Issuu on Google+

‫ﺍﻟﺮﻭﺍﻳﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﰲ ﺍﳉﺰﺍﺋﺮ‬ ‫ﺩﺭﺍﺳﺔ ﲢﻠﻴﻠﻴﺔ‬

‫لوجاني طارق‬ ‫مقدمة ‪:‬‬ ‫عرف ظھور الرواية العربية في الجزائر حدثا كبير األھمية ‪،‬رغم تأخرھا مقارنة مع باقي‬ ‫الروايات في االقطار العربية األخرى‪ ،‬ويعود ذلك إلي اإلستعمار ‪ ،‬وبالرغم من ھذا فإن ھناك‬ ‫بوادر أولي لظھورھا ‪ ،‬تتمثل في بعض الكتابات لكتاب أمثال رضا حوحو في قصة "غادة أم‬ ‫االقري '' وبن ھدوقة في" ريح الجنوب '' والطاھر وطار في "الالز"‪.‬‬ ‫ھذا االخير الذي يعتبر من رواد فن الروية الجزائرية المكتوبة بالعربية ‪ ،‬رغم جھل الكثيرين‬ ‫بشخصه المتميز‪،‬له شھرته في البالد العربية والغربية ‪ ،‬وھذا مادفع فضولنا إلي كشف عالمه من‬ ‫خالل روايته 'الالز" التي تعتبر من بواكير الرواية العربية في الجزائر ‪ ،‬والتي تعكس الواقع الذي‬ ‫عاشه المجتمع أثناء الثورة ‪ ،‬لذا كان ميلنا إلي الرواية الجزائرية ھو األرجح وھو الشيئ الذي‬ ‫جذبنا للبحث في ھذا الميدان – األدب الواقعي – لما فيه من أبعاد أنسانية ورؤى جمالية تعبد درب‬ ‫العدالة والمساواة ‪ ،‬فكان إسم ''الطاھر وطار'' على الواجھة ‪،‬إذ يمثل اإلتجاه الواقعي ‪.‬‬ ‫وقد تناولنا في ھذا البحث دراسة األبعاد الموضوعية والفنية في رواية "الالز" للطاھر وطار‬ ‫وداوفعنا إ‪.‬لى القيام بھذا البحث التنحصر بإعجابنا بھذا األديب فقط ‪ ،‬وإنما غريزة ‪،‬ا لحب‬ ‫الالكتشاف ودافع الفضول في موضوع اليزال بكر ا‪ ،‬ويعد جديد الطرح كل مايقال فيه من أراء‬ ‫ويتوصل إليه من نتائج وھناك دافع الغيرة الوطنية على تراثنا الثقافي والمسؤولية تجاھه ‪،‬‬ ‫وضرورة تظافر جھود كل أفراد الوطن بلحفاظ عليه ‪ ،‬وإنقاذه من الضياع والتالشي وھناك دافع‬ ‫ذاتي يتمثل في إعجابنا بأدب الطاھر وطار وبروحه المرحة وصدق عاطفية ومقصده ‪ ،‬وإخالصه‬ ‫لوطنه وفنه‪.‬‬ ‫‪2‬‬


‫أما فيما يخص المنھج المتبع في ھذه الدراسة فإنه يقوم على الوصف والتحليل ألنه األنسب‬ ‫الطبيعة الموضوع وعليه فقد حاولنا تتبع بعض مفاھيم الدراسة الوصفية التحليلية من خالل ھذه‬ ‫الرواية علنا نساھم بقسط ولوبسيط بساطة معلوماتنا عن ھذ المنھج فقد وجدنا أنفسنا مضطرين إلى‬ ‫التركيز عن المجتمع الروائي أوال وأخيرا مع تتبع الجوانب الفنية فيه ‪ ،‬محاولين ربطھا بالفترة‬ ‫التاريخيةا لتى صدر فيھا العمل إلبداعي ‪ ،‬وذلك للحصول على موضوعية الباحث ‪،‬وحتي‬ ‫النجحف في حق النص‪.‬‬ ‫وتضمنت خطة البحث المراحل التالية ‪:‬‬ ‫المقدمة وتضم مدخال بسيطا ومباشرا إلى موضوع البحث ‪ ،‬واألسباب الدافعة إلى إختياره ‪،‬‬ ‫وتالھا مدخل في تاريخ الرواية الجزائرية ‪ ،‬ألقينا فيه الضوء على ظھور الرواية‬ ‫الجزائرية قبل الثورة ‪ ،‬وأثناء الثورة ‪،‬و بعد اإلستقالل ‪ .‬وتضمن الفصل األول ملخص الرواية ‪،‬‬ ‫أما الفصل الثاني فتناولنا فيه األبعاد الموضوعية في الرواية الذي إشتمل ثالث عناصر ''البعد‬ ‫السياسي ‪ ،‬البعد االجتماعي والبعد الثقافي ‪ ،‬ودرسنا في الفصل األخير األبعاد الفنية محاولين‬ ‫االوقوف على توظيف التراث الشعبي‪ ،‬وتحديد الشخصيات ‪ ،‬والزمان والمكان اللذان ساعدا على‬ ‫تعيين الحدث وإعطائه أبعاد فنية وجمالية ‪ ،‬إضافة إلى دراسة األسلوب والتقنيات السردية المختلفة‬ ‫المستعملة في الرواية ‪ ،‬إلى جانب الحوار واللغة ‪ ،‬وفي الخاتمة حاولنا الخروج بنتائج نرجو أن‬ ‫تكون في مستوي البحث والجھد المبذول في إنجازه ‪.‬‬ ‫كما زودنا البحث بقائمة المصادر والمراجع ‪،‬ومن الطبيعي أن يتطلب موضوع كھذا قراءة مصادر‬ ‫ومراجع متنوعة المضوعات واإلختصاصات واإلتجاھات الفكرية والسياسية واإلجتماعية‬ ‫واألدبية والفنية ‪ ،‬واعتمدنا في ذلك بالدرجة األولى على المصدر المتمثل في رواية "الالز "‬ ‫لطاھر وطار وبعض المراجع نذكر منھا محمد البصير في" الموقف الثوري في الرواية‬ ‫الجزائرية المعاصرة "‪ ،‬والطاھر رواينية "إتجھات الرواية العربية في بلدان المغرب العربي" ‪،‬‬ ‫‪،‬وأحمد شريبط "الفن القصصى في األدب الجزائري المعاصر"‪ ،‬والدكتور عبد ﷲ الركيبي '' في‬ ‫تطور النثرالجزائر ي الحديث" ‪ ،‬ابو القاسم سعد ﷲ " دراسات في األدب الجزائري الحديث"‪،‬‬ ‫ومحمد بشير بويجرة " الشخصية في الرواية الجزائرية " ‪ ،‬وعبد المالك مرتاض في "عناصر‬ ‫االتراث الشعبي في الالز"‪.‬‬ ‫وكأي باحث مبتدئ واجھتنا صعوبات من أھمھا ‪:‬عد م تمكننا من العثور على المراجع منذ البداية‬ ‫مما سبب في ضياع الوقت‪ ،‬كما واجھتنا في إنجاز ھذا العمل مشكلة التكرار مما إستلزم أحيانا‬ ‫ااألسلوب اإلنشائي وذلك للصيغة السردية التي أوجدتھا طبيعة البحث ‪.‬‬ ‫وفي ھذا المقام اليسعنا إال أن نتقدم بالشكر الجزيل لكل من ساعدنا في إنجاز ھذا البحث المتواضع‬ ‫وبصفة خاصة لأل ستاذالكريم ''محمد فورار '' الذي أشرف على ھذا العمل ‪،‬وكان له الفضل في‬ ‫التوجيه واإلرشاد إلى طريق العلم الصحيح ورغم إنشغاالته الكثيرة لم يبخل علينا بالنصائح‬ ‫والتوجيھات واإلرشادات القيمة ‪،‬فله نقدم أيات الشكر والثناء و التقدير‪.‬‬ ‫مد خل‬ ‫تاريخ الرواية الجزائرية‬ ‫ظھرت الرواية الجزائرية المكتوبة بالفرنسية بعد الحرب العالمية الثانية وبالتحديد في سنة ‪١٩٥٠‬‬ ‫على أيدي رواد كبار بلغوا درجة عالية في مضمار الفن الروائي )‪.(١‬‬ ‫وفي ھذا السياق يقول أحد الباحثين مشيرا‪3‬إلى ھذه الكوكبة من الروائيين الذين لھم شھرة‬ ‫واسعة في ھذا المجال في الخمسينات من ھذا القرن ‪،‬برزت في األدب الفرنسي جماعة من الكتاب‬


‫الذين يتميزون بالموھبة األصلية‬ ‫والعبقرية الفذة في اإلنتاج األدبي‬ ‫والمسرحي‪ ،‬والذوق الحسن ‪،‬‬ ‫والمقدرة على الرواية والكتابة ‪،‬‬ ‫والعمق في التعبير والتجاوب العميق‬ ‫مع األرض التي ولدوا فيھا‬ ‫والمجتمع الذي نشأوافيه ‪..‬‬ ‫ھذه الجماعة ونعني بھا كاتب‬ ‫ياسين ‪ ،‬ومولود فرعون ‪ ،‬و إبن‬ ‫ومولود‬ ‫‪،‬‬ ‫عمروش‬ ‫معمري‪،‬ومحمد ديب ‪ ،‬ومالك حداد ‪،‬‬ ‫وآيت جعفر ‪ ،‬برزت على المسرح‬ ‫الوطني فخلفت جماعة الكتاب‬ ‫الفرنسيين الذين اليھمھم من الجزائر سوي ما فيھا من مناظر طبيعية خالبة ‪ ،‬وخيرات كثيرة ‪،‬‬ ‫ولھذا فإن إنتاج الفرنسيين كان ذا طابع غنائي فعبروا عن أحاسيسھم الذاتية ولم يھتموا ال بالمجتمع‬ ‫وال باإلنسان)‪(٢‬‬ ‫وقد عالج الكتاب الجزائريين القضايا واألوضاع اإلجتماعية و اإلقتصادية والثقافية‬ ‫والسياسية في البالد قبل الثورة وأثنائھا وبعد اإلستقالل ‪ ،‬فألف مولود فرعون رواية " بن الفقير‬ ‫" عام ‪ ، ١٩٥٠‬ورواية "االرض والدم " عام ‪ ، ١٩٥٣‬و "الدروب الوعرة " عام ‪ ، ١٩٥٧‬كما‬ ‫ألف مولود معمري "الھضبة المنسية " عام ‪ ''، ١٩٥٢‬السبات العادل'" عام ‪ ، ١٩٥٥‬ثم ألف فيما‬ ‫بعد ''األفيون والعصا "عام ‪، (٣) ١٩٦٥‬أما محمد ديب فنشر ثالثيته الشھيرة "الدار الكبيرة" عام‬ ‫‪"، ١٩٥٢‬الحريق " عام ‪ '' ١٩٥٤‬والنول " عام‪.(٤) ١ ٩٥٧‬‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫محمد البصير ‪:‬الموقف الثوري في الرواية الجزائرية المعاصرة ‪.١٩٨٢-١٩٧٠ ،‬‬ ‫بحث لنيل شھادة الماجستير ‪ ،‬جامعة ااجزائر‪ ،‬معھد اللغة واألدب العربي‪ ،‬سنة ‪-١٩٨٥‬‬ ‫‪،١٩٨٦‬ص ‪.٢٤‬‬ ‫)‪(٢‬د‪ -‬حنفي بن عيسى ‪:‬الرواية الجزائرية المعاصرة ‪ ،‬مجلة الثقافة ‪،‬عدد‪.١٩٧٢، ٨،٩‬‬ ‫)‪ (٣‬محمد البصير‪ :‬الموقف الثورى في ا لرواية الجزائرية المعاصرة ‪ ، ١٩٨٢-١٩٧٠‬ص‪.٢٥‬‬ ‫)‪(٤‬المرجع نفسه ‪ ،‬ص ‪.٢٥‬‬ ‫وألف كاتب ياسين رواية " نجمة " عام ‪ ، ١٩٥٦‬ونشر مالك حداد أربع روايا ت بدأھا "‬ ‫بالبصمة األخيرة " عام ‪ ، ١٩٥٨‬و "سأھديك غزالة " عام ‪ ١٩٥٩‬و" التلميذ والدرس" عام‬ ‫‪ " ، ١٩٦٠‬رصيف األزھار ال يجيب "عام ‪(١) ١٩٦١‬‬ ‫أما أسيا جبار فألفت "العطش " عام ‪" ، ١٩٥٧‬الجازعون " عام ‪ ، ١٩٥٨‬ثم ألفت فيما بعد‬ ‫" أبناء العالم الجديد" ‪ ، ١٩٦٢‬وأخيرا وليس آخرا جاء دور رشيد بوجدرة بعد االستقالل فألف‬ ‫عدة روايات من بينھا "الطالق" عام ‪ ، ١٩٦٩‬و"الحلزون العنيد " عام ‪ ، ١٩٧٧‬وألف "عام وعام‬ ‫من الحنين" عام ‪، ١٩٨١‬وھناك روائيون أخرون من الشباب كتبوا روايات بالفرنسية‬ ‫‪4‬‬ ‫اليتسع المقام لذكرھم‪(٢) .‬‬


‫عالجت الرواية الجزائرية المكتوبة بالفرنسية قضايا الشعب وھمومه المختلفة من فقروجھل‬ ‫وتشرد و بؤس وحرمان ‪ ،‬كما وصفت الھجرة والبطالة والظلم والقھر الذي كان يعانيه الشعب‬ ‫الجزائري ‪،‬حيث أتخذ كاتب الرواية الجزائرية المكتوبة بالفرنسية موقفا حازما مع الشعب‬ ‫الجزائري كله‪ ،‬فصوروا في رويا تھم آالمه وآماله‪ ،‬وحالة تشرده وضياعه ‪،‬أصدق تصوير وأدق‬ ‫تفصيل كان ھذا قبل ثورة نوفمبر ‪. (٣) ١٩٥٤‬‬ ‫أما أثناء الثورة فقد سجل ھؤالء الروائيين صيحات الرفض والتمرد وتحول ھذا الرفض‬ ‫والتمرد إلى سخط وغضب وإستنكار ‪ ،‬فأعلن الشعب حينئذ العنف الثوري ضد االستعمار ‪ ،‬ولم‬ ‫يكتف األدباء الجزائريين بالتحدي السياسي بل شنوا حربا على العدو بالكلمة المقاتلة واألدب‬ ‫الملزم ودفعوا أرواحھم الطاھرة ودماءھم الزكية في سبيل تحرير الوطن وتطھيره من أرجاس‬ ‫الغاضبين ‪ ،‬فاستشھد أحمد رضا حوحو ‪ ،‬ومولود فرعون من كتاب الرواية )‪. (٤‬‬ ‫والشك أن الناس تعودوا قراءة الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة الفرنسية وقد ترجمت العديد‬ ‫من ھذه الروايات إلى اللغة العربية ‪ ،‬وأصبح الناس يرددون أسماء كتابھا ويعرفون عنھم‬ ‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫محمد البصير‪ :‬الموقف الثوري في الرواية الجزائرية المعاصرة ‪ ،١٩٨٢ -١٩٧٠‬ص ‪.٢٥‬‬ ‫المرجع نفسه‪ ،‬ص‪.٢٥‬‬ ‫المرجع نفسه ‪،،‬ص ‪.٢٦ – ٢٥‬‬ ‫المرجع نفسه ‪،‬ص ‪.٢٧-٢٦‬‬ ‫الشيء الكثير بينما ال يكادوا يعرفون عن كتاب النثر الجزائري إال القليل ‪ ،‬ھذا ما جعل إھتمام‬ ‫الدارسين لألدب الجزائري الحديث ينصب نحو اآلثار المكتوبة باللغة األجنبية ‪ ،‬ولم يشر من قريب‬ ‫أو بعيد إلى من يكتب باللغة القومية ‪ ،‬فضال عن الباحثين في البيئات األوربية شرقا وغربا ‪ ،‬الذين‬ ‫إحتفلوا باألدب المكتوب باللغة الفرنسية في الجزائر ‪ ،‬حتى أن بعضھم إعتبر أن الكتاب‬ ‫الفرنسيون الذين ولدوا فوق التراب الجزائري من الكتاب الجزائريين ‪ ،‬وحاولوا تقديم أدلة‬ ‫وبراھين ساقوھا لتأكيد غرضھم ‪ ،‬وقد أثيرت ضجة حول ھذا األدب برزت منھا عوامل شتي‬ ‫كأجھزة اإلعالم والثقافة الفرنسية التي روجت ھذه الفكرة لتظھر أن الثقافة الفرنسية خلفت كتابا‬ ‫بارزين في الجزائر وأن اإلستعمارلم يكن كله شر‪ ،‬وأثمرت ھذه النماذج العربية شعرا ونثرا‬ ‫وقدمت لھم جوائز تشجيعية ليس تقديرا لتفوفق الكتاب الجزائريين ولكن للدعاية‪ -‬وتشجيع األدب‬ ‫الفرنسي واللغة الفرنسية ‪ ،‬وكان لھذا الموقف أثراكبيرا على الدارسين لألدب الجزائري في بيئات‬ ‫أخري فترجموه بما فيه من أصالة وعمق وتجديد ‪ ،‬خاصة وأنه دار حول الثورة ‪ ،‬ونضال الشعب‬ ‫الجزائري بجرأة وفھم عميق لمطامع الشعب وأشواقه )‪. (١‬‬ ‫ھذا بالنسبة للرواية قبل اإلستقالل ‪ ،‬أما بعد اإلستقالل فقد نشرت أول رواية عربية جزائرية‬ ‫بعنوان '' صوت الغرام " )‪ (٢‬مؤلفھا محمد منيع تدور أحداثھا في الريف الجزائري حول عالقته‬ ‫حب تنشأ بين البطلين ) العمري وفلة( في وسط متخلف تتحكم فيه العادات والتقاليد البالية التي‬ ‫تحرم أية عالقة حب بين شاب وشابة ‪ ،‬مھما كانت براءة ھذه العالقة ‪،‬التي تفشل بسبب خجل‬ ‫البطل ‪ ،‬وسلبيته ‪ ،‬الذي لم يستطع حتى التعبير عن مشاعره لتلك الفتاة ‪ ،‬بل كانت الفتاة أكثر منه‬ ‫جرأة وصراحة ‪ ،‬حين إقترحت عليه خطة الفرار عندما فشل في إيجاد حل لمشكلتھما ‪.‬‬ ‫‪5‬‬ ‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬


‫)‪ (١‬عبد ﷲ ركيبي ‪ :‬تطور النثر الجزائري الحديث ‪ ، ١٩٧٤-١٨٣٠‬المؤسسة الوطنية للكتاب ‪،‬‬ ‫‪ ٣‬شارع زيروت يوسف ‪ ،‬الجزائر ‪ ،‬مطبعة القلم تونس ‪ ، ١٩٨٣‬عدد الناشر ‪، ٤٠٠-١٤ -٧٨‬‬ ‫ص ‪. ١٩٩‬‬ ‫)‪ (٢‬محمد منيع‪ :‬صوت الغرام ‪ ،‬مطبعة البعث ‪ ،‬قسطنطينة ‪ ،‬عام ‪ ، ١٩٦٧‬ص ‪. ٧٩‬‬ ‫تأخر صدور الرواية‬ ‫ورواية " صوت الغرام " سطحية الطرح ‪ ،‬وساذجة األفكار وضعيفة األسلوب واللغة‬ ‫وبالتالي فھي رديـئة شكال ومضمونا ‪ ،‬وھي تشبه رواية "الطالب المنكوب " لعبد المجيد الشافعي ‪،‬‬ ‫فكلتا الروايتين ضعيفة في الشكل و المحتوى ؟ ! )‪ (١‬ويرد الدكتورعبد ﷲ الركيبي تأخر ظھور‬ ‫الرواية العربية في الجزائر إلٮاألسباب التالية ‪:‬‬ ‫صعوبة فن الرواية ألنه يحتاج إلى صبر وأنات وتأمل طويل ‪.‬‬ ‫إنعدام نماذج روائية جزائرية بالعربية يمكن تقليدھا والنسج على منوالھا ‪.‬‬ ‫عدم توفر اللغة الطبيعية المرنة التي تصور البيئة الكاملة في الرواية )‪. (٢‬‬ ‫إذا دققنھا النظر في ھذه األسباب نخالف الدكتور عبد ﷲ الركيبي الن ھذه األسبا ب ربما‬ ‫تجوز في عھد اإلحتالل المظلم ‪ ،‬أما بعد اإلستقالل فاليجوز بأي حال من األحوال ‪ ،‬والينبغي أن‬ ‫يبقى الكاتب مكتوف األيدي فترة التقرب من عشرة سنوات بحجة الصبر والتأمل الطويل ‪ ،‬فال‬ ‫تخرج أي رواية فنية جيدة إلى حيز الوجود ‪ ،‬عن بداية اإلستقالل إلى أوائل السبعينات إال إذا‬ ‫إعتبرنا أن الكسل العقلي كان مسيطرا على الروائيين ‪ ،‬فالتصدر رواية واحدة إالبعد سبع سنوات‬ ‫كما صرح بعضھم في مقدمة روايته )‪. (٣‬‬ ‫و بعد إنقشاع ظالم ليل اإلستعمار الحالك أشرق فجر الرواية الجزائرية العربية سنة ‪١٩٤٧‬‬ ‫على يد الرائد األول أحمد رضاحوحو ‪ ١٩٥٦ -١٩١١‬في روايته "غادة أم القرى" التي كتبھا‬ ‫بالحجاز وأراد أن يلوح بھا إلى المرأة الجزائرية التي تعاني ضروبا مختلفة من الجھل و التخلف ‪،‬‬ ‫ولم يستطع المؤلف أن يخرجھا باسم أسرة جزائرية خوفا من سلطة المجتمع ‪،‬مكتفيا بإھدائھا إلى‬ ‫المرأة الجزائرية ‪ ،‬فيقول في مقدمة الرواية ‪ ) :‬إلى تلك التي تعيش محرومةمن نعمة الحب ‪ ،‬من‬ ‫نعمة العلم ‪ ،‬من نعمة الحرية ‪ ،‬إلى تلك المخلوقة البائسة ‪ ،‬المھملة في ھذا الوجود ‪ ،‬إلى المرأة‬ ‫الجزائرية أقدم ھذه القصة تعزية سلوى( )‪..(٤‬‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‪.‬‬ ‫)‪(١‬محمد البصير ‪ :‬الموقف الثورى في الرواية الجزائرية المعاصر ة ‪ ، ١٩٨٢-١٩٧٠‬ص ‪٣٥‬‬ ‫‪.‬‬ ‫)‪-(٢‬د‪ /‬عبد ﷲ الركبيي ‪ :‬تطور النثر الجزائري الحديث ‪،‬ص ‪.١٩٨‬‬ ‫)‪(٣‬محمد البصير‪:‬الموقف الثورى في الرواية الجزائرية المعاصرة ‪، ١٩٨٢—١٩٧٠‬ص ‪-٣٦‬‬ ‫‪٣٦‬‬ ‫)‪ (٤‬أحمد رضا حوحو‪:‬غادة أم القرى وقصص أخرى ‪ ،‬تقديم ونيسى األعرج ‪ ،‬سلسلة األنس ‪،‬‬ ‫الجزائر ‪ ، ١٩٨٩‬ص‪٥‬‬ ‫وحينما صدرت الرواية عام ‪ ١٩٤٧‬ثار عليھا‪6‬كثير من الناس خاصة القلوب المتحجرة‬ ‫والنفوس المتزمتة التى إعتبرتھا دعوة لتحرر المرأة وخروجھا من سلطة الرجل ‪.‬‬


‫وخرجت ھذه الرواية إلى حيز الوجود في وسط متغلق يعتبر خروج المرأة وصمة عار في جبين‬ ‫الفرد والمجتمع ‪.‬‬ ‫وتبدو الرواية في حد ذاتھا دعوة صارخة من أحمد رضا حوحو إلى تحرير المرأة الجزائرية‬ ‫من األوھام والخرافات ‪،‬متأثرة في ذلك بدعوة قاسم أمين في تحرير المرأة وقضية الحجاب في‬ ‫الشرق العربي ‪ ،‬وتعتبر ھذه الرواية أول رواية جزائرية بالعربية مثلما تؤرخ المصرية "لزينب"‬ ‫عام ‪ ١٩١٤‬لمحمد حسين ھيكل تؤرخ الرواية الجزائرية العربية ''غادة أم القري " ألحمد رضا‬ ‫حوحو عام ‪ ١٩٤٧‬بغض النظر عم أثير حولھا من خالف في مستواھا الفني )‪(١‬‬ ‫وفي حوالي عام ‪ ١٩٥١‬ظھرت رواية "الطالب المنكوب ''لعبد المجيد الشافعي تتحدث ھذه‬ ‫الرواية عن طالب جامعي عاش في تونس في أواخر األربعينيات أحب فتاة تونسية وسيطر عليه‬ ‫حبھا حتى أنه كاد يغمى عليه من شدة الحب )‪. (٢‬ويصف الدكتور عبد ﷲ الركيبي ھذه الرواية‬ ‫بأنھا رومانسية في أسلوبھا وموضوعھا ‪،‬وأنھا ساذجة في طريقة التعبير )‪.(٣‬‬ ‫وقد صور كتاب الرواية موقفھم التضامني ‪ ،‬واألخوي مع جميع فئات الشعب المختلفة من عمال‬ ‫وفالحين وفقراء كادحين‪ ،‬فأعطوا لنا صور اآلمھم و آمالھم‪ ،‬وحالة تشردھم وضياعھم ‪ ،‬سواء كان‬ ‫كذلك في ريف أو قرية أو مدينة ‪ ،‬والغرابة في ذلك فقد كان الكتاب أنفسھم قد يذوقون مرارة‬ ‫الفقر وبؤس الحياة فانعكست تلك المآسى على أثارھم األدبية وخيرو سرھا وعرفوا بؤسھا عن‬ ‫قرب وعن تجربه وخبرة وممارسة ‪.‬‬ ‫)فھم في الواقع يشبھون الكتاب األمريكيين إلى حد كبير من ھذه الناحية حيث أنھم لم يمارسوا‬ ‫األدب إالبعد التجارب التي أتقنوھا في مختلف الحرف‪ ،‬لذلك جاءت موضوعاتھم األدبية تعبر عن‬ ‫حيرة شخصية بالمشاكل اليومية ـ‬ ‫)‪(١‬محمد البصير‪ :‬الموقف الثورة في الرواية الجزائرية المعاصرة ‪ ، ١٩٨٢-١٩٧٠‬ص ‪-٣٣‬‬ ‫‪. ٣٤‬‬ ‫)‪(٢‬د ‪/‬عبد ﷲ الركيبي‪ :‬تطور النثر الجزائري ‪، ١٩٧٤– ١٩٣٠‬ص‪.١٩٧‬‬ ‫)‪(٣‬المرجع نفسه ‪،،‬ص‪.١٩٨‬‬ ‫‪.‬‬ ‫وھكذا نجد كاتب ياسين مثال قد إحترف الصحافة والعمل في الموانئ والزراعة قبل أن يمارس‬ ‫كتابة الرواية ‪.‬‬ ‫أما محمد ديب فقدإ شتغل محاسبا ونساجا ومعلما وصحفيا ‪ ،‬قبل أن يدخل ميدان األدب ‪ ،‬ومن‬ ‫المھم أن نالحظ أن ھؤالء الكتاب جميعا قد مارسوا مھنة التعليم وھي مھنة مازال يشغلھا الكثير‬ ‫منھم اليوم ‪ ،‬أما الصحافة فقد منحتھم الفرص لكي يرو ويشعروا بالعالم حولھم ( )‪. (١‬‬ ‫وتأخر ظھور الرواية الفنية ‪ ،‬إلى الفترة التي ذكرناھا ‪ ،‬يرجع إلى أن ھذا الفن صعب يحتاج‬ ‫إلى تأمل طويل إلى صبر ثم يتطلب ظروفا مالئمة تساعد على تطوره وعناية األدباء به‪ ،‬وفي‬ ‫مقدمة ھذه العوامل أن الكتاب الجزائريين الذين كتبوا باللغة القومية أدبا عربيا إتجھوا إلى القصة‬ ‫القصيرة ألنھا تعبر عن واقع الحياة اليومي خاصة أثناء الثورة التي أحدثت تغييراعميقا في الفرد ‪،‬‬ ‫فكان أسلوب القصة القصيرة مالئما للتعبير عن الموقف أوعن اللحظة األنية وعن التجربة‬ ‫المحدودة بحدود الفرد ‪ ،‬أما الرواية فإنھا تعالج قطاعا من المجتمع رحابة واسعة لشخصيات‬ ‫تختلف إتجاھاتھا وتتفرع تجاربھا وتتصارع أھواؤھا ومواقفھا ‪ ،‬ومن ثم كان الكاتب يحتاج‬ ‫إلى تأمل طويل ‪،‬ثم إن الرواية تتطلب لغة‪7‬طبيعية مرنة قادرة على تصوير بيئة كاملة‪،‬‬ ‫وھذا مالم يتوفر لھا سوى بعد االستقال ل ألسباب كثيرة ليس ھذا مجال الحديث عنھا‪ .‬وفوق ھذا‬


‫فإن كتاب الرواية في الجزائر لم يجدوا أمامھم نماذج جزائرية يقلدونھا أو ينسجون على منوالھا‬ ‫كما كان األمر بالنسبة للكتاب باللغة الفرنسية الذين وجدوتراثا غنيا ونماذج جيدة في األدب‬ ‫الفرنسي ‪ ،‬ومع ذلك فإن الكتاب الرواية العربية قد أتيح لھم أن يقرأوا في لغتھم عيونا واسعة في‬ ‫بسب‬ ‫الرواية العربية الحديثة والمعاصرة‪،‬ولكنھم لم يتصل بھذاإلنتاج إال في فترة قريبة‬ ‫الظروف التي عاشوھا وعاشتھا الثقافة القومية في الجزائر ‪ ،‬لذلك فإن البدايات الحقيقية‬ ‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫)‪(١‬د‪./‬أبوقاسم سعد ﷲ‪، :‬دراسات في األدب الجزائري الحديث ‪ ،‬دار األداب ‪،‬الطبعة الثانية‬ ‫‪ ، ١٩٧٧‬ص‪.٥٨‬‬ ‫التي يمكن أن تدخل في مفھوم الرواية التى ظھرت منذ سنوات قليلة‪ ،‬أي أن السبعينات مثل قصة‬ ‫" ماال تذروه الرياح " لمحمد عرعار ‪،‬ثم رواية" ريح الجنوب" للكاتب القصصي عبد الحميد‬ ‫ھدوقة التي كتبت فيما يبدو قبل السابقة ولكنھا طبعت بعدھا‪ ،‬ثم ظھرت في السنتين الماضيتين‬ ‫روايتان الطاھر وطار وھما على التوالي "الزلزال" و''الالز''‪.‬‬ ‫تدور أحداث رواية "لالز" في فرية من قرى الريف الجزائرية ‪ ،‬تحيط بھا عدة جبال ‪ ،‬وتجثم‬ ‫على القري ثكنة عسكرية يراسھا ضابط فرنسي إبان الثورة التحريرية ‪،‬و كانت ھذه القرية تعج‬ ‫بأناس من فئات مختلفة وطبقات متنوعة من بينھم ''الشيخ الربيعي '' حيث يستھل الكاتب بتصويره‬ ‫أمام مكتب المنح في طابور المستفيدين ‪ ،‬الذي أطلق العنان لمخيلتة ليتذكر ماعاشته القرية أثناء‬ ‫الثورة ‪ ،‬حيث ''‪ ...‬استند إلى الجدار ‪،‬وأطلق العنان لمخيلته ‪ ،‬تتحسس الجرح ‪ ...‬شيئا عشناه ‪...‬‬ ‫وشيئ سمعناه ‪ ...‬وشيئي نتخيله ‪(١) ''...‬‬ ‫نشأ في ھذه القرية ولد لقيط وإبن غير شرعي اليعرف له أب إسمه "الالز" وأمه تدعي ''مريانة‬ ‫'' ) مريم ( شرير يخشاه الجميع ‪ ،‬يضرب ويسرق ويخطف مستخدما العنف على افراد قريته‪،‬‬ ‫وكان سالحه الخنجر ‪ ،‬كما كان يتعاظى الخمر والحشيش ولعب القمار ‪ '' ،‬ودأب على دخول‬ ‫السجن حتي بلغ دخوله السجن ثالثين مرة في الشھر حتي صار له سجن خاص به اليدخله سواه ''‬ ‫)‪.(٢‬‬ ‫ولما كبر" الالز" إعتقد الجميع أنه سيقلع عن عاداته السيئة وشروره ولكنه الالسف خيب أمالھم‬ ‫‪.‬‬ ‫وعند إندالع الثورة تمني الجميع الھالك "لالز" والقضاء عليه من طرف الثورة ليستريح‬ ‫الناس من شروره ‪ ،‬لكن ھذا األخير عرف كيف يتكيف و الظروف ‪،‬ويتأ قلم مع االحداث بعقده‬ ‫صداقة مشبوھة مع الضابط الفرنسي قائد الثكنة ‪ ،‬ھذه العالقة التي كانت مصدر الكثير من‬ ‫االشاعات ‪ ،‬فمن القائل أن "الالز "كا ن واسطة بين أمه "مريانة" وبين الضابط ‪ ،‬وأن "مريانة" '‬ ‫كانت تتاجر باعراض السيدات البائسات مقابل أموال تتسلمھا ‪،‬وقائل أن األمر أعمق وأخطر ‪ ،‬ھو‬ ‫خيانة "لالز" ' بمساعدة الجيش الفرنسي ضد الثورة ورجالھا‪.‬‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــــ��ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫)‪(١‬وطار الطاھر‪ :‬رواية الالز ‪ ،‬مطبعة أحمد زبانة ‪ ،‬الجزائر ‪ ،‬ط‪، ٣‬سنة ‪ ، ١٩٨١‬ص ‪.١٠‬‬ ‫)‪ (٢‬المصدر نفسه ‪ ،‬ص‪. ١٣‬‬ ‫ولم ير سببا اخر لھذا االزدھار الذي ظھر فجاة‪8‬في حياة "مريانة " وأبنھا "الالز'' ‪،‬ھذا‬ ‫االزدھار المبررله إالأنھا تتاجر بإعراض البائسات الفقيرلت بواسطة إبنھا ‪،‬و يقين أن الضابط لن‬


‫يقتنع بھذه الخدمة المتواضعة من "الالز " ‪،‬ولو لم تكن ھناك خيانة‬ ‫ماوطئت قدماه الثكنة مكتب القيادة ‪.‬‬ ‫ولكن" الالز "عندما يتعرف على أبيه" زيدان '' تنقلب حياته من‬ ‫شرير إلى مناضل يعمل لصالح الثورة ‪ ،‬فيھرب المجندين الجزائرين‬ ‫إلى الجبال ‪ ،‬ولما إكتشف أمره زج به في السجن وذاق الوانا من‬ ‫التعذيب الوحشي على يد الضابط الفرنسي الذي طلب منه أن يعرفه‬ ‫على أسماء الذين يتعاونون معه من المجاھدين ‪ ،‬غير أن "الالز "‬ ‫رفض ذلك باصرار وعناد‪ ،‬وصمد تحت الضغط والتعذيب ‪ ،‬وإعطاء‬ ‫الضابط مھلة قصيرة يراجع فيھا نفسه ‪ ،‬وفي ھذه االثناء أبتكر‬ ‫"الالز" حيلة ذكية تمكن إثرھا من الفرار مع بعض المجندين‬ ‫الجزائريين ليلتحق بأبية" زيدان" وينضم إلى صفوف الثوار‬ ‫المجاھدين في الجبل ‪.‬‬ ‫وفي اليوم التالي يجمع الضابط قواته ‪ ،‬ويشرع في عمليات االنتقام ضد السكان بعد مقتل‬ ‫مساعده " ستيفان " وھروب" الالز " مع مجموعة من المجندين ‪ ،‬فينتقل مباشرة إلى بيت "قدور‬ ‫" صحبة الخائن "بعطوش "و عند الوصول يطلب منه أن يقتل البقرة فيفعل‪ ،‬ويطلب منه أن يقتل‬ ‫''مريانة "أم " الالز"‪ ،‬ثم يسأله عن والدة " قدور " فيعرف بأنھا خالته‪ ،‬فيطلب منه ان يضاجعھا‬ ‫فورا أمام الجمع المكون من القائد ‪ "،‬الشامبيط "‪ "،‬الربيعي" زوجھا ‪ ،‬فيفعل ذلك‪ ،‬ولكن بعد‬ ‫العودة يصاب " بعطوش " بانھيار عصبي فيلجأ إلى الخمر لنسيان ماحدث فيزداد ھيجانه ‪ ،‬ويقتل‬ ‫خالته بطريقة وحشية عنيفة‪ ،‬ويعود عند ئذ إلى الثكنة مفكرا بعمل أنتقامي ضد الضابط ‪.‬‬ ‫اما" زيدان " فيستدعى مع رفاقه االروبيين الخمسه الين عملوا في صفوف الثوره سنين فيطلب‬ ‫منھم ان ينسلخوا من مدھبھم ويتبرؤا من عقيدتھم ‪ ،‬حين أمرت القيادة العليا حل جميع االحزاب‬ ‫و تكوين حزب واحد ھو حزب جبھة التحرير الوطني ‪ ،‬لكنھم رفضوا ذلك وأثاروا الموت على‬ ‫أن يتخلو على المبدأ والعقيدة ‪ ،‬فذبح" زيدان "واالوربيون الخمسة بحد السكين‬ ‫على مراى ومسمع من "الالز" الذي صعق من ھول الصدمة وأصابه الذھول والخبل ‪.‬‬ ‫وتصل االمور إلى نقطة االنفجار حين يدعو الضابط المخنث "بعطوش " الى غرفته مساء‬ ‫ويراوده للنوم معه اللشباع شذوذه الجنسي ومركب نقصه فيقترب منه وھو مستلق في فراشه‪،‬‬ ‫فينقض عليه ويخنقه بيديه‪ ،‬ثم يستل خنجره ويطعنه عدة طعنات و كأن ھذا القتل أيقضه وأزال‬ ‫عن عينيه غشاوة الضباب التي كانت تكتنفھما‪ ،‬فيأخذ الرشاش وبعض القنابل وينطلق إلٮا الساحة‬ ‫ليضرم النار في الشاحنات والسيارات وقرورات البنزين‪ ،‬وفي ھذه اللحظات يلتقي بأحد الفدائيين‬ ‫الذين جاء الغتياله‪،‬ولكن االمر تغير لصالحه بعد أن أختار موقفا جديدا للضابط وأشعال النيران في‬ ‫المعسكر فيلتحق معه إلى الجبل ‪.‬‬ ‫وتتخلص القريةمن ذلك االخطبوط الذي كان جاسما على صدرھا ‪ ،‬و تغمر الفرحة جميع‬ ‫سكانھا ‪ ،‬و يصبح "بعطوش" قائد الثورة بعد مقتل "زيدان" مباشرة‪.‬‬ ‫و لما نالت الجزائر استقاللھا ‪ ،‬انتقل "بعطوش" إلى العاصمة ليحتل مكانة مرموقة بين كبار‬ ‫المسؤولين في أجھزة الدولة ‪ ،‬أما سكان القرية فيبتھجون بھذا الحدث العظيم ‪ ،‬و لسان حالھم يردد‬ ‫" ما يبقى في الواد غير حجاره")‪ (١‬العبارة الشھيرة ذات المعنى الرمزي العميق التي ترددھا‬ ‫بعض الشخصيات باستمرار ‪.‬‬ ‫و ھكذا تنتھي الرواية بحادثتين تتمثالن في‪9‬موت البطلين الرئيسيين "زيدان" و "الالز" ‪،‬‬ ‫أي األب و اإلبن ‪ ،‬األول يموت جسديا ‪ ،‬و الثاني يموت موتا معنويا بفقدان وعيه و عقله‪.‬‬


‫و من نقطة الموت و العجز تلتقى األحداث في خط دائري ‪ ،‬و كان "الالز" يظل مشدودا إلى‬ ‫ماضي الثورة ھروبا من صدمة اإلستقالل ‪ ،‬و كما جاء على لسان "الشيخ الربيعي" ‪ " :‬إنك اآلن‬ ‫أفضلنا جميعا يا الالز ‪ ،‬ألنك تحس ال بشيء ‪ ،‬ألنك ما تزال تعيش الثورة بل ألنك الثورة ‪(٢)".‬‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫)‪ (١‬الطاھروطار‪ :‬رواية الالز ‪ ،‬ص ‪. ٢٧٣‬‬ ‫)‪(٢‬المصدر نفسه ‪ ،‬ص ‪.٢٧٧‬‬ ‫البعد السياسي ‪:‬‬ ‫اھتمت الرواية الجزائرية بموضوع المقاومة و النضال ‪ ،‬و أصبحت أحداث ووقائع حرب‬ ‫التحرير تشكل المحور الرئيسي في أغلب األعمال ‪ ،‬كما اھتم الروائيون باآلثار النفسية و‬ ‫االجتماعية التي خلفتھا ھذه الحرب على الشعب الجزائري ‪ ،‬و إذا كان عبد الحميد بن ھدوقة قد‬ ‫ركز على أسلوب التقابل بين الماضي و الحاضر بحيث كانت الحرب في روايتي " ريح الجنوب "‬ ‫و " نھاية األمس " مجرد خلفية استعان بھا الكاتب لدراسة الشخصيات الروائية فإن‪ ،‬الطاھر وطار‬ ‫قد اندمج أكثر مع أحداث الحرب في رواية " الالز " ‪ ،‬فھو يمتلك قدرة عالية على التعبير الفني‬ ‫الجميل الخصب المركز خاصة ما كان عنه في موضوع السياسة ‪ ،‬فھي موضوعه األثير الطاغي‬ ‫على كل أعماله )‪.(١‬‬ ‫فقد اقترب وطار أكثر من ميدان القتال ‪ ،‬و بذلك استطاع أن يرسم لوحة شاملة ‪ ،‬ضمنھا‬ ‫تفاصيل أعمال المقاومة و النضال ‪ ،‬و انطالقا من منظور إشكالي يتيح للكاتب الكشف عن الوعي‬ ‫القائم ‪ ،‬و عن المعوقات التي تحول دون الوصول إلى بلورة وعي ممكن ‪ ،‬ليكون االنقالب عميقا و‬ ‫شامال ‪ ،‬يحرر اإلنسان من االستعمار ‪ ،‬و من كل مظاھر اإلستيالب و الكبت و الحرمان ‪ ،‬و لھذا‬ ‫وجدنا الكاتب يقول ‪ " :‬إنني لست مؤرخا ‪ ،‬و ال يعني أبدا أنني أ قدمت على عمل يمت بصلة كبيرة‬ ‫إلى التاريخ رغم أن بعض األحداث المروية وقعت أو وقع ما يشبھھا ‪ ..‬إنني قاص ‪ ،‬وقفت في‬ ‫زاوية معينة أللقي نظرة ‪ -‬بوسيلتي الخاصة ‪ -‬على حقبة من حقب ثورتنا "‪(٢).‬‬ ‫فالرواية ثورية نضالية صورت بشاعة الحرب و فظاعتھا في عنفھا الشديد و صراعھا المرير‬ ‫ضد العدو الغاشم ‪ ،‬و أبرزت بطوالت و معارك جيش التحرير ضد قوات االحتالل‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫)‪(١‬أحمد شريبط ‪ :‬الفن القصصي في األدب الجزائري المعاصر ‪ " ،‬الشكل الفني " ‪– ١٩٧٤‬‬ ‫‪ ، ١٩٨٥‬رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في األدب العربي ‪ ،‬جامعة عنابة ‪ ،‬معھد اللغة و‬ ‫األدب العربي ‪ ،‬العام الجامعي ‪ ، ١٩٨٧ – ١٩٨٦‬ص ‪١٨٣‬‬ ‫)‪ (٢‬الطاھروطار‪ :‬روايةا لالز ‪ ،‬ص ‪.٨ ، ٧‬‬ ‫اإلحتالل الفرنسي في ميادين القتال و ساحة الفداء‪ ،‬و تنفيذ العمليات الجريئة التي قام بھا الفدائيون‬ ‫من ذبح و حرق و تخريب األسالك و تدمير السكك الحديدية‪ ،‬و زرع قنابل في مسالك جبلية‬ ‫وطرقات تمر بھا قوافل قوات االحتالل ‪ ،‬و نعرف من خالل سياق الرواية وحشية االستعمار‬ ‫وھمجيته و أنواع التعذيب و التقتيل الجماعي التي يصبھا على المناضلين الثوريين الذين يطالبون‬ ‫بالحرية و االستقالل ‪ ،‬و دحر االستعمار من البالد إلى غير رجعة‪.‬‬ ‫و انطالقا من ھذا المنظور استطاع الطاھر‪10‬وطار من خالل أحداث حرب التحرير في‬ ‫القرية و فوق الجبال و داخل الثكنات العسكرة و بين فرقعات البارود و صمت الرعب ‪ ،‬أن ينفذ‬


‫إلى عالم اإلنسان الواسع و أن ينقلنا بعيدا عن مجال التاريخ و التوثيق ليكشف لنا عن الخلفيات‬ ‫اإليديولوجية كتاريخ الثورة و أثرھا في تحديد موقف اإلنسان المناضل ‪،‬عندما يواجه قرارا حاسما‬ ‫يتعلق بمصيره ‪ ،‬كإنسان و مناضل صاحب موقف إيديولوجي متميز‪.‬‬ ‫و إذا كانت رواية الالز قد أولت البعد االديولوجي أھمية خاصة فإن ھذا البعد لم يتبلور إال من‬ ‫خالل عالم الحرب حيث يشكل عالم الحرب المنطلق االساسي في الرواية ‪،‬واذا يصور وطار عالم‬ ‫الحرب فان اھتمامه األساسي ينصب على التنمية الحركية للشخصيات ‪ ،‬من خالل سعيھا لمقاومة‬ ‫االستعمار بحيث تشكل مواقف صراع الوحدات األساسية للحركة القصصية في الرواية ‪ ،‬و لما‬ ‫كانت حرب العصابات تعتمد على العمليات الخاطفة ‪ ،‬و ال ترتبط في نشاطھا بمكان أو زمان ما ‪،‬‬ ‫ذلك أن العمليات الفدائية يمكن أن تنفذ في وقت واحد و في أماكن متعددة "جمع زيدان وحدته على‬ ‫بعد بضع مئات األمتار من كوخ سي الفرحي‪ ،‬ثم قسمھا إلى أربع فرق صغيرة‪ ،‬ثالثة تتكون كل‬ ‫واحدة منھا من سبعة جنود ‪.‬‬ ‫األولى تذھب إلى الناحية الشمالية‪ ،‬لتحطم المركز الكھربائي ‪ ،‬و خزان الماء‪ ،‬و الجسر رقم ‪.١٧‬‬ ‫و الثانية تتولى تنفيذ حكم الذبح في الخونة العشرة‪ ،‬في الدواوير الثالث بالناحية الوسطى‪.‬‬ ‫أما الثالثة فستقوم في الناحية الغربية بعملية قطع األعمدة الھاتفية ‪ ،‬و زرع األلغام على المسالك‬ ‫الجبلية‪ ،‬و إحراق ضيعة المعمر شيخ بلدية القرية ‪.‬‬ ‫و تبقى الفرقة الرابعة ‪ ،‬و المتكونة من عشرين جنديا فإنه يقودھا بنفسه لشن ھجوم في الناحية‬ ‫الشرقية على المركز العسكري بمحطة القطاع ‪ ،‬حتى تتمكن قافلة السالح القادمة من الحدود‪ ،‬من‬ ‫المرور‪ ،‬دون أن يتفطن إليھا العدو")‪(١‬‬ ‫فكان الكاتب يتنقل بحرية عبر المكان و الزمان ‪ ،‬كما كانت العمليات الفدائية التي يشنھا الثوار‪،‬‬ ‫تتم في الجبال و الشعاب‪ ،‬و في القرية و الدواوير ‪ ،‬و داخل الثكنات العسكرية في النھار و الليل و‬ ‫في كل وقت ‪ ،‬و قد أدت ھذه الحمالت الخاطفة الى أرباك الجيش الفرنسي و شل حركته ‪ ،‬إذ يجد‬ ‫ھذا األخير في األھالي العزل كبش الفداء كلما عجز عن مواجھة المجاھدين ‪ ،‬حيث يلجأ إليھم دائما‬ ‫ليطفئ فيھم ما به من حقد ‪ ،‬فصور الطاھر وطارھذا الموقف كاشفا عما يتميز به االستعمار من‬ ‫بشاعة ووحشية " راح الضابط يتقدم في تؤدة‪ ،‬و عيناه مركزتان في الربيعي ‪ ...‬كانت البقرة تحك‬ ‫قرنھا على الجدار و ھي تتوجع ‪ ،‬معانية آالم الوضع الذي كانت حيزية تترقبه بفارغ الصبر ‪..‬‬ ‫تأملھا الضابط في حقد ‪ ،‬ثم أشار بحركة من رأسه إلى بعطوش ‪ ،‬و أصدر األمر‪:‬‬ ‫أرحھا من األلم يا سا رجان‪.‬‬ ‫رمق بعطوش خالته ‪ ،‬ثم أغمض عينه ‪ ،‬و ضغط بإصبعه لتتقيأ الرشاشة ‪ ،‬و تئن البقرة أنينا حزينا‬ ‫‪ ،‬و تنھض و تسقط ‪ ...‬خيل إلى الضابط أن الرصاصات تمكنت من صدر الالز فتنفس من أعماقه‬ ‫و ابتسم ‪ ،‬و شعر بحبل الغضب الذي كان يخنقه ‪ ،‬يتالشى فجأة ‪ ...‬و عاد يتفحص و‬ ‫وجھي الربيعي و حيزية و كأنما يقرأ فيھما حروفا مطموسة ‪ ...‬المرأة في سن األربعين ما تزال‬ ‫تحتفظ بشبابھا ‪ ...‬الشك أنھا تبكي بقرتھا ‪ ....‬ما أروع أن أقتلع أسنانه بيدي واحدة بعد أخرى ‪ ،‬ثم‬ ‫أصب عليه البنزين و أوقد النار ‪ ...‬تفوه ‪ ،‬و مأل وجه الربيعي ببصقة ‪ ،‬و ظل يرقب عينيه ‪ ،‬ھل‬ ‫تتحركان ‪ ،‬ثم أصدر األمر‪:‬‬ ‫تعريا‪.‬‬ ‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫‪11‬‬ ‫الطاھروطار‪ :‬رواية الالز ‪ ،‬ص ‪.١٠٠‬‬


‫و لما لم يبديا حراكا ‪ ...‬أشار إلى الجنود بحركة من رأسه ‪ ...‬تقدم بعطوش نحو عمه ‪...‬‬ ‫بينما تقدم آخر نحو حيزية التي فقدت كل وعيھا ‪ ..‬سار جان بعطوش ‪ ،‬أرح الوجود منھا ")‪(١‬‬ ‫و ھكذا يمكننا القول ‪ :‬أن تركيز الطاھر وطار على عالم الحرب في رواية "الالز "‬ ‫مكنه من الغوص في أعماق اللحظات الحرجة لوضع متفجر متعدد الصراعات و اكتشاف عمق‬ ‫التجربة الثورية‪ ،‬و األثر الكبير الذي تحدثه في نفس اإلنسان على أساس) أن الحرب تدفع اإلنسان‬ ‫إلى أقصى إمكانياته‪ ،‬و من ثمة فإنه يقوم بتصرفات ال يمكن أن تصدر عنه في ظروف و أوقات‬ ‫عادية ()‪.(٢‬‬ ‫و انطالقا من ھذا المنظور اھتم الطاھر وطار على إبراز أثر الثورة التحريرية على شخصية‬ ‫"الالز " و ما أحدثته من انقالب جذري فھو لم يكد يتحرر من عالم الصعلكة و التشرد حتى أحس‬ ‫بأنه إنسان آخر يجب عليه أن يقوم بعمل عظيم يشعر بأھميته في نظر نفسه و في نظراآلخرين ‪ ،‬و‬ ‫يطھره من اإلحساس بأنه لقيط منبوذ " أريد أن أتخلص من الالز و لد مريانة " )‪. (٣‬وانطالقا من‬ ‫ھذا الشعور المفعم باألحاسيس اإلنسانية كان " الالز " يريد أن يفتك اعتراف الناس به بالقوة ‪ ،‬و‬ ‫لھذا كان منذ البداية مناضال فذا و صريحا الى حدود الطيش ‪ ،‬كما كان يشعر أنه معذب و منبوذ و‬ ‫لھذا فھو ينتمي إلى عالم ھؤالء المنبوذين من بني وطنه بالرغم من أنھم كما يقول " لم يتصوروني‬ ‫‪ ،‬و لن يتصوروني أبدا‪ ،‬واحدا منھم ‪ ،‬قد أعمل ذات يوم من أجل صالحھم العام ")‪(٤‬‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫الطاھروطار‪ :‬رواية الالز ‪ ،‬ص ‪.١٣٦ ، ١٣٥ ،١٣٤‬‬ ‫عايدة أديب بامية ‪ :‬تطور األدب القصصي الجزائري )‪ ،(١٩٦٧-١٩٢٥‬ترجمة د‪/‬محمد صقر ‪،‬‬ ‫ديوان المطبوعات الجامعية ‪ ،‬الجزائر ‪ ، ١٩٨٢ ،‬ص ‪. ١٦٧‬‬ ‫الطاھر وطار ‪، :‬رواية الالز ‪ ،‬ص ‪. ٦٣‬‬ ‫المصدر نفسه ‪ ،‬ص ‪. ١٢٤‬‬

‫ومنذ أن التحق " الالز " بصفوف الثورة أصبحت ھي الخالصة الوحيد ة‪ ،‬و أحس أنه ولد من‬ ‫جديد ‪ ،‬ولذلك قرر أن يبدأ صفحة جديدة من حياته ‪ ،‬و أن ينسى الماضي بما فيه من آالم و ضياع‬ ‫و شقاء ‪ ،‬و قد وجد في المقاومة و سيلة لتحقيق ذاته و مجاال إلستعمال خبراته السابقة في إطار‬ ‫شرعي ‪ ،‬و لذلك استعمل عالقته بقائد الثكنة العسكرية ‪ ،‬في مساعدة المجاھدين و تمكين المجندين‬ ‫الجزائريين في الجيش الفرنسي من الھروب‪ ،‬و اإللتحاق بصفوف الثورة ‪ ،‬و لما اكتشف أمره ذاق‬ ‫ألوان من العذاب لكنه لم يستسلم للعدو حيث دبر حيلة للفرار مع من تبقى من المجندين الجزائريين‬ ‫و عندما صار يحمل السالح أحس أن كل شيء قد تغير لألبد‪.‬‬ ‫و يأتي اإلنقالب الثاني في حياة " الالز" مجسدا في اإلحساس بالكيان و الھوية الشخصية في‬ ‫ظھور األب المجھول و ھو ليس أبا عاديا إنه " زيدان "‪ .. " ،‬عمي زيدان ‪ ،‬أنت أبي ؟ أنت‪..‬‬ ‫أنت‪ ..‬عندي أب إذن ! ")‪(١‬‬ ‫فانتساب " الالز " لزيدان " يعني انتسابه للثورة ‪ ،‬و لھذا نراه قد آمن بالثورة بسرعة ‪ ،‬و تحول‬ ‫من صعلوك متشرد منبوذ من الجميع إلى بطل من أبطال المقاومة مفعم بمشاعر الثورة و‬ ‫‪12‬‬ ‫التمرد ‪.‬‬


‫و لو تتبعنا أحداث الرواية وجدنا أن صورة " الالز " تكبر و تتضخم لتندمج من النھاية في‬ ‫صورة الشعب الجزائري و تعبر عن ضميره الحي ‪ ،‬الذي يستمر حاضرا حتى بعد انتھاء فترة‬ ‫المقاومة المسلحة " إنك اآلن أفضلنا جميعا يا الالز ‪ ،‬ألنك ال تحس بشيء ‪ ،‬ألنك ما تزال تعيش‬ ‫الثورة ‪ ،‬بل ألنك الثورة ")‪.(٢‬‬ ‫"فالالز" لما تكشف عنه الرواية ليس مجرد شخصية حية في عالم روائي متميز ‪ ،‬و إنما ھو رمز‬ ‫عميق لداللة الشعب لعالم األغلبية ‪ ،‬عالم الفقراء الجائعين و األميين المشحونين بروح‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫)‪(١‬الطاھر وطار‪ :‬رواية الالز ‪ ،‬ص ‪.٦٥‬‬ ‫)‪(٢‬لمصدر نفسه ‪ ،‬ص ‪.٢٧٧‬‬ ‫الثورة والتمرد‬ ‫الثورة و التمرد ‪ ،‬إنه رمز لعموم الشعب الجزائري الذي عاش ما يزيد على قرن من الزمن ينتسب‬ ‫لغير أصله " آه ‪ ،‬أيھا القذر ‪ ،‬إنك ال تمثل شيئا ‪ ،‬إنك ال تمثل غير ھذا الشعب‬ ‫اللقيط " )‪.(١‬‬ ‫ثم يستمر وطار مؤكدا على ھذا البعد الرمزي بحيث يتحد الجزء في الكل و يبدو الالز مجسدا‬ ‫لروح الشعب بكل أنواعھا في شموليتھا و اتساعھا " فيك بذور كل ھؤالء يا لالز ‪ ..‬بذور كل الحياة‬ ‫‪ ..‬كالبحر ‪ ..‬ال ‪ ،‬إنك الشعب المنطلق ‪ ،‬بكل المفاھيم ‪. (٢)"....‬‬ ‫كما تبرز العالقة الجدلية بين "الالز "والشعب في سرعة إيمانه بالثورة وإحتضانه لھا "‬ ‫آمن بھا بسرعة كالشعب‪ ،‬النھا كانت منه ‪ .. ،‬فيضامنه ‪ ..‬وأنضم إليھا بنفس السرعة ‪ ..‬بل لقد‬ ‫إحتضنھا‪،‬كما احتضنھا الشعب ‪(٣) "..‬‬ ‫ثم تأخذ داللة ھذا الرمز في االتساع والشمولية حتى تصل إلى مستوى تجريدى ‪ ،‬حيث يبدوا‬ ‫"الالز "مجسدا لروح الثورة وأنطالقتھا وتحديھا الذي اليعرف الحدود والسدود " التحقت بھا‬ ‫عفويا ‪ ،‬بل ھي التي إلتحقت بك ‪ ،‬أدركت الثورة وأدركتك‪ ،‬أدركتھا عمال وأدركتك روحا " )‪(٤‬‬ ‫وإلى جانب شخصية"ا لالز"بما تتميز به من غنى وعمق وما تحملة من دالالت رمزية وتجريديه‬ ‫تتجاوز حدود الزمان والمكان لتشكل ھاجس الثورة المستمر في وجدان الجماھير ‪ ،‬توجد شخصية‬ ‫" زيدان "وتمثل ھذه الشحصية البعد االيديولوجي في الرواية‪ ،‬وتعبر عن موقف الكاتب ورؤيته‬ ‫الفكرية والسياسية ولذلك فھي شخصية شبه مسطحة )ذات رؤية أحاديةتسير على درب مرسوم لھا‬ ‫سلفا ‪ ،‬التتلون والتتطور ‪ ،‬بل تخضع لتخطيط المؤلف الصارم ( )‪(٥‬‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫‪ (١).‬الطاھر وطار ‪ :‬رواية الالز ‪ ،‬ص ‪.١٣٠‬‬ ‫)‪ (٢‬لمصدر نفسه ‪ ،‬ص ‪١٦٤‬‬ ‫)‪(٣‬المصدر نفسه ‪ ،‬ص‪.٢٤٨‬‬ ‫)‪(٤‬المصدر نفسه ‪ ،‬ص‪٢٥٧‬‬ ‫)‪ (٥‬أمحد محمد عطية ‪ :‬رواية السياسية ‪ ،‬مكتبة مدبولي القاھرة ‪ ،‬ب ‪ ،‬ت ‪ ،‬ص‪١٢٠‬‬

‫‪13‬‬


‫ويعتبر"زيدان" الشخصية الوحيدة في الرواية التي سلط الكاتب عليھا عد سته وكشف عن‬ ‫أصولھا الفكرية وااليديولوجية فكانت بذلك نموذجا لوضوح الرؤية والفكر ومثاال للتضحية والفناء‬ ‫في الثورة والعمل النضالي ‪ ،‬وبالرغم مما بنسب للحزب الشيوعي الجزائري أشار الكاتب إلى‬ ‫واحد منھا على لسان "زيدان" وبطريقة غير مباشرة " آه ‪ ،‬لم يحن أواننا بعد ‪ ..‬سابقون لزمننا ‪..‬‬ ‫تفصلنا عنه مسافات ‪ ،‬مسافة جيلين أوثالثة على األقل " )‪ (١‬فالكاتب أراد أن يوحي من خالل‬ ‫شخصية "زيدان "بأن الشيوعيين الجزائريين –ككل فئات الشعب الجزائري –لم يتخلفو عن مسيرة‬ ‫الثورة ‪ ،‬بل أن مواقفھم الثورية وتضحياتھم وإلتزامھم ـ كما يدل على ذلك نشاط "زيدان "يمكن أن‬ ‫تعبر عن مدي االرتباط وااليمان بالثورة ‪،‬ومن ھذا المنطلق بالذات حاول "حمو" أن يبحث عن‬ ‫الفرق بين أأخيه "زيدان "وبين غيره من المجاھدين‪ ،‬وتبين له بعد تساؤل عميق أن" زيدان"‬ ‫يفوق الجميع إلتزما وتضحية ووالء للثورة والوطن" فقط زيدان يفكر أحسن مني ‪ ،‬أحسن منا‬ ‫جميعا ‪ ،‬آراؤه دائما صائبة ‪ ،‬وأحكامه سليمة ‪ ،‬وتنبؤاته صادقة ‪ ...‬إذا كان ھذاألنه أحمر ‪ ،‬فيجب‬ ‫أن نحمر كلنا ‪ ،‬يجب أن تحمر الثورة كلھا لتفكر تفكيرا سليما ‪ ،‬وتصدر أحكاما صحيحة ‪.(٢) "..‬‬ ‫وھنا يصل الطاھر وطار بان العقيدة اليمكن أن تقف دون والء الشيوعي لوطنه وثورته ‪،‬‬ ‫وھو مايعبر عنه" زيدان" بقوله ‪":‬اليوم التحقت بالثورة ‪،‬ان لم استشر أحدا ‪ ،‬الالحزب والغيره ‪،‬‬ ‫رغم أنني عضو اللجنة المركزية ‪ ،‬أوجبت الظروف المحيطة بي ذلك ‪ ،‬ففعلت ‪ ،‬وإذا ما سئلت ‪،‬‬ ‫ھل أنسلخت من حزبي ‪ ،‬فسأجيب فورا بالنفي ‪ ،‬واذا ماطلب مني ذلك فسأظل أسأل عن الدوافع‬ ‫‪..‬لن أنسلخ ‪ ،‬ولن أدفع االشتراك ‪ ،‬ولن أسع لتكوين خاليا جديدة ‪،‬و سأظل أكافح من أجل االستقالل‬ ‫الوطني " )‪.(٣‬‬ ‫كما أنه بامكان الشيوعي مھما كانت جنسيته أن يكون إلى جانب القضايا العادلة لمعذبي‬ ‫االرض الجائعين والمقھورين ‪ ،‬ھذا الموقف أكده" زيدان" لممثل الجبھة الذي جاء لمحاكمته‬ ‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫الطاھر وطار ‪ :‬رواية الالز ‪ ،‬ص ‪١٠٩ -١٠٨‬‬ ‫المصدر نفسه ‪ ،‬ص ‪١٠٦‬‬ ‫المصدر نفسه ‪ ،‬ص‪٢٠٣‬‬

‫في إطار حركة التطوير الواسعة التي قادتھا جبھة التحرير للقضاء على النزعات الحزبية والحفاظ‬ ‫على سالمة الثورة‪،‬ووضع حد لالنقسامات الحزبية والتكتالت السياسية داخل صفوف الجيش‬ ‫‪"،‬المسؤول الكبير سألني في المرة األخيرة ھل مازلت شيوعيا أحمر‪ ..‬أفھمته بأن الشيوعية ليست‬ ‫رداء ننزعة في الوقت الذ ي نشاء ‪ ،‬وإنھا عقيدة تقوم أول ماتقوم على االقناع المدرك للحياة ‪"..‬‬ ‫)‪. (١‬فعندمايتراجع االنسان عن مبادئه ‪ ،‬تفقد التجربة االنسانية معناھا وتتحول إلى كذبة كبيرة ‪،‬‬ ‫يكون وقعھا أكثر ايالما من الموت ألنھا الموت المعنوي النسانية االنسان ‪.‬‬ ‫ويبدوا أن إختيار الكاتب لھذه النھاية المأساوية لروايته جاء معبرا عما يمكن أن يقدمه‬ ‫االنسان في سبيل مبادئه ‪ ،‬وما يمكن أن يقع في أي حركة ثورية من تعسف وتناقض صارخ ‪ ،‬يدفع‬ ‫بالثورة إلى أن تضحي بأبنائھا المخلصين فالثورة كالقطة عندما تجوع تأكل أبناءھا ‪ ،‬أوكما يقول‬ ‫الطاھر وطار ‪) :‬الثورة الجزائرية ثورة كبيرة ‪ ،‬حدث فيھا مااليستطيع أن يتصوره خيال بشري‬ ‫()‪(٢‬‬ ‫‪14‬‬


‫‪.‬ولھذا نراه يغلق ھذا الموقف المأساوى بمسحة من تفاؤل تجسدت عبر صرخة "الالز"‬ ‫مصعوقا من ھول ما أرى " مايبقي في الواد غير حجاره "‬ ‫وقد بقي "الالز "بعد ھذا الموقف الرھيب يھذي شارد البال ‪ ،‬يحلم بتغيير العالم ويردد دوما‬ ‫ھذه العبارة " مايبقي في الواد غير حجاره " وكأنه عراف يتنبأ بالمستقبل ويبشربما لم يتحقق‪.‬‬ ‫إن حديثنا عن البعد االيديولوجي في رواية" الالز" يقودنا في النھاية إلى القول بأن السياسة في‬ ‫الرواية المعاصرة أصبحت تعد إغراء وعبئاوضرورة في الوقت نفسه ‪ ،‬ولذلك فإن إحتفال‬ ‫الروائيين بالسياسة قد يساھم في إخصاب أحاسيس القراء بالتجارب اإلنسانية ‪ ،‬بينما جرھذا‬ ‫اإلھتمام المبالغ فيه ‪ -‬في بعض األحيان – بعض الروائيين إلى اإلتكاء على التاريخ من أجل‬ ‫الشھادة تارة ومن أجل الدعاية والتشويه المقصود تارة أخرى ‪.‬‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫الطاھر وطار ‪:‬رواية اللالز ‪ ،‬ص‪١٠٥‬‬ ‫جرزيف كيروز ‪ :‬مقابلة مع الطاھر وطار ‪ ،‬الوطن العربي ‪ ،‬باريس ‪،‬السنة ‪ ٧‬عدد ‪١٦ ،٣٥٧‬‬ ‫‪ ،١٩٨٣/١٢/‬ص‪٦٩‬‬ ‫البعد اإلجتماعي ‪:‬‬ ‫تعكس الخلفية اإلجتماعية لرواية المقاومة األبعاد األساسية الزمة الواقع اإلستعماري ‪ ،‬حيث‬ ‫يبرز وعي البطل الروائي نقيض لھذا الواقع ‪ ،‬يكشف زيفه و يعلن الحرب عليه ‪ ،‬و تتمثل أزمة‬ ‫الواقع اإلستعماري في تردي النواحي اإلجتماعية و اإلقتصادية و السياسية نتيجة الھيمنة‬ ‫اإلستعمارية االجنبية ‪ ،‬و عجز البنى اإلجتماعية عن رد التحدي اإلستعماري ‪ ،‬و لذلك نجد‬ ‫الروائيون يركزون على إبراز التناقض بين الوعي و الواقع ‪ ،‬حيث يؤدي ھذا في النھاية إلى‬ ‫انھيار ھذا الواقع ‪ ،‬و تأتي الحرب ‪ -‬بعد ذلك ‪ -‬لتخلخل كل شيء ‪ ،‬و تصبح الحرب شاملة ‪ ،‬و‬ ‫مؤشرا للتحوالت اإلجتماعية و رمزا إلمكانية تجاوز حالة الخيبة التي خيمت على الواقع‬ ‫اإلجتماعي منذ دخول اإلستعمار ‪.‬‬ ‫و قد حاولت الرواية أن تقدم تصورا بانوراميا للمشاكل اإلجتماعية التي خلفھا الوجود‬ ‫اإلستعماري ‪ ،‬و أدت أكثر من مرة إلى الثورة ‪ ،‬و على رأس ھذه المشاكل الحساسة مشكلة‬ ‫األرض ‪ ،‬إذ نالحظ أن األرض كانت أساس كل المشاكل اإلجتماعية التي ميزت المرحلة‬ ‫اإلستعمارية ‪ ،‬فقد أدى اغتصاب األرض و مصادرتھا بالقوة إلى تفشي الفقر و المجاعة ‪ ،‬و انقسام‬ ‫المجتمع إلى طبقتين متمايزتين تمايزا حادا ‪ ،‬طبقة ثرية جدا مكونة من المعمرين و من قلة من‬ ‫اإلقطاعيين الذين ساندوا سياسة اإلستعمار ‪ ،‬و طبقة أخرى فقيرة جدا تعيش أوضاعا بائسة و‬ ‫مزرية ‪ ،‬و تمثل السواد األعظم من السكان األصليين ‪ ،‬و في ظل ھذه األوضاع المأساوية الخانقة‬ ‫يظطر العديد من الرجال و األطفال إلى الھجرة للمدن بحثا عن عمل ‪ ،‬أما البقية فقد قبل العمل عند‬ ‫المعمرين ‪ ،‬أو عند من يوالونھم من اإلقطاعيين ‪ ،‬فكان نظام العمل قائما على اإلستغالل و البطش‬ ‫و القمع ‪ ،‬و قد أنجب الواقع اإلستعماري الھجين وضعية إجتماعية ھجينة و مأساوية ‪ ،‬أ صبح‬ ‫اإلنسان فيھا يعيش انفصاال اغترابيا ملموسا ‪ ،‬وعدم انسجام تام بينه و بين وضعية اإلجتماعي ‪ ،‬و‬ ‫سيطرة الفوضى على كل شيء بحيث أصبح المجتمع كالبحر المتالطم األمواج ‪ ،‬و قد أسھم كل‬ ‫ذلك في تدھور القيم و تفسخ العادات و التقاليد ‪ ،‬واھتزاز العالقات األسرية و اإلجتماعية ‪ ،‬و في‬ ‫ھذا الواقع اإلشكالي ولدت نماذج بشرية ‪ ،‬تعيش تمزقا حادا و غربة قاتلة ‪ ،‬منھا نموذج‬ ‫المتشرد و الضائع و المتواطئ و العميل الخائن‪ ،15‬و اللقيط ‪ ،‬وقد كانت ھذه النماذج تعيش في‬ ‫تعارض و صدام مع المجتمع ‪ ،‬كانت ترفض المجتمع و تحاول دائما اإلنتقام منه ‪ ،‬و إذالله ‪ ،‬كما‬


‫كان المجتمع يرفضھا ‪ ،‬و يحاول التخلص منھا بشتى الوسائل ‪ ،‬و "الالز" نموذجا حيا للتشرد‬ ‫اللقيط ‪ ،‬نبذته القرية لذنب لم‬ ‫يرتكبه و أصبح رمزا للشر ‪ ،‬و قد كان يشعر بعمق ھذا الحرج في نفسه ‪ ،‬و لذلك لم يغفر للقرية‬ ‫موقفھا فسعى يبطش بأھلھا انتقاما منھم ‪.‬‬ ‫و من روح البغض التي أحاطوه بھا ‪ ،‬ولم تنجح السنوات بإخماد شوكته " ‪ ...‬اللقيط ‪ ،‬كلما كبر‬ ‫‪ ،‬واعتقد الناس أنه سيھدأ ‪ ،‬أو على األقل تخف وطأته ‪ ،‬ازداد سعاره ‪ ،‬و نمت فيه الشرور ‪ ،‬و لم‬ ‫نكن لنتوقع ‪ ،‬من سطو على المتاجر ليال ‪ ،‬إلى الخمر ‪ ،‬إلى الحشيش ‪ ،‬إلى القمار ‪...‬حتى بلغ معدل‬ ‫دخوله السجن ثالثين مرة في الشھر ")‪.(١‬‬ ‫كما كان يتحاشاه الجميع و يتمنون موته و الخالص منه "ھذا الالز ‪ ،‬تقوده دورية ‪ ،‬انشاء ﷲ ‪،‬‬ ‫ھذه الضربة األخيرة ‪ ،‬تريحنا و تريح جميع خلق ﷲ " )‪.(٢‬‬ ‫و قد أعلن " الالز " بدوره الثورة على ھذا الواقع ‪ ،‬بأنه كان يرى أنه سبب محنته ‪ ،‬و من‬ ‫خالل تحدي الالز للمجتمع‬ ‫و رفضه لقيمه استطاع‬ ‫الكاتب أن يميز بين الوعي‬ ‫القائم لمجتمع القرية ‪ ،‬و بين‬ ‫الوعي الممكن الذي كان‬ ‫تمرد " الالز " إرھاصا به ‪،‬‬ ‫و كانت الثورة تجسيدا و‬ ‫تحقيقا له ‪ ،‬و لذلك كان على‬ ‫" الالز " أن يلتحق بصفوف‬ ‫الثورة ‪ ،‬و أن يتطھر نھائيا‬ ‫من‬ ‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫ــــــ‬ ‫الطاھر وطار ‪ :‬رواية الالز‬ ‫‪ ،‬ص‪.١٣-١٢‬‬ ‫المصدر نفسه ‪ ،‬ص‪.١١‬‬ ‫أحاسيسه و مشاعره ‪ ،‬و يصبح إنسانا كامل اإلنسانية و لكي يرد " الالز " اإلعتبار إلى نفسه و‬ ‫جماعته ) وجدناه ينطلق من ظلم نفسه الواقع فيه و من نواقض جماعته ()‪(١‬‬ ‫ألنه بالثورة وحدھا يستطيع " الالز " أن يتحرر من أوضاعه اإلجتماعية المزرية و أن‬ ‫يفرض احترام الناس له بالقوة ‪ ،‬ألن طبيعة الواقع اإلستعماري اللقيط الذي ينتمي إليه تجعل من‬ ‫القوة و التحدي الوسيلة المالئمة لتأكيد الذات ‪.‬‬ ‫كما ساعدت ظاھرة التغريب الروائي في خلق قوة كبيرة بين" زيدان" و بين النسيج اإلجتماعي‬ ‫‪ "،‬فزيدان" يعيش أھم مراحل حياته بعيدا عن الوطن ‪ ،‬حتى أصبح غريب األفكار و المواقف ‪،‬‬ ‫مما دفع إلى إمكانية وجود توافق بين ھذه الشخصية ذات الثقافة المتأرجحة بين باريس و موسكو‬ ‫و بين باقي شخصيات الروائية ‪ ،‬التي تتأرجح ثقافتھا بين الكتاتيب و المحراث و الفرن ثم‬ ‫‪16‬‬ ‫البندقية ‪.‬‬


‫وانعدام التوافق ھذا ھو الذي أدى إلى خلق نوع من العداء بين "زيدان" و بين الطبقات‬ ‫اإلجتماعية األخرى ‪ ،‬غير العمال ‪ ،‬و لعل أرقى مرتبة لھذا العداء تتجلى في قوله " ‪ ...‬مجتمع أشد‬ ‫تخلف من مجتمعات القرون الوسطى ‪ ..‬مجتمع تطمسه البداوة ‪ ..‬مجتمع رعوي ضارب في التأخر‬ ‫و اإلنغالق ")‪ ، (٢‬فقد سيطرت النظرة التشاؤمية على" زيدان "صاحب اإلتجاه التقدمي المناصر‬ ‫لمثل ھذا النوع من المجتمعات ‪ ،‬و المؤمن بإيجابية التاريخ و بالنظرة التفاؤلية للمستقبل ‪.‬‬ ‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫الطاھر رواينية ‪ :‬إتجاھات الرواية العربية ) في بلدان المغرب العربي ‪ :‬تونس ‪ ،‬الجزائر ‪،‬‬ ‫المغرب ‪ ،( ١٩٧٥ – ١٩٤٥‬رسالة مقدمة لنيل درجة ماجستير في األدب المعاصر‪ ،‬ج‪ ، ٢‬العام‬ ‫الجامعي ‪ ، ١٩٨٦ – ١٩٨٥‬جامعة الجزائر ‪ ،‬معھد‬ ‫اللغة و األدب ‪ ،‬ص ‪. ٣١٧‬‬ ‫الطاھر وطار ‪ :‬رواية الالز ‪ ،‬ص ‪.١٠٩‬‬

‫و يقول في ھذا الصدد محمد بشير بويجرة ‪ ):‬نحن مع الروائي و شخصيته ‪ ،‬في شدة تخلف و‬ ‫انغالق المجتمع الجزائري في تلك الفترة لكننا نعجز عن تقديم تقرير حاقد و جائر و متشائم مثل‬ ‫الذي قدمه زيدان و الذي ال يضاھي إال تقارير األوربيين على المجتمعات العربية اإلسالمية قصد‬ ‫اإلساءة للعروبة و اإلسالم ()‪.(١‬‬ ‫و لم تكن ھذه النظرة تخص المجتمع العادي فقط ‪ ،‬بل تعدته إلى رفقاء السالح ‪ ،‬و خاصة منھم‬ ‫التجار و األثرياء ‪ ،‬الذين كان ال يناديھم بالرفيق و ال يتحمل عناء تنبھھم إلى خطر اإلستعمار ‪،‬‬ ‫عندما يقول " الالز " ‪ ... " :‬قل لحموان يخبر الھامين فقط ‪ ،‬و يدع من ال يعرفون أي سر")‪ (٢‬و‬ ‫الھامون الذين يقصدھم ھم العمال فقط ‪ ،‬دون باقي الطبقات اإلجتماعية ‪ ،‬ألن الحرب ‪ ،‬عند‬ ‫"زيدان" ھي حرب الطبقات الكادحة من العمال ‪ ،‬و ليست حرب كل الشعب الجزائري ‪.‬‬ ‫و بسبب نضرته ھاته ‪ ،‬نجده مولعا بالتصنيف الطبقي و يعمل على تأصيله بين رفقاء السالح‬ ‫بواسطة لغة حادة ‪ ،‬تحمل كثيرا من الحقد و العداء ‪ ،‬و ذلك كقوله " لقدور" ‪ " :‬أيھا التاجر الحقير‬ ‫‪ ،‬أيھا الفالح األعمى يجب أن أحولك بسرعة ")‪ ، (٣‬وكقوله عن العريف " رمضان " بأسلوب‬ ‫األستاذ المعلم ‪ .. " :‬ينبغي أن أھتم به أكثر ‪ ،‬و أعمق وعيه الطبقي " )‪ ،(٤‬ثم قوله عن الفرقة كلھا‬ ‫التي كان يقودھا ‪ " :‬لو كانوا كلھم عماال ‪ ،‬لو كانت األغلبية أو حتى النصف من العمال")‪. (٥‬‬ ‫"فزيدان" بأسلوبه ھذا يقلل من قيمة اإلنسان الجزائري ‪ ،‬و من دوره في الثورة و في إطار‬ ‫الحديث عن البعد اإلجتماعي لرواية المقاومة يمكننا أن نتوقف عند موضوع المرأة و الثورة‬ ‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫محمد بشير بويجرة ‪ :‬الشخصية في الرواية الجزائرية ‪ ، ١٩٨٣– ١٩٧٠ ،‬ديوان المطبوعات‬ ‫الجامعية الجزائر ص ‪٥٣‬‬ ‫الطاھر وطار ‪ :‬روايةا لالز ‪ ،‬ص ‪٦٧‬‬ ‫المصدر نفسه ‪ ،‬ص‪٧١‬‬ ‫)‪ (٤‬المصدر نفسه ‪ ،‬ص‪٦٠-٥٩‬‬ ‫‪17‬‬ ‫)‪(٥‬المصدر نفسه ‪ ،‬ص‪١٦١‬‬


‫لنبرز أثر مشاركة المرأة في الثورة على طبيعة العالقات اإلجتماعية في المجتمع المحافظ‬ ‫كمجتمع المغرب العربي‪.‬‬ ‫و قد كان إھتمام الروائيين بالمرأة الجاھلة المسلوبة أكثر من إھتمامھم بالمرأة المتعلمة التي‬ ‫استطاعت أن تؤكد حضورھا في المجتمع و في حركة الثورة ‪ ،‬و ذلك أن الرجال لم يستطيعوا‬ ‫نسيان أن المرأة متاع أو شيء لھم يجب اإلعتناء به و المحافظة عليه ‪ ،‬و قد برزت صورة المرأة‬ ‫الجاھلة في الرواية مكملة لصورة الرجل‪ ،‬أو رمز لواقعه اإلشكالي أو سببا في أزماته النفسية و‬ ‫اإلجتماعية ‪ ،‬و في رواية الالز تكون "مريانة" في نظر " الالز " رمزا للخطيئة و سببا أساسيا في‬ ‫كل مشاكله ‪ ،‬و ال يفتأ " الالز " يعنفھا و يذكرھا بأنھا سبب مأساته " و ھل اقترفت أنا ذلك‬ ‫ياعاھرة " )‪.(١‬‬ ‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫)‪ (١‬الطاھر وطار ‪ :‬رواية الالز ‪ ،‬ص‪١٣‬‬ ‫البعد الثقافي ‪:‬‬ ‫شھد الواقع الجزائري أثناء الثورة تيارات فكرية و سياسية مختلفة أثرت بشكل واضح على‬ ‫تعدد اإلتجاھات الفكرية في الجزائر أدت إلى تكوين معتقدات إجتماعية و اقتصادية و فكرية ‪ ،‬و‬ ‫ضرورة تطبيقھا على الواقع ) إذ تمركزت ھذه اإلتجاھات على محورين رئيسيين ‪ ،‬أحدھما‬ ‫يساري مرتبط عالميا باإليديولوجية األھمية المادية ‪ ،‬و ثانيھما مرتبط تاريخيا بالحركة التحريرية‬ ‫للشعب في مراحلھا التاريخية ( )‪.(١‬‬ ‫فكانت رواية " الالز " ھي الرواية الوحيدة التي تعرضت للثورة الجزائرية من وجھة نظر‬ ‫إيديولوجية بحتة ‪ ،‬جمع فيھا الروائي اإليديولوجية الشيوعية الممثلة في" زيدان " و بين‬ ‫اإليديولوجية الوطنية التي يمثلھا حزب جبھة التحرير الوطني ‪ ،‬لذا سنكتفي من ھذه الرواية‬ ‫بالوقوف عند شخصية " زيدان " الذي كان ھدفه الوحيد إخراج المستعمر من أرض الوطن‪ ،‬حتى‬ ‫يتمكن سكانه من رفع أسباب التخلف و اإلنغالق و البداوة ‪ ،‬و يرجع ذلك كون ھذا الثوري مثقف‬ ‫ثقافة عالية ‪ ،‬يمكن أن يعرف بواسطتھا أن الثورة الجزائرية لم تقم بھا طبقة العمال فقط ‪ ،‬و إنما قام‬ ‫بھا كل الشعب الجزائري ‪ ،‬و يعرف أيضا أن أي مجتمع مكون‬ ‫من عدة طبقات إجتماعية مختلفة األھواء و اإلنتماءات " ال فرق ‪ ..‬نقاتل جنبا إلى جنب ‪ ،‬و‬ ‫نتحمل نفس المشاق ‪ ..‬ننظر إلى العدو نظرة واحدة ‪ ..‬فقط زيدان يفكر أحسن مني ‪ ،‬أحسن منا‬ ‫جميعا ‪ ..‬آراؤه دائما صائبة ‪ ،‬و أحكامه سليمة و تنبؤاته صادقة ‪ ..‬ربما السبب في ذلك أنه متعلم‬ ‫بينما أنا أمي ‪ ،‬معنا بعض المتعلمين مثله و لكنه يفكر أحسن منھم ")‪. (٢‬‬ ‫و لعل ثقافة" زيدان" ھي التي جعلته يطرح قضية الثورة الجزائرية طرحا فلسفيا ‪ " ،‬يقين أن‬ ‫األحمر اللعين يخطط لھم ‪ ،‬تدرب في صفوفنا و تثقف في مدارسنا ‪ ،‬وسبقتنا إليه موسكو")‪(٣‬‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫محمد بشير بويجرة‪ :‬الشخصية في الرواية الجزائرية ‪ ، ١٩٨٣ – ١٩٧٠‬ديوان المطبوعات‬ ‫الجامعية ‪ ،‬الجزائر ‪ ،‬ص ‪.٤٤‬‬ ‫‪18‬‬ ‫الطاھروطار ‪ :‬رواية الالز ‪ ،‬ص ‪.١٠٦‬‬ ‫المصدر نفسه ‪ ،‬ص ‪. ٨٤‬‬


‫الشيء الذي جعله نموذجا للشخصية األيديولوجية ذات الصبغة الرومانتقية ‪ ،‬على الرغم مما بذله‬ ‫الروائي في سبيل جعله يتعدى النطاق المحلي إلى النطاق العالمي ‪ ،‬حين جعل خمسة من األجانب‬ ‫ينخرطون في صفوف ثورة التحرير بدون إقناع فني ‪ ،‬يبرز الدوافع التي أدت بھم إلى ھذا‬ ‫اإلنخراط ‪ ،‬اللھم إذا كان القصد من ذلك تقوية " زيدان " و شد أزره في اللحظات الحرجة‪.‬‬ ‫كما كانت الغربة و الظلم المسلطين عليه في التجنيد سببا في تكوينه اإليديولوجي ‪ ،‬و انتھاء‬ ‫بمعايشته الصراعات األيديولوجية التي كانت تشھدھا أوربا في تلك الفترة ‪ ،‬كل ھذه العوامل جعلته‬ ‫يكره اإلستعمار و يمقت الطبقات البرجوازية و اإلقطاعية ‪ ،‬في نفس الوقت الذي كان يمجد فيه‬ ‫الحرية و العدل و المساواة ‪ ،‬و يناصر الطبقات الكادحة ‪.‬‬ ‫و ھي اإلختيارات التي تبلورت لديه بفضل إطالعه على كتب اإلقتصاد السياسي في الجامعة‬ ‫الشعبية ‪ ،‬و اإلحتكاك المباشر بالحزبين الشيوعي الفرنسي و الروسي و مبادئھما التي تمجد‬ ‫البروليتاريا ‪ ،‬باعتبارھا الفئة الوحيدة صاحبة الفضل في الثورة ‪ ،‬و في التقدم نحو الديمقراطية و‬ ‫المساواة‪ " .‬إلى أن وجدت نفسي ذات يوم أدرس اإلقتصاد السياسي في الجامعة الشعبية ‪ ،‬و‬ ‫ببساطة أيضا وجدتني في حلقة ماركسية ‪ ،‬ثم في خلية شيوعية إلى جانبھا ‪ ،‬و قبل أن أتخرج‬ ‫أنتخبت لمدرسة إطارات الحزب ‪ ،‬و درست مبادئ القيادة الجھوية ثم اإلقليمية " )‪.(١‬‬ ‫فقد كانت شخصية " زيدان " الوحيدة في ھذه الرواية التي تظھر عليھا مالمح الثقافة التي‬ ‫اكتسبھا من إطالعاته الواسعة ‪ ،‬مما ساعده على فھم الثورة أكثر من غيره من أبناء القرية ‪ ،‬الشيء‬ ‫الذي جعله ذا مكانة عالية بين رفقائه و أصدقائه حيث أصبح قائد المجاھدين ‪ ،‬فنال رتبة مرموقة‬ ‫بين أصدقائه و أعضاء الحزب الشيوعي " آه لو كنت أحسن القراءة مثل أبي لكنه احمر بحق‬ ‫")‪.(٢‬‬ ‫" فزيدان" يعيش أھم مراحل حياته بعيدا عن الوطن ‪ ،‬حتى أصبح غريب األفكار و المواقف‬ ‫‪ ،‬مما دفع إلى إمكانية وجود توافق مقنع بين ھذه الشخصية ذات الثقافة‬ ‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫الطاھر وطار ‪ :‬رواية الالز ‪ ،‬ص ‪.٢٠٦‬‬ ‫)‪ (٢‬المصدر نفسه ‪ ،‬ص ‪.٩‬‬ ‫المتأرجحة في باريس و موسكو و بين باقي شخصيات الرواية التي تتأرجح ثقافاتھا بين الكتاتيب‬ ‫و المحراث و الفرن ثم البندقية ‪ ،‬في الوقت الذي كانت فيه الكلمة للبندقية من جھة ‪ ،‬و من جھة‬ ‫أخرى تعتبر أيديولوجية "زيدان " و انتماءه ‪ ،‬و كذلك مواقفه الخطابية التبشيرية ‪ ،‬كافية لتحرير‬ ‫البالد و طرد المستعمر ‪ ،‬أو على األقل موازية لتلك األعمال الثورية التي قام بھا "الالز" و"‬ ‫حمو" و العريف "رمضان "‪ ،‬حين ھزوا القرية كلھا و أفسدوا خطط المستعمر بتحطيم لثكنة‬ ‫القرية تحطيما كامال ‪.‬‬ ‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫توظيف التراث الشعبي ‪:‬‬ ‫كان التراث الشعبي و ال يزال مصدرا ثريا يغرف منه الكتاب و الشعراء و خاصة ھؤالء‬ ‫الذين يمثل ھذا التراث جزءا ھاما من ثقافتھم ‪ ،‬أسھم في تكوين خيالھم و لغتھم و ھم يدرجون ‪،‬‬ ‫و أصبح مصدرا يستوحون منه الصور و‪19‬يستلھمون بأدواته الفنية في كتاباته ‪ ،‬و ھم‬ ‫يبدعون ‪ ،‬و يتفاوت ھذا اإلستيحاء و ھذه اإلستفادة من كاتب إلى آخر من ناحية الكم و الكيف ‪،‬‬


‫حسب اإلنتماء الطبقي لھذا المبدع و نوعية عالقته بھا ‪ ،‬إن كانت عالقة معايشة و انتماء ‪ ،‬أو‬ ‫عالقة‬ ‫إعجاب و تعايش أم عالقة إستعالء و احتقار ‪ ،‬و قد يكون تأثر األديب بالتراث‬ ‫الشعبي تأثرا عفويا ألن ھذا التراث يمثل مكونا من مكونات ثقافته ‪ ،‬و البد أن يظھر أثره في‬ ‫إبداعه ‪ ،‬و قد يكون تأثرا مقصودا سعى إليه األديب بأسرار عن طريق دراسة أشكال التعبير‬ ‫الشعبي في صورھا الفنية و لغتھا و مضمونھا ‪.‬‬ ‫فالمأثورات الشعبية عند وطار ) تتجاوز المعاني و الدالالت التي تؤديھا الحياة اليومية إلى‬ ‫معاني و دالالت جديدة ‪ ،‬تتمثل في المعنى الخاص ‪ ،‬الذي يھدف الكاتب إلى إيصاله في روايته‪ ،‬أي‬ ‫تصبح دالة على القضية الرئيسية التي يعالجھا الكاتب ()‪.(١‬‬ ‫وعن طريق التراث كشف الكاتب عن التناقضات الموجودة في الواقع حيث تضمنت الرواية‬ ‫العديد من المأثورات الشعبية المستمدة من بيئة الشخصيات ‪ ،‬و نستھلھا بعنوان الرواية بعبارة "‬ ‫الالز " و ھي كلمة شعبية منتشرة االستعمال في األوساط الشعبية ‪ ،‬ويجد القارئ ألفة عجيبة مع‬ ‫ھذا الشخص منذ بداية الرواية ‪ ،‬و كأنه يعرفه‪ ،‬و الواقع أن ھذه الشخصية لن نعدم وجودھا في‬ ‫األحياء الشعبية في كثير من المدن و القرى الجزائرية ‪ ،‬سواء بھذا االسم بالذات أو باسم آخر‬ ‫مشابه ‪ ،‬إنھا شخصية من منبت يقع في أسفل السلم اإلجتماعي ‪ ،‬ترفض الخضوع‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫عبد الحميد بورايو ‪ :‬منطق السرد ‪ ،‬دراسات في القصة الجزائرية الحديثة ‪ ،‬ديوان المطبوعات‬ ‫الجامعية ‪، ١٩٩٤-٠٩‬الساحة المركزية ‪ ،‬بن عكنون ‪ ،‬الجزائر ‪ ،‬رقم النشر ‪، ٤ -٠٩ -٣٨٠١‬‬ ‫ص ‪. ١١٠‬‬ ‫للقوانين اإلجتماعية و الخلقية السائدة في مجتمع تحكمه إيديولوجيات اللقيط ‪ ،‬أو كل أعور يتشاءم‬ ‫منه" )‪.(١‬‬ ‫و تتسم بروح التمرد و الرفض بكل محاوالت اإلحتواء من طرف القوى اإلجتماعية السائدة ‪،‬‬ ‫و ھي الشخصية األكثر من غيرھا استعدادا للعمل الثوري المنظم ‪ ،‬إذا ما وجدت الفرصة ‪ ،‬و قد‬ ‫أوشكت أن تجدھا عن طريق اإلحتكاك بالمثقف الثوري" زيدان " ‪،‬و قد إنظمت للعمل المسلح بكل‬ ‫تلقائية ‪ ،‬وھي التي تمثل الطبقة الكادحة بشھادة " زيدان " عندما يطلق عليھا مواصفات ھذه الطبقة‬ ‫" ‪ ...‬لقد كنت دائما أعلق عليك آماال كبيرة ‪ ،‬و كنت أثق في أنك ال تطمع في شيء و ال تخش‬ ‫ضياع شيء " )‪ ، (٢‬وعندما يقول عنه ‪ " :‬الالز و الشعب شيء واحد")‪. (٣‬‬ ‫و تردد الرواية ستة عشر مثال شعبيا قامت بدورھا في تطوير الحدث الروائي ‪ ،‬و في الكشف‬ ‫عن ذھنيات الشخصيات ‪ ،‬وفي اعتاء التجربة الحياتية ألفراد الرواية ‪ ،‬و في الداللة على البيئة‬ ‫المحلية ‪ ،‬و ذلك بمعانيھا المكثفة في أقصر عبارة ‪ ،‬و قد اختار الكاتب من بين ھذه األمثال " ما‬ ‫يبقى في الواد غير حجاره " فقد بدأت به الرواية و تكرر كثيرا في ثناياھا ‪ ،‬و أنھت به أيضا ‪ ،‬و‬ ‫نفھم من حجارة الوادي أنھا كل ما ھو أصيل ‪ ،‬وصحيح كما تردد على لسان " حمو " مرتين "‬ ‫الصح ‪ ،‬الصح ‪ ...‬ال يبقى في الواد غيرالصح‪...‬الصح ھو الحق ‪،‬وھذه البالد ليس فيھا حق‪،‬لكن‬ ‫سياتي يوم اليبقى في الوادي اال الحجارة‪،‬اال الحق‪(٤)".‬‬ ‫أما "الالز" الذي جعل من الكلمة أغنيته الدائمة في مختلف الظروف فلم يمنحھا ھوية إال مرة‬ ‫واحدة ‪ ،‬حين طلب منه " حمو " أن ينطقھا ثالث مرات متتالية ‪ ،‬كلمة السر بينه و بين‬ ‫‪20‬‬ ‫قدور ‪.‬‬ ‫و يرى الدكتور عمر بن قينة أن األمثال الشعبية في الرواية أفقدت عمق الداللة فيھا‬


‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫)‪(١‬الطاھروطار‪ :‬روايةالالز ‪ ،‬ص ‪. ١٣٠‬‬ ‫)‪(٢‬المصدر نفسه ‪ ،‬ص ‪. ٦٧‬‬ ‫)‪(٣‬المصدر نفسه ‪ ،‬ص ‪. ٢٤٨‬‬ ‫)‪(٤‬المصدر نفسه ‪ ،‬ص‪٤٣-٤٢‬‬ ‫‪--------------------------------‬‬‫وفي مقدمتھا ‪ " :‬ما يبقى في الواد غير حجاره " فحاول الكاتب تجاوز ھذا التعبير الدارج إلى‬ ‫مستوى آخر عربي فصيح " ما يبقى في الواد غير حجاره " ) ص ‪، ٢٧٣ ، ٥٣ ، ٥٢ ، ٤٢ ، ٦١‬‬ ‫‪ ( ٢٧٧ ، ٢٧٦ ، ٢٧٥‬مثال ‪ ،‬ولم تفصح تماما إال مرة واحدة ) ص ‪.(١) ( ٤٣‬‬ ‫كما يرى أن المؤلف حاول أن يكيف المثل الشعبي ليوظف جزئيا في خدمة غرضه ‪ ،‬في حمى‬ ‫الصراع الطبقي و المادي ‪ ،‬تجاوزا لضاللة اإلنسانية العامية ‪ ،‬وروحه الدينية في الوقت نفسه ‪،‬‬ ‫انعكاسا لتعبير القرآن رمزيا في مثل قوله تعالى ‪ )) :‬كل من عليھا فان ‪ ،‬و يبقى وجه ربك ذو‬ ‫الجالل و اإلكرام ‪ ( ..‬سورة الرحمان ) ‪.(٢) ( ٢٥ ، ٢٤‬‬ ‫و من خالل ذلك ينبغي أن نسجل تناقض حادا في موقف الكاتب و رؤيته ‪ ،‬فبينما حاول اإلجتھاد‬ ‫في تصحيح مثل شعبي دارج ذا شيوع معترف به ‪ ،‬نراه يغرف في الدارجة في سياق عام ‪ ،‬كان‬ ‫يجب اإلرتقاء بالتعبير فيه ‪ ،‬كلمة ‪ ،‬و جملة ‪ ،‬و صورة ‪ ،‬من األمثلة على ذلك ‪" :‬ھلكته السياسة "‬ ‫)‪(٣‬بدل أھلكته على سبيل التعدية ‪" ،‬أتمنى لو ينوب النواب و أتزوجھا ")‪ (٤‬بدل أن يفتح ﷲ‪ ،‬أو‬ ‫يفرج ‪ ،‬بل لم يكلف نفسه جھدا حتى في استعمال كلمة اليربوع بدل كلمة الجربوع الدارجة‬ ‫المحرفة عن الفصحى‪ ":‬كنا نضع الموسى في فم الجربوع قبل أن نذبحه ")‪(٥‬‬ ‫و تتناثر داخل الرواية اإلشارة إلى المعتقدات الشعبية المختلفة تتجلى في بعض الصور التي‬ ‫نقلھا الكاتب من صميم الحياة اليومية التي تعكس بعض العادات و التقاليد المنتشرة في مواضع‬ ‫كثيرة من الوطن ‪ ،‬كاإلعتماد على قدرة األولياءو اإلستجابة لدعوات الناس و اإلطالع على الغيب‬ ‫و اإليمان باألجل ‪ ،‬و بفعالية السحر و الحرز‪ ،‬و اإلعتقاد في الجن و التوابع و التطير ‪ ،‬و توقع‬ ‫المكروه بعد الضحك ‪ ...‬إال أن ھذه المعتقدات تحتل مكانا ثانويا في حياة شخصيات الرواية ‪ ،‬يقول‬ ‫" قدور " "حق ربي ‪ ،‬ما تركت بابا ‪ ،‬خسرت أكثر من عشرين ألف‬ ‫د‪ /‬عمر بن قينة‪ :‬في األدب الجزائري الحديث ‪ ،‬تاريخا ‪ ..‬و أنواعا ‪ ..‬و قضايا ‪ ..‬و أعالما ‪ ،‬ديوان‬ ‫المطبوعات الجامعية ‪ ، ١٩٩٥ – ٠٥‬الساحة المركزية ‪ ،‬بن عكنون ‪ ،‬الجزائر ‪ ،‬رقم النشر ‪٤٠٩٠‬‬ ‫‪ ، ٤ ، ٠٩ ،‬ص ‪٢٣٦‬‬ ‫المرجع نقسه ‪ ،‬ص ‪. ٢٣٧‬‬ ‫الطاھروطار‪/ :‬روايةالالز ‪ ،‬ص ‪.٢٦‬‬ ‫المصدر نفسه ‪ ،‬ص ‪.١٥٥‬‬ ‫المصدر نفسه ‪ ،‬ص‪١٥٥‬‬ ‫حرز سي حمود و ما أدراك لم ينفع ‪ ...‬سحر سي القر��شي ‪ ،‬و ما أدراك كذلك ‪ ...‬حرز سي‬ ‫عثمان و ما أدراك كذلك ‪ ...‬و يستغرق قدور في سرد أسماء كل الذين استعان بھم ‪ ،‬و كل ما‬ ‫بذله حتى اشترى أخيرا كتاب الشيخ السيوطي ‪ ،‬الرحمة في الطب و الحكمة ‪.(١) ( ...‬‬ ‫و بالرغم من بساطة الصورة ‪ ،‬إال أن الكاتب كشف بواسطتھا عما يدور في ذھنية "‬ ‫قدور " أحد شخوص رواية " الالز "‪،‬كما‪21‬كشف عن أھمية ھذه العادات في األوساط‬ ‫الشعبية ‪ ،‬و اعتقاد الناس الراسخ فيھا في تلك المرحلة ‪ ،‬بالرغم مما تنطوي عليه ھذه العادات من‬


‫تخلف و جھل و تأثر ‪ ،‬إال أن الكاتب حقق بمثل ھذه الصور المستوحاة من التراث الشعبي‬ ‫الزاخر واقعية شخصياته و تمثيلھا الصادق ‪ ،‬و بيئتھا ‪ ،‬و زمانھا ‪ ،‬و اكتسبت األحداث بواسطة‬ ‫ھذه الصورة مرونة كبيرة ‪ ،‬و كشف الكاتب عن مثل ھذه العادات ھو أيضا إدانة لھا ‪.‬‬ ‫و كثيرا ما تأتي ھذه في معرض التنكيت و السخرية " استمعوا إذن ‪ ،‬لشيخ مشعوذ قھر القرية‬ ‫إلدعائه اإلطالع على الغيب و الكشف عن األسرار مھما كانت ‪ ،‬و يقال أنه متزوج مع جنية‬ ‫مسلمة ‪ ،‬و يقال أنه صديق عدة شياطين يھود ‪ ...‬حاول يوما بعض شبان القرية أن يختبروه ‪"...‬‬ ‫)‪ ،(٢‬ألن الشاغل األول لشخصيات الطاھر وطار ھو الحياة اليومية ‪ ،‬و ما تعانيه الجماھير من‬ ‫بؤس و حرمان‪ ،‬و الذي يدفعھا إلى اإللتحاق بالثورة المسلحة و الحلم بمستقبل أفضل ‪ ،‬و ھكذا‬ ‫يفلت الكاتب من الشرك الذي يقع فيه كثير من مثقفي البرجوازية الصغيرة في مجتمعنا عندما‬ ‫يضخمون من أمر ھذه المعتقدات‪ ،‬و يجعلونھا تقف سدا منيعا في وجه توعية الجماھير ‪ ،‬و قد أفلح‬ ‫" زيدان " المثقف الثوري في تبيين شخصية المسؤول السياسي و معلم القرآن السابق الذي كانت‬ ‫المعتقدات تطغى على وعيه ‪ ،‬و تغرقه في الشعوذة ‪ " :‬بذلت قصارى جھدي ألنفخ فيه روح‬ ‫الطبقية ‪ ،‬و قد تطور بنسبة أربعين بالمائة " )‪ ".(٣‬عملت على تطويره ‪ ،‬حتى أصبح يخجل من‬ ‫نفسه كلما تذكر ‪ ،‬ترھاته " )‪(٤‬‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫الطاھروطار‪ :‬روايةالالز ‪ ،‬ص ‪.٣٠ ، ٢٩‬‬ ‫المصدر نفسه ‪ ،‬ص ‪.٢٣٩‬‬ ‫المصدر نفسه ‪ ،‬ص ‪. ١٧٣‬‬ ‫المصدر نفسه ‪ ،‬ص ‪.١٧٤‬‬ ‫و ھكذا يضرب " زيدان " مثال في اإلرتباط الحقيقي بالطبقة الكادحة ‪ ،‬بالنضال الدؤوب في‬ ‫سبيل توعيتھا ‪ ،‬و قد تأتي له كل ذلك عن طريق إدراكه للشروط التي تحكم تطور عقلية األشخاص‬ ‫‪ ،‬الذين يتعامل معھم ‪.‬‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫الفصل الثالث‬ ‫األبعاد الفنية ‪:‬‬ ‫توظيف التراث الشعبي‬ ‫الشخصيات‬ ‫المكان‬ ‫الزمان‬ ‫األسلوب‬ ‫السرد‬ ‫الحوار‬ ‫اللغة‬ ‫‪22‬‬


الرواية العربية في الجزائر دراسة تحليلية