Issuu on Google+


‫الكلمة االخيرة‬

‫الشرق األوسط مقبل على مزيد من النزاعات‬

‫إيان برميير‪ :‬نعيش مرحلة مجموعة الصفر‬ ‫قال إيان برميير إن تزعم الواليات املتحدة للعالم انتهى "ونحن نعيش مرحلة مجموعة الصفر"‪ .‬ويعتقد برميير‪ ،‬مؤسس ورئيس‬ ‫مجموعة "أوراسيا"‪ ،‬كبرى الشركات االستشارية إلدارة اخملاطر اجليوسياسية في العالم ومؤلف كتاب "كل دولة لنفسها‪ :‬الفائزون‬ ‫واخلاسرون في عالم مجموعة الصفر"‪ ،‬أن الواليات املتحدة وروسيا والصني‪ ،‬ليسوا صناعا للسياسة اخلارجية في الشرق األوسط‬ ‫الذي سوف يشهد املزيد من الطائفية واالنقسام والنزاعات‪" .‬اجمللة" التقت إيان برميير فكان هذا احلوار‪:‬‬ ‫يتمحور عملك اجلديد حول فكرة غياب قيادة عاملية‬ ‫وتداعيات ذلك‪ .‬وبإطالقك عليها «مجموعة الصفر»‪،‬‬ ‫فإنك تقول إن «العالم يعتمد على غياب دولة أو مجموعة‬ ‫واحدة في ممارسة القيادة العاملية»‪ .‬ما هي التداعيات‬ ‫الرئيسة لعالم مجموعة الصفر؟‬ ‫ملدة تزيد عن النصف قرن‪ ،‬كنا نعيش في عالم تتزعمه‬ ‫قيادة عاملية‪ .‬ولم يكن ذلك ناجحا طوال الوقت‪ ،‬ومما الشك‬ ‫فيه أن ذلك لم يكن هو اخليار املفضل للجميع ولكنه كان‬ ‫الوضع القائم‪ .‬كان ذلك هو النظام العاملي‪ ،‬وكانت الواليات‬ ‫املتحدة تتزعم العوملة‪ ،‬واآلن انتهى كل ذلك‪ .‬فلن نرى بعد اآلن‬ ‫مؤسسات عاملية بزعامة أميركية‪ ،‬ولن نرى القيادة األميركية‬ ‫العاملية ورمبا نشهد في النهاية مؤسسات عاملية من دون‬ ‫زعامة أميركية أو رمبا ال يحدث أي من ذلك‪ .‬ولكن مرحلة‬ ‫مجموعة الصفر التي نشهدها حاليا ليست هي النظام‬ ‫العاملي اجلديد‪ ،‬كما أنها غير قابلة لالستمرار‪ ،‬فالطبيعة‬ ‫تعاف الفراغ السياسي وكذلك اجلغرافية السياسية‪.‬‬ ‫ولكننا في الوقت الراهن ليست لدينا قيادة عاملية‪ .‬فتلك هي‬ ‫الطريقة التي يجب أن نفكر بها في حلول عاملية وفي كيفية‬ ‫عمل العالم‪.‬‬ ‫توازن القوى‬ ‫منذ متى ونحن نعيش في عالم مجموعة الصفر؟‬ ‫لقد نشأ عالم مجموعة الصفر في عام ‪ .2008‬وميكننا‬ ‫القول‪ ،‬إذا ما كنا قساة في أحكامنا‪ ،‬إنه كان قائما قبل‬ ‫ذلك‪ .‬لقد كنا نعيش في ظل عالم تتزعمه الواليات املتحدة‬ ‫منذ احلرب العاملية الثانية من حيث الهيمنة على كافة‬ ‫املؤسسات الكبرى والبنى الهيكلية واالقتصاد العاملي‪.‬‬ ‫ولكننا ميكننا القول إن ذلك بدأ فعليا مع‪ ،‬أوال‪ ،‬ظهور األوبك‪،‬‬ ‫وثانيا‪ ،‬من الناحية البنيوية‪ ،‬مع صعود األسواق الناشئة‬ ‫في السبعينيات‪ ،‬بخاصة الصني‪ ،‬وغيرها من دول البريكس‬ ‫(البرازيل ‪ ،‬وروسيا ‪ ،‬والهند‪ ،‬والصني‪ ،‬وجنوب افريقيا)‪ .‬فلديك‬ ‫مجموعة من األسواق الناشئة التي ال تشارك الواليات‬ ‫املتحدة وحلفاءها في الدميقراطيات الصناعية املتقدمة‬ ‫القيم الرئيسة‪ ،‬بل واألنظمة السياسية واالقتصادية‬ ‫واألولويات في العديد من احلاالت‪.‬‬

‫ومن ثم‪ ،‬فإنه ملدة ثالثني عاما‪ ،‬كان لديك ذلك التباين البارز‬ ‫بني الدول التي تقود العالم ومؤسساتها التي تعمل على‬ ‫حتديد املعايير العاملية وبني التوازن الفعلي للقوى على‬ ‫املستوى العاملي‪ .‬وهو السياق الذي من الواضح أن مجموعة‬ ‫‪66‬‬

‫الصفر بدأت تتحقق في إطاره‪ .‬ولكن لكي تنشأ مجموعة‬ ‫الصفر‪ ،‬كانت هناك حاجة حلدوث صدمة تهز املؤسسات‬ ‫واألنظمة القدمية وتؤثر على بنيانها‪ .‬وعلى الرغم من أن‬ ‫العالم كان يتعرض طوال الوقت لصدمات قوية‪ :‬انهيار‬ ‫االحتاد السوفييتي‪ ،‬هجمات احلادي عشر من سبتمبر (أيلول)‪،‬‬ ‫وكارثة العملة اآلسيوية‪ ،‬وأزمات البيزو والروبل‪ ،‬كانت األزمة‬ ‫املالية ‪ 2008‬هي الصدمة الكبرى مبا يكفي لنشأتها والتي‬ ‫وقعت أيضا في الوقت الذي كان فيه توازن القوى قد تغير مبا‬ ‫يكفي ألن نشهد نشأة مجموعة الصفر‪.‬‬ ‫الفائزون واخلاسرون‬ ‫ما هو موقع الشرق األوسط في عالم مجموعة الصفر؟‬ ‫من هم الفائزون ومن هم اخلاسرون؟‬ ‫إن األمر مثير للغاية ألنه في الشرق األوسط هناك الربيع‬ ‫العربي الذي عصف بالعديد من تلك البلدان داخليا‪ ،‬كما‬ ‫أن هناك أيضا أهمية بالغة جملموعة الصفر على املستوى‬ ‫اخلارجي‪ .‬فمن الواضح للغاية أننا يجب أال نركز على ما‬ ‫ترغب فيه تلك اجلماهير العاملية‪ ،‬بل علينا أن نركز أيضا على‬ ‫حقيقة أن الالعبني الدوليني الذين كانوا يهيمنون تاريخيا‬ ‫على حسم نتائج العديد من النزاعات شرق األوسطية سوف‬ ‫يكون لهم دور أقل‪ .‬بالطبع‪ ،‬خرجت الواليات املتحدة من‬ ‫العراق‪ ،‬وليس من املرجح أن تعيد إرسال قوات إلى هناك إذا‬ ‫ما تدهورت األوضاع‪ .‬كما مت القضاء على نظام القذافي في‬ ‫ليبيا ولكن ال توجد نية إلرسال قوات للمساعدة في إعادة‬ ‫بناء تلك الدولة‪.‬‬

‫وميكنك احلديث حول اليمن وسوريا ومصر‪ .‬فالواليات املتحدة‪،‬‬ ‫وروسيا‪ ،‬والصني‪ ،‬كلهم متلقون فيما يتعلق بالسياسة‬ ‫اخلارجية وليسوا صناعا للسياسة اخلارجية في الشرق‬ ‫األوسط‪ .‬فهم لن يتحكموا في النتائج‪ ،‬حيث أصبح الالعبون‬ ‫األكثر أهمية إلى حد كبير من األطراف احمللية‪ .‬فبخالف أوروبا‬ ‫التي كانت أملانيا هي الالعب الرئيس بها‪ ،‬هناك العديد من‬ ‫األطراف املهيمنة في الشرق األوسط‪ ،‬مثل السعودية وإيران‬ ‫وتركيا‪.‬‬ ‫وكانت مصر من األطراف الرئيسة كذلك ولكنها مشتتة اآلن‬ ‫نظرا لالضطرابات احمللية واملرحلة االنتقالية‪ .‬ولكن التحدي‬ ‫الذي يواجه املنطقة هو أن كال من تلك البلدان يدعم حتقيق‬ ‫أهداف مختلفة‪ .‬فالسعودية تدعم املزيد من التكامل مع‬ ‫دول مجلس التعاون اخلليجي واالستقرار واألوضاع الراهنة‪.‬‬

‫فيما يختلف اإليرانيون مع السعوديني حول قضايا الشرق‬ ‫األوسط كافة‪.‬‬ ‫رمبا يكون األتراك أكثر قربا للسعوديني ولكنهم مع ذلك‬ ‫لديهم منظور مختلف فيما يتعلق بالدميقراطية العلمانية‬ ‫والطبقات الوسطى املدنية واملزيد من اإلصالحات االقتصادية‬ ‫والسياسية‪ .‬حسنا‪ ،‬إذا كانت تلك هي البلدان التي سوف‬ ‫تلعب دورا أكثر أهمية‪ ،‬سوف نشهد املزيد من الطائفية‪،‬‬ ‫واالنقسام‪ ،‬واملزيد من النزاعات في الشرق األوسط‪.‬‬ ‫فمجموعة الصفر ليست طيبة بالنسبة للشرق األوسط‪.‬‬ ‫وبالطبع‪ ،‬فإن أكبر خاسر في الشرق األوسط في ظل‬ ‫مجموعة الصفر هو إسرائيل‪ .‬ففي ظل غياب الدور القوي‬ ‫للواليات املتحدة‪ ،‬من سيدعم إسرائيل؟ فقد فقدوا عالقاتهم‬ ‫الطيبة نسبيا مع األتراك‪ ،‬واملصريني‪ ،‬كما أنهم في طريقهم‬ ‫للحصول على عالقة أكثر تراجعا مع األردن‪ .‬ويبحث‬ ‫اإلسرائيليون حقا عن األصدقاء ويشعرون بأنهم أكثر عزلة‬ ‫في تلك البيئة‪.‬‬ ‫ما الذي ميكن أن يأتي بعد مجموعة الصفر؟ هل ستعود‬ ‫قيادة الواليات املتحدة للعالم أم ستنشب حرب باردة‬ ‫جديدة بني الصني والواليات املتحدة؟ أو هل سيصبح هناك‬ ‫نظام عاملي أكثر إقليمية من كونه عامليا؟‬ ‫لقد كنا نحيا في مجموعة الصفر منذ أربع سنوات أي منذ‬ ‫وقوع األزمة املالية‪ .‬فإذا ما نظرت إلى التوجهات الناشئة في‬ ‫تلك السنوات األربع‪ ،‬ستجد أن العالقات األميركية الصينية‬ ‫كانت تتراجع‪ ،‬ومن املرجح أن تستمر في التراجع‪ .‬فيما كانت‬ ‫البلدان األخرى تلعب دورا أكبر على الساحة العاملية مثل‬ ‫البرازيل والهند وتركيا نظرا لنجاحهم‪ ،‬جزئيا‪ ،‬وألن الواليات‬ ‫املتحدة والصني كانا مترددين في لعب ذلك الدور الريادي‪.‬‬ ‫وبالتالي فإن العالم الذي من املرجح أن يستبدل مجموعة‬ ‫الصفر هو عالم من املناطق التي ليست لديها قيادة عاملية‬ ‫ولكنها بدال من ذلك لديها أنواع مختلفة متاما من التكامل‬ ‫في أجزاء مختلفة من العالم‪ .‬فقد ازداد تركيز أوروبا على‬ ‫التكامل السياسي واالقتصادي والقيم املشتركة‪ ،‬وفي‬ ‫الشرق األوسط‪ ،‬دول مختلفة ومناذج مختلفة واملزيد من‬ ‫الطائفية‪ ،‬فيما تركز أوراسيا التي تهيمن عليها روسيا على‬ ‫عالقات األمن والطاقة مع الروس‪ .‬ففيما تدفعك العالقات‬ ‫االقتصادية املعقدة باالجتاه صوب الصني‪ ،‬يدفعك األمن إلى‬ ‫االجتاه صوب الواليات املتحدة >‬


‫اجلزائر‪ :‬حرب فرنسا غير املعلنة‬ ‫املؤلف‪ :‬مارتن إيفانز‪« ،‬جامعة أكسفورد‪ 304 ،»2012 ،‬صفحات‬ ‫خالل انهيار اإلمبراطوريات الغربية الذي أعقب‬ ‫احلرب العاملية الثانية‪ ،‬لم يكن هناك ما هو‬ ‫أكثر درامية أو أكثر مأساوية من حرب الثماني‬ ‫سنوات الوحشية التي خاضها اجلزائريون بدءا من‬ ‫‪ 1954‬والتي أنهت نحو مائة عام من الهيمنة‬ ‫االستعمارية لفرنسا‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من أن تلك احلرب كانت حتظى دائما‬ ‫بآراء احملللني والرواة واملناظرين‪ ،‬قدم إيفانز‪ ،‬وهو‬ ‫أكادميي مرموق‪ ،‬رواية شاملة تركز على «احلرب غير‬ ‫املعلنة» كما أولى أيضا اهتماما كافيا للفترة‬ ‫االستعمارية التي امتدت من ‪ 1830‬وحتى ‪.1954‬‬

‫وهو تاريخ يهم كال من اجلزائر وفرنسا على حد‬ ‫سواء؛ حيث يوثق الكتاب بعناية للعنف والتعذيب‬ ‫الذي اقترفه جانبا النزاع والذي ال يضاهي تاريخهما‬ ‫الفظيع إال النتائج الفظيعة واإلرث الذي يحمالنه‪.‬‬ ‫فعلى الرغم من أن الرئيس الفرنسي‪ ،‬شارل ديغول‪،‬‬ ‫متكن أخيرا من إخراج فرنسا من اجلزائر‪ ،‬فإنه أدار‬ ‫ظهره بقسوة للمستوطنني الفرنسيني الفارين‬ ‫وللجزائريني الذين كانوا يحاربون من أجل فرنسا‪،‬‬ ‫فيما حتول الثوريون اجلزائريون الذين قادوا احلرب من‬ ‫أجل االستقالل إلى طبقة عسكرية ظلت حتكم‬ ‫البالد منذ ذلك الوقت‪.‬‬

‫النزاع املستمر‪ :‬إسرائيل والعرب والشرق األوسط ‪.2011-1948‬‬ ‫املؤلف‪ :‬إمتار رابينوفيتش‪ .‬نشره «معهد بروكينغز ‪ 308 ،»2011‬صفحات‬ ‫نشر هذا الكتاب للمرة األولى في ‪ 1999‬حتت‬ ‫عنوان «ممارسة السالم‪ :‬إسرائيل والعرب في‬ ‫نهاية القرن»‪ .‬ثم نشرت نسخة معدلة منه‬ ‫حتت عنوان «ممارسة السالم‪ :‬إسرائيل والعرب‪،‬‬ ‫‪ »2003-1948‬والذي مت نشره عام ‪.2004‬‬ ‫واآلن تركت النسخة األخيرة اجملال للنسخة‬ ‫اجلديدة «النزاع املستمر» والنزاع الذي‬ ‫تصفه هذه النسخة يضع إسرائيل في‬ ‫مواجهة ليس فقط مع العالم العربي‬ ‫ولكن مع الشرق األوسط بأسره‪ ،‬كانعكاس‬ ‫للعالقات التي تتزايد توترا بني إسرائيل وإيران‬ ‫وتركيا‪ .‬وعلى غرار النسخ األولى‪ ،‬تنطلق‬ ‫النسخة األخيرة من الرؤية اإلسرائيلية‬

‫للرواية ولكنها مع ذلك كانت حيادية وعادلة‬ ‫في االحتفاء بتوجهات وأفعال اجلانب اآلخر‪.‬‬ ‫في الكتاب‪ ،‬يرسم رابينوفيتش‪ ،‬األكادميي‬ ‫والدبلوماسي اإلسرائيلي‪ ،‬صورة للتيارات‬ ‫احمللية وتيارات السياسة اخلارجية املضادة التي‬ ‫تواجه كافة األطراف وتؤثر على زخم السالم‪.‬‬ ‫ويعرب في النهاية عن أمله في أن يتبنى‬ ‫بنيامني نتنياهو‪ ،‬رئيس الوزراء‪ ،‬سياسات‬ ‫جديدة جريئة‪ ،‬كما فعلت احلكومات اليمينية‬ ‫السابقة بقيادة مناحيم بيغني وآرييل شارون‪.‬‬ ‫وإال سوف حتمل النسخة اجلديدة من الكتاب‬ ‫مرة أخرى عنوان «النزاع املستمر»‪.‬‬

‫باكستان على احلافة‪ :‬مستقبل أميركا‪ ،‬باكستان‪ ،‬وأفغانستان‬ ‫املؤلف أحمد راشد‪« ،‬فيكينغ أدالت‪ 256 ،»2012 ،‬صفحة‬ ‫كان كتاب راشد السابق حول باكستان يحمل عنوان‬ ‫«االنحدار نحو الفوضى»‪ .‬وال يشير االنتقال في‬ ‫عنوان كتابه اجلديد الذي صدر بعد ذلك بأربع سنوات‬ ‫من «الفوضى» إلى «احلافة» إلى التفاؤل بإحراز أي‬ ‫تقدم‪.‬‬ ‫يستعرض راشد باكستان كدولة منهارة لديها‬ ‫إدارة مدنية غير مسؤولة وجيش يركز ناظريه على‬ ‫التهديدات الهندية‪ .‬وفي اجلوار‪ ،‬في أفغانستان‪،‬‬ ‫ميثل الرئيس حامد كرزاي خيبة أمل‪ ،‬فيما تتحدث‬ ‫إدارة أوباما بغموض حول زيادة القوات‪ ،‬واإلعالن عن‬ ‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫االنسحاب‪ ،‬واملباحثات األولية مع طالبان أفغانستان‪.‬‬ ‫وفي الوقت نفسه‪ ،‬تكتسب اجلماعات اإلرهابية‬ ‫واحلركات اإلسالمية أرضا جديدة في املنطقة‪.‬‬ ‫ويستهل املؤلف ذلك الكتاب املتجهم بافتتاحية‬ ‫مؤثرة حول مقتل أسامة بن الدن وينهي الكتاب‬ ‫مبسح جيد حول العديد من البلدان اجملاورة التي تؤثر‬ ‫على األحداث في أفغانستان وباكستان‪ ،‬بدءا من‬ ‫دول اخلليج وإيران وصوال إلى الصني والهند‪ .‬حيث‬ ‫إن لعبة القرن الكبرى في آسيا هي لعبة متعددة‬ ‫األطراف‪ ،‬ال ينبغي جتاهل أي طرف منها‪ ،‬حيث ميكن‬ ‫أن يكون للعديد منها تأثير بالغ‪.‬‬

‫‪65‬‬


‫من حرب حترير اجلزائر إلى الربيع العربي‬

‫‪ 5‬كتب للقراءة‬

‫من اجلزائر إلى أفغانستان مرورا بفلسطني‪ ،‬ومن أولى احلروب العربية االسرائيلية وحتى «الربيع العربي»‪ 5 ،‬كتب قيمة تستحق‬ ‫القراءة لعمق التحليل ومصداقية التوثيق وحرفية الكاتب وسالسة الكتابة‪.‬‬ ‫احملرر الثقافي‬

‫االنتفاضة العربية‪ :‬الثورات غير املكتملة في الشرق األوسط اجلديد‬ ‫املؤلف‪ :‬مارك لينش‪ ،‬نشرته «بابليك أفيرز‪ 288 ،»2012 ،‬صفحة‬

‫العرب غير املرئيني‪ :‬الوعد واخلطر على الثورات العربية‬ ‫املؤلف‪ :‬مروان بشارة‪« ،‬نيشن بوكس‪ 227 ،»2012 ،‬صفحة‬

‫قدم كل من مارك لينش‪ ،‬املدون واخلبير في الشؤون العربية‪ ،‬ومروان بشارة‪،‬‬ ‫احمللل السياسي بقناة «اجلزيرة» اإلجنليزية‪ ،‬روايات مطلعة وجذابة حول‬ ‫االنتفاضات التي أسقطت أربعة أنظمة (في تونس‪ ،‬ومصر‪ ،‬وليبيا‪ ،‬واليمن)‪،‬‬ ‫وواجهت مقاومة في سوريا‪ ،‬وهزت أرجاء العالم العربي كافة‪.‬‬

‫وعواقبها (هشاشة الدول األمنية التي كانت تقودها ممالك رئاسية عائلية)‪،‬‬ ‫والدور احليوي الذي لعبه الشباب في احلركات الثورية‪ ،‬وأهمية املشاركة‬ ‫املتأخرة لإلسالميني‪ ،‬وتأثير تقنيات وسائل اإلعالم احلديثة‪ ،‬واألهمية املستمرة‬ ‫لرؤية العرب واملسلمني للنزاع اإلسرائيلي ‪ -‬الفلسطيني‪.‬‬

‫ويحلل كال الكتابني بعمق العالقة التبادلية بني تلك التطورات واألحداث‬ ‫التي تزامنت معها في كل من اجلزائر‪ ،‬والعراق‪ ،‬والسودان‪ ،‬وغيرها من البلدان‬ ‫غير العربية مثل تركيا‪.‬‬

‫ولكنهما يختلفان حول االحتفاء بدور الواليات املتحدة‪ .‬فعلى الرغم من‬ ‫أنهما يشتركان في ازدرائهما ملقاربة إدارة الرئيس األمريكي السابق جورج‬ ‫بوش بشأن الشرق األوسط‪ ،‬يرى لينش أن استجابة إدارة باراك أوباما جتاه ما‬ ‫يطلق عليه الربيع العربي كانت سريعة وفعالة فيما يرى بشارة أن باراك‬ ‫أوباما كان يفتقر ألي سياسة واضحة‪.‬‬

‫ويتفق كل من لينش وبشارة إلى حد كبير حول أسباب تلك االنتفاضات‬ ‫‪64‬‬


‫فالدميير بوتني‬

‫التربح في الظالم‬ ‫أصبح من الضروري في الوقت احلالي أن تتجاوز مكافحة‬ ‫اجلرائم الدولية مجرد منع االجتار في السلع املقلدة‬ ‫واخملدرات واألسلحة والبشر‪ ،‬يجب أن تتضمن تلك‬ ‫املكافحة أيضا منع ارتكاب احلكومات للجرائم‪ .‬متثل‬ ‫التجارة غير القانونية خطرا أصيال‪ ،‬ولكن التهديد‬ ‫الذي متثله للمجتمع يتضاعف عندما يصبح اجملرمون‬ ‫مسؤولني رفيعي املستوى في احلكومة وأن تدير احلكومات‬ ‫املنظمات اإلجرامية‪ .‬ولكن ال تستطيع أجهزة تنفيذ‬ ‫القانون مضاهاة املنظمات اإلجرامية التي تتسم في الثراء‬ ‫والعنف والشراسة‪ ،‬بل وأيضا تستفيد من الدعم الكامل‬ ‫الذي حتصل عليه من احلكومات الوطنية ودبلوماسييها‬ ‫وقضاتها وجواسيسها وجنراالتها ووزرائها وقادة شرطتها‪.‬‬ ‫تستطيع دول املافيا حتمل أتعاب أفضل احملامني واحملاسبني‬ ‫والوصول إلى أحدث وسائل التكنولوجيا‪ ،‬في حني تعجز‬ ‫أجهزة تنفيذ القانون منخفضة التمويل واحملاكم املنهكة‬ ‫من العمل والروتني البطيء عن اللحاق مبثل هؤالء اخلصوم‬ ‫األذكياء أصحاب التمويل اجليد‪.‬‬

‫من بني املعوقات التي تواجهها أجهزة تنفيذ القانون‬ ‫أيضا حقيقة أنها وطنية بالطبع‪ ،‬في حني تعمل أكبر‬ ‫وأخطر املنظمات اإلجرامية‪ ،‬إلى جانب عمالء دول املافيا‪،‬‬ ‫في نطاقات قضائية متعددة‪.‬‬ ‫تدمج دول املافيا سرعة ومرونة الشبكات اإلجرامية‬ ‫الدولية في حماية قانونية وامتيازات دبلوماسية ال‬ ‫تتمتع بها إال الدول‪ ،‬مما ينتج هجينا دوليا ال متلك أجهزة‬ ‫تنفيذ القانون احمللية أسلحة كثيرة حملاربته‪ .‬تتسم‬ ‫األدوات القائمة التي تستطيع احلكومات الوطنية أن‬ ‫تستخدمها ملكافحة التهديد اجلديد ــ من معاهدات‬ ‫ومنظمات متعددة األطراف وتعاون بني أجهزة تنفيذ‬ ‫القانون الوطنية ــ بالبطء وعدم العملية وعدم‬ ‫مناسبتها للمهمة‪ .‬ولكن على أي حال كيف ميكن أن‬ ‫تنسق دولة ما جهودها في مكافحة اجلرمية في وجود‬ ‫قادة حكومة أو مسؤولي شرطة من اجملرمني؟‬ ‫االنتربول‪ ..‬احلقيقة احملزنة‬ ‫يعرض ظهور دول املافيا مفهوم التعاون الدولي على‬ ‫تنفيذ القانون في حد ذاته للخطر‪ .‬في عام ‪،2006‬‬ ‫اجتمع قادة الشرطة من ‪ 152‬دولة في البرازيل‪ ،‬وهو‬ ‫االجتماع رقم ‪ 75‬للجمعية العامة لإلنتربول‪ ،‬التي‬ ‫يطالب دستورها بـ«ضمان وتعزيز أكبر قدر ممكن من‬ ‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫التعاون الثنائي بني جميع سلطات مكافحة اجملرمني»‪.‬‬ ‫كان رئيس اإلنتربول في ذلك الوقت هو جاكي سليبي‪،‬‬ ‫قائد الشرطة الوطنية في جنوب أفريقيا‪ .‬وفي خطابه‬ ‫االفتتاحي‪ ،‬نصح سليبي زمالءه بـ«إيجاد أنظمة للتأكد‬ ‫من أن الرقابة على حدودنا محكمة»‪ ،‬وهي مهمة جليلة‬ ‫بالطبع‪ .‬ولكن من املؤسف أن يتضح أن هذا البطل‬ ‫محتال‪ .‬في عام ‪ 2010‬أدين سليبي بقبول رشوة قدرها‬ ‫‪ 156‬ألف دوالر من مهرب مخدرات‪ .‬وهو اآلن يقضي‬ ‫حكما باحلبس مدته ‪ 15‬عاما‪ ،‬ولكن األكثر إزعاجا‬ ‫لإلنتربول من أي حرج يتسبب به مسؤول رفيع املستوى‪،‬‬ ‫هو ما يعتبره العاملون ببواطن األمور «مشكلة تدني‬ ‫الثقة»‪ ،‬التي تعوق من جهود املنظمة منذ فترة بعيدة‪.‬‬ ‫وصرح لي أحد املسؤولني رفيعي املستوى في جهاز‬ ‫مكافحة اجلرمية املنظمة في اململكة املتحدة‪ ،‬عندما‬ ‫سألته عن اإلنتربول قائال‪« :‬احلقيقة احملزنة‪ ،‬هي أنني‬ ‫لن أطلع أجهزة الشرطة الروسية أو املكسيكية على‬ ‫أفضل وأدق املعلومات املتوفرة لدي»‪ .‬وعلى الرغم من أن‬ ‫املنظمة قطعت أشواطا كبيرة من أجل ضمان سرية‬ ‫املعلومات التي تطلع عليها أجهزة الشرطة في الدول‬ ‫األعضاء‪ ،‬فإن أجهزة تنفيذ القانون الوطنية في الواقع ما‬ ‫زالت قلقة بشأن اإلفشاء عن كثير من املعلومات‪.‬‬ ‫وفي حني يزداد دور دول املافيا وضوحا‪ ،‬بدأ مسؤولو تنفيذ‬ ‫القانون في جمع أنحاء العالم في تطوير سياسات‬ ‫واستراتيجيات جديدة‪ ،‬من أجل التعامل مع تلك الدول‪،‬‬ ‫من بينها مطالبة مسؤولني حكوميني رفيعي املستوى‬ ‫بالكشف عن أموالهم‪ ،‬وتشديد الرقابة على احملاسبني‬ ‫واحملامني وخبراء التكنولوجيا الذين يحمون أباطرة‬ ‫اجلرائم‪ ،‬وحتسني التعاون بني الهيئات احمللية اخملتلفة‪.‬‬ ‫كما أضاف ظهور دول املافيا إلى أهمية البحث عن طرق‬ ‫لنشر مكافحة اجلرمية حول العالم‪ .‬قد تكون إحدى‬ ‫الوسائل املبشرة تشكيل «حتالفات الشرفاء» بني‬ ‫أجهزة تنفيذ القانون‪ ،‬التي تقل احتماالت اختراقها من‬ ‫قبل اجلماعات اإلجرامية أو سيطرتها عليها‪ .‬وبالفعل‬ ‫جترب بعض الدول ترتيبات من هذا النوع‪ ،‬تتجاوز التعاون‬ ‫الثنائي في مكافحة اجلرمية‪ ،‬من خالل إدراج ممثلني من‬ ‫أجهزة االستخبارات والقوات املسلحة إلى جانب أجهزة‬ ‫تنفيذ القانون‪ .‬وتكمن خطوة أخرى تكميلية في تطوير‬ ‫شبكات متعددة اجلنسيات من قضاة ومسؤولي شرطة‬ ‫ومحللي استخبارات وواضعي سياسات للتشجيع على‬

‫درجة من التعاون أكبر مما يستطيع اإلنتربول تقدميها‬ ‫باالعتماد على الثقة املوجودة بني كبار مسؤولي تنفيذ‬ ‫القانون الذين كافحوا اجلرمية الدولية معا على مدار‬ ‫عقود‪ .‬وكما هو احلال عادة‪ ،‬يعد التعاون طويل املدى‬ ‫بني أفراد متقاربني في الفكر يعرفون بعضهم البعض‬ ‫جيدا‪ ،‬ويشتركون في القيم ذاتها أكثر فاعلية من‬ ‫التعاون الشكلي املدعوم رسميا بني مؤسستني ال يعرف‬ ‫مسؤولوهما بعضهما بعضا جيدا‪.‬‬ ‫ولكن من املؤسف أنه على الرغم من االعتراف شبه‬ ‫العاملي بأن مكافحة اجلرمية الدولية تتطلب حتركا دوليا‪،‬‬ ‫فإن معظم املبادرات املكافحة للجرمية تظل محلية في‬ ‫األساس‪ .‬وفي حني حولت دول املافيا اجلرمية الدولية إلى‬ ‫قضية أمن قومي‪ ،‬ما زالت مسؤولية مكافحتها تقع‬ ‫حصريا على عاتق أجهزة تنفيذ القانون‪ .‬وحتى في الدول‬ ‫املتقدمة‪ ،‬نادرا ما تنسق أجهزة الشرطة وجهات تنفيذ‬ ‫القانون األخرى مع نظيراتها في األمن القومي‪ ،‬على‬ ‫الرغم من أن اجلرمية الدولية تهدد احلكم الدميقراطي‬ ‫واألسواق املالية وحقوق اإلنسان‪.‬‬ ‫عقبة مهمة‬

‫إحدى العقبات املهمة أمام التصدي النتشار دول املافيا‪،‬‬ ‫هو انعدام الوعي األساسي بني املواطنني العاديني وصناع‬ ‫السياسات حول نطاق الظاهرة‪ ،‬حيث يجعل اجلهل‬ ‫بحجم ومجال املشكلة من الصعب زيادة أو الدفاع‬ ‫عن ميزانيات اجلهات احلكومية املعنية مبكافحة اجلرمية‬ ‫الدولية الهزيلة بالفعل‪ ،‬وخاصة في فترة التقشف‬ ‫املالي‪ .‬بيد أنه من الصعب نشر هذا الوعي نظرا ألن‬ ‫العديد من جوانب عملية جترمي الدولة ما زالت غير‬ ‫مفهومة ــ وهنا تكمن مشكلة أكبر‪ .‬سيظل تخصيص‬ ‫أموال عامة من أجل احلد من نفوذ دول املافيا غير مفيد‬ ‫أو سيؤدي إلى نتائج عكسية‪ ،‬إال إذا أنفقت هذه األموال‬ ‫على سياسات قائمة على قدر كبير من املعرفة‪ .‬ومن‬ ‫املؤسف أن دولة املافيا أصبحت ظاهرة ال تتوفر حولها‬ ‫كثير من املعلومات‪ .‬كما أن األطر التحليلية التي‬ ‫تطبقها احلكومات في الوقت احلالي على املشكلة‬ ‫بدائية وتعتمد على معلومات قدمية عن اجلرمية املنظمة‪.‬‬ ‫يستلزم حل مشكلة قلة املعلومات أن تطور أجهزة‬ ‫تنفيذ القانون واالستخبارات والهيئات العسكرية‬ ‫واإلعالمية واألكادميية ومنظمات اجملتمع املدني واالطالع‬ ‫على معلومات موثوق بها‪ .‬ويعد ذلك خطوة أولى يجدر‬ ‫االعتراف بعدم كفايتها >‬ ‫‪63‬‬


‫جاكي سليبي‬

‫كيم جونغ أون‬

‫وأدت هذه األوضاع إلى تعليق تاناس أتاناسوف عضو‬ ‫البرملان البلغاري ورئيس مكافحة التجسس السابق بأن‬ ‫«الدول األخرى لديها مافيا‪ ،‬ولكن في بلغاريا املافيا لديها‬ ‫دولة»‪.‬‬ ‫تتداخل اجلرمية املنظمة والدولة أيضا في أفغانستان‪،‬‬ ‫حيث اتهم كبار مسؤولي احلكومة وحكام األقاليم ـ ومن‬ ‫بينهم أخو الرئيس حميد كرزاي غير الشقيق أحمد والي‬ ‫كرزاي‪ ،‬الذي اغتيل في العام املاضي ـ ليس فقط بالتآمر‬ ‫مع شبكات االجتار في اخملدرات‪ ،‬ولكن بقيادتها‪.‬‬ ‫ومع زيادة انتشار جتارة اخملدرات حول العالم تورطت بلدان‬ ‫أفريقية أيضا في هذا النشاط‪ ،‬لتصبح نقاط مرور مهمة‬ ‫لتجارة اخملدرات من منطقة األنديز وآسيا‪ ،‬في طريقها إلى‬ ‫األسواق األوروبية‪ .‬ولم يكن هناك مفر من أن يدخل العديد‬ ‫من احلكام األفارقة وعائالتهم‪ ،‬باإلضافة إلى سياسيني‬ ‫على مستويات منخفضة‪ ،‬وضباط جيش وأعضاء في‬ ‫السلطة القضائية‪ ،‬في االجتار في اخملدرات‪.‬‬ ‫على سبيل املثال في غينيا‪ ،‬صنفت احلكومة األميركية‬ ‫رسميا عثمان كونتي ابن الرئيس الراحل النسانا كونتي‬ ‫عام ‪ 2010‬كواحد من «أكبر جتار اخملدرات»‪.‬‬ ‫أصبحت أجهزة الشرطة واخلدمات األمنية واحملاكم‬ ‫واحلكومات احمللية واإلقليمية ومصالح إصدار اجلوازات‬ ‫ومكاتب اجلمارك جميعا أهدافا لسيطرة اجملرمني‪ .‬في‬ ‫العام املاضي‪ ،‬اعتقل رينيه سانابريا‪ ،‬اجلنرال املتقاعد الذي‬ ‫رأس جهاز مكافحة اخملدرات البوليفي‪ ،‬على يد عمالء‬ ‫فيدراليني أميركيني في بنما‪ ،‬واتهم بالتخطيط لشحن‬ ‫مئات الكيلوغرامات من الكوكايني إلى ميامي‪ .‬واعترف‬ ‫سانابريا بجرميته و ُحكم عليه بالسجن ‪ 14‬عاما‪ .‬كذلك‬ ‫دخلت مجموعة من اجلنراالت الذين تقلدوا رئاسة مكافحة‬ ‫اخملدرات في املكسيك إلى السجن‪ ،‬بسبب مشاركتهم في‬ ‫اجلرمية ذاتها‪ ،‬التي كان من املفترض بهم أن مينعوها‪.‬‬ ‫وتوجد جذور لدولة املافيا أيضا في فنزويال‪ .‬ففي عام‬ ‫‪ ،2010‬عني الرئيس هوغو شافيز اجلنرال هنري رانغيل‬ ‫سيلفا قائدا أعلى للقوات املسلحة الفنزويلية‪ ،‬وفي‬ ‫وقت سابق من العام احلالي‪ ،‬أصبح وزيرا للدفاع‪ .‬ولكن‬ ‫في عام ‪ ،2008‬أضافت وزارة اخلزانة األميركية رانغيل‬ ‫سيلفا على قائمتها لكبار جتار اخملدرات‪ ،‬حيث اتهمته‬ ‫بتقدمي «مساعدة فعلية ألنشطة االجتار في اخملدرات»‪.‬‬ ‫‪62‬‬

‫كما أطلقت وزارة اخلزانة مؤخرا هذه الصفة على عدد‬ ‫من املسؤولني الفنزويليني من بينهم خمسة ضباط‬ ‫عسكريني رفيعي املستوى‪ ،‬ومسؤول في االستخبارات‬ ‫وعضو بارز في الكونغرس متحالف مع شافيز‪ .‬في‬ ‫عام ‪ ،2010‬ألقت السلطات الكولومبية القبض على‬ ‫الفنزويلي وليد مقلد‪ ،‬الذي اتهمته دول عدة بقيادة‬ ‫واحدة من أكبر منظمات جتارة اخملدرات في العالم‪ .‬وقبل‬ ‫تسليمه إلى فنزويال‪ ،‬ادعى مقلد أن لديه تسجيالت‬ ‫فيديو ومحادثات تلفزيونية وشيكات ملغاة وأدلة أخرى‪،‬‬ ‫تثبت أنه عمل لصالح شبكة إجرامية يتورط فيها‬ ‫‪ 15‬جنراال فنزويليا (من بينهم رئيس االستخبارات‬ ‫العسكرية ومدير مكتب مكافحة اخملدرات) وشقيق وزير‬ ‫الداخلية وخمسة أعضاء في الكونغرس‪.‬‬ ‫وبفضل مثل تلك العالقات‪ ،‬ازدهرت جتارة الكوكايني في‬ ‫فنزويال في األعوام األخيرة‪ ،‬وأصبحت الدولة تورد أكثر من‬ ‫نصف شحنات الكوكايني املتجهة إلى أوروبا‪ ،‬وفقا ملا‬ ‫ذكره مكتب األمم املتحدة املعني باخملدرات واجلرمية‪ .‬ولكن‬ ‫جتارة اخملدرات ليست النشاط غير القانوني الوحيد‪ ،‬الذي‬ ‫ازدهر في عصر اجلرمية املدعومة من الدولة في فنزويال‪،‬‬ ‫فقد أصبحت البالد أيضا قاعدة لعمليات االجتار في‬ ‫البشر‪ ،‬وغسيل األموال والتزوير وتهريب السالح وجتارة‬ ‫النفط املهرب‪.‬‬ ‫في املاضي‪ ،‬اعتبر دارسو السياسة اخلارجية عامة‪،‬‬ ‫اجلرمية الدولية مشكلة ثانوية نسبيا‪ ،‬تستطيع األنظمة‬ ‫القانونية الداخلية لكل دولة التعامل معها‪ .‬واعتقدوا أن‬ ‫تأثير اجلرمية غير كبير مقارنة بتهديد اإلرهاب أو انتشار‬ ‫أسلحة الدمار الشامل‪ .‬ومن حسن احلظ أن االعتقاد‬ ‫السائد بدأ يتغير‪ ،‬حيث أدرك صناع السياسات أن اجلرمية‬ ‫أصبحت مصدرا مهما النعدام االستقرار العاملي‪ ،‬ال سيما‬ ‫في ظل ظهور دول املافيا‪.‬‬ ‫على سبيل املثال‪ ،‬تتورط عصابات إجرامية في انتشار‬ ‫السالح النووي بغرض الربح‪ .‬فقد ادعى عبد القدير خان‬ ‫بائع السالح النووي الباكستاني الشهير أنه كان ينشر‬ ‫أسرار كيفية صناعة السالح النووي إلى الدول األخرى‪.‬‬ ‫ولكن كانت الشبكة الدولية التي كونها لتسويق‬ ‫وتوصيل سلعته‪ ،‬تنظيما محظورا ويسعى إلى الربح‪.‬‬ ‫لطاملا حذر خبراء نوويون من أن األطراف التي ليست بدول‪،‬‬ ‫قد ال تستجيب الستراتيجيات الردع النووي بالطريقة‬ ‫التي تستجيب إليها الدول‪ ،‬لذلك يوجد داع للقلق من أن‬

‫تندمج املنظمات اإلجرامية مع احلكومات بشكل كامل‪،‬‬ ‫وحينها سيكون الردع أصعب‪.‬‬ ‫ولعل أكثر األمثلة املثيرة للقلق في هذا الصدد كوريا‬ ‫الشمالية‪ .‬ففي حني أعلنت كوريا الشمالية مؤخرا أنها‬ ‫في مقابل مساعدات غذائية ستعلق اختبارات سالحها‬ ‫النووي وتخصيب اليورانيوم وستسمح ملفتشني دوليني‬ ‫بزيارة اجملمع النووي الرئيسي بها‪ ،‬فإنها ما زالت دولة‬ ‫ديكتاتورية متلك سالحا نوويا‪ ،‬وأدت املشروعات اإلجرامية‬ ‫التي توجهها الدولة إلى أن يطلق عليها مسؤولون‬ ‫أميركيون «دولة السوبرانو»‪.‬‬ ‫كتبت شينا تيستنات غريتنز‪ ،‬خبيرة العالقات بني الدولة‬ ‫واجلرمية في كوريا الشمالية‪ ،‬أن الدولة لديها «وسائل‬ ‫ودوافع لتصدير املواد النووية»‪ ،‬محذرة من أن «االنتشار‬ ‫النووي الذي يتم عبر شبكات غير قانونية‪ ،‬لن يخضع‬ ‫دائما لرقابة الدولة املوردة»‪ ،‬مما يضيف مزيدا من الريبة في‬ ‫وضع خطير بالفعل‪.‬‬ ‫إذا نحينا جانبا االحتمال املزعج بوجود دول مافيا نووية‪،‬‬ ‫رمبا تكون احلكومات املتورطة بقوة في جتارة غير مشروعة‬ ‫أكثر عرضة الستخدام العنف عندما يتعرض دخولها إلى‬ ‫األسواق املربحة للتهديد‪.‬‬ ‫ونذكر في هذا الشأن‪ ،‬احلرب التي اندلعت عام ‪ 2008‬بني‬ ‫جورجيا وروسيا حول مناطق أبخازيا وأوسيتيا اجلنوبية‬ ‫االنفصالية‪ .‬فوفقا لتوماس دي وال اخلبير في شؤون‬ ‫القوقاز من معهد كارنيغي‪ ،‬كانت املنظمات اإلجرامية‬ ‫قبل الصراع‪ ،‬جتري عمليات ذات أرباح عالية في أوسيتيا‬ ‫اجلنوبية‪ ،‬حيث تشكل التجارة غير املشروعة جزءا كبيرا‬ ‫من االقتصاد‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من صعوبة احلصول على دليل مباشر‪ ،‬فإن‬ ‫حجم تلك األنشطة غير املشروعة يشير إلى تورط‬ ‫مسؤولني روس رفيعي املستوى عملوا رعاة للمجرمني‬ ‫وشركاء لهم‪ .‬من املؤكد أن الصراع اشتعل بسبب عدة‬ ‫عناصر من بينها الصراع العرقي والسياسة اجلورجية‬ ‫الداخلية والرغبة الروسية في تأكيد هيمنتها على‬ ‫اجلوار القريب‪ .‬ولكن من املمكن أيضا تصور أن من بني‬ ‫جماعات املصالح‪ ،‬التي دفعت الكرملني نحو احلرب‪ ،‬هؤالء‬ ‫املتورطون في عمليات اجتار مربحة في املناطق املتنازع‬ ‫عليها‪.‬‬


‫املواطنني مع السلع االستهالكية الصينية املقلدة‪ ،‬وفي‬ ‫أفغانستان في جتارة اخملدرات‪ ،‬وماليني آخرون في الغرب‬ ‫يتناولون املاريغوانا بانتظام‪ ،‬ومئات اآلالف من املهاجرين‬ ‫الذين يستعينون مبجرمني من أجل تهريبهم إلى أوروبا‪،‬‬ ‫واملوسرون في مناطق مثل مانهاتن وميالنو‪ ،‬الذين‬ ‫يوظفون مهاجرين غير شرعيني كمربيات أو مديرات‬ ‫منزل‪ .‬مثل هؤالء األشخاص العاديني يشكلون جزءا ال‬ ‫يتجزأ من بيئة العمل اإلجرامي‪.‬‬ ‫الفرضية الثالثة اخلاطئة هي أن اجلرمية الدولية تتعلق‬ ‫فقط بتطبيق القانون‪ ،‬وأفضل من يتعامل معها أجهزة‬ ‫الشرطة وجهات التحقيق والقضاء‪ .‬ولكن في الواقع‪،‬‬ ‫أفضل ما تعرف به اجلرمية الدولية هي أنها مشكلة‬ ‫سياسية لها مضامني تتعلق باألمن القومي‪ .‬من املمكن‬ ‫أن يتشابه نطاق ومجال أقوى املؤسسات اإلجرامية في‬ ‫العالم بسهولة مع أكبر الشركات العاملية متعددة‬ ‫اجلنسيات‪ .‬وكما تسعى املؤسسات املشروعة إلى النفوذ‬ ‫السياسي‪ ،‬تفعل مثلها أيضا املؤسسات اإلجرامية‪.‬‬ ‫وبالطبع دائما ما يسعى اجملرمون إلى إفساد األنظمة‬ ‫السياسية من أجل حتقيق مصاحلهم اخلاصة‪ .‬ولكن لم‬ ‫تكن اجلماعات غير القانونية تخطط من قبل للحصول‬ ‫على درجة النفوذ السياسي‪ ،‬الذي يتمتع به اجملرمون في‬ ‫الوقت احلالي‪ ،‬في عدد كبير من الدول في أفريقيا وأوروبا‬ ‫الشرقية وأميركا الالتينية‪ ،‬ناهيك عن الصني وروسيا‪.‬‬ ‫في العقد املاضي تقريبا‪ ،‬تخطت هذه الظاهرة احلدود‪،‬‬ ‫مما أسفر عن ظهور دول املافيا‪ .‬يؤكد احملقق اإلسباني‬ ‫جوزيه غريندا‪ ،‬الذي ميلك خبرة متتد أعواما في محاربة‬ ‫منظمات إجرامية من شرق أوروبا‪ ،‬على أنه في العديد‬ ‫من احلاالت يصبح من املستحيل بالنسبة له ولزمالئه‪،‬‬ ‫التمييز بني مصالح املؤسسات اإلجرامية ومصالح الدول‬ ‫املضيفة لها‪ .‬وكما قال غريندا‪ ،‬دائما ما يواجه مسؤولو‬ ‫تنفيذ األحكام اإلسبان جماعات إجرامية تعمل وكأنها‬ ‫ملحقة بحكومات روسيا البيضاء وروسيا وأوكرانيا‪.‬‬ ‫وفي مالحظات سرية تناقلتها املراسالت الدبلوماسية‬ ‫األميركية التي نشرها موقع «ويكيليكس»‪ ،‬أوضح‬ ‫غريندا مخاوفه بشأن «النفوذ الهائل» الذي متارسه ما‬ ‫وصفها بـ«املافيا الروسية» على عدد من القطاعات‬ ‫االستراتيجية في االقتصاد العاملي‪ ،‬مثل األلومنيوم والغاز‬ ‫الطبيعي‪ .‬ويشير غريندا إلى أن هذا النفوذ أصبح ممكنا‬ ‫بفضل حجم التعاون الذي يقدمه الكرملني للمنظمات‬ ‫اإلجرامية الروسية‪.‬‬ ‫في دول املافيا غالبا ما يعمل مسؤولو احلكومة واجملرمون‬ ‫معا‪ ،‬من خالل مجموعات جتارية قانونية ذات صالت وثيقة‬ ‫مع كبار القادة وعائالتهم وأصدقائهم‪ .‬ووفقا لغريندا‪،‬‬ ‫تستعني موسكو بانتظام بجماعات إجرامية‪ ،‬على سبيل‬ ‫املثال عندما وجهت وكالة االستخبارات العسكرية‬ ‫الروسية إحدى جماعات املافيا بتوريد السالح إلى‬ ‫املتمردين األكراد في تركيا‪.‬‬ ‫وفي دليل أكبر على التداخل بني احلكومة الروسية‬ ‫وجماعاتها اإلجرامية واقعة سفينة الشحن (بحر‬ ‫الشمال) التي ادعت احلكومة الروسية اختطافها‬ ‫بواسط�� قراصنة قبالة سواحل السويد عام ‪.2009‬‬ ‫ويبدو أن موسكو أرسلت البحرية الروسية إلنقاذ‬ ‫السفينة‪ ،‬ولكن يعتقد العديد من اخلبراء أنها كانت‬ ‫بالفعل تهرب سالحا باسم االستخبارات الروسية‪،‬‬ ‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫وأن االختطاف واإلنقاذ كانا مجرد حيلة للتغطية على‬ ‫عملية التهريب بعد تعطيل العملية من قبل أجهزة‬ ‫مخابرات منافسة‪ .‬ويقول غريندا إن عملية التهريب‬ ‫كانت مشتركة بني عصابات اجلرمية املنظمة‪ ،‬وما سماه‬ ‫«أجهزة أمن أوراسية»‪.‬‬ ‫وأصيب الروس باحلرج‪ ،‬ولكن كانت النتيجة طيبة‬ ‫بالضرورة‪ ،‬ولكنها هزلية بعض الشيء‪ .‬وتؤكد هذه‬ ‫الواقعة عدم إمكانية توقع البيئة األمنية‪ ،‬حيث يصعب‬ ‫فيها التمييز بني احلسابات اجلغرافية السياسية للدول‬ ‫ودوافع املنظمات اإلجرامية في التربح‪.‬‬ ‫املافيا متلك البالد‬ ‫ليست روسيا الدولة الوحيدة التي لم يعد اخلط الفاصل‬ ‫فيها بني املؤسسات احلكومية واجلماعات اإلجرامية‬ ‫واضحا بصورة يصعب إصالحها‪.‬‬

‫في العام املاضي‪ ،‬نشر «مجلس أوروبا» تقريرا يزعم أن‬ ‫رئيس وزراء كوسوفو هاشم تاتشي وحلفاءه السياسيني‬ ‫لديهم «نفوذ كبير على جتارة الهيروين وأنواع أخرى‬ ‫من اخملدرات» ويحتلون أهم املناصب في «الهياكل‬ ‫التنظيمية للمنظمات اإلجرامية التي تشبه املافيا في‬ ‫كوسوفو»‪.‬‬

‫ولعل العالقة بني الدولة واجلرمية املنظمة في بلغاريا أقوى‪،‬‬ ‫حيث يجدر نقل إحدى املراسالت الدبلوماسية األميركية‬ ‫التي ترجع إلى عام ‪ ،2005‬ونشرها موقع «ويكيليكس»‬ ‫في العام املاضي‪ ،‬نظرا للصورة املزعجة التي تنقلها‬ ‫عن سقوط بلغاريا إلى دولة مافيا‪ .‬وفيما يلي جزء من‬ ‫الرسالة‪:‬‬ ‫«متارس املنظمات اإلجرامية نفوذا مفسدا على جميع‬ ‫املؤسسات البلغارية‪ ،‬مبا فيها احلكومة والبرملان والقضاء‪.‬‬ ‫وفي محاولة للحفاظ على نفوذهم بغض النظر عن‬ ‫املسؤولني في السلطة‪ ،‬يقدم كبار رجال املنظمات‬ ‫اإلجرامية تبرعات إلى جميع األحزاب السياسية الكبرى‪.‬‬ ‫ومع توسع هؤالء األشخاص في املشروعات القانونية‬ ‫يحاولون شق طريقهم إلى مسارات السلطة محققني‬ ‫في ذلك قدرا من النجاح‪ ..‬وفي مرتبة أدنى من احلكومة‬ ‫الوطنية وقيادات األحزاب السياسية الكبرى‪« ،‬متلك»‬ ‫املنظمات اإلجرامية عددا من اجملالس احمللية وأعضاء‬ ‫مستقلني في البرملان‪ .‬وهذه املشاركة السياسية‬ ‫املباشرة ـ على عكس الرشوة ـ تعد تطورا جديدا نسبيا‬ ‫في اجلرمية املنظمة في بلغاريا‪ .‬وكذلك في املركز اإلقليمي‬ ‫في فيلينغراد‪ ،‬يسيطر زعماء اجلرمية املنظمة على اجمللس‬ ‫احمللي ومكتب العمدة‪ .‬وحدثت سيناريوهات مماثلة تقريبا‬ ‫في عدة بلدات وقرى أصغر حجما في بلغاريا‪.‬‬ ‫‪61‬‬


‫اجلرمية املنظمة تتولى السلطة‬

‫دول املافيا‬

‫قدمت األزمة االقتصادية العاملية هدية ثمينة للمجرمني الدوليني‪ ،‬فبفضل ضعف‬ ‫االقتصاد والتداعيات التي خلفتها األزمة االقتصادية العاملية‪ ،‬استطاعت املنظمات‬ ‫اإلجرامية الثرية السيطرة بأسعار زهيدة‪ ،‬على شركات تعاني من صعوبات مالية‪،‬‬ ‫ولكنها مستقبال ذات قيمة محتملة‪ .‬وجتبر إجراءات التقشف املالي احلكومات في كل‬ ‫مكان على تخفيض ميزانيات أجهزة تنفيذ القانون ونظم احملاكم‪ .‬كما مت تسريح ماليني‬ ‫العاملني الذين أصبحوا أكثر عرضة الرتكاب ما يخالف القانون‪ .‬وأضافت األعداد الكبيرة‬ ‫من اخلبراء العاطلني في مجال التمويل واحملاسبة وتكنولوجيا املعلومات والقانون‬ ‫واللوجيستيات إلى املواهب العاملية املتاحة للمنظمات اإلجرامية‪.‬‬

‫موسى نعيم‪ ..‬باحث في مؤسسة كارنيغي للسالم الدولي‪ ،‬وهو مؤلف كتاب‬ ‫«غير مشروع‪ :‬كيف يختطف املهربون واملتاجرون واملقلدون االقتصاد العاملي»‬ ‫*فورين آفيرز ‪ -‬مايو‪ /‬يونيو ‪* 2012‬خاص بـ«اجمللة»‬ ‫في الوقت ذاته‪ ،‬خفض أصحاب األعمال اخليرية حول‬ ‫العالم من عطائهم‪ ،‬مما أسفر عن تراجع متويل الفنون‬ ‫والتعليم والرعاية الصحة ومجاالت أخرى يشعر اجملرمون‬ ‫بسعادة بالغة في تعويضه‪ ،‬مقابل الوصول السياسي‬ ‫واحلصول على شرعية اجتماعية وتأييد شعبي‪ .‬ال توجد‬ ‫بيئة عمل أفضل من هذه بالنسبة للمجرمني الدوليني‪،‬‬ ‫إذ عادة ما حتمل أنشطتهم هامش ربح كبيرا‪ ،‬وتعتمد‬ ‫على النقود السائلة‪ ،‬مما يعني أنهم ميلكون سيولة كبيرة‬ ‫تضعهم في موقف ليس بسيئ أثناء مرور العالم بأزمة‬ ‫ائتمان‪.‬‬ ‫تهديد جديد‬ ‫وال تتوقف املشاكل التي تواجهها جهات الشرطة‬ ‫والتحقيق والقضاء عند زيادة قوة اجملرمني وتضاؤل موارد‬ ‫هذه اجلهات‪ ،‬ففي األعوام األخيرة ظهر تهديد جديد‪:‬‬ ‫دولة املافيا‪ .‬في جميع أنحاء العالم اخترق اجملرمون‬ ‫احلكومات بدرجة غير مسبوقة‪ .‬وحدث العكس أيضا‪:‬‬

‫بدال من القضاء على العصابات اإلجرامية ذات النفوذ‪،‬‬ ‫أصبحت بعض احلكومات جتري عمليات غير مشروعة‬ ‫خاصة بها‪ .‬في دول املافيا‪ ،‬يعمل مسؤولو احلكومة على‬ ‫إثراء أنفسهم وعائالتهم وأصدقائهم مع استغالل املال‬ ‫والقوة والنفوذ السياسي والعالقات الدولية باملنظمات‬ ‫اإلجرامية لتعزيز سلطتهم وتوسعة نطاقها‪ .‬في الواقع‪،‬‬ ‫لم يعد اجملرمون احملترفون فقط هم من يحتلون املناصب‬ ‫العليا في أكبر املؤسسات غير الشرعية في العالم‪،‬‬ ‫بل ويتوالها أيضا مسؤولون حكوميون رفيعو املستوى‬ ‫ومشرعون ورؤساء مخابرات وقادة شرطة وعسكريون‪،‬‬ ‫وفي بعض احلاالت رؤساء دول أو أفراد من عائالتهم‪.‬‬ ‫يختلف هذا االندماج بني احلكومات واجلماعات اإلجرامية‬ ‫عن الطرق احملدودة التي كان االثنان يتعاونان من خاللها في‬ ‫املاضي‪ .‬أحيانا ما تستعني احلكومات ووكاالت التجسس‪،‬‬ ‫مبا فيها تلك الدول الدميقراطية‪ ،‬مبجرمني من أجل تهريب‬ ‫أسلحة إلى متمردين متحالفني معها في دول أخرى‪،‬‬

‫أو من أجل اغتيال أعدائها في اخلارج (ولعل من أشهر‬ ‫األمثلة على ذلك احملاولة الطائشة التي قامت بها وكالة‬ ‫«سي آي إيه» لالستعانة برموز املافيا األميركية الغتيال‬ ‫فيدل كاسترو عام ‪ ،1960‬ولكن على عكس الدول‬ ‫العادية‪ ،‬ال تعتمد دول املافيا على اجلماعات اإلجرامية‬ ‫في بعض األحيان‪ ،‬من أجل حتقيق أهداف سياسية‬ ‫خارجية‪ ،‬بل يصبح كبار مسؤولي احلكومة بالفعل أفرادا‬ ‫في املنظمات اإلجرامية‪ ،‬إن لم يكونوا قادتها‪ ،‬حينها‬ ‫يصبح الدفاع عن أنشطة هذه املؤسسات وتقويتها‬ ‫من األولويات‪ .‬في دول املافيا مثل بلغاريا وغينيا بيساو‬ ‫ومونتينغرو وميامنار (بورما) وأوكرانيا وفنزويال‪ ،‬تتداخل‬ ‫املصلحة الوطنية مع مصالح اجلرمية املنظمة بدرجة ال‬ ‫ميكن الفصل بينهما‪.‬‬ ‫ونظرا ألن تقرير سياسات وتخصيص موارد دول املافيا‪،‬‬ ‫يخضع لنفوذ اجملرمني كما يخضع للقوى التي عادة ما‬ ‫تشكل سلوك الدولة‪ ،‬متثل هذه الدول حتديا كبيرا لصناع‬ ‫السياسات ومحللي السياسة الدولية‪ .‬تتحدى دول‬ ‫املافيا التصنيف السهل‪ ،‬حيث يتالشى اخلط الفاصل بني‬ ‫األطراف التابعة للدولة وغير التابعة لها‪ .‬لذلك يصبح‬ ‫من الصعب توقع سلوكها‪ ،‬مما يجعل منها أطرافا ذات‬ ‫خطورة خاصة على الساحة الدولية‪.‬‬ ‫ثورة في عالم اجلرمية‬ ‫يعتمد االعتقاد السائد حول شبكات اجلرمية الدولية على‬ ‫ثالث فرضيات خاطئة‪ .‬أوال‪ ،‬يعتقد العديد من الناس أن‬ ‫األنشطة غير املشروعة مستمرة منذ زمن‪ .‬في احلقيقة‬ ‫دائما ما كان اجملرمون واملهربون وجتار السوق السوداء‬ ‫موجودين‪ ،‬ولكن اختلفت طبيعة اجلرمية الدولية كثيرا‬ ‫في العقدين املاضيني‪ ،‬حيث اتسع نطاق الشبكات‬ ‫اإلجرامية لتتجاوز أسواقها التقليدية وتستفيد من‬ ‫التحوالت السياسية واالقتصادية وتستغل وسائل‬ ‫التكنولوجيا احلديثة‪ .‬في مطلع التسعينيات من القرن‬ ‫املاضي‪ ،‬على سبيل املثال‪ ،‬كانت اجلماعات اإلجرامية من‬ ‫أوائل من تبنى ابتكارات عالم االتصاالت‪ ،‬مثل التشفير‬ ‫اإللكتروني املتقدم‪ .‬كما كانت املنظمات اإلجرامية‬ ‫من أوائل من اتبع وسائل جديدة في نقل اخملدرات‪،‬‬ ‫مثل «غواصات تهريب اخملدرات» وهي غواصات شبه‬ ‫مغمورة ال تلتقطها أجهزة الرادار أو السونار أو األشعة‬ ‫حتت احلمراء‪ .‬وفي األعوام األخيرة‪ ،‬استفادت املنظمات‬ ‫اإلجرامية أيضا من شبكة اإلنترنت‪ ،‬مما أدى إلى تزايد‬ ‫مذهل في اجلرائم اإللكترونية‪ ،‬التي كلفت االقتصاد‬ ‫العاملي نحو ‪ 114‬مليار دوالر عام ‪ ،2011‬وفقا لشركة‬ ‫أمن «اإلنترنت سيمانتك»‬

‫االعتقاد الثاني اخلاطئ‪ ،‬أن اجلرمية الدولية ظاهرة سرية‬ ‫يتورط فيها مجموعة محدودة من املنحرفني‪ ،‬الذين‬ ‫يعملون على هامش اجملتمع‪ .‬ولكن احلقيقة أنه في كثير‬ ‫من الدول لم يعد واجبا على اجملرمني‪ ،‬العمل في نشاط‬ ‫سري على اإلطالق‪ ،‬كما أنهم لم يعودوا مهمشني‪ .‬لقد‬ ‫أصبح زعماء العديد من اجلماعات اإلجرامية الكبرى‪ ،‬من‬ ‫املشاهير نوعا ما‪ .‬وأصبح األثرياء ذوو اخللفيات التجارية‬ ‫املريبة‪ ،‬من محبي أعمال اخلير الذين يسعى الناس إليهم‪،‬‬ ‫ووصلوا إلى السيطرة على محطات إذاعية وتلفزيونية‪،‬‬ ‫وميلكون صحفا ورقية ذات تأثير‪ .‬عالوة على ذلك‪ ،‬ال‬ ‫يعتمد تراكم ثروات ونفوذ اجملرمني على أنشطتهم‬ ‫غير املشروعة فحسب‪ ،‬بل وأيضا على تصرفات أفراد‬ ‫اجملتمع العاديني‪ .‬على سبيل املثال يتعامل املاليني من‬ ‫‪60‬‬


‫املاضي‪ ،‬البنوك اإليرانية الكبرى من التعامل مع‬ ‫«اجلمعية العاملية لالتصاالت املالية بني البنوك»‪،‬‬ ‫املؤسسة الرئيسة التي تستخدم لتبادل املال‬ ‫بني البنوك في جميع أنحاء العالم‪ ،‬حادا من قدرة‬ ‫املؤسسات املالية اإليرانية على إنشاء املشروعات‪.‬‬ ‫وفي بداية العام احلالي‪ ،‬بدأ االحتاد األوروبي فرض‬ ‫حظر نفطي على إيران مما قلل فعليا صادرات إيران‬ ‫النفطية‪ .‬وخالل األشهر الستة املاضية‪ ،‬عملت تلك‬ ‫اإلجراءات باإلضافة إلى السياسات االقتصادية غير‬ ‫املنضبطة إليران‪ ،‬على خفض قيمة العملة اإليرانية‬ ‫إلى النصف‪ ،‬وفقا لتقديرات إيرانية‪ ،‬مما تسبب في‬ ‫ارتفاع معدل التضخم إلى ما يزيد على ‪ 20‬في املائة‬ ‫(ورمبا أعلى)‪ .‬وقد وصف محمود بهماني‪ ،‬محافظ‬ ‫البنك املركزي اإليراني‪ ،‬العقوبات قائال‪« :‬إنها مبثل‬ ‫سوء احلرب الفعلية» زاعما أن إيران «حتت احلصار»‪.‬‬ ‫وحاليا يتوجس كبار رجال األعمال اإليرانيون خيفة‬ ‫من الفرض املتوقع للمزيد من العقوبات نظرا‬ ‫ألن الواليات املتحدة وأوروبا‪ ،‬أكدتا على أنه كلما‬ ‫استمر املأزق اخلاص بطموحات إيران النووية‪ ،‬تزايدت‬ ‫املشكالت االقتصادية والسياسية التي تواجهها‪.‬‬ ‫إبطاء «النووي»‬ ‫كما ساعدت العقوبات واشنطن على إبطاء تقدم‬ ‫إيران النووي‪ .‬فباإلضافة إلى عمليات التخريب‪،‬‬ ‫والتعجيز‪ ،‬والهجمات اإللكترونية واالغتياالت‪،‬‬ ‫عرقلت العقوبات ـ مثل حظر األمم املتحدة شراء ما‬ ‫يطلق عليه املواد مزدوجة االستخدام‪ ،‬والتكنولوجيا‬ ‫التي ميكن استخدامها في البرنامج النووي ـ‬ ‫التقدم التكنولوجي إليران‪ .‬فعلى سبيل املثال‪ ،‬ما‬ ‫زالت اجلمهورية اإلسالمية‪ ،‬رغم جهودها احلثيثة‪،‬‬ ‫تستخدم تصميما ضعيفا وقدمي الطراز في أجهزة‬ ‫الطرد املركزي التي تتعرض باستمرار لالنهيار‪ ،‬نظرا‬ ‫ألن الدولة ال ميكنها احلصول على تكنولوجيا أفضل‬ ‫أو مواد عالية اجلودة‪.‬‬

‫ولكن للعقوبات حدود‪ ،‬فقد فشل حظر النفط الذي‬ ‫فرضه االحتاد األوروبي والقيود املالية التي فرضتها‬ ‫الواليات املتحدة واالحتاد األوروبي إلى حد كبير‪ ،‬في‬ ‫خفض عائدات النفط اإليرانية‪ .‬فرمبا كان ملثل‬ ‫تلك العقوبات تأثير أقوى قبل عقد‪ ،‬عندما كانت‬ ‫عائدات النفط اإليرانية تتراوح حول ‪ 19‬مليار دوالر‬ ‫أميركي‪ .‬أما اآلن‪ ،‬فإن عائدات البترول مرتفعة‬ ‫للغاية مما يسمح إليران بسد العجز الذي تخلفه‬ ‫الضغوط الغربية‪ .‬قبل العقوبات األخيرة‪ ،‬أشارت‬ ‫تقديرات «صندوق النقد الدولي» إلى أن عائدات‬ ‫صادرات إيران من البترول والغاز في عام ‪ 2012‬ـ‬ ‫‪ 2013‬رمبا تصل إلى ‪ 104‬مليارات دوالر‪ ،‬و‪ 23‬مليار‬ ‫دوالر وهو ما يزيد على نظيرتها في ‪ 2010‬ـ ‪.2011‬‬ ‫وفي مارس املاضي‪ ،‬نشرت صحيفة «وول ستريت‬ ‫جورنال» تقديرات تفيد بأن العقوبات سوف تعمل‬ ‫على تخفيض دخل إيران من البترول إلى النصف‪ ،‬إنه‬ ‫انخفاض مؤلم‪ ،‬ولكن ما زالت عائدات البترول تصل‬ ‫إلى نحو ‪ 54‬مليار دوالر وهي قيمة العائدات التي‬ ‫كانت إيران حتققها من مبيعات البترول عام ‪2005‬‬ ‫ـ ‪ ،2006‬وهو العام الذي قررت خالله استفزاز‬ ‫الغرب عبر استئناف تخصيب اليورانيوم بعد توقف‬ ‫دام ثالث سنوات‪ .‬وحتى إذا ما متكنت العقوبات على‬ ‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫نحو ما من اإلضرار باالقتصاد اإليراني‪ ،‬فال يوجد ما‬ ‫يضمن أن النظام سوف يتوقف عن مساعي احلصول‬ ‫على التكنولوجيا النووية‪.‬‬ ‫الهدف احلقيقي‬ ‫وبغض النظر عما إذا كانت الدبلوماسية سوف‬ ‫تتمكن من حتقيق نتائج فعلية أم ال‪ ،‬فإن العقوبات‬ ‫قد حققت بالفعل الهدف الرئيس إلدارة أوباما‪،‬‬ ‫حتديدا العودة إلى طاولة املفاوضات‪ .‬ولكن ذلك‬ ‫ليس هو الهدف احلقيقي‪ ،‬فأخذا في االعتبار التاريخ‬ ‫السيئ إليران فيما يتعلق باحترام االتفاقيات‪ ،‬تظل‬ ‫املفاوضات محض مقامرة‪ ،‬حيث إنها رمبا ال تنتهي‬ ‫أبدا باتفاقية ناهيك عن اتفاقية قابلة لالستمرار‪.‬‬ ‫وبدال من التركيز على املباحثات التي رمبا لن تسفر‬ ‫عن شيء‪ ،‬يجب على الواليات املتحدة أن تولي املزيد‬ ‫من االهتمام لدعم الدميقراطية وحقوق اإلنسان‬ ‫في إيران‪ .‬فمن املرجح أن تتخلى إيران التي يسودها‬ ‫نظام دميقراطي عن دعم الدولة لإلرهاب‪ ،‬وتنهي‬ ‫تدخلها في الشؤون الداخلية للدول العربية‪ ،‬مثل‬ ‫العراق ولبنان‪ ،‬مما يعزز االستقرار في الشرق األوسط‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من أن الدميقراطيني القوميني اإليرانيني‬ ‫يفتخرون بالتقدم النووي للبالد‪ ،‬فإن أولويتهم هي‬ ‫العودة لالنضمام للمجتمع الدولي‪ ،‬ومن ثم فمن‬

‫املرجح أن يوافقوا على برنامج نووي سلمي في‬ ‫مقابل إنهاء العزلة التي ترزح حتت وطأتها بالدهم‪.‬‬ ‫وتستطيع الواليات املتحدة مساعدة القوى‬ ‫الدميقراطية في إيران من خالل تقدمي العون املادي‬ ‫والدعم املعنوي‪ .‬فيمكنها متويل التبادل البشري‬ ‫واملنح الطالبية‪ ،‬ودعم جماعات اجملتمع املدني‬ ‫بتقدمي املساعدة للنشطاء اإليرانيني‪ ،‬والتعاون‬ ‫الوثيق مع شركات مثل «غوغل» بشأن إمكانية‬ ‫توفير املعلومات للشعب اإليراني‪ ،‬وتطوير الشبكة‬ ‫الفارسية اإلخبارية التابعة لـ«صوت أميركا» حيث‬ ‫كانت املعايير الصحافية قد تراجعت إثر سوء اإلدارة‪.‬‬ ‫كما ميكنها إثارة قضايا انتهاك حقوق اإلنسان في‬ ‫كافة اللقاءات الرسمية مع املسؤولني اإليرانيني‬ ‫مثل املفاوضات النووية املستمرة‪ ،‬وتقدمي انتهاكات‬ ‫حقوق اإلنسان في إيران لألمم املتحدة ومحكمة‬ ‫العدل الدولية‪ .‬في الوقت الراهن‪ ،‬يدرك آية اهلل‬ ‫علي خامنئي‪ ،‬املرشد األعلى إليران‪ ،‬مخاطر الثورة‬ ‫الشعبية في بالده‪ ،‬وقد فعل كل شيء باستطاعته‬ ‫لكي يحول دون ذلك‪ .‬وإذا ما كانت الواليات املتحدة‬ ‫سوف تخاطر‪ ،‬فيجب عليها عدم السعي وراء حلول‬ ‫نووية جزئية وغير فعالة‪ ،‬ولكن عليها االجتاه ألفضل‬ ‫احللول املطروحة‪ ،‬دفع إيران صوب الدميقراطية >‬ ‫‪59‬‬


‫صحافة عاملية‬

‫عادت طهران للمفاوضات‪ ..‬هل هذا يكفي؟!‬

‫عود على بدء‬

‫يضع نظام العقوبات اجلديد املفروض على إيران‪ ،‬اخلطوات التكتيكية للواليات املتحدة وأهدافها ـ في الوصول للتفاوض في النهاية مع إيران حول‬ ‫طموحاتها النووية ـ على طرفي نقيض‪ .‬فعمليا‪ ،‬تصر اإلدارة على سياسة تستهدف تغيير النظام‪ ،‬وهو ما ال متلك قدرة على حتقيقه‪.‬‬

‫باتريك ليل كالوسون‪ ..‬خبير اقتصادي أميركي وباحث بالشؤون الشرق أوسطية ومدير قسم‬ ‫البحوث مبعهد واشنطن لسياسات الشرق األدنى وكبير احملررين بدورية «الشرق األوسط»‬ ‫(ميدل إيست كوارترلي)‪*.‬فورن أفيرز – مايو ‪* 2012‬خاص بـ«اجمللة»‬

‫معارض إيراني يتظاهر في واشنطن منددا بسياسة بالده‬

‫وللحكم على فعالية العقوبات الغربية ضد إيران‪،‬‬ ‫من املهم أن نحدد في البداية الغرض منها‪ .‬فقد وضع‬ ‫املسؤولون األميركيون ونظراؤهم األوروبيون‪ ،‬عددا من‬ ‫األهداف اخملتلفة لنظام العقوبات‪ ،‬مبا في ذلك منع‬ ‫انتشار التكنولوجيا النووية في الشرق األوسط‪ ،‬عبر‬ ‫محاكاة الدولة األخرى لها‪ ،‬باإلضافة إلى حث إيران‬ ‫على اإلذعان ألوامر مجلس األمن التابع لألمم املتحدة‬ ‫اخلاصة بتعليق كافة أنشطة التخصيب النووية‪.‬‬ ‫وقد حققت العقوبات بعض تلك األهداف فيما‬ ‫أخفقت في حتقيق البعض اآلخر‪ .‬ولكن بالنسبة‬ ‫إلدارة أوباما‪ ،‬فإنها جنحت في شيء واحد مهم هو‬ ‫إعادة إيران مرة أخرى لطاولة املفاوضات‪ .‬وبالتالي‪ ،‬فإن‬ ‫السؤال ليس حول ما إذا كانت العقوبات قد آتت‬ ‫‪58‬‬

‫ثمارها أم ال‪ ،‬ولكن السؤال هو‪ :‬هل االستراتيجية‬ ‫التي تخدمها تلك العقوبات صائبة أم ال‪.‬‬ ‫حتت احلصار‬ ‫فلنبدأ بقرار طهران بالعودة للمشاركة في املباحثات‬ ‫حول مستقبل برنامجها النووي وهو ما ميثل تغييرا‬ ‫جذريا‪ .‬فعلى سبيل املثال‪ ،‬رفضت طهران خالل جولة‬ ‫املفاوضات في يناير (كانون الثاني) ‪ 2011‬بني إيران‬ ‫وما يطلق عليه مجموعة اخلمسة زائد واحد (الدول‬ ‫اخلمس األعضاء مبجلس األمن التابع لألمم املتحدة‬ ‫باإلضافة إلى أملانيا)‪ ،‬أي مباحثات حول برنامجها‬ ‫النووي‪ .‬وخالل اخلمسة عشر شهرا التالية‪ ،‬رفضت‬ ‫االلتقاء باجملموعة حتى قبلت األخيرة شرط إيران‬

‫املسبق اخلاص بحقها في تخصيب اليورانيوم‪ .‬وفي‬ ‫مباحثات جديدة في إسطنبول خالل مارس (آذار)‬ ‫املاضي‪ ،‬وافقت إيران على مناقشة مساعيها النووية‪،‬‬ ‫وتخلت عن ذلك الشرط املسبق‪.‬‬ ‫ولم تقبل اجلمهورية اإلسالمية ذلك من منطلق‬ ‫نواياها احلسنة‪ ،‬ولكن جراء تشديد العقوبات‪.‬‬ ‫وبإظهارها االستعداد للتفاوض والعمل على نحو‬ ‫وثيق مع أوروبا‪ ،‬متكنت إدارة أوباما من حشد العديد‬ ‫من الدول للتعاون معها‪ .‬وقد متكن ذلك التحالف‬ ‫املوسع من فرض عقوبات أشد ـ وهي النتيجة التي‬ ‫لم يكن بإمكان الواليات املتحدة أن حتققها وحدها‪.‬‬ ‫فعلى سبيل املثال‪ ،‬منع االحتاد األوروبي في مارس‬


‫العاملية الساخرة جتاه تصريحاته في ‪ 1951‬بشأن جناح‬ ‫ريشتر في إنتاج انصهار حتت السيطرة‪.‬‬ ‫بطء في طهران‬ ‫في ظل األزمة املتصاعدة حول النشاطات النووية‬ ‫إليران‪ ،‬لم حتظ ظاهرة تباطؤ االنتشار باالنتباه‪ .‬ولكن‬ ‫ذلك التوجه العاملي املتنامي يشير بوضوح إلى وجوب‬ ‫احلذر من االستنتاجات املتعجلة املتعلقة بأن برنامج‬ ‫إيران النووي على وشك حتقيق أهدافه النهائية‪ .‬فرمبا‬ ‫يجد علماء النووي اإليرانيون واملهندسون سبيال حلماية‬ ‫أنفسهم ضد القنابل اإلسرائيلية وقراصنة الكمبيوتر‪،‬‬ ‫ولكنهم يواجهون عقبة أكبر متمثلة في ثقافة اإلدارة‬ ‫السلطوية الراسخة في إيران‪ .‬ففي دراسة ملمارسات‬ ‫إدارة املوارد البشرية في إيران‪ ،‬توصل خبيرا اإلدارة‪،‬‬ ‫باري نامازي ومنير طيب‪ ،‬إلى أن النظام اإليراني أظهر‬ ‫تاريخيا تفضيال واسعا للوالء السياسي على حساب‬ ‫املهارات املهنية‪ .‬فقد كتبا‪« :‬هم يعتقدون أن الشخص‬ ‫الذي يحمل والء‪ ،‬ميكنه اكتساب مهارات جديدة‪ ،‬ولكن‬ ‫من الصعب تعليم الشخص البارع الوالء»‪ .‬ويعد‬ ‫ذلك التوجه تقليديا بالنسبة للمديرين السلطويني‪.‬‬ ‫فوفقا للعالم السياسي اإليراني حسني بشيريه فإن‬ ‫«السياسات االقتصادية العشوائية وغير املنضبطة‬ ‫واحملاباة السياسية وسوء اإلدارة العام» قد تفاقمت على‬ ‫نحو كبير خالل األعوام املاضية‪ .‬ومن الصعب أن نتخيل أن‬ ‫البرنامج النووي اإليراني احململ بأبعاد سياسية‪ ،‬محصن‬ ‫من تلك التوجهات‪.‬‬

‫ومما ال شك فيه أن تقييم كفاءة اإلدارة النووية اإليرانية‬ ‫أكثر صعوبة من إحصاء عدد أجهزة الطرد املركزية‬ ‫اإليرانية‪ .‬ولكن ملثل ذلك التقييم أهمية بالغة نظرا‬ ‫ألن تطور البرنامج اإليراني النووي سوف يعتمد على‬ ‫مدى االستقالل املهني الذي ميكن أن يحظى به العلماء‬ ‫واملهندسون‪ .‬وفي الوقت نفسه‪ ،‬هناك عدد كبير من‬ ‫الدروس املستفادة من تباطؤ االنتشار‪ ،‬ميكنها املساهمة‬ ‫في تقدمي تقييم أكثر اعتداال للموقف‪.‬‬ ‫الدرس األول هو الوعي بالتحليل الضيق املتمركز على‬ ‫اجلوانب الفنية إلمكانات التسلح النووي للدول‪ .‬فقد‬ ‫اعتمدت التقديرات املنذرة األخيرة بشأن اجلدول الزمني‬ ‫الذي حتتاجه إيران للحصول على القنبلة حول نفس‬ ‫االفتراضات التي دفعت إسرائيل والواليات املتحدة‬ ‫للمبالغة في تقدير معدل تقدم إيران النووي خالل‬ ‫العشرين عاما املاضية‪ .‬فقد توقعت أغلبية التقديرات‬ ‫األميركية واإلسرائيلية الرسمية خالل التسعينيات‬ ‫أن إيران سوف حتصل على السالح النووي بحلول عام‬ ‫‪ .2000‬وبعدما مر ذلك التاريخ دون أي قنبلة نووية في‬ ‫األفق‪ ،‬انتقلت التقديرات ببساطة إلى اإلشارة إلى ‪2005‬‬ ‫ثم إلى ‪ 2010‬وأخيرا إلى ‪ .2015‬وال يعني ذلك بالضرورة‬ ‫أن هذه التقديرات خاطئة‪ ،‬ولكنها بالقطع تفتقد إلى‬ ‫املصداقية‪ ،‬خاصة أن صناع السياسة يجب عليهم‬ ‫استبعاد أي تقديرات استخباراتية ال تأخذ في اعتبارها‬ ‫بوضوح تأ��ير كفاءة اإلدارة على اجلدول الزمني إليران‪.‬‬ ‫والدرس الثاني املستفاد من تباطؤ االنتشار‪ ،‬أنه على‬ ‫صناع السياسة رفض التحليالت املبنية على افتراضات‬ ‫حول قدرة الدولة على بناء برنامج نووي سرا‪ .‬فمنذ‬ ‫منتصف التسعينات‪ ،‬كانت التقديرات الرسمية‬ ‫املتعلقة باالنتشار النووي يتم استخالصها من خالل‬ ‫بيانات قليلة‪ ،‬وهي املمارسة التي دفعت محللي‬ ‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫االستخبارات األميركية إلى االستنتاج اخلاطئ بأن‬ ‫العراق أعاد استئناف برنامجه ألسلحة الدمار الشامل‬ ‫بعد حرب اخلليج‪ .‬فيجب أن حتترس الواليات املتحدة من‬ ‫إمكانية ارتكاب خطأ استخباراتي مماثل بشأن إيران‪ .‬وال‬ ‫ينفي ذلك احتمالية أن طهران رمبا حتافظ على سرية جزء‬ ‫من عملها‪ .‬ولكنه ليس منطقيا أن نفترض‪ ،‬على سبيل‬ ‫املثال‪ ،‬أن إيران عوضت املشكالت التي واجهت أجهزة‬ ‫الطرد املركزي مبنشأة ناتانز لتخصيب اليورانيوم من خالل‬ ‫إخفاء أجهزة الطرد األكثر كفاءة في منشأة مجهولة‪.‬‬ ‫وبالفعل عندما حاولت إيران إخفاء أنشطتها املتعلقة‬ ‫بالتسلح في املاضي‪ ،‬كان ذلك في معظم األحوال‪ ،‬نظرا‬ ‫ألن العمل إما كان في مراحله األولية‪ ،‬أو أنه كان ال يسير‬ ‫على نحو مالئم‪.‬‬ ‫والدرس الثالث هو أن الدول التي تدير على نحو‬ ‫سيئ برامجها النووية‪ ،‬ميكنها إفساد حتى اخلطوات‬ ‫السهلة من العملية‪ .‬فعلى سبيل املثال‪ ،‬وبناء‬ ‫على تقديرات حجم مخزون البلوتونيوم لدى كوريا‬ ‫الشمالية والسهولة املتوقعة إلنتاج السالح‪ ،‬اعتقدت‬ ‫االستخبارات األميركية أن كوريا الشمالية كان يجب‬ ‫أن تكون قد استطاعت بناء واحد أو اثنني من األسلحة‬ ‫النووية بحلول التسعينيات‪ .‬ولكن في عام ‪،2006‬‬ ‫أخفق االختبار النووي لكوريا الشمالية‪ ،‬مما أشار بوضوح‬ ‫إلى أن «اململكة املنطوية» لم يكن لديها أي أسلحة‬ ‫فعلية على اإلطالق‪ .‬وحتى في محاولتها الثانية‪ ،‬في‬ ‫‪ ،2009‬لم تعمل على النحو املالئم‪ .‬وباملثل‪ ،‬إذا ما‬ ‫متكنت إيران في النهاية من احلصول على قدر كبير من‬ ‫اليورانيوم عالي التخصيب الضروري لتصنيع القنبلة‪،‬‬

‫فيجب أال يعني ذلك مباشرة حصولها على سالح‬ ‫نووي‪.‬‬ ‫والدرس الرابع هو جتنب فعل أي شيء ميكنه دفع العلماء‬ ‫والفنيني لالنخراط بقوة في مشروعاتهم النووية‪ .‬حيث‬ ‫إن احلمى الوطنية تستطيع تعويض ضعف اإلدارة‪ .‬ومن‬ ‫ثم‪ ،‬فإن األفعال العنيفة مثل الغارات اجلوية أو اغتيال‬ ‫العلماء هي خيار اخلاسرين‪ .‬فكما يتضح من خالل‬ ‫عواقب الهجوم اإلسرائيلي على أوزيراك‪ ،‬من املرجح‬ ‫أن تعمل مثل تلك الهجمات على توحيد العلماء‬ ‫والفنيني بالدولة وراء قيادتهم السياسية غير الشرعية‪.‬‬ ‫باإلضافة إلى أن األفعال التخريبية مثل دودة احلاسوب‬ ‫«ستاكسنت» التي دمرت املعدات النووية اإليرانية في‬ ‫‪ 2010‬والتي ال تقف على طرف النقيض من العقوبات‬ ‫والهجمات العنيفة ومن ثم فإنها ال يجب اللجوء إليها‬ ‫إال بعد التفكير العميق‪.‬‬ ‫تقليديا‪ ،‬تطورت استراتيجية احلد من االنتشار على يد‬ ‫زعماء متحمسني لوقف الرغبة احملمومة في احلصول‬ ‫على األسلحة النووية وحرمان العلماء من األدوات‬ ‫الضرورية لبنائها‪ .‬ولكن للعلماء دوافع أيضا ويجب‬ ‫على صناع السياسة أن يأخذوا في اعتبارهم ذلك البعد‬ ‫الثالث احليوي لفعالية البرامج النووية‪ .‬لقد كان العالم‬ ‫محظوظا خالل العقود القليلة املاضية‪ ،‬نظرا ألن زعماء‬ ‫الدول التي تسعى للحصول على السالح النووي‪ ،‬كانوا‬ ‫بارعني في إحباط علمائهم وإقصائهم‪ .‬وعلى الواليات‬ ‫املتحدة وشركائها أن حترص على أال تتبنى سياسات حتل‬ ‫املشكالت اإلدارية نيابة عن هؤالء الزعماء >‬ ‫‪57‬‬


‫صحافة عاملية‬ ‫ففي السنوات السابقة على الهجمة اإلسرائيلية‬ ‫على مفاعل أوزيراك العراقي غير مكتمل البناء في عام‬ ‫‪ ،1981‬كان برنامج العراق النووي قد تراجع إثر إحدى‬ ‫نوبات غضب صدام حسني التي اشتملت على عمليات‬ ‫فصل قسرية‪ ،‬وسجن للمسؤولني والعلماء بالبرنامج‪.‬‬ ‫ولكن بعد تلك الضربة مباشرة‪ ،‬أفرج صدام عن أهم‬ ‫علماء العراق النوويني‪ ،‬جعفر ضياء جعفر‪ ،‬بعدما كان رهن‬ ‫اإلقامة اجلبرية ونصبه رئيسا للبرنامج النووي (مت احتجاز‬ ‫جعفر إثر اعتراضه على حبس عالم نووي آخر)‪ .‬وقد مثلت‬ ‫عودة جعفر بداية جديدة قوية ملشروع العراق للتسلح‬ ‫النووي‪ .‬ولفترة من الزمن‪ ،‬كان املشروع يتطور على نحو‬ ‫طيب‪ .‬فقد أيقظت الضربة اإلسرائيلية الكبرياء الوطني‬ ‫للعلماء العراقيني وكانوا عازمني على النجاح‪.‬‬ ‫ولكن في أواسط الثمانينات‪ ،‬تعرض البرنامج ألزمة‪ ،‬إثر‬ ‫وقوعه في قبضة حسني كامل اجمليد‪ ،‬زوج ابنه صدام‬ ‫حسني القوي‪ .‬فقد كانت هيمنة كامل على البرنامج‬ ‫النووي متثل تقريبا منوذجا كاريكاتيريا ملقاربة اإلدارة‬ ‫القسرية‪ .‬فقد فرض مواعيد غير واقعية للتقدم الفني‬ ‫للبرنامج مما تسبب في انهيار اآلالت والبشر على حد سواء‬ ‫حتت وطأة الضغط‪ .‬كما أنه دفع العلماء إلى التنافس‬ ‫مع بعضهم البعض في منافسة وحشية‪ ،‬كما أنه كان‬ ‫يجبر العلماء على تكرار األعمال التي أجنزها بالفعل علماء‬ ‫آخرون‪ .‬وعندما بدا أن التقدم صوب إنتاج القنبلة أوشك‬ ‫على التوقف‪ ،‬طالب بإجراء تغييرات فنية جذرية مما جعل‬ ‫العمل السابق فعليا بال معنى‪ .‬كما أن مساعيه للحصول‬ ‫على املواد احلساسة من خالل السوق السوداء الدولية‬ ‫كانت واضحة للعيان‪ ،‬حتى انه بنهاية الثمانينات‪ ،‬كان‬ ‫أكثر مراقبي احلد من االنتشار غفلة‪ ،‬قد انتبه ملساعيه‪.‬‬ ‫وكان كامل ال يتردد في قهر علمائه ومن دون مبررات‬ ‫مفهومة‪ .‬فعلى سبيل املثال‪ ،‬سأل كامل العالم مهدي‬ ‫عبيدي‪ ،‬رئيس الفريق املكلف بناء أجهزة طرد مركزية عام‬ ‫‪ 1987‬عن املدة التي يحتاجها لالنتهاء من بناء اجلهاز‬ ‫األول وتشغيله‪ .‬كان عبيدي يتخيل أنه بحاجة إلى عامني‪،‬‬ ‫ولكن أخبره بأنه يحتاج إلى عام واحد خوفا من إغضابه‪.‬‬ ‫فقال له كامل إنه ليس أمامه سوى ‪ 45‬يوما فقط‪.‬‬ ‫وكانت النتيجة هي اندفاع مجنون تسبب في انهيار‬ ‫جهاز الطرد‪ ،‬الذي مت االنتهاء من بنائه بتكلفة عالية في‬ ‫أول اختبار تشغيل له‪ .‬ونظرا جلموح تلك اإلدارة السيئة‪،‬‬ ‫كان العراق ما زال لم ينتج أي يورانيوم مخصب يصلح‬ ‫ألغراض بناء أسلحة نووية حتى الوقت الذي بدأت فيه‬ ‫حرب اخلليج رغم إنفاق مليار دوالر على عشر سنوات من‬ ‫العمل ورغم اإلخفاء الفعال جلانب كبير من املشروع عن‬ ‫أعني العالم اخلارجي‪ .‬فوفقا لروبرت كيلي‪ ،‬املفتش السابق‬ ‫بالوكالة الدولية للطاقة الذرية‪ ،‬كان البرنامج العراقي‬ ‫«إخفاقا مذهال»‪ .‬مضيفا‪« :‬رمبا يكون ذلك واحدا من أكثر‬ ‫املشروعات تكلفة في تاريخ البشرية‪ ،‬نظرا للدوالرات التي‬ ‫مت إنفاقها على املواد املستخدمة به»‪.‬‬ ‫وبعد حرب اخلليج‪ ،‬صدم املفتشون الدوليون عندما‬ ‫اكتشفوا ذلك العدد من املنشآت النووية السرية الكبيرة‬ ‫التي حتتوي على أفضل املعدات‪ .‬ففي ظل تلك املعدات‬ ‫اخليالية‪ ،‬كان بإمكان العراق أن يبني القنبلة خالل عامني‬ ‫فقط‪ ،‬إذا متكن من االعتماد على فريق من العلماء والفنيني‬ ‫يتسم باملهنية واحلماس الكافيني‪ .‬ولكن بحلول عام‬ ‫‪ ،1991‬وبعد سنوات من اإلدارة السلطوية والقسرية‪،‬‬ ‫وفنيوه قد أصبحوا مرهقني ومتشائمني‬ ‫كان علماء العراق ّ‬ ‫ومنقسمني‪ .‬ولم يستطع معظم احملللني األمنيني‬ ‫استيعاب تلك احلقيقة بسرعة‪ ،‬وكانوا دائما ما يكررون‬ ‫‪56‬‬

‫أسطورة أن العراق كان قد أوشك على احلصول على‬ ‫القنبلة قبل حرب اخلليج مباشرة‪.‬‬ ‫كما بالغ احملللون اخلارجيون أيضا في تقدير التهديد‬ ‫الذي يشكله «برنامج النووي السريع» العراقي الذي مت‬ ‫إنشاؤه مباشرة بعد غزو صدام للكويت في عام ‪.1990‬‬ ‫فقد كان البرنامج السريع آخر محاولة إلنتاج القنبلة‬ ‫عبر الوقود اخملصب للمفاعل النووي‪ ،‬والذي كان العراق‬ ‫قد اشتراه على نحو قانوني حتت احلماية الدولية في‬ ‫أواخر السبعينات‪ .‬وبالنظر للماضي‪ ،‬فإن عمليات البيع‬ ‫تلك ما كان يجب أن يتم السماح بها‪ .‬ولكن املشكالت‬ ‫اإلدارية للعراق قد أثرت على ذلك البرنامج السريع بقدر‬ ‫ما أثرت متاما على كل املناحي األخرى ملشروع التسلح‬ ‫النووي‪ .‬وكنتاج لذلك‪ ،‬فحتى البرنامج السريع قد مت‬ ‫وقفه على نحو سيئ قبل نهاية حرب اخلليج‪ .‬ومن‬ ‫ثم‪ ،‬ومن وجهة النظر االستراتيجية‪ ،‬لم يكن إخفاق‬ ‫القنابل األميركية في إصابة املواقع النووية العراقية‬ ‫عام ‪ 1991‬ذا أهمية‪ ،‬نظرا ألن البرنامج النووي العراقي‬ ‫كان قد أخفق بالفعل‪.‬‬ ‫توجس عند الشراء‬ ‫وعلى الرغم من التجربة العراقية‪ ،‬يصر العديد من‬ ‫محللي االنتشار النووي على أنه رغم أن الدول املتخلفة‬ ‫تكنولوجيا‪ ،‬رمبا كانت غير قادرة في املاضي على تطوير‬ ‫السالح النووي‪ ،‬فإنها تستطيع اآلن ببساطة شراء‬ ‫كل ما حتتاج إليه من السوق العاملية غير املقيدة‪ .‬مما ال‬ ‫شك فيه أن رواد التكنولوجيا النووية غير الشرعيني ـ‬ ‫مثل عبد القدير خان‪ ،‬العالم الباكستاني املتمرد الذي‬ ‫باع التكنولوجيا النووية إليران وليبيا وكوريا الشمالية‬ ‫ـ ميثلون خطرا‪ ،‬ولكن نقل التكنولوجيا النووية الدولية‬ ‫عادة ما يخفق‪ ،‬نظرا ألن الدولة غير الفعالة التي حتاول‬

‫احلصول على القنبلة تواجه صعوبة في االستفادة من‬ ‫التكنولوجيا واملعارف النووية األجنبية أكبر من صعوبة‬ ‫تطويرها بنفسها‪.‬‬ ‫ويعكس مشروع ليبيا غير الشرعي للتسلح النووي ذلك‬ ‫النمط العام‪ .‬فعلى الرغم من أن ليبيا اشترت كافة‬ ‫العناصر املطلوبة‪ ،‬وفقا لإلرشادات التي وضعها خان‪،‬‬ ‫فإنها‪ ،‬وفقا لتقرير أميركي حكومي صادر في ‪ ،2005‬لم‬ ‫تستطع «جمعها معا وتشغيلها»‪ .‬وبالفعل‪ ،‬عندما‬ ‫حصل مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية على حق‬ ‫دخول املنشآت النووية الليبية بعد تخلي الرئيس الليبي‪،‬‬ ‫معمر القذافي‪ ،‬عن املشروع في ‪ ،2003‬وجدوا عددا كبيرا‬ ‫من البضائع املستوردة في صناديق شحنها األصلية‪.‬‬ ‫أما بالنسبة لتوقعات بعض احملللني املرعبة‪ ،‬اخلاصة‬ ‫بعلماء وفنيي النووي من االحتاد السوفياتي السابق الذين‬ ‫يغادرون وطنهم بأعداد كبيرة ملساعدة األنظمة املتمردة‬ ‫على حتقيق طموحاتها النووية‪ ،‬فإن ذلك كان أقرب لكونه‬ ‫حبكة سينمائية هوليوودية‪ ،‬أكثر من كونه مشكلة‬ ‫حقيقية‪ .‬حيث يفضل علماء االحتاد السوفياتي السابق‬ ‫على نحو كبير املؤسسات املهنية للغرب‪ ،‬أكثر من اخملابئ‬ ‫السرية للطغاة الدمويني‪ .‬باإلضافة إلى أن حكام الدولة‬ ‫النامية عليهم أن يتوخوا احلذر بشأن االستعانة باألجانب‪،‬‬ ‫نظرا ألنه من الصعب التمييز بني علماء النووي احلقيقيني‬ ‫واحملتالني أو اجلواسيس كذلك‪ .‬فعلى سبيل املثال‪ ،‬هناك‬ ‫حالة الرئيس األرجنتيني خوان بيرون‪ ،‬الذي استعان بعلماء‬ ‫النازية بعد احلرب العاملية الثانية‪ .‬فرمبا كانت تلك احلالة‬ ‫األكثر جناحا إلفراز نزف عقول علمي مضاد في التاريخ‪.‬‬ ‫حيث اتضح أن رونالد ريشتر‪ ،‬العالم النمساوي الذي‬ ‫اختاره بيرون لترؤس برنامجه النووي الواعد نصف محتال‬ ‫ونصف مخبول‪ .‬ولم يدرك بيرون خطأه إال بعد ردة الفعل‬


‫ضلت طريقها في معظم األحوال إلى املواقع النووية‪.‬‬ ‫وأخيرا‪ ،‬أكد معظم احملللني أن مشروعات األسلحة النووية‬ ‫أصبحت غير فعالة‪ ،‬نظرا لضعف مستويات التزام‬ ‫الزعماء السياسيني‪ .‬ولكن هؤالء احملللني قاموا بعكس‬ ‫السبب والنتيجة‪ :‬فالزعماء يفقدون حماسهم عندما‬ ‫تكون برامجهم النووية ال تسير على النحو املالئم‪ ،‬فهناك‬ ‫بعض املشروعات النووية التي كانت تسير على ما يرام‪،‬‬ ‫مثل مشروع فرنسا‪ ،‬رغم الدعم الفاتر الذي كانت توليه‬ ‫السلطات‪ .‬ومن ثم‪ ،‬يجب أال يكون االرتباط املنقوص بني‬ ‫التزام الزعماء وكفاءة البرامج النووية مفاجئا‪ ،‬ولذلك‪ ،‬رمبا‬ ‫يتحدث املعلقون باعتيادية بشأن «قنبلة ماو» أو «قنبلة‬ ‫كيم جونغ إل» حيث إن العمل احلقيقي يجب أن ينفذه‬ ‫أناس آخرون‪.‬‬ ‫تنمية محتجزة‬ ‫هناك تفسير آخر أكثر إقناعا بشأن تباطؤ االنتشار‬ ‫النووي والذي يبدأ مبالحظة أنه خالل األيام األولى للعصر‬ ‫النووي‪ ،‬كانت معظم الدول ذوات الطموحات النووية‬ ‫تنتمي للعالم املتقدم‪ ،‬فيما أصبحت معظم الدول التي‬ ‫تسعى إلى امتالك التكنولوجيا النووية منذ منتصف‬ ‫الستينات من دول العالم النامي‪ .‬وعندما أصبح االنتشار‬ ‫النووي ظاهرة مرتبطة إلى حد كبير بالعالم النامي‪ ،‬تباطأ‬ ‫معدل إنتاج القنبلة على نحو درامي‪ .‬ولكن االختالف هنا‬

‫ليس اقتصاديا باألساس‪ ،‬فبعض البرامج النووية للبلدان‬ ‫الفقيرة‪ ،‬كان تطورها سريعا مثل البرنامج الذي قامت‬ ‫به الصني وهي ترزح حتت وطأة اجملاعة في اخلمسينات‬ ‫والستينات املاضية‪ .‬وعلى النقيض من ذلك‪ ،‬فإن دول‬ ‫البترول الثرية مثل العراق وليبيا‪ ،‬أنفقت أمواال طائلة‬ ‫طوال عدة عقود في إطار مساعيها النووية التي أخفقت‬ ‫في النهاية‪.‬‬ ‫فليس الدخل القومي إال أحد أبعاد التطور‪ ،‬كما أنه ليس‬ ‫البعد األهم‪ .‬فكما أكد العالم السياسي فرانسيس‬ ‫فوكوياما‪ ،‬فإنه على الرغم من ارتفاع معدالت النمو‬ ‫االقتصادي للدول النامية‪ ،‬فإنها تواجه صعوبة في‬ ‫تأسيس بيروقراطيات عالية الكفاءة‪.‬‬ ‫كما تعتمد منظمات البحوث والتنمية النووية إلى‬ ‫حد كبير على قدر عال من االلتزام‪ ،‬والتفكير اإلبداعي‬ ‫ومشاركة روح التعاون بني عدد كبير من العاملني سواء‬ ‫كانوا فنيني أو علماء‪ .‬ولكي تدعم ذلك السلوك اإليجابي‪،‬‬ ‫يجب على اإلدارة أن حتترم استقاللهم املهني وتسهل‬ ‫مساعيه وال حتاول الهيمنة عليهم‪ .‬فقد كان احترام‬ ‫االستقالل املهني أداة للنجاح الباهر ملشروعات التسلح‬ ‫النووي في البداية‪ .‬يقول املؤرخ ديفيد هولواي‪ ،‬إنه حتى‬ ‫في االحتاد السوفياتي خالل فترة حكم ستالني‪« :‬كان‬ ‫من املبهر أن نرى كيف اندمجت آلة الدولة البوليسية مع‬

‫مجتمع الفيزيائيني لبناء القنبلة‪ ..‬فلم يتم القضاء على‬ ‫استقالل (مجتمع الفيزيائيني) بإنشاء املشروع النووي‪.‬‬ ‫بل إنه استمر داخل النظام اإلداري الذي مت إنشاؤه إلدارة‬ ‫املشروع»‪.‬‬ ‫وعلى النقيض من ذلك‪ ،‬كان معظم حكام الدول التي‬ ‫مساع نووية مييلون لالعتماد على مقاربة اإلدارة‬ ‫لديها‬ ‫ٍ‬ ‫السلطوية القسرية في تطوير مسعاهم للحصول على‬ ‫القنبلة عبر اللجوء إلغواء الطموح العلمي واإلرهاب‬ ‫كدافعني رئيسيني‪ .‬وميثل ذلك التوجه القسري خطأ‬ ‫فادحا‪ ،‬نظرا ألنه مينح العاملني إحساسا باإلقصاء‬ ‫من خالل جتاهل إحساسهم باملهنية‪ .‬ومن ثم‪ ،‬ال جتد‬ ‫البرامج النووية الطريق الذي تسير فيه‪ .‬واألهم من ذلك‪،‬‬ ‫هناك ثقافات إدارية سيئة تقبع وراء تلك اخليارات اإلدارية‬ ‫السيئة‪ .‬ففي الدول النامية التي ليس لديها قوانني‬ ‫قوية حلماية اخلدمات املدنية‪ ،‬يتم تسييس كل القرارات‪،‬‬ ‫ومن ثم‪ ،‬فسرعان ما يتعلم البيروقراطيون في الدولة أن‬ ‫يحنوا رؤوسهم‪ .‬فحتى األمور الفنية للغاية التي تواجه‬ ‫تنج من تدخل رجاالت‬ ‫علماء النووي والعاملني الفنيني‪ ،‬لم ُ‬ ‫السياسة‪ .‬وتكون النتيجة في الغالب هي النقيض متاما‬ ‫ملا كان ينتويه السياسيون‪ :‬فبدال من الفعالية‪ ،‬يصير‬ ‫هناك خليط ممجوج من البطء البيروقراطي والفساد ودائرة‬ ‫ال نهائية من تبادل اللوم‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من صعوبة قياس كفاءة مؤسسات الدولة‬ ‫بدقة‪ ،‬تشير التجارب التاريخية السابقة إلى أنه كلما‬ ‫جتاوبت الدولة مع ثقافة اإلدارة املهنية السائدة لدى‬ ‫الدول املتقدمة‪ ،‬احتاجت إلى وقت أقل للحصول على‬ ‫أول قنابلها النووية وانخفضت فرص إخفاقها‪ .‬وعلى‬ ‫العكس من ذلك‪ ،‬فكلما جتاوبت الدولة مع ثقافة اإلدارة‬ ‫السلطوية السائدة عادة في الدول النامية‪ ،‬طال الوقت‬ ‫الذي حتتاج إليه لكي حتصل على أول قنابلها وارتفعت‬ ‫فرص فشلها‪.‬‬ ‫وبالطبع‪ ،‬ال تشترك كافة الدول النامية في نفس النموذج‪:‬‬ ‫فعلى سبيل املثال‪ ،‬كما قال العالم السياسي صامويل‬ ‫هنتنغتون‪ ،‬فإن شكل الشيوعية «البيروقراطية» التي‬ ‫تبناها االحتاد السوفياتي كانت مجرد تنويع على النموذج‬ ‫األساسي للدولة األوروبية الغربية‪ .‬ومن ثم‪ ،‬وعلى الرغم‬ ‫من أن االحتاد السوفياتي كانت لديه العديد من املساوئ‪،‬‬ ‫فإنه كان ناجحا فيما يتعلق بـ«العلوم الكبرى»‪ .‬وباملثل‪،‬‬ ‫فإن مشروع التسلح النووي الصيني الناجح‪ ،‬مت في‬ ‫الوقت الذي كان فيه «احلزب الشيوعي الصيني» ملتزما‬ ‫بالنموذج السوفياتي للشيوعية البيروقراطية رغم جهود‬ ‫رئيسه‪ ،‬ماو تسي تونغ احلثيثة للتخلص منه‪ .‬ولم يكن‬ ‫تطور البرنامج النووي الصيني يسير على ما يرام‪ ،‬عندما‬ ‫كان ماو يدير احلزب‪ ،‬ولكن أداءه كان متقدما عندما متكن‬ ‫احلزب من إبقائه بعيدا‪ ،‬وهو ما جنح احلزب في حتقيقه طوال‬ ‫املدة الكافية للحصول على القنبلة‪.‬‬ ‫السراب النووي العراقي‬ ‫رمبا يبدو منوذج النشاطات العراقية النووية في الثمانينات‬ ‫متناقضا مع فكرة أن تباطؤ االنتشار النووي كان نتاجا‬ ‫للممارسات اإلدارية السيئة‪ .‬ففي النهاية‪ ،‬ووفقا‬ ‫للمعتقد الشائع في واشنطن فإن العراق كان على‬ ‫مسافة أشهر عدة من احلصول على أولى قنابله‪ ،‬عندما‬ ‫بدأت حرب اخلليج على نحو قدري‪ .‬وذلك رغم أن النموذج‬ ‫العراقي في احلقيقة‪ ،‬يقدم مثاال واضحا لإلدارة السلطوية‬ ‫التي تسفر عن مشروعات تسلح نووي غير فعالة‪.‬‬

‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫‪55‬‬


‫صحافة عاملية‬ ‫التقدم النووي للبالد‪.‬‬ ‫قطع الطريق‬ ‫نشرت صحيفة «نيويورك تاميز» مؤخرا مقاال ألحد‬ ‫الرؤساء السابقني لالستخبارات اإلسرائيلية العسكرية‬ ‫يعكس اعتقادا شائعا‪ ،‬حيث قال‪« :‬اليوم‪ ،‬تستطيع أي‬ ‫دولة صناعية تقريبا أن تنتج سالحا نوويا‪ ،‬في فترة من أربع‬ ‫إلى خمس سنوات»‪ .‬وبالفعل كلما انتشرت التكنولوجيا‬ ‫النووية وطريقة صناعتها حول العالم‪ ،‬كان من املفترض‬ ‫أن تتقلص الفترة الضرورية إلنتاج القنبلة‪ .‬ولكن احلقيقة‬ ‫أن معدل االنتشار تباطأ ولم يتسارع خالل العقود األربعة‬ ‫املاضية‪.‬‬ ‫أحمدي جناد‪ ..‬املواجهة‬

‫ملاذا تفشل البرامج النووية ذاتيا؟‬ ‫وهل يفشل «النووي» اإليراني أيضا؟‬

‫القنبلة‪ ..‬الوهم‬

‫مرة أخرى‪ ،‬هيمنت مشكلة االنتشار النووي على األخبار‪ ،‬حيث ثار جدال حاد حول‬ ‫االستجابة املالئمة للتهديد الذي متثله النشاطات النووية اإليرانية‪ ،‬التي يعتقد‬ ‫معظم اخلبراء أنها تستهدف إنتاج سالح نووي‪ ،‬أو على األقل الوصول إلى إمكانية‬ ‫جتميعه‪ .‬في ذلك اجلدل‪ ،‬يضغط أحد األطراف من أجل شن هجوم عسكري‪،‬‬ ‫لتدمير برنامج إيران النووي أو القضاء عليه‪ ،‬فيما يأمل االجتاه اآلخر أن تعمل‬ ‫العقوبات املشددة ضد اجلمهورية اإلسالمية على إضعاف الدولة ومتهد للحلول‬ ‫الدبلوماسية‪ .‬على كل‪ ،‬يشترك كال اجلانبني في افتراض أنه إذا لم تتدخل القوى‬ ‫اخلارجية على نحو درامي‪ ،‬فمن املرجح أن حتقق إيران أهدافها النووية املزعومة في‬ ‫وقت قريب للغاية‪.‬‬ ‫جاك إي سي هيمانز‪ -‬أستاذ العالقات اخلارجية بجامعة جنوب كاليفورنيا‪.‬‬ ‫هذه املقالة مأخوذة عن أحدث كتبه‪« :‬الطموحات النووية‪ :‬العلماء‪،‬‬ ‫والسياسيون‪ ،‬واالنتشار» (كمبريدج بريس ‪.)2012‬‬ ‫«فورن أفيرز» مايو (أيار) ـ يونيو (حزيران)‪* 2012‬خاص بـ«اجمللة»‬ ‫بيد أن هناك احتماال آخر‪ ،‬فقد كان على اإليرانيني أن‬ ‫يعملوا ملدة ‪ 25‬عاما لكي يبدأوا في احلصول على يورانيوم‬ ‫مخصب بنسبة ‪ 20‬في املائة‪ ،‬وهي نسبة ال تكفي‬ ‫ألغراض تصنيع السالح‪ .‬ويشير ذلك اإليقاع البطيء‬ ‫للتطور النووي اإليراني حتى اآلن بقوة‪ ،‬إلى أن إيران رمبا ما‬ ‫زالت بحاجة إلى وقت طويل لكي تستطيع فعليا إنتاج‬ ‫قنبلة‪ ،‬ورمبا تفشل في ذلك أيضا‪ .‬بل وتشير التوجهات‬ ‫العاملية لالنتشار النووي إلى أن االحتمالني األخيرين أكثر‬ ‫ترجيحا من جناحها في املستقبل القريب‪ .‬فعلى الرغم‬ ‫من التحذيرات املستمرة من أن االنتشار النووي في طريقه‬ ‫للخروج عن السيطرة‪ ،‬هناك فعليا تباطؤ مستمر منذ‬ ‫السبعينات في إيقاع التطور التقني ملشروعات األسلحة‬ ‫النووية وانخفاض حاد ملعدالت جناحها‪.‬‬ ‫وميكن إرجاع تباطؤ االنتشار النووي‪ ،‬جزئيا‪ ،‬إلى جهود احلد‬ ‫‪54‬‬

‫من االنتشار األميركية والدولية‪ ،‬ولكنها تعزى إلى حد كبير‬ ‫لالجتاهات اإلدارية غير الفعالة للدول التي سعت المتالك‬ ‫القنبلة خالل العقود األخيرة‪ .‬فقد دفعت املؤسسات‬ ‫الضعيفة في تلك البلدان الزعماء السياسيني للحد‬ ‫غير املقصود من أداء علمائهم‪ ،‬ومهندسيهم وفنييهم‬ ‫في اجملال النووي‪ .‬فكلما مارس السياسيون قدرا هائال من‬ ‫الضغط من أجل حتقيق طموحاتهم النووية‪ ،‬قلت إنتاجية‬ ‫برامجهم النووية‪ .‬وفي الوقت نفسه‪ ،‬عملت الهجمات‬ ‫العسكرية في أغلب األحوال على توحيد السياسيني‬ ‫والعلماء حول قضية مشتركة لبناء القنبلة‪ .‬ومن ثم‪ ،‬لن‬ ‫ميثل اتخاذ خطوات راديكالية لتحجيم إيران فقط‪ ،‬خطرا‪،‬‬ ‫بل ستكون له أيضا نتائج مضادة‪ .‬كما أنه من املستبعد‬ ‫أن ينجح احلل الراديكالي بقدر جناح السياسات األبسط‪:‬‬ ‫االبتعاد عن الطريق والسماح أللد أعداء البرنامج النووي‬ ‫اإليراني ـ زعماء إيران السياسيني أنفسهم ـ بعرقلة‬

‫قبل عام ‪ ،1970‬بدأت سبع دول مشروعات للتسلح‬ ‫النووي‪ ،‬جنحت جميعها في فترة وجيزة‪ .‬وعلى النقيض‬ ‫من ذلك‪ ،‬هناك ثالث دول فقط من بني الدول العشر التي‬ ‫بدأت مشروعات للتسلح النووي بعد عام ‪ ،1970‬متكنت‬ ‫من النجاح في إنتاج القنبلة‪ .‬باإلضافة إلى أن هناك دولة‬ ‫واحدة فقط من بني الدول الست التي أخفقت (العراق)‬ ‫استطاعت حتقيق تقدم كبير في اجتاه هدفها املنشود في‬ ‫الوقت الذي توقفت فيه فعليا عن احملاولة‪( .‬ما زال األمر‬ ‫لم يتضح فيما يخص برنامج إيران)‪ .‬وعلى الرغم من أن‬ ‫املشروعات الناجحة خالل العقود املاضية احتاجت إلى‬ ‫وقت طويل لتحقيق غايتها‪ ،‬فإن متوسط الوقت الذي‬ ‫استغرقته هذه املشروعات الناجحة التي بدأت قبل ‪1970‬‬ ‫إلنتاج القنبلة كان نحو سبع سنوات‪ ،‬فيما بلغ متوسط‬ ‫الوقت الذي استغرقته املشروعات الناجحة إلنتاج القنبلة‬ ‫بعد ‪ 1970‬نحو ‪ 17‬عاما‪.‬‬ ‫ولم يتمكن خبراء األمن الدولي من تقدمي تفسير مقنع‬ ‫لذلك التوجه الهائل‪ .‬فرمبا يكون التفسير األول واألكثر‬ ‫مصداقية من التفسيرات التقليدية أن «معاهدة احلد‬ ‫من انتشار األسلحة النووية» منعت عددا كبيرا من الدول‬ ‫من احلصول على السالح النووي عبر إنشاء نظام للرقابة‬ ‫على الصادرات‪ ،‬وحماية التكنولوجيا‪ ،‬وإجراء عمليات رقابة‬ ‫ميدانية على املنشآت النووية‪ .‬فقد عملت املعاهدة‪ ،‬بال‬ ‫شك‪ ،‬على قطع الطريق املباشر أمام احلصول على القنبلة‪.‬‬ ‫ومع ذلك‪ ،‬لم متثل املعاهدة عقبة مخيفة أمام الدول‬ ‫احملتمل أن حتصل على السالح النووي إال في التسعينات‪،‬‬ ‫عندما اتسعت قوائمها للرقابة على الصادرات‪ ،‬وأصبحت‬ ‫الدول الغربية أكثر جدية بشأن تفعيلها‪ ،‬وبدأ املفتشون‬ ‫الدوليون يظهرون كمحققني وليس كسائحني‪ .‬بيد أن‬ ‫تباطؤ االنتشار بدأ قبل عشرين عاما على األقل من رسوخ‬ ‫ذلك النظام‪ .‬ومن ثم‪ ،‬رمبا ال تكون تلك املعاهدة كافية‬ ‫جملابهة تلك الظاهرة رغم منافعها‪.‬‬ ‫والتفسير التقليدي الثاني هو أنه بخالف انخفاض فعالية‬ ‫نظام معاهدة احلد من انتشار األسلحة النووية‪ ،‬كانت‬ ‫القنابل األميركية واإلسرائيلية فعالة متاما‪ .‬فعلى سبيل‬ ‫املثال‪ ،‬تعرضت جهود سوريا النووية الناشئة لضربة‬ ‫قاضية‪ ،‬إثر غارة إسرائيلية جوية على موقع سري ملفاعل‬ ‫نووي عام ‪ .2007‬ولكن تاريخ الضربات العسكرية ليس‬ ‫منضبطا متاما‪ .‬فعلى عكس األسطورة الشائعة حول‬ ‫جناح التفجيرات اإلسرائيلية في ‪ 1981‬التي استهدفت‬ ‫مفاعل أوزيراك في العراق‪ ،‬دفعت تلك الضربة‪ ،‬الرئيس‬ ‫صدام حسني لتجاوز النوايا الغامضة بشأن برنامجه‬ ‫النووي وتقدمي التزام مخلص صوبه‪ ،‬وهو ما استمر حتى‬ ‫حرب اخلليج ‪ 1990‬ـ ‪ .91‬واألهم من ذلك‪ ،‬هو أن القنابل‬ ‫التي أسقطتها الواليات املتحدة على العراق خالل النزاع‪،‬‬


AN AMERICAN EDUCATION A BRITISH SETTING A GLOBAL FUTUR E A Since the 1970’s Richmond has been educating leading Middle Eastern families. Richmond’s unique style of personalised higher education ensures that students leave us with a dually accredited degree, that is recognised in the UK, the USA and worldwide.

53

+44 20 8133 2877 • enroll@richmond.ac.uk 2012 ‫ حزيران‬/ ‫ يونيو‬،1573 ‫العدد‬ Visit www.richmond.ac.uk/al-majalla today to download our catalog and viewbook.


‫اقتصاد‬

‫تطور إصدارات أذون اخلزانة خالل الفترة ‪2011/1991‬‬ ‫السنة‬ ‫‪1991‬‬ ‫‪2000‬‬ ‫‪2010‬‬ ‫‪2011‬‬

‫اإلصدارات‬ ‫‪ 4‬مليارات جنيه‬ ‫‪ 25‬مليار جنيه‬ ‫‪ 266‬مليار جنيه‬ ‫‪ 375‬مليار جنيه‬ ‫املصدر‪ :‬التقارير الدورية للبنك املركزي املصري‪.‬‬

‫كثيفة االستهالك‪ ،‬ثم يلغى نهائيا عن جميع‬ ‫الصناعات بشكل تدريجي‪ ..‬وهكذا‪.‬‬ ‫خامسا‪ :‬تشجيع الصناعة الوطنية‪ ،‬وميكن أن يتم‬ ‫ذلك عن طريق مواجهة اآلفات الثالث الرئيسة‪،‬‬ ‫التي تعوق الصناعة املصرية في الوقت احلالي‪ ،‬وهي‬ ‫اإلغراق والتهريب واإلجراءات الروتينية‪.‬‬ ‫سادسا‪ :‬تطوير األجهزة الرقابية‪ ،‬ويكفي أن‬ ‫نذكر هنا أنه على الرغم من وجود اجلهاز املركزي‬ ‫للمحاسبات‪ ،‬وهيئة الرقابة اإلدارية‪ ،‬وجهاز مباحث‬ ‫األموال العامة وجهاز الكسب غير املشروع‪ ،‬نقول‬ ‫رغم وجود كل هذه األجهزة‪ ،‬فقد استشرى الفساد‬ ‫في مصر بأنواعه اخملتلفة (فساد سياسي‪ ،‬فساد‬ ‫مالي‪ ،‬فساد إداري‪ ..‬الخ) وذلك خالل الثالثني عاما‬ ‫األخيرة‪ ،‬األمر الذي يستدعى بالضرورة حتمية تطوير‬ ‫هذه األجهزة‪.‬‬ ‫سابعا‪ :‬توجيه اهتمام خاص للتنمية الريفية‬ ‫والزراعية‪ ،‬وميكن أن يتم ذلك عن طريق إعادة هيكلة‬ ‫اإلرشاد الزراعي‪ ،‬إعطاء جهة أكبر للمحاصيل‬ ‫غير التقليدية‪ ،‬العمل على توفير االئتمان الزراعي‬ ‫وبشروط ميسرة‪ ..‬الخ‪.‬‬ ‫ثامنا‪ :‬إدماج القطاع غير الرسمي في القطاع‬ ‫الرسمي‪ ،‬على أن يتم ذلك تدريجيا وعن طريق‬ ‫إعطاء مزايا وحوافز ألصحاب مشروعات القطاع غير‬ ‫الرسمي لالندماج في القطاع الرسمي‪ ،‬وسوف يؤدي‬ ‫ذلك إلى زيادة حصيلة الضرائب‪ ،‬وكذلك حصيلة‬ ‫التأمينات االجتماعية‪ ،‬عالوة على ضمان جودة السلع‬ ‫في جميع املشروعات‪.‬‬ ‫تاسعا‪ :‬سرعة استرداد األموال املنهوبة واملهربة إلى‬ ‫اخلارج‪ ،‬والتي تقدر مبئات املليارات من اجلنيهات‪ ،‬وهذا‬ ‫يستدعي أن تكون احملاكمات أمام محاكم عادية‬ ‫وليست عسكرية‪ ،‬وعدم خضوع القضاة لضغوط‪،‬‬ ‫واالتصال بأحد املكاتب الدولية املتخصصة ملتابعة‬ ‫هذا املوضوع دوليا‪ .‬وميكن أن يساعد هذا اإلجراء على‬ ‫تقليل إصدار أذون اخلزانة التي تزايدت زيادة كبيرة في‬ ‫السنني األخيرة‪ ،‬كما يتضح من اجلدول اآلتي‪:‬‬ ‫عاشرا‪ :‬تشجيع نظام التعاقد بني احلكومة والقطاع‬ ‫اخلاص لسرعة توفير اخلدمات للمواطنني‪ ،‬وذلك عن‬ ‫طريق تعاقد احلكومة مع القطاع اخلاص‪ ،‬على أن‬ ‫يقوم بتوفير اخلدمات اخملتلفة (مستشفيات‪ ،‬مدارس‪،‬‬ ‫محطات توليد كهرباء‪ ..‬الخ) وتشتري احلكومة منه‬ ‫اخلدمات فقط‪.‬‬ ‫حادي عشر‪ :‬مجموعة أخرى من اإلجراءات‪ ،‬ميكن أن‬ ‫‪52‬‬

‫نذكرها بإيجاز كما يلي‪:‬‬ ‫تخفيض عدد السفارات والقنصليات واملكاتب‬ ‫املتخصصة في اخلارج‪ ،‬طرح مجموعة من أراضي‬ ‫اإلسكان املرفقة لبيعها للمصريني العاملني باخلارج‪،‬‬ ‫طرح شهادات إيداع بالدوالر للمصريني العاملني‬ ‫باخلارج‪ ،‬على أن تكون ذات سعر فائدة مميز‪ ..‬الخ‪.‬‬ ‫ثاني عشر‪ :‬يبقى بعد كل ذلك‪ ،‬بل قبل كل ذلك‪،‬‬ ‫العمل على استعادة األمن واألمان واالستقرار‬ ‫السياسي‪ ،‬ألن هذه األمور تعتبر الشرط الضروري‬ ‫لتحقيق االنطالقة االقتصادية‪.‬‬ ‫وفي خضم احلديث عن "مستقبل االقتصاد املصري"‪،‬‬ ‫يتساءل الكثيرون عن النظام االقتصادي الذي سوف‬ ‫تتبعه مصر‪ :‬هل هو النظام الرأسمالي احلر؟ أم هو‬ ‫النظام االشتراكي؟‬ ‫الواقع أن اإلجابة عن هذا السؤال‪ ،‬تستدعى اإلشارة‬ ‫إلى آراء االقتصادي األميركي ميلتون فريد مان‪،‬‬ ‫الذي كان يتحدث دائما في السنوات األخيرة عن‬ ‫الرخاء الذي سوف ينعم به العالم‪ ،‬حينما يتم اتباع‬ ‫توصياته عن سحر السوق احلرة‪ .‬كما يستدعى األمر‬ ‫كذلك أن نشير إلى آراء مارغريت تاتشر رئيسة وزراء‬ ‫بريطانيا السابقة مع رونالد ريغان رئيس الواليات‬ ‫املتحدة األسبق في الثمانينات من القرن املاضي‪،‬‬ ‫حيث طالبا بالعودة إلى آراء آدم سميث عن اليد‬ ‫اخلفية‪ ،‬وضرورة تطبيق اخلصخصة وإزالة السدود‬ ‫من أمام رجال البنوك‪ .‬كما نشير أيضا إلى كتاب‬ ‫فرانسيس فوكوياما املفكر األميركي الذي أعلن‬ ‫للعالم في التسعينات من القرن املاضي في كتابه‬ ‫الشهير "نهاية التاريخ" أن التاريخ قد بلغ نهايته‪،‬‬ ‫حيث انتصرت الرأسمالية‪.‬‬ ‫ولكن منذ أواخر التسعينات من القرن املاضي‪،‬‬ ‫وقعت أحداث كثيرة أثبتت فشل نظام االقتصاد‬ ‫احلر‪ ..‬ونشير في هذا الصدد إلى حركات االحتجاج‬ ‫املناهضة للرأسمالية في مدينة سياتل األميركية‬ ‫في ‪ 2007‬حيث قامت مظاهرات ضخمة ضد مؤمتر‬ ‫املنظمة العاملية للتجارة‪ ..‬كذلك في عام ‪2000‬‬ ‫شهدت مدينة واشنطن مظاهرات ضخمة ضد‬ ‫االجتماع السنوي لصندوق النقد الدولي والبنك‬ ‫الدولي‪ ..‬وبعد ذلك شهدت العديد من الدول األوروبية‬ ‫مظاهرات ضخمة ضد فشل نظام االقتصاد احلر‬ ‫في حل املشاكل االقتصادية‪ ،‬وبصفة خاصة عدم‬

‫العدالة في توزيع الدخل القومي‪.‬‬ ‫وفي سبتمبر (أيلول) ‪ 2008‬بدأت أزمة انهيار النظام‬ ‫املالي العاملي في الواليات املتحدة‪ ،‬ومنها إلى بقية‬ ‫دول العالم‪ ..‬كذلك شهد عام ‪ 2011‬مظاهرات‬ ‫ضخمة في معظم دول العالم‪ ،‬تطالب بتحقيق‬ ‫العدالة االجتماعية واالقتصادية‪ ،‬وتندد بالرأسمالية‪.‬‬ ‫ونعود اآلن إلى السؤال الذي طرحناه عن النظام‬ ‫االقتصادي‪ ،‬الذي سوف تتبعه مصر؟‬ ‫األمر املؤكد أن مصر لن تعود إلى النظام االشتراكي‪،‬‬ ‫الذي سبق أن طبقته خالل الستينات من القرن‬ ‫املاضي‪ ،‬والذي ثبت فشله متاما‪ .‬ومن املؤكد أيضا أن‬ ‫مصر لن تستمر في تطبيق النظام الفاسد الذي كان‬ ‫سائدا قبل ثورة ‪ 25‬يناير ‪.2011‬‬ ‫إن النظام االقتصادي الذي سوف تطبقه مصر‪ ،‬سوف‬ ‫يكون نظام االقتصاد احلر االجتماعي‪.‬‬ ‫وهذا النظام يقوم على أساس احلرية االقتصادية‬ ‫املنضبطة‪ ،‬والقطاع اخلاص غير املنفلت‪ ،‬ورجال‬ ‫األعمال الشرفاء‪ ،‬مع االحتفاظ للحكومة بدور‬ ‫إشرافي ورقابي ملنع املمارسات االحتكارية الضارة‪،‬‬ ‫ومنع الغش التجاري والصناعي‪ ،‬ومنع التهرب‬ ‫الضريبي‪ ..‬الخ‪ ،‬والعمل على حتقيق العدالة‬ ‫االجتماعية‪.‬‬ ‫وهكذا نرى أن مصر تسير مع معظم دول العالم‪،‬‬ ‫في ربوع بساتني الدميقراطية وحدائق العدالة‬ ‫االجتماعية‪.‬‬ ‫وختاما‪ ،‬نقول إن الشعب املصري الذي احتد قدميا‬ ‫واستطاع طرد الهكسوس والفرس والفرجنة‬ ‫واملغول‪ ،‬والذي استطاع أن يواجه بكل شجاعة‬ ‫حملة نابليون وحملة فريزر‪ ،‬والذي استطاع أن يلقن‬ ‫إسرائيل درسا لم ولن تنساه في أكتوبر ‪ ،1973‬هذا‬ ‫الشعب العظيم الذي استطاع إزاحة نظام فاسد‬ ‫استمر ثالثة عقود في ‪ 25‬يناير ‪ ،2011‬ال شك أن‬ ‫هذا الشعب قادر على اجتياز املرحلة االنتقالية‪ ،‬مبا‬ ‫فيها من مشاكل وصعوبات‪ ،‬ولكن ذلك يحتاج إلى‬ ‫مزيد من العمل واجلهد واإلنتاج‪ ،‬وتغيير كثير من‬ ‫السلوكيات‪ ،‬واستعادة القيم واملثل العليا األصيلة‬ ‫للشعب املصري >‬ ‫تضاعف عدد االضرابات واالعتصامات بعد الثورة‬


‫املاضية‪ ،‬فعلى سبيل املثال توقف نزف احتياطي‬ ‫النقد األجنبي لدى البنك املركزي املصري خالل شهر‬ ‫ابريل (نيسان) املاضي‪ ،‬بل وحقق زيادة قدرها مائة‬ ‫مليون دوالر‪ ،‬كذلك انخفض الدين اخلارجي مبقدار‬ ‫ملياري دوالر خالل نفس الشهر‪ ،���وكذلك حدثت زيادة‬ ‫ملموسة في عدد الشركات االستثمارية‪ ،‬التي مت‬ ‫تأسيسها خالل الربع األول من العام احلالي‪.‬‬ ‫والسؤال الذي يطرح نفسه اآلن هو‪ :‬كيف ميكن‬ ‫مواجهة املشاكل الضخمة‪ ،‬التي يواجهها االقتصاد‬ ‫املصري‪ ،‬والتي أشرنا إليها بالتفصيل في بداية هذا‬ ‫املقال؟‪ ..‬وبعبارة أخرى‪ ،‬ما هي السياسات التي يجب‬ ‫اتباعها واإلجراءات التي يلزم اتخاذها حتى تتحقق‬ ‫انطالقة االقتصاد املصري؟‬

‫تطور الدعم خالل الفترة‬ ‫‪2012/2011: 2006/2005‬‬ ‫السنة‬ ‫‪2006/2005‬‬ ‫‪2007/2006‬‬ ‫‪2008/2007‬‬ ‫‪2009/2008‬‬ ‫‪2010/2009‬‬ ‫‪2011/2010‬‬ ‫‪2012/2011‬‬

‫الدعم (مليار جنيه)‬ ‫‪68,9‬‬ ‫‪58,5‬‬ ‫‪92,4‬‬ ‫‪127,1‬‬ ‫‪103‬‬ ‫‪123‬‬ ‫‪157,754‬‬

‫املصدر‪ :‬البنك املركزي املصري ـ التقرير السنوي ـ أعداد متفرقة‬

‫ثانيا‪ :‬ترشيد النفقات العامة للجهاز اإلداري للدولة‪،‬‬ ‫وال سيما ما يتعلق بالسيارات احلكومية والسفر‬ ‫للخارج ومكافآت املستشارين‪ ..‬الخ‪.‬‬

‫ميكن تلخيص أهم هذه السياسات واإلجراءات‬ ‫فيما يلي‪:‬‬ ‫أوال‪ :‬تطوير النظام الضريبي‪ ،‬وذلك عن طريق العودة‬ ‫إلى نظام الضريبة التصاعدية على الدخل (من دون‬ ‫مبالغة حتى ال يتأثر االستثمار) وزيادة حد اإلعفاء من‬ ‫ضريبة كسب العمل‪ ،‬وتطبيق الضريبة العقارية (بعد‬ ‫تعديل القانون) ووضع خطة محكمة حملاربة التهرب‬ ‫الضريبي‪ ،‬وكذلك إعطاء حوافز لتحصيل املتأخرات‬ ‫الضريبية (تصل إلى حوالي ‪ 60‬مليار جنيه)‪.‬‬

‫كما يستدعى األمر أيضا في هذا اجملال‪ ،‬حتويل بعض‬ ‫االعتمادات من بنود ميكن تأجيلها إلى بنود عاجلة‪،‬‬ ‫ويكفى أن نذكر هنا مثاال ً واحدا ً وهو ضرورة تأجيل تطوير‬ ‫الطريق الصحراوي‪ ،‬القاهرة ـ اإلسكندرية‪ ،‬وتخصيص‬ ‫املليارات اخملصصة له لتطوير املناطق العشوائية‪.‬‬

‫وباإلضافة إلى ذلك‪ ،‬ميكن بعد سنة على األقل‪ ،‬فرض‬ ‫ضريبة على األرباح الناجتة من املعامالت قصيرة األجل‬ ‫في البورصة املصرية‪ ،‬كذلك تطبيق ضريبة القيمة‬ ‫املضافة‪ ،‬بدال من ضريبة املبيعات‪.‬‬

‫ثالثا‪ :‬إعادة هيكلة نظام األجور واملعاشات‪ .‬وفي‬ ‫هذا الصدد فالبد من رفع احلد األدنى لألجور جلميع‬ ‫العاملني في احلكومة والقطاع العام والقطاع‬ ‫اخلاص إلى ‪ 1000‬جنيه شهرياً‪ ،‬مع إعادة النظر في‬

‫هذا الرقم سنويا ً لزيادته في حدود معدل التضخم‪،‬‬ ‫كما يستدعى األمر أيضا‪ ،‬وضع حد أقصى لألجور‬ ‫الشاملة في اجلهاز اإلداري للدولة فقط‪ ،‬ويقترح أن‬ ‫يكون في حدود ‪ 35‬ألفا‪ ،‬هذا عالوة على ضرورة زيادة‬ ‫املعاشات ووضع حد أدنى للمعاش‪ ،‬بحيث ال يقل عن‬ ‫‪ 50‬في املائة من احلد األدنى لألجور‪ ،‬مع تطبيق نظام‬ ‫إلعانة البطالة‪.‬‬ ‫رابعا‪ :‬اإلسراع في عالج مشكلة الدعم الذي جتاوز‬ ‫‪ 150‬مليار جنيه في السنة والذي يذهب جزء كبير‬ ‫منه إلى غير مستحقيه من ذوي الدخل املرتفع‬ ‫وكذلك إلى الوسطاء‪.‬‬ ‫ونالحظ اآلتي‪:‬‬ ‫بدأ الدعم في مصر عام ‪ 1945‬مببلغ مليوني جنيه فقط‪.‬‬ ‫الزيادة الكبيرة في اعتمادات الدعم ابتداء من موازنة‬ ‫‪.2006/2005‬‬ ‫وذلك يرجع إلى ظهور دعم املنتجات البترولية في‬ ‫املوازنة العامة للدولة ألول مرة‪ ،‬ابتداء من ذلك العام‪.‬‬ ‫إن عالج مشكلة الدعم سيعمل على حتقيق العدالة‬ ‫االجتماعية‪ ،‬وتخفيض عجز املوازنة العامة للدولة‪،‬‬ ‫كما سيسمح حملدودي الدخل باحلصول على السلع‬ ‫املدعمة بسهولة ويسر وكرامة‪ .‬وعالج مشكلة‬ ‫الدعم يختلف من سلعة ألخرى‪ ،‬فعلى سبيل‬ ‫املثال ميكن اتباع نظام الكوبونات بالنسبة للبوتاجاز‬ ‫والبنزين‪ ،‬وميكن إلغاء دعم الطاقة عن الصناعات‬

‫موظفو احلكومة يستغيثون‬

‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫‪51‬‬


‫اقتصاد‬

‫مستقبل االقتصاد املصري‬

‫شهدت مصر في ‪ 25‬يناير (كانون الثاني) ‪ ،2011‬ثورة سلمية قام بها مجموعة من الشباب‪ ،‬وقامت بحمايتهم ومساندتهم‬ ‫القوات املسلحة املصرية‪ ،‬وأيدها الشعب املصري‪ ،‬وكان الهدف من هذه الثورة‪ ،‬حتقيق الدميقراطية والقضاء على الفساد‬ ‫إلى جانب حتقيق العدالة االجتماعية‪.‬‬ ‫علي لطفي‬

‫وقد حدث بعد قيام الثورة انفالت أمني‪ ،‬كما كثرت‬ ‫املطالب الفئوية‪ ،‬وانتشرت املليونيات التي تبدأ‬ ‫سلمية‪ ،‬ولكنها لألسف تنتهي دموية‪.‬‬ ‫وقد كان من الطبيعي إزاء ذلك أن يتأثر االقتصاد‬ ‫املصري‪ .‬وبالفعل فقد تزايد العجز في امليزان التجاري‪،‬‬ ‫كما حتول فائض ميزان املدفوعات إلى عجز‪ ،‬وكذلك‬ ‫تزايد عجز املوازنة العامة للدولة‪ ،‬أما اإلنتاج الصناعي‬ ‫فقد اجته نحو التناقص‪ ،‬حيث أغلق عدد كبير من‬ ‫املصانع‪ ،‬وحققت البورصة املصرية خسائر فادحة‪،‬‬ ‫عالوة على تزايد الدين العام الداخلي واخلارجي‪ ،‬كما‬ ‫يوضحه اجلدوالن "‪ "1‬و"‪ "2‬كاآلتى‪:‬‬ ‫الدين العام احمللي وتطوره خالل الفترة ‪2010/2004‬‬ ‫السنة‬ ‫‪2004‬‬ ‫‪2005‬‬ ‫‪2006‬‬ ‫‪2007‬‬ ‫‪2008‬‬ ‫‪2009‬‬ ‫‪2010‬‬

‫(مليار جنيه)‬ ‫‪42,6‬‬ ‫‪50,5‬‬ ‫‪58,8‬‬ ‫‪63,1‬‬ ‫‪65,8‬‬ ‫‪75,6‬‬ ‫‪88,9‬‬

‫املصدر‪ :‬الكتاب اإلحصائي السنوي‪ ،‬اجلهاز املركزي للتعبئة العامة‬ ‫واإلحصاء ـ القاهرة‪ 2011 ،‬ـ ص ‪236‬‬ ‫األرصدة في نهاية يونيو (حزيران) من كل سنة‬

‫‪50‬‬

‫كل ذلك‪ ،‬باإلضافة إلى تناقص بل تآكل احتياطي‬ ‫النقد األجنبي لدى البنك املركزي املصري‪ ،‬وانخفاض‬ ‫سعر صرف اجلنيه‪ ،‬وانخفاض عدد الشركات‬ ‫االستثمارية التي مت تأسيسها‪.‬‬ ‫وقد سجل معدل التضخم ارتفاعا‪ ،‬وكذلك معدل‬ ‫البطالة‪ ،‬كما تزايدت األحكام النهائية الصادرة‬ ‫تطور إجمالي الدين العام اخلارجي‬ ‫خالل الفترة ‪2010/2000‬‬ ‫السنة‬ ‫‪2000‬‬ ‫‪2001‬‬ ‫‪2002‬‬ ‫‪2003‬‬ ‫‪2004‬‬ ‫‪2005‬‬ ‫‪2006‬‬ ‫‪2007‬‬ ‫‪2008‬‬ ‫‪2009‬‬ ‫‪2010‬‬

‫(مليار جنيه)‬ ‫‪27,8‬‬ ‫‪26,6‬‬ ‫‪28,7‬‬ ‫‪29,4‬‬ ‫‪30‬‬ ‫‪29‬‬ ‫‪29,6‬‬ ‫‪30‬‬ ‫‪33,9‬‬ ‫‪31,5‬‬ ‫‪33,7‬‬

‫املصدر‪ :‬الكتاب اإلحصائي السنوي‪ ،‬اجلهاز املركزي للتعبئة العامة‬ ‫واإلحصاء ـ القاهرة‪ 2011 ،‬ـ ص ‪.238‬‬

‫مبحاكم االستئناف عن حاالت اإلفالس لألفراد‬ ‫والشركات‪ .‬وفي ظل الغياب األمني انتشرت حاالت‬ ‫التعدي على األراضي الزراعية‪ ،‬سواء بإقامة املباني‬ ‫عليها أو جتريفها‪ .‬وعالوة على ذلك فقد استغلت‬ ‫مافيا البناء حالة االنفالت األمني‪ ،‬وأسرعت بالبناء‬ ‫من دون تراخيص‪ ،‬والتعلية اخملالفة‪ ،‬وهدم الفيالت‬ ‫بدون ترخيص‪ ،‬وإقامة أبراج مكانها‪ .‬وكان من أبرز اآلثار‬ ‫السيئة على االقتصاد املصري‪ ،‬تخوف املستثمرين‬ ‫العرب واألجانب‪ ،‬ومحاولتهم البحث عن جهات‬ ‫استثمارية أكثر أمنا ً واستقرارا ً‪ .‬وكان من الطبيعي أن‬ ‫تنخفض السياحة‪ ،‬سواء في عدد السياح أو اإليرادات‬ ‫السياحية أو الليالي السياحية‪ .‬وقد انعكس كل‬ ‫ما سبق على تصنيف مصر االئتماني‪ ،‬حيث قامت‬ ‫املؤسسات الدولية املتخصصة بتخفيضه أربع مرات‬ ‫في الشهور القليلة املاضية‪.‬‬ ‫وال نستطيع أن نقول إن الثورة املصرية هي املسؤولة‬ ‫عن هذه األوضاع االقتصادية السيئة‪ ،‬وإمنا املسؤول‬ ‫عنها ـ كما سبق أن أشرنا ـ االنفالت األمني‪ ،‬وكثرة‬ ‫املطالبات الفئوية‪ ،‬واملليونيات املشار إليها آنفا‪.‬‬ ‫والسؤال الذي يطرح نفسه اآلن‪ :‬كيف ميكن مواجهة‬ ‫هذه املشاكل االقتصادية الضخمة؟‪ ..‬وبعبارة أخرى‬ ‫ما هو مستقبل االقتصاد املصري؟‬ ‫الواقع أن مستقبل االقتصاد املصري واعد وزاهر‪.‬‬ ‫والدليل على ذلك التحسن الذي بدأ يطرأ على‬ ‫بعض املؤشرات االقتصادية‪ ،‬خالل األسابيع القليلة‬


‫العدد ‪ ،1572‬مايو‪ /‬أيار ‪2012‬‬

‫‪11‬‬


‫نقص في الفهم‪ ..‬نقص في االستشعار‬ ‫هل فشلت العلوم السياسية في فضائنا العربي في التعاطي مع أحداث الربيع العربي؟‬ ‫اإلجابة عن السؤال من خالل قراءاتي هو بالنفي‪ .‬فالذي فشل هو استجابة األنظمة للتحديات التي كانت بارزة على السطح السياسي‪.‬‬

‫د‪ .‬محمد غامن الرميحي‬ ‫أول ما يتبادر الى الذهن لإلشارة الى نقص‬ ‫في الفهم واالستشعار‪ ،‬قول الرئيس السابق‬ ‫في مصر حسني مبارك ملا عرف أن املعارضة‬ ‫املصرية ‪ -‬على ضعفها ‪ -‬قررت أن تنشئ‬ ‫«برملانا موازيا» بعد اكتساح حزبه النتخابات‬ ‫عام ‪ ،2010‬مستهزئا على املأل «خليهم‬ ‫يتسلوا» أما أشهر العبارات التي سوف تبقى‬ ‫للتاريخ في توصيف العمى السياسي فهو‬ ‫قول معمر القذافي «من انتم من انتم» في‬ ‫استنكار شديد ملا يحدث في أول االنتفاضة‬ ‫في ليبيا غير مصدق ملا يرى ويسمع‪ .‬كما‬ ‫سوف تبقى ايضا في التاريخ عبارة الرئيس‬ ‫التونسي السابق زين العابدين بن علي عندما‬ ‫قال «انا فهمتكم انا فهمتكم»‪ ،‬مثل هذه‬ ‫األقوال واملواقف تدل داللة قاطعة على انقطاع‬ ‫كامل بني اإلدارة السياسية العليا في بلداننا‬ ‫العربية‪ ،‬وبني الشعب وقواه احلية‪ ،‬والتطلعات‬ ‫التي كانت تتفاعل في القاع‪ ،‬وكان يكتب‬ ‫عنها في الداخل واخلارج يوميا‪.‬‬ ‫هل نتذكر مقالة ابراهيم عيسى املشهورة‬ ‫«انك مليت» في إشارة الى الرئيس السابق‬ ‫حسني مبارك‪ ،‬وعشرات املقاالت املباشرة وغير‬ ‫املباشرة‪.‬‬ ‫ليس لدي أدنى شك ان هناك من الكتابات‬ ‫واألقوال واملناقشات واحملاضرات والندوات ما‬ ‫ناقش األوضاع العربية «املريضة» ومنذ سنوات‪،‬‬ ‫وحذر من مغبة اهمالها‪.‬‬ ‫كتب مثل كتاب «أوجاع املصريني» خلليل‬ ‫فاضل‪ ،‬الذي صدر قبل قبل ثورة يناير‪ ،‬أو رواية‬ ‫مثل رواية «هلتون» للصحافي املصري سامي‬ ‫كمال الدين‪ ،‬وعدد من الكتب والدراسات التي‬ ‫كانت تتنبأ بأن ما هو قائم ال ميكن أن يدوم‪ ،‬بل‬ ‫ان بعضها حتدث عن الثورة كما جاءت بعد ذلك‬ ‫تقريبا‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫لذلك فإن ما تعلمناه في العلوم السياسية‬ ‫واالجتماعية‪ ،‬كان يحذر‪ ،‬وبشكل شبه دائم‪،‬‬ ‫من أن اجملتمع العربي‪ ،‬وخاصة في دول الكثافة‬ ‫السكانية‪ ،‬ال ميكن أن تدوم األوضاع فيه‪ ،‬كما‬ ‫هي عليه من نقص فاضح في عدم االهتمام‬ ‫مبشكالته الهيكلية‪.‬‬

‫خالقة الحتواء مطالب الناس‪.‬‬ ‫عادة يرى علماء االجتماع أن التغيرات التي‬ ‫تصيب اجملتمع حتركها حزمة مشتركة من‬ ‫العناصر تتراكم تدريجيا حتى تصل الى‬ ‫مرحلة االشباع‪ ،‬ثم تتفجر في وجه اجلميع‪،‬‬ ‫ان لم جتد لها مسارب لتخفيف االحتقان‪،‬‬ ‫وتتراكم التوترات عادة ألسباب اقتصادية‬ ‫واجتماعية وثقافية‪ ،‬وعندما تصل الى حد‬ ‫التراكم الكبير تتحول من كمية الى نوعية‪،‬‬ ‫تلك قواعد يعرفها علماء االجتماع ويحذروا‬ ‫منها‪ ،‬وعندما ال جتد آذانا صاغية حتت مخدر‬ ‫السلطة أو مخدر املال‪ ،‬ال يشعر بها من ال‬ ‫يتأثر بها من أهل السلطة اال بعد فوات األوان‪.‬‬

‫«��ورة الياسمني» في تونس‪ ،‬قيل إن مصر‬ ‫مختلفة‪ ،‬وملا اندلعت الثورة في مدن مصر‬ ‫وميادينها‪ ،‬قيل في سوريا انها مختلفة وهكذا‪،‬‬ ‫بل إني أرى أن «تداعيات ربيع العرب» سوف تصل‬ ‫الى املناطق العربية‪ ،‬التي ترى أنها اآلن آمنة‪،‬‬ ‫إذا لم تتخذ خطوات سياسية فعالة الحتواء‬ ‫ما تفرزه التناقضات االقتصادية واالجتماعية‬ ‫في تلك اجملتمعات‪ ،‬وما تتركه وسائل االتصال‬ ‫احلديثة من تأثير بني طبقات اجملتمع‪.‬‬

‫أرى أن تداعيات الربيع العربي سوف تبقى معنا‬ ‫لفترة غير وجيزة‪ ،‬وسوف تؤثر تأثيرا عميقا في‬ ‫اجلوار‪ ،‬وقد يتعدى اجلوار حتى احلدود العربية‪،‬‬ ‫لينتقل الى اجلوار االقليمي‪.‬‬

‫هناك عدد كبير من املشتغلني في العلوم‬ ‫السياسية واالجتماعية العربية‪ ،‬حذروا بوضوح‬ ‫من تفجر البركان‪ ،‬بعض احلكومات استجابت‬ ‫على حياء ملتطلبات الناس‪ ،‬وبعضهم صرف‬ ‫النظر عن تلك املطالب حتت شعار «احنا غير»‬ ‫لقد قيل ذلك في مصر عندما اندلعت‬

‫هناك بالد عربية مرشحة لنوع من «ربيع‬ ‫العرب» يكاد املرء يذكرها باالسم‪ ،‬فمثال‬ ‫اجلزائر ليست بعيدة عن الدخول في صراع‬ ‫داخلي‪ ،‬خاصة بعد حديث التزوير في االنتخابات‬ ‫األخيرة‪ ،‬وهناك مطالب شعبية في بعض دول‬ ‫اخلليج‪ ،‬ال تطالب بتغيير األنظمة‪ ،‬ولكنها‬ ‫بالتأكيد تطالب باإلصالح السريع في البنى‬ ‫السياسية واالقتصادية‪ ،‬وقد ظهرت بوادرها في‬ ‫أكثر من مكان‪ ،‬كما أن املغرب والعراق واألردن‪ ،‬من‬ ‫بني دول أخرى ال يستبعد أن تصلها ارتدادات ربيع‬ ‫العرب‪ ،‬ألن القماشة االجتماعية االقتصادية‬ ‫حتتاج الى تغيير‪ ،‬عما هي عليه‪ ،‬وايجاد مبادرات‬

‫ال يوجد لدينا حتى اآلن «عقول» أو آليات في‬ ‫السلطة تُعني بنتائج الدراسات االستراتيجية‪،‬‬ ‫التي تتوقع التغيير وتضع احللول الستيعابها‪،‬‬ ‫مازال العمل السياسي العربي «تقليديا» إن‬ ‫صح القول‪ ،‬ومتأثرا بردود الفعل وباالستجابة‬ ‫التقليدية البطيئة لقضايا غير تقليدية‬ ‫يعايشها اجملتمع العربي في اكثر من مكان‪،‬‬ ‫وعلى اكثر من رقعة‪.‬‬ ‫من السهل اليوم أن يراجع اخملتص أصواتا عربية‪،‬‬ ‫حذرت مبكرا من خالل دراسات موضوعية مما‬ ‫هو قادم وسببه اخللل االجتماعي السياسي‬ ‫العميق‪ ،‬وبالتالي لم تفشل في تقديري‬ ‫الدراسات السابقة من قرع جرس االندار‪ ،‬الذي‬ ‫فشل ان صوت ذلك اجلرس العالي‪ ،‬وقع على‬ ‫آذان في السلطة أصابها الصمم‪ ،‬فال تسمع اال‬ ‫الطنني >‬


‫مسيحية‪ ،‬ولديهم اسماء معروفة وتضحيات كبيرة‬ ‫ودخلوا السجون واملعتقالت لسنوات طويلة معروفة‬ ‫لدى اجلميع»‪.‬‬ ‫وعزا سبب تخلف املسيحيني عن االنخراط في الثورة‬ ‫الى «الكنيسة املسيحية‪ ،‬فهي مثل العديد من‬ ‫مؤسسات اجملتمع‪ ،‬لم تكن واثقة بأن الثورة عميقة‬ ‫لدرجة انها ذاهبة الى النصر‪ ،‬ولدرجة استمراريتها‪،‬‬ ‫لذلك ففي األسبوع األول عندما خرجت مظاهرات‬ ‫الكل كان يتساءل‪ :‬هل ستخرج في األسبوع الثاني‪،‬‬ ‫وعندما خرجت في الشهر األول قالوا‪ :‬هل سيتكرر‬ ‫خروجها في الشهر الثاني»‪.‬‬ ‫كما اشار الى أنه «كانت هناك تصريحات ايجابية‬ ‫كبيرة لبطاركة الكنائس اخملتلفة االرثودكسية‬ ‫والكاثوليكية»‪.‬‬ ‫ولفت الى أن عددا من البطارنة ورجال الدين «بدؤوا‬ ‫يعبرون عن قلقهم مما يجري‪ ،‬وان العنف بلغ حدا شديدا‪،‬‬ ‫النهم اكتشفوا انه ال امل الستمرار النظام‪ ،‬وانه قد‬ ‫انتهى فعال‪ ،‬وخالل هذه الثورة لم جتر أي حادثة طائفية‬ ‫ضد املسيحيني او غيرهم «‪.‬‬ ‫ونفى ان يكون هناك تسجيل ألي اعتداء من قبل‬ ‫الثوار للمسيحيني وقال «من يستطيع ان يسجل‬ ‫ان مسيحيا ضرب على اساس الثورة والثوار‪ ،‬أو جرى‬ ‫االعتداء عليهم او على ممتلكاتهم‪ ،‬وهذا مثل صارخ!‬ ‫من ميكنه ان يقدم امثلة في ادلب في حمص في حماة‬ ‫عن اي اذية حلقت مبسيحي واحد؟ اياد الثورة نظيفة‬ ‫جدا لدرجة انها كانت تتحدى آالمها وتقول الشعب‬ ‫السوري واحد واحد»‪.‬‬ ‫وذكر أن «االب باولو عندما حاولت السلطات اخراجه‬ ‫قصرا من البالد‪ ،‬ألنه قال كلمة احلق‪ ،‬رفع اهل حماة‬ ‫الصليب بأيدهم وقالوا باولو انت منا ال تخرج هذا‬ ‫املنظر ال ينساه الناس رفع املسلمون في حماة‬ ‫الصليب ليقولوا ياباولو انت معنا ومنا هذه حقيقة‬ ‫الثورة السورية ومن بقي لديه مخاوف فهو انسان يريد‬ ‫ان يقبع في أوهامه هو انه منتفع من االستبداد‪ ،‬يريد‬ ‫االستبداد ان يستمر»‪.‬‬ ‫واكد ان «الثورة هي ثورة اجلميع‪ ،‬وكل يوم تتقدم فيه‬ ‫لالمام تكسب من هذه الفئات الصامتة املترددة او التي‬ ‫يجري تخويفها يوميا‪ ،‬وقد ارتكب النظام بعض اجملازر‬ ‫من أجل تخويف االقليات خصوصا‪ ،‬ومن اجل تخويف‬ ‫املسيحيني بشكل أخص»‪.‬‬ ‫وعن مدى تأثير تفضيل بعض النخب املسيحية‬ ‫الذهاب مع «هيئة التنسيق»‪ ،‬على اعتباره اكثر‬ ‫علمانية‪ ،‬و»اجمللس الوطني» فيه ثقل اخواني‪ ،‬قال‬ ‫«الشعار السياسي للمجلس الوطني مثل الهيئة‬ ‫يريد‪ ..‬دولة مدنية دميقراطية تعددية ال فرق بينهما‬ ‫اما اذا كان للبعض ان الذهاب الى هيئة التنسيق فهو‬ ‫اقل كلفة من طرف النظام فهذا ميكن ان يفهم في‬ ‫هذا االطار‪ ،‬امنا مسألة التخوف بالعكس ان الهيئة‬ ‫مقبولة لدى النظام‪ ،‬وعلى كل حال هيئة التنسيق‬ ‫معارضة ايضا‪ ،‬والناس ذاهبون الى املعارضة‪ ،‬ويريدون‬ ‫وضع نهاية ملعاناتهم من نظام استبدادي اكثر من‬ ‫اربعة عقود» >‬ ‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫‪4747‬‬


‫عبد احلكيم بشار سكرتير احلزب الدميقراطي الكردي‬ ‫في سوريا‪ ،‬وعقب مشاركته ضمن وفد زار وشنطن‬ ‫منتصف الشهر الفائت أكد أن «غالبية االكراد يؤيدون‬ ‫التغيير في سوريا‪ ،‬واملظاهرات في املناطق الكردية هي‬ ‫اكثر تنظيما وحجما‪ ،‬مقارنة مع املناطق األخرى»‪.‬‬ ‫وحول مطالب األكراد قال مسؤول العالقات اخلارجية‬ ‫في اجمللس الوطني الكردي «ان لالكراد مطالب وطنية‬ ‫تتعلق مبستقبل سوريا‪ ،‬وهناك مطالب تتعلق بكيفية‬ ‫حل القضية الكردية وتنطلق من حقيقة تاريخية‬ ‫وجغرافية‪ ،‬نحن موجودون على االرض‪ ،‬هناك شعب‪ ،‬لذا‬ ‫يجب ان تقر املعارضة في دستور سوريا اجلديد بشرعية‬ ‫وجود الشعب الكردي في سوريا‪ ،‬النقطة الثانية هو‬ ‫البحث عن حل دميقراطي للقضية الكوردية‪ ،‬بالنسبة‬ ‫لنا املرجعية هي حق تقرير املصير»‪.‬‬ ‫وقال‪« :‬نطالب بالالمركزية ليس فقط في املناطق‬ ‫الكردية‪ ،‬الالمركزية السياسية نطالب بها من اجل‬ ‫جميع املكونات‪ ،‬فالنظام على مدى اربعني عاما‪ ،‬عمل‬ ‫على تفكيك الشعب السوري ونزع الثقة بني املكونات‪ ،‬اذا‬ ‫حصلنا على المركزية سياسية ودولة علمانية واملساواة‬ ‫بني الرجل واملرأة وحرية االديان والعقائد دستوريا‪ ،‬فهي‬ ‫احدى الرسائل التي من خاللها ميكن طمأنة جميع‬ ‫املكونات بأن حقوقها ستكون مصانة بعد امتام عملية‬ ‫التغيير‪ ،‬فالالمركزية السياسية هي الضمانة الوحيدة‬ ‫لتحقيق االستقرار بعد السقوط »‪.‬‬ ‫وكشف عن أن «واشنطن أبدت ارتياحها لرؤى االكراد»‪.‬‬ ‫اال ان املعارضة الكردية ال تبدو أحسن حاال من املعارضة‬ ‫العربية‪ ،‬رغم االلتزام من قبل االطاريني السياسيني‬ ‫االكثر تأثيرا في الشارع الكردي بالتزام الهدنة االعالمية‪،‬‬ ‫التي غالبا تخترقها تصريحات واتهامات متبادلة‪ ،‬من‬ ‫قبيل العمل وفق اجندات تركية أو ورقة بيد النظام‬ ‫السوري‪.‬‬ ‫واشاد عبد احلكيم بشار مبواقف رئيس اقليم كردستان‬ ‫مسعود بارزاني قائال ان «رئيس اقليم كردستان مواقفه‬ ‫جتاه الثورة السورية مختلفة عن احلكومة العراقية‪،‬‬ ‫املتمثلة برئيس الوزراء العراقي نوري املالكي والداعمة‬ ‫للنظام السوري‪ ،‬بينما بارزاني داعم للثورة السورية‪،‬‬

‫ويؤيد قيام نظام دميقراطي في سوريا»‪.‬‬ ‫وبحسب مراقبني فإن األكراد ينقسمون بني قيادات‬ ‫اقليم كردستان وزعيم حزب العمال الكردستاني‬ ‫عبداهلل اوجالن‪ ،‬رغم وجود حراك شبابي عبر العديد‬ ‫من التنسيقيات التي تنسق بشكل مباشر مع‬ ‫التنسيقيات العربية‪.‬‬ ‫وبهذا اخلصوص اكد عبد احلكيم ان واشنطن لم تبد‬ ‫مخاوفها من حراك (حزب االحتاد الدميقراطي) جناح‬ ‫حزب العمال الكردستاني في سوريا‪ ،‬وقال انه «خالل‬ ‫حواراتنا مع االميركان لم يتم التطرق الى حزب العمال‬ ‫الكردستاني‪ ،‬حتدثنا عن اجمللس الوطني الكردي في‬ ‫كيفية اسقاط النظام‪ ،‬وما يهمنا انه وفق رؤانا فإنه في‬ ‫املرحلة االنتقالية سنتفادى الوقوع في حرب اهلية «‪.‬‬ ‫من جهته نفى رئيس حزب االحتاد الدميقراطي (‪)PYD‬‬ ‫صالح مسلم محمد‪ ،‬تلك االتهامات قائال «نحن لسنا‬ ‫ورقة بيد أحد‪ ،‬وال ميكن أن نكون ورقة ضغط على أحد»‪.‬‬ ‫وحزب االحتاد الدميقراطي‪ ،‬لم يعلق عضويته في هيئة‬ ‫التنسيق‪ ،‬ولم ينضم كباقي االحزاب الكردية الى املؤمتر‬ ‫الوطني الكردي‪ ،‬ومن ثم توسع املؤمتر واطلق عليه‬ ‫اجمللس الوطني الكردي‪ ،‬اال ان االحتاد الدميقراطي رفض‬ ‫الدخول الى اجمللس ايضا‪.‬‬ ‫واضاف مسلم لـ»اجمللة» ان «تركيا حتاربنا في عقر دارنا‬ ‫عندما تفرض على املعارضة املقربة منها عدم االعتراف‬ ‫الدستوري بالوجود الكردي في سوريا املستقبل»‪.‬‬ ‫وشدد على أن «تركيا ليست عضوا ً في جمعية خيرية‬ ‫تقف إلى جانب ثورة الشعب السوري بكل تأكيد‪،‬‬ ‫وسياساتنا ونهجنا قد يعجب بعض األطراف ويزعج‬ ‫أطرافا ً أخرى بكل تأكيد‪ .‬ولكن ال ميكن أن نكون ورقة‬ ‫بيد أحد»‪.‬‬ ‫وقال ان «هناك اتفاقا عقد بني رئيس احلكومة التركية‬ ‫رجب طيب أردوغان وفريقه‪ ،‬مع الرئيس األميركي‬ ‫آنذاك جورج بوش االبن بتاريخ ‪ 2007 /11/5‬على أن‬ ‫يقوم الفريق األول بنشر اإلسالم السياسي في الشرق‬

‫بلغ عدد اجليش احلر‬ ‫حوالي ‪ 70‬الفا‪ ،‬بينهم‬ ‫‪ 400‬ضابط برتبة مالزم‬ ‫ومنهم ‪ 9‬ضباط برتبة‬ ‫عميد‪ ،‬وعدد الكتائب‬ ‫يفوق حاليا الـ‪ 40‬كتيبة‬ ‫والعدد قابل للزيادة‬ ‫ويعتمد على االنشقاقات‬ ‫ويوجد في حدود الـ‪6‬‬ ‫ألوية‬ ‫‪46‬‬

‫األوسط ما يتوافق مع مصالح قوى الهيمنة العاملية‪،‬‬ ‫مقابل بعض املصالح التركية‪ ،‬منها تسليم زمام‬ ‫القضية الكردية في املنطقة ألردوغان وفريقه‪ .‬مبوجب‬ ‫هذا االتفاق يبقى الدور التركي في األزمة السورية هو‬ ‫ترسيخ وتوطيد اإلسالم السياسي املتوافق مع املصالح‬ ‫الغربية في سوريا‪ ،‬وحل القضية الكردية في سوريا‪،‬‬ ‫مبا يتناسب مع تطلعات تركيا‪ ،‬أي نفي الوجود الكردي‬ ‫وعدم االعتراف الدستوري بوجودهم وحقوقهم‪ .‬وقد‬ ‫تأكد هذا الدور بشكل جلي من خالل املعطيات املتوفرة‬ ‫حتى اآلن من مجريات األحداث في سوريا»‪.‬‬ ‫املسيحيون‪ ..‬الهدف األسهل‬ ‫يثير الغرب مخاوف من وضع املسيحيني‪ ،‬ال��ين ميثلون‬ ‫الهدف األسهل في اي تغيير للمعادلة السياسية‪ ،‬وهو‬ ‫ما من شأنه أن يشكل مأساة للمسيحيني بعد ما حل‬ ‫بهم في العراق‪ ،‬ويعتبر هذا مبثابة ورقة اخرى يرميها‬ ‫النظام على طاولة مباحثات اجملتمع الدول حول احلرب‬ ‫األهلية‪.‬‬

‫واملسحيون بسوريا ليس لهم منطقة محددة‪ ،‬بل‬ ‫موزعون في جميع املدن واألرياف السورية من القامشلي‬ ‫على حدود تركيا الى درعا والسويداء على حدود األردن‬ ‫من احلدود اللبنانية والبحر املتوسط حتى احلدود‬ ‫العراقية ليست هناك محافظة وليست هناك منطقة‬ ‫ال يوجد فيها املسيحيون ويوجدون في جميع املدن‬ ‫الكبرى‪ ،‬وهناك احياء خاصة قدمية جدا موجودة في هذه‬ ‫املدن‪ ،‬ونسبة وجود املسيحيني في سوريا اآلن هي اقل‬ ‫من ‪ 10‬في املائة‪ ،‬بينما كانت قبل قرن ‪ 25‬في املائة‪،‬‬ ‫وسبب تناقص العدد يرجعه‪ ،‬املعارض املسيحي عضو‬ ‫املكتب التنفيذي باجمللس الوطني السوري جورج صبرا‪،‬‬ ‫الى نزيف الهجرة الذي جرى خالل القرن املاضي خالل‬ ‫نهاية احلكم العثماني‪ ،‬وكذلك بعد منتصف القرن‬ ‫املاضي‪ ،‬حيث وجد االستبداد اجلديد وهو استبداد نظام‬ ‫التسلط للدولة الشمولية التي بناها حافظ األسد‬ ‫وابنه بشار األسد»‪.‬‬ ‫وحول اخملاوف قال صبرا لـ»اجمللة»‪« :‬ليست هناك‬ ‫مخاوف للمسيحيني من الثورة ومن مستقبل سوريا‪،‬‬ ‫لكن النظام يعمل على اثارة هذه اخملاوف وينشرها هو‬ ‫وازالمه»‪ ،‬معبرا عن اسفه في نفس الوقت بأن الرأي‬ ‫العام الغربي في الدول األوروبية واألميركية يعزف كثيرا‬ ‫وبشكل مبالغ فيه على هذا الوتر»‪.‬‬ ‫واكد ان «املسحيني في سوريا‪ ،‬وألنهم لم يكن لهم‬ ‫على طول اخلط اية قضية خاصة لهم‪ ،‬كانوا مواطنني‬ ‫مثل بقية املواطنني لهم ما للمواطنني‪ ،‬وعليهم ما‬ ‫على املواطنني‪ ،‬وليست لديهم اية ظالمات خاصة‪،‬‬ ‫وليست لديهم اية مكاسب هناك يخشون فقدها»‪.‬‬ ‫وعبر عن استغرابه من عدم االنخراط الكبير للمسحيني‬ ‫في الثورة‪ ،‬مشيرا الى وجود قلق لدى املسيحيني‪ ،‬وان هذا‬ ‫القلق رمبا يحمله كل السوريني من املستقبل‪ ،‬لكنه‬ ‫يتبدد اكثر فاكثر مع تقدم الثورة‪.‬‬ ‫وحول مخاوف املسيحيني من سيطرة اإلخوان على‬ ‫اجمللس الوطني قال «الثورة السورية انفجرت قبل‬ ‫ان يأتي اجمللس الوطني‪ ،‬وقبل ان يبرز اي دور لالخوان‬ ‫املسلمني‪ ،‬واملسيحيون منخرطون في صفوف الثورة‬ ‫كنخب سياسية‪ ،‬هناك عدد من االحزاب‪ ،‬ونخب ثقافية‬


‫عن اعتقاده «ان قائد اجليش احلر العقيد رياض االسعد‬ ‫ومجموعته‪ ،‬ورغم الضغوط التركية التي متارس عليهم‬ ‫من قبل االخوان املسلمني‪ ،‬لن ينزلقوا الى هذا املنحدر»‪،‬‬ ‫مشيرا الى امكانية جلوء تركيا لبعض اجملموعات‬ ‫العسكرية غير التابعة جليش احلر الجناز ذلك األمر»‪،‬‬ ‫مؤكدا ان طريقة التفكير التركية‪ ،‬ال تصب في صاحلنا‬ ‫كسوريني عربا وكردا على حد سواء‪ ،‬نحن اآلن في ثورة‪،‬‬ ‫وعلينا ان نوحد جهودنا نحو هدف واحد‪ ،‬وهو رحيل هذا‬ ‫النظام‪ ،‬علينا أن ننأى بأنفسنا عن أي خالفات خارجية‬ ‫تخدم االجندات اخلارجية‪ ،‬وعندما ينزلق اجليش احلر او اي‬ ‫جهة اخرى في هكذا اجتاه‪ ،‬فهو ال يخدم الثورة‪ ،‬امنا يخدم‬ ‫أجندات خارجية»‪.‬‬ ‫وعن ازدياد التخوفات التركية من احتمال وقوع حرب‬ ‫طائفية‪ ،‬اكد ان التخوفات بدأت مع جرمية اختطاف‬ ‫املقدم حسني الهرموش‪ ،‬ومؤخرا قبل اسبوع مت االعالن‬ ‫من اجلانب التركي انه مت اعتقال خمس ضباط‪ ،‬وقيل ان‬ ‫الهرموش مت تهريبه الى االراضي السورية بحرا‪ ،‬وباالتفاق‬ ‫مع بعض الضباط العلويني في اجليش التركي»‪ ،‬وكشف‬ ‫بهذا الصدد أن «اللواء محمد ناصيف في جهاز أمن‬ ‫الدولة السوري‪ ،‬لديه معلومات عن كل الضباط االتراك‬ ‫العلويني الذين يخدمون في اجليش التركي‪ ،‬وله عالقات‬ ‫وطيدة معهم ومع الشخصيات العلوية التركية‪ ،‬أي أن‬ ‫النظام السوري لعب على الورقة الطائفية في العمق‬ ‫األمني التركي‪ ،‬وهي امتدادات تثير مخاوف االتراك‬ ‫وليس من املستبعد ان يقوم النظام السوري بتجييش‬ ‫الفئة العلوية املوجودة في تركيا»‪.‬‬ ‫ولم يستبعد وجود صفقة تركية ايرانية‪ ،‬ما يبرر دخول‬ ‫تركيا في وساطة إلطالق اخلبراء اإليرانيني‪ ،‬الذين القي‬ ‫القبض عليهم من قبل اجليش احلر‪ ،‬والكالم عن صفقة‬ ‫اخرى تركية‪ ،‬واستبعد حدوثها‪ ،‬وهي استبدال ضباط‬ ‫اتراك لدى النظام السوري بقيادات من اجليش احلر»‪.‬‬ ‫وأكد ان النظام يسعى جاهدا بكل اساليبه الى جر‬ ‫البالد الى حرب أهلية‪ ،‬التفجيرات التي حتدث في سوريا‬ ‫طريقة العنف التي تتبع مناطق محددة على اساس‬ ‫العرق والدين»‪.‬‬ ‫واخملاوف من اندالع احلرب األهلية ال يقتصر على فترة‬ ‫ما قبل السقوط‪ ،‬بل تزيد هذه اخملاوف لدى العلويني‬ ‫ملرحلة ما بعد السقوط‪ ،‬ألسباب منها تبعات األحقاد‬ ‫التي زرعها النظام‪ ،‬مما قد يحدث ردود افعال انتقامية‪،‬‬ ‫خاصة من السنة الذين جعلهم النظام في مواجهة‬ ‫مدافعهم‪.‬‬ ‫وبحسب صقر فإن «هناك ما نسبته ‪ 30‬إلى ‪ 35‬في‬ ‫املائة من الطائفة العلوية‪ ،‬متمسكون ببقاء هذا‬ ‫النظام‪ ،‬هم ميثلون شريحة واسعة من األمن من اخملابرات‬ ‫من ضباط اجليش من القياديني البعثيني‪ ،‬هؤالء نعي‬ ‫متاما انهم ال يدافعون عن بشار األسد‪ ،‬بل عن استمرار‬ ‫مكاسبهم ومصاحلهم‪ ،‬ولكن بالتأكيد هناك ‪ 70‬في‬ ‫املائة من الطائفة العلوية‪ ،‬هم مهمشون ال يعرفون‪،‬‬ ‫وتائهون عن اتخاذ أي موقف»‪.‬‬ ‫أما فكرة ان يكون هناك اقليم علوي أو دولة علوية‪،‬‬ ‫أكد صقر بأنه « هناك ‪ 35‬في املائة وهؤالء هم‬ ‫املنتفعون من العلويني هم من يدعمون اذا فشل‬ ‫النظام في اخماد الثورة‪ ،‬سيدفعون الى بناء دولة‬ ‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫علوية‪ ،‬وبالتالي تقسيم سوريا‪ ،‬ولديهم هذه‬ ‫الهواجس»‪.‬‬ ‫األكراد‪ ..‬مع التغيير‬ ‫ليست هناك احصائية رسمية حول عدد االكراد في‬ ‫سوريا‪ ،‬ولكن تقديراتنا حسب الوضع اجلغرافي هناك‬ ‫حوالي ثالثة ماليني ونصف املليون‪ ،‬كردي في سوريا‪ ،‬أي‬ ‫ما نسبته حوالي ‪ 17‬في املائة من مجموع عدد السكان‬ ‫في سوريا يوجدون في محافظة احلسكة‪ ،‬وفي منطقة‬ ‫ريف حلب (عفرين ـ كوباني) وهناك ‪ 50‬قرية في ريف‬ ‫حماة وفي ادلب وجبل االكراد في الالذقية‪ ،‬وهناك جالية‬ ‫كردية ضخمة خارج املنطقة الكردية في املدن الكبرى‬ ‫كدمشق وحلب‪.‬‬

‫دخل االكراد على خط الثورة السورية مبكرا‪ ،‬حيث تشهد‬ ‫مناطقهم مظاهرات ضد النظام السوري‪ ،‬وسياسيا‬ ‫فإن احلراك السياسي الكردي يعود الى خمسينات القرن‬ ‫املنصرم‪ ،‬وتشكلت خالله العديد من احلزاب السياسية‬ ‫احملظورة من قبل النظام‪ ،‬ودخلت االحزاب الكردية مع‬ ‫اطراف سياسية عربية في «اعالن دمشق»‪ ،‬وحاليا هم‬ ‫في اطارين سياسيني‪ ،‬خارج اجمللس الوطني السوري‪،‬‬ ‫بعد ان علقت أحزاب اجمللس الوطني الكردي في سوريا‬ ‫عضويتها في أطر املعارضة السورية كافة‪ ،‬حيث ينضم‬ ‫إلى هيئة التنسيق للتغيير الدميقراطي كل من حزب‬ ‫االحتاد الدميقراطي جناح حزب العمال الكردستاني‪ ،‬فيما‬ ‫بقي عدد الشخصيات والتنسيقيات الكردية في اجمللس‬ ‫الوطني السوري‪.‬‬ ‫‪45‬‬


‫الضباط القالئل انحازوا ضد فكرة اجليش السوري احلر‪،‬‬ ‫وشكلوا مجالس بشكل منفرد‪ ،‬والشيخ شكل عددا‬ ‫من اجمللس العسكرية وهذا العدد غاياته اعالمية وال ميت‬ ‫للواقع بصلة»‪.‬‬ ‫واضاف ان «اجليش السوري احلر متماسك‪ ،‬هناك اصوات‬ ‫شاذة من بعض االفراد تخرج من اجليش احلر وهذه‬ ‫االصوات لن تؤثر على اجليش السوري احلر‪ ،‬الغالبية‬ ‫العظمى متماسكة وتعمل حتت راية اجليش احلر»‪.‬‬ ‫وعلق قائال «تظهر بعض األصوات الشاذة من الشارع‬ ‫السوري ان كان من املعارضة السياسية او من بعض‬ ‫الناس وهم ليسوا عسكريني باالساس‪ ،‬في محاولة‬ ‫لتشويه الصورة‪ ،‬بتشكيل بعض اجملالس وليظهروا‬ ‫للعالم ان اجليش احلر مشتت وغير متماسك‪ ،‬ولكنها‬ ‫ال تلقى استجابة في الداخل لدى الثوار‪ ،‬وهم واعون وال‬ ‫يالقون اي صدى‪ ،‬وكان طرح قبل شهر موضوع اجليش‬ ‫الوطني ولم يلق التأييد من الشارع السوري الثائر‪ ،‬ولم‬ ‫يترك اي صدى او تأثيرا وانتهى كسحابة صيف»‪.‬‬ ‫وغالبا ما انتقد اجمللس الوطني لعدم دعمه الصريح‬ ‫للجيش احلر‪ ،‬وكانت دول عديدة من بينها السعودية‬ ‫وقطر دعت الى تسليح اجليش احلر‪.‬‬ ‫وبحسب األسعد فـ»إن معنويات اجليش احلر عالية‬

‫جدا‪ ،‬واالمور بخير اذا توفرت لدينا االسلحة سندخل‬ ‫دمشق بسرعة زمنية كبيرة جدا‪ ،‬ولكن حتى االن اجملتمع‬ ‫الدولي يقف بالضد من الثورة‪ ،‬او يقف موقف املتفرج‬ ‫على معاناة السوريني حتى االن اليتم الدعم من اي دولة‬ ‫للجيش السوري احلر او املعارضة فهذا السبب أخر جناح‬ ‫وانتصار الثورة وحسم املوقف لصاحلنا»‪.‬‬ ‫تركيا‪ ..‬مواقف متغيرة‬ ‫في حال فشل مبادرة كوفي عنان‪ ،‬فإن الثورة السورية‬ ‫مجددا ستدخل عقر دار االتراك والتي تتشارك سوريا‬ ‫معها اطول حدودها‪ ،‬فمع تزايد احلديث عن فرض مناطق‬ ‫آمنة‪ ،‬اال أن تركيا بداية األزمة هي غير تركيا بعد تصاعد‬ ‫حدة التوتر‪ ،‬وخلط االوراق االقليمية والكالم عن صفقات‬ ‫ضمن اجندات الصراع (التركي ‪ -‬االيراني)‪ ،‬الناعمة‬ ‫في املنطقة‪ ،‬والزج بامللف السوري في حرب افتراضية‬ ‫حتمل في طياتها احتماالت نشوب حرب عابرة للحدود‬ ‫السورية‪.‬‬

‫ان التباين في حدة املواقف التركية خالل األحد عشر‬ ‫شهرا من عمر الثورة السورية‪ ،‬هو العنوان األكبر‬ ‫للصراع الداخلي في تركيا‪ ،‬والذي القى بظالله على‬ ‫حتركاته في امللف السوري‪ ،‬خاصة ما يتعلق بحزب‬ ‫العمال الكردستاني‪ ،‬وحتى قضية العلويني االتراك‪،‬‬ ‫الورقتني اللتني لطاملا كانتا تقذفان على طاولة‬

‫العالقات بني البلدين‪ ،‬اي يجب ان تكون هناك ضمانات‬ ‫تقنع االتراك بالدخول في تسوية فرض املناطق العازلة‬ ‫او استعداها لعمل عسكري‪.‬‬ ‫وبدا في بداية األزمة لتركيا أنها تستطيع جتاوز االوراق مع‬ ‫سوريا‪ ،‬من خالل رسم خرائط طريق‪ ،‬عن طريق املساعي‬ ‫التركية املتعددة في هذا االطار‪ ،‬منها ابرام صفقة مع‬ ‫الرئيس السوري بشار األسد‪ ،‬بتشكيل حكومة يكون‬ ‫فيها «االخوان املسلمون» بنسبة الثلث مع البعث‪،‬‬ ‫وهو ما رفضته السلطة السورية‪ ،‬وخطة اخرى تتمثل‬ ‫بسيطرة االخوان على املعارضة السورية واجمللس‬ ‫الوطني السوري‪ ،‬وفرض وصاية مبكرة على اجليش‬ ‫السوري احلر‪ ،‬الذي مازال قادته الجئني في اقليم هاتاي‬ ‫التركي‪ ،‬أو ضيوفا كما يسمي ذلك البعض‪ ،‬والكالم عن‬ ‫محاوالت تركية جر اجليش احلر للدخول حملاربة املوالني‬ ‫حلزب العمال الكرد��تاني في سوريا‪ ،‬وواجهت تركيا‬ ‫تهديدا ايرانيا بإخراج سالح حزب العمال الكردستاني‪،‬‬ ‫حلماية حليفها األهم في (الهالل الشيعي)‪ ،‬من خطر‬ ‫العضو األكبر في حلف شمال األطلسي املتمثلة باجلارة‬ ‫التركية‪.‬‬ ‫العلويون‪ ..‬في قلب املعركة‬

‫نسبة العلويني في سوريا هي حوالي ‪ 12‬في املائة‪،‬‬ ‫ويتركزون في الساحل السوري‪ ،‬وهم حاليا وبطبيعة‬ ‫األعمال ومناصبهم‪ ،‬فإن ‪ 50‬في املائة منهم موجودون‬ ‫في دمشق‪ ،‬وتعتبر الطائفة العلوية في سوريا ثاني‬ ‫أكبر طائفة‪ ،‬حيث يأتي «أهل السنة واجلماعة» باملرتبة‬ ‫األولى‪ ،‬ثم يأتي العلويون‪ ،‬فاملسيحيون‪ ،‬فالدروز‪.‬‬ ‫وحيد صقر املعارض العلوي وعضو تيار التغيير السوري‬ ‫يرى انه «ال نرى اي موقف تركي يرقى ملا يحدث في‬ ‫سوريا اليوم‪ ،‬كان بإمكان االتراك ان يكون لديهم موقف‬ ‫اكثر حزما وطالبناهم باستغالل االتفاقيات السورية‬ ‫والتركية وابرزها اتفاقية أضنة التي تنص على وجود‬ ‫منطقة عازلة‪ ،‬بعمق ‪ 5‬كيلومترات بني البلدين‪ ،‬لتكون‬ ‫ملجأ للمنشقني‪ ،‬وهي مبساحة ‪ 900‬كيلومترا مربعا‪ ،‬أي‬ ‫مساحة كافية‪ ،‬ميكن من خاللها حتقيق اهداف الثورة»‬ ‫وعن التخوفات التركية قال صقر لـ»اجمللة»‪« :‬ان هناك‬ ‫اكثر من ‪ 13‬مليون علوي في تركيا‪ ،‬اضافة الى أكثر‬ ‫األكراد‪ ،‬وتخشى من أزمات مرتدة ال حتمد عقباها»‪،‬‬ ‫مشيرا الى ان «ما كان يصدر من تركيا كان لالستهالك‬ ‫االعالمي‪ ،‬وما يدور اليوم في أروقة السياسة التركية‪ ،‬ال‬ ‫يتناسب طردا مع سخونة احلدود التركية السورية «‪.‬‬ ‫واعتبر أن «الدعم التركي للمجلس الوطني ينحصر‬ ‫كونه دعما للجانب االخواني‪ ،‬وزير اخلارجية التركي‬ ‫خالل زيارته قبل االخيرة الى دمشق‪ ،‬طرح منح االخوان‬ ‫املسلمني اربع وزارات‪ ،‬اضافة الى وزارة سيادية‪ ،‬وهذا‬ ‫الطرح لم يرفض من اجلانب السوري‪ ،‬امنا مت التحفظ‬ ‫على الوزارة السيادية من قبل سوريا»‪ ،‬مستدركا «اال‬ ‫ان تسارع االحداث في سوريا أخرج األمور عن سيطرة‬ ‫االتراك‪ ،‬وتبني لهم فيما بعد ان تعويلهم على دور‬ ‫االخوان في احلراك الثوري محض خيال»‪.‬‬ ‫وحول محاوالت تركية الستدراج اجليش احلر في‬ ‫محاربة وجود اجلناح املوالي للعمال الكردستاني‪ ،‬قال‬ ‫«اذا استطاعت تركيا ان تقحم اجليش احلر في هذه‬ ‫املهاترة‪ ،‬فستكون غباء بكل معنى الكلمة‪ ،‬وموقف غير‬ ‫مسؤول من قيادة اجليش احلر»‪ ،‬وفي الوقت نفسه عبر‬

‫‪44‬‬


‫ارتكبتها أجهزة األمن منها التهجير والتعذيب على‬ ‫اساس طائفي‪ ،‬اضافة الى انه مت تسجيل وتوثيق اربع‬ ‫حاالت اغتصاب‪ 3 ،‬نساء وطفل» مشيرا الى ان «هذا‬ ‫العدد ما متكن املرصد من توثيقه‪ ،‬وان هذه احلاالت هي‬ ‫حاالت منظمة وليست حاالت فردية «‪ ،‬مشير الى ان‬ ‫«هناك خطوات جادة من قبل املرصد مع منظمات دولية‬ ‫تهتم بهذا االطار من اجل جعل هذه التوثيقات تصبح‬ ‫أدلة دامغة تدين النظام السوري أمام احملاكم الدولية»‪.‬‬ ‫وكشف «وجود اتصاالت وتواصل مستمر بني أعضاء‬ ‫املرصد وبعثة كوفي عنان إلرشادهم الى أماكن التي‬ ‫تشهد خرقا إلطالق نار‪ ،‬والى األماكن التي يعتقل فيها‬ ‫السوريون»‪.‬‬ ‫االلتفاف على الفيتو‬ ‫دمشق تراهن على احلليف من جهة‪ ،‬وعلى زمن‬ ‫احلذر األميركي حلني انتهاء االنتخابات الرئاسية‬ ‫األميركية‪ .‬فهي حتاول كسب الوقت في النهاية‪،‬‬ ‫ولكن ليس بالضرورة االنتظار حتى انتهاء االنتخابات‬ ‫االميركية‪ ،‬ألنه في النهاية رمبا تكون هذه الورقة التي‬ ‫سيستخدمها اجلمهوريون ضد ادارة اوباما‪ ،‬وموقفها‬ ‫الضعيف جتاه ايران وسوريا‪ ،‬ما قد سيدفع االدارة‬ ‫بالتحرك بغض عن االنتخابات القادمة ورمبا االنتخابات‬ ‫هي ما يدفعها للتحرك‪ ،‬اذا ما تعرضت النتقادات شديدة‬ ‫من قبل اجلمهوريني‪ ،‬كما ان اطالة األزمة لن يكون‬ ‫لصالح النظام ايضا‪ ،‬وبالتالي نستطيع ان نقول ان‬ ‫اطالة األزمة ليس في صالح األسد‪ ،‬ألن احلرب األهلية‬ ‫قد تطيح بحكمه‪.‬‬

‫املدير التنفيذي للمركز السوري للدراسات السياسية‬ ‫واالستراتيجية بواشنطن‪ ،‬ومدير مكتب العالقات‬ ‫اخلارجية في اجمللس الوطني السوري رضوان زيادة قال‬ ‫لـ»اجمللة» ان «تداعيات اطالة عمر األزمة أدى الى‬ ‫ظهور تنظيمات مسلحة‪ ،‬ال يتم السيطرة عليها من‬ ‫قبل اجليش السوري احلر»‪ ،‬وأضح انه لها «اجندات‬ ‫خاصة تخدم مصالح اقليمية ودولية‪ ،‬وهي مخترقة‬ ‫من قبل النظام‪ ،‬والدليل التفجيرات اخملتلفة من قبل‬ ‫جماعات مختلفة‪ ،‬كل ذلك يلعب دورا اآلن في تخويف‬ ‫اجملتمع الدولي من إطالة عمر األزمة»‪.‬‬ ‫اذن ماذا بعد خطة عنان؟ اجملتمع الدولي امام خيارين‪،‬‬ ‫االول‪ :‬هو استمرار العمل من داخل اطار مجلس االمن‬ ‫للحصول على قرار حتت الفصل السابع واجبار األسد‬ ‫على احترام القرارات الدولية والشرعية الدولية‪ ،‬لكن‬ ‫قد يصطدم بفيتو روسي ـ صيني‪ ،‬لذا قد يتم اللجوء‬ ‫الى اخليار الثاني‪ ،‬وهذا يستدعي التحرك من خارج اطار‬ ‫مجلس األمن من اجل فرض املناطق اآلمنة‪.‬‬ ‫وبحسب رضوان زيادة فإن «اجملتمع الدولي بشكل‬ ‫رئيسي يريد اتخاذ خطوات عاجلة اهمها انشاء املناطق‬ ‫اآلمنة هو قد يكون بداية تدخل اجملتمع الدولي‪ ،‬بشكل‬ ‫عملي وفعلي في االزمة السورية»‪.‬‬ ‫واضاف انه «على الرغم من دعم حضور ‪ 81‬دولة في‬ ‫مؤمتر اصدقاء الشعب السوري‪ ،‬إال ان هذا احلضور الكبير‬ ‫لم تكن لديه اجندة موحدة أو رغبة مشتركة للتدخل‬ ‫او فرض املناطق اآلمنة‪ ،‬ولكنها اعطت الغطاء الدولي‬ ‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫ر�ضوان زيادة‬

‫للتحرك‪ ،‬لكن هناك اآلن مجموعة من الدول وهي في‬ ‫حدود ‪ 15‬دولة‪ ،‬وهي الدول الكبيرة واملؤثرة والفاعلة‪،‬‬ ‫واجتمعت مؤخرا في باريس‪ ،‬وتستطيع ان جتتمع اآلن‬ ‫مجددا من اجل التحرك قدما في فرض املناطق اآلمنة‪،‬‬ ‫وهي اآلن تبحث بشكل جدي في الواليات املتحدة‬ ‫وفرنسا وفي تركيا وفي غيرها من عواصم دول العالم»‪.‬‬ ‫واشار الى أن «بعض الدول اخلليجية تنتظر ماذا‬ ‫ستنتهي اليه مهمة كوفي عنان‪ ،‬وينصب التركيز‬ ‫حاليا الى اعطائها الوقت الكافي الكتمال املهمة بعد‬ ‫وصول جميع املراقبني البالغ عددهم ‪ 300‬مراقب‪ ،‬وأهم‬ ‫ما في املوضوع هو عدم االنتظار ثالثة اشهر‪ ،‬يجب ان‬ ‫يكون هناك تقييم مسبق لذلك‪ ،‬وبنفس الوقت عدم‬ ‫اجهاضها مبكرا»‪.‬‬ ‫وذكر أن «واشنطن بدأت يتبلور لديها ضرورة فرض‬ ‫مناطق آمنة‪ ،‬فعلى سبيل املثال قال السيناتور األميركي‬ ‫جون كيري رئيس جلنة العالقات اخلارجية مبجلس‬ ‫الشيوخ األميركي‪ ،‬ولرمبا ألول مرة كمسؤول أميركي‬ ‫عالي املستوى‪ ،‬انه حان اآلن الوقت لفرض املناطق اآلمنة‬ ‫وتسليح املعارضة‪ ،‬وبالتالي هناك حترك يتزايد وقناعة‬ ‫متزايدة من اجل فرض املناطق اآلمنة وعدم التأخير اكثر‬ ‫من ذلك»‬ ‫وتابع ان «اجليش احلر هو اكثر تنظيما على االقل مما‬ ‫كانت عليه املليشيات الليبية او الثوار في ليبيا‪ ،‬حيث ان‬ ‫معظم املنضمني للجيش احلر عبارة عن جنود وضباط اي‬ ‫عسكريني في اجليش السوري النظامي‪ ،‬وانشقوا عنه‪،‬‬ ‫وهذا يشكل مصدر ارتياح بالنسبة لفرنسا واميركا»‪.‬‬ ‫اجليش احلر‪ ..‬معنويات مرتفعة‬

‫قال قائد اجليش احلر العقيد رياض األسعد إن «عدد‬ ‫اجليش احلر بلغ حوالي ‪ 70‬الفا‪ ،‬بينهم ‪ 400‬ضابط برتبة‬

‫اجملتمع الدولي بشكل‬ ‫رئيس يريد اتخاذ خطوات‬ ‫عاجلة أهمها إنشاء‬ ‫املناطق اآلمنة‪ ،‬وهو قد‬ ‫يكون بداية تدخل اجملتمع‬ ‫الدولي بشكل عملي‬ ‫وفعلي في األزمة السورية‬ ‫لكن تداعيات اطالة عمر‬ ‫األزمة ادى الى ظهور‬ ‫تنظيمات مسلحة‪ ،‬ال يتم‬ ‫السيطرة عليها من قبل‬ ‫اجليش السوري احلر‬ ‫مالزم ومنهم ‪ 9‬ضباط برتبة عميد‪ ،‬وعدد الكتائب يفوق‬ ‫حاليا الـ‪ 40‬كتيبة والعدد قابل للزيادة ويعتمد على‬ ‫االنشقاقات ويوجد في حدود الـ‪ 6‬الوية»‪.‬‬ ‫وأكد األسعد لـ»اجمللة « أثناء اتصال معه في اقليم‬ ‫«هاتاي» التركي‪ ،‬أن «العدد في تزايد مع استمرار‬ ‫االنشقاقات في صفوف الضباط بشكل يومي‪ ،‬وانه‬ ‫ليس هناك معدل يومي‪ ،‬ولكن يصدف في اليوم ان‬ ‫يتم انشقاق ‪ 20‬ضابطا وعدد كبير من العناصر‪ ،‬ويعود‬ ‫ذلك الى الوضع العام في الداخل السوري‪ ،‬وان عملية‬ ‫االنشقاق تخضع لعدة اعتبارات لها عالقة بتأمني‬ ‫املنشق لعائلته ولذويه ولنفسه‪ ،‬ولذا تتفاوت االعداد‬ ‫بني يوم وآخر»‪.‬‬ ‫وتابع «أعلى نسبة من املنشقني هم من السنة‪ ،‬وهناك‬ ‫انشقاقات من الدروز واالكراد ومن باقي الطوائف‪ ،‬لم‬ ‫نلحظ حتى اآلن اي انشقاق في الطائفة العلوية «‪.‬‬ ‫واضاف «شكلنا عدة تشكيالت على مستوى لواء في‬ ‫عدة مناطق‪ ،‬وفي مناطق اخرى شكلنا كتائب لتوزيع‬ ‫املهام وتنظيم العمليات‪ ،‬وحتى تكون حرية العمل‬ ‫العسكري بشكل افضل وتشكيل هذه الكتائب يسمع‬ ‫بتحركات أسرع»‪.‬‬ ‫وأثار تشكيل اجمللس العسكري السوري‪ ،‬الذي ترأسه‬ ‫العميد الركن مصطفى الشيخ‪ ،‬بوادر انقسامات بني‬ ‫جناحي املعارضة السياسية والعسكرية‪ ،‬ليجمع كل‬ ‫الفصائل التي تقاتل احلكومة السورية حتت مظلة‬ ‫واحدة‪ ،‬ويقيم احتياجاتها العسكرية‪ ،‬ويحاول الوفاء‬ ‫بها من خالل عروض املساعدة من اخلارج‪ ،‬وبدا االختالف‬ ‫واضحا ً بني اجلانبني فيما يتعلق بسلطة هذا اجمللس‬ ‫الوليد‪.‬‬ ‫وفي هذا الصدد رد األسعد قائال «حتى نكون صريحني‬ ‫مصطفى الشيخ ال ميثل اجليش السوري احلر‪ ،‬هو وبعض‬ ‫‪43‬‬


‫أي مستقبل لنظام األسد!‬

‫الثورة السورية‪ ..‬هل هي احلرب األهلية!!‬

‫أزمة اإلطالة‬

‫مع ازدياد اخملاوف من اندالع حرب أهلية في سوريا وما ستسفر عنه هذه احلرب لو وقعت‪ ،‬يجري البحث عن وصفات كثر‬ ‫احلديث عنها‪ ،‬عقب فشل كل مبادرة تستجدي إيجاد حل لألزمة السورية‪ ،‬اال أنها في غالبها كانت فرصة للنظام السوري‬ ‫ليجدد تأكيده على اعتماده احلل األمني‪.‬‬ ‫روشن قاسم‬

‫ورغم القناعة املسبقة لدى غالبية أعضاء مجلس‬ ‫األمن بأن النظام في دمشق لن ينفذ تعهداته‪ ،‬ما‬ ‫يعني فشل خطة كوفي أنان‪ ،‬الذي بدوره يرسل رسائل‬ ‫الرمق األخير لتفادي وقوع حرب أهلية‪ ،‬اال ان خطته‬ ‫ألزمت جدوال زمنيا يضع اجملتمع الدولي امام استحقاق‬ ‫يفرضه‪ ،‬مرور خمسة عشر شهرا على اندالع الثورة‬ ‫السورية‪ ،‬ما يعني انها مدة كافية لكي ميتلك رؤية‬ ‫استراتيجية حقيقية حول ما ستؤول اليه األوضاع في‬ ‫املنطقة‪.‬‬ ‫كما أن تداعيات اطالة األزمة بات يقلق صناع القرار في‬ ‫الواليات املتحدة واوروبا والدول العربية وتركيا‪ ،‬ومديات‬ ‫خطورتها على املستوى االقليمي والدولي‪ ،‬اضافة الى‬ ‫ثقل األزمة االنسانية التي يعانيها الشعب السوري‪.‬‬ ‫‪42‬‬

‫الثقل اإلنساني‬ ‫بلغ عدد الضحايا املدنيني حتى يوم ‪،2012-5-11‬‬ ‫وحسب توثيق املرصد السوري حلقوق االنسان‪8597 ،‬‬ ‫مدنيا‪ ،‬باالضافة الى سقوط ما يزيد عن ‪ 3500‬من‬ ‫اجليش وقوى األمن الداخلي من بني هؤالء اكثر من ‪700‬‬ ‫من اجملموعات املنشقة‪ ،‬كما أفاد مدير املرصد السوري‬ ‫حلقوق االنسان رامي عبد الرحمن‪.‬‬

‫وأضاف عبد الرحمن في اتصال مع «اجمللة» أن «اجلرحى‬ ‫يقدر عددهم بعشرات اآلالف‪ ،‬لكن اجلرحى الذين مازالوا‬ ‫يعانون من جراحهم‪ ،‬ال توجد احصائية دقيقة حتى اآلن‬ ‫عنهم‪ ،‬اما عدد النازحني داخل االراضي السورية فيقدر‬ ‫العدد مبليون نازح داخل األراضي السورية‪ ،‬بالنسبة‬ ‫للذين هم خارج االراضي السورية يقدر عددهم بعشرات‬

‫اآلالف‪ ،‬مسجلني اكثرهم في تركيا واالردن ولبنان وايضا‬ ‫هناك مجموعات موجودة في العراق‪ ،‬وأيضا هناك‬ ‫الجئون في مصر وهم مهجرون لم يقدموا طلبات جلوء‬ ‫الى األمم املتحدة او غيرها»‪.‬‬ ‫أما عدد املعتقلني في السجون السورية من املدنيني‬ ‫فيتراوح بني ‪ 52 30-‬ألف سجني الذين هم قيد االعتقال‪،‬‬ ‫اما الذين عايشوا االعتقال فيصل عددهم من ‪ 150‬ـ‬ ‫‪ 200‬الف مواطن سوري»‪ .‬وحول عدد املعتقلني من‬ ‫اجليش الذين كانوا ينون االنشقاق أو الفرار‪ ،‬فبحسب‬ ‫رامي عبد الرحمن انه فقط في فرع اخملابرات اجلوية في‬ ‫دمشق‪ ،‬هناك اكثر من ‪ 1000‬معتقل»‪.‬‬ ‫وأكد عبد الرحمن أن «هناك جرائم ضد االنسانية‬


‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫‪41‬‬


‫حتقيق‬

‫مشاري الذايدي‪ :‬الناس في السعودية تريد كغيرها من الشعوب كرامة العيش‪،‬‬ ‫وهي كغيرها من الشعوب أيضا قابلة للتطور في الرؤية للحياة والسياسة‪،‬‬ ‫لكنها برهنت في األيام األخيرة على وعي ‪ -‬نادر هذه األيام في العالم العربي ‪-‬‬ ‫مبسألة االستقرار والتمسك بالدولة والوحدة الوطنية‪ ،‬لذلك لم يعد أصحاب يوم‬ ‫حنني إال بخفي حنني!‬ ‫حزيران ‪.»)2010‬‬ ‫ويختم مشاري الذايدي مقاله‪« :‬باختصار‪ ..‬الناس في‬ ‫السعودية تريد كغيرها من الشعوب كرامة العيش‪،‬‬ ‫وهي كغيرها من الشعوب أيضا قابلة للتطور في‬ ‫الرؤية للحياة والسياسة‪ ،‬لكنها برهنت في األيام‬ ‫األخيرة على وعي ‪ -‬نادر هذه األيام في العالم العربي ‪-‬‬ ‫مبسألة االستقرار والتمسك بالدولة والوحدة الوطنية‪،‬‬ ‫لذلك لم يعد أصحاب يوم حنني إال بخفي حنني!‬ ‫قصة املؤامرة‬ ‫السابق للثورات‪ ،‬كانت املؤامرة هي‬ ‫في العصر ّ‬ ‫ما ينسجه اإلسالميون واملعارضون السياسيون‬ ‫يتخيلون كل حراك ال ّدولة ضمن‬ ‫أجمعني‪ ،‬فكانوا‬ ‫ّ‬ ‫رقعة شطرجن التي رسمتها دولٌ كبرى‪ ،‬فكان احلديث‬ ‫عن مؤامرة التغريب‪ ،‬ومؤامرات حتويل األديان‪ ،‬وصناعة‬ ‫ال ّديكتاتوريات‪ ..‬الغريب‪ ،‬أن كل من كان يؤمن بالنظرية‬ ‫نفض يده عنها‪ ،‬بعد «الثورات» وتسلمها آخرون‪ ،‬في‬ ‫لعبة لتبادل األدوار تبدو سمجة‪.‬‬ ‫تصدر اإلسالميني للمشهد بعد «الربيع» وفي أكثر‬ ‫من دولة‪ ،‬بل وبتطابق مذهل في النتائج والتوجهات‬ ‫والطروحات خلق كثيرا من التساؤالت عن عالقة‬ ‫اإلسالم السياسي باملال األجنبي‪.‬‬

‫الكاتب والصحافي السعودي فهد الشقيران يرى أنه‬ ‫من ناحية نظرية ال يخفى على املراقب وجود انفتاح‬ ‫أميركي وأوروبي جتاه اإلسالميني‪ ،‬وهذا محل إدراك حتى‬ ‫من الباحثني الغربيني اخملتصني باحلركات األصولية‬ ‫اإلسالمية ودالئل االنفتاح الغربي على األصوليني‬ ‫هذا التقارب الذي يجري بني جماعة اإلخوان املسلمني‬ ‫ببعض فروعها ونسخها ومع الغرب‪.‬‬ ‫يرى الشقيران أن هناك أحاديث ودية بني اإلخوان في‬ ‫مصر وبني الواليات املتحدة‪ ،‬وهذا ينطبق على إخوان‬ ‫تونس‪ ،‬بل وحتى على إخوان اخلليج‪« ..‬اإلخوانيون‬ ‫يريدون امتطاء رياح القرب الغربية إلخافة دولهم التي‬ ‫يعيشون فيها إلثبات أنفسهم كأرقام صعبة ال ميكن‬ ‫جتاهلها أو تهديدها‪ .‬والدعم الغربي للمنظمات ذات‬ ‫الطابع األصولي والهيمنة اإلخوانية يأتي في سياق‬ ‫هذه الرياح اجلديدة»‪.‬‬ ‫ويقول‪« :‬صيغة اإلخوان املسلمني معروفة‪ ،‬من أبرز‬ ‫مرتكزاتها سهولة «االمتطاء»‪ ،‬هناك منظمات‬ ‫امتطوها لتحقيق مآربهم االنقالبية‪ ..‬وأكادميية التغيير‬

‫‪40‬‬

‫مثال تأتي ضمن سياق آلية االمتطاء اإلخوانية املتبعة‪.‬‬ ‫وال شك أن األحداث احلالية العربية فرّخت مرحلة‬ ‫إخوانية أخرى‪ ،‬أو «والدة إخوانية ثانية في اخلليج» إذ‬ ‫جنّدت الشباب الذين أغرتهم رومانسية االحتجاجات‬ ‫ليكونوا ضمن سياقها‪ ،‬ولّدت احلالة اإلخوانية من خالل‬ ‫بذرة ما يسمى بجيل الفيس بوك وتويتر الكثير من‬ ‫النبتات اإلخوانية اجلديدة التي زرعت في املؤسسات‬ ‫التي تدعم من الغرب»‪.‬‬ ‫البديل اآلمن‬ ‫وعن دور املال األجنبي يقول الكاتب والباحث السعودي‬ ‫يوسف الديني‪« :‬يكثر احلديث دائما ً عن دور منظمات‬ ‫وتغيب في أحايني أخرى‬ ‫اجملتمع املدني‪ ،‬تنسج أساطير ّ‬ ‫حقائق وإشارات مهمة‪ ،‬من وجهة نظري يجب التمييز‬ ‫بني عدة مستويات عند احلديث عن هذه املنظمات‬ ‫واجلمعيات‪ ،‬وذلك من خالل قانونيتها‪ ،‬وحدودها‪ ،‬وطرائق‬ ‫العمل‪ ،‬فاحلديث عن جمعيات ومؤسسات دولية تدخل‬ ‫ضمن االتفاقيات بني الدول وهي عادة مؤسسات ذات‬ ‫أدوار واضحة ومحددة مثل جلنة الصليب األحمر‪،‬‬ ‫يختلف عن تلك اجلمعيات ذات الصبغة الفردية وهي‬ ‫حتول إلى نشاط سياسي عبر بوابة‬ ‫في غالبها منح ّ‬ ‫دعم اجملتمع املدني وحقوق اإلنسان وعادة ما تعمل‬ ‫بشكل غير قانوني يتدخل في سيادة الدول أو من خالل‬ ‫العمل من خارج تلك الدول مبا يخترق السيادة ورمبا كان‬ ‫دور مثل هذه اجلمعيات هو البديل اآلمن لدعم املعارضة‬ ‫مسلحة أو سلمية في حقبة احلرب الباردة»‪.‬‬

‫ويضيف الديني‪« :‬األكيد أن مثل هذه األنشطة تتمايز‬ ‫عن عدد هائل من مراكز األبحاث وخزانات التفكير‬ ‫معمقة عن واقع املنطقة‪،‬‬ ‫التي تقدم أبحاث ودراسات ّ‬ ‫ورمبا تقترح حلوال ً تهدف إلى خلق مزيد من الوعي‬ ‫السياسي‪ ،‬لكنها ال تتدخل في سيادة الدول كما هو‬ ‫احلال في بعض اجلمعيات الفردية املدعومة من دول‬ ‫منصات لتدشني السلطة‬ ‫بعينها‪ ،‬والتي حتولت إلى‬ ‫ّ‬ ‫البديلة في حال النجاح في زعزعة األوضاع في البلدان‬ ‫املستهدفة»‪.‬‬ ‫السؤال األهم بحسب الديني هو حالة الفراغ على‬ ‫مستوى املراكز البحثية احمللية أو الدخول في نفق‬ ‫البيروقراطية والتكلس بفعل عدم مواكبة املستجدات‬ ‫صحية‬ ‫حيث إن هذه احلالة ميكن أن تخلق مناخات غير ّ‬ ‫لالستقطاب السياسي عبر «البروباغندا» السياسية‬ ‫التي تعتمد على استخدام أدوات احلشد والتعبئة‬ ‫والدعم وتتكئ على اخلطاب اإلعالمي املو ّجه واملؤدلج‪.‬‬

‫وعن الدعم املالي وما يتبع ذلك من إجراءات قانونية‬ ‫وأمنية يقول يوسف الديني إنها تخضع لقانون كل‬ ‫دولة وال ميكن البحث فيه من وجهة نظر سياسية‬ ‫مستقلة عن السياق القانوني‪ ،‬كما أن كثيرا ً من تلك‬ ‫املنظمات تعاني من تكريس أزمات واقعها السياسي‬ ‫نفسه من االستبداد إلى التوريث إلى غموض امللف‬ ‫املالي حتى أصبحت تنتج الديكتاتور ببدلة مدنية‪.‬‬ ‫ويتساءل كيف يعقل أن يستمر شخص على رأس‬ ‫جمعية من تلك اجلمعيات منذ إنشائها ويرفض أي‬ ‫قابلية لتجديد الدماء‪ ،‬كما أن كثيرا ً من األحزاب‬ ‫السياسية غير املرخصة أو التيارات الدينية واملدنية‬ ‫ذات البعد السياسي أصبحت تستبدل نشاط‬ ‫املعارضة احملظور بنشاط املؤسسات كنوع من التحايل‬ ‫على حالة «الفراغ»‪ .‬ويختم‪« :‬اإلشكالية تكمن في‬ ‫اجلمعيات ذات األجندة السياسية والتي عبر التجربة‬ ‫القصيرة لها خلقت من الفوضى واالستقطاب احلاد‬ ‫بني مكونات اجملتمع‪ ،‬بينما تظل اجلمعيات التنموية‬ ‫غائبة عن دور حقيقي على األرض يستلهم اإلنسان‬ ‫الضيقة»‪.‬‬ ‫وليس املكتسبات السياسية‬ ‫ّ‬ ‫قد يكون ألكادميية التغيير واملؤسسات املماثلة لها دور‬ ‫كبير في الذي حدث ويحدث وقد يحدث‪ ،‬لكن احلقيقة‬ ‫تبقى أن كل تغيير يأتي من اخلارج وبأموال من األجنبي‬ ‫هو تغيير ال ميكن بأي حال من األحوال أن يكون في‬ ‫صالح الشعوب‪ .‬باألمس حدث التغيير في تونس ومصر‬ ‫وليبيا واليمن‪ ..‬وسوريا تنتظر‪ ،‬واليوم بدأ التركيز على‬ ‫اخلليج عبر مؤسسات تعمل من داخل اخلليج وقد‬ ‫انطلقت املؤامرة من البحرين‪ ..‬والدور على البقية وما‬ ‫خفي كان أعظم >‬


‫ويتساءل «ملاذا هرع بعض السعوديني من النخب‬ ‫الثقافية وبعض شباب الـ»فيس بوك» والـ»تويتر» إلى‬ ‫تصديق أن ثمة جمعة غضب ستجري في السعودية‬ ‫على غرار القاهرة وصنعاء‪ ،‬ورمي كل من يشكك في‬ ‫واقعية هذا التصور بالويل والثبور وعظائم األمور‪،‬‬ ‫ووضعهم في قوائم عار سوداء؟ هذا سؤال مهم حتى‬ ‫ال يتبخر مع الوقت في إيقاع األحداث»‪.‬‬ ‫يجيب «أرجح أن السبب في ذلك‪ ،‬وهذا قد يكون عذرا‬ ‫نفسيا ملن تعجل القراءة والنصيحة اخلاطئة املبنية‬ ‫على خلط التصور‪ ،‬أن كثيرا من الناس فقد اتزانه ورؤيته‬ ‫بعد ما جرى من زلزال رهيب في تونس ومصر‪ ،‬وظن أنه‬ ‫قد وقعت الواقعة وحقت احلاقة وأن ال مناص وال مهرب‬ ‫من وصول موجة التسونامي هذه إلى كل مكان‪ ،‬مبا فيه‬ ‫السعودية‪ ،‬وقد كتب بعض الكتاب العرب‪ ،‬بل أغلبهم‪،‬‬ ‫أنه ال توجد دولة عربية‪ ،‬بال استثناء‪ ،‬بعيدة عن آثار‬ ‫األمواج التونسية واملصرية‪ ،‬خصوصا بعدما ضخت‬ ‫الفضائيات العربية الكثير من هذا الوهم الثوري‬ ‫التسونامي‪ ...‬وتبني للقوم أن األمر أعقد بكثير من‬ ‫«كتالوج» يطبق بحرفية في كل بلد عربي»‪.‬‬ ‫يسأل الكاتب السعودي مجددا‪« :‬يظل سؤال ملح‪..‬‬ ‫ملاذا هرع بعض النخب في السعودية‪ ،‬مؤخرا‪ ،‬إلى‬ ‫التوقيع على البيانات السياسية ذات املطالب احلادة‪،‬‬ ‫على الرغم من أن هذا السلوك ليس من طبعهم أو‬ ‫أنهم عدلوا عنه منذ زمن؟‬ ‫ويعود لإلجابة‪« :‬ال ندري‪ ،‬لكن رمبا دوخة اللحظة‪،‬‬ ‫وضباب الرؤية‪ ،‬جعال البعض يتخلى حتى عن بعض‬ ‫مواقفه السابقة في التحفظ على التوقيع على‬ ‫البيانات السياسية اجلماعية‪ ،‬مثل الداعية السعودي‬ ‫سلمان العودة‪ ،‬الذي وقع أحد هذه البيانات األخيرة‬ ‫على الرغم من أنه قال قبل نحو سنة مفسرا ملاذا‬ ‫عدل عن توقيع البيانات السياسية‪ ،‬بالنص‪« :‬كنت إلى‬ ‫وقت قريب أوقع على بعض البيانات التي أوافق عليها‪،‬‬ ‫ثم رأيت أن البيانات غالبا تكتب بصيغة توافقية‪ ،‬وال‬ ‫تعبر عن الشخص بذاته‪ ،‬فعدلت عنها‪ ،‬وصرت أكتب‬ ‫بنفسي ما يعبر عن ذاتي من دون أن أشارك اآلخرين‬ ‫أو يشاركوني في الورقة ذاتها»‪( .‬من حوار أجراه معه‬ ‫املؤلف تركي الدخيل في كتابه «سلمان العودة‪ ..‬من‬ ‫السجن إلى التنوير»‪ ،‬واحلوار أجري بتاريخ ‪ 10‬يونيو‪/‬‬

‫سوسن الشاعر‪ :‬السيناريو العراقي فشل فشال ذريعا في البحرين رغم ما حشد‬ ‫له من دعم ألن الشعب البحريني كان واعيا وتنبه لهذه اللعبة مع حسابات‬ ‫اقليمية اخرى دخلت في االعتبار وعطلت املشروع‪ ،‬واالن هنالك اعادة قراءة للشارع‬ ‫في البحرين بعد أن تكشفت راديكالية اجلماعات املدعومة ومت تعديل اخلطة وااليام‬ ‫القادمة سنشهد رمبا سيناريو جديدا ولكن بتعديل مختلف‬

‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫‪39‬‬


‫حتقيق‬

‫جاسم السعيد‪ :‬ملنظمات الدعم اخلارجي استراتيجية واضحة واهداف محددة‬ ‫هي قلب أنظمة احلكم في دول اخلليج وبقية الدول العربية ومنها ما هو إيراني‬ ‫واهدافه معلومة ومنها ما هو اوروبي وأميركي بدعم منظمات لالسف كانت في‬ ‫البحرين لبعض الشيعة معتمدين في ذلك على االعالم وجتييش الشباب لقضية‬ ‫يدعون انها شرعية أو دينية‪ ..‬وإن فشلت اآلن مخططاتهم فسيعيدون الكرة مرة‬ ‫أخرى‬ ‫يُشير الفيلم إلى أنها هي من حتوك املؤامرة وتنفث‬ ‫الروح فيها»‪.‬‬ ‫أما د‪ .‬عبد احلميد االنصاري الباحث واألكادميي القطري‪،‬‬ ‫فله موقف «بني بني» حيث يرى أن املساعدات التي‬ ‫تأتي من خارج الوطن يجب أن ال تثير حساسية إذا‬ ‫توفرت شروط الشفافية بحيث نعلم هذا التمويل واين‬ ‫يذهب وما هي اهدافه وكيف يصرف‪ .‬يقول االنصاري‪:‬‬ ‫«التمويل ليس بجرمية طاملا ال يخل بوطنية اجلهة التي‬ ‫تقبل التمويل‪ ،‬وايضا هنالك منظمات أهدافها ال تتفق‬ ‫واملصلحة الوطنية وال يضيرها من اين يأتي التمويل‬ ‫وما هي اهداف هذه اجلهات‪ ..‬هنالك بعض منظمات‬ ‫اجملتمع املدني يتجاوز مفهومها االهتمام بالشأن‬ ‫العام إلى العمل السياسي املباشر ولعب دور االحزاب‬ ‫السياسية»‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من حتذيره من عدم وضع كل اجلمعيات في‬ ‫«سلّة واحدة» يضيف األنصاري‪« :‬ايضا هنالك بعض‬ ‫املنظمات املدنية مخترقة من قبل جهات ذات توجهات‬ ‫ايديولوجية محددة أو من جماعات تسعى للنفوذ‬ ‫والسلطة‪ ،‬وبالتالي ليس لنا منظمات مجتمع مدني‬ ‫باملعنى احلقيقي تشتغل بالهم العام وامنا تنافس‬ ‫اجلماعات السياسية وتسعى للكسب االعالمي‬ ‫واجلماهيري‪ ..‬واشكالية هذه املنظمات ال تفرق في‬ ‫دورها كدور تربوي وتعبوي وفكري وحضاري وهذه مأساة‬ ‫اجملتمع املدني العربي‪ ،‬لذلك مفهومها مشوه من‬ ‫جانب احلكومات واجلماهير باعتبارها واجهات جلماعات‬ ‫سياسية‪ ،‬لذلك يجب على هذه املنظمات من وقفة‬ ‫ومراجعة دورها احلقيقي حتى ال توصم بتنفيذ أهداف‬ ‫وأجندات خارجية»‪.‬‬ ‫السيناريو العراقي‬ ‫جاسم السعيد النائب في البرملان البحريني كان‬ ‫مباشرا وواضحا في رفضه للدعم األجنبي للجمعيات‬ ‫األهلية في اخلليج‪ ،‬كما هو احلال مع ما تقوم أكادميية‬ ‫التغيير‪ ،‬وأعطى مثاال بالبحرين التي أكد أن «املال‬ ‫األجنبي» وراء ما يجري من محاوالت فاشلة لبث الفرقة‬ ‫بني أبناء الشعب الواحد حيث قال إن أزمة التمويل‬ ‫األجنبي ملنظمات اجملتمع املدني البحريني ليست وليدة‬ ‫األحداث االخيرة في فبراير (شباط) مارس (آذار) ‪2011‬‬ ‫لكنها تعود إلى حقبة السبعينات من القرن املاضي‬ ‫عندما مولت إيران حلفاءها في اخلليج عن طريق نظام‬ ‫اخلميني ودعمت خالياها النائمة بطرق متلونة ومتنوعة‬

‫‪38‬‬

‫منها ما هو دعوي أو سياسي أو اقتصادي ومنها األمني‬ ‫والعسكري‪ ،‬وقدمت مئات املاليني من الدوالرات لدعم‬ ‫مخططها وسموه اخلطة اخلمسينية‪ ،‬وهو ما موجود‬ ‫في الوثائق لبعض خالياهم التي وضعت العديد من‬ ‫أجهزة االمن اخلليجية يدها عليها»‪.‬‬ ‫ويؤكد النائب البحريني املستقل‪« :‬ملنظمات الدعم‬ ‫اخلارجي استراتيجية واضحة واهداف محددة هي قلب‬ ‫أنظمة احلكم في دول اخلليج وبقية الدول العربية‬ ‫ومنها ما هو إيراني واهدافه معلومة عن خالياهم من‬ ‫«منظمات شيعية» ومنها ما هو اوروبي وأميركي‬ ‫بدعم منظمات لالسف كانت في البحرين لبعض‬ ‫الشيعة معتمدين في ذلك على االعالم وجتييش‬ ‫الشباب لقضية يدعون انها شرعية أو دينية‪ ..‬وإن‬ ‫فشلت اآلن مخططاتهم فسيعيدون الكرة مرة‬ ‫أخرى»‪.‬‬ ‫من جهتها ترى االعالمية البحرينية سوسن الشاعر‬ ‫أن الالفت للنظر هو أن االستراتيجية األميركية‬ ‫لدعم الدميقراطية في منطقة الشرق االوسط مت‬ ‫التخطيط لها بعد أحداث ‪ 11‬ستمبر‪ ،‬ومت وضع‬ ‫استراجتيات لهذه املؤسسات التي تقوم بتقدمي‬ ‫املنح واملساعدات لتتصل مباشرة مبؤسسات‬ ‫اجملتمع املدني (عابرة للقارات ومتجاوزة لالنظمة‬ ‫واحلكومات) عبر تقدمي موازنات ضخمة ليست‬ ‫من احلكومة األميركية بل من االحزاب لتظل هذه‬ ‫االستراتيجية مستمرة وليست مرتبطة ببرنامج‬ ‫احلكومة املوجودة في السلطة‪.‬‬ ‫تقول الشاعر‪« :‬هذا التمويل هو اآلن الذي يقود التغيير‬ ‫في املنطقة‪ ،‬ولالسف تتقاطع هذه االستراتيجية مع‬ ‫اهدافها‪ ،‬النها تهدف إلى دعم االقليات‪ ،‬وإذا نظرنا إلى‬ ‫ارض الواقع وجدنا أن املستفيد ليست الشعوب بل‬ ‫األقليات‪ ..‬مصر والبحرين خير مثال على ذلك‪ ،‬واألقليات‬ ‫هنا (كمعنى وليست كعدد)‪ ،‬وقد استفادت واشنطن‬ ‫من االقليات في قيادة التغيير‪ ..‬في البحرين الذي‬ ‫استفاد من ذلك هم الشيعة»‪.‬‬ ‫وتضيف‪« :‬كثر هم من حضروا برامج التدريب وورش‬ ‫العمل كما حصلت عدد من املنظمات البحرينة‬ ‫على متويل أميركي‪ ،‬وأخرى على دعم عيني وتدريبات‬ ‫ومساعدة فنية للتقدم لطلب متويل من مانحني‬ ‫عالوة على التمويل األميركي لتغطية نفقات تنقالت‬

‫النشطاء‪ ..‬ولالسف أقول إنهم كانوا ايديولوجيا‬ ‫يتبعون جماعات راديكالية كحزب الدعوة وحزب اهلل‬ ‫والشيرازيني‪ ..‬واملعروف عن هذه اجلماعات أنها تتبع‬ ‫العنف كوسيلة للتغيير‪ ..‬وهذه اجلماعات جميعها‬ ‫لها مرجعيات دينية من خارج البحرين‪ ،‬وحتديدا اما في‬ ‫العراق أو في إيران‪ ،‬وبالتالي جند أن املستفيد األكبر هي‬ ‫إيران وليست البحرين»‪.‬‬ ‫تقول اإلعالمية البحرينية إن السيناريو العراقي «دمى‬ ‫تأتي على ظهر الدبابة األميركية» كان يراد له أن‬ ‫يتكرر في البحرين‪ ..‬رمبا جنح هذا السيناريو في العراق‬ ‫ولكنه فشل فشال ذريعا في البحرين رغم ما حشد له‬ ‫من دعم ألن الشعب البحريني كان واعيا وتنبه لهذه‬ ‫اللعبة مع حسابات اقليمية اخرى دخلت في االعتبار‬ ‫وعطلت املشروع‪ ،‬واالن هنالك اعادة قراءة للشارع في‬ ‫البحرين بعد أن تكشفت راديكالية اجلماعات املدعومة‬ ‫ومت تعديل اخلطة وااليام القادمة سنشهد رمبا سيناريو‬ ‫جديدا ولكن بتعديل مختلف»‪.‬‬ ‫خفّا حنني‬ ‫اخملطط الذي يحاك ضد البحرين‪ ،‬حاول البعض تصديره‬ ‫الى السعودية لكن الفشل كان العنوان األبرز حيث‬ ‫رفض الشارع السعودي الواسع االنصياع وراء دعوات‬ ‫«الفنت الطائفية» التي تلقى لها آذانا صاغية بني احلني‬ ‫واآلخر في بعض الدول اخلليجية‪.‬‬

‫في ‪ 11‬مارس ‪ 2012‬وأسوة مبا حدث في تونس ومصر‬ ‫وبقية دول «الربيع العربي» قامت مجموعة غير‬ ‫معروفة بإنشاء صفحة على الفيسبوك تدعو فيها‬ ‫السعوديني الى «جمعة تظاهر»‪ ..‬لكن ما حصل‬ ‫«يوم حنني» فاجأ من دعا للتظاهر‪ ،‬وإن لم يفاجئ‬ ‫السعوديني أنفسهم‪ ،‬حتى أن عددا ً من الذين ساندوا‬ ‫«دعوة التظاهر» قالوا إنهم نادمون و محبطون‪ ،‬بعد‬ ‫«الفشل الذريع» للدعوة واحجام السعوديني عن‬ ‫االستجابة لهكذا دعوات‪.‬‬ ‫يقول الكاتب والصحافي السعودي مشاري الذايدي في‬ ‫مقال له بجريدة «الشرق األوسط» أنه «بعد اإلخفاق‬ ‫الذريع ليوم «حنني» في السعودية‪ ،‬حيث لم تخرج وال‬ ‫خمس مظاهرة في السعودية‪ ،‬أسقط في يد القوم‪،‬‬ ‫من حرض على حنني‪ ،‬ومن كان يتمنى في نفسه أن‬ ‫حتصل مسيرة تؤكد أوهامه حول وجود حالة غضب‬ ‫«سياسي» لدى السعوديني‪.‬‬


‫تصدوا لها ولدور تيارات دينية وقومية في دعمها‬ ‫واالستفادة منها‪ ،‬وحاول كثيرون رسم االستراتيجية‬ ‫التي تعتمدها «حركة التغيير» وهو ما خلصه‬ ‫الدكتور علي راشد النعيمي بقوله إن استراتيجية‬ ‫األكادميية تبدأ باستهداف رموز الدولة أوال ً وبالذات‬ ‫أجهزة األمن ومن ثم استخدام العديد من الوسائل‬ ‫مثل االحتجاجات واملظاهرات واالضرابات لتحقيق ذلك‪،‬‬ ‫ويؤكد على حتالفها مع اإلخوان املسلمني حتدي ًدا‪.‬‬ ‫يبدو من الصعب استبعاد الربط بني اإلسالميني‬ ‫واألكادميية‪ ،‬فمديرها العام د‪ .‬هشام مرسي هو صهر‬ ‫الشيخ القرضاوي‪ .‬يقول الكاتب واحمللل السياسي‬ ‫مشعل النامي إ ّن ملتقى النهضة يعد غطاء ألكادميية‬ ‫التغيير‪ ،‬ويقول «ليست جديدة هي مشاريع النهضة‪،‬‬ ‫لكن اجلديدة هي مشاريع التثوير» وميضي أبعد من ذلك‬ ‫إذ يقول عن جاسم سلطان اإلسالمي القطري املعروف‪،‬‬ ‫أنه املنظر لألكادميية‪ ،‬يبدو ذلك حينما يقول «إ ّن مشروع‬ ‫النهضة يعتبر املنظر واملرجع ألكادميية التغيير‪.‬‬ ‫في ‪ 12‬أبريل ‪ 2012‬عرضت قناة «العربية» فيلما ً‬ ‫بعنوان «البحث عن املؤامرة» تناولت فيه شهادة‬ ‫الكاتب البحريني يوسف البنخليل‪ ،‬والرياضي البحريني‬ ‫والناشط على مواقع التواصل االجتماعي عبد العزيز‬ ‫مطر عن دور «أكادميية التغيير»‪ .‬وبحسب إفادات‬ ‫البنخليل ومطر «فإن القائمني على األكادميية حاولوا‬ ‫إقناعهما بأنهما قادران على إحداث تغيير في الشارع‬ ‫البحريني‪ ،‬واملساعدة في القضاء على دور الدولة‬ ‫الداعمة للحكم في مملكة البحرين»‪ ،‬وأكدا أنهما‬ ‫«خضعا لبرنامج مكثف في فيينا أكسبهما املعرفة‬ ‫بشأن خلق الفوضى السياسية‪ ،‬وحرب الالعنف عبر‬ ‫األدوات االحتجاجية بقصد تشكيل حراك سني‬ ‫معارض يلتقي مع املعارضة الشيعية الحقا ً لتكوين‬ ‫تكتل معارض يفضي مع الزمن لتغيير نظام احلكم في‬ ‫البحرين»‪.‬‬ ‫استشف كثيرون من ذلك أن اخلطر ال يقتصر على‬ ‫دول العالم العربي البعيدة‪ ،‬بل يطاول دول اخلليج‪،‬‬ ‫ولكن كيف يرى القطريون ذلك‪ .‬جواهر بنت محمد‬ ‫آل ثاني‪ ،‬هاجمت رؤية املؤامرة‪ ،‬التي قالت إن فيلم قناة‬ ‫العربية حبكها حول األكادميية ورأت أنه جاء «مخيبا ً‬ ‫للتطلعات‪ ،‬كما فعل فيلم اجلزيرة من قبل‪ ،‬ففيه ثغرات‬ ‫ال تُسد‪ ،‬وأخطاء ال ميكن إغفالها‪ .‬ال ميكن ربط ما يحدث‬ ‫في البحرين والعالم العربي بنظرية املؤامرة‪ ،‬واألكادميية‪،‬‬

‫د‪ .‬علي اخل�شيبان‪ :‬جمعيات املجتمع املدين‬ ‫ج�سر لتمرير القالقل وتنفيذ خمططات خارجية‬ ‫* هل يجوز‪ ،‬من وجهة نظركم‪ ،‬أن تتلقى هذه جمعيات اجملتمع املدني‬ ‫دعما ماليا وماديا أجنبيا ـ من جهات ومنظمات عاملية؟‬ ‫ـ أوال من طبيعة منظمات اجملتمع املدني أن يكون الدعم عادة من قبل‬ ‫أعضائها‪ .‬ولكن في اآلونة األخيرة انتشرت ظاهرة وهي أن هناك دوال قد‬ ‫ترى في هذه اجلمعيات ما يسير مع منهجها وما يتوافق مع أهدافها‪،‬‬ ‫فتبدأ بالتواصل مع بعض هذه اجلمعيات أو املنظمات‪ ،‬ثم تقدم لها‬ ‫الدعم‪ .‬لكن هل يجوز هذا أم ال يجوز‪ ،‬الواقع أن املسألة معقدة جدا‪،‬‬ ‫ألنه إن كان لهذا الدعم أهداف تؤثر على هذه الدول‪ ،‬فهنا نقول إنه أمر ال يجوز‪ ،‬ألنه بذلك تصبح‬ ‫هذه املؤسسات على شكل جسور لتنفيذ مخططات خارجية‪ .‬أما إذا كان الدعم يهدف إلى تعزيز‬ ‫مؤسسات اجملتمع املدني‪ ،‬وتعزيز الدميقراطية واحلرية والعدالة في أي دولة من الدول فهذا اجلانب‬ ‫أعتقد أنه مناسب‪ ،‬بشرط أال يكون خلف هذا الدعم أية أهداف مشبوهة‪ .‬ولكن من وجهة نظري أنه‬ ‫ال ميكن أن يأتي دعم إال ويكون حتته أهداف‪ ،‬إال إذا كان هذا الدعم الذي يأتي على شكل استشارات أي‬ ‫دعم مهني علمي وليس دعما ماليا‪ .‬فاملال ال بد أن يكون وراءه شيء وبخاصة لبلدان العالم الثالث‪.‬‬ ‫* هل تعتقدون أن لهذه اجلمعيات دورا في القالقل في بعض دول اخلليج‪ ،‬وما يسمى ثورات‬ ‫الربيع العربي؟‬ ‫ـ بالنسبة لدول اخلليج ال يوجد هناك منظمات أو جمعيات مؤسسات مجتمع مدني ظاهرة للعيان‬ ‫نقول إنها تتلقى دعما‪ ،‬وإذا كانت هناك صورة من هذا في اخلفاء‪ ..‬ولكن أقول إن هذه اجلمعيات في‬ ‫بعض دول العالم العربي قد تستجيب ألهداف ومرامي هذه الدول الداعمة‪ ،‬ولكن على اعتبار أن هذه‬ ‫اجلمعيات قليلة اخلبرة في التعامل مع الدميقراطية وقضايا الثورات‪ ،‬لذلك ترتبك وتطلب العون من‬ ‫اخلارج‪ ،‬لذا فإن بعض الدول جتد في هذه اجلمعيات لقمة سائغة تستثمرها لتمرير بعض األهداف‪.‬‬ ‫ولكن‪ ،‬وهذا من وجهة نظري‪ ،‬إن مؤسسات اجملتمع املدني في البلدان العربية ليست بالنضج الذي‬ ‫يؤهلها حقيقة ألن تكون ذراعا قويا للتسبب في قالقل أو ثورات‪ ،‬ولكن من املمكن أن تكون جسرا‬ ‫لتمرير مثل هذه القالقل‪.‬‬ ‫* هل ترون أن ثمة مخططا وتنسيقا بني هذه املنظمات ودوائر ومؤسسات أجنبية‪ ،‬في محاولة‬ ‫لزعزعة االستقرار في دول اخلليج؟‬ ‫ـ بالتأكيد هناك كثير من املؤسسات لها عالقات‪ ،‬وأهدافها إثارة القالقل داخل دول اخلليج العربي‪.‬‬ ‫أيضا هناك جمعيات حتت غطاء ديني متارس هذا العمل للهدف نفسه‪ .‬ولكن القضية األساسية في‬ ‫مؤسسات اجملتمع املدني ذات العالقة باخلارج أنها تصبح أدوات للتنفيذ‪ ،‬لذلك أنا أشك في استقاللية‬ ‫كثير من مؤسسات اجملتمع املدني في مجتمعاتنا العربية‪ .‬لذلك ال يستبعد أن تكون مكانا لتنفيذ‬ ‫بعض األهداف‪ ،‬وبخاصة أن اخلليج العربي بحكم قوته االقتصادية‪ ،‬والتعاون بني دوله سيكون هدفا‬ ‫مباشرا للكثير من الدول التي حتاول أن تنقل ظاهرة الثورات العربية إلى هذه املنطقة‪.‬‬

‫فهد الشقيران‪ :‬صيغة اإلخوان املسلمني معروفة‪ ،‬من أبرز مرتكزاتها سهولة "االمتطاء"‪،‬‬ ‫هناك منظمات امتطوها لتحقيق مآربهم االنقالبية‪ ..‬وأكادميية التغيير مثال تأتي ضمن‬ ‫سياق آلية االمتطاء اإلخوانية املتبعة‪ .‬وال شك أن األحداث احلالية العربية فرّخت عن مرحلة‬ ‫إخوانية أخرى‪ ،‬أو والدة إخوانية ثانية في اخلليج إذ جنّدت الشباب الذين أغرتهم رومانسية‬ ‫االحتجاجات ليكونوا ضمن سياقها‬

‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫‪37‬‬


‫حتقيق‬

‫عبد احلميد االنصاري‪ :‬بعض املنظمات املدنية مخترقة من قبل جهات ذات‬ ‫توجهات ايدولوجية محددة أو من جماعات تسعى للنفوذ والسلطة‪ ،‬وبالتالي‬ ‫ليس لنا منظمات مجتمع مدني باملعنى احلقيقي تشتغل بالهم العام وامنا‬ ‫تنافس اجلماعات السياسية وتسعى للكسب االعالمي واجلماهيري‪ ..‬واشكالية‬ ‫هذه املنظمات ال تفرق في دورها كدور تربوي وتعبوي وفكري وحضاري وهذه مأساة‬ ‫اجملتمع املدني العربي‬ ‫مظالم واقعة بها‪ ،‬يبحث املستبدون عن أي حيلة‬ ‫ليقنعوا الشعوب بأنها لم تثر‪ ،‬لقد كانوا مجرد دمى‬ ‫في يد آخرين»‪ .‬وتؤكّد «ما يعنينا اليوم هو اإلجابة عن‬ ‫أسئلة املستقبل التي ستثور في األذهان بعد ما يقرب‬ ‫من خمس سنوات من اآلن»‪.‬‬

‫التغيير إلى مجتمعات قوية أم ضعيفة؟»‪ ،‬ويطرحون‬ ‫رغبتهم في حتصني الشعوب من القابلية لالستبداد‪،‬‬ ‫فاستمراريتهم مرهونة بأن «ثقافة التغيير ال تنتهي»‪،‬‬ ‫ويقولون ‪»:‬تقاوم الديكتاتوريات العلم بتخويف‬ ‫الشعوب من التدريب املالزم له»‪.‬‬

‫تواصل األكادميية في تعريفها لذاتها «إن اجملتمعات‬ ‫التي قطعت شوطا ً كبيرا ً على طريق التحرر من‬ ‫الديكتاتورية عليها أن جتعل العلم دعامة قوتها في‬ ‫كل مجال‪ ،‬ومنها علوم التغيير»‪ ،‬وبأسلوب ذكي‬ ‫يجيبون عن سؤال‪ :‬إن كانوا سيستمرون في التدريب‬ ‫بعد الثورات؟ فيقولون ‪»:‬هل نريد أن تنتهي مشاريع‬

‫مشاريع التثوير‬ ‫كان أول نشاط لألكادميية في العام ‪ 2006‬وكانت‬ ‫البداية منطقة احمللة في مصر بإضراب أكثر من‬ ‫عشرين ألف عامل نسيج وملدة ستة أيام‪.‬‬

‫عربية‬ ‫لألكادميية ولقيت عناية‬ ‫التمويلية الالزمة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ورضا «اإلخواني» الشيخ يوسف القرضاوي‪ .‬يرى‬ ‫مراقبون رابطا بينها وبني حركة ‪ 6‬أبريل وما تلقته‬ ‫من دعم‪ ،‬حيث ساهمت األكادميية في تسهيل عالقة‬ ‫‪ 6‬أبريل بواشنطن ما سمح في ‪ 20‬نوفمبر (تشرين‬ ‫الثاني) ‪ 2008‬مبشاركة وفد من احلركة في اجتماع‬ ‫في نيويورك‪ ،‬وأعقبها مشاركات في املؤمترات العاملية‬ ‫للشباب في مكسيكو سيتي ‪ 2009‬ولندن ‪.2010‬‬ ‫حير‬ ‫وانعكس كل ذلك على أداء احلركة بشكل الفت ّ‬ ‫الشرطة املصريّة‪.‬‬

‫بعد أحداث احمللة مت تأمني الرعاية اإلعالمية والقدرات‬

‫كثيرون حتدثوا عما سموه خيوط املؤامرة‪ ،‬وكثيرون‬

‫‪36‬‬


‫أكادميية التغيير‪ ..‬التمويل األجنبي والفوضى اخلالقة‬

‫اخلليج‪ ..‬الرقم الصعب‬

‫منذ بداية ما أصبح يعرف بـ"الربيع العربي"‪ ،‬طفت على السطح قضية "التمويل اخلارجي" جلمعيات ومنظمات ما يعرف باجملتمع‬ ‫املدني في طول العالم العربي وعرضه‪ .‬لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل فعال كان لهذه اجلمعيات دور رئيس في "الثورات" أم أن دورها‬ ‫امللح‬ ‫كان "مصاحبا" إن لم نقل ثانويا؟ ومهما كان الدور الذي لعبته قبل "الزلزال" وتلعبه اآلن في فترة "االرتدادات" يبقى السؤال‬ ‫ّ‬ ‫وهو هل يجوز ألي جهة "وطنية" أن تقبل دعما من "األجنبي" وإن كان حتت غطاء دعم الدميقراطية وحماية حقوق االنسان‪ .‬التمويل‬ ‫األجنبي لبعض املؤسسات في دول اخلليج العربي ال يخفى على الكثيرين‪ ،‬لكن في السنوات األخيرة برزت أكادميية التغيير‪ ،‬التي لها فرع‬ ‫في اخلليج‪ ،‬كموضوع جدلي بخاصة في ظل ما تشهده املنطقة من "فوضى" خطط لها أن تكون "خالقة" لكن ومع ما يحدث في‬ ‫بقية بلدان "الربيع" أصبح موضوع "التمويل األجنبي" قضية "أمن قومي"‪ ..‬بامتياز‪.‬‬ ‫احملرر الثقافي‬ ‫في مطلع فبراير (شباط) عام ‪ 2006‬استضافت إحدى‬ ‫العواصم اخلليجية «منتدى املستقبل»‪ ،‬الذي أثيرت‬ ‫حوله الكثير من نقاط االستفهام ما اضطر البعض‬ ‫إلى االنسحاب معتبرا املنتدى اجتماعًا مؤامراتيا‬ ‫استخباراتيا فاضحا‪.‬‬ ‫املنسحبون رأوا أ ّن حلقات النقاش واالقتراحات كلها‬ ‫انقالبية ‪-‬‬ ‫انتقالية ‪ -‬حينها كانت‬ ‫المست مفردات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫واضحة عن «الدميقراطية‪ ،‬التغيير الواجب‪ ،‬التحفيز‪،‬‬ ‫التدريب‪ ،‬والعمل على دعم الراغبني في تغيير‬ ‫األنظمة»‪ ،‬كان عرّاب املنتدى كلينتون وابنته‪ ،‬وكانت‬ ‫شعلة احلماس كونداليزا رايس إحدى «املبشرات»‬ ‫بالفوضى اخلالقة التي ستفرز حتما شرق أوسط‬ ‫جديدا‪.‬‬ ‫تقوم اكادميية التغيير‪ ،‬التي أشرفت على املنتدى‪،‬‬ ‫بتدريب الشباب في ال ّدوحة وفيينا وعبر االنترنت ومواقع‬ ‫اليوتيوب وحتت عناوين كثيرة منها أفكار الثورة‪ ،‬وأفكار‬ ‫للثوار وكيفية التعامل مع القوى التقليدية‪ ،‬وتكتيكات‬ ‫التفاوض وأسلوب «رفع سقف مطالب وتنفيذ خطوات‬

‫العصيان املدني وإبراز بعض املعاني الرمزية مثل حمل‬ ‫املصاحف وإضاءة الشموع ودق الطبول وحمل األعالم‬ ‫الوطنية‪.‬‬ ‫مؤسسة التغيير‪ ..‬بلسانها‬ ‫مؤسسة‬ ‫بحسب تعريف األكادميية لنفسها‪ ،‬فإنها‬ ‫ّ‬ ‫تأسست في لندن في مارس‬ ‫بحثية غير‬ ‫علمية‬ ‫ربحية‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫(آذار) من العام ‪ .2006‬ثم تأسس لها فرع الدوحة في‬ ‫‪ 6‬سبتمبر (أيلول) ‪ .2009‬ثم تأسس فرع فيينا في‬ ‫‪ 1‬مايو (أيار) ‪ .2010‬وتقول في موقعها اإللكتروني‬ ‫إنها «مبادرة شبابية مستقلة‪ ،‬ال تخضع في دعمها‬ ‫واضحا أ ّن التعريف‬ ‫ألي دولة أو طرف سياسي»‪ ،‬ويبدو‬ ‫ً‬ ‫اخملتار‪ ،‬مت تعديله بعد األحداث العربية في العام ‪،2011‬‬ ‫للجمعية بأنها ذات صلة‬ ‫فقد كُثفت االتهامات‬ ‫ّ‬ ‫مباشرة بالتيارات اإلخوانية‪ ،‬واتهامات بتلقي متويل من‬ ‫دول محددة‪.‬‬

‫حسب األكادميية فإن انتاجها األكادميي مبني على‬ ‫أدبيات الالعنف‪ ،‬والنّضال السلمي واالحتجاج الشعبي‪،‬‬ ‫وترتكز على ما تسميه «ثورة العقول‪ ،‬أدوات التغيير‪،‬‬

‫استشراف املستقبل» يُديرها‪ ،‬هشام مرسي «يُصنف‬ ‫على أنه إسالمي عاش في لندن‪ ،‬وهو صهر القرضاوي‪،‬‬ ‫اعتقل من قبل اخملابرات املصرية بعد الثورة وأفرج عنه‬ ‫بضغط بريطاني» ويعينه أحمد عبد احلكيم‪ ،‬وائل عادل‪،‬‬ ‫ويشتركون في ترجمة الكتب وإعداد الدراسات والتدريب‪.‬‬ ‫وفي تعريفها تذكر املؤسسة أنها كانت حلم ثالثة‬ ‫حلما للماليني‪ .‬وحتاول أن تنفي‬ ‫أشخاص‪ ،‬وأصبحت‬ ‫ً‬ ‫املؤسسة شبهة تلقيها للتمويل من دول بعينها‬ ‫بالقول بأن متويلها ذاتي ونشاطاتها تطوعية‪.‬‬ ‫بحسب املؤسسة فإنها تركز على قضية بناء‬ ‫اجملتمعات القوية‪ ،‬وترى أن أولى اخلطوات العملية هي‬ ‫حترير كل اجملتمعات األرضية من قوى االستبداد والظلم‬ ‫والدكتاتورية‪ ،‬عبر النضال السلمي‪.‬‬ ‫تقول األكادميية في الرّد حول عالقتها بالثورات «ال‬ ‫يخطط للثورات من داخل األكادمييات العلمية‪ ،‬قد‬ ‫تبشر بها املؤسسات العلمية باعتبارها نبوءة مؤكدة‬ ‫يدعمها العلم»‪ .‬وتقول «وعندما تثور الشعوب جراء‬

‫حتول إلى‬ ‫يوسف الديني‪ :‬اجلمعيات ذات الصبغة الفردية وهي في غالبها منح ّ‬ ‫نشاط سياسي عبر بوابة دعم اجملتمع املدني وحقوق اإلنسان وعادة ما تعمل‬ ‫بشكل غير قانوني يتدخل في سيادة الدول أو من خالل العمل من خارج تلك‬ ‫الدول مبا يخترق السيادة ورمبا كان دور مثل هذه اجلمعيات هو البديل اآلمن لدعم‬ ‫املعارضة مسلحة أو سلمية في حقبة احلرب الباردة‬

‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫‪35‬‬


‫حتقيق‬

‫‪34‬‬


‫بعلم احلكومة املصرية‪ ،‬فإن املثير للجدل في هذا‬ ‫األمر أن األغراض املعلن عنها لدي وزارة التضامن‬ ‫بشأن هذه األموال‪ ،‬هي مساعدة الفقراء وكفالة‬ ‫األيتام وترميم وإنشاء املساجد‪ ،‬وهي أغراض‬ ‫ال تتفق مع حجم التمويل الوارد إليها‪ ،‬مما يثير‬ ‫الشبهة في نشاط هذه اجلمعية وما مت صرفه من‬ ‫هذا التمويل املقدم��� ،‬كما أن جزءا كبيرا من املبالغ‬ ‫املرسلة مت وضعه حتت بند سمي "قضايا تنموية‬ ‫مختلفة"‪.‬‬ ‫واألغرب من ذلك ما كشفت عنه جريدة الفجر‬ ‫املصرية من أن نشاط املنظمات اخلمس األجنبية‪،‬‬ ‫التي مت القبض على أصحابها في قضية التمويل‬ ‫حتول من دعم احلزب الوطني إلى متويل وتدريب‬ ‫أحزاب أخرى‪ ،‬بعضها ديني‪ ،‬وبلغ إجمالي األحزاب‬ ‫السياسية التي انتقل لها التدريب والتمويل‪47‬‬ ‫حزبا سياسيا‪ ،‬كان في مقدمتهم حزب احلرية‬ ‫والعدالة الذراع السياسية جلماعة اإلخوان‬ ‫املسلمني‪ ،‬وحزب النور السلفي‪ ..‬اللذان حصال‬ ‫وحدهما على أكثر من ‪ 60‬في املائة من إجمالى‬ ‫التمويل األميركي البالغ ‪ 55‬مليون دوالر‪ ،‬كانت‬ ‫تنفق على برامج تدريب سياسي ودعم إعالمي‬ ‫حلشد الناخبني لصاحلهما‪ ،‬من خالل أنشطة وورش‬ ‫عمل ودورات تدريبية‪.‬‬ ‫وهو نفس األمر الذي أكدته احملامية املصرية‬ ‫والناشطة السياسية راجية عمران‪ ،‬وقالت إن‬ ‫املعهد الدميقراطي األميركي قدم تدريبات سياسية‬ ‫ألحزاب مصرية‪ ،‬من بينها حزب النور وحزب احلرية‬ ‫والعدالة وحزب العدل وحزب املصريني األحرار‪ .‬وهو‬ ‫ما يثيرعالمات الدهشة حول اإلزدواجية والتناقض‬ ‫في مواقف بعض أنصار التيار الديني اإلسالمي من‬ ‫قضية التمويل األجنبي‪.‬‬ ‫قواعد الزمة‬ ‫وأمام هذه احلالة من الغموض ألوضاع تلك املنظمات‬ ‫املالية‪ ،‬يثور الساؤل امللح‪ :‬هل يسمح لها بالتمويل‬ ‫من اخلارج أم ال؟ وبتوجيه هذا التساؤل لبعض‬ ‫اخلبراء إختلفت اإلجابة وفقا للرؤى اخملتلفة‪ .‬يقول‬ ‫الدكتور محمد مرسي أستاذ العالقات الدولية‬ ‫بجامعة مصر أن أي بلد في الدنيا له قواعد وقوانني‬ ‫وأعراف يجب احترامها‪ ،‬ومنها القوانني التي حتكم‬ ‫العمل األهلي‪ ،‬ويجب أن تعمل املنظمات في‬ ‫إطارها وال تخرج على أعرافها‪ ،‬وبالنسبة ملصر‪،‬‬

‫فإن السؤال املثار هو‪ :‬هل توجد مثل هذه القواعد‬ ‫امللزمة للمنظمات للعمل بها من عدمه‪ ،‬فهذه‬ ‫املشكلة األساسية ملوضوع التمويل األجنبي!‬ ‫ويضيف أن مكمن اخلطورة في عدم وضوح تلك‬ ‫القواعد مبا يسمح للمنظمات باحلصول على‬ ‫متويل بال رقابة‪.‬‬ ‫وتأتي اخلطورة ألن كل منظمة تبحث عن‬ ‫مصلحة اجلهة املمولة لها‪ ،‬كما أن اجلهات‬ ‫املمولة عادة ما تبحث في مصلحة البلد التي‬ ‫تنتمى إليها‪ ،‬بصرف النظر عن مصلحة البلد‬ ‫الذي توجه له تلك األموال‪ ،‬رغم استخدام‬ ‫شعارات براقة ورنانة‪.‬‬ ‫ويتوقف الدكتور محمد مرسي عند اجلماعات ذات‬ ‫الصبغة الدينية موجها لها انتقادات شديدة‪،‬‬ ‫حيث يقول إن األمر ال يتوقف عند مراقبة اجلماعات‬ ‫السياسية واحلقوقية فقط‪ ،‬بل يجب مراقبة‬ ‫اجلمعيات الدينية أيضا التي تتلقى متويالت من‬ ‫اخلارج تضر بالبلد ويجب أن تكون مراقبة وفق‬ ‫القواعد الصارمة التي نتحدث عنه‪ .‬وأضاف قائال‬ ‫أنا أدعو تلك اجلماعات التي تتكلم باسم اإلسالم‪،‬‬ ‫وتتصرف ببراغماتية أن تنحي مصاحلها وأهداف‬ ‫أحزابها وجماعاتها جانبا‪ ،‬لتعلي مصلحة البالد‪،‬‬ ‫حتى نخرج من هذه املرحلة التحضيرية للمرحلة‬ ‫االنتقالية التي ستأتي مع تولي رئيس جديد‬ ‫ملصر‪.‬‬ ‫ضرورة ال بد منها‬ ‫الدكتور أنور مغيث أستاذ الفلسفة السياسية‬

‫بجامعة حلوان القاهرية يرى أن نشاط منظمات‬ ‫اجملتمع املدني ضرورة لكل الشعوب في مواجهة‬ ‫استبداد الدولة واخلروج من قبضتها‪.‬‬ ‫ويقول إنه على الرغم مما يثار حولها من جدل‪،‬‬ ‫إال أنها مفيدة‪ ،‬ألن اجملتمع ينقسم إلى دولة‬ ‫مبؤسساتها وافراد‪ ،‬وأن اجملتمع املدني هو احلل‬ ‫الوحيد أمام األفراد لتنسيق اجلهود اجلماعية من‬ ‫دون اخلضوع لسلطة الدولة‪ ،‬وهو ال يعنى أن تكون‬ ‫بالضرورة ضد الدولة‪ ،‬لذا ينبغى السماح لهذه‬ ‫املنظمات بالعمل في إطار من احلرية والشفافية‪،‬‬ ‫مع خضوع لدرجة من الرقابة يحددها ممثلو‬ ‫الشعب أنفسهم‪ ،‬من خالل ما يسن من قوانني‪،‬‬ ‫مع مالحظة أن هذه القوانني تتفاوت من بلد‬ ‫آلخر في مستوى التضييق على املنظمات‪ ،‬فهي‬ ‫تكون ميسرة في دول مثل أميركا وفرنسا وأملانيا‪،‬‬ ‫بينما تفرض دول أخرى قيودا عديدة‪ ،‬وكلما كانت‬ ‫قبضة الدولة قوية‪ ،‬كان اجملتمع املدني بها غير‬ ‫رشيد‪.‬‬ ‫وفيما يتعلق مبسألة التمويل أكد مغيث أن‬ ‫التمويل األجنبي أمر ضروري للمنظمات ذات‬ ‫الطبيعة اإلنسانية أو التي تصب في اجتاه أخالقي‬ ‫مثل التمويل الذي تتبناه منظمة ‪green earth‬‬ ‫لرعاية البيئة في العالم‪ ،‬ومن ثم يجب عدم‬ ‫التضييق عليها‪.‬‬ ‫أما املنظمات األخرى فال قلق من حصولها على‬ ‫متويل‪ ،‬طاملا أن األمر يتم في إطار قانون ينظم‬ ‫املسألة‪ ،‬ويضمن شفافيتها>‬

‫د‪ .‬أنور مغيث‪ :‬رغم ما يثار حول اجلمعيات من جدل‪ ،‬إال أنها مفيدة ألن اجملتمع ينقسم إلى دولة‬ ‫مبؤسساتها وأفرادها‪ ..‬واجملتمع املدني هو احلل الوحيد أمام األفراد لتنسيق اجلهود اجلماعية من‬ ‫دون اخلضوع لسلطة الدولة‪ ..‬كلما كانت قبضة الدولة قوية‪ ،‬كان اجملتمع املدني بها غير رشيد‬ ‫*أستاذ الفلسفة السياسية بجامعة حلوان‬ ‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫‪33‬‬


‫حتقيق‬

‫‪ 150‬ألف دوالر‪.‬‬

‫الهولندية في القاهرة‪ ،‬للحصول‬ ‫على متويل مشروع ملراقبة االنتخابات‬ ‫البرملانية"‪ .‬وقالت البرقية "أدلى أبو‬ ‫سعدة مبالحظة أن املنظمة املصرية‬ ‫حلقوق اإلنسان تقبل بشكل روتيني‬ ‫متويالت من أوروبا‪ ،‬ومن الوقف القومي‬ ‫األميركي للدميقراطية"!‬

‫أكبر متويل للسنّة احملمدية‬ ‫ولم يقتصر اجلدل على متويل تلك‬ ‫اجلمعيات احلقوقية أو ذات الصبغة‬ ‫السياسية‪ ،‬إمنا امتد اجلدل ليشمل‬ ‫جمعيات ومنظمات دينية كبرى‪.‬‬

‫ففي الوقت الذي انتفض فيه البرملان‬ ‫املصري بأغلبيته اإلسالمية ضد متويل‬ ‫اجلمعيات األهلية املصرية من جهات‬ ‫خارجية‪ ،‬كانت هناك جمعيات أخرى‬ ‫دينية ينتمى رؤساؤها للتيار اإلسالمي‬ ‫كشفت التحقيقات عن تورطها هي‬ ‫األخرى في احلصول على متويل أجنبي‪.‬‬

‫الصندوق الوطني للدميقراطية‬ ‫يعد الصندوق الوطني للدميقراطية‬ ‫(‪  )NED‬أحد املنظمات األجنبية‬ ‫الكبرى العاملة في مصر‪ ،‬ضمن‬ ‫نشاطها في مختلف أنحاء العالم‪،‬‬ ‫ومنذ تأسيسه في عام ‪ ،1983‬ظل‬ ‫الصندوق في طليعة الذين يعملون‬ ‫حتت شعارالنضال الدميقراطي في‬ ‫كل مكان‪ ،‬مع تطوره في الوقت‬ ‫ذاته إلى مؤسسة متعددة اجلوانب‬ ‫تعد محورا للنشاط واملوارد‪ ‬والتبادل‬ ‫الفكري للنشطاء والباحثني في‬ ‫مجال الدميقراطية في جميع أنحاء‬ ‫العالم‪.‬‬

‫وهو مؤسسة خاصة غير ربحية‬ ‫تابعة للكونغرس األميركي مكرسة‬ ‫لتحقيق النمو وتعزيز املؤسسات‬ ‫الدميقراطية في جميع أنحاء العالم‪.‬‬ ‫وفي كل عام‪ ،‬يقدم الصندوق الوطني‬ ‫للدميقراطية أكثر من‪ 1000 ‬منحة‬ ‫لدعم مشاريع اجلماعات غير‬ ‫احلكومية في اخلارج والتي تعمل من‬ ‫أجل األهداف الدميقراطية في أكثر‬ ‫من‪ 90 ‬بل ًدا‪.‬‬

‫في عام ‪ 2002‬بلغ عدد اجلمعيات األهلية‬ ‫واملدنية في مصر ‪ 34‬ألف جمعية‪ ،‬إال أنه‬ ‫بعد ثورة ‪ 25‬يناير ‪ ،2011‬مت تسجيل ‪3000‬‬ ‫جمعية جديدة في أربعة أشهر فقط‪ ،‬ليصبح‬ ‫العدد اإلجمالي ‪ 37‬ألف جمعية‬

‫وقد كشف املوقع الرسمى للصندوق‬ ‫عن قيامه بتمويل منظمات أهلية‬ ‫متنوعة التخصص والنشاط داخل‬ ‫مصر مبا يقرب من مليون ومائة ألف‬ ‫دوالر‪ ،‬منها معهد األندلس لدراسات‬ ‫التسامح ونبذ العنف مببلغ ‪48900‬‬ ‫دوالر‪ ،‬واملؤسسة العربية لدعم‬ ‫اجملتمع املدني مببلغ ‪ 25‬ألف دوالر‪،‬‬ ‫واجلمعية العربية حلقوق اإلنسان‬ ‫بتمويل ‪ 22600‬دوالر‪ ،‬وجمعية‬ ‫تقدم املرأة والتنمية مببلغ ‪ 20‬ألف دوالر‪ ،‬وجمعية‬ ‫احملاميات املصريات مببلغ ‪ 22‬ألف دوالر‪ ،‬ومركز‬ ‫اجلسر للحوار والتنمية مببلغ ‪ 25‬ألف دوالر‪،‬‬ ‫ومرصد مراقبة حقوق اإلنسان واملوازنة واحلاصل‬ ‫على ‪ 25‬ألف دوالر‪ ،‬ومركز املساعدة القانونية‬ ‫للمرأة املصرية احلاصل على ‪ 34400‬دوالر‪ ،‬ومركز‬ ‫املشروعات اخلاصة الدولي احلاصل على ‪187569‬‬ ‫دوالراً‪ ،‬ومركز احلق للدميقراطية وحقوق اإلنسان‬ ‫احلاصل على ‪ 19400‬دوالر‪ ،‬واملركز املصري للحق‬ ‫في التعليم احلاصل على ‪ 25300‬دوالر‪ ،‬ومعهد‬ ‫الدميقراطية املصري ‪ 48900‬احلاصل دوالر‪ ،‬واالحتاد‬

‫‪32‬‬

‫فقد تلقت جلنة تقصي احلقائق‬ ‫اخلاصة بقضية التمويل األجنبي‬ ‫خطاب وزير التضامن والعدالة‬ ‫االجتماعية املصري املؤرخ في ‪10‬‬ ‫أغسطس (آب) ‪ 2011‬مرفقا به‬ ‫ملف حول جمعية السنّة احملمدية‬ ‫تضمن نقاطا كثيرة شائكة‪ ،‬منها‬ ‫وجود متويل مقدم من مؤسسة‬ ‫الشيخ عيد بن محمد آل ثاني من‬ ‫دولة قطر يصل مجموعه إلى مائة‬ ‫وواحد وثمانني مليونا ً وسبعمائة‬ ‫وأربعة وعشرين ألفا وأربعمائة‬ ‫وستة وثمانني جنيها ً مصريا ً)‬ ‫لصالح جمعية أنصار السنّة‬ ‫احملمدية "املسجلة قانونيا" متت‬ ‫املوافقة عليه بتاريخ ‪2011/2/12‬‬ ‫من قبل وزير التضامن االجتماعي‬ ‫السابق الدكتور علي املصيلحي‪..‬‬ ‫هذا باإلضافة إلى حصول ذات‬ ‫اجلمعية على متويل آخر مقدم من‬ ‫"جمعية إحياء التراث اإلسالمي"‬ ‫بدولة الكويت‪ ،‬بلغ مائة وأربعة عشر‬ ‫مليونا ً وأربعمائة ثالثة وتسعني‬ ‫ألف وستمائة ثالثة وأربعني جنيها ً‬ ‫مصريا ً)‪ ،‬ليكون مجموع ما حتصلت‬ ‫عليه "جمعية أنصار السنة‬ ‫احملمدية " ومتت املوافقة عليه‬ ‫بتاريخ ‪ ،2011/2/21‬مائتني وستة وتسعني‬ ‫مليونا ومائتني وثمانية عشر ألفا وثالثمائة‬ ‫وأربعني جنيها ً مصريا ً (وتبني أن مبلغ الـ‪296‬‬ ‫مليون جنيه هو أضخم وأكبر مبلغ يرد في صورة‬ ‫تبرع من اخلارج جلمعية أهلية في عامي ‪2010‬‬ ‫و‪ 2011‬على مستوى جميع مديريات التضامن‬ ‫االجتماعي في اجلمهورية‪ ،‬بل وهو أيضا ً أضخم‬ ‫مبلغ يرد (علي اإلطالق) كتبرع في شهر واحد‬ ‫باملقارنة مع مجموع املبالغ التي ترد جلميع‬ ‫اجلمعيـات األهلية علي اختالف أنواعها في أي‬ ‫شهر طوال عامي ‪ 2010‬و‪.2011‬‬ ‫وإذا كان البعض ال يرى شيئا في األمر‪ ،‬طاملا كان‬

‫املصري للشباب الليبرالي على ‪ 33300‬دوالر‪،‬‬ ‫ومركز ابن خلدون للدراسات اإلمنائية احلاصل على‬ ‫‪ 65‬ألف دوالر من الصندوق‪ ،‬ومشروع دميقراطية‬ ‫الشرق االوسط بالقاهرة على ‪ 45300‬دوالر‪ ،‬ومركز‬ ‫العدل واملواطنة حلقوق اإلنسان على ‪ 20‬ألف دوالر‬ ‫واملركز اإلقليمي لألبحاث واالستشارات على ‪20‬‬ ‫ألف دوالر‪ ،،‬ومركز الدراسات احلضرية على ‪27‬‬ ‫ألف دوالر‪ ،‬وجمعية تنمية املرأة الريفية على‬ ‫‪ 20500‬دوالر‪ ،‬واحتاد احملامني للدراسات القانونية‬ ‫والدميقراطية على ‪ 20‬ألف دوالر‪ .‬هذا إلى جانب‬ ‫ما قدمه الصندوق من دعم ملؤسسات مصرية‬ ‫إقليمية صغيرة في ربوع مصر النائية‪ ،‬يبلغ حوالى‬


‫بواشنطن بتاريخ ‪ 21‬أبريل (نيسان) ‪،1983‬‬ ‫بغرض تشجيع املؤسسات احلرة في شتى أنحاء‬ ‫العالم‪ ،‬ورعاية التفاهم الدولي والتواصل والتعاون‬ ‫بني ممثلي احلزب الدميقراطي في الواليات املتحدة‬ ‫األميركية‪ ،‬وبني نظرائه السياسيني في اخلارج‪،‬‬ ‫وتبني أن فرع املعهد في مصر يتعامل مع البنك‬ ‫التجاري الدولي اعتبارا من ‪ 21‬نوفمبر ‪،2005‬‬ ‫ويحتفظ املعهد لدى فرع البنك بحسابني‬ ‫أحدهما بالدوالر األميركي والثاني باجلنيه املصري‪.‬‬ ‫وبتحليل احلسابات بالدوالر األميركي‪ ،‬تبني أنه‬ ‫اعتبارا من ‪ 1‬يناير ‪ 2007‬أظهر رصيدا دائنا‬ ‫مببلغ ‪ 118‬ألف دوالر أميركي‪ ،‬حتى بلغ إجمالي‬ ‫احلركات الدائنة الواردة عليه في ‪ 30‬سبتمبر‬ ‫‪( 2011‬مليوني دوالر أميركي) عبارة عن حتويالت‬ ‫واردة للمعهد من الواليات املتحدة‪ ،‬وبلغ إجمالي‬ ‫مبلغ احلركات املدينة على احلساب ‪ 1.6‬مليون‬ ‫دوالر أميركي‪ ،‬منها ‪ 1.3‬مليون دوالر حتويالت‬ ‫إلى احلساب باجلنيه املصري‪ ،‬والباقي شيكات‬ ‫منصرفة ألشخاص مجهولني‪ .‬بينما أظهر‬ ‫حتليل احلساب الثاني باجلنيه املصري في ‪ 1‬يوليو‬ ‫‪ ،2007‬رصيدا دائنا مببلغ ‪ 21‬ألف جنيه‪ ،‬وبلغ‬ ‫إجمالي احلركات الدائنة على هذا احلساب حتى‬ ‫‪ 30‬سبتمبر ‪ ،2011‬مبلغ ‪ 7‬ماليني جنيه تقريبا‪،‬‬ ‫عبارة عن حتويالت واردة من حساب املتهمني‬ ‫بالدوالر األميركي‪ ،‬ثم صرفها مبوجب شيكات‬ ‫باسم املتهمة ليلى وداد جعفر وآخرين‪.‬‬ ‫ولم تقتصر أموال املعهد عند ذلك فقط‪ ،‬حيث‬ ‫تبني من خالل التحقيقات أن التقرير املبدئي من‬ ‫اإلدارة العامة للمعلومات والتوثيق وإدارة مكافحة‬ ‫جرائم احلاسبات وشبكات املعلومات قسم‬ ‫املساعدات الفنية‪ ،‬انه بفحص احلواسب اآللية‬ ‫املضبوطة مت التوصل ملا يفيد بتلقي "املعهد‬ ‫الدميقراطي الوطني" باإلسكندرية وأسيوط ‪-‬‬ ‫جنوب مصر‪ -‬ملبالغ مالية وإنفاقها في معامالت‬ ‫وأنشطة مختلفة في الداخل واخلارج‪ ،‬فضال عن‬ ‫وجود بعض املستندات التي متس األمن القومي‪.‬‬ ‫وفي ذات الوقت أفادت مصلحة الضرائب املصرية‬ ‫بعدم وجود ملف ضريبي خاص باملعهد‪ ،‬وبذلك‬ ‫يكون غير مسجل مبصلحة الضرائب‪ ،‬مما يعد‬

‫مخالفة ألحكام القانون املصري رقم ‪ 91‬لسنة‬ ‫‪.2005‬‬ ‫املنظمة املصرية حلقوق اإلنسان‬ ‫نشأت املنظمة املصرية حلقوق االنسان عام‬ ‫‪ 1985‬كفرع للمنظمة العربية حلقوق االنسان‬ ‫باسم "الفرع املصري للمنظمة العربية حلقوق‬ ‫االنسان" وفي عام ‪ 1987‬قرر املؤسسون إنشاء‬ ‫منظمة مستقلة عن املنظمة العربية باسم‬ ‫املنظمة املصرية حلقوق االنسان حتت التأسيس‪،‬‬ ‫مع االحتفاظ بعضوية املنظمة العربية حلقوق‬ ‫االنسان‪ ،‬ومت التقدم بطلب لوزارة الشؤون‬ ‫االجتماعية املصرية‪ ،‬وفقا لقانون اجلمعيات رقم‬ ‫‪ 32‬لسنة ‪ ،1964‬وبعد محاوالت عديدة واللجوء‬ ‫للقضاء اإلداري على مدار ‪ 18‬سنة‪ ،‬مت احلصول‬ ‫على الترخيص وإشهار املنظمة املصرية حلقوق‬ ‫االنسان كجمعية أهلية‪ .‬وهي مسجلة لدى‬ ‫األمم املتحدة ولديها وضع استشاري باللجنة‬ ‫األفريقية حلقوق اإلنسان والشعوب‪.‬‬

‫وهي أيضا عضو في خمس منظمات تتمتع‬ ‫بالصفة االستشارية لدى اجمللس االقتصادي‬ ‫واالجتماعي باألمم املتحدة‪ ،‬كما أنها عضو‬ ‫باملنظمة الدولية حلرية الرأي والتعبير والتي تديرها‬ ‫اللجنة الكندية حلماية الصحافيني‪ .‬وعلى الرغم‬ ‫من اإلطار الرسمى القانوني للمنظمة املصرية‬ ‫حلقوق اإلنسان‪ ،‬إال أن األمور املالية اخلاصة بها غير‬ ‫واضحة املعالم‪ ،‬خاصة في ظل ورود اسم املنظمة‬ ‫ضمن املنظمات احلاصلة على متويالت أجنبية في‬ ‫تقارير عدة منها التقريراملالي السنوي للوقف‬ ‫القومي األميركي للدميقراطية (‪ )NED‬الذي‬ ‫كشف عن حصول املنظمة على ما يعادل مبلغ‬ ‫‪ 240‬ألف جنيه مصري في عام واحد‪ ،‬للتعريف‬ ‫بحقوق اإلنسان واحترامها في اجلامعات املصرية‪.‬‬ ‫كما كشفت إحدى برقيات "ويكليكس"عن تلقي‬ ‫املنظمة املصرية حلقوق اإلنسان‪ ،‬متويال أميركيا‬ ‫عن طريق منظمة في املغرب‪ .‬ونقلت البرقية‬ ‫التي حتمل رقم ‪ 09CAIRO748‬الصادرة من‬ ‫السفارة األميركية في القاهرة بتاريخ ‪ 30‬ابريل‬ ‫‪ 2009‬عن حافظ أبو سعدة رئيس املنظمة قوله‬ ‫للسفارة إنه "يجري مناقشات حاليا مع السفارة‬

‫الصندوق الوطني للدميقراطية (‪)NED‬‬ ‫الصندوق الوطني للدميقراطية ‪ -‬تأسس في عام‬ ‫‪ 1983‬باالشتراك بني اجلمهوريني والدميقراطيني‬ ‫وتتم إدارته من خالل جلنة متوازنة بني احلزبني حتظى‬ ‫بدعم الكونغرس األمريكي من مختلف االنتماءات‬ ‫السياسية‪ .‬يقوم بنشر معلومات حول جميع منحه‬ ‫وأنشطته على موقعه ‪ ،www.ned.org‬ويخضع‬ ‫للرقابة من قبل الكونغرس ووزارة اخلارجية و املراجعة‬ ‫املالية املستقلة‪.‬‬ ‫هذه املؤسسة األمريكية التي مقرها واشنطن‬ ‫مكرسة‪ ،‬بحسب ما جاء في تعريفها على موقعها‬ ‫االلكتروني‪ ،‬لتحقيق النمو وتعزيز املؤسسات‬ ‫الدميقراطية في جميع أنحاء العالم‪ .‬وفي كل عام‪،‬‬ ‫يقدم الصندوق أكثر من ‪ 1000‬منحة لدعم مشاريع‬ ‫اجلماعات غير احلكومية في اخلارج والتي تعمل من أجل‬ ‫األهداف الدميقراطية في أكثر من ‪ 90‬بل ًدا‪.‬‬ ‫وقد جاء في "بيان املبادئ واألهداف" الصادر عن‬ ‫الصندوق في ‪ 1984‬رؤيته للدميقراطية التي يرى أنها‬ ‫تنطوي على "حق الشعب في أن يقرر مصيره بحرية"‪.‬‬ ‫وبالتالي "تقتضي ممارسة هذا احلق وجود نظام يضمن‬ ‫حرية التعبير واالعتقاد واإلنتماء‪ ،‬واالنتخابات احلرة‬ ‫والتنافسية‪ ،‬واحترام حقوق األفراد واألقليات التي ال‬ ‫يجوز التصرف فيها و حرية وسائل االتصال‪ ،‬وسيادة‬ ‫القانون"‪.‬‬ ‫ولتحقيق أهدافه يعمل الصندوق الوطني للدميقراطية‬ ‫"على تعزيز منو مجموعة عريضة من املؤسسات‬ ‫الدميقراطية في اخلارج‪ ،‬مبا في ذلك األحزاب السياسية‬ ‫والنقابات العمالية واألسواق احلرة ومنظمات األعمال‪،‬‬ ‫فضال ً عن العديد من عناصر مجتمع مدني نابض‬ ‫باحلياة يكفل حقوق اإلنسان‪ ،‬استقاللية وسائل اإلعالم‬ ‫وسيادة القانون"‪.‬‬ ‫للصندوق تواجد في غالب الدول العربية وقدم معونات‬ ‫مالية لعدد كبير من اجلمعيات واملؤسسات في اجلزائر‬ ‫و البحرين و الكويت و سلطنة عمان و مصر و العراق‬ ‫و األردن و لبنان و ليبيا و املغرب و سوريا و تونس و‬ ‫فلسطني و اليمن‪.‬‬

‫آن بترسون جمللس الشيوخ األميركي‪ 600 :‬منظمة مصرية تقدمت بطلبات للحصول على‬ ‫املنح املقدمة ملنظمات اجملتمع املدني‪ ،‬وقد مت تخصيص ‪ 65‬مليون دوالر للمساعدات املتعلقة‬ ‫بدعم الدميقراطية في مصر‪ ..‬كل ذلك يأتي في إطار حفاظ الواليات املتحدة على مصاحلها في‬ ‫املنطقة ودعم الدميقراطية‪.‬‬ ‫* السفيرة األميركية في القاهرة‬

‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫‪31‬‬


‫حتقيق‬

‫د‪ .‬محمد مرسي‪ :‬أي بلد في الدنيا له قواعد وقوانني وأعراف يجب احترامها‪ ،‬ومنها القوانني التي حتكم‬ ‫العمل األهلي‪ ..‬يجب أن تعمل املنظمات في إطارها وال تخرج على أعرافها‪ ،‬وبالنسبة ملصر‪ ،‬فإن السؤال‬ ‫املثار هو‪ :‬هل توجد مثل هذه القواعد امللزمة للمنظمات للعمل بها من عدمه‪ ،‬فهذه املشكلة األساسية‬ ‫ملوضوع التمويل األجنبي!‬ ‫* أستاذ العالقات الدولية بجامعة مصر‬ ‫سعد الدين إبراهيم أستاذ االجتماع السياسي‬ ‫الشهير‪ ،‬الذي تعرض للسجن بسبب نشاط املركز‪،‬‬ ‫وذلك على الرغم من تأكيده على صدور أحكام‬ ‫قضائية نهائية برأت املركز من أية تهم‪.‬‬ ‫وكانت تقارير رسمية أشارت إلى ‪ 15‬شركة‬ ‫ومركزا حقوقيا مولتها الواليات املتحدة واالحتاد‬ ‫األوروبي‪ ،‬ومنها‪ :‬اجملموعة املتحدة "محامون ‪-‬‬ ‫استشاريون" ويديرها جناد البرعي‪ ،‬حصلت على‬ ‫متويل بنحو (‪ 907‬آالف دوالر)‪ ،‬ومركز القاهرة‬ ‫لدراسات حقوق اإلنسان (‪ 245‬ألف دوالر)‪ ،‬ومركز‬ ‫أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف‬ ‫(‪ 160‬ألف دوالر)‪ ،‬واملنظمة العربية لإلصالح‬ ‫اجلنائي التي حصلت على متويل بنحو ‪ 2.1‬مليون‬ ‫دوالر‪ ،‬باإلضافة ملركز ابن خلدون‪ ،‬الذى حصل على‬ ‫(‪ 1.4‬مليون دوالر)‪.‬‬

‫كما أعلنت وكالة أنباء "أميركا إن أرابيك " أن‬ ‫التقرير املالى السنوي للوقف القومي‪ ‬األميركي‬ ‫للدميقراطية (‪ )NED‬كشف عن قيامه بتمويل‬ ‫عدد من كبار املنظمات السياسية العاملة في‬ ‫مصر‪ ،‬شملت مركز ابن خلدون واملنظمة املصرية‬ ‫حلقوق اإلنسان وغيرهما‪ .‬وأوضح التقرير لعام‬ ‫‪ ،2005‬أن مركز ابن خلدون‪ ،‬حصل على متويل ألحد‬ ‫مشاريعه السياسية بهدف تأسيس ما يسمى‬ ‫"الشبكة املصرية لدعم الدميقراطية" وهي حتالف‬ ‫واسع لربط وتوحيد مئات "النشطاء واملنظمات‬ ‫غير احلكومية في مصر" هذا إلى جانب حصوله‬ ‫على ‪ 65‬ألف دوالر من املركز الوطني الدميقراطي‬ ‫(ناشونال إنداومنت فور دميوكراسي)‪.‬‬ ‫ومن املفاجأت التي فجرتها جريدة "الفجر"‬ ‫القاهرية‪ ،‬ما كتبته عن تقدمي رجل األعمال املصري‬

‫جنيب ساويرس‪ ،‬متويال ً للمشروع الذي ينفذه مركز‬ ‫ابن خلدون ملراقبة االنتخابات التشريعية املصرية‪،‬‬ ‫والذي حمل اسم "اللجنة املستقلة ملراقبة‬ ‫انتخابات ‪ ،"2011‬مببلغ ‪ 5‬ماليني جنيه‪ ،‬حيث‬ ‫استهدف مراقبة سير العملية االنتخابية في ‪24‬‬ ‫محافظة من خالل ‪ 5000‬مراقب‪ .‬لكن مؤسسة‬ ‫ساويرس اشترطت عدم ورود اسمها على التقارير‬ ‫الصادرة من املركز‪ ،‬لتكون املرة األولى التي يتلقى‬ ‫فيها مركز ابن خلدون متويال ً من داخل مصر لتنفيذ‬ ‫مشروع حقوقي‪.‬‬ ‫حسابات املعاهد األميركية السرية!‬ ‫ويعد املعهد الدميقراطي األميركي من أخطر‬ ‫منظمات اجملتمع املدني‪ ،‬التي تعمل بشكل غير‬ ‫قانوني في مصر‪ ،‬وفقا للتقارير الرسمية املصرية‬ ‫التي أفادت بأن املعهد الوطني الدميقراطي‪ ،‬واملعهد‬ ‫اجلمهوري الدولي األميركيني‪ ،‬قد حصال بعد ثورة‬ ‫يناير على ‪ 18‬مليون دوالر و‪ 14‬مليونا أخرى على‬ ‫التوالي‪ ،‬لتنفيذ برامج وأنشطة في مصر‪ ،‬مرتبطة‬ ‫مبوضوع الدميقراطية‪ ،‬مبا يفوق مجموع ما حصال‬ ‫عليه خالل السنوات الست املاضية بنحو ‪19‬‬ ‫مليون دوالر!‬

‫وقد كشفت التحقيقات التي أجراها املستشار‬ ‫سامح أبوزيد واملستشار أشرف العشماوى‪،‬‬ ‫القاضيان املنتدبان من قبل وزير العدل املصري‬ ‫للتحقيق في قضية التمويل األجنبي للمنظمات‬ ‫املدنية‪ ،‬عن أن هناك ‪ 37‬منظمة أميركية غير‬ ‫حكومية حصلت على متويل قدره ‪ 124‬مليون‬ ‫و‪ 307‬آالف و‪ 221‬دوالرا‪ ،‬بينها ‪ 31‬منظمة‬ ‫أميركية مخالفة حصلت على متويل أجنبي قيمته‬ ‫‪ 85‬مليونا و‪ 509‬آالف و‪ 836‬دوالرا‪ ،‬من بينها‬ ‫منظمة «املعهد الدميقراطي الوطني»‪ ،‬حيث تبني‬ ‫أنه حصل على ��تويل قدره ‪ 18‬مليون دوالر في عام‬ ‫‪ 2011‬فقط‪ ،‬رغم أنها منظمة مخالفة للقوانني‬ ‫املصرية‪ ،‬ألنها لم تبرم اتفاقية تتيح لها العمل في‬ ‫مصر مع وزارة اخلارجية املصرية‪ ،‬وأن إجمالي ما مت‬ ‫صرفه لهذه املنظمة بعد ثورة ‪ 25‬يناير‪ ،‬يعادل ‪7‬‬ ‫أضعاف ما مت صرفه للمعهد منذ عام ‪! 2005‬‬ ‫وفي تقريرللبنك املركزي املصري‪ ،‬ثبت عند الكشف‬ ‫عن سرية حسابات "املعهد الدميقراطي الوطني"‬ ‫أنه منظمة دولية تأسست في مقاطعة كولومبيا‬

‫‪30‬‬


‫في مصر منذ سنوات عدة بصورة غير مشروعة‪.‬‬ ‫ومارست أنشطة مكثفة مثيرة لالشتباه بها في‬ ‫ظل الكم الكبير من األموال التي تقدمه جلهات‬ ‫مصرية‪ ،‬وهو ما دفع فايزة أبو النجا وزيرة التعاون‬ ‫الدولي مبصر لإلبالغ رسميا عن هذه املنظمات‬ ‫وأنشطتها‪ .‬وأرسلت إلى وزير العدل املصري بتاريخ‬ ‫‪ 7‬يوليو (متوز)‪ 2011‬كتابا متضمنا اكتشافها‬ ‫قيام احلكومة األميركية متمثلة في هيئة املعونة‬ ‫األميركية بتقدمي مبلغ ‪ 40‬مليون دوالر في اآلونة‬ ‫األخيرة متويال ً ملنظمات اجملتمع املدني املصري غير‬ ‫احلكومية‪ ،‬وكذلك من منظمتي ‪( NDI‬املعهد‬ ‫الدميقراطي) و‪( IRI‬املعهد اجلمهوري األميركي)‬ ‫ الذي يرأسه السيناتور ماكني ‪ -‬األميركيتني‬‫غير املسجلتني وغير املصرح لهما بالعمل في‬ ‫مصر‪ ،‬وذلك لدعم الدميقراطية‪ ،‬حسبما صرحت‬ ‫به السفيرة آن باترسون في القاهرة في جلسة‬ ‫استماع في جلنة العالقات اخلارجية في مجلس‬ ‫الشيوخ األميركي يوم ‪ 21‬يونيو ‪.2011‬‬ ‫كما تضمنت املذكرة املقدمة من وزارة التخطيط‬ ‫والتعاون الدولي مبصرأيضاً‪ ،‬أن جيمس بيفير مدير‬ ‫بعثة الوكالة األميركية للتنمية الدولية في‬ ‫القاهرة قد أشار أثناء لقائه مع املسؤولني في وزارة‬ ‫التعاون الدولي في ‪ 3‬مايو (أيار) ‪ 2011‬إلى اعتزام‬ ‫بعثة الوكالة األميركية في القاهرة‪ ،‬تخصيص‬ ‫مبلغ الـ ‪ 150‬مليون دوالر ملنظمات اجملتمع املدني‬ ‫وبرامج الدميقراطية‪ ،‬رغم رفض احلكومة املصرية‬ ‫لذلك‪ ،‬حيث قال بيفير إن الوكالة األميركية غير‬ ‫مسؤولة عن عدم تسجيل املنظمات غير احلكومية‬ ‫املمولة من الوكالة األميركية في وزارة التضامن‬ ‫والعدالة االجتماعية‪ ،‬مضيفا ً أن مسؤولية التأكد‬

‫من التسجيل من عدمه‪ ،‬هي مسؤولية احلكومة‬ ‫املصرية‪.‬‬ ‫‪ 6‬إبريل وآخرون!‬

‫ال يعلم كثير من املصريني أن حركة ‪ 6‬إبريل‬ ‫السياسية‪ ،‬لها أعضاء مشتركون في أكثر من‬ ‫جمعية أهلية متورطة أيضا في احلصول على‬ ‫تبرعات من اخلارج‪ ،‬ورمبا هذا ما يفسر لنا الشعور‬ ‫املصري العام بعدم االرتياح ألنشطة تلك احلركة‪.‬‬ ‫لقد أظهر تقرير جلنة تقصي احلقائق املشارإليه‬ ‫سابقا أيضا‪ ،‬حصول "مركز دراسات املستقبل‬ ‫لالستشارات القانونية ودراسات حقوق اإلنسان"‬ ‫الذي أسسه عدد من شباب ‪ 6‬أبريل‪ ،‬وهم (أحمد‬ ‫صالح‪ ،‬وأحمد ماهر‪ ،‬وخالد طه وعزت بيدروس‬ ‫بدواني) على دعم ‪ 262‬ألف دوالر متويال من‬ ‫مؤسسة فريدم هاوس‪ ،‬ومبادرة الشراكة الشرق‬ ‫أوسطية وهيئة الوقفية األميركية‪ .‬وقد نشر موقع‬ ‫"ايجي ليكس" مستندات مهمة‪ ،‬تؤكد توقيع‬ ‫عقد شراكة بني أحمد ماهر ابراهيم رئيس حركة‬ ‫‪ 6‬ابريل‪ ،‬ووزارة اخلارجية االميركية‪.‬‬ ‫وينص عقد الشراكة على إنشاء شركة استشارات‬ ‫قانونية حتت اسم "مركز دار املستقبل اجلديد‬ ‫للدراسات القانونية واحلقوقية"‪ ،‬باإلضافة إلى‬ ‫عقد متويل من مبادرة الشراكة الشرق أوسطية‬ ‫والتي تقع داخل مكتب شؤون الشرق األدنى بوزارة‬ ‫اخلارجية األميركية و"مركز دار املستقبل اجلديد‬ ‫للدراسات القانونية واحلقوقية" ويتضمن املستند‬ ‫املوقع في ‪ 29‬مارس ‪ 2011‬من قبل أحمد صالح‬ ‫من حركة ‪ 6‬ابريل دفع مبلغ ‪ 14650‬دوالرا الى‬ ‫"مركز دار املستقبل اجلديد للدراسات القانونية‬ ‫واحلقوقية"‪ ،‬والذي يشاركه فيه أحمد ماهر رئيس‬ ‫‪ 6‬ابريل‪.‬‬ ‫كما نشر املوقع أيضا مستندا يتضمن منح‬ ‫وزارة اخلارجية األميركية‪ ،‬متويال من صندوق جائزة‬ ‫املساعدة الفيدرالية في أكتوبر (تشرين األول)‬ ‫‪ 2010‬الى نفس املركز‪ ،‬وقدره ‪ 53560‬دوالر‪.‬‬

‫عقد متويل من الشراكة الشرق أوسطية‬ ‫التابع للخارجية األمريكية ملركز املستقبل‬ ‫التابع ألعضاء من حركة ‪ 6‬إبريل ويبدو قيمة‬ ‫التمويل بـ ‪ 14650‬ألف دوالر كما هو مبني‬ ‫فى املستند بتاريخ ‪ 29‬مارس ‪2011‬‬ ‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫وإلى جانب ذلك‪ ،‬فإن الواليات املتحدة األميركية‪،‬‬ ‫مولت مؤسسة أخرى تدعى "املعهد املصري‬ ‫الدميقراطي" بنحو ‪ 522‬ألف دوالر‪ ،‬كما أنه‬ ‫حصل على ‪ 48900‬دوالر من الصندوق الوطني‬ ‫للدميقراطية‪ .‬علما بأن هذا املعهد عبارة عن شركة‬ ‫مدنية يديرها كل من حسام الدين علي وباسم‬ ‫سمير والناشطة السياسية الشهيرة واملثيرة‬ ‫للجدل وعضو ‪ 6‬إبريل إسراء عبد الفتاح نائبة‬ ‫رئيس مجلس إدارة املعهد‪.‬‬ ‫جدير بالذكر أن هذا املعهد كان أول منظمة مجتمع‬ ‫مدني يتم استدعاؤها من النيابة العسكرية في‬ ‫عام ‪ 2011‬للتحقيق حول شبهة التمويل األجنبي‬ ‫من جهات أميركية وأوروبية باعتراف إسراء عبد‬ ‫الفتاح‪.‬‬ ‫شبكة ابن خلدون!‬ ‫من بني املؤسسات البحثية التي ينظر لها كثيرون‬ ‫بعني الريبة مركز "ابن خلدون" الذي يديره الدكتور‬

‫املعهد الدميقراطي الوطني (‪)NDI‬‬ ‫املعهد الدميقراطي الوطني ‪ -‬تأسس في‬ ‫عام ‪ ،1983‬مقره واشنطن وله مكاتب‬ ‫ميدانية في كلّ مناطق العالم (‪ 125‬بلدا‬ ‫ومنطقة) و يساعد أكثر من ‪ 13‬ألف جمعية‬ ‫أهلية ويعمل‪ ،‬بحسب ما جاء على موقعه‬ ‫االلكتروني ‪ www.ndi.org‬في سبيل "دعم‬ ‫الدميقراطية وتقويتها على نطاق واسع في‬ ‫العالم ويوفر املساعدة العملية للقادة املدنيني‬ ‫والسياسيني‪ ،‬من أجل تنمية القيم واملمارسات‬ ‫واملؤسسات الدميقراطية‪ ،‬مستعينا ً بشبكة‬ ‫عاملية من اخلبراء املتطوعني‪ .‬ويتعاون أيضا ً مع‬ ‫الدميقراطيني في كلّ أنحاء العالم‪ ،‬بهدف بناء‬ ‫املنظمات السياسية واملدنية‪ ،‬وصون نزاهة‬ ‫االنتخابات‪ ،‬باإلضافة إلى تشجيع املواطنني‬ ‫على املشاركة وتعزيز الشفافية واملساءلة في‬ ‫احلكم"‪.‬‬ ‫وبحسب املعهد فإنه "يعتمد النظام‬ ‫الدميقراطي على وجود هيئة تشريعية متثّل‬ ‫املواطنني وتراقب عمل السلطة التنفيذية‪،‬‬ ‫وسلط ٍة قضائية مستقلّة ترعى تطبيق حكم‬ ‫وأحزاب سياسية شفافة وخاضعة‬ ‫القانون‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫للمساءلة (عمل مع ‪ 720‬حزبا سياسيا‬ ‫ومنظمة في ‪ 80‬دولة عبر العالم)‪ ،‬وعلى قيام‬ ‫انتخابا ٍت تسمح للناخبني باختيار ممثليهم في‬ ‫مؤسسات احلكم بكلّ حرية"‪.‬‬ ‫وفي إطار اجلهود التي يبذلها ملساندة‬ ‫التنمية الدميقراطية‪ ،‬يسعى املعهد الى‬ ‫دعم املؤسسات واإلجراءات التي تساعد على‬ ‫إشاعة الدميقراطية ويركز باألساس على‬ ‫اجلمعيات التي تعنى باملرأة وتأهيلها والدفاع‬ ‫عن حقوقها (‪ 75‬في املائة من جميع برامج‬ ‫املعهد)‪.‬‬ ‫املعهد له ارتباطات مع احلزب الدميقراطي‬ ‫(سياسية وأيديولوجية) لكنه ال يلعب دورا‬ ‫في االنتخابات األمريكية بعكس دوره في‬ ‫االنتخابات التي جتري في بقية دول العالم‬ ‫حيث يق ّدم لألحزاب السياسية (الدميقراطية‬ ‫والليبرالية وأحزاب الوسط بصفة عامة)‬ ‫وهيئات اجملتمع املدني املساعدة التقنية في‬ ‫مجال إدارة احلمالت املعدَّة لتوعية الناخبني‬ ‫وتنظيم البرامج املعدَّة ملراقبة االنتخابات‪.‬‬ ‫ويُعرَف املعهد أيضا ً بدوره الريادي في مجال‬ ‫مراقبة االنتخابات في العالم حيث سبق له‬ ‫أن شكّل بعثا ٍت دولية ملراقبة االنتخابات في‬ ‫عشرات من البلدان‪ .‬له نشاطات في اجلزائر‬ ‫و البحرين و الكويت والسعودية و مصر و‬ ‫العراق و األردن و لبنان و ليبيا و املغرب و تونس و‬ ‫فلسطني و اليمن وموريتانيا وقطر‪.‬‬

‫‪29‬‬


‫حتقيق‬

‫د‪ .‬سعد الدين ابراهيم‪ :‬إذا كانت هناك متويالت سرية‪ ،‬فليخبرونا مبا هو سري فيها‪ ،‬وإال كيف‬ ‫عرفوها لو كانت سرية! أما األمر الثاني فهو أن منظمات اجملتمع املدني‪ ،‬التي تتلقى متويال‬ ‫من الداخل أو اخلارج‪ ،‬فتخضع ألربع جهات رقابية أولها اجلهاز املركزي للمحاسبات‪ ،‬واجلهة‬ ‫الثانية هي مصلحة الضرائب‪ ،‬والثالثة هي مجلس إدارة اجلمعية‪ ،‬ثم اجلهة الرابعة‪ ،‬وهي‬ ‫اجلهة املانحة نفسها‬ ‫* رئيس مركز بن خلدون للدراسات اإلمنائية‬ ‫ومؤسسة "فريدوم هاوس" األميركية بالقاهرة‪،‬‬ ‫وسفارات أستراليا وأميركا والتفيا وبريطانيا‬ ‫وفرنسا وفنلندا بالقاهرة‪ .‬هذا باإلضافة إلى عدد‬ ‫من املؤسسات األخرى األجنبية منها‪ :‬املعهد‬ ‫الدميقراطي األميركي التابع للحزب الدميقراطي‬ ‫األميركي و"األميديست" التابع للحكومة‬ ‫األميركية مباشرة‪ ،‬ومؤسسة إسرائيل اجلديدة‬ ‫ومقرها نيويورك‪ ،‬بجانب مؤسسة "سيدا"‬ ‫الكندية و"سيدا" السويدية و"دانيدا" الدامنركية‬ ‫و"فنيدا" الفنلندية و"تواردا" النرويجية و"توفيت"‬ ‫الهولندية‪.‬‬ ‫وهي كلها تأخذ على عاتقها متويل اجلمعيات‬ ‫األهلية‪ ،‬التي تعمل في مجال حقوق اإلنسان واملرأة‬ ‫والطفل والسكان والبيئة والدميقراطية واألحوال‬ ‫الشخصية وثقافة السالم‪.‬‬ ‫‪ 65‬مليون دوالر‬ ‫وخالل الفترة االنتقالية التي مرت بها مصر منذ‬ ‫ثورة يناير‪ ،‬وصوال لتولي رئيس جديد‪ ،‬برزت هيئات‬ ‫دولية كبرى أخذت على عاتقها متويل منظمات‬ ‫اجملتمع املدني في تلك الفترة في مجال التوعية‬ ‫السياسية‪ ،‬ومراقبة االنتخابات ودعم اإلعالم‪،‬‬ ‫باإلضافة للتكريس لظاهرة صحافة املواطن ودعم‬ ‫املدونني والنشطاء السياسيني‪ ،‬ومن هذه الهيئات‬ ‫وكالة التنمية األميركية بالقاهرة‪ ،‬التي رصدت‬

‫‪ 65‬مليون دوالر لتمويل هذه األنشطة والبرنامج‬ ‫اإلمنائي لألمم املتحدة بالقاهرة ومفوضية االحتاد‬ ‫األوروبي الذي رصد ‪ 8‬ماليني يورو‪.‬‬ ‫وهيئات كل من املعونة السويدية واألسترالية‬ ‫ومؤسسة املستقبل بالشرق األوسط‪ ،‬حيث‬ ‫رصدت هذه اجلهات دعما صغيرا يتراوح ما بني ‪15‬‬ ‫و ‪ 25‬ألف دوالر للمنظمات احلقوقية أو التي تعمل‬ ‫في مجال املشاركة السياسية‪ ،‬بينما خصصت‬ ‫املعونة األملانية وحدها مبلغ ‪ 6‬ماليني دوالر لدعم‬ ‫اإلعالم وتدريب النشطاء من الشباب على شبكات‬ ‫التواصل االجتماعي واستخدامها في دعم‬ ‫صحافة املواطن‪.‬‬ ‫املثير في األمر‪ ،‬ما كشفته تقارير وزارة التعاون‬ ‫الدولي املصرية من أن اجمللس القومي حلقوق‬ ‫اإلنسان في مصر‪ ،‬على رأس الهيئات واجملالس‬ ‫التي حتصل على منح دولية مباشرة ألنشطته‪،‬‬ ‫تتراوح بني ‪ 30‬و‪ 35‬مليون جنيه سنويا من‬ ‫جهات متعددة‪ ،‬تشمل هيئة املعونة األميركية‬ ‫واملعونة اإلسبانية والبرنامج االمنائي لألمم املتحدة��� ‫واليونسكو‪ ،‬ومفوضية حقوق اإلنسان‪ ،‬هذا‬ ‫باإلضافة إلى أن اجمللس أرسل مقترحات عدة لتنفيذ‬ ‫مشروعاته اجلديدة في مجال تدريب املراقبني‬ ‫التابعني للجمعيات األهلية‪ ،‬وتدريب االعالميني‬ ‫والصحافيني ومتويلها من البرنامج االمنائي واالحتاد‬ ‫األوروبي واملعونة األميركية‪.‬‬ ‫هذا إلى جانب ما أعلنته آن بترسون السفيرة‬ ‫األميركية في مصر أمام مجلس الشيوخ‬ ‫األميركي عن أن ‪ 600‬منظمة مصرية تقدمت‬ ‫بطلبات للحصول على املنح املقدمة ملنظمات‬ ‫اجملتمع املدني‪ ،‬وأنه مت تخصيص ‪ 65‬مليون دوالر‬ ‫للمساعدات املتعلقة بدعم الدميقراطية في‬ ‫مصر‪ ،‬مشيرة إلى أن ذلك يأتي في إطار حفاظ‬ ‫الواليات املتحدة على مصاحلها في املنطقة‪ ،‬ودعم‬ ‫الدميقراطية‪.‬‬ ‫وكشفت السفيرة األميركية بالقاهرة أنه مت إجراء‬ ‫ورشة عمل وتدريب لبعض هذه املنظمات مبحافظة‬ ‫األقصر في جنوب مصر في الفترة من ‪ 15‬مارس‬ ‫(آذار) إلى ‪ 7‬يونيو (حزيران) من عام ‪.2011‬‬ ‫وبطبيعة احلال‪ ،‬فإن مثل هذه األنشطة تكون مريبة‬ ‫في كثير من األحيان ملا تثيره من مخاوف حول‬ ‫ارتباطها بجهات مخابراتية‪ ،‬فقد كشفت وثائق‬ ‫أميركية منها تقرير الوقف القومي الدميقراطي‬ ‫األميركي أن هناك متويالت دفعت ملنظمات مصرية‬ ‫للتحرك داخل شباب اجلامعات وتدريبهم على‬

‫‪28‬‬

‫العمل‪ ،‬بينما اعترف أالن وينستاين املوظف في‬ ‫هيئة املعونة األميركية في لقاء قدمي مع جريدة‬ ‫"واشنطن بوست" في عدد ‪ 22‬سبتمبر (أيلول)‬ ‫‪ 1991‬عن أعمال الوقف القومي قائال‪" :‬الكثير‬ ‫مما نقوم به اليوم كان يتم منذ ‪ 25‬عاما بشكل‬ ‫سري على يد االستخبارات املركزية األميركية"!‬ ‫واملعروف أن الوقف القومي الدميقراطي ‪NED‬‬ ‫قد أسسه الرئيس األميركي رونالد ريغان في‬ ‫الثمانينات ملساعدة أميركا في كسر النفوذ‬ ‫الروسي في العالم‪ ،‬وثارت حوله شبهات بأنه غطاء‬ ‫ألنشطة معادية ضد الدول املضيفة‪ ،‬وأنه ساعد‬ ‫حتى في إسقاط حكومات منتخبة دميقراطيا‪،‬‬ ‫وأصبح الوقف األميركي أكثر إثارة للجدل‬ ‫مؤخرا‪ ،‬بعد أن صار مقربا من احلركة السياسية‬ ‫الصهيونية العاملية‪.‬‬ ‫‪ 110‬سنة و‪ 37‬ألف منظمة أهلية‬ ‫جدير بالذكر أن العمل األهلي بدأ في مصر منذ‬ ‫حوالي ‏‪110‬‏ سنة من خالل ثالث جمعيات نظم‬ ‫عملها التقنني املدني األهلي حتى صدر القانون‬ ‫رقم ‏‪32‬‏ لسنة ‏‪ 1964‬بتنظيم عمل اجلمعيات‬ ‫األهلية‪ ،‬قبل أن يعدل عام ‪ 1972‬بالسماح‬ ‫للجمعيات الدينية أيضا بالعمل األهلي‪ .‬وفي‬ ‫عام ‪ 2002‬بلغ عدد اجلمعيات األهلية واملدنية‬ ‫في مصر ‪ 34‬ألف جمعية‪ ،‬إال أنه بعد ثورة ‪25‬‬ ‫يناير (كانون الثاني)‪ ،2011‬مت تسجيل ثالثة آالف‬ ‫جمعية جديدة في أربعة أشهر فقط‪ ،‬ليقترب‬ ‫العدد اإلجمالي من ‪ 37‬ألف جمعية تعمل إما في‬ ‫مجال العمل التطوعي اخليري أو تندرج حتت بند‬ ‫املنظمات احلقوقية والسياسية املدنية‪.‬‬

‫ويرى اخلبراء أن القانون املصري احلالي‪ ،‬الذي ينظم‬ ‫عمل هذه اجلمعيات‪ ،‬يفرض قيودا شديدة عليها‪،‬‬ ‫ما حدا بالكثيرين إلى التحايل بإنشاء شركات‬ ‫مدنية غير هادفة للربح‪ ،‬وقد تلقى بعضها بالفعل‬ ‫أمواال من اخلارج بعيدا عن رقابة اجلهات املسؤولة‬ ‫في مصر‪ ،‬وكانت نتيجة ذلك دخول ماليني الدوالرات‬ ‫والعمالت األجنبية ملصر من دون أن تعلم الدولة‬ ‫عنها شيئا‪.‬‬ ‫وهو ما بدا واضحا في القضية املعروفة بالتمويل‬ ‫األجنبي التي أثيرت مؤخرا في مصر‪ ،‬والتي كشفت‬ ‫عن منط جديد ملنظمات اجملتمع املدني وهي فروع‬ ‫املنظمات الدولية‪ ،‬مثل بيت احلرية (فريدوم هاوس)‬ ‫واملعهد الدميقراطي الوطني واملعهد اجلمهوري‬ ‫الدولي ومؤسسة كونراد أديناور وجميعها رفضت‬ ‫اخلارجية املصرية ترخيصها‪ ،‬ومع ذلك كانت تعمل‬


‫التمويل األجنبي ملنظمات اجملتمع املدني في قفص االتهام‬

‫حسابات سرية وأهداف سياسية!‬

‫في خضم األحداث الشهيرة لقضية التمويل األجنبي ملنظمات اجملتمع املدني‪ ،‬التي أثارت جدال واسعا في الشارع املصري‪ ،‬كشف‬ ‫املستشارعبد العزيز اجلندي وزير العدل املصري‪ ،‬النقاب عن أن هناك ‪ 181‬مليونا و ‪ 774‬ألف جنيه "أمواال سرية" تلقتها ‪102‬‬ ‫منظمة أهلية في مصر مؤخرا من دول عدة أجنبية وعربية‪ ،‬بعيدا عن رقابة احلكومة‪ ،‬وهو أمر الفت للنظر ومثير للدهشة وذلك‬ ‫لضخامة املبلغ و "النشاطات السرية" التي تطبع نشاطات هذه املنظمات‪ .‬فما حقيقة حجم هذا التمويل وكيف يتم استخدامه؟‪.‬‬ ‫صفاء عزب‬ ‫ال شك أن سرية حسابات "منظمات اجملتمع‬ ‫املدني" والتكتم الشديد على مواردها املالية‪،‬‬ ‫يزيدان من الشكوك في نواياها‪ ،‬حتى تنكشف‬ ‫من خالل مالبسات أحداث بعينها‪ ،‬وتتضح‬ ‫معها مالمح ميزانيتها‪ ،‬كما حدث في قضية‬ ‫التمويل األجنبي األخيرة مبصر‪ ،‬وكشفت عن‬ ‫معلومات مالية خطيرة‪ ،‬عندما أعلن مستشار‬ ‫وزيرالتضامن املصري محمد الدمرداش أمام‬ ‫البرملان املصري‪ ،‬أن هناك ‪ 175‬مليون دوالر‬ ‫حصلت عليها املنظمات األهلية اخلمس‪ ،‬التي‬ ‫مت إلقاء القبض عليها في القضية الشهيرة‬ ‫بعد الثورة‪ ،‬وهو يعادل خمسة أضعاف املبالغ‬ ‫التي حصلت عليها على مدار السنوات السبع‬ ‫املاضية‪.‬‬ ‫جدير بالذكر أن املنظمات اخلمس‪ ،‬التي وجهت لها‬ ‫التهم في قضية التمويل الشهيرة هي‪ :‬املعهد‬ ‫اجلمهوري الدولي‪ ،‬واملعهد الدميقراطي‪ ،‬و"فريدم‬ ‫هاوس" واملركز الدولي للصحافيني‪ ،‬وهذه جميعها‬ ‫أميركية‪ ،‬أما اخلامسة فهي منظمة "كونراد‬ ‫أديناور" األملانية‪.‬‬ ‫وبطبيعة احلال فإن قضية املنظمات اخلمس‪،‬‬ ‫فتحت الباب على مصراعيه للبحث وراء منظمات‬ ‫اجملتمع املدني املوجوة في مصر‪ ،‬ومحاولة اكتشاف‬ ‫أسرار هذا العالم الغامض‪ ،‬في ظل التزايد غير‬ ‫الطبيعي ألعدادها في مصر‪ ،‬وفي ظل الفرص التي‬ ‫ظن أصحابها أنها سانحة لهم‪.‬‬

‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫حيث تكشف تقارير جلان تقصي احلقائق‪ ،‬في أعقاب‬ ‫تلك القضية‪ ،‬عن تزايد أعداد منظمات اجملتمع‬ ‫املدني واجلمعيات األهلية في مصر‪ ،‬حتت مسميات‬ ‫مختلفة بعد ثورة ‪ 25‬يناير‪ ،‬بشكل أصبح ظاهرة‬ ‫الفتة للنظر‪ ،‬لدرجة أن محافظة واحدة فقط في‬ ‫مصر‪ ،‬شهدت تأسيس ‪ 350‬جمعية أهلية بعد‬ ‫الثورة وهي محافظة الغربية في دلتا مصر‪ ،‬ليصل‬ ‫إجمالي اجلمعيات األهلية فيها ‪ 1673‬جمعية‬ ‫يعمل أغلبها في مجال حقوق اإلنسان‪ ،‬بعد أن‬ ‫كانت مكاتب محامني وحتولت لهذا الغرض‪.‬‬ ‫وتشير األرقام إلى حصول هذه اجلمعيات على‬ ‫متويل من مؤسسات خارجية عدة‪ ،‬على رأسها‬ ‫الصندوق املصري ‪ -‬السويسري الذي قدم متويالت‬ ‫لبعض جمعيات تلك احملافظة تصل إلى ‪ 36‬مليون‬ ‫جنيه‪ .‬وإذا كانت محافظة واحدة ريفية في مصر‬ ‫حتتوي على هذا العدد الكبير من اجلمعيات األهلية‪،‬‬ ‫وحصلت على هذا املبلغ من جهة واحدة خارجية‬ ‫فإن األمرالصورة العامة تثير القلق‪ ،‬حينما نتكلم‬ ‫عن اجلمعيات األهلية واجملتمع املدني في أنحاء‬ ‫مصر كافة‪ ،‬وخاصة العاصمة القاهرة‪ ،‬باعتبارها‬ ‫مركز األحداث التي تهتم بها منظمات اجملتمع‬ ‫املدني بصفة عامة‪.‬‬ ‫تبرعات سرية‬ ‫رغم أن القانون املصري يبيح عمل اجلمعيات‬ ‫األهلية ومنظمات اجملتمع املدني‪ ،‬فإن اجلدل يدور‬ ‫حول املنظمات التي حتصل على تبرعات سرية‪،‬‬

‫من دون إخبار الهيئات احلكومة املصرية بها‪.‬‬ ‫فقد كشف تقرير لهيئة الرقابة اإلدارية املصرية‬ ‫عن وجود ما يقرب من ‪ 30‬جمعية أهلية مصرية‪،‬‬ ‫حصلت على منح وتبرعات سرية من جهات‬ ‫أجنبية‪ ،‬من دون إذن وزارة التضامن اإلجتماعي‪.‬‬ ‫وذكر التقرير عددا من تلك اجلمعيات مثل "جمعية‬ ‫قضايا املرأة " و"املؤسسة املصرية لتنمية‬ ‫األسرة" و"املركز املصري لدعم املنظمات األهلية"‬ ‫و"مؤسسة عالم واحد" و"مؤسسة املرأة‬ ‫اجلديدة" وجمعية "املرأة واجملتمع" وجمعية "سوا‬ ‫للتنمية االجتماعية" و"اخليرية لرعاية الدواب"‬ ‫و"نشر ثقافة الرفق باحليوان" و"املصرية حلقوق‬ ‫احليوان" وغيرها‪.‬‬ ‫وجاء في التقرير أن هذه اجلمعيات تتلقى منحا‬ ‫أجنبية في السر‪ ،‬مبوجب قرار الكونغرس األميركي‬ ‫بدعم اجلمعيات األهلية في مصر بشكل مباشر‪،‬‬ ‫من دون املرور على احلكومة‪ ،‬وأن القرار الصادر‬ ‫خارج عن نطاق وزارة اخلارجية املصرية‪ ،‬ويخص‬ ‫االتفاقيات الدولية!‬ ‫كما أشار تقرير الرقابة اإلدارية أيضا إلى أن عددا‬ ‫من املؤسسات األجنبية في طليعة املمولني‬ ‫لهذه اجلمعيات‪ ،‬منها منظمة فورد ومكتب‬ ‫دياكونيا‪ ،‬ومنظمة "سيجرد رواتنج" والوكالة‬ ‫األملانية للتعاون الفني والوكالة الكندية للتنمية‬ ‫الدولية واالحتاد األوروبي ومنظمة "بالن" الدولية‪،‬‬

‫‪27‬‬


‫حتقيق‬

‫‪26‬‬


‫ا�شرتك االن‬

‫واح�صل على ن�سختك الورقية‬ ‫العدد رقم ‪ - 1562‬ابريل ‪2011‬‬

‫العدد ‪ ،1567‬نوفمبر ‪2011‬‬

‫العدد ‪ ،1566‬سبتمبر ‪2011‬‬ ‫مجلة العرب الدولية‬

‫مجلة العرب الدولية‬

‫مجلة العرب الدولية‬ ‫‪‬‬

‫‪03‬‬

‫‪9 770261 087119‬‬ ‫‪Issue 1562‬‬

‫‪‬‬

‫قم بتنزيل رمز‬ ‫االستجابة‬ ‫السريعة واستعمل‬ ‫هاتفك الذكي‬ ‫لتفحص الرمز‬

‫املأزق العربي‬ ‫اضطرابات الشرق األوسط‬ ‫ومستقبل اجلمهورية العربية‬

‫‪The Majalla‬‬

‫شؤون سياسية‬

‫حب حتى املوت‬ ‫معمر القذافي‪ ..‬األخ قائد الثورة قاهر اجلماهير‬

‫ثروة األمم‬

‫الصني متنع الياسمني‬ ‫بكني تبحث أزماتها االقتصادية وعينها على تونس ومصر‬

‫العقد املفقود‬

‫‪10‬‬

‫‪‬‬

‫سنوات‬ ‫من احلرب‬

‫‪‬‬

‫قم بتنزيل رمز‬ ‫االستجابة‬ ‫السريعة واستعمل‬ ‫هاتفك الذكي‬ ‫لتفحص الرمز‬

‫حوارات‬

‫‪09‬‬

‫‪9 770261 087119‬‬

‫ثروة األمم‪:‬‬ ‫احلرب والسالم‪:‬‬ ‫استثمار في املستقبل‬ ‫خصخصة احلرب‬ ‫شركات األمن اخلاص‪ ..‬ال رقيب أو حسيب األمن الغذائي‪ ..‬قنبلة زمنية بدول مجلس التعاون اخلليجي‬

‫جمال خاشقجي‪:‬‬ ‫القناة اجلديدة على ميني "اجلزيرة" ويسار "العربية"‬ ‫‪‬‬

‫حوارات‪:‬‬ ‫محمد بسيوني‪:‬‬ ‫مبارك ال يستحق منّا هذه "البهدلة"‬

‫‪‬‬

‫العدد رقم ‪ - 1563‬مايو ‪2011‬‬

‫العدد رقم ‪ - 1558‬ديسمبر ‪2010‬‬ ‫‪‬‬

‫‪‬‬

‫مجلة العرب الدولية‬ ‫مجلة العرب الدولية‬

‫ما بعد أسامة‬ ‫الربيع العربي‬ ‫ومقتل زعيم‬ ‫«القاعدة»‪..‬‬ ‫هل هي نهاية‬ ‫فورة اجلهاد‬ ‫‪05‬‬

‫‪Issue 1563‬‬

‫‪The Majalla‬‬

‫احلرب والسالم‪:‬‬ ‫االنتفاضات الشعبية‪..‬‬ ‫حالل في بالد العرب حرام في ايران‬

‫بعد نورييغا وصدام‪..‬‬ ‫أي مصير ينتظر القذافي‬

‫نبوءة سوء‬

‫رجع الصدى‬

‫نصف قرن من العداء و‪ ..‬التحالف‬

‫الربيع العربي‬ ‫‪ 10‬أوهام‬

‫‪9 770261 087119‬‬

‫شؤون سياسية‪:‬‬

‫حوارات‬

‫نيال فرغسون ينتقد االدارة األميركية‬ ‫ويحذ ّر من سيطرة "االخوان" على مصر‬

‫اإلسالم السياسي وأميركا‬

‫غيوم الربيع‬

‫‪Issue 1558‬‬

‫غيّرت وجه التاريخ‬

‫العدد رقم ‪ - 1565‬يوليو ‪2011‬‬

‫‪The Majalla‬‬

‫احلرب والسالم‬

‫أفغانستان‪ ..‬عود على بدء‬

‫حوار‬

‫شؤون سياسية‬

‫باراج خانا‪ :‬هذا عصر «املدينة الدّولة»‬

‫األفغان ينتخبون الدوالر‬

‫‪08‬‬ ‫العدد رقم ‪ - 1560‬فبراير ‪2011‬‬

‫‪9 770261 087119‬‬

‫مجلة العرب الدولية‬

‫احلرب والسالم‬

‫نهاية دميقراطية‬ ‫لبنان‪ ..‬نظام جامد جملتمع متغير‬

‫الوضع البشري‬

‫الفصل املفقود‬ ‫الدولة العثمانية واألقليات الدينية‪ ..‬تاريخ من املذابح املسكوت عنها‬

‫حوارات‬

‫بوعزيزي تونس‬ ‫يحمل أكثر من جنسية‬

‫‪Issue 1564‬‬

‫‪07‬‬

‫جيل يحترق‬

‫‪The Majalla‬‬

‫أزمة خالفة‬

‫إيران تبحث عن مرشد لهذا الزمان‬

‫‪9 770261 087119‬‬

‫مجلة العرب الدولية‬

‫طارق احلميد‪:‬‬ ‫"اجلزيرة" انتقائية و "العربية" متناقضة‬

‫شؤون سياسية‬ ‫مصر اجلديدة تبحث عن‬ ‫«عدالة اجتماعية» في احلكم‬ ‫و «منوذج سويدي» في النمو‬

‫الوضع البشري‬ ‫معسكر أشرف‬ ‫في العراق‪ ..‬قرار‬ ‫باإلفناء قبل اإلخالء‬

‫بروفايل‬ ‫الشيخ عبدالفتاح مورو‪..‬‬ ‫بني مطرقة اإلخوة‬ ‫وسندان األعداء‬

‫‪01‬‬

‫‪9 770261 087119‬‬ ‫‪Issue 1559‬‬

‫‪The Majalla‬‬

‫احلرب والسالم‬

‫الفصول األخيرة؟‬ ‫الصراع التركي – الكردي‪ ..‬بداية النهاية‬

‫شؤون سياسية‬

‫اغتيال احللم األميركي‬ ‫سياسة اإلرهاب تغذ ّي اإلسالموفوبيا في الغرب‬

‫ثروة األمم‬

‫طريق سريع مملوء باملطبات!‬ ‫الشركات الصينية العاملة في اجلزائر في قفص االتهام‬

‫لالشتراكات بالبريد‬ ‫االسم‪.................................................................................................. :‬‬

‫الهاتف‪........................................................................................... :‬‬

‫العنوان‪................................................................................................................................................................................................................. :‬‬ ‫الصندوق البريدي‪ ................................................................................. :‬الرمز البريدي‪................................................................................. :‬‬ ‫الدولة‪ ..................................................................................................... :‬البريد االلكتروني‪............................................................................. :‬‬

‫نوع االشتراك‪:‬‬

‫اشتراك ملدة عام (‪12‬عددا ً ‪120 -‬رياال سعوديا)‬ ‫اشتراك ملدة عامني (‪ 24‬عددا ً ‪ 240 -‬رياال سعوديا)‬

‫افراد‬ ‫مؤسسات‬

‫‪The Majalla Magazine‬‬ ‫‪Arab Press House, 182-184 High Holborn‬‬ ‫‪LONDON WC1V 7AP‬‬ ‫‪DDI: +44 (0)20 7539 2337‬‬ ‫‪Tel: +44 (0)20 7831 8181‬‬ ‫‪UK mobile+44 (0)7979 212 633‬‬

‫العدد ‪ ،1567‬نوفمبر ‪2011‬‬

‫وكيل اإلشتراكات ‪ -‬الشركة العربية للوسائل‪ -‬الهاتف اجملاني ‪800 2440076‬‬

‫‪25‬‬


‫الدستورية‪ ،‬فيما يهيمن املتعاطفون مع كولن على‬ ‫«محاكم السلطات اخلاصة» املسؤولة عن إدارة‬ ‫التحقيقات في مزاعم مؤامرات قلب نظام احلكم‬ ‫واإلرهاب‪.‬‬ ‫ويؤكد ارتكن‪« :‬لقد فازت احلركة بصراع القوى‪ ،‬إنهم‬ ‫الكماليون اجلدد ولديهم نفس العقلية‪ .‬فاالعتقاد‬ ‫بأنهم أكثر إسالمية من العلمانيني‪ ،‬هو اعتقاد فارغ‬ ‫كاالعتقاد بأنهم أكثر دميقراطية»‪.‬‬ ‫ويرى ارتكن إشارات لوجود صدع متزايد داخل‬ ‫السلطة القضائية بني مؤيدي كولن واإلسالميني‪،‬‬ ‫والذين كانوا متحالفني حتى وقت قريب‪ ،‬نظرا‬ ‫للرغبة املشتركة في القضاء على األفكار العلمانية‬ ‫السلطوية‪ .‬فعلى املستوى السياسي أيضا‪ ،‬يبدو‬ ‫أن احللفاء القدامى يتفرقون‪ :‬فقد هرعت احلكومة‬ ‫مؤخرا لتمرير قوانني حتمي رئيس اخملابرات التركية‪،‬‬ ‫بعدما حاول نفس املدعني الذين ترأسوا حتقيقات‬ ‫«إرغينكون» استدعاءه لالستجواب‪.‬‬ ‫كولن مع بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني‬

‫ألف كتبا تنتقد احلركة‪.‬‬ ‫فقد قال أحدهما صارخا ورجال الشرطة يقتادونه‪:‬‬ ‫«إن من ميس احلركة يحترق»‪ .‬ويقول املدافعون عن‬ ‫فتح اهلل كولن إن تركيا تعج مبنتقدي احلركة الذين‬ ‫لم يتم اعتقال أي منهم‪.‬‬ ‫الدولة العميقة‬ ‫ولكن وسائل إعالم احلركة لم تفعل شيئا لتفنيد‬ ‫تلك االدعاءات‪ .‬فقد كان مذيع النشرة بقناة‬ ‫«سمانيولو» التي متثل لسان حال احلركة‪ ،‬يبتسم‬ ‫وهو يعلن وفاة املرأة جراء إصابتها بالسرطان‬ ‫مباشرة بعد الغارة‪ .‬وعندما مت اعتقال الضابط‪،‬‬ ‫أولى أحد كتاب املقاالت بصحيفة «الزمان» كثيرا‬ ‫من االهتمام ملزاعم تورطه في عالقة مع إحدى‬ ‫املدرسات‪ .‬فيقول حسني غوليرس‪ ،‬أحد كتاب‬ ‫األعمدة املرموقني بالزمان‪« :‬إذا لم يكن على عالقة‬ ‫بتلك املرأة‪ ،‬هل كان سيصبح في السجن اآلن‪.‬‬ ‫فليحمنا اهلل من خطايانا‪ ،‬ألنها ما تستغله الدولة‬ ‫العميقة»‪( .‬الدولة العميقة هي مجموعة من‬ ‫املدنيني ورجال اجليش‪ ،‬يعتقد األتراك أنهم يهيمنون‬ ‫على تركيا خفية منذ عقود)‪.‬‬

‫ثم قدم غوليرس اقتباسا عن املؤسس املزعوم‬ ‫لوحدة شرطة عسكرية ينسب إليها عدد من‬ ‫عمليات القتل خالل التسعينيات قائال‪« :‬قبل أن‬ ‫جنند الناس لالنضمام إلى (منظمة استخبارات‬ ‫الدرك) كنا نعمل بانتظام على تلويثهم‪ :‬فليس‬ ‫لهم نفع إذا كانوا أطهارا»‪ .‬وكانت اإلشارة‬ ‫واضحة‪ :‬لقد كان ضابط الشرطة عضوا في‬ ‫«منظمة استخبارات الدرك»‪ ،‬وهي اجلماعة التي‬ ‫كان أحد الضباط األوائل‪ ،‬الذين يقدمون دليال ضدها‬ ‫في التسعينات‪.‬‬ ‫وفي الوقت الذي كان فيه القلق الدولي يتزايد حول‬ ‫مصير الصحافيني املعتقلني‪ ،‬كانت وسائل اإلعالم‬ ‫‪24‬‬

‫املوالية لكولن‪ ،‬هي التي تتزعم جماعات الضغط‪،‬‬ ‫من أجل احلفاظ على قوانني مكافحة اإلرهاب‬ ‫غائمة‪ ،‬واإلبقاء على «محاكم السلطات اخلاصة»‬ ‫التي مكنت القضاة من إبقاء الرجال في املعتقالت‬ ‫ملا يزيد على العام‪ ،‬من دون حتى إخبارهم بالقضية‬ ‫والتهم املوجهة ضدهم‪ .‬يقول إكرام دومانلي‪ ،‬رئيس‬ ‫حترير صحيفة «الزمان»‪« :‬تخلصوا من احملاكم‪.‬‬ ‫وسوف تفشل كافة احملاكمات ضد البنى العميقة‪.‬‬ ‫فذلك ما كان يطالب به مؤيدو إرغينكون منذ مدة‬ ‫طويلة»‪.‬‬ ‫إنه مجاز أصبح شائعا خالل السنوات املاضية‪ .‬ففي‬ ‫املاضي‪ ،‬كان النظام العلماني يصم خصومه بأنهم‬ ‫«رجعيون»‪ .‬واآلن مت استبدال تلك الصفة مبصطلح‬ ‫إرغينكون‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬ما زال ولع وسائل اإلعالم‬ ‫باملصادر اجملهولة والهجمات الشخصية قائما‪.‬‬ ‫يقول احملللون إن املفارقة هي أن صحيفة «الزمان»‬ ‫كانت من بني املؤيدين األقوياء‪ ،‬في عام ‪،2004‬‬ ‫خلطط احلكومة التي يدعمها االحتاد األوروبي إللغاء‬ ‫«نيابة أمن الدولة» التي كانت تستخدم منذ عقود‬ ‫لسجن خصوم النظام‪.‬‬ ‫ملاذا تعارض إحدى احملاكم وتدافع عن األخرى التي‬ ‫تشبهها إلى حد التطابق؟ ذلك هو جوهر القضية‪،‬‬ ‫وفقا ملا يقوله منتقدو حركة كولن‪.‬‬ ‫ويقول أورهان غازي ارتكن‪ ،‬القاضي واحمللل السياسي‪:‬‬ ‫«ما رأيناه خالل الست أو السبع سنوات املاضية‪،‬‬ ‫هو حرب مقنعة على السلطة بني الفصيلني‬ ‫القضائيني»‪.‬‬ ‫كان القضاة العسكريون يهيمنون على «نيابة‬ ‫أمن الدولة» فيما كان العلمانيون يهيمنون على‬ ‫احملاكم األخرى‪ .‬واليوم‪ ،‬ما زال للعلمانيني نفوذ في‬ ‫احملاكم العليا مثل محكمة االستئناف‪ ،‬واحملكمة‬

‫ويقول علي بيرامغلو‪ ،‬كاتب العمود بصحيفة «يني‬ ‫سافك» املوالية للحكومة‪ ،‬والتي تتخذ موقفا‬ ‫محايدا من كولن‪« :‬لقد انتهى التحالف بني حزب‬ ‫العدالة والتنمية وحركة كولن»‪.‬‬ ‫وبعدما فاحت رائحة الدماء‪ ،‬توقفت تركيا عن‬ ‫االحتفاء باحلركة‪ ،‬وبدأت بحذر التساؤل حول‬ ‫دوافعها‪ .‬كما بدأت وسائل اإلعالم الدولية أيضا‪،‬‬ ‫التي لعبت من قبل دورا مهما في صقل صورة‬ ‫احلركة باعتبارها حامل لواء «اإلسالم الليبرالي»‬ ‫إعادة التفكير في األمر‪ .‬فقد نشرت صحيفة‬ ‫«نيويورك تاميز»‪ ،‬التي كانت حتى وقت قريب من‬ ‫احملتفني عن دون قصد بحركة فتح اهلل كولن‬ ‫ونشاطاتها التعليمية‪ ،‬مقالتني تنتقدان احلركة‪.‬‬ ‫ودفعت املقالة الثانية على وجه التحديد‪ ،‬والتي مت‬ ‫نشرها في أبريل (نيسان) املاضي‪ ،‬احلركة للرد‪ .‬فقد‬ ‫وجه محامي كولن أروهان إردملي اتهاما لـ»بعض‬ ‫الدوائر الهامشية» بخلق ما أطلقت عليه صحيفة‬ ‫«الزمان» «سيناريوهات متخيلة لتشويه سمعة‬ ‫كولن»‪ .‬فقد نشرت صحيفة «الزمان» عن إردملي‬ ‫قوله‪« :‬لقد شنوا حملة تشويه عبر وسائل اإلعالم‬ ‫للقضاء على ذلك االهتمام واالحترام واحلب الذي‬ ‫يوليه الرأي العام لكولن»‪.‬‬ ‫على الرغم من أن ذلك يبدو حربا كالمية‪ ،‬فإن روزن‬ ‫كاكر‪ ،‬كاتب العمود الليبرالي الذي كان يرصد‬ ‫احلركة لعقود قعدة‪ ،‬يرى أن العديد من أعضاء‬ ‫احلركة أصبحوا قلقني بشأن ما ميكن أن تسفر عنه‬ ‫األحداث»‪ .‬يرى أن ‪« :‬احلركة ترغب اآلن في أن تخلف‬ ‫وراءها تلك األحداث (االستثنائية) التي وقعت خالل‬ ‫األعوام املاضية‪ ،‬وأن تعود لنشاطات اجملتمع املدني»‪.‬‬ ‫من جهته‪ ،‬يقول اخلبير السياسي دوغو إرغيل متفقا‬ ‫مع كاكر‪« :‬إن حركة كولن هي أكبر مصدر بتركيا‪،‬‬ ‫وعندما تصل إلى الساحة العاملية‪ ،‬عليك‪ ..‬موازنة‬ ‫األمور»‪.‬‬ ‫وعندما تعمل على إعادة بناء نفسها‪ ،‬على احلركة أن‬ ‫تأخذ في اعتبارها كلمات الرومي‪« :‬إما أن تبدو كما‬ ‫أنت أو كن كما تبدو» >‬


‫فتح اهلل كولن في بيته ببنسلفانيا األميركية‬

‫صحيفة «تركيش ديلي نيوز» العلمانية‪ ،‬كما كان‬ ‫احلال من قبل‪.‬‬ ‫ويرجع احملللون ذلك التنامي السريع لنجاح احلركة‬ ‫في القبض على روح العصر‪ ،‬وهي حتظى بالثقة لدى‬ ‫رجال األعمال اجلدد في أناطوليا‪ .‬ففي املدن األناطولية‬ ‫احملافظة‪« ،‬عنتاب»‪ ،‬و»قونية»‪ ،‬و»قيصرية»‬ ‫و»دينيزلي» التي تطورت من مدن جتارية صغيرة إلى‬ ‫مدن صناعية كبرى في السنوات العشرين‬ ‫املاضية‪ ،‬تعمل املؤسسات املالية‬ ‫التابعة لكولن على تطوير أقوى‬ ‫املشروعات‪.‬‬ ‫ففي كل مرة متر فيها‬ ‫بتلك املدن‪ ،‬تلتقي برجال‬ ‫أعمال يرددون اآلراء التي‬ ‫أعرب عنها كولن في‬ ‫خطبه طوال سنوات‪:‬‬ ‫الكبرياء التركي‪،‬‬ ‫نسل اإلمبراطورية‬ ‫العثمانية العظيمة‪،‬‬ ‫الثقة في أن تركيا‬ ‫بعد سنوات من‬ ‫الضعف والعار‪ ،‬في‬ ‫طريقها لالرتقاء مرة أخرى‬ ‫والثقة في أن القوة هي قوة‬ ‫اإلميان‪ ،‬والتركيز على احملافظة‬ ‫األخالقية بدال من اإلسالم‬ ‫الراديكالي‪.‬‬ ‫ولكن منو احلركة أثار شكوكا‬ ‫حول أن نواياها لم تعد تقتصر‬

‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫على العلمانيني الرجعيني‪ .‬وفي إطار تلك الشكوك‪،‬‬ ‫يأتي التحقيق املوسع الذي تعرضت له جماعة‬ ‫أخرى يعرفها األتراك باسم «إرغينكون» وهو اسم‬ ‫ألسطورة تشبه أسطورة «رومولوس ورموس» ولكن‬ ‫من أصل تركي‪.‬‬ ‫بدأ التحقيق في عام ‪ ،2007‬عندما عثرت الشرطة‬ ‫على مخبأ سري للمتفجرات في منزل ضابط‬ ‫متقاعد بالبحرية بإسطنبول‪ .‬وخالل شهر‪ ،‬مت‬ ‫إلقاء القبض على عدد من األشخاص‬ ‫بتهمة التآمر خللع احلكومة‪ ،‬التي‬ ‫تصف نفسها بـ»الدميقراطية‬ ‫اإلسالمية» واملوجودة‬ ‫في السلطة منذ عام‬ ‫‪ :2002‬واستعانت‬ ‫الدولة بقتلة‬ ‫مأجورين لتصفية‬ ‫املعارضني األكراد في‬ ‫التسعينات‪ ،‬واحملامني‬ ‫القوميني املتشددين‪،‬‬ ‫باإلضافة‪ ،‬إلى عدد من‬ ‫كبار الضباط‪ ،‬وهو‬ ‫ما كان ميثل صدمة‬ ‫كبيرة‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من إدانة‬ ‫العديد من السياسيني‬ ‫العلمانيني منذ البداية‬ ‫لتلك األحداث‪ ،‬فإن‬ ‫العديد من‬ ‫األتراك‪ ،‬سواء‬

‫كانوا ليبراليني أو محافظني‪ ،‬كانوا مرحبني بتلك‬ ‫التحقيقات‪ .‬فقد كانت تهمة التآمر واضحة‪،‬‬ ‫باإلضافة إلى وجود تاريخ كذلك‪ :‬فقد قام اجليش‬ ‫بالتدخل في السياسة أربع مرات منذ عام ‪.1960‬‬ ‫وأخيرا‪ ،‬خضع «احلراس» غير املنتخبني للجمهورية‬ ‫التركية للمساءلة‪ .‬فقد كان نصرا للدميقراطية‪.‬‬ ‫ولكن األمور بدأت تسير في االجتاه اخلاطئ‪ .‬فلم يعد‬ ‫األمر يقتصر على الطبيعة السيئة للتهم الثالث‬ ‫املوجهة إلرغينكون أو طولها (‪ 5000‬صفحة)‪ .‬كما‬ ‫لم يعد األمر يقتصر على حقيقة أن بعض املشتبه‬ ‫بهم مت اعتقالهم ملا يزيد على العامني‪ :‬فاألتراك‬ ‫معتادون على ذلك‪ .‬ولكن األمر كان يتعلق بالطريقة‬ ‫التي حتولت بها التحقيقات إلى وسيلة ملالحقة‬ ‫معارضي احلكومة واحلركة‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ ،2009‬اقتحمت الشرطة منزل امرأة‬ ‫مريضة عمرها ‪ 73‬عاما‪ ،‬ومعروفة بدفاعها عن‬ ‫تعليم الفتيات‪ .‬وفي ‪ ،2010‬مت اعتقال ضابط شرطة‬ ‫كبير قضى حياته في محاربة إرهاب اليسار بتهمة‬ ‫عضوية جماعة إرهابية يسارية متطرفة‪ .‬وفي عام‬ ‫‪ ،2011‬مت اعتقال صحافيني كانا مهتمني بتسليط‬ ‫األضواء على إرغينكون بتهمة العضوية فيها‪.‬‬ ‫وقد ألقى كثيرون باللوم في حركة االعتقاالت‬ ‫على احلركة‪ .‬فقد كانت املرأة التي كان احملافظون‬ ‫يتهمونها بأنها مبشرة (والدتها كانت سويسرية)‬ ‫قد أنشأت مدارس تعد منافسا شرسا ملدارس احلركة‪.‬‬ ‫ومن جهة أخرى‪ ،‬كان ضابط الشرطة قد نشر كتابا‬ ‫يزعم أن مؤيدي احلركة يهيمنون على مواقع رئيسة‬ ‫في الشرطة‪ .‬كما كان كال الصحافيني املعتقلني قد‬

‫‪23‬‬


‫صوفية فتح اهلل كولن والكماليون اجلدد‬

‫اإلسالم املتسامح‬

‫ذات مرة قال جالل الدين الرومي‪ ،‬شاعر الصوفية في القرن الثالث عشر‪" :‬إما أن تبدو كما أنت‪ ،‬أو كن كما تبدو"‪ .‬ويتساءل‬ ‫املرء عما كان ميكن أن يقوله الرومي بشأن اجلماعة التركية الدينية النافذة حاليا في تركيا‪ ،‬حركة فتح اهلل كولن الصوفية‬ ‫اجلديدة‪ ،‬التي مت تأسيسها في بداية السبعينيات من القرن املاضي على يد إمام سابق في الدولة التركية‪ ،‬والتي تهيمن‬ ‫حاليا على إمبراطورية إعالمية وشبكة من املدارس واملشروعات‪ ،‬في سائر أنحاء البالد‪ ،‬وتتمتع هذه اجلماعة بسمعة طيبة‬ ‫خارج تركيا بني القليلني الذين سمعوا عنها‪.‬‬ ‫نيكوالس بيرش ‪ -‬كاتب أقام في اسطنبول‪ ،‬تركيا‪ ،‬من ‪ 2002‬إلى ‪ ،2009‬حيث عمل صحافيا حرا‪.‬‬ ‫ونشرت أعماله من تركيا وإيران والعراق والقوقاز في كثير من اإلصدارات‪ ،‬من بينها واشنطن بوست‬ ‫و التاميز وامللحق األدبي في الغارديان ومجلة التامي‪ ..‬يعكف بيرش‪ ،‬املقيم في لندن حاليا‬ ‫واملستمر في عمله كصحافي حر‪ ،‬على تأليف كتابه عن املذهب الصوفي الذي غير تاريخ تركيا‪.‬‬ ‫فمن خالل اعتمادهم على أفكار غربية مبسطة‬ ‫حول الصوفية‪ ،‬باعتبارها اإلسالم «املتسامح»‪ ،‬أثبت‬ ‫زعماء تلك احلركة مهارة في التسويق للجماعة‬ ‫كبديل معتدل عن تنظيم القاعدة واحلركات التابعة‬ ‫له‪ .‬فبعد يوم واحد من هجمات احلادي عشر من‬ ‫سبتمبر (أيلول) عام ‪ ،2001‬نشر كولن إعالنا من‬ ‫صفحتني في صحيفة «نيويورك تاميز» يقول فيه إن‬ ‫«اإلرهابي ال ميكن أن يكون مسلما‪ ،‬كما ال ميكن أن‬ ‫يصبح املسلم احلق‬

‫إرهابيا»‪.‬‬ ‫وكان اإلعالن يحمل رسالة واضحة‪ ،‬فقد كان كولن‪،‬‬ ‫الذي يعيش في الواليات املتحدة منذ عام ‪ ،1999‬دائم‬ ‫االنتقاد ملساعي حتويل اإلسالم إلى ما أطلق عليه‬ ‫«وسيلة للهيمنة على الناس»‪ .‬يقول كولن‪ ،‬إنه يرى‬ ‫بدال من ذلك أن اإلسالم هو «دين اعتقاد‪ ،‬وصلوات‪،‬‬ ‫وأخالق طيبة» وهو ما يتوافق متاما مع التقاليد‬ ‫الدميقراطية الغربية‪.‬‬ ‫وكان كولن من املدافعني األوائل عن احلوار بني األديان‪،‬‬ ‫حيث التقى البابا يوحنا بولس الثاني في عام ‪.1998‬‬ ‫كما التقى بالعديد من قيادات اجملتمع اليهودي في‬ ‫العديد من املناسبات بعد ذلك‪ .‬وتنظم املؤسسات‬ ‫التي أسسها أتباعه مؤمترات في أوروبا والواليات‬ ‫املتحدة حول «اإلسالم املعتدل» وأهمية احلوار‬ ‫املتحضر‪.‬‬ ‫وتقدم املدارس التي ميولها ويدرس فيها أتباعه‬ ‫تعليما باللغة اإلجنليزية ـ يتبع املنهج الرسمي‬ ‫للدولة التركية ـ لألطفال من النخب في البلدان من‬ ‫منغوليا ألميركا اجلنوبية‪.‬‬ ‫«األوملبياد» التركي‬ ‫وفي النصف الثاني من مايو (أيار) من كل عام‪ ،‬يأتي‬ ‫مئات األطفال من تلك املدارس إلى تركيا‪ ،‬للمشاركة‬ ‫فيما تطلق عليه احلركة «األوملبياد التركي»‪،‬‬ ‫حيث يتنافسون على غناء أفضل األغاني‪ ،‬وإلقاء‬ ‫القصائد‪ ،‬وأداء الرقصات الشعبية التركية‪ .‬وتتم‬ ‫إذاعة نهائيات تلك املسابقة في الوقت الرئيس‬ ‫للبث في التلفزيون‪ ،‬وحتظى بتغطية واسعة من‬ ‫قبل الصحف واخلبراء اآليديولوجيني‪ .‬فعن ذلك‬

‫‪22‬‬

‫يقول علي أغاغلو‪ ،‬املدير التنفيذي إلحدى كبريات‬ ‫شركات البناء في تركيا‪ ،‬والذي كان متحمسا في‬ ‫نهائيات العام املاضي‪« :‬سوف حتول تلك املنظمة‬ ‫تركيا من قوة إقليمية إلى قوة عاملية»‪ .‬وحتى رجب‬ ‫طيب أردوغان رئيس الوزراء‪ ،‬املعروف بأنه ليس من‬ ‫املتحمسني للجماعة‪ ،‬رمبا ألن قوتها تؤثر على نفوذه‪،‬‬ ‫لم يتوان عن الثناء عليها‪ ،‬ففي كلمته جلمهور‬ ‫االحتفال قال‪« :‬عندما أسافر للخارج‪ ،‬أرى علمنا‬ ‫يرفرف ليس فقط على سفاراتنا‪ .‬بل أراه في املدارس‬ ‫أيضا وهو ما يجعلني أشعر بالفخر»‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من االحتفاء العام بفعاليات ذلك‬ ‫األوملبياد كل عام‪ ،‬تتفاوت اآلراء املتعلقة بحركة‬ ‫كولن داخل تركيا‪ .‬وميكن إرجاع التشكك جتاه احلركة‪،‬‬ ‫جزئيا‪ ،‬إلى شكوك اجلمهورية العميقة إزاء ما تطلق‬ ‫عليه «الرجعية» وهو اختصار مالئم ألي تعبير‬ ‫حول اإلسالم ال يتوافق مع التفسيرات التي تدعمها‬ ‫الدولة‪.‬‬ ‫جناح باهر‬

‫وفي عام ‪ ،2000‬وبعد ثالثة أعوام من احلملة التي كان‬ ‫يدعمها اجليش لقمع اإلسالم السياسي‪ ،‬وجه املدعي‬ ‫العام اتهاما لكولن مبحاولة تقويض العلمانية‬ ‫التركية‪ ،‬وهي االتهامات التي دائما ما أنكرها كولن‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ ،2006‬رفضت إحدى احملاكم القضية‪.‬‬ ‫ومنذ ذلك الوقت‪ ،‬شهدت احلركة منوا واضحا‪ ،‬حيث‬ ‫تزايدت مبيعات صحيفتها الرسمية «الزمان» في‬ ‫خمس سنوات من ‪ 300‬ألف نسخة إلى ما يقارب‬ ‫املليون نسخة‪ .‬حتى انه عندما يقوم أشخاص أجانب‬ ‫بالطيران على طائرات اخلطوط التركية‪ ،‬تقدم لهم‬ ‫النسخة اإلجنليزية من صحيفة «الزمان» وليس‬


‫حمادي اجلبالي وعبداالله بنكيران في دافوس‬

‫قضايا مثيرة للجدل متس هويتهم على وجه‬ ‫اخلصوص‪.‬‬ ‫على سبيل املثال‪ ،‬يحاول حزب النهضة من‬ ‫أجل حتقيق التوازن بني السلفيني والعلمانيني‬ ‫وجتنب إبعاد أي من املعسكرين‪ .‬وعلى النقيض‪،‬‬ ‫أعرب اإلخوان املسلمون والسلفيون في مصر‬ ‫عن رسائل متضاربة بشأن رؤاهم حول املسائل‬ ‫األخالقية في اجملال العام‪.‬‬ ‫ومع كل ذلك‪ ،‬ظهر انقسام واضح بني التيار‬ ‫اإلسالمي الرئيسي والسلفيني‪ ،‬وهو ما سيزداد‬ ‫عمقا وسعة عندما يتوصل اإلسالميون إلى‬ ‫اتفاق حول مهام احلكم ويجدون أنفسهم‬ ‫مجبرين على توضيح مواقفهم‪ .‬ومن بني جميع‬ ‫األحزاب الدينية‪ ،‬أظهر حزب النهضة‬ ‫التونسي أكثر املواقف تقدمية‬ ‫جتاه حقوق املرأة ودور األخالق‬ ‫في اجملال العام‪ ،‬ولكنه ميتنع‬ ‫عن مواجهة السلفيني‬ ‫علنا‪ .‬وتفضل قيادات احلزب‬ ‫توحيد جميع التونسيني‬ ‫وتقدمي منوذج حتتذى للدول‬ ‫العربية اجملاورة‪ .‬حتتل سيدة‬ ‫هي سهام بن سدرين‬ ‫رئاسة مجلس مهمته‬ ‫تعريف احلقوق واحلريات‬ ‫في البالد‪.‬‬ ‫بطء املساواة‬ ‫على اجلانب اآلخر‪ ،‬كان‬ ‫اإلخوان املسلمون أكثر بطئا‬

‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫من نظرائهم في تونس‪ ،‬في تبني مبدأ املساواة‬ ‫بني جميع املواطنني أمام القانون بغض النظر‬ ‫عن اجلنس أو الدين أو العرق‪ .‬رمبا يفسر هذا‬ ‫الفارق اختالف التجارب التاريخية لإلسالميني‬ ‫املصريني والتونسيني‪ ،‬باإلضافة إلى أن نفوذ‬ ‫احلرس القدمي في اإلخوان مثل محمد بديع وحتى‬ ‫خيرت الشاطر ‪ -‬الذي كان يعتبر في السابق‬ ‫من اإلصالحيني ‪ -‬ما زال ساريا في اجلماعة‬ ‫التي يبلغ عمرها ‪ 86‬عاما‪ .‬ويشكو العديد من‬ ‫شباب اإلخوان من أن احلرس القدمي ال ميارسون‬ ‫الدميقراطية داخل اجلماعة‪ ،‬حتى مع وعدهم‬ ‫بقيادة البالد نحو التعددية‪.‬‬ ‫وكما نرى‪ ،‬يعاني التيار اإلسالمي الرئيسي من ارتباك‬ ‫في التعبير عن آرائه وحتديد مساره‪ .‬فهم يتعلمون‬ ‫من خالل التجربة واخلطأ‪ .‬وعلى وجه التحديد‪،‬‬ ‫أبعدت جماعة اإلخوان بالفعل معظم‬ ‫اجلماعات السياسية التي تتراوح‬ ‫اجتاهاتها من اليسار إلى اليمني‪.‬‬ ‫وفي ظل افتقار اخليال‪ ،‬ومرة بعد‬ ‫األخرى‪ ،‬أثبت احلرس القدمي أنهم‬ ‫أسوأ عدو لذاتهم‪ ،‬إذ يفرضون‬ ‫القرارات على قواعد اجلماعة‬ ‫ويطالبونهم بالوالء التام‪ .‬وقد‬ ‫أسرف احملافظون في اختبار حدود‬ ‫سلطتهم الوليدة ليسقطوا‬ ‫في مصيدة الطموح السياسي‬ ‫األعمى‪ .‬رمبا يكلف هذا التجاوز‬ ‫اإلخوان التأييد الشعبي ويعمق من‬ ‫االنقسام داخل اجلماعة‪ ،‬باإلضافة إلى‬ ‫الفجوة بني اإلخوان واجلماعات ذات‬ ‫الفكر العلماني >‬

‫‪21‬‬


‫املوقف املعادي للدميقراطية اإلسالميون‬ ‫البراغماتيون واألصغر سنا والتقدميون‪ ،‬وتوجد‬ ‫خالفات واختالفات مهمة بني اإلسالميني في‬ ‫الداخل‪.‬‬

‫تونس مؤخرا بعد وقوع خالف حول وجوب السماح‬ ‫للمرأة بارتداء النقاب في اجلامعات‪ .‬بعد القمع‬ ‫واإلسكات الذي عانى منه السلفيون أثناء فترة‬ ‫حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي‪ ،‬بدأوا‬ ‫في اخلروج إلى الساحات العامة‪ ،‬مفضلني اللحى‬ ‫والنقاب ومطالبني بتطبيق أحكام الشريعة‪.‬‬ ‫وفي حالة من اخلوف من فقدان احلريات عارض‬ ‫العلمانيون السلفيني في الشوارع واجلامعات‪ .‬وفي‬ ‫نهاية شهر مارس (آذار) وبداية شهر أبريل (نيسان)‬ ‫‪ ،2012‬حتولت احلرب الكالمية املشتعلة بني مؤيدي‬ ‫الفريقني إلى اشتباكات عنيفة‪ .‬وفي منتصف هذا‬ ‫الصراع العنيف‪ ،‬أصيب حزب النهضة بالشلل‪،‬‬ ‫فأصبح غير قادر أو غير راغب في التصرف بحسم‬ ‫وحل األزمة‪.‬‬

‫ومع ذلك اتهم نشطاء في مجال الدفاع عن حقوق‬ ‫املرأة في تونس حزب النهضة بتضليل الشعب‬ ‫وتقدمي وعود كاذبة‪ .‬وظهر هذا التوتر على السطح‬ ‫بعد ما عارضت سعاد عبد الرحيم‪ ،‬عضو حزب‬ ‫النهضة‪ ،‬قانونا يحمي املرأة التي تنجب أطفاال‬ ‫خارج إطار الزواج وطالبت بإلغائه‪ .‬في حني تزداد‬ ‫اخملاوف من حزب النهضة بشأن احتمالية تقويض‬ ‫حقوق املرأة‪ ،‬وأشار عضو آخر في احلزب وهو علي‬ ‫العريض إلى أن «احلزب لن يغير القوانني املتعلقة‬ ‫باملواريث وتعدد الزوجات‪ ،‬ألن هذه القوانني وضعت‬ ‫من أجل اجملتمع التونسي»‪ .‬ولكن لم تبدد هذه‬ ‫التصريحات مخاوف النساء والليبراليني‪ .‬وبالتالي‪،‬‬ ‫أسس عدد من الناشطات جبهة ‪ 24‬أكتوبر‬ ‫(تشرين األول) للدفاع عن حقوق وحريات املرأة من‬ ‫خالل مراقبة أداء حزب النهضة واألحزاب األخرى‬ ‫والبحث في عملية صياغة الدستور اجلديد‪.‬‬

‫وفي مصر‪ ،‬يرفض السلفيون‪ ،‬الذين فازوا بنسبة‬ ‫‪ 20‬في املائة من مقاعد البرملان اجلديد‪ ،‬تولي‬ ‫املرأة مناصب قيادية في العمل أو على الساحة‬ ‫السياسية‪ .‬عالوة على ذلك‪ ،‬يؤيد السلفيون فرض‬ ‫ضوابط على زي املرأة وحتديد معايير إسالمية‬ ‫لالحتشام في اجملال العام‪.‬‬

‫تعزيز املساواة‬ ‫وفي تونس‪ ،‬تعهد مسؤولو النهضة بتعزيز‬ ‫املساواة في الفرص في مجال توظيف وتعليم‬ ‫املرأة‪ ،‬باإلضافة إلى حرية اختيار أو رفض ارتداء الزي‬ ‫اإلسالمي التقليدي‪ .‬وقبل اندالع الثورات العربية‬ ‫بفترة طويلة‪ ،‬أيد راشد الغنوشي زعيم حزب‬ ‫النهضة خطوة إيجابية تهدف إلى زيادة متثيل‬ ‫املرأة في البرملان‪ ،‬في تناقض مع سياسات اإلخوان‬ ‫املسلمني في مصر‪.‬‬

‫وقد تعالى صوت النقاش حول حقوق املرأة في‬

‫في الوقت الذي توحي أحداث مثل سحل إحدى‬ ‫املتظاهرات وتعريتها من قبل رجال اجليش ‪ -‬وحاالت‬ ‫الكشف عن العذرية التي أجراها طبيب عسكري‬ ‫ بتحطيم تابوهات محددة وأن املرأة أصبحت أكثر‬‫صراحة منذ قيام الثورة‪ ،‬إال أن متثيل املرأة على‬ ‫الساحة السياسية يتضاءل‪ .‬كما لم تضم اللجنة‬ ‫التأسيسية لوضع الدستور في مصر (والتي‬ ‫أبطلت تشكيلها احملكمة) التمثيل الكافي للمرأة‪.‬‬ ‫وفي االنتخابات البرملانية التي أجريت في نوفمبر‬ ‫(تشرين الثاني) وديسمبر (كانون األول) ويناير‬ ‫(كانون الثاني) ‪ 2012 - 2011‬فازت املرأة بأقل من‬ ‫‪ 10‬مقاعد من بني ‪ 508‬مقاعد‪ .‬وكما توضح إميان‬ ‫بيبرس‪ ،‬رئيسة مؤسسة نهوض وتنمية املرأة في‬ ‫مصر‪« :‬أعطتنا الثورة فرصة للتعبير وال ميكننا أن‬ ‫نخفي ذلك‪ ..‬ولكني أعتقد أن النتيجة التي أفرزتها‬ ‫الثورة تعادي املرأة‪ .‬لقد فوجئت بسيطرة األصوليني‬ ‫ولم أتوقع دستورا يسيطر عليه الرجال»‪.‬‬ ‫ال تختلف معاناة املرأة كثيرا في دول أخرى أحرز‬ ‫فيها اإلسالميون مكاسب مشابهة‪ .‬في األردن‪،‬‬ ‫على سبيل املثال‪ ،‬لم يحقق تعيني رئيس وزراء جديد‬ ‫وتشكيل جلنة ملراجعة قانون االنتخابات وتعديل‬ ‫الدستور الوعد بإضافة كلمة «اجلنس» إلى املادة‬ ‫‪ 6‬من الدستور‪ .‬وكانت هذه املادة ستضمن املساواة‬ ‫بني جميع األردنيني أمام القانون‪ .‬وفي الكويت‪ ،‬أدى‬ ‫فوز املعارضة اإلسالمية في االنتخابات البرملانية‬ ‫إلى مجلس جميع أعضائه من الرجال‪ .‬وقد خسرت‬ ‫السيدات األربع الالتي فزن مبقاعد في عام ‪2009‬‬ ‫جميع مقاعدهن في انتخابات عام ‪.2012‬‬ ‫باإلضافة إلى حقوق املرأة‪ ،‬تشتد سخونة النقاش‬ ‫حول األخالق في الدول العربية التي مرت بتغيير‬ ‫كبير أثناء الثورات‪ .‬في مصر حتديدا‪ ،‬حيث تلعب‬ ‫السياحة دورا مهما في اقتصاد البالد (جتلب أكثر‬ ‫من ‪ 12‬في املائة من العملة األجنبية الصعبة)‪،‬‬

‫‪20‬‬

‫يعاد تقييم تناول الكحوليات والقبول بارتداء‬ ‫البكيني واالختالط بني الرجال والنساء في‬ ‫الشواطئ‪ .‬وكما هو احلال مع حقوق املرأة‪ ،‬بعث‬ ‫التيار اإلسالمي الرئيسي بإشارات مختلطة إلى‬ ‫العامة حول آرائه في القضايا األخالقية‪.‬‬ ‫كان محمد مرسي رئيس حزب احلرية والعدالة‪،‬‬ ‫قد صرح بأن حزبه ال يخطط إلى حظر تناول‬ ‫الكحوليات في الفنادق وفي املنتجعات السياحية‬ ‫أو منع املصريني من تناولها في منازلهم‪ .‬ولكن أعرب‬ ‫أعضاء آخرون من جماعة اإلخوان عن آراء مناقضة‪.‬‬ ‫ما الذي ميكن فعله حيال التصريحات املتضاربة‬ ‫التي يصدرها اإلسالميون بشأن حقوق املرأة وفرض‬ ‫أخالقيات معينة في اجملال العام؟ من جانب‪ ،‬يسعى‬ ‫السلفيون‪ ،‬باإلضافة إلى احملافظني من أصحاب‬ ‫التيار اإلسالمي الرئيسي‪ ،‬إلى فرض تفسيرات‬ ‫رجعية لألخالق على اجملتمع ككل‪ .‬وفي اجلانب‬ ‫اآلخر‪ ،‬يقف البراغماتيون من بني اإلسالميني في‬ ‫وسط صراع مشتعل‪ ،‬ويخضعون ملرحلة تعريف‬ ‫هائلة‪ ،‬حيث يسعون إلى الوصول إلى إجماع بشأن‬


‫منذ حصولهم على أغلبية املقاعد في اجملالس‬ ‫النيابية في هذه الدول‪ ،‬أُجبرت اجملموعات‬ ‫اإلسالمية الرئيسة على توضيح مواقفها في‬ ‫عدد كبير من القضايا‪ ،‬وال سيما تلك املتعلقة‬ ‫بالشريعة اإلسالمية‪ ،‬واحلريات الشخصية‪،‬‬ ‫وحقوق املرأة واألقليات‪ ،‬والسياحة‪ .‬من جانبهم‬ ‫يؤكد نشطاء ليبراليون أن جماعة اإلخوان‬ ‫املسلمني وحزب النهضة وحزب العدالة والتنمية‬ ‫املغربي والسلفيني‪ ،‬يظهرون اجتاهات غير ليبرالية‪،‬‬ ‫وال يقبلون بحقوق األقليات وخاصة املرأة‪.‬‬ ‫التسامح والتعددية؟‬ ‫تختلف رؤية اإلسالم السياسي وتطوره من جماعة‬ ‫إلى أخرى ومن بلد عربي إلى آخر‪ .‬ففي مصر وتونس‬ ‫يقبل معظم اإلسالميني في حزب النهضة‬ ‫التونسي وجماعة اإلخوان املسلمني املصرية‪،‬‬ ‫مفهوم املواطنة وإرادة الشعب‪ ،‬في مقابل حكم‬ ‫اهلل‪ ،‬كأساس للسلطة الشرعية‪.‬‬

‫وال يتحدث معظم اإلسالميني عن تشكيل‬ ‫حكومات إسالمية ‪ -‬كما تنص عليها بياناتهم‬ ‫التأسيسية ‪ -‬ولكنهم بدال من ذلك يدعون إلى‬ ‫الدولة املدنية‪ .‬حتى احلرس القدمي داخل جماعة‬ ‫اإلخوان لم يعودوا يؤيدون إقامة‬ ‫دولة إسالمية‪ ،‬واستبدلوا‬ ‫«مدنية» بـ«إسالمية» في‬ ‫محاولة لتجنب استخدام‬ ‫كلمة «علمانية»‪.‬‬ ‫جدير بالذكر أن مفهوم‬ ‫العلمانية يحمل‬ ‫دالالت سلبية‬ ‫بني العرب عامة‪،‬‬ ‫وليس فقط‬ ‫اإلسالميني‪ ،‬بسبب‬ ‫ارتباطه التاريخي‬ ‫باالستعمار‬ ‫ومحاوالت التغريب‪.‬‬ ‫وعلى نحو مشابه‬ ‫أخفق منوذج الدولة‬

‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫الدينية في إيران في تلبية‬ ‫طموحات العديد من اإلسالميني‪ ،‬مما عزز من التحول‬ ‫في أسلوب اخلطاب من «إسالمي» إلى «مدني»‪،‬‬ ‫على الرغم من أنهم لم يوضحوا حتى اآلن ماذا يعنون‬ ‫بالدولة «املدنية»‪ .‬ويثير التعهد الذي قطعه العضو‬ ‫البارز في جماعة اإلخوان املسلمني خيرت الشاطر‪،‬‬ ‫بتطبيق الشريعة اإلسالمية إذا انتخب رئيسا ملصر‬ ‫(قبل أن يُستبعد من السباق الرئاسي) مخاوف‬ ‫كثيرة بشأن التزامه نحو املؤسسات املدنية واحلريات‬ ‫الشخصية‪.‬‬ ‫على الرغم من ذلك‪ ،‬بعد أدائهم املثير لإلعجاب‬ ‫في االنتخابات البرملانية في مصر‪ ،‬أكد قادة حزب‬ ‫احلرية والعدالة الذي أسسته حديثا جماعة‬ ‫اإلخوان املسلمني عالنية‪ ،‬التزامهم بالتعددية‬ ‫وحماية حقوق الفرد‪ .‬وأوضحوا بصورة خاصة أنهم‬ ‫يرغبون في إشراك مجموعات مختلفة ومتنوعة‬ ‫من الناس في عملية صياغة الدستور‪.‬‬ ‫وتعهد عضوا اجلماعة البارزان محمد مرسي‬ ‫وعصام العريان‪ ،‬بتشكيل حكومة وحدة وطنية مع‬ ‫أحزاب أخرى‪ .‬وفي رد على التأكيدات التي ترد غالبا‬ ‫من معارضيهم العلمانيني‪ ،‬أصر مسؤوال حزب‬ ‫احلرية والعدالة على «أنهم سيسلمون‬ ‫السلطة إذا خسروا» ألن املزاج الشعبي‬ ‫لن يتحمل نظام حكم ديكتاتوري بعد‬ ‫اآلن‪ .‬ووعد العريان بأال يغير حزب‬ ‫احلرية والعدالة الدستور املصري‬ ‫حتى تلتزم جميع التشريعات‬ ‫بحكم الشريعة اإلسالمية‪.‬‬

‫النطاق من أجل اإلشراف على العملية االنتقالية‬ ‫نحو التعددية‪ .‬وعلى عكس جماعة اإلخوان التي‬ ‫قدمت مرشحها اخلاص للرئاسة‪ ،‬دعم حزب‬ ‫النهضة منصف املرزوقي ‪ -‬الناشط الليبرالي في‬ ‫مجال حقوق اإلنسان ‪ -‬ليصبح رئيسا في جزء من‬ ‫االتفاق على املشاركة في السلطة‪ .‬وأشار سيد‬ ‫فرجاني العضو البارز في حزب النهضة‪ ،‬إلى أن‬ ‫التاريخ سيحكم على جيله من اإلسالميني‪ ،‬ليس‬ ‫بناء على قدرتهم على الوصول إلى السلطة‪،‬‬ ‫ولكن بناء على ما سيفعلونه بها‪.‬‬ ‫وعلق فرجاني قائال‪« :‬في هذه الفرصة الذهبية‪،‬‬ ‫ال تهمني السلطة‪ ،‬بل يهمني الوصول إلى أكثر‬ ‫نظام دميقراطي ذي شعبية‪ .‬هذا ما أحلم به»‪.‬‬ ‫في حني يستعر التشاحن بني اإلسالميني‬ ‫وخصومهم الليبراليني واليساريني حول وضع‬ ‫الدساتير اجلديدة‪ ،‬إال أن الدساتير سوف تعكس‬ ‫روحا من التعددية والتسامح‪ ،‬إذ يوجد لدى‬ ‫اإلسالميني اهتمام راسخ بإضفاء طابع مؤسسي‬ ‫على العملية السياسية لتحميهم من أهواء‬ ‫احلكام العسكريني املنفردين باحلكم‪ .‬وكما قال‬ ‫زعيم حزب النهضة راشد الغنوشي في لقاء أجري‬ ‫معه عام ‪« :2011‬يستفيد احلكام من العنف‬ ‫أكثر مما يستفيد منه معارضوهم»‪.‬‬ ‫ويؤكد العديد من اإلسالميني التزامهم ببناء‬ ‫مؤسسات‪ ،‬وحماية حريات الفرد واألقليات‪،‬‬ ‫وسلطة القانون‪ .‬وقد أوضح حزب النهضة أنه‬ ‫سيحمي األقلية اليهودية صغيرة احلجم في‬ ‫تونس‪ ،‬وهي اجملموعة التي تتعرض لضغوط كبيرة‬ ‫من عناصر محافظة قليلة في اجملتمع‪ .‬كما رفض‬ ‫حزب النهضة دعوات من متطرفني ومن (إسرائيل)‬ ‫بوجوب مغادرة اليهود التونسيني البالد‪.‬‬

‫وعلى النقيض من اإلخوان‬ ‫املسلمني‪ ،‬يتسم حزب‬ ‫النهضة في تونس بأنه‬ ‫أكثر ثباتا ووضوحا بشأن‬ ‫حريات الفرد‪ ،‬ورغبته في��� ‫تسليم السلطة إذا خسر‬ ‫في االنتخابات‪ .‬وأعلن‬ ‫احلزب أن الشريعة لن تكون‬ ‫مصدرا جلميع القوانني‪ ،‬أي‬ ‫كما كان الوضع في‬ ‫الدستور القدمي‪.‬‬

‫أما في مصر‪ ،‬فما زال اخلالف حول حقوق األقليات‬ ‫مستمرا‪ ،‬ليعكس موقفا أقل تقدمية من جانب‬ ‫اإلخوان املسلمني‪ .‬لقد أعلن حزب احلرية والعدالة‬ ‫أنه لن يعارض ترشح أقباط أو نساء ملنصب‬ ‫الرئيس‪ ،‬ولكنه سيؤيد مرشحا مسلما للمنصب‪.‬‬ ‫ولم تردع هذه التصريحات غير الليبرالية مرشحة‬ ‫عن التقدم بأوراقها لسباق الرئاسة‪ ،‬وهي اإلعالمية‬ ‫املصرية الشهيرة بثينة كامل‪.‬‬

‫وبعد حصوله‬ ‫على أغلبية‬ ‫املقاعد في‬ ‫البرملان‬ ‫التونسي‬ ‫في نهاية‬ ‫عام ‪،2011‬‬ ‫أقام حزب‬ ‫النهضة‬ ‫حتالف‬ ‫وحدة‬ ‫واسع‬

‫درجة املساواة‬ ‫تكمن القضية الرئيسية التي تقلق العديد من‬ ‫الناشطات في درجة املساواة التي سيتمتعن‬ ‫بها في اجملتمع في النظام السياسي ما بعد فترة‬ ‫احلكم االستبدادي‪ .‬على وجه العموم‪ ،‬ما زال‬ ‫اإلسالميون وبخاصة السلفيني واإلخوان‪ ،‬سجناء‬ ‫ملبادئ رجعية تتعلق باملرأة‪ .‬ينشر اإلسالميون‬ ‫احملافظون تفسيرات دينية بصورة انتقائية‬ ‫وعشوائية وي ّدعون أنه ال جتوز املساواة الكاملة‬ ‫مع املرأة واألقليات الدينية أمام القانون‪ ،‬وبذلك ال‬ ‫ميكنهم أن يتولوا منصب الرئيس أو حتى القضاء‪.‬‬ ‫ويعارض هذا‬ ‫‪19‬‬


‫األحزاب اإلسالمية في شمال أفريقيا‪ ..‬معضلة «املدنية» ومأزق «العلمانية»‬

‫مراجعات احلكم‬

‫ظهر انقسام كبير بني األحزاب ذات الفكر الليبرالي والنشطاء اإلسالميني‪ ،‬بعد حصول األحزاب اإلسالمية على غالبية‬ ‫املقاعد البرملانية في كل من تونس ومصر واملغرب‪ ،‬مما ينذر بعرقلة املرحلة االنتقالية‪ ،‬من نظام احلكم املستبد إلى التعددية‬ ‫السياسية‪ .‬ويرى الليبراليون واليساريون وجماعات الدفاع عن حقوق املرأة القلقون من الصعود اإلسالمي‪ ،‬بأنه في حني يبدو‬ ‫قادة التيار اإلسالمي معتدلني‪ ،‬فإنهم يحملون أجندة دينية محافظة‪ ،‬وهي األجندة التي قد تؤدي إلى تراجع حقوق اإلنسان‬ ‫واحلريات الفردية‪ .‬وكان األمر املزعج على نحو خاص للمنتقدين‪ ،‬هو رغبة اإلسالميني في فرض تفسيرهم املتشدد لألخالق‬ ‫في اجملال العام‪.‬‬ ‫فواز جرجس‬

‫‪18‬‬


‫وبرز أردوغان نفسه كنموذج متفرد بني رجال‬ ‫الدولة الشرق أوسطيني‪ ،‬كزعيم موقر وذي‬ ‫شعبية لدولة مسلمة لديها صالت وثيقة‪ ،‬وإن‬ ‫كانت مقيدة‪ ،‬مع إسرائيل والذي يستطيع‪ ،‬من‬ ‫جهة أخرى‪ ،‬أن يدين وميدح نظراءه اإلقليميني‬ ‫من القاهرة إلى طهران‪ .‬وال عجب إذن أن يروج‬ ‫املعلقون الغربيون وصناع السياسة لـ«النموذج‬ ‫التركي» باعتباره منوذجا ميكن لألجيال اجلديدة‬ ‫من اإلدارة العربية أن حتاكيه‪.‬‬

‫حاليا حركة اإلخوان‪ ،‬مع باقي البالد لكي يروا من‬ ‫الذي سوف يفوز باالنتخابات الرئاسية‪ .‬وفي الوقت‬ ‫نفسه‪ ،‬ما زال االقتصاد مشلوال‪ ،‬فقد تضاعف‬ ‫معدل البطالة إلى فوق العشرة في املائة‪ ،‬كما‬ ‫تقلص مستوى العائدات كثيرا نظرا للعجز‬ ‫الهائل الذي شهده ميزان املدفوعات بالبالد‪ .‬وال‬ ‫تزال املفاوضات بني صندوق النقد الدولي واجمللس‬ ‫العسكري الذي يدير البالد حول قرض اإلنقاذ الذي‬ ‫يقدر بنحو ‪ 3.2‬مليار دوالر لم حتسم بعد‪.‬‬

‫احلكم السلطوي‬ ‫لألسف‪ ،‬تورط أردوغان وأنصاره في االعتقاالت‬ ‫األخيرة للصحافيني والنشطاء بحقوق اإلنسان‬ ‫بتهمة التحريض وإثارة الفتنة‪ ،‬وتفعيل محاكمة‬ ‫رئيس األركان السابق بتهمة التخطيط‬ ‫لإلطاحة باحلكومة‪ .‬باإلضافة إلى عودة رئيس‬ ‫الوزراء للحديث حول تغيير الدستور التركي الذي‬ ‫كتبه اجلنراالت في بداية الثمانينات بدستور آخر‬ ‫يعده مدنيون‪ .‬ويشير إخفاقه في حتقيق ذلك‪،‬‬ ‫مع تفاقم عدد الصحافيني الذين يتم الزج بهم‬ ‫في السجون إلى أن السياسة التركية‪ ،‬على‬ ‫األقل في ظل وجود أردوغان في السلطة‪ ،‬ليست‬ ‫مستعدة بعد للتصدير‪.‬‬

‫من جهة أخرى‪ ،‬تعاني البالد من وهن سياسي‪.‬‬ ‫ففي ظل اقتراب موعد االقتراع في االنتخابات‬ ‫الرئاسية‪ ،‬حتولت املظاهرات ضد اجمللس‬ ‫العسكري إلى مظاهرات دموية‪ ،‬كما استبعدت‬ ‫السلطات االنتخابية بعض املرشحني الرئاسيني‬ ‫املرموقني نظرا لعدم استيفائهم الشروط‪ ،‬فيما‬ ‫حتوم شكوك حول نية قيادة اجمللس العسكري‬ ‫في التخلي عن السلطة التي حصلت عليها‬ ‫في أعقاب سقوط نظام مبارك بغض النظر عن‬ ‫ماهية الرئيس املنتخب‪.‬‬

‫وهو ما يترك األمر للعرب‪ ،‬حيث إن التحدي‬ ‫األكبر الذي يواجه أي شكل جديد من أشكال‬ ‫احلوكمة ليس احلكم السلطوي بقدر ما هو عدم‬ ‫املساواة في توزيع الدخول واالقتصاد املتهاوي‪.‬‬ ‫فعلى الرغم من أن عقدا من إصالحات الليبرالية‬ ‫اجلديدة‪ ،‬والتي كانت تعتمد إلى حد بعيد على‬ ‫صندوق النقد الدولي‪ ،‬قد عمل على حتفيز النمو‬ ‫في الدول العربية‪ ،‬فإنه خلق طبقة جشعة من‬ ‫أصدقاء النظام التي ساهمت في الدفع للثورة‬ ‫وما تالها من صعود جنم اإلسالم السياسي‪.‬‬ ‫كما أن االضطرابات التي تلتها ساعدت على‬ ‫أن تصبح الصورة بالنسبة للدول غير املنتجة‬ ‫للبترول قامتة‪ .‬فقد عانت دولة تونس التي‬ ‫أشعلت الشرارة األولى للثورات في املنطقة‪ ،‬من‬ ‫مصاعب جمة على املستوى االقتصادي‪ ،‬فقد كان‬ ‫معدل النمو ثابتا خالل العام املاضي‪ ،‬وفي ظل‬ ‫عدم تزايد معدالت وصول السائحني واالستثمار‬ ‫األجنبي املباشر‪ ،‬واللذين يعدان مصدرها الرئيس‬ ‫للعائدات‪ ،‬خالل العام املاضي‪ ،‬فليس من املرجح‬ ‫أن يتعافى اقتصادها في وقت قريب‪ .‬وعلى الرغم‬ ‫من أن تطمينات حزب النهضة احلاكم في تونس‬ ‫اآلن بشأن عدم فرضه قيودا إسالمية قاسية‪،‬‬ ‫قد القت ترحيبا فإنها ما زالت لم حتفز األجانب‬ ‫على املساعدة في إعادة بناء البالد بعد عقود من‬ ‫احلكم األوتوقراطي الفاسد‪.‬‬

‫مزج الدين بالسياسية‬ ‫وباعتباره احلزب ذا األغلبية البرملانية في مصر‬ ‫حاليا‪ ،‬حمل حزب «احلرية والعدالة»‪ ،‬الذراع‬ ‫السياسية حلركة اإلخوان‪ ،‬عبء ذلك الوضع‬ ‫على عاتقه‪ .‬فمن خالل شبكتها من اخلدمات‬ ‫االجتماعية ووعيها البرجوازي‪ ،‬تتمتع‬ ‫اجلماعة بتأييد واسع بدءا من األميني‬ ‫في مصر‪ ،‬وصوال إلى النخبة من‬ ‫املوظفني‪ .‬ومن ثم‪ ،‬ولكي ال يغضب‬ ‫أعضاؤها واملستفيدون منها‪ ،‬سمح‬ ‫مبارك حلركة اإلخوان مبساحات‬ ‫للتنفس تعمل من خاللها‪ ،‬وفي‬ ‫املقابل كان على‬ ‫احلركة‬ ‫عدم‬

‫معارضته عالنية‪ ،‬وهو االتفاق الذي كان مفيدا‬ ‫لكال الطرفني حتى أدى انهيار النظام خالل‬ ‫العام املاضي إلى ترك اجلماعة وحدها لتحل‬ ‫أمام أحد أكبر األزمات االقتصادية والسياسية‬ ‫في التاريخ املصري‪.‬‬ ‫وعلى األقل‪ ،‬أثارت احلملة الرئاسية سلسلة من‬ ‫املناقشات بني األصوليني حول جدوى مزج الدين‬ ‫بالسياسية‪ .‬فيقول مؤيدو املرشح الرئاسي‬ ‫عبد املنعم أبو الفتوح الذي كان من قبل عضوا‬ ‫في حركة اإلخوان والذي يخوض االنتخابات‬ ‫كمستقل إن املنظمات الدينية مثل اإلخوان‬ ‫املسلمني ال تستطيع املشاركة في السياسة‬ ‫دون أن توفق أوضاعها (بإنشائها حزبا سياسيا‪،‬‬ ‫فقدت حركة اإلخوان عددا من أعضائها الشباب‬ ‫الواعدين باإلضافة إلى معلمهم أبو الفتوح)‪.‬‬ ‫وهو ما يعني أن املصريني قد أعلنوا بوضوح‬ ‫على حد قول الزعيم الصيني الراحل دنغ شياو‬ ‫بينغ أنهم غير مهتمني بلون القطة‪ ،‬طاملا أنها‬ ‫تستطيع مطاردة الفئران‪ .‬فرمبا يصبح مستقبل‬ ‫اإلسالم السياسي‪ ،‬وهي القضية التي كانت‬ ‫تؤرق املؤرخني والنخب واملؤيدين وصناع السياسة‬ ‫ملا يقرب من القرن‪ ،‬متوقفا على قضية بسيطة‪،‬‬ ‫وهي تدور حول ما إذا كان اإلخوان املسلمون الذين‬ ‫هم أقوى جماعة إسالمية في املنطقة وأكثرها‬ ‫نفوذا‪ ،‬سيتمكنون من إنعاش االقتصاد املصري‪،‬‬ ‫وتوفير فرص عمل للشباب‪ ،‬وحفز‬ ‫االستثمارات األجنبية وحتديث‬ ‫بنوكها وإعادة بناء املدارس‬ ‫والبنية التحتية‪ ،‬وكبح جماح‬ ‫املؤسسة العسكرية وجعلها‬ ‫مهنية أم ال؟!‬ ‫وبخالف ذلك‪ ،‬فإنها‬ ‫مسألة وقت فقط‪ ،‬حتى‬ ‫تستطيع املرحلة اجلديدة‬ ‫من احلوكمة العربية أن‬ ‫ترفع رايتها على الساحة‬ ‫السياسية التي تتزايد‬ ‫جفافا في العالم العربي >‬

‫كما أخفقت مصر‪ ،‬التي تعد الضمير الثقافي‬ ‫والسياسي للعالم العربي‪ ،‬أيضا في إنعاش‬ ‫اقتصادها الذي يبلغ ‪ 236‬مليار دوالر سنويا‪ ،‬ومن‬ ‫املرجح أن يتزايد الوضع سوءا قبل أن يبدأ في‬ ‫التحسن‪ .‬وينتظر برملان البالد‪ ،‬الذي تهيمن عليه‬ ‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫‪17‬‬


‫بعد جناح أردوغان‪ ..‬االسالم السياسي يحكم شمال أفريقيا‬

‫جنح النموذج التركي‪ ..‬هل تنجح النماذج العربية؟‬

‫اإلسالميون في السلطة‬

‫قبل أن ينتقد حتسني بشير‪ ،‬الدبلوماسي املصري الذي عمل خالل عهدي الرئيسني املصريني الراحلني جمال عبد الناصر‬ ‫وأنور السادات‪ ،‬معظم الدول العربية ناعتا إياها بأنها مجرد «قبائل ذات أعالم»‪ ،‬كانت الشعارات السياسية للمنطقة‬ ‫قد تغيرت جذريا‪.‬‬ ‫ستيفن غلني‬

‫فقد مت خلع العديد من األنظمة التي فرضتها كل‬ ‫من بريطانيا وفرنسا على الشرق األوسط بعد احلرب‬ ‫العاملية األولى‪ ،‬وحل محلها رجال قوميون أقوياء مثل‬ ‫عبد الناصر في مصر‪ ،‬وحافظ األسد في سوريا‪.‬‬

‫«احلوزة»‪ ،‬وهي شبكة سرية كانت تدير مجتمعات‬ ‫الشيعة في العراق طوال عقود من االضطهاد‪،‬‬ ‫والتي أصبحت الحقا إطارا لآللة السياسية األكثر‬ ‫رعبا في العراق‪.‬‬

‫وبرحيل بشير في ‪ ،2002‬كانت السياسات العربية‬ ‫تشهد مرة أخرى تغيرا جذريا‪ .‬ففي ذلك العام‪،‬‬ ‫أصبح احلزب التركي «العدالة والتنمية» هو‬ ‫احلزب احلاكم بعد فوزه فوزا كاسحا في انتخابات‬ ‫أنهت عقودا من حكم الظل جليش أنقرة القوي‪.‬‬ ‫وبعد ذلك بعام‪ ،‬أدى خلع الديكتاتور العراقي صدام‬ ‫حسني في العراق بزعامة أميركا إلى إطالق سراح‬

‫وفي مصر‪ ،‬كانت حركة اإلخوان املسلمني تعيد بناء‬ ‫نفسها بعد أن متكنت من النجاة من حرب الرئيس‬ ‫السابق حسني مبارك ضد اجلماعات اإلسالمية‬ ‫التي امتدت عقدا كامال‪ .‬وكانت حركة اإلخوان‬ ‫املسلمني ونظيرتها التونسية ترفعان طوال عقد‬ ‫كامل رايتهما فوق راية الدميقراطيات العربية‬ ‫الناشئة فيما كان األوتوقراط املتبقون في املنطقة‬

‫‪16‬‬

‫يصارعون ضد التحديات التي فرضتها احلركات‬ ‫اإلسالمية‪.‬‬ ‫وبعد عقود من التحلل التدريجي لإلمبراطورية‬ ‫العربية‪ ،‬كان اإلسالم السياسي قد عاد للحضور‪.‬‬ ‫فهل يستطيع البقاء أطول من سلفه العلماني؟‬ ‫مما ال شك فيه أن اإلسالم السياسي كان ناجحا‬ ‫بالنسبة لتركيا منذ أن أصبح رجب طيب أردوغان‬ ‫رئيسا للوزراء في ‪ .2003‬فقد كان أداء االقتصاد‬ ‫التركي متميزا خالل العقد املاضي‪ ،‬وهو ما جعلها‬ ‫في مكانة مختلفة بعدما تبنت نظاما ميزج بني‬ ‫نظامي السوق احلر والرعاية االجتماعية‪.‬‬


J O I N JUOSI NF OURS F O R

MINT Polo MINT Polo inin the Park the Park 2012 2012 F R I D AY 8 TF H AT U8 R 9 TUHR A DN AYD 1S0UTNHD JAY U N1E0 2T 0H1 2J U N E 2 0 1 2 R I, DS AY TD H AY , S AT DN AYD 9STUHN A

Polo playersPolo fromplayers all overfrom the all world MINT Polo the Park. overwill thebattle worldeach will other battle at each other at in MINT Polo in the Park. Spend a quintessentially British summer's at MINTday Polo the Park, with The Harrods Food Spend a quintessentially Britishday summer's at in MINT Polo complete in the Park, complete with The Harrods Food Court, luxury shopping village, Veuvevillage, Clicquot Champagne garden, world class hospitality some ofand thesome of the Court, luxury shopping Veuve Clicquot Champagne garden, world classand hospitality finest international polo in the world. finest international polo in the world. FOR DETAILS OFDETAILS FANTASTIC HOSPITALITY AND VIP PACKAGES GO TO FOR OF FANTASTIC HOSPITALITY AND VIP PACKAGES GO TO freedomperks.com/mint-polo-in-the-park-2012 freedomperks.com/mint-polo-in-the-park-2012

F I N D FOI N UD T O MO R EMAOBROE UATB TOHUI TS T AH N IDS A LO UT N TDS LO OFT S O F


F A N TA S T I C O F F E R S N O W O N

LOVE THEATRE

Exclusive London Theatre Tickets

Diamond Smile

Teeth whitening

Nude Jewellery based in Mayfair

Men’s and Ladies’ Bespoke Jewellery

SHAKA ZULU

Three-course Essence of Africa Menu

SALT Pilates

Pilates 5 x Quatro classes: relieve Stress, stay Toned

The Complimentary Email Magazine with Exclusive offers on Discerning Products and Events

E X C L U S I V E O F F E R S AT F R E E D O M P E R K S . C O M


‫تأسست في لندن عام ‪1980‬‬

‫ال شك أن األحداث التي عاشتها مملكة‬ ‫البحرين في الفترة السابقة قد تركت‬ ‫لدى كثيرين تساؤال حول حقيقة ما‬ ‫جرى‪ .‬جاءت األحداث في فترة تشهد‬ ‫فيها بعض الدول العربية "انتفاضات"‬ ‫و"ثورات" ما جعل بعض املراقبني يلحق‬ ‫البحرين بدول "الربيع العربي" غير مدرك‬ ‫حلقيقة األوضاع التي "فجّ رها" اخلارج‬ ‫و"استغلّها" البعض في الداخل‪.‬‬

‫جملة العرب الدولية‪� ...‬أفكار خلف الأخبار‬

‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫‪13‬‬


‫زين العابدين بن علي قبل تنحيه عن السلطة‬

‫وكما أن األسلوب األمني والبوليسي الذي اعتمده‬ ‫الرئيس السابق زين العابدين بن علي في حكم البالد‬ ‫والتحكم الكامل والشامل في حاضرها ومصائرها‬ ‫في جميع اجملاالت واملستويات‪ ،‬جعل هذا األسلوب‬ ‫منظومة كاملة تؤطر اجملتمع والدولية‪ ،‬فإن الفساد‬ ‫أيضا وبالتبعية أصبح منظومة شاملة‪ ،‬بل نستطيع‬ ‫القول إنه أصبح ثقافة‪ ،‬مبا في هذه الكلمة من مدلول‬ ‫أنتروبولوجي نظري وسلوكي‪.‬‬ ‫إن سيطرة العائلة احلاكمة بجميع درجاتها‬ ‫ومستوياتها على جميع اجملاالت من دون استثناء‪...‬‬ ‫هذه السيطرة املطلقة والشاملة‪ ،‬أدت إلى وضع ال‬ ‫ميكن فيه ألي مواطن تونسي أن يقوم بأي عمل‪ ،‬أو‬ ‫ينجز أي مشروع مهما كان مستواه‪ ،‬إال بالتوسط‬ ‫املادي لدى أحد أفراد العائلة احلاكمة‪ ،‬ومنهم من‬ ‫يشترط حصوله على نصف رأس املال‪ ،‬إن لم يطالب‬ ‫بأكثر من ذلك‪ ،‬ومنهم من ينتهي إلى امتالك‬ ‫املشروع كامال وافتكاكه من صاحبه إذا كان في‬ ‫مجال اقتصادي مربح ومفيد‪.‬‬ ‫يضاف إلى ذلك استغالل أموال عمومية واستثمارها‬ ‫بدون وجه حق‪ .‬ولعل املثال الصارخ واملزعج وطنيا‬ ‫وإنسانيا من أمثلة عديدة مشابهة‪ ..‬التصرف‬ ‫في األموال الضخمة التي يساهم بها املواطنون‬ ‫في صندوق ‪ 26‬ـ ‪ 26‬هذا الصندوق الذي بعثه ابن‬ ‫علي بدعوى مساعدة املناطق الفقيرة واحملرومة‬ ‫في مختلف اجلهات‪ ،‬وخاصة منها مناطق اجلنوب‬ ‫والوسط والشمال الغربي‪.‬‬ ‫ولكن هذه املناطق نفسها هي التي انطلقت منها‬ ‫االنتفاضات والثورة العارمة في نهاية املطاف‪،‬‬ ‫وكشفت التحقيقات امليدانية التي قدمتها قنوات‬ ‫التلفزة الوطنية واألجنبية عن مدى البؤس واحلرمان‪،‬‬ ‫الذي تعانيه هذه املناطق وعن عشرات اآلالف بل‬ ‫مئات اآلالف من أبنائها العاطلني عن العمل‪ ،‬وخاصة‬ ‫أصحاب الشهادات اجلامعية‪.‬‬ ‫‪12‬‬

‫ومما يبرز غرور العائلة احلاكمة وصلفها وكبرياءها‬ ‫واستخفافها بالتونسيني والتونسيات‪ ،‬هو التبجح‬ ‫بالثروات غير املشروعة والتباهي بها عالنية وفي أية‬ ‫مناسبة‪ ،‬من دون خجل أو حياء‪ .‬إن متابعة سلوك‬ ‫ابن علي وعائلته ومن قاربهم‪ ،‬يؤكد أن هذا السلطان‬ ‫املتسلط يتصرف تصرف اإلقطاعي الذي ميلك األرض‬ ‫ومن عليها وما عليها‪ ،‬إقطاعي عصري ال يتردد أبدا‪،‬‬ ‫وخاصة في السنوات األخيرة من حكمه‪ ،‬في التأكيد‬ ‫على متسكه بشعارات الدميقراطية والعدالة‪.‬‬ ‫وال جدال في أن االنتفاضات املتوالية واالنتهاء بالثورة‬ ‫الشعبية العارمة انطالقا من منطقة سيدي‬ ‫بوزيد بقيام محمد البوعزيزي بإحراق نفسه يوم‬ ‫‪ 17‬ديسمبر ‪ 2010‬امتدادا إلى املناطق اجملاورة مثل‬ ‫القصرين والكاف وسليانة واجلنوب الشرقي والغربي‪،‬‬ ‫كانت نتيجة تراكم وتقاطع بني مسار سياسي‬ ‫يجسد القمع قي أبرز مظاهرة وممارساته‪ ،‬وبني‬ ‫خصاصة وحرمان وفقر شمل مناطق وجهات عديدة‪،‬‬ ‫وبلغ درجة جتاوزت جميع درجات التحمل والصبر‪.‬‬ ‫وال شك أن التقاطع بني هذين اجملالني‪ ...‬السياسي من‬ ‫جهة واالقتصادي واالجتماعي من جهة أخرى‪ ...‬قد‬ ‫غطى عهد ابن علي وجعل اجملتمع ال يعترف بوجود‬ ‫جوانب ومكاسب إيجابية ولو محدودة في مجاالت‬ ‫مثل مجال البنية التحتية واالستقرار األمني‪ ،‬وإن‬ ‫كان في احلقيقة ليس استقرارا وإمنا هو ركود‪ ...‬ركود‬ ‫املستنقع الذي يحوي في داخله شتى أنواع احلشرات‬ ‫السامة‪ ...‬واملياه العفنة والنتنة التي تبرز مبجرد‬ ‫حتريك قاع املستنقع‪ ...‬وهو ما قامت به ثورة الكرامة‬ ‫واحلرية والعدل‪.‬‬ ‫ولهذه االعتبارات وغيرها‪ ،‬فإننا نؤكد أن التقييم‬ ‫احلقيقي والشامل للمرحلة التي عاشتها تونس في‬ ‫عهد ابن علي (‪ 7‬نوفمبر ‪ 14 – 1987‬يناير ‪..)2012‬‬ ‫يحتاج إلى وقت حتى يتمكن الباحثون في مختلف‬ ‫اجملاالت السياسية واالقتصادية واالجتماعية‬

‫والثقافية والتربوية‪ ،‬حتى يتمكنوا من اإلطالع على‬ ‫امللفات والوثائق املتعلقة بهذه اجملاالت‪.‬‬ ‫لكن ما كشفته جلان التحقيق الوطنية‪ ،‬سواء‬ ‫منها التي اهتمت مبجال الرشوة واحملسوبية‪ ،‬أو التي‬ ‫اهتمت بالتجاوزات اخلطرة‪ ،‬وما حدث خالل الثورة من‬ ‫قتل املواطنني واالعتداء على احلرمات واملمتلكات‪...‬‬ ‫ما كشفته هذه اللجان إلى حد اليوم ـ رغم قصر‬ ‫املدة ـ ليؤكد أن املرحلة التاريخية التي عاشتها‬ ‫تونس حتت حكم ابن علي وطولها ‪ 23‬سنة‪ ،‬كانت‬ ‫من أسوإ مراحل تاريخها املعاصر وأقساها‪.‬‬ ‫وال نعتقد أن ما ستقدمه لنا التحقيقات الالحقة‪،‬‬ ‫سيعطي صورة غير هذه الصورة القامتة واملؤملة‪ ..‬بل‬ ‫املأساوية‪.‬‬ ‫وال شك أن املطلوب من الباحثني واملعنيني بالشأن‬ ‫التونسي أن يدرسوا هذه املرحلة بشمول وعمق‬ ‫وموضوعية‪ ،‬للتوصل إلى اإلجابة عن السؤال اجلوهري‬ ‫الذي حملنا إليه في البداية ‪:‬‬ ‫كيف حتول ابن علي من داع إلى الدميقراطية والعدالة‬ ‫كما جاء في بيانه ـ البرنامج‪ ...‬بيان السابع من‬ ‫نوفمبر ‪ ،87‬مما جعل الشعب التونسي يرفع شعارات‬ ‫مثل‪( :‬بالروح بالدم نفديك يا بن علي ـ معك يازين)‬ ‫صباح ذلك اليوم‪ ..‬إلى التظاهر والثورة على نظامه‬ ‫يوم ‪ 14‬يناير ‪ 2011‬رافعا شعار (الشعب يريد‬ ‫إسقاط النظام‪ ...‬و (ارحل)‪.‬‬ ‫املشاركة الفاعلة في عهد ابن علي‪ ،‬هي التي دفعتني‬ ‫إلى كتابة مؤلفني أحدهما‪« :‬قصتي مع ابن علي أو‬ ‫في صناعة الطاغني» وثانيهما رواية أدبية بعنوان‬ ‫«الزنزانة رقم ‪ ، »7‬مشاركة حتملني مسؤولية حتليل‬ ‫عهد ابن علي حتليال موضوعيا العتبارات وطنية‬ ‫وأخالقية واملساهمة ـ قدر املستطاع ـ في حتليل هذه‬ ‫الظاهرة وتفكيكها حتى ال تتكرر >‬


‫الغنوشي حاال دون ذلك‪ ،‬تطبيقا للموقف الشعبي‬ ‫وجتنب البالد مواجهة دموية شاملة‪.‬‬ ‫هذا املوقف الشعبي والرسمي التونسي مدعوما‪،‬‬ ‫وال شك‪ ،‬مبوقف قوى دولية نافذة‪ ..‬منع ابن علي‬ ‫من العودة‪ ،‬وجتنيب تونس مآسي هي املآسي التي‬ ‫نشاهدها في البلدان العربية التي انطلقت ثوراتها‬ ‫الشعبية إثر ثورة تونس‪ ..‬ثورة الكرامة واحلرية والعدل‬ ‫االقتصادي واالجتماعي‪.‬‬ ‫إن املدة التي حكم فيها تونس الرئيس السابق زين‬ ‫العابدين بن علي هي ‪ 23‬سنة (‪ 7‬نوفمبر ‪ 1987‬ـ‬ ‫‪ 14‬يناير ‪ )2011‬لم مير عن نهايتها بسقوط نظام‬ ‫احلكم إال سنة وبضعة أشهر‪ ،‬وهي وال شك مدة‬ ‫محدودة وقصيرة‪ ،‬مما يجعل تقييم عهد ابن علي‬ ‫التقييم الشامل واجلاد والدقيق‪ ،‬أمرا صعب املنال‪..‬‬ ‫وأؤكد على التقييم الشامل واجلاد والدقيق‪.‬‬ ‫وال غرابة أن يؤكد هذا املوقف أبرز احملللني والباحثني‬ ‫اجلادين التونسيني والعرب واألجانب‪ .‬أما املتسرعون‬ ‫في إطالق األحكام واملواقف العتبارات عديدة‪،‬‬ ‫منها األيديولوجي والسياسي‪ ..‬فهؤالء بقدر‬ ‫تفهم مواقفهم وتقييماتهم ملرحلة بن علي‪ ،‬وهي‬ ‫مواقف في جوانب منها سليمة وصائبة‪ ..‬لكنها‬ ‫تقييمات ينقصها الشمول واإلحاطة بجميع اجملاالت‬ ‫واملستويات‪.‬‬ ‫على أن السؤال اجلوهري الذي يتبادر إلى الذهن هو ‪:‬‬ ‫كيف انتقل ابن علي من دميقراطي مدافع عن احلريات‬ ‫العامة واحلقوق السياسية‪ ،‬كما جاء في بيانه ـ البيان‬ ‫ـ البرنامج ـ الذي أعلنه بصوته صباح يوم ‪ 7‬نوفمبر‬ ‫‪ 1987‬والذي سانده الشعب وأغلب قواه احلية‪ ،‬ولم‬ ‫يرفضه ولم يثق به إال قلة من املناضلني‪.‬‬ ‫انتقل ابن علي من هذا املوقف وهذه املبادرات‬ ‫السياسية اإليجابية‪ ،‬فينتهي إلى أن هذا الشعب‬ ‫نفسه وهذه اجلماهير احلاشدة نفسها ترفع شعار‬ ‫«الشعب يريد إسقاط النظام» وتردد عبارة (ارحل)‬ ‫هذه العبارة التي أصبحت شعارا لهذه املرحلة‬ ‫التاريخية‪ ..‬عربيا وإسالميا‪ ..‬بل عامليا‪.‬‬ ‫ال شك أن هنالك أسبابا عديدة ومختلفة ال يسمح‬ ‫هذا املقال بتحليلها التحليل الشامل والعميق‪..‬‬ ‫على أن املوقف املتوازن والعادل الذي ينبغي االجتاه إليه‬ ‫ـ حسب اعتقادنا ـ يتمثل في جتنب اإلطالق والتعميم‬ ‫في اجملال السلبي الشامل‪.‬‬ ‫والغريب أن هذا املوقف يتبناه حاليا العديد من‬ ‫اإلعالميني وحتى «الباحثني التونسيني» إزاء مرحلتي‬ ‫بورقيبة وابن علي‪ ...‬وهذا يعني أن تونس ـ عند هؤالء‬ ‫ـ لم تعرف أي مبادرة إيجابية‪ ،‬أو أي مكسب وإجناز‬ ‫إيجابي مفيد للشعب في جميع اجملاالت السياسية‬ ‫والتربوية واالقتصادية واالجتماعية‪.‬‬ ‫ويذهب البعض حتى إلى اعتبار املرحلة االستعمارية‬ ‫التي عرفتها تونس حتت الهيمنة الفرنسية‪ ،‬أفضل‬ ‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫من مرحلة تونس املستقلة منذ ‪ 20‬مارس (آذار) عام‬ ‫‪ 1956‬إلى اليوم‪ ،‬وال شك أن هذه املغاالة في التقييم‬ ‫متس من مصداقية أصحابها‪ ،‬فكل ماهو مبالغ فيه‪،‬‬ ‫هو خال من أي معنى وأي مضمون‪ ،‬وهو فاقد ألي‬ ‫مدلول‪.‬‬ ‫كما أن املوقف املتوازن والعادل واملوضوعي‪ ،‬ينبغي أن‬ ‫يتجنب اإلطالق في اجملال اإليجابي الشامل‪.‬‬ ‫فال شك أن مرحلة احلبيب بورقيبة‪ ،‬وكذلك‬ ‫مرحلة ابن علي‪ ،‬عرفت كلتاهما قدرا كبيرا من‬ ‫السلبيات والنقائص‪ ...‬في جميع اجملاالت السياسية‬ ‫واالقتصادية واالجتماعية وإن بدرجات متفاوتة‪.‬‬ ‫ومن دون أن نقوم باملقارنة بني العهدين‪ ،‬فليس هذا‬ ‫موضوع املقال‪ ،‬فإننا نكتفي باإلشارة إلى أن اجملال‬ ‫السياسي باخلصوص‪ ،‬مجال احلريات العامة واحلقوق‬ ‫األساسية‪ ،‬هو اجملال الذي يتشابه فيه العهدان وان‬ ‫بدرجات مختلفة‪ ،‬وميكن القول من دون مجازفة أن‬ ‫عهد بن علي عرف تطورا نوعيا وكميا في هذا اجملال‪.‬‬ ‫وال غرابة في ذلك‪ ،‬فقد كان الزعيم احلبيب بورقيبة‬ ‫مناضال سياسيا‪ ..‬بينما كان ابن علي رجل مخابرات‪،‬‬ ‫وكان نظامه نظاما بوليسيا شامال بامتياز‪.‬‬ ‫ولهذا االعتبار فإن اجملالني اللذين برز فيهما ابن علي‬ ‫هما ‪:‬‬ ‫نظام بوليسي‪ ..‬بامتياز‬ ‫مجال قمع احلريات وكبتها وتأطير اجملتمع تدريجيا‬ ‫انتهى‪ ،‬إلى أن أصبحت األجهزة والهياكل واملؤسسات‬ ‫باختالف أنواعها‪ ..‬جميعا من دون استثناء تقوم بالدور‬ ‫األمني اخملابراتي‪.‬‬

‫كان دور األجهزة األمنية ـ وهي متعددة ـ ودور هياكل‬ ‫احلزب احلاكم‪ :‬التجمع الدستوري الدميقراطي‪ ..‬ودور‬ ‫الهياكل اإلدارية من العمدة إلى املعتمد إلى الوالي‪...‬‬ ‫يتمثل أساسا في مراقبة أي حترك للمواطن مهما‬ ‫بن علي يوم أصبح‬ ‫رئيسا لتونس‬

‫كان مستواه ومسؤولياته‪ ..‬فقد كان اجلميع يراقب‬ ‫اجلميع حتى داخل العائلة الواحدة‪ ..‬واألمثلة على‬ ‫ذلك عديدة‪ ،‬ومن أشهر املقوالت الشائعة‪ :‬أن اجلدران‬ ‫لها آذان‪.‬‬ ‫ولن أنسى أبدا حالة عشتها مع أحد الوزراء‪ ..‬وهو‬ ‫بالذات وزير الداخلية‪ ،‬فما بالك باملسؤولني اآلخرين‪...‬‬ ‫هذا الوزير أشار إلي بيده حتى ال أواصل التحليل‪ .‬أشار‬ ‫إلى فضاء مكتبه باعتباره هو أيضا محل مراقبة‪ .‬وزير‬ ‫الداخلية املسؤول على مراقبة اجلميع باعتباره مشرفا‬ ‫على األجهزة األمنية‪ ..‬وهو نفسه واآلخرون يعلمون‬ ‫أن األمن الرئاسي هو املكلف مراقبة اجلميع‪ ..‬مبن‬ ‫فيهم جميع املسؤولني اإلداريني واحلزبيني‪ ..‬إن املسؤول‬ ‫اجلهوي على األمن الرئاسي‪ ،‬هو مسؤول يخشاه‬ ‫اجلميع في الوالية التي يعمل بها‪ ..‬وال أحد يستطيع‬ ‫مخالفة رأيه ومواقفه وتعليماته‪ ..‬مبن فيهم الوالي‬ ‫املسؤول األول واملمثل لرئيس الدولة حسب القانون‬ ‫طبعا‪ ،‬القانون املكتوب‪ ،‬أما الواقع احمللي واجلهوي‬ ‫واملركزي‪ ،‬فهذا شأن آخر‪.‬‬ ‫وقد أدى هذا الوضع إلى أن أصبح اجملتمع بجميع‬ ‫أصنافه ومناطقه ودرجاته‪ ،‬يعيش في زنزانة انفرادية‪،‬‬ ‫هي زنزانة جماعية‪ .‬وهو ما حملت إليه في الرواية التي‬ ‫سأنشرها قريبا إنشاء اهلل وعنوانها «الزنزانة رقم‪»7‬‬ ‫إنها فعال الزنزانة التي قضيت فيها سنة وثالثة‬ ‫أشهر (‪ 15‬شهرا‪ :‬أكتوبر (تشرين األول) ‪ 1995‬إلى‬ ‫ديسمبر (كانون األول) ‪ ،1996‬وهي أيضا بصورة‬ ‫رمزية وواقعية إشارة إلى يوم ‪ 7‬نوفمبر ‪..1987‬‬ ‫وبيان السابع من نوفمبر الذي أعلنه بن علي‪ ..‬والذي‬ ‫كان بيانا دميقراطيا‪ ،‬وأصبح مبرور السنوات واألحداث‪،‬‬ ‫مظلّة لنظام بوليسي كان في مقدمة األنظمة‬ ‫العربية القمعية‪ ،‬وهي باملناسبة متشابهة في هذا‬ ‫اجملال‪ ،‬وإن اختلفت املمارسات اختالفا نوعيا وكميا‪.‬‬ ‫ولذلك عندما انطلقت ثورة الشعب التونسي‪ ،‬ورفع‬ ‫التونسيون والتونسيات شعارا «الشعب يريد إسقاط‬ ‫النظام»‪ ،‬انطلقت إثرها مباشرة وبتأثير منها‪ ،‬ثورات‬ ‫عربية في مصر وليبيا واليمن وسوريا‪.‬‬ ‫ونظرا ألهمية اجملال السياسي وتأثيره املباشر في‬ ‫جميع اجملاالت األخرى االقتصادية واالجتماعية‬ ‫والتربوية ـ ولذلك تبرز أهمة شعار «ال تنمية بدون‬ ‫دميقراطية»ـ فقد كان الوضع اخلطير الذي عاشه‬ ‫الشعب التونسي خالل مرحلة ابن علي وبصورة‬ ‫متدرجة تصاعديا‪ .‬هذا الوضع انعكس بصورة‬ ‫مباشرة على األوضاع واجملاالت األخرى‪.‬‬ ‫وجهان لعملة واحدة‬ ‫ونظرا إلى أن هذا املقال ال يسمح بتناول مختلف‬ ‫األوضاع األخرى‪ ،‬فإننا نكتفي بإضافة مجال آخر هو‬ ‫مجال الفساد‪ ...‬فالقمع والفساد وجهان لعملة واحدة‪،‬‬ ‫إنهما مرتبطان أحدهما باآلخر ارتباطا عضويا كامال‪.‬‬

‫إن القمع والكبت يجعالن اجملتمع يعيش في ظالم‬ ‫دامس‪ ...‬والفساد ال ينتشر وينمو ويتطور إال في‬ ‫الظالم‪.‬‬

‫‪11‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫احلبيب بورقيبة يستقبل زين العابدين بن علي قبل تغيير ‪ 7‬نوفمبر ‪1987‬‬

‫التونسيون عاشوا ‪ 23‬سنة في زنزانة جماعية‬

‫تونس في عهد بن علي‬

‫جتدر اإلشارة في البدء إلى أنني سأتناول هذا املوضوع "تونس في عهد ابن علي" ال باعتباري إعالميا ومحلال سياسيا‬ ‫فقط‪ ،‬بل وباخلصوص باعتباري مناضال وطنيا‪ ،‬ومشاركا فاعال في هذه املرحلة احلاسمة من تاريخ تونس املستقلة‪.‬‬ ‫محمد مواعدة‬ ‫ولئن كنت في العهد البورقيبي مناضال ميدانيا منذ‬ ‫سنوات الشباب األولى‪ ،‬وحتملت مسؤوليات محلية‬ ‫وجهوية ومركزية في احلزب الدستوري‪ ،‬فقد كنت خالل‬ ‫مرحلة ابن علي رئيس حزب هو حركة الدميقراطيني‬ ‫االشتراكيني‪ ،‬وتعاملت مع ابن علي بصورة مباشرة‪،‬‬ ‫وعرفت عالقاتنا حتوالت عديدة من املساندة إلى‬ ‫االختالف إلى املواحهة‪.‬‬ ‫تقييم موضوعي‬ ‫إنني أرفض املغاالة واملبالغة في حتليل هذا العهد‪،‬‬ ‫سواء باإليجاب أو السلب‪ ،‬واملطلوب حاليا هو التعريف‬ ‫باحلقيقة‪ ،‬وضمن هذا اإلطار أشير إلى ما يلي ‪:‬‬ ‫يوم السبت ‪ 7‬نوفمبر (تشرين الثاني) ‪ 1987‬أعلن‬ ‫الوزير األول يومئذ زين العابدين بن علي‪ ،‬إزاحة الرئيس‬ ‫الراحل احلبيب بورقيبة ألسباب صحية طبقا للفصل‬ ‫‪ 57‬من الدستور التونسي‪ ،‬وتولى رئاسة الدولة‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫وقد أطلق احملللون السياسيون على هذا احلدث‬ ‫«االنقالب الصحي»‪ ،‬ولم يكتف الرئيس اجلديد‬ ‫بالقيام بهذا االنقالب‪ ،‬بل أضاف إلى ذلك إعالن بيان‬ ‫سياسي‪ ،‬تضمن أهم القضايا واالختيارات التي كانت‬ ‫جميع القوى الوطنية بدون استثناء‪ ،‬تناضل من أجلها‬ ‫وتطالب بتحقيقها ‪.‬‬ ‫إن ابن علي بهذا البيان ـ البرنامج‪ ،‬أكد تعهده بإجناز‬ ‫مطامع الشعب التونسي في الدميقراطية والتعددية‪،‬‬ ‫وفي احترام احلريات العامة واحلقوق األساسية‪.‬‬ ‫ولذلك كان جتاوب الشعب سريعا وشامال‪ ،‬إذ خرجت‬ ‫اجلماهير في مسيرات عارمة تؤكد مساندتها للرئيس‬ ‫اجلديد‪ ،‬رافعة شعار «بالروح بالدم نفديك يا الزين»‬ ‫وهو الشعار نفسه الذي كانت هذه اجلماهير تردده‬ ‫للرئيس السابق احلبيب بورقيبة‪ .‬وفي جتمع جماهيري‬

‫حاشد أمام قصر احلكومة بساحة القصبة أجاب ابن‬ ‫علي املنادين بشعار «معاك يا الزين» بقوله «معا‬ ‫من أجل تونس»‪.‬‬ ‫يوم اجلمعة ‪ 14‬يناير (كانون الثاني) ‪ 2011‬انطلقت‬ ‫مسيرات شعبية صاخبة وغاضبة رافعة شعار‬ ‫«الشعب يريد إسقاط النظام» اقتباسا من البيت‬ ‫الشعري الشهير لشاعر تونس الكبير الراحل أبي‬ ‫القاسم الشابي ‪:‬‬ ‫إذا الشعب يوما أراد احلياة ** فال بد أن يستجيب للقدر‬ ‫وتردد عبارة «‪( »Dégage‬ارحل) للرئيس ابن علي‪،‬‬ ‫فكان هذا التاريخ يوم سقوط النظام‪ ،‬ومغادرة بن‬ ‫علي وعائلته تونس على أمل العودة‪ ،‬لكن الرفض‬ ‫الشعبي احلاسم وموقف احلاكمني اجلدد‪ ،‬وبالذات‬ ‫رئيس اجلمهورية فؤاد املبزع والوزير األول محمد‬


‫حسني طنطاوي‬

‫جمال عبدالناصر ومحمد جنيب‬ ‫أنور السادات وحسني مبارك‬

‫رئيس جمهورية مصر القادم ‪ -‬أيا من كان ‪ -‬عليه أن‬ ‫يدرك ذلك كله ويؤمن به إميانا حقيقيا‪.‬‬ ‫كذلك وفي تقديري وإحساسي أنه تقدير الغالبية‬ ‫من أبناء هذا الشعب أنهم يريدون رئيسا ً مدنيا‬ ‫يؤمن بالدولة املدنية‪ .‬الدولة التي يتساوى فيها‬ ‫املواطنون جميعا ً ال فارق بني مسلم ومسيحي‪.‬‬ ‫وعند اتخاذ أي قرار مصيري فال بد أن يكون املواطنون‬ ‫جميعا‪ ،‬القبطي قبل املسلم‪ ،‬على قدم املساواة‪.‬‬ ‫وإذا كانت االستفتاءات أصبحت سمعتها سيئة‬ ‫وتعرف نتيجتها حتى قبل إجرائها فإن االنتخابات‬ ‫البد وأن جترى حتت إشراف قضائي كامل‪ .‬كذلك فإن‬ ‫منظمات اجملتمع املدني الداخلية واخلارجية يتعني‬ ‫أن تشارك في اإلشراف على هذه االنتخابات وليس‬ ‫في ذلك انتقاص لسيادة الدولة ألن املشاركة في‬ ‫االشراف ال تعني اتخاذ قرارات سيادية‪.‬‬ ‫مصر دولة كبيرة‪ ،‬هي أكبر دولة عربية ومن أكبر‬ ‫الدول األفريقية‪ ،‬ومع ذلك فإن مصر فقدت في‬ ‫املرحلة السابقة وزنها االقليمي والدولي وسبقتها‬ ‫تركيا وإيران مع أن مصر بتاريخها وحضارتها ووزنها‬ ‫السكاني واملكاني جديرة بأن ال تكون أقل وزنا ً من‬ ‫تركيا وإيران‪ .‬ويرجع ذلك أساسا إلى تدني مستوى‬ ‫التعليم سواء التعليم العام أو التعليم اجلامعي‪.‬‬ ‫نظرة إلى ميزانية البحث العلمي في اجلامعات‬ ‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫املصرية جتعلنا ندرك مدى عدم االهتمام بهذا‬ ‫املوضوع اخلطير وجتعلنا ندرك ملاذا سبقتنا جامعات‬ ‫جنوب أفريقيا وجامعات اسرائيل لالسف الشديد‪.‬‬

‫«اإلسالم والدولة املدنية» والباب األول في هذا‬ ‫الكتاب القيم ‪ -‬الصادر عام ‪ - 2004‬يتكلم عن‬ ‫أسس الدولة املدنية في اإلسالم ويحددها بأنه‪:‬‬

‫يجب أن يدرك رئيس مصر القادم أن الشعب املصري‬ ‫شعب متدين ولكنه في نفس الوقت يكره التعصب‬ ‫والتطرف‪ .‬وفي مصر كنائس قبطية محل احترام‬ ‫وتقدير اجلميع ‪ -‬أو هكذا يجب أن تكون ‪ -‬وفيها‬ ‫األزهر الشريف الذي كان على مدى العصور حامال ً‬ ‫وحاميا ً لشعلة الوسطية املصرية ورافضا ً للفكر‬ ‫املتعصب أيا كان مصدره‪.‬‬

‫أوال ً‪ :‬األمة مصدر السلطات‪.‬‬ ‫ثانيا ً‪ :‬الفصل بني ما هو ديني وما هو دنيوي‪.‬‬ ‫ثالثا ً‪ :‬الفصل بني السلطات‪.‬‬ ‫رابعا ً‪ :‬استقالل القضاء‪.‬‬

‫إن أئمة عظاما مثل اإلمام محمد عبده والشيخ‬ ‫شلتوت والدكتور مصطفى عبد الرازق والدكتور‬ ‫أحمد الطيب إمام األزهر وشيخه حاليا هم أمثلة‬ ‫من أمثلة االستنارة والتسامح ودليل على عظمة‬ ‫األزهر وعظمة اإلسالم‪.‬‬ ‫ويقينا فإن مصر القادمة لن تقبل مطلقا ً ال دولة‬ ‫عسكرية بوليسية وال دولة دينية متعصبة‪ .‬وليس‬ ‫هناك أسوأ من الدولة البوليسية غير الدولة‬ ‫الدينية املتعصبة‪.‬‬ ‫كل علماء اإلسالم املستنيرين يرفضون أن اإلسالم‬ ‫يعرف الدولة الدينية واألستاذ الدكتور عبد املعطي‬ ‫بيومي عميد كلية أصول الدين سابقا وعضو‬ ‫مجلس البحوث اإلسالمية له كتاب قيم بعنوان‬

‫وهل هناك من عناصر للدولة الدميقراطية املدنية‬ ‫غير هذه العناصر التي أوردها وحلل كل عنصر‬ ‫منها العالم اإلسالمي ��ملستنير الدكتور‪ /‬عبد‬ ‫املعطي محمد بيومي‪.‬‬ ‫يبقى بعد ذلك كله أمام رئيس مصر القادم‬ ‫مشكلتان‪:‬‬ ‫مشكلة األمن‪.‬‬ ‫واملشكلة االقتصادية‪.‬‬ ‫وكال األمرين مرتبط ببعضه ارتباطا ً عضويا ً‪ .‬إذا غاب‬ ‫األمن غابت السياحة وغاب االستثمار وتدهورت‬ ‫األحوال املعيشية وزادت البطالة‪ .‬والعكس أيضا ً‬ ‫صحيح‪.‬‬ ‫إن رئيس مصر القادم يواجه حتديات جبارة لن‬ ‫يستطيع مواجهتها إال إذا اعتمد على الشعب‬ ‫اعتمادا كامال وإذا منحه الشعب ثقته وتقديره‪.‬‬ ‫واهلل املستعان >‬

‫‪9‬‬


‫امللك فاروق‬

‫ليس هناك أسوأ من الدولة البوليسية غير الدولة الدينية املتعصبة‬

‫مواصفات رئيس مصر القادم‬

‫أحاول هنا أن أعبر عن رأيي الشخصي وفي نفس الوقت أحاول أن أتلمس رأي اجلماهير العريضة في ذات املوضوع‪ ..‬ولعل أهم‬ ‫مواصفات رئيس مصر القادم أن يكون مدركا ً متاما ً أنه يأتي إلى حكم مصر هذه املرة – ورمبا ألول مرة في تاريخها الطويل – عن‬ ‫طريق إرادة الشعب املصري نفسه وليس أي إرادة سواه‪.‬‬

‫د‪ .‬يحيى اجلمل ‪ -‬فقيه دستوري وسياسي مصري‪..‬‬ ‫شغل منصب نائب رئيس مجلس الوزراء في ‪2011‬‬ ‫وكان عميدا لكلية احلقوق بجامعة القاهرة‬ ‫هذا اإلدراك سيجعل رئيس مصر القادم يدرك متاما ً‬ ‫أنه جاء عن طريق إرادة الشعب ليعبر عن إرادة‬ ‫الشعب وليحاول أن يحقق رغبات الشعب ال رغبات‬ ‫مجموعة أو حفنة من احمليطني به أو من ذوي قرباه‪.‬‬ ‫رئيس مصر القادم شأنه في ذلك شأن كل رؤساء‬ ‫اجلمهوريات في العالم املتحضر وفي النظام‬ ‫الدميقراطي يدرك أنه سيكون في يوم من األيام بعد‬ ‫فترة محددة رئيسا ً سابقا ً‪.‬‬ ‫وجود رئيس سابق سمة أساسية من سمات تداول‬ ‫السلطة ونتيجة طبيعية للتعددية السياسية‪،‬‬

‫‪8‬‬

‫وتداول السلطة ‪ -‬والتعددية السياسية سمتان‬ ‫أساسيتان من سمات النظام الدميقراطي ‪ -‬وإذا‬ ‫كانت التعددية والتداول سمتان أساسيتان من‬ ‫سمات النظام الدميقراطي فإن هذا النظام ال‬ ‫يكتمل إال إذا كانت سيادة القانون من جوهرياته‬ ‫األولية‪.‬‬ ‫وسيادة القانون تعني أول ما تعنيه أن تخضع‬ ‫الدولة بكل مؤسساتها حلكم القانون وأن يخضع‬ ‫املواطنون جميعا ً ‪ -‬حاكمني ومحكومني ‪ -‬حلكم‬ ‫القانون‪ ،‬وأن يؤمن اجلميع أن سيادة القانون ضرورة‬ ‫للحاكم قبل احملكوم ألنه يدرك أنه في يوم قادم‬

‫من األيام ‪ -‬وفقا لقاعدة تداول السلطة ‪ -‬أنه‬ ‫سيكون رئيسا سابقا ميشي بني الناس كما ميشي‬ ‫جيسكار ديستان وكارتر وكلينتون وبوش األب‬ ‫وبوش االبن وغيرهم من حكام العالم الدميقراطي‬ ‫السابقني‪.‬‬ ‫هذه هي األنظمة اجلمهورية الدميقراطية‬ ‫احلقيقية‪ .‬ولكن الوطن العربي ‪ -‬لالسف الشديد‬ ‫ لم يعرف في املرحلة املاضية سوى ما أطلق‬‫عليه «اجلمهوريات امللكية» التي يريد كل رئيس‬ ‫جمهورية فيها أن يورث احلكم ألوالده من بعده‪.‬‬ ‫والتوريث سمة من سمات النظام امللكي إذا حتققت‬ ‫شروطه التي تنص عليها الدساتير امللكية‪.‬‬


‫‪26‬‬ ‫�صــــــ‬ ‫‪34‬‬ ‫�صــــــ‬


‫احملتوى‬

‫‪42‬‬

‫أزمة اإلطالة‬

‫�صــــــ الثورة السورية‪ ..‬هل هي احلرب األهلية!!‬

‫شؤون سياسية‬

‫‪08‬‬

‫مواصفات رئيس مصر القادم‬ ‫ليس هناك أسوأ من الدولة البوليسية‬ ‫غير الدولة الدينية املتعصبة‬ ‫بقلم‪ :‬د‪ .‬يحيى اجلمل‬

‫‪10‬‬

‫تونس في عهد بن علي‬ ‫التونسيون عاشوا ‪ 23‬سنة في زنزانة جماعية‬ ‫بقلم‪ :‬محمد مواعدة‬

‫اقتصاد‬

‫‪20‬‬

‫‪6‬‬

‫مستقبل االقتصاد املصري‬ ‫‪ 12‬شرطا‪ ..‬حتي ال تغرق‬ ‫السفينة مبا حملت‬ ‫بقلم‪ :‬علي لطفي‬

‫‪ 54‬صحافة عاملية‬ ‫القنبلة‪ ..‬الوهم‬

‫ملاذا تفشل البرامج النووية ذاتيا؟‬ ‫وهل يفشل «النووي» اإليراني أيضا؟‬ ‫بقلم‪ :‬جاك إي سي هيمانز‬

‫‪58‬‬

‫عود على بدء‬ ‫عادت طهران للمفاوضات‪..‬‬ ‫هل هذا يكفي؟!‬ ‫بقلم‪ :‬باتريك ليل كالوسون‬

‫‪60‬‬

‫دول املافيا‬ ‫اجلرمية املنظمة‬ ‫تتولى السلطة‬ ‫بقلم‪ :‬موسى نعيم‬


‫د‪ .‬فواز جرجس‬ ‫أستاذ سياسة الشرق األوسط والعالقات الدولية في كلية‬ ‫االقتصاد والعلوم السياسية بلندن‪ .‬حصل على درجة الدكتوراه من‬ ‫جامعة أكسفورد وتلقى تعليمه في جامعات أكسفورد وهارفارد‬ ‫وكولومبيا‪ .‬عمل باحثا في برنستاون وأستاذا للسياسات اخلارجية‬ ‫األميركية والدراسات الشرق أوسطية في كلية سارة لورنس‬ ‫في نيويورك‪ .‬من مؤلفاته‪ :‬رحلة مجاهد‪ :‬الناشطون اإلسالميون‬ ‫من الداخل و العدو القاصي‪ :‬ملاذا أصبح اجلهاد عامليا؟ و أميركا‬ ‫واإلسالم السياسي‪ :‬صراع الثقافات أم صراع املصالح؟ وصعود‬ ‫تنظيم القاعدة وهبوطه‪ ..‬يكتب جرجس مقاالت وافتتاحيات في‬ ‫كبريات الصحف من بينها الواشنطن بوست و نيويورك تاميز و‬ ‫فورين بولسي و فورين آفيرز و لوس أجنليس تاميز وغيرها‪.‬‬

‫د‪ .‬فواز جرجس‬

‫د‪ .‬علي لطفي‬ ‫خبير اقتصادي‪ ،‬كان رئيسا للوزراء في مصر من الفترة من ‪4‬‬ ‫سبتمبر ‪ 1985‬حتى ‪ 9‬نوفمبر ‪ ..1986‬تولى مناصب عدة من بينها‬ ‫رئاسة مجلس الشورى إال انه لم يستمر في منصبه حتى عام ‪1989‬‬ ‫كما عمل وزيرا للمالية في عهد الرئيس أنور السادات‪ .‬رأس أيضا‬ ‫اجمللس األعلى للصحافة وهو عضو جلنة االقتصاد باجمللس األعلى‬ ‫للثقافة‪ ..‬له أكثر من ثالثني بحثا باللغات العربية واإلجنليزية‬ ‫والفرنسية‪ ،‬ومن مؤلفاته‪ :‬التطور االقتصادي و مؤشرات التخلف‬ ‫االقتصادي ومشكالت التصنيع في الدول النامية ومشكالت‬ ‫التمويل في الدول النامية‪.‬‬

‫د‪ .‬علي لطفي‬

‫جولييت هايت‬ ‫كاتبة ومصورة متخصصة في التراث والثقافة املعاصرة في الشرق‬ ‫األوسط‪ .‬عاشت في الهند وشرق أفريقيا وغربها وزارت أكثر من ‪50‬‬ ‫دولة حول العالم‪ .‬غطت‪ ،‬خالل إقامتها في نيجيريا عبر عدستها‪،‬‬ ‫احلرب األهلية واملعارض الفنية وبدأت في الكتابة كصحافية‬ ‫محترفة‪ .‬لها اهتمام بثقافات شعوب اجلنوب وبخاصة ثقافات‬ ‫وفنون البلدان األفريقية واآلسيوية والعربية‪ .‬تعمل حاليا على‬ ‫تأليف كتابها الثاني «تصميم عمان»‪ ،‬بعد أن نشرت كتابها األول‬ ‫«اللبان‪ :‬هدية عمان إلى العالم» عام ‪.2006‬‬

‫جولييت هايت‬

‫محمد مواعدة‬ ‫كاتب ومحلل سياسي تونسي وخبير في املنظمة العربية‬ ‫للتربية والثقافة والعلوم سبق وأن رأس حزب حركة الدميقراطيني‬ ‫االشتراكيني (أكبر األحزاب املرخص لها في عهد الرئيس زين‬ ‫العابدين بن علي) خلفا ألحمد املستيري مؤسس احلركة عام ‪،1987‬‬ ‫وفي عام ‪ 1992‬نشب خالف بينه وبني السلطة ومتت محاكمته‬ ‫بسبب اتهامه بالتعامل مع إحدى الدول األجنبية وحكم عليه‬ ‫بالسجن ملدة أحد عشر عاما‪ ،‬لم يقض منها سوى بعض السنوات‬ ‫حيث أفرج عنه عام ‪ ،1999‬ثم أعيد إلى السجن خملالفته قرار اإلفراج‬ ‫الشرطي عنه‪ ،‬ومت اإلفراج عنه مرة ثانية عام ‪.2001‬‬

‫محمد مواعدة‬

‫ستيفن غلني‬ ‫صحفي مستقل و كاتب مقيم في واشنطن‪ .‬انظم عام ‪1991‬‬ ‫لصحيفة وول ستريت جورنال التي عينته مراسال في كوريا‬ ‫اجلنوبية واستمر بالعمل لديها طيلة عقد كامل مغطيا اخبار‬ ‫آسيا و الشرق االوسط من سيئول و طوكيو و تل ابيب و عمان‬ ‫و عمل ايضا مراسال لنيوزويك‪ .‬من أحدث كتبه "الدولة مقابل‬ ‫الدفاع" الذي يشرح "تسليح" السياسة اخلارجية األمريكية‪.‬‬

‫ستيفن غلني‬


‫اإلفتتاحية‬

‫املحرر‬ ‫ر�سالة‬ ‫ّ‬ ‫انتظر املصريون بفارغ الصبر انتخاب رئيس جديد لبالدهم بعد أكثر من ‪ 15‬شهرا على تنحي الرئيس السابق محمد‬ ‫حسني مبارك‪ ،‬لكن النتيجة كانت مفاجئة وصادمة حيث صعد الى الدور الثاني آخر رئيس وزراء ملبارك محتال‬ ‫املرتبة الثانية في االنتخابات‪.‬‬ ‫نتائج املرحلة األولى من االنتخابات الرئاسية وضعت مرشح العسكر في املرتبة الثانية بعد "اإلخواني" محمد‬ ‫مرسي بحوالى ربع أصوات الناخبني‪ .‬السؤال الذي يطرح نفسه هو ملاذا قرر املاليني من املصريني دعم مرشح‬ ‫محسوب على النظام السابق‪.‬‬ ‫تغير "مزاج" املصريني ونظرتهم للثورة‪ .‬لقد اكتشف املاليني أن "الثورة" لم‬ ‫هناك تفسيرات عديدة ولكن أهمها هو ّ‬ ‫تكن سوى حلم حتول سريعا إلى كابوس يخنق األنفاس‪.‬‬ ‫صادم فعال أن يختار ربع املصريني مرشحا يحسب على النظام السابق ولكن الذي يراقب ما حصل في مصر طوال‬ ‫أكثر من عام ال يخفى عليه اآلثار السلبية كانعدام األمن وتوقف السياحة و"السقوط احلرّ" لالقتصاد املصري‪.‬‬ ‫أمام هذا املشهد‪ ،‬ميكن تسجيل مالحظتني‪ ،‬األولى أن راديكاليي الثورة من شباب التحرير الذين يزعمون امتالك‬ ‫الشرعية الثورية لم يتمكنوا خالل استفتاء عام وثالثة انتخابات مرت بعد ذلك أن يحققوا أي نتائج تذكر مما يعني‬ ‫أنهم ال ميثلون في احلالة املصرية إال أقلية "صاخبة"‪.‬‬ ‫االثانية‪ ،‬أن نتيجة اجلولة األولى من االنتخابات قد ال تفسد على محمد مرسي سعيه الى اإلقامة في "قصر‬ ‫عابدين"‪ ،‬لكنها صادمة أيضا‪" .‬اإلخوان املسلمون" بكل امكانياتهم املالية واللوجستية والتنظيمية لم يحصل‬ ‫مرشحهم‪ ،‬هو أيضا‪ ،‬إال على ما يزيد قليال على ربع أصوات الناخبني‪ .‬صحيح أنهم حافظوا على املرتبة األولى وبدأوا‬ ‫مبغازلة اخلاسرين في املرحلة األولى مثل حمدين صباحي وعبد املنعم أو الفتوح‪ ،‬والتحدث الى السلفيني وغيرهم‬ ‫النقاذ "الثورة" على حد قول عصام العريان‪ ،‬لكن نتائج االنتخابات الرئاسية كشفت عن احلجم احلقيقي لإلخوان‬ ‫في الشارع وتراجع ثقة عدد كبير من املصريني فيهم وفي وعودهم بل وفي أهليتهم في قيادة "اجلمهورية الثانية"‪.‬‬ ‫بعد فوزهم مبجلسي الشعب والشورى وسيطرتهم شبه املطلقة على النقابات املهنية والطالبية والقطاعية‪،‬‬ ‫أثبت اإلخوان عدم استعدادهم املشاركة أو حتى التنسيق مع القوى السياسية األخرى‪ .‬جتربة اإلخوان املاضية‬ ‫أكدت أنهم جماعة غير قادرة على العمل في بيئة تعددية وهذا يعود باألساس الى طبيعة التنظيم السرّي‬ ‫وتاريخيه الصدامي‪.‬‬ ‫اليوم املصريون أمام خيارين أحالهما مرّ‪ ..‬إما اختيار رجل من رجال النظام السابق‪ ،‬وكأن كل تلك اخلسائر البشرية‬ ‫واالقتصادية حتت شعار الثورة لم تكن ضرورية أو اختيار اإلخوان ليكتمل "الطوق" فتسيطر اجلماعة على كل شيء‬ ‫في مصر حتت وصاية املرشد‪.‬‬

‫عادل الطريفي‬ ‫رئيس التحرير‬


‫أسسها سنة ‪1987‬‬

‫األمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز‬

‫أسسها هشام ومحمد علي حافظ‬

‫الرئيس التنفيذي‬ ‫الدكتور عزام الدخيل‬ ‫رئيس التحرير‬ ‫عادل بن زيد الطريفي‬ ‫مدير التحرير‬ ‫عزالدين سنيقرة‬ ‫للمشاركة‬

‫إلرسال مقاالت أو آراء يرجى املراسلة على البريد اإللكتروني ‪editorial@majalla.com‬‬ ‫ملحوظة‪ :‬جميع املقاالت يجب أال تزيد على ‪ 800‬كلمة‬

‫اشتراكات‬

‫لالشتراك في الطبعة الرقمية‪ ،‬يرجى االتصال بـ‪subscriptions@majalla.com :‬‬ ‫لالشتراك في االلكترونية‪www.issuu.com/majalla :‬‬

‫تنويه‬

‫اآلراء الواردة في اجمللة ال تعبر بالضرورة عن رأي إدارة التحرير‬ ‫حقوق النشر محفوظة جمللة اجمللة ‪ 2009‬التي تصدر عن الشركة السعودية لألبحاث والتسويق (اململكة املتحدة) شركة محدودة‪ .‬وال يجوز بأي حال من األحوال إعادة طباعة اجمللة أو أي جزء منها‬ ‫أو تخزينها في أي نظام استرجاعي أو نقلها بأي صورة أو أي وسيلة إلكترونية أو آلية أو تصويرها أو تسجيلها أو ما شابه دون احلصول على تصريح مسبق من الشركة السعودية لألبحاث والتسويق‬ ‫(شركة محدودة)‪ .‬وتصدر اجمللة شهريا ً‪ .‬لتلقي استفسارات االشتراك الرقمي‪ ،‬يرجى زيارة ‪www.majalla.com‬‬

‫مرخص لها‬

‫الرياض ‪ -‬حي املؤمترات ‪ -‬طريق مكة ‪ -‬تقاطع التخصصى‬ ‫الرياض‪ :‬هاتف ‪ - 4419933‬لندن‪+44 207 831 8181 :‬‬

‫الوكيل الإعالين‬

‫املركز الرئيسي‪ :‬الرياض‪ :‬ص‪.‬ب‪ - 146999 .‬جدة‪:‬ص‪.‬ب‪ ،21434 .‬موقع إلكتروني‪ ،www.alkhaleejiah.com :‬بريد إلكتروني‪hq@alkhaleejiah.com :‬‬ ‫الرياض‪ ، +966 1 4411444:‬دبي‪ ،+9714 3 914440 :‬باريس‪ ،+331 537 764 00:‬لندن‪+44 207 404 6950:‬‬

‫وكيل الإ�شرتاكات‬

‫بريد إلكتروني‪ ، info@arabmediaco.com :‬موقع إلكتروني‪ ،www.arabmediaco.com :‬هاتف مجاني‪ 800-2440076 :‬‬

‫وكيل التوزيع‬

‫وكيل التوزيع في اململكة العربية السعودية حي املؤمترات ‪ -‬ص‪.‬ب ‪ - 62116‬الرياض ‪ ،11585‬هاتف‪ +966 1 4419933 :‬فاكس‪،+966 1 2121774 :‬‬ ‫موقع إلكتروني‪www.saudidistribution.com :‬‬

‫مركز الطباعة‬

‫ص‪.‬ب‪ - 121 .‬الرياض ‪ ،11383‬هاتف ‪ ،+9661.2657000‬فاكس ‪ ،+9661.2658000‬موقع إلكتروني‪www.halaprintco.com :‬‬

‫�شركات املجموعة‬ ‫‪Saudi Specialized Publishing Company‬‬

‫للحصول على املزيد من املعلومات‪ ،‬يرجى اإلتصال على الهاتف اجملاني ‪ 8002440014‬‬ ‫حقوق النشر لهذه املطبوعات‬ ‫باللغة العربية مرخصة «اجمللة»‬

‫حقوق التوزيع لهذه املطبوعات محفوظة‬

‫لشركة «تريبيون خلدمات اإلعالم»‬

‫صورة الغالف‪ :‬جون روبرتس حقوق النشر محفوظة لـ"‬

‫"‬


Distinguish yourself

King’s is ranked in the top 30 universities worldwide* and based in the heart of London. With nine Schools and six Medical Research Council centres, King’s offers world-class teaching and research. Our extensive range of subjects includes humanities, law, medicine, psychiatry, dentistry, nursing, mathematics; natural, biomedical, social and management sciences. For further information, please contact Ghazi Lashab at ghazi.lashab@kcl.ac.uk *QS World University Rankings, 2011

www.kcl.ac.uk


‫حممد مواعدة‪ :‬تون�س يف عهد بن علي‬

‫نيكوال�س بري�ش‪ :‬فتح الله كولن والكماليون اجلدد‬ ‫تأسست في لندن عام ‪1980‬‬

‫مجلة العرب الدولية‬

‫علي لطفي‪ :‬م�ستقبل االقت�صاد امل�صري‬

‫العدد ‪ ،1573‬يونيو ‪ /‬حزيران ‪2012‬‬

‫جنح النموذج الرتكي‪..‬‬ ‫هل تنجح النماذج العربية؟‬

‫الإ�سالميون‬ ‫يف ال�سلطة‬ ‫الأحزاب الإ�سالمية يف �شمال �أفريقيا‪..‬‬ ‫مع�ضلة «املدنية» وم�أزق «العلمانية»‬

‫مراجعات‬ ‫احلكم‬ ‫‪‬‬

‫حتقيق‪ :‬التمويل الأجنبي ملنظمات املجتمع املدين يف قف�ص االتهام‬

‫تقرير‪� :‬أزمة الإطالة‪..‬هل جنح الأ�سد يف حتويل الثورة �إىل حرب �أهلية!‬

‫‪06‬‬

‫‪‬‬

‫‪ISSN 1319-0873‬‬

‫‪9 771319 08701 3‬‬


الإسلاميون في السلطة: نجح النموذج التركي.. هل تنجح النماذج العربية