Skip to main content

7201618473127835521

Page 1

‫ ‪-1‬‬‫ليلة القدر ليلة الرمحة واملغفرة والكرم اإلهلي‬ ‫‪ 26‬رمضان ‪1437‬هـ املوافق ‪1‬يوليو ‪2016‬م‬

‫أوال‪ :‬العناصر‪:‬‬ ‫‪ .1‬ليلة القدر منحة إهلية‪.‬‬ ‫‪ .2‬خصائص وفضائل ليلة القدر‪.‬‬ ‫‪ .3‬حتري ليلة القدر التماسًا لربكتها‪.‬‬ ‫‪ .4‬احلث على اغتنام ليلة القدر واالجتهاد فيها بالعبادة‪.‬‬ ‫‪ .5‬ضرورة الرتاحم بني اخللق ‪ ،‬فمن ال يرحم ال يرحم‪.‬‬ ‫ثانيا األدلة‪:‬‬ ‫من القرآن الكريم‪:‬‬ ‫‪ .1‬قال تعاىل‪{ :‬إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْ َلةِ القَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْ َلةُ القَدْرِ* لَيْ َلةُ القَدْ ِر خَيْرٌ ِمنْ أَلْفِ شَهْرٍ*‬ ‫كةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ِبإِذْنِ رَبِّهِمْ ِمنْ كُلِّ أَمْرٍ* سَالَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ}[سورة‬ ‫َزلُ املَالَئِ َ‬ ‫تَن َّ‬ ‫القدر]‪.‬‬ ‫حكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ‬ ‫‪ .2‬وقال تعاىل‪{:‬إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْ َلةٍ مُبَارَ َكةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ* فِيهَا يُفْ َرقُ كُلُّ أَمْرٍ َ‬ ‫عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِنيَ}[الدخان‪. ]5 - 3 :‬‬ ‫‪ .3‬وقال تعاىل‪{ :‬اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَ َلقَ * خَلَقَ اإلِنْسَانَ ِمنْ عَ َلقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ األَكْرَ ُم}‬ ‫[العلق‪.]3-1 :‬‬ ‫‪ .4‬وقال تعاىل{‪....‬فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ‪[}.....‬البقرة‪.]148 :‬‬ ‫ض السَّمَاءِ وَاألرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ‬ ‫َنةٍ عَرْضُهَا كَعَرْ ِ‬ ‫‪ .5‬وقال تعاىل‪{ :‬سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ ِمنْ رَبِّكُمْ وَج َّ‬ ‫م}[الْحَدِيدِ‪. ]22 :‬‬ ‫ل الْعَظِي ِ‬ ‫ض ِ‬ ‫َاللهُ ذُو الْفَ ْ‬ ‫ن يَشَاءُ و َّ‬ ‫الل ِه يُؤْتِيهِ َم ْ‬ ‫ضلُ َّ‬ ‫ِاللهِ وَرُسُ ِلهِ ذَلِكَ فَ ْ‬ ‫آمَنُوا ب َّ‬ ‫‪ .6‬وقال تعاىل‪ُ {:‬قلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا ِمنْ رَحْ َمةِ اهللِ إِنَّ اهللَ يَغْ ِفرُ‬ ‫الذُّنُوبَ جَمِيعًا}[الزمر‪.]53 :‬‬ ‫األدلة من السنة النبوية ‪:‬‬ ‫‪َ .1‬عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي اهلل عنه) أن النَّبِيَّ (صَلَّى اهللُ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ) قَالَ‪َ ( :‬منْ صَامَ رَمَضَانَ إِميَانًا‬ ‫وَاحْتِسَابًا غُفِرَ َلهُ مَا تَقَدَّمَ ِمنْ ذَنْ ِبهِ‪ ،‬وَ َمنْ قَامَ لَيْ َلةَ الْقَدْرِ إِميَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ َلهُ مَا تَقَدَّمَ ِمنْ ذَنْ ِبهِ)‬ ‫(رواه البخاري)‪.‬‬


‫ ‪-2‬‬‫اللهِ (صَلَّى اهللُ عَلَ ْيهِ‬ ‫خلَ رَمَضَانُ‪ ،‬فَقَالَ رَسُولُ َّ‬ ‫‪ .2‬و َعنْ أَنَسِ ْبنِ مَالِكٍ (رضي اهلل عنه) قَالَ ‪ :‬دَ َ‬ ‫وَسَلَّمَ)‪( :‬إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ‪ ،‬وَفِيهِ لَيْ َلةٌ خَيْ ٌر ِمنْ أَلْفِ شَهْرٍ‪َ ،‬منْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَ ْيرَ‬ ‫ك َُّلهُ‪ ،‬وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا مَحْرُومٌ) (رواه ابن ماجه)‪.‬‬ ‫اللهِ (صَلَّى اهللُ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ) خَ َرجَ يُخْبِرُ‬ ‫‪ .3‬و َعنْ عُبَادَةَ ْبنِ الصَّامِتِ (رضي اهلل عنه ) أَنَّ رَسُولَ َّ‬ ‫بِلَيْ َلةِ القَدْرِ ‪ ،‬فَتَالَحَى رَجُالَنِ ِمنَ املُسْلِمِنيَ فَقَالَ‪( :‬إِنِّي خَرَجْتُ ِلأُخْبِرَكُمْ بِلَيْ َلةِ القَدْرِ‪ ،‬وَإِنَّهُ‬ ‫تَالَحَى فُالَنٌ وَفُالَنٌ‪ ،‬فَرُفِعَتْ‪ ،‬وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ ‪ ،‬التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ‬ ‫وَاخلَمْسِ) (رواه البخاري)‪.‬‬ ‫اللهِ (صَلَّى اهللُ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ) ‪( :‬إِنِّي‬ ‫اللهِ (رضي اهلل عنهما) قَالَ‪ :‬قَالَ رَسُولُ َّ‬ ‫‪ .4‬و َعنْ جَابِرِ ْبنِ عَبْدِ َّ‬ ‫جةٌ‪ ،‬لَا‬ ‫كُنْتُ أُرِيتُ لَيْ َلةَ الْقَدْرِ ‪ ،‬ثُمَّ نُسِّيتُهَا‪ ،‬وَهِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِ ِر ِمنْ لَيْلَتِهَا ‪ ،‬وَهِيَ لَيْ َلةٌ طَلْ َقةٌ بَلْ َ‬ ‫ضحُ كَوَاكِبَهَا)(رواه ابن خزمية)‪.‬‬ ‫حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ)‪ ،‬وَزَا َد الزِّيَادِيُّ‪َ ( :‬كأَنَّ فِيهَا قَمَرًا يَفْ َ‬ ‫اللهِ‪ ،‬أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ‬ ‫‪ .5‬وعن أم املؤمنني عَائِ َشةَ (رضي اهلل عنها) أَنَّهَا قَالَتْ ‪ :‬يَا رَسُولَ َّ‬ ‫ِ ُ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي) (رواه ابن ماجه)‪.‬‬ ‫ُم إِنَّكَ عَفُ تو تُح ُّ‬ ‫الْقَدْرِ‪ ،‬مَا أَدْعُو؟ قَالَ‪( :‬تَقُولِنيَ‪ :‬اللَّه َّ‬ ‫اللهِ (صَلَّى اهللُ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ) يُجَا ِورُ‬ ‫‪ .6‬و َعنْ أم املؤمنني عَائِ َشةَ (رضي اهلل عنها) قَالَتْ‪ :‬كَانَ رَسُولُ َّ‬ ‫فِي العَشْرِ األَوَاخِرِ ِمنْ رَمَضَانَ وَيَقُولُ‪( :‬تَحَرَّوْا لَيْ َلةَ القَدْ ِر فِي العَشْرِ األَوَاخِ ِر ِمنْ رَمَضَانَ) (رواه‬ ‫البخاري) ‪.‬‬ ‫اللهُ عَنْهُمَا) أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اهللُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ‪ ( :‬التَمِسُوهَا فِي‬ ‫‪ .7‬و َعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (رَضِيَ َّ‬ ‫العَشْرِ األَوَاخِرِ ِمنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ القَدْرِ ‪ ،‬فِي تَاسِ َعةٍ تَبْقَى ‪ ،‬فِي سَابِ َعةٍ تَبْقَى‪ ،‬فِي خَامِ َسةٍ تَبْقَى)‬ ‫(رواه البخاري)‪.‬‬ ‫ثالثا‪ :‬املوضوع‪:‬‬ ‫لقد خصََّ اهلل عز وجل األمة احملمديةَ خبصائصَ عظيمةٍ وجليلةٍ ‪ ،‬وإنََّ املتأمل يف هذه‬ ‫اخلصائص جيد العَجَ َُ العُجَابَ ؛ ملا حباه اهللُ هلذه األمة عن غريِها ‪ ،‬فرسوهلا أفضل الرَُّسلِ بل‬ ‫ُمةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ َتأْمُرُونَ‬ ‫أفضل اخللق على اإلطالق ‪ ،‬وهي أفضل األُممِ ‪ ،‬قال تعاىل‪{:‬كُنتُمْ خَيْرَ أ َّ‬ ‫بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ َعنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاهللِ}[آل عمران‪ ، ]110:‬وشريعتها تتميز بالسماحة واليسر‬ ‫والرمحة ‪ ،‬وعملها وإن كان قليالً إال أن ثوابه وأجره أعظم من ثواب وأجر غريها من األمم ‪،‬‬ ‫وأعمارها وإن كانت قصرية إال أن فيها خريًا كثريًا ‪ ،‬فعوضها ربنا بليال وأزمنة وأمكنة ومناسبات‬ ‫تتضاعف فيها األجور ‪ ،‬فهي أمةٌ خمصوصةٌ ومصطفاة ‪ ،‬وذلك فضل اهلل يؤتيه من يشاء‪.‬‬


‫ ‪-3‬‬‫ومن الفضل اإلهلي والعطاء الرباني الذي اختص اهلل (عز وجل) به األمة احملمدية عن سائر‬ ‫األمم أن تفضل عليها بليلة واحدة يف العام ‪ ،‬وضعت عبادتها يف كفة ‪ ،‬وعبادة ألف شهر ‪ ،‬أي ما‬ ‫يساوي ثالثًا ومثانني سنة وأربعة أشهر من عمر اإلنسان يف كفة أخرى ‪ ،‬فرجحت كفة عبادة ليلة‬ ‫القدر ‪ ،‬من قامها مبتغيًا بقيامه وجه اهلل حمتسبًا األجر والثواب من اهلل وحده غفر اهلل ذنبه وسرت عيبه‬ ‫وأعلى قدره وفتح له أبواب رمحته ورضوانه ‪ ،‬إنها ليلة القدر اليت يتجلى فيها أعلى مظاهر الفيض‬ ‫والكرم اإلهلي‪ ،‬قال تعاىل‪{ :‬إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْ َلةِ القَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْ َلةُ القَدْرِ* لَيْ َلةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ‬ ‫كةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ِبإِذْنِ رَبِّهِمْ ِمنْ كُلِّ أَمْرٍ* سَالَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ}[سورة‬ ‫َزلُ املَالَئِ َ‬ ‫أَلْفِ شَهْرٍ* تَن َّ‬ ‫القدر] ‪ ،‬والقدر هو الشرف والعز والكرامة ‪ ،‬يقال‪ :‬فالن ذو قدر أي‪ :‬ذو شرف ومكانة ‪ ،‬وهي كذلك‬ ‫ليلة القدر ملا هلا من الشرف واملكانة بني بقية الليالي ‪ ،‬فقد أنزل اهلل فيها كتابًا ذا قدر على نيب ذي‬ ‫قدر بواسطة ملك ذي قدر ليكون منهجا ألمة ذات قدر ‪.‬‬ ‫وليلة القدر من التقدير ‪ ،‬يقدِّر اهلل فيها أعمال العباد يف السنة من الليلة إىل مثلها من العام‬ ‫القادم من حياة وموت ‪،‬ورزق‪ ،‬وسعادة‪ ،‬وشقاء‪ ،‬وغري ذلك ‪ ،‬قال تعاىل‪{:‬إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْ َلةٍ مُبَارَ َك ٍة إِنَّا‬ ‫ُل أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا ِمنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِنيَ}[الدخان‪.]5 -3:‬‬ ‫كُنَّا مُنْذِرِينَ* فِيهَا يُفْ َرقُ ك ُّ‬ ‫وقد خص اهلل (عز وجل) هذه الليلة املباركة مبزيد فضله وعظيم كرمه بعدة خصائص منها‪:‬‬ ‫نزول القرآن الكريم فيها‪ :‬قال تعاىل‪{ :‬إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْ َلةِ الْقَدْ ِر} [القدر‪ ، ]1 :‬وكانت بداية هذا‬ ‫النزول يف هذه الليلة املباركة ‪ ،‬قال ابن عباس (رضي اهلل عنهما)‪ :‬أُنْزِل الْقُرْآنُ جُمْ َلةً وَاحِدَةً مِنَ‬ ‫اللَّ ْوحِ الْمَحْفُوظِ فِي لَيْ َلةِ الْقَدْرِ ِمنْ شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا‪ ،‬ثُمَّ نَ َزلَ ِبهِ جِبْرِيلُ‬ ‫اللهُ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ) نُجُومًا فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَ​َنةً ) (معامل التنزيل‬ ‫اللهِ (صَلَّى َّ‬ ‫(عَلَ ْيهِ السَّلَامُ) عَلَى رَسُولِ َّ‬ ‫للبغوي) ‪ ،‬وأول ما نزل الوحي على رسول اهلل (صلى اهلل عليه وسلم) كان يف رمضان حيث التقت‬ ‫األرض بالسماء وتلقت األرض أنوار السماء وبركاتها يف هذه الليلة املباركة ليلة القدر ‪ ،‬ف َعنْ أم‬ ‫اللهِ (صَلَّى اهللُ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ) مِنَ‬ ‫َولُ مَا بُدِئَ ِبهِ رَسُولُ َّ‬ ‫املؤمنني عَائِ َشةَ (رضي اهلل عنها) أَنَّهَا قَالَتْ‪ :‬أ َّ‬ ‫ق الصُّ ْبحِ‪ ،‬ثُمَّ حُبِّ َُ إِلَ ْيهِ اخلَالَءُ‪،‬‬ ‫حةُ فِي النَّوْمِ‪ ،‬فَكَانَ الَ يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِ ْثلَ فَلَ ِ‬ ‫الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِ َ‬ ‫وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ ‪ -‬وَهُوَ التَّعَبُّدُ ‪ -‬اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَ ْبلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْ ِلهِ‪،‬‬ ‫جيةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا‪ ،‬حَتَّى جَاءَهُ احلَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ‪ ،‬فَجَاءَهُ‬ ‫وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ‪ ،‬ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِ َ‬ ‫املَلَكُ فَقَالَ‪ :‬اقْرَأْ‪ ،‬قَالَ‪( :‬مَا أَنَا بِقَارِئٍ)‪ ،‬قَالَ‪َ ( :‬فأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي اجلَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي‪،‬‬ ‫فَقَالَ‪ :‬اقْرَأْ‪ ،‬قُلْتُ‪ :‬مَا أَنَا بِقَارِئٍ‪َ ،‬فأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانَِيةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي اجلَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي‪ ،‬فَقَالَ‪ :‬اقْرَأْ‪،‬‬


‫ ‪-4‬‬‫فَقُلْتُ‪( :‬مَا أَنَا بِقَارِئٍ)‪َ ،‬فأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالَِثةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي‪ ،‬فَقَالَ‪{ :‬اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَ َلقَ* خَلَقَ‬ ‫اللهِ (صَلَّى اهللُ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ)‬ ‫اإلِنْسَانَ ِمنْ عَ َلقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ األَكْرَمُ} [العلق‪ ]3-1 :‬فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ َّ‬ ‫اللهُ عَنْهَا)‪ ،‬فَقَالَ‪ ( :‬زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) فَزَمَّلُوهُ‬ ‫جيةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ (رَضِيَ َّ‬ ‫خلَ عَلَى خَدِ َ‬ ‫يَرْجُفُ فُؤَادُهُ‪ ،‬فَدَ َ‬ ‫جيةَ وَأَخْبَرَهَا اخلَبَرَ‪( :‬لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي) فَقَالَتْ خَدِجيَةُ‪ :‬كَلَّا‬ ‫حَتَّى ذَهَ َُ عَ ْنهُ الرَّوْعُ‪ ،‬فَقَالَ لِخَدِ َ‬ ‫صلُ الرَّحِمَ‪ ،‬وَتَحْ ِملُ الكَلَّ‪ ،‬وَتَكْسِ ُ​ُ املَعْدُومَ‪ ،‬وَتَقْرِي الضَّيْفَ‪،‬‬ ‫اللهُ أَبَدًا‪ ،‬إِنَّكَ لَتَ ِ‬ ‫َاللهِ مَا يُخْزِيكَ َّ‬ ‫و َّ‬ ‫ ُ احلَقِّ‪( )....‬رواه البخاري)‪.‬‬ ‫وَتُ ِعنيُ عَلَى نَوَائِ ِ‬ ‫ومنها‪ :‬وصفها أنها ليلة مباركة‪ :‬قال تعاىل‪{:‬إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْ َلةٍ مُبَارَ َكةٍ}[الدخان‪ ]3 :‬ومن مظاهر‬ ‫ِي‬ ‫بركتها أن اهلل عز وجل يغفر ملن قامها إميانا واحتسابًا ‪ ،‬ف َعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي اهلل عنه) أن النَّب َّ‬ ‫(صَلَّى اهللُ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ) قَالَ‪َ ( :‬منْ صَامَ رَمَضَانَ إِميَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ ِمنْ ذَنْ ِبهِ‪ ،‬وَ َمنْ قَامَ لَيْ َلةَ‬ ‫الْقَدْرِ إِميَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ َلهُ مَا تَقَدَّمَ ِمنْ ذَنْ ِبهِ)(رواه البخاري)‪ .‬ومن حرم بركتها فهو احملروم‪َ ،‬عنْ‬ ‫اللهِ (صَلَّى اهللُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)‪ ( :‬إِنَّ هَذَا‬ ‫خلَ رَمَضَانُ‪ ،‬فَقَالَ رَسُولُ َّ‬ ‫أَنَسِ ْبنِ مَالِكٍ(رضي اهلل عنه) قَالَ دَ َ‬ ‫الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ‪ ،‬وَفِيهِ لَيْ َلةٌ خَيْرٌ ِمنْ أَلْفِ شَهْرٍ‪َ ،‬منْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ ك َُّلهُ‪ ،‬وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا‬ ‫مَحْرُومٌ)(رواه ابن ماجه)‪.‬‬ ‫ومنها‪ :‬أن عبادتها أفضل من عبادة ألف شهر ‪ ،‬فعن مُجَاهِدٍ (رضي اهلل عنه) أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اهللُ‬ ‫ل اهللِ أَلْفَ شَهْ ٍر قَالَ‪ :‬فَعَجِ َُ الْمُسْلِمُونَ‬ ‫عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ) ذَكَرَ رَجُلًا ِمنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَبِسَ السِّلَاحَ فِي سَبِي ِ‬ ‫درِ‬ ‫ِمنْ ذَلِكَ قَالَ‪َ :‬فأَنْ َزلَ اهللُ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْ َلةِ الْقَدْ ِر * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْ َلةُ الْقَدْرِ * لَيْ َلةُ الْقَ ْ‬ ‫خَيْرٌ ِّمنْ أَلْفِ شَهْرٍ}‪ ،‬فعبادة ليلة بإخالص تفوق على محل السالح ألف شهر ‪ .‬والعدد هنا ال يقصد‬ ‫منه التحديد بل املقصود منه الكثرة حتى جيتهد الناس يف طل ُ هذه الليلة‪.‬‬ ‫ومنها‪ :‬نزول املالئكة ومعهم جربيل (عليه السالم)‪ :‬فيملؤون األرض نورًا ومجاالً وسكينة يف هذه‬ ‫ن رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ}أَي‪ :‬تتنزل فيها‬ ‫كةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ِبإِذْ ِ‬ ‫َزلُ الْمَلَائِ َ‬ ‫الليلة املباركة ‪ ،‬قال تعاىل‪{ :‬تَن َّ‬ ‫املالئكة من كل مساءِ إِىل األَرض ‪ ،‬أَو إِىل السماء الدنيا ‪ ،‬مع الربكة والرمحة‪ .‬وينزل معها الروح‬ ‫وهو جربيل (عليه السالم) كما قال اجلمهور ‪ ،‬وخص بالذكر لزيادة شرفه ‪ ،‬وعلو قدره فضالً على أَنه‬

‫النازل بالذكر (التفسير الوسيط للقرآن الكريم)‪.‬‬ ‫ومنها‪ :‬أنها ليلة أمن وأمان ‪ ،‬وسالمة وسالم من بدايتها حتى مطلع الفجر‪ ،‬قال تعاىل‪{ :‬سَالمٌ‬ ‫هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} وجاءت لفظة (سَالمٌ) منكرة لتفيد العموم ‪ ،‬وقدمها على امسها (هِيَ) لتفيد‬ ‫االختصاص أَيْ‪ :‬مَا هِيَ إِلَّا سَلَامٌ ‪ ،‬ويف ذلك دعوة لنشر السالم يف األرض يف هذه الليلة املباركة‬


‫ ‪-5‬‬‫وغريها من الليالي ‪ ،‬فنشر السالم يعم اخلري ‪ ،‬والبعد عنه جيل ُ كل شر وميحق الربكات ‪ ،‬وبسب ُ‬ ‫البعد عن السالم واإلقبال على النزاع واخلالف حُرِم املسلمون بركة حتديدها ‪ ،‬ف َعنْ عُبَادَةَ بْنِ‬ ‫اللهِ (صَلَّى اهللُ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ) خَ َرجَ يُخْبِرُ بِلَيْ َلةِ القَدْرِ ‪ ،‬فَتَالَحَى‬ ‫الصَّامِتِ (رضي اهلل عنه) أَنَّ رَسُولَ َّ‬ ‫ِنهُ تَالَحَى فُالَنٌ وَفُالَنٌ ‪ ،‬فَرُفِعَتْ ‪،‬‬ ‫رَجُالَنِ ِمنَ املُسْلِمِنيَ فَقَالَ‪( :‬إِنِّي خَرَجْتُ ِلأُخْبِرَكُمْ بِلَيْ َلةِ القَدْرِ‪ ،‬وَإ َّ‬ ‫وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ‪ ،‬التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَاخلَمْسِ) (رواه البخاري)‪ .‬ومعنى تالحى‪:‬‬ ‫أي‪ :‬ختاصما‪ ،‬فبسب ُ هذه اخلصومة واخلالف حُرمت األمة اخلري الكثري‪ ،‬ولكن لعل يف إخفائها‬ ‫اخلري كما قال النيب (صلى اهلل عليه وسلم) ‪( :‬وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ) ‪ ،‬وذلك حتى يداوم العبد‬ ‫على االجتهاد طوال العشر دون االقتصار على ليلة واحدة فقط ‪.‬‬ ‫ليلة بهذا الفضل وبهذه الكرامة حري بكل مسلم أن يلتمسها ‪ ،‬فهي كاجلوهرة الثمينة اليت‬ ‫يسعى يف طلبها من يريد اخلري لنفسه ‪ ،‬وهذا ما أكده النيب (صلى اهلل عليه وسلم) وهو املغفور له ما‬ ‫تقدم من ذنبه وما تأخر ‪ ،‬ومع هذا حتراها حبثًا عن بركتها ‪ ،‬فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رَضِيَ اهللُ عَ ْنهُ)‬ ‫ف الْعَشْ َر اْلأَوْسَطَ‪،‬‬ ‫ُم اعْتَكَ َ‬ ‫َولَ ِمنْ رَمَضَانَ‪ ،‬ث َّ‬ ‫قَالَ‪ :‬إِنَّ رَسُولَ اهللِ (صَلَّى اهللُ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ) اعْتَكَفَ الْعَشْرَ اْلأ َّ‬ ‫ِيةٍ عَلَى سُدَّتِهَا حَصِريٌ ‪ ،‬قَالَ‪َ :‬فأَخَذَ الْحَصِريَ بِيَدِهِ فَنَحَّاهَا فِي نَاحَِيةِ الْق َُّبةِ ‪ ،‬ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ‬ ‫فِي ق َُّبةٍ تُرْك َّ‬ ‫ُم اعْتَكَفْتُ الْعَ ْشرَ‬ ‫َولَ‪ ،‬أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ‪ ،‬ث َّ‬ ‫فَكَلَّمَ النَّاسَ ‪ ،‬فَدَنَوْا مِ ْنهُ ‪ ،‬فَقَالَ‪ ( :‬إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ اْلأ َّ‬ ‫اْلأَوْسَطَ‪ ،‬ثُمَّ أُتِيتُ‪ ،‬فَقِيلَ لِي‪ :‬إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ اْلأَوَاخِرِ ‪ ،‬فَ َمنْ أَحَ َُّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ)‪،‬‬ ‫ني وَمَاءٍ) َفأَصَْبحَ ِمنْ لَيْلَةِ‬ ‫فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَ َعهُ‪ ،‬قَالَ‪( :‬وَإِنِّي أُرِيتُهَا لَيْ َلةَ وِتْرٍ ‪ ،‬وَإِنِّي أَسْجُدُ صَبِيحَتَهَا فِي طِ ٍ‬ ‫إِحْدَى وَعِشْرِينَ ‪ ،‬وَقَدْ قَامَ إِلَى الصُّ ْبحِ‪ ،‬فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ‪ ،‬فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ‪َ ،‬فأَبْصَرْتُ الطِّنيَ وَالْمَاءَ‪،‬‬ ‫فَخَ َرجَ حِنيَ فَرَغَ ِمنْ صَلَاةِ الصُّ ْبحِ‪ ،‬وَجَبِي ُنهُ وَرَوَْثةُ أَنْ ِفهِ فِيهِمَا الطِّنيُ وَالْمَاءُ‪ ،‬وَإِذَا هِيَ لَيْ َلةُ إِحْدَى‬ ‫ن الْعَشْ ِر اْلأَوَاخِرِ) (رواه مسلم)‪.‬‬ ‫وَعِشْرِينَ ِم َ‬ ‫بل إن النيب (صلى اهلل عليه وسلم) أمر األمة أن تتحرى هذه الليلة ملا فيها من العطاء‬ ‫اللهِ (صَلَّى اهللُ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ ) يُجَاوِرُ فِي‬ ‫والكرم االهلي ‪ ،‬ف َعنْ عَائِ َشةَ (رضي اهلل عنها) قَالَتْ‪ :‬كَانَ رَسُولُ َّ‬ ‫العَشْرِ األَوَاخِرِ ِمنْ رَمَضَانَ وَيَقُولُ‪ ( :‬تَحَرَّوْا لَيْ َلةَ القَدْرِ فِي العَشْ ِر األَوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ) (رواه البخاري)‪،‬‬ ‫خرِ‬ ‫اللهُ عَنْهُمَا) أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اهللُ عَلَ ْيهِ وَسَلَّمَ) قَالَ‪( :‬التَمِسُوهَا فِي العَشْرِ األَوَا ِ‬ ‫و َعنِ ا ْبنِ عَبَّاسٍ (رَضِيَ َّ‬ ‫ن لَيْ َلةَ القَدْرِ‪ ،‬فِي تَاسِ َع ٍة تَبْقَى‪ ،‬فِي سَابِ َع ٍة تَبْقَى‪ ،‬فِي خَامِ َس ٍة تَبْقَى) (رواه البخاري)‪.‬‬ ‫ن رَمَضَا َ‬ ‫ِم ْ‬


‫ ‪-6‬‬‫فأمر النيب (صلى اهلل عليه وسلم) بتحري هذه الليلة يف العشر األواخر ثم خص من العشر‬ ‫الليالي الوتر منها ‪ ،‬ومل حيددها بليلة حمددة ‪ ،‬ليجتهد العباد يف طلبها ‪ ،‬وجيدَّوا يف العبادة ‪ ،‬وحتى‬ ‫يظل األمل موجودا عند العباد يف فضل اهلل وكرمه وعفوه ومنته‪.‬‬ ‫ولقد فطن الصحابة (رضوان اهلل عليهم) لعظم مكانة هذه الليلة فتسابقوا باخلريات طمعًا يف‬ ‫ثوابها ‪ ،‬وتوجهوا إىل الرسول (صلى اهلل عليه وسلم) بالسؤال عن الدعاء املستح ُ يف هذه الليلة ‪،‬‬ ‫اللهِ‪ ،‬أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْ َلةَ الْقَدْرِ‪ ،‬مَا‬ ‫فعن أم املؤمنني عَائِ َشةَ (رضي اهلل عنها) أَنَّهَا قَالَتْ‪ :‬يَا رَسُولَ َّ‬ ‫أَدْعُو؟ قَالَ‪( :‬تَقُولِنيَ‪ :‬اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوت تُحِ ُ​ُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي) (رواه ابن ماجه) ‪ ،‬فهي ليلة يغفر احلق‬ ‫سبحانه فيها الذنوب‪.‬‬ ‫فليتسابق املسلمون إىل الرمحة والعفو يف هذه الليلة املباركة ‪ ،‬ويتخذوا منها عهدا جديدا‬ ‫لتجديد التوبة ولزوم االستغفار والعمل اجلاد املثمر ‪ ،‬وإعادة بناء النفس وتقوميها من جديد على‬ ‫الطاعة واإلخالص وحسن الصلة باهلل عز وجل ‪ ،‬قال تعاىل{‪..‬فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ‪[ }..‬البقرة‪، ]148 :‬‬ ‫ض أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ‬ ‫َنةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَاألرْ ِ‬ ‫وقال جل شأنه‪{ :‬سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ ِمنْ رَبِّكُمْ وَج َّ‬ ‫ضلِ الْعَظِيمِ}[الْحَدِيدِ‪ ، ]22:‬ولنتاجر مع‬ ‫َاللهُ ذُو الْفَ ْ‬ ‫اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ و َّ‬ ‫ضلُ َّ‬ ‫ِاللهِ وَرُسُ ِلهِ ذَلِكَ فَ ْ‬ ‫آمَنُوا ب َّ‬ ‫اهلل عز وجل بكل عمل صاحل كصلة األرحام واحملافظة على أعراض الناس وأمواهلم ودمائهم ‪،‬‬ ‫واحلرص على حتقيق السالم واألمان مبا يعود بالنفع على الفرد والوطن ‪.‬‬ ‫ومن كان قد أسرف على نفسه باملعاصي والذنوب فليت ُ إىل الرب التواب جل جالله ‪ ،‬وليعلم‬ ‫أن اهلل عز وجل بابه مفتوح ‪ ،‬ينادي على عباده املؤمنني بقوله ‪ُ { :‬قلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى‬ ‫أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا ِمنْ رَحْ َمةِ اهللِ إِنَّ اهللَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر‪ ، ]53 :‬فاملؤمن الفطن يعلم أن‬ ‫أنفاسه معدودة وساعات إقامته يف الدنيا حمدودة ‪ ،‬ويعلم علم اليقني أن احلياة فرص من اغتنمها‬ ‫فاز وسعد ‪ ،‬ومن ضيعها خاب وخسر ‪ ،‬وال توجد فرصة يف العمر كفرصة ليلة القدر فلنغتنمها حتى ننال‬ ‫بركتها‪.‬‬ ‫وإذا كنا نتعرض لرمحة اهلل تعاىل حبق فعلينا أن نرتاحم فيما بيننا ‪ ،‬فمن ال يرحم ال يرحم ‪،‬‬ ‫والرامحون يرمحهم الرمحن ‪ ،‬وليس الرتاحم مبجرد كلمة أو سالم ‪ ،‬إمنا الرتاحم سلوك ‪ ،‬إذ إن‬ ‫الرتاحم يستوج ُ التعاون والتكافل ‪ ،‬وأن يأخذ قوينا بيد ضعيفنا ‪ ،‬وغنينا بيد فقرينا ‪ ،‬وها حنن‬ ‫مقبلون على عيد مبارك ينبغي أن نوسع فيه على الفقراء ‪ ،‬وأن نغنيهم عن السؤال يف هذا اليوم ‪،‬‬ ‫وأن خنرج صدقة الفطر إىل مستحقيها ‪ ،‬ومن كان ذا سعة زاد يف الصدقة والرب والصلة ‪ ،‬موقنًا بأن ما‬


‫ ‪-7‬‬‫أنفق من خري فإن اهلل (عز وجل) سيخلفه ويضاعفه ‪ ،‬حيث يقول احلق سبحانه ‪{ :‬مَ​َثلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ‬ ‫َاللهُ يُضَاعِفُ لِ َمنْ يَشَاءُ‬ ‫َبةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَاِبلَ فِي كُلِّ سُنْبُ َلةٍ مِاَئةُ حَبَّةٍ و َّ‬ ‫اللهِ كَمَ​َثلِ ح َّ‬ ‫أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ َّ‬ ‫َاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}[البقرة ‪. ]261:‬‬ ‫و َّ‬


Turn static files into dynamic content formats.

Create a flipbook
7201618473127835521 by اليوم السابع - Issuu