-1ليلة القدر ليلة الرمحة واملغفرة والكرم اإلهلي 26رمضان 1437هـ املوافق 1يوليو 2016م
أوال :العناصر: .1ليلة القدر منحة إهلية. .2خصائص وفضائل ليلة القدر. .3حتري ليلة القدر التماسًا لربكتها. .4احلث على اغتنام ليلة القدر واالجتهاد فيها بالعبادة. .5ضرورة الرتاحم بني اخللق ،فمن ال يرحم ال يرحم. ثانيا األدلة: من القرآن الكريم: .1قال تعاىل{ :إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْ َلةِ القَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْ َلةُ القَدْرِ* لَيْ َلةُ القَدْ ِر خَيْرٌ ِمنْ أَلْفِ شَهْرٍ* كةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ِبإِذْنِ رَبِّهِمْ ِمنْ كُلِّ أَمْرٍ* سَالَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ}[سورة َزلُ املَالَئِ َ تَن َّ القدر]. حكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ .2وقال تعاىل{:إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْ َلةٍ مُبَارَ َكةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ* فِيهَا يُفْ َرقُ كُلُّ أَمْرٍ َ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِنيَ}[الدخان. ]5 - 3 : .3وقال تعاىل{ :اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَ َلقَ * خَلَقَ اإلِنْسَانَ ِمنْ عَ َلقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ األَكْرَ ُم} [العلق.]3-1 : .4وقال تعاىل{....فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ[}.....البقرة.]148 : ض السَّمَاءِ وَاألرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ َنةٍ عَرْضُهَا كَعَرْ ِ .5وقال تعاىل{ :سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ ِمنْ رَبِّكُمْ وَج َّ م}[الْحَدِيدِ. ]22 : ل الْعَظِي ِ ض ِ َاللهُ ذُو الْفَ ْ ن يَشَاءُ و َّ الل ِه يُؤْتِيهِ َم ْ ضلُ َّ ِاللهِ وَرُسُ ِلهِ ذَلِكَ فَ ْ آمَنُوا ب َّ .6وقال تعاىلُ {:قلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا ِمنْ رَحْ َمةِ اهللِ إِنَّ اهللَ يَغْ ِفرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}[الزمر.]53 : األدلة من السنة النبوية : َ .1عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي اهلل عنه) أن النَّبِيَّ (صَلَّى اهللُ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ) قَالََ ( :منْ صَامَ رَمَضَانَ إِميَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ َلهُ مَا تَقَدَّمَ ِمنْ ذَنْ ِبهِ ،وَ َمنْ قَامَ لَيْ َلةَ الْقَدْرِ إِميَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ َلهُ مَا تَقَدَّمَ ِمنْ ذَنْ ِبهِ) (رواه البخاري).
-2اللهِ (صَلَّى اهللُ عَلَ ْيهِ خلَ رَمَضَانُ ،فَقَالَ رَسُولُ َّ .2و َعنْ أَنَسِ ْبنِ مَالِكٍ (رضي اهلل عنه) قَالَ :دَ َ وَسَلَّمَ)( :إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ ،وَفِيهِ لَيْ َلةٌ خَيْ ٌر ِمنْ أَلْفِ شَهْرٍَ ،منْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَ ْيرَ ك َُّلهُ ،وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا مَحْرُومٌ) (رواه ابن ماجه). اللهِ (صَلَّى اهللُ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ) خَ َرجَ يُخْبِرُ .3و َعنْ عُبَادَةَ ْبنِ الصَّامِتِ (رضي اهلل عنه ) أَنَّ رَسُولَ َّ بِلَيْ َلةِ القَدْرِ ،فَتَالَحَى رَجُالَنِ ِمنَ املُسْلِمِنيَ فَقَالَ( :إِنِّي خَرَجْتُ ِلأُخْبِرَكُمْ بِلَيْ َلةِ القَدْرِ ،وَإِنَّهُ تَالَحَى فُالَنٌ وَفُالَنٌ ،فَرُفِعَتْ ،وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ ،التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَاخلَمْسِ) (رواه البخاري). اللهِ (صَلَّى اهللُ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ) ( :إِنِّي اللهِ (رضي اهلل عنهما) قَالَ :قَالَ رَسُولُ َّ .4و َعنْ جَابِرِ ْبنِ عَبْدِ َّ جةٌ ،لَا كُنْتُ أُرِيتُ لَيْ َلةَ الْقَدْرِ ،ثُمَّ نُسِّيتُهَا ،وَهِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِ ِر ِمنْ لَيْلَتِهَا ،وَهِيَ لَيْ َلةٌ طَلْ َقةٌ بَلْ َ ضحُ كَوَاكِبَهَا)(رواه ابن خزمية). حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ) ،وَزَا َد الزِّيَادِيَُّ ( :كأَنَّ فِيهَا قَمَرًا يَفْ َ اللهِ ،أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ .5وعن أم املؤمنني عَائِ َشةَ (رضي اهلل عنها) أَنَّهَا قَالَتْ :يَا رَسُولَ َّ ِ ُ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي) (رواه ابن ماجه). ُم إِنَّكَ عَفُ تو تُح ُّ الْقَدْرِ ،مَا أَدْعُو؟ قَالَ( :تَقُولِنيَ :اللَّه َّ اللهِ (صَلَّى اهللُ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ) يُجَا ِورُ .6و َعنْ أم املؤمنني عَائِ َشةَ (رضي اهلل عنها) قَالَتْ :كَانَ رَسُولُ َّ فِي العَشْرِ األَوَاخِرِ ِمنْ رَمَضَانَ وَيَقُولُ( :تَحَرَّوْا لَيْ َلةَ القَدْ ِر فِي العَشْرِ األَوَاخِ ِر ِمنْ رَمَضَانَ) (رواه البخاري) . اللهُ عَنْهُمَا) أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اهللُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ ( :التَمِسُوهَا فِي .7و َعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (رَضِيَ َّ العَشْرِ األَوَاخِرِ ِمنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ القَدْرِ ،فِي تَاسِ َعةٍ تَبْقَى ،فِي سَابِ َعةٍ تَبْقَى ،فِي خَامِ َسةٍ تَبْقَى) (رواه البخاري). ثالثا :املوضوع: لقد خصََّ اهلل عز وجل األمة احملمديةَ خبصائصَ عظيمةٍ وجليلةٍ ،وإنََّ املتأمل يف هذه اخلصائص جيد العَجَ َُ العُجَابَ ؛ ملا حباه اهللُ هلذه األمة عن غريِها ،فرسوهلا أفضل الرَُّسلِ بل ُمةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ َتأْمُرُونَ أفضل اخللق على اإلطالق ،وهي أفضل األُممِ ،قال تعاىل{:كُنتُمْ خَيْرَ أ َّ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ َعنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاهللِ}[آل عمران ، ]110:وشريعتها تتميز بالسماحة واليسر والرمحة ،وعملها وإن كان قليالً إال أن ثوابه وأجره أعظم من ثواب وأجر غريها من األمم ، وأعمارها وإن كانت قصرية إال أن فيها خريًا كثريًا ،فعوضها ربنا بليال وأزمنة وأمكنة ومناسبات تتضاعف فيها األجور ،فهي أمةٌ خمصوصةٌ ومصطفاة ،وذلك فضل اهلل يؤتيه من يشاء.
-3ومن الفضل اإلهلي والعطاء الرباني الذي اختص اهلل (عز وجل) به األمة احملمدية عن سائر األمم أن تفضل عليها بليلة واحدة يف العام ،وضعت عبادتها يف كفة ،وعبادة ألف شهر ،أي ما يساوي ثالثًا ومثانني سنة وأربعة أشهر من عمر اإلنسان يف كفة أخرى ،فرجحت كفة عبادة ليلة القدر ،من قامها مبتغيًا بقيامه وجه اهلل حمتسبًا األجر والثواب من اهلل وحده غفر اهلل ذنبه وسرت عيبه وأعلى قدره وفتح له أبواب رمحته ورضوانه ،إنها ليلة القدر اليت يتجلى فيها أعلى مظاهر الفيض والكرم اإلهلي ،قال تعاىل{ :إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْ َلةِ القَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْ َلةُ القَدْرِ* لَيْ َلةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ كةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ِبإِذْنِ رَبِّهِمْ ِمنْ كُلِّ أَمْرٍ* سَالَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ}[سورة َزلُ املَالَئِ َ أَلْفِ شَهْرٍ* تَن َّ القدر] ،والقدر هو الشرف والعز والكرامة ،يقال :فالن ذو قدر أي :ذو شرف ومكانة ،وهي كذلك ليلة القدر ملا هلا من الشرف واملكانة بني بقية الليالي ،فقد أنزل اهلل فيها كتابًا ذا قدر على نيب ذي قدر بواسطة ملك ذي قدر ليكون منهجا ألمة ذات قدر . وليلة القدر من التقدير ،يقدِّر اهلل فيها أعمال العباد يف السنة من الليلة إىل مثلها من العام القادم من حياة وموت ،ورزق ،وسعادة ،وشقاء ،وغري ذلك ،قال تعاىل{:إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْ َلةٍ مُبَارَ َك ٍة إِنَّا ُل أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا ِمنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِنيَ}[الدخان.]5 -3: كُنَّا مُنْذِرِينَ* فِيهَا يُفْ َرقُ ك ُّ وقد خص اهلل (عز وجل) هذه الليلة املباركة مبزيد فضله وعظيم كرمه بعدة خصائص منها: نزول القرآن الكريم فيها :قال تعاىل{ :إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْ َلةِ الْقَدْ ِر} [القدر ، ]1 :وكانت بداية هذا النزول يف هذه الليلة املباركة ،قال ابن عباس (رضي اهلل عنهما) :أُنْزِل الْقُرْآنُ جُمْ َلةً وَاحِدَةً مِنَ اللَّ ْوحِ الْمَحْفُوظِ فِي لَيْ َلةِ الْقَدْرِ ِمنْ شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا ،ثُمَّ نَ َزلَ ِبهِ جِبْرِيلُ اللهُ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ) نُجُومًا فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سََنةً ) (معامل التنزيل اللهِ (صَلَّى َّ (عَلَ ْيهِ السَّلَامُ) عَلَى رَسُولِ َّ للبغوي) ،وأول ما نزل الوحي على رسول اهلل (صلى اهلل عليه وسلم) كان يف رمضان حيث التقت األرض بالسماء وتلقت األرض أنوار السماء وبركاتها يف هذه الليلة املباركة ليلة القدر ،ف َعنْ أم اللهِ (صَلَّى اهللُ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ) مِنَ َولُ مَا بُدِئَ ِبهِ رَسُولُ َّ املؤمنني عَائِ َشةَ (رضي اهلل عنها) أَنَّهَا قَالَتْ :أ َّ ق الصُّ ْبحِ ،ثُمَّ حُبِّ َُ إِلَ ْيهِ اخلَالَءُ، حةُ فِي النَّوْمِ ،فَكَانَ الَ يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِ ْثلَ فَلَ ِ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِ َ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ -اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَ ْبلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْ ِلهِ، جيةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا ،حَتَّى جَاءَهُ احلَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ ،فَجَاءَهُ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ،ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِ َ املَلَكُ فَقَالَ :اقْرَأْ ،قَالَ( :مَا أَنَا بِقَارِئٍ) ،قَالََ ( :فأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي اجلَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ :اقْرَأْ ،قُلْتُ :مَا أَنَا بِقَارِئٍَ ،فأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانَِيةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي اجلَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي ،فَقَالَ :اقْرَأْ،
-4فَقُلْتُ( :مَا أَنَا بِقَارِئٍ)َ ،فأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالَِثةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي ،فَقَالَ{ :اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَ َلقَ* خَلَقَ اللهِ (صَلَّى اهللُ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ) اإلِنْسَانَ ِمنْ عَ َلقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ األَكْرَمُ} [العلق ]3-1 :فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ َّ اللهُ عَنْهَا) ،فَقَالَ ( :زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) فَزَمَّلُوهُ جيةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ (رَضِيَ َّ خلَ عَلَى خَدِ َ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ ،فَدَ َ جيةَ وَأَخْبَرَهَا اخلَبَرَ( :لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي) فَقَالَتْ خَدِجيَةُ :كَلَّا حَتَّى ذَهَ َُ عَ ْنهُ الرَّوْعُ ،فَقَالَ لِخَدِ َ صلُ الرَّحِمَ ،وَتَحْ ِملُ الكَلَّ ،وَتَكْسِ ُُ املَعْدُومَ ،وَتَقْرِي الضَّيْفَ، اللهُ أَبَدًا ،إِنَّكَ لَتَ ِ َاللهِ مَا يُخْزِيكَ َّ و َّ ُ احلَقِّ( )....رواه البخاري). وَتُ ِعنيُ عَلَى نَوَائِ ِ ومنها :وصفها أنها ليلة مباركة :قال تعاىل{:إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْ َلةٍ مُبَارَ َكةٍ}[الدخان ]3 :ومن مظاهر ِي بركتها أن اهلل عز وجل يغفر ملن قامها إميانا واحتسابًا ،ف َعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي اهلل عنه) أن النَّب َّ (صَلَّى اهللُ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ) قَالََ ( :منْ صَامَ رَمَضَانَ إِميَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ ِمنْ ذَنْ ِبهِ ،وَ َمنْ قَامَ لَيْ َلةَ الْقَدْرِ إِميَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ َلهُ مَا تَقَدَّمَ ِمنْ ذَنْ ِبهِ)(رواه البخاري) .ومن حرم بركتها فهو احملرومَ ،عنْ اللهِ (صَلَّى اهللُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ( :إِنَّ هَذَا خلَ رَمَضَانُ ،فَقَالَ رَسُولُ َّ أَنَسِ ْبنِ مَالِكٍ(رضي اهلل عنه) قَالَ دَ َ الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ ،وَفِيهِ لَيْ َلةٌ خَيْرٌ ِمنْ أَلْفِ شَهْرٍَ ،منْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ ك َُّلهُ ،وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا مَحْرُومٌ)(رواه ابن ماجه). ومنها :أن عبادتها أفضل من عبادة ألف شهر ،فعن مُجَاهِدٍ (رضي اهلل عنه) أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اهللُ ل اهللِ أَلْفَ شَهْ ٍر قَالَ :فَعَجِ َُ الْمُسْلِمُونَ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ) ذَكَرَ رَجُلًا ِمنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَبِسَ السِّلَاحَ فِي سَبِي ِ درِ ِمنْ ذَلِكَ قَالََ :فأَنْ َزلَ اهللُ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْ َلةِ الْقَدْ ِر * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْ َلةُ الْقَدْرِ * لَيْ َلةُ الْقَ ْ خَيْرٌ ِّمنْ أَلْفِ شَهْرٍ} ،فعبادة ليلة بإخالص تفوق على محل السالح ألف شهر .والعدد هنا ال يقصد منه التحديد بل املقصود منه الكثرة حتى جيتهد الناس يف طل ُ هذه الليلة. ومنها :نزول املالئكة ومعهم جربيل (عليه السالم) :فيملؤون األرض نورًا ومجاالً وسكينة يف هذه ن رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ}أَي :تتنزل فيها كةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ِبإِذْ ِ َزلُ الْمَلَائِ َ الليلة املباركة ،قال تعاىل{ :تَن َّ املالئكة من كل مساءِ إِىل األَرض ،أَو إِىل السماء الدنيا ،مع الربكة والرمحة .وينزل معها الروح وهو جربيل (عليه السالم) كما قال اجلمهور ،وخص بالذكر لزيادة شرفه ،وعلو قدره فضالً على أَنه
النازل بالذكر (التفسير الوسيط للقرآن الكريم). ومنها :أنها ليلة أمن وأمان ،وسالمة وسالم من بدايتها حتى مطلع الفجر ،قال تعاىل{ :سَالمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} وجاءت لفظة (سَالمٌ) منكرة لتفيد العموم ،وقدمها على امسها (هِيَ) لتفيد االختصاص أَيْ :مَا هِيَ إِلَّا سَلَامٌ ،ويف ذلك دعوة لنشر السالم يف األرض يف هذه الليلة املباركة
-5وغريها من الليالي ،فنشر السالم يعم اخلري ،والبعد عنه جيل ُ كل شر وميحق الربكات ،وبسب ُ البعد عن السالم واإلقبال على النزاع واخلالف حُرِم املسلمون بركة حتديدها ،ف َعنْ عُبَادَةَ بْنِ اللهِ (صَلَّى اهللُ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ) خَ َرجَ يُخْبِرُ بِلَيْ َلةِ القَدْرِ ،فَتَالَحَى الصَّامِتِ (رضي اهلل عنه) أَنَّ رَسُولَ َّ ِنهُ تَالَحَى فُالَنٌ وَفُالَنٌ ،فَرُفِعَتْ ، رَجُالَنِ ِمنَ املُسْلِمِنيَ فَقَالَ( :إِنِّي خَرَجْتُ ِلأُخْبِرَكُمْ بِلَيْ َلةِ القَدْرِ ،وَإ َّ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ ،التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَاخلَمْسِ) (رواه البخاري) .ومعنى تالحى: أي :ختاصما ،فبسب ُ هذه اخلصومة واخلالف حُرمت األمة اخلري الكثري ،ولكن لعل يف إخفائها اخلري كما قال النيب (صلى اهلل عليه وسلم) ( :وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ) ،وذلك حتى يداوم العبد على االجتهاد طوال العشر دون االقتصار على ليلة واحدة فقط . ليلة بهذا الفضل وبهذه الكرامة حري بكل مسلم أن يلتمسها ،فهي كاجلوهرة الثمينة اليت يسعى يف طلبها من يريد اخلري لنفسه ،وهذا ما أكده النيب (صلى اهلل عليه وسلم) وهو املغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ،ومع هذا حتراها حبثًا عن بركتها ،فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رَضِيَ اهللُ عَ ْنهُ) ف الْعَشْ َر اْلأَوْسَطَ، ُم اعْتَكَ َ َولَ ِمنْ رَمَضَانَ ،ث َّ قَالَ :إِنَّ رَسُولَ اهللِ (صَلَّى اهللُ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ) اعْتَكَفَ الْعَشْرَ اْلأ َّ ِيةٍ عَلَى سُدَّتِهَا حَصِريٌ ،قَالََ :فأَخَذَ الْحَصِريَ بِيَدِهِ فَنَحَّاهَا فِي نَاحَِيةِ الْق َُّبةِ ،ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ فِي ق َُّبةٍ تُرْك َّ ُم اعْتَكَفْتُ الْعَ ْشرَ َولَ ،أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ،ث َّ فَكَلَّمَ النَّاسَ ،فَدَنَوْا مِ ْنهُ ،فَقَالَ ( :إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ اْلأ َّ اْلأَوْسَطَ ،ثُمَّ أُتِيتُ ،فَقِيلَ لِي :إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ اْلأَوَاخِرِ ،فَ َمنْ أَحَ َُّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ)، ني وَمَاءٍ) َفأَصَْبحَ ِمنْ لَيْلَةِ فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَ َعهُ ،قَالَ( :وَإِنِّي أُرِيتُهَا لَيْ َلةَ وِتْرٍ ،وَإِنِّي أَسْجُدُ صَبِيحَتَهَا فِي طِ ٍ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ،وَقَدْ قَامَ إِلَى الصُّ ْبحِ ،فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ ،فَوَكَفَ الْمَسْجِدَُ ،فأَبْصَرْتُ الطِّنيَ وَالْمَاءَ، فَخَ َرجَ حِنيَ فَرَغَ ِمنْ صَلَاةِ الصُّ ْبحِ ،وَجَبِي ُنهُ وَرَوَْثةُ أَنْ ِفهِ فِيهِمَا الطِّنيُ وَالْمَاءُ ،وَإِذَا هِيَ لَيْ َلةُ إِحْدَى ن الْعَشْ ِر اْلأَوَاخِرِ) (رواه مسلم). وَعِشْرِينَ ِم َ بل إن النيب (صلى اهلل عليه وسلم) أمر األمة أن تتحرى هذه الليلة ملا فيها من العطاء اللهِ (صَلَّى اهللُ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ ) يُجَاوِرُ فِي والكرم االهلي ،ف َعنْ عَائِ َشةَ (رضي اهلل عنها) قَالَتْ :كَانَ رَسُولُ َّ العَشْرِ األَوَاخِرِ ِمنْ رَمَضَانَ وَيَقُولُ ( :تَحَرَّوْا لَيْ َلةَ القَدْرِ فِي العَشْ ِر األَوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ) (رواه البخاري)، خرِ اللهُ عَنْهُمَا) أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اهللُ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ) قَالَ( :التَمِسُوهَا فِي العَشْرِ األَوَا ِ و َعنِ ا ْبنِ عَبَّاسٍ (رَضِيَ َّ ن لَيْ َلةَ القَدْرِ ،فِي تَاسِ َع ٍة تَبْقَى ،فِي سَابِ َع ٍة تَبْقَى ،فِي خَامِ َس ٍة تَبْقَى) (رواه البخاري). ن رَمَضَا َ ِم ْ
-6فأمر النيب (صلى اهلل عليه وسلم) بتحري هذه الليلة يف العشر األواخر ثم خص من العشر الليالي الوتر منها ،ومل حيددها بليلة حمددة ،ليجتهد العباد يف طلبها ،وجيدَّوا يف العبادة ،وحتى يظل األمل موجودا عند العباد يف فضل اهلل وكرمه وعفوه ومنته. ولقد فطن الصحابة (رضوان اهلل عليهم) لعظم مكانة هذه الليلة فتسابقوا باخلريات طمعًا يف ثوابها ،وتوجهوا إىل الرسول (صلى اهلل عليه وسلم) بالسؤال عن الدعاء املستح ُ يف هذه الليلة ، اللهِ ،أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْ َلةَ الْقَدْرِ ،مَا فعن أم املؤمنني عَائِ َشةَ (رضي اهلل عنها) أَنَّهَا قَالَتْ :يَا رَسُولَ َّ أَدْعُو؟ قَالَ( :تَقُولِنيَ :اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوت تُحِ ُُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي) (رواه ابن ماجه) ،فهي ليلة يغفر احلق سبحانه فيها الذنوب. فليتسابق املسلمون إىل الرمحة والعفو يف هذه الليلة املباركة ،ويتخذوا منها عهدا جديدا لتجديد التوبة ولزوم االستغفار والعمل اجلاد املثمر ،وإعادة بناء النفس وتقوميها من جديد على الطاعة واإلخالص وحسن الصلة باهلل عز وجل ،قال تعاىل{..فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ[ }..البقرة، ]148 : ض أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ َنةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَاألرْ ِ وقال جل شأنه{ :سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ ِمنْ رَبِّكُمْ وَج َّ ضلِ الْعَظِيمِ}[الْحَدِيدِ ، ]22:ولنتاجر مع َاللهُ ذُو الْفَ ْ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ و َّ ضلُ َّ ِاللهِ وَرُسُ ِلهِ ذَلِكَ فَ ْ آمَنُوا ب َّ اهلل عز وجل بكل عمل صاحل كصلة األرحام واحملافظة على أعراض الناس وأمواهلم ودمائهم ، واحلرص على حتقيق السالم واألمان مبا يعود بالنفع على الفرد والوطن . ومن كان قد أسرف على نفسه باملعاصي والذنوب فليت ُ إىل الرب التواب جل جالله ،وليعلم أن اهلل عز وجل بابه مفتوح ،ينادي على عباده املؤمنني بقوله ُ { :قلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا ِمنْ رَحْ َمةِ اهللِ إِنَّ اهللَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر ، ]53 :فاملؤمن الفطن يعلم أن أنفاسه معدودة وساعات إقامته يف الدنيا حمدودة ،ويعلم علم اليقني أن احلياة فرص من اغتنمها فاز وسعد ،ومن ضيعها خاب وخسر ،وال توجد فرصة يف العمر كفرصة ليلة القدر فلنغتنمها حتى ننال بركتها. وإذا كنا نتعرض لرمحة اهلل تعاىل حبق فعلينا أن نرتاحم فيما بيننا ،فمن ال يرحم ال يرحم ، والرامحون يرمحهم الرمحن ،وليس الرتاحم مبجرد كلمة أو سالم ،إمنا الرتاحم سلوك ،إذ إن الرتاحم يستوج ُ التعاون والتكافل ،وأن يأخذ قوينا بيد ضعيفنا ،وغنينا بيد فقرينا ،وها حنن مقبلون على عيد مبارك ينبغي أن نوسع فيه على الفقراء ،وأن نغنيهم عن السؤال يف هذا اليوم ، وأن خنرج صدقة الفطر إىل مستحقيها ،ومن كان ذا سعة زاد يف الصدقة والرب والصلة ،موقنًا بأن ما
-7أنفق من خري فإن اهلل (عز وجل) سيخلفه ويضاعفه ،حيث يقول احلق سبحانه { :مََثلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ َاللهُ يُضَاعِفُ لِ َمنْ يَشَاءُ َبةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَاِبلَ فِي كُلِّ سُنْبُ َلةٍ مِاَئةُ حَبَّةٍ و َّ اللهِ كَمََثلِ ح َّ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ َّ َاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}[البقرة . ]261: و َّ