قطاع التكنولوجيا وردة علي الجاكت أم جزء من دائرة صنع القرار بالدولة؟ تحليل يكتبه :جمال محمد غيطاس طوال السنوات الحدي عشر الماضية ,كان قطاع التصالت وتكنولوجيا المعلومات قطاعا هامشيا .بعيدا عن منطقة صنع القرار وجماعة أهل الحل والعقد بالبلد
ومحظورا عليه المشاركة بندية وفاعلية في الغالبية الساحقة من قضايا الوطن المصيرية الشائكة, . كما عاني من التغييب شبه الكامل للمعلوماتية وأدواتها عند التفكير في الخطط والمشروعات التنموية الكبري وتنفيذها ,بعبارة أخري كان وزن القطاع بين قطاعات الدولة أقرب إلي الوردة التي يضعها النظام أو الحكومة علي الجاكت ليتباهي بها خارجيا أو يتاجر بها سياسيا علي الجماهير في الداخل ,والن وبعد الدور الكبير الذي لعبته النترنت في صناعة الثورة ,أصبح أمام القطاع فرصة نادرة لكي ينتقل من هامش صنع القرار بالبلد إلي قلبه ,لكن هذه الفرصة ستضيع إذا لم يستفد القطاع من مرحلة الشرعية الثورية الحالية -التي يتم فيها بناء وصياغة للنظام السياسي الجديد للبلد -ويقدم أداء خلقا مبدعا تتمازج فيه الفكار الجديدة والخطط الجريئة مع الضغط المنظم والعقلني ,ليفوز بالمساحة التي يستحقها داخل الدائرة الفعلية لصنع القرار بالنظام السياسي المرتقب ,وهو ما يتطلب وضع أجندة تناسب هذه المرحلة القصيرة العمر عظيمة الثر ,التي يمكن اعتبارها مفترق طرق بالنسبة للقطاع ,وتصوري أن هذه هي المهمة الولي للوزير الجديد ومعاونوه وكل من له صلة بالقطاع خلل الشهر القليلة المقبلة. يدفعنا إلي هذا القول إن الجهد الذي قدمه القطاع خلل السنوات الماضية علي صعيد بناء البنية التحتية المعلوماتية بمختلف أوجهها ,قد وضع المجتمع المصري في مهب ثورة المعلومات التي تحولت من منجزات علمية وإبداعات تقنية ,إلي حزمة من الدوات تدير تفاصيل الحياة اليومية ويستحيل عمليا تفادي التعامل معها ,فأصبحت أداة تغيير هائلة ,انتهت إلي كونها أكبر عنصر في صناعة الثورة ,كما وضعت المجتمع المصري وجها لوجه مع مجموعة من الوضاع العالمية الجديدة, منها النتقال إلي القيم العالمية بدل من القيم المحلية ,وبروز الثروة الفكرية مقابل الثروة المادية, والتنظيمات والمؤسسات الشبكية العرضية العابرة للتقسيمات الجتماعية والجغرافية بدل من الرأسية المحصورة فئويا وإقليميا ,والبتكار والختلف مقابل التكرار والنمطية ,وإنتاج السرعة مقابل إنتاج الوفرة ,والنتاج كثيف المعلومات مقابل النتاج كثيف العمالة ..وغيرها. وأمام هذه النقلت الكبري بات من المتعين علي المجتمع المصري التحلي بمجموعة من السمات الجديدة ,منها أن يكون لدي المجتمع والدولة عقل متجددا لديه ما يستحثه علي البحث والمبادرة والبداع ,وتوجهات ورؤي مستقلة ضد التبعية بجميع صنوفها ,وأن تعتمد وتقبل وتعي أهمية الختلف والتنوع ,وأن تعتمد النظرة الكلية والمداخل متعددة الرؤي ,وتتبني التوجه المنظومي الذي ينشد الكتمال ,وأن تنتج العلم وتحترمه وتجعل منه أداة لستيعاب موجات التغيير. وغرس هذه السمات داخل الدولة المصرية الجديدة ,يتطلب دور فاعل وواضح للمعلوماتية بمختلف
أفرعها علي ساحة صنع القرار في مستوياته العليا ,وهنا بالضبط تكمن الفرصة أمام القطاع ,ويكمن أيضا التحدي الذي يواجهه ,فهذا الوضع يضع علي عاتق القطاع واجب وطني يحتم عليه اقتحام كل الملفات الشائكة التي كان يتصورها بعيدة المنال عنه ,والخوض في كل الملفات التي كانت محظورة عليه ,وتقديري أن الملف الهم والمركزي الذي يتعين علي القطاع اقتحامه وفرضه بعقلنية وسماحة وقوة هو ملف إدارة الدولة من الرأس إلي القدم ,وليس أقل من ذلك. هنا يتعين أن يتوقف القطاع فورا عن تبني النظرة التي تري أن حدود ملعبه داخل الدولة تتوقف عند السلك والجهاز ,وهي المقولة التي سادت خلل السنوات العشر السابقة وتعني أن مهمة القطاع فنية بحتة تنحصر في مد الكابلت وإقامة الشبكات ونشر الجهزة وتدريب الناس وكفي ,ولبد أن يبادر بالتوجه إلي الدولة ودائرة الحكم وصنع القرار برؤية مختلفة ,تتجاوز ذلك إلي كيفية إدارة الدولة في المرحلة المقبلة من منظور المعلومات وتكنولوجياتها وأدواتها ,رؤية تحدد بوضوح موقع المعلومات وتكنولوجياتها في هرم السلطة والدارة والتخطيط بالدولة ,ولماذا يري القطاع أو يضغط من أجل وضع المعلومات في هذا الموقع بالتحديد ,وما الذي ستجنيه البلد من وراء ذلك ,وما الثمن الذي ستدفعه الدولة إذا لم توضع المعلومات وتكنولوجياتها في هذا الموقع داخل هرم السلطة والدارة. لمزيد من التوضيح أقول أن مهمة القطاع الن أن يوضح للدولة بطريقة ل لبس فيها كيف يمكن للمعلومات وأدواتها وتكنولوجياتها أن تقودنا إلي وطن متوازن الداء يتميز بكونه وطنا: ـ شفاف ل مكان فيه لفساد أو احتكار لسلعة أو خدمة أو سلطة. ـ أداؤه كفء تنخفض فيه التكلفة للحدود الدنيا وترتفع فيه الجودة للحدود القصوي. ـ يأخذ من موارده المحدودة أقصي ما يستطيع ويوزعها علي مجالت إنفاقها بأعقل وأعدل وأنسب ما يكون. ـ يفقد أو يهدر من موارده أقل ما يكون ,ويعيد توزيع عوائد موارده علي مواطنيه بأعدل ما يكون. ـ يقرأ ويعرف تفاصيل مجتمعه بأصح وأدق ما يكون وأسرع ما يكون. ـ تنساب معلوماته وبياناته فيما بين أطرافه ومواطنيه بدرجة تضمن أن تكون مراكز تفكيره وإدراكه عصرية مستمرة التجدد فعالة القرارات. ـ مؤسساته وهيئاته مترابطة عضويا ولحظيا ويلفها جميعا إطار قوي من الثقة المتبادلة التي تقلل من المنبع أي مظاهر للفرقة أو الحتقان أو سوء الفهم أو الحباط غير المبرر في النفوس. بصورة أكثر تحديدا أقول أنه في ظل مرحلة الشرعية الثورة التي يعاد فيها صياغة النظام ,يصبح من واجب القطاع أن يطلب صراحة تغيير النهج الداري الحالي لدي الدولة ومؤسساتها ,ليحل محله نهج مختلف ,ليس فقط من أجل تمهيد الرض أمام المعلوماتية كي تمارس دورها الذي نحلم به ,بل لكي تتهيأ الفرصة لصلحات واسعة النطاق في جميع المسارات التنموية الخري بالبلد. وإذا جاز لي أن أسوق مثال في هذه النقطة فإنني أقول أن النهج الداري الحالي ـ الذي تدير به الدولة مواردها وخططها ومشروعاتها وما لديها من تمويل ـ يقوم في الغالبية الساحقة من حالته علي الدارة بالتراكم وقياس النجاز استنادا للخبرة التاريخية السابقة ,ومن واجب القطاع أن يطلب نهجا إداريا جديدا للدولة يقوم علي الدارة بالنتائج وقياس النجاز استنادا إلي النجاح في تحقيق هدف بحد ذاته بعيدا عما تم تحقيقه في فترة سابقة. بعبارة أخري ..يركز النهج الداري الحالي علي الجابة علي السؤال :ماذا فعلنا وماذا سنفعل؟ وهو السؤال الذي يجعلنا نبحث مثل عن عدد المدارس التي نريد بناءها ,وحينما يتم البناء ينتهي المر ويجري تصويره علي أنه نجاح في الداء ما دام ما تحقق في عام يشكل إضافة قياسا ما تحقق في عام سابق,أما النهج المطلوب فيركز علي السؤال :لماذا نفعل ما نفعله أو سنفعله؟ أي أنه لبد من هدف محدد أول يبرر ما سنقوم بفعله ,ثم معيار للحكم علي الداء نابع من الهدف ومرتبط به وليس مرتبطا بخبرة سابقة أو أداء سابق. وليس أمام القطاع خيار سوي كسب معركته مع الدولة في هذه النقطة بعد إقناعها بفرض هذا التحول في نهجها الداري العام ,لن النتصار في هذه المعركة سيجعل المعلوماتية هي العصب الساسي المطلوب توافره لكي يطبق هذا النهج بنجاح ,وستكون أهم عامل يسمح لهذا النهج الداري بأن يبرز أفضل وأقوي ما فيه كوسيلة ذات كفاءة في تحقيق حلم الدولة أو الوطن متوازن الداء ,وفي هذه الحالة سيكون القطاع شريكا في اتخاذ القرار ل وردة علي جاكت الدولة.
ولكي يقوم القطاع بدوره في تغيير الوطن علي هذا النحو لبد أن يكون لديه إجابات محددة حول سلسلة طويلة من القضايا الشائكة ,منها علي سبيل المثال كيفية توظيف البنية التحتية المعلوماتية التي تم بناؤها في إدارة المعلومات الوطنية والقومية بطريقة تخفف هموم المواطن ,وتقود إلي وطن متوازن الداء ,والمقصود بالمعلومات القومية هنا هي المعلومات القومية الموضوعة داخل سلسلة طويلة من مخازن البيانات والمعلومات العملقة المنتشرة في مؤسسات الدولة المختلفة, وبعضها تحول إلي الحالة الرقمية الكاملة وباتت تدعمه بيئة عمل الكترونية ل بأس بها ,وبعضها تحول إلي شكل رقمي لكنه يخضع لدورات وبيئات عمل ورقية ,وبعضها ل يزال ورقيا بالكامل ,لكنها تعاني جميعا من معضلت تعوق توظيفها توظيفا حقيقا ومؤثرا في تطوير الوطن ككل ,لعل أقلها أن منتجي ومالكي والمتحكمين في هذا المزيج الضخم من المعلومات والبيانات في الوزارات والهيئات المختلفة يسقطون ما يعتنقونه من أفكار وما اكتسبوه من خبرات ومهارات وما حصلوا عليه من مزايا ومكتسبات وما يعانونه من مشكلت وأزمات علي مستهلكي هذه المعلومات وطالبيها من الجماهير العريضة في طول البلد وعرضها ,حتي أن المشهد يبدو وكأنهم ياخذون بتلبيب الوطن والناس معا ,ويضعون الجميع تحت ضغوط ل نهاية لها ,ومشكلت ل حصر لها ,ومستقبل ل وضوح فيه. أخيرا أقول إنه إذا لم يذهب القطاع إلي الدولة ويضع الصورة علي هذا النحو ,فعلي الشعب أن يعرف من الن أن هذا القطاع ليس بمقدوره إل أن يكون وردة جاكت ل أكثر ,ومن ثم ل يصح أن يخرج منه أحد ليدغدغ مشاعر الجماهير بحديث عن عائدات تصدير بالمليارات وفرص عمل بعشرات اللف أو غيره ,لنه حتي لو تحقق كل ذلك ,فسيكون أداء ل يحدث نقلة نوعية حقيقية تشارك في تجديد شباب الوطن وتحديد مساره المستقبلي ,والخلصة أن القطاع ـ بوزيره ومسئوليه الخرين في الوزارة والقطاع الخاص والقطاع الكاديمي -أمامه الن أحد أمرين :إما تغيير الرؤية ومستوي السهام في التفكير والنضال من أجل المشاركة مع صانعي القرار أو البقاء لعقود قادمة كوردة علي جاكت الدولة.