د .يوسف محمد الصواني القتصادي العالمي في عصر العولمة: منظمة التجارة والشركات المتعدية للجنسية _____________________________________________________________
تمهيــد النظام القتصادي العالمي القائم بمؤسساته التي يربــو عمرهــا عــن نصــف قــرن مــن الزمان يواجه منذ سبعينيات القرن الماضي بانتقــادات شــديدة .وترتكــز هــذه النتقــادات على الطبيعة الرأسمالية لهذا النظام وكونه غير مؤهل لتحقيــق عدالــة مــن أي نــوع علــى المستوى العالمي .لقد أثبتت التجربة ان هذا النظام القائم علــى الرأســمالية يعكــس كــل مساوئ هذا النموذج في اللمساواة واللعدالة والتوزيع الغير متكــافئ للمنــافع والمراكــز والمتيازات. إن من شأن ذلك إدامة حالة التبعية والخضوع التي تميــز علقــات الشــمال والجنــوب. وإذا كانت العولمة هي المرحلة المعاصرة لنتشار الرأسمالية كرويا او عالميــا فــأن ذلــك من شأنه ان يزيد الصورة قتامة خاصة إذا ما أخــذنا فــي العتبــار إن العولمــة ليســت فــي الواقع إل تأكيد جديد على ســيطرة احتكاريــة مقابــل اســتمرار عمليــات امتصــاص ثــروات العالم النامي. وإذا عرفنا ان الشركات الكبرى المهيمنة على الرأسمال العالمي والمسماة بالمتعدية للجنسية هي التي تدير العولمة فإن ذلــك مــن شــأنه ان يــدعم الهــوة ويكــرس التخلــف. الكثر من ذلك ان عمليات العولمة تبدو خطيرة حتى بالنســبة للــدول المتقدمــة الــتي تــرى دول كثيرة منها ان العولمة ليست إل أمركة للعالم .إن من شأن ذلك إن يزيد من خطــورة
النظام القتصادي العالمي المعاصر على النسياب السلمي للمبادلت العالمية ويمكن ان يهدد السلم والمن الدوليين بل ويعرض مصير البشرية للخطر.
العولمة والنظام القتصاد العالمي ان هناك ضرورة للتمييز بين العولمة كمجموعة من العمليات القتصــادية – الجتماعيــة – الثقافية الجارية فعل وبين أيديولوجية العولمة التي تقدم نفســها كبــديل لكــل شــئ .أن العولمة بمعناها الول ليست شيئا جديدا ول طارئا تاريخيا بل هي عمليــة تدريجيــة جاريــة منذ زمن لكنها تسارعت واتخذت أشكال جديدة آخرها هو الناتج عن اكتمال بنــاء الســوق الرأســمالي العــالمي .ان العولمــة نتــاج للرأســمالية المعاصــرة والــتي عــبرت الشــركات المتعدية الجنسية وسوق المال عنها أحسن تعبير .واذا كــانت العولمــة القتصــادية وربمــا الثقافية ترتبط بشكل قوي بالدور الذي تقوم به الشركات المتعدية للجنسية فأن ذلــك مــن شأنه ان يثير المخاوف اكثر من ذي قبل. إذا كان مركز ودور ونشاطات هذه الشركات يمثل مشــكلة فــي بلــدانها الصــلية خاصــة في محاولتها التأثير في السياسة الداخلية والخارجية لصالحها فأن سطوة هذه الشــركات ومواردها الهائلة أصبحت وحش مخيف .ان ذلك مدعاة لقلق وخــوف اكـبر عنـدما يتعلـق المر بالدول النامية.هذه الشركات تتدخل ضد كل ما يعارض مصالحها وهو أمر يزيــد مــن قابلية اقتصادات العالم النامي للتأثر من عمليات هذه الشركات وشــراهتها الــتي ل تعــرف حدودا وتصل لدرجة التوحش.
ان العولمة تطلق العنان لهذه الشركات وتعطيها قوة اكثر بكثير مما لدى دول الجنــوب .ان ذلك يعني حقيقة كون القرارات القتصادية الهم والخطر تقررها الشركات الكــبرى بما يعني انها في مركز يمكنها من التأثير بحسم علــى مســتوى واتجــاه تطــور اقتصــاديات البلدان النامية .ان التجربة التاريخية تبين ان السياســات الــتي تنفــذها الشــركات المتعديــة للجنسية عكست مصالحها ودون أدنى مراعــاة لمــا عــداها مــن مصــالح .ان مــا تقــوم بــه الشركات ليس من الضروري في احسن الحالت ان يتفق مع مصالح الدولة المضيفة إمــا في أسوأ الحوال فإن ما تقــوم بــه يمثــل اســتغلل للــدول الناميــة ويطيــل عمــر تبعيتهــا . ( (Spero, p.228 لقد تمكنت القطار الغنية من فرض الموقف المعبر عن مصلحة هــذه الشــركات خلل اجتماعات ديسمبر 1996للمؤتمر الوزارى لمنظمة التجارة العالميــة .وتعكــف الن هــذه المنظمة على دراسة الوسائل العملية التي من شأنها جعل النفاق الحكومي الذي يمثــل أرقامــا فلكيــة خاضــعا للمنافســة وليســت حكــرا علــى الشــركات الوطنيــة Khor,Third ). ( Features وتقف الوليات المتحدة المريكية والتحاد الوروبي وراء الدعوة إلى إخضاع النفــاق الحكومي الهائل لمقتضيات العمل المحددة عن طريق منظمة التجارة العالمية بما يسمح للشــركات العالميــة بــأن تنــافس الشــركات المحليــة فــي الحصــول علــى تعاقــدات تمــول بالنفاق الحكومي .ان من شأن ذلك ان يخضــع للمنافســة ويفتــح البــاب أمــام الشــركات الكبرى لن تكتسح الشركات المحلية في الظفر بعقود حكومية.
ان اقتصار تنفيذ العمال القائمة على النفــاق الحكــومي علــى الشــركات الوطنيــة أو إعطاؤها الولوية في ذلك من شأنه ان يساهم في بناء القطاع المحلــي وان يقــوى مــن الصلت المحلية ويقوى من الطلب المحلي إضافة إلــى تشــجيع قطــاع العمــال الــوطني العولمة تتسع لتشمل أغلب المجالت غير ان النفاق الحكومي والعقود الحكوميــة تعتــبر أحد أهم المجالت القليلة التي مازال بالمكــان توظيفهــا كــأداة لتشــجيع قطــاع العمــال والطلب الوطني .أن من شأن إدمــاج هــذا المجــال فــي التجــارة العالميــة الحــرة ووفقــا للقواعد المقترحة ان يدمر هذا العنصر التنموي الهام الذي يلعبه النفاق الحكومي . أن العولمة تثير القلق وتطرح جملة من السئلة الكــبرى الــتي ترتبــط بمصــير البشــرية بكاملها .ومن هـذه السئلة أن لظاهــــرة العولمـة تــداعيات خطيــرة حــتى علــى الصــعيد القتصادي وأيضا على المستوى السياسي والجتماعي والثقافي لمـا بيـن هـذه الجــوانب من صلة وثيقة).بيتر مارتن & شومان ،ص (225 – 220لعل واحدة مــن اكــثر المســائل أهمية في ما يتعلق بالعولمة هو أنها مرحلة جديدة في سياق بسط الرأســمالية لســيادتها العالمية .إن عولمة حضارة بعينها،وهذه الحضـارة هـي بـدورها تعـبير عـن ثقافـة أمـة معينـة أو ثقافــة مجموعـة معينــة مـن المـم ل تسـتحق وصـف العالميـة أو التعــبير عــن النسانية .أن العتراف بأن حضارة ما أو ثقافة ما قد اكتسحت العالم ل يعنــى العــتراف بأنها تستحق أن تكتسح العالم بأسره أو أنها يجب أن تكتسح العالم بأسره . "ان توحيد العالم على أساس السوق وان تحقق حسب رؤية الليبرالية )وهذه الفرضية تفترض المستحيل ،أي تخلى القوى الوطنية والجتماعية ضــحايا هــذا النــوع مــن التوحيــد عن الدفاع عن مصالحها ( هذا التوحيد لبد أن يكون مرعبا وهمجيــا ").اميــن 1991 ،ص
" ( 12أن حل السوق ذو البعد الواحد ل ينفع في أي حال مــن الحــوال ،إذا ل يمكنــه أن يمنع تفاقم المتناقضات الجتماعية والسياسية ..لدرجة إنها تصبح غير قابلة للتحمــل" ذلــك أن مصداقية الخطاب وعلميته تؤكد أن من المسلمات" أن آليات السوق مـن تلقــاء نفسـها تعيد تكوين المتناقضات وتعمل على تعميقها).امين ،1992،،ص(16 رغم إن العولمة تنطلق من العقيدة الليبرالية فهي ل تنطوي على عقيدة في النســان أو على فلسفة أخلقية وإنما تعبر عن تضخم لنزعة اقتصادية إلى اكتساح أسواق العــالم. يصدق هذا بشكل خاص على التجارة بين الشمال والجنـوب القائمـة علـى التبـادل الغيـر متكافئ والغير عادل .فإذا نظرنـا مثل إلــى أسـعار المــواد الوليــة وجـدنا إنهـا فــي تـدني مستمر مقابل تصاعد مستمر في أسعار السلع المصنعة ومنتجات دول الشمال .ان نموذج تقسيم العمل هذا أساسا غير عادل وهو قائم على ســوق مبنــي هــو الخــر ضــد العــالم النامي وليقود في نهاية المطاف إلى إدامة تخلفه خاصة فــي ظــل عولمــة تشــجع ثقافــة الستهلك وتصنعها في كل مكان بفعل التأثير الهائل لوسائل العلم .
منظمة التجارة العالمية والنظام التجاري العالمي :
تعميق
الفوارق لقد تم تأسيس منظمة التجارة العالمية WTOفي 1994وظهرت للوجود عمليا في 1/1/1995لتخلف التفاقية العامة للتجــارة والتعريفــة الجمركيــة . GATTكــانت الفكــرة الساسية تعتمد على تنفيذ جملة من التفاقيات بين الدول العضاء بما من شأنه أن يقلــل ويقود في النهاية إلى إزالة الرسوم الجمركية وغيرها من القيود على التجارة في مختلــف قطاعات القتصاد العالمي (WTO in Brief).وتضم هــذه المنظمــة الن مائــة وخمــس
وثلثون عضــوا وهنــاك دول عديــدة تنتظــر قبــول طلــب عضــويتها .ان ذلــك قــد يعطــى النطباع بأن هذه المنظمة جماعية لكن في الحقيقة المـر أن الوليـات المتحـدة تسـيطر عــل أعمــال هــذه المنظمــة ( Parrish ).ان منظمــة التجــارة العالميــة ليســت منظمــة ديمقراطية رغم ان السياسات والبرامج الــتي تصــدر عنهــا تمــس بالتــأثير المباشــر أو غيــر المباشر كل جوانب الحياة لكل المجتمعات .الحقيقة ان القواعد التي تصدر عنها هي من إملء الشــركات الكــبرى والمصــالح الرأســمالية العالميــة الــتي بإمكانهــا التــأثير فــي المفاوضات .وعلى سبيل المثال فإن المندوب التجاري المريكي يعتمد أساسا على ســت عشرة لجنة استشارية صناعية قطاعية تزوده بالمعلومات المرتبطة بالمفاوضات التجاريــة . ان ذلك يعنى سلفا تقرير التجاه الذي سيأخذه الموقف المريكي تجاه قضــايا التجــارة والعلقات التجارية الدولية في ذات الوقت الذي يعنى عدم وجود أية فرصــة للهتمامــات المعبرة عن المواطنين ،المستهلكين ،البيئــة ،حقــوق النســان أو منظمــات العمــال لتجــد معبرا عن آرائها ومصالحها أو ما يقلقها .ولعل ذلك يبدو واضحا من حقيقــة كــون منظمــة التجارة العالمية ظلت ترفض مناقشة التأثيرات الممكنة لحرية التجارة على حقوق العمل والعمال . ومع أن الدول النامية تشكل 3/2أعضاء منظمة التجارة العالمية فإن هذه تقع سيطرة الدول الصناعية والغنية والتكتلت التجارية والشركات الكبرى .من ادلة ذلــك عــدم تمكــن 30دولة نامية عضو من حضــور مـؤتمر ســياتل بســبب افتقارهــا للمـوارد الماليـة اللزمــة لحضور ممثليها .
الدول النامية وجدت نفسها مضطرة بحكم التفاقيات أو بشروط صندوق النقد الــدولي ان تفتح أسواقها أمام العــالم الصــناعي غيــر أن هــذا الخيــر مــارس كــل أنــواع الحمايــة الممكنة للحيلولة دون وصول منتجات العالم النامي إلى أسواقه . ففــي عــام 1998فقــط بلــغ إجمــالي الــدعم الزراعــي فــي بلــدان منظمــة التعــاون القتصادي والتنمية OECDما قيمته بليون دولر أمريكي أن هذا الدعم هو أحد الدوات التي يستخدمها العالم الصناعي لغراق أسواق العالم النــامي بفــوائض النتــاج الزراعــي المدعوم بما يدمر حياة الفلحين الفقراء. وإذا كانت منظمة التجارة العالمية قد قامت أساسا لتحقيــق حريــة التجــارة فــإن هــذه الخيرة ل تخدم مصالح كل الدول على حد سواء .وتبيـن مـــؤشرات النمــو فــي التجــارة العالمية خلل سنوات 1998–1960ان عدم المساواة هي العلمة الصارخة لهذه الفترة .وإذا كان برنامج المــم المتحــدة النمــائي UNDPقــد بيــن أن هنــاك %20فقــط مــن أغنياء سكان العالم يستهلكون % 86من موارد العالم بينما تســتهلك الغالبيــة %80مــن السكان ما نسبته %14فقط من موارد النسانية فإن دعوى العدالة والمســاواة تصــبح ل معنى لها . ان القواعد التي بنيت عليها منظمة التجارة العالمية زادت هذا الوضع سوءا .إذا كــانت العولمة ،بما تعنيه من حرية في حركة البضائع والموال والتقليل ،أن لم يكن إلغاء ،دور الحدود الوطنية ،قد غيرت من شكل العالم الذي نعيش فيه فإن أثر ذلك هو أكثر وضــوحا علــى مســتوى التجــارة .لقــد نمــت التجــارة العالميــة بمعــدل ســنوي قــدره %6.6خلل
تسعينات القرن الماضي ومن المتوقع ان تضيف ما بين 500 : 200بليون دولر أمريكي للدخل العالمي مع مطلع العام . 2001ومع ذلك فإن هذه الفوائد من عولمة التجارة لم يتم توزيعها بشكل عادل .لقد ذهب نحو % 70من الثروة المتولــدة عــن تحريــر التجــارة إلى القطار الغنية في الشـمال بينمـا يتـوزع البـاقي بيـن بلـدان أمريكـا اللتينيـة والصـين والبلدان الواقعة في الشريحة العليا للدخل في شرق آسيا .أما بلــدان العــالم القــل نمــوا فإنها مؤهلة لخسارة ما يبلغ 600مليون دولر أمريكي ســنويا بينمــا تخســر بلــدان أفريقيــا جنوب الصحراء وحدها نحو 1.2بليون دولر أمريكي سنويا . وهكذا فإن منظمة التجارة العالميـة وقواعـد عملهـا تجعـل الجماعـات الفقيـرة ،الـتي ينبغي ان تستفيد من فوائد العولمة ،تواجه تهديدات أكثر من الفــرص الموعــودة .ان أكــثر الجماعات عرضة لخطار العولمـة وحريـة التجـارة هـي تلـك المتمحـورة حـول العمـال الصغيرة والنشاطات المحلية المركز التي تواجه الن منافسة شرسة مــن شــركات العــالم الكثر سطوة وقوة ( UNDP,1997,1998 ). وهكذا فإن الكثير مــن الــدول الناميــة تشــير إلــى ان حريــة التجــارة الــتي كــانت القــوة الدافعة وراء إنشاء منظمة التجارة العالميــة لــم تكــن حــرة بالنســبة لهــا .الســواق فــي الشمال تبقي في الواقع مقفلة أو محدودة أمام أهم صادرات البلدان النامية بينما تســتمر حكومات الشمال في تقديم دعم هائل للمزارعين المر الذي يتعارض مع مبادئ منظمة التجارة العالمية .في المقابل نجد ان البلدان النامية تواجه مطالب قوية وضــغطا متزايــدا لفتح اقتصاداتها للمنافسة الخارجية رغم ان صناعاتها الوطنية تتضرر تماما من جراء ذلــك .
في الواقع ان الشركات المتعدية للجنســية فــي الشــمال هــي الــتي تحقــق الســتفادة القصوى من فكرة حرية التجارة .من خلل السطوة التي لهذه الشركات لــدى حكوماتهــا فإنها تحصلت على الحرية اللزمة للتحرك عالميا بدون قيود ،مستفيدة من ظروف أسواق العمل ،العمالة الرخيصة ،اللعب على التنافس بين المــوردين والنفــاذ إلــى أكــثر الســواق ربحية .وهكذا فإن مؤتمر سياتل لمنظمة التجارة العالميــة كــان عبــارة عــن دورة اخــرى لصياغة قواعد عمل جديدة للقتصاد العالمي .لكن هذا المؤتمر فشــل بفعــل الخلفــات التي حالت دون تحقيق أهدافه فضل عن المظــاهرات العارمــة والرفـض الشـعبي الـذي عبرت عنه إعداد هائلة من منظمات المجتمع المدني .لقد عبرت تلــك المظــاهرات الــتي عمت سياتل مثلما عبرت قبلها المظاهرات التي رافقت المؤتمر الوزاري لمنظمــة التجــارة في جنيف عــن الرفــض الجمــاهيري لــذلك النظــام الغيــر متكــافئ للعلقــات القتصــادية والتجارة الدولية .هذا النظـام يعطـى للــدول المتقدمـة حقـوق اقتحــام أســواق الــدول النامية دون قيود أو حصص أو رسوم جمركية في ذات الوقت الذي فرضت قواعد حمائيـة مانعة لحقوق الملكية الذهنية والفكرية والصناعية بما يجعل من المســتحيل علــى الــدول النامية ان تحصل على التكنولوجيا اللزمة للتقدم إل بشروط منتجي هـذه التقنيـة ،الـدول المتقدمة وشركاتها الكبرى .الهم من هذا ان الطار الدولي للتجارة الخارجية في الفترة القادمة وبعد انتهاء المهلت الممنوحــة للــدول الناميــة ســيكون فــي صــالح الــدول الغنيــة وستتأثر حتى خطط النتاج فــي الــدول الناميــة ويــزداد بهــا معــدل البطالــة كمــا ســتتراجع قدرات هذه الدول على خلق تقنيات خاصة بها في إطــار فــرض القيــود علــى اســتخدامها للتقنيات في ضوء اتفاقيات حماية الحقوق الفكرية .
لقد عبرت الدول الصناعية وخاصة الوليات المتحدة المريكية والتحــاد الوروبــي عــن موقف ل يضع أي اعتبار لغير للمصالح التجارية الضيقة أو المصالح الوطنية بشــكل عــام . لقد كان أكــبر دليــل علــى عــدم ديمقراطيــة WTOهــو أنــه فــي مــؤتمر ســياتل تــم نقــل المباحثات من مجموعات العمل المفتوحة إلى مناقشات وراء أبواب مقفلة وبحضور عدد قليل من ممثلي الدول النامية الذين تم اختيارهم من قبل ما سمى بلجنة الدارة التي تم تشكيلها هي الخرى بشكل سريع عبر عن مصالح القوياء .هكذا شعرت الــدول الناميــة بأنها مستبعدة من العملية برمتها رغم مطالبتها القوية بأن يتم الســتماع لوجهــات نظرهــا .لقد تأكد أيضا ان الغنياء ل يريدون ان يظفر الفقــراء بــأي مكســب مهمــا كــان بســيطا . لذلك فإن المقترح المتواضع بشأن إعفاء صادرات 48دولة هي الفقر في العالم من أية تعريفات أو قيود حصصية تمت عرقلته من قبل الوليات المتحــدة المريكيــة .كمــا عرقــل التحاد الوروبي أية اتفاقية بشأن المنتجات الزراعية أو مقترحــات الــدول الناميــة بشــأن مراجعة التفاقيات التجارية السابقة . ووفقا لتقرير مشترك أعدته منظمة التجارة العالميــة ومــؤتمر المــم المتحــدة للتجــارة والتنمية
UNCTAD
في 1997فإن كندا ،التحاد الوربي ،اليابان والوليات المتحــدة
تحصلت على ما يقارب ثلثي صادرات العالم .بالمقابل فإن أربع بلدان جنوبية هــي كوريــا الجنوبية ،الصين ،ماليزيا والبرازيل مثلث فقــط % 7.8مــن إجمــال صــادرات العــالم .أمــا بلدان العالم القل نموا حيث يعيش %10من ســكان العــالم فلــم تمثــل إل % 0.3مــن تجارة العالم ،أي نصف ما كان لها قبل عقدين من الزمان( UNDP, 1997,PP.9-14 ) .
عندما تم تأسيس منظمة التجارة العالمية قدمت على أنها وسيلة لتعزيــز أحــداث رفــاه عالمي وازدهار كل شعوب الدول العضاء .من الناحية العملية فإن الســبع ســنوات مــن عمر المنظمة ساهمت في تركيز الثروة في أيدي القلــة الغنيــة ،وزادت فقــر الغالبيــة مــن سكان العالم وقللت من فرص إيجاد إنتاج واستهلك متوازنين .رغم وجود نشاطات كثيرة خاصة في مجال التجارة العالمية وتحرير حركة الموال ومــا يمكــن ان يكــون لــذلك مــن إيجابية فإن تلك ليست مدفوعة إل بالمصالح القتصــادية للــدول الغنيــة والقويــة .ان قليل من الهتمام يعطى لحاجـات الـدول الفقيـرة والضـعيفة .ان مصـالح الضـعفاء أصـبحت هامشية… اللمساواة العالمية زادت ووصلت إلى درجة التطرف …
ل شــئ أقــل مــن
إعادة نظر في الليات يمكن ان يوقف أو ينهى التجاه المعزز لحالة الل مساواة العالمية ( UNDP, 1998 ). حتى مطلع ستينيات القرن الماضي لم تكن غالبية الــدول الناميــة أعضــاء فــي GATT بحكم كونها مستعمرات .أغلب الدول النامية التحقت بالتفاقيات بعد استقللها لكنها كانت تفتقر إلى القوة والمكانيات التقنية والفنية اللزمة لتحقيق مصالحها في النظــام التجــاري العــالمي .مــع ذلــك اختــارت أغلــب هــذه البلــدان تحريــر اقتصــادياتها والخــذ بــالنموذج الرأسمالي وذلك في إطار الحرب الباردة التي كانت دائرة حينذاك … كان واضحا ان الرأسمالية حققت انتشــارا أوســع مــع ثمانينــات القــرن الماضــي بنهايــة الحرب الباردة عمليــا بإنهــاء الوجــود الفعلــي للمنظومــة الشــيوعية .مــا ان جــاءت جولــة الورغواى حتى كانت معظم هذه الدول قد اختارت الليبرالية وتبنت مذهب حرية التجارة . هكذا أيضا حدث تحول في التفكير التنموي العالمثالثي تراجعت بمــوجبه الفكــار الداعيــة
إلى تنمية الصناعة الوطنية لتحل محل الواردات مع تولى الدولة الدور الساسي في هــذه العملية التنموية .أصبح الخيار الجديــد هــو تحقيــق نمـو يقــوده التجــاه للتصــدير وهيمنـة القطاع الخاص .كانت الحجة وراء ذلك ان التجارة تحقق وفرة من النقــد الجنــبي الــذي يمكن عن طريقه استيراد مال يمكن إنتاجه محليا والتقنية اللزمة لتحقيق اقتصــاد إنتــاجي متنوع كما ارتبط بذلك العتقاد بأن التجاه للتصدير من شأنه ان يجلب الســتثمار الجنــبي ويوفر فرص العمل .رغــم ان الــدول الناميــة ســتعطى وضــعا افضــليا فــي الــدخول إلــى السواق بالضافة إلى التدريب وبناء لقدراتها في مجال التجارة ومســاعدة فنيــة أيضــا إل ان ذلك يظل نظريا فقط.من الناحية العملية فإن الفائــدة الــتي جنتهــا الــدول الناميــة مــن GATTأو الــتي ســتجنيها مــن WTOتظــل محــدودة بالقيــاس إلــى حجــم التضــحيات والمخاطر . ومثلمــا عــبر تقريــر لمــؤتمر المــم المتحــدة حــول التجــارة والتنميــة UNCTADفــإن "المكاسب المؤملة للدول النامية بفعل جولة الورجواى تبين أنها مبالغ فيها… .لقد زادت الهوة في الدخل والرفاه بيــن وداخــل البلــدان وأصــبحت أكــثر اتســاعا …..إن القتصــاد العالمي يبدو أعمق انقساما وعدم استقر…اللمساواة والتحيز ضد الفقـراء في النظـام العالمـي والقـل حظـوة يستـــمر بـــدون تـــوقف (UNCTAD, 1999 , PP.1-2 )".لقــد تعرضت قدرات الدول النامية على المفاوضة ودعــم المصــالح لهــزة أكــبر عنــدما تعــرض مركز وقوة مؤتمر المـم المتحـدة للتجـارة والتنميـة UNCTADللتضـاؤل .لقـد تأسـس UNCTADفي ستينيات القرن الماضي لتحقيق المصالح التجاريــة للــدول الناميــة ولكــن مع مطلع التسعينيات فإن استقلليته ومركزه فــي نظــام المــم المتحــدة تــم التقليــل مــن
شأنها ممـا تـرك الـــدول النـــامية أكـــثر عرضـــة للضـــرر والسيـــطرة القتصـــادية للـــدول الغنــية ( .Oxfam, UK, pp ). ورغم الجولت المتعددة فإن المنتجات التي يمكن ان يكون للدول النامية أفضلية فيهــا مازالت تواجه حواجز هائلة في العــالم الصــناعي .هــذه تشـمل المنســوجات والملبــس البقوليات والسماك ،والمواد الغذائية ،الجلود ومنتجات المطاط والسيارات والليكترونات . ووفقا لتقديرات برنامج المم المتحدة النمائي فإن معدل الرسوم على الســلع الصــناعية المستوردة من الدول النامية هي أعلى بنســبة % 10وهــي أعلــى بنســبة %30بالنســبة للبلدان القل نموا مما هي عليه من معدلت عالمية .هكذا تخسر البلدان النامية نحــو 60 بليون دولرا أمريكي سنويا مقابل الدعم الزراعي في العالم الصناعي ومن الحواجز التي تقام في وجه صادراتها من المنسوجات والملبس (UNCTAD, 1997, P.9 ).
النظام القتصادي العالمي :الزمة والبديل ان للعالم النامي شكاوي واضحة من النظــام القتصــادي العــالمي القــائم ولشــك ان هذه الشكاوي لها صلة وثيقة بتحيز هذا النظام هيكليا أو بنيويا لصــالح العــالم المتطــور . ان ذلك ما يزداد خطورة بفعل العولمة كما رأينا . ان ذلك يعنى ان إقامة نظام اقتصادي عالمي مســئولية المجتمــع الــدولي كلــه وبــدون استثناء .ان هذه المسئولية ذات طابع أخلقــي وإنســاني أيضــا .إنهــا تعنــى تمكيــن كــل إنسان من تحقيق إشباع قدر ضروري وحاسم مــن حاجــاته الماديــة كالغــذاء والكســاء و الملبس والمأوى والصحة والتعليم .ان العلقات الدوليــة تقــوم بشــكل أكــثر بــروزا علــى
العتماد المتبادل ،وفي عصر تتقلص فيــه الســيادة الوطنيــة فــإن القــول بحتميــة تضــارب مصالح الدول والقوام هو قول مجاف للمنطــق الســوي .ان النســانية محتاجــة لــدخول عصر جديد تحقق فيه تقــدما نحــو تكامــل المنــافع والمصــالح صــنعا للســتقرار والســلم والمن .ان من أولى شروط ذلك هو تغيير السس التى يقــوم عليهــا النظــام القتصــادي العــالمي .ان ذلــك يعنــى ببســاطة قيــام مؤسســات هــذا النظــام بتأديــة خــدمات هــدفها النسانية كلها .من بين ذلك دعم التنمية الحقيقيــة المعتمــدة علــى الــذات ،خلــق جــو مــن التبادل المتكافئ وإيقاف عمليات السلب والستغلل التي تجرى على نطاق عالمي . ان هناك حاجة إلى إعادة صياغة النظام ومؤسساته وذلك مطلب ديمقراطي وإنساني في المقام الول .إن الرأسمالية نظام يقوم على )) الحرية (( بمبدئه البراق )) المنافسة الحرة (( التي تستخدمها حجة في وجه النقد الموجه ضدها ..فالرأســمالية تــرى أنهــا قــد منحت الحرية للضدين معا .فهي لم تجبر العبيد علــى العبوديــة ،ولكــن القواعــد الطبيعيــة أدت إلى انتصار السادة عليهم .فالغنى والفقر مسألة طبيعية ،الغنياء هم أولئك الحــذاق والذكياء الذين تمكنوا من استغلل غيرهم وانتهاز الفرص الــتي أتيحــت لهــم .والفقــراء ليسـوا مجبـورين جـبرا علـى الخضـوع لهـم ويمكنهـم المقاومـة ،لعـل القواعـد الطبيعيـة ترحمهم فتحمل بعضهم إلى مصاف أسيادهم الذين قد يهبط بعضهم إلى مصاف العبيد. إن النظام الرأسمالي يتبجح كثيرا بحرية مزعومة منحت للضدين معــا .فهــو ل يتــدخل فــي أسعار السلع التي يجب أن تحددها القواعد الطبيعية ،فقاعــدة العــرض والطلــب والنــدرة والوفرة هــي المســؤولة عــن مثــل هــذه المســألة .غيــر أن أي محلــل يســتطيع أن يصــل بسهولة إلى أن مبدأ )) المنافسة الحرة (( يقود إلى نتيجة حتمية واحدة ،هي سقوط غيــر
القادرين على المنافسة وبقاء القادرين عليها ،أي ظهور نظام طبقي يسوده الرأسماليون الذين تحكموا في المال ،وأخضعوا لمشيئتهم أولئك الــذين خســروا المنافســة كعبيــد لهــم .حين يسيطر السادة على المال والعمال ويسخرون العبيد لمصلحتهم ،فإنهم يســيطرون بل نهاية على المجتمع كله في جميع مجالت الحياة . "فالمعركة دائما غير متكافئة حســب الشــروط الرأســمالية الــتي تــدعي النســجام مــع القواعــد الطبيعيــة .والنتيجــة – سياســيا أو اقتصــاديا أو اجتماعيــا – تكــون دائمــا بوجــود طبقتين ،سادة وعبيد ،مستغلين ومستغلين ،حكام ومحكومين ،رأسماليين وعمال … الــخ .ان حقيقة كون خطاب العولمة يصدر عن القوياء في وقت يعيــش فيــه العــالم مرحلــة مضطربة تجعل هناك اعتقاد بأن السائد والذي تتم الدعوة له هــو الصــحيح بينمــا الواقــع يؤكد ان السائد والغالب الن الذي لديه القوة الذي يقدم اطروحاته للعالم ويعتبرهــا هــي الحل وهذا غير صحيح ومنطقيا القوى عندما يفــرض اطروحــاته لنــه قــوى ،وليــس لنهــا مقنعة .هذا التوحيد الذي يراد له ان يحدث بفعل العولمة ليـس إل سـعيا لكتمـال عمليـة تغريب العالم وانتصار الغرب ونموذجه المأزوم .ان حقيقة المر هي مثلما عبر عنها أحــد الكتاب الغربيين بقوله " قيام أخوة عالمية ليس على الطلق غاية هذا التوسع المسيطر، فأمر ل يتعلق بانتصار للنســان بــل بانتصــار علــى النســانية ،ومثـــل المســتعمرين )بفتــح الميم( منذ عهد قريب فالخــوة هم أيضــا وأول رعايــا) .لتوش ،ص ( 30 ان ذلك في الواقع يعنى أهمية البحث عن بدائل للساليب التقليدية والتجــاه نحــو أداة ديمقراطية تتجاوز مساوئ المؤسسات القائمة .ل بد من اعتماد مراجعــة هيكليــة شــاملة وحقيقية للنظام العالمي بكامله .هناك ضرورات ملحة لعتماد قيم ديمقراطيــة وإنســانية
حقيقية .ان عولمة التصالت تعنى ضرورة تحقيق قدر أكــبر مــن النســياب الحــر والغيــر مشروط للمعلومات والتكنولوجيا .كما يقتضي ذلك وجود آليات أكثر ديمقراطية وشــفافية أكثر في التعامل الدولي وخاصة بين بلدان الشمال والجنوب ووجود هياكل فعالة لتحقيق ديمقراطية كونية في كل المجالت .
المصادر : 1. Joan Edelman Spero, The Politics of International Economic Relations, London; George Allen &Unwin, 1984 .2
سمير امين ،امبراطورية الفوضى ،بيروت؛ دار الفارابي1991 ،
.3
هــانس بيــتر مــارتن و هارالــد شــومان ،فــخ العولمــة :العتــداء علــى الديمقراطيــة والرفاهية ،الكويت؛ عالم المعرفة.1998 ،
.4
سمير امين ،بعض قضايا للمستقبل ،القاهرة؛ مكتبة مدبولي.1992 ،
5. Anthony Giddens, The Third Way; The Renewal of Social Democracy,London; Polity Press, 1998 .6
سيرج لتوش ،تغريب العالم ،القاهرة؛ دار العالم الثالث.1992 ،
7. Geov Parrish , “ Shutting Down Seattle ” , Seattle Weekly , August 19-25, 1999.
8. WTO in Brief , WTO Web Site :WWW. Wto. Org.- United Nations Development Programme, Human Development Report , 1997, 1998 , 1999, Oxford and New York ; Oxford University Press. 9.
UNCTAD, Trade and Development Report, 1999. New York and Geneva ; United Nations UNCTAD, 1999.
10. Website of Third World Network ; " The United Nations at a Critical Crossroads : Time for the South to Act.� WWW. twnside.org. 11. Martin Khor Kok Peng, The Future of North- South Relation : Conflict or Cooperation , Third World Network . 12. Chakravarthi Reghavan, Recohonisation : GATT, the Urguay Round and the Third World , Third Network .