Page 1

‫نساء فى حياة‬ ‫الرســـــــــــول‬

‫صلى ال عليه وسلم‬

‫السيد إبراهيم أحمد‬


‫إهـــداء‬ ‫إلى أمي ‪ ..‬التى قبست من نور أمهات المؤمنين ‪..‬‬ ‫وإلى زوجــتي ‪ ..‬التى تحاول السير على دربهــّن‪..‬‬ ‫وإلى بنات ونساء المسلمين ‪ ..‬والعالمين ‪..‬‬ ‫أهدي هذا العمل ‪...‬‬

‫المؤلف‬

‫‪2‬‬


‫﴿﴾‬

‫مقدمة‬ ‫أينما يممنا وجوهنا قبل المشرق أو المغرب نستطلع تاريخ البشرية إل‬ ‫وجدنا للمرأة فيها باع‪ ،‬فلم يكد يتم ا ـ عز وجل ـ خلق آدم حتى أحس آدم‬ ‫بالوحدة تنتاب جنبات نفسه؛ فقد جاء خلقه وتكوينه فريًدا ل هو من عالم‬ ‫الملكئكة ول ينتمي بالطبع إلى عالم الجن‪ ،‬وكان قدر ا المقدور أن يخلق‬ ‫حواء منه ليأنس بها ويسكن إليها‪ ،‬وتسكن إليه‪.‬‬ ‫ثم كان المر من ا بالهبوط للزوجين ليبدأ مًعا رحلة الحياة التي خلق‬ ‫ا الجنس البشري من لدن آدم وإلى أن يرث ا الرض ومن عليها لعبادته‬ ‫فيها سبحانه‪ ،‬والتزام أوامره بتعميرها‪ ،‬وجاء أمر ا ابتداًء ﴿إِّنج ي َج عالِع ٌلل ِفج ي‬ ‫اْلَْر ِ‬ ‫ض َخ لِلفيَف ًةل﴾ وانتهاًء بأمره جل وعل ﴿اْه بِلُطاوا ِم ْنلَْه عال َج ِملفيلًععا﴾ لينفي السلم ذلك‬ ‫‪3‬‬


‫العار الذي جلل المرأة في الديانات السابقة واتهامها بأنها أصل كل خطيكئة‪،‬‬ ‫وأنه لولها لبقّي الجنس البشري مخلًدا في الجنة‪ ،‬وهذا فهٌم ل يستقيم ل مع‬ ‫ظاهر اليات فحسب وإنما ل يستقيم كذلك مع إرادة المولى ـ سبحانه ـ من‬ ‫الهدف والمهمة التي خلق من أجلها آدم عليه السلم‪.‬‬ ‫ومثلما صاحبت المرأة تاريخ البشر بعد خلق آدم عليه السلم صاحبت‬ ‫المرأة تاريخ النبياء عليهم وعلى نبينا جميًعا الصلة والسلم ‪ ،‬فحيثما قلبنا‬ ‫صفحات السفار بحًثا عن تاريخ كل نبي ودعوته لن نعدم أن نجد اسًما أو‬ ‫أسماء لنساء هنا وهناك تتردد في جنبات سيرته سواًء بالسلب أو باليجاب‪.‬‬ ‫وبالتبعية كان في سيرة المبعوث رحمًة للعالمين سيدنا محمد ــ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ــ للمرأة مكاًنا ومكانة بدت لنساء ترددت أسماكئهّن هنا وهناك‬ ‫أكثرهّن الصالحات‪ ،‬وأما من ورد ذكرهّن بالسلب فهّن قلة تأتي على رأسهّن‬ ‫أم جميل ﴿َح ّملعاللََة الَْح طَل ِ‬ ‫ب﴾ كما ورد نعتها في القرآن الكريم‪.‬‬ ‫غير أن قاربنا في رحلتنا العاطرة في سيرة بعض النساء في حياة‬ ‫الرسول ــ صلى ا عليه وسلم ــ لن ُيسمح له بالوقوف إل عند مرافيء‬ ‫النساء اللتي أحطّن الرسول بالود والرعاية وحسن العيش؛ لنتزود منهّن‬ ‫رجالً ونساًء على السواء بمكارم الخلق وعظيم الصفات‪.‬‬ ‫والحق يقال أن المرأة في ديننا الحنيف قد نالت أسمى آيات التكريم‪،‬‬ ‫وتبوأت قمة الهرم على مستوى حقوق النسان منذ أرسل ا نبيه ــ صلى‬ ‫ا عليه وسلم ــ وأنزل كتابه الكريم‪ ،‬كحقها في الزواج والطلق والميراث‬ ‫التي كانت محرومة منه في العصور التي خلت من قبل‪ ،‬كما أصبح لها دور‬ ‫بارز في الحياة الجتماعية‪ ،‬والعسكرية كمشاركتها الرجال فى عدد من‬ ‫الغزوات‪ ،‬والفكرية والعلمية كتصدرها لمجالس العلم والفكر في مختلف‬ ‫ميادينهما وأغراضهما‪.‬‬ ‫لهذا حظيت الحضارة السلمية على مر العصور بذكر نساء أسهمّن في‬ ‫بناء تلك الحضارة جنًبا إلى جنب مع الرجال‪ ،‬وما كان هذا ليتأتى لول أن‬ ‫القواعد المَؤسةِسة لحسن التعامل مع المرأة أثبتها وأسسها القرآن الكريم‬ ‫‪4‬‬


‫بالتوازي مع أقوال وأفعال صاحب الخلق العظيم سيدنا محمد صلى ا عليه‬ ‫وسلم‪ ،‬ولعل نظرة سريعة على مكانة المرأة في الحضارات والديانات‬ ‫السابقة لتنبيء عن ذلك أشد وأغنى بيان‪.‬‬ ‫غير أن منهجنا لن يقترب من سرد الوقاكئع والتاريخ وحسب وإنما قد‬ ‫يمتد المر لذكر شبهات ألقيت حول سيرة كل سيد ٍة جليلة منهن‪ ،‬مع ذكر‬ ‫الرد حول ما أثير من تلك الشبهات أو سوء الفهم أو اللتباس‪ ،‬وذلك حتى‬ ‫تكتمل الفاكئدة المرجوة من ذلك التناول ‪.‬‬ ‫وأرجو من ا أن يجعل هذا العمل في ميزان الحسنات لكاتبه وزوجه‪،‬‬ ‫ومن أشارت علّي به‪ ،‬وناشره وقاركئه وسادتنا العلماء من الذين نقلنا عنهم‬ ‫العلم والفهم‪ ،‬وأن يفتح للقاريء العزيز به باًبا من التواصل مع جانب من‬ ‫جوانب سيرة رسولنا الكريم ــ صلى ا عليه وسلم ــ العظيمة الجوانب‪.‬‬ ‫السيد إبراهيم‬

‫الفصل الول‬

‫السيدة آمنة ‪ :‬المينة أم المين‬ ‫‪5‬‬


‫)‪(1‬‬ ‫اهتم العرب أيما اهتمام بعلم النسب سواء في جاهليتهم أو بعد أن دخلوا‬ ‫فى دين السلم أفواًجا‪ ،‬فكانت لهم فيه مدارس‪ ،‬مثل‪ :‬مدرسة المدينة‬ ‫والشام‪ ،‬والمدرسة العراقية )في البصرة والكوفة(‪ ،‬والمدرسة اليمنية‪ ،‬ولن‬ ‫هذا العلم من أَجل العلوم قدرًا فقد وضع له النسابون مصطلحات يتداولونها‬ ‫بينهم بحيث تخفى عمن ليس منهم‪ ،‬مثل ‪):‬صحيح النسب(‪ ،‬فيمن ثبت نسبه‬ ‫في ديوانهم وقوبل بنسخة الصل فوجدوه منصوصًا عليه وثابت بإجماع‬ ‫النسابين من العلماء المشهورين بالعلم والمانة والصل ح وكمال العقل‪،‬‬ ‫وطهارة المولد‪ ،‬و)مقبول النسب(‪ ،‬فيمن أنكره بعضهم وثبت نسبه بشهادة‬ ‫صا عليه من طرف‬ ‫عدلين فصار نسبه مقبولً عندهم‪ ،‬فإن لم يوجد منصو ً‬ ‫مشاكئخ النسابين‪ ،‬فل تتساوى مرتبته بمرتبة من اتفق عليه بإجماع‬ ‫النسابين‪ ،‬و)مردود النسب(‪ :‬فيمن ادعى إلى قبيلة أي عاكئلة ولم يكن منهم‬ ‫فعلم به النسابون وأعلموا به تلك القبيلة وثبت بطلنه‪ ،‬فوجب منعه من‬ ‫دعوة الشرف فيصبح مردود النسب وخارج عن البيت الشريف‪.‬‬ ‫وأما السباب التى دعت أهل العلم إلى الهتمام بعلم النساب كونه من‬ ‫المور المطلوبة والمعارف المندوبة لما يترتب عليها من الحكام الشرعية‬ ‫والمعالم الدينية‪ ،‬منها‪ :‬العلم بنسب النبي ــ صلى ا عليه وسلم ــ وأنه‬ ‫النبي القرشي الهاشمي الذي كان بمكة وهاجر منها إلى المدينة‪ ،‬وهذا العلم‬ ‫لبد منه لصحة اليمان‪ ،‬ول يعذر مسلم في الجهل به‪.‬‬ ‫ومنها‪ :‬التعارف بين الناس حتى ل ينتسب أحد إلى غير آباكئه ول ينتسب‬ ‫ضا‬ ‫إلى سوى أجداده‪ ،‬وعلى ذلك تترتب أحكام الورثة فيحجب بعضهم بع ً‬ ‫وأحكام الولياء في النكا ح فيقدم بعضهم على بعض‪ ،‬وأحكام الوقف إذا خص‬ ‫الواقف بعض القارب أوبعض الطبقات دون بعض‪ ،‬وأحكام العاقلة في الدية‬ ‫‪6‬‬


‫حتى تضرب الدية على بعض العصبة دون بعض وما يجري مجرى ذلك‬ ‫فلول معرفة النساب لفات إدراك هذه المور وتعذر الوصول إليها‪.‬‬ ‫ومنها اعتبار النسب في المامة التي هي الزعامة العظمى؛ فلول المعرفة‬ ‫بعلم النسب لفاتت معرفة هذه القباكئل وتعذر حكم المامة العظمى التي بها‬ ‫عموم صل ح المة وحماية البيضة وكف الفتنة وغير ذلك من المصالح )‪.(1‬‬ ‫ولقد كان من أصحاب النبي ــ صلى ا عليه وسلم ــ من له باٌع طويل ٌ‬ ‫بالنسب وأشهرهم فى هذا أبو بكر الصديق ولهذا فقد أمر الرسول ــ صلى‬ ‫ا عليه وسلم ــ الشاعر حسان بن ثابت النصاري أن يستعين بأبي بكر‬ ‫ليرد على كفار قريش لعلمه بأنسابهم؛ إذ كان لبي بكر الصديق ـ رضي ا‬ ‫عنه ـ في علم النسب المقام الرفع والجانب العلى وذلك أول دليل وأعظم‬ ‫شاهد على شرف هذا العلم وجللة قدره‪ ،‬ولعل ما يؤكد هذا ما رواه صاحب‬ ‫الريحان والريعان عن أبي سليمان الخطابي أنه قال ‪ :‬كان أبو بكر ـ رضي‬ ‫ا عنه ـ نسابة فخرج مع رسول ا ــ صلى ا عليه وسلم ــ ذات ليلة‬ ‫فوقف على قوم من ربيعة فقال‪ :‬ممن القوم؟‪ ،‬قالوا‪ :‬من ربيعة‪ ،‬قال‪ :‬وأي‬ ‫ربيعة أنتم أمن هامتها أم من لهازمها؟‪ ،‬قالوا‪ :‬بل من هامتها العظمى‪ ،‬قال‬ ‫أبو بكر‪ :‬ومن أيها؟‪ ،‬قالوا‪ :‬من ذهل الكبر‪ .‬قال أبو بكر‪ :‬فمنكم عوف الذي‬ ‫يقال له ل حر بوادي عوف؟‪ ،‬قالوا‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬أفمنكم بسطام بن قيس ذو‬ ‫اللواء أبو القرى ومنتهى الحياء؟‪ ،‬قالوا‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬أفمنكم الحوفزان‬ ‫"الحارث بن كئريك " قاتل الملوك وسالبها نعمها وأنفسها؟‪ ،‬قالوا‪ :‬ل‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫أفمنكم المزدلف "ابن أبي ربيعة ابن ذهل بن شيبان " الحر صاحب العمامة‬ ‫الفردة؟‪ ،‬قالوا‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬أفمنكم الملوك من كندة؟ قالوا‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬أفمنكم‬ ‫أصهار الملوك من لخم؟‪ ،‬قالوا‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬فلستم بذهل الكبر بل ذهل الصغر‪.‬‬ ‫فقام إليه غلم من شيبان يقال له دغفل وقد بقل وجهه؟‪ ،‬فقال‪ :‬إن على‬ ‫ساكئلنا أن نسأله‪ ..‬والعبء ل تعرفه أو تحمله يا هذا إنك قد سألت فأخبرناك‬ ‫ولم نكتمك شيًكئا من خبرنا فممن الرجل؟‪ ،‬قال أبو بكر‪ :‬أنا من قريش‪ ،‬قال ‪:‬‬ ‫بخ بخ أهل الشرف والركئاسة‪ ،‬فمن أي القرشيين أنت؟‪ ،‬قال‪ :‬من ولد تيم بن‬ ‫مرة‪ ،‬قال الفتى‪ :‬أمكنت وا الرامي من صفاء الثغرة‪،‬أفمنكم قصي بن كلب‬ ‫الذي جمع القباكئل من فهر وكان يدعى مجمًعا؟‪ ،‬قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬أفمنكم هاشم‬ ‫الذي هشم الثريد لقومه؟‪ ،‬قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬أفمنكم شيبة الحمد مطعم طير‬ ‫‪7‬‬


‫السماء الذي كأن وجهه قمر يضيء في الليلة الظلماء؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬أفمن‬ ‫المفيضين بالناس أنت؟‪ ،‬قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬أفمن أهل الندوة أنت؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫أفمن أهل السقاية أنت؟ قال‪ :‬ل‪،‬قال‪ :‬أفمن أهل الرفادة أنت؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫أفمن أهل الحجاجة أنت؟! قال‪ :‬ل‪.‬‬ ‫واجتذب أبو بكر ــ رضي ا عنه ــ زمام ناقته فرجع إلى رسول ا ــ صلى‬ ‫ا عليه وسلم ــ فقال الفتى‪ :‬صادف درأ السيل درأ يدفعه يهيضه حيًنا‬ ‫وحيًنا يصدعه أما وا يا أخا قريش لو ثبت لخبرتك أنك من زمعات قريش‬ ‫ولست من الذؤاكئب أو ما أنا بدغفل‪.‬‬ ‫قال‪ :‬فأخبر رسول ا ــ صلى ا عليه وسلم ــ فتبسم‪ .‬فقال علي ــ رضي‬ ‫ا عنه ــ‪ :‬يا أبا بكر لقد وقعت من الغلم العرابي على باقعة ‪ ،‬قال‪ :‬أجل يا‬ ‫أبا الحسن‪ ،‬ما من طامة إل وفوقها طامة وإن البلء مَوكل بالمنطق‪.‬‬ ‫ودغفل هذا هو دغفل بن حنظلة النسابة الذي يضرب به المثل في النسب‬ ‫ضا من علوم العرب‪ ،‬قال الجاحظ عنه‬ ‫وقد كان له معرفة بالنجوم وغيرها أي ً‬ ‫‪" :‬لم يدرك الناس مثله لساًنا وعلًما وحفًظا وقد ضرب به المثل‪) :‬فلن‬ ‫أنسب من دغفل( كان أعلم أهل زمانه بالنساب"‪.‬‬ ‫ولعل أول ما ُكةِتَب في صدر السلم إنما كان في علم النسب‪ ،‬فقد تزامن‬ ‫مع بداية التدوين فى عهد الفاروق وكان على يد أولكئك الذين أتى بهم‬ ‫الخليفة عمر بن الخطاب‪ ،‬فعهد إليهم بوضع سجلت النساب التي أنشأها‬ ‫وهم‪ :‬جبير بن مطعم بن عدي القرشي‪ ،‬عقيل بن أبي طالب عبد مناف‬ ‫الهاشمي‪ ،‬مخرمة بن نوف بن أهيب الزهيري القرشي‪.‬‬ ‫وكانت توجيهات الخليفة عمرالصادرة إليهم في هذا الشأن ـ كما روى ابن‬ ‫سعد)‪(2‬ـ أن يدونوا ثبًتا بأنساب العرب على قباكئلهم حسب قربهم من الرسول‬ ‫ــ صلى ا عليه وسلم ــ لجل تنظيم ديوان العطاء‪.‬‬ ‫والمدهش أن كل من ورد ذكرهم سابًقا قد أوردهم الشيخ أبو بكر بن زيد‬ ‫في الطبقة الولى من النسابين الصحابة في كتابه‪ ) :‬طبقات النسابين( ‪..‬‬ ‫ف يسير‪:‬‬ ‫وسأوردهم مع غيرهم بتصر ٍ‬ ‫‪8‬‬


‫‪1‬ـ خليفة رسول ا أبو بكر الصديق ‪:‬‬ ‫قال ابن إسحاق‪ :‬كان أنسب العرب‪ ،‬وقال العجلي‪ :‬كان أعلم قرشي بأنسابها‪.‬‬ ‫ضا‪ :‬كان أنسب قريش لقريش‪ ،‬وقد أخذ النسب عنه‪:‬‬ ‫وقال أبن أسحاق أي ً‬ ‫جبير بن مطعم‪ ،‬وحسان بن ثابت‪ ،‬وحكيم بن حزام‪.‬‬ ‫‪2‬ـ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي ‪:‬كان ــ رضى‬ ‫ا عنه ــ نسابة‪.‬‬ ‫‪3‬ـ حسان بن ثابت الخزرجي النصاري‪.‬‬ ‫‪ 4‬ـ مخرمة بن نوفل بن ُأهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلب بن مرة‬ ‫القرشي الزهري‪ .‬أمه رقيقة بنت بن أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف‪،‬‬ ‫وكنيته‪ :‬أبو صفوان‪ ،‬وهو والد المسور بن مخرمة‪ ،‬وابن عم سعد بن أبي‬ ‫وقاص بن أهيب ‪ ،‬كما كان من مسلمة الفتح‪ ،‬من المؤلفة قلوبهم‪ ،‬وحسن‬ ‫إسلمه‪ ،‬وكان له علم بأيام الناس‪ ،‬وبقريش خاصة‪ ،‬وكان يؤخذ عنه‬ ‫النسب‪.‬‬ ‫‪5‬ـ أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق عاكئشة بنت أبي بكر رضي ا عنها‬ ‫وعن أبيها وجدها ‪ .‬قال عروة بن الزبير بن العوام حواري رسول ا صلى‬ ‫ا عليه وسلم ‪’’ :‬ما رأيت أحدا أعلم بالحلل والحرام والعلم والشعر والطب‬ ‫من عاكئشة أم المؤمنين’’‪ .‬وفي رواية أخرى‪’’ :‬ما رأيت أحًدا أعلم بالقرآن‬ ‫ول بفريضة ول بحرام ول بحلل ولبفقه ول بشعر ول بطب ول بحديث‬ ‫العرب ول نسب من عاكئشة’’‪.‬‬ ‫‪6‬ـ حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي السد‬ ‫ابن أخي خديجة زوج النبي صلى ا عليه و سلم قال الذهبي‪ :‬كان حكيم‬ ‫علمة بالنسب‪ ،‬فقيه النفس‪ ،‬كبير الشأن‪.‬‬ ‫‪7‬ـ جبير بن مطعم القرشي النوفلي كان أنسب العرب للعرب‪ ،‬وكان يقول‪:‬‬ ‫إنما أخذت النسب من أبي بكر الصديق‪ ،‬وقد عده كاتبوا سيرته من مشاهير‬ ‫علماء النسب فى عصره‪.‬‬ ‫‪8‬ـ عقيل بن أبي طالب بن عبد مناف القرشي الهاشمي‪ :‬أخو علي وجعفر‬ ‫رضى ا عنهم ‪ .‬وكان عالما ً بأنساب قريش ومآثرها ومثالبها‪ ،‬علمة‬ ‫بالنسب وأيام العرب‪ ،‬ومن أنسب قريش وأعلمهم بأيامه‪.‬‬

‫‪9‬‬


‫‪9‬ـ دغفل بن حنظلة بن زيد بن شيبان بن ذهل الشيباني الذهلي النسابة‪.‬‬ ‫وبعد ماتقدم‪ ..‬فهل هناك من تسول له نفسه وهو مجهول النسب أو‬ ‫الهوية أن يجاهر متفاخًرا بنسبه‪ ،‬أو يغامر بأن يعرض نفسه على قومه‬ ‫وفيهم من فيهم ممن ذكرنا من النسابة العلم؟!‬ ‫سؤال لبد من طرحه على ذلك الذي جاء من دين مطعون في نسب إلهه‬ ‫ت جلية بين أسفاره المقدسة‪ ،‬ومع هذا يتجرأ فيتطاول على نسب‬ ‫من تناقضا ٍ‬ ‫سيده وسيد أجداده ويلمز بالقول هنا وهناك‪ ،‬وكل ما استطاع فعله هو‬ ‫السقوط على بعض الحاديث الضعيفة في كتب التاريخ ل في الكتب المعتبرة‬ ‫لدى المسلمين‪ ،‬ناهيك عن كتابه المقدس الذى يروي المتناقضات وهنا‬ ‫مكمن الطامة الكبرى لي دين ‪ ..‬فما بالكم بنسب إلهي كما يزعمون‪.‬‬ ‫أخبرنا الحسن بن سفيان قال حدثنا هدبة بن خالد قال حدثنا حماد بن سلمة‬ ‫عن ثابت عن أنس بن مالك أن رسول ا صلى ا عليه وسلم لما صالح‬ ‫قري ً‬ ‫شا يوم الحديبية‪ ،‬قال لعلي‪ :‬اكتب بسم ا الرحمن الرحيم‪ ،‬فقال سهيل‬ ‫بن عمرو‪ :‬ل نعرف الرحمن الرحيم اكتب باسمك اللهم‪ ،‬فقال صلى ا عليه‬ ‫وسلم لعلي ‪’’ :‬اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول ا صلى ا‬ ‫عليه وسلم’’‪ ،‬فقال سهيل بن عمرو‪ :‬لو نعلم أنك رسول ا لتبعناك ولم‬ ‫نكذبك اكتب بنسبك من أبيك‪ ،‬فقال رسول ا صلى ا عليه وسلم لعلي ‪:‬‬ ‫’’أكتب محمد بن عبد ا فكتب’’)‪.(3‬‬ ‫نعم ‪ ..‬أكتب محمد بن عبد ا‪ ،‬وكتبها علي‪ ،‬ولم ينتهزها سهيل مطعًنا‬ ‫في نفي اسم النبي ونسبه أبًدا ول يجرؤ سهيل ول غيره على قول ذلك‪.‬‬ ‫هل طعن أبو سفيان في نسب الرسول ــ صلى ا عليه وسلم ــ أمام ملك‬ ‫الروم هرقل ولو فعلها لنهى الجدال لصالحه وانخسأ أتباع النبي صاغرين؟!‬ ‫هل تخاذل عمرو بن العاص وعبد ا بن أبي ربيعة أن يواجها جعفًرا ابن‬ ‫عم الرسول في حضرة النجاشي ملك الحبشة وأمام هذا الحشد الوافر من‬ ‫‪10‬‬


‫البطارقة والحاشية بالطعن والقد ح في نسب محمد بن عبدا ــ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ــ برغم الهدايا المجلوبة للنجاشي‪ ،‬وبالرغم مما اتصف به‬ ‫عمرو من ذكاء‪ ،‬وكانت صداقته للنجاشي تعينه على فعل وقول ما يريد؟!‬ ‫ولو فعلها جميعهم لما كان لمحم ٍد ول لدينه ول لتباعه شأن يذكر ولقامت‬ ‫الدنيا حتى عهدنا هذا على ساقين فقط من الديانات السماوية هما اليهودية‬ ‫والمسيحية!!‬ ‫ولو فعلوها فكيف خدعوا أنفسهم ودخلوا فيما بعد في دين نبي ٍ مكذوب‬ ‫ش ل ـ؟!‬ ‫النسب ـ حا َ‬ ‫من ذا الذى لَم شمل الفوارس الفارة يوم حنين حين جاهر ــ صلى ا‬ ‫ب’’ ‪...‬‬ ‫عليه وسلم ــ يناديهم بنسبه‪’’ :‬أََنا الّنةِبّي َل َكةِذْب أََنا اْبُن َعْبةِد اْلُمّطلةِ ْ‬ ‫قال النووي رحمه ا‪َ" :‬فإةِْن ةِقيَل‪َ :‬كْيف َقالَ الّنةِبّي صلى ا عليه وسلم‪ :‬أََنا‬ ‫سَب إةَِلى َجّده ُدون أَةِبيةِه َواْفَتَخَر ةِبَذلةَِك َمَع أَّن اةِلْفةِتَخار‬ ‫ةِاْبن َعْبد اْلُمّطةِلب’’ َفاْنَت َ‬ ‫ةِفي َحّق أَْكَثر الّناس ةِمْن َعَمل اْلَجاةِهلةِّية؟ ‪َ ،‬فاْلَجَواب ‪ :‬أَّنُه صلى ا عليه‬ ‫شْهَرته ةِبَجّدةِه أَْكَثر؛ ةِلَّن أََباُه َعْبد ّ‬ ‫ا ُتُوّفَي َ‬ ‫وسلم َكاَنْت ُ‬ ‫شاًّبا ةِفي َحَياة أَةِبيةِه َعْبد‬ ‫شةِتَهار َعْبد ّ‬ ‫شُهوًرا ُ‬ ‫ا‪َ ،‬وَكاَن َعْبد اْلُمّطةِلب َم ْ‬ ‫اْلُمّطةِلب َقْبل ةِا ْ‬ ‫شْهَرة َظاةِهَرة‬ ‫َ‬ ‫سّيد أَْهل َمّكة‪َ ،‬وَكاَن َكةِثيٌر ةِمْن الّناس َيْدُعوَن الّنةِبّي صلى ا‬ ‫شاةِكئَعة‪َ ،‬وَكاَن َ‬ ‫سُبوَنُه إةَِلى َجّده لةِ ُ‬ ‫شْهَرةِتةِه"‪.‬‬ ‫عليه وسلم ابن َعْبد اْلُمّطةِلب َيْن ُ‬ ‫فالعرب من أهل الحجاز‪ ،‬ومن بطون قريش وكذلك جميع القباكئل العدنانية‬ ‫يلتقون مع سيد ولد آدم ـ صلى ا عليه وسلم ـ في النسب‪ ،‬كما قال ابُن‬ ‫سب؛ كما قال ابُن‬ ‫كثير )‪ :(4‬فجميُع قباكئةِل عر ةِ‬ ‫ب الحجاز َينَتُهون إلى هذا الّن َ‬ ‫عباس وغيُره في قوله تعالى‪﴿ :‬قُْل َل أَْس أَلُُك ْمل َعلَْفيِه أَْج ًرللا إِّل الَْم َاولّدلَة ِفج ي‬ ‫ش إل ولةِرسوةِل ا صلى ا عليه وسلم‬ ‫الُْقْرلبَل﴾ى﴾‪ :‬لم يُكْن َبطٌن من ُبطوةِن قري ٍ‬ ‫صل ُ بهم‪ .‬وذلك أّن جميَع قباكئةِل العرب العدنانية تنتهي إليه بالباء‪،‬‬ ‫ب يت ةِ‬ ‫س ٌ‬ ‫َن َ‬ ‫ضا‪ .‬كما ذكَره محمد بُن إسحاق وغيُره في أمهاته‬ ‫وكثيٌر منهم بالمهات أي ً‬ ‫وأمهات آباكئه وأمهاتهم ما يطول ُ ذكره‪.‬‬

‫‪11‬‬


‫كيف رضيت خديجة بنت خويلد القرشية السدية‪ ،‬الطاهرة‪ ،‬سيدة قريش‪،‬‬ ‫وهّي من أوسط قريش نسًبا وأعظمهم شرًفا وأكثرهم مالً وأحسنهم جمالً‬ ‫وفضاكئل نفس‪ ،‬أن تسعى للزواج من شاب مجهول النسب ـ بزعمهم ـ قاكئلة‬ ‫له‪" :‬يا ابن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك وسماحتك في قومك وأمانتك‬ ‫وحسن خلقك وصدق حديثك"؟!‪..‬بل كيف يجرؤ أبو طالب عم الرسول ـ‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ أن يقول في خطبة عقد القرآن أمام رؤساء مضر‪،‬‬ ‫ووجهاء قريش‪ " :‬الحمد ل الذي جعلنا من ذرّية إبراهيم‪ ،‬وزرةِع إسماعيل‪،‬‬ ‫سّواس حرمه‪ ،‬وجعله‬ ‫و ةِ‬ ‫ضْكئضئ معد‪ ،‬وعنصر مضر‪ ،‬وجعلنا حضنة بيته‪ ،‬و ُ‬ ‫لنا بيًتا محجوًجا‪ ،‬وحرًما آمًنا‪ ،‬وجعلنا حكام الناس ثم إّن ابَن أخي هذا محمُد‬ ‫بن عبد ا ل يوزن به رجل ٌ إل َرَجح به شرًفا وُنْبلً وفضلً وعقلً"؟!‬ ‫لماذا لم يعترض ورقة بن نوفل ـ ابن عم خديجة ــ الــذي خطــب فــي‬ ‫ضلنا على ما عددت‬ ‫نفس المجلس فقال‪" :‬الحمد ل الذي جعلنا كما ذكرت وف ّ‬ ‫‪ ،‬فنحن سادة العرب وقادتها‪ ،‬وأنتم أهل لذلك كله‪ ،‬ل ينكر العرب فضــلكم ول‬ ‫يرد أحد من الناس فخركم وشــرفكم‪ ،‬فاشــهدوا علـّي معاشــر قريــش أنــي قــد‬ ‫أنكحــت محمــد بــن عبــدا خديجـَة بنــت خويلــد"؟! بــل أردف عمهــا بقــوله‪:‬‬ ‫"اشهدوا علّي معاشر قريش أني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بــن‬ ‫عبدا"‪.‬‬ ‫وكان هند بن أبي هالة‪ ،‬ابن خديجة‪ ،‬وربيــب الرســول‪ ،‬يقــول‪" :‬أنــا أكــرم‬ ‫الناس أًما وأًبا وأًخا وأخًتا‪ :‬أبي رسول ا رسول ا صلى ا عليــه وســلم‪،‬‬ ‫وأمي خديجة‪ ،‬وأخي القاسم‪ ،‬وأختي فاطمة"‪.‬‬ ‫إنه محمد النبي ــ صلى ا عليه وسلم ــ أشرف الناس نسًبا‪ ،‬وأكملهم‬ ‫َخْلًقا وُخلًُقا‪ ،‬فعن واثلة بن السقع رضي ا عنه أّن رسولَ ا صلى ا‬ ‫عليه وسلم قال‪’’ :‬إّن ا اصطفى ةِمن َوَلةِد إبراهيَم إسماعيَل‪ ،‬واصطفى من‬ ‫بني إسماعيل بني كنانة‪ ،‬واصطفى من بني كنانة قريشًا‪ ،‬واصطفى من‬ ‫قريش بني هاشم‪ ،‬واصطفاني من بني هاشم’’)‪.(5‬‬ ‫وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي ا عنه قال‪ :‬قال ُ رسول ا‬ ‫ت من خيةِر ُقروةِن بةِني آدم قرنا ً فَقْرنا ً حتى ُبةِعث ُ‬ ‫صلى ا عليه وسلم‪ُ’’ :‬بةِعْث ُ‬ ‫ت‬ ‫من الَقرةِن الذي كن ُ‬ ‫ت فيه’’‪.‬‬

‫‪12‬‬


‫وقال المام أحمد‪ :‬حدثنا أبو نعيم عن سفيان عن يزيد بن أبي زياد عن‬ ‫عبد ا بن الحارث بن نوفل عن المطلب بن أبي وداعة قال‪ :‬قال العباس‪:‬‬ ‫بلغه صلى ا عليه وسلم بعض ما يقول الناس فصعد المنبر فقال‪’’ :‬من‬ ‫أنا؟’’ ‪ ،‬قالوا‪ :‬أنَت رسول ُ ا صلى ا عليه وسلم‪ ،‬فقال‪’’ :‬أنا محمد بن‬ ‫عبد ا بن عبد المطلب‪ ،‬إّن ا َخَلَق الخلَق فَجعَلةِني في خيةِر َخلةِقه‪ ،‬وجعَلهم‬ ‫فريَقْين‪ ،‬فَجَعلةِني في خيةِر ةِفرقة‪ ،‬وخلَق القباكئلَ فجعَلةِني في خيةِر قبيلة‪،‬‬ ‫سا’’‪.‬‬ ‫وجعَلهم ُبيوتا ً فجعلةِني في خيةِرهم بيتًا؛ فأنا خيُركم بيتا ً وخيُركم نف ً‬ ‫وفي الحديث أيضا المرو ّ‬ ‫ي عن عاكئشة رضي ا عنها قالت‪ َ :‬قال رسول ُ‬ ‫ا صلى ا عليه وسلم ‪’’ :‬قال لي جبريل‪ :‬قَلْب ُ‬ ‫ض َمشاةِرقها‬ ‫ت الر َ‬ ‫وَمغاةِرَبها؛ فلم أةِجْد رجل أفضلَ من محم ٍد‪ ،‬وَقَلْب ُ‬ ‫ض َمشاةِرَقها وَمغاةِرَبها‬ ‫ت الر َ‬ ‫ب أفضل َ من بني هاشم’’)‪.(6‬‬ ‫فلم أةِجْد بةِني أ ٍ‬ ‫فكيف إذن لمحمدنا الكرم ـ صلى ا عليه وسلم ـ أن يقول ‪’’ :‬أنا ابن‬ ‫الذبيحين’’ إل إذا كانت قصة انتسابه للذبيح الول مشتهرة فيهم ـ رغم بعد‬ ‫زمانها ـ وحقيقة انتسابه للذبيح الثاني عبدا بن عبد المطلب على ُبعد‬ ‫فراسخ من وقاكئع أيامهم زمانا ً ومكانا ً يعلمونها ويحفظون ما جرى فيها‪.‬‬

‫‪13‬‬


‫)‪(2‬‬ ‫إنه محمد بن عبد ا‪ ،‬وعبدا كان أحب ولد أبيه عبد المطلب إليه‪،‬‬ ‫وذبيح قريش وفتاها بل أجمل شبابها‪ ،‬وحديث نواديها ومطمع بعض نساكئها‬ ‫للنورالذى كان يشع من وجهه‪ ،‬ومرادهن وغاية المنَى لفتيات قريش في‬ ‫ضا كانت ذاكئعة فزمزم كانت قد‬ ‫القتران به‪ ،‬وقصته مع زمزم وحفرها أي ً‬ ‫طمرتها قبيلة ُجرهم قبيل مغادرتها مكة لظلمها وانهزامها‪ ،‬وكان ذلك منها‬ ‫نقمة على أهلها الذين حاربوها وطردوها‪ .‬وظلت زمزم مطمورة إلى عهد‬ ‫أبيه عبد المطلب الذى أ ُ ٍري في المنام مكانها‪ ،‬فحاول إعادة حفرها‪ ،‬ومنعته‬ ‫قريش‪ ،‬ولم يكن له يومكئذ من ولد يعينه على تحقيق مراده إل الحارث فنذر‬ ‫ل تعالى إن رزقه عشرة من الولد يحمونه ويعينونه ليذبحن أحدهم‪ ،‬ولما‬ ‫رزقه ا عشرة من الولد أراد أن يفي بنذره لربه فاقترع على أيهم يكون‬ ‫الذبح‪ ،‬فكانت القرعة على عبد ا‪ ،‬وهّم أن يذبحه عند الكعبة فمنعته‬ ‫قريش‪ ،‬وطلبوا إليه أن يرجع في أمره إلى عرافة خيبر لتفتيه في أمر ذبح‬ ‫ولده ‪ ،‬فأرشدته إلى أن يضع عشًرا من البل وهي دية الفرد عندهم‪ ،‬وأن‬ ‫يضرب بالقدا ح على عبد ا وعلى البل‪ ،‬فإن خرجت على عبد ا الذبيح‬ ‫زاد عشًرا من البل‪" ،‬وإن خرجت على البل فانحرها عنه فقد رضيها ربكم‪،‬‬ ‫ونجا صاحبكم!!"‪ ..‬فوصلوا إلى مكة وجيء بالبل وصاحب القدا ح‪ ،‬وقام‬ ‫عبد المطلب عند هبل داخل مكة يدعو ا ‪ -‬عز وجل‪ ،-‬وأخذ صاحب القدا ح‬ ‫يضربها‪ ،‬وكلما خرجت على عبد ا زادوا عشًرا من البل حتى بلغت ماكئة‪،‬‬ ‫كل ذلك وعبد المطلب قاكئم يدعو ا ‪ -‬عز وجل ‪ -‬عند هبل‪ ،‬فقال رجال‬ ‫قريش‪ :‬قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب‪ .‬فأبى إل أن يضرب عنها القدا ح‬ ‫ثلث مرات‪ ،‬ففعل فكانت في كل مرة تخرج على البل‪ ،‬وعندها رضي عبد‬ ‫المطلب ونحر البل‪ ،‬وتركها ل ُيصّد عنها إنسان ول حيوان‪ ،‬ونّجى ا‬ ‫تعالى عبد ا‪.‬‬ ‫وكانت المكافأة لعبدا بعد نجاته أن يتزوج "فتاة ُزهرة" آمنة بنت وهب‬ ‫َزهرة بنات قريش وبنت سيد بنى ُزهرة" وهب بن كلب بن مرة بن كعب بن‬ ‫ف وأى حسب ‪ ،‬وأما أمها فهّي برة بنت عبد العزي بن‬ ‫لؤي" فأى شر ٍ‬ ‫عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلب‪ ،‬وجدها عبد مناف بن زهرة الذي‬ ‫‪14‬‬


‫ُيقرن اسمه بابن عمه عبد مناف بن قصي‪ ،‬فيقال‪) :‬المنافان( تعظيًما‬ ‫وتكريًما فهّي كما حكى ابن هشام في سيرته‪" :‬أفضل فتاة في قريش نسًبا‬ ‫وموضعا"‪.‬‬ ‫وهكذا قدر ا أن تعرف آمنة أن عبدا ابن عمها التي التقته في‬ ‫صغرها كما يلتقي أقارب العاكئلة الواحدة حيث كانا يسكنان في جهة واحدة‬ ‫من مكة أن يكون هو زوجها‪.‬‬ ‫كما قدرا أن يكون نبينا ـ صلى ا عليه وسلم ـ سليل عشيرتين‬ ‫كبيرتين من قريش بل أكبر القباكئل التى عرفها العرب‪.‬‬ ‫أما الذى يعنينا هنا ليس أمر زواج آمنة وحسب ولكن الوقوف على أمر‬ ‫تلك الفتاة التي حسدتها صويحباتها ولداتها لنيل هذا الشرف العظيم بالفوز‬ ‫بفتى مكة الذى كان حلم معظمهن‪ ،‬ثم مالبثت أن جنت بعد تلك الفرحة‬ ‫ضا؛ فقد‬ ‫الغامرة القصيرة حزًنا وهًما طويلً بعد حياة زوجية قصيرة أي ً‬ ‫فارقها زوجها فراًقا أبدًيا وهّي التى ودعته على أمل اللقاء به بعد رحلة‬ ‫تجارية فإذا بها بعد النتظار المضني تفجع بأن الغربة صارت غربتان غربة‬ ‫السفر ثم أعقبها غربة الفراق الذي ل لقاء بعده‪ ،‬وكيف للحياة أن تحلو وفي‬ ‫أحشاكئها يسكن جنين سيخرج للدنيا يتيًما‪ ،‬فمن لها ومعها وهّي تصارع‬ ‫وحدها أهوال وشداكئد الحياة التي عصفت بكل أحلمها وآمالها دفعًة واحدة؟‬ ‫مات عبدا ولم يكن عمر الجنين عند فقده إل شهران‪ ،‬وهذا هو الرأي الذى‬ ‫ذكره ابن إسحاق‪ ،‬وتابعه عليه ابن هشام‪ ،‬وهو الرأي المشهور بين كتاب‬ ‫السير والمؤرخين وكان عمر عبد ا حينذاك ثماني عشرة سنة‪.‬‬ ‫شاءت إرادة ا أن يطل على الدنيا الجنين يتيًما في صبيحة يوم الثنين‬ ‫التاسع من شهر ربيع الول لينطلق نوره من شعب بني هاشم بمكة ل‬ ‫ليضيء قصور الشام وحسب بل ليضيء كل جنبات الدنيا عندما يصبح‬ ‫رسول ا للناس كافة‪.‬‬ ‫سمى عبد المطلب جد الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ حفيده )محمد(‪،‬‬ ‫ودخل به الكعبة‪ ،‬ودعا له‪ .‬يقول البروفيسور عبد الحد داود )‪) :(7‬إنها‬ ‫‪15‬‬


‫لمعجزة فريدة حًقا في تاريخ الديان‪ ،‬أن ُيطلق اسم محمد من جميع أبناء‬ ‫آدم على نجل عبدا وآمنة في مدينة مكة لول مرة‪ ،‬وليمكن أن تكون‬ ‫هناك حيلة زاكئفة أو محاولة ما أو تزوير ما فى هذا المجال‪ ،‬لن والديه‬ ‫وأقرباءه كانوا وثنيين ولم يعلموا شيًكئا مطلًقا عن التنبؤات العبرية‪ ،‬وأن‬ ‫اختيارهم لسم محمد أو أحمد ليمكن تفسيره بأنه كان على سبيل‬ ‫المصادفة‪ ،‬أو حدًثا عرضًيا(‪.‬‬ ‫قال البعض أن من سماه بهذا السم أمه آمنة وقال بعضهم بل ا‬ ‫سبحانه وتعالى وإن كان المشهور أن الذي سماه جده عبد المطلب‪ ،‬ولن‬ ‫"عبد الحد" ل يتصور أن يكون هذا السم ـ محمد ـ جاء مصادفة أو‬ ‫ضا‪ ،‬يقول الدكتورمحمد شيخاني )‪ (8‬موةِفًقا بين أنه إلهام من ا وأن‬ ‫َعَر ً‬ ‫الذى سماه جده ‪) :‬ومن الموافقات الجميلة أن ًيْلَهم عبد المطلب تسمية‬ ‫حفيده محمًدا‪ ،‬وأنها تسميٌة أ ُةِعيَن عليها ولم يكن العرب يألفون هذه‬ ‫العلم‪ ،‬لذلك سألوه ‪ :‬لم رغبت عن أسماء آباكئه وأجداده؟ فأجاب ‪ :‬أرد ُ‬ ‫ت‬ ‫أن يحمده ا فى السماء‪ ،‬وأن يحمده الخلق فى الرض فكانت هذه‬ ‫استشفاًفا لغيب‪ ،‬فإنه ليوجد فى النسانية من يستحق ازجاء الشكر‬ ‫والثناء كما يستحق المحّمد ـ صلى ا عليه وسلم ـ ةِلما أسدى للنسانية‬ ‫من خي ٍر عميم(‪.‬‬ ‫سّم قبله‬ ‫قال ابن قتيبة‪ :‬من أعلم نبّوته ـ صلى ا عليه وسلم ـ أّنه لم ُي َ‬ ‫صيانة من ا لهذا السم‪ ،‬كما فعل مع َيحيى حيث لم يجعل‬ ‫أحد باسم محمد‪ ،‬ةِ‬ ‫سةِمًّيا‪ ،‬قال تعالى‪﴿ :‬يا َزكرَيا إنا ُنب ّ‬ ‫شُرَك بُغل ٍم اسُمه َيْحيى َلم َنْجَعل‬ ‫له من قبل َ‬ ‫سةِمًّيا﴾)‪ (9‬ولما َقُرَب زمنُه وب ّ‬ ‫سّمَى قوم‬ ‫شر أهل الكتاب بقرةِبه َ‬ ‫له من َقْبل ُ َ‬ ‫ضي عياض ستة فقط‪ ،‬وقال‬ ‫أولَدهم بذلك رجاء أن يكون هو‪ ،‬وعّدهم القا ةِ‬ ‫ابن حجر الذي جمع أسماء من تسّمى باسمه في جزء مفرد‪" :‬إّنهم حوالي‬ ‫العشرين مع تكرير في البعض ووْهم في البعض‪ ،‬وانتهى منهم إلى خمسة‬ ‫سا‪ ،‬ذكر أسماء المشهورين منهم وقال‪ :‬لم يدةِرك السلم منهم إل‬ ‫عشر نف ً‬ ‫محمد بن عدي التميمي السعدي‪ ،‬ومحمد بن البراء البكري؛ لنه صحابّي‬ ‫سّمَي بمحمد في الجاهلّية إل ثلثة‬ ‫جزما‪ ،‬وذكر ابن َخّلكان أّنه ل يعرف أحد ُ‬

‫‪16‬‬


‫سفيان بن مجاشع جّد الفرزدق‪ ،‬ومحمد بن أ َُحْيحة بن الُجل ح أخو‬ ‫محمد بن ُ‬ ‫عبدالمطلب لّمه‪ ،‬ومحمد بن حمران بن ربيعة"‪.‬‬ ‫أما اسم أحمد فلم يتسم أحد به قبل الرسول ا صلى ا عليه وسلم‪.‬‬ ‫قال الحافظ العراقي‪":‬وفي الصحيحين من حديث جبير بن مطعم عن النبي‬ ‫صلى ا عليه وسلم ‪’’ :‬إن لي خمس أسماء‪ :‬أنا محمد وأنا أحمد’’‪" ...‬‬ ‫الحديث‪.‬‬ ‫ولم يتسم بأحمد قبله ـ صلى ا عليه وسلم ـ أحٌد ول في زمنه ول في‬ ‫زمن أصحابه‪ ،‬حماية لهذا السم الذي بشر به النبياء‪ ،‬وأول من ُ‬ ‫سّميةِ‬ ‫أحمد في السلم‪ :‬أحمد بن عمر بن تميم والد الخليل بن أحمد العروضي‪.‬‬ ‫حدثنا عبد ا حدثني أبي ثنا عبد ا حدثني أبي ثنا عبد الرحمن ثنا‬ ‫زهير عن عبد ا يعنى بن محمد بن عقيل عن محمد بن على أنه سمع‬ ‫علي بن أبي طالب ـ رضي ا عنه ـ يقول‪ :‬قال رسول ا صلى ا عليه‬ ‫و سلم ‪’’ :‬أعطيت ما لم يعط أحد من النبياء’’‪ ،‬فقلنا‪ :‬يا رسول ا ما‬ ‫هو؟ قال‪’’ :‬نصرت بالرعب وأعطيت مفاتيح الرض وسميت أحمد وجعل‬ ‫التراب لي طهور وجعلت أمتي خير المم’’)‪.(10‬‬ ‫كما أنه ـ صلى ا عليه وسلم ـ لم يأمر المسلمين بالتسمي باسمه‬ ‫ولم يرغبهم فى ذلك ‪ ،‬ولو أراد لجابوه فقد كانوا يحبون التأسي به فى‬ ‫كل شىء‪ .‬والحديث الذي رواه أبو هريرة ـ رضي ا عنه ـ عن الرسول ـ‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ أنه قال‪’’ :‬تسموا باسمي ولتكنوا بكنيتي’’‪ .‬فله‬ ‫واقعة مخصوصة وهي النهى عن اتخاذ كنيته "أبا القاسم" في حياته‬ ‫وجواز التسمي باسمه يؤيد هذا الحديث الوارد بمسند أحمد )‪(3/385‬‬ ‫حدثنا أبو معاوية عن العمش عن سالم عن جابر قال ‪ :‬قال رسول ا‬ ‫صلى ا عليه وسلم‪’’ :‬سموا باسمي ول تكنوا بكنيتي‪ ،‬فإنما جعلت‬ ‫قاسما أقسم بينكم’’‪.‬‬

‫‪17‬‬


‫يقول ر‪.‬ف‪ُ .‬بودلى )‪) :(11‬فقد أصبح اسم الطفل محمًدا ‪ .‬وتسمى به‬ ‫مليين الطفال الذين ولدوا بعد الدين الجديد الذى قُّدَر أن ينشره على‬ ‫العالمين ابن آمنة من عبدا(‪.‬‬ ‫ولهذا تبارت معظم السرالمسلمة من عصر المبعث وحتى الن في‬ ‫تسمية بعض مواليدها من الذكور بأسماء محمد أو أحمد حتى أصبح اسم‬ ‫محمد هو السم الكثر انتشاًراً في العالم يليه اسم أحمد‪.‬‬

‫‪18‬‬


‫)‪(3‬‬ ‫مات عبدا وكل ماتركه لمنة وابنها خمسة أجمال‪ ،‬وقطعة غنم‪،‬‬ ‫وجارية حبشية اسمها بركة وكنيتها أم أيمن‪ ،‬وهّي حاضنة الرسول ـ‬ ‫صلى ا عليها وسلم ـ حتى اللبن في ثدي آمنة قد جف فلم تقو على‬ ‫إرضاع وليدها وذلك بعد أسبوع من ولدته ـ صلى ا عليه وسلم ـ فأول‬ ‫امرأة أرضعت رسول ا هي ثويبة كما في تاريخ الطبري‪ ،‬حيث قال‪:‬‬ ‫"أول من أرضع رسول ا ـ صلى عليه وسلم ـ ثويبة بلبن ابن لها يقال‬ ‫له مسرو ح أياًما قبل أن تقدم حليمة‪ ،‬وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن‬ ‫عبد المطلب وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد السد المخزومي" ‪ .‬وثويبة‬ ‫هذه مولة لبي لهب عم النبي صلى ا عليه وسلم‪.‬‬ ‫ها قد بلغ النبّي ـ صلى ا عليه وسلم ـ السادسة من عمره غاب فيها‬ ‫عن عينّي آمنة قرابة العامين في مضارب بني سعد ابن بكر مسترضًعا عند‬ ‫حليمة بنت أبى ذؤيب‪ ،‬وذلك جرًيا على عادة أهل الحضر من العرب من‬ ‫التماس المراضع لولدهم من نساء البادية‪ ،‬فارتأت أن تذهب بطفلها وهو‬ ‫فى هذه السن إلى أخوال جده عبد المطلب بالمدينة من بني عدي بن‬ ‫النجار؛ لن أم عبد المطلب هى ‪ :‬سلمى بنت عمرو النجارية‪ ،‬وقد كان هدف‬ ‫ى ابنها بقية أهله فى المدينة وماهم عليه من عز ومنعة وجا ٍه‬ ‫آمنة أن ُتر ّ‬ ‫وشرف‪ ،‬وكذلك ليزور قبر أبيه هناك‪ ،‬وكأنها أرادت أن تصل ابنها برحمه‬ ‫سواء بمكة أو المدينة‪ ،‬وكأنها استشعرت دنو الجل فكانت الرحلة محملة‬ ‫بكل تلك القيم الصيلة لمرأ ٍة عربية تعي وتخبر التقاليد العربية الصيلة‪.‬‬ ‫خرجت آمنة وطفلها ومعهما أم أيمن بركة الحبشية جارية أبيه‪ ،‬ووصل‬ ‫الركب إلى المدينة‪ ،‬وكان المقام في دار النابغة من بني النجار‪ ،‬ومكثوا‬ ‫عندهم شهًرا‪ ،‬لم تملْ الزوجة الثكلَى من زيارة قبر زوجها الذي واراه‬ ‫التراب سريًعا‪ ،‬وعند قبره أدرك البن أن الميت ل يعود فأدرك معنى فقد‬ ‫الب‪ ،‬وكانت آمنة الحزينة ترقب تصرفاته فيعتصر قلبها حزًنا عليه‪ ،‬وتخرج‬ ‫الكلمات والجابات الملتاعة من صدرها وهي تنتزع من شفتيها ابتسامة‬ ‫‪19‬‬


‫لتخفف آلم وأحزان وأسكئلة الطفل اليتيم عن معنى الموت‪ ،‬وفراق الب‪ ،‬ولم‬ ‫تحتمل آمنة المقام أكثر من هذا وكأن دا ٍع دعاها فأعلنت القوم بنيتها في‬ ‫العودة إلى مكة‪.‬‬ ‫وفي "الْبَواء" بين مكة والمدينة قضى ا أمًرا كان مفعوًل‪ ،‬حيث لم‬ ‫تحتمل آمنة مشقة البعد عن قبر الحبيب‪ ،‬وربما مشقة السفر في ج ٍو قاكئظ ل‬ ‫ترحم فيه شمس تلك البلد ماشًيا ول راكًبا تحتها فمرضت‪ ،‬وزاد المرض‬ ‫ف وذبول بدا واضحين‬ ‫عليها والطفل يرى التغيرات التي تصيب أمه من ضع ٍ‬ ‫على محياها‪ ،‬وهو ل يملك غير مواساتها والتخفيف عنها‪ ،‬وبينما كانت أم‬ ‫أيمن تقوم على رعايتها كان محمًدا يرقب المشهد في صمت وحزن واشفاق‬ ‫والم رغم أناتها تنظر إليه طويلً وتهدأ من روعه كثيًرا حتى فرت بقايا‬ ‫مقاومتها وعافيتها أمام جحافل الموت الذي اختطفها أمام عينيه وهو ل‬ ‫يملك لها شيًكئا‪.‬‬ ‫وكأن ا قد رسم لنبينا قبل المبعث مسيرة حياته فهو سيبدأ الدعوة من‬ ‫مكة ثم يهاجر ويعيش ويدفن بالمدينة في نفس البلدة التي تضم رفات أبيه‪،‬‬ ‫وليكون قبر أمه بالْبَواء التي تبعد عن المدينة حوالي خمسة وعشرين ميلً‬ ‫ترعاه في مسيره‪ ،‬وبالرغم من كون الْبَواء تقع على الطريق الجانبى ل‬ ‫طريق الجادة وهما الطريقان الركئيسيان بين مكة والمدينة إل أن الرسول ـ‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ بعد الهجرة كان يفضل الطريق الجانبى كثيًرا لمرورها‬ ‫بقبر أمه ) ‪ ،(12‬فكان كلما مّر بقبرها زاره‪ ،‬ويبكي وُيبكي من حوله‪ ،‬ففي‬ ‫صحيح مسلم عن أبي هريرة ـ رضي ا عنه ـ قال‪ :‬زار النبّي صلى ا‬ ‫عليه وسلم قبر أمه‪ ،‬فبكى وأبكى من حوله‪ ،‬ثم قال ‪’’ :‬استأذن ُ‬ ‫ت ربي في‬ ‫زيارة قبر أمي فأذن لي‪ ،‬واستأذنته في الستغفار لها فلم يأذْن لي‪ ،‬فزوروا‬ ‫القبور تذكركم الموت’’) ‪.(13‬‬ ‫أصبح الطفل نبًيا ولم تغب عن باله آثار تلك الرحلة الثقيلة‪ ،‬وكيف لرحل ٍة‬ ‫مثل هذه أل تكون ثقيلة على نفس طفل ما كاد يعلم معنى اليتم عند قبر أبيه‪،‬‬ ‫حتى عرف معنى الموت مجسًدا أمامه فى فقد الم‪ ،‬ولهذا كان النبّي ـ صلى‬ ‫ا عليه وسلم ـ ينظرإلى دار بني النجار بعد الهجرة قاكئ ً‬ ‫ل‪’’ :‬هنا نزلت بي‬ ‫أمي‪ ،‬وفي هذه الدار قبر أبي عبد ا‪ ،‬وأحسنت العوم في بكئر عدي بن‬ ‫النجار’’‪.‬‬ ‫‪20‬‬


‫جاء إعلن الرسول الصادق المين ـ صلى ا عليه وسلم ـ بإعلن كفر‬ ‫والديه في زمن بعثته ولم يأبه له أحد من الصحابة‪ ،‬ولم يمتشقوا عصا‬ ‫ضا على انتساب الرسول لبوين كافرين‪ ،‬ولننا في زمن غلب‬ ‫التمرد اعترا ً‬ ‫فيه الهتمام بسفاسف المور على النظر إلى أشرافها في الهتمام بمثل تلك‬ ‫الموضوعات فأفرغ أهله فيه جل الطاقة ما بين مدافع ومهاجم‪ ،‬وانقسمت‬ ‫المة وكالعادة تكاتف الشيعة والصوفية ومن يسمون أنفسهم بالقرآنيين‬ ‫صًفا واحًدا ضد أهل السلف أو معتنقي الوهابية كما ينعتونهم‪ ،‬وتابعهم في‬ ‫العزف على نفس الوتيرة بعض أذناب النصارى‪.‬‬ ‫وغاب عن الجميع أن هذه الحاديث وهذا العلن دليل صدق على نبوة‬ ‫محمد ـ صلى ا عليه وسلم ـ كما جاء القرآن الكريم كذلك دليل صدق له‬ ‫حيث جاء من بين سوره بسورة المسد وفيها ما فيها من ذ ٍم لعم الرسول‬ ‫نفسه أبا لهب ولو كان القرآن من صنع محمد لزالها‪ ،‬وكذك لم يخن‬ ‫الرسول أمته فقد كان أميًنا فى التبليغ فما كتم شيكئا َ علمه من ا مما أوحى‬ ‫به إليه صلى ا عليه وسلم ‪.‬‬ ‫يقول الدكتور محمد سيد أحمد المسير) ‪) :(14‬إن الصدق ـ يقصد صدق‬ ‫الرسول عليه الصلة والسلم ـ هو المعجزة الولى التى دفعت الناس إلى‬ ‫اليمان بالرسالة لسيدنا محمد صلى ا عليه وسلم(‪.‬‬ ‫كما يقول المام أبي حامد الغزالى ) ‪) :(15‬اعلم أن من شاهد أحواله ـ‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ وأصغى إلى سماع أخباره المشتملة على أخلقه‬ ‫وأفعاله وأحواله وعاداته وسجاياه ‪ ،‬وسياسته لصناف الخلق‪ ،‬وهدايته إلى‬ ‫ضبطهم‪ ،‬وتألفه أصناف الخلق‪ ،‬وقودهم إياهم إلى طاعته مع ما ُيحَكى من‬ ‫عجاكئب أجوبته فى مضايق السكئلة‪ ،‬وبداكئع تدبيراته فب مصالح الخلق‪،‬‬ ‫ومحاسن إشاراته فى تفصيل ظاهر الشرع الذب يعجز الفقهاء والعقلء عن‬ ‫إدراك أواكئل دقاكئقها فى طول أعمارهم‪ ،‬لم يبق له ريب ولشك فب أن ذلك لم‬ ‫يكن مكتسبا ً بحيلة تقوم بها القوة البشرية‪ ،‬بل ل يتصور ذلك إل بالستمداد‬ ‫س‪ ،‬بل‬ ‫من تأييد سماوب وقوة إلهية‪ ،‬وأن ذلك كله ليتصور لكذاب ول ُمَلةِب ْ‬ ‫كانت شماكئله وأحواله شواهد قاطعة بصدقه حتى أن العربى الُقح كان يراه‬ ‫فيقول‪ :‬وا ما هذا وجه كذاب‪ ،‬فكان يشهد له بالصدق بمجرد شماكئله‪،‬‬ ‫‪21‬‬


‫فكيف من شاهد أخلقه ومارس أحواله في جميع مصادره؟!‪ ،‬فأ َْعةِظْم بغباوة‬ ‫من ينظر في أحواله‪ ،‬ثم في أفعاله‪ ،‬ثم في أخلقه‪ ،‬ثم في معجزاته‪ ،‬ثم في‬ ‫استمرار شرعه إلى الن‪ ،‬ثم في انتشاره في أقطار العالم‪ ،‬ثم في إذعان‬ ‫ملوك الرض له في عصره وبعد عصره مع ضعفه ويتمه‪ ،‬ثم يتمارى بعد‬ ‫ذلك فى صدقه(‪.‬‬ ‫نعم أنه الصدق وهو ماتنبه له بعقله الديب البريطانى هـ ‪ .‬جـ ‪ .‬ويلز‬ ‫س إليه‬ ‫فيقول‪) :‬إن من أرفةِع الدلةِة على صدةِق محم ٍد كوَن أهةِله وأقر ةِ‬ ‫ب النا ةِ‬ ‫يؤمنون به فقد كانوا مّطلعيَن على أسراةِره‪ ،‬ولو شّكوا في صدةِقه لما آمنوا‬ ‫به(‪.‬‬ ‫وربما السؤال هنا لماذا حكم الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ بحكم ا‬ ‫عز وجل وأعلن ذلك ولم يضمرها في نفسه ليس عن شجاعة وحسب بل‬ ‫لنه كرسول من عند ا مكلف بأمانة التبليغ‪ ،‬يوضح ذلك البيهقي ‪:‬‬ ‫)‪ ( 16‬بعد تخريجه لحديث‪’’ :‬أبي وأباك في النار’’ ‪" :‬وكيف ل يكون أبواه‬ ‫وجّده بهذه الصفة في الخرة‪ ،‬وكانوا يعبدون الوثن حتى ماتوا‪ ،‬ولم يدينوا‬ ‫دين عيسى ابن مريم عليه السلم"‪.‬‬ ‫وكون النصرانية بلغت العرب‪ ،‬فنعم ‪ ..‬ومنهم بعض أهل مكة بالطبع فقد‬ ‫كان فيهم من تنصر كورقة بن نوفل‪ ،‬كما أن المبشرين توغلوا في أماكن‬ ‫ناكئية من جزيرة العرب‪ ،‬ومنهم من رافقوا العراب وعاشوا عيشتهم‪ ،‬حتى‬ ‫عرفوا بـ )أساقفة الخيام( و )أساقفة أهل الوبر(‪ ،‬ومنهم )أساقفة القباكئل‬ ‫الشرقية المتحالفة(‪ ،‬و)أساقفة العرب البادية( وقد أفلحوا فى إبعاد كثير من‬ ‫العرب عن الوثنية ) ‪.(17‬‬ ‫وربما كان عذر أهل مكة وغيرها من العرب ممن لم يدينوا بالنصرانية أن‬ ‫النصرانية قد عادت وثنية عسرة الفهم‪ ،‬وأوجدت خلًطا عجيًبا بين ا‬ ‫والنسان‪ ،‬ولم يكن لها في نفوس العرب المتدينين بهذا الدين تأثيًرا حقيقًيا؛‬ ‫لبعد تعاليمها عن طراز المعيشة التي ألفوها‪ ،‬ولم يكونوا يستطيعون البتعاد‬ ‫عنها) ‪ ،(18‬كما شهد علماء النصرانية في عصور متأخرة بذلك فقال الدكتور‬ ‫بارنز‪) :‬إن معظم الشعاكئر الدينية المسيحية قد اقتبست من الوثنية() ‪،(19‬‬

‫‪22‬‬


‫وبالتالي فقد وجد فيها العرب مشابهة لما هم عليه من الشرك‪ ،‬وعبادة‬ ‫الصنام فاكتفوا بما عندهم أو ما هم عليه‪.‬‬ ‫كما أننا يجب أل نبالغ في تصور من تنصروا من العرب فى الجاهلية‪،‬‬ ‫وحًقا ذكر كثير من شعراكئهم في أشعارهم الكناكئس والبيع والرهبان‬ ‫والساقفة‪ ،‬غير أنهم ظلوا ل يتعمقون فى المسيحية )‪، (20‬بل كانت‬ ‫مسيحيتهم مسيحية سطحية )‪ ، (21‬وفي شبه الجزيرة العربية لم يكن‬ ‫للمسيحية من أثر يذكر‪ ،‬فقد كان اهتمام بيزنطة بعرب شبه الجزيرة ينحصر‬ ‫في كونهم تجاًرا ونقلة بضاكئع من أقاصي آسيا وأفريقيا‪ ،‬وكانت الرو ح‬ ‫التنصيرية في بيزنطة ضعيفة أو معدومة )‪ ،( 22‬وهذا ما يؤكده المستشرق‬ ‫اليطالي اغناطيوس غويدي حين يقول ) ‪) : (23‬أن جمهرة البدو من أعراب‬ ‫شبه الجزيرة لم يتميزوا مطلًقا بفكرة دينية راسخة‪ ،‬فاللهة والصنام كانت‬ ‫معروفة وساكئدة‪ ،‬ولم يكن للدين لدى البدو حافز من طبيعة عميقة الصول(‪.‬‬ ‫فكيف لمنة الزهرة الناشكئة في بيت يحفه السؤدد والغنى‪ ،‬يحوطها حنان‬ ‫أب ينتمي لقوم يقومون بوظاكئف دينية هامة وضخمة لخدمة الكعبة‬ ‫وسدانتها أن تفكر في اعتناق دين ل يتحدث عنه أحد أمامها‪ ،‬وإذا افترضنا‬ ‫أنه تناهى إلى مسامعها عنه شيء فل يكاد عقلها يستسيغه خاصًة وأن‬ ‫المسيحية عندما وصلت بلد العرب كانت قد أغرقت نفسها في خلفات‬ ‫وتعقيدات لهوتية ل يسيغ فهمها إل كبار المتخصصين في علم اللهوت‪،‬‬ ‫الذين وقفوا حياتهم لشر ح وتفسير هذه المعميات والطلسم )‪ ،( 24‬فكيف لها‬ ‫حتى عندما كبرت وصارت زوجة وعقلت المور أكثر أن تخالف قومها‬ ‫وتعتنق دين حاول أحد أتباعه أن يهدم الكعبة التى لها المكانة العليا‬ ‫والقداسة العظمى في قلب كل عربي ناهيك عن كل قرشي وذلك هو أبرهة‬ ‫الحبشي حاكم اليمن بالنيابة عن النجاشي عندما وجه أفياله تجاه الكعبة‬ ‫ليهدمها وذلك لكي يصرف العرب عنها فيحجون إلى كنيسته التى بناها فى‬ ‫صنعاء‪ ،‬وما تعرفه من لقاكئه بعبد المطلب والد زوجها‪ ،‬وما خلفه ذلك‬ ‫الحبشي وجيشه من الخوف والذعر والتوجس الذي فجر فى نفوس المكيين‬ ‫مقًتا شديًدا على هذا الطاغية الغازي ودينه مما ل تستطيع معه آمنة ول‬ ‫غيرها مجرد التفكير في الخروج على ما يؤمن به قومها واعتناق دين‬

‫‪23‬‬


‫العداء‪ ،‬خاصة وهى تحيا في كنف وعطف عبد المطلب جد حفيدها المنتظر‬ ‫والقاكئم بتبعات السقاية والرفادة وسيد قومه‪.‬‬ ‫وإذا كان هذا هو قول الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ على أبويه نزولً‬ ‫على حكم ا بكفرهما لنهما قد أظلهما دين سماوي لم يتبعاه فعلى غيرهما‬ ‫ضا نفس الحكم العادل‬ ‫ممن أظلهم دين السلم ولم يدخلوا فيه أن يتقبلوا أي ً‬ ‫الذي أنزله ا على أحب الناس إلى قلب رسوله ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫ضا جزاًء وفاقا‪.‬‬ ‫دون مواربة فال ل يحابي أحًدا‪ ،‬وهو الحكم عليهم بالكفر أي ً‬ ‫قال صلى ا عليه وسلم ‪’’:‬والذى نفسى بيده‪ ،‬ل يسمع بي أحد من هؤلء‬ ‫يهودي ول نصراني‪ ،‬ثم ل يؤمن بالذى أرسلت به إل أدخله ا النار’’‪.‬‬ ‫يقول محمد فتح ا كولن)‪) :(25‬يبين القرآن الكريم ضلل أبي إبراهيم‬ ‫عليه السلم‪ ،‬وهذا الضلل لم يشكل نقيصًة في حق إبراهيم عليه السلم إذ‬ ‫يمكن القول بوجود أناس لم يصلوا إلى نور التوحيد من بين أجداد رسول‬ ‫ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ كذلك‪ ،‬ول يدري أحد ماذا كان موقف عبد‬ ‫ي من عقيدة التوحيد‪ ،‬ولكننا نستطيع أن نقول بكل‬ ‫المطلب أو هاشم أو لٌَؤ َ‬ ‫اطمكئنان أنهم عاشوا في عهد )الفترة( وأنهم سيعاملون على هذا الساس‪،‬‬ ‫ومع ذلك فإن احتمال وجود أي قصور منهم ل يمكن أن يشكل مانًعا من‬ ‫تكليف رسولنا ـ صلى ا عليه وسلم ـ بالرسالة اللهية إلى البشرية(‪.‬‬ ‫وقال البيهقي)‪" : ( 26‬وكفُرهم ل يقد ح في نسب رسول ا صلى ا عليه‬ ‫وسلم؛ لن أنكحة الكفار صحيحة‪ ،‬أل تراهم يسلمون مع زوجاتهم‪ ،‬فل‬ ‫يلزمهم تجديد العقد‪ ،‬ول مفارقتهن؛ إذ كان مثله يجوز في السلم"‪.‬‬ ‫كما قال ابن كثير في )سيرة الرسول وذكر أيامه( ‪" :‬وإخباره صلى ا‬ ‫عليه وسلم عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار ل ينافي الحديث‬ ‫الوارد من طرق متعددة أن أهل الفترة والطفال والمجانين والصم يمتحنون‬ ‫في العرصات يوم القيامة‪ .‬لنه سيكون منهم من يجيب‪ ،‬ومنهم من ل يجيب‪،‬‬ ‫فيكون هؤلء ‪ -‬أي الذين أخبر عنهم النبي ‪ -‬من جملة من ل يجيب‪ ،‬فل‬ ‫منافاة"‪.‬‬

‫‪24‬‬


‫أما المام النووي فقال في شرحه لصحيح مسلم عند حديث‪’’ :‬أبي وأباك‬ ‫في النار’’ ‪" :‬وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من‬ ‫عبادة الوثان فهو في النار‪ ،‬وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة؛ فإن‬ ‫الدعوة كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من النبياء صلوات ا تعالى‬ ‫وسلمه عليهم"‪.‬‬ ‫وكما أصطفى ا رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ لرسالته اختار له‬ ‫أصحابه وأزواجه رضوان ا عليهم أجمعين‪ ،‬وبالحرى اختار له والديه‬ ‫ولو شاء ا اختيارهم مؤمنين لكان‪ ،‬ولوكان كفرهما قادًحا في اختيار‬ ‫الرسول لما أختارهما أو رضيهما لرسوله‪ .‬قال صلى ا عليه وآله وسلم‪:‬‬ ‫ت’’‪.‬‬ ‫ب الّطاةِهةِريَن إلى َأرحاةِم الّطاةِهرا ةِ‬ ‫’’َلم أََزل ُأنَقل ُ ةِمن َأصل ةِ‬ ‫وقد رفضت دار الفتاء المصرية الفتاوى التى خرجت بأن والدي الرسول‬ ‫صلى ا عليه وسلم من المشركين وأنهما فى النار‪ ،‬حيث قالت الدار في‬ ‫بحث لمانة الفتوى برقم )‪ (2623‬أن الحكم في أبَوي النبي ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ أنهما ناجيان وليسا من أهل النار‪ ،‬وقد صر ح بذلك جمع من العلماء‪،‬‬ ‫وصنف العلماء المصنفات فى بيان ذلك‪ ،‬منها‪ :‬رسالتا المام السيوطي‬ ‫"مسالك الحنفا في نجاة والَدى المصطفى" و"التعظيم والةِمّنة بأّن والَدي‬ ‫المصطفى في الجنة"‪.‬‬ ‫وقالت الدار‪) :‬إن العلماء استدلوا على ذلك بأنهما ةِمن أهل "الَفترة"‪،‬‬ ‫لنهما ماتا قبل البعثة ول تعذيب قبلها‪ ،‬لن َمن مات ولم تبلغه الدعوة يموت‬ ‫ناجًيا‪ ،‬لتأخر زمانهما وُبعةِده عن زمان آخر النبياء‪ ،‬وهوسيدنا عيسى عليه‬ ‫السلم‪ ،‬ولطباق الجهل في عصرهما‪ ،‬فلم يبلغ أحًدا دعوةُ نبي من أنبياء ا‬ ‫إل النفر اليسير من أحبار أهل الكتاب فى أقطار الرض كالشام وغيرها‪ ،‬ولم‬ ‫يعهد لهما التقلب في السفار ول عّمرا عمًرا يمكن معه البحث عن أخبار‬ ‫النبياء‪ ،‬وهما ليسا من ذرية عيسى عليه السلم ول من قومه‪ ،‬فبان أنهما‬ ‫ةِمن أهل الفترة بل شك‪ .‬وَمن قال‪ :‬إن أهل الفترة ُيمَتَحُنون على الصراط فإن‬ ‫صوا على أن الوالدين‬ ‫أطاعوا دخلوا الجنة وإل كانت الخرى‪ ،‬فإن العلماء ن ّ‬ ‫الشريفين لو قيل بامتحانهما فإنهما من أهل الطاعة‪ ،‬قال الحافظ ابن حجر‪:‬‬ ‫‪25‬‬


‫"إن الظن بهما أن يطيعا عند المتحان"‪.‬‬ ‫وأضافت أمانة الفتوى‪) :‬أن الطبري أورد في تفسيره عن ابن عباس –‬ ‫ك‬ ‫س ْاول َ‬ ‫ك َربّ َ‬ ‫فليلُْع ِطلفيل َ‬ ‫رضى ا عنهما ‪ -‬أنه قال في تفسير قوله تعالى‪َ﴿ :‬و لَل َ‬ ‫ضل﴾ىل﴾ )‪ ،(27‬قال‪" :‬ةِمن ةِرضا محمد صلى ا عليه وآله وسلم أن ل َيدُخل‬ ‫فلََتلَْر َ‬ ‫أحٌد ةِمن أهل بيته النار"‪.‬‬ ‫وقالت الفتوى الطريق الثاني الذي سلكه القاكئلون بنجاة أبَوي النبي‬ ‫صلى ا عليه وآله وسلم‪ :‬أنهما ناجيان؛ لنهما لم يثبت عنهما شرك‪ ،‬بل‬ ‫كانا على الحنيفية ةِدين جدهما إبراهيم عليه السلم‪ ،‬ولقد ذهب إلى هذا‬ ‫القول جمٌع من العلماء منهم الفخر الرازى في كتابه‪" :‬أسرار التنزيل"‪.‬‬ ‫واستدل أهل هذا الطريق بقوله تعالى‪﴿ :‬الِّذ يل يلَراَك ِح فيلَن تلَُقاوُم )‪(218‬‬ ‫س عالِج ِد ليلَن﴾ )‪ ،(28‬أى أنه ‪ -‬صلى ا عليه وآله وسلم ‪ -‬كان‬ ‫ك ِفج ي ال ّ‬ ‫َو تلَق لّلبَ َ‬ ‫يتقلب في أصلب الساجدين المؤمنين مما يدل على أن آباءه لم يكونوا‬ ‫مشركين‪ ،‬قال الرازى‪ :‬قال صلى ا عليه وآله وسلم‪َ’’ :‬لم أََزل ُأنَقل ُ ةِمن‬ ‫ت’’‪ ،‬وقال تعالى‪﴿ :‬إِنَّم عال الُْم ْشلِرلُك اولَن‬ ‫ب الّطاةِهةِريَن إلى َأرحاةِم الّطاةِهرا ةِ‬ ‫َأصل ةِ‬ ‫سل﴾ )‪ ،(29‬فوجب أل يكون أحٌد ةِمن أجداده صلى ا عليه وآله وسلم‬ ‫نََج ٌ‬ ‫مشرًكا‪.‬‬ ‫كما رفضت أمانة الفتوى قول من قال إنهما خير من المؤمنين مع‬ ‫كفرهما‪ ،‬لن هذا يعني القول بتفضيل الكافرين على المؤمنين؛ وأضافت‪:‬‬ ‫ولكى نخرج من هذا المحظور وجب أن نقول بأنهما مؤمنان‪.‬‬ ‫أما الرواية الثالثة التى استندت إليها أمانة الفتوى في قولها بنجاة‬ ‫والدي الرسول‪ ،‬بأن ا تعالى أحياهما له ـ صلى ا عليه وآله وسلم ـ‬ ‫حتى آَمنا به‪ ،‬وأضافت أن هذا المسلك مال إليه طاكئفة كثيرة ةِمن حفاظ‬ ‫المحّدثين وغيرهم‪ ،‬منهم‪ :‬الخطيب البغدادي وابن شاهين وابن الُمَنّير‬ ‫‪26‬‬


‫والمحب الطبري والقرطبى‪ ،‬واحتجوا لمسلكهم بأحاديث ضعيفة‪ ،‬ولكنها‬ ‫ترقى إلى الحسن بمجموع طرقها‪.‬‬ ‫وينحو منحى دار الفتاء ركئيس الجمعية الشرعية بمصر الدكتور محمد‬ ‫المختار المهدي)‪ (30‬في تبركئة وتنزيه أبوي الرسول الكريمين من الكفر‬ ‫حيث يقول‪) :‬لم يمنع النبي من الستغفار ل ُّمه لّنها مشركة‪ ،‬بل لنها من‬ ‫ث‬ ‫كّلعا ُمَعّذ بِلفيَن َ َت‬ ‫أهل الفترة الذين لم تبلغهم الدعوة‪ ،‬لقوله تعالى‪َ﴿ :‬و َملعال ُ ْن‬ ‫حّل﴾ى نَلبلَْع َ‬ ‫َرُس اولًل﴾)الرسراء‪ ،(15:‬وقد صر ح القرآن أكثر من مرة أن قوم النبي لم يرسل‬ ‫ك لََعلُّه ْمل يلَْه َتَلُد ولَن﴾)الرسجدة‪:‬‬ ‫إليهم قبله رسول ﴿لَِتلْْنُِذ َرل قلَْاو ًملعال َمعال أَتَعاُه ْمل ِم ْنل نَِذ يلٍر ِم ْنل قلَْبلِ َ‬

‫ب ارتكبته أمه حتى يسغفر لها‪ ،‬وقد توفيت وهو ابن ست‬ ‫ي ذن ٍ‬ ‫‪ ،(3‬فأ ّ‬ ‫سنين؟!‪ ..‬أما بكاؤه ـ صلى ا عليه وسلم ـ عند قبرها فلتذكره إياها‬ ‫وحزنه على فراقها‪ ،‬وما قيل هنا في أمه ـ رضّي ا عنها ـ يقال في أبيه‬ ‫في حديث أنس أن رجلً قال ‪ :‬يارسول ا‪ ،‬أين أبي؟‪ ،‬قال ‪’’ :‬في النار’’‪،‬‬ ‫قال‪ :‬فلما َقّفى دعاُه‪ ،‬فقال‪’’ :‬أبي وأباك في النار’’ )أخرجه مرسلم(‪ ،‬ومع أن‬ ‫هذا الحديث قد ُتُكّلَم فيه!!‪ ..‬ولو صْح!!‪..‬كان المقصود بأبيه في الحديث‬ ‫هو عمه أبو طالب‪ ،‬لنه هو الذي بلغته الدعوة‪ ،‬والعرب تطلق على العم‬ ‫لفظ الب كما ورد في القرآن الكريم عن قول يعقوب لبنيه حين حضره‬ ‫ك ِإبلَْراِه فيلَم َو إِلْس َملعالِع فيلَل‬ ‫كل َو إِللََه َآبَعائِ َ‬ ‫الموت ورد أبناكئه عليه بقولهم‪﴿ :‬نلَْعبُلُد إِلََه َ‬ ‫َو إِلْس َحلعالَقإِلًَه عال َوالِح ًد لالَو نلَْح ُنللَهُ ُمْس ِللُم اولَن﴾)البقرة‪.(133:‬‬ ‫وأعجب من قول الدكتور المهدي أن الحديث تكلم فيه أو لقوله ولو صح‪،‬‬ ‫مع كون هذا الحديث لم ينفرد به المام مسلم وحده‪ ،‬بل هو عند عدد كبير‬ ‫من أهل الحديث كأبي داود‪ ،‬وأحمد وابن حبان والبيهقي وأبي‬ ‫يعلى والبزار وغيرهم‪ ...‬وهو حديث صحيح‪ ..‬كما أقر ذلك أهل العلم‬ ‫بالحديث فقد صححه كل من مسلم وابن حبان والجوزجاني والبيهقي وابن‬ ‫كثير واللباني والحويني‪ ..‬كما يزداد عجبي من صحفي مختص بالشكئون‬ ‫الدينية في صحيفة قاهرية يفتي بلعن من قال بأن أبوي الرسول ـ صلى‬ ‫ا عليه وسلم ـ في النار!!‪ ..‬فما هكذا يدور الخلف كما تعلمناه من‬ ‫سادتنا العلماء‪.‬‬ ‫‪27‬‬


‫تقول الدكتورة عاكئشة عبد الرحمن) ‪) :(31‬ولم ُيقدر أحٌد مما شهدوا‬ ‫رقدتها في مضجعها الخير بالبواء‪ ،‬أن سوف يأتى حيٌن من الدهر‬ ‫ُتبعث فيه الراقدة‪ ،‬ثم ل يموت لها ذكٌر من بعد ذلك أبًدا‪ ،‬بل نظل‬ ‫صورتها تنتقل عبر الجيال باهرة السنا والبهاء‪ ،‬ويظل اسمها خالًدا‬ ‫على مر العصور والدهار ‪ ،‬يحف بها جلل أمومتها العظمى التي لبثت‬ ‫ـ وسوف تلبث داكئًما ـ تستثير أنبل ما في وجدان المؤمنين من انفعال‪،‬‬ ‫وُتلهم شعراءهم رواكئع القصيد‪ ،‬وهذه الدنيا تصغي فى الليلة المباركة‬ ‫من ربيع كل عام هجري‪ ،‬إلى هتاف المحتفلين بذكرى الساعة الغراء‬ ‫التي قامت فيها ’’آمنة’’ عن ولدها سيد البشر‪ ،‬سلٌم على ’’آمنة’’‬ ‫سيدة المهات’’‪ ،‬ووالدة النبي المبعوث بآخر رسالت السماء(‪.‬‬ ‫وبعد أن أنهى الدكتور محمد أبو زهرة تصفح تاريخ السيدة آمنة‬ ‫بنت وهب قال‪) :‬لننظر إلى تلك المجاهدة الصبور‪ ،‬فإذا قلنا أنها عاشت‬ ‫كالعذراء إذ لم يكن إل أنها حملت سر هذا الوجود‪ ،‬وكأنها أودعت‬ ‫أمانة النبوة لتحتفظ بها‪ ،‬وكأنها كالبتول العذراء‪ ،‬بيد أن هذه لم‬ ‫تصطفها الملكئكة‪ ،‬عزاء من رب العالمين إذ اختارها وتعهدها نبي‬ ‫وأقامها في المحراب وكانت في رعاية ظاهرة‪ ،‬وأما آمنة بنت وهب‬ ‫فقد خوطبت بلسان الفطرة المستقيمة‪ ،‬وعلمت بحكم الباعث في نفس‬ ‫طاهرة أنها حملت أمانة‪ ،‬واستمرت المانة معها في رعاية ا تعالى‬ ‫وهى حملت ما حملت غير وانية ول مقصرة‪ ،‬ول هادي يهديها إل ما‬ ‫انبعث في نفسها من نور الفطرة‪ ،‬والحساس بعبء المانة( )‪.(32‬‬ ‫وسواء اختلف من اختلف مع فتوى الديار المصرية أو اتفق معها‪،‬‬ ‫وسواء اختلف أو اتفق من رأى فى السيدة آمنة بنت وهب اليمان أو‬ ‫خلفه‪ ،‬لكننا ل نملك إل أن نحترم وُنجل هذا العبء الذي تحملته‬ ‫وأعانها ا عليه‪ ،‬فقد تحملت المانة في سن صغيرة وهى الحسيبة‬ ‫النسيبة‪ ،‬السيدة المخدومة‪ ،‬بنت السادات وأكابر قومها‪ ،‬ومع هذا فلم‬ ‫تلن لها قناة‪ ،‬ولم تفر من قدرها‪ ،‬أو ألقت رضيعها إلى أهله وفرت إلى‬ ‫ج آخر وحياة جديدة‪ ،‬بل قامت برسالتها بكل‬ ‫أهلها تبحث لها عن زو ٍ‬ ‫أمانة وتحملت فى سبيلها ما تحملت‪ ،‬ثم ماتت وهي في سفرها‬ ‫وغربتها من أجل أن تصل ابنها برحمه‪ ،‬ويقف على قبر والده‪ ،‬فكانت‬ ‫‪28‬‬


‫بحق مثال ُيحكَى في القيام بأداء المانة‪ ،‬فرضع منها وليدها المانة‬ ‫سّمّي قبل مبعثه "المين"‪ ،‬فكان أهلً عندما اصطفاه ا أن يقوم‬ ‫حتى ُ‬ ‫بأمانة الرسالة والتبليغ بل يتحمل المشاق في سبيل اعلء دين ا‪،‬‬ ‫وكأنها بحياتها ومماتها رسمت لبنها طريق الهجرة‪ ،‬لتبقى هي على‬ ‫طريق حله وترحاله ملك حارس يرعى خطواته‪ ،‬وماتت وقد كانت آخر‬ ‫نظراتها تحتضن وجهه ـ صلى ا عليه وسلم ـ مبللة بدموع الفراق‬ ‫والخوف عليه‪.‬‬

‫نساء فى حياة الرسول‬

‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هامش الفصل‬

‫الأول ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السيد إبراهيم‬

‫‪ ).‬أحمد بن علي القلقشندي ‪ :‬نهاية الرب بمعرفة أنرساب العرب ) ‪2‬ـ ‪(1) 19‬‬

‫‪29‬‬


‫‪) .‬طبقات ابن رسعد ‪ ، 295 /3‬الطبري‪ :‬تاريخ ‪(2) (5/22‬‬ ‫‪).‬صحيح ابن حبان‪:‬ج ‪/11‬ص ‪ 214‬ح ‪(3) (4870‬‬ ‫ابن كثير‪ :‬رسيرة ررسول ا صلى ا عليه ورسلم من البداية والنهاية باب ‪ :‬ذكر َنَرسِبه الشريف )‪(4‬‬ ‫ب أصِله اْلِنُمِنيف‬ ‫‪ .‬وِطي ِ‬ ‫انفرد بإخراجه مرسلم من حديث الوزاعي وهو عبد الرحمن بن عمرو إمام أهل الشام به ()‪(5‬‬ ‫‪).‬نحوه‬ ‫‪).‬رواه الحاكم والبيهقي ( )‪(6‬‬

‫‪.‬عبد الحد داود ‪ ،‬محمد في الكتاب المقدس‪ ،‬ص ‪(7) 163‬‬ ‫ي مصلح أم نبي مررسل ص ‪(8) 39‬‬ ‫‪ .‬محمد شيخاني ) دكتور( ‪ ،‬محمد عبقر ِنُ‬ ‫‪ .‬رسورة مريم ‪(9) 7 :‬‬

‫في مرسند أحمد بن حنبل ‪) -‬ج ‪ / 1‬ص ‪ 98‬ترقيم الشاملة )‪(10‬‬ ‫تعليق شعيب الرنؤوط ‪ :‬إرسناده حرسن‬ ‫‪3939)] .‬‬

‫الصحيحة ([‬

‫‪ .‬ر‪.‬ف‪.‬بودلى ‪ ،‬حياة محمد ص ‪(11) 40‬‬ ‫‪.‬دكتور حرسين مؤنس ‪ :‬أطلس تاريخ الرسلم ص ‪(12) 101‬‬ ‫صحيح مرسلم ‪ ،‬كتاب الجنائز‪ ،‬باب ارستئذان النبّي صلى ا عليه ورسلم ربه في زيارة قبر[ )‪( 13‬‬ ‫أمه )‪ (671 /2‬رقم )‪ .(976‬نقلً من حاشية الرسيرة النبوية في ضوء الكتاب والرسنة )‪-1/205‬‬ ‫‪ (206 ].‬دار القلم ‪ -‬الطبعة الولى‬ ‫الدكتور محمد أحمد المرسير ‪ ،‬النبوة المحمدية ص ‪(14) 23‬‬ ‫أبو حامد الغزالي ‪ ،‬أحياء علوم الدين جـ ‪ 3‬صـ ‪(15) 484 ، 479‬‬ ‫)البيهقي ‪ :‬دلئل النبوة )‪( 16) 193 ،1/192‬‬

‫‪.‬‬

‫لويس شيخو‪ :‬النصرانية وآدابها ج ‪1‬ص ‪(17 ) 37‬‬

‫‪ .‬صفي الرحمن المباركفوري ‪ :‬الرحيق المختوم ص ‪( 18) 54‬‬ ‫‪ .‬خواجة أفندي كمال الدين ‪ :‬ينابيع المرسيحية ص ‪( 19) 85‬‬ ‫‪ .‬شوقي ضيف ) دكتور ( ‪ :‬محمد خاتم المررسلين ص ‪( 20) 45‬‬ ‫‪ .‬حرسين مؤنس )دكتور( ‪ :‬أطلس تاريخ الرسلم ص ‪( 21) 100‬‬

‫‪30‬‬


‫دكتورإرسماعيل راجي الفاروقي والدكتورة لوس لمياء الفاروقي ‪ :‬أطلس الحضارة الرسلمية )‪(22‬‬ ‫‪ ،.‬ص ‪112‬‬ ‫‪.‬أغناطيوس غويدي ‪ :‬محاضرات في تاريخ اليمن والجزيرة العربية قبل الرسلم ص ‪(23 ) 60‬‬ ‫‪ .‬عبد الشافي محمد عبد اللطيف )دكتور( ‪ :‬تاريخ الرسلم في عصر النبوة ص ‪(24) 62‬‬ ‫‪.‬فتح ا كولن ‪ :‬محمد مفخرة النرسانية ص ‪(25) 194‬‬ ‫‪) .‬الدلئل )‪(26)193 ،1/192‬‬ ‫‪ .‬رسورة الضحى ‪(27) 5 :‬‬ ‫‪ .‬رسورة الشعراء ‪(28) 219 ،218 :‬‬

‫‪.‬‬

‫رسورة التوبة ‪(29) 28 :‬‬

‫)‪ (30‬محمد المختار محمد المهدي )دكتور( )من فقه الدين الخالص ‪ ..‬محظورات القبر( مجلة‬ ‫التبيان عدد )‪ (90‬محرم ‪ 1433‬هـ‪/‬ديسمبر ‪، 2011‬ص ‪43‬ـ ‪.44‬‬ ‫‪ .‬عائشة عبد الرحمن ) دكتورة (أم النبي ص ‪ 215‬ـ ‪(31) 216‬‬ ‫‪ .‬محمد أبو زهرة )دكتور( ‪:‬خاتم النبيين صلى ا عليه ورسلم ص ‪(32 ) 127‬‬

‫‪31‬‬


‫الفصل الثاني‬

‫‪:‬ثويبة السلمية‬ ‫أم الرسول بالرضاع‬

‫في دنيا البشر كثيًرا ما نسمع أن هناك من اختاره ا عز وجل ليسعده؛‬ ‫فيسوقه حيث نعمة تصيبه‪ ،‬أو يسوقها إليه‪ ،‬أو يقصيه عن شر لو أصابه‬ ‫لتبدلت حياته تماًما‪ ،‬ومن أولكئك السعيدات‪" :‬ثويبة" مولة أبى لهب عم‬ ‫الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ التى لم تحدث نفسها بالعتق يوًما‪ ،‬وربما‬ ‫حدثت نفسها أو حادثت غيرها عن هذا الحلم والمل المشروع‪ ،‬ولكنها كانت‬ ‫تراه مستحيلً فعليها أن تعيش جارية عند سيدها وتموت كذلك‪ ،‬كما أن‬ ‫عليها أن ترضى وتقنع بهذا‪ ،‬فهذا هو المعهود والمألوف‪.‬‬ ‫غيم الحزن الكثيف فوق ديار بني هاشم؛ فزهرة شباب قومه بل مكة‬ ‫بأسرها ومطمح فتياتها‪ ،‬مات شاًبا في مقتبل حياته الجديدة‪ ،‬غريًبا‪ ،‬بعيًدا‬ ‫عن الديار‪ ،‬وترك خلفه زوجة أسيفًة عليه‪ ،‬تهدمت أحلمها الوليدة في‬

‫‪32‬‬


‫دنياها الجديدة‪ ،‬وفي أحشاكئها يتحرك جنينها هو كل مايربطها بزوجها‬ ‫الراحل‪.‬‬ ‫تعلقت أنظار بنى هاشم وآمالهم بالبقية الباقية من عبدا الذبيح الثاني‬ ‫وأحب أولد عبد المطلب إلى قلبه‪ ،‬فظلوا يترقبون مولد ذلك الجنين بالشوق‬ ‫الممزوج بالصب‪ ،‬والمل المشوب بالخوف والحذر من تصاريف القدر‪،‬‬ ‫ليزيح بنور قدومه تلك الغيمة الرابضة فوق قلوبهم‪،‬وليبدد في جنبات مكة‬ ‫ذلك الحزن الجاثم فى نفوس القوم وأسمارهم‪.‬‬ ‫لم تكد تمر خمسون يوًما بعد محاولة أبرهة الشرم بأفياله على الكعبة‬ ‫المشرفة‪ ،‬والتي كان مصيرها الخسران المبين‪ ،‬وحديث مكة لم ينقطع عن‬ ‫سرد بطولة شيخ مكة وسيدها عبد المطلب ووقوفه أمام الطاغية المعتدي‬ ‫ذلك الحبشى أبرهة‪ ،‬وكانت تلك الفرحة الوحيدة التي أظلت الجميع وتوارى‬ ‫فيها على استحياء قصة وفاة عبدا الحزينة‪ ،‬بل ربما نسوا معها ولو قليلً‬ ‫ذلك الجنين الذى يواصل نموه حتى طرق أبواب الشهر السابع أو ربما‬ ‫تجاوزه‪ ،‬لكن آمنة ما كان لها أن تنسى وهى تحس بأن بشاكئر قدومه لدنياها‬ ‫تتوالى بل اقترب زمن تحققها‪ ،‬حتى جاء إلى الوجود ابن عبدا وهّي‬ ‫الفرحة الكبر التى انتظر الجميع حدوثها‪.‬‬ ‫سرى الخبر فى مكة سريًعا وكيف ل ينتشر وعبد المطلب فور ارسال‬ ‫آمنة إليه من يخبره بالحدث السعيد أتى إليها مهرولً فرًحا فحمل حفيده بين‬ ‫ذراعيه ومضى يطوف به الكعبة ثم عاد لينحر الذباكئح‪ ،‬ويطعم أهل الحرم‪.‬‬ ‫كما طارت ثويبة السلمية كالشعاع إلى سيدها أبي لهب عم الوليد‬ ‫الهاشمي تبشره بقدوم ابن أخيه إلى الدنيا فطار الرجل فرًحا هو الخر ولم‬ ‫يدر ما يفعل مع ثويبة مكافأًة لها على بشارتها الطيبة غير أن يكافكئها بعتقها‬ ‫لتصبح حرة‪ ،‬فكان هذا الوليد خيًراعليها فتمّلك حبه قلبها‪.‬‬ ‫انقطع اللبن في صدر آمنة ربما لشعورها بالحزن والقلق وعدم الرتيا ح‬ ‫النفسي كما توصف هذه الحال المراجع الطبية في عصرنا الراهن‪ ،‬فكان من‬

‫‪33‬‬


‫حظ ثويبة أن تتولى إرضاع وليد الخير حيث أرضعت قبله ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ ابنها مسرو ح وعم الرسول حمزة بن عبد المطلب‪.‬‬ ‫والواقع يقول أنه ببشارة ثويبة لبي لهب وعتقه إياها جلبت الخير‬ ‫ضا؛ فقد قيل أن العباس بن عبد المطلب‬ ‫لنفسها كما جلبت الخير لسيدها أي ً‬ ‫رأى أخاه أبا لهب بعد موته بعام في النوم فقال له‪" :‬ما حالك ؟ فقال‪ :‬في‬ ‫النار‪ ،‬إل أن العذاب يخّفف عني كل أسبوع يوًما واحًدا وأمص من بين‬ ‫إصبعّي هاتين ماء ـ وأشار برأس إصبعه ـ وان ذلك اليوم هو يوم إعتاقي‬ ‫ثويبة عندما ب ّ‬ ‫شرتني بولدة النبي عليه الصلة والسلم"‪.‬‬ ‫أخبرنا محمد بن عمر عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير أن‬ ‫ثويبة كان أبو لهب أعتقها فأرضعت رسول ا صلى ا عليه وسلم فلما‬ ‫مات أبو لهب رآه بعض أهله في النوم بشر حيبة‪ ،‬فقال‪ :‬ماذا لقيت قال أبو‬ ‫سقيت في هذه بعتاقي ثويبة وأشار إلى‬ ‫لهب‪ :‬لم نذق بعدكم رخاء غير أني ُ‬ ‫النقيرة التي بين البهام والتي تليها من الصابع"‪.‬‬ ‫لم تكن ثويبة تحلم بأكثر من العتق‪ ،‬ولم يدر بخلدها أنها برضعاتها التي‬ ‫استمرت ليام‪ ،‬ستجعل اسمها باقًيا يتردد في مجالس أهل العلم لمكئات‬ ‫السنين وإلى أن يرث ا الرض ومن عليها‪ ،‬فيختلفون في عتقها أكان في‬ ‫حال بشارتها‪ ،‬أم بعد هجرة الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ إلى المدينة‪،‬‬ ‫وهل ببشارتها وبعتقها بحديث مرسل‪ ،‬خفف ا العذاب عن أبي لهب‪،‬‬ ‫والحديث المرسل ل تثبث به عبادة أو عقيدة‪ ،‬بالضافة لكونه أتى من رؤيا‬ ‫منام والشرع ل يثبت بالمنامات‪،‬وأن الكافر ليثبت له العمل الصالح إذا مات‬ ‫على كفره )‪،(1‬غير أن كل هذا ل يعنيها في شيء أكثر من فرحتها بفوزها‬ ‫باقتران اسمها باسم نبي ا عند ذكر أيامه الولى على الرض‪.‬‬ ‫ماتت آمنة بعد هذا بعامين ثم تولى كفالة الطفل جده ولما مات أوصى‬ ‫بكفالته لبنه أبي طالب وكبر في بيته‪ ،‬ثم تزوج من السيدة خديجة ـ رضي‬ ‫ا عنها وأرضاها ـ‪ ،‬وفي كل هذه المراحل الحياتية كان الرسول ا ـ صلى‬ ‫ا عليه وسلم ـ يصلها وهو بمكة وكانت خديجة تكرمها حتى بعد مبعثه‬ ‫بمكة نبًيا‪ ،‬فلما هاجر ـ صلى ا عليه وسلم ـ إلى المدينة كان يبعث إليها‬ ‫‪34‬‬


‫بصلة وكسوة حتى جاءه خبرها أنها قد توفيت سنة سبع من الهجرة بعد‬ ‫فتح خيبر‪ ،‬فقال ‪’’ :‬ما فعل ابنها مسرو ح؟’’‪ ،‬فقيل ‪ :‬مات قبلها ولم يبق من‬ ‫قرابتها أحد)‪.(2‬‬ ‫سأل عنها ـ صلى ا عليه وسلم ـ ووصلها سواء بمكة أو بالمدينة وهو‬ ‫بعيٌد عنها‪ ،‬وسواء كان قبل مبعثه أم بعده‪ ،‬كما سأل عمن خلفها من قومها‬ ‫ليصلهم‪ .‬هكذا خلقه ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ وفًيا أشد ما يكون الوفاء مع‬ ‫كل من تعهده أو اتصل به سواء أكان عربًيا أم غير عربي‪ ،‬مؤمًنا أم كافًرا‪،‬‬ ‫رجلً كان أم امرأة‪ ،‬حًرا كان أم عبًدا‪ ،‬وكلما توغلنا فى سيرته من الن‬ ‫فصاعًدا ستتصاعد معنى قيمة وشيمة الوفاء في خلقه ـ صلى ا عليه وسلم‬ ‫ـ وسجاياه مهما كلفه المر من عنت أو بذل وجهد‪ ،‬ورحم ا أول مرضعة‬ ‫له غير أمه ثويبة السلمية فكانت أول أم له بالرضاع‪ ،‬أصابها منه الخير‬ ‫وليًدا ورجلً ونبًيا‪.‬‬

‫نساء فى حياة الرسول‬

‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هامش الفصل‬

‫الثاني ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السيد إبراهيم‬

‫)‪ (1‬أنظر‪:‬الحافظ ابن عبد البر في كتاب الرستيعاب )‪ ،(12/1‬ابن رسعد في الطبقات )‬ ‫‪ ،(108/1،109‬ابن الجوزي فيكتاب الوفا بأخبار المصطفى)‪.(178/1،179‬‬ ‫)‪(2‬طبقات ابن رسعد )‪ ،(108/1‬وتاريخ الرسلم للذهبي‪.‬‬

‫‪35‬‬


‫الفصل الثالث‬

‫‪36‬‬


‫بركة بنت ثعلب‬ ‫البقيـــــة ًمن آل النبي‬

‫بمجرد نطق اسمها )بركة( حتى تحس في نفسك ومن حولك بالبركة تعم‬ ‫المكان والزمان‪ ،‬وكيف ل وقد صاحبت من كان بركًة على أهله ومن حوله‬ ‫والناس أجمعين؛ فقد صاحبت رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ من قبل‬ ‫مولده وحتى بعد أن ُوةِلد إلى أن توفاه ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ‪ ،‬شاركته‬ ‫أفراحه وأحزانه‪ ،‬غدواته وروحاته‪ ،‬وحتى غزواته كانت معه وحوله‪ ،‬أحبته‬ ‫بالقول‪ ،‬وأحبته بالفعل فصدقت في الثنين‪.‬‬ ‫إنها بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمر ابن‬ ‫النعمان الحبشية جارية عبد ا بن عبد المطلب والد الرسول ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ الذي مات بالمدينة وولده جنيًنا لم يمر عليه في أحشاء أمه‬ ‫سوى شهرين‪ ،‬فآلت ميراًثا إلى ابنه محمد ـ صلى ا عليه وسلم ـ ‪.‬‬ ‫صاحبت بركة آمنة أم النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ فرحتها بزواجها من‬ ‫ذبيح مكة ابن عبد المطلب‪ ،‬كما صاحبتها قلقها على غيابه وترقب عودته‪،‬‬ ‫‪37‬‬


‫حتى فاجأهم الحزن الثقيل بنبأ وفاته غريًبا بعيًدا بيثرب التي تبعد عنهم فوق‬ ‫الخمسماكئة من الكيلو مترات‪ ،‬وكذلك صاحبتها رحلتها الخيرة من مكة إلى‬ ‫المدينة بعد أن بلغ الطفل أعوامه الستة وأدرك أن له والًدا توفى يافًعا لم‬ ‫يره‪ ،‬وكانت بحق رحلة آمنة الخيرة في الحياة لتبدأ بعدها رحلتها الولى‬ ‫إلى الخرة‪ ،‬وذلك بعد عودتهم من المدينة في منطقة الْبَواء بين مكة‬ ‫والمدينة‪.‬‬ ‫بدأت من الْبَواء رحلة بركة مع الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫فاحتضنته بعد أن روعه فقد أمه الشابة التى ذبلت وراحت نضارتها سراًعا‬ ‫أمامه حتى طواها الثرى‪ ،‬ليمضي بعدها ميمًما وجهه ووجهته حيث مكة وقد‬ ‫خلت حياته من أهم رفيقين لكل إنسان‪ ،‬وكان من لطف ا به أن هيأ له‬ ‫رفيقا ً في هذه اللحظة معيًنا وواسًيا وحاضًنا‪ ،‬فبددت عنه الجزع والوحشة‬ ‫والحزن وهى مشاعر قاتلة للرجل الشديد الناضج من الرجال‪ ،‬فما بالنا بطفل‬ ‫لم يبرأ بعد من ألم ولوعة وقوفه بقبر أبيه‪ ،‬وفقده إلى البد‪ ،‬وربما في‬ ‫أعماقه شكر القدر أن ترك له أّما ً ثم إذا به يفاجيء برحيلها على بعد كيلوات‬ ‫من قبر أبيه‪ ،‬فأي دور وجهد صعب وأى مهمة تلك التي قامت بها بركة‬ ‫لتهّوَن على طفل هذا حاله المسافة الطويلة الباقية حتى يبلغا مشارف مكة‪.‬‬ ‫احتضن الطفل اليتيم جده عبد المطلب الذي رق له وقدمه على أولده‬ ‫ليهّوَن عليه آلم فقد أبويه‪ ،‬ولم يكن من في الدار غرباء عليه فهالُة زوج‬ ‫جده بنت عم أمه الراحلة‪ ،‬وأعمامه حمزة والعباس‪ ،‬وكانت هالة تحوطه‬ ‫بالكثير من الرعاية سواء كان ذلك بدافع منها أْم بتوصي ٍة من عبد المطلب‬ ‫ذاته‪ ،‬الذي كان رغم هيبته ووقاره ل يجلس على فراشه أحد من أبناكئه‬ ‫مهابًة له وتوقيًرا إل حفيده محمد‪ ،‬فقد كان يجلسه على فراشه حًبا فيه‪،‬‬ ‫وحدًبا عليه‪ ،‬ولطالما حاول أعمامه أن يؤخروه عن الفراش‪ ،‬فينهاهم عبد‬ ‫المطلب قاكئ ً‬ ‫ل‪" :‬دعوا ابني هذا‪ ،‬فوا إن له لشأًنا" ‪ .‬ولم تكن بركة غاكئبة‬ ‫عن المشهد فقد كانت بجواره داكئًما تخدمه وتواسيه‪ ،‬وكان جده داكئًما ما‬ ‫يوصيها به عندما يغيب عنهم في أعماله ويشّدُد عليها في العتناء به‬ ‫وحسن رعايته‪ ،‬والحق أن بركة لم تكن في حاجة لمن يوصيها به فهو‬ ‫ابنها التي لم تلده ولما ل فقد كان يناديها بكل حب البن‪’’ :‬يا أّمه’’‪ ،‬وكانت‬ ‫تجيبه وتهرع إليه بكل حنان واشفاق الم‪.‬‬ ‫‪38‬‬


‫ظن الحفيد محمًدا أن شبح الموت بعيًدا عن دار جده وكانت بركة‬ ‫وأعمامه داكئًما ما يسرقونه من أحزانه وذكريات يثرب الليمة ورحلة العودة‬ ‫المريرة منها غير أنه لثماني سنوات وشهرين من عمره ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ داهم الموت جده عبد المطلب بمكة‪ ،‬ورأي قبل وفاته أن يعهد بكفالة‬ ‫حفيده إلى عمه أبي طالب دون غيره من العمام مع كونهم أيسر منه حالً‬ ‫وذلك لنه كان شقيًقا لعبدا والد الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ؛ إذ أمهما‬ ‫فاطمة بنت عمر بن عاكئذ‪ ،‬إلى كونه القاكئم مقام المطلب في قريش‪.‬‬ ‫مضت اليام في بيت العم والطفل صار صبًيا يرعى الغنم‪ ،‬ثم عرف‬ ‫التجارة وأجادها‪ ،‬وها نحن معه في بيته مع السيدة خديجة ـ رضي ا عنها‬ ‫ـ التى أصبحت زوًجا له‪ ،‬ولم يرض أن تظل بركة جاريًة له وكيف وهو الذي‬ ‫يقول عنها ‪’’ :‬إنها أمى من بعد أمى’’ فأعتقها في يوم زواجه لتحس معه‬ ‫بالفرحة وتكون حاضرًة بوصفها أّّمه بحق وهي حرة مختارة‪ ،‬ورأت خديجة‬ ‫حب زوجها لبركة فأكرمتها بل تكفلت بتجهيزها عندما تقدم إليها عبيد بن‬ ‫زيد من بني الحارث بن الخزرج الذي قدم مكة وأقام بها‪ ،‬فولدت له أيمن‪،‬‬ ‫ثم مات عنها‪ ،‬فرجعت إلى مكة‪.‬‬ ‫دخل السلم دار خديجة فأسلمت وأسلمت معها أم أيمن ـ رضي ا عنها‬ ‫ـ في أول العهد بالسلم مع من أسلم من بيت النبي ـ صلى ا عليه و سلم ـ‬ ‫فكانت من السابقين الولين وقد كانت ـ رضي ا عنها ـ من الذين هاجروا‬ ‫الهجرتين إلى الحبشة و إلى المدينة بعد ذلك‪.‬‬ ‫ومن المؤكد أنها هاجرت إلى المدينة غير أن الحافظ قال‪" :‬إّنها لم تهاجر‬ ‫إلى الحبشة‪ ،‬ماتت في أول خلفة عثمان وهي غير بركة أم أيمن الحبشية‪،‬‬ ‫التي كانت مع أم حبيبة بالحبشة"‪.‬‬ ‫فبركة الحبشية التى كانت مع السيدة أم حبيبة كانت تكنى أم يوسف‪،‬‬ ‫وفي كون أم أيمن هاجرت إلى أرض الحبشة قول فيه نظر فإنها كانت تخدم‬ ‫النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ وزوجها موله زيد بن حارثة والثابت أن زيًدا‬ ‫لم يهاجر إلى الحبشة ول أحد ممن كان يخدم النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫إذ ذاك فظهر أن هذه الحبشية غير أم أيمن وإن وافقتها في السم‪ ،‬قال‬ ‫البي فى السيرة الحلبية‪" :‬والمعروف أن الحبشية إنما هي بركة أخرى‬ ‫‪39‬‬


‫جارية أم حبيبة‪ ،‬قدمت معها من الحبشة‪ ،‬وكانت تكنى أم يوسف‪ ،‬كانت تخدم‬ ‫النبي أي وهي التي شربت بوله")‪.(1‬‬ ‫ولم يذكر أحد من العلماء أن بركة أم أيمن خادمة النبى ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ هاجرت إلى الحبشة سوى ابن عبد البر وتبعه في ذلك ابن الثير‪،‬‬ ‫والقول في ذلك مع ابن حجر)‪.(2‬‬ ‫وهذا ما يؤكده عبد الرحمن كيلني ) ‪ : (3‬في رده على الكاتب السراكئيلي‬ ‫أرليتش هاغاي الذي تناول حدث هجرة المسلمين إلى الحبشة في كتابه ‪:‬‬ ‫"أثيوبيا والشرق الوسط"‪ ،‬فقال كيلني ‪) :‬لقد احتوى الفصل الول من‬ ‫كتاب إرليتش عدة أخطاء دينية وتاريخية ـ ول عجب!! فعلى سبيل المثال‬ ‫يدعى المؤلف أن أم أيمن ـ رضى ا عنها ـ وقد كانت أمة حبشية أعتقها‬ ‫النبى ـ صلى ا عليه وسلم ـ‪ ،‬كانت من ضمن الذين هاجروا إلى الحبشة في‬ ‫الدفعة الولى‪ ،‬ولم يأت المؤلف بدليل على زعمه هذا‪ .‬ومحمد بن إسحاق‬ ‫وغيره لم يدرجوها بين أسماء الذين هاجروا إلى الحبشة(‪.‬‬ ‫والمعلوم أن الذين هاجروا إلى الحبشة كانوا من القرشيين‪ ،‬ولن يجد‬ ‫من أراد أن يستقصي أسماء من هاجروا من الصحابة اسم أحد من الموالي‬ ‫مع أنهم كانوا أصحاب الحظ الوفر من التنكيل والتعذيب أكثر مما نال‬ ‫غيرهم ممن هم من أصحاب المنعة والنسب والمكانة في قريش‪.‬‬ ‫نخلص مما تقدم أن أم أيمن لزمت الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ طيلة‬ ‫حياته‪ ،‬ولم تفارقه إل حين سبق ـ صلى ا عليه وسلم ـ بناته وزوجه‬ ‫سودة بنت زمعة إلى المدينة مهاجًرا‪ ،‬وأما فراقها له بعد زواجها فما كان‬ ‫ليدعها تنتقل إلى بيت الزوجية دون زيارتها‪ ،‬يدل على هذا ما رواه أنس بن‬ ‫مالك رضي ا عنه فيقول ‪ :‬ذهبت مع النبي صلى ا عليه و سلم الى أم‬ ‫أيمن نزورها فقربت له طعاًما أو شراًبا فإما كان صاكئًما و إما لم يرده‬ ‫فجعلت تخاصمه أي ُكلْ"‪.‬‬ ‫و في غير رواية مسلم‪ :‬فأقبلت تضاحكه و كان الرسول ـ صلى ا عليه‬ ‫ش لها‪.‬‬ ‫و سلم ـ يبتسم لتصرفاتها ويه ُ‬

‫‪40‬‬


‫حتى بعد زواجه من السيدة عاكئشة لم ينقطع عنها ولم تنقطع عنه ـ صلى‬ ‫ا عليه و سلم ـ وذلك فيما روته السيدة عاكئشة أم المؤمنين رضي ا‬ ‫عنها ‪ :‬شرب رسول ا صلى ا عليه و سلم يوًما و أم أيمن عنده فقالت ‪:‬‬ ‫يا رسول ا اسقني‪ ،‬فقلت لها ‪ :‬ألرسول ا صلى ا عليه و سلم تقولين‬ ‫هذا؟‪ ،‬قالت‪ :‬ما خدمته أكثر‪ ،‬فقال النبي صلى ا عليه و سلم ‪’’ :‬صدقت’’‬ ‫فسقاها‪.‬‬ ‫وهذا ول شك ينبكئنا عن مدى تلك الحميمية بين الرسول ـ صلى ا عليه‬ ‫و سلم ـ وبين حاضنته وأمه فيما كان يحب أن يناديها‪ ،‬وكانت تعلم هى مالها‬ ‫من مكانة في قلب رسول ا ـ صلى ا عليه و سلم ـ تسمح لها بأن‬ ‫تضاحكه وتمازحه‪ ،‬وتعلم بأنه لن يردها أو يعبس في وجهها‪ ،‬حتى أنها‬ ‫جاءت يوًما إلى رسول ا ـ صلى ا عليه و سلم ـ و قالت له ‪ :‬يا رسول‬ ‫ا احملني‪ ،‬فقال صلى ا عليه و سلم ‪’’ :‬أحملك على ولد الناقة’’‪ ،‬قالت ‪:‬‬ ‫إنه ل يطيقني ول أريده‪ ،‬فقال صلى ا عليه و سلم ‪’’ :‬ل أحملك إل‬ ‫عليه’’ ‪ .‬وقد كان الرسول ـ صلى ا عليه و سلم ـ يمازحها صادقًا حيث أن‬ ‫كل البل صغيرها وكبيرها ولد النوق‪.‬‬ ‫ي‬ ‫وما يدل على أنه ـ صلى ا عليه و سلم ـ ما كان يغضبها أبًدا مارو ّ‬ ‫عن أنس رضي ا عنه قال ‪ :‬كان الرجل يجعل للنبي ـ صلى ا عليه و‬ ‫سلم ـ النخلت‪ ،‬حتى افتتح قريظة والنضير‪ ،‬وإن أهلي أمروني أن آتي النبي‬ ‫ـ صلى ا عليه و سلم ـ فأسأله الذي كانوا أعطوه أو بعضه‪ ،‬وكان النبي ـ‬ ‫صلى ا عليه و سلم ـ قد أعطاه أم أيمن‪ ،‬فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في‬ ‫عنقي كذا‪ ،‬وتقول ‪ :‬كل وا‪ ،‬حتى أعطاها عشرة أمثاله)‪.(4‬‬ ‫ومما يستدل به من شر ح النووي أن أم أيمن فهمت أن هبة رسول ا ـ‬ ‫صلى ا عليه و سلم ـ لها مؤبدة فتملك بها أصل الرقبة أي النخلت‪ .‬فما‬ ‫كان من النبى ـ صلى ا عليه و سلم ـ إل أن استطاب قلبها فى استرداد ذلك‬ ‫فما زال يزيدها في العوض حتى رضيت‪ ،‬وكل هذا تبرع منه ـ صلى ا عليه‬ ‫و سلم ـ‪ ،‬وإكرام لها لما لها من حق الحضانة والتربية)‪ ،(5‬وفرط جود النبي‬ ‫ـ صلى ا عليه و سلم ـ‪ ،‬وكثرة حلمه وبره‪ ،‬ومنـزلة أم أيمن عند النبي ـ‬ ‫صلى ا عليه و سلم ـ كما قال الحافظ ابن حجر)‪.(6‬‬

‫‪41‬‬


‫لم يثق رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ بأحد قدر وثوقه في أمانة أم‬ ‫أيمن على الوداكئع التى استودعها عنده بعض أهل مكة‪ ،‬فقام بإعطاء الوداكئع‬ ‫لها‪ ،‬وأمر علًيا أن يرد هذه الوداكئع إلى أهلها)‪ ،(7‬وذلك قبيل خروجه إلى‬ ‫المدينة مهاجًرا‪ .‬فلما وصل الرسول ـ صلى ا عليه و سلم ـ وصاحبه إلى‬ ‫المدينة في اليوم الثاني عشر من ربيع الول من السنة الولى للهجرة‪ ،‬أقام‬ ‫بقباء أربعة أيام‪ ،‬وأسس فيها مسجًدا‪ ،‬ثم توجه إلى المدينة‪ ،‬وأدركته‬ ‫الجمعة في بني سالم بن عوف‪ ،‬فجمع بمن معه في المسجد الذي في بطن‬ ‫الوادي‪ ،‬ثم نزل ـ صلى ا عليه وسلم ـ في دار أبي أيوب النصاري‪ ،‬حتى‬ ‫تم النتهاء من بناء المسجد وغرف زوجاته‪.‬‬ ‫روى هشام بن عروة‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن عاكئشة قالت‪ :‬لما هاجر‬ ‫رسول ا صّلى ا عليه وسّلم خّلفنا وخلف بناته‪ ،‬فلما استقّر بعث‬ ‫زيد بن حارثة‪ ،‬وبعث معه أبا رافع موله‪ ،‬وأعطاهما بعيرين‬ ‫وخمسماكئة درهم يشتريان بها ما يحتاجان إليه من الّظهر‪ ،‬وبعث‬ ‫أبو بكر معهما َعْبد ا بن أَريقط ببعيرين أو ثلثة‪ ،‬وكتب إلى ابنه‬ ‫َعْبد ا بن أبي بكر أن يحمل أمي أم رومان وأنا وأختي أَْسَماء‪،‬‬ ‫فخرجوا مصطحبين‪ ،‬وكان طلحة يريد الهجرة فسار معهم‪ ،‬وخرج‬ ‫زيد وأبو رافع بفاةِطَمة وأم ُكْلُثوم وسودة ةِبْنت زمعة‪ ،‬زوج الّنةِبّي‬ ‫صّلى ا عليه وسّلم ‪ ،‬وأم أيمن‪ ،‬فقدمنا المدينة و الّنةِبّي صّلى ا‬ ‫عليه وسّلم يبني مسجده وأبياتا ً حول المسجد‪ ،‬فأنزل فيها أهله ) ‪.(8‬‬ ‫وأخرج الطبراني من وجه آخر عن عاكئشة قالت ‪" :‬لما هاجر رسول‬ ‫ا صلى ا عليه وسلم وأبو بكر خلفنا بمكة فلما استقر بالمدينة‬ ‫بعث زيد بن حارثة وأبا رافع‪ ،‬وبعث أبو بكر عبد ا بن أريقط‬ ‫وكتب إلى عبد ا بن أبي بكر أن يحمل معه أم رومان وأم أبي‬ ‫بكر وأنا وأختي أسماء‪ ،‬فخرج بنا وخرج زيد وأبو رافع بفاطمة وأم‬ ‫‪42‬‬


‫كلثوم وسودة بنت زمعة‪ ،‬وأخذ زيد امرأته أم أيمن وولديها أيمن‬ ‫وأسامة‪ ،‬واصطحبنا‪ ،‬حتى قدمنا المدينة فنزلت في عيال أبى بكر‪،‬‬ ‫ونزل آل النبي صلى ا عليه وسلم‪ :‬عنده‪ ،‬وهو يومكئذ يبني المسجد‬ ‫وبيوته‪ ،‬فأدخل سودة بنت زمعة أحد تلك البيوت‪ ،‬وكان يكون‬ ‫عندها‪ ،‬فقال له أبو بكر ‪:‬ما يمنعك أن تبنى بأهلك؟ فبني بي "‬ ‫الحديث )‪.(9‬‬ ‫وفي الحديثين المتقدمين ذكرت السيدة عاكئشة من هاجر معها أو من‬ ‫هاجرت معهن وفيمن هاجر معها أم أيمن في الحديث الول وفي الحديث‬ ‫صَلْت فألحقت بأم أيمن ولديها أيمن وأسامة‪ ،‬وغنٌي عن الذكر أن‬ ‫الثاني َف ّ‬ ‫زيد بن حارثة زوج أم أيمن ُمرسل ٌ بتكليف من رسول ا ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ بإحضار أهل بيته ‪ ..‬فهل يعقل أن يخالف زيًدا التكليف النبوي؟! وهل‬ ‫سيتخلى عن مروءته ويترك أم ابنه لتهاجر وحدها؟! وما هى الضرورة؟ ‪..‬‬ ‫بل المذكور في الحديثين أن المهاجرات الطاهرات ـ رضوان ا عليهن ـ‬ ‫بدأن الرحلة مًعا وأنهينها مًعا‪ ،‬أما ما ورد في حديث جرير بن حازم ‪ :‬حدثنا‬ ‫عثمان بن القاسم‪ ،‬قال ‪" :‬لما هاجرت أم أيمن أمست بالمنصرف دون‬ ‫الروحاء ‪ ،‬فعطشت وليس معها ماء وهي صاكئمة‪ ،‬وجهدت‪ ،‬فدلي عليها من‬ ‫السماء دلو من ماء برشاء أبيض‪ ،‬فشربت‪ ،‬وكانت تقول‪ :‬ما أصابني بعد‬ ‫ذلك عطش‪ ،‬ولقد تعرضت للعطش بالصوم في الهواجر فما عطش ُ‬ ‫ت)‪،(10‬‬ ‫فيوؤل أن أم أيمن ـ ربما ـ ضلت الطريق عن الركب حال التوقف‪ ،‬ثم عادت‬ ‫وانضمت إليهم ثانية ً‪ ،‬وذلك لنها لم تصل المدينة وحدها‪.‬‬ ‫والروحاء ـ المشار إليها فى حديث عثمان ـ بينها وبين المدينة مرحلتان‪،‬‬ ‫وفي صحيح مسلم‪ :‬بينهما ستة وثلثون ميلً‪ ،‬أى ما يعادل السبعين كيلو‬ ‫متر)‪ ،(11‬وهذا ما ينفي خروجها وحدها من مكة‪.‬‬ ‫وإذا احتج أحٌد بأن أم أيمن لم تكن وحدها التي هاجرت من‬ ‫مكة إلى المدينة وحدها فقد صنع نفس الصنيع كلً من أم سلمة وأم‬ ‫‪43‬‬


‫كلثوم بنت عقبة‪ ،‬قلنا أن لك ٍل من الصحابيتين الجليلتين ضرورة‬ ‫ُملحة في الخروج وهّي منتفية عند أم أيمن‪ ،‬فأم سلمة سبقها‬ ‫زوجها بالهجرة واحتبسها قومها وابنها عنه فأرادت اللحاق به‪ ،‬وأم‬ ‫كلثوم عزمت على الفرار بدينها خوًفا من الفتنة على دينها‪ ،‬وقومها‬ ‫أهل ُ شر ٍك عتيد‪ ،‬ثم أن كلً منهما لم تهاجرا وحدهما‪ ،‬فالولى لقيت‬ ‫بالتنعيم عثمان بن طلحة أخا بني عبد الدار فأخذ بخطام البعير‪ ،‬حتى‬ ‫أوصلها إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء وفيها زوجها‪ ،‬والثانية‬ ‫من نفس المكان )التنعيم( التقاها رجل ٌ من ُخزاعة فاطمأن ُ‬ ‫ت إليه‬ ‫لدخول )خزاعة( في عهد رسول ا‪ -‬صلى ا عليه وسلم‪ -‬وَعقده‪،‬‬ ‫فأوصلها للمدينة‬ ‫والملحظ أن كل من الرجلين كانا على خل ٍق قويم التزما بآداب الصحبة‬ ‫والنخوة والمروءة العربية رغم كفر عثمان وإيمان الخزاعي‪ ،‬ولم تمش كلً‬ ‫من المرأتين المسافة كلها من مكة إلى المدينة؛ فالتنعيم يبعد عن مكة ـ‬ ‫بداية هجرتهما ـ ستة كيلو مترات‪ ،‬فما بالنا بامرأة معها طفليها وزوجها‬ ‫المكلف بإحضارها ومن يضمهّن بيت النبوة ‪ ..‬أكان تاركها‪ ،‬ولو تركها‬ ‫لظروف ل نعلمها‪ ،‬أيتركها بل راحلة ول زاد؟!‬ ‫ول أدري أي صوم صامته أم أيمن وهَي في طريق هجرتها‪ ،‬إذ الصوم‬ ‫فرضه ا تعالى في السنة الثانية من الهجرة‪ ،‬وكما قال النووي ‪" :‬صام‬ ‫رسول ا صلى ا عليه وسلم رمضان تسع سنين‪ ،‬لنه فرض في شعبان‬ ‫في السنة الثانية من الهجرة وتوفي النبي صلى ا عليه وسلم في شهر‬ ‫ربيع الول سنة إحدى عشرة من الهجرة" )‪.(12‬‬ ‫لم يمتد ُحب الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ ليسع أم أيمن‬ ‫فقط وزوجها زيد بل وسع حتى ولديهما أيمن وأسامة؛ فكان داكئًما‬

‫‪44‬‬


‫مايضمهما مع الحسن والحسين في المناسبات كالعيدين‪ ،‬وذلك فيما‬ ‫رواه البيهقي عن عبد ا بن عمر‪":‬أن رسول ا صلى ا عليه‬ ‫وسلم كان يخرج في العيدين مع الفضل بن عباس وعبد ا‬ ‫والعباس وعلي وجعفر والحسن والحسين وأسامة بن زيد وزيد بن‬ ‫حارثة وأيمن بن أم أيمن ـ رضي ا عنهم ـ‪،‬رافًعا صوته بالتهليل‬ ‫والتكبير‪ ،‬فيأخذ طريق الحذاكئين حتى يأتي المصلى‪ ،‬وإذا فرغ رجع‬ ‫على الحذاكئين حتى يأتي منزله")‪.(13‬‬ ‫كانت أم أيمن داكئًما بجواره ـ صلى ا عليه وسلم ـ وخلفه في السراء‬ ‫والضراء‪ ،‬أحبته حب البن‪ ،‬بل أكثر من ذلك بكثير؛ فهّي التى تولت ُغسل‬ ‫السيدة خديجة ـ رضّي ا عنها ـ ومعها أم الفضل لبابة زوج عمه العباس‪،‬‬ ‫كما عاشت مع بنتيه أم كلثوم وفاطمة بعد وفاة أمهما كالم لهما‪ ،‬حتى بعد‬ ‫أن ضم إليهما الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ السيدة سودة بنت زمعة‪،‬‬ ‫وحين تزوجت فاطمة كانت ممن جهزها لعريسها وهي التي أنبأتنا عن جهاز‬ ‫الزهراء حين قالت‪" :‬وّليت جهازها‪ ،‬فكان فيما جهزتها به مرفقة من أدم ـ‬ ‫من جلد ـ حشوها ليف وبطحاء مفروش في بيتها"‪.‬‬ ‫ولما انتقلت السيدة زينب بنت النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ إلى جوار‬ ‫ربها كانت أم أيمن ممن غسلنها‪ ،‬ومعها السيدة سودة بنت زمعة‪ ،‬والسيدة‬ ‫أم سلمة رضوان ا عليهن جميًعا‪.‬‬ ‫وحين لكت بعض اللسن سيرة السيدة عاكئشة ـ رضوان ا عليها ـ في‬ ‫حادثة الفك‪ ،‬لم يجد الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ صدًرا أحن وأحفظ من‬ ‫صدر أمه وبقية أهله‪ ،‬وفعل كما يفعل البن حين يضيق صدره ويريد أن‬ ‫يفّرج عن نفسه بما يعتمل داخله فكانت أم أيمن ملذه المن الحنون‪،‬‬ ‫فطمأنته وصدقته الحديث حين سألها صلى ا عليه و سلم ‪’’:‬أي امرأة‬ ‫تعلمين عاكئشة؟’’‪ ،‬قالت ‪" :‬حاشا سمعي و بصري أن أكون علمت أو ظننت‬ ‫بها إل خيرا"‪.‬‬ ‫‪45‬‬


‫ومثلما أضحكت رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ ‪ ،‬وأضحكها‬ ‫وضحكت معه‪ ،‬مثلما هزها بكاؤه فبكت معه ‪ ،‬فعن ابن عباس ـ رضي ا‬ ‫عنهما ـ قال أخذ رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ ابنة له تقضي فاحتضنها‬ ‫فوضعها بين يديه ‪ ،‬فماتت وهي بين يديه‪ ،‬وصاحت أم أيمن‪ ،‬فقال النبي‬ ‫صلى ا عليه وسلم‪’’:‬أتبكين عند رسول ا؟!’’ ‪ ،‬فقالت ‪ :‬ألس ُ‬ ‫ت أراك‬ ‫تبكي؟‪ ،‬قال ‪’’ :‬إني لست أبكي‪ ،‬إنما هي رحمة‪ ،‬إن المؤمن بكل خير على كل‬ ‫حال‪ ،‬إن نفسه تنزع من بين جنبيه وهو يحمد ا عز وجل’’)‪.(14‬‬ ‫هكذا كانت أم أيمن ـ رضى ا عنها ـ مع رسول ا ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ بقلبها وعينيها؛ فلم تتخلف عن السير معه في بعض غزواته‪ ،‬ولم‬ ‫تكن تمنع ابنها الول أيمن عن الجهاد‪ ،‬ولم تمنع ابنها الثاني أسامه عنه‬ ‫مخافة القتل والفقد خاصة وقد استشهد الول منهما‪ ،‬كانت لتحب الفرار‬ ‫وتشد حملًة شعواء على من يفعل ذلك من جند المسلمين ـ وقليلً ما فعلوا ـ‬ ‫ولكن يوم أحد يشهد لها وذلك عندما خالف الّرماة أمر رسول ا ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ واستطاع المشركون أن يقتلوا عدًدا كبيًرا من الصحابة ـ رضَي‬ ‫ا عنهم ـ وانهزم البعض الخر فقامت تحثي في وجوههم التراب وتقول‬ ‫لبعضهم‪" :‬هاك المغزل فاغزل به‪ ،‬وهلم سيفك" ‪ ..‬ثم اتجهت نحو رسول ا‬ ‫ـ صلى ا عليه وسلم ـ تستطلع أخباره في نسوة معها حتى اطمأنت على‬ ‫سلمته‪ ،‬وكان هذا دأبها فرغم تقدم السن بها لم تتخلف عن الخروج في‬ ‫غزوة خيبر‪ ،‬ولما علمت بتخلف أيمن ابنها عن تلك الغزوة وبخته وعيرته‬ ‫بالجبن والبخل‪ ،‬ولم تكن تعلم بمرض فرسه الذى كان سبًبا في منعه من‬ ‫الخروج مع رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ‪.‬‬ ‫الصابرة المحتسبة عند ربها زوجها زيد بن حارثة في سرية مؤتة‪،‬‬ ‫ثم جاء امتحان صبرها الكبر في استشهاد ابنها أيمن في غزوة حنين‪ ،‬ثم‬ ‫قصم ظهرها وناءت عن حمله فقدها لرسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫ابنها الول‪ ،‬وحبها الكبر‪ ،‬والثير لديها‪ ،‬فبكته وبكته حتى أبكت من حولها‬ ‫حين قالت)‪:(15‬‬

‫‪46‬‬


‫ميتًـا كان ذاك كل البـــلء‬ ‫حين قالوا الرسول أمسى فقيـًدا‬ ‫وابكيا خير من رزكئناه في الدنيـا ومن خصه بوحــي السماء‬ ‫يقضي ا فيك خيـر القضـاء‬ ‫بدموع غزيــــرة منـك حتـى‬ ‫عن أنس رضى ا عنه قال ‪ :‬قال أبو بكر رضى ا عنه بعد وفاة رسول‬ ‫ا صّلى ا عليه وسّلم لعمر‪ :‬انطلق بنا إلى أم أيـمن نزورها كما كان‬ ‫رسول ا صّلى ا عليه وسّلم يزورها‪ ،‬فلما انتهينا إليها بكت ‪ ،‬فقال لها ‪:‬‬ ‫ما يبكيك ما عند ا خير لرسوله صّلى ا عليه وسّلم‪ ،‬فقالت ‪ :‬ما أبكي أن‬ ‫ل أكون أعلم أن ما عند ا خير لرسوله صّلى ا عليه وسّلم ولكن أبكي أن‬ ‫الوحي قد انقطع من السماء‪ ،‬فهيجتهما على البكاء فجعل يبكيان معها)‪.(16‬‬ ‫إنها )بركة( التي بارك ا في عمرها‪ ،‬لتنعم بالقرب من رسول ا ـ‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ ومعايشته بما لم تحظ به أمه التي أنجبته ‪..‬‬ ‫)بركة( الشاهد على ميلد وحياة الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫بأفراحها وأحزانها‪ ،‬ودقاكئق أسرارها‪ ،‬كما كانت الشاهد على وفاته ـ صلى‬ ‫ا عليه وسلم ـ لتلحق به في خلفة عثمان ـ رضَي ا عنه وعنها ـ في‬ ‫أرجح القوال‪.‬‬

‫‪47‬‬


‫نساء فى حياة الرسول‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هامش الفصل‬

‫الثالث ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السيد إبراهيم‬

‫‪.‬درارسة نقدية ‪ :‬هجرة المرسلمين إلى الحبشة ‪ ،‬هامش ص ‪(1) : 11‬‬ ‫‪) .‬الحافظ بن حجر ‪ :‬الصابة فى تمييز الصحابة ) ‪(2) 37 / 7‬‬ ‫عيرسى مصبح خلف ‪) :‬تعقبات الحافظ بن حجر فى كتابه الصابة على الحافظ ابن عبد البر فى )‪(3‬‬ ‫‪ ).‬الرستيعاب ‪ ،‬ص ‪104‬‬ ‫)‪] (4‬أخرجه البخاري برقم )‪ ، (4120‬ومرسلم برقم )‪. [(1771‬‬ ‫)‪ ] (5‬شرح النووي )‪. [(6/97‬‬ ‫)‪ ](6‬فتح الباري )‪. [ (7/475‬‬ ‫)‪ (7‬الحافظ إبن حجر رحمة ا في التلخيص الحبير) ‪.( - 1457 450‬‬ ‫)‪ ( 8‬ابن حجر ‪ ،‬فتح الباري شرح صحيح البخاري ‪ ،‬كتاب مناقب النصار « باب هجرة النبي‬ ‫صلى ا عليه ورسلم وأصحابه إلى المدينة ‪،‬المرستدرك على الصحيحين ] ‪. [ 6716‬‬ ‫ب ‪،‬باب َتْزِويِج الّنِب ِّي‬ ‫) ‪ (9‬ابن حجر ‪ ،‬فتح الباري شرح صحيح البخارى بقية ِكَتاب اْلَمَناِق ِ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫اِنُ َعَلْيِه َوَرسلَّم َعاِئَشَة َوقِنُِنُدوِمَها اْلَمِديَنَة َوِبَناِئِه ِبَها ‪.‬‬ ‫َ‬ ‫‪.‬الصابة ‪ 77 / 4‬ودلئل النبوة )‪ ( 2372‬حرسن لغيره)‪(10‬‬ ‫صحيح البخاري « كتاب الصلة « أبواب ارستقبال القبلة « باب المرساجد التي على طرق)‪(11‬‬ ‫‪ .‬المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي صلى ا عليه ورسلم‬ ‫)النووي ‪" ،‬المجموع" )‪(12) 6/250‬‬ ‫) ‪(13‬ورسنده حرسن كما قال العلمة اللباني في الرسلرسلة الصحيحة ‪1/279‬‬ ‫قال الشيخ اللباني في مختصر الشمائل المحمدية صـ ‪ :171‬أخرجه الّنرسائي في الجنائز)‪(14‬‬ ‫\باب في البكاء على الميت ‪11\4‬‬ ‫)‪(15‬ابن رسعد‪ :‬الطبقات الكبرى )‪. ( 2/332‬‬ ‫)‪ ] (16‬رواه مرسلم في كتاب "فضائل الصحابة"‪ ،‬باب فضائل أم أيـمن برقم )‪. [(2454‬‬ ‫‪48‬‬


‫الفصل الرابع‬

‫عاكئلة‬ ‫الرسول صلى ا عليه وسلم‬ ‫‪49‬‬


‫بالبادية‬

‫بينما كانت مكة الواقعة فى منتصف طريق القوافل العابرة بين الشام‬ ‫واليمن ل تنعم بالزروع والثمار حيث تعاونت على حصارها الجبال الصخرية‬ ‫من كل جانب مما جعل جوها شديد الحرارة قليل المطار‪ ،‬كانت غير بعيدة‬ ‫منها فى جنوبها الشرقي تنعم "الطاكئف" بطيب الهواء‪ ،‬والرض الخصبة‬ ‫الخضراء التي تموج بالحداكئق الغناء‪ ،‬والشجار والزروع‪ ،‬فكانت لهل مكة‬ ‫ريفهم وبستانهم‪ ،‬ومربى أولدهم حتى أصبحت عادة في أشرافهم كلما‬ ‫رزقهم ا أولًدا أرسلوا بهم إلى مراضع البادية‪ ،‬صوًنا لهم من الحرارة‬ ‫القاكئظة‪ ،‬وخوًفا من التهام المرض لهم‪ ،‬فتصح هناك أبدانهم‪ ،‬كما يستقيم‬ ‫لسانهم بنطق اللغة العربية الصحيحة في مهادهم؛ فقد أشتهر أهل البادية‬ ‫بالبيان والفصاحة ل سيما بني هوازن فهم من أفصح العرب‪ ،‬كما كانت بادية‬ ‫بني سعد الكاكئنة بجنوب الطاكئف مقتصرة على الجنس العربي فقط‪ ،‬فلم تكن‬ ‫مثل مكة يسكنها ويأتيها الهجين من العاجم تجاًرا وزواًرا وعبيد بقصد‬ ‫التجارة أو العمل أو زيارة البيت الحرام‪ ،‬لذلك كان أبناؤها يتكلمون العربية‬ ‫بسليقتهم وطبيعتهم وفطرتهم‪ ،‬ولما ل؟! ‪ ..‬ألم ينشأ الشعر الجاهلي في‬ ‫البوادي من نجد والحجاز وما إليهما من شمالي الجزيرة العربية‪ ،‬ولهذا فقد‬ ‫كانت البادية المدرسة التي يتعلم فيها الشعراء النابهون ‪ ..‬ومن سار على‬ ‫دربهم من شعراء العصر السلمي كالمتنبي الذ ‪ d‬أقام في بادية بني كلب‬ ‫بالشام سنتين يتعلم اللغة ويقّوم لسانه‪ ،‬وكذلك فعل أبو نواس عندما ترك‬ ‫والبة بن الُحباب ليقيم بالبادية سنة لنفس الغرض‪.‬‬

‫‪50‬‬


‫لهذا كله حظيت نساء بني سعد بامتهان الرضاعة وأشهرهّن "حليمة بنت‬ ‫أبي ذؤيب عبدا بن الحارث" التى سلكت مع زوجها الحارث بن عبد العزي‬ ‫الطريق الشمالي المؤدي إلى مكة في صحبة عشر نسوة ليفزّن بمن يطلبهن‬ ‫لرضاع صغارهّن‪.‬‬ ‫تكالبت كل الظروف السيكئة على حليمة وزوجها وطفلهما الرضيع‪،‬‬ ‫فالسنة التى مرت بهم كانت مجدبة لم يرسل ا فيها المطر‪ ،‬ولم تنبت‬ ‫الرض زرًعا‪ ،‬وحتى الناقة التى صحبتهم كانت هى الخرى ل تدر إل القليل‬ ‫من اللبن كحال ثديّي حليمة‪ ،‬والطفل يأكله الجوع فل يجد عند أمه ول ناقتهم‬ ‫ما يقيم أوده‪ ،‬وأكملت حمارتهم العجفاء البيضاء منظومة التعاسة فأبطأت‬ ‫في مسيرها لتصل النسوة قبل حليمة‪.‬‬ ‫كانت آمنة تعرف عادات نساء الشراف من قومها وطبقتها‪ ،‬وإعراضهن‬ ‫عن إرضاع صغارهن والدفع بهم إلى مراضع البادية‪ ،‬غير أنها كانت‬ ‫تستطيع أن تحارب هذه العادة من أجل الحتفاظ برضيعها معها لتأنس به‬ ‫خاصًة بعد رحيل أبيه عنها في رحلة اللعودة‪ ،‬فباتت تخشى أكثر من ُبعد‬ ‫البقية الباقية منه حيث السفر أميالً دون الماكئة إلى الطاكئف‪ ،‬غير أن عدم‬ ‫كفاية لبنها لتغذية الرضيع إلى الحد الذي دفع ثويبة أَمُة أبي لهب عمه‬ ‫ضا عن الفواكئد التى ستعود على‬ ‫لتتولى مهمة إرضاعه‪ ،‬وما كانت تعرفه أي ً‬ ‫رضيعها حين يكبر‪ ،‬جعلها تضحي بأحلى أوقاتها حين كانت تتشممه‬ ‫وتتحسسه‪ ،‬لتتجشم من جديد عناء الحزن على فقد أبيه‪ ،‬وعناء الشوق‬ ‫الذي سيبدأ رحلته عندما يغّيب الطريق فلذة كبدها عنها‪.‬‬ ‫ب حليمة وزوجها متأخًرا إلى مكة وقد فازت كل مرضعة من‬ ‫دخل رك ُ‬ ‫صويحباتها برضيع‪ ،‬وأخبرنها بأنه ل يوجد خلفهن سوى طفل يتيم آثرن أل‬ ‫يأخذنه؛ فالوالد الذى يجزل العطاء قد مات‪ ،‬وماذا عساهما يصنعان أمه‬ ‫وجده؟!‪ ،‬والمرضعات هنا يتحدثن بخبرة مهنية حياتية متراكمة استقرت فى‬ ‫وعيهن مما تعرضن له من قلة البذل من الم أو الجد‪ ،‬ولم يتحدثن عن فقر‬ ‫ول غنى‪ ،‬فالرضيع شريف من أشراف مكة‪ ،‬وجده سيد مكة‪ ،‬وما أدري‬ ‫المرضعات بما ورثه عن أبيه‪ ،‬وأنه لم يخلف له مالً ـ كما يذهب أكثر من‬ ‫كتب السيرة العطرة عن رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ وكلم النسوة‬ ‫‪51‬‬


‫واضح ‪" :‬وذلك أنا أنما كنا نرجو المعروف من أبى الصيب‪ ،‬فكنا نقول ‪:‬‬ ‫يتيم؟ ‪ ..‬وما عسى أن تصنع أمه وجده؟"‪.‬‬ ‫كيف يكون اليتيم فقيًرا وهو في كفالة جده عبد المطلب سيد مكة وكبيرها‬ ‫الذي أغتصب جيش أبرهه منه ماكئتين من البل أثناء حملته على الكعبة‪،‬‬ ‫والذي افتدى ابنه عبد ا بماكئة من البل‪ ،‬كما ذبح مجموعة كبيرة منها في‬ ‫زواجه ل يصد عنها إنسان ول حيوان‪ ،‬ويذكر اليعقوبي في كتاب البلدان‪:‬‬ ‫"أن عبد المطلب عند موته ُلف في ُحلتين من حلل اليمن قيمتها ألف مثقال‬ ‫من الذهب‪،‬وقد كانت هدية من سيف بن ذي يزن الحميري لما ظفر بالحبشة‬ ‫وذلك بعد مولد النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ فأتته وفود العرب وأشرافها‬ ‫وكان من جملتهم وفد قريش وفيهم عبد المطلب بن هاشم جد النبي ـ صلى‬ ‫ا عليه وسلم ـ وأمية بن عبد شمس وأسد بن عبد العزي وعبد ا بن‬ ‫ُجدعان فقدموا عليه وهو في قصر يقال له ُغمدان ‪ -‬بضم الغين ‪ -‬فطلبوا‬ ‫الذن عليه فأذن لهم وتكلم عبد المطلب مهنًئا‪ .‬ولما فرغ أدناه وقربه ثم أمر‬ ‫لكل رجل منهم بعشرة أعبد وعشر إماء سود وخمسة أرطال فضة وحلتين‬ ‫من حلل اليمن وكرش مملوءة عنبًرا‪ ،‬وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف‬ ‫ذلك"‪ ..‬أكان اليتيم ـ صلى ا عليه وسلم ـ بعد كل هذا فقيًرا‪ ،‬ونسينا أهل‬ ‫آمنة من بني زهرة ويسارهم‪ ،‬أكانوا تاركين حفيدهم ترفضه المرضعات‬ ‫لفقره؟!‬ ‫أخذت حليمة بنصيحتهن في باديء المر‪ ،‬فماذا عساها أن تفعل هي‬ ‫الخرى بـ "طفل يتيم"؟‪ ..‬ربما غلبها الحساس البشري بالعزة والنفة ـ‬ ‫وهى صفة بشرية أشد ما تكون عند العربي الصيل ـ إذ كيف تقبل ما‬ ‫رفضته صويحباتها ولداتها‪ ،‬فردت اليتيم وانصرفت قافلة من حيث جاءت‪،‬‬ ‫ولكنها حين قلبت المور وجدت أن أسوأ من رفضها لهذا اليتيم هو العودة‬ ‫بل رضيع البتة‪ ،‬واحترم زوجها الحارث رغبتها في العودة فصمت‪ ،‬غير‬ ‫أنها بادرته هذه المرة وقد غلبتها طبيعتها البشرية كأنثى ـ والغيرة أشد ما‬ ‫تكون في النساء ـ ‪" :‬وا لذهبن إلى ذلك اليتيم فلخذنه"‪ ،‬فأشار عليها‬ ‫الحارث ناصحا ً ‪" :‬ل بأس عليك أن تفعلي عسى ا أن يجعل لنا فيه بركة"‪.‬‬

‫‪52‬‬


‫الظروف التي قد نظنها سيكئة في ظاهرها وهي قدرية في باطنها‪ ،‬قد‬ ‫تقودنا من حيث ل ندري إلى خير كثير نجهله‪ ،‬إنها يد ا الرحيمة التي‬ ‫ترتب لنا مسيرنا ومصاكئرنا‪ ،‬وغالًبا ما يضحك النسان ساخًرا من غباكئه‬ ‫عندما يتذكر كم كان ساخًطا على ما ظنه سيًكئا في بداية المر‪ ،‬فلّما‬ ‫استعرض ما انتهى به المآل تنهد قاكئلً بارتيا ح‪ :‬الحمد ل‪.‬‬ ‫فبمثل ما تكالبت الظروف السيكئة على حليمة وعاكئلتها‪ ،‬تضافرت‬ ‫الظروف الجيدة والجديدة التى أحاطتها وتلبثتها منذ اللحظة الولى التى‬ ‫هرولت ساعية إلى طفل قريش اليتيم وسليل البيت الهاشمي فاستلمته من‬ ‫أمه على مضض‪" :‬وما حملني على أخذه إل إني لم أجد غيره"‪ ،‬لتكون‬ ‫رحلة العودة صورة مغايرة تماًما لرحلة الذهاب‪ ،‬فإذا كل ما هو سيء قد‬ ‫تبدل؛ فثدييها قد أقبل على اليتيم كنهر ل يتوقف جريانه حتى شبع اليتيم‬ ‫وابنها وناما كما نامت حليمة وزوجها‪ ،‬فلم يكن بكاء طفلهما يدع النوم‬ ‫يتسلل إليهما ساعة من ليل‪ ،‬والناقة البخيلة بلبنها امتلت لبًنا‪ ،‬فشربا منها‬ ‫حتى شبعا وارتويا‪ ،‬أّما الحمارة العجفاء ما كادت تركبها ورضيعها اليتيم‬ ‫حتى لحقت بالركب الذى تقدمها فسبقتهم إلى الحد الذي كانوا يستمهلونها‬ ‫ليلحقوا بها وزوجها ‪.‬‬ ‫منذ تلك اللحظة التى ارتويا وشبعا الحارث وزوجته وكأن ا قد صدق‬ ‫للحارث ظنه في اليتيم "عسى ا أن يجعل لنا فيه بركة" حتى يحادث زوجه‬ ‫في هذا ‪" :‬تعلمي وا يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة"‪ ،‬أحس الحارث‬ ‫ببركة هذا الرضيع‪ ،‬وصفة البركة هذه ستظل ملصقة لرسول ا ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ كما كانت منذ كان جنيًنا فرضيًعا وطفلً ثم نبًيا رسولً في‬ ‫حياته كلها وبعد مماته‪ ،‬وهى صفة كثيًرا ما سنقابلها في كل أطوار حياته‬ ‫فيما بعد‪ ،‬ليكون حديثنا التالي عنها في بيت عمه أبي طالب بعد وفاة جده‪.‬‬ ‫يقيًنا ‪ ..‬كان الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ بركة على من حوله حًيا وميًتا‪،‬‬ ‫فمن أول من أصاب من بركته وهو جنيٌن بعد لم يكْد يدخل حياتنا الدنيا سوى‬ ‫دقاكئق يسيرة ثويبة جارية عمه أبا لهب التي أعتقها لما أخبرته بقدومه‪،‬‬ ‫لتتوالى البركات الطيبات على المسلمين حتى صارت معجزات‪ ،‬كما كانت‬ ‫بركاته ينعم بها من غير المسلمين وإن لم يؤمنوا به أو يتبعونه‪ ،‬وليس أدل‬ ‫‪53‬‬


‫على ذلك ما أثبتته البحوث العلمية فى العواصم العالمية من تأثير النطق‬ ‫بالبسملة على الميكروبات والفيروسات بالحيوانات والطيور عند ذبحها‪.‬‬ ‫وليس أدل على حلول البركات‪ ،‬وحدوث التغييرات أن يقر بها ويذيعها‬ ‫من عاينها وشاهدها وأصاب منها‪ ،‬ومن غير حليمة يصلح لرصد هذا؟ فقد‬ ‫عاش الرضيع حتى أصبح طفلً معها سنوات‪ ،‬والبركة التى أحستها‬ ‫وأسرتها وجيرانها ببادية بنى سعد لم تكن طفرة حدثت مرة ثم ذهبت بل كان‬ ‫لتكرار شواهدها ما وقر فى صدرها إنما كان بسبب حلول هذا الطفل اليتيم‬ ‫المبارك عليهم وبينهم‪ ،‬حتى قالت ‪" :‬قدمنا منازلنا في بلد بني سعد وما‬ ‫ضا من أرض ا أجدب منها فكانت غنمي ترو ح علّي حين قدمنا به‬ ‫أعلم أر ً‬ ‫معنا شباًعا لبًنا فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة لبن ول يجدها في‬ ‫ضرع حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم‪ :‬ويلكم اسرحوا‬ ‫حيث يسر ح راعي بنت أبي ذؤيب فترو ح أغنامهم جياًعا وما تبض بقطرة‬ ‫لبن وترو ح غنمي شباًعا لبًنا فلم نزل نتعرف من ا الزيادة والخير"‪.‬‬ ‫وما يؤكد هذا أن الطفل ما كاد يبلغ العامين حتى قدمت به حليمة ومن‬ ‫معها إلى أمه آمنة لترده إليها بحسب العرف المتبع فيهم بينما نفسها ل‬ ‫تطاوعها إل أن تصحبه معها ثانيًة "ونحن أحرص شيء على مكثه فينا لما‬ ‫ضا شديًدا على إلحا ح‬ ‫كنا نرى من بركته"‪ ،‬و يبدو أن آمنة أبدت اعترا ً‬ ‫حليمة غير أن حليمة لم تيأس حتى ذكرتها بوباء مكة ومخافة أن يصيب‬ ‫ابنهما‪ ،‬فلم تزل بها حتى ردته معها إلى بادية بني سعد مرة أخرى"‪.‬‬ ‫كانت أسرة الطفل محمد بالبادية هي السرة الوحيدة التى سعد بها أيما‬ ‫سعادة في طفولته كلها؛ لنها كانت عاكئلة مكتملة الركان من أم وأب‬ ‫وأشقاء‪ ،‬فأسرته التى خرج منها بمكة لم يكد يعلم عنها شيًكئا؛ فلقد تركها‬ ‫رضيًعا‪ ،‬وكانت الم فقط أهم أركانها ثم جده فحاضنته‪ ،‬وهي السرة التي‬ ‫سيعود إليها آج ً‬ ‫ل‪ ،‬أما السرة الثالثة في حياته فقد كانت أسرة جده وزوجه‬ ‫وأبناكئهما أي أعمامه‪ ،‬وقد انتقل للعيش معهم بعد وفاة أمه‪ ،‬ثم تكون أسرة‬ ‫عمه أبي طالب هى السرة الخيرة التي عاش فيها قبل زواجه الول وكانت‬ ‫تتكون من العم وزوجه وأبناكئهما وكانت ملذه بعد وفاة جده‪ .‬غير أنه كان‬ ‫قد أدرك منذ عاد معنى الحزن‪ ،‬ولوعة الفراق حين أخبروه بفقد الب‪ ،‬ثم‬ ‫‪54‬‬


‫معاينته ومعايشته لفقد الم‪ ،‬فكان هم اليتم عليه قاسًيا وهو لم يزل صغيًرا‬ ‫بعد‪ ،‬لقد غمر هذا الشعور حياته كلها في عهد هاتيك السرتين‪ ،‬بخلف‬ ‫شعور السعادة والبهجة والحفاوة والتدليل واللعب فى المروج‪ ،‬الذي عاشه‬ ‫في كنف أبويه الحارث وحليمة‪ ،‬وأخوته عبد ّ‬ ‫ا‪ ،‬وأنيسة‪ ،‬وحذافة أو‬ ‫)الشيماء( كما كانوا ينادونها‪.‬‬ ‫عاد الطفل مع حليمة التى سعدت بالفوز به مرة ثانية‪ ،‬وربما سعد هو‬ ‫أكثر فقد كانت البادية ملعبه مع أخيه ورفاقهما‪ ،‬وموطن أخته الشيماء التى‬ ‫تكبره بعدة سنوات وكانت له نعم الحاضنة والراعية‪ ،‬ومدللته بعد أمهما‬ ‫حليمة‪ ،‬وهو الذي كان يأنس لصوتها العذب حين تبعده عن حر الشمس أن‬ ‫يطاله‪ ،‬وهي تقول فى ضراع ٍة ورجاء ‪:‬‬ ‫يا رّبَنـا أْبةِق َلـَنا ُمَحّمـــــــــــًدا‬ ‫حتى أَراُه َياةِفــًعا وأْمـــــــــَرَدا‬ ‫ســــــّوَدا‬ ‫سـّيـــــــًدا ُمـ َ‬ ‫ُثّم َأراُه َ‬ ‫سَدا‬ ‫واْكـةِبـْت أَعـاةِديةِه َمًعا َواْلُحـ ّ‬ ‫َوأْعةِطةِه ةِعّزا َيـُدوُم أبـــــــــــًدا‬ ‫ولم يعكر صفو تلك السعادة الغامرة على حليمة وزوجها غيرماوقع للطفل‬ ‫من حادثة شق الصدر فخافت عليه وبناًء على نصيحة من زوجها أعاداه‬ ‫لمه كي يخليان مسكئوليتهما مما جرى له إذا ظهر‪ ،‬غير أن آمنة العربية‬ ‫القرشية لم َيُرْق لها تصرف حليمة فى إلحاحها في العودة به معها فى المرة‬ ‫السابقة‪ ،‬ثم التيان به في هذه المرة وتركه على عجل من أمرها‪ ،‬فسألتها‬ ‫صًة َعَلْيةِه‪َ ،‬وَعَلى ُمْكةِثةِه ةِعْنَدَك؟‬ ‫في حزم ‪َ" :‬ما أَْقَدَمَك ةِبةِه َيا ةِظْكئُر َوَقْد ُكْن ةِ‬ ‫ت َحةِري َ‬ ‫ت ‪َ :‬قْد َبَلَغ ّ‬ ‫ت اّلةِذي َعَلّي‪َ ،‬وَتَخّوْف ُ‬ ‫ضْي ُ‬ ‫َقاَلْت ‪َ :‬فقُْل ُ‬ ‫ت اْلَْحَداَث‪،‬‬ ‫اُ ةِباْبةِني َوَق َ‬ ‫َعَلْيةِه‪َ ،‬فأ َّدْيُتُه إَلْيَك َكَما ُتةِحّبيَن‪َ ،‬قاَلْت ‪َ :‬ما َهَذا َ‬ ‫صُدةِقيةِني َخَبَرَك‪َ .‬قاَلْت ‪:‬‬ ‫شأُْنَك‪َ ،‬فا ْ‬ ‫َفَلْم َتَدْعةِني َحّتى أَْخَبْرُتَها‪َ .‬قاَلْت ‪ :‬أََفَتَخّوَفْت َعَلْيةِه ال ّ‬ ‫شْيَطاَن؟ َقاَلْت ‪ :‬قُْل ُ‬ ‫ت َنَعْم‪،‬‬ ‫سةِبي ٍل)‪َ ،(1‬وإةِّن لةُِبَنّي َل َ‬ ‫ا َما ةِلل ّ‬ ‫شأًْنا‪ ،‬أََفَل أ ُْخةِبُرةِك‬ ‫َقاَلْت ‪َ :‬كّل‪َ ،‬و َ ّ ةِ‬ ‫شْيَطاةِن َعَلْيةِه ةِمْن َ‬ ‫ت ةِحيَن َحَمْل ُ‬ ‫ت‪َ :‬بَلى‪َ ،‬قاَلْت ‪َ :‬رأَْي ُ‬ ‫َخَبَرُه؟‪َ ،‬قاَلْت ‪ :‬قُْل ُ‬ ‫ت ةِبةِه‪ ،‬أَّنُه َخَرَج ةِمّني ُنوٌر‬ ‫ض ال ّ‬ ‫ا َما َرأَْي ُ‬ ‫شاةِم‪ُ ،‬ثّم َحَمْل ُ‬ ‫ت ةِمْن‬ ‫ت ةِبةِه‪َ ،‬فَو َ ّ ةِ‬ ‫صَرى ةِمْن أَْر ةِ‬ ‫صوَر ُب ْ‬ ‫ضاَء ةِلي قُ ُ‬ ‫أَ َ‬

‫‪55‬‬


‫ضٌع َيَدْيةِه‬ ‫سَر ةِمْنُه‪َ ،‬وَوَقَع ةِحيَن َوَلْدُتُه َوإةِّنُه َلَوا ةِ‬ ‫ف َعَلّي َوَل أَْي َ‬ ‫َحْم ٍل َقّط َكاَن أََخ ّ‬ ‫شَدًة" )‪.(2‬‬ ‫سَماةِء‪َ ،‬دةِعيةِه َعْنَك َواْنَطلةِةِقي َرا ةِ‬ ‫ةِباْلَْر ةِ‬ ‫سُه إَلى ال ّ‬ ‫ض‪َ ،‬راةِفٌع َرأَ َ‬ ‫وحادثة شق صدر رسولنا الكريم ـ صلى ا عليه وسلم ـ ثابتة في صحيح‬ ‫مسلم )‪ ،(3‬ومسند أحمد‪َ ،‬قالَ َعْبد ّ‬ ‫ا ْبن اْلةَِمام أَْحَمد َحّدَثةِني ُمَحّمد ْبن َعْبد‬ ‫الّرةِحيم أَُبو َيْحَيى اْلَفّزاز َحّدَثَنا ُيوُنس ْبن ُمَحّمد َحّدَثَنا ُمَعاذ ْبن ُمَحّمد ْبن أ َُبّي‬ ‫ْبن َكْعب َحّدَثةِني أَُبو ُمَحّمد ْبن ُمَعاذ َعْن ُمَحّمد َعْن أ َُبّي ْبن َكْعب أَّن أََبا ُهَرْيَرة‬ ‫صّلى ّ‬ ‫سول ّ‬ ‫سّلَم َعْن أَ ْ‬ ‫شَياء َل َيْسَألُه‬ ‫ا َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا َ‬ ‫َكاَن َجةِريًكئا َعَلى أَْن َيْسَأل َر ُ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫سول ّ‬ ‫سّلَم َما‬ ‫ا َعَلْيةِه َو َ‬ ‫سّلَم َ‬ ‫ا َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا َ‬ ‫َعْنَها َغْيره َفَقالَ َيا َر ُ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫سول ّ‬ ‫سا‬ ‫سّلَم َجالةِ ً‬ ‫ا َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا َ‬ ‫أَّول َما َرأَْيت ةِمْن أَْمر الّنُبّوة؟ َفاْسَتَوى َر ُ‬ ‫شر ةِسةِنيَن َوأَ ْ‬ ‫صْحَراء ةِاْبن َع ْ‬ ‫شُهر‬ ‫سأ َْلت َيا أََبا ُهَرْيَرة إةِّني ةِفي ال ّ‬ ‫َوَقاَل‪َ’’ :‬لَقْد َ‬ ‫َوإةَِذا ةِبَكَل ٍم َفْوق َرْأةِسي َوإةَِذا َرُجل َيُقول لةَِرُج ٍل‪ :‬أَُهَو ُهو؟‪َ ،‬فاْسَتْقَبَلةِني ةِبُوُجو ٍه‬ ‫َلْم أََرَها َقّط َوأَْرَوا ح َلْم أَةِجدَها ةِمْن َخْلق َقّط َوةِثَياب َلْم أََرَها َعَلى أََحد َقّط َفأ َْقَبَل‬ ‫ضةِدي َل أَةِجد ةِلََحةِدةِهَما َم ًّ‬ ‫إةَِلّي َيْمةِشَياةِن َحّتى أََخَذ ُكلّ َواةِحد ةِمْنُهَما ةِبَع ُ‬ ‫سا‪َ ،‬فَقالَ‬ ‫صر‪َ ،‬فَقاَل‪ :‬أََحدهَما‬ ‫صر َوَل َه ْ‬ ‫ضَجَعاةِني ةِبَل َق ْ‬ ‫ضةِجْعُه َفأ َ ْ‬ ‫صاةِحةِبةِه‪ :‬أَ ْ‬ ‫أََحدهَما لةِ َ‬ ‫صْدةِري َفَفَلَقُه ةِفيَما أََرى ةِبَل َدم َوَل‬ ‫صْدره‪َ ،‬فَهَوى أََحدهَما إةَِلى َ‬ ‫صاةِحةِبةِه ةِاْفلةِْق َ‬ ‫لةِ َ‬ ‫سد‪َ ،‬فأ َْخَرَج َ‬ ‫شْيًكئا َكَهْيَكئةِة اْلَعَلَقة ُثّم َنَبَذَها‬ ‫َوَجع‪َ ،‬فَقالَ َلُه‪ :‬أَْخةِرْج اْلةِغلّ َواْلَح َ‬ ‫ضة‬ ‫َفَطَرَحَها‪َ ،‬فَقالَ َلُه‪ :‬أَْدةِخلْ الّرْأَفة َوالّرْحَمة‪َ ،‬فإةَِذا ةِمْثل اّلةِذي أَْخَرَج ةِشْبه اْلةِف ّ‬ ‫ُثّم َهّز إةِْبَهام ةِرْجةِلي اْلُيْمَنى َفَقاَل‪ :‬ا ُْغُد َواْسَلْم‪َ ،‬فَرَجْعت ةِبَها أَْغُدو ةِرّقة َعَلى‬ ‫صةِغير َوَرْحَمة لةِْلَكةِبيرةِ’’)‪.(4‬‬ ‫ال ّ‬ ‫قال الحافظ )‪": (5‬وجميع ما ورد من شق الصدر واستخراج القلب وغير‬ ‫ذلك من المور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه‬ ‫عن حقيقته لصلحية القدرة فل يستحيل شيء من ذلك"‪.‬‬ ‫وهذا رًدا على تخرصات من أنكروا إرهاصات ميلده ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ ‪ ،‬وحوادث شق صدره التي جاءت في الصحيحين‪ ،‬والرد عليها سهل‬ ‫يسير بالنقول الصحيحة‪ ،‬والدلة العلمية الحديثة‪ ،‬مما يضيق المقام بسرده‪،‬‬ ‫وليس هنا مكانه)‪.(6‬‬

‫‪56‬‬


‫وللوفاء مواضع كثيرة ونبيلة في حياة رسولنا الكريم ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ ل يتسع المقام لسردها كلها‪ ،‬لكن قارىء سيرته العطرة سيقع عليها‬ ‫دون عناء‪ ،‬فمثلما كان وفًيا لمه آمنة فزار ـ صلى ا عليه وسلم ـ قبرها‬ ‫مرات‪ ،‬مثلما كان حفًيا بثويبة مرضعته بعد أمه‪ ،‬وكذلك أم أيمن حاضنته‪،‬‬ ‫كان لحليمة نصيب كبير من بساتين وفاكئه الرحبة ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫وذلك حين قدمت عليه بمكة بعد زواجه من خديجة‪ ،‬تشكو له من جدب البلد‬ ‫وهلك الماشية‪ ،‬فكلم ـ صلى ا عليه وسلم ـ خديجة فيها فأعطتها أربعين‬ ‫شاة وبعيًرا موقًعا للظعينة‪ ،‬وانصرفت إلى أهلها‪ ،‬وكانت هذه المرة الولى‬ ‫التى رآها بعد رجوعه من الطاكئف طف ً‬ ‫ل‪ ،‬أما الثانية فبعد أن بعثه ا نبًيا يوم‬ ‫حنين حين أقبل عليه الحارث أبوه من الرضاعة‪ ،‬فوضع له ثوبه‪ ،‬فقعد‬ ‫عليه‪ُ ،‬ثم أقبلت حليمة أمه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الخر فجلست‬ ‫عليه‪ ،‬ثم أقبل أخوه عبدا من الرضاعة‪ ،‬فقام رسول ا ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ فأجلسه بين يديه‪.‬‬ ‫ولما جيء بالشيماء أخته من الرضاعة في سبايا هوازن عرفها رسول‬ ‫ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ بعلمة فيها‪ ،‬فبسط لها رداءه‪ ،‬ثم قال لها‬ ‫ت إلى‬ ‫ت عندي مكرمة محبة‪ ،‬أو متعتك ورجع ةِ‬ ‫يخيرها ‪’’ :‬إن أحببت أقم ةِ‬ ‫قومك’’‪ ،‬فقالت‪ :‬بل تمتعني وتردني إلى قومي‪ .‬فأعطاها رسول ا ـ صلى‬ ‫ا عليه وسلم ـ ثلثة أعبد و جارية و أجزل لها العطاء ثم ردها إلى قومها‬ ‫ولما قدم وفد هوازن على النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ وهم أربعة‬ ‫صَرد ‪ ،‬وفيهم أبو ٌبْرَقان عم رسول ا من‬ ‫عشر رجلً يرأسهم زهير بن ٌ‬ ‫الرضاعة‪ ،‬وقد جاءوا مسلمين مبايعين فسألوه أن َيُمَن عليهم فيرد لهم‬ ‫أموالهم ونساكئهم وذراريهم‪ ،‬بعد أن استعطفه أبو صرد‪) :‬إنما في هذه‬ ‫الحظاكئر أخواتك وعماتك وخالتك وبنات عمك وبنات خالتك وأبعدهن قريب‬ ‫منك بأبي أنت وأمي أنهن حضنك في حجورهن وأرضعنك بثديهن‪ ،‬وتوركنك‬ ‫على أوراكهن‪ ،‬وأنت خير المكفولين(‪ ،‬فرضي رسول ا ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ‪ ،‬ورضّي المسلمون بما رضي به رسول ا وردوا عليهم نساءهم‬ ‫وأبناءهم‪ ،‬وذكر ابن كثيرأنه عليه الصلة والسلم أطلق لهم الذرية‪ ،‬وكانت‬ ‫ستة آلف ما بين صبي وامرأة‪ ،‬وأعطاهم أنعاًما وأناسي كثيًرا‪ .‬حتى قال أبو‬ ‫الحسين بن فارس‪" :‬فكان قيمة ما أطلق لهم يومكئذ خمسماكئة ألف ألف‬ ‫‪57‬‬


‫درهم"‪ .‬فهذا كله من بركته العاجلة في الدنيا‪ ،‬فكيف ببركته على من اتبعه‬ ‫في الدار الخرة ؟!)‪ ،(7‬كما رد ـ صلى ا عليه وسلم ـ إلى مالك بن عوف‬ ‫النصري ركئيس هوازن أهله وماله وأعطاه ماكئة من البل بعدما أسلم وحسن‬ ‫إسلمه‪ ،‬واستعمله رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ على من أسلم من‬ ‫قومه‪.‬‬ ‫ت وخل ٍل كريمات‬ ‫تحلى رسولنا الكريم ـ صلى ا عليه وسلم ـ بصفا ٍ‬ ‫طيبات أكبر وأكثر من أن يحصيها العلماء المهرة بدراسة سيرته العطرة ـ‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ غير أن صفتا البركة والوفاء لزمتاه منذ بداية مولده‬ ‫بل قبلها وهى بالتتابع البركة ثم الوفاء‪ ،‬ول نجد هناك عاكئلة ممن عاش‬ ‫معهم وبينهم رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ إل أصابها من خيره وبركته‬ ‫ووفاكئه وبخاص ٍة عاكئلة الحارث وحليمة بالبادية‪.‬‬

‫نساء فى حياة الرسول‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هامش الفصل‬

‫الرابع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السيد إبراهيم‬

‫)‪ (1‬وفى دلئل النبوة لبى نعيم بلفظ "ل تخافى هذا‪ ،‬فإن ابنى هذا معصوم من الشيطان" ‪.‬‬ ‫)‪](2‬لفظ ابن إرسحاق‪ ،‬من حديث حليمة بنت الحارث الرسعدية ‪،‬الرسيرة النبوية لبن هشام « ولدة‬ ‫ررسول ا صلى ا عليه ورسلم ورضاعته ص ‪. [166‬‬ ‫)‪ (3‬والحديث في ذلك ثابت صحيح أخرجه مرسلم)‪:(162‬‬ ‫عن أنس بن مالك رضي ا تعالى عنه أن النبي صلى ا عليه ورسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع‬ ‫الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فارستخرج القلب فارستخرج منه علقة فقال‪ :‬هذا حظ الشيطان‬ ‫منك ثم غرسله في طرست من ذهب بماء زمزم ثم لمه ثم أعاده في مكانه‪ ،‬وجاء الغلمان يرسعون إلى‬ ‫أمه ‪ -‬يعني ظئيره‪ -‬فقالوا إن محمداً قد قتل‪ .‬فارستقبلوه وهو منتقع اللون‪ .‬قال أنس‪ :‬أرى أثر المخيط‬ ‫في صدره"‪ .‬والظئير المرضعة وهي هنا حليمة كما هو معلوم‪ .‬وبالرجوع إلى كتب الحديث النبوي‬ ‫الشريف‪ ،‬نجد أن حديث شق الصدر جاء بأرسانيد صحيحة‪ .‬فقد رواه أبو نعيم في دلئل النبوة‪،‬‬ ‫وأخرجه مرسلم في صحيحه)‪ ،(162‬والمام أحمد في مرسنده‪ ،‬وابن رسعد في طبقات الصحابة‪ ،‬عن‬ ‫أنس رضي ّ‬ ‫ا عنه‪ ،‬أن النبي صلى ا عليه و رسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه‬ ‫فصرعه‪ ،‬فشق عن قلبه وارستخرج منه علقة‪ .‬فقال ‪ :‬هذا حظ الشيطان منك‪ ،‬ثم غرسله في طرست من‬ ‫ذهب بماء زمزم‪ ،‬ثم لََمِنُه‪ ،‬ثم أعاده إلى مكانه‪ .‬وجاء الغلمان يرسعون إلى أمه‪ ،‬يعني مرضعته‪ ،‬أن‬ ‫محمداً قد قتل‪ ،‬فارستقبلوه وهو منتقع اللون "‪.‬‬ ‫وللحديث شواهد كثيرة‪ ،‬فقد أخرجه الحاكم في المرستدرك‪ ،‬وصححه‪ ،‬ووافقه الذهبي‪.‬‬ ‫‪58‬‬


‫‪) .‬اللباني‪ :‬الرسلرسلة الصحيحة ‪ ،‬إرسناده جيد قوي )‪(4) 4/60‬‬ ‫‪).‬ابن حجر العرسقلنى ‪ :‬الفتح )‪15/152‬ح ‪(5) 3887‬‬ ‫‪ .‬انظر كتاب ‪ :‬نبٌى بل معجزات ‪ ..‬للمؤلف ـ تحت الطبع )‪(6‬‬ ‫‪) .‬السيرة النبوية ‪ -‬ابن كثير ج ‪(7)1/233) 1‬‬

‫الفصل الخامس‬

‫أم الرسول صلى ا عليه وسلم‬ ‫القرشية الهاشمية‬

‫‪59‬‬


‫لما بلغ عبد المطلب عشر وماكئة سنة أو يزيد وافته المنية بينما كان عمر‬ ‫حفيده محمًدا ـ صلى ا عليه وسلم ـ يتجاوز الثامنة بقليل فكان وقع الخبر‬ ‫على الطفل شديًدا؛ لنه كان البقية الباقية من ذكرى أبيه الذي لم يره‪،‬‬ ‫والراعي والمواسي له بعد وفاة أمه‪ ،‬فهوالذي ضمه إلى بيته وأولده بل‬ ‫وقدمه على كل من حوله تكرمًة وإيثاًرا‪ ،‬بل ناداه بابنه حين كان ينهر من‬ ‫يحاولون أن يبعدوه عن مجلسه بكلم ٍة ظل صداها فى قلبه وأذنيه‪":‬دعوا‬ ‫ابني فوا إن له لشأًنا"‪.‬‬ ‫لهذا فقد بكاه ـ صلى ا عليه وسلم ـ بكاًء مًرا لم يخفف عنه من شدة‬ ‫حزنه غير مواساة ومؤازرة حاضنته أم أيمن التي كانت تعلم يقيًنا أنهما‬ ‫حتًما سيغادران بيت عبد المطلب إلى بيت عمه أبي طالب الذي كان قد‬ ‫أوصاه والده عبد المطلب لما أحس بمسير الموت إليه أن يكفل ابن أخيه‪،‬‬ ‫ولم يتململ أبو طالب أو يتردد أو يتعلل بفقره وكثرة عياله‪ ،‬لنه كان يعلم‬ ‫سر اختيار عبد المطلب له؛ فهو ال خ الشقيق لوالد الطفل من جهة الم‬ ‫ضا الوارث لمقام أبيه من قريش‪ ،‬وربما‬ ‫فاطمة بنت عمرو بن عاكئذ‪ ،‬ولنه أي ً‬ ‫ب خفي أراد عبد المطلب أن يؤثر أبا طالب بهذا اليتيم لما له من بركة‬ ‫لسب ٍ‬ ‫لمسها الجد بنفسه من حال حفيده‪ ،‬فعلم في قرارة نفسه أنه لم يحمل ابنه‬ ‫فوق ما يطيق بل إنه ليهديه من سيكون سبب الخير له ولولده وبيته‪ ،‬كما‬ ‫كان أبو طالب نفسه حاضًرا حين قال قوم من بني مدلج لعبد المطلب‪" :‬احفظ‬ ‫به ـ يقصدون حفيده صلى ا عليه وسلم ـ فإنا لم نر قدًما أشبه بالقدم التي‬ ‫في المقام منه"‪ ،‬فقال عبد المطلب لبي طالب‪" :‬أسمع ما يقول هؤلء"‪.‬‬ ‫فكان أبو طالب يحتفظ به‪.‬‬ ‫ضا لم تتبرم بمقدمه لدارهم بل فرحــت بــه أّيمــا‬ ‫والحق أن زوج عمه أي ً‬ ‫فر ح وليس هذا بمستغرب؛ فهي القرشية الهاشمية فاطمة بنت أسد بن هاشم‬ ‫بن عبد مناف بن قصــي بــن كلب‪ ،‬الــتي نشــأت فــي بيــت مــن أشــرف بيــوت‬ ‫قريش وأعزها نسًبا ومجًدا‪ ،‬إذ تلتقي ـ رضي اـ عنهــا ــ مــع رســول اـ ــ‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ في جده هاشم‪ ،‬ولهذا فقد كان ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫لها مثل أولدها ‪ :‬طالًبا وعقيلً وجعفًرا‪ .‬ولقد تركت معاملتها في نفس النــبي‬

‫‪60‬‬


‫ـ صلى ا عليه و سلم ‪ -‬وهو طفل أبلغ الثر الذي ظــل باقًيــا فــي قلبــه حــتى‬ ‫مماتها‪.‬‬ ‫والحديث عن بركة الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ ل ينتهي فحيث انتقل‬ ‫سف ٍر أو حضر يحسها من حوله ويتحدثون‬ ‫أو رحل‪ ،‬أو حط أو استقر فى َ‬ ‫عنها ويحدثون بها إل هو صلى ا عليه وسلم‪ ،‬أحستها بنت أسد وكذلك‬ ‫زوجها؛ فقد تغير حال أولدهم بعد حضور ابن أخيه عما قبل؛ فالولد‬ ‫يأكلون ويشبعون ويفضل من طعامهم إذا أكل معهم محمداً ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ ولم يكن هذا حالهم قبله‪ ،‬أو حالهم إذا أكلوا بدونه لم يشبعوا ولم‬ ‫يرتووا‪ ،‬بينما إذا شربوا اللبن من إناكئه بعد أن يشرب منه بفمه الشريف ـ‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ يدور الناء عليهم جميًعا فيروون عن آخرهم‪.‬‬ ‫في هذا البيت الهاشمي حظّي ـ صلى ا عليه وسلم ـ برعاية أ ُّمةِه‬ ‫القرشية الهاشمية فاطمة الحسيبة النسيبة القريبة‪ ،‬وأّمه الحبشية صنو‬ ‫حياته وقسيمة أحزانه وأفراحه بركة بنت ثعلب‪ ،‬وهما ممن شملتهما بركته ـ‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ‪ ،‬إنه البيت الذي يتميز عن ساكئر البيوت التي تربى‬ ‫فيها وتركها بميزة طول إقامته فيه‪ ،‬مع ميزة أخرى وهي بداية تكوينه‬ ‫الفكري والمجتمعي‪ ،‬والبدني‪ ،‬إنه البيت الذي شهد المرحلة النتقالية في‬ ‫حياة رسولنا الكريم ـ صلى ا عليه وسلم ـ فبعدها سيستقر في بيت‬ ‫الزوجية‪ ،‬وبعدها سيبدأ عهد جديد في حياته أل وهو عهد النبوة والدعوة‪.‬‬ ‫لم تكن فاطمة بنت أسد تدري أن بركة رسول ا ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ ليست قاصرة فقط على الحساس بالشبع والرتواء‪ ،‬بل ستشمل‬ ‫حياتها كلها وحياة أبناكئها فيما بعد‪.‬‬ ‫ضا أن هذا اليتيم الناشيء في بيتها الذي استسقى‬ ‫كما لم تكن تدرى أي ً‬ ‫زوجها بوجهه الغمام أن ينزل مطًرا على قريتهم مكة فاستجاب ا له‪ ،‬حتى‬ ‫أقبل السحاب وأغدق واْغَدْوَدق‪ ،‬وانفجر الوادي‪ ،‬وأخصب النادي والبادي‪،‬‬ ‫والذي سافر مع عمه لما بلغ ـ صلى ا عليه وسلم ـ اثنتى عشرة سنة في‬ ‫أول رحلة تجارية له خارج حدود مكة حيث الشام‪ ،‬ولّما أتم العشرين من‬ ‫عمره حضر حرب الفجار التي انتهكت عهدهم واستمساكهم بالسلم في‬ ‫الشهر الحرم‪ ،‬وكانت بين قريش ـ ومعهم كنانة ـ وبين َقْيس َعْيلن‪،‬‬ ‫‪61‬‬


‫وميدانها سوق عكاظ‪ ،‬ثم حضر ـ صلى ا عليه وسلم ـ على إثرها توقيع‬ ‫حلف الفضول في دارعبدا بن جدعان الذي تعاهدت فيه القباكئل من قريش‬ ‫على أل يجدوا بمكة مظلوًما من أهلها وغيرهم من ساكئر الناس إلى أن‬ ‫يقوموا معه‪ ،‬ويكونوا على من ظَلَمه حتى يردوُن عليه مظلمته‪.‬‬ ‫ذلك اليتيم الذي بدأ من بيتها رحلة الكد ح والكفا ح من أجل الرزق برعي‬ ‫الغنم‪ ،‬والتجارة بالمشاركة مع الساكئب بن أبي الساكئب المخزومي‪ ،‬حتى‬ ‫خرج متاجًرا بمال خديجة لما كان في الخامسة والعشرين‪ ،‬لم تكن فاطمة‬ ‫تدري أن ا سيبعَث هذا اليتيم نبًيا يمل آفاق الرض نوًرا ورحمًة وهداية‪،‬‬ ‫وتحل بركته على كل من آمن به واتبع هديه صلى ا عليه وسلم‪.‬‬ ‫كان وفاؤه ـ صلى ا عليه وسلم ـ نادًرا ماتتلفت حولك فتجده في‬ ‫سيرة عظيم أو كبير‪ ،‬فهذه الفضيلة قد انتظمت حياته كلها؛ في فقره وفّي‪،‬‬ ‫وفى غناه وفّي‪ ،‬فى صغره وفّي‪ ،‬وفى كبره وفّي‪ ،‬قبل أن يبعث وفّي‪ ،‬وبعد‬ ‫النبوة وفّي‪ ،‬مع أزواجه وفّي‪ ،‬مع المؤمنين وفّي‪ ،‬مع الكفار وفّي‪ ،‬مع‬ ‫العداء وفّي‪ ،‬مع القارب وفّي‪ ،‬ومع الباعد ‪ ..‬كان وفاؤه ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ إحدى معجزاته الكبرى‪.‬‬ ‫خرج ـ صلى ا عليه وسلم ـ من بيت عمه إلى بيت زوجه خديجة ـ‬ ‫رضّي ا عنها ـ ومعه بركة التي كانت حاضنته‪ ،‬فلم يأخذه الغني والجاه‬ ‫وينسى يوًما من آواه واحتضنه وكفله ورباه‪ ،‬يشهد بهذا أنه لما أصابت‬ ‫قري ً‬ ‫شا أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة قال ـ صلى ا عليه وسلم‬ ‫ـ للعباس عمه الذي كان من أيسر بني هاشم ‪’’ :‬يا عباس‪ ،‬إن أخاك أبا‬ ‫طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الزمة فانطلق بنا إليه‬ ‫فلنخفف عنه من عياله‪ :‬آخذ من بنيه رجلً و تأخذ أنت رجلً فنكفلهما‬ ‫عنه’’‪ ،‬فقال العباس ‪ :‬نعم‪ .‬فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقال له ‪ :‬إنا نريد أن‬ ‫نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه ‪ ،‬فقال لهما أبو‬ ‫طالب ‪ :‬إذا تركتما عقيلً فاصنعا ما شكئتما ‪.‬فأخذ رسول ا َعلًيا فضمه إليه‬ ‫وأخذ العباس جعفًرا فضمه إليه‪.‬‬ ‫وفي صبح يوم جديد أظل مكة خبر نبوة محمد‪ ،‬ورب محمد الذى يدعو‬ ‫الناس لنبذ الصنام‪ ،‬وتوحيد الواحد الديان‪ ،‬آمن مع الرسول ـ صلى ا عليه‬ ‫‪62‬‬


‫وسلم ـ من آمن‪ ،‬ومنهم أبناء عمومته يسبقهم علًيا ويأتي بعده جعفر الذي‬ ‫عقد العزم للهجرة إلى الحبشة هو وزوجه‪ ،‬فتودعه أمه فاطمة ملتاعة عليه‬ ‫ولم تحمل في نفسها شيًكئا تجاه ولدها محمد لنه أتى بدين فرق بين المرء‬ ‫وأهله‪ ،‬يشهد لها بهذا يوم أن علقت مكة صحيفتها وأوكلت إلى َبةِغيض بن‬ ‫عامر بن هاشم مهمة كتابة ما اتفقوا عليه "أل يقبلوا من بني هاشم صلًحا‬ ‫أبًدا‪ ،‬ول تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا محمًدا للقتل" فانحاز بنو هاشم وبنو‬ ‫المطلب‪ ،‬مؤمنهم وكافرهم ـ إل أبا لهب ـ وحبسوا في شعب أبي طالب‪ ،‬من‬ ‫السنة السابعة من البعثة الشريفة‪ ،‬فتدخل مع زوجها وأولدها لتعاني مع من‬ ‫عانى من الجوع والعطش وأكل أوراق الشجر لثلثة أعوام بين قلب سافر‬ ‫نصفه حيث أرض النجاشي‪ ،‬ونصفه الخر مع ما يعانيه أهلها في هذا‬ ‫الحصار القاسي‪ ،‬كما أنها لم تجزع ولم تعترض حين كان أبو طالب يقدم‬ ‫أولدها فداًء للرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ خوًفا عليه‪ ،‬فكان إذا أخذ‬ ‫الناس مضاجعهم يأمر رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ أن يضطجع على‬ ‫فراشه‪ ،‬حتى يرى ذلك من أراد اغتياله‪ ،‬فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو‬ ‫إخوانه أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم‬ ‫ـ‪ ،‬وأمره أن يأتي بعض فرشهم ‪ ،‬وهذا لن محمًدا ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫كان لها كأولدها‪ ،‬بل كان الثير عندها‪.‬‬ ‫لم تكد ستة أشهر من الخروج من الشعب تمضي حتى أعلن الناعي خبر‬ ‫وفاة أبي طالب في رجب سنة عشر من النبوة‪ ،‬ثم لحقته خديجة‪.‬‬ ‫والراجح من الروايات التاريخية أن فاطمة بنــت أســد أســلمت وهــاجرت إلــى‬ ‫المدينة المنورة‪ ،‬فقد قال ابن سعد‪" :‬أسلمت فاطمـة بنــت أســد وكــانت امــرأة‬ ‫صــالحة‪ ،‬وكــان رســول اـ ــ صــلى اـ عليــه وســلم ــ يزورهــا ويقيــل فــي‬ ‫بيتها"‪.‬‬ ‫وفي المدينة تزوج ابنها علي ـ رضي ا عنه ـ فاطمة بنت رسول ا ـ‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ‪ ،‬فأسكنها في بيت أمه فاطمة بنت أسد‪ ،‬وكان علًيا‬ ‫ُيوصي أمه عليها‪" :‬قُْل ُ‬ ‫ت‬ ‫سةِد ْبةِن َهاةِش ٍم‪ :‬اْكةِفي َفاةِطَمَة ةِبْن ةِ‬ ‫ت ةِل ُّمي َفاةِطَمَة ةِبْن ةِ‬ ‫ت أَ َ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫سّلَم ‪ -‬ةِسَقاَيَة اْلَماةِء َوالّذَهاَب ةِفي اْلَحاَجةِة ‪،‬‬ ‫سوةِل ّ ةِ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا‪َ -‬‬ ‫َر ُ‬ ‫خةِل الّطْحَن َواْلَعْجَن" )‪.(1‬‬ ‫َوَتْكةِفيةِك ةِخْدَمَة الّدا ةِ‬

‫‪63‬‬


‫ومع دخول السنة الخامسة من الهجرة كانت أنفاس الهاشمية القرشية‬ ‫الحانية قد فارقت الحية الفانية راضيًة مرضية‪ ،‬ولما علم الرسول ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ بالنبأ ألبسها قميصه الطاهر‪ ،‬كما جاء في أقوى الروايات ـ‬ ‫حيث ورد في وفاتها عدة روايات ل تخلو من ضعف ـ وهي رواية أنس بن‬ ‫س ْبةِن َمالةِ ٍك َقالَ ‪َ :‬لّما َماَتْت َفاةِطَمُة ةِبْن ُ‬ ‫ت‬ ‫مالك رضي ا عنه‪ ،‬حيث قال‪َ :‬عْن أََن ةِ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫ضَي ّ‬ ‫سةِد ْبةِن َهاةِش ٍم أ ُّم َعلةِّي ‪َ -‬ر ةِ‬ ‫سول ُ ّ ةِ‬ ‫ا‪َ -‬‬ ‫اُ َعْنُهَما ‪َ -‬دَخلَ َعَلْيَها َر ُ‬ ‫أَ َ‬ ‫اُ‬ ‫س ةِعْنَد َرْأةِسَها ‪َ ،‬فَقالَ ‪َ’’ :‬رةِحَمةِك ّ‬ ‫ت أ ُّمي َبْعَد‬ ‫اُ َيا أ ُّمي‪ُ ،‬كْن ةِ‬ ‫سّلَم ‪َ -‬فَجَل َ‬ ‫َعَلْيةِه َو َ‬ ‫أ ُّمي‪َ ،‬تُجوةِعيَن َوُت ْ‬ ‫سةِك َطّيًبا‬ ‫شةِبةِعيةِني‪َ ،‬وَتْعَرْيَن َوَتْكةِسيةِني‪َ ،‬وَتْمَنةِعيَن َنْف َ‬ ‫سلَ َثَلًثا‪،‬‬ ‫َوُتْطةِعةِميةِني‪ُ ،‬تةِريةِديَن ةِبَذلةَِك َوْجَه ّ ةِ‬ ‫ا َوالّداَر اْلةِخَرَة ’’‪ُ .‬ثّم أََمَر أَْن ُتَغ ّ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫سّلَم ‪-‬‬ ‫سول ُ ّ ةِ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا‪َ -‬‬ ‫سَكَبُه َر ُ‬ ‫َفَلّما َبَلَغ اْلَماَء اّلةِذي ةِفيةِه اْلَكاُفوُر َ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫سَها إةِّياُه ‪،‬‬ ‫سول ُ ّ ةِ‬ ‫صُه َفأ َْلَب ُ‬ ‫سّلَم ‪َ -‬قةِمي َ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا‪َ -‬‬ ‫ةِبَيةِدةِه ‪ُ ،‬ثّم َخَلَع َر ُ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫ساَمَة ْبَن‬ ‫سول ُ ّ ةِ‬ ‫سّلَم ‪ -‬أ ُ َ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا‪َ -‬‬ ‫َوَكّفَنَها ةِبُبْر ٍد َفْوَقُه‪ُ ،‬ثّم َدَعا َر ُ‬ ‫ب‪َ ،‬وُغَلًما أَْسَوَد َيْحةِفُرون‪،‬‬ ‫ي‪َ ،‬وُعَمَر ْبَن اْلَخّطا ةِ‬ ‫صاةِر ّ‬ ‫َزْي ٍد‪َ ،‬وأََبا أَّيوَب اْلَْن َ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫سّلَم ‪-‬‬ ‫سول ُ ّ ةِ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا‪َ -‬‬ ‫َفَحَفُروا َقْبَرَها‪َ ،‬فَلّما َبَلُغوا الّلْحَد َحْفَرُه َر ُ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫سّلَم ‪-‬‬ ‫سول ُ ّ ةِ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا‪َ -‬‬ ‫ةِبَيةِدةِه‪َ ،‬وأَْخَرَج ُتَراَبُه ةِبَيةِدةِه‪َ ،‬فَلّما َفَرَغ َدَخلَ َر ُ‬ ‫ضَطَجَع ةِفيةِه‪َ ،‬فَقالَ ‪ّ ’’ :‬‬ ‫ت‪َ ،‬وُهَو َحّي َل َيُمو ُ‬ ‫اُ اّلةِذي ُيْحةِيي َوُيةِمي ُ‬ ‫ت‪ ،‬اْغةِفْر‬ ‫َفا ْ‬ ‫سْع َعَلْيَها ُمْدَخَلَها ةِبَحّق َنةِبّيَك‬ ‫ةِل ُّمي َفاةِطَمَة ةِبْن ةِ‬ ‫س ٍد‪َ ،‬وَلّقْنَها ُحّجَتَها‪َ ،‬وَو ّ‬ ‫ت أَ َ‬ ‫َواْلَْنةِبَياةِء اّلةِذيَن ةِمْن َقْبةِلي; َفإةِّنَك أَْرَحُم الّراةِحةِميَن’’‪َ .‬وَكّبَر َعَلْيَها أَْرَبًعا‪،‬‬ ‫ضَي ّ‬ ‫اُ َعْنُهْم ـ )‪..(2‬‬ ‫صةِديُق ‪َ -‬ر ةِ‬ ‫َوأَْدَخُلوَها الّلْحَد ُهَو‪َ ،‬واْلَعّباس‪َ ،‬وأَُبو َبْك ٍر ال ّ‬ ‫وهي أقوى الروايات مع ضعفها جميًعا‪.‬‬ ‫اضطجع ـ صلى ا عليه وسلم ـ في اللحد أي الحفرة التي ل تتسع إل‬ ‫لواحد بالكاد‪ ،‬قبل دخول زوج عمه فيــه‪ ،‬علــى مــرأي ومســمع‪ ،‬والضــطجاع‬ ‫غير المضاجعة‪ ،‬ولو ضممنا حديث ابن عباس ـ على مافيه من جهالة ـ ـ إلــى‬ ‫الحديث السابق لعلمنا المقصد والغاية من فعل رسول ـ صلى ا عليه وســلم‬ ‫ضّطَجْع ُ‬ ‫ت َمَعَها ةِفي‬ ‫س ةِمْن ةِثَيا ةِ‬ ‫ـ الذي قال ‪’’:‬أَْلَبْسُتَها َقةِمي ةِ‬ ‫ب اْلَجّنةِة‪َ ،‬وا ْ‬ ‫صي ؛ لةَِتْلَب َ‬ ‫اـ إةَِلـّي‬ ‫سـةِن َخْلـةِق ّ ةِ‬ ‫ضـْغَطةِة اْلَقْبـةِر؛ إةِّنَهــا َكــاَنْت ةِمـْن أَْح َ‬ ‫ف َعْنَها ةِمْن َ‬ ‫َقْبةِرَها ‪ُ،‬خّف َ‬ ‫صةِنيًعا َبْعَد أَةِبي َ‬ ‫طاةِلب’’ )‪.(3‬‬ ‫َ‬

‫‪64‬‬


‫وبالجمع بين الروايتين يكون معنى "اضطجعت معها" يعني ‪ :‬معها في‬ ‫نفس المكان‪ ،‬وليس في نفس الوقت ‪.‬‬ ‫ب َخَلَع الّنةِبّي‬ ‫س َقالَ ‪َ :‬لّما َماَتْت َفاةِطَمُة أ ُّم َعلةِّي ْبةِن أَةِبي َطالةِ ٍ‬ ‫َوَعةِن اْبةِن َعّبا ٍ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫ي‬ ‫سّو َ‬ ‫ضَطَجَع ةِفي َقْبةِرَها‪َ ،‬فَلّما ُ‬ ‫سَها إةِّياُه ‪َ ،‬وا ْ‬ ‫صُه َوأَْلَب َ‬ ‫سّلَم َقةِمي َ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫صَنْعَت َ‬ ‫صَنْعُه ةِبأ ََح ٍد! َفَقاَل‪:‬‬ ‫سولَ ةِ‬ ‫شْيًكئا َلْم َت ْ‬ ‫ا‪َ ،‬رأَْيَناَك َ‬ ‫ب َقاُلوا‪َ :‬يا َر ُ‬ ‫َعَلْيَها الّتَرا ُ‬ ‫ضّطَجْع ُ‬ ‫ت َمَعَها ةِفي َقْبةِرَها;‬ ‫س ةِمْن ةِثَيا ةِ‬ ‫’’ أَْلَبْسُتَها َقةِمي ةِ‬ ‫ب اْلَجّنةِة‪َ ،‬وا ْ‬ ‫صي؛ لةَِتْلَب َ‬ ‫صةِنيًعا َبْعَد‬ ‫سةِن َخْلةِق ّ ةِ‬ ‫ا إةَِلّي َ‬ ‫ضْغَطةِة اْلَقْبةِر؛ إةِّنَها َكاَنْت ةِمْن أَْح َ‬ ‫ف َعْنَها ةِمْن َ‬ ‫ُخّف َ‬ ‫ب’’‪.‬‬ ‫أَةِبي َطالةِ ٍ‬ ‫وأما ما قاله ابن َ‬ ‫شّبة عن عبد العزيز بن عمران ما حاصله‪" :‬أن النبي ـ‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ لم ينزل في قبر أح ٍد قط إل خمسة قبور‪ :‬ثلث نسوة‬ ‫و رجلين‪ ،‬منها قبر خديجة بمكة‪ ،‬و أربع بالمدينة‪ :‬قبر ابن خديجة كان في‬ ‫حجر النبي صلى ا عليه وسلم و تربيته‪ ،‬و قبر عبد ا المزني الذي يقال‬ ‫له ‪:‬ذو البجادين‪ ،‬وقبر أم رومان أم عاكئشة بنت أبي بكر الصديق‪ ،‬وقبر‬ ‫ي")‪.(4‬‬ ‫فاطمة بنت أسد‪ ،‬أ ُّم َعل ّ‬ ‫قال الذهبي رحمه ا تعالى ‪" :‬وفي ذي الحجة ماتت أم رومان بنت عامر‬ ‫بــن عــويمر الكنانيــة أم عاكئشــة رضــي اـ عنهمــا فــي الســنة السادســة مــن‬ ‫الهجرة‪ ،‬وأخرج البخاري من رواية مسروق عنها حديًثا وهو منقطع لنه لم‬ ‫يدركها‪ ،‬أو قد أدركها فيكون تاريخ موتها هذا خطأ" )‪.(5‬‬ ‫وهذا صحيح أن تاريخ موت أم رومان خطأ فهّي لم تمت‬ ‫في العام السادس من الهجرة كما ذكر الواقدي‪ ،‬لنها كانت حاضرة‬ ‫ك لإِْن ُك ْْنلَتُّن تُِرْد َنل الَْح فيَلعاَة‬ ‫حين نزلت آية التخيير ‪﴿ :‬يَعا َأيلَّه عال ْن‬ ‫الّبِّج ي قُْل ِلَْزَو الِج َ‬ ‫الّد نلْفيَعا َوِزيْنََتلََه عال فلََتلَععالَْفيَن أَُمَتلّْعُكلّنل َوأُلَس ّرلْح ُكلّنلَس َرلاًح عالَج ِملفيلًل )‪َ (28‬و إِلْن ُك ْْنلَتُّن تُِرْد َنل‬ ‫تِم ْْنلُك ّنل أَج رللا َع ِ‬ ‫اللَّه ورس اولَهُ واللّد الر اْلَِخ رلَة فَِإ ّنل اللَّه أََعّد لِْلم ْحلِسل ْنَلعا ِ‬ ‫ظ فيلًم عال﴾)‪(6‬‬ ‫ُ‬ ‫ًْ‬ ‫ََُ َ َ َ‬ ‫وباتفاق كان تاريخ نزولها فى سنة تسع )‪ ،(7‬وهذا ما يؤكده ابن‬ ‫القيم )‪ (8‬عن موت أم رومان في حياة الرسول صلى ا عليه وسلم‪:‬‬ ‫‪65‬‬


‫"أنه حديث ل يصح وفيه علتان تمنعان صحته‪ ،‬إحداهما أن زيد بن‬ ‫جدعان ضعيف الحديث‪ ،‬والثانية أنه رواه القاسم بن محمد عن‬ ‫النبي وهو لم يدرك زمن رسول ا صلى ا عليه وسلم‪ ،‬وحديث‬ ‫البخاري إسناده كالشمس"‪.‬‬ ‫وعلى هذا نقول باطمكئنان أن أم الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ فاطمــة‬ ‫بنت أسد هى المرأة الثانية بعد زوجه خديجة ـ رضى ا عنهما ـ ـ الــتى نــزل‬ ‫قبرها ل سواهما‪ ،‬وهذا إن دل فإنما يدل على فضيلة لم تفته ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ فيمن أحسن إليه أن يحسن إليه بأعظم مما أحسن‪ ،‬إنه الوفــاء أعظــم‬ ‫قيمة يقابلها وسيقابلها من تفضل ا عليه بقراءة سيرته العطرة ـ صلى اــ‬ ‫عليه وسلم ـ‪ ،‬تجدها في أعظمها حين تطالع وفاؤه لخديجة ـ رضى ا عنها‬ ‫ـ‪ ،‬وتجدها بعد هذا في مستويات متفاوتة عند غيرها‪ ،‬عنـدما يبـذل المـال‪ ،‬أو‬ ‫ي زوجـه‬ ‫الحرية‪ ،‬أو العفو‪ ،‬وأعظمها عندما ينــزل بجسـده الشــريف فــي قـبر ّ‬ ‫وأّّمه خديجة وفاطمة ـ رضي ا عنهما ـ ومرد هذا أنهما أطــول مــن عــايش‬ ‫من النساء عمًرا وزمًنا فى بيت واحد‪ ،‬وهما أكثر من منحــاه الحــب والمــودة‬ ‫واليثار عن رضا ودون انتظار المكافأة والثواب‪.‬‬

‫نساء فى حياة الرسول‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هامش الفصل‬

‫‪66‬‬

‫الخامس ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السيد إبراهيم‬


‫‪ .‬الطبراني )‪ (20326‬وفيه انقطاع)‪(1‬‬ ‫‪.‬الطبراني )‪ ( 20324‬وفيه ضعف)‪(2‬‬ ‫‪.‬الّطَبَراِنّي ِفي اْلَ ْوَرسِط )‪ ( 7128‬وفيه جهالة)‪(3‬‬ ‫‪) .‬نور الدين الرسمهودي ‪ :‬وفا الوفاء بأخبار المصطفى‪)،‬ج ‪ 3‬صـ ‪(4) 275‬‬ ‫)‪ (5‬محمد بن رسعد بن منيع ‪:‬الطبقات الكبرى )‪. (8/276‬‬ ‫)‪ (6‬رسورة الحزاب ‪) :‬اليتان ‪28‬ـ ‪.(29‬‬ ‫)‪ (7‬ابن حجر ‪ :‬فتح الباري )ج ‪ 7‬ص ‪.(438‬‬ ‫)‪ (8‬ابن القيم ‪ :‬زاد المعاد ) ج ‪ 3‬ص ‪. (238‬‬

‫‪67‬‬


‫الفصل السادس‬

‫ساةِء أَْهةِل الَجّنةِة‬ ‫السيدة خديجة ‪ :‬سّيَدُة ةِن َ‬ ‫و سيدة المسلمين الولى‬

‫مضت اليام وقد جاوز النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ سن الفتوة حتى‬ ‫أصبح في شر خ الشباب ولم تحدثه نفسه أو من حوله بخطب ٍة أو زواج‪ ،‬مع‬ ‫كونه جميل الةِخلقة‪ ،‬قويم الخلق‪ ،‬محمود السيرة‪ ،‬رفيع النسب‪ ،‬وكان َحرًيا‬ ‫لوتقدم لخطبة من يريد لما ُرّد طلبه‪ ،‬غير أنه ـ صلى ا عليه وسلم ـ كان ل‬ ‫يهتم بشكئون البدن‪ ،‬فماله الذي يجنيه من سعيه في الرعي تارة وتارة من‬ ‫الشراكة في تجارة يكاد يقوم بأوده‪ ،‬عمه ذو عيال فمن أين له بالمال‬ ‫والوقت؟‬ ‫‪68‬‬


‫أما السيدة خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزي بن قصي فالمتفق‬ ‫عليه في حياتها أنها كانت ذات نسب طاهر‪ ،‬وجمال باهر‪ ،‬ومال وافر‪ ،‬سيدة‬ ‫قرشية لبيبة‪ ،‬جليلة‪ ،‬حازمة رشيدة‪ ،‬ولدت ونبتت في بيت مجد وسؤدد من‬ ‫نسل طيب العراق‪ ،‬عاشت عمرها مخدومة ل خادمة؛ فالخدم يملون‬ ‫دارها‪ ،‬ويقومون على رعايتها ورعاية أولدها من زيجتين سابقتين من‬ ‫سادات رجال قريش‪ ،‬أولهما هند بن النباش بن زرارة وأنجبت منه ولدين‬ ‫هند وهالة ثم مات عنها‪ ،‬أما ثانيهما فهو عتيق بن عابد بن عبدا وأنجبت‬ ‫منه بنًتا سمتها هند ثم مات عنها هو الخر‪ ،‬فعاشت بعدهما لتربية أولدها‪،‬‬ ‫ورعاية مالها الذي زاد بميراثها عنهما فاستثمرته في التجارة كعادة أهل‬ ‫قريش فكانت تستأجر الرجال فتضاربهم عليه‪.‬‬ ‫وامرأة هذا حالها هل فكر مرة النبى ـ صلى ا عليه وسلم ـ أن يتخذها‬ ‫زوجا ً له؟ ‪ ..‬والجابة بالنفى؛ لنه يعلم أنها أوسط نساء قريش نسًبا‪،‬‬ ‫وأعظمهّن شرًفا‪ ،‬وأكثرهن ماًل‪ ،‬و يعلم أن كل قومها من أشراف مكة‬ ‫يتمنون ويطلبون القتران بها‪ ،‬حتى أنه لم تحدثه نفسه بالعمل فى تجارتها‬ ‫إل حين عرض عليه عمه‪" :‬يا ابن أخي أنا رجل ٌ ل مال لي وقد اشتد الزمان‬ ‫وألّحت علينا سنون منكرة‪ ،‬وهذه عيُر قومك قد حضر خروجها إلى الشام‪،‬‬ ‫وخديجة بنت خويلد تبعث رجالً من قومك في عيرها فيّتجرون لها في مالها‬ ‫ضَلتك على غيرك لما يبلغها‬ ‫ويصيبون منافع‪ ،‬فلو جكئّتها لَْسرعْت إليك وف ّ‬ ‫عنك من طهارتك"‪ ..‬ولكن إذا أراد ا أمًرا هيأ له السباب؛ فقد ُولةَِد محمد‬ ‫يتيًمًا‪ ،‬وعاش يتيًما‪ ،‬ثم آتاه ا اليسر العامل‪ ،‬وكفاه العيش الكاد ح‪ ،‬رعى‬ ‫الغنم وَدّبر التجارة‪ ،‬ثم بسط ا له تعالى الرزق‪ ،‬وأتاه الزوج الوفية‬ ‫الرضية‪ ،‬فأكمل ا بها انسانيته‪ ،‬وأكمل لها أمومتها‪ ،‬وتوافقا في قطع فيافي‬ ‫هذا الوجود‪ ،‬وكّمل كل منهما ماينقصه بما عند الخر‪ ،‬هي امرأة شريفة‪،‬‬ ‫ذات ثراء‪ ،‬وهو رجل مكتمل عامل قوي أمين‪ ،‬فأغناها بأمانته وكفلها‬ ‫برجولته‪ ،‬ووجه مالها إلى الخير بحسن نيته وطيب طويته‪ ..‬وقد كان يعمل‬ ‫لها في المال بأجر مضاعف‪ ،‬تطيب به نفسها‪ ،‬ويكسب ماُلها على يديه‬ ‫أضعاف ما ينتج غيره‪ ،‬وكان عبداً شكوًرا‪ ،‬ولو استمر في هذه الطريق يعمل‬ ‫في مالها ومال غيرها‪،‬لَدّر ا عليه أخلف الرزق‪ ،‬ولو كان يبتغي المال‬ ‫وأعراض هذه الدنيا‪ ،‬لنال الشباب والمال مًعا‪ ..‬ولكنه ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ رأى أن يعمل في مالها بغير أجر‪ ،‬وأن يضاعفه بغير ثمن‪ ،‬وأن‬ ‫‪69‬‬


‫تكون أم ولده‪ ،‬لطيب عرفها وشرف نفسها‪ ،‬وقد تخير لنطفته فاختار أكمل‬ ‫امرأة في قريش أعلها فى المكرمات كعًبا‪ ،‬وقد اختارها ا تعالى له لتكون‬ ‫له ردًءا في شداكئده‪ ،‬تواسيه بالكلمة والعطف والحنان‪ ،‬في وقت قد اشتد‬ ‫فيه البلء‪ ،‬وَعُظم البتلء‪ ،‬فأعَنَته المخالفون‪ ،‬وكان عزيًزا عليه أن‬ ‫ُيعةِنَتُهْم‪ ،‬فكان في حاجة إلى من يأوى إليه‪ ،‬كما هو في حاجة إلى من يذود‬ ‫عنه‪ ..‬وإذا كانت امرأة نو ح وامرأة لوط قد تخاذلتا عن معاونة النبيةِين‬ ‫الصالحةِين‪ ،‬فامرأة محمد أعلت شأن النساء قاطبة‪ ،‬فكانت الزوج الملهمة‬ ‫المواسية‪ ،‬الودود العطوف الولود‪ ،‬يلقى قريش وصدودها‪ ،‬وعداوتها‬ ‫وجفوتها‪ ،‬فاذا آوى إلى بيته وجد برداً وسلًما ‪ ..‬وإذا كان قد فقد عطف‬ ‫الم الرؤوم في صدر حياته في وقت الحاجة‪ ،‬فقد عوضه ا في خديجة‬ ‫جا وأًما ورفيقة الحياة)‪.(1‬‬ ‫زو ً‬ ‫فالرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ لم يسع ل للعمل ول للزواج من سيدة‬ ‫مكة خديجة‪ ،‬ولول أنها هّي التى تولت زمام المبادرة بطلبه للزواج ماتقدم‬ ‫ـ صلى ا عليه وسلم ـ خطوة واحدة‪ ،‬وهذا الحوار القصير بينه وبين‬ ‫سة بنت ُمْنَية ليدل على هذا أشد الدللة حين فاتحته‬ ‫مبعوثة خديجة َنةِفي َ‬ ‫ج ةِبةِه’’‪ ،‬قلت‪:‬‬ ‫قاكئلة‪ :‬محّمد! ما يمنعك أن تزّوج؟‪ ،‬فقال‪َ’’ :‬ما ةِبَيدي ما َأتزّو ُ‬ ‫فإن ُكةِفيَت ذلك وُدعيَت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة أل ُتجيب؟‪،‬‬ ‫ف لي ةِبَذلك؟’’‪ ،‬قلت‪ :‬علّي‪،‬‬ ‫قال‪َ’’ :‬فَمن هّي؟’’‪ ،‬قلت‪ :‬خديجة‪ ،‬قال‪َ’’:‬وَكي َ‬ ‫قال‪’’ :‬فأنا أَْفعل ُ’’‪ .‬وبالتالى فهو ليس نفعًيا ول متسلًقا‪ ،‬ول نهاًزا للفرص ـ‬ ‫حاشاه ـ فلم يكن من أمره بعد زواجه منها ما يـــدل علي إسرافه في مالها‬ ‫كما يفعل النفعيون الذين يتزوجون العجاكئز الثريات؛ فلم يعمد إلي البذ خ في‬ ‫مظهره‪ ،‬بل كان متواضًعا عفيًفا‪ ،‬ولم يعمد إلي القصف مع أبناء المياسير‬ ‫إظهاًرالثراكئه الطاريء)‪ ،(2‬كما لم يتمتع بتلك الثروة‪ ،‬ولم يتلذذ بها‪ ،‬بل‬ ‫قضى حياته فقيًرا)‪ ،(3‬ولو أن رجلً تزوج خديجة ـ الجميلة الغنية ـ لقبل‬ ‫علي الدنيا ولكان همه أن ينمي ثروتها ليربو حظه من الراحة المادية‪،‬‬ ‫ولغشّي مجالس مكة حيث تدور الكـؤوس الُمترعة البـاعثة للنشوة في‬ ‫الرؤوس‪ ،‬وحيث تسمع أحلى الحاديث وأجمل الدعابات‪ ،‬وأطلى‬ ‫القاصيص )‪ ،(4‬يجوز هذا على أي أحد إل محمد ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫لنه رغم فقره‪،‬عرف قدر نفسه‪ ..‬وحفظ لها عزتها ‪ ..‬فلم تهن يوًما عليه‬ ‫‪ ..‬ولم يهنها أحد ‪ ..‬حتى صار وهو ابن الكرمين ‪ ..‬سليل سادات قريش‬ ‫‪70‬‬


‫ومجد الهاشميين المكين ‪ ..‬والمتصف بالصادق المين ‪ ..‬الزوج النسب‬ ‫للطاهرة القرشية‪ ،‬وسيدة نساء العالمين‪.‬‬ ‫عاش مع خديجة ـ رضي ا عنها ـ قصة راكئعة من الحب والوفاء‬ ‫والسعادة والمتنان‪ ،‬فسار بهما قارب الحياة في سعادة غامرة‪ ،‬وحزن‬ ‫عميق موجع؛ فليس هناك حزن في الدنيا يضارع حزن فقد الولد في حياة‬ ‫والديهم وقد ذاقاه عند موت طفلهما الول القاسم وهو دون السنتين‪ ،‬ثم ل ح‬ ‫لهما المل مجدًدا مع ميلد طفلهما الثاني عبدا غير أن يد المنون لم‬ ‫تفلته فلحق بأخيه‪ ،‬وكان عزاؤهما فى زينب ثم رقية فأم كلثوم وخاتمة‬ ‫المطاف الزهراء فاطمة‪.‬‬ ‫فكيف له ـ صلى ا عليه وسلم ـ أن يقترن بغيرها فى حياتها ـ رضى ا‬ ‫عنها ـ وهي القريبة منه بعد القلب فى النسب؛ إذ يجتمعان فى )قصي(‪،‬‬ ‫وشهد بيتها بزوغ نور السلم‪ ،‬وأول من آمنت بالرسالة من نساء‬ ‫العالمين‪ ،‬حتى صارسبق إيمانها ومن حولها من أهل البيت‪ ،‬الدليل الناصع‬ ‫والبرهان الصحيح على صدق ما جاء به ـ صلى ا عليه وسلم ـ‪ ،‬هل كان‬ ‫باستطاعة امرأًة سواها أن تأسو جرحه القديم الغاكئر الذي تركه في أعماقه‬ ‫موت أمه بين يديه؟! ‪ ..‬هل كان لنثى غيرها‪ ،‬أن تهييء له الجو المسعف‬ ‫على التأمل‪ ،‬وأن تبذل له من نفسها ـ فى إيثار نادرـ ما أعده لتلقي رسالة‬ ‫ا؟! ‪ ..‬هل كان لزوجة عداها أن تستقبل عودته التاريخية من غار حراء‬ ‫بمثل ما استقبلته هي به من حنان مستثار وعطف فياض وإيمان قوي‪ ،‬دون‬ ‫أن يساورها في صدقه أدنى ريب‪ ،‬أو يتخلى عنها يقينها في أن ا غير‬ ‫مخزيه أبًدا؟! ‪ ..‬هل كان في طاقة سيدة غير خديجة‪ ،‬غنية مترفة ُمنّعمة‪ ،‬أن‬ ‫تتخلى راضية عن كل ما ألفت من راحة ورخاء ونعمة‪ ،‬لتقف إلى جوار‬ ‫رجلها في أحلك أوقات المحنة‪ ،‬وتعينه على أفد ح ألوان الذى وصنوف‬ ‫الضطهاد‪ ،‬في سبيل ما تؤمن أنه الحق؟! ‪..‬كل ‪ ..‬بل هي وحدها التى‬ ‫أعدتها القدار لتمل حياة الرجل الموعود بالنبوة‪ ،‬وتكون لليتيم أًما وللبطل‬ ‫ملهمة‪ ،‬وللمناضل ملًذا وسكًنا‪ ،‬وللنبي المبعوث نبع ثقة وطمأنينة سلم)‪.(5‬‬

‫‪71‬‬


‫فصارت لها منزلة فوق منزلة نساء النبيين والعالمين كما جاء فى‬ ‫ساةِء‬ ‫سْول ُ ةِ‬ ‫سّلَم ‪’’ :‬سّيَدةُ ةِن َ‬ ‫صّلى اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا َ‬ ‫س‪َ :‬قالَ َر ُ‬ ‫الحديث َعةِن اْبةِن َعّبا ٍ‬ ‫أَْهةِل الَجّنةِة َبْعَد َمةِرْيَم ‪َ :‬فاةِطَمُة‪َ ،‬وَخةِدْيَجُة‪َ ،‬واْمَرأَةُ ةِفْرَعْوَن؛ آةِسَيُة’’‪.‬‬ ‫ولّما كان بيتها بعد قلبها ـ رضّي ا عنها ـ يحوط الرسول ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ بالهدوء والراحة والسكينة‪ ،‬من وقت ما زملته ودثرته عند‬ ‫نزوله من غارحراء‪ ،‬لحين مسحت عنه ما علق به من صخب ونصب ممن‬ ‫لحقوه بالتكذيب والتهوين والتشويش بعد أن أنذر و بشر برسالة السماء‪،‬‬ ‫أفاء ا سبحانه وتعالى عليها ببيت أحسن منه تظلله السكينة والسلم‪،‬‬ ‫صّلى اُ َعَلْيةِه‬ ‫ل‪ :‬أََتى ةِجْبةِرْيل ُ الّنةِبّي َ‬ ‫فعْن أَةِبي ُزْرَعَة أنه َ‬ ‫سةِمَع أََبا ُهَرْيَرَة َيقُْو ُ‬ ‫سّلَم َفَقاَل‪َ" :‬هةِذةِه َخةِدْيَجُة أََتْتَك َمَعَها إةَِناٌء ةِفْيةِه إَداٌم أَْو َطَعاٌم أَْو َ‬ ‫ب‪َ ،‬فإةَِذا‬ ‫شَرا ٌ‬ ‫َو َ‬ ‫سلََم ةِمْن َرّبَها َوةِمّني‪َ ،‬وَب ّ‬ ‫ت ةِفي الَجّنةِة ةِمْن‬ ‫شْرَها ةِبَبْي ٍ‬ ‫ةِهَي أََتْتَك‪َ ،‬فاْقَرْأ َعَلْيَها ال ّ‬ ‫صَب‪ .‬فردت رضى ا عنها السلم قاكئلة‪ :‬ا‬ ‫ص ٍ‬ ‫صَخَب ةِفْيةِه َولَ َن َ‬ ‫ب‪ ،‬لَ َ‬ ‫َق َ‬ ‫السلم‪ ،‬ومنه السلم‪ ،‬وعلى جبريل السلم"‪.‬‬ ‫يقول شار ح المواهب اللدنية ‪" :‬هذا من وفور فقهها‪ ،‬حيث جعلت مكان‬ ‫رد السلم على ا تعالى الثناء عليه‪ ...‬لن ا الخالق سبحانه ل ُيرد عليه‬ ‫السلم كما يرد على المخلوق فالسلم يحمل معنى الدعاء بالسلمة‪،‬‬ ‫والمان له‪ ،‬فكان معنى قولها رضى ا عنها ‪ :‬ا السلم فكيف أقول‬ ‫عليه السلم ومنه سبحانه ُيستمد السلم‪ ،‬وإليه يعود السلم‪ ،‬وبه عزوجل‬ ‫يسود السلم؟"‬ ‫أقبل العام العاشر من البعثة المباركة بأحزان لم يعشها النبى ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ مــن قبــل؛ ففــى خلل أيــام قليلت رحــل عنــه عمــه الــذي أحبــه‬ ‫وعاش فى كنفه‪ ،‬وزاد عنه‪ ،‬وأشفق وخاف عليه‪ ،‬ثم داهمـه مـرض خديجـة‬ ‫أحب الناس إلى قلبـه ثــم فراقهــا عنــه قبــل الهجــرة بثلث سـنين‪ ،‬ولهــا مــن‬ ‫العمر خمس وستون سنة‪ ،‬فدفنها بالحُجون وقد نزل ـ صلى ا عليه وســلم‬ ‫ـ في قبرها‪ ،‬لترحل من الدنيا وترحل معها سنوات من العمر قضــاها كأجمــل‬ ‫أيام حياته‪ ،‬لم يفتأ يذكرها بعدها‪.‬‬

‫‪72‬‬


‫حتى بعد زواجه الثالث من السيدة عاكئشة ـ رضّي ا عنها ـ التى عانت‬ ‫كثيًرا ‪ ،‬وصبرت كثيًرا من ذكره ـ صلى ا عليه وسلم ـ لزوجه الراحلة‬ ‫ضا التى تؤكد عن مدى حبه وتعلقه‬ ‫خديجة ـ رضّي ا عنهاـ‪ ،‬بل و أفعاله أي ً‬ ‫بأيام ذلك الزواج الول‪ ،‬وذلك حين يقدم )هالة( ابن خديجة َعَليه َوُهَو َراةِقد‬ ‫ ح وشوق وحنين‪ .‬وحين‬ ‫ضّمُه إةَِلى َ‬ ‫َفاْسَتْيَقَظ َف َ‬ ‫صْدره َوَقالَ ‪َ’’ :‬هاَلة َهاَلة’’ بفر ٍ‬ ‫ف‬ ‫ف َحالُُكْم َكْي َ‬ ‫ف أَْنُتْم َكْي َ‬ ‫َجاءْت َعُجوٌز إةَِليه صلى ا عليه وسلم‪َ ،‬فَقالَ ‪َ’’ :‬كْي َ‬ ‫ا‪َ ،‬فَلّما َخَرَجْت سألته‬ ‫سولَ ّ ةِ‬ ‫ُكْنُتْم َبْعَدَنا؟’’‪َ ،‬قاَلْت‪ :‬ةِبَخْي ٍر ةِبأ َةِبي أَْنَت َوأ ُّمي َيا َر ُ‬ ‫ا ُتْقةِبل ُ َعَلى َهةِذةِه اْلَعُجوةِز َهَذا الةِْقَباَل؟‪َ ،‬فَقالَ ‪َ’’ :‬يا‬ ‫سولَ ّ ةِ‬ ‫عاكئشة ‪َ :‬يا َر ُ‬ ‫َعاةِكئ َ‬ ‫شُة إةِّنَها َكاَنْت َتأْةِتيَنا َزَماَن َخةِديَجَة َوإةِّن ُحْسَن اْلَعْهةِد ةِمْن اةِليَماةِن’’‪ .‬وما‬ ‫رأته منه ـ صلى ا عليه وسلم ـ حين َذَبَح ال ّ‬ ‫ضاًء‪ُ ،‬ثّم‬ ‫شاَة ُثّم ُيَقّطُعَها أَْع َ‬ ‫صَداةِكئةِق َخةِديَجَة‪ ،‬بل َكاَن إةَِذا أ ُةِتَي ةِبال ّ‬ ‫شْيةِء َيُقول ‪’’ :‬ةِاْذَهُبوا ةِبةِه إةَِلى‬ ‫َيْبَعُثَها ةِفي َ‬ ‫صةِديَقة لةَِخةِديَجة’’‪ .‬وذات مرة اْسَتأَْذَنْت َهاَلُة ةِبْن ُ‬ ‫ت ُخَوْيلةِ ٍد‬ ‫ُفلَنة َفإةِّنَها َكاَنْت َ‬ ‫أ ُْخ ُ‬ ‫ف اْسةِتْكئَذاَن َخةِديَجَة‬ ‫سوةِل ّ ةِ‬ ‫ا صلى ا عليه وسلم َفَعَر َ‬ ‫ت َخةِديَجَة َعَلى َر ُ‬ ‫ش‬ ‫سُروًرا و َه ّ‬ ‫َفاْرَتاَع )َفاْرَتاَ ح( لةَِذلةَِك َفَقالَ ’’الّلُهّم َهاَلَة’’ أَْي ةِاْهَتّز لةَِذلةَِك ُ‬ ‫لةَِمةِجيةِكئَها‪َ ،‬وسر بَها لةَِتَذّكةِرةِه ةِبَها َخةِديَجة َوأَّيامَها َوَقْوله‪’’ :‬الّلُهّم َهاَلة’’ أي‬ ‫ةِاْجَعْلَها َهاَلة‪.‬‬ ‫غارت عاكئشة ـ رضي ا عنها ـ وغيرتها مشروعة فقد كانت البكر‬ ‫الوحيد التي تزوجهــــا ـ صلى ا عليه وسلم ـ‪ ،‬صبيحة مليحة‪ ،‬صغيرة‪،‬‬ ‫تحيا مع زوج تحبه ويكبرها‪ ،‬ويذكر زوجة راحلة كانت أكبر منه‬ ‫وبالتبعية تكبرها بكثير فضاق صدرها حتى قالت ‪َ" :‬ما َتْذُكُر ةِمْن َعُجو ٍز‬ ‫شْدَقْيةِن َهَلَكْت ةِفي الّدْهةِر َقْد أَْبَدَلَك ّ‬ ‫ش َحْمَراةِء ال ّ‬ ‫اُ َخْيًرا ةِمْنَها‬ ‫ةِمْن َعَجاةِكئةِز قَُرْي ٍ‬ ‫)‪ ،"(6‬وفي رواية قالت‪" :‬أَْبَدَلك ّ‬ ‫سّن" )‪.(7‬فغضب‬ ‫سّن َحةِديَثة ال ّ‬ ‫ا ةِبَكةِبيَرةِة ال ّ‬ ‫صلى ا عليه وسلم غضًبا شديًدا‪ ،‬وقال ‪َ’’:‬ما أَْبَدَلةِني ّ‬ ‫اُ َعّز َوَجلّ َخْيًرا‬ ‫س‪،‬‬ ‫صّدَقْتةِني إةِْذ َكّذَبةِني الّنا ُ‬ ‫س‪َ ،‬و َ‬ ‫ةِمْنَها‪َ ،‬قْد آَمَنْت ةِبي إةِْذ َكَفَر ةِبي الّنا ُ‬ ‫س‪َ ،‬وَرَزَقةِني ّ‬ ‫اُ َعّز َوَجلّ َوَلَدَها إةِْذ َحَرَمةِني‬ ‫سْتةِني ةِبَمالةَِها إةِْذ َحَرَمةِني الّنا ُ‬ ‫َوَوا َ‬ ‫ء’’ )‪. (8‬‬ ‫سا ةِ‬ ‫أَْولَد الّن َ‬ ‫فمن ذا الذى كان محمد يصانعه وهو يفي لخديجة كل ذلك الوفاء‬ ‫الجميل الذي يستحق أن يكون مضرب المثال لساكئر الزواج‪ ،‬رجالً‬ ‫‪73‬‬


‫ونساء! ‪ ..‬أتراه كان يصانع التى ماتت ليغضب التى يعيش معها ويحبها؟‬ ‫‪ ..‬ما القول فى هذا الوفاء المعجز؟)‪.(9‬‬ ‫لم تكن تعلم عاكئشة أنه وفاء نادر معجز من رجل نادر معجز لم تسمع‬ ‫بمثله فى عالم مكة ول دنيا المدينة‪ ،‬ول رأت مثيلً له فيما حكته أشعار‬ ‫العرب وأقاصيصهم‪ ،‬لكنها حين خبرته وعرفته من هول غضبه ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ أقسمت في نفسها ‪" :‬اللهم إن أذهبت غضب رسولك عني لم‬ ‫أعد أذكرها بسوء"‪ ..‬بل وصرحت بهذا تاكئبًة نادمة بين يديه‪َ" :‬واَّلةِذي َبَعَثك‬ ‫ةِباْلَحّق ل أَْذُكرَها َبْعد َهَذا ةِإل ةِبَخْي ٍر"‪ ،‬ولم تعد تستغرب أي مواقف تصدر عنه‬ ‫إزاء خديجة أبًدا‪ ،‬إنه الوفاء‪ ..‬تلك الفضيلة الهامة والراسخة والبارزة فى‬ ‫سيرته صلى ا عليه وسلم‪.‬‬ ‫إنه الوفاء لخديجة ‪ ..‬ذلك الوفاء الذي كان لعاكئشة لقاء معه مرة أخرى‪،‬‬ ‫فيما نقلته عنها كتب السنة حين قالت‪َ" :‬لّما َبَعَث أَْهل ُ َمّكَة ةِفي ةِفَداةِء أَْسَراُهْم‪،‬‬ ‫صـ‬ ‫ب ـ بنت رسول ا صلى ا عليه وسلم ـ ةِفي ةِفَداةِء أَةِبي اْلَعا ةِ‬ ‫َبَعَثْت َزْيَن ُ‬ ‫زوجها ـ ةِبَما ٍل‪َ ،‬وَبَعَثْت ةِفيةِه ةِبةِقلَد ٍة َلَها َكاَنْت ةِعْنَد َخةِديَجَة أَْدَخَلْتَها ةِبَها َعَلى أَةِبي‬ ‫ا صلى ا عليه وسلم َرّق َلَها ةِرّقًة‬ ‫سول ُ ّ ةِ‬ ‫اْلَعا ةِ‬ ‫ص ‪َ .‬قاَلْت ‪َ :‬فَلّما َرآَها َر ُ‬ ‫َ‬ ‫شةِديَدًة‪َ ،‬وَقاَل‪’’ :‬إةِْن َرأَْيُتْم أَْن ُتْطلةُِقوا َلَها أَةِسيَرَها َوَتُرّدوا َعَلْيَها اّلةِذي َلَها’’‪،‬‬ ‫َفَقاُلوا‪َ :‬نَعْم )‪.(10‬‬ ‫يأتي يوم فتح مكة ليجمع بين الوفاء للناس والزمان والمكان‪ ،‬إنه ذلك‬ ‫الوفاء الكوني الذى اجتمع فى معلم الكون من الثقلين مكارم الخلق‪ ،‬فرغم‬ ‫فرحته بنعمة ا أن أتم عليه نصره وفتح له مكة ساعًة من نهار فدخلها‬ ‫بتواضع المؤمنين الشاكرين‪ ،‬فجعل ـ صلى ا عليه وسلم ـ موقع قيادته‬ ‫الذي يشرف منه على مكة هو "الحجون" بجانب "المعلة" حيث ترقد‬ ‫الحبيبة‪ ،‬والزوجة التي أحسنت التجارة مع ا حين استسلمت لموعوده‬ ‫باختيارها‪ ،‬فجذبت بنفسها سفينة محمد سيد الخلق ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫لترسو في مرفأ حياتها لتكون أول ركب المؤمنين العاملين المجاهدين معه‬ ‫حين يأذن ربه لها بإطلق أشرعتها‪ ،‬لتحمل وتتحمل معه عبء تلطم أمواج‬ ‫الشرك الهادرة في تحطيم تلك الدعوة المبحرة إلى حيث يشاء ا ‪ ..‬إنها‬ ‫خديجة أم أولده وقسيمته في عذاب بدايات الدعوة والتي بذلت وأنفقت من‬ ‫‪74‬‬


‫صحتها وراحتها ومالها فى سبيل هذا الدين ونبي هذا الدين‪ ،‬فقال صلى ا‬ ‫عليه وسلم ‪’’ :‬انصبوا لي خيمًة عند قبر خديجة’’ فليس هناك أحق منها‬ ‫في أن تقاسمه أول ليلة من ُمقامه بمكة‪ ،‬وهي الحق بهذا النصر وأن َيهدي‬ ‫إليها النصر‪ ،‬وأن ترفرف راياته فوق جبينها الوضاء‪ ،‬فهي اليوم السيدة‬ ‫الولى في استعراض جيش الفتح‪ ،‬فكما كانت المؤمن الول بال ورسوله‬ ‫الذي ذاق حلوة بشاكئر السلم وعذاب إرهاصات ميلده إلى ما قبل هجرة‬ ‫الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ‪ ،‬يجب أن تكون اليوم هى الولى والّولى‬ ‫من زوجاته لتشهد معه وتحتفل معه بهذا اليوم‪ ،‬ثم نزل ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ وروحها ـ رضي ا عنها ـ تؤنسه ثم تصحبه من بعد الفتح وهو‬ ‫يطوف بالكعبة ويحطم الصنام‪ ،‬ملتفًتا بين آونة وأخرى إلى بيتها العزيز‪،‬‬ ‫حيث رشف من نبع الحب والحنان ماتزود به لذاك الكفا ح المضنى الطويل‬ ‫)‪.(11‬‬ ‫لم تكن السيدة خديجة رضى ا عنها مجرد زوجة لنبي كما كانت زوجات‬ ‫النبياء قبلها‪ ،‬ولم تكن كذلك إمرأًة عادية مرت في حياة رجل وإل ما ذكرتها‬ ‫صحف الخباريين والمؤرخين كل هذا الذكر ‪ ..‬بل كانت الركن الركين في‬ ‫حياته قبل النبوة‪ ،‬وحجر الساس الذي ٌبّنَى فوقه بنيان هذا الدين العظيم ‪،‬‬ ‫فهي التى رزقه ا حبها‪ ،‬وهي التى واسته بمالها‪ ،‬وهي التى آمنت قبل‬ ‫نبوته بنبوته فيما أسميه مجاًزا بـ )اليمان الستباقى( حين قالت له قبل‬ ‫مبعثه صلى ا عليه وسلم ‪ :‬ةِبأ َةِبي َوأ ُّمي ‪َ ،‬و َ ّ‬ ‫ا َما أَْفَعل َهَذا لةِ َ‬ ‫شْي ٍء‪َ ،‬وَلةِكّني‬ ‫سُتْبَع ُ‬ ‫ف َحّقي َوَمْنةِزَلةِتي‬ ‫ث َفإةِْن َتُكْن ُهَو َفاْعةِر ْ‬ ‫أَْرُجو أَْن َتُكون أَْنَت الّنةِبّي اّلةِذي َ‬ ‫َواْدُع الَله اّلةِذي َيْبَعثك ةِلي ‪َ ،‬فَقالَ َلَها ‪َ’’:‬و َ ّ‬ ‫صَطَنْعت‬ ‫ا َلةِكئْن ُكْنت أنا ُهَو َقْد ةِا ْ‬ ‫صَنةِعيَن َهَذا لْجلةِةِه‬ ‫ضّيُعُه أََبًدا‪َ ،‬وإةِْن َيُكْن َغْيةِري َفإةِّن الَله اّلةِذي َت ْ‬ ‫ةِعْنةِدي َما ل أ ُ َ‬ ‫ضّيُعك أََبًدا’’)‪.(12‬‬ ‫ل ُي َ‬ ‫وكل ما علمناه من سيرة خديجة ـ رضى ا عنها ـ خليٌق على ةِقْلتةِه أن‬ ‫يجعلها بحق سيدة نساء قريش‪ ،‬ولكن هذا القليل الذى علمناه لو ذهب كله‬ ‫ولم يبق منه إل أيام حضانتها لبشاكئر النبوة في طلعتها لضمن لها أن تتبوأ‬ ‫مقام السيادة بين نساء العالمين ‪ ..‬وقد بقَي محمد يذكر لها تلك اليام إلى‬ ‫مختتم أيامه‪ ،‬وظل يتفقدها ويتفقد مواطن ذكراها أعواًما بعد أعوام‪ ،‬فقد كان‬ ‫منها الشغل الشاغل عن أطيب اليام وأصعب اليام‪ ،‬وأن وفاًء كهذا لهو‬ ‫‪75‬‬


‫وحده كفاية المستقصي في التعريف بحقها من زوج ٍة بارة وأم رؤوم‪ ،‬فما‬ ‫من شهادة لنسانة هى أصدق من دوام الوفاء لها فى قلب إنسان عظيم )‬ ‫‪.(13‬‬ ‫لقد أدركت ـ رضى ا عنها ـ بشواهد كثيرة من أحاديث دارت فى أجواء‬ ‫وأسمار مكة على مرآى ومسمع منها عن قرب ابتعاث نبى آخر الزمان )يا‬ ‫نساء مكة إنه سيكون في بلدكن نبي يقال له أحمد‪ ،‬فمن استطاعت منكن أن‬ ‫تكون زوًجا له فلتفعل(‪) ،‬يوشك أن يبعث فيكن نبي‪ ،‬فأيتكن استطاعت أن‬ ‫ضا يطؤها فلتفعل(‪ ..‬بل أن مشاهدات غلمها ميسرة وحديثه مع‬ ‫تكون له أر ً‬ ‫الراهب نسطوًرا لم تذهب أدراج الريا ح بل وقرت فى قلبها وعقلها زمًنا‬ ‫طوي ً‬ ‫ل‪ ،‬فصاحبته فى السنوات الولى لصعوده غار حراء أحياًنا‪ ،‬كما لم‬ ‫تتركه يقاسي وحده حصار قريش له مع بني هاشم وبني عبد المطلب في‬ ‫شعاب مكة أثناء المقاطعة ثلث سنين بل شاركته ـ رضي ا عنها ـ على‬ ‫الرغم من تقدم سنها فأنفقت خللها من مالها حتى نفد ‪ ،‬فما تضررت ول‬ ‫تأففت‪ ،‬حتى جادت بنفسها فى سبيل ا مرضيا ً عنها من ا ورسوله‪،‬‬ ‫ومرضيا ً عنها منا نحن أولدها المؤمنين ‪ ..‬نذكرها كلما ذكرنا رسولنا‬ ‫المبعوث رحمًة للعالمين ـ صلى ا عليه وسلم ـ نتأسى بها في وفاكئها‪،‬‬ ‫وجهادها‪ ،‬ومواساتها بمالها وصحتها ووقتها‪ ،‬وتضحياتها في سبيل ما‬ ‫آمنت به بكل غا ٍل ونفيس‪ ،‬وجسارتها وهى الثرية الشريفة أن تجابه‬ ‫المجتمع الجاهلي من حولها في سبيل ما اعتقدت‪ ،‬لتضرب أعظم المثلة‬ ‫للمة كلها بل للعالمين في وقتها وغير وقتها مهما امتدت السنين ليتأسى‬ ‫بها من كان من المؤمنين‪ ،‬وليوقرها من كان على غير الدين‪ ،‬فاستحقت‬ ‫بحق أن تكون أم المؤمنين وسيدة نساء العالمين إلى يوم الدين‪.‬‬

‫نساء فى حياة الرسول‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هامش الفصل‬

‫الرسادس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السيد إبراهيم‬

‫‪.‬المام محمد أبو زهرة ‪ ،‬خاتم النبين صلى ا عليه ورسلم ص ‪(1) 199‬‬ ‫‪ .‬نظمي لوقا ‪ ،‬محمد في حياته الخاصة ص ‪(2) 15‬‬ ‫‪.‬كليمان هوار ‪ ،‬تاريخ العرب جـ ‪(3) 1‬‬ ‫‪ .‬فتحي رضوان ‪ ،‬محمد الررسول العظم ص ‪108‬ـ ‪(4) 109‬‬ ‫‪76‬‬


‫‪ .‬دكتورة عائشة عبد الرحمن ‪ ،‬نرساء النبى ص ‪(5) 49‬‬ ‫‪ .‬رواه مرسلم ‪(6) 4467‬‬ ‫‪.‬أحمد ‪ ،23719‬وأصله في مرسلم وهو الحديث الذي قبله )‪(7‬‬ ‫‪ .‬أحمد ‪ ،23719‬وأصله في مرسلم وهو الحديث الذي قبله )‪(8‬‬ ‫‪ .‬دكتور نظمى لوقا ‪ ،‬محمد فى حياته الخاصة ص ‪(9) 62‬‬ ‫‪.‬أبو داود ‪ ، 2317‬أحمد ‪(10) 25158‬‬ ‫‪ .‬دكتورة عائشة عبد الرحمن ‪ ،‬نرساء النبى صـ ‪(11) 46‬‬ ‫ابن حجر ‪ ،‬فتح الباري ‪(12) 7/167‬‬ ‫‪.‬عباس العقاد‪ ،‬فاطمة الزهراء والفاطميون ص ‪(13) 300‬‬

‫‪77‬‬


‫الفصل السابع‬

‫زهرة الرسول ‪ ..‬الزهراء البتول‬

‫‪78‬‬


‫في بيت شهد موت الذكور من الولد في سن مبكرة‪ ،‬مما خّلف في‬ ‫حنايا القلب حزن دفين‪ ،‬لم يبدده إل صرا خ طفل جديد وإن يكن أنثى‬ ‫فالزوجان ل يأبهان لهذا فيسميانها زينب‪ ،‬ثم تتابع الفرحة بالمواليد فتأتي‬ ‫الثانية رقية وبعد عام تدركها أم كلثوم‪ ،‬حتى أصبح محمًدا ــ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ــ حديث نوادي قريش لكونه ل ينجب إل البنات فقط‪ ،‬وكأن هذا من‬ ‫صنيعه!‬ ‫ت تحفهن رعاية أم رؤوم‪ ،‬وأب حنون‪ ،‬ممتلكئات‬ ‫شبت البنات متحابا ٍ‬ ‫بالنعمة ورغد العيش‪ ،‬جمعّن إلى جانب الثراء الظاهر‪ ،‬مجد النسب‪ ،‬وشرف‬ ‫المكانة بالنتساب لعاكئلتي والديهما‪.‬‬ ‫أتت مسك الختام في رحلة النجاب فاطمة التي أطلت على دنيا الب وقد‬ ‫بلغ الخامسة والثلثين من عمره على التقريب‪ ،‬وأدرك الم عامها الخمسين‬ ‫أو أقل‪ ،‬وقد ارتبط ميلدها بحادث مشهود محفور في ذاكرة المكيين حين‬ ‫غطى سماء مكة سحابة كبيرة من النزاع بين أشرافها دام حوالي الربع ليال‬ ‫عندما كانوا يجددون للكعبة بناكئها في من يحمل الحجر السود إلى مكانه‬ ‫منها‪ ،‬إل أن أبا أمية بن المغيرة المخزومي وكان من عقلكئهم عرض عليهم‬ ‫أن يحّكموا بينهم أول داخ ٍل عليهم من باب المسجد فقبلوا‪ ،‬وشاء ا أن‬ ‫يكون القادم محمد ــ صلى ا عليه وسلم ــ ‪ ،‬فلما رأوه هتفوا‪" :‬هذا‬ ‫المين‪ ،‬رضيناه‪ ،‬هذا محمد"‪ .‬فلما انتهى إليهم‪ ،‬وأخبروه بخلفهم طلب رداًء‬ ‫فوضع الحجر وسطه وطلب من رؤساء القباكئل المتنازعين أن يمسكوا‬ ‫جميًعا بأطراف الرداء‪ ،‬وأمرهم أن يرفعوه‪ ،‬حتى إذا ما أوصلوه إلى موضعه‬ ‫أخذه بيده الشريفة ــ صلى ا عليه وسلم ــ فوضعه في مكانه‪ ،‬فانقلب‬ ‫الخلف فرًحا وسعادة غمرت مكة كلها‪ ،‬حتى َخّلَد المناسبة شعًرا أبا وهب‬ ‫المخزومي بقصيد ٍة جاء فى آخرها ‪:‬‬

‫‪79‬‬


‫ففاجأنا هذا الميُن محمٌد فقلنا رضينا بالمين محم ٍد‬ ‫وكأنما شاء ا أن يكون لمولد هذه الطفلة الجميلة‪ ،‬الشبيهة بأبيها‪ ،‬ارتباط‬ ‫بحدث مثلما ارتبط ميلده ــ صلى ا عليه وسلم ــ بحدث عام الفيل‪ ،‬ربما‬ ‫كان في هذا دللة على عمر طويل قادم سيرتبطان خلله ببعضهما أكثر‪،‬‬ ‫ستكون له فيه رغم صغر سنها كالم في حنوها حتى كان يكنيها بأم أبيها‪،‬‬ ‫لما كان من تذكيرها له بحنان فاطمة الكبرى أمه القرشية الهاشمية فاطمة‬ ‫بنت أسد التى سماها باسمها من شدة حبه لها ــ رضى ا عنهما ــ‪ ،‬ودللة‬ ‫تحمل معنى من خصل ٍة أصيلة فيه ـ صلى ا عليه وسلم ـ عنوانها الوفاء‪.‬‬ ‫ملت الطفلة فاطمة أرجاء الــدار فرًحــا وســروًرا فلــم تكــد‬ ‫تتركها زينب لحد لشدة تعلقها بها‪ ،‬غير أنهــا تزوجــت بــأبي العــاص‬ ‫بن الربيع ابن خالتها هالة وهو من المعدودين مــن رجــال مكــة مــالً‬ ‫وأمانة وتجارة‪ ،‬فاتصــل حبــل الرعايــة والهتمــام بهــا مــن رقيــة وأم‬ ‫كلثوم وهما اللتــان نشــأتا متحــابتين متلزمــتين وجمعــت بينهمــا فــي‬ ‫الحياة والممات أحداًكئا عجيبة؛ إذ تزوجــا مًعــا مــن شــابين مــن أبنــاء‬ ‫العمام وهما )ُعتبة وُعتيبة( ولدا أبي لهب عم الرسول ــ صــلى ا ـ‬ ‫عليه وسلم ــ وعادا مًعا قبــل الــدخول بهمــا إلــى بيــت أبيهمــا بعــد أن‬ ‫أنذر الرسول ـــ صـلى اـ عليـه وسـلم ـــ عشـيرته القربيـن بـالنور‬ ‫المبين‪ ،‬فآثر أبا لهب وزوجه حمالة الحطب أن يعلنا العداوة والحرب‬ ‫على البيت النبوي بل هوادة‪.‬‬ ‫تزوجــت رقيــة مــن عثمــان بــن عفــان وتركــت قريــش إلــى‬ ‫الحبشة مهاجرة برفقة زوجها فراًرا بدينهما من أذى مشركي مكــة ‪،‬‬ ‫لتتقاسم أم كلثوم وفاطمة سنوات من العــذاب مــع والــديهما؛ فيشــهدا‬ ‫مًعا وفاة أمهما خديجة بعد خروجها بعدة أشهر منهوكــة القــوى مــن‬ ‫‪80‬‬


‫حصار قريش الظالم في شعب أبي طالب‪ ،‬ول تعلم رقية بنبــأ الوفــاة‬ ‫إل بعد عودتها من الحبشة فيلفها حزن مقيم‪.‬‬ ‫طوت يد ا صفحة مكة قليلً ليبدأ الرسول ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ مسيرته الجديدة في نشر الرسالة من المدينة التي هاجر‬ ‫إليها سًرا مع أبي بكر ليلحق بأصحابه الذين سبقوه امتثالً لمره ـ‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ وذلك بعدما أنبأه ا بتدبير قريش له فى دار‬ ‫الندوة للتخلص منه‪ ،‬ومن المدينة أرسل ـ صلى ا عليه وسلم ـ من‬ ‫يحضر له بنتيه أم كلثوم وفاطمة‪ ،‬فزارتا قبر أمهما بالحجون‬ ‫مودعتين‪ ،‬تاركين أختهما زينب مع زوجها وأولدهما بمكة‪ ،‬غير أن‬ ‫هجرتهما لم تمر بسلم فما كادتا تودعان مكة حتى طاردهما اللكئام‬ ‫من مشركي قريش فنخس أحد سفهاء مكة ـ الحويرث بن نقيذ ـ‬ ‫بعيرهما فرمى بهما إلى الرض‪ ،‬فتأذت لذلك فاطمة الضعيفة النحيلة‬ ‫الجسم من أثر الحصار والجوع‪ ،‬والحزن على الم التي فارقتها‪ ،‬ثم‬ ‫القلق على الب المهاجر‪.‬‬ ‫غضب الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ ممن آذى ابنتيه فهدد‬ ‫بقتله وجاريتيه فرتنى وصاحبتها؛ فقد كانتا تتغنيان بهجاكئه ـ صلى‬ ‫ا عليه وسلم ـ بمكة‪.‬‬ ‫تمضي اليام في المدينة بين شوق للهل بأم القرى‪،‬‬ ‫وصعوبة التأقلم بأجواء الوطن الجديد‪ ،‬بينما الرسول ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ في شغل بتأسيس دولة السلم‪ ،‬وخروجه لغزوة بدر‬ ‫الكبرى يفجعه نبأ موت ابنته رقية ذات العشرين ربيعًا في السنة‬ ‫‪81‬‬


‫الثانية من الهجرة فيدفنها ملتاًعا صابًرا‪ ،‬وفي ربيع الول من العام‬ ‫الثالث الهجري يزّوج النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ ابنته البكر أم‬ ‫كلثوم لعثمان بن عفان المكلوم لفراق زوجه‪ ،‬وكان هذا الزواج‬ ‫بالمر اللهي وبنفس صداق رقية‪.‬‬ ‫لقد دفعت بنات النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ ثمًنا باهًظا في‬ ‫سبيل الدعوة إلى دين ا الحق‪ ،‬وأول من دفعتا الثمن رقية وأم‬ ‫كلثوم بطلقهما‪ ،‬ثم دفعته رقية وحدها بعد زواجها من عثمان بن‬ ‫عفان سفًرا‪ ،‬وُبعًدا‪ ،‬وغربًة؛ فقد سكنت بلًدا ل تعلم عنها شيًكئا‪ ،‬ول‬ ‫تعرف فيها أحًدا إل القلة المؤمنة التي هاجرت معهم‪ ،‬لُتْحَرم من‬ ‫حنان الم ومودتها‪ ،‬وعطف الب وزياراته‪ ،‬والنس بأخواتها‬ ‫القريبات من سنها وقلبها‪ ،‬لتعيش العمر في هجرة متصلة من مكة‬ ‫إلى الحبشة مرتين‪ ،‬ثم القرار بالمدينة في هجرتها الخيرة‪ ،‬كما تدفع‬ ‫أم كلثوم ثمًنا مكلًفا من شبابها الغض الذي مر بدون زواج‪ ،‬وبل‬ ‫بيت يضم الرجل والذرية الصالحة‪ ،‬وحتى زينب الكبرى ولكئن‬ ‫تزوجت في حياة والدتها من أبي العاص بن الربيع ابن خالتها إل‬ ‫أنها دفعت الثمن بشكل مختلف‪ ،‬وذلك حين عاشت في بيتها مع رج ٍل‬ ‫تحبه ويحبها بينما قلبها منقسم بين تعاطفها مع أسرتها المؤمنة‬ ‫وإيمانها بدي ٍن يرفضه زوجها لرفض قومه له‪ ،‬وعليها أن تحترم‬ ‫اختياره‪ ،‬لن زوجها ـ في المقابل ـ احترم اختيارها‪ ،‬ودفعت الثمن‬ ‫ثانيًة قلًقا حين أسر جيش أبيها زوجها مرتين‪ ،‬كما دفعته عذاًبا‬ ‫طويلً من السنين حين ُكةِتَب عليها مفارقة بيتها وزوجها الحبيب‬ ‫لنه على دين الشرك الذي تمسك به مخافة أن يقال َتّبَع دين زوجته‪،‬‬ ‫لتدفع زينب الثمن الكبر فى النهاية حين خرجت من مكة إلى المدينة‬ ‫‪82‬‬


‫لتلحق بأبيها‪ ،‬فأدركها هّبار بن السود‪ ،‬فلم يزل يطعن بعيرها‬ ‫برمحه حتى صرعها وألقت ما في بطنها وكانت فى شهرها الرابع‪،‬‬ ‫وتعيش في مهجرها مريضة من أثر دفعـة بن السـود لتموت ‪-‬‬ ‫رضي ا عنها‪ -‬في أّول سنة ثمان للهجرة‪ ،‬فكان رسول ا صلى‬ ‫ا عليه وسلم‪ ،‬يقول ‪’’:‬هي خير بناتي أصيبت فّي’’‪.‬‬ ‫وبقيت أصغر بناته الزهراء معه ـ صلى ا عليه وسلم ــ فكانت أطول‬ ‫أخوتها صحبة لبيها‪ ،‬إذ لم تفارقه منذ ولدتها وحتى مماته‪ ،‬وهى صحبة‬ ‫طويلة وجميلة ل تخلو من اللم والعنت‪ ،‬فقد تحملت هّي الخرى ودفعت من‬ ‫سنوات عمرها وشبابها وصحتها ثمًنا باهًظا؛ فقد كانت بحق سيدة الصابرين‬ ‫سا؛ فقد مات أخويها القاسم‬ ‫سا كأ ً‬ ‫التى تجرعت كوؤس الحزان مترعات كأ ً‬ ‫وعبد ا ثم ماتت أمها ثم تتابعت الحزان بوفاة أختيها‪ :‬رقية يوم بدر في‬ ‫العام الثامن من الهجرة وأم كلثوم فى العام التاسع من الهجرة‪ ،‬وآخر من‬ ‫شيعت إبراهيم أصغرأخوتها من السيدة مارية‪.‬‬ ‫كانت الشاهدة على ماتحمله أحب الناس إلى قلبها من أذى المشركين فى‬ ‫سبيل نشر الدعوة منذ طفولتها‪ ،‬حين كانت تصحبه إلى الحرم وترقبه وهو‬ ‫ساجد ل تعالى‪ ،‬وفي إحدى المرات رأت ُأناس من مشركي قريش يحيطون‬ ‫به وهو خاشع في سجدة طويلة وجاء عقبة بن أبي معيط بسلى جزور‬ ‫وقذفه على ظهره ـ صلى ا عليه و سلم ـ فلم يرفع رسول ا حتى تقدمت‬ ‫هّي بحنو وحب وبراءة فأزاحت السلى ودعت على من صنع ذلك بأبيها‬ ‫وعندكئذ رفع المصطفى ـ صلى ا عليه و سلم ـ رأسه قاكئلً ‪’’:‬اللهم عليك‬ ‫المل من قريش اللهم عليك أبا جهل بن هاشم وعتبة بن ربيعة و شيبة بن‬ ‫ربيعة وعقبة بن أبي معيط وأبي بن خلف’’‪ ..‬فخشع المشركون لدعاكئه‬ ‫وغضوا أبصارهم حتى انتهى من صلته وانصرف إلى بيته وفاطمة معه‪.‬‬ ‫كأن صوته ـ صلى ا عليه وسلم ـ أنغام السماء يحلو لفاطمة أن تسمعها‬ ‫خاصًة حين يذكر اسمها على المل‪ ،‬فتحس كأنها طاكئر عبقري غطى‬ ‫‪83‬‬


‫بجناحيه جبال مكة وآكامها ووديانها‪ ،‬وقر في قلبها الطفولى أن هذا النداء‬ ‫سيكتب له الخلود‪ ،‬ولن تستأثر به جنبات تلك القرية مكة وحدها بل أن‬ ‫بطون الكتب ستحويه‪ ،‬وألسنة الخلق بكافة اللسن والجنسيات ستلتذ بنطقه‪،‬‬ ‫لقد سمعته لما خرج صلى ا عليه و سلم يوًما إلى قريش وقد نزل قوله‬ ‫كاْ َ‬ ‫لقلَْربِفيَن ﴾ )‪ ‘(1‬فجعل ينادي ‪’’ :‬يا معشر قريش اشتروا‬ ‫تعالى ‪َ﴿ :‬وأَلنِْذ ْرل َعِش فيلَرتَ َ‬ ‫أنفسكم ل أغني عنكم من ا شيكئا‪ ،‬يا بني عبد مناف ل أغني عنكم من ا‬ ‫شيكئا’’‪ ،‬ثم اختص فاطمة من أولده فخاطبها ‪’’:‬ويا فاطمة بنت محمد سليني‬ ‫ما شكئت من مالي ل أغني عنك من ا شيكئا’’ )‪.(2‬‬

‫كما تحب أن تسمع صوته الحبيب ـ صلى ا عليه وسلم ـ حتى وهو يهدر‬ ‫غاضًبا مادام سيذكر اسمها‪ ،‬وتذكر ذلك حين أتاه ةِحَبُه وحبيبه وابن حبيبه‬ ‫أسامة بن زيد مستشفًعا للمرأة المخزومية السارقة لكيل يقيم عليها حد‬ ‫السرقة‪ ،‬فغضب ـ صلى ا عليه وسلم ـ من أسامة ثم جمع الناس‪ ،‬فخطب‬ ‫فيهم ‪’’ :‬ياأيها الناس إنما أهلك من كان قبلكم انهم إذا سرق فيهم الشريف‬ ‫تركوه‪ ،‬وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد‪ ،‬وأيم ا لو أن فاطمة‬ ‫بنت محمد سرقت لقطع محم ٍد يدها ’’)‪.(3‬‬ ‫مثلما صاحبته ـ صلى ا عليه و سلم ـ رحلة الحياة في السلم‪ ،‬عز‬ ‫عليها أن تتركه في الحرب فصحبته في غزوة أحد لتداوي الجرحى مع نساء‬ ‫المسلمين‪ ،‬لتراه حين تكاثر المشركون حوله وقد انكسرت رباعيته وسال‬ ‫الدم على وجهه الشريف‪ ،‬فجرت عليه واعتنقته ثم بلهفة وحنو تمسح الدم‬ ‫الذي غطى وجهه الشريف‪ ،‬فلما يكئست من توقفه حرقت حصيًرا لتمنعه به‬ ‫الدم فامتنع‪.‬‬ ‫في زحمة الحياة‪ ،‬ورفقة الب ورعايته‪ ،‬نسيت فاطمة العمر الذي شارف‬ ‫على الثمانية عشر ربيًعا‪ ،‬وبعد مرور خمسة أشهر من مقدمها الشريف‬ ‫للمدينة يزّوجها أبيها أحب الناس إلى قلبه فتى الفتيان "علي" ‪ ..‬وهل يليق‬ ‫بسليلة البيت النبوي إل أن تفوز بفتى نبوي تربى في ذات البيت‪ ،‬فشربا مًعا‬ ‫‪84‬‬


‫من نهره المغداق في كنف محمد ـ صلى ا عليه وسلم ـ وحنو الطاهرة‬ ‫الراحلة خديجة بنت خويلد ـ رضًي ا عنها ـ ليكون كل مهرها درع علي‬ ‫الحطمية الثقيلة العريضة التي كان يحارب بها ‪ ،‬وهّي فى الصل هدية من‬ ‫والد العروس الذي باعه ـ صلى ا عليه وسلم ـ بأربعة وثمانين درهًما‪،‬‬ ‫أخذها النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ وأعطاها بلل‪ ،‬وقال‪’’ :‬اجعلوا ثلثيها‬ ‫في الطيب‪ ،‬وثلث في المتاع’’‪ ،‬كم تساوى تلكم الدريهمات اليسيرة أمام هذا‬ ‫النسب الشريف‪ ،‬كم تساوى فلذة كبد رسولنا وسيدة نساء العالمين‪،‬‬ ‫وعصارة التربية العالية في أطهر بيت على وجه البسيطة؟!‬ ‫انتقلت فاطمة من بيت النبوة إلى بيت علي الذي أسَكنها بيت ُأمه‪ ،‬وكانت‬ ‫دارها بعيدة عن بيت الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ الذي لم يتحمل بعدها‬ ‫عنه وهو الذي كان ـ صلى ا عليه وسلم ـ ينهض إذا دخلت عليه ويقوم‬ ‫بتقبيل رأسها ويدها‪ ،‬ويجلسها في مجلسه‪ ،‬كما كانت ـ رضى ا عنها ـ إذا‬ ‫دخل عليها ـ صلى ا عليه وسلم ـ قامت إليه وأخذت بيده وقبلته وأجلسته‬ ‫في مجلسها‪ ،‬كما كانت عادته ـ صلى ا عليه وسلم ـ كلما قدم من سفر أن‬ ‫يبدأ بالمسجد‪ ،‬فيصلى ركعتين‪ ،‬ثم يذهب لفاطمة‪ ،‬ثم يأتي بيوت أزواجه‪ ،‬بل‬ ‫ل ينام حتى ُيقّبل ُعْرض وجهها‪ ،‬وبين َعينيها‪ ..‬لكل هذه الحميمية بين الب‬ ‫وابنته الوحيدة الباقية جاءها النبّي ‪ -‬صلى ا عليه وسلم –‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫’’إني أريد أن ُأحّولك إلّي’’‪ ،‬فقالت لرسول ا‪" :‬فكّلم حارثة بن النعمان أن‬ ‫يتحّول ‪ -‬ينتقل من منزله ‪ -‬وأكون إلى جوارك"‪ ،‬وكان حارثة كلما تزّوج‬ ‫رسول ا ‪ -‬صلى ا عليه وسلم ‪ -‬تحّول له حارثة عن منزل بعد منز ٍل‪،‬‬ ‫حتى صارت منازل حارثة كلها إلى رسول ا ‪ -‬صلى ا عليه وسلم ‪ -‬فقال‬ ‫رسول ا ‪ -‬صلى ا عليه وسلم ‪ -‬لها‪’’ :‬يا ُبنّية‪ ،‬قد تحّول حارثة عنا حتى‬ ‫اسَتْحَيي ُ‬ ‫ت مما يتحّول لنا عن منازله’’‪ ،‬فبلغ ذلك حارثة‪ ،‬فتحّول وجاء إلى‬ ‫النبي‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول ا‪ ،‬إنه بَلغني أنك تريد أن ُتحّول فاطمة إليك‪ ،‬وهذه‬ ‫ب ]أقرب[ بيوت بني النجار بك‪ ،‬وإنما أنا ومالي ل‬ ‫منازلي‪ ،‬وهي أسق ُ‬ ‫‪85‬‬


‫ب إلّي من الذي تَدع‪ ،‬فقال له‬ ‫ولرسوله‪ ،‬وا يا رسول‪َ ،‬لّلذي تأخذه مني أح ّ‬ ‫الرسول‪’’ :‬صَدقت‪ ،‬باَرك ا عليك’’‪ ،‬فحّولها رسول ا إلى بيت حارثة‪.‬‬ ‫شاءت إرادة ا تعالى أن يمد في عمر فاطمة الشبيهة بأبيها الحبيبة إلى‬ ‫فؤاده‪ ،‬حتى كان منها ـ رضّي ا عنها دون إخوتها ـ النسل المتصل برسول‬ ‫ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ وهّي من أعظم المناسبات التى أدخلت فيها‬ ‫الزهراء الفرحة على أبيها حين كان ينادي الحسن والحسين‪ :‬ياَبنى‪ ،‬وكانا‬ ‫يدعوانه ‪ :‬يا أبت‪.‬‬ ‫وعلى قدر المزية التي حظيت بها من طول الصحبة بالوالد العظيم‬ ‫صاحب الخلق العظيم‪ ،‬على قدر اللم الذي أنهكها وأجهدها وروعها ـ وحدها‬ ‫ـ دون كل أخوتها؛ إذ خصها ا بأن مد في عمرها لتشهد رحيل أعز وأعظم‬ ‫الناس قاطبًة الب الحاني والبقية الباقية لها بعد موت الم والخوة‬ ‫والخوات‪ ..‬فزهدت في البتسام ولقاء الناس بعده إذ ليس بعده عندها إل أن‬ ‫يحين دورها في الرحيل لتلحق به ـ صلى ا عليه وسلم ـ وهو الذي بشرها‬ ‫بهذا حين أسّر إليها ‪ -‬رضي ا عنها ‪ -‬بخبر انتقاله إلى الرفيق العلى‬ ‫صراحًة ومشافهًة دون غيرها‪ ،‬ثم َأسّر إليها ثانية بعد ُحزنها على سماع‬ ‫سّرْت بذلك؛ حيث قالت‪ :‬فلّما‬ ‫خبر ةِفراقه‪ ،‬بأنها ستكون أول أهله لحوًقا به‪َ ،‬ف ُ‬ ‫رأى جَزعي‪ ،‬ساّرني الثانية‪ ،‬فقال‪’’ :‬يا فاطمة‪ ،‬أما تَرضين أن تكوني سيدة‬ ‫نساء المؤمنين‪ ,‬أو سيدة نساء هذه المة؟’’)‪ ،(4‬وفي رواية‪" :‬فأخَبرني أني‬ ‫حكت")‪.(5‬‬ ‫أّول َمن يتبعه من أهله‪ ،‬فض ةِ‬ ‫أحست ـ رضى ا عنها ـ ببوادر الرحيل تزحف على دارها‪ ،‬وما تبقى لها‬ ‫سوى أن ترتب حياة أولدها من بعدها‪ ،‬وكذلك حياة حبيب العمر‪ ،‬وابن العم‬ ‫حيث رأت أن توصيه‪ ،‬فقالت‪ ":‬يا ابن عم‪ ،‬إنه قد ُنعي ُ‬ ‫ت إلي نفسي‪ ،‬وإنني ل‬ ‫أرى حالي إل لحقة بأبي ساعة بعد ساعة‪ ،‬وأنا أوصيك بأشياء في قلبي"‪،‬‬ ‫فقال علي‪" :‬أوصيني بما أحببت يا بنت رسول ا صلى ا عليه وسلم"‬ ‫‪86‬‬


‫‪،‬فجلس عند رأسها وأخرج من كان في البيت‪ .‬فقالت رضي ا عنها ‪":‬يا‬ ‫ابن العم ما عهدتني كاذبة ول خاكئفة‪ ،‬ول خالفتك منذ عاشرتني"‪ ،‬فقال‬ ‫رضي ا عنه ‪" :‬معاذ ا ! أنت أعلم بال تعالى ‪ ،‬وأبر وأتقى وأكرم وأشد‬ ‫خوفا ً من ا تعالى‪ ،‬وقد عز علي مفارقتك وفقدك إل أنه أمر لبد منه‪ ،‬وا‬ ‫لقد جددت علي مصيبة رسول ا صلى ا عليه وسلم وجل فقدك‪ ،‬فإنا ل‬ ‫وإنا إليه راجعون"‪ ...‬ثم أوصته رضى ا عنها بثلث ‪:‬‬ ‫ـ أول‪ :‬أن يتزوج بأمامة بنت العاص بن الربيع‪ ،‬وبنت أختها زينب رضي ا‬ ‫عنها‪ .‬وفي اختيارها لمامة ـ رضي ا عنها ـ قالت ‪):‬أنها تكون لولدي‬ ‫مثلي في حنوتي ورؤومتي‪ .‬وأمامة هي التي روى أن النبي صلى ا عليه‬ ‫وسلم كان يحملها في الصلة(‪.‬‬ ‫ـ ثانيا‪ :‬أن يتخذ لها نعشا وصفته له ‪ ،‬وكانت التي أشارت عليها بهذا النعش‬ ‫أسماء بنت عميس رضي ا عنها‪ ،‬وذلك لشدة حياءها ـ رضي ا عنها ـ‬ ‫فقد استقبحْت أن تحمل على اللة الخشبية ويطر ح عيها الثوب فيصفها‪،‬‬ ‫ووصفه أن يأتي بسرير ثم بجراكئد تشد على قواكئمه‪ ،‬ثم يغطى بثوب ‪...‬‬ ‫ليل بالبقيع‪.‬‬ ‫ـ ثالثا‪ :‬أن تدفن ً‬ ‫ولقد روى المام الذهبي قصة وفاتها في السيرعن أم جعفر ‪" :‬أن فاطمة‬ ‫قالت لسماء بنت عميس ‪ :‬إني أستقبح ما ُيصنع بالنساء‪ُ ،‬يطر ح على المرأة‬ ‫الثوب فيصفها‪ .‬قالت‪ :‬يا ابنة رسول ا‪ ،‬أل أريك شيًكئا رأيته بالحبشة؟‬ ‫فدعت بجراكئد رطبة فحَنْتها‪ ،‬ثم طرحت عليها ثوًبا‪ ،‬فقالت فاطمة ‪ :‬ما أحسن‬ ‫هذا وأجمله‪ ،‬إذا مت فغسليني أنت وعلّي‪ ،‬ول يدخلن أحد علًي‪ ...‬فكانت ـ‬ ‫رضى ا عنهاـ هي أول من ُغطى نعشها في السلم على تلك الصفة كما‬ ‫قال ابن عبد البر‪ ...‬وأما أمرها أن ل يصلي عليها أبوبكر وعمر ـ رضي ا‬ ‫عنهما ـ ول أن يتوليا دفنها‪ ،‬فهذا محض كذب وافتراء‪.‬‬ ‫إنها فاطمة ‪ ..‬الزهراء‪ ..‬سيدة نساء العالمين في زمانها‪ ،‬والبضعة‬ ‫النبوية‪ ،‬والجهة المصطفوية‪ ،‬بنت سيد الخلق رسول ا ـ صلى ا عليه‬

‫‪87‬‬


‫وسلم ـ أبي القاسم محمد بن عبد ا بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف‬ ‫القرشية الهاشمية أم الحسنين رضي ا عنها وعنهما‪.‬‬ ‫بعد وفاة أبيها بستة أشهر في ليلة الثلثاء لثلث خلون من رمضان‬ ‫سنة إحدى عشرة‪،‬لحقت به فُدفَنت ـ رضى ا عنها ـ ليلً كما أوصت بعد أن‬ ‫صلى عليها علي بن أبي طالب ونزل في قبرها والعباس والفضل بن العباس‬ ‫رضى ا عنهم أجمعين ‪.‬‬

‫‪88‬‬


‫نساء فى حياة الرسول‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هامش الفصل‬

‫الرسابع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السيد إبراهيم‬

‫)‪) (1‬رسورة الشعراء‪.(214:‬‬ ‫)‪(2‬رواه البخاري )‪ ،(2753‬ومرسلم )‪.(206‬‬ ‫)‪(3‬صحيح مرسلم‪.(1688) ،‬‬ ‫)‪(4‬البخاري برْقم )‪ ,(4434 ,4433‬ومرسلم برقم )‪ ,(2450‬واللفظ لمرسلم‪.‬‬ ‫‪).‬البخاري برْقم )‪ ,(4434 ,4433‬ومرسلم )‪(5)2450‬‬

‫‪89‬‬


‫الفصل الثامن‬

‫سودة بنت زمعـة‬ ‫ثانى المهات وأول المهاجرات‬

‫﴾﴿‬

‫‪90‬‬


‫لم تكن تعلم ول جال بخاطرها يوًما أن تكون زوًجا للرسول ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ فقد كانت في هذه الثناء متزوجة من الصحابي السكران بن‬ ‫عمرو الذي روت له رؤياها الولى التي فيها كأن النبي ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ قد أقبل ماشًيا حتى وطيء عنقها‪ ،‬فقال زوجها لها‪َ" :‬وأَةِبيَك َلةِكئْن‬ ‫صّلى ّ‬ ‫سّلَم‪َ ،‬فَقاَلْت ‪:‬‬ ‫سول ُ ّ ةِ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا َ‬ ‫صَدَقْت ُرْؤَياةِك لَُموَتّن َوَلَيَتَزّوَجّنةِك َر ُ‬ ‫َ‬ ‫ةِحْجًرا َوةِسْتًرا"‪ .‬وهذا قول منها فيه من الموالة لزوجها في حضوره‪ ،‬ففي‬ ‫المر رجولة وليس دين‪ ،‬فموالتها للرسول ظاهرها وباطنها من حيث هو‬ ‫رسول ل مراء فيها‪ ،‬أما داخل البيت فالحرة ل تتمنى إل زوجها‪ ،‬ولم تكد‬ ‫سَماةِء َوةِهَي‬ ‫ض َعَلْيَها ةِمَن ال ّ‬ ‫تأتي ليلًة أخرى حتى رأت ثانيًة أَّن َقَمًرا اْنَق ّ‬ ‫صَدَقْت ُرْؤَياةِك َلْم‬ ‫ضَطةِجَعٌة‪َ ،‬فأ َْخَبَرْت بنقاكئها َزْوَجَها‪َ ،‬فَقالَ لها‪َ" :‬وأَةِبيةِك َلةِكئْن َ‬ ‫ُم ْ‬ ‫أَْلَبْث ةِإل َيةِسيًرا َحّتى أَُموَت َوَتَتَزّوةِجيَن ةِمْن َبْعةِدي" ‪.‬‬ ‫إنها الصحابية الجليلة‪ ،‬والسيدة النبيلة سودة بنت زمعة‪ ،‬ذات المكانة‬ ‫المرموقة في مجتمع نساء قريش‪ ،‬فهّي عامرية قرشية من قبيلة النبي ـ‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ‪ ،‬تزوجت ابن عمها السكران بن عمرو)‪ ،(1‬فأسلما ثم‬ ‫هاجرا مًعا فى الهجرة الثانية إلى الحبشة‪ ،‬وأقاما فيها دهًرا من الزمن هرًبا‬ ‫من أذى المشركين وامتثالً للمر الصادر من الرسول ـ صلى ا عليه وسلم‬ ‫ـ‪ ،‬ثم عادا مع من عاد من المهاجرين إلى أرض الوطن مكة بعد أن أنجبا‬ ‫ستة صبية‪ ،‬ولم يلبث أن يموت زوجها الصحابى المهاجر بعد وقت قصير‬ ‫من دا ٍء ألم به‪ ،‬لتحيا بعده أرملة وحيدة ذات عيال في بلد مازالت تعج بأذى‬ ‫طواغيت الكفر‪ ،‬واضطهاد أهل اليمان‪ ،‬فتصبر محتسبة ل تعالى ما ألم بها‪،‬‬ ‫معتصمًة به ـ سبحانه ـ و بإيمانها به من فتنة قريبة تحيط بها من والدها‬ ‫القابض على كفره بقوة‪ ،‬وأخوها عبد ّ‬ ‫ا بن زمعة الباقي على دين آباكئه‪،‬‬ ‫ومن شدة حاجتها لمن يعينها على أمرها ومطالب أولدها‪.‬‬ ‫سكن الحزن البيت النبوي بعد فراق الزوج الحنون‪ ،‬والم الرؤوم‪،‬‬ ‫خديجة ـ رضى ا عنها ـ ليجتمع على الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫عبٌء فوق عبء‪ ،‬فأما عبء الدعوة فكان قد أفرغ له وقته وجهده لنه‬ ‫كانت هناك من تخفف عنه ما يقاسي فى سبيل ذلك‪ ،‬وكانت تتحمل عنه‬ ‫‪91‬‬


‫عبء السرة من بيت وتسيير تجاراتها لتفرغه لما هو فيه‪ ،‬أما الن فقد‬ ‫كان عليه أن يقوم بشكئون بيته الذى ضم بنتيه أم كلثوم وفاطمة‪ ،‬ومهام‬ ‫الدعوة التي تلتهم أعظم جهده ووقته‪.‬‬ ‫والوقاكئع تشهد بأن الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ ما جال بخاطره أمر‬ ‫الزواج أبًدا فل عرضه على أحد‪ ،‬ول عرضه عليه أحد‪ ،‬بل كان الصحابة ـ‬ ‫رضّي ا عنهم ـ يطالعون حاله‪ ،‬ويعلمون كم يقاسي‪ ،‬ويتمنون لو افتدوه‬ ‫ضا‬ ‫بأرواحهم لو كان في هذا ما يخفف عنه ما هو فيه‪ ،‬غير أنهم يعلمون أي ً‬ ‫أن خديجة كانت لها المكانة العظمى في قلبه وحياته كما هّي في قلوبهم‪،‬‬ ‫فمن ذا الذي سيغامر إذن ويقتر ح بل ويطر ح الحلول على رج ٍل في غمرة‬ ‫أحزانه‪ ،‬لم يبحر قاربه بعيًدا عن شاطيء ذكرياته مع امرأ ٍة عاشها وعايشته‬ ‫قرابة الربع قرن؟!‪ ..‬كما أنها ليست كأي امرأة؛ إذ ليس هناك في قريش‬ ‫كلها من يماثلها من النساء‪ ..‬فمن يختارون؟!‬ ‫تطوعت لهذه المهمة الصحابية الجليلة خولة بنت حكيم زوج‬ ‫الصحابي الجليل عثمان بن مظعون التي استجمعت شجاعتها في‬ ‫وضع نهاية لهذا الموقف العسير‪ ،‬فاستأذنت في الدخول عليه ـ صلى‬ ‫ا عليه وسلم ـ فقالت‪ :‬يا رسول ا كأني أراك قد دخلتك خلة لفقد‬ ‫خديجة‪ ،‬فقال‪’’ :‬أجل‪ ،‬كانت أم العيال وربة البيت’’‪ .‬كان هذا مدخلً‬ ‫استهللًيا يأتي كمقدمة للخوض في صلب الموضوع الهم‪ ،‬وهذا‬ ‫الستهلل ل تفلح فيه غير النساء‪ ،‬ولهذا فقد أتت بمفاجأتها من باب‬ ‫طرق الحديد وهو ساخن حين قالت‪ :‬أفل أخطب عليك؟ وفى رواية ‪:‬‬ ‫أل تزّوج؟ ؟ قال‪’’ :‬بلى‪ ،‬فإنكن معشر النساء أرفق بذلك’’‪ .‬فخطبت‬ ‫عليه سودة بنت زمعة‪.‬‬ ‫سة‬ ‫تذكرنا عبارة خولة ‪":‬أل تزّوج؟" بعبارة مبعوثة خديجة َنةِفي َ‬ ‫بنت ُمْنَية لرسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ وهو في مطالع‬ ‫الشباب‪" :‬ما يمنعك أن تزّوج؟"‪ ،‬نفس الدللة واحدة‪ :‬أن الرسول‬ ‫في شبابه وفي شيخوخته لم يكن له ـ صلى ا عليه وسلم ـ ذلك‬ ‫النهم الجنسي الذي يلصقه به أصحاب العقول المريضة‪ ،‬والقلم‬ ‫المغرضة‪ ،‬ول ننكر عليه الميل الغريزي شأنه في هذا شأن الرجال‪،‬‬ ‫‪92‬‬


‫وشأن البشر‪ ،‬غير أنه في شبابه امتنع أوًل‪ ،‬بينما هنا وافق سريًعا‬ ‫لختلف الموقفين؛ إذ كان في الول شاب ل عاكئلة حوله‪ ،‬ول دعوة‬ ‫مكلف بتبليغها‪ ،‬بينما في موقفه الخير عنده عاكئلة رحلت الم‬ ‫وخلفت وراءها بنتين تحتاجان الرعاية‪ ،‬ودعوة إلى ا في مرحلة‬ ‫التأسيس وتحتاج التفرغ الكبر في بث قيمها ومفاهيمها في قلوب‬ ‫كالجلميد‪ ،‬وفتن ودساكئس حوله تحاك له ولمن تبعه تتطلب منه‬ ‫التيقظ والحيطة والحذر‪ ..‬فكان الزواج هو الحل المثالي لما هو فيه‪،‬‬ ‫فوافق عليه‪.‬‬ ‫ل نكاد نذكر سودة حتى نذكر في التو عاكئشة ـ رضى ا عنهما‬ ‫ـ؛ فقد عرضتها خولة علي الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ فخطبها‬ ‫وأّجل الدخول عليها لعدة سنوات ريثما تكبر‪ ،‬بيد أن خولة ما أن‬ ‫سمعت الموافقة من الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ حتى خرجت‬ ‫مسرعًة لتبشر بها صديقتها سودة قاكئلًة ‪ :‬ماذا أدخل ا عز وجل‬ ‫عليك من الخير والبركة؟ قالت‪ :‬ما ذاك؟‪ ،‬قالت‪ :‬أرسلني رسول ا ـ‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ أخطبك عليه‪ ،‬قالت‪ :‬ودد ُ‬ ‫ت ذلك‪.‬‬ ‫تزوجت سودة برسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ وسوا ٍء أكان‬ ‫أبوها هو الذي زّوجها أو الذي زّوجها ابن عمها الصحابي حاطب‬ ‫بن عمرو الذي كان من أواكئل المهاجرين إلى الحبشة‪ ،‬وذلك بناًء‬ ‫على طلبه ـ صلى ا عليه وسلم ـ حين جاء يخطبها‪ ،‬فقالت له‪:‬‬ ‫أمري إليك‪ ،‬فقال لها ‪ُ’’:‬مري رجلً من قومك يزوجك’’‪.‬‬ ‫شاء ا أن يتحقق لسودة مارأت فى مناميها‪ ،‬ليكون زواجها من‬ ‫رسوله ـ صلى ا عليه وسلم ـ نعمة ومنًة من ا عليها وتكريًما‬ ‫لها جزاء ما عانت من الهجرة والتغريب‪ ،‬وفقد الزوج‪ ،‬وأذى الهل‬ ‫ومشركي مكة‪ ،‬وجزاء إيمانها الصادق بال ورسوله‪ ،‬كما كان هذا‬ ‫الزواج الشاهد الكبر على أن هذا الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫أبعد ما يكون عن التمتع بملذات الحياة الدنيا كشأن كل البشر‪ ،‬طمًعا‬ ‫منه فيما عند ا‪ ..‬ذلك أنه ـ صلى ا عليه وسلم ـ وإن عاش زمًنا‬ ‫ت وسنوات‪ ،‬ثم رحلت‪ ،‬فلَم لّما سنحت له‬ ‫طويلً مع من تكبره بسنوا ٍ‬ ‫‪93‬‬


‫الفرصة يرضى بالعيش مرة أخرى مع من تكبره سًنا وإن يكن‬ ‫خمسة أعوام‪ ،‬ويا ليتها أكبر بدون عيال ولكنها امرأة ُمصبية معيلة‬ ‫لها خمسة صبية أو ستة )‪ ،(2‬وقد يقبل بهذا لو ثّقل جمالها ةِكَفة‬ ‫ضا غير باهرة الجمال؟! ‪ ..‬أما كان له أن يرفض‬ ‫الختيار‪ ،‬ولكنها أي ً‬ ‫عرض خولة من بادىء المر‪ ،‬متعللً بأي علة مناسبة‪ ،‬وستقبلها‬ ‫خولة؟! ‪ ..‬ومن ثم يسعى إلى الزواج من شابة صغيرة ترد عليه‬ ‫ش من‬ ‫مافات من عمره ول غضاضة عليه‪ ..‬وهل نضب معين قري ٍ‬ ‫النسوة الشابات النواهد البكار؟! ‪ ..‬أهذا مسلك يسلكه الرجل المولع‬ ‫بالنساء؟!‬ ‫والواقع يشهد أن السيدة سودة كانت عاقلة حصيفة لبيبة‪ ،‬يبدو‬ ‫هذا في موقفها المتوازن بين شرف الصطفاء لها بأن تكون زوًجا‬ ‫لرسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ وبين كونها ذات عيال‪ ،‬وتخشى‬ ‫أن يتسبب هذا في تفويت فرص الراحة والمودة والسكن الذي يجب‬ ‫أن يسود البيت النبوي‪ ،‬فتتمهل قلي ً‬ ‫ل‪ ،‬ليفاتحها ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ في هذا مستفسًرا‪’’ :‬ما يمنعك مني؟’’‪ ،‬قالت‪ :‬وا يا رسول‬ ‫ا‪ ،‬ما يمنعني منك أن ل تكون أحب البرية إلّي‪ ،‬ولكن أ َُكّرُمَك أن‬ ‫يضعوا هؤلء عند رأسك بكرة وعشية‪ ،‬قال‪’’ :‬فهل منعك شيء غير‬ ‫ذلك؟’’‪ ،‬قالت‪ :‬ل وا‪ ،‬قال رسول ا صلى ا عليه وسلم‪َ’’:‬يْرَحُمةِك‬ ‫ش‪ ،‬أَْحَناُه َعَلى‬ ‫صالةُِح ةِن َ‬ ‫سا ٍء َرةِكْبَن أَْعَجاَز اْلةِةِبةِل َ‬ ‫ا‪ ،‬إةِّن َخْيَر ةِن َ‬ ‫ُّ‬ ‫ساةِء قَُرْي ٍ‬ ‫ت َي ٍد’’)‪ ،(3‬فهدأت نفسها‪.‬‬ ‫صَغ ٍر‪َ ،‬وأَْرَعاُه َعَلى َبْع ٍل ةِبَذا ةِ‬ ‫َوَل ٍد ةِفي ةِ‬ ‫كانت سودة تعلم من الوهلة الولى أن مقارنتها بخديجة ـ رضّي‬ ‫ا عنهما ـ سابقتها في فراش زوجية الرسول ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ ليست في صالحها تماًما‪ ،‬لذا فل داعي إذن أن تشغل بالها‬ ‫بمن سيقارنون‪ ،‬ويتفاجكئون‪ ،‬ويتساءلون‪ ،‬حسبها أنها صارت أًّما‬ ‫للمؤمنين‪ ،‬والزوجة التى اختارها ـ صلى ا عليه وسلم ـ لتكون‬ ‫خلًفا لخديجة ـ رضّي ا عنهما ـ‪ ،‬وحسبها أنها اليوم في ذات الدار‬ ‫التى سكنتها خديجة‪ ،‬وأنها ستكون الم الحانية‪ ،‬الراعية لبنات النبي‬ ‫وخديجة‪ ،‬فحسمت القضية لصالحها فأراحت واستراحت؛ إذعلمت‬ ‫في قرارة نفسها أنها لن تمل ذاك الفراغ الهاكئل الذي تركته خديجة‬ ‫‪94‬‬


‫في حياة النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ‪ ،‬ولّما كانت ـ رضّي ا عنها‬ ‫ـ ذكية‪ ،‬لماحة‪ ،‬عفوية الطباع‪ ،‬ضاحكة السن‪ ،‬خفيفة الدم‪ ،‬أدركت‬ ‫من فورها ما هو الدور الذي تستطيع أن تضطلع به في البيت‬ ‫النبوي‪.‬‬ ‫مثلما عاشت خديجة سنوات عمرها ل يشاركها في زوجها امرأة‬ ‫أخرى‪ ،‬منح ا سودة مثل هذا الشرف وإن لم يكن بنفس طول مدة‬ ‫خديجة؛ إذ عاشت في كنف النبى ـ صلى ا عليه وسلم ـ نحًوا من‬ ‫أربع سنين حتى دخل بعاكئشة في المدينة ل تشاركها فيه أخرى‪،‬‬ ‫وهّي ماتميزت به وسابقتها السيدة خديجة عن ساكئر نساء النبي‪،‬‬ ‫وكأنما أراد ا تعويضها عما ينتظرها عندما ستتقدم في السن‪،‬‬ ‫وورود عاكئشة ثم حفصة عليها وهما شابتان صغيرتان عنها بكثير‪،‬‬ ‫المر الذي سيدفعها لكئن تضحي بليلتها في سبيل البقاء بجوار‬ ‫الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ عساها تختم حياتها زوجة له‪.‬‬ ‫لم يكن يصلح بعد خديجة للعيش مع رسول ا سوى سودة؛ فقد كانت‬ ‫امرأة كبيرة وواعية‪ ،‬رزان‪ ،‬مؤمنة‪ ،‬ومن فواضل نساء عصرها‪ ،‬ولهذا فلم‬ ‫ضا أًما لزوجتيه الصغيرتين‪ ،‬وتكاد أن تكون أًما‬ ‫تكن أًما لبنتيه وحسب بل أي ً‬ ‫ضا؛ فلم تكدر للرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ صفو عيشه‪ ،‬إذ كانت‬ ‫له أي ً‬ ‫حريصة أن ترضيه كلما وجدت إلى ذلك سبي ً‬ ‫ل‪ ،‬فقد كانت ـ رضّي ا عنها ـ‬ ‫تحبه حًبا جًما‪ ،‬وكانت إحدى أحب زوجاته إلى قلبه‪ ،‬لصلحها وتقواها‪،‬‬ ‫ومسيرة إيمانها‪ ،‬ولعلمه بسعيها لدخال السرورعلى قلبه بما تختاره من‬ ‫كلمات تشيع في أرجاء نفسه البهجة‪ ،‬حتى لّما فطنت إلى أن مشيتها تضحكه‬ ‫ـ صلى ا عليه وسلم ـ وذلك من اكتناز جسمها‪ ،‬كانت تتعمد المشي أمامه‬ ‫لتضحكه أكثروأكثر‪ ،‬إذ كان يسرها سروره‪.‬‬ ‫لحرصها الشديد على إسعاده ـ صلى ا عليه وسلم ـ لم تفتعل المشاكل‬ ‫من غيرة بعد اقترانه بعاكئشة‪ ،‬بل عاش بينهما فى مود ٍة خلقاها حوله‬ ‫كزوجتين صالحتين على الرغم من فرق العمر الكبير بينهما‪ ..‬تتبدى هذه‬ ‫سْوَدةُ ةِبْن ُ‬ ‫المودة فيما ترويه عاكئشة ‪َ :‬دَخل ُ‬ ‫سْت َوَر ُ‬ ‫ت َزْمَعَة َفَجَل َ‬ ‫ت َعَلّي َ‬ ‫سول ُ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫ت ةِبَها‪َ ،‬فقُْل ُ‬ ‫ت َحةِريَرًة َفةِجْكئ ُ‬ ‫صَنْع ُ‬ ‫ت‪:‬‬ ‫ّ ةِ‬ ‫سّلَم َبْيةِني َوَبْيَنَها َوَقْد َ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا َ‬ ‫‪95‬‬


‫ُكةِلي‪َ ،‬فَقاَلْت‪َ :‬ما أََنا ةِبَذاةِكئَقةِتَها‪َ ،‬قاَلْت‪ :‬قُْل ُ‬ ‫ا َلَتأُْكةِليَن ةِمْنَها‪ ،‬أَْو أ َُلّطَخّن ةِمْنَها‬ ‫ت‪َ :‬و ّ ةِ‬ ‫ت ةِمْنَها َ‬ ‫ةِبَوْجةِهةِك‪َ ،‬قاَلْت‪َ :‬ما أََنا ةِبَذاةِكئَقةِتَها َفَتَناَوْل ُ‬ ‫شْيًكئا َفَم َ‬ ‫سَحْت ةِبةِه َوْجةِهي‪َ ،‬فَجَعلَ‬ ‫ا‬ ‫سول ُ ّ ةِ‬ ‫سول ُ ّ ةِ‬ ‫سَح ةِبةِه َوْجةِهي‪َ ،‬فَجَعلَ َر ُ‬ ‫ضَحُك‪َ ،‬وُهَو َبْيةِني َوَبْيَنَها َفَم َ‬ ‫ا َي ْ‬ ‫َر ُ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫ضَحُك َيْسَتةِقيُد ةِمّني‪َ ،‬فأ ََخَذْت‬ ‫ض َعْنَها ةِبَمّر َوُهَو َي ْ‬ ‫سّلَم َيْحةِف ُ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ضَحُك ‪.‬‬ ‫سول ُ ةِ‬ ‫سّلَم َي ْ‬ ‫صّلى اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا َ‬ ‫سَحْت ةِبةِه َوْجةِهي َفَجَعلَ َر ُ‬ ‫شْيًكئا َفَم َ‬ ‫ولم تكن ـ رضى ا عنها ـ تقبل المزا ح من عاكئشة فقط بل ومن حفصة‬ ‫ضا‪ ،‬وقد علمتا عن سودة مقدار إيمانها‪ ،‬وورعها‪ ،‬وتقواها‪ ،‬ومخافة أن‬ ‫أي ً‬ ‫يظهر الدجال الذى حذر منه الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ المؤمنين‪،‬‬ ‫فأخبراها بأن الدجال قد خرج‪ ،‬فما كان من سودة إل أن اختبأت في بيت‬ ‫كانوا يوقدون فيه‪ ،‬واستضحكتا‪ ،‬وجاء رسول ا فقال‪’’:‬ما شأنكما؟’’‪،‬‬ ‫فأخبرتاه بما كان من أمر سودة‪ ،‬فذهب إليها وما أن رأته ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم‪ ،‬حتى سألته مستفسرًة ‪ :‬يا رسول ا‪ ،‬أخرج الدجال؟‪ ،‬فقال‪’’:‬ل‪،‬‬ ‫وكأْن قد خرج’’ فاطمأّنت وخرجت من البيت‪ ،‬وجعلت تنفض عنها بيض‬ ‫العنكبوت ‪.‬‬ ‫أكرم ا السيدة سودة بنت زمعة بالسلم فالهجرة مع زوجها الول‬ ‫السكران إلى الحبشة كمؤمنة من المؤمنات فُلقبْت بالمهاجرة أرملة‬ ‫المهاجر‪ ،‬ثم أتم ا ـ عز وجل ـ عليها فاكئق كرمه حين أصطفاها من بين‬ ‫نساء المسلمين لتكون زوًجا لخاتم النبيين ـ صلى ا عليها وسلم ـ فتحظى‬ ‫بلقب أم المؤمنين‪ ،‬وتهاجر إلى المدينة بهذا اللقب ويستقبلها ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ في بيتها الذي بناه لها‪ ،‬لتنال شرف الهجرتين‪ ،‬وتكون أم‬ ‫المؤمنين الولى بالمدينة المنورة‪ ،‬ويصبح لقبها سودة أم المؤمنين‬ ‫المهاجرة وثاني أزواج سيد العالمين صلى ا عليه وسلم‪.‬‬ ‫ضل بها‬ ‫ظلت السيدة سودة تحمد ا كثيًرا على كل هذه النعم التي تف ّ‬ ‫عليها‪ ،‬ولهذا لما تقدم بها السن وكانت تعلم فى حنايا نفسها أن الرسول ـ‬ ‫ف بها وبحالها حين اختارها زوًجا له‪ ،‬وما‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ إنما تلّط َ‬ ‫ضا أن الرسول ـ صلى‬ ‫كانت تريد أن تخرج من هذه المعية‪ ،‬كما كانت تعلم أي ً‬ ‫ا عليه وسلم ـ عادًل‪ ،‬ويحب أن يقيم شرع ا في بيته وبين أزواجه‪،‬‬ ‫أليس هو القاكئل صلى ا عليه وسلم‪’’ :‬من كانت له امرأتان فمال إلى‬ ‫‪96‬‬


‫إحداهما‪ ،‬جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط’’ وما كان من خلقه ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ أن يأمر أمته بأمر ول يلتزم به إل ما كان من خصوصياته‪،‬‬ ‫ا ‪ -‬صلى ا عليه وسلم ‪َ -‬ل‬ ‫سول ُ ّ ةِ‬ ‫يشهد بعدله قول عاكئشة أنها ‪َ":‬كاَن َر ُ‬ ‫ض ةِفي اْلَقْسةِم ةِمْن ُمْكةِثةِه ةِعْنَدَنا‪َ ،‬وَكاَن َقلّ َيْوٌم إةِّل َوُهَو‬ ‫ضَنا َعَلى َبْع ٍ‬ ‫ضل ُ َبْع َ‬ ‫ُيَف ّ‬ ‫س َحّتى َيْبلَُغ إةَِلى اّلةِتي‬ ‫َيُطو ُ‬ ‫ف َعَلْيَنا َجةِميًعا َفَيْدُنو ةِمْن ُكلّ اْمَرأَ ٍة ةِمْن َغْيةِر َمةِسي ٍ‬ ‫ُهَو َيْوُمَها َفَيةِبيَت ةِعْنَدَها"‪ .‬فخشيت سودة أن يطلقها ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫فصارحُته بما في نفسها لكي تحمل من فوق كاهله مخافة ومظنة التقصير‬ ‫في حقها ‪" :‬يارسول ا‪ ،‬ل تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعاكئشة"‪ ،‬وذلك‬ ‫لغرض نبيل أخروي‪ ،‬من حقها أن تتمسك به‪" :‬أود أن أحشر في زمرة‬ ‫أزواجك"‪.‬‬ ‫أحبتها عاكئشة‪ ،‬واحترمتها وتمنت أن تكون مثلها‪َ" :‬ما َرأَْي ُ‬ ‫ت اْمَرأًَة‬ ‫ت‬ ‫سْوَدَة ةِبْن ةِ‬ ‫أََحّب إةَِلّي أَْن أَُكوَن ةِفي ةِمْسَلةِخَها ]صبرها وهديها وصلحها[ ةِمْن َ‬ ‫َزْمَعَة ةِمْن اْمَرأَ ٍة ةِفيَها ةِحّدةٌ"‪ ،‬وقصدت عاكئشة من الحدة‪ :‬قوة النفس وجودة‬ ‫القريحة‪ ،‬ولم ترد عاكئشة عيب سودة بذلك بل وصفتها‪.‬‬ ‫حج رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ بنساكئه عام حجة الوداع‪ ،‬ثم‬ ‫قال‪’’ :‬هذه الحجة ثم ظهور الحصر’’‪ ،‬أي الجلوس في البيوت‪ ،‬وكان كل‬ ‫نساء النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ َيْحُجْجَن إل سودة بنت زمعة‪ ،‬وزينب‬ ‫بنت جحش‪ ،‬ول يقد ح في هذا أن عاكئشة خالفت أمر الرسول ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ ولم تكن بصنيعها هذا أقل وفاًء من سودة وزينب ـ عليهن‬ ‫جميعهن رضوان ا تعالى ـ ولكن اْلُعْذر َعْن َعاةِكئ َ‬ ‫شة أَّنَها َتأ َّوَلْت اْلَحةِديث‬ ‫صَواةِحَباتَها َعَلى أَّن اْلُمَراد ةِبَذلةَِك أَّنُه َل َيةِجب‬ ‫اْلَمْذُكور َكَما َتأ َّوَلُه َغْيرَها ةِمْن َ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫سّلَم ‪َ’’:‬لةِكّن‬ ‫ا َعَلْيةِه َو َ‬ ‫َعَلْيةِهّن َغْير ةِتْلَك اْلَحّجة‪َ ،‬وَتأ َّيَد َذلةَِك ةِعْندَها ةِبَقْولةِةِه َ‬ ‫ضَي ّ‬ ‫ا َعْنُه ـ ُمَتَوّقًفا ةِفي‬ ‫ضل اْلةِجَهاد اْلَحّج َواْلُعْمَرة’’‪َ ،‬وَكاّن ُعَمر ـ َر ةِ‬ ‫أَْف َ‬ ‫صَحاَبة ةِمْن َغْير‬ ‫تفسير َذلةَِك ُثّم َظَهَر َلُه اْلَجَواز َفأ َةِذَن َلُهّن‪َ ،‬وَتةِبَعُه َعَلى َذلةَِك ال ّ‬ ‫َنةِكير ‪.‬‬ ‫كان إعراض سودة عن الخروج من بيتها‪ ،‬امتثالً ووفاًء وتأول منها‬ ‫يدل على مدى حزنها على وفاته ـ صلى ا عليه وسلم ـ فلم تزل كذلك حتى‬

‫‪97‬‬


‫توفيت ـ رضّي ا عنها ـ في آخر زمن عمر بن الخطاب‪ ،‬ويقال إنها توفيت‬ ‫بالمدينة المنورة في شوال سنة أربعة وخمسون‪ ،‬وفي خلفة معاوية‪.‬‬ ‫نساء فى حياة الرسول‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هامش الفصل‬

‫الثامن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السيد إبراهيم‬

‫)‪ (1‬الرسكران بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حرسل بن عامر ابن لؤي‪،‬‬ ‫وهو أخو رسهيل بن عمرو ورسليط بن عمرو وحاطب بن عمرو وهم يلتقون في النرسب مع النبي‬ ‫صلى ا عليه ورسلم عند لؤي بن غالب‪ ،‬كذا قال ابن عبد البر في الرستيعاب‪ ،‬وابن رسعد في‬ ‫الطبقات‪ ،‬وابن حجر في الصابة‪ .‬وهو من مهاجرة الحبشة‪ ،‬هاجر إليها ومعه امرأته رسودة بنت‬ ‫زمعة‪ ،‬وتوفي هناك‪ ،‬قاله مورسى بن عقبة وأبو معشر‪ ،‬والزبير‪ .‬وقال ابن إرسحاق والواقدي‪ :‬رجع‬ ‫الرسكران إلى مكة فمات بها قبل الهجرة إلى المدينة‪..‬وهو الصح والرجح عند البلذري وغيره ‪..‬‬ ‫وهو ما أخذنا به خلًفا لمن قال أنه تنصر ومات بالحبشة ـ المؤلف ـ‬ ‫)‪ (2‬قال الرناؤوط ‪ :‬ولم نقف على تراجم أبناء رسودة ول على أرسمائهم‪.‬‬ ‫)‪ (3‬مرسند المام أحمد‪ ،‬رقم الحديث )‪ ، (2807‬والطبراني في الكبير‪ .‬وصححه اللباني في‬ ‫الرسلرسلة الصحيحة برقم )‪.(2523‬‬

‫‪98‬‬


‫الفصل التاسع‬

‫الصديقة الحبيبة زوج الحبيب‬ ‫و‬ ‫بنت الحبيب‬

‫‪99‬‬


‫مثلما رأت السيدة سودة بنت زمعة رسول ا في منامها قبل زواجها‬ ‫منه ـ صلى ا عليه وسلم ـ وكانت الرؤيا بشارة لها باقترانها منه‪ ،‬رأى‬ ‫رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ السيدة عاكئشة ثلث ليال‪ ،‬عاشت هذه‬ ‫الرؤى حبيسة صدره لم يحدث عنها أحد حتى صديقه أبا بكر والد الفتاة‪،‬‬ ‫ولكنه صار ح عاكئشة نفسها بعدها بعدة سنوات‪ ،‬بعد أن أصبحت الرؤيا‬ ‫واقًعا؛ فقال لها صلى ا عليه وسلم ‪’’ :‬أ ُةِريُتةِك ةِفى اْلَمَناةِم َثلََث َلَيا ٍل َجاءَةِنى‬ ‫ف َعْن َوْجةِهةِك َفإةَِذا‬ ‫سَرَق ٍة ةِمْن َحةِري ٍر َفَيُقول ُ َهةِذةِه اْمَرأَُتَك ‪َ .‬فأ َْكةِش ُ‬ ‫ةِبةِك اْلَمَلُك ةِفى َ‬ ‫ضةِه’’‪.‬‬ ‫ا ُيْم ةِ‬ ‫أَْن ةِ‬ ‫ت ةِهَى َفأ َُقول ُ إةِْن َيُك َهَذا ةِمْن ةِعْنةِد ّ ةِ‬ ‫لم يخبر الرسول ـ صلى ا عليها وسلم ـ عاكئشة بأنه رأها بل ُأريها‪،‬‬ ‫وهذا لقطع الطريق على من يتصورون أنه ـ ربما ـ رأها يقظة فتمناها‪،‬‬ ‫سَرَق ٍة‬ ‫فظهرت له في منامه‪ ،‬وتكمن دللة "ُأريها" في أن الملك أتى بها في َ‬ ‫]قطعة جيدة من الحرير[ لم تكن ظاهرة للرسول ـ صلى ا عليها وسلم ـ‬ ‫وإنما أخبره الملك بأن تلك التي يلفها الحرير ستكون زوًجا لك‪ ،‬ولم يعرف‬ ‫ت ةِهَى’’ والخطاب‬ ‫الرسول من هّّي حتى كشف بيده عن وجهها ’’َفإةَِذا أَْن ةِ‬ ‫ضةِه’’‬ ‫ا ُيْم ةِ‬ ‫لعاكئشة‪ ،‬وأما قوله صلى ا عليه وسلم‪’’ :‬إةِْن َيُك َهَذا ةِمْن ةِعْنةِد ّ ةِ‬ ‫أي‪ :‬إن كان ربنا قّدر ذلك فسيكون ما قّدر سبحانه وتعالى‪ ،‬وهذا ليس شًكا‬ ‫ضي عياض‬ ‫منه صلى ا عليه وسلم‪ ،‬وقد فسر هذا القول أبلغ تفسير اْلَقا ةِ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫ا‬ ‫ص أَْحَلمه َ‬ ‫حين َقالَ ‪" :‬إةِْن َكاَنْت َهةِذةِه الّرْؤَيا َقْبلَ الّنُبّوةِة‪َ ,‬وةِقيلَ َتْخةِلي ُ‬ ‫ضَغاث َفَمْعَناَها إةِْن َكاَنْت ُرْؤَيا َحّق‪ .‬إةِْن َكاَنْت َبْعَد الّنُبّوة‬ ‫سّلَم ةِمْن اْلَ ْ‬ ‫َعَلْيةِه َو َ‬ ‫َفَلَها َثَلَثُة َمَعا ٍن‪ :‬أََحُدَها أَّن اْلُمَراد إةِْن َتُكْن الّرْؤَيا َعَلى َوْجةِهَها َوَظاةِهةِرَها َل‬ ‫ضيةِه ّ‬ ‫ا َتَعاَلى َوُيَنّجُزُه‪َ ,‬فال ّ‬ ‫شّك َعاةِكئٌد إةَِلى أَّنَها‬ ‫سُيْم ةِ‬ ‫ج إةَِلى َتْعةِبي ٍر َوَتْفةِسي ٍر َف َ‬ ‫َتْحَتا ُ‬ ‫ف َعَلى َظاةِهةِرَها‪ .‬الّثاةِني أَّن‬ ‫صْر ٍ‬ ‫ج إةَِلى َتْعةِبي ٍر َو َ‬ ‫ُرْؤَيا َعَلى َظاةِهرَها أَْم َتْحَتا ُ‬ ‫ضَها ّ‬ ‫ا‪َ ,‬فال ّ‬ ‫شّك أَّنَها َزْوَجُتُه ةِفي‬ ‫اْلُمَراد إةِْن َكاَنْت َهةِذةِه الّزْوَجة ةِفي الّدْنَيا ُيْم ةِ‬ ‫الّدْنَيا أَْم ةِفي اْلَجّنة‪ .‬الّثالةِ ُ‬ ‫ث أَّنُه َلْم َي ُ‬ ‫شّك‪َ ,‬وَلةِكْن أ ُْخةِبَر َعَلى الّتْحةِقيق‪َ ,‬وأََتى‬ ‫صوَرةِة ال ّ‬ ‫ساةِلم؟ َوُهَو َنْوع ةِمْن اْلَبةِديع ةِعْند أَْهل‬ ‫شّك َكَما َقاَل‪ :‬أَأَْن ةِ‬ ‫ت أَْم أ ُّم َ‬ ‫ةِب ُ‬ ‫ضُهْم َمْزج ال ّ‬ ‫شّك ةِباْلَيةِقيةِن")‪.(1‬‬ ‫سّماُه َبْع ُ‬ ‫سّموَنُه َتَجاُهل اْلَعاةِرف‪َ ,‬و َ‬ ‫اْلَبَلَغة ُي َ‬

‫‪100‬‬


‫دخلت عاكئشة حياة الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ بعد وفاة السيدة‬ ‫خديجة‪ ،‬وذلك عندما فاتحته خولة بنت حكيم امرأةعثمان بن مظعون قاكئلة‪:‬‬ ‫يا رسول ا أل تزوج؟‪ ،‬قال‪’’ :‬من؟’’‪ ،‬قالت‪ :‬إن شكئت بكًرا وإن شكئت ثيًبا‪،‬‬ ‫قال ‪’’ :‬فمن البكر؟’’‪ ،‬قالت ‪ :‬ابنة أحب خلق ا عز وجل إليك عاكئشة بنت‬ ‫أبي بكر‪.‬‬ ‫أةِذن الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ لخولة أن تبدأ مشاورات زواجه‬ ‫من الثيب وقد كانت سودة بنت زمعة‪ ،‬والبكر عاكئشة ــ وهى موضع حديثنا‬ ‫ــ فدخلت خولة بيت أبي بكر فقالت‪ :‬يا أم رومان ماذا أدخل ا عز وجل‬ ‫عليكم من الخير والبركة؟‪ ،‬قالت‪:‬وما ذاك؟‪ ،‬قالت‪ :‬أرسلني رسول ا ـ صلى‬ ‫ا عليه وسلم ـ أخطب عليه عاكئشة ‪ ،‬قالت‪ :‬انتظري أبا بكر حتى يأتي‪،‬‬ ‫فجاء أبو بكر فقالت‪ :‬يا أبا بكر ماذا أدخل ا عليكم من الخير والبركة؟‪،‬‬ ‫قال‪:‬وما ذاك؟‪ ،‬قالت‪ :‬أرسلني رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ أخطب‬ ‫عليه عاكئشة ‪ ،‬قال‪ :‬وهل تصلح له إنما هي ابنة أخيه؟!‪ ،‬فرجعت إلى رسول‬ ‫ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ فذكرت له ذلك‪ ،‬قال‪’’:‬ارجعي إليه فقولي له أنا‬ ‫ت فذكر ُ‬ ‫أخوك وأنت أخي في السلم وابنتك تصلح لي’’‪ ،‬فرجع ُ‬ ‫ت ذلك له‬ ‫قال‪ :‬انتظري‪ ،‬وخرج‪ ،‬قالت أم رومان‪ :‬إن مطعم بن عدي قد كان ذكرها‬ ‫على ابنه فوا ما وعد موعًدا قط فأخلفه لبي بكر‪ ،‬فدخل أبو‬ ‫بكر على مطعم بن عدي وعنده امرأته أم الفتى‪ ،‬فقالت‪َ :‬يا اْبَن أَةِبي قَُحاَفَة!‬ ‫صاةِحَبَنا ]تقصد ابنها جبير[‪ُ ،‬مْدةِخلُُه ةِفي ةِديةِنَك اّلةِذي أَْنَت َعَلْيةِه إةِْن‬ ‫ص ٍ‬ ‫ب َ‬ ‫َلَعّلَك ُم ْ‬ ‫َتَزّوَج إةَِلْيَك؟!‪ ،‬قال أبو بكر للمطعم بن عدي‪ :‬ماتقول هذه؟!‪ ،‬قال‪ :‬إنها تقول‬ ‫كذلك‪ ،‬فخرج من عنده وقد أذهب ا عز وجل َما َكاَن ةِفي َنْفةِسةِه ةِمْن ةِعَدةِتةِه‬ ‫اّلةِتي َوَعَدُه‪ ،‬فرجع فقال لخولة‪ :‬ادعي لي رسول ا صلى ا عليه وسلم‪.‬‬ ‫كان أبو بكر الصديق المؤمن بالسلم‪ ،‬والمصدق بما أنزل على رسول‬ ‫ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ هو نفسه أبو بكر العالم بالعراف العربية علمه‬ ‫بأنسابها وشعرها‪ ،‬تماًما مثلما يخبرها الرسول العربي القرشي‪ ،‬ولهذا فلبد‬ ‫أن تراعى تلك التقاليد بأن ينتقل طالب الزواج إلى بيت العروس‪ ،‬أما في‬ ‫غير هذه فقد كان الصديق أول من يلبى نداء النبى ـ صلى ا عليه وسلم ـ‪،‬‬ ‫كما كان عليه أن يعود إلى من طلب ابنته من قبل‪ ،‬ولك أن تعلم لو أن مطعًما‬ ‫أنفذ وعده‪ ،‬لعتذر الصديق لرسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ الذي كان‬ ‫‪101‬‬


‫سيتقبل المر بدوره برحابة صدر‪ ،‬وسماحة نفس؛ فهو من أكثر العارفين‬ ‫بعاداتهم وتقاليدهم‪ ،‬ومثلما كان قادًرا على العتذار في تلك أما كان يستطيع‬ ‫العتراض على فارق السن بين ابنته وصديقه‪ ،‬أو أن يعترض على أن النبي‬ ‫كان متزوجا ً آنذاك‪ ،‬لكن الصديق لم يعترض ل في هذه ول في تلك‪ ،‬لن هذا‬ ‫كان مألوفا ً وشاكئعا ً في مجتمعهم وبيكئتهم‪.‬‬ ‫والسؤال‪ ..‬فهل كان أبو بكر فقيًرا أو معوًزا ليزوج ابنته الصغيرة مبكًرا‪،‬‬ ‫وممن يكبرها؟! ‪ ..‬الوقاكئع تشهد بأنه كان تاجًرا محسوًبا من أغنياء مكـة‬ ‫المعروفين والمعدودين‪ ،‬بل كان من وجهاء قريش وأشرافهم وأحد‬ ‫رؤساكئهم‪ ،‬ذلك أن الشرف في قريش قد انتهى قبل ظهور السلم إلى عشرة‬ ‫رهط من عشرة أبطن‪ ،‬وأبو بكر الصديق من بني تيم كان معدوًدا من هذا‬ ‫الرهط‪ ،‬إذ آل إليه أمر الديات والمغارم‪ ،‬فكان إذا حمل شيًكئا فسأل فيه قري ً‬ ‫شا‬ ‫صدقوه‪ ،‬وامضوا حمالة من نهض معه‪ ،‬وإن احتملها غيره خذلوه‪.‬‬ ‫يتبقى إذن أن أبا بكر كان يريد التخلص من بناته مبكًرا بتزويجهن‪ ،‬لكن‬ ‫الواقع والتاريخ يكّذبان هذا الطر ح‪ ،‬إذ كانت قبيلة بني تميم من القباكئل‬ ‫العربية التي تميزت بحسن معاملتها للمرأة‪ ،‬كما أن بيت الصديق كان من‬ ‫أشد بيوت هذه القباكئل محبة للنساء وإكرامهن‪ ،‬وتعليمهن حتى القراءة‬ ‫والكتابة‪ ،‬كما تعلمت عاكئشة كل هذا في صغرها‪.‬‬ ‫كما يتبقى أن يعلم من ليعلم أن أبا بكر لم يصاهر إل من هو كفء‬ ‫لمصاهرته‪ ،‬ويليق بابنته‪ ،‬إنه جبير بن مطعم بن عدي‪ ،‬ومن هو مطعم هذا؟‬ ‫‪ ..‬إنه ُمطةِعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي شيخ قريش في‬ ‫زمانه‪ ،‬وسـّيٌد من سـاداتهم‪ ،‬وركئيس بني نوفل في الجاهلّية‪ ،‬وقاكئدهم في‬ ‫حرب الةِفجار‪.‬‬ ‫أذن ا لرسوله بالهجرة إلى المدينة فهاجر وأبو بكر وقد تركا‬ ‫عاكئلتيهما بمكة‪ ،‬فلما استقرا بالمدينة بعث ـ صلى ا عليه وسلم ـ زيد بن‬ ‫حارثة وأبا رافع‪ ،‬بينما بعث أبو بكرعبد ا بن أريقط وقد كتب إلى عبدا‬ ‫ابنه أن يحمل معه أم رومان وأم أبي بكر وعاكئشة وأسماء‪.‬‬

‫‪102‬‬


‫نزل آل النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ عنده‪ ،‬وهو يومكئ ٍذ يبني المسجد‬ ‫وبيوته‪ ،‬فأدخل سودة بنت زمعة أحد تلك البيوت‪ ،‬وكان يكون عندها‪ ،‬فقال‬ ‫له أبو بكر‪ :‬ما يمنعك أن تبنى بأهلك؟‪ ..‬فبنى بها صلى ا عليه وسلم‪.‬‬ ‫إذن لم يبادر الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ إلى التعجيل بالدخول على‬ ‫عاكئشة‪ ،‬وإنما الذى طلب هذا أبوها‪ ،‬الذي كان يراها مناسبة وصالحة‬ ‫ومهيأة لن يبنى بها الرسول صلى ا عليه وسلم‪.‬‬ ‫لم ُتْتَرك عاكئشة طيلة سنوات خطبتها هم ً‬ ‫ل‪ ،‬بل كانت فترة إعداد لها‬ ‫على قدر طاقتها حتى تصبح الزوج اللكئق للنبى ـ صلى ا عليه وسلم ـ كان‬ ‫قدوتها ومعلمها آنذاك والدها المشهود له بأنه أعلم الصحابة بكتاب ا‬ ‫تعالى‪ ،‬وأعرفهم بالسنة المطهرة‪ ،‬النسابة‪ ،‬الفصيح فى الخطابة‪ ،‬الماهر‬ ‫بتأويل الرؤى‪.‬‬ ‫مثلما ورثت عاكئشة عن أبي بكر صفاته فى الجمال؛ فقد كان قسيًما‬ ‫وسيًما‪ ،‬فكانت ـ رضّي ا عنها ـ جميلة‪ ،‬قسيمة‪ ،‬بيضاء البشرة‪ ،‬حمراء‬ ‫الشعر‪ ،‬طويلة بعض الشىء‪ ،‬ورثت عنه كذلك‪ ،‬البديهة الحاضرة‪ ،‬والذكاء‬ ‫الحاد‪ ،‬بالضافة إلى قدرتها التى ل تبارى على التحصيل‪ ،‬والذاكرة الجيدة‬ ‫التى أبانت عن نفسها في الحاطة بكل ما يدور حولها‪.‬‬ ‫تأهلت عاكئشة بهذا العداد‪ ،‬وما جبلت عليه من الطباع‪ ،‬والصفات التي‬ ‫ورثتها لن تكون ـ بحق ـ التلميذة النبوية النجيبة في بيت زوجها ومعلمها‬ ‫الكبر الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ الذي حفظت عنه الكثير والكثير‬ ‫بالتلقي الطاهر المباشر‪ ،‬وشهود نزول الوحي في حجرتها المباركة‪ ،‬المر‬ ‫الذي أتا ح لها بدالة القرب الحياتي والقلبي من النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫نقل السنة الفعلية عنه‪ ،‬بل وسؤاله فيما يستشكل عليها فهمه‪ ،‬والستفسار‬ ‫عما استعجم عليها معرفته‪ ،‬فأضاف لها كل هذا فهم عميق للكتاب الكريم‬ ‫والسنة المطهرة‪ ،‬أكسبها ملكة ل تبارى فى النقد‪ ،‬والتأويل‪ ،‬والستنباط‪ ،‬مما‬ ‫أجلسها هذا بعد وفاته ـ صلى ا عليه وسلم ـ مجلس العالمة‪ ،‬المحدثة‪،‬‬ ‫الفقيهة‪ ،‬المفسرة‪ ،‬المفتية‪ ،‬المجتهدة‪ ،‬المستنبطة‪ ،‬حتى غدت حجرتها‬ ‫جامعة للعلوم السلمية‪ ،‬تقصدها نساء المؤمنين‪ ،‬كما يقصدها الصحابة‬ ‫الكرام رضوان ا عليها وعليهم جميًعا‪.‬‬ ‫‪103‬‬


‫نعم ‪ ..‬كانت أمنا السيدة عاكئشة ـ رضى ا عنها ـ بحق بركة على‬ ‫ب يتصل بها‪ ،‬وذلك حين‬ ‫المسلمين‪ ،‬ولما ل وما نزلت آية التيمم إل بسب ةِ‬ ‫أعارتها أختها أسماء قلدة‪ ،‬فضاعت منها‪ ،‬فأرسل رسول ا ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ بعض أصحابه ليبحثوا عنها‪ ،‬فأدركتهم الصلة ولم يكن عندهم‬ ‫ماٌء فصّلوا بغير وضوء‪ ،‬فلما أتوا إلى النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ شكوا‬ ‫إليه ما كان من أمر صلتهم فأنزل ا آية التيمم‪ ،‬فتيمموا‪ ,‬فقال أسيد بن‬ ‫الحضير لعاكئشة‪" :‬جزاةِك ا خيًرا‪ ،‬فوا ما نزل بك أمر قط إل جعل ا لةِك‬ ‫منه مخرًجا‪ ،‬وجعل للمسلمين فيه بركة"‪ ،‬ودخل أبو بكر عليها كأنه‬ ‫يستسمحها‪" :‬إنك لمباركة نزلت فيك رخصة"‪ ،‬بعدما عاتبها سابًقا ‪:‬‬ ‫"حبست رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ والناس وليسوا على ماء وليس‬ ‫معهم ماء؟"‪ ،‬وقال ما شاء له أن يقول‪ ,‬وهو يطعن بيده في خاصرتها‪ ،‬ول‬ ‫يمنعها من التحرك إل مكان رأس رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ على‬ ‫فخذها‪ ،‬وما أن بعثوا البعير الذي كانت عليه عاشة حتى وجدوا العقد تحته‪.‬‬ ‫شهدت السيدة خديجة ـ رضّي ا عنها ـ الفترة التأسيسية للدعوة‬ ‫السلمية في مرحلتها المكية‪ ،‬وهيأ ا تعالى لعاكئشة أن تشهد بواكير‬ ‫الدولة السلمية الفتية في مرحلتها التأسيسية بالمدينة‪ ،‬ومثلما كانت‬ ‫خديجة حب الرسول الكبر في مكة‪ ،‬كانت عاكئشة حب الرسول الكبر في‬ ‫ص ـ رضي ا عنه ـ أَّن‬ ‫المدينة‪ ،‬يشهد لهذا الحب ما رواه َعْمةِرو ْبةِن اْلَعا ةِ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫سَلةِسةِل‪َ .‬قاَل‪:‬‬ ‫ش َذا ةِ‬ ‫سولَ ّ ةِ‬ ‫ت ال ّ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا َ‬ ‫َر ُ‬ ‫سّلَم اْسَتْعَمَلُه َعَلى َجْي ةِ‬ ‫ّ‬ ‫ب إةَِلْيَك؟ َقاَل‪َ’’ :‬عاةِكئ َ‬ ‫شُة’’‪ ،‬قُْل ُ‬ ‫َفأ ََتْيُتُه؛ َفقُْل ُ‬ ‫ت‪ :‬ةِمْن‬ ‫سولَ ةِ‬ ‫س أََح ّ‬ ‫ا‪ ,‬أَ ّ‬ ‫ت‪َ :‬يا َر ُ‬ ‫ي الّنا ةِ‬ ‫الّرَجاةِل؟ َقاَل‪’’ :‬أَُبوَها’’)‪.(2‬‬ ‫وهل هناك أبلغ من هذا الحوار الودود الذي دار بين النبي ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ وبين زوجه عاكئشة ـ رضي ا عنها ـ التي نقلته لنا حين َقاَلْت‪َ :‬قالَ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫ضَيًة‪َ ,‬وإةَِذا‬ ‫ت َعّني َرا ةِ‬ ‫سّلَم‪’’ :‬إةِّني َلَْعَلُم إةَِذا ُكْن ةِ‬ ‫سول ُ ّ ةِ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا َ‬ ‫ةِلي َر ُ‬ ‫ضَبى’’‪َ .‬قاَلْت‪َ :‬فقُْل ُ‬ ‫ت‬ ‫ف َذلةَِك؟ َقاَل‪’’ :‬أَّما إةَِذا ُكْن ةِ‬ ‫ُكْن ةِ‬ ‫ت َوةِمْن أَْيَن َتْعةِر ُ‬ ‫ت َعَلّي َغ ْ‬ ‫ت‪َ :‬ل َوَرّب‬ ‫ضَبى قُْل ةِ‬ ‫ضَيًة؛ َفإةِّنةِك َتُقوةِليَن‪َ :‬ل َوَرّب ُمَحّم ٍد‪َ ,‬وإةَِذا ُكْن ةِ‬ ‫َعّني َرا ةِ‬ ‫ت َغ ْ‬ ‫إةِْبَراةِهيَم’’‪َ .‬قاَلْت‪ :‬قُْل ُ‬ ‫ا َما أَْهُجُر إةِّل اْسَمك)‪.(3‬‬ ‫سولَ ّ ةِ‬ ‫ت أََجْل‪َ ,‬و ّ ةِ‬ ‫ا َيا َر ُ‬

‫‪104‬‬


‫ثم يشهد بهذا أعظم شهادة مارواه ابن عساكر عن السيدة عاكئشة ـ رضي‬ ‫ا عنها ـ أن الرسول صلى ا عليه وسلم قال لها‪’’ :‬أما ترضين أن تكوني‬ ‫ت زوجتي في الدنيا‬ ‫زوجتي في الدنيا و الخرة؟’’‪ ،‬قلت‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪’’ :‬فأن ةِ‬ ‫والخرة’’)‪.(4‬‬ ‫ولكئن اختار رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ ابنته فاطمة ـ رضي ا‬ ‫عنها ـ لينقل لها أنه مودعها حيث الرفيق العلى‪ ،‬إل أنه لحبه الكبير لعاكئشة‬ ‫سْحةِرَها‬ ‫ض ةِفْي َبْيةِتَها‪ ,‬ليموت َبْيَن َ‬ ‫سّلَم ـ أَْن ُيَمّر َ‬ ‫صّلى اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫اختار ـ َ‬ ‫ضل ةِبَقاةِع اْلَْرض ةِبإةِْجَماةِع اْل ُّمةِة‬ ‫َوَنْحةِرَها‪ ,‬ثم يكون ََدْفُنُه ةِفْي َبْيتَها ةِبُبْقَع ٍة ةِهَي أَْف َ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫ل‪’’ :‬أَْيَن أََنا اْلَيْوَم؟ أَْيَن‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫)‪ ,(5‬وقد كان ذلك حين َكاَن َ‬ ‫سّلَم َيُقو ُ‬ ‫أََنا َغًدا؟’’ اْسةِتْبَطاًء لةَِيْوةِم َعاةِكئ َ‬ ‫شَة)‪.(6‬‬ ‫صّلى اُ َعَلْيةِه‬ ‫عاشت ـ رضى ا عنها ـ بعد انتقال زوجها الحبيب ـ َ‬ ‫سّلَم ـ إلى جوار ربه قريًبا من خمسين سنة‪ ،‬تحفها في رحلتها تلك‬ ‫َو َ‬ ‫ذكرياتها الجميلة معه التي ما فتكئت تتذكرها‪ ،‬وتذكرها عندما يسألها أحدهم‬ ‫صّلى ّ‬ ‫سّلَم ةِفي‬ ‫سوةِل ّ ةِ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا َ‬ ‫أو إحداهن‪ ،‬ومنها ‪َ ،‬قاَلْت ‪َ :‬خَرْجَنا َمَع َر ُ‬ ‫ت لةَِحاَجةِتي‪َ ،‬فَدَخْل ُ‬ ‫َغْزَوةِة َبْد ٍر َحّتى إةَِذا ُكّنَا ةِبالَةِثيةِل ةِعْنَد الََراةِك‪َ ،‬قاَلْت ‪َ :‬فَذَهْب ُ‬ ‫ت‬ ‫ةِفي ةِخلةِل الََراةِك‪َ ،‬فَبْيَنا أََنا َكَذلةَِك إةَِذا َنْحُن ةِب َ‬ ‫ص َرُج ٍل َيَتَخّلل ُ الََراَك َعَلى‬ ‫شْخ ٍ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫َبةِعي ٍر‪َ ،‬فَذَهْب ُ‬ ‫سّلَم‪َ ،‬فأ َْقَبلَ َحّتى َنَزلَ ةِعْنةِدي‪،‬‬ ‫سول ُ ّ ةِ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا َ‬ ‫ت َفإةَِذا َر ُ‬ ‫ساةِبقُةِك’’‪َ ،‬ف َ‬ ‫شَدْد ُ‬ ‫َفَلّما َفَرْغ ُ‬ ‫ت ةِدْرةِعي َعَلى َبْطةِني‪،‬‬ ‫ت ةِمْن َحاَجةِتي‪َ ،‬قالَ ‪َ’’ :‬تَعاَلْي أ ُ َ‬ ‫سَبَقةِني‪َ ،‬فَقاَل‪َ’’ :‬هةِذةِه َمَكاُن ةِذي‬ ‫ُثّم َخَطْطَنا َخًّطا َفُعْجت َعَلْيةِه َفاْسَتَبْقَنا‪َ ،‬ف َ‬ ‫اْلَمَجاةِز’’‪َ .‬وَكاَن َجاَء َيْوًما َوَنْحُن ةِبةِذي اْلَمَجاز‪َ ،‬وأََنا َجاةِرَيٌة َقْد َبَعَثةِني أَةِبي‬ ‫ةِب َ‬ ‫سَعْي ُ‬ ‫شْي ٍء‪َ ،‬فَقالَ ‪’’:‬أَْعةِطةِنيةِه’’‪َ ،‬فأ ََبْي ُ‬ ‫سَعى َعَلى أََثةِري َفَلْم ُيْدةِرْكةِني"‪.‬‬ ‫ت َو َ‬ ‫ت‪َ ،‬ف َ‬ ‫سّلَم ـ على باب حجرتها‬ ‫صّلى اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫وكيف لها أن تنسى وقوفه ـ َ‬ ‫ليسترها برداكئه وهّى تنظر من بين أذنه وعاتقه إلى لعب الحباش يلعبون‬ ‫بالحراب في المسجد)‪ ،(7‬وهم من وفدوا مسلمين مع جعفر بن أبي طالب‬ ‫من الحبشة آنذاك‪ ،‬وكيف لها أن تنسى فعل الصحابة وهم يتحرون اليوم‬ ‫سّلَم ـ عندها دون ساكئر الّيام‬ ‫صّلى اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫الذي يكون فيه النبي ـ َ‬ ‫ليقّدموا هداياهم وعطاياهم‪ ،‬لعلمهم بمكانة عاكئشة منه‪.‬‬

‫‪105‬‬


‫لم تخلو ذكريات السيدة عاكئشة من المحن العاصفات‪ ،‬وأشدها محنة‬ ‫)الفك(‪ ،‬وهى المحنة المعروفة المشهورة الثابتة في عشر آيات من سورة‬ ‫النور‪ ،‬وفي الحاديث الصحا ح‪ ،‬وردت في خبر صحيح مشهور‪ ،‬أغنى‬ ‫اشتهاره عن ذكره‪ ،‬وسنورده مختصًرا‪" :‬لما خرج رسول ا صلى ا‬ ‫عليه وسلم وعاكئشة معه في غزوة بني المصطلق‪ ،‬وقفل ودنا من المدينة‬ ‫آذن ليلة بالرحيل‪ ،‬قامت ـ رضّي ا عنها ـ حين آذنوا بالرحيل فمشت حتى‬ ‫جاوزت الجيش‪ ،‬فلما فرغت من شأنها أقبلت إلى الرحل فلمست صدرها‬ ‫فإذا عقد من جزع ظفار قد انقطع‪ ،‬فرجعت فالتمسته فحبسها ابتغاؤه‪،‬‬ ‫فوجدته وانصرفت‪ ،‬وكانت شابة قليلة اللحم‪ ،‬فرفع الرجال هودجها ولم‬ ‫يشعروا بزوالها منه؛ فلما لم تجد أحًدا اضطجعت في مكانها رجاء أن‬ ‫يفتقدوها فيرجعوا إليها‪ ،‬فنامت في الموضع ولم يوقظها إل قول صفوان بن‬ ‫المعطل‪" :‬إنا ل وإنا إليه راجعون"؛ وذلك أنه كان قد تخلف وراء الجيش‬ ‫لحفظ الساقة‪ .‬وقيل‪ :‬إنها استيقظت لسترجاعه‪ ،‬ونزل عن ناقته وتنحى‬ ‫عنها حتى ركبت‪ ،‬وأخذ يقودها حتى بلغ بها الجيش في نحر الظهيرة؛ فوقع‬ ‫أهل الفك في مقالتهم‪ ،‬وكان الذي يجتمع إليه فيه ويستوشيه ويشعله‬ ‫عبدا بن أبي بن سلول المنافق‪ ،‬وهو الذي رأى صفوان آخًذا بزمام ناقة‬ ‫عاكئشة فقال‪" :‬وا ما نجت منه ول نجا منها"‪ ،‬وقال‪" :‬امرأة نبيكم باتت‬ ‫مع رجل"‪ .‬وكان من قالته حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت‬ ‫جحش"‪.‬‬ ‫يقول صاحب الظلل عن تلك المحنة ‪):‬لقد كانت معركة خاضها رسول‬ ‫سّلَم ـ وخاضتها الجماعة المسلمة يومذاك‪ .‬وخاضها‬ ‫صّلى اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫اـ َ‬ ‫صّلى‬ ‫السلم‪ ،‬معركة ضخمة لعلها أضخم المعارك التي خاضها رسول ا ـ َ‬ ‫منتصرا كاظًما للمه الكبار‪ ,‬محتفًظا بوقار‬ ‫ً‬ ‫سّلَم ـ وخرج منها‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫نفسه وعظمة قلبه وجميل صبره‪ .‬فلم تؤثر عنه كلمة واحدة تدل على نفاد‬ ‫صبره وضعف احتماله‪ ،‬واللم التي تناوشه لعلها أعظم اللم التي مرت به‬ ‫في حياته‪ ،‬والخطر على السلم من تلك الفرية من أشد الخطار التي‬ ‫تعرض لها في تاريخه(‪.‬‬ ‫صّلى‬ ‫لم تنس السيدة عاكئشة مواقف غيرتها الشديدة على رسول ا ـ َ‬ ‫سّلَم ـ من فرط حبها له‪ ،‬وكان تبريرها له ‪" :‬وما لي ل يغار‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫‪106‬‬


‫مثلي على مثلك؟"‪ ،‬ولكنها بسبب الغيرة تلك وقعت منها أموًرا كثيرة‪،‬‬ ‫سّلَم ـ من مثلها ذلك الذي رواه البخاري في‬ ‫صّلى اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫غفرها لها ـ َ‬ ‫سّلَم ـ عند‬ ‫صّلى اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫صحيحه‪ ،‬أنه في يو ٍم من الّيام كان النبي ـ َ‬ ‫عاكئشة‪ ،‬فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بوعاء فيه طعام‪ ،‬فقامت عاكئشة ـ‬ ‫رضي ا عنها ـ إلى الوعاء فكسرته‪ ،‬فجعل النبي صلى ا عليه وسلم‬ ‫يجمع الطعام وهو يقول‪’’ :‬غارت أمكم’’‪.‬‬ ‫سّلَم ـ ولكن بعد أن عاتبها‬ ‫صّلى اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫كما تتذكر كيف غفر لها ـ َ‬ ‫بل هاجمها مهاجمة شديدة حين تجاوزت بغيرتها منطقة "خديجة"؛ إذ ظنت‬ ‫صّلى اُ َعَلْيةِه‬ ‫لفرط حبه لها أن أولى أزواجه بوفاتها صارت في ذاكرته ـ َ‬ ‫سّلَم ـ نسًيا منسيا‪ ،‬المر الذي طمأنها هّي نفسها على مدى وفاء زوجها‬ ‫َو َ‬ ‫لها حتى وأن قضت قبله‪ ،‬فلن يسمح لمن تأتي بعدها أن تتناولها بسوء‪،‬‬ ‫وهذا لم يكن غريًبا على أخلق سيد الَخلق والٌخلق‪ ،‬فقد بعثه ا تعالى‬ ‫سّلَم ـ الوفاء‬ ‫صّلى اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ف عنه ـ َ‬ ‫ليكمل ويتمم مكارم الخلق‪ ،‬كما ُعّر َ‬ ‫لكل من قدم له معروًفا حتى قبل تكليفه بالرسالة‪ ،‬فكيف ل يكون وفًيا‬ ‫لزوجة عاشرها السنوات الطوال‪ ،‬ورأى منها الذرية التي أقرت عينيه من‬ ‫البنين والبنات؟!!‬ ‫وتذكر كتب السيرة أن السيدة عاكئشة التي كانت الزوجة الثيرة عنده ـ‬ ‫سّلَم ـ وختم حياته في بيتها‪ ،‬لم تجرؤ بعد هذا أن تذكر‬ ‫صّلى اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫َ‬ ‫السيدة خديجة أبًدا‪.‬‬ ‫سّلَم ـ لعاكئشة من أمر‬ ‫صّلى اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫أما الذي لم يغفره رسول ا ـ َ‬ ‫صّلى اُ َعَلْيةِه‬ ‫غيرتها فهّي ما تحكيه قاكئلة‪َ) :‬لّما َكاَنْت َلْيَلةِتي اّلةِتي َكاَن الّنةِبّي َ‬ ‫ضَعُهَما ةِعْنَد ةِرْجَلْيةِه‪،‬‬ ‫ضَع ةِرَداَءُه‪َ ،‬وَخَلَع َنْعَلْيةِه‪َ ،‬فَو َ‬ ‫سّلَم ةِفيَها ةِعْنةِدي‪ ،‬اْنَقَلَب َفَو َ‬ ‫َو َ‬ ‫ضَطَجَع‪َ ،‬فَلْم َيْلَبْث إةِّل َرْيَثَما َظّن أَْن َقْد‬ ‫ف إةَِزاةِرةِه َعَلى ةِفَراةِشةِه‪َ ،‬فا ْ‬ ‫سَط َطَر َ‬ ‫َوَب َ‬ ‫َرَقْد ُ‬ ‫ت‪َ ،‬فأ ََخَذ ةِرَداَءُه ُرَوْيًدا‪َ ،‬واْنَتَعلَ ُرَوْيًدا‪َ ،‬وَفَتَح اْلَباَب َفَخَرَج‪ُ ،‬ثّم أََجاَفُه‬ ‫ت ]لبس ُ‬ ‫ت ةِدْرةِعي ةِفي َرْأةِسي‪َ ،‬واْخَتَمْر ُ‬ ‫]أغلقه[ ُرَوْيًدا‪َ ،‬فَجَعْل ُ‬ ‫ت خماري[‪،‬‬ ‫ت إةَِزاةِري‪ُ ،‬ثّم اْنَطَلْق ُ‬ ‫َوَتَقّنْع ُ‬ ‫ت َعَلى إةِْثةِرةِه‪َ ،‬حّتى َجاءَ اْلَبةِقيَع َفَقاَم‪َ ،‬فأ ََطالَ اْلةِقَياَم‪،‬‬ ‫ت‪َ ،‬فأ َْسَرَع َفأ َْسَرْع ُ‬ ‫ف َفاْنَحَرْف ُ‬ ‫ُثّم َرَفَع َيَدْيةِه َثَلَث َمّرا ٍ‬ ‫ت‪ُ ،‬ثّم اْنَحَر َ‬ ‫ت‪َ ،‬فَهْرَولَ‬ ‫سَبْقُتُه َفَدَخْل ُ‬ ‫ضْر ُ‬ ‫َفَهْرَوْل ُ‬ ‫س إةِّل أَةِن‬ ‫ت‪َ ،‬فَلْي َ‬ ‫ت‪َ ،‬ف َ‬ ‫ضَر]فركض[ َفأ َْح َ‬ ‫ت‪َ ،‬فأ َْح َ‬ ‫‪107‬‬


‫ش‪َ ،‬ح ْ‬ ‫ضَطَجْع ُ‬ ‫شَيا َراةِبَيًة؟’’ ]حشيا رابية‪ :‬هو‬ ‫ت‪َ ،‬فَدَخَل‪َ ،‬فَقال‪َ’’ :‬ما َلةِك َيا َعاةِكئ ُ‬ ‫ا ْ‬ ‫ت‪َ :‬ل َ‬ ‫مرض يسّبب ارتفاع صوت النفس مع تسارعه[‪َ ،‬قاَلْت‪ :‬قُْل ُ‬ ‫شْيءَ ‪.‬‬ ‫ف اْلَخةِبيُر’’‪َ .‬قاَلْت ‪ :‬قُْل ُ‬ ‫ا‪،‬‬ ‫سولَ ةِ‬ ‫ت ‪َ :‬يا َر ُ‬ ‫َقاَل‪َ’’ :‬لُتْخةِبةِريةِني أَْو َلُيْخةِبَرّني الّلةِطي ُ‬ ‫سَواُد اّلةِذي َرأَْي ُ‬ ‫ت أََماةِمي؟’’‪،‬‬ ‫ةِبأ َةِبي أَْنَت َوأ ُّمي ‪َ ،‬فأ َْخَبْرُتُه ‪َ .‬قالَ ‪َ’’ :‬فأ َْن ةِ‬ ‫ت ال ّ‬ ‫قُْل ُ‬ ‫صْدةِري َلْهَدًة أَْوَجَعْتةِني ]اللهد ‪:‬الدفع بجميع الكف في‬ ‫ت‪َ :‬نَعْم‪َ .‬فَلَهَدةِني ةِفي َ‬ ‫سولُُه؟’’ ]الحيف‪ :‬الظلم[‪،‬‬ ‫الصدر[‪ُ ،‬ثّم َقاَل‪’’ :‬أََظَنْن ةِ‬ ‫ف اُ َعَلْيةِك َوَر ُ‬ ‫ت أَْن َيةِحي َ‬ ‫ت‪،‬‬ ‫ا‪َ ،‬نَعْم‪َ ،‬قاَل‪َ’’ :‬فإةِّن ةِجْبةِريلَ أََتاةِني ةِحيَن َرأَْي ةِ‬ ‫َقاَلْت‪َ :‬مْهَما َيْكُتةِم الّنا ُ‬ ‫س َيْعَلْمُه ُ‬ ‫َفَناَداةِني‪َ ،‬فأ َْخَفاُه ةِمْنةِك‪َ ،‬فأ ََجْبُتُه‪َ ،‬فأ َْخَفْيُتُه ةِمْنةِك‪َ ،‬وَلْم َيُكْن َيْدُخل ُ َعَلْيةِك َوَقْد‬ ‫ت أَْن ُأوةِقَظةِك‪َ ،‬وَخةِشي ُ‬ ‫ت‪َ ،‬فَكةِرْه ُ‬ ‫ت ةِثَياَبةِك‪َ ،‬وَظَنْن ُ‬ ‫ت أَْن‬ ‫ت أَْن َقْد َرَقْد ةِ‬ ‫ضْع ةِ‬ ‫َو َ‬ ‫َتْسَتْوةِحةِشي’’]الوحشة‪ :‬الخوف من الوحدة[‪َ ،‬فَقاَل‪ :‬إةِّن َرّبَك َيأُْمُرَك أَْن َتأْةِتَي‬ ‫أَْهلَ اْلَبةِقيةِع َفَتْسَتْغةِفَر َلُهْم ‪َ .‬قاَلْت‪ :‬قُْل ُ‬ ‫ا؟‪َ ،‬قاَل‪:‬‬ ‫سولَ ةِ‬ ‫ف أَُقول ُ َلُهْم َيا َر ُ‬ ‫ت‪َ :‬كْي َ‬ ‫’’ُقوةِلي ‪ :‬ال ّ‬ ‫سَلُم َعَلى أَْهةِل الّدَياةِر ةِمَن اْلُمْؤةِمةِنيَن َواْلُمْسلةِةِميَن‪َ ،‬وَيْرَحُم اُ‬ ‫اْلُمْسَتْقةِدةِميَن ةِمّنا َواْلُمْسَتأْةِخةِريَن‪َ ،‬وإةِّنا إةِْن َ‬ ‫شاَء اُ ةِبُكْم َلَلةِحُقوَن’’)‪. (8‬‬ ‫كانت ـ رضي ا عنها ـ ذكية‪ ،‬واعية بأحوال زوجها‪ ،‬لم ُترد أن‬ ‫ينتهي الموقف بينها وبينه بغضب‪ ،‬فغيرت الموقف من المعاتبة بين‬ ‫زوجين إلى استفسار من طالبة علم إلى أستاذها‪ ،‬إذ كان الثابت من فعلها‬ ‫أنها لم تكن تترك رسول ا يغضب منها مدة من الزمن حتى تتحين‬ ‫سّلَم ـ وتطيب فتطلب منه‬ ‫صّلى اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫الوقت الذي تصفو فيه نفسه ـ َ‬ ‫علًما أو دعاء‪ .‬فسألته كيف تدعو لهل البقيع؟‪ ،‬فكان من أدبه ورحمته ـ‬ ‫سّلَم ـ أن أجابها ولم ينهرها ـ كما يفعل بعض الرجال‬ ‫صّلى اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫َ‬ ‫الغشوم في عصرنا بدعوى الكرامة ـ إيثاًرا منه لتواصل المودة بينهما‪.‬‬ ‫عن السيدة عاكئشة أنها قالت ‪ :‬لما رأيت من النبي صلى ا عليه وسّلم‬ ‫طيب نفس قلت ‪ :‬يا رسول ا‪ ،‬ادع ا لي‪ ،‬قال ‪’’ :‬اللهّم أْغةِفْر لةَِعاةِكئ َ‬ ‫شَة َما‬ ‫سّرْت وَما أَْعَلَنت’’‪ .‬فضحكت عاكئشة حتى‬ ‫َتَقّدَم ةِمْن َذْنةِبَها َوَما تأّخَر‪ ،‬وَما أَ َ‬ ‫سقط رأسها في حجرها من الضحك‪ ،‬فقال رسول ا صلى ا عليه وسّلم ‪:‬‬ ‫سّرةِك ُدَعاةِكئي؟’’‪ ،‬فقالت‪ :‬وما لي ل يسرني دعاؤك ؟! فقال ‪’’ :‬وا إّنها‬ ‫’’أََي ُ‬ ‫صل ٍة’’‪.‬‬ ‫َلَدْعَوةِتي ُلّمةِتي في ُكلّ َ‬

‫‪108‬‬


‫نشأت ـ رضي ا عنها ـ في بيت كرم‪ ،‬وتزوجت أكرم أهل الرض‬ ‫سّلَم ـ فصارت مشهورة بالكرم‪ ،‬والجود‪ ،‬والسخاء‬ ‫صّلى اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫جميًعا ـ َ‬ ‫يشهد بهذا ما ذكره عروة بن الزبير قال‪" :‬لقد رأيت عاكئشة ـ رضي ا‬ ‫عنها ـ تقسم سبعين ألفا‪ ,‬وإنها لترفع جيب درعها‪ .‬وعنه أيضًا فيما يرويه‬ ‫أبيه قال ‪" :‬بعث معاوية ـ رضي ا عنه ـ إلى عاكئشة ـ رضي ا عنها ـ‬ ‫بماكئة ألف‪ ,‬فوا ما غابت الشمس عن ذلك اليوم حتى فرقتها‪ ,‬قالت مولة‬ ‫لها‪ :‬لو اشتريت لنا من الدراهم بدرهم لحما‪ ,‬فقالت‪ :‬لو قلت قبل أن أفرقها‬ ‫لفعلت"‪.‬‬ ‫عانق الزهد في الدنيا وعلكئقها ومباهجها الزاكئلة‪ ،‬ذلك الكرم في إنفاق‬ ‫سّلَم ـ أزواجه وبناته‪،‬‬ ‫صّلى اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫الذهب والفضة‪ ،‬هكذا علم الرسول ـ َ‬ ‫أن ما عند ا خير وأبقى‪ ،‬ومنهن عاكئشة ـ رضى ا عنها وعنهن ـ التي‬ ‫زهدت في الدنيا التى خيم عليها الُملك العضوض‪ ،‬وسقط فيها خلفاء‬ ‫الرسول الواحد تلو الخر شهيًدا‪ ،‬فماذا تبقى لها إل الشتياق إلى من رحلوا‬ ‫سّلَم ـ فكانت‬ ‫صّلى اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫وأغلهم وأعلهم عندها الزوج والحبيب ـ َ‬ ‫صيةِ بأن تدفن مع أزواجه فى البقيع‪ ،‬وتقول مناجية ربها‪" :‬يا ليتني كن ُ‬ ‫ت‬ ‫ُتُو ةِ‬ ‫ت مدرة‪ .‬ياليتنى كن ُ‬ ‫ت حجًرا‪ .‬يا ليتني كن ُ‬ ‫شجرة‪ .‬يا ليتني كن ُ‬ ‫ت نسًيا منسًيا"‪.‬‬ ‫كعان حعالهعا مع القرآن الكريم القراءة بعالخشاوع حَت﴾ى البكعاء‪ ،‬ويبلغ أشده إذا قرأت‪﴿ :‬‬

‫َ ِ‬ ‫ّ ﴾ فتبكي حتى تبل خمارها‪ ،‬ثم ما لبثت أن‬ ‫ِكُن‬ ‫يتوت‬ ‫ْن‬ ‫ََق ر‬ ‫و‬ ‫بُ‬ ‫ف ي ُ‬ ‫أدركتها الوفاة ـ رضي ا عنها ـ سنة سبع وخمسين أو ثمان وخمسين‬ ‫للهجرة النبوية‪ ،‬ليلة الثلثاء لسبع عشرة خلت من رمضان بعد ةِوْتر تلك‬ ‫الليلة‪ ،‬فدفنوها بالبقيع‪ ،‬بعد أن صلى عليها أبو هريرة‪ ،‬وكان يومكئذ خليفة‬ ‫مروان على المدينة المنورة في أيام معاوية بن أبي سفيان‪ ,‬وهّي في سن‬ ‫الخامسة أو السادسة والستين من عمرها‪ ،‬وأََمَرْت أَْن ُتْدَفَن ةِمْن َلْيَلةِتَها؛‬ ‫ليشيعها المهاجرون والنصار في موكب حزين اعتصر القلوب و العيون‪.‬‬ ‫ولكئن طوى الزمن صفحة السيدة عاكئشة ـ رضّي ا عنها ـ بقضاء ا‬ ‫وقدره مثلها في ذلك مثل كل البشر‪ ،‬إل أن صفحتها في قلوب من أحبوها لم‬ ‫تزل مفتوحة موصولة بها ومعها‪ ،‬يستعيدون سيرتها مع سيرة نبيهم ـ‬ ‫‪109‬‬


‫صلى ا عليه وسلم ـ ويستذكرونها ةِعلًما في مجالس العلم ومحافل الدب‪،‬‬ ‫كما يتدارسونها فقًها وحديًثا‪ ،‬وشعًرا‪ ،‬ورأًيا لماًحا‪ ،‬وقولً نفاًذا في كل علم‬ ‫‪ ...‬رضّي ا عن أمنا الباقية بقاء الدين في الدنيا وأرضاها وساكئر أمهات‬ ‫المؤمنين‪.‬‬

‫‪110‬‬


‫نساء فى حياة الرسول‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هامش الفصل‬

‫التارسع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السيد إبراهيم‬

‫ضَي ّ‬ ‫اِنُ َتَعاَلى َعْنِنُهَما‪ ,‬حديث رقم ) ‪(1) ,‬‬ ‫صَحاَبِة‪َ ,‬باب ِفي َف ْ‬ ‫ضاِئِل ال ّ‬ ‫ضِل َعاِئَشَة َر ِ‬ ‫ِكَتاب َف َ‬ ‫‪ .(4468‬المنهاج شرح صحيح مرسلم بن الحجاج‪ :‬أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف‬ ‫النووي )المتوفى‪676 :‬هـ( دار إحياء التراث العربي – بيروت الطبعةالثانية‪1392 ،‬‬ ‫ضَي ّ‬ ‫اِنُ َعْنَها‪ ,‬حديث رقم )‪(2) ,(3820‬‬ ‫رسنن الترمذي‪ ,‬كتاب المناقب‪َ ,‬باب ِمْن َف ْ‬ ‫ضِل َعاِئَشَة َر ِ‬ ‫‪.‬وَقاَل أَِنُبو ِعيَرسى َهَذا َحِدي ٌ‬ ‫صِحيٌح‬ ‫ث َحَرسٌن َ‬ ‫ضَي ّ‬ ‫اِنُ َتَعاَلى َعْنِنُهَما‪ ,‬حديث رقم )‪(3‬‬ ‫صَحاَبِة‪َ ,‬باب ِفي َف ْ‬ ‫ضاِئِل ال ّ‬ ‫ضِل َعاِئَشَة َر ِ‬ ‫صحيح مرسلم‪ِ ,‬كَتاب َف َ‬ ‫‪4469)).‬‬ ‫اللباني‪ :‬الرسلرسلة الصحيحة ‪ ،‬ص ‪. (4)2255‬‬ ‫صَحاَبِة )‪(5) 1/54‬‬ ‫لْيَراِد َما اْرسَتْدَرَكْتِنُه َعاِئَشِنُة َعَلى ال ّ‬ ‫لَجاَبِنُة ِ ِ‬ ‫‪).‬انظر‪ :‬ا ْ ِ‬ ‫ضَي ّ‬ ‫اِنُ َتَعاَلى َعْنِنُهَما‪ ,‬حديث رقم )‪(6‬‬ ‫صَحاَبِة‪َ ,‬باب ِفي َف ْ‬ ‫ضاِئِل ال ّ‬ ‫ضِل َعاِئَشَة َر ِ‬ ‫صحيح مرسلم‪ِ ,‬كَتاب َف َ‬ ‫‪4473)) .‬‬ ‫‪ ،‬صحيح البخارى ‪ :‬كتاب الصلة باب أصحاب الحراب في المسجد )‪، 1 : 123 (7‬‬ ‫و ج ‪ 48 : 7‬كتاب النكاح باب نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة‬ ‫‪.‬صحيح مسلم ‪ :‬كتاب صلة العيدين باب ) ‪ ( 4‬باب الرخصة في اللعب الذي ل معصية فيه ‪،‬‬ ‫‪".‬رواه مرسلم ‪.‬وفي رواية المام أحمد ‪ " :‬فلهزني في ظهري لهزة فأوجعتني " )‪(8‬‬

‫‪111‬‬


‫الفصل العاشر‬

‫الصوامة القوامة ‪ ..‬حارسة القرآن‬

‫‪112‬‬


‫مثلما شهدت السنة الثامنة عشر قبل الهجرة مولد فاطمة بنت الرسول‬ ‫ضا ميلد حفصة بنت عمر بن‬ ‫ـ صلى ا عليه وسلم ـ شاء لها أن تشهد أي ً‬ ‫الخطاب من زوجه زينب بنت مظعون‪ ،‬إذ ولدتا قبل البعثة المحمدية بخمس‬ ‫سنوات وقريش تبني البيت‪ ،‬وإذا كانت الزهراء أصغر أخوتها‪ ،‬كانت حفصة‬ ‫أكبرهم‪.‬‬ ‫ما كادت تبلغ حفصة سن الشباب حتى تزوجت من أحد السابقين إلى‬ ‫السلم ُخنيس بن ُحذافة ُخنيس بن حذافة بن قيس بن سعد بن سهم‬ ‫القرشي السهمي؛ فقد أسلم قبل دخول الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ دار‬ ‫الرقم‪ ،‬ومن الذين هاجروا إلى الحبشة‪ ،‬ثم رجع فهاجر بحفصة زوجه إلى‬ ‫المدينة‪.‬‬ ‫شهد خنيس غزوتا بدر وأحد‪ ،‬وأصيب في الخيرة بجراحات ثخينات لم‬ ‫يلبـث بعـدها إل قليل حـتى فاضـت روحـه سـنة ثلث للهجـرة‪ ،‬فصـلى عليـه‬ ‫النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ ثم دفن بالبقيع بجوار قبر عثمان بــن مظعــون‬ ‫ـ رضى ا عنهما ـ مخّلفا وراءه حفصة وحيدة فلم تنجب له‪.‬‬ ‫رق قلب عمر الب لحال ابنته الشابة ذات العشرين ربيًعا أو دونها‬ ‫بقليل وهى تعود إلى داره حزينة‪ ،‬كسيرة القلب‪ ،‬وحيدة‪ ،‬يجول بخاطره أسى‬ ‫على حالها‪ ،‬يتردد صداه في صمت كبركان يوشك أن ينفجر به لسانه؛ إذ لم‬ ‫تكن حفصة مطمًعا للرجال لنصيبها القليل من الجمال‪ ،‬مما يقلل فرص‬ ‫زواجها ثانيًة‪ ،‬كما أن المسلمين بالمدينة ـ آنذاك ـ مازالوا يشكلون مجتمًعا‬ ‫صغيًرا‪.‬‬ ‫بعد تفكير عميق اهتدى عمر إلى تزويج ابنته بنفسه‪ ،‬فماذا عليه لو ذهب‬ ‫يلتمس لها زوًجا من أصحابه من المهاجرين؟!‪ ،‬وماذا عليه لو بدأ بصنو‬ ‫روحه‪ ،‬وحبيبه بعد حبيبه ـ صلى ا عليه وسلم ـ أبا بكر فليذهب إليه ‪..‬‬ ‫نعم هو يكبرحفصة‪ ،‬ولكن متى كان لفارق السن اعتباًرا في المجتمع‬ ‫العربي‪ ،‬فالرجال يظلون أقوياء حتى قبيل موتهم‪ ،‬كما أن غالبيتهم من الذين‬ ‫يعمرون السنين الطوال‪.‬‬ ‫‪113‬‬


‫خرج عمر من عند الصديق وشرارات الغضب تتطاير من عينيه‪ ،‬فلم‬ ‫يكن يظن أن جواب أبو بكر عليه سيكون السكوت‪ ،‬ولو تكلم بالرفض متعللً‬ ‫حتى بأسباب واهية لربما خفف هذا على الفاروق‪ ،‬وهون عليه‪ ،‬غير أن‬ ‫عمر القوي الشديد عزعليه أن يعود لبنته وحبيبته والحزن يعلو قسمات‬ ‫وجهه‪ ،‬ومن المؤكد أن حفصة ستلحظ هذا وربما سألته السبب وألحت‬ ‫فذكر لها السبب‪ ،‬فيضاعف هذا حزنها‪.‬‬ ‫ضا عليه ما سبق أن‬ ‫يمم وجهته شطر صاحبه عثمان بن عفان عار ً‬ ‫عرضه على أبي بكر‪ ،‬غير أن موقف عثمان لم يكن بالحسن من موقف‬ ‫الصديق؛ إذ تكلم ولكن كلمه زاد غيظ عمرغيًظا‪ ،‬وحنًقا‪ ،‬ومرارًة لّما رفض‬ ‫قاكئلً الرفض إذ قال له ‪" :‬قد بدا لي أن ل أتزوج في يومي هذا"‪.‬‬ ‫طار صواب الب المكلوم‪ ،‬وأصابه الحزن على ابنته أكثر‪ ،‬ولم يجد غير‬ ‫باب رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ ورحابه‪ ،‬فحط عنده رحاله‪ ،‬والضيق‬ ‫والكرب والغضب يعلوه‪ ،‬والرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ يعرفه‪ ،‬فسأله‪،‬‬ ‫فأجابه الفاروق دون مواربة‪ ،‬فعاجله ـ صلى ا عليه وسلم ـ بالدواء‬ ‫الشافي الذي استل به السخيمة من قلبه المتقد ناًرا‪ ،‬ويطفىء نار الغضب‬ ‫من نفسه‪ ،‬ويذهب الحزن على ما أصاب ابنته‪ ،‬ويطرد ما يلقيه من فزع‬ ‫على مصيرها‪ ،‬فقال له صلى ا عليه وسلم‪’’ :‬يتزوج حفصة من هو خير‬ ‫من عثمان‪ ،‬ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة’’‪.‬‬ ‫َعَز على أبي بكر أن يترك صديقه الصدوق عمر وقد وجد عليه‪ ،‬وربما‬ ‫أغلق باب قلبه على ضيق منه‪ ،‬وأشد الطعنات إيلًما هّي التي تأتيك من‬ ‫أكثر الناس قربًة ومودة‪ ،‬وما كان هذا ليخفى على أبي بكر الخبير بنفوس‬ ‫الناس وبعمر أخبر‪ ،‬فما أن تم زواج حفصة من الرسول ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ حتى بادر الصّديُق الفاروَق الكلم بمودة وحنو كعهدهما ‪" :‬لعّلك‬ ‫َوَجْدَت عَلّي حين عرضَت عَلّي حفصة‪ ،‬فلم ُأرجع إليك شيًكئا؟‪ ،‬فإنه لم‬ ‫ت علم ُ‬ ‫يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضَت عَلّي إلّ أّني كن ُ‬ ‫ت أن رسول ا‬ ‫صلى ا عليه وسلم قد ذكرها‪ ،‬فلم أكن لفشي سّر رسول ا صلى ا‬ ‫عليه وسلم‪ ،‬ولو تركها صلى ا عليه وسلم لقبلُتها")‪.(1‬‬ ‫‪114‬‬


‫لم يكن ـ صلى ا عليه وسلم ـ بعيًدا عما يشغل أصحابه‪ ،‬بل يدري‬ ‫السباب التي تدخل السرور على قلوبهم‪ ،‬كما يدري الشياء التي تكدر صفو‬ ‫أحوالهم‪ ،‬ولهذا كان يعلم بما يكئن منه بن الخطاب‪ ،‬وفاتح فيه أبا بكر‪،‬‬ ‫وربما لو تمهل عمر في عرض حفصة على الصحابيين الجليلين لبادر‬ ‫الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ بخطبتها منه‪ ،‬غير أن قلب الرسول لم يكن‬ ‫قد برأ بعد من وفاة ابنته رقية‪ ،‬وحزيًنا من بقاء أختها أم كلثوم دون‬ ‫زواج‪ ،‬فكأنما أراد ا بسعي عمر أن يذهب الكدر عن صفوه وصفو رسول‬ ‫ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ مًعا بزواج كريمتيهما متتابعتين‪.‬‬ ‫يسجل التاريخ دخول ثالثة الزوجات حفصة بنت عمر البيت النبوي في‬ ‫شعبان من السنة الثالثة من الهجرة )‪ ،(2‬فأحسنت سودة كما أحسنت عاكئشة‬ ‫استقبالها‪ ،‬فهّى مثلهما قرشية‪ ،‬مكية‪ ،‬مهاجرة‪ ،‬غير غريبة عنهما في هذا‬ ‫المجتمع المدنى الصغير‪ ،‬فكانت سودة لعاكئشة وحفصة بمثابة الم الرؤوم‪،‬‬ ‫كما كانت حفصة الخت الكبرى لعاكئشة‪ ،‬بينما تظل لعاكئشة الحظوة في قلب‬ ‫الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ لكونها أصغرهما‪ ،‬وأجملهما‪ ،‬ولذلك لم‬ ‫يشهد بيت النبوة في تلك الثناء ما يكدر صفو الزوجات ول صفو حياة‬ ‫زوجهن‪ ،‬بل تبارين في إدخال السرور على قلبه المهموم بتثبيت دعاكئم‬ ‫الدولة السلمية في المدينة‪ ،‬غير البعيد من كيد اليهود‪ ،‬وتدبير المنافقين‪،‬‬ ‫وعداء رؤوس الشرك فى مكة‪.‬‬ ‫ل تخلو الحياة مما يكدر صفوها بسبب نزغات النفس البشرية‪ ،‬وما كان‬ ‫المجتمع ول البيت النبوي مثالًيا‪ ،‬طوباوًيا‪ ،‬بل هو بيت يسكنه نساء من‬ ‫ضا من البشر‪ ،‬أرسله ا ليقتدي به‬ ‫البشر وإن كن تزوجن من نبي فهو أي ً‬ ‫البشر فيما يفعل أو يقول‪ ،‬والغيرة من أخص الطباكئع البشرية وأكثر‬ ‫مظاهرها وتجلياتها عند النساء‪ ،‬وبالتالي لم تنج منها حفصة؛ فغارت من‬ ‫سودة كما غارت من عاكئشة‪ ،‬كما غارت من نساء الرسول ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم اللواتي قدمّن بعدها‪ ،‬وكان في طبع حفصة حدة طالما حذرها منها‬ ‫والدها عمر من مخاطبة الرسول بها مخافة أن يغضب ا عليها لغضب‬ ‫رسوله‪ ،‬مذكًرا إياها أن الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ ما تزوجها إل‬ ‫إكراًما لبيها عمر‪ ،‬ولوله لطلقها‪.‬‬ ‫‪115‬‬


‫خالفت حفصة يوًما ما أمرها به الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ أن‬ ‫تكتمه من خبر وجود مارية أم ابنه معه في بيتها‪ ،‬فأفشت السر‪ ،‬فطلقها فما‬ ‫أن علم عمر بذلك الخطب الجلل الذي طالما حذر ابنته من الوقوع فيه حتى‬ ‫حثى التراب على رأسه‪ ،‬قاكئ ً‬ ‫ل‪" :‬ما يعبأ ا بعمر وابنته بعد اليوم"‪ ،‬غير‬ ‫أن رحمة ا أدركت عمر‪ ،‬فأرسل ةِجْبةِريل ُ للنبي صلى ا عليه وسلم ‪:‬‬ ‫صّواَمٌة َقّواَمٌة‪َ ،‬وإةِّنَها َزْوَجُتَك ةِفي اْلَجّنةِة" )‪.(3‬‬ ‫صَة؛ َفإةِّنَها َ‬ ‫"َراةِجْع َحْف َ‬ ‫ف هذا الذي ناله عمر وابنته في تلك الليلة‪ ،‬حين شهد ا تعالى‬ ‫ي شر ٍ‬ ‫أ ّ‬ ‫لحفصة ـ رضي ا عنها ـ من فوق سبع سماوات بحسن عبادتها‪ ،‬بل أن‬ ‫مكانها في الجنة بنفس درجتها في الدنيا‪ ،‬زوج رسول ا ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ‪.‬‬ ‫كان الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ يعلم أن أزواجه من بعده سيحملن‬ ‫مهمة شاقة وهّي تعليم وتفقيه المسلمين فيما فاتهم من أمور دينهم في بيت‬ ‫النبوة‪ ،‬فحرص على تعليمهن‪ ،‬أو إكمال تعليمهن‪ ،‬فقد كانت حفصة مثل‬ ‫عاكئشة من القليلت في المجتمع المكي اللواتي أجدّن الكتابة والقراءة‪،‬‬ ‫يؤكد هذا ماروته الشفاء بنت عبد ا حين قالت‪ :‬دخل عَلّي رسول ا وأنا‬ ‫عند حفصة‪ ،‬فقال لي‪’’ :‬أل ُتَعّلةِميَن َهةِذةِه ُرْقَيَة الّنْمَلةِة‪َ ،‬كَما َعّلْمةِتيَها اْلةِكَتاَبَة؟’’‬ ‫)‪.(4‬‬ ‫ذلك أن الشفاء كانت ترقــي بالجاهليــة‪ ،‬فقــدمت بعــد هجرتهــا إلــى الرســول‬ ‫صلى ا عليه وسلم‪ ،‬وقالت‪" :‬يا رسول ا إنــي قــد كنــت أرقــي برقـًى فــي‬ ‫الجاهليــة‪ ،‬فقــد أرد ُ‬ ‫ت أن أعرضــها عليــك‪ ،‬فقــال‪’’:‬فاعرضــيها’’‪ ،‬فعرضــتها‬ ‫عليه"‪ .‬يأتي هذا في إطار أمر مجتمعي كان عليه العرب قبل الســلم يؤكــده‬ ‫ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الرحمن بن عوف ابــن مالــك الشــجعي‪،‬‬ ‫قال‪ :‬كنا نرقي في الجاهلية‪ ،‬فقلنا‪ :‬يا رسول ا كيف ترى في ذلك؟‪ ،‬فقــال‪:‬‬ ‫’’اعرضوا علّي رقاكم‪ ،‬ل بأس في الرقى ما لم يكن فيه شرك’’)‪.(5‬‬ ‫عاشت حفصة ـ رضي ا عنها ـ في كنف النبي ـ صلى ا عليه وسلم‬ ‫ـ ترتوي العلم من النبــع النبــوي الزكــي‪ ،‬وتشــهد نــزول الي الكريمــات مــن‬ ‫السماء مع أمين السماء‪ ،‬فتسمعها بكًرا طازًجا من أمين الرض ـ صلى اــ‬ ‫‪116‬‬


‫عليه وسلم ـ لتنضم إلى ركب التلميذات فــي المدرســة المحمديــة مثلهــا مثــل‬ ‫باقي أمهات المؤمنين ـ رضوان ا عليهن ـ تسأله عنــدما تجهــل‪ ،‬فيخبرهــا‬ ‫فتعلم‪ ،‬ولكنها تســتزيد الفهــم بالســؤال بعــد الجابــة للستيضــا ح وليــس لــرد‬ ‫المقالة على رسول ا ـ صلى اـ عليــه وســلم ــ ولعــل فــي هــذا مــا يعطــي‬ ‫سا عملًيا في آداب المناظرة والتلقي والمحاججة بالبرهان‪ ،‬وصــبر‬ ‫للكافة در ً‬ ‫العالم على تلميذه في الجابـة بالبرهــان القــوى‪ ،‬وأن السـلم ليضـع للعقـل‬ ‫مكانة عظمى في تشريعه وعقيدته‪ ،‬ويضع للمرأة مكانة كبرى فـي اسـتعمال‬ ‫حقها في النقاش‪ ،‬وأن القهر الفكري مرفوض في دين ا ناهيــك عــن كافــة‬ ‫أنواع القهر في المجتمع كله‪.‬‬ ‫صـّلى ّ‬ ‫اُـ َعَلْيـةِه‬ ‫سولَ ّ ةِ‬ ‫اـ َ‬ ‫سةِمْعت صفية رضي ا عنها َر ُ‬ ‫حدث أن َ‬ ‫ش ةِمْن ةِقَبةِل اْلَم ْ‬ ‫شةِرةِق ُيةِريُدوَن َرُجًل ةِمْن أَْهةِل َمّكَة َحّتى‬ ‫ل‪َ’’ :‬يأْةِتي َجْي ٌ‬ ‫َو َ‬ ‫سّلَم‪َ ،‬يُقو ُ‬ ‫ف ةِبةِهـْم َفَرَجـَع َمـْن َكـاَن أََمـاَمُهْم لةَِيْنُظـَر َمـا َفَعـلَ اْلَقـْوُم‬ ‫إةَِذا َكاُنوا ةِباْلَبْيَداةِء ُخةِس َ‬ ‫صــاَبُهْم’’‪َ ،‬فقُْلـ ُ‬ ‫ف ةِبَمـْن َكـاَن ةِمْنُهـْم‬ ‫َفُي ةِ‬ ‫سـولَ ّ ةِ‬ ‫اـ َفَكْيـ َ‬ ‫ت‪َ :‬يـا َر ُ‬ ‫صيَبُهْم ةِمْثـل ُ َمـا أَ َ‬ ‫ث ّ‬ ‫صيُبُهْم ُكّلُهْم َذلةَِك ُثّم َيْبَع ُ‬ ‫ئ َعَلى ةِنّيةِتةِه’’)‪.(6‬‬ ‫ُمْسَتْكَرًها؟‪َ ،‬قاَل‪ُ’’ :‬ي ةِ‬ ‫اُ ُكلّ اْمةِر ٍ‬ ‫عاشت السيدة حفصة بعد رحيل الزوج الحبيب ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫تنقل العلم الشريف إلى المسلمين كما عاصرته في بيت النبوة وما نقلته عن‬ ‫أبيها فروت ستين حديًثا‪ ،‬ولما عاصرت الخلفــة الراشــدة‪ ،‬والهتمــام البــالغ‬ ‫بجمع القرآن الكريم في صحف بقيت هذه الصحف ةِعْنَد أَةِبى َبْك ٍر َحّتــى َتَوّفــاهُ‬ ‫ّ‬ ‫اُ ُثّم ةِعْنَد ُعَمَر من بعــده ُثـّم أودعوهــا ةِعْنـَدها لعــدم تعييــن خليفــة مــن بعــد‬ ‫أبيها‪ ،‬ولكونها القاركئة الحافظة لكتاب ا تعالى‪.‬‬ ‫كما كانت ـ رضي ا عنهـا ــ المشـيرة علـى أبيهـا بعـد أن صـار خليفـة‬ ‫للمسلمين؛ إذ كان ـ رضي ا عنه ـ يستشيرها فــي كــثير مــن المــور الــتي‬ ‫تتعلق بحياة النبي البيتية‪ ،‬كمــا أشــارت عليــه قبيــل وفــاته أن ل يــترك المــر‬ ‫شورى في إختيار من يخلفه‪ ،‬مخافة الفرقة والختلف وكان إجتهاد منها له‬ ‫محله من العتبار‪.‬‬ ‫لم تبر ح حفصة الصيام والقيام وقراءة القرآن كلداتها من أزواج النبي‬ ‫الطاهرات ــ رضــوان اـ عليهــن جميًعاـــ‪ ،‬غيــر أنهــا كــانت تحتفــظ بصــحف‬

‫‪117‬‬


‫القرآن الكريم التي ما فتكئت تحــافظ عليهــا‪ ،‬وتســتبقيها ولتعطيهــا لحــد ولــو‬ ‫كان عامل المدينة )‪.(7‬‬ ‫توفيت ـ رضي ا عنها ـ بعد أن بلغت عقــدها الســتين فــي ظلل الدولـة‬ ‫الموية )‪ (8‬فصلى عليها مروان بن الحكم عامل المدينة في زمن معاوية‪..‬‬ ‫لتنتقل صحف القرآن الكريم من بيتها إلى مروان بعدما سألها من ابــن عمــر‬ ‫فأرسلها له‪ ..‬إذ ل ضرورة من استبقاكئها بعد وفاة الحارســة عليهــا الحافظــة‬ ‫لما فيها رضي ا عنها‪.‬‬

‫نساء فى حياة الرسول‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هامش الفصل‬

‫‪118‬‬

‫العاشر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السيد إبراهيم‬


‫)‪ (1‬الصالحي الشامي‪ :‬رسبل الهدى والرشاد ‪ ،11/184‬والرسمط الثمين ‪.83‬‬ ‫)‪ (2‬تاريخ الطبري‪.3/9:‬‬ ‫‪.‬طبقات ابن رسعد ‪ ،8/84‬والرستيعاب لبن عبد البر ‪ ،4/269‬والمرستدرك للحاكم ‪(3) 4/15‬‬ ‫)‪ (4‬أخرجه أبو داود كتاب الطب باب في الرقى رقم‪3869:‬ورجال إرسناده رجال صحيح إل إبراهيم بن‬ ‫مهدي وهو ثقة‪،‬وأخرجه أحمد في مرسنده )‪ (6/372‬والحاكم في المرستدرك ‪ 4/57‬وقال صحيح‪.‬‬ ‫)‪ ] (5‬أخرجه المام مسلم في صحيحه – كتاب السلم ) ‪ – ( 64‬برقم ) ‪ ، ( 2200‬وأبو داوود‬ ‫في سننه – كتاب الطب ) ‪ – ( 18‬برقم ‪.[3886‬‬ ‫)‪ (6‬رواه المام أحمد‪.‬‬ ‫)‪ ] (7‬المعجم الكبير للطبراني ‪ 17/28‬حديث ‪.[ 18831‬‬ ‫)‪ (8‬في رسنة وفاتها خلف بين من يقول رســنة ‪41‬هــ ‪ ،‬ومــن يقــول رســنة ‪45‬هــ ‪ ،‬وترجــح الــدكتورة‬ ‫عائشة عبد الرحمن رسنة وفاتها ‪47‬هـ ‪ .‬أنظر ‪ :‬تراجم رسيدات بيت النبوة الطبعة الولى‪ ،‬القاهرة دار‬ ‫الريان للتراث ‪ ،1987‬ص ‪ ،314‬والطبقات والرستيعاب والصابة‪ ،‬وعيون الثر‪.‬‬

‫‪119‬‬


‫الفصل الحادي عشر‬

‫أمنا زينب ‪ ..‬أم المساكين‬

‫كضوء الفجر الوليد الهارب من ظلمة الليل الراحل‪ ،‬دخلت بيت الرسول‬ ‫ـ صلى ا عليه وسلم ـ ‪ ،‬وكآخر شعا ٍع من الشمس حين يحتويها شفق‬ ‫المغيب‪ ،‬كان خروجها من بيت الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ‪ ،‬إنها المقبلة‬ ‫المدبرة مًعا‪ ،‬والقادمة الراحلة مًعا ‪:‬السيدة زينب بنت خزيمة الحارث بن‬ ‫عبد ا بن عمرو بن عبد مناف بن هلل بن عامر بن صعصعة الهللية‪ ،‬أم‬ ‫المساكين في الجاهلية‪ ،‬وفي السلم‪ ،‬اتسع قلبها لكل المساكين قبل ظهور‬ ‫السلم وبعده؛ إذ كان قلبها ـ رضي ا عنها ـ كالواحة التي يستظل به من‬ ‫أعوزته الحاجة‪ ،‬ويهرع إليه من أكلته الفاقة‪ ،‬وهّي المعطاءة ل تمنع مالها‬ ‫عن أحد‪ ،‬ل طمًعا في شهرة‪ ،‬ول حًبا في سمعة‪ ،‬فلصدقها في العطاء بل َم ٍن‬ ‫ول ابتغاء مديح‪ ،‬توجوها على القلوب في الجاهلية كما في السلم بلقب‬ ‫‪":‬أم المساكين"‪.‬‬ ‫سبق زينب في النضمام للعيش تحت سقف البيت النبوي عاكئشة البكر‬ ‫الوحيد حين تزوجها ـ صلى ا عليه وسلم ـ‪ ،‬كما سبقها من أزواج الرسول‬ ‫ممن كّن أزواًجا لشهداء الصحابة‪ ،‬مثل‪ :‬سودة بنت زمعة‪ ،‬وحفصة بنت‬ ‫‪120‬‬


‫عمر التي لم يكد يدخل بها حتى ضم إليها زينب التي فارقها زوجها الشهيد‬ ‫القرشي ومن أواكئل المهاجرين عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد‬ ‫مناف الذي قتل يوم بدر‪.‬‬ ‫دخلت زينب البيت النبوي في رمضان في السنة الثالثة من الهجرة‬ ‫المباركة‪ ،‬في زواج شكلي‪ ،‬هاديء‪ ،‬لم يحس بوجودها أحد‪ ،‬ل فى حياتها‬ ‫ول بعد مماتها؛ إذ كان عمر زواجها من الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫ف في مدته بين الثلثة إلى الثمانية أشهر‪ ،‬لذا فلم يكن هناك‬ ‫قصير ُمخَتل ٌ‬ ‫مايروى عن حياتها‪ ،‬كما لم تطلها ألسنة المنافقين‪ ،‬أو الحاقدين على رسول‬ ‫ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ‪ ،‬ول انتبهت إليها بعد مماتها أقلم المستشرقين‬ ‫المسمومة إل من حيث احصاؤهم لها في عدد من دخل بهّن ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ استكثاًرا للطعن في نبوته‪ ،‬كعهدهم الداكئم في إيراد الشبهات السقيمة‬ ‫للتشويش والتنقيص‪.‬‬

‫يشهد لها كل من تناول سيرتها ـ رضي ا عنها ـ بالطيبة والكرم‪ ،‬لذا‬ ‫فقد كرمها ا الكريم ـ تعالى ـ بزواجها من النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫كما كرمها بكرام ٍة أخرى تختص بها وحدها‪ ،‬لم تنلها حتى أحب أزواجه‬ ‫إليه السيدة خديجة‪ ،‬بأن صلى عليها ـ صلى ا عليه وسلم ـ صلة الجنازة‬ ‫التي لم تكن قد ُ‬ ‫شةِرَعْت في زمن خديجة‪ ،‬وشرعها ا بعد ذلك في السنة‬ ‫الولى من الهجرة لتكون السيدة زينب هّي الزوج الوحيد لرسول ا ـ صلى‬ ‫ا عليه وسلم ـ التي يصلي عليها صلة الجنازة عند موتها في ربيع الخر‬ ‫سنة أربع هجرية عن عمر ناهز الثلثين عاًما)‪.(1‬‬ ‫متعها ا تعالى بأشهر قلكئل في جوار خير خلقه عليه ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ هّي بالعمر كله‪ ،‬وأحسن ختامها؛ إذ ماتت وهّي زوج خير‬ ‫ض عنها‪،‬‬ ‫العالمين‪ ،‬وسيد المرسلين‪ ،‬وخاتم النبيين‪ ،‬وماتت عنه وهو را ٍ‬ ‫لتكون بذلك ثاني امرأة من أزواجه بعد خديجة فراًقا له فى حياته ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ ورضي ا عن أمنا أم المساكين‪ ،‬وعن ساكئر أمهاتنا أمهات‬ ‫المؤمنين‪.‬‬

‫‪121‬‬


‫نساء فى حياة الرسول‬

‫ــــــــــــــــــــــــــــــ هامش الفصل الحادي‬

‫)‪ (1‬كما ذكر "الواقدي" ونقل "ابن حجر" في الصابة‪.‬‬

‫‪122‬‬

‫العاشر ــــــــــــــــــــــــــــــ السيد إبراهيم‬


‫الفصل الثاني عشر‬

‫السيدة أم سلمة‬ ‫‪123‬‬


‫أول المهاجرات وآخر الراحلت‬

‫يتحير قاريء سيرتها من أين يبدأ؛ فكل فص ٍل من فصول حياتها يستحق‬ ‫التأمل والشادة؟‪ ..‬أيبدأ من اللحظة الفارقة بين الكفر واليمان حين أعلنت‬ ‫اسلمها وهجرتها الولى مع زوجها عبد ا بن عبد السد المخزومي ابن‬ ‫عمة الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ وأخوه من الرضاعة إلى الحبشة فراًرا‬ ‫بدينهما‪ ،‬لتبدأ رحلة المعاناة في الغربة‪ ،‬والعيشة الصعبة‪ ،‬وهّي بنت سّيد‬ ‫ش المعدودين والمشهورين بالكرم وشّدة السخاء حتى لُّقبوه‪:‬‬ ‫من سادات قري ٍ‬ ‫"زاُد الراكب"؛ إذ كان يمنع من يرافقه في سفره من التزّود لرحلته‪ ،‬ويكفيه‬ ‫هو مؤونة ذلك؟!‬ ‫أم يبدأ معها من بداية هجرتها وزوجها إلى المدينة واقتتال قومها بنو‬ ‫المغيرة مع قوم زوجها بنو عبد السد‪ ،‬فهــؤلء يمنعــون ابنتهــم مــن الســفر‬ ‫مــع زوجهــا‪ ،‬وهــؤلء يصــرون علــى الحتفــاظ بابنهــا لنــه ابــن ابنهــم‪،‬‬ ‫فيتجاذبون الولد بينهم حتى خلعوا يده‪ ،‬ليفوز به بنــو عبــد الســد ويرحلــوا‪،‬‬ ‫لتبقى وحيدة تعاني فراق الزوج الراحل بعيًدا عنها‪ ،‬والشــوق المضــني إلــى‬ ‫الولد القريب منها والمحرومة من رؤياه؟!‬

‫‪124‬‬


‫أم يبدأ معها من حيث انطلقها إلى المدينة وابنها برفقتها بعدما رأف‬ ‫أهل زوجها بحالها بعد عام تقريًبا؛ فكانت بذلك أول امرأة تدخل المدينة‬ ‫مهاجرة ل ولرسوله ـ صلى ا عليه وسلم ـ وقد هيأ ا لها سادن الكعبة‬ ‫وحاجبها عثمان بن طلحة الذي أصر على مرافقتها وهو لم يزل بعد على‬ ‫شركه لكن أبت عليه نخوته وأرومته إل يتركها وابنها في مهب الريح حتى‬ ‫تصل إلى زوجها‪ ،‬ثم استشهاد أبو سلمة بعد شهورمن إصابته فى غزوة‬ ‫أحد بجر ح عميق)‪ ،(1‬ليفارقها وحيدة حولها أربعة من أولده وهم‪ :‬برة‪،‬‬ ‫وسلمة‪ ،‬وعمر‪ ،‬ودرة؟!‬ ‫ينتهي بوفاة أبى سلمة ـ رضي ا عنهــا ــ القســم الول مـن حيــاة أم‬ ‫المؤمنين أم سلمة واسمها هند بنت أبي أمية بــن المغيــرة بــن عبــد اـ بــن‬ ‫عمر بن مخزوم القرشية المخزومية‪ ،‬ليبدأ القسم الثاني من حياتهــا بســؤال‬ ‫صّلى ّ‬ ‫سةِمْع ُ‬ ‫سّلَم‪َ ،‬يُقول ُ ‪َ’’ :‬ما ةِم ـْن ُمْس ـلةِ ٍم‬ ‫سولَ ّ ةِ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا َ‬ ‫ت َر ُ‬ ‫كبير منها‪َ :‬‬ ‫صيَبٌة‪َ ،‬فَيُقول ُ َما أََمَرُه ّ‬ ‫ل َوإةِّنا إةَِلْيةِه َراةِجُعوَن‪ ،‬الّلُهـّم أَةِجْرةِنــي‬ ‫صيُبُه ُم ةِ‬ ‫ُت ةِ‬ ‫اُ ‪ :‬إةِّنا ةِ ّ ةِ‬ ‫ف ّ‬ ‫اُـ َل ـُه َخْيـًرا ةِمْنَهــا’’‪َ ،‬قــاَلْت ‪:‬‬ ‫ةِفي ُم ةِ‬ ‫ف ةِلي َخْيًرا ةِمْنَها‪ ،‬ةِإل أَْخَل َ‬ ‫صيَبةِتي َوأَْخلةِ ْ‬ ‫سَلَمَة‪ ،‬قُْل ُ‬ ‫ت َهاَجَر‬ ‫سَلَمَة؟ أَّول ُ َبْي ٍ‬ ‫ي اْلُمْسلةِةِميَن َخْيٌر ةِمْن أَةِبي َ‬ ‫ت‪ :‬أَ ّ‬ ‫َفَلّما َماَت أَُبو َ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫سّلَم؟!‬ ‫سوةِل ّ ةِ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا َ‬ ‫إةَِلى َر ُ‬ ‫وتأتيها الجابة بعد أن استرجعت من مصيبتها برسول يأتيها من عند‬ ‫رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ وهو الصحابي الجليل حاطب بن أبي‬ ‫بلتعة يخطبها له‪ ،‬فقالت متعللة‪" :‬إةِّن ةِلي ُبَنّيًة‪َ ،‬وأََنا َغُيوٌر"‪ ،‬فيأتيها جواب‬ ‫الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ يطمكئنها في حن ٍو وحسم ‪’’ :‬أَّما اْبَنُتَها‬ ‫ا أَْن َيْذَهَب ةِباْلَغْيَرةِة’’)‪.(2‬‬ ‫ا أَْن ُيْغةِنَيَها َعّنا‪َ ،‬وأَّما اْلَغْيَرةُ َفأ َْدُعو ّ َ‬ ‫َفَنْدُعو ّ َ‬ ‫فقالت‪ :‬فقد أبدلني ا بأبي سلمة خيًرا منه رسولَ ا)‪.(3‬‬ ‫والحديث عن أم سلمة متسٌع كالبحر‪ ..‬مستحيل أن تبلغ سواحله؛ فقد‬ ‫حباها ا قدًرا كبيًرا من الحكمة ورجاحة العقل‪ ،‬يبدوان في سديد رأيها إذا‬ ‫استشيرت‪ ،‬وتتبدى حكمتها أكثر حين تنتج هذه الحكمة آثارها في الزمات‬ ‫العميقة بل العاصفة كتلك التي بلغت من هولها هول وصف الرسول لها ـ‬ ‫‪125‬‬


‫صلى ا عليه وسلم ـ في قول لم يكد يصادفه قاريء سيرته حين يصر ح‬ ‫بهلك المسلمين‪ ،‬وذلك حين صحبته ـ رضّي ا عنها ـ في شهر ذي القعدة‬ ‫من العام السادس الهجري في رحلته إلى مكة المكرمة معتمًرا‪،‬ثم منعته‬ ‫قريش وأصحابه من دخول مكة‪ ،‬فعقد ـ صلى ا عليه وسلم ـ صلح‬ ‫ض عنه بعض الصحابة ـ رضوان ا‬ ‫الحديبية معهم‪ ،‬هذا الصلح الذى لم ير َ‬ ‫عليهم ـ لظنهم أنه يبخسهم حقهم‪ ،‬ورأوا في قبوله قبول الدنية على دينهم‪،‬‬ ‫وهنا أمرهم الرسول صلى ا عليه وسلم‪’’ :‬قوموا فانحروا واحلقوا‬ ‫وحّلوا’’‪ ،‬فلم يجبه أحد إلى ذلك‪ ،‬فرددها ثلث مرات فلم يفعلوا‪ ..‬فدخل على‬ ‫أم سلمة وهو شديد الغضب‪ ،‬فقالت‪ :‬ما شأنك يا رسول ا؟‪ ،‬قال‪’’ :‬هلك‬ ‫المسلمون‪،‬أمرتهم فلم يمتثلوا’’‪ ،‬فقالت‪" :‬يا رسول ا‪ ،‬ل تلمهم فإنهم قد‬ ‫دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح‪،‬‬ ‫ورجوعهم بغير فتح"‪ .‬ثم أشارت عليه أن يخرج ول يكلم منهم أحًدا‪ ،‬وينحر‬ ‫ُبدَنُه ويحلق رأسه‪ ،‬فخرج ـ صلى ا عليه وسلم ـ فلم يكلم أحًدا حتى قام‬ ‫فنحر ُبدَنُه ‪ ،‬ودعا حالقه فحلقه‪ ،‬فلما رأى الصحابة ذلك قاموا فنحروا‪،‬‬ ‫ضا)‪.(4‬‬ ‫وجعل بعضهم يحلق بع ً‬ ‫لعل من أهم الحكم البالغة في تعدد أزواج النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫هو أن لكل منهّن دور أديّنه بمنتهى المهارة والجسارة والخلص ل ـ‬ ‫تعالى ـ ولرسوله‪ ،‬والمتتبع لسيرتهن من السيدة الولى من أزواجه ودورها‬ ‫في مساندة الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ عند بداية تأسيس هذا الدين‬ ‫وغرسه في بيكئة مكة وما حولها‪ ،‬ثم مهمة من تلها من أزواجه ـ رضوان‬ ‫ا عليهَن ـ عند تأسيس دولة السلم وإرساء قواعدها في المدينة‪،‬‬ ‫والجهاد لنشرها في العالمين‪ ،‬ثم هذه المهمة الصعبة بالغة الجسامة التي‬ ‫تقوم بها أم سلمة في حماية بيضة السلم من الهلك وحماية خير أجناد‬ ‫الرض‪ ،‬الذين بلغوا اللف وربعماكئة رجل‪ ،‬من غضبة الرسول ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ وكان ممن الممكن أن تسترضيه بمشاركته غضبه عليهم‪،‬‬ ‫وهنا تكمن الحكمة الثانية من حكم تعدد أزواج النبي ـ صلى ا عليه وسلم‬ ‫ـ وهّي الحكمة التعليمية التي تتلقاها المرأة المسلمة عبر العصور والجيال‬ ‫حين تسترشد بهذا الصنيع في حماية بيتها وزوجها عندما تستل سخيمة‬

‫‪126‬‬


‫نفسه‪ ،‬ول تساعد في إشعال أوار غضبه‪ ..‬ولو لم تفعل ذلك بحصافة رأيها‬ ‫فما الذي كان سيؤول إليه تاريخ السلم والمسلمين؟!‬ ‫أذهَب اُ عن السيدة أم سلمة غيرتها بفضل دعاء النبي لها‪ ،‬ففّرغ قلبها‬ ‫من سفاسف المور‪ ،‬ولذا فقد كان لها القدر والمكانة عند رسول ا ـ صلى‬ ‫ا عليها وسلم ـ إذ كان يبتديء بها عند دخوله على نساكئه‪ ،‬ذلك فيما ترويه‬ ‫السيدة عاكئشة ‪":‬كان رسول ا إذا صّلى العصر دخل على نساكئه واحدة‬ ‫واحدة‪ ،‬يبدأ بأّم سلمة ـ رضَي ا عنها ـ لنها أكبرهَن‪ ،‬وكان يختم بي")‪.(5‬‬ ‫كانت ـ رضى ا عنها ـ جميلةً ُخلًقا وةِخلقًة‪ ،‬مدرسة كبيرة في شتى‬ ‫المناحي؛ فهًي المحدثة‪ ،‬المفتية‪ ،‬الفقيهة‪ ،‬السديدة والمصيبة في الرأي‬ ‫والمشورة‪ ،‬الصابرة‪ ،‬الزوجة الصالحة‪ ،‬الم الطيبة‪ ،‬الحازمة‪ ،‬القاكئمة بأمر‬ ‫وتربية أولدها‪ ،‬المتتلمذة في جامعة النبوة‪.‬‬ ‫عاشت السيدة أم سلمة حتى بلغت التسعين من عمرها )‪ (6‬وكانت قد أوصت‬ ‫أن يصلي عليها سعيد بن زيد خشية أن يصلي عليها مروان بن الحكم غير‬ ‫أنه مات قبلها‪،‬وقد انتقلت إلى جوار ربها تعالى في زمن يزيد بن معاوية‬ ‫سنة اثنتين وستين هجرية وهو الرجح إذ عاشت في العام الذي سبق‬ ‫وفاتها حزينة على مقتل الحسين سبط الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫ودفنت ـ رضّي ا عنها ـ بالبقيع ولم ُيصةِل عليه أبا هريرة كما تذكر بعد‬ ‫المصادر إذ مات قبلها ‪ ..‬فكانت بذلك آخر الراحلت من أزواج النبي ـ صلى‬ ‫ا عليه وسلم ـ ورضّي ا عنها وعن ساكئر أمهاتنا أمهات المؤمنين‪.‬‬

‫‪127‬‬


‫نساء فى حياة الرسول‬

‫ــــــــــــــــــــــــــــــــ هامش الفصل الثاني‬

‫)‪(1‬ابن الثير‪ :‬أرسد الغابة ‪.3/190‬‬ ‫)‪(2‬صحيح مرسلم ‪.918 /631 : 2‬‬ ‫)‪ (3‬ابن كثير‪ :‬الرسيرة النبوية ‪.3/175‬‬ ‫)‪(4‬ابن كثير‪ :‬الرسيرة النبوية ‪.335 ،3/334‬‬ ‫)‪(5‬الصالحي الشامي‪ :‬رسبل الهدى والرشاد ‪.11/170‬‬ ‫)‪(6‬ابن حجر‪ :‬تهذيب التهذيب ‪.12/483‬‬

‫‪128‬‬

‫عشر ـــــــــــــــــــــــــــــــ السيد إبراهيم‬


‫الفصل الثالث عشر‬

‫السيدة زينب ‪ :‬أول اللحقات بالنبي‬ ‫صلى ا عليه وسلم‬ ‫‪129‬‬


‫يختلط ترتيب بعض المواقف التاريخية في السيرة النبوية على بعض من‬ ‫يقرأونها‪ ،‬ويتجلى هذا الخلط في ترتيب حادثة الفك وزواج الرسول ـ صلى‬ ‫ا عليه وسلم ـ من السيدة زينب بنت جحش‪ ،‬وربما كان عذرهم في هذا أن‬ ‫حادثة الفك تتضمنها غالًبا سيرة السيدة عاكئشة وهّي السبق من السيدة‬ ‫زينب من حيث ترتيب أزواج النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ؛ إذ تزوج‬ ‫الرسول الخيرة في ذي القعدة من العام الخامس الهجري‪ ،‬بينما وقعت‬ ‫حادثة الفك في شعبان من العام السادس الهجري‪.‬‬ ‫تأتي هذه المقدمة تأصيلً لما قد يقع فيه الظن من أن أول مواجهة للبيت‬ ‫النبوى مع أراجيف وكيد المنافقين بالمدينة كانت إبان حادثة الفك‪ ،‬وهو ما‬ ‫يصبح ـ بعد ما تقدم ـ مغلوًطا‪ ،‬فقد فتح زواج النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫من السيدة زينب بنت جحش على الرسول والسلم والمسلمين بوابة‬ ‫ضخمة من التشكيك‪ ،‬واللمز‪ ،‬ودس المنافقين ربما ما يوازي حادثة الفك‬ ‫وأكثر؛ إذ انحصرت الخيرة في التشكيك في مسلك زوج تنتسب لنبي وإن‬ ‫تركت آثارها في المجتمع السلمي الوليد‪ ،‬بينما كان زواجه من زينب حدًثا‬ ‫زلزل قواعد البنيان الجتماعي للمجتمع العربي المستقر على عاداته‬ ‫وتقاليده كعادة التبني المتجذرة في الواقع بجغرافيته والممتدة في تاريخه‪،‬‬ ‫والمتوارثة في الوعي الجمعي عند الكافة‪ ،‬بحيث كان القول بإبطالها يشكل‬ ‫صدمة لنه لم يتتبع التدرج التشريعي كما في تحريم الخمر‪ ،‬فكان بمثابة خط‬

‫‪130‬‬


‫مسار جديد لم يألفوه‪ ،‬ومحو مسار قديم محفور بل منحوت في جدران‬ ‫عقولهم ‪.‬‬ ‫إن الذين يتناولون قصة زواج النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ باعتبارها‬ ‫شبهة يجب الرد عليها‪ ،‬أو منقصة للخلق النبوي الكريم عياذا بال‪ ،‬يتناسون‬ ‫أن زينب كانت قريبته يعرفها ويراها وتعرفه جيًدا قبل زواجها من زيد‪،‬‬ ‫الذي خطبها الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ له‪ ،‬وتململت ورفضت‪ ،‬كما‬ ‫رفض أخوها عبدا؛ إذ قالت زينب لرسول ا صلى ا عليه وسلم ‪:‬‬ ‫"لس ُ‬ ‫ت بناكحته‪ ,‬فقال رسول ا صلى ا عليه وسلم‪’’ :‬بلى فانكحيه’’‪،‬‬ ‫قالت‪ :‬يارسول ا أؤامر في نفسي؟ فبينما هما يتحدثان أنزل ا ‪َ﴿ :‬و َملعال َك عالَن‬ ‫ض ﴾ىل اللّهُ َوَرُس اولُهُ أَْم ًرلا أَْن يَُك اولَن لَُه ُمل الِْخ في لَرةُ ِم ْنل أَْم ِرلِه ْمل َو َملْنل يلَْع ِ‬ ‫صل اللَّه‬ ‫لُِم ْؤلِملٍنلَوَل ُمْؤ ِملْنَلٍة إَِذا قَ َ‬ ‫ض َلل ًل لُملبِفيْنًعا﴾‪ ،‬فقالت زينب‪ :‬قد رضيته لي يارسول ا ُمنكًحا؟‪،‬‬ ‫ضّلل َ‬ ‫َوَرُس اولَهُ فلَق ْدل َ‬ ‫قال رسول ا صلى ا عليه وسلم‪’’ :‬نعم’’‪ ،‬قالت‪ :‬إةًِذا ل أعصي رسول ا‬ ‫صلى ا عليه وسلم قد أنكحَتُه نفسي")‪.(1‬‬ ‫ضا كانت‬ ‫والواقع يشهد أنه ل الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ ول زيد أي ً‬ ‫ي رغب ٍة في الزواج من زينب‪ ،‬بل معظم زيجات زيد كانت من اختيار‬ ‫لهما أ ُ‬ ‫الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ‪ ،‬وليراجع من شاء قصص تزويج الرسول‬ ‫له من أم كلثوم بنت عقبة‪ ،‬وأم أيمن بركة الحبشية‪ ،‬ولهذا فلم يكن زيد يعلم‬ ‫عن أمر زواجه من زينب شيًكئا‪ ،‬وليس أدل على هذا من حديث زينب نفسها‬ ‫حين خطبها عّدة من قريش فأرسلت أختها حمنة إلى رسول ا صلى ا‬ ‫عليه وسلم تستشيره‪ ،‬فقال الرسول صلى ا عليه وسلم ‪’’:‬أين هي ممن‬ ‫ُيعّلمها كتاب رّبها وسّنة نبيها ؟’’‪ ،‬قالت حمنة‪ :‬ومن هو يا رسول ا؟‪ ،‬قال‬ ‫‪’’:‬زيد بن حارثة’’‪ ،‬فغضبت حمنة غضًبا شديًدا‪ ،‬وقالت‪ :‬يا رسول ا!‬ ‫أتزوج ابنة عّمتك مولك؟!"‪ .‬بل أن المهر الذى ساقه زيد بن حارثة إلى بني‬ ‫جحش وهو عشرة دنانير وستين درهًما‪ ،‬ودرًعا وخماًرا وملحفًة وإزاًرا‪،‬‬ ‫وخمسين ُمًدا من الطعام‪ ،‬وعشرة أمداد من التمر كان من عطاء الرسول ـ‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ إياه‪.‬‬

‫‪131‬‬


‫دخل زيد بزينب‪ ،‬ليعيشا مًعا قرابة العام وبعض العام‪ ،‬كثرت في رحلة‬ ‫الحياة الزوجية القصيرة المنغصات بين الزوجين‪ ،‬وانفرد زيد ببث مواجعه‬ ‫وشكاواه من استعلء زينب عليه لرسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ‪ ،‬ذلك‬ ‫لما تحمله في نفسها من نظرة عربية تجعل لعراقة النسب مكاًنا ومكانة‪،‬‬ ‫فهى زينب بنت جحش بن رياب بن يعمر بن مرة بن كثير بن غنم بن دوران‬ ‫ف ونسب‪ ،‬بينما زوجها زيد غلًما‬ ‫بن أسد بن خزيمة‪ ،‬الناشكئة فى بيت شر ٍ‬ ‫معتوًقا وهّي سيدة أبناء عبد شمس‪ ،‬الفضل منه حسًبا ونسًبا‪.‬‬ ‫ما كان أهون على الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ أن ينزل على رغبة‬ ‫زيد في تطليقها ولكنه كان يأمره بالتمهل وأن يمسك عليه زوجه‪ ،‬مع كون‬ ‫اليات التي نزلت على رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ تكئن الجبال من‬ ‫حملها إذ فيها يخبر ا ـ تعالى ـ رسوله بأن زينب ستكون له زوجة بعد‬ ‫طلقها من ربيبه زيد‪ ،‬وليس عليه أن يخفي هذا المر اللهي لن ا ُمبديه‪.‬‬ ‫لم يكن أمر زواج المتبني من زوجة متبنيه عند العرب بالمر الهين أو‬ ‫إذا شكئنا الدقة أمر يوصف بالخروج عن العراف والتقاليد العربية‬ ‫المستقرة؛ إذ كان التبني معروفا ً عندهم‪ ،‬وكان من تبنى غير ولده ينسب‬ ‫إليه ويرثه ويخلو بزوجته وبناته‪ ،‬ويحرم على المتبنى زوجة متبناه‪ ،‬وعادة‬ ‫التبني وإن لم يكن يقرها جيران العرب من اليهود بالمدينة لرفض توراتهم‬ ‫وشريعتهم لها‪ ،‬لكنها كانت شاكئعة بين اليونانيين والرومانيين وغيرهم من‬ ‫الشعوب آنذاك‪ ،‬ولم تحرمه المسيحية كديانة‪ ،‬ولجأ إليه العرب كحاجة‬ ‫مجتمعية وفطرية في حب الولد كحالة اليأس من النجاب والستعانة بهم‬ ‫ساعة الحرب‪ ،‬والتجارة وغيرها‪.‬‬ ‫إذن فالرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ لن يهدم عادة عربية مجتمعية‬ ‫متجذرة وحسب‪ ،‬بل سيأتي أمًرا عندهم منكور وهو زواجه من مطلقة ابنه‬ ‫بالتبني‪ ،‬وهذا ماتنتظره ألسنة المنافقين والمشركين واليهود ليذيعوا به‬ ‫ويؤلبوا به العرب عليه من المدينة وخارجها‪ ،‬أن رسول المسلمين أتى شيًكئا‬ ‫إدا سيهد قواعد هذا الدين هدا‪.‬‬

‫‪132‬‬


‫لما رأى اـ ــ تعــالى ــ مــن حـال رســوله ــ صـلى اـ عليــه وسـلم ــ‬ ‫كلَوالتّلِق اللّلَه‬ ‫تل َعلَْفيلِه أَْم ِس ل ْ‬ ‫ك َزْوَجل َ‬ ‫ك لَعلَْفيل َ‬ ‫عاتبه‪َ﴿ :‬و إِلْذ تلَُقاوُل لِلّلِذ يل َأنلَْع َم اللّلهُ َعلَْفيلِه َوأَلنلَْعْمل َ‬ ‫ض ﴾ىل َزيٌْد ِم ْنلَْه عال‬ ‫ك لَمعال اللّهُ ُمْبِد يلِه َو تَلْخ َشل﴾ىل ْن‬ ‫س َوالللّهُ أََح ّقل أَْن تَْخ َشلعالهُ فلَلَّم عال قَ َ‬ ‫َو تلُْخ ِفلج يلِفج ي نلَْف ِسل َ‬ ‫الّعا َ‬ ‫ِ‬ ‫ِِ‬ ‫ضل ْاولال ِم ْنلُْهل ّنل‬ ‫جل ِفللج ي أَْزَوالِج أَْد ِعلفيَل لعائِِه ْمل إَِذا قَ َ‬ ‫َو طَ لًرا َزّوْج ْنَلعاَك َهل لعالَكل ْج يل َل يَُكل اولَن َعلَلل﴾ى الُْم ل ْؤلملْنلفيَنَح ل َرل ٌ‬ ‫َو طَلًرا َوَك عالَن أَْم ُرل اللِّه َمْفلعُلاوًل﴾)‪.(2‬‬ ‫اـ صــلى اـ‬ ‫ســول ُ ّ ةِ‬ ‫ضْت ةِعّدةُ َزْيَنـَب َقــالَ َر ُ‬ ‫عن أنس بن مالك َقاَل‪َ :‬لّما اْنَق َ‬ ‫عليه وسلم لةَِزْي ٍد‪َ’’ :‬فاْذُكْرَها َعَلّى’’‪َ .‬قاَل‪َ :‬فاْنَطَلَق َزْيٌد َحّتى أََتاَها َوْهـَى ُتَخّمـُر‬ ‫صْدةِري َحّتى َما أَْسَتةِطيُع أَْن أَْنُظ ـَر إةَِلْيَهــا‬ ‫َعةِجيَنَها َقاَل‪َ :‬فَلّما َرأَْيُتَها َعُظَمْت ةِفي َ‬ ‫صـ ُ‬ ‫ت َعَلــى‬ ‫سولَ ّ ةِ‬ ‫ا صلى اـ عليــه وســلم َذَكَرَهــا َفَوّلْيُتَهــا َظْهـةِري َوَنَك ْ‬ ‫أَّن َر ُ‬ ‫َعةِقةِبي َفقُْل ُ‬ ‫ا صلى ا عليه وســلم َيـْذُكُرةِك‪َ .‬قــاَلْت‪:‬‬ ‫سول ُ ّ ةِ‬ ‫سلَ َر ُ‬ ‫ب أَْر َ‬ ‫ت‪َ :‬يا َزْيَن ُ‬ ‫صاةِنَع ٍة َ‬ ‫شْيًكئا َحّتى أ َُواةِمـَر َرّبــي‪َ .‬فَقــاَمْت إةَِلــى َمْسـةِجةِدَها َوَنـَزلَ اْلقُـْرآُن‪،‬‬ ‫َما أََنا ةِب َ‬ ‫ا صلى ا عليه وسلم َفَدَخلَ َعَلْيَها ةِبَغْيةِر إةِْذ ٍن")‪.(3‬‬ ‫سول ُ ّ ةِ‬ ‫َوَجاَء َر ُ‬ ‫أيكون ربيب النبى أشد حياًء من النبى نفسه الذي علمه ورباه؟! مالهم‬ ‫كيف يحكمون؟‪ ،‬وقد كان ـ صلى ا عليه وسلم ـ الشد حياًء من العذراء في‬ ‫خدرها‪ ،‬وهو الذى أمر أتباعه بغض البصر فى أحاديث مشهورة ‪َ’’:‬يا‬ ‫َعلةِّي َل ُتْتةِبْع الّنْظَرَة الّنْظَرَة َفإِّن َلَك ا ْ ُ‬ ‫سْت َلَك اْلةِخَرةُ’’)‪ (4‬و’’العينان‬ ‫لوَلى‪َ ،‬وَلْي َ‬ ‫تزنيان وزناهما النظر’’)‪ ،(5‬فيولى زيد ظهره لزينب بينما عندما يأتى رسول‬ ‫ا ليزور زيد ابنه فلم يجده ووجد زوجه فنظر إليها فأعجبه حسنها!!‬ ‫رسول ا الحيي حتى في منامه أل يكون حيًيا في يقظته؟!‪ ..‬رسول ا‬ ‫!الحيي مع أصحابه أل يكون بالحرى حيًيا مع ربيبه ومتبناه؟‬ ‫حدثنا سعيد بن عفير حدثني الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب قال‪:‬‬ ‫ضَي ّ‬ ‫اُ َعْنُه َقالَ َبْيَنا َنْحُن ةِعْنَد‬ ‫أخبرني سعيد بن المسيب أَّن أََبا ُهَرْيَرَة َر ةِ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫سّلَم إةِْذ َقاَل‪َ’’ :‬بْيَنا أََنا َناةِكئٌم َرأَْيُتةِني ةِفي اْلَجّنةِة َفإةَِذا‬ ‫سوةِل ّ ةِ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا َ‬ ‫َر ُ‬ ‫ص ٍر َفقُْل ُ‬ ‫ب‬ ‫صُر َفَقاُلوا لةُِعَمَر ْبةِن اْلَخّطا ةِ‬ ‫ضأ ُ إةَِلى َجاةِن ةِ‬ ‫ت لةَِمْن َهَذا اْلَق ْ‬ ‫ب َق ْ‬ ‫اْمَرأٌَة َتَتَو ّ‬

‫‪133‬‬


‫ت َغْيَرَتُه َفَوّلْي ُ‬ ‫َفَذَكْر ُ‬ ‫ت ُمْدةِبًرا’’‪َ ،‬فَبَكى ُعَمُر بن الخطاب ثم قال‪ :‬أََعَلْيَك بأبي‬ ‫ا أََغاُر ")‪.(6‬‬ ‫سولَ ّ ةِ‬ ‫أنت وأمي َيا َر ُ‬ ‫لقد كانت زينب ابنة عم رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ أمامه ويراها‬ ‫فلم يكن هناك حجاًبا بعد‪ ،‬ويعلم أنها حسناء وضيكئة فما الذي زاد عليها في‬ ‫ش ل ـ ما يأمر به أتباعه من المؤمنين‪،‬‬ ‫عام‪ ،‬وهل يخالف النبى ـ حا َ‬ ‫فيأمرهم بالغض وينظر؟! ‪ ..‬فالذى ُيروى في ذلك لم يثبت من طريق‬ ‫سا‪ ،‬وأكرم أخلًقا‪ ،‬وأعلى منزلًة‬ ‫صحيح‪ ،‬والنبياء أعظم شأنا‪ ،‬وأعف نف ً‬ ‫وشرًفا من أن يحصل منهم شيء من ذلك)‪ ، (7‬وقد اجترأ بعض المفسرين‬ ‫سَب إلى رسول ا صلى ا عليه وسلم ما ل يليق‬ ‫في تفسير هذه الية‪ ،‬وَن َ‬ ‫ف‬ ‫صَمه ا منه‪ ،‬ونّزهه عن مثله‪ ،‬أو ُمْسَتةِخ ّ‬ ‫به‪ ،‬ويستحيل عليه‪ ،‬إذ قد َع َ‬ ‫بحرمته‪ ،‬والذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين أن ذلك‬ ‫القول الشنيع ليس بصحيح‪ ،‬ول يليق بذوي المروءات‪ ،‬فأحرى بخير‬ ‫البريات)‪.(8‬‬ ‫ضم البيت النبوي الزوجات الخمس كل ٌ في حجرتها نسوة من البشر‬ ‫يحملن أخلق البشر من نوازع ومخاوف‪ ،‬ومثلما تغار الزوجة السابقة من‬ ‫اللحقة هكذا تحسبت السيدة عاكئشة من قدوم السيدة زينب ـ رضي ا‬ ‫عنهما ـ لجمالها ونسبها فأعلنت عن ذلك‪َ " :‬فأ ََخَذةِني َما َقُرَب َوَما َبُعَد لةَِما‬ ‫َيْبلُُغَنا ةِمْن َجَمالةَِها‪َ ،‬وأ ُْخَرى ةِهَي أَْعَظُم ال ُُموةِر َوأَ ْ‬ ‫صةِنَع َلَها‪َ ،‬زّوَجَها‬ ‫شَرفَُها َما ُ‬ ‫ّ‬ ‫سَماةِء‪َ ،‬وقُْل ُ‬ ‫ت‪ :‬ةِهَي َتْفَخُر َعَلْيَنا ةِبَهَذا ")‪ ،(9‬وصدق قول عاكئشة وكان‬ ‫اُ ةِمَن ال ّ‬ ‫هذا الزواج السماوي موضع مفاخرة زينب ومباهاتها بين لداتها ‪":‬زّوجُكّن‬ ‫أهاليكّن‪ ،‬وزّوجني ا تعالى من فوق سبع سموات" )‪ (10‬وكان أكثر تلك‬ ‫المباهاة ما يدور ما بين عاكئشة وزينب وحضرت طرًفا منه أم سلمة وروته‬ ‫لبنتها زينب حين كانت أم سلمة تتذكر بنت جحش وتترحم عليها‪ ،‬فكانت‬ ‫ساةِء‬ ‫مما نقلته قول زينب بنت جحش لعاكئشة ‪" :‬إّني َو ّ ةِ‬ ‫ا َما أََنا َكأ ََح ٍد ةِمْن ةِن َ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫سّلَم‪ ،‬إةِّنُهّن َزّوَجُهّن ةِباْلُمُهوةِر َوَزّوَجُهّن الَْولةَِياُء‪،‬‬ ‫سوةِل ّ ةِ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا َ‬ ‫َر ُ‬ ‫َوَزّوَجةِني ّ‬ ‫ب َيْقَرأ ُ ةِبةِه اْلُمْسلةُِموَن ل ُيَبّدل ُ َول ُيَغّيُر"‬ ‫سوَلُه‪َ ،‬وأَْنَزلَ ةِفي اْلةِكَتا ةِ‬ ‫اُ َر ُ‬ ‫فتثبت عاكئشة لزينب أنها ليست وحدها المذكورة في كتاب ا‪" :‬أَنا اّلةِذي‬ ‫ا"‪.‬‬ ‫َنَزلَ ُعْذةِري ةِفي ةِكَتا ةِ‬ ‫ب ّ ةِ‬

‫‪134‬‬


‫ولم يكن هذا هو الموقف الوحيد بينهما ـ رضـّي اـ عنهمــا ــ فقــد تله‬ ‫مواقف‪ ،‬ولقد ذكرت في موضع سابق أن البيت النبوي لم يكن بيًتا طوباوًيــا‬ ‫سـا لكـان ولكـن الغايـة‬ ‫صا‪ ،‬ولو أراده اـ مقد ً‬ ‫سا‪ ،‬بل كان بيًتا بشرًيا خال ً‬ ‫مقد ً‬ ‫من نشر ما فيه هو تعليم المسلمين والقتداء بما يدور فيه مــن مثــل أحــداث‬ ‫تلك الغيرة الفطرية المركوزة في الطبيعة البشرية‪ ،‬وكيف تعامــل الرســول ــ‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ في تهذيب آثارها لنــه علــم أنهــا أشــد مــا تكــون فــي‬ ‫جبلة النساء وخاصة الضراكئر‪ ،‬ولكــن كــان الفــارق الخلقــي واليمــاني فــي‬ ‫التعامل بين الزواج الصحابيات‪ ،‬أمهات المــؤمنين‪ ،‬ربيبــات الــبيت النبــوي‪،‬‬ ‫وتلمذة المدرسة المحمدية لــم يكــن البغــض أو الكــره أو العــداوة‪ ،‬أو إيقــاع‬ ‫الضرر بينهــن‪ ،‬ويتبــدى ذلــك حيــن وقعــت حادثــة الفــك فــي العــام الســادس‬ ‫الهجري وكانت لوقعها ثقل عنيف على البيت النبــوي‪ ،‬والمجتمــع الســلمي‬ ‫في المدينة‪ ،‬فماذا كان موقف زينب بنت جحش من عاكئشـة؟‪ ..‬أثنـت عليهـا‪،‬‬ ‫وذلك حين طلب الرسول ـ صلى ا عليه وســلم ــ رأيهــا فــي تلكــم الحادثــة‪،‬‬ ‫فقالت‪" :‬يا رسول ا أحمــي ســمعي وبصــري‪ ،‬واـ مــا علمـ ُ‬ ‫ت إل خيـًرا"‪،‬‬ ‫وفي المقابل لم تكن تحكي عنها عاكئشة ول تذكرها إل بكل الخيــر‪" :‬فأرســل‬ ‫أزواج النبي صلى ا عليه وسلم زينب بنــت جحــش رضــي اـ عنهــا زوج‬ ‫النبي صلى ا عليه وسلم وهي التي كانت تساميني ]تفــاخرني[ منهــن فــي‬ ‫المنزلة عند رسول ا صلى ا عليه وسلم ولم أر امرأة قط خيًرا في الدين‬ ‫من زينب‪ ،‬وأتقى ل‪ ،‬وأصدق حديًثا‪ ،‬وأوصل للرحم‪ ،‬وأعظم صــدقة‪ ،‬وأشــد‬ ‫ابتذالً لنفسها في العمل الذي تصّدق به وتقـّرب بــه إلــى اـ تعــالى مــا عــدا‬ ‫سْورة من ةِحّدة كانت فيها‪ُ ،‬تسرع منها الفيكئة")‪ ،(11‬وما تقصده عاكئشة مــن‬ ‫ســورة زينــب وســرعة فيكئهــا هــو إثبــات كمــال الوصــاف فيهــا مــع ســرعة‬ ‫الغضب والعودة عنها سريًعا دون الصرار عليه وهو ما ليعد نقيصة فيها‪.‬‬ ‫ولم تكن هذه كل مناقب أمنا زينب التي ذكرتها عنها أمنا عاكئشة ـ رضّي‬ ‫ا عنهما ـ فحينما ذكر رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ بأن أول من‬ ‫تلحق به من أزواجه الطاهرات أطولهن يًدا‪ ،‬وكانت زينب‪ ،‬عزت عاكئشة هذا‬ ‫صّدُق")‪ (12‬و "كانت امرأة صناعة اليد‬ ‫إلى أن زينب "َكاَنْت َتْعَمل ُ ةِبَيةِدَها َوَت َ‬ ‫فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق في سبيل ا عز وجل"؛ إذ "كانت تغزل الغزل‬ ‫وتعطيه سرايا النبي – صلى ا عليه وسلم – يخيطون به ويستعينون به في‬ ‫مغازيهم")‪. (13‬‬ ‫‪135‬‬


‫عاشت بعد وفاة النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ كما عاشت في حياته علــى‬ ‫التعبد‪ ،‬والتصدق على اليتام‪ ،‬وأهل الرحام‪ ،‬حيــث كــانت تــوزع فيكئهــا الــذي‬ ‫يبلغ اثنى عشر ألف درهًما عليهم‪ ،‬ولم تفر ح به‪ ،‬وما ظنت أن كل هذا الفيء‬ ‫يخصها‪ ،‬بل حسبتهم يطلبون منها تقسيمه‪ ،‬ولّما علمت أنه لها‪ ،‬وزعتــه كمــا‬ ‫ذكرنا‪ ،‬ثم رفعت أكفها بالدعاء لربها أواهًة منيبــة‪" :‬اللهــم ل يــدركني عطــاء‬ ‫عمر بعد عامي هذا")‪ (14‬فبلغ عمر فقال‪" :‬هذه امرأة ُيراد بها خير"‪ .‬فوقف‬ ‫عليهــا وأرســل بالســلم وقــال‪" :‬بلغنــي مــا فّرقــت"‪ ،‬فُأرســل بــألف درهــم‬ ‫تستبقيها! أي لنفقتها اليومية في البيت‪ ،‬فسلكت به ذلــك المســلك أي فّرقتهــا‬ ‫ضا)‪.(15‬‬ ‫أي ً‬ ‫واستجاب ا حر دعاكئها‪ ،‬فلم تكــد تبلــغ الخمســين أو فوقهــا بثلث مــن‬ ‫السنة العشرين من الهجرة في خلفة الفاروق عمر بن الخطاب حتى وافتها‬ ‫صّلى ُعَمُر َعَليها‪ ،‬وُدةِفنْت بالبقيع‪.‬‬ ‫المنية ف َ‬ ‫قالت عاكئشة تنعيها ‪":‬لقد ذهبت حميدة‪ ،‬متعبدة‪ ،‬مفزع اليتامى‬ ‫‪."(16‬‬

‫والرامل)‬

‫ب ةِبْن ُ‬ ‫ش ةِديَناًرا‪،‬‬ ‫عن عثمان بن عبدا الجحشي قال‪َ ":‬ما َتَرَكْت َزْيَن ُ‬ ‫ت َجْح ٍ‬ ‫ساةِكيةِن‪،‬‬ ‫صّدُق ةِبُكلّ َما َقَدَرْت َعَلْيةِه‪َ ،‬وَكاَنْت َمأَْوى اْلَم َ‬ ‫َول ةِدْرَهًما‪َ ،‬كاَنْت َتَت َ‬ ‫َوَتَرَكْت َمْنةِزلةَِها‪َ ،‬فَباُعوُه ةِمَن اْلَوةِليةِد ْبةِن َعْبةِد اْلَملةِةِك ةِحيَن ُهةِدَم اْلَمْسةِجُد‪،‬‬ ‫ف ةِدْرَهم ")‪.(17‬‬ ‫ةِبَخْمةِسيَن أَْل َ‬ ‫رحم ا أمنا زينب ـ رضّي ا عنها ـ الحميدة‪ ،‬المتعبدة‪ ،‬الواهة‪،‬‬ ‫المتصدقة‪ ،‬النافعة‪ ،‬الصانعة‪ ،‬مفزع اليتامى‪ ،‬وواصلة الرحام‪ ،‬الزاهدة‪،‬‬ ‫المشتاقة للقاء ربها‪.‬‬

‫‪136‬‬


‫نساء فى حياة الرسول‬

‫ــــــــــــــــــــــــــــــــ هامش الفصل الثالث‬

‫عشر ـــــــــــــــــــــــــــــــ السيد إبراهيم‬

‫)‪ (1‬تفرسير ابن كثير ج‪ 3 :‬ص‪.490190:‬‬

‫)‪ (2‬رسورة الحزاب‪.(37) :‬‬ ‫)‪(3‬رواه مرسلم )النكاح‪.(2567،‬‬ ‫)‪ (4‬قال اللباني حديث حرسن رواه أحمد وغيره‪.‬‬ ‫)‪(5‬أخرجه البخاري ومرسلم وأحمد من طريق ابن عباس‬ ‫)‪ (6‬صحيح البخاري ]"كتاب التعبير" ‪" ،‬باب القصر في المنام" )‪.[(6620‬‬ ‫)‪(7‬الشيخ عبد العزيز بن باز ‪ ،‬الشيخ عبد الرزاق عفيفي ‪ ،‬الشيخ عبد ا بن غديان ‪ ،‬الشيخ عبد‬ ‫ا بن قعود فتاوى إرسلمية " ) ‪. ( 141– 137 / 18‬‬ ‫)‪(8‬أبو العباس القرطبي في "المفهم" )‪.( 1/406‬‬ ‫)‪(9‬الطبقات الكبرى لبن رسعد رقم الحديث‪.9916 :‬‬ ‫)‪(10‬أخرجه البخاري من حديث أنس‪ ،‬كتاب التوحيد ) ‪، ( 6984‬‬ ‫روى مرسلم ) ‪ ( 177‬عن عائشة رضي ا عنها مثل قول أنس رضي ا عنه‪.‬‬

‫‪137‬‬


‫)‪ (11‬متفق عليه ‪ .‬تفسير ابن كثير جـ ‪ 3‬ص ‪ ، 361‬الستيعاب ‪ ، 1850 / 4‬وأسد الغابة ‪/ 7‬‬ ‫‪. 126‬‬ ‫)‪ (12‬صحيح مرسلم )‪.(2452‬‬ ‫)‪ (13‬المعجم الورسط للطبراني)‪.(6445‬‬ ‫)‪(14‬ابن رسعد في الطبقات )‪.(3/300‬‬ ‫)‪(15‬رواه ابن سعد في الطبقات )‪.(8/110‬‬ ‫)‪(16‬الصابة‪.(7/670) :‬‬ ‫)‪ (114/8) (17‬الطبقات الكبرى‪.‬‬

‫الفصل الرابع عشر‬

‫‪:‬أم المؤمنين الخزاعية المصطلقية‬

‫‪138‬‬


‫جويرية بنت الحارث‬

‫يشغل الفاكون أذهان الناس بما يشيعون من إفكهم حول الرسول ـ صلى‬ ‫ا عليه وسلم ـ وزواجه المتعدد‪ ،‬ويصورونه كرجل ل هم له إل النتقال‬ ‫من فراش امرأة إلى امرأة أخرى ‪ ..‬وقد كذبوا ‪..‬‬ ‫لم يكد الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ يأنس بزينب بنت جحش آخر‬ ‫أزواجه في العام الخامس الهجرى‪ ،‬حتى أتت الحداث عاصفة تباًعا‪ ،‬فمع‬ ‫انتصاف نفس العام داهم الحزاب المدينة وحاصروها‪ ،‬ليعيش أهلها أياًما‬ ‫قاسية‪ ،‬تتلوها أحداث حصار يهود بني قريظة‪.‬‬ ‫ومع بواكير العام السادس يغزو الرسول ـ عليه الصلة والسلم ـ بني‬ ‫لحيان في ربيع الول أو جمادى الولى مع ماكئتين من أصحابه ثم يتبعها‬ ‫غزوة ذى قرد‪ ،‬ولم يمرالشهر أو بعضه‪ ،‬حتى يبلغه ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫أن بنى المصطلق‪ -‬وهم حٌي من خزاعة ‪ -‬يجمعون الجموع لقتاله ـ صلى ا‬ ‫‪.‬‬ ‫عليه وسلم ـ بقيادة زعيمهم الحارث بن أبى ضرار‬ ‫لم يكن غزو بني المصطلق)‪ (1‬في خطط الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ بل‬ ‫ُدفع إليه دفًعا لّما علم يخروج القوم عليه‪ ،‬ولم يكن يعرف سيد المصطلقيين‬ ‫‪139‬‬


‫الحارث بن ضرار‪ ،‬ول يعلم بالتالي إن كان له ابنة‪ ،‬ويبقى أن هذه الغزوة‬ ‫على قدر هوان أمرها العسكري‪ ،‬بقدر جليل شأنها من نواحي أخرى عديدة‪.‬‬ ‫بدأ القتال وانتهى بنصر المسلمين وسيقت نساء الخزاعيين سبايا كشأن‬ ‫المهزوم في المعارك‪ ,‬ومنهن ابنة زعيمهم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار‬ ‫بن حبيب بن جذيمة الخزاعية المصطلقية‪ ،‬وكانت متزوجة من ابن عم لها يقال‬ ‫له مسافع بن صفوان‪ ،‬الذي ُقتل أثناء هذه الغزوة‪ ،‬فكانت من نصيب ثابت بن‬ ‫قيس فكاتبها على مبلغ من المال ثمًنا لعتقها‪ ,‬فذهبت جويرية لتجمع ثمن حريتها‬ ‫من السر وهى السيدة فى قومها‪ ،‬فكيف تقاد لتكون سبًيا لرجل لم تعرف عنه‬ ‫شيًكئا‪ ،‬وفي سعيها لجمع مال المكاتبة سمعت الكثيرعن قاكئد جيش المسلمين‪،‬‬ ‫وخلقه‪ ،‬وكرمه‪ ،‬ونسبه‪ ،‬ولّما لم تفلح في سعيها‪ ،‬حادثتها نفسها بالذهاب إليه‪،‬‬ ‫وعرض مسألتها عليه‪ ،‬لعلها تجد عنده حلً ‪.‬‬ ‫وقفت جويرية السيرة ذات العشرين ربيًعا أمام رسول ا ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ فى حضور زوجه عاكئشة‪ ،‬تعرض مشكلتها ل لتعرض نفسها رغم‬ ‫ملمحها الجميلة‪ ،‬التى تبهر لب كل ذي عقل ونظر‪ ،‬فقالت‪ " :‬يا رسول ا‪ ،‬أنا‬ ‫ف‬ ‫جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه‪ ،‬وقد أصابني من البلء ما لم يخ َ‬ ‫عليك‪ ،‬فوقع ُ‬ ‫ت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس ‪ -‬أو لبن عّم له ‪ -‬فكاتبُته‬ ‫على نفسي‪ ،‬فجكئُتك أستعيُنك على كتابتي‪ .‬قال‪َ’’ :‬فَهلْ َلةِك ةِفي َخْي ٍر ةِمْن َذلةَِك؟’’‬ ‫ضي َعْنةِك ةِكَتاَبَتةِك َوأََتَزّوُجةِك’’‪ .‬قالت‪ :‬نعم يا‬ ‫قالت‪ :‬وما هو يا رسول ا؟ قال‪’’ :‬أَْق ةِ‬ ‫رسول ا‪ .‬قال‪َ’’ :‬قْد َفَعْل ُ‬ ‫ت’’)‪.(2‬‬ ‫قد يحدث أحٌد نفسه بأن جويرية لم يكن أمامها خيار في أن ترفض‬ ‫فقبلت‪ ،‬وهذا اتهام لخلق الرسول الكريم ـ صلى ا عليه وسلم ـ‪ ،‬ولو لم‬ ‫يكن ـ صلى ا عليه وسلم ـ يعلم أنه وقع منها مثل ما وقع في نفسه‬ ‫ماعرض هذا عليها‪ ،‬وربما كان سرعة قبولها مرده تلك الرؤيا التي رأت‬ ‫فيها الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ قبل قدومه بثلث ليا ٍل‪ ،‬كأّن القمر‬ ‫أقبل يسير من يثرب حتى وقع في حجرها‪ ،‬و كره ُ‬ ‫ت أن تخبر بها أحًدا من‬ ‫سةِبيَنا رجو ُ‬ ‫ت الرؤيا‪،‬‬ ‫الناس‪ ،‬حتى َقةِدم رسول ا‪ ،‬تقول جويرية‪ " :‬فلّما ُ‬ ‫فلّما أعتقني وتزّوجني‪ ،‬وا ما كّلمته في قومي حتى كان المسلمون هم‬ ‫الذين أرسلوهم‪ ،‬وما شعر ُ‬ ‫ت إّل بجارية من بنات عّمي تخبرني الخبر‪،‬‬ ‫‪140‬‬


‫فَحةِمدت ا")‪ .(3‬ثم أن جويرية اختارت‪ ،‬وذلك فيما رواه ابن سعد في‬ ‫الطبقات أنه لما وقعت جويرية بنت الحارث في السبي‪ ،‬جاء أبوها إلى النبي‬ ‫صلى ا عليه وسلم فقال ‪ :‬إةِّن اْبَنةِتي ل ُيْسَبى ةِمْثلَُها‪َ ،‬فأ ََنا أَْكَرُم ةِمْن َذاَك َفَخلّ‬ ‫سّنا؟’’‪َ ,‬قالَ ‪َ :‬بَلى‪َ ،‬وأَّدْيَت‬ ‫س َقْد أَْح َ‬ ‫سةِبيَلَها‪َ ،‬قاَل‪’’ :‬أََرأَْيَت إةِْن َخّيْرَناَها‪ ،‬أََلْي َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ضةِحيَنا‪،‬‬ ‫َما َعَلْيَك‪َ ،‬قالَ ‪َ :‬فأَتاَها أُبوَها‪َ ،‬فَقاَل‪ :‬إةِّن َهَذا الّرُجلَ َقْد َخّيَرةِك َفل َتْف َ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫َفَقاَلْت ‪َ :‬فإةِّني َقةِد اْخَتْر ُ‬ ‫سّلَم‪.‬‬ ‫سولَ ّ ةِ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا َ‬ ‫ت َر ُ‬ ‫حين نظر رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ إلى جويرية باعتبار كونها‬ ‫أسيرة‪ ،‬ولو كانت حرة ما فعل‪ ،‬ولهذا ذهبت مخاوف عاكئشة الفقيهة بأحكام‬ ‫الدين حين قالت‪َ":‬وَكاَنْت اْمَرأًَة ُحْلَوًة ُمَلَحًة ]حسنة المنظر حسنة المنطق[‬ ‫َل َيَراَها أََحٌد إةِّل أََخَذْت ةِبَنْفةِسةِه"‪ .‬فأتت رسول ا صلى ا عليه وسلم‬ ‫ب‬ ‫ا َما ُهَو إةِّل أَْن َرأَْيُتَها َعَلى َبا ةِ‬ ‫لتستعينه في ةِكتابتها‪ ،‬قالت عاكئشة‪َ" :‬فَو ّ ةِ‬ ‫سَيَرى ةِمْنَها َما َرأَْي ُ‬ ‫ُحْجَرةِتي َفَكةِرْهُتَها َوَعَرْف ُ‬ ‫ت"‪ ،‬إذن فلو كانت جويرية‬ ‫ت أَّنُه َ‬ ‫سا من أن يمل الرسول عينه منها‪ ،‬إل أن تتجه نيته‬ ‫حرة لطمأنت عاكئشة نف ً‬ ‫إلى نكاحها‪.‬‬ ‫قال السهيلى‪" :‬وأما نظره عليه السلم لجويرية حتى عرف من حسنها ما‬ ‫عرف‪ ،‬فإنما كان ذلك لنها امرأة مملوكة‪ ،‬ولو كانت حرة ما مل عينه منها‬ ‫‪ ..‬وجاكئز أن يكون نظر إليها لنه أراد نكاحها ‪ ..‬وقد ثبت عنه ـ عليه السلم‬ ‫ـ الرخصة في النظر إلى المرأة عند إرادة نكاحها")‪.(4‬‬ ‫لم يدخل رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ بجويرية إل بعد أن‬ ‫أسلمت‪ ،‬وأصدقها‪ ،‬وخطبها من والدها الذي افتداها؛ إذ لّما أنصرف‬ ‫ـ صلى ا عليه وسلم ـ من الغزوة ومعه جويرية دفع بها كوديعةِة‬ ‫إلى رجل من النصار‪ ،‬وأمره بالحتفاظ بها حتى قدم رسول ا ـ‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ إلى المدينة‪ .‬فأقبل أبوها الحارث بن أبي‬ ‫ضرار بفداءها فأسلم وأسلم معه ابنان وناس من قومه‪ ،‬وُدةِفَعْت إليه‬ ‫ابنته جويرية فأسلمت‪ ،‬وخطبها رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫إلى أبيها فزوجه إياها )‪.(5‬‬

‫‪141‬‬


‫داكئًما ما نبحث عن السبب وراء كل زيجة من زيجاته ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ وترتا ح نفوسنا كثيًرا حين يتزوج الرمل والكبر منه سًنا‪ ،‬أويقترن‬ ‫بأزواج التي استشهد رجالهن فى الحرب‪ ،‬ونقبل أن يتزوج القل جماًل‪،‬‬ ‫ونأتي بالسبب السياسي‪ ،‬والسبب الجتماعي وراء اقترانه من هذه أو تلك‪،‬‬ ‫وكأنه حراٌم عليه أن يختار لنفسه‪ ،‬أو يهز طبيعته البشرية جمال امرأة‪،‬‬ ‫وهو حق مكفول لقل رجل فى أمته‪.‬‬ ‫وقد أحسن الشهيد سيد قطب )‪ ، (6‬بعد أن استعرض قصص أمهات‬ ‫المؤمنين حين قال ‪) :‬وهكذا ترى أن لكل زوجة من أزواجه صلى ا عليه‬ ‫وسلم قصًة وسبًبا في زواجه منها‪ .‬وهن فيمن عدا زينب بنت جحش‪،‬‬ ‫وجويرية بنت الحارث‪ ,‬لم يكن شواب ول ممن يرغب فيهن الرجال لجمال‬ ‫كانت عاكئشة ـ رضي ا عنها ـ هي أحب نساكئه إليه‪ .‬وحتى هاتان اللتان‬ ‫عرف عنهما الجمال والشباب كان هناك عامل نفسي وإنساني آخر ‪ -‬إلى‬ ‫جانب جاذبيتهن ‪ -‬ولست أحاول أن أنفي عنصر الجاذبية الذي لحظته‬ ‫عاكئشة في جويرية مثل‪ ,‬ول عنصر الجمال الذي عرفت به زينب فل حاجة‬ ‫أبًدا إلى نفي مثل هذه العناصر النسانية من حياة النبي ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ وليست هذه العناصر موضع اتهام يدفعه النصار عن نبيهم ‪ .‬إذا‬ ‫حل لعداكئه أن يتهموه! فقد اختير ليكون إنساًنا‪ .‬ولكن إنساًنا رفيعا‪ .‬وهكذا‬ ‫كان‪ .‬وهكذا كانت دوافعه في حياته وفي أزواجه ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫على اختلف الدوافع والسباب(‪.‬‬ ‫كانت جويرية ـ رضى ا عنها ـ بركة على قومها بزواجها المبارك من سيد‬ ‫الخلق ـ صلى ا عليه وسلم ـ وما الجديد في هذا؟‪ ..‬فقد كان ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ بركة على كل من عرفه واتصل به في كل مراحل حياته‪ ،‬مثلما هو بركة‬ ‫س أَّن‬ ‫على كل من آمن به إلى يوم الدين‪ ،‬قالت عاكئشة‪َ" :‬وَخَرَج اْلَخَبُر إةَِلى الّنا ةِ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫صَهاُر‬ ‫سّلَم َتَزّوَج ُجَوْيةِرَيَة ةِبْنَت اْلَحاةِر ةِ‬ ‫سولَ ّ ةِ‬ ‫س أَ ْ‬ ‫ث َفَقالَ الّنا ُ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا َ‬ ‫َر ُ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫سُلوا َما ةِبأ َْيةِديةِهْم َقاَلْت َفَلَقْد أَْعَتَق ةِبَتْزةِويةِجةِه‬ ‫سوةِل ّ ةِ‬ ‫سّلَم َفأ َْر َ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا َ‬ ‫َر ُ‬ ‫صَطلةِةِق َفَما أَْعَلُم اْمَرأًَة َكاَنْت أَْعَظَم َبَرَكًة َعَلى‬ ‫إةِّياَها ةِماَكئَة أَْهةِل َبْي ٍ‬ ‫ت ةِمْن َبةِني اْلُم ْ‬ ‫َقْوةِمَها ةِمْنَها" )‪.(7‬‬

‫‪142‬‬


‫وبرغم قلة ما نقلته كتب الحديث من مروياتها‪ ،‬إل أنه اشتهر عنها أنها‬ ‫كانت صوامة‪ ،‬ذكارة ل كثيًرا‪ ،‬تحلت بالصبر‪ ،‬وطول التعبد ل عز وجل‪،‬‬ ‫وليس أدل على هذا من الحديث الذي رواه ابن عباس ـ رضي ا عنه‬ ‫صْبَح‬ ‫صّلى ال ّ‬ ‫ـ أَّن الّنةِبّي صلى ا عليه وسلم َخَرَج ةِمْن ةِعْنةِدَها ُبْكَرًة ةِحيَن َ‬ ‫ت‬ ‫سٌة‪َ ،‬فَقاَل‪َ’’ :‬ما ةِزْل ةِ‬ ‫ضَحى َوةِهَي َجالةِ َ‬ ‫َوةِهَي ةِفي َمْسةِجةِدَها ُثّم َرَجَع َبْعَد أَْن أَ ْ‬ ‫َعَلى اْلَحاةِل اّلةِتي َفاَرْقُتةِك َعَلْيَها؟’’‪َ ،‬قاَلْت‪َ :‬نَعْم‪َ ،‬قالَ الّنةِبّي صلى ا عليه‬ ‫وسلم‪َ’’ :‬لَقْد قُْل ُ‬ ‫ت ُمْنُذ‬ ‫ت َلْو ُوةِزَنْت ةِبَما قُْل ةِ‬ ‫ت َثَلَث َمّرا ٍ‬ ‫ت َبْعَدةِك أَْرَبَع َكلةَِما ٍ‬ ‫ضا َنْفةِسةِه‪َ ،‬وةِزَنَة‬ ‫سْبَحاَن ّ ةِ‬ ‫ا َوةِبَحْمةِدةِه‪َ ،‬عَدَد َخْلةِقةِه‪َ ،‬وةِر َ‬ ‫اْلَيْوةِم َلَوَزَنْتُهّن‪ُ :‬‬ ‫َعْرةِشةِه‪َ ،‬وةِمَداَد َكلةَِماةِتةِه’’)‪.(8‬‬ ‫وهذا الحديث الذي كانت فيه أمنا جويرية بركة علينا كما كانت بركة‬ ‫على قومها بطول عبادتها التي استخرجت مثل هذه الكلمات الطيبات ـ‬ ‫الخفيفات على اللسان‪ ،‬الثقيلت في الميزان‪ ،‬الحبيبات إلى الرحمن ـ من‬ ‫الفم النبوي الشريف‪ ،‬والتي لم نزل نرددها وسترددها الفواه الطاهرة من‬ ‫أمة الحبيب ـ صلى ا عليه وسلم ـ إلى يوم الدين‪.‬‬ ‫توفيت أمنا أم المؤمنين ُجويرية في المدينة سنة خمسين‪ ،‬وقيل فى‬ ‫شهر ربيع الول سنة ست وخمسين للهجرة وهي يومكئذ ابنة خمس وستين‬ ‫سنة في إمارة معاوية‪ ،‬ودفنت بالبقيع‪ ،‬فصلى عليها مروان بن الحكم وهو‬ ‫يومكئةِذ والي المدينة‪ ،‬فرضي ا عنها‪ ،‬وعن أمهات المؤمنين أجمعين‪.‬‬

‫‪143‬‬


‫نساء فى حياة الرسول‬

‫ــــــــــــــــــــــــــــــــ هامش الفصل الرابع‬

‫عشر ــــــــــــــــــــــــــــــ السيد إبراهيم‬

‫)‪(1‬وقت الغزوة فيه خلف بين أهل العلم على أقوال فقيل رسنة رست قاله ابن ارسحاق وابن جرير‬ ‫وابن حزم وابن عبدالبر وابن العربي وابن الثير وابن خلدون‪.‬وقيل في شعبان رسنة أربع وقال به‬ ‫ابن حزم أيضا ومورسى ابن عقبه والبخاري وابن قتيبة والنووي وغيرهم‪.‬والقول الثالث ـ وهو‬ ‫أرجح ـ أنها في رسنة خمس وممن قال به ابن القيم وارسن رسعد والبلذري والذهبي وابن حجر وابن‬ ‫كثير وعامة المعاصرين‪ .‬انظر فقه الرسيرة ‪،334‬وصحيح الرسيرة ‪ 245‬وما بعدها‪.‬‬ ‫)‪ (2‬حرسن‪ ،‬رواه‪ :‬أبو داود‪ ،‬وأحمد‪ ،‬وابن جرير‪ ،‬وأبو يعلى‪ ،‬والحاكم‪ ،‬والبيهقي‪.‬‬ ‫)‪(3‬أخرجه الحاكم من طريق الواقدي عن حَزام بن هشام عن أبيه نحوه‪ ،‬والواقدي عن عروة‬ ‫)‪ (4‬الروض النف في تفرسير الرسيرة النبوية لبن هشام‪ ،‬الرسهيلي ص ‪.18،19‬‬

‫)‪ (5‬رسيرة ابن هشام ‪.4 / 246‬‬ ‫)‪ (6‬في ظلل القرآن ص ‪.3495‬‬ ‫)‪ (7‬حرسن‪ ،‬رواه‪ :‬أبو داود‪ ،‬وأحمد‪ ،‬وابن جرير‪ ،‬وأبو يعلى‪ ،‬والحاكم‪ ،‬والبيهقي‪.‬‬

‫‪144‬‬


‫)‪ (8‬رواه مرسلم ‪،‬كتاب الذكر والدعاء والتوبة والرستغفار‪ ،‬باب الترسبيح أول النهار وعند النوم )‬ ‫‪1151‬ح ‪.(2726‬‬

‫الفصل الخامس عشر‬

‫"أم المؤمنين صفية "الهارونية‬ ‫‪145‬‬


‫أقام رسول ا صلى ا عليه وسلم بالمدينة بعد عودته من الحديبية نحو‬ ‫الشهر وبعض الشهر ‪ ،‬بعد أن وقع مع قريش صلًحا أحد أهم بنوده أن‬ ‫لتقوم الحرب بين الطرفين عشر سنين‪ ،‬فوجد ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫بثاقب فكره أن هذه الهدنة مناسبة تماًما لكي يهاجم القوى التي لم تزل‬ ‫تشكل خطًرا على السلم والمسلمين‪ ،‬ويمثل تلك القوى يهود خيبر والقباكئل‬ ‫الضاربة حولهم كبني غطفان‪.‬‬ ‫لم يكن هذا التفكير من جانب الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ تفكيًرا‬ ‫عدوانًيا‪ ،‬وحًبا في سفك الدماء‪ ،‬وقتال المسالمين من الناس دون جريرة‪ ،‬أو‬ ‫لنه أراد قتال يهود خيبر لكونهم يهود يخالفونه العقيدة‪ ،‬وتأديب كفارغطفان‬ ‫لنهم لم يتبعوا الدين الجديد‪ ،‬إنما كان ذلك التفكير نتيجة لسبب أكبر أدى إلى‬ ‫هذه النتيجة‪ ،‬أل وهو تآمر يهود خيبر مع بعض زعماء بني النضير لجمع‬ ‫القباكئل العربية المختلفة لحرب المسلمين في المدينة المنورة‪ ،‬فيما ُعرف‬ ‫بغزوة الحزاب‪ ،‬باذلين المال لهم لجتثاث شأفة المسلمين عن بكرة أبيهم‪،‬‬ ‫‪146‬‬


‫وتدبير المحاولة تلو الخرى بالتضامن مع المنافقين لغتيال الرسول ـ صلى‬ ‫ا عليه وسلم ـ حتى يطفكئوا بذلك نور السلم إلى البد‪.‬‬ ‫إذن فلم يكن الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ مبيتا ً النية لغزو خيبر لنه‬ ‫علم أن بينهم بنت سيد القوم امرأة جميلة ُتدعى "صفية" هو أحق بها من‬ ‫زوجها‪ ،‬فالرسول حتى بعد أن نصره ا بفضله على خيبر لم يكن يعرف من‬ ‫هّي صفية‪ ،‬بدللة إنه لما أ ُةِسَرت‪ ،‬وُجةِمَع السبي جاء ةِدْحَيُة بن خليفة الكلبي‪،‬‬ ‫فقال‪ :‬يا نبي ا‪ ،‬أعطني جارية من السبي‪ .‬فقال‪’’ :‬اذَهْب َفُخْذ َجاةِرَيًة”‪.‬‬ ‫فأخذ صفّية بنت حيي‪ ،‬فجاء رجل إلى النبي فقال‪ :‬يا نبي ا‪ ،‬أعطيَت ةِدْحَيَة‬ ‫صفية بنت حيي سّيَدَة قريظة وبني النضير‪ ،‬ل تصلح إّل لك‪ .‬قال‪’’ :‬اْدُعوهُ‬ ‫سْبيةِ َ‬ ‫غْيَرَها”)‬ ‫ةِبَها”‪ .‬فجاء بها‪ ،‬فلّما نظر إليها النبي قال‪ُ’’ :‬خْذ َجاةِرَيًة ةِمَن ال ّ‬ ‫‪.(1‬‬ ‫سا حديثة عهد بالدخول‪ ،‬فأمر‬ ‫وكانت ‪ -‬رضي ا عنها‪ -‬عرو ً‬ ‫النبي بللً أن يذهب بها في رحلة‪ ،‬فمّر بها وسط القتلى‪ ،‬فكره ذلك‬ ‫ت الّرْحَمُة ةِمْنَك َيا ةِبلل ُ؟”‪ .‬وعرض عليها‬ ‫رسول ا‪ ،‬وقال‪’’ :‬أََذَهَب ةِ‬ ‫رسول ا السلم فأسلمْت‪ ،‬فاصطفاها لنفسه‪ ،‬وأعتقها وجعل عتقها‬ ‫صداقها‪.‬‬ ‫لم تكن صفية بعيدة عن الحداث التي تمر بها قبيلتها ول تلك التي‬ ‫تدور حولها‪ ،‬ولما ل فهى صفّية بنت ُحَيّي بن أخطب بن شعبة بن‬ ‫ثعلبة بن عبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النضير بن‬ ‫النحام بن تحوم من بني إسراكئيل من سبط هارون بن عمران‪ ،‬وأ ُّمها‬ ‫َبّرة بنت سموءل‪ ،‬سيدة بني قريظة والنضير‪ ،‬أبوها حيي بن أخطب‬ ‫زعيم اليهود‪ ،‬وعالم من علماكئهم‪ ،‬كان على ةِعْل ٍم بأن محمًدا نبّي‬ ‫مرسل من ةِقَبةِل ا منذ قدومه إلى المدينة‪ ،‬لكن أخذته النفة‬ ‫والعصبية لكون محمًدا من العرب ‪،‬وقد علمت صفية بيقين أن هذا‬ ‫الذي ظهر ببلد العرب هو النبي الحق الذي بشرت به الكتب‬ ‫السماوية‪ ،‬وذلك فيما ترويه قاكئلًة ‪" :‬لم يكن أحد من ولد أبي وعّمي‬ ‫ش إليهما إّل أخذاني‬ ‫أحّب إليهما مّني‪ ،‬لم ألقهما في ولد لهما قّط أه ّ‬ ‫دونه‪ ،‬فلّما قدم رسول ا ُقباء ‪ -‬قرية بني عمرو بن عوف‪ -‬غدا‬ ‫‪147‬‬


‫إليه أبي وعّمي أبو ياسر بن أخطب مغّلسين‪ ،‬فوا ما جاءانا إلّ مع‬ ‫مغيب الشمس‪ ،‬فجاءانا فاترين‪ ،‬كسلنين‪ ،‬ساقطين‪ ،‬يمشيان‬ ‫الهوينى‪ ،‬فهشش ُ‬ ‫ت إليهما كما كنت أصنع‪ ،‬فوا ما نظر إلّي واحٌد‬ ‫منهما‪ ،‬فسمعت عّمي أبا ياسر يقول لبي‪ :‬أهو هو؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬وا!‬ ‫صَفةِتةِه؟ قال‪ :‬نعم وا‪ .‬قال‪ :‬فماذا في نفسك منه؟‬ ‫قال‪ :‬تعرفه بَنْعةِتةِه َو ةِ‬ ‫قال‪ :‬عداوته وا ما َبةِقي ُ‬ ‫ت")‪.(2‬‬ ‫ويؤكد هذا إجابتها لرسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ حين‬ ‫سألها بعد دخوله عليها لما رأى بأعلى عينها خضرة فقال‪’’ :‬ما هذه‬ ‫الخضرة؟ ’’ قالت‪ :‬كان رأسي في حجر بن أبي الحقيق ـ تعني‬ ‫زوجها‪ ،‬أي وهي عروس ـ وأنا ناكئمة‪ ،‬فرأي ُ‬ ‫ت كأن القمر وقع في‬ ‫حجري‪ ،‬فأخبرته بذلك‪ ،‬فلطمني وقال‪ :‬تتمني ملك يثرب")‪،(3‬تماًما‬ ‫مثلما رأت جويرية بنت الحارث‪ .‬وصفية في قصتها تتشابه في‬ ‫بعض تفاصيلها مع قصة جويرية‪.‬‬ ‫هل تستطيع العروس الشابة ذات السبعة عشر ربيًعا أن تنسى ما‬ ‫حل بأبيها وزوجها وقومها سريًعا؟‪ ..‬وهل يقبل المبعوث رحمة‬ ‫للعالمين ـ صلى ا عليه وسلم ـ أن يتمم زواجه منها وهي على‬ ‫هذه الحال من الحزن‪ ،‬والنفسية المتداعية‪ ،‬وكونها مازالت على‬ ‫يهوديتها‪ ،‬ويقبل أن يساكنها دون أن تعتد من زوجها السابق؟! ‪..‬‬ ‫تروي صفية أحداث ذلك اللقاء العاصف منها‪ ،‬ورد الفعل الحنون من‬ ‫النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ ‪":‬انتهيت إلى رسول ا وما من‬ ‫الناس أحد أكره إلّي منه قتل أبي وزوجي وقومي‪ ،‬فقال‪ :‬يا صفية‬ ‫أما إني أعتذر إليك مما صنعت بقومك‪ ،‬إنهم قالوا لي كذا وكذا‪،‬‬ ‫وقالوا فّي كذا وكذا‪ ،‬وفي رواية‪" :‬إن قومك صنعوا كذا وكذا‪ ،‬وما‬ ‫زال يعتذر إلّي حتى ذهب ذلك من نفسي‪ ،‬فما قمت من مقعدي ومن‬ ‫الناس أحد أحب إلّي منه"‪ ،‬بل قالت عنه ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫ضا ‪" :‬ما رأي ُ‬ ‫ت قط أحسن خلًقا من رسول ا صلى ا عليه‬ ‫أي ً‬ ‫وسلم")‪.(4‬‬ ‫أعرس بها رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ بعد ما طهرت من‬ ‫‪148‬‬


‫الحيض في قبة وذلك إعمالً لقوله صلى ا عليه وسلم ‪’’:‬ول يحل‬ ‫لمرئ يؤمن بال واليوم الخر أن يقع على امرأة من السبي حتى‬ ‫يستبركئها’’)‪ ،(5‬ولهذا فقد دفعها لم سليم لتصلح من شأنها‪ ،‬وبات‬ ‫تلك الليلة أبو أيوب النصاري رضي ا تعالى متوشًحا سيفه‬ ‫يحرسه ويطوف بتلك القبة حتى أصبح رسول ا‪ ،‬فرأى مكان أبي‬ ‫أيوب‪ ،‬فقال‪’’ :‬مالك يا أبا أيوب؟’’‪ ،‬قال‪ :‬يا رسول ا خفت عليك‬ ‫من هذه المرأة‪ ،‬قتلت أباها وزوجها وقومها وهي حديثة عهد بكفر‪،‬‬ ‫فبت أحفظك‪ ،‬فقال‪’’ :‬اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني’’‪.‬‬ ‫لم ُيكةِره الرسول صلى ا عليه وسلم أحًدا على الدخول في دين‬ ‫السلم وذلك كما علمه وأمره ربه عز وجل ‪،‬إل أن يكون عن قناعة‬ ‫منه‪ ،‬ولذا فقد سأل ـ صلى ا عليه وسلم ـ صفية عن ذلك‪ ،‬قاكئلً‬ ‫ت السلم أمسكُتك لنفسي ]أي‪ :‬تزّوجتك[‪،‬‬ ‫لها‪’’ :‬اختاري‪ ،‬فإن اختر ةِ‬ ‫وإن اخترت اليهودية فعسى أن أعتقةِك فتلحقي بقومك’’‪ ،‬فقالت‪" :‬يا‬ ‫ت السلم وصدق ُ‬ ‫رسول ا‪ ،‬لقد هوي ُ‬ ‫ت بك قبل أن تدعوني‪ ،‬حيث‬ ‫صر ُ‬ ‫ت إلى رحلك وما لي في اليهودية أرب‪ ،‬وما لي فيها والد ول‬ ‫أ خ‪ ،‬وخيرتني الكفر والسلم‪ ،‬فال ورسوله أحب إلّي من العتق وأن‬ ‫أرجع إلى قومي")‪.(6‬‬ ‫ماذا أحكي عن أمنا صفية ـ رضي ا عنها ـ التي اختارت السلم‬ ‫والرسول قبل أن ترى الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ مما يدل على رجحان‬ ‫عقلها؟ ‪ ..‬أم أحكي عن صدقها‪ ،‬وحلمها؟‪ ،‬أم عن كرمها‪ ،‬وشجاعتها؟ ‪..‬أما‬ ‫إذا بدأت بصدقها فقد شهد لها به رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ وذلك‬ ‫حين سأل عاكئشة التى دخلت متنقبة على صفية لتراها بعد أن قدمت المدينة‬ ‫ونزلت في بيت الحارثة بن النعمان وتحدث نساء النصار عن جمالها ‪ ،‬فلما‬ ‫ت يا‬ ‫خرجت خرج النبي صلى ا عليه وسلم على أثرها‪ ،‬فقال ‪’’ :‬كيف رأي ةِ‬ ‫عاكئشة’’‪ ،‬قالت ‪ :‬رأي ُ‬ ‫ت يهودية‪ ،‬فقال ‪’’:‬ل تقولي ذلك‪ ..‬فإنها أسلمت وحسن‬ ‫إسلمها’’‪ ،‬كما شهد لها ًـ صلى ا عليه وسلم ـ بصدقها ثانية وهو في‬ ‫مرضه الخير‪ ،‬وذلك حين قالت‪ :‬وا يا نبي ا لودد ُ‬ ‫ت أن الذي بَك بي‪.‬‬ ‫ضَن ’’ ‪ ،‬قلن‪ :‬من أي شيء؟‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫ضَم ْ‬ ‫فغمزها أزواجه فأبصرهّن‪ ،‬فقال‪َ ’’:‬م ْ‬ ‫’’من تغامزكن بها‪ ،‬وا إنها لصادقة’’)‪.(7‬‬ ‫‪149‬‬


‫إذن فقد شهد لها الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ بصدق إيمانها ‪ ،‬وصدق‬ ‫عاطفتها نحوه ‪ ،‬أما ما يشهد بصدق صفية وحلمها مًعا فهو موقفها مع‬ ‫جاريتها التي أتت أمير المؤمنين عمر لتشي بها عنده‪ ,‬فقالت‪ :‬إن صفية‬ ‫تحب السبت وتصل اليهود‪ ،‬فبعث إليها فسألها عن ذلك‪ ،‬فقالت‪ :‬أما السبت‬ ‫فإني لم أحبه منذ أبدلني ا به الجمعة وأما اليهود فإن لي فيهم رحًما فأنا‬ ‫أصلها‪ .‬ثم قالت للجارية‪ :‬ما حملك على هذا؟‪ ،‬قالت‪ :‬الشيطان‪ ،‬قالت‪ :‬إذهبي‬ ‫فأنت حرة)‪.(8‬‬ ‫أما تلك العاطفة الجميلة النبيلة الصادقة التي نشأت بين صفية وزوجها‬ ‫رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ فل يكاد المرء يخطكئها حين يتلمسها فى‬ ‫أكثر من موضع‪ ،‬بل يكاد يجزم أنه يحس بدفء تلك المشاعر حين يقرأها‪،‬‬ ‫وذلك حين دخل عليها النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ وقد بلغها عن عاكئشة‬ ‫وحفصة أنهما قالتا ‪ :‬نحن أكرم على رسول ا منها نحن أزواجه وبنات‬ ‫عمه‪ ،‬فذكرت له ذلك‪ ،‬فقال‪’’:‬أل قلت وكيف تكونان خيًرا مني وزوجي‬ ‫محمد‪ ،‬وأبي هارون‪ ،‬وعمي موسى’’)‪ ..(9‬أي أن الرسول ل يهدأ خاطرها‬ ‫وحسب بل ينصرها على بنات أحب الناس إليه الصديق والفاروق‪ ،‬بل‬ ‫ويلقنها ما تقوله لهما إذا ما كررا قوليهما ‪ ..‬بل تشهد بسمو تلك العاطفة‬ ‫الحارة في نصرته لصفية على زينب بنت جحش بنت عمته إلى الحد الذى‬ ‫يقاطعها ما يقارب الثلثة أشهر وذلك حين حج ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫بنساكئه‪ ،‬فبرك بصفية جملها فبكت وجاء رسول ا لما أخبروه‪ ،‬فجعل يمسح‬ ‫دموعها بيده‪ ،‬وهى تبكي‪ ،‬وهو ينهاها فنزل رسول ا بالناس‪ ،‬فلما كان‬ ‫عند الّرَواةِ ح‪ ،‬قال لزينب بنت جحش‪’’ :‬أَْفةِقةِري ]أى‪ :‬أعطى[ أ ُْخَتةِك صفية‬ ‫َجَملً’’ – و كانت من أكثرنساكئه ظهًرا ـ فقالت‪ :‬أََنا أ ُْفةِقُر َيُهْوةِدّيَتَك‪ .‬فغضب‬ ‫رسول ا صلى ا عليه وسلم حين سمع ذلك منها‪ ،‬فهجرها‪ ،‬فلم ُيكّلْمها‬ ‫حتى قدم مكة وأيام ةِمنى من سفره حتى رجع إلى المدينة والمحّرم وصفر‪،‬‬ ‫سْت منه‪ ،‬فلّما كان شهر ربيع الول دخل عليها‬ ‫فلم يأتها ولم يقسم لها‪ ،‬فأ َةِي َ‬ ‫رسول ا صلى ا عليه وسلم‪ ،‬فرأت ظّله‪ ،‬فقالت‪ :‬إن هذا الظلّ ظل ّ رجل‪،‬‬ ‫وما يدخل عَلّي النبي صلى ا وسلم‪ ،‬فلما رأته قالت ‪ :‬رسول ا‪ ،‬ما أدري‬ ‫ما أصنع حين دخلَت عَلّي‪ .‬وكانت لها جارية تخّبكئها من رسول ا صلى ا‬ ‫عليه وسلم ‪ ،‬فقالت‪ :‬فلنة لَك)‪.(10‬‬ ‫‪150‬‬


‫وفي حديث متصل بنفس الواقعة السابقة أن الرسول ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ لّما أخذ يكفكف دمع صفية عندما برك جملها ولم تنتةِه فزجرها‬ ‫وانتهرها وأمر الناس بالنزول فنزلوا ولم يكن ينوى نزوًل‪ ،‬وخشيْت على‬ ‫رسول ا أن يكون قد غضب عليها‪ ،‬وقد كان هذا يومها من رسول ا ـ‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ فتركته لعاكئشة راجيًة منها أن تجعله ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ ليرضى عنها ‪ ..‬وذلك لمحبتها له‪ ،‬وخوفها من غضبه عليها‪.‬‬ ‫وتحكي اليام شجاعتها وشهامتها حين وقفت ترد بنفسها الثوارعن‬ ‫عثمان بن عفان أمير المؤمنين إلى أن أصابوا بغلتها‪ ،‬ولم تكف برغم هذا‬ ‫عن مؤازرته حين وضعْت خشًبا من منزلها إلى منزله لتنقل عليه الماء‬ ‫والطعام إليه بعد أن حاصروه ومنعوه عنه)‪.(11‬‬ ‫تحكى كتب السيرة عن كرم وسخاوة نفس أمنا صفية حين أهدت الزهراء‬ ‫فاطمة بنت محمد ـ صلى ا عليه وسلم ـ وبعض أخواتها من أمهات‬ ‫المؤمنين حلقات من ذهب كانت لها‪ ،‬وما أرادت أن تترك الدنيا ولها فيها أو‬ ‫منها شيء فتصدقت بثمن دارها قبيل وفاتها‪ ،‬فهكذا تعلمت من زهده ـ صلى‬ ‫ا عليه وسلم ـ الزاهد القادر)‪.(12‬‬ ‫أما الحكمة الكامنة في زواجه ـ صلى ا عليه وسلم ـ من صفية غير‬ ‫جمالها‪ ،‬كونه أراد أن يرسي في أتباعه من المؤمنين مباديء الرحمة‪ ،‬وقيم‬ ‫التسامح؛ فصفية التي أتت من بيت نبوة‪ ،‬وعلم‪ ،‬ودين سماوي سابق‪ ،‬لما‬ ‫تكشفت لها الحقاكئق عفت‪ ،‬وصفحت‪ ،‬وتسامت عن الحقاد‪ ،‬فسهل التواصل‬ ‫بينها وبين نبي آخر الزمان‪ ،‬كما أن الصل فى السلم أن يتزوج الرجل‬ ‫المرأة لدينها‪ ،‬فإذا كانت ذات جمال وخلق كان ذلك نعمة كبيرة‪ ،‬ول يعد هذا‬ ‫مطعًنا في شخص وسيرة الرسول صلى ا عليه وسلم‪.‬‬ ‫توفيت ـ رضي ا عنها ـ في رمضان سنة خمسين من الهجرة ‪ -‬في‬ ‫خلفة معاوية بن أبى سفيان رضي ا عنهما‪ -‬ودفنت بالبقيع بجوار أمهات‬ ‫المؤمنين‪ ،‬رضوان ّ‬ ‫ا عليهن أجمعين‪.‬‬

‫‪151‬‬


‫نساء فى حياة الرسول‬

‫ــــــــــــــــــــــــــــــــ هامش الفصل الخامس‬

‫عشر ــــــــــــــــــــــــــــ السيد إبراهيم‬

‫)‪ (1‬البخاري‪ :‬أبواب الصلة في الثياب‪ ،‬باب ما يذكر في الفخذ )‪.(364‬‬ ‫)‪(2‬ابن إسحاق في السيرة والبيهقي في "دللئل النبوة" ‪.‬‬ ‫)‪(3‬ابن القيم‪ :‬زاد المعاد ‪ ،3/291‬والمباركفوري‪ :‬الرحيق المختوم ص ‪.325‬‬ ‫)‪(4‬أنظر الطبراني في المعجم الوسط وأبو يعلى في مصنفه‪.‬‬ ‫)‪ (5‬حديث مرفوع ‪ ،‬السنن الكبرى للبيهقي‪.‬‬ ‫)‪(6‬الطبقات الكبرى ‪.7 / 123‬‬ ‫)‪(7‬ابن رسعد‪ :‬الطبقات الكبرى ‪ ،2/313‬وابن حجر‪ :‬الصابة في تمييز الصحابة ‪،7/741‬‬ ‫والذهبي‪ :‬رسير أعلم النبلء ‪.2/235‬‬ ‫)‪ (8‬ابن عبد البر‪ ،‬في الرستيعاب في معرفة الصحاب ص ‪.917‬‬ ‫)‪(9‬رواه الترمذي برسند صحيح )التاج الجامع ‪.(3 / 385‬‬ ‫)‪(10‬الصالحي الشامي‪ :‬رسبل الهدى والرشاد ‪.9/67‬‬

‫‪152‬‬


‫)‪(11‬ابن رسعد‪ :‬الطبقات الكبرى ‪ ،8/128‬والذهبي‪ :‬رسير أعلم النبلء ‪.2/237‬‬ ‫)‪(12‬الطبقات الكبرى ‪ ،7 / 127‬الصابة ‪.4 / 347‬‬

‫الفصل السادس عشر‬

‫أم حبيبة زوج الحبيب‬ ‫صلى ا عليه وسلم‬ ‫‪153‬‬


‫لم تكن بنت أبي سفيان؛ صخر بن حرب بن أمية بن عبد شــمس بــن عبــد‬ ‫مناف الموّية‪ ،‬بعيدة عن أحداث مكة وما يدور فيهــا عــن ظهــور نــبي يــدعو‬ ‫لدين جديد‪ ،‬بل كانت مهيأة لذلك تماًما؛ فزوجها عبيد ا بن جحــش الســدي‬ ‫كــان مــن الــذين ينكــرون وثنيــة قــومه‪ ،‬وخــرج عليهــم مــن قبــل حيــن اتخــذ‬ ‫المسيحية ديًنا‪ ،‬كما أنه ابن عمة نبي ذلك الـدين الجديـد‪ ،‬وليـس ببعيـ ٍد عنهـا‬ ‫والدها رأس الكفر الذي يشن على محمد بــن عبــدا الحــرب الضــروس مــن‬ ‫أجل اثناءه عن دعوته تلك التى فرقت قومهم‪ ،‬وجرأت العبيد عليهــم‪ ،‬وتهــدد‬ ‫مكة كلها وما حولها بتجارتها وآلهتها ومكانتهابين العرب وغيرهم‪.‬‬ ‫خاطرت حين أسلمت رملة مع زوجها في دار الرقم بن أبي الرقم فقد كــان‬ ‫الذي سينتظرها من غضب عليها شديد نظًرا لمكانتها ومكانة أبيها‪ ،‬فلم يكــن‬ ‫بـًدا بعــد اشــتداد الذى إل الهجــرة‪ ..‬هــاجرْت رملــة الــتي أصــبحت كنيتهــا)أّم‬ ‫حبيبة( مع زوجها عبيد ا بن جحش إلى أرض الحبشة في الهجــرة الثانيــة‬ ‫وهى حامل فولدت ابنتها "حبيبة" هناك‪ ،‬تاركًة خلفها رغــد العيــش‪ ،‬والعــزة‬ ‫والمنعـة‪ ،‬لتخـرج إلــى بلد ل تعـرف عنهـا شـيًكئا‪ ،‬يفصــل البحــر بينهــا وبيــن‬ ‫موطنها وهّي التى لم تعتد ركوبه‪ ،‬راضــية بكــل هــذا فــي ســبيل دينهــا‪ ،‬الــذي‬ ‫رأت كل تضحياتها في سبيله تهون‪.‬‬

‫‪154‬‬


‫لم تصفو اليام لها في غربتها؛ فزوجها تتبدل أحواله أمامها إلى السوء‪،‬‬ ‫وتحذره مغبة الخاتمة‪ ،‬ولكنه يتمادى وينهرها مكذًبا صدق إحساسها فيما‬ ‫ترى‪ ،‬إلى أن خلدت للنوم ذات ليلة فتهاجمها رؤيا أفزعتها رأت فيها كأن‬ ‫عبيد ا بن جحش بأسوأ صور ٍة وأشوهه‪ ،‬ففزعت‪ ،‬وقالت تحدث نفسها‪:‬‬ ‫)تغّيَرْت وا حالُه(‪.‬‬ ‫ما كاد الصبح يعلن عن دخول الحبشة في يو ٍم جديد من أيام ا حتى‬ ‫فاجأها عبيد ا بما لم تتوقعه‪ ،‬فكل ما حسبته من أمره فقط هو تغير في‬ ‫أخلقه ليمكن أن يقوده أبًدا إلى ترك عقيدته‪ ،‬فقال يخاطبها‪ :‬يا أّم حبيبة‪،‬‬ ‫ت قد ةِدْن ُ‬ ‫إني نظرت في الدين فلم أََر ديًنا خيًرا من النصرانّية‪ ،‬وكن ُ‬ ‫ت بها ثم‬ ‫دخلت في دين محمد‪ ،‬ثم رجعت في النصرانّية‪ ،‬فقالت وهّى تنتفض من هول‬ ‫ماسمعت ‪" :‬وا ما ةِخيَر لَك")‪ ،(1‬ولكي تثنيه عن عزمه أخبرته برؤياها‬ ‫التي رأتها‪ ،‬فلم يحفلْ بها‪ ،‬حتى مات أخيًرا بعد أن انصرف في أيامه التى‬ ‫سبقت حتفه مقيًما على الخمر يمل بها جوفه ليل نهار‪ ،‬ومن قالوا أنه مات‬ ‫دون أن يفارق دينه )‪.(2‬‬ ‫هكذا انتهى الحال بأم حبيبة امرأة تركت وطنها لبل ٍد جديد عليها‪ ،‬وفارقت‬ ‫ضا‪ ،‬تواجه الدنيا وحيدة بل زوج‪ ،‬وأهل تدرك‬ ‫دين آباكئها لدين جديد عليها أي ً‬ ‫تماًما مدى ما ستلقي منهم من شماتة وسخرية إذا ما عادت وتلقت‬ ‫الوجوه‪ ،‬وكيف لها أن تعود؟‪ ..‬إنها في موقف صعب ‪ ..‬صعب جًدا؛ فقد‬ ‫أصبحت في المنطقة الخطر بحيث ل تستطيع أن تتقدم خطوة أو تتأخر‬ ‫مثلها‪ ،‬فمن ذا الذي سينقذها من تلك المحنة القاسية التي لم تحسب لها‬ ‫حساًبا من قبل؟‬ ‫لم يكن ـ صلى ا عليه وسلم ـ بعيًدا عنها آنذاك‪ ،‬فقد كان وهو يهاجر‬ ‫إلى المدينة التي أراد أن يتخذها موطًنا جديًدا بديلً للمسلمين‪ ،‬يتحسس‬ ‫ضا بالحبشة‪ ،‬فما كادت تنقضي عدتها حتى بعث‬ ‫أخبار أتباعه بمكة وأي ً‬ ‫ب إلى‬ ‫رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ عمر بن أمية الضمري بكتا ٍ‬ ‫النجاشي فى المحرم من العام السابع الهجري ليخطب عليه أم حبيبة‪.‬‬ ‫‪155‬‬


‫رأت أّم حبيبة في منامها كأّن آتًيا يقول‪ :‬يا أّم المؤمنين‪ .‬ففةِزْع ُ‬ ‫ت فأّولتها أن‬ ‫رسول ا يتزّوجها‪ ،‬ولم تشعر إلّ برسول النجاشي على بابها يستأذن‪ ،‬فإذا‬ ‫جارية له يقال لها أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه‪ ،‬فدخَلْت عَليها‪ ،‬قاكئلًة‪:‬‬ ‫إن الَملةَِك يقول لةِك‪ :‬إن رسول ا كتب إَلّي أن أ َُزّوَجكه‪،‬فقالت لها أم حبيبة‪:‬‬ ‫ب ّ‬ ‫شرةِك ا بخير‪ ،‬فقالت لها أبرهة‪ :‬يقول لك الملك وّكلي َمْن ُيَزّوجك‪.‬‬ ‫أرسلْت أم حبيبة من فورها إلى خالَد بن سعيد بن العاص‪ ،‬فوّكَلْته ‪،‬‬ ‫وأعطْت أبرهة سوارْين من فضة وَخَدمَتين ]خلخالين[ كانتا في رجليها‪،‬‬ ‫وخواتيم فضة كانت في أصابع رجليها سروًرا بما ب ّ‬ ‫شرتها به‪.‬‬ ‫فلّما كان العشّي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب وَمْن هناك ةِمن المسلمين‬ ‫فحضروا‪ ،‬فخطب النجاشي فقال‪ :‬الحمد ل الملك القدوس السلم المؤمن‬ ‫المهيمن العزيز الجبار‪ ،‬أشهد أْن ل إله إلّ ا وأّن محمًدا عبده ورسوله‪،‬‬ ‫وأنه الذي ب ّ‬ ‫شر به عيسى بن مريم؛ أّما بعد‪ :‬فإن رسول ا صلى ا عليه‬ ‫وسلم كتب إَلّي أن أزوجه أّم حبيبة بنت أبي سفيان‪ ،‬فأجب ُ‬ ‫ت إلى ما دعا إليه‬ ‫رسول ا صلى ا عليه وسلم وقد أصدْقُتها أربعماكئة دينار‪ .‬ثم سكب‬ ‫الدنانير بين يدي القوم‪ .‬ثم قام خالد بن سعيد متكلًما‪ ،‬فقال‪ :‬الحمد ل‪ ،‬أحمده‬ ‫وأستعينه وأستنصره‪ ،‬وأشهد أْن ل إله إلّ ا وحده ل شريك له‪ ،‬وأشهد أّن‬ ‫محمًدا عبده ورسوله‪ ،‬أرسله بالهدى ودين الحّق؛ لُيظهره على الدين كله‪،‬‬ ‫ولو كره المشركون‪ .‬أّما بعد‪ ،‬فقد أجب ُ‬ ‫ت إلى ما دعا إليه رسول ا صلى ا‬ ‫عليه وسلم وزّوجته أّم حبيبة بنت أبي سفيان‪ ،‬فبارك ا لرسوله صلى ا‬ ‫عليه وسلم ودفع الدنانير إلى خالد بن سعيد بن العاص فقبضها باعتبار‬ ‫سّنة النبياء إذا‬ ‫وكيل الزوجة‪ ،‬ثم أرادوا أن يقوموا فقال‪ :‬اجلسوا؛ فإن ُ‬ ‫تزّوجوا أن ُيؤكل طعاٌم على التزويج‪ .‬فدعا بطعام وأكلوا‪ ،‬ثم تفّرقوا‪.‬‬ ‫لم يتزوج رسول ا ـ صلى ا عليــه وســلم ــ إل الُمحســنات مــن النســاء‬ ‫المحبــات للتصــدق‪ ،‬وهكــذا كــانت أم حبيبــة فمــا أن وصــل إليهــا المــال حــتى‬ ‫أرسلت إلى أبرهة التي بشرتها‪ ،‬فقالت لها‪" :‬إّني كنـ ُ‬ ‫ت أعطيُتــك مــا أعطيُتــك‬ ‫يومكئ ٍذ ول مـال بيـدي‪ ،‬فهـذه خمســون مثقـاًل‪ ،‬فُخـذيها فاسـتعيني بهـا‪ .‬فـأبْت‬ ‫أبرهة وأخرجْت ُحًّقا فيه كل ما كانت أعطته لها أم حبيبة فردته لها‪ ،‬وقــالت‪:‬‬ ‫‪156‬‬


‫عزم علّي الملك أن ل أَْرَزأَةِك شيًكئا ]أى ل أنقص من مالــك شــيًكئا[‪ ،‬وأنــا الــتي‬ ‫أقوم على ثيابه ودهنه‪ ،‬وقــد اتبعـ ُ‬ ‫ت ديــن محمــد رســول اـ صــلى اـ عليــه‬ ‫وسلم ‪ ،‬وأسلم ُ‬ ‫ت ل عزوجل‪ ،‬فحاجتي إليك أن تقركئي على رســول ا ـ صــلى‬ ‫ا عليه وسلم مني السلم‪ ،‬وُتعلميه أّني قد اّتبع ُ‬ ‫ت دينه‪ .‬قالت‪ :‬ثم لطفـْت بــي‬ ‫سْي حاجتي إليك"‪.‬‬ ‫وكانت التي َجّهزتني‪ ،‬وكانت كّلما دخلت عَلّي تقول‪ :‬ل تن َ‬ ‫عادت أم المؤمنين رملة مع الذين عادوا مــع جعفــر بــن أبــي طــالب‪ ،‬عقــب‬ ‫س‪ ،‬وعنــبر‬ ‫فتح النبي لخيبر‪ ،‬ومعها هدايا زوجات النجاشى مــن الُعــو ٍد‪ ،‬وَوَر ٍ‬ ‫وزّبــا ٍد الكــثير‪ ،‬فَق ـةِدْم ُ‬ ‫ت بــذلك كّلــه علــى رســول ا ـ صــلى ا ـ عليــه وســلم‬ ‫ســم‪ ،‬وأقرْأتــه منهــا الســلم‪،‬‬ ‫‪،‬وأخبرته بأمر خطبتها وما فعَلْت بها أبرهة‪ ،‬فتب ّ‬ ‫ا َوَبَرَكاُتُه‪ ،‬ثم أنزلها ـ صلى ا عليه وســلم‬ ‫سلُم َوَرْحَمُة ةِ‬ ‫فقال‪َ" :‬وَعَلْيَها ال ّ‬ ‫ـ إحدى حجراته بجوار زوجاته الخريات‪ ،‬واحتفــل نســاء المدينــة بــدخول أم‬ ‫حبيبة بنت سفيان بيت رســول اـ صــلى اـ عليــه وســلم‪ ،‬وقــد أوَلــم خالهــا‬ ‫عثمان بن عفان وليمة حافلة نحر فيها الذباكئح‪ ،‬وأطعم الناس اللحم‪.‬‬ ‫وصل نبأ زواج النبى ـ صلى اـ عليــه وســلم ــ إلــى بطاكئــح مكــة وديارهــا‪،‬‬ ‫فخرج أبو سفيان مبتهًجا معجبا بصنيع محمــد قــاكئلً ‪" :‬هــذا الفحــل ل يجــدع‬ ‫ضــا‬ ‫أنفه" ‪ ..‬فهو زواج أضفى على محمد كل إكبار وإجلل بعــد أن كــان معر ً‬ ‫للسخرية لما فعله ابن عمته من الرتداد‪ ،‬وكــان أكــبر الجلل مــا شــعرت بــه‬ ‫هذه الزوجة البية ‪ ..‬فقد كان زواج نخوة ‪ ..‬وزواج كياسة ‪ ..‬وزواج حمايــة‬ ‫لسمعة الدعوة‪ ،‬زواج تم ’’على بياض’’ في أرض بعيدة‪ ،‬ول أحد يــدري هــل‬ ‫يكتب للغاكئب العودة مع ساكئر الغــاكئبين‪ ،‬أم يكــون اللقــاء فــي رحــاب اـ يــوم‬ ‫يبعثون‪ ،‬زواج يمكن أن يقال في بــواعثه أي شــيء إل أنــه زواج شــهوة‪ ،‬أو‬ ‫قضاء نـزوة ‪ ..‬هــذا مجمــل مــا حكــم بــه الــدكتور نظمــي لوقــا)‪ ،(3‬المســيحي‬ ‫العقيدة‪ ،‬وهّي في مجملها شهادة ليحتاجها رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم‬ ‫ـ بل يحتاجها كل من يرجفون حول السيرة النبوية المطهرة‪.‬‬ ‫وبعد زواجها من رسول ا صلى ا عليه وسلم ظّلْت مخلصًة له ولدينه‬ ‫ولبيته؛ فُيروى أّن أبا سفيان بن حرب والدها قد جاء من مكة إلى المدينة‬ ‫طالًبا أن َيُمّد النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ هدنة الحرب التي ُعقدت في‬ ‫الحديبية‪ ،‬فلم يقبل رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ فجاء إلى ابنته أّم‬ ‫‪157‬‬


‫حبيبة‪ ،‬فأراد أن يجلس على فراش رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم‬ ‫ـ فطوته دونه‪ ،‬فقال‪ :‬يا ُبَنّية‪ ،‬أرغبت بهذا الفراش عني‪ ،‬أو بي عنه؟ قالت‪:‬‬ ‫بل هو فراش رسول ا وأنت امرؤ مشرك نجس‪ ،‬فلم أحب أن تجلس على‬ ‫فراش رسول ا صلى ا عليه وسلم قال‪ :‬يا ُبَنّية‪ ،‬لقد أصابك بعدي شّر‪.‬‬ ‫ت ‪ -‬سّيد قريش وكبيرها‪ ،‬كيف‬ ‫فقالت‪ :‬بل هداني ا للسلم‪ ،‬وأنت ‪ -‬يا أب ةِ‬ ‫يسقط عنك الدخول في السلم‪ ،‬وأنت تعبد حجًرا ل يسمع ول يبصر؟! فقام‬ ‫من عندها ‪ ..‬غير أنها فرحت أيما فر ح بعد ذلك في فتح مكة حين أعلن أبو‬ ‫سفيان اسلمه‪ ،‬وجعل النبى ـ صلى ا عليه وسلم ـ بيته أماًنا لمن دخله‪.‬‬ ‫تبقى سيرة أمنا أم حبيبة ـ رضوان ا عليها ـ سيرة مجدولة بكل‬ ‫عناصر التضحية‪ ،‬والجهاد‪ ،‬واليثار‪ ،‬والغدر‪ ،‬والوفاء‪ ،‬والحب‪ ،‬والذي يفر ح‬ ‫من النصارى بارتداد عبيد ا بن جحش ـ إن صحت ـ فعليه أن يتعظ ويغتم‬ ‫بسيرة إيمان ملك من ملوك الحبشة بالسلم‪ ،‬ومن يفر ح بكره وحرب بعض‬ ‫قريش للرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ وفيهم بعض أهله‪ ،‬عليه أن يتأمل‬ ‫حب جارية النجاشي له‪.‬‬ ‫تمضي الحياة على عجل وما أسرع اليام كما يقولون ‪ ..‬ويتوفى الرسول‬ ‫ـ صلى ا عليه وسلم ـ لتعيش بعده بسنوات أم حبيبة التي تحس ببوادر‬ ‫الرحيل للحاق به‪ ،‬فأرسلت إلى عاكئشة ‪ -‬رضي ا عنهما‪ -‬لتستسمحها‬ ‫قاكئلة‪" :‬قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضراكئر‪ ،‬فغفر ا لي ولةِك ما كان‬ ‫من ذلك"‪ ،‬فتجاوبها عاكئشة بنفس الخلق المحمدية التى ورثاها‪" :‬غفر ا‬ ‫لةِك ذلك كله‪ ،‬وتجاوز وحّلَلةِك من ذلك"‪ ،‬فقالت أم حبيبة‪" :‬سررتني سّرك‬ ‫ا"‪ .‬ثم أرسلت إلى أّم سلمة‪ ،‬فقالت لها مثل ذلك ‪ ..‬ثم غادرت الحياة‬ ‫مرضًيا عنها وعن ساكئر أزواج النبى الطاهرات ‪ ..‬أمهات المؤمنين‪ ،‬في سنة‬ ‫أرب ٍع وأربعين من الهجرة في خلفة أخيها معاوية بن أبى سفيان‪ ،‬على أصح‬ ‫القوال ‪..‬‬

‫‪158‬‬


‫نساء فى حياة الرسول‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــ هامش الفصل الرسادس‬

‫عشر ــــــــــــــــــــــــــــــ السيد إبراهيم‬

‫)‪ (1‬رسير أعلم النبلء )‪ ،(2/221‬طبقات ابن رسعد )‪.)8/97‬‬ ‫)‪ (2‬أن قصة ردة عبيد ا بن جحش لم تثبت حيث لم ِنُترَو برسند صحيح متصل‪ ،‬بل أن الروايات‬ ‫الصحيحة في زواجه ‪ -‬صلى ا عليه ورسلم ‪ -‬بأم حبيبة لم تذكر ردة زوجها الرسابق‪ ،‬أنظر كتاب‪ :‬ما‬ ‫شاع ولم يثبت في الرسيرة النبوية‪ ،‬ص ‪ 38‬ـ ‪.43‬‬ ‫)‪ (3‬نظمي لوقا‪ :‬كتاب‪:‬محمد في حياته الخاصة‪ ،‬ص ‪.103‬‬

‫‪159‬‬


‫الفصل السابع عشر‬

‫آخر أمهات المؤمنين وأتقاهن‬

‫‪160‬‬


‫أهلّ ذو القعدة من العام السابع الهجري على المسلمين وهم في شوق‬ ‫لقدومه السعيد‪ ،‬ولما ل فقد جاء بعد عام مضى على توقيع صلح الحديبية‬ ‫بين المسلمين ومشركي مكة‪ ،‬وفيه نص بأن يعود المسلمون في عام قابل‬ ‫ويدخلوا مكة ليمكثوا بها ثلثة أيام ليزيدون عليها‪ ،‬فهاهو الرسول ـ صلى‬ ‫ا عليه وسلم ـ يأمر أصحابه بالعتمار ممن شهد معه الحديبية فكان‬ ‫تعدادهم ألفين رجل بدون النساء والصبيان وممن استشهدوا‪ ،‬وساق ستين‬ ‫بدنة‪ ،‬كما تقلد سلحه مخافة الغدر من قريش‪.‬‬ ‫كان هذا المشهد فى المدينة أما في مكة فقد خرج المشركون إلى جبل‬ ‫قَُعيْقَعان يرقبون دخول المسلمين يتقدم موكبهم المهيب الرسول ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ راكًبا ناقته القصواء وعبدا بن رواحة بين يديه يقول‬ ‫الشعرمتوشًحا سيفه ‪:‬‬ ‫َخّلوا بني الكفار عن سبيله‬

‫خلوا فكل الخير في رسوله‬

‫أخذ النبهار بمرأى ومسمع ولب وقلب َبّرة بنت الحارث بن َحْزن‬ ‫الهللية‪ ،‬وهي تشاهد عن قرب الرجل الذي سبقتها أختها لمها زينب بنت‬ ‫خزيمة بالزواج منه‪ ،‬وأمنية القتران به تتردد في جنبات فؤادها ينقلها‬ ‫لسانها دعوات دامعات صادقات تمر فوق رأس ذلك الطاهر الطاكئف بالكعبة‬ ‫ملبًيا ثم تصعد إلى رب السماء حارة ساخنة أسخن وأحر من حر مكة‪.‬‬ ‫‪161‬‬


‫تهرع َبّرة عجلى إلى بيت أختها لبويها أم الفضل لبابة الكبرى لتحكي‬ ‫سُر إليها على استحياء برغبتها الكامنة العارمة‪،‬‬ ‫لها جلل ما شهدت‪ ،‬ثم ت ّ‬ ‫فتشفق عليها أختها التي هرعت هّي الخرى إلى زوجها وعم الرسول ـ‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ العباس بن عبد المطلب الذي خف للقاكئه بالجحفة‬ ‫ودار بينهما مادار من حديث عن َبّرة وعن سنوات عمرها السادسة‬ ‫والعشرين‪ ،‬وعن فراقها من زوجها الول مسعود بن عمرو بن عمير‬ ‫الثقفي الذي تزوجها في الجاهلية‪ ،‬ثم ترملها من أبي رهم بن عبد العزي‬ ‫العامري‪.‬‬ ‫لم تكن َبّرة بالغريبة عن رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ فهّي وثلث‬ ‫من أخواتها من قال فيهن‪’’ :‬الخوات المؤمنات’’‪ ،‬وذلك فيما رواه ابن‬ ‫ت ُمْؤةِمَنا ٌ‬ ‫عباس عنه صلى ا عليه وسلم أنه َقالَ ‪’’:‬الََخَوا ُ‬ ‫ج‬ ‫ت ‪َ :‬مْيُموَنُة َزْو ُ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫ضةِل ةِبْن ُ‬ ‫ث‪َ ،‬وأ ُْخُتَها‬ ‫ت اْلَحاةِر ةِ‬ ‫سّلَم‪َ ،‬وأ ُْخُتَها أ ُّم اْلَف ْ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َوآَلةِةِه َو َ‬ ‫الّنةِبّي َ‬ ‫ث اْمَرأَُة َحْمَزةِة‪َ ،‬وأَْسَماُء ةِبْن ُ‬ ‫سْلَمى ةِبْن ُ‬ ‫هّن’’)‪،(1‬‬ ‫ت اْلَحاةِر ةِ‬ ‫َ‬ ‫س أ ُْخُتُهّن ل ُّم ةِ‬ ‫ت ُعَمْي ٍ‬ ‫كما أن أختها لمها السيدة زينب بنت خزيمة ـ رضّي ا عنها ـ ضمها بيت‬ ‫النبوة زوًجا كريًما للرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ ‪ ،‬فوافق على زواجه‬ ‫منها‪ ،‬وأصدقها)‪ ،(2‬وكان قد بعث ابن عمه جعفًرا‪ -‬زوج أختها لمها أسماء‬ ‫بنت عميس‪ -‬يخطبها‪ ،‬فلما جاءها الخاطب بالبشرى ‪ -‬وكانت على بعير‪-‬‬ ‫قالت‪ :‬البعير وماعليه لرسول ّ‬ ‫ا‪ ،‬وجعلت العباس وليها في أمر الزواج)‪.(3‬‬

‫‪162‬‬


‫كان بعيرها هدية منها لرسول ا ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ الذي حقق أمنيتها‪ ،‬وهي التي تعلم أنه إنما‬ ‫أنعم عليها بمثل هذه الزيجة رغم نصيبها الفقير من‬ ‫الجمال‪ ،‬وعمرها الذي شارف على الدخول في مدار‬ ‫العقد الثلثيني‪ ،‬من دواعي البر وحسن الصلة وإكرام عشيرتها‬ ‫الذين آزروه ونصروه ‪ ،‬غير أنها لم تكن من الواهبات أنفسهن‬ ‫لرسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ ؛ فالواهبة ل تقبض‬ ‫مه ًرا‪ ،‬بينما أمهرها صلى ا عليه وسلم أربعماكئة درهم‪ ،‬وقيل‬ ‫بخمسماكئة درهم ‪ ،‬والمحفوظ أنه لم يدخل بأحد من الواهبات‪ ،‬وإنما هي فقد‬ ‫دخل بها صلى ا عليه وسلم‪.‬‬ ‫شارفت اليام الثلثة على النتهاء ولم تكد عين رسول ا ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ وقلبه يشبعان من مكة موطنه خير أرض ا وأحب بلد ا‬ ‫إلى ا الذى شهد ميلده‪ ،‬وشب فيه صبًيا‪ ،‬وتزوج فيه وأنجب‪ ،‬ونزلت عليه‬ ‫الرسالة في قمة من قمم جباله الشاهقات الشوامخ‪ ،‬وضم ترابه رفات زوجه‬ ‫الولى وبعض بنيه‪ ،‬فكيف بال تكفيه سويعات من عمر الزمن هّي بمثابة‬ ‫قطرات ل تروي ظمأ هذا المهاجر عن دياره قرابة السبعة أعوام‪ ،‬ولم يكن‬ ‫ضا مثله‬ ‫هذا حاله وحده بل حال أصحابه‪ ،‬وهو الذي يدرك مدى حبهم أي ً‬ ‫لمكة ولبيتها الحرام‪ ،‬فلم يجد إل مناسبة زواجه من َبّرة ليعرس بها بين‬ ‫أهلها‪ ،‬عسى أن تطول مدة القامة ويلتقى القرشيون والمسلمون فتكون‬ ‫مدعاة لكسر الحاجز النفسي بين الجانبين‪ ،‬ومحاولة للتقارب‪ ،‬وفرصة‬ ‫للمهاجرين في ةِري ظمأ شوقهم للوطن والهل‪ ،‬غير أن ُحَوْيةِطًبا ْبُن َعْبةِد‬ ‫ث‪َ ،‬فَقاُلوا َلُه‪ :‬إةِّنُه َقةِد‬ ‫ش ةِفي اْلَيْوةِم الّثالةِ ةِ‬ ‫اْلُعّزي أتى النبي ةِفي َنَف ٍر ةِمْن قَُرْي ٍ‬ ‫ضى أََجلَُك َفاْخُرْج َعّنا‪ ،‬فَقال َلهم صلى ا عليه وسلم فى مودة ‪َ’’:‬وَما‬ ‫اْنَق َ‬ ‫صَنْع ُ‬ ‫َعَلْيُكْم َلْو َتَرْكُتُموةِني‪َ ،‬فأ َْعَرْس ُ‬ ‫ت َلُكْم َطَعاًما‬ ‫ت َبْيَن أَْظُهةِرُكْم‪َ ،‬ف َ‬ ‫ضْرُتُموُه؟’’‪ ،‬ولكنهم ردوا في غلظة وجفوة‪َ :‬ل َحاَجَة َلَنا ةِفي َطَعاةِمَك‪،‬‬ ‫َفَح َ‬ ‫َفاْخُرْج َعّنا)‪.(4‬‬ ‫كان ـ صلى ا عليه وسلم ـ كريم الخلق‪ ،‬وفًيا لعهوده ومواثيقه‪ ،‬فلم يشأ‬ ‫ضا أن يجعل العروس تنتظر حتى‬ ‫أن يخالفهم‪َ ،‬فَخَرَج بمن معه‪ ،‬ولم يشأ أي ً‬ ‫ف على بعد عشرة أميال‬ ‫سةِر ٍ‬ ‫يصل إلى دياره بالمدينة‪ ،‬فأمر أصحابه فنزلوا ةِب َ‬ ‫‪163‬‬


‫من مكة أو أقل‪ ،‬فأعرس بميمونة وهو السم الذى اختاره لها ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ تيمًنا بدخوله مكة معتمًرا بعد غيبة سنوات عنها‪.‬‬ ‫عاشت ميمونة في بيت النبوة أجمل أيام عمرها في عبادة‪ ،‬وعلم‪ ،‬وتقى‪،‬‬ ‫وجهاد؛ فقد نقلت ـ رضى ا عنها ـ في غزوة تبوك الماء والزاد‪ ،‬وشاركت‬ ‫في إسعاف الجرحى‪ ،‬وتضميد جراحهم‪ ،‬حتى أصابها يومكئ ٍذ سهم من سهام‬ ‫الكفار‪ ،‬أما العلم فيشهد لها أنها كانت من الحافظات المكثرات لرواية الحديث‬ ‫النبوي الشريف فقد روت سًتا وسبعين حديًثا ولم يسبقها في ذلك من أمهات‬ ‫المؤمنين سوى عاكئشة وأم سلمة مما أْهَلَها أن تنقل سنة النبى ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ بعد وفاته للصحابة والتابعين‪ ،‬أما تقواها فتشهد لها بها السيدة‬ ‫ل‪،‬‬ ‫عاكئشة ـ رضى ا عنهما ـ حين قالت ‪" :‬أََما إةِّنَها َكاَنْت ةِمْن أَْتَقاَنا ةِ‬ ‫صلةَِنا ةِللّرةِحةِم")‪.(5‬‬ ‫َوأَْو َ‬ ‫أحبت أمنا ميمونة النبى ـ صلى ا عليه وسلم ـ حًبا عميًقا هادًكئا؛ إذ كانت‬ ‫كأختها الراحلة زينب بنت خزيمة‪ ،‬لم تسبب له عنًتا ول مشقة‪ ،‬ولم تفتعل‬ ‫خصومات ولو يسيرة مع لداتها من أمهات المؤمنين‪ ،‬بل كانت تحب له ما‬ ‫يحبه هو‪ ،‬ويبدو هذا بجلء حين اشتد به المرض وهو في بيتها‪ ،‬فاستأذنتها‬ ‫عاكئشة في أن تنقله إلى بيتها لُيمّرض عندها‪ ،‬فأذنت لها لعلمها بموقعها‬ ‫عنده‪ ،‬ولرغبته فى ذلك‪ ،‬كذلك يتجلى حبها له ـ صلى ا عليه وسلم ـ في‬ ‫كونها لتحب مال يحبه ـ صلى ا عليه وسلم ـ من الطعمة‪ ،‬مثل عزوفه‬ ‫عن أكل الضب لنه لم يكن بأرض قومه‪ ،‬ومع أنه لم يحرمه إل أنها قالت‪:‬‬ ‫"ل آكل من طعام لم يأكل منه رسول ا صلى ا عليه وسلم")‪.(6‬‬ ‫بادل رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ ميمونة نفس مشاعرها إلى حد‬ ‫الغيرة عليها‪ ،‬وذلك حين قدم شاًبا ُيدعى زياد في وفد بني هلل فدخل منزلها‬ ‫لنها كانت خالته من أختها ُغّرة بنت الحارث‪ ،‬فدخل ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫فرآه عندها فغضب ورجع‪ ،‬فاستمهلته قاكئلة‪ :‬يا رسول ا! هذا ابن أختي‪،‬‬ ‫فدعاه فوضع يده على رأسه ثم حدرها على طرف أنفه‪ ،‬فكان بنو هلل‬ ‫يقولون ما زلنا نعرف البركة في وجه زياد)‪.(7‬‬

‫‪164‬‬


‫تمر اليام كعادتها سريعة‪ ،‬وهكذا كان شأنها مع السيدة ميمونة في‬ ‫البيت النبوي وإن كانت ثلث سنوات‪ ،‬غير أنها كانت أوفر نصيًبا‬ ‫من أختها زينب التي لم تنعم بالعيش فيه سوى ثلثة أشهر‪ ،‬كما أنها‬ ‫عاشت بعد الرسول زمًنا نفعت فيه السلم والمسلمين‪ ،‬وما أن‬ ‫أظلها العام الواحد والخمسين للهجرة حتى أحست بحنين جارف إلى‬ ‫مكة موطنها‪ ،‬وموطن البيت المعمور‪ ،‬وموطن زواجها من الرسول ـ‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ فشدت الرحال للحج وهّي في العقد الثامن من‬ ‫عمرها‪ ،‬وشعرت بعدها بدنو الجل فقالت لمن حولها‪" :‬أخرجوني‬ ‫من مكة فإني ل أموت بها إن رسول ا صلى ا عليه وسلم‬ ‫أخبرني أن ل أموت بمكة"‪ .‬فحملوها حتى أتوا بها سرف إلى‬ ‫الشجرة التي بنى بها رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ تحتها في‬ ‫موضع القبة فماتت‪ ،‬وصلى عليها ابن عباس ودخل قبرها معه يزيد‬ ‫بن الصم وعبد ا بن شداد وهم بنو أخواتها‪ ،‬وعبيد ا الخولني‬ ‫وكان يتيًما في حجرها )‪ ، (8‬واختلفوا في سنة وفاتها‪ ،‬فقيل سنة‬ ‫إحدى وستين‪ .‬وقيل‪ :‬سنة ست وستين‪ .‬وقال أبو عمر‪ :‬توفيت‬ ‫بسرف سنة ست وستين وكان لها يوم توفيت ثمانون أو إحدى‬ ‫وثمانون سنة )‪.(9‬‬ ‫رحم ا أمنا ميمونة بنت الحارث‪ ،‬آخرأزواجه صلى ا عليه وسلم ‪،‬‬ ‫وأول من ماتت منهن في نفس موضع عرسها‪ ،‬حنيًنا ووفاًء ونبؤة من‬ ‫زوجها ـ صلى ا عليه وسلم ـ‪ ،‬رحم ا ‪ ..‬ثانية الراحلت خارج بقيع‬ ‫المدينة لتلحق بالسيدة خديجة قريًبا منها بمكة لتكون إحداهّن بالحجون‬ ‫والخرى بسرف‪ ،‬فتكون مكة بهذا قد ضمت إلى مكانتها مكانًة أخرى‬ ‫وشرف‪ ،‬حيث ضم ترابها رفات أول أزواجه ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫وآخرهن ‪ ..‬رضوان ا عليهن جميًعا ‪.‬‬

‫‪165‬‬


‫نساء فى حياة الرسول‬

‫ــــــــــــــــــــــــــــــــ هامش الفصل الرسابع‬

‫عشر ـــــــــــــــــــــــــــــــ السيد إبراهيم‬

‫)‪ (1‬رواه النرسائي في رسننه الكبرىـ ] المرستدرك )‪4/32‬ـ ‪(33‬وصححه الحاكم ووافقه الهبى ‪ ،‬وقال‬ ‫اللبانى صحيح ‪ ،‬كما فى صحيح الجامع الصغير )‪ ، (2763‬ورسلرسلة الحاديث الصحيحة )‬ ‫‪.(1764‬‬ ‫)‪ (2‬ابن كثير ‪ :‬الرسيرة النبوية ‪.439/3‬‬ ‫)‪ (3‬عيون الثر ‪) -‬ج ‪ / 2‬ص ‪.(392‬‬ ‫)‪ (4‬الحكم في المرستدرك )‪ (6796‬صحيح‪.‬‬ ‫)‪ (5‬الرسير ‪ 2/244‬ورسنده صحيح‪.‬‬ ‫‪166‬‬


‫)‪ (6‬حرسنه اللباني في الصحيحة] ‪.[5/411‬‬ ‫)‪ (7‬ابن كثير‪ :‬البداية والنهاية)‪.(5/108‬‬ ‫)‪ (8‬رواه أبو يعلى ح )‪ ،(7110‬والبخاري في التاريخ الكبير ح )‪ .(379‬قال الهيثمي‪" :‬رواه أبو‬ ‫يعلى ورجاله رجال الصحيح" مجمع الزوائد )‪.(9/401‬‬ ‫)‪(9‬الطبقات ‪.7 / 140‬‬

‫‪167‬‬


‫الفصل الثامن عشر‬

‫‪ :‬أم إبراهيم‬ ‫مصرية فى بيت النبــوة‬

‫رجع رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ من الحديبية في ذي القعدة من‬ ‫سنة ست من الهجرة‪ ,‬ولم يتمكن وكذلك أصحابه من أداء العمرة‪ ،‬غير أنه‬ ‫عقد مع قريش صلًحا أهم بنوده‪ :‬وضع الحرب عن الناس عشر سنين‪ ,‬يأمن‬ ‫فيهن الناس‪ ,‬ويكف بعضهم عن بعض‪ ,‬وأن من أحب أن يدخل في عقد‬ ‫محمد وعهده دخل فيه‪ ,‬ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل‬ ‫فيه ‪.‬‬

‫‪168‬‬


‫جعل ا هذا الصلح فتًحا لما فيه من المصلحة التي أظهرها ا لرسوله ـ‬ ‫ك فلََْتًح عال‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ والتي غابت عن بعض أصحابه ‪﴿ :‬إِنّعا فلَتَْح ْنَلعا لَ َ‬ ‫ُمبِفيْنًعا﴾)‪ ،(1‬وعلمها الخرون ومنهم ابن مسعود ـ رضى ا عنه وعنهم ـ‬ ‫حين كان يخاطب أصحابه ‪" :‬إنكم تعدون الفتح فتح مكة ونحن نعد الفتح‬ ‫صلح الحديبية" )‪ ,(2‬نعم ‪ ..‬كان فتًحا جديًدا في مجال الدعوة إلى السلم؛ إذ‬ ‫فّرَغ ا رسوله ـ صلى ا عليه وسلم ـ ليهود خيبر من جهة‪ ،‬ولمراسلة‬ ‫الملوك والمراء لدعوتهم لدخول دين ا طواعية واختياًرا‪ ،‬فأرسل إلى‬ ‫كسرى ملك فارس‪ ،‬والنجاشي ملك الحبشة‪ ،‬وهرقل ملك الروم‪ ،‬وإلى‬ ‫المقوقس عظيم مصر‪.‬‬ ‫كانت سفارة مصر من نصيب حاطب بن أبي بلتعة أحد فرسان قريش‬ ‫وشعراكئها في الجاهلية‪ ،‬ومن الذين أسلموا مبكًرا‪ ،‬ولذا فقد شهد بدًرا وأحد‬ ‫والخندق والمشاهد كلها مع رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ حيث كان من‬ ‫الرماة الموصوفين‪ ،‬فضلً عن اتصافه بالعلم والحكمة‪ ،‬وحسن السمت‪،‬‬ ‫وكانت هذه خلق وصفات كل من أرسلهم ـ صلى ا عليه وسلم ـ سفراء‬ ‫عنه‪ ،‬فلما قدم حاطًبا مصر‪ ،‬نزل السكندرية حاضرة الملك‪ ،‬ومقر إقامة‬ ‫المقوقس ُجَرْيج بـن َمّتي‪ ،‬فسلمه الرسالة التي حمله إياها رسول ا ـ‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ‪ ،‬فأخذها وهو يخاطب حاطًبا‪ :‬ما يمنع محمًدا إن كان‬ ‫نبًيا أن يدعو علّي فيهلكني؟ ‪ ،‬فأجابه حاطب‪ :‬مامنع عيسى بن مريم أن‬ ‫يدعو على من أبى عليه أن يفعل به كذا وكذا؟‪.‬‬ ‫دار بين الرجلين حديث وسجال كانت نهايته تأثر المقوقس بما في‬ ‫الرسالة‪ ،‬كما تأثر بمنطق حاطب‪ ،‬فوضع الكتاب في ُح ٍق من عاج وختم‬ ‫عليه‪ ،‬واستدعي كاتًبا يكتب العربية فأملى عليه‪" :‬لمحمد بن عبد ا من‬ ‫ت كتابك وفهم ُ‬ ‫المقوقس عظيم القبط‪ ،‬سلم عليك‪ ..‬أما بعد‪ ،‬فقد قرأ ُ‬ ‫ت ما‬ ‫ت أن نبًيا قد بقي‪ ،‬وكن ُ‬ ‫ذكرْت وما تدعو اليه‪ ،‬وقد علم ُ‬ ‫ت أظن أنه يخرج من‬ ‫الشام‪ .‬وقد أكرمت رسولك‪ ،‬وبعث ُ‬ ‫ت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط‬ ‫عظيم‪ ،‬وبكسو ٍة‪ ،‬وأهديت إليك بغلة لتركبها والسلم")‪.(3‬‬ ‫أخذ حاطب طريق العودة إلى مدينة رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ في‬ ‫ركب يضم مارية بنت شمعون‪ ،‬وأختها سيرين‪ ،‬وعبد خصّي ُيْدَعى مأبور‪،‬‬ ‫‪169‬‬


‫وأَْلف مثقال ذهب‪ ،‬وعشرون ثوًبا ليًنا من نسيج مصر‪ ،‬وبغلة شهباء ُتسّمى‬ ‫دلدل‪ ،‬وبعض من عسل‪ ،‬وبعض المسك‪ ،‬وبعض أعواد البخور‪.‬‬ ‫لم تكن مصر هّي "مصر الفرعونية" التي خرج منها موسى شاًبا‪،‬‬ ‫ودخلها عيسى رضيًعا‪ ،‬بل هّي مصر التي دانت مؤخًرا بالمسيحية‪ ،‬وكانت‬ ‫تحت الولية الرومانية‪ ،‬فعرفت معنى النبوة‪ ،‬والدين السماوي‪ ،‬وأخبار نبي‬ ‫آخر الزمان‪ ،‬بل أن مارية التي ولدت بقرية ُتدعَى )َحفن( تقع على شرق‬ ‫النيل في صعيد مصر‪ ،‬وقضت فيها طفولتها‪ ،‬ثم انتقلت مع أختها سيرين إلى‬ ‫قصر المقوقس بالسكندرية‪ ،‬كانت تعلم ذلك من البشارات المبثوثة بكتب‬ ‫ديانتها‪ ،‬مثلما علمت أنها تسير في ركب المصريات السابقات عليها‬ ‫واللواتي تزوجّن بأنبياء وتأتي في مقدمتهن السيدة هاجر وكانت مثلها‬ ‫سليلة ملوك‪.‬‬ ‫كما لم تكن أخبار ظهور نبي بمكة بالحدث الذي يخفى على المصريين‪ ،‬فقد‬ ‫ساهمت الطرق البرية عبر جزيرة سيناء في إقامة علقات تجارية وثيقة‬ ‫بين غرب الجزيرة العربية وشمالها الغربي وبين وادي النيل )مصر(‪ ،‬كما‬ ‫كان تجار قريش يأتون إلى مصر حاملين بضاكئع الشرق من اللبان والبخور‬ ‫والتوابل والفضة والحرير فيبيعون فيها بضاكئعهم‪ ،‬ويشترون منها الثياب‬ ‫الغالية‪ ،‬أو ما يعرف بالقباطي والمشغولت والزجاج‪ ،‬بالضافة إلى أنواع‬ ‫صا القمح والذرة‪ ،‬وكان طريق القوافل أشهر الطرق‬ ‫الطعام المختلفة وخصو ً‬ ‫البرية من مصر إلى الجزيرة والعكس‪ ،‬وبخلف الطرق البرية‪ ،‬كان هناك‬ ‫طريق بحري يربط الجزيرة بمصر مباشرة حيث ترسو المراكب البسيطة‬ ‫الصنع في ميناء القلزم ]السويس اليوم[على شاطيء البحر الحمر ‪.‬‬ ‫كان الطريق طويلً ويكفي ويزيد لن يسرد حاطًبا على الختين قصة‬ ‫السلم ‪ ،‬ونبيه الكريم‪ ،‬وذلك حتى يزيل أسباب الوحشة من نفوسهن خاصة‬ ‫وأنهما قادمتان على بل ٍد ل يعلمّن عن جغرافيتها ـ ربما ـ إل أنها حارة‪ ،‬فلما‬ ‫أحس منهما حاطًبا ارتياًحا وانشراًحا عرض عليهما السلم فأسلمتا لتوهما‪.‬‬ ‫وصل الركب إلى المدينة ونزلت منه مارية شابة اجتمع في وجهها‬ ‫الجمال الشرقي الفطري الناضر إذ كان أبوها مصرًيا‪ ،‬والجمال الرومي‬ ‫‪170‬‬


‫الُمشرب بالحمرة والبياض فقد ولدْت لم رومية‪ ،‬سارت مارية أولى‬ ‫خطواتها تأخذ العين طلتها‪ ،‬فقد كانت بحق جميلة جعدة ]أي َجْعدةُ الشعةِر‬ ‫سَر فيه ول‬ ‫سةِب ٍط وهو المنبسُط المسترسل الذي ل َتك ّ‬ ‫ومراُدُه أنه ليس ةِبال َ‬ ‫ةِبجع ٍد[ فنزلت من الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ مكانة طيبة‪ ،‬فأمر بإنزالها‬ ‫وأختها سيرين على أم سليم الغميصاء بنت ملحان في أول المر‪ ،‬ثم مالبث‬ ‫أن وهب سيرين لشاعره حسان بن ثابت‪ ،‬ليحتفظ بمارية في بيت لحارثة بن‬ ‫النعمان النصاري القريب من بيت عاكئشة‪.‬‬ ‫والذين يبحثون عن الحكمة النبوية في تسري الرسول ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ بمارية‪ ،‬بحثوا ربما عن جمالها وليس هذا هو كل السبب‪ ،‬فقد نسوا‬ ‫أنه ـ ربما ـ آنس في نفسه ـ صلى ا عليه وسلم ـ أن يحذو حذو جده خليل‬ ‫الرحمن إبراهيم ـ عليه السلم ـ عندما تسرى بمصرية هي السيدة هاجر أم‬ ‫اسماعيل وجدة العرب العدنانيين‪ ،‬وقد كان أشبه الناس به ـ عليهما الصلة‬ ‫والسلم ـ ‪ .‬وكأن التاريخ يحدثنا أن سنة إبراهيم سنة جارية استقرت في‬ ‫نهاية المطاف عند النبي الخاتم ـ صلى ا عليه وآله وسلم ـ‪ ،‬أو كأنه يقول‬ ‫أن حركة المقدمة تستقيم مع حركة الخاتمة)‪.(4‬‬ ‫كانت حياة مارية قواسم مشتركة مع سيدات بيت النبوة‪ ،‬فقد أنجبت الولد‬ ‫لرسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ مثلما أنجبت له السيدة خديجة ـ رضى‬ ‫ا عنهما ـ‪ ،‬وقاست معه مرارة فقد الولد كما قاستها خديجة من قبل‪ ،‬بل‬ ‫كانت قسوة مرارة الفقد عليها أشد‪ ،‬فقد كان ابنها‪ ،‬وحيدها‪ ،‬وكانت غريبة‪،‬‬ ‫فكان أنيسها‪ ،‬وعاشت معه ـ صلى ا عليه وسلم ـ السنوات القليلت‬ ‫المتبقيات من عمره كما عاشتها السيدة ميمونة بنت الحارث ـ رضوان ا‬ ‫عليهما ـ‪ ،‬وعاشت مرارة الفك كما عاشتها السيدة عاكئشة ـ رضوان ا‬ ‫عليهما ـ؛ فقد اتهموها في ابن عمها مأبور وقد كان رفيقها في رحلة‬ ‫الخروج من مصر‪ ،‬وكان يجلب لها الماء بالعالية‪ ،‬وكان مجبوًبا ]مقطوع‬ ‫الذكر[‪ ،‬وكأن الطبيعة البشرية من قبل عهد النبوة وأثناءها وبعدها طبيعة‬ ‫لتعرف العتبار؛ فلم يكن زمن خوضهم في عرض عاكئشة‪ ،‬ونزول آيات‬ ‫براءتها غير بعيد‪ .‬ومثلما غارت سارة من هاجر فنقلها نبي ا إبراهيم ـ‬ ‫عليه السلم ـ إلى مكة‪ ،‬غارت عاكئشة من مارية فحّولها النبي ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ إلى العالية بضواحي المدينة وكان يذهب إليها هناك‪.‬‬ ‫‪171‬‬


‫يقولون أن الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ كان يكثر من التردد عليها‪،‬‬ ‫والبقاء عندها‪ ،‬وربما كان هذا منه دفًعا للوحشة عنها‪ ،‬وعدم إحساسها‬ ‫بالغربة عن الهل والديار‪ ،‬وربما يقينه بأن العمر لن يمتد به لتأنس إليه‪،‬‬ ‫وتشبع منه كالسابقات عليها من أزواجه‪.‬‬ ‫لم تكد تقبل اليام على مارية بعد أن أصبحت أم ولد‪ ،‬فصارت بولدته‬ ‫حرة‪ ،‬حتى هرولت الحزان تترى عليها؛ فقد ُتُوّفَي وحيدها إةِْبَراةِهيُم اْبُن‬ ‫شَر َ‬ ‫الّنةِبّي صلى ا عليه وسلم وهو اْبَن ةِسّتَة َع َ‬ ‫شْهًرا‪َ ،‬فَقالَ الّنةِبّي صلى ا‬ ‫جّنةِة’’)‪(5‬‬ ‫عليه وسلم ‪’’ :‬اْدةِفُنوُه ةِباْلَبةِقيةِع‪َ ،‬فإةِّن َلُه ُمْر ةِ‬ ‫ضاَعُه ةِفي اْل َ‬ ‫ضًعا ُتةِتّم َر َ‬ ‫‪،‬وكأن وفاة إبراهيم قد جلبت كل أيام الحزن البعيدة على كل أولده وبناته‪،‬‬ ‫وكأن القلب الكبير قد أنهكته سنوات الدعوة والحزان فتاق إلى الرفيق‬ ‫العلى ليتوفي ـ صلى ا عليه وسلم ـ بعد سنة واحدة من وفاة ابنه‪ ،‬فقد‬ ‫كان المصاب الجلل الذي هز المدينة بمن فيها‪ ،‬ويهد مارية‪ ،‬ويهدم الدنيا‬ ‫فوق رأسها‪ ،‬لتقضي السنوات الخمس المتبقيات من رحلة الحياة بين رؤية‬ ‫أختها‪ ،‬وهي كل ما تبقى لها من أهل‪ ،‬وزيارتها لتأنس برفيق العمر ـ صلى‬ ‫ا عليه وسلم ـ تارة‪ ،‬والستروا ح بالقرب من ابنها بالبقيع تارة أخرى‪.‬‬ ‫لم تعّمر السيدة مارية طويلً بعد وفاة رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم‬ ‫ـ؛ حيث توفيت مرضًيا عنها من ا ورسوله سنة ست عشرة من الهجرة‪،‬‬ ‫وصلى عليها عمر بن الخطاب‪ ،‬ودفنت بالبقيع بجانب ابنها وأمهات‬ ‫المؤمنين‪.‬‬ ‫رحم ا خاتمة المصريات في الطور الخير من ختم النبوات‪ ،‬فكما ماتت‬ ‫هاجر المصرية ودفنت بمكة‪ ،‬شاءت إرادة ا أن يكون قبر ماريا المصرية‬ ‫في المدينة ‪ ..‬ماتت مارية ولها في كل عنق مصرى ومصرية دين إلى أن‬ ‫يبعث ا الرض ومن عليها‪ ،‬فبسببها أوصى رسوله المسلمين في نبوءة‬ ‫ستتحقق في عهد عمر بن الخطاب‪ ،‬بقيادة عمرو بن العاص سنة ‪21‬هـ‪،‬‬ ‫سّمى‬ ‫ض ُي َ‬ ‫صَر َوةِهَى أَْر ٌ‬ ‫سَتْفَتُحوَن ةِم ْ‬ ‫حين قال صلى ا عليه وسلم ‪’’:‬إةِّنُكْم َ‬ ‫ةِفيَها اْلةِقيَراُط َفإةَِذا َفَتْحُتُموَها َفأ َْحةِسُنوا إةَِلى أَْهلةَِها َفإةِّن َلُهْم ةِذّمًة َوَرةِحًما’’‪ .‬أَْو‬

‫‪172‬‬


‫ضةِع َلةِبَن ٍة َفاْخُرْج‬ ‫صَماةِن ةِفيَها ةِفى َمْو ةِ‬ ‫صْهًرا َفإةَِذا َرأَْيَت َرُجَلْيةِن َيْخَت ةِ‬ ‫َقاَل‪’’ :‬ةِذّمًة َو ةِ‬ ‫ةِمْنَها’’)‪.(6‬‬ ‫وإجللً وتكريًما للسيدة مارية القبطية التي أنزل ا صدر سورة‬ ‫ض عنها‪،‬‬ ‫التحريم بسببها‪ ،‬ومات الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ وهو را ٍ‬ ‫اهتم الصحابة ـ رضّي ا عنهم ـ بعد الفتح السلمي لمصر بالقرية التي‬ ‫نشأت فيها السيدة ماريا القبطية‪ ،‬فأعفاها معاوية من الخراج وأرسل إليها‬ ‫الصحابي عبادة بن الصامت ليبحث عن بيتها فيها ويبني مسجًدا مكانه‪،‬‬ ‫فاهتم الصحابي الجليل بذلك المر وبنى المسجد‪ ،‬وشاع اسمه مسجد الشيخ‬ ‫عبادة نسبة إلى الصحابي الجليل عبادة الصامت ـ رضّي ا عنه ـ وعن أم‬ ‫إبراهيم وعن ساكئر أزواج النبي الطاهرات‪.‬‬

‫نساء فى حياة الرسول‬

‫ــــــــــــــــــــــــــــــــ هامش الفصل الثامن‬

‫)‪(1‬رسورة الفتح‪.1:‬‬ ‫)‪ (2‬تفرسير ابن كثير‪،‬ج ‪،4‬ص ‪.208‬‬ ‫)‪ (3‬شرح المواهب)‪ ،(348/3‬وزار المعاد )‪691‬ـ ‪.(692/3‬‬ ‫)‪ (4‬رسعيد أيوب‪:‬زوجات النبي صلى ا عليه ورسلم‪ ،‬ص ‪.113‬‬ ‫)‪ (5‬رواه عبد الرزاق)‪ (14014‬ورواه مرسلم بمعناه‪.‬‬ ‫)‪ (6‬مرسلم )‪.(6658‬‬

‫‪173‬‬

‫عشر ـــــــــــــــــــــــــــــــ السيد إبراهيم‬


‫الفصل التاسع عشر‬ ‫‪174‬‬


‫ريحانة النضرية القرظية‬

‫كان قدر ريحانة زيد بن عمرو بن خنافة بن سمعون بن زيد مع السلم‬ ‫تحيا به في أخريات أيامها وتموت عليه؛ فقد ساق ا لها النور ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ حيث مرابع دارها وهّي قاكئمة بين قومها‪.‬‬ ‫شاء قدر ا أل ترحل ريحانة مع أهلها من بني النضير في العام الرابع من‬ ‫الهجرة امتثالً لمره صلى ا عليه وسلم لهم ‪’’ :‬اخرجوا من المدينة ول‬ ‫تساكنوني بها‪ ،‬وقد أجلتكم عشًرا‪ ،‬فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقه’’)‬ ‫‪ (1‬وذلك نتيجة غدرهم به‪ ،‬وهمهم بقتله وهو مسالمهم وفي ديارهم‪ ،‬فقد‬ ‫‪175‬‬


‫كانت آنذاك متزوجة رجلً من بني قريظة يقال له الحكم‪ .‬فنسبها بعض‬ ‫الرواة إلى قريظة)‪.(2‬‬ ‫لم يستسسلم النضريون فقد ذهبوا يؤلبون العرب على المسلمين وطافوا‬ ‫في القباكئل أمثال بني فزارة وبني مرة وبني أسد وأشجع وسليم وعرضوا‬ ‫عليهم مقترحهم في غزو المدينة‪ ،‬وافقتهم قريش وبنى غطفان‪ ،‬فتشجعوا‬ ‫ومضوا صوب المدينة المنورة في عشرة آلف مقاتل وأسندت القيادة إلى‬ ‫أبي سفيان بن حرب‪.‬‬ ‫ومثلما غدر بنو النضير‪ ،‬خان القرظيون العهد مع رسول ا ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ وانضموا إلى الحزاب في حربهم ضد المسلمين التى انتهت‬ ‫بعودته ـ صلى ا عليه وسلم ـ منتصًرا إلى المدينة‪ ،‬ولكنه لم يكد يدخل بيت‬ ‫أم سلمة ليغتسل إذ جاءه جبريل ظهًرا يحمل له خبر ربه بزلزلة حصون‬ ‫الخونة من بني قريظة وقذف الرعب فى قلوبهم)‪.(3‬‬ ‫فرض النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ حصاًرا على حصون بني قريظة‪،‬‬ ‫ضا ‪" :‬يا معشر يهود‬ ‫مما حدا بزعيمهم كعب بن أسد أن يعرض عليهم عر ً‬ ‫قد نزل بكم من المر ما ترون‪ ،‬وإني عارض عليكم خللً ثلًثا‪ :‬فخذوا أيها‬ ‫شكئتم‪ ،‬قالوا‪ :‬وما هي؟‪ ،‬قال‪ :‬نتابع هذا الرجل ونصدقه؛ فو ا لقد تبين لكم‬ ‫أنه لنبٌي مرسل‪ ,‬وأنه الذي تجدونه في كتابكم‪ ،‬فتأمنون على دماكئكم‬ ‫وأموالكم وأبناكئكم ونساكئكم‪ .‬قالوا‪ :‬ل نفارق حكم التوراة أبًدا‪ ،‬ول نستبدل به‬ ‫غيره!!‬ ‫قال‪ :‬فإذا أبيتم على هذه‪ ،‬فهلُّم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد‬ ‫وأصحابه رجالً مصةِلتي السيوف لم نترك وراءنا ثق ً‬ ‫ل‪ ,‬حتى يحكم ا بيننا‬ ‫وبين محمد‪ ,‬فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلً نخشى عليه‪ ,‬وإن تطهر‬ ‫فلعمري لنجدن النساء والبناء‪ ،‬قالوا‪ :‬نقتل هؤلء المساكين! فما خير‬ ‫العيش بعدهم؟!‪ ،‬قال‪ :‬فإن أبيتم علّي هذه فإن الليلة ليلة السبت‪ ،‬وإنه عسى‬ ‫أن يكون محمٌد وأصحابه قد أمنونا فيها فأنزلوا لعلنا نصيب من محم ٍد‬

‫‪176‬‬


‫وأصحابه غرة‪ ،‬قالوا‪ :‬نفسد سبتنا علينا ونحدث فيه ما لم يحدثه من كان‬ ‫قبلنا‪ ,‬إل من قد علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ!")‪.(4‬‬ ‫سبيت الذرّية‪ ،‬وقُةِتل‬ ‫وكان لعنادهم ورفضهم هذا أن أنزل ا فيهم حكمه‪ ،‬ف ُ‬ ‫المقاتلة‪ ،‬وُأجلَي الباقون عن الديار‪ ،‬أما ريحانة فقد وقعت أسيرة في السبي‪،‬‬ ‫وكانت باهرة الجمال‪ ،‬تأخذ العين حين مرآها‪ ،‬ول تعدم البصيرة أن ترى‬ ‫فيها ذكاًء وحصافة‪ ،‬وفوق كل هذا وفاء تبدت مظاهره حين علمت بمقتل‬ ‫زوجها أن قالت ‪ :‬لن أتزوج أحداً بعده‪.‬‬ ‫لم يتزوج رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ إل مسلمة‪ ،‬وإن كانت على‬ ‫غير الدين عرض عليها السلم‪ ،‬وخيرها‪ ،‬فما عهد عنه ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ أن أكره أحد على الدخول في دين السلم‪ ،‬فلما عرضوها عليه ـ‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ عرض عليها السلم فأبت‪ ،‬فأرسل بها إلى بيت أم‬ ‫المنذر سلمى بنت قيس قاكئلً لها ‪’’ :‬أخبريني إن حاضت حيضة واحدة’’‪،‬‬ ‫ذلك أن المسبيات في الجهاد تستبرأ أرحامهن بحيضة واحدة‪ُ ،‬يعَلم بها خلو‬ ‫أرحامهن من الحمل‪.‬‬ ‫أما سر ارسالها إلى بيت أم المنذرـ الخزرجية النجارية المصلية للقبلتين و‬ ‫المحافظة على البيعتين ـ أنها كانت إحدى خالته ـ صلى ا عليه وسلم ـ‪،‬‬ ‫وكثيًرا ما كان يخصها بالزيارة‪ ،‬ويأكل عندها‪ ،‬ويشير إلى أّن طعامها ذو‬ ‫بركة ونفع‪ ،‬وقد اشتهر بيتها ـ رضي ا عنها ـ عند أهل المدينة بكثرة التمر‬ ‫والرطب‪.‬‬ ‫مّرت اليام بريحانة قرابة الشهر ولم تزل في بيت أم المنذر تجتر ذكريات‬ ‫اليام التي مرت بها منذ جلء قومها‪ ،‬وما نزل بقوم زوجها‪ ،‬فأدركت أن هذا‬ ‫أقل ما يستحقونه نتيجة غدرهم وخيانتهم للعهود والمواثيق‪ ،‬وربما لو أذعن‬ ‫القرظيون لزعيمهم كعب بن أسد وتابعوا محمد بن عبدا على دينه‬ ‫وأسلموا ل بعد ما علموا وأيقنوا أنه الرسول المبشر به في كتبهم‪ ،‬لربما‬ ‫عاش زوجها وظلت عزيزة في بيتها وبين قومها ؟!‪.‬‬ ‫‪177‬‬


‫أحست ريحانة أنها كقومها لزمتها الحجة بعدما علمت أنه رسول ا‬ ‫الحق بحق‪ ،‬إذن فلما لتؤمن به‪ ،‬وتصحح خطأ وخطيكئة قومها؟!‪..‬خاصًة‬ ‫وأن ما رأته من حال سلمى وصويحباتها من المسلمات من طهارة‪ ،‬وصلة‪،‬‬ ‫ومحبة لبعضهن البعض‪ ،‬وحسن معاشرتهن لزواجهن‪ ،‬وتوقير وتعظيم‬ ‫المسلمين لشخص رسولهم ـ صلى ا عليه وسلم ـ وحبهم له بمحبة تفوق‬ ‫الوصف إلى حد الفداء بوالديهم وأنفسهم وأولدهم من أجله‪ ،‬كل هذا جعلها‬ ‫تعيد تقييم المور‪ ،‬وكيف فاتها وهى المشهور عنها رجاحة العقل والفطنة‪،‬‬ ‫كيف نجاها ا من الجلء مع قومها واستبقاها فى بنى قريظة مع زوجها‪،‬‬ ‫حتى حاصرها المسلمون إل أن ا قد أراد لها الخير‪ ،‬ذلك الخير الذي فطن‬ ‫إليه من بقي من أهلها أحياء فأسلموا؟!‪ ..‬أفتظل هّي على عنادها كشأن‬ ‫اليهود حتى تخسر دنياها وآخرتها؟!‬ ‫وبينما هّي على حالها تلك إذ فاجأها الحيض‪ ،‬فبادرت وأخبرت أم المنذر‬ ‫لعلمها بأن الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ ينتظر الخبر‪ ،‬وقد صدق حدسها‪،‬‬ ‫إذ جاء مع أم المنذر‪ ..‬ويدور حواًرا بينها وبين رسول ا ـ صلى ا عليه‬ ‫صّلى ّ‬ ‫سّلَم ‪َ ،‬فَتَنّحْي ُ‬ ‫ت‬ ‫سول ُ ّ ةِ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا َ‬ ‫وسلم ـ تصفه فتقول ‪َ" :‬دَخلَ َعَلّي َر ُ‬ ‫سوَلُه‬ ‫سةِني َبْيَن َيَدْيةِه‪َ ،‬فَقالَ ‪’’ :‬إةِةِن اْخَتْر ةِ‬ ‫ا َوَر ُ‬ ‫ةِمْنُه َحَياًء ‪َ ،‬فَدَعاةِني ‪َ ،‬فأ َْجَل َ‬ ‫ت َّ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫سّلَم لةَِنْفةِسةِه’’‪َ ،‬فقُْل ُ‬ ‫ا‬ ‫سول ُ ّ ةِ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا َ‬ ‫اْخَتاَرةِك َر ُ‬ ‫ت‪ :‬إةِّني أَْخَتاُر ّ َ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫سوَلُه َفَلّما أَْسَلْم ُ‬ ‫سّلَم َوَتَزّوَجةِني‬ ‫سول ُ ّ ةِ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا َ‬ ‫ت أَْعَتَقةِني َر ُ‬ ‫َوَر ُ‬ ‫شَرَة ُأوةِقّيًة‪َ ،‬وَن ًّ‬ ‫صَدَقةِني اْثَنَتْي َع ْ‬ ‫س ةِبي ةِفي‬ ‫ساَءُه‪َ ،‬وأَْعَر َ‬ ‫صةِدُق ةِن َ‬ ‫شا َكَما َكاَن ُي ْ‬ ‫َوأَ ْ‬ ‫ضةِرَب َعَلّي‬ ‫َبْي ةِ‬ ‫ساةِكئةِه‪َ ،‬و ُ‬ ‫ت أ ُّم اْلُمْنةِذةِر‪َ ،‬وَكاَن َيْقةِسُم ةِلي َكَما َكاَن َيْقةِسُم لةِةِن َ‬ ‫ب")‪.(5‬‬ ‫اْلةِحَجا ُ‬ ‫قال ابن سعد‪ :‬هذا ما روي لنا في عتقها وتزويجها‪ .‬وهو أثبت القاويل‬ ‫عندنا‪ .‬وهو المر عند أهل العلم‪ .‬وقد سمعت من يروي أنها كانت عند‬ ‫رسول ا صلى ا عليه وسلم لم يعتقها‪ .‬وكان يطأها بملك اليمين‪ ،‬ومن‬ ‫ذلك ما روي عن أيوب بن بشير‪ .‬أن رسول ا صلى ا عليه وسلم قال‬ ‫ت أَْن أ ُْعةِتَقةِك َوأََتَزّوَجةِك َفَعْل ُ‬ ‫ت أَْن َتُكوةِني ةِفي‬ ‫ت‪َ ،‬وإةِْن أَْحَبْب ةِ‬ ‫لها‪’’ :‬إْن أَْحَبْب ةِ‬ ‫ف َعَلّي َوَعَلْيَك‪َ .‬فَكاَنْت ةِفي‬ ‫سولَ ّ ةِ‬ ‫ا‪ ،‬أَُكوُن ةِفي ةِمْلةِكَك أََخ ّ‬ ‫ةِمْلةِكي’’‪َ ،‬فَقاَلْت ‪َ :‬يا َر ُ‬ ‫صّلى ّ‬ ‫سّلَم‪َ ،‬يَطُؤَها َحّتى َماَتْت)‪.(6‬‬ ‫سوةِل ّ ةِ‬ ‫اُ َعَلْيةِه َو َ‬ ‫ا َ‬ ‫ةِمْلةِك َر ُ‬ ‫‪178‬‬


‫جا للنبى ـ صلى ا‬ ‫هكذا دارت أقوال أهل العلم بين أن ريحانة كانت زو ٍ‬ ‫عليه وسلم ـ أو ملك يمين‪ ،‬والقول الخير أرجحهما وعليه دار أكثرهم‪.‬‬ ‫والمر الذى لشك فيه أن الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ أحبها كما أحبته؛‬ ‫فقد كان يمكث عندها كثيًرا‪ ،‬ول يرد لها طلًبا‪ ،‬ول تسأله شيًكئا إل أجابها‬ ‫إليه‪ ,‬وهو منشر ح الصدر‪.‬‬ ‫وأما قول الناصحون لريحانة لما رأوا من حال الرسول معها‪ ":‬لو كنت‬ ‫سألت رسول ا صلى ا عليه وسلم في بني قريظة لعتقهم‪ ،‬فقالت‪ :‬لم‬ ‫يخل بي حتى فرق السبى"‪ .‬فل أعتقد أن الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫كان سيجيبها إلى مطلبها إذا طلبت‪ ،‬خاصًة وأن اليهود حينما رضوا بحكم‬ ‫سعد بن معاذ الذي حكم به‪ ،‬أجابه ـ صلى ا عليه وسلم ـ من فوره‪َ’’ :‬لَقْد‬ ‫ت’’)‪ ،(7‬فكيف كان سيرجع عن‬ ‫سَمَوا ٍ‬ ‫َحَكْمَت ةِفيةِهْم ةِبُحْكةِم ّ ةِ‬ ‫سْبةِع َ‬ ‫ا ةِمْن َفْوةِق َ‬ ‫حكم ا مرضاة لمرأ ٍة أًيا ما كانت‪ ،‬أريحانته فاطمة بنت محمد أهون عنده‬ ‫من ريحانة بنت زيد‪ ،‬وذلك كما جاء في حديث المخزومية‪،‬عن عاكئشة رضي‬ ‫ا عنها‪ :‬أن قري ً‬ ‫شا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت‪ ،‬فقالوا‪ :‬من‬ ‫يكلم فيها رسول ا صلى ا عليه وسلم؟ فقالوا‪ :‬من يجترئ عليه إل‬ ‫أسامة بن زيد حب رسول ا صلى ا عليه وسلم‪ .‬فكلمه أسامة‪ ،‬فقال‬ ‫رسول ا صلى ا عليه وسلم ‪’’ :‬أتشفع في حد من حدود ا تعالى؟’’‪ ،‬ثم‬ ‫قام فاختطب‪،‬ثم قال ‪’’ :‬إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم‬ ‫الشريف تركوه‪ ،‬وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد‪ ،‬وأيم ا لو أن‬ ‫فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها’’)‪.(8‬‬ ‫أحبت ريحانة الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ حًبا شديًدا تبدو آثاره في‬ ‫غيرتها الشديدة عليه‪ ،‬وكان ذلك يغضبه‪ ،‬فطلقها ـ بحسب من رأى من أهل‬ ‫العلم أنهما تزوجا ـ ثم عاد إليها بعد انقطاع يسير‪ ،‬لما علمه مما تعانيه من‬ ‫وحدة‪ ،‬وشوق إليه‪ ،‬فرق قلبه لها‪ ،‬وعاودا المسير من جديد‪.‬‬ ‫مع إطللة السنة العاشرة من الهجرة وفي شهر ذي القعدة أعلن المنادي‬ ‫ب‬ ‫بأمر من رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ أنه حاج هذه السنة‪ ،‬وقد َرّغ َ‬ ‫رسول ا أزواجه جميعهن‪ ،‬وأقاربه‪ ،‬وأصحابه في الخروج معه للحج‪ ،‬فحج‬ ‫‪179‬‬


‫معه أزواجه كلهّن ـ رضي ا عنهّن ـ وبينهن ريحانة التي أكملت عامها‬ ‫الخامس في كنف البيت النبوي‪.‬‬ ‫ما أن وطيء العائدون من الحج أرض المدينة حتى دق المرض أوصال‬ ‫ريحانة‪ ،‬فظن من حولها أنه ربما من مشقة السفر ولن تلبث أن تبرأ منه‪ ،‬أو‬ ‫ربما أتعبها وأزعجها قول الرسول لهّن ‪’’ :‬إنما هى هذه الحجة ثم الزمن‬ ‫ظهور الحصر’’)‪ ،(9‬فوقر في نفسها أنه ينعي نفسه إليهن‪ ،‬غير أنها وهّي‬ ‫تستعرض تاريخها من اليهودية إلى السلم‪ ،‬وفرحتها بما مّن ا به عليها‬ ‫بنعمة السلم‪ ،‬وختم لها بحجة مع رسول ا ـ صلى ا عليه وسلم ـ‪ ،‬لهّى‬ ‫أيام بالعمر كله‪ ،‬فأحست بحب ا لها إذ ساق لها النور في ركاب رسول ا‬ ‫يتقدمه رسول السماء جبريل‪ ،‬لينتشلها من وهدة الكفر حيث نور اليمان ‪..‬‬ ‫نظر ْت إلى السماء حامدًة ل شاكرة‪ ،‬لتتابعها روحها بالصعود إلى جوار ربها‬ ‫رضى ا عنها وأرضاها ‪.‬‬ ‫حزن الرسول صلى ا عليه وسلم لموتها حز ًنا شدي ًدا‪،‬‬ ‫وترك لم المنذر مهمة تجهيزها ففعلت وقلبها يتفطر‬ ‫حز ًنا على صحابية جليلة لزمتها بيتها وهى الن تغادرها‬ ‫حيث البقيع لتلحق بزينب بنت خزيمة وتدفن بجوارها‪،‬‬ ‫‪ .‬فيودعها الرسول والصحابة في موكب مهيب‬

‫نساء فى حياة الرسول‬

‫ــــــــــــــــــــــــــــــــ هامش الفصل التارسع‬

‫‪.‬ابن هشام ‪(1) 2/191‬‬ ‫‪.‬الطبقات الكبرى ‪ ،8 / 129‬الصابة ‪(2) 8 / 88‬‬

‫‪180‬‬

‫عشر ـــــــــــــــــــــــــــــــ السيد إبراهيم‬


‫‪).‬صحيح مرسلم )‪ ،(1769‬وحرسنه اللباني في الصحيحة )‪(3) 67‬‬ ‫‪.‬رسيرة ابن هشام ‪(4) 230/ 3‬‬ ‫‪.‬الطبقات الكبرى ‪ ،8 / 129‬الصابة ‪(5) 8 / 88‬‬ ‫)‪ (6‬الطبقات ‪ ،8 / 130‬الصابة ‪.8 / 88‬‬ ‫)‪)7‬حديث صحيح أخرجه الموي في مغازيه وأصله في الصحيحين من غير الزيادة الخيرة من‬ ‫فوق رسبع رسماوات ‪،‬وقال اللباني ‪" :‬صحيح بدون قوله‪ :‬فوق رسبع رسموات‪ ،‬كذلك هو‬ ‫فيالصحيحين والمرسند ‪ ،‬وأما هذه الزيادة فتفرد بها محمد بن صالح التمار‪.‬‬ ‫)‪ (8‬متفق عليه‪.‬‬ ‫)‪ (9‬بتحقيق اللباني‪ :‬صحيح‪ (7008) ،‬صحيح الجامع‪.‬‬

‫‪181‬‬


‫ف ل ندعيه ‪ ..‬وتهمة ل ننكرها‬ ‫شر ٌ‬

‫أجهد علماء المسلمين أنفسهم في البحث عن مشروعية تعدد الزوجات‬ ‫في السلم‪ ،‬وخاصة التعدد الذي اختص ا به رسوله ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ‪ ،‬فراحوا يفتشون في الديانات والحضارات السابقة على السلم‪،‬‬ ‫وعن النبياء الذين عددوا عليهم وعلى نبينا الصلة والسلم‪ ،‬وكأن السلم‬

‫‪182‬‬


‫كدين‪ ،‬ومحمد بن عبدا رسول العالمين في موضع اتهام‪ ،‬ووجب عليهم‬ ‫الدفاع عنهما‪ ،‬واثبات براءتهما من ذلك الفعل المشين‪.‬‬ ‫ينسى من يقومون بهذا ـ ومقصدهم نبيل على كل حال ـ أن السلم كدين‬ ‫جاء ختاًما لرسالت السماء‪ ،‬فليس هناك دين سيأتي بعده‪ ،‬وأن الرسول ـ‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ هو ختام عصر النبوات‪ ،‬فل نبي بعده‪ ،‬وبالتالي فليس‬ ‫هناك كتاب سماوي بعد القرآن الكريم‪ ،‬وبداهًة ليس هناك تشريعات جديدة‬ ‫بعد شرع ا الذي أنزله ـ عز وجل ـ على نبيه الكريم صلى ا عليه وسلم‪.‬‬ ‫لهذا فقد جاء النبى ـ صلى ا عليه وسلم ـ ممثلً للطاقة البشرية كلها‪،‬‬ ‫يتمثلها في كل حالتها‪ ،‬لتستمد منه الجيال القادمة ـ على اختلف ألوانها‪،‬‬ ‫وجنسياتها‪ ،‬وجغرافيتها‪ ،‬وألسنتها ـ الدروس‪ ،‬والقدوة‪ ،‬والمثل‪ ،‬والحلول‬ ‫لمشاكلها‪ ،‬فرغم ما ذكرناه من اختلف إل أن الطبيعة البشرية ل تكاد تختلف‬ ‫في الميول والغراكئز‪ ،‬وغيرهما‪..‬‬ ‫ضرب رسول ا المثل للشاب الذي يتزوج ممن هى أسن منه‪ ،‬وأغنى‪،‬‬ ‫وكيف يتقي ا فيها وفي مالها‪ ،‬وقد تجسد هذا في قصة زواجه ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ من السيدة خديجة ـ رضّي ا عنها ـ‪ ،‬كما ضرب المثل فى‬ ‫زواج الرجل الكبير سًنا ممن تصغره‪ ،‬وكيف يكون ليًنا في معاملتها‪ ،‬يعلمها‬ ‫دون تأنيب أو تعنيف‪ ،‬وقد تجلى هذا في زواجه ـ صلى ا عليه وسلم ـ من‬ ‫السيدة عاكئشة ـ رضى ا عنها ـ‪ ،‬ثم ضرب المثل للرجل الذي يفقد زوجه أم‬ ‫أولده وقد تركت خلفها من يحتاجون أو يحتجن لرعاية الم كفاطمة وأم‬ ‫كلثوم‪ ،‬وهو المضطلع بعبء الرسالة الثقيل‪ ،‬وكيف لم يخطب لنفسه حتى‬ ‫جاءته من تخطب له‪ ،‬ليختار من تكبره ولتماثله وربما لم َتُتْق نفسه إليها‬ ‫مؤةِثًرا بنتيه عليه‪ ،‬فيختارها أرمل لشهيد في سبيل ا‪ ،‬لُيعّلَم ـ صلى ا‬ ‫عليه وسلم ـ من يأتي بعده من الرجال كيف تكون معاملة وتربية الرجل‬ ‫الذي يتزوج امرأة ذات عيال لعيالها فيتقي ا في تربيتهم والحسان إليهم‬ ‫كأنهم أولده‪ ،‬فكان مثالً ـ صلى ا عليه وسلم ـ للخلص والتفاني حين‬ ‫كان زوًجا لزوجة واحدة‪ ،‬وأضاف إلى تلك الصفات العدل‪ ،‬والرحمة‪،‬‬ ‫والتسامح لمن عدد الزوجات‪ ،‬فيعدل بينهّن في القسمة والنفقة والبسمة‪،‬‬ ‫ويرحم ضعفهن البشري في غيرتهن‪ ،‬ويسامح حدتهن‪ ،‬ومكايدهن بينهن‪،‬‬ ‫ثم يضرب المثل في بشريته ـ صلى ا عليه وسلم ـ التي طالما تفاخر بها‬ ‫‪183‬‬


‫ولم يتبرأ منها‪ ،‬فيحركه نزوع نفسه نحو الجمال‪ ،‬فيتزوج الجميلت‪ ،‬ليعّلَم‬ ‫من يأتي بعده أن الجمال نعمة على صاحبته طالما تحلْت بقيم الدين‪،‬‬ ‫وفضاكئل الخلق‪ ،‬والصل الكريم‪ ،‬وليس الجمال هدًفا في ذاته‪ ،‬كما تجلى‬ ‫ذلك في زواجه ـ صلى ا عليه وسلم ـ من جويرية‪ ،‬وزينب بنت جحش ـ‬ ‫رضوان ا عنهما ـ ‪.‬‬ ‫وهكذا ترى أن لكل زوجة من أزواجه ـ صلى ا عليه وسلم ـ قصة‬ ‫وسبًبا في زواجه منها‪ .‬وهّن فيما عدا زينب بنت جحش‪ ،‬وجويرية بنت‬ ‫الحارث‪ ,‬لم يكن شواب ول ممن يرغب فيهن الرجال لجمال كانت عاكئشة ‪-‬‬ ‫رضي ا عنها ‪ -‬هي أحب نساكئه إليه‪ .‬وحتى هاتان اللتان عرف عنهما‬ ‫الجمال والشباب كان هناك عامل نفسي وإنساني آخر ‪ -‬إلى جانب جاذبيتهن‬ ‫ ولست أحاول أن أنفي عنصر الجاذبية الذي لحظته عاكئشة في جويرية‬‫مث ً‬ ‫ل‪ ,‬ول عنصر الجمال الذي عرفت به زينب فل حاجة أبًدا إلى نفي مثل‬ ‫هذه العناصر النسانية من حياة النبي ـ صلى ا عليه وسلم ـ وليست هذه‬ ‫العناصر موضع اتهام يدفعه النصار عن نبيهم‪ .‬إذا حل لعداكئه أن يتهموه!‬ ‫فقد اختير ليكون إنساًنا‪ ،‬ولكن إنسانا رفيعا ــ وهكذا كان ــ وهكذا كانت‬ ‫دوافعه في حياته وفي أزواجه ـ صلى ا عليه وسلم ـ على اختلف الدوافع‬ ‫والسباب)‪.(1‬‬ ‫كانت عظمة الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ في حياته داخل جدران‬ ‫بيته مع أسرته كما كانت خارج بيته‪ ،‬لقد صدق فولتير)‪ (2‬حين قال في‬ ‫كلمته المشهورة ‪):‬إن الرجل ليكون عظيًما في داخل بيته‪ ،‬ولبطلً فى‬ ‫أسرته‪ ...‬وذلك لن المعايشين له يرقبونه عن قرب‪ ،‬ويعلمون تصرفاته‬ ‫الظاهرة‪ ،‬ويسمعون ويتسمعون لدواخله الباطنة‪ ،‬فل يشهدون له ل‬ ‫بالعجاز ول البطولة(‪ ،‬إل الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ ويشهد بهذا‬ ‫باسورت سميث )‪) : (3‬إن ماقيل عن العظماء في مباذلهم ليصح ـ على‬ ‫القل ـ في محمد رسول السلم‪ ..‬فلم يمتحن رسول من الرسل أصحابه‬ ‫كما أمتحن محمد أصحابه‪ ،‬فأول من آمن به أهله‪ :‬زوجته وغلمه وابن‬ ‫أخيه‪ ،‬وأعظم الناس ليأذن لزوجة واحدة بأن تحدث الناس عن أحواله‪،‬‬ ‫فما بالك برج ٍل له تسع زوجات‪ ،‬ولم يصدر اليهّن أمًرا ديكتاتورًيا كهذا بل‬

‫‪184‬‬


‫أذن لهّن بأن يحدثن أصحابه ل بكل الحوال المعروفة نهاًرا فقط‪ ،‬بل‬ ‫بالمخبؤ عنهم تلفه خلوات الليل(‪.‬‬ ‫وقد عرض علماء الحديث كل ما يتعلق بالنبي صحيًحا أم سقيًما‪،‬‬ ‫حًقا أو باط ً‬ ‫ل‪ ،‬ونقلوا إلى المسلمين جيلً بعد جيل كل أحوال رسولهم‪،‬‬ ‫مما يظن الذين يثيرون الشبهات حولها أنهم قد وقعوا على كن ٍ ٍز دفين‪،‬‬ ‫ليخرجوا من مخبؤاته على أحايي ٍن من الزمن ما يظنون أنه يلوث سمعته‬ ‫ـ صلى ا عليه وسلم ـ من غم ٍز له في زواجه أو أزواجه الطاهرات‪،‬‬ ‫وكأنهم أفذاذ في ميدان البحث العلمي والتأريخ الرصين واستكناه‬ ‫السرار‪ ،‬واستخراج الشبهات‪ ،‬ولو تحروا العظمة في أوج قمتها‪،‬‬ ‫لوجدوا أن هذا إنجاز لصاحب الرسالة ـ صلى ا عليه وسلم ـ ُيحسب له‬ ‫ل عليه‪ ،‬ولو مارس الصحابة "النتقاكئية" بحسب وجهة نظرهم فيثبتوا‬ ‫ويحذفوا ماشاءوا لما وجد أحدهم ما يظن أنه شبهة‪ ،‬فنحن نعترف بكون‬ ‫رسولنا بشر ولم نرفعه لمصاف اللهة فنخفي أفعاله النسانية ونبررها‬ ‫بتبريرات خاكئبة لتنطلي على عاقل‪.‬‬ ‫فالسيرة النبوية هي جزٌء مهّم موثٌق من تاريةِخ النسانية وتراثها‬ ‫والحمد ل ليس فيه مانخجل من عرضه‪ ،‬وقد كان يعلم الرسول الكريم ـ‬ ‫ف مختلفة من الديانات‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ وهو الذي يعيش بين أطيا ٍ‬ ‫ص به وبكل مايخرج عنه ومنه‪ ،‬وكذلك‬ ‫والملل والنحل ومنهم من هو مترب ٌ‬ ‫كان مستشرًفا آفاق المستقبل بما أوحى إليه ربه من غيب المستقبل له‬ ‫ولمته من بعده‪ ،‬فلو أراد أن يكتم أمر بيته للزم أزواجه بهذا‪ ،‬ولكنه كان‬ ‫يعلم أنه ـ صلى ا عليه وسلم ـ ُمرسل ٌ للنسانية كلها وهو هاديها ومعلمها‬ ‫وخاتم الرسل ولن يرسل ا من سيعلم البشرية من بعده‪.‬‬ ‫ولهذا قال الدكتور مصطفى السباعى)‪) :(4‬فل تمتلك النسانية اليوم‬ ‫سيرة كاملة شاملة بهذا المعنى‪ ،‬سلطت الضواء عليها من كل مكان فكانت‬ ‫مثالية ‪ -‬مثاليَة الواقع ل مثالية الخيال ‪ ،-‬ولذا فهي ترا ُ‬ ‫ث النسانية جمعاء‪،‬‬ ‫سًيا وُحًّبا‪ ،‬ويقرؤها غير المسلم من ذوي‬ ‫يرجع إليها المسلم تدّيًنا وتأ ّ‬ ‫النصاف ليرى نفسه أمام العظمة وقد ُجةِمَعْت من أطرافها‪ ،‬ويعرف لهذا‬ ‫الرسول حّقه(‪.‬‬ ‫‪185‬‬


‫أن الذى ميز حياة الرسول الخاتم ـ صلى ا عليه وسلم ـ أن حياته‬ ‫وسيرته وشماكئله كلها قد حفظها لنا التاريخ‪ ،‬فليس ثمة غموض في أي‬ ‫ناحية من مناحي حياته الطاهرة وسيرته الشريفة‪ .‬وقد اعترف بهذه‬ ‫الحقيقة كبار المؤرخين الغربيين‪ .‬فالمؤر خ البريطاني الشهير أرنولد‬ ‫توينبي)‪ (5‬يقول‪):‬الذين يريدون أن يدرسوا السيرة النبوية العطرة يجدون‬ ‫أمامهم من السفار مما ل يتوافر مثله للباحثين في حياة أي نبي من‬ ‫أنبياء ا الكرام(‪.‬‬ ‫ومن هنا لزم التنبيه؛ فليس النبي إنسانا من العظماء يقرأ تاريخه‬ ‫بالفكر معه المنطق‪ ،‬ومع المنطق الشك‪ ،‬ثم يدرس بكل ذلك على أصول‬ ‫الطبيعة البشرية العامة؛ ولكنه إنسان نجمّي يقرأ بمثل "التلسكوب" في‬ ‫الدقة‪ ،‬معه العلم‪ ،‬ومع العلم اليمان؛ ثم يدرس بكل ذلك على أصول طبيعتةِه‬ ‫النورانية وحدها‪.‬‬ ‫والحياة تنشيء علم التاريخ‪ ،‬ولكن هذه الطريقة في درس النبياء ــ‬ ‫صلوات ا عليهم ــ‪ ،‬تجعل التاريخ هو ينشيء علم الحياة؛ فإنما النبي‬ ‫إشراٌق إلهي على النسانية‪ ،‬يقّومها في فلكها الخلقي‪ ،‬ويجذبها إلى الكمال‬ ‫في نظام هو بعينةِه صورة لقانون الجاذبية في الكواكب )‪.(6‬‬ ‫وليس توينبي وحده هو الذى يشهد بوفرة المعرفة عن حياة نبينا الكريم ـ‬ ‫صلى ا عليه وسلم ـ بل طاكئفة من المنصفين تتالى أقوالهم لتعزف وحدها‬ ‫أهزوجة الحقاكئق متتالية متناغمة‪ ،‬ومنهم غوستاف لوبون‪ ،‬والكونت‬ ‫كاتياني‪ ،‬وبودلي وغيرهم التي تشهد بالوفرة في المعلوم عن حياة رسولنا‬ ‫الكريم محمد صلى ا عليه وسلم‪.‬‬ ‫إذن ‪ ..‬كانت زيجاته ـ صلى ا عليه وسلم ـ غارقة في النفع والهمية‪،‬‬ ‫علمها الرسول ـ صلى ا عليه وسلم ـ‪ ،‬وطوت جوانحه سرها‪ ،‬وغايتها‪،‬‬ ‫ومردودها على المسلمين‪ ،‬لما فى زواجه ـ صلى ا عليه وسلم ـ من‬ ‫حكمة‪ :‬إما تعليمية أو تشريعية أو سياسية أو اجتماعية‪ ..‬ستنتهي حتًما‬ ‫بانتهاء زمانها والمراد منها‪ ..‬إل الحكمة التعليمية فبقاؤها مرهون باتصال‬ ‫‪186‬‬


‫الزمان‪ ،‬وامتداد المسلمين رقعًة وتعداًدا‪ ،‬كما عرف ـ صلى ا عليه وسلم ـ‬ ‫أن عمره القصير على سطح كوكبنا لن يفي وحده بتعليم المسلمين كل أمور‬ ‫دينهم من التفاصيل الصغيرة التي سوف يحتاجها الناس دوًما‪ ،‬فالحكام‬ ‫تتناهى وحاجات الناس لتتناهى‪ ،‬ولهذا فقد ترك لهم أزواجه ـ رضوان ا‬ ‫عليهن ـ‪ ،‬وأصحابه ـ رضّي ا عنهم ـ ينقلّن وينقلون عنه ـ صلى ا عليه‬ ‫وسلم ـ‪ ،‬ذلك الرعيل الول الذى عاصرالوحي وهو ينزل من السماء‪،‬‬ ‫والرسول المعلم والزوج والقاكئد يبلغ ويحّدث في مسجده‪ ،‬وغزواته‪،‬‬ ‫وفتاواه‪ ،‬وأقضيته‪ ،‬ومعاهداته‪ ،‬وفي بيوته‪ ،‬وبين أزواجه؛ فتبليغه وحي‪،‬‬ ‫سنة‪ ،‬وفعله قدوة ـ صلى ا عليه وسلم ـ‪ ،‬ورضّي ا عن أمهاتنا‬ ‫وكلمه ُ‬ ‫الطاهرات‪.‬‬

‫نساء فى حياة الرسول‬

‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هامش الخاتمة‬

‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السيد إبراهيم‬

‫)‪ (1‬في ظلل القرآن ص ‪.3495‬‬ ‫‪.‬فولتير‪ ،‬من كبار أدباء فرنرسا‪ ،‬توفى رسنة ‪1778‬م ‪(2‬‬ ‫)‪ (3‬المرستشرق النجليزي "بورسورث رسميث" ""‪Bosworth Smith (1815‬ـ ‪(1892‬الدب في‬ ‫آرسيا‪ ،‬المقدمة‪.‬‬ ‫‪187‬‬


‫)‪ (4‬مصطفى الرسباعى‪ :‬الرسيرة النبوية دروس وعبر ص ‪.5‬‬ ‫)‪ (5‬أرنولد توينبي‪ :‬مدخل تاريخي للدين‪.‬‬ ‫)‪ (6‬مصطفى صادق الرافعي الشراق اللهي وفلرسفة الرسلم )وحي القلم ( ج ‪.2‬‬

‫‪188‬‬


‫إتحاد الكتاب والمثقفين العرب‬ ‫يَُكّرم‬ ‫’’حبر التحاد’’‬ ‫الديب السيد إبراهيم أحمد‬

‫‪189‬‬


‫رائحة اللغة العربفية الفصح﴾ى تفاوح من سطاوره‪ ,‬وعبق عراقة الَتعاريخ يْنبعث‬ ‫‪..‬من ثْنعايعا كلمعاته‬

‫هاو الزمن الجمفيل من روعة الحرف ودقة الاوصف ‪..‬‬ ‫هاو الغاواص المعاهر فج ي الخلجعان والمحفيطعات لفيعاود لْنعا بصفيد ثمفين تجعاهلَته‬ ‫القلم تحت صخاور البداع ‪..‬‬

‫له نكهة خعاصة فج ي غزل ونسج وحفيعاكة وصبعاغة ماوضاوععاته ‪ ,‬وله بصمة خعاصة‬ ‫فج ي محعاكعاة الَتعاريخ السلمج ي‪..‬‬

‫)) صل﴾ى ال علفيه وسلم نسعاء حاول الرساول((‬

‫ففيه روعة الحرف‪ ,‬ورقة الاوصف‪ ,‬وتحلفيل الظرف فج ي كل عرف وعرف‪.‬‬

‫‪190‬‬


‫بفين سطاوره أنَتح﴾ى أزقة مكة ‪ ,‬وأعرج عل﴾ى ديعار بْنج ي هعاشم ‪ ,‬وأمر عل﴾ى ديعار‬ ‫عبد المطلب أرى مرضعة الرساول فج ي ديعار بْنج ي سعد‪......‬وأصغج ي إل﴾ى القاوم‬ ‫يجَتمعاون فج ي دار الْندوة ‪..‬وأتعابع خطاوات عمربن الخطعاب ‪,‬أسمع صفعَته المدوية‬ ‫عل﴾ى وجه أخَته‪.ُ.‬ثم أراه معلْنعا إسلمه فج ي قاوة بأس مَتحديعاً القاوم كلهم انه‬ ‫عل﴾ى دين )) محمد صل﴾ى ال علفيه وسلم (( وانه يقاول معا يقاول‬ ‫))السفيد إبراهفيم أحمد((‬ ‫يقدم شهعادة عل﴾ى عصر مفيلد الْنباوة من خلل رؤيَته عبر كَتعابه‬ ‫(( نسعاء حاول الرساول))‬ ‫هذا الكَتعاب الذ ي تعرض لدور المرأة فج ي نشر السلم ‪ ,‬ودورهعا فج ي‬ ‫السلم والحرب ‪ ,‬لفيدحض بهذا مزاعم الغرب الذ ي يحعاول من الَترويج‬ ‫لمزاعمه نحاو تقلفيص وتهمفيش دور المرأة فج ي المجَتمع السلمج ي‬ ‫وبعد تلك الاومضعات الْناورانفية يسعدنج ي بعالصعالة عن نفسج ي ‪,‬‬ ‫ونفيعابة عن أعضعاء اتحعاد الكَتعاب والمثقففين العرب أن نكرم جمفيععاً‬ ‫كعاتبْنعا بهذا اللقب‪:‬‬ ‫‪191‬‬


‫))حبر التحعاد))‬ ‫الكعاتب والديب الريب‬ ‫))السفيد إبراهفيم أحمد((‬ ‫وكذلك بَتكريمه بشهعادة تقدير لمعا قدمه لْنعا فج ي اثراء الحركة الثقعاففية‬ ‫فج ي بلطْنعا العريق‪.‬كمعا يسعدنعا إخَتفيعاره مراجععاً فج ي لجْنة‬

‫(( الكَتعاب الذهبج ي لتحعاد الكَتعاب والمثقففين العرب((‬ ‫مبعارك لْنعا جمفيععاً هذا الَتكريم‪.‬‬ ‫فعائق ماودتج ي وتقدير ي‬ ‫دكَتاور محمد حسن كعامل‬

‫رئفيس اتحعاد الكَتعاب والمثقففين العرب‬

‫اتحاد الكتاب والمثقفين العرب يكرم الديب السيد إبراهيم‬ ‫‪192‬‬


‫حور‪ -‬الرياض‪ :‬ك ّرم اتحاد الكتاب والمثقفيــن العــرب الكــاتب والديــب "الســيد‬ ‫إبراهيــم أحمــد" بلقــب "حــبر التحــاد"‪ ،‬كمــا كّرمــه بشــهادة تقــدير لمــا قــدمه‬ ‫للتحاد في إثراء الحركة الثقافية‪ ،‬واختاره مراجعاً في لجنــة "الكتــاب الــذهبي‬ ‫لتحاد الكتاب والمثقفين العرب"‪.‬‬ ‫أعلن ذلك رئيس اتحاد الكتاب والمثقفين العرب‪ ،‬محمد حسن كامل‪.‬‬ ‫ومن أعمال المكرم "نساء حول الرسـول"‪ ،‬وهـو الكتـاب الـذي تعـرض لـدور‬ ‫المرأة في نشر الســلم‪ ،‬ودورهــا فــي الســلم والحــرب‪ ،‬ليــدحض بهــذا مزاعــم‬ ‫الغــرب الــذي يحــاول الترويــج لمزاعمــه بتقليــص وتهميــش دور المــرأة فــي‬ ‫المجتمع السلمي‪ .‬كما تنشر له "حور" مقالت دورية على صفحاتها‪.‬‬

‫"حور" تهنئ الديب السيد إبراهيم أحمد لتكريمه المستحق‪ .‬وألف مبروك‪.‬‬

‫نساء فى حياة الرسول‬

‫ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ أهم المراجع‬

‫‪193‬‬

‫ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ السيد إبراهيم‬


‫‪ :‬أولً ‪ :‬القرآن الكريــــــــم‬ ‫‪:‬ثانًيا ‪ :‬كتب السنة الصحيحة الواردة بالهوامش والحواشي‬ ‫‪ :‬ثالثا‪ :‬كتب السير والتراجم‬ ‫الصابة في تمييز الصحابة لبن حجر ‪ -‬الطبقات الكبرى لبن رسعد‪ -‬الرسيرة‬ ‫النبوية لبن هشام ‪ -‬البداية والنهاية لبن كثير ‪ -‬صفة الصفوة لمحمد أبو الفرج‬ ‫ رسير أعلم النبلء للذهبي ـ مورسوعة حياة الصحابة ‪ -‬فضائل الصحابة لبن‬‫‪.‬حنبل ‪ -‬دلئل النبوة للصبهاني‪ -‬الرستيعاب لبن عبد البر‬ ‫‪ :‬رابًعا ‪ :‬تفاسير القرآن الكريم‬ ‫‪.‬القرطبي ـ ابن كثير ـ في ظلل القرآن‬ ‫سا ‪ :‬المصادر والمراجع التالية‬ ‫‪ :‬خام ً‬ ‫ـ ابن كثير‪ :‬الرسيرة النبوية للمام أبى الفداء ارسماعيل بن كثير تحقيق مصطفى‬ ‫عبد الواحد الجزء الول ‪ 1396‬هـ ‪ 1971 -‬م ‪ ،‬دار المعرفة للطباعة والنشر‬ ‫والتوزيع‪ ،‬بيروت – لبنان ‪.‬‬ ‫ـ أغناطيوس غويدى ‪ :‬محاضرات فى تاريخ اليمن والجزيرة العربية قبل‬ ‫الرسلم ‪ ،‬ترجمة إبراهيم الرسامرائى‪ ،‬الطبعة الولى‪ ،‬دار الحداثة للطباعة‬ ‫‪.‬والنشر‪ ،‬بيروت ‪1986‬‬ ‫ـ إرسماعيل راجى الفاروقى ) دكتور( والدكتورة لوس لمياء الفاروقى‪ :‬أطلس‬ ‫‪.‬الحضارة الرسلمية‪ ،‬مكتبة العبيكان‪ ،‬الرياض‪ ،‬الطبعة الولى‪1988 ،‬‬ ‫ـ الرسهيلي ‪ :‬الروض النف في تفرسير الرسيرة النبوية لبن هشام‪ ،‬دار المعرفة‪،‬‬ ‫بيروت ‪.1978‬‬ ‫ـ المحب الطبري ‪ :‬الرسمط الثمين فى مناقب أمهات المؤمنين‪ .‬طبعة حلب ‪.‬‬ ‫ـ القاضي عياض ‪ :‬الشفا بتعريف حقوق المصطفى‪ ،‬تحقيق أحمد فريد‬ ‫‪194‬‬


‫المزيدي‪ .‬الطبعة الولى‪ ،‬المكتبة التوفيقية‪ ،‬القاهرة ‪.‬‬ ‫ـ توماس كارليل ‪ :‬محمد المثل العلى‪ .‬ترجمة محمد الرسباعي‪ ،‬مكتبة الداب‪،‬‬ ‫مصر ‪. 1991‬‬ ‫ـ خواجة أفندى كمال الدين ‪ :‬ينابيع المرسيحية ص ‪ 85‬ترجمة إرسماعيل حلمى‬ ‫‪.‬البارودى ‪،‬منشورات لجنة المحققين ‪ ،‬لندن ‪1991‬‬ ‫ـ ر‪.‬ف‪ .‬برادلى ‪:‬الررسول ـ حياة محمد ‪ ..‬ترجمة عبد الحميد جودة الرسحار‬ ‫‪.‬الرسحار ‪،‬مكتبة مصر‬ ‫ـ عباس محمود العقاد ‪ :‬فاطمة الزهراء والفاطميون‪ .‬الطبعة الولى‪ ،‬دار‬ ‫‪.‬الكتاب اللبنانى‪ ،‬بيروت ‪1974‬‬ ‫‪.‬ـ عبد الحد داود ‪ :‬محمد فى الكتاب المقدس‪ .‬الطبعة الثانية‪ ،‬دارالضياء‬ ‫ـ عبد الشافي محمد عبد اللطيف )دكتور(‪ :‬تاريخ الرسلم في عصر النبوة‪،‬‬ ‫‪.‬المعهد العالي للدرارسات الرسلمية‪ ،‬القاهرة ‪2009‬‬ ‫ـ عائشة عبد الرحمن )دكتورة( ‪ :‬نرساء النبي‪ ،‬الطبعة الخامرسة‪ .‬دارالهلل‬ ‫‪.1971‬‬ ‫ـ عائشة عبد الرحمن )دكتورة(‪ :‬أم النبى ط ‪ 2‬الهيئة المصرية العامة للكتاب‬ ‫‪1995.‬‬ ‫ـ رسعيد أيوب‪ :‬زوجات النبي صلى ا عليه ورسلم‪،‬قراءة في تراجم أمهات‬ ‫المؤمنين فيحركة الدعوة‪ ،‬الطبعة الولى‪ ،‬دار الهادي‪ ،‬لبنان ‪.1997‬‬ ‫ـ شوقى ضيف ) دكتور( ‪ :‬محمد خاتم المررسلين‪ .‬دار المعارف‪ ،‬مصر‬ ‫‪.2000‬‬ ‫ـ صفى الرحمن المباركفورى‪:‬الرحيق المختوم‪ .‬الطبعة الولى‪ ،‬دار الوفاء‪،‬‬ ‫مصر ‪.2002‬‬ ‫ـ محمد أبو زهرة )دكتور(‪ :‬خاتم النبيين‪ .‬المؤتمر العالمى الثالث للرسيرة‬ ‫والرسنة النبوية‪.‬‬ ‫ـ محمد بن عبدا العوشن ‪ :‬ماشاع ولم يثبت في الرسيرة النبوية‪ ،‬دار طيبة‪،‬‬ ‫الرياض ‪1428‬هـ ‪.‬‬ ‫ـ محمد شيحانى )دكتور( ‪ :‬هل محمد عبقرى مصلح أم نبي مررسل؟ الطبعة‬ ‫‪195‬‬


196


197

نساء فى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ـ السيد إبراهيم أحمد  

كان في سيرة المبعوث رحمةً للعالمين سيدنا محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ للمرأة مكانًا ومكانة بدت لنساء ترددت أسمائهنَّ هنا وهناك أكثرهنَّ الص...

Read more
Read more
Similar to
Popular now
Just for you