Issuu on Google+


‫سلة زيتون من منطقة اجلوف‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫‪1‬‬


‫العدد ‪19‬‬ ‫ربيع ‪1429‬هـ ‪2008 -‬م‬

‫ملف ثقافي ربع سنوي‬ ‫يصدر عن مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬

‫املشرف العام‬ ‫إبراهيم احلميد‬ ‫املراسالت‬ ‫توجه باسم املشرف العام‬ ‫ّ‬

‫هاتف‪)+966( )4( 6245992 :‬‬ ‫فاكس‪)+966( )4( 6247780 :‬‬ ‫ص‪ .‬ب ‪ 458‬سكاكا‬ ‫اجلـ ــوف ‪ -‬اململكة العربية السعودية‬ ‫‪aljoubah@gmail. com‬‬ ‫ردمد ‪ISSN 1319 - 2566‬‬

‫سعر النسخة ‪ 8‬رياالت‬ ‫تطلب من الشركة الوطنية للتوزيع‬

‫قواعد النشر‬

‫‪ - 1‬أن تكون املادة أصيلة‪.‬‬ ‫‪ - 2‬لم يسبق نشرها‪.‬‬ ‫‪ - 3‬تراعي اجلدية واملوضوعية‪.‬‬ ‫‪ - 4‬تخضع املواد للمراجعة والتحكيم قبل نشرها‪.‬‬ ‫‪ - 5‬ترتيب املواد في العدد يخضع العتبارات فنية‪.‬‬ ‫‪ - 6‬ترحب اجلوبة بإسهامات املبدعني والباحثني والكتّاب‪،‬‬ ‫على أن تكون املادة باللغة العربية‪.‬‬ ‫اجلوبة من األسماء التي كانت تطلق على منطقة اجلوف سابق ًا‬

‫الناش ـ ـ ـ ــر‪ :‬مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬ ‫أسسها األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري (أمير منطقة اجلوف من ‪1362/9/5‬هـ‬ ‫ ‪1410/7/1‬هـ املوافق ‪1943/9/4‬م ‪1990/1/27 -‬م) بهدف إدارة ومتويل املكتبة العامة‬‫التي أنشأها عام ‪1383‬هـ املعروفة باسم دار اجلوف للعلوم‪ .‬وتتضمن برامج املؤسسة‬ ‫نشر الدراسات واإلبداعات األدبية‪ ،‬ودعم البحوث والرسائل العلمية‪ ،‬وإصدار مجلة‬ ‫دورية‪ ،‬وجائزة األمير عبدالرحمن السديري للتفوق العلمي‪ ،‬كما أنشأت روضة ومدارس‬ ‫الرحمانية األهلية للبنني والبنات‪ ،‬وكذلك أنشأت جامع الرحمانية‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫الـمحتويــــات‬

‫>‪6......................‬‬ ‫مهرجان الزيتون‪ :‬إضافة اقتصادية‬ ‫وثقافية ملنطقة اجلوف‬

‫>‪76....................‬‬

‫سميح القاسم‪ :‬أنا الشاعر األخير‬ ‫على الكرة األرضية‬

‫>‪92....................‬‬ ‫منير نايفة‬ ‫أعجوبة العلم والعلماء‬ ‫لوحة الغالف‪:‬‬

‫ص����ورة ض��وئ��ي��ة‪ :‬ج���ذع ش��ج��رة زي��ت��ون من‬ ‫اجل���وف‪ ،‬بعدسة الفنانة ره��ام بنت سعد‬ ‫الكايد‪.‬‬

‫االفتتاحية ‪4.........................................................‬‬ ‫الملف‪ :‬مهرجان الزيتون بالجوف ‪6...................................‬‬ ‫دراسات‪ :‬قصيدة النثر الماغوطية ‪ -‬رامي أبو شهاب‪26.............‬‬ ‫البحريات‪ ..‬اآلخر وتحوالت المكان‪..‬؟ ‪ -‬محمد الدبيسي ‪30.......‬‬ ‫قصص قصيرة‪ :‬أقاصيص ‪ -‬وائل وجدي ‪40........................‬‬ ‫الهر األسود ‪ -‬ياسر عبدالباقي ‪42..................................‬‬ ‫كتابات ‪ -‬عبدالله السفر‪47..........................................‬‬ ‫جريمة ‪ -‬جعفر الجشي‪48...........................................‬‬ ‫مرة غير قابلة للتكرار ‪ -‬حسن البقالي‪49...........................‬‬ ‫قصص قصيرة جداً ‪ -‬عبدالحفيظ الشمري‪50.....................‬‬ ‫على خيوط العنكبوت ‪ -‬ليلى آيت سعيد ‪51.........................‬‬ ‫شعر‪ :‬قصائد قصيرة ‪ -‬سُ وف عبيد ‪54...............................‬‬ ‫والحب وأشياءٌ أخرى ‪ -‬عبدالله علي األقزم ‪55...........‬‬ ‫ُّ‬ ‫أنا وأنتَ‬ ‫نصوص ‪ -‬إيمان مرزوق ‪56..........................................‬‬ ‫ثالث قصائد قصار ‪ -‬عبدالله أمين أبو شميس ‪57.................‬‬ ‫مُعادالت ‪ -‬مصطفى مَـل َ ْح ‪58.........................................‬‬ ‫سؤال م ّر ‪ -‬نواره الحرش‪59.........................................‬‬ ‫العاصف ُة التي اقتلعتنا ‪ -‬افراح الكبيسي ‪60.........................‬‬ ‫أنت ِالسيدة وأنت ِالقصيدة ‪ -‬زكريا إبراهيم العمري ‪61............‬‬ ‫نقد‪ :‬انقالب النص النسوي ‪ -‬محمد الفوز ‪62.......................‬‬ ‫بانت سعاد‪ ..‬قراءة في اللغة والمعنى ‪ -‬د‪ .‬علي محمد هنداوي ‪65...‬‬ ‫الرماد للكاتب عبدالمعز شاكر ‪ -‬هويدا صالح‪68...................‬‬ ‫مواجهات‪ :‬أبو سنة‪ :‬غابت سلطة النقد وانجرفنا مع «الفرقعة» ‪-‬‬ ‫حاوره عصام أبو زيد ‪70.............................................‬‬ ‫أحمد الواصل‪« :‬سورة الرياض» عن جيل تسحقه الهوية الضائعة!‬ ‫ حاوره محمد نجيم ‪72...........................................‬‬‫نوافذ‪ :‬القاص عبدالرحمن الدرعان‪ :‬إدغار ألن بو (السعودي) يرضع‬ ‫طفولته من حقائبه القصصية السردية ‪ -‬هدال القصار ‪86.........‬‬ ‫رجل جاء‪ ..‬وذهب ‪ -‬ميسون أبو بكر ‪90.............................‬‬ ‫من روائع البيان في حديث القران عن الدابة ‪ -‬د‪ .‬عبدالحميد الديب ‪97.‬‬ ‫المعلمون في تراثنا العربي‪ :‬أخطار المهنة ‪ -‬الزبير مهداد‪100.....‬‬ ‫النص الرقمي ‪ -‬أشرف الخريبي‪103................................‬‬ ‫ّ‬ ‫القصة القصيرة جداً واألشكال النثرية البسيطة ‪ -‬محمد تنفو‪111...‬‬ ‫نشاطات ثقافية‪ :‬فعاليات دار الجوف للعلوم ‪114...................‬‬ ‫نفحات من معرض الرياض الدولي للكتاب ‪ -‬محمد صوانه‪115....‬‬ ‫قراءات‪116............................................................‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫‪3‬‬


‫مراجعة خطط التنمية لتحقيق التوازن‬ ‫> إبراهيم احلميد‬

‫سعت الدولة الكريمة‪ ،‬ممثلة في قادتها‪ ،‬ومن خالل خطط التنمية المتعاقبة‪،‬‬ ‫وصوال إلى خطة التنمية الثامنة‪ ،‬إلى نقل المملكة‪  ‬من حقبة زمنية سحيقة اتسمت‬ ‫بالبساطة والبدائية‪ ،‬إلى مرحلة جديدة يملك المجتمع فيها كل أسباب المدنية‬ ‫المعاصرة من اقتصاد مزدهر ومدن متطورة‪.‬‬ ‫وقد كان الفتا أن تقوم الدولة بمراجعة هذه الخطط‪ ،‬بين فترة وأخرى؛ لتتبين‬ ‫واقع خطط التنمية ومخرجاتها‪ ،‬ال من خالل وزارة االقتصاد والتخطيط المناط‬ ‫بها مهمة مراجعة الخطط التنموية منذ العام ‪1976‬م‪ ،‬بل بإشراف مباشر واهتمام‬ ‫واضح من رأس الهرم في القيادة‪ ،‬من خالل التدخل إلصالح الخلل‪ ،‬وذلك بإجراء‬ ‫بعض العمليات الجراحية التي كانت ضرورية ومطلوبة؛ مثل سعي القيادة عام‬ ‫‪1416‬هـ من أجل تحقيق التنمية المتوازنة‪ ،‬وتأكيد خادم الحرمين الشريفين الملك‬ ‫عبدالله بن عبدالعزيز‪ ،‬في مناسبات مختلفة على تحقيق التوازن في التنمية‪،‬‬ ‫وتعويض المناطق التي لم تنل حظها منها‪ ،‬وقد كللها بزياراته التاريخية لجميع‬ ‫مناطق المملكة‪.‬‬

‫ا فتتا حيــــة‬ ‫‪4‬‬

‫لقد بدأت مرحلة مهمة في تاريخ بعض المناطق التي تم فيها إجراء تعديالت‬ ‫إدارية‪  .‬ويمكن تأريخ تلك المرحلة في بداية السبعينيات الميالدية‪ ،‬عندما تم‬ ‫تعيين سمو األمير خالد الفيصل أميرا لمنطقة عسير؛ ثم جاءت المرحلة الثانية‪،‬‬ ‫وهي فترة بداية الثمانينيات الميالدية التي تم تعيين سمو األمير عبداإلله أميرا‬ ‫لمنطقة القصيم‪ ،‬وسمو األمير عبدالمجيد ‪ -‬يرحمه الله ‪ -‬لمنطقة تبوك‪ ،‬وسمو‬ ‫األمير مقرن بن عبدالعزيز أميرا لمنطقة حائل ؛ ثم جاءت مرحلة تعيين سمو‬ ‫األمير محمد بن فهد أميرا للمنطقة الشرقية‪ ،‬وكانت نتائج تلك المراحل مبهرة‪،‬‬ ‫إذ استطاعت تلك التعديالت اإلداري��ة النهوض بتلك المدن‪ ،‬واالنتقال بها من‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫مرحلة النمو إل��ى مرحلة ال��ق��ف��زات التنموية‪،‬‬ ‫التي أدت إل��ى وص��ول تلك ال��م��دن إل��ى مراحل‬ ‫متقدمة جدا؛ وأصبحت تفصل بين تلك المناطق‬ ‫ومناطق المملكة األخرى فجوات تنموية لم يتسن‬ ‫تجسيرها أو ردمها حتى اليوم‪.‬‬ ‫ومع أن دراسة متعمقة لتلك المراحل التنموية‬ ‫التي عاشتها هذه المناطق ‪ -‬التي حدثت فيها‬ ‫التغييرات اإلداري��ة في وقت مبكر ‪ -‬لم تحدث‬ ‫بعد‪ ،‬أو أنني لم أطلع عليها؛ إال أن واقع الحال‬ ‫يشير إلى أن ثمة مناطق استطاعت تحقيق أكبر‬ ‫قدر من الفوائد من خطط التنمية؛ ليس بسبب‬ ‫تلك الخطط التنموية‪ ،‬بل لسبب بسيط يتعلق‬ ‫بالصالحيات اإلداري��ة والتنفيذية وقوة العزيمة‬ ‫التي تمتّع بها المسؤولون في تلك المناطق؛ بينما‬ ‫لم تتحقق التنمية المنشودة في مناطق أخرى‬ ‫ألسباب عدة‪ ،‬منها‪ :‬إسقاطها من برامج التنمية‬ ‫التي تقرها خطط التنمية المتعاقبة‪ ،‬وعدم وجود‬ ‫نفوذ لتلك المناطق في الوزارات التنفيذية‪.‬‬ ‫واآلن فللمراقب أو المحلل أن يحتار في أمر‬ ‫المناطق األخرى التي شملتها التغييرات اإلدارية‬ ‫الالحقة‪ ،‬مثل‪ :‬منطقة الجوف‪ ،‬التي ب��دأت في‬ ‫نهاية التسعينيات الميالدية‪ ،‬إذ على الرغم من‬ ‫الحاجة الفعلية للمشاريع التنموية لتلك المناطق‪،‬‬ ‫وتركيز خطتي التنمية التاليتين‪ :‬السابعة والثامنة‬ ‫نظريا على تحقيق التنمية المتوازنة‪ ،‬وعلى الرغم‬ ‫من الزخم الذي رافق تلك التغييرات‪ ،‬إال إنها لم‬ ‫تأت بما تطمح إليه قيادة الوطن وال المواطن‬ ‫في تلك المناطق‪ ،‬من تغيير منشود ألحوال مدن‬ ‫تلك المناطق التي بقيت على حالها؛ بل ازدادت‬ ‫بؤسا‪ ،‬مع تأخير تنفيذ مشاريع التنمية التي أتيح‬

‫إقرارها فيها؛ بسبب نقص المشاريع المعتمدة‬ ‫وع��دم إق��رار مشروعات تسهم بشكل فاعل في‬ ‫التغيير التنموي المنشود فيها؛ م��ا أسهم في‬ ‫إيجاد مشكالت باتت تؤرق متخذي القرار اليوم‬ ‫على مستوى الوطن‪ :‬كالبطالة‪ ،‬والهجرة سواء‬ ‫إل��ى العاصمة أو إل��ى المدن الكبرى‪ ،‬وتصاعد‬ ‫الجريمة‪ ،‬واإلرهاب‪.‬‬ ‫وي��س��ت��درج ه���ذا ال��ت��ح��ل��ي��ل‪ ،‬ان��ع��ك��اس مستوى‬ ‫ال��ت��ن��م��ي��ة‪ ،‬ع��ل��ى م��س��ت��وى ال��ت��غ��ي��ري��ن ال��ث��ق��اف��ي‬ ‫واالجتماعي؛ فقد انعكست التنمية المادية على‬ ‫التنمية االجتماعية والثقافية في المناطق التي‬ ‫شملتها خطط التنمية في وقت مبكر؛ بينما لم‬ ‫تتحقق ه��ذه التنمية االجتماعية والثقافية في‬ ‫المناطق األخرى‪ ،‬التي انعكس الواقع المتخلف‬ ‫تنمويا فيها على الواقع االجتماعي والثقافي‪،‬‬ ‫ال��ذي ظ��ل ي���راوح مكانه؛ ب��ل إن��ه يشهد نكوصا‬ ‫مستمرا بسبب هذا التأخير‪.‬‬

‫***‬ ‫إن��ه��ا دع����وة ل��م��راج��ع��ة خ��ط��ط ال��ت��ن��م��ي��ة في‬ ‫المناطق التي ل��م تصلها ي��د التنمية‪ ،‬بالشكل‬ ‫ال��ذي رسمه ملك ال��ب�لاد حفظه ال��ل��ه‪ ،‬ولتأكيد‬ ‫أحقيتها ف��ي تعويضها ع��ن ال��س��ن��وات العجاف‬ ‫التي عاشتها طوال العقود الماضية؛ من خالل‬ ‫توظيف جزء من الطفرة الجديدة فيها‪ ،‬ومراجعة‬ ‫أسباب نجاح التغييرات اإلداري��ة التي تمت في‬ ‫مرحلة الثمانينيات الميالدية‪ ،‬وإخفاق التغييرات‬ ‫التي تمت الحقا‪ ،‬في إحداث التغيير المنشود‪،‬‬ ‫وتجسير الهوة التنموية والثقافية‪ ،‬التي باتت‬ ‫تفصل بين مناطق المملكة‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫‪5‬‬


‫مهرجان الزيتون‪:‬‬

‫إضافة اقتصادية وثقافية ملنطقة اجلوف‬ ‫> متابعة‪ :‬أسرة التحرير‬ ‫نظمت منطقة الجوف خالل الفترة من ‪ 11/21‬وحتى ‪1428/12/21‬ه���ـ‪« ،‬مهرجان الجوف‬ ‫األول للزيتون» ليكون أول مهرجان رسمي للزيتون في المملكة والجزيرة العربية فدخلت المنطقة‪،‬‬ ‫بشكل خاص‪ ،‬والمملكة‪ ،‬بشكل عام‪ ،‬في عقد اقتصادي وثقافي جديدين يتمثالن في تشجيع زراعة‬ ‫شجرة الزيتون واستثمارها‪ ،‬إذ لم يكن معروفا لدى قطاعات واسعة من المهتمين وجود اقتصاد‬ ‫للزيتون في المملكة‪ ،‬ينعكس ليشكل ثقافة جديدة في منطقة الجوف‪ ،‬بدأت أولى خطواتها منذ‬ ‫سنوات طويلة‪ .‬وقد جاء في كتاب الزيتون الصادر عن أمانة منطقة الجوف عام ‪1429‬ه��ـ‪ ،‬أن‬ ‫أشجار الزيتون بلغت ‪ 12.300.000‬شجرة‪ ،‬كما بلغ إنتاج زيت الزيتون حوالي ‪ 21‬ألف طن‪.‬‬ ‫وقد وجه صاحب السمو الملكي األمير فهد بن بدر بن عبدالعزيز‪ ،‬أمير منطقة الجوف‪،‬‬ ‫صاحب فكرة المهرجان وموجهها‪ ،‬باإلعداد الجيد للمهرجان‪ ،‬الذي أقيمت فعالياته في مركز‬ ‫األمير عبداإلله الحضاري بمدينة سكاكا‪ ،‬وقد خصصت فيه أماكن لمزارعي ومنتجي الزيتون‬ ‫من منطقة الجوف‪ ،‬عُرِ ض فيها إنتاجهم من الزيتون ومشتقاته دون مقابل؛ كما خصصت أماكن‬ ‫للشركات المنتجة والمتخصصة بالزيتون وصناعاته‪ .‬وقد استقطب المهرجان عدداً من كبرى‬ ‫الشركات التي تعنى بزراعة الزيتون وإنتاجه وعصره وتخليله‪ ،‬كي يستفيد المواطنون مما لديها‬ ‫من خبرات وتجارب تتعلق بزراعة الزيتون واستثمار منتجاته‪.‬‬

‫مهرجان الزيتــون‬ ‫‪6‬‬

‫وجاء تنظيم المهرجان بهدف االرتقاء بصناعة وتسويق منتجات الزيتون‪ ،‬وتطوير قطاع زراعة‬ ‫الزيتون‪ ،‬من خالل توجيه االستثمارات الزراعية نحو شجرة الزيتون‪.‬‬ ‫وقد أثبتت أمانة منطقة الجوف بالتعاون مع مختلف الجهات المشاركة أن باستطاعة العمل‬ ‫الجماعي فعل الكثير من النجاح‪ ،‬بناء على النتائج الباهرة التي حققها المهرجان خالل فترة‬ ‫وجيزة‪ ،‬إذ وصلت رسالة المهرجان والمنطقة عبر مختلف وسائل اإلعالم إلى كافة المتلقين‬ ‫بصورة مباشرة نقلت الحدث إلى كل مكان‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫حفل االفتتاح‬

‫الدكتور عبدالله العبيد كلمة ذك��ر فيها أن منطقة‬ ‫ال��ج��وف تميزت ب��وج��وده��ا بين خطي ال��ع��رض ‪28‬‬ ‫و‪ 32‬شماال‪ ،‬ما جعلها مكانا مناسبا لزراعة أشجار‬ ‫الفاكهة‪ ،‬والمحاصيل الحقلية‪ ،‬والخضار‪ ،‬وكذلك‬ ‫أش��ج��ار ال��زي��ت��ون‪ .‬ساعدها على تميزها ع��ن باقي‬ ‫مناطق المملكة مالءمة مناخها وصالحية تربتها‬ ‫وتوفر مياهها‪ ،‬حتى أصبحت المنطقة ذات ري��ادة‬ ‫متميزة في زراعة أشجار الزيتون‪ ،‬وأشار العبيد إلى‬ ‫أن زراعة الزيتون بدأت منذ أوائل عام ‪1380‬هـ‪ ،‬وقد‬ ‫ساعد على زراعتها الدعم الذي تلقاه المزارعون من‬ ‫حكومة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده األمين‪،‬‬ ‫ودع���م س��م��و أم��ي��ر منطقة ال��ج��وف م��ن خ�ل�ال حث‬ ‫سموه لألجهزة المعنية بالمنطقة على بذل المزيد‬ ‫من الجهود في خدمة مزارعي الزيتون‪ ،‬مؤكدا أن‬ ‫رعاية سمو أمير الجوف للمهرجان الذي يُع ُّد األول‬ ‫من نوعه في المملكة‪ ،‬وتخصيص جائزة مالية سخية‬ ‫مقدارها (‪ )100‬ألف ريال ألفضل إنتاج في زراعة‬ ‫الزيتون من أجل زيادة االهتمام في هذا القطاع‪.‬‬

‫برعاية كريمة م��ن سمو أم��ي��ر منطقة ال��ج��وف‪،‬‬ ‫ص��اح��ب ال��س��م��و ال��م��ل��ك��ي األم��ي��ر ف��ه��د ب��ن ب���در بن‬ ‫عبدالعزيز‪ ،‬وح��ض��ور وكيل وزارة ال��زراع��ة لشؤون‬ ‫األبحاث الدكتور عبدالله العبيد‪ ،‬ومشاركة أكثر من‬ ‫مائتي مزارع‪ ،‬افتتح مساء السبت ‪1428/11/21‬ه��ـ‬ ‫مهرجان الزيتون األول في المنطقة‪ .‬وق��د استهل‬ ‫الحفل بآيات من الذكر الحكيم رتلها الطفل باسل‬ ‫محمد من جمعية األطفال المعاقين‪ ،‬بعدها ألقى‬ ‫رئيس اللجنة المنظمة للمهرجان المهندس محمد‬ ‫ابن حمد الناصر كلمة رحب فيها بالحضور‪ ،‬وشكر‬ ‫سمو األمير على رعايته الكريمة‪ ،‬ودعمه المتواصـل‬ ‫لكافة قطاعـات المنطقة بكافة م��ح��اوره��ا‪ ،‬ومنها‬ ‫هذا المهرجان الذي يعول عليه بعد الله في إبراز‬ ‫م��ي��زات المنطقة؛ فالفكرة ب��دأت لمعالجة مشكلة‬ ‫تسويق الزيتون ومنتجاته‪ ،‬ودعم مزارعي المنطقة‪،‬‬ ‫ومعالجة مشاكلهم فيما يخص زراعة الزيتون وإنتاج‬ ‫مشتقاته وذكر الناصر أن جائزة سمو األمير فهد بن‬ ‫وأشار العبيد إلى أن وزارة الزراعة أولت اهتماما‬ ‫بدر للزيتون تُعنى برفع جودة المنتج ليكون منافساً‪،‬‬ ‫ليس على مستوى الوطن فحسب‪ ..‬بل على مستوى كبيرا بزراعة الزيتون‪ ،‬عندما قامت بإنشاء وحدة‬ ‫خاصة بأبحاث الزيتون في الجوف‪ ،‬بهدف تحسين‬ ‫األسواق العالمية‪.‬‬ ‫كما قدم الناصر شكره وعرفانه للجهات المشاركة إنتاج الزيتون وتطوير طرق إكثاره‪ ،‬وإرشاد المزارعين‬ ‫ف��ي التنظيم وال��رع��اي��ة والتغطية اإلع�لام��ي��ة‪ ،‬من بالتقنيات الحديثة ف��ي زراع��ت��ه‪ ،‬وت��ط��وي��ر ق��درات‬ ‫الجهات األمنية والحكومية والشركات والمؤسسات المهندسين والفنيين الوطنيين على طرق أساليب‬ ‫واإلخ���وة العاملين ف��ي اللجان‪ ،‬وعلى رأس��ه��ا إم��ارة العناية بأشجاره‪.‬‬

‫منطقة الجوف وأمانتها‪ ،‬ووزارة ال��زراع��ة‪ ،‬وجامعة‬ ‫ال��ج��وف‪ ،‬والهيئة العليا للسياحة‪ ،‬وكلية التقنية‪،‬‬ ‫وال��غ��رف��ة التجارية الصناعية؛ إض��اف��ة إل��ى الرعاة‬ ‫الرئيسيين والمشاركين والداعمين؛ مشيرا إلى أن‬ ‫الشركات الزراعية والشركات العاملة بالمنطقة في‬ ‫مختلف المجاالت بادرت في الرعاية بدافع الوطنية‬ ‫واإلسهام في دعم أنشطة المنطقة المختلفة‪.‬‬ ‫ث��م أل��ق��ى وك��ي��ل وزارة ال��زراع��ة ل��ش��ؤون األب��ح��اث‬

‫سمو األمير فهد بن بدر بن عبدالعزيز يتفقد معروضات المهرجان‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫‪7‬‬


‫واختتم العبيد كلمته قائال‪ :‬إن شجرة الزيتون‬ ‫شجرة مباركة من الناحية الصحية ولها فوائد كثيرة‬ ‫للحفاظ على الصحة العامة‪.‬‬ ‫ث��م ت��وال��ت ف��ق��رات ال��ح��ف��ل‪ ،‬فألقى ال��دك��ت��ور بدر‬ ‫المعيقل قصيدة بعنوان‪« :‬الجوبة والزيتون»‪ ،‬تبعها‬ ‫عرض أوبريت «الشجرة المباركة» من تنظيم جامعة‬ ‫الجوف‪ ،‬ليتم بعده تكريم الجهات المنظمة‪ ،‬والرعاة‬ ‫ويتسلم سموه شعار المهرجان‬ ‫الرئيسيين للمهرجان‪ ،‬وقد صاحب االفتتاح عروض‬ ‫األول للزيتون بمشاركة ‪ 23‬فنانا تشكيليا‪ ،‬كان منهم‬ ‫لفرق المنطقة للفنون الشعبية والكاراتيه‪.‬‬ ‫الفنان نصير السمارة‪ ،‬والمصورون‪ :‬أحمد الشمري‪،‬‬ ‫معرض الزيتون واملعارض املرافقة له‬ ‫ون��اص��ر الحسن‪ ،‬وع���واد ال��ع��واد‪ ،‬وأح��م��د الغريري‪،‬‬ ‫وبعد حفل االفتتاح تجول سمو األمير بالمعرض ومحمد الضويحي‪ ،‬وري��ه��ام الكايد‪ ،‬وي��اس��ر العلي‪،‬‬ ‫ال��زراع��ي المصاحب للمهرجان‪ ،‬ال��ذي ش��ارك فيه وعبدالله العتيق‪ ،‬ومعجب الحواس‪ ،‬وسلمان المشعل‪,‬‬ ‫م���زارع���و ال��م��ن��ط��ق��ة‪ ،‬إض���اف���ة إل���ى اك��ب��ر ال��ش��رك��ات وبدر الرويلي‪.‬‬ ‫الزراعية بالمملكة‪ ،‬وشركات التعبئة والتغليف‪ ،‬وقد‬ ‫وقد احتوى المعرض على ‪ 45‬صورة مقاس «‪30‬سم‬ ‫عرضت منتجات الزيتون المصنع (المكبوس) في‬ ‫× ‪40‬سم»‪ ,‬ألشجار الزيتون وثمارها وطرق عصرها‪,‬‬ ‫عبوات مختلفة في نوعية المحتوى‪ ،‬ومتفاوتة في‬ ‫وإلى جانب الصور الفوتوغرافية تزينت القاعة بعدد‬ ‫الحجم تتناسب وحاجة المستهلكين‪ ،‬إضافة إلى زيت‬ ‫من المنحوتات للفنان فيصل النعمان‪ ،‬الذي استخدم‬ ‫الزيتون الفاخر بعبوات مختلفة نوعا وكما‪ ،‬وكذلك‬ ‫شجرة الزيتون كخامة يقوم بنحتها وتشكيلها‪.‬‬ ‫ع��رض المشاركون في المعرض الصابون المصنّع‬ ‫كما قدم الفنان السمارة لقطات لحبات الزيتون‬ ‫من زي��ت الزيتون والفحم الناتج من جفت الزيتون‬ ‫وفروعها‪ ,‬وكأنه يرسم لها بورتريها على خلفية من‬ ‫إضافة إلى بعض المنتجات األخرى‪ ،‬والتي أقبل زوار‬ ‫السماء‪ ,‬فتارة ن��رى السماء صافية زرق��اء من وراء‬ ‫المعرض على شرائها‪.‬‬ ‫اللوحة‪ ,‬وت��ارة أخ��رى تتسلل إليها السحب البيضاء‬ ‫ثم تجول سموه في المعارض المصاحبة للمهرجان‬ ‫لتتداخل مع اللون األزرق برقة ونعومة؛ كما صور‬ ‫وهي معرض السيارات القديمة‪ ،‬والمعرض الثقافي محمد الضويحي حبة الزيتون في لقطات أخرى وهي‬ ‫الذي اشتمل على معرض للمقتنيات األثرية والسدو‪ ،‬منغمسة بين األفرع وأوراق الشجر في وضح النهار؛‬ ‫ومعرض للصور الفوتوغرافية بالتعاون مع جماعة بينما أخ��ذ أحمد مبرد لقطاته ألوراق الشجر في‬ ‫ال��ج��وف للفنون التشكيلية‪ ،‬وم��ع��رض المضبوطات وقت الغروب‪ ,‬مستغال مشهد الشمس وهي تتساقط‬ ‫الجمركية‪ ،‬ومعرض لجمعية تحفيظ القرآن الكريم لتصبح مع إضاءتها خلفية إلحدى أعماله‪.‬‬ ‫الخيرية‪ ،‬وجامعة الجوف‪ ،‬ومعرض الكلية التقنية‪،‬‬ ‫أما سامي العابد فاهتم بتصوير أجسام الشجر بما‬ ‫ومعرض جمعية األطفال المعاقين‪.‬‬ ‫فيه من نتوءات‪ ,‬وتصوير جذوعها المورقة‪ ,‬شابهه في‬ ‫معرض الزيتون الفوتوغرافي والتشكيلي‬ ‫ذلك الفنان صالح اليونس الذي اهتم بجذع الشجرة‬ ‫نظم مهرجان ال��ج��وف للزيتون المعرض الفني وفروعها‪ ،‬ولكنه اختار لقطاته مغايرة ألنواع مختلفة‬

‫‪8‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫من الشجر‪ ,‬إذ تناولها من منظور مختلف تظهر فيه‬ ‫أوراق شجر المزرعة كخلفية للوحات‪.‬‬ ‫أما جميل كساب فقد جاء بفكرة جديدة‪ ,‬فأحضر‬ ‫كأسا وألقى فيه ثمار الزيتون‪ ,‬ليلتقط صورته وكأن‬ ‫الثمار هي التي تخرج من الكأس منطلقة إلى رحابة‬ ‫الكون‪.‬‬

‫الحلويات التي تتفنن بصنعها‪ ،‬وتتميز بلذة مذاقها‬ ‫��واع أخرى مختلفة من المكسرات‪ ،‬كما‬ ‫ونكهتها‪ ،‬وأن ٍ‬ ‫أنها لم تكتف بالمأكوالت الشعبية‪ ،‬فأضافت إلى‬ ‫معروضاتها أصنافا حديثة وغريبة لتلبية رغبات‬ ‫جميع الزوار‪.‬‬

‫وذك��ر رئيس اللجنة المنظمة لمهرجان الزيتون‬ ‫وف��ي مجال النحت‪ ..‬ق��ام فيصل النعمان بنحت األول بالجوف المهندس محمد بن حمد الناصر أن‬ ‫اللجنة حرصت على إتاحة الفرصة لألسر المنتجة‬ ‫أشكال متنوعة من جذع شجرة الزيتون‪ ,‬لنراه‬ ‫ٍ‬ ‫لكسب ال����رزق وال��ع��م��ل م��ن خ�لال‬ ‫في آن واحد يحوّل الجذع وكأنه‬ ‫فعاليات ال��م��ه��رج��ان التي‬ ‫مقاطع تظهر بها بعض‬ ‫استمرت لمدة شهر‪.‬‬ ‫النتوءات التجريدية‬

‫ب���ع���ض ال����ش����يء‪,‬‬ ‫وأك����د ال��ن��اص��ر‬ ‫م����ل����س����اء‪ ,‬ذات‬ ‫أن ال����ل����ج����ن����ة‬ ‫لون فاتح؛ وفي‬ ‫ح���رص���ت ع��ل��ى‬ ‫آن آخ����ر ن���راه‬ ‫ت��وف��ي��ر المكان‬ ‫ي��ن��ش��يء عالقة‬ ‫ال������م������ن������اس������ب‬ ‫ح���م���ي���م���ي���ة ب��ي��ن‬ ‫ل��������ت��������س��������وي��������ق‬ ‫جذعين حتى كأنها‬ ‫المأكوالت الشعبية‪،‬‬ ‫ي��ت��ع��ان��ق��ان‪ ,‬ل��ي��ه��ت��م في‬ ‫مبينا أن ال��س��وق حقق‬ ‫شكل آخر بإظهار التفاصيل‬ ‫ن���ج���اح���ا ك���ب���ي���را م����ن خ�ل�ال‬ ‫الدقيقة لجسم الشجرة التي تعبر عن‬ ‫المهرجان‪ ،‬إذ تخطت مبيعاته في األيام‬ ‫ملمسها الخشن‪ .‬وق��د استمر المعرض طيلة أيام األولى للمهرجان ‪ 100‬ألف ريال‪ ،‬وبلغ زواره أكثر من‬ ‫المهرجان‪.‬‬ ‫‪ 500‬متسوق يومياً‪ ،‬مؤكدا أن عددا كبيرا من األسر‬ ‫سوق المأكوالت الشعبية في مهرجان الزيتون المنتجة استطاعت سد حاجتها من خالل السوق‪.‬‬ ‫ح��ق��ق س���وق ال��م��أك��والت الشعبية ال��ن��س��ائ��ي في‬ ‫مهرجان الزيتون األول مبيعات جيدة‪ ،‬ويقام هذا‬ ‫ال��س��وق للمرة األول���ى على مستوى المنطقة كأحد‬ ‫الفعاليات المصاحبة للمهرجان‪ ،‬إال أنه حقق نجاحا‬ ‫وأصبح له مرتادوه يوميا‪ .‬وقد تواجدت فيه نسوة‬ ‫لبيع إنتاجهن من المأكوالت الشعبية والحلويات‪،‬‬ ‫وق��د ذك��رت إحداهن إنها تبيع أصنافا متنوعة من‬ ‫المأكوالت الشعبية الجوفية‪ ،‬من أشهرها المرقوق‪،‬‬ ‫والهريس والجريش‪ ،‬إضافة إلى أصناف كثيرة من‬

‫رالي الزيتون‬

‫نظم المهرجان ألول مرة على مستوى المنطقة‬ ‫رالي الزيتون بجوار ميدان الفروسية بمدينة سكاكا‪،‬‬ ‫وقد شارك فيه (‪ )13‬مشاركا بسيارات الدفع الرباعي‪،‬‬ ‫واشترطت اللجنة المنظمة للرالي على المتسابقين‬ ‫حمل رخصة ق��ي��ادة س��اري��ة المفعول‪ ،‬وتأمين على‬ ‫المركبة‪ ،‬ووجود طفاية حريق لكل سيارة‪ ،‬مع التقيد‬ ‫التام بالزي الرياضي‪ ،‬ولبس الخوذة‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫‪9‬‬


‫وجاء في المركز األول السائق عيد الغالي‪ ،‬وفي‬ ‫المركز الثاني جمال الرويلي‪ ،‬وفي المركز الثالث‬ ‫أح��م��د ال��ه��ذي��ل‪ ،‬وف��ي ال��م��رك��ز ال��راب��ع عبدالمحسن‬ ‫النصيري‪ ،‬وف��ي المركز الخامس أش��رف البديوي‪،‬‬ ‫وفي نهاية الرالي تم تكريم الفائزين‪.‬‬

‫اختتام فعاليات المهرجان‬ ‫‪ 150‬ألف زائر‬ ‫حقق مهرجان الزيتون األول بالجوف مبيعات‬ ‫تجاوزت العشرة ماليين ‪ /10.387.000/‬ريال وبلغ‬ ‫عدد الزوار نحو (‪ )150‬ألف زائر من مختلف مناطق‬ ‫المملكة‪.‬‬ ‫وبين رئيس لجنة اإلع�لام والتسويق بالمهرجان‬ ‫ياسر بن إبراهيم العلي أن المهرجان استطاع جذب‬ ‫شريحة من المواطنين من خ��ارج المنطقة للتمتع‬ ‫بفعالياته‪ ،‬وش���راء زي��ت زي��ت��ون ال��ج��وف ال��ذي يمتاز‬ ‫بجودة عالية‪ .‬كما أن أهالي المنطقة قضوا إجازاتهم‬ ‫مع فعاليات مهرجان الزيتون‪ ،‬حيث حرصت اللجنة‬ ‫على تكثيف الفعاليات ف��ي ه��ذه الفترة وق���ال‪ :‬من‬ ‫الفعاليات التي صاحبت المهرجان خ�لال اإلج��ازة‬ ‫ع���روض للطيران ال��ش��راع��ي‪ ،‬حيث نُ ِ��فّ�� َذ أك��ث��ر من‬ ‫عرض خالل أيام متفرقة‪ ،‬وعروض مكثفة لألطفال‪،‬‬ ‫ومسابقات وهدايا لألطفال‪ ،‬وكذلك رال��ي الزيتون‬ ‫الثاني‪.‬‬ ‫وق����د س��ج��ل ال��م��ه��رج��ان ح���ض���ورا م���ن ال��ع��وائ��ل‬ ‫واألطفال‪ ،‬وفاق عدد حضور الفعالية الواحدة أكثر‬ ‫م��ن (‪ )10‬آالف متفرج‪ ،‬كما أق��ي��م إف��ط��ار جماعي‬ ‫بالمهرجان في ي��وم عرفة‪ ،‬وأقيمت أمسية شعرية‬ ‫للشاعر عبدالرحمن المرخان‪ ،‬ومحاضرة التركيبة‬ ‫الكيمائية ل��زي��ت ال��زي��ت��ون للدكتور ن��اي��ف المعيقل‪،‬‬ ‫ومحاضرة عن الزيتون في الحضارات للدكتور خليل‬ ‫المعيقل‪.‬‬ ‫وق���د واص����ل ال��م��ه��رج��ان ف��ع��ال��ي��ات��ه المصاحبة‬

‫‪10‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫كالمعرض ال���زراع���ي‪ ،‬وج��ن��اح ال��م��أك��والت الشعبية‬ ‫وج��ن��اح ال��ح��رف ال��ي��دوي��ة‪ ،‬وج��ن��اح م��ع��رض ال��زي��ت��ون‬ ‫ب��ال��ق��ران نظمته الجمعية الخيرية للقران الكريم‬ ‫بالجوف‪ ،‬وجناح التصوير الفوتوغرافي الذي نظمته‬ ‫جماعة الجوف للفنون التشكيلية‪ ،‬وجناح الجمارك‬ ‫لجمرك ال��ح��دي��ث��ة‪ ،‬وج��ن��اح الكلية التقنية‪ ،‬وجناح‬ ‫جامعة ال��ج��وف‪ ،‬والمقتنيات األث��ري��ة ال��ذي شاركت‬ ‫فيه ثالثة متاحف هي‪ :‬متحف الشيخ فهد البلهيد‬ ‫ومتحف ع��ادل الشمدين ومتحف النويصر‪ .‬وجناح‬ ‫السدو الذي شاركت فيه جمعية الملك عبدالعزيز‬ ‫الخيرية‪ ،‬إل��ى ج��ان��ب ال��ح��رف ال��ي��دوي��ة بالمهرجان‬ ‫كحرفة الجمري‪ ،‬وصناعة الصابون من زيت الزيتون‪،‬‬ ‫وصناعة التفل من الجفت‪ ،‬والحدادة‪ ،‬وحرفة السمح‪،‬‬ ‫ورباب الدالل‪ ،‬وحرفة النسيج‪.‬‬ ‫وقد واصل المهرجان تقديم العروض الفلكلورية‬ ‫للعرضة والسامري والدحة والربابة من خالل مضافة‬ ‫المهرجان‪.‬‬ ‫وبين العلي أن المهرجان شهد حضور المستثمرين‬ ‫ورجال األعمال من خارج المنطقة‪ ،‬بهدف تسويق زيت‬ ‫زيتون الجوف الذي يتمتع بجودة عالية على المستوى‬ ‫العالمي‪ ،‬حسب ما أفادت به االختبارات والدراسات‪،‬‬ ‫مشيرا إلى أن عددا من مزارعي المنطقة و ِ ُّف َق لبيع‬ ‫كامل إنتاجه من الزيت في المهرجان‪ ،‬وال��ذي بلغ‬ ‫نحو ‪ 30‬طناً‪ ،‬فيما ق��درت الكميات المباعة خالل‬

‫من فعاليات المهرجان‬


‫المهرجان بنحو (‪ )300‬طن من الزيت و(‪ )200‬طن‬ ‫من الزيتون‪.‬‬ ‫ورصد رئيس لجنة اإلعالم والتسويق بالمهرجان‬ ‫ارتفاعا على الطلب على األراضي الزراعية بالمنطقة‪،‬‬ ‫الستثمارها في مجال الزيتون وصناعاته‪ ،‬مشيرا إلى‬ ‫أن ذلك سيدعم المقومات االقتصادية في المنطقة‪.‬‬

‫ختام المهرجان‬ ‫اختتمت مساء ‪1428/12/22‬هـ فعاليات مهرجان‬ ‫الزيتون األول بالجوف تحت رعاية صاحب السمو‬ ‫الملكي األمير فهد بن بدر بن عبدالعزيز أمير منطقة‬ ‫الجوف‪ ،‬وذل��ك بمركز األمير عبداإلله الحضاري‪،‬‬ ‫ب��ح��ض��ور وك��ي��ل إم�����ارة م��ن��ط��ق��ة ال���ج���وف ال��م��س��اع��د‬ ‫ع��ب��دال��رح��م��ن ال��م��ف��رج‪ ،‬ورئ��ي��س ال��ل��ج��ن��ة المنظمة‬ ‫لمهرجان الزيتون المهندس محمد بن حمد الناصر‪.‬‬ ‫وقد بدأ الحفل بالقرآن الكريم‪ ،‬بعدها تم عرض فيلم‬ ‫وثائقي لفعاليات المهرجان منذ انطالقته والفعاليات‬ ‫المصاحبة له‪ .‬ثم ألقى المفرج كلمة نيابة عن سمو‬ ‫أمير منطقة الجوف‪ ،‬نقل فيها شكر سموه وتقديره‬ ‫لجميع العاملين ف��ي ال��م��ه��رج��ان‪ ،‬وتهنئته ألهالي‬ ‫الجوف بنجاح المهرجان‪ .‬بعدها ألقى رئيس اللجنة‬ ‫المنظمة المهندس الناصر كلمة شكر فيها العاملين‬ ‫بالمهرجان قائال إن المهرجان ولد عمالقا‪ ،‬وحقق‬ ‫الهدف المنشود منه‪ ،‬وهو تحقيق الفرصة االستثمارية‬ ‫لمزارعي المنطقة لتسويق منتجاتهم من الزيتون‪ ،‬وتم‬ ‫تكريم الفائزين بالمسابقات التي صاحبت المهرجان‬

‫وقد فاز بجائزة فهد بن بدر للزيتون المزارع عبدالله‬ ‫ماطل الجريد ومقدارها (‪ )100‬ألف ريال‪ .‬وأوضح‬ ‫الناصر أن لجنة الجائزة قامت باختبار عينات زيت‬ ‫الزيتون للمزارعين المشاركين في المعرض الزراعي‬ ‫المقام ضمن أنشطة المهرجان في مختبر الجودة‬ ‫والنوعية بالحديثة‪ ،‬نظراً لتميز المختبر ودقة نتائجه‬ ‫المخبرية‪ ،‬موضحاً أن أه��م المعايير التي أخذتها‬ ‫اللجنة بعين االعتبار جودة الزيت‪ ،‬ومبيناً أن هناك‬ ‫العديد من المعايير التي ستدخل ضمن الجائزة في‬ ‫السنوات المقبلة‪ .‬كما أشار إلى أن هناك عددا من‬ ‫المزارعين الذين أثبتت فحوصات المختبر أن زيتهم‬ ‫يصنف بأنه زي��ت زيتون بكر ممتاز‪ ،‬وحصلوا على‬ ‫المراكز التالية‪ :‬المركز الثاني أحمد عيد الضويحي‪،‬‬ ‫والمركز الثالث عبدالعزيز يوسف الثاري‪ ،‬والمركز‬ ‫الرابع فهد عواد الدهام‪ ،‬وفي المركز الخامس فهيد‬ ‫مخلف السردي‪ .‬مشيراً إلى أن زيت زيتون الجوف‬ ‫يتميز بأنه زيت بكر ممتاز‪ ،‬ويعد من الدرجة األولى‬ ‫وفقاً لنسبة الحموضة فيه‪.‬‬ ‫بعدها تم تكريم المزارعين المشاركين بالمهرجان‪،‬‬ ‫ومنسوبي المعارض المصاحبة له‪ ،‬ورؤس��اء اللجان‬ ‫والعاملين فيها‪ ،‬كما تم تكريم الجهات الحكومية‬ ‫المشاركة بتنظيم المهرجان وك��ذل��ك اإلعالميين‬ ‫الذين غطوا الفعاليات‪.‬‬ ‫وق��د ذك��ر رئيس لجنة اإلع�ل�ام والتسويق ياسر‬ ‫إبراهيم العلي أن سمو األمير وجه بإقامة المهرجان‬ ‫سنويا في شهر ديسمبر من كل عام‪ ،‬مشيرا إلى انه‬ ‫تم اختيار هذا الوقت بالتحديد ليتزامن المهرجان‬ ‫مع موسم قطاف الزيتون‪.‬‬ ‫كما ذكر العلي أن المهرجان وفر للمنطقة العديد‬ ‫من المزايا‪ ،‬أهمها استقطاب الكثير من أبناء المملكة‪،‬‬ ‫الذين توافدوا من كل المناطق لحضور فعالياته‪ ،‬لما‬ ‫فيه من مزايا شتى‪ ،‬ابتداء بالتعريف بشجرة الزيتون‬ ‫المباركة ومراحل نموها حتى قطاف ثمرها‪ ،‬ومن ثم‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪11‬‬


‫ولذا فقد اتجهت شركة الجوف للتنمية الزراعية‬ ‫عصرها بالطرق السليمة‪ ،‬مشيرا إلى أن عدد زوار‬ ‫إلى توجيه جزء من استثماراتها في إقامة مشروع‬ ‫المهرجان بلغ (‪ )150‬ألف زائر‪.‬‬ ‫وذك���ر ال��ع��ل��ي أن الهيئة العليا للسياحة قامت ل��زراع��ة م��ل��ي��ون ش��ج��رة بمنطقة بسيطا – وادي‬ ‫بدعم هذا المهرجان ماديا وإدراج��ه ضمن رزنامة السرحان على مساحة ‪ 4000‬هكتار‪.‬‬ ‫الفعاليات والهاتف السياحي‪ ،‬وستتواصل في دعمه أهداف المشروع‬ ‫خالل السنوات القادمة‪.‬‬ ‫يهدف المشروع إلى زراعة مليون شجرة زيتون‬

‫تجربة شركة الجوف الزراعية‬

‫وذلك لغرض‪:‬‬

‫‪ -1‬إنتاج (‪ )7000‬طن زيت زيتون و(‪ )30000‬طن‬ ‫في زراعة الزيتون وإنتاج الزيت‬ ‫زيتون مائدة‪ .‬اضافة إلى المنتجات األخرى مثل‬ ‫تعد شجرة الزيتون من األشجار المباركة التي ورد‬ ‫الصابون والفحم وغيرهما‪.‬‬ ‫ذكرها في القرآن الكريم ومنها قوله عز وجل (والتين‬ ‫والزيتون وطور سينين) سورة التين‪( ،‬وزيتونا ونخال) ‪ -2‬ت��ن��وي��ع م��ص��ادر ال��دخ��ل ل��ل��ش��رك��ة اس��ت��ن��ادا إل��ى‬ ‫االس��ت��ف��ادة م��ن ال��ظ��روف ال��م��ن��اخ��ي��ة المالئمة‬ ‫س��ورة عبس‪( ،‬وشجرة تخرج من ط��ور سيناء تنبت‬ ‫لزراعة أشجار الزيتون بمنطقة الجوف والمناطق‬ ‫بالدهن وصبغ لآلكلين) سورة المؤمنون‪.‬‬ ‫الشمالية‪.‬‬ ‫كما جاء ذكرها أيضا في اإلنج��ل والتوراة‪ ،‬ومن‬ ‫هنا فقد اكتسبت أهميتها عند المسلمين وغير ‪ -3‬خدمة المزارعين في المناطق الشمالية‪ ،‬وذلك‬ ‫عن طريق توفير الشتالت الجيدة والمساعدة‬ ‫المسلمين على السواء‪ ،‬إذ يستعمل زيتها في الغذاء‬ ‫في عمليات العصر والتسويق‪.‬‬ ‫والعالج معا‪ .‬وتعد هذه الشجرة من أشجار حوض‬ ‫البحر المتوسط‪ ،‬إذ يوجد به حاليا نحو ‪ %95‬من ‪ -4‬المساهمة في نشر الوعي الغذائي والصحي‬ ‫بفوائد زيت الزيتون‪.‬‬ ‫أشجار الزيتون‪ ،‬كما نجحت زراع��ت��ه في المنطقة‬ ‫الواقعة بين خطي ‪ 45-30‬شماال وجنوبا‪.‬‬ ‫الخطوات العملية لهذا التوجه‬

‫توجه الشركة لزراعة الزيتون‪:‬‬ ‫‪ -1‬القيام بإعداد عدة دراسات من قِ بَلِ مجموعة من‬ ‫المكاتب المتخصصة‪ ،‬لدراسة جدوى اقتصاديات‬ ‫ازدادت زراع���ة أش��ج��ار ال��زي��ت��ون ف��ي السنوات‬ ‫مشروع زراعة أشجار الزيتون‪ .‬إضافة إلى اإلفادة‬ ‫األخيرة في شمال المملكة العربية السعودية في‬ ‫كل من الجوف وتبوك وح��ائ��ل‪ ،‬وساعد على ذلك‬ ‫تحمل هذه الشجرة للظروف البيئية الصعبة مقارنة‬ ‫بغيرها من أشجار الفاكهة األخرى‪ ،‬خصوصا تحت‬ ‫ظروف الجفاف والملوحة وتباين أنواع التربة‪.‬‬ ‫وم���ن ال��م��ن��ظ��ور االق���ت���ص���ادي ل��ش��ج��رة ال��زي��ت��ون‬ ‫والمتمثل في قلة التكاليف وزي��ادة اإلنتاج‪ ،‬إضافة‬ ‫إل��ى استخداماتها المتعددة‪ ،‬األم��ر ال��ذي ينعكس‬ ‫إيجابا على اإليرادات وتنوع مصادر الدخل‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫حضور كثيف من أهالي الجوف لفعاليات المهرجان‬


‫م��ن آراء ال��خ��ب��راء والمتخصصين ف��ي زراع���ة‬ ‫الزيتون‪ ،‬س��واء في البلدان العربية والغربية‪،‬‬ ‫وقد كانت المؤشرات والدالئل مشجعة‪ ،‬ما حدا‬ ‫بالشركة للبدء بالتنفيذ‪.‬‬

‫أ‪ -‬قلة تكاليفها‪.‬‬ ‫ب‪ -‬إنتاج الشتالت على مدار العام‪.‬‬ ‫ت‪ -‬قلة الفترة الزمنية إلنتاج الشتالت‪.‬‬ ‫ث‪ -‬تكون مطابقة تماما لألم‪.‬‬

‫‪ -2‬بدأت الشركة باستجالب عدة أصناف عالمية‬ ‫‪ -5‬ال��ق��ي��ام ب��إن��ش��اء ال��ب��س��ات��ي��ن وزراع��ت��ه��ا بأشجار‬ ‫وعربية وزراعتها قبل ‪ 12‬سنة‪ ،‬وتتبع حالتها‬ ‫الزيتون‪ ،‬وفق أحدث المعايير‪ ،‬مع مراعاة األمور‬ ‫وم��دى مواءمتها لظروف المنطقة واألغ��راض‬ ‫التالية‪:‬‬ ‫التي تزرع من أجلها‪ ،‬واستمرت على هذا النهج‪،‬‬ ‫أ‪ -‬عمل خريطة للبستان موضحا عليها األقسام‬ ‫حيث تم إقامة مجمع وراثي للزيتون يضم العديد‬ ‫المختلفة‪ :‬الطرق‪ ،‬وشبكة الري‪ ،‬ومصدات‬ ‫من األصناف‪ ،‬التي زرعت تحت ظروف موحدة‪،‬‬ ‫الرياح‪ ،‬مع عمل تحليالت التربة والمياه‪.‬‬ ‫لمعرفة م��دى مالءمتها واستجابتها للظروف‬ ‫البيئية السائدة في المنطقة‪.‬‬ ‫ب‪ -‬مسافات ال��زراع��ة ‪6×6‬م ث��م تعديلها إلى‬ ‫‪8×6‬م‪.‬‬ ‫‪ -3‬توفير الكوادر البشرية المؤهلة لهذا لمشروع‪،‬‬ ‫وذل����ك ع���ن ط��ري��ق ال��ت��ع��اق��د م���ع م��ج��م��وع��ة من‬ ‫المهندسين العرب والمختصين في مجال زراعة‬ ‫الزيتون وعصره‪ ،‬إضافة إلى توظيف مجموعة‬ ‫من المهندسين السعوديين في المشروع‪.‬‬

‫ت‪ -‬ت��م زراع����ة أك��ث��ر م��ن ص��ن��ف ف��ي البستان‪،‬‬ ‫وروعي توافق مواعيد أزهارها للتغلب على‬ ‫مشاكل عدم التوافق‪.‬‬ ‫ث‪ -‬مراعاة االحتياجات المائية للشجرة عند‬ ‫تصميم الشبكات‪ ،‬وهي تختلف تبعا للعمر‬ ‫وم��وس��م النمو وال��ظ��روف البيئية ونوعية‬ ‫المياه‪.‬‬

‫‪ -4‬إنشاء وتأسيس مشتل نموذجي إلكثار الزيتون‪،‬‬ ‫لتوفير احتياجات التوسع األفقي لهذا المشروع‪،‬‬ ‫إضافة إل��ى توفير شتالت موثوقة للمزارعين‬ ‫والشركات األخرى‪ ،‬ومن ثم نشر الوعي وثقافة ‪ -6‬الحصول على الشهادات العضوية العالمية في‬ ‫زراعة الزيتون في المنطقة‪ ،‬واإلكثار في الشركة‬ ‫منتج أشجار الزيتون وزيته‪ ،‬ومن ثم فإن منتج‬ ‫يتم باستخدام العقلة النصف غضة أو النصف‬ ‫���ال من‬ ‫زي��ت زي��ت��ون ش��رك��ة ال��ج��وف ع��ض��وي وخ ٍ‬ ‫األسمدة والمبيدات الكيماوية‪.‬‬ ‫خشبية أو تحت الطرفية للميزات التالية‪:‬‬ ‫‪ -7‬القيام بدراسة إنشاء مجمع صناعي للزيتون‪،‬‬ ‫المرحلة األولى تتكون من مصنع للزيت‪ ،‬ومصنع‬ ‫للتخليل‪ ،‬وم��ص��ن��ع ل��ل��ص��اب��ون‪ ،‬وم��ص��ن��ع للفحم‬ ‫واألس��م��دة‪ .‬وق��د ب���دأت التجهيزات اإلنشائية‬ ‫إلنشاء المجمع‪.‬‬

‫ثمرات هذا التخطيط‬ ‫معروضات متنوعة لزيت الزيتون وثماره في مهرجان الجوف‬

‫‪ -1‬تعد شركة الجوف للتنمية الزراعية أكبر منتج‬ ‫لزيت الزيتون في المملكة العربية السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪13‬‬


‫‪ -2‬زي��ت زي��ت��ون (ال��ج��وف) حظي بقبول واس��ع من‬ ‫المستهلكين في داخ��ل المملكة وف��ي خارجها‪,‬‬ ‫نظرا لما يمتاز به من جودة عالية‪.‬‬ ‫‪ -3‬تم تصدير كميات من زي��ت زيتون الجوف إلى‬ ‫عدة بلدان عربية وأوروبية‪( :‬دول الخليج العربي‬ ‫واألردن واسبانيا وسويسرا)‪.‬‬

‫الزيتون في الحضارات القديمة‬ ‫> د‪ .‬خليل بن إبراهيم المعيقل‬

‫(‪)1‬‬

‫تعد شجرة الزيتون من األشجار المباركة التي‬ ‫ورد ذكرها في ال��ق��رآن الكريم والحديث الشريف‬ ‫عدة مرات‪ ،‬وكذلك ورد ذكرها في الكتب السماوية‬ ‫األخ��رى‪ ،‬حيث ورد ذك��ر الزيتون وزيته (‪ )140‬مرة‬ ‫في اإلنجيل‪ ،‬ما يؤكد أهمية شجرة الزيتون لإلنسان‬ ‫غذاء ودواء‪.‬‬ ‫وج��دت شجرة الزيتون على األرض منذ خلقت‪،‬‬ ‫وقد دلت بقايا األشجار المتحجرة التي وجدت في‬ ‫أماكن عدة‪ ،‬وخاصة في منطقة الجوف‪ ،‬وبالتحديد‬ ‫في حوض سكاكا‪ ،‬أن بقايا تلك األشجار المتحجرة‬ ‫المنتشرة في بيئة سكاكا ما هي إال بقايا أشجار‬ ‫زيتون متحجرة بفعل العوامل والظروف المناخية‪،‬‬ ‫حيث يؤكد عدد من الجيولوجيين أن تلك األشجار‬ ‫المتحجرة تعود إلى العصر الجيولوجي الطباشيري‪،‬‬ ‫وتؤرخ ألكثر من أربعين مليون سنة‪ ،‬وال شك أن هذا‬ ‫مؤشر على وجود شجرة الزيتون في المنطقة منذ‬ ‫عصور موغلة في القدم‪.‬‬

‫التي عرفها اإلنسان‪ ،‬حيث تؤكد الدراسات األثرية‬ ‫أن اإلنسان ‪-‬نظرا لتغيرات بيئية ومناخية حدثت‬ ‫في حدود (‪ )12‬ألف سنة مضت‪ ،‬حيث قلت األمطار‬ ‫وتصحرت األرض التي كانت تغطيها الغابات في‬ ‫مناطق الشرق األدن��ى القديم ‪ -‬اضطر إلى البحث‬ ‫ع��ن م��ص��ادر ق��وت ثابتة ب��دال مما ك��ان��ت ت��وف��ره له‬ ‫البيئة الطبيعية من صيد وفير وثمار برية‪ ،‬إذ كان‬ ‫اإلنسان قبل هذا التاريخ يعيش عالة على الطبيعة‪.‬‬ ‫هذا التغير المناخي دفعه إلى التوصل إلى إمكانية‬ ‫عدد من المنتجات في مواسم مختلفة من‬ ‫استزراع ٍ‬ ‫العام‪ ،‬وتعد مراحل اكتشاف اإلنسان للزراعة أول‬ ‫مراحل االستقرار والتحضر‪ ،‬حيث اضطر إنسان‬ ‫العصر الحجري الحديث أن يستقر في أماكن اإلنتاج‬ ‫الزراعي‪ ،‬وهذا االستقرار استلزم بناء قرى زراعية‬ ‫شكلت بدايات الحواضر المبكرة ‪ 0‬ه��ذه المرحلة‬ ‫التي يطلق عليها العصر الحجري تمتد من ‪12000‬ـ‬ ‫‪ 8000‬سنة قبل الميالد‪ ،‬وخالل هذه المرحلة يعتقد‬ ‫أن اإلنسان قد تعلم تهجين وزراع��ة شجر الزيتون‪،‬‬ ‫ورغ��م أن��ه من الصعوبة بمكان تحديد تاريخ دقيق‬ ‫لبداية زراعة اإلنسان للزيتون ‪ -‬وقد أختلط تاريخ‬ ‫الزيتون بمزيج من الواقع والخرافة‪ -‬إال أن البداية‬ ‫الحقيقية ل��زراع��ة الزيتون تعود لماض سحيق من‬ ‫تاريخ البشرية‪ ،‬واختلط تاريخه بتاريخ حضارات بالد‬ ‫الشام وحوض البحر األبيض المتوسط‪ ،‬وشكل جزءاً‬ ‫مهماً من حضارة وثقافة شعوب بالد الشام وحوض‬ ‫البحر األبيض المتوسط‪ ،‬إال أن مراحل تطور زراعته‬ ‫كانت طويلة األمد ومرهقة‪.‬‬

‫لكن ال بد أن نفرق بين وجود شجرة الزيتون في‬ ‫مما سبق‪ ..‬يعتقد أن بالد الشام شهدت بدايات‬ ‫البيئة الطبيعية‪ ،‬وبين اه��ت��داء اإلن��س��ان األول إلى‬ ‫زراعة اإلنسان للزيتون‪ ،‬والتوصل إلى تقنية استخالص‬ ‫تدجين ه��ذه الشجرة واستزراعها واالس��ت��ف��ادة من‬ ‫زيته‪ ،‬حيث أن األدلة األثرية فيها‪ ،‬والمتمثلة باكتشاف‬ ‫ثمارها‪ ،‬والتوصل إلى طريقة الحصول على زيتها‪.‬‬ ‫قرى وحواضر زراعية كبيرة ومبكرة جدا‪ ،‬إضافة إلى‬ ‫بدايات زراعة الزيتون‬ ‫عدد من أشجار الزيتون المعمرة في فلسطين‬ ‫وجود ٍ‬ ‫ارتبطت زراع��ة الزيتون بأقدم مراحل الزراعة وسوريا تؤكد تلك البدايات‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫الفينيقيون ابتداء من القرن السادس عشر قبل الميالد‬ ‫هذه الشجرة هدية لسكان تلك المناطق وجزرها‪ ،‬ولم‬ ‫يأت القرن الرابع عشر قبل الميالد إال وقد أصبحت‬ ‫شجرة الزيتون ذات أهمية كبرى في حياة سكان الجزر‬ ‫اليونانية‪ ،‬وتحولت إلى شجرة مقدسة‪.‬‬

‫يوجد في تالل مدينة القدس الجنوبية‪ ،‬وبالتحديد‬ ‫في قرية الولجة‪ ،‬شجرة زيتون معمرة يطلق عليها‬ ‫ال��س��ك��ان ال��م��ح��ل��ي��ون اس���م (ش���ج���رة س��ي��دن��ا اح��م��د‬ ‫البدوي)‪ ،‬ويزيد عمرها عن ‪ 5500‬سنة‪ ،‬ويعتقد أن‬ ‫تلك الشجرة تعد أقدم شجرة زيتون في فلسطين بل‬ ‫أقدم شجرة في العالم‪ ،‬وقد حدد تاريخ هذه الشجرة‬ ‫أما في تونس فقد ازدهرت زراعة الزيتون بعد أن‬ ‫عن طريق فريق علمي ياباني قام بفحص الشجرة‪ ،‬أسس الفينيقيون مدينة قرطاجة في القرن التاسع‬ ‫وأجرى اختبارات علمية حدد من خاللها التاريخ‪.‬‬ ‫قبل الميالد‪ ،‬وتحولت تونس بعد ذلك التاريخ إلى‬ ‫مراحل انتشار زراعة الزيتون‬ ‫واحدة من أهم مناطق إنتاج زيت الزيتون‪.‬‬

‫المرحلة األولى‬

‫المرحلة الثالثة‬

‫تعد منطقة ب�لاد ال��ش��ام م��وط��ن��اً أص��ل��ي��اً وم��ه��داً‬ ‫لبدايات نشاط زراع���ة الزيتون واستخالص زيته‪،‬‬ ‫حيث كشفت األدلة اآلثارية عن نشاط منظم لزراعة‬ ‫الزيتون وتخزين الزيت في مرحلة األلف الثالثة قبل‬ ‫الميالد‪ ،‬حيث وج��دت في موقع «إيبال» في سوريا‬ ‫ن��ص��وص كتابية تتحدث ع��ن ذل���ك‪ ،‬وق��د عثر على‬ ‫بقايا ج��رار تخزين الزيت في مستودعات الموقع‬ ‫المذكور أعاله‪ ،‬إضافة إلى الكشف عن جرار تخزين‬ ‫المرحلة الرابعة‬ ‫زيت الزيتون التي وجدت في موقع « أوغاريت» في‬ ‫ف��ي نهاية األل���ف األول���ى قبل ال��م��ي�لاد‪ ،‬ظهرت‬ ‫الساحل السوري على البحر األبيض المتوسط كانت‬ ‫اإلم��ب��راط��وري��ة ال��روم��ان��ي��ة ف��ي ال��ج��زر اإلي��ط��ال��ي��ة‪،‬‬ ‫تستخدم لتصديرها إلى الجزر اليونانية ومصر‪.‬‬ ‫واستطاعت أن تمد نفوذها وسيطرتها خالل مدة‬ ‫ل��ذا يعتقد أن زراع��ة الزيتون حتى بداية األلف‬ ‫زمنية قصيرة لتشمل كامل شواطئ شمالي إفريقيا‬ ‫الثانية قبل الميالد كانت مقصورة على مناطق بالد‬ ‫والجزء الجنوبي من أوربا وبالد الشام وتركيا‪ ،‬ومن‬ ‫الشام (س��وري��ا وفلسطين ولبنان وجانب من وادي‬ ‫خالل هذا النفوذ اعتنى الرومان بشجرة الزيتون‬ ‫األردن)‪ .‬وحتى هذا التاريخ لم يتأكد معرفة سكان‬ ‫نظرا ألهميتها كمصدر للغذاء‪ ،‬والمصدر الوحيد‬ ‫الجزر اليونانية لهذه الشجرة‪.‬‬ ‫لوقود اإلض��اءة‪ ،‬لذا حظيت شجرة الزيتون بعناية‬ ‫المرحلة الثانية‬ ‫ف��ائ��ق��ة‪ ،‬وازده�����رت زراع��ت��ه��ا ف��ي كثير م��ن مناطق‬ ‫تبدأ المرحلة الثانية مع بداية األلف الثانية قبل اإلمبراطورية الرومانية‪ ،‬حيث ق��ام ال��روم��ان بنقل‬ ‫الميالد‪ ،‬إذ يعتقد أن شجرة الزيتون صدرت زراعتها زراعة الزيتون إلى بقية مناطق أوربا األخرى التي لم‬ ‫إل��ى ب��اق��ي ح��وض البحر األب��ي��ض ال��م��ت��وس��ط‪ ،‬ونقل تعرف هذه الشجرة من قبل‪ ،‬كذلك اعتنى الرومان‬ ‫الفينيقيون شجرة الزيتون معهم إل��ى سواحل ليبيا بنقل زيت الزيتون إلى المناطق التي ال ي��زرع فيها‬ ‫وتونس وبعض الجزر اليونانية واإليطالية‪ ،‬حيث قدّم الزيتون‪ ،‬وبذلك أصبح زيت الزيتون من أهم السلع‬ ‫تتمثل ه��ذه المرحلة في انتقال زراع��ة الزيتون‬ ‫إل��ى مصر القديمة‪ ،‬حيث يعتقد أن مصر عرفت‬ ‫ال��زي��ت��ون م��ن خ�لال ال��ص�لات ال��ت��ج��اري��ة ال��ت��ي كانت‬ ‫تربطها بالفينيقيين خالل القرن السابع عشر قبل‬ ‫الميالد‪ ،‬وقد أسهمت تلك الصالت في نقل معرفة‬ ‫زراعة الزيتون وإنتاج الزيت من الشواطئ الفينيقية‬ ‫والشامية القديمة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪15‬‬


‫التي راجت خالل تلك المرحلة ومن ثم خالل العصر نظرا الستخدامه في اإلضاءة على وجه التحديد‪ ،‬بل‬ ‫البيزنطي‪.‬‬ ‫كاد أن يكون أبرز الزيوت التي استخدمت لإلضاءة‬ ‫واالستطباب والغذاء‪.‬‬ ‫المرحلة الخامسة‬ ‫وت��ع��د ه��ذه المرحلة مهمة ف��ي ت��اري��خ الحضارة‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬حيث عمل المسلمون ‪ -‬بعد ضم بالد‬ ‫األندلس‪ -‬على تكثيف زراع��ة الزيتون في المناطق‬ ‫األندلسية‪ ،‬ونقلوا إليها أنواعا من شجر الزيتون من‬ ‫بالد الشام وشمالي أفريقيا‪ ،‬حتى أصبحت األندلس‬ ‫من أه��م مناطق إنتاج زي��ت الزيتون خ�لال العصور‬ ‫اإلسالمية المختلفة‪.‬‬

‫المرحلة السادسة‬ ‫وتعد ه��ذه المرحلة األح��دث في مسيرة انتشار‬ ‫زراعة الزيتون في مناطق لم تعرفها من قبل‪ ،‬حيث‬ ‫عمل األسبان خالل مراحل اكتشافهم ألمريكا في‬ ‫القرنيين السادس عشر والسابع عشر الميالديين‬ ‫على نقل شجرة الزيتون معهم‪ ،‬واستزراعها في كثير‬ ‫من مناطق أمريكا الجنوبية وكاليفورنيا في الواليات‬ ‫المتحدة األمريكية‪ ،‬حيث راجت زراعة الزيتون وإنتاج‬ ‫زيته في معظم دول أمريكا الجنوبية خالل فترات‬ ‫االستعمار األسباني والبرتغالي‪ ،‬وأصبحت أمريكا‬ ‫الجنوبية م��ن أه��م مناطق زراع��ت��ه‪ .‬وخ�لال الفترة‬ ‫نفسها انتقلت زراعة الزيتون إلى القارة األسترالية‬ ‫مع المستعمرين البريطانيين‪.‬‬

‫الحضارات وزراعة وتجارة الزيتون‬ ‫ع��ن��ي��ت ح���ض���ارات ب�ل�اد ال��ش��ام وم��ص��ر وح��وض‬ ‫البحر األبيض المتوسط والجزيرة العربية بزراعة‬ ‫وتجارة الزيتون‪ ،‬حتى أضحى زيت الزيتون من السلع‬ ‫المقدسة لدى معظم الحضارات‪ ،‬وخاصة الحضارة‬ ‫اليونانية‪.‬‬ ‫لقد تحول زي��ت الزيتون إل��ى سلعة إستراتيجية‬ ‫تعادل في أهميتها وقيمتها وضع البترول في عصرنا‬ ‫الحاضر‪ ،‬حيث كان مصدرا مهما من مصادر الطاقة‪،‬‬

‫‪16‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫حضارات بالد الشام‬

‫تعد بالد الشام الموطن األصلي للزيتون‪ ،‬وسكانها‬ ‫ه��م أول م��ن ع��رف ش��ج��رة ال��زي��ت��ون وط���وّر زراعتها‬ ‫وأس��ال��ي��ب إن��ت��اج ال��غ��ذاء وال��زي��ت م��ن ث��م��اره��ا‪ ،‬حتى‬ ‫أصبحت شجرة الزيتون من أهم األشجار في حياة‬ ‫سكان بالد الشام‪ ،‬ومنتجاتها من أهم السلع التجارية‬ ‫ص ِدّرت إلى كل مناطق العالم القديم‪.‬‬ ‫التي ُ‬ ‫لقد أثبتت االكتشافات األثرية في موقع (تل‬ ‫مردوخ) بمملكة إيبال على أدلة أثرية كتابية تذكر‬ ‫عناية ملوك وسكان مملكة إيبال األكادية بالزيتون‬ ‫وزي��ت��ه‪ ،‬ومملكة إي��ب�لا ال��ت��ي ع��اش��ت ب��ي��ن ‪2600‬ـ‬ ‫‪2240‬ق��ب��ل الميالد في منطقة قريبة من مدينة‬ ‫حلب‪ ،‬تعد من أهم الحضارات المبكرة التي عنيت‬ ‫ب��زراع��ة الزيتون ف��ي حقول كبيرة؛ حيث كشفت‬ ‫أعمال التنقيب التي قامت بها بعثة أثارية إيطالية‬ ‫غرفة تحوي عدة‬ ‫ٍ‬ ‫قبل أربعين عاما من الكشف عن‬ ‫أالف من ألواح الطين المكتوبة (الرقم الطيني)‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫والتي نسخ عليها بالخط المسماري األكاديمي‬ ‫معلومات تاريخية واقتصادية وسياسية عن نشاط‬ ‫مملكة إيبال وملوكها‪ .‬وهذا االكتشاف يعد أقدم ما‬ ‫كتبه التاريخ‪ ،‬وقد عثر في هذا األرشيف على أول‬ ‫توثيق رسمي حول أشجار الزيتون وزيته‪ ،‬وقد تم‬ ‫تحديد اثني عشر رقما طينيا تتحدث عن األراضي‬ ‫المزروعة بالزيتون‪ ،‬والتي تعود ملكيتها للملك‬ ‫والملكة‪ ،‬كما تذكر أن األسرة الحاكمة وحاشيتها‬ ‫كانت تمتلك ‪ 4000‬جرة من زيت الزيتون و(‪)7000‬‬ ‫جرة من أمالك الشعب‪ ،‬وحيث اكت ُِشف عدد من‬ ‫تلك الجرار التي يتسع كل منها لنحو ‪ 60‬كجم من‬ ‫الزيت‪ ،‬فإن الكميات المشار إليها في الوثائق تبلغ‬ ‫‪ 700‬طن من الزيت‪ ،‬كما ذكرت الوثائق أن األسرة‬


‫المالكة كانت ت��زرع ح��وال��ي (‪ )1465‬هكتارا من‬ ‫األرض بشجر الزيتون‪.‬‬ ‫إن هذه المعلومات تؤكد ‪ -‬بشكل واضح ‪ -‬أن زراعة‬ ‫الزيتون وإنتاج الزيت كانا من أهم مصادر دخل تلك‬ ‫المجتمعات‪ ،‬وال شك أن تلك الكميات من الزيت لم‬ ‫تُعَد لالستخدام المحلي‪ ،‬بل كانت تُعَد للتجارة‪ ،‬حيث‬ ‫كان يربط إيبال عالقات تجارية مع بالد الرافدين‬ ‫ومصر والجزر اليونانية وجزيرة العرب‪.‬‬

‫متحجرة تعود إلى عصور موغلة في القدم‪ ،‬وعلى‬ ‫الرغم من وجود أشجار الزيتون البرية في المناطق‬ ‫الجبلية في جنوب غ��رب الجزيرة العربية‪ ،‬إال أنه‬ ‫لم يثبت لنا أن إنسان الجزيرة العربية زرع أشجار‬ ‫الزيتون‪ .‬وقد كان زيت الزيتون من أهم السلع التي‬ ‫تعامل معها تجار الجزيرة العربية‪ ،‬وكانوا يصطحبون‬ ‫هذه السلعة في رحالتهم التجارية من بالد الشام‪ ،‬بل‬ ‫ربما كانت أهم السلع التي كانوا يقايضونها بالبخور‬ ‫والبهارات مع سكان تلك البالد‪ ،‬وقد وجدت في عدد‬ ‫من المواقع األثرية جرار من نوع خاص بنقل الزيت‪.‬‬

‫ك��ذل��ك اكتشفت معاصر حجرية أع���دت لعصر‬ ‫الزيتون في عدد كبير من المواقع األثرية في كل من‬ ‫الحضارة اليونانية‬ ‫األردن وسوريا ولبنان وفلسطين‪ ،‬وتعود تلك المعاصر‬ ‫انتقلت زراع��ة الزيتون إلى الجزر اليونانية بدءاً‬ ‫إلى عصور تاريخية عديدة حتى الفترة المعاصرة‪ ،‬ما‬ ‫يؤكد استمرار سكان بالد الشام في زراعة الزيتون من القرن السادس عشر قبل الميالد بواسطة التجار‬ ‫الفينيقيين‪ ،‬وخالل قرنيين من الزمن أصبحت شجرة‬ ‫وإنتاج زيته في مختلف العصور‪.‬‬ ‫الزيتون من أهم وأقدس األشجار لدى شعوب الجزر‬ ‫الحضارة المصرية القديمة‬ ‫اليونانية‪ .‬وتشير األساطير اليونانية إل��ى أن أثينا‬ ‫عرفت الحضارة المصرية القديمة زراعة الزيتون‬ ‫ إلهة الحكمة ‪ -‬عندما منحت اإلنسانية شجرة‬‫ف��ي ح��دود ال��ق��رن السابع عشر قبل الميالد‪ ،‬وقد‬ ‫الزيتون‪ ،‬فإنها تمكنت من الفوز على باقي اآللهة‬ ‫انتقلت إليها من بالد الشام‪ ،‬وربما كان للفينيقيين‬ ‫اليونانية؛ ألنها قدمت لإلنسانية أكثر الهدايا فائدة‬ ‫دور في نقل هذه المعرفة‪ ،‬حيث تزامن ذلك مع ظهور وأهمية‪.‬‬ ‫زراعة الزيتون على السواحل الليبية والتونسية‪.‬‬ ‫لقد أصبحت ش��ج��رة ال��زي��ت��ون ف��ي ك��اف��ة أرج��اء‬ ‫وق���د ت��ح��دث��ت األس��اط��ي��ر ال��م��ص��ري��ة إن اإلل��ه��ة بالد اليونان شجرة مقدسة‪ ،‬وظهرت رسوماتها على‬ ‫المصرية إيزيس ك��ان لها الفضل في تعليم سكان ج��دران القصور واألوان���ي الفخارية‪ ،‬وف��ي اللوحات‬ ‫مصر زراع���ة ال��زي��ت��ون‪ ،‬وك��ذل��ك تعليمهم الحكمة‪ ،‬الفنية‪ ،‬ك��ذل��ك استخدم ال��ري��اض��ي��ون زي��ت الزيتون‬ ‫وق��د استخدم الزيتون وزيته كغذاء ودواء‪ ،‬إضافة لتدليك أجسامهم بالزيت وتنظيفها من األوس��اخ‪،‬‬ ‫إلى استخدامه في عملية تحنيط الموتى‪ ،‬وقد عد كما استخدم زيت الزيتون في المسابقات الرياضية‬ ‫كبير مملوءٍ‬ ‫المصريون زي��ت الزيتون من ال��زي��وت المحببة لهم كجوائز إذ كانوا يكافئون المنتصر بِقِ د ٍْر ٍ‬ ‫واعتبروها نفيسة ومقدسة‪.‬‬ ‫بزيت الزيتون‪.‬‬

‫حضارات الجزيرة العربية‬

‫اكتشف ف��ي ع��دد م��ن مناطق ال��ج��زي��رة العربية‬ ‫دالئ��ل قديمة ج��دا على وج��ود أشجار الزيتون في‬ ‫البيئة الطبيعية‪ ،‬وكما ذكرنا في مقدمة هذا البحث‬ ‫فإن منطقة الجوف تنتشر فيها بقايا أشجار زيتون‬

‫لقد أسهمت زراع��ة الزيتون في ازده���ار الكثير‬ ‫من المدن اإلغريقية‪ ،‬وكانت شجرة الزيتون محمية‬ ‫بموجب القانون‪ ،‬فكان يتعرض للعقاب الحاد كل من‬ ‫قام بقطع تلك الشجرة‪ ،‬كما كانت أشجار الزيتون‬ ‫تتعرض للقطع من قبل األع���داء‪ ،‬حيث أن بساتين‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪17‬‬


‫ال��زي��ت��ون ك��ان��ت بمثابة ش��يء استراتيجي بالنسبة‬ ‫للخصم‪ ،‬وتدميرها كان بمثابة تدمير ألهم المقومات‬ ‫االقتصادية‪.‬‬ ‫كذلك تشير المصادر اليونانية إلى أن أول شعلة‬ ‫أولمبية كانت غصن زيتون‪.‬‬

‫الحضارة الرومانية‬ ‫سيطرت اإلم��ب��راط��وري��ة ال��روم��ان��ي��ة على معظم‬ ‫أورب��ا وشمالي إفريقيا وب�لاد الشام وتركيا‪ ،‬ومنذ‬ ‫القرن األول قبل الميالد حتى بداية القرن الرابع‬ ‫الميالدي أصبح الرومان س��ادة تلك المناطق‪ ،‬وقد‬ ‫اهتموا بتجارة زيت الزيتون‪ ،‬وعملوا على دعم زراعة‬ ‫ال��زي��ت��ون‪ ،‬إذ ق��ام��وا بتوزيع زي��ت الزيتون على كافة‬ ‫مناطق اإلمبراطورية‪.‬‬ ‫ك��ذل��ك ازده�����رت ت��ج��ارة ال���زي���ت‪ ،‬ووص���ل ال��زي��ت‬ ‫إل��ى مناطق لم تكن تعرفه من قبل‪ ،‬وق��د دخ��ل في‬ ‫صناعة أن���واع ع��دي��دة م��ن أط��ب��اق الطعام‪ ،‬كما قام‬ ‫الرومان بتصدير منتجات بالد الشام من الحنطة‬ ‫وزيت الزيتون إلى روما وباقي أجزاء اإلمبراطورية‬ ‫الرومانية‪.‬‬

‫الحضارة البيزنطية‬

‫إل��ى أن��ه ك��ان يوجد في البالط الملكي قاعة كبيرة‬ ‫تسمى بيت ال��ض��وء‪ ،‬وكانت صفقات التجارة تعقد‬ ‫فيها‪ .‬ونظرا ألن زيت الزيتون كان المادة األساسية‬ ‫لإلضاءة‪ ،‬فقد كان يجمع في صوامع كبيرة صممت‬ ‫لذلك الغرض‪ ،‬لضمان توافر كميات كافية منه‪ ،‬ومن‬ ‫شدة تقديس البيزنطيين لشجرة الزيتون فقد كانوا‬ ‫يجمعون حبات الزيتون بأيديهم من أجل المحافظة‬ ‫على الشجرة‪ ،‬وكانوا يُحَ ِرّمون ضرب الشجرة بالعصي‬ ‫لجني الزيتون ‪ -‬كما كان يُفعل سابقا ‪ -‬تكريما لهذه‬ ‫الشجرة المباركة‪ ،‬ومن الشروط التي كانوا يتقيدون‬ ‫بها قبل الشروع بقطاف الزيتون أن يكون المزارعون‬ ‫نظيفين‪ ،‬مثل شجرة الزيتون‪ ،‬وكانوا يتقيدون كذلك‬ ‫بطقوس تقية معينة‪ ،‬م��ث��ل‪ :‬ال��ص��وم واالم��ت��ن��اع عن‬ ‫العالقات الجنسية‪.‬‬

‫منذ بداية القرن الرابع الميالدي استقل قسطنطين‬ ‫األول بتركيا وب�لاد الشام عن سلطة روم��ا‪ ،‬واعتنق‬ ‫ال��دي��ان��ة ال��م��س��ي��ح��ي��ة‪ ،‬وأت���خ���ذ م���ن القسطنطينية‬ ‫(اسطنبول) عاصمة للدولة البيزنطية‪ ،‬وق��د ورث‬ ‫ال��ب��ي��زن��ط��ي��ون ال��ج��زء ال��ش��رق��ي م��ن اإلم��ب��راط��وري��ة‬ ‫ال��روم��ان��ي��ة‪ ،‬وم��ع��ه��ا ك��ل ت��ق��ال��ي��د ال���دول���ة والمجتمع‬ ‫الروماني‪ ،‬بما في ذلك عنايتهم واهتمامهم بزراعة‬ ‫الزيتون وت��ج��ارة زيته‪ ،‬وق��د احتاج البيزنطيون إلى‬ ‫الحضارة اإلسالمية‬ ‫كميات كبيرة م��ن زي��ت الزيتون إلض���اءة عاصمتهم‬ ‫ع��ن��ي ال��ع��رب – المسلمون ‪ -‬ب��زراع��ة ال��زي��ت��ون‬ ‫القسطنطينية التي كانت مشهورة باإلضاءة الشديدة‪،‬‬ ‫كما احتاجت الكنائس العديدة إلى كميات من الزيت واستخالص زيته‪ ،‬وقد كان لهم دو ٌر مهم في نشر تلك‬ ‫استخدمت ل�لإض��اءة‪ .‬وتشير المصادر البيزنطية الصناعة وتطويرها‪ ،‬حيث نقلوا أصنافا عديدة من‬

‫‪18‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫الزيتون إلى مناطق حوض البحر األبيض المتوسط‪،‬‬ ‫وخاصة اسبانيا والبرتغال وجزيرة صقلية‪.‬‬ ‫وقد تجلت عناية اإلسالم بالزيتون وزيته من خالل‬ ‫النصوص القرآنية‪ ،‬حيث ورد في القرآن ذكر الزيتون‬ ‫والزيت في سبعة مواضع‪ ،‬في س��ور‪ :‬األنعام والنحل‬ ‫والمؤمنين والنور وعبس التين‪ .‬كذلك ورد في صحيح‬ ‫الجامع الصغير حديث الرسول [‪ .‬وه��ذا التوجيه‬ ‫القرآني والنبوي يؤكد أهمية الزيتون وزي��ت��ه كغذاء‬ ‫ودواء‪ ،‬كونه يخرج من شجرة مباركة؛ لذا نجد أن هناك‬ ‫وصفات طبية كثيرة وردت في كتاب الطب النبوي يكون‬ ‫زيت الزيتون فيها أساسا أو عنصراً مهماً‪.‬‬

‫غصن الزيتون رمزٌ للسالم‬

‫ثالثة عقود من ال��زم��ن‪ ،‬أدرك��ن��ا خاللها أننا نمشي‬ ‫ف��ي خ��ط��ى زراع��ي��ة ل��م تحسب ل��ل��ص��ح��راء حسبتها‬ ‫الصحيحة‪ ،‬إذ كان من األجدر التفكير كيف يمكن أن‬ ‫نزرع ونحافظ في الوقت نفسه على الثروات الناضبة‬ ‫(الماء والبترول)؟ ولكن مع مرور الوقت تجلت النتائج‬ ‫عن فقر في مخزون المياه الجوفية‪ ،‬ما حدا بنا إلى‬ ‫التغيير الحاصل الذي نعيشه حالياً من االستفادة من‬ ‫المميزات النسبية لبعض المناطق الزراعية‪ ،‬والحد‬ ‫من بعض الزراعات التي تستنزف كميات كبيره من‬ ‫م��ي��اه ال���ري‪ ،‬ك��األع�لاف والشعير‪ ،‬وتقنين زراع���ات‬ ‫كثيرة كالقمح حتى وإن ك��ان محصوال استراتيجيا‬ ‫مهما‪ ،‬وتم التركيز على ال��زراع��ات االقتصادية في‬ ‫ال��م��اء وال��ض��روري��ة م��ا أدى إل��ى التوسع بالزراعات‬ ‫المختلفة في منطقة الجوف ذات معدالت اإلنتاج‬ ‫العالية مثل الفواكه كاللوزيات والتفاحيات والزيتون‪،‬‬ ‫أو المحاصيل المختلفة كالقمح والبطاطس‪ .‬وكان‬ ‫للزيتون النصيب الوافر من االهتمام لدى المزارعين‬ ‫وال��ش��رك��ات م��ع م��رور ال��وق��ت‪ ،‬وذل��ك ألس��ب��اب مهمة‬ ‫مثل تحمل الظروف المناخية في المنطقة‪ ،‬وكذلك‬ ‫تحمل أغلب أن���واع التربة والمياه على ال��رغ��م من‬ ‫تأثر إنتاجيتها‪ .‬وللحديث عن نجاح مستقبل الزيتون‬ ‫بالمنطقة ال بد من التطرق للمزايا التي دفعتنا للجزم‬ ‫بذلك‪ ،‬وهي‪:‬‬

‫من القضايا المتعارف عليها عند كثير من شعوب‬ ‫األرض أن غصن الزيتون يمثل رمزا للسالم واألمان‪،‬‬ ‫وتعود جذور هذه القضية إلى عهد سيدنا نوح عليه‬ ‫ال��س�لام‪ ،‬حيث تشير ال��م��ص��ادر التاريخية إل��ى أن‬ ‫سيدنا نوح ‪ -‬بعد الطوفان وقبل انحسار الماء‪ -‬أطلق‬ ‫حمامة من على السفينة‪ ،‬يريد أن يكتشف ما إذا كان‬ ‫الماء قد انحسر عن بعض مناطق األرض‪ ،‬وبعد فترة‬ ‫من الزمن عادت الحمامة وهي تحمل غصن زيتون‬ ‫من شجرة زيتون‪ ،‬فأدرك سيدنا نوح أن مياه الطوفان‬ ‫قد بدأت باالنحسار‪ ،‬وأن اليابسة في طريقها إلى‬ ‫ال��ج��ف��اف‪ ،‬ف���زال ال��خ��وف م��ن ال��م��وت غ��رق��ا ع��ن من‬ ‫الظروف المناخية والطبيعية المناسبة‬ ‫في السفينة‪ ،‬واطمأنوا إلى أنهم يستطيعون العيش‬ ‫تقع منطقة الجوف شمالي المملكة بين خطي‬ ‫ف��ي أم��ان وس�ل�ام‪ ،‬ومنذ ذل��ك التاريخ اتخذ الناس‬ ‫من غصن الزيتون والحمامة رم��زا للسالم والمودة عرض ْ‪ 31ْ -29‬شماال وعلى ارتفاع بين ‪800 -500‬م‬ ‫عن سطح البحر‪ ،‬وتكون بذلك ضمن نطاقات مناخ‬ ‫والصداقة بين الناس‪.‬‬ ‫البحر األبيض المتوسط التي تجود فيها ‪ %96‬من‬ ‫زراع���ات ال��زي��ت��ون بالعالم‪ ،‬وال��ت��ي تتميز باالعتدال‬ ‫الرهان على مستقبل الزيتون بالجوف‬ ‫المناخي وت��واف��ر درج��ات ال��ح��رارة المالئمة لنجاح‬ ‫(‪)2‬‬ ‫> بسام فارس العويش‬ ‫الزيتون سواء في الشتاء بدرجات حرارة دون ْ‪ 7‬من‬ ‫إن ال��م��ت��اب��ع ل��م��اض��ي ال���زراع���ة وح��اض��ره��ا في ‪ 2000 – 1000‬ساعة حسب الصنف وذل��ك لنجاح‬ ‫المملكة‪ ،‬يرى حجم التغير في االستراتيجيات بين تخلق األزه����ار ولتكشف ال��ب��رع��م ال��زه��ري‪ ،‬أو في‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪19‬‬


‫فصل الربيع المعتدل بدرجات حرارة بين ‪ْ 25-15‬م‬ ‫المناسبة لحدوث التلقيح واإلخصاب بشكل ناجح‪،‬‬ ‫وكذلك نمو األف��رع الخضرية في هذا الفصل التي‬ ‫تحمل عليها األزهار في العام القادم‪ ،‬وفي الصيف‬ ‫هناك أشعة الشمس الكافية لتراكم الزيت في الثمار‬ ‫بدرجات حرارة بين ‪40 -25‬مْ‪ ،‬وكذلك فصل الخريف‬ ‫الذي له أهميته في عملية النمو الخضري لألفرع‬ ‫التي تحمل األزه��ار في الموسم نفسه‪ ،‬وه��ذه ميزه‬ ‫كبيرة ال تتوافر في كثير من مناطق زراع��ة الزيتون‬ ‫ب��ال��ع��ال��م‪ ،‬كما أن لتوفر ال��م��ي��اه بكميات كبيره في‬ ‫المنطقة ومحتواها الجيد من العناصر بشكل متزن‬ ‫كان من أكبر الدعامات للتوسع الزراعي بشكل عام‪،‬‬ ‫وللزيتون بشكل خاص‪ ،‬على الرغم من أن الزيتون ال‬ ‫يحتاج لكميات كبيره من المياه ولتحمله نسبا عالية‬ ‫من الملوحة تصل حتى (‪ )4000ppm‬بالمقارنة ببقية‬ ‫الفواكه والمحاصيل المختلفة‪.‬‬ ‫كما أن من أهم العوامل التي يرتكز عليها نجاح‬ ‫هذا القطاع في المنطقة هو توافر الترب الجيدة‬ ‫المختلفة وال��ت��ي تتميز ك��ث��ي��راً ف��ي ب��ع��ض ال��م��واق��ع‬ ‫كبسيطا مثال‪ ،‬على الرغم من أن الزيتون يتالءم مع‬ ‫الكثير من أنواع الترب الفقيرة‪.‬‬

‫نجاح التجربة واألبحاث‬

‫‪ 600‬ألف شجرة زيتون من أصناف عالمية مشهورة‬ ‫أثبتت نجاحها‪ ،‬كما ب��دأت تجربة بعض األساليب‬ ‫الحديثة بزراعة الزيتون المكثف واالعتماد الكامل‬ ‫على الزراعة العضوية‪ .‬كذلك أقامت بعض الشركات‬ ‫ال��ن��دوات المتخصصة وشجعت على عمل البحوث‬ ‫في ه��ذا المجال‪ ،‬حيث أج��ري��تُ بحثي في مشروع‬ ‫شركة الجوف الزراعية موسم ‪ 2004‬و‪2005‬م وكانت‬ ‫النتائج ممتازة ومشجعه ألهم األصناف المنتشرة في‬ ‫المنطقة‪ ،‬مقارن ًة مع النتائج في كثير من الدول سواء‬ ‫في القياسات الزهرية والعقد أو في كمية اإلنتاج‬ ‫من الثمار وقياساتها المتعددة‪ ،‬ونسب الزيت‪ ،‬وهذا‬ ‫يعطي الداللة الواضحة والعملية على نجاح التوسع‬ ‫في هذا القطاع مستقبال‪ ،‬ولكن بشكل مدروس‪.‬‬

‫الدعم احلكومي واإلمكانات‬ ‫نتيجة التوسع الكبير وانتشار زراعة الزيتون في‬ ‫المنطقة‪ ،‬وبلوغ أعداد أشجارها بالماليين‪ ،‬استحدثت‬ ‫وزارة ال��زراع��ة وح��دة ألب��ح��اث ال��زي��ت��ون بالمنطقة‪،‬‬ ‫وأسندت هذه الوحدة كذلك بمشروع تطوير إنتاج‬ ‫وتصنيع وتسويق الزيتون بالمملكة‪ ،‬والذي تقوم علية‬ ‫منظمة األغذية والزراعة باألمم المتحدة (الفاو)‪،‬‬ ‫وذلك للدفع بالقطاع لمستوى أفضل‪ ،‬والتغلب على‬ ‫المشكالت التي تواجه المزارع والمنتج بشكل عام‪،‬‬ ‫حيث تم تجهيز مختبر متكامل لعمل البحوث على‬ ‫الزيتون‪ ،‬وإج��راء تحاليل الزيت‪ .‬وت��م كذلك زراع��ة‬ ‫أهم األصناف العالمية لقياس مدى نجاحها تحت‬ ‫ال��ظ��روف المحلية؛ إض��اف��ة إل��ى ذل���ك‪ ،‬ف��أن الدعم‬ ‫الحكومي لم يتوقف عند هذا الحد‪ ،‬فقد تم التماس‬ ‫الحاجة الضرورية للعمالة المؤقتة في هذا القطاع‪،‬‬ ‫وتم السماح باستقدامها وذلك بسب ضيق الوقت في‬ ‫فترة جني محصول الزيتون‪ ،‬حيث أصبح باإلمكان‬ ‫االستفادة من هذه الميزة المتاحة‪.‬‬

‫بدأت زراعة الزيتون في العهد القريب بين صغار‬ ‫المزارعين عن طريق األشتال الواردة من دول الجوار‪،‬‬ ‫ومن أصناف غير معروفه‪ ،‬وأصبحت منتشرة بشكل‬ ‫بسيط دون التفكير بالتوسع الكبير الذي نشهده اليوم‪،‬‬ ‫وذلك لحداثة التجربة وعدم وجود معاصر الزيتون‪،‬‬ ‫ولكن بسبب النجاح الكبير لهذه الشجرة المباركة‬ ‫تم التوسع بزراعتها وجلب األصناف العالمية منها‬ ‫للمنطقة‪ ،‬وأصبحت هذه الزراعة عبارة عن صناعه‬ ‫متكاملة لدى الشركات والمشاريع الزراعية الكبرى‪،‬‬ ‫التي زرعت أع��دادا كبيرة منها‪ ،‬وعلى سبيل المثال‬ ‫ومن العوامل المشتركة والداعمة لعموم الزراعات‬ ‫شركة الجوف الزراعية التي تملك حالياً أكثر من داخل المملكة توافر القروض الحكومية للجمعيات‬

‫‪20‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫والمزارعين‪ ،‬وانخفاض قيمة الوقود‪ ،‬وتوافر األسمدة الدول المنتجة لزيت الزيتون‪.‬‬ ‫الكيماوية وع��ل��ى رأس��ه��ا النيتروجينية‪ ،‬واكتشاف‬ ‫كما أن لزيادة الوعي الصحي دور كبير في اإلقبال‬ ‫كميات ضخمة م��ن الصخر الفوسفاتي ف��ي حزم على استهالك زيت الزيتون ال��ذي يعد من الزيوت‬ ‫الجالميد بالشمال يوفر ويكمل صناعة األسمدة كلها النباتية قليلة التشبع‪ ،‬والتي عند استعمالها تقي من‬ ‫داخل المملكة‪.‬‬ ‫أضرار الدهون المشبعة األخرى التي تسبب تصلب‬

‫كما أنه من أهم الدعامات المهمة لمستقبل هذا الشرايين‪ ،‬باإلضافة إلى أنه ال يمكن إغفال القيمة‬ ‫القطاع وج��ود اإلم��ك��ان��ات الضخمة ل��دى الشركات الروحية لهذه الشجرة المباركة‪ ،‬والتي نؤمن بأنها‬ ‫التي من شأنها توفير أحدث التقنيات المستخدمة ليست كسواها‪.‬‬ ‫في المعاصر والتعبئة‪ ،‬إذ توجد حالياً (‪ )16‬معصرة‬ ‫زيتون في شمال المملكة تقدر طاقتها اإلنتاجية بـ‬ ‫‪ 730‬طن‪/‬يوم وتعد قدرة هذه المعاصر أكثر بكثير جودة زيت الزيتون وكيفية احلصول عليها‬ ‫(‪)3‬‬ ‫> د‪ .‬الهاشمي المهري‬ ‫من كمية اإلنتاج الكلية للزيتون في المملكة التي ال‬ ‫تتجاوز حاليا ‪ 30‬أل��ف ط��ن ف��ي ال��م��وس��م‪ ,‬ونصيب‬ ‫ينفرد زيت الزيتون عن الزيوت النباتية األخرى بأنه‬ ‫منطقة الجوف منها هو‪ 12‬معصرة طاقتها اإلنتاجية الزيت الوحيد الذي يؤكل مباشرة بشكله الطبيعي‪.‬‬ ‫‪ 540‬طن‪/‬يوم وكمية إنتاج تقدر بـ ‪ 22‬ألف طن من وه��و م���ادة طبيعية نحصل عليها بعد عصر ثمار‬ ‫الثمار‪ ،‬ول��م يصل فيها اإلن��ت��اج إل��ى ح��دود الطاقة الزيتون‪ ،‬وهي خالية من المواد اإلضافية والملونة‪،‬‬ ‫االستيعابية لهذه المعاصر‪.‬‬ ‫ال مجال ألي عملية كيميائية خالل استخراج الزيت‬

‫السوق االستهالكية والثقة باملنتج الوطني‬ ‫وتحضيره‪ ،‬ويتم ذل��ك بطرق ميكانيكية فقط‪ ،‬إما‬ ‫تعد المملكة من أكبر األس��واق االستهالكية في بالضغط أو الطرد المركزي أو الترقيد‪.‬‬ ‫العالم لكثير من السلع والمنتجات الزراعية التي‬ ‫مكونات ثمار الزيتون‬ ‫لم نصل في أغلبها حتى إلى شبه االكتفاء الذاتي‪ ،‬ثمار الزيتون هي ثمار غضة‪ ،‬يمثل الماء والزيت نحو‬ ‫ومنها بطبيعة الحال زيتون التخليل وزيت الزيتون‪ ،‬إذ ‪ %90 - 85‬من إجمالي وزن الثمار والباقي عبارة عن‬ ‫تنتج المملكة ثالثة آالف طن فقط من الزيت‪ ,‬وهو سكريات وبروتينات وعناصر معدنية‪ .‬تتكون من لب‬ ‫رق��م زهيد مقارنة بحجم االستهالك في المملكة‪،‬‬ ‫(طبقة متوسطة شحميه) وبذرة صلبة‪.‬‬ ‫كما أن زيتون التخليل ينتج ولكن بشكل بسيط جداً‪،‬‬ ‫التركيب الكيماوي لزيت الزيتون‬ ‫وأغلب التركيز هو على استخراج الزيت‪ ,‬ولكن ما‬ ‫ي���ح���ت���وي زي�����ت ال����زي����ت����ون ع���ل���ى م�������واد ده��ن��ي��ة‬ ‫يميز المنتج المحلي هو ثقة المستهلك به‪ ،‬ألنه من‬ ‫مصادر معروفة سواء كانت شركات أو مزارعين‪ ،‬وهو (الغليسيريدات) ومكونات غير غليسيريدية‪ .‬كما‬ ‫زي��ت زيتون بكر‪ ،‬وتستخدم الستخراجه األساليب يحتوي على نسبة عالية من الفيتامينات الضرورية‬ ‫الحديثة‪ ،‬وهو منتج عالي الجودة‪ ،‬إضافة إلى أنه لم للجسم‪ ،‬وم���واد ملونة (ك��ل��وروف��ي��ل)‪ ،‬وم���واد عطرية‬ ‫تدخل لدينا تقنيات استخراج الزيت المكرر‪ ،‬وهو ما تكسبه رائحة وطعما خاصا‪ ،‬وعلى كميات ضئيلة‬ ‫تستخدم فيه بعض المذيبات الكيماوية الخطرة على من العناصر المعدنية (حديد‪ ،‬منغنيز‪ ،‬كالسيوم)‪،‬‬ ‫صحة اإلنسان‪ ،‬والتي نراها تستخدم في كثير من وتقسم األح��م��اض الدهنية التي تدخل في تركيب‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪21‬‬


‫زيت الزيتون إلى قسمين‪:‬‬

‫المعبر عنها بحمض األوليك إلى‪:‬‬

‫< أحماض دهنية غير مشبعة‪ :‬وتمثل ‪ %85 - 75‬من‬ ‫إجمالي األحماض الدهنية‪ .‬وتمتاز بكونها سائلة‬ ‫بدرجة الحرارة العادية ومنها‪:‬‬

‫أ‪ -‬زي��ت ال��زي��ت��ون البكر الممتاز‪ :‬ه��و زي��ت فوق‬ ‫الممتاز في الطعم والرائحة‪ ،‬وال تزيد نسبة‬ ‫حموضته عن ‪ %1‬في (‪ )100‬غرام زيت‪.‬‬

‫ حمض األوليبيك‪ :‬وتراوح نسبته في زيت الزيتون‬‫بين ‪ ،%83 -55‬وسمي حمض الزيت ألنه يشكل‬ ‫الغالبية العظمى في تركيب زيت الزيتون‪.‬‬

‫ب‪ -‬زيت الزيتون البكر الجيد‪ :‬ونسبة الحموضة‬ ‫فيه ال تزيد عن ‪ ،%2‬وله رائحة الفاكهة‪ ،‬ولونه‬ ‫أصفر فاتح يميل إل��ى ال��خ��ض��رة‪ ،‬وه��و زيت‬ ‫صالح لالستهالك البشري‪.‬‬

‫ ح��م��ض اللينوليك‪ :‬وت����راوح نسبته ف��ي زي��ت‬‫الزيتون من ‪.%21 - 3.5‬‬

‫ج‪ -‬زيت الزيتون البكر شبه الجيد العادي‪ :‬هو زيت‬ ‫جيد في الطعم والرائحة‪ ,‬ونسبة الحموضة‬ ‫فيه ال تتجاوز ‪ %3.3‬وهى زيوت غذائية‪.‬‬

‫ < أح���م���اض ده��ن��ي��ة م��ش��ب��ع��ة‪ :‬وت��م��ث��ل ‪%20 - 10‬‬ ‫م��ن إجمالي األح��م��اض الدهنية‪ ،‬ومنها حمض‬ ‫البالمتيك بنسبة ‪ ،%20 – 7.5‬وت��م��ت��از ه��ذه ‪ -‬زي���ت ال��زي��ت��ون وق����اد‪ :‬ه��و زي���ت رديء ذو رائ��ح��ة‬ ‫وطعم كريهين‪ ،‬وذو ل��ون أصفر مائل لألخضر‬ ‫األحماض بكونها صلبة بدرجة الحرارة العادية‪.‬‬ ‫البني‪ ،‬حموضته تفوق ‪ ،%3.3‬فهو غير غذائي‬ ‫علما أن نسب األح��م��اض الدهنية ال��ت��ي تشكل‬ ‫وعند استخدامه في التغذية تُجْ رى عليه بعض‬ ‫زي��ت الزيتون تختلف باختالف المنطقة والصنف‬ ‫المعامالت الخاصة‪.‬‬ ‫والعمليات الزراعية ونوع التربة ودرجة نضج الثمار‪.‬‬ ‫ زيت زيتون المكرر‪ :‬هو زيت ناتج من زيت زيتون‬‫تصنيف زيت الزيتون‬ ‫البكر‪ ،‬ول��ك��ن حموضته مرتفعة‪ ،‬وت��ج��ري عليه‬ ‫حسب التصنيف ال��ص��ادر ع��ن المجلس الدولي‬ ‫خطوة التكرير لخفض حموضته إل��ى أق��ل من‬ ‫لزيت الزيتون والمتداول في التجارة الدولية‪ ،‬يصنف‬ ‫‪ ،%0.5‬وهو زيت غذائي‪.‬‬ ‫زي��ت الزيتون بحسب خصائصه المختلفة (الطعم‬ ‫ زيت زيتون الخليط‪ :‬هو زيت زيتون نقى ناتج عن‬‫والرائحة وال��ل��ون)‪ ،‬أو حسب (المظهر والشفافية)‬ ‫خلط زيت زيتون البكر مع زيت زيتون مكرر بنسبة‬ ‫أو على أساس (بعض الثوابت الكيميائية والصفات‬ ‫معينة بحيث ال تزيد نسبة الحموضة عن ‪،%1.5‬‬ ‫الطبيعية والحسية)‪ ،‬ويصنف إلى صنفين أساسيين‪:‬‬ ‫وهو زيت غذائي‪.‬‬ ‫زيت الزيتون‪ ،‬وزيت تفل الزيتون‪.‬‬ ‫‪ -2‬زيت تفل الزيتون‬ ‫‪ - 1‬زيت الزيتون‬ ‫ زيت تفل الزيتون‪ :‬هو زيت ناتج عن تفل الزيتون‬‫ زيت الزيتون البكر (صالح لالستهالك)‪ :‬وتطلق‬‫ويتم استخالصه بالمذيبات‪ ،‬وله ثالث رتب‪:‬‬ ‫هذه التسمية على زيت الزيتون المستخلص من‬ ‫أ‪ -‬زيت تفل الزيتون الخام‪ :‬هو زيت زيتون ناتج‬ ‫ثمار الزيتون بالطرق الفيزيائية والميكانيكية‪،‬‬ ‫عن تفل الزيتون بدون تكرير‪ ،‬وهو غير صالح‬ ‫وف��ي ظ��روف ح��راري��ة خاصة ال تغير في نوعية‬ ‫لالستهالك البشري نظراً الرتفاع حموضته‪.‬‬ ‫ال���زي���ت‪ .‬وي���ك���ون ص��ال��ح��اً ل�لاس��ت��ه�لاك بحالته‬ ‫ب‪ -‬زيت تفل الزيتون المكرر‪ :‬هو زيت ناتج من‬ ‫الطبيعية‪ ،‬ويصنف وفقاً لدرجة الحموضة الحرة‬

‫‪22‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫وفي الحالة الثانية تكون المواصفات التذوقية‬ ‫للزيت الناتج ضعيفة والحموضة مرتفعه‪.‬‬

‫تكرير زيت الـتفل الخام وال تزيد حموضته‬ ‫عن ‪ %0.5‬مع طعم ورائحة مقبولين‪ ،‬وهو زيت‬ ‫غذائي صالح لالستهالك‪.‬‬ ‫‪ -5‬فصل الثمار المتساقطة على األرض عن الثمار‬ ‫التي يتم قطفها من الشجرة‪.‬‬ ‫ج‪ -‬زي��ت تفل الزيتون‪ :‬هو زي��ت ناتج عن خلط‬ ‫زيت التفل المكرر مع زيت زيتون بكر‪ ،‬ويتميز ‪ -6‬اإلس��راع في عصر الثمار بعد الجمع واجتناب‬ ‫بطعم ورائحة مقبولين وهو زيت غذائي صالح‬ ‫تخزينها‪ ،‬وإذا كان ذلك غير ممكن‪ ،‬فيجب تخزين‬ ‫لالستهالك‪.‬‬ ‫الثمار في مستودعات ب��اردة ذات تهوية جيدة‪،‬‬

‫‪ -‬العوامل المؤثرة على جودة الزيت‬

‫وبطبقات قليلة السمك‪.‬‬

‫هناك عدة عوامل تؤثر مباشرة على جودة زيت ‪ -7‬اج��ت��ن��اب ن��ق��ل ال��ث��م��ار وت��خ��زي��ن��ه��ا ف��ي األك��ي��اس‬ ‫البالستيكية التي تسبب تعفنها‪.‬‬ ‫الزيتون وذلك من‪:‬‬ ‫أ‪ -‬خالل تكوينه بالثمار‪.‬‬ ‫ب‪ -‬خالل جني ثمار الزيتون‪.‬‬ ‫ج– خالل عمليات نقل وتخزين الثمار‪.‬‬ ‫د‪ -‬خالل استخالص وتخزين الزيت‪.‬‬

‫نصائح عملية إلنتاج زيت زيتون جيد‬

‫‪ -8‬يجب غسل الثمار وتنظيفها من الشوائب العالقة‬ ‫بالزيتون كاألوراق والتربة واألغصان‪ ..‬الخ‬ ‫‪ -9‬ال��ق��ي��ام بالعناية ال��دوري��ة لكل أج��ه��زة وم��ع��دات‬ ‫المعصرة وتنظيفها‪ ،‬والتأكد من خلوها من كل‬ ‫ما هو غير صحي‪.‬‬

‫‪ -10‬ينصح بخلط عجينة ال��زي��ت��ون ل��م��دة قصيرة‬ ‫ما يجب مراعاته للحصول على زيت زيتون بكر‬ ‫وبدرجة حرارة بين ‪ 30-26‬درجة مئوية‪.‬‬ ‫عالي الجودة‪:‬‬ ‫‪ -11‬عند تخزين زي��ت ال��زي��ت��ون يجب ات��خ��اذ كافة‬ ‫‪ -1‬تجب العناية الجيدة والالزمة ألشجار الزيتون‬ ‫االحتياطات الالزمة لمنع أي احتمال للتأكسد‪،‬‬ ‫زراع���ي���اً‪ ،‬والمحافظة على ال��ث��م��ار حتى موعد‬ ‫وإزال�����ة ال���رواس���ب وح��م��اي��ة ال��زي��ت م��ن ال��ض��وء‬ ‫نضجها وقطافها‪.‬‬ ‫والحرارة‪.‬‬ ‫‪ -2‬يجب أن يتم قطاف الثمار في الوقت المناسب‬ ‫لنضجها‪ ،‬للحصول على أحسن مواصفات للزيت‬ ‫مع أكبر كمية زيت ممكنه‪.‬‬ ‫‪ -3‬تقطف ال��ث��م��ار م��ن ال��ش��ج��رة ب��ال��ط��رق السليمة‬ ‫للقطف‪ ،‬إم��ا باليد أو األدوات ال��خ��اص��ة التي‬ ‫تحافظ على ج���ودة ال��زي��ت وع��ل��ى كمية الزيت‬ ‫المشكلة في الثمار‪.‬‬ ‫‪ -4‬اجتناب قطف الثمار الخضراء الداكنة أو ذات‬ ‫النضج ال��م��ت��ق��دم‪ ،‬ألن ال��زي��ت المستخلص في‬ ‫الحالة األولى يكون بطعم األوراق وكميته قليلة‪،‬‬

‫زيت الزيتون وفوائده الغذائية‬ ‫> األستاذ الدكتور‪/‬رشود بن عبدالله الشقراوي‬

‫(‪)4‬‬

‫يعد زيت الزيتون إحدى نعم الله علينا‪ ،‬إذ عرف‬ ‫القدماء بعض فوائده‪ ،‬وأدرك الطب الحديث البعض‬ ‫األخر‪ .‬أقسم الله تعالى به حيث قال سبحانه (والتين‬ ‫والزيتون‪ .‬وطور سنين)‪ .‬وتتضح لنا فوائده وأسراره‬ ‫يوماً بعد ي��وم‪ ،‬فهذا الزيت المبارك ال��ذي أت��ى من‬ ‫شجرة مباركة‪ ،‬أم��رن��ا رسولنا الكريم باستخدامه‬ ‫حيث قال‪( :‬كلوا الزيت وادّهنوا به فانه من شجرة‬ ‫مباركة) وارتبطت األبحاث العلمية الطبية والتغذوية‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪23‬‬


‫بـ (غذاء حوض البحر المتوسط) الغني بزيت الزيتون‬ ‫والميزات العلمية لهذا النظام الغذائي‪ .‬حيث أكد ذلك‬ ‫ بعض المرضى لم يعد بحاجه إلى الدواء‪.‬‬‫علماء التغذية واألطباء في ��وصياتهم األخيرة في‬ ‫مالحظة‪ :‬يجب استشارة الطبيب في ترك األدوية‬ ‫روما‪ .‬كما استعرضوا العديد من الفوائد االيجابية‬ ‫الخاصة بالضغط‪.‬‬ ‫لهذا الزيت ومن أهمها‪:‬‬ ‫زيت الزيتون والسرطان‬ ‫القيمة الغذائية لزيت الزيتون‬ ‫يعد السرطان أحد األسباب األساسية لحاالت‬ ‫يعتبر زيت الزيتون من األغذية الغنية لعدة أسباب منها‪:‬‬ ‫ال��وف��ي��ات ف��ي العديد م��ن دول ال��ع��ال��م‪ ،‬وق��د لوحظ‬ ‫ ِغناه بالكلوروفيل ‪ chlorophyll‬على شكل كاروتين انخفاض معدل اإلصابة بالسرطان في دول أوروبا‬‫‪ ،carotene‬وهي تعمل على المحافظة على الزيت الواقعة في الجنوب الم ُِط ِ ّل على حوض البحر األبيض‬ ‫من التأكسد والتزنخ‪.‬‬ ‫المتوسط مقارنة بدول الشمال البعيدة عنه‪.‬‬ ‫ يحتوي الزيت على الليسيثين ‪ lecithin‬وهو مضاد‬‫وترجع هذه النتائج إلى نوع الطعام الذي يشتمل على‬ ‫أكسدة طبيعي ويعمل على تحفيز أيض كل من‪ :‬زيت الزيتون كمصدر أساسي للدهون الغذائية لديهم‪.‬‬ ‫الدهون والسكريات والبروتين‪.‬‬ ‫وهناك عالقة عكسية بين زيت الزيتون وحدوث‬ ‫ يحتوي كذلك على البولي فينول ‪ poliphenol‬وهو‬‫السرطان‪ ،‬وخصوصاً سرطان الثدي والمعدة والرحم‬ ‫أيضا مضاد لألكسدة‪.‬‬ ‫والقولون‪.‬‬ ‫كما أنه يحتوي على العديد من الفيتامينات ومنها‪:‬‬ ‫وفي دراسات حديثة نشرت في مجلة (‪medicine‬‬ ‫فيتامين أ ‪vit. A‬؛ فيتامين هـ ‪vit. E‬؛ فيتامين د ‪.vit. D‬‬ ‫‪ )archives of internal‬عام ‪1998‬م‪ ،‬أف��ادت أن تناول‬ ‫ومن مواصفات زيت الزيتون أنه سهل الهضم‪.‬‬ ‫ملعقة طعام من زيت الزيتون يومياً يمكن أن تنقص من‬ ‫حدوث سرطان الثدي بنسبة تصل إلى ‪.%45-40‬‬ ‫زيت الزيتون والكولسترول‬ ‫‪ -‬خفض جرعات األدوية إلى النصف‪.‬‬

‫وف��ي دراس����ات أخ���رى اس��ت��م��رت أك��ث��ر م��ن ثالث‬ ‫سنوات على شريحة من السيدات (‪ )70-60‬عاما‪،‬‬ ‫لوحظ أن النساء اللواتي لم يصبن بسرطان الثدي‬ ‫ك��ن ي��ت��ن��اول��ن ك��م��ي��ات ك��ب��ي��رة م��ن زي���ت ال��زي��ت��ون في‬ ‫طعامهن‪ ،‬رغم عدم معرفة كيفية اآللية التي يلعبها‬ ‫زيت الزيتون في ذلك‪.‬‬

‫تشير ال��دراس��ات إل��ى أن زي��ت الزيتون يقلل من‬ ‫الكولسترول الضار في الدم (‪)ldl‬؛ ومن ثم يقي من‬ ‫تصلب الشرايين ومرض شرايين القلب التاجية‪ .‬كما‬ ‫أن زيت الزيتون يدخل في دور مضاد لألكسدة الحتوائه‬ ‫على فيتامين هـ (‪ .)VIT. E‬وقد وجد الباحثون أ َّن زيت‬ ‫البكر ‪ VIRGIN‬يحتوي على كمية جيدة من مركبات‬ ‫البولي فينول التي تمنع تأكسد الزيت وتحافظ على زيت الزيتون والجلد‬ ‫ثباته‪ ،‬وكذلك يمنع أكسدة الكولسترول الضار‪.‬‬ ‫ي���ع���د س����رط����ان ال���ج���ل���د ‪ melanoma‬م����ن أك��ث��ر‬ ‫زيت الزيتون وضغط الدم‬ ‫السرطانات انتشاراًً‪ ،‬وخصوصا عند ذوي البشرة‬ ‫تشير األبحاث إلى أن استهالك كميات من زيت البيضاء الذين يتعرضون للشمس لفترات طويلة‪،‬‬ ‫الزيتون من قِ �� َب��لِ مرضى ضغط ال��دم أسهم بشكل وخ��اص��ة بعد السباحة الناتجة م��ن تأثير األشعة‬ ‫فوق البنفسجية‪ .‬وقد تم إجراء بحث على حيوانات‬ ‫مباشر في إنقاص ضغط الدم إذ أدى إلى‪:‬‬

‫‪24‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫تجارب تم تعريضها ألشعة الشمس ثالث مرات في اإلدراك وف��ق��دان ال��ذاك��رة م��ع ت��ق��دم العمر‪ .‬ويرجع‬ ‫األسبوع‪ ،‬وقسمت إلى مجموعتين‪:‬‬ ‫الباحثون االيطاليون الذين قاموا بدراسة تأثير زيت‬ ‫ مجموعة تم دهنها بزيت الزيتون لمدة خمس الزيتون على الذاكرة واإلدراك عند كبار السن أن التأثير‬‫دقائق‪.‬‬ ‫االيجابي لزيت الزيتون يرجع إلى مضادات األكسدة‬ ‫الموجودة فيه مثل‪polyphenols & tocopherol :‬‬ ‫‪ -‬ومجموعة أخرى لم يتم دهنها‪.‬‬

‫وبعد (‪ )18‬أسبوع تبين أن األورام ب��دأت تظهر زيت الزيتون واألطفال‬ ‫عند الحيوان الذي لم يدهن بزيت الزيتون‪.‬‬ ‫يحتاج الطفل الرضيع إلى األحماض الدهنية غير‬ ‫المشبعة أو التي تعرف باألحماض الدهنية األساسية‪،‬‬ ‫زيت الزيتون وقرحة المعدة‬ ‫وتسمى أساسية ألن الجسم ال يستطيع تصنيعها‪،‬‬ ‫قرحة المعدة من المشاكل التي تصيب الجهاز‬ ‫لذلك ال ب��د م��ن توافرها ف��ي الطعام‪ .‬ول��ذا تنصح‬ ‫الهضمي‪ ،‬حيث يؤثر ذلك على نمو جرثومة تسمى‬ ‫األمهات المرضعات باستهالك كمية جيدة من زيت‬ ‫‪ ،pylori helicodater‬وقد يتضاعف تأثير تلك البكتريا‬ ‫الزيتون‪ ،‬حيث لوحظ انتقال هذا النوع من األحماض‬ ‫فتسبب حاالت سرطان المعدة‪ .‬وتظهر التجارب في‬ ‫األساسية إلى الحليب‪ ،‬ومن ثم يسهم بشكل كبير في‬ ‫هذا المجال أن الزيوت غير المشبعة عموماً ومنها‬ ‫رفع المستوى الصحي للطفل الرضيع‪.‬‬ ‫زي��ت ال��زي��ت��ون‪ ،‬لها تأثير على ال��ح��د م��ن نمو هذه‬ ‫البكتريا؛ ومن ثم يكون لها تأثير معين في الوقاية من زيت الزيتون وحشرة القمل‬ ‫سرطان المعدة واإلقالل من اإلصابة بقرحتها‪.‬‬ ‫كما أن زيت الزيتون إذا وضع على رأس الشخص‬ ‫المصاب بالقمل لعدة ساعات‪ ،‬سوف يساعد على‬ ‫زيت الزيتون والمفاصل‬ ‫يساعد زي��ت ال��زي��ت��ون بشكل غير م��ع��روف على قتل القمل الموجود في الرأس‪.‬‬ ‫ويتم ذلك بوضع خطة عالجية لفترة من الزمن‪ ،‬وعلى‬ ‫إزال���ة السبب ف��ي التهاب المفاصل نظير الرئوي‬ ‫‪ ،Rheumatoid arthritis‬وهو التهاب تصاب به مفاصل خمس خطوات‪ ،‬حيث يوضع زيت الزيتون على الرأس‬ ‫قبل النوم مباشرة مع تغطية الرأس بغطاء االستحمام‪.‬‬ ‫اليدين والقدمين‪.‬‬ ‫زيت الزيتون والذاكرة‬

‫تركيبة ثمرة زيت الزيتون‬

‫م�����اء ب��ن��س��ب��ة ‪%30‬؛ زي�����ت ب��ن��س��ب��ة ‪%35-10‬؛‬ ‫لوحظ في العديد من األبحاث أن الغذاء المحتوي‬ ‫على نسبة جيدة من األحماض الدهنية أحادية عدم كربوهيدرات بنسبة ‪%15‬؛ بروتين بنسبة ‪%15‬؛ أمالح‬ ‫التشبع مثل زيت الزيتون‪ ،‬لها تأثير مضاد لتناقص معدنية بنسبة ‪.%1‬‬ ‫(‪ )1‬عضو مجلس الشورى حالياً‪ ،‬ورئيس قسم اآلثار بجامعة الملك سعود سابقا‪ .‬وقد ألقى محاضرته هذه في مهرجان الزيتون‬ ‫مساء يوم الثالثاء ‪1428/12/15‬هـ‪.‬‬ ‫(‪ )2‬مهندس زراعي وباحث بوحدة أبحاث الزيتون بالجوف‪.‬‬ ‫(‪ )3‬كبير الخبراء بمنظمة األغذية والزراعة العالمية ‪ -‬ألقى محاضرته هذه في ندوة فوائد الزيتون الغذائية والطرق العلمية‬ ‫لزراعته وتسويقه بمهرجان الزيتون‪.‬‬ ‫(‪ )4‬أستاذ الغذاء والتغذية بجامعة الملك سعود ‪ -‬ألقى محاضرته هذه في ندوة فوائد الزيتون الغذائية والطرق العلمية لزراعته‬ ‫وتسويقه بمهرجان الزيتون‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪25‬‬


‫قصيدة النثر املاغوطية‬ ‫(ثورة على الثورة)‬

‫مجموعة «الفرح ليس مهنتي» منوذجا‬ ‫> رامي أبو شهاب‬

‫<‬

‫القصيدة الماغوطية – القصيدة الشفوية‬ ‫تمهيد‪:‬‬ ‫تمتح قصيدة النثر العربية بنيتها غير المستقرة من تجارب الشعراء‪ ،‬مما يجعلها في حالة من‬ ‫التوالد والتجدد الذاتي‪ ،‬الذي يساهم في تشكيل بنيات جمالية ربما تضل أحيانا‪ ،‬ولكنها ال تعدم‬ ‫متعة االكتشاف‪ .‬وربما ال نجانب الصواب إذا قلنا أن قصيدة النثر العربية اتخذت على يد الشاعر‬ ‫العربي محمد الماغوط بصمة متفردة‪ ،‬صاغها الماغوط في أعماله الشعرية حين تجاوز مقوالت‬ ‫منظري قصيدة النثر واضعا لها بنية جديدة ال تتكئ على سابق‪ .‬وهكذا يكون الماغوط قد قاد‬ ‫في اآلن ذاته ثورة على الثورة‪ ،‬وسنستدل على ذلك من خالل اتخاذ مجموعة «الفرح ليس مهنتي»‬ ‫نموذجا‪ ،‬حيث نبحث فيها عن مميزات التشكيل الماغوطي لقصيدته النثرية‪.‬‬ ‫لقد سارت قصيدة النثر العربية باتجاهين‪ ،‬وهذان االتجاهان ‪ -‬كما يرى محمد جمال باروت ‪-‬‬ ‫يتمثالن أوال بقصيدة الرؤيا وروادها أنسي الحاج وأدونيس ومن ينحو نحوهما‪ ،‬بينما يتمثل االتجاه‬ ‫الثاني بالقصيدة الشفوية‪ ،‬ويمثلها بامتياز الشاعر محمد الماغوط‪.‬‬

‫البوح املألوف‬

‫درا��������س�������ات‬ ‫‪26‬‬

‫يعرف ب��اروت القصيدة الشفوية قائال «هي القصيدة التي تطرح تساؤالت اإلنسان في المدينة‬ ‫العربية المعاصرة حيث تلتقط توتر الحياة اليومية‪ ،‬وشرائح جبروتها ولحظاتها الصغيرة ومشاعرها‬ ‫اليومية»‪ ،‬وهذا ما نالحظه في ذلك التكون الذي صاغه الماغوط في قصيدته‪ ،‬حيث ابتعد عن‬ ‫المسار الذي قاده شعراء مجلة شعر‪ ،‬ونحا في قصيدته منحى آخر‪ ،‬إذ أراد من خالل القصيدة‬ ‫أن تحمل همه‪ ،‬بحيث تكون ذات صفة شفافية بعيدة عن الرؤية العاجية‪ .‬ويذهب الدكتور القعود‬ ‫إلى أن القصيدة الشفوية الماغوطية تمتاز بالوضوح‪ ،‬ومرد ذلك يعود ‪ -‬كما يرى ‪-‬إلى احتفاظ‬ ‫الماغوط «للعالقات المألوفة في اللغة‪ ،‬واقتصاده الواضح في التوسل بالرؤيا والخيال المتسلط‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫من ناحية»‪ ،‬فنحن نلمح في قصائد الماغوط تلك اللغة يقصد به النَفس السردي كما يقول بيضون‪ ،‬ونكاد نرى‬ ‫البسيطة السهلة ذات القدرة الشعرية المكثفة‪ ،‬ومن أن اإلجماع يكاد يكون من تولد القصيدة من استراق‬ ‫ذلك نقرأ له‪:‬‬ ‫الشاعر لقصيدته لحظة زمنية يقوم بالبناء عليها‪،‬‬ ‫ويكون سير القصيدة من خاللها‪ ،‬مما يحمل القصيدة‬ ‫«مذ كانت رائحة الخبز‬ ‫على ال��ت��ح��رك ول��ك��ن ضمن إط���ار معين‪ ،‬يبني عليه‬ ‫شهية كالورد‬ ‫الشاعر لغته‪ ،‬بحيث يجعل لها كينونة خاصة‪ ،‬فحركة‬ ‫كرائحة األوطان على ثياب المسافرين‬ ‫الشاعر دائرية ليست سردية‪ ،‬تبدأ من نقطة وتنتهي‬ ‫وأنا أسرح شعري كل صباح‬ ‫إلى نفس النقطة‪ ،‬وهو ما يطلق عليه االعتباطية أو‬ ‫وأرتدي أجمل الثياب‬ ‫التذبذب‪.‬‬ ‫وأهرع كالعاشق في موعده األول‬ ‫«واآلن‬ ‫النتظارها‬ ‫النتظار تلك الثورة التي يبست»‬ ‫والمطر الحزين‬ ‫ففي المقطع الشعري السابق نجد كثافة اللغة يغمر وجهي الحزين‬ ‫اليومية ذات الداللة الشعرية‪ ،‬حين نقرأ في معجمه أحلم بسلم من الغبار‬ ‫الشعري تلك األلفاظ اليومية التي نتداولها كل يوم‪ :‬من الظهور المحدودبة‬ ‫كألفاظ الخبز‪ ،‬واألوط����ان‪ ،‬وال��م��س��اف��ري��ن‪ ،‬وش��ع��ري‪ ،‬والراحات المضغوطة على الركب‬ ‫وصباح‪ .‬ولكن الشاعر في استخدامه لهذه األلفاظ ألصعد إلى السماء‬ ‫وتوظيفها‪ ،‬يصنع حالة شعرية تتسلل إل��ى المتلقي‪ ،‬وأعرف‬ ‫وتمارس عليه حضورا ينتج ‪ -‬في المحصلة األولى ‪ -‬أين تذهب آهاتنا وصلواتنا؟‬ ‫من اقترابها من اليومي والمعاش‪ ،‬ولكن غير المصاغ آ يا حبيبي»‬ ‫بالصورة التي اختلقها شاعر كالماغوط في القصيدة‪.‬‬

‫وهكذا نجد الماغوط يبتعد عن ذلك النهج الذي‬ ‫يفقد العالقات اللغوية مكانتها‪ ،‬ويبتعد أيضا عن تلك‬ ‫الصور الغريبة التي تعتمد عل�� عالقات غير واضحة‬ ‫الداللة‪ ،‬وهذا ما يهدف إليه صالح فضل حين يطلق‬ ‫على النهج الماغوطي بأنه صاحب «النبرة األليفة‬ ‫للبوح الودود»‪.‬‬

‫احلكائية واإليقاع السردي‬ ‫تعمد قصيدة الماغوط باإلضافة إل��ى ما سبق إلى‬ ‫الحكائية كتشكيل شعري جديد‪ ،‬أو كما يطلق عليه‬ ‫ص�لاح فضل «اللحظة الزمنية اآلن��ي��ة» ويقصد بها‬ ‫سير القصيدة باعتمادها على السردية‪ ،‬ونقلها لوقائع‬ ‫معينة بأسلوب يختلف عن السرد القصصي‪ ،‬وربما‬

‫ن�لاح��ظ هنا ال��س��رد ال���ذي ي��أخ��ذ ح��ال��ة ال��وق��وف‪،‬‬ ‫فالحركة الداخلية تفتعل من خ�لال تطور القصيدة‬ ‫من الناحية السردية‪ ،‬فالشاعر كأنه يكسر تلك اللغة‬ ‫السردية الرتيبة التي تميز بها كل من الشعر العمودي‬ ‫وقصيدة التفعيلة‪ ،‬فيصطنع الماغوط في قصيدته‬ ‫ت��وه��ج��ا داخ��ل��ي��ا يتسلل إل���ى المتلقي م��ع��ت��م��دا على‬ ‫الصورة التي تتخذ أهميتها في القصيدة كأحد عوامل‬ ‫التعويض ع��ن ال���وزن‪ ،‬ولكن تلك ال��ص��ور ف��ي قصيدة‬ ‫الماغوط تمثل حالة استثنائية‪ ،‬فالماغوط قادر على‬ ‫حشد مجموعة من الصور الشعرية في نص واحد‪،‬‬ ‫مولدا إيقاعا خاصا به‪ ،‬بحيث تحلق القصيدة لتفتح‬ ‫للقارئ أفقا رحبا‪ ،‬يثير لديه تلك النشوة التي يصعب‬ ‫تحقيقها ضمن نصوص أخرى‪ ،‬تفتقد إلى تلك الحالة‬ ‫التعويضية إلشكالية الوزن العروضي‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪27‬‬


‫ي��ق��ول ك��م��ال خير ب��ك ع��ن ه��ذه النقطة وتحديدا‬ ‫العناصر الجمالية في قصيدة الماغوط «ق��د دللت‬ ‫تجربة الماغوط ألعضاء التجمع أن االمتيازات التي‬ ‫عاينوها في نتاجات الشعراء الغربيين قابلة للتحقق‬ ‫ع��ل��ى ي��د ش��اع��ر ع��رب��ي‪ ،‬ح��ي��ث ت��وص��ل إل���ى التعويض‬ ‫تتكون ال��ص��ورة ف��ي المقطع السابق م��ن عبارات‬ ‫ع��ن غ��ي��اب ال���وزن والقافية بالتركيز على العناصر بسيطة‪ :‬كالجناحين‪ ،‬وشريطة المدرسة‪ ،‬والجنين الذي‬ ‫الجمالية»‪.‬‬ ‫ولد في المبغى‪ ،‬وذلك الحزن الذي ال يعرف له نسب‪،‬‬ ‫قصائد الماغوط تحقق مواصفات جمالية عالية كلها تحمل طاقة إيحائية ال نهاية لها‪ ،‬وهنا تتجلى‬ ‫ال���ج���ودة‪ ،‬م��ن خ�ل�ال االت��ك��اء ع��ل��ى ال��ص��ور الشعرية‪ ،‬مفارقة الماغوط لغيره من الشعراء‪ ،‬كونه قادرا على‬ ‫واللغة البسيطة الدافئة‪ ،‬والحكائية السردية‪ .‬فقد خلق صورة شعرية أخاذة من مكونات بسيطة‪ ،‬واختزال‬ ‫صنع الماغوط لنا نموذجا شعريا يتكئ على دمج تلك كبير للمفردة التي تحتمل في طياتها مساحات داللية‬ ‫العناصر الشعرية‪ ،‬وخلق نصا شعريا يمتاز بالرؤية واسعة‪.‬‬ ‫أو رفاقي في المقهى‬ ‫فحزني ال حسب له وال نسب‬ ‫كاألرصفة‬ ‫كجنين ولد في المبغى»‬

‫الشعرية‪ ،‬باإلضافة إلى االقتراب بالقصيدة من جهة‬ ‫ويبدو أن ارتباط الصورة الشعرية بقصيدة النثر ذو‬ ‫أهمية‪ ،‬كما قلنا سابقا‪ ،‬ألنه يشكل تعويضا عن ذلك‬ ‫المرسل دون ابتذال لها‪.‬‬ ‫اإليقاع الخارجي المتمثل بالوزن والقافية‪ ،‬ويفسر لنا‬ ‫يقول الماغوط ف��ي قصيدة ل��ه بعنوان «إل��ى بدر‬ ‫شوقي بزيع هذا الرأي عند ما يرى في شعر الماغوط‬ ‫شاكر السياب»‪:‬‬ ‫النموذج األكثر قدرة على التعبير عن خصائص قصيدة‬ ‫«يا زميل الحرمان والتسكع‬ ‫النثر الحقيقة وتعويضها للوزن‪.‬‬

‫حزني طويل كشجر الحور‬ ‫حيث ينظر لصور الماغوط على أنها صور حسية‬ ‫ألنني لست ممدا إلى جوارك»‬ ‫قادرة على اختراق المعنى واالستعانة بعناصر التضاد‬ ‫يجب علينا أن نتأمل الصورة التي يصنعها الماغوط والتقطيع‪ ،‬واإليقاع‪ ،‬أو الصورة البصرية المتالحقة‪.‬‬ ‫بعناية «حزني طويل كشجر الحور» تلك الصورة تبدو‬ ‫وه��ن��اك م��ن ال��دارس��ي��ن م��ن ي��رى أن الماغوط في‬ ‫مدهشة وغريبة‪ ،‬ولكنها تنساب إلى الداخل لتصنع استخدامه لبعض الصور قد أع��اد االعتبار للتشبيه‬ ‫تموجا وحالة نفسية تتعدى من نفسها إلى المتلقي‪.‬‬ ‫التمثيلي ال��ذي يعد مظهرا من مظاهر التجديد في‬ ‫ون��ق��رأ أيضا ل��ه م��ن قصيدة «المهذبة ف��ي عصر الصورة الشعرية‪.‬‬ ‫وحشي»‬

‫أيتها الحمامة التي تزورني‬ ‫وجناحاها معقودان كشريطة المدرسة‬ ‫كفاك تحديقا في راحتي‬ ‫بحثا عن خطوط العمر والحظ والمستقبل‬ ‫عبثا تتقصين أسرار حزني‬ ‫من إضبارتي المدرسية‬

‫‪28‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫منط مختلف‬

‫يرى غالي شكري أن الماغوط من الشعراء القادرين‬ ‫على استدراج المعالم الخارجية‪ ،‬وإلغاء نسب الواقع‬ ‫واالستفادة من حرية الكتابة لصنع عالمه الشعري‪،‬‬ ‫حيث يمزج نسب الواقع مع الحلم‪.‬‬ ‫إن نص الماغوط الشعري عالم عجيب من التقاط‬ ‫لصور الواقع‪ ،‬ووضعها في عالم سحري غرائبي يشبه‬


‫الحلم‪ ،‬فنحن عندما نقرأ الماغوط نرى أنه يرانا من أج��اب‪« :‬ب��أن المحافظة على قافية ووزن في وسط‬ ‫زاوية ما‪ ،‬ولكننا ال نستطيع تثبيت الصورة التي يخلقها اإليقاع السريع هو نوع من الردة»‪.‬‬ ‫الماغوط‪ ،‬ألنها تنتمي إلى عالم متموج ولكنه قريب‬ ‫فالشاعر في هذا العصر هو نتاج بيئة تختلف عن‬ ‫جدا‪.‬‬ ‫تلك البيئة التي كان امرؤ القيس يعيش فيها‪ ،‬فنحن‬ ‫وتبقى القصيدة الماغوطية قائمة بتشكيلها لعالمها‬ ‫الشعري إذ تأخذ على عاتقها تفجير اللغة والنص‬ ‫وان��ب��ع��اث ط��اق��ات تعبيرية ه��دام��ة وب��ن��اءة ف��ي الوقت‬ ‫نفسه‪ ،‬فالمفارقة التي تميز الماغوط عن غيره من‬ ‫الشعراء هو عدم اهتمامه بمسميات النص ووضعه‬ ‫ضمن خانات‪ ،‬حيث يقول‪:‬‬

‫«أنا أكتب نصوصا‪ ،‬ولن أغضب إذا قيل إنني لست‬ ‫شاعرا‪ ،‬وإنما كاتب نصوص»‪ ،‬هذه العبارة تعكس رؤية‬ ‫الماغوط للعمل اإلبداعي ووضعه في مسميات‪ ،‬فهو‬ ‫ي��ؤم��ن ب��وج��ود ال��ن��ص األدب���ي بغض النظر ع��ن جنسه‬ ‫واسمه‪ .‬حيث يرى عبدالواحد لؤلؤة أن الماغوط من‬ ‫الذين ينتمون إلى الذين يقولون بكتابة القصيدة ال عن‬ ‫نظم قصيدة‪ ،‬ومنهم جبرا إبراهيم جبرا وتوفيق صايغ‪.‬‬ ‫وهكذا نستدل إلى أن الماغوط في اختياره لقصيدة‬ ‫النثر كان يبحث عن القوة الكامنة فيها‪ ،‬وعن حريتها‬ ‫الفنية بما تمتاز به من حرية التركيب أو كما يعبر عن‬ ‫ذلك أدونيس‪:‬‬ ‫«قصيدة النثر حرة في تركيب جدلي رحب وحوار‬ ‫ال نهائي بين ه��دم األش��ك��ال وب��ن��ائ��ه��ا» ف��ه��ذا يكشف‬ ‫ع��ن تعلق ال��م��اغ��وط بقصيدة النثر التي تقترب من‬ ‫الشاعر بشكلها من حالته النفسية‪ ،‬التي ترغب بالبناء‬ ‫والتغيير‪ ،‬وإع��ادة صياغة الحياة بصورة أخ��رى تكون‬ ‫الحرية ركيزة فيها‪.‬‬ ‫قصيدة النثر تتخلص من الوزن والقافية حيث تجد‬ ‫فيهما عاملي تقييد للنص اإلبداعي وحجر عثرة في‬ ‫انسياب الشاعر ضمن عوالمه الشعرية‪ ،‬فعندما سئل‬ ‫الماغوط لماذا ال تكتب شعرا موزونا أو شعر تفعيلة؟‬

‫إن أرهفنا السمع لهذه البيئة‪ ،‬لن نسمع صوت الريح‬ ‫وح��داء اإلب��ل وص��وت النهر وحفيف األشجار أو ذلك‬ ‫الهدوء الساكن في أعماق الصحراء‪ ،‬إن إيقاع الحياة‬ ‫تغير‪ ،‬وقد حان الوقت الذي يلد فيه اإليقاع من داخل‬ ‫الشاعر‪ ،‬حيث يصم أذنيه عن صوت العالم الخارجي‪.‬‬ ‫وأعتقد أن الماغوط قد أصاب في رؤيته لهذه القضية‬ ‫مما يدلل على مقدار الرؤية العميقة التي يمتاز بها‬ ‫هذا الشاعر في اقترابه من البيئة التي شكلته‪.‬‬

‫وإذا ما ولجنا بعيدا في قصيدة الماغوط سنجد أنها‬ ‫قد اختارت شكال متفردا‪ ،‬يعود أوال إلى رفض الشاعر‬ ‫لقضية المسميات‪ ،‬فهو أوال يكتب نصا ‪ -‬بغض النظر‬ ‫عن الجنوسة ‪ -‬فقد اتجه الشاعر إلى قصيدة النثر‬ ‫كتعبير عن ممارسة الحرية والتفرد وتحقيق الصدق‬ ‫المراد‪ ،‬والذي ال يتأتى له إال إذا تخلص من األوزان‬ ‫والقوافي التي تحد من الحرية التي يجب أن تعطى‬ ‫للشاعر‪ ،‬ومع أن الشاعر قد انحاز للتعبير عبر قصيدة‬ ‫النثر‪ ،‬إال أنه خرج بها نحو عالم أكثر حرية وتفردا‬ ‫وتميزا‪ ،‬حيت شكّل القصيدة الشفوية التي تحمل لغة‬ ‫يومية تعبر عن معاناة إنسان العصر‪ ،‬وابتعد الشاعر‬ ‫عن القصيدة الغامضة ذات الرؤيا التي تمتاز لغتها‬ ‫بالصعوبة والغموض والتجريد‪ ،‬واعتمد الشاعر كذلك‬ ‫على صورة شعرية بسيطة ولكن ذات مدلوالت كبيرة‪،‬‬ ‫وسار الشاعر بقصيدته باتجاه السرد والذي يكثر فيه‬ ‫من التفصيل‪ ،‬وهذا يعد خروجا على قصيدة النثر‪.‬‬ ‫وإذا ما نظرنا إلى تلك الظواهر سنجد أن الشاعر‬ ‫كان بالدرجة األولى يكتب نصا غير آبه لماهيته‪ ،‬ولكنه‬ ‫يدرك قيمته األدبية دون النظر إلى الموارد التراثية أو‬ ‫األنجلوسكسونية أو الفرانكفونية‪.‬‬

‫< شاعر وناقد‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪29‬‬


‫البحريات‪ ..‬اآلخر وحتوالت املكان‪ ..‬؟‬

‫> محمد الدبيسي‬

‫<‬

‫صيغ التحول في مكان كـ (ال��ري��اض)‪ ..‬ال يمكن التقاط مظاهرها إال عبر (اإلن��س��ان)‪ ..‬كفاعل‬ ‫تستوي عبره أنماط وصيغ ذلك التحول؛ فـ (المكان) يعطي الكينونة اإلنسانية تَجَ ّ ُسدها وانقطاعها‬ ‫عن الذهنية البحتة‪ ،‬ومطلقية التجريد؛ فهو المتالزم األهم مع فكرة الوجود‪.‬‬ ‫(وجود) تشكله شخصيات رواية (البحريات)‪ ،‬العمل الروائي األول للكاتبة (أميمه الخميس) (‪، )1‬‬ ‫الذي سبقته أربع مجموعات قصصية‪ ..‬ظلت مستويات الرؤية فيها تتمحور على (المكان)‪ ،‬وتتعالق‬ ‫مع مخاضاته‪ ،‬وتؤثث لشخصياتها نطاقاً نصياً في إطاره‪ ،‬بشكل تحول معه المكان إلى فضاء سردي‪،‬‬ ‫تستقطر الكاتبة من إفرازاته خطوط ومقاطع األحداث وبنى تمركزاتها ومحاضنها‪ ..‬وال سيما في‬ ‫(الترياق) المجموعة القصصية األخيرة لها‪ ،‬والتي أبرزت (المكان‪/‬الرياض)‪ ،‬كعنصر وظيفي في‬ ‫عتبتها النصية (التفسيرية)‪ ،‬التي تضافرت مع (الترياق) اسم المجموعة وتيمتها األساس‪ ..‬ومن ثم‬ ‫اتخذت اللغة السردية (المكان) أفقاً‪ ،‬تتشكل األحداث والوقائع في جزئياته وامتداداته‪ ,‬كاشفة نظامه‬ ‫وثقافته وبناه السلطوية؛ لتعبر عن النسيج االجتماعي في حال اشتجاره مع تلك األنظمة والبنى‬ ‫والثقافات‪ ،‬التي تلتبس وتوجه حياة تلك الشخصيات وحراكها‪ ..‬بما ال يمكن معه عزل الشخصيات عن‬ ‫مكانها أو فصلها عنه؛ فهو حاضن الثقافة التي يُرام كشف أنساقها‪ ،‬أو تعرية مظاهرها على صعيد‬ ‫األفكار والقيم والسلوك‪ .‬وهو الذي يلقي بظالله على المواقف واألبعاد‪.‬‬

‫المكان‪ /‬العتبات األولى‬ ‫أما (المكان) في هذا العمل الذي نحاول سبر تكويناته ومضامينه الداللية‪ ،‬فقد اتخذت له الكاتبة‬ ‫منحى (أركولوجياً) يحفر في مستقراته وبناه االجتماعية األولى وتحوالته الحضرية الالحقة‪ ..‬في بناء‬

‫‪30‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫ال‬ ‫عنها إيحاءات األل��وان التي يكتسيها السواد‪ ..‬مشك ً‬ ‫مساحتها الكمية األك��ب��ر‪ ..‬في إط��ار خطت في أعاله‬ ‫ع��ب��ارة (البحريات) بلون أب��ي��ض‪ ،‬وك��أن نسبة البياض‬ ‫هي الكتلة األقل إلى جانب السواد؛ فالبياض الضئيل‬ ‫ال���ذي تشكله لفظة (ال��ب��ح��ري��ات) بصيغتها الجمعية‬ ‫وموقعها في ذروة س��واد الغالف‪ ,‬يمكن أن يُعد جدالً‬ ‫بين (لونين) متناقضين يرمزان إلى صراع وجودي بين‬ ‫البحر (األبيض) والصحراء (السوداء) المحيطة‪ ..‬وعبر‬ ‫تناقض كمية التناسب بينهما‪.‬‬

‫سردي يستجمع جمالياته النصية من اإلستراتيجية التي‬ ‫احترفتها الكاتبة‪ ،‬لتعيد تشكيل المكان وضبط تحوالته‬ ‫وف��رزه��ا ع��ب��ر شخصيات ن��وع��ي��ة‪ ..‬ه��ن (ال��ب��ح��ري��ات)‬ ‫حيث تستقصي الكاتبة‪ -‬وبوعي باستراتيجيات السرد‬ ‫الروائي‪ -‬القيمة المحورية الرئيسة للعتبات النصية‪,‬‬ ‫بوصفها نصوصاً محاذية‪ ،‬تبدأ من تشكيل لوحة الغالف‪،‬‬ ‫وعبر النسبة غير المألوفة لذهنية التلقي ‪-‬نسبة النساء‬ ‫إلى البحر ‪ -‬تنطوي على مفهوم (سوسيولوجي) لداللة‬ ‫تلك النسبة‪ ..‬تنص الكاتبة عليها في (الغالف األخير)‬ ‫من الرواية‪( :‬البحريات نساء تقذفهن أمواج البحر إلى‬ ‫ومن هنا‪ ،‬فال يمكن أن نحيل عناية الكاتبة الفائقة‬ ‫قلب الجزيرة العربية في المدن القديمة والجديدة‪،‬‬ ‫بهذه (العتبات)‪ ..‬إلى قصد عفوي انساقت إليه كتقليد‬ ‫وفيما تغير الموجة‪ ..‬تتجذر النساء البحريات في نسيج‬ ‫س��ائ��د ف��ي مضمار تصميم واخ��ت��ي��ار أغلفة األع��م��ال‬ ‫الحياة‪ ،‬وتختلط حكايتهن بحكايات النساء األخريات‬ ‫في البيوت المغلقة‪ ،‬التي يحكمها الرجال بغواياتهم اإلبداعية‪.‬‬ ‫ونزعاتهم الغريبة)‪.‬‬ ‫وإنما إلى وعي بالقيمة الداللية لتلك (العتبات)‪..‬‬ ‫وه��ذه العتبة التعريفية للبحريات‪ ،‬ال تأخذ صيغة التي أصبحت مكوناً نصياً محاذياً‪ ..‬يتعالق مع بنية‬ ‫معيارية إخبارية في تقريب منطويات تلك النسبة وشرح النص األصلي التفصيلي المكتوب‪ ،‬ويتداخل مع بعض‬ ‫داللتها؛ بل تحاول رسم تضاريس حياة هذه الفئة‪ ..‬وفق طرائق تنظيمه؛ أي أنها تحمل في طياتها وظيفة داللية‬ ‫صيغة شاعرية تعتمد األسلوب الوصفي لتجسيد داللة تحاول كشف إستراتيجية الكتابة‪.‬‬

‫نافذة لعمق المعنى واستبطاناته‪ ..‬تليها عتبة أخرى‬ ‫هي (اإله��داء) في أول صفحات الرواية‪( ..‬إلى سهام‬ ‫سيدة البحريات)‪ ،‬هذه الـ (سهام) التي ال تشي بأكثر من‬ ‫(اسم ام��رأة)‪ ..‬ربما احتلت قيمة استثنائية في اعتبار‬ ‫الكاتبة‪ ،‬لكي تستحق أن تُهدى لها ه��ذه المدونة من‬ ‫المفارقة‪/‬المكان‬ ‫سيرة (البحريات)‪ ..‬؟ وبما أنها (سيدة البحريات) فهي‬ ‫المحرك والباعث الرئيسي للكاتبة على فعل (الكتابة)‬ ‫يحرر النص آثار وتجليات التزاوج بين (الصحراء‪/‬‬ ‫وتدوين سيرة (البحريات)‪.‬‬ ‫والبحر) ويعبر عن محايثات هذه العالقة المفارقة‪ ،‬من‬ ‫هكذا تتعاضد داللة (العتبات) عبر تنويعاتها النصية؛ خالل الوقائع واألحداث‪ ،‬التي تعيد الكاتبة استثمارها‬ ‫قاصدة الخوض في شرك تلك الحياة التي تشي العتبة في مضمار سردي روائي في سياق الخطاب السردي‬ ‫األولى (لوحة الغالف) بسمتها الحذر‪ .‬كيانان أنثويان المحلي ال���ذي ب���دأت نماذجه ت��ق��ارب ت��خ��وم األمكنة‪،‬‬ ‫يتشابكان بصمت‪ ..‬مموهان بألوان جامدة‪ ..‬؟ ال تكاد وت��ص ِ��عّ��د م��ن إم��ك��ان��ات ك��ش��ف أن��س��اق��ه��ا االجتماعية‪،‬‬ ‫تبين إال عن وجهين متقابلين‪ ..‬وعينين مطبقتين لكل وإض����اءة مضمراتها عبر الحفر وال��ت��ع��ري��ة والتقاطع‬ ‫منهما‪ !..‬بما ينم عن صمت مزمن وإغفاءة سادرة؛ تعبر والتكثيف لحضور األمكنة وصيغ االلتزام باشتراطات‬ ‫وه���و م��ا ي��م��ه��د لعملية ال��ت��ل��ق��ي ب���إش���ارات تترسخ‬ ‫ضمناً في وعي المتلقي‪ ,‬ب��دءاً من المكونات السردية‬ ‫الرئيسة التي يبنى عليها النص‪ ،‬ويؤسس عليها معماره‬ ‫السردي‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪31‬‬


‫ذلك الحضور‪ ..‬في صنيع سردي جمالي‪ ،‬يتفيأ المكان‬ ‫ويحرك مستقراته‪!..‬‬

‫المكان وأجوائه العطشى والمرة‪ ..‬ومع (أم صالح) ربيبة‬ ‫المكان ورم��زه األوف��ى‪ ,‬التي تشعل ض��راوة اإلحساس‬ ‫بغربة (ب��ه��ي��ج��ة)‪ ..‬ال��ت��ي ال تستطيع ال��ت��واؤم م��ع ذلك‬ ‫ال عن استيطانه‪ .‬لتظل (أم صالح)‪ .‬تعلق‬ ‫(المكان) فض ً‬ ‫على غربتها مزيداً من مسوغات النفي ومبررات الحجر‬ ‫النفسي والعاطفي المريع‪.‬‬

‫التل األسود الشفاف الذي يغطي رأسها ومن ثم يستدير‬ ‫حول وجهها‪ ،‬عندما يالمس وجنتها البيضاء الالمعة‬ ‫وكان يزيدها غرابة‪ )..‬ص ‪.7‬‬

‫يتحول ذلك النداء إلى تذكير متواتر يؤكد الغربة‬ ‫ويجدد موقف اإلقصاء (قومي صلي‪ ،‬جعلك الوصل‪..‬‬ ‫قومي صلي‪ ،‬ال ربي يعاقبنا بسببك‪ .‬الشر يعم والخير‬ ‫يخص‪ .‬أن��ا أدري من وي��ن يجيبون لنا ها الكافرات‪..‬‬ ‫عليك يا شامية إبليس) ص ‪.36‬‬ ‫ِ‬ ‫حسب الله‬

‫ومن هذه الفرضية‪ ،‬جاءت رواية (البحريات)‪ ..‬حفي ًة‬ ‫بهذه المهارات السردية؛ إذ اتخذت الكاتبة (البحريات)‬ ‫ال تحفر به قاع المكان وتوقظ بهن رك��وده‪ ،‬فهن‬ ‫مدخ ً‬ ‫ال��م��ض��اف اإلن��س��ان��ي االستثنائي – إل��ى ال��ص��ح��راء ‪-‬‬ ‫وال��ط��ارئ بثقافته ووج��دان��ه المضمخ برائحة البحر‬ ‫(غربة) ال تفتأ (أم صالح) تذكي أواره��ا‪ ,‬ففي كل‬ ‫وأسراره وحكاياه‪.‬‬ ‫موقف تحاول إيقاظ شعور (بهيجة) بهزيمتها أمام الزمن‬ ‫فـ(بهيجة) عميدة (البحريات) (كانت فاقعة‪ ،‬مفرق وسطوة المكان‪ .‬فال تزال منفية عنه غريبة عليه‪ ..‬حتى‬ ‫شعرها الكستنائي المستقر‪ ..‬يلتمع تحت غطاء رأسها‪ ,‬عندما تدعوها للصالة‪..‬‬

‫ف��ه��ذه البحرية األول���ى ال��ت��ي تستهل بها ال��رواي��ة‪..‬‬ ‫ومنها يبدأ الغوص في المكان‪( :‬مكان التزام الوقار في‬ ‫اللون النبرة‪ ،‬واصطفاف األثاث الشحيح قلب الصحراء‬ ‫المثقل ب��ال��م��رارات وأنين السواقي من ال��م��زارع التي‬ ‫تتوسل الحياة من قيعان بعيدة‪ ..‬وكانت نبرات صوتها‬ ‫وألوانها البراقة ال تتناغم مع األلوان الترابية المطفأة‬ ‫للمكان وأصحابه‪ )..‬ص ‪.7‬‬ ‫وال يعكس مثل ه��ذا الوصف المكاني لوناً نفسياً‬ ‫غير السواد‪ ,‬المثقل بالمرارات‪ .‬المفارق والمتناقض مع‬ ‫بياض (بهيجة) وجذور كينونتها البحرية‪ ,‬ويلقي بظالله‬ ‫على (وجنتها البيضاء)‪ ..‬وهو بداية انسراب الداللة‬ ‫النصية الرمزية للعتبات في المتن السردي‪.‬‬

‫وب��ق��در ال��م��س��ت��وى ال��م��ج��ازي ل��ه��ذه ال��ل��غ��ة‪ ،‬وتناغم‬ ‫مستويي (المحكي المحلي) و(الفصيح) فيها الستظهار‬ ‫المكنون النفسي (ألم صالح) إزاء (بهيجة)‪ ،‬فهي تعبر‬ ‫عن منطويات تفكير وموقف من (اآلخر)‪ ..‬عندما تجزم‬ ‫بيقين اعتقادي مطلق بأنهن (كافرات) ! حتى في سياق‬ ‫واقعة (الدعوة للصالة)‪ ..‬تأخذ هذا التبكيت القمعي‬ ‫ضد (بهيجة)‪ ..‬وم��ن ثم ينسحب قانون ه��ذا التفكير‬ ‫وتبعاته على (البحريات) الالتي تخطو (بهيجة) بهن‬ ‫في خضم المكان الجديد ال��ذي ال يمكنه احتواءهن‪،‬‬ ‫على الرغم من اشتراطات عالقات الزواج والمصاهرة‬ ‫والحياة والتعامل‪ ..‬يبقين منفيات خ��ارج إط��ار األلفة‬ ‫(العائلية‪ /‬اإلن��س��ان��ي��ة) ال��ت��ي يمكن لتلك ال��ع�لاق��ة أن‬ ‫تؤسسها افتراضاً‪.‬‬

‫وم��ن ه��ذه ال��م��ف��ارق��ة بين (بهيجة وال��م��ك��ان) تبدأ‬ ‫األح���داث تنتظم وتتوالى من ال��ذاك��رة ال��س��اردة‪ ..‬بعد‬ ‫أن ت��ص��ور طبيعة ال��ع�لاق��ة ب��ي��ن (ب��ه��ي��ج��ة)‪ ..‬ومكانها‬ ‫والكاتبة أو (الراوية العليمة)‪ ..‬التي تحاول استجالء‬ ‫الجديد (المثقل ب��ال��م��رارات ال��ذي يتوسل المياه من‬ ‫قيعان بعيدة)‪ ..‬كما تتوسل (بهيجة) ألفة مفترضة مع حساسية وم���آزق العالقة بين (البحريات‪/‬والمكان)‬ ‫مكانها القدري‪ ,‬بحسب وصفه المثخن بالنفي والعطش وإشكاالت هذه العالقة‪ ،‬التي تأخذ مساقات توتر نفسي‬ ‫والسواد في منزل (آل معبل) الطيني المجسد ألنظمة‬ ‫وانفصام فكري على مستوى الرؤية‬ ‫ٍ‬ ‫واحتشاد عاطفي‬ ‫ٍ‬

‫‪32‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫الجدلية لشخصيات (إنسانية) من فضاءين مختلفين‬ ‫(البحر‪ /‬الصحراء)‪ ..‬ومن ثم تتبنى إستراتيجية عكسية‬ ‫للنمط السردي الخطي‪ ،‬الذي يتخذ من بداية الحدث‬ ‫نواة النبثاقه ومن ثم امتداده وتراتبه المنطقي‪ .‬فتبدأ‬ ‫الحكاية من نهايتها‪ .‬حيث كانت نهاية (بهيجة)‪ ..‬التي‬ ‫تسترجع ‪-‬تحت وطأة المرض – مشهد حياتها الماضي‬ ‫ال ت��ب��رح تيمة ال��ل��ون بوصفها عتبة نصية س��ارت‬ ‫متخما ب��األح��داث والمفاجآت والمباهج والحسرات‬ ‫ب��م��ح��اذاة ال��ن��ص م��ن��ذ إش������ارات ت��ك��ون��ه األول������ى‪ ..‬أن‬ ‫والصبا واألحالم والناس‪ ..‬واختفى المشهد فجأة أمام‬ ‫تتشاكل مع مقتضيات الحراك السردي وألوان الطيف‬ ‫عينيها‪!..‬‬ ‫االجتماعي األخ��رى في النسيج النصي؛ وك��أن (اللون‬ ‫وكأن الضباب غ َيّب مالمحه؛ التي ال تلبث تتماهى األبيض) متالزم النفي وموجب العصي على االندماج‬ ‫في (ضباب يطوق غرفتها منذ ثالثة أي��ام في مدينة مع ألوان الصحراء الفاقعة بالسواد‪.‬‬ ‫(منيابلس ب��والي��ة م��ي��ن��س��وت��ا)‪( ..‬ن��زع��وا ثديها وبعض‬ ‫وبهذه اللغة الشاعرية‪ ،‬بتشكالت أسلوبها المجازي‬ ‫إبطها‪ ،‬وغ��دا سيبدأ العالج بالكيماوي) ص��ـ‪ .23‬حتى‬ ‫وإي��ح��اءات��ه��ا المشعة‪ ،‬تستطلع الكاتبة ع��وال��م ذوات��ه��ا‬ ‫السطر األخير من ال��رواي��ة (‪ ..‬لكن بهيجة استجابت‬ ‫اإلنسانية‪ ..‬وتستظهر دواخلها النفسية وتعاود استدرار‬ ‫لنداء تربتها)‪.‬‬ ‫ف��ي��ض ذاك����رة (ب��ه��ي��ج��ة) وم���ا ت��خ��ت��زن��ه م��ن ش��ج��ن آس��ر‬ ‫فبين استعادة (المشهد‪/‬الحياة)‪ ..‬ونهاية الحياة‪ ..‬وذكريات مؤرقة‪ ..‬كما تنحو الكاتبة إلى استثمار تقنيات‬ ‫وفي فصل (أجنحة تأخذ في طريقها األشياء) صـ‪ ..23‬تيار الوعي‪ ،‬في استدعاء مكان (بهيجة) األول (البحر)‪..‬‬ ‫تبدأ الذاكرة في استرجاع حموالتها‪ ..‬ورحلة حياتها من ومن ثم تفسح أفق التداعي الستيعاب التفاصيل األكثر‬ ‫بيارات البرتقال في الشام وهي صبية في الثانية عشرة‪ ..‬تعبيراً عن الوجدان البحري‪ ،‬واستظهار جدله الذهني‬ ‫إل��ى أمومة فاقعة وكهولة مبكرة‪ ..‬تجف ينابيعها في في مفردات الحياة اليومية البسيطة‪ ،‬التي تنم عن معنى‬ ‫رمال العطش الصحراوي‪ .‬وبيوت (آل معبل الطينية)‪ ..‬أبلغ تأكيداً على ن��زوع تلك الشامية إلى كل ما يحيل‬ ‫وتخوم وادي حنيفة في أطراف الرياض‪ ..‬المدينة التي إلى دفئها العائلي‪ ،‬وحمى رابطة األمومة‪ -‬الذي يخترقه‬ ‫تستظهر الكاتبة تاريخها االجتماعي المنسي منذ عام منفى (أم صالح) ‪ -‬عندما تسترجع ذاكرتها فصوالً من‬ ‫(‪ ،)1959‬حين هدَمت الرياض سورها القديم‪.‬‬ ‫ذلك التنافر الضدي بين وجداني (البحر‪ /‬والصحراء)‪،‬‬ ‫ع��م��وم��اً‪( ..‬داخ���ل المحيط العدائي ال��راف��ض أللوانها‬ ‫الفاقعة‪ ،‬لم يشربها ولم تشربه‪ ..‬دخلت روحها معلقة‬ ‫في مكان ال تستطيع أن تمضي فيه مسافات أكبر‪ ..‬لذا‬ ‫بدت روحها شعثاء نائية وفاقعة دوما‪ ..‬تلك الروح التي‬ ‫تلتئم شظاياها بين يدي صالح فقط) ص ‪63‬‬

‫وهي تفرز وتفكك المفاهيم والتصورات والمواقف‪،‬‬ ‫وتتحسس أثرها على شخصياتها‪ ,‬داخل مكان مغلق‪..‬‬ ‫ينحو تدربجياً نحو التحول في صيغ المعيشة وأنماط‬ ‫االستهالك‪ ..‬دون أن يمس ذلك التحول البنية الفوقية‬ ‫لمفاهيمه‪ ،‬ومنظومة القيم والسلوك التي تستبطن‬ ‫قضايا قيمية فيه‪ ،‬كالموقف من اآلخر‪.‬‬ ‫بهذا المعنى‪ ،‬يمكن أن نستعيد موقف (أم صالح)‬ ‫من (بهيجة) الذي يعبر ضمناً عن الموقف من اآلخر‬

‫ف��ي صيغ مظهرية بسيطة تنطلق م��ن أع��م��اق نفسية‬ ‫دف��اق��ه (م��ا زال��ت تذكر بحرقة مرطبانات المكدوس‬ ‫والزيتون المعقود‪ ،‬التي كانت تصلها من الشام من أمها‬ ‫بين فينة وأخرى فتضعها في الرف الخارجي لغرفتها؛‬ ‫فتقوم أم صالح بالتخلص منها بحجة أنها تفسد الممر‬ ‫برائحة الثوم‪ ..‬كانت عندها بهيجة تحس باأللم والحزن‬ ‫والفقد) ص‪.81‬‬ ‫بهكذا (موقف) ونظائر أخرى مشابهة له‪ ..‬يحصد‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪33‬‬


‫المكان فؤاد (بهيجه) ويعتصره‪ ..‬ليعيد زرع لوعة الغربة‬ ‫والفقد والشعور الممض بالنفي‪!..‬‬ ‫حتى ف��ي ال��ح��االت الحميمة ك��ان ق��در (بهيجة)‪..‬‬ ‫أن تتقاسم (صالح) مع ضرتها (م��وض��ي)‪ ..‬عبر عدة‬ ‫مواقف تقتضيها طبيعة الحياة‪ ..‬حيث تشهر (بهيجة)‬ ‫في أجوائها ضوعها اإلنساني الفواح وهسيس الليالي‬ ‫الدافئة‪ ،‬التي ال تراها (أم ص��ال��ح)‪ ،‬وتكاد مستويات‬ ‫السرد س��واء منها الحركي المباشر أو االسترجاعي‪،‬‬ ‫يسترد فيض ذاكرة (بهيجة) للتحلل من وطأة إلحاحات‬ ‫ال��م��ك��ان ووح��ش��ت��ه ال��ق��اس��ي��ة‪ ،‬واس��ت��ح��ق��اق��ات أنظمته‬ ‫االجتماعية التي تراوح الساردة فيها بين الحوار والسرد‬ ‫الذكروي‪ ..‬وطبيعته االسترجاعية‪ -‬عندما تمتاح مادتها‬ ‫الموضوعية من حالة (بهيجة) في استرداد حموالت‬ ‫ماضيها‪ -‬وبين الوصف الحركي وتنوعه المشهدي‪..‬‬ ‫ال��ذي ل��م يُختزل أو يتنمط ف��ي األف��ق االس��ت��ذك��اري‪..‬‬ ‫ب��ل ي��ن��اور ‪ -‬وبمقدرة فنية ‪ -‬على اإلم��س��اك بالخيط‬ ‫السردي الجمالي‪ ..‬وتوالي انتظاماته‪ ،‬وتشكيل سياقه‬ ‫الداللي وفقا لوحدات سردية‪ ..‬تستوعب إيقاعَ ي الزمن‬ ‫والمكان‪ ،‬على نحو تجلت فيه (المراوحة) بين المكان‬ ‫وتحوالته التاريخية التي تقتضي تحديد المناخات‬ ‫والفصول الموسمية‪ ..‬كمحاور تستدعي بدورها أحداثاً‬ ‫ومواقف وتطورات تتوالى بانتظام‪ ،‬وتعكس المستوى‬ ‫المفاهيمي للشخصيات ال��ذي يحدد الخط السردي‬ ‫لمسار ال��ح��دث ال��م��رك��زي‪ ..‬وه��ي اإلستراتيجية التي‬ ‫يسميها الناقد (ص�ل�اح ف��ض��ل) (الوظيفة ال��دالل��ي��ة)‪،‬‬ ‫(عندما يعمد التركيب إلى إبراز معنى ال يستخلص من‬ ‫ال��وح��دات في حد ذاتها‪ ،‬وذل��ك عن طريق ال��ت��وازي أو‬ ‫التناوب بين وحدات سردية ذات مضمون مختلف‪ ,‬تخلق‬ ‫فكرة تابعة من هذا االقتران‪ .‬وذلك في حاالت التورية‬ ‫والمجاز والرمز وغير ذلك من العالقات التركيبية) ‪-‬‬ ‫(د‪ .‬صالح فضل‪ ،‬أساليب السرد في الرواية العربية‪.‬‬ ‫ط‪1‬؛ ‪1992‬م ص ‪.)212‬‬

‫حققته بشكل ما‪( ..‬فآل معبل) (أم صالح وصالح وسعد‬ ‫موضي‪ + /‬بهيجة) يشكلون تلك الوحدات‪ ,‬في مركزية‬ ‫داللتها وامتالكها أج��زاء من كمية السرد وتجسيدها‬ ‫لمقتضياته الداللية‪ ،‬كما أن العالقة التي تربطهم ال‬ ‫يمكن رص��د حساسيتها وم��أزق��ه��ا اإلش��ك��ال��ي‪ ،‬إال في‬ ‫حالة التوازي والتناوب بين الحقول الداللية التي ترسم‬ ‫الكاتبة لكل منها أفقاً سردياً‪ ،‬تتشكل وظيفته التعبيرية‬ ‫عبر اللغة السردية المحققة لمعادالتها الفنية وخيالها‬ ‫الجمالي (الصفحات ‪ 33‬إلى‪ ..)60‬واستدرارها العميق‬ ‫لفيض الذاكرة‪ ..‬وتوالي األحداث وتأزمها‪ ..‬بشكل ينزع‬ ‫إلى خلخلة نظم المكان وغطيته‪ ..‬واالنحراف بها إلى‬ ‫الرؤية المعالجة التي تبتدعها الساردة في هذا الفضاء‬ ‫ال��م��ك��ان��ي‪ ,‬وف��ق��اً ل��م��ح��ددات تلك ال��رؤي��ة‪ ,‬واالن��ح��راف‬ ‫بحسب (ريفاتير ولوتمان) نموذج بارز في استراتيجيات‬ ‫النص األدبي وشرط أساسي لشاعرية األسلوب‪ .‬ولذلك‬ ‫ج��اء األس��ل��وب بذلك المستوى من االنتقاء المعياري‬ ‫أللفاظ وتراكيب لغوية مشحونة بطاقات إيحائية‪ ،‬ودقة‬ ‫توظيف للمجاز في السياقات السردية واستثمار دالالته‬ ‫الرمزية في تكوين األحداث‪ ،‬واستجالء مكنون وجدان‬ ‫الشخصيات والتعبير عنه؛ مثلما كان االنحراف مقنناً‬ ‫بمقتضيات وحدات النص وحقوله الداللية‪.‬‬

‫املكان‪ /‬اآلخر‬ ‫بحكم الفترة التاريخية التي تحاول الكاتبة رصد‬ ‫طبيعتها ومظاهر حراكها وتجلياتها االجتماعية‪ ,‬في‬ ‫إطار الرؤية التي اعتمدتها في عملها السردي‪ ..‬حيث‬ ‫اقتضتها ال��ت��ح��والت ال��ت��ي م��ر بها ال��م��ك��ان‪ ،‬وإشكالية‬ ‫عالقته مع (اآلخر)‪.‬‬

‫وذل���ك ع��ب��ر خ��ي��ط (ب��ه��ي��ج��ة) ال��ت��ي ت��ق��وده��ا طبيعة‬ ‫ظ��روف التنمية التي تعتور المكان إلى لقاء (انغريد)‬ ‫األلمانية التي ترافق زوجها‪( -‬المهندس) في مشروع‬ ‫وادي حنيفة‪-‬والتي تتمثل لبهيجة وَجَ ��ا َءاً يخفف حالة‬ ‫وه��و الصنيع ال��ذي يمكن أن نزعم أن الكاتبة قد مكابدتها المريرة مع (مكان) ال تستطيع التآلف معه‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫وتستثمر ال��ك��ات��ب��ة ه���ذا ال��ت�لاق��ي ف��ي ت��ث��وي��ر فكرة المشهد ال��ذي مثّل الصدمة لـ (مريما) وأيقظ جذوة‬ ‫(اآلخر)‪ ..‬والتنويع في طرح نماذجها‪ ..‬وانعكاسها على انتمائها الديني‪.‬‬ ‫نظام (المكان المغلق)‪ ..‬فكيف يمكن لهذا المكان احتواء‬ ‫ولعل الكاتبة اختصرت في ذلك المشهد المساحة‬ ‫أبرز نماذج (اآلخر) غربة ونائياً عن نواميس المكان‪ ..‬؟ الفكرية الواسعة لموقع (اآلخ��ر) في (ضمير المكان)‬ ‫وليثمر هذا التالقي كذلك جدلية أيديولوجية (المكان‪ /‬الذي هو بالضرورة الضمير المحلي‪ ..‬ومقدار معاناة‬ ‫بهيجة ‪ +‬انغريد) حيث تعرض الكاتبة ألثرها اإلشكالي (اآلخر) البالغة باإلحساس بوطأة النفي واالغتراب‪..‬‬ ‫وترصد انعكاسها على الشخصيات وطبيعة استجابتها‬ ‫(اغ���ت���راب) ي��ض��ع شخصيات ال��م��ك��ان (أم صالح‬ ‫لها‪.‬‬ ‫وصالح وموضي ومحمد وسعد) إزاء اآلخ��ر (بهيجة‬ ‫فـيما (أم صالح) تناوئ ‪-‬تلك العالقة اإلنسانية بين ومريما ورحاب وسعاد وانغريد) بما يمكن وسمه بجدلية‬ ‫(الغريبتين‪ /‬بهيجة وانغريد) ‪ -‬الحذر المشوب بالشك التعايش المفترض في نطاق المكان‪ - ..‬ويستدعي بعد‬ ‫أحياناً‪ ..‬أو العداء السافر (بهيجة‪ :‬كافرة شامية إبليس) ذلك نموذجا تقدمياً مغايراً (شكلياً) للمجتمع المحلي‬ ‫و(انغريد‪ :‬كافرة تأكل الخنزير) واتفاقهما ووئامهما عبر (متعب) وستأتي له هذه القراءة الحقاً‪- ..‬‬ ‫يقوّض سلطة (أم صالح) بحسب تصورها‪ ..‬ومن‬ ‫ربما ِ‬ ‫وتبدأ أولى عالمات تحول المكان من (ريف) بدوي‬ ‫هنا كان نبذهما وال��دأب على إقصائهما واجباً دينياً‪،‬‬ ‫واستجابة لمقررات نفسية واعتقادية وب��م��ب��ررات ال قبلي‪ ..‬إلى (مدينة) تحاول وتيرة الحياة فيها وإيقاعها‬ ‫الجديد التساوق مع صيغ التحضر المظهري‪( ..‬فحيث‬ ‫يمكن تفنيدها؛ إنهما كافرتان!‬ ‫انتقل آل معبل إلى الملز في أوائل السبعينيات) لتلتئم‬ ‫غير أن المواقف وال��ح��وارات التي شكلت مساحة العائلة في فيال كبيرة تلم أفرادها‪ ..‬بذات المحددات‬ ‫التقاء بين (بهيجة وانغريد) على الخارطة السردية تنم الفكرية البدائية التي غرستها شمس الصحراء الحارقة‬ ‫عن مستوى من التعايش اإلنساني البسيط والحميم في دواخلهم‪.‬‬ ‫في آن واحد‪ ،‬والذي يعول على أدق المشاعر اإلنسانية‬ ‫ان��ت��ق��ال ص����وري م��ف��رغ م���ن ق��ي��م ح��ض��ري��ة ج��دي��دة‬ ‫نبال‪ ،‬وعلى صفاء البداهة البشرية بين الغرباء وبروز‬ ‫المشترك األق��وى بينهم (الغربة) في المكان الطارد واشتراطات الحياة المدنية‪ ..‬لتبدأ الساردة في حياكة‬ ‫لهما‪ ..‬وال��ذي ال يمكنه استيعابهما‪ ،‬كما ال يمكنهما فصول أخرى تقارب بها تلك المحددات الفكرية كبنية‬ ‫فوقية تحكم السلوك‪.‬‬ ‫التآلف معه‪.‬‬ ‫فالمقاطع التي يتشكل منها السرد في هذا الفصل‪،‬‬ ‫أم��ا (مريما) المحظية الحبشية لـ (أب��ي صالح)‪..‬‬ ‫فقد نكأت صورة المسيح في منزل (انغريد) كل حمم تلون الحكاية بظالل المكان الجديد‪ ،‬في إشارات عدة‬ ‫وجدانها العقدي‪ ،‬ووالئها الديني‪ ..‬الذي ظل محكوماً إل��ى تغيير النمط المعايش ال��ذي انصاع آلياً للحركة‬ ‫بالصمت وال��خ��ف��اء ومحفوفاً بالرهبة ف��ي م��ن��زل (آل المدنية‪ ..‬ومظاهر طقسها االستهالكي الفاقد لشروط‬ ‫معبل)‪ ،‬لتنزف عبر ذلك المشهد الدرامي الشفيف كل تؤهله لتلك المدنية‪ ،‬والمنقطع فكرياً عن اشتراطاتها‪.‬‬ ‫ألنه مفر ٌغ من الوعي القيمي اإلنساني بـ (اآلخر)‪..‬‬ ‫ما استودعته من أحاسيس ظلت محبوسة في روحها‬ ‫سنين‪ ،‬وكل ما تراكم فيها من لوعة وحنين‪ .‬في لحظة َق ِل ٌق إزاءه‪ ..‬يناوئه القطيعة استباقاً‪ ..‬كما في فصل‬ ‫ال يمكن تجاوزها أو كتمان آث��ار سعيرها‪ ..‬عبر ذلك (رح���اب) الفلسطينية المقيمة بلبنان‪ ،‬التي اقتضت‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪35‬‬


‫متدفقا وسياال بانتظام‪ ,‬للتعبير عن ه��ذا الموقف‪..‬‬ ‫دونما حاجة لتعتسف هذا السؤال المفترض‪ -‬بزعم‬ ‫الكاتبة‪ -‬من ل��دن ال��ق��ارئ‪ ،‬الخادش للتسلسل العفوي‬ ‫للسرد‪ ..‬والذي يفترض غياب ذهنية التلقي عن استيعاب‬ ‫خطوط الحكاية السردية وتقاطعاتها وتناميها‪ .‬كما‬ ‫يتضامن مع (أفق انتظار القارئ) عندما ينحو منحىً‬ ‫إقرارياً في محاولة توقع سؤاله‪ ..‬بل وإقحام الصيغة‬ ‫المفترضة للسؤال في النص‪( :‬كيف وصلت رحاب لبيت‬ ‫آل معبل‪ ..‬؟)‪.‬‬

‫طفرة التنمي�� المحلية اجتالبها إلى الرياض (بتأشيرة‬ ‫معلمة)‪ ،‬لتشكل طوراً آخ َر من أطوار بنية السرد المعنية‬ ‫باستجالء نظم (ال��م��ك��ان) وت��ع��ري��ت��ه��ا‪ ..‬وال��م��وق��ف من‬ ‫(اآلخ���ر)‪ ..‬وال تُفوّت ال��س��اردة موضوعا كهذا دون أن‬ ‫تستدعي قضية (التعليم) بوصفها مكوناً مفصلياً من‬ ‫مكونات (العقلية المحلية) وبنائها القيمي والفكري‪..‬‬ ‫(ط��ال��ب��ات يكتشفهن م��غ��ارة العلم بالصمت‪ ،‬ويعانين‬ ‫تباريح الخجل والقلق‪ ،‬وإحساساً قارصا بالخطيئة‪،‬‬ ‫فالعالم من حولهن لم يحسم أمره بخصوصهن بعد‪..‬‬ ‫هل هن خاطئات مبتدعات لبدعة سيحملن وزرها إلى‬ ‫وقد شكلت (رح��اب) مستوىً موازياً نوعياً لحضور‬ ‫ي��وم القيامة‪ ..‬أم هن صغيرات أم أمهات المؤمنين)‬ ‫(بهيجة) في البنية السردية‪ ..‬واستحوذت على منسوب‬ ‫صـ‪.114‬‬ ‫كمي طويل من النص‪ ،‬في مقاطع متواصلة‪ ..‬استظهرت‬ ‫وي��روم هذا المقطع عبر أسلوبه الجمالي ومجازه الكاتبة من خاللها المخزون النفسي لهذه (البحرية)‬ ‫ال��م��ك��ث��ف ت��أم��ل فلسفة التعليم ال��غ��ائ��ب��ة وال��م��م��وه��ة‪ ,‬الجديدة‪ ،‬عندما ألحت على اجتراح وجدانها الغاص‬ ‫والتعبير عن الموقف منه‪ ،‬كما هو في أذهان المعنيات بجروح عالقة عاطفية (بعلي)‪ ..‬ليقذف بها القدر في‬ ‫به والمسيرين له على حد س��واء‪ ..‬وفي سياق وضعية (ال��ري��اض)‪ ،‬حيث تناوئ انفتاح العقل وج��روح ال��روح‪..‬‬ ‫اجتماعية تعاني قلق الموقف وقلق االخ��ت��ي��ار‪ ..‬تجاه بمكان تمعن نظمه وتقاليده في شرخ كيانها المصطخب‬ ‫(قضية التعليم)‪ ..‬كمسبار يخترق البنية االجتماعية‪،‬‬ ‫بكيمياء الحياة‪.‬‬ ‫ويتجه بها نحو معنى من معاني التحول‪ ,‬تجاه التحضر‬ ‫وع��ب��ر (رح�����اب) ك���ان ث��م��ة اس��ت��ك��م��ال ل��م��س��ار حياة‬ ‫وحياة المدينة‪.‬‬ ‫(ال��ب��ح��ري��ات) ف���ي م��ك��ان��ه��ن ال��ج��دي��د ال����ط����ارد‪ ..‬وف��ي‬ ‫ويبرز (فصل‪ :‬رحاب) كما لو كان تحققاً جلياً جديداً‬ ‫محاوالتهن الدءوبة لاللتفاف على مواصفاته‪ ،‬بثقافة‬ ‫ل��دالل��ة (اآلخ����ر)‪ ..‬وم��س��اره ال��ق��دري ف��ي إط��ار (مكان)‬ ‫م��غ��اي��رة وبهسيس مشاعر تستعصي على االنصياع‬ ‫يجمعها (بعمر الحضرمي)‪ ،‬لتنسج الكاتبة عبرهما‬ ‫للصمت‪ ،‬الذي يكاد يشكل حاجزاً أمام كل إرادات البوح‬ ‫ال من فصول العالقات اإلنسانية الخفية‪ ،‬والتهابات‬ ‫فص ً‬ ‫والحياة في المكان الجديد‪.‬‬ ‫العاطفة الفوارة في وجدان (رحاب وعمر) الذي يرزح‬ ‫ومن خالل هذا الفصل وما ت�لاه‪ ..‬تتجلى جزئيات‬ ‫تحت س��ط��وة ال��م��ك��ان‪ ،‬المحصور ف��ي دائ���رة س��ري��ة‪..‬‬ ‫وفي تباريح النبض اإلنساني الحميم الذي يتلظى في وصفية وحوارية يسندها تعدد األصوات لتراكم الفكرة‬ ‫ف��ؤاد (عمر الحضرمي) منذ شاهد (رح���اب)‪ ..‬وعبر األس���اس‪ ،‬التي تنحو بها الكاتبة باضطراد لتجسيد‬ ‫بها مسافات الطريق الذي يقطعه برفقتها من منزلها حموالت المكان وديناميكية حركته‪ ،‬في أت��ون تحول‬ ‫في شارع الخزان‪ ..‬إلى قصر (آل معبل)‪ ..‬في الفصل يشمل مسافات الحياة التي شكلت س��ن��وات الطفرة‬ ‫ذاته (فصل رحاب) الذي يجرحه ويكسر إيقاعه النتوء معطن توتراتها‪ ،‬وبداية اشتجارها مع نماذج إنسانية‬ ‫السياقي الذي زرعته الكاتبة في سطر‪( :‬كيف وصلت ل�ل�آخ���ر‪ ..‬؟ ع��ب��ر وح�����دات س���ردي���ة تستثمر ت��ح��والت‬ ‫رحاب لبيت آل معبل‪ ..‬؟) ص��ـ‪ ،119‬حيث كان السياق المكان الدائمة إلى المظاهر الشكلية في االستهالك‬

‫‪36‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫والضرورات الحياتية والترفيه أحياناً‪ ,‬والتي كثيرا ما‬ ‫تلح الساردة على اإليماء إليها‪ ,‬وإبانة المفارقة المريعة‬ ‫بين فكر التحديث والتمدن‪ ,‬ومظاهره السطحية التي‬ ‫تمس الشعور اإلنساني المستكن للشخصيات‪ .‬ففصول‬ ‫(رحاب‪ ،‬والقبلة‪ ,‬وصبايا بال صبا) استطاعت وبفعالية‬ ‫توطين (رح���اب) ف��ي لحمة (ال��ب��ح��ري��ات)‪ ،‬لتقاسمهن‬ ‫لوعاته ومزاجه الطارد‪ ،‬وليأتي على ما تبقى لها من‬ ‫شعور بالطمأنينة في ظل وقدة غربة‪ ..‬وتشظيات رغبة‬ ‫في تحقيق شيء من االنتصار يضمد جروحها‪ ،‬وهي‬ ‫تحاول تجاهل إش���ارات الرغبة واإلع��ج��اب من (عمر‬ ‫الحضرمي) ‪-‬المتحد معها في الشعور بغربة المكان‬ ‫فيما تحقق لها تلك اإلش��ارات بعض الرضا األنثوي‬‫الغريزي لكيان (أنثى)‪ ..‬تعتريها أوجاع الغربة والشتات‬ ‫وجروح قديمة لم تندمل‪.‬‬ ‫كما تستوعب الفصول وباضطراد أحداثها فترة من‬ ‫فترات التكوين السيادي واإلداري للدولة‪ ..‬ومظاهر‬ ‫ت��ق��ل��ي��دي��ة لمجتمع يتخفف ل��ل��ت��و م��ن ت��ب��ع��ات ب��داي��ات��ه‬ ‫الريفية ومزاجه القبلي ونظم تفكيره الثاوية في قرار‬ ‫ال��ص��ح��راء‪ ..‬فيما ال يكف خ��ط ال��س��رد ال��ذي أت��اح له‬ ‫(ضمير الغائب) فرصة التوسع واالستطراد والبوح‪..‬‬ ‫واستظهار الرصيد النفسي للشخصيات‪ ،‬للتعبير عن‬ ‫مضمرات تستكن في أعماقها‪ ,‬وفقاً لما تكشفه طرق‬ ‫التعامل‪ ،‬والسيرورة الطبيعية لحراك الحياة ويومياتها‪..‬‬ ‫وم��ا تشي به من تفسير لمكوناتها الفكرية وانتمائها‬ ‫الجهوي في السياقات النصية‪ ،‬التي كان عليها مراعاة‬ ‫حساسية منح كل بنية سردية مما سبق‪ ،‬نطاقاً نصياً‬ ‫محدداً يجسد أجواءها وينهض بدالالتها‪.‬‬

‫الصحراء‪( ..‬املواسم والسور املكني)‬ ‫تتعدد تقنيات السرد المحكومة برؤية فنية مدركة‬ ‫لمراداتها الداللية‪ ،‬ولتوطين حكاية (كهذه) في ضمير‬ ‫ال��ت��ل��ق��ي‪ ..‬ال ب��د م��ن كشف ال��م��ك��ان وف��ض��ح منطوياته‬ ‫وت��ع��ري��ة ن��م��اذج��ه الشخصانية‪ ،‬وإع����ادة رس��م فصوله‬

‫وخ��ارط��ت��ه االجتماعية واستحثاث أن��س��اق��ه المخفية‬ ‫والمضمرة على التمدد األف��ق��ي وال��رأس��ي ف��ي فضاء‬ ‫السرد بمكاشفة واعية‪ -‬دون استعارة قناع وهمي أو‬ ‫ترميز مغلق ‪ -‬يفض مغلقات ذلك (المكان‪ /‬الصحراء)‬ ‫التي بدت تتاخم تكتالت المدينة ومجمعها الحضري‪.‬‬ ‫ودون انفكاك من رهانات الماضي وتراكمات أنظمته‬ ‫وتقاليده المترسخة في ضمائر الشخصيات‪ ،‬وال تكاد‬ ‫تمحوها كل مراحل التحول التي طالت المكان‪ ،‬ودون‬ ‫أن تمس العصب الحساس لألفكار القارة في أعماقه‪..‬‬ ‫؟ ألن تلك األفكار والقيم والمواقف بحسب امتثالها‬ ‫النصي هنا‪ ،‬تملك من الحصانة والتمكن في قرارات‬ ‫الوجدان ما يجعلها متمنعة ضد أي اختراق‪ ..‬رافضة‬ ‫ألي جديد أو طاريء‪.‬‬ ‫ففصول ال��م��واس��م ال��ص��ح��راوي��ة ال��ت��ي نصت عليها‬ ‫ال��س��اردة (المربعانية‪ ،‬نجمة الشمال‪ ،‬الوسمي‪ ،‬سعد‬ ‫السعود‪ ،‬طباخ التمر‪ ،‬سهيل‪ ) ..‬اصطالحات اتفق عليها‬ ‫نظام ال��ت��داول في أدب��ي��ات اللغة المحكية‪ ..‬وتواقيت‬ ‫تترتب عليها م��س��ارات ال��ح��ي��اة وأنشطتها التقليدية‬ ‫لمجتمع صحراوي يظل يبحث أبداً عن مواسم الخصوبة‬ ‫والمطر‪ ..‬فيما تؤصل فيه الصحراء كينونتها الجافة‬ ‫ومزاجها ال��ح��ارق‪ .‬وغالباً م��ا ارتبطت تلك المواسم‬ ‫بمواقيت التحوالت والحقب الزمنية إلنسان الصحراء‪،‬‬ ‫إضافة إلى ما ترسخ لها وعنها من مفاهيم وتصورات‬ ‫في الذهنية الشعبية عبر ثقافة تؤمن بخير وشر هذه‬ ‫الفصول ومحاميلها‪ ..‬كمطالع للفأل الحسن‪ ،‬أو العاقبة‬ ‫الموجعة‪!..‬‬ ‫وقد استثمرت الكاتبة هذه الثقافة السائدة كتقنية‬ ‫لتوجيه األحداث‪ ..‬لتوافق تلك المواسم اتجاهات الداللة‬ ‫ال��س��ردي��ة‪ ،‬م��ب��رزة رسوخها ف��ي ال��وج��دان الصحراوي‬ ‫بوصفها ثقافة تقليدية شعبية تأخذ بعداً مؤثراً في‬ ‫ال��ع��ق��ل ال��ج��م��ع��ي وت��وج��ي��ه ال��س��ل��وك‪ .‬وه���ي الحتميات‬ ‫التي أتقنت الكاتبة التعبير عن استيطانها وتأصلها‬ ‫ف��ي ضمير الشخصيات‪ ,‬لتحملها العديد م��ن م��آالت‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪37‬‬


‫األحدات‪ ،‬وتوظفها كتقنية توجه الوقائع السردية‪.‬‬ ‫ففي مطلع الشتاء توفي (صالح) وتلته (بهيجة) في‬ ‫مستشفى (المايوكلنيك) حيث كانت تأخذ جرعتها‬ ‫األولى من الكيماوي‪.‬‬ ‫فليست تلك المواسم إال نبوء ًة لمستقبل مجهول‪..‬‬ ‫وحيرة استشراف للجديد من التحوالت واألح��داث‬ ‫تستبق القلوب عند مقدمها نهايات القلق الدائم‪..‬‬ ‫وبدايات االنتظار الطويل‪ ..‬وعليها تؤسس مشاريع‬ ‫عيشها اليومي في ظل ما يتاح من إمكانات‪ ..‬كما أن‬ ‫لها ذلك المدى من التأثير النفسي العميق وتقلبات‬ ‫الجوارح‪ ،‬وسكونها وحركتها في فلك الصحراء وأهلَّة‬ ‫ليلها التي كانت (بهيجة) ترقبها من سطوح بيت (آل‬ ‫معبل الطيني) وتحملها تباريح ش َفّها األسى‪ ،‬وتعاويذ‬ ‫تحن إل��ى اس��ت��واءات البحر في الشام حيث انبثقت‬ ‫كينونتها‪!..‬‬ ‫وه��ي ذات ال��م��واس��م التي تمر وتعبر على سيرة‬ ‫(البحريات) الغارقة في جوف صحراء قاحلة‪ ،‬وخلف‬ ‫سور المدينة المكين الذي كان رمزاً طوعت الكاتبة‬ ‫حضوره النصي‪ ..‬لتجعل من (شخصياتها) طيوراً قلقة‬ ‫في فلكه تتلصص من ثقوبه بحثاً عن معنى للحياة‬ ‫التي جففت الصحراء لونها الفواح داخ��ل الجدران‬ ‫واألبواب المغلقة‪!..‬‬ ‫(سعاد) التي استجابت لشرطها اإلنساني فخ َيّل‬ ‫لها أن (م��ت��ع��ب) رب��ي��ب ال��ص��ح��راء خ��ري��ج الجامعات‬ ‫ال��ب��ري��ط��ان��ي��ة‪ ..‬ه���و م��س��ت��ج��اره��ا م���ن ف��ح��ي��ح ال��غ��رب��ة‬ ‫ومواسمها الخانقة‪ ..‬فأذاقها لذة الكالم‪ ،‬وصبابات‬ ‫العشق المحموم‪ ..‬مفردات تفكير غريبة‪ ..‬تتجاوز‬ ‫بها جدران ذلك السور الذي يحتوي داخله بيوت (آل‬ ‫معبل)‪.‬‬

‫ل��ذل��ك ال��واق��ع وت��ل��ك ال��ح��ي��اة‪ ..‬ف��ق��د أدرك����ت الكاتبة‬ ‫المسافة الجمالية بين (األيروتيكي والبرنوغرافي)‪..‬‬ ‫فكان احتواء أسلوبها السردي لطبيعة مواقف تعبر‬ ‫عن تلك الرغبة اإلنسانية الحميمة‪ ,‬في إطار لغوي‬ ‫أسلوبي رفيع لم يتدن إلى مستوى الكشف الصريح‬ ‫ال���ذي اس��ت��ع��اض��ت ع��ن��ه بوعيها بتلك (ال��م��س��اف��ة)‪..‬‬ ‫وتكنيك صياغتها للمشاهد بشكل يفصح دون ابتذال‪،‬‬ ‫ويصف دون إغراق مشهدي فاقع قد ال يفسح مجاالً‬ ‫الستخدامها للمجاز الوصفي وتورياته المشوقة‪..‬‬ ‫والمهارة التعبيرية في استثماره أسلوبياً‪.‬‬ ‫وقد كان بروز شخصية (سعد) الذي غاير صورياً‬ ‫السائد العام ألبناء (الصحراء) المتمدنين في تلك‬ ‫ال��م��رح��ل��ة‪ ..‬إش������ار ًة إل��ى ش��ي��وع ثقافة سياسة م��ا‪..‬؛‬ ‫ك��ان��ت التسعينيات الهجرية سياقها ال��زم��ن��ي‪ ،‬فيما‬ ‫كان المد القومي أبرز تحققاتها ومتداول شعاراتها‬ ‫السائدة في المجتمع العربي آن��ذاك‪ .‬فيما لم يتقن‬ ‫(سعد) من حقيقة تلك الثقافة إال ذلك األفق المتصل‬ ‫بانزياحه المرحلي‪ ,‬م��ن ح��ي��اة ال��ب��داوة إل��ى معترك‬ ‫المدن وثقافاتها‪ ،‬واالهتمامات واألف��ك��ار السياسية‬ ‫الشائعة ل��دى بعض طبقاتها‪ ،‬والتي امتدت لتشمل‬ ‫العواصم العربية‪ ..‬وم��ن ثم شكلت وسائل االتصال‬ ‫التقليدية آن����ذاك‪ ،‬وال��ن��خ��ب المثقفة ال��خ��ارج��ة عن‬ ‫السائد االجتماعي العام معطنها‪ ،‬ليتلقفها (سعد)‬ ‫كشعارات متداولة لدى الطبقة التي يتوهم االنتماء‬ ‫إليها ومشاركتها ه َمّها الفكري دونما وعي بمعطيات‬ ‫ذلك اله َمّ‪ ..‬أو فلسفته الفكرية‪ ,‬فينساق إليها اعتباطاً‬ ‫أو شراكة مؤقتة تصله ب��أج��واء ندمائه في جلسات‬ ‫السمر‪ !..‬بينما يتبدى ( (متعب) ) نتاجاً محلياً لسني‬ ‫الطفرة ومخرجات التعليم العالي في سنواته األولى‬ ‫ورحالت االبتعاث للخارج‪.‬‬

‫ويكشف المسار السردي‪ ..‬عن أن كال النموذجين‬ ‫وإذا ك��ان الجنس من مكونات الحياة األساسية‪،‬‬ ‫واش��ت��راط��ات واقعها الصميم‪ .‬وم��ن ث��م ك��ان مواتياً (سعد ومتعب) ظ�لا وفيين الش��ت��راط��ات (ال��س��ور)‪..‬‬ ‫اس��ت��دع��اء ال��راوي��ة ل��ه؛ كونها صنيع ج��م��ال��ي‪ ..‬م��واز وحموالت الصحراوي الذي ساقته تلك التحوالت إلى‬

‫‪38‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫ذلك الواقع‪ .‬وظال نموذجين لقلق العالقة المتوترة بين اآلتي‪ ..‬عبر المشهد الحدثي السردي‪ ..‬وكم األسئلة‬ ‫(الصحراء والمدينة)‪ ..‬على صعيد األفكار والتحوالت ال��وج��ودي��ة ال��ت��ي ك��ان��ت (بهيجة) تعبر عنها بعفوية‪،‬‬ ‫عندما تستكن إلى دواخلها التي اختمرت فيها كل تلك‬ ‫والميراث التقاليدى القديم‪.‬‬ ‫األحداث‪ ،‬لتورق أسئلة وحيرة مؤرقة‪.‬‬

‫(بنات أبودحيم)‪ ..‬األسطوري السردي‬

‫(أب��ودح��ي��م‪ ..‬وبناته) ص��ـ‪ 17‬هو الخيط السردي‬ ‫الغرائبي بإفضاءاته األسطورية‪ ..‬ال��ذي انبنى كتلة‬ ‫رئيسة في الخط السردي العام للرواية‪ ..‬ومنه تشكلت‬ ‫أبعاد تلك األسطورة المتداولة في محيط (آل معبل)‬ ‫وبيتهم الطيني ومفردات وتفاصيل معيشهم اليومي‪.‬‬

‫وقد واكبتها مبكراً من إيراقها صبية إلى عنفوان‬ ‫أزمتها مع المكان‪ ..‬لتلجأ إل��ى أوراده���ا التي كانت‬ ‫تتلوها ساعة االحتضار‪ ..‬كما كانت (أم صالح) تعول‬ ‫عليها في إسناد قوامتها العائلية ونفوذها التسلطي‬ ‫على (البحريات)‪.‬‬ ‫كما كانت (ب��ن��ات أب��و دح��ي��م) عبر ذل��ك التكثيف‬ ‫الرمزي ألسطورتهن‪ ..‬إشارة نصية إلى رحلة العقيالت‬ ‫إل��ى ال��ش��ام‪ ..‬وه��ي الرحلة الواقعية المعاكسة من‬ ‫(الصحراء إلى البحر) التي حفلت بها مدونات تاريخ‬ ‫نجد القديم‪ ..‬لتنزاح إل��ى مجالها ال��س��ردي وحقلها‬ ‫ال��دالل��ي الجديد‪ ..‬ولتلون أطياف عوالم الصحراء‬ ‫بإيقاع السامري الشجي‪ ..‬ورحلة العودة الموعودة‪!..‬‬

‫وقد كان هذا التناص بالغيبي األسطوري إضافة‬ ‫داللية‪ ،‬أغنت المنسوب الفكري للعقلية الصحراوية‬ ‫وال��م��خ��ي��ال ال��ن��س��وي ال���ذي تشكل األس���ط���ورة مكوناً‬ ‫ضمنياً في بنيته‪ ..‬قد تحقق له قناعة يركن إليها‬ ‫العقل البسيط في تفسير الظواهر الواقعية التي تلح‬ ‫عليه‪ ،‬وإسنادها إلى قوى غيبية‪ ،‬ليستقر قلقه مؤقتاً‬ ‫حيث ترضيه مبرراته التأويلية‪ ،‬ولينفك من (فوبيا)‬ ‫وإذا كانت موضعية تلك األسطورة في (الصفحات‬ ‫ذلك المجهول الممتد في عوالم الصحراء وتقلبات‬ ‫الخمس) في بداية ال��رواي��ة ح��ض��وراً نصياً (رم��زي��اً)‬ ‫مواسمها‪!..‬‬ ‫لها‪ ..‬إال أن امتدادها الداللي وتعالقها مع الفصول‬ ‫(تلك األي���ام تحديداً ق��دم أب��و دحيم وبناته إلى‬ ‫الالحقة‪ ،‬ظل الخيط الداللي الفاعل في شد الوحدات‬ ‫النخل‪ ،‬وأب��و دحيم كان تاجراً كبيرا لديه سبع بنات‬ ‫السردية إلى المتن النصي العام للرواية‪ ،‬والمتناغم مع‬ ‫فاتنات لم يقبل أن يتزوجن خوفاً من أن تتسرب الثروة‬ ‫حقبة التحوالت التي اعترت مسيرة أسرة (آل معبل)‬ ‫إلى غريب وتخرج عن العائلة‪ ..‬وكان يمنيهن بأوالد‬ ‫وكونت (البحريات) قيمتها المحركة وعمقها النصي‬ ‫عمومتهن الذين ذهبوا مع قافلة للعقيالت إلى الشام‬ ‫اآلس���ر‪ ،‬وج���ذاذات ان��ش��داده��ا لمسارب الحياة التي‬ ‫وسيعودون في موسم الوسم)‪.‬‬ ‫نضحت بعد ذلك على (اآلخ��ري��ن)‪ ..‬في نطاق مكان‬ ‫وإذا كان الفصل ال يتجاوز (خمس صفحات) من واحد سجلت (أميمة الخميس) عبره جادة موضوعية‬ ‫ال��رواي��ة‪ ..‬إال أن��ه تمحور خيطا مفصلياً ف��ي المتن للخطاب السردي النسوي المحلي‪ ،‬الذي اجترح عوالم‬ ‫ال���س���ردي ي����ؤول ال��ظ��واه��ر ال���ج���دي���دة‪ ..‬وع��ل��ي��ه تعلق الرواية عبر مسار جمالي متقن على صعيد الرؤية‬ ‫الشخصيات تفسيرات لما انغلق فهمه عليها من واإلج����راءات األسلوبية والتكنيك ال��س��ردي‪ ،‬واألف��ق‬ ‫ال��غ��وام��ض‪ ..‬وتستشرف من خالله معالم وتفاصيل الجمالي لنص هو نص المكان بجدارة‪.‬‬ ‫< ناقد من السعودية‪.‬‬ ‫(‪ )1‬أميمه الخميس‪ .‬البحريات‪ ..‬رواية صادرة عن دار المدى‪ ،‬دمشق‪ ،‬الطبعة األولى ‪2006‬م‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪39‬‬


‫أقاصيص‪..‬‬ ‫> وائل وجدي‬

‫<‬

‫طريق‪..‬‬ ‫‪ ..‬لم يبق إال لحظة‪ ،‬ويغطس قرص الشمس؛ تستكين من وعثاء السفر‪ ..‬تبحث عن‬ ‫الطريق‪ ..‬اللون األصفر الداكن‪ ،‬يفرش مدى بصرك‪..‬‬ ‫تتعثر خطاك‪ ،‬وتدور في دوائر ال نهائية‪ ..‬العتمة‪ ،‬وصفير الرياح سادران‪..‬‬ ‫تعود إلى بداية الطريق؛ لعلك تجد بقعة ضوء‪..‬‬

‫احللـم‬ ‫الشمس تغرب باكية‪.‬‬ ‫يقف حائرًا‪ .‬البرودة تتسرب في أوصاله‪ .‬يتدثر بالثرى‪ ،‬ويلتحف به‪ .‬عيناه مغرورقتان‬ ‫بالدمع‪ .‬يرنو إلى السماء‪ .‬يجأر بالدعاء‪ .‬استند إلى حائط قريب‪ .‬وضع يده تحت رأسه‪.‬‬ ‫الظالم يتالشى رويدًا‪ ،‬رويدًا‪ .‬ضياء يغشى األبصار‪ .‬أريج عطر ينبعث في األفق‪ .‬أشجار‬ ‫وارفة‪ .‬وجوه باسمة‪ ،‬مستبشرة‪.‬‬

‫قصص‬ ‫قصيرة‬ ‫‪40‬‬

‫ذكـرى‬ ‫ تك‪ ..‬تك‪ ..‬تك…‬‫تأتى من بعيد خافتة‪ ..‬يعلو صداها في نفسي‪ ،‬تؤنسني‪ ،‬تبعد وحشة الوحدة‪ ،‬الليل‪،‬‬ ‫ومذاكرة الليسانس‪.‬‬ ‫انهض نافضاً السأم‪ ..‬ألمح الحاج «سيد»‪ ..‬جلبابه األبيض‪ ،‬طاقيته البيضاء‪ ،‬وعصاه‬ ‫صاحبة الطرقات الحميمة‪ .‬أتابع خطاه المتئدة إلى مسجد «الصحابة»‪ ..‬أشخص إلى‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫ال النجم‪ ..‬القمر‪ ..‬السحب الداكنة‪..‬‬ ‫السماء‪ ،‬متأم ً‬ ‫يلفحني نسيم الفجر‪ .‬أع��ود إل��ى األوراق وكوب‬ ‫الشاي‪.‬‬

‫دوائر حلزونية‪..‬‬

‫بـريـق‬ ‫‪ ..‬يجثو على الصخر‪ ،‬ترنو عيناه إلى زرقة البحر‪..‬‬ ‫المدى البعيد‪ ،‬بعيد‪..‬‬ ‫يأخذ الموج بتالبيب نفسه‪ ..‬شي ما يستبيه‪..‬‬

‫يعود إلى حضن جدته‪ .‬تحدثه محذرة من عروس‬ ‫ت��دخ��ل ل��ع��ب��ة ال��ك��ر وال���ف���ر‪ .‬ت��ت��رك ق��ل��ب��ك ع��ل��ى ب��اب‬ ‫البحر‪ ،‬وعالمها‪..‬‬ ‫الحلبة‪.‬‬ ‫أنت‪..‬‬ ‫تتساءل‪ :‬من أنت‪ ..‬من ِ‬ ‫أتغنم بالجائزة أم تكون فارسً ا‪ -‬كالمعتاد ‪ -‬منزوع‬ ‫الحسام‪..‬‬

‫يبتسم إليها‪ ،‬وينتظر‪.‬‬

‫تالشي الغبار!!‬

‫تتصاعد دوائر الغبار‪ ،‬الكثيف إلى المدى‪ .‬تقف‬ ‫في منتصف الطريق‪ .‬تنتظر ‪ -‬كل يوم ‪ -‬أمام النفق‪.‬‬ ‫صورة باهتة‪..‬‬ ‫ترقب خروج « تاكسي»‪ ،‬لعل سائقه يرضى‪ ،‬أن يقلك‬ ‫إط��ف��اء ال��ن��ور‪ ..‬أزي���ز ال��ط��ائ��رات‪ ..‬يرعشني‪ .‬أقفز‬ ‫إلى المستشفى البعيد ألخذ جلسة اإلشعاع‪ .‬تسأم‬ ‫من سريري‪ ،‬الصغير‪ .‬أجري إلى سرير أبي وأمي‪.‬‬ ‫مشوارك؛ لكنك تجد دوائ��ر الغبار‪ ،‬تتالشى وسط‬ ‫أرفع الغطاء‪ .‬أدفس نفسي بينهما‪ .‬أحضنهما‪ .‬تهدأ‬ ‫أشعة الشمس الحارة‪..‬‬ ‫رعشتي‪..‬‬

‫سيدة الوردة‪..‬‬ ‫شاطئك‪/‬‬ ‫ِ‬ ‫أتعبتي قلبي‪ /‬روح��ي‪ ..‬متى تبحرين من‬ ‫المخاتل‪..‬؟‬ ‫أتنتظرين رحيل الموجة‪ ،‬العاتية‪ ..‬المدمرة‪..‬‬ ‫��رك‪ ..‬ولعلي‪..‬‬ ‫لعلي‪ ..‬ال أنتظر؛ حتى يجف ب��ح ِ‬ ‫ولعلي‪..‬‬

‫تغريد‬

‫يرنو من وراء خصاص النافذة‪..‬‬ ‫تطالعه يمامة‪ ،‬تدندن لحن الصباح‪..‬‬ ‫يفتح الضلفة‪..‬‬ ‫تطير‪ ،‬وينداح لحنها في المدى‪..‬‬

‫< قاص من مصر‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪41‬‬


‫الهر األسود‬ ‫> ياسر عبدالباقي‬

‫<‬

‫يدخل مقهاه المفضل‪ ،‬ويجلس في كرسي قريب من زجاج المقهى المطل على الشارع‪ ،‬خطواته‬ ‫المرتبكة عند دخوله إلى المطعم لفتت االنتباه للحظات قليلة‪ ،‬خاصة عندما بعثر الكراسي من‬ ‫لثوان قليلة‪ ،‬وصرف كل منهم النظر عنه‪.‬‬ ‫أمامهم بطريقه مثيرة‪ ,‬لكن هذا استمر ٍ‬ ‫حاول أن يخفي يديه المرتجفتين تحت الطاولة أو بين فخديه‪ ،‬عيناه ال تغادران الشارع‪ ،‬عيناه‬ ‫ال تغادران األرض‪ ،‬وراح يحدق في كومة من القمامة تحت بناية قديمة‪ ،‬يضع النادل قدحاً من‬ ‫الشاي الحليب لزبونه الدائم ويرحل دون أن يقول شيئاً‪.‬‬ ‫يمسك قدح الشاي‪ ،‬يتركه معلقاً لفترة طويلة‪ ،‬ما زال يحدق في الشارع وفي كومة القمامة‪،‬‬ ‫يرى شيئاً يتحرك من بين القمامة‪ ،‬يهتز القدح بيده‪ ،‬وعيناه تتسعان تحديقا في ذلك الشيء‬ ‫المتحرك‪ ،‬يخرج قط أبيض من بين القمامة‪ ،‬يتنهد الرجل بارتياح‪.‬‬ ‫مرحبا‪ .‬صوت رجل آخر وهو يهم بالجلوس أمامه‪.‬‬ ‫يسقط قدح الشاي من يده‪ ،‬مما يؤدي إلى ضجة‪ .‬مرة أخرى يلتفت رواد المقهى نحوهما‪،‬‬ ‫يسرع النادل في محو أثر الشاي والزجاج المنكسر‪.‬‬ ‫يعتذر الرجل اآلخر قائال‪ :‬عفوا لم أقصد أن أفزعك‪.‬‬ ‫ينظر إليه الرجل بوجهه الشاحب ويسرع في إخفاء يده تحت الطاولة‪ ,‬ثم يعيد وجهه إلى‬ ‫الشارع؟‬ ‫ سأطلب لك شاياً‪.‬‬‫عاد النادل وبيده قدحان من الشاي‪.‬‬ ‫ لماذا تحدق في الشارع؟‬‫رأيتك أكثر من مرة تدخل مرتبكاً ومحدقاً في الشارع‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫‪..-‬‬

‫خائفا ومرتبكا‪.‬‬

‫فيضحك ال��رج��ل وي��ق��ول‪ :‬بالتأكيد أن���ت لست‬ ‫يحاول الخائف المرتبك الشاحب محو الصورة‬ ‫مجنونا‪ ..‬فالمجنون ال يقود سيارة‪.‬‬ ‫السلبية عنه‪ ،‬إذ ينظر للرجل بسخرية مصطنعة‬ ‫وابتسامة باهتة ويقول‪ :‬أنا خائف؟ أنت تحلم‪.‬‬ ‫وعاد ليسأل‪ :‬هل أنت هارب من شيء؟‬ ‫ي��ه��ز ال��رج��ل رأس����ه‪ :‬ك��� ّل م��ن��ا يعيش ال��خ��وف في‬ ‫بسرعة البرق يحدق الشاحب بركن عينه نحوه‪،‬‬ ‫جسمه‪ ,‬مثال أنا ومنذ فترة قريبة بدأت أخاف من‬ ‫ومن ثم يعود بها إلى الشارع‪.‬‬ ‫عبور الشارع‪ ،‬لعل سيارة تأتي وتدهسني‪.‬‬ ‫كانت ه��ذه النظرة كافية لآلخر‬ ‫قاس‬ ‫وقال العبارة األخيرة بصوت ٍ‬ ‫ل��ي��س��أل م����ره أخ������رى‪ :‬مِ ����� ّم أن��ت‬ ‫وحاد‪.‬‬ ‫خائف؟‬ ‫يضحك ال��رج��ل الشاحب‬ ‫ ل���س���ت خ���ائ���ف���اً‪ ،‬ي��ص��رخ‬‫ألول مرة‪ :‬حقا‪ ،‬وكيف ستكون‬ ‫الشاحب ويضرب الطاولة ويهتز‬ ‫ح���ي���ات���ك إذاً دون أن ت��ع��ب��ر‬ ‫قدحا ال��ش��اي ف��ي مكانهما‪ .‬مرة‬ ‫شارعاً؟‬ ‫أخ��رى يحدق رواد المقهى نحوهما‪،‬‬ ‫يبتسم ال��رج��ل وي��ق��ول ب��ب��رود‪ :‬رأي���ت يا‬ ‫وإن طال نظرهم إليهما قليالً‪.‬‬ ‫صديقي‪ ،‬أنا مثلك خائف‪.‬‬ ‫يبتسم الرجل ببرود‪ ،‬ويطلب منه الجلوس ويقول‪:‬‬ ‫ قلت لك لست خائفاً‪.‬‬‫اهدأ يا صاحبي‪ ،‬ل ِ َم أنت غاضب‪.‬‬ ‫يضم الرجل يديه بين صدره ويقول‪ :‬لنفترض أنك‬ ‫يكح ال��ش��اح��ب‪ ،‬وي��ح��اول أن يكظم سعاله بكف‬ ‫يده‪ ،‬يلتفت إلى الشارع‪ ،‬ثم يجلس‪ ،‬لكن بعد أن يدير لست خائفاً‪ ،‬لنقل أنك فقط قلق‪ ،‬ما الذي يقلقك‪،‬‬ ‫صدقني أنا هنا ألساعدك‪ ،‬جربني‪.‬‬ ‫الكرسي وظهره عن الشارع‪.‬‬ ‫يمرر الشاحب لسانه على شفتيه‪ ،‬ويحدق إلى‬ ‫يعلق الرجل على ذلك‪ :‬آه‪ ..‬اآلن أفضل‪ ،‬لنتحدث‬ ‫المبنى القديم وكومة القمامة‪ ،‬ويقول‪ :‬هل ترى تلك‬ ‫قليالً‪.‬‬ ‫القمامة التي في أسفل المبنى؟‬ ‫لهجته ال��م��ت��وت��رة م��ا زال���ت واض��ح��ة ف��ي كالمه‪:‬‬ ‫ نعم إني أراها‪ ،‬غالبا ما أمر أمامها‪.‬‬‫نتحدث‪ ..‬لماذا؟ من أنت؟‬ ‫ لن تصدقني‪.‬‬‫ صديق‪.‬‬‫ي��دي��ر ال��ش��اح��ب رأس���ه إل��ى ال��ش��ارع‪ ،‬لكن لثوان‬ ‫قليلة‪.‬‬

‫‪ -‬جرّب‪.‬‬

‫‪ -‬منذ أكثر من شهر بدأ يتبعني ويراقبني‪.‬‬

‫‪ -‬لماذا تنظر إلى المبنى القديم؟‬

‫‪ -‬من؟‬

‫‪ -‬ال تتدخل‪ ..‬ال شيء يعنيك‪.‬‬

‫‪ -‬هر‪.‬‬

‫‪ -‬اعتبرني صديقا‪ ..‬تكلم ما الذي يجعلك هكذا‬

‫‪ -‬هر! قالها الرجل بلهجة ساخرة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪43‬‬


‫يلتفت إليه الشاحب غاضبا‪ :‬قلت لك بأنك لن القمامة‪ :‬انظر ها هو‪.‬‬ ‫تصدقني‪.‬‬ ‫نظر الرجل اآلخ��ر وعلق س��اخ��را‪ :‬أي��ن‪ ..‬ال أرى‬ ‫بل أنا أصدقك‪ ،‬لكني ال أرى هذا الهر األسود‪ ..‬سوى كيساً أسود‪.‬‬ ‫فيسقط الشاحب‪ ،‬ويتنهد قائال‪ :‬لقد رحل‪ ،‬لقد‬ ‫ أسود! لم أخبرك أنه أسود‪ ..‬كيف عرفت أنه‬‫كان هنا‪ .‬أال تصدقني؟‬ ‫أسود؟‬ ‫أصدقك‪ .‬لكن اهدأ وأخبرني لماذا يراقبك هر‬ ‫ أه��و أس��ود حقا؟ مجرد تخمين‪ .‬أخبرني ما‬‫أسود؟‬ ‫قصته؟‬ ‫قلت لك إنه يراقبني منذ فترة‪ ,‬لكنني اليوم ال أراه‬ ‫وهذا شيء غريب‪.‬‬ ‫شرب الرجل الشاي دفعه واحدة‪ .‬ووقف‪ ،‬ومن ثم‬ ‫استدار ليمشي‪ ،‬ناداه الرجل الشاحب‪ ،‬وقال‪ :‬هيه‪..‬‬ ‫أنت أيها الغريب‪ .‬أال تصدقني؟‬

‫ ال أدري‪ ..‬ال أدري‪.‬‬‫ فكّر‪ ،‬لماذا يراقبك هر أسود؟‬‫ لقد‪..‬‬‫‪ -‬ماذا؟ أكمل؟‬

‫ لقد حدث هذا منذ فترة طويلة‪ ..‬لكن ال‪ ..‬ال‪..‬‬‫ سأكون مجنونا إن صدقتك‪ .‬هر يراقبك! أأنت‬‫ال‪ ..‬ال يمكن أن تكون هناك عالقة بــ‪ ..‬ويسكت‪..‬‬ ‫مريض؟‬ ‫ قل‪ ،‬ما الذي حدث؟‬‫ أنا ال أك��ذب‪ ,‬وصمت للحظات ثم قال بصوت‬‫كنت شابا طائشا‪ ..‬حدث أني دهست هراً أسود‪،‬‬ ‫ضعيف وخجول‪ :‬أنا خائف‪.‬‬ ‫لقد تعمدت أن أسحقه تحت عجالت السيارة أكثر‬ ‫هز الرجل اآلخر رأسه‪ ،‬ومشى مبتعدا عنه‪ ،‬فصاح‬ ‫من مرة‪ ،‬لكن هذا كان قبل عشر سنوات‪.‬‬ ‫الشاحب‪ :‬إلى أين؟‬ ‫اكتفى الرجل بتنهيده‪.‬‬ ‫سأعود‪ ،‬سأدخل الحمام‪.‬‬ ‫ لكن‪ ،‬ما عالقة هذا الهر بذاك؟!‬‫وعاد الشاحب ليحدق إلى أسفل المبنى القديم‪،‬‬ ‫ ال أدري‪ ,‬ربما جاء لينتقم‪.‬‬‫ومن بين القمامة ظهر ذيل أسود‪ ،‬تحرك الشاحب‬ ‫ف��ي م��ك��ان��ه‪ ،‬وي��خ��رج م��ن ب��ي��ن ك��وم��ة ال��ق��م��ام��ة هر‬ ‫ أتسخر مني‪.‬‬‫أسود‪ ،‬يدور حول نفسه ومن ثم يقف ويحدق إلى‬ ‫ ال‪ ..‬دهست هرا أسود‪ ..‬أسود‪.‬‬‫المقهى‪ ،‬يرتعب الشاحب ويلتفت باحثا عن الرجل‪،‬‬ ‫وكرر كلمة أسود بصوت عميق‪.‬‬ ‫فيركض نحو الحمام باحثا عنه‪ ,‬لكنه لم يجده‪،‬‬ ‫فيخرج فيجده قادما من خارج المقهى‪ ،‬فيسأله‪:‬‬ ‫ ماذا تقصد؟‬‫أين كنت؟‬ ‫ إنه شيطان‪.‬‬‫ ذهبت ألتصل‪ ،‬ماذا حدث لماذا أنت مرتعب!‬‫فيقف ال��ش��اح��ب غ��اض��ب��ا وي��ص��ي��ح‪ :‬أن���ت تسخر‬ ‫ج��ره الشاحب م��ن ي��ده إل��ى طاولته‪ ،‬وأش���ار إلى مني‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫يصمت جميع رواد المقهى لثوان قليلة‪ ،‬ومن ثم أي شيء‪ ..‬حتى اإلنسان‪.‬‬ ‫تعود الحياة مرة أخرى فيه‪ ،‬فيجلس ويقول هامساً‪:‬‬ ‫ ارحل من هنا‪.‬‬‫أنت تسخر مني‪.‬‬ ‫ اهدأ‪ ..‬سوف أرحل‪ ،‬لكن ألم تفكر؟‬‫ ي���ا ص��دي��ق��ي ف��ك��ر‪ .‬ه���ر اس����ود ي��راق��ب��ك منذ‬‫ ِبمَ!!‬‫أسبوع‪..‬‬ ‫ويشير الرجل نحو الشارع ويقول‪ :‬أين الهر اآلن؟‬ ‫يقاطعه الشاحب مندهشا‪:‬‬ ‫ وكيف عرفت أنه قد مر أسبوع؟!‬‫يهز الرجل كتفه دون مباالة ويرد‪ :‬أنت أخبرتني‪.‬‬

‫يهز الشاحب كتفه وعيناه عالقة نحو الشارع‪ :‬ال‬ ‫أدري‪.‬‬ ‫‪ -‬إنه هنا‪.‬‬

‫لم أخبرك‪.‬‬ ‫هنا‪ .‬فيتحرك الشاحب في مكانه ويبعثر بقلق‬ ‫ مجرد تخمين أو ألني شاهدتك على هذه الحال‬‫وخوف عينيه على المقهى‪.‬‬ ‫منذ أسبوع‪.‬‬ ‫ نعم‪ ..‬قلت لك الشيطان قادر أن يختبئ بجلد‬‫ينظر الشاحب إلى الشارع ويقول‪ :‬حسناً‪ ..‬ماذا‬ ‫إنسان‪ ..‬لماذا ال يكون هذا؟‬ ‫أردت أن تقول؟‬ ‫ويشير الرجل نحو النادل‪ ،‬فيعلق الشاحب‪ :‬هذا‬ ‫ إن الشياطين يختبئون خلف كلب أسود أو هر‬‫أعرفه منذ سنوات‪.‬‬ ‫أسود‪.‬‬ ‫ حسناً لماذا‪ ..‬ذاك الرجل األسود‪ ..‬إنه أسود‪.‬‬‫ وبعد‪..‬‬‫يهز الرجل الشاحب معترضا‪:‬‬ ‫ويقرب الرجل وجهه منه‪ ،‬فيقول بصوت هامس‪:‬‬ ‫ال‪ ..‬لقد سبق أن رأيت هذا جالساً‪ ،‬والهر واقف‬ ‫جاء لينتقم منك‪.‬‬ ‫تحت المبنى‪.‬‬ ‫يحاول الشاحب أن يضحك أو يصطنعها‪ ،‬لكنه‬ ‫ثم يضيف‪ :‬كما أني أعرف رواد المقهى‪ ،‬غالبا ما‬ ‫يكظمها ويقول‪ :‬هذا غير معقول‪.‬‬ ‫يدخله الغرباء‪.‬‬ ‫ ه��ذا ل��س��وء حظك لقد ده��س��ت أب��ا ه��ذا الهر‬‫ مثلي تماما‪.‬‬‫الشيطاني‪.‬‬ ‫ وكيف عرفت أن الذي دهسته كان أباً له‪ ،‬لم ال‬‫يكون أخاً أو أختاً؟‬

‫ينظر إليه الشاحب ويكتفي قائال»‪ :‬آه‪..‬‬

‫يُقرب الرجل رأسه نحوه‪ :،‬لماذا ال أكون أنا ذاك‬ ‫يتراجع الرجل قليال إل��ى ال���وراء وي��ق��ول‪ :‬مجرد الهر األسود‪.‬‬ ‫تخمين‪.‬‬ ‫ أن��ت تمزح‪ .‬قالها الشاحب وق��د ارتسمت في‬‫‪ -‬تخمين!! أنت تريد أن تخيفني‪.‬‬

‫‪ -‬يا صديقي‪ ..‬إن الشيطان له قدرة على تقمص‬

‫وجهة ابتسامة مرتبكة‪.‬‬

‫ه��ر أس���ود ص��غ��ي��ر‪ ..‬ي���رى وال����ده ت��ده��س��ه س��ي��ارة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪45‬‬


‫وتمزقه‪ ..‬يكبر هذا الهر لينتقم لوالده‪..‬‬ ‫اللعين‪..‬؟ وسكت‪ .‬وعاد لينظر إلى الهر والهلع في‬ ‫ وأي��ن كنت قبل عشر سنوات؟ قالها الشاحب وج��ه��ه‪ .‬ق��ال أي��ض��اً‪ :‬كيف ي��ع��رف ال��رج��ل أن��ي أملك‬‫سيارة‪ ,‬وأنه مضى على خوفي من الهر أسبوع وأن‬ ‫ساخراً ومرتبكاً‪.‬‬ ‫الهر كان أسود‪ ..‬هذا الغريب كأنه يعرفني‪ ,‬كان واثقا‬ ‫ كنت أبحث عنك‪.‬‬‫وهو يحدثني أن الهر الذي دهسته أبو هذا الهر»‪.‬‬ ‫ أنت تريد أن ترعبني‪.‬‬‫الهر ما زال واقفا ينظر إليه‪ ،‬التفت الشاحب إلى‬ ‫ينزع الرجل نظارته الشمسية ويقول‪:‬‬

‫انظر إلى عيني‪ ..‬إال تشبهان عيني الهر‪.‬‬ ‫ك��ان للرجل عينان خ��ض��راوان‪ ،‬يتراجع الشاحب‬ ‫إلى الخلف ويقول متشككاً‪:‬‬ ‫كان أيضا لجدتي عينان خضراوان‪ ،‬ولم تكن هرة‪.‬‬ ‫يلبس الرجل نظارته‪ ،‬ويقف ويقول‪ :‬سأعود‪.‬‬ ‫ إلى أين أنت ذاهب‪.‬‬‫‪ -‬إلى الحمام‪.‬‬

‫باب الحمام وسأل نفسه‪ :‬يذهب إلى الحمام مرتين‬ ‫في نصف ساعة‪ .‬هذا غير معقول‪ ،‬كما أنه في المرة‬ ‫األولى كان قادما من الشارع‪ ،‬آه‪ .‬وسكت‪.‬‬

‫ولمعت عيناه‪ ،‬وسأل نفسه‪ :‬أيمكن أن يكون هو‬ ‫الهر‪ .‬عيناه خ��ض��راوان‪ .‬وتوهم الشاحب أن عيني‬ ‫الرجل أمامه تقتربان وتقتربان تطبقان عليه‪.‬‬ ‫فينهض من كرسيه ويصيح‪ :‬سأقتله‪.‬‬ ‫فيهتز رواد المقهى لصرخته‪ ،‬ويخرج الرجل من‬ ‫جيبه سكيناً‪ ،‬ويصرخ وهو ينظر إلى الهر‪:‬‬

‫ويراقبه وهو يلج إلى الحمام‪ ،‬ثم يشعل سيجارته‪،‬‬ ‫ويطلب من النادل أن يحضر له شاياً آخ��ر‪ ,‬يلتفت‬ ‫ويركض إلى الشارع متجها إلى المبنى القديم‪،‬‬ ‫إلى الشارع ويجد الهر األس��ود ينظر إليه من عند رافعا يده إلى أعلى وبين أصابعه السكين‪ ،‬تدهسه‬ ‫المبنى القديم‪ ،‬يقف مذعوراً لكن سريعاً ينجح في شاحنة مسرعة وترمي به بعيدا نحو المبنى القديم‪.‬‬ ‫أن يخفي خوفه‪ ،‬ويلتفت إلى مدخل الحمام وينتظر‬ ‫تتوقف حركة ال��س��ي��ارات‪ ،‬يركض ال��ن��اس نحوه‪،‬‬ ‫خروج الرجل‪ ،‬ومن ثم عاد لينظر إلى الهر وكرر هذا‬ ‫أكثر من مرة‪ ،‬ولمعت عيناه وهتف يحدث نفسه‪ :‬هل ويلتفون حوله‪ ،‬يخترق أحدهم الحشد ويهتف‪:‬‬ ‫هذا معقول‪.‬‬ ‫هذا الرجل أعرفه‪ ..‬لقد كنا معاً منذ قليل‪.‬‬ ‫سأقتله‪ ..‬سأقتلك‪.‬‬

‫يضع النادل الشاي أمامه ويسأل‪ :‬هل تحدثني‪.‬‬ ‫لكن النادل لم يل َق جواباً ويذهب وهو يشير لزميله‬ ‫وي��ض��ع أح��ده��م ث��وب��ا ممزقا على وج��ه الجثة‬ ‫بحركة من يده في أن الرجل قد جن‪.‬‬ ‫حيث كانت عيناه عالقة على قمامة المبنى القديم‬ ‫ع��اد الشاحب يحدث نفسه‪ » :‬أيعقل أن يكون وه��ر أس���ود ي���دور ح��ول نفسه‪ :‬م��ي��او‪ ..‬م��ي��اووو‪..‬‬ ‫ال��رج��ل ه��و ال��ه��ر‪ ،‬ل��م��اذا عندما ي��ذه��ب يظهر الهر مياووووو‪.‬‬ ‫لقد مات‪.‬‬

‫< قاص من اليمن‬

‫‪46‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫كتابات‬ ‫(‪ِ )1‬ظل‬ ‫ال متدحرجا صوبَ الشاشة التي ظلت‬ ‫قام متثاق ً‬ ‫حط على الكرسي‬ ‫تخفق مرارا برقمه‪ .‬قبل أن يصل‪َّ ،‬‬ ‫يسبقه‪ ،‬يحمل أوراقه الثبوتيّة ذاتها‪ .‬لم ينفع جداله‬ ‫وال نظراته النارية وال تهديداته‪ .‬أيق َن أن جهدَه قنبل ًة‬ ‫دخانية سرعان ما يذهب أثرها‪ .���عاد أدراجه ينتزع‬ ‫انتظار جديدة‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫مضض شوك َة‬ ‫ٍ‬ ‫على‬ ‫عيناه مثبّتتان على توالي األرق���ام‪ .‬حين اقتربَ‬ ‫حط على‬ ‫دوره وقبل أن تبرق الشاشة تدعوه إليها ّ‬ ‫حط قبله بأوراقه ذاتها‪ .‬لم ينفع الغضب‬ ‫الكرسي‪ّ .‬‬ ‫وال امتقاع الوجه‪ .‬نف َخ وأراد أن يترك المكان يأساً‪.‬‬ ‫المعاملة ينبغي إنهاؤها اليوم‪ ،‬وإال الغرامات‪.‬‬ ‫م��اذا ل��و انتظ َر وت��ك��رّر المشهد ن��ف��س��ه؟‪ ..‬لماذا‬ ‫ال يذهب إل��ى المسؤول مباشرة‪ ،‬ويفتعل أ ّي��ة حجة‬ ‫لتجاوزه األنظمة التي ترتّب تسيير المعامالت؟ سوف‬ ‫يخترع عذراً؛ ِسنّه تسمح والبياض الكثيف يُ ْقنِع‪.‬‬ ‫طابتْ له الفكرة ونضجت عافي ًة في قدميه‪.‬‬ ‫تقدّم نحو مكتب المسؤول‪.‬‬ ‫قبل أن يرفع قدمَه الغائصة في السجّ اد‪ ،‬ش َّم‬ ‫رائح ًة غرستْه في مكانه‪ ،‬وتركتْ فمه مفتوحاً بمقدار‬ ‫ال يتّسع للدهشة وال للتراجع الحثيث‪.‬‬

‫(‪ )2‬اسطوانة‬ ‫«اِكسري بيضة»‬ ‫ال فائدة‪ .‬سأعيد المحاولة‪.‬‬ ‫«اِكسري بيضة»‬ ‫مرات عديدة والنتيجة نفسها‪.‬‬

‫> عبدالله السفر‬

‫<‬

‫«اِكسري بيضة»‬ ‫هذه هي الطريقة الصحيحة‪ ،‬ج َّربَها غيري‪ ،‬لماذا‬ ‫ال تستجيب‪.‬‬ ‫«اِكسري بيضة»‬ ‫أف‪ .‬ي��ا لهذا األف��ق ال��م��س��دود‪ .‬مَ��ن يكسر ط��و َق‬ ‫النّحس‪.‬‬ ‫«اِكسري بيضة»‬ ‫ال ب��أس‪ .‬ال ب��أس‪ .‬اه��دأْ قليالً‪ .‬ركّ���زْ‪ .‬رغ��م أنهم‬ ‫يقولون إذا لم تتغيّر النتيجة؛ ج��رّبْ طريقة أخرى‪.‬‬ ‫اِصبرْ‪ .‬اِصبرْ‪ .‬ال تتعجّ لْ‪ .‬طريقتي مضبوطة موزونة‬ ‫فقط أط ّبقُها بحذافيرها وأظفر بنتيجة وال أحلى‬ ‫منها‪.‬‬ ‫«اِكسري بيضة»‬ ‫«اِكسري»‪..‬‬ ‫«اِكسري»‪..‬‬ ‫ ‬

‫اِكس‪ ..‬ري‬

‫(‪ )3‬تعبير‬ ‫تزاحَ موا عليه‪.‬‬ ‫من يريد أن يستنشق عطرَه؟!‬ ‫من يريد أن يلمسَ ه وأن يدخل إلى جلده؟!‬ ‫من يريد أن يوقّع له تذكاراً؟!‬ ‫من يريد أن يمنحَ ه ابتسام ًة ودودة يتذكرها بقيّة‬ ‫عمره ويرويها ألحفاده؟!‬ ‫ثمّة من يريد أن يقاتل ليقترب جدا من الدائرة‬ ‫الضيقة‪ ،‬وأن تلتقي النظرات؛ ليم ّر َر رسال ًة واضحة‬ ‫ذات ثقل وغلظة‪« ،‬أنا ال أهتم»‪.‬‬

‫< قاص من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪47‬‬


‫جرمية‪..‬‬

‫> جعفر اجلشي‬

‫<‬

‫أمشط جديلة الوقت‪ ،‬وأستيقظ كل يوم على فوهة‬ ‫أم��س��ك ب��ال��ف��رش��اة م��ن ج��دي��د‪ ..‬تتحجر األل���وان‪،‬‬ ‫الفقد‪ ،‬وأس��ت��م��ريء أن تكونين إل��ى جانبي‪ ..‬حكاية والماء يتيبس في الكوب‪ ،‬واللوحة بدأت تضطرب كأن‬ ‫جدتي تلسعني‪ ،‬كلما أومض في ذاكرتي أنك كنت يوماً مساً من الجنون قد اجتاحها‪ ..‬تتراقص في الظالم‪،‬‬ ‫وتهرب‪ ..‬تهرب بعيداً نحو البحر تطارد المسخ‪.‬‬ ‫تقودين ركبي‪..‬‬ ‫لكن ذائقة الموت تترفق بحبل المسافات‪ ..‬هويناً‬ ‫ه��وي��ن��اً لتمضي ب��ي ن��ح��و رج��ف��ة ف��ائ��ق��ة االش��ت��ع��ال‪..‬‬ ‫لم تولد هذه السطور لترسم (بورتريه) لصديقي‬ ‫حنانيك‪ ،‬فما أنا ناسك‪ ،‬وما أنا ذاك الذي يصبر على‬ ‫ِ‬ ‫والصديق المخلص لجميع أفراد الشلة التي تجاوزت‬ ‫لسعة النار‪ ..‬تلك اللسعة التي تمطرينني بها‪..‬‬ ‫سنوات عالقتها أكثر من عشر سنوات‪.‬‬ ‫أت��دري��ن‪ ..‬عندما كنت تقذفيني بالثلج ال��داف��ئ؟‬ ‫يسمونه البسيط والمتواضع والعالمة والفقيه‬ ‫وكنت حينها أتمرغ في جدوله الصافي‪ ..‬لم يعد الثلج‬ ‫وال��ف��هّ��ي��م‪ ،‬وص��ف��ات أخ���رى كثيرة أع��ج��ز ع��ن ذكرها‬ ‫دافئا‪ ..‬أصبح في ذاكرتي جمراً‪ ..‬استحال إلى كرة‬ ‫هنا‪..‬‬ ‫سوداء أرمقها يومياً كلما اقتربت منك‪ ..‬لم يعد جدوله‬ ‫أخ��ي��راً أط��ل��ق عليه أح��د أف���راد الشلة (المثقف‬ ‫صافياً‪ ،‬صارت الضفادع تتقافز حوله‪ ..‬وأصبح اآلن‬ ‫الكبير)‪ ،‬وهو إذ يطلق هذا اللقب ال يطلقه جزافاً‪،‬‬ ‫مراً إلى حد الغثيان‪..‬‬ ‫وه��و يصر على ه��ذا التعريف متكئاً على قائمة من‬ ‫أمشط جديلة الوقت‪ ،‬كي أنتهز فرصة دون فائدة‪ ..‬اإلن��ج��ازات ال��ت��ي ق��ام بها صاحبنا‪ ،‬وع���دد كبير من‬ ‫كي أقتنص عنف الماضي‪ ،‬وأدون مضغة شقية‪ ..‬أتلمظ مالحظات التقدير واالح��ت��رام م��ن قبل شخصيات‬ ‫سفر ال��ش��ه��وة‪ ..‬أتحسس ق���دري‪ ..‬ه��ل م��ا زل��ت أقف اجتماعية وثقافية‪.‬‬ ‫مصلوباً‪ ..‬أم أن الهزة األرضية التي حدثت بالقرب منا‬ ‫م��رات كثيرة يتوج ملكاً للقاء أو لندوة يحضرها‪،‬‬ ‫ذات نزهة ما زالت تتردد‪ ..‬هل تجرؤ على ذلك؟‬ ‫فهو ال تنقصه الثقافة وال تعوقه المعلومة‪ ،‬ودائماً‬ ‫مسخ يتلوى إل��ى ج��ان��ب ل��وح��ة تشكيلية رسمتها يكون في صدارة منتجي الرأي واألفكار الخالقة‪.‬‬ ‫باألمس‪ ..‬فتاة تمرق بجانب تلك اللوحة‪ ..‬تدخل فيها‪،‬‬ ‫أق��ول ليست ه��ذه محاولة لرسم (بورتريه) لهذا‬ ‫تخرج منها‪ ..‬أصبحت الفتاة مكررة‪ ..‬ثالث فتيات‪..‬‬ ‫الصديق فهو يستحق أكثر من ذلك‪ ،‬إنما مصدر هذا‬ ‫غابت اللوحة‪ ..‬لم أعد أشاهد شيئاً‪ ..‬وجع إلى حد‬ ‫ال��ب��وح‪ ،‬هو خبر صغير قرأته قبل أي��ام في صحيفة‬ ‫ال��ل��وع��ة‪ ..‬أع���ود للمسخ‪ ..‬أح���اول عبثاً تشكيله من‬ ‫صفراء مهملة ربما يعود تاريخها لعدة أي��ام خلت‪،‬‬ ‫جديد‪ ..‬وليس بمقدوري أن أفعل شيئاً‪..‬‬ ‫مفاده وف��اة مثقف مغمور عن عمر يناهز السبعين‬ ‫ها هو يغادر‪ ..‬يغادر‪ ،‬يمضي مهروالً نحو البحر‪ ،‬عاماً في شقته البائسة؛ ألن��ه لم يجد ال��دواء الذي‬ ‫ليغطس بعيداً عني‪ ..‬حتى هذا الكائن المشوه الذي يعالج به أمراضه المختلفة‪ ،‬بدءاً من السكر وضغط‬ ‫الدم وليس انتهاء بالربو وضعف الذاكرة‪.‬‬ ‫أفسد لوحتي ال يريد أن يطاوعني‪..‬‬

‫رد اعتبار في وقت متأخر‬

‫< قاص من السعودية‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫مرة غير قابلة للتكرار‬

‫> حسن البقالي‬

‫<‬

‫حين م��رت الحافلة بتلك القرية الصغيرة التي‬ ‫يخرقها شارع طويل ووحيد‪ ,‬لمحت عبر فرجة باب‪,‬‬ ‫عينا وبعض خضاب‪.‬‬ ‫كانت العين سوداء وحزينة جدا‪ ..‬بينما الخضاب‬ ‫الزاهي على األنامل شبيه بدعوة مبهمة أو إشراقة‬ ‫مباغتة‪.‬‬ ‫يخامرني يقين راسخ بأني لو مررت من هناك مرة‬ ‫أخ��رى‪ ,‬سأجد في انتظاري العين الحزينة الرائعة‬ ‫نفسها واألن��ام��ل المخضبة ذات��ه��ا‪ ,‬عبر اإلن��ف��راج��ة‬ ‫الضئيلة للباب‪ ,‬كما ل��و أن نظرتي األول���ى سجنتها‬ ‫هناك إل��ى األب���د‪ ..‬وحتما سأعيد الشهقة الحالمة‬ ‫نفسها‪ ,‬وأفكر ثانية ب��أن م��ب��دأَيْ التقابل واإلضمار‬ ‫أ ُسّ ان ال يضاهَ يان للجمال‪..‬‬ ‫لكني أع��رف باليقين ال��راس��خ نفسه أن مشهدا‬ ‫ساحرا كذاك ال يمكن أن يُمنح للرائي مرتين‪ ,‬وهذا‬ ‫معناه أني لن أمر من هناك أبدا‪.‬‬

‫بوح مؤجل‬ ‫قد يحدث أن أحدثك قليال‪..‬‬

‫قصة «بوليسية» تحدث كل يوم‪:‬‬ ‫في واضحة النهار‪..‬‬ ‫أحاط به اثنان وثالثهما مدية‪.‬‬ ‫همس أحدهما فيما يشبه المناجاة‪:‬‬ ‫المبلغ ال���ذي صرفته للتو م��ن البنك ووضعته‬ ‫بالجيب الداخلي األيسر للسترة‪.‬‬ ‫و َّد أن يصرخ‪ ..‬أن يستعطف‪ ..‬أن يقاوم‪ ..‬يجري‪..‬‬ ‫ينام كي يحلم بشئ جميل‪ ..‬كانت المدية قلقة بشكل‬ ‫يدعو إلى اإلنقياد‪.‬‬ ‫الشرطيان اللذان كانا بالقرب منه‪ ,‬أدارا ظهريهما‬ ‫للعملية‪ ,‬يتحادثان عن سهرة الليلة‪ ,‬حين يتوصالن‬ ‫بالمظروف الدافئ‪.‬‬

‫اإلسم‬ ‫كان بين الجموع‪..‬‬ ‫يتمشى في التيه‪ ..‬يرى الناس والجدران والواجهات‬ ‫والسيارات المارقة في نزق‪ ,‬مجرد أطياف ال لون لها‬ ‫في العتمات التي تسكنه كالموج‪.‬‬ ‫يتمشى دون اشتهاء‪..‬‬

‫وأهمس في أذن��ك بكالم جميل تتفتح له أكمام‬ ‫روحك‪ ,‬وتدق سنابك الحب المبتهج شعاب القلب‪..‬‬ ‫يكتفي ببحلقة فارغة في األشياء‪ ,‬حين كانت ي ٌد‬ ‫حتى إذا تمكن منك كقراد بغيض‪ ,‬وأصابك األرق تستوقفه وصوت يناديه‪:‬‬ ‫أي���ام���ا‪ ..‬ث��م ت��ط��ور األرق إل���ى اك��ت��ئ��اب ومحاولتين‬ ‫ محمود‪ ..‬محمود‪.‬‬‫فاشلتين لإلنتحار‪ ..‬عندها – وعلما ب��أن الثالثة‬ ‫وكمن يفيق من غيبوبة طالت أكثر مما قدر لها‪,‬‬ ‫ستنجح ال محالة ‪ -‬سأخبرك عن طبيعة عالقتنا‪..‬‬ ‫أنت الشخصية الورقية ذات النفسية المهزوزة‪ ,‬وأنا غمغم لنفسه‪:‬‬ ‫ آه‪ ..‬محمود‪ ..‬اسمي محمود‪ ..‬اسمي محمود!‬‫الكاتب الذي أقر أخيرا بفشله‪.‬‬ ‫< قاص من المغرب‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪49‬‬


‫قصص قصيرة جدا ً‬

‫> عبداحلفيظ الشمري‬

‫<‬

‫ضجر متمترس‪ ..‬يكيل ألعيننا النعاس‬ ‫«‪ »1‬نعاس‬

‫بقرب برئه‪ ،‬ويحيك خيوط وعد ممكن لخالص قريب‪.‬‬

‫ليست العتمة وح��ده��ا م��ن تبعث النعاس ف��ي هذا‬ ‫المكان المعد لوظيفة «ق��ارئ قضايا»‪ ..‬إنما الضجر‬ ‫المتمترس‪ ،‬يراتب أيضاً مللنا ال��دائ��ب‪ ،‬لنجوس خواء‬ ‫نعاسنا ال��ذي يبين اآلن على هيئة فتور‪ ،‬يرتسم على‬ ‫محيا هذا القارئ المتثائب‪.‬‬

‫الليل في مخاضه األبدي يلد ‪ -‬عادة ‪ -‬في النهاية‬ ‫شمساً رشيقة ت��ض��يء ق��ل��وب ال��خ�لائ��ق‪ ،‬وت��ش��رق على‬ ‫األمكنة‪ ..‬لكن العتمة ال تلبث إال أن يفاجئها المخاض‪،‬‬ ‫لتلد لنا في (الثامن من شوال) قمراً رائقاً‪..‬‬

‫«‪ »2‬مسافة‬

‫«‪ »6‬والدة‬

‫الشمس وح��ي��دة ألبيها ال��ن��ه��ار‪ ،‬أم��ا الليل فإنه أبو‬ ‫األقمار وأهله‪.‬‬

‫«‪ »7‬إيحاء‬

‫عندما يجافي القول العمل في متطلبات الحق لهذه‬ ‫المرأة الملقاة على قارعة الفقد‪ ،‬في وضح نهار المدن‪،‬‬ ‫بقايا قشور الطين على هذه األرض السبخة توحي بانزواء‬ ‫التي تصم أذنيها دائ��م��اً عن كل ع��وي��ل‪ ..‬يصبح الوعد الماء ال��ذي ظل يقاوم رغبة في البقاء‪ ..‬ف��األرض الصدئة‬ ‫حيادياً موشى برمادية مجردة من برء محتمل ألسقامنا‪ .‬نصبت له مكيدة على هيئة أخاديد ابتلعته دون عودة‪.‬‬

‫«‪ »3‬هجير‬

‫«‪ »8‬أمان‬

‫في الهجير ال��ذي يذيب ثبات ال��رع��اة‪ ..‬ها هم مع‬ ‫في مخابئ الجدران داخل أسوار المدن الالمعة قد‬ ‫دوابهم في المفازة القفر‪ ،‬يتذرعون بوهج الصبر المدرب ال تجد األم���ان‪ ..‬حتى وإن حاولت أن تفتش عنه بين‬ ‫على دخول الحالة والخروج منها بأقل ضرر ممكن‪.‬‬ ‫أنقاض يومك‪ ..‬لن تجدي المحاوالت نفعاً‪.‬‬

‫«‪ »4‬أحياء‬ ‫األم���ان ه��ذا المخلوق العجيب ستجده ذات مساء‬ ‫األحياء داخل خوفهم ملجمين هنا على هذا المنحدر‪ ..‬شارداً كوعل عفي وحذر يخب التخوم‪.‬‬ ‫يمكن ألي «قانط» أن يقول‪ :‬إنهم على الهامش يتكاثرون‪،‬‬ ‫«‪ »9‬جدران‬ ‫ب��ل ه��م من��كون دائ��م��اً لفرط إدالج��ه��م ب��دأب الصعود‬ ‫الجدران المائلة‪ ،‬توحي بمآل حتمي إلى السقوط‪،‬‬ ‫والهبوط‪ ،‬بال جسارة على كتف هذا المنحدر العنيد‪ ..‬لكنها تعكس حال رغبة هرمة‪ ،‬تتشبث بأهداب البقاء‬ ‫«‪ »5‬صراع‬ ‫أطول مدة ممكنة في وجه نائبة‪ ،‬قد تحيله في أي لحظة‬ ‫دبت في جسده الناحل مظاهر صراع خفي ومؤذ‪ ..‬كل إلى أنقاض وركام‪.‬‬ ‫عضو في جسده يثكل فاجعة فقده لعافيته‪ ،‬ويشي باآلخر‬ ‫«‪ »10‬وخز‬ ‫سوء لمن سواه‪ ..‬أقواها العقل كتبت له الجرأة أن يقول‪:‬‬ ‫ل�لأش��واك جَ ل َد عجيب على تقمص دور المحارب‬ ‫أرحم نفسك‪ ،‬وارأف بأمري‪..‬‬ ‫الشرس عن تخوم أرض تغرس فيها جذورها‪ ،‬وتكفل لها‬ ‫لكن على الطرف اآلخر من معادلة حياته المضعضعة‪ ،‬البقاء‪ ،‬لكنها وبرغبة مخاتلة تخز وبدربة متقنة كل من‬ ‫لم يلو القلب المسكين على شيء‪ ،‬إذ ظل يسكب األمل يطأ لها على طرف ولو من بعيد‪.‬‬

‫< قاص من السعودية‬

‫‪50‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫على خيوط العنكبوت‬ ‫> ليلى آيت سعيد‬

‫<‬

‫بداية مؤلمة‬ ‫ال يراها إال حين تودعه آخر أيام األسبوع‪ ..‬أو حين ينقضي الشهر‪ ،‬وال يجرؤ أن يسألها‬ ‫شيئا‪ ..‬تقطعت به األسباب أو ك��ادت‪ ..‬هو ال يعرف من أمرها شيئا خ��ارج زاويته التسعين‪..‬‬ ‫وبالمثل هي‪..‬‬

‫النهاية‬ ‫ألف فكرة وفكرة راودت��ه‪ ..‬تأخذه من حاضره لترميه خلف قضبان السنين الماضية‪ ،‬التي‬ ‫جعلت من آبائه وأجداده رجاال يذكرهم التاريخ‪ ..‬وما صنعت منه؟ رجال لينساه التاريخ!!‬ ‫حتما هذا ما فكر به وهو ينظر إلى الزاوية التسعين في غرفته‪ ،‬أثاره منظر العش الكبير‬ ‫لعنكبوت تائه اختار زاوية منسية‪ ..‬مالذا من تقلبات أحوال بني البشر الهستيرية‪..‬‬ ‫_ أيها العنكبوت‪ ..‬لن يذكرك التاريخ ها هنا‪..‬‬ ‫هجس لنفسه‪ ..‬ساخرا؟ ساخطا؟ أو حتى معاتبا‪ ..‬تلك أحاسيس ذهبت مع الريح يوم حملت‬ ‫الريح كل شيء سواه‪..‬‬ ‫لم يكن األمر بمنتهى السهولة كما تصور‪ ،‬أو تبادر إلى ذهنه أول األمر‪ ..‬فكر كثيرا كما لم‬ ‫يفكر من قبل‪ ..‬وفجأة وجد أن كل ما فكر به لم يعد مجديا‪ ..‬صفعته فكرة تائهة وضعها في‬ ‫خانة فارغة من شبكة أيامه المتقاطعة‪ ..‬ليست صحيحة‪ ..‬عليه أن يجد حال أو فكرة أخرى‬ ‫يسد بها فراغ عمره‪..‬‬ ‫تساءل‪:‬‬ ‫ كم عنكبوتا عاش ومات في زاويته هذه؟ باستئذان أو بدون استئذان‪.‬‬‫ابتسم‪ ..‬تطلع ‪ -‬بعينين آسفهما منظره الراكد في الزاوية كحلزون أعرج ‪ -‬إلى العش من‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪51‬‬


‫جديد‪ ..‬وحملق في كل الزوايا بشيء من التطلع نحو االدعاء بأنه قمة من قمم الصواب‪ ..‬ولعمري‪ ..‬فإن‬ ‫نقطة أو فكرة غائبة ش��اردة‪ ،‬ال تريد أن تستقر في قمة ما أحرقت به صمتك كان عذرا أبشع من زلة‪..‬‬ ‫ذهنه المهترئ‪..‬‬ ‫أو ربما سأتعلم منك أنه إلبعاد الشيء‪،‬ال بد أن نبعد‬ ‫الذي أتى‪ ..‬؟؟‬ ‫نهاية منطقية‬ ‫الزمن وح��ده ال يكفي إلذاب��ة خريف عمر بائس‬ ‫رمى بظله على قارعة السنين الماضية‪ ..‬قلب دفاتر‬ ‫الماضي‪ ..‬فتح كتاب التاريخ‪ ،‬يبحث عن سبب مقنع‬ ‫يشفي به غليل شبكة ال تريد أن تكتمل‪..‬‬

‫جنونك يجعل مني راقصة جعلت كرامتها وكبرياءها‬ ‫في كيس بالستيكي وضعته جانبا‪ ،‬وهمت أن ترقص‬ ‫على أعصابها بكل برود‪ ..‬وفي النهاية كانت المتعة‪..‬‬ ‫أن نكتشف جمال الوهم وزيف الحقيقة‪ ،‬وأن الخط‬ ‫األبيض الذي وحد أقدارنا ولطخ أجسادنا ما كان‬ ‫ليكون شيئا استثنائيا‪ ..‬العالم ال يخلو من خطوط‬ ‫بيضاء‪ ،‬ولعل الذي وحدنا كان أكثرهم سوادا‪..‬‬

‫ح��ي��ن زارت����ه آخ���ر م���رة ح��م��ل��ت إل��ي��ه ب��ع��ض��ا م��ن»‬ ‫الرغائف المعمرة» التي ك��ان يعشقها‪ ..‬في يديها‬ ‫ملح البنة كما قال كاتبه المفضل ذات يوم‪ ..‬وأنى له‬ ‫شبعت من الترهات‪ ..‬لست مخطئة‪..‬‬ ‫بلقائه اليوم ليصرخ في وجهه معاتبا أو شاكيا بأن‬ ‫يديها لم تعد بهما نكهة ال للملح وال للبنة‪ ..‬صار كل‬ ‫الشياطين تتجسد في أث��واب المالئكة‪ ..‬لم ال‬ ‫شيء» مسوسا» ال طعم له وال نكهة‪ ،‬كحياته المظلمة أكون شيطانا يهابه الجميع‪..‬؟‬ ‫وأفكاره الالمستقرة‪..‬‬ ‫أنت هنا‪ ..‬خلف سطور األلم والذكرى‪ ..‬تتقاذفك‬ ‫بني املاضي واحلاضر‪ ..‬رسالة‪..‬‬ ‫أفكار ميتة‪..‬‬ ‫لو كان في الذاكرة بعض مكان لك‪ ..‬لي‪ ..‬لنا‪..‬‬ ‫لوال الكذب لما استشعرنا قيمة الصدق‪ ..‬ولو كان‬ ‫قلبك واسعا لما طرحت س��ؤاال كهذا أيها العزيز‪ ..‬لما ضاق قلبك النتن برائحة السجائر والكحول على‬ ‫سأدعي أن��ي لم أسمعك واعتبر كل ما تفوهت به إطالق رصاصة سؤالك البارد‪..‬‬ ‫هرطقة من رجل يدعي أنه يعرف كل ما خفي حين‬ ‫اعتقدت ك��أي بلهاء أن بإمكاني أن اقعد لرجل‬ ‫تعظم األشياء‪..‬‬ ‫مثلك يحترف الكذب بطريقة خيالية لذيذة‪ ..‬بينما‬ ‫أراك اآلن ت��ح��رق ص��م��ت��ك ال��ص��دئ ب��م��داد من يمارس رجولته الحيوانية مع مراهقة تستر نفسها‬ ‫الكلمات‪ ..‬إل��ى م��ن تكتب؟ وم��ن تدعي ان��ه سيقرأ بحجاب المجتمع‪ ...‬بعيدا عن ضوضاء العقل وآالف‬ ‫السير الذاتية التي صبغت واجهة حياتك الموغلة‬ ‫لك؟؟ أنا مثال‪..‬‬ ‫في السواد‪..‬‬ ‫تستحضر في ذاكرتك الهرمة آالفاً من المتلقين‪..‬‬ ‫ما أسوأ أن نكون مجرد عوامل معنوية ال لفظية‬ ‫وأنا على يقين بأنك ستشحتهم من الجادة المقابلة‬ ‫تحدت أثرا إعرابيا على كل من اعتقدنا لوهلة سرابية‬ ‫لبقايا جنونك المتداعي‪ ..‬اآليل للسقوط‪..‬‬ ‫أنهم يحبوننا‪ ،‬ينسبونه في ما بعد إلى غيرنا‪ ..‬ما‬ ‫ها أنت اآلن بعت صمتك الصدئ مقابل هرطقة‬ ‫أس���وا أن ن��ك��ون م��ج��رد أدوات ت��رك��ن م��ع ال��ظ��ل في‬ ‫ال معنى لها‪..‬‬ ‫الزاوية التسعين لجادة الجنون والعقل‪.‬‬ ‫نتعلم أن الجنون حين ينطق‪ ..‬لسنا مجبرين على‬ ‫أليس الصمت غريبا حين يزيد عن حده؟ تدخل‬

‫‪52‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫صامتا وتخرج صامتا‪ ..‬ولو علمت انك تصمت في‬ ‫اليوم ‪ 24‬ساعة لتنطق خمس دقائق أو أقل‪ ..‬تطلب شاعرها ينهار يوما بعد ي��وم‪ ،‬يتمزق أش�لاء ينثرها‬ ‫القهوة‪ ،‬تجيب على الهاتف‪ ،‬أو لتقول لي ببرود ويأس‪:‬‬ ‫الغضب والحقد في سماء الموت‪ ..‬برودتها الحامية‬ ‫تصبحين على خير‪!!..‬‬ ‫أذابته في هدوء‪..‬‬ ‫متى كان جوابك القاسي ماء يطفئ ظمئي إليك؟‬ ‫ومتى كان سريرا ينام عليه اثنان تغطيه البرودة من‬ ‫وذاب ال��ش��اع��ر‪ ..‬ووق��ف��ت تتفرج عليه بسخرية‪،‬‬ ‫كل جانب؟‬ ‫مزقت على جثثه وهو ينظر كل قصيدة عشق كتبها‬ ‫ك��ان��ت ب�����اردة‪ ..‬غ��ي��ر أن��ه��ا ك��ان��ت ع��ل��ى يقين ب��ان‬

‫هي متاهة‪ ..‬علها تكون متاهة للذاكرة‪ ،‬أو متاهة أو ادعى كتابتها‪ ..‬خيانته لها أورثته عجزا ما بعده‬ ‫للصمت ال��ذي ال يستوجب ال��ن��دم مثلما يستوجبه‬ ‫عجز‪ ..‬عجز عن اإلمساك بالقلم‪ ،‬عجز عن الكتابة‪،‬‬ ‫الكالم‪..‬‬ ‫عن التفكير‪ ،‬عن ملء الشبكة‪ ،‬وصار عاجزا حتى عن‬ ‫كم علي أن أخسر في هذا العالم النتن ألربحك؟‬ ‫الحراك‪..‬‬ ‫كم علي أن أبيع وأشتري من حماقات األيام البالية‬ ‫يقني متأخر‪:‬‬ ‫ألرى ابتسامة غبية ترسمها األنانية على محياك؟؟‬ ‫صرنا محترفين في عالم الخطيئة‪ ،‬بعيدين عن‬ ‫ذات��ن��ا ال��ت��ي تحن إل��ى ق��ط��رة ص��دق ف��ي بحر كذبك‬ ‫شأنها شان العناكب العابرة على تلك الزاوية‪ ..‬تدارك‬ ‫المجنون‪..‬‬ ‫خطاه وعلم ِل َم هو والزاوية التسعين يتيمان في قاع‬ ‫من تعتقد أنه سيصدق في رم��اد العمر الملطخ‬ ‫التاريخ‪..‬‬ ‫بالقذارة؟؟‬ ‫بعيدا عن أفكار الشؤم التي سكنت تاريخه وأفكاره‪،‬‬

‫وي��ق��ي��ن��ا ك���ان ع��ل��ي أن أع���ي م���ق���دار غ��ب��ائ��ي في‬ ‫ابتسامتك الهادئة‪ ..‬ومقدار تفاهتي في اعتقادي‬ ‫غير صوت الرياح وصوت كرسي متحرك في لوحة‬ ‫أنك رجل استثنائي تحتله امرأة واحدة‪..‬‬ ‫صدئة صارت روتينا مألوفا‪..‬‬ ‫صمت غريب مريب عم المكان‪ ..‬ولم يبق مسموعا‬

‫البداية األخيرة‬

‫وبين التيه واليقين تحول وعيه إلى بقايا حطام‬

‫يوم اكتشفت خيانته للمرة األولى بكت‪ ،‬ولم تقل‬ ‫شيئا‪ ..‬غير أن صمتها الحزين كان الذعا حين صرخ لقارب مهترئ لفظه البحر على شاطئ الحقيقة‪..‬‬ ‫في أذنيه‪..‬‬ ‫الحقيقة ال��ت��ي رفضها ووض��ع��ه��ا خلف س��ت��ار قاتم‬ ‫‪ -‬لن يذكرك التاريخ يا شاعر الخيانة‪.‬‬

‫اسماه الزاوية التسعين‪..‬‬

‫< قاصة من المغرب‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪53‬‬


‫قصائد قصيرة‬ ‫> ُسوف عبيد‬

‫<‬

‫العطر‬

‫ا ُنظ ْر في األ ُفق‪ ..‬فالسّ حاب قادمٌ!‬

‫إذَا كا َن العِ ط ُر‬

‫أمام المرآة‬

‫ف ـوّاحً ا‬

‫عندما تُكحّ ُل حوّاءُ عينيها‬

‫لاَ يَـ ُه ّ ُم‬

‫ك َّل صباح‪:‬‬

‫شك ُل الـزّجاجة‪!..‬‬

‫الصو َر البطيئ َة‬ ‫‪ ..‬كيْ ترى كام َل اليومِ ّ ُ‬

‫رَ ُج ـ ُـل األمـ َـطار‬

‫ش��������ع��������ر‬

‫رَج ٌل تَحْ ت زَخّ ات المَطر‬

‫عندما تَطْ لي شفتيْها‪:‬‬

‫وثبات‬ ‫ٍ‬ ‫يَسي ُر بأناةٍ‬

‫‪ ..‬كيْ تتذكّر في ك ّل كلمة تقولُها مَذا َق التفّاحة!‬

‫تَوقّف المط ُر‬

‫تَنث ُر الور َد على وجنتيْها‬

‫مس اِنجَ لتْ‬ ‫الشّ ُ‬

‫مر ًةّ‪ ..‬م ّر ًة‬

‫ّاصح‪:‬‬ ‫أَحَ ُد الما ّر ِة كالن ِ‬

‫تقتربُ من المرآة‬

‫يَا سيّدي‪ ..‬أَيَا سيّدي!‬

‫تقتن ُع أنّها ما تزال في الجنّة‬

‫صحَ ا‪ ..‬اِطْ وِ مِ ظلّتَكَ‬ ‫الج ّ ُو َ‬

‫وتطمئ ّ ُن‬

‫ما عاد مطرٌ!‬

‫أنّ آد َم إذا فتح عينيْه‬

‫أجابه وهو يَسير‪:‬‬

‫ال يرى الدّنيا‪..‬‬

‫< شاعر من تونس‬

‫‪54‬‬

‫ألحالمِ البارحة!‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫واحلب وأشياء ٌ أخرى‬ ‫وأنت‬ ‫أنا‬ ‫َ‬ ‫ُّ‬ ‫> عبدالله علي األقزم‬

‫<‬

‫ـ�ل�اق‬ ‫ُك ه����ج����رةٌ وت��� ِ‬ ‫����اق ص������دري وص���������در َ‬ ‫����اك ف������ي ع���ـ���ي���ن���ي رب������ي������عُ ع����ن ِ‬ ‫ع����ي����ن َ‬ ‫م���ا ك��ـ��ان��ـ ِ��ت األن����ه����ا ُر ت��ج��ـ��ري ه��ـ��ا هُ ��ـ��ن��ـ��ا إال ألنَّ خ ـُ�� ��ـ��ط��ـ��اك َ ف��ـ��ي أع��ـ��م��ـ��اق��ـ��ي‬ ‫��������راق‬ ‫����واك إغ�����راق�����ـ����� ًا ع���ل���ى إغ ِ‬ ‫���ت ب����ـ����ه َ‬ ‫ت��ـ��ل��ـ��ت��ـ��ذ ُّ ش���ـ���ط���آن���ي إذا ه�����يَ واج���ه���ـ ْ‬ ‫ـاق‬ ‫��ص ال��ه��وى ل���مْ تغتسلْ بـنـف ِ‬ ‫������واك وأن������تَ في ق��ص ِ‬ ‫َ‬ ‫���رت روح������يَ ف���ي ه‬ ‫ط���ـ���هَّ ُ‬ ‫��اك ض��م��نَ ف��واص��ل��ي وس��يـاقـي‬ ‫����روف ق��ـ��وارب��ـ��ي ول��ـ��ق��ـ َ‬ ‫���رت ن���ح���ـ���وكَ وال����ح ُ‬ ‫أب���ح���ـ ُ‬ ‫ـ�ل�اق‬ ‫وأراك ز ي��ـ��ن��ـ��ة َ أج��ـ��م��ـ ِ��ل األخ��� ِ‬ ‫َ‬ ‫أراك ض���م���نَ ق��راءت��ـ��ي‬ ‫��ت َ‬ ‫أن��ـَّ��ـ��ى ات��ـَّ��ج��ه��ـ ُ‬ ‫�����األوراق‬ ‫ِ‬ ‫األوراق ب�����ـ‬ ‫ِ‬ ‫���ك‬ ‫وأراكَ م������ي���ل��اد ًا ل���ـ���ك���لِّ ق��ـ��ص��ـ��ائ��ـ��دي وت���ـ���ش���ـ���اب���ـُ���ـ ِ‬ ‫��ف ال��ـ��رح��ـ��ي��ـ��لُ عَ ���نِ ���ال���غ���رامِ وأن�����تَ مَ ���نْ‬ ‫ك��ي َ‬

‫ق��ـ��د دا َر ف���ي ق��ل��ب��ي وف����ي أح��ـ��داق��ـ��ي‬

‫��راق‬ ‫��ك ب��ـ��ف��ـ ِ‬ ‫��ك م���ا اب��ـ��ت��ـُ��ـ��لِ ��ـ��ي بـتـفـكُّ ٍـك وج���ـ���ذو ُرن���ـ���ا ل����مْ ت��ـ��ش��ـ��ت��ـ��بِ ��ـ ْ‬ ‫ك��ـ�� ِّل��ـ��ي ب��ـ��ك��ـ�� ِّل��ـ َ‬ ‫������راق‬ ‫�����ك ف����ي ف����ض����اءِ ت��ـ��ع��ـ�� ُّل��ـ��ق��ـ��ي ل���ـ���مْ ي��ـ��ن��ـ��ف��ـ��ت��ـ��حْ إال ع��ل��ى اإلش ِ‬ ‫ه�����ذا غ�����رامُ َ‬ ‫��ك أن���ـ���ه���ـ���ر ًا ن���ـ���وري���ـَّ���ةً‬ ‫���ت ح��ـ��ب��ـَّ��ـ َ‬ ‫ت���ـ���رج���ـ���مْ ���ـ ُ‬

‫ـاق‬ ‫ألي شـق ِ‬ ‫ِّ‬ ‫بـيـضـا َء مـا انـسـاق ْـت‬

‫��خ�لاق‬ ‫ِ‬ ‫��زف ال��ـ��م��ـ��ب��ـ��دعِ ال‬ ‫��اق أزل��ـ��ت��ـ�� َـ��هُ فـصفا الهـوى ع��ـ��ذب��ـ�� ًا ب��ـ��ع��ـ ِ‬ ‫ُل��ـ��غْ ��ـ��مُ ال��ـ ِّ��ش��ـ��ق��ـ ِ‬ ‫ح��ـ ٌّ��ق لِ ��ـ��مَ ��ـ��نْ ي��ـ��ه��ـ��واكَ يُ ��ـ��م��ـ��س��ـ��ي قـلـبـُـهُ‬

‫���واق‬ ‫�لا ب��ـ��ح��ـ��رائ��ـ ِ��ق األش���ـ ِ‬ ‫مُ ��ـ��ت��ـ��س��ـ��ل��ـ��س��ـ ً‬

‫��راق‬ ‫��ك ال��ـ�� ِّرق��ـ ِ‬ ‫��ك ال ي��ـ��رى إال ال����وص����ولَ ل��ـ��ق��ـ��ل��ـ��ب��ـ ِ َ‬ ‫مَ ����نْ ك����انَ ف��ـ��ي��ـ��هِ م��ث��ـ��لُ دف��ـ��ئ��ـ ِ َ‬ ‫��اق‬ ‫���ال تـفـتـ ُّحي وتـخـل ُّـصـي ِم��ـ��نْ ع��ـ��ال��ـ ِ��م اإلخ��ـ��ف��ـ ِ‬ ‫���وص ِ‬ ‫��ك ف��ي ال َ‬ ‫أق��ـ��سَ ��ـ��مْ ��ـ ُ��ت أن��ـَّ��ـ َ‬ ‫���اق‬ ‫أدخ��ـ��ل��ـ��ت��ـ��ن��ـ��ي أأزل�����ـ�����تَ ك����ـ����لَّ م��ـ��واج��ع��ي أن���ـ َ���ه���ـ َْ���ض���ـ���تَ ل����ي ورد ًا ودا َر وف���ـ ِ‬ ‫���ك وث��ـ��اق��ـ��ي‬ ‫�����ذاك ح��ي��نَ دخـلـتـُهـا ب���ـ���دأتْ ب��ـ��ت��ـ��ح��ـ��ري��ـ��ري وف���ـ ِّ‬ ‫َ‬ ‫دروس ش‬ ‫ُ‬ ‫ه��ـ��ذي‬ ‫���اق‬ ‫��ك ف���ي ال��ـ��ح��ـ��ق��ـ��ائ��ـ ِ��ق كُ ـلِّـهـا ف���ـ���سَ ���ـ���مَ ���ـ���وتَ آف���ـ���اق���ـ��� ًا ع��ـ��ل��ـ��ى آف���ـ ِ‬ ‫إن���ـِّ���ي ق��ـ��رأت��ـُ��ـ َ‬ ‫ـاق‬ ‫��ك ف��ي دم��ي ل��ـ��مْ يـنـكسـ ْر ل��ـ��مْ يـلتـجئْ لـمُ ـح ِ‬ ‫ولِ ���ـ��� َم ال��ـ��مُ ��ـ��حَ ��ـ��اقُ ون����و ُر ح��ـ��ب��ـ��ِّـ َ‬ ‫�����اق ف���ل���مْ أج���دْ‬ ‫��ت ع���ـ ِ���ن ال����� ِّرف ِ‬ ‫إن���ـ���ي ب��ح��ث ُ‬

‫���اك ح���دائ���ـ���ق���ي ورف���ـ���اق���ـ���ي‬ ‫إال س���ـ���ن���ـ َ‬

‫��اق‬ ‫��وك ك��ي أرى أح��ل��ى ال��ه��وى ف���ـ���وج���ـ���دت���ـُ���هُ ف����ـ����وز ًا ب��ـ��ك��ـ��لِّ ِس��ـ��ب��ـ ِ‬ ‫���ت ن��ح َ‬ ‫ورك���ض ُ‬ ‫درب ت��ـ�لاق‬ ‫����اع����ـ����هِ ل��ـ��ل��ـ��ق��ـ��ل��ـ ِ��ب ُ‬ ‫�������داك في إرج����ـ ِ‬ ‫َ‬ ‫���ض ل��ل��ه��وى وص‬ ‫مَ ����ا ض�����ا َع ن���ب ٌ‬ ‫< شاعر من السعودية‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪55‬‬


‫نصوص‬ ‫> إميان مرزوق‬

‫<‬

‫ماذا تركت لي مني؟‬

‫أيُها المار من هنا‪..‬‬ ‫ماذا تركت لي مني؟‬ ‫أيُها المار من هنا‪..‬‬ ‫ال تسرع الخطى‬ ‫فالدرب قصير‬ ‫والوصول مؤكد!‬ ‫أيها المار من هنا‪..‬‬ ‫ترفَق‪..‬‬ ‫عل َنا بك نلحق‬

‫‪aaa‬‬ ‫أيُ جنون يجعلني‬ ‫أحمل مظل ًة في اإلعصار؟!‬ ‫أعرف لماذا‬ ‫يضيق األفق‬ ‫وتنحسر األشعار‬ ‫أعرف كيف‬ ‫تهترئ الكلمات‬ ‫وتتهدل النظرات؟‬

‫‪aaa‬‬ ‫< شاعرة من األردن‬

‫‪56‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫أيها المار من هنا‬ ‫عذرا‪..‬‬ ‫أيها المار من هنا‬ ‫شكرا‪..‬‬ ‫أيها المار من هنا‬ ‫إلى اللقاء‪.‬‬

‫أنوار‪..‬‬

‫في حياتنا‬ ‫أنوا ٌر‬ ‫تومض سريعاً‬ ‫ثم تختفي في عتمة اإلبهام‬ ‫لكنها تنير موطئ خطوةٍ لألمام‪..‬‬

‫أمل محموم‬ ‫ٌ‬

‫ما أقسى أن يحيى اإلنسان بأمل واهن محموم‬ ‫وعيون قومه‬ ‫سهام تستنكر وتلوم!‬ ‫وقلب الموؤودة‬ ‫يخشى أن يسألهم‬ ‫بأي ذنب اغتلتم الحلم؟‬ ‫فيلوذ بصمت مؤلم‪..‬‬


‫ثالث قصائد قصار‬ ‫> عبدالله أمني أبو شميس‬

‫<‬

‫حجرات‬

‫بيضا ْء‬

‫حجراتٌ أرب ُع‬

‫يمك ُن أن تربح فيها ك ّل األشياءِ‬

‫البيت‪-‬‬ ‫ِ‬ ‫يكشفُها‪ -‬من باب‬

‫بال معنى‬

‫زجا ٌج مكسو ْر‬

‫وبال معنى‬

‫و َم َم ّ ٌر‬ ‫تتبعثر فيه بذور العتمة صامت ًة‬ ‫كف النّو ْر‬ ‫في ّ‬

‫يمكن أن تخسر ك ّل األشيا ْء‬

‫نوافذ‬ ‫ثالثُ نواف َذ ما بيننا‬

‫وعناكبُ‬ ‫ترسم لألبواب شوارِ بَها‬ ‫وعلى خ ّد الجدران بثو ْر‬

‫يف‬ ‫الص ِ‬ ‫وفي ّ‬ ‫تُفتَ ُح نافذتانِ ‪..‬‬

‫حجرات هذي‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ليستْ أرب َع‬

‫ونافذةُ القلب تلبث مغلق ًة بيننا‬

‫لك ْن أربعة قبو ْر‬

‫وك ّ ٌل يم ّ ُد يديهِ ليفتَحَ ها‬

‫بالط الغرفة‬

‫يهتف‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫ث ّم‬

‫شطرنج‬ ‫ٍ‬ ‫رقع ُة‬

‫ليس أنا!‬

‫بيضاءٌ‬

‫ليس أنا!‬

‫< شاعر من األردن‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪57‬‬


‫معادالت‬ ‫ُ‬ ‫‪1‬‬

‫قليل من الماء يكفي‬ ‫لنسقيَ عشرين زيتون ًة ذبلتْ‬ ‫وهوا ًء تجمد في رئتينا‬ ‫بعدئذ‪ ،‬زمناً‬ ‫ٍ‬ ‫ونسقيَ ‪،‬‬ ‫شاخ فيه نشي ُد الصباحِ األخي ْر‬

‫‪2‬‬

‫الشمس يكفي‬ ‫ِ‬ ‫قليل من‬ ‫لتجفيف جسمينِ كادا يذوبان ِفوق الجليدِ ‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫وإشعالِ قلبينِ‬ ‫كادا يموتانِ فوق السري ْر‬

‫‪3‬‬

‫قليل من الشعر يكفي‬ ‫لنرس َم عشينِ بينهما قم ٌر‬ ‫ثم نرس َم مملك ًة لصغارِ الخيولِ‬ ‫بيض الطيو ْر‬ ‫وعشا عظيماً لتجميعِ ِ‬ ‫ًّ‬ ‫قليل من الظل يكفي‬ ‫ِس أرواحنا المتعب ْة‬ ‫لنُجل َ‬ ‫أتربة من حري ْر‬ ‫ٍ‬ ‫فوق‬

‫‪4‬‬

‫‪5‬‬

‫قليل من الريح يكفي‬ ‫ليهت َّز جس ُم النخيل قليال‬ ‫يدي روائ ُح بغدا َد‬ ‫فتسقط بين َّ‬ ‫َ‬ ‫وأبكي بمقر ٍُبة‬ ‫خرائب قصرِ األمي ْر‬ ‫ِ‬ ‫من‬ ‫قليل من الحب يكفي‬ ‫لتدفئة الثلجِ فوق األس ّر ِة‬ ‫< شاعر من المغرب‬

‫‪58‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫‪6‬‬

‫> مصطفى َمـ َل ْح‬ ‫حيث الحبيبان يشتعالن هنالكَ‬ ‫مثل هزارينِ فوق هواءِ الغدي ْر‬

‫‪7‬‬

‫قليل من الحلم يكفي‬ ‫المر‬ ‫ِّ‬ ‫إليقاف قاطر ِة الواقعِ‬ ‫وفتحِ النوافذِ كي تول َد الرّو ُح مغسول ًة‬ ‫باألشعةِ ‪ ..‬والنورِ ‪ ..‬والزمهري ْر‬

‫‪8‬‬

‫قليل من الورد يكفي‬ ‫أحصنة في المروجِ‬ ‫ٍ‬ ‫إلطالقِ‬ ‫وإلغاءِ فوضى البساتي ْن‬ ‫الخراب بتاجِ الجمالْ‪..‬‬ ‫ِ‬ ‫ومنعِ اصطدامِ‬ ‫قليل من الورد يكفي‬ ‫زحف الرمادِ الكثيرْ‪..‬‬ ‫ِ‬ ‫إليقاف‬ ‫ِ‬

‫‪9‬‬

‫قليل من الضوء يكفي‬ ‫ِلنُب ِْص َر أجنح ًة في هوامش كرّاسةِ الرّسمِ ‪،‬‬ ‫بلـ ّلها الحب ُر فانتفضتْ ساع ًة‬ ‫القلب‬ ‫ِ‬ ‫ثم حطّ تْ على‬ ‫كاالرْتعاشةِ تول ُد من رحمِ الالشُ عو ْر‬

‫‪10‬‬

‫قليل من الحزن يكفي‬ ‫ِلنُدْرِ كَ أنّ الطفول َة بئرٌ‪،‬‬ ‫بداخلها لهبٌ‬ ‫ُقذف فيه النهار القصيرْ‪..‬‬ ‫سوف ي ُ‬ ‫وندركَ أن القصيدةَ‬ ‫كالم‬ ‫سوف تصي ُر غ ًداً جث ًة من ٍ‬ ‫فتُنْسى هنالك‪ ..‬بين القبو ْر‬

‫<‬


‫سؤال مرّ‬ ‫> نواره احلرش‬

‫<‬

‫(‪ )1‬يمام الفرح ال يأتي‬

‫وعناكب الحزن‬ ‫تظ ُل تنس ُج السحاب‬ ‫بهيكلي‪ ..‬ببيتي‬ ‫تذبلني‪ ..‬تذبل وردي‬ ‫تنشرني نزفا في مهرجانات النكد‬ ‫فينخرني سوس الجراح‬ ‫ينخ ُر في عيوني نهاراتي‬ ‫ثم يرتشف زهو أمنياتي‬ ‫يرتشف زهو لوني‬ ‫ويخلفني في فناجين الريح‬ ‫دمعة بحجم المدى‬ ‫ال تطالها عصافير يدي‬ ‫وفقاعة برد‬ ‫تلفني بشال من شتاء‬ ‫تحيل القلب إلى‬ ‫غرفة من طقوس العناء‬

‫المر‬ ‫(‪ )2‬السؤال ُّ‬

‫يجرح القلب‪.‬‬ ‫الغصص الموحشة‬ ‫ِ‬ ‫يعل ُق براري‬ ‫على أهداب الذاكرة‪.‬‬ ‫فكم يلزمني وقتٌ‬ ‫كي أرقع خيمة‬ ‫جرحي الصاحي؟‬ ‫كي أؤثث بالفرحِ‬ ‫الوهميّ جدران صباحي‪.‬‬ ‫السؤا ُل الم ّ ُر‬

‫يجر ُح‬

‫ثم يجر ُح‬ ‫ثم يجرح‬

‫نور‬ ‫يغتا ُل ك ّل ٍ‬

‫يتشك ُل زهرة أو قـ ُبرّة‪.‬‬ ‫السؤا ُل الم ّ ُر يجر ُح‬

‫يجر ُح‬ ‫يجرح‬

‫ول ُه في الجرحِ‬

‫طقوس المفخرة؟؟‬ ‫ُ‬

‫فكيف أشعل الجرح‬ ‫في؟‬ ‫وهو المشتعل ّْ‬

‫منذ النزيف البكر‬

‫يشعلني وال ينطفئ‪.‬‬

‫أرجوحة من نار‬ ‫ٍ‬ ‫يعلقني في‬ ‫علي‬ ‫يتفرج َّ‬

‫كرسي من غبار‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫من على‬

‫(‪ )3‬ما الذي يلزم‬ ‫كي أكون في منتهى الحياة‬ ‫في منتهى المعنى‬

‫في منتهى الجدوى؟‬ ‫في منتهى النهار‬ ‫في منتهى األنا‬ ‫ما الذي يلزم‬ ‫غير األلم؟!‬

‫< شاعرة من الجزائر‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪59‬‬


‫العاصف ُ‬ ‫ة التي اقتلعتنا‬ ‫> افراح الكبيسي‬

‫<‬

‫تسقطُ دموعكَ من عيني‬ ‫أوق ُن أننا صرنا واحداً‬ ‫اف الحيا ِة هشمنا‬ ‫لكن خطّ َ‬ ‫«حُ سدنا»‬ ‫هكذا اختز ُل القضية‬ ‫«ما كان ينبغي أ ْن نكونْ»‬ ‫هكذا تجمدها أنتْ‬ ‫األل ُق الضاحكُ في عيوننا‪ ..‬كان كنزاً اكتشفناهُ‬ ‫معاً‬ ‫الحزنُ‪ ..‬ميراثُ جدودنا‪ ..‬كان ع��دواً حاربناهُ‬ ‫معاً‬ ‫األرض السمراءْ‪ ..‬التي تمي ُل أحياناً إلى لونِ‬ ‫ُ‬ ‫الد ْم‬ ‫وأحياناً إلى لونِ دجل َة والفراتْ ‪..‬‬ ‫كصديق حتى النهاية‬ ‫ٍ‬ ‫رافقتنا‬ ‫«أتقو ُل إنها النهاية»؟‬ ‫«أتسمعي َن سوى صوتها»‬ ‫«ال بل اسم ُع صمتها‪» ..‬؟‬ ‫«يحيطُ العاصف َة التي اقتلعتنا»‬ ‫أما كان باإلمكان أ ْن نبني بيتاً من نخي ْل‬ ‫العواصف»؟‬ ‫ْ‬ ‫نلو ُذ إليهِ وقتَ‬ ‫«أما كان باإلمكان‪ ..‬أ ْن نحتمي بأحدنا اآلخ َر‬ ‫< شاعرة من العراق‬

‫‪60‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫فقط»؟‬

‫ال َب َر ُد اختا َر الهطو ْل‬

‫والعاصف ُة اختارتْ اقتالعنا‬

‫«ل��م��اذا على ال��رج��الِ أح��ي��ان��اً‪ ..‬أ ْن يتصرفوا‬

‫كاألطفالْ»؟‬

‫حس المنطقِ عند الزوابعْ»‬ ‫«لماذا تفق ُد النساءُ َّ‬

‫«الحروبُ يصنعها الرجالْ‪..‬‬

‫يقودها الرجالْ‪..‬‬

‫يخوضها الرجالْ‪..‬‬

‫أما النساءْ‪ ..‬فيرتدين السوادْ!»‬

‫وكانتْ الغيم ُة هذه المرة‪ ..‬كبيرة‬

‫بوحشية ال متناهية‬ ‫ٍ‬ ‫غطتْ السما َء‬

‫أجبرتها أ ْن تكفه ْر‬

‫التكاثف‬ ‫ْ‬ ‫وأجبرتْ الضبابَ على‬

‫«كيف أسي ُر دون يديكْ ‪..‬‬ ‫دون عكازةٍ اتك ُئ إليها؟!‬

‫أين ألوذُ‪ ..‬بغيرِ صدركْ ‪..‬‬

‫حين ستشت ُد العاصفة»؟‬

‫خيمةٌ‪ ..‬بعمودين‪ ..‬أطاحتهما العاصفة‬

‫بال عاطفة‬

‫وبال مراعاةٍ لعاطفتيهما‬


‫أنت ِالسيدة وأنت ِالقصيدة‬ ‫> زكريا إبراهيم العمري‬

‫<‬

‫سيدة الدفء والجنون‬ ‫في كل يوم شتائي ماطر‬ ‫ترتعشين في حدائق الروح‬ ‫كسوسنة تعانق الفجر والندى‬ ‫وتعيدين ترتيب غرفة القلب‬ ‫كما تشائين‬ ‫أو كما تشتهي الغيوم والشتاء‬ ‫يا أنثاي التي نزلت من السماء‬ ‫علميني كيف أحتضن المطر!؟‬ ‫علميني كيف أتدثر‬ ‫بالغيوم المسافرة!؟‬ ‫عندما تنثال موسيقى المطر‬ ‫تزهو النجوم في قصائدي‬ ‫ويسطع القمر‬ ‫تسافر أسراب الحروف‬ ‫في رحلتها األخيرة‬ ‫إلى عيونك الزرقاء‬ ‫وترحل من دفاتري‬ ‫قصائد البكاء‬

‫وتعتري جوارحي نشوة سحرية‬ ‫كنشوة العشاق لحظة اللقاء‬ ‫الريح يا أميرتي تداعب الشجر‬ ‫والزجاج في نوافذي‬ ‫صار أجمل لوحة‬ ‫مرسومة بريشة المطر‬ ‫فسافرت من فضاءات القلب‬ ‫نوارس القصائد‬ ‫لتغسل أجنحتها‬ ‫بالريح والمطر‬ ‫وتنتشي كطفلة تبللت بالفرح‬ ‫وتعود حاملة لي‬ ‫قوس قزح‬ ‫فيا أنثاي التي نزلت من السماء‬ ‫أتركي لي الشتاء‬ ‫كي تسطع النجوم في قصائدي‬ ‫ويزهر القمر‬ ‫سينضب شعري‪ ..‬وينضب عشقي‪ ..‬وينضب عمري‬ ‫إذا توقف المطر‪.‬‬

‫< شاعر من األردن‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪61‬‬


‫انقالب النص النسوي‪..‬‬

‫مترين شعري منحاز ٌ ملــا بعد احلداثة‬

‫> محمد الفوز‬

‫<‬

‫النص النسوي الحديث ال يلزمه التقصي والمساءلة؛ فهو بحاجة إلى اقتحام مباغت‪-‬‬ ‫متعالية‬ ‫ٍ‬ ‫برهافة‬ ‫ٍ‬ ‫دوما‪ -‬يؤجج كينونة َ األنثى وإحساسها وأفعالها وهواجسها‪ ،‬التي تؤصل‬ ‫ارتباطها األيكولوجي بالطبيعة‪ ،‬بحسب اإلقرار المجازي «األرض امرأة … المرأة ُ أرض»؛‬ ‫فهذا التصور المادي أخذ يتحول إلى عقيدةٍ وإصرار جاد على اقتراف هذا التعالق النصي‬ ‫عرب‪،‬‬ ‫واإلنساني والوجودي بين المرأة والطبيعة‪ ،‬وفي عمق ِ الممارسة النصية لشاعرات ٍ‬ ‫نستوضح بيقين ِ التلقي مدى األواص��ر التي تش ّ ُد المرأة ب��األرض‪ ،‬بحسب رؤية الناقد‬ ‫محمد العباس‪ ،‬الذي حاول‪-‬ذاتَ مقال‪ -‬تفسير األنثى بمضمونها األيكولوجي للتماس بل ِ ُّب‬ ‫الطبيعة التي تُسمى ” اإليكوفمنزم”‪ ،‬أي أنوثة الحياة في قاموس النسوية‪ .‬وهو تفكير‬ ‫جديد للتعالق والتواشج البيئي مع األرض ومثاقفتها‪ ،‬وإسقاطات جميع الدالئل النسوية‪،‬‬ ‫وتحويلها إل��ى ما يشبه التنظيم النسوي ل�لأرض وللحياة وللوجود‪ .‬وه��ذه المقترحات‬ ‫إثبات وجودها بإحساسها‪ ،‬وتوحيد كينونتها البشرية‬ ‫ِ‬ ‫أخذت المرأة ب��إرادةٍ ضمنية إلى‬ ‫مع الطبيعة التي تُق ّر باالستحواذ األنثوي على مرادفات األرض بوصفها مركزا لالشتغال‬ ‫آخذ في‬ ‫النصي‪ ،‬وللتكهن بمرئيات الوجود المخبوء في حساسية ٍ غير معلنة‪ ،‬وفي فضاءٍ ٍ‬ ‫قبول ِ اإلفصاح عن ذاته؛ وذلك بجعلها المدى الزمني والالواعي لكل تحوالت الطبيعة‬ ‫ومستقبلها‪.‬‬

‫ن��������ق��������د‬ ‫‪62‬‬

‫أتاح محمد العباس فُرصة لتماهي النصوص الشعرية بالرؤية األيكولوجية لموضعتها‬ ‫في إطار نسقي متكامل‪ ،‬وقد جاءت النصوص الشعرية أكثر تصالحا مع فلسفة الوجود‬ ‫النسوي‪ ،‬وتضمينا راقيا للحالة النفسية والوجدانية والمادية واللغوية للطبيعة‪ ،‬بوصفها‬ ‫أ ُ ّ ٌم الخلق ِ ومحش ُر القلق الكوني الذي تختصره آمال موسى في نصها‪:‬‬ ‫«بيني وبين الطبيعة مسافة‬ ‫أقطعها خلفا إلى الوراء‬ ‫ناطقة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫منشئة عالمي‬ ‫وه��ك��ذا ت��ب��دو خ��ص��وب��ة ال��ه��م ال��ن��س��وي المهموم‬ ‫بالقول وم��دى حساسية الذائقة التي تكرس رؤية‬ ‫على كل األطالل‬ ‫الجندر واإليكوفمنزم على حد سواء‪ ،‬وهو يوجز ذلك‬ ‫أطلق فوضاي ساعة الجنون‬ ‫التعالق باألرضي‪ ،‬الذاهب باألنا إلى حد التصوف‬ ‫لترتب بيت العالم»‬ ‫الرومانسي‪ ،‬والقائم على وعي حداثي بالطبيعة‪ ،‬هو‬ ‫وتُ��ض��ارع��ه��ا ف��وزي��ة ال��س��ن��دي ف��ي ح��ض��ور شعري ما أعطى للذات فسحة التمثل‪.‬‬ ‫بالصوت إلى أقصى وحدةٍ تختزلها‬ ‫ِ‬ ‫مينودرامي‪ ،‬يرحل‬ ‫ول��ل��ن��ص األدب����ي أي��ض��ا ف��رص��ة اإلن��ك��ت��اب بوعي‬ ‫الطبيعة ُ بكينونةِ ام��رأةٍ تنكتبُ ذاتويا في محتشد‬ ‫مختلف وفي نطاق ايكولوجي مغاير‪ ،‬يمثل المطاوعة‬ ‫كلماتها‪ ،‬وف��ي م��ق ِ ّ��ر أرض��ه��ا‪ /‬ورق��ة ُ ال��ن��ص‪ ..‬ح��ربٌ‬ ‫ال��دي��ن��ام��ي��ة؛ ألن��ه��ا تنصص إحساسها ب��ارت��داد إلى‬ ‫للكتاب النسوي الذي ما ي��زا ُل غاويـ ــا في جرأته‪..‬‬ ‫األص���ل‪ ،‬أي إل��ى الطبيعة‪ ،‬ليس كحاضن أو كواقع‬ ‫في صمته‪ ..‬في التابو الذي يتكسر ببطء‪ ..‬وفي كل‬ ‫م��ادي فحسب‪ ،‬بل كإيقاع (يومي وفلكي) وكشعور‪،‬‬ ‫جاهلية قولبتها‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ األزمنة التي تعبر النص بعصبية‬ ‫وكحساسية جمالية ب��ي��وري��ت��ان��ي��ة‪ ،‬س���واء بمقاصد‬ ‫بمرونة برجماتية الشاعرة السندي بقولها‪:‬‬ ‫ٍ‬ ‫حقوقية أو بحس فطري خارج ذلك الوعي المسيّس‪،‬‬ ‫«دامت الورقة‪ :‬وريثة الشجرة‬ ‫على اعتبار أن كينونة اإلنسان تقوم على مزدوجتي‬ ‫دام الحبر‪ :‬دم البحر‬ ‫التماس باألرض‪ ،‬والتعبير عن ذلك اإلنوجاد اإلنساني‬ ‫آه الكلمات‪ :‬شهقة األرض»‬ ‫باللغة‪ ،‬وتحديدا الشعري؛ وهذا ما يسميه ديمتري‬ ‫فالنص النسوي النثري لم يعد موارب ــا‪ ،‬بل إنه أفييرينوس بمراودات توق المجتمع الثقافي الدائم‬ ‫ض�� َّد الفوبيا التي تجعله مرتهنا لخطابات الذكورة للعودة إلى رحم األرض‪ ،‬بما هي األم األولى‪ ،‬ومكمن‬ ‫وليوميات كالسيكية معتادة‪ .‬وحينما يكون النص االنبثاق وتخليق البنى الكونية؛ بمعنى أنها موضع‬ ‫سج ــاال للواقع‪ ،‬والذات‪ ،‬والكينونةِ ‪ ،‬والرؤى المؤجلة‪ ،‬تجدد الحياة وانبعاثها‪.‬‬ ‫والكتابة‪ ..‬ولكل ما هو مقترح فِ علي أو نظري‪.‬‬

‫ستكو ُن األنثى أكثر قدرة على تخطي أشعارها‬ ‫بروحها المتمرد ِة في لهاث القول‪ ،‬وفي معترك الوعي‬ ‫تعيش الشاعرات لحظة النص‬ ‫ُ‬ ‫المسبق واآلتي؛ لذلك‬ ‫إحقاقـ ـ ـ ــا لتطور الصوفي ال��ذي تتوسل به سوزان‬ ‫عليوان في نصها‪:‬‬ ‫«أشتهي أن أركض‬ ‫فوق األفق الممتد‬ ‫غطائي األرض‪..‬‬ ‫بساطي السماء‬ ‫ألفهم عالما‬ ‫يرعش باألل ـ ــم»‬ ‫ُ‬

‫ه��ك��ذا يتأسس ال��وج��ود ف��ي أص��ل��ه على سحرية‬ ‫الشعر‪ ،‬حيث اللغة هي الوجود ذاته وليست مجرد‬ ‫أداة للتعبير ع��ن ذل���ك ال��ح��ي��ز‪ ،‬وع��ل��ي��ه ي��ص��ح هنا‬ ‫االف��ت��راض الهايدغري القائل ب��أن الشعر تأسيس‬ ‫للكينونة عبر الكالم؛ بمعنى أن اللغة هي الكينونة‬ ‫التي بها ينكشف الوجود؛ وهنا يمكن التمثيل بقصيدة‬ ‫النثر كمنتج حداثي وثيق الصلة بااليكوفمنزم بما هي‬ ‫فلسفة وكينونة‪ ،‬وعلى اعتبار أن الفلسفة ال تقبل‬ ‫في مستواها إال الشعر‪ ،‬وبالنظر إل��ى أن الحداثة‬ ‫تعني اإلنوجاد الواعي على خط الزمن‪ ،‬والتعبير عن‬ ‫حضور تلك الكينونة بتنصيص الذات عبر موضوع‬ ‫يعمل من الوجهة النقدية بمثابة الوحدة الداللية؛‬ ‫وعليه‪ ،‬فإن اختيار المرأة للنثر ضرورة وليس اختيارا‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪63‬‬


‫متأثرا باللحظة‪ ،‬حسب جانيت تود‪ ،‬في كتابها «دفاعا وهو تأكي ٌد للتحري ال��دؤوب الذي تتبناه الشاعرات‬ ‫عن التاريخ األدبي النسوي»‪ ،‬فالنساء الواثقات بصورة الجدد في نبرة حداثية متصاعدة أشاعتها المساحة‬ ‫متزايدة من وضعهن األدبي يبدو لهن األدب طريقا االلكترونية المتمثلة في الوجود االنترنتي من خالل‬ ‫إلدخال أعمالهن في الثقافة بوصفها حكايات مجازية‬ ‫المنتديات‪ ،‬أو المواقع الشعرية الجادة‪.‬‬ ‫وقصص أخالقية وعوامل نشطة سياسيا‪.‬‬ ‫وقد استقى محمد العباس جميع هذه النصوص‬ ‫ذلك األم��ر تلبيه قصيدة النثر‪ ،‬وفيه أو بموجبه‬ ‫َ��س�� ُر حيوية اللغة عند ال��م��رأة كانعكاس للمكون – تقريبا ‪ -‬من الجغرافيا االلكترونية‪ ،‬وهي نصوص‬ ‫تُ��ف َّ‬ ‫ال��ب��ي��ئ��ي إض��اف��ة إل���ى م��ج��م��ل األب���ع���اد ال��روم��ان��س��ي��ة ش��اب��ة ذات ع��ن��ف��وان ش��ع��ري ح��داث��ي‪ ،‬وذات قابلية‬ ‫والحقوقية واالجتماعية‪ ،‬على اعتبار أن اللغة هي للتجديد وللنهوض بشعرية العالم وبحُ رية اللغة‪ .‬وفي‬ ‫الحاضن العضوي لإلنسان‪ ،‬فهذا هو ميثاق األنا هذا التناول النقدي اإلبستمولوجي لنصوص (سوزان‬ ‫واللغة‪ ،‬القائم على اإلنكتاب الذاتي وإسباغ دينامية عليوان – فيفان صليوا – نبيلة الزبير – فوزية‬ ‫التصور الروحاني على الفعل اإلبداعي المتحقق في‬ ‫السندي – آم��ال موسى – بلقيس حميد – هدى‬ ‫الحركية اإلنتاجية للذات‪ ،‬بمزيج هايدجري وبوذي‬ ‫حسين – حمدة خميس – ورود الموسوي – سعاد‬ ‫وهلولدرني إض��اف��ة إل��ى خالئط فلسفية وجمالية‬ ‫الكواري – زهري يسري – فوزية أبوخالد)‪ ،‬وبحسب‬ ‫متباينة‪ ،‬تجعل من النص الشعري تجربة ظاهراتية‬ ‫محمد العباس‪ ،‬فإن النص النثري أتاح للمرأة فرصتها‬ ‫للتعبير عن الحقيقة‪.‬‬ ‫المكبوتة لإلنوجاد ال��ذي أسس بداية خروجها من‬ ‫ال��ن��ص أص��ب��ح رم����زا ل��ل��ح��ري��ة ال��ن��س��وي��ة ومكمنا‬ ‫كل‬ ‫إلحاالت النسوقراطية التي تتحكم في رؤية الجمهور معاقل ال��ذك��وري‪ ،‬وانفتاحها على ذات��ه��ا‪ ،‬وعلى ِ ّ‬ ‫ال��ن��س��وي ال��م��ت��ج��ذر ف��ي ن��س��غ ال��ع��ال��م‪ ،‬وال��ق��اب��ع في جميل تسشرفه من خالل تواشجها البيئي شعريـ ـ ــا‬ ‫��ود منشغل ٍ وداللة‪ ،‬وهو أرقى ممارسة برجماتية تحوزها المرأة‬ ‫��ذات مقترحة‪ ،‬وك��وج ٍ‬ ‫أساطير األرض ك ٍ‬ ‫بالطبيعة‪ ،‬وما حولها من تفاسير ٍ‬ ‫ُعمّرها حمدة‬ ‫حية للروح والجسد وتستوطنها‪ ،‬بل وتشغل العالم بها؛ كما ت ِ‬ ‫واألج��ن��ح��ة ال��ت��ي ت��ق��و ُد مخيلة ال��م��رأة ال��ت��ي ارتكبت خميس‪:‬‬ ‫خطيئة البوح ذاتَ جرأة‪ ،‬ثم أ َرّقت العالم بقولها وبما‬ ‫«انهضن‪ ..‬انهضن‬ ‫ستقوله‪ ،‬وبكل تأويالتها المقولة والالمقولة‪ ،‬الواعية‬ ‫والالواعية‪ ،‬سواء في منتجها النصي أو في تجنيسها خذن الرجال إلى حكمة األنثى‬ ‫لمفردات ِ الكالم‪ ،‬أو في تأنيثها للحياة أو في تأوين فقد عظمت رزاياهم‬ ‫ٍ‬ ‫بحميمة‬ ‫ٍ‬ ‫الطبيعةِ واقتحامها‬ ‫أنثوية مستطابة‪ ،‬تؤكد خذن الرجال والحكمة‬ ‫أن للطبيعةِ همّا كما لألنثى مغزى لتوطين ذلك الهمّ‪،‬‬ ‫إلى فيء األنوثة المطمئن‪.‬‬ ‫وجعله خطا موازيـ ـ ـ ــا للنظرية الشعرية األنثوية التي‬ ‫أسست للطبيعة صوتا وجمهورا وخطابا أيكولوجيا‪ ،‬خذن األرض إلى رحاب الهدوء‬ ‫ومدى شاسعا للشعرية من خالل نظرية اإليكوفمنزم‪ ،‬خذن السالم‪ ..‬إلى السالم»‬ ‫< كاتب من السعودية‬

‫‪64‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫بانت سعاد‪..‬‬

‫قراءة في اللغة واملعنى‬ ‫> د‪ .‬علي محمد هنداوي‬ ‫دفعني إلى إعادة قراءة قصيدة كعب بن زهير المعروفة «بانت سعاد»‪ ،‬وتلمس‬

‫سمات بنيتها اللغوية‪ ،‬ما تميزت به من صدورها عن صاحبها وهو يعاني تجربة‬ ‫ذات طرافة وخصوص‪ ،‬تعلق بتفصيالتها ونتائجها مصير الشاعر نفسه في هذه‬ ‫الدنيا‪ ،‬بل كذلك مآله في اآلخ��رة؛ إذ تصف بإسهاب مالبسات تحوله العقدي‬

‫ورحلته الشاقة‪ ،‬يلتمس النجاة من الموت على أيدي من يطلبونه‪ ،‬بعد أن أ ُِح َّل دمه‪،‬‬ ‫مس قلبه بعد طول إعراض‪.‬‬ ‫ويطمح إلى نجاة في اآلخرة يسمو به إليها إيمان َّ‬

‫وعُرِ فت هذه القصيدة بأنها إمام لنظائر لها من قصائد أبدعها في عصور‬

‫متعاقبة شعراء آخرون‪ ،‬استلهموا شيئا مما أفاضت به روحها‪ .‬وقد تركت تلك‬

‫التجربة الخاصة التي خاضها الشاعر بحثا عن خالص الجسد والروح جميعا‪،‬‬ ‫أثرا في البناء اللغوي للقصيدة‪ ،‬جعل أشكاال من التالحم تسود أبياتها وتربط‬

‫معضدا ألحاسيس الرجل ناطقا بها‪.‬‬ ‫أفكارها‪ ،‬وصار البناء اللغوي بمستوياته ِ ّ‬

‫تجمع القصيدة بين التقليد واإلبداع‪ ،‬أو ِلنَقُل مثَّلت اإلبداع في إطار من التقليد‪،‬‬

‫(فهي) قصيدة مدح إذا صنَّفناها في نطاق األغراض المتعارفة‪ ،‬بل هي كذلك‬ ‫عند القدماء بكل رسوم المِ دحة الجاهلية‪ ،‬من االستهالل بالغزل ووصف الرحلة‬

‫إلى المحبوب‪/‬الممدوح‪ ،‬ثم الخلوص إلى الغرض األصيل‪ ،‬من ذكر المناقب وما‬ ‫يتعلق بها‪ ،‬بل إن أثر اإلسالم في هذه القصيدة الجاهلية البِناء‪ ،‬يكاد يتوارى خلف‬

‫هذا المديح الذي يجري على نهج المديح الجاهلي‪ ،‬ولوال أنها قيلت في مدح‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪65‬‬


‫النبي‪ ،[ ،‬ل ُع َّدت جاهلية‪ ،‬كما يقول الدكتور صالح الوزنية والداللية‪ ،‬وقد الحظنا سيادة األصوات ذات‬

‫الهادي (األدب في عصر النبوة والراشدين‪.)230‬‬

‫اإلس��م��اع القوي المناسب لجو الحركة والصخب‬

‫وتبرز سمات التقليد في قصيدة كعب‪ ،‬فضال الذي ي��وازي حالة القلق واالضطراب المائجة بها‬ ‫عن الغرض‪ ،‬في بنيتها العروضية‪ ،‬إذ هي من بحر نفس الشاعر‪ ،‬ويمثل الالم أعلى نسبة ت��ردد‪ ،‬وهو‬ ‫بالسعة ومناسبة الموضوعات أح��د األص��وات التي تلي العلل في ق��وة إسماعها‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫البسيط الموصوف‬ ‫المترَعة بجَ يَشان العواطف‪ ،‬وكذلك ما عُرِ فَت به مع الميم والنون‪ ،‬ويزيد الال َم حضورا اتخاذها رويا‬ ‫القصيدة الجاهلية م��ن ميل إل��ى وص��ف ال��داب��ة‪ ،‬وتكرارها في كلمة القافية المردوفة‪ ،‬مثل‪ :‬معلول‪،‬‬ ‫وسيلة الشاعر لبلوغ ممدوحه‪/‬محبوبه أو غايته‪ ،‬يعاليل‪ ،‬تضليل‪ ،‬شمليل‪ ،‬زهاليل‪ ..‬الخ‪ .‬كذلك تعلو‬

‫كما نوضح في البحث‪ ،‬والشاعر يسوق ذلكم في نسبة المجهورات‪ ،‬بل إن المهموسات تحقق وضوحا‬ ‫ألفاظ تدور في أمثال تلك القصيدة‪ ،‬وهو ما يعنيه إسماعيا بوساطة التشديد أو المدّ ‪ ،‬كالذي الحظناه‬ ‫في صوت التاء‪.‬‬

‫زهير بقوله‪:‬‬

‫م������ا ن������ران������ا ن�����ق�����ول إال مُ ������ع������ارًا‬

‫أمّ��ا ال��بِ��نَ��ى الصرفية المستعملة فإنها ترتبط‬

‫أو مُ �����ع�����ادا م����ن ل���ف ِ‬ ‫���ظ���ن���ا م����ك����رورًا بالوزن والقافية؛ إذ يتيح البسيط استعمال الصيغ‬

‫وهذا القول ال يعارض ما ذكرنا من جانب اإلبداع المزيدة والمض َعّفة لألسماء واألف��ع��ال‪ ،‬وق��د أ ّثَ��ر‬

‫في الفكرة الذي أمْلته ورفَدتْه مشاعر حادة سيطرت التجانس الداللي على كلمات القوافي التي تكررت‬ ‫على نفس الشاعر حال إنشاء القصيدة‪.‬‬

‫فيها أص��وات مع َيّنة وأوزان صرفية متشابهة‪ ،‬كما‬

‫ويتوازى في قصيدة كعب رحلة شاقة للشاعر عبر ت��ش��ي��ع ال��ص��ي��غ ال��م��زي��دة وال��م��ض��ع��ف��ة ف��ي ال��ح��ش��و‪،‬‬ ‫درب الرسوم الشعرية القديمة‪ ،‬ورحلة نفسية كابد واس��ت��ع��م��ال ص��ي��غ ج��م��ع ال��ج��م��ع ومنتهى ال��ج��م��وع‪،‬‬ ‫أهوالها في االنتقال من اإلنكار إلى اإليمان‪ ،‬ورحلة الموحية باستغراق جنس المس َمّى بها وبلوغ أقصى‬ ‫عبور من اليأس والخوف إلى الرجاء والطمأنينة‪ .‬المعنى وغ��اي��ة الصفة ف��ي موصوفها‪ ،‬وم��ن ذل��ك‪:‬‬ ‫وعليه‪ ،‬فليس صحيحا ما قاله الدكتور شوقي ضيف يعاليل‪ ،‬وأباطيل‪ ،‬ومثاكيل‪ ،‬وأقاويل‪ ،‬وأراجيل‪ ..‬الخ‪.‬‬

‫م��ن أن ه��ذه القصيدة ال تختلف ع��ن م��دح ملوك‬

‫ومن مصادر األفعال المضعفة‪ :‬تبديل‪ ،‬وتضليل‪،‬‬

‫العرب وسادتهم القدماء‪ .‬فذلكم فيما نرى هو ما وتنويل‪ ،‬وتنعيل‪ ،‬وهي مسوقة لضرب من اإلمعان‬ ‫ي ِ‬ ‫ُوهم به التزام الشاعر اإلط��ار الشكلي المتعارف في تضخيم األح���داث‪ .‬وعلى الرغم من التقارب‬

‫لقصيدة المدح‪ ،‬ولو وافقنا القائلين بوصف الشعر النسبي بين صيغتَي اسمَي الفاعل والمفعول‪ ،‬فإن‬ ‫الجاهلي بالحركة‪ ،‬فإننا ال نرتب على ذلك ما رتبوه أسماء الفاعلين الواردة ال تدل على أفعال قام بها‬

‫من مروره بالمعاني مرورا خاطفا أو افتقاد الوحدة الشاعر‪ ،‬وال على حدَث في ذاتها‪ ،‬بل هي إمّا وصف‬ ‫الموضوعية‪.‬‬ ‫ومصطخد‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫صاف‪ ،‬والحقة‪ ،‬وضامرة‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ساكن مثل‪:‬‬ ‫وق��د اعتمدنا في دراس��ة البنية الصوتية على أو وصف هو إلى اسم الذات أدنى‪ ،‬مثل‪ :‬حاديهم‪،‬‬

‫ج��دول إحصائي ع��ام‪ ،‬يتبين منه صلتها بالبنيتين ونافلة‪ ،‬وخادر‪ ،‬وقائلهم‪.‬‬

‫‪66‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫أما دراس��ة بنية التركيب‪ ،‬وهي جزء من البنية التحذيري «فال يغ َّرنْكَ ما منَّتْ وما َوع��دَتْ »‪ ،‬وكذا‬ ‫ال��ل��غ��وي��ة للقصيدة‪ ،‬ف��إن��ه��ا ت��ق��وم بوصفها ترجمة في أسلوب القصر» وما مواعيدها إال أباطيلُ»‪.‬‬ ‫لمجموعة من العالقات بين عناصر مختلفة‪ ،‬أي‬

‫ومما يدل على اضطراب نفس الشاعر ما نلمح‬

‫البحث عن النظام أو النسق الذي يحكم مجموعة أحيانا م��ن ال��ت��واء وإل��غ��از ف��ي ال��ع��ب��ارة‪ ،‬ك��ال��ذي في‬ ‫العالقات الباطنة الثابتة المتعالقة‪ ،‬وفقا لمبدأ‬ ‫قوله»أخوها أبوها‪ ،‬عمها خالها‪ ،‬في وصف الناقة‪،‬‬ ‫األولوية المطلقة للكل على األجزاء‪ ،‬بحيث ال يمكن‬ ‫فضال عن وصفها بأنها «حرف»‪:‬‬ ‫فهم أي عنصر من عناصر البنية خارجا عن الوضع‬ ‫��ج��ن��ةٍ‬ ‫����رف أخ��وه��ا أب��وه��ا م��ن م��ه ّ َ‬ ‫ح ٌ‬ ‫الذي يشغله داخلها‪( ..‬راجع‪ :‬بنية القصيدة في شعر‬ ‫وع���م���ه���ا خ���ال���ه���ا قَ��������وداء ِش��م��ل��ي��لُ‬ ‫أبي تمام‪ ،‬د‪ .‬يسرية المصري‪ ،‬ص‪ 55‬وما بعدها)‪.‬‬ ‫فليس «حرف» خبر «أخوها»‪ ،‬وليس شبه الجملة‬ ‫تمثل جملة المطلع الخبرية ذات الفعل الماضي‬ ‫«من مهجنة» خبر «أب��وه��ا»‪ ،‬و ُق��ل مثل ذا في عجُ ز‬ ‫«بانت سعاد» الفعل اإليجابي القاهر الذي لم يأته‬ ‫البيت‪ ،‬وإن كان أقل غموضا‪.‬‬ ‫المدوّية لرحلة الخوف التي‬ ‫ِ‬ ‫الشاعر‪ ،‬بل هو البداية‬ ‫والشاعر ال يصرح بأن إبِله المنهَكة المكدودة‬ ‫عايشها‪ ،‬فحفزته إلى إب��داع قصيدته وتركت فيها‬ ‫أثرها؛ فهي بفعلها الماضي المنتهي وفاعلها ال َعل َم بلغت أرض محبوبته‪ ،‬بل يُف ِْجؤُنا بالجملة المضارعية‬ ‫ الذي اختلفت اآلراء حوله بين الرمز والحقيقة ‪« -‬تسعى الوشاة جَ نابَيْها» التي بها التفات عجيب من‬‫جملة محورية تتعلق بها دالليا ونحويا كذلك طائفة ضمير الغائبة العائد على الثَّكل َى التي تبكي بكرها‬ ‫من الجمل ترتبط بها معطوفة عليها أو نعتا متعلقا في البيت السابق «تَفرِ ي اللبان بك َّفيْها‪ ،» ..‬أو على‬ ‫بها‪.‬‬ ‫الناقة التي تَحُ ّ ُث الخُ طى في رحلتها الشاقة‪ ،‬التفات‬ ‫وتتعاقب جمل وأبيات يراوح بها الشاعر في مكانه‪ ،‬إلى ضمير الغائبة‪ ،‬الحاضرة في عقل الشاعر «سعاد»‬ ‫بين أمل يُق ِبِل به ويأس يَر ُدّه‪ ،‬وهي جمل تغلب عليها التي «بانت» في مطلع القصيدة‪/‬أول الرحلة‪ ،‬ولنا أن‬

‫الخبرية‪ ،‬ويغلب الخوف فيها على الرجاء‪ ،‬وتلعب نُعرِ ب جملة «تسعى الوشاة جَ نابَيْها» حاال إذا ق َّدرنا‬ ‫التقفية الداخلية بين بعض األفعال مثل‪ :‬فجع‪ ،‬وولع‪ ،‬قبلها فعال‪ ،‬أو حاال من «سعاد»‪ ،‬بل زاد ابن هشام‬ ‫دورها في تعميق إحساس المتلقي بشعور اإلحباط جواز إعرابها مستأنَفة للتخلُّص للمديح‪ ،‬وهو وجه‬ ‫ال��ذي يأخذ بنفس الشاعر‪ ،‬بل إن الرجاء واألم��ل ‪ -‬فيما نرى ‪ -‬يمزق أوصال القصيدة دالل ًة وتركيبا؛‬ ‫يرافقهما ضمير الغائبة البعيدة «أرجو وآمل أن تدنو إذ به تَنْب ّ َُت ِصلة هذه الجملة بجملة المطلع وجملة‬

‫مودتها»‪ ،‬على حين يرافق اليأس ضمير المخاطَ بة» البيت السابق‪ ،‬على تقدير االلتفات‪ .‬وتبدو القصيدة‬ ‫وم��ا إخ��ال لدينا ِ‬ ‫منك تنويلُ»؛ ويتن َوّع التعبير عن ‪ -‬فيما نرى ‪ -‬سلسلة متعاقبة من الجمل واألبيات‬ ‫اليأس‪ ،‬فيرد في ص��ورة الجملة الخبرية المؤ َكّدة يُسْ لِم بعضها إلى بعض‪ ،‬ويتجلَّى التالحم الشديد‬

‫«إن األم��ان َّ‬ ‫��ي واألح�لام تضليلُ»‪ ،‬وفي ص��ورة النهي الذي يربط الجمل ومتعلَّقاتها ومعطوفاتها‪.‬‬ ‫< استاذ مشارك بجامعة الجوف‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪67‬‬


‫الرماد للكاتب عبداملعز شاكر‪:‬‬

‫رواية مهمومة بفكرة الطبقية والفوارق االجتماعية بني األغنياء والفقراء‬ ‫> هويدا صالح‬

‫<‬

‫ه��ن��اك بعض األع��م��ال ال��ت��ي ال نسعى وراء جماليات تالزمه‪ ..‬أن يكون واحدا من هؤالء الذين وصفتهم األم‪.‬‬ ‫الكتابة فيها بقدر ما نسعى إلى الكشف عن رؤية الكاتب‬ ‫ظل الصراع قائما‪ ،‬وشكّل هذا الصراع مقدرات السرد‬ ‫للعالم وس��ؤال الكاتبة عنده‪ ،‬ومساحات الوعي والالوعي حتى آخر سطر في الرواية‪ ،‬حيث نذر البطل نفسه من‬ ‫في النص‪ ..‬وهناك من األعمال ما يفرض علينا أن نسعى لحظتها الختراق تلك الطبقة المتعالية بدورها وناسها‬ ‫جاهدين وراء الجماليات والفنيات‪ .‬ورواي��ة الرماد ربما وح��دائ��ق��ه��ا‪ ،‬حتى أف��ن��ى حياته وه��و يبحث ع��ن تحقيقه‬ ‫تفرض علينا ‪ -‬كما سأبين ‪ -‬أن نتعامل معها من هذا المنطق‪ .‬الحلم‪ /‬الوهم‪.‬‬ ‫بداية هي رواية اجتماعية واقعية مهمومة في المقام األول‬ ‫ونلحظ أن الكاتب ركز بشكل كبير على الهم الخاص‬ ‫بكشف الفارق الشاسع بين الطبقات االجتماعية في بغداد‪،‬‬ ‫مهمومة بفكرة الطبقية والفوارق االجتماعية بين األغنياء ولم يتعرض للهم العام إال مرات قليلة‪ ،‬فنجده يذكر عهد‬ ‫الملك‪ ،‬أو ضياع عهد الملك الليبرالي وسقوط البالد بعد‬ ‫والفقراء الذين يعيشون على هامش الحياة‪.‬‬ ‫الثورة في حكم كمم األفواه وكتم الحريات‪.‬‬ ‫البطل فيها يعيش الصراع الطبقي في شتى تجلياته؛‬ ‫ونجد الكاتب يشعر بالحنين أو النوستالجيا للعهد‬ ‫فمنذ اليوم األول لذهابه للمدرسة طفال صغيرا ال يتعدى‬ ‫ال��س��ادس��ة إال ب��أي��ام‪ ،‬وه��و ينظر إل��ى بيت ج��اره��م العالي ال��م��اض��ي‪ ..‬وينتصر ط��وال ال��وق��ت للماضي على حساب‬ ‫بحديقته ال��غ��ن��اء‪ ..‬وس��ت الحسن والجمال تطل عليه من الحاضر ال��ذي قيد حرية ال��ن��اس‪ ..‬وإن ج��اءت مثل هذه‬ ‫الشرفة‪ ..‬من لحظتها صار كل همه أن يختصر المسافة الرؤية بشكل سريع وسطحي‪ ،‬فلم يكن الكاتب معنيا بإلقاء‬ ‫بينه وبينها على الرغم من األميال الواسعة التي تفصله عنها الضوء على األحداث السياسية‪ ،‬وإنما أتى بها عرضا في‬ ‫عمريا أو طبقيا‪ ..‬فهي ابنة السادسة عشرة‪ ،‬وهو ما زال الكالم‪ ،‬فنجده يقول في صفحة (‪ )43‬في حوار دار بين‬ ‫صغيرا في السادسة‪ ..‬وهي ابنة البيك‪ ،‬وهو ابن األسطى األب والعم في المرة التي اجتمعا فيها األخ��وان اللذان‬ ‫الحالق!! عالمة استفهام كبيرة تتشكل أم��ام عينه حينما فرقتهما فكرة الطبقية‪:‬‬ ‫يسأل أمه في طريق عودته من المدرسة وفي يومه الدراسي‬ ‫«إذا حصل ش��يء مما تقول فسوف يغرق العراق في‬ ‫األول فيقول‪:‬‬ ‫حرب أهلية‪ ،‬وتسيل الدماء أنهارا‪ ،‬الكل يطالب اآلن بالثورة‬ ‫على الحكم الملكي القائم بدعوى تبعيته لبريطانيا‪ ..‬فإذا‬ ‫ «ما معنى بيك؟!‬‫تحققت أحالمهم في الثورة على الحكم الملكي‪ ،‬فإن البلد‬ ‫رج��ل واس��ع ال��ث��راء شخصية كبيرة ج���دا‪ ..‬ه��ذه أم��ور سيتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بينهم جميعا»‪ .‬كما‬ ‫يصعب عليك اآلن معرفتها‪ ،‬ولكنك ستعرفها جيدا بمرور يقول في صفحة (‪ )177‬على لسان إحسان عطا الذي‬ ‫الزمن‪ ،‬فهناك بيك‪ ،‬وهناك باشا‪ ،‬وهناك أف��ن��دي‪ ..‬فال قرر ترك العراق والذهاب إلى أمريكا‪ « :‬فراق الوطن ليس‬ ‫تشغل نفسك بهذه األمور اآلن‪..‬‬ ‫باألمر السهل‪ ،‬ولكنك تعلم أن األوض���اع في ال��ع��راق قد‬ ‫ساءت بشكل كبير‪ ..‬خنق الحريات وتكميم األفواه‪ ،‬ونشر‬ ‫وإذا به يسألها‪:‬‬ ‫وكالء األمن في كل مكان»‪.‬‬ ‫ وأبي؟! من يكون من هؤالء؟!‬‫أما عن الحنين للماضي فنراه طوال الوقت يتذكر أيامهم‬ ‫ هو عبدمن عباد الله‪ ..‬أبوك أسطى ألنه يعمل حالقا الماضية‪ ،‬وأماكن جلوسهم فيقول في صفحة (‪« :)189‬لم‬‫في سوق األعظمية»‪.‬‬ ‫يعد لهما حديث هو وماجد صالح إال عن الماضي‪ .‬أصبح‬ ‫وهنا تتشكل في عين الصغير مشكلة حياته التي ظلت الماضي مركزا ألحاديثهما‪ ،‬استعراضا وحنينا وتذكرا‬

‫‪68‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫وتزكية وتفضيال على الحاضر القبيح والمستقبل المجهول التكثيف واالختزال‪ ،‬مما أصاب اللغة بالترهل واالستطالة‬ ‫والمنذر بالظالم»‪.‬‬ ‫فيقول في صفحة (‪:)45‬‬ ‫الزمان في الرواية يبدأ من عام ‪1943‬م تقريبا وربما‬ ‫«انتهت األسرة من تناول طعام العشاء‪ ،‬قال أبوه وهو‬ ‫ينتهي في الثمانينيات‪ ..‬يسير الزمن في ال��رواي��ة بشكل يجفف يديه بالمنشفة (البشكير) بعد أن غسلهما بالماء‬ ‫تدريجي‪ ،‬ال قفزات فيه‪ ،‬وال صعود وهبوط‪ ..‬بل هو زمن والصابون‪:‬‬ ‫تراتبي‪ ،‬نستدل على م��روره إما بوقوف األصدقاء الثالثة‬ ‫جاءني اليوم صالح الحارس‪ ،‬وهو كما تعلمون حارس‬ ‫أم��ام لوحة النتائج في المدرسة أو الجامعة‪ ،‬فنعرف أن بيت محمد بيك‪ ،‬ق��ال أن البيك مريض وال يقوى على‬ ‫عددا من السنين مر‪ ،‬وإما بأحداث بعينها مثل والدة أحد المجيء للدكان لحالقة شعر رأس��ه ولحيته‪ ،‬وإن الحالة‬ ‫األطفال ألحد األصدقاء‪ ،‬وإما بتغيرات بيولوجية تطرأ على توجب أن أذهب إليه غدا في بيته ومعي أدوات الحالقة‬ ‫جسد البطل أو أحد أصدقائه مثل الشعر األبيض أو ضعف إلجراء عملية الحالقة هناك «‬ ‫البصر‪ ..‬يقول في صفحة (‪« :)82‬الزمان ‪1954 /7 /15‬م‪،‬‬ ‫تعالوا نحلل المقطع السابق‪:‬‬ ‫المكان العام‪ :‬إعدادية األعظمية للبنين‪ ،‬المكان الخاص‬ ‫أمام لوحة اإلعالنات التي تعرض قوائم بنتائج االمتحانات‬ ‫بما أنه قال «وهو يجفف يديه بالمنشفة» لم يكن مضطرا‬ ‫النهائية للدراسة اإلعدادية (الصف المنتهي)‪.»..‬‬ ‫أن يفسر المنشفة بالبشكير‪ ،‬ولم يكن مضطرا كذلك أن‬ ‫أما المكان في الرواية فهو مدينة بغداد وأحياؤها‪ ،‬حي يقول بعد أن غسلهما بالماء والصابون‪ ،‬فلن يجفف إال بعد‬ ‫األعظمية بجزأيه الفقير‪ ،‬الذي يعيش فيه البطل‪ ،‬والغني غسيل‪ ،‬فلو كان يقصد أنه لم يغسل لقال «يمسح»‪.‬‬ ‫ال��ذي تعيش فيه سناء ابنة محمد بيك‪ ،‬كذلك ن��رى حي‬ ‫كذلك قال «صالح الحارس‪ ،‬وهو كما تعلمون حارس‬ ‫الوزيرية وغيره من األحياء‪.‬‬ ‫بيت محمد بيك» لم يكن مضطرا بإخبارنا أنه حارس بيت‬ ‫نأتي إل��ى نقطة مهمة وه��ي الضمير ال��ذي تحكي به محمد بيك‪ ،‬ألنهم يعلمون ونحن القراء نعلم منذ بداية‬ ‫الرواية‪ ،‬استخدم الكاتب تقنية الراوي العليم الذي يسيطر الرواية أن صالح أبا ماجد حارس بيت محمد بيك‪.‬‬ ‫على مقدرات السرد‪ ،‬ينتقل حيث يشاء‪ ،‬يصف لنا دواخل‬ ‫كذلك قوله «أن البيك مريض وال يقوى على المجيء‬ ‫األب��ط��ال وأف��ك��اره��م وم��ش��اع��ره��م‪ ،‬ويظهر أح��ي��ان��ا صوت ل��ل��دك��ان» ل��م يكن مضطرا أن ي��ق��ول لحالقة شعر رأس��ه‬ ‫المؤلف متدخال بتعليق على األحداث‪ ،‬أو متأمال لموقف ولحيته‪ ،‬ألنه لن يذهب للدكان لشرب العصير مثال‪..‬‬ ‫ما‪ ،‬محلال له‪.‬‬ ‫كذلك حين قال‪« :‬وأن الحالة توجب أن أذهب إليه غدا‬ ‫لم تتنوع مساحات أو مستويات السرد في ال��رواي��ة‪ ،‬في بيته ومعي أدوات الحالقة»‪.‬‬ ‫فكلها ت��روى بضمير ال «ه��و» كما أسلفنا‪ ،‬فال تنوع وال‬ ‫ترى هل كان الكاتب مطالبا أن يتبعها بجملة «إلجراء‬ ‫ف��رص��ة ألح��د م��ن األب��ط��ال أن ي��ق��دم ذات���ه أو يتمرد على‬ ‫ال��راوي العليم‪ ،‬أو يرفض لغته‪ ،‬فلغة السرد تقريبا ذات عملية الحالقة؟!‪.‬‬ ‫مستوى واح��د‪ .‬لقد قيد الكاتب الفضاء الحكائي نتيجة‬ ‫كذلك رغم خلو الرواية من األخطاء اللغوية الفادحة‪،‬‬ ‫الستخدام تقنية الراوي العليم بكل شيء‪.‬‬ ‫إال أن الكاتب بينه وبين الهمزات ع��داوة غريبة‪ ،‬فهمزة‬ ‫اللغة‪ :‬إن زمن الحكي في الرواية هو زمن الحدث‪ ،‬وهذا الوصل يكتبها قطع‪ ،‬والهمزة المكسورة يكتبها مفتوحة‪،‬‬ ‫ما جعل الكاتب يلهث وراء التفاصيل الدقيقة س��واء في وهكذا طوال الرواية‪.‬‬ ‫الوصف أو الحوار‪ ،‬كان شديد األمانة في وصف األحداث‪،‬‬ ‫وه��ذا أوقعه في إشكالية خطيرة‪ ،‬فجاءت اللغة تقليدية‬ ‫ال تحفل كثيرا بالبالغة السردية‪ ،‬بل هي لغة أق��رب إلى‬ ‫التقريرية المباشرة‪ ،‬وج��اءت كثير من العبارات والجمل‬ ‫محمولة على ما قبلها معللة لها أو مفسرة‪ ،‬ما أبعده عن‬

‫كما أن الكاتب لم يراجع نصه قبل الطباعة مباشرة‬ ‫والدليل على ذلك أن بعض الصفحات تكررت‪ ،‬وهذا حدث‬ ‫ربما في ثالثة مواضع م��رة في صفحة (‪ )103‬وصفحة‬ ‫(‪ )104‬وصفحة (‪ 105‬إلى صفحة ‪ )107‬وصفحة (‪)147‬‬ ‫وصفحتي (‪ 157‬و‪.)158‬‬

‫• كاتبة وناقدة من مصر‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪69‬‬


‫مبناسبة بلوغه عامه السبعني‬

‫أبو سنة‪ :‬غابت سلطة النقد واجنرفنا مع‬ ‫«الفرقعة»‬

‫> حاوره عصام أبوزيد (القاهرة)‬ ‫احتفل المجلس األعلى المصري للثقافة مؤخراً بمناسبة بلوغ‬ ‫الشاعر العربي الكبير محمد إبراهيم أبوسنه عامه السبعين‪ ،‬وأبو‬ ‫سنة ارتبط اسمه بالرومانسية الشعرية في مرحلة ما‪ ،‬وقال في‬ ‫ح��وار مع (الجوبة)‪« :‬إننا أصبحنا في مرحلة سلطة النص في‬ ‫مواجهة سلطة النقد» ورأى أن «من حق كل جيل أن يطرح رؤيته‬ ‫الخاصة ولكن ليس من حقه أن ينفي اآلخرين خارج األسوار ولو أن كل جيل قطع ما‬ ‫يربطه بالجيل الذي سبقه لما بقي من تراثنا الشعري سوى موجة ضائعة»‪.‬‬ ‫وفي ما يلي نص الحوار‪:‬‬ ‫< ارتبط اسمك بالرومانسية‪ ،‬فإلى أي م��دى نجحت الرومانسية في الصمود أمام‬ ‫المدارس الحديثة؟‬

‫م����واج����ه����ات‬ ‫‪70‬‬

‫> ما معنى الرومانسية؟ الرومانسية كمذهب فني تجاوزها الزمن‪ ،‬ألن حركة الشعر‬ ‫الحديث منذ منتصف األربعينيات كانت انتهاكاً لحصون الرومانسية وبرجها العاجي‬ ‫– لقد احتلت الواقعية والحداثة الشعرية والتيارات التجريبية قلعة الشعر العربي‬ ‫طوال الخمسين عاماً الماضية‪ ،‬وظهرت ألوان من الشعر تراوح على لوحة فسيحة‬ ‫بين أقصى اليمين الشعري وأقصى اليسار الشعري؛ فمن حيث الواقع اإلبداعي‪ ،‬نجد‬ ‫شعراء ينتمون إلى مدرسة شوقي الكالسيكية‪ ،‬ويكتبون قصائدهم ويلقونها اآلن في‬ ‫المحافل‪ ،‬ونجد شعراء يذكروننا بمدرسة علي محمود طه وإبراهيم ناجي – ولكن‬ ‫التيار الرئيسي في حركة الشعر العربي اآلن هو التيار الذي أسسه الرواد وتابعهم‬ ‫بعد ذلك شعراء من األجيال المختلفة‪ ،‬على الرغم من أن هذا التيار الرئيسي ينضوي‬ ‫تحت راية الواقعية والحداثة الشعرية والتجريب الشعري‪ ،‬إال أن الهاجس الرومانسي‬ ‫ظل يسري في شرايين قصائد بعض شعراء الحداثة ممتزجاً بالوجدان المعاصر؛ ذلك‬ ‫ألن الواقع العربي نفسه لم يتخلص كلية من الشروط النفسية والعاطفية التي أدت إلى‬ ‫ظهور الرومانسية في الثلث األول من القرن العشرين‪ ..‬الرومانسية كإحساس عميق‬ ‫بالذات‪ ،‬وصراع الذات مع العالم‪ ،‬وقلق الوجدان أمام تحوالت الحياة‪ ،‬هاجس أبدي ال‬ ‫يخلو منه أي إبداع شعري أو أدبي‪ ،‬وهناك شعراء كبار يمكن أن يندرجوا تحت مفهوم‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫الرومانسية بالمعنى ال��واس��ع وال��ع��ص��ري لهذه‬ ‫الكلمة‪ ،‬ومنهم على سبيل المثال نزار قباني الذي‬ ‫هو في جوهره شاعر رومانسي‪ ،‬ولكنه استطاع‬ ‫أن يحطم القوقعة الرومانسية‪ ،‬ويتحرر مستفيداً‬ ‫من تجارب عصره ومغامرات الحداثة الجديدة‪،‬‬ ‫فكتب قصيدة هي في جوهرها رومانسية‪ ،‬ولكنها‬ ‫تنهل من الواقعية والحداثة الشعرية والتجريب‬ ‫الشعري‪ ..‬وأنا أراهن على الزمن أن يحسم وحده ‬ ‫ليس مصير الشعر العربي‪ ،‬ولكن مصير هذه‬ ‫األمة كلها‪.‬‬ ‫< ل��ك إس��ه��ام��ات نقدية اح��ت��واه��ا أك��ث��ر م��ن كتاب‪،‬‬ ‫ك���ان آخ��ره��ا (ظ�ل�ال ن��ق��دي��ة)‪ .‬ف��ه��ل ل��دي��ن��ا اآلن‬ ‫حركة نقدية فاعلة تستحق أن نطلق عليها هذه‬ ‫التسمية؟‬

‫ال��ت��ي تحملها رس��ال��ة ال���رواد إل��ى األج��ي��ال التي‬ ‫جاءت بعدها؛ بمعنى أن النقد اكتفى بالتشجيع‪،‬‬ ‫وفاجأت الحياة األدبية تيارات نقدية مثل البنيوية‬ ‫والتفكيكية وما بعد الحداثة‪ ،‬ساهمت في تدمير‬ ‫العالقة بين القارئ والمبدع‪ ،‬ألن الخطاب النقدي‬ ‫أصبح نوعاً من الفرقعة‪ ،‬وهنا افتقدنا ما يسمى‬ ‫بالسلطة النقدية‪.‬‬ ‫والسلطة النقدية ف��ي رأي���ي تعني م��ا يعطيه‬ ‫الرأي العام لشخصية نقدية؛ بحيث يصبح لهذه‬ ‫الشخصية تأثيرها على هذا ال��رأي العام‪ ،‬هذه‬ ‫الشخصية تكون قادرة على إلهام المبدع وتوجيه‬ ‫الحياة األدبية في اتجاه المنظومة الجمالية التي‬ ‫يدعو لها الناقد من الجيل الجديد‪.‬‬ ‫وبسبب غموض الخطاب النقدي‪ ،‬فإن الرأي‬ ‫العام لم يجد من يبايعه‪ ،‬وافتقد هذا الوسيط‬ ‫ال��ش��ج��اع ال���ذي يعطي االن��ط��ب��اع بالموضوعية‬ ‫والنزاهة األدبية‪ ..‬وهذا ال يعني أنه ليس لدينا‬ ‫نقاد بل لدينا اآلن عدد من أفضل نقادنا الذين‬ ‫قطعوا شوطاً بعيداً‪ ،‬ولكن اعتقد أننا أصبحنا في‬ ‫مرحلة سلطة النص في مواجهة سلطة النقد‪.‬‬

‫> في مرحلة الريادة التي مرت بها تجربة الشعر‬ ‫الحديث‪ ،‬ك��ان ال بد من مساندة عمالقة النقد‬ ‫األدبي للتجربة الوليدة‪ ،‬وقد وقف محمد مندور‬ ‫ول��وي��س ع���وض وع��ب��دال��ق��ادر ال��ق��ط وع���ز ال��دي��ن‬ ‫إسماعيل وشكري عياد ورجاء النقاش لتشجيع‬ ‫هذه الحركة وإبراز رموزها‪ .‬وكان هذا الجيل من‬ ‫النقاد بما أتيح له من ثقافة موسوعية وصالبة < كيف ترى مسألة الصراع بين األجيال؟‬ ‫فكرية وشجاعة أدبية يمثل سلطة حقيقية للنقد‪ > .‬ما زلت أعتقد أن الحاضر ينبثق من الماضي وأن‬ ‫وحين أق��ول سلطة نقدية‪ ،‬أعني وضع المعايير‬ ‫المستقبل ينبثق منهما معاً‪ ،‬وأن المقولة التي تقول‬ ‫وال��ق��درة على التمييز بين الحقيقي وال��زائ��ف‪،‬‬ ‫ال شيء يأتي من ال شيء مقولة صحيحة؛ولهذا‬ ‫واألخ��ذ بيد الصاعدين من األج��ي��ال الجديدة‪،‬‬ ‫ف��إن تفاعل األج��ي��ال ب��دالً م��ن حروبها ه��و أنفع‬ ‫بحيث يمكن أن تكون للكلمة النقدية مصداقية‬ ‫لحركة اإلبداع الشعري ويأتي التفاعل الصحيح‬ ‫تاريخية لدى الرأي العام األدبي‪ .‬واعتقد أن هذا‬ ‫ح��ي��ن ت��ت��م م��واج��ه��ة م��ا ه��و حقيقي ف��ي الشعر‬ ‫الجيل ساعد حركة الشعر الحديث على الرسوخ‬ ‫العربي ب��روح االتفاق والموضوعية‪ ،‬واعتقد أن‬ ‫واالستمرار‪ ،‬ولكن األجيال الجديدة من النقاد‬ ‫إهمال دراس��ة جيل الستينيات خلق فجوة بين‬ ‫تأثرت بما لحق بالحياة الثقافية من تطورات؛‬ ‫هذا الجيل وجيل السبعينيات‪ ،‬ولهذا فأنا أرى‬ ‫فقد اعتقد معظم النقاد أن حركة الشعر الحديث‬ ‫أن على النقد أن ينهض بتأسيس الجسور التي‬ ‫قد بلغت سن الرشد‪ ،‬وأنهم خاضوا من أجلها‬ ‫تعبر عليها األجيال الشعرية المختلفة‪ ،‬ومن حق‬ ‫م��ع��ارك ح��اس��م��ة وع��ل��ي��ه��ا أن ت��واج��ه مصيرها‬ ‫كل جيل أن يطرح رؤيته الخاصة‪ ،‬ولكن ليس من‬ ‫وحدها‪ ،‬واتجهوا إلى النقد المسرحي والدراما‬ ‫حقه أن ينفي اآلخرين خارج األسوار‪ .‬ولو أن كل‬ ‫والقصة القصيرة ما كان له أثر واضح في إثارة‬ ‫جيل قطع ما يربطه بالجيل الذي سبقه لما بقي‬ ‫من تراثنا الشعري سوى موجة ضائعة في غياب‬ ‫البلبلة لدى األجيال الجديدة حول القيم الفنية‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪71‬‬


‫اعتبر األدب العربي ذا طبيعة مزدوجة مثل شخصياتنا‪:‬‬

‫أحمد الواصل‪« :‬سورة الرياض» عن جيل تسحقه‬ ‫الهوية الضائعة!‬

‫> حاوره‪ :‬محمد جنيم‬ ‫‪ ..‬عرفناه ناقداً‪ ،‬وشاعراً يحمل مشروعاً أكيداً‪ ،‬صدرت له روايته األول��ى‪« :‬سورة‬ ‫الرياض» (الفارابي ‪2007‬م) الفائزة بجائزة الرواية من مؤسسة الصدى الثقافية في‬ ‫اإلمارات العربية المتحدة‪.‬‬ ‫«سحارة‬ ‫َّ‬ ‫أحمد الواصل‪ ،‬كتب دراسات في الغناء الخليجي والعربي ت َوّجَ هُا بكتاب مهم‪:‬‬ ‫الخليج» (الفارابي ‪2006‬م)‪ ،‬كما أصدر مجموعات شعرية كان آخرها «تمائم» (االنتشار‬ ‫العربي ‪2007‬م)‪ ،‬ولكن‪ ..‬يبقى الحديث عن السرد‪ ،‬فاكتشف أشياء جديدة في األدب‬ ‫العربي‪ ،‬والثقافة الشعبية‪ ،‬وأشياء أخرى نطالعها في هذ الحوار‪.‬‬ ‫< القليل من يعرف أنك قدمت أطروحتك الجامعية عن السرد‪ ،،‬وذلك ما يوحي إلى‬ ‫وج��ود عالقة مع السرد وتاريخه‪ ،‬فقد قدمتها حول الرواية السعودية‪ ،‬ولم تختر‬ ‫الشعر‪ ،‬أليس كذلك؟‬ ‫> نعم‪ ،‬هي دراسة نقدية بمنهج تأويلي حول إحدى روايات المرحلة الثالثة (‪-1980‬‬ ‫‪2000‬م) في الرواية السعودية‪ ،‬وك��ان النموذج‪« :‬لغط موتى»‪ ،‬ليوسف المحيميد‪،‬‬ ‫فتناولت مسائل عدة منها‪ :‬البنية األدبية‪ ،‬والتفاعل النصي‪ ،‬والدرس المقارن‪ ،‬منتهياً‬ ‫إلى كشف البيان الروائي للمحيميد‪ ،‬وقد أشرف عليها الناقد واألستاذ الجامعي‬ ‫صالح بن زياد الذي ساندني بثقة وتواضع متناهيين‪.‬‬ ‫< تحدثت عن مرحلة ثالثة‪ ،‬فما هما المرحلتان األولى والثانية؟ وما هي األسماء التي‬ ‫تحضرها؟ وهل من مرحلةٍ رابعةٍ ؟‬ ‫> تمثل المرحلة األولى (‪1959-1930‬م) تأسيساً‪ ،‬بالهوس الوعظي والهاجس التربوي‪،‬‬ ‫في طابع أدبي حائر بين القص والحكاية‪ ،‬رومانسي المزاج‪ ،‬عند محمد الجوهري‬ ‫(االنتقام ‪1930‬م) وأحمد السباعي (فكرة ‪1946‬م) حتى حامد دمنهوري‪ ،‬ثم مرحلة‬ ‫انتقالية بأسماء عدة لم تستمر‪ ،‬ولكن هيأت المرحلة الثانية (‪1980-1960‬م)‪ ،‬الكاشفة‬

‫‪72‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫ال بين جنس الرواية والقصة القصيرة‬ ‫حداً فاص ً‬ ‫مع سميرة بنت الجزيرة‪ ،‬وعبد الرحمن منيف‪،‬‬ ‫وجيل الغرباء‪ ،‬مثل‪ :‬فهد الخليوي وحسين علي‬ ‫حسين؛ وأم��ا المرحلة الثالثة (‪2000-1980‬م)‬ ‫اتضحت تيارات أسلوبية كالرمزية والرومانسية‬ ‫المستحدثة والتخييلية‪ ،‬وحنين الريف وصدمة‬ ‫المدينة‪ ،‬ومنهم‪ :‬ه��دى الرشيد‪ ،‬وهند باغفار‪،‬‬ ‫وعبدالعزيز مشري‪ ،‬وتركي الحمد‪..‬‬ ‫< إذاً‪ ..‬أين جيل رجاء عالم‪ ،‬وعبده خال؟‬ ‫> هذا الجيل مع المحيميد وبدرية البشر وأميمة‬ ‫الخميس وغيرهم‪ ،‬يلحقهم لكونه أنجز انشقاقاً‬ ‫يكوّن المرحلة‬ ‫من داخل المرحلة الثالثة‪ ،‬وبذلك ِ‬ ‫االن��ت��ق��ال��ي��ة إل���ى ال��م��رح��ل��ة ال��راب��ع��ة‪ ،‬ال��ت��ي تتسم‬ ‫بتقويض ل��ل��م��دارس واألس��ال��ي��ب‪ ،‬عبر الوسائل‬ ‫السردية‪ ،‬تعبيراً عن الهوية المتشظية التي تشمل‬ ‫كل من جاء بعدها‪..‬‬ ‫< خالل عام واحد‪ ..‬صدر العديد من الروايات قياس ًا‬ ‫بما سبق‪ ،‬فكان اإلنتاج غزيرا‪ ..‬أليس كذلك!؟‬ ‫> ال أعتقد ذلك‪ ،‬فالروايات التي ستبقى قليلة جدا‪،‬‬ ‫وما سنذكر أسما ًء للتاريخ ال أعماالً‪ ،‬وفي هذا‬ ‫فرق كبير‪.‬‬

‫أدبنا سالفة وقصيدة‬ ‫< كيف تصنف قراءاتك األولى‪ ،‬وحتى يومنا هذا‪،‬‬ ‫أهي شعرية خالصة أم سردية أم ماذا‪ ..‬؟‬

‫وال����ب����ط����والت‪،‬‬ ‫وال����م����دي����حَ ����ة‬ ‫وال�����م�����رث�����ي�����ة‪،‬‬ ‫ك��ل��ه��ا ع��ن��اص��ر‬ ‫ق�����ص�����ص�����ي�����ة‪,‬‬ ‫ول������ذا وج���دن���ا‬ ‫ال�����ق�����ص�����ي�����دة‬ ‫تنزوي وحدها‪،‬‬ ‫ل������ت������ت������ح������ول‬ ‫ال������س������ال������ف������ة‬ ‫وال���س���ب���ح���ون���ة‬ ‫إل���������ى رواي���������ة‬ ‫وقصة قصيرة؛ ولكن األدب العربي‪ ،‬في وضعه‬ ‫الطبيعي‪ ..‬بعيداً عن تعقيمه وتطهيره‪ ،‬ذو طبيعة‬ ‫مزدوجة‪ ،‬فما ال تقوله القصيدة (الشعر) تؤديه‬ ‫السالفة (الحكاية)‪ ،‬فال استغناء عن ذلك‪ ،‬ونعرف‬ ‫أن رواة الشعر النبطي في نجد حافظوا على هذه‬ ‫المزية‪ ،‬فلم يلوثهم ذلك الوهم النظري المستورد‪،‬‬ ‫وما كان ل��زوال السطوة األكاديمية إغريقياً في‬ ‫العصر العباسي إال سبباً في عودة األدب العربي‬ ‫في العصر األيوبي والمملوكي إلى طبيعته في‪:‬‬ ‫«أل��ف ليلة وليلة»‪« ،‬الزير سالم»‪« ،‬األم��ي��رة ذات‬ ‫الهِ َمّة»‪ ،‬و«سيف بن ذي يزن»‪ ،‬وأيام العرب كلها‬ ‫توصلنا مباشرة ودون عناء بمالحم وأساطير‬ ‫من ذات النسل لسومر وبابل في العراق‪ ،‬وكنعان‬ ‫وفينقيا في الشام‪ .‬وسترى نموذج جبران خليل‬ ‫ج��ب��ران ش��اع��راً وروائ���ي���اً‪ ،‬وج��ب��را إب��راه��ي��م جبرا‬ ‫وغ��ادة السمان وسنية صالح كذلك على سبيل‬ ‫المثال‪..‬‬

‫> إن ما يميز األدب العربي‪ ،‬وربما السامي منه‪،‬‬ ‫أن السرد والشعر‪ ،‬جزء من بنية متشابكة‪ ،‬وقد‬ ‫فشلت كل المحاوالت لفك جنس أدبي عن اآلخر‪،‬‬ ‫وما إن صدقنا وهمنا في انتفاء الوحدة العضوية‪ < ،‬هل ترى أن تركيبة المجتمع في الجزيرة العربية‬ ‫تحاذي بين الشعر والسرد (القصيدة والسالفة)‬ ‫لقصيدة القرن الخامس الميالدي (الجاهلي كما‬ ‫لكونهما أدب ًا بصرف النظر عن اللغة واللهجة؟‬ ‫ي���روق لبعضنا)‪ ،‬كنا ط��ردن��ا العنصر الملحمي‬ ‫(التمثيلي)‪ ،‬فوصف الرحلة والراحلة‪ ،‬والمعشوقة > نعم‪ ،‬بال أدنى جدال‪ ،‬نحن نتاج الثقافة الشعبية‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪73‬‬


‫ال الرسمية‪ ،‬وال أقصد بالشعبية الكليشيهات‬ ‫الرائجة حاليا في المجالت والفضائيات‪ ،‬بل‬ ‫فيما ه��و اس��ت��م��رار لتاريخ ي��ع��ود إل��ى أل��ف سنة‬ ‫وربما أكثر؛ وال أدل على ذلك من أزمة المناهج > تقوم الرواية‪ ،‬في أصلها على لعبة (الشخصية‬ ‫التربوية والتعليمية‪ ،‬لكونها تعيق وتعرقل نمو‬ ‫االستقطابية)؛ فشخصية تركي (عن شباب عدة)‪،‬‬ ‫الذهن الثقافي‪ ،‬فيقع في مطبات عسر التاريخ‬ ‫وكذلك سميرة (عن شابات عدة أيضاً)‪ .‬واللعبة‬ ‫وعصابية اإليديولوجيا‪ ،‬ف��األدب هو االصطالح‬ ‫في أساسها هي محاولة لتكريس روح البصرية‬ ‫الجامع للكتابة والقراءة‪ ،‬التعلم والتربية‪ ،‬الفنون‬ ‫التش��يلية على عدة أوجه‪ ،‬فالوجه له دور حاضر‬ ‫واألس��ال��ي��ب‪ ،‬واألدب ب��ي��ن وظيفتيه األزل��ي��ت��ي��ن‪:‬‬ ‫من خالل حيويته وحركته‪ ،‬وصورته وقسماته‪ .‬في‬ ‫الطقوسي (الديني)‪ ،‬والثقافي (الدنيوي)‪ ،‬وما‬ ‫الرواية وجوه لشخصيات من الممكن أن يراها‬ ‫غير ذلك فهو فضلة ال أساس‪..‬‬ ‫بعض جيلنا تشبهه في لحظات‪ ،‬مرة قريبة ومرة‬ ‫< هال ح ّ َدثتنا عن قراءاتك في فن الرواية عربي ًا‬ ‫غريبة‪ ،‬وهكذا نحن واآلخرون‪..‬‬ ‫ومترجمةً ؟‬ ‫< في لحظة موت (ثناء) إحدى شخصيات الرواية‬ ‫شخصيتي تركي وسميرة‪ ،‬تقومان بهذه المهمة‪،‬‬ ‫وتكسرهما بثالثة غير متوقعة‪ ،‬فكيف جاء ذلك‬ ‫في أول رواية؟‬

‫ > قرأت في الطفولة مجلَّدات من القصص العالمية‬ ‫الموجهة للناشئة‪ ،‬بعضها ل��ح��ي��وان��ات ناطقة‪،‬‬ ‫و َّف َرتْها مجالت‪ ،‬مثل‪ :‬العربي الصغير والشبل‪ ،‬ثم‬ ‫مكوّن عربي ثقافي‬ ‫قرأت الحقاً لجبران خليل جبران مع ألف ليلة > ليس (مكوناً وثنياً)‪ ،،‬بل هو ِ‬ ‫وليلة‪ ،‬وإحسان عبدالقدوس مع روايات مترجمة‪،‬‬ ‫طقوسي كان زمن الممالك العربية في القرون‬ ‫وب��ع��ده��ا ان��ت��ق��ل��ت إل���ى ق����راءة ن����وال ال��س��ع��داوي‬ ‫(المكوّن)‬ ‫ِ‬ ‫الميالدية األربعة األولى‪ ،‬وما زال هذا‬ ‫وب��ورخ��س‪ ،‬وصنع الله إبراهيم ومحمد شكري‪،‬‬ ‫ي��ف��ت��رش أرض ال��ج��زي��رة ال��ع��رب��ي��ة‪ ،‬وم���ا ك���ان في‬ ‫وروايات أخرى ال تحضرني أسماء أصحابها وال‬ ‫الرواية قليل جداً‪..‬‬ ‫أذكرها أيضاً‪..‬‬ ‫< من العبارات السردية ذات اإليحاء العالي‪« :‬مهما‬ ‫سورة الرياض‪ :‬الشرف والمكانة‬ ‫كانت نجد خرساء‪ ،‬ففي وجوه أهلها صحف تحمل‬ ‫وطء الزمن عليها»‪ ،‬فإلى ماذا كنت تلمح؟‬ ‫< لماذا اخترت هذا العنوان‪ :‬سورة الرياض؟‬ ‫ل��م��اذا استدعيت (م��ك��ون�� ًا وث��ن��ي��اً) اإلل��ه��ة روض��ا‪،‬‬ ‫معبد روافة‪ ،‬والملك النبطي‪ ،‬والبخور الطقوسي‬ ‫لموكب الجنازة؟‬

‫> لم أختره عبطاً‪ ،‬لكن كانت الموضوعات المسيطرة‬ ‫على العمل‪ ،‬موضوعات عالمة المدينة‪ ،‬وعالمتها‬ ‫هي تاريخها األركيولوجي‪ ،‬وهو العراء (الصحراء)‬ ‫بحثاً عن منزلة أو ش��رف مكانة‪ ،‬وم��ن هنا جاء‬ ‫العنوان‪..‬‬

‫> على الرغم من محاولة جمع المأثور الشفوي‪،‬‬ ‫من النتاج الثقافي‪ ،‬نعرف أن تجربة رائ��دة في‬ ‫م��ج��ل��دات ع��دة أنتجتها مؤسسة ال��دائ��رة حول‬ ‫الثقافة التقليدية في المملكة‪ ،‬أشرف عليها سعد‬ ‫الصويان‪ ،‬إال أن في الوجه النجدي ما هو أبلغ من‬ ‫بحث أو تأريخ!‬

‫< لم تتورط في روايتك بـ (ال��راوي العليم) حيث‬ ‫يسيطر على أحداثها وشخصياتها‪ ،‬بل جعلت من < أشرت في تتمة الرواية إلى عدة تواريخ‪ :‬خريف‬

‫‪74‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫‪2002‬م‪ ،‬ربيع ‪2003‬م‪ ،‬صيف ‪2005‬م‪ ،‬فإلى م��اذا > ف��رض��ت المرحلة التاريخية‪ ،‬والبيئة المكانية‬ ‫كانت تشير تلك التواريخ؟‬ ‫وك��ذل��ك الحياة االجتماعية وج��ود اآلخ���ر‪ ،‬فهل‬ ‫يمكن أن ننكر وجود اآلخر على صعيد الجيرة في‬ ‫> تمت كتابة ال��رواي��ة كاملة ف��ي خ��ري��ف ‪2002‬م‪،‬‬ ‫البيوت‪ ،‬والزمالة في العمل‪ ..‬؟‪ ،‬ال أظن ذلك‪..‬‬ ‫وأع���ي���دت صياغتها ب��ع��د تصحيحها ف��ي ربيع‬ ‫‪2003‬م‪ ،‬وبقيت ج��اه��زة ع��ن��دي حتى أعددتها < اع��ت��م��دت ق��ائ��م��ة م���ن اإلح�����االت ل��ن��ص��وص من‬ ‫بعد مراجعة نهائية لمسابقة مؤسسة الصدى‬ ‫أشرطة وصحف‪ ،‬كتب ودراسات‪ ،‬بحوث ومقاالت‪،‬‬ ‫الثقافية‪ ،‬وبعد أن طلبتها دار الفارابي‪ ..‬وفوزها‬ ‫فهل هذه عملية (تناص) أم هي أسلوب يتع ّ َداها‬ ‫ال كامالً‪.‬‬ ‫بالجائزة‪ ،‬أضفت فص ً‬ ‫إلى أمر آخر؟‬ ‫< لكونك ناقدا في الموسيقى‪ ،‬فهل أقول إن النص > بال شك‪ ،‬لعبة النص الروائي هي (التناص) أو ما‬ ‫ال���روائ���ي ي��وح��ي بحركتين‬ ‫أدعوه ب ِـ (وسائلية سردية)‪ ،‬بعد‬ ‫زمنيتين‪ :‬واحدة تشبه ألحانا‬ ‫أن تحدثنا ع��ن طبيعة األدب‬ ‫ع��ص��ري��ة (ق��ل��ق��ة وم��ت��وث��ب��ة)‪،‬‬ ‫ال��ع��رب��ي‪ ،‬بين الشعر وال��س��رد‪،‬‬ ‫وأخ�����رى ق��دي��م��ة (ط��ق��وس��ي��ة‬ ‫وربما السيرة والمثل‪ ،‬فإن في‬ ‫ونج َو َيّة)؟‬ ‫ال��ن��ص ال���روائ���ي ف��رص��ة لدمج‬ ‫وسائل ومعارف العصر‪ ،‬لكونها‬ ‫> ن�����ع�����م‪ ،‬س���ت���ج���د ال���ح���ك���اي���ة‬ ‫مواداً أدبية كمقاالت الصحف‪،‬‬ ‫وال���ق���ص���ي���دة ف����ي أص��ل��ه��م��ا‬ ‫أو م���واد علمية معجمية‪ ،‬وما‬ ‫حالة (ت��ذ ُكّ��ر تخييلي)‪ ،‬وأما‬ ‫سوى ذلك‪.‬‬ ‫الموسيقى‪ ،‬فهي حالة (خلق‬

‫َّ‬ ‫ذاك����رة)‪ ،‬ورب��م��ا ل��م‬ ‫يتيسر ل��ي اس��ت��دع��اء ماضي < اعتنيت بالحوار جيداً‪ ،‬فلم تقع في عامية كاملة‪،‬‬ ‫الحكايات القريب والبعيد إال بموسيقى سردية!‬ ‫تفصح الحوار حتى يفقد طبيعته العفوية‪،‬‬ ‫ولم ِ ّ‬ ‫فكيف كانت هذه العملية؟‬

‫اآلخر معنا في البيت والعمل‬

‫< هناك لعبة زمنية ذات مسافات بعيدة‪ :‬دخ��ول‬ ‫إب��راه��ي��م ب��اش��ا إل���ى ن���ج���د‪1818-‬م‪ ،‬وه��زي��م��ة (أو‬ ‫احتالل القدس) ‪1967-‬م‪ ،‬وحرب الخليج الثانية‪-‬‬ ‫‪1990‬م‪ ،‬كيف استدعيت هذه لتلك؟‬ ‫> الحالة االجتماعية‪ ،‬واألزم��ة الحضارية‪ ،‬والعبث‬ ‫الثقافي كلها أسباب كانت وراء تلك اللعبة كما‬ ‫تقول!‬ ‫< لماذا يحضر اآلخ��ر كثيراً‪ ،‬مثل‪ :‬المسيو ميرو‪،‬‬ ‫والصحفية جيرالدا‪ ،‬ومينا وديبورا‪ ،‬وسواهن؟‬

‫> لقد خضت صراعاً خفياً بين تحويل الصوت‬ ‫المنطوق غير المعتمد في الفصحى‪ ،‬إلى إيحاء‪،‬‬ ‫وليس تصويتاً‪ ،‬فهل تعقل كتابة نطقنا النجدي‬ ‫لحرف القاف‪ :‬طريق (ز) وحريق (ز)‪ ،‬أو كاف‬ ‫الخطاب المؤنث في عندك (تس) و(وشلونك‬ ‫ال‬ ‫(تس)‪ .‬إنه من الصعب ما لم يكن مقامه عم ً‬ ‫مسرحياً أو تلفزيونياً أو سينمائياً‪ ،‬ولكنني‬ ‫وج���دت أن ب��ع��ض ال��ج��م��ل ال��ح��ال��ي��ة وال��ص��ف��ات‬ ‫ض��روري بقاؤها كما ه��ي‪ ،‬فلعلها أبلغ من أي‬ ‫وصف آخر‪ ،‬ولو كان مرادفاً‪ ،‬سيؤخذ ميتاً من‬ ‫المعجم!‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪75‬‬


‫الشاعر سميح القاسم‪:‬‬

‫أنا الشاعر األخير على الكرة األرضية‬ ‫> حاوره محمد احلمامصي‬ ‫يعد الشاعر الفلسطيني سميح القاسم واح��داً من رواد حركة الشعر الفلسطيني‬ ‫الحديثة‪ ،‬احتلت تجربته وال تزال موقعا بارزا في مجمل الحركة الشعرية العربية‪ ،‬بما‬ ‫حملته من تنوع وثراء وتطور على مستوى الرؤية واألسلوب‪ ،‬وقد احتفي بها نقديا في كافة‬ ‫األقطار العربية‪ ،‬وتناولتها بالدراسة والتحليل أقالم كبار النقاد‪ ،‬كما حظيت بالترجمة‬ ‫إلى مجمل اللغات العالمية‪ ،‬صدر له أكثر من (‪ )50‬كتابا في الشعر والقصة والمسرح‬ ‫والرواية والترجمة‪ ،‬ونشرت كلها مجمعة في سبعة مجلدات وصدرت عن ثالث دور نشر‬ ‫في القدس وبيروت‪.‬‬ ‫وقد ك ُِرّم الشاعر الكبير‪ ،‬وحصد عددا من الجوائز والدروع وشهادات التقدير وعضوية‬ ‫الشرف من عدة مؤسسات عربية ودولية‪.‬‬ ‫ولد القاسم لعائلة فلسطينية في مدينة الزرقاء األردنية عام ‪1929‬م‪ ،‬وتعلّم في مدارس‬ ‫الرامة والناصرة‪ .‬وعلّم في إحدى المدارس‪ ،‬ثم انصرف بعدها إلى نشاطه السياسي‬ ‫قبل أن يترك الحزب ويتفرّغ لعمله األدبي‪ ..‬سجن القاسم أكثر من مرة‪ ،‬كما وضع رهن‬ ‫اإلقامة الجبرية بسبب أشعاره ومواقفه السياسية‪ .‬من أعماله الشعرية‪ :‬مواكب الشمس‬ ‫أغاني الدروب دخان البراكين سقوط األقنعة رحلة السراديب الموحشة ديوان سميح‬ ‫القاسم الموت الكبير وغيرها كثير‪..‬‬ ‫< أين تقف تجربتك الشعرية اآلن؟‬ ‫> تجربتي الشعرية ال تقف إال يوم يتوقف قلبي‪ ،‬أما أين هي؟ فهي جزء موضوعي‬ ‫من هذه الكينونة الساقطة للحياة العربية المهينة والمشينة بال رحمة‪ ،‬وأحاول‬

‫‪76‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫رغم السنين والعذابات وحوادث الطريق وهذا‬ ‫العكاز‪ ،‬أن أتابع الخطى منتصبا قدر اإلمكان‪.‬‬ ‫ال أريد أن أقول مقاوما أو متحديا‪ ،‬بل أستعير‬ ‫كلمة للشاعر لوركا حين سُ ئِل لماذا تتدخل في‬ ‫السياسة وأن��ت شاعر؟ ق��ال‪ :‬أن��ا ال أتدخل في‬ ‫السياسة بالمفهوم اليومي المألوف‪ ،‬أنا أدافع‬ ‫عن ابتسامتي‪ ..‬أنا أستعير هذا القول مع تغيير‬ ‫طفيف‪ :‬أنا أدافع عن دمعتي‪ ،‬وبهذا المعنى أنا‬ ‫الذي هو قصيدتي وال شيء آخر على اإلطالق‪،‬‬ ‫أح��اول العثور على حفنة ه��واء نظيف لرئتي‪،‬‬ ‫وأح��اول العثور على كلمة نظيفة من القاموس‬ ‫(ال��وس��خ)‪ ،‬ألنني أحترم شفتي‪ ،‬أحترم صوتي‪ < ،‬عنيت قصيدتك ب��ال��ه��م ال��ع��رب��ي ع��ام��ة وال��ه��م‬ ‫أحترم قصيدتي‪ ،‬أعتقد أنني ألعب الشطرنج‬ ‫الفلسطيني خاصة؟‬ ‫مع الموت‪ ،‬سأكش ملكه إلى حين‪ ،‬وفي نهاية‬ ‫المطاف سيكش ملكي‪ ،‬وكل ما في األمر أنني > جملة اع��ت��راض��ي��ة على ال��س��ري��ع‪ ،‬قصيدتي لم‬ ‫تعن ال بالهم العربي وال بالهم الفلسطيني‪ ،‬وال‬ ‫أري��د أن أتهاوى على رقعة الشطرنج دون ألم‬ ‫بالهم الكوني‪ ،‬قصيدتي عنيت بهمي الشخصي‪،‬‬ ‫ش��دي��د‪ ،‬وال أع��ن��ي األل���م ال��ج��س��دي طبعا‪ ،‬لكن‬ ‫هي قصيدتي الشخصية والموغلة في ذاتيتها‬ ‫أعني األلم األشد‪ ..‬ألم الروح‪ ،‬ألم الوجدان‪ ،‬ألم‬ ‫الحقيقية‪ ،‬ول��ي��س��ت ال��ذات��ي��ة المستنسخة أو‬ ‫الذاكرة‪ ،‬وألم الشعر‪.‬‬ ‫المستوردة أو التي تقلد وت��س��رق وتسطو هنا‬ ‫< ماذا عن حجم التطوير الذي لحق بقصيدتك‬ ‫وهناك على ذاتيات اآلخرين‪ ،‬قصيدتي هي بنت‬ ‫في السنوات األخيرة؟‬ ‫همي وهاجسي ووجعي وقلقي وغضبي‪ ،‬وبما‬ ‫> أن���ا ل��س��ت م��ن��ش��أة تنتج ال��س��ي��ارات‪ ،‬أو أج��ه��زة‬ ‫أنني ‪-‬كما ي��ب��دو‪ -‬عضو ملتحم بشعب ووط��ن‬ ‫الكمبيوتر‪ ،‬أو ال��س��اع��ات أو أق�لام الحبر‪ ،‬أنا‬ ‫وإنسانية‪ .‬فحين عبرت قصيدتي عني‪ ،‬يبدو أنها‬ ‫ش��اع��ر‪ ،‬واع��ذرون��ي على إح��س��اس��ي المتواضع‬ ‫عبرت عن الشعب الفلسطيني وعن األمة العربية‬ ‫بأنني الشاعر ربما األخير على الكرة األرضية‪،‬‬ ‫وعن األمة اإلسالمية‪ ،‬وعن المضطهدين‪ ،‬وعن‬ ‫هذا إحساس متواضع جدا‪ ،‬ألن المفهوم الرائج‬ ‫الفقراء والمحرومين والمقموعين في كل بقاع‬ ‫من التجديد والتطوير والتحديث والحداثة في‬ ‫األرض‪ .‬يسعدني أن��ن��ي حيث ذه��ب��ت ف��ي هذا‬ ‫الحياة الشعرية العربية والثقافة العربية والفكر‬ ‫ال��ع��ال��م‪ ،‬حيث ت��أخ��ذن��ي ق��ص��ائ��دي بالعربية أو‬ ‫العربي والوعي العربي هو من قبيل (الدعارة‬ ‫بالترجمات األخرى‪ ،‬أجد لها أهلها وجمهورها‪،‬‬ ‫الثقافية) واستنساخ وضيع وتافه‪ ،‬بهذا المعنى‬ ‫حيث أذه���ب ل��ه��ذه القصيدة أص��دق��اء وأح��ب��اء‬ ‫أن��ا خ��ارج ه��ذه اللعبة‪ ،‬قصيدتي تطور نفسها‬ ‫رائعين‪ ،‬لذلك ال أدعي التأطيرات‪ ،‬أصال تعبير‬ ‫ب��اس��ت��م��رار بما ل��م يجترحه أي ش��اع��ر عربي‪،‬‬ ‫شعراء المقاومة أن��ا رفضته منذ البداية‪ ،‬أنا‬ ‫حسب توصيف النقاد المحترمين والجادين‪ ،‬وال‬ ‫لست واحدا من سرب‪ ،‬لست واحدا من قطيع‪،‬‬ ‫أعني نقاد المائة دوالر‪ ،‬نقاد الوجبات السريعة‪،‬‬ ‫أعني النقاد المحترمين‪ ،‬يعتقدون ‪ -‬ول��ي أن‬ ‫أؤي���ده���م ‪ -‬أن ق��ص��ي��دت��ي ع��رف��ت ك��ي��ف تعيش‬ ‫وتنمو وتتطور بما تريد وبما ينبغي أن تريد دون‬ ‫مشاعر دونية‪ ،‬ال إزاء شاعر فرنسي أو إنجليزي‬ ‫أو أمريكي أو روسي أو ياباني‪ ،‬ودون سقوط في‬ ‫مستنقع االستحداث االستنساخي السائد في‬ ‫الشعر العربي اآلن‪ ،‬وبالتواضع نفسه أقول إن‬ ‫الحداثة العربية الشعرية التي تؤمنها قصيدتي‬ ‫هي حداثة معافاة‪ ،‬ولن يعلو عليها صوت بإذن‬ ‫الله ال اليوم وال غدا‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪77‬‬


‫ل��س��ت ف���ردا م��ن م��ج��م��وع��ة‪ ،‬ال ع�لاق��ة ل��ي بأية‬ ‫مجموعة وب��أي إط��ار وب��أي��ة ح��رك��ة‪( ،‬أن��ا لست‬ ‫جزءاً من الحركة الثقافية العربية)‪ ،‬لست جزءا‬ ‫من شيء‪ ،‬وقصيدتي ليست جزءا من أية حركة < هل تعتقد أن الجمهور العربي ق��ادر اآلن على‬ ‫وأية مجموعة‪ ،‬أعلن براءتي من كل التسميات‬ ‫تلقي القصيدة؟‬ ‫واألط���ر واالدع����اءات التي تحاصرني بفجاجة‬ ‫وبقلة ذوق وبقلة أدب أيضا‪ ،‬هذه قصيدتي هي > (سؤال غريب مجوبش عليه) لكن سوف أجاوب‬ ‫عليه‪ ،‬لدينا جمهور رائع‪ ،‬يؤسفني أن أقول لك‬ ‫تسوقني‪ ،‬أنا لم أسوّق قصيدتي في أي وقت من‬ ‫م��ا ه��و م��ع��روف ف��ي اإلع�ل�ام‪ ،‬أمسياتي ف��ي كل‬ ‫األوقات‪ ،‬هي تسوقني‪ ،‬هي تقودني‪ ،‬هي تأخذني‬ ‫األقطار العربية تحضرها حشود كثيفة‪ ،‬وتتدخل‬ ‫إلى حيث شاءت‪.‬‬ ‫ال��ش��رط��ة لتنظيم السير‪،‬‬ ‫< ع���ذرا‪ ..‬ف��ي ض��وء هذه‬ ‫الحمد لله عندنا جمهور‬ ‫ال��رؤي��ا التي طرحتها‬ ‫رائ��ع‪ ،‬المشكلة ليست في‬ ‫م������ا ه������و م���ف���ه���وم���ك‬ ‫ال��ج��م��ه��ور‪ ،‬ال��م��ش��ك��ل��ة في‬ ‫للشعر؟‬ ‫القصيدة‪ ،‬القصيدة التي‬ ‫> ليس ل��دي أي مفهوم‬ ‫ت���أت���ي ل��ل��ج��م��ه��ور ال��ع��رب��ي‬ ‫ل��ل��ش��ع��ر‪ ،‬وأع��ت��ق��د أن‬ ‫بلكنة فرنسية ال يفهمها‬ ‫كل من يدعي أن لديه‬ ‫ليس مطالبا بمعانقتها‪،‬‬ ‫مفهوما قاطعا ونهائيا للشعر ي��ك��ذب ويدعي‬ ‫أن��ا ال أستطيع أن أت���زوج ام���رأة ال أتقن لغتها‬ ‫ويهرطق‪ ،‬ثم إنني لست مطالبا بأن يكون لدي‬ ‫وال تتقن لغتي‪ ،‬كيف يمكن أن تتم قصة حب‬ ‫مفهوم للشعر‪ ،‬أت���رك ه��ذا للنقاد وال��م��دارس‬ ‫مع ام��رأة ال تتقن لغتك وال تتقن لغتها‪( ،‬ربما‬ ‫النقدية والباحثين والمحللين السيكولوجيين‪،‬‬ ‫يحدث ذلك لدى جارسيا ماركيز)‪ ،‬ماركيز يؤلف‬ ‫لكن باختصار أستطيع أن أتحدث عن نفسي‬ ‫رواية حب جميلة‪ ،‬أما الحياة فال تقول هذا‪ ،‬إذا‬ ‫التي هي أم قصيدتي‪ ،‬أنا إنسان‪ ..‬في النصف‬ ‫كان الشعر يكتبه المرء ليضعه في درجه الخاص‬ ‫األول من عمري صدقت كل ما قيل‪ ،‬في النصف‬ ‫فهذا شأنه‪ ،‬لكن حين تنشر قصيدة أو تُقرأ على‬ ‫الثاني من عمري ال أصدق شيئا على اإلطالق‪،‬‬ ‫منبر أو منصة أو تنشر في صحيفة إن أحبت أو‬ ‫على اإلطالق‪ ،‬على اإلطالق‪ ،‬لماذا أكتب؟ ليس‬ ‫لم تحب هي مطالبة بالتواصل مع من يقرؤونها‪،‬‬ ‫لتحرير شعب وال وط��ن وال أم��ة‪ ،‬أكتب ألحمي‬ ‫إذا كانت عاجزة عن هذا التواصل فلتذهب (في‬ ‫نفسي من الجنون ومن فكرة االنتحار‪ ،‬ألحمي‬ ‫ستين داهية) ستتحول إلى ورق��ة (تواليت)‪ ،‬ال‬ ‫نفسي من الجنون واالنتحار فأنا أكتب‪ ،‬وهذه‬ ‫تلوموا الجمهور‪ ،‬اللوم يقع على القصيدة فقط‪،‬‬ ‫ال��ع�لاق��ة االستثنائية ب��ي��ن قصيدتي وجمهور‬ ‫هذا هو الجمهور‪ ،‬عندنا مائة مليون أم��ي‪ ،‬إذا‬ ‫الشعر ف��ي ال��وط��ن ال��ع��رب��ي‪ ،‬وف��ي ال��ع��ال��م يبدو‬ ‫فشلت قصيدتي في إشعال بصيص من النور‬ ‫ناشئة‪ ،‬عن كون ماليين البشر في العالم أيضا‬ ‫ومن النار في أعماق هذا الجمهور األكاديمي‬ ‫يريدون أن يحموا أنفسهم من الجنون واالنتحار‪،‬‬ ‫واألمي‪ ،‬فهذا يعني أنها غير مبررة‪ ،‬غير مؤهلة‬

‫ه���ذا االن��س��ج��ام ب��ي��ن ن��ف��س��ي ون��ف��وس��ه��م‪ ،‬بين‬ ‫هاجسي وهاجسهم هو الذي يولد هذه العالقة‬ ‫االستثنائية بين قصيدتي وبينهم‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫للحياة وللوجود‪ ،‬لماذا تنشر في صحف وكتب‬ ‫وكاسيت وإنترنت؟ ألن هذا الضجيج المفتعل‬ ‫والتعالي على ال��ش��ع��ب‪ ،‬يعني أن القصيدة ال‬ ‫عالقة لها بالشعب وبالوطن‪ ،‬إذا كنت متعاليا‬ ‫على الشعب وعلى الجماهير وعلى الوطن فلي‬ ‫ذل��ك‪ ،‬شرط أال أنشر في مطابع وصحف هذا‬ ‫الشعب وهذا الوطن وعلى إنترنت هذا الشعب‬ ‫وهذا الوطن‪ ،‬أال أقدم قصيدتي‪ ،‬ال مشكلة في‬ ‫الشعب وال في الوطن وال في الجمهور‪ ،‬المشكلة‬ ‫في القصائد‪ ،‬في اإلبداع‪.‬‬ ‫< في ضوء ذلك ما هي مشكلة القصيدة العربية‬ ‫م��ن وجهة نظرك على مستوى كونها قصيدة‬ ‫أوال؟‬

‫جون بيرس أو ت‪ .‬س‪ .‬إليوت فقط‪ ،‬أنا قرأت‬ ‫سان جون بيرس وت‪ .‬س‪ .‬إليوت‪ ،‬وقرأت الشعر‬ ‫األوروبي واألمريكي والياباني والروسي‪ ،‬قرأت‬ ‫ما استطعت أن أق��رأ من شعر العالم‪ ،‬لكن لم‬ ‫يصبني فيروس الشعر بالنقص تجاه أي شاعر‬ ‫بالعالم‪ ،‬لدي أصدقاء من كبار شعراء العالم‪،‬‬ ‫لوي أراجون‪ ،‬رفائيل ألبيرتي‪ ،‬يانيس ريتسوس‪،‬‬ ‫وعدد هائل من كبار الشعراء ‪ -‬هائل نسبيا ‪-‬‬ ‫ك��ان��وا على ص��داق��ة معي‪ ،‬وه��ذه أم��ور منشورة‬ ‫إعالميا‪ ،‬ح��وار ل��وي أراج���ون معي‪ :‬إنني أحب‬ ‫قصيدتك ألنها قصيدة عربية‪ ،‬ال أحب القصيدة‬ ‫المترجمة إلى الفرنسية عن اللغة العربية بعد‬ ‫أن ترجمت سابقا من الفرنسية‪ ،‬هم ال يحبون‬ ‫أن نقلدهم‪ ،‬يريدون صوتك ووجهك ورائحتك‬ ‫ولونك وطبعك وثقافتك وبيئتك‪ ،‬ال يريدون أن‬ ‫تقلدهم‪ ،‬أن تسرق منهم كما يفعل الكثير من‬ ‫أشباه الشعراء‪ ،‬يسرقون من كل لغات األرض‬ ‫ويصيغونها بالعربية ويقدمونها للعرب‪ :‬خذوا‬ ‫شعرا عربيا‪ ،‬وبطبيعة الحال‪ ..‬فالعرب ينفرون‬ ‫من هذا التقليد الوضيع وهذا االستنساخ الفج‪،‬‬ ‫ال��ع��رب ي��ري��دون قصيدتهم‪ ،‬أعطهم قصيدتك‬ ‫فأنت تعطيهم قصيدتهم إن كنت واحدا منهم‪.‬‬

‫> أن��ا لست ن��اق��دا محترفا لكنني ك��ق��ارئ أقولها‬ ‫ب��ص��راح��ة ال ي��وج��د ش����يء‪ ،‬ال ي��وج��د م��خ��ل��وق‬ ‫ي��ق��ال ل��ه قصيدة أوال‪ ،‬ي��وج��د مخلوق ي��ق��ال له‬ ‫قصيدة أوال وأخيرا‪ ،‬شعر أو ال شعر‪ ،‬هذه هي‬ ‫المعادلة‪ ،‬إم��ا شعر أو ال شعر‪ ،‬وم��ا ع��دا ذلك‬ ‫فهو استنساخ‪ ،‬هلوسات شعراوية‪ ،‬وهذا لألسف‬ ‫الشديد في الوطن العربي منه كثيركثير‪ ،‬أكثر‬ ‫من الهم على القلب‪ ،‬لذلك فإن القول بالفصل‬ ‫بين القصيدة والشاعر‪ ،‬بين القصيدة والبيئة‪،‬‬ ‫والقصيدة والتاريخ‪ ،‬القصيدة والمكان‪ ،‬هو هراء < إذاً‪ ..‬أنت تؤيد االتهامات التي توجه تحديدا إلى‬ ‫تيار قصيدة النثر؟‬ ‫أشخاص وش��ع��راء غير مثقفين‪ ..‬ولدينا منهم‬ ‫أط��ن��ان‪ ،‬قطعان‪ ،‬قطعان م��ن ال��ش��ع��راء والنقاد > ال‪ ..‬أبدا‪ ،‬أبدا‪ ،‬ليس لدي إشكال ال مع قصيدة‬ ‫والكتاب‪ ،‬قطعان غريبة على الثقافة الحقيقية‬ ‫نثر وال مع قصيدة تفعيلة وال مع قصيدة العمود‪،‬‬ ‫وع��ل��ى المعنى اإلن��س��ان��ي ل��ل��ث��ق��اف��ة‪ ،‬ه��ن��اك من‬ ‫أب��دا‪ ،‬أب��دا أنا ضد توجيه االتهامات بالجملة‪،‬‬ ‫يعتقد أن القصيدة الجيدة هي القصيدة التي‬ ‫قصيدة نثر أو تفعيلة أو عمودية‪ ،‬السؤال هو‬ ‫ال يفهمها الناس‪ ،‬هكذا يعتقد البعض‪ ،‬وبهذا‬ ‫شعر أو ال شعر‪ ،‬هناك قصائد نثر ف��ي رأي��ي‬ ‫االع��ت��ق��اد ي��خ��رج نفسه م��ن التقويم اإلنساني‪،‬‬ ‫أفضل من أفضل قصيدة موزونة ومقفاة‪ ..‬إلخ‪،‬‬ ‫ويفتقد الحس اإلنساني‪ ،‬ألنه هو دون مستوى‬ ‫وهناك قصائد موزونة أحسن من ألف قصيدة‬ ‫البشر‪ ،‬ليس فوق البشر وإنما دون البشر‪ ،‬أو‬ ‫نثر‪ ،‬فالشعر ليس بالشكل‪ ،‬الشعر حالة وجدانية‬ ‫أن يعتقد أن الناس يجب أن يحبوا قصيدة سان‬ ‫وسيكولوجية وفنية وذوقية‪ ،‬مازلنا نقرأ قصائد‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪79‬‬


‫ابن زريق البغدادي ونشتعل‬ ‫إح��س��اس��ا ب��ه��ا‪ ،‬وق���د نقرأ‬ ‫ق��ص��ي��دة ن��ث��ر ل��ش��اع��ر حي‬ ‫اآلن وننفعل بها‪ ،‬إذاً ليست‬ ‫ال��م��س��أل��ة م��س��أل��ة ش��ك��ل‪،‬‬ ‫هي مشكلة حالة شعرية‪،‬‬ ‫الشعر ح��ال��ة‪ ،‬م��ن��اخ‪ ،‬جو‪،‬‬ ‫فضاء‪ ،‬كثافة معينة‪.‬‬ ‫< ه����ل ت���ت���اب���ع ه�����ذا ال���زخ���م‬ ‫الشعري الكبير من قصائد النثر ورأيك فيه؟‬ ‫> ال أتابع ال قصائد النثر وال قصائد ال��وزن بما‬ ‫كنت أفعله في شبابي‪ ،‬اليوم أنا انتقائي جدا في‬ ‫ق��راءات��ي‪ ،‬لكن أق��رأ من حين آلخر قصائد نثر‬ ‫تعجبني‪ ،‬وقصائد نثر تقززني‪ ،‬وقصائد عمود‬ ‫تعجبني وقصائد عمود تقرفني‪ ،‬وقصائد تفعيلة‬ ‫تمتعني وقصائد تفعيلة تغيظني‪ ،‬إذاً الشكل ليس‬ ‫هو المهم وإنما الحالة التي تخلقها القصيدة‪،‬‬ ‫ال��م��زاج‪ ،‬المناخ‪ ،‬الطقس‪ ،‬الكثافة‪ ،‬تخلق شيئا‬ ‫مكثفا في نفسك وحولك‪ ،‬الشكل شيء ثانوي‪،‬‬ ‫التكوين الشعري هو األهم‪ ،‬أرفض أيضا الحديث‬ ‫عن الشكل والمضمون الشعريين‪ ،‬أنا أتحدث‬ ‫عن التكوين الشعري هو كائن متكامل بشكله‬ ‫وبمضمونه‪ ،‬ب��ص��وره‪ ،‬بلغته‪ ،‬بخياله‪ ،‬بمزاجه‪،‬‬ ‫بسيكولوجيته‪ ،‬هذا التكوين إما أن يكون شعرا‬ ‫حقيقة أو أن يكون زائفا‪ ،‬والزائف ال يصل إلى‬ ‫الناس‪ ،‬والحقيقي ببساطة يصل إليهم‪.‬‬

‫ال��ش��اع��ر الفلسطيني أعتبره‬ ‫إه��ان��ة أي��ض��ا‪ ،‬أعتقد أن لدي‬ ‫ف��ي مصر م��ا يكفي ألن أك��ون‬ ‫ش��اع��را مصريا‪ ،‬وف��ي العراق‬ ‫وف����ي س���وري���ا وف����ي ال��ب��ح��ري��ن‬ ‫وف��ي المغرب وف��ي ك��ل مكان‪،‬‬ ‫أن���ا ش��اع��ر ع��رب��ي‪ ،‬ويسعدني‬ ‫أن عروبتي لم تفقد صداقتها‬ ‫لدى شعوب أخرى‪ ،‬مترجم إلى‬ ‫كل اللغات الحية‪ ،‬وحيث أذه��ب أج��د أصدقاء‬ ‫لقصيدتي‪ ،‬أما أنا (شو شاعر فلسطيني‪ ..‬ما‬ ‫حد يحصرني بها الجغرافيا الصغيرة)‪.‬‬ ‫< إذ ًا كونك مقيما في فلسطين‪ ..‬متابعا لتجربة‬ ‫شعرائها؟‬ ‫> أنا مقيم ليس هناك فقط‪ ،‬يوم أقيم في الرامة‬ ‫بلدي‪ /‬قريتي على سفح جبل حيدر في الجليل‪،‬‬ ‫القرية الجميلة والجبل الهائل الجميل‪ ،‬والمنطقة‬ ‫المدهشة‪ ،‬في اللحظة نفسها وفي منزلي أهتم‬ ‫بحالة الطقس في الربع الخالي‪ ،‬وبما يحدث‬ ‫في اإلسكندرية‪ ،‬وأعيش ما يحدث في بغداد‪ ،‬ما‬ ‫العمل؟ هذا تكويني النفسي‪.‬‬ ‫< الشعر العربي في فلسطين؟‬

‫> لدينا أصوات جديدة جميلة وجيدة‪ ،‬وبطبيعتي‬ ‫أحب أن أستضيف في قراءاتي في كل العالم‬ ‫شاعرا جديدا‪ ،‬صوتا جديدا استثنائيا‪ ،‬ولدينا‬ ‫أصوات استثنائية جميلة جدا‪ ،‬وأرجو أن تريح‬ ‫< أود س���ؤال���ك ع���ن م�لام��ح ال��ت��ج��رب��ة ال��ش��ع��ري��ة‬ ‫شيخوختي وأن تقدم لي الصوت الذي يعوضني‬ ‫الفلسطينية اآلن؟‬ ‫عن صوتي‪.‬‬ ‫> رجاء‪ ..‬أنا ال أحب أن أعرّف بالشاعر الفلسطيني‬ ‫< لكن بعض هؤالء الشعراء العرب الفلسطينيين‬ ‫ب��ال��م��ن��اس��ب��ة أن���ا فلسطيني وأع��ت��ز بفلسطين‬ ‫يرون أنك ومحمود درويش قد اختطفتما الشعر‬ ‫وشعبها وبثورتها وبنضالها وبكفاحها‪ ،‬وعبرت‬ ‫العربي الفلسطيني؟‬ ‫عنها ي��وم ع��ب��رت ع��ن��ي‪ ،‬لكن وض��ع��ي ف��ي خانة‬

‫‪80‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫> هذا غير صحيح على اإلطالق‪ ،‬أنا ترأست تحرير‬ ‫ع���دد م��ن ال��م��ج�لات وال��ص��ح��ف‪ ،‬ك��ن��ت أف��ت��رض‬ ‫دائما وجود األصوات الجديدة‪ ،‬أنا رأست اتحاد‬ ‫الكتاب العرب في الداخل لسنوات طويلة‪ ،‬وكان‬ ‫هناك حضور مكثف لألصوات الجديدة‪ ،‬حتى‬ ‫حين كنت أدع��ى إلى لندن أو إلى روم��ا أو إلى‬ ‫القاهرة‪ ،‬كنت أشترط على أصحاب الدعوة أن‬ ‫أصطحب معي أصواتا جديدة وقديمة‪ ،‬وأكثر < أش��رت إل��ى بعض مشكالت القصيدة العربية‪،‬‬ ‫من مائتي شاعر وكاتب وفنان أخرجتهم إلى‬ ‫لكن هناك مشكلة تبني بعض النقاد لمقوالت‬ ‫العالم على حساب دع��وات��ي الشخصية‪ ،‬هذا‬ ‫أن ال��رواي��ة أصبحت دي���وان ال��ع��رب وأن الشعر‬ ‫ات��ه��ام ب��اط��ل وغ��ي��ر صحيح ومتجن ج���دا‪ ،‬لكن‬ ‫العربي انحسر وتراجع وانصرف عنه المتلقي؟‬ ‫م��ا العمل؟ هناك ح���االت‪ ،‬يعني ف��ي تونس أبو‬ ‫> أنت تعلم أن الحياة العربية في هذه األيام هي‬ ‫القاسم الشابي ظهر بعده مئات الشعراء لكن‬ ‫حياة حرب طوائف‪ ،‬وحرب قبائل‪ ،‬وحرب عشائر‪،‬‬ ‫بقي ص��وت أب��و القاسم الشابي‪ ،‬ال يعاقب أبو‬ ‫وفي هذا اإلطار يحدث خلل كثير وخراب كثير‬ ‫القاسم الشابي‪ ،‬في مصر ظهر آالف الشعراء‪،‬‬ ‫في النفس وفي الوجدان وفي الفكر وفي الرؤية‪،‬‬ ‫وب��ق��ي ص���وت أح��م��د ش��وق��ي وح��اف��ظ إب��راه��ي��م‬ ‫ليست لدي مشكلة إذا كانت الحقيقة تتفق مع‬ ‫وخليل مطران ومحمود حسن إسماعيل وعلى‬ ‫هذا الطرح‪ ،‬لو أن الرواية العربية بالفعل تطورت‬ ‫محمود طه‪ ،‬هل نعدمهم ونعاقبهم كونهم بقوا؟‬ ‫بهذا الشكل المدهش لتصبح ديوان العرب‪ ،‬فال‬ ‫حرام‪ ،‬يجب احترام التجربة اإلنسانية واحترام‬ ‫بأس في ذلك‪ ،‬لكن الحقيقة هي أن الشعر ما‬ ‫الذاكرة والتاريخ‪ ،‬والشعور بالعدائية مع األجيال‬ ‫زال ديوان العرب؛ ألنه ما زال الجنس األدبي‬ ‫خطأ كبير‪ ،‬ص��راع األجيال في نظري أكذوبة‪،‬‬ ‫األرق����ى واألك���ث���ر ح��ض��ورا وت��ف��اع�لا‪ ،‬وال���رواي���ة‬ ‫أنا مع تكامل وتداخل األجيال وليس مع صراع‬ ‫العربية مازالت في طور التكوين‪ ،‬يجب أال نغتر‬ ‫األج��ي��ال وه��ذا م��ا قلته لشوقي ف��ي قصيدتي‪:‬‬ ‫بأن نجيب محفوظ حصل على جائزة نوبل ومن‬ ‫ونظل جيال ال ن��ف��ارق ج��ي�لا‪ ..‬سمعتوني‪ ،‬هذا‬ ‫ثم يعني ذلك أن الرواية أصبحت سيدة الموقف‪،‬‬ ‫م��ا قلته ألحمد ش��وق��ي‪ ،‬أن��ا ض��د القطيعة بين‬ ‫مازالت الرواية العربية في طور التكوين‪ ،‬وتتطور‬ ‫األجيال‪ ،‬وجيل يقضي على جيل‪ ،‬لسنا برابرة‬ ‫بشكل جميل جدا وأتتبع األعمال الروائية‪ ،‬وعن‬ ‫ولسنا أكلة لحوم البشر‪ ،‬والعكس تماما ناحيتي‬ ‫نفسي نشرت عملين يشبهان الرواية أسميتهما‬ ‫هو الصحيح‪ ،‬شجعت أصواتا من فلسطين ومن‬ ‫حكاية أوتوبلوجرافية (إلى الجحيم أيها الليلك)‬ ‫مصر ومن لبنان وسوريا والمغرب ومن كل مكان‪،‬‬ ‫و(الصورة األخيرة في األلبوم)‪ ،‬لكن هذا الكالم‬ ‫ويعرفون ذلك‪ ،‬في لبنان في أمسية لي ولنزار‬ ‫يجوز في أمريكا الالتينية بعد رحيل كبار شعراء‬ ‫قباني ومحمود دروي��ش وألنسي الحاج أخذت‬ ‫أسبانيا لوركا ورافائيل ألبيرتي وبابلو نيرودا‬ ‫شاعرا لبنانيا شابا من يده إلى المنصة وقرأ‬ ‫ونيكوالسكين وكبار الشعراء باللغة األسبانية‪،‬‬ ‫وبروز جيل جابرييل جارسيا ماركيز وزمالئه من‬ ‫على منبري‪ ،‬وزمالئي الشعراء ومنهم أبو توفيق‬ ‫علي هذا التصرف‪ ،‬أنا أصعدته‬ ‫رحمه الله أخذوا َّ‬ ‫في لندن إلى المنصة وقلت له إقرأ إلى جانبنا‪،‬‬ ‫أن��ا أح��ب األص��وات الجديدة وأتمناها وه��ي ال‬ ‫تناقضني‪ ،‬وإذا ناقضتني فهذا شيء جميل جدا‪،‬‬ ‫أي شاعر يأتيني إلى صحيفة أو مجلة أحررها‬ ‫بقصيدة تشبه قصيدتي أط��رده قائال‪ :‬إذهب‬ ‫وجئني بصوتك‪ ،‬بوجهك‪ ،‬بصورتك‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪81‬‬


‫الروائيين العظام‪ ،‬بعد تأصل الرواية في أمريكا‬ ‫الالتينية إلى هذه الدرجة أصبحت الرواية ديوان‬ ‫أمريكا الالتينية وهذا غير قائم عندنا‪.‬‬

‫وهناك مشكلة أخرى هي انتشار األمية بشكل مروع‪،‬‬ ‫وأمية ليست فقط بالمفهوم القديم بل بالمفهوم‬ ‫الجديد‪ ،‬أمية ال تتقن التعامل مع الكمبيوتر‪ ،‬مع‬ ‫اإلنترنت‪ ،‬مع التكنولوجيا الحديثة‪.‬‬

‫أما بالنسبة لتراجع حجم التلقي للشعر‪ ،‬فهذا‬ ‫صحيح‪ ،‬صحيح لكنه خدعة بصرية‪ ،‬دار النشر < أال ت���رى أن ه��ن��اك سببا أخ���ر م��رت��ب��ط بتطور‬ ‫التي كانت تطبع من ديوان شاعر معروف عشرة‬ ‫القصيدة العربية؟‬ ‫آالف‪ ،‬أو عشرين ألف نسخة‪ ،‬أو خمسين ألف > ال‪ ..‬ه��ن��اك س��ب��ب س��ي��اس��ي وه���ذه اإلج��اب��ة قد‬ ‫نسخة‪ ،‬أو م��ائ��ة أل��ف نسخة مثال ‪ -‬وه���ذا ما‬ ‫تفاجئك وتفاجئ الكثيرين لكني ال أحب اللف‬ ‫كنت أسمعه من دور نشر تطبع لي ولزمالئي‬ ‫وال����دوران الشعر وال��ف��ن والشعر بشكل خاص‬ ‫ اليوم تطبع أق��ل من ذل��ك‪ ،‬وسبب ه��ذا ليس‬‫لعب دورا تاريخيا ف��ي تعبئة الجماهير ضد‬ ‫ان��ح��س��ار اه��ت��م��ام ال��ن��اس بالشعر‪ ،‬لكن بسبب‬ ‫األنظمة‪ ،‬ضد االستعمار‪ ،‬ضد الحكم األجنبي‪،‬‬ ‫وس��ائ��ل االت��ص��ال والتلقي ال��ج��دي��دة كاإلنترنت‬ ‫ث��م أف���رز االس��ت��ع��م��ار أن��ظ��م��ة ال��ح��ك��م المحلية‬ ‫والتليفزيون‪ ،‬قراءتي الشعرية في أي بلد عربي‬ ‫العسكر (العسكريتارية)‪ ،‬ونفوذ السلطة‪ ..‬أصبح‬ ‫يشاهدها الماليين‪ ،‬الكتاب يقرؤه مئات اآلالف‪،‬‬ ‫هناك اشتباه بين السلطة االستعمارية والسلطة‬ ‫لكن التليفزيون واإلن��ت��رن��ت يصالن للماليين‪،‬‬ ‫القمعية العربية‪ ،‬والشاعر أصبح في ورطة‪ ،‬لو‬ ‫وأح��د الناشرين اق��ت��رح أن أع��د ل��ه (س��ي دي)‬ ‫كتب قصيدة ضد وضع اجتماعي أو اقتصادي‬ ‫لقراءة شعرية وقدمت له بالفعل أكثر من (سي‬ ‫أو س��ي��اس��ي أو ف��ك��ري‪ ،‬رأس���ا ي��ق��ال إن���ه عميل‬ ‫دي)‪ ،‬ومن قبل قدمت كاسيتات ق��راءة شعرية‪،‬‬ ‫أجنبي‪ ،‬وال صوت يعلو على صوت المعركة وال‬ ‫اآلن هناك صاحب مؤسسة ترتبط باإلنترنت‬ ‫صوت يعلو على صوت الثورة‪ ،‬ومثل هذا الكالم‬ ‫علي فيديو كليب شعري (يضحك ويقول‪:‬‬ ‫يقترح َّ‬ ‫اإلنشائي‪ ،‬فهناك حالة قمعية جديدة فيما مضى‬ ‫الخالف على الراقصات)‪.‬‬ ‫كانت واضحة بين المثقف العربي واالستعمار‬ ‫إذاً‪ ..‬اخ��ت��ل��ف ش��ك��ل ال��ت��واص��ل ب��ي��ن الجمهور‬ ‫األجنبي‪ ،‬اآلن بين المثقف العربي وبين السلطة‬ ‫والقصيدة‪ .‬مسألة أخرى أن الكتاب أصبح ثمنه‬ ‫(الوطنية)‪ ،‬وأكثر من ذل��ك‪ :‬األنظمة أصبحت‬ ‫غاليا‪ ،‬فحين تكون الطباعة أقل يصبح الكتاب‬ ‫أكثر ذكاء‪ ،‬فهي تشتري الذمم واألقالم‪ ،‬وتشتري‬ ‫أغ��ل��ى‪ ،‬يتقلص ال��ق��راء فيرتفع س��ع��ر ال��ك��ت��اب‪،‬‬ ‫الشعراء والمبدعين واإلعالميين‪ ،‬حقيقة يجب‬ ‫ألن الناشر أيضا هو مشروع اقتصادي وليس‬ ‫أال نتغافل عنها أو نتناساها أو نتجاهلها‪ ،‬هناك‬ ‫مشروعا ثقافيا فحسب‪ ،‬وال ألومه على ذلك‪،‬‬ ‫شراء لألقالم ولكل شاعر ثمن‪ ،‬ولكل روائي ثمن‪،‬‬ ‫والوضع االقتصادي له دوره‪ ،‬حيث يعيش أكثر‬ ‫ولكل إعالمي ثمن‪ ،‬هناك قائمة أشبه بقائمة‬ ‫من خمسين بالمائة من أبناء األمة العربية على‬ ‫الطعام في المطاعم‪ ،‬لكل وجبة ثمن‪ ،‬والشعراء‬ ‫أقل من دوالر في اليوم‪ ،‬وفق إحصائيات األمم‬ ‫واألدب���اء والمثقفون مذلولون‪ .‬تحولوا إل��ى نوع‬ ‫المتحدة وجامعة ال���دول العربية‪ .‬إذاً رغيف‬ ‫من العبيد واألرقاء عند النظام‪ ،‬عند المؤسسة‪،‬‬ ‫الخبز أهم عندهم من القصيدة وأهم من الورد‬ ‫عند السلطة أو عند الشركة االقتصادية‪ ،‬نحن‬ ‫وأهم من اللوحة‪.‬‬ ‫نتجاهل هذا االنهيار الروحي في الحياة العربية‬

‫‪82‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫قصيدة عربية مازالت قائمة بكل عنفوان وبكل‬ ‫هيبة وج��ب��روت ف��ي الحياة العربية‪ ،‬القصيدة‬ ‫العربية موجودة هناك‪ ،‬لكن هناك أطنان للذين‬ ‫تحولوا إل��ى قطعان‪ ،‬الشعر تجربة ف��ردي��ة‪ ،‬إن‬ ‫كنت فردا متميزا ولقصيدتك عنفوانها وكرامتها‬ ‫وإبداعيتها الخاصة بها‪ ،‬غير المستنسخة‪ ،‬غير‬ ‫المنقولة‪ ،‬غير المستعارة‪ ،‬ستجدها في صدارة‬ ‫الروح العربية‪ ،‬ألنها مازالت ديوان العرب‪.‬‬

‫وف��ي الثقافة ال��ع��رب��ي��ة‪ ،‬ه��ن��اك ان��ه��ي��ار أخالقي‬ ‫وروح�����ي وث��ق��اف��ي وأص���ب���ح ال��ش��ع��راء وال��ك��ت��اب‬ ‫يفرضون رقابة ذاتية على أنفسهم‪ ،‬والشعراء‬ ‫يتبرؤون من القضايا السياسية ومن المقاومة‬ ‫الشعبية في فلسطين ولبنان والعراق وفي كل‬ ‫مكان‪ ،‬يتبرؤون من معاداة الصهيونية ومن معاداة‬ ‫االستعمار‪ ،‬يتقربون من األجنبي‪ ،‬يتقربون من‬ ‫المؤسسات األوروب��ي��ة واألمريكية التي تغدق‬ ‫الجوائز والمكافآت واإلغراءات‪ ،‬وهناك هستيريا‬ ‫< الشعراء الشباب يرون أن قصيدة العمود وقصيدة‬ ‫نوبل‪ ،‬هناك مثقفون عرب يحلمون بنوبل‪ ،‬وطبعا‬ ‫التفعيلة لم تعد أي منهما قادرة على االبتكار‬ ‫نوبل ال تأتي لمن يحلم بها‪ ،‬هي تأتي لمن تريده‬ ‫وال تقديم صورة أو رؤية جديدة للشعر؟‬ ‫المؤسسة الحاكمة عولميا ال��ـ ‪ CIA‬والموساد‬ ‫والحكومات والسوق األوروبية‪ ،‬هم من يوزعون > ي��ا أخ��ي محمد اسمح ل��ي‪ ،‬ه��ذا ك�لام سخيف‪،‬‬ ‫هذا كالم يقوله أشخاص غير موهوبين وغير‬ ‫جوائز نوبل‪ ،‬ونوبل ليست شرفا أدبيا‪ ،‬ولألسف‬ ‫مثقفين وغير مدركين لطبيعة العملية اإلبداعية‪،‬‬ ‫هناك مثقفون عرب مسعورون‪ ،‬كأنهم ال يجدون‬ ‫االع��ت��راف إال إذا نالوا نوبل‪ ،‬وبالمناسبة أنتم‬ ‫الذي يقول إن العروض انتهى زمانه كمن يقول‬ ‫تعرفون قصتي منذ أكثر من عشر سنوات مع‬ ‫لرسام ارسم بدون أل��وان‪ ،‬األل��وان انتهى زمنها‪،‬‬ ‫مشروع خذ جائزة إسرائيل وبعدها نوبل‪ ،‬وطبعا‬ ‫أو كمن يقول لنحات اصنع تمثاال بدون جرانيت‪،‬‬ ‫قلت ال أريد ال جائزة إسرائيل وال جائزة نوبل‪،‬‬ ‫الجرانيت قديم انتهي زمنه‪ ،‬هذا ادع��اء من ال‬ ‫وال أري��د أي جائزة‪ ،‬الجائزة التي تأتيني أهال‬ ‫ي��ع��رف‪ ،‬يعني ال���ذي ال يتقن ال��ع��روض سيكره‬ ‫وسهال‪ ،‬الجائزة التي تأتيني عن طيب خاطر‬ ‫ويحارب العروض‪ ،‬ألنه ال يتقنه‪ ،‬يقولون العروض‬ ‫وبصدق أهال وسهال‪ ،‬جائزة مشروطة ال‪ ،‬جائزة‬ ‫واألوزان والقوافي قيود تقيد الشاعر والمخيلة‬ ‫أدفع ثمنها ال‪ ،‬ولألسف هناك من العرب وغير‬ ‫العربية‪ ،‬أن��ا أق��ول إن ال��ع��روض وال��ق��واف��ي هي‬ ‫ال��ع��رب‪ ،‬ه��ن��اك ش��ع��راء وأدب����اء ف��ي ال��ع��ال��م كله‬ ‫أج��ن��ح��ة ح��ري��ة‪ ،‬تعطيك م��ج��اال ل�لان��ط�لاق بال‬ ‫أصبحت تجارتهم أن يكتبوا ما يرضي األمريكان‬ ‫ح��دود‪ ،‬إذا كنت تستوعبها‪ ،‬إذا كنت ج��زءا من‬ ‫واإلسرائيليين واألوروبيين ليحصلوا على نوبل‪،‬‬ ‫ذاتيتك‪ ،‬إذا كنت متماهيا معها وكانت متماهية‬ ‫وبهذا الشكل كاتب من الدرجة الثالثة من الصين‬ ‫معك‪ ،‬إذا كانت هذه اإليقاعات جزءا من نبضك‬ ‫أو تركيا أو بريطانيا يحصل على نوبل في هذه‬ ‫فهي أجنحة حرية‪ ،‬وهكذا‪ ،‬أما القول بالقطيعة‬ ‫األيام‪ ،‬ليست معجزة‪.‬‬ ‫مع األوزان فهذه أيضا قضية سياسية مشبوهة‬ ‫< لكنك لم تجب على سؤالي هل كان أحد أسباب‬ ‫ومفضوحة عندي‪ ،‬هناك حملة‪ ،‬هناك سونامي‬ ‫إط�لاق مقوالت انحسار الشعر وتراجعه تطور‬ ‫عولمي يريد إلغاء األمة العربية بإلغاء ذاكرتها‪،‬‬ ‫القصيدة العربية؟‬ ‫بإلغاء ثقافتها‪ ،‬بإلغاء وجدانها‪ ،‬بإلغاء تاريخها‪،‬‬ ‫ب���دون ال��ع��روض ل��ن يفهم أب��ن��اؤن��ا وأح��ف��ادن��ا ال‬ ‫> أنا أجبتك عن هذا السؤال قبل أن تسأله‪ ،‬هناك‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪83‬‬


‫المتنبي وال ام��رؤ القيس وال أحمد شوقي وال‬ ‫محمد م��ه��دي ال��ج��واه��ري وال المعري وال أبو‬ ‫تمام‪ ،‬يعني ستمحى مرحلة من تاريخنا الثقافي‬ ‫وم��ن موروثنا وم��ن كنوزنا الثقافية‪ ،‬اذك���روا ما‬ ‫حدث في تركيا حين جاء ذلك الطاغية كمال‬ ‫أتاتورك وألغى الحرف العربي‪ ،‬يريد أن يطور‬ ‫تركيا وأن ينقلها إلى الحضارة األوروبية‪ ،‬ألغى‬ ‫الحرف العربي وألغى تراثا تركيا طويال مكتوبا‬ ‫بالحرف العربي‪ ،‬محاه‪ ،‬وب��دؤوا من جديد فلم‬ ‫يصنعوا شيئا‪ ،‬وضع الثقافة العربية اليوم أفضل‬ ‫بكثير من وض��ع الثقافة في تركيا‪ ،‬فالعمليات‬ ‫القصيرية الجاهلة الحمقاء االنتحارية تعبر‬ ‫عن دونية وعن تخلف وعن فقدان الثقة بالنفس‬ ‫وبالتراث وبالتاريخ‪ ،‬يخطط لنا ونحن غافلون‪،‬‬ ‫مرة أخرى يا سيدي (ما بدك تكتب بالعمود ال‬ ‫تكتب بالعمود‪ ،‬من يجبرك؟)‪( ،‬م��ا ب��دك تكتب‬ ‫بالتفعيلة ال تكتب بالتفعيلة‪ ،‬م��ن ي��ج��ب��رك؟)‪،‬‬ ‫(بدك تكتب قصيدة النثر اكتب قصيدة النثر)‬ ‫لكن قدّ مها قصيدة جيدة‪ ،‬حسابي مرة أخرى ال‬ ‫مع شكل وال مع مضمون‪ ،‬حسابي مع كيان‪ ،‬قدم‬ ‫لي كيانا شعريا‪ ،‬وأيضا ال أح��ب كلمة (ن��ص)‪،‬‬ ‫ق��دم لي كيانا شعريا جيدا وسأنحني أمامك‪،‬‬ ‫لكن محاولة إلغاء ما سبق فهذا جهل وتخلف‬ ‫وحمق‪ ،‬وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم‪.‬‬ ‫< هل ترى أن الحركة النقدية العربية واكبت تطور‬ ‫التجربة الشعرية العربية؟‬ ‫> االن��ح��س��ار أو ال��ب��ل��ب��ل��ة ف���ي ح��ي��ات��ن��ا ال��س��ي��اس��ي��ة‬ ‫واالق��ت��ص��ادي��ة واالجتماعية أف���رز بلبلة ثقافية‬ ‫ونقدية وفكرية‪ ،‬وطبعا النقد في النصف األول‬ ‫من القرن الماضي ونصفه الثاني ‪-‬إل��ى حد ما‬ ‫ شهد حالة من الديالوج بين اإلب��داع والنقد‪،‬‬‫وكان ديالوجا شبه متكافئ هنا أتكلم عن النقد‬

‫‪84‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫اإلب���داع���ي‪ ،‬ف��ف��ي رأي���ي ال��ن��اق��د عملية إب��داع��ي��ة‬ ‫وليس قضية عرض‪ ،‬ولكن بالقفزة في النشر‪ ،‬لم‬ ‫يكن كل شاعر يستطيع طبع دي��وان وك��ل روائ��ي‬ ‫يطبع رواية‪ ،‬كان األمر صعبا‪ ،‬كان فقط بمقدور‬ ‫المتميزين والمتفوقين الحصول على إمكانية‬ ‫النشر‪ ،‬أم��ا اآلن فلكثرة الصحف ودور النشر‬ ‫والمجالت ومواقع اإلنترنت صار النشر عملية‬ ‫يسيرة ج���دا‪ ،‬ك��ل م��ن يكتب يستطيع أن ينشر‪،‬‬ ‫وه���ذا خلق ف��ج��وة بين اإلب���داع ككم وب��ي��ن ق��درة‬ ‫النقاد على المتابعة‪ ،‬وخلق شيئا من الفوضى‬ ‫والركاكة والسلق (يسلق المقالة النقدية) وظهر‬ ‫النقد الصحفي؛ بمعنى الكتابة عن دي��وان شعر‬ ‫أو رواي���ة أو بحث أك��ادي��م��ي وبطريقة صحفية‬ ‫سريعة‪ ،‬تماما كالوجبات السريعة‪ ،‬فنشأت فجوة‬ ‫بين ض��رورة النقد وإمكانياته والكم الهائل من‬ ‫الكتابة والنشر وال أقول اإلبداع‪ ،‬ونشأت حالة من‬ ‫الفوضى في كل حياتنا السياسية واالجتماعية‬ ‫والثقافية‪ ،‬واآلن هناك إشكالية في النقد‪ :‬ذائقة‬ ‫وثقافة الناقد في ورطة مع ثقافة المبدع وذائقة‬ ‫المبدع‪ ،‬ك ّ ٌم هائل مما يصدر ال يصمد أمام حد‬ ‫أدنى من النقد األكاديمي المحترف‪ ،‬وأعتقد أن‬ ‫تراجع النقد جاء نتيجة وليس سببا‪ ،‬الناقد عادة‪،‬‬ ‫يتبع اإلبداع؛ بمعنى أنه بدون إبداع جيد لن يكون‬ ‫هناك نقد راق وعال ومحترف‪ ،‬فتراجع العملية‬ ‫اإلبداعية أدى إلى تراجع في النقد أيضا وهذا‬ ‫ما أفقد الكثيرين من الكتاب والشعراء الشبان‬ ‫البوصلة‪ ،‬كان النقد‪ ..‬إذا كتب محمد مندور أو‬ ‫أي ن��اق��د ع��رب��ي مهم ف��ي زم���ان أن���ور المعداوي‬ ‫ولويس عوض ‪-‬نقاد كبار‪ -‬كانت مقالة من أحدهم‬ ‫تشجع موهبة أو تحبط أخرى‪ ،‬كان هناك احترام‬ ‫للنقد أيضا‪ ،‬كان مارون عبود إذا كتب مقالة في‬ ‫شاعر أو كاتب يحدد له وجهة تطوره وتقدمه‪،‬‬ ‫اليوم صار نوع من البالدة في العملية الكتابية‬


‫وال أقول اإلبداعية‪ ،‬تبعتها حالة بالدة في النقد‪،‬‬ ‫ولغة السوق والبضاعة والعرض والطلب دخلت‬ ‫في الحياة األدبية؛ في الشعر والموسيقى والنقد‬ ‫والفكر‪ ،‬انعكس التوحش والتوغل الرأسمالي بقوة‬ ‫وعنف على الحياة الثقافية‪ ،‬بالش لف ودوران‪..‬‬ ‫هناك أناس ينظرون لتبرير الخراب في حياتنا‪،‬‬ ‫أنا غير ملزم بهذا وغير مدعو له‪ ،‬وأرفض التنظير‬ ‫للخراب‪ ،‬المكتبة العامة تتحول إلى كافتيريا‪ ،‬هذا‬ ‫يحدث بأثر التوغل الرأسمالي في العالم كله‪.‬‬ ‫< أخ���ي���را م����اذا ع���ن خ��ط��ط��ك ال��ق��ادم��ة ف���ي إط���ار‬ ‫مشروعك في الكتابة؟‬

‫الفكرة ووح���دة الصياغة‪ ،‬يقوم على تداعيات‬ ‫يربطها بالكوالج البنية الشكلية‪ ،‬لكن تختلف عن‬ ‫الكوالج بأنها ذات مناخ نفساني وشعري واحد‪،‬‬ ‫يعني م��وض��وع واح���د م���وزع‪ /‬مبعثر ف��ي ح��االت‬ ‫م��ت��ع��ددة‪ ،‬ال ي��ق��وم على وح���دة القصيدة ووح��دة‬ ‫الصياغة ب��ل ي��ق��وم على وح���دة ال��م��ن��اخ‪ ،‬نشرت‬ ‫ع��ددا من السربيات منذ العام ‪1965‬م‪ ،‬جاءت‬ ‫السربية األولي (إرم) مستوحاة من أسطورة (إرم‬ ‫ذات العماد) وبعدها نشرت عددا من السربيات‬ ‫منها إسكندر ون في رحلة الخارج ورحلة الداخل‪،‬‬ ‫وم��راث��ي سميح القاسم وث��ال��ث أكسيد الكربون‬ ‫والصحراء‪ ،‬وخذلتني الصحارى‪ ،‬وكلمة الفقيد‬ ‫ف��ي م��ه��رج��ان تأبينه‪ ،‬وه���ذا الشكل تبناه عدد‬ ‫من أخوتي الشعراء وكتبوا فيه‪ ،‬لم يطلقوا عليه‬ ‫اسم سربية ال بأس المهم انتصر الشكل وأصبح‬ ‫عدد من الشعراء‪.‬‬ ‫معتمدا لدى ٍ‬

‫ > ال أخطط أب��دا‪ ،‬ولم أخطط أبدا في حياتي‪ ،‬ال‬ ‫أطيق الحديث عن مشروع شعري قبل تحققه‪،‬‬ ‫بعد انتهاء شاعر ‪ -‬برحيله عن الوجود ‪ -‬ندرس‬ ‫مشروعه الشعري‪ ،‬نقول كان لديه مشروع أو لم‬ ‫يكن لديه مشروع‪ ،‬أما التخطيط المسبق فهذا‬ ‫أتركه ل���وزارات التخطيط‪ ،‬ال تخطيط اإلب��داع‪ < ،‬هل لك طقوس خاصة في الكتابة؟‬ ‫ل��ك��ن م��ن ال��ن��اح��ي��ة العملية ل َّ‬ ‫����دي مجموعة من < أعتقد أن افتعال الطقوس هو نوع من خلق هالة‬ ‫القصائد الكالسيكية الحديثة‪ ،‬أرجو أن أصدرها‬ ‫حول الشاعر‪ ،‬نوع من اللعب اإلعالمي‪ ،‬كأن يقول‬ ‫قريبا‪ ،‬ول��دي ما أطلقت عليه الكوالج الشعري‪،‬‬ ‫شاعر أنه ال يستطيع الكتابة إال إذا اشتم رائحة‬ ‫وه��و شكل أعتقد أنني أسست له من أكثر من‬ ‫األج��اص الفاسد‪ ،‬أو أنه ال يستطيع الكتابة إال‬ ‫ع��ش��ري��ن س��ن��ة‪ ،‬ال��ق��ص��ي��دة‪ /‬أو البنية الشعرية‬ ‫على ورق بقياسات معينة‪ ،‬لدي عادة ال أسميها‬ ‫ال��ك��والج��ي��ة‪ ،‬وه��ي ت��داع��ي��ات على وم��ض��ات على‬ ‫ط��ق��س��ا‪ ،‬أف��ض��ل س��اع��ات ال��ك��ت��اب��ة ب��ع��د منتصف‬ ‫حاالت‪ ،‬اكتئابات‪ ،‬إشراقات‪ ،‬تجمع بشكل الكوالج‬ ‫الليل حتى الصباح‪ ،‬حتى الفجر األزرق‪ ،‬هناك‬ ‫في العمل التشكيلي وتقدم حالة شعرية عريضة‬ ‫لحظات يكون فيها الفجر أزرق���ا‪ ،‬أعتقد أنني‬ ‫وعميقة وبعيدة‪ ،‬هذا الكوالج الشعري لدي منه‬ ‫أكثر من شاهدها في العالم‪ ،‬لدرجة أنني أحاول‬ ‫ستة ��والجات منشورة‪ ،‬األول طبع في كتاب من‬ ‫أن أسجلها في الشهر العقاري كملكية خاصة‪،‬‬ ‫عشرين عاما‪ ،‬واألعمال الجديدة أرجو أن تطبع‬ ‫ألن أحدا في العالم ال يشاهدها كما أشاهدها‪،‬‬ ‫قريبا‪.‬‬ ‫مشاهدة شبه يومية‪ ،‬لحظات فقط‪ ،‬ليس الفجر‬ ‫كله‪ ،‬لحظات بين الفجر والليل والفجر والنهار‬ ‫ وطبعا لدي مشروع آخر هو السربيات‪ ،‬والسربية‬ ‫ي��ص��ع��ب ت��ح��دي��ده��ا ي��ك��ون ال���ك���ون ف��ي��ه��ا ب��زرق��ة‬ ‫هي ما كان يسمى مطولة شعرية‪ ،‬لكنه ليس مطولة‬ ‫استثنائية تماما‪ ،‬غير الزرقة التي نألفها‪.‬‬ ‫شعرية؛ ألنه ال يقوم على وحدة الموضوع ووحدة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪85‬‬


‫القاص عبدالرحمن الدرعان‪:‬‬

‫إدغار ألن بو (السعودي) الذي يرضع طفولته من‬ ‫حقائبه القصصية السردية‬

‫> هدال القصار‬

‫<‬

‫(أديبان سعوديان صاحباني أثناء سفري من القاهرة إلى بيروت وبالعكس‪ ،‬األول‬ ‫كان القاص عبد الرحمن الدرعان والثاني كاتب وشاعر ختمت رحلتي معه ومع نصوصه‬ ‫سأتحدث عنه في المقال القادم‪ ،‬لكن ما لفت نظري هو طرحهما لمشكلة واحدة‪ ،‬مع‬ ‫اختالف الشرح‪ ،‬أما في األسلوب فهما يتفقان في طرح المشكلة نفسها ومعالجة الوضع‬ ‫اإلنسان عامة والوضع الصحراوي خاصة‪.‬‬ ‫قبيل خروجي من غزة بأيام معدودة‪ ،‬لفت انتباه تطفلي األدبي عنوان يقول‪« :‬مثقف‬ ‫متعدد المواهب استطاع أن يهزم الشعر والرسم بالقصص القصيرة» علقت هذه الكلمات‬ ‫في ذهني ألبحث عن األسباب وال��دواف��ع‪ ،‬وكيفية «ه��زم الشعر» التي أثارتني‪ ،‬وأدخل‬ ‫جوف هذا القاص الذي حملت بعض أوراقه التي نشرت‪ ،‬طالمة لمست رائحة الشعر‬ ‫على أوراقه وما يحمله من مفاتيح النغمات وشفافية المفردات األنثوية برشاقتها التي‬ ‫تحملها نصوصه‪.‬‬

‫ن��������واف��������ذ‬ ‫‪86‬‬

‫في صالة االنتظار رقم ‪ 22‬في مطار القاهرة الدولي‪ ،‬وبانتظار وصول الطائرة‪ ،‬التقطت‬ ‫من حقيبتي بعض األوراق التي دونت عليها بعض العناوين والمالحظات لدراسات نقدية‪،‬‬ ‫ودفترين أحدهما لخربشة الومضات‪ ،‬واآلخر لصياغة األسطر‪ ،‬وبدون تحديد وجدت بين‬ ‫يديَّ أوراق القاص عبدالرحمن الدرعان‪ ،‬دهشت مما قام به الدرعان من حرق لقصائده‬ ‫ومجموعاته القصصية (نصوص الطين) نتيجة عدم رضاه عنهما‪ ،‬ثم اصدر مجموعة بعنوان‬ ‫(رائحة الطفولة)‪ .‬هنا نقلني القاص الدرعاني السعودي إلى طفولته الناضجة في كتاباته‬ ‫وأحالمه التي عبر عنها في مضامينها‪ ،‬ومن داخل نصوصه ونقده المنفرد به‪ ،‬وقوة تأثره‬ ‫بمجريات الحياة اإلنسانية ومعطيات الحاضر والمستقبل‪ ،‬وهو يغوص فيها ويضعها بين‬ ‫شخصيات أبطاله‪ ،‬وشخصيته المسربة ما بين السطور‪ ،‬حين يسرح بأحالمه التي ال تهدأ‬ ‫حين يرتجف ببكائه الصامت فوق أوراقه‪ ،‬بشفافية البوح وعمق الصور اإلنسانية وحول ما‬ ‫يشير إليه في تمرده على جفاف الصحراء المجبلة بالحكايات‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫شق القاص المبدع عبدالرحمن طريقه في مجال‬ ‫ال عن الشعر‪ ،‬حيث ما لبثت تلك‬ ‫السرد القصصي بدي ً‬ ‫األخيلة المحملة بهلوساته العقالنية من تحت عقاله‪،‬‬ ‫وبهدوء طرح لنا أعمدة وجسور قصصه التي تسيطر‬ ‫على حقيقة الواقع‪ ،‬التي نسجت اكتشافه من عنق‬ ‫الزجاجة‪ ،‬حين سافر بأدواته الصوفية مع شخصياته‬ ‫التي يلقنها هموم الصحراء الخشنة‪ :‬الكبت والقمع‬ ‫اإلنساني‪ ،‬إنه يلعب في خلق الشخصيات وتصوير‬ ‫ال��واق��ع الحقيقي وإن���ذار ال��رم��وز والقناعات لديه‪،‬‬ ‫ويطرح ترميم ما يجب ترميمه دون وراثة ورؤى فيما‬ ‫يطرح مساءالته في نصوصه السردية‪:‬‬

‫وي��دور ح��ول الشخصية التي يريد أن يثبت صوره‬ ‫عليها في سرده على عدم مقدرته الستيعاب الواقع‪.‬‬ ‫وه��و ما زال يبحث عن ق��درة وتكيف اإلنسان فيه‪،‬‬ ‫محاوال إقناع الشاهد على مجريات الوقائع بخصوبة‬ ‫أبعاد القصة وقناعاته‪ ،‬والقيم الموروثة باليقين الذي‬ ‫يدخل في سطوره‪ ،‬وهو يكشف لنا تلك المحاوالت من‬ ‫خلف أدوار أبطاله التي يقول فيها الكاتب في النهاية‬ ‫وبالالوعي إن الكاتب أنا أنا هنا أنا هناك وأنا في‬ ‫كل زاوية من القصة‪ ،‬وفي تلك المدينة البعيدة وبكل‬ ‫الحاالت التي حملتها نصوصه وعناوين قصصه؛ كما‬ ‫انه يسعى إلعادة بناء النفس من جديد لتتناسب مع‬ ‫الواقع الزمني الحديث ال��ذي ي��راه متناقضا للواقع‬ ‫الحالي‪.‬‬

‫أن���ت ال��ق��ادم ال��م��ت��وح��ش م��ن ال��ط��رق��ات المتربة‬ ‫ر ّوض��ت��ك اإلش�����ارات ال��ض��وئ��ي��ة‪ ،‬ف��وق��ف��ت أخ��ي��را مع‬ ‫الموجوئين‪ ..‬روضتك بصعوبة‪ ..‬لكنك أذعنت لها‬ ‫أخ��ي��را وتحب األس��م��اء التي ت��ت��ردد ف��ي األساطير‪،‬‬ ‫حين تضع أم��ك رأس��ك ف��ي حجرها وتقص عليك‬ ‫أحسن القصص‪ ،‬وهي تفلي شعرك وتزعم أنك أقل‬ ‫الناس حظاً‪ ..‬وأنك الرجل الذي لم تضطهد األيام‬ ‫أحدا مثله‪ ،‬وحين تفشل مع األطباء المناوبين الذين‬ ‫يناورونك في المستوصفات آخر الليل‪ ،‬ال تتردد في‬ ‫الذهاب من فورك إلى المشائخ‪ ،‬وأسواق العطارين‬

‫على سبيل الوفاء فقط‪ ،‬بيد أنها لم تعد تخصك‪.‬‬ ‫فقد تعلمت بالوراثة أن تصدق كل الشائعات التي كان‬ ‫أهل قريتك يروجون لها‪ ،‬مثل مبدأ «أن الصعوبات‬ ‫التي ت��ذل اإلن��س��ان ويعجز عن التصدي لها تتكفل‬ ‫بمحوها األي��ام»‪ ،‬ويوم فرم جنـزير الدراجة كاحلك‬ ‫آن���ذاك وأوق��ع��ت��ك مهرتك الصغيرة أرض���اً ل��م تجد‬ ‫عكازاً تسند ضعفك يومها غير تلك الكلمات التي‬ ‫رماها جدك القاعد في شمس الضحى يمضغ رطب‬ ‫أول النهار إذ حصبك بالنواة‪.‬‬

‫ربابة مشعان‬

‫أن��ت على ال��رغ��م منك تظل اب��ن القرية‪ ،‬تخاف‬ ‫كما في إحدى سردياته كانت له طرقه الخاصة‪،‬‬ ‫من األب��واب التي تنفتح من تلقاء نفسها في فنادق‬ ‫التي حاول أن يبرر لنا فيها كبت الطفولة الناضجة‬ ‫الدرجة الممتازة والمطارات والمستشفيات الكبيرة‪،‬‬ ‫بين هاللين داخل عنوان‪:‬‬ ‫تتلفت كثيرا توقعا للمباغتة كأن أحدا يتتبع خطواتك‪،‬‬ ‫دم الجمعة‬ ‫وال تحسن قيافة مالبسك‪ ،‬وعندما جربت أن ترتدي‬ ‫البدلة كنت تتملى جسدك في المرايا كما لو كنت‬ ‫ج����راح ك��ث��ي��رة اس��ت��ط��ع��ت أن ت��ت��ج��اوزه��ا ب��م��رور‬ ‫عاريا‪ ،‬وتدس يدك في جيبك لتع ّد نقودك بطريقة الوقت‪ ،‬موت عاهل‪ ،‬إهانات إخفاق‪ ،‬وحرمان‪ ،‬تحكي‬ ‫اللمس كالعميان‪.‬‬ ‫تفاصيلها اآلن بحياد كأنك تستدينها من ذمة الزمان‬

‫***‬

‫***‬

‫يتردد القاص عبدالرحمن‪ ،‬أن يفصح عن ذاته‬ ‫تتجه أبطال قصص الكاتب دائما إلى عدم القدرة كعناد ال��ص��ح��راء‪ ،‬لكنه يعمل على إص�ل�اح وبنائه‬ ‫على تحمل الواقع الذي فرض نفسه‪ ،‬لذا نراه يحوم المجتمع برشاقة رؤاه للواقع‪ ،‬إذ يواجه المجتمع والقيم‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪87‬‬


‫اإلنسانية ومعالجتها من خ�لال مفاتيحه الشعرية وتعابيره التي ألقى علينا بها‪.‬‬ ‫وسرديته القصصية الخاصة به‪ ،‬فكلما نظرت إليه‬ ‫ب�� َم يمكنني أن اسميه؟ غير أن��ه «إدغ���ار أل��ن بو‬ ‫من خالل قراءاتي ومن بين القوافي والسطور أراه‬ ‫‪ »EDGAR ALLAN POE‬الذي أزاح شعره ورسوماته‬ ‫ال يبحث عن األمان‪ ،‬والحنان االمومي المستمد‬ ‫طف ً‬ ‫وتبع الرواية وصنف شفافية سرده على أوراقه‪.‬‬ ‫من ام��ت��داد ق��وة األب الموروثة في تكوينه وكينونة‬ ‫ه���ذا ال��ك��ات��ب وال���ق���اص ال��س��ع��ودي أو ال��ش��اع��ر‬ ‫ونضوجه‪ ،‬يعزف لنا رنين عباراته من خالل كلماته‬ ‫المبعثرة في نصوصه‪ ،‬واألل��ق ال��ذي ينتابه من تلك ال��درع��ان��ي ال��س��ع��ودي أري���د أن أس��ال��ه‪ :‬كيف يمكن‬ ‫األحاسيس الممخض بالعجز أم��ام رائ��ح��ة الموت لخشونة الصحراء أن تطلق مثل ه��ذا النص الذي‬ ‫وكوابيسه؛ فهو يحاول قتل هذا الشعور في أعماق تحوّل بين أصابعه إلى غزل شعري رقيق في هذه‬ ‫الالوعي من خالل قصصه حيث يعبر عن مخاوفه القصيدة وليعذرني القارئ لعدم تمكني وتيقني أن‬ ‫اإلنسانية العميقة والسعي إليقاظ العالم من حوله كانت هذه القصيدة؟ من ديوانه الذي أحرق‪:‬‬ ‫ومن فوضى النفوس‪ ،‬والحاالت التي يمر فيها بنسج‬ ‫ديما‬ ‫أخيلته الروائية؛ ليوجه اللوم على الواقع الصحراوي‬ ‫ي��ا ع���ازف ال��ع��ود غ��ن اللحن تنغيما‬ ‫أو على المدن الصغيرة والبعيدة واضطهاد الذات‪،‬‬ ‫وأش���ع���ل ال���وت���ر ال���غ���اف���ي ت��ق��اس��ي��م��ا‬ ‫اإلنسان لإلنسان‪ ،‬وعدم نمو الطبيعة في الصحراء‬ ‫وارم التهاني شموعا كلما اعتكرت‬ ‫كما حدثنا عن الجبل القائم في طفولته‪.‬‬ ‫أو أوغ�����ل ال��ل��ي��ل اب���ه���ام���ا وت��ع��ت��ي��م��ا‬ ‫إن القاص السعودي يسعى لتحرير الروح المكبوتة ل��ق��د ب���دا ال���ب���در ف���ي أع��ل��ى م��ن��ازل��ه‬ ‫في كتاباته السردية وفوق سطوره وهو يصطاد طفولته‬ ‫وع���ان���ق���ت���ه س����م����اء ش��م��س��ه��ا دي��م��ا‬ ‫من خالل الشخصيات‪ ،‬ويحملها عمق المعاناة أثناء ي���ا درة ال��ص��ب��ح ي��م��م��ن��ا وم��رش��دن��ا‬ ‫خربشات أصابع أطفال رواياته‪ ،‬وتوظيفها وتحويلها‬ ‫س��ن��ا ض���ي���اك – أق��ال��ي��م��ا أق��ال��ي��م��ا‬ ‫نحو الجمال الروحي‪ ،‬من خالل شخصياته المحببة‬ ‫ف��ل��م ت��ض��ل��ل ن��ج��وم ال��ف��ج��ر سكتنا‬ ‫والتي تصارع حجمها الخاص وتعكس الوضع األكثر‬ ‫ول���م ت��ن��ج��م ح����داة ال���رك���ب تنجيما‬ ‫ال من خلف تجربته الواعية‪.‬‬ ‫تأم ً‬ ‫وأذن ال���ق���م���ر ال����غ����ي����ران ي��س��أل��ن��ا‬ ‫إن����ه ش��اع��ر وق����اص ي��ح��م��ل ف���ي ص����دره ع��اط��ف��ة‬ ‫أن������ا أن�������ا‪ ،‬أم أن�������ا! أم إن����ه����ا دي��م��ا‬ ‫ال��روم��ان��س��ي��ة وع��ل��ى أك��ت��اف��ه ح��زن��ه وأوج�����اع ه��م��وم س��ي��أف��ل ال��ق��م��ر ال���غ���ي���ران ف���ي غ��ده‬ ‫ال��ص��ح��راء‪ ،‬وك��أن��ه رج���ل ي��ع��ب��ث خ����ارج ع��ص��ره وإن‬ ‫وس�����وف ي��ن��ك��ص إذع����ان����ا وت��س��ل��ي��م��ا‬ ‫إحساسه بالكبرياء لم ير َق له إلى الحد الذي يلغي ي���ا ح����ادي ال��غ��ي��م أم��ط��ره��ا م����رذرذة‬ ‫إحساسه بقسوة العالم من حوله‪ ،‬خاصة بعد وفاة‬ ‫وح���وم���ي ي���ا ط��ي��ور ال���م���اء تحويما‬ ‫والدته ووال��ده الذي توفي بعد فترة طويلة بمعاناته واغ����زل ل��ه��ا م��ن وش���اح ال��ب��رق أردي���ة‬ ‫مع المرض أمام عينيه‪ ،‬ووضعه في قفص الحرمان‬ ‫وع��ل��م ال��ب��در ه���ذا ال��ح��س��ن تعليما‬ ‫من شعور الطفولة الذي كان يسكنه ويحبو به نحوه‪ ،‬وام��ل��أ ع���ي���ون ذوي���ه���ا م���ن ه��ن��اءت��ه��ا‬ ‫واليوم خطفه الموت وقيده الطفل في داخله‪ ،‬وهو ما‬ ‫وام���ل��أ ل���ه���ا ق�����دح األي�������ام ت��س��ن��ي��م��ا‬ ‫مثله في بطل قصته «رائحة الطفولة» الطفل الذي أس��ت��غ��ف��ر ال���ل���ه ي����ا دي���م���ا وم���ع���ذرة‬ ‫حشره داخل غرفة ضيقة‪.‬‬ ‫ف���إن ف���ي ال��ش��ع��ر ت��ش��وي��ه��ا وت��ه��وي��م��ا‬ ‫ال ادري بعد ه��ذا الحشد القليل م��ن قصصه ق���د ك��ن��ت م��ث��ل��ك ط��ف�لا ش���ع���ره درر‬

‫‪88‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫زمن‪ ،‬سيد قاعد جاح ُد‬ ‫وجهه واحد‪ ،‬صوته واح ُد‬ ‫نومه‪ ،‬صوم ُه‬ ‫شكله‪ ،‬جهل ُه‬ ‫قتله‪ ،‬قتل ُه‬

‫فجاءك اليوم يهديك (المالليما)‬ ‫مشت ال��ي��ك ال��ق��واف��ي وه��ي خاشعة‬ ‫م��ش��ي ال��غ��ي��ي��م��ات إج��ل�اال وت��ك��ري��م��ا‬ ‫فأسمعيني م��ن��اغ��ات��ي ال��ت��ي ذهبت‬ ‫ق��ص��ي��دت��ي أص��ب��ح��ت ل��غ��وا وت��أث��ي��م��ا‬ ‫رأي��������ت ف���ي���ك ص���ب���ي���ا ك���ن���ت���ه وي�����دا‬ ‫وتواريخه وفضائحه ملء هذي المحيطات لكنما‬ ‫ت��ه��ده��د ال��م��ه��د ت��ح��ن��ان��ا وت��ن��وي��م��ا شكلها واحد ملحها واح ُد‬ ‫م��ن��دي��ل أم����ي‪ ،‬ب��ك��ائ��ي ك��ل��م��ا نعست‬ ‫وص�����وت ب��ح��ت��ه��ا ي��ل��ق��ي ال��ت��ران��ي��م��ا‬ ‫لمن سأقيم المناسك؟‬ ‫ف���م���ن ي�����رد أغ���ان���ي���ه���ا ال���ت���ي نُ��ه��ب��ت‬ ‫وري���ح (دي��رم��ه��ا) ال��م��س��روق ي��ا ديما‬ ‫كيف أرتب ما وقب القلب من حجر الواقفين على‬ ‫رأي�����ت ف��ي��ك ب��ي��وت��ا ش��دت��ه��ا ب��ي��دي‬ ‫شهوات ترافع ضد طلوع اإلماء؟‬ ‫ف��رش��ت س��اح��ات��ه��ا ق��م��ح��ا وبرسيما‬ ‫إلى حجر الفقراء إلى ما يقول (الدُالر)‬ ‫ن��س��ج��ت ط��ي��ارت��ي وال���خ���وف طيرها‬ ‫إل�����ى ح���ج���ر األب���ج���دي���ي���ن وال���ق���ات���ل���ي���ن ع���ل���ى س��ن��ة‬ ‫ف���م���ن س��ي��ب��ع��ث��ه��ا ن���ش���را وت��رم��ي��م��ا‬ ‫(الالحياء)‬ ‫ض���اق���ت ع��ل��ي ث���ي���اب ك��ن��ت أل��ب��س��ه��ا‬ ‫أودى بها العمر تمزيقا وتحريما‬ ‫بمن أحتفي؟ نصف أزمنتي ضائع‪،‬‬ ‫كم توهتني السنين السود مرتحال‬ ‫هل أراب��ي بعمري وأدخ��ل في سبت ه��ذا الشفاء‪،‬‬ ‫وأش��ب��ع��ت��ن��ي ي����د األي�������ام ت��ح��ط��ي��م��ا‬ ‫الوباء؟!‬ ‫ف�����إن رأي������ت ص��ب��ي��ا ض�����اع م����ن زم���ن‬ ‫بمن أحتفي والقناديل مطفأة ولمن؟‬ ‫ف���أق���رئ���ي���ه أم��������ان ال����ل����ه ي�����ا دي���م���ا‬ ‫ط����ف��ل�ا ت�����روع�����ه ن�����ي�����روز ي�����ا أب���ت���ي‬ ‫متى يستوي قارب العدل فينا‪ ،‬ونصف القوافل تعبر‬ ‫ن���ي���روزُ!! م��ا زل��ت طفال ع��م��ره ديما‬ ‫حين تغام ُر كالنسغ في عضالت الوطن‬ ‫وم��ن بين نصوصه النثرية وأب��ج��دي��ات��ه‪ ،‬نصف‬ ‫ونصف األكل تحاول مفردة في الهواء‬ ‫القوافل‪ ،‬وعضالت الوطن‪ ،‬ومخاط البقاء‪ ،‬والعواصم‬ ‫وويل ألية قارورة ستقول أنا‬ ‫التي تحتد كل المالمح‪ ،‬التقط هذه من نص وجدته‬ ‫له في «مجلة اليمامة»‪:‬‬ ‫ههنا‬

‫***‬

‫من مرافعات طيور الظل بمن أحتفي؟! بزمان معاق‬ ‫يصنفنا ما يشاء‪ ،‬ينصفنا ما يشاء يبرقعنا ويقطعنا‬ ‫اطلب من القاص والكاتب «عبد الرحمن الدرعان»‬ ‫ويوزعنا بالمزاج على من يشاء وال يترك الهاربين إلى‬ ‫ان ال يتمسك بعناد ال��ص��ح��راء وي��ح��رم ال��ق��ارئ من‬ ‫أفق الله يصغون إلى ما يقول صهيل المدن‬ ‫نصوصه النثرية المعطرة بزخات المطر وشمس‬ ‫صحرائه المزمنة على رماله‪.‬‬ ‫يا زمن؟!‬

‫***‬

‫< شاعرة لبنانية مقيمة في فلسطين‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪89‬‬


‫رجل جاء‪ ..‬وذهب‬ ‫> ميسون أبو بكر‬

‫<‬

‫ما أن شفيت من تقمص عالم الرواية األولى «حكاية حب» حتى وقعت فريسة شعور‬ ‫جديد في روايته الثانية «رجل جاء وذهب»‪.‬‬ ‫الروايتان وجهان لعملة واح��دة؛ الوجه األول لمشاعر رجل استهلكه الحب والغياب‬ ‫آلخر رمق‪ ،‬والوجه اآلخر المرأة‪ ..‬لما عاندت القدر‪ ،‬وأرادت أن تتوارى عنه بستائر من‬ ‫حلم وأمنيات امرأة عاشقة‪ ،‬كان القدر لها بالمرصاد‪ ،‬فأذاب جبال الجليد التي كانت‬ ‫تواري بها أحالمها عنه‪ ،‬وأغلق نوافذ الشمس التي كانت تسطع في نهدة حلمها‪.‬‬ ‫مع كل قصة حب نعيش تفاصيلها في عالم الرواية‪ ،‬وبخاصة عالم روائي مبدع‪ ،‬كهذا‬ ‫الذي كنت توحدت فيه مع القدر والحياة والموت واأللم وبعض السعادة الهاربة من هنا‬ ‫وهناك‪.‬‬ ‫في عالم د‪ .‬غ��ازي القصيبي «رج��ل ج��اء وذه��ب»‪ ،‬ن��درك تماما أن��ه على الرغم من‬ ‫اختالف سيناريو النهاية وطريقة إسدال الستار‪ ،‬فإن الحب في النهاية ال بد وأن تعرقله‬ ‫المستحيالت‪ ،‬ومشيئة القدر والحياة التي يلونها بريشته الباهتة‪ ..‬كم هي الحياة أصغر‬ ‫بكثير من أن تستوعب خطى الحب على أديمها‪ ،‬وأنفاسه في فضائها المحدود‪.‬‬ ‫إنك حين تقرأ لغازي القصيبي‪ ،‬تدرك فوراً ودون الحاجة لقراءة توقيعه على غالف‬ ‫كتاباته‪ ،‬أن هذه اللغة ال يملكها إال هو‪ ..‬وال يقدر على ارتعاشة الحبر إاله‪ ،‬وكل ذلك الحب‬ ‫ال يملك أن يتدفق إال من نبض يراعه‪ ،‬وهذه الجرأة ال يحسن مسك زمامها إال شاعر‬ ‫متمرس وروائي من الطراز األول‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫كنت قررت أال أتجرأ وأدخل عالم إحدى رواياته من األلم الممزوج بالذكرى والحنين والشوق‪.‬‬ ‫إال وأنا متأهبة تماما للمغامرة‪ ،‬ولكن وقوع الرواية‬ ‫البحر لملم أمواجه وأصدافه وتبعه‪..‬‬ ‫في يدي أفشل كل المشاريع‪ ،‬ووجدتني ألج إلى هذا‬ ‫القمر لن يـ ُش َّع بنوره إال حيث رقد رقدته األخيرة‪..‬‬ ‫العالم االستثنائي دون أن أُأَخ��ر لحظة واح��دة من‬ ‫ألنه قرر أن يتجاهل العالم من بعده‪..‬‬ ‫التوحد بها‪.‬‬ ‫وح��ب��ي��ب��ات ال��رم��ل س��ي��ت��دف��ق م��ن��ه��ا ب��ئ��ر م��ن دم��ع‬ ‫أقنعت نفسي أن من يعشق البحر ال يخشى من‬ ‫ال��غ��رق‪ ..‬وعلى ال��رغ��م م��ن ذل��ك كنت أدرك حتمية ساخن‪..‬‬ ‫غرقي‪ ،‬لكنه شيء كالسحر‪ ..‬كالقدر المكتوب لك‬ ‫سابقا في لوح محفوظ‪.‬‬

‫ك��ان ال ب��د أن تعلم أن��ه اب��ن الصحراء المسافر‬ ‫أب��دا مع الريح وال��س��راب‪ ..‬هو وري��ث ذهبها األسود‬ ‫ال��ذي تطارده دوم��ا لعنته‪ ،‬إذا كرمت عليها السماء‬ ‫به سرعان ما سيتبخر مع شمسها الحارقة‪ ..‬ويعود‬ ‫ويتجمد نبضه تحت ترابها‪ ،‬وه��ي المسافرة أب��دا‬ ‫ألبعد م��ن ح��دود عالمها‪ ..‬لعالم تكون فيه أسيرة‬ ‫الحلم والوهم والقدر الذي ال مفر منه‪ ..‬وهي تدرك‬ ‫تماما أنها ستدفع ثمنا باهظا لهذه السعادة القصيرة‬ ‫المدى‪.‬‬

‫امرأة القصيبي‪ ،‬التي كلما أحبت رجلها‪ ،‬ازدادت‬ ‫ألما وخوفا وموتا وتشبثاً بمستحيل تدرك حقيقته‪.‬‬ ‫كانت أحالمها كالمطر الذي كثيرا ما يخلف وعده‪،‬‬ ‫وكلما كبر هذا الحلم تحول إلى فقاعات‪ ،‬سرعان ما‬ ‫تذوب وتتالشى‪.‬‬

‫رجل جاء‪ ..‬لكنه لم يذهب أبدا‪ ،‬ألنه كالبحر إن‬ ‫غادر شطآنه يترك أنفاسه ومحاراته وطحالبه على‬ ‫عتبات ال��ش��اط��ئ‪ ،‬كالشمس ال��ت��ي إن ول��ت للطرف‬ ‫اآلخر من العالم تلبس القمر رداء النور‪..‬‬

‫االستسالم لرواية كهذه يعني االستسالم للحب‬ ‫والحياة والموت والجنون أيضا والكثير من الوهم‪..‬‬ ‫هو االستسالم لواقعة المكان والزمان‪ ..‬للبحر الذي‬ ‫احتواهما في ك��وخ بسيط على الشاطئ تنبت فيه‬ ‫األح�لام كشجرة الجنة‪ ..‬وتتبخر فيه أشجار الهند‬ ‫متحولة إل��ى عطر العود ال��ذي كلما التهمه الهواء‬ ‫ازداد حياة‪.‬‬

‫رحل الرجل‪ ..‬لكنها بقيت تستدل بكل جزيئات‬ ‫أحبت رجلها باسم كيانها‪ ..‬وأنوثتها وروحها التي الحياة عليه‪..‬‬ ‫آه لتلك الذكرى التي تنمو كنبت شيطاني يتسلق‬ ‫ترحل معه كلما أزف غيابه‪ ،‬ثم تعود بعودته لتورق في‬ ‫جدرانها‪ ،‬ويتلصص على كل تفاصيل حياتها‪.‬‬ ‫جسدها إذا ما عاد وروتها قبالته‪.‬‬

‫لم يذهب ذلك الرجل أبدا‪ ..‬ألن الفراغ سيمتلئ‬ ‫وفي رحلته األخيرة وغيابه حيث لن يعود‪ ..‬قصت‬ ‫ضفائرها‪ ..‬وطمرت معالم الطريق إلى قلبها‪ ،‬كي ال به‪ ،‬هو تبخر كالعطر لكن بقي له كل األثر‪.‬‬ ‫يعثر أحد بعده عليها‪ ،‬حزمت حقائبها ولوحت لقطار‬ ‫رجل ج��اء‪ ..‬وربما ذهب بالحياة معه إلى عالمه‬ ‫الرحلة األخيرة ليحملها حيث ال عودة‪.‬‬ ‫الذي رحل إليه وربما ذهب بأسئلتنا وكل اندهاشنا‬ ‫بعد رحيله لن يبقى إال ٌ‬ ‫بعض من عطره‪ ..‬والكثير معه‪.‬‬

‫< شاعرة وإعالمية عربية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪91‬‬


‫منير نايفة‬

‫أعجوبة العلم والعلماء‬

‫أول من جنح في حتريك الذرات‬ ‫> إعداد محمود عبدالله الرمحي‬

‫<‬

‫ُ��در عدد سكان قرية شويكة بفلسطين عام ‪2003‬م نحو ‪ 7000‬نسمة‪ ،‬وهناك‬ ‫ق ِّ‬ ‫اآلالف من المغتربين من القرية يعيشون في كثير من الدول العربية واألجنبية‪ .‬يوجد‬ ‫في القرية ثالثة مساجد وأربع مدارس حكومية‪ ،‬وأغلب سكانها متعلمون؛ أنتجت (‪)22‬‬ ‫دكتورا في العلوم‪ ،‬من بينهم أربعة أبناء لتاجر زيت الزيتون حسن نايفة وهم‪:‬‬ ‫‪ -1‬علي حسن نايفة‪ :‬ويشغل اآلن منصب أستاذ الهندسة الميكانيكية في جامعة‬ ‫فرجينيا‪.‬‬ ‫‪ -2‬عدنان حسن نايفة‪ :‬أستاذ الهندسة الميكانيكية والطيران في جامعة سينسيناتي‬ ‫في أوهايو‪ .‬ويشغل اآلن رئيس جامعة الزرقاء األهلية في األردن‪.‬‬ ‫‪ -3‬منير حسن نايفة‪ :‬أستاذ الفيزياء التجريبية في جامعة إيلينوي‪.‬‬ ‫‪ -4‬تيسير حسن نايفة‪ :‬أستاذ الهندسة الصناعية في جامعة كليفالند‪.‬‬

‫وتعود بي الذاكرة‬ ‫أثناء تصفحي على اإلنترنت صفحات العلم والعلماء والباحثين واألدب��اء‪ ..‬وقفت‬ ‫طويال عند بعضها‪ ..‬ودارت بي الدنيا لتعود بي الذاكرة إلى الوراء‪ ..‬وإلى ��ا يربو عن‬

‫‪92‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫خمسين عاما‪ ..‬تذكرت‬ ‫ذل�������ك ال�����ح�����ي ال�����ذي‬ ‫ع���ش���ت ف����ي����ه‪ ..‬وع��ل��ى‬ ‫مسافة ثالثمائة متر‬ ‫فقط م��ن بيتنا‪ ،‬كانت‬ ‫ت���ج���اورن���ا أس����رة ال��ع��م‬ ‫أبوعلي نايفـة‪ .‬تذكرت‬ ‫ح����ي ال���ش���ـ���رف���ة أح��ـ��د‬ ‫أحياء مدينة البيرة ‪-‬‬ ‫المدينة التوأم لمدينة‬ ‫رام الله‪ -‬والمدرسة‬ ‫ال��ه��اش��م��ي��ة ال��ث��ان��وي��ة‬

‫قرية شويكة من أعمال طولكرم مسقط رأس العالم نايفة‬

‫التي أمضيت فيها سنوات دراستي كلها؛ تذكرت‬ ‫األحبة من الزمالء الطالب الذين كانوا معي في‬ ‫الصف نفسه‪ ،‬أو ممن سبقتهم أو سبقوني بسني‬ ‫الدراسة‪ .‬تذكرت منير نايفة وذهابنا ومجيئنا يوميا‬

‫وعربي‪ ،‬استطاع أن يحقق ما يبدو ضرباً من الخيال‬ ‫العلمي‪ ..‬الكتــابة بالــذرات‪.‬‬ ‫والحديث في حقه قليل‪..‬‬ ‫ولد «نايفة» في ديسمبر من عام ‪ 1945‬بقرية‬

‫سيراً على األقدام من وإلى الهاشمية الثانوية قلعة «اشويكة« ناحية طولكرم الفلسطينية ثم انتقل مع‬ ‫أسرته إلى بلدة البيرة حيث أكمل دراسته االبتدائية‬ ‫العلم الراسخة‪.‬‬ ‫ذك��ري��ات جميلة‪ ..‬وأجمل منها ما وصلت إليه‬ ‫تلك الصحبة الخيرة من أمثال منير نايفة‪ ،‬من علم‬ ‫ومقام مرموق‪.‬‬

‫منير حسن نايفة‬ ‫عالم فلسطيني يكشف‬ ‫أسرار الذرة‬ ‫عَ ل َم من أعالم الريادة في حقل‬ ‫ال���ذرات‪ ،‬أع��اد األم��ل في أن أهل‬ ‫ال��ض��اد ق����ادرون على مَ��س��ك راي��ة‬ ‫العلم والتفوق من جديد‪.‬‬ ‫ه����و ع���ال���م ف��ـ��ي��زي��ائ��ي م��س��ل��م‬

‫واإلعدادية قبل أن يغادرها إلى األردن الستكمال‬ ‫دراسته الثانوية‪ ،‬ثم إلى لبنان للحصول على درجة‬

‫البكالوريوس من الجامعة األمريكية ببيروت عام‬

‫إن��������������������ه ال���������ع���������ال���������م‬ ‫الفلسطيني البروفسور‬ ‫«منير حسن نايفة» أحد‬ ‫أب�����رز ع��ل��م��اء ال��ف��ي��زي��اء‬ ‫ف����ي ال����ق����رن ال��ع��ش��ري��ن‪،‬‬ ‫ال������ذي وض�����ع ي�����ده ع��ل��ى‬ ‫مفاتيح ال����ذرة‪ .،‬فقررت‬ ‫أن ت��ب��وح ل��ه ب��أس��راره��ا‪.‬‬

‫‪1968‬م‪ ،‬ثم الماجستير في الفيزياء‬ ‫عام ‪1970‬م‪.‬‬ ‫حاز على الدكتوراه في الفيزياء‬ ‫من جامعة ستانفورد عام ‪1974‬م‪.‬‬ ‫خ���دم ك��زم��ي��ل م��ا ب��ع��د دك���ت���وراه‪،‬‬ ‫وفيزيائيّ البحث ف��ي معمل» أوك‬ ‫ري��دج القوميّ » من ‪1977-1974‬م‪,‬‬ ‫وكمحاضر في جامعة يال في عام‬ ‫‪1977‬م‪ ,‬قبل االن��ض��م��ام إل��ى كلّيّة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪93‬‬


‫الفيزياء في جامعة إيلينوي عام ‪1978‬م‬

‫(‪.)1‬‬

‫وأثناء عمله بمعامل ستانفورد كاليفورنيا‪ ،‬وجهه‬

‫إلى ذروة المجد‬ ‫عمل نايفة في الفترة من عام ‪1977‬م وحتى عام‬

‫أستاذه لدراسة ذرة الهيدروجين‪ ،‬أبسط العناصر ‪1979‬م باحثا فيزيائيا بمعامل أوج – رج بجامعة‬ ‫الكيميائية الموجودة في الطبيعة باستخدام أشعة كنتاكي‪ ،‬ثم التحق في نهاية هذه الفترة عام ‪1979‬م‬

‫الليزر؛ أمال في الوصول إلى المزيد من األسرار بجامعة الينوى‪ .‬وهو العام ذاته الذي شهد حصوله‬ ‫ال��ت��ي م��ا زال���ت تستعصي ع��ل��ى ال��ع��ل��م التجريبي على جائزة البحث التصنيعي في الواليات المتحدة؛‬ ‫بخصوص ه��ذه ال��ذرة‪ .‬وحصل بالفعل نايفة على حيث تم تأسيس مؤتمر سنوي يعرض آخر التطورات‬

‫درج��ة الدكتوراه في حقل الفيزياء الذرية وعلوم والتطبيقات في ابتكاره‪.‬‬ ‫الليزر‪.‬‬

‫البداية‬

‫ أصدر العديد من المؤلفات العلمية وحاز على‬‫كثير من الجوائز‪.‬‬

‫يعود حب نايفة للعلم إل��ى فترة الطفولة؛ فما ‪ -‬حصل على مائة جائزة في أبحاث صناعية‪.‬‬

‫زال يتذكر إلى أي مدى كان شغوفا بصناعة أجهزة ‪ -‬عضو مسجل ومعتمد في موسوعات أمريكية‬ ‫ال���رادي���و (ال��م��ذي��اع)‪ ،‬وي��ع��ده��ا ه��واي��ت��ه المفضلة‪،‬‬ ‫ويقضي كثيرا من الوقت في القراءة عنها‪ ،‬ويذهب‬

‫ع��ل��م��ي��ة ف���ي م���ج���ال االك���ت���ش���اف ف���ي ال��ت��ق��ن��ي��ة‬ ‫المعاصرة‪.‬‬

‫إلى السوق ومحالت األدوات الكهربائية ليشتري ‪ -‬ع��ض��و رئ��ي��س��ي م��س��ج��ل وم��ع��ت��م��د ف���ي جماعة‬ ‫الهوائيات لكي يتم عمله ال��ذي طالما أحبه وهو‬ ‫المستشارين التقنيين‪.‬‬ ‫بداية الطريق الذي أوصله ليصبح عالما كبيرا‪.‬‬

‫م��ا زال يتذكر س��ن��وات ال��دراس��ة ف��ي المرحلة‬ ‫الثانوية‪ ،‬وأستاذيه سليمان وداود العبيدي‪ ،‬وكيف‬ ‫كانت معاملتهما له أشبه بالعالقة التي تربط بين‬ ‫مجموعة من األصدقاء‪ ،‬وليست مجرد عالقة بين‬

‫ عضو مسجل ومعتمد بقائمة أصحاب االنجازات‬‫المميزة‪.‬‬

‫علم (النانو تكنولوجي)‬ ‫يقوم هذا العلم بصناعة هياكل وآالت مجهرية‬

‫األستاذ وتلميذه‪ ،‬وذلك على الرغم من أنه كان ما تبنى بالذرات لتدخل إلى تجويف األجسام وتسير‬ ‫يزال تلميذا وشابا صغيرا‪ .‬وفى الجامعة األمريكية مع السوائل وهي تمثل جز ًء واحداً من المليار‪.‬‬ ‫ببيروت كان للدكتور أنطون أصالن ‪-‬الفلسطيني‬

‫ومنير نايفة عالم فيزيائي أح��دث ث��ورة علمية‬

‫األصل‪ -‬أكبر األثر في حبه للفيزياء‪ ،‬وهو ما دفعه في علم النانو‪ ،‬عندما أستطاع أن يحرك الذرات‬ ‫للتخصص فيها على عكس ما كان سائدا في ذلك ال��م��ن��ف��ردة ذرة ذرة‪ ،‬فقد تمكن ف��ي التسعينيات‬ ‫الوقت من أن توجّ ه الطلبة لدراسة التخصصات بواسطة الذرات رسم صورة تمثل القلب والحرف‬ ‫التطبيقية كالهندسة والطب‪.‬‬ ‫اإلن��ج��ل��ي��زي ‪ P‬وتناقلت وك���االت األن��ب��اء ال��ص��ورة‪،‬‬

‫‪94‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫وذك��رت المجلة البريطانية واسعة االنتشار‬ ‫«نيوساينتست «أن نايفة اخ��ت��ار ال��ح��رف ‪P‬‬ ‫ألن���ه يمثل ال��ح��رف األول م��ن ك��ل��م��ة» فيزياء‬ ‫‪ Physics‬باإلنجليزية تعبيرا عن حبه للفيزياء‬ ‫التي تعد أم العلوم‪ .‬إال أن البعض يقول إن‬ ‫منير نايفة يقصد بالقلب والحرف ‪« P‬أحب‬ ‫فلسطين» ‪ Palestine‬ولكن لم يصرح بذلك‬ ‫تجنباً الستفزاز األوساط اليهودية ذات النفوذ‬ ‫العلمي‪ ،‬فيحرم من الترشيح لجائزة نوبل التي‬ ‫يستحقها‪.‬‬ ‫وي������رى ال���ع���ل���م���اء أن ه�����ذا ال���ك���ش���ف م��ن‬ ‫االكتشافات الثورية التي أتاحت‬ ‫للعلم ال��دخ��ول إل���ى منطقة لم‬ ‫يسبق له الدخول فيها من قبل‪،‬‬ ‫ويمكن استنتاج تلك القفزة التي‬ ‫سيحققها ذلك العلم من خالل‬ ‫المقارنة بـ»المايكروتكنولوجي»‬ ‫التي أنتجت أج��ه��زة الكمبيوتر‬ ‫وال��ت��ران��زي��س��ت��ور وك���ل ال��م��ع��دات‬ ‫اإللكترونية الحالية‪.‬‬ ‫وفى هذا اإلطار يشير الكتاب‬ ‫السنوي الصادر عن الموسوعة‬

‫نايفة يرصد الذرات المفردة بالليزر داخل معمله عام‪1977‬م‬

‫في علم الكيمياء يدعى «كيمياء ال��ذرة المنفردة»‬

‫تحطيم الذرات أنتج الطاقة‬ ‫النووية والقنابل الذرية‪ ،‬ماذا‬ ‫يمكن أن يحدث ل��و استطعنا‬ ‫ب������دال م�����ن ت���ف���ج���ي���ر ال��������ذرات‬

‫بوست» فإنه يؤسس لفرع جديد‬

‫هذا اإلنجاز بناء أجهزة ومعدات‬

‫مواقعها وإع���ادة ترتيبها كما‬ ‫ن���ش���اء؟ ه����ذا ال���س���ؤال ط��رح��ه‬

‫جسم اإلن��س��ان‪ ،‬وال��س��ي��ر داخ��ل‬

‫عام ‪1959‬م ريتشارد فينمان‪،‬‬ ‫ال����ذي ي��ع��د م��ن أع��ظ��م علماء‬ ‫الفيزياء في القرن العشرين‪.‬‬

‫ت��ق��ن��ي��ة ن��اي��ف��ة س����وف ت��زي��د من‬

‫وكما ذكرت صحيفة «واشنطن‬

‫أمامها سنوات طويلة؛ حيث يتيح‬

‫ذرات بما يمكنها من الولوج في‬

‫نوبل في الفيزياء أن يتوصل‬

‫الطرق التقليدية‪.‬‬

‫األمراض التي وقف العلم عاجزا‬

‫ال��ت��ح��ك��م ب��ح��رك��ت��ه��ا وت��غ��ي��ي��ر‬

‫البريطانية «بريتانيكا» إل��ى أن‬

‫مليون و‪ 10‬آالف مليون مرة على‬

‫سوف تسهم في عالج العديد من‬

‫مجهرية ال يزيد حجمها عن عدة‬

‫ول��م يتوقع فينمان ال��ذي نال‬

‫كفاءة أداء اآلالت ما بين ‪100‬‬

‫ال��ذي يمهد ب��دوره لطفرة طبية‬

‫العلماء إل��ى طريقة لتحريك‬ ‫الذرات إال في مستقبل بعيد‪.‬‬ ‫ل���ك���ن ب���ع���د أق�����ل م����ن ع��ق��دي��ن‬ ‫استطاع منير نايفة أن يحرك‬ ‫الذرات المنفردة ذرة ذرة‪.‬‬

‫الشرايين والوصول إلى أعضائه‬ ‫ال��داخ��ل��ي��ة‪ .‬وت��ت��ج��اوز تطبيقات‬ ‫هذا الكشف مجاالت الطب إلى‬ ‫الهندسة الصناعية والعسكرية‬ ‫وح��ت��ى التكنولوجيات ال��ن��ووي��ة؛‬ ‫حيث يتوقع أن تسهم في تطوير‬ ‫أجهزة رص��د جوية الستكشاف‬ ‫المعادن واأللغام األرضية‪ .‬ويعلق‬ ‫بعض العلماء اآلم��ال عليها في‬ ‫رصد جسيمات «كوارك» الخفية‬ ‫التي من المفترض أن تسهم في‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪95‬‬


‫حل بعض ألغاز الكون‪.‬‬

‫ويهدف الموقع الذي أطلقته جامعة الملك سعود‬

‫بعد وصوله يو آي يو سي‪ ,‬طوّر األستاذ نايفة‬ ‫برنامجً ا تجريب ًيّا نشيطً ا لدراسة المتعدّ د الفوتونات‬ ‫(غير مستقيم) فصل الجزيئات كوسائل لتحسين‬ ‫انتقاء الفصل‪.‬‬ ‫كان األوّل لتبيين فصل النّظائر باستخدام هذه‬ ‫أيضا كان الفيزيائيّ األوّل الختبار سلوك‬ ‫العمليّة‪ً .‬‬ ‫جزيئات الهيدروجين في مجاالت اللّيزر الشّ ديدة‪,‬‬ ‫وعمله اإلبداعيّ في هذه المنطقة بدأ منطق َة بحث‬ ‫بالكامل وجديد ًة في انفجارات كولوم الجزيئيّة‪.‬‬ ‫وفي السنوات القليلة الماضية‪ ,‬تابع األستاذ منير‬ ‫نايفة برنامجين في البحث منفصلين (‪ )2‬وهما‪:‬‬ ‫‪ -1‬برنامج نظريّ يركّز فيه على دور الدّ يناميكا‬ ‫الفوضويّة الكالسيكيّة في ذرّات الهيدروجين‪.‬‬

‫أخيرا إلى شراكة مجتمعية لبناء مجتمع المعرفة‬ ‫في السعودية‪.‬‬

‫وأستاذ غير متفرغ في «معهد النانو»‬ ‫وكان الدكتور منير نايفة قد زار جامعة الملك‬ ‫سعود‪ ،‬حيث استقبله مدير الجامعة والدكتور على‬ ‫الغامدي المشرف على برنامج النانو في الجامعة‬ ‫وأع��ض��اء ال��ب��رن��ام��ج‪ ،‬ال��ذي��ن ع��ق��دوا اج��ت��م��اع��ا مع‬ ‫الدكتور نايفة بهدف التحالف مع جامعة إلينوي في‬ ‫تطبيقات النانو‪.‬‬ ‫وأطلع مدير جامعة الملك سعود العالم نايفة‬ ‫على برنامج خ��ادم الحرمين الشريفين ألبحاث‬ ‫(النانو) ��ي الجامعة ال��ذي دعمه بتبرع شخصي‬ ‫كريم بمبلغ وقدرة ‪ 12‬مليون ريال‪ ،‬إلى جانب شرح‬

‫‪ -2‬البرنامج التّجريبيّ الذي سمّاه الكتابة بالذّ رّات‪ ,‬مزايا البرنامج والتي تتضمن إنشاء معهد خادم‬ ‫ك��ان نايفة المسؤول عن مفهوم ه��ذا التكنيك الحرمين الشريفين ألبحاث التقنيات المتناهية‬ ‫المبتكر وتطويره‪.‬‬

‫الصغر (النانو)‪.‬‬

‫نايفة ي��ش��ارك جامعة الملك س��ع��ود في‬

‫وات��ف��ق��ت الجامعة م��ع ال��ع��ال��م ن��اي��ف��ة‪ ،‬أن يكون‬

‫(‪)3‬‬

‫أستاذاً غير متفرغ في هذا المعهد؛ بهدف توطين‬

‫دش��ن ال��دك��ت��ور عبدالله العثمان مدير جامعة‬

‫التطورات الحديثة في ه��ذه التقنية‪ ،‬ونقل خبرة‬

‫تدشين «كراسي البحث» على اإلنترنت‬

‫الملك سعود بمشاركة الدكتور منير نايفه‪ ،‬عالم‬

‫جامعة إلينوي في هذا الشأن إلى جامعة الملك‬

‫تقنية النانو المشهور وأستاذ الفيزياء في جامعة سعود‪ ,‬من خالل برنامج بحثي يشارك فيه الدكتور‬

‫إلينوي األمريكية‪ ،‬أخيرا‪ ،‬موقع برنامج «كراسي‬

‫نايفه مع الباحثين السعوديين المتخصصين في‬

‫البحث» على شبكة اإلنترنت‪ .‬والذي أطلقته جامعة‬

‫تقنية (ال��ن��ان��و)‪ ،‬إض��اف��ة إل��ى ت��ب��ادل الخبرات بين‬

‫الملك سعود‪.‬‬

‫الجامعتين‪.‬‬

‫< كاتب وشاعر أردني مقيم في السعودية‪.‬‬ ‫ال عن صفحته في الشبكة المعلوماتية‪.‬‬ ‫(‪ )2 ،1‬نق ً‬ ‫(‪ )3‬االقتصادية ‪1428/05/21 -‬هـ‬

‫‪96‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫من روائع البيان في حديث القرآن عن الدابة‬ ‫> الدكتور‪ /‬عبداحلميد خميس الديب‬ ‫الحمد لله الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا‪ ،‬والصالة والسالم على‬ ‫نبيه ومصطفاه محمد بن عبدالله الرحمة المهداة والنعمة المسداة وعلى اله وصحبه‬ ‫ومن وااله‪ ,‬وبعد‪:‬‬ ‫فإن الله تعالى أمر بتالوة القرآن الكريم وتدبر آياته‪ ،‬ونبّه إلى أنه القول الفصل‬ ‫والحجة البيّنة والذكر الحكيم‪ ،‬ونزهه عن الريب والعوج واالختالف والهزل‪.‬‬ ‫وان كالماً هذا شأنه وتلك منزلته ال يثقف محاسن أنواره إال أولو البصائر الحية‪ ،‬وال‬ ‫يقطف أطايب ثماره إال أصحاب األيدي الزكية‪ ,‬وال ينال منافع شفائه إال أرباب النفوس‬ ‫النقية‪.‬‬ ‫جعلنا الله ‪ -‬سبحانه – ممن تولى هدايته حتى بلغ هذه المنزلة وخوّله هذه المكرمة؛‬ ‫فإنه من يهد الله فهو المهتد‪ ،‬ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا‪.‬‬ ‫هذه تأمالت بالغية متأنية اتخذت «من الدابة في القرآن الكريم» موضوعاً لها‪ ,‬وكان‬ ‫الحافز إلى ذلك معرفة الفروق األسلوبية بين الصياغات والنعوت التي وردت هذه اللفظة‬ ‫القرآنية في إطارها‪ :‬حيث تقرن تارة بألفاظ الشمول‪ ,‬وتارة تقيد بكونها في األرض أو من‬ ‫األرض‪ ,‬وثالثة تضاف إلى األرض‪ ,‬وكل ذلك وغيره وراءه مزايا وأسرار سنحاول – بعون‬ ‫الله تعالى – الكشف عن شيء منها‪.‬‬ ‫وحديث القرآن الكريم عن «الدابة» ورد في أربعة مقامات رئيسة بيانها كالتالي‪:‬‬ ‫أوالً‪ :‬ما ورد في مقام االستدالل على األلوهية والوحدانية‪ ,‬وعن ذلك قوله سبحانه «ولله‬ ‫يسجد ما في السماوات وما في األرض من دابة والمالئكة وهم ال يستكبرون»‬ ‫(النحل‪.)49 :‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪97‬‬


‫ثانياً‪ :‬ما ورد في مقام بيان كمال القدرة اإللهية‬ ‫وحسن التدبير وشمول العلم‪ ,‬ومن ذلك قوله‬ ‫سبحانه {وما من دابة في األرض وال طائر‬ ‫يطير بجناحيه إال أمم أمثالكم‪( }..‬األنعام‪:‬‬ ‫‪.)38‬‬

‫التوكيد‪ ،‬ونكتته البالغية أن الخبر الوارد في اآلية‬ ‫الكريمة غريب عند المخاطبين ومظنة إنكار‬ ‫منهم‪ ،‬ول��ذا فهو حقيق بالتأكيد ال��ذي يتضمنه‬ ‫الوصف بقوله‪« :‬في األرض» كقوله تعالى‪{ :‬وما‬ ‫من دابة في األرض وال طائر يطير بجناحيه إال‬ ‫أمم أمثالكم‪( }..‬األنعام‪.)38 :‬‬

‫ذل��ك قوله تعالى‪{ :‬وإذا وق��ع ال��ق��ول عليهم‬ ‫أخرجنا لهم دابة من األرض تكلمهم أن الناس‬ ‫كانوا بآياتنا ال يوقنون‪( }..‬النمل‪.)82 :‬‬

‫ وردت «دابة» مضافة إلى األرض في موضع واحد‬‫هو قوله سبحانه {فلما قضينا عليه الموت ما‬ ‫دلهم على موته إال دابة األرض تأكل منسأته‪}..‬‬ ‫اآلي���ة (س��ب��ا‪ .)14 :‬وف���ى ه���ذه اإلض��اف��ة تفخيم‬ ‫للدابة‪ .‬ومعناها أن ال داب��ة ل�لأرض غيرها لما‬ ‫أفادته من العلم‪ ,‬وألن كونها تأكل من كل شيء‬ ‫من أج��زاء األرض من الخشب والحجر والتراب‬ ‫والثياب وغير ذلك‪ ،‬أحق الدواب بهذا االسم‪.‬‬

‫ ورد ل��ف��ظ «ال���داب���ة» م��ف��رداً ف��ي ال��ق��رآن الكريم‬‫في أربعة عشر موضعاً‪ ،‬وورد جمعها في أربعة‬ ‫مواضع‪.‬‬

‫ وردت «داب��ة» نكرة موصوفة بـ «من األرض» في‬‫موضع واحد هو قوله سبحانه‪{ :‬وإذا وقع القول‬ ‫عليهم أخرجنا لهم دابة من األرض‪( }..‬النمل‪:‬‬ ‫‪ ،)82‬وه���ى ال��ج��س��اس��ة ف��ي م��ق��ام ب��ي��ان اش���راط‬ ‫الساعة ال��ت��ي م��ن بينها ال��داب��ة ال��ت��ي ت��خ��رج من‬ ‫األرض‪ .‬وفى التعبير عنها باسم الجنس وتأكيد‬ ‫إبهامه بالتنوين التفخيمي داللة على غرابة شأنها‬ ‫وخ���روج أوص��اف��ه��ا ع��ن ط��ور ال��ب��ي��ان‪ ،‬إذ ستتكلم‬ ‫الناس على الرغم من أن الدواب ال تتكلم‪ ,‬واألصل‬ ‫أال يفهمها الناس‪ ,‬ولكنهم العوام يفهمون ويعلمون‬ ‫أنها الخارقة المنبهة باقتراب الساعة‪.‬‬

‫ثالثاً‪ :‬ما ورد في مقام بيان حلمه تعالى على عباده‬ ‫وحكمته ف��ي اإلم��ه��ال دون اإله���م���ال‪ ,‬وم��ن ‪ -‬إيراد «دابة» نكرة وواقعة في سياق النفي كقوله‬ ‫ذلك قوله سبحانه‪{ :‬ولو يؤاخذ الله الناس‬ ‫تعالى‪{ :‬وم��ا من داب��ة في األرض إال على الله‬ ‫بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم‬ ‫رزقها‪( }..‬هود‪ )6 :‬يفيد استغراق جنس الدابة‬ ‫إلى أجل مسمى‪( }..‬النحل‪.)61 :‬‬ ‫التي في األرض‪ :‬أي كل دابة في األرض لعاقل أو‬ ‫غير عاقل‪.‬‬ ‫رابعا‪ :‬ما ورد في مقام بيان اش��راط الساعة‪ ,‬من‬

‫وتلك بعض النقاط الرئيسة التي تمخضت عن‬ ‫ه��ذه ال��ت��أم�لات البيانية‪ ،‬أقدمها بين ي��دي القارئ‬ ‫العزيز في تواضع واستحياء أم��ام عظمة األسلوب‬ ‫القرآني الذي بلغ من اإلعجاز غايته فاستوت أمامه‬ ‫أقدام البلغاء في العجز‪:‬‬

‫– الدابة في اللغة‪ :‬تطلق على كل نسمة حية ذكراً‬ ‫كانت أم أن��ث��ى‪ ,‬عاقلة أم غير عاقلة‪ ,‬غير أنها‬ ‫حقيقة في البعض ومجاز ا في البعض اآلخر‪.‬‬ ‫– إذا سبقت ال���داب���ة بلفظ «ك���ل» أف����ادت العموم‬ ‫وال��ش��م��ول‪ ,‬ك��ق��ول��ه ت��ع��ال��ى‪{ :‬وب���ث فيها م��ن كل‬ ‫دابة‪( }»..‬البقرة‪.)164 :‬‬

‫– إذا وصفت الدابة بقوله «في األرض» قصد بذلك‬ ‫إرادة التعميم بذكر اسم المكان الذي يحوي جميع ‪ -‬أكثر ورود «دابة» في القرآن الكريم في مقام بيان‬ ‫الدواب – وهو األرض ‪ -‬وهو وصف آيل إلى معنى‬ ‫كمال القدرة اإللهية على كل شيء وحسن تدبير‬

‫‪98‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫شؤون الخلق واالستئثار بعلم الغيب وشموله‪.‬‬ ‫ وم��ن مقامات وروده���ا االس��ت��دالل على األلوهية‬‫والوحدانية بخلقه سبحانه ‪ -‬كل ما ي��دب على‬ ‫األرض بعد أن لم يكن موجودا‪ ،‬ونشره في أجزائها‬ ‫على اختالف أنواع الدواب في األشكال والصفات‬ ‫واألحوال‪.‬‬

‫الذين كفروا فهم ال يؤمنون} (األنفال‪)55 :‬‬ ‫وهذا في مقام تقرير نفي اإليمان من الكفار‬ ‫م��ع أن دع���وة اإلس�ل�ام أظ��ه��ر م��ن ال��دي��ان��ات‬ ‫السابقة ومعجزاته [ أظهر‪ ،‬وألن الداللة‬ ‫على أحقية اإلسالم عقلية بيّنة‪ ،‬فمن يجده‬ ‫فهو أشبه بما ال عقل له‪.‬‬ ‫ثالثها‪ :‬في قوله تعالى‪{ :‬أل��م تر أن الله يسجد له‬ ‫من في السماوات ومن في األرض والشمس‬ ‫والقمر والنجوم والجبال والشجر وال��دواب‬ ‫وك��ث��ي��ر م��ن ال���ن���اس‪( }..‬ال��ح��ج‪ ,)18 :‬وه��ذا‬ ‫ف��ي مقام االس��ت��دالل على ان��ف��راده سبحانه‬ ‫باأللوهية إذ إن دالئل أحوال المخلوقات كلها‬ ‫عاقلها وجمادها شاهدة بتفرده – عز وجل ‪-‬‬ ‫باأللوهية ومن تلك الداللة شهادة على بطالن‬ ‫دعوة من يدعو من دون الله ما ال يضره وال‬ ‫ينفعه‪.‬‬

‫ ومن مقامات ورودها أيضاً بيان حلمه تعالى على‬‫عباده وإيضاح حكمته – سبحانه ‪ -‬في اإلمهال‬ ‫دون اإلهمال بتقرير قدرته التامة على استئصال‬ ‫كل أف��راد ال��داب��ة إذا قضى –سبحانه‪ -‬بتعجيل‬ ‫عقوبة الظالمين‪ ،‬لكنه –سبحانه‪ -‬يمهل وال‬ ‫يهمل‪ ،‬وتلك غاية الحكمة التي تصاحب القوة قمة‬ ‫الرحمة التي يصحبها العدل‪ ،‬وما أحوج بني آدم‬ ‫إل��ى فضل الله تعالى ورحمته‪ .‬وذل��ك مثل قوله‬ ‫تعالى‪{ :‬ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك‬ ‫على ظهرها م��ن داب��ة ولكن يؤخرهم إل��ى اجل‬ ‫رابعها‪ :‬في قوله تعالى‪{ :‬ومن الناس والدواب واألنعام‬ ‫مسمى‪( }..‬فاطر‪.)45 :‬‬ ‫مختلف ألوانه كذلك‪( }..‬فاطر‪ )27 :‬وهذا‬ ‫ االقتصار على ذكر لفظ «دابة» عند مؤاخذة الله‬‫وارد في سياق تقرير اختالف أحوال الناس‬ ‫تعالى الظالمين إيجاز بليغ؛ إذ إنه إذا كان الظلم‬ ‫إزاء م��ا ج��اءه��م ب��ه المرسلون م��ن البيّنات‬ ‫من الناس مفضياً إلى استئصال الدواب كان العلم‬ ‫مبشرين ومنذرين ببيان أن هذا التفاوت أمر‬ ‫ال بداللة‬ ‫بأنه مفض إلى استئصال الظالمين حاص ً‬ ‫مطرد في جميع مخلوقات الله عز وجل من‬ ‫االقتضاء‪.‬‬ ‫الناس والنبات والجماد والحيوان‪.‬‬ ‫ ورد لفظ «ال��دواب» جمعا في القرآن الكريم في‬‫هذا وتبقى الكلمة القرآنية الشريفة من سياقها‬ ‫أربعة مواضع‪:‬‬ ‫الذي اقتضاها بما تتضمنه من أسرار ومزايا غالبة‬ ‫أولها‪ :‬قوله تعالى‪{ :‬إن شر الدواب عند الله الصم مفحمة لكل مكابر يجادل في الله بغير علم وال هدى‬ ‫البكم الذين ال يعقلون} (األنفال‪ ,)22 :‬في وال كتاب منير‪.‬‬ ‫مقام التعريض بالذين قالوا سمعنا وهم ال‬ ‫والله الموفق‪ ،‬والحمد لله أوالً وآخراً‪.‬‬ ‫يسمعون‪ :‬حيث شبهوا بدواب صماء بكماء‪.‬‬ ‫رئيس قسم اللغة العربية بكلية التربية بجامعة‬ ‫ثانيها‪ :‬في قوله تعالى‪{ :‬إن شر ال��دواب عند الله الجوف‪.‬‬ ‫< رئيس قسم اللغة العربية بكلية التربية بجامعة الجوف‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪99‬‬


‫املعلمون في تراثنا العربي‪ :‬أخطار املهنة‬ ‫> الزبير مهداد‬

‫<‬

‫المعلم وصي على نقل العلوم ونشرها بين المتعلمين‪ ،‬وتنشئتهم ورعاية نموهم العقلي‪ ،‬وتنمية‬ ‫قدراتهم ومهاراتهم التواصلية واالجتماعية؛ فالتعلم والتعليم دعامتان أساسيتان لتوارث العلوم‬ ‫ونقلها وإثرائها‪ ،‬وإعادة اإلنتاج االجتماعي‪ ،‬وتنشئة األجيال وإدماجها في المجتمع‪ .‬لذلك يعد العالم‬ ‫المعلم خير من العالم لذاته‪.‬‬ ‫وعلى مر العصور‪ ،‬كان يتصدر تعليم الناس وتدريسهم رجال وقفوا أنفسهم لهذه المهمة وتسموا‬ ‫والمؤدّب والمفيد‪ ،‬والمعيد‪ ،‬والمكتب؛‬ ‫ِ‬ ‫معلمين‪ ،‬وهم أنواع؛ فهناك معلم المكتب‪ ،‬ومعلم المدرسة‪،‬‬ ‫ولكل واحد من هؤالء اختصاصات ووظائف تختلف عن اآلخرين‪.‬‬ ‫فمعلم المكتب كان يتصدر لتعليم الصبيان في المكاتب الخصوصية أو التي يقيمها الوالة‬ ‫واألعيان‪ ،‬وكان كثير من الناس ممن يتوسمون في أنفسهم القدرة واألهلية لذلك يمتهنون هذه‬ ‫المهنة‪ ،‬التي كانت تتطلب شروطا بسيطة‪ ،‬وهي قراءة القرآن ومعرفة العربية ومبادئ الدين‪ .‬وكانوا‬ ‫يكترون حوانيت يتخذونها مكاتب يستقبلون فيها صبيان المسلمين‪ ،‬فيحفظونهم القرآن‪ ،‬ويعلمونهم‬ ‫مبادئ القراءة والكتابة‪ ،‬مقابل أجر مالي يدفعه اآلباء؛ بينما في مكاتب السبيل التي ينشئها األمراء‬ ‫والوالة‪ ،‬كان تعيين المعلم يتم من طرف الوالي أو ناظر الوقف‪ .‬وكان المعلم يتولى تعليم الصبيان‬ ‫القرآن خاصة والعلوم األخرى‪ ،‬أما الخط والكتابة ففي أكثر األحيان كان يكلف بها معلم خاص‬ ‫يسمى ال ُم َك ِتّبُ ‪.‬‬ ‫ولم تكن هذه المهنة على الرغم من كثرة اإلقبال عليها سهلة يسيرة كما قد يبدو للوهلة األولى‪،‬‬ ‫فقد كانت محفوفة بالمصاعب‪ .‬ومن أوالها ما وضعه الفقهاء وسدنة العلم من شروط للراغب في‬ ‫امتهان الحرفة‪ ،‬ومنها أال يكون عزبا وال شابا‪ ،‬بل يكون شيخا محصنا خيّرا‪ ،‬وأن يكون من أهل‬ ‫الصالح والتقوى والعفة واألمانة‪ ،‬أن يكون حافظا لكتاب الله تعالى‪ ،‬حسن الخط‪ ،‬يعرف الحساب‬ ‫وغير ذلك من الشروط العديدة‪ ،‬وكان يعهد للمحتسب بمراقبتهم في عملهم‪ ،‬التأكد من احترامهم‬ ‫آلداب المهنة واألخ�لاق العامة؛ ما كان يشكل تهديدا أم��ام كثير من معلمي المكتب بالمنع من‬ ‫التدريس وقطع باب الرزق‪ ،‬أما معلمو مكاتب السبيل‪ ،‬فكانوا أحسن حاال للمرتب الذي يعود عليهم‬ ‫من ريع األوقاف المحبسة على المكتب‪ ،‬ولعدم ارتباطهم المباشر باآلباء واستقاللهم عنهم‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من ذل��ك فقد كانوا موضوعا للنوادر والحكايات الطريفة في التراث العربي‪،‬‬ ‫وأشهر من صنف في ذلك الجاحظ‪ .‬وتصور هذه الكتابات تواضع معرفتهم وضعف تكوينهم العلمي‬ ‫وفقرهم وتعسف الصبيان بهم‪ ،‬تناقلتها كتب عديدة‪ ،‬وهي طرائف كثيرة وثقيلة يضيق المجال‬ ‫بذكرها؛ وقد حاول بعض األدباء االنتصار لهم واإلشادة بمكانتهم االجتماعية وما تضفيه عليهم‬ ‫‪ 100‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫غاية القبض‪ ،‬فاستدعاه السلطان وطيب خاطره وقال‬ ‫له أن��ا أم��رت بذلك حتى تعلم ما عندك من العلم وما‬ ‫عند الناس‪ ،‬وتعلم أن دار الغرب هي كعبة كل قاصد‪،‬‬ ‫فال يجب أن تتكل على حفظك وتقتصر على ما حصل‬ ‫عندك‪ ،‬وال يمنعك ما أنت فيه من التصدي عن مالقاة‬ ‫كل من ي��رد من العلماء والتنزل لهم لألخذ عنهم‪ ،‬وال‬ ‫يقدح ذلك في رتبتك عندنا إن شاء الله‪.‬‬

‫مهنتهم م��ن س��ط��وة وس��ل��ط��ة‪ ،‬وم��ن ذل��ك ق��ول المقري‪:‬‬ ‫(ال�لاح��ظ م��ا ق��ال الجاحظ ف��اع��ت��راض ال ي��رد وقياس‬ ‫ال يطرد‪ ،‬حبذا والله عيش التأديب‪ ،‬فال بالضنك وال‬ ‫بالجديب‪ ،‬معاهدة اإلحسان ومشاهدة الصور الحسان‪.‬‬ ‫يمينا إن المعلمين لسادة المسلمين‪ ،‬وإني ألنظر منهم‬ ‫كلما خطرت على المكاتب أمراء فوق المراتب‪ ،‬من كل‬ ‫مسيطر الدرة متقطب األسرة متنمر للوارد تنمر الهرة؛‬ ‫يغدو إلى مكتبه كاألمير في موكبه‪ ،‬حتى إذا استقل فى‬ ‫أما المؤدبون فهم معلمو أوالد الملوك واألمراء‪ ،‬يقول‬ ‫فرشه واستوى على عرشه وترنم بتالوة قالونه وورشه‪،‬‬ ‫الجاحظ‪( :‬ويستدل من نصائح األمراء والملوك للمؤدبين‬ ‫أظهر للخلق احتقارا وأزرى بالجبال وقارا ورفعت إليه‬ ‫أنهم ما قلدوهم أمور أبنائهم إال بعدما ارتفع إليهم في‬ ‫الخصوم ووقف بين يديه الظالم والمظلوم)‪.‬‬ ‫الخبر حالهم في األدب‪ ،‬وبعد أن كشفهم االمتحان وقاموا‬ ‫أما في المدارس التي هي أعلى مستوى من المكاتب على الخالص)‪ .‬وهكذا كانوا يختارون المؤدب بعد أن‬ ‫وكانت تدرس بها علوم شتى‪ ،‬فكان يعين عادة لكل علم من يستقصوا أخباره ويستفسروا عنه معارفه ثم يختبر‪ ،‬وإذا‬ ‫العلوم أستاذ ويساعده معيد أو أكثر‪ ،‬وأحيانا كان األساتذة وقع عليه االختيار وحظي بالقبول‪ ،‬فإنه ينال االحترام‬ ‫يرتبون في طبقات أعالها الصدر‪ ،‬هذا اللقب كان يمنح واإلج�ل�ال‪ ،‬ويحيطه لقب ال��م��ؤدب بإهاب من العظمة‪.‬‬ ‫ألئمة العصر ف��ي العلوم ويقصدهم األم���راء وال���وزراء فاللقب يعني سعة العلم والتمكن من اللغة والتبحر في‬ ‫ل�لإف��ادة منهم‪ ،‬وعليهم يتخرج النوابغ من المدرسين‪ .‬األخبار وغير ذلك‪.‬‬ ‫وهناك المفيد‪ ،‬الذي عليه قدر زائد من اإلفادة واإلفهام‪،‬‬ ‫فقد نقل المؤرخون أن طاهر بن الحسين حين سار‬ ‫ثم المدرس الذي يتصدر لتدريس العلوم‪ ،‬ثم المعيد الذي‬ ‫إلى خراسان نزل بمرو فطلب رجال يحدثه ليلة‪ ،‬فقيل‬ ‫هو أدنى رتبة من المدرس‪ ،‬ووظيفته تنحصر في إعادة‬ ‫ما ها هنا إال رجل مؤدب‪ ،‬فأدخلوا عليه أبا عبيد فوجده‬ ‫ال��درس للتالميذ بعد أن يلقيه المدرس ليفهموه‪ ،‬كما‬ ‫أعلم الناس بأيام الناس والنحو واللغة والفقه فقال له‬ ‫يساعدهم على حفظ الدروس ومراجعتها‪.‬‬ ‫من المظالم تركك أنت بهذه البلدة‪ ،‬فأعطاه ألف دينار‬ ‫ومن أوجه الصعوبات التي كانت تثقل كاهل المدرسين وقال له‪ :‬أنا متوجه إلى حرب‪ ،‬وليس أحب استصحابك‬ ‫المناظرات واالمتحانات‪ ،‬ومما يحكى في هذا الباب أن شفقا عليك فأنفق ه��ذه إل��ى أن أع��ود إليك فألف أبو‬ ‫الملوك كانوا ال يتوانون عن تنظيم مناظرات الختبار عبيد غريب المصنف وعاد طاهر بن الحسين من ثغر‬ ‫كفاءة المدرسين ومستواهم‪ ،‬وهو ما فعله السلطان أبو خراسان فحمل معه أبا عبيد إلى سر من رأى (سامراء)‬ ‫عنان المريني (ت‪ )1358 :‬الذي عين للتدريس بمدرسته وكان أبو عبيد ثقة ديّناً ورِ عاً كبير الشأن‪.‬‬ ‫المتوكلية الشيخ الصرصري‪ ،‬وكان تعيينه محل اعتبار‬ ‫وذكر آخرون أنه لما قدم محمد بن قحطبة الكوفة‬ ‫وتقدير من حاشية السلطان التي اقترحته لهذا المنصب‬ ‫العلمي الرفيع‪ ،‬ولما جلس الصرصري بالمدرسة واتسع فقال أحتاج إلى مؤدب يؤدب األوالد‪ ،‬حافظ لكتاب الله‬ ‫صيته‪ ،‬وجه إليه السلطان من يسأله في مسائل التهذيب عالم بسنة رس��ول الله وباآلثار والفقه والنحو والشعر‬ ‫ال��ت��ي ان��ف��رد بإتقانها وحفظها‪ ،‬فتوجه ال��س��ائ�لان إلى وأي��ام الناس‪ ،‬فقيل له ما يجمع ه��ذه األشياء إال داود‬ ‫الشيخ وطالباه بتحقيق ما أورده من المسائل عن ظهر الطائي‪ ،‬وكان محمد بن قحطبة بن عم داود‪ ،‬فأرسل إليه‬ ‫قلب على المشهور من حفظه‪ ،‬فانقطع انقطاعا فاحشا‪ ،‬يعرض ذلك عليه ويسنى له األرزاق والفائدة فأبى داود‪.‬‬ ‫وح��ف��ظ��ت ك��ت��ب ال��ت��اري��خ واألدب أس��م��اء ع���دد كبير‬ ‫ولما أضجره ذلك نزل عن كرسيه وانصرف كئيبا في‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪101‬‬


‫من المؤدبين ومنهم الضحاك بن مزاحم م��ؤدب أوالد عن المظالم‪.‬‬ ‫عبدالملك بن مروان‪ ،‬والصولي مؤدب األمين والمأمون‪،‬‬ ‫وفي كثير من األحيان كانت عالقة المؤدب باألمير‬ ‫والمفضل الضبي مؤدب المهدي‪ ،‬وعبد الملك بن المقفع ال تنتهي بسن محددة‪ ،‬بل كانت تستمر فيرتبط الطرفان‬ ‫مؤدب أوالد إسماعيل بن علي‪ ،‬والكسائي مؤدب الرشيد‪ ،‬بعالقات ود وصداقة وتناصح حتى بعد أن يكبر األمير‬ ‫وابن السكيت مؤدب أبناء المتوكل‪ .‬كانوا يتمتعون برغد ويتولى مقاليد األم���ور‪ ،‬مما يعرض ال��م��ؤدب لمخاطر‬ ‫العيش ويحظون بالتكريم الفائق‪ .‬فضال عن أن طبيعة فيذهب ضحية دسائس أو م��ؤام��رات‪ ،‬ومما يحكى في‬ ‫الوظيفة كانت تمنحهم فرصة اإلقامة في جناح خاص هذا الباب أنه بعد موت يزيد ومبايعة معاوية‪ ،‬توجه هذا‬ ‫بالقصر ليكون إشرافه على الصبي األمير أحكم وأشمل‪ ،‬األخير إل��ى معلمه ليسأله رأي��ه‪ ،‬فنصحه مؤدبه عمرو‬ ‫وتتاح له الفرصة لتعليم الصبي وتربيته عقليا ووجدانيا المقصص بالعدل أو االعتزال‪ ،‬فخطب معاوية في الناس‬ ‫واجتماعيا وسياسيا‪ ،‬فكانوا يعيشون بمنأى عن الحاجة معلنا اعتزاله واستقالته‪ ،‬فوثب بنو أمية على المؤدب‬ ‫والعوز والفقر‪.‬‬ ‫عمرو المقصص وقالوا له أنت علمته وأفسدته‪ ،‬ثم دفنوه‬

‫وم��م��ا ي���روى أن ه���ارون ب��ن زي���اد دخ��ل على ال��واث��ق‬ ‫فأكرمه غاية الكرم‪ ،‬فقيل له من هذا يا أمير المؤمنين‬ ‫ويعقوب بن السكيت النحوي األدي��ب كان قد ألزمه‬ ‫الذي فعلت به هذا الفعل‪ ،‬فقال هذا أول من فتق لسانى‬ ‫المتوكل تأديب ابنه المعتز‪ ،‬فلما جلس عنده قال له يا‬ ‫بذكر الله وأدنانى من رحمة الله‪.‬‬ ‫بني ب��أي ش��يء يحب األمير أن يبتدئ من العلوم‪ ،‬قال‬ ‫إال أن المؤدب لم يكن حرا في اختيار مواد التعليم أو باالنصراف‪ ،‬ق��ال اب��ن السكيت فأقوم‪ ،‬ق��ال المعتز أنا‬ ‫الكتب لألمير المتأدب إال بموافقة أهل الصبي‪ .‬فالمؤدب أخف نهوضا منك؛ فقام المعتز مسرعا فعثر بسراويله‬ ‫في عمله ملزم بإنفاذ البرنامج الذي يضعه األب‪ ،‬ويحكي فسقط فالتفت خجال فقال ابن السكيت‪:‬‬ ‫الصولي كيف كان موقف القصر منه حين اختار لألمير ي���ص���اب ال��ف��ت��ى م���ن ع���ث���رة ب��ل��س��ان��ه‬ ‫ال��راض��ي ب��ال��ل��ه وأخ��ي��ه ه����ارون ب��ع��ض ال��ك��ت��ب‪ ،‬فحجزت‬ ‫وليس يصاب المرء من عثرة الرجل‬ ‫وصودرت وأمر بأال يتجاوز تعليمهما الحدود التي رسمت‬ ‫ف���ع���ث���رت���ه ب���ال���ق���ول ت���ذه���ـ���ب رأس���ـ���ه‬ ‫له‪ ،‬وأن ينفذ ما طولب به إنفاذا حرفيا دقيقا‪.‬‬ ‫وع��ث��رت��ه ب��ال��رج��ـ��ل ت��ب��ري ع��ل��ى مهـل‬ ‫كما كان األدباء المربون معرضين للمخاطر المترتبة‬ ‫حيا حتى مات‪.‬‬

‫عن مخالطة ذوي السلطة‪ ،‬ولم يكونوا قادرين على دفع‬ ‫الدسائس التي كانت تحاك ضدهم وتستهدفهم‪ ،‬فلكل‬ ‫شيء ثمن‪ ،‬فهذا محمد بن عمران الضبي مؤدب المعتز‬ ‫كان قد سمى رج��اال للمعتز للقضاء نحو ثمانية رجال‬ ‫فيهم الخلنجي والخصاف وكتب كتبهم‪ ،‬فوقع فيه شفيع‬ ‫الخادم ومحمد بن إبراهيم بن الكردية وعبد السميع بن‬ ‫هارون بن سليمان بن أبي جعفر‪ ،‬وقالوا إنهم من أصحاب‬ ‫ابن أبي داود وهم رافضة وقدرية وزيدية وجهمية‪ ،‬فأمر‬ ‫المعتز بطردهم وإخ��راج��ه��م إل��ى ب��غ��داد ووث���ب العامة‬ ‫بالخصاف وخرج اآلخ��رون إلى بغداد وعزل الضبي إال‬ ‫< معلم وباحث من المغرب‬

‫‪ 102‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫فلما ك��ان من الغد دخ��ل على المتوكل فقال له قد‬ ‫بلغني البيتان وأمر له بخمسين ألف‪ ،‬ولكن لن يكتب البن‬ ‫السكيت أن يستمتع بهذا الرغد طويال‪ ،‬حيث ستؤدي‬ ‫عثرته بالقول إلى أن تذهب برأسه‪ ،‬إذ يحكي المؤرخون‬ ‫أن ابن السكيت كان يوما عند المتوكل فدخل عليه ابناه‬ ‫المعتز والمؤيد‪ ،‬فقال له يا يعقوب أيما أحب إليك ابناي‬ ‫هذان أم الحسن والحسين‪ ،‬فغض ابن السكيت من ابنيه‬ ‫وذكر محاسن الحسن والحسين‪ ،‬فأمر المتوكل األتراك‬ ‫فداسوا بطنه وحمل إلى داره فمات من الغد‪ ،‬ويقال أنه‬ ‫حمل ديته إلى أوالده‪.‬‬


‫النص الرقمي‬ ‫ّ‬ ‫> أشرف اخلريبي‬

‫<‬

‫كيف نستفيد من الثورة التقنية ومن النص المفتوح؟ وكيف نقرأ وعيها اآلني؟ كيف نشيد بناءنا‬

‫المتميز؟ وكيف نعيد لوجودنا وجوده؟!‬

‫أمام أسئلتنا التي تطرح تفاعلها وتنبئ عن إجابات شتى متخيلة أو جاهزة‪ ،‬علينا أن نتفهم موقعنا‬

‫في العالم كأدباء ومثقفين‪ ،‬ونتطلع بدورنا ومسؤوليتنا وأهمية وجودنا‪ ،‬وموقفنا من العالم حولنا‪،‬‬

‫في ظل طفرات نوعية‪ ،‬منها أدبية وفكرية واقتصادية تسيطر على الوجود اإلنساني في كثير من‬ ‫القضايا‪ .‬ليس مجرد التعبير هو الفعل الكافي‪ ،‬والذي علينا أن نمارس كونه في ضوء المعادالت‬

‫الكيميائية أو في الحديث عن الميتافيزيقيا‪ ،‬كي تتشكل معارفنا وتقدم نموذجها التعبيري‪ .‬ليت‬ ‫المسالة تقف عند حد النقاش والرأي والتعبير المجازي والرمزي والتصويري‪ ،‬إال أنها تمر من بين‬

‫أصابعنا كي تنفلت وتحدث تغيرا أخر ينبئ عن إضافة دور جديد للمثقف والكاتب؛ ذلك الدور الذي‬

‫غاب في زحام العالم وضجيج األخر‪ ،‬المتسلط بأيدلوجياته وأفكاره االستعمارية على وعينا أحيانا‪،‬‬ ‫وعلى مُقدراتنا‪.‬‬

‫ربما كانت المسألة كلها تكمن في إيماننا العميق والحقيقي بذلك الدور الذي يمكن أن نقوم به‪،‬‬

‫وتعظيم إمكانياته المعرفية في ظل التقنية الحديثة التي تسهم بشكل فاعل وكبير في وصول صوتنا‬ ‫الواحد إلى األخر‪ ،‬ووصول كياناتنا المختلفة إلى أكثر من مجرد قارئ عادي‪ ،‬حيث تتفاعل مجموعة‬ ‫كبيرة جدا من المتلقين على كل المستويات عبر التقنيات الحديثة‪ ،‬وتقرأ أصواتنا المختلفة وتقرر‬

‫بنفسها مدى حرصها على وجودنا ووجودها معنا أيضا‪ ،‬وم��دى ما يمكن أن نسهم به في حركة‬ ‫المجتمع الذي ينهض ويحاول في شتى المواقع أن يتفرد ويبنى كيانه الجديد بالقوة ذاتها التي‬

‫أسستها حضارتنا القديمة جدا؟‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪103‬‬


‫هل ما زال لحضارتنا وجودها األثري في وجداننا؟‬ ‫اإلجابة تصعب علينا أحيانا فنمضى تاركين وراءنا‬ ‫المفردات الهثة هنا وهناك‪ .‬ما زلت أومن بقوة اإلنسان‬ ‫العربي الشرقي وق��درات��ه وذك��ائ��ه ال��ف��ردي‪ ،‬كما أومن‬ ‫بقدراتنا الخالقة الوثابة على العطاء ودورن��ا الفاعل‬ ‫في واقعنا‪ ،‬أومن بالفعل بالتجربة والخبرة اإلنسانية‬ ‫التي تعكس مدى أهمية هذا الدور الذي ننشده‪.‬‬ ‫ولشد ما يهمني هنا في االستفادة القصوى من‬ ‫الثورة التقنية هو العمل الجاد والتناول المثمر الذي‬ ‫يجعل من أس��اس بنائنا عنصرا مهماً لحياتنا التالية‬ ‫على ما بها من متخيل ال ندرك كنهه‪ ،‬وعلى ما يمكن‬ ‫أن تجود به ثقافتنا‪ .‬المسألة تنبني في األساس على‬ ‫فهم عميق لما تحدثه ه��ذه ال��ث��ورة‪ ،‬التي ال شك أنها‬ ‫تتجاوز بمراحل هذا التبسيط المتصور على اعتبار أنه‬ ‫واقع افتراضي وحسب‪ ،‬وعلى اعتبار أن عالم الرقمية‬ ‫اختراع مثل التليفزيون والراديو‪.‬‬ ‫إنها في جانب كبير منه أكثر بكثير مما نتصور‪ ،‬وإن‬ ‫كانت االختراعات ستتوالى ال شك‪ ،‬غير أنها جميعا‬ ‫ستجعل م��ن الرقمية حجر زاوي���ة لها‪ ،‬وستجعل من‬ ‫وجوده بناء أساسيا لكافة تطوراتها بعد ذلك‪ ،‬والفرق‬ ‫كبير نظراً ألن الرقمية عالم افتراضي وحسب‪ ،‬تلك‬ ‫النظرة التي أراها‪ .‬لذا كان من المهم أن نقدم دورا أكثر‬ ‫ايجابية مما ننظر‪ ،‬وأن نوسع في دائرة عالمنا ونعطي‬ ‫أبعادا فاعلة ومثمرة‪ ،‬جادة لواقعنا الجديد على اعتبار‬ ‫أن الواقع االفتراضي في أحد جوانبه يقدم ما نريد أن‬ ‫نقول‪ ،‬ليس هذا فحسب‪ ،‬إنه يقدم محتواه في األساس‬ ‫ومعه ما نريد أن نقول‪.‬‬

‫فهل يجوز أن يكون هناك نصا رقميا؟‬ ‫وهل يمكن أن يكون نصا رقميا مُمكنا ومتاحا ومؤهال‬ ‫لبناء جديد يُحدث بعناصره المختلفة والجديدة بنية‬ ‫‪ 104‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫مغايرة وقافزة على ما سبق من نصوص مكتوبة ورقيا‪،‬‬ ‫ومحدثا بهذا البناء تغيرا جذريا على كافة المستويات‬ ‫نص‬ ‫النوعية والكمية للنص األدب��ي تحديدا؟! إن كل ّ‬ ‫مهم يكن توجهه إن لم يكن أدب�� ّي��ا فهو كتابة م��ا‪ ،‬في‬ ‫أساس وجودها لتدوين معلومات وتخزينها‪ ،‬وللتعبير‬ ‫عن المشاعر واألفكار‪ .‬سواء تلك المكتوبة على الورق‪،‬‬ ‫كما هو الحال في الواقع الورقي‪ .‬أو كتبت بعد تحويلها‬ ‫رقمية بواسطة الكمبيوتر‪ ،‬أو بواسطة البرامج المعروفة‬ ‫ك��ب��رن��ام��ج ‪ word‬ال��ش��ه��ي��ر‪ ،‬أو ب��واس��ط��ة الماسحات‬ ‫الضوئية (آلة تصوير المستندات) إذ ال يخرج النص‬ ‫عن كونه موضوعا يحمل أفكاراً بعينها؛ أي فكرة مُمكنة‬ ‫التحقق‪ ،‬وأمرا محتمل الحدوث إلى جانب مضمونه‪،‬‬ ‫ويجب التمييز بين الموضوع والمضمون فى هذا اإلنتاج‬ ‫الفني (النص) الرقمي‪ ،‬إذ يمكن القول إن الموضوع هو‬ ‫الذي يشمل العمل كلية بما يحمله من مفردات عالمه‬ ‫أيما كان نوع هذه المفردات‪ ،‬ولفظة مفردة هنا تتحصل‬ ‫على المفردات اللغوية‪ ،‬إل��ى جانب كم من الوسائط‬ ‫اإللكترونية التى تحيط بالعمل‪ ،‬وتحمل بوجودها داللة‬ ‫طرحها فى هذا العمل الفني تحديدا وإمكانية تواصل‬ ‫التلقي معها‪ ،‬ويكون المضمون تأويال لهذا الموضوع‬ ‫القابل لالمتداد والتعدد الذي يبيحه ‪ -‬االبتكار الفني‬ ‫فى النص الرقمي ‪ -‬كي يحتمل العمل الفني أكثر من‬ ‫تأويل وأكثر من قراءة واشتراك مع العمل‪ ،‬وربما يرد‬ ‫هنا تساؤل مهم حول النص الرقمي وتحققه فى الواقع‪،‬‬ ‫وإن كان ابنا شرعيا للواقع أصال‪ ،‬وهو أحد المعطيات‬ ‫التى أفرزتها الحضارة الحديثة‪ ،‬وهذا بحد ذاته أحد‬ ‫معطيات النص الرقمي‪ .‬وال شك أن النص الرقمي‬ ‫هو نص مكوّن من عناصر عديدة يعمل على آليات‬ ‫مُفترضة‪ ،‬وربما يمزج إمكانات جديدة ومختلفة؛ حالة‬ ‫مُنفتحة على كل التأويالت‪ ،‬تحمل فى طياتها المجهول‬ ‫الذي تذهب إليه النصوص مع إمكانية ثباتها وبقائها‬ ‫فى حصار ه��ذه العناصر على الرغم من محاوالتها‬


‫الوصول إلى حالة التغير والتبدل المتخيل‪.‬‬

‫نص افتراضي في األساس‬ ‫بال هوية وال موقف‪ ،‬ألن كل ّ‬ ‫واقعي بالدرجة األولى وليد لحظته اإلبداعية؛ فالقصة‬ ‫وال���رواي���ة والمسرحية وح��ت��ى ال��ن��ص ال��ش��ع��ري يحمل‬ ‫بنية تخيلية داخل واقع افتراضي هو الواقع الرقمي‬ ‫فى النص األدبي‪ ،‬مروى عنها فى بنية زمنية ومكانية‬ ‫وعناصر أخرى تحمل أنساقها المُمكنة داخل النص‪،‬‬ ‫ومن خالل شخصيات مُفترضة تتماهى وتتماس مع‬ ‫الواقع‪.‬‬

‫فهل النص الرقمي يحمل إمكانيات الخلق اللّغوي‬ ‫المُختلف‪ ،‬وقدرته على إنشاء أفكار ومضامين مغايرة؟‬ ‫أو يقدم نموذجا بعينه للكتابة الجديدة حيث تقدم هذا‬ ‫النموذج فى عالم افتراضي (عالم االنترنت) بأفكار‬ ‫ممكنة‪ ،‬وم��ن ث��م مُتخيلة لهذا العالم‪ ،‬وواق���ع متخيل‬ ‫له ينتج فيه النص ابناً لبيئته الجديدة؟ وه��ى واقعه‬ ‫الجديد الذي ينمو ويتطور من خالله فقط (الكمبيوتر)‬ ‫من هنا نستطيع أن نالحظ العمل الفني الرقمي‬ ‫االنترنت كي نطلق عليه من هذه الميزة التى يحملها‪،‬‬ ‫نص ال��ذي يقدم خياله الخاص مع وعينا المشترك بهذا‬ ‫وهى جوهر وج��وده األصيل المحفز إلنتاجه أنه ٌ‬ ‫النص وإمكانيات طرحه‪ ،‬وهو يكاد يمزج مزجاً تـامـاً‬ ‫جديد فى بيئة جديدة‪.‬‬ ‫بين قضاياه الخاصة اللفظية المتاحة‪ ،‬وبين قضايا‬ ‫أهمية التقنيات الرقمية‬ ‫تقنية ترتبط بالوسائط المتعددة‪ ،‬أو يطرح قضايا‬ ‫متلق‬ ‫إن التقنيات الرقمية تعد وثبة هائلة فى إمكانية التذوق تبدو عامة‪ ،‬ولكنا نستقبلها في منطقة خاصة بكل ٍ‬ ‫الفني واإلب��داع والنقد‪ ،‬من حيث تأثيراتها المختلفة وحسب موقفه الخاص‪ ،‬ذلك ألن تأثير النص ال يتم وال‬ ‫فى مجاالت التصوير وال��ص��وت والمونتاج والعرض؛ يكتمل إال بوعي وخيال وإرادة المتلقي المشترك فى‬ ‫أي م��ن خ�ل�ال واق���ع ال��م��ش��اه��دة غ��ي��ر جلسة التلقي العمل وإنتاجه‪ ،‬وهى منتجة من أجله أصال‪ ،‬األمر الذي‬ ‫السلبي المعروفة أو حتى التلقي المتفاعل‪ ،‬فإن كان يسمح بمثل ه��ذا التداخل بين اإلب��داع كعملية أول��ى‪،‬‬ ‫كتال لها‪ ،‬ويصبح اإلب��داع هو المحرك لثبات‬ ‫بإمكان التلقي أن يؤثر بلمسة من أصابعه على التدفق والتلقي ٍ‬ ‫ال��درام��ي لنص‪ ،‬بحيث يؤثر ويغير من وجهة التدفق التلقي‪ ،‬والعكس عند حاجة التلقي لفكرة اإلبداع وهو‬ ‫الدرامي لألحداث ومصائر األبطال‪ ،‬وحيث يتيح بهذه في جانب من تجلياته‪ ,‬وبهذا االش��ت��راك االفتراضى‬ ‫اإلمكانيات اشتراكه الفاعل‪ ،‬وتحويل الصور المسطحة بين المبدع والمتلقي يصبح العمل مختلفا كلياً فى‬ ‫إلى صور مُجسدة ومتحركة‪ ،‬والتي يتم فيها تجسيد موضوعه ومضمونه وزواي��ا إدراك فنيتـه‪ ،‬وف��ي كونه‬ ‫األش��ي��اء ال��م��ادي��ة ف��ي ص��ور تخيلية؛ إذ يتم استبدال وعالمه المتخيل‪ .‬إن آليات عملية إنتاج النص الرقمي‬ ‫العالم الحقيقي بعالم تخيلي مجازي هو مطلب مهم يوصف بأنه عمل فني؛ أي التجربة اإلبداعية والتقنية‬ ‫م��ن مطالب الرقمية‪ ،‬تصبح المشاهدة التي تتكون فى ذات الوقت‪.‬‬ ‫من أشكال ثالثية األبعاد داخل النص‪ ،‬ومن ثم تصبح‬ ‫إن ال��ن��ص ال��رق��م��ي ي��م��ارس ن��ش��اط��اً تخيليا‪ ،‬ل��دى‬ ‫الصور حقيقة‪ ،‬ويدخل ال��ق��ارئ في المشهد المرئي المتلقي مع إدخ��ال عناصر أخ��رى أكثر صلة بواقعها‬ ‫ويصبح جزءاً من تفاصيل الحدث الذي كان ينظر إليه االفتراضي‪ ،‬وإدخال التلقي فى منطقة النص واشتراكه‬ ‫فى شكل تخيلي‪.‬‬ ‫فيه لرؤية جديدة حيث العالم النصي م��ؤول لصالح‬ ‫على عكس ما يتوقع الكثيرون‪ ،‬من أن النص الرقمي التلقي المفترض وجوده ذهنياً‪ ،‬ودال بحسب الصورة‬ ‫هو اآلتي من مُحصلة تقنيات الكترونية وحسب‪ ،‬وهو المطروحة فى بنائه‪ ،‬وفى شكل تجسدها عبر عوالـم‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪105‬‬


‫وأحاسيس مُتخيلة خالل واق��ع افتراضي‪ ,‬ومن حيث‬ ‫إل��م��ام التلقي م��ث�لا ع��ل����ى معطيات ال��رم��وز ودالئ��ل��ه��ا‬ ‫وتعبيراتها المختلفة‪ .‬وينشغل العمل الرقمي بمفردات‬ ‫موضوعية غير م��أل��وف��ة للمتلقين‪ ،‬تعمل على خلق‬ ‫انطباعات مغايرة ومختلفة ب��األس��اس؛ إذ تقدم بنية‬ ‫أو مشهداً ربما مكتمل األداء له أكثر من بعد مرئي‬ ‫ومسموع ومحسوس تستدعي أخيلة وت��ص��ورات لدى‬ ‫المتلقي‪ ،‬ومفاهيم عقلية وتداعيـات ذهنية تحمل من‬ ‫مشاعر التلقي ق��درة االستجابة المباشرة والسريعة‬ ‫لهذا النص‪.‬‬ ‫وتبقى بعض ه��ذه التقنيات داخ���ل ال��ن��ص نفسها‬ ‫التى هي نشاط معرفي لعمل ه��ذه الرموز وإشارتها‬ ‫المختلفة‪ ،‬وتتحول إلى تراكيب متناهية ومحالة إلى‬ ‫موقف أخر طوال الوقت‪ ،‬ومنشغلة بصورة ذهنية خاصة‬ ‫بكل تلقي على حده‪ ،‬مع تغيـر التركيبات المألوفة التى‬ ‫تعودها التلقي؛ تلك التي ال تستدعي أكثـر من مجرد‬ ‫االس��ت��ج��اب��ات ال��ج��اه��زة والمحفوظة وال��ت��ي ال تحتاج‬ ‫من ثم إلى نشاط استجابة يتعين فرضيتها فى هذه‬ ‫الحالة‪ ،‬وتصبح القيمـة الفنيـة للنص الرقمي في قدرته‬ ‫على إش��راك التلقي معه وإدخاله فى مجمل العملية‬ ‫اإلبداعية‪ ،‬ويتحول تاليا إلى المؤلف الثاني (المتلقي)‪.‬‬ ‫ون��ج��د عملية النشر اإلل��ك��ت��رون��ي ال��ت��ى تتم حاليا‬ ‫من خالل الشبكة الرقمية تقدم الوسائط المطبوعة‬ ‫‪ Printed-Based Materials‬كالكتب واألب��ح��اث العلمية‬ ‫بصيغة يمكن استقبالها وقراءتها عبر شبكة اإلنترنت‪،‬‬ ‫هذه الصيغة تتميز بأنها صيغة مضغوطة ‪،Compacted‬‬ ‫ومدعومة بوسائط وأدوات كاألصوات والرسوم ونقاط‬ ‫التوصيل التى تربط القارئ بمواقع على شبكة اإلنترنت‪.‬‬ ‫مع تصميم صفحات ال��وي��ب‪ .‬كما توجد صيغة ‪PDF‬‬ ‫وهى تقنية تهدف إلى نشر وتبادل المعلومات المقروءة‬ ‫إلكترونياً بشكل يحفظ للمادة التى يتم تبادلها كافة‬ ‫األشكال التى يريدها الكاتب‪ ،‬من حيث الدقة والتنسيق‬ ‫‪ 106‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫وجودة العرض والطباعة‪ ،‬حيث ال يمكن إعادة تنسيقها‬ ‫من قبل القارئ عن طريق برنامج التصفح‪ ،‬وهى تظهر‬ ‫كما وضعها الكاتب والمصمم‪ .‬كما أن تنسيق النص ال‬ ‫يتغير على عكس ‪ HTML‬حيث يمكن أن يتغير تنسيق‬ ‫النص بتغير الخط‪ ،‬أو بتغير برنامج التصفح‪ .‬وهذا‬ ‫األم��ر ض��روري فى مجال النشر والوثائق الرسمية‪.‬‬ ‫وقد توسعت مجاالت النشر اإللكترونى‪ ،‬فشملت نشر‬ ‫األبحاث العلمية‪ ،‬وأوراق المحاضرات ‪Lecture Notes‬‬ ‫وال��م��ذك��رات ل��ط�لاب ال��ج��ام��ع��ات‪ ،‬كما يمكن ألس��ات��ذة‬ ‫الجامعات نشر أوراق محاضراتهم إلكترونياً ليحصل‬ ‫عليها الطلبة من مواقع األساتذة على اإلنترنت‪ .‬كذلك‬ ‫نشر الكتب والمراجع األكاديمية ‪ ،Text Books‬وتزود‬ ‫الكتب بأقراص مضغوطة ‪ CD‬مرافقة للكتاب‪ ،‬وعلى‬ ‫الرغم من غموض مستقبل الكتاب اإللكتروني‪ ،‬فإن كل‬ ‫التوقعات المستقبلية تتنبأ بعصر رقمي جديد يعتمد‬ ‫النظم الرقمية‪ ،‬المجهزة بشاشات من الورق اإللكتروني‬ ‫الذي ظهر حاليا‪ ،‬وهو عبارة عن صفحة بسمك خفيف‬ ‫من البالستيك الشفاف‪ ،‬وتُحَ مل بما يشبه الشرائح‬ ‫االلكترونية لعرض المحتويات المختلفة‪.‬‬

‫المعيار الفني للنص الرقمي وناقده الفني‬ ‫تبدو ممازجة فاعلة أن يجتمعا معا فى النص الرقمي‬ ‫بهذا التخيل من حيث المفاهيم والمنطلقات‪ ،‬وفيما‬ ‫يثيرانه فى هذا النص ‪ -‬المنفتح على كل التأويالت‬ ‫التي تثير التساؤل ‪ -‬على الرغم من ما يتضمنه من‬ ‫جملة تعقيدات فى شكل بنائه؛ ألن��ه يشك ًل منظومة‬ ‫متكاملة من الوسائط المستخدمة إلنتاج هذا النص‬ ‫بمفهومه ال���ذي يتضمن ال��س��رد‪ ،‬وال��ب��ن��ي��ة‪ ،‬وال��ش��ك��ل‪،‬‬ ‫واألس��ل��وب‪ ،‬وال��ل��غ��ة‪ ،‬وال��دالل��ة‪ ،‬ومنطق البناء … ال��خ؛‬ ‫فالنص عمل يستخدم الكتابة لطرح عالمه وعرض‬ ‫أشيائه المتخيلة من خالل عوالمه المتعددة التي تبقي‬ ‫‪ -‬بعد تحققها ‪ -‬لها ذلك األث��ر ال��ذي يمثل الخطاب‬


‫المعرفي إج��م��اال حيث تكمن أهميته‪ ،‬بينما يختفي‬ ‫الشكل القديم‪ ،‬وهو أحد معطيات النص الذي يشمل‬ ‫بداللته جزءا من جوهر النص قديما‪ ،‬إذ يرسم آفاق‬ ‫الموضوع وال��ذات معاً‪ ،‬وهى تشكل منظومة متكاملة‬ ‫من العمل اإلبداعي‪ ،‬أخذت طابعاً مختلفا في النص‬ ‫من حيث طريقة طرحها للعالم‪ ،‬محاولة إبراز عالميها‬ ‫الداخلي والخارجي على السواء‪ ،‬ومن ثم استكشاف‬ ‫العالم ووقوف الذات‪ ،‬متجاورة على شكل تفاعلها مع‬ ‫هذه الوسائط وطريقة استخدامها كمرآة تصور شكل‬ ‫التجسد النصي‪ ،‬والموافقة على حضورها فى العالم‬ ‫بهذا الشكل الذي يعبر عنها وفق الطرق المتاحة أمامه‬ ‫وخياراتها الرقمية التي يقدمها للتلقي‪ ،‬حتى وإن كانت‬ ‫جديدة عنه كاستخدامه للفالشات وامتدادات الصور‬ ‫وغيرها بوصفها تأويال لما أراد أن يقول‪ ،‬ه��ذا هو‬ ‫المؤلف فى النهاية أم��ام المتلقي ال��ذي يشترك معه‪،‬‬ ‫يرسم له خرائط عشوائية لقراءة الذات والعالم‪ ،‬مكوناً‬ ‫ال يخرج من ح��دوده الطبيعية إلى حدود‬ ‫نصا متواص ً‬ ‫ال نهائية‪ ،‬ترسم اإلنسان ضمن تفاصيل أخ��رى تبدو‬ ‫ه��ي األس���اس م��ن خ�لال ال��ش��يء المحيط (ال��خ��ارج)‪.‬‬ ‫ويبقى العالم بجدلية الذات والموضوع محوالً أطراف‬ ‫المُعادلة إلى كون متماسك البناء – متخيل ‪-‬مكتمل‬ ‫كتلة مموهة‬ ‫نسبيا فى ص��ورة متخيلة لهذا التماسك ٍ‬ ‫قابل للتغيير والتبديل فى أي وقت وبمجرد اشتراك‬ ‫ٍ‬ ‫التلقي‪ ،‬إذ يتخذ من ه��ذا التحول ام��ت��دادا ومسارات‬ ‫ل��ه وموقفا م��ن العالم ب��األس��اس‪ ،‬والموقف م��ن إث��ارة‬ ‫الخيال والسيطرة على الذهن الكامل للتلقي بنسيج‬ ‫شبه متكامل فى النص الرقمي‪ ،‬يشترك فى إحداثه‬ ‫المؤلف مع المتلقي‪ ،‬وهي ترتبط إلى حد كبير بأكثر‬ ‫من موقف‪ ،‬أوال‪ :‬ق��درة من المؤلف على إح��داث هذا‬ ‫متلق مستعد مباشرة للتعامل م��ع هذا‬ ‫الخيال ل��دى ٍ‬ ‫المعطى الفني‪ ،‬والتخلي عن ثوابته فى ه��ذا التلقي‬ ‫بإحساسه ومشاعره كمعرفة جديدة؛ وثانيا‪ :‬هو طرح‬

‫تراكيب وكيانات جديدة تستلزم معرفة ووعيا مختلفا‬ ‫ومغايرا‪ ،‬وتطرح في الوقت نفسه إدراكا جديدا موظفا‬ ‫توظيفا هائال لصالح وجودنا الذي ننحاز إليه أصال مع‬ ‫استمرار وتعدد هذا الخلق الجديد‪ ،‬ألنها ربما تقدم‬ ‫وتصور عالما بديال له قوانين مغايرة وموقفا مغايرا ال‬ ‫يتفق مع كثير مما نتصور‪ ،‬واإلبداع هنا يعمل على طرح‬ ‫الجديد والمدهش والمختلف أيضا‪ ،‬ولكن هل سيكون‬ ‫ممتعا وأصيال؟‬ ‫إن الفرق بين النص الرقمي والنص ال��ورق��ي فى‬ ‫جانب منه يمثل فارقا عند التلقي‪ ،‬من حيث تأثير هذه‬ ‫النصوص عليه وتجاوبه معها من عدمه أو عدم تأثيرها‬ ‫عليه‪ ،‬وكذلك طريقة الكتابة وشكلها وأسلوبها‪ ،‬وثبات‬ ‫النصوص وال��خ��ط��وط وحركتها‪ ،‬وت��درج��ه��ا وأبعادها‬ ‫المختلفة‪ ،‬وتفاعلها مع نصوص أخرى موازية أو مقاربة‪،‬‬ ‫وكذلك تجاوز النص الرقمي لوحدة الزمان والمكان‪،‬‬ ‫إذ تمثل ه��ذه المتغيرات في الكتابة الرقمية موقفا‬ ‫مغايرا؛ حيث يقوم المتلقي من موقفه الخاص وحسب‬ ‫رؤيته هو‪ ،‬في تأمل هذا الطرح النصي والتفاعل معه‬ ‫مُجسدا موقفه منه‪ ،‬ومن ثم تحريك خيالَي المتلقي‬ ‫وال��م��ؤل��ف أي��ض��ا‪ ،‬ورب��م��ا يُ��ك��رس ل��ه إم��ك��ان��ي��ات أخ��رى‬ ‫باإلضافة والحذف‪ ،‬ويكون العمل الفني الذي يخلو من‬ ‫هذه اإلمكانية وقبوله لمثلية هذه التغيرات والتبديالت‬ ‫القابلة للتشكيل وال��ت��ح��ول ه��ي الدليل الحيوي على‬ ‫مرونة هذا النص‪.‬‬ ‫وبمثل هذه التحوالت والتأويالت سوف يكون الحكم‬ ‫التالي على النص‪ ،‬األمر الذي يُحيلنا إلى مسألة أعمق‬ ‫تتعلق بتعريف هذا النص‪ ،‬ووض��ع أُط��ر نظرية للحكم‬ ‫على أهميته إي��ج��اب��ا وس��ل��ب��ا‪ ،‬وم���دى ق��درت��ه على من‬ ‫إشراك المتلقي معه؛ مما يجرنا أيضا لتساؤل أخر عن‬ ‫مواصفات المؤلف والمتلقي أو المنتج للنص الرقمي‪.‬‬ ‫وم���ا يعنيني ه��ن��ا ه��و ال��م��واص��ف��ات األول���ي���ة التي‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪107‬‬


‫يجب توافرها فى الكاتب الرقمي‪ ،‬وليست الصفات‬ ‫البيولوجية أو السيكولوجية‪ ،‬أو حتى مواقفه السياسية‬ ‫االجتماعية أو األخالقية الدينية؛ إن م��ا أعنيه هو‬ ‫هذا الوعي بالخلق الفني االفتراضي‪ ،‬وعيه الفني مع‬ ‫المزيد من الكفاءة المعرفية ووسائل تعبيرية عميقة‬ ‫ذات أبعاد شمولية‪ ،‬وموقفه من التجربة اإلبداعية وما‬ ‫تحمله من توجهات لتوجيه خطاب معرفي جديد على‬ ‫علم تام باألنساق السابقة لهذا التجاوز‪ ،‬ذو ثقافة فنيـة‬ ‫خالقة تعرف خطوات العمل الرقمي وتتبنى وج��وده‪،‬‬ ‫وأن هذه المواصفات يجب تحديدها وتحجيمها إلى‬ ‫مستوى أكثر بكثير مما نتصوره اآلن؛ ألنه فى موقفه‬ ‫الفني يعتمد على ثالثة مواقف حتى اآلن‪ :‬أولها المبدع‬ ‫اللفظي‪ ،‬وثانيها المبدع التقني‪ ،‬وثالثها المتلقي المكمل‪،‬‬ ‫إن جازت هذه التعبيرات التى قد تجتمع في شخص‬ ‫واح��د‪ ،‬ويعتمد النص الرقمي على الكتابة داخل بيئة‬ ‫بذاتها‪ ،‬هي الكمبيوتر أحد الوسائط اإللكترونية‪.‬‬ ‫وعلى فرضية أن شبكة اإلنترنت هي بيئته التي تقيم‬ ‫وجودا للنص‪ ،‬وهي تمثل بهذا الشكل التربة الخصبة‬ ‫التي تجعل من وجود هذه البيئة بحد ذاتها أحد روافد‬ ‫الكتابة‪ ،‬وهي أساس فني فى كثير من األحيان لتوليد‬ ‫حالة الكتابة‪ ،‬وشكلها التى تعد العنصر األكثر أهمية‬ ‫فى النص الرقمي‪ ،‬وربما تحاول إنجاز موضوعه فى‬ ‫بعض األحيان القليلة‪ ،‬فهل يمكن إطالق أن هذه الكتابة‬ ‫تنزع إلى الشكالنية على حساب موضوعها؟ وهي تمثل‬ ‫بذلك منجزها األساسي‪ ،‬وهي بهذا المعيار تقدم حالة‬ ‫مختلفة للكتابة‪ ،‬وتتخلق منها مواقف متعددة تمثل‬ ‫مناحي شتى للرؤيا التشكيلة فى النص الرقمي؛ إذ تقوم‬ ‫على فرضيات أساسية وتقنيات معدة لالستخدام‪ ،‬تبدأ‬ ‫باختيارات متعددة رغم كونها تأتى من خلفية إبداعية‬ ‫فى األصل‪ ،‬إذ تعد األوامر والرموز مادة لهذه الكتابة‪.‬‬

‫الحالة سوف يتغير الشكل والمضمون‪ ،‬ويصبح النص‬ ‫المرئي حسب البيئة الجديدة المطبوعة مثال‪ ،‬وليس‬ ‫اختالف فكرة الكتابة األدبية عما كان‪ ،‬فلم تعد هي هذا‬ ‫الهاجس الذي يسمى والدة النص‪ ،‬إذاً تمثل تقنية النص‬ ‫الرقمي ش��رط وج��وده فى بيئته الرقمية‪ ،‬والمقصود‬ ‫أن يُقرأ في بيئة إلكترونية‪ ،‬حيث تندمج فيه العناصر‬ ‫المرئية مع الكلمات لتشكل النص المرئي والمسموع‬ ‫معا مع العناصر األخرى ا��مخلقة داخل النص‪ ،‬كالحركة‬ ‫وال���رم���وز وتفاعلها داخ���ل ال��ن��ص؛ ويعتمد ب��األس��اس‬ ‫على شرط أخر هو وج��وده داخ��ل بيئته كي يأتي أثره‬ ‫س��واء كان النص بصريا صوتيا‪ /‬أو بصرياحركيا‪ ،‬أو‬ ‫ك��ان نصا ال يستخدم التقنيات الصوتية أو الحركية‪،‬‬ ‫بينما يعتمد على وج��ود المفردات داخ��ل ه��ذه البيئة‬ ‫االلكترونية فحسب‪ ،‬مكتفيا بقليل من التقنيات التي‬ ‫تعنى بالمفردات وإعطاء رموز وإشارات وتغيرات على‬ ‫مستوى الخط واللون والتنسيق الخاص بالكتابة فقط‪،‬‬ ‫وهو يعنى بالكلمات دون تداخل عناصر أخ��رى‪ ،‬حيث‬ ‫يقتضي هذا الشكل االهتمام بالمفردات وجملة التعابير‬ ‫الخاصة بها‪ ،‬ويسهل على التلقي العادي التعامل معها‬ ‫من موقف النص نفسه الذي تعوده‪ ،‬وعلى أن يراه‪ ،‬إذ ال‬ ‫تمثل العناصر السابقة تغيرا جذريا فى شكل الكتابة‪.‬‬

‫أم��ا ع��ن تلك النصوص التي تعتمد ب��األس��اس من‬ ‫بين عناصرها التقنيات الفنية (الوسائط االلكترونية‬ ‫األخ����رى ال��ح��رك��ي��ة وال��ص��وت��ي��ة وال���رم���وز وغ��ي��ره��ا من‬ ‫الوسائط)‪ ،‬حيث تحيل النص مع تداخل هذه العناصر‬ ‫لتقدم صورة مغايرة لهذه النصوص‪ ،‬هو عبارة عن خلط‬ ‫وأفعال تعمل على سير كل الحواس وليس العين فقط‬ ‫للتلقي‪ ،‬وتوجه خطابها مُحمال بكافة اإلمكانات المتاحة‬ ‫لدى المؤلف‪ ،‬حيث الحركة والصوت والضوء واللون‬ ‫والكادرج ومعطيات السينما‪ ،‬حيث تمثل جميعها جملة‬ ‫وال يمكن ع��زل ه��ذه البيئة االلكترونية عن شرط الكتابة‪ ،‬وال يمكن عزل أحد هذه العناصر عن بنية النص‬ ‫الكتابة من خاللها‪ ،‬وإال اتخذت شكال آخر؛ إذ فى هذه ألنها أصبحت هي الركائز التي يعتمد وجوده عليها‪ ،‬فال‬

‫‪ 108‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫وجود لهذا النص بدون هذه العناصر‪ ،‬أو على أقل تقدير‬ ‫يفقد بفقدها جزءا مهما من بنيته وتركيبه األساسي‪،‬‬ ‫فهو سلسلة مشاهد تُ��روى بالحوار والوصف‪ ،‬وتتحول‬ ‫فيها الكلمات إلى صور ومشاهد‪ ،‬والحركة هي التي‬ ‫تضفي على الصورة مغزاها غالبا‪ ،‬وتكسبها خاصية‬ ‫التعبير عن مضمونها داخل النص الرقمي‪.‬‬ ‫وانعكاس كل ذلك على التلقي‪ ،‬وهي عناصر ممتدة‬ ‫من النص تمثل ديناميكية بنّاءة الفاعل والمؤثر‪ ،‬ما‬ ‫يعني أن النص ليس نتاجاً أحاديا بل هو نتاج مواقف‬ ‫متعددة‪ ،‬فليس الكاتب وحده هو المنتج للنص إلى جانب‬ ‫التلقي‪ ،‬إنما هذه الوسائط ومدى تطورها تتحكم فى‬ ‫بقاء النص على الحالة المتخيلة له‪ ،‬ألن المؤلف وحده‬ ‫لم يعد يستطيع أن يقدم النص وليس هو مؤلفه بمفرده‬ ‫وبدون وجود هذه الوسائط‪ ،‬والتي تعنى بمعرفته الفنية‬ ‫بعمل هذه الوسائط وقدرته الخالقة على استخدامها‬ ‫ووضعها فى أطر بعينها‪ ،‬وأنه في عملية الكتابة يعطي‬ ‫باستمرار طرحا جديدا ووعيا متعددا إلى ماال نهاية‬ ‫لهذا الطرح المرتبط بإحداث طفرات كبيرة ال تخص‬ ‫وعي الكاتب فقط‪ ،‬بل تخص وعي أخر مشترك معه‪،‬‬ ‫هو وعي التكنولوجي (المبرمجين) الممتد إلى ما ال‬ ‫نهاية أيضا‪ ،‬ويصبح هنا النص بال ثبات‪ .‬إذ يمضى نحو‬ ‫التعدد واالستمرار بال توقف من أجل تلبية االهتمامات‬ ‫السريعة للمتصفح‪ ،‬كأن يُعدّل النص‪ ،‬يبحث عن خلفية‬ ‫له‪ ،‬أو يستوثق من شكل وج��وده‪ ،‬أو يستعرض أج��زا ًء‬ ‫مختلفة منه‪ ،‬أو يعيد ترتيبه‪ ،‬وهكذا لم يعد االتصال به‬ ‫فعال من خارجه‪ ،‬بل فعال معه‪.‬‬ ‫وهنا تظهر المسألة على أنها كتابة مزدوجة؛ أي‬ ‫كتابة نصين متجاورين ملتحمين فى آن واح��د؛ وهى‬ ‫كتابة تمثل في أحد جوانبها كاتبا في اآلخر مبرمجا‪،‬‬ ‫ربما يكون الكاتب نفسه وربما يصنعها شخص أخر‪،‬‬ ‫وهي كتابة مضاعفة‪ ،‬ألنها تقوم بتوحيد النصين من‬ ‫حيث المفردات ككلمة وأثرها فى ال��ذاك��رة الجمعية‬

‫للتلقي‪ ،‬وبين هذه الوسائط الجديدة نسبيا التي تتجه‬ ‫لمناطق تأثير أخ���رى ج��دي��دة‪ ،‬بحيث ال يتحقق أي‬ ‫منها بخصائصه الذاتية بمفرده‪ ،‬بل يكون مشروطا‬ ‫بخصائص األخ���ر‪ ،‬وي��ع��د ه��ذا ال��م��وق��ف ب��ه��ذا الشكل‬ ‫موقفا نوعيا فى الكتابة – كتابة النص األدبي – الذي‬ ‫يعتمد على وجود غيره وال يوجد بدونه؛ تمنح القاريء‬ ‫خيارات االشتراك في تشكيلها‪ .‬وك ُل من التعليق عليها‪/‬‬ ‫أو مراسلة مؤلفها‪ /‬أو كتابة تعليق عليها يعد اشتراكا‬ ‫نسبيا فى إكمالها‪ ،‬س��واء بإنتاج نص م��واز لها أحيانا‬ ‫أو مشترك معها‪ ،‬أو يتجادل بشكل من األش��ك��ال مع‬ ‫هذا النص؛ وهذه العملية تعد أكثر الطرق بساطة فى‬ ‫التعامل مع النص الرقمي وتشكيل مسارات امتداده‪..‬‬ ‫وهذا النص المنتج حاليا منذ منتصف التسعينيات‬ ‫وال��ذي له مواصفات بعينها حتى اآلن؛ حيث خيارات‬ ‫التشكيل مختلفة من حيث تشكيل النص‪ ،‬فمثال نجد‬ ‫النص الذي يتضمن كلمات بسيطة تتحرك باتجاهات‬ ‫متعددة تعتمد على التقنية فى إحداثها‪ ،‬تتبادل الظهور‬ ‫واالختفاء‪ ،‬ثم بضغطة زر تتوقف عن الحركة‪ ،‬مُشكلة‬ ‫جملة مكتملة فى إخبارها‪ .‬وطريقة أخرى نجد الكلمات‬ ‫أو األسطر تتسارع عشوائيا‪ ،‬ومع كل ضغطة على زر‬ ‫التوقف يتشكل نصا مختلفا‪ ،‬إلى أن تنتهي احتماالت‬ ‫التراكيب المقيدة بالكم العددي للمفردات أو السطور‪،‬‬ ‫ونجد أيضا نصا يشتمل على كلمات بعينها‪ ،‬تتغير‬ ‫بالنقر عليها إلى كلمات أخرى بمعاني أخرى‪ ،‬ويصنع‬ ‫بهذا الوجود نصا جديدا فى كل مرة‪ ،‬ويختار المؤلف‬ ‫كلمات معينة لها تقريبا نفس المعنى‪ ،‬لكي تشترك‬ ‫فى ه��ذا النص الرقمي ويستطيع ال��ق��ارئ إنتاج نص‬ ‫كامل‪ ،‬عن طريق اختيار عشوائي غير منتظم للرموز‬ ‫المتاحة‪ .‬وهناك أيضا أشكال أخرى تم إنتاجها حيث‬ ‫تتضمن الصفحات أنماطا مختلفة من النصوص‪ ،‬في‬ ‫كل صفحة نص قيد الكتابة‪ ،‬والمتلقي مدعو إلضافة‬ ‫سطر إلى هذا النص أو االشتراك مثال فى كتابة رواية‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪109‬‬


‫رقمية أو قصيدة تحمل توقيع الجميع‪ ،‬تشبه هذه‬ ‫الطريقة أسلوبا كان معروفا في الشعر العربي قديما‬ ‫آملة فى إحداث مشاركة القارئ التي تعني قبوال مبدئيا‬ ‫التعامل مع النص واالشتراك فى صنعه إذ تعد لحظة‬ ‫القراءة هي نفسها لحظة اإلب��داع‪ ،‬فالمبدع والمتلقي‬ ‫كون واحد‪ ،‬ونجد أمثلة بدأت بالفعل وتم إنجازها مثل‪:‬‬ ‫رواي��ة (صقيع)‪ ،‬وقبلها شات للروائي محمد سناجلة‬ ‫وه��ي رواي���ة عربية رقمية‪ ,‬ورواي���ة تخيلية لميكائيل‬ ‫جويس‪( ,‬ربع مخيفة) للروائي د‪ .‬أحمد خالد توفيق‪,‬‬ ‫رواية تخيلية فرنسية‪.‬‬

‫الكتابة الرقمية فى مواجهة الورقية‬ ‫إن اإلرث التراكمي لإلبداع الورقي المحفوظ عبر‬ ‫الكتاب هو قيمة الفكر اإلنسانى‪ ،‬وخالصة التجارب‬ ‫التى أنتجتها الحضارة اإلنسانية‪ ،‬والتي يرى البعض‬ ‫أن الرقمية تتسم بجرأة الطرح والتعدي على تراث‬ ‫إنساني كبير جدا‪ ،‬وميراث ال أول له وال أخر‪ .‬وهذا‬ ‫صحيح بالطبع‪ ،‬والقطيعة مع هذا الميراث ربما تسبب‬ ‫أزم��ات كثيرة لدى المتلقي بعد م��رور سنوات قادمة‪،‬‬ ‫إن األدب اإلنساني العميق الذي مر بمراحل متعددة‪،‬‬ ‫منها مرحلة التعبير الشفوي وم��ا تالها قبل اختراع‬ ‫الكتابة ومنذ ظهورها على الحجر والنقوش الفرعونية‬ ‫القديمة واألل����واح السومرية وال��ت��راث اإلن��س��ان��ي فى‬ ‫اإللياذة واألوديسة بما تمثله من أساطير بقي صداها‬ ‫حتى يومنا هذا (ملحمة جلجامش‪ ،‬المالحم اليونانية‪،‬‬ ‫األساطير الفرعونية‪ ،‬حكايات ألف ليلة وليلة)‪.‬‬ ‫ولكي تصبح ه��ذه النصوص الرقمية محملة بذاك‬ ‫اإلرث الكبير‪ ،‬أ ُِخ َذ بعين االعتبار وعي التلقي بها‪ ،‬وليس‬ ‫هناك جدوى من كالم ال طائل من ورائه من عزل النص‬ ‫الرقمي عن الواقع؛ فالمواجهة الفاعلة أهم بكثير مما‬ ‫نتصور من خالل عقل ووج��دان الناقد وليس المتفرج‬ ‫< كاتب من مصر‬

‫‪ 110‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫السلبي‪ ،‬وال يتأتى ذل��ك إال بتشجيع اإلب���داع وتحرير‬ ‫المبدع م��ن القيود التى ال مبرر لها‪ ،‬وه��ذا م��ا نجده‬ ‫واضحاً في النص الرقمي الذي دفع النظريات األدبية‬ ‫ال ل�لأدب مكون ًة مناهج‬ ‫الحديثة أن تنحى منحىً مماث ً‬ ‫جديدة في التحليل النقدي‪ ،‬وه��ذا المشروع النقدي‬ ‫الذي دفع ب��دوره النص أن ينفتح للعالم وان يخرج من‬ ‫أطره السابقة التي تنظر إليه كنظام للسرد‪ ،‬وللحكاية‬ ‫أو «م��ج��م��وع��ة ن��وع��ي��ة م��ن ال��وق��ائ��ع « وت��ش��ك��ي��ل سابق‬ ‫التجهيز من المفردات‪ ،‬فلم يعد الموضوع الحكائي أو‬ ‫ال للتشكيل بالكلمات فقط‪ ،‬لتدخل عناصر‬ ‫السرد قاب ً‬ ‫السينما والمسرح بكل معطياتها داخل النص‪ ،‬ثم انفتح‬ ‫إلى الصوتي الحركي المتماهي فى جملته بما يحمله‬ ‫من تعابير وإيماءات‪ ،‬ورم��وز وصوتيات وأل��وان وأضواء‬ ‫تعتمد على الصورة واإلشارة كوسيط الكتروني‪ ،‬وليس‬ ‫نقال بالمفردات وما يتشكل من كل هذا من صيغ تعكس‬ ‫الفعل اإلنساني المتعدد والممتد إلى ماال نهاية‪.‬‬ ‫فالنص الرقمي يتخذ أحياناً م��ن الرقمية نظاماً‬ ‫الختيار الرموز والعالمات واإلشارات فى النص‪ ،‬وهذا‬ ‫ما يجعله في أشكاله المتعددة والقابلة إلى االنقسام‬ ‫على ال���دوام ي��وظ��ف ال��رم��وز ويفعلها إل��ى ج��ان��ب باقي‬ ‫تقنياته الممتدة والمتعددة؛ وان كانت الرقمية ستسهل‬ ‫كثيرا من األم��ور التقنية والفنية‪ ،‬محدثة ث��ورة هائلة‬ ‫ولكن ال عالقة لها بجوهر المواقف الفنية والتعبيرية‬ ‫المختلفة والرؤيوية الخاصة بالمبدع؛ ألنها ‪ -‬في النهاية‬ ‫ مُحصلة قيمة إنسانية خالصة‪ ،‬وهى نتاج إرادة ووعى‬‫للكاتب‪ ،‬ومن العبث التعامل معها بتجاهل‪ ،‬أو إنكارها‪،‬‬ ‫أو االستهانة بها داخل منظومة متكاملة هي المجتمع‬ ‫اإلنساني حيث تكمن أهمية النهوض بالواقع المعاش‪،‬‬ ‫متجاوزة واقعها التاريخي‪ ،‬وعلينا إدراك ما ينقصنا‬ ‫من رؤى وتوجهات بنظرة جديدة فى ضوء هذا الفهم‬ ‫للرقمية ذلك العالم الجديد القادم‪.‬‬


‫القصة القصيرة جدا ً واألشكال النثرية‬ ‫البسيطة‬

‫> محمد تنفو‬ ‫قبل أن أسلط الضوء على عالقة القصة القصيرة جداً باألشكال النثرية والفنية البسيطة‪،‬‬ ‫سأحاول الوقوف عند نقطة أساسية؛ مفادها أن كل كتابة إبداعية يمكنها أن تستغل النكتة‬ ‫والمثل والحكمة والخرافة واألخبار‪.‬‬ ‫لكن ال بد أن نضع شرطا ضروريا مقتضاه طريقة التوظيف‪ ،‬بل التوظيف الصحيح لهذه‬ ‫األشكال القريبة التي تشعرنا على الرغم من قربها منا باالندهاش والمتعة‪.‬‬ ‫ولكي أقطع داب��ر الشك باليقين‪ ،‬أوم��ئ باختصار إلى االشتغال الفريد والرائع لـ «باولو‬ ‫كويلهو» على «ألف ليلة وليلة‪ .‬فقد امتاح اإلطار العام لروايته العالمية «الخيميائي» من حكاية‬ ‫«ألف ليلة وليلة»‪ ،‬كما استهل روايته الرائعة «إحدى عشرة دقيقة» وذيّلها بالعبارة الشهيرة‪:‬‬ ‫«كان يا ما كان»‪ .‬كذلك األمر بالنسبة لـ «خورخي لويس بورخيس»‪ ،‬هذا الكاتب الذي يتوسد‬ ‫«ألف ليلة وليلة»‪ ،‬ويعشق التراث العربي‪ ،‬والعشق يرشح من كتاباته‪ .‬فبورخيس الكائن الغريب‬ ‫والجميل في كل شيء‪ ،‬استعار عوالم «ألف ليلة وليلة» وشخوصها ورموزها ودالالتها‪ ،‬لكتابة‬ ‫قصيدة موسومة باستعاراتها‪ .‬كما ال ننسى اشتغال هاني الراهب على هذا الكتاب الكوني‬ ‫في روايته «ألف ليلة وليلتان»‪ ،‬واشتغال نجيب محفوظ في روايته «ليالي ألف ليلة المتخمة‬ ‫بالعجائبي»‪ .‬ولن تفوتنا فرصة االعتراف ببراعة القاص أحمد بوزفور في توظيفه لألمثال في‬ ‫أضمومته القصصية «صياد النعام»‪.‬‬ ‫هذا االشتغال غير العادي يدفع القارئ إلى طرح تساؤل في غاية الخطورة‪ :‬كيف تمكّن هؤالء‬ ‫المبدعون من االشتغال على هذه األشكال وبهذه الطريقة الفريدة في مشاريعهم اإلبداعية؟‬ ‫ترى أين يكمن السر؟ هل في المخيلة التي يتمتعون بها‪ ،‬أم في العين المبدعة التي يمتلكونها؟‬ ‫أم في أشياء أخرى؟‬ ‫أما عن عالقة القصة القصيرة جداً (وسنرمز لها في هذه المقالة بـ «ق‪ .‬ق‪ .‬ج‪ )».‬باألشكال‬ ‫الفنية البسيطة‪ ،‬مثل‪ :‬النكتة والخبر والحكايا والحكمة والمثل‪ ،‬فيمكن مقاربتها كما يأتي‪:‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪111‬‬


‫القصة القصيرة جد ًا والنكتة‬

‫التكثيف يرتبط بالقصة القصيرة ج��داً التي تتهدم‬ ‫بنيتها عند حذف كلمة واحدة‪ ،‬إنها تقنية تتطلب الوعي‬ ‫بها وبميكانيزماتها وآلياتها‪ ،‬ومقياس أساس لتأكيد نجاح‬ ‫القاص‪ .‬ومن ثم يستلزم على عاشق القصة‪ .‬ق‪ .‬ج أن‬ ‫يصغي إلى نبضاتها بإذن القلب! وأن يبصر عوالمها بعين‬ ‫العقل‪.‬‬

‫إذا كانت النكتة شكال شفاهيا لحظيا يتبخر مثل‬ ‫فقاعات الصابون؛ يضحك في الوهلة األولى‪ ،‬ثم يصبح‬ ‫بعد ذل��ك مبتذالً‪ ،‬تمجه األذن ويموت ويذبل من كثرة‬ ‫االستماع؛ فإن القصة‪ .‬ق‪ .‬ج فن كتابي واع��ي قد يثير‬ ‫الضحك وال��م��رح وال��ده��ش��ة‪ ،‬لكنه يمكن أن ي��و ّل��د لدى‬ ‫إذا كانت النكتة تعتمد التفسير‪ ،‬فإن القصة‪ .‬ق‪ .‬ج‬ ‫المتلقي االشمئزاز والغثيان والقلق والقرف والضجر‬ ‫تقوم على التأويل الذي يتطلب عدة أمور أهمها‪ :‬إدراك‬ ‫واأللم‪..‬‬ ‫بنية القصة ال��م��رك��ب��ة‪ ،‬وتفكيكها إل��ى بنيات متعددة‪،‬‬ ‫القصة ق‪ .‬ج أزلية وخ��ال��دة‪ ،‬تحيا من كثرة القراءة‬ ‫واستحضار الفكرة األساس‪ ..‬الفكرة المتاهة‪ ،‬وتشظيتها‬ ‫والتداول‪ ،‬ال تقدم فهما واحدا‪ ،‬كما هو األمر في النكتة‬ ‫إلى أفكار ال نهائية‪.‬‬ ‫التي تمنح فهما واحدا وإدراكا وحيدا لجميع المستمعين؛‬ ‫وظائف النكتة عديدة‪ ،‬ال يمكن حصرها؛ فمنها ما‬ ‫بل تبدأ عملها بعد ف��راغ المتلقي من قراءتها‪ ،‬تدفعه‬ ‫إلى إع��ادة كتابتها من جديد‪ ،‬تحثه على تفكيك الفكرة هو نفسي‪ ،‬ومنها ما هو سياسي‪ ،‬أو اجتماعي‪ .‬في حين‬ ‫المتاهة‪ ..‬الفكرة األم‪ ..‬الفكرة الملكة‪ ،‬وتشظيتها لتوليد يمكن حصر وظيفة القصة‪ .‬ق‪ .‬ج في المتعة‪ .‬وأوج��ه‬ ‫م��ا ال يحصى م��ن األف��ك��ار‪ .‬طريقة ق��ول نكتة واح���دة‪ ،‬االختالف هذه‪ ،‬ال تلزم القاص‪ -‬بالتأكيد ‪ -‬أن يضرب‬ ‫تختلف وتتنوع بتنوع الرواة‪ ،‬وهذا راجع طبعا إلى طابعها صفحا عن النكتة‪ ،‬بل يمكنه أن ينفتح على هذا الشكل‬ ‫الشائع‪ ،‬وأن يغترف منه بعض سماته‪ ،‬من قبيل التورية‬ ‫الشفوي‪.‬‬ ‫(‪)1‬‬ ‫والتالعب بالكلمات واألفكار واإلزاحة أو اإلبدال ‪.‬‬ ‫أما القصة‪ .‬ق‪ .‬ج فتهتم بطريقة سردها؛ فالقاص‬ ‫يسعى إلى إخراجها على أحسن صورة وفي أبهى حلة‪،‬‬ ‫القصة القصيرة جد ًا والخبر‬ ‫ويشتغل كثيرا على هذا األمر من خالل الحذف واإلضافة‬ ‫أبادر بطرح السؤال التالي‪ :‬هل القصة القصيرة جداً‬ ‫والتنقيح‪ ،‬وتجريب مختلف ال��ط��رق‪ ،‬حتى تستقر في‬ ‫خبر تم تحويله وتطويره؟ ال نستطيع تقديم جواب حاسم‬ ‫النهاية على صورة واحدة ثابتة غير متغيرة‪ .‬هذه الصورة‬ ‫ومقنع‪ .‬كل ما يمكن قوله اآلن إنه رغم أن الخبر والقصة‬ ‫ينبغي أن تكون جميلة‪ ،‬ألنها هي التي ستبقى عليها إلى‬ ‫القصيرة جداً يلتقيان في تركيزهما على الحدث أكثر من‬ ‫األبد‪.‬‬ ‫الشخصية‪ ،‬ومن المكونات األخرى‪ .‬فإن أوجه االختالف‬ ‫صحيح أن النكتة تلتقي مع ق‪ .‬ق‪ .‬ج في الفجائية تبقى عديدة‪.‬‬ ‫وال��م��ف��ارق��ة‪ .‬لكنها تختلف ع��ن��ه��ا ف��ي��م��ا أس��م��اه بعض‬ ‫فإذا كان الخبر أصغر وحدة حكائية(‪ ،)2‬وشكال شفاهيا‬ ‫الدارسين بالتكثيف‪ .‬وفي رأيي فإن النكتة تتميز باإليجاز‬ ‫مكتوبا يراهن على تقديم فكرة أو معلومة‪ ،‬ويغض الطرف‬ ‫واالختصار وليس التكثيف‪ .‬اإليجاز واالختصار ال نقصد‬ ‫عن الكيفية والطريقة؛ ذا بنية سردية بسيطة ال تسمح‬ ‫بهما المعنى البالغي‪ ،‬بل المعنى البسيط‪ ،‬بل تلك العملية‬ ‫له ب��أن يصنف ضمن األج��ن��اس األدب��ي��ة‪ ،‬يتميز‪ -‬شأنه‬ ‫البسيطة التي يمكن ألي متكلم مهما كان مستواه أن يقوم‬ ‫شأن النكتة‪ -‬باإليجاز والنهاية التي تحيل على البداية‪،‬‬ ‫بها‪ .‬فال يمكن بتاتا أن نتحدث عن التكثيف في النكتة ما‬ ‫وبالغموض وااللتباس وع��دم االكتمال وهيمنة الصوت‬ ‫دامت قابلة لالختزال أكثر‪.‬‬ ‫‪ 112‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫السردي الواحد وذك��ر السند(‪)3‬؛ فإن القصة القصيرة‬ ‫ج��داً جنس أدب��ي كتابي‪ ،‬ذو بنية سردية مركبة‪ ،‬يراهن‬ ‫وصيَغ‬ ‫على التقنية والفكرة المتاهة‪ ،‬وكيفية تقديمها‪ِ ،‬‬ ‫الخطاب المتنوعة‪ ،‬يعتمد التكثيف والمفارقة والخاتمة‬ ‫المفاجئة والنهاية غير المتوقعة‪ ،‬واللغة الرصينة‪.‬‬

‫القصة القصيرة جد ًا والحكايا‬

‫ق‪ .‬ج مقصودة لذاتها‪ ،‬وتحظى بعناية فائقة واهتمام‬ ‫كبير‪ .‬فال قصة دون سرد‪ .‬بينما الحكاية في المثل تأتي‬ ‫في درجة ثانية بعد الحكمة‪ ،‬إذ إنه لوال الحكمة لما رويت‬ ‫الحكاية‪ .‬إنها الغاية من المثل‪ ،‬وهي أيضا ‪ -‬أي الحكمة‪-‬‬ ‫وسيلة لغاية أخرى هي العمل أو السلوك(‪ .)6‬ومن ثم يجب‬ ‫التمييز بين القصة القصيرة ج��داً بوصفها نوعا أدبيا‬ ‫له سماته ومرتكزاته وخصائصه التي يسعى من خاللها‬ ‫إلى تحقيق المتعة والدهشة‪ ،‬والمثل بوصفه قوالً «يندرج‬ ‫ضمن الحديث‪ ...‬س��واء ك��ان ه��ذا الحديث لخطيب أو‬ ‫لحكيم أو للرسول صلى الله عليه وسلم‪ ،‬أو لصحابي أو‬ ‫لبليغ أو أعرابي‪ ...‬سواء جاء في قالب موعظة‪ ،‬أو رسالة‬ ‫أو قول مأثور أو خطبة أو وصية أو دعاء‪.)7(»...‬‬

‫الحكاية تراكم لمجموعة من األخ��ب��ار المتصلة(‪،)4‬‬ ‫ت��ت��وس��ل ب��ال��ت��ص��وي��ر وال���وص���ف وك���ث���رة االس���ت���ط���رادات‬ ‫والتعليقات واإليقاع؛ شخوصها في الغالب دون أسماء‬ ‫ذات أوص��اف عامة م��ك��رورة‪ .‬ال تخضع لمنطق الزمان‬ ‫وال��م��ك��ان المطلقين‪ .‬لغتها بسيطة تختلف باختالف‬ ‫الرواة‪ .‬لكن على الرغم من هذه السمات المغايرة للقصة‬ ‫يبدو‪ ،‬مما سبق ذكره‪ ،‬أن القصة القصيرة جداً تختلف‬ ‫القصيرة جداً‪ ،‬فيمكن أن ينهل القاص من الحكايا بنيتها‬ ‫عن النكتة والخبر والحكايا والحكمة والمثل وغيرها؛ إذ‬ ‫الرصينة التي تستند في الغالب على التكرار الثالثي‬ ‫تعد األولى نوعا أدبيا له قوانينه وقواعده ومكوناته‪ ،‬التي‬ ‫للفعل‪ ،‬وأنسنة الحيوان وال��رم��وز المتخمة ب��ال��دالالت‪،‬‬ ‫تجعله ‪ -‬دون مراء ‪ -‬متميزا عن الثانية بوصفها أشكاال‬ ‫وعوالمها العجائبية‪.‬‬ ‫بسيطة ال ترقى إلى مستوى األجناس األدبية وأنواعها‪.‬‬

‫القصة القصيرة جد ًا والحكمة والمثل‬

‫القصة القصيرة جداً نوع أدبي قائم على التخييل‪،‬‬ ‫يحقق المتعة لدى المتلقي؛ على عكس المثل والحكمة‬ ‫والموعظة وخطبة الجمعة التي تنتمي إل��ى الخطاب‬ ‫التعليمي القائم على صيغة األمر والنهي‪ ،‬والذي يقدم‬ ‫الحقيقة مباشرة(‪ .)5‬المثل يلتقي مع القصة القصيرة جداً‬ ‫في اعتماد السرد أو الحكاية‪ .‬لكن الحكاية في القصة‪.‬‬ ‫ <‬ ‫(‪ )1‬‬ ‫(‪ )2‬‬ ‫(‪ )3‬‬ ‫(‪ )4‬‬ ‫(‪ )5‬‬ ‫(‪) 6‬‬ ‫(‪ )7‬‬

‫لذا من الالزم أن نكون حذرين أمام القصة القصيرة‬ ‫جداً بوصفها نوعا وعراً يحتاج إلى دربة وحنكة وخبرة‬ ‫وك��ف��اءة ع��ال��ي��ة ل��رك��وب��ه‪ ،‬دون ال��وق��وع ف��ي االب���ت���ذال‪ ،‬أو‬ ‫السقوط في جبة إحدى األشكال البسيطة‪ .‬هذا االبتذال‬ ‫كان ديدن بعض المبتدئين الذين استسهلوا هذا النوع‬ ‫�لا له‪ .‬فبدالً من أن ينحتوا قصصاً‪،‬‬ ‫دون أن يكونوا أه ً‬ ‫دبجوا نكتاً وأخباراً وحكماً وأمثاالً بسيطة جداً!‬

‫قاص وباحث من المغرب‬ ‫شاكر عبد الحميد‪ ،‬الفكاهة والضحك‪ ،‬عالم المعرفة‪ ،‬العدد‪ 289 :‬يناير ‪ ،2003‬ص‪.394 :‬‬ ‫سعيد يقطين‪ ،‬الكالم والخبر‪ ،‬مقدمة للسرد العربي‪ ،‬المركز الثقافي العربي‪ ،‬الدار البيضاء‪ -‬بيروت‪ ،‬ط‪ ،1997 ،1 :‬ص‪.195 :‬‬ ‫سعيد جبار‪ ،‬التوالد السردي‪ ،‬قراءة في بعض أنساق النص التراثي‪ ،‬جذور للنشر‪ ،‬الرباط‪ ،‬ط‪ ،2006 ،1 :‬ص‪ 10 :‬وما بعدها‪.‬‬ ‫سعيد يقطين‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.195 :‬‬ ‫عبد الفتاح كيليطو‪ ،‬األدب والغرابة‪ ،‬دراسات بنيوية في األدب العربي‪ ،‬دار الطليعة‪ ،‬بيروت‪ ،‬الشركة المغربية للناشرين المتحدين‪،‬‬ ‫ط‪ ،1 :‬مايو ‪ 1982‬ص‪17:‬‬ ‫عبد الفتاح كيليطو‪ ،‬الحكاية والتأويل‪ ،‬دراسات في السرد العربي‪ ،‬دار توبقال للنشر‪ ،‬ط‪ ،1999 ،2 :‬ص‪.37 :‬‬ ‫سعيد يقطين‪ ،‬مصدر سابق ‪ ،‬ص‪.192 :‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪113‬‬


‫فعاليات دار اجلوف للعلوم‬ ‫ندوة عن «اإلسكان» بمنطقة الجوف‬ ‫ضمن خطة النشاط الثقافي لمؤسسة عبدالرحمن‬ ‫السديري الخيرية لعام ‪1429/1428‬ه��ـ وبرعاية وكيل‬ ‫إمارة منطقة الجوف أحمد آل الشيخ‪ ،‬أقامت المؤسسة‬ ‫بالتعاون م��ع مؤسسة الملك عبدالله ب��ن عبدالعزيز‬ ‫لوالديه لإلسكان التنموي ندوة عن «اإلسكان»‪ ،‬وذلك‬ ‫مساء يوم الثالثاء ‪1429/12/20‬ه��ـ في قاعة العرض‬ ‫والمحاضرات ب��دار الجوف للعلوم‪ .‬وق��د ش��ارك فيها‬ ‫كل من د‪ .‬يوسف العثيمين أمين عام المؤسسة‪ ،‬ود‪.‬‬ ‫عبيد بن عبدالله العمري‪ ،‬وم‪ .‬فهد بن محمد الجاسر؛‬ ‫وحضر الندوة عدد كبير من مديري الدوائر الحكومية‬ ‫وأهالي منطقة الجوف‪.‬‬

‫عرض كتاب سيرة عبدالرحمن بن‬ ‫أحمد السديري‬

‫> احملرر الثقافي‬ ‫اإلع�لام��ي��ة‪ ،‬وخ��ال����د ال��م��ال��ك رئ��ي��س ت��ح��ري��ر صحيفة‬ ‫الجزيرة‪ ،‬وجميل الذيابي مدير تحرير صحيفة الحياة‪،‬‬ ‫وذلك بحضور وكيل إمارة منطقة الجوف األستاذ أحمد‬ ‫آل الشيخ وعدد من مديري الدوائر الحكومية ونخبة‬ ‫من مثقفي وإعالميي المنطقة‪ .‬واستعرض المنتدون‬ ‫الصحافة اإلقليمية وعناصر ال��ق��وة والضعف فيها‪.‬‬ ‫وعقب الندوة شارك الضيوف أهالي الجوف مهرجانهم‬ ‫الربيعي واستمتعوا بفقراته التراثية األصيلة‪.‬‬

‫ندوة التو رق اإلسالمي‬ ‫أق��ام��ت مؤسسة عبدالرحمن ال��س��دي��ري الخيرية‬ ‫مساء الثالثاء ‪11429/2/19‬هـ (‪2008/2/26‬م ) ندوة‬ ‫(التورق االسالمي)‪ ،‬شارك فيها فضيلة د‪ .‬يوسف بن‬ ‫عبدالله الشبيلي أس��ت��اذ الفقه المقارن ف��ي المعهد‬ ‫العالي للقضاء‪ ،‬وق��دم لها األس��ت��اذ فخري ب��ن حماد‬ ‫الشالل مدير مكتب هيئة اإلغاثة اإلسالمية العالمية‬ ‫بالجوف‪ .‬وقد نقلت عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة‬ ‫إلى القسم النسائي بالمؤسسة‪.‬‬

‫ن�شاطات ثقافية‬

‫بحضور رئيس مجلس إدارة مؤسسة عبدالرحمن‬ ‫السديري الخيرية األستاذ فيصل السديري ومديرها‬ ‫العام د‪ .‬زي��اد السديري‪ ،‬أقامت المؤسسة في قاعة‬ ‫العرض والمحاضرات بدار الجوف للعلوم عرضا لكتاب‬ ‫معالي األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري‪ ،‬قدمه‬ ‫مثقفو السعودية‪ ..‬إلى أين؟‬ ‫د‪ .‬عبدالرحمن الشبيلي‪ ،‬بتاريخ ‪12‬محرم ‪1429‬هـ (‪21‬‬ ‫يناير ‪2008‬م)‪ .‬حضره حشد كبير من أهالي المنطقة‬ ‫ضمن برنامجها الثقافي ل��ع��ام ‪1429/1428‬ه�����ـ‪،‬‬ ‫ومنسوبي الدوائر الحكومية‪ .‬وقد تضمن العرض دعوة وب��رع��اي��ة صاحبة السمو الملكي األم��ي��رة س���ارة بنت‬ ‫للعناية بالوثائق األسرية‪.‬‬ ‫عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود‪ ،‬وحضور جمع غفير‬ ‫م��ن مثقفات منطقة ال��ج��وف‪ ..‬أق��ام القسم النسائي‬ ‫د‪ .‬هاشم والمالك والذيابي في ندوة‬ ‫ب��م��ؤس��س��ة ع��ب��دال��رح��م��ن ال��س��دي��ري ال��خ��ي��ري��ة م��س��اء‬ ‫الصحافة اإلقليمية‬ ‫شارك ثالثة من كبار رجال الصحافة في المملكة األرب����ع����اء‪1429/2/27‬ه����ـ (‪2008/3/5‬م) محاضرة‬ ‫في الندوة التي نظمتها مؤسسة عبدالرحمن السديري بعنوان‪( :‬مثقفو السعودية‪ ..‬إلى أين؟) ألقتها الدكتورة‬ ‫الخيرية بمنطقة الجوف عن صحافة المناطق‪ ،‬وذلك الشاعرة فوزية أبو خالد‪ .‬وفي نهاية الللقاء تم تكريم‬ ‫ضمن برنامجها الثقافي لعام ‪1429/1428‬هـ‪ ،‬وهم د‪ .‬المشاركات في اللقاء الثاني للتعليم األهلي الذي عقد‬ ‫هاشم عبده هاشم رئيس مؤسسة اإلس��راء للخدمات في المنطقة عام ‪1428/1427‬هـ‪.‬‬

‫‪ 114‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫نفحات من معرض الرياض الدولي للكتاب‬

‫> محمد صوانه‬

‫<‬

‫ت��زدان مدينة الرياض كل ع��ام بأجواء ثقافية مميزة في‬ ‫معرض الكتاب الدولي‪ ،‬الذي أصبح حدثاً ثقافياً مهماً ينتظره‬ ‫الكثيرون من عشاق الكتاب‪ .‬وشهد المعرض ‪ -‬الذي نظمته‬ ‫وزارة الثقافة بالمملكة ‪ -‬هذا العام إقباالً كبيراً من مختلف‬ ‫شرائح المجتمع رج��االً ونسا ًء وأطفاالً‪ ،‬كما ش��ارك فيه نحو‬ ‫‪ 600‬دار نشر عربية وسعودية‪ ،‬عرضت عشرات اآلالف من‬ ‫قديم الكتب وجديدها‪ ،‬كما حفل المعرض بعدة ندوات ثقافية؛‬ ‫وقد لوحظ تواجد مستمر ومؤثر للدكتور عبدالعزيز السبيّل‬ ‫وكيل وزارة الثقافة واإلعالم للشؤون الثقافية‪.‬‬ ‫ويختلج في نفوس الكثيرين من محبي الكتاب أنه أصبح‬ ‫ينظر إليه بوصفه رأس مال مهم في المجالين الثقافي والتجاري‬ ‫ال عن وجود أدوار أخرى تختلف باختالف‬ ‫حد سواء؛ فض ً‬ ‫على ٍ‬ ‫توجهات المؤلفين والناشرين والداعمين لصناعة الكتاب‬ ‫والكلمة‪ .‬وتالياً نفحات سريعة من هذا المهرجان السنوي‪:‬‬

‫< يُ َعوّل على معارض الكتب أن تنشّ ط العالقة مع‬ ‫هذا المخترع القديم‪ ،‬الذي ما زال يمثل مخزناً‬ ‫مهماً للمعرفة في مختلف مجاالت العلوم واآلداب‬ ‫والفنون واإلبداع الكتابي‪ ،‬على الرغم من االنتشار‬ ‫الهائل لشبكة المعلومات الرقمية (االنترنت)‪.‬‬

‫الجناح الخاص بإصدارات المؤسسة في المعرض‬

‫بالكتب واألف��ك��ار اإلبداعية التي تحفّز التفكير‪ ،‬وبعضها‬ ‫للتسلية؛ ليكن‪ ..‬على أمل أن تهدف األلعاب المسلية إلى‬ ‫تنمية تفكير الطفل‪ ..‬لكننا ما زلنا نحبو في مجال االنتاج‬ ‫المخصص لألطفال! إن بناء األمم يأتي من هنا‪.‬‬ ‫< تسعد كثيرا عند رؤيتك ه��ذه اإلص���دارات على اختالف‬ ‫أنواعها‪ ,‬وتقول لو أن القرّاء العرب يقرأون بمثل الحماسة‬ ‫التي نشاهدها من المؤلفين والناشرين والموزعين؛ فإن‬ ‫االهتمام بالقراءة والمطالعة بين أمة اقرأ سيصبح بخير‪،‬‬ ‫وسيُثمر علماً ومعرف ًة وسع َة اطالعٍ ‪ ،‬وستكون له انعكاسات‬ ‫إيجابية على الفرد والمجتمع‪ ،‬على حد سواء‪.‬‬

‫ < زوار المعرض جاءوا ألهداف شتى‪ ،‬يجمعهم حب االطالع‬ ‫على الجديد والقديم من إص��دارات دور النشر المحلية < وعلى الرغم من كل ذلك‪ ،‬فإننا لو قارنّا حجم إصدارات‬ ‫والعربية‪ ،‬التي لوحظ أنها أصبحت تنتظر المعرض في كل‬ ‫الدول العربية مجتمعة من الكتب في عام واحد فإنها لن‬ ‫عام؛ لتقدم ما وجدت له قبوالً عند القارئ‪!..‬‬ ‫تعادل ما يصدر في دولة غربية واحدة مثل إسبانيا على‬ ‫< شاهدت أُن��اس��اً يتنقلون بين أجنحة الكتب‪ ،‬كما النحلة‬ ‫سبيل المثال!! فأين نحن من صناعة الكتاب في العالم؟‬ ‫تطوف على الثمرات وال��زه��ور والرياحين كلها‪ ،‬لتأخذ < انتهى المعرض‪ ،‬لكن المهم عندما تبدأ المرحلة األهم‪،‬‬ ‫ال سائغاً شرابه» فيه‬ ‫خالصة الرحيق؛ فيكون المنتج «عس ً‬ ‫وهي مرحلة قراءة الكتاب!‬ ‫غذاء العقول وشفاؤها!‬ ‫< أيها القارىء‪ :‬اقرأ بأعين مفتوحة؛ وناقش في عقلك‬ ‫ < التنقل بين أجنحة الكتب متعة‪ ،‬ال يشعر بها ويعرف قيمتها‬ ‫ما تقرؤه‪ ،‬خذ منه ما تراه صواباً‪ ،‬ودع ما يريبك وال‬ ‫إال القرّاء المُجيدين‪ ،‬هواة الكتابة والفكر والبحث واإلبداع‪،‬‬ ‫يوافق عقلك؛ ففي الكتب تجد الكثير من األهواء‪ ،‬وقد‬ ‫لألُنس بخبرات العلماء والكتّاب المبدعين في مختلف‬ ‫ال تتوافق مع العقل أو مع القيم أو مع ما تعارف عليه‬ ‫مجاالت المعرفة على تنوعها‪..‬‬ ‫الناس؛ فكن يقظاً دائماً عند القراءة‪ ،‬متنبهاً لما تقرؤه‬ ‫من معلومات وآراء!‬ ‫ < كان هناك جناح للطفل‪ ..‬ثمة دور نشر محدودة العدد شاركت‬ ‫< كاتب وإعالمي أردني‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪115‬‬


‫الكتاب ‪ :‬النباتات البرية في مراعي شمال اململكة‬ ‫العربية السعودية ‪ -‬دليل حقلي مصور‪.‬‬ ‫املؤلف ‪ :‬حمدان بن عجيريف احلسن‬

‫> عبدالله مبارك احلسن‬ ‫صدر للكاتب حمدان بن عجيريف الحسن المتخصص في علم النبات كتابا بعنوان (النباتات‬ ‫البرية في مراعي شمال المملكة العربية السعودية ‪ -‬دليل حقلي مصور) وذلك عن مركز اإلبل‬ ‫والمراعي في الجوف التابع لوزارة الزراعة‪.‬‬ ‫وقد تميز الكتاب بالتوثيق العلمي المصور للنباتات البرية في مراعي شمال المملكة‪ ،‬وهو‬ ‫يتكون من ‪ 246‬صفحة تم من خاللها حصر ‪ 59‬فصيلة تشمل ‪ 239‬جنسا يتفرع منها ‪458‬‬ ‫نوعا‪ ،‬وتحت نوع شكلت النباتات المعمرة ‪ %47‬والنباتات الحولية ‪ ،%53‬وكانت أهم الفصائل‬ ‫من حيث كثرة األنواع النباتية هي الفصيلة المركبة ‪ 81‬نوعا‪ ،‬تليها الفصيلة الصليبية ‪ 39‬نوعا‪،‬‬ ‫ومن ثم النجيلية ‪ 39‬نوعا‪ ،‬يليها السرمقية ‪ 34‬نوعا‪ ،‬والفراشية ‪ 31‬نوعا‪ ،‬والقرنفلية ‪ 25‬نوعا‪،‬‬ ‫والبوراجينية ‪ 23‬نوعا‪.‬‬

‫ق���������������راءات‬

‫بيّن المؤلف النباتات البرية في مراعي شمال المملكة‪ ،‬ووصفها بأشكالها وأحجامها وألوانها‬ ‫المختلفة‪ ،‬وتتبع العديد من الفصائل النباتية التي تكيفت مع ظروفها البيئية‪ ،‬وتوزيع النباتات‬ ‫حسب انتشار كل فصيلة في مراعي شمال المملكة‪ .‬كما بين المؤلف األسماء المحلية والعلمية‬ ‫للنباتات البرية‪ ،‬وأشار إلى جودة النبات سواء كان ساما أو رعويا أو عطريا أو مما يؤكل‪ ،‬وقد غطى‬ ‫هذا اإلصدار القطاع األوسط من شمالي المملكة وعلى مساحة تقدر بنحو ‪ 200‬ألف كيلومتر‬ ‫مربع‪ ،‬شملت منطقة الجوف وأجزاء من مناطق تبوك‪ ،‬حائل‪ ،‬وعرعر‪ ،‬كما تشمل أجزاء أوسع في‬ ‫النفود جنوبا والحجرة شرقا‪ .‬والمنطقة بمجملها تعتبر ضمن حوض النفود الرسوبي‪ ،‬وتشمل‬ ‫عددا من الوحدات المميزة هي‪ :‬الجوبة‪ ،‬والطويل‪ ،‬والنفود‪ ،‬وبسيطا‪ ،‬ووادي السرحان‪ ،‬والحرة‪،‬‬ ‫والحماد‪ ،‬والوديان‪ ،‬والحجرة‪ ،‬واللبة‪ .‬وتشمل هذه الوحدات عددا من البيئات المميزة‪ ،‬أهمها‬ ‫تكوينات الرمال‪ ،‬والهضاب ذات الصخور الرملية‪ ،‬والهضاب ذات الصخور الجيرية‪ ،‬والجبال‪،‬‬ ‫والحرات‪ ،‬والسهول الحصوية‪ ،‬والسهول الرملية‪ ،‬والشعاب‪ ،‬واألودية‪ ،‬والفياض والحبارى‪ ،‬وأخيرا‬ ‫السبخات‪.‬‬

‫‪ 116‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬


‫الكتاب ‪ :‬فتنة (رواية)‬ ‫الكاتب ‪ :‬أميرة القحطاني‬ ‫الناشر ‪ :‬بيروت دار العلم للماليني‪2007 ،‬‬

‫> احملرر الثقافي‬ ‫صدرت لألستاذة أميرة القحطاني روايتها األولى بعنوان‪« :‬فتنة» عن دار العلم للماليين في‬ ‫بيروت‪ ،‬وتقع الرواية في ‪ 134‬صفحة من القطع المتوسط‪.‬‬ ‫تتحدث الرواية عن رحلة ‪ -‬بطلتها فتنة ‪ -‬إلى مكة المكرمة خالل مرافقتها والدتها وأخاها‬ ‫للحج‪ .‬ترتسم في مخيّلة «فتنة» صور مختلفة من حياتها‪ ،‬تسترجع فيها أفكاراً لطالما شغلت‬ ‫بالها‪ ،‬فتراها خاضعة في مكان‪ ،‬ومنتفضة في مكان آخر‪ ،‬ومستنكرة في مكان ثالث‪..‬‬ ‫وفتنة واحدة من كثيرات يبحثن عن مكانتهن في مجتمع تأثر بالمدنية المطلقة‪ ،‬وما زالت‬ ‫جذوره متعلقة بالقبيلة والعادات والتقاليد‪.‬‬ ‫تقول البطلة‪ :‬أنا فتاة اسمها فتنة‪ ،‬وصلت إلى هذه الدنيا من زواج أب سعودي وأم قطرية‪ ،‬كما‬ ‫أنني لست كباقي الفتيات‪ .‬ربما ظاهرياً أبدو كذلك‪ ،‬أما داخلياً فال‪ ..‬ففي داخلي توجد فجوة‬ ‫خلقها طالق أبي من أمي وخلقتها القبيلة‪ ،‬خلقها هذا المجتمع المريض وهذه العائلة المحافظة‪،‬‬ ‫خلقتها العادات والتقاليد البالية‪ ،‬خلقتها كلمة عيب وكلمة حرام‪ .‬فجوة لعينة جعلتني ‪ -‬منذ‬ ‫وعيت هذه الدنيا ‪ -‬أدور في فراغ سادني‪ ،‬وأسير بخطىً متعثرة في طريق مظلم يؤدي بي دائماً‬ ‫إلى ال شيء!‬ ‫أنا في الواقع ال أملك حياة‪ ،‬أو مبدأ‪ ،‬أو هدفاً‪ ..‬ال أملك شيئاً على اإلطالق‪ .‬ال أملك سوى‬ ‫هذه القصة التي لم أكن أنوي كتابتها لوال تدخل صديقتي أميرة القحطاني‪ ،‬والتي حثتني على‬ ‫كتابتها للخروج من حالة البؤس التي أعيشها‪ ،‬فقد أقنعتني بأن المتنفس الحقيقي والوحيد‬ ‫لإلنسان هو «الحرف»‪ ،‬وقد بدأت أدوّن حكايتي أثناء رحلتي إلى الحج‪ ،‬وهذا أمر غريب بعض‬ ‫الشيء‪ ،‬ولكن لو نظرتم إل��ى حياتي فلن تستغربوا أي ش��يء أفعله‪ .‬وبصرف النظر عن هذه‬ ‫المقدمة ال ُم َؤلّفة‪ ،‬أنا اآلن ‪-‬عزيزي القارئ ‪ -‬بين يديك‪ ،‬ولك حرية االختيار‪ ،‬إما أن ترافقني‬ ‫الرحلة‪ ،‬وإما أن تعيدني إلى رفوف المكتبة»‪.‬‬ ‫< فتنة عبدالرحمن القحطاني‪ /‬بطلة القصة وراويتها‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪117‬‬


‫الكتاب ‪ :‬املضاف إلى نفسه‬ ‫املؤلف ‪ :‬زياد بن عبدالكرمي السالم‬ ‫الناشر ‪ :‬دار أزمنة – عمان‬

‫> ياسر حمد الناصر‬ ‫ص���درت ع��ن دار أزم��ن��ة ب����األردن المجموعة الشعرية‬ ‫«ال��م��ض��اف إل��ى نفسه» للشاعر وال��ق��اص زي���اد عبدالكريم‬ ‫السالم‪ ،‬واحتوت المجموعة (‪ )32‬نصاً شعرياً متنوعاً منها‪:‬‬ ‫حقول الفلين‪ ،‬مدينة الدمى‪ ،‬المضاف إلى نفسه‪ ،‬نبأ الدخان‪،‬‬ ‫عرائس البحر‪ ،‬يرقة تأخرت كثيراً‪.‬‬ ‫يقول عبدالله السفر الذي كتب مقدمة المجموعة‪« :‬زياد‪..‬‬ ‫هذا الشاعر الشمالي يتكئ على السرد ويطيل في خيطه‪,‬‬ ‫ينظم فيه ما فات على العين‪ ,‬واستدخلته الذاكرة من تربة‬ ‫تغوص إلى الباطن‪ ,‬األراض��ي المنسية المحجوبة المتروكة‬ ‫في وداعتها‪ ,‬يحركها زياد فيما يشبه الحمى‪ ،‬ال يرتب المشهد‬ ‫وال يعيد تأهيله إلى ما نألف‪ ،‬واستقرت عند المضاهاة التي‬ ‫تحبذ أن تنتمي الخطوة إلى أختها‪ ،‬يمارس غوايته في خريطة‬ ‫كالم وبث كائناته الغريبة بمسوح تأخذ جدتها وطرافتها من‬ ‫فعل انتفاء المشابهة‪ ,‬وليس المعنى انتفاء المرجعية التي‬ ‫تجمع الشاعر بقائمة مضيئة (سليم بركات‪ ,‬ادونيس‪ ,‬خزعل‬ ‫الماجدي) ولكن بمعنى التوليد الجديد في سياق تجربة وقول‬ ‫خاصين‪ .‬إن شعرية زياد تتفتح في بئر ماؤها تلتم جزئياته من‬ ‫هواء األسطورة التي تتخلّق بكيفية خاصة‪ ,‬تحيل إلى جذور‬ ‫يعاد استنباتها في أرض المخيلة وفضائها الرحب‪ ،‬مفتوحة‬ ‫على ما هو مدهش وعجيب وغريب‪.‬‬ ‫حظيت نصوص السالم اإلعجاب من قبل عدد من النقاد‪،‬‬ ‫ووص���ف ال��ن��اق��د ح��س��ن المصطفى ن��ص��وص��ه ب��ـ «ال��ن��ص��وص‬ ‫المفتوحة»‪ ،‬التي تتكئ على اللغة أكثر من اتكائها على السرد»‪،‬‬

‫‪ 118‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫وتخلو من التعمية اللغوية؛ ألن تجربته « تشربت من منابع‬ ‫رصينة لغويا أولها القرآن الكريم‪ ،‬الحاضر كثيراً في نصوصه‪،‬‬ ‫والتي جعلت للنص مرجعيته اللغوية» أما مرجعيته الثانية فهي‬ ‫الشعراء الثالثة» أدونيس‪ ،‬وقاسم حداد‪ ،‬وسليم بركات» التي‬ ‫بشكل أحاله على حد‬ ‫ٍ‬ ‫بينت بوضوح اشتغاله الواثق على اللغة‬ ‫وصفه لمستوى «صناعة الرؤية عبر اللغة‪ ،‬وليس العكس»‪.‬‬ ‫وتقول الدكتورة فاطمة الوهيبي‪ :‬يمكن أن تفسر نصوص‬ ‫زي��اد بأنها تصوير لعمل الفنان في محترفه قبل أن يتخلق‬ ‫الشكل النهائي لعمله‪ :‬إنها فوضاه وأحالمه واجتهاده وتعبه‪.‬‬ ‫في أماكن معينة من كل نص من نصوص السالم تشعر بتعب‬ ‫اللغة وإرهاق الفكرة التي دارت دورات عدة تحت ضربات من‬ ‫هنا وهناك‪ ،‬إلى أن استقرت في نتوء معين أو حفرة غائرة‬ ‫في تمثال اللغة الصخري‪.‬‬ ‫ويقول القاص عبدالحفيظ الشمري‪ :‬إنه (شاعر يتكئ على‬ ‫السرد)‪ ..‬هذا ما تشي به مقدمة ديوانه الجديد (المضاف‬ ‫إل��ى نفسه) فهو ي��زاوج بين تجربتين هما الشعر والسرد‪،‬‬ ‫بوصفهما حالتين من حاالت دهشته وألمه الذي يمور كمرجل‬ ‫على وشك الطيش المدمر‪ ..‬ويكشف في أعماله مأساة موت‬ ‫العالقة اإلنسانية وأخطارها المحدقة فينا‪.‬‬ ‫زياد السالم في ديوانه الجديد يعدد مواطن األلم‪ ،‬ويصف‬ ‫بتجرد وأمانة سحن خيباتنا‪ ،‬وتمايزات لواعجنا التي باتت‬ ‫تصعب على الجماد‪ ..‬ففي اإلهداء مصافحة أليمة أولى لما‬ ‫تسير إليه فعاليات الشعر في هذا الديوان‪.‬‬


‫الكتاب ‪ :‬عدت ياسادتي بعد موت قصير (شعر)‬ ‫املؤلف ‪ :‬رامي نزيه أبو شهاب‬ ‫الناشر ‪ :‬فضاءات ‪ – 2007‬عمان – األردن‪.‬‬

‫> احملرر الثقافي‬ ‫صدر مؤخرا عن دار فضاءات للنشر والتوزيع المجموعة الشعرية األول��ى للشاعر رامي‬ ‫نزيه أبو شهاب حملت عنوان‪« :‬عدت يا سادتي بعد موت قصير»‪ ،‬وقد احتوت المجموعة على‬ ‫(‪ )27‬نصا من قصائد النثر‪ ،‬جاءت في (‪ )120‬صفحة من القطع المتوسط‪ ،‬وتميزت النصوص‬ ‫بانحراف معظمها عن الشائع الشعري‪ ،‬وانحيازها إلى أنساق شعرية تحمل رؤى جديدة في قراءة‬ ‫المعاصر واليومي والمألوف في لغة شعرية غير مألوفة‪ ،‬تحمل الكثير من الدهشة واإلدهاش‪،‬‬ ‫والقلق الدائم والمستمر‪ ،‬في رصد محاوالت اإلنسان لتخطي رداءة واقعه‪ ،‬وسبر أغوار وجوده‬ ‫في عالم دائم المخاض واالنشغال‪ .‬وقد قام بتصميم غالف المجموعة الفنان نضال جمهور‪.‬‬ ‫وهذه مقاطع من قصيدة أمر بالدم‬ ‫تمر‬ ‫أمر بالدّ مِ كما ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫الساعةِ السابعة‬ ‫حافلةُ ّ‬ ‫كل يوم‬ ‫َّ‬ ‫وإذا ما تأخرتْ‬ ‫سقط اليومُ عن صهوةِ ال َنّبض‬ ‫َ‬ ‫وغرقَ في الال شيء‬

‫***‬ ‫يمر العاشقون‬ ‫أمر بالدّ م كما ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫بحبيباتهم‬ ‫الطريق‬ ‫على حافةِ ّ َ‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ ‪119‬‬


‫الكتاب ‪ :‬امللكات العربيات قبل اإلسالم‬ ‫املؤلف ‪ :‬هند محمد التركي‬ ‫الناشر ‪ :‬مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬

‫> احملرر الثقافي‬ ‫ضمن برنامج النشر في مؤسسة عبدالرحمن السديري‬ ‫الخيرية‪ ،‬صدر حديثاً‪ ،‬كتاب بعنوان «الملكات العربيات قبل‬ ‫اإلس�لام‪ :‬دراس��ة في التاريخ السياسي»‪ ،‬للباحثة هند بنت‬ ‫محمد التركي‪.‬‬ ‫يلقي ه���ذا ال��ك��ت��اب ال��ض��وء ع��ل��ى ج��وان��ب مهمة للمرأة‬ ‫العربية في التاريخ السياسي للحضارة العربية‪ .‬ففيه تتبع‬ ‫للملكات العربيات قبل اإلس�لام‪ ،‬في كل من مصر والشام‬ ‫وبالد الرافدين واألناضول وإي��ران‪ .‬كما يستعرض األنظمة‬ ‫السياسية في الجزيرة العربية‪ ،‬كنظام المشيخة القبلية‪،‬‬ ‫ون��ظ��ام المكربين‪ ،‬وال��ن��ظ��ام الملكي؛ وي��ن��اق��ش دور ال��م��رأة‬ ‫العربية ومكانتها في ظل األنظمة السياسية آن��ذاك‪ ،‬بدءاً‬ ‫بملكة سبأ‪ ،‬وانتهاء بملكات شمالي الجزيرة العربية‪( :‬زبيبة‪،‬‬ ‫وشمسي‪ ،‬ويطيعة‪ ،‬ويافا‪ ،‬وباسلو‪ ،‬وتعلخونو‪ ،‬وتبوأه‪ ،‬وعادية‪،‬‬ ‫وأخيراً ملكة تدمر زنوبيا)‪ .‬والكتاب غني بحصر الشواهد‬ ‫في النقوش اآلشورية‪ ،‬والعربية الجنوبية القديمة‪ ،‬والنبطية‬ ‫وال��ت��دم��ري��ة‪ ،‬ال��ت��ي أش���ارت إل��ى ملكات ال��ع��رب‪ ،‬وال��ع�لاق��ات‬ ‫السياسية لكل ملكة مع الممالك المعاصرة لحكمها‪.‬‬ ‫ج��اء الكتاب ف��ي تمهيد وأرب��ع��ة ف��ص��ول‪ ،‬واشتمل على‬ ‫ل��وح��ات لعمالت معدنية عربية قديمة ‪ -‬عُ��ث��ر عليها في‬ ‫عدد من المناطق العربية ‪ -‬ظهرت عليها صور لبعض تلك‬ ‫الملكات‪.‬‬ ‫اس��ت��ع��رض��ت ال��م��ؤل��ف��ة ف��ي التمهيد اإلط����ار ال��ج��غ��راف��ي‬ ‫والحضاري لمنطقة الشرق األدنى القديم ومكانة المرأة فيه‪،‬‬ ‫في كل من الجزيرة العربية ومصر وبالد الشام والرافدين‬ ‫وب�ل�اد األن��اض��ول وإي����ران‪ .‬وف��ي الفصل األول تحدثت عن‬ ‫النظام السياسي في الجزيرة العربية قبل اإلسالم من خالل‬

‫‪ 120‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1429‬هـ‬

‫استعراض نظام المشيخة القبلية ونظام المكربين والنظام‬ ‫الملكي‪ .‬وبينت األلقاب السياسية التي استخدمت آنذاك‬ ‫في ممالك جنوبي الجزيرة وشماليها‪ .‬وكذلك المرأة في ظل‬ ‫األنظمة السياسية السائدة في الجزيرة العربية في مملكة‬ ‫سبأ وممالك شمال غربي الجزيرة العربية‪.‬‬ ‫وفي الفصل الثاني تحدثت عن الملكات العربيات من‬ ‫خالل النقوش واآلثار العربية القديمة‪ ،‬وقد ضمنت الكتاب‬ ‫صوراً للعديد من العمالت البرونزية والفضية التي ظهرت‬ ‫عليها صور تلك الملكات‪ .‬إضافة إلى دراسة النقوش السبئية‪،‬‬ ‫والنقوش النبطية لملكات األنباط‪ :‬خلدو‪ ،‬وشقيلة‪ ،‬وجميلة‪.‬‬ ‫وتحدثت في الفصل الثالث عن الملكات العربيات في‬ ‫ال��م��ص��ادر الدينية وال��م��وروث ال��ع��رب��ي‪ .‬أم��ا الفصل ال��راب��ع‬ ‫فخصصته للحديث عن األدوار السياسية لهن‪ .‬كما تطرقت‬ ‫لعالقة ملكة سبأ بالنبي سليمان عليه السالم‪ ،‬وعالقات ملكة‬ ‫تدمر مع األنظمة السياسية المعاصرة لحكمها‪ ،‬وعن زوجات‬ ‫الملوك ودورهن السياسي‪.‬‬ ‫واش��ت��م��ل ال��ك��ت��اب ع��ل��ى م�لاح��ق ل��ل��خ��رائ��ط وال��ل��وح��ات‬ ‫واألشكال وفهرس لألعالم واألماكن وآخر لآليات القرآنية‬ ‫ذات العالقة بموضوع الكتاب‪.‬‬ ‫وخالصة القول إن الكتاب يقدّم دراس��ة علمية مهمة‪،‬‬ ‫تتصف بالشمولية والتفصيل لتاريخ الملكات العربيات قبل‬ ‫اإلس�لام‪ ،‬واألدوار السياسية التي لعبتها المرأة في النظام‬ ‫العربي القديم؛ ما يقدم خدمة كبيرة للباحثين والمتخصصين‬ ‫ف��ي دراس���ة ت��اري��خ ال��م��رأة العربية وأدواره����ا السياسية في‬ ‫الممالك واألنظمة العربية القديمة‪.‬‬



Joba-19