هل نحارب طواحين الهواء..؟! بقلم علء السواني on Tuesday, May 31, 2011 at 1:55pmشبكة رصد | by R.N.N
لقد عاش المسلمون أزهى عصورهم وحكموا العالم وأبدعوا حضارتهم العظيمة عندما كانوا« يعيشون فى ظل الخلفة السلمية التى تحكم بشريعة الله ..فى العصر الحديث نجح الستعمار فى إسقاط الخلفة وتلويث عقول المسلمين بالفكار الغربية ،عندئذ تدهورت أحوالهم وتعرضوا إلى ..».الضعف والتخلف ..الحل الوحيد لنهضة المسلمين هو استعادة الخلفة السلمية كثيرا ما استمعت إلى هذه الجملة من بعض خطباء المساجد وأعضاء الجماعات السلمية ،ول شك أن كثيرين فى مصر والعالم العربى يؤمنون بصحة هذه المقولة مما يجعل من الواجب مناقشتها.. الحقيقة أن السلم قدم فعل ً حضارة عظيمة للعالم ،فعلى مدى قرون نبغ المسلمون وتفوقوا فى المجالت النسانية كلها بدءا من الفن والفلسفة وحتى الكيمياء والجبر والهندسة ..أذكر أننى كنت أدرس الدب السبانى فى مدريد ،وكان الستاذ يدرسنا تاريخ الندلس ،وفى بداية المحاضرة عرف :أن هناك ثلثة طلبة عرب فى الفصل فابتسم وقال لنا ..».يجب أن تفخروا بما أنجزه أجدادكم من حضارة فى الندلس - الجزء الول من الجملة عن عظمة الحضارة السلمية صحيح تماما ..المشكلة فى الجزء الثانى ..هل كانت الدول السلمية المتعاقبة تطبق مبادئ السلم سواء فى طريقة توليها الحكم أو تداولها !..السلطة أو معاملتها للرعية..؟ إن قراءة التاريخ السلمى تحمل لنا إجابة مختلفة ..فبعد وفاة الرسول »صلى الله عليه وسلم« لم يعرف العالم السلمى الحكم الرشيد العادل ال لمدة 31عاما ،هى مجموع فترات حكم الخلفاء الراشدين الربعة :أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب ..الذين حكموا جميعا لمدة 29عاما ) 11هـ40 -هـ( .ثم الخليفة الموى عمر بن عبدالعزيز الذى حكم لفترة عامين )99هـ101 -هـ( 31 ..عاما فقط من 14قرنا من الزمان ،كان الحكم خللها عادل ً رشيدا ً نقيا متوافقا مع مبادئ السلم الحقيقية .أما بقية التاريخ السلمى فإن نظام الحكم فيه لم يكن متفقا قط مع مبادئ الدين ..حتى خلل الـ 31عاما الفضل حدثت مخالفات من الخليفة عثمان بن عفان، الذى لم يعدل بين المسلمين وآثر أقاربه بالمناصب والعطايا ،فثار عليه الناس وقتلوه ،ولم يكتفوا ..بذلك بل هاجموا جنازته وأخرجوا جثته واعتدوا عليها حتى تهشم أحد أضلعه وهو ميت ثم جاءت الفتنة الكبرى التى قسمت المسلمين إلى ثلث فرق )أهل سنة وشيعة وخوارج( ،وانتهت بمقتل على بن أبى طالب ،وهو من أعظم المسلمين وأفقههم وأقربهم للرسول )صلى الله عليه وسلم( على يد أحد الخوارج وهو عبدالرحمن بن ملجم .ثم أقام معاوية بن سفيان حكما استبداديا دمويا أخذ فيه البيعة من الناس كرها ً لبنه يزيد من بعده ليقضى إلى البد على حق المسلمين فى اختيار من يحكمهم ويحيل الحكم من وظيفة لقامة العدل إلى ملك عضوض )يعض عليه بالنواجذ(، والقارئ لتاريخ الدولة الموية ستفاجئه حقيقة أن المويين لم يتورعوا عن ارتكاب أبشع الجرائم من أجل المحافظة على الحكم ..فقد هاجم المويون المدينة المنورة وقتلوا كثيرا من أهلها لخضاعهم
فى موقعة الحرة .بل إن الخليفة عبدالملك بن مروان أرسل جيشا بقيادة الحجاج بن يوسف لخضاع ..عبدالله بن الزبير الذى تمرد على الحكم الموى ،واعتصم فى المسجد الحرام ولقد حاصر الحجاج مكة بجيشه وضرب الكعبة بالمنجنيق حتى تهدمت بعض أركانها ،ثم اقتحم المسجد الحرام وقتل عبدالله بن الزبير داخله ..كل شىء إذن مباح من أجل المحافظة على السلطة حتى العتداء على الكعبة ،أقدس مكان فى السلم ،وإذا انتقلنا إلى الدولة العباسية ستطالعنا صفحة جديدة من المجازر التى استولى بها العباسيون على السلطة وحافظوا عليها ،فقد تعقب العباسيون المويين وقتلوهم جميعا بل ذنب ول محاكمة ونبشوا قبور الخلفاء المويين وعبثوا بجثثهم ،انتقاما منهم ..الخليفة العباسى الثانى أبوجعفر المنصور قتل عمه عبدالله خوفا من أن ينازعه فى الحكم ثم انقلب على أبى مسلم الخرسانى .الذى كان سببا فى إقامة الدولة العباسية فقتله ،أما أول الخلفاء العباسيين فهو أبوالعباس السفاح الذى سمى بالسفاح لكثرة من قتلهم من الناس ،وله قصة شهيرة جمع فيها من تبقى من المراء المويين وأمر بذبحهم أمام عينيه ثم غطى :جثثهم ببساط ودعا بطعام وأخذ يأكل ويشرب بينما ل يزالون يتحركون فى النزع الخير ثم قال ».والله ما أكلت أشهى من هذه الكلة قط« أما من ناحية اللتزام الدينى ،باستثناء بضعة ملوك اشتهروا بالورع فقد كان معظم الملوك المويين والعباسيين يشربون الخمر مع ندمائهم على المل كل ليلة ..فلسفة الحكم إذن لم يكن لها علقة بالدين من قريب أو بعيد ،بل هى صراع شرس دموى على السلطة والنفوذ والمال ل يتورعون فيه عن شىء حتى لو كان العتداء على الكعبة وهدم أركانها ..فل يحدثنا أحد عن الدولة السلمية الرشيدة ،التى أخذت بالشريعة لن ذلك ببساطة لم يحدث على مدى 14قرنًا ،إل لفترة 31عاما فقط ..السؤال هنا :ما الفرق بين الحكم السلمى الرشيد ،الذى استمر لسنوات قليلة ،وبين ذلك ..التاريخ الطويل من الستبداد باسم السلم؟ إنه الفرق بين العدل والظلم ،بين الديمقراطية والستبداد ..إن السلم الحقيقى قد طبق الديمقراطية الحديثة قبل أن يطبقها الغرب بقرون طويلة ..فقد امتنع الرسول »صلى الله عليه وسلم« عن اختيار من يخلفه فى حكم المسلمين ،واكتفى بأن ينتدب أبا بكر لكى يصلى بالمسلمين بد ل ً منه وكأنه )صلى الله عليه وسلم( يريد أن يرسل الشارة أنه يفضل أبا بكر لخلفته دون أن يحرم المسلمين من حقهم فى اختيار الحاكم ..وعندما توفى الرسول )صلى الله عليه وسلم( اجتمع زعماء المسلمين فى سقيفة بنى ساعدة ليختاروا الخليفة .هذا الجتماع بلغتنا الحديثة اجتماع برلمانى بامتياز تداول فيه نواب المسلمين المر ثم انتخبوا أبا بكر ليتولى الحكم ..وقد ألقى أبوبكر على المسلمين خطبة قال فيها» :يا أيها الناس لقد وُّليت عليكم ولست بخيركم ..أطيعونى ما أطعت الله ..».ورسوله فإن عصيتهما فل طاعة لى عليكم هذه الخطبة بمثابة دستور حقيقى يحدد العلقة بين الحاكم والمواطنين كأفضل دستور ديمقراطى.. نلحظ هنا أن أبا بكر لم يقل إنه خليفة الله ،ولم يتحدث عن حق إلهى فى الحكم ،بل أكد أنه مجرد واحد من الناس وليس أفضلهم ..هذا المفهوم الديمقراطى الذى هو جوهر السلم سيستمر سنوات قليلة ثم يتحول إلى مفهوم آخر مناقض يعتبر الحاكم ظل الله على الرض .فيقول معاوية بن أبى :سفيان ».الرض لله وأنا خليفة الله فما أخذت فلى وما تركته للناس بفضل منى« :ويقول أبوجعفر المنصور العباسى أيها الناس لقد أصبحنا لكم قادة وعنكم ذادة )حماة( نحكمكم بحق الله الذى أولنا وسلطانه الذى« ..».أعطانا ،وأنا خليفة الله فى أرضه وحارسه على ماله
ويقول عبدالملك بن مروان وهو يخطب على منبر النبى» :والله ل يأمرنى أحد بتقوى الله بعد مقامى ».هذا إل ضربت عنقه انقلب المفهوم الديمقراطى الذى يمثل جوهر السلم إلى حكم بالحق اللهى يعتبر المعترضين عليه كفارا ً مرتدين عن الدين يجب قتلهم .يقتضينا النصاف هنا أن نذكر حقيقتين :أول ً أن الخلفاء الذين تولوا الحكم عن طريق القتل والمؤامرت كانوا فى أحيان كثيرة حكاما أكفاء ،أحسنوا إدارة الدولة السلمية حتى أصبحت إمبراطورية ممتدة الطراف .لكن طريقتهم فى تولى السلطة والحفاظ عليها ل يمكن بأى حال اعتبارها نموذجا يتفق مع مبادئ السلم ..ثانيا ً :إن الصراع الدموى على السلطة لم يقتصر على حكام المسلمين فى ذلك العصر ،وإنما كان يحدث بين ملوك أوروبا بنفس .الطريقة من أجل انتزاع العروش والمحافظة عليها الفرق أن الغربيين الن يعتبرون هذه الصراعات الدموية مرحلة كان لبد من اجتيازها من أجل الوصول إلى الديمقراطية ،بينما مازال بيننا نحن العرب والمسلمين من يدعو إلى استعادة نظام الخلفة السلمية ،ويزعم أنها كانت عادلة تتبع شريعة الله .إن التاريخ الرهيب للصراع السياسى فى الدولة السلمية منشور ومعروف وهو أبعد ما يكون عن شريعة السلم الحقيقية ،وقد احترت فى هذه الدعوة الغريبة إلى استعادة الخلفة السلمية فوجدت من يتحمسون لها نوعين من الناس: بعض المسلمين الذين لم يقرأوا التاريخ السلمى من أساسه ،أو أنهم قرأوه وتهربوا من رؤية الحقيقة ،لن عواطفهم الدينية قد غلبت عليهم فأصبحوا بالضافة إلى تقديس السلم يقدسون التاريخ السلمى نفسه ،ويحاولون إعادة تخيله بما ليس فيه .أما الفريق الخر من المنادين بالخلفة فهم أعضاء جماعات السلم السياسى الذين يلعبون على عواطف البسطاء الدينية من أجل أن ..يصلوا إلى السلطة بأى طريقة
وهم يخيرونك عادة بين طريقين :إما أن توافق على صورتهم الخيالية عن الخلفة ،وإما أن يتهموك بأنك علمانى عدو السلم ..إما أن تساعدهم على الوصول إلى الحكم عن طريق نشر أكاذيب .وضللت عن التاريخ ،وإل فإن سيف التكفير فى أيديهم سيهوون به على عنقك فى أى لحظة جوهر السلم العدل والحرية والمساواة ..وهذا الجوهر تحقق لفترة قصيرة عندما تم الخذ بمبادئ ..الديمقراطية مُثل نبيلة ،وإنما هو صراع دموى على أما بقية تاريخ الحكم السلمى فل وجود فيه لمبادئ أو ُ السلطة يستباح فيه كل شىء ،حتى ولو ضربت الكعبة وتهدمت أركانها ..هذه الحقيقة شئنا أم أبينا. أما السعى لنتاج تاريخ خيالى للخلفة السلمية الرشيدة فلن يخرج عن كونه محاولة لتأليف صور ذهنية قد تكون جميلة لكنها للسف غير حقيقية ..كتلك التى وصفها الكاتب السبانى الكبير ميجيل دى سرفانتس ،فى قصته الشهيرة »دون كيخوته« ،حيث يعيش البطل العجوز فى الماضى، مستغرقا فى قراءة الكتب القديمة ،حتى تستبد به الرغبة فى أن يكون فارسا ً بعد أن انقضى زمن الفرسان فيرتدى الدرع ،ويمتشق السيف ثم يتخيل أن طواحين الهواء جيوش العداء ،فيهجم عليهم .ليهزمهم
الطريق الوحيد للنهضة هو تطبيق مبادئ السلم الحقيقية :الحرية والعدل والمساواة ..وهذه لن تتحقق إل بإقامة الدولة المدنية التى يتساوى فيها المواطنون جميعا أمام القانون ،بغض النظر عن .الدين والجنس واللون
..الديمقراطية هى الحل .. ---------------المصري اليوم