من فساد الحكم إلي نهب القتصاد ..مصر ضحية فقر وعنف المعلومات كتب/جمال محمد غيطاس 259
في سلسلة مقالت نشرت بهذه الصفحة خلل يناير ,2008تناولت ظاهرة عنف المعلومات التي تمارسها الحكومة ضد المجتمع والمواطنين ,ثم أصدرتها في كتاب بعد ذلك ,وتحدث في هذه .المقالت عن العلقة الوطيدة بين ظاهرتي الفساد وعنف المعلومات
وها هي ثورة يناير تكشف النقاب عن أبعاد مهولة لظاهرة الفساد ,جميعها يؤكد أن انحراف الذمة وهوس الستئثار بالمال والسلطة ل يمكنهما وحدهما إفساد الحكم ونهب القتصاد علي النحو المروع الذي تتكشف أبعاده يوما بعد آخر ,بل لبد لهما من ساحات واسعة مظلمة ,يصول فيها أصحاب هذه النفوس ويجولون دون أن تعلم المة ماذا يفعلون وماذا يأخذون وكم من الموال يكدسون ,وكم من الراضي ينهبون وكم من النفس يعذبون ويقتلون ,مساحات غير مرئية, المعلومات فيها معتقلة ومحجوبة ومشوهة وفقيرة وعنيفة ,تجعل من السهل علي الذمم المنحرفة .والنفوس المهووسة بالمال والسلطة أن تتغول وتستأسد علي البلد والعباد والمتأمل لقضايا ووقائع الفساد الجاري التحقيق فيها الن يجد أن بينها قاسما مشتركا هو أن هذه القضايا تغذت بصورة أو بأخري علي حالة عنف المعلومات التي مارسها النظام السابق ضد الشعب ومواطنيه ,وتوضيح ذلك يقتضي الشارة سريعا إلي معني العنف في صورته العامة ,ثم معني عنف .المعلومات بصورته المحددة إن أبسط تعريفات العنف تقول أنه كل استخدام للقوه بطريقة غير شرعية وغير مبررة من قبل .طرف ضد آخر ينجم عنه أذي أو ضرر بشكل دائم ومستمر أو لمرة واحدة وكما هو معروف فإنه بالمكان استخدام المعلومات للضرار وإلحاق الذي بالفرد أو المؤسسة أو المجتمع ككل ,وانطلقا من ذلك فإن عنف المعلومات يقصد به كل استخدام للقوه بطريقة غير شرعية وغير مبررة من قبل طرف ما ,من شأنه أن يحجب أو يتلعب أو يضر بسلمة أو جودة أو صحة أو إتاحة المعلومات أو توقيتات الوصول إليها ,ويقع بسببه أذي أو ضرر بشكل دائم ومستمر أو لمرة واحدة علي من يحتاج هذه المعلومات أو يستهلكها أو يستخدمها في اتخاذ قرار أو يستفيد منها .في قضاء حاجة وتتخذ القوة هنا ثلثة أشكال :الشكل الول القوة الناجمة عن امتلك المعلومات والقدرة علي حجبها كما هو الحال في الجهات المالكة للمعلومات وقواعد بياناتها ,والشكل الثاني هو القوة الناجمة عن امتلك أدوات توليد المعلومات ونشرها كما هو الحال مع أجهزة العلم وغيرها ,والشكل الثالث هو القوة الناجمة عن امتلك أدوات التلعب في المعلومات وتخريبها وسرقتها وإفسادها كما هو الحال
.مع جرائم المعلومات ومحترفيها ولو طبقنا هذا التعريف علي قضايا الفساد والفساد الجاري المحاكمات بشأنها الن ,سنجد أنها جميعا تغذت بصورة أو بأخري علي درجة من درجات عنف المعلومات الذي مارسته البيروقراطية وأجهزة وقيادات النظام السابق ,الذين امتلكوا المعلومات واحتكروها وتحكموا في إتاحتها وحجبها طبقا للهواء ,وبسوء الدارة والنتقاص والعتقال والبطاء والمتاجرة فحدث هذا القدر المهول من .الفساد فعلي نطاق المجتمع العام نجد أن الجداول النتخابية في عهد النظام السابق تقدم نموذجا حيا لحالة عنف المعلومات الناشئة عن عدم العتداد بحق الجماهير في الحصول علي المعلومات والتراخي في إعداد المعلومات وتركها عرضة للنقص والتشويه وتدني الجودة ,ويمكننا القول أن المحتوي المعلوماتي المتعلق بالعملية النتخابية في مصر تعرض لعمليات تشويه وإفساد عميقة ومستمرة منذ سنوات طويلة ,نجم عنها أضرار وأذي لمليين الناخبين وللمجتمع ككل ,وهي أضرار كانت تبدأ بالممارسات والسلوكيات العنيفة أثناء النتخابات سواء من جانب السلطة أو بعض الناخبين أو جماعات البلطجة وتجار وسماسرة النتخابات وتنتهي بتزييف إرادة الناخبين وإفراز نتائج تزيد من الحتقان السياسي وتعمق حالة فقدان الثقة بين الشعب والحكومة والنظام ,المر الذي يسهم .بصورة أو بأخري في رفع مستوي العنف المادي بالمجتمع سواء بشكل مباشر أو غير مباشر وفي قضية الراضي والعقارات المنهوبة ,نشأت ملفات الفساد التي تطال الكبار في الظلم, واستمرت في الظلم لسنوات طويلة ,دون أن تتاح للمجتمع فرصة التقاط وجمع المعلومات المتعلقة بقوائم من حصلوا علي الراضي التي تحدث الرئيس السابق بنفسه ذات يوم عن تسقيعها والمتاجرة فيها ,وتواريخ حصولهم عليها ومواقع هذه الراضي ومستوي أسعارها في توقيت الحصول عليها وأسعارها الحالية أو السعار عند بيعها والتصرف فيها ,وحجم التصرفات بالبيع في هذه الراضي ومسار التصرف ولمن ذهبت الراضي بعد تسقيعها ,وكم بلغت فروق السعار وكم خسرت الخزانة العامة ,وكم كسب من قاموا بالتسقيع ,ومضي الرئيس ونظامه مخلفا ورائه تركة ثقيلة مفزعة ناجمة عن زواج خبيث للمال مع السلطة تحت جنح االظلم المعلوماتي ,وحينما بدأت التحقيقات والمحاكمات بعد الثورة ,ظهرت المعلومات المحجوبة التي كشفت للجميع القدر المهول .من التجاوزات التي اقترفها النظام السابق وأركانه في قضية الراضي والعقارات وفي حادث غرق العبارة السلم أقدم النظام السابق علي عملية حجب عنيفة للمعلومات ,ليس فقط بعد وقوع الحادث وإنما قبل ذلك بكثير ,بدءا من المعلومات الساسية عن العبارة منذ لحظة شرائها ثم وصولها للمياه القليمية المصرية ثم التفتيش عليها ومراجعتها والتصريح لها بالعمل والبحار ,فالمجتمع المصري ل يعرف حتي هذه اللحظة أين هي هذه المعلومات ,ومن حصل عليها وهل احتفظ بها لنفسه أم قام بتمريرها للجهة المعنية ,وهل كانت هذه المعلومات دقيقة أم مضللة, وحينما وصلت للجهات المسئولة ماذا فعلت بها هل قامت باعتقالها وتخزينها أم تجاهلتها أم تعاملت معها كما ينبغي؟ وفي ملبسات هذه القضية اتضح أنه حينما توافرت بعض المعلومات حول العبارة لم تقم الجهات المعنية بترجمتها وتفعليها في صورة قرارات علي الرض تنقذ رؤوس البرياء من الموت ,بل قام أركان النظام السابق باعتقالها وحجبها عن العيون والتغاضي عنها ,فالواضح مما نشر عقب الحادث أنه كان لدي الهيئات المعنية معلومات غزيرة مؤكدة عن تهالك العبارة وتقادمها وسوء إمكاناتها وانتهاء عمرها الفتراضي وعدم كفاءة أجهزة السلمة عليها ,لكن ما حدث أن هذه المعلومات اعتقلت وحجبت وأهملت تحت وطأة زواج المال بالسلطة ,فقد نشرت إحدي الصحف معلومة تقول أن وزير النقل الذي كان موجودا قبل وقوقع الحادث أجري تغييرا في بعض اللوائح والقوانين بما يسمح لهذه العبارة وغيرها بالعمل ,وهذه المعلومة بالذات تؤكد أن المعلومات التي توفرت لدي الجهات المعنية جري توظيفها عمليا بشكل عكسي ,أي استخدمت المعلومة في لي ذراع اللوائح لتتلءم مع حالة العبارة ,بدل من استخدامها في إخراج العبارة من الخدمة ,وتم ذلك تحت جنح الظلم المعلوماتي الذي مارسه النظام ضد الشعب ,وكانت النتيجة الدفع بحوالي 1200شخص إلي .قاع البحر وفي قضية المبيدات المسرطنة واجه المجتمع خطرا صحيا وبيئيا وتنمويا عاتيا لم تنته آثاره حتي اليوم ,ومع ذلك لم تكن هناك آلية تضمن للمجتمع الوصول إلي الوثائق الحقيقية المتعلقة بالقضية
من داخل وزارة الزراعة وأجهزة الدولة الخري ,ففي ذروة التناول العلمي والمجتمعي للزمة لم ينشر مثل نص قرار إلغاء لجنة المبيدات الذي سمح للمبيدات الفاسدة بالدخول ول حيثيات صدوره وظل نص القرار معلومة محجوبة عن النشر ,ولم ينجح المجتمع حتي هذه اللحظة في معرفة العداد الدقيقة والحقيقية للمبيدات التي دخلت البلد بصورة مخالفة ومتي ,وأسماء من وقعوا علي أمر استيرادها ,والخطر من ذلك أنه ل توجد معلومات أو وثائق ترسم خريطة واضحة لمسار هذه المبيدات بعد دخولها منذ لحظة خروجها من الموانيء وحتي رشها في الرض ,ومن الذين تداولوها وما المحاصيل التي استخدمت فيها ومتي ,والمواقع الجغرافية التي وصلتها هذه المبيدات ونسب الستخدام في كل منطقة ,ونسب بقاياها في التربة والمحاصيل والخضروات والفاكهة ,وغيرها من المعلومات التي كان النظام السابق عنيفا للغاية في التعامل معها بحكم سيطرته علي المعلومات .والتحكم فيها وإذا كان عنف المعلومات في قضية الراضي والعقارات والمبيدات وغيرها قد قام علي الشح والفقار والحجب ,فإن النظام استخدم تكتيكا مغايرا قام علي العنف بالغراق والفراط المعلوماتي الغث في مجالت أخري ,جيث لجأ مثل إلي تعريض البلد إلي فيض من العلم الدعائي الحتفالي, ساد في السياسة والقتصاد والفن وغيرها ,وكان الهدف منه إغراق عقول المتلقين بمعلومات زائدة باطشة ,تفقدهم القدرة علي تحديد التجاه ,كما استخدم هذا الفيض المعلوماتي في إذكاء حالة الصراخ العلمي القائم علي محتوي سماعي وإشاعات غير موثقة ضد فئات وشرائح بعينها ,مما أفرز عنف معلومات أهوج ,هيج نسيج المجتمع وجعل بعضه في مرمي لسعات بعضه الخر بشكل .عبثي غير مبرر خلصة القول أن مرحلة ما قبل 25يناير ــ بنظمها وقادتها ومسئوليها ــ قد برعت في إظلم مصر وإفقارها معلوماتيا إلي الدرجة التي تحول فيها فقر المعلومات إلي وقود لعمليات فساد واسعة النطاق ,خلفت ورائها عنفا سلوكيا وماديا بالمجتمع ,يعلم الله وحده كيف ومتي نتجاوز شروره ومخاطره ,وهو ما يجعلنا ننبه من الن إلي ضرورة تضمين الدستور الجديد مادة أو مواد تنص صراحة علي أن الحصول علي المعلومات وضمان انسيابها وتداولها بشفافية حق من حقوق المواطنة العليا, يتعين احترامه لصون حقوق النسان وتعضيد العدالة والمساواة وإفساح المجال نحو بيئة اقتصادية .استثمارية شفافة وآمنة ومستقرة ..وهذا حديث آخر