Page 1


‫الكلمة الأخرية‬ ‫العادات التي تشكل بمجموعها الهوية االجتماعية والذائقة العامة‪ ،‬قوة رئيسة وسياج واق لديمومة هذه الهوية‪ ،‬بل هي الهوية نفسها!‬ ‫غير أن هذه الوظيفة الحمائية للعادات واملألوف االجتماعي‪ ،‬تتحول إلى حائط صد‪ ،‬ومرتفع صخري معيق لتدفق املياه‪ ،‬مياه التاريخ‬ ‫والحركة املستمرة‪ ،‬فوفقا لفالسفة «التأريخ» فإن ثمة روحا دافعة لألمام باستمرار‪ ،‬وهي قوة حتمية ال تقاوم‪ .‬بعض املجتمعات‬ ‫تظل راكدة هانئة متصالحة مع واقعها ونظام حياتها‪ ،‬مهما بدا فقيرا وساذجا‪ ،‬مثل املجتمعات البدائية في جزر املحيطني الهادي‬ ‫والهندي‪ ،‬لكن بعض املجتمعات ال تملك ترف البقاء على مألوفها ومعتادها‪ ،‬فهي على صدوع التحوالت وخطوط القوافل ومهب‬ ‫الرياح‪.‬‬ ‫بالنسبة للعرب في مجتمعات الهالل الخصيب ومرافئ الخليج‪ ،‬األمر كان واضحا في قسوة التحول‪ ،‬وفي كل دورة مؤملة من دورات‬ ‫التحول‪ ،‬يخرج لنا فرسان نبالء قرروا الصمود على الحال القديم حتى ولو حاربوا بسيوف من خشب‪ .‬نتحدث عن «النبالء» في‬ ‫موقفهم‪ ،‬ال عن املتاجرين بقضية الهوية والنقاء الديني الثقافي‪ ،‬ملطامع سياسية دنيوية‪ .‬نذكر ملحات ربما تساعد قليال على‬ ‫التصور‪ .‬حينما دخلت السيارات إلى مجتمع الجزيرة العربية تم النظر لها بريبة وتربص‪ ،‬وثارت الحمية للبعير والدواب‪ ،‬جانب من‬ ‫هذه النظرة بسبب الشك واالندهاش من هذا االختراع العجيب‪ ،‬ثم تلبس هذا الشك بلبوس ديني‪ ،‬ثم صار موقفا صلبا‪ ،‬حتى أني –‬ ‫شخصيا ‪ -‬أدركت شيوخ وعظ يأنفون من ركوب السيارات‪ ،‬إن لم يكن تحريما فتنزها دينيا‪.‬‬ ‫ما جرى تجاه السيارات لدى سكان قرى وبلدات الجزيرة العربية‪ ،‬حصل تجاه وسائل االتصال «الحديثة» وقتها‪ ،‬وعلى رأسها‬ ‫التلغراف والبرقية‪ ،‬حتى إن «مسألة البرقية» تحولت إلى ملف معقد ضمن ملفات جماعة «إخوان السبلة» ضد امللك املؤسس عبد‬ ‫العزيز‪ ،‬وفتاوى ورسائل املشايخ حينها حافلة بجدل وتنظير غزير حول املسألة‪ ،‬يكفي أن تقرأ املجموعة الشهيرة التي خصصت‬ ‫لتراث علماء الدعوة املسماة بـ«الدرر السنية» لتقف على جانب من هذا «التراث»‪.‬‬

‫بقلم‪ :‬م�شاري الذايدي‬

‫مضت السنون‪ ،‬وغادرنا لحظة معركة «السبلة» الدامية‪ ،‬نحن اآلن في ‪ ،1960‬وبداية «معركة» تعليم البنات في السعودية‪ ،‬وهي املعركة‬ ‫التي دشنها امللك سعود‪ ،‬وخاضها بجسارة وشجاعة وحكمة امللك فيصل‪ ،‬ومن يطلع على كتاب الباحث السعودي عبد الله الوشمي‬ ‫وعنوانه «فتنة القول بتعليم البنات في اململكة العربية السعودية» يقف على مساجالت ووثائق غاية في األهمية‪ ،‬تحوي أرشيفا‬ ‫سياسيا واجتماعيا وثقافيا حول تلك اللحظة الفارقة في تاريخ املجتمع السعودي‪ .‬ومن لطائف ما ذكره الكتاب حول شخصية شيخ‬ ‫شاب كان من أبرز املتحمسني ضد تعليم البنات‪ ،‬والساعني في تأليب العامة والناس‪ ،‬وسوق الحشود والوفود‪ ،‬أن هذا الشخص صار‬ ‫ّ‬ ‫الحقا سمحا ّ‬ ‫هينا لينا له بنات أسهمن بسهم وافر في مسيرة التعليم النظامي للبنات‪ ،‬بتشجيع من والدهن‪.‬‬ ‫املؤلف‪ ،‬عبد الله الوشمي‪ ،‬وفي إضافة ثمينة‪ ،‬لفت إلى «ممانعات» أخرى في املجتمعات املسلمة للتعليم النظامي‬ ‫للبنات من أفريقيا حتى آسيا‪ ،‬من عرب وعجم‪« .‬املمانعة» إذن ليست سلوكا غريبا على أي مجتمع في العالم‪،‬‬ ‫بصرف النظر عن دينه ولونه‪ ،‬فهي آلية مقاومة طبيعية لحظتها‪ ،‬لكل جديد مريب‪ ،‬كما لو زرع عضو في جسد‬ ‫مريض‪ ،‬فيحتاج الجسد إلى ما يساعده على تقبل هذا العضو الصحيح‪ ،‬الذي به قوام عافيته وحياته‪ .‬غير أن‬ ‫ما ال يقبل هنا هو «التجلمد» و« التجمد» عند هذه اللحظة العفوية «العابرة» هنا يتحول العفوي إلى تخريبي‬ ‫وملهاة حزينة‪ .‬ثمة لحظات ال بد فيها من اتخاذ قرارات غير شعبية وال محبذة‪ ،‬فالجماهير تضل السبيل كثيرا‬ ‫وتأخذها الحماسة أكثر‪ ،‬دون تأمل وال تفكر في عواقب األمور‪.‬‬

‫تاريخ العناد!‬

‫كما قلنا هو سلوك دائم في كل املجتمعات‪ ،‬وأسهل دعاية إلثارة الجمهور‪ ،‬أي جمهور‪ ،‬هي الدعاية الدينية ثم الوطنية‪ .‬يذكر عالم‬ ‫االجتماع العراقي علي الوردي في موسوعته «ملحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث» ـ ملحق الجزء السادس ص ‪ ،40‬في سبب‬ ‫انتهاء حكم الشريف عبد املطلب بن غالب على مكة عام ‪ 1854‬حادثة ذات داللة عميقة‪ .‬قال‪« :‬في ‪ 1854‬حدث حادث أدى إلى عزله‬ ‫(الشريف عبد املطلب) وخالصة الحادث أن الوالي التركي كامل باشا قد وصله أمر السلطان بمنع بيع الرقيق علنا في األسواق تنفيذا‬ ‫ملعاهدة عقدت بني الدولة العثمانية وبريطانيا‪ .‬وقد استدعى كامل باشا داللي الرقيق وأبلغهم األمر‪ ،‬ولم يكد ينتشر الخبر في مكة‬ ‫حتى اهتاج الناس وتنادوا بالجهاد‪ ،‬واجتمع طلبة العلم في بيت رئيس العلماء‪ ،‬وطلبوا منه أن ال يرضخ لهذا األمر الذي هو مخالف‬ ‫للشرع في نظرهم‪ ،‬كما طلبوا منه أن يذهب معهم إلى دار القاضي ليمنع من صدور األمر‪ .‬فاستجاب رئيس العلماء لطلبهم وسار‬ ‫معهم متجها إلى دار القاضي وانضم الجمهور إليهم في الطريق وهم ينادون بالثورة‪ ،‬واشتبكوا مع الحامية التركية في قتال عنيف‬ ‫امتد إلى املسجد الحرام وسقط فيه عدة قتلى بني الفريقني»‪ .‬ثمة مثال آخر حول الريبة من الجديد‪ ،‬حتى ولو كان ضروريا ومفيدا‪.‬‬ ‫يذكر املؤرخون الذين كتبوا حول تاريخ املطبعة والطباعة في الشرق اإلسالمي‪ ،‬أنه في نهاية القرن الـ‪ 15‬قدم إلى األستانة ‪ -‬عاصمة‬ ‫الدولة العثمانية ‪ -‬عالم يهودي اسمه (إسحق جرسون) وأحضر معه مطبعة وحروفا عبرية لينشر بها كتب الديانة اليهودية‬ ‫املخطوطة التي كان يصعب الحصول عليها لقلة الناسخني اليهود وارتفاع أسعار املخطوطات‪ .‬لكن السلطان (بايزيد الثاني) خشي‬ ‫أن يستفيد رعاياه من االختراع الجديد فما كان منه إال أن أصدر في سنة ‪ 1485‬أمرا يحرم على غير اليهود استخدام فن الطباعة‪.‬‬ ‫وصدرت فتاوى دينية بذلك‪.‬‬ ‫من يتذكر اآلن أنه قبل عقود قريبة من السنوات كان هناك كتاب ديني فقهي كامل ألفه رجل زاهد وفاضل‪ ،‬وقدمه واحتفى به رمز‬ ‫من رموز املجال الديني في العالم اإلسالمي‪ ،‬كان عنوانه «اإليضاح والتبيني ملا وقع فيه األكثرون من مشابهة املشركني»؟ ومما حذر‬ ‫منه املؤلف الورع الزاهد الناس في هذا الكتاب‪ ،‬حسب نص عناوين فصوله‪ :‬لبس البرنيطة والسترة والبنطلون‪ ،‬فرق النساء شعر‬ ‫الرأس من جانبيه وجمعه من ناحية القفا‪ ،‬تعقيد الخرق في رءوس البنات كأنها الزهر‪ ،‬األكل باملالعق ونحوها من غير ضرورة‪،‬‬ ‫اللعب بالكرة‪ ،‬إقامة التمثيليات‪ ..‬وغير ذلك؟! ال تثريب على أهل ذلك الزمان وال على ممانعاتهم األولية‪ ،‬التثريب على من يقف في‬ ‫وجه سيول التاريخ وأسئلة الحاضر‪.‬‬ ‫‪66‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬


‫االستبداد يف الشرق األوسط‪:‬‬ ‫احلكم واالحتقان ومرونة‬ ‫النظام يف سوريا وإيران‬ ‫ستيفن هايدمان ورينود ليندرز‬

‫يتناول الجزء األول من قصة حياة‬ ‫مارغريت ثاتشر التي كتبها مور‬ ‫في مجلدين يتميزان بالتشويق‬ ‫ويذخران باملعلومات من البداية إلى النهاية‪،‬‬ ‫أفكارا ومواقف معروفة جيدا عن ابنة البقال‬ ‫في البلدة الصغيرة التي أصبحت زعيمة حزب‬ ‫املحافظني البريطاني‪ ،‬ورئيسة وزراء بريطانيا‬ ‫وسياسية ذات قناعات وطباع أكسبتها لقب‬ ‫املرأة الحديدية‪ .‬توضح تفاصيل كثيرة ‪ -‬من‬ ‫قصص حبها األولى إلى عالقاتها مع زمالئها‬ ‫األكبر سنا ‪ -‬تعقيدات وتناقضات هذه العاملة‬ ‫الذكية التي تحولت إلى شخصية سياسية من‬ ‫طبقة متوسطة‪ :‬مثال اضطرابها لدى مقابلة‬ ‫ملكة إنجلترا؛ واحتقارها لتظاهر الطبقات‬ ‫العليا‪ ،‬والذي لم يقلل من رغبتها العارمة في‬ ‫االنضمام إليها؛ وميلها املفاجئ لالستجابة‬ ‫إلى الخبراء واالنحناء إلى البرغماتية‪ .‬ينقل‬ ‫مور ببراعة عبر صفحات كتابه كيف كان‬ ‫غريبا على امرأة أن ترأس أكثر حزب سياسي‬ ‫وقارا في العالم ثم تصبح رئيسة وزراء‪:‬‬ ‫ويصف في أحد املشاهد دموع الشهامة‬ ‫والحزنُ التي مألت عيون كبار قيادات الحزب‬ ‫عندما أعلنت ثاتشر رئيسة للحزب في عام‬ ‫‪ .1975‬يختتم الكتاب بأفضل فترات ثاتشر‪:‬‬ ‫زعامتها أثناء حرب فوكالند بني اململكة‬ ‫املتحدة واألرجنتني‪.‬‬

‫ال يشبه هذا الكتاب إيران بحليفتها‬ ‫سوريا‪ .‬في الواقع‪ ،‬يبدو أن املحررين‬ ‫اختارا عن قصد نظامني مختلفني‬ ‫للغاية لدراستهما من أجل استيعاب األساليب‬ ‫االستبدادية السائدة‪ .‬فكرتهما األساسية واضحة‪:‬‬ ‫«سوف يستمر االستبداد في الشرق األوسط بعد‬ ‫هذه اللحظة الفارقة»‪ .‬يدعم املؤلفان هذا الرأي املثير‬ ‫للخالف بأدلة جديرة باالعتبار‪ ،‬كما أن خبرتهما‬ ‫في تكتيكات البقاء السياسي ومعرفتهما العميقة‬ ‫بالدولتني تثيران اإلعجاب‪ .‬تقول الفرضية‬ ‫األساسية إن الحكام املستبدين في إيران وسوريا‬ ‫يستطيعون تحمل التحديات الهيكلية الشاقة التي‬ ‫يواجهونها من خالل تكيفات «أعيد تركيبها»‪:‬‬ ‫تأسيس منظمات غير حكومية ترعاها الدولة من‬ ‫أجل إقامة قشرة خادعة للمجتمع املدني؛ التعاون‬ ‫مع بعض منظمات املجتمع املدني الحقيقية‪ ،‬ومن‬ ‫بينها املنظمات الدينية؛ واستخدام العديد من صور‬ ‫القسر بطريقة قانونية أو خارج إطار القانون‪.‬‬ ‫ويتميز الحكام املستبدون في طهران ودمشق‬ ‫باالبتكار واملكر‪ ،‬ولكنهما ال يقدمان نموذجا للبقاء‬ ‫االستبدادي‪ .‬تكمن مخاطرة واضحة في أنه من‬ ‫خالل مالحظة بقاء النظام‪ ،‬ربما ينسب املراقبون‬ ‫السبب في ذلك على نحو خاطئ إلى مجموعة من‬ ‫التكتيكات املترابطة‪ .‬وفي الواقع‪ ،‬ربما يكون الحظ‬ ‫والتحرك السريع فقط عاملني مؤثرين‪ .‬في حالة‬ ‫سوريا ربما يكون الحظ قد نفد أخيرا‪.‬‬

‫مارغريت ثاتشر‪ :‬سرية ذاتية‬ ‫معتمدة؛ من غرانثام‬ ‫إلى فوكالند‬ ‫تشارلز مور‬

‫معضلة السالم‪ :‬سعي أمريكا‬ ‫إلى السالم العربي اإلسرائيلي‬ ‫‪2011-1989‬‬ ‫دانيال س‪ .‬كروتزر‪ ،‬وسكوت ب‪.‬‬ ‫السينسكي‪ ،‬وويليام ب‪ .‬كواندت‪،‬‬ ‫وستيفن ل‪ .‬سبيغل‪ ،‬وشبلي ز‪ .‬تلحمي‬

‫يملك املؤلفون مجتمعون خبرة في‬ ‫شؤون الشرق األوسط ال يتفوق عليها‬ ‫أحد‪ .‬يتميز تحليلهم باإليجاز‪ ،‬ويبدو‬ ‫تصويرهم ملساعي الواليات املتحدة للتوسط من‬ ‫أجل السالم العربي اإلسرائيلي قاتما‪ .‬ال يرى‬ ‫املؤلفون سوى ثالثة نجاحات فقط‪ :‬االنسحاب‬ ‫اإلسرائيلي من سيناء في ‪ ،1973‬ومعاهدة‬ ‫كامب ديفيد في ‪ ،1978‬ومؤتمر السالم في‬ ‫مدريد عام ‪ ،1991‬والذي فشل في النهاية ولكنه‬ ‫مهد الساحة ملباحثات أوسلو‪ .‬منذ ذلك الحني‪،‬‬ ‫أوشكت بعض املساعي على اإلخفاق‪ :‬اجتماعات‬ ‫طابا في فبراير (شباط) ‪ ،2001‬واملباحثات‬ ‫اإلسرائيلية الفلسطينية التي بدأتها مباحثات أنا‬ ‫بوليس في نوفمبر (تشرين الثاني) عام ‪.2007‬‬ ‫ولكن في املجمل‪ ،‬قدم أفضل وأملع الدبلوماسيني‬ ‫األميركيني القليل للغاية‪ .‬يؤكد املؤلفون على أنه‬ ‫يجب على واضعي السياسات األميركيني معالجة‬ ‫القضايا الرئيسة وتحويل انحيازهم الطبيعي‬ ‫تجاه إسرائيل إلى عنصر إيجابي‪ ،‬واستعادة‬ ‫عزم الحزبني على حل القضية‪ ،‬والحفاظ على‬ ‫االستمرارية بني اإلدارات‪ ،‬وإقناع اإلسرائيليني‬ ‫والفلسطينيني بأن واشنطن تتفهم وتحترم‬ ‫مصالحهم األساسية‪ .‬ولكن ربما تكون هناك‬ ‫قراءة أخرى بأن دور الواليات املتحدة هو مجرد‬ ‫الحفاظ على استمرار هذه املحاوالت حتى وإن‬ ‫لم تؤد إلى حل‪ ،‬وإذا كان الطرفان عاجزين عن‬ ‫االتفاق‪ ،‬فإن املحاولة إلى ما ال نهاية أفضل من‬ ‫الوقوف أمام طريق مسدود‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫‪65‬‬


‫مراجعات‬

‫تعرض «املجلة» على قرائها بالنقد والتحليل أفضل خمسة كتب من مختارات مجلة «فورن أفيرز»‪ .‬كتب قيمة تستحق القراءة‬ ‫والتأمل وتتميز باإلثارة والثراء‪ ،‬بخاصة وأنها تحكي أحداثا وتتعرض لشخصيات مؤثرة عامليا‪ .‬ومن أهم الكتب املختارة‬ ‫كتاب «العلم والتنمية والسيادة في العالم العربي» للمفكر والعالم الفلسطيني أنطوان زحالن‪ .‬فعلى مدار عقود‪ ،‬ألف زحالن‬ ‫الكثير من الكتب في مراقبة اإلنتاج العلمي العربي‪ ،‬في ضوء خبرته كعالم فيزياء‪ .‬يأتي تقريره عن حالة العلم في العالم العربي‬ ‫محبطا ولكنه ال يبعث على اليأس‪ ..‬وفي كتابه «مارغريت ثاتشر‪ :‬سيرة ذاتية معتمدة؛ من غرانثام إلى فوكالند» يتناول املؤلف‬ ‫تشارلز مور الجزء األول من قصة حياة مارغريت ثاتشر التي كتبها في مجلدين يتميزان بالتشويق ويذخران باملعلومات‬ ‫من البداية إلى النهاية‪ ،‬أفكارا ومواقف معروفة جيدا عن ابنة البقال في البلدة الصغيرة التي أصبحت زعيمة حزب املحافظني‬ ‫البريطاني‪ ،‬ورئيسة وزراء بريطانيا‪ .‬وفيما يلي نخبة منتقاة من أفضل الكتب الصادرة أخيرا‪.‬‬

‫أفضل خمسة كتب‪ ..‬من معضلة السالم ‪..‬‬ ‫إلى السرية الذاتية ملارغريت ثاتشر‬ ‫أخطر مكان يف العالم‬ ‫الشباب يف الصومال‬

‫العلم والتنمية‬ ‫والسيادة يف‬ ‫العالم العربي‬

‫تأليف‪ :‬جيمس فريغسون‬ ‫وستيغ غارل هانسن‬

‫عندما نالت الصومال استقاللها‬ ‫في عام ‪ ،1960‬رحب الخبراء بهذه‬ ‫الخطوة إذ اعتبروها من بني الدول‬ ‫القليلة ذات املستقبل املشرق الواعد في جنوب‬ ‫الصحراء الكبرى في أفريقيا‪ ،‬نظرا ألنها ال‬ ‫تعاني من انقسامات عرقية وبالتالي فإنها من‬ ‫الدول القالئل ذات القومية الواحدة في املنطقة‪.‬‬ ‫ولكن بعد أن أدت عدة عقود من الفساد والحكم‬ ‫الذي ال يتسم بالكفاءة إلى انهيار اقتصادي‬ ‫وانقسامات متزايدة داخل خليط معقد من‬ ‫القبائل التي تشكل املجتمع الصومالي‪ ،‬أدى‬ ‫انهيار الدولة في مطلع التسعينات إلى نشوب‬ ‫حرب أهلية‪ ،‬وظهور القراصنة قبالة سواحل‬ ‫الصومال‪ ،‬وتدخالت دولية أحرزت درجات‬ ‫متفاوتة من النجاح‪ ،‬وأخيرا ظهور حركات‬ ‫إسالمية مسلحة‪ .‬في عام ‪ ،2010‬استطاع‬ ‫تنظيم الشباب‪ ،‬أكثر الجماعات اإلسالمية التي‬ ‫تدعي والءها لـ«القاعدة» تشددا‪ ،‬السيطرة على‬ ‫النصف الجنوبي من البالد‪ .‬ولكنه انهزم كلية‬ ‫أمام قوة دولية حشدها االتحاد األفريقي‪ .‬ولكن‬ ‫على مدار عامني‪ ،‬كان الشباب يمثل الجماعة‬

‫‪64‬‬

‫أ‪ .‬زحالن‬

‫الوحيدة التابعة لـ«القاعدة» التي استطاعت‬ ‫السيطرة على مساحة كبيرة من األرض‪.‬‬ ‫لم تحظ هذه القصة بالعرض كما ينبغي‪،‬‬ ‫لذلك يستحق هذان الكتابان االستثنائيان‬ ‫أن يصال إلى قطاع عريض من القراء‪ .‬يقدم‬ ‫فيرغسون وصفا حيا ألهوال بشعة شهدتها‬ ‫حرب ال تنتهي في الصومال‪ ،‬مضيفا إلى‬ ‫حكايته دعابات ساخرة لبعض املشاركني في‬ ‫الحرب‪ .‬ويبدو أنه كان مصاحبا لقوة االتحاد‬ ‫األفريقي في عامي ‪ 2010‬و‪ ،2011‬حيث‬ ‫يتحدث عن النجاح العسكري الذي أحرزته‬ ‫هذه القوات من خالل مجموعة من املقاالت‬ ‫القصيرة الكاشفة‪ .‬وفي توضيح لحجم تبعات‬ ‫انهيار دولة الصومال يتطرق فيرغسون إلى‬ ‫الشتات الصومالي من لندن إلى مينابوليس‪،‬‬ ‫التي تضم جيوبا تقدم الدعم لتنظيم الشباب‪.‬‬ ‫يركز هانسن بصورة محدودة على تنظيم‬ ‫الشباب واملزيج املثير للفضول الذي يجمع فيه‬ ‫بني اآليديولوجيا اإلسالمية الدولية واملخاوف‬ ‫املحلية التي يستغلها في الدخول إلى السياسة‬ ‫الفوضوية في الصومال‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫على مدار عقود‪ ،‬ألف زحالن الكثير من الكتب في مراقبة‬ ‫اإلنتاج العلمي العربي‪ ،‬في ضوء خبرته كعالم فيزياء‪.‬‬ ‫يأتي تقريره عن حالة العلم في العالم العربي محبطا‬ ‫ولكنه ال يبعث على اليأس‪ .‬تتوفر جميع متطلبات النجاح العربي‬ ‫في األبحاث والتنمية فيما عدا الثقافة واإلرادة السياسية‪ .‬ال توجد‬ ‫صالت عضوية بني الجامعات والصناعات واألسواق في الدول‬ ‫العربية نظرا ألن الحكومات تمول مشروعات كاملة دون اإلصرار‬ ‫على أن يشارك املطورون وسائل التكنولوجيا التي تقوم على‬ ‫أساسها‪ .‬هذه الطريقة «الجاهزة» تعني أن كال من الحكومات‬ ‫والصناعات ال تحتاج إلى اللجوء إلى الجامعات أو مراكز األبحاث‬ ‫للحصول على أحدث األبحاث والتطوير‪ .‬في ظل فقدان هذه الحلقة‬ ‫املهمة‪ ،‬ال توجد قوة دفع كافية لتطوير نوعية االتحادات والشبكات‬ ‫املهنية التي تدعم املهنية العلمية في األساس‪ .‬كما ال توجد قوة‬ ‫دفع في سبيل التعاون العلمي بني الدول العربية‪ .‬والنتائج واضحة‪.‬‬ ‫في عام ‪ ،2009‬كان ‪ 31‬عاملا فقط في العالم العربي يحظون بقدر‬ ‫من الظهور العاملي‪ .‬في املقابل‪ ،‬منذ عام ‪ ،1970‬ارتفع حجم اإلنتاج‬ ‫العلمي والتنموي لكوريا الجنوبية من نصف حجم إنتاج العالم‬ ‫العربي إلى ‪ 20‬ضعفا‪ ،‬بينما يبلغ حجم إنتاج إسرائيل البحثي‪،‬‬ ‫مقارنة بعدد السكان‪ 26 ،‬ضعف العالم العربي‪.‬‬


‫نتيجة لذلك‪ ،‬قام الغذامي بتجريد أولئك النفر من الرواد من استحقاقاتهم‬ ‫املكتسبة اكتسابا‪ ،‬ومارس ذلك بوعي‪ ،‬وتكتيك مألوف في استراتيجية «النفي‬ ‫واإلثبات»‪ ،‬و«الشخصنة» بهدف تأكيد الذات والسبق‪.‬‬ ‫لقد كانت خطيئة الغذامي في أنه حكم بفشل املشروع الثقافي برمته استنادا‬ ‫إلى مصائر الرواد‪ ،‬والحقهم في القاهرة‪ ،‬وغيرها من املدن العربية‪ ،‬مع أن‬ ‫«نطفة التجديد والتحديث زرعت في رحم الثقافة السعودية‪ ،‬وبالتالي فإن‬ ‫متابعة مراحل الحمل وتطور الجنني ينبغي أن تكون هنا في الثقافة الحاملة‬ ‫للنطفة‪ ،‬ال هناك بعيدا حيث سافر أو هاجر أو اغترب صاحب النطفة! أليس‬ ‫هذا هو املنطق السليم؟! بلى‪ ..‬ولكنه داء (الشخصنة) قاتله الله»‪.‬‬ ‫يعود املؤلف ويؤكد قائال‪« :‬ولكنني أزعم أن قراءة منصفة ومتجردة لتراث‬ ‫هؤالء الرواد‪ ،‬كمحمد حسن عواد‪ ،‬وحمزة شحاته‪ ،‬وغيرهم‪ ،‬ستكشف أنهم‬ ‫أكثر صدقا وجرأة وجذرية في رؤاهم التحديثية‪ ،‬وفي طرحهم النهضوي من‬ ‫الغذامي ومجايليه‪ ،‬الذين كانوا أكثر حذرا وتقية‪ ،‬أو أقل وعيا وأضيق أفقا‬ ‫من أسالفهم»‪.‬‬

‫الغذامي والسريحي‪ ..‬وللحداثة إله واحد‬ ‫إنك عبثا تحاول أن تجد في «حكاية الحداثة» عن كاتب أو كتاب أو مقال‪ ،‬أو أي‬ ‫أثر ثقافي ملفكر أو مبدع‪ ،‬غير البطل الوحيد للرواية‪ ،‬الذي هز الجدل الثقافي‪،‬‬ ‫ومسح طاولة املشهد الحداثي‪ ،‬ولم يعد هناك مكان ألحد بعد أن حجزها هو‬ ‫بالكامل‪.‬‬ ‫يتجلى هذا اإللغاء واإلقصاء التام لآلخر ‪ -‬كما يقول املؤلف ‪ -‬وبشكل واضح‬ ‫فاضح في قصة الغذامي مع سعيد السريحي ‪ -‬الذي يعتبر من أهم نقاد‬ ‫الحداثة ‪ -‬حيث يبدو في حكاية الغذامي كما لو كان نكرة طفيليا يتغشى‬ ‫مواقع الغذامي فأرضى نفسه (فهو شاب لم نكن نجهله‪ ،‬ولكن معرفتنا به‬ ‫خفيفة)‪ ،‬هكذا يصوره‪« ،‬مع أن السريحي ‪ -‬لوال التقاليد الثقافية املشوهة ‪-‬‬ ‫الحتل موقعه املناسب واحدا من أكثر النقاد العرب تفعيال وتوظيفا عميقا‬ ‫ملناهج النقد املعاصر»‪.‬‬ ‫هذه هي النتيجة إذن‪« ..‬إلغاء دور اآلخرين وإقصاؤهم من الصورة‪ ،‬لتكريس‬ ‫دور البطولة املطلقة للغذامي نفسه في حركة الحداثة في اململكة‪ ..‬فكل ما‬

‫يمكن أن تعثر عليه في قصة املوجة الثالثة عدا (الخطيئة والتكفير) هو أطياف‬ ‫أشخاص بال مالمح‪ ،‬يتحركون كاألشباح تحت ظل الكتاب وصاحبه‪ ..‬فهم‬ ‫ينصبون له السرادق ويجهزون امليكرفونات‪ ،‬أو يشتغلون جواسيس له‪،‬‬ ‫وينقلون له أخبار ما يحاك ضده من مؤامرات‪ ،‬ويكشفون له مواقع ما ينصب‬ ‫له من شباك وفخاخ‪ ،‬وهذا هو قصارى دورهم وجهدهم وإسهامهم في حركة‬ ‫الحداثة السعودي‪ ،‬كما يصورها لنا الغذامي»‪.‬‬ ‫ومع كل ذلك‪ ،‬يتعقب املؤلف حاكما مقيما لتلك الحركة الحداثية قائال‪« :‬حني‬ ‫يصف الغذامي بأن تجربة العشرينات امليالدية يمكن أن يطلق عليها (حداثة‬ ‫النصف خطوة)‪ ،‬فإننا نجيز ألنفسنا أن نصف حركة الثمانينات التي نصب‬ ‫الغذامي فيها نفسه بطال‪ ،‬وجعل من كتاب (الخطيئة والتكفير) شرارتها‬ ‫األولى‪ ،‬بأنها (مجاز حداثة)‪ ،‬أو مجرد (حداثة افتراضية)‪ ،‬فهي حداثة بالنية‪،‬‬ ‫ولم تكن على أرض الواقع»‪.‬‬

‫ماذا لو قرأه طه حسني؟!‬ ‫وفي طور آخر من أطوار «التضخم األنوي»‪ ،‬يشبه الغذامي في أكثر من‬ ‫موضع صدى وأثر كتابه «الخطيئة والتكفير» بكتاب عميد األدب العربي طه‬ ‫حسني «في الشعر الجاهلي»‪ ،‬بل إنه في نصوص أخرى يقول إن ردة الفعل‬ ‫تجاه كتابه في الجسد الثقافي الرسمي والشعبي في السعودية فاقت ردة‬ ‫الفعل التي أحدثها كتاب طه حسني‪« ،‬األنا املتضخمة في سبيل تضييقها‬ ‫للواسع تذهل عن الفوارق والحقائق التاريخية واالجتماعية التي تكون في‬ ‫غاية الوضوح وال يمكن إلغاؤها أو تجاهلها وإغفالها‪ ،‬دون أن تنسف األساس‬ ‫التي تقوم دعواها عليه»‪.‬‬ ‫ال يتمالك املؤلف نفسه أمام هذه التشبيهات املتمادية في التضخم األنوي‪،‬‬ ‫فيمعن في ازدراء هذا التشبيه الذي يسوقه الغذامي بينه وبني طه حسني‪،‬‬ ‫قائال‪« :‬ال أشك في أن العمر لو امتد بالعميد ليقرأ مثل كالم الغذامي في‬ ‫صحيفة سيارة تلتقطها أيدي الصبيان والفتيات الذين لم يتفتق وعيهم‬ ‫بعد‪ ،‬ويظنون بمثل هذه القامات التربوية والعلمية الخير‪ ،‬لنسب الغذامي‬ ‫إلى فئات اجتماعية وإلى أماكن أخرى في املجتمع‪ ،‬ليس فضاء الفكر‬ ‫والثقافة واألدب من بينها إطالقا<‬

‫الغذامي خالل ندوة في جامعة امللك‬ ‫سعود بالرياض في ديسمبر ‪2010‬‬ ‫وصف الليبرالية باملوشومة‪ ،‬منكرًا‬ ‫وجود أي ليبرالي سعودي‬

‫‪,,‬‬

‫عبثا تحاول‬ ‫أن تجد في‬ ‫«حكاية‬ ‫الحداثة» عن‬ ‫كاتب أو كتاب‬ ‫أو أي أثر‬ ‫ثقافي ملفكر‬ ‫أو مبدع غير‬ ‫البطل الوحيد‬ ‫للرواية‬

‫‪,,‬‬

‫* كاتب سعودي‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫‪63‬‬


‫ثقافة‬

‫على الرغم من أن كتاب الدكتور عبد الله الغذامي الذي تناول فيه (حكاية الحداثة في اململكة العربية السعودية) قد‬ ‫صدر في عام ‪ ،2004‬فإن الردود ما زالت تتوالى عليه‪ ،‬وتتعقبه بالنقد والتمحيص واملعالجة‪ ،‬ألن الحكاية‪ ،‬كما يقول‬ ‫مؤلفنا‪ ،‬مرتبطة بشخص (الغذامي) وانطباعاته و«أهوائه» أكثر من أن تكون مرتبطة فعليا بتأريخ حقيقي لتجربة‬ ‫الحداثة في السعودية‪.‬‬

‫ثقوب األنا والنرجسية في كتاب «حكاية الحداثة»‬

‫أهواء الغذامي‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫عبد الله الناصر*‬

‫اسم الكتاب‪:‬‬ ‫«أوهام الحداثوية‪..‬‬ ‫ثقوب في رواية‬ ‫عبد الله الغذامي‬ ‫لتجربة الحداثة‬ ‫في السعودية»‬ ‫املؤلف‪ :‬عز الدين‬ ‫صغيرون‬ ‫الناشر‪ :‬دار «مدارك»‬ ‫للنشر ‪2013‬‬

‫عز الدين صغيرون‪ ،‬كاتب وشاعر سوداني‪ ،‬هو ابن للصحافة تاريخ مختلق‪ ..‬ملفق تماما‬

‫السعودية والخليجية‪ ،‬جال قلمه بني صحيفة «عكاظ» السعودية‪،‬‬ ‫و«االتحاد» اإلماراتية‪ ،‬ومجلة «الدوحة» القطرية‪ .‬في كتابه الصادر‬ ‫في فبراير (شباط) ‪« 2013‬أوهام الحداثوية‪ ..‬ثقوب في رواية عبد الله الغذامي‬ ‫لتجربة الحداثة السعودية» عن دار «مدارك» للنشر‪ ،‬يضع صغيرون الغذامي‬ ‫تحت مجهر الناقد املتربص الحاد الذي ال يبتغي تخفيف العبارة أو تنميقها‬ ‫تحاشيا لأللم أو املصادمة‪ ،‬وإنما تخرج منه مباشرة مندفعة صريحة‪ ،‬هو ال‬ ‫يعترف بأن الغذامي في حكايته يقدم رواية تاريخية‪ ،‬بل هي أبعد ما تكون عن‬ ‫ذلك‪ .‬إنها شيء «ال يمكن االعتماد عليه في رصد تطور الفكر السعودي‪ ،‬في‬ ‫واحدة من أهم محطاته التاريخية‪ ،‬فقط انهمك راوي الحكاية في سرد معاركه‬ ‫الشخصية الصغيرة‪ ،‬مستغرقا في تفاصيل ال تكتسب أهميتها وقيمتها إال‬ ‫راو يتمحور حول ذاته فيظنها وقائع‬ ‫من زاوية ذاتية تهم الراوي وحده‪ ،‬وهو ٍ‬ ‫كبرى تهم الناس جميعا»‪.‬‬

‫في هذا السياق‪ ،‬يرى صغيرون أن رواية الغذامي لحكاية الحداثة في السعودية‬ ‫يمكن أن تفيد دارسي اإلنتاج األدبي الغذامي‪ ،‬وراصدي حياته الشخصية‬ ‫وتركيبته النفسية‪ ،‬أكثر مما تفيد في دراسة تاريخ الفكر السعودي وتطور‬ ‫تجربته الحداثية‪.‬‬ ‫وهذا سببه يعود بشكل واضح إلى تلك «النرجسية والتضخم األنوي الذي‬ ‫يجعل صاحبه يمارس أسوأ أنواع الخداع الذاتي متصورا مركزية أنوية‪،‬‬ ‫ليغطي بها عجزا بنيويا عن التمثل الحقيقي ملتطلبات (الحداثة) الحقة‪ ،‬وهو‬ ‫بهذا يمثل الحداثوية العربية في أسوأ حاالتها»‪.‬‬ ‫قسم املؤلف كتابه لثالثة فصول؛ األول تحدث فيه عن منهج الغذامي‬ ‫في روايته لتجربة الحداثة ومحدداته ومنطلقاته‪ ،‬وكان بعنوان يجملها‬ ‫ويلخصها «ثمة راو‪ ..‬ولكن أين الرواية؟!»‪ ،‬والفصل الثاني تحدث فيه‬ ‫عن األفكار والطروحات الواردة في حكاية الغذامي‪ ،‬خصوصا سرده‬ ‫لتطوره املجتمع السعودي وتحقيبه للحداثة من التأسيس وحتى اليوم‪،‬‬ ‫كان الفصل بعنوان «الحداثة في العقل الطفروي»‪ ،‬أما الفصل الثالث الذي‬ ‫جاء في مجمله مقيما وناقدا لتجربة الحداثيني العرب بشكل عام‪ ،‬وأسباب‬ ‫فشلهم‪ ،‬وسر قفزاتهم البلهوانية االنتحارية‪ ،‬منزال ذلك في األخير على‬ ‫تحوالت الغذامي‪ ،‬وانقالبه للنقد للثقافي‪ ،‬ثم ارتدائه لزي اإلحرام وأدائه‬ ‫للعمرة معلنا توبته‪ ،‬واستعداده لحرق كتابه «الخطيئة والتكفير»‪ ،‬وفعل‬ ‫كل ما يرضي اإلسالميني‪ ،‬لكنهم ‪ -‬كما يعبر الغذامي متحسرا في حديث‬ ‫لصحيفة «عكاظ» ‪« -‬لم يسلموا عليه (أي اإلسالميني) ولم يفرحوا كثيرا‬ ‫بتوبته‪ ،‬وما زالوا يتحاشون النظر إليه والسالم عليه‪ ،‬والصالة بجواره‪،‬‬ ‫ونجحت الصورة النمطية التي رسمها محمد مليباري وعوض القرني‬ ‫وسعيد الغامدي»‪.‬‬

‫‪62‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫يطرح املؤلف هذا التساؤل في مطلع كتابه‪« :‬ملاذا عبد الله الغذامي؟»‪ ،‬ويجيب‪:‬‬ ‫«إنه من أقوى األصوات الحداثوية في اململكة‪ ،‬أو دعنا نقل بدقة‪ :‬ألنه األكثر‬ ‫إنتاجا ثقافيا‪ ،‬وبالتالي ألنه األكثر حضورا في ساحة الفعل الثقافي العربي‬ ‫من بني الكتاب السعوديني»‪ .‬أما ملاذا نتناول «حكاية الحداثة في اململكة العربية‬ ‫السعودية»‪ ،‬فألن كاتبه قدم نفسه كناطق رسمي بها‪ ،‬في حني أنه قدم تاريخ‬ ‫الثقافة السعودية «بشكل مشوه للغاية‪ ..‬إن لم نقل‪ :‬مختلق وملفق تماما»‪.‬‬ ‫فرواية قصة تطور الحداثة في املجتمع السعودي على نحو صحيح‬ ‫وموضوعي ستعتبر «درسا» ال غنى عنه لكل قارئ لتاريخ الثقافة العربية‬ ‫بوجه عام‪ ،‬ورصد تحوالتها ومراحل تطورها‪ ،‬وفهم صحيح ملساراتها‬ ‫املفصلية‪ ،‬وهذا ما لم يفعله الغذامي في روايته لتجربة الحداثة والتجديد في‬ ‫اململكة‪ ،‬وبالتالي‪ ،‬فإن روايته هذه لن تفيد شيئا ملن يسعى لقراءة تجربة‬ ‫الحداثة والتجديد في املجتمع السعودي‪ ،‬بل سوف تسبب لقارئها تشوها‬ ‫وارتباكا‪ ،‬وسوف تكون ضارة لكل من يسعى إلى معرفة هذه التجربة من‬ ‫زاوية تاريخية موضوعية‪ .‬فهذه «الحكاية» باختصار هي «مسرح الرجل‬ ‫الواحد بعينه»‪ ،‬يمكنك أن تستشف ادعاء دور البطولة املطلقة التي ينسبها‬ ‫الغذامي لنفسه في املنجز الحداثي‪ ،‬الذي لم يكتمل بعد على مستوى الخطاب‪،‬‬ ‫ومع ذلك تجده حني يستعرض أو يحاول قراءة أسالفه الحداثيني الذين تشكل‬ ‫أعمالهم إرهاصات حداثية في فضاء املراحل التاريخية التي عاشوا فيها‪ ،‬هو‬ ‫في كل قراءته لجهد أولئك يحصر جهده لإلجابة عن سؤال يضمر إجابته‪،‬‬ ‫وهو‪ :‬ملاذا لم ينجز الرواد ما استطاع أن ينجزه هو؟ ومثل هذا السؤال امللتبس‬ ‫وغير املصرح به يكشف في الواقع عن إجابة تحيل على نتيجة تأكدت‬ ‫مسبقا‪ ،‬تتمحور حول «األنا»‪.‬‬

‫التاريخ ومالحقة األشخاص‬ ‫يتساءل املؤلف منطلقا من السؤال املضمر السابق في رواية الغذامي‪ ،‬ويقول‪:‬‬ ‫«حني يحاول أي مؤرخ موضوعي للحركة الثقافية أو لتاريخ الفكر السعودي‬ ‫وتطوره‪ ،‬أن يقوم ويقيم مساهمة وتجربة الرواد فيه‪ ،‬فإن أول سؤال يخطر‬ ‫على ذهنه هو مدى حجم االختراق الذي أحدثته هذه الحركة في النسق‬ ‫الثابت الذي كانت عليه الثقافة‪ ،‬لكن الغذامي‪ ،‬بدال من أن يتجه ببصره إلى‬ ‫حركة املجتمع‪ ،‬نجده يتابع بعينه مصائر أولئك الرجال الذين طرحوا رؤاهم‬ ‫الجريئة‪ ،‬مع أن أي ساذج ال يمكن أن يتصور أو يتوقع مصيرا مبهجا ورديا‬ ‫لشخص يصدم الناس في ثوابتهم العرفية‪ ،‬ويحرك سواكنهم ويقلقها‪ ..‬لقد‬ ‫آثر الغذامي أن يالحق أولئك الرواد في منافيهم االختيارية ‪ -‬وبشيء من‬ ‫الشماتة ‪ -‬وكأن ذلك سيساعد في قراءة آثار حركتهم ومعرفة نتائجها»‪.‬‬


‫األفكار حتى هبت رياح «البنيوية» التي قامت بمراجعة التفسير التاريخي‬ ‫مراجعة جذرية‪ ،‬ومحاولة القضاء على ادعائه احتكار القدرة على تفسير‬ ‫الظواهر البشرية‪.‬‬ ‫وبينما يتصل باأللسنية بالتحديد‪ ،‬وهي من أدوات املشروع الغذامي‪ ،‬فإن‬ ‫العالقة فيها بني املنهج و«األفكار املسبقة» (الغيبيات) عالقة وثيقة‪ ،‬على‬ ‫نحو ال نكاد نجد له نظيرا في نظرية نقدية أخرى‪ ،‬وهي ال تمثل خطوة نحو‬ ‫دخول العلوم اإلنسانية فردوس العلوم الطبيعية! ‬ ‫فمثال‪ ،‬أهم مكونات النظرية‪« :‬العالمة» يعد (حسب بارت) من «املصطلحات‬ ‫الغامضة جدا»‪ ،‬و«جاك دريدا حينما حاول أن يخضع «العالمة» إلى‬ ‫سؤال الجوهر‪( :‬ما أنت؟)»‪ ،‬وصل إلى أنها «الشيء غير املسمى بوضوح‪،‬‬ ‫والوحيد الذي يفلت من السؤال املؤسس للفلسفة‪( :‬ما هو‪..‬؟)»‪.‬‬

‫في ندوة‪ ،‬وقلت له‪ :‬يا دكتور غذامي قل لي من هو الفحل الشعري الذي‬ ‫أظهر موسوليني أو هتلر؟!»‪.‬‬ ‫وحسب عبد املطلب‪ ،‬فإن «الخطأ الذي وقع فيه الغذامي سببه أنه بدأ‬ ‫قراءة التراث بالرفض وليس بحميمية؛ فقدم منهجا مختال في كتابه‬ ‫ألنه يبدأ من الثقافة ليصل إلى النص‪ ،‬واملفروض العكس؛ أن تبدأ‬ ‫من النص لتصل إلى الثقافة‪ ،‬ألنك تبحث عن النسق الثقافي للنص‪،‬‬ ‫ودائما ما أعتمد مقولة (قراءة ثقافية)‪ ،‬وليس (نقدا ثقافيا)‪ ،‬ألن النقد‬ ‫سيقتضي إصدار حكم‪ ،‬وحكمك على النص هو حكم على الثقافة كلها‪،‬‬ ‫إنما القراءة توضيح دون حكم» (‪. )15‬‬

‫وهذا املنطق املعكوس هو ما يسكن قلب الدمية األخيرة من «املاتروشكا‬ ‫الغذامية»! <‬

‫فهل دخلت العلوم اإلنسانية بهذا الغموض وهذه التهويمات الصوفية حول الهوامش‬ ‫املفاهيم املؤسسة «فردوس العلوم الطبيعية»؟‬

‫واألخطر في مسار دي سوسير القول إن العالقة مع العالمة اللغوية‬ ‫«اعتباطية» انطالقا من أن العالقة بني الدال واملدلول ليست «توقيفية»‬ ‫بقدر ما هي اعتباطية وجزافية‪ .‬وأول ما يرد إلى ذهني أنا شخصيا عما‬ ‫إذا كانت هذه العالقة التي ترجح فيها كفة «االعتباطية» على «التوقيفية»‬ ‫يمكن أن تستخدم في فهم القرآن مثال أم ال؟‬ ‫ولعل من أهم نتائج مقولة اعتباطية العالمة اللغوية‪ ،‬ما توصلت إليه املدرسة‬ ‫البنيوية السيكولوجية بقيادة الفيلسوف واملحلل النفسي جاك الكان‪ ،‬الذي‬ ‫دفع النقد األدبي في فرنسا‪ ،‬نحو اتجاه جديد يقوم على مبدأ أن «البنية‬ ‫الشاملة للغة هي بنية ال شعورية»‪ ،‬فبأي من مناهج «العلوم الطبيعية»‬ ‫يمكن أن يتعامل الغذامي مع عالم «الالشعور»؟ (‪)13‬‬

‫الدمية الرابعة‬ ‫التلفيقية والتالعب بمستويات التعيني والتجريد‪ ،‬والتعميم والتخصيص‪،‬‬ ‫وخاصة عالقة اللغة (لغة اإلبداع والنقد معا) بالرؤية الكونية‪ .‬ومن نماذج‬ ‫هذا التالعب عالقة اللغة باملقدس‪ ،‬حيث تطرح القضية مبتسرة بقصر‬ ‫دائرة النظر على «املعيش» املباشر اليومي‪ ،‬دون اإلشارة لصلته باملقدس‪،‬‬ ‫وحسب الدكتور إدوارد سعيد فإن إشكالية مثل «الشفاهية والكتابة» تثير‬

‫«العديد من السجاالت‪ .‬إنها مسألة على درجة عالية من الخطورة‪ ،‬كونها‬ ‫ترتبط بعناصر آيديولوجية ال شأن لها باملعيش اليومي»‪ .‬وهي نقطة‬

‫ال يعتادها مستخدمو اللغات األوروبية الحديثة التي تتطابق فيها اللغتان‬ ‫املحكية واملكتوبة‪ ،‬وفقدت فيها الكتب املقدسة سلطانها اللغوي(‪.)14‬‬

‫وأتوقف هنا عند مالحظتني؛ فاإلجابة عن السؤال تتصل باآليديولوجيا‪،‬‬ ‫أي «األفكار املسبقة»‪ ،‬أي أنها جزء من رؤية اإلنسان للكون والذات‪ ،‬وهي‬ ‫تتضمن بالضرورة انحيازا‪ ،‬وال تتصل بالعلم بطبيعته املحايدة املنضبطة‬ ‫باملنهج‪ .‬واملالحظة الثانية هي االرتباط بني قضية لغوية وفقدان «السلطة‬ ‫اللغوية» للكتب املقدسة! والغذامي يختبئ وراء الطبيعة «التأويلية»‬ ‫لألدب‪ ،‬ثم يقفز من النص للواقع املتعني ليرتب نتائج ال تلزم عن مقدماتها‪.‬‬ ‫ويضرب الناقد املصري املعروف الدكتور محمد عبد املطلب مثاال لهذه‬ ‫التلفيقية قائال‪« :‬حاولت أن أرد على عبد الله الغذامي في كتابه (النقد‬ ‫الثقافي)‪ ،‬ألنه في كتابه هذا ظلم الثقافة العربية ظلما بينا؛ ظلم اللغة‬ ‫العربية واتهمها بأنها لغة ذكورية‪ ،‬ظلم الشعر العربي واتهمه بأنه‬ ‫شعر ذكوري‪ ،‬واتهم الثقافة العربية بأنها عدو للمرأة‪ ،‬فكان همي في‬ ‫مصنفي هذا الرد على هذه الرؤية املغلوطة للغذامي‪ ..‬فالغذامي اعتمد‬ ‫على منهج االنتقاء‪ ،‬وهذا خطأ فادح‪ ،‬بل إنه رد كل مثالب الواقع العربي‬ ‫الحالي إلى الثقافة العربية القديمة‪ ،‬فذكر أن الديكتاتورية انتشرت في‬ ‫العالم العربي رد فعل للفحل في الشعر العربي القديم‪ ..‬وقد التقيته مرة‬

‫(‪ )1‬عمر زرفاوي (دكتور)‪ :‬الثقافة العربية وعوملة النقد‪ :‬قراءة في مشروع النقد‬ ‫األلسني لعبد الله الغذامي‪ .‬مجلة اآلداب والعلوم االجتماعية – العدد ‪ 9‬يونيو ‪.2009‬‬ ‫(‪ )2‬فتح الرحمن يوسف‪( :‬حوار) «عبد الله الغذامي‪ :‬أدونيس مثال حي على رجعية‬ ‫الحداثة العربية‪ :‬الناقد السعودي يرى أن الثقافة القومية ثقافة شوفينية»‪ .‬جريدة‬ ‫«الشرق األوسط» اللندنية‪ .‬عدد ‪ 29‬أكتوبر ‪.2009‬‬ ‫(‪ )3‬محمد عناني (دكتور)‪ :‬املصطلحات األدبية الحديثة‪ ..‬دراسة ومعجم إنجليزي‪/‬‬ ‫عربي‪ .‬الشركة املصرية العاملية للنشر – لونجمان‪ .‬الطبعة الثانية‪ .‬سنة ‪ .1997‬ص‬ ‫ص ‪.136 – 135‬‬ ‫(‪ )4‬يوسف حامد جابر‪ :‬قراءة نقدية في كتاب النقد الثقافي للدكتور عبد الله‬ ‫الغذامي‪ .‬مجلة دراسات في اللغة العربية وآدابها‪ .‬العدد التاسع‪ .‬ربيع ‪.2012‬‬ ‫(‪ )5‬عبد الله الغذامي (دكتور)‪ :‬النقد الثقافي‪ ..‬مقدمة نظرية وقراءة في األنساق‬ ‫الثقافية العربية‪ .‬املركز الثقافي العربي‪ .‬املغرب‪ .2000 .‬ص ص ‪.95 / 94‬‬ ‫(‪ )6‬يوسف حامد جابر‪ :‬مرجع سابق‪.‬‬ ‫(‪ )7‬عمر زرفاوي (دكتور)‪ :‬مرجع سابق‪.‬‬ ‫(‪ )8‬بدر الغانمي‪( :‬حوار) «د‪ .‬عبد الله الغذامي يكشف معاناته لـ(عكاظ)‪ :‬رفضوا‬ ‫الصالة بجانبي وال يسلمون علي‪ ..‬وصدوا عني وأنا محرم في الحج‪ ..‬لست إبليسا‬ ‫وتمنيت أن يفرحوا بتوبتي»‪ .‬صحيفة «عكاظ»‪ .‬عدد ‪ 30‬أكتوبر ‪.2009‬‬

‫‪,,‬‬

‫اتسم الجهد‬ ‫التطبيقي‬ ‫للغدامي‬ ‫باالنطباعية‬ ‫واالنتقائية‬ ‫فالناقد حلم‬ ‫باملوضوعية‬ ‫فسقط في‬ ‫االنطباعية‬ ‫وتحليله‬ ‫للنصوص ال‬ ‫يكاد يجاوز‬ ‫حدود الوصف‬ ‫واالنطباع‬

‫‪,,‬‬

‫(‪ )9‬بدر الغانمي‪ :‬حوار «د‪ .‬عبد الله الغذامي يكشف معاناته لـ(عكاظ)»‪ .‬سبق ذكره‪.‬‬ ‫(‪ )10‬يوسف هزاع‪( :‬حوار) «اتهمهم بأنهم نبتة غربية ويجيرون إنجازات ‪ 50‬عامًا‬ ‫ألنفسهم‪ ..‬الغذامي‪ :‬من هم الليبراليون السعوديون؟ إنهم السائل واإلسالميون‬ ‫الصلب»‪« .‬إيالف»‪ 27 .‬ديسمبر ‪.2010‬‬ ‫(‪ )11‬عبد الله الغذامي (دكتور)‪ :‬الخطيئة والتكفير‪ ..‬من البنيوية إلى التشريحية‪..‬‬ ‫نظرية وتطبيق‪ .‬الطبعة السادسة‪ .‬املركز الثقافي العربي‪ .‬املغرب‪ .‬ص ‪.7‬‬ ‫(‪ )12‬عصام عبد الله (دكتور)‪ :‬علم تاريخ األفكار‪ .‬مركز زايد للتنسيق واملتابعة‪.‬‬ ‫دولة اإلمارات العربية املتحدة ‪ .2002‬ص ‪.5‬‬ ‫(‪ )13‬مالس مختار‪ :‬السيميولوجيا والعالمة‪ ..‬املفهوم واملصطلح‪ .‬مجلة الرافد‪.‬‬ ‫اإلمارات‪.‬‬ ‫(‪ )14‬إدوارد سعيد‪ :‬اللغة العربية‪ ..‬الرولز رويس والفولسفاغن‪ .‬لوموند دبلوماتيك‪.‬‬ ‫أغسطس ‪.2004‬‬ ‫(‪ )15‬مصطفى سليم وأحمد الدعدر‪( :‬حوار) «محمد عبد املطلب‪ ..‬يرصد مغالطات‬ ‫النقاد العرب في حق تراثنا النقدي»‪ .‬مجلة «الثقافة الجديدة»‪ .‬العدد ‪ .241‬أكتوبر‬ ‫‪.2010‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫‪61‬‬


‫ثقافة‬

‫‪,,‬‬ ‫يلح الغذامي‬ ‫إلى ضرورة‬ ‫إرساء دعائم‬ ‫نظرية نقدية‬ ‫«تنحت من‬ ‫صخر التراث‬ ‫وتغرف من‬ ‫بحر النظرية‬ ‫الغربية‬ ‫الحديثة»‬ ‫وهو بذلك‬ ‫ينكر الفوارق‬ ‫الحضارية‬

‫‪,,‬‬

‫يمكن أن يؤكل وال يرمى»‪ ،‬وأضاف‪« :‬أنا الذي اتهمت الحداثة العربية‬ ‫بأنها حداثة رجعية‪ ،‬ألنها فاشلة فلم تتجه نحو املشروع السياسي أو‬ ‫االقتصادي أو الفكري‪ ،‬فبالتالي هي حداثة جزء‪ ،‬وليس كال»(‪.)9‬‬

‫وهكذا ُيحكم على الحداثة بالفشل‪ ،‬على الرغم من أن من اجتزأوها هم من‬ ‫يتحملون مسؤولية الفشل‪ ،‬فهل هذه خفة أم استخفاف؟‬ ‫وقد لفت نظري أنه ال يرى مشكلة في تداول مفاهيم تنطوي على تفتيش‬ ‫واضح في النيات‪ ،‬وإقرار شبه صريح بأن «الزئبقية» من مفردات الواقع‬ ‫الفكري‪ ،‬فهو ‪ -‬مثال ‪ -‬لم ُي ِبد أي امتعاض أو اعتراض عندما سئل في حوار‬ ‫صحافي عن «التقية الثقافية» عند الليبراليني السعوديني(‪!)10‬‬ ‫وهذا التكتيك في املواربة واإلفصاح قد يبرره كثيرون بالقيود على حرية‬ ‫الفكر في العالم العربي‪ ،‬وبعضها مصدره سياسي‪ ،‬وبعضها مصدره‬ ‫اجتماعي‪ ،‬لكن بعض القيود مصدره ‪ -‬دون مواربة ‪ -‬شرعي‪ .‬وعليه‪ ،‬فقد‬ ‫يبرر البعض مسلك «الزئبقيني» املعاصرين‪ ،‬لكن ما تقوله تجربة التاريخ‬ ‫(وهنا أستعير عبارة قالها محمد جالل كشك)‪« :‬التاريخ ال تغيره شكاوى‬ ‫مجهولي الهوية»‪ ،‬أي أن «طلب السالمة» بـ«الزئبقية» مرفوض أخالقيا!‬ ‫والقضية هنا ليست التفتيش في الضمائر‪ ،‬وهي مفردات طاملا استدعيت‬ ‫ بالحق وبالباطل ‪ -‬بل هي وجوب أخذ حقيقتني في االعتبار‪ .‬األولى أن‬‫مناقشة ما قاله ‪ -‬أو كتبه ‪ -‬شخص ليس تفتيشا في الضمائر‪ ،‬بل مناقشة‬ ‫ملنتج انفصل عن صاحبه‪ .‬الحقيقة الثانية أن دروس التاريخ ال يجوز‬ ‫إهمالها‪ ،‬ففي حقبة التنوير األوروبي‪ ،‬ظهر سيل مؤلفات انتقدت اليهودية‬ ‫بشدة‪ ،‬وكان مبرر استهدافها تحاشي انتقاد املسيحية التي بقي نفوذها‬ ‫قويا لفترة طويلة‪ ،‬بعد بدء التحول الفكري العلماني الغربي‪ .‬ويذهب كثير‬ ‫من مؤرخي الفكر الغربيني إلى أن هذه الكتب أسهمت في تقويض اإليمان‬ ‫الديني‪ ،‬وأدى التبشير الواسع بـ«الربوبية» (أي اإليمان بإله مع إنكار الوحي‬ ‫والنبوات) إلى انتشار اإللحاد‪ ،‬فنقض األسس ال يبقي شيئا لجدران البنيان‬ ‫وسقفه‪.‬‬

‫الدمية الثالثة‬ ‫هي اإلصرار على القراءة املادية لثقافة تتأسس على نص مرجعي «مفارق‬ ‫للمادة» (الوحي)‪ ،‬وما الصدامات ‪ -‬والصدمات الثقافية ‪ -‬التي شهدناها‬

‫خالل القرن املاضي من طه حسني إلى اآلن إال ثمرة لهذا املسعى إلعادة‬ ‫بناء ثقافتنا العربية كلها‪ ،‬وفق منظور «معرفي مادي»‪ ،‬وهذه الدمية من‬ ‫«املاتروشكا الغذامية» فتحتها لي عبارة ناقد غربي معروف اختار الغذامي‬ ‫أن يصدر بها كتابه األول‪ .‬تقول العبارة‪« :‬روضت العلوم اإلنسانية‬ ‫نفسها‪ ،‬منذ قرون‪ ،‬على النظر إلى العلوم الطبيعية على أنها نوع من‬ ‫الفردوس الذي لن يتاح لها دخوله أبدا‪ ،‬ولكن فجأة ظهر منفذ صغير‬ ‫انفتح بني الحقلني‪ ،‬والفاتح لهذا املنفذ هو علم (األلسنية)» (‪.)11‬‬

‫والعبارة‪ ،‬أوال‪ ،‬تشير لحقيقة يحرص كثير من الحداثيني العرب على جعلها‬ ‫رمادية ليسهل لهم تحقيق هدفهم‪ ،‬وهي أنهم يستهدفون التغيير الفكري‬ ‫الشامل‪ ،‬وبالتالي فإن أفق عملهم أفق «العلوم اإلنسانية» ال النقد األدبي‪،‬‬ ‫وهذا ليس اتهاما‪ ،‬فهذا حقهم واختيارهم‪ .‬لكن املشكلة ‪ -‬وهذه هي املالحظة‬ ‫الثانية ‪ -‬أنهم يؤسسون جهودهم النقدية على مقوالت تأسيسية غربية‬ ‫تكاد تكون «غيبيات علمية»‪ ،‬وينتقلون وفقا ملسار السجال حول أفكارهم‬ ‫ ال وفقا للضرورات املنهجية ‪ -‬فيحتمون وراء «ساتر املتعني» إذا أدى‬‫«التجريد» إلى وضعهم تحت مظلة معينة‪ ،‬وهكذا‪.‬‬ ‫والثقافة الغربية شهدت معركة مهمة استمرت ألكثر من قرن حول‬ ‫وجوه االتفاق واالختالف بني العلوم الطبيعية والعلوم اإلنسانية‪ ،‬وما‬ ‫إذا كان باإلمكان أن تستخدم «اإلنسانية» مناهج «الطبيعية» بغية‬ ‫مزيد من الدقة‪ .‬والغذامي ‪ -‬بإيراده هذه العبارة ‪ -‬ال يعارض ما اعتبره‬ ‫‪60‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫«تراتبية» بني اإلنسانيات والطبيعيات تشعر فيه العلوم اإلنسانية‬ ‫بالتضاؤل أمام الطبيعية‪ ،‬وهو موقف وراءه احتفاء غربي بـ«املادة» فضال‬ ‫بالقول بأسبقيتها‪ ،‬وإال فال مبرر يسوغه املنطق يجعل أيا منهما أفضل‬ ‫بالضرورة!‬ ‫وقد كان هذا الخالف حول املنهج وثيق الصلة بالسياق األوسع (املعرفي)‪،‬‬ ‫مما يعني أن مناقشته في بيئته الجديدة (العربية) متصال بهذا السياق‬ ‫األوسع ليس «جريمة تديني للعلم»!‬ ‫تالق بني‬ ‫وهنا تأتي أهمية علم حديث نسبيا؛ «علم تاريخ األفكار»‪ ،‬كنقطة ٍ‬ ‫الفلسفة والتاريخ‪ ،‬ويتناول «األفكار البشرية مبرزا الكيفيات التي تجعل‬ ‫أفكارا ومفاهيم تبقى وتستمر»‪ ،‬عبر «الوقوف عند كل فكرة وعالقتها‬ ‫بلحظتها التاريخية وخلفياتها االجتماعية املختلفة» (‪.)12‬‬ ‫ويعد عام ‪ 1882‬حاسما للعلوم اإلنسانية عموما‪ ،‬ففيه شغل فيلهلم‬ ‫دلتاي (‪ )1911 - 1833‬كرسي هيغل بجامعة برلني‪ ،‬بالتزامن مع سيادة‬ ‫«الوضعية» ومناداة دعاتها بأن الخالص الوحيد لتأخر العلوم اإلنسانية‬ ‫عن الطبيعية يكمن في تطبيق املنهج التجريبي عليها للوصول إلى قوانني‬ ‫كلية (ص ‪)10‬‬

‫ويتميز هذا العلم بتركيزه على «العالم الباطني للفكر» ال على «العالم‬ ‫الخارجي للحياة العملية»‪ ،‬ومدار اهتمامه األفكار التي تنتشر‪ .‬وهو‪،‬‬ ‫حسب فوكو‪« :‬يتتبع املبادالت التي تتم بني امليادين املعرفية وهجرة‬ ‫األفكار بني بعضها بعضا» و«كيف تهجر املشكالت واملفاهيم واألفكار‬ ‫املحورية الحقل الفلسفي الذي تشكلت فيه إلى خطابات علمية أو‬ ‫سياسية»‪( .‬علم تاريخ األفكار ص ‪.)13 - 12‬‬

‫ومن أبرز أهدافه الكشف عن أفكار قد تكون وراء كل الفكر الصوري أو‬ ‫تعد شرطا له‪ ،‬فهذه األفكار «افتراضات» أو «تصورات مسبقة» يمتصها‬ ‫الناس باالرتشاح من بيئاتهم العقلية‪ ،‬وغالبا دون دراية كاملة بها‪ .‬أي‬ ‫أنه «يتركز حول أفكار قد يكون من األفضل تسميتها (إيمانات)»‪ ،‬وفي‬ ‫تاريخ اإلنسانية أفكار «نؤمن بها»‪.‬‬ ‫وما يتناوله هذا العلم من أفكار مسبقة تعتبر «إيمانات» هي مربط الفرس!‬ ‫وظاهر األمر يوحي بأن تاريخ األفكار ّ‬ ‫يقوم مقولة «العقل أو الروح هو‬ ‫القوة القصوى وراء كل تقدم في التاريخ» (علم تاريخ األفكار ص ‪.)15‬‬ ‫أي أنه «مثالي»‪ ،‬لكنه في الحقيقة وسيط بني املثالي واملادي‪ .‬واألفكار ال‬ ‫تدفع الناس للعمل إال إذا أحدثت لديهم إيمانا حيا دافعا للفعل‪ .‬ويقوم‬ ‫تاريخ األفكار بمحاولة حسم الصراع املزمن بني املثالية واملادية‪ ،‬فالنتاجات‬ ‫املادية البشرية لها بالضرورة بعد فكري روحي‪ ،‬والفكر بالذات يتحول لقوة‬ ‫مادية‪ ،‬وبالتالي لم يعد هناك مبرر النشطار العالم الفلسفي ملعسكرين؛‬ ‫مادي ومثالي‪ .‬وفي الحقيقة فإن ما يعتبره حداثيون عرب كثيرون حال‬ ‫توفيقيا بني املادي واملثالي‪ ،‬ليس إال حال مراوغا يتحول فيه املثالي إلى‬ ‫مثالي اسما مادي فعال على طريقة باروخ اسبينوزا الذي استخدم مفردات‬ ‫ذات مدلوالت مثالية متجاوزة للداللة على ظواهر مادية صرف مثل مقولة‪:‬‬ ‫«اإلله‪ /‬الطبيعة»‪.‬‬

‫ومما يكشف عنه هذا العلم املهم عالقة دور اآليديولوجيا في عالم الفكر‪،‬‬

‫ويقصد بها دراسة األفكار «بمعناها العام»‪ .‬أي «البحث في وقائع‬ ‫الالشعور»‪ .‬وكلمة آيديولوجيا ارتبطت في نشأتها بالنزوع الحسي‬

‫أو املادي في فرنسا في القرن الثامن عشر‪ ،‬فكان املنهج اآليديولوجي‬ ‫املنهج العلمي الوحيد الذي استخدمه الفالسفة في تحليل األفكار‪ .‬وكان‬ ‫اآليديولوجيون أنصار الجماعة الفلسفية التي أسسها الفيلسوف املادي‬ ‫الفرنسي كوندياك‪ ،‬وتأثروا بالتقليد التجريبي‪ ،‬ونبذوا امليتافيزيقا‪،‬‬ ‫ورفضوا الفكر امليتافيزيقي‪ ،‬ورأوا أن دراسة األفكار يجب أن ال تجري‬ ‫من منطلقات ميتافيزيقة‪ .‬ولم تكد تتبلور مالمح البحث الحديث في تاريخ‬


‫مفاهيم «الفحولة الشعرية» التي من سماتها التعالي وعشق الذات وهي‬ ‫بدورها أنتجت الطغيان السياسي عبر العصور(‪.)4‬‬ ‫ويؤكد الغذامي هذا الحكم الكاسح بقوله إن شخصية الفرد املتوحد‪« :‬فحل‬ ‫الفحول ذو األنا املتضخمة النافية لآلخرين من جهة ثانية‪ ،‬هي من‬ ‫السمات املترسخة في الخطاب الشعري‪ ،‬ومنه تسربت إلى الخطابات‬ ‫األخرى‪ ،‬ومن ثم صارت نموذجا سلوكيا ثقافيا‪ ..‬مما ربى صورة‬ ‫الطاغية األوحد (فحل الفحول)»(‪.)5‬‬

‫وال أجد تعليقا أكثر تأدبا على هذا التصور الذي يفرضه الغذامي على‬ ‫الوجود من قول الدكتور يوسف جابر إن الغذامي كان أولى به أن يكون‬

‫«أكثر شفافية في إطالق أحكام بريئة وإيجابية‪ ،‬من شأنها تطبع‬ ‫دراسته بالحيادية والعلمية»‪ ،‬منتهيا إلى أن استنتاجه «فيه كثير من‬ ‫العنت والبعد عن املوضوعية»(‪.)6‬‬

‫وفي كتابه «تشريح النص»‪ ،‬يربط الغذامي السابق بالالحق عبر مصطلح‬ ‫«التشريح»‪ .‬ويبدو أن الناقد ال يبحث عن بنية تحكم إبداع شاعر‪ ،‬بل‬ ‫يسعى للقبض على نسق عام يحكم الشعر العربي الحديث‪ ،‬فبعد أن يصل‬ ‫إلى تعيني شفرة معينة تحكم قصيدة كل شاعر‪ ،‬يحاول إيجاد النسق‬ ‫العام كمحصلة نهائية الجتماع تلك الشفرات‪ .‬وقد حلم بالبنيوية فوقع‬ ‫في االنطباعية‪ ،‬وبالتشريحية (كما يسميها) فسقط في االتجاه األسلوبي‬ ‫البنيوي!!‬ ‫ويرى زرقاوي أن كتاب «املوقف من الحداثة» مراجعة شاملة للنقد األدبي‬ ‫في الوسط الثقافي آنذاك‪ ،‬وفيه حديث عن فكرة موت املؤلف التي تنسب‬ ‫لروالن بارت‪ ،‬وإذ حاول الناقد تأصيل املقولة في التراث العربي‪ ،‬عاد بها‬ ‫إلى بيت املتنبي‪:‬‬ ‫أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم‬

‫والغذامي هنا يبحث عن شرعية للحداثة بالعودة للتراث والتنقيب فيه عما‬ ‫يؤيدها‪ .‬وفكرة «موت املؤلف» يرجع أصلها للمخاض الفلسفي الغربي‪،‬‬ ‫وبالتحديد ملقولتي «موت اإلله» عند فريدريك نيتشه‪ ،‬و«موت اإلنسان»‬ ‫عند ميشال فوكو‪ ،‬و«موت اإلله» يعني نهاية «الحقيقة املطلقة»‪ ،‬وموت‬ ‫اإلنسان يعني سيطرة البنية على اإلنسان‪ .‬وتأسيسا على ذلك‪ ،‬فال لقاء‬ ‫بني مقولة «موت املؤلف» وبيت املتنبي‪ .‬وربط الناقد بني حديث الرسول‬ ‫(صلى الله عليه وسلم) وثنائية «الحضور والغياب» الدريدية‪ ،‬باعثا‬ ‫من جديد للتساؤل عن الصلة بينهما‪ ،‬فالثنائية املذكورة بنت بارة ونتاج‬ ‫طبيعي لعالقة التلمود بالتوراة في الفكر اليهودي‪ ،‬التلمود كنص ثان‪،‬‬ ‫والتوراة كنص أصلي!‬ ‫وفي كل أعماله تقريبا‪ ،‬يلح الغذامي على ضرورة إرساء دعائم نظرية نقدية‬ ‫«تنحت من صخر التراث وتغرف من بحر النظرية الغربية الحديثة»‪،‬‬ ‫وهو بذلك ينكر الفوارق الحضارية‪ ،‬فالحداثة بالنسبة له ليست خصوصية‬ ‫أوروبية بل إرث إنساني!‬ ‫وفي «املشاكلة واالختالف» يركز الغذامي على «البحث عن شرعية‬ ‫للحداثة»‪ ،‬بتركيز جهوده على قراءة التراث العربي النقدي والبالغي‪.‬‬

‫وبقدر ما أعجب الناقد بعبد القاهر الجرجاني‪ ،‬ألنه الناقد الحداثي بامتياز‪،‬‬ ‫بنيوي تارة وتفكيكي تارة أخرى‪ ،‬يصفه بالتناقض لجعله اللفظ تابعا‬ ‫للمعنى‪ .‬ويتوقف عمر زرقاوي أمام ما يرى كاتب هذه السطور أنه واحد من‬ ‫أهم مفاتيح املشروع الغذامي‪ ،‬وهو البدء من «أحكام كلية مسبقة»‪ ،‬يجري‬ ‫البحث عما يمكن أن يكون «مقدمات» تلزم عنها هذه األحكام‪ ،‬بوصفها‬ ‫«نتائج» الزمة حتما‪ ،‬وغالبا تكون املقدمات ظواهر جزئية‪ ،‬بينما النتائج‬ ‫(التي هي فعليا) «أحكام مسبقة» مطلقة!‬ ‫يقول زرقاوي إنه «في مشروع النقد الثقافي‪ ..‬ينقد الطاغية ويحمل‬

‫الشعر العربي الضائقة الحضارية‪ ،‬فأسس لنا طاغية جديدا سمي‬ ‫بالنقد الثقافي‪ ،‬فنقد الدغمائيات ال يولد إال دغمائيات بديلة» (‪!)7‬‬

‫واآلن لنفتح معا دمى املاتروشكا‪.‬‬

‫الدمية األولى‬ ‫كان مشوار الغذامي دائما ثالثي األضالع‪« :‬الغذامي ‪ -‬الفكرة ‪ -‬الغاضبون‬ ‫من الفكرة»‪ .‬ولنتأمل ما يقوله عن عالقته بفكرة «الجمهور»‪ .‬يقول الغذامي‬ ‫في حوار معه إنه ال يبحث «عن الجمهور»‪ .‬وفي إجابته عن السؤال التالي‬ ‫مباشرة قال‪« :‬الهجوم املحلي مفيد جدا للفكر والكتاب على مستوى‬ ‫التسويق واإلشاعة‪ ..‬بل عندما أصدر كتابا‪ ،‬وال يحدث حوله ضجيج‬ ‫أعد أنني خسرت» (‪.)8‬‬ ‫فهل اإلجابتان املتتاليتان متناقضتان؟‬

‫الدمية الثانية‬ ‫هي دمية «املفكر الزئبقي»‪ ،‬وفتح لي هذه الدمية الدكتور حسن حنفي‬ ‫عندما أطلق اللقب على نفسه ليقدم خدمة جليلة ملن يجتهد في فك شفرة‬ ‫مشاريع كثيرة مشابهة‪.‬‬ ‫والدكتور الغذامي على امتداد مشواره حافظ مرات على هذه الزئبقية في‬ ‫مفاصل كان تخليه فيها عنها يمكن أن يكون ذا تكلفة كبيرة‪ ،‬فقد قبل‬ ‫ راضيا ‪ -‬أن يوصف بـ«الحداثي» و«الليبرالي»‪ ،‬وغيرها من أوصاف‬‫تضعه تحت مظلة مرجعية ثقافية واضحة املعالم‪ ،‬ثم قرر في لحظة رآها‬ ‫مناسبة مهاجمة الليبراليني‪ ،‬وأن يقف على مسافة من «الحداثة»!‬

‫‪,,‬‬

‫الغذامي‬ ‫يختبئ وراء‬ ‫الطبيعة‬ ‫«التأويلية»‬ ‫لألدب‪ ،‬ثم‬ ‫يقفز من‬ ‫النص للواقع‬ ‫املتعني ليرتب‬ ‫نتائج ال تلزم‬ ‫عن مقدماتها‬

‫‪,,‬‬

‫ّ‬ ‫وهو فجأة قال‪« :‬أنا لم أتخل عن الحداثة وإنما انتقلت‪ .‬وحينما قلت عن‬ ‫الحداثة إنها (طبخة بايتة) فال يعني هذا أنها طبخة فاسدة؛ فالبايت‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫‪59‬‬


‫ثقافة‬

‫«املاتروشكا» دمية روسية ملونة بألوان زاهية‪ ،‬تحتوي داخلها عدة دمى أخرى بالشكل نفسه بأحجام متناقصة‪،‬‬ ‫وهي في تقديري تعبير يوجز‪ ،‬دون إخالل‪ ،‬معالم مشروع الناقد السعودي الدكتور عبد الله الغذامي الذي هو‬ ‫محاكاة مكتوبة للماتروشكا‪ ،‬وهي بدورها تدريب على لعبة «األقنعة» التي يمارسها الغذامي‪ ،‬وهي لعبة تشيع في‬ ‫الثقافات املشرقية حتى تكاد تكون قطاعا عرضيا في هذه الثقافات!‬

‫عبدالله الغذامي‪ ..‬الحداثة‪ ..‬التحوالت ‪ ..‬الجمهور‬

‫املاتروشكا الغذامية!‬

‫بقلم‪:‬‬ ‫ممدوح الشيخ‬

‫‪,,‬‬

‫الحداثة‬ ‫بالنسبة‬ ‫للغذامي‬ ‫ليست‬ ‫خصوصية‬ ‫أوروبية بل‬ ‫إرث إنساني!‬

‫‪,,‬‬

‫قبل فتح الدمية‪:‬‬ ‫قبل فتح املاتروشكا الغذامية نقف وقفة إجمالية أمام مشروعه‪.‬‬

‫وما إخال الدكتور الغذامي إال فاسحا صدره للرأي اآلخر و«النص‬ ‫املضاد»‪ ،‬وهو الحداثي بامتياز‪ ،‬واملنافح عن «ثقافة األسئلة» (‪!)1‬‬

‫فالتفكيكية ليست مجرد «منهج» نقدي‪ ،‬بل رؤية كلية لديها موقف من‬

‫ومن مفاتيح مشروع الغذامي ما أسميه «وحدة الزمن الثقافي الكوني»‪،‬‬ ‫فهناك توقيت ثقافي (معرفي) واحد‪ ،‬وكل من يسير وفقا لـ«توقيت آخر»‬ ‫فهو متخلف‪ .‬يقول الغذامي ردا على سؤال عن تنكره للحداثة‪« :‬أنا لم أقل‬

‫ويتساءل عمر زرقاوي عن مشروعية الجمع بني اتجاه حداثي أسس‬ ‫ملقولة «النسق املغلق» (البنيوية)‪ ،‬واتجاهني من اتجاهات ما بعد الحداثة‬ ‫الداعية لتقويض النسق (السيميائية والتفكيكية)‪ ،‬ألم يقع في التلفيق؟ وال‬ ‫يعني هذا أن مزج املناهج مرفوض؛ فاملرفوض هو مزج املتناقضات‪ ،‬وكرر‬ ‫ذلك عندما مزج النقد األلسني وما سماه مفهومات عربية عند ابن جني‬ ‫والجرجاني والقرطاجني‪.‬‬

‫الثقافية الغربية»‪ ،‬وهي مقولة خالفية في الشرق والغرب معا‪.‬‬

‫فهل الجمع هنا ممكن دون تلفيق؟‬

‫إنني لست حداثيا‪ ،‬بمعنى التنكر لشيء فعلته‪ ،‬إنما أقول إن التحول‬ ‫املعرفي الثقافي العاملي حول الثقافة اإلنسانية كلها من مرحلة الحداثة‬ ‫إلى مرحلة ما بعد الحداثة‪ ،‬الذي يظل حداثيا إلى اآلن‪ ،‬أعتبره رجعيا‬ ‫ومتخلفا» (‪ .)2‬ومعيار التخلف واملواكبة هنا صدى ملقولة «املركزية‬

‫ومما تجدر اإلشارة إليه أيضا‪ ،‬تباين كبير في تلقي النقاد لهذا املشروع‪،‬‬

‫إذ «أكد فريق أنه بدأ بالنقد األلسني وانتهى إلى النقد الثقافي‪ ،‬وقال‬ ‫ثان إنه بدأ بالنقد الثقافي وانتهى إليه‪ ،‬وأقر ثالث بأن ما أنجز أقرب‬ ‫ٍ‬ ‫ما يكون إلى النقد املواضيعي»‪ .‬وقد ُولد الغذامي ناقدا بكتاب «الخطيئة‬ ‫والتكفير من البنيوية إلى التشريحية‪ ..‬قراءة نقدية لنموذج معاصر»‪.‬‬

‫وفي كتابه بدأ الغذامي مسارا طويال حاول فيه إيجاد أوجه مشابهة بني‬ ‫نظريات نقدية غربية حديثة ونتاجات نقدية عربية سابقة لتوطني هذه‬ ‫املناهج النقدية‪ ،‬دون إشارة (وطبعا دون اكتراث) إلى ما تحمله من أفكار‬ ‫مسبقة تتجاوز حدود املجالني اللغوي والنقدي‪ .‬والغذامي مثال تعامل مع‬ ‫«التفكيكية» متغافال امتداداتها املعرفية‪ ،‬وبحث عن مقابل عربي لها أو‬ ‫لبعض مفرداتها‪ .‬فمثال يتوقف عمر زرقاوي مع مصطلح «األثر» التفكيكي‬ ‫الذي تناوله‪ ،‬وخصه بإسهاب يعبر عن االضطراب املفاهيمي‪« ،‬فهو تارة‬ ‫بديل لإلشارة لدى دي سوسير‪ ،‬وتارة أخرى التشكيل الناتج عن‬ ‫الكتابة‪ ،‬وهو تارة ثالثة لغز غير قابل للتحجيم‪ ..‬وهو فيما يحسبه‬ ‫الناقد سحر البيان»‪ .‬وهناك بون شاسع «بني داللة تلك املصطلحات في‬ ‫أرض النشأة وتلك البدائل التي قدمها الناقد»‪.‬‬

‫ومؤسس التفكيكية جاك دريدا صب غضبه على زعم البنيويني طموحهم‬ ‫التباع املنهج العلمي‪ ،‬فالعلم عنده ‪ -‬كالدين والفلسفة امليتافيزيقية ‪ -‬يقيم‬ ‫نظامه على ما يسميه «الحضور»‪ ،‬ومعناه التسليم بوجود نظام خارج‬ ‫اللغة يبرر اإلحالة إلى الحقائق أو الحقيقة‪ .‬والفلسفة الغربية تحاول‪« :‬منذ‬ ‫أفالطون تقديم أو افتراض وجود شيء يسمى الحقيقة أو الحقيقة‬ ‫السامية املتميزة» أو ما يسميه هو «املدلول املتعالي»‪ ،‬أي املعنى الذي‬

‫يتعالى على (أو يتجاوز) نطاق الحواس‪ .‬ويمكن في رأيه إدراك ذلك عبر‬

‫‪58‬‬

‫كيانات ميتافيزيقية احتلت في كل املذاهب الفلسفية‪ ،‬مثل‪ :‬الصورة‪ ،‬املبدأ‬ ‫األول‪ ،‬األزل‪ ،‬الغاية‪ ،‬الهيولي‪ ،‬الرب(‪.)3‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫«الغيب»!‬

‫أما جهده التطبيقي‪ ،‬فاتسم باالنطباعية واالنتقائية‪ ،‬فالناقد حلم‬ ‫باملوضوعية فسقط في االنطباعية‪ ،‬فتحليله للنصوص ال يكاد يجاوز‬ ‫حدود الوصف واالنطباع‪ .‬وثنائية الخطيئة والتكفير نتيجة ثنائيات وبنى‬ ‫صغرى هي في حقيقتها ليست نتاج عالقات النص الداخلية‪ ،‬بل بنت ثقافة‬ ‫الناقد الدينية‪ ،‬فهي «ليست بنيوية وال سيميولوجية وال تفكيكية‪ ،‬وإنما‬ ‫هي فكرة أخالقية ودينية»‪.‬‬

‫ولغة الخطاب النقدي الغذامي في كتابه األول ميلودرامية عبرت من «لغة‬ ‫النقد العلمية املحكمة إلى لغة اإلبداع الطفولية املداعبة‪ ،‬فكما حجب‬ ‫نص الناقد نص الشاعر حجبت لغة الناقد لغة النص األصلية على‬ ‫هدي حجب التلمود للتوراة»‪ ،‬وحدث هذا تحت شعار مواكبة «اتجاهات‬ ‫العصر»‪.‬‬ ‫وتقديري أن الكتاب التالي في األهمية هو «النقد الثقافي‪ :‬مقدمة‬ ‫نظرية وقراءة في األنساق الثقافة العربية»‪ .‬ويهدف إلى كشف النسق‬

‫املضمر في النصوص األدبية التي تشكل بنية الثقافة السائدة‪ .‬ودور‬ ‫النقد الثقافي تعرية مضامني هذه الثقافة‪ ،‬وكشف تأثيراتها االجتماعية‬ ‫التي ترسخ هيمنتها ثم تعمم هذه الهيمنة عبر وسائل اإلنتاج الثقافي‬ ‫واالجتماعي املختلفة‪ .‬وبهذا املعنى‪ ،‬فإن هذه النصوص تصنع بنية‬ ‫ثقافية تقوم بتشكيل منظومة القيم عبر الزمن فتخلق (عمدا أو عرضا)‬ ‫أنظمة معرفية تهيمن على السياسة واالقتصاد والتاريخ‪ .‬وهي في نهاية‬ ‫الشوط‪ ،‬تتحكم في إنتاج الثقافة‪ .‬والغذامي في كتابه نظر من خاللها إلى‬ ‫الثقافة العربية‪.‬‬ ‫وما استنتجه الغذامي أن األنساق املضمرة في الشعر العربي أنتجت‬


‫ملحق يومي وصفحات متخصصة‬ ‫في‬ ‫عقارات‬

‫صحتك‬

‫السبت‬

‫الجمعة‬

‫سفر وسياحة‬

‫ثقافة‬ ‫األحد‬

‫الثالثاء‬

‫إعالم‬

‫االثنني‬

‫حصاد‬

‫ملسـات‬

‫الخميس‬

‫األربعاء‬

‫املتخصصة‬ ‫صفحات‬ ‫أجندة األعمال السبت واألربعاء > علوم السبت‬ ‫سيارات األحد > فنون االثنني > التعليم االثنني > تقنية املعلومات الثالثاء‬ ‫كتب األربعاء > أنغام الخميس > سينما الجمعة‬ ‫سجاالت األحد (داخل صفحات الرأي)‬

‫‪ ..‬تجدد دائم‬


‫صحافة عالمية‬

‫جولة أخرى من مفاوضات السالم بني جوبا والخرطوم أسفرت في سبتمبر (أيلول)‬ ‫‪ 2012‬عن االتفاق على نزع سالح األراضي الحدودية بما في ذلك امليل ‪ .14‬وبعد‬ ‫شهور من التلكؤ‪ ،‬بدأ الجيش الجنوبي إخالء املناطق املتنازع عليها في مارس (آذار)‬ ‫‪ 2013‬ووفقا لألمم املتحدة‪ ،‬سرعان ما عادت القوات مرة أخرى‪.‬‬ ‫وكان كال الطرفني يعلم جيدا أن املنطقة لن تخلو أبدا من السالح وذلك حيث إن‬ ‫التعهدات املستمرة من قبل جوبا بوقف إيواء املتمردين الشماليني لن ترضي الخرطوم‬ ‫أو تنهي التمرد بالسودان‪ .‬ونظرا ألن السلطات الجنوب سودانية غير مستعدة أو غير‬ ‫قادرة على منع الحركة الشعبية لتحرير السودان ‪ -‬الشمال وفصائل دارفور املوالية‬ ‫من املرور جيئة وذهابا عبر الحدود الجديدة‪ ،‬يتخذ املتمردون السودانيون من تلك‬ ‫املنطقة موطنا لهم‪ .‬ويزعمون أنهم يسيطرون على ‪ 40‬في املائة من الخط غير املرئي‪.‬‬ ‫ومن جهة أخرى‪ ،‬فإن الخرطوم وجوبا مترددتان في أن تقدما كثيرا من التنازالت‬ ‫بشأن الحدود نظرا ألن كلتيهما لديها مخاوف بشأن تحويل السكان الساخطني‬ ‫في تلك املناطق الحدودية إلى متمردين‪ .‬ومثلما كان أفراد قبيلة الدينكا في املناطق‬ ‫الحدودية هم خط الدفاع األول للحركة الشعبية لتحرير السودان خالل الحرب األهلية‬ ‫فإن القبائل العربية مثل الرزيقات كانت تشكل معظم القوات املسلحة التي استخدمتها‬ ‫الخرطوم لقتال املتمردين في جنوب السودان ثم الحقا في دارفور‪ .‬وذلك حيث انضم‬ ‫املقاتلون العرب الذين كانوا يشعرون أنهم يتم التالعب بهم وال يحصلون على ما‬ ‫يكفي من املكاسب إلى جيش الحركة الشعبية لتحرير السودان (تفيد التقارير بأن‬ ‫هناك عدة مئات ما زالوا بني صفوف جنوب السودان)‪ .‬كما اتضح أيضا أن بعضهم‬ ‫كان بني مجموعات املتمردين الشمالية‪.‬‬ ‫ومن السهل أن تعثر على متمردين مناهضني للخرطوم في والية «الوحدة» التي أسيء‬ ‫تسميتها‪ ،‬والتي تشاركها الحدود‬ ‫والية جنوب كردفان‪ .‬وعلى الرغم من‬ ‫أن الوالية الغنية بالبترول كان يجب أن‬ ‫تمثل التعايش بني الشمال والجنوب‪ ،‬لم‬ ‫يعد ذلك سوى محض حلم‪.‬‬

‫من امل�ستحيل عقد‬ ‫�سالم دائم بني ال�سودان‬ ‫وجنوب ال�سودان‬

‫وذات يوم‪ ،‬وبعدما هبطت على سهل‬ ‫أسود‪ ،‬إثر حرائق الغابات‪ ،‬يعج باملنشآت‬ ‫النفطية‪ ،‬قدت السيارة شماال باتجاه‬ ‫منطقة «جو» بوالية الوحدة في سيارة‬ ‫تحمل لوحات جنوبية ولكنها تمتلئ باملقاتلني الشماليني الذين فوجئوا بانفصال‬ ‫الجنوب ولم يتمكنوا من الذهاب إلى الشمال لسنوات طويلة‪ .‬وعند هذه اللحظة‪ ،‬لم يكن‬ ‫أي منهم على يقني مما إذا كان جنديا جنوبيا أم متمردا شماليا‪.‬‬ ‫وصلنا إلى نقطة تفتيش عند الحدود بني السودان وجنوب السودان‪ .‬وكان مرشدي‪،‬‬ ‫وهو متمرد شمالي‪ ،‬يخشى أن يحاول الجنود الجنوبيون الذين يعملون بنقطة‬ ‫التفتيش ركوب السيارة أمال في الحصول على توصيلة مجانية‪ ،‬قائال‪« :‬أنا ال‬ ‫أحبهم‪ .‬فهم غير مهذبني‪ ،‬فهم من نهبوا مدينة هجليج»‪ .‬تقع مدينة هجليج على‬ ‫بعد ‪ 30‬ميال‪ ،‬وهي عبارة عن حقل بترول سوداني ما زال جنوب السودان يطالب به‬ ‫وكانت قد تعرضت لغارة من قبل تحالف بني جيش الجنوب واملتمردين الشماليني‬ ‫في أبريل (نيسان) ‪ .2012‬والشيء نفسه حدث مع مدينة «جو» في فبراير (شباط)‪.‬‬ ‫ومنذ ذلك الحني‪ ،‬كان املقاتلون الشماليون والجنوبيون يعيشون في معسكرات‬ ‫متجاورة ويستحمون معا في بحيرة جو‪ .‬وكان مرشدي يشعر بقدر أكبر من‬ ‫االرتياح عند نقطة التفتيش الثانية التي تقع على بعد عدة مئات من األقدام والتي‬ ‫كانت تعد بداية الجانب الشمالي من الحدود وإن كان املتمردون هم من يحرسونها‬ ‫وليس الجنود السودانيون‪ .‬هرع مرشدي إلى معانقتهم فقد كان يشعر اآلن بأنه‬ ‫في موطنه‪.‬‬

‫وبالنسبة للمتمردين في شمال السودان‪ ،‬دائما ما تعد مناقشة قضية الحدود مؤملة‪.‬‬ ‫كما يقف الناس من كل األطياف والقبائل في السودان ضد انفصال الجنوب وينظرون‬ ‫إليه كإخفاق جماعي في احتواء الجنوبيني وجعل الوحدة تبدو جذابة‪ ،‬وهو ما كان‬ ‫أحد الوعود الكبرى التفاقية سالم عام ‪.2005‬‬

‫ومن جهة أخرى‪ ،‬فإن حكومة الخرطوم وكذلك العديدون داخل املعارضة ليسوا‬ ‫مستعدين ألن يخسروا أي جزء آخر من أراضيهم‪ .‬فقد أخبرني متمرد من قبيلة‬ ‫املسيرية العربية بأنه على يقني من أن هجليج‪ ،‬وهي موطن قبيلته‪ ،‬تنتمي إلى الشمال‪،‬‬ ‫ولكنه أضاف أن املناطق املتنازع عليها مثل هجليج وآبيي القريبة منها وهما منطقتا‬ ‫صراع رئيستان بني الشمال والجنوب يجب أن تصبحا أراضي مشتركة بني الدينكا‬ ‫والعرب الذين يجب أن يعيشوا معا في تناغم وسالم‪.‬‬

‫التنوع الثقافي والعرقي‬ ‫وقد قطعت حوارنا طائرة أنتونوف شمالية دارت حولنا قبل أن تسقط ثماني قنابل‬ ‫على مقربة من الطرق وخط اإلمدادات الذي يربط بني جنوب السودان ومعقل املتمردين‬ ‫في جبال النوبة القريبة على الجانب الجنوبي من الحدود‪ .‬ولكن كل من القنابل‬ ‫واملتمردين العرب كانوا يرسلون نفس الرسالة‪ :‬لكي تصبح الحدود سلمية يجب‬ ‫أال تصبح حدودا مرنة وهو ما أكده االتحاد األفريقي‪ .‬ويجب أن تتضمن املناقشات‬ ‫حول كيف يمكن تحقيق ذلك الحكومات في الخرطوم وجوبا واملتمردين الشماليني‬ ‫باإلضافة إلى السكان املحليني‪.‬ملاذا ال يصبح الدينكا مواطنا سودانيا والعربي مواطنا‬ ‫جنوب سوداني؟ ربما يجب أن تصبح الحدود ضعيفة لكي يمكنها االستمرار‪.‬‬ ‫وحتى في ذروة النزاع الذي أدى إلى انقسام السودان‪ ،‬لم تتوقف املبادالت‬ ‫السلمية بني املجتمعات التي تعيش على الحدود أبدا‪ .‬فخالل الحرب‪ ،‬كان البدو‬ ‫العرب مثل قبيلة املسيرية يتاجرون سرا مع املتمردين سواء في الجنوب أو‬ ‫الشمال‪ ،‬وما زالت بعض «أسواق السالم» تلك قائمة حتى وقتنا الراهن ولكن‬ ‫بالكاد‪ .‬فيقول أحد التجار الشماليني‪ ،‬يحيى محمد‪« :‬نحن كعرب نرغب في‬ ‫إقامة عالقات طيبة لكي نذهب بمواشينا ملناطق املتمردين وجنوب السودان؛‬ ‫حيث يلتقي كال الجانبني في مناطق خضراء على الحدود لرعي مواشيهم معا‬ ‫دون أية مشكالت‪ .‬كما أننا نتاجر مع بعضنا البعض‪ .‬وقد اعتدنا أن نطلق على‬ ‫أسواقنا سوق السالم ولكننا نفضل أن نطلق عليها سوق السنبوك‪ ،‬والسنبوك‬ ‫هو قارب صغير يستخدم لعبور البحر األحمر حيث إن الذهاب إلى تلك األسواق‬ ‫يماثل اإلبحار بالسنبوك؛ فأنت ال تدري ما إذا كنت سوف تعود من تلك الرحلة‬ ‫أم ال‪ .‬وقبل شهرين‪ ،‬جلبت وقودا إلى السوق‪ ،‬ولكن جنود الحكومة أطلقوا علي‬ ‫النيران وأصابوني ولكن املتمردين أنقذوني»‪.‬‬ ‫وفي أبريل (نيسان) ‪ ،2012‬أعلن نائب الرئيس السوداني علي عثمان طه املنطقة‬ ‫الحدودية برمتها منطقة طوارئ‪ .‬وأصدر أوامر للقوات املسلحة بقتل أي أحد يعمل‬ ‫بالتهريب مع متمردي الجبهة الشعبية للتحرير ‪ -‬الشمال‪ .‬وقد أخبرني يحيي أنه‬ ‫عندما علم بصدور أوامر بإطالق النيران والقتل قرر أال يعود إلى املنطقة التي تهيمن‬ ‫عليها الحكومة‪.‬‬ ‫من املستحيل عقد سالم دائم بني السودان وجنوب السودان وداخل البلدين عبر‬ ‫اإلصالحات التدريجية املنفصلة‪ .‬فباعترافهم‪ ،‬ركزت األطراف الدولية خاصة وسطاء‬ ‫االتحاد األفريقي على العالقات بني السودان وجنوب السودان‪ .‬وبعد أن جربوا كل‬ ‫شيء ممكن ملنع أو حل النزاعات الجديدة بني البلدين‪ ،‬أدركوا أن السالم سوف يظل‬ ‫هشا طاملا ظلت كلتا الحكومتني تعاني من النزاعات الداخلية والنزاعات مع املتمردين‪.‬‬ ‫فيجب على كلتا الدولتني أن تعمال على إعادة بناء الثقة مع مواطنيها خاصة في‬ ‫املناطق الحدودية‪ .‬وتدرك املجتمعات الحدودية أهميتها كما تعد أراضيها من أكثر‬ ‫املناطق كثافة سكانية باإلضافة إلى أن مواشيها ومياهها وبترولها والتجارة‬ ‫العابرة للحدود تجعلهم من أكثر الناس ثراء في بلدانهم‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فإنهم يشعرون‬ ‫بأن حكوماتهم تهملهم‪ .‬وفي السودان على نحو خاص‪ ،‬يمكن أن يؤدي حوار قومي‬ ‫شامل إلى تمكينهم‪ .‬بل إن االضطرابات األخيرة في الخرطوم قد جعلت هذا الحل‬ ‫أكثر وأكثر شعبية بني السودانيني من كافة األطراف وبني األطراف الدولية‪ .‬وفي‬ ‫املنطقة الحدودية بوالية النيل األزرق التي تعاني من الحرب‪ ،‬والتي تمثل تقاطعا‬ ‫لثالثة حدود بني السودان وجنوب السودان وإثيوبيا أخبرني زعيم قبيلة محلية‪،‬‬ ‫أويسا مادي زيما‪« :‬نحن لسنا متعلمني وال نعرف الكثير عن السياسة ولكن‬ ‫الحكومة التي ستحسن معاملتنا سوف نصبح موالني لها سواء كانت جنوب‬ ‫السودان أم شمال السودان»‬

‫فورن أفيرز‪ /‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪56 - 2013 /‬‬


‫تسير هذه الجموع تاركة قراها خلفها في تالل إينغيسانا على مبعدة أربعة أيام‬ ‫تحاصرها القوات الحكومية‪.‬ومن وقت آلخر‪ ،‬كانت تظهر سيارة من سيارات‬ ‫املتمردين لكي تقل من تخلف عن الركب إلى أقرب نقطة استراحة‪ ،‬ولكنهم كانوا‬ ‫يتركون األشخاص األكثر استضعافا مثل العجائز واملكفوفني واملصابني بأمراض‬ ‫عضال‪ ،‬فيما يتابع الناجون طريقهم إلى نقطة عبور «الفوج» التي تقع على الحدود‬ ‫بني بالدهم التي مزقتها الحرب ووالية النيل األزرق في السودان ودولة جنوب السودان‬ ‫حديثة العهد والتي أصبحت على بعد يوم أو اثنني اآلن‪.‬‬ ‫لقد كانت الحرب األهلية في السودان تلقب دائما بأطول النزاعات األفريقية‪ .‬اندلعت‬ ‫أولى حلقاتها في الفترة بني ‪ 1963‬و‪ ،1972‬حيث شن املتمردون من الجزء الجنوبي‬ ‫بالسودان هجماتهم على الحكومة املركزية التي كانت تهيمن عليها النخبة العربية‪ ،‬ثم‬ ‫منح الشمال الجنوب درجة من درجات االستقالل في ‪ 1972‬ولكنه لم يكن كافيا ملحو‬ ‫آثار تلك السنوات الطويلة من الغضب‪.‬‬ ‫عاد النزاع للنشوب مرة أخرى في عام ‪ 1983‬بإنشاء الحركة الشعبية لتحرير السودان‪/‬‬ ‫الجيش الشعبي‪ .‬وعلى الرغم من أن اسم الحركة يحمل مصطلح التحرير فقد كان‬ ‫زعيم الحركة جون قرنق‪ ،‬القائد الجنوبي ذو الشعبية الطاغية‪ ،‬يدافع عن التنوع من‬ ‫داخل الوحدة ولم يكن مناديا بانفصال الجنوب‪ .‬وعلى الرغم من أن تلك األجندة‬ ‫املعتدلة نسبيا لم تكن تحظى بقبول واسع في أعماق الجنوب‪ ،‬فإنها كانت تحظى‬ ‫بشعبية في املناطق الحدودية على الجانب الشمالي من الحدود التي تفصل السودان‬ ‫وجنوب السودان بما في ذلك والية النيل األزرق وجبال النوبة بجنوب كردفان‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ ،2005‬وبعد عشرين عاما من حرب دموية‪ ،‬وقعت الخرطوم واملتمردون‬ ‫اتفاقية سالم منحت الجنوب (ولكن دون والية النيل األزرق أو جنوب كردفان) الحق‬ ‫في تقرير املصير‪ .‬وبحلول عام ‪ ،2011‬كان معظم الجنوبيني قد فقدوا إيمانهم‬ ‫بالوحدة وصوتوا لالستقالل‪ .‬وفي شمال الحدود الجديدة التي تمتد إلى ‪1250‬‬ ‫ميال بني شمال وجنوب السودان‪ ،‬يتمركز اآلن املتمردون من جنوب كردفان والنيل‬ ‫األزرق الذين يطلقون على أنفسهم اسم الحركة الشعبية لتحرير السودان والتي‬ ‫تعهدت بمواصلة القتال‪ .‬وفي يونيو (حزيران) ‪ ،2011‬أي بعد أن خسروا االنتخابات‬ ‫املحلية مباشرة وقبل شهر من استقالل جنوب السودان حملوا أسلحتهم مرة أخرى‬ ‫واستأنفوا القتال أوال في جنوب السودان ثم في والية النيل األزرق‪.‬‬ ‫ومنذ ذلك الحني‪ ،‬شق نحو ‪ 200‬ألف مدني سوداني طريقهم عبر الحدود إلى معسكرات‬ ‫الالجئني في جنوب السودان والتي تعد فكرة عبور الحدود بالنسبة للعديدين منهم‬ ‫فكرة مستغربة‪.‬‬

‫الجنسية املزدوجة‬ ‫وعلى الرغم من أن وضع الحدود الجديدة كان من املفترض أن يتم بناء على حدود‬ ‫املقاطعات التي كانت موجودة في عام ‪ ،1956‬وهو عام استقالل السودان‪ ،‬وعلى الرغم‬ ‫من أن تلك الحدود لم تتوقف أبدا عن التغير وهو ما كان يحدث في بعض األحيان‬ ‫ألسباب معقولة كتيسير حركة البدو أو الوصول إلى موارد املياه‪ ،‬تحولت تلك الحدود‬ ‫فجأة إلى حدود صارمة رغم أن حدود ‪ 1956‬كانت حدودا مرنة‪.‬‬ ‫وعندما تتجول في تلك املناطق‪ ،‬فإنك تقابل األقليات الخائفة من أن تصبح أكثر‬ ‫تهميشا من ذي قبل‪ ،‬فيما تبقى من السودان باإلضافة إلى البدو الخائفني من أن‬ ‫يخسروا حقوقهم في الرعي بجنوب السودان‪ .‬ومن ثم‪ ،‬أصر وسطاء االتحاد األفريقي‬ ‫أن تصبح الحدود الجديدة حدودا مرنة أي أن تمنح الحق للشعوب من كال الجانبني في‬ ‫حرية التنقل والتجارة واإلقامة والزراعة والرعي‪ ،‬بل وحتى حق التصويت والحصول‬ ‫على الجنسية املزدوجة‪ .‬وعلى الرغم من جاذبية تلك الفكرة فإن تفعيلها يحتاج إلى أن‬ ‫تبذل كل من الخرطوم وجوبا جهدا بدال من تلك الحرب املزمنة الدائرة بينهما‪.‬‬ ‫وذات مساء في فصل الجفاف‪ ،‬زرت قرية شالي؛ وهي القرية الرئيسة لقبيلة األودوك‬ ‫بوالية النيل األزرق‪ .‬وعلى نحو مفارق‪ ،‬كانت تلك املنطقة موطنا لبعض املسيحيني‬ ‫السودانيني‪ ،‬الذين تحولوا إلى املسيحية على يد البعثات التبشيرية األميركية التي‬ ‫طردها بينيتو موسوليني من إثيوبيا في أواخر الثالثينات‪ .‬وعند وصولي إلى هناك‪،‬‬

‫كانت تلك القرية مهجورة إلى حد كبير‪ .‬فقبل يوم من وصولي‪ ،‬كانت الطائرات‬ ‫الحكومية قد أسقطت أربع قنابل مما أسفر عن تدمير مستشفى مهجور وكان‬ ‫الدخان ما زال يتصاعد من جذوع األشجار في األرض التي تحولت إلى اللون األسود‬ ‫حول املسجد القريب‪.‬‬ ‫وقد دفع ذلك املسجد الجميل الذي يشبه القالع والذي بني بتمويل سعودي في عام‬ ‫‪ 1983‬العديد من األودوك‪ ،‬معظمهم من املسيحيني‪ ،‬إلى االنضمام إلى حركة التمرد‬ ‫الجنوبية التي كانت قد بدأت لتوها ضد الخرطوم‪ .‬فقد أخبرني بوليس ماكا‪ ،‬أحد‬ ‫املتمردين املحليني بأن‪« :‬ذلك املسجد هو سبب مشاكلنا‪ .‬فقد علمنا أنهم يرغبون‬ ‫في تحويل أطفالنا إلى مسلمني»‪ .‬كان ماكا يجلس إلى جانب بندقيته في الكنيسة‬ ‫املجاورة للمسجد والتي على الرغم من عدم تعرضها للدمار‪ ،‬كانت خاوية على‬ ‫عروشها‪ .‬وكان يجلس إلى جواره مارتن لوين‪ ،‬وهو القس الوحيد من بني سبعة‬ ‫قساوسة لم يغادروا إلى معسكرات الالجئني بجنوب السودان‪ .‬ووفقا لروايات ماكا‬ ‫ولوين فإن األودوك يخشون من عدم وجود مكان لهم في السودان الشمالية التي تميل‬ ‫نخبتها الحاكمة إلى تأكيد هويتها املسلمة والعربية‪ .‬فقبل انفصال جنوب السودان‪،‬‬ ‫حذر رئيس السودان‪ ،‬عمر البشير‪ ،‬من أن الجنوب إذا ما حصل على استقالله لن‬ ‫يكون هناك مجال للحديث عن التنوع الثقافي والعرقي‪ .‬وأضاف‪« :‬سوف تكون‬ ‫الشريعة اإلسالمية هي املصدر الرئيس للتشريع‪ ،‬كما أن اإلسالم هو الدين الرسمي‬ ‫والعربية هي اللغة الرسمية للبالد»‪.‬‬ ‫وكان سبب ذلك التحذير واضحا؛ فبعد أن فقدت ثلث أراضيها (وثالثة أرباع مواردها‬ ‫النفطية)‪ ،‬ال تستطيع الخرطوم احتواء املزيد‪ .‬وقد أثارت تهديدات البشير قلقا بالغا‬ ‫ليس فقط بني املسيحيني القالئل‬ ‫املتبقني في السودان ولكن بني املاليني‬ ‫من املسلمني غير العرب الذين يعيش‬ ‫العديد منهم في املناطق التي تمزقها‬ ‫الحروب على مقربة من الحدود‪.‬‬

‫ملاذا ال ي�صبح الدينكا‬ ‫مواطنا �سودانيا والعربي‬ ‫مواطنا جنوب �سوداين‬

‫ويرجع السبب الرئيس وراء استمرار‬ ‫األزمة حول األجزاء املتنازع عليها من‬ ‫املناطق الحدودية إلى أن حكومتي‬ ‫الخرطوم وجوبا هشتان‪ ،‬كما أنهما‬ ‫تخشيان تحول سكان املناطق الحدودية إلى متمردين‪ .‬ويعد أحد املواقع املهمة في‬ ‫ذلك النزاع هو ما يطلق عليه «امليل ‪ »14‬وهي منطقة كانت محال للنزاعات الشائكة‬ ‫في عام ‪.2012‬‬ ‫وفي موسم الجفاف‪ ،‬يصبح «امليل ‪ »14‬الذي يمتد ملسافة ‪ 14‬ميال من الشمال إلى‬ ‫الجنوب ونحو ‪ 125‬ميال من الشرق إلى الغرب سهال منبسطا وجافا يسكنه رعاة‬ ‫املاشية من الدينكا باإلضافة إلى البدو العرب من الشمال‪.‬قدت السيارة عبر العشب‬ ‫األصفر حتى وصلت إلى النهر الذي يطلق عليه العرب «بحر العرب» والذي يطلق عليه‬ ‫الدينكا «كير»‪.‬‬ ‫ويعد املمر املائي املتعرج الذي تحيط به الخضرة من الجانبني هو املمر املائي الرئيس‬ ‫الشمالي غرب النيل‪ .‬وما زال الهيكل الحديدي للجسر الذي يربط بني الضفتني يعمل‬ ‫كنقطة عبور للتجار الشماليني والبدو رغم الدبابات الجنوبية الثالث التي توجه‬ ‫مدافعها شماال‪ .‬وهي الدبابات التي تموضعت ضمن استراتيجية جنوب السودان في‬ ‫أواخر ‪ 2010‬لتسليح ذلك الجزء املتنازع عليه من الحدود‪.‬‬

‫التمرد السوداني‬ ‫وعندما طلبت قبيلة الرزيقات العربية التي تعيش في الشمال من الخرطوم أن تتخذ‬ ‫موقفا مما اعتبروه غزوا ألراضيهم من قبل الدبابات الجنوبية‪ ،‬طلبت منهم الخرطوم‬ ‫أن يدفعوا بجمالهم ورجالهم املسلحني‪ .‬وعلى الرغم من أن موقف الخرطوم بدا سلبيا‬ ‫فإنه وفقا ألحد الزعماء العرب كان يحمل رسالة مفادها استعدوا لشن الحرب‪ .‬ومنذ‬ ‫ذلك الحني‪ ،‬تصاعدت التوترات حيث كانت ميليشيات الرزيقات في بعض األحيان‬ ‫تشن هجمات ضد قوات جنوب السودان‪ .‬وقد أسفر تصاعد الحوادث الحدودية عن‬

‫فورن أفيرز‪ /‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪55 - 2013 /‬‬


‫صحافة عالمية‬

‫أطول النزاعات األفريقية‬

‫السودان وجنوب على شفا حرب‬

‫الالجئون في جنوب السودان‬

‫بقلم‪ :‬جريوم توبيانا *‬

‫من الفجر وحتى املغيب‪ ،‬كانت مجموعات صغيرة من الرجال الذين يرتدون الجالبيب والنساء بمالبسهن امللونة‬ ‫وأطفالهن الذين يعتلون أظهر الحمير أو أكتاف آبائهم أو يسيرون محمولني في سالل على ظهور أمهاتهم‪ ،‬تعبر املمر‬ ‫الترابي بني املناطق التي تهيمن عليها حكومة السودان وتلك التي تخضع لهيمنة املتمردين‪.‬يحملون تنكات املياه التي‬ ‫نفد املاء منها‪ ،‬واملاعز الصغيرة التي ال تستطيع السير‪ ،‬واألواني‪ ،‬باإلضافة إلى السالح الذي يتراوح من سيوف القرن‬ ‫التاسع عشر إلى قاذفات القنابل الصاروخية اللتني تجتمعان في بعض األحيان على كتف واحدة‪ .‬وبني هؤالء املدنيني‪،‬‬ ‫يسير جنود من املتمردين لحمايتهم من اعتداءات ميليشيات الحكومة‪.‬‬ ‫* مراسل من جنوب السودان‬

‫فورن أفيرز‪ /‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪54 - 2013 /‬‬


‫خالل فترة طويلة من الزمن‪ ،‬قامت حركة الشباب بالتهديد بتنفيذ عمليات داخل‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫كينيا‪ ،‬وال تعد تلك املرة األولى التي تظهر الحركة فيها قوتها ومقدرتها على تنفيذ‬ ‫تهديداتها‪ .‬وكما ذكرت خالل شهر يناير (كانون الثاني)‪ ،‬فإن كينيا قد عانت من‬ ‫موجة من الهجمات في السنوات األخيرة‪ ،‬شأنها شأن بلدان أخرى في املنطقة‪ .‬وفي‬ ‫عام ‪ ،2010‬على سبيل املثال‪ ،‬شنت حركة الشباب عملية تفجيرية ضد مجموعات‬ ‫من األشخاص الذين كانوا يشاهدون مباراة كأس العالم في كمباال بأوغندا‪ ،‬مما أدى‬ ‫إلى مقتل ما يزيد على ‪ 70‬شخصًا‪ .‬وهذه املرة‪ ،‬لم تكن خطط املعتدين بالجديدة‪ :‬فمنذ‬ ‫زمن بعيد‪ ،‬اتجهت حركة الشباب نحو تفضيل استخدام القنابل اليدوية وأسلحة إيه‬ ‫كيه‪ 47-‬لقتل هؤالء األشخاص الذين لم يحالفهم الحظ وكانوا في املكان الخطأ في‬ ‫الوقت الخطأ‪ .‬فالهجمات التي يتم شنها على األهداف السهلة تجذب االنتباه وتضمن‬ ‫معدالت وفاة أعلى من تلك التي يتم شنها على منشآت حكومية تخضع لحراسة‬ ‫مشددة‪.‬‬

‫حصار املركز التجاري‬ ‫تتمثل االختالفات في هذه الحالة في مستوى التطور ‪ -‬فقد كان حصار املركز‬ ‫ُ‬ ‫التجاري أفضل بكثير من تلك املجهودات العشوائية التي كانت تبذل في السابق‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫جديدا مروعا‪ .‬فاحتجاز‬ ‫ باإلضافة إلى قرار أخذ رهائن الذي كان ُيعد منعطفا‬‫الرهائن قد ضمن استمرار الحصار لفترة أطول‪ ،‬وبالتالي فإنه جذب أكبر قدر من‬ ‫االهتمام املمكن‪ ،‬فيما عجزت قوات األمن عن ممارسة وحشيتها ً‬ ‫تماما مثلما تفعل‬ ‫ً‬ ‫في أوضاع خالف ذلك‪ .‬وأشارت التقارير أيضا إلى أن حركة الشباب لديها عناصر‬ ‫مسلمة‪ ،‬مما ُيعد بمثابة دليل على اهتمامها املتزايد بصورتها العامة والصورة العامة‬ ‫للحركة الجهادية على نطاق أوسع‪ .‬وبالنسبة للحركة التي تدعي أنها طليعة اإلسالم‪،‬‬ ‫فإن أعضاءها يقومون بشن عمليات قتل للمسلمني الصوماليني خالل العديد من‬ ‫األعوام‪ ،‬بينما يدرك قادة حركة الشباب ً‬ ‫جيدا أن مثل ذلك السلوك يؤدي إلى نفور‬ ‫املتطوعني وتراجع الدعم العام‪.‬‬ ‫وتتعرض حركة الشباب للضغوط من ناحية أخرى‪ .‬فقد عانت الحركة خسائر‬ ‫فادحة في الصومال‪ ،‬حيث كانت تقاتل قوات االتحاد األفريقي منذ عام ‪ ،2011‬وكانت‬ ‫حريصة على إثبات وجودها‪ .‬ومن املمكن أن تمثل أية جماعة إرهابية أقصى قدر من‬ ‫الخطر عندما تجذب املزيد من االهتمام‪ ،‬وعليه‪ ،‬فإن ذلك الهجوم يثبت القاعدة‪ .‬كما‬ ‫ً‬ ‫أنه يوضح أيضا أن الهجمات التي تم شنها في الصومال قد تسببت في وضع املزيد‬ ‫من الضغوط على حركة الشباب لتوجيه املزيد من قواتها نحو شن عمليات بالدول‬ ‫املجاورة‪.‬‬

‫الغزو الكيني‬ ‫وبالتأكيد‪ ،‬فإن تلك هي الرسالة التي كان يوضحها حساب «تويتر» ذو صلة‬ ‫بحركة الشباب عقب بدء الحصار‪ .‬فهؤالء األشخاص الذين يديرون الحساب أعلنوا‬ ‫مسؤوليتهم عن الهجمات‪ ،‬ولكنهم وضعوا اللوم على الحكومة الكينية‪ ،‬التي شاركت‬ ‫قواتها العسكرية في عملية االتحاد األفريقي بالصومال‪ .‬وخالل الشهر املاضي‪ ،‬أكد‬ ‫ً‬ ‫مؤكدا على‬ ‫مختار علي زبير‪ ،‬زعيم حركة الشباب مسؤولية الحركة عن الهجوم‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وموضحا أن «الهجوم على املركز التجاري كان هدفه االنتقام من القادة‬ ‫ذلك املنطق‪،‬‬ ‫الكينيني الذين قاموا بغزو الواليات اإلسالمية (الدولة اإلسالمية)»‪ .‬واستكمل حديثه‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫قائال إنه أيضا «كان بمثابة عقاب لتلك الدول الغربية التي دعمت الغزو الكيني وسفك‬ ‫األبرياء»‪ .‬وبالنسبة للعديد من أعضاء حركة الشباب‪ ،‬الذين يتبعون‬ ‫دماء املسلمني‬ ‫ً‬ ‫الفكر الجهادي كلية‪ ،‬فإن الجهاد في الصومال ال يمثل سوى جبهة واحدة ضمن‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫العديد من الجبهات في هذا الصراع‪ .‬وتعد الدول مثل كينيا أهدافا مشروعة للهجمات‬ ‫االنتقامية‪ .‬وعليه‪ ،‬فقد كان املركز التجاري ويستغيت‪ ،‬الذي يتردد عليه مسؤولون‬ ‫كينيون وسياح غربيون‪ ،‬ويملكه أشخاص إسرائيليون‪ ،‬بمثابة وسيلة لتحقيق ثالثة‬ ‫أهداف في ذات الوقت‪.‬‬ ‫ً‬ ‫مباشرة؛ حيث يشبه ذلك ً‬ ‫كثيرا‬ ‫وخالل تصريحاته‪ ،‬وجه زبير حديثه للشعب الكيني‬ ‫ً‬ ‫أشهر التصريحات التي أدلى بها أسامة بن الدن للشعب األميركي‪ .‬وتماما مثلما فعل‬ ‫بن الدن‪ ،‬فإن زبير قد حاول تبرير ما فعلته جماعته لعامة الشعب‪.‬‬

‫ً‬ ‫وذكر قائال‪« :‬لقد خضتم حربا ليست من شأنكم‪ ،‬وتأتي ضد املصالح الوطنية‬ ‫ً‬ ‫الخاصة بكم‪ ،‬كما تخليتم طوعا عن أمنكم واقتصادكم‪ ،‬لتفقدوا العديد من أبنائكم»‪.‬‬ ‫وأشار كذلك إلى أنه‪ ،‬من خالل دعم الحكومة عن طريق التصويت ودفع الضرائب‪ ،‬فإن‬ ‫جميع الكينيني سوف ُيعدون بمثابة أنصار وداعمني للحرب على اإلسالم‪ .‬وذكر أن‬ ‫ً‬ ‫األمر متروك لهم‪ ،‬إما أن يتجهوا نحو التغيير وإما أن يظلوا أهدافا للحركة‪.‬‬

‫تجنيد الغربيني‬ ‫وعلى الجانب اآلخر‪ ،‬فإن حركة الشباب لديها جمهور آخر ينبغي أخذه في االعتبار‪.‬‬ ‫فمن بني كافة الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة‪ ،‬تأتي حركة الشباب ضمن أفضل‬ ‫الجماعات في تجنيد الغربيني‪ .‬فقد أنتجت أشرطة فيديو دعائية باللغة اإلنجليزية‬ ‫كجزء من جهودها املتضافرة لجذب املسلمني الغربيني لدعم قضيتها‪ .‬وتقوم ًالحملة‬ ‫الدعائية على أنه في حالة ما إذا كان هناك شخص مسلم في الغرب يرغب حقا في‬ ‫الوفاء بواجبه الديني لحماية املسلمني في جميع أنحاء العالم‪ ،‬فإنه يتعني عليه‪ /‬عليها‬ ‫القتال ‪ -‬واملوت ‪ -‬كي تظل حركة الشباب على رأس األولويات‪ .‬وأثبت ذلك النمط من‬ ‫التفكير فعاليته في استمالة املتحولني الغربيني وجذب أعضاء من الجالية الصومالية‪.‬‬ ‫ومن املعتقد أن هناك نحو ‪ 100‬شخص من اململكة املتحدة والواليات املتحدة األميركية‬ ‫وحدها قد انضموا للحركة‪ .‬ومن غير املرجح أن تؤدي خطوة استهداف كينيا ذاتها‬ ‫إلى إبعاد هؤالء األشخاص عن الصومال‪.‬‬ ‫ومن السابق ألوانه معرفة األشخاص الذين قاموا بتنفيذ تلك العملية على وجه‬ ‫التحديد‪ .‬فقد تم تنفيذ األغلبية العظمى من الهجمات في كينيا من خالل خليط من‬ ‫الصوماليني والكينيني األصليني‪ ،‬حيث تم استهداف الكينيني األصليني لالنضمام إلى‬ ‫الحركة على مدار السنوات الثالث‬ ‫املاضية‪ ،‬ويرجع ذلك ملعرفتهم‬ ‫بالبالد‪ .‬ومن بني هؤالء‪ ،‬نجد أحمد‬ ‫إيمان علي‪ ،‬زعيم قوات مسلحة بشرق‬ ‫أفريقيا تابعة لحركة الشباب‪ ،‬فهو‬ ‫كيني األصل ومقيم بالصومال‪ ،‬وكنت‬ ‫قد تحدثت عنه في مقالتي السابقة‪،‬‬ ‫فهو ال يزال على قيد الحياة وكان‬ ‫يشتبه في أنه العقل املدبر لهجمات‬ ‫داخل بالده‪.‬‬

‫من بني كافة اجلماعات‬ ‫التابعة لتنظيم القاعدة ت�أتي‬ ‫حركة ال�شباب �ضمن �أف�ضل‬ ‫اجلماعات يف جتنيد الغربيني‬

‫وأشار البعض‪ ،‬بما في ذلك مسؤولون كينيون‪ ،‬إلى تورط الغربيني‪ .‬وعلى الرغم‬ ‫ً‬ ‫مستبعدا‪ .‬وعلى سبيل املثال‪ ،‬نجد‬ ‫من أن ذلك غير محتمل‪ ،‬فمن املؤكد أنه ليس‬ ‫جيرمني غرانت‪ ،‬جهادي بريطاني منضم لصفوف حركة الشباب‪ ،‬ويقضي في‬ ‫الوقت الحالي عقوبته بالسجن داخل كينيا بعد إدانته بالتخطيط لهجمات تفجيرية‬ ‫ً‬ ‫داخل البالد‪ .‬كما تشير بعض االدعاءات إلى أن هناك أيضا امرأة بريطانية املنشأ قد‬ ‫ُ‬ ‫تحولت إلى اإلسالم تدعى سامنتا ليوثويت‪ ،‬قد تورطت في عملية املركز التجاري‬ ‫ويستغيت‪ .‬أما عن لوثويت‪ ،‬أرملة جيرمني ليندسي‪ ،‬الذي قام بعملية انتحارية في‬ ‫لندن في اليوم املوافق ‪ 7‬يوليو (تموز) لعام ‪ ،2005‬فمن املعتقد أنها موجودة في‬ ‫املنطقة باعتبارها جزءا من شبكة حركة الشباب بشرق أفريقيا‪ .‬وال يوجد هناك‬ ‫أية أدلة عامة حتى اآلن على تورطها في املهمة األخيرة لحركة الشباب أو تورط أي‬ ‫شخص غربي في هذه القضية‪ .‬فحقيقة إصدار املنظمة الدولية للشرطة الجنائية‬ ‫ً‬ ‫(اإلنتربول) ملذكرة اعتقال دولية لها‪ً ،‬‬ ‫سريعا ما‬ ‫بناء على طلب من الحكومة الكينية‪،‬‬ ‫سيؤدي إلى وضعها في دائرة الشك‪ .‬ومن الحكمة تجنب أية استنتاجات متسرعة‪،‬‬ ‫على الرغم من ذلك‪ ،‬حيث إن األمر يتعلق بتهم اإلرهاب منذ عام ‪ ،2011‬مع عدم‬ ‫وجود أية إشارة إلى عملية ويستغيت‪.‬‬ ‫ومهما كانت هوية املعتدين‪ ،‬فإن الهجوم الذي شهده قلب املجتمع الراقي الكيني خالل‬ ‫الشهر املاضي ُيعد بمثابة تذكرة بأن حركة الشباب وأعضاءها من املجندين املدربني‬ ‫ً‬ ‫تهديدا للمنطقة لبعض الوقت في املستقبل‪.‬‬ ‫على أعلى مستوى ال يزالون يشكلون‬ ‫ويتعني على املراقبني الغربيني أخذ حذرهم الشديد‪ ،‬حيث إنه من غير املحتمل أن تكون‬ ‫تلك العملية هي األخيرة من نوعها‬

‫فورن أفيرز‪ /‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪53 - 2013 /‬‬


‫صحافة عالمية‬

‫ما وراء الهجمات األخيرة التي شنتها حركة «الشباب» في كينيا‬

‫عمليات جهادية مرة أخرى‬

‫شنت حركة "الشباب" الصومالية املتشددة يوم السبت ‪ 21‬سبتمبر هجوما على مركز تجاري وسط العاصمة الكينية نيروبي واحتجزت عددا من الرهائن داخل املركز التجاري‬

‫بقلم‪ :‬ألكسندر ميليغرو هيتشن*‬

‫ً‬ ‫حصارا على أحد املراكز التجارية الراقية بشمال‬ ‫بعد مرور أيام من فرض حركة الشباب ذات الصلة بتنظيم القاعدة‬ ‫نيروبي‪ ،‬ال تزال التداعيات السياسية‪ ،‬مثل عدد القتلى‪ ،‬غير معروفة‪ .‬وجدير بالذكر أن الهجمات جاءت مفاجئة‬ ‫للمراقبني الغربيني‪ ،‬حيث كانوا منهمكني في سوريا وقضية األسلحة النووية‪ ،‬ولكن لم يكن لينبغي ذلك‪.‬‬ ‫ً‬ ‫* زميل باحث لدى املركز الدولي لدراسة التطرف (‪ )ICSR‬بكلية كنغ بلندن‪ .‬كما يعمل أيضا محققا لدى االتحاد الوطني لدراسة اإلرهاب والردود على اإلرهاب (‪ )START‬بجامعة ماريالند‬

‫فورن أفيرز‪ /‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪52 - 2013 /‬‬


‫شهريا للتعويض عن بعض فروحاني ليس ُم ً‬ ‫ً‬ ‫صلحا‪ .‬ولكنه رجل النظام‪ ،‬لذلك السبب سمح له باحتالل املنصب‬ ‫الشعبية‪ ،‬مثل املبالغ التي يحصل عليها اإليرانيون‬ ‫مراحل الدعم ملشاريع الطاقة وغيرها من السلع‪ .‬وجدير بالذكر أن الوضع الحالي الذي األول بالدولة‪ .‬ومن املؤكد أنه أراد التوصل إلى اتفاق‪ ،‬ولكن لم تكن هناك أية إشارة‬ ‫تشهده إيران واستعدادها للتفاوض يعزز املثل اإليراني القديم القائل بأن الجمهورية علنية واضحة للشروط التي قد توافق عليها إيران‪ .‬وعلى الرغم من ذلك‪ ،‬فمن املفترض‬ ‫أن إيران والغرب لديهم بالفعل فكرة جيدة عن عواقب أي اتفاقات على الجانب اإليراني‪:‬‬ ‫اإليرانية ال تخضع للضغط على اإلطالق‪ ،‬ولكنها تخضع فقط للضغوط الهائلة‪.‬‬ ‫قبول قيود على تخصيب اليورانيوم وشحن معظم اليورانيوم املخصب إلى خارج‬ ‫تدهور األحوال االقتصادية اإليرانية‬ ‫البالد‪ ،‬إن لم يكن جميعه‪ .‬وزيادة الشفافية واالستجابة للتساؤالت التي تطرحها‬ ‫ُ‬ ‫الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول األنشطة السابقة‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من ذلك‪ ،‬فإن العقوبات املفروضة على إيران ال تعد السبب الوحيد وراء‬ ‫تغير اتجاه إيران‪ .‬وعلى نفس القدر من األهمية‪ ،‬نجد حالة الغضب املتزايدة التي وعلى الرغم من ذلك‪ ،‬فإنه ال ُيعد سوى نصف االتفاق فقط‪ .‬أما بالنسبة للنصف اآلخر‪،‬‬ ‫يشهدها الشعب اإليراني في ظل تدهور األحوال االقتصادية اإليرانية‬ ‫الناتجة عن فيتمثل فيما يقدمه الغرب في املقابل‪ ،‬وعلى وجه التحديد في صورة رفع العقوبات‪.‬‬ ‫السياسات الشعبية غير املترابطة التي تتبناها حكومة أحمدي نجاد ً‬ ‫مثلما‬ ‫ا‬ ‫تمام‬ ‫وحتى اآلن‪ ،‬فإن الغرب وخاصة الواليات املتحدة األميركية‪ ،‬أبدوا أقل من املتوقع‪.‬‬ ‫هو الحال مع العقوبات املفروضة‪ .‬فالنظام األذكى كان عليه تجنب وطأة الغضب وعليه‪ ،‬ينبغي على اإليرانيني أن يتسموا بالحذر‪ :‬وبوجه عام‪ ،‬كانت الواليات املتحدة‬ ‫ُ‬ ‫الشعبي اإليراني وتحويله تجاه الواليات املتحدة األميركية‪ .‬ولكن‪ ،‬لم تتمكن إيران من األميركية بطيئة في تخفيف العقوبات‪ .‬وسواء في ليبيا أو ميانمار (التي تسمى‬ ‫ً‬ ‫أيضا) أو فيتنام‪ ،‬فإن رفع العقوبات التي كانت مفروضة استغرق ً‬ ‫إقناع شعبها بأن عليها صب الغضب على أي‬ ‫أعواما عدة‬ ‫شخص ولكن ليس على املتشددين بورما‬ ‫اإليرانيني‪ ،‬في ظل تبني سياسات اقتصادية غير ُ‬ ‫النووي‪.‬‬ ‫موقفها‬ ‫ظل‬ ‫وفي‬ ‫جدية‬ ‫م‬ ‫أكثر مما توقعته تلك الحكومات‪ .‬وفي الواقع‪ ،‬فإن قيود جاكسون ‪ -‬فانيك التي كانت‬ ‫وخالل األيام الحالية‪ ،‬تتمثل األولوية األولى إليران في تعديل الوضع االقتصادي‪ .‬وفي مفروضة على االتحاد السوفياتي في عام ‪ 1974‬نتيجة للقيود التي تفرضها موسكو‬ ‫هذا الصدد‪ ،‬أظهر اإليرانيون عدم رغبتهم في االستمرار في تحمل تلك األعباء الثقيلة على الهجرة اليهودية لم ُترفع حتى عام ‪ ،2012‬أي بعد مرور أكثر من ‪ً 20‬‬ ‫عاما على‬ ‫ املتمثلة في عائدات النفط املرتجعة وأزمة التضخم والبطالة ‪ -‬مقابل االستمرار في انتهاء حدود الهجرة تلك‪ ،‬واختفاء‬‫البرنامج النووي‪ .‬وفي املقام الثاني‪ ،‬نجد استعادة العالقات مع العالم الخارجي‪ ،‬مما الحكومة السوفياتية‪.‬‬ ‫يعني تغيير سياسات العزلة مثل القيود املفروضة على اإلنترنت والقنوات الفضائية‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وحتى املرشد األعلى علي خامنئي‪ ،‬الذي يدعو منذ زمن بعيد إلى املقاومة بدال من عالقات أفضل‬ ‫ً‬ ‫التوصل إلى حلول وسطية‪ ،‬فإنه قد تحدث‬ ‫مؤخرا عن الحاجة إلى ما سماه «املرونة مع الشعب اإليراني‬ ‫البطولية»‪.‬‬ ‫وقبل أن تقوم الواليات املتحدة‬ ‫والسبب األخير األكثر أهمية في االتجاه الجديد الذي تتبناه إيران هو تعزيز األميركية برفع العقوبات‪ ،‬فإنها ً‬ ‫دائما‬ ‫الديمقراطية اإليرانية‪ .‬فاالنتخابات الرئاسية التي جرت خالل شهر يونيو (حزيران) ما ترغب فيما هو أكثر من مجرد‬ ‫لم تكن انتخابات نزيهة على اإلطالق‪ .‬ولكن‪ ،‬على خالف ما حدث عام ‪ ،2009‬جرى تأكيد حول تنفيذ االتفاق‪ .‬فهي‬ ‫فرز أصوات املنتخبني بالفعل‪ .‬كما أعلنت النتائج بعد إغالق صناديق‬ ‫االقتراع بواقع ترغب في الحصول على دليل‬ ‫ً‬ ‫وبدال من تتويج خامنئي للفائز‪ً ،‬‬ ‫مثلما‬ ‫ا‬ ‫تمام‬ ‫ساعات عديدة وليس ساعة واحدة فقط‪.‬‬ ‫واضح على أن أي اتفاق سوف يستمر‪ ،‬عالوة على رغبتها في إحداث تقدم بشأن‬ ‫ً‬ ‫الثالثة‬ ‫األشقاء‬ ‫بني‬ ‫املنافسة‬ ‫وقف‬ ‫حيال‬ ‫خطوات‬ ‫فعل عام ‪ ،2009‬لم يتخذ خامنئي أية‬ ‫مناقشات ثنائية أخرى أيضا‪ .‬وبالنسبة إليران‪ ،‬فإن ذلك يعني أن واشنطن ترغب في‬ ‫املعارضني‬ ‫اإليرانيني‬ ‫خامنئي‬ ‫ناشد‬ ‫وعندما‬ ‫الرئيسون‪.‬‬ ‫وهم املرشحون املحافظون‬ ‫إنهاء طهران لدعمها لإلرهاب باإلضافة إلى االنتهاكات السافرة التي تتبعها حيال‬ ‫ُ‬ ‫للجمهورية اإلسالمية ودعاهم للتصويت (على عكس تفاخره بأن التصويت يمثل حقوق اإلنسان‪ .‬ويعني ذلك كله أنه مهما تراجعت حدة العقوبات التي قد تفرضها‬ ‫ً‬ ‫عرضا لتأييد النظام الحاكم)‪ ،‬أدرك الشعب تلك الرسالة‪ :‬ففي هذه املرة‪ ،‬سوف يخضع الواليات املتحدة األميركية عقب بدء املباحثات النووية‪ ،‬فإنها سوف تكون محدودة‬ ‫خامنئي الختيار الشعب من بني املرشحني‪ .‬فقد سمحت االنتخابات التي اتسمت للغاية‪ .‬كما أنه من غير الواضح أن االتحاد األوروبي سوف يتخذ أية إجراءات إنقاذ؛‬ ‫ُ‬ ‫باملزيد من الحرية ُ بطرح النقاشات األكثر جدية حول السياسات الخارجية واألمنية حيث إنه من غير املمكن إنهاء تلك العقوبات سوى من خالل إصدار قرار تصدق عليه‬ ‫للبالد‪ ،‬التي كانت تعد بمثابة أحد املحرمات في السابق‪ .‬فقد اعتاد اإليرانيون سماع ‪ 28‬حكومة باإلجماع‪.‬‬ ‫أن املفاوض النووي السابق‪ ،‬سعيد جليلي‪ ،‬لم يكن يتسم باملرونة أو املنطق‪ .‬فقد‬ ‫تعرضت مواقفه حيال املفاوضات النووية للهجوم من قبل جميع املرشحني‪.‬‬ ‫ومن املحتمل أن تتفادى الواليات املتحدة األميركية تلك املشكلة من خالل تقديم‬

‫كلما ازدادت م�ساحة‬ ‫الدميقراطية واحلرية داخل‬ ‫�إيران ازدادت االحتماالت‬ ‫الأف�ضل حيال ت�سوية الأزمة‬

‫البرنامج النووي‬ ‫ً‬ ‫ودائما ما كان يود الغرب رؤية نقاش جاد داخل إيران حول البرنامج النووي للبالد‪.‬‬ ‫وفي النهاية‪ ،‬جرت تلك املناقشات‪ .‬وبالتأكيد‪ ،‬فقد أدى فرض العقوبات على إيران‬ ‫إلى نشوب حالة من السخط حيال تأثير البرنامج النووي‪ ،‬إال أن ذلك لم ُيترجم إلى‬ ‫إصالحات في السياسة اإليرانية إلى أن جرى تقديم فرصة للشعب اإليراني لإلعراب‬ ‫عن وجهات نظره‪ .‬ولم يكن ليحدث ذلك لو لم ُيقرر خامنئي السماح لهذه االنتخابات‬ ‫أن تسير كما فعل‪ .‬وتمثلت النتيجة النهائية في التأييد الشعبي القوي لروحاني‪ ،‬الذي‬ ‫ً‬ ‫يمثل الصوت األكثر اعتداال‪ .‬فالدرس الذي ينبغي على الغرب معرفته هو أنه كلما‬ ‫ازدادت مساحة الديمقراطية والحرية داخل إيران‪ ،‬ازدادت االحتماالت األفضل حيال‬ ‫تسوية األزمة النووية‪ .‬وبعبارة أخرى‪ ،‬فإن دعم الحرية داخل إيران ليس فقط الشيء‬ ‫ً‬ ‫الصحيح الذي ينبغي فعله من الناحية األخالقية‪ ،‬بل ُيعد أيضا أفضل وسيلة لحمل‬ ‫إيران على التخلي عن طموحاتها النووية‪.‬‬

‫عرض لدعم الشعب اإليراني‪ ،‬حتى مع الحفاظ على القيود الصارمة التي تفرضها‬ ‫على الحكومة اإليرانية‪ .‬وبالفعل‪ ،‬قامت واشنطن على الفور بتشديد العقوبات‬ ‫على املؤسسات ذات الصلة بالحكومة‪ ،‬في ظل تخفيف القواعد على املواطنني‪،‬‬ ‫وعلى سبيل املثال‪ ،‬املسابقات الرياضية والتبرعات لألعمال الخيرية داخل إيران‬ ‫وصفقات البيع لإليرانيني للهواتف الجوالة والبرمجيات ذات الصلة‪ .‬وعقب التوصل‬ ‫الى اتفاق‪ ،‬سوف تتمكن واشنطن من فعل الكثير والكثير لوضع حد للقيود التي‬ ‫ُ‬ ‫تعرقل املواطنني اإليرانيني والشركات الخاصة‪ ،‬وربما من خالل تخفيف إجراءات‬ ‫التأشيرات والسماح للصفقات التجارية الخاصة بالسلع االستهالكية مع شركات‬ ‫خاصة‪ .‬ويتمثل أفضل أمل للواليات املتحدة األميركية لتحسني العالقات مع إيران‬ ‫في الحصول على عالقات أفضل مع الشعب اإليراني‪ ،‬حيث يتعني على الواليات‬ ‫املتحدة األميركية أن تضع تركيزها على ما يحتاجونه ويرغبون فيه‪ .‬كما أن‬ ‫تخفيف العقوبات على الشعب اإليراني ال ُيعد سوى خطوة صغيرة نحو دعم‬ ‫ُ‬ ‫الديمقراطية‪ ،‬ولكنها خطوة تعد أفضل من ال شي‬

‫فورن أفيرز‪ /‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪51 - 2013 /‬‬


‫صحافة عالمية‬

‫ُ‬ ‫العقوبات املفروضة على إيران لن تجبر طهران على االستمرار في املفاوضات‬

‫أقوال أم أفعال؟‬

‫مجسم لصاروخ ايراني "أرض – أرض" من طراز "نازعات ‪"10‬‬

‫بقلم‪ :‬باتريك كالوسون *‬

‫خالل عام ‪ ،2012‬كنت قد ذكرت أن العقوبات املفروضة على إيران قد نجحت في إرغام طهران على العودة مرة‬ ‫ُ‬ ‫أخرى لطاولة املفاوضات‪ ،‬ولكنها ال تمثل استراتيجية بحد ذاتها‪ .‬فاملحادثات العرضية (التي ال جدوى منها في أغلب‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫األحيان)‪ ،‬وبعد كل ذلك‪ ،‬لن تعد بديال عن االستقرار الشامل والتطبيع السياسي‪ .‬وضمن إحدى كتاباتي‪ ،‬كنت قد‬ ‫ً‬ ‫نجاحا على املدى البعيد ينبغي أن تتجه نحو بناء دولة إيرانية تتسم باملزيد من‬ ‫ذكرت أن أية سياسة أميركية أكثر‬ ‫ً‬ ‫الديمقراطية‪ .‬وال يزال األمر صحيحا حتى اليوم‪.‬‬ ‫* مدير قسم األبحاث بمعهد واشنطن لسياسات الشرق األدنى‪ ،‬كما أنه مؤلف أو محرر العديد من الكتب والدراسات حول إيران‬

‫في الوقت الذي تتصاعد فيه هجمات الرئيس اإليراني حسن روحاني أمام الجمعية‬ ‫العامة لألمم املتحدة‪ ،‬ينبغي تذكر أن العقوبات وحدها لن تؤدي إلى تبني إيران لنهج‬ ‫جديد‪ .‬كما أنها لن تكون كافية لضمان تعاون إيران في املستقبل‪.‬‬ ‫وعلى مدار العامني املاضيني‪ ،‬حققت أنظمة العقوبات التي تتبناها الواليات املتحدة‬ ‫األميركية واالتحاد األوروبي نتائج مذهلة‪ ،‬ويرجع الفضل في ذلك إلى الدعم الدولي‬ ‫الواسع واالمتثال لهم‪ .‬فبعض الدول‪ ،‬مثل كندا‪ ،‬قد أقرت فرض عقوبات تجارية‬

‫متشددة‪ .‬وعلى الجانب اآلخر‪ ،‬فإن بعض الدول األخرى‪ ،‬مثل الهند‪ ،‬قد قلصت من‬ ‫حجم مشترياتها من النفط اإليراني وفرضت ً‬ ‫قيودا على ما يكون بوسع إيران فعله‬ ‫حيال مدفوعات ذلك النفط‪ .‬ويرى الجميع أن عائدات صادرات النفط اإليراني الصالح‬ ‫لالستخدام قد تراجعت بواقع الثلثني عما كان ُمقدرا لها في العام الحالي‪ .‬وجدير‬ ‫بالذكر أن عائدات النفط اإليراني الصالح لالستخدام تتراوح بني ‪ 35-30‬مليار دوالر‬ ‫أميركي ً‬ ‫سنويا‪ ،‬حيث لم تصل إلى ذلك املستوى منذ عقد مضى‪ .‬وعليه‪ ،‬فقد أدى ذلك‬ ‫الوضع إلى إجبار الحكومة اإليرانية على السحب من االحتياطي والحد من املبادرات‬

‫فورن أفيرز‪ /‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪50 - 2013 /‬‬


‫ُ‬ ‫العقوبات املفروضة على إيران لن تجبر طهران على االستمرار في املفاوضات‬

‫أقوال أم أفعال؟‬ ‫بقلم‪ :‬باتريك كالوسون‬

‫ما وراء الهجمات األخيرة التي شنتها حركة «الشباب» في كينيا‬

‫عمليات جهادية مرة أخرى‬ ‫بقلم‪ :‬ألكسندر ميليغرو هيتشن‬

‫أطول النزاعات األفريقية‬

‫السودان واجلنوب على شفا حرب‬ ‫بقلم‪ :‬جريوم توبيانا‬

‫فورن أفيرز‪ /‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪49 - 2013 /‬‬


‫البـحـوث العلـميـة عاليـة التأثيـر‬ ‫‬ ‫ٌ‬ ‫متـاحـة ان للمـجتـمع بأكمله‪.‬‬

‫ﺷـﻬـﺮﻳﺎ‬ ‫ﺑﺎﻃﻼﻋﻚ ﻋﻠﻰ ‪ Nature‬ﺍﻟﻄﺒــﻌﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴــﺔ‪ ،‬ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺼـﺪﺭ‬ ‫ًّ‬ ‫ﺍﻧﻀـﻢ ﺇﻟﻰ ُﺭ ّﻭﺍﺩ ﺍﻟﻌﻠــﻮﻡ ﱢ‬ ‫ﺑﺎﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴـــﺔ‪ ،‬ﺇﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ ﺍﻟﻤﻮﻗﻊ ﺍﻹﻟﻜﺘــﺮﻭﻧﻲ ﺍﻟﺨـﺎﺹ ﺑﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺷﺒـﻜﺔ ﺍﻹﻧﺘـﺮﻧـﺖ‪ ،‬ﺍﻟﺬﻱ‬ ‫ﻳﺘﻢ ﺗﺤﺪﻳﺜﻪ ﺑﺼﻔﺔ ﺩﺍﺋﻤﺔ‪.‬‬ ‫ﺇﻥ ‪ Nature‬ﺍﻟﻄﺒــﻌﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴــﺔ ﺗﺘﻴﺢ ﻟﻠﻨﺎﻃﻘﻴﻦ ﺑﺎﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴــﺔ ﻣﺘﺎﺑﻌﺔ ﺍﻷﺧﺒــﺎﺭ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴــﺔ ﻓﺎﺋﻘﺔ ﺍﻟﺠﻮﺩﺓ‪ ،‬ﻭﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻘﺎﺕ‬ ‫ﻣﺘﺎﺣﺎ ﻣﺠﺎﻧً ﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻧﺘـﺮﻧـﺖ ﻛﻞ ﺃﺳﺒــﻮﻉ‪ ،‬ﻣﻊ ﻭﺟـﻮﺩ ﻧُ َﺴﺦ‬ ‫ﺍﻟﻮﺍﺭﺩﺓ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ”‪.“Nature‬ﺇﻥ ﻣﺤﺘـﻮﻯ ﺍﻟﻤﺠﻠﺔ ﺳﻴـﻜﻮﻥ‬ ‫ً‬ ‫ﺷﻬﺮﻳﺎ‬ ‫ﻣﻄﺒﻮﻋﺔ ﻣﺤﺪﻭﺩﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺠﻠﺔ‬ ‫ًّ‬

‫ﺍﻃﻠِ ْﻊ ﻋﻠﻰ ‪ Nature‬ﺍﻟﻄﺒﻌﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺍﻹﻧﺘﺮﻧﺖ‪ ،‬ﻭﺍﻣﻸ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﺨﺎﺹ ﺑﺎﻻﺷﺘﺮﺍﻙ ﻣﺠﺎﻧً ﺎ ﺑﺎﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﺮﺍﺑﻂ ﺍﻟﺘﺎﻟﻲ‪:‬‬ ‫ﱠ‬

‫‪arabicedition.nature.com‬‬

‫ﺑﺎﳌﺸﺎرﻛﺔ ﻣﻊ‪:‬‬


‫غافني يونغ يتحدث الى "املجلة" في لندن بعد عودته من رحلته األخيرة‬

‫لتحقيق حلمي القديم عندما كنت أعيش في ذلك املكان ذي الطبيعة‬ ‫املتوحشة في كورنوول على البحر‪.‬‬

‫وبخاصة الناخودة‪ ،‬أي القبطان‪ ،‬الذي تخلى له عن مرقده‪ ،‬وهو‬ ‫عبارة عن دكة خشبية عليها وسادة مغطاة بمادة بالستيكية‪.‬‬

‫ملا لم أرد أن أركب باخرة ركاب فاخرة في رحلة بحرية طويلة‪،‬‬ ‫خطرت لي فكرة بسيطة‪ .‬ان آخذ أي زورق أو سفينة من أي نوع‬ ‫أو حجم يقع في طريقي وأهرب بها الى البحر‪ ،‬شريطة اال تكون‬ ‫املسافة بني ميناء وآخر طويلة‪ .‬قررت ان أسافر من أوروبا الى‬ ‫كانتون في الصني على أي مركب أصادفه في طريقي‪ ،‬أكان ناقلة‬ ‫نفط أو باخرة شحن أو زورقا شراعيا من النوع الذي يعرف في‬ ‫الخليج العربي باسم "الدهو" – أو "الداو" كما يسمى محليا‪ .‬بدأت‬ ‫من اليونان بعد أن علمت على أطلس رخيص اشتريه أسماء‬ ‫موانيء سبق لي زيارتها‪ ،‬أو موانيء استهواني جرس اسمها‪ .‬كنت‬ ‫قد اخترت موانيء سميرنا واالسكندرية وبورسعيد والسويس‬ ‫وجدة ودبي وكراتشي وبمباي وكوتشني وكولومبو وكاكوتا‬ ‫ومدارس وسنغافورة‪ ،‬وبوناي وبانكوك ومانيال وهونغ كونغ‬ ‫ومكاون وكانتون‪ ،‬لقد استغرقت الرحلة ثمانية أشهر‪ ،‬وكانت أكثر‬ ‫اثارة مما توقعت"‪.‬‬

‫ونسأل غافني يونغ‪ :‬هل حققت اآلن حلم طفولتك‪ ،‬فهدأ بالك؟ ينظر‬ ‫بعيدا وكأنه يحاول ان يستجمع في ذاكرته صورة واضحة عن أيام‬ ‫الطفولة في قرى كورنوول القابعة بني فجاج صخور عالية حول‬ ‫خلجان صغيرة تحميها من البحر وتحتمي من غضبته بأسوار‬ ‫من كتل الصخر‪ ،‬ويخيل اليك أنه تلمح في عينيه ومضة ما تلبث أن‬ ‫تخبو‪ ،‬ويقول‪":‬ال يا صديقي‪ ،‬بل نصف الحلم"‪ .‬اما النصف اآلخر‬ ‫فلن يتحقق اال عندما يبحر غافني يونغ في سلسلة من الزوارق‬ ‫الصغيرة البطيئة في اتجاه الغرب‪ ،‬متنقال كالجندب من ميناء الى‬ ‫آخر‪ ،‬يختلط بالغرباء الطيبني في شوارعها الضيقة فينسى بينهم‬ ‫غربته‪.‬‬

‫وتعرض غافني يونغ في رحلته املثيرة لكثير من املخاطر‪ .‬فقد‬ ‫هاجمت العبارة املصرية "العنود" التي استقلها من قبرص الى‬ ‫االسكندرية عن طريق بيروت "طغمة من األوغاد‪ ،‬وسال قدر كبير‬ ‫من الدماء بني بيروت واالسكندرية‪ ،‬وطعن في األقل مصري واحد‬ ‫حتى شارف على الهالك"‪ .‬وفيما كان يتجه الى زامبوغانا في‬ ‫الشرق األقصى‪ ،‬هاجم الزورق الصغير الذي كان يستقله أفراد من‬ ‫عصابة "املورو" وأرادوا تشليحه ساعة معصمه وسترته‪ ،‬فحاول‬ ‫بدوره تشليحهم قمصانهم وأحذيتهم‪ .‬كما تعرض زورقه لعاصفة‬ ‫هوجاء قرب جزر املالديف‪ ،‬ولغزوة قراصنة في بحر سولو‪.‬‬ ‫ولكن أجمل مراحل الرحلة تلك التي قطعها بني الشارقة في الخليج‬ ‫العربي وكراتشي في باكستان على "دهو" بحارته من البلوشيني‪.‬‬ ‫و"الدهو" مصنوع من الخشب على الطريقة الخليجية التقليدية‪،‬‬ ‫ولكن كان في جوفه محرك عتيق كان ينفث دخانا كثيفا كلما‬ ‫أرهقه االبحار‪.‬‬ ‫ويعتزم غافني يونغ العودة في نهاية نوفمبر الى دبي ليبحث عن‬ ‫أصدقائه البلوشيني‪ ،‬ليقدم لهم نسخا من كتابه اعترافا بجميلهم‪،‬‬

‫وتصافحه شاكرا على الوقت الذي قضاه مع قراء "املجلة"‪،‬‬ ‫فسيتمهلك ‪":‬أال تريد أن تسألني ملاذا أحببت قومك العرب؟"‪ .‬فنقول‬ ‫له‪ :‬كان هذا أول ما جال ببالنا من تساؤالت‪ ،‬ولكننا أحجمنا مخافة‬ ‫أن يدغدغنا اطراء أو يحرجنا تقريع‪ .‬فيقول ضاحكا‪":‬بل اجلس‪،‬‬ ‫فسأقول لك‪ :‬أحب في العرب أوال دعابتهم وظرفهم‪ .‬فالدعابة‬ ‫العربية مثال ال وجود لها في ايران أو تركيا‪ .‬الفارق الرئيسي بينهم‬ ‫وبني العرب عالوة على اختالف الجنس‪ ،‬هو افتقارهم الواضح الى‬ ‫الدعابة وخفة الظل‪ .‬تجد من بني العرب في أحلك الساعات وأكربها‬ ‫من ينطلق بدعابة مضحكة‪ ،‬تخفف من حدة التوتر في الجو‪ .‬وأنا‬ ‫أعتقد ان هذه ميزة عظيمة من مزايا العرب تمس الحاجة اليها في‬ ‫عالم اليوم‪ ،‬وبخاصة للعرب الذين مرت بهم حقب مأساوية في‬ ‫تاريخهم الحديث‪ .‬انهم يحتاجون ألن يضحكوا قليال"‪.‬‬ ‫ويضيف‪":‬وأنا معجب بجلد العرب وبدفئهم وعاطفتهم‪ ،‬امي من‬ ‫ويلز‪ ،‬والويلزيون عاطفيون أيضا‪ .‬وأنا أحب العاطفة بالرغم من‬ ‫أنها تكون متعبة أحيانا‪ .‬فالناس في املآسي يبالغون في الحزن‬ ‫واألسى‪ .‬ولكن من ناحية أخرى تصبح الحياة بدون ضرب من‬ ‫األحاسيس العاطفية شيئا ال يطاق"‪ .‬ويختتم‪":‬ويعجبني في العرب‬ ‫الطريقة التي يقيمون بها الصداقة فبعد عشرين سنة من الغياب‬ ‫عن األهوار‪ ،‬استرددت صداقتي مع أهلها وكأني لم أغب عنهم أكثر‬ ‫من خمس دقائق‪ .‬أما الشجاعة التي عرف بها العرب فهي ميزة‬ ‫مشتركة بني العديد من الشعوب"<‬

‫‪,,‬‬ ‫‪1947‬خطفت‬ ‫عصابة‬ ‫بيغن‬ ‫شاويشني‬ ‫بريطانيني‬ ‫وشنقتهما‬ ‫على الشجر‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫‪47‬‬


‫أرشيف‬

‫‪,,‬‬

‫بعد العدوان‬ ‫الثالثي على‬ ‫السويس‬ ‫تدهورت‬ ‫شعبية‬ ‫البريطانيني‬ ‫في الشرق‬ ‫األوسط‬ ‫وطلب الى‬ ‫الكثيرين ممن‬ ‫كانوا يعملون‬ ‫أو يتجولون‬ ‫في املنطقة‬ ‫العربية‬ ‫مغادرتها‬

‫‪,,‬‬

‫وفي كتابه األخير الذي صدر هذا الشهر "على زورق بطيء الى‬ ‫الصني" يروي غافني يونغ كيف عاد الى جدة‪ ،‬على منت باخرة‬ ‫حجاج سعودية تحمل حجاجا مصريني من مدينة السويس‪ .‬نزل‬ ‫الى امليناء مع رهط الحجاج وفي جواز سفره تأشيرة دخول تسمح‬ ‫له بالبقاء ثالثة أيام فقط‪ .‬ظن موظفو الجوازات في امليناء في بداية‬ ‫األمر انه مسلم أوروبي جاء يؤدي فريضة الحج‪ .‬وعندما تبني‬ ‫لهم أن املسألة غير ذلك‪ ،‬لم يوافقوا لعدم علمهم بمواقفه املناصرة‬ ‫للقضايا العربية‪ ،‬على تمديد مدة اقامته ليتسنى له العودة الى‬ ‫عسير ومن ثم اتمام رحلته بالبر الى دبي للبحث عن زورق بطيء‬ ‫آخر يحمله الى باكستان‪ .‬أحس بكثير من خيبة األمل‪ ،‬ولم يخفف‬ ‫عنه سوى لقائه مع سائق أجرة من أبها‪ ،‬طلب اليه يونغ باللغة‬ ‫العربية ان يحمله من امليناء الى أحد فنادق جدة‪.‬‬ ‫وعندما عرف يونغ أثناء تجاذبهما أطراف الحديث ان السائق من‬ ‫أبها‪ ،‬سأله عن بعض رجاالت أبها وعسير من أصدقائه القدماء‬ ‫فاستغرب السائق معرفته بهؤالء الناس الذين قال أنهم ما زالوا‬ ‫احياء يرزقون‪ .‬وملا عرف من يونغ صلته باالقليم وموقف دائرة‬ ‫الجوازات منه‪ ،‬انفعل بشدة وأقسم ان يحملنه ساعتئذ الى عسير‬ ‫ويعيده منها قبل انقضاء االيام الثالثة‪ .‬ولكن يونغ رفض تلك‬ ‫االريحية العفوية‪ ،‬وظل راكبا في سيارته تلف بهما شوارع جدة‬ ‫على غير هدى وهما يتحدثان عمن عرفا من أشخاص وأماكن‪،‬‬ ‫حتى توقفت في نهاية املطاف أمام أحد الفنادق‪ .‬رفض السائق‬ ‫تقاضي أي أجرة‪ ،‬واحتضن يونغ مودعا‪ ،‬أو معتذرا‪.‬‬ ‫بعد العدوان الثالثي على السويس تدهورت شعبية البريطانيني‬ ‫في الشرق األوسط‪ ،‬وطلب الى الكثيرين ممن كانوا يعملون أو‬ ‫يتجولون في املنطقة العربية مغادرتها‪ .‬والى هذا أصبح التجوال‬ ‫بالنسبة الى يونغ مرتفع الكلفة لعدم انتظام موارده املالية‪.‬‬ ‫فشد الرحال الى املغرب العربي‪ ،‬بهدف الحصول على وظيفة‬ ‫مصرفية‪ .‬وكانت حرب التحرير الجزائرية يومئذ على أشدها‪.‬‬ ‫وكان يونغ بطبيعة الحال يتعاطف مع الجزائريني في كفاحهم ضد‬ ‫االستيطان الفرنسي‪ .‬والحظ ان صحيفة "االبزيرفر" االسبوعية‬ ‫اللندنية قد اتخذت‪ ،‬على نقيض معظم الصحف البريطانية‬ ‫ويومئذ‪ ،‬خطا متعاطفا مع القومية العربية بسبب تحرر أفكار‬ ‫رئيس تحريرها ديفيد استور‪ .‬وبسبب هذا االتجاه انخفض توزيع‬ ‫الصحيفة بمقدار النصف‪ ،‬ألنها أخبرت قراءها بان عبد الناصر‬ ‫هو روح القومية العربية‪ ،‬وانه ليس بالرجل السيء‪ .‬اما الصحف‬ ‫االخرى التي كانت تنعته بالديكتاتورية فقد ازدادت مبيعاتها‪ ،‬ألن‬ ‫الجميع أرادوا تصديق ذلك‪.‬‬ ‫كتب يونغ الى استور من تونس‪ ،‬رغم عدم وجود خبرة صحفية‬ ‫لديه‪ ،‬عارضا عليه مراسلة الصحيفة من املغرب العربي لتغطية‬ ‫أنباء الحرب الجزائرية‪ .‬استدعاه استور الى لندن‪ ،‬واتفقا على أن‬ ‫يكتب "لالوبزيرفر" قطعا اخبارية عن الحرب الجزائرية‪ .‬فكتب‬ ‫قطعا صغيرة ثم أكبر منها وانتقل من ذلك الى كتابة املقاالت‬ ‫الطويلة والتحليالت العميقة‪ .‬ولكن عمله كمراسل حربي لم يصل‬ ‫الى قمته اال في عام ‪ 1960‬ابان أزمة الكونغو‪.‬‬

‫غالف كتابه األخير‬

‫‪46‬‬

‫طلبت اليه "االوبزرفر" االنتقال الى الكونغو التي ظلت أنباء الحرب‬ ‫األهلية وتورط الدول الكبرى واألمم املتحدة‪ ،‬تمأل أعمدة الصفحات‬ ‫األولى في الصحف العاملية‪ .‬بقي في الكونغو أكثر من عام‪ ،‬عرضت‬ ‫عليه "االوبزرفر" خالله االنضمام الى هيئة تحريرها‪ ،‬فقبل ألنه‬ ‫أصبح يتوق الى استقرار في دخله‪ ،‬وألنه ظن ان عمله مع الصحيفة‬ ‫كمراسل حربي مثبت سيساعده على تحقيق حلم طفولته‬ ‫بالتجول في موانئ العالم النائية الغريبة‪ .‬ولكنه أحس انه رغم‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫تغطيته للحروب والثورات في شتى أنحاء العالم‪ ،‬من فيتنام الى‬ ‫كوبا‪ ،‬ومن اليمن الى الهند وباكستان وما الى ذلك‪ ،‬بأن ذلك الحلم‬ ‫ما زال كبيرا يصعب تحقيقه‪ ،‬واأليام تمضي والشباب ينحسر‬ ‫رويدا رويدا‪.‬‬ ‫كان لصلة يونغ الشخصية بالعرب تأثيرا على ما يكتبه‪ .‬سألناه‬ ‫عن ذلك فقال‪":‬هذا جانب من الحقيقة‪ .‬لقد كتبت الكثير من االشياء‬ ‫التي يجهلها اآلخرون عن العالم العربي‪ ،‬ألنني كنت هناك وبدأت‬ ‫مطلع شبابي هناك‪ ،‬وأنا أحب العرب وأتحدث العربية‪ .‬اما غيري‬ ‫من الكتاب الذين لم يتح لهم الذهاب الى العالم العربي فانهم كانوا‬ ‫ببساطة جاهلني بقضاياه‪ .‬وبغض النظر عن رأيي الخاص بجمال‬ ‫عبد الناصر مثال‪ ،‬كنت أعرف أن معظم العرب كانوا ينظرون اليه‬ ‫كزعيمهم‪ .‬وهذا املهم‪ .‬اما حلف بغداد‪ ،‬فلم يكن مناسبا لتلك الحقبة‬ ‫من تاريخ املنطقة‪ ،‬ولذا كان من خطل الرأي تأييده ان ايجاد االعذار‬ ‫له‪ .‬لم تكن وجهة نظر الصحف الغربية عموما‪ ،‬ولكن "االوبزيرفر"‬ ‫كانت لحسن الطالع تحمل أفكارا مماثلة ألفكاري"‪.‬‬

‫بعد ‪1967‬‬ ‫عندما نشبت حرب األيام الستة عام ‪ ،1967‬كان يونغ في‬ ‫باريس‪ ،‬فسارع بالسفر على أول طائرة يسمح لها بالهبوط في‬ ‫مطار بيروت‪ .‬ومن هناك اتجه فورا الى عمان‪ ،‬ليرى الالجئني‬ ‫الفلسطينيني يتدفقون من الضفة الغربية عبر حطام جسر اللنبي‪.‬‬ ‫قال‪":‬كان الوضع سيئا للغاية واملنظر مريعا‪ .‬كتبت من هناك مقالة‬ ‫عن الالجئني ومأساتهم التي تفطر القلوب‪.‬‬ ‫وقد نشرت املقالة في الصفحة األولى من "االوبزيرفر" في الوقت‬ ‫الذي كانت فيه الصفحات األولى من الصحف األخرى تتغنى‬ ‫بأمجاد اسرائيل العسكرية وانتصاراتها الباهرة‪ .‬انا لم أنكر أن‬ ‫االسرائيليني حققوا نصرا‪ ،‬ولكن بدا لي في تلك الفترة ان من األهم‬ ‫التركيز على مأساة الالجئني املريعة‪ .‬ولكن ما فعلته كسب لي قدرا‬ ‫عظيما من العداوة والبغضاء واالهانة والتهديد من أناس في لندن‬ ‫لم أكن أعرف وقتئذ أنهم صهاينة"‪.‬‬ ‫وعندما يقتتل العرب في ما بينهم‪ ،‬كما حدث في اليمن‪ ،‬يتخذ‬ ‫غافني يونغ جانب تلك الفئة املستضعفة البريئة‪ .‬فقد انضم أوال الى‬ ‫القوات الجمهورية اليمنية في صنعاء التي كان يدعمها املصريون‪.‬‬ ‫ولكنه أحس بأنه ينبغي عليه ان يطلع على وجهة نظر القوات امللكية‬ ‫قبل ان يكون لنفسه رأيا عن الصراع الدائر في اليمن‪.‬‬ ‫اتخذ طريقه الى جيزان‪ ،‬ومنها عبر الحدود مشيا على األقدام‬ ‫لالنضمام الى القوات امللكية‪":‬لم تكن مشاعري في حقيقة األمر مع‬ ‫أي من الجانبني‪ ،‬كانت مشاعري مع املدنيني اليمنيني الذين وقعوا‬ ‫في الوسط وطحنتهم الحرب‪ .‬لم أكن أعتقد ان وجود املصريني‬ ‫كان مفيدا‪ .‬فقد قتل العديد منهم‪ .‬ولم أكن أعتقد بأن امللكيني‬ ‫سيحققون النصر‪ .‬ولكن كانت هناك فئة ثالثة في اليمن تريد‬ ‫خروج املصريني‪ ،‬ولكنها ال تريد عودة امللكيني‪ ،‬فئة كانت تريد أن‬ ‫يحكم اليمنيون بالدهم‪ .‬ووجدت في هذا املوقف كثيرا من املنطق‪.‬‬ ‫وقد تغلب هذا االتجاه في اليمن في ما بعد"‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ ،1980‬نشر غافني يونغ كتاب "ما بني النهرين" الذي‬ ‫وضعه بتشجيع من السيد طارق عزيز عن معالم العراق التاريخية‪.‬‬ ‫فالعراق بلد مثير ثري‪ ،‬مرت عليه بني النهرين حضارات عريقة‪،‬‬ ‫او مرت به مخلفة آثارها في كل مكان‪ .‬اما كتابه األخير "على‬ ‫زورق بطيء الى الصني" فقد كان كما قال لنا غافني يونغ "محاولة‬


‫‪,,‬‬

‫عالم الشرق الغريب‬

‫في مطلع السبعينات‪ ،‬فاستأذن من السيد طارق عزيز بالعودة الى‬ ‫األهوار‪ ،‬فشجعه على ذلك‪ .‬قال يونغ لـ"املجلة"‪":‬كنت دائما أحلم‬ ‫بالعودة الى هناك‪ ،‬ولكنني كنت أخشى أن أصاب بخيبة أمل عظيمة‬ ‫اذا عدت فوجدت املكان قد تغير والناس الذين أحببتهم ماتوا‪.‬‬ ‫اتجهت اليها يالزمني شعور بالخوف والتوجس‪ ،‬ولكنني لفرحتي‬ ‫وابتهاجي وجدت املكان على حاله تقريبا‪ ،‬وان معظم الذين‬ ‫عرفتهم أحياء‪..‬ليسوا أحياء فحسب‪ ،‬ولكنهم تذكروني‪ .‬كان لنا‬ ‫لقاء عاطفي‪ ،‬وأحيوا لي حفالت بهيجة‪ ،‬وأخذوني الى كل قرنة‬ ‫في األهوار التي عرفتها من قبل‪ ،‬وهي منطقة واسعة تحتاج الى‬ ‫أسبوع بالزورق لالنتقال من طرف الى آخر‪ .‬ولكنني وجدت ان‬ ‫املكان تغير من ناحية أخرى الى األفضل‪ ،‬حيث أصبحت العناية‬ ‫الصحية متوفرة‪ ،‬والوصول الى األسواق املحلية أسهل‪ .‬وقد ألغت‬ ‫السلطة نظام املشيخات ووزعت األرض على الناس العاديني‪ .‬ولكن‬ ‫الحياة لم تتغير في جوهرها"‪.‬‬ ‫كان لعودة يونغ الى األهوار اثر عظيم على نفسه حتى أنه قرر‬ ‫ان يكتب عنها‪ .‬أعد أوال مقالة مسهبة مصورة للمجلة الجغرافية‬ ‫الوطنية التي تصدر في الواليات املتحدة‪ ،‬ثم اصطحب معه صديقه‬ ‫املصور الفوتوغرافي املعروف نيكوالس ويلر‪ ،‬لتسجيل الحياة في‬ ‫األهوار‪ ،‬بهدف استعمال الصور في كتاب كان يعد نصه‪ ،‬اسماه‬ ‫عند نشره "عودة الى األهوار"‪ .‬كما طلب اليه تلفزيون هيئة االذاعة‬ ‫البريطانية اعداد فيلم تسجيلي عن املنطقة عرض في بريطانيا‬ ‫وانحاء أخرى من العالم‪.‬‬ ‫وقد وصف احد النقاد البريطانيني‪ ،‬واسمه جوناثان رابان‪ ،‬نص‬ ‫كتاب "عودة الى األهوار" بأنه "تحفة رائعة‪ ،‬مثير السبك‪ ،‬فيه نغمة‬ ‫شخصية دافئة‪ ،‬ومعرفة تاريخية أكاديمية‪ ،‬وموهبة في الوصف‬ ‫الدقيق قلما توجد خارج نطاق القصص الخيالي الجيد‪ .‬ان هناك‬ ‫قاسما مشتركا بني البريطانيني والعرب وهو روح الدعابة‪.‬‬ ‫وقد استطاع يونغ الذي عاش بني أهل األهوار مدة تسمح له بالكتابة‬ ‫عنهم كاصدقاء‪ ،‬اصطياد روح الدعابة العربية بحذق‪ .‬ان كتاب‬

‫"عودة الى األهوار" ليس كتاب رحالت‪ ،‬وانما لوحة عن مجتمع كان‬ ‫يتحرك فيه يونغ كأحد أبنائه"‪.‬‬ ‫اال ان صور نيكوالس ويلر‪ ،‬التي حلى بها يونغ كتابه‪ ،‬لم تحظ‬ ‫رغم روعتها بنفس التقريظ‪ .‬فقد مر ويلر باالهوار مرور السائح‬ ‫بني قوم غرباء‪ ،‬يستهويه منظر مغيب الشمس‪ ،‬والسديم يتجمع‬ ‫ضبابيا فوق األهوار ساعة الفجر او املغيب‪ ،‬والنار املوقدة‪،‬‬ ‫فيصورها بدقة متناهية‪ .‬ان صوره تجعل األهوار تبدو جميلة‬ ‫ولكنها نائية‪ .‬اما نص غافني يونغ فانه يفعل العكس تماما‪.‬‬

‫بال دراهم‬ ‫لم يكن لدى يونغ من املال ما يمكنه من التجول في السعودية‪،‬‬ ‫وبخاصة بعد أن قضى آخر عامني في األهوار بدون دخل‪ .‬ولذا‬ ‫قبل وظيفة مع الوكالة الدولية ملكافحة الجراد التابعة لألمم املتحدة‪،‬‬ ‫التي كانت بعض فرقها تعمل على مقاومة الجراد في منطقة‬ ‫عسير‪ .‬اتجه الى عسير فوجدها منطقة غزيرة املاء مشجرة‬ ‫باالشجار املثمرة‪ ،‬ووقع في حب املنطقة من أول نظرة‪":‬انها‬ ‫منطقة رائعة الجمال‪ ،‬وأهلها طيبون وجميلو املظهر بشعورهم‬ ‫الطويلة‪ ،‬يعيشون في بيوت كناطحات السحاب على نمط املباني‬ ‫اليمنية‪ .‬قضيت هناك أسعد عامني في حياتي كلها‪ .‬لقد أتيح لي‬ ‫التجول في جميع أنحاء تلك املنطقة الرائعة‪ .‬انها حديقة اململكة‬ ‫العربية السعودية الغناء‪ ،‬بحدائقها وبساتينها وفواكهها وقمحها‬ ‫ومياهها‪.‬‬

‫لم يكن‬ ‫لدى يونغ‬ ‫من املال ما‬ ‫يمكنه من‬ ‫التجول في‬ ‫السعودية‬ ‫وبخاصة‬ ‫بعد أن‬ ‫قضى آخر‬ ‫عامني في‬ ‫األهوار‬ ‫بدون دخل‬

‫‪,,‬‬

‫كانت الحياة ممتعة وعاش الناس حياة رخية‪ .‬ولكن كان من‬ ‫الصعب الوصول الى تلك املنطقة يومئذ‪ ،‬ألن الطريق املؤدية اليها لم‬ ‫تكن سوى مسارب في الصحراء وعلى سفوح الجبال‪.‬‬ ‫وكان الوصول اليها من جدة يستغرقني أربعة او خمسة أيام‬ ‫على ظهر شاحنة ثقيلة‪ .‬ولذا لم تستقطب السياح مطلقا‪ .‬الغرباء‬ ‫الوحيدون الذين كانوا يأتونها هم النجديون الذين كانوا يعملون‬ ‫في خدمة الدولة هناك"‪.‬‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫‪45‬‬


‫أرشيف‬

‫‪,,‬‬

‫عاش يونغ‬ ‫في األهوار‬ ‫مدة عامني‬ ‫يتمتع‬ ‫باصطياد‬ ‫السمك‬ ‫وتربية‬ ‫الجواميس‬ ‫املائية ويتلذذ‬ ‫بهدر وقته‬ ‫على الطريقة‬ ‫القروية‬ ‫العربية‬

‫‪,,‬‬

‫قبل االقالع الى الشرق األقصى‬

‫احللم الكبري‬ ‫كان الرجل قد ولد وفي دمائه رومانطيقية خاصة‪ .‬كان يريد ان‬ ‫يحقق الكثير‪ ،‬وان يصبح رحالة مكتشفا يزور كل زاوية نائية في‬ ‫العالم‪ .‬ولكنه عندما وصل الى البصرة قنع بالتركيز على العالم‬ ‫العربي‪ .‬اتخذ لنفسه معلما يعلمه العربية‪ .‬وتعلم الكتابة والقراءة‪.‬‬ ‫وأخذ يخطط لرحلة استكشافية على ظهر جمل يقطع املسافة بني‬ ‫البصرة والسويس‪ .‬لم يكن متأثرا وقتئذ بلورنس العرب قدر تأثره‬ ‫بالرحالة تشارلز داوتي وولفريد ثيسيجر‪ ،‬الرجل الذي بدأ وقتئذ‬ ‫يكتسب شهرة كرحالة ومستكشف‪.‬‬ ‫وشاءت الصدف ان يمر ثيسيجر في هذه االثناء بالبصرة‪ ،‬فسارع‬ ‫يونغ‪ ،‬الذي كان ينظر اليه كبطل حقق منجزات عظيمة بقطعة الربع‬ ‫الخالي على جمل مرتني‪ ،‬الى لقائه‪ ،‬وطرح عليه فكرته للسفر من‬ ‫البصرة الى السويس على ظهر جمل‪ .‬اال ان ثيسيجر ضحك وقال‬ ‫له ان الظروف السياسية التي كانت سائدة يومئذ‪ ،‬وحظر السلطات‬ ‫السعودية على البريطانيني التجوال في أراضيها‪ ،‬تكاد تجعل‬ ‫الفكرة مستحيلة التنفيذ‪ .‬ودعاه عوض ذلك لزيارته في األهوار‪.‬‬ ‫كان ثيسيجر‪ ،‬وهو عالم انثروبولوجيا – اي البحث في علم‬ ‫أصل االنسان – يعيش في منطقة االهوار جنوب العراق‪ ،‬لدراسة‬ ‫تصرفات وخلفيات عرب املنطقة املنحدرين من سالالت سومرية‬ ‫وبابلية عتيقة‪ ،‬ويسكنون في مجتمع بدائي قائم في تركيبه‬ ‫واقتصاده على طبيعة املنطقة املائية‪ ،‬عند بلدة القرنة ملتقى نهري‬ ‫دجلة والفرات‪ ،‬اللذين ينضمان عندها معا لتشكيل شط العرب‪.‬‬ ‫وملا لم تكن املسافة تبعد عن البصرة بأكثر من مائة كيلومتر‪ ،‬قرر‬ ‫يونغ ان يلبي دعوة ثيسيجر وقضاء عطلة نهاية االسبوع معه‪.‬‬ ‫ولكن املكان سحره على الفور بعزلته وببحيراته وقنواته املائية‪،‬‬ ‫وبيوته الرائعة املجعولة من القصب‪ ،‬والتي تشكل كل منها‬ ‫جزيرة عائمة‪ ،‬والتي تبدو لضخامتها وحسن هندستها البدائية‬ ‫كالكنائس او الجوامع‪ ،‬وزوارقه النحيفة التي يتنقل فيها الناس‬ ‫من مكان الى مكان‪ ،‬وأهله الطيبني‪ .‬عاد الى البصرة من زيارته‬

‫‪44‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫االولى لألهوار‪ ،‬واستقال من عمله مع شركة الشحن البحري‪،‬‬ ‫ووجد نفسه مدفوعا لترك كل شيء وراءه‪ ،‬والذهاب للعيش بني‬ ‫هؤالء الناس‪ .‬لم يكن وقتئذ متأكدا مما يريد ان يعمله هناك‪ .‬ولكنه‬ ‫استغل وجوده الذي دام عامني في دراسة طبيعة املنطقة وأهلها‪.‬‬ ‫لم يجد تلك الحياة غريبة‪ ،‬وانما مختلفة عما ألفه من أساليب حياة‬ ‫وطرق معيشة‪.‬‬ ‫ووجد أن أفضل طريقة للتعرف على الناس على حقيقتهم‪،‬‬ ‫هي كسر الحواجز التي تفصله عنهم‪ ،‬وتناسى أصله ونشأته‬ ‫املختلفتني‪ ،‬والتصرف تماما كما يتصرف الناس الذين اعتزم‬ ‫العيش بني ظهرانهيم‪ .‬قال "للمجلة"‪":‬لم نتناول – هو وثيسيجر‬ ‫– طعاما خاصا قط‪ .‬كنا نأكل من طعام االهلني‪ .‬ولم نغل املاء‬ ‫لتقنينه‪ ،‬بل كنا نشرب من مياه األهوار ونستعملها في صنع‬ ‫القهوة وما الى ذلك‪ .‬لقد عشت مثل االهواريني تماما وتعلمت لغتهم‬ ‫جيدا‪ ،‬ولم أندم على ذلك قط"‪.‬‬ ‫وعاش يونغ في األهوار مدة عامني يتمتع باصطياد السمك وتربية‬ ‫الجواميس املائية‪ ،‬ويتلذذ بهدر وقته على الطريقة القروية العربية‪،‬‬ ‫التي قالت عنها صحيفة "الصاندي تايمز" اللندنية "ال يعرف أحد‬ ‫أكثر من القروي العربي كيف يهدر الوقت بذلك القدر من الرشاقة‬ ‫والدعابة‪ .‬ولعل ظاهرة تعشق البريطانيني االستعراب منذ القدم‪،‬‬ ‫وهي الظاهرة التي أسرت بيرتون وداوتي ولورنس وثيسيجر‬ ‫وفريا ستارك وغافني ماكسويل‪ ،‬ترجع الى انجذابهم الى أولئك‬ ‫الناس الذين يعيشون بقناعة في عالم يعرفون انهم ال يستطيعون‬ ‫تغييره" ولكن ثيسيجر ما لبث ان همس في أذن يونغ‪ ،‬ان عليه ان‬ ‫أراد حقا ارتياد الجزيرة العربية‪ ،‬ان يعجل قبل أن تتغير تحت وطأة‬ ‫الزحف الحضاري الحديث‪.‬‬ ‫ونصحه أن يذهب الى أجمل أجزاء الجزيرة العربية‪ ،‬في الجنوب‬ ‫الغرب من اململكة العربية السعودية‪ ،‬الى الجنوب من الطائف في‬ ‫اتجاه اقليم عسير ونجران وأبها‪ ،‬وصوب شمال اليمن عند منطقة‬ ‫جيزان‪ .‬ولكن غافني يونغ عاد الى األهوار بعد قرابة عشرين سنة‬ ‫من رحيله عنها‪ .‬كان في بغداد يغطي أنباء مؤتمر للنفط عقد هناك‬


‫‪,,‬‬

‫غافني يونغ على‬ ‫مركب شراعي في‬ ‫آخر رحلة له الى‬ ‫الشرق األقصى‬

‫للوضع بأسره‪ .‬فصغار الجنود ال يفكرون كثيرا في الظروف‬ ‫السياسية التي يخدمون فيها‪ .‬ولكنني أذكر بوضوح كيف كنا‬ ‫نتعرض باستمرار لهجمات من قبل عصابة "ارغون زفاي الومي"‪،‬‬ ‫أو طغمة "شتيرن" التي كان املستر بيغن زعيمها‪ .‬كانت القنابل‬ ‫تلقى علينا ونتعرض الطالق النار‪.‬‬

‫بالرغم من أنه لم يكن له في الواقع خيار في ذلك الن ظروفه املادية‬ ‫هي التي وجهت خطاه الى املشرق‪ .‬كان قد عاد عن طريق حيفا الى‬ ‫بريطانيا في نهاية االنتداب البريطاني‪ ،‬والتحق بجامعة اكسفورد‬ ‫لدراسة التاريخ الحديث‪ .‬كانت فترة قلقة في حياته‪ ،‬امتازت كما‬ ‫قال لنا بخموله وكسله‪.‬‬

‫وما زلت أذكر بألم كيف اختطفت عصابة املستر بيغن شاويشني‬ ‫بريطانيني وشنقتهما على الشجر"‪ .‬ورغم هذه الظروف‪ ،‬فقد افتنت‬ ‫بفلسطني بعد أن تنقل في أرجائها من طولكرم الى معسكر بيت‬ ‫ليد قرب ناتانيا‪ ،‬الى معسكر في طبريا‪":‬كان تأثير سحرها علي‬ ‫مباشرا‪ .‬طبيعة جمالها‪ ،‬وأهلها‪.‬‬

‫فما كان يؤرقه هو كيف سيستطيع بعد االنتهاء من دراسته‬ ‫السفر والتجول في انحاء العالم‪ ،‬وبخاصة ان والده لم يكن رجال‬ ‫ثريا‪ .‬وعندما انتهى من الدراسة في اكسفورد بدأ يبحث عن عمل‬ ‫‪":‬كان أول عمل حصلت عليه‪ ،‬في شركة لها مصالح في الشحن‬ ‫البحري‪ .‬ولحسن حظى‪ ،‬أو ألن هذا قدري‪ ،‬ارسلوني الى البصرة‪،‬‬ ‫حيث عملت في مكتب الشحن البحري هناك‪ .‬كانت البصرة يومئذ‬ ‫ميناء نشيطا دائب الحركة‪ ،‬ربما أهم مما هو عليه اآلن‪ ،‬فقد كانت‬ ‫تصدر منه التمور والقمح والشعير والجلود والعظام‪ .‬لقد انحسرت‬ ‫اآلن حركة التصدير من ميناء البصرة‪ ،‬وربما أصبح العراقيون‬ ‫اآلن يستوردون القمح"‪.‬‬

‫كانت مثيرة جدا‪ ،‬ووعدت نفسي أن أعود اليها‪ .‬لم أكن وقتئذ أدري‬ ‫كيف سأعود‪ ،‬ولكنني عدت بالفعل مرارا‪ ،‬وزرت موقع معسكر‬ ‫طولكرم‪ ،‬الذي كان أول اتصال فعلي لي باملشرق العربي"‪ .‬وكان‬ ‫لفلسطني تأثير مباشر على تعلق الرجل بالعرب والعالم العربي‪،‬‬

‫تعرض غافني‬ ‫يونغ في رحلته‬ ‫املثيرة لكثير‬ ‫من املخاطر‬ ‫فقد هاجمت‬ ‫العبارة املصرية‬ ‫"العنود" التي‬ ‫استقلها من‬ ‫قبرص الى‬ ‫االسكندرية عن‬ ‫طريق بيروت‬ ‫"طغمة" من‬ ‫األوغاد وسال‬ ‫قدر كبير‬ ‫من الدماء‬ ‫بني بيروت‬ ‫واالسكندرية‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫‪43‬‬


‫أرشيف‬

‫غافني يونغ‪ ،‬أحد أشهر املراسلني الحربيني البريطانيني والكاتب والرحالة‪ ،‬هو قبل كل شيء صديق للعرب‪ ،‬عاش‬ ‫بينهم في أهوار العراق وعسير السعودية وتجول في جميع أنحاء بالدهم وأحبهم‪ .‬وكان من بني الصحفيني‬ ‫البريطانيني األوائل الذين آمنوا بالحق العربي ودافعوا عنه على صفحات صحفهم‪ .‬ولكنه تعرض بسبب ذلك‪ ،‬حاله‬ ‫حال الرواد من الصحفيني البريطانيني الذين أسهموا في كشف زيف االدعاءات الصهيونية ومهدوا الحداث تغيير‬ ‫جذري في الرأي العام الغربي‪ ،‬أمثال ارسكني تشيلدرز ومايكل آدامز‪ ،‬تعرض الى التهديد والتحقير واالهانات من‬ ‫العناصر الصهيونية ومؤيديها‪.‬‬

‫غافني يونغ صديق العرب‬

‫انكليزي عاش سنتني‬ ‫يف حدائق السعودية الغناء‬ ‫«املجلة»‬ ‫العدد‪92 :‬‬ ‫‪ 14‬اكتوبر ‪1981‬‬ ‫تحقيق خاص‬ ‫ب ـ «املجلة»‬ ‫(املحرر)‬

‫جميع مؤلفات غافني يونغ مرتبطة بطريقة او أخرى‬ ‫بالعالم العربي‪ .‬فكتابه "عودة الى األهوار" الذي اعتبر‬ ‫النقاد نصه قطعة فنية‪ ،‬هو وصف مسهب رشيق دقيق‬ ‫لعودته الى أهوار العراق بعد غيبة عشرين سنة‪ .‬وكتابه "ما بني‬ ‫النهرين" لوحة مصورة مبسطة لتاريخ متشابك معقد في بالد‬ ‫ترعرعت فيها أو مرت عليها أعرق الحضارات القديمة‪ ،‬مخلفة‬ ‫بصماتها في كل قرنة‪ .‬ولكن ما حفز "املجلة" الى استضافة غافني‬ ‫يونغ على صفحاتها‪ ،‬هو كتابه األخير "على زورق بطيء الى‬ ‫الصني" الذي صدر هذا الشهر في لندن‪ ،‬وحقق فيه املؤلف نصف‬ ‫حلم طفولته‪ ،‬كما قال لنا‪ .‬ولكن ماذا عن نصف حلمه اآلخر؟‬ ‫في ذلك الجزء النائي ذي الطبيعة الوحشية من مقاطعة كورنوول‬ ‫االنكليزي‪ ،‬حيث تتقوقع قرى الصيد الساحلية املطلة على‬ ‫األطلسي‪ ،‬بني فجاج الصخور الشاهقة‪ ،‬وحول خلجان صغيرة‬ ‫تحمي مراسيها الحجرية العتيقة‪ ،‬وتحتمي من غضبة االطلسي‬ ‫الحرون‪ ،‬او تيارات املد العاتية وراء أسوار من كتل الصخور‪ ،‬ولد‬ ‫غافني يونغ ألب انكليزي وأم من مقاطعة ويلز التي عرف عن أهلها‪،‬‬ ‫حالهم حال العرب‪ ،‬بأنهم قوم عاطفيون متفتحون يحبون الدعابة‬ ‫ويعشقون الغناء واملوسيقى‪.‬‬ ‫وفي تلك النواحي‪ ،‬مواطن الفقمة والعقبان وانصاف الكنائس التي‬ ‫هجرها املتعبدون الى شؤون دنياهم فعفى عليها الزمن‪ ،‬وحيث‬ ‫تتكسر أمواج املحيط التي ابتلعت رجاال من مئات املراكب الشراعية‬ ‫التي تحطمت على صخورها عبر العصور‪ ،‬ترعرع الفتى وهو يحلم‬ ‫بالبحر الكبير‪ ،‬يجتذبه اليه سحر مبهم تزينه له حكايات املسنني‬ ‫وقصص العائدين من البحر‪ ،‬فيكبر حلمه ويشتد الحاحا‪ .‬ولكن‬ ‫أني له الفرار الى ما وراء ذلك األفق االربد‪ ،‬كما كان‬ ‫يهرب اليه الفتية في قديم الزمان‪ ،‬الى حيث السفن‬ ‫الرائعة والنجوم والجزر التي يسكنها أناس طيبون‪.‬‬ ‫وظل البحر القريب نائيا عنه حتى أنهى دراسته الثانوية‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫كان أهله رغم ضيق ذات يدهم قد أفلحوا في ادخاله مدرسة‬ ‫خاصة هيأته لنباهته لدخول جامعة اكسفورد العريقة‪ .‬ولكنه قبل‬ ‫أن يلتحق باكسفورد‪ ،‬كان عليه أوال ان يؤدي خدمة العلم مدة‬ ‫عامني ونصف‪ ،‬وهي خدمة كانت يومئذ اجبارية‪ .‬وذات يوم وجد‬ ‫نفسه ومئات الجنود البريطانيني يبحرون في املتوسط في اتجاه‬ ‫بورسعيد‪.‬‬ ‫ولكن تلك الرحلة البحرية لم ترو غليله أو تحقق حلمه‪ .‬فقد كان‬ ‫الحلم أكبر‪ .‬كان يتمنى لو كان منعتقا من كل قيد‪ ،‬وبخاصة قيد‬ ‫الجندية‪ ،‬يتنقل على هواه من مركب الى آخر‪ ،‬أو ينط كالجندب‬ ‫من ميناء ساحر الى آخر‪ ،‬ليمتزج باخالط الناس الذين يتجمعون‬ ‫في العادة في املوانئ من كل جنس وملة‪ ،‬من أغنياء وفقراء‪ ،‬ومن‬ ‫كل لون‪،‬يحملون معهم حكاياتهم وقصصهم وثراء خلفياتهم‪،‬‬ ‫ويمتزجون معا بتسامح مثير لالهتمام‪.‬‬ ‫وعندما رست به ناقلة الجنود في امليناء املصري العريق‪،‬‬ ‫حمل أشياءه وفي نفسه اشتياق الستجالء كنه أول ميناء في‬ ‫املشرق الساحر يحط فيه‪ .‬اال أن األوامر سرعان ما صدرت اليهم‬ ‫باالستعداد للرحيل الى فلسطني‪.‬‬ ‫أخذه القطار مع رهطه عبر شمال سيناء الى فلسطني حيث أرسل‬ ‫الى معسكر للجيش البريطاني قرب طولكرم‪ .‬كانت تلك الحقبة‬ ‫عام ‪ 1947‬عصيبة في تاريخ فلسطني‪ ،‬التي كانت تشهد صراعا‬ ‫عنيفا بني الفلسطينيني وقوات االستيطان الصهيونية‪ .‬وكانت‬ ‫قوات الجيش البريطاني تجلس متفرجة تقريبا‪ ،‬في انتظار‬ ‫انسحابها من فلسطني بعد أن اتخذت الحكومة البريطانية قرارا‬ ‫بانهاء انتدابها على البالد‪.‬‬ ‫وكان غافني يونغ يومئذ جنديا صغيرا في السابعة عشرة من‬ ‫عمره‪ .‬جاهال تمام الجهل بالتاريخ الحديث لتلك املنطقة‪ .‬قال لنا‬ ‫‪":‬لم أكن مطلعا في حقيقة األمر على تفاصيل الحق والباطل‬


‫عام ‪ .2010‬لكن يبدو ّأن هذا الهدف قد تحقق في عام ‪ .2008‬فقد وصلت‬ ‫صادرات اململكة ‪ 116.2‬مليار ريال سعودي بينما بلغت الواردات من الصني‬ ‫‪ 40.13‬مليار ريال سعودي‪ .‬في عام ‪ 2008‬شهد امليزان التجاري بني البلدين‬ ‫زيادة قدرها ‪ 180‬في املائة‪ ،‬بسبب ارتفاع أسعار النفط وأيضا بسبب زيادة‬ ‫حجم الصادرات النفطية إلى الصني‪ ،‬حيث صدرت السعودية إلى الصني ما‬ ‫يعادل ‪ 720.000‬برميل نفط يوميا‪.‬‬ ‫أما فيما يتعلق بالنفط فقد كانت صادرات اململكة إلى الصني ضئيلة خالل‬ ‫الجزء األكبر من الثمانينات (باستثناء عام ‪ .)1988‬فحتى عام ‪ ،1994‬كانت‬ ‫اململكة قد ّ‬ ‫صدرت إلى الصني ما قيمته ‪ 451‬مليون ريال سعودي فقط‪.‬‬ ‫ْ‬ ‫لكن ّ‬ ‫سجلت زيادة ملحوظة على هذا الصعيد في عام ‪ ،1997‬عندما قفزت‬ ‫قيمة صادرات اململكة إلى الصني إلى ‪ 1.58‬مليار ريال سعودي‪ّ ،‬ثم في عام‬ ‫‪ ،1999‬حيث وصلت إلى ‪ 2.35‬مليار ريال سعودي‪ .‬أما سبب الزيادات التي‬ ‫سجلت في منتصف التسعينات وبعده بثالث سنوات‪ ،‬فهو حقيقة ّأن الصني‬ ‫أصبحت منذ عام ‪ 1993‬مستوردا صافيا للنفط‪ّ .‬‬ ‫لكن القفزة الكبيرة في‬ ‫ّ‬ ‫الصادرات السعودية إلى الصني حدثت في عام ‪ ،2000‬حيث بلغ معدل نموها‬ ‫السنوي ‪ 139‬في املائة‪ ،‬ووصلت إلى ‪ 5.63‬مليار ريال سعودي‪ .‬ومنذ ذلك‬ ‫العام‪ ،‬تعاظمت قيمة الصادرات السعودية إلى الصني سنة تلو األخرى‪ .‬ففي‬ ‫عام ‪ ،2001‬بلغت قيمتها ‪ 8.15‬مليار ريال سعودي وفي عام ‪ ،2008‬وصلت‬ ‫قيمتها إلى ‪ 116.25‬مليار ريال سعودي‪.‬‬ ‫ً‬ ‫جاء هذا النمو املذهل‪ ،‬بالدرجة األولى‪ ،‬نتيجة لطلب الصني املتزايد على الطاقة‬ ‫إثر اتساع ّ‬ ‫الهوة بني مستويات استهالكها النفطي وإجمالي إنتاجها املحلي‬ ‫من الخام‪ .‬بني عامي ‪ 2000‬و‪ ،2005‬ارتفع استهالك الصني النفطي من ‪4.7‬‬ ‫مليون برميل يوميا إلى نحو سبعة ماليني برميل يوميا‪ ،‬نحو ‪ 43‬في املائة من‬ ‫احتياجاتها النفطية‪ .‬بالتالي‪ ،‬لم يكن من املفاجئ أن ّ‬ ‫تسجل الصني انخفاضا‬ ‫ملحوظا في كفاءتها في استخدام النفط للحصول على كل دوالر إضافي من‬ ‫إجمالي ناتجها املحلي منذ عام ‪.2000‬‬ ‫ّ‬ ‫الصني هي املستورد الصافي الثاني للنفط في العالم بعد الواليات املتحدة‪،‬‬ ‫ألنها تجاوزت اليابان في عام ‪ .2008‬فعلى صعيد الطاقة‪ ،‬وخالفا ملا كان‬ ‫سائدا قبل عقد من الزمن‪ ،‬أصبحت الصني تستورد اليوم كميات هائلة من‬ ‫النفط‪ .‬ومن خالل تعديل محطاتها لتكرير النفط وزيادة طاقاتها اإلنتاجية‪،‬‬ ‫أصبحت الصني قادرة على استيعاب كميات متزايدة من الخام السعودي‬ ‫َ‬ ‫املصدر الرئيس لواردات الصني النفطية‬ ‫(الثقيل)‪ .‬وهذا ما حول اململكة إلى‬ ‫وجعل األخيرة‪ ،‬في الوقت ذاته‪ ،‬أهم مستوردي الخام السعودي في نظر‬ ‫اململكة‪ّ .‬‬ ‫ّ‬ ‫التحول ما كان ليحدث لوال النمو املتسارع لالقتصاد‬ ‫لكن هذا‬ ‫ّ‬ ‫الصيني الذي تجاوز معدله السنوي ‪ 9‬في املائة‪ ،‬بني عامي ‪ 1978‬و‪.2005‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مصدري‬ ‫إلى جانب أنغوال‪ ،‬ظلت اململكة خالل السنوات املاضية في طليعة‬ ‫تحولت اململكة إلى أكبر ّ‬ ‫النفط إلى الصني‪ .‬وفي عام ‪ّ ،2007‬‬ ‫مصدر للنفط إلى‬ ‫الصني؛ حيث ّزودتها بنحو ‪ 527‬ألف برميل مكافئ يوميا‪ ،‬ووصلت في عام‬ ‫‪ 2008‬إلى ‪ 720.000‬برميل في اليوم‪ .‬وكان ذلك نتيجة لالتفاقية التي أبرمتها‬ ‫«أرامكو السعودية» في شهر يونيو (حزيران) لزيادة إمدادات النفط الخام‬ ‫إلى شركة النفط الصينية «سينوبيك» ليصل إلى ‪ 1.5‬مليون برميل في اليوم‬ ‫بحلول عام ‪ .2015‬وسجلت هذه املستويات من صادرات اململكة ّ‬ ‫ألن الصني‬ ‫أدركت ّأن وصولها إلى الخام السعودي كان حيويا بالنسبة ّ‬ ‫لنموها‪ .‬في الوقت‬ ‫ّ‬ ‫ذاته‪ ،‬كانت اململكة تدرك أنه سيستحيل تكرير املزيد من خامها الثقيل إال إذا‬ ‫ّ‬ ‫وسعت الصني أو اململكة نفسها الطاقة التكريرية املحلية للخام الثقيل‪.‬‬ ‫تعمل باململكة حاليا أكثر من سبعني شركة صينية تنشط اثنتان وستون‬ ‫ّ‬ ‫منها في مجال اإلنشاءات وتستخدم نحو ستة عشر ألف عامل صيني‪.‬‬ ‫وقد فازت إحداها مؤخرا بعقد قيمته ‪ 2.2‬مليار ريال سعودي للمساهمة‬ ‫في توسيع منشآت جامعة امللك خالد؛ وهذا هو أضخم عقد تفوز به شركة‬ ‫إنشاءات صينية منذ بداية انخراط شركات اإلنشاءات الصينية في السوق‬ ‫السعودية‪ .‬وفي عام ‪ ،2007‬فازت شركة مقاوالت صينية أخرى بعقد لبناء‬

‫مرفأ لسفن الحاويات في ميناء جدة اإلسالمي بتكلفة قدرها ‪ 860‬مليون‬ ‫ريال سعودي‪ ،‬وتم اختيار نفس الشركة لبناء امليناء الصناعي في رأس الزور‬ ‫ّ‬ ‫املحلية‪ .‬وتساهم شركات األسمنت الصينية‬ ‫بالتعاون مع إحدى الشركات‬ ‫أيضا في تحديث وتوسيع نظيراتها السعودية‪.‬‬ ‫وفي ذات السياق كتب السفير الصيني في اململكة لي تشنغ وين مقاال في‬ ‫جريدة «الرياض» السعودية في شهر سبتمبر (أيلول) املاضي مؤكدا أن‬ ‫العالقات الصينية السعودية تتميز بالتطور النوعي في مختلف املجاالت‬ ‫وعلى املستويات كافة‪« ،‬حيث تمثل السعودية أكبر شريك تجاري للصني في‬ ‫غربي آسيا وأفريقيا خالل السنوات العشر األخيرة وهي أكبر دولة مصدرة‬ ‫للنفط للصني‪ ،‬وبلغ حجم التبادل التجاري بني السعودية والصني ‪ 36.6‬مليار‬ ‫دوالر استوردت الصني خاللها ‪ 27‬مليون طن من النفط الخام‪ ،‬في حني يعمل‬ ‫في السعودية أكثر من ‪ 21‬ألف عامل صيني»‪ .‬وعلى مستوى االستثمار يقرر‬ ‫السفير الصيني بأن هناك ما يزيد على ‪ 140‬شركة صينية تعمل في اململكة‬ ‫في مجاالت اإلنشاء واالتصاالت والبنية التحتية والبتروكيماويات وغيرها‪،‬‬ ‫فضال عن تزايد االستثمارات املتبادلة بني البلدين؛ وهو ما أسهم بشكل‬ ‫واضح في وجود طفرة اقتصادية في اآلونة األخيرة في البلدين‪.‬‬

‫األزمة السورية تلقي بظاللها‬ ‫جاءت األزمة السورية لتضفي جوا من التعقيد واإلرباك على العالقات‬ ‫السعودية الصينية‪ ،‬حيث تنحاز الصني لحلف روسيا في موقفها من‬ ‫األزمة السورية‪ ،‬وهذا ما يتعارض كليا مع سياسة اململكة التي وقفت بشدة‬ ‫ضد تجاوزات نظام األسد وطالبت املجتمع الدولي بالوقوف ضده‪ ،‬لكن‬ ‫الصني تعي جيدا أنها قد تخسر بشكل كبير عالقاتها مع السعودية ودول‬ ‫الخليج في ظل استمرار موقفها املنحاز لنظام األسد‪ ،‬وهذا ما قد يكبدها‬ ‫خسائر وعواقب كبيرة‪ ،‬ولذلك بدا املوقف الصيني تجاه األزمة السورية‬ ‫يشهد مؤخرا تراجعا وإعادة حسابات وتواصال مستمرا بني الجانبني‬ ‫إلعادة صيغة العالقة وإزالة نقاط اللبس‪ ،‬وهذا األمر أكده بوضوح السفير‬ ‫السعودي في بكني املهندس يحيى بن عبد الكريم الزيد‪ ،‬الذي قال في‬ ‫حديث لصحيفة «الوطن» السعودية إن املوقف الصيني إزاء األزمة السورية‬ ‫بدأ يتخذ خطوات مغايرة‪ ،‬وأصبح أقل انحيازا للنظام‪ ،‬مما دفعها إلجراء‬ ‫اتصاالت باملعارضة‪ .‬وشدد على توجيهات خادم الحرمني الشريفني امللك‬ ‫عبد الله بن عبد العزيز‪ ،‬ببذل الجهود الدبلوماسية إلقناع الجانب الصيني‬ ‫باتخاذ موقف أكثر عدال وعقالنية تجاه األزمة <‬

‫الصني ضيف شرف مهرجان‬ ‫الجنادرية في الرياض ‪2013‬‬

‫‪,,‬‬

‫الصني تعي‬ ‫جيدا أنها‬ ‫قد تخسر‬ ‫بشكل كبير‬ ‫عالقاتها‬ ‫مع دول‬ ‫الخليج في‬ ‫ظل استمرار‬ ‫موقفها‬ ‫املنحاز‬ ‫لنظام األسد‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫‪41‬‬


‫اقتصاد‬

‫إذا كنا نتحدث عن الجذور والعوامل الرئيسة لبناء العالقات بني الدول‪ ،‬فإن العامل االقتصادي كان الحاضر الفاعل‬ ‫والقوي األبرز في تأسيس العالقات بني اململكة العربية السعودية وجمهورية الصني الشعبية‪ ،‬حيث تؤكد وزارة‬ ‫الخارجة السعودية في بيانها حول طبيعة عالقتها مع الصني بأنه «لوال التبادل التجاري ونمو االقتصاد الصيني‬ ‫لكانت العالقات بني اململكة والصني أقل إثارة لالهتمام»‪.‬‬

‫السعودية والصني‪ ..‬عالقات اقتصادية التتوقف‬

‫االجتاه شرقًا‬

‫بقلم‪:‬‬ ‫املحرر االقتصادي‬

‫‪,,‬‬

‫الصني‬ ‫ثاني أكبر‬ ‫مصدر‬ ‫لواردات‬ ‫اململكة‬ ‫وخامس‬ ‫أكبر‬ ‫مستوردي‬ ‫املنتجات‬ ‫السعودية‬

‫‪,,‬‬

‫تعود العالقات الدبلوماسية بني اململكة العربية السعودية والصني‬ ‫إلى عام ‪1990‬م‪ .‬ويعزى وصول هذه العالقات الثنائية إلى مستواها‬ ‫الحالي‪ ،‬بالدرجة األولى‪ ،‬إلى تطورها بصورة متبادلة‪ .‬فالصني دولة‬ ‫مصدرة للسلع االستهالكية واململكة مستورد مهم ملثل هذه السلع‪ .‬ولطاملا‬ ‫لبت اململكة جزءا كبيرا من احتياجات الصني املتنامية من النفط املستورد‪.‬‬ ‫كما تعد الصني املصدر الثاني لواردات اململكة (وفقا لبيانات عام ‪)2007‬‬ ‫وخامس أكبر مستوردي املنتجات التصديرية السعودية‪ .‬أما اليوم فيؤكد‬ ‫السفير الصيني لدى اململكة لي تشينغ أن التبادل التجاري بني اململكة والصني‬ ‫بلغ ‪ 73.4‬مليار دوالر خالل ‪ 2012‬بزيادة مقدارها ‪ 14‬في املائة عن عام ‪،2011‬‬ ‫إذ ّ‬ ‫سجل أعلى رقم بتاريخه‪ ،‬مشيرا إلى أن الصني حققت املرتبة األولى لعدة‬ ‫سنوات ألكبر شريك تجاري للمملكة ومنها قيمة الصادرات الصينية للمملكة‬ ‫والتي تقدر بـ‪ 18.45‬مليار دوالر بزيادة ‪ 24.4‬في املائة‪ ،‬كما أن الواردات‬ ‫الصينية من اململكة بلغت ‪ 54.95‬مليار دوالر بازدياد ‪ 10.9‬في املائة‪.‬‬

‫جذور في عمق التاريخ‬ ‫املؤرخون يؤكدون أن العالقات بني شبه الجزيرة العربية والصني تعود بدايتها‬ ‫إلى عام ‪651‬م ولم تشهد انقطاعا واضحا حتى الوقت الحاضر‪ .‬فلم تتوقف‬ ‫الوفود التجارية والدبلوماسية بني الصني وشبه الجزيرة العربية‪ ،‬ولم تنقطع‬ ‫وفود الحجاج والدارسني الصينيني إلى جزيرة العرب وخاصة األراضي‬ ‫املقدسة‪ ،‬كما يورد ذلك الباحث السعودي سرحان العتيبي في دراسة له حول‬ ‫واقع العالقات السعودية الصينية‪ ،‬فقد توافد التجار والرحالة واملبعوثون‬ ‫الدبلوماسيون والدعاة الدينيون من شبه الجزيرة العربية إلى الصني‪ .‬إضافة‬ ‫إلى ذلك‪ ،‬فإن أول تبادل رسمي بني الصني والعرب في القرن العشرين قد‬ ‫تم أيضا من جزيرة العرب‪ ،‬وذلك عندما أقامت اململكة العربية السعودية في‬ ‫عام ‪ 1939‬عالقات دبلوماسية مع الصني‪ ،‬لتكون بذلك أول دولة عربية تقيم‬ ‫عالقات دبلوماسية مع الصني‪ .‬بل ولقد كانت من أوائل الدول العربية التي‬ ‫قدمت الدعم الرسمي والشعبي لنضال الشعب الصيني ضد الغزو الياباني‪،‬‬ ‫فقد ذكرت املصادر التاريخية الصينية أن امللك عبد العزيز استقبل وفدا‬ ‫سياسيا من مسلمي الصني عام ‪ 1937‬وأبدى تعاطفا ودعما لقضية الشعب‬ ‫الصيني في مواجهة التهديد الياباني‪ .‬وقد توثقت تلك العالقات عندما وقع‬ ‫البلدان عام ‪ 1946‬معاهدة صداقة‪ .‬واستمرت تلك العالقة منذ ذلك الوقت بني‬ ‫الدولتني حتى استيالء الحزب الشيوعي الصيني على السلطة في الصني عام‬ ‫‪1949‬م‪.‬‬

‫االقتصاد والنمو‬ ‫تعتبر الصني أكبر دولة نامية في العالم‪ ،‬وتنتج نحو ‪ 150‬مليون طن من‬ ‫البترول سنويا‪ ،‬إال أن هذه الكمية ال تلبي احتياجات النمو املتواصل‬ ‫‪40‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫لالقتصاد الصيني‪ .‬حيث يزداد طلبها على النفط باستمرار مع التنمية‬ ‫مكتف ذاتيا‬ ‫االقتصادية السريعة‪ .‬وقد انتقلت الصني منذ عام ‪ 1993‬من بلد‬ ‫ٍ‬ ‫من البترول إلى بلد مستورد له‪ ،‬حيث تحولت الصني إلى ثاني أكبر مستورد‬ ‫للنفط في العالم بعد الواليات املتحدة األميركية‪ .‬وتشير بعض الدراسات إلى‬ ‫أن استهالك الصني من البترول سيصل إلى ‪ 400‬مليون طن عام ‪.2015‬‬ ‫وانطالقا من هذه الرؤية فإن السعودية قد تكون هي الدولة األكثر قدرة على‬ ‫تزويد الصني باحتياجاتها النفطية ملا تمتلكه من احتياطيات بترولية كبيرة‪،‬‬ ‫مما يعني أن التعاون بينهما سيحقق مصالح الطرفني املتمثلة في التكامل‬ ‫االقتصادي والتنمية املشتركة وأن هناك أهمية استراتيجية لهذا التعاون‪.‬‬ ‫وعلى هذا األساس أقامت الصني عالقة تعاون استراتيجي مع اململكة العربية‬ ‫السعودية بعد زيارة األمير عبد الله ولي العهد السعودي عام ‪ ،1998‬وبذلك‬ ‫أصبحت اململكة رابع دولة في العالم تقيم معها الصني مثل هذه العالقة بعد‬ ‫فرنسا ومصر وروسيا‪( .‬سرحان العتيبي‪ ،‬العالقات السعودية الصينية‪،‬‬ ‫الواقع واملستقبل)‪.‬‬ ‫وبحسب إحصاءات حديثة تعتبر الصني ثاني أكبر مصدر لواردات اململكة‬ ‫وخامس أكبر مستوردي املنتجات التصديرية السعودية‪ .‬وفي عام ‪2008‬‬ ‫وصل حجم التبادل التجاري بني السعودية والصني ‪ 76.1‬مليار ريال على‬ ‫خلفية ارتفاع حجم الصادرات النفطية واألسعار‪ .‬وفي ‪ 2012‬وصل حجم‬ ‫التبادل بني البلدين إلى ‪ 240‬مليار ريال سعودي‪ .‬وخالل العقد الذي أعقب‬ ‫تأسيس العالقات الدبلوماسية بني البلدين‪ ،‬تعاظم حجم التبادل التجاري‬ ‫بينهما‪ .‬فقد ارتفعت قيمة الصادرات الصينية إلى اململكة بنسبة ‪ 167‬في املائة‬ ‫من ‪ 1.66‬مليار ريال سعودي في عام ‪ 1990‬إلى ‪ 4.44‬مليار ريال سعودي في‬ ‫عام ‪ .2000‬وفي الفترة نفسها‪ ،‬نمت الصادرات السعودية إلى الصني بنسبة‬ ‫‪ 3.463‬في املائة من ‪ 158‬مليون ريال سعودي إلى ‪ 5.63‬مليار ريال سعودي‪.‬‬ ‫وأبرز الصادرات الصينية إلى اململكة هي املالبس واملنتجات امليكانيكية‬ ‫واإللكترونية وأجهزة التكييف واملنسوجات‪ .‬أما أبرز وارداتها من اململكة‪،‬‬ ‫فهي النفط الخام والغاز الطبيعي املسال ولدائن البالستيك الخام‪.‬‬ ‫وفي الفترة (‪ )2008 - 2003‬زاد اإلقبال السعودي على املنتجات الصينية‪،‬‬ ‫ملنتجاتها في‬ ‫وهو ما انسجم مع رغبة الصني في الحصول على حصة‬ ‫ً‬ ‫السوق السعودية‪ .‬وبني عامي ‪ 2002‬و‪ّ ،2004‬‬ ‫سجلت الصني‪ ،‬مقارنة بباقي‬ ‫دول العالم‪ ،‬أعلى ّ‬ ‫معدل نمو في قيمة صادراتها إلى اململكة (‪ 160‬في املائة)‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وإذا نظرنا إلى القفزة التي سجلتها قيمة الصادرات الصينية إلى اململكة‬ ‫خالل السنوات الثماني األخيرة‪ ،‬فإن النتيجة مذهلة‪ .‬ففي عام ‪ ،2000‬كانت‬ ‫قيمة هذه الصادرات ‪ 4.48‬مليار ريال سعودي لكنها بلغت في عام ‪2008‬‬ ‫(طبقا للبيانات األولية) ‪ 40.13‬مليار ريال سعودي‪ .‬وفي أبريل (نيسان)‬ ‫‪ ،2006‬أعلن الرئيس الصيني‪ ،‬هو جنتاو‪ ،‬هدف بالده املتمثل ْ‬ ‫بأن تصل قيمة‬ ‫التبادالت التجارية الثنائية مع اململكة إلى ‪ 150‬مليار ريال سعودي بحلول‬


‫جون ألترمان‬

‫سألت ألترمان ما إذا كانت السعودية استفادت من عالقات الصني‬ ‫املعتمدة على مواردها النفطية في ممارسة ضغوط سياسية على‬ ‫سياساتها العامة تجاه الشرق األوسط‪ .‬أجاب ألترمان‪« :‬ال يريد‬ ‫السعوديون استخدام نفوذهم كثيرا‪ ،‬وذلك إلى حد ما بسبب عدم‬ ‫رغبتهم في ذلك‪ .‬فهم يريدون أن يؤدوا دور املصرفي املوثوق به في‬ ‫سوق الطاقة العاملية وليس طرفا معاديا‪.‬‬ ‫وال يريدون أن يبحث الصينيون عن عالقات بديلة بدال من تعزيز‬ ‫العالقات بينهم»‪ .‬ومن جانبها تحرص الصني على مساعدة‬ ‫السعوديني بمشروعات تجارية يمكنها االستثمار فيها‪ ،‬بمعنى أنها‬ ‫تسعى إلى إقامة نوع من االعتماد االقتصادي املتبادل الذي يخفف‬ ‫من الخالفات السياسية بني البلدين‪.‬‬

‫السعودية والصني‬ ‫يعتقد ألترمان أنه على املدى البعيد‪ ،‬سوف تؤثر نتيجة العالقات‬ ‫السعودية الصينية على االتجاهات األميركية في املنطقة أيضا‪ .‬من‬ ‫جانب‪ ،‬ال يجد ألترمان دليال قويا على أن واشنطن سوف تتدخل في‬ ‫أو تثبط العالقات السعودية الصينية‪ .‬وعلى جانب آخر‪ ،‬ربما تتأثر‬ ‫بصمة أميركا في الشرق األوسط بسبب عالقات الطاقة اآلسيوية‬ ‫املتنامية مع الخليج عموما‪ ،‬وليس فقط الصني بل اليابان وكوريا‬ ‫الجنوبية والدول األخرى‪.‬‬ ‫ويوضح قائال‪« :‬عندما تركز الواليات املتحدة على آسيا بصورة‬

‫أكبر من الشرق األوسط‪ ،‬ربما تبدأ أميركا في رؤية املنطقة العربية‬ ‫من منظور شركائها اآلسيويني‪ ،‬وتصبح أكثر اهتماما بحماية‬ ‫التدفق الحر للطاقة وأقل اهتماما باستراتيجية الشرق األوسط‬ ‫التي «تركز على الشرق» التي كانت نمط السياسة األميركية ملدة‬ ‫تزيد على قرن‪ ..‬سيكون علينا أن نفكر عمن سيحمي املمرات‬ ‫املائية‪ ،‬وهل من املعقول توفير كل هذا التأمني مجانا بينما يحمل‬ ‫مستهلكون آخرون هائلون الطاقة مجانا على كتف أميركا»‪.‬‬ ‫أما فيما يتعلق بالعالقات االقتصادية بني الواليات املتحدة والخليج‪،‬‬ ‫فقد تتسع بدال من أن تنكمش نتيجة لتزايد اعتماد الصينيني على‬ ‫النفط السعودي‪ ،‬يفسر ألترمان ذلك قائال‪« :‬ربما ال نستورد النفط‬ ‫الشرق أوسطي بوسائل مباشرة في األعوام املقبلة بل بطرق‬ ‫غير مباشرة‪ :‬عندما نشتري منتجات مصنعة في آسيا‪ ،‬تكون‬ ‫مصنوعة بالطاقة الشرق أوسطية‪ ،‬حينها نصبح مرتبطني بالشرق‬ ‫األوسط بطرق جديدة‪ ،‬تكون غير متصلة بمخاوفنا التقليدية‬ ‫في منطقة الشرق‪ ..‬في خالل عشر سنوات‪ ،‬سوف نتحدث مع‬ ‫كوريا الجنوبية عن استراتيجية الشرق األوسط‪ .‬أعتقد أن جميع‬ ‫االحتماالت تشير إلى ذلك»‪.‬‬ ‫يبدو أن هذه اإلعادة للتخطيط تمثل تحديات سياسية وأمنية أمام‬ ‫الواليات املتحدة باإلضافة إلى السعودية‪ .‬ولكن إذا قررت اململكة‬ ‫العربية السعودية وحلفاؤها في الخليج الضغط على الصني سياسيا‬ ‫في ضوء األزمات العديدة التي تعاني منها املنطقة اآلن‪ ،‬فسوف‬ ‫تواجه بكني أزمات أكبر على املدى القريب واملتوسط <‬

‫‪,,‬‬

‫يعتقد ألترمان‬ ‫أنه على املدى‬ ‫البعيد سوف‬ ‫تؤثر نتيجة‬ ‫العالقات‬ ‫السعودية‬ ‫الصينية على‬ ‫االتجاهات‬ ‫األميركية في‬ ‫املنطقة‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫‪39‬‬


‫تقرير‬

‫استقبلت وزارة الخارجية الصينية نبأ الهجوم بقذائف هاون على السفارة الصينية في دمشق في ‪30‬‬ ‫سبتمبر(ايلول) املاضي املاضي بإعرابها عن «صدمتها»‪ ،‬وذلك لكونها غير معتادة في العموم على وقوع تهديدات‬ ‫ضد منشآتها املادية في املنطقة العربية‪( .‬أسفر الهجوم عن مقتل مواطن سوري يعمل في السفارة ولم يصب أي‬ ‫صيني)‪ .‬أكد الهجوم أن املواطنني الصينيني ليسوا محصنني من دائرة العنف التي تجتاح البالد في الوقت الحالي‪.‬‬ ‫وفي مباحثات صريحة مع بعض من نظرائهم في العواصم الغربية‪ ،‬اعترف مسؤولون صينيون بأن الهجوم يشير‬ ‫إلى موجة أوسع من الغضب تجاه بكني في عدد من الدول العربية‪ ،‬والذي يرجع إلى حد كبير إلى سياسات البالد‬ ‫تجاه ليبيا وسوريا على وجه التحديد‪.‬‬

‫ألترمان‪ :‬بكني تعاني من ضعف نفوذها في الشرق األوسط‬

‫دور الصني املتوازن يف اخلليج‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫جوزيف براودي‬

‫‪,,‬‬

‫حاول‬ ‫الصينيون‬ ‫بجد وفعالية‬ ‫على مدار‬ ‫السنوات‬ ‫العشر‬ ‫األخيرة‬ ‫إقامة عالقات‬ ‫استراتيجية‬ ‫مع‬ ‫السعوديني‬

‫‪,,‬‬

‫لم تكن هذه التطورات مفاجئة بالنسبة لجون ألترمان‪ ،‬مدير‬ ‫قسم الشرق األوسط وشمال أفريقيا في مركز الدراسات‬ ‫االستراتيجية والدولية‪،‬الذي الدراسة التي صدرت في‬ ‫أغسطس (آب) املاضي تحت عنوان «دور الصني املتوازن في الخليج»‪.‬‬ ‫وفي مقابلة معه في مكتبه‪ ،‬تحدث ألترمان عن العالقة الحقيقية بني‬ ‫احتياجات الدولة من الطاقة وسياستها الخارجية تجاه العالم النامي‪.‬‬ ‫في مطلع الثمانينات‪ ،‬ألول مرة في تاريخها‪ ،‬أصبحت الصني‬ ‫تستورد احتياجاتها من النفط بالكامل‪ ،‬وعلى الرغم من محاوالت‬ ‫تعويض احتياجاتها من الطاقة بتصدير الفحم‪ ،‬فإنها وجدت ذاتها‬ ‫في حاجة إلى إقامة عالقات استيراد مع الدول الثرية بالنفط التي‬ ‫كانت صلتها بها ضعيفة‪ .‬كان العالم العربي ميدانا تعاني فيه الصني‬ ‫من عيب خطير هو ضعف النفوذ‪ ،‬وخاصة إذا ما قورنت بخصمها‬ ‫االقتصادي الواليات املتحدة‪.‬‬ ‫في مرحلة مبكرة‪ ،‬سعت الصني إلى تجنب الوقوع في صراع مع‬ ‫الواليات املتحدة في مجال واردات الطاقة‪ .‬يقول ألترمان‪« :‬انظر حول‬ ‫العالم وسوف تجد مساعي صينية إلقامة عالقات ال يريدها الغرب‪،‬‬ ‫وخاصة الواليات املتحدة؛ وهي عالقات مع الدول التي تعاني من‬ ‫عدم تقدير قيمتها الحقيقية مثل جنوب السودان وإيران وعدة دول‬ ‫أفريقية‪ .‬كانت هذه وسيلة للحصول على النفط بأسعار مخفضة‬ ‫من مناطق ال يذهب إليها آخرون‪ .‬إنها أكبر حليفة استراتيجية لها‬ ‫في أوروبا وهي ألبانيا»‪ .‬في هذه الدول‪ ،‬تحاول بكني إقامة عالقات‬ ‫تكافلية من خالل العديد من مشروعات األعمال املحلية‪ .‬يوضح‬ ‫ألترمان قائال‪« :‬ولكن عندما تنظر إلى جودة بعض هذه املشروعات‬ ‫تجد أن األموال التي تتبقى لدى االقتصاد املحلي ال تمثل ربحا‪ .‬وأن‬ ‫مبالغ كثيرة للغاية من هذه األموال تعود إلى الصني‪ .‬لهذا السبب‪ ،‬على‬ ‫سبيل املثال‪ ،‬لم يعد الصينيون على وجه التحديد يالقون ترحيبا‬ ‫في أنغوال»‪.‬‬

‫استراتيجية تحوط‬ ‫في محاوالت تقارب الصني مع الدول العربية‪ ،‬تعاونت الصني سابقا‬ ‫‪38‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫مع بعض الدول املارقة مثل ليبيا تحت قيادة معمر القذافي‪ ،‬ومع بعض‬ ‫الدول املستقرة الكبرى و أهم الشركاء االستراتيجيني للغرب ومصادر‬ ‫النفط الرئيسة في املنطقة‪ ،‬وخاصة اململكة العربية السعودية‪ .‬وكان‬ ‫ال بد أن يتضمن ذلك اتخاذ خيارات سياسية أيضا‪« ،‬وفي ليبيا‬ ‫تحديدا‪( ،‬أيد الصينيون) الحصان الخاسر مع تخصيص مليارات‬ ‫الدوالرات في تعاقدات مع ليبيا تحت حكم القذافي»‪ .‬ورفضت بكني‬ ‫تأييد الحملة التي قادها حلف الناتو لإلطاحة بالقذافي‪ ،‬وتجاهلتها‬ ‫الحكومة االنتقالية التي جاءت بعد ذلك‪.‬‬ ‫يقول ألترمان إنه في محاولة لالستفادة من درس التجربة الليبية‪،‬‬ ‫تبنت بكني «استراتيجية تحوط» في سوريا وسط الصراع األهلي‬ ‫املستمر في الدولة‪ .‬من جانب‪ ،‬كانت الصني معظم الوقت حليفة‬ ‫لسوريا في مجلس األمن‪،‬ونادرا ما اختلفت مع روسيا حليفة سوريا‬ ‫الرئيسة‪ .‬ومن جانب آخر‪ ،‬يكشف ألترمان أن بكني دعت عددا من‬ ‫قادة املعارضة إلى البالد وأقامت بدايات لعالقات معهم‪ .‬وتستمر‬ ‫الصني في تبني موقف رسمي بالدعوة إلى حل للصراع عن طريق‬ ‫الحوار السلمي‪.‬‬ ‫ولكن تسبب غموض السياسات الصينية تجاه سوريا في خيبة‬ ‫أمل أصدقاء الثوار في املنطقة وخاصة السعودية‪ .‬يعلق ألترمان‪:‬‬ ‫«حاول الصينيون بجد وفعالية على مدار السنوات العشر األخيرة‬ ‫إقامة عالقات استراتيجية مع السعوديني‪ .‬وعلى الرغم من عدم‬ ‫خوفهم من أن الصينيني سوف يتسببون في عزلتهم فإنهم قلقون‬ ‫من أن األمور قد ال تسير بسالسة أو أنهم قد ال يحصلون على‬ ‫كل ما يريدون»‪ .‬يضيف ألترمان أنه على الرغم من إثارة الغربيني‬ ‫ملخاوفهم بشأن عالقات الصني مع إيران فإن الصني تستورد‬ ‫من السعودية ‪ 20‬في املائة من نفطها‪ .‬وعلى الرغم من التوترات‬ ‫الحالية بني السعودية والواليات املتحدة بسبب ما يحدث في سوريا‬ ‫ومصر والصراعات األخرى املشتعلة في املنطقة‪ ،‬فإن «التنسيق‬ ‫بني الصينيني والسعوديني ال يصل إلى مستوى التنسيق بني‬ ‫السعودية والواليات املتحدة‪ ،‬وال سيما في القضايا األمنية»‪ .‬كذلك‬ ‫ليس من املرجح أن يتغير هذا الوضع في السنوات العشر املقبلة‪،‬‬ ‫في ظل تردد الصني في التوسع في التزاماتها بعيدا عن املحيط‬ ‫الهادي‪.‬‬


‫وصف مفتي جمهورية مصر علي جمعة بأنه «عبد للسلطة والعسكر»‪،‬‬ ‫ألنه انحاز لصف من انقلبوا على «الرئيس الشرعي» وباعوا دينهم من أجل‬ ‫أرضاء السيسي‪ ،‬حسب قوله‪.‬‬

‫لرئيس االتحاد العاملي لعلماء املسلمني‪ ،‬بعد أن اصطبغ االتحاد بشخصية‬ ‫القرضاوي وانغمس في الصراعات السياسية الخاصة بجماعة اإلخوان‬ ‫املسلمني‪.‬‬

‫ويختتم املشهد فصوله سريعا‪ ،‬فبحكم «اإلخوان» الذي لم يدم سوى عام الشيخ والحركة‪ ..‬وسر العالقة‬

‫واحد‪ ،‬انقلب حال القرضاوي‪ ،‬من خطيب تهتف باسمه الجموع في ميدان‬ ‫التحرير‪ ،‬يؤم املصلني والثوار‪ ،‬إلى رجل ممنوع اليوم من دخول مصر‪،‬‬ ‫مطلوب لالعتقال‪ ،‬وفقا ألمر النائب العام الذي وضعه على لوائح «ترقب‬ ‫الوصول» على خلفية بالغات تتهمه بالتحريض على قتل متظاهرين في‬ ‫أحداث مختلفة‪.‬‬ ‫املتتبع ملسيرة القرضاوي يجد أنه يفقد عن طوره‪ ،‬ويغضب ويحتد حني‬ ‫يتعلق األمر بجماعة اإلخوان املسلمني على الرغم من أنه يؤكد انتهاء عالقته‬ ‫التنظيمية بها‪ ،‬فمن أحداث خلية «اإلخوان» في اإلمارات التي هاجم فيها‬ ‫القرضاوي حكام اإلمارات ملوقفها القانوني الحازم منهم‪ ،‬إلى ما جرى أخيرا‬ ‫ومهاجمته لكل من وقف أو ساند الثورة ضد الرئيس املعزول محمد مرسي‪،‬‬ ‫في مشهد تخلى فيه القرضاوي عن كل أبجديات املناورة السياسية التي‬ ‫كان يستخدمها‪ ،‬فارتدت لهبها عليه فأحرقت تاريخه وعزلته في خانة بات‬ ‫فيها مذموما مكروها ليس من السلطة وال النظام‪ ،‬بل من جموع شعب كانوا‬ ‫يستمعون لخطبه ومواعظه وتفاجأوا به اليوم اكتفى أن يكون سيفا مصلتا‬ ‫من أجل جماعة صغيرة انتهى دورها وسقطت في الفشل‪.‬‬ ‫يختصر الصورة املمثل املصري حسن يوسف الذي صرح لصحيفة‬ ‫«الوفد»‪ ،‬وقال «إن القرضاوي الذي أعرفه قد توفاه الله من زمان‪ ،‬فهو ليس‬ ‫القرضاوي الذي أشاهده اليوم وهو يتهجم على الجيش املصري»‪ .‬ربما‬ ‫تكون هذه األيام هي األشد على القرضاوي في بلده التي باتت ال ترحب‬ ‫به‪ ،‬وتتبرم منه في صفحات إعالمها‪ ،‬حتى اشتكت قناة «الجزيرة» وكتبت‬ ‫عبر موقعها خبرا «حملة متواصلة ضد القرضاوي في اإلعالم املصري‪..‬‬ ‫واتهامات متواصلة بالخيانة العظمى‪ ،‬والتحريض على قتل املتظاهرين»‪.‬‬ ‫هكذا كان املشهد بسيطا رغم تعقيداته في املاضي‪ ،‬فالفشل الذريع لجماعة‬ ‫اإلخوان املسلمني عصف بالقرضاوي أيضا‪ ،‬واتضح ببساطة أنه رغم‬ ‫كل القصص التي تروى عن عامليته واستقالله قد أصبح أداة صغيرة في‬ ‫ماكينة «اإلخوان»‪ ،‬تلك املاكينة التي صنعت ونفخت من هالته‪ ،‬واستطعت أن‬ ‫ترسم صورته ووجوهه املتعددة‪ ،‬ولذلك لم يستطع أن يخرج منها حتى وهو‬ ‫تعصف به وتمزق تاريخه وإرثه وسمعته‪ .‬ويبدو أن السامر بدأ ينفض من‬ ‫حوله‪ ،‬حيث نأى أخيرا الشيخ املوريتاني عبد الله بن بيه عن موقعه كنائب‬

‫الشيخ األزهري يوسف مصطفى القرضاوي (ابن القرية والكتاب) كما‬ ‫يصف نفسه في كتابه الذي حوى مذكراته وسيرته ولد في قرية صفت‬ ‫تراب مركز املحلة الكبرى‪ ،‬محافظة الغربية‪ ،‬في سبتمبر (أيلول) ‪.1926‬‬ ‫ومن كلية أصول الدين بجامعة األزهر عام ‪ 1953‬حصل على العالية‪ ،‬ووضع‬ ‫العمامة األزهرية‪.‬‬ ‫في شبابه املبكر انتمى القرضاوي إلى جماعة اإلخوان املسلمني‪ ،‬وكان أحد‬ ‫أهم وأبرز الوجوه بها‪ ،‬تعرض للسجن عدة مرات‪ ،‬فسجن ألول مرة عام‬ ‫‪ 1949‬خالل العهد امللكي بمصر‪ ،‬كما جرى اعتقاله ثالث مرات خالل عهد‬ ‫الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لنفس السبب‪ ،‬قبل أن يجد طريقة فيهرب‬ ‫إلى دولة قطر مطلع الستينات‪ ،‬وهناك بدأت مرحلة أخرى من حياته‪ ،‬حصل‬ ‫معها على الجنسية القطرية‪ ،‬وبدأ في تأسيس الوجود اإلخواني في الخليج‬ ‫الذي أصبح له موردا وموجها وقائدا‪ .‬تروي بعض املصادر القريبة من‬ ‫القرضاوي‪ ،‬أن «منصب املرشد العام للجماعة قد عرض عليه وألكثر من‬ ‫مرة‪ ،‬لكنه رفض‪ ،‬لكونه يعتبر نفسه ملكا للمسلمني جميعا‪ ،‬وال يريد أن‬ ‫يقصر نفسه على حزب أو جماعة‪ ،‬كما أنه ال يحب تقلد املناصب‪ ،‬واستمر‬ ‫يحضر لقاءات التنظيم العاملي لإلخوان املسلمني كممثل لفرع الجماعة في‬ ‫قطر‪ ،‬إلى أن طلب إعفاءه من العمل التنظيمي في الجماعة»‪.‬‬ ‫ورغم كل االدعاء بأن القرضاوي قد تخلى عن العمل التنظيمي في جماعة‬ ‫اإلخوان املسلمني‪ ،‬فإن الباحث املصري حسام تمام في دراسة له بعنوان‬ ‫«القرضاوي واإلخوان‪ ..‬قراءة في جدلية الشيخ والحركة» عام ‪ ،2008‬يقول‬ ‫في مطلعها‪« :‬القرضاوي هو ابن خالص لحركة اإلخوان املسلمني‪ ،‬فلم‬ ‫يعرف عنه انتماء حركي أو فكري لغير جماعة اإلخوان ومدرستها‪ ،‬كما لم‬ ‫يعرف له خروج صريح منها أو عنها‪ .‬وقد عرف القرضاوي بحركة اإلخوان‬ ‫ربما بالقدر الذي عرفت به‪ ،‬وارتبطا معا في كل مراحل العمر كأنك تقرأ‬ ‫تاريخها حني تقرأ مذكراته التي صدرت في ثالثة أجزاء؛ وكأنه يكتب عن‬ ‫نفسه حني يؤرخ للجماعة في كتابه (اإلخوان املسلمون سبعون عاما في‬ ‫الدعوة والتربية)‪ .‬يقترب عمر القرضاوي من عمر اإلخوان‪ ،‬وتاريخه يكاد‬ ‫يتطابق مع الفترة األبرز في تاريخ اإلخوان» <‬

‫الشيخ يوسف القرضاوي‬

‫‪,,‬‬

‫انتمى‬ ‫القرضاوي‬ ‫لجماعة‬ ‫اإلخوان‬ ‫املسلمني في‬ ‫سن مبكرة‪..‬‬ ‫عرض عليه‬ ‫منصب املرشد‬ ‫العام لكنه‬ ‫رفض مفضال‬ ‫أن يكون ممثال‬ ‫لإلخوان في‬ ‫قطر‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫‪37‬‬


‫قصة الغالف‬

‫هكذا أصبح املشهد بسيطا رغم تعقيداته في املاضي‪ ،‬فالفشل الذريع لجماعة اإلخوان املسلمني عصف بالقرضاوي‬ ‫أيضا‪ ،‬واتضح ببساطة أنه رغم كل القصص التي تروى عن عامليته واستقالله فإنه أصبح أداة صغيرة في ماكينة‬ ‫«اإلخوان»‪ ،‬تلك املاكينة التي صنعت هالته‪ ،‬واستطاعت أن ترسم صورته ووجوهه املتعددة‪ ،‬ولذلك لم يستطع أن‬ ‫يخرج منها حتى وهي تغرقه وتمزق تاريخه وإرثه وسمعته‪.‬‬

‫يوسف القرضاوي‪ ..‬وجوه متعددة لنتيجة واحدة‬

‫الشيخ واحلركة‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫عبد الله االرشيد‬

‫‪,,‬‬

‫سعى‬ ‫القرضاوي‬ ‫إلى تقديم‬ ‫نفسه في‬ ‫صورة‬ ‫مرجعية‬ ‫شاملة‬ ‫لإلسالم‬ ‫السني‬ ‫على غرار‬ ‫املرجعيات‬ ‫الشيعية‬

‫‪,,‬‬

‫حني بلغ الشيخ يوسف القرضاوي السبعني من عمره قرر‬ ‫الدكتور علي املحمدي عميد كلية الشريعة بجامعة قطر سابقا‬ ‫أن يكرم الشيخ القرضاوي‪ ،‬فكان ذلك عبر إعداد كتاب ضخم‬ ‫بعنوان «يوسف القرضاوي‪ ..‬كلمات في تكريمه وبحوث في فكره وفقهه»‪،‬‬ ‫جمع الكتاب بحوث ودراسات مجموعة كبيرة من قيادات الحركة اإلسالمية‬ ‫في العالم‪ ،‬وفيه قدم القرضاوي كنموذج للتيسير واالعتدال املوجه للحركة‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬املستقل الذي ال ينتمي ألي تيار أو تنظيم‪ ،‬وإنما يعمل لصالح‬ ‫األمة كلها‪.‬‬ ‫الكتاب الذي صدر في ‪ 2003‬يقع في ‪ 1068‬صفحة‪ ،‬حوى مقاالت ودراسات‬ ‫ألبو الحسن الندوي‪ ،‬ومحمد الغزالي‪ ،‬وحسن الترابي‪ ،‬ومصطفى الزرقا‪،‬‬ ‫وعبد الفتاح أبو غدة‪ ،‬كلها حول القرضاوي‪ ،‬ووصفه املستشار السعودي‬ ‫عبد الله العقيل‪ ،‬في مقالة له عنوانها «القرضاوي‪ ،‬فقيه العصر‪ ..‬رجل‬ ‫املرحلة»‪ ،‬وفيها يقول‪« :‬الشيخ القرضاوي عالم مجتهد‪ ،‬وداعية مصلح‪،‬‬ ‫وخطيب مفوه‪ ،‬وشاعر مفلق‪ ،‬بل هو مجدد العصر ونابغته‪ ،‬وله الفضل‬ ‫بعد الله في هذا البعث اإلسالمي والصحوة اإلسالمية الوسطية والتيار‬ ‫اإلسالمي الذي يعم العالم خيره»‪.‬‬ ‫تمثل هذه الحقبة العصر الذهبي الذي استطاع من خالله القرضاوي التمدد‬ ‫والتوسع‪ ،‬وصنع اسم كبير لشعبيته التي امتدت على مستوى العالم‬ ‫اإلسالمي‪ ،‬إلى درجة أصبح يوصف معها في كل تعريف به بأنه «أحد أبرز‬ ‫علماء السنة في العصر الحديث» تسانده في ذلك العدد الكبير من املؤلفات‬ ‫التي أصدرها‪ ،‬حيث يلحظ بوضوح أنها تتدخل في مواضيع كثيرة‪ ،‬ما‬ ‫بني الفقه‪ ،‬والوعظ‪ ،‬والتوجيه االجتماعي‪ ،‬وترشيد الصحوة اإلسالمية‪،‬‬ ‫وفقه األقليات املسلمة‪ ،‬بل والشعر واألدب والتاريخ‪ ،‬في صورة تتعمد رسم‬ ‫الوجوه املتعددة للقرضاوي التي تسعى إلى تأكيد مرجعيته الشاملة في‬ ‫شتى املجاالت‪.‬‬

‫«الوسطية» كأداة للتسويق‬ ‫ال يغفل كثيرون الدور الكبير الذي لعبته قناة الجزيرة‪ ،‬وبرنامج «الشريعة‬ ‫والحياة» في تقديم هذه الشخصية التي اعتمدت على مزج خليط من الفقه‬ ‫املعتدل‪ ،‬والتنظير الديني للقضايا السياسية‪ ،‬والصوت املمتد للتحاور مع‬ ‫الطوائف األخرى‪ .‬أصبح كتاب القرضاوي «الحالل والحرام في اإلسالم»‬ ‫الذي صدر عام ‪ 1959‬دستورا معتمدا للفقه التيسيري‪ ،‬بل وأكثر من ذلك‬ ‫يصرح القرضاوي في أكثر من محفل بأنه يخفي كثيرا من مواقفه وفتاواه‬ ‫املعتدلة خوفا من أن يسبب ذلك تشويشا على عامة املسلمني‪.‬‬ ‫استمرت الحملة التسويقية تعمل على كل األصعدة‪ ،‬تحركها وتغذيها‬

‫‪36‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫مكينة التنظيم العاملي لإلخوان املسلمني التي تقدمه كرمز عام للمسلمني‪،‬‬ ‫وهو يظهر في العلن كشخص مستقل ال يمانع بني الفينة واألخرى في أن‬ ‫يقدم انتقادات ومالحظات على منهج «اإلخوان» حتى يضفي على منهجه‬ ‫مسحة االستقالل‪.‬‬ ‫أجدت الحملة التسويقية نفعا‪ ،‬وأصبح اسما ال يغيب بحضوره أو بقضيته‬ ‫عن كل املحافل واملؤتمرات اإلسالمية‪ ،‬الفقيه الناطق باسم «أهل السنة»‬ ‫وربما املمثل األبرز لهم‪ ،‬وتتويجا لذلك جاء تأسيس «االتحاد العاملي لعلماء‬ ‫املسلمني» الذي يترأسه‪ ،‬كتنظيم مقنن لهذا الحضور‪ ،‬الذي يسعى إلى أن‬ ‫يوازي به املرجعيات الدينية‪ ،‬سواء داخل الدائرة اإلسالمية كاملرجعيات‬ ‫الشيعية‪ ،‬أو كمرجعية الفاتيكان وشخصية البابا في املسيحية‪.‬‬ ‫هذه الحملة املتواصلة من صناعة وتسويق رمز متكامل‪ ..‬أثمرت‪ ،‬حصل‬ ‫على الكثير من الجوائز‪ ،‬من بينها جائزة العطاء العلمي املتميز من رئيس‬ ‫الجامعة اإلسالمية العاملية بماليزيا لعام ‪ ،1996‬وجائزة السلطان بروناي‬ ‫في الفقه اإلسالمي لعام ‪ ،1997‬وجائزة سلطان العويس في اإلنجاز الثقافي‬ ‫والعلمي لسنة ‪ ،1999‬وجائزة دبي للقرآن الكريم فرع شخصية العام‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬باإلضافة إلى جائزة الدولة التقديرية للدراسات اإلسالمية من‬ ‫دولة قطر لعام ‪.2008‬‬ ‫وفي ذات العام‪ ،‬احتل القرضاوي املرتبة الثالثة بعد املفكر التركي فتح الله‬ ‫كولن‪ ،‬والعالم البنغالي بمجال االقتصاد‪ ،‬محمد يونس ضمن أبرز املفكرين‬ ‫على مستوى العالم في قائمة عشرين شخصية أكثر تأثيرا على مستوى‬ ‫العالم لعام ‪ ،2008‬في استطالع دولي أجرته مجلتا «فورين بولسي»‬ ‫األميركية‪ ،‬و«بروسبكت» البريطانية على التوالي‪.‬‬

‫ثمن لحظة الربيع العربي‬ ‫وحني جاءت لحظة الربيع العربي‪ ،‬تلك اللحظة املناسبة لتحقيق نتائج هذه‬ ‫الصناعة املتواصلة‪ ،‬كانت املرحلة املرتبكة املضطربة الفاصلة في حياة‬ ‫القرضاوي‪ ،‬التي شهدت على مدى ثالث سنوات صعودا كبيرا‪ ،‬وانتكاسة‬ ‫أكبر‪ ،‬فحني عاد إلى القاهرة التي هرب منها منفيا مستوطنا قطر‪ ،‬وقام‬ ‫يخطب في ميدان التحرير ‪ 2011‬محييا الثوار‪ ،‬ومهلال باالنتصار‪ ،‬بدأ‬ ‫مؤشر الخطاب يكشف عن صراحته‪ ،‬ويتخلى عن أوهام استقالله‪ ،‬فقال‬ ‫إن «جماعة اإلخوان املسلمني هي أفضل الجماعات اإلسالمية املوجودة‬ ‫اليوم»‪ ،‬وحني تقدم مرشح «اإلخوان» الدكتور محمد مرسي للرئاسة أفتى‬ ‫القرضاوي بأن التصويت له واجب‪ ،‬واستمر بصراحة حان وقت قطافها‬ ‫بعد سنني من التحضير واإلعداد قائال وموجها حديثه ضد الذين تمردوا‬ ‫على محمد مرسي واصفا إياهم بأنهم «خوارج»‪ ،‬وأثار ضجة كبيرة حني‬


‫«املجتهد»‪ .‬القرضاوي بتلك الرعاية الخليجية املبكرة بات مشروعا‬ ‫مستقال يراد له أن يكون رمزا للمرجعية السنية في مقابل املرجعيات‬ ‫الشيعية‪ ،‬أو بابا املسلمني في مقابل بابا الفاتيكان‪ ،‬وتدعم جماعات‬ ‫اإلسالم السياسي هذا التوجه بقوة إلى الدرجة التي يصبح معها مجرد‬ ‫التعرض للقرضاوي نقديا جريمة ال تغتفر‪ ،‬والسؤال‪ :‬هل بلغ القرضاوي‬ ‫هذا الهدف الذي يحاول «اإلخوان» بمباركة قطرية الوصول إليه؟‬ ‫اإلجابة ببساطة ال‪ ،‬وال يمكن ذلك في املدى املنظور‪ ،‬إذا ما أخذنا في‬ ‫االعتبار أن «اإلخوان» تحولوا إلى نخب سياسية هرمة منفصلة تماما عن‬ ‫القواعد الشعبية لها التي طالها الكثير من التحوالت‪ ،‬هذا إذا ما تجاوزنا‬ ‫عن أن بطاقة مرور القرضاوي نحو شرعية فقيه األمة تصطدم بعالقته‬ ‫السلبية جدا باألزهر كمؤسسة وكشيوخ‪ ،‬وربما كانت تصريحاته‬ ‫تجاه األزهر وشيخه‪ ،‬إضافة إلى عدد من املواقف والفتاوى ذات املنزع‬ ‫السياسي التي تخالف رؤية األزهر‪ ،‬سببا في عدم قدرته على كسب ثقة‬ ‫مؤسسة عريقة كاألزهر‪ .‬على مستوى الحالة السلفية بتمثالتها املختلفة‪:‬‬ ‫السلفية العلمية والجهادية واإلصالحية‪ ،‬وحتى السلفية السياسية التي‬ ‫تمثلها مجموعات سلفية أعادت النظر في مشروع الديمقراطية واملشاركة‬ ‫السياسية‪ ،‬وأفرزت خطابا سلفيا سياسيا غير تقليدي‪ ،‬كل هذه التمثالت‬ ‫ترفض منح القرضاوي بطاقة العبور الرمزية للحديث باسم األمة‪.‬‬

‫شخصية تلفيقية‬ ‫التيارات السلفية أيضا ال تعترف بالعقل الفقهي القرضاوي رغم تسامحه‬ ‫وفتاواه التي تنشر لدى طبقات االنتلجينسيا الدينية‪ ،‬وهم مزيج متنوع‬ ‫يرى في تسامح القرضاوي الفقهي مخرجا من أزمة الوقوع في املحظور‬ ‫الديني‪ ،‬غير مكترثني كثيرا لخطه السياسي‪ ،‬لكن التيارات السلفية ترى‬ ‫أن شخصية القرضاوي الفقهية هي تلفيقية بامتياز‪ ،‬تقوم على تقديم‬ ‫تنازالت اجتماعية لكسب أكبر شريحة من املتابعني في مقابل آراء‬ ‫سياسية متصلبة وذات منزع ثوري يصل أحيانا إلى حد االفتعال‪ ،‬في كل‬ ‫مؤلفات القرضاوي الفقهية حتى كتابه «فقه الجهاد» الذي شرق وغرب‪ ،‬ال‬ ‫تجد مسالك الفقهاء الكبار كالشيخ أبو زهرة والطاهر بن عاشور‪ ،‬وحتى‬ ‫مشايخ معاصرين كاأللباني أو حتى الفقيه الزاهد الشيخ عبد الله بن بيه‪،‬‬ ‫فهذا الكتاب يتوسل نتائج متسامحة بأدوات فقيرة من الناحية العلمية‪.‬‬

‫العقل السياسي للقرضاوي‬ ‫العقل السياسي للقرضاوي على النقيض تماما من العقل الفقهي‬ ‫املتسامح‪ ،‬أقرب ما يكون إلى النص املغلق الذي ال يعكس اآلراء املتسامحة‬ ‫فقهيا للشيخ‪ ،‬وهذا التناقض بني الشخصية السياسية والفقهية لم يكن‬ ‫نتاج الشيخ وحده‪ ،‬بل هو عالمة فارقة ومسجلة لـ«اإلخوان» يمكن تتبع‬ ‫جذورها األولية في شخص املؤسس حسن البنا‪ ،‬لكن خصائص العقل‬ ‫القرضاوي السياسي الجديد تكمن في قدرته على الجمع بني املتناقضات‪،‬‬ ‫على مستوى النظرية واملمارسة‪ .‬كلنا يتذكر على سبيل املثال موقفه‬ ‫الصارم من زيارة القدس بحجة التطبيع‪ ،‬وهي في العمق موقف متحيز‬ ‫تجاه حماس وضد فتح‪ ،‬وكالمه عن املؤامرات الصهيونية يشعر متابعه‬ ‫بأنه يقيم في غزة‪ .‬لم تكن خيارات القرضاوي السياسية جديدة كما‬ ‫تعكس ردة الفعل الصاخبة على موقفه األخير من دولة اإلمارات‪ ،‬بل سبق‬ ‫أن طالب على الهواء مباشرة باالغتيال السياسي وتحمل التبعات‪ ،‬كما في‬ ‫حديث القرضاوي عن القذافي‪ ،‬وهو أمر خطير جدا يرتقي إلى مصاف‬ ‫التحريض املباشر الذي يعد جريمة جنائية مكتملة الشروط‪ ،‬لكن فظائع‬ ‫وجرائم القذافي كانت الوحل الذي غرق فيه تحريض القرضاوي الذي‬ ‫تجاوز التدخل السيادي إلى إصدار فرمانات اإلعدام على الهواء مباشرة‬ ‫من برنامج يفترض أنه يناقش «الشريعة والحياة»‪.‬‬ ‫اندفاع القرضاوي وراء اإليقاع السياسي لجماعات اإلسالم السياسي‬

‫وعلى رأسها «اإلخوان املسلمون» أوقعه في أخطاء استراتيجية بل كارثية‬ ‫على املستوى طويل األمد‪ ،‬مثل الهجوم على دولة كاإلمارات تحظى بصورة‬ ‫إيجابية جدا في الشارع العربي‪ ،‬سواء في حيادها السياسي أو نجاحاتها‬ ‫التنموية‪ ،‬ويتعاظم حجم وكلفة هذا الخيار املتسرع إذا ما قورن بانحياز‬ ‫الشيخ الكامل لحماس على حساب باقي فصائل املقاومة الفلسطينية‪،‬‬ ‫حماس التي تعاني تراجعا حادا في شعبيتها لدى النخب والشارع العربي‪.‬‬ ‫صحيح جدا أن محبي القرضاوي يحمدون له موقفه األخير من التمدد‬ ‫الشيعي‪ ،‬لكنهم يقفزون على حقيقة أثبتتها مواقف القرضاوي من امللف‬ ‫ذاته منذ بداياته والتي تطرح تساؤالت هامة حول براغماتية موقفه بناء‬ ‫على معطيات جديدة على األرض تتمثل في تضارب املصالح بني الهالل‬ ‫الشيعي والهالل اإلخواني‪ ،‬وليس كما يراه داعموه بخلفيات طائفية‪.‬‬

‫البراغماتية السياسية‬ ‫البراغماتية السياسية في ممارسة الشيخ القرضاوي ليست منحصرة‬ ‫في مواقفه األخيرة ما بعد ما سمي بالربيع العربي والتي قد تبدو متفهمة‬ ‫حيث انتقلت اإلسالم السياسي بجماعاته ومنظريه ومفكريه من ضفة‬ ‫«املعارضة» والضحية‪ ،‬إلى منصة الحاكم بأمر الله‪ ،‬بل على العكس لتلك‬ ‫البراغماتية والذرائعية السياسية بمنطق ديني لها نظائر كثيرة من‬ ‫أبرزها التفريق بني حدود املطالبة بني مجتمع وآخر‪ ،‬بل بني دولة رغم أنها‬ ‫متماثلة‪ ،‬فالقرضاوي في رئاسته للمجلس األوروبي لإلفتاء والبحوث‬ ‫يرى ضرورة أن يحترم املسلمون قوانني البالد التي يقيمون فيها‪ ،‬لكن‬ ‫هذا يتناقض مع الرؤية التقليدية الشمولية للقرضاوي حول مسألة‬ ‫تحكيم الشريعة والقوانني‪ ،‬يقول‪« :‬إذا كان الله قد حكم على أهل الكتاب‬ ‫بالكفر أو بالظلم أو بالفسق ألنهم لم يحكموا التوراة واإلنجيل فهل يكون‬ ‫من ترك القرآن ولم يحكم بما أنزل الله أقل إثما من هؤالء؟»‪ ،‬لكن هذا‬ ‫التناقض يمكن فهمه إذا ما أدركنا أن صاحب النص األول هو القرضاوي‬ ‫السياسي‪ ،‬بينما صاحب الفتوى هو القرضاوي العقائدي‪ .‬والسؤال‬ ‫الذي يطرح نفسه في هذا السياق ما الذي يجعل من فقيه متسامح أن‬ ‫يقوم من خالل منبر الجمعة بالدعوة إلى اغتيال القذافي أو الدعوة للقتال‬ ‫والنفير في سوريا أو التحرك املضاد لالستقرار في مصر والوقوف‬ ‫ضد العسكر وتجريمهم؟ أعتقد أن ثمة عوامل كثيرة ومعقدة لفهم هذا‬ ‫السلوك الثوري‪ ،‬لكن يترشح في األساس عامل داخلي يتصل بطبيعة‬ ‫فهم القيادات الدينية لدورها‪ ،‬ويتمثل ذلك في عدم رغبة «اإلخوان» ودعاة‬ ‫اإلسالم السياسي في فقدان الشرعية الدينية بعد أن اهتزت شرعيتهم‬ ‫السياسية كثيرا‪ ،‬ال سيما أن املنافس في سباق الشرعية الدينية أقوى‬ ‫بمراحل منهم وهم السلفيون وبقايا تيارات الجهاد والجماعة اإلسالمية‬ ‫في مصر ومجموعات السلفية الجهادية في باقي الدول‪ ،‬بينما ينافسهم‬ ‫في الشرعية السياسية <‬

‫القرضاوي يتسلم هدية تذكارية‬ ‫من بعض الحاخامات اليهود‬ ‫في ‪ 30‬ابريل ‪2008‬‬

‫‪,,‬‬

‫يحاول‬ ‫القرضاوي‬ ‫جاهدا إبقاء‬ ‫نفسه كمرجعية‬ ‫سنية تعتمد‬ ‫على الحشد‬ ‫وتكتيك‬ ‫«التجميع»‬ ‫األثير لدى‬ ‫جماعات‬ ‫اإلسالم‬ ‫السياسي‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫‪35‬‬


‫قصة الغالف‬

‫يبدو أن لعنات اإلمام محمد عبده لـ«ساس ويسوس» وكل ما اشتق من السياسة‪ ،‬عبرت عن نبوءة استباقية لنهاية‬ ‫عصر الفقيه املجدد الذي ال يتلوث بطني السياسة وأالعيبها ومنطقها الذرائعي واملتحول‪ ،‬وبداية عصر «رجل الدين»‬ ‫الذي يتوسل السياسة ويتمثلها‪ ،‬حيث بات من الصعب اآلن فصل املواقف السياسة املتحركة في عالم املرجعيات‬ ‫الدينية الذي تجاوز طرح رؤى شرعية تجاه املستجدات إلى االنغماس في وحل املوقف السياسي اليومي‪ ،‬بل‬ ‫والتحول إلى منصة تحريض آيديولوجي دون مباالة في ظل األوضاع املتردية في هذا الجزء من العالم بتبعات هذه‬ ‫التوجهات االنقالبية التي أطلت برأسها مع أول فرصة ربيع لحريات سياسية جرت صناعاتها خارج مطبخ «اإلسالم‬ ‫السياسي» الذي ظل منذ النكسة «نجم» املشهد السياسي العربي‪.‬‬

‫القرضاوي‪ ..‬الفقيه الوادع أم السياسي الراديكالي؟‬

‫ازدواجية وتلفيق‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫يوسف الديني‬

‫‪,,‬‬

‫العقل‬ ‫السياسي‬ ‫للقرضاوي‬ ‫على النقيض‬ ‫تماما من‬ ‫عقله الفقهي‬ ‫املتسامح‪،‬‬ ‫أقرب ما يكون‬ ‫إلى النص‬ ‫املغلق‬

‫‪,,‬‬

‫يحاول القرضاوي جاهدا إبقاء نفسه مرجعية سنية تعتمد‬ ‫على الحشد وتكنيك «التجميع» األثير لدى جماعات اإلسالم‬ ‫السياسي رغم تراجع دور االتحاد العاملي الذي يرأسه والذي‬ ‫كان يهدف إلى سحب البساط من املؤسسات الدينية العريقة التي يتهمها‬ ‫باالنحياز إلى السلطة‪ ،‬كاألزهر‪ ،‬ويرشق الحكومة االنتقالية املصرية‬ ‫بسهام اإلدانة على خلفية سياسية‪ .‬وبإزاء هيمنة القرضاوي على اتحاد‬ ‫علماء املسلمني جاءت املفاجئة بانسحاب العالمة الفقيه الكبير واملقدر‬ ‫في األوساط السلفية بسبب متانته العلمية الشيخ عبد الله بن بيه من‬ ‫االتحاد‪ ،‬معلال ذلك بأن «سبيل اإلصالح واملصالحة يقتضي خطابا ال‬ ‫يتالءم مع موقعي في االتحاد»‪ ،‬وهو ما يعني بعبارة أخرى خروج االتحاد‬ ‫من األهداف اإلصالحية إلى خطاب سياسي أحادي االتجاه‪.‬‬ ‫لم تقف أخطاء القرضاوي السياسية عند ملف «الربيع العربي» التي‬ ‫واجهت انتقادات عدة حتى من املقربني من الشيخ‪ ،‬بل استمر الشيخ في‬ ‫استدعاء تصلبه السياسي ودعمه لخيار «اإلخوان» حتى بعد السقوط‬ ‫املدوي في مصر والتراجع الكبير في تونس ومواقع أخرى‪ .‬الشيخ هذه املرة‬ ‫أطل من النافذة السودانية وتعامل مع االحتجاجات املتنامية في صفوف‬ ‫الناقمني على حكم البشير الذي تعاظم نقده في الداخل بعد تراجع وأفول‬ ‫آيديولوجية اإلسالم السياسي بازدواجية غريبة‪ ،‬معتبرا أن ما يحدث‬ ‫احتجاج جماهيري يزول بالحوار وتجنب العنف وليس االحتكام للعملية‬ ‫االنتخابية! في وقت انقسم فيه السودان وذهب نصفه وتحالفت كل القوى‬ ‫السياسية ضد حكم البشير‪ ،‬ولم يتركب املحتجون أي أعمال عنفية‬ ‫كالتي يقوم بها حلفاء الشيخ في مصر بعد سقوطهم؛ من حرق الكنائس‬ ‫وتعذيب املوالني للحكومة والتنكيل بهم‪.‬‬

‫شخصية محيرة‬ ‫الدكتور يوسف القرضاوي الفقيه املتسامح األبرز منذ عقود والذي ساهم‬ ‫في قلب بنية الهرم السلفي الحركي بفتاوى وآراء متسامحة فقهية في‬ ‫وقت كانت فيه الفجوة بني الفقهاء التقليديني وإيقاع العصر تزداد اتساعا‪،‬‬ ‫متيحة املسرح لصعود فئات دينية أقل حضورا وتأثيرا من الدعاة ونجوم‬ ‫الفضائيات ورموز جماعات اإلسالم السياسي القادمني من خلفيات غير‬ ‫شرعية‪.‬‬ ‫شخصية الدكتور الشيخ القرضاوي محيرة جدلية على أكثر من مستوى‪،‬‬

‫‪34‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫بدءا بالتحوالت التي خاضها في حياته‪ ،‬وهذا ما يفسر حجم الرأسمال‬ ‫الثقافي الذي خلقه القرضاوي لنفسه منذ أن مارس دور تجسير العالقة‬ ‫بني العلماء والفقهاء التقليديني وبني جماعات اإلسالم السياسي‪.‬‬ ‫نجح القرضاوي جدا في تلك املرحلة املبكرة من حضوره وعبر بوابة‬ ‫التسامح الفقهي من «شرعنة» الحالة اإلخوانية في تمثالتها للسلطة‪ ،‬بدءا‬ ‫بتجربة الجماعة األم‪ ،‬ومرورا بتجربة حماس والسودان‪ ،‬ووصوال إلى‬ ‫املوقف من الثورات التي تعامل معها الدكتور ببراغماتية سياسية تجاوزت‬ ‫كل األطر والحدود بني ما هو ديني وسياسي في شخصية الدكتور الذي‬ ‫يعد مثاال جيدا يستحق الدراسة في ازدواجية الديني والسياسي‪.‬‬ ‫أزمة القرضاوية السياسية تبدأ في الفارق الكبير بني األداء السياسي وبني‬ ‫الرؤية الفكرية‪ ،‬أو بمعنى آخر تحويره كل ما هو سياسي إلى عقائدي‪،‬‬ ‫بحيث يصبح الخالف معه واالختالف أزمة غالبا ما يجري تصويرها‬ ‫بشكل تراجيدي‪ ،‬ال سيما أن الجميع يتكئ على تراث الشيخ الفقهي‬ ‫املتسامح‪ ،‬وكيف أنه شكل لكثيرين بديال آمنا عن التيارات املتشددة التي‬ ‫ال يمكن آلرائها الفقهية واالجتماعية أن تأخذ طابعا عامليا كما هو الحال‬ ‫مع القرضاوي وفتاواه املتسامحة‪ ،‬ال سيما تلك التي تخص املسلمني في‬ ‫املهجر‪ ،‬وهي حالة ليست جديدة أبدا‪ ،‬ليس فقط على مستوى العصر‬ ‫الحديث ونشأة الحركات اإلسالمية على أنقاض النكسة العربية‪ ،‬بل حتى‬ ‫على مستوى التاريخ اإلسالمي الذي زخر بنماذج فقهية متسامحة‬ ‫ثائرة على املستوى السياسي أو العقائدي‪ ،‬وربما كان اإلمام أبو حنيفة‬ ‫واملحدث صالح بن حي في آخرين نماذج على هذه املفارقة‪ .‬البناء الفقهي‬ ‫للدكتور القرضاوي هو الذي قدمه بامتياز للمشهد الديني‪ ،‬وقد كتب عنها‬ ‫الكثير من املؤلفات (رصد كتاب «دليل الباحثني إلى القرضاوي» ملحمد‬ ‫املختار الشنقيطي ‪ 161‬كتابا ‪ 151‬بحثا‪ 160 ،‬خطبة‪ 671 ،‬فتوى‪ ،‬كما‬ ‫كتبت عشرات الرسائل الجامعية عن الشيخ‪ ،‬وأكثر من ‪ 45‬مؤلفا عنه‪،‬‬ ‫عدا مؤتمرات كثيرة أغلبها برعاية مركز القرضاوي للوسطية في قطر)‪.‬‬

‫تقديم احتفائي‬ ‫هذا التقديم االحتفائي للقرضاوي في طوره الخليجي بعد أن باتت عباءة‬ ‫«اإلخوان» ضيقة يطرح السؤال عن استقطاب تأثيره ودوره السياسي أكثر‬ ‫من تفوقه العلمي والفقهي على مجايليه من علماء املنطقة األكثر تميزا‬ ‫بمعايير التحصيل الشرعي مما يدخل في تسمية وشروط ومواصفات‬


‫الشيخ القرضاوي والشيخ‬ ‫راشد الغنوشي في تونس‬

‫الفصل التشريعي إقرار التعديالت الدستورية التي كان هدفها‬ ‫تمكني نجل الرئيس األسبق من الوصول إلى السلطة بتعديل‬ ‫املادة ‪ 76‬من دستور ‪ ،1971‬وكانت القشة التي قصمت ظهر‬ ‫نظام مبارك بثورة شعبية أزاحته عن السلطة وذهبت به إلى‬ ‫غياهب السجون‪ ،‬ولعل ما حدث أثناء ثورة الخامس والعشرين‬ ‫من يناير من قبول جماعة اإلخوان املسلمني للجلوس مع نائب‬ ‫رئيس الجمهورية األسبق آنذاك «عمر سليمان» يؤكد سياسة‬ ‫«اإلخوان» في توظيف األحداث واستغاللها بما يصب في‬ ‫مصلحتهم فحسب‪ ،‬وكذلك ما حدث بعد حصول الجماعة‬ ‫على مقعد الرئاسة ونقض العهود كافة التي قطعتها الجماعة‬ ‫على نفسها مع مختلف القوى السياسية‪ .‬رابعا‪ :‬إضافة إلى‬ ‫كل ما سبق‪ ،‬يظل من املدهش جدا أن يتحول الشيخ يوسف‬ ‫القرضاوي من مفكر إسالمي إلى داع مباشر‪ ،‬بل ومحوري في‬ ‫إثارة القالقل والفنت داخل بعض البلدان العربية‪ ،‬فحينما يدعو‬ ‫الجيش املصري لعدم طاعة أوامر قياداته أو يفتي باستمرار‬ ‫املظاهرات التي تؤدى إلى وقوع املزيد من سفك الدماء‪ ،‬إلى‬ ‫غيرها من هذه الفتاوى‪ ،‬دفاعا عن موقف الجماعة ورئيسها‬ ‫بسبب األحداث التي شهدتها مصر في الثالثني من يونيو ‪-‬‬ ‫بغض الطرف عن تقييم مثل هذه األحداث ومالبساتها وتباين‬ ‫وجهات النظر بشأنها ‪ -‬فهو يدعو إلى تمزيق األمة وتقطيع‬ ‫أوصالها وصب الزيت على رماد النفور وحالة عدم الثقة بني‬ ‫املسلمني وسفك الدماء وانتهاك األعراض واستباحة الذمم‬ ‫والدعوة للكراهية‪.‬‬

‫القرضاوي واألزهر الشريف‬ ‫وهنا تكمن املشكلة في أن تأتي مثل هذه الدعوات من رجل في‬ ‫مقام الشيخ القرضاوي الذي من املفترض أن يمثل العقل الراجح‬ ‫والرأي السديد لجماعة اإلخوان‪ ،‬فكيف تخرج مثل هذه الفتاوى من‬ ‫رجل ديني له وزنه العلمي والديني‪ ،‬فلو صدرت مثل هذه الفتاوى‬ ‫من رجل دين عادي أو من أحد دعاة التكفير فلن يلتفت إليها‬ ‫أحد‪ .‬بل أكثر من ذلك تظل خطورة مثل هذه الفتاوى فيما يتعلق‬ ‫بمواقف املؤسسات الدينية الكبرى وفي مقدمتها األزهر الشريف‬ ‫برجاله وعلمائه‪ ،‬فالجميع يعلم أنه على مر التاريخ اإلسالمي وجد‬

‫من حكام العرب من كان ظاملا ووجد من علماء املسلمني الذين‬ ‫يعترف لهم اإلسالم بالجرأة والقدرة على املجابهة من لم يكفره‬ ‫ألنه من املعلوم شرعا أن التكفير يلزمه شروط وانتفاء وموانع‪،‬‬ ‫ومن بينها على األقل إقامة الحجة الكافية والواضحة على أن‬ ‫هذا الحاكم قد نطق أو باشر كفرا‪ ،‬أما بقية األفعال والتصرفات‬ ‫األخرى التي يأتيها الحاكم بمناسبة ممارسة مهام السلطة‪ ،‬فهي‬ ‫تدخل في باب املمارسات العادية التي يحاكم عليها‪ ،‬سواء من‬ ‫خالل صناديق االقتراع أو طبقا للدستور أو القانون املعمول به‬ ‫في كل بلد عربي‪.‬‬ ‫ملخص القول أن ما تواجهه جماعة اإلخوان املسلمني اليوم من‬ ‫تحديات جسام تتطلب أن يعالجها رجال على قدر من االتزان‬ ‫الفكري واالستنارة املعرفية والراجحة العقلية‪ ،‬فهي لحظات‬ ‫فاصلة وخطيرة في حياة الجماعة وحاضرها ومستقبلها‪.‬‬ ‫فاالرتكان إلى مثل هذه الفتاوى واآلراء التي ال تسمن وال تغني‬ ‫من جوع لن تزيد الجماعة إال تراجعا وخسارة لرصيد امتد على‬ ‫مدار ثمانني عاما‪ .‬وقديما قالوا إن التخطيط قبل الفعل تنظيم‪،‬‬ ‫والتخطيط بعد الفعل تبرير‪ ،‬وما تمارسه الجماعة اليوم هو من‬ ‫قبيل التبرير لكل األخطاء والخطايا التي ارتكبتها خالل العامني‬ ‫املاضيني‪ ،‬فربما يكون للجماعة أخطاء على مدار األعوام السابقة‪،‬‬ ‫إال أن الضوء لم يسلط عليها لطبيعة موقعها بعيدا عن السلطة‬ ‫واملسؤولية‪ ،‬وهذا ما لم تفطن إليه الجماعة ومنظرها األول الشيخ‬ ‫يوسف القرضاوي من أن خطابات وسياسات املعارضة ال‬ ‫تصلح كلية إلدارة شؤون البالد إذا ما تولت هذه القوى مقاليد‬ ‫الحكم‪ ،‬وهذا هو دور املنظرين واملفكرين ألي تنظيم أو تجمع في‬ ‫تصحيح املسار إذا ما انحرف وتوجيه الدفة إذا ما ضلت السفينة‬ ‫الطريق‪ .‬ولذا‪ ،‬فعلى الجماعة إن أرادت أن تستكمل وجودها‬ ‫في املجتمع أن تقوم بالدراسة والتأمل والتحقيق؛ للوقوف على‬ ‫خلفيات مواقف منظرها األول (القرضاوي) وحيثياتها وتبعاتها؛‬ ‫للحد من خطورتها وتحجيم آثارها‪ ،‬فمن غير املنطقي أن يبدي‬ ‫الشيخ رأيه وفتواه في كل مناحي الحياة ومجاالتها وكأنه أوتي‬ ‫جوامع الكلم‪ ،‬فهل هذا صحيح؟<‬

‫رئيس املكتب السياسي لحركة‬ ‫حماس خالد مشعل يقبل رأس‬ ‫رئيس االتحاد العاملي لعلماء‬ ‫املسلمني يوسف القرضاوي‬

‫‪,,‬‬

‫مع الدخول في‬ ‫عصر العوملة‬ ‫واالنفتاح على‬ ‫اآلخر حاول‬ ‫الشيخ أن يقدم‬ ‫فكرا وإجابات‬ ‫عن أسئلة‬ ‫اللحظة من‬ ‫خالل بعض‬ ‫الكتابات‪ ،‬منها‪:‬‬ ‫«املسلمون‬ ‫والعوملة»‬

‫‪,,‬‬

‫* كاتب بصحيفة األهرام املصرية وكيل لجنة الثقافة واإلعالم في مجلس الشورى‬ ‫سابقا رئيس وحدة األقليات في مركز الحوار للدراسات السياسية (القاهرة)‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫‪33‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫القرضاوي يتوسط املرشد االسبق‬ ‫محمد مهدي عاكف ومرشد عام‬ ‫االخوان السابق محمد بديع‬

‫‪,,‬‬

‫رغم انتماء‬ ‫القرضاوي إلى‬ ‫جماعة اإلخوان‬ ‫املسلمني فإن‬ ‫بعضا من‬ ‫آرائه كانت‬ ‫تهاجم قيادات‬ ‫الجماعة كما‬ ‫حدث في‬ ‫موقفه من‬ ‫سيد قطب‬

‫‪,,‬‬

‫‪32‬‬

‫ثالثني سنة‪ ،‬إن لم نقل ستني سنة‪ ،‬محرومني من انتخاب رئيس‬ ‫لهم‪ ،‬يسلمون له حكمهم باختيارهم‪ ،‬حتى هيأ الله لهم‪ ،‬ألول‬ ‫مرة‪ ،‬رئيسا اختاروه بأنفسهم وبمحض إرادتهم‪ ،‬وهو الرئيس‬ ‫محمد مرسي‪ ،‬وقد أعطوه مواثيقهم وعهودهم على السمع‬ ‫والطاعة في العسر واليسر‪ ،‬وفيما أحبوا وما كرهوا‪ ،‬وسلمت له‬ ‫كل الفئات من مدنيني وعسكريني‪ ،‬وحكام ومحكومني‪ ،‬ومنهم‬ ‫الفريق أول عبد الفتاح السيسي الذي كان وزير الدفاع واإلنتاج‬ ‫الحربي في وزارة هشام قنديل‪ ،‬وقد أقسم وبايع أمام أعيننا‬ ‫على السمع والطاعة للرئيس مرسي‪ ،‬واستمر في ذلك السمع‬ ‫والطاعة حتى رأيناه تغير فجأة‪ ،‬ونقل نفسه من مجرد وزير‬ ‫إلى صاحب سلطة عليا‪ ،‬علل بها أن يعزل رئيسه الشرعي‪،‬‬ ‫ونقض بيعته له‪ ،‬وانضم إلى طرف من املواطنني ضد الطرف‬ ‫اآلخر‪ ،‬بزعم أنه مع الطرف األكثر عددا»‪.‬‬ ‫وهو ما يكشف عن عدم قراءة الشيخ للموقف بكل جوانبه‬ ‫وتعقيداته التي وصلت إلى درجة أن بعث إليه ابنه عبد الرحمن‬ ‫يوسف القرضاوي برسالة مطولة أفاض فيها شرحا وتفصيال‬ ‫ملا حدث من جانب الجماعة ورئيسها‪ ،‬وكان أهم ما جاء فيها‬ ‫ما نصه‪« :‬صدقني يا أبي الكريم الحليم لو طبقنا ما كتبته في‬ ‫كتبك عن األمة والدولة‪ ،‬وعن فقه األولويات‪ ،‬وفقه الواقع‪ ،‬وفقه‬ ‫املقاصد‪ ،‬وعن الحرية التي هي قبل الشريعة كما علمتنا‪ ،‬لكنت‬ ‫أول الداعني للثورة على من ظلم‪ ،‬وخان العهود واملواثيق‪ ،‬وأفشى‬ ‫أسرار الدولة‪ ،‬وزج بمخالفيه في السجن بتهمة إهانته‪ ،‬ولم يترك‬ ‫لهم من الحرية إال ما كان يتركه لهم مبارك‪ :‬قولوا ما شئتم‬ ‫وسأفعل ما أريد»‪.‬‬

‫املنظر الراهن لفكر الجماعة وتوجهاتها‬ ‫تكشف هذا الحادثة خلطا واجب التسجيل في هذا الخصوص‪،‬‬ ‫وهو أن البعض يرى أن الشيخ القرضاوي هو املنظر الراهن‬ ‫لفكر الجماعة وتوجهاتها‪ ،‬في حني أن الواقع يثبت أن الشيخ‬ ‫بسبب طعنه في السن وكذلك نهجه املطيع داخل إطار الجماعة‬ ‫ال يجرؤ على أن يوجه عقل الجماعة إلى قراءة الواقع الراهن‬ ‫بمتغيراته وتعقيداته‪ ،‬بل رأى أن السباحة مع التيار الجارف‬ ‫داخل الجماعة رغم وضوح خطورة االستمرار في هذا النهج‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫املؤدي إلى خطأ فادح بسبب سياسات غير محسوبة ورؤى‬ ‫غير واقعية وتوجهات غير رشيدة تبنتها الجماعة منذ ثورة‬ ‫الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني)‪.‬‬ ‫ثالثا‪ :‬رغم انتماء الشيخ يوسف القرضاوي إلى جماعة اإلخوان‬ ‫املسلمني‪ ،‬فإن بعضا من آرائه كانت تهاجم قيادات الجماعة‪،‬‬ ‫كما حدث في موقفه من سيد قطب‪ ،‬وهو ما أشار إليه األستاذ‬ ‫جمال سلطان في دراسته تعليقا على ما كتبه الشيخ القرضاوي‬ ‫عن قطب‪ ،‬حينما أشار إلى استحضار الشيخ لنصوص كثيرة‬ ‫مطولة من كتابات قطب‪ ،‬خاصة عندما يتحدث فيه عن الجاهلية‬ ‫والكفر والردة التي رآها انتشرت في جنبات األرض في العصر‬ ‫الحديث‪ ،‬ويضع خطوطا تحت كلمات وألفاظ بعينها‪ ،‬ليؤكد على‬ ‫تطرفها وروح التكفير فيها‪ ،‬ويدقق لكي يثبت له أن الرجل ليس‬ ‫كاتبا معتدال أو حادا في عبارته فقط‪ ،‬وإنما كان كاتبا تكفيريا‪،‬‬ ‫وبالتالي متطرفا‪ ،‬وهو ما اتضح موقفه جليا في حواره عام‬ ‫‪ 2009‬في إحدى القنوات الفضائية املصرية‪ ،‬حينما أشار إلى‬ ‫«أن قطب أخطأ في قضية تكفير مجموع املسلمني وليس فقط‬ ‫الحكام واألنظمة»‪ ،‬مشيرا إلى أن «قطب يتحمل بعض املسؤولية‬ ‫عن تيار التكفير‪ ،‬فقد أخذ أفكار املودودي ورتب عليها نتائج لم‬ ‫تخطر على بال املودودي نفسه»‪.‬‬ ‫صحيح أن الشيخ لم يذكر صفة التطرف أو اإلرهاب‪ ،‬إال أن األمر‬ ‫ال يحتاج إلى شرح ليثبت أن الرجل كان تكفيريا‪ ،‬وهو ما يمكن‬ ‫تفسيره في ضوء التوتر الداخلي القديم بني الفصيل الذي انتمى‬ ‫إلى سيد قطب‪ ،‬واآلخر الذي انتمى إلى الشيخ مصطفى مشهور‬ ‫ومجموعته‪ ،‬وهي التوترات التي بدأت في املعتقالت وتفجرت‬ ‫في أوائل السبعينات بعد الخروج من سجون عبد الناصر؛‬ ‫حيث سرت موجة غامضة بني الفصيل الثاني الذي حاول أن‬ ‫يلعب بأوراق السياسة ومماهاة السلطة واالستفادة منها في‬ ‫الوصول إلى بعض املناصب وهو األسلوب الذي ظل غالبا على‬ ‫فكر «اإلخوان» وتوجهاتها خالل فترة الحكم املباركي‪ ،‬حيث‬ ‫حصدت أكثر من مرة عددا معتبرا من املقاعد البرملانية كما‬ ‫حدث في انتخابات ‪ ،1984‬و‪ ،1987‬و‪ ،2000‬وكانت الجائزة‬ ‫الكبرى عام ‪ 2005‬حينما حصدت الجماعة ‪ 88‬مقعدا‪ ،‬أي‬ ‫ما يقارب ربع مقاعد مجلس الشعب آنذاك‪ ،‬وجرى خالل هذا‬


‫ومحمد صيفي كتبا عن القرضاوي في أوروبا‪ ،‬وإيهاب جالل‬ ‫كتب عن القرضاوي والتلفزيون اإلسالمي الجديد‪ ،‬وبتينا‬ ‫غراف كتبت عن مفهوم «الوسطية» لدى القرضاوي‪ ،‬وأرماندو‬ ‫سلفاتوري كتب عن تطور القرضاوي من آيديولوجي إسالمي‬ ‫إلى رمز لعاملية اإلسالم وعوملته‪.‬‬

‫فكر الشيخ‬ ‫ومع الدخول في عصر العوملة واالنفتاح على اآلخر‪ ،‬حاول‬ ‫الشيخ أن يقدم فكرا وإجابات على أسئلة اللحظة من خالل‬ ‫بعض الكتابات‪ ،‬منها‪« :‬املسلمون والعوملة»‪ ،‬و«خطابنا الديني‬ ‫في عصر العوملة»‪ ،‬و«اإلسالم واملسلمون وعلوم املستقبل على‬ ‫أعتاب القرن القادم»‪ ،‬و«املسلمون والتخلف العلمي»‪ ،‬و«رعاية‬ ‫البيئة في شريعة اإلسالم»‪ ،‬و«حقوق املسنني من منظور‬ ‫إسالمي»‪ ،‬و«الغرب واإلسالم»‪.‬‬ ‫إال أن املطالع لهذه الكتابات يخلص إلى الرأي بأنها افتقدت‬ ‫في كثير منها للفهم الدقيق واملتعمق واإلحاطة املطلوبة‬ ‫ملوضوعاتها وقضاياها التي لم يدركها الشيخ سواء بسبب‬ ‫طبيعتها الفكرية املعقدة واملتشابكة من جانب‪ ،‬أو بسبب‬ ‫السن (العمر) وأحكامه وما يمثله من عائق أمام الشخص في‬ ‫التحصيل والتحليل والتقييم وطرح الرؤى والتصورات‪ ،‬وهو ما‬ ‫يمكن سحبه على بعض اآلراء األخيرة التي يبديها الشيخ في‬ ‫بعض القضايا املعاصرة خاصة القضايا الفكرية والسياسية‬ ‫التي لم يستطع الشيخ تحقيق اإلملام الكامل واإلحاطة الالزمة‬ ‫بكافة جوانبها وتعقيداتها مما جعل آراءه وفتاواه خارجة عن‬ ‫مقتضيات اللحظة ومتطلباتها‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬لم يثبت أن الشيخ القرضاوي كان له موقف مستقل‬ ‫عن املوقف العام أو الخط العام داخل الجماعة والوالء لقيادتها‬ ‫الشرعية املجمع عليها حتى وإن اختلف مع هذا الخط‪ ،‬بل التزم‬ ‫القرضاوي هذا الخط دون معارضة أو ممانعة‪ ،‬فعلى سبيل‬ ‫املثال‪ ،‬حينما وقعت األزمة الشهيرة عام ‪ 1954‬واختلفت الجماعة‬ ‫حول شخص املرشد الثاني املستشار حسن الهضيبي‪ ،‬ورغم‬ ‫أن القرضاوي كان أقرب إلى منطق وجبهة من عرفوا بتيار‬ ‫املشايخ واألزهرية املعارض للهضيبي وسياساته (يمثله‬ ‫الشيوخ محمد الغزالي وسيد سابق وعبد املعز عبد الستار‪)..‬‬ ‫فلم يصل األمر بالقرضاوي إلى االنضمام إلى هذه الجبهة حني‬ ‫انشقت على الجماعة أو احتجت على قرار فصلها‪ ،‬بل التزم ما‬ ‫انتهت إليه القيادة املمسكة بدفة التنظيم‪.‬‬ ‫وتكرر األمر كذلك مع حزب الوسط الذي يمكن النظر إليه كأكبر‬ ‫انشقاق تنظيمي عرفته الجماعة منذ أزمة املرشد الثاني‪ ،‬فرغم‬ ‫أن القرضاوي كان متعاطفا مع هذا املشروع وقريبا من أبناء‬ ‫الجيل الذي قاد التجربة؛ جيل الوسط‪ ،‬ورغم أن أصحاب املشروع‬ ‫الحزبي أكدوا في ورقته املذهبية تأثرهم باجتهاداته وآرائه‬ ‫في الفقه السياسي (جواز التعددية الحزبية‪ ،‬وفكرة اإلسالم‬ ‫الحضاري) فإن القرضاوي لم يدخل طرفا في هذا املشروع‪.‬‬ ‫وهو ما يدلل على أن ثمة ضابطا حاكما لفكر الشيخ في معالجته‬ ‫للقضايا واملحن التي تواجه الجماعة حتى في أحلك اللحظات‬ ‫والظروف‪ ،‬ولعل األزمة األخيرة التي تعيشها الجماعة مع أحداث‬ ‫الثالثني من يونيو املاضي تؤكد على هذه الخالصة‪ ،‬ففي عقب‬ ‫عزل الرئيس السابق الدكتور محمد مرسي‪ ،‬أصدر الشيخ فتواه‬ ‫في السادس من يوليو ‪ 2013‬جاء فيها‪« :‬إن املصريني عاشوا‬

‫القرضاوي بعد القائه خطبة الجمعة‬ ‫في الجامع األزهر ألول مرة بعد تولي‬ ‫األخوان السلطة بمناسبة الذكرى‬ ‫الثانية لثورة يناير (‪25‬يناير ‪)2013‬‬

‫‪,,‬‬

‫من املدهش‬ ‫جدا أن يتحول‬ ‫القرضاوي من‬ ‫مفكر إسالمي‬ ‫إلى داع مباشر‬ ‫بل ومحوري في‬ ‫إثارة القالقل‬ ‫والفنت داخل‬ ‫بعض البلدان‬ ‫العربية‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫‪31‬‬


‫قصة الغالف‬

‫ليست مصادفة أن يحظى الشيخ يوسف القرضاوي بهذا الزخم الديني واإلعالمي الذي ال يضاهيه أحد في الوقت‬ ‫الراهن ملا يمثله من مكانة علمية جعلته واحدا من املراجع العلمية لدى جماعة اإلخوان املسلمني‪.‬‬

‫القرضاوي‪ ..‬قراءة في الفكر ورؤية في املضمون‬

‫فقيه اجلماعة‬

‫بقلم‪:‬‬ ‫عماد املهدي *‬

‫‪,,‬‬

‫لم يثبت أن‬ ‫القرضاوي كان‬ ‫له موقف مستقل‬ ‫عن املوقف العام‬ ‫أو الخط العام‬ ‫داخل الجماعة‬ ‫والوالء لقيادتها‬ ‫الشرعية املجمع‬ ‫عليها حتى وإن‬ ‫اختلف مع‬ ‫هذا الخط‬

‫‪,,‬‬

‫عبد الرحمن‬ ‫القرضاوي‬

‫‪30‬‬

‫صحيح أن الجماعة وقادتها حظيت باهتمام واسع لقاء ات األسر والكتائب‬

‫على مدى األعوام الثمانني املاضية‪ ،‬إال أنه من الصحيح‬ ‫أيضا أن هذا االهتمام ظل محصورا في مواقفها‬ ‫من السلطة الحاكمة سواء اتسمت هذه املواقف باملعارضة‬ ‫الصريحة أو بإبرام صفقات تفوز بمقتضاها ببعض املغانم‬ ‫من السلطة‪ ،‬كما أنه من الصحيح أيضا أن مظاهر هذا االهتمام‬ ‫اختلفت خالل العامني املاضيني مع ما شهدته املنطقة العربية‬ ‫من تحوالت استراتيجية أفرزت تغييرا في أنظمة الحكم في‬ ‫بعض البلدان العربية تولى على أثرها جماعة اإلخوان املسلمني‬ ‫املسؤولية والحكم كما حدث في تونس ومصر‪ ،‬حيث نجحت‬ ‫جماعة اإلخوان وجناحاها السياسيان‪ ،‬كما يحب أن يوصف‬ ‫حزب النهضة في تونس وحزب الحرية والعدالة في مصر‪ ،‬في‬ ‫الوصول إلى منصب رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية في‬ ‫تونس ومصر على الترتيب‪ ،‬دون أن يقلل ذلك من دورهم في‬ ‫األزمة الليبية‪ ،‬وكذلك وجودهم اآلن في األزمة السورية‪.‬‬ ‫ولكن ما يهم هو وصولهم إلى رئاسة الدولة في مصر كونها‬ ‫املهد األول للجماعة وبها مكتب املرشد العام وكل املؤسسات‬ ‫التي تدير الجماعة على مستوى العالم باستثناء مقر التنظيم‬ ‫الدولي الذي يشرف عليه أيضا مكتب اإلرشاد‪ ،‬بمعنى أكثر‬ ‫تحديدا ما حققته جماعة اإلخوان املسلمني في مصر يظل‬ ‫نقطة فاصلة وجوهرية في مسار الجماعة ومستقبلها‪ ،‬دفع‬ ‫الكثيرين من الباحثني واملتخصصني إلى دراسة أسباب‬ ‫هذا الصعود ومساراته املستقبلية وتداعياته على الجماعة‬ ‫وأعضائها‪ ،‬وعلى البلدان التي حكمتها‪ ،‬إال أنه لم يكد تخرج‬ ‫هذه الدراسات والتحليالت إلى النور إال وعصفت أحداث‬ ‫الثالثني من يونيو (حزيران) والثالث من يوليو (تموز) ‪2013‬‬ ‫بوجود الجماعة في الحكم لتشهد أقوى صفعة منذ نشأتها‪،‬‬ ‫فقد كان للسقوط املدوي بعد عام بالضبط من وصولها إلى‬ ‫الحكم وعودتها إلى جماعة محظورة بإرادة شعبية وليس‬ ‫بقرار من السلطة الحاكمة فحسب نقطة تحول أخرى أكثر‬ ‫أهمية‪ ،‬جعلت من األهمية بمكان للباحثني والدارسني اإلسراع‬ ‫لقراءة فكر املنظرين واملفكرين املنتمني إلى هذه الجماعة‬ ‫للوقوف على العقل املوجه والفكر املسيطر على توجهات‬ ‫الجماعة وسياستها خالل املرحلة املقبلة‪ ،‬وهو ما يستوجب‬ ‫بدوره قراءة لواحد من املفكرين الرئيسيني املوجهني لعمل‬ ‫الجماعة «الشيخ يوسف القرضاوي»‪ ،‬لعل ذلك يسهم في فهم‬ ‫ما الذي حدث؟ وملاذا حدث؟ وما رؤية الجماعة فيما حدث؟‬ ‫وكيف ترى الواقع ومشكالته؟ وما رؤيتها للتعامل مع هذا‬ ‫الواقع؟‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫وال شك أن اإلجابة على هذه التساؤالت تحتاج إلى دراسات‬ ‫متعمقة عن فكر الجماعة وقادتها‪ ،‬والكيفية التي تدير بها‬ ‫شؤونها سواء داخل الجماعة أو داخل الجمعية أو داخل الحزب‪،‬‬ ‫رغم أنهم يمثلون كيانا واحدا ال انفصام بينهم‪.‬‬ ‫إال أن ما نحاول تقديمه هو قراءة في فكر املنظر األول للجماعة‬ ‫اليوم الذي يقدم رؤى وأطروحات تتعلق بسياسة الجماعة‬ ‫ومواقفها حيال مختلف القضايا في محاولة لإلجابة على‬ ‫سؤال كيف تفكر الجماعة؟ وذلك من خالل عدة نقاط نقف‬ ‫فيها على بعض مواقف الشيخ وأفكاره بعيدا عن القضايا‬ ‫الفقهية‪ ،‬فلها مقام آخر‪ ،‬كونه لدى الجماعة ليس الفقيه والداعية‬ ‫الذي يكتفي بمدها بالزاد الفقهي والدعوي فحسب‪ ،‬بل هو‬ ‫بالنسبة لها أيضا املربي واملؤطر التربوي‪ ،‬فقد شارك مبكرا‬ ‫في وضع البناء التربوي والثقافي داخل التنظيم عبر سلسلة‬ ‫مقاالت مطولة كتبها لهذا الغرض تحت عنوان «ثقافة الداعية»‬ ‫كانت تنشرها «مجلة الدعوة» التي كانت تصدرها الجماعة في‬ ‫السبعينات‪ ،‬وذلك كله على النحو التالي‪:‬‬ ‫أوال‪ :‬شارك القرضاوي في عملية التأطير والتكوين ألبناء‬ ‫الجماعة داخل محاضنها التربوية الخاصة مثل لقاءات األسر‬ ‫والكتائب‪ ،‬وهي لقاءات مغلقة على أطر الجماعة‪ ،‬فقد تابع الجماعة‬ ‫منذ انضمامه لها في مراحل نموها بالنصح والتوجيه وسعى‬ ‫إلى إرشادها إلى وجهات محددة‪ ،‬فكتب عدة رسائل مهمة‬ ‫كانت كلها تدور حول رسم توجهات الجماعة وسياستها‪ ،‬من‬ ‫أهمها‪« :‬الصحوة اإلسالمية بني الجحود والتطرف»‪ ،‬و«الصحوة‬ ‫اإلسالمية وهموم الوطن العربي واإلسالمي»‪ ،‬و«الصحوة‬ ‫اإلسالمية بني االختالف املشروع والتفرق املذموم»‪ ،‬و«الصحوة‬ ‫اإلسالمية من املراهقة إلى الرشد»‪ ،‬و«من أجل صحوة راشدة‬ ‫تجدد الدين وتنهض بالدنيا»‪ ،‬و«أولويات الحركة اإلسالمية في‬ ‫املرحلة املقبلة»‪.‬‬ ‫وفي محاولة لفهم فكر الجماعة التي ظلت تعمل ملدة طويلة منذ‬ ‫حظرها في الخمسينات من القرن املنصرم‪ ،‬تعددت الكتابات‬ ‫التي تناولت فكر الشيخ وآراءه الفقهية والسياسية‪ ،‬فجاكوب‬ ‫بترسن (الذي له أطروحة كبيرة في فتاوى األزهر ودار اإلفتاء‬ ‫املصرية) كتب عن عالقة القرضاوي باألزهر‪ ،‬وحسام تمام‬ ‫كتب عن القرضاوي واإلخوان‪ ،‬ومعتز الخطيب كتب عن‬ ‫مرجعية القرضاوي في كتابه «يوسف القرضاوي ‪ -‬فقيه‬ ‫الصحوة اإلسالمية‪ :‬سيرة فكرية تحليلية»‪ ،‬وألكسندر كاميرو‬


‫األخيرة على مفتي مصر السابق الدكتور علي جمعة‪ .‬استخدم القرضاوي‬ ‫برنامجه على قناة «الجزيرة» واالتحاد العاملي لعلماء املسلمني للهجوم على‬ ‫علي جمعة الذي يشير إليه حاليا في تغريداته باسم «مفتي العسكر»‪.‬‬ ‫في شهر سبتمبر (أيلول)‪ ،‬هاجم القرضاوي علي جمعة ومن خالل بيان‬ ‫صدر عن االتحاد العاملي بسبب إصدار جمعة فتوى تؤيد عزل الجيش‬ ‫ملرسي‪ .‬وبحسب ما قال القرضاوي‪ ،‬أصبح علي جمعة «املتحدث العسكري‬ ‫باسم االنقالب» و«عبد السلطة وعالم الشرطة»‪.‬‬

‫قدح املفتي‬ ‫كذلك طعن القرضاوي أيضا في مؤهالت جمعة كعالم دين‪ .‬ففي البيان‬ ‫ذاته‪ ،‬وصف القرضاوي فتاوى جمعة – بشأن التعامل بالربا وبيع املسلمني‬ ‫للكحوليات ولحم الخنزير واغتسال النساء باللنب وغيرها من الفتاوى –‬ ‫بالشاذة‪ .‬وقال القرضاوي إن جمعة «يحلل الحرام ويحرم الحالل‪ ..‬ويفتري‬ ‫على الله ورسوله والعلماء واألمة»‪.‬‬ ‫نشرت الصحف املصرية تغطية موسعة للحرب الكالمية بني القرضاوي‬ ‫وجمعة مثلما فعلت الصحافة املوالية لحزب الله وإليران‪ ،‬على نحو‬ ‫غير مفاجئ‪ .‬وفي الفترة األخيرة‪ ،‬نشرت صحيفة «املنار» خبر دعوة‬ ‫القرضاوي لجمعة إلى التوبة قبل أن يواجه «سوء الخاتمة»‪ .‬قال القرضاوي‪:‬‬ ‫«يؤيد علي جمعة أهل القوة على أهل الحق‪ ،‬والجنود على العلماء والعسكر‬ ‫على الشعب‪ ،‬والسيف على القلم‪ ،‬والسلطان (أي عبد الفتاح السيسي)‬ ‫على القرآن‪ ،‬والدولة على الدين!»‪ .‬في رد على هذه التعليقات وعلى دعوات‬ ‫القرضاوي إلى الجهاد في مصر‪ ،‬صرح جمعة‪ ،‬الذي عمل ألعوام كرجل‬ ‫دين يحصل على راتب من الحكومة في عهد مبارك‪ ،‬على التلفزيون‬ ‫املصري بأن «القرضاوي كبير السن ويعاني من الزهايمر»‪ .‬كذلك انتقد‬ ‫زمالء جمعة في األزهر القرضاوي لزرعه الفتنة بني املسلمني وأرجعوا‬ ‫السبب في مواقفه إلى إصابته بـ«الشيخوخة»‪.‬‬ ‫انتقد إسالميون مصريون آخرون مسألة تدخل القرضاوي في الشؤون‬ ‫الداخلية املصرية‪ .‬على سبيل املثال‪ ،‬على الرغم من إفراج اإلخوان املسلمني‬ ‫عن العديد من أعضاء الجهاد اإلسالمي في مصر‪ ،‬إال أن تنظيم الجهاد‬ ‫وجه انتقادات ضد القرضاوي‪ .‬ووصف نبيل نعيم القيادي في التنظيم‬ ‫القرضاوي بأنه عميل «تخدم فتاواه أميركا وإسرائيل»‪ .‬وحتى ابن‬ ‫القرضاوي‪ ،‬عبد الرحمن القرضاوي‪ ،‬انتقد موقف والده مما يحدث في‬ ‫مصر‪ .‬في رسالة إلى صحيفة «اليوم السابع» اليومية املصرية‪ ،‬كتب االبن‬ ‫أنه تم عزل مرسي ألنه خالف الديمقراطية في حكمه في انتهاك ليمني‬ ‫الرئاسة التي أقسم بها‪ .‬وسأل «بأي عهود الله تريدنا أن نبقي عليه؟»‪.‬‬ ‫وأضاف أن فتاوى والده «أربكته وآملته»‪.‬‬

‫ال يعد إعالن القرضاوي الجهاد من أجل إعادة مرسي إلى الرئاسة املوقف‬ ‫الوحيد الذي يدعو إلى القتال في مخالفة ملوقف معظم املصريني‪ .‬يضع‬ ‫دفاع القرضاوي املتحمس عن حركة حماس‪ ،‬الفرع الفلسطيني من جماعة‬ ‫اإلخوان‪( ،‬والتي تعتبرها الواليات املتحدة واالتحاد األوروبي منظمة‬ ‫إرهابية) الشيخ املصري بعيدا عن اإلجماع السائد في مصر في الوقت‬ ‫الحالي‪.‬‬ ‫على مدار الشهرين املاضيني‪ ،‬اتخذ الجيش املصري خطوات من أجل‬ ‫تشديد الرقابة على الحدود مع غزة من أجل منع تسلل األسلحة وعناصر‬ ‫من حماس ومقاتلني أجانب ينتمون إلى تنظيم القاعدة إلى شبه جزيرة‬ ‫سيناء التي يزداد وضعها خطورة‪ .‬وتلقى جهود إغالق الحدود مع غزة‬ ‫وتأمني سيناء قبوال في القاهرة إن لم يكن بني سكان سيناء‪ ،‬وهي‬ ‫محاوالت استخدمت فيها ألول مرة طائرات هليكوبتر ومقاتالت مصرية‬ ‫فوق األراضي الفلسطينية‪.‬‬ ‫وقد تعرض مئات من قوات األمن املصرية للقتل أو اإلصابة في الشهور‬ ‫األخيرة في سيناء‪ .‬وفي الوقت ذاته‪ ،‬تعارض جماعة اإلخوان املسلمني ‪-‬‬ ‫والقرضاوي فيما يبدو – جهود إعادة األمن إلى سيناء أمال في االستفادة‬ ‫من العنف الدائر من أجل الحصول على تنازالت سياسية لصالح‬ ‫اإلسالميني‪.‬‬ ‫وبالطبع تكمن املشكلة في أن انعدام األمن في مصر ال يقف عند سيناء‪.‬‬ ‫منذ عزل مرسي في الصيف املاضي‪ ،‬استهدف إرهابيون محطة قمر‬ ‫صناعي مملوكة للدولة في إحدى ضواحي القاهرة بقذائف صاروخية‪،‬‬ ‫وحاولوا اغتيال وزير الدفاع عن طريق سيارة مفخخة في مدينة القاهرة‪.‬‬ ‫وفي حادث يسبب إشكالية مماثلة‪ ،‬أطلق مسلحون في سيناء صواريخ‬ ‫على سفينة عابرة لقناة السويس في شهر أغسطس (آب) املاضي‪.‬‬

‫أنصار اإلخوان املسلمني يرفعون صور‬ ‫الرئيس املخلوع محمد مرسي أمام جنود‬ ‫الجيش في شارع صالح سالم بوسط‬ ‫القاهرة (‪ 19‬يوليو ‪)2013‬‬

‫‪,,‬‬

‫ألقى القرضاوي‬ ‫بيانا مطوال‬ ‫على قناة‬ ‫«الجزيرة مباشر‬ ‫مصر» يشجع‬ ‫فيه املصريني‬ ‫على «الخروج‬ ‫إلى الشوارع»‬ ‫ومواجهة‬ ‫الجيش ووصف‬ ‫ذلك بـ«فرض‬ ‫العني»‬

‫‪,,‬‬

‫بدأ هؤالء املسلحون يعبرون القناة ويزعزعون استقرار مصر بتحريض‬ ‫من «القاعدة» ودعوات القرضاوي إلى الجهاد‪ .‬يشبه العنف الحالي في‬ ‫مصر‪ ،‬التي تعاني بالفعل من أزمات اقتصادية وسياسية‪ ،‬ما حدث في‬ ‫التسعينات‪ ،‬مما يهدد الفترة االنتقالية وآمال العودة إلى الحياة الطبيعية‬ ‫في فترة ما قبل الثورة‪.‬‬ ‫ومن املؤسف أن الحراك الذي يشجعه القرضاوي هو محاولة بائسة إلعادة‬ ‫اإلخوان املسلمني إلى السلطة‪ .‬وعلى الرغم من أن العنف لن يحقق في‬ ‫النهاية هذا الهدف‪ ،‬فإنه يسبب كثيرا من الضرر ملصر ويقوض أي فرصة‬ ‫للمصالحة بني اإلسالميني املهزومني والجيش وخصومهم العلمانيني‪ .‬بغض‬ ‫النظر عن كل ذلك‪ .‬يبدو أن القرضاوي وجماعة اإلخوان وصلوا إلى نتيجة‬ ‫أنه قد يكون من الضروري تدمير مصر من أجل إنقاذها <‬

‫علي‬ ‫جمعة‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫‪29‬‬


‫قصة الغالف‬

‫أعلن إسقاط الرئيس حسني مبارك عام ‪ 2011‬عن بداية فترة طويلة من عدم االستقرار السياسي والشكوك‬ ‫االقتصادية في مصر‪ .‬عندما انتخب محمد مرسي القيادي في جماعة اإلخوان املسلمني رئيسا عام ‪ ،2012‬شعر‬ ‫كثير من املصريني بالتفاؤل بأن اإلدارة اإلسالمية الجديدة سوف تحكم بكفاءة وسوف تخرج مصر من األزمة‪.‬‬ ‫ولكن حكم مرسي البالد بطريقة تفتقد إلى الديمقراطية وإلى الكفاءة‪ ،‬وانتقل بمصر إلى حافة االنهيار املالي‪،‬‬ ‫وعندما تدخل الجيش لعزله عن السلطة في يوليو (تموز) عام ‪ ،2013‬كانت مصر تواجه تمردا إرهابيا ناشئا في‬ ‫شبه جزيرة سيناء في طريقه إلى االنتشار في وادي النيل‪.‬‬

‫دعوات القرضاوي لتدمير مصر من أجل إنقاذها!‬

‫اجلهاد ضد العسكر‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫ديفيد شينكر‬

‫‪,,‬‬

‫ادعى القرضاوي‬ ‫املنتمي إلى‬ ‫جماعة اإلخوان‬ ‫املسلمني أنه‬ ‫تلقى عرضا‬ ‫بأن يتولى‬ ‫منصب املرشد‬ ‫العام للجماعة‬ ‫ولكنه رفض‬

‫‪,,‬‬

‫عبد الله‬ ‫بن بيه‬

‫في أعقاب اإلطاحة بمرسي‪ ،‬كان هناك خالف في العواصم الغربية‬ ‫حول ما إذا كان تدخل الجيش يصب في مصلحة مصر‪ .‬ولم يكن‬ ‫هناك خالف على أن إعادة ترسيخ األمن واالستقرار االقتصادي‬ ‫في الدول العربية أمر مهم للغاية‪ .‬ولكن يتخذ الشيخ يوسف القرضاوي عالم‬ ‫الدين املصري املقيم في قطر وجهة نظر مختلفة‪ .‬أصدر القرضاوي الذي‬ ‫يعد أبرز علماء الدين السنة في الشرق األوسط فتاوى في األشهر األخيرة‬ ‫تؤيد أعمال العنف من أجل إعادة الرئيس املصري املعزول إلى منصبه‪.‬‬ ‫باإلضافة إلى عدم واقعية هذا املوقف‪ ،‬حيث لن يسمح الجيش املصري‬ ‫لإلخوان املسلمني باستعادة مقاليد السلطة في مصر في وقت قريب‪ ،‬فإنه‬ ‫يتسبب في استمرار عدم االستقرار‪ .‬لطاملا كان القرضاوي داعية ذا تأثير‪،‬‬ ‫وله تابعون مخلصون‪ .‬إلى جانب رئاسته لالتحاد العاملي لعلماء املسلمني‪،‬‬ ‫صدر للقرضاوي مؤلفات غزيرة‪ ،‬كما أنه يقدم برنامجا خاصا به يذاع يوم‬ ‫األحد في وقت الذروة على قناة «الجزيرة» يحمل اسم «الشريعة والحياة»‪.‬‬

‫وكان من املفهوم أن يصاب القرضاوي بالصدمة جراء خطوة الجيش في ‪3‬‬ ‫يوليو (تموز) بعزل الرئيس مرسي وقتل العديد من مؤيديه‪ .‬عكس رد فعله‬ ‫ما يشعر به من غضب وإحباط بتغير حظوظ جماعة اإلخوان املسلمني‪.‬‬ ‫وبعد أيام من اإلطاحة بمرسي‪ ،‬أصدر القرضاوي فتوى قال فيها‪« :‬حرام‬ ‫على مصر أن تفعل هذا‪ ..‬فليس وراء ذلك إال مقت الله ونكاله»‪ .‬بعد ذلك‬ ‫أصدر فتوى أخرى يدعو فيها «املسلمني من جميع أنحاء العالم» إلى السعي‬ ‫للشهادة في مصر‪ ،‬مضيفا‪« :‬سوف يسألكم الله يوم القيامة عما رأيتموه‬ ‫من هذه املجازر اإلنسانية»‪.‬‬

‫الوسطي املعتدل‬

‫انتقاد الجيش‬

‫يحاول القرضاوي منذ فترة بعيدة أن ينصب ذاته ممثال للتيار اإلسالمي‬ ‫الوسطي املعتدل‪ .‬بغض النظر عن آرائه بأن التفجيرات االنتحارية مشروعة‬ ‫إال أنه يعتبر على نطاق واسع في املنطقة ممثال للوسطية‪ .‬ولكن في الفترة‬ ‫األخيرة‪ ،‬اتسمت آراء القرضاوي بشأن مصر باالستفزاز والتسبب في‬ ‫االنقسام على نحو غير معهود‪ .‬منذ عدة أسابيع‪ ،‬استقال نائبه في االتحاد‬ ‫العاملي لعلماء املسلمني‪ ،‬عالم الدين املوريتاني عبد الله بن بيه من منصبه‬ ‫وسط مزاعم بأن السبب هو وجود خالفات حول آراء القرضاوي بشأن‬ ‫مصر وسوريا‪.‬‬

‫كان رد فعل القرضاوي على الحملة التي نفذها الجيش يوم ‪ 14‬أغسطس‬ ‫(آب) ضد احتالل اإلخوان املسلمني مليدان رابعة أكثر حدة‪ .‬وقد قتل نحو‬ ‫ألف شخص من مؤيدي اإلخوان أثناء فض االعتصام في امليدان‪ ،‬حيث واجه‬ ‫الجيش مقاومة عنيفة‪.‬‬

‫على مدار عقود‪ ،‬كان القرضاوي منتميا إلى جماعة اإلخوان املسلمني‬ ‫ومدافعا عنها‪ .‬وفي الحقيقة‪ ،‬ادعى عالم الدين أنه تلقى عرضا بأن يتولى‬ ‫منصب املرشد العام للجماعة ولكنه رفض‪ .‬وهكذا سعد القرضاوي بقيام‬ ‫الثورة التي أسقطت مبارك‪ ،‬الذي قمع اإلخوان وأبعدهم منذ أن وصل إلى‬ ‫السلطة في عام ‪ .1981‬وبدا أن انتصارات اإلخوان في االنتخابات البرملانية‬ ‫والرئاسية في عصر ما بعد مبارك تبشر بعصر تسود فيه جماعة اإلخوان‬ ‫املسلمني في مصر‪ ،‬وهي فرصة ألسلمة السياسة املصرية بما ال يمكن‬ ‫الرجوع عنه‪.‬‬ ‫بعد ثورة يناير (كانون الثاني) عام ‪ ،2011‬عاد القرضاوي‪ ،‬الذي تعرض في‬

‫‪28‬‬

‫لالبعاد عهد الرئيس املصري الراحل جمال عبد الناصر‪ ،‬منتصرا إلى مصر‬ ‫ألول مرة منذ الستينات ليلقي خطابا حضره اآلالف في ميدان التحرير‪.‬‬ ‫وزار القاهرة بعد ذلك ليلقي خطبة الجمعة في الجامع األزهر املؤسسة‬ ‫الدينية البارزة في مصر‪ .‬بالنسبة للقرضاوي‪ ،‬لم يكن مسار مصر في‬ ‫مرحلة ما بعد الثورة ليكون أفضل من ذلك‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫وفي ذلك اليوم‪ ،‬ألقى القرضاوي بيانا مطوال على قناة «الجزيرة مباشر‬ ‫مصر» يشجع فيه املصريني على «الخروج إلى الشوارع» ومواجهة الجيش‪.‬‬ ‫وصف القرضاوي ذلك بـ«فرض العني» بأن يخرج كل مصري مسلم قادر‬ ‫من بيته‪ .‬وأضاف القرضاوي أن وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي والحكومة‬ ‫املصرية «متورطون في هذه املجازر»‪ ،‬و«سيسألون أمام الله عما فعلوا»‪.‬‬ ‫ومنذ ذلك الحني‪ ،‬يبرر القرضاوي تحريضه على العنف ضد الجيش املصري‬ ‫بأن الجيش ومؤيديه من املصريني من «الخوارج» (في إشارة إلى طائفة من‬ ‫املسلمني خرجت عن أهل السنة املسلمني في القرن السابع)‪ .‬واألسوأ من‬ ‫ذلك‪ ،‬وفقا للقرضاوي‪ ،‬أن وزير الدفاع السيسي «خائن» حذره القرضاوي‬ ‫من «عقاب الدنيا قبل اآلخرة»‪ .‬وقال القرضاوي‪« :‬القتلة سيقتلهم الله»‪.‬‬ ‫وفي حني يستمر القرضاوي في انتقاد الجيش وحملة االعتقاالت التي تتم‬ ‫ضد مسؤولي جماعة اإلخوان املسلمني‪ ،‬يصب عالم الدين غضبه في الفترة‬


‫مجلة العرب الدولية‬ ‫شهرية سياسية‬

‫تأسست في لندن عام ‪1980‬‬

‫‪www.majalla.com‬‬

‫العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫مجلة العرب الدولية‬

‫اشرتك اآلن‬ ‫واحصل على‬ ‫نسختك الورقية‬

‫شهرية سياسية‬

‫‪‬‬

‫تأسست في لندن عام ‪1980‬‬

‫جون األرتمان‪ :‬تاأثري العالقات ال�صعودية ال�صينية على الجتاهات الأمريكية يف املنطقة‬ ‫م�صاري الذايدي‪ :‬فر�صان نبالء قرروا ال�صمود على احلال القدمي‪ ..‬تاريخ العناد!‬ ‫� ّصالم الكواكبي‪ :‬هل يعد «جنيف ‪ »2‬فر�صة ب�صار الأ�صد للبقاء يف من�صبه؟‬

‫‪‬‬

‫للحصول على العدد‬ ‫اسـتخـدم هاتفــك‬ ‫ال ــذكي لـمــسح‬ ‫هـ ـ ــذا الـ ــرقـ ـ ـ ــم‬ ‫‪11‬‬

‫‪ISSN 1319-0873‬‬

‫‪9 771319 087013‬‬ ‫‪‬‬

‫‪‬‬

‫‪issue 1589 November 2013‬‬

‫‪www.majalla.com‬‬


‫قصة الغالف‬

‫األولى‪ ،‬بدال من مقاطعتها‪ ،‬وآخرون في الخارج‪ ،‬وجدوا في خروجه‬ ‫من البالد وانعدام فرص عودته تهمة أكبر‪ ،‬هي التخلي عن موقعه‬ ‫ومكانته فيها‪ ،‬فهو ليس أكاديميا وشخصية ذات وزن‪ ،‬بل وزعيم‬ ‫ومؤسس رئيس لـ«التجمع الوطني الديمقراطي» الذي يحظى بمكانة‬ ‫بني الفلسطينيني حافظت له على عضويته للكنيست لدورات‬ ‫متتالية‪.‬‬ ‫أما بشارة نفسه‪ ،‬فال يخفي توقه للعودة‪ ،‬شأن كل فلسطيني جرى‬ ‫نفيه‪ ،‬أو اختار منفاه‪ ،‬أجبر على اختياره‪ ،‬لكنه ال يرى أفقا في الوقت‬ ‫الحالي‪ّ :‬‬ ‫«ألن الظروف التي ْ‬ ‫ّ‬ ‫دعت إلى الخروج من الوطن ما زالت قائمة‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫بل تفاقمت»‪ .‬هنا‪ ،‬صاغ بشارة مفهوما للوطن يناسب وضعه املستجد‬ ‫أوسع‪ّ ،‬‬ ‫ويفلسفه‪« :‬إن مفهومي للوطن َ‬ ‫وإن َ‬ ‫عناء املنفى ‪ -‬في حالتي‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫كعربي وكفلسطيني وكمثقف ‪ -‬هو وطن أيضا»‪.‬‬ ‫لكن انتقال د‪ .‬بشارة لإلقامة في الدوحة الحقا‪ ،‬أثار تساؤالت واتهامات‬ ‫عدة‪ ،‬بلغت ذروتها في الشهور القليلة املاضية‪ ،‬حني قيل إنه أصبح‬ ‫مستشارا للديوان األميري‪ .‬وهي اتهامات تعتبر امتدادا لوجوده في‬ ‫الدوحة وملكانته التي منحته إياها قناة «الجزيرة» كمفكر قومي عربي‪،‬‬ ‫خصها وجمهورها بأفكاره‪ ،‬ومحلل سياسي ثابت ومطلوب في أي‬ ‫وقت وفي كل األوقات‪ ،‬لتمرير أفكار وسياسات تريدها‪.‬‬ ‫لقاء الدكتور عزمي بشارة مع الشيخ‬ ‫راشد الغنوشي في مكتبه باملركز‬ ‫العربي لألبحاث ودراسة السياسات‬ ‫الدوحة (نوفمبر ‪)2011‬‬

‫‪,,‬‬

‫انتقال بشارة‬ ‫لإلقامة في‬ ‫الدوحة أثار‬ ‫تساؤالت‬ ‫واتهامات عدة‬ ‫بلغت ذروتها‬ ‫في الشهور‬ ‫القليلة‬ ‫املاضية‬

‫‪,,‬‬

‫‪26‬‬

‫ُ‬ ‫كانوا ُم ِّ‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫يستمر‪ .‬رب‬ ‫ـ(التجمع) بأن‬ ‫يت الفرصة ل‬ ‫ؤسسني! وبخروجي أ ِ‬ ‫عط ِ‬ ‫ضارة نافعة إذن»‪.‬‬ ‫انتهت سنوات بشارة البرملانية (في الكنيست اإلسرائيلي)‪ ،‬وما‬ ‫رافقها من إشكاليات وتحديات ومجابهات ومحاججات كالمية‬ ‫إلى نتيجتني‪ :‬اتهامه بالتطبيع من قبل خصوم في الداخل يعتبرون‬ ‫املشاركة في الكنيست «تطبيعا»‪ ،‬وسقوطا فيما حذر منه بشارة‬ ‫نفسه أي «األسرلة» باملشاركة في مؤسسات الدولة السياسية‬

‫بشارة اعتبر هذا كله «شائعات معيبة»‪ .‬وصاغ تفسيرا‪ ،‬لهذا التحول‬ ‫الكبير في حياته بالقول‪« :‬إن الوالء ينبغي أن يكون للمبادئ ال‬ ‫للدول»‪ ،‬رافضا منطق من يعتبرون اإلقامة في دولة ما‪ ،‬تعبيرا عن‬ ‫موقف‪ .‬منطق بقدر ما هو صحيح‪ ،‬يتجاهل تأثير الجغرافيا على‬ ‫تلك املبادئ‪ ،‬خصوصا حني تتعارض تلك املبادئ مع التضاريس‬ ‫السياسية واآليديولوجية‪ ،‬التي تفرضها الجغرافيا السياسية‪،‬‬ ‫وخصوصا في منطقة لم تعرف التعددية وال الديمقراطية وال تقبل‬ ‫الرأي اآلخر‪ ،‬إال في حدود الصخب الفوضوي املطلوب إعالميا‪،‬‬ ‫أحيانا <‬

‫عزمي بشارة يف سطور‬ ‫ولد عزمي بشارة في عائلة عربية مسيحية عام ‪ .1956‬درس في‬ ‫املدرسة املعمدانية في الناصرة‪ .‬انتخب عام ‪ 1974‬رئيسا ملجلس‬ ‫الطالب في مدرسته الثانوية‪ ،‬كما ساهم في تأسيس اللجنة القطرية‬ ‫للثانويني العرب وكان رئيسها األول‪ .‬انتسب إلى جامعة حيفا عام‬ ‫‪ .1975‬عام ‪ 1976‬ساهم في تأسيس اتحاد الطالب الجامعيني العرب‬ ‫وكان رئيسه األول‪.‬‬ ‫درس في الجامعة العبرية في القدس عام ‪ .1977‬ودرس في جامعة‬ ‫"هومبولت" في برلني عام ‪ ،1980‬وحصل على دكتوراة في الفلسفة‬ ‫بدالجة امتياز عام ‪ .1986‬عام ‪ 1997‬أجريت له عملية زرع كلية إثر‬ ‫فشل كلوي‪.‬‬ ‫في عام ‪ 1999‬أصيب برصاصة مطاطية أثناء مشاركته في‬ ‫مظاهرة دفاعا عن بيت في مدينة اللد‪ ،‬ضد امر اسرائيلي صدر‬ ‫بهدمه‪ .‬وتعرض بيت بشارة في الناصرة العليا‪ ،‬إلى اعتداء من مئات‬ ‫العنصريني االسرائيليني اليهود املنظمني‪ ،‬بعد أن اتهم باملسؤولية عن‬ ‫مظاهرات جرت في عامي ‪ ،2000‬و ‪. 2002‬‬ ‫فاز بجائزة ابن رشد للفكر الحر‪ .‬أصدر عددا كبيرا من املؤلفات‬ ‫املنشورة بالعربية واإلنجليزية واألملانية والعبرية في شؤون‬ ‫الديمقراطية والحرية املدنية ‪،‬حقوق األقليات القومية في إسرائيل‪،‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1588‬أكتوبر‪ -‬تشرين األول ‪2013‬‬

‫اإلسالم والديمقراطية والقضية الفلسطينية في الداخل وغيره من‬ ‫جملتها‪:‬‬ ‫> الثورة التونسية املجيدة‪ :‬بنية ثورة وصيرورتها من خالل‬ ‫يومياتها‪.‬‬ ‫> العرب في إسرائيل ‪ :‬رؤية من الداخل "الخطاب السياسي املبتور‪.‬‬ ‫> املجتمع املدني ‪ :‬دراسة نقدية "مع إشارة للمجتمع املدني العربي‪.‬‬ ‫> االنتفاضة واملجتمع اإلسرائيلي ‪ :‬تحليل في خضم األحداث‪.‬‬ ‫> طروحات عن النهضة املعاقة‪.‬‬ ‫> الحاجز شظايا ‪ -‬رواية‪.‬‬ ‫> من يهودية الدولة حتى شارون ‪ -‬دراسة في تناقض الديمقراطية‬ ‫اإلسرائيلية‪.‬‬ ‫> حب في منطقة الظل ‪ -‬رواية ‪.‬‬ ‫> في املسألة العربية‪ :‬مقدمة لبيان ديمقراطي عربي‪.‬‬


‫لكن مسيرة عزمي بشارة السياسية والكفاحية‪ ،‬تعرضت لهزات في أواخر‬ ‫ثمانينات القرن املاضي‪ ،‬مثل كثيرين من أبناء جيله‪« :‬الجيل الثاني»‪ ،‬في‬ ‫ظل تراجع مسيرة اليسار الذي سحبه من الصفوف األولى جماهيريا‬ ‫وانتخابيا في البالد‪ ،‬انهيار االتحاد السوفياتي وتفكك منظومته دوليا‪،‬‬ ‫وتنامي الشعور القومي وصعود التيارات اإلسالمية واتساع نفوذها‬ ‫محليا‪ .‬وقد جرفت تلك املرحلة الجميع وزجت بهم في تيارين رئيسيني‪:‬‬ ‫تيار يميل إلى التعامل ببراغماتية أكبر مع مؤسسات الدولة اإلسرائيلية‪،‬‬ ‫والنضال من أجل املزيد من الحقوق وحماية ما تبقى للفلسطينيني في‬ ‫بالدهم‪ .‬وتبنى هذا التيار‪ ،‬في وقت متأخر‪ ،‬نسبيا‪ ،‬الدعوة إلى قيام دولة‬ ‫فلسطينية مستقلة في الضفة والقطاع إلى جانب دولة إسرائيل يهودية‪.‬‬ ‫أما التيار اآلخر‪ ،‬فقدم أتباعه طرحا يقوم على ضرورة احترام الحقوق‬ ‫القومية للعرب في إسرائيل‪ ،‬وتبنوا الدعوة لقيام «دولة لكل مواطنيها»‪،‬‬ ‫في سياق العمل على مزيد من بلورة الهوية القومية للعرب من أجل دولة‬ ‫ثنائية القومية كحل نهائي للصراع‪.‬‬ ‫في خضم تلك التطورات‪ ،‬غادر عزمي بشارة صفوف الحزب الشيوعي‪،‬‬ ‫في مرحلة قال‪ :‬إنه لم يعد مقتنعا فيها ببرنامجه الذي دعا إلى دولة يهودية‬ ‫ودولة فلسطينية في الضفة والقطاع‪ ،‬واكتشافه‪ ،‬أي بشارة‪ ،‬من خالل‬ ‫التجربة‪ ،‬أن الفرق بني النظام الشيوعي واألنظمة الشمولية ضئيل‪« :‬حني‬ ‫تختفي القيم األصلية التي على أساسها قامت اآليديولوجيا الشيوعية‪.‬‬ ‫مع ذلك لم يسقط عزمي بشارة النظرية املاركسية من ارتهاناته الفكرية‬ ‫واآليديولوجية خصوصا جانبها املتعلق باملادية التاريخية‪ ،‬ولم ينف ما‬ ‫علمته التجربة الحزبية من إيجابيات‪.‬‬ ‫عن تلك املرحلة‪ ،‬قال رفيق له‪« :‬لقد تبدلت األيام واألحوال‪ ،‬لنحصل على‬ ‫عزمي في أعلى مراحل النرجسية السياسية‪ ،‬حيث راح يستخدم أدوات‬ ‫البحث العلمي واملنطق الجدلي واألساليب السياسية املتبعة واملعتمدة‬ ‫دوليا‪ ،‬ويوظفها لـ(الضرب في املندل) السياسي (أي التنجيم)‪ ،‬فاعتلى‬ ‫املنصات ليحلل ويتنبأ‪ ،‬لكن أيا من تنبؤاته لم يصدق‪ ،‬ثم يترك الساحة‬ ‫واختفى»‪ .‬ويضيف‪« :‬مهما يكن من أمر‪ ،‬فعزمي يبقى محاولة فلسطينية‬ ‫محلية كتب لها الفشل بسبب مكوناته الذاتية التي لم تتوافق والسلوكيات‬ ‫القيادية»‪ .‬عام ‪ 1995‬شارك عزمي بشارة في تأسيس «التجمع الوطني‬ ‫الديمقراطي»‪ ،‬وانتخب عضوا للكنيست عام ‪ 1996‬بعد ترشحه ضمن‬ ‫قائمة مشتركة بني «الجبهة الديمقراطية للسالم واملساواة» و«التجمع‬ ‫الوطني الديمقراطي»‪ .‬ثم أعيد انتخابه عام ‪ 1999‬مرشحا عن «التجمع‬ ‫الوطني الديمقراطي» ضمن قائمة تحالف فيها التجمع مع «الحركة العربية‬ ‫للتغيير»‪ ،‬التي يتزعهما د‪.‬أحمد الطيبي‪ ،‬وأعيد انتخاب بشارة عام ‪.2003‬‬ ‫في تلك الفترة رشح بشارة نفسه ملنصب رئاسة الوزراء‪ ،‬فيما اعتبره‬ ‫تحديا للديمقراطية اإلسرائيلية‪ .‬وكان من أبرز املنتقدين لسياسة إسرائيل‬ ‫التي يصفها بـ«العنصرية»‪ ،‬وللفكر الصهيوني املسيطر في الدولة‪،‬‬ ‫مشيرا إلى أن تعامل الدولة اإلسرائيلية مع السكان العرب الفلسطينيني‬ ‫األصليني‪ ،‬يتعارض مع ادعاءات إسرائيل بأنها دولة ديمقراطية‪.‬‬ ‫إسرائيل ضاقت بعزمي بشارة الذي لم تعد «مشاغباته» البرملانية‬ ‫هاجسها الوحيد‪ ،‬بل توسع نفوذه في الوسط العربي‪ ،‬ما دعا الرئيس‬ ‫السابق لـ«الشاباك» (جهاز األمن العام)‪ ،‬يعقوب بيري‪ ،‬إلى املطالبة‬ ‫بـ«وضع حد لظاهرة عزمي بشارة التي تدخل كل بيت فلسطيني»‪.‬‬

‫انعطافة حادة‬ ‫في ‪ 6‬أبريل (نيسان) ‪ .2007‬بينما كان بشارة في رحلة خارج البالد‪،‬‬‫نشر في إسرائيل‪ ،‬خبر يفيد بنية أحد أعضاء الكنيست العرب االستقالة‪،‬‬ ‫وملح إلى وجود سبب خفي وراء ذلك‪ .‬أثار الخبر ضجة إعالمية وسط‬

‫تكهنات حول نية بشارة العودة إلى إسرائيل‪ .‬وقد أصدر أمر منع النشر‬ ‫حول القضية‪ .‬لكن عزمي بشارة فاجأ الجميع بتقديم استقالته من‬ ‫عضوية الكنيست اإلسرائيلي‪ ،‬إلى القنصل اإلسرائيلي في القاهرة‪ ،‬في‬ ‫‪ 22‬من الشهر عينه‪ .‬وصرح بشارة بأنه قرر عدم العودة إلى إسرائيل في‬ ‫املدى املنظور‪ .‬وذلك لخوفه من أن يحكم عليه بالسجن ملدة طويلة بسبب‬ ‫مواقفه السياسية الداعمة للقضايا العربية واملقاومة العربية واملثيرة‬ ‫للجدل في األوساط اإلسرائيلية‪ .‬من ناحية أخرى أكد بأن استقالته من‬ ‫الكنيست ال تعني اعتزاله العمل السياسي‪.‬‬ ‫وقد وجهت الشرطة اإلسرائيلية‪ ،‬في بداية شهر مايو (أيار) ‪ ،2007‬إلى‬ ‫بشارة‪ ،‬اتهامات من شقني‪« :‬سياسي ـ أمني»‪ ،‬هو االتصال بحزب الله‬ ‫وإيصال معلومات له خالل العدوان على لبنان صيف ‪ .2006‬و«سياسي ـ‬ ‫جنائي»‪ ،‬هو غسل أموال عبر تلقي آالف الدوالرات من حزب الله ومن دول‬ ‫أجنبية‪ ،‬وتجاوز قوانني تمويل «اإلرهاب» و«األحزاب»‪ .‬ووفقا لهذه التهم‪،‬‬ ‫واجه بشارة فعليا عقوبة السجن املؤبد بتهمة «الخيانة»‪.‬‬

‫دفاع عن املنفى‬ ‫دافع بشارة عن قراره عدم العودة إلى البالد‪ ،‬قائال إنه تعرض ملالحقات‬ ‫قضائية من قبل‪ ،‬وواجه املحاكم لكنه بقي في البالد‪« :‬غير ّأن هذا النوع‬ ‫من التهم ‪ -‬التي َّ‬ ‫معها لكونها‬ ‫أساس أو‬ ‫توجه من دون أي‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫أدوات للتعاملّ ُ‬ ‫ّ‬ ‫ُتهما ّ‬ ‫مكنة في‬ ‫امل‬ ‫ة‬ ‫القضائي‬ ‫ة‬ ‫السياسي‬ ‫املعركة‬ ‫قواعد‬ ‫عن‬ ‫أمنية خارجة‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫النضال السياسي ‪ -‬ال َيترك لي مجاال للبقاء‪ُّ .‬والحق أنني ال أرى أي‬ ‫تسليم نفسي (‪ّ )...‬بل على العكس‪ :‬فكل سجني أمني أعرفه‬ ‫فائدة في ّ‬ ‫نفسه أو ال يسلم َ‬ ‫يسل ْم َ‬ ‫نفسه‪ .‬وفي اعتقادي ّأن ما َينتج من‬ ‫(‪ )...‬لم‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫الوطنية‪ ،‬وهو غباء‪.‬‬ ‫ضرر يصيب الحركة‬ ‫تسليم نفسي في هذه الظروف‬ ‫وأما ما نتج من خروجي من ّ‬ ‫املؤسسات التي َأقمناها‪ ،‬فقد بدا بفضله‬ ‫ّ‬ ‫يت جانبا؛ وهذا ما ُيفترض أن يفعله القادة في حياتهم ْ‬ ‫تنح ُ‬ ‫وكأنني ّ‬ ‫وإن‬

‫‪,,‬‬

‫صاغ عزمي‬ ‫بشارة‬ ‫مفهوما‬ ‫للوطن‬ ‫يناسب‬ ‫وضعه‬ ‫املستجد‬ ‫واإلقامة‬ ‫خارج بالده‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫‪25‬‬


‫قصة الغالف‬

‫عزمي بشارة مشبع تاريخه بالنضال‪ ،‬والتحدي‪ ،‬واملعارك السياسية‪ ،‬والعمل الجماهيري املباشر واملنظم‪ ،‬مثلما هو‬ ‫مليء باملفاجآت والتقلبات وااللتباسات التي أثرت في صورته العامة‪ ،‬وجعلت منه شخصية إشكالية‪ ،‬بمعنى ما‪ ،‬إذ‬ ‫لم تخل مواقفه من غموض وتناقض‪ ،‬ليس على مستوى طروحاته السياسية أو مواقفه وحسب‪ ،‬بل وفي خياراته‬ ‫التي حكمت هذه املواقف أيضا‪ ،‬أو أنتجتها‪ ،‬أو أثرت عليها بصورة واضحة‪ ،‬وحرفتها في أحيان كثيرة‪ ،‬عما رسمه‬ ‫هو نفسه لها في مراحل سابقة‪ ،‬وما رسمه آخرون له في مراحل الحقة‪.‬‬

‫عزمي بشارة‪ ..‬سجل حافل بالغموض واملتناقضات‬

‫املعادلة الصعبة!‬

‫بقلم‪:‬‬ ‫رامي نصار‬

‫‪,,‬‬

‫اتهم بشارة‬ ‫بغسل أموال‬ ‫واالتصال‬ ‫بحزب الله‬ ‫وإيصال‬ ‫معلومات‬ ‫له خالل‬ ‫العدوان على‬ ‫لبنان صيف‬ ‫‪2006‬‬

‫‪,,‬‬

‫‪24‬‬

‫ليس أكثر التباسا‪ ،‬وربما إثارة للدهشة‪ ،‬لدى مؤيدي ومعارضي‬ ‫عزمي بشارة على حد سواء‪ ،‬من تلك اللحظات التي امتدت قبل‬ ‫قرابة عامني‪ ،‬مسيطرة على قناة «الجزيرة» لدقيقتني وسبع‬ ‫وثالثني ثانية‪ ،‬حبس خاللها مشاهدوه أنفاسهم خلف الكالم الهامس‬ ‫حينا واملغمغم أحيانا الذي دار أمامهم وعلى مسمع منهم‪ .‬خالل ذلك‬ ‫الحوار «الخاص»‪ ،‬أعطى منتج البرنامج تعليماته ملقدم الحلقة ‪ ،‬بوقف‬ ‫الحوار من أجل بث فقرة إعالنية‪ .‬لكن خطأ تقنيا ما وقع في قنوات‬ ‫االتصال بني ثالثة أطراف هي‪ :‬املنتج‪ ،‬ومهندس الصوت‪ ،‬ومقدم الحلقة‪،‬‬ ‫أبقى الحديث الهامس واملتوجس من انكشاف محتمل وغير مؤكد‪ ،‬بني‬ ‫مقدم الحلقة وضيفه‪ ،‬معلقا على الهواء‪ ،‬ولم يجر فصل املتحاورين عن‬ ‫البث املباشر‪ .‬ما جرى بعد ذلك‪ ،‬كان مفاجئا وصادما‪ ،‬ورسم الخطوط‬ ‫العامة لكيفية توظيف حوار سياسي ومحاور يتمتع بنسبة مشاهدين‬ ‫عالية جدا‪ ،‬لصالح توجه سياسي معني ذي تأثير بالغ على قطاعات‬ ‫واسعة انخرطت في ثورات الربيع العربي‪ ،‬أو رافقت انفجارها وراقبته‬ ‫عبر وسائل اإلعالم املختلفة‪.‬‬

‫جامع ألقاب‬

‫أوقاتها‪ ،‬حصيلة توصيف لنمط حضوره الصحافي املتلفز‪ .‬بلغ بشارة‪،‬‬ ‫في تلك املرحلة ذروة «نجوميته» التي سبقه إليها على الشاشة عينها‪،‬‬ ‫وعلى شاشات تلفزة أخرى‪ ،‬محللون سياسيون شبه متفرغني ملالحقة‬ ‫التطورات في املنطقة‪ ،‬و«استراتيجيون»‪ ،‬كما أطلق عليهم‪ ،‬الكثير منهم‬ ‫جنراالت متقاعدون‪ ،‬ودعاة سياسيون‪ ،‬وآخرون دينيون انخرطوا في‬ ‫«حفالت» تحليل سياسي معلن مناصرين هذا الطرف أو ذاك من أطراف‬ ‫ينس كثيرون كلمات د‪.‬بشارة الكارهة لـ«عبادة‬ ‫الصراع‪ ،‬في وقت لم ُ‬ ‫نجوم ُ‬ ‫ٌ‬ ‫بالعبي كرة‬ ‫أشبه‬ ‫وكأنهم‬ ‫السياسيني‬ ‫ه‬ ‫وتسويق‬ ‫املشهد اإلعالمي‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫القدم والفنانني»‪.‬‬ ‫في ذلك اللقاء امللتبس‪ ،‬ناقش املحاور وضيفه ما ينبغي مناقشته‬ ‫من أوضاع سياسية في املنطقة‪ .‬وكشفا على مسمع من املشاهدين‪،‬‬ ‫تفاصيل صناعة حلقة سياسية‪ ،‬وسبل إدارتها وطريقة اإلعداد‪ .‬سأل‬ ‫بشارة محاوره عما تمت مناقشته وأدائه خالل الحلقة‪ ،‬فطمأنه مقدم‬ ‫الحلقة‪« :‬ممتاز»‪ ،‬وأكد له‪ّ :‬‬ ‫«بيضت صفحة املؤسسة‪ ...‬وهذا أهم شي»‪.‬‬ ‫املذيع وضيفه تعرضا للكويتيني والبحرينيني والسوريني‪ ،‬واستبعدا‬ ‫األردنيني من الحوار بطلب من بشارة‪.‬‬

‫ضيف تلك الحلقة كان الدكتور عزمي بشارة‪ ،‬الفلسطيني النصراوي الحزب الشيوعي اإلسرائيلي‬

‫(نسبة إلى الناصرة)‪ ،‬حامل الجنسية اإلسرائيلية‪ ،‬عضو الكنيست‬ ‫اإلسرائيلي (البرملان)‪ ،‬حتى إعالنه استقالته منه في ‪ 22‬أبريل (نيسان)‪،‬‬ ‫في ظروف ملتبسة أيضا‪ ،‬بينما كان خارج البالد‪ ،‬خلفت أسئلة كثيرة لم‬ ‫تزل تثير جدال حتى اليوم‪.‬‬ ‫هو «جامع ألقاب» لم تمنح‪ ،‬من قبل‪ ،‬لشخص في موقعه أو مكانته‬ ‫أو تضفى عليه‪ ،‬سواء ما سعى هو إلى تحقيقه في سياق طموحاته‬ ‫املشروعة‪ ،‬أو ما أصبغه عليه آخرون من ألقاب تناسبهم‪ .‬فهو الناشط‬ ‫السياسي‪ ،‬والباحث األكاديمي‪ ،‬واملحاضر الجامعي‪ ،‬واملؤلف الذي قدم‬ ‫الكثير من أعمال نشرت بالعربية واإلنجليزية واألملانية والعبرية‪ ،‬تناولت‪،‬‬ ‫إجماال‪ ،‬موضوعات تتعلق بالديمقراطية والحرية املدنية‪ ،‬وحقوق األقليات‬ ‫القومية في إسرائيل‪ ،‬واإلسالم والديمقراطية‪ ،‬والقضية الفلسطينية‬ ‫في الداخل وغيرها‪ .‬وهو مدير عام «املركز العربي لألبحاث ودراسة‬ ‫السياسات» في الدوحة والقائد الحزبي‪ ،‬والزعيم السياسي‪ ،‬والكاتب‪ ،‬ثم‬ ‫الروائي الذي أصدر روايتني هما‪« :‬الحاجز»‪ ،‬و«حب في منطقة الظل»‪ .‬لكنه‬ ‫في تلك اللحظة املتلفزة‪ ،‬ظهر د‪.‬عزمي بشارة‪ ،‬بصفة أخرى جديدة هي‬ ‫«املفكر القومي العربي»‪ ،‬لقب احتاجته ظروف تلك املرحلة لكي «يلعب‬ ‫دور فيلسوف الثورة والربيع العربي‪ ،‬تاركا جانبا‪ ،‬ألقابا أخرى كانت‪ ،‬في‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫بدأ عزمي بشارة (‪ 56‬عاما)‪ ،‬حياته السياسية والنضالية‪ ،‬حني كان‬ ‫طالبا في املرحلة الثانوية في الناصرة‪ ،‬من خالل مشاركته في تأسيس‬ ‫اتحاد الطالب الثانويني العرب‪ ،‬وبعد التحاقه بالجامعة شارك في قيادة‬ ‫الحركة الطالبية الفلسطينية في الجامعات اإلسرائيلية لسنوات عدة حتى‬ ‫مغادرته إلى أملانيا لدراسة الفلسفة‪ .‬في املرحلة «الطالبية»‪ ،‬انتسب بشارة‬ ‫إلى الحزب الشيوعي اإلسرائيلي «راكح»‪ ،‬وكان ناشطا بارزا في صفوف‬ ‫الحزب ومنظماته‪ ،‬وكان رفاقه فخورين به‪ .‬عن تلك املرحلة يقول رفيق‬ ‫كفاح سابق له‪« :‬لقد استبشرنا خيرا ملستقبل شعبنا حني ترعرع عزمي‬ ‫الشاب بني ظهرانينا‪ .‬يشرب من بحر املاركسية ويفتخر بانتمائه لحزبه‬ ‫وشعبه‪ .‬يفكر بإبداع مستخدما الديالكتيك الذي تعلمه في أملانيا الشرقية‬ ‫سابقا»‪.‬‬ ‫بعد عودته من أملانيا عام ‪ 1986‬عمل في جامعة بيرزيت حيث شغل‬ ‫منصبي أستاذ ومدير قطاعات الفلسفة والعلوم السياسية‪ .‬وعام ‪1990‬‬ ‫عمل باحثا في معهد «فان لير» اإلسرائيلي في القدس الغربية‪ ،‬ومنسق‬ ‫مشاريع األبحاث فيه‪ ،‬واستمر في العمل هناك حتى عام ‪ 1996‬حينما‬ ‫ترشح لعضوية الكنيست‪.‬‬


‫خروج زوجته أيضا إلى عمان للمشاركة في حفل لتأبينه‪ .‬أما‬ ‫عزمي بشارة فهو دائم الزيارة إلى دمشق وبيروت علنا‪ ،‬ويصرح‬ ‫من هناك بضرورة محاربة الكيان اإلسرائيلي والضغط عليه‪،‬‬ ‫ويجتمع مع أحمد جبريل وحسن نصر الله ويلتقط معهما الصور‬ ‫التذكارية وينشرها بشكل علني‪.‬‬

‫بشارة ورئاسة وزراء إسرائيل‬ ‫فما هي أسباب وخلفية هذا االستثناء لعزمي بشارة؟‪ ..‬وهل‬ ‫يتم كل ذلك في غفلة من أجهزة الدولة اإلسرائيلية التي تحصي‬ ‫أنفاس الفلسطينيني في كل مكان‪ ،‬أم أن هذه الزيارات كانت تتم‬ ‫عالنية بمعرفة من الحكومة اإلسرائيلية؟ هذا ما أكده الصحافي‬ ‫اإلسرائيلي امنون أبراموفيتش للقناة التلفزيونية اإلسرائيلية رقم‬ ‫واحد يوم ‪ 16‬يونيو (حزيران) لعام ‪ ،2001‬حيث قال أن «عزمي‬ ‫بشارة كان يلتقي مع رئيس الوزراء اإلسرائيلي إيهود باراك قبل‬ ‫كل زيارة لدمشق‪ ،‬ومع الجنرال احتياط داني ياتوم رئيس جهاز‬ ‫املوساد السابق‪ ،‬وتعود على تقديم تقارير إلى ياتوم عن زيارته‬ ‫إلى سوريا»‪ .‬ومن املعروف واملعلن أن بشارة سبق له أن ترشح‬ ‫لرئاسة الوزارة اإلسرائيلية ثم تنازل لصالح باراك على اعتبار أنه‬ ‫يساري يواجه قوى اليمني اإلسرائيلي‪.‬‬ ‫وفي الثامن عشر من يناير لعام ‪ 2004‬اعترف كل من داني ياتوم‬ ‫وعزمي بشارة باللقاءات التي بينهما‪ ،‬ففي حديث إلذاعة الجيش‬ ‫اإلسرائيلي قال داني ياتوم «بما أن بشارة كان يسافر كثيرا إلى‬ ‫دمشق‪ ،‬فقد اجتمعت معه لكي أبلغه باملوقف اإلسرائيلي‪ ،‬وقمت‬ ‫برسم خريطة له حول ذلك على منديل ورق‪ ..‬وقد تبادلنا الحديث‬ ‫عن األهمية البالغة الستمرار السيادة والسيطرة اإلسرائيلية على‬ ‫الجهة الشمالية الشرقية من بحيرة طبرية‪ ،‬وأن تمتد هذه السيادة‬ ‫على رقعة حدودية على أراض مكونة من مئات األمتار»‪ .‬وأضاف‬ ‫ياتوم «االقتراح ليس باسمي‪ ..‬أنا رسمت شخصيا على ورقة‬ ‫منديل لعزمي بشارة‪ ،‬لكن هذا املوقف اإلسرائيلي اقترحه إيهود‬ ‫باراك‪ ،‬فقد كان مستعدا لالنسحاب من الجوالن حتى الحدود‬ ‫الدولية‪ ،‬وكان هدفنا إبعاد السوريني عن حدود بحيرة طبرية»‪.‬‬ ‫وردا على سؤال آخر قال داني ياتوم «اللقاءات لم يحضرها باراك‪،‬‬ ‫لكني أبلغته بأنني سأجتمع مع بشارة لكي أوجهه (بشارة)‪ ،‬ليس‬ ‫كمبعوث رسمي بالكامل إلسرائيل‪ ،‬ولكن ألنه كان يجتمع مع‬ ‫القيادة السورية»‪ .‬وفي اللقاء اإلذاعي نفسه قال عزمي بشارة‪« :‬لقد‬ ‫سافرت إلى سوريا كثيرا قبل ذلك واجتمعت مع األسد‪ ،‬ودائما‬ ‫كنت مستعدا للجلوس واالجتماع مع سياسيني إسرائيليني‪،‬‬ ‫واجتمعت مع باراك عدة مرات بعد ذلك»‪.‬‬ ‫وقد صاحب هذه الزيارة القيام في أحيان كثيرة بدور املحامي‬ ‫املدافع عن النظام البعثي بشكل يتناقض مع أحاديثه املدوية عن‬ ‫الحرية والديمقراطية واملجتمع املدني‪ ،‬وكان أكثرها نشازا عندما‬ ‫هاجم في حديث تلفزيوني لقناة لبنانية منتقدي التسلط والقمع‬ ‫البعثي وزجه اآلالف من معارضيه في السجون‪ ،‬حيث تحدث‬ ‫يومها مشيدا بديمقراطية حزب البعث‪ ..‬وتعرضت تصريحاته‬ ‫تلك للنقد من نشطاء حقوق اإلنسان‪ ،‬مذكرين إياه بالديمقراطية‬ ‫اإلسرائيلية التي تسمح له بزيارة دمشق واالجتماع مع حسن‬ ‫نصر الله دون زجه في السجن‪ ،‬في حني أن السياسيني السوريني‬ ‫باآلالف في سجون البعث املتيم بحبه‪ ،‬وذكروه باملناضل الشيوعي‬ ‫رياض الترك الذي أمضى أكثر من ثالثني عاما في سجون البعث‪،‬‬ ‫وكان التذكير بالشيوعي الترك تحديدا على اعتبار أن عزمي‬ ‫بشارة كان عضوا في الحزب الشيوعي اإلسرائيلي «راكاح»‪ ،‬قبل‬

‫أن يغادره في بداية التسعينات إلى النقيض حيث بدأ تنظيراته‬ ‫للقومية العربية‪ ،‬واستعمال اسم جمال عبد الناصر وصوره‪.‬‬

‫العصر الذهبي لعزمي بشارة‬ ‫العصر الذهبي لبشارة إذن بدأ فعليا في الدوحة ومن خالل‬ ‫«الجزيرة» ومركز الدراسات واألبحاث هناك‪ ،‬قبل ذلك كان يدعم‬ ‫ماليا من القذافي لتمويل أنشطته‪ ،‬ويمتدح القذافي‪ ،‬ويقيم الندوات‬ ‫لهذا الغرض في الجامعات الليبية‪ ..‬وبعدها طلق دمشق وطرابلس‬ ‫وبيروت واستقر في الدوحة‪ ،‬ومع بداية مع يسمى بالربيع العربي‬ ‫تم تعميده كمنظر للثورة عبر «الجزيرة»‪ ،‬وكان في أطروحاته يبدو‬ ‫كمن يقرأ من كتاب ال من يملك وقائع‪ ،‬ولم تكن أطروحاته تقنع‬ ‫من كان لديه درجة متوسطة من املعرفة السياسية‪ ،‬ألن املفكر كان‬ ‫يظهر كغير مقتنع بما يقوله على مدى ساعات يوميا‪ ،‬وتعابير‬ ‫وجهه تنم عن إرهاق وظيفي وليس عن ضعف فكري بداخله‪،‬‬ ‫وثبت ذلك في شريط الفيديو الذي تم ترويجه في ساعة غفلة‬ ‫والحوار بينه وبني مقدم برنامج بالقناة دون إدراكهما أنهما على‬ ‫الهواء وليس «أوف الين»‪ ،‬وفيه تجلى بشارة كموظف تم تلقينه ما‬ ‫يقول‪ ،‬وأنتقل من دور اإلعالمي األكاديمي الذي ينظر «للثورات»‬ ‫وربيعها إلى التحكم في شخوص الثورات خاصة السوريني‬ ‫والتونسيني‪ ..‬فقد صار املندوب السامي الذي يرعب املعارضني‬ ‫السوريني ويهددهم بسيف «الجزيرة» إن لم ينفذوا طلباته‪ ،‬وصار‬ ‫يتدخل في تركيبة املجلس الوطني وهيئات التنسيق الخ‪.‬‬ ‫وبواسطة مركز الدراسات الذي أسسه حاول استقطاب املثقفني‬ ‫واألكاديميني العرب ليكونوا «براغي» في املاكينة اإلعالمية‪،‬‬ ‫فالرجل مدجج بالقوة والثوار واملال والسلطة اإلعالمية <‬

‫د‪.‬عزمي بشارة يوقع كتابه (أن تكون‬ ‫عربيا في أيامنا) مايو‪2009 -‬‬

‫‪,,‬‬

‫كان‬ ‫عزمي بشارة‬ ‫ذا حظوة‬ ‫لدى النظام‬ ‫السوري‬ ‫واعتنق عقيدة‬ ‫املمانعة في‬ ‫محور البعث‬ ‫وحزب الله‬ ‫وإيران‬

‫‪,,‬‬

‫* كاتب ومحلل سياسي فلسطيني‬ ‫ورئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة" سابقا‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫‪23‬‬


‫قصة الغالف‬

‫من بوابة بشار األسد تعرف الدكتور عزمي بشارة على شخصيات رفيعة املستوى في دولة قطر‪ ،‬حيث كان بشارة‬ ‫ضيفا على النظام السوري ومنظرا له في املناسبات السورية الوطنية مادحا وليس قادحا‪ .‬وحكاية عزمي بشارة‬ ‫هي حكاية قناص الفرص السياسية منذ بداياته في الحزب الشيوعي اإلسرائيلي‪ ،‬حيث التحق به لفترة‪ ،‬ثم قضى‬ ‫وطره منه إلى أن أقاله الكاتب واألديب والسياسي الفلسطيني إميل حبيبي منه‪ .‬ومنذ تلك اللحظة تنقل بشارة من‬ ‫حزب إلى آخر متحالفا مع خصم هنا وصديق هناك من أجل أن يبقى طافيا على السطح‪.‬‬

‫ّ‬ ‫قناص الفرص‬

‫قراءة في تقلباته السياسية والفكرية‪..‬من هو عزمي بشارة؟‬

‫بقلم‪:‬‬ ‫حافظ البرغوئي *‬

‫‪,,‬‬

‫كانت زيارات‬ ‫بشارة‬ ‫لدمشق‬ ‫ولبنان تتم‬ ‫علنا ويلتقي‬ ‫فيها أعلى‬ ‫املسؤولني‬ ‫ثم يعود إلى‬ ‫إسرائيل دون‬ ‫محاسبته أو‬ ‫سؤاله‬

‫‪,,‬‬

‫‪22‬‬

‫كانت بداية انتشار الدكتور عزمي بشارة خارج حدود‬ ‫«عرب ‪ »48‬في رام الله‪ ،‬حيث عمل محاضرا في جامعة‬ ‫بيرزيت‪ ،‬وقدم نفسه كسياسي راديكالي معاد للمؤسسة‬ ‫الصهيونية‪ ،‬لكنه في رام الله لم يستطع أن يصنع لنفسه تلك الهالة‬ ‫التي يطمح إليها بسبب أن قامات أخرى كانت هناك‪ ،‬وأن قيام‬ ‫السلطة الوطنية بدد أوهامه في أن يكون شخصية مهيمنة على‬ ‫املشهد السياسي‪ ،‬فلم يستطيع إنجاز أي اختراق رغم ما تواتر‬ ‫عنه بأنه حصل على تمويل خارجي أميركي من مؤسسة فورد‬ ‫والسفارة األميركية في تل أبيب‪ ،‬وكنت شخصيا أتفادى االحتكاك‬ ‫به ألنه ال يأتي بجديد بل يحفظ غيبا نظريات وتحليالت سبق أن‬ ‫كتبها وألقاها في عشرات الندوات واملحافل الحزبية داخل الخط‬ ‫األخضر‪ ..‬فالوضع السياسي في الداخل منحه فرصة التحليق‬ ‫في فضائه‪.‬‬

‫اآليديولوجي النتصار حزب الله بالدعم السوري الالمحدود‬ ‫واإليراني‪ .‬ولم تمض سنتان على ذلك حتى ألهب هذا االنتصار‬ ‫هجاء‪ ،‬ربما ألنه قرر أن يغير توجهاته السياسية من املقاومة‬ ‫واملمانعة نحو أفق جديد وجده في نافذة «الجزيرة» الفضائية‪ ،‬لذلك‬ ‫وجدناه في ندوة بالجامعة األميركية عام ‪ 2009‬يهجو املقاومة‬ ‫ويعتبر أن انتصارها غير ممكن وأن مقاومة الداخل الفلسطيني ال‬ ‫طائل من ورائها‪ ..‬وبعد أن عمل منظما لرحالت سياحية سياسية‬ ‫إلى دمشق صار يطالب النظام السوري بوقف هذه الرحالت!‪ ..‬ثم‬ ‫طلب من معمر القذافي عدم استقبال وفود من عرب ‪ ،1948‬واعتبر‬ ‫ذلك نوعا من التطبيع‪ ،‬كما ورد على لسانه في إحدى املقابالت‪،‬‬ ‫فقد كان املفكر «القومجي» أي «املتاجر بالقومية» يرى أن مثل هذه‬ ‫الرحالت والوفود إن تمت بموافقته وبتزكيته فهي وطنية‪ ،‬أما إن‬ ‫تمت بترتيب آخرين فهي تطبيعية جنائية‪.‬‬

‫أكاديمي داهية‬

‫بشارة القومي والقرضاوي الديني‬

‫لكن بشارة يعد أكاديميا داهية‪ ،‬وصاحب نظرية تسويقية للنظريات‬ ‫السياسية والفلسفية‪ ،‬نجح في العزف على الوتر القومي وصار‬ ‫عضوا في الكنيست عام ‪ 1996‬بتحالف مع الحزب الشيوعي‪ ،‬ثم‬ ‫فك ارتباطه بالحزب‪ ،‬وتحالف حزبه وهو التجمع الوطني مع أحمد‬ ‫الطيبي من الحركة العربية للتغيير‪ ،‬بعد أن كانا خصمني لدودين‪،‬‬ ‫وأعيد انتخابه عام ‪ 2003‬ثم ثبتت حوله شبهات قضائية بشأن‬ ‫ارتباطاته الخارجية وتنظيمه رحالت لشخصيات من الداخل إلى‬ ‫سوريا‪ ..‬فقد بات الرجل محظيا لدى النظام السوري منذ األب‬ ‫حافظ األسد وصوال إلى ابنه بشار‪ ،‬واعتنق عقيدة املمانعة في‬ ‫محور البعث وحزب الله وإيران‪ ،‬وأشيع أنه كان ينقل معلومات‬ ‫إلى حزب الله‪ .‬ولم تشأ السلطات اإلسرائيلية اعتقاله عند عودته‬ ‫من الخارج بل سمحت له بالسفر دون رجعة‪ ،‬وحتى اآلن ال تعرف‬ ‫أسباب عدم اعتقاله رغم وجود أدلة تدينه بشأن اتهامات امنية‬ ‫ومالية‪.‬‬

‫ولعله حاول بعد أن قدم استقالته من الكنيست في السفارة‬ ‫اإلسرائيلية من القاهرة بعد حربه – ربما املتفق عليها ‪ -‬مع‬ ‫املؤسسة اإلسرائيلية أن يستقر في اإلمارات‪ ،‬لكنه غادرها إلى‬ ‫قطر حيث التقت مصالحه مع قناة «الجزيرة» التي كانت في حاجة‬ ‫إلى منظر قومي ملؤازرة املنظر الديني يوسف القرضاوي‪ ..‬فالتقى‬ ‫املسيحي واملسلم في سياق سياسي واحد‪ ،‬أحدهما يتحدث باسم‬ ‫العروبة والقومية واآلخر باسم الدين‪ .‬فعزمي بشارة كان ال يطيق‬ ‫أن يظل في الظل‪ ،‬وكان مستعدا لفعل أي شيء حتى يبقى طافيا‬ ‫على السطح‪ .‬فقد كانت زياراته لدمشق ولبنان تتم علنا ويلتقي‬ ‫فيها أعلى املسؤولني‪ ،‬ثم يعود إلى إسرائيل دون محاسبته أو‬ ‫سؤاله‪ ،‬رغم أن إسرائيل ال تقيم عالقات دبلوماسية مع النظام‬ ‫البعثي‪ .‬وكانت ردود الفعل اإلسرائيلية ال تتعدى الصخب اإلعالمي‬ ‫أيضا‪ ..‬ونفس ردود الفعل اإلسرائيلية كانت على زياراته لألردن‬ ‫قبل توقيع معاهدة الصلح األردنية اإلسرائيلية عام ‪.1994‬‬

‫تراجع طموحه السياسي‬

‫وهناك العديد من الحاالت املعروفة للمواطنني الفلسطينيني في‬ ‫داخل دولة إسرائيل‪ ،‬التي رفضت فيها األجهزة األمنية اإلسرائيلية‬ ‫خروجهم لزيارة لألردن أو سوريا‪ ،‬رغم الظروف اإلنسانية املسببة‬ ‫للزيارة‪ .‬فقد رفضت تلك األجهزة خروج صالح برانسي إلى عمان‬ ‫للمشاركة في حفل تأبني منصور كردوش أحد مؤسسي حركة‬ ‫األرض القومية‪ .‬وبعد وفاة برانسي رفضت السلطات اإلسرائيلية‬

‫في خطاب عزمي بشارة في مدينة قرداحة‪ ،‬بحضور الرئيس‬ ‫السوري بشار األسد والرئيس اللبناني إميل لحود ونائب‬ ‫الرئيس اإليراني آنذاك‪ ،‬دعا إلى توسيع قاعدة املقاومة‪ .‬وازداد‬ ‫خطابه القومي املقاوم زخما بعد حرب لبنان‪ ،‬وبات بشارة املنظر‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬


‫ كيف تدعم «قوميته» انفصاال أو تقسيما داخل األراضي‬‫املحتلة عام ‪ ،67‬باإلضافة إلى تمزيق الكيان السياسي الوطني‪،‬‬ ‫الذي نشأ على األرض الفلسطينية ألول مرة في التاريخ إلى‬ ‫سلطتني متنازعتني تحت االحتالل اإلسرائيلي؟‬ ‫ كيف تقيم «قوميته» اضطرابا داخل أوساط فلسطينيي ‪،48‬‬‫ومن بعد فوضى وتقاتل داخل املجتمعات العربية عموما؟‬ ‫ كيف يدعو أهله من فلسطينيي ‪ 48‬إلى استمرار البقاء‬‫والصمود داخل أراضيهم في مواجهة إسرائيل‪ .‬بينما يغادرها‬ ‫ويغادرهم إلى قطر‪ ،‬وليس إلى سوريا أو ليبيا وأي من مواقع‬ ‫الثورات‪ ،‬التي يدعي أنه منها ويزعم مساندتها ويقوم بخدمه‬ ‫التنظير لها؟‬ ‫يتغنى أو يتشدق القرضاوي وبشارة وبقية أبناء وتنظيمات‬ ‫الحرب الباردة وبقايا ثقافة الالسلم والالحرب بأنهم األقدر على‬ ‫إنجاز التحرر والتنمية‪ ،‬وقد أضافوا أخيرا الديمقراطية أيضا‬ ‫مع أنه ال أصل لها في أفكارهم وممارساتهم وال تجاربهم‪،‬‬ ‫لكنهم ما جلبوا إال االحتالل أو كرسوه‪ ،‬وقد أضافوا إلية‬ ‫تقسيم األوطان تحت االحتالل أو لصالح االحتالل ال فرق‪.‬‬ ‫فهم ممن يزعمون الحرب ويرفضون السلم‪ .‬بينما وظيفتهم‬ ‫األساسية هي التصارع الداخلي‪ ،‬فإسقاط النظام مقدم عندهم‬ ‫على تحرير األوطان‪ .‬وتحرير فلسطني يبدأ عندهم من‬ ‫السيطرة على العواصم العربية الرئيسية أوال‪ ،‬وليس السيطرة‬ ‫على األرض الفلسطينية املحتلة أوال وأخيرا‪ .‬الحاصل أن بقايا‬ ‫الحرب الباردة بشخوصهم وتنظيماتهم ظلوا ويظلون أكبر‬ ‫عائق أمام التحرر والتنمية والديمقراطية‪ .‬وفوق هذا كله أغرقوا‬ ‫املنطقة العربية برمتها في مستنقعات الفوضى‪.‬‬

‫األممية اإلخوانية‬ ‫ال الدوحة هانوي الفيتنامية‪ ،‬وال هي ستالينغراد الروسية‪.‬‬ ‫وال القرضاوي وبشارة من مغاوير القتال‪ ،‬بل من مغاوير‬ ‫الكالم وتروس الدعاية والتعبئة بتنظيرات فوضى ثقافة‬ ‫الالسلم والالحرب املوجهة عبر الفضاء‪ .‬ربما لذلك تبدو ثورات‬ ‫القرضاوي‪ -‬بشارة الفضائية نموذجا واضحا للحرب املوجهة‪،‬‬ ‫التي يتم إدارتها بوسائل الفوضى‪ ،‬أو الفوضى‪ ،‬التي تعد امتدادا‬ ‫للحرب‪ .‬على أرض الواقع تظل األممية اإلخوانية‪ ،‬التي يعبر عنها‬ ‫القرضاوي هي صاحبة الدور املحلي الرئيسي في تدوير عجلة‬ ‫الحرب الطائرة بوسائل الفوضى داخل املنطقة العربية‪ ،‬وفي‬ ‫بدايتها جذب اإلخوان أو تم جذب مختلف التيارات القومية‬ ‫واليسارية والوطنية العامة إلى جانبهم‪ .‬إنما سرعان ما عادت‬ ‫هذه التيارات األخيرة أدراجها تحت وقع نزعات االستئثار‬ ‫واإلقصاء اإلخواني املضاد لها‪ ،‬وانكشاف أبعاد األدوار واألطماع‬ ‫األجنبية في هدم وتمزيق الدول واملجتمعات العربية والسيطرة‬ ‫عليها‪ ،‬فلم يشذ عن هذه القاعدة بالطبع سوى بشارة وبعض‬ ‫الفرق الصغيرة وتحالفات اإلخوان األجنبية إقليميا ودوليا‪.‬‬ ‫ربما بوصفها صاحبة املصلحة األساسية‪.‬‬

‫حرب الفوضى‬ ‫اندلعت حرب الفوضى داخل املنطقة العربية بتفجيرات‬ ‫اجتماعية داخلية هائلة بداية من نهايات عام ‪ ،2010‬وبتعبئة‬ ‫وتوجيه وتحريض غير مسبوق على القتل وسفك الدماء من‬ ‫القرضاوي‪ -‬بشارة ‪ .‬ال فرق‪ ،‬فتم إسقاط حكام وجرى ذبح‬ ‫آخرين بوحشية منقطعة النظير‪ .‬إنما سرعان ما انكشفت‬ ‫االنفجارات على فوضى عارمة‪ ،‬انتقلت معها بلدان الثورة أو‬

‫الحرب من أوضاع الدولة إلى الالدولة‪ .‬كما صارت تعج بمختلف‬ ‫أنواع فوضى االنقسامات والصراعات الداخلية‪ ،‬وسيطرة‬ ‫العصابات املسلحة وأمراء الفوضى‪ ،‬ومنها من سقط في‬ ‫مستنقع الحرب األهلية ومنها من ينتظر أو تهدده أشباحها‬ ‫بدعوات االنفصال داخله‪.‬‬ ‫الشاهد أن نتائج فوضى بقايا الحرب الباردة جاءت فورية فقد‬ ‫انهار داخليا كل ما حول إسرائيل أو تضاءلت قوته‪ .‬بينما‬ ‫بقيت إسرائيل على قوتها‪ .‬إن لم تكن قد ازدادت قوة‪ .‬إضافة‬ ‫لذلك أصبحت املنطقة العربية برمتها ساحة مفتوحة ألطماع‬ ‫أجنبية إقليمية ودولية‪ .‬وصارت مهددة بتقسيمات جغرافية‬ ‫وسياسية‪ -‬اجتماعية جديدة تحت الهيمنة األجنبية من‬ ‫جانب أطراف إقليمية (إسرائيل‪ -‬إيران‪ -‬تركيا)‪ ،‬وأخرى دولية‬ ‫(الواليات املتحدة األميركية‪ -‬بعض القوى األوروبية الرئيسية)‪.‬‬ ‫وكما هو أصل الطبع الذي يغلب التطبع جرى ويجري تسويغ‬ ‫هذا كله بتبريرات موظفة خصيصا من القرضاوي وبشارة‬ ‫و«الجزيرة» واإلخوان وغيرهم من بقايا الحرب الباردة‪ ،‬التي‬ ‫لم تجد حرجا في طلب االستدعاء الصريح للقوات األميركية‬ ‫عند الحاجة أو االستقواء بأميركا وبقية القوى األجنبية‬ ‫اإلقليمية والدولية واستخدام منظمات العنف واإلرهاب كما هو‬ ‫الحال في مواجهة تحدي نجاح الثورة الوطنية املصرية في ‪30‬‬ ‫يونيو (حزيران) املاضي وبرزوها كحائط صد مضاد لحرب‬ ‫الفوضى الجارية‪.‬‬ ‫عزيزنا القارئ فيما تبقى لنا من مساحة ولك من وقت أن‬ ‫تضع بنفسك القرضاوي وبشارة وإخوانهم من بقايا الحرب‬ ‫الباردة في أي وضع تشاء أو يليق بهم أو تعاملهم بما تراه أو‬ ‫يستحقونه <‬

‫‪,,‬‬

‫القرضاوي‬ ‫وبشارة بما‬ ‫يؤمنان به‬ ‫ويمارسانه‬ ‫ينتميان‬ ‫إلى بقايا‬ ‫ثقافة الحرب‬ ‫الباردة‬

‫‪,,‬‬

‫* كاتب ومحلل سياسي ‪ -‬رئيس تحرير «األهرام املسائي»‬ ‫ومدير مكتب «األهرام» في غزة سابقا‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫‪21‬‬


‫قصة الغالف‬

‫يصح عند البعض أن الدكتور يوسف القرضاوي مشكلة كشخص مثلما يبدو الدكتور عزمي بشارة كذلك‪ .‬إنما‬ ‫املشكلة العضال هي في الثقافة التي ينتمي إليها القرضاوي وبشارة معا‪ ،‬مع أن أحدهما مسلم واآلخر مسيحي‪،‬‬ ‫واألول إخواني والثاني يعتبر نفسه قوميا عربيا‪ ،‬واألول أيضا قطري الجنسية مصري األصل‪ ،‬والثاني إسرائيلي‬ ‫الجنسية من «عرب ‪ »48‬وقطري اإلقامة‪.‬‬

‫القرضاوي وبشارة‪ :‬بقايا الحرب الباردة التي تقاتل بالفوضى‬

‫مغاوير الكالم‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫طارق حسن *‬

‫‪,,‬‬

‫يتغنى‬ ‫أو يتشدق‬ ‫القرضاوي‬ ‫وبشارة‬ ‫وبقية أبناء‬ ‫وتنظيمات‬ ‫الحرب الباردة‬ ‫وبقايا ثقافة‬ ‫الالسلم‬ ‫والالحرب‬ ‫بأنهم األقدر‬ ‫على إنجاز‬ ‫التحرر‬ ‫والتنمية‬

‫‪,,‬‬

‫‪20‬‬

‫القرضاوي كما بشارة عابر للوطنية‪ ،‬فال القرضاوي‬ ‫بإخوانيته «وطني مصري أو قطري» باملعنى الفكري‬ ‫والسياسي‪ ،‬وال بشارة بقوميته «وطني من عرب ‪»48‬‬ ‫باملعنى ذاته‪ .‬التحق القرضاوي باألممية اإلخوانية منذ نعومة‬ ‫أظفاره الفكرية والسياسية‪ ،‬وما زال عليها‪ .‬ركب بشارة أوال‬ ‫عربات األممية الشيوعية من املحطة اإلسرائيلية‪ ،‬ثم غادرها‬ ‫المتطاء القومية العربية من بوابة عرب ‪ ،48‬وأخيرا غادر هذا‬ ‫كله باستقالة منه للقنصل اإلسرائيلي في القاهرة من عضويه‬ ‫الكنيست (البرملان اإلسرائيلي) بعد ثالث دورات له‪ ،‬وأيضا من‬ ‫العمل داخل أراضي ‪ ،48‬ليحتل موقع «الخبير» و«املتكلم» في‬ ‫فضائية «الجزيرة» إلى جوار القرضاوي‪.‬‬ ‫القرضاوي وبشارة‪ ،‬بما يؤمنان به ويمارسانه‪ ،‬أو ينتميان‬ ‫إليه ويعبران عنه‪ ،‬من بقايا ثقافة الحرب الباردة والالسلم‬ ‫والالحرب‪ ،‬التي نشأت كأساس فكري سياسي التفاقيات‬ ‫«سايكس‪ -‬بيكو» االستعمارية املفروضة بقوى الهيمنة الدولية‬ ‫وتكرست كواقع أخير‪ ،‬مع انتهاء الحرب العاملية الثانية عام‬ ‫‪ .1945‬وشملت تقسيمات جغرافية ونظما سياسية‪ -‬اجتماعية‬ ‫بمناطق شتى من العالم في القلب منها املنطقة العربية‪.‬‬

‫القومية العربية والقومية اإليرانية‬ ‫شهدت الحرب العاملية األولي نهاية اإلمبراطوريات األملانية‬ ‫والروسية والعثمانية والنمساوية‪ -‬املجرية‪ ،‬وتشكيل دول‬ ‫جديدة في أوروبا والشرق األوسط‪ ،‬وتم نقل املستعمرات‬ ‫األملانية ومناطق اإلمبراطورية العثمانية إلى القوى األخرى‬ ‫خصوصا بريطانيا وفرنسا تحت الهيمنة األميركية‪.‬‬ ‫وضعت الحرب العاملية األولى أيضا بذرة الحركات اآليديولوجية‬ ‫العابرة للوطنية كالشيوعية والقومية واإلخوانية وإلى جانبها‬ ‫صراعات املستقبل في الحرب العاملية الثانية فالحرب الباردة‪.‬‬ ‫باختصار شكلت الحرب العاملية األولى البداية لعالم سايكس‪-‬‬ ‫بيكو‪ ،‬فقد كانت املؤجج للثورة البلشفية الشيوعية في روسيا‪،‬‬ ‫التي أحدثت تغيرا في السياسة الصينية والكوبية‪ ،‬ومهدت‬ ‫الطريق للحرب الباردة بني العمالقني الواليات املتحدة األميركية‬ ‫واالتحاد السوفياتي السابق‪ ،‬كما صدر وعد بلفور‪ ،‬الذي‬ ‫يقضي بقيام وطن قومي لليهود على أرض فلسطني العربية‪،‬‬ ‫فأقيمت إسرائيل رسميا عام ‪ ،1948‬وفي غضون ذلك سادت‬ ‫القومية في مناطق كثيرة من العالم العربي‪ ،‬وبرزت القومية‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫اإليرانية‪ ،‬وقام اإلخوان في مصر عام ‪ ،1928‬فتم استيعابهم‬ ‫في الحرب الباردة‪.‬‬ ‫الحرب الباردة أميركية األصل وثقافة الالسلم والالحرب أيضا‪،‬‬ ‫وتعني ببساطه اصطناع خصم أو دفعه للخصومة‪ ،‬وأن يدفع‬ ‫هذا الخصم تكاليف الحرب دون أن يحارب خارجيا أو يتم‬ ‫فرض الحرب في داخله‪.‬‬ ‫فرضت أميركا الحرب الباردة بثقافتها على العالم منذ عام‬ ‫‪ .1945‬والحقا أفلح األوروبيون والصينيون والروس واليابانيون‬ ‫في التخلص منها‪ ،‬إال العرب فقد بقي يتم في داخلهم إعادة‬ ‫إنتاج وتمجيد مكونات وأوضاع وزعامات وأدوات ترسيخ هذه‬ ‫الثقافة‪ ،‬فبقي أغلب العرب يدفع تكاليف الحرب دون حرب‪ ،‬حتى‬ ‫تم فرض الحرب الداخلية عليهم ببقايا الحرب الباردة وأبناء‬ ‫وأنجال وأحفاد هذه الثقافة وفي مقدمتهم القرضاوي وبشارة‪.‬‬ ‫ربما ال يصدق القرضاوي وبشارة أنهما معا من نماذج بقايا‬ ‫الحرب الباردة وثقافة الالسلم والالحرب‪ ،‬وقد ال يصدق آخرون‬ ‫من نجوم هذه الثقافة‪ .‬إذ ال يسأل القرضاوي نفسه بعمق‬ ‫فيجيبها‪:‬‬ ‫ كيف تنتج أمميته اإلخوانية خاصة والدينية عموما تقسيما‬‫واضطرابا وتفتيتا في الواقع السياسي‪ -‬االجتماعي باملجتمعات‬ ‫العربية واملسلمة قبل غيرها وكما يجري مثاال في السودان‬ ‫وفلسطني املحتلة؟‬ ‫ وكيف تكون أمميته اإلخوانية بذاتها رديفا لالحتالل وقوى‬‫الهيمنة الدولية في الواقع السياسي‪ -‬االجتماعي باملجتمعات‬ ‫العربية واملسلمة‪ ،‬كما يجري منذ نهايات عام ‪ 2010‬وحتى‬ ‫اآلن؟‬ ‫ ثم كيف يكون هو بذاته داعيا الستدعاء قوي الهيمنة األجنبية‬‫وفي مقدمتها الواليات املتحدة األميركية إلى املجتمعات العربية‬ ‫واملسلمة‪ ،‬مع تقديمه خدمة املسوغات واملبررات «الفقهية»‬ ‫الالزمة لجلبها؟‬ ‫كذلك ال يفعل بشارة‪ ،‬فيسأل ويجيب‪:‬‬ ‫ كيف تنتج «قوميته» من ناحية دعوة «لدولة إسرائيلية‪-‬‬‫فلسطينية ثنائية القومية» داخل إسرائيل‪ .‬بينما يناهض بذاته‬ ‫من ناحية أخرى التيار الرئيسي في الحركة الوطنية الفلسطينية‬ ‫الداعم لقيام دوله فلسطينية مستقلة على األراضي املحتلة عام‬ ‫‪67‬؟‬


Distinguish yourself

Kingâ&#x20AC;&#x2122;s is ranked in the top 30 universities worldwide* and based in the heart of London. With nine Schools and six Medical Research Council centres, Kingâ&#x20AC;&#x2122;s offers world-class teaching and research. Our extensive range of subjects includes humanities, law, medicine, psychiatry, dentistry, nursing, mathematics; natural, biomedical, social and management sciences. For further information, please contact Ghazi Lashab at ghazi.lashab@kcl.ac.uk *QS World University Rankings, 2011

www.kcl.ac.uk


‫شؤون سياسية‬

‫‪,,‬‬

‫صعود الصني‬ ‫لم يكن يوما‬ ‫خافيا على‬ ‫الواليات‬ ‫املتحدة‪ ،‬التي‬ ‫بدأت منذ اعادة‬ ‫انتخاب أوباما‬ ‫ما أطلقت‬ ‫عليه سياسة‬ ‫«االستدارة» من‬ ‫الشرق األوسط‬ ‫إلى الشرق‬ ‫األدنى‬

‫‪,,‬‬

‫وقد تؤثر سلبا على األداء االقتصادي الصيني‪ .‬بكني بدورها أدركت‬ ‫أن سباقا أمامها‪ ،‬فراحت توقع االتفاقيات مع الجمهوريات السوفياتية‬ ‫السابقة الواقعة على حدودها الشمالية‪ ،‬والغنية بالنفط عموما‪ .‬لكن هذه‬ ‫الدول تفتقر إلى املقدرة االقتصادية والبشرية التي تتمتع بها االقتصادات‬ ‫املتقدمة شريكة أميركا‪ ،‬في االتفاقية املذكورة‪ ،‬مثل اليابان وأستراليا‬ ‫وكوريا الجنوبية‪ .‬هكذا‪ ،‬بعدما وضعت واشنطن نفسها على مسار‬ ‫اقتصادي تنافسي يجعل من تفوق الصني عليها أمرا أصعب مما كان‬ ‫عليه قبل خمسة أعوام‪ ،‬التفتت إلى التوازنات العسكرية‪ ،‬فوقعت اتفاقيات‬ ‫جديدة مع دول مجاورة للصني‪ ،‬وتضمنت هذه االتفاقيات إنشاء قاعدة‬ ‫أميركية للمارينز في أستراليا‪ ،‬وقواعد لطائرات التجسس من دون طيار‬ ‫من طراز «غلوبال هوك» في اليابان‪ ،‬في شهر سبتمبر (أيلول) املاضي‪.‬‬ ‫ومع أن التجسس موجه نظريا إلى كوريا الشمالية‪ ،‬فإنه يغطي من دون‬ ‫شك حركة القطعات البحرية الصينية‪.‬‬ ‫ومن املتوقع أن تسهم الترسانة العسكرية األميركية املتفوقة في حماية‬ ‫خطوط التجارة بني دول هذه االتفاقية‪ ،‬وتعزيز أمن مجموعة «الشراكة‬ ‫عبر الباسيفيك»‪ ،‬تماما كما فعلت القوات األميركية و«حلف األطلسي»‬ ‫في زمن الحرب الباردة في وجه السوفيات‪ .‬هذه املواجهة األميركية ‪-‬‬ ‫الصينية الباردة ستؤثر على السياسة الدولية ألبرز قوتني في العالم‪،‬‬ ‫وسيتصدرها من دون الشك النزاع القديم على مصادر الطاقة‪ ،‬فالصني‬ ‫أصبحت مؤخرا األولى عامليا في استهالك النفط بدال من أميركا‪ ،‬ال‬ ‫بسبب زيادة حاجتها إلى الطاقة فحسب‪ ،‬بل بسبب اقتراب أميركا من‬ ‫االكتفاء الذاتي‪ ،‬وهو ما دفع األميركيني إلى االعتقاد بأن االستمرار في‬ ‫سياسة حماية منابع النفط‪ ،‬وطرق انتقاله البحرية والدولية‪ ،‬عملية مكلفة‬ ‫لواشنطن ومردودها األكبر يعود إلى الصني‪ .‬هكذا‪ ،‬صارت األصوات‬ ‫تتردد داخل العاصمة األميركية حول ضرورة إما إجبار الصني على‬ ‫تحمل مسؤولياتها في تكاليف حماية التجارة الدولية‪ ،‬ومنها الطاقة‪ ،‬أو‬ ‫االنسحاب من املناطق التي تعتقد واشنطن أن الصني بحاجة أكثر لها‪،‬‬ ‫مثل الشرق األوسط‪ ،‬مما يجبر بكني على التدخل إيجابا في صناعة‬ ‫سياسات هذه الدول بدال من دور املتفرج أو املعطل الذي تلعبه هنا أو‬ ‫هناك‪ ،‬فإذا كانت القنبلة النووية اإليرانية تدفع إلى سباق تسلح نووي‬ ‫وتهدد استقرار الشرق األوسط وتدفع سعر النفط صعودا‪ ،‬فلتتعامل‬ ‫الصني بمسؤولية أكبر مع املوضوع‪.‬‬ ‫والدعوة األميركية إلى مسؤولية صينية عاملية تنطبق كذلك على شؤون‬ ‫مثل البيئة وانبعاث الغازات الحرارية‪ ،‬ومكافحة الجريمة الدولية‪ ،‬ومجابهة‬ ‫االتجار باملخدرات‪ ،‬ومحاربة القرصنة‪ ،‬فإذا كانت الصني تفيد من‬ ‫االستقرار ومن محاربة هذه اآلفات‪ ،‬فعليها املساهمة سياسيا وماليا‬ ‫في ذلك‪ .‬هذا يعني أن أميركا جدية في سياسة «االستدارة»‪ ،‬وأنها تنوي‬ ‫استثمار ما تبقى لها من تفوق على الصني في إطالة تفوقها قدر اإلمكان‪،‬‬ ‫بل استعادته وتثبيته إن أمكن‪.‬‬

‫االستدارة في زمن العوملة‬

‫توم دونيلون مستشار الرئيس األمريكي‬ ‫لشؤون األمن القومي‬

‫‪18‬‬

‫توم دونيلون عمل مستشار األمن القومي الثالث والعشرين في تاريخ‬ ‫الواليات املتحدة‪ ،‬والثاني عند أوباما‪ ،‬وهو شغل منصبه بني عامي ‪2010‬‬ ‫و‪ .2013‬أما أبرز ما يعزى إليه فهو تصميمه لسياسة «االستدارة» من‬ ‫الشرق األوسط إلى الشرق األدنى التي تنتهجها الحكومة األميركية‬ ‫الحالية‪ .‬وبموجب هذه السياسة‪ ،‬أنهت أميركا حربها في العراق على‬ ‫وجه السرعة‪ ،‬أي من دون التوصل إلى اتفاقية مع العراقيني إلبقاء قوة‬ ‫عسكرية صغيرة بعد االنسحاب األميركي في نهاية عام ‪ .2011‬كذلك‪،‬‬ ‫تسعى أميركا إلى إنهاء حربها في أفغانستان العام املقبل‪ ،‬بغض النظر‬ ‫إن نجحت في تثبيت الوضع هناك أم ال‪ ،‬وبغض النظر إن وافق األفغان على‬ ‫إبقاء قوة أميركية صغيرة في مرحلة ما بعد االنسحاب أم ال‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫وال يخفى أنه في أثناء املرحلة التي عرفت بالربيع العربي‪ ،‬بدت واشنطن‬ ‫مرتبكة تجاه الثورة التي أطاحت بالرئيس املصري األسبق حسني‬ ‫مبارك‪ ،‬ومترددة في املشاركة في الحرب التي أطاحت بالعقيد الليبي‬ ‫معمر القذافي‪ .‬وبلغ التقاعس األميركي في الشرق األوسط ذروته بعدما‬ ‫تراجعت واشنطن عن توجيه ضربة لنظام بشار األسد في سوريا‪،‬‬ ‫بعد شن نظام األخير هجوما باألسلحة الكيماوية ضد مدنيني في ‪21‬‬ ‫أغسطس (آب) املاضي‪.‬‬ ‫في السياق نفسه‪ ،‬يندر أن يفوت أوباما فرصة من دون أن يتوجه إلى‬ ‫قيادة إيران بطلب انفتاح إلى درجة تبدو وكأنها تشبه االستجداء‪ .‬وال‬ ‫يختلف الباحثون على أن لدى إيران فرصة ذهبية القتناص تسوية من‬ ‫أميركا تكون في مصلحة طهران‪ ،‬فتتحول إيران إلى دولة نووية‪ ،‬أو على‬ ‫األقل تصبح صاحبة مقدرة على إنتاج أسلحة نووية حتى لو لم تقم‬ ‫فعليا بصناعة هذه األسلحة‪ ،‬وفي الوقت نفسه ترفع أميركا واملجتمع‬ ‫الدولي العقوبات االقتصادية املفروضة عليها مقابل تطبيع دبلوماسي‬ ‫بني الجانبني‪ .‬وتعتقد الواليات املتحدة‪ ،‬على األقل حسب كتاب مذكرات‬ ‫وزير الدفاع تشاك هاغل الذي أصدره على أثر تقاعده من مجلس الشيوخ‬ ‫في عام ‪ ،2008‬أن االنفتاح على إيران يشبه انفتاح أميركا على الصني‬ ‫الشيوعية مطلع السبعينات‪ .‬يومذاك‪ ،‬تجاهلت واشنطن عقيدة الصني‬ ‫االقتصادية وتجاوزاتها لحقوق اإلنسان ومعظم املبادئ التي تبشر‬ ‫أميركا بها‪ ،‬وانفتحت على بكني في سبيل ما اعتقدته مكاسب اقتصادية‬ ‫على شكل تجارة واستثمارات مربحة للشركات األميركية في الصني‪.‬‬ ‫لكن الدرس الوحيد من االنفتاح األميركي على الصني هو أن األخيرة‬ ‫تحولت إلى قوة اقتصادية‪ ،‬وبقيت في الوقت نفسه ندا ‪ -‬وفي بعض األحيان‬ ‫خصما ‪ -‬للواليات املتحدة‪ .‬ومن غير املفهوم كيف يمكن أن تتحول إيران‬ ‫النووية‪ ،‬صاحبة أكبر مخزونات العالم النفطية‪ ،‬إلى قوة صديقة ألميركا‪،‬‬ ‫من دون أن تهدد املصالح األميركية ومصالح حلفائها في املنطقة‪ .‬ثم إنه‬ ‫في حال رفع العقوبات عن إيران‪ ،‬وبسبب قرب الصني جغرافيا منها‪،‬‬ ‫تكون الواليات املتحدة قد قدمت للصينيني مصدرا هائال للطاقة على طبق‬ ‫من ذهب‪ ،‬مما يعني أن سياسة «االستدارة»‪ ،‬التي تفترض أن الشرقني‬ ‫األوسط واألدنى كيانان منفصالن وال يرتبطان مع بعضهما البعض‪ ،‬هي‬ ‫ضرب من السذاجة في السياسة الدولية‪ ،‬فاالستدارة األميركية ممكنة‬ ‫فقط لو كان الشرقان منفصلني إلى الحد الذي يتصوره بعض األميركيني‬ ‫من أمثال دونيلون‪ .‬ولكن مع عالم معولم ومتصل ببعضه بعضا على‬ ‫شكل يومنا الحالي‪ ،‬تصعب االستدارات‪ ،‬ويصبح املطلوب سياسات أكثر‬ ‫تعقيدا تسمح لواشنطن بأن «تمشي وتمضغ العلكة في الوقت نفسه»‪،‬‬ ‫على حسب التعبير األميركي الرائج‪.‬‬

‫أميركا القوية وقيادتها الضعيفة‬ ‫على ضوء ما تقدم‪ ،‬يمكن االستنتاج أن حلول الصني محل أميركا ما‬ ‫زال موضع شك‪ ،‬وأن الواليات املتحدة ما زالت تتمتع بقدرات تجعل من‬ ‫الصعب أن ينافسها آخرون‪ .‬لكن من الواضح أيضا أن واشنطن ابتليت‬ ‫بقيادة عديمة الخبرة في الشؤون الدولية‪ ،‬وهي حتى لو نجحت في الفوز‬ ‫في سباقها مع الصني‪ ،‬ترتكب أخطاء على صعيد العالم‪ ،‬خصوصا في‬ ‫الشرق األوسط‪ ،‬من شأنها أن تعطي الصينيني نقاط أفضلية‪ ،‬على عكس‬ ‫ما تأمله واشنطن‪ .‬أما أبرز األمثلة على ضعف أميركا عامليا على الرغم‬ ‫من قوتها الفعلية فيبدو جليا في تفوق الروس واإليرانيني‪ ،‬الذين يتأخرون‬ ‫بما ال يقاس على أميركا‪ ،‬ألسباب يبدو أنها تنحصر بسياسات واشنطن‬ ‫حصرا <‬ ‫* صحافي لبناني يقيم في الواليات املتحدة األميركية يكتب بانتظام في صحف اميركية من‬ ‫بينها نيويورك تايمز‪ ،‬واشنطن بوست‪ ،‬كريسشان ساينس مونيتور‪ ،‬كما شارك في برامج‬ ‫تلفزيونية على قنوات اخبارية اميركية‬


‫إلى أقصاه‪ .‬ويمكن القول إن النموذج الصيني سيرتطم بالسور العظيم‪،‬‬ ‫والسؤال الوحيد اآلن هو مدى فداحة االرتطام»‪.‬‬ ‫وينقسم بعض االقتصاديني في تحديد شكل األزمة الصينية املقبلة‪،‬‬ ‫فيعتقد بعضهم أنه ال يمكن لهذه األزمة أن تأتي على شكل التعثر الياباني‬ ‫في عام ‪ ،1992‬بسبب محدودية انخراط الصني في األسواق املالية العاملية‪،‬‬ ‫فيما يعتقد جزء آخر أنه بسبب إصرار الصني على تمويل حكومي‬ ‫لصناعتها من أجل اإلبقاء على إنتاجها مرتفعا من أجل الحفاظ على‬ ‫«األمن االجتماعي»‪ ،‬املرتبط بإبقاء معدالت البطالة منخفضة‪ ،‬قد يأتي‬ ‫انهيار الصني االقتصادي بطيئا على شكل الوهن الذي أصاب االتحاد‬ ‫السوفياتي‪.‬‬ ‫وبغض النظر عن إن كان اقتصاد الصني سيرتطم بأي عقبات أم ال‪،‬‬ ‫فإنه من املؤكد أن أمامها عقدين فقط لتحقيق سطوتها العاملية والحفاظ‬ ‫عليها‪ ،‬إذ من املتوقع أن تصيب الشعب الصيني شيخوخة قبل حلول‬ ‫منتصف القرن الحالي‪ ،‬وهو ما يفرض تراجعا اقتصاديا على غرار‬ ‫أوروبا واليابان‪ .‬ويبدو ذلك جليا في أرقام نمو السكان‪ ،‬فالنسبة الوحيدة‬ ‫التي تتقدم فيها أميركا على الصني منذ عام ‪ 1992‬هي النمو السكاني‪،‬‬ ‫بفعل الوالدة والهجرة‪ ،‬مما يعني أن أمام أميركا فرصا أكبر للحفاظ على‬ ‫شبابية قوتها اإلنتاجية لفترة أطول بكثير من الصني واليابان وباقي‬ ‫االقتصادات املتقدمة‪ ،‬وما من شأنه أن يسمح ألميركا بالحفاظ على‬ ‫صدارتها االقتصادية العاملية‪ ،‬وتاليا سطوتها‪.‬‬

‫الحرب الباردة بنسختها املحدثة‬ ‫أميركا املتيقظة دائما ألي منافسة عاملية ال يبدو أنها تنتظر تعثر الصني‬ ‫ذاتيا‪ ،‬بل تعمل وكأن النمو الصيني مستمر إلى األبد‪ .‬هكذا‪ ،‬والحتواء‬ ‫الصعود الصيني‪ ،‬كان ال بد لواشنطن من عقد تحالفات دولية على غرار‬

‫تلك التي عقدتها زمن الحرب الباردة‪ ،‬ففي أيام الصراع مع موسكو تفوق‬ ‫السوفيات على األميركيني في عديد القوات التقليدية وكميات األسلحة‬ ‫ومساحة الجبهات‪ ،‬حتى إنهم صعدوا إلى الفضاء قبل األميركيني‪ ،‬لكن‬ ‫أميركا نجحت في خلق «تحالف األطلسي» مع األوروبيني‪ ،‬وكان يمكن‬ ‫لهذا التحالف مقارعة الروس من حيث عديد الجنود الذي كانت أميركا‬ ‫متأخرة فيه‪.‬‬ ‫في حالة الصراع مع الصني‪ ،‬تعاني أميركا مشكلة مشابهة‪ ،‬فعدد سكانها‬ ‫البالغ ‪ 330‬مليونا بالكاد يبلغ ربع تعداد سكان الصينيني‪ .‬اقتصاديا‪،‬‬ ‫يعطي ذلك الصني نقاط تفوق متعددة‪ ،‬فمع التقدم في مداخيل الصينيني‪،‬‬ ‫يمكن أن تتحول الصني إلى أكبر سوق استهالكية في العالم‪ ،‬وهي لديها‬ ‫حاليا أكبر عدد من العاملني على وجه املعمورة‪ ،‬كما أن تعداد أفراد طبقتها‬ ‫الوسطى وحدها يساوي عدد الشعب األميركي مجتمعا‪.‬‬ ‫وتشير أحدث اإلحصاءات إلى أن أميركا ما زالت أكبر سوق في العالم مع‬ ‫حجم استيراد سنوي يبلغ تريليونني و‪ 200‬مليار سنويا‪ ،‬تليها الصني‬ ‫بتريليون و‪ 700‬مليار‪ .‬أما إذا تحولت الصني إلى أكبر مستوردة في العالم‪،‬‬ ‫فذلك سيعني أن الدول ستسعى إلى صداقتها أكثر للحفاظ على هذه‬ ‫السوق‪ ،‬مما سيعطي الصني أهمية استراتيجية تتفوق فيها على أميركا‪.‬‬ ‫على ضوء ذلك‪ ،‬قامت الواليات املتحدة باالنضمام إلى سوق إقليمية‬ ‫تجمعها مع حلفائها ومنافسي الصني في جنوب وشرق آسيا‪ ،‬وذلك في‬ ‫إطار اتفاقية «الشراكة عبر الباسيفيك»‪ ،‬وهي اتفاقية تجارة حرة في حال‬ ‫قيامها املتوقع قريبا ستجمع كتلة بشرية من نحو ‪ 800‬مليون بشري‪،‬‬ ‫مع اقتصاد يبلغ حجمه ‪ 28‬تريليون دوالر‪ .‬هذه الشراكة‪ ،‬املبنية على رؤية‬ ‫أميركية للتجارة العاملية ‪ -‬غالبا ما ال تلتزم بها الصني ‪ -‬تحترم حقوق‬ ‫امللكية الفكرية وقواعد التجارة الحرة وتلغي الحمايات الجمركية‪ ،‬وهي‬ ‫في حال قيامها ستتحول إلى عمالق اقتصادي يفيد الدول األعضاء‪،‬‬

‫‪,,‬‬

‫باراك أوباما يصافح‬ ‫الرئيس الصيني شي جني بينغ‬

‫في حال رفع‬ ‫العقوبات عن‬ ‫إيران وبسبب‬ ‫قرب الصني‬ ‫جغرافيا منها‬ ‫تكون الواليات‬ ‫املتحدة قد‬ ‫قدمت للصينيني‬ ‫مصدرا هائال‬ ‫للطاقة على طبق‬ ‫من ذهب‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫‪17‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫انهيار سطوة السوفيات العسكرية وتوقف املاكينة االقتصادية اليابانية أبقيا الواليات املتحدة وحدها في طليعة‬ ‫دول العالم عسكريا واقتصاديا من دون منازع‪ .‬ذلك االنفراد بالصدارة هو الذي دفع األميركيني‪ ،‬مسؤولني ومثقفني‪،‬‬ ‫إلى الوقوف والتأمل في بريق تلك اللحظة‪ ،‬فأطلق الرئيس األسبق بيل كلينتون لقب «القرن األميركي» على القرن‬ ‫العشرين‪ ،‬فيما أطلق األكاديمي املعروف فرانسيس فوكوياما عنوان «نهاية التاريخ» على السنوات األخيرة من‬ ‫األلفية الثانية التي شهدت تفوقا أميركيا ال لبس فيه‪.‬لكن التاريخ لم ينته‪ ،‬وراحت الواليات املتحدة تخسر صدارتها‬ ‫في بعض املجاالت االقتصادية مع نهاية القرن املاضي‪.‬‬

‫املواجهة األميركية ـ ـ الصينية ستؤثر على السياسة الدولية‬

‫غروب وشروق‬

‫بقلم‪:‬‬ ‫حسني عبد الحسني *‬

‫‪,,‬‬

‫االقتصاد‬ ‫الصيني‬ ‫سيصبح‬ ‫األكبر عامليا‬ ‫في عام ‪2021‬‬ ‫وستتحول‬ ‫الصني إلى‬ ‫أكبر دولة تنفق‬ ‫على الشؤون‬ ‫الدفاعية في‬ ‫عام ‪2025‬‬ ‫متخطية‬ ‫أمريكا‬

‫‪,,‬‬

‫‪16‬‬

‫في عام ‪ 1999‬انتزعت الصني صدارة العالم في استهالك‬ ‫الفوالذ‪ ،‬وفي عام ‪ 2001‬في عدد الهواتف النقالة‪ ،‬وفي عام ‪2002‬‬ ‫أصبحت الصني األولى عامليا في استهالك النحاس‪ .‬أما في عام‬ ‫‪ 2003‬فتصدرت الصني دول العالم في االستثمارات األجنبية‪ ،‬وأصبحت‬ ‫الدولة األولى في انبعاث ثاني أكسيد الكربون في عام ‪ ،2006‬واألولى في‬ ‫الصادرات في عام ‪ .2007‬وفي عام ‪ 2010‬أصبحت الصني األولى في‬ ‫اإلنتاج الصناعي‪ ،‬وفي استهالك الطاقة‪ ،‬وفي مبيعات السيارات‪.‬‬ ‫هذا التقدم السريع جعل الصني تتقدم في عام ‪ 2011‬إلى مركز ثاني أكبر‬ ‫اقتصاد في العالم‪ ،‬لتحل محل اليابان‪ .‬ومع نهاية العام الحالي من املتوقع‬ ‫أن يبلغ حجم االقتصاد الصيني ‪ 9‬تريليونان دوالر‪ ،‬ليبقى في املرتبة‬ ‫الثانية خلف االقتصاد األميركي الذي يبلغ حجمه ‪ 14‬تريليونا‪.‬‬ ‫وحسب توقعات «ذي إيكونوميست انتيليجنس يونيت» املرموقة‪ ،‬فإن‬ ‫االقتصاد الصيني سيصبح األكبر عامليا في عام ‪ ،2021‬وستتحول‬ ‫الصني إلى أكبر دولة تنفق على الشؤون الدفاعية في عام ‪ ،2025‬متخطية‬ ‫أميركا التي بلغ إنفاق وزارتها للدفاع في عام ‪ 2008‬إنفاق وزارات‬ ‫دفاع العالم مجتمعة‪ .‬صعود الصني هذا لم يكن يوما خافيا على أحد‪،‬‬ ‫خصوصا الواليات املتحدة‪ ،‬التي بدأت منذ انتخاب باراك أوباما في عام‬ ‫‪ 2009‬ما أطلقت عليه سياسة «االستدارة» من الشرق األوسط إلى الشرق‬ ‫األدنى‪ ،‬وهي سياسة معقدة ومبنية على خطوات مصممة إلبقاء أميركا‬ ‫األولى عامليا‪ .‬حجر الزاوية في سياسة أوباما هذه هو إعادة تأهيل داخلية‪،‬‬ ‫وهو ما كان يتطلب حكما إنهاء حروب أميركا املكلفة في الخارج‪ ،‬أي في‬ ‫العراق وأفغانستان‪ ،‬التي تشير التقديرات إلى أن تكلفتها بلغت قرابة ‪6‬‬ ‫تريليونات دوالر‪ ،‬أو ثلث الدين األميركي العام البالغ نحو ‪ 17‬تريليونا‪.‬‬ ‫وترافق إنهاء اإلنفاق األميركي «لبناء الدول» في الخارج مع تجديد حزمة‬ ‫من السياسات االقتصادية أسهمت في إعادة إحياء الصناعة األميركية‬ ‫وزيادة الصادرات التي ارتفعت بنسبة ‪ 19‬في املائة بني عامي ‪2008‬‬ ‫و‪ ،2012‬لتصل إلى تريليون و‪ 500‬مليون‪ ،‬فقفزت أميركا من املركز الثالث‬ ‫عامليا في الصادرات إلى املركز الثاني‪ ،‬لتحل محل أملانيا وتصبح الثانية‬ ‫خلف الصني‪ .‬وكانت أميركا خسرت مركزها األول في عام ‪ ،2003‬لكن‬ ‫مع حلول عام ‪ 2013‬أظهرت البيانات أن كمية صادرات أميركا بلغت ‪76‬‬ ‫في املائة من صادرات الصني‪ ،‬وهو ما يشير إلى تقلص في الهوة بني‬ ‫البلدين ملصلحة األميركيني‪ .‬ومن حسن حظ أوباما أن سياسته للبقاء‬ ‫في الصدارة ترافقت مع انتشار تقنية استخراج النفط والغاز الصخري‪،‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫وشهدت أميركا العام املاضي زيادات في ناتجها اليومي من الطاقة لم‬ ‫تشهدها منذ اكتشاف البترول في والية بنسلفانيا في عام ‪ .1859‬وكانت‬ ‫وزارة الطاقة األميركية أعلنت‪ ،‬الشهر املاضي‪ ،‬أنها احتلت املركز األول‬ ‫كأكبر دولة منتجة للنفط والغاز في العالم‪ ،‬لتحل محل روسيا‪.‬‬ ‫الفورة النفطية األميركية ال تنبئ باكتفاء ذاتي مع نهاية العقد فحسب‪،‬‬ ‫بل أسهمت حتى اآلن في إعادة إحياء صناعات أميركية كثيرة ترتبط‬ ‫بمشتقات النفط‪ ،‬وأسهمت هذه الصناعات ‪ -‬مع الزيادة في التصدير‬ ‫والتقليص في استيراد الطاقة ‪ -‬إلى تقليص في عجز ميزان املدفوعات‬ ‫األميركي للمرة األولى منذ عقود‪.‬‬

‫هل تصبح الصني األولى عامليا؟‬ ‫بدأت أرقام تشير إلى تعافي اقتصادها‪ ،‬وإن بشكل خجول‪ ،‬وصارت نسب‬ ‫النمو االقتصادي تقارب ‪ 3‬في املائة سنويا‪ ،‬يترافق ذلك مع انخفاض في‬ ‫نسبة البطالة وفي عجز ميزانية الدولة السنوي‪ .‬في الوقت نفسه‪ ،‬تراجعت‬ ‫نسب النمو االقتصادي في الصني في عام ‪ 2013‬إلى ‪ 7.5‬في املائة‪ ،‬بعدما‬ ‫تعدت ‪ 14‬في املائة في عام ‪.2009‬‬ ‫واالقتصاديون ينقسمون عموما حول مستقبل الصني‪ .‬البعض من أمثال‬ ‫جيم أونيل‪ ،‬مؤلف تسمية «دول بريكس»‪ ،‬يعتقد أنه في حني خيبت آماله‬ ‫ثالث دول من هذه املجموعة هي البرازيل وروسيا والهند‪ ،‬التي انهار‬ ‫الصعود االقتصادي الذي شهدته على مدى العقد املاضي‪ ،‬فإن أونيل ما‬ ‫زال يراهن على أن الصني ستنجح في قلب اقتصادها من واحد يعتمد‬ ‫على االستثمارات األجنبية والتصدير إلى آخر يعتمد على االستهالك‬ ‫الداخلي‪ .‬وبمقارنة بسيطة‪ ،‬يظهر أنه فيما يعتمد ثلثا نشاط اقتصاد‬ ‫أميركا على االستهالك املحلي‪ ،‬ال تتعدى النسبة نفسها ‪ 35‬في املائة في‬ ‫الصني حسب بيانات خريف عام ‪ .2013‬وكانت الحكومة الصينية وعدت‬ ‫بزيادة نسبة االستهالك إلى ‪ 50‬في املائة من ناتجها املحلي مع نهاية العقد‬ ‫الحالي‪ ،‬إال أن هذا الهدف يبدو طموحا بعض الشيء‪.‬‬ ‫بدوره‪ ،‬يقول املعلق في صحيفة «نيويورك تايمز» وأستاذ االقتصاد‬ ‫الحائز لجائزة نوبل بول كروغمان إن «اإلشارات اليوم ال يمكن أن تخطئ‪،‬‬ ‫فالصني في ورطة كبيرة»‪ .‬ويضيف «نحن ال نتحدث عن تراجع بسيط‪،‬‬ ‫إنما مشكلة جوهرية»‪ .‬ويتابع أن «كل النموذج الذي تجري فيه الصني‬ ‫أعمالها‪ ،‬النظام االقتصادي الذي غذى ثالثة عقود من النمو املذهل‪ ،‬وصل‬


‫واعتبار إيران لتركيا جسرا آمنا يبقي على وشائج التواصل بني طهران‬ ‫والغرب في أصعب الظروف‪.‬‬ ‫وفى ظل التداعيات الالفتة للثورات العربية التي أظلت منطقة طاملا شكلت‬ ‫مسرحا مهما للتنافس بني أنقرة وطهران‪ ،‬برأسها أطلت عالمات االستفهام‬ ‫متسائلة عن إمكانية تأثر أسس العالقات التركية اإليرانية بتلك التداعيات‪.‬‬ ‫ففي خضم التحوالت املفصلية التي تجتاح منطقة الشرق األوسط‪ ،‬الحت في‬ ‫األفق نذر تنافس بني مشروعني‪ ،‬أولهما‪ ،‬إيراني يسوق لنظام حكم ثيوقراطي‬ ‫ويقود «محور املمانعة» والتصدي ملا يعتبره مؤامرات غربية وهيمنة أميركية‬ ‫وإسرائيلية‪ ،‬وال يتورع عن التدخل في شؤون دول الجوار مستخدما أدوات‬ ‫صلبة وناعمة في آن‪ .‬وثانيهما‪ ،‬تركي يستخدم القوة الناعمة كالديمقراطية‬ ‫والتنمية االقتصادية والجمع بني اإلسالم والعلمانية والحداثة من دون تدخل‬ ‫في شؤون الغير‪ ،‬وهو نموذج تحديثي يستند على ثالوث الجيش واإلدارة‬ ‫واالعتدال اإلسالمي‪ .‬وفي حني ال يلقى املشروع األول رواجا عربيا أو دعما‬ ‫غربيا‪ ،‬يحظى اآلخر بمستوى ما من القبول العربي والتأييد الغربي‪.‬‬ ‫وقد بدت مالمح التنافس بني املشروعني واضحة في غير موضع بدءا من‬ ‫القوقاز وآسيا الوسطى‪ ،‬مرورا ببالد الشام والعراق ودول مجلس التعاون‬ ‫الخليجي وانتهاء بأفريقيا‪ .‬وفى اآلونة األخيرة‪ ،‬وتحديدا خالل جولة أردوغان‬ ‫بشمال أفريقيا‪ ،‬بدأت إيران تلمس تحركا محموما من قبل حكومة العدالة‬ ‫لتسويق نموذجها املدعوم غربيا بغية تقليص املد اإليراني‪ ،‬إذ ترى إيران في‬ ‫احتضان أنقرة للمعارضة السورية محاولة لفرض نظام سوري موال لألتراك‬ ‫يقود بدوره إلى تكرار سيناريو معركة جال ديران عام ‪ 1514‬التي هزم فيها‬ ‫الشاه إسماعيل الصفوي أمام السلطان العثماني سليم األول وفتحت الطريق‬ ‫أمام العثمانيني للسيطرة على الجنوب عبر مرج دابق عام ‪ ،1516‬ثم الحجاز‬ ‫ومصر في السنة التالية ومن بعديهما العراق عام ‪.1534‬‬ ‫وبناء عليه‪ ،‬طالب املستشار العسكري ملرشد الثورة اإليرانية تركيا بضرورة‬ ‫إعادة النظر في مسعاها لتسويق ما اعتبره «علمانية مسلمة غير متوقعة‬ ‫وال يمكن تصورها» في العالم العربي‪ ،‬وهددها بأنها ستواجه مشكالت مع‬ ‫شعبها ومع جيرانها‪ ،‬كما ستقوم كل من سوريا والعراق وإيران بإعادة تقييم‬ ‫عالقاتها معها‪ ،‬إذا لم تتراجع‪ .‬ورغم الزخم الواضح في بواعث التوتر بني‬ ‫أنقرة وطهران جراء الثورات العربية‪ ،‬ثمة مؤشرات عدة تشي باستمرار السمت‬ ‫التفاهمي لعالقاتهما‪ .‬فبقدر ما يطوي ذلك الربيع بني ثناياه من تحديات‪ ،‬يمكن‬ ‫القول إنه لم يخل من محفزات لإلبقاء على ذلك السمت‪ .‬فمع حالة الضبابية‬ ‫الشديدة التي باتت تلف املشهد الشرق أوسطي‪ ،‬قد ال تجد أنقرة وطهران‬ ‫بدا من االستقواء ببعضهما بعضا على خلفية عدم ثقتهما في واشنطن‬ ‫وتل أبيب ومخططاتهما بشأن إعادة هندسة املنطقة‪ .‬ففي حني تتطلع أنقرة‬ ‫من جانبها إلى توسيع دائرة عمقها الجيواستراتيجي قدر املستطاع ليكون‬ ‫رصيدا مهما يعزز موقفها التفاوضي مع حلفائها الغربيني ويعظم من فرص‬ ‫ولوجها إلى فردوسها األوروبي‪ ،‬وظهيرا موازيا أو خيارا بديال تلوذ به حالة‬ ‫إخفاق أو تعثر رهاناتها على الغرب‪ ،‬وهو ما يفسر إخراج وثيقة األمن القومي‬ ‫التركية للعام ‪ 2010‬كل من روسيا وسوريا وإيران واليونان من خانة العدو‬ ‫الخارجي‪ ،‬تحرص طهران في مسعى آخر على االحتفاظ بنافذة استراتيجية‬ ‫حيوية تطل من خاللها على املجتمع الدولي‪ ،‬سواء ألغراض املناورة أو التقارب‬ ‫ما استطاعت ألحدهما أو لكليهما سبيال‪ ،‬وتبقى عبرها الباب مواربا أمام‬ ‫أي صفقة جديدة محتملة بأي وقت بني النظام األكثر براجماتية في طهران‬ ‫ونظرائه على الجانب اآلخر‪ ،‬سواء أولئك املترقبني في كل من واشنطن وتل‬ ‫أبيب‪ ،‬أو هؤالء القلقني املترددين بشأن التقارب معها في سائر بلدان العالم‬ ‫العربي واإلسالمي‪.‬‬

‫التصالحي واملصلحي‬ ‫ومن رحم ذلك التصور‪ ،‬انبلجت مبادرات وخطا التقارب بني أنقرة وطهران‬ ‫مؤخرا‪ .‬فعلى مستوى التحرك الثنائي‪ ،‬لم يوصد الجانبان كلية باب الحوار مع‬ ‫دول قوقازية وغربية حول مشروع «نابوكو» لنقل النفط والغاز من وسط آسيا‬ ‫إلى أوروبا عبر تركيا وإيران دون املرور باألراضي الروسية‪ .‬وعلى الصعيد‬

‫التركي‪ ،‬عمدت حكومة العدالة إلى طمأنة طهران بشأن نشر رادارات للدرع‬ ‫الصاروخية األطلسية في تركيا وتعزيز إجراءات بناء الثقة معها مؤكدة أنها‬ ‫ال تستهدف إيران‪ ،‬كما شدد وزير الخارجية التركي خالل استقباله علي‬ ‫فتح الله‪ ،‬مساعد وزير الخارجية اإليراني لشؤون آسيا واملحيط الهادي مطلع‬ ‫شهر أكتوبر (تشرين األول) ‪ ،2012‬أن أحدا ال يستطيع تهديد أمن إيران عبر‬ ‫األراضي التركية‪ ،‬التي أكد أنها لن تكون ركيزة للدفاع عن أمن إسرائيل‪ .‬وإبان‬ ‫زيارة وزير الخارجية اإليراني لتركيا قبل نهاية الشهر ذاته‪ ،‬شكك أوغلو في‬ ‫إمكانية تورط طهران بمؤامرة الغتيال السفير السعودي بواشنطن‪.‬‬ ‫أما الجانب اإليراني‪ ،‬فلم يتورع بدوره عن إظهار حرصه على توثيق عرى‬ ‫التعاون مع الشريك التركي‪ ،‬فخالل االجتماع الوزاري األخير لوزراء الدول‬ ‫الثماني اإلسالمية في شهر أكتوبر ‪ ،2012‬دعا وزير التجارة والصناعة‬ ‫اإليراني كال من مصر وتركيا لتعزيز الشراكة بني البلدان الثالث‪ .‬وفى مسعى‬ ‫منها لتقليص الفجوة بينها وبني أنقرة حول الوضع الراهن في سوريا‪ ،‬أدانت‬ ‫طهران أعمال القتل والعنف هناك داعية نظام بشار األسد لتبني إصالحات‬ ‫وإطالق املعتقلني السياسيني‪ ،‬وسحب الجيش من املناطق السكنية‪ ،‬وتأسيس‬ ‫مجلس سياسي ملعالجة األوضاع‪ ،‬واتخاذ ما يلزم إلجهاض العبث في‬ ‫مستقبل سوريا واملنطقة‪ .‬وأكد وزير الخارجية اإليراني حرص بالده على‬ ‫الوقوف مع الشعب السوري لنيل حقوقه في الحرية والديمقراطية‪ .‬وهي‬ ‫مؤشرات تحول مهمة في موقف طهران إزاء نظام دمشق قد تفسر ما أوردته‬ ‫مصادر سوريا عن تهديدات بشار األسد إليران باطالع الواليات املتحدة على‬ ‫خريطة مخازن األسلحة التابعة لحزب الله في لبنان حال توقف طهران عن‬ ‫دعم نظام األسد‪.‬‬ ‫وتأسيسا على ما سبق‪ ،‬يجوز االدعاء بأن التأثير املحتمل للثورات العربية‬ ‫على العالقات التركية اإليرانية ربما ال يصل إلى مستوى يعرج بها من حالة‬ ‫التنافس التاريخي املحكوم واملحدد السقف إلى حالة الصراع أو املواجهة‪ ،‬وإن‬ ‫أسهم في توسيع دوائر ومجاالت هذا التنافس وتعلية سقفه بعض الشيء‪،‬‬ ‫طاملا أن معادلة توازن القوى واملصالح التي تحكم العالقات بني البلدين لم‬ ‫يطلها أي تغيير جوهري قد يخل بها‪ .‬غير أن التوجه التصالحي واملصلحي‬ ‫الطموح بني القاهرة وطهران وأنقرة‪ ،‬املستوحى من النموذج التركي اإليراني‬ ‫في التنسيق وسط بواعث الخالف املتنوعة‪ ،‬يستوجب أن يستبقه ويواكبه‬ ‫إجراءات متبادلة ومتزامنة وجادة لبناء الثقة املهترئة وتبديد املخاوف‬ ‫والشكوك املتراكمة‪ ،‬عالوة على مساع جماعية حثيثة لتذويب الخالفات املزمنة‬ ‫وتسوية املشكالت العالقة على أسس عادلة‪ ،‬والتنسيق بني األدوار والتطلعات‬ ‫اإلقليمية املنفردة لكل طرف‪ ،‬بما يحول دون تدخل أي منها في شؤون اآلخر‪.‬‬ ‫ووسط هذه املساعي الجماعية النشطة‪ ،‬تبدو مصر‪ ،‬املرهقة من تبعات وأعباء‬ ‫حراكها الثوري املضني املنهمر منذ قرابة أعوام ثالثة‪ ،‬في مسيس الحاجة إلى‬ ‫تكثيف جهودها لتدارك ما فاتها والتماس كل السبل الكفيلة بتقليص الفجوة‬ ‫املتنامية في موازين القوة الشاملة بينها وبني سائر شركائها اإلسالميني‬ ‫الشرق أوسطيني‪ ،‬ال سيما تركيا وإيران <‬

‫شاب تركي مؤيد لجماعة االخوان يحمل‬ ‫ملصقا فيه صور زعيم حركة حماس‬ ‫اسماعيل هنية الرئيس املصري املعزول‬ ‫محمد مرسي ورئيس الوزراء التركي‬ ‫رجب طيب اردوغان‬

‫‪,,‬‬

‫االختالف‬ ‫املذهبي بني‬ ‫إيران الشيعية‬ ‫املذهب وكل‬ ‫من تركيا‬ ‫ومصر أجج‬ ‫هواجس‬ ‫ومخاوف‬ ‫هائلة لدى‬ ‫املصريني‬ ‫واألتراك حيال‬ ‫املد الشيعي‬

‫‪,,‬‬

‫* كاتب ومحلل سياسي ورئيس تحرير مجلة (الديمقراطية)‬ ‫الصادرة عن مؤسسة (األهرام) املصرية‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫‪15‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫لطاملا استغرقت النخب السياسية والفكرية حول العالم في جدل حامي الوطيس حول موقع الدين في العملية‬ ‫السياسية عموما وفى العالقات الدولية على وجه التحديد‪ .‬وما بني فريق واقعي يرى في نظرية القوة ركيزة أساسية‬ ‫لتلك العالقات ويعتقد في مبدأ املصلحة دافعا وقصدا لها‪ ،‬وفريق آخر مثالي يعلي من أهمية القيم النبيلة واملبادئ‬ ‫اإلنسانية الرفيعة‪ ،‬وقف نفر ثالث يوقن بدور بارز للدين في التأثير على مسار التفاعالت بني القوى السياسية‬ ‫داخل الدولة الواحدة‪ ،‬كما على اتجاهات وأنماط العالقات بني الفاعلني الدوليني بشتى صنوفهم‪ ،‬سواء كانوا دوال أو‬ ‫منظمات أو حتى شخصيات دولية مؤثرة‪.‬‬

‫الدين والثالوث املصري اإليراني التركي‬

‫اختالف وتباين‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫بشير عبد الفتاح *‬

‫‪,,‬‬

‫تالقي املذاهب‬ ‫الدينية لم‬ ‫يكن كافيا‬ ‫للحيلولة دون‬ ‫بروز بواعث‬ ‫الجفاء وعدم‬ ‫االنسجام‬

‫‪,,‬‬

‫بالنظر إلى اتجاهات العالقات اإلقليمية بمنطقة الشرق األوسط‪ ،‬قد‬ ‫يتراءى لكثيرين منذ الوهلة األولى أن الدين يعد‪ ،‬ولو نظريا على‬ ‫األقل‪ ،‬أحد أبرز عناصر التقريب والتالقي بني القوى الرئيسة في‬ ‫تلك املنطقة‪ ،‬والتي ستقتصر هذه السطور على تناول ثالث منها فقط على‬ ‫سبيل املثال وليس الحصر‪ ،‬هي مصر وتركيا وإيران‪ ،‬على اعتبار أن ثالثتهم‬ ‫دول مسلمة‪ ،‬ترتبط فيما بينها بوشائج حضارية وثقافية تضرب بجذورها‬ ‫في عمق التاريخ البشري الحديث‪ ،‬كما كان لجميعها إسهام واضح وملموس‬ ‫في بناء الحضارة اإلسالمية وترسيخ دعائمها العقائدية والفكرية‪ ،‬التي باتت‬ ‫تشكل مرجعية دينية وثقافية لجموع املسلمني في مشارق األرض ومغاربها‪.‬‬ ‫غير أن مسحة الخصوصية الثقافية والحضارية التي تميز تجربة كل دولة من‬ ‫هذه الدول الثالث على حدة‪ ،‬والتي أفرزت تأثيرات عميقة على فهمها لإلسالم‬ ‫وممارسته وتأثرها به في سياساتها على الصعيدين املحلي والدولي‪ ،‬قد‬ ‫أتاحت بدورها فرصا لبروز مساحات من التنوع‪ ،‬الذي بلغ حد االختالف‬ ‫والتباين في أحيان كثيرة ومواضع شتى‪ .‬وهو األمر الذي مهد السبيل‬ ‫تدريجيا لتحول الدين من عنصر تقريب إلى عامل تفريق بني القوى اإلسالمية‬ ‫الثالث‪ .‬فما من شك في أن االختالف املذهبي بني إيران الشيعية املذهب وكل‬ ‫من تركيا ومصر‪ ،‬وهي دول سنية الهوى واملذهب‪ ،‬قد أجج هواجس ومخاوف‬ ‫هائلة لدى املصريني واألتراك‪ ،‬حكومات وشعوبا‪ ،‬حيال ما يمكن أن يسمى‬ ‫باملد الشيعي‪ ،‬خصوصا بعد أن آل نظام والية الفقيه في إيران الخمينية على‬ ‫نفسه منذ اندالع الثورة اإلسالمية في عام ‪ 1979‬تبني مبدأ التشييع وتصدير‬ ‫الثورة إلى دول الجوار العربي واإلسالمي‪.‬‬

‫العالقات املصرية التركية‬ ‫وعلى صعيد العالقات املصرية التركية‪ ،‬فيبدو جليا أن تالقي املذاهب الدينية لم‬ ‫يكن كافيا للحيلولة دون بروز بواعث الجفاء وعدم االنسجام‪ .‬فرغم أن البلدين‬ ‫يتفقان في املذهب السني‪ ،‬وإن كانت تركيا حنفية ومصر شافعية‪ ،‬فإن تركيا‬ ‫الحالية بقيادة حزب العدالة والتنمية تقدم نموذجا لإلسالم الحداثي الليبرالي‬ ‫املعتدل املتصالح مع الغرب والعلمانية والديمقراطية‪ ،‬هذا في الوقت الذي لم يكن‬ ‫تيار اإلسالم السياسي في مصر‪ ،‬بمختلف مشاربه من سلفيني و«إخوان‬ ‫مسلمني» وجهاديني وتكفيريني سابقني‪ ،‬مياال النتهاج ذلك النهج‪.‬‬

‫وزير الخارجية االيراني‬ ‫محمد جواد ظريف‬

‫‪14‬‬

‫وهو األمر الذي ظهر بجالء إبان زيارة أردوغان قبل األخيرة للقاهرة والتي أكد‬ ‫خاللها أن حزبه ليس إسالميا وإنما هو ليبرالي علماني‪ ،‬ما أدى إلى استياء‬ ‫إسالميي مصر وتقليصهم من فرط الحفاوة الالفتة التي قابلوا بها الزعيم‬ ‫التركي في مستهل زيارته‪ ،‬كما تجلى أيضا في أجواء البرود التي تخيم على‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫العالقات بني القاهرة وأنقرة خالل السنة التي تسنى لجماعة اإلخوان املسلمني‬ ‫وذراعها السياسية املتمثل في حزب الحرية والعدالة حكم مصر‪ ،‬رغم املبادرات‬ ‫التركية الجذابة والعروض السخية التي لم يسل لها لعاب نظام الرئيس املعزول‬ ‫مرسي‪.‬‬ ‫على خالف ذلك‪ ،‬اكتست العالقات بني تركيا وإيران سمتا فريدا‪ ،‬فرغم‬ ‫الصراعات التاريخية بني الدولتني العثمانية السنية والصفوية الشيعية على‬ ‫النفوذ والزعامة‪ ،‬ثم املنافسة الحالية على األدوار اإلقليمية بني طهران وأنقرة‪،‬‬ ‫تسنى للبلدين التوصل إلى صيغة من العيش املشترك وحسن الجوار القائمني‬ ‫على توازن القوى واملصالح فيما بينهما‪ .‬ولم تحل مخاوف أنقرة من املد‬ ‫الشيعي اإليراني دون توثيق العالقات االقتصادية والسياسية والثقافية بني‬ ‫البلدين‪ ،‬حتى أضحت تركيا بمثابة رئة إيران التي تساعدها على الصمود‬ ‫والبقاء‪ ،‬سواء إبان الحرب العراقية اإليرانية (‪ ،)1988 - 1980‬أو تحت وطأة‬ ‫العقوبات الدولية والعزلة الغربية اللتني يكابدهما اإليرانيون منذ سنوات‬ ‫بجريرة برامجهم النووية املريبة‪ .‬وإذا كانت املعطيات السابقة تشي بأن‬ ‫التالقي العقائدي ليس كافيا وحده لضمان تعزيز التعاون بني الدول‪ ،‬فإن‬ ‫التنوع املذهبي هو اآلخر ال يمكن أن يفضي بالضرورة إلى نفور سياسي أو‬ ‫تناقض في املصالح‪ .‬ويمكن لدول املنطقة استلهام تجارب عاملية ناجعة كثيرة‬ ‫في هذا السياق كاالتحاد األوروبي والنافتا واإليبيك واآلسيان والبريكس‬ ‫وغيرها‪ ،‬والتي تسامت دولها فوق االختالفات الدينية واإلثنية لتتبنى نموذجا‬ ‫للمصالح املتالقية‪.‬‬

‫الثالوث املصري التركي اإليراني‬ ‫ويمكن في هذا السياق للثالوث املصري التركي اإليراني أن يعمل على بلورة‬ ‫حزمة من املصالح املشتركة على غرار ما فعلت تركيا السنية مع إيران‬ ‫الشيعية‪ ،‬تكون قاعدة لالنطالق نحو تفاهمات وشراكات استراتيجية إقليمية‬ ‫أوثق وأشمل تتسع الستيعاب فاعلني إسالميني بارزين كالسعودية‪ ،‬على‬ ‫أن يمضي ذلك قدما بالتوازي مع تفعيل الحوار وإحياء جهود التقريب بني‬ ‫املذاهب اإلسالمية‪ .‬فلقد ارتكنت العالقات التركية اإليرانية منذ منتصف القرن‬ ‫السادس عشر على أساس براجماتي صلب تجلى في حسن الجوار القائم‬ ‫على تحييد الخالفات املذهبية واحتواء التوترات املتجددة‪ ،‬فضال عن توازن‬ ‫املصالح املستند على توازن القوى بني الطرفني‪ ،‬اللذين تجمعهما عالقات‬ ‫تجارية متنامية‪ ،‬عالوة على التنسيق في املسائل األمنية املتعلقة بأفغانستان‬ ‫وباكستان كما حركات التمرد املسلح التي تقض مضاجع نظامي أنقرة‬ ‫وطهران‪ ،‬إلى جانب توافق جيواستراتيجي يتأتى من اعتبار تركيا إليران‬ ‫فاعال رئيسا يصعب الولوج املستقر من دونه إلى وسط آسيا وجنوبها‪،‬‬


‫وترجع املشكلة الرئيسة فى املباحثات األميركية اإليرانية حول الدور اإلقليمي‬ ‫لطهران إلى أن هذه املباحثات ليست إقليمية بل ثنائية؛ فلم تجري دعوة أي‬ ‫من القوى اإلقليمية إلى تلك املباحثات كما لم تتشاور الواليات املتحدة مع أي‬ ‫منها‪ ،‬وهو ما ينظر إليه العديد من العرب باعتباره إهانة لدورهم ومكانتهم‬ ‫في املنطقة‪ ،‬ويمكن أن يسفر عن تداعيات خطيرة‪.‬‬ ‫وعلى صعيد الحدود‪ ،‬يجب أن يجري الربط بني املباحثات مع إيران‬ ‫والجهود الدبلوماسية األخرى في املنطقة خاصة القضية السورية والقضية‬ ‫اإلسرائيلية ‪ -‬الفلسطينية‪ .‬كما يجب أن تتضمن استراتيجية أوسع وأكثر‬ ‫تماسكا مشاركة كافة األطراف وأصحاب املصالح في املنطقة‪ .‬فمن جهته‪،‬‬ ‫حذر وزير الخارجية السعودي‪ ،‬األمير سعود الفيصل‪ ،‬خالل الشهر املاضي‬ ‫من أن اللجوء إلى الدبلوماسية لعالج األزمة السورية سوف يسمح لألسد‬ ‫بممارسة املزيد من القتل‪ .‬وباملثل‪ ،‬سوف يدفع التقارب األميركي اإليراني دول‬ ‫مجلس التعاون الخليجي إلى إعادة النظر في موقفها من سوريا‪ .‬وربما تبدأ‬ ‫دول الخليج في تقديم املزيد من األسلحة املتطورة للمعارضة السورية لكي‬ ‫تغير توازن القوى على األرض‪.‬‬

‫رسالة السعودية للعالم‬ ‫كما رفضت اململكة العربية السعودية املقعد الذي حصلت عليه ألول مرة بني‬ ‫األعضاء غير الدائمني فى أكبر هيئة أمنية دولية إلى جانب تشاد وتشيلى‬ ‫وليتوانيا ونيجيريا‪ .‬وبعد يوم واحد من االنتخابات فى الجمعية العمومية‬ ‫لألمم املتحدة والذي حصلت خالله السعودية على املقعد‪ ،‬أعلنت السعودية‬ ‫رفضها قائلة إن الهيئة ال تستطيع التعامل مع النزاعات الدولية‪ .‬وفي بداية‬ ‫الشهر الحالي‪ ،‬أحجم األمير سعود الفيصل عن إلقاء الخطاب السنوى‬ ‫أمام الجمعية العمومية لألمم املتحدة ألول مرة‪ .‬وينظر إلى هاتني الواقعتني‬ ‫باعتبارهما رسالة قوية إلى الغرب بشأن الطريقة التي يعالج بها املباحثات مع‬ ‫إيران‪ .‬وليست املباحثات في ذاتها هي ما يقلق اململكة العربية السعودية ودول‬ ‫الخليج بقدر ما يقلقهم تجاهل الواليات املتحدة األميركية لهم‪ .‬وعلى الرغم‬ ‫من عدم صدور أية تصريحات رسمية بذلك الصدد فإن العديد من املسؤولني‬ ‫بالخليج ووسائل اإلعالم الخليجية أكدوا تلك الرؤية‪.‬‬ ‫ومن جهة أخرى‪ ،‬فإن عقد صفقة مع إيران سوف يعزز من نفوذها في‬ ‫سوريا ويمنح الجمهورية اإلسالمية وحرسها الثوري الفرصة للمزيد من‬ ‫الوجود في املنطقة والقدرة على الوصول إلى قلب املشرق‪ .‬كما سوف يمنح‬ ‫حزب الله الفرصة للمزيد من فرض هيمنته على مؤسسات الدولة اللبنانية‬ ‫واملزيد من القدرة على توجيه سياستها الخارجية‪ ،‬باإلضافة إلى تعزيز دور‬ ‫إيران في العراق‪ .‬كما لن تسمح إسرائيل بوجود إيران على أعتابها‪ ،‬وهو‬ ‫ما يمكن أن يدفعها ألن تحاول حل مشاكلها بنفسها مما يطرح الحرب‬ ‫كخيار أكثر من أي وقت سابق‪ .‬ففي عشية اجتماع جنيف‪ ،‬قال رئيس الوزراء‬ ‫اإلسرائيلي بنيامني نتنياهو إن العالم يخاطر بارتكاب خطأ تاريخي إذا ما‬ ‫خفف الضغط على إيران‪ .‬كما كان قد ملح من قبل إلى احتمالية شن ضربة‬ ‫استباقية أحادية الجانب على إيران‪ .‬وقد قال مسؤول إسرائيلي عسكري‬ ‫سابق لصحيفة «جيروزاليم بوستون صنداي» إن رئيس الوزراء لم يكن‬ ‫يناور‪ ،‬مضيفا‪« :‬إنه يعتقد أننا نعيش في الثالثينات‪ .‬فاإليرانيون هم األملان‬ ‫والتاريخ يستخف بوجود ستة ماليني يهودي اآلن فى إسرائيل»‪.‬‬ ‫وإذا ما كان ذلك هو الحال‪ ،‬أو على األقل إذا ما كان ذلك محتمال‪ ،‬فهل‬ ‫تستطيع املنطقة تحمل حرب أخرى إذا ما ضربت إسرائيل إيران ولبنان‬ ‫وربما سوريا؟ وهل تستطيع الواليات املتحدة أن تستمر في املراقبة دون‬ ‫تدخل؟ وهل يمكن أن يصمد اتفاق مع إيران في حالة أن تحقق مثل ذلك‬ ‫السيناريو؟ في الحد األدنى سوف يعمل ذلك على تعقيد كل شيء‪ .‬وسوف‬ ‫يكون على القوى الدولية الست أن تغير توجهاتها الحتواء املخاطر الناجمة‬ ‫عن مثل تلك الحرب في حال وقوعها‪ .‬فعلى صعيد آخر‪ ،‬هناك إشاعات في‬ ‫األوساط اإلعالمية تفيد بأن الصفقة مع إيران سوف تسمح لها باالستمرار‬

‫في تخصيب اليورانيوم شريطة أن تحجم عن تطوير األسلحة النووية‪ .‬فمن‬ ‫جهته‪ ،‬يقول علي فايز‪ ،‬محلل الشؤون اإليرانية بمجموعة األزمات الدولية إنه‬ ‫يعتقد أن املباحثات سوف تسفر عن تعهد الدول الست بالنظر في استمرار‬ ‫إيران في تخصيب اليورانيوم إذا ما عالجت إيران املخاوف الدولية بشأن‬ ‫برنامجها النووي‪.‬‬

‫تدهور العالقات بني اميركا والقوى اإلقليمية‬ ‫وأضاف فايز أن موافقة أميركا على استمرار إيران في التخصيب سوف تثير‬ ‫انتقادات املعارضني الذين يؤمنون بأن إيران سوف تراوغ وتعمل سرا على‬ ‫تطوير األسلحة النووية ولكنه أصر على أنه ال يوجد طريق آخر لعقد صفقة‬ ‫نظرا ألن اإليرانيني لن يشرعوا في املفاوضات إال إذا تأكدوا من أنهم سيكون‬ ‫لهم الحق فى التخصيب‪.‬‬ ‫وحتى إذا كان ذلك غير مؤكد بعد‪ ،‬فإن مجرد احتمالية أن تحاول إيران‬ ‫تطوير األسلحة النووية سرا سوف يثير سباقا على التسلح النووي في أقل‬ ‫املناطق استقرارا بالعالم‪ .‬ومن ثم فإن الشفافية هي ضرورة قصوى‪ ،‬وإذا لم‬ ‫يتم إشراك الحلفاء اإلقليميني في تلك العملية فيجب إطالعهم على األقل على‬ ‫التطورات؛ حيث إن السرية حول تلك املفاوضات واقتصارها على االجتماعات‬ ‫الثنائية ليس باألمر الطيب‪ ،‬وذلك إذ إن انعدام الثقة سوف تجري ترجمته إلى‬ ‫تدهور العالقات ببني الواليات املتحدة والقوى اإلقليمية‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من أن الواليات املتحدة والدول األوروبية تدركان أهمية إيران‬ ‫في املنطقة فيجب أن يكون واضحا منذ البداية أن إيران لن تستطيع ولن‬ ‫تصبح طرفا استثنائيا فى الشؤون اإلقليمية‪ ،‬حيث إن العوامل الديناميكية‬ ‫فى املنطقة تتغير بسرعة وال يجب عقد صفقة مع إيران دون أن يتم وضع‬ ‫موجة التغيرات في االعتبار‪ .‬كما يجب أخذ عنصر آخر في االعتبار وهو‬ ‫األمن والتوازن العسكري‪ .‬فيجب أن تدرك إيران أنه بغض النظر عن أي شيء‪،‬‬ ‫ليس مسموحا لها بالهيمنة على املنطقة ومن ثم فيجب أن تتوقف عن إثارة‬ ‫النزاعات الطائفية والتدخل فى العراق وسوريا ولبنان‪ .‬وفى كافة األحوال‪،‬‬ ‫سيكون من السذاجة أن تتوقع إيران حدوث تطورات جذرية في وقت قريب‪،‬‬ ‫حيث إن لفقدان الثقة بني الجانبني جذورا عميقة ومن ثم فيحتاج األمر ألكثر‬ ‫من الحماس لتحقيق نتائج مرضية‪ ،‬فهناك الكثير على املحك‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من أن الواليات املتحدة ربما ترغب في تقديم تنازالت فإن‬ ‫حلفاءها اإلقليميني سوف يفعلون أي شيء وكل شيء لكي يتأكدوا من‬ ‫أن مصالحهم لن يتم تجاهلها في تلك العملية‪ .‬فسوف يمارسون الكثير‬ ‫من الضغط على واشنطن خالل األسابيع املقبلة وهو ما يمكن أن يؤدي‬ ‫إلى بطء العملية ويحد من الحماس خالقا مساحة للعقالنية بدال من‬ ‫الحماس املفرط<‬

‫الرئيس االيراني حسن روحاني‬

‫‪,,‬‬

‫عقد صفقة‬ ‫مع إيران‬ ‫سوف يعزز‬ ‫من نفوذها في‬ ‫سوريا ويمنح‬ ‫حرسها‬ ‫الثوري‬ ‫الفرصة‬ ‫للمزيد من‬ ‫الوجود‬ ‫في املنطقة‬ ‫والقدرة على‬ ‫الوصول إلى‬ ‫قلب املشرق‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫‪13‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫مما ال شك فيه أن هذه األسابيع القليلة ستكون حرجة للغاية وتمثل تحديا لحلفاء الواليات املتحدة في املنطقة‬ ‫خاصة دول الخليج التى أعربت عن مخاوفها بشأن عقد صفقة مع إيران قائلة إنها سوف تأتي على حساب دورها‬ ‫ومصالحها في املنطقة‪.‬‬

‫التقارب االيراني االميركي يكشف زيف العداء‬

‫عالج روحاني‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫حنني غدار‬

‫‪,,‬‬

‫رفض‬ ‫السعودية‬ ‫املقعد الذي‬ ‫حصلت عليه‬ ‫ألول مرة بني‬ ‫األعضاء غير‬ ‫الدائمني في‬ ‫األمم املتحدة‬ ‫رسالة قوية‬ ‫إلى الغرب‬ ‫بشأن الطريقة‬ ‫التي يعالج‬ ‫بها املباحثات‬ ‫مع إيران‬

‫‪,,‬‬

‫‪12‬‬

‫وصفت الواليات املتحدة املفاوضات مع إيران بشأن برنامجها‬ ‫النووي في جنيف بأنها املفاوضات األكثر جدية وصدقا‪ .‬وقال‬ ‫دبلوماسيون غربيون إن طهران ملحت إلى أنها مستعدة لتقليل‬ ‫أنشطتها النووية في مقابل تخفيف العقوبات‪ .‬بالنسبة للواليات املتحدة‪،‬‬ ‫كانت دائما املشكلة مع إيران تتعلق ببرنامجها النووي فيما تجاهلت لفترة‬ ‫من الزمن الدور املتنامي إليران في املنطقة والتهديدات التي تمثلها ألمن عدد‬ ‫من الدول مثل سوريا ولبنان والعراق والبحرين واليمن‪ .‬ومن ثم‪ ،‬يجب أال‬ ‫تتجاهل الصفقة مع إيران الدور املتنامي الذي يتزايد إشكالية إليران في‬ ‫املنطقة‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من تهديدها السابق بمحو إسرائيل من على الخريطة‪ ،‬ونعت‬ ‫الواليات املتحدة بالشيطان األعظم لعدة عقود‪ ،‬لم تنظر إيران أبدا إلى إسرائيل‬ ‫أو الغرب باعتبارهما املهدد الرئيس لها فقد كانت دائما ترى التهديد الرئيس‬ ‫كامنا في دول الخليج‪ .‬وال يمثل برنامجها النووي هدفا في ذاته بل أداة‬ ‫لتحقيق الهدف الحقيقي للسياسة الخارجية اإليرانية وهو أن تصبح الالعب‬ ‫الرئيس في املنطقة‪.‬‬

‫السياسة الخارجية ألميركا‬ ‫وعلى الرغم من وجود إشارات على حدوث تغيرات داخلية مثل التصريحات‬ ‫األخيرة املهدئة لألجواء التي أصدرتها كبرى القيادات اإليرانية باإلضافة إلى‬ ‫نقل امللف األمني من وزارة الدفاع إلى وزارة الخارجية‪ ،‬فإن تلك اإلشارات ال‬ ‫تعد دليال على االلتزام أو على وجود تغيرات استراتيجية جدية‪.‬‬ ‫وفي ظل ذلك الدليل الخفي على التزام إيران‪ ،‬يستعد حلفاء أميركا في مجلس‬ ‫التعاون الخليجي الحتمال أن تتخلى عنهم أميركا بعد ‪ 70‬عاما‪ ،‬وهو ما‬ ‫يمكن أن يدفعهم ملعالجة األمور بأنفسهم خاصة فيما يتعلق باملف السوري‪.‬‬ ‫وهناك إحساس عام بخيبة األمل من الطريقة التي أدارت بها الواليات املتحدة‬ ‫التحول من توجيه ضربة عسكرية إلى سوريا إلى صفقة بني الواليات املتحدة‬ ‫وروسيا ثم مباشرة بني الواليات املتحدة وإيران؛ حيث يتزايد اإلحساس‬ ‫بفقدان الثقة فى السياسة الخارجية للواليات املتحدة على نحو مضطرد‬ ‫باإلضافة إلى الخوف من صفقة محتملة ربما تدفع بدول الخليج للتعامل مع‬ ‫األمور على نحو مختلف ودون الرجوع إلى الواليات املتحدة‪.‬‬ ‫وقبل أن نقفز إلى النتائج علينا فهم السياق مليا؛ فهناك رغبة من كال الطرفني‬ ‫اآلن في التوصل إلى صفقة أكثر من أي وقت مضى‪ ،‬وهو ما يثير املخاوف‬ ‫بشأن احتمالية التسرع في التوصل إلى صفقة دون التفكير العميق وتقييم‬ ‫كافة املخاطر املترتبة على تلك الصفقة‪ .‬وذلك حيث ترغب القوى الست الكبرى‬ ‫في التوصل إلى صفقة نظرا لقلقهم بشأن احتمالية أن تتمكن إيران من‬ ‫تطوير األسلحة النووية في أقل من عام‪ .‬ومن جهة أخرى‪ ،‬تسعى إيران لعقد‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫اتفاق يخفف من العقوبات التي فرضتها الواليات املتحدة والدول األوروبية‬ ‫عليها والتي أضرت باقتصادها وزادت من عزلتها الدولية‪ .‬فقد بلغ التضخم‬ ‫في إيران ما يزيد على ‪ 40‬في املائة‪ .‬ووفقا للبنك املركزي اإليراني فإن‬ ‫‪ 65‬في املائة من اإليرانيني تحت خط الفقر‪ .‬فهل يمكن أن يؤدي ذلك إلى‬ ‫ثورة اجتماعية في إيران؟ ربما ال‪ ،‬ولكن اإليرانيني ال يرغبون في املخاطرة‬ ‫بذلك‪ .‬فمما ال شك فيه أن رفع العقوبات عن إيران سوف يعمل على تحسني‬ ‫األوضاع االقتصادية‪.‬‬ ‫باإلضافة إلى أن سوريا أصبحت تمثل إشكالية بالنسبة إليران سواء ماليا أو‬ ‫سياسيا‪ .‬فعلى الصعيد املالى‪ ،‬تنفق إيران التي تعاني من صعوبات اقتصادية‬ ‫إثر العقوبات أكثر مما تستطيع تحمله على التدخل في سوريا باإلضافة إلى‬ ‫دعم نظام األسد اقتصاديا وعسكريا‪ .‬وعلى الصعيد السياسي‪ ،‬أصبح األسد‬ ‫يمثل عبئا على إيران حيث أصبح الرأي العام الدولي واإلقليمي ينظر إليه‬ ‫باعتباره قاتال ومجرما‪ .‬وقد تسبب ذلك في مشكالت تتعلق باملصداقية‬ ‫سواء بالنسبة إليران أو لحزب الله ليس فقط في الشارع العربي ولكن كذلك‬ ‫داخل املجتمعات الشيعية في املنطقة‪ .‬فعلى سبيل املثال‪ ،‬تقلص التأييد الذي‬ ‫كان يحظى به حزب الله إلى حد كبير منذ أن تدخل في سوريا‪.‬‬

‫نفوذ إيران اإلقليمي‬ ‫لقد كان حزب الله دائما يطرح نفسه كحركة مقاومة ضد إسرائيل وسواء‬ ‫كنت توافق على وجود جماعة مسلحة داخل الدولة أم ال‪ ،‬فقد كانت دائما‬ ‫هناك حجج بأن حزب الله يقاتل إسرائيل في األراضي اللبنانية املحتلة‪،‬‬ ‫وهو ما تغير إثر قتالهم إلى جانب األسد في سوريا؛ فلم تعد املقاومة‬ ‫مبررة بغض النظر عن مدى الجهد الذي يبذلونه لجعلها مبررا ألنشطتهم‬ ‫داخل سوريا‪ .‬باإلضافة إلى أن نقل املعركة من كونها معركة ضد االحتالل‬ ‫اإلسرائيلي إلى معركة ضد السنة في سوريا قد أضاف منحى طائفيا‬ ‫خطيرا للعوامل الديناميكية اإلقليمية‪ ،‬فلم يكن الصدع السني الشيعي أكبر‬ ‫مما هو عليه اآلن من قبل‪ .‬فمن جهة‪ ،‬ترغب إيران في أن تتأكد من أنها‬ ‫لن تخسر نفوذها اإلقليمي في سوريا خاصة الصلة بني لبنان ودمشق‬ ‫والساحل عبر القصير وحمص‪ .‬ومن ثم‪ ،‬فإنهم كانوا وما زالوا مستعدين‬ ‫لكي يدفعوا ذلك الثمن الباهظ للحفاظ على هيمنتهم في سوريا والتي‬ ‫سوف تستخدم كبطاقة مساومة خالل املفاوضات للوصول إلى صفقة‬ ‫أفضل‪ .‬واآلن وبعد أن أكدت الواليات املتحدة أن الغرب لن يتدخل لخلع‬ ‫األسد‪ ،‬تزايدت قوة إيران التفاوضية إلى حد كبير ومن ثم فإن عقد صفقة‬ ‫بشأن برنامجها النووي وهيمنتها اإلقليمية فى هذا التوقيت سوف يكون‬ ‫في مصلحتها‪.‬‬ ‫ومن جهة أخرى‪ ،‬هناك قوى إقليمية أخرى مشاركة في سوريا مثل قطر‬ ‫واململكة العربية السعودية وتركيا‪ .‬ومن ثم فإن تقديم أية تنازالت في سوريا‬ ‫إلرضاء إيران لن يكون له أثر طيب على باقي أنحاء املنطقة‪.‬‬


‫والقضية الفلسطينية العادلة تعطي املثال الصارخ‪،‬‬ ‫لك اآلخرون‪ّ .‬‬ ‫ومن املفيد التعلم من دروسها‪ .‬وبالتالي‪ ،‬فاإلدارة السيئة للملف‬ ‫من قبل بعض السوريني‪ ،‬كما جرى مع بعض الفلسطينيني‪،‬‬ ‫ستزيد من انحسار فرص النجاح‪ .‬وسيقوم النظام بتنظيم‬ ‫«انتخابات» مراقبة عربيا في املناطق التي يسيطر عليها‬ ‫للحصول على نتيجة مالئمة الستمرار «شرعيته»‪ .‬وسيقبل‬ ‫الغربيون بنتائجها بضغط من الروس أو ألنهم فاقدوا الحيلة‬ ‫أمام العجز األميركي عن اتخاذ موقف ال يالئم في كل حذافيره‬ ‫ّ‬ ‫املتحسب من انفالت األمور في سوريا‬ ‫املوقف اإلسرائيلي‬ ‫وتأثير ذلك املحتمل على حدوده اآلمنة منذ عقود‪.‬‬

‫تراث الحكم األحادي‬ ‫التطرف في املواقف من التفاوض لوقف املقتلة السورية ال يمكن‬ ‫أن يكون مبررا إال لدى من هم غير معنيني باملأساة املستمرة‪.‬‬ ‫وممارسة رياضة التخوين والتشكيك وتوزيع الوطنيات‪ ،‬تصيب‬ ‫ّ‬ ‫بالتقلصات األخالقية‪ ،‬وهي ليست مساعدة على تمهيد الطريق‬ ‫للشعب السوري للحصول على حريته‪.‬‬ ‫والتفاوض املبني على خطة طريق واضحة بعيدا عن التنازل‬ ‫الرخيص بحثا عن موقع تحت الشمس هو الوسيلة األنجح‬ ‫للوصول إلى ما يمكن أن يحقق الجزء األكبر من أهداف‬ ‫املواطنني الذين خرجوا عفويا للتعبير عن رفضهم الستمرار‬ ‫آلة القمع واالستبداد والفساد‪.‬‬

‫ملصق للرئيس السوري بشار األسد على‬ ‫جدار احد املباني بالعاصمة دمشق بينما‬ ‫يتحرك موكب سيارات تابعة لألمم املتحدة‬ ‫تحمل خبراء ومفتشني من منظمة حظر‬ ‫األسلحة الكيميائية (أكتوبر‪)2013-‬‬

‫على املتردد األميركي القابع في البيت األبيض والذي يمارس‬ ‫أسوأ سياسة خارجية للواليات املتحدة منذ نهاية الحرب العاملية‬ ‫الثانية‪ ،‬وبغياب عربي واضح‪ ،‬ما عدا تمثيل رمزي بشخص‬ ‫اإلبراهيمي وموظفي الجامعة العربية العاجزة بنيويا‪ ،‬فالنتيجة‬ ‫ستكون ليست حتى باتفاق دايتون سوري أو طائف سوري‪ ،‬أو‬ ‫حتى بحل على الطريقة اليمنية‪.‬‬ ‫النتيجة ستكون سلبية للغاية من أجل املناضلني في سبيل‬ ‫الحرية والكرامة والعدالة‪ :‬إن لم ّ‬ ‫تتعدل موازين القوى حتى انعقاد‬ ‫هذا املؤتمر الشبح‪ ،‬وإن لم تتمكن املعارضات السورية من‬ ‫وضع خالفاتها التافهة والتي تترجم انعدام املسؤولية‪ ،‬أو حتى‬ ‫األخالق‪ ،‬لدى من يثيرها دون كلل‪ ،‬وإن لم تقم القوى الغربية‬ ‫الكاذبة حتى يثبت العكس‪ ،‬في دعم املعارضة الديمقراطية‬ ‫املوجودة على أرض الواقع‪ ،‬وإن لم تسع بعض الدول العربية‬ ‫املؤثرة إلى وقف املساعدات العمياء لقوى ظالمية تعبث باملشهد‬ ‫السوري حاضرا ومستقبال‪ ،‬وإن لم تقم أيضا قوى املعارضات‬ ‫السياسية إلى تحديد موقف وطني واضح من الدخالء على‬ ‫الثورة وسارقيها وظالمييها‪ ،‬دون لف ودوران‪ ،‬ودون خطابات‬ ‫غوغائية ما فتئنا نسمعها من بعض رموزها‪.‬‬ ‫أن تكون على حق وصاحب قضية عادلة ال يعني البتة أن ينتصر‬

‫لقد قادهم تخلي العرب والغرب عنهم‪ ،‬وضعف أداء معارضاتهم‬ ‫السياسية‪ ،‬ودخول عناصر غريبة على قيمهم وعلى أهدافهم‬ ‫على خط املواجهة‪ ،‬وفاعلية الدعم واملساندة والتغطية الروسية‬ ‫واإليرانية للنظام‪ ،‬إضافة إلى إدارة حملة عالقات عامة وتواصل‬ ‫ّ‬ ‫فعالة من قبله‪ ،‬مقابل تشتت جهود التواصل وتناقضها من‬ ‫طرف بعض املعارضات‪ ،‬قادهم ذلك كله إلى الوصول إلى مرحلة‬ ‫من اإلحباط النسبي‪ ،‬ال تثنيهم بالتأكيد عن مواصلة السعي‬ ‫إلى تحقيق األهداف املبدئية‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫املتحسس‬ ‫إن التفاؤل الحذر الذي يمكن أن «يصيب» املراقب‬ ‫للقضية السورية‪ ،‬ينبع من التصميم الهائل للشعب السوري‬ ‫على متابعة املقاومة بكافة صورها وأشكالها‪ .‬ويعتمد أيضا‬ ‫على إرادة قوية لدى بعض قواهم السياسية على إيجاد مخرج‬ ‫مقبول ومناسب لجميع السوريني بعيدا عن تراث الحكم‬ ‫األحادي واملستبد الذي حرمهم من كل فرص التنمية والتطور‬ ‫السياسي‪ ،‬الثقافي‪ ،‬االقتصادي واالجتماعي‪ .‬إن عزيمتهم‬ ‫قادرة على اختراق سنتني ونصف السنة من املوت باتجاه‬ ‫ّ‬ ‫املحمل باآلمال‪.‬‬ ‫مخرج النجاة‬ ‫هذا التفاؤل يحتاج إلى ِّ‬ ‫حد أدنى من املسؤولية لدى من يمثل‬ ‫ّ‬ ‫تطلعاتهم السياسية‪ ،‬والذي سيمثلهم في «جنيف» أو في غيره‪.‬‬ ‫ويحتاج أيضا إلى موقف دولي أقل هالمية وأكثر وضوحا‪،‬‬ ‫وإلى موقف عربي ّ‬ ‫يوحد جهوده السلمية أو العسكرية دون‬ ‫الخوض في االستقطابات وصراعات الذاكرة وطموحات البروز‬ ‫على حساب األموات‪v.‬إن أسباب التفاؤل هذه تحمل في طياتها‬ ‫جرعات من التشاؤم‪ ،‬ولكننا ملتزمون بعبارة الراحل سعد الله‬ ‫ونوس‪ :‬إننا محكومون باألمل <‬

‫‪,,‬‬

‫التوصل إلى‬ ‫حل سياسي‬ ‫ينقل السلطة‬ ‫إلى جماعة‬ ‫منتخبة من‬ ‫قبل مؤتمر‬ ‫حوار وطني‬ ‫يسبق تنظيم‬ ‫الحياة‬ ‫السياسية‬ ‫التي ستفضي‬ ‫حتما إلى‬ ‫انتخابات‬ ‫شفافة ونزيهة‬

‫‪,,‬‬

‫األخضر‬ ‫اإلبراهيمي‬

‫* باحث في العلوم السياسية والعالقات الدولية نائب مدير مبادرة‬ ‫اإلصالح العربي رئيس مبادرة من أجل سوريا جديدة أستاذ مشارك في‬ ‫جامعة باريس األولى‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫‪11‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫‪,,‬‬

‫يبدو أن من‬ ‫أصيب بخيبة‬ ‫أمل من طرف‬ ‫السوريني هم‬ ‫أولئك فقط‬ ‫الذين ّ‬ ‫صدقوا‬ ‫يوما أن اآلخرين‬ ‫مهتمون‬ ‫لشؤونهم‬ ‫ويريدون‬ ‫مساعدتهم فعال‬ ‫ّ‬ ‫على التخلص‬ ‫من النظام‬

‫‪,,‬‬

‫في داخل تنظيماتها املختلفة‪ ،‬كاالئتالف أو املجلس الوطني أو‬ ‫الجيش الحر‪ ..‬إلخ‪ .‬على املشاركة أو عدمها أو مضمونها‪ ..‬إلخ‪.‬‬ ‫وبدأت الرؤوس الحامية في تسجيل املواقف الشعبوية بحثا‬ ‫عن سمعة «فيسبوكية» بعيدا عن آالم املاليني القابعني تحت‬ ‫القصف اليومي أو التجويع املمنهج أو القمع ذي اللبوسني‪،‬‬ ‫األمني والديني‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وبدأت بعض القوى اإلقليمية املؤثرة في تحريك بيادقها‬ ‫على رقعة املشهد السوري‪ ،‬وبدأ تناسل التجمعات والهيئات‬ ‫ّ‬ ‫واشتد‬ ‫والتكتالت‪ ،‬بعيدا عن أية خارطة طريق واضحة‪.‬‬ ‫ساعد القوى الظالمية التي لم تواجه النظام إال ملاما‪ ،‬وسعت‬ ‫منذ بروزها غير واضح الكواليس‪ ،‬إلى السيطرة املجتمعية‪،‬‬ ‫بالترهيب وبالترغيب‪ ،‬وفرض سلطة ال مرجعية وطنية سورية‬ ‫لها حتما‪.‬‬ ‫من جهة ما يسمى باملجتمع (الهالمي) الدولي‪ ،‬فبعد أن بارك‬ ‫ممثلوه (باملعنى املسرحي للكلمة)‪ ،‬للنظام جرأته وخطواته‬ ‫اإليجابية‪ ،‬وبعد أن توقف أمني عام األمم املتحدة عن إبداء قلقه‬ ‫اليومي عجزا وترقبا‪ ،‬وبعد أن ّ‬ ‫عبرت الدولة العبرية عن غبطتها‬ ‫بتدمير الترسانة الكيماوية السورية‪ ،‬بدا وكأن املعضلة السورية‬ ‫قد أضحت بعيدة عن اهتمامات صانعي القرار‪ .‬وبدا أن حديث‬ ‫النظام وتابعيه وأبواقه ومسترزقيه ومريديه وحماته ورعاته‬ ‫ُفي بدء الثورة الوطنية التحررية عن مؤامرة متخيلة‪ ،‬قد أتى‬ ‫أكله وأثمرت الكذبة الكبيرة عن اجتراع مؤامرة فعلية متشابكة‬ ‫ومعقدة ومتلونة ليس ضد النظام القائم‪ ،‬بل ضد الشعب‬ ‫السوري بذاته‪.‬‬ ‫وبعد إرسال ما يقارب املائة موظف أممي ملراقبة عملية تفكيك‬ ‫الترسانة السورية وتدمير محتوياتها‪ ،‬أضحى دفقا من النفاق‬ ‫املمجوج الحديث عن تسليح القوى املعتدلة واملؤمنة بديمقراطية‬ ‫الدولة السورية‪ .‬فال يمكن للدول الفاعلة أن تقوم بهذا معرضة‬ ‫حياة ممثليها للخطر‪ .‬باملقابل‪ ،‬يستمر الظالميون والقاعديون‬ ‫بتلقي السالح من كل حدب وصوب‪ ،‬وكذا النظام‪ .‬وتستمر‬ ‫املقتلة السورية تحت سمع وبصر املتخاذلني من العرب‪،‬‬ ‫الذين حركتهم رسوم هزلية بحق رموز دينية ال تنتظر منهم‬ ‫أن يدافعوا عنها وعن قدسيتها‪ ،‬إال إذا تم اإلقرار بضعفها‪،‬‬ ‫وهذا من املستحيالت‪ ،‬ولم تحركهم آالف الضحايا البشرية‬ ‫املتساقطة أمامهم يوميا‪.‬‬ ‫وتستمر املأساة السورية تعبر بني أخبار املنوعات العاملية بعد‬ ‫ّ‬ ‫أن تخلص منها الوعي الغربي من بني أولوياته‪ .‬وأضحت املسألة‬ ‫محصورة بالحالة اإلنسانية التي يروق للبعض االنغماس بها‬ ‫بحثا عن براءة مصطنعة من مسؤولية إنسانية تتجاوز مسألة‬ ‫املهجرين والالجئني لتحيط بمصائر شعب ودولة حاق بهما‬ ‫الدمار من كل صوب‪.‬‬

‫جون‬ ‫كيري‬

‫‪10‬‬

‫يبدو أن من أصيب بخيبة أمل من طرف السوريني هم أولئك فقط‬ ‫ّ‬ ‫اآلخرين مهتمون لشؤونهم ويريدون‬ ‫الذين صدقوا يوما أن ّ‬ ‫مساعدتهم فعال على التخلص من النظام‪ .‬وربما‪ ،‬التوصل إلى‬ ‫حل سياسي ينقل السلطة إلى جماعة منتخبة من قبل مؤتمر‬ ‫حوار وطني يسبق تنظيم الحياة السياسية التي ستفضي‬ ‫حتما إلى انتخابات شفافة ونزيهة‪ .‬وهؤالء السوريون يشكلون‬ ‫القسم األكبر من بعض املعارضات السياسية املتشظية‬ ‫واملصابة بأمراض الشخصانية أو تراكم عقد اآليديولوجيات‬ ‫املتراكمة واملتوارثة‪ ،‬أو املتعرضة للتأثير من قبل قوى إقليمية‬ ‫ودولية عديدة‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫مفاوضات جنيف‬ ‫ّ‬ ‫يصدقوا‬ ‫أما من هم في صلب املعاناة‪ ،‬وهم الغالبية‪ ،‬فلم‬ ‫يوما وعودا كاذبة أو آماال وهمية‪ .‬ليس ذلك نابعا من إيمان‬ ‫بدائي بأن اآلخر ضدهم وضد مصالحهم‪ ،‬ولكنهم‪ ،‬وبعض‬ ‫من نخبهم‪ ،‬وعوا مبكرا إلى تعقيد املشهد وتداخل املصالح‬ ‫واالستراتيجيات‪ .‬وعرفوا أن مسؤولية الخروج من النفق هي‬ ‫سورية أوال وقبل حسن أو سوء الظن باآلخر مهما كان هذا‬ ‫اآلخر‪ ،‬أخا في القومية أو في الدين أو في اإلنسانية‪ .‬وقد ّنبه‬ ‫هؤالء إلى ضرورة سورنة التفكير بالحل والبحث عن عالقات‬ ‫متوازنة مع القوى املؤثرة دون هيمنة زيد أو عمرو‪ .‬ولكن صوت‬ ‫العقل قليال ما يتم اإلنصات له‪ ،‬مما يترك املجال ألصوات أخرى‬ ‫متعددة املصادر‪.‬‬ ‫فإن تعقدت مفاوضات جنيف بحضور من حضر‪ ،‬وهذه‬ ‫ّ‬ ‫رغبة صناع ّالقرار وفارضيه في غياب خارطة طريق واضحة‪،‬‬ ‫وبوجود منظم لقوى النظام الحليفة واملعارضة‪ ،‬وبوجود‬ ‫وبحضور فاعل‬ ‫والعسكرية‪،‬‬ ‫متشرذم لقوى املعارضة املدنية‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ملن يفرض نفسه أكثر فأكثر كعنصر حل للمسألة السورية‬ ‫(إيران) بعد أن اعتبرت عن حق أنها طرف حقيقي من مسؤولي‬ ‫املقتلة السورية‪ ،‬وبوجود روسي فرح بانتصاره الدبلوماسي‬


‫السورية مع صاحب القرار الفعلي في طهران‪ .‬ولكن هذا املخاض‬ ‫كله سيستمر باملقتلة السورية أشهرا عدة‪ ،‬ولو تم التوافق بني‬ ‫الراعيني األميركي والروسي‪ ،‬دون التشاور مع أحد‪ ،‬على أن‬ ‫يكون موعد مؤتمر جنيف املوعود في ‪ 25‬من الشهر املقبل‪.‬‬ ‫وهنا يبدو أن املعارضات السورية تتأرجح بني املوافقة‬ ‫واالعتكاف عن املشاركة في هذا اللقاء املنتظر‪ ،‬والذي يعتبر‬ ‫الروس واألميركيون أنه فاتحة الحل بالنسبة للسوريني‪.‬‬ ‫باملقابل‪ ،‬ال يحمل اإلعداد «الحثيث» لهذا اللقاء من قبل املبعوث‬ ‫األممي األخضر اإلبراهيمي‪ ،‬أية مضامني واضحة أو مسارات‬ ‫محددة أو بنود جدول أعمال يمكن لها أن ّ‬ ‫تذر الرماد في عيون‬ ‫الواهمني املترقبني املوعودين بالفرج على أقل تقدير‪.‬‬

‫االنتخابات الرئاسية‬ ‫إن موعد االنتخابات الرئاسية في سوريا قد اقترب‪ ،‬وهي التي‬ ‫ً‬ ‫استفتاء على رئيس‬ ‫لم تكن‪ ،‬منذ عقود وحتى تاريخه‪ ،‬إال‬ ‫كتجديد للبيعة‪ .‬وها هي البالد‪ ،‬تكتشف‬ ‫موجود ُيشار إليه‬ ‫ٍ‬ ‫أن أمر البيعة في النظام الرئاسي مرافق لكل استبداد‪ ،‬وال‬ ‫يمكن التمييز في هذا الصدد بني الدولة األمنوقراطية والدولة‬ ‫األوثوقراطية‪ .‬فإن املجموعات الظالمية ٌ واإلقصائية الدخيلة‬ ‫على املجتمع السوري‪ ،‬التي ساهم تمويل مشبوه املقصد في‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فحد السيف أو‬ ‫تطورها وانتشارها‪ ،‬تطالب بالبيعة لها وإال‬ ‫رصاصة الرحمة‪.‬‬ ‫مخرج‬ ‫فهل يعتبر مؤتمر جنيف فرصة لتمرير الوقت وإيجاد‬ ‫ٍ‬

‫«مناسب» عبر هذه االنتخابات (االستفتاءات) املرتقبة؟ يجوز‬ ‫ّ‬ ‫االعتقاد بذلك إن كان هناك أدنى شعور بالضعف لدى حكام‬ ‫دمشق‪ ،‬وهو ما كانوا قد خبروه في األشهر األولى من الحراك‬ ‫الثوري السلمي السوري‪ ،‬ومن ثم‪ ،‬استمروا في الشعور به‬ ‫ّ‬ ‫التحول إلى الحراك العسكري حتى مرحلة معينة‪.‬‬ ‫خالل‬ ‫فمنذ أن نجحوا في تحويل الوهم إلى حقيقة‪ ،‬أي منذ أن ّ‬ ‫تحول‬ ‫الحديث عن إرهاب «القاعدة» واملقاتلني األجانب من كذب وبهتان‬ ‫في بداية الثورة إلى حقيقة ملموسة في األشهر األخيرة‪ ،‬ومنذ‬ ‫أن بدأ اإلعالم الغربي في التركيز على هذا الجانب حصرا من‬ ‫الحراك السوري‪ ،‬ومنذ أن تصارعت قوى إقليمية فيما بينها‬ ‫عبر تعزيز قدرات هذا التنظيم الدخيل أو ذاك‪ ،‬ومنذ سعت قوى‬ ‫إقليمية أخرى إلى تصفية حسابات سياسية وأمنية فيما بينها‬ ‫على حساب حيوات السوريني‪ ،‬بدا أن النظام يسترجع الشعور‬ ‫ّ‬ ‫بالثقة ويحضر نفسه‪ ،‬مع معارضته املصطنعة‪ ،‬للذهاب إلى‬ ‫جنيف ومحاولة فرض ما يراه هو الحل للخروج من عنق‬ ‫ّ‬ ‫التوجه‪ ،‬ال يأبه فعال إلى أمرين أساسيني‬ ‫الزجاجة‪ .‬وهو في هذا‬ ‫ُيفترض أن السوريني بمجملهم معنيون بهما‪ ،‬وهما وحدة‬ ‫األراضي السورية ووقف املقتلة املستمرة منذ عامني ونصف‪.‬‬ ‫عال بالذات وبالحلفاء الذين لم يبخلوا دعما‬ ‫إذن‪ ،‬منسوب الثقة ٍ‬ ‫وإرشادا وتوجيها‪.‬‬ ‫ومقابل هذا الشعور املستند إلى تقدم إعالمي وعسكري‬ ‫وتغاض دولي وتلكؤ عربي ونفاق أمم متحدي (أو قلق مستمر‬ ‫ٍ‬ ‫يعبر عنه األمني العام)‪ ،‬يبدو أن املعارضات السورية تجد‬ ‫نفسها في موقف ال تحسد عليه البتة‪ .‬فهي غير متفقة‪ ،‬حتى‬

‫متظاهرون اتراك وسوريون يحملون ملصقات‬ ‫للرئيس السوري بشار األسد خالل مظاهرة‬ ‫مناوئة للنظام السوري أمام مسجد الفاتح في‬ ‫اسطنبول (اغستطس ‪) 2013‬‬

‫‪,,‬‬

‫املسألة‬ ‫السورية‬ ‫ما بعد ‪21‬‬ ‫أغسطس‬ ‫أضحت‬ ‫محصورة‬ ‫ببضعة جوانب‬ ‫منها التقني‬ ‫ومنها اإلقليمي‬ ‫ومنها املرحلي‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫‪9‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫مع اقتراب موعد االنتخابات الرئاسية في سوريا بات النظام الحاكم أشبه ما يكون بالثور املذبوح أو ذاك املقتول‬ ‫على حلبة املصارعة اإلسبانية الشهيرة التي تجري فيها املواجهة بني الثور واملصارع على مرأى ومسمع من الناس‬ ‫ملشاهدة تغلب املصارع على الثور الهائج‪ ،‬ويندهش املشاهد من تحركات الثور العشوائية بعد مقاومة عنيفة‪ ،‬ويبدو‬ ‫وكأنه يرفع رأسه بعد تلقيه السهم األخير في عنقه أو بعد ذبحه‪ ،‬ثم يقوم ويجري بعنف ليخيف املصارع ومن حوله‬ ‫من مساعدين ومشاهدين‪ ،‬وإنما هو يضطرب في رقصة الوداع األخيرة ليموت وينتهي ال ليبقى ويحيا‪.‬‬

‫هل يعد «جنيف ‪ »2‬فرصة بشار األسد للبقاء في منصبه؟‬

‫رقصة املذبوح‬

‫بقلم‪:‬‬ ‫سالم الكواكبي *‬

‫‪,,‬‬

‫املجموعات‬ ‫الظالمية‬ ‫واإلقصائية‬ ‫الدخيلة‬ ‫على املجتمع‬ ‫السوري‬ ‫تطالب‬ ‫بالبيعة لها‬ ‫وإال ّ‬ ‫فحد‬ ‫السيف‬ ‫أو رصاصة‬ ‫الرحمة‬

‫‪,,‬‬

‫ّ‬ ‫تغيرت خريطة القوى «الصديقة» للثورة السورية وتلكم‬ ‫«العدوة» بعد املقامرة العظمى يوم ‪ 21‬أغسطس (آب)‬ ‫املاضي‪ .‬فقد غامر النظام السوري باستخدام جرعات‬ ‫كبيرة من السالح الكيماوي ضد منطقة الغوطة‪ ،‬مما أدى إلى‬ ‫مئات الضحايا من املدنيني‪.‬‬ ‫واعتبر «محللوه» أن هذه الخطوة بقدر ما يمكن لها أن ّ‬ ‫تحرض‬ ‫على ّ‬ ‫فعل دولي غاضب‪ ،‬بقدر ما هي قادرة على إعادة‬ ‫رد‬ ‫ٍ‬ ‫ترتيب البيت الداخلي والحديقة الخارجية‪ .‬فالخطوط الحمراء‬ ‫ٌ‬ ‫كثير من القادة الغربيني واإلقليميني بخصوص‬ ‫التي تحدث بها‬ ‫املقتلة ّ املستمرة في هذا البلد االستراتيجي للجميع‪ ،‬كانت‬ ‫ّ‬ ‫املحصلة أنها ال تقصد‬ ‫أميل للون الوردي الباهت‪ .‬وتبني في‬ ‫البتة حيوات السوريني من املدنيني بل تسعى‪ ،‬إن كانت جدية‬ ‫بالتأكيد‪ ،‬إلى حماية أصدقاء الغرب‪.‬‬ ‫هذا وقد أوحى األميركيون على ّلسان وزير خارجيتهم كيري‬ ‫في مؤتمر صحافي شهير بالحل للروس‪ ،‬الذين سرعان ما‬ ‫تلقفوه وأقنعوا‪ ،‬أو أمروا (لن ندخل في متاهات األفعال في هذه‬ ‫العجالة)‪ ،‬دمشق بالقبول به واعتباره املخرج األفضل للورطة‬ ‫املرتبة غالبا‪.‬‬ ‫ونجح الرهان‪ ،‬فقد تمحور الهم الدولي إعالميا وسياسيا على‬ ‫ّ‬ ‫املحرم دوليا منذ عشرينات القرن‬ ‫مسألة استخدام هذا السالح‬ ‫املنصرم واملنصوص عليه في عديد من املعاهدات الدولية التي‬ ‫ّ‬ ‫وتبدى بأن الحديث عن‬ ‫كانت آخرها قد وقعت سنة ‪.1993‬‬ ‫ضربات تأديبية كان محض هراء‪ ،‬أميركيا على األقل‪ ،‬وأوقع‬ ‫الكثير من رموز املعارضة السورية في وهم «الخالص» القريب‪،‬‬ ‫مما أشار بجالء إلى بدائية‪ /‬سذاجة تحليلهم السياسي وضعف‬ ‫مقدراتهم الذهنية على فهم الرهانات الدولية واملحاصصات‬ ‫والحسابات واملصالح‪ .‬وهذا لألسف ليس بغريب عن أدائهم‬ ‫السياسي منذ بدء الحراك الثوري السوري مما أدى إلى‬ ‫انفصام حقيقي عن املسألة السياسية وانعكاساتها العسكرية‬ ‫واإلنسانية‪.‬‬ ‫وانشغلت الدول بوفودها ومؤتمراتها الصحافية عن املقتلة‬ ‫السورية بمسألة تفكيك هذه األسلحة‪ ،‬وتجاوب معها النظام‬

‫‪8‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫متخليا عما تغنى به كسالح‬ ‫السوري بفاعلية وواقعية‬ ‫عدو لم يحاربه خالل عقود‪.‬‬ ‫استراتيجي ضد ٍ‬ ‫وأشار بعض أبواقه االستراتيجيني إلى أن هذا التخلي السريع‬ ‫واملنتهك للسيادة الوطنية ناجم عن امتالكه ألسلحة أكثر‬ ‫ّ‬ ‫وتطورا تجعل العدو في خطر ماحق ومستمر‪ .‬حتى‬ ‫تعقيدا‬ ‫إن الخيال الكوميدي دفع بأحدهم للحديث عن صاروخ أطلقته‬ ‫القوات األميركية من قاعدة لها في جنوب إسبانيا (حيث ال‬ ‫توجد مثل هذه القاعدة)‪ ،‬باتجاه األراضي السورية‪ ،‬وتم‬ ‫ّ‬ ‫تصور هذا‬ ‫اعتراضه بصاروخ دفاعي فوق املتوسط‪ .‬ويمكن‬ ‫ّ‬ ‫تصور درجة االستهزاء باملنطق وبالعقل‬ ‫املسار إضافة إلى‬ ‫من مطلقي هذه األكاذيب‪ .‬ولكن‪ ،‬هل هم ينفخون في قربة‬ ‫مقطوعة؟ يبدو أن الجواب هو بالنفي‪.‬‬

‫سوريا ما بعد ‪ 21‬أغسطس‬ ‫املسألة السورية ما بعد ‪ 21‬أغسطس‪ ،‬أضحت محصورة‬ ‫ببضعة جوانب‪ ،‬منها التقني ومنها اإلقليمي ومنها املرحلي‪.‬‬ ‫وتضعضعت التحالفات‪ ،‬ولو كانت وهمية وعلى الورق‪ ،‬بني‬ ‫األطراف التي ّادعت يوما عن كذب أو نفاق بأنها صديقة للشعب‬ ‫السوري‪ .‬ونجح الدب الروسي السينيكي بامتياز في فرض‬ ‫ّ‬ ‫تصوره للحل‪ّ ،‬‬ ‫مرسخا «مصداقيته» التي لم يتراجع عنها يوما‬ ‫فيما يتعلق بالشأن السوري وذلك على العكس من نفاق من‬ ‫ادعى قربا من السوريني ومطالبهم الشرعية‪ .‬ولقد استغل‬ ‫الروس التردد املرضي املالزم للسياسة الخارجية األميركية‬ ‫في عهد أوباما‪ ،‬لينقضوا على امللف بقفازات مخملية وبأنياب‬ ‫ٌ‬ ‫كثير من العارفني نسبيا بصناعة القرار في‬ ‫بارزة‪ .‬وقد أوضح‬ ‫ُ‬ ‫واشنطن‪ ،‬بأن القرار قد حسم بأن الحل الروسي‪ ،‬مع بعض‬ ‫التعديالت‪ ،‬هو األنسب‪.‬‬ ‫مالمح املستقبل القريب تبدو ضبابية للبعض وجزيلة الوضوح‬ ‫ّ‬ ‫املحبذ أن يكون املوقف العقالني متموضعا‬ ‫للبعض اآلخر‪ ،‬ومن‬ ‫في منتصف هذا الطريق‪ .‬فعلى الرغم من أن الراعي الروسي‬ ‫قد ّ‬ ‫سجل انتصارا واضحا على املستوى الدبلوماسي‪ ،‬فيبدو‬ ‫أن العمل الحثيث على امللف اإليراني من قبل بعض الجهات‬ ‫األوروبية واألميركية سيفتح مجاالت أوسع ملناقشة املسألة‬


‫الكتــاب املســاهمـون يف هـذا العـدد‬ ‫ديفيد شينكر‪ :‬زميل أوفزين ومدير برنامج‬ ‫السياسة العربية في معهد واشنطن‪ .‬وكان‬ ‫يعمل في السابق في مكتب وزير الدفاع كمدير‬ ‫شؤون دول املشرق‪ ،‬واملساعد األعلى في سياسة‬ ‫البنتاغون الخاصة بدول املشرق العربي‪.‬‬ ‫يوسف الديني‪ :‬كاتب وباحث سعودي‪،‬‬ ‫متخصص في الحركات اإلسالمية وجماعات‬ ‫العنف السياسي‪ ،‬له عمود أسبوعي في صحيفة‬ ‫الشرق األوسط‪ ،‬صدرت له دراسة عن مركز‬ ‫املسبار للدراسات والبحوث بعنوان "التنوير‬ ‫في السعودية‪ ،‬سجاالت السقوف املنخفضة"‪.‬‬ ‫جوزيف براودي‪ :‬كاتب ومحلل سياسي اميركي‬ ‫متخصص في شؤون املجتمعات العربية‪ .‬آخر‬ ‫كتبه‪" ،‬املوتى املحترمون" (‪)The Honored Dead‬‬ ‫ُ‬ ‫من اصدار "راندوم هاوس" للنشر‪ .‬قد نشرت‬ ‫مقاالته في النيويورك تايمز والوول ستريت‬ ‫جورنال وغيرها من الجرائد واملجالت األمريكية‪.‬‬ ‫ممدوح الشيخ‪ :‬مؤلف وباحث مصري‪،‬كاتب‬ ‫مقال رأي في عديد من الصحف العربية‪ .‬صدر‬ ‫له أكثر من ‪ 30‬مؤلفًا في القاهرة وبيروت‬ ‫ودبي ومسقط‪ ،‬بينها روايتان وعدة دوواين‬ ‫ومسرحية‪ .‬حاز على عدة جوائز في الشعر‬ ‫واملسرح والرواية داخل مصر وخارجها‪ .‬شارك‬ ‫في موسوعة "الحركات اإلسالمية في الوطن‬ ‫العربي" (بيروت ‪.)2013 -‬‬ ‫حنني غدار‪ :‬مدير تحرير موقع (اآلن) باللغة‬ ‫االنكليزية‪ ،‬تكتب بانتظام في عدد من املجالت‬ ‫والصحف‪ ،‬بما في ذلك "النيويورك تايمز"‪.‬باحثة‬ ‫لبنانية في مركز وودرو ويلسون الدولي للعلماء‪،‬‬ ‫وعملت كباحثة لبرنامج األمم املتحدة اإلنمائي ‪-‬‬ ‫املكتب اإلقليمي بني عامي ‪ . 2004 – 2002‬وتشارك‬ ‫حاليا في مشروع بحثي حول املرأة العربية بعد‬ ‫الصحوة العربية وصعود االسالميني‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫سالم الكواكبي‪ :‬صحافي سوري‪ ،‬كاتب وباحث‬ ‫اكاديمي‪ .‬ناشط سياسي‪ ،‬استاذ العلوم السياسية‬ ‫في جامعة باريس‪ .‬نائب مدير مؤسسة االصالح‬ ‫العربي املهتمة بحركة املجتمع املدني‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫‪7‬‬


‫المحتوى‬

‫هل يعد «جنيف ‪ »2‬فرصة‬ ‫بشار األسد للبقاء في منصبه؟‬

‫رقصة املذبوح‬ ‫عبدالله الغذامي‪..‬‬ ‫الحداثة‪ ..‬التحوالت ‪..‬‬ ‫الجمهور‬

‫التقارب االيراني االميركي‬ ‫يكشف زيف العداء‬

‫املاتروشكا‬ ‫الغذامية!‬

‫عالج روحاني‬

‫املواجهة األميركية ـ ـ الصينية‬ ‫ستؤثر على السياسة الدولية‬

‫غروب وشروق‬

‫القرضاوي‬ ‫وبشارة‪ :‬بقايا‬ ‫الحرب الباردة التي‬ ‫تقاتل بالفوضى‬

‫مغاوير‬ ‫الكالم‬

‫ما وراء الهجمات األخيرة‬ ‫التي شنتها حركة‬ ‫«الشباب» في كينيا‬

‫عمليات جهادية‬ ‫مرة أخرى‬ ‫‪6‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬


‫االفتتاحية‬

‫رساله المحرر‬ ‫تتمتع شخصيتا الشيخ يوسف القرضاوي والدكتور عزمي بشارة بحضور وجدل الفتني على مستوى أحداث‬ ‫وتقلبات املرحلة العربية الراهنة املليئة بالجديد واملفاجآت‪.‬‬ ‫تاريخ الشخصيتني يستدعي كثيرا من التساؤل والبحث والنقاش‪ ،‬ووضع إنتاجهما العلمي‪ ،‬والرؤى واملبادئ‬ ‫واألفكار على محك املساءلة واملراجعة لتحوالتهما‪ ،‬وتعاطيهما مع األحداث املشتعلة في املنطقة‪.‬‬ ‫(إعادة إنتاج الهوية‪ ..‬يوسف القرضاوي وعزمي بشارة في رحلة البحث عن الذات) هذا ما تطرحه «املجلة»‬ ‫كموضوع للغالف في عدد هذا الشهر‪ ،‬حيث يستفتح الكاتب واملحلل السياسي طارق حسن امللف مؤكدا أن‬ ‫«القرضاوي وبشارة‪ ،‬من بقايا الحرب الباردة التي تقاتل بالفوضى‪ ،‬وتدعي أنها األقدر على تقديم وصفة خاصة‬ ‫بالتحرر والتنمية»‪ ،‬في حني أن القرضاوي‪ ،‬كما بشارة‪ ،‬عابر للوطنية‪« ،‬فال األول بإخوانيته وطني مصري أو‬ ‫قطري‪ ،‬وال بشارة بقوميته وطني من عرب ‪ ،»48‬كالهما ينطلق من بعد أممي يرتكز عند األول في األممية‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬والثاني في القومية العربية‪.‬‬ ‫وفي ذات السياق يؤكد الكاتب الفلسطيني حافظ البرغوثي ‪ -‬في مقال يقرأ تقلبات عزمي بشارة الفكرية‬ ‫والسياسية – أن «بشار األسد كان البوابة التي عرفت عزمي بشارة بشخصيات رفيعة املستوى في قطر‪ ..‬فهو‬ ‫قناص للفرص السياسية منذ بداياته في الحزب الشيوعي اإلسرائيلي‪ ،‬حيث يسعى دائما إلى أن يكون بارزا‬ ‫على السطح»‪.‬‬ ‫وضمن أوراق امللف يطرح الكاتب األميركي ديفيد شينكر دالئل ومؤشرات توضح أن الشيخ املصري يوسف‬ ‫القرضاوي هو وجماعة اإلخوان املسلمني بعد أن يئسوا من عودتهم للحكم‪ ،‬بدأوا يسعون لتدمير مصر بشعارات‬ ‫تدعي الحرص على إنقاذها‪.‬‬ ‫كما كتب األستاذ يوسف الديني في مقال بعنوان «القرضاوي‪ ..‬الفقيه الوادع أم السياسي الراديكالي» مؤكدا أن‬ ‫«العقل السياسي للقرضاوي ‪ -‬على النقيض تماما من عقله الفقهي املتسامح ‪ -‬أقرب ما يكون للنص املغلق»‪.‬‬ ‫وفي ملف آخر يحلل الباحث والشاعر املصري ممدوح الشيخ عقلية وآليات بحث الدكتور السعودي عبد الله‬ ‫الغذامي في مقالة قدمت املعالم األبرز التي تشكل مشروع الغذامي‪ ،‬والتي تتمحور حول «السعي وراء الجمهور‪،‬‬ ‫والزئبقية‪ ،‬والتلفيقية‪ ،‬والتالعب بمستويات التعيني والتجريد‪ ،‬والتخصيص والتعميم»‪ ،‬محلال ذلك وفق إنتاج‬ ‫الغذامي ومؤلفاته‪.‬‬ ‫كما تناول العدد تطور املواجهة بني الواليات املتحدة األميركية والصني‪ ،‬وخيارات العالقة القائمة بني الخليج‬ ‫العربي والقوة الصينية‪ ،‬وظالل األزمة السورية التي تلقي بآثارها على هذه العالقة‪.‬‬ ‫إضافة إلى ذلك تنشر «املجلة» مقاالت مترجمة من مجلة «فورن أفيرز» تتناول املستجدات القائمة في الساحة‬ ‫اإليرانية واألفريقية‪ ،‬مع تقرير خاص بأهم وأفضل الكتب التي صدرت مؤخرا في السياسة والتاريخ والثقافة‪.‬‬ ‫ندعوك عزيزي القارئ لقراءة هذه املوضوعات وغيرها الكثير على موقعنا ‪ majalla.com‬ونرحب دائما بآرائك‬ ‫وندعوك للتعليق على املوضوعات أو االتصال بنا إذا رغبت في التواصل معنا‪.‬‬

‫المحرر‬ ‫‪4‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬


ĴĽŬĚŠĴĽŤŚťšũŤēźIJżřŭĝŤēĺżĐĴŤē +y:a`3x3Na-Mk1fM Acting CEO of NASHR Co.

Omar A. Alshaikh ‫ﻣﺴﺆول ﻣﻜﺘﺐ اﳋﻠﻴﺞ‬

ĴĽŬĚŠĴĽŤŚťšũŤēźIJżřŭĝŤēĺżĐĴŤē +y:a`3x3Na-Mk1fM

^¤7yG*Ò*^d<

‫اﻟﺘﺤﺮﻳﺮ‬ ĴĽŬĚŠĴĽŤŚťšũŤēźIJżřŭĝŤēĺżĐĴŤē Acting CEO of ‫ﺳﻜﺮﺗﲑ‬ NASHR Co. Omar A. Alshaikh +y:a`3x3Na-Mk1fM

¥E¢6^G*£}H

ǀżȤƾƪƵƴŽ Acting‫سكرتري‬ CEO of-NASHR ‫ م�صطفى الد�سوقي‬.‫ د‬:‫التحرير‬ ‫الر�شيد‬Co. ‫ عبد اهلل‬:‫مسؤول مكتب اخلليج‬

ΔϤϠϛϰϠϋΪϳΰΗϻ΃ΐΠϳΕϻΎϘϤϟ΍ϊϴϤΟΔχϮΤϠϣHGLWRULDO#PDMDOODFRPϲϧϭήΘϜϟϹ΍ΪϳήΒϟ΍ϰϠϋΔϠγ΍ήϤϟ΍ϰΟήϳ˯΍έ΁ϭ΃ΕϻΎϘϣϝΎγέϹ Omar A. Alshaikh

‫للمشاركة‬ ȝƾżȚǍƄŵȚ

‫كلمة‬ 800 ‫ جميع المقاالت يجب أال تزيد على‬:‫ ملحوظة‬editorial@majalla.com ‫إلرسال مقاالت أو آراء يرجى المراسلة على البريد اإللكتروني‬ ZZZLVVXXFRPPDMDOODΔϴϧϭήΘϜϟϻ΍ϲϓϙ΍ήΘηϼϟVXEVFULSWLRQV#PDMDOODFRP˰ΑϝΎμΗϻ΍ϰΟήϳˬΔϴϤϗήϟ΍ΔόΒτϟ΍ϲϓϙ΍ήΘηϼϟ

‫اشتراكات‬ ϡΎψϧϱ΃ϲϓΎϬϨϳΰΨΗϭ΃ΎϬϨϣ˯ΰΟϱ΃ϭ΃ΔϠΠϤϟ΍ΔϋΎΒσΓΩΎϋ·ϝ΍ϮΣϷ΍ϦϣϝΎΣϱ΄ΑίϮΠϳϻϭΓΩϭΪΤϣΔϛήη ΓΪΤΘϤϟ΍ΔϜϠϤϤϟ΍ ϖϳϮδΘϟ΍ϭΙΎΤΑϸϟΔϳΩϮόδϟ΍Δϛήθϟ΍ϦϋέΪμΗϲΘϟ΍ΔϠΠϤϟ΍ΔϠΠϤϟΔχϮϔΤϣήθϨϟ΍ϕϮϘΣ www.issuu.com/majalla :‫ لالشتراك في االلكترونية‬subscriptions@majalla.com :‫ يرجى االتصال بـ‬،‫لالشتراك في الطبعة الرقمية‬ ϲϘϠΘϟ˱ΎϳήϬηΔϠΠϤϟ΍έΪμΗϭ ΓΩϭΪΤϣΔϛήη ϖϳϮδΘϟ΍ϭΙΎΤΑϸϟΔϳΩϮόδϟ΍Δϛήθϟ΍ϦϣϖΒδϣ΢ϳήμΗϰϠϋϝϮμΤϟ΍ϥϭΩϪΑΎηΎϣϭ΃ΎϬϠϴΠδΗϭ΃ΎϫήϳϮμΗϭ΃Δϴϟ΁ϭ΃ΔϴϧϭήΘϜϟ·ΔϠϴγϭϱ΃ϭ΃ΓέϮλϱ΄ΑΎϬϠϘϧϭ΃ϲϋΎΟήΘγ΍ ZZZPDMDOODFRPΓέΎϳίϰΟήϳˬϲϤϗήϟ΍ϙ΍ήΘηϻ΍Ε΍έΎδϔΘγ΍

‫ وال يجوز بأي حال من األحوال إعادة طباعة المجلة أو أي جزء منها أو تخزينها في أي نظام‬.‫ التي تصدر عن الشركة السعودية لألبحاث والتسويق (المملكة المتحدة) شركة محدودة‬2009 ‫حقوق النشر محفوظة لمجلة المجلة‬ ‫ لتلقي‬.ً‫ وتصدر المجلة شهريا‬.)‫استرجاعي أو نقلها بأي صورة أو أي وسيلة إلكترونية أو آلية أو تصويرها أو تسجيلها أو ما شابه دون الحصول على تصريح مسبق من الشركة السعودية لألبحاث والتسويق (شركة محدودة‬   www.majalla.com ‫ يرجى زيارة‬،‫استفسارات االشتراك الرقمي‬

LVVXH

$XJXVW



Ώ΁βτδϏ΃ΩΪόϟ΍

++6DXGL5HVHDUFKDQG0DUNHWLQJ 8. /WG Issue 1589 -November 2013 $UDE3UHVV+RXVH+LJK+ROERUQ /RQGRQ:&9$3 HH Saudi Research and Marketing (UK) Ltd 7HO)D[ Arab Press House, 184 High Holborn,

London WC1V 7AP Tel: +44 207 831 8181 - Fax: +44 207 831 2310

ϰμμΨΘϟ΍ϊσΎϘΗΔϜϣϖϳήσΕ΍ήϤΗΆϤϟ΍ϲΣνΎϳήϟ΍ΎϬϟκΧήϣ 2013 ‫ تشرين الثاني‬-‫ نوفمبر‬1589 ‫العدد‬

$0RQWKO\3ROLWLFDO1HZV0DJD]LQH ϥΪϨϟϒΗΎϫνΎϳήϟ΍

ZZZPDMDOODFRPHQJ

‫ تقاطع التخصصى‬- ‫ طريق مكة‬- ‫ حي المؤتمرات‬- ‫الرياض‬

‫مرخص لها‬

A Monthly Political News Magazine +44 207 831 8181 :‫ لندن‬- 4419933 ‫ هاتف‬:‫الرياض‬

www.majalla.com/eng KT#DONKDOHHMLDKFRPϲϧϭήΘϜϟ·ΪϳήΑˬZZZDONKDOHHMLDKFRPϲϧϭήΘϜϟ·ϊϗϮϣ ϝϭΪϟ΍ϒϠΘΨϣϦϣϭˬϥΪϨϟˬβϳέΎΑˬϲΑΩˬΔϜϠϤϤϟ΍ϞΧ΍ΩϦϣ

hq@alkhaleejiah.com :‫ بريد إلكتروني‬،www.alkhaleejiah.com :‫موقع إلكتروني‬ +966 1 441 1444 : ‫ ومن مختلف الدول‬، +44 207 404 6950:‫ لندن‬، +331 537 764 00:‫ باريس‬،+9714 3 914440 :‫ دبي‬،920 000 417 : ‫من داخل المملكة‬

ϲϧϼϋϹ΍ϞϴϛϮϟ΍ ‫الوكيل اإلعالني‬

ϲϧΎΠϣϒΗΎϫˬZZZDUDEPHGLDFRFRPϲϧϭήΘϜϟ·ϊϗϮϣˬLQIR#DUDEPHGLDFRFRPϲϧϭήΘϜϟ·ΪϳήΑ

ΕΎϛ΍ήΘηϹ΍Ϟϴϛϭ

800-2440076 :‫ هاتف مجاني‬،www.arabmediaco.com :‫ موقع إلكتروني‬، info@arabmediaco.com :‫بريد إلكتروني‬

‫وكيل اإلشتراكات‬

ˬβϛΎϓϒΗΎϫˬνΎϳήϟ΍ΏιΕ΍ήϤΗΆϤϟ΍ϲΣΔϳΩϮόδϟ΍ΔϴΑήόϟ΍ΔϜϠϤϤϟ΍ϲϓϊϳίϮΘϟ΍Ϟϴϛϭ ZZZVDXGLGLVWULEXWLRQFRPϲϧϭήΘϜϟ·ϊϗϮϣ ،+966 1 2121774 :‫ فاكس‬+966 1 4419933 :‫ هاتف‬،11585 ‫ الرياض‬- 62116 ‫ب‬.‫ ص‬- ‫المؤتمرات‬ ‫وكيل التوزيع في المملكة العربية السعودية حي‬

www.saudidistribution.com :‫موقع إلكتروني‬

ZZZKDODSULQWFRFRPϲϧϭήΘϜϟ·ϊϗϮϣˬβϛΎϓˬϒΗΎϫˬνΎϳήϟ΍Ώι

‫�شركات ن�شر‬ ‫شركات نشر‬

ϊϳίϮΘϟ΍Ϟϴϛϭ

‫وكيل التوزيع‬

ΔϋΎΒτϟ΍ΰϛήϣ

ΔϋϮϤΠϤϟ΍ΕΎϛήη www.arabmediaco.com

Saudi Specialized Publishing ‫املتخصص‬ ‫السعودية للنشر‬ ‫ الشركة‬Company www.sspc.com.sa

áeÉ©dG äÉbÓ©dGh ¿ÓYEÓd á«é«∏ÿG www.srpc.com 6DXGL6SHFLDOL]HG3XEOLVKLQJ&RPSDQ\

‫حقوق التوزيع لهذه المطبوعات محفوظة‬

»‫لشركة «تريبيون لخدمات اإلعالم‬

ΔχϮϔΤϣΕΎϋϮΒτϤϟ΍ϩάϬϟϊϳίϮΘϟ΍ϕϮϘΣ

©ϡϼϋϹ΍ΕΎϣΪΨϟϥϮϴΒϳήΗªΔϛήθϟ 8002440014 ‫ يرجى اإلتصال على الهاتف المجاني‬،‫المعلومات‬ ‫للحصول على المزيد من‬

»‫حقوق النشر لهذه المطبوعات باللغة العربية مرخصة «المجلة‬


AN AMERICAN EDUCATION A BRITISH SETTING A GLOBAL FUTUR E A Since the 1970’s Richmond has been educating leading Middle Eastern families. Richmond’s unique style of personalised higher education ensures that students leave us with a dually accredited degree, that is recognised in the UK, the USA and worldwide.

+44 20 8133 2877 • enroll@richmond.ac.uk Visit www.richmond.ac.uk/al-majalla today to download our catalog and viewbook.


‫العدد ‪ 1589‬نوفمبر‪ -‬تشرين الثاني ‪2013‬‬

‫مجلة العرب الدولية‬ ‫شهرية سياسية‬

‫‪‬‬

‫تأسست في لندن عام ‪1980‬‬

‫جون �ألرتمان‪ :‬ت�أثري العالقات ال�سعودية ال�صينية على االجتاهات الأمريكية يف املنطقة‬ ‫م�شاري الذايدي‪ :‬فر�سان نبالء قرروا ال�صمود على احلال القدمي‪ ..‬تاريخ العناد!‬ ‫� ّسالم الكواكبي‪ :‬هل يعد «جنيف ‪ »2‬فر�صة ب�شار الأ�سد للبقاء يف من�صبه؟‬

‫‪‬‬

‫للحصول على العدد‬ ‫اسـتخـدم هاتفــك‬ ‫ال ــذكي لـمــسح‬ ‫هـ ـ ــذا الـ ــرقـ ـ ـ ــم‬ ‫‪11‬‬

‫‪ISSN 1319-0873‬‬

‫‪9 771319 087013‬‬ ‫‪‬‬

‫‪‬‬

‫‪issue 1589 November 2013‬‬

‫‪www.majalla.com‬‬


البحث عن الذات  

إعادة إنتاج الهوية .. يوسف القرضاوي وعزمي بشارة أنموذجا

Read more
Read more
Similar to
Popular now
Just for you