Skip to main content

الاهرام-لغة العصر-تكنولوجيا المعلومات ومشروع زويل

Page 1

‫تكنولوجيا المعلومات ومشروع زويل‬ ‫كتب‪:‬جمال محمد غيطاس‬ ‫‪4942‬‬

‫حملت تطورات اليام الماضية في مشروع الدكتور أحمد زويل العلمي ما ينبئ عن أنه دخل طريقا‬ ‫يهدده بالنزلق من فكرة عالية القيمة مطلوبة بشدة إلي زفة يبحث فيها الكثير من محترفي الطبل‬ ‫والزمر عن موطئ قدم‬

‫بحيث يمنحهم البقاء تحت الضوء لهداف ل علقة لها بالعلم أو المشروع نفسه‪ .‬وهو طريق نعرف‬ ‫جميعا أنه كان بداية النهاية لعشرات وربما مئات من الفكار العظيمة المماثلة التي تزخر بها ذاكرة‬ ‫الوطن لجيال متعاقبة‪ ,‬بدأت براقة نبيلة وانتهت ككومة من القش‪ ,‬حجم وضجيج بل وزن‪ ,‬ثم تلشت‬ ‫وتبعثرت مع هبوب أول رياح غير مواتية‪ ,‬وتقديري أن هذا أول تحد يواجه المشروع في مرحلته‬ ‫الراهنة‪ ,‬خاصة فيما يتعلق بقضايا تكنولوجيا المعلومات التي يتوقع أن تشكل جانبا مهما من أنشطته‬ ‫‪.‬مستقبل‬ ‫ومن يراجع ما نشر بالصحف المطبوعة والمواقع اللكترونية والفضائيات حول المشروع منذ مجيء‬ ‫الدكتور زويل للقاهرة في زيارته الحالية‪ ,‬يجد أمامه محتوي إعلميا يتحدث عن الماني والحلم‬ ‫بصورة متطرفة‪ ,‬ترفع التوقعات وتضخم المر كثيرا‪ ,‬فبعض العناوين والمقالت والراء تتحدث عن‬ ‫نقلت نوعية هائلة تنتظر الحياة بمصر‪ ,‬وتغيرات ضخمة في ثرواتها ومستقبلها في مدي زمني قصير‪,‬‬ ‫وهو ما يجعل من المشروع وصاحبه سحر وساحر‪ ,‬وليس علم وعالم‪ ,‬وهو أمر ل يرضي عنه صاحب‬ ‫‪.‬المشروع نفسه فيما أعتقد‬ ‫وإذا ما أخذنا ما نشر وأزلنا عنه ركام الماني الجامحة‪ ,‬والطبول الزائدة عن الحد‪ ,‬بحثا عن أول‬ ‫الموضوع وآخره بالصورة التي تسمح باقتراب هادئ من الرؤية العامة للمشروع ورسالته ومنهجيته‬ ‫واستراتيجياته وخططه ومراحله الزمنية ومصادر تمويله وأوجه إنفاقه ومعايير التعامل مع عوائده‬ ‫المتوقعة‪ ,‬ونطاقات عمله المحددة‪ ,‬ووسائل القياس الموضوعية التي تقودنا إلي مناطق القيمة‬ ‫الحقيقية في أنشطته ووحداته بمعيار التكلفة مقابل العائد‪ ,‬والتحسن الوطني والمجتمعي بمعيار‬ ‫الزمن‪ ,‬لو فعلنا ذلك سنجد أن الدكتور زويل لم ينته منه بعد‪ ,‬بل هو في مرحلة يطرح فيها خطوطا‬ ‫عامة‪ ,‬ولم يصدر وثيقة جامعة تشرح كل البعاد السابقة علي نحو يبني مشاركة حقيقية في صنع‬ ‫‪.‬القرارات المتعلقة بهذا المشروع الوطني الكبير‬ ‫والجملة الوحيدة التي سمعتها وقرأتها للدكتور زويل عن صلب الموضوع جاءت خلل زيارته للهرام‪,‬‬ ‫حينما أوضح أنه سيتبني منهجية في العمل تبدأ باختيار نوابغ الثانوية العامة ليدرسوا في بيئة علمية‬ ‫أكاديمية راقية‪ ,‬ثم يدخلون بيئة بحثية راقية عبر حاضنات علمية وتكنولوجية‪ ,‬ثم يخرجون بأفكار‬


‫‪.‬وحلول ومنتجات للسواق‪ ,‬وهي منهجية سنعود إليها تفصيل فيما بعد‬ ‫ولعل القرار الوحيد الذي اتخذ لكبح جماح النزلق من الفكرة إلي الزفة‪ ,‬كان قرار المجلس العلي‬ ‫للقوات المسلحة حينما أقر بالفكرة‪ ,‬ونقل مسئولية دراستها وتمحيصها والموافقة النهائية عليها‬ ‫‪.‬للبرلمان المنتخب‪ ,‬بعد أن يكون الدكتور زويل قد انتهي من جميع دراساته وتحليلته حول المشروع‬ ‫كان المتوقع والمنطقي أن تكون هذه رسالة واضحة للجميع بأن أي سلطة ـ بما فيها السلطة العليا‬ ‫في البلد الن ـ ل تقبل وليس من حقها أن تسلم مصر أو تسلم جزءا من مقدراتها ومستقبلها علي‬ ‫بياض لي شخص كائنا من كان‪ ,‬لن صاحب السلطة في هذا المر هو الشعب نفسه‪ ,‬ممثل في‬ ‫برلمانه المنتخب انتخابا حرا نزيها‪ ,‬والذي من حقه أن يحصل علي الفرصة كاملة لن يفكر بهدوء‪,‬‬ ‫ويشارك بفعالية‪ ,‬ويقوم بواجبه في البحث عن القيمة الحقيقية للمشروع والتعامل معها في نطاقها‬ ‫‪.‬الطبيعي خارج الزفة‬ ‫من الشواهد الدالة علي خطر النزلق إلي الزفة والبتعاد عن الفكرة أن هناك أشياء نشرت وجري‬ ‫إسنادها للدكتور زويل نفسه ـ بغض النظر عن الدقة في الستناد ـ حملت معاني تخاصم الواقع‬ ‫العلمي والبحثي القائم حاليا بالبلد‪ ,‬وبدأت تثير همهمة واستياء لدي قطاع واسع من الساتذة‬ ‫والباحثين وغيرهم من العاملين بمراكز البحث العلمي القائمة‪ ,‬ممن باتوا يرون أن هذه المعاني تبث‬ ‫فيهم روح الحباط والحساس بالدونية وقلة أو انعدام الفائدة‪ ,‬بل إن بعض ممن يصنعون الزفة‬ ‫المفتعلة اعتبر أن ما يجري من أنشطة بحثية في البلد قيمتها صفر ول تستحق الوقوف عندها بأية‬ ‫صورة في المشروع الجديد‪ ,‬وأنها ستكون وبال علي المشروع‪ ,‬فهي أنشطة متخلفة عن عصرها‪,‬‬ ‫‪.‬ضامرة في إنجازاتها‪ ,‬وفاقدة للثقة في نتائجها لبتعادها عن القواعد العلمية العالمية إلي غير ذلك‬ ‫لقد تطرف البعض في المزايدة علي الدكتور زويل وأسند إليه قوله أن مصر سوف تبدأ تصدير‬ ‫التكنولوجيا بعد عدة سنوات حينما يعمل المشروع‪ ,‬وهذا لو كان صحيحا فهو يعني هدرا لكثر من‬ ‫عشر سنوات من العمل والشقاء والتفاني‪ ,‬قام بها شباب ومسئولون في الكثير من مراكز التميز‬ ‫العلمي القائمة حاليا‪ ,‬خاصة في قطاع تكنولوجيا المعلومات والتي باتت مصدرا رئيسيا لصادرات‬ ‫البلد من التكنولوجيا‪ ,‬وإذا زار الدكتور زويل مركز القاهرة للتطوير التكنولوجي بشركة آي بي إم‬ ‫علي الطريق الصحراوي سيعرف أن بضعة مئات من شباب مصر يصدرون تكنولوجيا متخصصة في‬ ‫تأمين السيارات بمليين الدولرات سنويا من هذا المركز‪ ,‬ويتم تركيبها في سيارات مرسيدس وبي‬ ‫إم دبليو الفاخرة جدا‪ ,‬ويستخدمها أصحاب هذه السيارات حول العالم‪ ,‬وبإمكانه أن يتجول قليل في‬ ‫مركز التميز العلمي لشركة أورانج بالقرية الذكية ليري ما الذي يبدعه شباب المركز في أكثر‬ ‫مجالت بناء وإدارة شبكات المحمول من الجيل الرابع تقدما‪ ,‬بل أقول أيضا أنه ربما لم يسمع بأن‬ ‫مركز إنتل للتميز وفرعها في مصر كان وراء شراء إنتل العالمية لشركة مصرية منذ أسبوعين يعمل‬ ‫شبابها في تطوير شرائح إلكترونية بالغة الدقة والتقدم وبنفس المستوي الذي يفعله ويبدعه‬ ‫‪.‬نظراؤهم المريكيون في وادي السيليكون‬ ‫إن منطق الزفة في التعامل مع مشروع زويل بات ينذر بالتحول إلي نفاق ممجوج أعتقد أن الدكتور‬ ‫زويل ل يقبله‪ ,‬لنه يجعل المشروع يتعامل مع مصر باعتبارها صحراء علمية قاحلة ل بحث فيها ول‬ ‫تفكير علي الطلق‪ ,‬وهذا عبث مطلق‪ ,‬وإذا ما سار المر علي هذا النحو فمعني ذلك أن مشروع‬ ‫زويل سيدخل إلي الساحة باعتباره واحة التفكير واللهام في صحراء الخرافة والتخلف وانعدام‬ ‫‪:‬التفكير‪ ,‬وخطورة ذلك أمران‬ ‫الول أنه سيجعل المشروع يبدأ من الصفر في كل شيء‪ ,‬ويحرمه من موارد علمية وبحثية ‪-‬‬ ‫متراكمة وضخمة ومتنوعة قائمة‪ ,‬يمكنه البناء عليها والستفادة بها بل والدخول معها في مشاركات‬ ‫‪.‬حقيقة علي قاعدة الند للند‪ ,‬لتحقيق أهداف وطنية كبري‬ ‫ويمكننا في قطاع تكنولوجيا المعلومات أن نسوق عشرات المثلة في هذا الصدد‪ ,‬وسأكتفي هنا‬ ‫بالقول بأن مشروع زويل ـ كمشروع للنهضة العلمية كما أعلن عنه‪ -‬يتعين عليه أن يوجه القسم‬ ‫الكبر من طاقته العلمية والبحثية والكاديمية نحو التوصل لحلول ومنتجات مبدعة قابلة للتوظيف‬ ‫قطاعيا داخل المجتمع‪ ,‬خاصة فيما يتعلق بالجوانب الحياتية من صحة وتعليم وزراعة وتصنيع‬ ‫وخدمات‪ ,‬لتفتح آفاقا جديدة في التعامل مع المشكلت التي تعاينها هذه القطاعات‪ ,‬كمشكلت‬ ‫الرعاية الصحية الوقائية والعلجية والتعليم اللكتروني والتعليم عن بعد والفات الزراعية والسللت‬ ‫الجديدة من المحاصيل واختناقات المرور وترشيد الطاقة والحفاظ علي البيئة وغيرها‪ ,‬وهذا المسار‬


‫له تشابكاته وتعقيداته المسئول عنها آخرون في قطاعات المجتمع المختلفة‪ ,‬وهنا لبد من مشاركة‬ ‫حقيقيه مع الخبرات العلمية والمعرفية المتراكمة عبر سنوات طويلة في بيئة البحث العلمي المحلية‬ ‫بكل من قطاع تكنولوجيا المعلومات والقطاعات الخري‪ ,‬للوصول بسرعة إلي منجزات ذات قيمة‬ ‫مجتمعية‪ ,‬تحظي في الوقت نفسه بالقبول وسهولة التطبيق‪ ,‬وليس فقط الوصول لقيمة علمية ذات‬ ‫سمعة عالمية‪ ,‬فنحن مثل ليس لدينا الن فرصة للوصول إلي حل علمي تطبيقي يرتكز علي الفيمتو‬ ‫‪.‬ثانية لحل مشكلة هنا أو هناك‬ ‫الضرر الثاني أنه يقدم المشروع للمجتمع البحثي المحلي ـ خاصة في تكنولوجيا المعلومات ـ ‪-‬‬ ‫بمنطق التعالي والنظرة الدونية لكل ما هو قائم‪ ,‬وهي نظرة وصلت علي لسان البعض ممن كتب أو‬ ‫تحدث إلي مستوي السخرية‪ ,‬ولنا فيما حدث ويحدث مع جامعة النيل خير دليل‪ ,‬وبالتالي فإن‬ ‫المشروع سيبدأ العمل في بيئة علمية غير صديقة‪ ,‬تناصبه التوجس وعدم الرتياح وعدم الرغبة في‬ ‫التعاون‪ ,‬لن من يعملون في البيئة العلمية القائمة في النهاية باحثون ومواطنون وآدميون‪ ,‬لديهم‬ ‫حرص طبيعي علي كرامتهم النسانية والمهنية‪ ,‬التي بالقطع لن تضيع وتذوب تماما أمام من يبعث‬ ‫لهم برسالة التعالي والسخرية في زمن الثورة والحرية قبل أن يضع طوبة علي الرض‪ ,‬بينما هم‬ ‫يعايشون القهر والمر وشظف العيش لعقود طويلة‪ ,‬ولست في حاجة إلي التأكيد علي أن وجود بيئة‬ ‫محيطة غير صديقة لن يكون في صالح مشروع زويل علي المدي الطويل‪ ,‬وسيكون عنصر إقلق‬ ‫‪.‬وعدم استقرار للمشروع ل يستهان به‬ ‫لذلك كله فإن واجبنا جميعا الن التعبير عن قبول الفكرة والمشروع وكفي‪ ,‬بل طبل أو زمر‪ ,‬ومن‬ ‫حق الدكتور زويل أن يأخذ وقته وأن نمنحه فرصة للنتهاء من الخطة المتكاملة التفصيلية للمشروع‪,‬‬ ‫حتي يعرض علي البرلمان المنتخب بكل شفافية‪ ,‬وبعدها علينا أن نتعامل مع المشروع بهدوء وروية‬ ‫ومشاركة حقيقية ‪,‬ل تتوقف عند فتح الصدور والقلوب والحناجر عن آخرها‪ ,‬وإلقاء مهام التفكير‬ ‫‪.‬والتخطيط والبداع علي عاتق زويل وحده‬


Turn static files into dynamic content formats.

Create a flipbook
الاهرام-لغة العصر-تكنولوجيا المعلومات ومشروع زويل by الجمعية العلمية لمهندسى الاتصالات - Issuu