثقفين المتحررين من التقليد‪،‬‬ ‫المحبين للحياة واإلنسانية‪.»..‬‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪23‬‬


‫تحقيق‬

‫صغيرة متأثرة بطروحات ماركسية ويسارية‬ ‫وناصرية وقومية عربية‪ .‬وفي الحقيقة كانت تلك‬ ‫المجموعات مقتصرة على النخبة‪ ،‬ولم تشكل مطلقا‬ ‫حركة شعبية‪ ،‬لكن مع احتوائهم في مؤسسات‬ ‫الدولة‪ .‬سريعا ما أصبحوا شخصيات مؤثرة في‬ ‫نشاط المملكة التنموي”‪..‬‬ ‫يمكن القول بأنه أبان تلك الفترة قد تشكل وبرز‬ ‫نشاط جديد لهذه النخبة‪ ،‬وشهدت ازدهاراً كبيرا‬ ‫في (الساحة األدبية)‪ .‬وفي هذا المجال‪ ،‬بدأوا في‬ ‫الدعوة إلى تحديث األدب السعودي‪ ،‬حداثة ال‬ ‫تتطرق إلى الشكل فقط‪ ،‬بل أيضا إلى المحتوى‪.‬‬ ‫وتلقائيا‪ ،‬وجهت االنتقادات‪ ،‬بصورة ضمنية‪ ،‬إلى‬ ‫العادات االجتماعية السعودية التي كانوا يهدفون‬ ‫إلى تحريرها‪ .‬وسرعان ما انضم إليهم عدد من‬ ‫الروائيين والشعراء والنقاد األدبيين‪ ،‬من أبرزهم‬ ‫عبداهلل الغذامي وسعيد السريحي‪ ،‬ومعجب‬ ‫الزهراني‪ .‬وظهر اتجاه ثقافي يعرف بـ”الحداثة”‪.‬‬ ‫يؤكد الكرو أن ذلك كان تطورا متعلقا في األساس‬ ‫بنخبة ثقافية محددة وظل على سطح المجتمع‪.‬‬ ‫ولكن في الوقت ذاته‪ ،‬كان هناك تطور أكثر عمقا‬ ‫في تأثيره داخل المملكة‪ .‬منذ الستينات‪ ،‬كانت‬ ‫الصحوة اإلسالمية‪ ،‬وهي حركة إسالمية شعبية‪،‬‬ ‫تنمو ألسباب من بينها تأثير نشطاء اإلخوان‬ ‫المسلمين الذين لجأوا إلى السعودية‪ .‬وكانت قاعدة‬ ‫حركة الصحوة هي النظام التعليمي‪ ،‬الذي كان له‬ ‫من خالل ذلك فرصة الوصول إلى جميع طبقات‬ ‫المجتمع‪ .‬واألمر األكثر أهمية هو أنه في المجتمع‬ ‫المحافظ كان خطاب الصحوة مفهوما جيدا‪ ،‬والقى‬ ‫استقباال جيدا كذلك‪ .‬وفي منتصف الثمانينات‪،‬‬ ‫وصلت الصحوة إلى كتلة حرجة‪ ،‬وبدأت ترى في‬ ‫سيطرة دعاة الحداثة على منافذ إعالمية محددة‪،‬‬ ‫وبخاصة المالحق األدبية في الصحف السعودية‬ ‫الكبرى‪ ،‬أمرا مثيرا للغضب‪ .‬وتم تنظيم حملة‬ ‫واسعة النطاق ضد دعاة الحداثة‪ ،‬وسريعا ما تم‬ ‫إقصاء بعض منهم عن وظائفهم‪ .‬ومن الواضح‬

‫أن الصحوة حققت فوزا في ذلك بحسب ما يقوله‬ ‫الكروا‪.‬‬ ‫يضيف الكروا‪ :‬رأى الليبراليون في قوة الدفع التي‬ ‫حصلت عليها حركة الصحوة تهديداً لوجودهم‪.‬‬ ‫بدأ النشطاء الليبراليون من جميع الخلفيات –‬ ‫يساريون وشيوعيون ودعاة حداثة ومدافعون عن‬ ‫حقوق المرأة‪ ،‬إلخ – في التكتل لتشكيل مجموعة‬ ‫أصبح اسمها غير الرسمي فيما بعد (الليبراليون)‪.‬‬ ‫وكان لدى هؤالء الليبراليين برنامج بسيط للغاية‪:‬‬ ‫(معارضة مشروع وأفكار حركة الصحوة)‪.‬‬ ‫ويظل ذلك هو نقطة الضعف األساسية لدى االتجاه‬ ‫الليبرالي السعودي على مدار األعوام التالية‪ ،‬حيث‬ ‫ظهر من أجل معارضة الصحوة‪ ،‬ولم يكن لديه‬ ‫مشروعه الخاص الواقعي المتماسك على األقل‪.‬‬ ‫لكن يرى ستيفان الكروا أن ظهور إرهاب السلفية‬ ‫الجهادية ووقوع أحداث ‪ 11‬سبتمبر قد منح‬ ‫الليبراليين دفعة قوية وانتعاشاً واضحاً‪ ،‬حيث أدت‬ ‫حقيقة أن ‪ 15‬من مختطفي الطائرتين البالغ عددهم‬ ‫‪ 19‬شخصا كانوا سعوديين‪ ،‬إضافة إلى الحملة‬ ‫التي شنتها وسائل اإلعالم الغربية ضد المملكة إلى‬ ‫فتح الباب أمام مرحلة لتأمل الذات في السعودية‪.‬‬ ‫ومن دون شك فإن الليبراليين نجحوا ‪ -‬نسبياً ‪ -‬في‬ ‫تقديم أنفسهم كبديل لإلسالميين‪.‬‬ ‫وكان هناك عامل آخر في مصلحة الليبراليين‪:‬‬ ‫ظهور مجموعة من اإلسالميين السابقين‬ ‫(المتحولين) في نهاية التسعينيات الذين أصبحوا‬ ‫ينتقدون الصحوة وصور النشاط اإلسالمي األخرى‬ ‫بقوة‪ .‬بالنسبة لليبراليين‪ ،‬كان لهؤالء المتحولين‬ ‫فائدة مهمة‪ ،‬أوال ألنهم يتحدثون من واقع تجارب‬ ‫وخبرات شخصية‪ ،‬وثانيا ألنهم يتقنون الحديث‬ ‫بلغة اإلسالم التي افتقدها الليبراليون بشدة‪.‬‬ ‫يؤكد الكروا‪ :‬إن هذه نقطة مهمة‪ ،‬في التسعينات‬ ‫لم يكن لدى الليبراليين خطاب عن اإلسالم‪ .‬وكانوا‬

‫م�شاري الذايدي‪ :‬مل يكد امل�شهد العربي الثوري يك�شف زيف‬ ‫الق�شرة املدنية حلقيقة الثورة‪ ،‬ويتبني وجود ثوران ديني‬ ‫مبني على ه�شا�شة الت�أ�سي�س املدين يف الوعي العربي العام‪،‬‬ ‫حتى وقعت الواقعة على ر�ؤو�س حمرقي البخور منذ �سنة‬ ‫يف معبد امليادين الثورية العربية‪� ،‬صار امل�شهد �سورياليا‪،‬‬ ‫لي�صبح التحكك بالإخوان والإ�سالميني هو احلاكم‪ ،‬وبد�أت اللغة‬ ‫املدنية تخبو قليال وبد�أ الترب�ؤ من العلمانية وما ميت لها‬ ‫ب�صلة‪ ،‬تقرباً للم�شاعر ال�شعبية الب�سيطة‪.‬‬ ‫‪22‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫م�شاري الذايدي‬

‫يدعون أنهم يمثلون القيم العالمية‪ ،‬ويتصرفون‬ ‫وكأنه من الواضح أن تلك القيم تتفق مع اإلسالم‪.‬‬ ‫وفي أعقاب ‪ ،11/9‬بمساعدة بعض من اإلسالميين‬ ‫السابقين أمثال منصور النقيدان ومشاري الذايدي‬ ‫وعبداهلل بن بجاد العتيبي‪ ،‬توافرت كتاباتهم‬ ‫ومقاالتهم في نقد الفكر الصحوي‪ ،‬ومواجهة‬ ‫الحركية اإلسالمية ولكن بلغة خبيرة بالثقافة‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬وبالمرجعية الفكرية للصحويين‬ ‫اإلسالميين‪.‬‬

‫الليبراليون السياسيون‬ ‫و الليبراليون االجتماعيون‬ ‫لكن توحد مجموعات ثقافية متنوعة تحت مظلة نقد‬ ‫ً‬ ‫طويال‪ ،‬بدأت تظهر‬ ‫أفكار الصحوة ونشاطها لم يدم‬ ‫بوادر االنقسام واالختالف في المشاريع البديلة‬ ‫المطروحة‪ ،‬واألولويات لإلصالح والتغيير نتيجة‬ ‫الختالف المنطلقات الفكرية والسياسية بين أفراد‬ ‫هذا التيار المتحد ضد الصحوة‪.‬‬ ‫فبعد ‪ 11‬سبتمبر بفترة و انتشار مطالب اإلصالح‬ ‫السياسي‪ ،‬بدأ االختالف داخل الوسط الليبرالي‬ ‫عن الذي يجب إصالحه ً‬ ‫أوال‪ ،‬وكيف؟ هل تكون‬ ‫األولوية للتغيير الثقافي واالجتماعي‪ ،‬أم أن‬ ‫اإلصالح والتغيير السياسي يجب أن يكون ً‬ ‫أوال؟‬ ‫هذا الخالف أفرز تيارين منقسمين من داخل‬ ‫الليبراليين‪ ،‬المجموعة األولى ترى أن المشكلة‬ ‫الرئيسة في السعودية اجتماعية وثقافية‪ ،‬وبالتالي‬ ‫المطلوب في المقام األول هو اإلصالح االجتماعي‬ ‫والثقافي‪ ،‬واالستمرار في نقد الفكر الديني والصحوة‬ ‫واإلسالميين ومواجهتهم‪ ،‬وهؤالء يسميهم بعض‬ ‫الباحثين (الليبراليين االجتماعيين‪ /‬الثقافيين)‪ ،‬بينما‬ ‫ترى المجموعة األخرى أن أي تغيير حقيقي على‬ ‫الواقع البد أن يبدأ من اإلصالح السياسي ً‬ ‫أوال‪.‬‬ ‫ومن أجل ذلك‪ ،‬اليجد هؤالء ممن يمكن تسميتهم‬ ‫بـ (الليبراليين السياسيين‪ /‬اإلصالحيين) حرجاً في‬ ‫التعاون مع أية مجموعة اجتماعية أخرى‪ ،‬حتى‬ ‫لو كانت إسالمية حركية‪ ،‬طالما يتفقون معهم على‬ ‫أهداف إصالحية سياسية مشتركة‪.‬‬ ‫أدى هذا التعاون المشترك إلى ظهور مطالبات‬ ‫إصالحية وبيانات سياسية وقع عليها مجموعة‬ ‫متنوعة ومختلفة من التيارات واألطياف السياسية‬ ‫السعودية‪ ،‬إسالميين وليبراليين‪ .‬من أبرزها بيان‬ ‫المطالب اإلصالحية «رؤية لحاضر الوطن‬ ‫ومستقبله عام ‪ »2003‬الذي وقع عليه الدكتور‬ ‫تركي الحمد‪ ،‬وعلي الدميني‪ ،‬ومتروك الفالح‪،‬‬ ‫ونجيب الخنيزي‪ ،‬وخالد الدخيل‪ ،‬ومحمد سعيد‬ ‫طيب‪ ،‬وأسماء أخرى إسالمية وليبرالية ويسارية‪.‬‬


‫العربي الموجود إنما «هو في حقيقته أشتات‬ ‫مجتمعات‪ ،‬أو لنقل أنه مظلة تجتمع تحتها التيارات‬ ‫غير اإلسالموية كافة»‪.‬‬ ‫في حين يختلف معه الباحث الليبرالي األردني‬ ‫شاكر النابلسي ‪ -‬الكاتب في صحيفة الوطن‬ ‫السعودية‪ ،‬ومؤلف كتاب (الليبرالية السعودية بين‬ ‫الوهم والحقيقة) ‪ -‬الذي رد ً‬ ‫قائال‪« :‬من ينكر وجود‬

‫تيار ليبرالي سعودي‪ ،‬فإنه ينكر هذا الكم اليومي‬ ‫واألسبوعي الكبير‪ ،‬من النتاج الفكري والثقافي‬ ‫الليبرالي السعودي الذي يدعو إلى اإلصالح‬ ‫والتغيير والتطوير واللحاق بركب العصر‪ ،‬وهو‬ ‫من ينكر هذا الكم الكبير من شعر الحداثة السعودي‬ ‫الذي أُنتج خالل العشرين سنة الماضية»‪.‬‬ ‫يستحضر الكاتب شاكر النابلسي دوماً خصوصية‬ ‫الحالة السعودية في حديثه عن التيار الليبرالي‬ ‫فيها‪ ،‬هو يؤكد بوضوح أن قصة الليبرالية والتيار‬ ‫الليبرالي في السعودية‪ ،‬قصة مختلفة عن باقي‬ ‫قصص تيارات الليبرالية العربية‪« ،‬إنها نسيج‬ ‫مستقل لوحده‪ ،‬وذلك لعوامل عدة ملموسة‪ ،‬تتمثل‬ ‫في الجغرافيا‪ ،‬وموقع المملكة شبه الصحراوي‪،‬‬ ‫وابتعادها إلى حد ما عن تيارات الفكر العربي‬ ‫المختلفة‪ ،‬وموقع السعودية الديني في العالم‬ ‫اإلسالمي‪ .‬كما أن هناك الوضع االقتصادي المتميز‬ ‫بين بقية بلدان العالم اإلسالمي‪ .‬وال ننسى التعدد‬ ‫العرقي‪ ،‬واألصول التاريخية لمختلف تكوينات‬ ‫سكان المملكة»‪.‬‬ ‫بناء على هذه العوامل المميزة والخاصة بالحالة‬ ‫السعودية‪ ،‬فمن هو الليبرالي السعودي إذن؟‬ ‫الناشط الليبرالي والكاتب في صحيفة الجزيرة‬ ‫السعودية الدكتور عبدالرحمن الحبيب يجيب‬ ‫على هذا السؤال فيقول‪« :‬الليبرالي السعودي هو‬ ‫المقتنع بالليبرالية‪ ،‬هكذا ببساطة‪ .‬فصفة الليبرالي‬ ‫تطلق على الفرد المؤمن بالحرية‪ ،‬أي فرد‪ ،‬وال‬ ‫عالقة لها بالجنسية‪ ،‬سعودي أو غير سعودي‪...‬‬ ‫ووفقاً للظروف السعودية الحالية يمكن القول بأن‬ ‫الليبرالي السعودي هو الشخص المؤيد للتجديد‬ ‫واالنفتاح واإلصالح والتعددية ودعم الحريات‬ ‫العامة والخاصة‪ ..‬وإذا كانت األشياء بأضدادها‬ ‫تعرف‪ ،‬فيقابل هذا الليبرالي ذلك المحافظ على‬ ‫األصالة والتقاليد واألعراف والقواعد الماضية»‪.‬‬ ‫لكن الحبيب يجيب على سؤال في برنامج‬ ‫(إضاءات) على قناة العربية طرحه اإلعالمي‬ ‫تركي الدخيل‪ ،‬حول ما إذا كان هناك ً‬ ‫فعال تيار‬

‫ً‬ ‫قائال بأنهم طيف ولم يرتقوا‬ ‫ليبرالي سعودي‪،‬‬ ‫لمستوى تيار‪ ،‬فـ»هناك أطياف فكرية في السعودية‬ ‫منها أطياف محافظة وإسالمية أو قومية عروبية‪،‬‬ ‫ومن ضمن هذه األطياف نجد أطيافاً ليبرالية‬ ‫موجودة في الثقافة واألدب بشكل أكبر»‪.‬‬

‫الليبرالية السعودية‬ ‫بانوراما تاريخية‪:‬‬ ‫مصطلح الليبرالية مصطلح حديث على الساحة‬ ‫السعودية فهو بكل المقاييس لم يستخدم على نطاق‬ ‫واسع قبل التسعينات‪ .‬هكذا يؤكد الباحث الفرنسي‬

‫ستيفن الكروا الذي درس التيارات الثقافية في‬ ‫السعودية حيث يؤرخ لبدايات الحراك الليبرالي‬ ‫في السعودية ‪ -‬في مقال خاص بمجلة «المجلة»‬ ‫نشر بتاريخ ‪ 2‬يونيو (حزيران) ‪ - 2010‬بأعقاب‬ ‫الحرب العالمية الثانية‪“ ،‬حين عاد بعض الطالب‬ ‫السعوديين الذين سافروا إلى مصر أو لبنان أو‬ ‫العراق من أجل الدراسة إلى المملكة متأثرين‬ ‫باأليديولوجيات اليسارية والقومية العربية التي‬ ‫كانت منتشرة في المنطقة بدرجة كبيرة‪ .‬وبشكل‬ ‫غير مباشر استضافت مؤسسات تعليمية وصناعية‬ ‫ مثل أرامكو – عدداً كبيراً من العاملين العرب‬‫من جميع الدول المجاورة‪ ،‬وكان كثير منهم متأثرا‬ ‫باألفكار ذاتها‪ .‬ونتيجة لذلك‪ ،‬ظهرت جماعات‬

‫�إبراهيم البليهي وا�صفاً الثورة امل�صرية‪:‬‬ ‫العرب الآن يتهي�ؤون لدخول التاريخ دخوال فاع ًال‬ ‫�إيجابياً بعد ان خرجوا منه‪� ..‬إن انهيار النظام‬ ‫امل�صري املتعفن �سيكون اعظم �أثراً على العامل‬ ‫من انهيار جدار برلني‪ ،‬لقد كان من �أعتى ح�صون‬ ‫التخلف‪ ،‬وقد انهار هذا احل�صن‪.‬‬

‫�إبراهيم البليهي‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪21‬‬


‫تحقيق‬

‫قراءة في الخطاب الليبرالي السعودي بعد «ربيع اإلسالميين»‬

‫�أ�صوات ناقدة‬

‫بقلم‪ :‬عبداهلل الرشيد‬

‫غي اخلارطة ال�سيا�سية للمنطقة العربية‪ ،‬و�ساهم يف �صعود قوى‬ ‫�إذا كان الربيع العربي قد رّ‬ ‫جديدة وتراجع �أخرى �أو تواريها يف عامل من الأحداث مفاجئ مت�سارع‪ ،‬فالبد لهذه االنعطافات‬ ‫الكربى �أن يكون لها �أثر بارز يف �إعادة �صياغة اخلطابات الفكرية والثقافية يف املنطقة العربية‪،‬‬ ‫ا�ستجابة للتغريات ال�ضخمة التي ع�صفت مبنطقة العرب‪.‬‬

‫كان الخطاب الليبرالي واحداً من أهم الخطابات‬ ‫الثقافية التي تعاطت بأنماط مختلفة مع أحداث‬ ‫الربيع العربي‪ ،‬لكن ما يميز هذا الخطاب في أي‬ ‫منطقة هو فردانيته واستقالل منطلقات أصحابه‬ ‫وتنوع خلفياتهم‪ ،‬هو خطاب يستعصي بطبيعته‬ ‫أن يندمج تحت مظلة أو رابطة واحدة حتى وإن‬ ‫كانت القيم الكلية العامة واحدة‪ ،‬األمر الذي يجعلك‬ ‫أمام مشارب واتجاهات متنوعة تختلف في زوايا‬ ‫اهتماماتها‪ ،‬وتقدير أولوياتها‪.‬‬ ‫دائماً ما يحظى الخطاب الليبرالي‪ ،‬والليبراليون‬ ‫في السعودية على وجه الخصوص بدراسات‬ ‫وكتابات تسلط الضوء على أفكارهم وأهدافهم‬

‫ومشاريعهم‪ ،‬لكنها غالباً تأتي كرؤية من الخارج‬ ‫في سياق الخصومة والصراع المذهبي‪ ،‬وفيها‬ ‫يتم دمج الليبراليين كلهم في دائرة واحدة حتى‬ ‫يستطيع الباحث تعميم نتائجه التي يريدها على كل‬ ‫شخصيات التيار بسهولة‪ ،‬من دون أن يعنيه الفرز‬ ‫والترتيب والتدقيق‪ ،‬وهذه طبيعة أجواء السجال‬ ‫والمواجهة‪ .‬لكن دراسات قليلة تقرأ التيار الليبرالي‬ ‫من داخله وتفككه‪ ،‬وتفرز أنماطه‪ ،‬وتستكشف‬ ‫اتجاهاته من دون أن تكون منطلقة من دافع‬ ‫أيديولوجي خارجي‪.‬‬ ‫واآلن‪ ..‬في تيار وليد وحديث مازال يتشكل‪،‬‬ ‫وتتكون معالم أفكاره وطروحاته شيئاً فشيئاً‪ ،‬تحدث‬

‫د‪ .‬تركي احلمد‪� :‬إن من ترب�أ من الليربالية وفقاً‬ ‫للمعطيات ال�سيا�سية التي �أفرزها الربيع العربي‪،‬‬ ‫ف�إين ال �أظن �أنه كان ليربالياً من الأ�سا�س‪� ،‬أو �أن‬ ‫لديه مفهوماً مغلوطاً عن الليربالية‪� ،‬أو �أنه‬ ‫كان مغاز ًال لها لي�س �إال‪ ،‬كما هو اليوم مغازل‬ ‫للإ�سالموية يف �صعودها‪� ،‬أو �صاحب م�صلحة �أو‬ ‫منفعة‪ ،‬ولكنه لي�س ليربالياً ب�أي حال من الأحوال‪.‬‬ ‫‪20‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫انقسامات واختالفات داخل خطاب هذا التيار‬ ‫كشفتها أحداث وتحوالت سياسية من أهمها أحداث‬ ‫الربيع العربي‪ ،‬وصعود الحركات اإلسالمية للحكم‬ ‫في عدد من الدول العربية‪ ...‬فكيف كان موقف‬ ‫الخطاب الليبرالي السعودي من هذه األحداث‪،‬‬ ‫وكيف تعاطى معها؟ وهل أثر ذلك على أهدافه‬ ‫ورؤيته‪ ،‬وغيّر من أولوياته التي كان من أبرزها‬ ‫نقد المشروع اإلسالمي‪ ،‬والحركية اإلسالمية‪.‬‬ ‫في هذا الملف نستقرئ الخطاب الليبرالي السعودي‬ ‫بعد الربيع العربي وصعود اإلسالميين‪ .‬نستمع إلى‬ ‫األصوات المتجادلة من داخل البيت الليبرالي‪ ..‬هو‬ ‫يرد على نفسه‪ ،‬ويناقش نفسه‪ ،‬ويدور الحوار بين‬ ‫أفراده‪.‬‬

‫ً‬ ‫أوال‪ ..‬هل هناك ليبرالية سعودية؟‬ ‫في البدء يثور تساؤل مستمر في ظل إثارة موضوع‬ ‫كهذا‪ ..‬من هو الليبرالي السعودي؟ وهل هناك تيار‬ ‫ليبرالي سعودي ً‬ ‫فعال؟‬

‫د‪ .‬تركي احلمد‬

‫الكاتب والمفكر السعودي تركي الحمد ‪ -‬أحد أبرز‬ ‫الرموز التاريخية لليبرالية السعودية ‪ -‬يؤكد بأنه‬ ‫ال يمكن الجزم بأن هناك «تيارا ليبراليا متماسكا»‬ ‫ليس على مستوى الحالة السعودية فحسب‪ ،‬وإنما‬ ‫ينفي وجود (تيار ليبرالي عربي)‪ ،‬فالتيار الليبرالي‬


‫في استمرار ومستوى العالقات مع واشنطن‪،‬‬ ‫وهل ستلجأ القاهرة إلى اتباع سياسات جديدة أو‬ ‫بديلة للتعاون مع واشنطن‪ ،‬ومدى قدرتها على‬ ‫تنويع الصداقات الدولية‪ ،‬مصادر االستثمارات‪،‬‬ ‫المبادالت التجارية‪ ،‬وتتبنى عالقات أكثر انفتاحاً‬ ‫مع الدول الصاعدة‪ ،‬وسد العجز في الموازنة‬ ‫العامة للدولة‪.‬‬ ‫الواضح أن القاهرة لجأت إلى التهدئة في التعامل‬ ‫مع تداعيات أحداث الفيلم المسيء للرسول عليه‬ ‫الصالة والسالم‪ ،‬حيث قاطعت جماعة اإلخوان‬ ‫المسلمين مظاهرات االحتجاج ضد الفيلم‪ ،‬كما‬ ‫طوقت قوات األمن المتظاهرين تحسباً الشتعال‬ ‫الموقف وخروج الوضع عن السيطرة األمنية‪،‬‬ ‫وخشية أن يتحول األمر إلى مخاطرة أمنية‬ ‫ضد النظام الحاكم نفسه‪ ،‬لذلك قد تكون طبيعة‬ ‫الصعوبات التي تواجه مصر تحتم عليها تقوية‬ ‫المصالح مع الواليات المتحدة‪ ،‬وليس االبتعاد عنها‬ ‫رغم الضغوطات التي تمارسها واشنطن على‬ ‫القاهرة‪ ،‬فليس أمام النظام المصري فرص أكبر‬ ‫للمناورة السياسية أمام اإلدارة األميركية‪.‬‬

‫وضع غامض‬ ‫الوضع في ليبيا ال يقل خطورة عن نظيره في‬ ‫مصر‪ ،‬حيث توجد انقسامات على األرض‪ ،‬ومازال‬ ‫الوضع غامضاً‪ ،‬فالدولة الليبية المركزية مؤجلة‪،‬‬ ‫ولم تعد هيبتها وسيطرتها على كامل التراب الليبي‪،‬‬ ‫مع الخشية من شبح التقسيم في ظل حالة التشاحن‬ ‫بين الشرق الليبي الغني بالنفط والغرب معقل‬ ‫القبائل القريبة من النظام السابق‪ ،‬لذلك فالوجود‬ ‫العسكري األميركي في ليبيا لحماية السفارة‬ ‫األميركية ومقار البعثة الدبلوماسية األميركية‪،‬‬ ‫وإرسال طائرات من دون طيار للبحث عن قتلة‬ ‫السفير األميركي في بنغازي يحمل مخاطر على‬ ‫األمن الوطني الليبي‪ ،‬وقد يستمر هذا الوجود لفترة‬ ‫زمنية طويلة‪ ،‬بسبب عدم اكتمال المنظومة األمنية‬ ‫على األرض‪ ،‬وعدم انصهار القوي الحاكمة هناك‬ ‫في بوتقة حكم واحدة‪ ،‬وهنا تكمن الخطورة حيث‬ ‫قد يتحول الوجود األميركي هناك إلى وجود دائم‬ ‫على غرار كوريا الجنوبية واليابان وغيرهما‪.‬‬ ‫الرغبة األميركية التي عارضتها السودان بإرسال‬ ‫عناصر من المارينز إلى الخرطوم لحماية المقار‬ ‫الدبلوماسية في السودان‪ ،‬ال تقل خطورة عن‬ ‫الوجود العسكري األميركي في ليبيا‪ ،‬خاصة أن‬ ‫هناك عدم وفاق بين شمال السودان وجنوبه‪،‬‬ ‫ناهيك عن التمرد المزمن في دار فور‪ ،‬إضافة إلى‬ ‫مطالبة المحكمة الدولية بمثول الرئيس السوداني‬ ‫البشير بالمثول أمامها استنادا إلى تقرير موريس‬ ‫اوكامبو‪ ،‬كل ذلك يجعل من وجود المارينز‬ ‫في السودان‪ ،‬خطراً كبيراً على األمن الوطني‬

‫السوداني وعلى النظام الحاكم في الخرطوم‪.‬‬

‫ذر الرماد في العيون‬ ‫الوضع في سوريا يمثل قنبلة في منطقة الشرق‬ ‫األوسط بين انتفاضة شعبية وثورة عارمة‪ ،‬وبين‬ ‫نظام متسلط ال يعرف إال لغة القوة واإلبادة الجماعية‬ ‫بصفة يومية‪ ،‬ويقابل ذلك استرخاء دولي‪ ،‬وحراك‬ ‫أميركي ال يرقى إلى مستوى الحدث‪ ،‬وهو بمثابة‬ ‫ذر الرماد في العيون ليس أكثر‪ ،‬فهو حتى اآلن‬ ‫ال يسمن وال يغني من جوع‪ ،‬في حين يوجد دعم‬ ‫روسي ـ صيني ـ إيراني لنظام األسد بغرض الحفاظ‬ ‫عليه‪ ،‬أو على األقل إلطالة أمده إلنهاك المعارضة‬ ‫السورية‪ ،‬خاصة اإلسالمية باعتبارها القوى‬ ‫المهمة والمنظمة بين صفوف المعارضة السورية‪،‬‬ ‫والتي يمكن أن تجمع بين طياتها عرقيات مختلفة‪،‬‬ ‫كما أن إطالة أمد الصراع في سوريا يعطي القوى‬ ‫الخارجية المؤيدة لنظام األسد الفرصة لترتيب‬ ‫األوضاع على األرض وتوفير البديل المناسب‬ ‫أو االتفاق على قيادة عسكرية أو مدنية ال تمثل‬ ‫خطورة على إسرائيل وأمنها ووجودها مع محاولة‬ ‫استبعاد جماعة اإلخوان المسلمين بقدر اإلمكان من‬ ‫الوصول إلى الحكم في سوريا‪ ،‬كما أن إطالة أمد‬ ‫الحرب الداخلية في سوريا سوف يلتهم مخزون‬ ‫السالح السوري‪ ،‬ولن يجد النظام القادم أي أسلحة‬ ‫هجومية أو دفاعية‪ ،‬وبذلك تكون سياسة األرض‬ ‫المحروقة في صالح إسرائيل‪.‬‬

‫التباس وغموض‬ ‫من جهة أخرى‪ ،‬العالقات األميركية ـ اإليرانية‬ ‫ملتبسة وغامضة وتحمل من غير المعلن أكثر مما‬

‫الو�ضع يف ليبيا ال يقل خطورة‬ ‫عن نظريه يف م�صر‪ ،‬حيث توجد‬ ‫انق�سامات على الأر�ض‪ ،‬ومازال‬ ‫الو�ضع غام�ضاً‪ ،‬فالدولة الليبية‬ ‫املركزية م�ؤجلة‪ ،‬ومل تعد هيبتها‬ ‫و�سيطرتها على كامل الرتاب الليبي‪،‬‬ ‫مع اخل�شية من �شبح التق�سيم‬ ‫يف ظل حالة الت�شاحن بني ال�شرق‬ ‫الليبي الغني بالنفط والغرب معقل‬ ‫القبائل القريبة من النظام ال�سابق‬

‫هو معلن‪ ،‬فالواضح أن هناك خالفاً بين الجانبين‬ ‫على البرنامج النووي اإليراني‪ ،‬وفرض عقوبات‬ ‫اقتصادية على طهران‪ ،‬وهجوم إعالمي وتالسن‬ ‫متبادل‪ ،‬لكن المؤكد أن الواليات المتحدة أهدت‬ ‫طهران مفتاح العراق وأفغانستان على طبق‬ ‫ً‬ ‫خلال في منظومة األمن‬ ‫من ذهب‪ ،‬مما أحدث‬ ‫االستراتيجي في منطقة الخليج‪ ،‬فقد استأصلت‬ ‫أميركا أخطر نظامين معاديين لطهران في‬ ‫المنطقة‪ ،‬وهما البعث في العراق وطالبان في‬ ‫أفغانستان‪.‬‬ ‫العداء أو الخالف األميركي ـ اإليراني يظل حتى‬ ‫اآلن في طور الخالف اإلعالمي والدبلوماسي‪،‬‬ ‫حيث تريد واشنطن ضمان وجودها في مياه الخليج‬ ‫لحماية مصالحها من دون االصطدام بإيران‪،‬‬ ‫أو الدخول في حرب مباشرة معها‪ ،‬خاصة بعد‬ ‫الصعوبات التي كلفت الواليات المتحدة الكثير في‬ ‫العراق وأفغانستان‪ ،‬ما يجعلها لن تكرر التجربة‬ ‫في إيران بسهولة‪.‬‬ ‫يأتي ذلك مع تغير موازيين القوى مقارنة‬ ‫بالظروف التي كانت موجودة في العام ‪،2003‬‬ ‫عندما غزت الواليات المتحدة ودول التحالف‬ ‫بغداد‪ ،‬وأسقطت نظام الرئيس العراقي السابق‬ ‫صدام حسين‪ ،‬وأنهت حكم حزب البعث‪ ،‬ففي‬ ‫المرحلة الحالية برز اآلن الفيتو الروسي ـ‬ ‫الصيني بقوة‪ ،‬بل هو الذي يوفر الحماية للنظام‬ ‫السوري‪ ،‬رغم ما يرتكب من جرائم وفظائع غير‬ ‫مسبوقة منذ أن وضعت الحرب العالمية أوزارها‬ ‫في منتصف األربعينيات من القرن الماضي‪،‬‬ ‫وإبادة المسلمين في حرب البلقان األخيرة‪ ،‬لذلك‬ ‫لن تستطيع واشنطن أن تتخذ قراراً للدخول في‬ ‫حرب مع إيران بسهولة‪ ،‬كما فعلت ضد نظام‬ ‫صدام حسين‪.‬‬ ‫هذه المعطيات تؤكد أن الواليات المتحدة تتجه‬ ‫وبقوة لمحاولة استعادة هيبتها‪ ،‬والحفاظ على‬ ‫مصالحها في منطقة الشرق األوسط‪ ،‬وتأجيل‬ ‫أفول نجم امبراطوريتها في هذه المنطقة‪،‬‬ ‫واإلبقاء على حالة التوان االستراتيجي لضمان‬ ‫بقاء إسرائيل والحفاظ على أمنها‪ ،‬وبقاء الوجود‬ ‫العسكري األميركي في الشرق األوسط من دون‬ ‫تكاليف جديدة أو خسائر كبيرة‪ ،‬ومن الواضح‬ ‫أن «الربيع العربي» سوف يمنحها هذه الفرصة‬ ‫وليس العكس‪ ،‬كما تصور البعض عند هبوب‬ ‫رياح هذا الربيع في نهاية العام ‪ 2010‬وبداية‬ ‫عام ‪ ،2011‬كما أن واشنطن أجادت التعامل مع‬ ‫متغيرات هذا الربيع‪ ،‬وأرادت أن تجني ثماره إن‬ ‫لم تكن قطفتها مبكرا‪.‬‬ ‫ستظل األيام حبلى بكثير من المفاجآت التي ستلدها‬ ‫السياسات األميركية في الشرق األوسط <‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪19‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫واكب عرض هذا الفيلم سلسلة من اإلشارات‬ ‫األميركية المقلقة لعدد من الدول العربية‬ ‫واإلسالمية‪ ،‬فسرها البعض على انها أوراق‬ ‫ضغط على أنظمة تيارات اإلسالم السياسي في‬ ‫دول «الربيع العربي» واختبار رد فعلها‪ ،‬وأنها‬ ‫تحمل شبهة الرغبة األميركية في توسيع الخالفات‬ ‫بين هذه األنظمة وبين شعوبها‪ ،‬أو هز ثقة الشارع‬ ‫العربي في هذه األنظمة‪ ،‬أو اختبار مدى استجابتها‬ ‫للضغوط األميركية‪.‬‬ ‫وفي كل األحوال ستكون النتيجة واحدة‪ ،‬وهي‬ ‫ضرب التفاف شريحة كبرى من هذه الشعوب‬ ‫حول األنظمة الصاعدة‪ ،‬وافقادها أهم عناصر‬ ‫قوتها وهو الشارع العربي‪ ،‬وعلى العموم ففي كل‬ ‫األحوال سيكون الخاسر هذه األنظمة‪ ،‬فإذا حدث‬ ‫قمع للمتظاهرين المحتجين المعارضين ألميركا‬ ‫في الشوارع والميادين‪ ،‬سيكون ذلك بمثابة بداية‬ ‫صراعات ومواجهات بين الشعوب وهذه األنظمة‬ ‫التي جاءت أصال عبر المظاهرات الشعبية‪ ،‬بينما‬ ‫إذا سمحت هذه الحكومات للمظاهرات‪ ،‬فقد يؤدي‬ ‫ذلك إلى فوضى قد تقود إلى حالة من الصراع‬ ‫الطائفي أو خروج الوضع األمني عن السيطرة‪.‬‬ ‫وفي حال عدم إعالن هذه األنظمة معارضتها‬ ‫وصمتها حيال المواقف األميركي‪ ،‬فستدخل في‬ ‫دائرة االتهام بمواالة البيت األبيض‪ ،‬ويأتي ذلك‬ ‫في دول تعاني من االنفالت األمني وضعف قبضة‬ ‫الدولة حديثة التكوين بعد انهيار النظم القديمة ذات‬ ‫الطبيعة األمنية القوية‪ ،‬إضافة إلى مشاكل الفقر‪،‬‬ ‫البطالة‪ ،‬واالقتصاديات الهشة مما يعني فتح أبواب‬ ‫االحتماالت على مصرعيها‪.‬‬ ‫ومن بين هذه اإلشارات غير المريحة أو المحرجة‬ ‫لألنظمة العربية الصاعدة هي أن الحزب‬ ‫الديمقراطي‪ ،‬تبنى ألول مرة في تاريخه‪ ،‬أن القدس‬ ‫المحتلة‪ ،‬عاصمة أبدية إلسرائيل‪ ،‬في اطار الحملة‬ ‫االنتخابية للرئيس باراك اوباما الذي أراد أن يزايد‬ ‫على منافسه الجمهوري في ذلك‪ ،‬بل ان أوباما‬ ‫أرسل رسالة قوية وغير مسبوقة لمصر‪ ،‬عندما‬ ‫رد على المظاهرات أمام السفارة األميركية في‬ ‫القاهرة بقوله «إن مصر ليست عدوة‪ ،‬لكنها ليست‬ ‫حليفة للواليات المتحدة األميركية»‪ ،‬وهذه الرسالة‬ ‫تعكس تطوراً له داللة ومغزى في العالقات بين‬ ‫الدولتين‪.‬‬ ‫حتى وإن لم تكن مصر حليفة لواشنطن بالمعنى‬ ‫القانوني الذي برره البيت األبيض الحقاً إال أن‬ ‫العالقات الثنائية منذ أن أرساها الرئيس المصري‬ ‫األسبق أنور السادات‪ ،‬ونظيره األميركي جيمي‬ ‫كارتر لم تشهد مثل هذا الفتور المعلن‪ ،‬كما‬ ‫أن الصحف األميركية ذكرت أن أوباما وجه‬ ‫تحذيرات للقيادة المصرية في اتصال تليفوني‬ ‫‪18‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫العداء �أو اخلالف الأمريكي ـ الإيراين‬ ‫يظل حتى الآن يف طور اخلالف‬ ‫الإعالمي والدبلوما�سي‪ ،‬حيث‬ ‫تريد وا�شنطن �ضمان وجودها‬ ‫يف مياه اخلليج حلماية م�صاحلها‬ ‫من دون اال�صطدام ب�إيران‪� ،‬أو‬ ‫الدخول يف حرب مبا�شرة معها‪،‬‬ ‫خا�صة بعد ال�صعوبات التي كلفت‬ ‫الواليات املتحدة الكثري يف العراق‬ ‫و�أفغان�ستان‪ ،‬ما يجعلها لن تكرر‬ ‫التجربة يف �إيران ب�سهولة‬ ‫مع الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي‪ ،‬بعد‬ ‫احتدام المظاهرات الشعبية أمام السفارة األميركية‬ ‫في القاهرة في وقت سابق‪ ،‬وهذه التسريبات‬ ‫اإلعالمية تغضب الشعب المصري‪ ،‬ويعتبرها‬ ‫نوعاً من االستعالء األميركي أو عدم اللياقة في‬ ‫مخاطبة رئيسه‪ ،‬حتى وإن كانت العالقات غير‬ ‫المعلنة تحمل أشياء أخرى‪.‬‬ ‫واكب هذه التطورات أيضاً تلكؤ اإلدارة األميركية‬ ‫في دعم مفاوضات مصر مع صندوق النقد‬ ‫الدولي القتراض مبلغ الـ ‪ 4.8‬مليار دوالر‪ ،‬وقد‬ ‫يكون ذلك لحث القاهرة على تطبيق اصالحات‬ ‫اقتصادية‪ ،‬وفي حال تطبيقها سوف يزداد االحتقان‬ ‫الشعبي ضد حكومة القاهرة لما لهذه االصالحات‬ ‫المرتقبة من تداعيات على تعويم الجنيه وتخفيض‬ ‫قيمته التي تراجعت بشكل ملحوظ خالل العامين‬ ‫األخيرين‪ ،‬ورفع الدعم الحكومي للسلع االساسية‬ ‫كالمحروقات والخبز والمواد التموينية‪ ،‬وزيادة‬ ‫أسعار السلع والخدمات في دولة تعاني من أوضاع‬ ‫اقتصادية صعبة مع تهاوي االحتياطي النقدي‬ ‫المصري من العملة األجنبية إلى ما دون ‪ 14‬مليار‬ ‫دوالر‪.‬‬ ‫كما أن إرسال قوات مارينز لحماية السفارة ومقار‬ ‫البعثات الدبلوماسية والقنصلية األميركية في ليبيا‪،‬‬ ‫ومحاولة إرسال عناصر مشابهة إلى السودان‬ ‫أيضا‪ ،‬بل إن طائرة أميركية من دون طيار‪ ،‬جابت‬ ‫األجواء الليبية بحثاً عن قتلة السفير األميركي في‬ ‫بنغازي حمل دالالت معينة على صعيد العالقات‬ ‫بين واشنطن وهذه الدول‪ ،‬مفادها أن العالقات‬

‫الثنائية ليست قائمة على الندية والتكافؤ‪.‬‬

‫العملية الديمقراطية‬ ‫في المقابل فإن التريث األميركي في توفير الدعم‬ ‫االقتصادي الكبير لهذه األنظمة مرده أن واشنطن‬ ‫تريد أن تتيقن من سالمة العملية الديمقراطية‬ ‫وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في الحكم‪ ،‬وعدم‬ ‫استئصال طائفة أو تيار بعينه العتبارات دينية‪،‬‬ ‫أو عرقية‪ ،‬أو أيديولوجية أو الضغط على هذه‬ ‫األنظمة إلحراجها ومن ثم إفشالها بأي شعوبها‪،‬‬ ‫وهذا السيناريو بدأ يؤتي ثماره حالياً‪.‬‬ ‫البعض يذهب بعيداً في قراءة أو تفسير نوايا‬ ‫واشنطن‪ ،‬ويغالي في نظرية المؤامرة‪ ،‬ويرى‬ ‫أن واشنطن لن تكف عن استخدام أوراق ضغط‬ ‫على أنظمة اإلسالم السياسي بهدف ضمان حماية‬ ‫المصالح األميركية في المنطقة واختبار قدرة هذه‬ ‫األنظمة على الصمود من عدمه‪ ،‬ومن بين هذه‬ ‫األوراق تغذية االنقسامات في ليبيا‪ ،‬والصراع‬ ‫بين أجنحة التيار اإلسالمي في تونس‪ ،‬أما في‬ ‫مصر فيأتي االقتصاد ً‬ ‫أوال‪ ،‬فهو العقبة الكؤود أمام‬ ‫الحكومة المصرية برئاسة اإلخوان المسلمين‪،‬‬ ‫إضافة إلى ذلك فإن ورقة المعونات االقتصادية‬ ‫والعسكرية التي تقدمها واشنطن للقاهرة التي‬ ‫تضمنتها اتفاقية كامب ديفيد وجاءت لتحفيز الجانب‬ ‫المصري على المضي قدما على طريق السالم‬ ‫مع إسرائيل منذ نهاية عقد السبعينيات من القرن‪،‬‬ ‫تعد ورقة مهمة في يد الجانب األميركي وطفت‬ ‫على سطح العالقات الثنائية في اآلونة األخيرة‪.‬‬ ‫وبالفعل قررت واشنطن وقف مفاوضات‬ ‫المساعدات لمصر رداً على أحداث السفارة في‬ ‫القاهرة‪ ،‬وكذلك إيقاف بحث إسقاط مليار دوالر من‬ ‫الديون المستحقة على مصر للواليات المتحدة‪ ،‬بل‬ ‫ان الكونغرس سيبحث خالل األسبوعين المقبلين‬ ‫مصير المساعدات طويلة األجل لمصر‪.‬‬ ‫األمر يتجاوز ذلك بالنسبة لمصر‪ ،‬فهناك عدة‬ ‫مشاكل تواجه النظام المصري وتتطلب مساعدة‬ ‫أميركا على تجاوزها‪ ،‬وهذه القضايا خطيرة‬ ‫ومنها‪ :‬مطالب وضغوط أقباط المهجر‪ ،‬وأهالي‬ ‫النوبة‪ ،‬مياه النيل‪ ،‬والفراغ األمني في سيناء مع‬ ‫نشاط التنظيمات االرهابية التي أحرجت اإلخوان‬ ‫المسلمين كثيراً‪ ،‬فكثير من أعضائها أفرجت عنهم‬ ‫حكومة اإلخوان ثم تمترسوا في سيناء ونفذوا‬ ‫هجمات إرهابية مؤلمة للدولة المصرية‪ ،‬وبما أثر‬ ‫على سلبا على صورة اإلخوان المسلمين الذي‬ ‫أصبحوا في وضع شديد الحساسية مع التنظيمات‬ ‫اإلسالمية المتطرفة‪ ،‬التي كانت مقربة منهم قبل‬ ‫وصولهم إلى السلطة‪ ،‬وسوف تتضح في الفترة‬ ‫المقبلة طبيعة العالقات المصرية ـ األميركية في‬ ‫ظل األوضاع الحالية ومدى رغبة القاهرة وقدرتها‬


‫المصالح األميركية في الشرق األوسط‬ ‫ومعادلة تيارات اإلسالم السياسي‬

‫قطف الثمار‬ ‫د‪ .‬عبد العزيز بن عثمان بن صقر‬

‫ك�شفت �أحداث وتبعات عر�ض الفيلم الذي �أ�ساء للر�سول الكرمي‬ ‫عليه ال�صالة وال�سالم �أخرياً‪ ،‬دالالت وم�ؤ�شرات مهمة على ال�صعيد‬ ‫ال�سيا�سي يف املنطقة‪ ،‬والعامل الإ�سالمي خ�صو�صا‪ ،‬على �صعيد‬ ‫عالقة الواليات املتحدة الأمريكية بنظم الإ�سالم ال�سيا�سي التي‬ ‫�صعدت �إىل ال�سلطة يف بع�ض الدول العربية حديثاً‪ ،‬وعلى وجه‬ ‫اخل�صو�ص يف م�صر وتون�س وليبيا غريها‪.‬‬ ‫كذلك أثارت تلك األحداث عالمات استفهام عديدة‬ ‫حول واقع هذه العالقة ومستقبلها‪ ،‬وطرحت أيضا‬ ‫تساؤالت حول حقيقة األجندة األميركية تجاه‬ ‫جماعات اإلسالم السياسي في منطقة الشرق‬ ‫األوسط‪ ،‬خصوصاً أن الواليات المتحدة دولة‬ ‫عظمى ولها مصالح استراتيجية ووجود مهم في‬ ‫هذه المنطقة الحيوية والملتهبة في الوقت نفسه‪،‬‬ ‫ليس لواشنطن فقط بل للعالم بأسره‪ ،‬نظراً ألهمية‬ ‫الموقع الجغرافي والممرات المائية‪ ،‬والمخزون‬ ‫النفطي الهائل الموجود في المنطقة‪ ،‬وغيرها من‬ ‫المزايا التي تمثل مصالح استراتيجية للواليات‬ ‫المتحدة‪.‬‬ ‫كما أن األمن بمفهومه الحديث الشامل الذي يتجاوز‬ ‫الحدود القطرية للدول‪ ،‬والضربات الموجعة التي‬ ‫تلقاها العالم وخاصة الواليات المتحدة األميركية‬ ‫من الجماعات اإلرهابية خالل السنوات العشرين‬ ‫األخيرة‪ ،‬جعلوا واشنطن تهتم باألمن الخارجي‪،‬‬ ‫وخصوصاً األمن في منطقة الشرق األوسط‪ ،‬بل‬ ‫تعتبره جزءًا مهماً من منظومة األمن القومي‬ ‫األميركي‪ ،‬كما أنه من الثوابت في السياسة‬ ‫األميركية أن واشنطن ال تستطيع أن تتخلى عن‬ ‫سياسة صناعة العدو الوهمي‪ ،‬إن لم يكن هناك‬ ‫العدو الحقيقي‪ ،‬لتحفيز الشعب األميركي وضمان‬

‫التفافه وتوحده وانصهاره في البوتقة األميركية‪،‬‬ ‫التي يتجاذبها تنوع العرقيات‪ ،‬األصول‪ ،‬الديانات‪،‬‬ ‫والقوميات‪ ،‬وقد وجدت واشنطن في أحداث الحادي‬ ‫عشر من سبتمبر عام ‪ ،2001‬ضالتها إلذكاء هذا‬ ‫التوجه بعد أن سقط واختفى العدو التقليدي وهو‬ ‫االتحاد السوفياتي وحلف وارسو‪.‬‬

‫أوراق ضغط‬ ‫من بديهيات السياسة األميركية أيضا أن واشنطن‬ ‫تحتفظ لنفسها دائماً بأوراق ضغط على الدول‬ ‫األخرى‪ ،‬وهي ال تتردد مطلقاً في استخدام هذه‬ ‫األوراق في الوقت المناسب من أجل الدفاع عن‬ ‫مصالحها االستراتيجية في العالم‪ ،‬وعلى وجه‬ ‫الخصوص في منطقة الشرق األوسط التي تشهد‬ ‫تغييرات في سياساتها وتوجهاتها وزادت حدتها‬ ‫بعد أحداث «الربيع العربي»‪ ،‬فالمعلوم أن دول‬ ‫«الربيع العربي» تمر بمرحلة مخاض سياسي‬ ‫لم تكتمل بعد‪ ،‬ولم تتضح معالمها الرئيسية بشكل‬ ‫نهائي‪ ،‬في حين واكب ذلك تأييد واشنطن لوصول‬ ‫تيار اإلسالم السياسي للحكم في هذه الدول‪ ،‬وهذا‬ ‫التأييد سوف يظل مثار تساؤالت ونقاش إلى أن‬ ‫تتضح دوافعه والنتائج التي تسعى إليها الواليات‬ ‫المتحدة من خالل هذا التوجه‪ ،‬وهناك آراء مختلفة‬

‫حول سلوك الواليات المتحدة تجاه أنظمة اإلسالم‬ ‫السياسي الصاعدة في المنطقة العربية‪ ،‬فثمة من‬ ‫يعتقد أن واشنطن دعمت وصول هذا التيار إلى‬ ‫الحكم لكونه يجد رغبة شعبية وتأييداً في الشارع‬ ‫العربي‪ ،‬وهي ال تريد االصطدام بهذه الرغبة‪،‬‬ ‫حيث أثبتت التجارب السابقة أن المطاردات‬ ‫األمنية والمالحقات القضائية خالل السنوات‬ ‫الستين الماضية زادت من تعاطف الشعوب‬ ‫مع جماعات تيار اإلسالم السياسي في المنطقة‬ ‫العربية وليس العكس‪ ،‬لذلك أرادت واشنطن أال‬ ‫تخسر تعاطف الشعوب‪ ،‬وأال تخسر اللحاق بركب‬ ‫الحكام الجدد‪ ،‬ليأخذ هذا التيار فرصته الطبيعة‬ ‫التي أوجدتها الرغبة الشعبية على أن يقدم أوراق‬ ‫اعتماده لهذه الشعوب ً‬ ‫أوال ثم للعالم ثانياً من خالل‬ ‫سياسات ناجحة في اطار منطق الدولة‪ ،‬وليس‬ ‫منطق جماعات أو أحزاب المعارضة المحظورة‬ ‫أو المهمشة‪ ،‬كما أرادت واشنطن أن تمحو أو‬ ‫تقلل من الصورة الذهنية الموجودة عنها لدى‬ ‫الشعوب اإلسالمية والتي تصنفها على أنها الداعم‬ ‫إلسرائيل بالحق والباطل‪ ،‬ومن ثم تريد واشنطن‬ ‫تهدئة خواطر الشعوب اإلسالمية أو تقلل من حالة‬ ‫الكراهية ضدها‪.‬‬ ‫في الوقت نفسه هناك من يراهن على أن بقاء هذه‬ ‫األنظمة الصاعدة من عدمه‪ ،‬مرتبط بقدراتها على‬ ‫توفير مطالب الشعوب التي تئن تحت وطأة ظروف‬ ‫اقتصادية صعبة وتعاني من الفقر‪ ،‬البطالة‪ ،‬والفساد‬ ‫اإلداري‪ ،‬وهنا يتوقع البعض فشل تجربة اإلسالم‬ ‫ً‬ ‫مستقبال وسوف تنهار من داخلها وعبر‬ ‫السياسي‬ ‫انفضاض الشعوب عن هذا التيار‪ ،‬ويذهب هؤالء‬ ‫إلى أن واشنطن سوف تستخدم االقتصاد كوسيلة‬ ‫للضغط على هذه األنظمة من أجل الحصول على‬ ‫أكثر ما تستطيع الحصول عليه‪ ،‬خصوصاً لتأمين‬ ‫إسرائيل من تداعيات «الربيع العربي»‪ ،‬واستمرار‬ ‫فرض العزلة اإلقليمية على إيران‪ ،‬إضافة إلى‬ ‫تأمين المصالح األميركية في المنطقة‪.‬‬

‫بالونات اختبار‬ ‫في هذا الخضم من األحداث والسيناريوهات‬ ‫ظهرت بالونات اختبار أميركية ألنظمة اإلسالم‬ ‫السياسي في المنطقة العربية‪ ،‬ومنها أحداث قصة‬ ‫الفيلم المسيء للرسول الكريم عليه الصالة والسالم‬ ‫وتداعياتها على العالقات األميركية مع دول‬ ‫«الربيع العربي» أخيراً‪ ،‬حيث عمت المظاهرات‬ ‫العديد من دول العالم العربي واإلسالمي وفي‬ ‫مجملها اتهمت أميركا بأنها وراء هذا الفيلم‪،‬‬ ‫باعتبار أن منتجه قبطي مصري األصل‪ ،‬وهو‬ ‫من أقباط المهجر ويعيش في الواليات المتحدة‪،‬‬ ‫وأن هذا الفيلم ما كان ليطهر إال بموافقة أميركية‪،‬‬ ‫خاصة أن موعد بثه كان مواكباً لذكرى ‪ 11‬سبتمبر‬ ‫الدامية‪.‬‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪17‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫باراك أوباما‬

‫‪16‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬


‫البـحـوث العلـميـة عاليـة التأثيـر‬ ‫‬ ‫ٌ‬ ‫متـاحـة ان للمـجتـمع بأكمله‪.‬‬

‫ﺷـﻬـﺮﻳﺎ‬ ‫ﺑﺎﻃﻼﻋﻚ ﻋﻠﻰ ‪ Nature‬ﺍﻟﻄﺒــﻌﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴــﺔ‪ ،‬ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺼـﺪﺭ‬ ‫ًّ‬ ‫ﺍﻧﻀـﻢ ﺇﻟﻰ ُﺭ ّﻭﺍﺩ ﺍﻟﻌﻠــﻮﻡ ﱢ‬ ‫ﺑﺎﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴـــﺔ‪ ،‬ﺇﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ ﺍﻟﻤﻮﻗﻊ ﺍﻹﻟﻜﺘــﺮﻭﻧﻲ ﺍﻟﺨـﺎﺹ ﺑﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺷﺒـﻜﺔ ﺍﻹﻧﺘـﺮﻧـﺖ‪ ،‬ﺍﻟﺬﻱ‬ ‫ﻳﺘﻢ ﺗﺤﺪﻳﺜﻪ ﺑﺼﻔﺔ ﺩﺍﺋﻤﺔ‪.‬‬ ‫ﺇﻥ ‪ Nature‬ﺍﻟﻄﺒــﻌﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴــﺔ ﺗﺘﻴﺢ ﻟﻠﻨﺎﻃﻘﻴﻦ ﺑﺎﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴــﺔ ﻣﺘﺎﺑﻌﺔ ﺍﻷﺧﺒــﺎﺭ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴــﺔ ﻓﺎﺋﻘﺔ ﺍﻟﺠﻮﺩﺓ‪ ،‬ﻭﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻘﺎﺕ‬ ‫ﻣﺘﺎﺣﺎ ﻣﺠﺎﻧً ﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻧﺘـﺮﻧـﺖ ﻛﻞ ﺃﺳﺒــﻮﻉ‪ ،‬ﻣﻊ ﻭﺟـﻮﺩ ﻧُ َﺴﺦ‬ ‫ﺍﻟﻮﺍﺭﺩﺓ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ”‪.“Nature‬ﺇﻥ ﻣﺤﺘـﻮﻯ ﺍﻟﻤﺠﻠﺔ ﺳﻴـﻜﻮﻥ‬ ‫ً‬ ‫ﺷﻬﺮﻳﺎ‬ ‫ﻣﻄﺒﻮﻋﺔ ﻣﺤﺪﻭﺩﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺠﻠﺔ‬ ‫ًّ‬

‫ﺍﻃﻠِ ْﻊ ﻋﻠﻰ ‪ Nature‬ﺍﻟﻄﺒﻌﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺍﻹﻧﺘﺮﻧﺖ‪ ،‬ﻭﺍﻣﻸ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﺨﺎﺹ ﺑﺎﻻﺷﺘﺮﺍﻙ ﻣﺠﺎﻧً ﺎ ﺑﺎﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﺮﺍﺑﻂ ﺍﻟﺘﺎﻟﻲ‪:‬‬ ‫ﱠ‬

‫‪arabicedition.nature.com‬‬

‫ﺑﺎﳌﺸﺎرﻛﺔ ﻣﻊ‪:‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫إن قنابلهم كانت تتساقط على أهلنا كالمطر أثناء‬ ‫االجتياح الصهيوني لبالدنا ومحاصرة بيروت‪..‬‬ ‫وطائراتهم كانت تغير بشكل متواصل في الليل‬ ‫والنهار على المدنيين من أهلنا وعلى أطفالنا‬ ‫ونسائنا وجرحانا‪ ..‬وكانت مناطق الكتائبيين‬ ‫العمالء آمنة من قصف العدو ومركزا لتوجيه‬ ‫وإرشاد قواته‪.‬وكنا نستصرخ ضمير العالم آنذاك‬ ‫فلم نسمع له حسا ولم نجد له أثرا‪ .‬هذا الضمير الذي‬ ‫افتقدناه أيام المحنة هو نفسه كان مستنفرا ويقظا‬ ‫يوم حوصر الكتائبيون المجرمون في مدينة زحلة‬ ‫البقاعية‪ ،‬ويوم حوصر المتحالفون مع إسرائيل‬ ‫في دير القمر الشوفية‪ ..‬فهالنا األمر وأيقنا أن هذا‬ ‫الضمير العالمي ال يهتز إال بناء لطلب األقوياء‬ ‫واستجابة لمصالح االستكبار‪.‬‬ ‫لقد ذبح اإلسرائيليون والكتائبيون عدة آالف من‬ ‫آبائنا وأطفالنا ونسائنا وإخواننا في صبرا وشاتيال‬ ‫خالل ليلة واحدة‪ ،‬فلم يصدر عن أية منظمة أو هيئة‬ ‫دولية أي استنكار أو شجب عملي لهذه المجزرة‬ ‫البشعة التي ارتكبت بتنسيق مع القوات األطلسية‬ ‫التي غادرت قبل أيام بل ساعات‪ ،‬المخيمات التي‬ ‫َق ِب َل المنهزمون أن يضعوها تحت حماية الذئب‬ ‫استجابة لمناورة الثعلب األميركي فيليب حبيب‪.‬‬ ‫وجاءت هذه االعتداءات المجرمة لتؤكد ما ورد‬ ‫في معتقداتنا الثابتة أنه «لََت ِجد َّ‬ ‫َن َّ‬ ‫أشد ال َنّاِس َعدَا َو ًة‬ ‫للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا» [المائدة‪.]82 :‬‬

‫ال خيار لنا إال المواجهة‬ ‫وعلى هذا األساس رأينا أن العدوان ال يرد إال‬ ‫بالتضحيات‪ ..‬والكرامة ال تكون إال ببذل الدماء‪،‬‬ ‫والحرية ال تعطى وإنما تسترد ببذل المهج‬ ‫واألرواح‪.‬‬ ‫فآثرنا الدين والحرية والكرامة على العيش الذليل‬ ‫والخضوع المستمر ألميركا وحلفائها وللصهاينة‬ ‫وحلفائهم الكتائبيين وانتفضنا لتحرير بالدنا وطرد‬ ‫المستعمرين والغزاة منها وتقرير مصيرنا بأيدينا‪.‬‬ ‫ولم يكن بوسعنا أن نصبر أكثر مما صبرنا عليه‪،‬‬ ‫نر إال كل‬ ‫فمحنتنا تجاوزت من السنين عشرا ولم َ‬ ‫طامع أو متملق أو عاجز‪.‬‬

‫تنسيق صهيوني كتائبي‬ ‫مائة ألف ضحية هو العدد التقريبي لجرائم أميركا‬ ‫وإسرائيل والكتائب فينا‪ .‬تهجير لنصف مليون مسلم‬ ‫تقريبا وتدمير شبه كامل ألحيائهم في «النبعة»‬ ‫و«برج حمود» و«الدكوانة» و«تل الزعتر»‬ ‫و«سبنيه» و«حي الغوارنة» و«بالد جبيل» التي‬ ‫ال يزال من تبقى من أهلنا فيها يتعرضون للمحنة‬ ‫دون أن تتحرك هيئة عالمية واحدة إلنقاذهم‪.‬‬ ‫‪14‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫خاللها إلى مستوى تدمير مركزين أساسيين لحكامه‬ ‫العسكريين‪ ،‬وصعد من مقاومته اإلسالمية شعبيا‬ ‫وعسكريا حتى أرغم العدو على اتخاذ قرار بالفرار‬ ‫المرحلي وهو قرار تضطر إليه إسرائيل ألول مرة‬ ‫في تاريخ ما سمي بالصراع العربي ‪ -‬اإلسرائيلي‪.‬‬ ‫وللحقيقة نعلن أن أبناء أمة حزب اهلل باتوا اآلن‬ ‫يعرفون أعداءهم األساسيين جيدا في المنطقة‪:‬‬ ‫إسرائيل‪ ،‬أميركا‪ ،‬فرنسا‪ ،‬والكتائب‪.‬‬

‫أهدافنا في لبنان‬ ‫أبناؤنا اآلن في حالة مواجهة متصاعدة ضدهم‬ ‫حتى تتحقق األهداف التالية‪:‬‬ ‫ تخرج إسرائيل نهائيا من لبنان كمقدمة إلزالتها‬‫نهائيا من الوجود وتحرير القدس الشريف من‬ ‫براثن االحتالل‪.‬‬ ‫واحتالل صهيوني استمر في اغتصابه ألراضي‬ ‫المسلمين حتى وصل إلى احتالل ألكثر من ثلث‬ ‫مساحة لبنان بتنسيق مسبق واتفاق كامل مع‬ ‫الكتائبيين الذين استنكروا محاوالت التصدي‬ ‫للقوات الغازية‪ ..‬وشاركوا في تنفيذ بعض خطط‬ ‫إسرائيل ليكملوا مشروعها ويعطوها ما تريد ثمنا‬ ‫إليصالهم إلى رئاسة الحكم‪.‬‬ ‫وهكذا كان‪ ،‬فلقد وصل الجزار‪ ،‬بشير الجميل‪ ،‬إلى‬ ‫سدة الرئاسة مستعينا بإسرائيل والنفطيين العرب‬ ‫وبالزعماء التابعين للكتائب من نواب المسلمين‪،‬‬ ‫وإثر محاولة متقنة لتجميل صورته البشعة في‬ ‫إطار غرفة عمليات سميت بـ«لجنة اإلنقاذ»‬ ‫ولم تكن إال جسرا أميركيا ‪ -‬إسرائيليا عبر عليه‬ ‫الكتائبيون باتجاه التسلط على رقاب المستضعفين‪.‬‬ ‫لكن شعبنا لم يستطع الصبر على هذه المهانة‪ ،‬فأباد‬ ‫أحالم الصهاينة وحلفائهم‪ ..‬إال أن أميركا أصرت‬ ‫على حماقتها فأوصلت أمين الجميل لخالفة أخيه‬ ‫المقبور‪ ،‬وكانت أول إنجازاته تدمير منازل‬ ‫المهجرين‪ ،‬واالعتداء على مساجد المسلمين‪،‬‬ ‫وإعطاء األوامر للجيش بقصف أحياء الضاحية‬ ‫المستضعفة على أهلها‪ ،‬واستدعاء قوات حلف‬ ‫األطلسي لالستعانة بهم علينا‪ ،‬وتوقيع اتفاقية ‪17‬‬ ‫مايو (أيار) المشؤوم الذي يجعل من لبنان محمية‬ ‫إسرائيلية ومستعمرة أميركية‪.‬‬

‫أعداؤنا األساسيون‬ ‫ولم يستطع شعبنا أن يتحمل كل هذه الخيانة فقرر‬ ‫مواجهة أئمة الكفر‪ :‬أميركا وفرنسا وإسرائيل‪ .‬ونفذ‬ ‫بحقهم أول عقوبة لهم في ‪ 18‬أبريل (نيسان)‪ ،‬ثم‬ ‫في ‪ 29‬أكتوبر (تشرين األول) ‪ 1983‬وكان قد بدأ‬ ‫حربا حقيقية ضد قوات االحتالل اإلسرائيلي ارتقى‬

‫ تخرج أميركا وفرنسا وحلفاؤهما نهائيا من لبنان‬‫وينتهي أي نفوذ ألية دولة استعمارية في البالد‪.‬‬ ‫ يرضخ الكتائبيون للحكم العادل ويحاكمون‬‫جميعا على الجرائم التي ارتكبوها بحق المسلمين‬ ‫والمسيحيين بتشجيع من أميركا وإسرائيل‪.‬‬ ‫ يتاح لجميع أبناء شعبنا أن يقرروا مصيرهم‬‫ويختاروا بكامل حريتهم شكل نظام الحكم الذي‬ ‫يريدونه‪ ،‬علما بأننا ال نخفي التزامنا بحكم اإلسالم‬ ‫وندعو الجميع إلى اختيار النظام اإلسالمي الذي‬ ‫يكفل وحده العدل والكرامة للجميع‪ ،‬ويمنع وحده‬ ‫أية محاولة للتسلل االستعماري إلى بالدنا من‬ ‫جديد‪.‬‬

‫أيها األصدقاء‬ ‫إذن‪ ،‬هذه هي أهدافنا في لبنان وهؤالء هم أعداؤنا‪،‬‬ ‫أما أصدقاؤنا فهم كل الشعوب المستضعفة في العالم‪،‬‬ ‫وهم كل من يحارب أعداءنا ويحرص على عدم‬ ‫اإلساءة إلينا‪ ..‬أفرادا كانوا أو أحزابا أو منظمات‪..‬‬ ‫وإننا نتوجه إليهم ونخصهم بهذا الخطاب فنقول‪:‬‬ ‫«أيها المحاربون والمنظمون أينما كنتم في لبنان‬ ‫وأيا كانت أفكاركم‪ ..‬إننا متفقون وإياكم على أهداف‬ ‫كبيرة ومهمة‪ ..‬تتمثل في ضرورة إسقاط الهيمنة‬ ‫األميركية على البالد‪ ..‬وطرد االحتالل الصهيوني‬ ‫الجاثم على رقاب العباد‪ ..‬وضرب كل محاوالت‬ ‫التسلط الكتائبي على شؤون الحكم واإلدارة‪..‬‬ ‫وإن كنا نختلف في أساليب المواجهة ومستوى‬ ‫المواجهة‪ ..‬فتعالوا نترفع عن التخاصم فيما بيننا‬ ‫على األمور الصغيرة ونفتح أبواب التنافس واسعة‬ ‫أمام تحقيق األهداف الكبيرة‪ .‬فليس مهما أن يسيطر‬ ‫حزب على شارع‪ ،‬وإنما المهم أن تتفاعل الجماهير‬ ‫مع هذا الحزب» <‬


‫وثائق الـ »سي اي ايه» السرية‬

‫حزب اهلل ‪ ..1985‬األهداف والمبادئ‬

‫تفرج وكالة االستخبارات‬ ‫األميركية «سي اي‬ ‫ايه» بين الحين اآلخر‬ ‫على آالف الوثائق‬ ‫لتقارير‬ ‫السرية‬ ‫أعدها ضباط وعمالء‬ ‫الوكالة في جميع أنحاء‬ ‫العالم‪ .‬الوثائق المنشورة‬ ‫على موقع الوكالة االلكتروني تعود الى عشرات‬ ‫السنين وتحرص الوكالة على حذف وحجب كل‬ ‫ما يعتبر إلى حد اآلن من األسرار وهي بحسب‬ ‫الخبراء تخص في الغالب شخصيات ما زالت‬ ‫على قيد الحياة أو معلومات قد يشكل الكشف عنها‬ ‫خطرا على أصحابها أو الجهات المذكورة فيها‬ ‫أو تهدد األمن القومي األميركي‪«.‬المجلة» تنشر‬ ‫وثيقة نشرها قسم الشرق األدنى وجنوب آسيا في‬ ‫الـ»سي اي ايه» حول أهداف ومبادئ حزب اهلل‬ ‫التي أصدرها الحزب في شكل خطاب مفتوح إلى‬ ‫«المستضعفين في لبنان والعالم» في بداية النشأة‬ ‫والبروز على الساحة السياسية بلبنان في العام‬ ‫‪1985‬‬

‫تقرير الشرق األدنى‪ /‬جنوب آسيا‬ ‫حزب اهلل يصدر «خطابا مفتوحا» حول‬ ‫األهداف والمبادئ‬ ‫(مكان النشر غير معروف) نص الرسالة المفتوحة‬ ‫التي وجهها حزب اهلل إلى المستضعفين في لبنان‬ ‫والعالم باللغة العربية بتاريخ ‪ 16‬فبراير (شباط)‬ ‫‪( 1985‬الصفحات من ‪.)48 - 1‬‬

‫المحتويات‬ ‫المقدمة‪1.................................................‬‬ ‫اإلهداء‪1.................................................‬‬

‫ال خيار لنا إال المواجهة‪4............................‬‬ ‫تنسيق صهيوني كتائبي‪5.............................‬‬ ‫أعداؤنا األساسيون‪5...................................‬‬ ‫أهدافنا في لبنان‪6......................................‬‬ ‫األصدقاء‪6..............................................‬‬ ‫نحن ملتزمون باإلسالم ولكننا ال نفرضه بالقوة‪7..‬‬ ‫الحد األدنى لتطلعاتنا في لبنان‪8......................‬‬ ‫آية قرآنية‪« :‬اليوم أكملت لكم دينكم‪ ،‬وأتممت عليكم‬ ‫نعمتي ورضيت لكم اإلسالم دينا»‪.‬‬ ‫ومن هنا فإن ما يصيب المسلمين في أفغانستان أو‬ ‫العراق أو الفلبين أو غيرها إنما يصيب جسم أمتنا‬ ‫اإلسالمية التي نحن جزء ال يتجزأ منها‪ ،‬ونتحرك‬ ‫لمواجهته انطالقا من واجب شرعي أساسا‪ ،‬وفي‬ ‫ضوء تصور سياسي عام تقرره والية الفقيه القائد‪.‬‬ ‫أما ثقافتنا فمنابعها األساسية‪ :‬القرآن الكريم‪،‬‬ ‫والسنّة المعصومة‪ ،‬واألحكام والفتاوى الصادرة‬ ‫عن الفقيه مرجع التقليد عندنا‪ ..‬وهي واضحة غير‬ ‫معقدة وميسرة للجميع دون استثناء‪ ،‬وال يحتاج إلى‬ ‫تنظير أو فلسفة‪ ،‬بل جل ما تحتاجه هو االلتزام‬ ‫والتطبيق‪.‬‬ ‫وأما قدرتنا العسكرية فال يتخيلَ َّن أحد حجمها‪ ،‬وإذ‬ ‫ليس لدينا جهاز عسكري منفصل عن بقية أطراف‬ ‫جسمنا‪ ،‬بل إن كل واحد منا هو جندي مقاتل حين‬ ‫يدعو داعي الجهاد‪ ،‬وكل واحد منّا يتولى مهمته‬ ‫في المعركة وفقا لتكليفه الشرعي في إطار العمل‬ ‫بوالية الفقيه القائد‪ ..‬واهلل من ورائنا يؤيدنا برعايته‬ ‫ويلقي الرعب في قلوب أعدائنا وينصرنا عليهم‬ ‫بنصره العزيز المؤزر‪.‬‬

‫من نحن وما هي هويتنا‪2.............................‬‬

‫العالم المستكبر متفق على حربنا‬

‫العالم المستكبر متفق على حربنا‪3..................‬‬

‫أيها المستضعفون األحرار‪ ،‬إن دول العالم‬ ‫المستكبر الظالم في الغرب والشرق قد اجتمعوا‬ ‫يحرضون عمالءهم ضدنا‬ ‫على محاربتنا‪ ،‬وراحوا ِّ‬

‫أميركا وراء كل مصائبنا‪3...........................‬‬

‫يحاولون تشويه سمعتنا وافتراء األكاذيب علينا‪..‬‬ ‫(في محاولة خبيثة للفصل بيننا وبين المستضعفين‬ ‫الطيبين‪ ،‬وفي سعي حثيث لتقزيم ومسخ اإلنجازات‬ ‫المهمة والكبرى على مستوى مواجهتنا ألميركا‬ ‫وحلفائها‪.‬‬ ‫لقد حاولت أميركا عبر عمالئها المحليين أن‬ ‫توحي للناس بأن من قضى على غطرستها في‬ ‫لبنان وأخرجها ذليلة خائبة وسحق مؤامرتها على‬ ‫المستضعفين في هذه البالد‪ ،‬هم ليسوا إال حفنة من‬ ‫المتعصبين اإلرهابيين الذين ال شأن لهم إال بتفجير‬ ‫محالت الخمور والقمار وآالت اللهو وغير ذلك‪.‬‬ ‫ولكنا على يقين بأن مثل هذه اإليحاءات لن تخدع‬ ‫أمتنا‪ ،‬ألن العالم بأسره يعلم أن من يفكر بمواجهة‬ ‫أميركا واالستكبار العالمي ال يلجأ إلى مثل هذه‬ ‫األعمال الهامشية التي تشغله بالذيل عن الرأس‪.‬‬

‫أميركا وراء كل مصائبنا‬ ‫إننا متوجهون لمحاربة المنكر من جذوره‪ .‬وأول‬ ‫جذور المنكر أميركا‪ ..‬ولن تنفع كل المحاوالت‬ ‫لجرنا إلى ممارسات هامشية إذا ما قيست‬ ‫بالمواجهة مع أميركا‪ .‬فاإلمام الخميني ‪ -‬القائد‬ ‫ أكد‪ ،‬ولمرات عديدة‪ ،‬أن أميركا هي سبب كل‬‫مصائبنا وأم الخبائث‪ ..‬ونحن إذ نحاربها فال‬ ‫نمارس إال حقنا المشروع في الدفاع عن إسالمنا‬ ‫وعزة أمتنا‪.‬‬ ‫إننا نعلن بصراحة ووضوح أننا أمة ال تخاف‬ ‫إال اهلل‪ ،‬وال ترتضي الظلم والعدوان والمهانة‪..‬‬ ‫وإن أميركا وحلفاءها من دول حلف شمال‬ ‫األطلسي‪ ،‬والكيان الصهيوني الغاصب ألرض‬ ‫فلسطين اإلسالمية المقدسة‪ ،‬كل هؤالء قد مارسوا‬ ‫ويمارسون العدوان علينا باستمرار ويعملون على‬ ‫إذاللنا باستمرار‪ ..‬ولذا فإننا في حالة تأهب مستمر‬ ‫ومتصاعد من أجل رد العدوان والدفاع عن الدين‬ ‫والوجود والكرامة‪.‬‬ ‫لقد هاجموا بالدنا ودمروا قرانا وذبحوا أطفالنا‬ ‫وهتكوا حرماتنا‪ ،‬وسلطوا على رقابنا جالدين‬ ‫مجرمين ارتكبوا مجازر رهيبة بحق أمتنا‪ ،‬وال‬ ‫يزالون يدعمون هؤالء الجزارين حلفاء إسرائيل‪،‬‬ ‫ويمنعوننا من تقرير مصيرنا بمحض اختيارنا‪.‬‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪13‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫يف �أواخر ثمانينات القرن املا�ضي‪ ،‬خرجت مظاهرة يف جنوب‬ ‫لبنان‪ ،‬وحتديداً يف مدينة �صور ال�ساحلية‪ ،‬تطالب النظام الإيراين‬ ‫ب�سحب حر�سه الثوري من لبنان‪� ،‬أي حزب اهلل‪ ،‬وا�صفة هذا النظام‬ ‫ب�أنه و�إ�سرائيل‪ ،‬وجهان لعملة واحدة‪� .‬أدرك حزب اهلل‪ ،‬اخلارج الحقاً‬ ‫منت�صراً من حربه مع منظمة �أمل‪ ،‬ب�أن االنت�صار ال ي�صري ناجزاً‪� ،‬إال‬ ‫عرب حتقيق �شرط �آخر‪� ،‬أال وهو‪ ،‬تطويع ال�شيعة يف لبنان‬

‫دولته ومرسخاً لوعي اجتماعي وثقافي وسياسي‬ ‫وأمني جديد يكون بمثابة تجسيد أبدي لهوية‬ ‫لقيطة يحفرها على جباه اللبنانيين‪.‬‬

‫‪ 7‬ـ األمس والغد‪ ..‬الداخل‬ ‫والخارج وحزب اهلل‬ ‫في وثيقته الثانية التي أعلنها عام ‪ 2009‬في‬ ‫بيروت‪ ،‬اعترف حزب اهلل بلبنان‪ ،‬ولكنه‬ ‫اعترف به ال كوطن تحكمه دولة سيدة مستقلة‬ ‫يعيش الجميع وفق شروطها‪ ،‬بل كوطن يحكمه‬ ‫الحزب ويلتزم الجميع‪ ،‬ومن ضمنهم الدولة‪،‬‬ ‫بوطن‪ ،‬يظهر في أفضل‬ ‫بشروطه‪ ،‬واعترف‬ ‫ٍ‬ ‫األحوال‪ ،‬أشبه بقطعة أرض ال يعيش عليها‬ ‫مواطنون لبنانيون أحرار متساوون‪ ،‬بل ٌ‬ ‫أهل‬ ‫وأجدا ٌد ومجاهدون وشهداء‪ .‬منذ إعالن تلك‬ ‫الوثيقة‪ ،‬لم تبرز في شعارات الحزب وخطاباته‪،‬‬ ‫أية إشارة تقول بأن الحزب جاهز للتراجع عن‬ ‫تلك النظرة إلى لبنان‪ ،‬أو على األقل‪ ،‬إجراء‬ ‫ٌ‬ ‫مراجعة‪ ،‬تصادق على‬ ‫مراجعة بخصوصها‪،‬‬ ‫حق هذا البلد ومواطنيه‪ ،‬بدولة سيدة مستقلة‬ ‫وحرة‪ .‬لم يحصل أن ظهر حزب اهلل يوماً بمظهر‬ ‫يساعدنا على اتهامه باالرتجال‪ ،‬بل دائماً‪،‬‬ ‫كان وما زال صاحب مشروع واضح المعالم‬ ‫والنسب‪ ،‬مشروع‪ ،‬لم يبرأ‪ ،‬وباعتراف قادته‪،‬‬ ‫من دعم ورعاية خارجية‪ .‬إال أن األهم من ذلك‬ ‫هو تمسك هذا الحزب‪ ،‬وبحسب خطابه المعلن‪،‬‬ ‫تمسكه حتى اللحظة الراهنة بعدم اإلنقطاع‪ ،‬ال‬ ‫‪12‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫هو وال مشروعه السياسي‪ ،‬عن التزامات النشأة‬ ‫والتطور المُشار إليهما في األقسام التي سبقت‪،‬‬ ‫التزامات تحتم عليه البقاء متموضعا في ذات‬ ‫الشكل الذي هو عليه‪ ،‬والذي ال يتحقق مشروعه‬ ‫إال فيه‪.‬‬ ‫أما بخصوص عالقته مع داعميه األساسيين‪،‬‬ ‫أي النظام اإليراني والنظام السوري المتهالك‪،‬‬ ‫فبقي حزب اهلل‪ ،‬وحتى تاريخ كتابة هذا‬ ‫الموضوع‪ ،‬محافظاً على ارتباطه العضوي‬ ‫بهما‪ ،‬من دون إظهار أي إشارة تقول بأنه جاهز‬ ‫لالرتفاع إلى مستوى إجراء مراجعة شاملة‬ ‫لمعادالته العقلية وطرائق تصرفه‪ ،‬وبالتالي‬ ‫تحديد نوع صلته بهذين النظامين‪ ،‬والتوقف عن‬ ‫توظيف ثقله لمصلحتهما‪ .‬ففي االتجاه السوري‪،‬‬ ‫ال يبدو هذا الحزب محتشماً في دفاعه عن هذا‬ ‫النظام‪ ،‬وال مسلّمًا بأنه في دفاعه هذا‪ ،‬إنما يدافع‬ ‫عن نظام متهالك لفظه شعبه‪ ،‬والحزب‪ ،‬إنما‬ ‫يقوم بدفاعه هذا‪ ،‬ال ترفاً وال تسيباً‪ ،‬بل التزاماً‬ ‫منه بما تمليه عليه المدرسة السياسية والفكرية‬ ‫التي يتنمي إليها‪ .‬أما في االتجاه اإليراني‪ ،‬فإن‬ ‫الحزب وبصفته ربيب هذا النظام‪ ،‬ليس في‬ ‫وارد التحلل من مسؤولياته اتجاهه‪ ،‬أي ليس‬ ‫في وارد التحلل من مسؤولية الدفاع عنه وعن‬ ‫مصالحه العليا‪ ،‬من موقعه في لبنان‪ ،‬على شاطئ‬ ‫المتوسط‪ ،‬وعلى مرمى صاروخ من فلسطين‪،‬‬ ‫وهذا االلتزام‪ ،‬كما أشرنا سابقاً ليس تحالفاً‪ ،‬بل‬ ‫تبعية عمياء‪ ،‬وترجمة لعالقة عضوية مع النظام‬ ‫اإليراني (‪< )12‬‬

‫(‪ )1‬شمس الدين‪ ،‬محمد حسين‪“ ،‬المقاومة بين‬ ‫لبنان “الساحة” و “الوطن”‪ ،‬تحرير مركز المسبار‬ ‫للدراسات والبحوث‪ ،‬في “بندقية الولي الفقيه‪ ،‬حزب‬ ‫اهلل في لبنان”‪ ،‬دبي‪ ،‬ص ‪263‬‬ ‫(‪ )2‬المادة ‪ 107‬من الدستور اإليراني‬ ‫(‪ )3‬المادة ‪ 110‬من الدستور اإليراني‬ ‫(‪ )4‬األمين‪ ،‬السيد علي‪“ ،‬والية الدولة ودولة‬ ‫الفقيه”‪ ،‬دار مدارك‪ ،‬دبي‪ ،‬ص ‪26‬‬ ‫(‪ )5‬السيد الخميني‪“ ،‬الحكومة اإلسالمية”‪ ،‬الدار‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬بيروت‬ ‫(‪ )6‬المصدر ذاته‬ ‫(‪ )7‬نور بخش‪ ،‬مهدي‪“ ،‬الدين والسياسة واالتجاهات‬ ‫األيديولوجية في إيران المعاصرة”‪ ،‬في “إيران‬ ‫والخليج‪ ،‬البحث عن االستقرار” ص‪48‬‬ ‫(‪ )8‬قاسم‪ ،‬الشيخ نعيم‪“ ،‬حزب اهلل‪ ،‬المنهج‪ ،‬التجربة‪،‬‬ ‫المستقبل”‪ ،‬دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع‪،‬‬ ‫ص ‪74‬‬ ‫(‪ )9‬شرارة‪ ،‬وضاح‪“ ،‬دولة حزب اهلل‪ ..‬لبنان مجتمعاً‬ ‫إسالميا”‪ ،‬دار النهار‪ ،‬بيروت‪ ،‬ص ‪336‬‬ ‫(‪ )10‬كاتزمان‪ ،‬كينيث‪“ ،‬الحرس الثوري اإليراني‬ ‫نشأته وتكوينه ودوره”‪ ،‬ترجمة‪ :‬مركز اإلمارات‬ ‫للدراسات والبحوث االستراتيجية‪ ،‬ص ‪104‬‬ ‫(‪ )11‬شمس الدين‪ ،‬محمد حسين‪“ ،‬المقاومة بين‬ ‫لبنان “الساحة” و»الوطن»‪ ،‬تحرير مركز المسبار‬ ‫للدراسات والبحوث‪ ،‬في «بندقية الولي الفقيه‪ ،‬حزب‬ ‫اهلل في لبنان»‪ ،‬دبي‬ ‫(‪ )12‬المصدر ذاته‬


‫تعايش بشروطه الطبيعية بين مشروعين نقيضين‪.‬‬ ‫صبحي الطفيلي ‪ -‬انتخب أول أمين عام‬ ‫لحزب اهلل اللبناني في العام ‪ .1989‬خاض‬ ‫الحزب في عهده معارك دامية ضد حركة‬ ‫أمل اللبنانية في منطقة إقليم التفاح‪ .‬ترك‬ ‫األمانة العامة في ‪ 1991‬وتفرغ للعمل‬ ‫الدعوي‪ .‬أعلن في العام ‪ 1997‬العصيان‬ ‫المدني على الدولة اللبنانية وقيام ما سمي‬ ‫بثورة الجياع‪ .‬وقد عارض حزب اهلل رسميا‬ ‫هذه التحركات‪ .‬وفي ‪ 24‬يناير‪ /‬كانون‬ ‫الثاني عام ‪ 1998‬اتخذ حزب اهلل قرارا‬ ‫بفصل الشيخ الطفيلي من صفوفه‪.‬‬

‫وهنا‪ ،‬ولحل هذه األحجية‪ ،‬ال مانع من أن نسوق‪،‬‬ ‫في مسعى متواضع‪ ،‬إلى توضيح المقاصد‬ ‫والمعاني لهذا التساكن الهش‪ ،‬أو االنفصال الذي‬ ‫بدأ وما زال قائما بين المشروعين‪ ،‬أي مشروع‬ ‫الدولة ومشروع حزب اهلل‪ .‬لعل انفصال حزب‬ ‫اهلل ـ بما يمثل من ذراع ستراتيجية للنظام في‬ ‫ايران ـ عن الدولة‪ ،‬لم يكن مصادفة تاريخية‬ ‫لها شروطها السياسية‪ ،‬بل جوهرا ثابتا وتلقائيا‪،‬‬ ‫اي متأسسا في األساس على استقالل مطلق في‬ ‫األمن واأليديولوجيا والسياسة والثقافة واالجتماع‬ ‫واالقتصاد والفهم والسلوك والعادات‪.‬‬ ‫هذا على األقل‪ ،‬ما تقوله التراكمات التاريخية‬ ‫التي تكونت منذ نشوء حزب اهلل‪ ،‬والتي تتمثل‬ ‫واقعا وحقيقة في الضاحية الجنوبية لبيروت‪ ،‬التي‬ ‫عاشت‪ ،‬بل كانت مسرحا‪ ،‬إلى جانب الجنوب‬ ‫اللبناني‪ ،‬كانا مسرحا لتراكم أمني وسياسي‬ ‫واجتماعي ونفسي وثقافي واقتصادي صارا من‬ ‫خالله امرا واقعا‪ ،‬أي “دويلة واقعة” تعصى على‬ ‫التجاهل‪ .‬هذه الدويلة‪ ،‬والتي أسسها حزب اهلل‬ ‫طبعا‪ ،‬كان الهدف من تأسيسها واحدا من أمرين‪،‬‬ ‫أو‪ ،‬االثنين معا‪ :‬إما “تنغيص” عيشة الدولة‬ ‫الطبيعية‪ ،‬أو االنطالق من شبه دولة تحتل الحقا‬ ‫كل الدولة‪ .‬في األول‪ ،‬فإن “استحباب” تنغيص‬ ‫عيشة الدولة‪ ،‬ينطلق من الحاجة إلى وجود دولة‬ ‫لبنانية قابلة لالهتزاز أبدا‪ ،‬ال بل مهتزة مهترئة‬ ‫هرمة‪ ،‬ذلك أن حزب اهلل ال يستطيع العيش‪،‬‬ ‫بسبب تركيبته واألهداف‪ ،‬ال يستطيع العيش‬ ‫إلى جانب دولة طبيعية مستقرة‪ .‬اما في الثاني‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫مثلث‬ ‫فإن وجوب السيطرة والتوسع واالستئثار‪،‬‬ ‫النظرية اإليرانية‪ ،‬يستدعي االنطالق بهيكلية دولة‬ ‫مصغرة‪ ،‬تكون معبرا لالمساك الحقا بكل مفاصل‬ ‫جارتها‪ ،‬أي الدولة اللبنانية‪.‬‬ ‫وكي تكتمل صورة الدولة بهدفيها‪ ،‬متحدين‬ ‫س‬ ‫أو منفصلين‪ ،‬خلق حزب اهلل لدويلته ُ‬ ‫اس َ‬ ‫وجودها واستمراريتها المادية‪ ،‬وقام محاوال‬ ‫هويات ثقافية خاصة في معمله‬ ‫يصنع لمناصريه‬ ‫ٍ‬ ‫األيديولوجي تفرقهم عن إخوانهم من اللبنانيين‪،‬‬ ‫معمل‪ ،‬اقل ما ي ُ‬ ‫ٌ‬ ‫ُقال فيه‪ ،‬م ْ‬ ‫ُت َق ُن األداء‪ .‬لم يقتصر‬ ‫ُ‬ ‫المعمل األيديولوجي هذا على صنع هويات مختلفة‬ ‫توسع لكي يصبح معمال‬ ‫عن اللبناني اآلخر‪ ،‬بل َّ‬ ‫أمنيا بذراعين طويلتين‪ ،‬واحدة تغلق الضاحية‪،‬‬ ‫تنظم أمنها‪ ،‬وتحولها إلى ثكنة عسكرية ممنوع‬ ‫على أجهزة الدولة دخولها‪ ،‬واألخرى تسرق حرية‬ ‫الناس وتمتد خارج حدود الدويلة لتعتدي على هيبة‬ ‫ُ‬ ‫استدعت الحاجة فعل ذلك‪.‬‬ ‫الدولة متى‬ ‫ُ‬ ‫توسع أيضا ليصير معمال اقتصاديا‬ ‫هذا‬ ‫المعمل َّ‬ ‫يُو ُ‬ ‫َّزع مغانم “اقتصاد الضاحية السيادي” على‬

‫عباس الموسوي ‪ -‬ثاني أمين عام لحزب‬ ‫اهلل اللبناني‪ .‬درس العلوم اإلسالمية في‬ ‫النجف في العراق‪ .‬ساهم سنة ‪1982‬‬ ‫في تأسيس حزب اهلل‪ ،‬وأصبح في سنة‬ ‫‪ 1985‬مسؤول الشورى للحزب في‬ ‫جنوب لبنان‪ .‬انتخب أميناً عاماً للحزب‬ ‫سنة ‪ 1991‬خلفا للشيخ صبحي الطفيلي‪.‬‬ ‫في عام ‪ 1992‬اغتالته إسرائيل إثر‬ ‫عودته من احتفال بذكرى اغتيال الشيخ‬ ‫راغب حرب أقيم في قرية جبشيت في‬ ‫جنوب لبنان‪.‬‬ ‫حسن نصر اهلل ‪ -‬ثالث أمين عام لحزب‬ ‫اهلل اللبناني‪ .‬انتخب على رأس الحزب في‬ ‫عام ‪ 1992‬بعد اغتيال عباس الموسوي‪.‬‬ ‫في عام ‪ 1997‬فقد نصر اهلل إبنه البكر‬ ‫هادي في مواجهات ضد الجيش اإلسرائيلي‬ ‫في منطقة الجبل الرفيع جنوب لبنان‪ .‬بعد‬ ‫اندالع الثورة في سوريا تعرض الى كثير‬ ‫من النقد بسبب مواقفه المعلنة والداعمة‬ ‫للنظام السوري‪ ،‬و ما تردد عن إرسال‬ ‫عناصر من حزبه إلى جانب الحرس‬ ‫الثوري اإليراني للمشاركة في قمع الشعب‬ ‫السوري‪.‬‬ ‫المنتسبين اليه من الناس‪ ،‬وذلك عبر المصالح‬ ‫االقتصادية الكبرى التي انشأها بحجة دمج فئات‬ ‫المكتدحين من الناس وإدخالهم في دورة اقتصاد‬ ‫حالل يستفيدون من خاللها‪.‬‬ ‫هذه المشهدية‪ ،‬التي أراد لها حزب اهلل أن تكون‪،‬‬ ‫خلقت وزرعت في نفوس مناصري حزب اهلل‪،‬‬ ‫وعن قصد طبعا‪ ،‬جوا معاديا حتى لفكرة اسمها‬ ‫دولة‪ ،‬كما أغرقتهم وطمرتهم في مستنقع مذهبي‬

‫وطائفي ضيق يمأل عليهم وعيهم والتصرف‪.‬‬ ‫هكذا‪ ،‬تحولت هذه “المعامل الثالثة” لتصبح‬ ‫حقائق تفرض نفسها بقوة‪ ،‬بل‪ ،‬تهدد وجود الدولة‬ ‫اللبنانية‪ ،‬ناهيك عن عبثها الواضح بالسيادة‬ ‫وضربها عرض الحائط بمكون أساسي من‬ ‫مكونات الدولة الطبيعية‪ ،‬ولعل هذه “المعامل”‬ ‫الثالثة تفيض عن حاجتنا لالستدالل على أن‬ ‫حزب اهلل يساكن مكرها الدولة اللبنانية‪ ،‬بل‬ ‫ينفصل عنها من دون إشهار‪ ،‬مستعيناً بحقائق‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪11‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫ربط األقليات الشيعية في العالمين العربي‬ ‫ضع َ‬ ‫واإلسالمي بالثورة واإلمام ومن َ‬ ‫ُف من السنة‪،‬‬ ‫فتارة كانت محاولة الربط هذه عبر فتنة مختلقة‬ ‫(الخمينيون ضد الشورى في أفغانستان والحقاً أمل‬ ‫وحزب اهلل في لبنان)‪ ،‬أو عبر َتب ِْي َئ ٍة طبيعية مع‬ ‫الثورة ومبادئها وتصوراتها ومشروعها العام‪.‬‬ ‫عام ‪ ،1982‬وفي الجمهورية اللبنانية‪ ،‬الجمهورية‬ ‫األكثر أهمية إليران من حيث الموقع اإلستراتيجي‪،‬‬ ‫تحولت السفارة اإليرانية في بيروت إلى ما يصح‬ ‫وصفه بمقر قيادة أركان إيراني‪ ،‬وظيفته تمركزت‬ ‫حول محاولة ربط شيعة لبنان في بنية إيرانية‬ ‫تخل شيعي كامل ومنسق عما‬ ‫محضة‪ ،‬عبر إحداث ٍ‬ ‫كان قد تبقى آنذاك من مرجعية وطنية‪ ،‬وكان ذلك‬ ‫عبر محاولة اختراق جسد منظمة «حركة أمل»‪،‬‬ ‫المسيطرة حينها على المناطق الشيعية‪.‬‬ ‫فشلت السفارة بإحداث اختراق كامل في صفوف‬ ‫«أمل»‪ ،‬اختراق يكون على قدر طموح مشروعها‬ ‫المرسوم‪ ،‬فقررت إحداث شرخ داخل هذا التنظيم‪،‬‬ ‫متعاونة في ذلك مع أحد مسؤولي»أمل آنذاك‪،‬‬ ‫حسين الموسوي (حالياً ‪ ،‬هو نائب عن حزب اهلل‬ ‫في البرلمان اللبناني)‪ ،‬الذي أخذ على عاتقه إحداث‬ ‫هذا الشرخ عبر االنسحاب من أمل مع نفر قليل‬ ‫من مؤيديه وتأسيس منظمة «أمل اإلسالمية»‪.‬‬ ‫إال أن تلك الخطة اإليرانية فشلت‪ ،‬بعدما تبين‬ ‫أن «أمل اإلسالمية» لم تقدم للخطة اإليرانية‬ ‫ما هو على قدر الطموح‪ ،‬فعمدت الى االنتقال‬ ‫لخطة بديلة تقول بضرورة إنشاء تنظيم عسكري‬ ‫يغلب عليه طابع اإلستقاللية عن أمل ولو في‬ ‫التسمية‪ ،‬فأسست ما سمي حزب اهلل وأمنت له كل‬ ‫مستلزمات العمل الثوري والجهادي‪ ،‬معتمدة في‬ ‫ذلك على قسم من رجال الدين وجناح المتطرفيين‬ ‫ذي الذهنية الثورية الذي كان استقال من أمل‪،‬‬ ‫ومعاينة مباشرة من الحرس الثوري اإليراني‪.‬‬

‫‪ 4‬ـ حزب اهلل وليداً‬ ‫إذن‪ ،‬تم تأسيس حزب اهلل‪ ،‬ومع تأسيسه تم تأمين‬ ‫كل مستلزمات العمل الثوري والجهادي‪ .‬ومع بدء‬ ‫المدد العسكري والمادي بالوصول اليه‪ ،‬ذهب‬ ‫بعض مؤسسي حزب اهلل لتأكيد تدخل كل األجهزة‬ ‫اإليرانية في تحديد الدور الوظيفي لحزب اهلل عبر‬ ‫القول صراحة (بأن) «األجهزة اإليرانية كافة‪ ،‬من‬ ‫حوزات قم إلى حرس الثورة إلى وزارة الداخلية‪،‬‬ ‫تسهر على الشأن اللبناني وتعمل رأيها فيه» (‪،)9‬‬ ‫(وبأن) «األساس في لبنان بالنسبة إلينا أن يبقى‬ ‫ساحة وموقعاً للصراع مع إسرائيل‪ ..‬إن اإلسالم‬ ‫هو في أن يكون لبنان كذلك»(‪.)10‬‬ ‫إذن‪ ،‬بدأ حزب اهلل‪ ،‬وبدعم إيراني صريح وواضح‪،‬‬ ‫بدأ قتال إسرائيل‪ ،‬ولكن سرعان ما اكتشف أن‬ ‫‪10‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫مت ت�أ�سي�س حزب اهلل‪ ،‬ومع‬ ‫ت�أ�سي�سه مت ت�أمني كل م�ستلزمات‬ ‫العمل الثوري واجلهادي‪ .‬ومع بدء‬ ‫املدد الع�سكري واملادي بالو�صول‬ ‫اليه‪ ،‬ذهب بع�ض م�ؤ�س�سي حزب‬ ‫اهلل لت�أكيد تدخل كل الأجهزة‬ ‫الإيرانية يف حتديد الدور الوظيفي‬ ‫حلزب اهلل عرب القول �صراحة ب�أن‬ ‫«الأجهزة الإيرانية كافة‪ ،‬من حوزات‬ ‫قم �إىل حر�س الثورة �إىل وزارة‬ ‫الداخلية‪ ،‬ت�سهر على ال�ش�أن اللبناين‬ ‫وتعمل ر�أيها فيه‬ ‫الحالة الثورية التي هو ركيزتها‪ ،‬والمجتمع‬ ‫الجهادي الذي هو عماده‪ ،‬تتهددهما أخطار تتعدى‬ ‫الحالة اإلسرائيلية لتصل إلى كل شيء في الداخل‬ ‫اللبناني‪ .‬وعليه‪ ،‬بدأ مخطط الهجوم على كل شيء‪،‬‬ ‫فقام حزب اهلل بضرب القوات المتعددة الجنسيات‬ ‫ً‬ ‫مقتال كبيراً‪ ،‬فما كان من‬ ‫عام ‪ 1983‬وأصاب منهم‬ ‫هذه القوات إال أن انتقلت الى موقع الدفاع والتوقي‪،‬‬ ‫قبل أن تنسحب من لبنان‪.‬‬ ‫واستمر ذات المشهد‪ ،‬لقناعة حزب اهلل ومن ورائه‬ ‫النظام اإليراني‪ ،‬لقناعتهم بأن الحالة الثورية ال‬ ‫تستطيع العيش إال من خالل الحرب على العدو‬ ‫العام‪ ،‬أي كل مخالف‪ ،‬وأن الحرب وحدها‪ ،‬هي‬ ‫الكفيلة في توسيع الحالة اإليرانية بعد والدة‬ ‫معقلها‪ ،‬فتم العزم على محاربة كل شيء‪ ،‬محاربة‬ ‫العدو اإلسرائيلي قبل القوات المتعددة الجنسيات‪،‬‬ ‫جيش العميل لحد‪ ،‬الجيش اللبناني‪ ،‬حركة أمل‪،‬‬ ‫الفلسطينيين‪ ،‬الحزب الشيوعي اللبناني‪ ،‬قوات‬ ‫حفظ السالم الدولية‪ ،‬وكثيرين غيرهم‪.‬‬

‫‪ 5‬ـ تطويع اللبنانيين الشيعة‬ ‫في أواخر ثمانينات القرن الماضي‪ ،‬خرجت‬ ‫مظاهرة في جنوب لبنان‪ ،‬وتحديداً في مدينة صور‬ ‫الساحلية‪ ،‬تطالب النظام اإليراني بسحب حرسه‬ ‫الثوري من لبنان‪ ،‬أي حزب اهلل‪ ،‬واصفة هذا النظام‬ ‫بأنه وإسرائيل‪ ،‬وجهان لعملة واحدة‪.‬‬

‫أدرك حزب اهلل‪ ،‬الخارج الحقاً منتصراً من حربه‬ ‫مع منظمة أمل‪ ،‬بأن االنتصار ال يصير ناجزاً‪ ،‬إال‬ ‫عبر تحقيق شرط آخر‪ ،‬أال وهو‪ ،‬تطويع الشيعة‬ ‫في لبنان‪.‬‬ ‫آليات ُم َعقم ٍة بأيديولوجيا‬ ‫ذهب حزب اهلل إلى تطبيق ٍ‬ ‫ُح َ‬ ‫نطة‪ ،‬وأدرك بأن العقيدة السياسية كي تتغلل في‬ ‫مَ‬ ‫عقول الناس وتفعل فعلها في التأثير في سلوكهم‬ ‫السياسي والثقافي والنفسي واالجتماعي‪ ،‬فإنها‬ ‫تحتاج إلى رافعة دينية‪ ،‬أي إلى عقيدة دينية‬ ‫متطرفة‪ ،‬خالصتها‪ ،‬في حالة حزب اهلل‪ ،‬انتاج‬ ‫عقلية شيعية ال تتلقى سوى عقائد االضطهاد‬ ‫ومشاهد الماساة‪ .‬وبعد سنوات من بذل جهد ثقافي‬ ‫استثنائي‪ ،‬نجح حزب اهلل في جذب مجموعة من‬ ‫اللبنانيين الشيعة‪ ،‬ال يُستهان بعددها‪ ،‬واستطاع أن‬ ‫يحولها إلى مجموعة متوحدة تبحث عن كينونة‬ ‫خاصة بها‪ ،‬حالمة بمشروعين‪ ،‬األول يقول‬ ‫بانفصالها عن اآلخرين المختلفين في لبنان‪ ،‬أما‬ ‫الثاني فيقول باتصالها مع باقي المستضعفين في‬ ‫األرض بدولة العدل اإللهي المزعومة‪.‬‬ ‫هكذا‪ ،‬ومن خالل هذه اآللية التي حولت هذه‬ ‫المجموعة الشيعية إلى مجموعة تابعة‪ ،‬خرج‬ ‫حزب اهلل‪ ،‬الذي يصفه أمينه العام الحالي السيد‬ ‫حسن نصر اهلل بأنه «أكبر بكثير من الطائفة‬ ‫التي ينتمي إليها مناصروه‪ ،‬وأكبر من أي طائفة‬ ‫أخرى‪ ،‬بل هو أكبر من أي كيان سياسي قائم‪،‬‬ ‫(وبأن) مشروعه ال تنتهي أهدافه عند حدود لبنان‬ ‫مع فلسطين»‪ ،‬خرج مرتاحا إلى الدائرة األوسع‪،‬‬ ‫أي إلى «المجموعات الم َ‬ ‫ُضطهدَة» األخرى في‬ ‫العالمين العربي واإلسالمي‪ ،‬واستطاع‪ ،‬وبدعم‬ ‫مالي وسياسي إيراني هائل‪ ،‬وجهد ثقافي استثنائي‪،‬‬ ‫ال أن يروج لنفسه فحسب‪ ،‬بل أن يحفر عميقاً في‬ ‫جزء ال يُستهان منها‪ ،‬وأن يزرع بذوراً لعقائد‬ ‫سياسية حزبية ومذهبية ضيقة‪ ،‬لم تنتج إال مزيدا‬ ‫من عدم االستقرار‪.‬‬

‫‪ 6‬ـ حزب اهلل والدولة‪:‬‬ ‫التساكن بمستلزماته َّ‬ ‫الهشة‬ ‫شكل اتفاق الطائف النهاية الفعلية للحرب اللبنانية‪،‬‬ ‫إال أنه‪ ،‬ولعوامل كثيرة‪ ،‬منها الداخلية ومنها‬ ‫الخارجية‪ ،‬لم يستطع إال تأمين عودة نظرية للدولة‪،‬‬ ‫التي‪ ،‬وبحسب اتفاق الطائف نفسه كان عليها أن‬ ‫تستوعب اندراج “المقاومة” فيها‪ ،‬أي اندراج‬ ‫الجناح العسكري لحزب اهلل فيها‪ .‬ما بدا عملياً‬ ‫وما حصل‪ ،‬وبفضل وصايات أنظمة الخارج‪،‬‬ ‫أي النظامين اإليراني والسوري‪ ،‬وقوة حزب اهلل‬ ‫وتمسكه بمشروعه المرسوم‪ ،‬هو اندارج الدولة في‬ ‫المقاومة (‪ .)11‬هكذا‪ ،‬انتهى األمر بحرمان الدولة‬ ‫واليتها على حزب اهلل ما أسس الستحالة حصول‬


‫الظروف‪ ،‬وال يتفادى طبعاً‪ ،‬المرحلة التي تلت‬ ‫نشأتها‪ .‬كما يتناول هذا الموضوع‪ ،‬المهام التي‬ ‫أوكلت بها هذه المنظمة المسلحة‪ ،‬إن في داخل‬ ‫لبنان أم في خارجه‪ ،‬واألولويات غير اللبنانية التي‬ ‫حكمت وما زالت تحكم سياستها‪ .‬مضافاً إلى ذلك‪،‬‬ ‫فإن هذا الموضوع سيهتم بالتركيز على عالقة هذه‬ ‫المنظمة بالدولة في لبنان ومستقبل هذه العالقة‪ ،‬في‬ ‫ظل المتغيرات التي قد تطرأ على لبنان بعد السقوط‬ ‫المحتمل للنظام في سوريا ‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ والية الفقيه ُ‬ ‫تهبط في طائرة‪:‬‬ ‫والدة الدولة الخمينية‬ ‫في اليوم األول من شهر شباط (فبراير) عام‬ ‫‪ّ ،1979‬‬ ‫حطت طائرة في مطار طهران الدولي‪،‬‬ ‫السيد الخميني ومع ُه ِع َّدة الثورة‪،‬‬ ‫وكان على متنها َّ‬ ‫فحلّت الثورة اإلسالمية في إيران‪ ،‬ضيفا ثقيال على‬ ‫السيد الخميني رحلة إلزام‬ ‫المنطقة‪ .‬يومها‪ ،‬بدأ َّ‬ ‫األمة بواليته‪ ،‬والدعوة‪ ،‬وبحرارة استثنائية‪ ،‬إلى‬ ‫تحقيقها وتصديرها وتعميم نموذجها‪ .‬نجح السيّد‬ ‫الخميني في تأطير مجموعة من الشيعة في إيران‬ ‫بسياج الرهبة والهيبة‪ ،‬كما نجح في تجييشهم‬ ‫َ‬ ‫وتحت راية “قيادة الفقيه العادل المتقي‬ ‫بخدمة‪،‬‬ ‫العالم بأمور زمانه‪ ،‬الشجاع الكفؤ في اإلدارة‬ ‫والتدبير” (‪ . )2‬إذن‪ ،‬ومنذ تلك اللحظة‪ ،‬بدأ الولي‬ ‫الفقيه‪ ،‬السيد الخميني‪ ،‬وبمساعدة ما يسمى بمجلس‬ ‫الخبراء‪ ،‬إعطاء نفسه صالحيات وصلت حدود‬ ‫“تعيين المسؤولين الكبار اآلخرين‪ ،‬والموافقة على‬ ‫المرشحين لمنصب الرئاسة‪ ،‬وعزل الموظفين‬ ‫غير األكفاء وتولي القيادة العامة للقوات المسلحة‪،‬‬ ‫مع تعيين قادة الجيش النظامي والحرس الثوري‬ ‫أو عزلهم‪ ،‬وتنظيم مجلس الدفاع األعلى الذي‬ ‫يعتبر أعلى هيئة لصنع القرار في القوات المسلحة‬ ‫اإليرانية” (‪. )3‬‬ ‫خص العالقة بمؤسسات الدولة‪ ،‬أمَّا‬ ‫هذا في ما َّ‬ ‫العالقة باألمة‪ ،‬فقد أعطى الخميني نفسه‪ ،‬وكل‬ ‫ولي فقيه يأتي بعده‪ ،‬صالحيات وصلت حدوداً‬ ‫تجاوز فيها صالحيات اإلمام الغائب المعصوم‪،‬‬ ‫فمنح نفسه سلطة “التصرف في الدماء واألموال”‬ ‫(‪ ،)4‬في محاولة رهيبة إلسكات كل صوت مخالف‬ ‫للنظام وقائده الفقيه‪ ،‬عبر القتل أو السجن أو النفي‪،‬‬ ‫وس َج َن ما يكفي لتمتلئ سجون‬ ‫فقتل نظامه كثيرين‪َ ،‬‬ ‫إيران بالمظلومين‪ ،‬ونفى عدداً غير قليل‪ .‬وفي فترة‬ ‫حكمه‪ ،‬أي السيد الخميني‪ ،‬لم يسلم الفقهاء والعلماء‬ ‫ورجال الدين من السطوة التي “متَّع” الولي الفقيه‬ ‫نفسه فيها‪ّ ،‬‬ ‫فنكل نظامه بالسيد شريعتمداري بعد‬ ‫أن أعلنه خائناً سياسياً‪ ،‬ومن ثم جرجره الى التلفاز‬ ‫كسيراً ليستغفر اهلل على انتقاده النظام‪ ،‬الى أن أقعده‬ ‫في بيته ليموت بعد مدة‪ .‬وكذا حصل مع الشيخ‬ ‫منتظري الذي بقي في اإلقامة الجبرية في مدينة‬

‫َّ‬ ‫تورط حزب اهلل‪ ،‬املنظمة الإ�سالمية‬ ‫امل�س ّلحة‪ ،‬يف ذات ال�سلوك ال�سيا�سي‬ ‫الذي تورطت فيه تلك احلركات الإ�سالمية‬ ‫التي �سبقت ن�ش�أته‪ ،‬ال�سيا�سية منها‬ ‫وامل�سلحة‪ ،‬وهو حتويل اال�سالم �إىل �إ�سالم‬ ‫�سيا�سي‪� ،‬أي �إىل قوة �سيا�سية �ضاغطة‬ ‫وفاعلة يف املجتمع‪� ،‬أدت �إىل تعميق‬ ‫االنق�سام داخل البنية الإ�سالمية وحتويلها‬ ‫�إىل تنظيمات وجمموعات حركية‬ ‫مت�صارعة‪ ،‬مرة تت�صارع فيما بينها‪،‬‬ ‫ومرة تت�صارع مع ال�سلطة القائمة‬ ‫وعليها‪ ،‬ومرة تت�صارع مع املجتمع‬ ‫قم حتى تاريخ وفاته‪ ،‬ممنوعاً من أي نشاط يُذكر‪.‬‬ ‫ولعل الفريد في الولي الفقيه وحكايته‪ ،‬ما يذهب‬ ‫إليه هو وبعض المنظرين لواليته والتابعين لها‪،‬‬ ‫من إسباغ القدسية والشرعية اإللهية على عمله‬ ‫ووظيفته ودوره‪ ،‬وفي هذا المجال يقول السيد‬ ‫مر على الغيبة الكبرى‬ ‫الخميني نفسه‪“ :‬لقد َّ‬ ‫إلمامنا المهدي أكثر من الف عام‪ ،‬وقد تمر‬ ‫ألوف األعوام قبل أن تقتضي المصلحة قدوم‬ ‫اإلمام المهدي المنتظر‪ ،‬فهل تبقى أحكام اإلسالم‬ ‫معطلة يعمل الناس من خاللها ما يشاؤون؟ إذن‪،‬‬ ‫فإن كل من يتظاهر بالرأي القائل بعدم ضرورة‬ ‫تشكيل الحكومة اإلسالمية ينكر ضرورة تنفيذ‬ ‫أحكام اإلسالم‪ ،‬وبالتالي فهو يدعو الى تعطيلها‬ ‫وتجميدها وهو بالتالي ينكر شمول وخلود الدين‬ ‫اإلسالمي”(‪ .)5‬ويتابع السيد الخميني ً‬ ‫قائال‪“ :‬فاهلل‬ ‫جعل الرسول ولياً للمؤمنين جميعاً ومن بعده وكلت‬ ‫اإلمام ولياً‪ ،‬ومعنى واليتهما أن أوامرهما الشرعية‬ ‫نافذة على الجميع‪ ..‬ونفس هذه الوالية والحاكمية‬ ‫موجودة عند الفقيه” (‪.)6‬‬ ‫وفي ذات المجال كتب الشيخ آذري قمي‪ ،‬اليميني‬ ‫المتشدد‪ ،‬كتب يقول‪“ :‬ليس لدى الولي الفقيه أية‬ ‫مسؤولية أخرى غير إقامة نظام الحكم اإلسالمي‪،‬‬ ‫حتى لو اضطره ذلك إلى أمر الناس بالتوقف مؤقتاً‬ ‫عن الصالة والصيام والحج‪ ،‬أو حتى اإليمان‬ ‫بالتوحيد” (‪ .)7‬أما الشيخ نعيم قاسم‪ ،‬نائب أمين عام‬ ‫منظمة حزب اهلل المسلحة‪ ،‬فكتب يقول‪“ :‬من الواضح‬ ‫حجم الصالحيات المنوطة بالولي الفقيه‪ ،‬فهو أمين‬ ‫على تطبيق األحكام اإلسالمية‪ ،‬واتخاذ القرارات‬

‫السياسية الكبرى التي ترتبط بمصالح األمة‪ ،‬وهو‬ ‫الذي يملك صالحية قرار الحرب والسلم” (‪.)8‬‬ ‫إذن‪ ،‬هذه اآلراء التي سوَّقت للولي الفقيه ليولد‪،‬‬ ‫والتي ال زالت تُ َّسوق اآلن للولي الفقيه ليبقى‪،‬‬ ‫تُظهر حجم الصالحيات المعطاة له‪ ،‬والتي ومن‬ ‫خاللها يحاول الولي القائد جعل الشيعة أداة طيعة‬ ‫له‪ ،‬يضحي بهم من أجل مصالحه ومشروعه‬ ‫في ساحات الحروب مرة‪ ،‬وفي ساحات المحن‬ ‫والبالءات مرات أخرى‪ ،‬وهذه اآلراء نفسها‪،‬‬ ‫والتي إن أدت إلى شيء غير البالء الناتج عن شهوة‬ ‫اإلمساك بكل مفاصل السلطة السياسية‪ ،‬فإنها أدت‬ ‫وتؤدي‪ ،‬على ح ّد ما يقول كثير من فقهاء الشيعة‪،‬‬ ‫بدع وتجاويف في المذهب الجعفري‪،‬‬ ‫إلى إحداث ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫بدع وتجاويف ال تخدم‪ ،‬بحسب الظاهر‪ ،‬سوى‬ ‫مصالح الفقيه القائد ومتفرعاته‪ ،‬كل متفرعاته‪.‬‬

‫‪ 2‬ـ دفاعاً عن دولة الحق‪:‬‬ ‫ثورة برسم التصدير‬ ‫ُ‬ ‫أصطلِ َح على‬ ‫إذن‪ ،‬عام ‪ ،1979‬وبحسب ما‬ ‫تسميتها في إيران‪ُ ،‬ولِ ْ‬ ‫دت دولة الحق‪َ ،‬و ُولِ َد معها‬ ‫ٌ‬ ‫تكليف شرعي يقول بوجوب الدفاع عنها‪ ،‬على‬ ‫َّ‬ ‫ُج ْ‬ ‫قاعدة َّ‬ ‫وجب الدفاع عنها‪،‬‬ ‫دت َ‬ ‫أن دولة الحق إن و ِ‬ ‫وجب حينها إنشاء‬ ‫وجب الدفاع عنها ولَزم‪،‬‬ ‫وإذا‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫أدوات الدفاع‪ .‬وبنا ًء عليه‪ ،‬بدأ فريق تصدير الثورة‬ ‫في تلك الدولة‪ ،‬والذي يؤمن بأن تصدير الثورة هو‬ ‫أحد سبل حمايتها من الداخل‪ ،‬بدأ التفكير بالسبل‬ ‫اآليلة لحماية النظام‪ ،‬وعمل على خطين متوازيين‪:‬‬ ‫األول يقول بالبحث عن أحزاب إسالمية متطرفة‪،‬‬ ‫شيعية كانت أم سنية‪ ،‬تخضع للقيادة اإليرانية‪،‬‬ ‫والثاني يقول بالعمل على إنشاء منظمات شيعية‬ ‫مسلحة يكون والؤها وال ًء خالصاً للنظام‪ ،‬والءٌ‪،‬‬ ‫يحتم عليها القيام بوظائف أساسية‪ :‬إشغال أعداء‬ ‫الثورة اإليرانية ونظامها عن أي اعتداء قد يطالها‪،‬‬ ‫ومنع أي ت ّدخل قد يحصل في شؤونها‪ .‬ذهب‬ ‫ُ‬ ‫السيد الخميني‪ ،‬الولي الفقيه آنذاك‪ ،‬الى دعم هذه‬ ‫النظرية‪ ،‬وراح يقول بأن للثورة اإليرانية دوراً‬ ‫عالمياً يتمثل بقيادة المستضعفين في األرض‪،‬‬ ‫باعتبارها‪ ،‬أي الثورة‪ ،‬النموذج الثوري اإلسالمي‬ ‫الوحيد في العالم‪ ،‬مما يجعل تصديرها واجباً دينياً‬ ‫يعكس أهدافاً سياسية وعسكرية تتلخص في دعم‬ ‫الحركات اإلسالمية عبر تقديم المساعدات المالية‬ ‫والعسكرية‪ ،‬باإلضافة إلى التدريب العسكري‬ ‫والتلقين العقائدي والثقافي لهذه الحركات وعدم‬ ‫االكتفاء بالدعاية الخارجية للثورة‪.‬‬

‫‪ 3‬ـ أمل اإلسالمية‪:‬‬ ‫ٌ‬ ‫فشل يبعث حزب اهلل‬ ‫وعلى هذه األساس‪ ،‬بدأ النظام اإليراني مشروع‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪9‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫حزب اهلل والولي الفقيه‪ ..‬األمس والغد والداخل والخارج‬

‫�صاروخ على املتو�سط‬

‫بقلـم‪ :‬د‪ .‬هادي األمين‬

‫لي�س ع�سرياً هو اجلهد الذي ميكنُ �أن ُي َ‬ ‫بذل ملعرفة املوقع الذي انتهى �إليه حزب اهلل‪ ،‬ذلك �أن‬ ‫مل�شروع غري لبناين‪،‬‬ ‫الأعوام الثالثني املا�ضية كانت كفيلة يف �إظهاره على حقيقته كثمرة طازجة‬ ‫ٍ‬ ‫م�شروع‪ ،‬مل يهند�س معامله ومل ي�ساهم يف بلورة عقيدتيه الدينية وال�سيا�سية‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫َّ‬ ‫تورط حزب اهلل‪ ،‬المنظمة اإلسالمية المسلّحة‪،‬‬ ‫في ذات السلوك السياسي الذي تورطت فيه تلك‬ ‫الحركات اإلسالمية التي سبقت نشأته‪ ،‬السياسية‬ ‫منها والمسلحة‪ ،‬وهو تحويل االسالم ـ ٌ‬ ‫كل حسب‬ ‫فهمه ومذهبه ـ إلى إسالم سياسي‪ ،‬أي إلى قوة سياسية‬ ‫ضاغطة وفاعلة في المجتمع‪ ،‬أدت فيما أدت إليه‪،‬‬ ‫إلى تعميق االنقسام داخل البنية اإلسالمية وتحويلها‬ ‫إلى تنظيمات ومجموعات حركية متصارعة‪ ،‬مرة‬ ‫تتصارع فيما بينها‪ ،‬ومرة تتصارع مع السلطة‬ ‫القائمة وعليها‪ ،‬ومرة تتصارع مع المجتمع‪ .‬طبعا‪،‬‬ ‫هذا التورط هو من جملة األمور ال ُم ْهلِكة التي وقع‬ ‫‪8‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫بها حزب اهلل‪ ،‬وهو انتقاله مما كان مفترضاً أن‬ ‫يكون عليه‪ ،‬أي كحركة إسالمية توعوية ـ كما‬ ‫ُشبِّه للبعض ممن تركوا ساحته الحقا ـ وظيفتها‬ ‫اإلرشاد والتثقيف الديني‪ ،‬إلى تنظيم مسلّح‪ ،‬مرة‬ ‫يقاتل اسرائيل‪ ،‬ومرة يقاتل الدولة القائمة‪ ،‬ومرة‬ ‫يسعى إلى السلطة‪ ،‬ومرة يتدخل في شؤون دول‬ ‫أخرى‪ ،‬ومرات ينفذ مشاريع سياسية لدول خارج‬ ‫الحدود الجغرافية للبلد الذي يعيش فيه‪.‬‬ ‫طبعاً‪ ،‬حين نقول ذلك‪ ،‬فإننا ال نتأدى منه إلى تجاوز‬ ‫مر بها حزب اهلل‪ ،‬بل نتأدى منه إلى‬ ‫المراحل التي َّ‬

‫تم ُ‬ ‫نفخه في رحم هذه‬ ‫القول بأن المشروع الذي َّ‬ ‫المنظمة المسلحة‪ ،‬هو «مشروع رجراج» (‪،)1‬‬ ‫ذلك أنه‪ ،‬ومضافاً إلى كونه إشكالياً بالتكوين‪ ،‬ال‬ ‫يشبه البلد الذي قرر أن يستعمله كساحته‪ ،‬أي‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫مشروع مقطوع النسب عن هذا‬ ‫وبمعنى آخر‪ ،‬هو‬ ‫البلد‪ ،‬وعن مجتمعه المركب والمتعدد‪ ،‬ومقطوع‬ ‫النسب عن دولته بطبيعتها الدستورية الميثاقية‪.‬‬ ‫يتناول هذا الموضوع منظمة حزب اهلل المسلحة‬ ‫منذ ما قبل النشأة‪ ،‬أي يتناول الظروف التي أدت‬ ‫إلى نشأتها ودور النظام اإليراني في تهيئة هذه‬


‫الكتــاب المســاهمـون في هـذا العـدد‬ ‫علي العميم ‪ -‬كاتب وصحافي وناقد ومؤرخ سعودي عمل‬ ‫صحافياً في مجلة اليمامة‪ ،‬زاول الكتابة في الجرائد التالية‪:‬‬ ‫الرياض‪ ،‬اليوم‪ ،‬واالقتصادية‪ .‬عمل صحافياً متفرغاً في‬ ‫جريدة الشرق األوسط‪ ،‬كما عمل صحافياً وكاتباً في جريدة‬ ‫الرياض‪.‬‬

‫‪28‬‬

‫د‪ .‬عبد العزيز بن صقر ‪ -‬حاصل على درجة الدكتوراه من‬ ‫جامعة النكستر وعلى شهادة الماجستير من جامعة كينت‪،‬‬ ‫المملكة المتحدة‪ .‬مؤسس ورئيس مركز الخليج لألبحاث‬ ‫مختص في الشؤون االستراتيجية والسياسية واالقتصادية‪،‬‬ ‫كما نشر العديد من المقاالت في دوريات علمية وصحف‬ ‫خليجية ودولية‪.‬‬

‫تحديات صناعة النشر في الشرق األوسط‬ ‫مستقبل الصحافة‬

‫كاريل ميرفي ‪ -‬صحافية مستقلة سبق وأن فازت بجائزة‬ ‫بوليتزر للصحافة عام ‪ 1991‬وجائزة جورج بولك لتغطيتها‬ ‫المتميزة كمراسل دولي لحرب تحرير الكويت في ‪..1990‬‬ ‫عملت في العاصمة السعودية الرياض وهي من أقدم‬ ‫مراسلي صحيفة الواشنطن بوست األميركية ومؤلفة كتاب‬ ‫«الشغف باإلسالم» الذي يبحث منابع التطرف في منطقة‬ ‫الشرق األوسط‪.‬‬ ‫د‪ .‬هادي األمين ‪ -‬باحث وأكاديمي في العلوم السياسية‬ ‫والدراسات الحكومية‪ .‬له العديد من المقابالت التلفزيونية‬ ‫واألوراق البحثية والمقاالت المنشورة باللغات العربية‬ ‫واإلنجليزية والفرنسية واإليطالية‪ .‬حالياً‪ ،‬يعكف د‪ .‬األمين‬ ‫على تأليف كتاب بعنوان‪« :‬الديمقراطية اللبنانية‪ ،‬آفاق‬ ‫ومزالق»‪.‬‬ ‫مالك العبدة ‪ -‬باحث وصحافي وناشط إعالمي سوري معارض‬ ‫من مدينة برمنغهام اإلنجليزية سبق وأن عمل كمحرر عام‬ ‫في تلفزيون بردى قبل أن يتولى رئاسة تحرير القناة التي‬ ‫مقرها لندن ‪ -‬يكتب في قضايا الشرق األوسط وينشر مقاالته‬ ‫في عدد من الصحف والمجالت العربية واألجنبية‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪7‬‬


‫‪08‬‬ ‫حزب اهلل والولي الفقيه‪ ..‬األمس والغد‬ ‫والداخل والخارج‬ ‫صاروخ على المتوسط‬

‫‪16‬‬ ‫المصالح األميركية في الشرق األوسط‬ ‫ومعادلة تيارات اإلسالم السياسي‬ ‫قطف الثمار‬

‫‪20‬‬ ‫قراءة في الخطاب الليبرالي‬ ‫السعودي بعد ربيع‬ ‫اإلسالميين‬ ‫أصوات ناقدة‬

‫‪56‬‬ ‫االنفصال عن بغداد‪ ..‬أو عندما‬ ‫ينتقم األكراد‬ ‫أحالم مؤجلة‬ ‫‪6‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬

‫‪34‬‬ ‫الثورة السورية‪..‬‬ ‫اإلعالم سالح‬ ‫االعتدال‬ ‫والممانعة!‬ ‫حرب الفضائيات‬


Distinguish yourself

Kingâ&#x20AC;&#x2122;s is ranked in the top 30 universities worldwide* and based in the heart of London. With nine Schools and six Medical Research Council centres, Kingâ&#x20AC;&#x2122;s offers world-class teaching and research. Our extensive range of subjects includes humanities, law, medicine, psychiatry, dentistry, nursing, mathematics; natural, biomedical, social and management sciences. For further information, please contact Ghazi Lashab at ghazi.lashab@kcl.ac.uk *QS World University Rankings, 2011

www.kcl.ac.uk


‫أالفتتاحية‬

‫ما أشبه اليوم بالبارحة‪..‬‬ ‫مظاهرات واعتصامات في ميدان التحرير وفي جميع محافظات مصر ومدنها‪ ..‬دعوات‬ ‫صريحة إلسقاط الرئيس وحرق لمقرات الحزب الحاكم ومواجهات مع قوات األمن واشتباكات‬ ‫دامية بين معارضي النظام وأنصاره‪.‬‬ ‫لقد جاء “اإلعالن الدستوري” الذي أعلنه الرئيس محمد مرسي صادما لقطاع عريض من‬ ‫شرائح المجتمع المصري ووحدهم “اإلخوان” أعلنوا دعمهم إلعالن جمع فيه الرئيس لنفسه‬ ‫كل السلطات “التنفيذية والقضائية والتشريعية”‪ .‬سلطات مطلقة لم يكن حتى الرئيس السابق‬ ‫محمد حسني مبارك يتمتع بها وهو الذي قامت ضده ثورة أجبرته على التنحي وقادته وأركان‬ ‫حكمه الى السجن‪.‬‬

‫رساله المحرر‬

‫في هذا العدد‪ ،‬وفي دراسة بعنوان (هل ألّف المستشار حسن الهضيبي كتاب دعاة ال قضاة)‬ ‫يواصل الكاتب والباحث السعودي علي العميم البحث في أدبيات اإلخوان المسلمين الذين‬ ‫جاء بهم “الربيع العربي” إلى سدة الحكم ليؤكد أن منهج الجماعة مستوحى من “معالم في‬ ‫الطريق” لسيد قطب وأن “دعاة ال قضاة” المنسوب للمرشد الثاني للجماعة ال يعبر عن فكر‬ ‫اإلخوان بالمرة‪ ،‬وأن الذي وضعه هم مجموعة من علماء األزهر بطلب من مباحث أمن‬ ‫الدولة‪.‬‬ ‫أما قصة الغالف فقد اخترنا لها موضوعا مهما وهو الجدل القائم حول التحديات التي تواجه‬ ‫صناعة النشر في الشرق األوسط حيث تبحث الصحافية كاريل ميرفي في مستقبل الصحافة‬ ‫الورقية التي على الرغم من الصعوبات التي تعرفها‪ ،‬والتقنيات الحديثة التي غزت العالم‬ ‫العربي وأصبحت في متناول الجميع‪ ،‬فإنها ما زالت قادرة على االستمرار وحتى المنافسة‪.‬‬ ‫وتؤكد ميرفي أنه وبخالف نظيراتها الغربية‪ ،‬فإن أداء معظم الصحف العربية والعديد من‬ ‫المجالت ما زال جيدا إلى حد ما‪ ،‬وإن بنسب متفاوتة‪ ،‬فعلى الرغم من أن عائدات اإلعالنات‬ ‫انخفضت خالل األعوام الماضية‪ ،‬فإنها لم تنخفض بالقدر الذي يسفر عن أزمة أو يهدد‬ ‫مستقبل الصحافة الورقية وأن هذه األخيرة سوف تصمد كما صمدت في وجه وسائل إعالمية‬ ‫أخرى سبقت عصر “اآليباد” و “اآليفون” وبخاصة التلفزيون‪.‬‬ ‫فوفقا لتقرير نشره نادي صحافة دبي في بداية العام الحالي بالتعاون مع «ديليوت آند توش»‪،‬‬ ‫حصل التلفزيون على الحصة األكبر من اإلنفاق على اإلعالنات في عام ‪ 40( 2011‬في‬ ‫المائة)‪ ،‬تلته الصحف المطبوعة (‪ 37‬في المائة) في حين حصلت الصحافة اإللكترونية على‬ ‫نسبة (‪ 4‬في المائة) فقط من العائدات‪ ..‬أرقام تؤكد أن الصحف التي تمتلك نموذجا مهنيا‬ ‫واضحا ما زال أمامها متنفس وأنه على الرغم من أن السوق سوف تشهد اختفاء عدد من‬ ‫العناوين فإنه ال يمكن الحديث عن أزمة وأن البقاء سوف يكون لألقوى واألفضل‪.‬‬ ‫ندعوك عزيزي القارئ لقراءة هذه الموضوعات وغيرها الكثير على موقعنا‬ ‫‪ majalla.com‬ونرحب دائما بآرائك وندعوك للتعليق على الموضوعات أو االتصال بنا‬ ‫إذا رغبت في التواصل معنا‪.‬‬

‫عادل الطريفي‬ ‫رئيس التحرير‬

‫‪4‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬


‫أسسها سنة ‪1987‬‬

‫األمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز‬

‫أسسها هشام ومحمد علي حافظ‬

‫الرئيس التنفيذي‬ ‫الدكتور عزام الدخيل‬ ‫‪Azzam Al-Dakhil‬‬

‫رئيس التحرير‬ ‫عادل بن زيد الطريفي‬ ‫‪Adel Al-Toraifi‬‬

‫مساعد رئيس التحرير‬ ‫الدكتور مانويل أمليدا‬ ‫‪Manuel Almeida‬‬

‫مدير التحرير‬

‫عزالدين سنيقرة‬

‫‪Azeddine Senegri‬‬

‫للمشاركة‬

‫إلرسال مقاالت أو آراء يرجى المراسلة على البريد اإللكتروني ‪editorial@majalla.com‬‬ ‫ملحوظة‪ :‬جميع المقاالت يجب أال تزيد على ‪ 800‬كلمة‬

‫اشتراكات‬

‫لالشتراك في الطبعة الرقمية‪ ،‬يرجى االتصال بـ‪subscriptions@majalla.com :‬‬ ‫لالشتراك في االلكترونية‪www.issuu.com/majalla :‬‬ ‫حقوق النشر محفوظة لمجلة المجلة ‪ 2009‬التي تصدر عن الشركة السعودية لألبحاث والتسويق (المملكة المتحدة) شركة محدودة‪ .‬وال يجوز بأي حال من األحوال إعادة طباعة المجلة أو أي جزء‬ ‫منها أو تخزينها في أي نظام استرجاعي أو نقلها بأي صورة أو أي وسيلة إلكترونية أو آلية أو تصويرها أو تسجيلها أو ما شابه دون الحصول على تصريح مسبق من الشركة السعودية لألبحاث‬ ‫والتسويق (شركة محدودة)‪ .‬وتصدر المجلة شهرياً‪ .‬لتلقي استفسارات االشتراك الرقمي‪ ،‬يرجى زيارة ‪www.majalla.com‬‬

‫‪issue 1578 - December 2012‬‬

‫العدد ‪ 1578‬ديسمبر‪ -‬كانون االول ‪2012‬‬ ‫الرياض ‪ -‬حي المؤتمرات ‪ -‬طريق مكة ‪ -‬تقاطع التخصصى‬

‫مرخص لها‬

‫الرياض‪ :‬هاتف ‪ - 4419933‬لندن‪A Monthly Political News Magazine +44 207 831 8181 :‬‬

‫‪www.majalla.com/eng‬‬

‫‪HH Saudi Research and Marketing (UK) Ltd‬‬ ‫‪Arab Press House, 184 High Holborn,‬‬ ‫‪London WC1V 7AP‬‬ ‫‪Tel: +44 207 831 8181 - Fax: +44 207 831 2310‬‬

‫الوكيل اإلعالني‬

‫موقع إلكتروني‪ ،www.alkhaleejiah.com :‬بريد إلكتروني‪hq@alkhaleejiah.com :‬‬

‫وكيل اإلشتراكات‬

‫بريد إلكتروني‪ ، info@arabmediaco.com :‬موقع إلكتروني‪ ،www.arabmediaco.com :‬هاتف مجاني‪ 800-2440076 :‬‬

‫وكيل التوزيع‬ ‫مركز الطباعة‬

‫من داخل المملكة ‪ ،920 000 417 :‬دبي‪ ،+9714 3 914440 :‬باريس‪ ، +331 537 764 00:‬لندن‪ ، +44 207 404 6950:‬ومن مختلف الدول ‪+966 1 441 1444 :‬‬

‫وكيل التوزيع في المملكة العربية السعودية حي المؤتمرات ‪ -‬ص‪.‬ب ‪ - 62116‬الرياض ‪ ،11585‬هاتف‪ +966 1 4419933 :‬فاكس‪،+966 1 2121774 :‬‬ ‫موقع إلكتروني‪www.saudidistribution.com :‬‬ ‫ص‪.‬ب‪ - 121 .‬الرياض ‪ ،11383‬هاتف ‪ ،+9661.2657000‬فاكس ‪ ،+9661.2658000‬موقع إلكتروني‪www.halaprintco.com :‬‬

‫شركات المجموعة‬ ‫‪Saudi Specialized Publishing Company‬‬

‫حقوق التوزيع لهذه المطبوعات محفوظة‬

‫لشركة «تريبيون لخدمات اإلعالم»‬

‫حقوق النشر لهذه المطبوعات باللغة العربية مرخصة «المجلة»‬

‫للحصول على المزيد من المعلومات‪ ،‬يرجى اإلتصال على الهاتف المجاني ‪8002440014‬‬


AN AMERICAN EDUCATION A BRITISH SETTING A GLOBAL FUTUR E A Since the 1970’s Richmond has been educating leading Middle Eastern families. Richmond’s unique style of personalised higher education ensures that students leave us with a dually accredited degree, that is recognised in the UK, the USA and worldwide.

+44 20 8133 2877 • enroll@richmond.ac.uk Visit www.richmond.ac.uk/al-majalla today to download our catalog and viewbook.


»°SÉ«°ùdG ΩÓ°SE’G äGQÉ«J ádOÉ©e h á«cÒeC’G ídÉ°üŸG :ô≤°U øH õjõ©dG óÑY .O ?!zIÉ°†b ’ IÉYO{ ÜÉàc »Ñ«°†¡dG ø°ùM QÉ°ûà°ùŸG ∞dCq G πg :º«ª©dG »∏Y êQÉÿG h πNGódG h ó¨dGh ¢ùeC’G ..¬«≤ØdG ‹ƒdG h ¬∏dG ÜõM :ÚeC’G …OÉg .O

1980 ‫ﺗﺄﺳﺴﺖ ﻓﻲ ﻟﻨﺪﻥ ﻋﺎﻡ‬

‫ﻣﺠﻠﺔ ﺍﻟﻌﺮﺏ ﺍﻟﺪﻭﻟﻴﺔ‬ 2012 ‫ ﻛﺎﻧﻮﻥ ﺍﻷﻭﻝ‬- ‫ ﺩﻳﺴﻤﺒﺮ‬،1578 ‫ﺍﻟﻌﺪﺩ‬

ô°ûædG áYÉæ°U äÉjó– §°ShC’G ¥ô°ûdG ‘

πÑ≤à°ùe áaÉë°üdG IQƒ°üdG ..ájQƒ°ùdG IQƒãdG !á©fɪŸGh ∫GóàY’G zìÓ°S{

ÜôM äÉ«FÉ°†ØdG





‫ﻟﻠﺤﺼﻮﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺪﺩ‬ ‫ﺍﺳﺘﺨﺪﻡ ﻫﺎﺗﻔﻚ ﺍﻟﺬﻛﻲ‬ ‫ﳌﺴﺢ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺮﻣﺰ‬

zÚ«eÓ°SE’G ™«HQ{ ó©H ájOƒ©°ùdG ‘ ‹GÈ«∏dG ÜÉ£ÿG :≥«≤– 1987 ‘ øjôëÑdÉH ÖjôîàdG ádhÉëŸ á∏eɵdG á°ü≤dG :∞«°TQCG

ISSN 1319-0873

12

9 77 1319 087013 

The Majalla



Issue 1578


مستقبل الصحافة  

تحديات صناعة النشر في الشرق الأوسط

Read more
Read more
Similar to
Popular now
Just for you