Issuu on Google+


‫املسيحية واحملمدية والقومية �أنطون �سعادة‬ ‫�صدر هذا الكتاب عن م�ؤ�س�سة �سعادة للثقافة‬ ‫جميع احلقوق حمفوظة لعائلة �أنطون �سعادة‬ ‫ال ي�سمح ب�إعادة طبع هذا الكتاب �أو �أي جزء منه �أو تخزينه يف نطاق ا�ستعادة املعلومات �أو نقله ب�أي و�سيلة �سواء ال ّت�صويرية �أم االلكرتونية‬ ‫�أم امليكانيكية‪ .‬مبا يف ذلك الن�سخ الفوتوغرايف والت�سجيل على �أ�شرطة �أو �سواها وحفظ املعلومات وا�سرتجاعها دون �إذن خطي من العائلة‪.‬‬

‫بناية ر�سامني‪� ،‬شارع احلمرا‪ ،‬ر�أ�س بريوت‪� ،‬صندوق بريد‪ 113-5557 :‬بريوت ‪ -‬لبنان‪.‬‬ ‫هاتف‪)00961-1( 753363 :‬‬ ‫فاك�س‪)00961-1( 753364 :‬‬ ‫الربيد الإلكرتوين‪saadehcf@idm.net.lb :‬‬ ‫الطبعة الأوىل‪ ،‬بريوت ‪2012‬‬ ‫‪ISBN: 978-9953-419-21-3‬‬


‫احملتوى‬ ‫الفهرس‬

‫مقدمة النا�شر‬ ‫«عالك» �أوزان يف جمال حما�ضر‬ ‫ال�ضالل البعيد‬ ‫اجلهل املطبق‬ ‫الفهم املُ ْف ِل ْق‬ ‫ما مل َ‬ ‫يعط للجهال‬ ‫ومل يتمكن منه املنافقون‬ ‫ذات ِنيقة‬ ‫َخ ْرقا ُء ُ‬ ‫لي�س من ع ِلم كمن ال يعلم‬ ‫ت�أويل اجلاهلني‬ ‫�ضعف الإدراك من نق�ص العقل‬ ‫بني اجلمود والإرتقاء ‪ -‬تخليط خم ِّلط‬ ‫بني الهو�س والتدين‬ ‫�أغرا�ض الدين واختالف الأديان‬

‫رقمالصفحة‬ ‫‪7‬‬ ‫‪17‬‬ ‫‪20‬‬ ‫‪27‬‬ ‫‪33‬‬ ‫‪39‬‬ ‫‪46‬‬ ‫‪54‬‬ ‫‪61‬‬ ‫‪67‬‬ ‫‪74‬‬ ‫‪86‬‬ ‫‪100‬‬ ‫‪110‬‬


‫مدار اخلالف بني الإ�سالم وامل�سيحية‬ ‫مدار اخلالف بني امل�سيحية والإ�سالم‬ ‫بني الدين والدولة‬ ‫الدين والفل�سفة الإجتماعية‬ ‫ن�صو�ص الإ�سالم كدولة‬ ‫يف الدولة واحلرب الدينية‬ ‫الدين والدولة‬ ‫العروبة الزائفة والعروبة ال�صحيحة‬ ‫العروبة الدينية والدعوات الأجنبية‬ ‫العروبة كقوة �إذاعية للمطامع ال�سيا�سية الفردية‬ ‫التعنتات امل�سيحية ـ خال�صة‬ ‫خلود اجلنون‬ ‫فهر�س الأ�سماء‬

‫‪119‬‬ ‫‪132‬‬ ‫‪142‬‬ ‫‪151‬‬ ‫‪163‬‬ ‫‪169‬‬ ‫‪177‬‬ ‫‪186‬‬ ‫‪194‬‬ ‫‪202‬‬ ‫‪209‬‬ ‫‪217‬‬ ‫‪227‬‬


‫‪7‬‬

‫مقدمة الناشر‬ ‫يف مطلع �آب �سنة ‪ ،1940‬تناهى �إىل �أنطون �سعادة م�ؤ�س�س احلزب ال�سوري القومي الإجتماعي‬ ‫يف مغرتبه الق�سري بالأرجنتني �أن جريدة «الرابطة» ال�صادرة يف الربازيل تن�شر على حلقات‬ ‫«حما�ضرة» �ألقاها ر�شيد �سليم اخلوري الذي �أطلق على نف�سه ا�سم (ال�شاعر القروي) بعنوان‬ ‫«امل�سيحية والإ�سالم»‪ ،‬فكتب �إىل جورج بندقي يف �سان باولو ر�سالة بتاريخ ‪� 4‬آب يقول فيها‪:‬‬ ‫«مل يخطر لك يف بال �أن تر�سلها �إ ّيل (�أي املحا�ضرة) مع �أنها هامة يل‪ .‬وقد وردين معظمها‬ ‫وبقي الق�سم الأخري (‪ )...‬ف�أريد �أن تر�سل هذا الق�سم �إ ّيل �سريعاً»‪.‬‬ ‫كان �سعادة �آنذاك ي�ستعد لإ�صدار جريدة «الزوبعة» يف بوان�س �أير�س‪ ،‬وقد �صدر العدد الأول‬ ‫فع ًال يف ‪� 10‬آب ‪ .1940‬غري �أنه قرر مناق�شة «حما�ضرة» ر�شيد �سليم اخلوري ب�سل�سلة من‬ ‫املقاالت ين�شرها على �صفحات جريدة «�سورية اجلديدة» ال�صادرة يف �سان باولو‪ ،‬التي كان‬ ‫قد اتفق مع �صاحبيها ف�ؤاد وتوفيق بندقي على �أن يتوليا هما الإدارة يف حني تكون ال�سيا�سة‬ ‫التحريرية خا�ضعة لإ�شراف القيادة احلزبية‪ .‬ولذلك كتب �إىل جورج بندقي بتاريخ ‪� 23‬آب‬ ‫يقول‪« :‬و�ضعت لك منذ يومني‪ ،‬يف الربيد العادي امل�سجل‪ ،‬مغلفاً ي�شتمل على املقالني‬ ‫الأولني من �سل�سلة مقاالت يف ر�شيد �سليم اخلوري ومنظوماته و«حما�ضرته» الأخرية بعنوان‬ ‫«جنون اخللود»‪ ،‬ف�أكرر هنا وجوب التدقيق يف الأغالط املطبعية‪»...‬‬ ‫و�أرفق �سعادة هذين املقالني بتعليمات وا�ضحة حمددة لطريقة الن�شر يف �صدر ال�صفحة الأوىل‬ ‫من «�سورية اجلديدة»‪.‬‬


‫‪8‬‬

‫لكن الن�شر مل يتم يف الوقت املعني‪ ،‬فكتب مرة �أخرى �إىل جورج بندقي بتاريخ ‪� 9‬أيلول‪...« :‬‬ ‫وردين الربيد هذا اليوم وفيه العدد ‪ 82‬من «�سورية اجلديدة» فوجدته خالياً من املقال الأول‬ ‫من �سل�سلة «جنون اخللود»‪ ،‬وقد كنت �أتوقع �صدوره يف هذا العدد (‪� )...‬أكتب و�أبلغني عن‬ ‫م�صري املقالني املر�سلني لأتخذ ما يلزم»‪ .‬ويو�ضح �سعادة يف هذه الر�سالة �أهمية ال�سل�سلة التي‬ ‫يعكف على كتابتها بالقول‪� « :‬إن «حما�ضرة» ر�شيد �سليم اخلوري هي اختيار للحرب حتى‬ ‫يتم لنا الن�صر‪ .‬وهذه املعارك الفكرية تفيد احلركة وبالتايل اجلريدة فائدة معنوية وح�سية لأنها‬ ‫تنبه الر�أي العام وتك�شف عن �شعوذة �أعدائنا الذين يحاربوننا ب�سالح الأوهام الباطلة»‪.‬‬ ‫ومع ذلك مل تن�شر «�سورية اجلديدة» املقالني‪ ،‬وا�ستلم �سعادة يف منت�صف �أيلول ر�سالة من‬ ‫�أخيه �إدوار املقيم يف �سان باولو يخربه فيها �أن جورج بندقي «مل ي�ستطع ن�شر املقالني»‪ ،‬فقرر‬ ‫التحرك باجتاهني‪ :‬الأول «ت�أ�سي�س مطبعة �صاحلة تكفي لإ�صدار «الزوبعة» (‪ )...‬فت�صبح هي‬ ‫اجلريدة �شبه الر�سمية للحركة القومية‪ ،‬والثاين الطلب من �أخيه �سحب املقالني من «�سورية‬ ‫اجلديدة» بانتظار �أن يعالج الإ�شكاالت الإدارية واحلزبية العالقة مع ف�ؤاد وتوفيق بندقي‪.‬‬ ‫وبالفعل با�شرت «الزوبعة» ن�شر حلقات «جنون اخللود» ابتداء من العدد ال�ساد�س ال�صادر‬ ‫بتاريخ ‪ 15‬ت�شرين الأول ‪ ،1940‬بتوقيع «هاين بعل»‪.‬‬ ‫ال تعنينا كثرياً هنا الطريقة التي ُعوجلت بها الحقاً م�شكلة جمل�س �إدارة «�سورية اجلديدة»‪،‬‬ ‫لكن �سعادة كتب �إىل وليم بحلي�س بتاريخ ‪� 3‬شباط ‪ ...« :1941‬وبعد قليل ميكن «�سورية‬ ‫اجلديدة» مبا�شرة نقل مقاالت «الزوبعة» يف «جنون اخللود»‪ ،‬و�أنا �أر�سل جمموعة هذه املقاالت‬ ‫منقحة»‪ .‬ويف ‪� 22‬شباط ‪ 1941‬ن�شرت «�سورية اجلديدة» احللقة الأوىل من «جنون اخللود»‪،‬‬ ‫وا�ستمرت على هذا املنوال حتى احللقة ال�ساد�سة والثالثني‪ ،‬وهي الأخرية‪ .‬وكان �سعادة‬ ‫ينقح ما ُين�شر يف «الزوبعة» ويعيد �إر�ساله بالربيد �إىل «�سورية اجلديدة» دفعة بعد �أخرى‪.‬‬ ‫مل تكن ت�صحيحات �سعادة وتنقيحاته جذرية‪ ،‬بني «الزوبعة» و«�سورية اجلديدة»‪ ،‬و�إن كان‬ ‫ي�ؤكد يف �أكرث من منا�سبة على رغبته يف املزيد من التو�سع يف معاجلة املو�ضوع‪ ،‬كما جاء يف‬ ‫ر�سالة �إىل وليم بحلي�س بتاريخ ‪� 23‬أيلول ‪.1941‬‬


‫‪9‬‬

‫ونظراً �إىل االهتمام الوا�سع بني املهاجرين ال�سوريني الذي �أثارته ال�سل�سلة يف الربازيل‬ ‫والأرجنتني‪ ،‬فقد اقرتح بع�ض ال�سوريني املتمولني طبع «جنون اخللود» يف كتاب لتوزيعه على‬ ‫نطاق وا�سع‪ ،‬ويقول �سعادة يف الر�سالة ذاتها‪« :‬قد يكون الأف�ضل جعل �أقل عدد ُيطبع خم�سة‬ ‫�آالف لكي ُير�سل منها �إىل الوطن وم�صر والعراق بعد احلرب‪ ،‬لأن البحث يجب �أن ي�صل‬ ‫�إىل ال�شبيبة القومية يف الوطن حيث تكون النتيجة �أكرب»‪.‬‬ ‫ويف ر�سالة �إىل جنيب الع�سراوي بتاريخ ‪� 21‬آذار ‪ 1942‬يقول �سعادة‪« :‬قررت طبع �سل�سلة‬ ‫«جنون اخللود» يف كتابني‪ :‬الواحد �أدبي ويتعلق مبنظومات ر�شيد اخلوري كدرا�سة �أدبية‪،‬‬ ‫والثاين يخت�ص مبو�ضوع امل�سيحية واملحمدية �أو الي�سوعية واملحمدية والع�صبية القومية‪ .‬وقد‬ ‫ر�أيت �أن يحمل الكتاب الأول فقط عنوان «جنون اخللود»‪� ،‬أما الكتاب الثاين ف�س�أجد له‬ ‫عنواناً من مو�ضوعه»‪.‬‬ ‫ومع �أن م�شروع �إ�صدار الكتاب يف الربازيل �أو الأرجنتني مل يتحقق‪� ،‬إال �أن الفكرة ظلت تلح‬ ‫على �سعادة فرتة بعد �أخرى‪ .‬ففي الر�سالة املذكورة �أعاله لنجيب الع�سراوي يعرب عن �أ�سفه‬ ‫لأنه مل يتمكن «من الوقوف على كتابات �أخرى يف هذا املو�ضوع ككتاب ال�شيخ حممد‬ ‫لدي امل�صادر وامل�ستندات‬ ‫عبده يف «امل�سيحية والإ�سالم» وغريه (‪ )...‬وكان بودي لو تتوفر ّ‬ ‫وال�شواهد العديدة‪ ،‬ولكن مكاتب الأرجنتني ال�سورية فقرية جداً يف الكتب‪ ،‬وحالة احلرب مل‬ ‫ت�سمح بجلب �شيء جديد‪ ،‬وال �أدري ما يوجد يف �سان باولو وكيف ومتى ُير�سل‪ ،‬فا�ضطررت‬ ‫للإقت�صار على �أ�سا�س املو�ضوع وما وقفت عليه من �آراء وحجج �أ�صحاب الدولة الدينية‬ ‫املحمدية»‪.‬‬ ‫�إن ال�ضجة التي �أحدثتها �سل�سلة «جنون اخللود» يف املهجر الأمريكي الالتيني‪ ،‬والإهتمام‬ ‫الذي �أثارته يف �صفوف امل�ؤيدين واملعار�ضني‪ ،‬جعال �سعادة يفكر جدياً يف «تو�سيع البحث‬ ‫عند تنقيحه»‪ ،‬كما جاء يف ر�سالته �إىل يعقوب نا�صيف بتاريخ ‪� 7‬آب ‪ .1942‬بل نراه ي�ؤكد يف‬ ‫ر�سالة �أخرى �إىل جربان م�سوح بتاريخ ‪� 15‬أيلول ‪�« :1943‬أخذت م�ؤخراً �أهتم بكتب ال�سري‬ ‫واحلديث املحمدية لأعود �إىل بحث امل�سيحية واملحمدية‪ .»...‬لكننا نعرف �أن عدم ا�ستطاعة‬


‫‪10‬‬

‫�سعادة احل�صول على مراجع رئي�سية لإكمال البحث من جهة‪ ،‬و�ضغوط العمل احلزبي‪،‬‬ ‫واحل�صار الذي فر�ضه �أ�صحاب املطابع العربية على �سعادة يف املهجر منعت من حتقيق رغبته‪.‬‬ ‫�أما يف الوطن بعد العودة �سنة ‪ ،1947‬ف�إن ظروف ال�صراع ال�سيا�سي العنيف الذي خا�ضه‬ ‫�سعادة واحلزب حالت دون �إجناز تلك الرغبة‪ ،‬فبقيت كتابات �سل�سلة «جنون اخللود» حمدودة‬ ‫الإنت�شار يف املغرتب فقط‪� ،‬إىل �أن �أعيد ن�شر ‪ 12‬حلقة منها للمرة الأوىل يف الوطن يف جملة‬ ‫«النظام اجلديد» ال�صادرة يف دم�شق �سنة ‪� .1951‬أما الأق�سام الباقية فقد ُن�شرت يف كتاب‬ ‫و�ضع له عنوان «الإ�سالم يف ر�سالتيه امل�سيحية واملحمدية» بطبعاته املختلفة يف دم�شق وبريوت‪.‬‬ ‫ومل ت�صدر ال�سل�سلة كلها يف كتاب واحد (خارج �سياق عملية جمع الآثار الكاملة ل�سعادة التي‬ ‫بد�أت �سنة ‪� )1975‬إال �سنة ‪ 1978‬عندما توىل الأمني ال�شهيد حبيب كريوز الإ�شراف على طبعة‬ ‫جديدة اعتماداً على الن�ص الأ�صلي املن�شور يف «الزوبعة»‪.‬‬ ‫تقول املقدمة التي و�ضعها الدكتور �سليم جماع�ص لتلك الطبعة �إن �سل�سلة «جنون اخللود»‬ ‫يف كال ال�شكلني تعر�ضت «�إىل الكثري من احلذف والتحوير مما حولها �إىل كتابات خمتلفة‬ ‫عن الن�صو�ص الأ�صلية‪ .‬حتى �أنه عند مراجعة الكتاب لإعداده للن�شر‪ ،‬وعند مقارنته مع‬ ‫الأ�شكال املعروفة‪ ،‬تبني �أنه مل ُ‬ ‫تخل �صفحة مطبوعة من احلذف والتحوير لأكرث من ثالث‬ ‫كلمات ولأكرث من جملتني»‪ .‬و�إ�ضافة �إىل ت�صحيح مكامن اخللل الذي �أ�صاب ال�سل�سلة يف‬ ‫طبعاتها املختلفة‪ ،‬متيزت هذه الطبعة بو�ضع ثبت باملراجع‪ ،‬ون�شر الوثائق املتعلقة بالبحث‪،‬‬ ‫و�إعداد فهار�س متنوعة‪ ،‬وكذلك و�ضع مالحق ذات عالقة مبحتويات الكتاب‪.‬‬ ‫و�أ�صبحت طبعة العام ‪ 1978‬منوذجاً ُيحتذى‪ ،‬خ�صو�صاً يف جمموعة «الأعمال الكاملة» التي‬ ‫�أ�صدرتها «م�ؤ�س�سة �سعادة للثقافة» يف بريوت �سنة ‪ .2001‬ومع ذلك‪ ،‬توجد حاجة ما�سة لطبعة‬ ‫جديدة تبني على ما �أجنز حتى الآن‪ ،‬وتتجاوز النواق�ص التي اعرتت تينك الطبعتني‪ .‬وال�سبب‬ ‫يف ذلك هو �أن طبعة العام ‪ 1978‬ذاتها تعر�ضت يف �أق�سام منها «للحذف والتحوير»‪ ،‬وكذلك‬ ‫مل ُيتح للم�شرفني عليها التدقيق اللغوي والتحريري نظراً �إىل الظروف الأمنية يف لبنان يف‬ ‫تلك املرحلة‪ ،‬ولعدم توافر جمموعة «�سورية اجلديدة» �آنذاك‪ .‬يف حني �أن طبعة «الأعمال‬ ‫الكاملة» اهتمت كثرياً بتحقيق الن�ص‪ ،‬ونق�صد بذلك املقارنة بني ما ُن�شر يف «الزوبعة» وما �أعيد‬


‫‪11‬‬

‫ن�شره يف «�سورية اجلديدة»‪ ،‬ما جعل الكتاب مليئاً باملالحظات الإي�ضاحية التي تفيد الباحث‬ ‫املدقق‪ ،‬لكنها قد ُتثقل على القارىء العادي‪.‬‬ ‫هذه الطبعة ترتكز �إىل طبعتي ‪ 1978‬و‪ ،2001‬لكنها تتجاوزهما يف ناحيتني �أ�سا�سيتني‪ :‬عاجلنا‬ ‫النواق�ص والتدخالت التي اعرتت الطبعة الأوىل‪ ،‬و�أ�سقطنا من الثانية كل ما من �ش�أنه �أن‬ ‫يعرقل �سياق مرونة الن�ص وان�سيابه الطبيعي‪ .‬مثال على ذلك �أن حمرر طبعة ‪ 1978‬كان يتعامل‬ ‫بح�سا�سية مفرطة مع مو�ضوع العراق‪ ،‬فيعمل قلمه تعدي ًال وتبدي ًال كلما �شعر �أن ذلك «ي�شوه»‬ ‫الفهم القومي الإجتماعي جلغرافية الوطن ال�سوري‪ .‬يف حني �أن حمرر طبعة ‪ 2001‬كان ي�صر دائماً‬ ‫على الإ�شارة �إىل كل التغيريات بني ما ُن�شر يف «الزوبعة» وما �أعيد ن�شره يف «�سورية اجلديدة» بعد‬ ‫الت�صحيح والتنقيح‪ ،‬علماً ب�أن �سعادة هو الذي �أقدم على �إجراء تلك الت�صحيحات والتعديالت‪.‬‬ ‫والطبعة هذه تعتمد ما كان �سعادة ينوي القيام به من حيث تق�سيم ال�سل�سلة الدرا�سية �إىل‬ ‫كتابني‪ :‬الأول �أدبي مناقبي يحمل العنوان الذي كان �سعادة قد قرر ا�ستعماله وي�ضم ‪12‬‬ ‫حلقة‪ ،‬كل منها بعنوان خمتلف‪ ،‬ن�شرت يف �إطار العنوان الرئي�سي «جنون اخللود»‪� .‬أما الكتاب‬ ‫الثاين‪ ،‬وهو ي�ضم باقي حلقات البحث‪ ،‬فقد و�ضعنا له عنواناً م�ستمداً مما كان ينوي �سعادة‬ ‫الت�أ�سي�س عليه وهو «امل�سيحية واملحمدية والقومية»‪.‬‬ ‫وهكذا تكون هذه الطبعة قد �إلتزمت املعايري التالية‪:‬‬ ‫‪� - 1‬إعتماد الطبعتني امل�شار �إليهما �أعاله‪ ،‬والعودة �إىل الن�صو�ص الأ�صلية كلما دعت احلاجة‬ ‫�أو واجهتنا عبارات �أو كلمات غام�ضة‪.‬‬ ‫‪� - 2‬إلغاء كل الهوام�ش التي تو�ضح تعديالت �أدخلها �سعادة‪ ،‬والإكتفاء مبا ن�شر يف «�سورية‬ ‫اجلديدة» مع الأخذ يف الإعتبار ما �أ�شار �إليه �سعادة يف ر�سائله �آنذاك وتتعلق ببع�ض الأخطاء‬ ‫�أو الت�صحيحات‪.‬‬ ‫‪ - 3‬كان �سعادة ي�ستعمل �أ�سماء الأ�شهر الإفرجنية (مار�س‪� ،‬أبريل‪� )...‬أثناء �إقامته يف الأرجنتني‪،‬‬ ‫ثم عاد �إىل ا�ستعمال �أ�سماء الأ�شهر ال�سورية (�آذار‪ ،‬ني�سان‪ )...‬يف الوطن‪ .‬لذلك �أوردنا يف هذه‬ ‫الطبعة الإ�سم الإفرجني �أو ًال‪ ،‬وو�ضعنا بني قو�سني ( ) الإ�سم ال�سوري املرادف له‪.‬‬


‫‪12‬‬

‫‪� - 4‬سعينا �إىل توحيد بع�ض املفردات التي كانت تطبع ب�أ�شكال خمتلفة بني «�سورية اجلديدة»‬ ‫و«الزوبعة»‪ .‬ومن الأمثلة على ذلك‪ :‬بحت ‪ -‬بحتة‪� ،‬أوربا ‪� -‬أوروبا‪� ،‬أمريكا ‪� -‬أمريكا‪ ،‬دبلوماتية‬ ‫ دبلوما�سية‪ ،‬الإنقليز ‪ -‬الإنكليز‪�...‬إلخ‪.‬‬‫‪ - 5‬ا�ستخدمنا الأ�سلوب املعا�صر يف عملية التنقيط نظراً �إىل غياب ذلك يف معظم ما ن�شرته‬ ‫«�سورية اجلديدة» و«الزوبعة»‪.‬‬ ‫‪ - 6‬مل نورد مراجع الآيات القر�آنية �أو الآيات التوراتية والإجنيلية يف الهام�ش �أ�سفل كل‬ ‫�صفحة كما يف طبعة ‪� ،2001‬أو يف �آخر كل حلقة كما يف طبعة ‪ .1978‬بل و�ضعناها يف ال�سطر‬ ‫نف�سه على ال�شكل التايل‪« :‬البقرة‪� »112 ،‬أي «�سورة البقرة الآية ‪ .»112‬وال�شيء نف�سه ينطبق‬ ‫على الآيات التوراتية والإجنيلية‪« :‬لوقا‪� »5 : 1 ،‬أي «�إجنيل لوقا‪ ،‬الإ�صحاح الأول‪ ،‬الآية ‪.»5‬‬ ‫‪� - 7‬أ�ضفنا �شروحات ل�شخ�صيات و�أحداث وكتب مل تكن الطبعات ال�سابقة قد و�ضعت �أية‬ ‫تعريفات لها‪.‬‬ ‫‪� - 8‬سمحنا لأنف�سنا‪ ،‬يف حالة واحدة فقط‪� ،‬إلغاء تدخل حمرر طبعة ‪ 2001‬عندما �أ�ضاف‬ ‫كلمة «هلل» بعد عبارة «فاملو�سويون م�سلمون» يف قول �سعادة «فاملو�سويون م�سلمون وامل�سيحيون‬ ‫م�سلمون هلل واملحمديون م�سلمون هلل» (احللقة ‪ / 31‬احللقة ‪ 20‬بالرتتيب اجلديد)‪ .‬وقد ظن‬ ‫املحرر �أن «هلل» �سقطت �سهواً‪ ،‬يف حني �أننا نرى �أن �سعادة تعمد �إ�سقاطها لأن اليهود مل‬ ‫ي�سلموا هلل رب العاملني بل ليهوه ربهم اخلا�ص‪ .‬وقد �أو�ضحنا ذلك يف الهام�ش‪.‬‬ ‫‪ - 9‬مل تتوافر لدى �سعادة كل املراجع التي كان يتمنى لو �أنها متاحة له‪ ،‬وهذا ما تو�ضحه‬ ‫ر�سائل تلك املرحلة‪ ،‬وقد ا�ست�شهدنا ببع�ض فقراتها يف ما �سبق‪ .‬لذلك كان من الطبيعي وقوع‬ ‫بع�ض الهنات من مثل اعتبار قول الإمام علي بن �أبي طالب «�إعمل لدنياك ك�أنك تعي�ش �أبداً‬ ‫واعمل لآخرتك ك�أنك متوت غداً» حديثاً نبوياً‪ .‬وقد �أ�شرنا �إىل هذا اخلط�أ مرة واحدة‪ ،‬وتركنا‬ ‫ال�سياق العام على ما هو عليه يف الن�ص الأ�صلي‪.‬‬ ‫‪� - 10‬أما بالن�سبة �إىل املالحق‪ ،‬فقد اكتفينا بواحد منها فقط هو «ترتيب ال�سور القر�آنية ح�سب‬ ‫نزولها»‪ ،‬ملا لهذا الأمر من عالقة جذرية بالبحث الذي يتناوله �سعادة يف «جنون اخللود»‪.‬‬


‫‪13‬‬

‫‪ - 11‬الق�سم الأول من ال�سل�سلة (�إثنتا ع�شرة حلقة) ُن�شر يف كتاب م�ستقل بعنوان «جنون‬ ‫اخللود»‪ ،‬وهذا الكتاب يت�ضمن الق�سم الباقي‪ .‬لكننا ابتد�أنا من منت�صف احللقة الثانية ع�شرة‬ ‫لأن �سعادة با�شر مناق�شة مو�ضوع املحمدية وامل�سيحية فيها‪.‬‬ ‫‪ - 12‬و�ضعنا ترتيباً جديداً لأرقام حلقات هذا الق�سم‪ ،‬غري �أننا �أوردنا الإي�ضاحات الالزمة‬ ‫عندما تطلب ال�سياق ذكر �أرقام احللقات ال�سابقة كما جاءت يف «الزوبعة» و«�سورية اجلديدة»‪.‬‬ ‫هذا من حيث تاريخ «جنون اخللود» واملراحل املختلفة لن�شره‪ ،‬فماذا عن م�ضمونه والغاية منه؟‬ ‫ي�صف �سعادة «جنون اخللود» ب�أنها «�سل�سلة درا�سية» الغر�ض منها‪« :‬قمع الفتنة الدينية بني‬ ‫�أبناء �أمتنا قبل ا�ستعار �أوارها‪ ،‬ودعوة ال�سوريني جميعهم من ر�سوليني وم�سيحيني ودروز �إىل‬ ‫رابطة العقيدة الإجتماعية الواحدة‪� :‬إىل عقيدة القومية ال�سورية التي جتمعهم يف وطن واحد‬ ‫وم�صري واحد» (احللقة ‪ / 35‬احللقة ‪ 24‬بالرتتيب اجلديد)‪ .‬و�إذا كانت «حما�ضرة» ر�شيد �سليم‬ ‫اخلوري التي ا�شتملت �أي�ضاً على تهجمات رخي�صة �ضد احلزب ال�سوري القومي الإجتماعي‬ ‫وزعيمه هي التي دفعت �سعادة �إىل املبا�شرة بكتابة هذه ال�سل�سلة‪� ،‬إال �أن املق�صود مل يكن‬ ‫�شخ�ص اخلوري حتديداً‪ .‬فاخلوري هو ع ّينة من مناذج بع�ض ال�صحافيني واملثقفني والك ّتاب‬ ‫الذين فجروا �أحقادهم مبئات املقاالت �ضد النه�ضة ال�سورية القومية الإجتماعية‪ .‬فالغاية من‬ ‫هذه الأبحاث كانت توجيه �ضربة قا�صمة �إىل �أعداء النه�ضة القومية الإجتماعية الذين كانوا‬ ‫ي�ستخدمون �سالح الفتنة الدينية بني ال�سوريني من �أجل حتقيق مكا�سب �سيا�سية فردية‪.‬‬ ‫وما كادت احللقات الأوىل ت�صدر يف «الزوبعة» ومن ثم يف «�سورية اجلديدة» حتى جرت ات�صاالت‬ ‫مع �سعادة‪ ،‬و ُبذلت و�ساطات وتدخالت من قبل مواطنني مقربني ورفقاء قوميني‪ ،‬لتخفيف وط�أة‬ ‫احلملة على اخلوري و�أ�ضرابه من الأدباء بحجة �أنها قد ُتعترب «مهاترات �شخ�صية»‪ .‬لكن رد �سعادة‬ ‫يف �سياق احللقات‪ ،‬ويف ر�سائله �أي�ضاً‪ ،‬كان وا�ضحاً وحازماً‪� ،‬إذ �أكد على �أن «مهاجمة نف�سية عتيقة‬ ‫جامدة» لي�ست مهاترات �شخ�صية‪ .‬م�شدداً على �أنه «ملا كانت مهمتنا الأوىل ك�شف القناع عن‬ ‫ِ�سحن امل�شعوذين «الوطنيني» احلقيقية‪ ،‬ف�إننا ال ن�ستطيع �إنقاذ ال�شعب من �شعوذاتهم بال�سكوت‬ ‫عليها‪ ،‬لتحقيق ر�صانة جوفاء ونظرية خرقاء‪ .‬وما هي النتيجة التي نتوخاها من �إطباق جفوننا على‬


‫‪14‬‬

‫القذى؟» (ر�سالة �إىل جورج بندقي بتاريخ ‪ 2‬ت�شرين الأول ‪.)1940‬‬ ‫بد�أت �سل�سلة «جنون اخللود» بحلقات تعري �أدب الإنحطاط الالقومي عند ر�شيد �سليم‬ ‫اخلوري و�أمثاله من الأدباء والكتاب‪ ،‬لكنها �سرعان ما حتولت �إىل املو�ضوع الأ�سا�سي �أال وهو‬ ‫التحري�ض الذي ميار�سه دعاة الرجعة �إىل الدولة الدينية وامل�ؤدي �إىل اندالع الفتنة الدينية‬ ‫بني �أبناء الأمة الواحدة‪ .‬وكان على �سعادة �أن يو�سع حملته لتطال تناق�ضات �أ�ساتذة ر�شيد‬ ‫�سليم اخلوري‪ ،‬واملق�صود بذلك ال�شيخ حممد عبده وال�سيد جمال الدين الأفغاين‪ ،‬وخطورة‬ ‫دعوتهما �إىل الدولة الدينية على وحدة املجتمع ال�سوري‪ ،‬بل وعلى وحدة �أي جمتمع �آخر‬ ‫يف العامل العربي‪ .‬ومل تكن هذه املهمة �سهلة‪ ،‬فاملراجع مل تكن متوافرة‪ ،‬ومتابعة العمل‬ ‫احلزبي يف الوطن وعرب احلدود ت�ستنزف جهد �سعادة ووقته‪ .‬ومع ذلك نراه يقول‪�« :‬إن ما‬ ‫�سي�صدر من املقاالت يف امل�سيحية والإ�سالم �سيكون هاماً جداً للتفكري القومي وملعاجلة‬ ‫امل�شاكل الروحية ‪ -‬الإجتماعية يف الأمة ال�سورية‪ .‬ولوال �ضيق الوقت معي وحراجة الظروف‬ ‫ال�سيا�سية لكنت و�سعت البحث ودققت �أكرث يف التفا�صيل‪ .‬ولكن املجال الذي حددته‬ ‫يكفي لإي�ضاح الطريق وتعيني احلل‪ .‬والأقالم القومية تتكفل فيما بعد بزيادة احلجج وتو�سيع‬ ‫النطاق»‪( .‬ر�سالة �إىل وليم بحلي�س بتاريخ ‪� 23‬أيلول ‪.)1941‬‬ ‫من امل�ؤ�سف �أن «الفتنة الدينية» التي حذر منها �سعادة يف �أربعينات القرن املا�ضي ما زالت‬ ‫ناراً تلتهم جمتمعنا ال�سوري يف معظم كياناته ال�سيا�سية‪ .‬ومن امل�ؤ�سف �أي�ضاً �أن �أ�صوات‬ ‫دعاة الرجعة �إىل الدولة الدينية تكاد تطغى على كل نداءات الداعني �إىل الإخاء القومي‬ ‫والوفاق الإجتماعي‪ .‬ولعلنا يف �إعادة �إ�صدار هذه الأبحاث نكون قد �أظهرنا ريادة �سعادة‬ ‫املميزة وا�ست�شرافه وفهمه العلمي العميق ملخاطر التحري�ض الطائفي واملذهبي على وحدة‬ ‫املجتمع ال�سوري‪ ،‬ويف الوقت نف�سه نقدم الدليل العملي للمواطنني الباحثني عن خمرج �آمن‬ ‫من امل�أزق الدموي الذي يلفنا جميعاً يف هذه الأزمنة ال�صعبة!‬ ‫بريوت ‪ 16 -‬ت�شرين الثاين ‪2012‬‬


‫املقال الثاين ع�شر من �سل�سلة «جنون اخللود» كما ن�شر يف جريدة «الزوبعة» ال�صادرة يف بوان�س �أيري�س‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪17‬‬

‫«عالك» أوزان يف جمال حماضر‬ ‫نعود الآن( ) �إىل متابعة البحث يف غر�ض هذه املقاالت الأ�سا�سي الذي هو تبيان الأدب‬ ‫االنحطاطي و�أ�ضراره على نف�سية ال�شعب وتبيان عوامل النف�سية املخربة التي تدفع �أ�صحاب‬ ‫هذا الأدب �إىل العيث ف�ساداً يف ال�شعب‪ ،‬والعبث ُمبثله العليا و�إرجاعه �إىل الفتنة والأحقاد‬ ‫الدينية التي �أتلفت الزرع و�أهلكت ال�ضرع‪.‬‬ ‫وبعد �أن فرغنا من �إي�ضاح حقيقة «�شاعرية» ر�شيد اخلوري و�إعطاء منظوماته الوطنية والالوطنية‬ ‫قيمتها‪ ،‬مند هذا الدر�س يف الأدب �إىل «حما�ضرته» التي ن�شرها يف �صحيفة «الرابطة» التي‬ ‫ت�صدر يف �سان باولو‪ ،‬الربازيل‪ ،‬يف �سل�سلة �أعداد ابتدا ًء من العدد ‪ 527‬ال�صادر يف ‪ 8‬يونيو‬ ‫(حزيران) املا�ضي وانتها ًء يف العدد ‪ 541‬ال�صادر يف ‪� 14‬سبتمرب ( �أيلول) املا�ضي وعدد‬ ‫�أق�سامها �ستة‪ .‬ومو�ضوع «املحا�ضرة» املذكورة «امل�سيحية والإ�سالم» وغر�ضها تف�ضيل الدين‬ ‫الإ�سالمي على الدين امل�سيحي‪.‬‬ ‫�إن هذه «املحا�ضرة» التي تعيد تفكرينا �إىل العهود الأولية امل�ش�ؤومة اجلديرة بالنقد الدرا�سي‪،‬‬ ‫لأنها من �أف�ضل الأمثلة على قحة «الواغلني» على الأدب الذين يذكرهم ر�شيد اخلوري وال‬ ‫يذكر نف�سه بينهم‪ ،‬كما �أغفل ذكر نف�سه مع «عالكي» الأوزان الذين �أ�شار �إليهم يف مقدمة‬ ‫«�أعا�صريه»‪ ،‬وعلى �سف�سطة القافزين فوق �سياجات العلم والفل�سفة‪.‬‬ ‫�إن البحث يف طبيعة دينني جليلني كامل�سيحية والإ�سالم يجب �أن ت�ستتب له �شروط �سابقة‬ ‫من الت�ضلع يف العلم والفل�سفة‪ .‬ففي هذا البحث ال يكفي الغو�ص على املفردات اللغوية‬ ‫‪1‬‬


‫‪18‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫والتدقيق يف �أ�شكال العرو�ض‪ ،‬وال يفي به اال�ستعارات من كبار الك ّتاب وال جتدي �أ�ساليب‬ ‫البيان والبالغة يف �صوغ العبارة‪.‬‬ ‫وقد عرفنا ر�شيد �سليم اخلوري ناظماً وناثراً ولكننا مل نعرفه من �أهل الفكر والبحث‪ ،‬فهو‬ ‫�أبعد ما يكون عن التفكري والبحث والدرا�سة واال�ستق�صاء‪ .‬وقد ر�أينا من الدرا�سة املتقدمة‬ ‫ملنظوماته �أنه لي�ست لها فكرة �أ�سا�سية و�أن موا�ضيعها م�ستمدة من ال ِف َكر ال�شائعة يف بيئته‪،‬‬ ‫ولكنه �أبى �إال �أن يغل على املباحث الفل�سفية والعلمية ظاناً �أن الكالم فيها كالكالم يف‬ ‫غريها‪« ،‬وكله عند العرب �صابون»‪.‬‬ ‫قر�أنا «حما�ضرة» اخلوري يف امل�سيحية والإ�سالم فوجدناها �أبعد ما يكون عن �أ�صول املحا�ضرات‬ ‫و�شروطها و�أجدر �أن ت�سمى باحلار�ضة من �أن ت�سمى حما�ضرة‪ .‬وما �أقدم ر�شيد اخلوري على‬ ‫ح�سبان كالمه حما�ضرة �إال جلهله مفاد لفظة املحا�ضرة العلمي و�أ�صولها و�شروطها‪ .‬فاملحا�ضرة‬ ‫ا�صطالح علمي يقابل ا�صطالح الفرجن على لفظة «كنفرن�سيا» وهي عند العلماء يف دوائرهم‬ ‫ا�سم نوع للأبحاث اجلليلة التي يقوم بها علماء و�أهل الدر�س والبحث والتنقيب‪ ،‬بق�صد‬ ‫الو�صول �إىل حقيقة �أ�سا�سية �أو نتيجة علمية باال�ستقراء والتحليل والتعليل يف جو من العلم‬ ‫والفل�سفة هاديء‪ ،‬بعيد عن النعرات من ّزه عن التع�صب‪ .‬ومن �أهم �شروط املحا�ضرة وامتيازها‬ ‫على اخلطاب �أنها تكون در�ساً هادئاً ال التجاء فيه �إىل ا�ستفزاز ال�شعور وال�ضرب على الوتر‬ ‫احل�سا�س من حزبية �أو ع�صبية عند اجلمهور �أو ميول جاحمة‪ .‬ومن �شروط املحا�ضر �أن يتجنب‬ ‫كل ما من �ش�أنه �إثارة ال�شعور والتحري�ض والتهو�س‪ .‬ف�إذا خلت هذه ال�شروط مل تكن هنالك‬ ‫حما�ضرة‪ .‬وملا كان ر�شيد اخلوري يجهل هذه الأغرا�ض العلمية ال�سامية ويجهل �أ�صول‬ ‫املحا�ضرة و�شروطها والفرق بينها وبني اخلطاب فقد ظن �أن الفرق بني املحا�ضرة واخلطاب هو‬ ‫يف الطول والق�صر وعدد الكلمات‪ .‬ف�إذا كان اخلطاب طوي ًال �صار‪ ،‬يف عرفه‪ ،‬حما�ضرة‪ .‬و�إذا‬ ‫كانت املحا�ضرة ق�صرية كانت‪ ،‬يف عرفه‪ ،‬خطاباً‪.‬‬ ‫واحلقيقة التي ن�ستخرجها من درا�ستنا ل�شخ�صية ر�شيد اخلوري الأدبية هي �أنه ال مييز يف كل‬ ‫ما يقال ويكتب �إال بني �شيئني‪ :‬النظم والنرث‪ .‬فما كان مرتباً يف �أوزانٍ ٍ‬ ‫وقواف فهو نظم وما كان‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪19‬‬

‫مر�س ًال عبارات وجم ًال تامة باملعنى واملبنى من غري ترتيب �أوزان وال تن�سيق ٍ‬ ‫قواف فهو نرث‪.‬‬ ‫فكل كالم غري موزون لي�س له عنده غري �صفة النرث‪ .‬وهكذا الأدب والعلم والفل�سفة والفن‬ ‫لي�ست عنده �سوى �أ�شكال من النظم والنرث‪ ،‬ولذلك �سمى نرثه يف امل�سيحية والإ�سالم‬ ‫حما�ضرة‪� ،‬أي نرثاً طوي ًال!‬ ‫يقول ر�شيد اخلوري �إن الهجو ينفتح له على م�صراعيه عندما يريد‪ ،‬وهذا هو الواقع‪ .‬والواقع‬ ‫�أي�ضاً �أنه ميال �إىل الهجو و�أنه يرتدد كثرياً بني الهجو واملدح‪ .‬وكالمه على امل�سيحية والإ�سالم‬ ‫لي�س �سوى هجو للم�سيحية ومدح للإ�سالم يف �شكل نرثي‪ ،‬فهو ال ي�صح �أن ي�سمى خطاباً‬ ‫يثري ال�شعور احلي لق�ضية حقة‪ ،‬ف�ض ًال عن �أنه ال ي�صح �أن ي�سمى حما�ضرة‪.‬‬ ‫وفيما ر�شيد اخلوري يظن �أنه ميدح الإ�سالم �صدقاً ويهجو امل�سيحية حقاً‪� ،‬إذا به يطعن الإ�سالم‬ ‫يف �صميم عقيدته من حيث ال يدري‪ ،‬لأنه يعتقد �أن التدجيل والرياء ي�سرتان القبائح‪ ،‬ونحن‬ ‫ال ن�صدق �أن م�سلماً واحداً مدركاً حلقيقة ر�سالة النبي العربي يقبل كالم اخلوري الذي‬ ‫ظاهره ت�أييد للإ�سالم وباطنه هدم للعقائد الإ�سالمية ال�صحيحة‪ ،‬و�سيجيء تبيان ذلك‪.‬‬

‫اهلوامش‬ ‫‪ - 1‬الق�سم الأول من هذه احللقة ُن�شر يف كتاب «جنون اخللود»‪ ،‬وهذا الق�سم ينتقل من‬ ‫املو�ضوع الأدبي املناقبي اىل املو�ضوع الأ�سا�سي وهو امل�سيحية واملحمدية والقومية‪.‬‬


‫‪20‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫الضالل البعيد‬ ‫قلنا يف املقال املتقدم �إننا ال ن�صدق �أن م�سلماً واحداً مدركاً حلقيقة ر�سالة النبي العربي يقبل‬ ‫كالم اخلوري الذي ظاهره ت�أييد الإ�سالم‪ ،‬وباطنه هدم للعقائد الإ�سالمية ال�صحيحة‪ ،‬ووعدنا‬ ‫الق ّراء بتبيان ذلك يف ما يجيء من هذا البحث‪.‬‬ ‫قلنا �أي�ضاً �إن ر�شيد �سليم اخلوري لي�س من �أهل العلم وال من �أهل الفل�سفة والتفكري‪ ،‬وال‬ ‫من �أهل الأدب ال�صحيح �إذا اتخذنا مقيا�ساً للأدب غري الألفاظ والأوزان‪ .‬و�إن تناوله دينني‬ ‫جليلني كامل�سيحية والإ�سالم لي�س �سوى وغول على العلم والفل�سفة‪ ،‬يف حني �أن ق�صده‬ ‫احلقيقي هو مدح الإ�سالم وهجو امل�سيحية‪.‬‬ ‫يتظاهر ر�شيد اخلوري يف بدء حار�ضته التي �أ�سماها‪ ،‬جه ًال منه‪ ،‬حما�ضرة ب�أنه قد �آمن‬ ‫بالإ�سالم‪ ،‬ثم ي�أخذ يف اخللط بني كالم رجل متدين ورجل يبحث يف طبائع الأديان من دون‬ ‫حت ّيز �أو انحراف‪ ،‬اجتهاداً منه يف �إلبا�س مدحه وهجوه لبا�س البحث‪.‬‬ ‫ف�إذا كان اخلوري قد �أ�سلم حقاً‪ ،‬اعتقاداً منه ب�صحة الدين الإ�سالمي وكالمه املنزل‪ ،‬ف�إن‬ ‫«حما�ضرته» ال تدل �سوى على رجل �أ�سلم عن جهل بحقيقة الإ�سالم ون�صو�صه املنزلة‪� ،‬أو‬ ‫رجل يتظاهر بالإ�سالم نفاقاً يف الدين لي�شرتي ب�آياته ثمناً قلي ًال( )‪.‬‬ ‫�أول ما نطق به اخلوري املتظاهر بالإ�سالم يف مدح هذا الدين كان كفراً به وب�آياته‪ ،‬قال يف بدء‬ ‫حار�ضته‪« :‬ملا ف�ضلت الإ�سالم على امل�سيحية يف خطابي العام املا�ضي‪� ،‬إلخ»‪ .‬ف�أخذ نقطة‬ ‫االبتداء تف�ضيل الدين الإ�سالمي على الدين امل�سيحي وجعل هذه النقطة مدار كالمه‬ ‫‪1‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪21‬‬

‫فنطق بكلمة الكفر من حني فتح فاه �أو ج ّر قلمه على القرطا�س‪ ،‬فحق عليه قول الآيات‪:‬‬ ‫{�إن الذين يكفرون باهلل ور�سله ويريدون �أن يفرقوا بني اهلل ور�سله ويقولون ن�ؤمن ببع�ض‬ ‫ونكفر ببع�ض ويريدون �أن يتخذوا بني ذلك �سبي ًال �أولئك هم الكافرون حقاً واعتدنا للكافرين‬ ‫عذاباً مهيناً والذين �آمنوا باهلل ور�سله ومل يفرقوا بني �أحد منهم �أولئك �سوف ي�ؤتيهم �أجورهم‬ ‫وكان اهلل غفوراً رحيماً} (الن�ساء‪ ،)152 - 150 ،‬ومن �سورة البقرة‪{ :‬لي�س الرب �أن تولوا‬ ‫وجوهكم قبل امل�شرق واملغرب ولكن الرب من �آمن باهلل واليوم الآخر واملالئكة والكتاب‬ ‫والنبيني} (الآية ‪ ،)177‬ومن �سورة الن�ساء‪{ :‬لكن الرا�سخون يف العلم منهم وامل�ؤمنون‬ ‫ي�ؤمنون مبا �أنزل �إليك وما �أُنزل من قبلك} (الآية ‪.)162‬‬ ‫فمحاولة مدح الإ�سالم باملفا�ضلة بينه وبني امل�سيحية وبالتفريق بني حممد وامل�سيح هي حماولة‬ ‫كفر بكالم اهلل املنزل بالوحي على حممد ر�سوله‪ .‬والذين ي�شايعون ر�شيد اخلوري يف قوله‬ ‫وي�ؤيدونه من امل�سلمني لي�سوا باحلقيقة �سوى زنادقة يف �أثواب م�ؤمنني يتظاهرون �أمام امل�ؤمنني‬ ‫الب�سطاء الودعاء القلوب �أنهم يغارون على الدين‪ ،‬وما غريتهم �إال على زينة الدنيا و�أعرا�ضها‪.‬‬ ‫لو مل يكن ر�شيد اخلوري واغ ًال على الفل�سفة والدين والعلم ملا كان جتا�سر على اقتحام هذا‬ ‫املو�ضوع اخلطر واخلبط يف م�سالكه‪ ،‬ولكنه يظن �أنه �إذا التقط �أ�شتاتاً من الأقوال الواردة لغريه‬ ‫وح�شاها بهذر من عنده‪ ،‬ووقف يف جمهور من عامة النا�س و�أخذ يت�شدق بهذه الأقوال فقد‬ ‫�صار «عاملاً جلي ًال» كما �صار مبثل هذا اخللط «�شاعراً مف ِلقاً»‪ .‬وظن فوق ذلك �أنه �إذا �س َن َده‬ ‫�سيا�سي من �سيا�سيي الدين والأدب ك�شكيب �أر�سالن فقد ربح اخللود «كمدافع عن �شريعة‬ ‫حممد وخلفائه يف الأر�ض» الذين مي ّني �شكيب �أر�سالن نف�سه ب�أن يكون واحداً منهم‪.‬‬ ‫وفيما اخلوري يخلط ويخبط وينافق يف الإميان �إذا به يحاول الظهور مبظهر العامل الذي يقلب‬ ‫الأديان على وجوهها ويدر�س طبائعها‪ ،‬والفيل�سوف الذي يعطي القيم الفكرية موا�ضعها وهو‬ ‫يفعل ذلك من غري �أن يحتاج �إىل بحث وا�ستقراء بل باال�ستبداد باملنطق‪ ،‬وبت�سخري القيم‬ ‫واملوا�ضيع لأغرا�ض هجوه ومديحه‪.‬‬ ‫وملا مل يكن من �أهل العلم والفل�سفة وال من �أهل الأدب ال�صحيح‪ ،‬كما ب ّينا �آنفاً‪ ،‬فقد وقف‬


‫‪22‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫يف تفكريه ونظره يف امل�سيحية والإ�سالم عند حدود التفكري العامي املنحط اخلايل من كل‬ ‫ثقافة ودرا�سة �صحيحة‪.‬‬ ‫ولي�س �أدل على خلطه وخبطه يف ما ال يعلم من قوله‪« :‬لو كنت يف هذا البحث الديني �إ�سماً‬ ‫حلق لكل �أديب �أن يلحاين‪ ،‬ولكني‬ ‫واالجتماعي فع ًال �أعر�ض مل�سائل الآخرة واجلنة والنار ّ‬ ‫تناولت يف الإ�سالم ناحيته الدينية البحتة و�أ�شرت �إىل عالقته باح��ياة الدنيا وحتديده �سلوك‬ ‫الفرد حتديداً مرجعه العقل ال�سليم»‪.‬‬ ‫فقوله‪« :‬ناحيته الدينية البحتة» جمرداً هذه الناحية من م�سائل الآخرة واجلنة والنار لي�س‬ ‫�سوى جهل مبا هو الدين وما هو العلم وما هي الفل�سفة‪� ،‬إذ لو جردنا الدين من م�سائل الآخرة‬ ‫والعقاب والثواب ملا بقي له �شيء من «ناحيته الدينية البحتة»‪ ...‬ولكن من �أين لرجل واغل‬ ‫على هذه املوا�ضيع ال�سامية �أن يعلم ما هو من طبيعة الدين‪ ،‬وما هو من طبيعة العلم‪ ،‬وما هو‬ ‫من طبيعة الفل�سفة؟‬ ‫ال يعرف ر�شيد اخلوري غري املثل الدنيا وال قدرة له على تناول غري الفكر العامية‪ ،‬ال�سطحية‪.‬‬ ‫والعامة تخبط يف ال�ش�ؤون الفل�سفية الأ�سا�سية خبطاً‪ ،‬ولذلك ن�ش�أت عند عامة امل�سيحيني‬ ‫ال�سوريني الفاقدة الثقافة ال�صحيحة والعلم اعتقادات وت�أويالت يف الدينني امل�سيحي‬ ‫والإ�سالمي‪� ،‬أقل ما يقال فيها �إنها جزئية �أو �سطحية‪ .‬هكذا �أخذت ت�ؤول تعاليم امل�سيح ب�أنها‬ ‫تعاليم توحي الذل لإ�ساءتهم فهم �أقوال امل�سيح التي منها القول‪« :‬من �ضربك على خدك‬ ‫فح ّول له الآخر»(لوقا‪ ،)29 : 6 ،‬و«�إنه لأ�سهل �أن يدخل ٌ‬ ‫جمل يف ثقب الإبرة من �أن يدخل‬ ‫غني ملكوت ال�سموات»(متى‪.)24 : 19 ،‬‬ ‫وهذه العامة نف�سها‪ ،‬نظراً جلهلها وما ورثته من ع�صور االنحطاط‪� ،‬أخذت ت�ؤول تعاليم الإ�سالم‬ ‫من غري در�س لها وتدين حممداً وامل�سلمني ببع�ض �آيات التقطتها اتفاقاً ومل حت�سن ت�أويلها‪،‬‬ ‫كالآيات املتعلقة ب�أزواج النبي والنكاح و�صور اجلنة املادية‪ ،‬نا�سية قول امل�سيح‪« :‬ال تدينوا‬ ‫لكي ال تدانوا» (متى‪.)1: 7 ،‬‬ ‫وكذلك ن�ش�أت عند عامة امل�سلمني ال�سوريني الفاقدة الثقافة ال�صحيحة والعلم اعتقادات‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪23‬‬

‫وت�أويالت يف الدينني الإ�سالمي وامل�سيحي‪� ،‬أقل ما يقال فيها �إنها جزئية و�سطحية‪ .‬هكذا‬ ‫�أخذت ت�ؤول �آيات القر�آن ت�أوي ًال يوافق هواها ف�أخذت ببع�ض الآيات و�أهملت البع�ض الآخر‪.‬‬ ‫وهذه العامة نف�سها‪ ،‬نظراً جلهلها وما ورثته من ع�صور االنحطاط‪� ،‬أخذت ت�ؤول تعاليم امل�سيحية‬ ‫من غري در�س لها‪ ،‬وتدين امل�سيح وامل�سيحيني ببع�ض �آيات التقطتها اتفاقاً ومل حت�سن ت�أويلها‬ ‫كالآيات املتعلقة مبلكوت ال�سموات وكيف يدخلها الإن�سان‪ ،‬نا�سية قول القر�آن‪�{ :‬آمن‬ ‫الر�سول مبا �أنزل اليه من ربه وامل�ؤمنون كل �آمن باهلل ومالئكته وكتبه ور�سله ال نف ّرق بني �أحد‬ ‫من ر�سله وقالوا �سمعنا و�أطعنا غفرانك ربنا و�إليك امل�صري}(البقرة‪.)285 ،‬‬ ‫وق�سم كبري من عامة ال�سوريني امل�سيحيني وامل�سلمني مل يعد م�ؤمناً الإميان الديني ولكنه‬ ‫يت�شبث بعنعنات من التحزبات الدينية‪ ،‬فهو قد فقد �إميانه الديني ومل يح�صل على ثقافة‬ ‫وعلم ير�سخانه يف املعرفة ويهبانه نظرة �شاملة يف احلياة‪ ،‬وي�ساعدانه على فهم الدين وت�أويله على‬ ‫الوجه الأ�صح‪ ،‬ونتج عن ذلك كله انحطاط كبري يف الإدراك والت�أويل وف�ساد يف اال�ستنتاج‬ ‫وت�صادم يف النف�سيات وفو�ضى يف املنازع وتخبط يف املذاهب‪.‬‬ ‫من هذا الباب العامي ما حب�شه ر�شيد اخلوري ليلقي على مدحه للإ�سالم وهجوه امل�سيحية‬ ‫�صفة البحث‪ ،‬وبهذا التفكري العامي ال�ضعيف الإدراك قال �إن الناحية الدينية البحتة ال‬ ‫تتناول م�سائل الآخرة واجلنة والنار التي بها‪ ،‬ال بغريها‪� ،‬صار الدين ديناً‪ .‬ولوال م�سائل الآخرة‬ ‫وخلود النف�س والثواب والعقاب ملا امتاز الدين ب�شيء وملا زاد �شيئاً على التعاليم الفل�سفية‬ ‫ال�سامية التي قال بها فال�سفة عظام‪ ،‬والتي مل ت�أخذ يف قلوب عامة الب�شر املكان الذي �أخذه‬ ‫الدين ب�سبب عدم ن�سبتها �إىل قوة �إلهية خفية وعدم �إ�سنادها �إىل االعتقاد بحياة �أخرى بعد‬ ‫املوت حتا�سب فيها الأنف�س على ما تقيدت به من التعاليم املذكورة وما مل تتقيد به‪ .‬فالوجهة‬ ‫الدينية البحتة هي العك�س متاماً مما ذكره ر�شيد اخلوري يف حار�ضته الهجائية �أي �أنه بال‬ ‫الآخرة واجلنة والنار ال تبقى للدين وجهة دينية بحتة‪.‬‬ ‫ومن بدائع بيان هذا الناثر الهاجي �أنه ُيدخل املوا�ضيع بع�ضها يف بع�ض‪ ،‬في�شو�ش ذهن‬ ‫القاريء الذي ال يكاد ي�شعر �أنه يتتبع فكرة حتى يرى الكاتب قد �أزاحها من �أمام عينيه‪،‬‬


‫‪24‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫كما يزيح �صاحب �صندوق الفرجة �صورة «�صاحب اخل�ضراء» من �أمام عيني الطفل قبل‬ ‫�أن ي�ستوعب جمال �شكلها لي�ضع يف حملها �صورة «�صاحب الأبجر»‪ .‬فبينما اخلوري يحاول‬ ‫التن�صل من تبعة �إثارة التع�صبات الدينية املريعة‪� ،‬إذا به يقطع حبل الفكر يف هذه الناحية‬ ‫بغتة و ُيدخل مو�ضوع الدين الإ�سالمي يف مو�ضوع «الناحية» التي يعاجلها على هذا ال�شكل‪:‬‬ ‫«ولكني تناولت يف الإ�سالم ناحيته الدينية البحتة و�أ�شرت �إىل عالقته باحلياة الدنيا وحتديده‬ ‫�سلوك الفرد حتديداً مرجعه العقل ال�سليم فهو (الإ�سالم) مل يف�صل الإن�سان عن نف�سه حتى‬ ‫تتقطع بينهما الأ�سباب‪� ،‬إلخ»‪.‬‬ ‫�إن القاريء ذا املنطق ال�سليم يتوقع من «املحا�ضر» �أن يعود بعد متام جملة «العقل ال�سليم»‪،‬‬ ‫فيعطف على نف�سه ومربراته ويقول مث ًال‪« :‬و�إين �أجد تبيان ذلك من الأمور ال�ضرورية‪� ،‬إلخ»‪،‬‬ ‫معداً فكر القاريء لالنتقال �إىل مو�ضوع �آخر‪ .‬ولكن �أ�صحاب اخللود‬ ‫ويختم هذا املو�ضوع ّ‬ ‫الدنكيخوطي ]‪ [Don Quixote‬ال يفت�أون ي�أتون باملعجزات التي مل تخطر على قلب ب�شر‪،‬‬ ‫فلي�س للقاريء حيلة غري الت�سليم ل�سحر بيانهم اخلاطف الأب�صار واملحري العقول!‬ ‫املهوو�س باخللود م�ستعجل فاف�سحوا له املجال‪ .‬ال تظنوا �أن جلميع حدود املنطق قدرة على‬ ‫الج يقتحم �سياجات العقل ويقفز من النوافذ �إىل املجامع‬ ‫كبح جماحه‪� .‬إنه �أرعن‪ّ ،‬‬ ‫ملح‪ٌّ ،‬‬ ‫هاج �سفيه‪ ،‬من يقدر �أن يقف �أمام �شتمه و�سبابه؟‬ ‫ويدخل بال ا�ستئذان‪� ،‬إنه ٍ‬ ‫ذهب احلديث عن نوع املو�ضوع وحتديده وجاء املو�ضوع نف�سه‪ .‬وال ت�سل كيف حدثت هذه‬ ‫العجيبة‪� ،‬أمل ي�أتك �أن من البيان ل�سحراً‪ ،‬هكذا يكون ال�سحر‪{ :‬ف�إذا برق الب�صر وخ�سف‬ ‫القمر وجمع ال�شم�س والقمر يقول الإن�سان ٍ‬ ‫يومئذ �أين املفر؟}(القيامة‪.)10 - 7 ،‬‬ ‫قال �صاحب احلار�ضة الهجائية من في�ض علمه‪« :‬فهو (الإ�سالم) مل يف�صل الإن�سان عن‬ ‫نف�سه حتى تتقطع بينهما الأ�سباب ومل يباعد بني اجل�سد والروح يف هذه احلياة‪ ،‬وهما وحدة‬ ‫ويكمل بناء الب�شر ال�سوي بل لقد قدمه‬ ‫يجمل ّ‬ ‫ين�س العقل الذي ّ‬ ‫ال تتجز�أ �إال باملوت‪ ،‬ومل َ‬ ‫النبي على �شريعته نف�سها بقوله‪ :‬ال�شرع عقل من خارج والعقل �شرع من داخل‪ ،‬وقوله‪ :‬دين‬ ‫املرء عقله فمن ال عقل له ال دين له‪ ،‬وقوله‪ :‬ال يتم دين املرء حتى يتم عقله‪ ،‬ف�شُ ِّرف الدماغ‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪25‬‬

‫الب�شري بهذه الآيات البينات �أعظم ت�شريف‪ ...‬ولقد �أ�شاد بذكر العلم وف�ضل العلماء وقال‬ ‫يف هذا املعنى من ا ِحل َكم ما يكاد يجمع كتاباً‪ .‬ونحن لو بحثنا يف الإجنيل ملا وجدنا �آية واحدة‬ ‫تذكر العلم بخري �أو ب�شر»‪.‬‬ ‫هذا هو املو�ضوع وهنا بدء تف�ضيل الإ�سالم على امل�سيحية الذي قلنا �إنه كفر بالإ�سالم الذي‬ ‫يتظاهر ر�شيد اخلوري �أنه �آمن به‪ .‬ومبا �أن اخلوري قد خلط بني الدين والطريقة العلمانية يف‬ ‫الكالم الذي �شاء �أن ي�سميه بحثاً‪ ،‬فال بد من اقتفاء �أثره يف اعوجاجه والتوائه‪� ،‬إنه جعل هذا‬ ‫الكالم «بحثاً اجتماعياً فع ًال» فلنوافقه من �أجل البحث‪.‬‬ ‫جعل �صاحب احلار�ضة �أول تف�ضيل للإ�سالم على امل�سيحية ما ورد يف احلديث النبوي من‬ ‫الأقوال عن العقل وات�صاله بالدين‪ ،‬و�إ�شادة النبي بذكر العلم وف�ضل العلماء‪ ،‬فارتكب عدة‬ ‫جرائم �ضد الدين الإ�سالمي و�ضد الدين امل�سيحي و�ضد العقل الذي عرف حممد قدره‬ ‫فو�صفه مبا عرف‪ .‬و�أول جرمية �ضد الدين الإ�سالمي �أنه ّقدم احلديث ال�شريف على القر�آن‬ ‫وجعل هذا تابعاً لذاك وو�ضع كالم الر�سول قبل كالم اهلل يف تبيان جوهر الإ�سالم‪ .‬واجلرمية‬ ‫الثانية الكربى هي �أنه جعل احلديث النبوي حداً للآيات املنزلة وحكماً عليها‪ ،‬ف�إذا كان‬ ‫حممد قد ّقدم العقل على ال�شريعة املنزلة‪ ،‬كما يقول هذا املنافق الدجال‪ ،‬فال�شريعة قد‬ ‫�أ�صبحت منقو�ضة و�أ�صبح العمل بها على جهة الت�سليم ب�أحكام اهلل وحدوده باط ًال‪ ،‬و�إذا‬ ‫�أ�صبح العقل هو املقدم على ال�شريعة املنزلة ف�أية قيمة �إلهية بقيت لتلك ال�شريعة؟ و�أول جرمية‬ ‫�ضد الدينني امل�سيحي والإ�سالمي معاً هو مقابلته الإجنيل على احلديث النبوي‪ ،‬والإجنيل‬ ‫كالم �إلهي يف عرف الدينني امل�سيحي والإ�سالمي‪ .‬فمن حيث امل�سيح هو عند امل�سيحيني‬ ‫ابن اهلل وروحه‪ ،‬كان كالمه كالم اهلل‪ .‬ويف القر�آن �إنكار لكون امل�سيح هو اهلل �أو ابنه من‬ ‫�صاحبة وم�شاركاً له يف احلكم يوم الدينونة ولكن فيه �إثباتاً لكون كالم امل�سيح كالماً �إلهياً‬ ‫باعتباره منز ًال عم ًال بقوله‪{ :‬لكن الرا�سخون يف العلم منهم وامل�ؤمنون ي�ؤمنون مبا �أنزل �إليك‬ ‫وما �أنزل من قبلك}(الن�ساء‪ ،)162 ،‬وجاء قول اهلل يف �سورة مرمي {ف�أ�شارت �إليه قالوا كيف‬ ‫نك ّلم من كان يف املهد �صبياً قال �إين عبد اهلل �آتاين الكتاب وجعلني نبياً‪ .‬وجعلني مباركاً‬ ‫علي يوم ولدت ويوم �أموت‬ ‫�أينما كنت و�أو�صاين بال�صالة والزكاة ما دمت حياً‪ ...‬وال�سالم ّ‬


‫‪26‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫ويوم �أبعث حياً‪ .‬ذلك عي�سى ابن مرمي قول احلق الذي فيه ميرتون}(الآيات ‪.)34 - 29‬‬ ‫ويف �سورة الن�ساء {و�إن من �أهل الكتاب �إال لي�ؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم‬ ‫�شهيداً}(الآية ‪ ،)159‬ويف �آل عمران {ن َّزل عليك الكتاب باحلق م�صدقاً ملا بني يديه و�أنزل‬ ‫التوراة والإجنيل من قبل هدى للنا�س و�أنزل الفرقان}(الآيتان ‪� ،)4 - 3‬إلخ‪.‬‬ ‫كان ال�صحيح‪ ،‬من حيث البحث‪� ،‬أن يقابل القر�آن على الإجنيل مقابلة كالم �إلهي لكالم‬ ‫�إلهي فال يزين للم�ؤمنني �أن يتبعوا غروره ونفاقه‪ .‬بهذا يق�ضي منطق العقل‪ ،‬ولكن الذي‬ ‫اختل منطقه وا�ضطرب �شعوره �أيعرف الدين �أو املنطق؟‬ ‫بقي �أن نع ّلق على قول �صاحب احلار�ضة املتقدم تعليقاً �أو�سع يف ما يخت�ص مبا جعله �أ�سا�س‬ ‫املفا�ضلة‪� .‬إن و�صف حممد ال�شرع ب�أنه عقل من خارج وو�صفه العقل ب�أنه �شرع من داخل �إمنا‬ ‫هو �شيء من التعليل ال�شعري الذي ال ي��ينّ تعييناً جازماً مركز العقل الب�شري من ال�شرع‪.‬‬ ‫حث على عدم‬ ‫وقوله‪« :‬ال يتم دين املرء حتى يتم عقله»‪ ،‬و«من ال عقل له ال دين له»‪ ،‬هو ّ‬ ‫اجلهل بالدين‪ ،‬وال ي�شتمل على �أية نظرة فل�سفية �شاملة يف العقل‪ .‬ولو ا�شتمل على هذه‬ ‫النظرة ال�شاملة وجعلها حممد قاعدة دعوته لكان اكتفى ب�أن يكون فيل�سوفاً يذهب مذهب‬ ‫الفال�سفة ّ‬ ‫املحكمني العقل يف كل الظواهر‪ ،‬اجلاعلينه جوهر الطبيعة وميزة الإن�سان فيكون‪،‬‬ ‫يف هذا الباب‪ ،‬تلميذاً من تالمذة املدر�سة ال�سورية الفل�سفية التي و�ضع قواعدها الفل�سفية‬ ‫الفيل�سوف ال�سوري العظيم زينون وهو قبل حممد وقبل امل�سيح بزمان‪ .‬ومن هذا الوجه ما‬ ‫كان يكون ملحمد ف�ضل‪� ،‬إذ هو مل يزد مقدار ذرة على مذهب الرواقيني يف الفكر‪� .‬إن ميزة‬ ‫حممد هي يف �أنه نبي ال يف �أنه فيل�سوف‪ ،‬وميزة الإ�سالم هي يف القر�آن وال�شريعة الواردة فيه‪،‬‬ ‫جممالت النبي وح�سن نظره و�سالمة فطرته‪.‬‬ ‫ال يف احلديث الذي هو من ّ‬

‫اهلوامش‬ ‫‪« - 1‬لي�شرتوا به ثمناً قلي ًال»‪( ،‬البقرة‪.)79 ،‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪27‬‬

‫اجلهل املطبق‬ ‫ف�ض فوه‪ ،‬بعد عبارته املتقدمة‪:‬‬ ‫لنتابع خلط �صاحب احلار�ضة‪ .‬قال‪ّ ،‬‬ ‫«فالإجنيل كتاب روحاين ُيعنى بالآخرة فح�سب وال يعلم يف هذه الدنيا غري الدرو�شة والزهد‬ ‫وقهر اجل�سد وحب�س العقل يف قف�ص من غباوة اال�ست�سالم ملا وراء املنظور‪ ،‬وهو يقتل املواهب‬ ‫ويهي�ض الأجنحة ويع�صب على العيون ويربط الفطرة بال�سال�سل الثقيلة ويخنق الطموح‪ ،‬فال‬ ‫جمد عنده �إال جمد اخل�ضوع الأعمى للتعاليم ال�سماوية كما ب�شّ ر بها هو‪ .‬ال ب�أ�س يف �شريعته‬ ‫�أن تعي�ش عبداً رقيقاً مدى احلياة ت�سام اخل�سف والهوان واجللد بال�سياط ما دمت تعتقد �أن‬ ‫بعد املوت حياة ثانية تثاب فيها على خنوعك وا�ست�سالمك و�صربك على الظلم‪ .‬ولقد ف�سح‬ ‫الإ�سالم ملحبي الك�سب وطالبي الرثوة جما ًال ال حد له بقوله‪�« :‬إعمل لدنياك ك�أنك تعي�ش‬ ‫�أبداً» يف حني جعلت امل�سيحية الفقر �شرطاً �أ�سا�سياً لدخول ال�سماء عم ًال بقولها للغني الذي‬ ‫طلب �أن يرث احلياة الأبدية‪« :‬بع كل �أمالكك ووزع ثمنها على الفقراء واتبعني»‪ .‬ولعمري‬ ‫يبق يف الأر�ض من‬ ‫لو عمل كل غني بهذه ال�شريعة لأ�صبح النا�س جميعاً مدقعني ومل َ‬ ‫ي�ستطيع �أن يجود على فقري بفل�س»‪.‬‬ ‫ال ننتظر �أن يكون لر�شيد �سليم اخلوري �ضابط من جهله‪ ،‬لأن ال�ضابط يكون من العلم وال‬ ‫ميكن مطلقاً �أن يكون من اجلهل‪ .‬فهو يف الفقرة املتقدمة ي�ستمر يف غباوته ويتابع املقابلة‬ ‫بني امل�سيحية والإ�سالم على قاعدة �أن احلديث النبوي هو الإ�سالم و�شريعته‪ .‬فقوله‪« :‬لقد‬ ‫ف�سح الإ�سالم ملحبي الك�سب وطالبي الرثوة جما ًال ال حد له بقوله‪�( ،‬أي بقول الإ�سالم)‪:‬‬ ‫«�إعمل لدنياك ك�أنك تعي�ش �أبداً‪� ،‬إلخ» يجعل احلديث النبوي يف مقام ال�شريعة الإ�سالمية‪.‬‬


‫‪28‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫وهو جهل ما بعده من جهل‪ ،‬فالإ�سالم ال يقول هذا القول و�إمنا الذي يقوله هو حممد( ) ال‬ ‫الإ�سالم‪ .‬وهنالك فرق �أ�سا�سي جوهري بني الر�سالة الإ�سالمية واحلديث النبوي ال يغفله‬ ‫غري اجلهال الذين يطلبون الك�سب والرثوة حتى بالتدجيل على الدين والعلم‪.‬‬ ‫ملا كان اخلوري قد اتخذ يف هذا الكالم �صفة باحث متجرد عن االعتقادات الدينية‪ ،‬وكنا‬ ‫�آلينا على �أنف�سنا تتبعه يف جميع التواءاته واعوجاجاته‪ ،‬ف�إننا �سنعالج هذه النقطة من وجه‬ ‫الدرا�سة العلمية‪:‬‬ ‫�إن الكالم الذي ورد على ل�سان حممد �أو قيل �إنه ورد على ل�سانه يق�سم �إىل ق�سمني‪ :‬ق�سم‬ ‫عزاه حممد �إىل اهلل معلناً �أنه نزل عليه وحياً �إلهياً‪ ،‬وق�سم مل يعزه �إىل اهلل فهو حديث منه‬ ‫حدث به يف �أوقات متفاوتة‪ .‬فالق�سم الأول فقط هو الإ�سالم وال�شريعة الإ�سالمية وفيه‬ ‫ّ‬ ‫�أوامر اهلل ونواهيه وحدوده‪ ،‬فال يحق على امل�سلم �إال ما ورد فيه‪ .‬وامل�شكوك فيه من الق�سم‬ ‫الأول �آيات قليلة‪� .‬أما الق�سم الثاين فلي�س الإ�سالم وال ال�شريعة الإ�سالمية و�إمنا هو �أقوال‬ ‫حكمية ي�ستفيد امل�سلم منها يف كيفية فهم نب ّيه وفهم نظرته يف بع�ض �أحوال الدين والدنيا‪.‬‬ ‫�سموه‬ ‫وهذا الق�سم الثاين م�شكوك يف الكثري منه‪ .‬ومع �أن املتقدمني عزلوا امل�شكوك الذي ّ‬ ‫«جمروحاً» عن «ال�صحيح» ف�إن الأبحاث امل�ستفي�ضة املت�أخرة دلت على �أن الكثري من احلديث‬ ‫النبوي املح�سوب �صحيحاً جمروح‪� ،‬أو غري �صحيح فلم يعد ي�صح اعتماده حتى وال يف �صفته‬ ‫املحدودة كحديث فاه به حممد من غري �أن يعينّ �شريعة �أو ن�صاً يجب التم�سك به‪.‬‬ ‫بنا ًء عليه‪ ،‬ال يقول �إن احلديث النبوي هو الإ�سالم الذي يعينّ للم�سلمني طريق احلياة‪ ،‬غري‬ ‫جاهل جه ًال مطبقاً كر�شيد اخلوري الذي ظن �أن ا�ستعارة بع�ض العبارات العلمية ال�صبغة‬ ‫و�إطالقها يف معر�ض التدجيل لكفيالن ب�أن ي�سويا بني اجلهل والعلم!‬ ‫قلنا يف املقالة ال�سابقة �إن املقابلة بني الإجنيل واحلديث النبوي هي جرمية �ضد الدينني‬ ‫امل�سيحي والإ�سالمي للذين يعتربون ن�صو�صهما‪� ،‬أو ن�صو�ص �أحدهما‪ ،‬ف�ض ًال عن �أنها دليل‬ ‫قاطع على جهل �صاحب احلار�ضة �أوليات «البحث» الذي ت�صدى له تزلفاً �إىل �أتباع الدينني‬ ‫املذكورين‪ ،‬غري عابيء بالعواقب الوخيمة التي يجرها مطلبه النفعي على �أبناء �أمة واحدة هي‬ ‫‪1‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪29‬‬

‫جتن منه غري الويل‪.‬‬ ‫الآن �أحوج منها يف �أي زمن �آخر �إىل قتل روح التع�صب الديني الذي مل ِ‬ ‫ونقول هنا �إن اجلرمية قد كربت ب�إقامة املثل الدنيا املادية‪ ،‬التي ر�أينا يف ما تقدم من هذه‬ ‫املقاالت الدرا�سية �أن ر�شيد اخلوري ال يعرف ُمث ًال غريها‪ ،‬مقام املثل العليا التي تتجه �إليها‬ ‫جميع النفو�س الطالبة االنت�صار على املادية املعطلة للمزايا الإن�سانية ال�سامية‪ .‬فالوا�ضح من‬ ‫كالم �صاحب احلار�ضة املتقدم �أن املقيا�س الذي ي�ستعمله لتف�ضيل الإ�سالم على امل�سيحية‬ ‫هو املقيا�س املادي‪ ،‬فبينا هو ي�صف الإجنيل ب�أنه «كتاب روحاين»‪ ،‬يقيم مادية الإ�سالم يف‬ ‫مقابلها ويجعل املادية �أ�سا�س ف�ضائل الإ�سالم كلها‪ ،‬لأنه مل يتخذ غري اجلزء املادي البحت‬ ‫من حديث نبوي م�شهور وهذا اجلزء هو‪�« :‬إعمل لدنياك ك�أنك تعي�ش �أبداً»‪.‬‬ ‫ر�أى ر�شيد اخلوري يف هذا اجلزء من �أحد �أحاديث حممد �أعظم حكمة يف الإ�سالم‪.‬‬ ‫فقد انطبق هذا املثل على عقليته الرازحة باملادية �أميا انطباق فقال عنه‪� :‬إنه جوهر الر�سالة‬ ‫الإ�سالمية التي ف�سحت به «ملحبي الك�سب وطالبي الرثوة جما ًال ال حد له»‪ .‬وبنا ًء على هذه‬ ‫القاعدة التي وجد فيها اخلوري كل الإ�سالم وجوهر ما يف�ضل به على امل�سيحية مل يجد‬ ‫حرجاً يف �أن يطلب هو الك�سب والرثوة حتى با�ستباحة �إثارة التع�صب الديني و�إراقة الدماء‬ ‫بني امل�سيحيني وامل�سلمني من ال�سوريني‪.‬‬ ‫�إن �أعظم ف�ضيلة يراها ر�شيد �سليم اخلوري يف الإ�سالم هي‪ :‬اتباع ال�شهوات املادية وف�سح‬ ‫املجال الالحمدود لها‪ ،‬بد ًال من كبحها و�إحالل الف�ضائل النف�سية املف�ضلة الإن�سان على‬ ‫احليوان حملها‪.‬‬ ‫وهو‪ ،‬لعجزه عن طلب املثل الروحية العليا التي يراها يف الإجنيل وال يرى خرقاً فيها مير‬ ‫منه �إىل ماديته احلقرية املخربة‪ ،‬يقول �إن الإجنيل كتاب «يعنى بالآخرة فح�سب»‪� ،‬أي �أنه‬ ‫يجب ترك تعاليمه جانباً‪ ،‬يف كل ما يتعلق باحلياة الب�شرية‪ .‬واالنتهاء �إىل هذه النتيجة هو‬ ‫�شيء طبيعي‪ .‬فجميع امليالني �إىل ال�شر والإجرام يبغ�ضون القوانني امل�سنونة ملحاربة الإجرام‪،‬‬ ‫وي�س ّبون الق�ضاة النزهاء الذين حكموا عليهم �أحكاماً عادلة قا�سية‪ .‬وجميع الأوالد ال�سيئي‬ ‫الرتبية يف بيوتهم املعتادين على �إطالق العنان ل�شهواتهم ورغباتهم اجلاحمة يكرهون املعلم‬


‫‪30‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫الذي يجتهد يف تعليمهم طريق الف�ضائل وي�سخرون من تعاليمه وي�ستهزئون بها‪.‬‬ ‫لن�أخذ هذا الدر�س بالرتتيب‪ ،‬لئال يفوتنا �شيء من فوائده‪ .‬لنعد �إىل ما نقلناه يف املقالة‬ ‫ال�سابقة من كالم ر�شيد اخلوري‪ ،‬وهو مع ما نقلناه هنا �أ�سا�س النظريات التي يبني عليها‬ ‫اخلوري تف�ضيله الإ�سالم على امل�سيحية‪ .‬فبعد �أن ذكر �أقوال النبي يف �ضرورة �صحة العقل‬ ‫للم�ؤمن قال �إن من �أهم ما ميتاز به الإ�سالم على امل�سيحية هو �أن حممداً «�أ�شاد بذكر العلم‬ ‫وف�ضل العلماء»‪ ،‬و�أنه لي�س يف الإجنيل «�آية واحدة تذكر العلم بخري �أو ب�شر»‪.‬‬ ‫هذه املفا�ضلة ال�سقيمة تظهر كم يجهل ر�شيد اخلوري التاريخ االجتماعي والتاريخ ال�سيا�سي‬ ‫للب�شرية‪ ،‬ومقدار جهله ن�ش�أة امل�سيحية يف بيئتها وعوامل ن�ش�أة الإ�سالم يف بيئته‪ .‬ومع �أن املقابلة‬ ‫بني الإجنيل واحلديث النبوي ال ت�صح من �أ�سا�سها كما ب ّينا �آنفاً فال بد لنا من تناول هذه‬ ‫القاعدة املتهدمة للمفا�ضلة لأنها ت�شتمل على �سف�سطة �سهلة ال�شيوع عند العامة واخلا�صة‬ ‫الناق�صة الثقافة لكمال �سطحيتها ولإغفالها احلقائق االجتماعية والتاريخية‪ .‬فهي‪ ،‬من هذه‬ ‫اجلهة‪ ،‬تك ّون خطراً على �صحة االجتاه الفكري وعلى االرتقاء النف�سي نحو �أجمل املثل العليا‪.‬‬ ‫ن�ش�أت امل�سيحية يف �سورية بعد �أن كان م�ضى عهد طويل على ارتقاء ال�سوريني عن مرتبة‬ ‫الرببرية التي بقي عليها العرب بعامل بيئتهم الطبيعية غري القابلة للعمران والتمدن‪ ،‬وبعد �أن‬ ‫كان م�ضى زمن طويل على �إن�شاء ال�سوريني �أعظم مدنية عرفها العامل يف التاريخ القدمي وهي‬ ‫املدنية التي قامت على قواعدها املدنية الع�صرية‪.‬‬ ‫ن�ش�أت امل�سيحية يف بالد كانت قد بلغت �أوج العلم والتمدن و�شبعت من الفتوحات يف‬ ‫�إفريقية و�أوروبة‪ ،‬بالد مل تكن يف حاجة �إىل من يحبب �إىل �شعبها العلم‪ ،‬لأنها كانت �أ�سبق‬ ‫الأمم �إليه ومنها تع ّلم الإغريق والرومان‪ .‬فالتب�شري مبحا�سن العلم يف �أمة العلم ما كان يكون له‬ ‫وق ٌع غري وقع قولك للنا�س‪ :‬املاء �ضروري لأنه ُيذهب العط�ش‪ ،‬واخلبز ي�سد اجلوع‪.‬‬ ‫مل يكن امل�سيح يهودياً‪ ،‬ومل يكن له «�آباء يهود» كما كان يقول �صاحب احلار�ضة هاجياً �إياه‪،‬‬ ‫بل كان �سورياً يتكلم ويخاطب اجلماهري بال�سريانية‪ .‬وهو نف�سه رف�ض �أن يدعى «�إبن داود» كما‬ ‫�أراد اليهود‪ ،‬فقال يف ذلك‪« :‬كيف يقولون �إن امل�سيح �إبن داود‪ ،‬وداود نف�سه يقول يف كتاب‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪31‬‬

‫املزامري‪ :‬قال الرب لربي اجل�س عن مييني حتى �أ�ضع �أعداءك موطئاً لقدميك‪ .‬ف�إذا كان داود‬ ‫يدعوه رباً فكيف يكون ابنه؟»(لوقا‪ .)41 : 20 ،‬بهذا القول قطع امل�سيح كل �سبيل لقيامه‬ ‫على �أ�سا�س التقاليد اليهودية القائلة �إنه يكون يهودياً من ن�سل داود‪ ،‬فال ي�صح �أن يقال �إن‬ ‫امل�سيح كان يهودياً فهو �إبن البيئة ال�سورية‪.‬‬ ‫�أما الإ�سالم فقد ن�ش�أ يف العربة التي ال عمران فيها وال متدن‪ ،‬والعرب مل يرتقوا عن مرتبة‬ ‫الرببرية ومل يعرفوا العلم‪ ،‬وفنونهم مق�صورة على الغزو وال�سلب واالحتيال ونظم ال�شعر‪.‬‬ ‫فحدثهم حممد مبا يحتاجون �إليه‪ .‬ولذلك كان حديثه يف حمله ويف ما يحتاج �إليه‪ .‬فحثهم على‬ ‫طلب العلم‪ ،‬لأنه مل يكن لهم‪ .‬وهو الذي كاد ي�ضيق ذرعاً بهم فنزلت الآيتان‪{ :‬الأعراب‬ ‫�أ�شد كفراً ونفاقاً و�أجدر �أال يعلموا حدود ما �أنزل اهلل على ر�سوله واهلل عليم حكيم}(التوبة‪،‬‬ ‫‪{ ،)97‬وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن �أهل املدينة مردوا على النفاق ال َت ْع َل ُمهم‬ ‫نحن نَ ْع َل ُمهم �سنعذبهم مرتني ثم ُير ّدون �إىل عذاب عظيم}(التوبة‪.)101 ،‬‬ ‫ويف الن�صو�ص الإ�سالمية اعرتاف �صريح ب�أن الر�سل ير�سلون لهداية �أقوامهم‪ ،‬و�أن حممداً‬ ‫ر�سول �إىل العرب خا�صة بدليل قول القر�آن‪{ :‬ويقول الذين كفروا لوال �أنزل عليه �أية من‬ ‫ربه �إمنا �أنت منذر ولكل قوم هاد}(الرعد‪ ،)7 ،‬و{�إ ّنا �أر�سلناك باحلق ب�شرياً ونذيراً و�إن من‬ ‫من اهلل على امل�ؤمنني �إذ بعث فيهم ر�سو ًال من‬ ‫�أمة �إال خال فيها نذير}(فاطر‪ ،)24 ،‬و{لقد ّ‬ ‫�أنف�سهم يتلو عليهم �آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب واحلكمة و�إن كانوا من قبل لفي �ضالل‬ ‫مبني}(�آل عمران‪.)164 ،‬‬ ‫أمي اخت�صت بالعرب بعناية‬ ‫فوا�ضح من الآية الأخرية �أن ر�سالة الر�سول العربي امللقب بال ّ‬ ‫اهلل الذي �أر�سله هادياً لقومه كما �أر�سل غريه هادياً يف �أقوام �أخرى‪ .‬وهذه الهداية‪ ،‬لكي تكون‬ ‫جمدية‪ ،‬وجب �أن تبتديء من الدرجة التي عليها القوم ال من درجة فوقها‪ .‬وهذه هي الهداية‬ ‫ال�صحيحة‪ .‬ف�إن معلم املدر�سة العامل اخلبري ال يبتديء تعليم الأحداث علم اجلرب والهند�سة‬ ‫واملنطق قبل �أن يكونوا �أكملوا درو�س احل�ساب واجلغرافية والأ�شياء‪ .‬ولو �أن امل�سيح وحممداً‬ ‫تبادال الر�سالة فظهر امل�سيح يف العربة وظهر حممد يف �سورية ملا كانت ر�سالة امل�سيح ابتد�أت‬


‫‪32‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫على الدرجة العالية التي ابتد�أت بها يف �سورية وملا كانت ر�سالة حممد ابتد�أت على الدرجة‬ ‫الأولية التي ابتد�أت بها يف ال ُعربة‪ .‬لو كان حممد يف �سورية ملا وجد حاجة للكرازة ب�أهمية‬ ‫العلم لأن ال�سوريني كانوا ال�س ّباقني فيه و�إليهم يعود ف�ضل تعليم العرب العلم والفل�سفة كما‬ ‫ت�شهد بذلك التواريخ العربية عينها‪.‬‬

‫اهلوامش‬ ‫‪ - 1‬العبارة هذه للإمام علي بن �أبي طالب‪.‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪33‬‬

‫الفهم املُفْ ِلق *‬ ‫لي�ست الر�سالة الإ�سالمية هذه الر�سالة املادية التي ي�صورها ر�شيد �سليم اخلوري ويقول �إنها‬ ‫�أطلقت ال�شهوات وامل�آرب املادية من كل قيد و�أزالت من �أمامها كل حد‪ ،‬بل هي ر�سالة‬ ‫روحانية قبل كل �شيء ومتجهة يف االجتاه عينه الذي تتجه فيه امل�سيحية ولكنها ا�ضطرت‪،‬‬ ‫بحكم البيئة‪ ،‬لأخذ ت�أخر �أو جمود الثقافة املادية يف العربة بعني االعتبار‪.‬‬ ‫وملا كانت الثقافة النف�سية العالية ال ميكن �أن تقوم بدون قاعدة ثابتة من الثقافة املادية‪،‬‬ ‫فقد ر�أت الر�سالة الإ�سالمية �أن تهتم ب�ش�ؤون الثقافة املادية لكي تهيء االنت�صار على املادة‬ ‫والت�سامي يف عامل الروح‪ .‬ومل تكن الر�سالة امل�سيحية يف حاجة لالهتمام ب�ش�ؤون الثقافة‬ ‫املادية‪ ،‬لأن البيئة ال�سورية كانت قد بلغت بها �أبعد �ش�أو‪.‬‬ ‫مل يقل حممد يف حديث له «�إعمل لدنياك ك�أنك تعي�ش �أبداً» فقط‪ .‬وهو لو اقت�صر على هذا‬ ‫القول‪ ،‬لكان مذهبه الفكري هو االغراق يف املادية الالحمدودة‪ ،‬كما يقول اخلوري‪ .‬ولكن‬ ‫حممداً قال‪�« :‬إعمل لدنياك ك�أنك تعي�ش �أبداً واعمل لآخرتك ك�أنك متوت غداً»‪ ،‬ف�أخ�ضع‬ ‫بهذا القول املادية �إخ�ضاعاً كلياً للروحية‪ .‬فغر�ض ال�سعي والك�سب مل يعد للبقاء يف املادة‬ ‫الالحمدودة‪ ،‬بل �صار للو�صول �إىل امل�ستوى الروحاين الذي ذهب امل�سيح �إليه ر�أ�ساً‪ ،‬لعدم‬ ‫حاجته �إىل �إعداد الأ�سا�س املادي لأن هذا كان موجوداً بكرثة‪ .‬وكل من قر�أ كتاب الزعيم‬ ‫«ن�شوء الأمم» يعلم �أن امل�ستوى العمراين ال�سوري كان �أعلى م�ستوى يف التاريخ االجتماعي‬ ‫قبل ع�صر الآلة احلديث‪ .‬وبهذا ي�شهد جمهور علماء الأقوام الب�شرية واجلغرافية االقت�صادية‬ ‫�أمثال ويدال دي لبال�ش [‪ .) (]Vidal De La Blach‬وال نرتك هنا التحفظ ال�سابق من‬ ‫‪1‬‬


‫‪34‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫جعل احلديث يف مقام الإ�سالم‪.‬‬ ‫�إن املادية هي �إحدى الق�ضايا التي كان ال بد للإ�سالم من مواجهتها‪ ،‬ليتمكن من تقريب‬ ‫النف�س العربية التي جففتها ال�صحراء �إىل احلالة الروحانية التي ال ميكن �أن تن�ش�أ يف حالة‬ ‫مقيدة للنف�س‪ .‬اجلائع يجب �أن ي�أكل لي�صبح قادراً على التفكري يف �ش�ؤون �أخرى‪ .‬والذي مل‬ ‫يتمكن من �سد جوعه املادي ـ الفيزيائي ال ي�شعر باجلوع الروحي‪ ،‬والنف�سية املثالية ترتقي‬ ‫بن�سبة ت�أمني مقومات احلياة‪� ،‬إذا كانت النف�س م�ؤهلة لالرتقاء‪� .‬أما امل�سيحية فلم تكن يف حاجة‬ ‫�إىل النظر يف احلاجات املادية‪ ،‬لأن �سورية كانت بالداً يفي�ض الغنى فيها في�ضاً‪� .‬أنظر ما جاء‬ ‫يف نبوءة زكريا من التوراة‪« :‬وقد بنت �صور ح�صناً لنف�سها وك ّومت الف�ضة كالرتاب والذهب‬ ‫كطني الأ�سواق»(زكريا‪ .)3 :9 ،‬فالبالد التي كان الذهب والف�ضة فيها بكرثة الرتاب مل تكن‬ ‫يف حاجة ملن يهديها �إىل الك�سب‪.‬‬ ‫وال �شك يف �أن الر�سالة امل�سيحية والإ�سالمية واحدة‪ ،‬وقد جاء حممد م�صدقاً للر�سالة‬ ‫امل�سيحية بكالم �إلهي مثبت يف القر�آن ولي�س مبجرد حديث نبوي‪ .‬ولو �أن حممداً جاء قبل‬ ‫وعد ر�سالته مكملة لها من احلد الذي وقفت‬ ‫�صدق الر�سالة الإ�سالمية ّ‬ ‫امل�سيح لكان امل�سيح ّ‬ ‫عدها مكملة للر�سالة املو�سوية من عند احلد الذي وقفت عنده وهو احلد الذي‬ ‫عنده‪ ،‬كما ّ‬ ‫يلتقي معه حد الإ�سالم يف الت�شريع والق�ضاء والعناية بالعالقات االجتماعية من الدرجة‬ ‫الثقافية التي عليها اجلماعة التي ظهرت فيها كل من الر�سالتني املذكورتني‪.‬‬ ‫ولقد كان التب�شري واالنذار بعبادة اهلل وترك عبادة الأ�صنام جوهر الروحانية الإ�سالمية كما‬ ‫كانا جوهر الروحانية املو�سوية‪ .‬ف�صفة حممد يف القر�آن هي �صفة «الب�شري النذير»‪ .‬وتلتقي‬ ‫الر�سالتان املو�سوية واملحمدية يف الب�شارة واالنذار والت�شريع‪ .‬والآيات املت�شابهة مبنى ومعنى‬ ‫من التوراة والقر�آن كثرية نقت�صر على �أمثلة قليلة منها‪« :‬فهو ذا ي�أتي اليوم امل ّتقد كالتنور وكل‬ ‫امل�ستكربين وكل فاعلي ال�شر يكونون ق�شاً ويحرقهم اليوم الآتي قال رب اجلنود فال ُيبقي‬ ‫لهم �أ�ص ًال وال فرعاً»(مالخي‪�{ .)1 :4 ،‬إن ال�ساعة لآتية ال ريب فيها ولكن �أكرث النا�س ال‬ ‫ي�ؤمنون‪ .‬وقال ربكم ادعوين �أ�ستجب لكم �إن الذين ي�ستكربون عن عبادتي �سيدخلون جهنم‬ ‫داخرين}(غافر‪« .)60 - 59 ،‬اذكروا �شريعة مو�سى عبدي الذي �أمرته بها يف حوريب على‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪35‬‬

‫كل �إ�سرائيل الفرائ�ض والأحكام»(مالخي‪{ .)4 :4 ،‬تلك حدود اهلل ومن يطع اهلل ور�سوله‬ ‫يدخله جنات جتري من حتتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم}(الن�ساء‪.)13 ،‬‬ ‫«و�أقرتب �إليكم للحكم و�أكون �شاهداً �سريعاً على ال�سحرة وعلى الفا�سقني وعلى احلالفني‬ ‫زوراً وعلى ال�سالبني �أجرة الأجري‪ :‬الأرملة واليتيم ومن ي�صد الغريب وال يخ�شاين قال رب‬ ‫اجلنود»(مالخي‪�{ .)5 :3 ،‬إن الذين ي�أكلون �أموال اليتامى ظلماً �إمنا ي�أكلون يف بطونهم ناراً‬ ‫و�سي�صلون �سعرياً}(الن�ساء‪« .)10 ،‬هكذا قال رب اجلنود قائ ًال اق�ضوا ق�ضاء احلق واعملوا‬ ‫�إح�ساناً ورحم ًة كل �إن�سان مع �أخيه‪ .‬وال تظلموا الأرملة وال اليتيم وال الغريب وال الفقري وال‬ ‫يفكر �أحد منكم �شراً على �أخيه يف قلبكم»(زكريا‪{ .)11 - 9 :7 ،‬ي�س�ألونك ماذا ينفقون قل‬ ‫ما �أنفقتم من خري فللوالدين والأقربني واليتامى وامل�ساكني وابن ال�سبيل وما تفعلوا من خري‬ ‫ف�إن اهلل به عليم}(البقرة‪{ .)215 ،‬وال ي�أ َت ِل �أولو الف�ضل منكم وال�سعة �أن ي�ؤتوا �أويل القربى‬ ‫وامل�ساكني واملهاجرين يف �سبيل اهلل وليعفوا ولي�صفحوا �أال حتبون �أن يغفر اهلل لكم واهلل غفور‬ ‫رحيم}(النور‪.)22 ،‬‬ ‫ومن يقر�أ �سفر تثنية الإ�شرتاع يف التوراة‪ ،‬وفيه حدود اهلل يف املعامالت والعقود‪ ،‬و�سورتي‬ ‫البقرة والن�ساء وال يجد بينها عالقة وثيقة يف الت�شريع والق�ضاء والأحكام؟ واحلقيقة �أنها‬ ‫مت�شابهة �إىل حد بعيد جداً‪ .‬و�إليك �شيئاً من هذه املوازاة ال�شرعية بني التوراة والقر�آن‪:‬‬ ‫«ملعون من ي�ضطجع مع امر�أة �أبيه لأنه يك�شف ذيل �أبيه»(تثنية‪{ .)20 :27 ،‬وال تنكحوا‬ ‫ما نكح �آبا�ؤكم من الن�ساء �إال ما قد �سلف �إنه كان فاح�شة ومقتاً و�ساء �سبي ًال}(الن�ساء‪،‬‬ ‫‪« .)22‬و�إذا ا�ضطجع رجل مع امر�أة �أبيه فقد ك�شف عورة �أبيه‪� .‬إنهما يقتالن كالهمان‪.‬‬ ‫دمهما عليهما‪ .‬و�إذا ا�ضطجع رجل مع كنته ف�إنهما يقتالن كالهما‪ .‬قد فعال فاح�شة‪ .‬دمهما‬ ‫عليهما»(الويني‪« .)12 - 11 :20 ،‬و�إذا اتخذ رجل امر�أة و�أمها فذلك رذيلة‪ .‬بالنار يحرقونه‬ ‫و�إياهما لكي ال يكون رذيلة بينكم»(الويني‪« .)14 :20 ،‬و�إذا �أخذ رجل �أخته بنت �أبيه‬ ‫�أو بنت �أمه ور�أى عورتها ور�أت هي عورته فذلك عار يقطعان �أمام �أعني بني �شعبهما‪ .‬قد‬ ‫ك�شف عورة �أخته‪ .‬يحمل ذنبه‪ .‬و�إذا ا�ضطجع رجل مع امر�أة طامث وك�شف عورتها عرى‬ ‫ينبوعها وك�شفت هي ينبوع دمها يقطعان كالهما من �شعبهما‪ .‬عورة �أخت �أمك �أو �أخت‬


‫‪36‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫�أبيك ال تك�شف‪� .‬إنه قد عرى قريبته‪ .‬يحمالن ذنبهما‪ .‬و�إذا ا�ضطجع رجل مع امر�أة عمه‬ ‫فقد ك�شف عورة عمه‪ .‬يحمالن ذنبهما‪ .‬ميوتان عقيمني‪ .‬و�إذا �أخذ رجل �إمر�أة �أخيه فذلك‬ ‫جنا�سة‪ .‬قد ك�شف عورة �أخيه‪ .‬يكونا�� عقيمني»(الويني‪{ .)20 - 17 :20 ،‬حرمت عليكم‬ ‫�أمهاتكم وبناتكم و�أخواتكم وعماتكم وخاالتكم وبنات الأخ وبنات الأخت و�أمهاتكم‬ ‫الالتي �أر�ضعنكم و�أخواتكم من الر�ضاعة و�أمهات ن�سائكم وربائبكم الالئي يف حجوركم‬ ‫من ن�سائكم الالئي دخلتم بهن ف�إن مل تكونوا دخلتم بهن فال جناح عليكم وحالئل �أبنائكم‬ ‫الذين من �أ�صالبكم و�أن جتمعوا بني الأختني �إال ما قد �سلف �إن اهلل كان غفوراً رحيماً}‬ ‫(الن�ساء‪« .)23 ،‬ال يقرتب �إن�سان �إىل قريب ج�سده ليك�شف العورة‪� .‬أنا الرب‪ .‬عورة �أبيك‬ ‫وعورة �أمك ال تك�شف‪� .‬إنها �أمك ال تك�شف عورتها‪ ،‬عورة امر�أة �أبيك ال تك�شف‪� .‬إنها‬ ‫عورة �أبيك‪ .‬عورة �أختك بنت �أبيك �أو بنت �أمك املولودة يف البيت �أو املولودة خارجاً ال‬ ‫تك�شف عورتها‪ .‬عورة ابنة ابنك �أو ابنة بنتك ال تك�شف عورتها‪� .‬إنها عورتك‪ .‬عورة بنت‬ ‫امر�أة �أبيك املولودة من �أبيك ال تك�شف عورتها‪� .‬إنها �أختك‪ .‬عورة �أخت �أبيك ال تك�شف‪.‬‬ ‫�إنها قريبة �أبيك‪ .‬عورة �أخت �أمك ال تك�شف‪� .‬إنها قريبة �أمك‪ .‬عورة �أخي �أبيك ال تك�شف‪.‬‬ ‫�إىل امر�أته ال تقرتب‪� .‬إنها عمتك‪ .‬عورة كنتك ال تك�شف‪� .‬إنها امر�أة ابنك‪ .‬ال تك�شف‬ ‫عورتها‪ .‬عورة امر�أة �أخيك ال تك�شف‪� .‬إنها عورة �أخيك‪ .‬عورة امر�أة وبنتها ال تك�شف‪.‬‬ ‫وال ت�أخذ ابنة ابنها �أو ابنة بنتها لتك�شف عورتها‪� .‬إنهما قريبتاها‪� .‬إنه رذيلة‪ .‬وال ت�أخذ امر�أة‬ ‫على �أختها لل�ضر لتك�شف عورتها معها يف حياتها‪ .‬وال تقرتب �إىل امر�أة يف جنا�سة طمثها‬ ‫لتك�شف عورتها‪ .‬وال جتعل مع امر�أة �صاحبك م�ضجعك لزرع فتتنج�س بها»(الويني‪:18 ،‬‬ ‫‪ .)20 - 6‬ومن مقابلة هذه الآيات يف التوراة والقر�آن جند مو�ضوع الت�شريع واحداً واحلدود‬ ‫واحدة‪ ،‬فل َرن �أمثلة �أخرى‪:‬‬ ‫«و�إذا باع رجل ابنته �أَ َم ًة ال تخرج كما يخرج العبيد‪� .‬إن قبحت يف عيني �سيدها الذي خطبها‬ ‫لنف�سه يدعها تفك‪ .‬ولي�س له �سلطان �أن يبيعها لقوم �أجانب لغدره بها»(خروج‪.)8 - 7 :21 ،‬‬ ‫{واملح َ�صنات من الن�ساء �إال ما ملكت �أميانكم كتاب اهلل عليكم و�أُ ِح َّل لكم ما وراء ذلكم �أن‬ ‫ْ‬ ‫حم ِ�صنني غري م�سافحني فما ا�ستمتعتم به منهن ف�آتوهن �أجورهن فري�ضة وال‬ ‫تبتغوا ب�أموالكم ْ‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪37‬‬

‫جناح عليكم فيما ترا�ضيتم به من بعد الفري�ضة �إن اهلل كان عليماً حكيماً}(الن�ساء‪.)24 ،‬‬ ‫«�إن اتخذ لنف�سه �أخرى ال ينق�ص طعامها وك�سوتها ومعا�شرتها» (خروج‪{.)10 :21 ،‬و�إن‬ ‫خفتم �أال ُت ِ‬ ‫ق�سطوا يف اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من الن�ساء مثنى وثالث و ُرباع ف�إن خفتم‬ ‫�أال تعدلوا فواحدة �أو ما ملكت �أميانكم ذلك �أدنى �أال َت ُعولوا}(الن�ساء‪.)3 ،‬‬ ‫«�إذا �أخذ رجل امر�أة وتزوج بها ف�إن مل جتد نعمة يف عينيه لأنه وجد فيها عيب �شيء وكتب‬ ‫لها كتاب طالق ودفعه �إىل يدها و�أطلقها من بيته‪ ،‬ومتى خرجت من بيته ذهبت و�صارت‬ ‫لرجل �آخر ف�إن �أبغ�ضها الرجل الأخري وكتب لها كتاب طالق ودفعه �إىل يدها و�أطلقها من‬ ‫بيته‪� ،‬أو �إذا مات الرجل الأخري الذي اتخذها له زوجة ال يقدر زوجها الأول الذي طلقها‬ ‫�أن يعود ي�أخذها لت�صري له زوجة بعد �أن تنج�ست‪ ،‬لأن ذلك رج�س لدى الرب»(تثنية‪:24 ،‬‬ ‫‪{ .)4 - 1‬ف�إن طلقها فال حتل له من بعد حتى تنكح زوجاً غريه ف�إن طلقها فال جناح عليهما‬ ‫�أن يرتاجعا �إن ظنا �أن يقيما حدود اهلل وتلك حدود اهلل يبينها لقوم يعلمون}(البقرة‪.)230 ،‬‬ ‫واحلكم يف القر�آن هو العك�س متاماً ملا يف التوراة‪ ،‬ولكن مق�صد ال�شارع واحد وهو تقييد‬ ‫الطالق‪ .‬وهكذا ف�سر مف�سرو الإ�سالم حكم هذه الآية‪.‬‬ ‫وورد يف القر�آن يف ما يخت�ص بالطمث الوارد عنه يف التوراة‪ ،‬وهو مثبت فوق‪ ،‬هذه الآية‪:‬‬ ‫{وي�س�ألونك عن املحي�ض قل هو �أذى فاعتزلوا الن�ساء يف املحي�ض وال تقربوهن حتى يطهرن‬ ‫ف�إذا تطهرن ف�أتوهن من حيث �أمركم اهلل �إن اهلل يحب التوابني ويحب املتطهرين}(البقرة‪،‬‬ ‫‪.)222‬‬ ‫ووردت �أي�ضاً م�شابهات �أحكام الزنى والربا وال�سرقة وما �شاكل من قوانني اجلزاء‪.‬‬ ‫وال نطيل ال�شرح يف �أن هذه الآيات الت�شريعية مت�ساوية يف الأ�سا�س مت�شابهة يف ال�شكل فيما‬ ‫يخت�ص باحلالة ال�شرعية للأزواج والإماء‪ ،‬وفيما يخت�ص باملحلالت واملحرمات يف امل�أكل‪.‬‬ ‫ون�ضيف �إىل هذا االتفاق بني الدينني يف الأحوال املدنية‪ ،‬ال�شخ�صية‪ ،‬االتفاق يف �ش�ؤون‬ ‫الدولة الدينية‪:‬‬ ‫«من و�سط �أخوتك جتعل عليك ملكاً‪ .‬ال يحل لك �أن جتعل عليك رج ًال �أجنبياً لي�س هو‬


‫‪38‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫�أخاك (�أي �أخاك يف ملتك)»‪ ،‬وهذه الو�صية من �سفر التثنية الإ�صحاح‪ .15 :17‬ويقابلها‬ ‫يف القر�آن‪{ :‬الذين يتخذون الكافرين �أولياء من دون امل�ؤمنني �أيبتغون عندهم العزة ف�إن‬ ‫العزة هلل جميعاً}(الن�ساء‪{ ،)139 ،‬يا �أيها الذين �آمنوا ال تتخذوا الكافرين �أولياء من دون‬ ‫امل�ؤمنني �أتريدون �أن جتعلوا هلل عليكم �سلطاناً مبيناً}(الن�ساء‪.)144 ،‬‬ ‫يف هذا القدر كفاية لإثبات اتفاق الدينني املو�سوي واملحمدي يف �أ�سا�س ت�شريعي واحد‪،‬‬ ‫و�سي�أتي تبيان �أ�سباب هذه االتفاقات وامل�شابهات يف ما يلي من هذا البحث‪.‬‬

‫اهلوامش‬ ‫* �أفلق ال�شاعر‪� :‬أتى بالفلق �أي الأمر العجيب‪ ،‬فهو مفلق‪.‬‬ ‫‪ - 1‬عامل جغرايف فرن�سي (‪ ،)1918 - 1845‬يعترب م�ؤ�س�س املدر�سة الفرن�سية احلديثة يف‬ ‫علم اجلغرافية ال�سيا�سية‪.‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪39‬‬

‫للجهال‬ ‫ما مل يُ َ‬ ‫عط ّ‬ ‫وجدنا‪ ،‬من مقابلة �أحكام القر�آن وحدوده على �أحكام التوراة وحدودها‪� ،‬أن ن�صو�ص ال�شريعتني‬ ‫املو�سوية واملحمدية واحدة مع فوارق �شكلية قليلة ال تغيرّ �شيئاً من وحدة الأ�سا�س‪ .‬فاهلل قد‬ ‫�أوحى �إىل حممد‪ ،‬يف القر�آن‪ ،‬ال�شريعة عينها التي �أوحاها �إىل مو�سى وجميع النبيني الذين‬ ‫تقدموا حممداً‪ ،‬كما هو مثبت يف القر�آن‪ .‬واهلل قد �أوحى �إىل حممد �آيات م�سيحية �أي�ضاً‬ ‫ولكن ال�شعب الذي �أر�سل �إليه حممد مل يكن من االدراك والثقافة بحيث مييل �إىل الأخذ‬ ‫بالتعاليم العليا‪ ،‬وكانت حاجته ما�سة �إىل الأ�سا�س القانوين الذي يجمع بني قبائله املت�شعثة‬ ‫وي�ضمن العالقات ويحدد طرق املعاملة‪ ،‬فال تكون معلقة على تعاليم الفل�سفة املناقبية التي‬ ‫ع ّلمها امل�سيح وجعلها تاجاً لل�شريعة وحكماً عليها‪ ،‬وكانت االنت�صار الأول للثقافة النف�سية‬ ‫على حدود ال�شرع اجلامدة‪ .‬فانت�صار العقل على ال�شرع حدث �أو ًال بظهور التعاليم امل�سيحية‪،‬‬ ‫و�أعظم �أ�سباب نقمة اليهود على امل�سيح هو كونه خرج على ن�صو�ص ال�شرع‪ ،‬وقال بت�أويل ال�شرع‬ ‫ملا يفيد احلياة ويح�سنها‪ ،‬بد ًال من التقيد بالن�صو�ص‪ ،‬كما هو احلال يف القر�آن والتوراة‪ .‬امل�سيح هو‬ ‫الذي قال‪« :‬ال حتكموا بح�سب الظاهر لكن احكموا حكماً عاد ًال»(يوحنا‪ .)24 :7 ،‬وهو قال‬ ‫هذا القول لأن اليهود نقموا عليه لإبرائه �إن�ساناً يوم ال�سبت املحرم العمل فيه عند اليهود ح�سب‬ ‫�شريعة مو�سى‪ ،‬وكان قد قال قبل هذه الآية‪�« :‬إن مو�سى �أعطاكم اخلتان ال �أنه من مو�سى بل‬ ‫من الآباء فتختنون الإن�سان يف ال�سبت‪ .‬ف�إن كان الإن�سان يخنت يف ال�سبت لئال تنتق�ض �شريعة‬ ‫علي لأين �أبر�أت الإن�سان كله يف ال�سبت»(يوحنا‪ .)23 - 22 :7 ،‬وكان‬ ‫مو�سى �أفت�سخطون َّ‬ ‫اليهود يعرت�ضون لي�س فقط على �إبراء الرجل يف ال�سبت‪ ،‬بل �أي�ضاً على حمل الرجل �سريره بعد‬


‫‪40‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫�شفائه‪ ،‬لأنه مل يكن يجوز يف �شريعة مو�سى �أن ُيعمل �شيء يوم ال�سبت‪.‬‬ ‫وكان الكتبة والفري�سيون يجادلون امل�سيح دائماً ويحاولون �أن ي�أخذوه بجريرة خمالفة ال�شريعة‪.‬‬ ‫والإجنيل م�شحون بهذه املحاوالت‪ .‬و�أهم حماولة كانت هذه‪« :‬وم�ضى ي�سوع �إىل جبل‬ ‫وقدم الكتبة‬ ‫الزيتون‪ .‬ثم رجع باكراً �إىل الهيكل ف�أقبل �إليه ال�شعب كلهم فجل�س يعلمهم‪ّ .‬‬ ‫والفري�سيون �إىل ي�سوع امر�أة �أخذت يف زنى و�أقاموها يف الو�سط‪ .‬وقالوا‪ :‬يا معلم �إن هذه املر�أة‬ ‫قد �أخذت يف الزنى‪ .‬وقد �أو�صى مو�سى يف النامو�س (ال�شريعة) �أن ترجم مثل هذه فماذا‬ ‫تقول �أنت؟ و�إمنا قالوا هذا جتريباً له ليجدوا ما ي�شكونه به‪� .‬أما ي�سوع ف�أكب يخط ب�إ�صبعه على‬ ‫الأر�ض‪ .‬وملا ا�ستمروا ي�س�ألونه انت�صب وقال لهم‪« :‬من كان منكم بال خطيئة فليبد�أ ويرمها‬ ‫بحجر»‪ .‬ثم �أكب �أي�ضاً يخط على الأر�ض‪� .‬أما �أولئك فلما �سمعوا طفقوا يخرجون واحداً‬ ‫فواحداً وكان ال�شيوخ �أول اخلارجني وبقي ي�سوع وحده واملر�أة قائمة يف الو�سط‪ .‬فانت�صب‬ ‫ي�سوع وقال لها‪« :‬يا امر�أة �أين الذين ي�شكونك؟ �أما حكم عليك �أحد؟» قالت‪« :‬ال يا رب»‬ ‫فقال ي�سوع‪« :‬وال �أنا �أحكم عليك اذهبي وال تعودي تخطئني»(يوحنا‪.)11 - 1 :8 ،‬‬ ‫يف هذا املثل يظهر ال�صراع بني العقل وال�شرع ب�أجلى مظاهره‪ .‬ال�شرع وا�ضح ال �شك فيه‪:‬‬ ‫الزانية ترجم يف التوراة ويف القر�آن جتلد كما جاء يف الآية‪{ :‬الزانية والزاين فاجلدوا كل‬ ‫واحد منهما مئة جلدة وال ت�أخذكم بهما ر�أفة يف دين اهلل �إن كنتم ت�ؤمنون باهلل واليوم الآخر‬ ‫ولي�شهد عذابهما طائفة من امل�ؤمنني}(النور‪ ، )2 ،‬فلم يقت�صر امل�سيح على قوله املطلق «ال‬ ‫حتكموا بح�سب الظاهر لكن احكموا حكماً عاد ًال»‪ ،‬بل وقف وحمل م�س�ؤولية كالمه‪ .‬ومل‬ ‫ي�ضع �شريعة جديدة حتل حمل ال�شريعة ال�سابقة يف �أمر الزنى‪ ،‬بل ع ّلم بتحكيم العقل ليكون‬ ‫احلكم عاد ًال و�إن خالف ن�ص ال�شريعة‪ .‬وهو ما مل يجر مثله يف القر�آن �أو احلديث وذلك ملا‬ ‫بيناه �آنفاً من �أن حممداً �أر�سل �إىل قوم كانوا م�ضطرين �إىل ما كان م�ضطراً �إليه العربانيون‪:‬‬ ‫�شريعة توجد لهم نظاماً يو�ضح لهم املعامالت واحلدود واجلزاء‪ ،‬بد ًال من عادات الث�أر والغزو‬ ‫وا�ستبداد القوي التي ال تقيم نظاماً‪ .‬ولذلك ن�ش�أ هذا التوافق الكلي بني ال�شريعة املحمدية‬ ‫وال�شريعة املو�سوية يف ال�شرع حتى يف اجلزاء ونوعه‪ ،‬كما يف الآية‪{ :‬يا �أيها الذين �آمنوا كتب‬ ‫عليكم الق�صا�ص يف القتلى ا ُحل ّر با ُحل ّر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى‪(}..‬البقرة‪،)178 ،‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪41‬‬

‫وفيها جوهر اجلزاء املذكور يف �شريعة مو�سى‪.‬‬ ‫وهذا ي�ؤيد كون حممد �أُر�سل ليهدي بيئة مل تكن لها �شريعة من قبل‪ ،‬و�إال ملا وجد الوحي‬ ‫حاجة لتكرار ما ورد يف التوراة وجاء حممد م�صدقاً له‪ .‬و�إذا كان قد بقي يف ذهن �أحد �شيء‬ ‫من ال�شك يف ما نقوله حتى بعد ما �أوردناه من الآيات القر�آنية‪ ،‬ف�إننا ن�ؤيده ب�آيات �أخرى كهذه‬ ‫الآيات‪{ :‬وكذلك �أوحينا �إليك قر�آناً عربياً لتنذر �أ ّم القرى ومن حولها وتنذر يوم اجلمع ال‬ ‫ريب فيه فريق يف اجلنة وفريق يف ال�سعري}(ال�شورى‪ .)7 ،‬وهذه الآية هامة جداً‪ ،‬لأنها مكية‪،‬‬ ‫�أي من الآيات التي مل يكن قد دخل فيها العامل ال�سيا�سي الذي نلحظه يف الآيات املدنية‪:‬‬ ‫{فكيف �إذا جئنا من كل �أمة ب�شهيد وجئنا بك على ه�ؤالء �شهيداً}(الن�ساء‪{ ،)41 ،‬ولقد‬ ‫بعثنا يف كل �أمة ر�سو ًال}(النحل‪.)36 ،‬‬ ‫وقد �أثبتنا يف احللقة الثالثة (الرابعة ع�شرة يف الرتتيب اال�صلي) من هذه ال�سل�سلة �شيئاً من‬ ‫و�صف القر�آن لبيئة حممد‪ .‬ولعل هذه الآية تعطي و�صفاً �أدق لتلك البيئة‪{ :‬قالت الأعراب‬ ‫�آم ّنا قل مل ت�ؤمنوا ولكن قولوا �أ�سلمنا وملّا يدخل الإميان يف قلوبكم و�إن تطيعوا اهلل ور�سوله ال‬ ‫َي ِل ْت ُكم من �أعمالكم �شيئاً �إن اهلل غفور رحيم}(احلجرات‪.)14 ،‬‬ ‫هذه البيئة العريقة يف البداوة مل تكن م�ؤهلة لإدراك الإميان الروحي وفهم تعاليم الفل�سفة‬ ‫املناقبية‪� ،‬إنها بيئة ال تزال دون مرتبة هذه الفل�سفة مبراتب‪ .‬ولذلك �أخذت ال�سور املدنية‬ ‫وجهة �أقرب �إىل البيئة وعقليتها من وجهة ال�سور املكية‪ .‬ولذلك كان ظهور روحانية الر�سالة‬ ‫الإ�سالمية خارج العربة يف �سورية وفار�س والأندل�س‪� .‬أما �أهل ال ُعربة فظلوا حتت حكم الآية‬ ‫املذكورة �أخرياً �إىل اليوم‪� ،‬أي �أنهم �أ�سلموا لكن الإميان احلقيقي ملّا يدخل قلوبهم‪ .‬وهذه احلالة‬ ‫التي ي�شجبها القر�آن هي التي ميدحها �صاحب احلار�ضة الهجائية الذي مل يفهم من الإ�سالم‬ ‫�إال بقدر ما فهمته الأعراب‪ ،‬ومل يعرف �شيئاً �صحيحاً عن امل�سيحية �أو عن الإ�سالم‪ ،‬وكان‬ ‫�أحوج النا�س �إىل �سماع حما�ضرات يف هذين الدينني ون�ش�أتهما وطبيعة كل منهما‪ ،‬ولذلك‬ ‫قال عن الإ�سالم الذي و�ضع �شرعاً ي�سمونه يف علم احلقوق وال�سيا�سة «جامداً ‪� » Rigido‬إنه‬ ‫و�ضع القواعد الروحية ـ الفكرية للتغلب على ال�شرع‪ ،‬وقال عن امل�سيحية التي ع ّلمت تعاليم‬ ‫فل�سفية مناقبية لت�أويل ال�شرع على ما يوافق الأف�ضل للحياة اجليدة ح�سب حكم العقل �إنها‬


‫‪42‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫دين «يقتل املواهب ويهي�ض الأجنحة ويع�صب على العيون‪� ،‬إلخ»‪.‬‬ ‫بعد الذي ب ّيناه يف ما تقدم من هذه احللقة نعود �إىل نقطة هامة جداً وعدنا‪ ،‬يف احللقة ال�سابقة‪� ،‬أن‬ ‫نعاجلها يف هذه احللقة وهي‪� :‬أ�سباب االتفاقات وامل�شابهات بني الر�سالتني املو�سوية واملحمدية‬ ‫اللتني لهما �أ�سا�س واحد هو ال�شرع الذي ر�أينا �أن �أحكامه واحدة يف التوراة والقر�آن‪.‬‬ ‫�أملعنا يف ما تقدم من هذا البحث‪ ،‬خ�صو�صاً يف احللقتني الأخريتني‪� ،‬إىل �أن الر�سالة الإ�سالمية‬ ‫هي �أي�ضاً ر�سالة روحية تتجه يف اجتاه الر�سالة امل�سيحية عينه‪ ،‬ولكنها ا�ضطرت لأخذ الأ�سا�س‬ ‫املادي بعني االعتبار وتقدميه يف املعاجلة على البناء الروحي‪.‬‬ ‫واحلقيقة �أن الر�سالة القر�آنية تق�سم �إىل ق�سمني‪ :‬الق�سم الأول وهو املكي ال�سابق للهجرة‬ ‫وفيه الآيات املكية املتجهة اجتاهاً روحياً‪ ،‬على قدر ما ت�سمح به عقلية البيئة املحدودة العلوم‬ ‫واملعارف واالختبارات والأفكار والت�صورات‪ .‬والق�سم الثاين هو املدين امل�شتمل على الآيات‬ ‫املدنية واجتاهه نحو �ش�ؤون �أوليات االجتماع و�ضروريات بداءة �إن�شاء نظام اجتماعي عام‬ ‫ي�شمل جميع العرب‪ ،‬ويحل حمل العادات والعرف املقت�صرة على القبائل وعلى حاالت‬ ‫قليلة تقوم عليها ال�صالت بني القبائل التي كانت كل قبيلة منها ك�أنها �أمة ودولة قائمة‬ ‫بنف�سها‪ ،‬ال يجمع بينها غري عادة �أو فري�ضة احلج �إىل الكعبة واال�صطالح على ترك الغزو والث�أر‬ ‫يف �شهر معني من ال�سنة‪.‬‬ ‫ويف هذا الق�سم يظهر عامالن رئي�سيان هما‪ :‬الت�شريع وال�سيا�سة‪� .‬أما الت�شريع فلإقامة نظام‬ ‫عام يلغي خ�صو�صيات القبائل ويوحد العرب‪ .‬و�أما ال�سيا�سة فلجعل جناح الر�سالة ونظامها‬ ‫ممكناً‪ .‬وهذا العامل الأخري يظهر يف �أمر اجلهاد الذي يغري العرب بالغزو وال�سلب‪ ،‬وقد‬ ‫ظهر ت�أثري هذه الناحية يف يوم بدر ويوم �أُ ُحد‪ ،‬ويف ت�شويق العرب ب�صور اجلنة املادية ويف‬ ‫الت�ساهل يف �ش�ؤون حياتهم‪ ،‬خ�صو�صاً يف الن�ساء وتعدد الزوجات‪ ،‬مراعاة ل�شهوات ال�صحراء‬ ‫احلادة والقت�صار �ش�ؤون حياة العرب على الغزو وال�سبي وال�سلب‪ ،‬ووقوف حياتهم الفنية‬ ‫والروحية على الفر�س والرمح واملر�أة‪ .‬واملر�أة �أو �أنوثتها كانت �أقوى عامل يف نف�سية العربي‬ ‫ولذلك �إعترب القر�آن هذه الناحية مع ناحية ال�صور املادية للجنة حتى يف الآيات املكية كما يف‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪43‬‬

‫قوله‪{ :‬الذين �آمنوا ب�آياتنا وكانوا م�سلمني ادخلوا اجلنة �أنتم و�أزواجكم تحُبرَ ون يطاف عليهم‬ ‫ب�صحاف من ذهب و�أكواب وفيها ما ت�شتهيه الأنف�س وتلذ الأعني و�أنتم فيها خالدون وتلك‬ ‫اجلنة التي �أورثتموها مبا كنتم تعملون لكم فيها فاكهة كثرية منها ت�أكلون} (�سورة الزخرف‬ ‫املكية‪ ،‬الآيات ‪ ،)73 - 69‬وقوله‪�{ :‬إن املتقني يف مقام �أمني يف جنات وعيون يلب�سون من‬ ‫�سند�س وا�ستربق متقابلني كذلك وز ّوجناهم بحور عني يدعون فيها بكل فاكهة �آمنني ال‬ ‫يذوقون فيها املوت �إال املوتة الأوىل ووقاهم عذاب اجلحيم} (�سورة الدخان املك ّية‪ ،‬الآيات‬ ‫‪.)56 - 51‬‬ ‫الت�شريع يف ال�سور املدنية مع العامل النف�سي ـ ال�سيا�سي الذي ازداد قوة يف هذه ال�سور هما‬ ‫اللذان �أعطيا الإ�سالم �أعظم فاعليته‪ .‬ي�ضاف �إىل ذلك كون النبي عربياً يخاطب جماعته‬ ‫ر�أ�ساً‪{ :‬لقد جاءكم ر�سول من �أنف�سكم عزيز عليه ما َع ِن ُّتم حري�ص عليكم بامل�ؤمنني ر�ؤوف‬ ‫رحيم}(التوبة‪ ، )128 ،‬وبلغتهم‪{ :‬كتاب ف�صلت �آياته قر�آناً عربياً لقوم يعلمون}(ف�صلت‪،‬‬ ‫‪ ،)3‬وكون الر�سالة �إلهية �أقوى يف النفو�س على الأ�صنام‪.‬‬ ‫وملا كان هذان العامالن‪ :‬الت�شريع وال�سيا�سة النف�سية والعملية هما الأ�شد ت�أثرياً والأعظم‬ ‫�ش�أناً يف النف�سية العربية العامة فقد ُقدمت الآيات املدنية‪ ،‬حني جمع القر�آن‪ ،‬على الآيات‬ ‫املك ّية �إال �سورة الفاحتة وهي �آيات قليلة‪ .‬وال�سبب هو �أن ال�سور املدنية ت�شتمل على �أ�صول‬ ‫املعامالت وقوانني العقود‪ ،‬وهي املمتازة باحلث والتحري�ض على اجلهاد وحماربة الكفار وزينة‬ ‫اجلنة‪.‬‬ ‫وقد �أثبتت التواريخ العربية ل�سري احلركة الإ�سالمية وفتوحاتها �شدة ت�أثري هذين العاملني‬ ‫يف النفو�س وعظم فاعليتهما‪ .‬من ذلك ما ورد يف «فتوح ال�شام» للواقدي‪ ،‬وروايته �أنه ملا عزم‬ ‫اخلليفة �أبو بكر على فتح �سورية بد�أ يوجه �إليها اجليو�ش وكان �أول من عقد له يزيد بن �أبي‬ ‫�سفيان على �ألف فار�س وربيعة بن عامر على �ألف فار�س‪ .‬ف�أخذ يزيد‪ ،‬وكان مقدماً على‬ ‫ربيعة‪ ،‬يجد يف ال�سري وال يرحم اجلي�ش‪ ،‬فخاطبه ربيعة يف ذلك فقال‪�« :‬إن �أبا بكر ر�ضي اهلل‬ ‫عنه �سيعقد العقود وير�سل اجليو�ش ف�أردت �أن �أ�سبق النا�س �إىل ال�شام فلعلنا �أن نفتح فتحاً‬ ‫قبل تالحق النا�س بنا فيجتمع بذلك ثالث خ�صال‪ :‬ر�ضاء اهلل ع َّز َّ‬ ‫وجل‪ ،‬ور�ضاء خليفتنا‪،‬‬


‫‪44‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫وغنيمة ن�أخذها»( )‪ .‬ويف خرب نزال خالد بن الوليد لكلو�س يف حرب دم�شق �أن خالداً �أجاب‬ ‫منازله‪« :‬و�أما ما ذكرت من بالدنا و�أنها بالد قحط وجوع فالأمر كذلك �إال �أن اهلل تعاىل �أبدلنا‬ ‫ما هو خري منه ف�أبدلنا بدل الذرة احلنطة والفواكه وال�سمن والع�سل»( )‪ ،‬وهو ما وجدوه يف‬ ‫ال�شام‪ .‬ويف جواب خالد بن الوليد لوردان يف واقعة دم�شق‪�« :‬إن اهلل ع َّز َّ‬ ‫وجل �أغنانا عن‬ ‫�صدقاتكم و�أموالكم وجعل �أموالكم نتقا�سمها بيننا و� ّ‬ ‫أحل لنا ن�ساءكم و�أوالدكم»( )‪ .‬وملا‬ ‫بلغت �أخبار انت�صارات امل�سلمني الأوىل يف �سورية �إىل مكة حترك �أكابرها و�أقبلوا على �أبي بكر‪،‬‬ ‫()‬ ‫ويف طليعتهم �أبو �سفيان والغيداق بن وائل‪ ،‬ي�ست�أذونه يف اخلروج �إىل �سورية‪ .‬روى الواقدي‬ ‫‪« :‬ف ََك ِر َه عمر بن اخلطاب خروجهم �إىل ال�شام وقال لأبي بكر‪ :‬ال ت�أذن للقوم «ف�إن يف قلوبهم‬ ‫حقائد و�ضغائن واحلمد هلل الذي كانت كلمته هي العليا وكلمتهم هي ال�سفلى وهم على‬ ‫كفرهم و�أرادوا �أن يطفئوا نور اهلل ب�أفواههم وي�أبى اهلل �إال �أن يتم نوره ونحن مع ذلك نقول لي�س‬ ‫مع اهلل غالب‪ .‬فلما [�سمعوا] �أن اهلل �أع ّز ديننا ون�صر �شريعتنا �أ�سلموا خوفاً من ال�سيف فلما‬ ‫�سمعوا �أن جند اهلل قد ن�صروا على الروم �أتونا لنبعث بهم �إىل الأعداء ليقا�سموا ال�سابقني‬ ‫الأولني»‪ ،‬ف�سمع �أبو بكر كالم عمر بن اخلطاب و�أدرك �أهل مكة ال�سبب فاجتمعوا �إىل �أبي‬ ‫بكر وتظاهروا �أمامه ب�صدق �إ�سالمهم فر�ضي عليهم �أبو بكر»‪ .‬هذه �أمثلة من �أمر ت�أثري اجلهاد‬ ‫وما يجلبه من الغنائم‪.‬‬ ‫�أما �أمر اجلنة ونعيمها املادي وزينتها فقد روى الواقدي( ) �أن رافع بن عمرية الطائي‪� ،‬أحد‬ ‫حدث عن حزنه على موت يون�س (�أحد الدم�شقيني وقع يف الأ�سر قبل فتح‬ ‫�أبطال امل�سلمني‪ّ ،‬‬ ‫دم�شق و�أ�سلم)( ) يف احلرب قائ ًال‪« :‬فحزنت عليه و�أكرثت من الرتحم عليه فر�أيته يف النوم‬ ‫وعليه حلل تلمع ويف رجليه نعالن من الذهب وهو يجول يف رو�ضة خ�ضراء فقلت له‪« :‬ماذا‬ ‫فعل اهلل بك؟» قال‪« :‬غفر يل و�أعطاين بد ًال من زوجتي �سبعني حوراء لو بدت واحدة منهن‬ ‫يف الدنيا لكف �ضوء وجهها نور ال�شم�س والقمر فجزيتم يف اهلل خرياً»‪ ،‬فق�ص�صت الر�ؤيا على‬ ‫خالد (بن الوليد) فقال‪« :‬لي�س يل واهلل �سوى ال�شهادة طوبى ملن رزقها»‪.‬‬ ‫نقف عند هذا احلد يف هذه احللقة ونتابع املو�ضوع يف احللقة التالية‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪4‬‬

‫‪5‬‬

‫‪6‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪45‬‬

‫اهلوامش‬ ‫‪ - 1‬حممد بن عمر الواقدي‪« ،‬فتوح ال�شام»‪ .‬طبعة م�صر �سنة ‪ 1935‬امل�صورة عن طبعة‬ ‫كلكتا‪ -‬الهند �سنة ‪.1853‬‬ ‫‪ - 2‬امل�صدر ال�سابق‪ ،‬ال�صفحة ‪.19‬‬ ‫‪ - 3‬امل�صدر ال�سابق‪ ،‬ال�صفحة ‪.37‬‬ ‫��� - 4‬امل�صدر ال�سابق‪ ،‬ال�صفحة ‪.39‬‬ ‫‪ - 5‬امل�صدر ال�سابق‪ ،‬ال�صفحة ‪.53‬‬ ‫‪ - 6‬جاء يف مقدمة حلقة «ومل يتمكن منه املنافقون» الآتية ما يلي‪« :‬ت�صحيح‪:‬‬ ‫ذكرنا يف املقالة ال�سابقة �أن يون�س الذي حزن عليه رافع بن عمرية ور�آه يف نومه‬ ‫يف اجلنة هو �أحد الدم�شقيني وقع يف الأ�سر قبل فتح املدينة و�أ�سلم‪ .‬وال�صحيح‬ ‫�أن يون�س الذي ر�آه رافع يف نومه هو يون�س الق�سي�س الذي نقب داره املال�صقة‬ ‫ل�سور دم�شق وخان املدينة و�سلمها خلالد بن الوليد م�سه ًال له ان يدعي �أنه فتح‬ ‫املدينة عنوة واقتداراً‪ .‬فاقت�ضى التنبيه‪ .‬وهو يون�س املذكور يف احللقة التالية»‪.‬‬


‫‪46‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫ومل يتمكن منه املنافقون‬ ‫ال ب�أ�س من �إيراد ب�ضعة �شواهد �أخرى تعزيزاً ل�صدق التعليل الذي نعلله‪ ،‬وت�أييداً ل�صحة‬ ‫النتائج التي ن�ستنتجها‪ ،‬يف �صدد العامل ال�سيا�سي النف�سي للدعوة املحمدية واحلركة‬ ‫الإ�سالمية‪� ،‬أي عامل اجلهاد ومغامنه يف هذه الدنيا‪ ،‬وثواب اجلنة ّ‬ ‫ولذاتها‪.‬‬ ‫نورد هنا كتاب خالد بن الوليد الذي كتبه �إىل اخلليفة �أبي بكر‪ ،‬الذي كان قد تويف ومل‬ ‫يبلغ خالداً خرب وفاته‪ ،‬يخربه بدخوله دم�شق فاحتاً‪ .‬وهذا ن�ص الكتاب كما ورد يف تاريخ‬ ‫الواقدي( )‪:‬‬ ‫«ب�سم اهلل الرحمن الرحيم لعبد اهلل خليفة ر�سول اهلل ‪ ،‬هلل ‪ ،‬من عامله على ال�شام خالد بن‬ ‫الوليد (وكان �أبو عبيدة ال يزال كامتاً عنه �أمر اخلليفة عمر بن اخلطاب بعزله وتولية �أبي عبيدة‬ ‫مكانه) �أما بعد �سالم عليك ف�إين �أحمد اهلل الذي ال �إله �إال هو و�أ�صلي على نبيه حممد‪،‬‬ ‫�صلى اهلل عليه و�سلم‪ ،‬وذلك �أ ّنا مل نزل يف مكايدة العدو على حرب دم�شق حتى �أنزل اهلل‬ ‫علينا ن�صره وقهر عدوه وفتحت دم�شق عنوة (والواقع بخيانة الق�سي�س يون�س كما هو مثبت‬ ‫يف التاريخ املذكور عينه) بال�سيف من باب �شرقي وكان �أبو عبيدة على باب اجلابية فخدعته‬ ‫الروم و�صاحلوه على الباب الآخر ومنعني �أن �أ�سبي و�أقتل‪ .‬ولقيناه على كني�سة يقال لها‬ ‫كني�سة مرمي و�أمامه الق�سو�س والرهبان ومعهم كتاب ال�صلح‪ .‬و�إن �صهر امللك توما و�آخر يقال‬ ‫له هربي�س خرجا من املدينة مبال عظيم و�أحمال ج�سيمة ف�سرت خلفهما يف ع�ساكر الزحف‬ ‫وانتزعت الغنيمة من �أيديهما وقتلت امللعونني‪� ،‬إلخ»‪.‬‬ ‫‪1‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪47‬‬

‫وكان �أن اخلليفة عمر غ�ضب لعدم تبليغ امل�سلمني خرب وفاة �أبي بكر وقيامه خليفة من بعده‪،‬‬ ‫و�أمره بعزل خالد بن الوليد من �إمارة امل�سلمني يف �سورية وب�إقامة �أبي عبيدة بن اجلراح �أمرياً‬ ‫بد ًال منه‪ .‬ويف اليوم التايل لورود كتاب خالد بن الوليد املذكور �آنفاً �ص ّلى �صالة الفجر‪ .‬روى‬ ‫الواقدي‪:‬‬ ‫«قام َف َر ِق َي املنرب فحمد اهلل و�أثنى عليه وذكر الر�سول‪� ،‬صلى اهلل عليه و�سلم‪ ،‬ف�ص ّلى عليه‬ ‫وترحم على �أبي بكر ال�صديق‪ ،‬ر�ضي اهلل عنه تعاىل‪ ،‬ثم قال‪� :‬أيها النا�س‪� ،‬إين حملت �أمانة‬ ‫راع م�س�ؤول عن رعيته وقد جئت لإ�صالحكم والنظر يف معاي�شكم‬ ‫راع وكل ٍ‬ ‫عظيمة‪ ،‬و�إين ٍ‬ ‫وما يقربكم �إىل ربكم �أنتم ومن ح�ضر يف هذا البلد‪ ،‬ف�إين �سمعت ر�سول اهلل‪� ،‬صلى اهلل عليه‬ ‫و�سلم‪ ،‬يقول‪« :‬من �صرب على �أذاها و�شرها كنت له �شفيعاً يوم القيامة» وبالدكم بالد ال زرع‬ ‫فيها وال �ضرع وال ماء �أوقر به الإبل [وال ما �أورق به على الإبل] �إال من م�سرية �شهر‪ .‬وقد‬ ‫وعدنا اهلل مغامن كثرية و�إين �أريدها للخا�صة والعامة‪� ،‬إلخ»( )‪.‬‬ ‫ال�شاهدان املذكوران فوق لي�سا قول من ال �ش�أن له من عامة النا�س وجهلتهم‪ ،‬بل هما قول‬ ‫خليفة وقول �أمري جيو�ش ا�شتهر بلقب «�سيف الإ�سالم»‪ .‬ويح�سن �أن ن�ضيف �شاهدين �آخرين‬ ‫ليتيقن القاريء من مقدار ت�أثري زينة اجلنة‪ ،‬ف�ض ًال عن الغنائم وال�سبي على نفو�س املجاهدين‪:‬‬ ‫«�سار عبد اهلل بن جعفر ليلحق باملجاهدين‪ ،‬وكان �أبوه قد قتل يف تبوك‪ ،‬فلما بلغها طلب �أن‬ ‫يد ّلوه على قرب �أبيه فنزل عليه و�أقام عنده ومعه عبد اهلل بن �أني�س اجلهني و�صحبه �إىل ال�صبح‪،‬‬ ‫فلما رحلوا يف ال�صباح نظر ابن �أني�س و�إذا عبد اهلل بن جعفر يبكي ووجهه مثل الزعفران‪،‬‬ ‫ف�س�أله ابن �أني�س عن ذلك‪ ،‬فقال‪« :‬ر�أيت البارحة �أبي يف النوم وعليه حلتان خ�ضراوان وتاج‬ ‫له جناحان وبيده �سيف م�سلول �أخ�ضر ف�سلمه �إ ّيل وقال يا بني قاتل به �أعداءك فما و�صلت‬ ‫�إىل ما ترى �إال باجلهاد»( )‪.‬‬ ‫ويف وقعة الريموك �أخذ �أبو هريرة يح ّر�ض قومه على القتال ويقول‪�« :‬أيها النا�س‪� ،‬سارعوا �إىل‬ ‫معانقة احلور العني يف جوار رب العاملني»( )‪.‬‬ ‫�أثبتنا ال�شواهد والتفا�صيل املتقدمة‪ ،‬يف هذه احللقة واحللقة ال�سابقة‪ ،‬لكي ال يظن �أحد �أننا‬ ‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪4‬‬


‫‪48‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫نر�سل الكالم اعتباطاً ونبني ت�آويلنا وا�ستنتاجاتنا على الظن والوهم‪ ،‬كما فعل ر�شيد �سليم‬ ‫اخلوري حني �أخذ يهرف عن الإ�سالم‪ ،‬مبا ال يعرف‪ ،‬ويرمي امل�سيحية مبا هي براء منه يف‬ ‫حار�ضته التي �سماها «حما�ضرة»‪.‬‬ ‫والآن نعود �إىل الت�شريع‪ ،‬بعد �أن �أظهرنا �أهميته للعرب الذين مل يكن لهم ما كان لل�سوريني من‬ ‫ال�شرع املدين‪ .‬ونريد �أن نبني يف ما يلي �أ�سباب وحدة ال�شرع يف الدينني املو�سوي واملحمدي‪،‬‬ ‫و�أ�سباب �أهمية ال�شرع وتقدميه عند العرب على غريه من الر�سالة الإ�سالمية ب�إثبات ال�سور‬ ‫الت�شريعية يف �صدر القر�آن‪ ،‬مع �أن حقها من الوجهة التاريخية والروحية‪� ،‬أن تكون يف عجزه‪.‬‬ ‫قلنا يف احللقة ال�ساد�سة ع�شرة (احللقة اخلام�سة بالرتتيب اجلديد) من هذا البحث‪�« :‬إن حممداً‬ ‫�أر�سل �إىل قوم كانوا م�ضطرين �إىل ما كان م�ضطراً �إليه العربانيون‪� :‬شريعة توجد لهم نظاماً‬ ‫يو�ضح لهم املعامالت واحلدود واجلزاء‪ ،‬بد ًال من عادات الث�أر والغزو وا�ستبداد القوي التي‬ ‫ال تقيم نظاماً‪ .‬ولذلك ن�ش�أ هذا التوافق الكلي بني ال�شريعة املحمدية وال�شريعة املو�سوية يف‬ ‫ال�شرع حتى يف اجلزاء ونوعه‪� ،‬إلخ»‪ .‬و�إننا جنعل هذا القول نقطة االبتداء يف هذا املو�ضوع الهام‪.‬‬ ‫ولكي ال يبقى جمال حل�سبان القول املتقدم جمرد ا�ستبداد مبني على االفرتا�ض نعر�ض‬ ‫ل�ش�أن العربانيني �أو ًال‪ .‬املتعارف عن هذه اجلماعة‪ ،‬وكله �أو ج ّله مبني على روايات كتابهم‬ ‫يف التوراة‪� ،‬أنها يف الأ�صل عائلة يعقوب انتقلت ب�سبب قحط �أ�صاب الأر�ض �إىل م�صر حيث‬ ‫كان يو�سف �أحد �أبناء يعقوب قد ح�صل على مركز وزير عند فرعون‪ .‬و�إنها تكاثرت يف م�صر‬ ‫و�صارت �شعباً كثرياً ا�ستعبده امل�صريون حتى جاء مو�سى مر�س ًال من اهلل‪ ،‬و�أنقذه من العبودية‬ ‫حتت حماية يهوه الذي �أغرق فرعون ومركباته يف البحر‪ .‬ثم �أن مو�سى �أبقى هذا ال�شعب يف‬ ‫املن وال�سلوى‪ ،‬وبعدها �أخذ يت�أهب القتحام «�أر�ض‬ ‫�صحراء �سيناء �أربعني �سنة عا�ش فيها على ّ‬ ‫امليعاد»‪ .‬ويف �أثناء وجود هذه اجلماعة يف ال�صحراء ال�سينائية تقدم مو�سى �إليها باملواد ال�شرعية‬ ‫الأوىل‪ :‬الو�صايا الع�شر‪ ،‬وتبعتها الأحكام التف�صيلية امل�شتملة على اجلزاء (العقوبات) وعلى‬ ‫قوانني املعامالت والعقود‪.‬‬ ‫هنا يخطر للباحث املدقق �س�ؤال هام جداً وهو‪� :‬أمل يكن عند امل�صريني‪ ،‬الذين كانوا قد‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪49‬‬

‫�أ�س�سوا دولة‪� ،‬شرائع اقتب�سها‪� ،‬أو بع�ضها‪ ،‬عنهم الإ�سرائيليون‪ ،‬حتى وجب �أن يعلمهم اهلل‬ ‫�أوليات النظام االجتماعي املدين‪ ،‬ك�أن يكرم الواحد �أباه و�أمه و�أن ال ي�سرق وال يكذب وال‬ ‫ي�شهد بالزور و�أن ال يزين‪� ،‬إلخ؟ �أمل يكن العربانيون متبعني عادات وقوانني مدنية م�صرية؟‬ ‫ال ت�شري التوراة �إىل �شيء وا�ضح عن النظام الذي كان يعمل به الإ�سرائيليون قبل هبوط‬ ‫الوحي على مو�سى يف طور �سيناء‪ ،‬وهبوط الوحي بالو�صايا الع�شر يدل على �أن اليهود مل‬ ‫يكونوا يعرفون �أو يعملون بهذه الأوليات كقاعدة عامة يف حياتهم‪ .‬وهنا يبد�أ ال�شك يف �أن‬ ‫اليهود كانوا عرفوا م�صر قبل دخولهم �أطراف الق�سم اجلنوبي من �سورية‪ .‬وي�أخذ هذا ال�شك‬ ‫يت�أيد يف عدم وجود ذكر �أو دليل مل�أ�ساة البحر الأحمر التي ت�شري �إليها التوراة وي�ؤيدها القر�آن‪.‬‬ ‫فلي�س هناك فرعون واحد هلك يف البحر يف ت ّتبعه �شعباً غريباً هارباً من م�صر‪ .‬واملرة الوحيدة‬ ‫التي ت ّتبع فيها امل�صريون قوماً غرباء كانت حني انتف�ض امل�صريون على دولة الهك�سو�س‬ ‫ال�سورية التي اجتاحت م�صر و�أخ�ضعت امل�صريني �إىل �أن ثار عليها ه�ؤالء وتغلبوا عليها‪ ،‬فرجع‬ ‫الهك�سو�س �إىل �سورية وتبعهم امل�صريون وحاربوهم يف وادي جمدو وتبعوهم �إىل ال�شمال‪.‬‬ ‫وقد حاول بع�ض م�ؤرخي العربانيني �أن يوجدوا �صلة بني تاريخهم وتاريخ الهك�سو�س‪ ،‬ولكن‬ ‫الأدلة التاريخية جاءت �ضد هذه املحاولة التي مل تكن الأوىل من نوعها النتحال العربانيني‬ ‫تواريخ الأقوام املجاورة‪.‬‬ ‫الأرجح‪ ،‬يف هذا ال�صدد‪ ،‬هو ما ذهب �إليه امل�ست�شرق املحقق الكبري غيتاين )‪ (Caetani‬يف‬ ‫كتابه ‪ ) ( Studi Di Storia Orientale‬الذي يجزم ب�أن اليهود �أو العربانيني مل يكونوا قط‬ ‫يف م�صر‪ ،‬م�ستنداً �إىل حتقيقات تاريخية وجيولوجية وجغرافية‪ .‬فهو يثبت �أن العربانيني مل‬ ‫يكونوا �سوى قبائل بدوية موقعها �شمال �شرق �سورية‪ ،‬يف بقعة كانت تدعى قدميًا «م�صرو»‬ ‫)‪(Misru‬و�أن اليهود تعمدوا اخللط بني هذه البقعة وم�صر املعروفة اليوم ليو�سعوا تاريخهم‪،‬‬ ‫وليتمكنوا من انتحال حكاية يو�سف التي نقلوها مما بني النهرين وجعلوا حوادثها جتري بني‬ ‫�سورية وم�صر‪ .‬وي�ؤيد هذه النظرية ما ورد يف املرا�سالت املكت�شفة يف تل العمارنة يف م�صر التي‬ ‫تبودلت بني �أمراء فينيقيني والفرعون وفيها �أخبار غزو قبائل «احلبريو» �أي البدو لبع�ض القرى‬ ‫واملدن اجلنوبية‪.‬‬ ‫‪5‬‬


‫‪50‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫فاليهود مل يكونوا‪ ،‬قبل جميئهم �إىل �سورية‪ ،‬يعرفون نظاماً اجتماعياً مدنياً‪ ،‬لأنهم كانوا يف‬ ‫حالة بداوة بربرية‪ ،‬ومل يكونوا متدنوا ال يف م�صر وال يف مكان �آخر‪ .‬فهم‪ ،‬واحلالة هذه‪ ،‬كانوا‬ ‫ي�شبهون العرب من كل وجه يف ما يخت�ص مبرتبتهم االجتماعية وحاجاتها‪ .‬فلم يكن لهم‬ ‫قوانني و�أنظمة عامة ت�ضبط معامالتهم وتعاقب جمرميهم بد ًال من ترك �أمرهم لعادة الث�أر‪ .‬فلما‬ ‫و�صح عزمهم على دخولها والتح�ضر يف �سورية‪ ،‬وجدوا‬ ‫�أ�صبحوا على حدود املدنية ال�سورية ّ‬ ‫�أن حاجتهم الأوىل هي �إىل نظام ي�ؤهلهم لذلك‪ .‬وكان للكنعانيني (�سوريـي اجلنوب) نظام‬ ‫اجتماعي راقٍ وقانون مدين وجزائي ين�ص على املعامالت والعقود والعقوبات‪ ،‬كما �أثبت‬ ‫ذلك الأ�ستاذ �أمل�ستد( ) �أ�ستاذ التاريخ القدمي يف جامعة كولومبية‪ ،‬الواليات املتحدة‪ ،‬وهو �أحد‬ ‫معاوين املحقق التاريخي ال�شهري بر�ستد( )‪ .‬وقد �أثبت الأ�ستاذ �أمل�ستد هذه احلقيقة يف كتابه‬ ‫بالإنكليزية «تاريخ فل�سطني و�سورية حتى الفتح املكدوين»( )‪ .‬ومن مقابلة ال�شرع املو�سوي‬ ‫على ال�شرع الكنعاين جند �أن ذاك ا�ستمد نظرياته و�أحكامه من هذا‪.‬‬ ‫وملا مل يكن اليهود �أهل متدن من قبل مل يكن من ال�سهل �أخذهم بالنظام املدين والعمل‬ ‫به‪ .‬فكان ال بد من �إخ�ضاعهم لل�شريعة �إخ�ضاعاً‪ ،‬وهذا االخ�ضاع ال ميكن �أن يكون بوا�سطة‬ ‫�شرطة وق�ضاء و�سلطة‪ ،‬لأنهم كانوا قبائل ال تعرف نظاماً مدنياً وكل ما تعرفه عادات ب�سيطة‬ ‫و ُع َر ٌف ال ت�ضبط الت�صرفات والأعمال وال تعينّ احلقوق الفردية‪ .‬فب�أي وا�سطة‪� ،‬إذاً‪ ،‬ميكن‬ ‫�إخ�ضاعهم؟ بوا�سطة �سلطة خفية رهيبة وغري منظورة‪ :‬اهلل‪ ،‬يهوه الذي ينتقم من املخالفني‬ ‫لل�شرائع والأحكام‪ ،‬املفتقد ذنوب الآباء يف الأبناء يف اجليل الثالث والرابع‪ .‬وهكذا حتولت‬ ‫ال�شريعة الكنعانية املدنية القابلة للتطور والتغيري ح�سب تطور االجتماع والعمران‪ ،‬لأنها �صنع‬ ‫ب�شر‪� ،‬إىل �شريعة دينية جامدة )‪ (Rigida‬ال تقبل التطور والتغيرّ ‪ ،‬لأنها �صارت �أحكام اهلل‬ ‫الكلي املعرفة القادر على كل �شيء‪ ،‬املع�صوم عن الغلط‪ .‬ومع �أن هذا التحويل كان يق�ضي‬ ‫بجمود ال�شرع فلم يكن هناك طريقة �أخرى لإعطاء اليهود �شريعة جتمع �أ�سباطهم وتوحد �أمرهم‪.‬‬ ‫هذه هي الطريقة الوحيدة جلمع ال�شعوب والقبائل التي ال تزال يف حالة بداوة �أو بربرية‪.‬‬ ‫وقد عر�ض ابن خلدون‪ ،‬يف مقدمته ال�شهرية‪ ،‬لهذه احلالة فكتب الف�صل ال�سابع والع�شرين‬ ‫من الف�صل الثاين من الكتاب الأول ملقدمته‪ ،‬وجعل عنوانه‪« :‬يف �أن العرب ال يح�صل‬ ‫‪6‬‬

‫‪7‬‬

‫‪8‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪51‬‬

‫لهم املُلك �إال ب�صبغة دينية من نب ّوة �أو والية �أو �أثر عظيم من الدين على اجلملة»‪ .‬وذكر‬ ‫ابن خلدون �سبب ذلك بقوله‪« :‬ال�سبب يف ذلك �أنهم خللق التوح�ش الذي فيهم �أ�صعب‬ ‫الأمم انقياداً بع�ضهم لبع�ض‪� ،‬إلخ»( )‪ .‬وفات ابن خلدون �أن يذكر يف الأ�سباب فقدان النظام‬ ‫االجتماعي التمدين‪ ،‬ول�سنا هنا يف جمال ي�سمح لنا بالإطالة يف هذا ال�صدد‪.‬‬ ‫ي�ضعنا كالم ابن خلدون املذكور �آنفاً يف مو�ضع النظر يف العرب و�ش�ؤونهم‪ ،‬وهو نف�سه يقودنا يف‬ ‫هذا الطريق في�صف العرب من حيث توح�شهم وغلظتهم و�صعوبة مرا�سهم‪ .‬ولكننا نحن ال‬ ‫نريد التوغل يف م�سائل الطباع‪ ،‬بل نكتفي بالقول �إن حالتهم البدوية ال ت�سمح بتولد �شريعة‬ ‫بينهم ترقي حياتهم بالنمو االجتماعي واالختبارات االجتماعية املقت�صرة على حاالت �أولية‬ ‫معدودة وحمدودة‪ .‬وفر�ض �شريعة عليهم متنعهم من و�أد بناتهم ومن �أخذ الأختني زوجتني‬ ‫ومن الث�أر بال ح�ساب‪ ،‬وتخ�ضعهم لقانون وا�ضح ين�ص على املعامالت والعقود والعقوبات‪ ،‬مل‬ ‫يكن ممكناً �إال عن طريق الدين‪ .‬والدين ما كان ميكن �أن يكون مفهوماً عندهم عن غري طريق‬ ‫املعامالت والعقود والوعود باجلزاء املادي احل�سن‪ ،‬ك�أكل الفاكهة يف اجلنة ولب�س ال�سند�س‪،‬‬ ‫كل ذلك يف جنات وعيون يتزوجون فيها بحور عني‪.‬‬ ‫ولوال ال�شرع الذي تكرر �إيحا�ؤه ملحمد بعد مو�سى ملا كان ح�صل اجتماع �أمر العرب يف‬ ‫الإ�سالم‪ ،‬ولوال النظام الذي دعا �إليه حممد ملا كان ممكناً �أن تنجح الفتوحات الإ�سالمية‬ ‫ويثبت �أمر امل�سلمني فيها‪ .‬بل لك ّنا ر�أينا العرب يتزاحمون على الأ�سالب والغنائم ال يردعهم‬ ‫رادع وال يزعهم وازع‪ ،‬فيتفككون ب�أ�سرع من ملح الب�صر‪.‬‬ ‫وملّا كانت حالة العرب تقت�ضي ما اقت�ضته حال العربانيني فقد تكرر لهم ال�شرع عينه الذي‬ ‫� ِ‬ ‫أوح َي للعربانيني بوا�سطة مو�سى‪ .‬ولذلك نرى ال�شريعتني املو�سوية واملحمدية تن�صان على‬ ‫حالة واحدة �أحكاماً واحدة‪ .‬وهذه احلالة هي حالة �أولية يحتاج فيها النا�س ملثل هذه الأحكام‪.‬‬ ‫وقد يعجب ال�سوري املتمدن ملاذا وجب �أن تن�ص ال�شريعتان املو�سوية واملحمدية على عدم‬ ‫جواز اجلمع بني الأختني‪ ،‬مث ًال‪ .‬ولكي يزول عجبه نقول �إن ذلك كان �ضرورياً‪ ،‬ومثل احلاالت‬ ‫التي ن�ص عليها القر�آن كان ال يزال واقعاً حتى يف �أيام اخلليفة عمر بن اخلطاب وبعدها‪ ،‬و�إثباتاً‬ ‫‪9‬‬


‫‪52‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫لهذه احلقيقة نثبت ما �أورده الواقدي( ) يف تاريخه املذكور‪:‬‬ ‫«قال عمرو بن مالك العب�سي‪ :‬كنت مع عمر بن اخلطاب حني �سار �إىل ال�شام فم ّر على ماء‬ ‫جلذام عليه طائفة منهم نزول‪ ،‬واملاء يدعى ذات املنازل‪ .‬فنزل (عمر) بامل�سلمني عليه فبينما‬ ‫هو كذلك و�أ�صحاب ر�سول اهلل‪� ،‬صلى اهلل عليه و�سلم‪ ،‬حوله �إذ �أقبل �إليه قوم من جذام‬ ‫فقالوا‪ :‬يا �أمري امل�ؤمنني �إن عندنا رج ًال له امر�أتان وهما �أختان لأب و�أم‪ ،‬فغ�ضب عمر وقال‪:‬‬ ‫علي به‪ ،‬ف�أوتي بالرجل �إليه فقال عمر‪ :‬ما هاتان املر�أتان؟ قال الرجل‪ :‬زوجتاي‪ ،‬قال‪ :‬هل‬ ‫ّ‬ ‫بينهما قرابة؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬هما �أختان‪ .‬قال عمر‪ :‬فما دينك �أل�ست م�سلماً؟ قال‪ :‬بلى‪ ،‬قال‬ ‫عمر‪ :‬وما علمت �أن هذا حرام عليك واهلل يقول يف كتابه‪{ :‬و�أن جتمعوا بني الأختني �إال ما‬ ‫علي بحرام‪ .‬فغ�ضب عمر وقال‪:‬‬ ‫قد �سلف}(الن�ساء‪)23 ،‬؟ فقال الرجل‪ :‬ما علمت وما هما ّ‬ ‫كذبت واهلل �إنه حلرام عليك ولتخلينّ �سبيل �إحداهما و�إال �ضربت عنقك‪ .‬قال الرجل‪:‬‬ ‫علي؟ قال‪� :‬أي واهلل الذي ال �إله �إال هو‪ .‬فقال الرجل‪� :‬إن هذا دين ما �أ�صبنا فيه‬ ‫�أفتحكم ّ‬ ‫خرياً ولقد كنت غنياً عن �أن �أدخل فيه‪ .‬قال عمر‪ُ :‬ا ْدنُ مني‪ .‬فدنا منه فخفق ر�أ�سه بالدرة‬ ‫خفقتني‪ .‬وقال له‪� :‬أتت�شاءم بالإ�سالم يا عدو اهلل وعدو نف�سه وهو الدين الذي ارت�ضاه اهلل‬ ‫ملالئكته ور�سله وخريته من خلقه (�شعب اهلل اخلا�ص) ِّ‬ ‫خل يا ويلك‪� ،‬سبيل �إحداهما و�إال‬ ‫جلدتك جلدة املفرتي! فقال الرجل‪ :‬كيف �أ�صنع بهما و�إين �أحبهما ولكن �أقرع بينهما‬ ‫فمن خرجت القرعة عليها كنت لها وهي يل‪ ،‬و�إن كنت لهما جميعاً حمباً‪ .‬ف�أمر عمر فاقرتع‬ ‫فوقعت القرعة على �إحداهما ف�أم�سكها و�أطلق �سبيل الثانية‪ .‬ثم �أقبل عليه عمر وقال‪ :‬ا�سمع‬ ‫يا ذا الرجل ِوع ما �أقول لك �إنه من دخل يف ديننا ثم رجع عنه قتلناه ف�إياك �أن تفارق الإ�سالم‬ ‫و�إياك �أن يبلغني �أنك قد �أ�صبت �أخت امر�أتك التي فارقتها ف�إنك �إن فعلت ذلك رجمتك»‪.‬‬ ‫«و�سار عمر حتى �إذا كان بوادي القرى �أخربوه �أن �شيخاً على املاء وله �صديق يوده فقال‬ ‫�صديقه‪ :‬هل لك �أن جتعل يل يف زوجتك ن�صيباً و�أكفيك رعيك �إبلك والقيام عليها ويل فيها‬ ‫(الزوجة) يوم وليلة ولك فيها يوم وليلة‪ .‬قال ال�شيخ قد فعلت ذلك ور�ضي‪ ،‬فلما �أُخرب عمر‬ ‫بذلك �أمر بهما ف�أُح�ضرا فقال‪ :‬يا ويلكما ما دينكما؟ قاال‪ :‬الإ�سالم‪ ،‬قال عمر‪ :‬فما الذي‬ ‫بلغني عنكما؟ قاال‪ :‬وما هو؟ ف�أخربهما عمر مبا �سمعه من العرب‪ .‬فقال ال�شيخ قد كان ذلك‬ ‫‪10‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪53‬‬

‫يا �أمري امل�ؤمنني‪ .‬فقال عمر‪� :‬أما علمتما �أن ذلك حرام يف دين الإ�سالم؟ قاال‪ :‬ال واهلل ما‬ ‫علمنا ذلك‪ .‬فقال عمر لل�شيخ‪ :‬وما دعاك �أن �صنعت هذا القبيح؟ قال‪� :‬أنا �شيخ كبري ومل‬ ‫يكن يل �أحد �أثق به و�أتكل عليه فقلت يا هذا �أتكفيني الرعي وال�سقي وتعينني على دوابي‬ ‫و�أنا �أجعل لك ن�صيباً يف امر�أتي؟ والآن علمت �أنه حرام فال �أفعله‪ .‬فقال عمر خذ بيد امر�أتك‬ ‫فال �سبيل يل عليها (�أي �إنها غري زانية) ثم قال لل�شاب‪� :‬إياك �أن تقرب منها ف�إنه �إن بلغني‬ ‫ذلك �ضربت عنقك‪ ،‬ثم ارحتل عمر»‪.‬‬ ‫ويف هذين املثلني �صورة وا�ضحة للحالة التي �ش ّرع لها الإ�سالم وهي احلالة عينها التي �ش ّرعت‬ ‫لها املو�سوية‪.‬‬

‫اهلوامش‬ ‫‪ - 1‬الواقدي‪« ،‬فتوح ال�شام»‪ ،‬ال�صفحة ‪.53‬‬ ‫‪ - 2‬امل�صدر ال�سابق‪ ،‬ال�صفحة ‪.55‬‬ ‫‪ - 3‬امل�صدر ال�سابق‪ ،‬ال�صفحة ‪.60‬‬ ‫‪ - 4‬امل�صدر ال�سابق‪ ،‬ال�صفحة ‪.117‬‬ ‫‪ - 5‬ليون كايتاين (‪ ،)1935 - 1869‬باحث �إيطايل يعترب رائد تطبيق املنهج التاريخي يف‬ ‫قراءة الأحداث الإ�سالمية املبكرة‪.‬‬ ‫‪� - 6‬ألربت �أُمل�ستد (‪� ،)1945 - 1880‬أبرز الإخت�صا�صيني الأمريكيني يف علم الأ�شوريات‪.‬‬ ‫‪ - 7‬جيم�س هرني بر�ستد (‪ ،)1935 - 1865‬م�ؤرخ وعامل �آثار �أمريكي‪.‬‬ ‫‪History of Palestine & Syria to the Macedonian Conquest, Charles - 8‬‬ ‫‪Scribner & Sons. New York, 1931.‬‬

‫‪� - 9‬إبن خلدون‪« ،‬املقدمة»‪ ،‬دار �إحياء الرتاث العربي‪ ،‬بريوت ‪ -‬لبنان‪ .‬من دون تاريخ‪ ،‬ال�صفحة ‪.151‬‬ ‫‪ - 10‬الواقدي‪ ،‬م�صدر �سبق ذكره‪ ،‬ال�صفحة ‪.149‬‬


‫‪54‬‬

‫ذات نِيقة‬ ‫َخ ْر ُ‬ ‫قاء ُ‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫(‪)1‬‬

‫(تنبيه‪� :‬إن كاتب هذا البحث العلمي اجلديد بنظرياته ومعلوماته ال يتوخى من در�سه غري‬ ‫جالء احلقيقة يف طبيعة امل�سيحية وطبيعة الإ�سالم‪ ،‬على �ضوء عنا�صر كل منهما كما هي‬ ‫يف ذاتها‪ .‬وهذا الدر�س العظيم الأهمية البعيد عن كل ت�أثري ديني ال يق�صد تف�ضيل �أحد‬ ‫الدينني اجلليلني على الآخر‪ ،‬كما ق�صد ر�شيد �سليم اخلوري‪ ،‬رغبة منه يف ا�ستغالل هياج‬ ‫الغوغاء املتع�صب‪ ،‬بل يق�صد تبيان تالحم هذين الدينني مع �إظهار عالقة كل منهما باملرتبة‬ ‫االجتماعية للبيئة التي ن�ش�أ فيها وعالقة الآيات والتعاليم لكل من الدينني مبرتبة بيئته من‬ ‫الوجهة التاريخية‪ .‬وقد قال الكاتب يف احللقة ‪( 14‬احللقة الثالثة يف الرتتيب اجلديد) من هذه‬ ‫ال�سل�سلة‪« :‬لو �أن امل�سيح وحممداً تبادال الر�سالة فظهر امل�سيح يف العربة وظهر حممد يف �سورية‬ ‫ملا كانت ر�سالة امل�سيح ابتد�أت على الدرجة العالية التي ابتد�أت بها يف �سورية وملا كانت ر�سالة‬ ‫حممد ابتد�أت على الدرجة الأولية التي ابتد�أت بها يف ال ُعربة»‪ .‬وهذا القول ينفي كل فكرة‬ ‫تف�ضيل للواحد على الآخر ���أو للر�سالة الواحدة على الأخرى ويجعل �أية مقابلة �أو مقارنة‬ ‫بني الر�سالتني مق�صورة على احلالة االجتماعية واملرتبة االقت�صادية التي ن�ش�أت منها كل من‬ ‫الر�سالتني و�أوجبتا �أن يكون نهج الر�سالتني مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بهما‪ .‬فاملقابلة لي�ست بني‬ ‫امل�سيح وحممد‪ ،‬بل بني �سورية وال ُعربة من حيث هما و�ضعان اجتماعيان متباينان اقت�ضى كل‬ ‫منهما منحى خا�صاً يف الدين‪� .‬أما الر�سالتان الدينيتان فغر�ضهما وجوهرهما واحد كما �سبقت‬ ‫الإ�شارة وكما �سيجيء‪ّ .‬‬ ‫فنحذر الق ّراء من املتعي�شني بالتع�صب الديني الذين يحاولون �إيجاد‬ ‫ت�أويل فا�سد لكل نظرية �صحيحة بق�صد �إثارة الفتنة واال�صطياد يف املاء العكر!)‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪55‬‬

‫�أظهرنا يف احللقات الأخرية املتقدمة من هذه ال�سل�سلة حالة ال ُعربة االجتماعية ـ الروحية التي‬ ‫�أوجبت اهتمام الر�سالة الإ�سالمية اهتماماً كلياً‪� ،‬أ�سا�سياً‪ ،‬جوهرياً بالق�ضية املادية ووجوب تنظيم‬ ‫�ش�ؤونها العملية تنظيماً حقوقياً‪ ،‬قانونياً‪ ،‬يعمل به جميع العرب فريقي �ش�ؤونهم االجتماعية‬ ‫ويو�سع نظرتهم االن�سانية ويقربهم من احلياة الروحية على قدر امل�ستطاع‪ .‬وهذا ال يعني �أن‬ ‫النبي العربي مل يكن مدركاً �سمو النظرة الروحية يف ال�ش�ؤون االن�سانية‪ ،‬بل يعني �أنه ر�أى لزوم‬ ‫االهتمام بالأوليات و�أن الر�سالة الإ�سالمية ر�أت �أن تتناول اجلماعة االن�سانية املخت�صة بها من‬ ‫عند درجة مداركها و�ش�ؤون حياتها‪ ،‬يف حني �أنها مل تغفل املطالب الروحية العليا‪.‬‬ ‫وقد تو�سعنا يف تف�صيل هذه احلقيقة لكي ن�ضع �أمام ال�سوريني در�ساً علمياً يفيدهم يف فهم‬ ‫خ�صائ�ص دينني يكاد ال يخلو جممع من جمامعهم من بحثهما‪ ،‬وبحث الق�ضايا االجتماعية‬ ‫ـ ال�سيا�سية التي و ّلدها وجودهما متجاورين ومتال�صقني‪ ،‬خ�صو�صاً يف �سورية التي ال ميكن‬ ‫معاجلة ق�ضاياها القومية ـ ال�سيا�سية من غري تناول �شكل التحزبات الدينية ونظرياتها الأ�سا�سية‬ ‫والعار�ضة‪ .‬و�أهمية هذا البحث جتعلنا نعتقد �أن �صرف النظر عنه �إىل �ش�ؤون ال�سيا�سة اخلارجية‬ ‫والوطنية االعتباطية ال ي�ساعد على حل ق�ضايانا القومية احلقوقية وال�سيا�سية واالقت�صادية‪.‬‬ ‫فر�سالة البعث القومي �إىل ال�سوريني لي�ست متولدة من جمرد كر ٍه للأجنبي‪ ،‬بل من رغبة‬ ‫حقيقية يف �صهر نظرياتنا وعقائدنا املتنافرة و�سبكها يف وحدة روحية ال تعود تتمكن املطامع‬ ‫الأجنبية من تف�سيخها وا�ضعافها‪.‬‬ ‫�إن �أ�سا�سنا القومي يجب �أن يكون يف وحدتنا الروحية الكلية قبل كل �شيء‪ .‬وهذه الوحدة‬ ‫الروحية يجب �أن ت�شمل كل فكرة وكل نظرة يف حياتنا‪ .‬واملفكرون ال�سطحيون فقط يجهلون‬ ‫�ضرورة بحث نظراتنا و�أفكارنا الدينية بحثاً علمياً‪ ،‬جريئاً‪� ،‬صريحاً ال ُيبقي جما ًال للغمو�ض والريب‪،‬‬ ‫بق�صد الو�صول �إىل نتيجة كلية جتتمع فيها نفو�سنا بكل ما فيها من رغبات ومطامح و�آمال‪.‬‬ ‫وال بد من القول �إن ما تقدم وما �سيجيء من هذا البحث لي�س‪ ،‬مع كل نظرياته اجلديدة ودقة‬ ‫معاجلته للأمور التي تناولها‪� ،‬سوى �شق طريق لأبحاث تالية م�ستفي�ضة تو�سع دائرة فهمنا‬ ‫وترقي �إدراكنا ل�ش�ؤون حياتنا النف�سية التي منعنا التخبط فيها عن الإجتاه نحو املرامي القومية‬ ‫ال�صحيحة ومثلها ال�سامية‪ .‬فالق�صد من هذا البحث لي�س جمرد �إظهار �أن ر�شيد �سليم اخلوري‬


‫‪56‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫لي�س �سوى واغل عليه عن جهل بخ�صائ�صه وفاقة كلية يف ال�ش�ؤون الثقافية العالية‪ ،‬كما‬ ‫يتوهم بع�ض النا�س من العامة ومن طائفة ت�سمي نف�سها «�أدباء وقادة الر�أي» وت�سمم النف�سية‬ ‫العامة ب�آرائها ال�سخيفة وروحيتها ال�سقيمة‪ .‬فلنعد �إىل البحث‪.‬‬ ‫ظهر لنا يف ما تقدم الف�ساد الأول والثاين للمفا�ضلة بني الإ�سالم وامل�سيحية يف حار�ضة‬ ‫عد احلديث النبوي الإ�سالم‪ ،‬ومقابلته على �آيات‬ ‫ر�شيد �سليم اخلوري‪ .‬فالأول هو ما كان من ّ‬ ‫وعد خلو الإجنيل‬ ‫عد الأ�سا�س املادي جوهر الإ�سالم ّ‬ ‫الإجنيل و�إ�ساءة فهم احلديث‪ .‬والثاين ّ‬ ‫حث على الك�سب وعلى طلب العلم نقي�صة فيه‪.‬‬ ‫من ّ‬ ‫والآن نتناول الف�ساد الثالث لكالم اخلوري الذي ال نهتم بتفنيده وبيان ف�ساده �إال لأنه منوذج‬ ‫لكالم متناقل يف �أو�ساط وا�سعة من ال�سوريني �إذا مل يو�ضح لها �صحيحه من فا�سده ظل‬ ‫عام ًال من عوامل جمودها‪ .‬وهذا الف�ساد الثالث هو قوله عن الإجنيل‪ ،‬الذي يقول القر�آن �إنه‬ ‫كالم منزل‪� ،‬إنه كتاب‪:‬‬ ‫«ال يعلم يف هذه الدنيا غري الدرو�شة والزهد وقهر اجل�سد وحب�س العقل يف قف�ص من غباوة‬ ‫الإ�ست�سالم ملا وراء املنظور‪ ،‬وهو يقتل املواهب ويهي�ض الأجنحة ويع�صب على العيون ويربط‬ ‫الفطرة بال�سال�سل الثقيلة ويخنق الطموح‪ ،‬فال جمد عنده �إال جمد اخل�ضوع الأعمى للتعاليم‬ ‫ال�سماوية كما ب�شّ ر بها هو‪ .‬ال ب�أ�س يف �شريعته �أن تعي�ش عبداً رقيقاً مدى احلياة ت�سام اخل�سف‬ ‫والهوان واجللد بال�سياط ما دمت تعتقد �أن بعد املوت حياة ثانية تثاب فيها على خنوعك‬ ‫وا�ست�سالمك و�صربك على الظلم»‪.‬‬ ‫وقوله �أي�ضاً‪:‬‬ ‫«يف حني جعلت امل�سيحية الفقر �شرطاً �أ�سا�سياً لدخول ال�سماء عم ًال بقولها للغني الذي‬ ‫طلب �أن يرث احلياة الأبدية‪« :‬بع كل �أمالكك ووزع ثمنها على الفقراء واتبعني»‪ ،‬ولعمري لو‬ ‫يبق يف الأر�ض من ي�ستطيع‬ ‫عمل كل غني بهذه ال�شريعة لأ�صبح النا�س كلهم مدقعني ومل َ‬ ‫�أن يجود على فقري بفل�س»‪.‬‬ ‫ملا كنا �آلينا على نف�سنا �أخذ كالم اخلوري بالرتتيب ف�إننا نرى‪ ،‬من �أجل ترتيب البحث‪� ،‬أن‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪57‬‬

‫نتناول عبارته الأخرية املتعلقة بالفقر ودخول ال�سماء قبل تناولنا الفقرة ال�سابقة التي هي‬ ‫تو�صل �إليها ر�شيد اخلوري من تعاليم الإجنيل كلها‪.‬‬ ‫النتيجة الكلية‪ ،‬الكاملة‪ ،‬التي ّ‬ ‫قال اخلوري �إن امل�سيحية جعلت الفقر �شرطاً �أ�سا�سياً لدخول ال�سماء‪ .‬فهذا القول اجلاهل‬ ‫يعد عند امل�ؤمنني‪ ،‬من الدينني امل�سيحي والإ�سالمي‪ ،‬كفراً‬ ‫يوازي االختالق ال�شائن الذي ّ‬ ‫�صريحاً‪ .‬فامل�سيحية مل جتعل قط الفقر �شرطاً �أ�سا�سياً �أو �شكلياً لدخول ال�سماء‪ .‬وال يوجد يف‬ ‫الإجنيل كله �شريعة توجب الفقر بل ال يوجد يف الإجنيل «�شريعة» على الإطالق‪.‬‬ ‫فاختالف الإجنيل عن التوراة والقر�آن هو �أنه لي�س �شريعة بل تعاليم فل�سفة مناقبية ال حتكم‬ ‫على خمالفيها �أحكاماً جزائية ولكنها تقول �إن الإرتقاء نحو حياة �أف�ضل �أو احلياة املثلى‬ ‫ال يكون �إال بها‪� ،‬أي مبعانيها الروحية‪ .‬وقد ر�أينا يف احللقة ال�ساد�سة ع�شرة (احللقة اخلام�سة‬ ‫ي�سن قانوناً جديداً يف الزنى‪ ،‬بل علم تعليماً‬ ‫بالرتتيب اجلديد) من هذه ال�سل�سلة �أن امل�سيح مل ّ‬ ‫مناقبياً يقود النا�س نحو االرتفاع يف فهم احلياة عن جمرد الن�صو�ص القانونية للأفعال‪ .‬فك�أن‬ ‫امل�سيح يقول �إن رجم الزانية وحده ال ي�شفي املجتمع من �أمرا�ضه الوبيلة‪ .‬وهذا تعليم مناقبي‬ ‫ولي�س �شريعة‪ .‬وكذلك قوله للغني الذي �أراد �أن يرث احلياة الأبدية‪« :‬بع كل مالك و�أعطه‬ ‫للم�ساكني فيكون لك كنز يف ال�سماء وتعال اتبعني»(مرق�س‪ .)21 :10 ،‬فهو تعليم ولي�س‬ ‫�شريعة‪ .‬وهذا التعليم عينه �صار �شريعة يف الإ�سالم عم ًال بقول القر�آن‪{ :‬وليحكم �أهل‬ ‫الإجنيل مبا �أنزل اهلل فيه ومن مل يحكم مبا �أنزل اهلل ف�أولئك هم الفا�سقون}(املائدة‪.)47 ،‬‬ ‫{قل �إن كان �آبا�ؤكم و�أبنا�ؤكم و�إخوانكم و�أزواجكم وع�شريتكم و�أموال اقرتفتموها وجتارة‬ ‫أحب �إليكم من اهلل ور�سوله وجهاد يف �سبيله فرتب�صوا‬ ‫تخ�شون ك�سادها وم�ساكن تر�ضونها � ّ‬ ‫حتى ي�أتي اهلل ب�أمره واهلل ال يهدي القوم الفا�سقني}(التوبة‪�{ .)24 ،‬إن اهلل ا�شرتى من‬ ‫امل�ؤمنني �أنف�سهم و�أموالهم ب�أن لهم اجلنة يقاتلون يف �سبيل اهلل ف َيقتلون و ُيقتلون وعداً عليه حقاً‬ ‫يف التوراة والإجنيل والقر�آن ومن �أوفى بعهده من اهلل}(التوبة‪ .)111 ،‬فالر�سالة الإ�سالمية ال‬ ‫تخالف الر�سالة امل�سيحية يف هذا الباب‪ ،‬بل توافقها كل املوافقة‪ .‬ولكن ر�شيد �سليم اخلوري‬ ‫الذي يرى املفا�ضلة بني الأنبياء والتعاليم قائمة على تقدم الزمان وت�أخره يرى �أنه �أحكم من‬ ‫حممد و�أحكم من القر�آن نف�سه لأنه جاء بعده‪ .‬كما قال عن الإ�سالم �إنه �أرقى من املو�سوية‬


‫‪58‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫وامل�سيحية «ح�سب ُ�س َّنة الن�شوء والإرتقاء لأنه جاء بعدهما»!‬ ‫على هذه القاعدة البديعة يف فهم نظرية الن�شوء والإرتقاء يكون ر�شيد اخلوري �أرقى من‬ ‫حممد ومن القر�آن لأنه جاء بعدهما!!‬ ‫لنبحث يف قول امل�سيح الذي يثبته القر�آن ب�آيات عديدة ويرف�ضه ر�شيد اخلوري ويدعي‪ ،‬جرياً‬ ‫على قاعدة اجل ّهال‪� ،‬أن الإ�سالم �ضده‪:‬‬ ‫�إن احلكم على دين بكامله ب�أخذ �آية واحدة من �آياته وجتريدها عن مو�ضوعها املتعلقة به‬ ‫وت�أويلها �أ�سو�أ ت�أويل لي�س جهالة ر�شيد اخلوري وحده‪ ،‬بل جهالة ق�سم كبري من العامة‬ ‫امل�سيحية والإ�سالمية‪ ،‬وجهالة عدد غري قليل من اخلا�صة الناق�صي الثقافة‪ ،‬املغرتين بزيادة‬ ‫بع�ض نواحي اطالعهم على نواحي اطالع الأم ّيني ومن هم يف حكمهم‪.‬‬ ‫امل�سيح مل يقل‪�« :‬أيها النا�س كل من اقتنى ذهباً وف�ضة وعقاراً فجزا�ؤه جهنم النار»‪� .‬إنه مل‬ ‫ي�ضع �شريعة حترم الغنى وتبيح الفقر وتوجبه �شرطاً لدخول ال�سماء‪� .‬أما املثل الذي قدمه‬ ‫اخلوري فلي�ست هذه طريقة فهمه وت�أويله على وجهه ال�صحيح‪.‬‬ ‫امل�سيح جاء حام ًال ر�سالة مناقبية للق�ضاء على مثالب املجتمع الذي ت�شبث بقوانني �صارت‬ ‫جامدة و�أجاز �أفراده لأنف�سهم اخلمول وارتكاب جميع �أنواع املوبقات التي تن�ص ال�شريعة‬ ‫على كيفية معاقبتها‪ .‬فهو كان جماهداً و�أتباعه يجب �أن يكونوا جماهدين ب�أنف�سهم و�أموالهم‪.‬‬ ‫ويف وقت اجلهاد ُيطلب من �أهل الغاية �أن ي�ضحوا الت�ضحية العظمى‪ .‬فالغني الذي جاء‬ ‫يطلب �أن يرث احلياة الأبدية جاء يف بدء اجلهاد وهو وقت يوجب التجرد الكلي‪ ،‬فطلب منه‬ ‫امل�سيح ما ُيطلب يف مثل هذا الوقت ف�صعب الأمر عليه‪ ،‬فلم يكن له حظ �أن يدخل ال�سماء‬ ‫لأنه رف�ض اجلهاد بنف�سه وماله من �أجلها‪ ،‬ومن ثم �إنه رف�ض و�ضع كل قوته لتحقيق الر�سالة‪.‬‬ ‫وقد وافق القر�آن هذا التعليم امل�سيحي كل املوافقة بقوله {�إن اهلل ا�شرتى من امل�ؤمنني �أنف�سهم‬ ‫و�أموالهم}‪ ،‬وبقوله‪{ :‬وما لكم �أال تنفقوا يف �سبيل اهلل وهلل مرياث ال�سموات والأر�ض ال‬ ‫ي�ستوي منكم من �أنفق من قبل الفتح وقاتل �أولئك �أعظم درجة من الذين �أنفقوا من بعد‬ ‫وقاتلوا وك ًال وعد اهلل احل�سنى واهلل مبا تعملون خبري}(احلديد‪ .)10 ،‬فهذه الآية القر�آنية‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪59‬‬

‫تف�ضل الذين �أنفقوا وجاهدوا قبل جميء الن�صر على الذين �أنفقوا وجاهدوا بعد حلوله حتى‬ ‫ّ‬ ‫ولو كانوا م�ساوين للأولني يف مقدار النفقة‪ .‬وقال القر�آن �أي�ضاً‪{ :‬لكن الر�سول والذين �آمنوا‬ ‫معه جاهدوا ب�أموالهم و�أنف�سهم و�أولئك لهم اخلريات و�أولئك هم املفلحون}(التوبة‪.)88 ،‬‬ ‫وحكم هذه الآية وا�ضح وهو اجلهاد بالنفو�س والأموال ولي�س ببع�ضها‪ .‬وقال �أي�ضاً‪{ :‬ال‬ ‫ي�ستوي القاعدون من امل�ؤمنني غري �أويل ال�ضرر واملجاهدون يف �سبيل اهلل ب�أموالهم و�أنف�سهم‬ ‫وف�ضل‬ ‫ف�ضل اهلل املجاهدين ب�أموالهم و�أنف�سهم على القاعدين درجة وك ًال وعد اهلل احل�سنى ّ‬ ‫ّ‬ ‫اهلل املجاهدين على القاعدين �أجراً عظيماً}(الن�ساء‪ .)95 ،‬ومع �أننا نلحظ ظهور العامل‬ ‫ال�سيا�سي ـ النف�سي يف هذه الآية ف�أمر اجلهاد وا�ضح ال غمو�ض فيه وهو اجلهاد بالنف�س واملال‬ ‫عد �سعيه للك�سب‬ ‫يف �سبيل ال�سماء ولي�س يف �سبيل الك�سب كما يفهم ر�شيد اخلوري الذي ّ‬ ‫بالتجارة يف الربازيل «جهاداً»‪ .‬وقد �شدد القر�آن النكري على الأغنياء الذين يحتالون ليقعدوا‬ ‫عن اجلهاد بقوله‪�{ :‬إمنا ال�سبيل على الذين ي�ست�أذنونك وهم �أغنياء ر�ضوا ب�أن يكونوا مع‬ ‫اخلوالف وطبع اهلل على قلوبهم فهم ال يعلمون}(التوبة‪.)93 ،‬‬ ‫وموافقة القر�آن للإجنيل يف هذه الأحكام هي موافقة كلية ال جزئية‪ .‬فقد ورد يف الإجنيل يف‬ ‫وعظ امل�سيح للفري�سيني هاتان الآيتان‪« :‬مع ذلك فقد بقي لكم �أن تت�صدقوا مما يف �أيديكم‬ ‫فيكون كل �شيء نقياً لكم‪ .‬لكن الويل لكم �أيها الفري�سيون ف�إنكم تع�شرون النعنع وال�سذاب‬ ‫و�سائر البقول وتتعدون العدل وحمبة اهلل وكان ينبغي �أن تعملوا هذه �أو ًال وال ترتكوا‬ ‫تلك»(لوقا‪ .)42 - 41 :11 ،‬فامل�سيح مل يقل هنا‪�« :‬أن تت�صدقوا بكل ما يف �أيديكم» ولو‬ ‫كانت �شريعته جعل الفقر �شرطاً لدخول ال�سماء‪ ،‬كما يقول �صاحب احلار�ضة‪ ،‬لكان وجب �أن‬ ‫يقوله‪ .‬ومن �آيات امل�سيح التي تدل على جهل ر�شيد اخلوري التعاليم امل�سيحية املثل التايل‪:‬‬ ‫«فقال (امل�سيح) رجل �شريف اجلن�س ذهب �إىل بلد بعيد لي�أخذ لنف�سه ملكاً ويعود فدعا‬ ‫ع�شرة عبيد له و�أعطاهم ع�شرة �أمناء (وزنات) وقال لهم تاجروا حتى �آتي‪ .‬وكان �أهل مدينته‬ ‫يبغ�ضونه ف�أنفذوا يف �أثره ر�س ًال قائلني ال نريد �أن ميلك علينا هذا‪ .‬فلما �أخذ امللك ورجع �أمر‬ ‫�أن يدعى عبيده الذين �أعطاهم الف�ضة ليعلم ما بلغت جتارة كل منهم‪ .‬ف�أقبل الأول وقال‪ :‬يا‬ ‫�سيد �إن مناك قد ربح ع�شرة �أمناء‪ .‬فقال له‪� :‬أح�سنت �أيها العبد ال�صالح قد وجدت �أميناً يف‬


‫‪60‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫القليل فليكن لك ال�سلطان على ع�شر مدن‪ .‬ثم جاء الثاين وقال‪ :‬يا �سيد �إن مناك قد ك�سب‬ ‫خم�سة �أمناء‪ .‬فقال لهذا‪ :‬و�أنت كن على خم�س مدن‪ .‬وجاء الآخر فقال‪ :‬هوذا مناك الذي‬ ‫كان عندي مو�ضوعاً يف منديل لأين خفت منك لكونك رج ًال قا�سياً ت�أخذ ما مل ت�ضع وحت�صد‬ ‫قا�س �آخذ ما‬ ‫ما مل تزرع فقال له‪ :‬من فمك �أدينك �أيها العبد ال�شرير قد علمت �أين رجل ٍ‬ ‫مل �أ�ضع و�أح�صد ما مل �أزرع‪ .‬فلماذا مل جتعل ف�ضتي على مائدة ال�صرف حتى �إذا قدمت‬ ‫�أ�ستوفيها مع ربى‪ .‬ثم قال للحا�ضرين خذوا منه �أملنا و�أعطوه للذي معه الع�شرة الأمناء‪ .‬فقالوا‬ ‫له يا �سيد �إن معه ع�شرة �أمناء‪� .‬إين �أقول لكم �إن كل من له يعطى فيزداد ومن لي�س له ي�ؤخذ‬ ‫منه ما هو له»(لوقا‪ .)26 - 12 :19 ،‬فلو كانت «�شريعة» امل�سيح تقول ب�شرطية الفقر لدخول‬ ‫ال�سماء‪ ،‬كما يقول اخلوري يف معر�ض تدجيله ونفاقه‪ ،‬لكان وجب �أن تكون الآيات عك�س ما‬ ‫هي في�أخذ العبد الك�سول الذي مل يتاجر باملال ال�سلطان على الع�شر مدن والع�شرة الأمناء‬ ‫ويدخل ملكوت ال�سموات‪ .‬ولكان وجب �أن يقول امل�سيح‪�« :‬إين �أقول لكم �إن كل من له‬ ‫يذهب �إىل جهنم وكل من لي�س له يكون له اجلزاء احل�سن ويدخل ملكوت ال�سموات»‪.‬‬ ‫ولكن ر�شيد اخلوري يرى قلي ًال حتى ت�شويه احلقائق الدينية و�إثارة الفنت الدينية يف �سبيل‬ ‫«الك�سب غري املحدود» الذي ّيدعي‪ ،‬على جهل منه‪� ،‬أنه جوهر الديانة الإ�سالمية‪ .‬هذا‬ ‫الرجل الذي �ش ّوه التعاليم الدينية ووجد بلهاء ي�صفقون له با�سم الدين‪ ،‬يريد �أي�ضاً �أن ي�ش ّوه‬ ‫التعاليم ال�سورية القومية من �أجل منافع وعده بها بع�ض املتع�ص ّبة‪ .‬ولكن �ساء ف�أل املنافقني‪.‬‬

‫اهلوامش‬ ‫‪ - 1‬مثل ُي�ضرب للجاهل بالأمر‪ ،‬وهو مع جهله يدعي املعرفة‪.‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪61‬‬

‫ليس من علم كمن ال يعلم‬ ‫قلنا يف احللقة ال�سابقة‪�« :‬إن امل�سيح جاء حام ًال ر�سالة مناقبية للق�ضاء على مثالب املجتمع‬ ‫الذي ت�شبث بقوانني �صارت جامدة و�أجاز �أفراده لأنف�سهم اخلمول وارتكاب جميع �أنواع‬ ‫املوبقات التي تن�ص ال�شريعة على كيفية معاقبتها»‪ .‬وهذا �أي�ضاً �ش�أن حممد‪� .‬إال �أن الفرق بني‬ ‫امل�سيح وحممد �أن امل�سيح مل يكن حمتاجاً لأن تكون ر�سالته ت�شريعية لأن املجتمع الذي‬ ‫ن�ش�أ فيه كان ذا �شرائع �سبكتها املو�سوية يف �شكل �إلهي‪ .‬و�إن حممداً وجد �أ�شد ما حتتاج �إليه‬ ‫جماعات بيئته هو الت�شريع ف�أدى هذه الر�سالة و�أ�ضاف �إليها تعاليم مناقبية من النوع امل�سيحي‬ ‫عينه‪� ،‬إال �أنه تناول بها �أي�ضاً �أموراً كثري ًة خمت�صة ب�أهل بيئته ف�ض ًال عن الأمور العامة‪.‬‬ ‫وقد وجدنا الكالم الإلهي يف القر�آن يوافق كل املوافقة تعليم امل�سيح املناقبي الذي جاء جاهل‬ ‫ّيدعي العلم يقول �إنه يخالفه‪ .‬بل �إننا حني التمعن يف الن�صو�ص جند �أن القر�آن كان �أ�شد ت�أكيداً‬ ‫من الإجنيل بوجوب اال�ستغناء عن كل مال وعقار يف �سبيل ال�سماء‪ .‬يف الإجنيل كله ال يوجد‬ ‫حكم كحكم الآية القر�آنية‪�{ :‬إن اهلل ا�شرتى من امل�ؤمنني �أنف�سهم و�أموالهم}(التوبة‪،)111 ،‬‬ ‫وال وعيد الآية‪{ :‬قل �إن كان �آبا�ؤكم و�أبنا�ؤكم و�إخوانكم و�أزواجكم وع�شريتكم و�أموال‬ ‫أحب �إليكم من اهلل ور�سوله وجهاد يف‬ ‫اقرتفتموها وجتارة تخ�شون ك�سادها وم�ساكن تر�ضونها � َّ‬ ‫�سبيله فرتب�صوا حتى ي�أتي اهلل ب�أمره واهلل ال يهدي القوم الفا�سقني}(التوبة‪ .)24 ،‬فامل�سيح‬ ‫مل ينذر الأغنياء ومف�ضلي �أموالهم على حمبة اهلل‪ ،‬و�إتباع امل�سيح هذا الإنذار ال�شديد‪ ،‬وقوله‬ ‫لتالميذه‪ ،‬م�ستخرجاً لهم العربة من رف�ض الغني بيع �أمالكه وتوزيعها على الفقراء‪« :‬ما �أع�سر‬ ‫على ذوي الأموال �أن يدخلوا ملكوت اهلل‪� ،‬إنه لأ�سهل �أن يدخل اجلمل يف ثقب الإبرة من‬


‫‪62‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫�أن يدخل غني ملكوت اهلل»(لوقا‪ )25 - 24 :18 ،‬لي�س حكماً عليهم بالرف�ض والهالك من‬ ‫�أجل غناهم‪ ،‬بل تعييناً حلقيقة حالهم التي اختاروها لأنف�سهم‪� ،‬إذ ف�ضلوا �أموالهم على عمل‬ ‫م�شيئة اهلل‪ .‬وهذا التعليم لي�س �ضد الغني عينه‪ ،‬كما �أوهم ر�شيد اخلوري جهله‪ ،‬بل �ضد جعل‬ ‫املال معبود الإن�سان من دون اهلل �أو الف�ضائل العليا‪ .‬و�إذا تابع الدار�س ذيول هذا احلادث‬ ‫والتعليم امل�سيحي امل�ستخرج منه ظهر له عظم تدجيل ر�شيد اخلوري بادعائه فهم تعليم امل�سيح‬ ‫وال�شريعة الإ�سالمية وتعليم حممد‪ .‬فالآيات التالية هذا ن�صها‪« :‬فقال ال�سامعون فمن ي�ستطيع‬ ‫�إذاً �أن يخل�ص‪ .‬فقال ما ال ي�ستطاع عند النا�س م�ستطاع عند اهلل‪ .‬فقال بطر�س هو ذا نحن قد‬ ‫تركنا كل �شيء وتبعناك‪ .‬فقال لهم احلق �أقول لكم �إنه ما من �أحد ترك بيتاً �أو والدين �أو �أخوة‬ ‫�أو امر�أة �أو بنني لأجل ملكوت اهلل‪� ،‬إال ينال يف هذا الزمان �أ�ضعافاً كثرية ويف الدهر الآتي‬ ‫احلياة الأبدية»(لوقا‪ .)30 - 26 :18 ،‬ف�إذاً الق�صد الوا�ضح من ن�ص التعليم �أن يثاب الإن�سان‬ ‫يف هذه الدنيا �أي�ضاً ف�ض ًال عن ثواب الآخرة فيزداد غناه الدنيوي �أي�ضاً �إذا عمل بهذا التعليم‪.‬‬ ‫فكيف يكون هذا القول موجباً للفقر‪ ،‬كما ّيدجل ر�شيد �سليم اخلوري؟‬ ‫ومن مقابلة �آيات القر�آن‪ ،‬املثبتة يف احللقة ال�سابقة وهذه احللقة‪ ،‬على هذه الآيات الإجنيلية‬ ‫يت�ضح �أن املطابقة بني التعليمني امل�سيحي والإ�سالمي هي كلية‪ .‬ويف بع�ض الآيات املطابقة‬ ‫لي�ست �أ�سا�سية فقط بل �شكلية �أي�ضاً كما يف تعداد الآباء والأبناء والإخوان والأزواج‪ ،‬الذي‬ ‫يكاد يكون حرفياً يف الإجنيل والقر�آن‪.‬‬ ‫يرم من ورائها‬ ‫ننتقل �إىل �أخطر الأقوال التي فاه بها ر�شيد اخلوري يف حار�ضته الهجائية التي مل ِ‬ ‫�إىل غري �إثارة الفتنة الدينية وا�ستدرار جيوب الذين ال يزال ي�أخذهم هو�س التع�صب الديني‪.‬‬ ‫ونحن ال يهمنا من تناول هذا القول الدفاع عن الدين امل�سيحي �أو �إثبات �صحته و�صحيحه‪،‬‬ ‫ل�سنا مب�شري �أديان‪ .‬و�إذا كان ر�شيد اخلوري �أراد �أن يكون مب�شراً دينياً لق�ضاء لبانة يف نف�سه‪،‬‬ ‫فذلك �ش�أنه هو الذي ال ندخل فيه‪ ،‬وال يف �ش�أن الذين �أغروه بركوب هذا املركب اخل�شن‪.‬‬ ‫نحن ن�سوق هذا الدر�س من �أجل حماربة التدجيل العلمي والتدجيل الديني واال�ستهزاء‬ ‫بالتعاليم على االطالق‪� ،‬سواء �أكانت دينية �أم غري دينية‪ .‬ومن �أجل �إي�ضاح احلقائق التي‬ ‫ت�ساعد على التخفيف من غلواء التع�صب الديني املبني على ت�شويه هذه احلقائق‪ ،‬ون�شوء‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪63‬‬

‫اعتقادات يف �صددها ال ميكن �أن يذهب التع�صب الأعمى بدون ذهابها‪.‬‬ ‫�سماه‬ ‫�أثبتنا يف ما تقدم فقرة من حار�ضة ر�شيد اخلوري جمعت النتيجة الكلية الكاملة ملا ّ‬ ‫�صاحب احلار�ضة «بحثاً دينياً �إ�سماً واجتماعياً فع ًال» يف ما يتعلق بالدين امل�سيحي �أو الإجنيل‪،‬‬ ‫وهي الفقرة القائلة �إن الإجنيل كتاب «ال يع ّلم غري الزهد وقهر اجل�سد وحب�س العقل يف قف�ص‬ ‫من غباوة اال�ست�سالم ملا وراء املنظور‪ ،‬وهو يقتل املواهب ويهي�ض الأجنحة ويع�صب على‬ ‫العيون»‪ ،‬و�إنه «ال ب�أ�س يف �شريعته �أن تعي�ش عبداً رقيقاً مدى احلياة ت�سام اخل�سف والهوان‬ ���واجللد بال�سياط ما دمت تعتقد �أن بعد املوت حياة ثانية تثاب فيها على خنوعك وا�ست�سالمك‬ ‫و�صربك على الظلم»‪ .‬وقلنا �إننا �سنعود �إليها بعد بحث قوله �إن امل�سيحية «توجب الفقر �شرطاً‬ ‫لدخول ال�سماء»‪ ،‬فلنبحث يف هذا الكالم‪.‬‬ ‫�إن هذا القول هو الذي عنيناه يف احللقة الرابعة ع�شرة (الثالثة يف الرتتيب اجلديد) وجنعله‬ ‫هنا �شاهداً على قولنا هناك �إنه �سف�سطة �سهلة ال�شيوع عند العامة وعند اخلا�صة الناق�صة‬ ‫الثقافة‪ ،‬و�إي�ضاحنا �أن �سبب هذه ال�سهولة هو كمال �سطحية هذه ال�سف�سطة و�إغفالها احلقائق‬ ‫االجتماعية والتاريخية‪ .‬وهو الإغفال الذي ر�أينا �أوجه يف تف�ضيل الدين الإ�سالمي على‬ ‫الدين امل�سيحي ل�سبب �أن حممداً «�أ�شاد بذكر العلم وف�ضل العلماء و�أنه ال يوجد يف الإجنيل‬ ‫�آية واحدة تذكر العلم بخري �أو ب�شر»‪.‬‬ ‫ال يذكر �صاحب احلار�ضة الن�صو�ص الإجنيلية التي ا�ستند �إليها وحللها وحقق فيها‪ ،‬ليخرج‬ ‫بهذه ال�سف�سطة الباهرة يف «بحثه االجتماعي فع ًال» القائلة �إن الإجنيل كتاب ال يع ّلم غري‬ ‫الدرو�شة والزهد وحب�س العقل واال�ست�سالم للعبودية وال�صرب على الظلم‪ .‬فهذا الكالم‬ ‫املر�سل جزافاً على عواهنه من غري �ضابط من الن�صو�ص‪ ،‬وال �شواهد كاملة من التعاليم‬ ‫التي يتناولها‪ ،‬هو �آخر بدعة من بدع الواغلني على العلم يف ما ميكن �أن يحتمل �أن ي�سمى‬ ‫بحثاً علمياً «�إجتماعياً»‪ ،‬مهما يكن من �ش�أن هذا النعت غري امل�ضبوط‪ .‬فه�ؤالء ال�شياطني‬ ‫�أو ال�سعادين ال يرون �ضرورة لبحث التعاليم �أو املباديء �أو الأقوال التي يعطون حكمهم‬ ‫عليها ب�صورة نهائية وجازمة‪ .‬فعقلية عظيمة ال�سخافة‪ ،‬كعقلية ر�شيد اخلوري‪ ،‬ال جتد حاجة‬ ‫والبت يف طبيعة كل منهما‬ ‫لدر�س ن�صو�ص الإ�سالم ون�صو�ص امل�سيحية حني النظر فيهما ّ‬


‫‪64‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫وخ�صائ�صه‪ ،‬و�إظهار كيفية تو�صلها �إىل النتيجة الأخرية التي ت�صل �إليها‪� .‬إن هذه العقلية‬ ‫ال�سف�سطائية التي ال تعلو عن عقلية الأم ّيني ترى �أن التعاليم �شائعة بني النا�س ومعروفة و�أن‬ ‫�إقرار النتيجة �شيء بديهي ال ي�ستدعي �إعادة نظر‪ ،‬بل يكفي تقدمي �آية واحدة مف�صولة عن‬ ‫مو�ضوعها ك�آية طلب امل�سيح من الغني �أن يبيع �أمالكه ويوزعها على الفقراء ليمتحن �صدق‬ ‫�إميانه‪ ،‬واتخاذها �شاهداً يغني عن الباقي يف عرف هذه العقلية الفقرية الثقافة الطامعة باخللود‬ ‫واملال‪ .‬وقد ر�أينا يف احللقة ال�سابقة وما تقدم من هذه احللقة مقدار �إ�ساءة فهم الآية ومو�ضوعها‬ ‫و�إ�ساءة اال�ست�شهاد بها‪.‬‬ ‫�إن التعاليم امل�سيحية �شائعة وكذلك التعاليم الإ�سالمية‪ .‬ولكن �شيوع هذه التعاليم ال يعني‬ ‫دائماً �أن ال�شائعة عندهم در�سوها وحم�صوها وفهموها فهماً كلياً �أو م�ستوفى‪ ،‬بل قد يعني‪،‬‬ ‫وهو الأ�صح‪� ،‬أن من اجلهالة اال�ستناد �إىل هذا ال�شيوع غري امل�ضبوط‪ ،‬خ�صو�صاً يف جمتمع‬ ‫ال يزال فيه بقية كبرية من انحطاط الثقافة ونق�ص العلم اللذين هما من نتائج فقده رابطته‬ ‫و�سيادته القوميتني‪ .‬ولوال �شيوع هذه التعاليم �شيوعاً يو ّلد كثرياً من الأغاليط يف حميط‬ ‫الثقافة املنحطة والعلم الناق�ص‪ ،‬ملا وجدنا بنا حاجة لتناول هذه ال�سف�سطة ودر�سها وحتليلها‬ ‫ب�صورة جدية‪ ،‬بل لك ّنا ف�ضلنا خو�ض املو�ضوع من نقطة ابتدائية غري هذه النقطة‪ ،‬ومن وجه‬ ‫غري الوجه الذي حتملنا عليه هذه ال�سف�سطة‪.‬‬ ‫وقد ر�أينا يف ما تقدم مقدار ما يعرف �أو ما يجهل ر�شيد اخلوري من الإ�سالم وبع�ض مقدار‬ ‫ما يعرف �أو ما يجهل من امل�سيحية‪ ،‬فل َرن مقداراً �آخر من علمه ومن جهله مبتدئني بقوله �إن‬ ‫الإجنيل «ال يع ّلم يف هذه الدنيا غري الدرو�شة والزهد»‪.‬‬ ‫من �أين ا�ستمد اخلوري هذا احلكم؟ من خبط العامة يف التعاليم ذات ال�صبغة الفل�سفية يف‬ ‫املناقب‪ .‬من م ّنا مل ي�سمع كثرياً من العامة واخلا�صة الناق�صة الثقافة تتحدث عن امل�سيحية‬ ‫والإ�سالم ب�صورة بعيدة عن الفهم؟ من م ّنا مل تطرق �أذنه مثل هذه العبارة احلقرية «تقرب الإجنيل‬ ‫�إي�ش بيعلم غري الك�سل‪� .‬شو بي�ستفيد الإن�سان من قول امل�سيح‪« :‬ال تهتموا لأنف�سكم مبا ت�أكلون‬ ‫وال لأج�سادكم مبا تلب�سون»‪« ،‬وال تهتموا قائلني ماذا ن�أكل �أو ماذا ن�شرب �أو ماذا نلب�س؟»‪.‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪65‬‬

‫�ألي�س من هذا القبيل متاماً ما يقوله ر�شيد اخلوري يف حار�ضته مدعياً �أن الإجنيل «ال يعلم‬ ‫غري الدرو�شة والزهد»؟ بلى‪ .‬بال زيادة وال نق�صان‪ .‬ولكن ما �أبعد هذه النظرة االنحطاطية عن‬ ‫مق�صود هذا التعليم امل�سيحي!‬ ‫امل�سيح مل يقل هذين القولني اللذين ت�ست�شهد بهما العامة املبلبلة واخلا�صة امل�ستمدة‬ ‫ثقافتها من الأفكار ال�شائعة‪ ،‬اخلطرة‪ ،‬وحدهما كتعليم كامل تام يف ذاته‪ ،‬بل قالهما يف عر�ض‬ ‫موعظة كاملة تعالج حالة عامة وتتجه نحو نتيجة كلية هي حماربة االغراق يف املادية الفردية‬ ‫واالنحطاط �إىل �أ�سفل دركاتها‪ ،‬حيث ي�صبح قلب االن�سان مع كنزه املادي املف�ضل عنده على‬ ‫جميع الف�ضائل العليا املن�سوبة �إىل «م�شيئة اهلل»‪ ،‬واالنت�صار على الأنانية الفردية لقيام جمتمع‬ ‫�أف�ضل‪ .‬فامل�سيح مل يقل �آية واحدة ليعبرّ بها عما �أراد �أن ير�سخه يف الأذهان‪ ،‬بل قال �سل�سلة‬ ‫عبارات يف موعظته على اجلبل كلها مرتبطة بهذا املعنى الواحد املتعلق بوجوب تف�ضيل‬ ‫حمبة املناقب والف�ضائل الباقية على حمبة املال‪ ،‬فهو مل يكد يتم عبارته القائلة‪« :‬فال تطلبوا‬ ‫ما ت�أكلون �أو ما ت�شربون وال تقلقوا» حتى �أردفها ب�آيتني ثانيتني ات�صلتا بها مبا�شرة وهما‪« :‬لأن‬ ‫هذا كله تتطلبه �أمم العامل و�أبوكم (اهلل) يعلم �أنكم حتتاجون �إىل هذا‪ .‬بل اطلبوا ملكوت اهلل‬ ‫وهذا كله يزاد لكم»(لوقا‪.)31 - 29 :12 ،‬‬ ‫فهل وقف ر�شيد اخلوري ومن حذا حذوه عند اجلزء الثاين من الآية الأخرية املذكورة �آنفاً‬ ‫وت�أمل معناها ووجد �أنها ال تعني �شيئاً غري الدرو�شة والزهد والفقر؟ هل وقفوا عند هذه الآية‬ ‫املذكورة �آخراً ومتعنوا يف معناها الذي جمع املق�صود من الآيات ال�سابقة والغر�ض الكامل الذي‬ ‫رمى �إليه امل�سيح منها ووجدوا �أن هذا الغر�ض هو الدرو�شة والزهد والفقر‪ ،‬ال �أكرث وال �أقل؟‬ ‫�شتان بني غر�ض التعليم وما فهمه ويفهمه رجل يتكلم يف الدين وال يعرف ما هو الدين‬ ‫ويدعي العلم وهو لي�س �سوى خرقاء ذات نيقة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫�إن در�س موعظة امل�سيح والآيات املتعلقة مبو�ضوع الغنى يو�صل �إىل نتيجة واحدة هي‪� :‬أنه �إذا‬ ‫اجته �أبناء املجتمع الواحد نحو طلب حالة ال�سعادة التي تو ّلدها الف�ضائل ال�سامية ف�إن املجتمع‬ ‫يخ�سر الأنانية الفردية املنحطة‪ ،‬القتالة‪ ،‬ولكنه ال يخ�سر �أ�سباب العي�ش والرفاه‪ ،‬لأن التعاون‬


‫‪66‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫يف املجتمع يولد املحبة واملحبة تزيد التعاون‪ ،‬ومن هذا التفاعل بني املحبة والتعا�ضد يتولد‬ ‫فالح املجتمع‪ .‬ف�أي عقل غري �سخيف يقول �إن فالح املجتمع يعني الدرو�شة والزهد والفقر؟‬ ‫وهل يقول الإ�سالم بغري هذه النتيجة؟ �أتعار�ض الآيات القر�آنية والأحاديث النبوية هذا‬ ‫التعليم؟ كال‪ ،‬بل هي ت�ؤيده وتتجه معه يف اجتاه واحد‪ .‬وال يحاول نفي ذلك غري جاهل مغرور‬ ‫ّيدعي �أنه �أخرب بالإ�سالم من القر�آن ومن حممد نف�سه‪.‬‬ ‫�أنظر كيف يعلم القر�آن هذا التعليم الإجنيلي عينه‪{ :‬من كان يريد حرث الآخرة نزد له يف‬ ‫حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا ن�ؤته منها وما له يف الآخرة من ن�صيب}(ال�شورى‪.)20 ،‬‬ ‫فهذه الآية توافق كل املوافقة �آيات الإجنيل يف تع�سري دخول ال�سماء على الذين يف�ضلون‬ ‫حرث الدنيا على حرث الآخرة‪ .‬و�إليك �آية �أخرى‪َ { :‬مث َُل الذين ينفقون �أموالهم يف �سبيل‬ ‫اهلل كمثل حبة �أنبتت �سبع �سنابل يف كل �سنبلة مائة حبة واهلل ي�ضاعف ملن ي�شاء واهلل‬ ‫وا�سع عليم}(البقرة‪ .)261 ،‬و�أخرى‪{ :‬وما �أموالكم وال �أوالدكم بالتي تقربكم عندنا زلفى‬ ‫�إال من �آمن وعمل �صاحلاً ف�أولئك لهم جزاء ال�ضعف مبا عملوا وهم يف الغرفات �آمنون}‬ ‫(�سب�أ‪ ،)37 ،‬وغريها‪ُ { :‬ز ّين للنا�س حب ال�شهوات من الن�ساء والبنني والقناطري املقنطرة من‬ ‫الذهب والف�ضة واخليل املُ َ�س َّومة والأنعام واحلرث ذلك متاع احلياة الدنيا واهلل عنده ح�سن‬ ‫امل�آب}(�آل عمران‪ ،)14 ،‬وغريها‪{ :‬فما �أوتيتم من �شيء فمتاع احلياة الدنيا وما عند اهلل‬ ‫خري و�أبقى للذين �آمنوا وعلى ربهم يتوكلون}(ال�شورى‪.)36 ،‬‬ ‫�أال يرى ر�شيد �سليم اخلوري‪ ،‬الوا�ضع على عينيه نظارتني ذهبيتي احلتار والوهج كنظارتي �إيليا‬ ‫�أبي ما�ضي‪� ،‬أن الإ�سالم ي�شرتك مع امل�سيحية يف تعليم «الدرو�شة والزهد والفقر واال�ست�سالم‬ ‫ملا وراء املنظور واخل�ضوع الأعمى للتعاليم ال�سماوية؟»‬ ‫�ألي�س هكذا يفهم �شكيب �أر�سالن الإ�سالم حتى قال عن ر�شيد اخلوري �إنه يفوق كثرياً من‬ ‫�أقحاح امل�سلمني املدافعني عن �شريعة حممد وخلفائه يف الأر�ض؟‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪67‬‬

‫تأويل اجلاهلني‬ ‫ر�أينا يف احللقة ال�سابقة مقدار ف�ساد كالم ر�شيد اخلوري يف ت�أويله اجلاهل لكالم امل�سيح‪،‬‬ ‫احلا�ض على ترك الأنانية القاتلة لروح املحبة املانعة التعاون يف املجتمع‪ .‬ويف هذه احللقة‬ ‫ّ‬ ‫�سرنى ت�أويله اجلاهل لكالم امل�سيح يف ترك املخا�صمة ووجوب الت�ساهل واملغفرة‪ .‬وهذا‬ ‫الت�أويل اجلاهل هو قوله‪« :‬ال ب�أ�س يف �شريعته �أن تعي�ش عبداً رقيقاً مدى احلياة ت�سام اخل�سف‬ ‫والهوان واجللد بال�سياط ما دمت تعتقد �أن بعد املوت حياة ثانية تثاب فيها على خنوعك‬ ‫وا�ست�سالمك و�صربك على الظلم»‪.‬‬ ‫�إذا كان ر�شيد اخلوري قد حاول �أن يدعم ت�أويله ال�سابق يف «الدرو�شة والزهد» بالتعلق بعبارة‬ ‫واحدة من عبارات امل�سيح فهو مل يجد حاجة لت�أييد ت�أويله هذا الأخري ب�آية �أو بجملة من‬ ‫الإجنيل‪ .‬ومما ال �شك فيه �أنه ي�ستخرج هذا الت�أويل الفا�سد من �آيات �إجنيلية �شائعة عند العامة‬ ‫�شيوعاً غري م�ضبوط‪ ،‬هي من موعظة امل�سيح على جبل الزيتون وهذه هي‪�« :‬أما �أنا ف�أقول لكم‬ ‫ال تقاوموا ال�شر بل من لطمك على خدك الأمين فح ّول له الآخر‪ .‬ومن �أراد �أن يخا�صمك‬ ‫وي�أخذ ثوبك ِّ‬ ‫�سخرك مي ًال فام�ش معه اثنني‪ .‬ومن �س�ألك ف�أعطه‬ ‫فخل له رداءك �أي�ضاً‪ .‬ومن ّ‬ ‫ومن �أراد �أن يقرت�ض منك فال متنعه‪� ...‬أحبوا �أعداءكم و�أح�سنوا �إىل من يبغ�ضكم و�ص ّلوا‬ ‫لأجل من يعنتكم وي�ضطهدكم»(متى‪.)41 - 39 :5 ،‬‬ ‫ر�شيد اخلوري و�أمثاله من قليلي العلم وفقراء الأدب ي�أخذون هذه الآيات وي�أولونها على قدر‬ ‫عقليتهم‪ ،‬ويقولون �إن ت�أويلهم هذا تعليم امل�سيح‪ .‬وت�أويلهم هو‪ ،‬كما ر�أينا من كالم اخلوري‪،‬‬ ‫�أن الق�صد من هذا التعليم هو جعل االن�سان م�ست�سلماً للخنوع والعبودية واخل�سف والهوان‬


‫‪68‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫واجللد بال�سياط‪ .‬فل َرن هل ي�صح هذا الت�أويل؟‬ ‫قلنا يف ما تقدم �إن امل�سيح مل ي�ضع �شريعة كما يتوهم ر�شيد اخلوري الذي ال يعرف الفرق بني‬ ‫تعليم العقيدة وا�شرتاع القوانني‪ ،‬ولذلك ال يجوز قط �أن حتمل الآيات املذكورة على حممل‬ ‫احلكم القانوين‪ ،‬فهي تعليم فيه ت�شديد يف معاجلة حالة اجتماعية و ّلدها جمود ال�شرع ونق�ص‬ ‫التعاليم املناقبية يف الدين‪ .‬وهذا التعليم ال يق�صد ق�سمة النا�س �إىل ظاملني ومظلومني‪ ،‬كما‬ ‫يتوهم �أمثال ر�شيد اخلوري‪ ،‬فتكون هنالك جماعة يحق لأفرادها �أن ي�صفعوا كل من لي�س‬ ‫بفئتهم على وجهه‪ ،‬وتكون هنالك جماعة يتوجب على �أفرادها �أن يحو ّلوا خدودهم الأخرى‬ ‫ل�ضاربيهم‪ ،‬بل هو يق�صد نفي اخل�صومة وال�ضرب والظلم من املجتمع‪ .‬والآيات املذكورة ال‬ ‫ميكن �أخذها وحدها‪ ،‬لأنها مل ُتقل يف معر�ض الإطالق‪ ،‬بل يف معر�ض مو�ضوع متعلقة به‬ ‫ومرتبطة به ب�آيات �أخرى معها يف وقت واحد‪:‬‬ ‫حث امل�سيح تالميذه على ابتغاء الرب و�سالمة القلب مهما تعر�ضوا للمالم واال�ضطهاد‪،‬‬ ‫بعد �أن ّ‬ ‫انتقل �إىل تعليم فل�سفته االجتماعية التي ال تقف عند حدود ال�شرع‪ .‬فال�شرع اجلزائي وظيفته‬ ‫�سلبية �أكرث مما هي �إيجابية‪ .‬فالقانون يعاقب على اجلرم ولكنه ال يعينّ الف�ضائل وهو ي�ضع‬ ‫احلد ولكنه ال ي�شق طريق االرتقاء‪� .‬إنه يحفظ نظام املجتمع ولكن ترقية نف�سيته تبقى من‬ ‫مهام التعاليم املناقبية والنظرات الفل�سفية يف قواعد احلياة االجتماعية و ُمثُلها العليا‪ .‬فهذه‬ ‫التعاليم والنظرات الفل�سفية ال تكتفي بحالة الإن�صاف الأوىل التي �أوجدتها ال�شرائع والقوانني‬ ‫�سواء �أكانت دينية �أم مدنية‪ ،‬وهي حالة ت�أمني ح�صول الطريقة العملية)‪(Modus Vivendi‬‬ ‫لت�سيري �ش�ؤون املجتمع وحفظ نظامه‪ .‬بل ترمي �إىل تعديل �ش�ؤون املجتمع وتغيري نظامه على ما‬ ‫ينطبق على مثلها العليا وما تراه �أف�ضل لرتقية احلياة االن�سانية االجتماعية‪ .‬وتظهر احلاجة �إىل‬ ‫هذه التعاليم والنظرات الفل�سفية يف املجتمعات التي اجتازت طور الت�شريع االبتدائي وحازت‬ ‫الطريقة العملية ال�صاحلة لت�سيري �ش�ؤونها احليوية‪ .‬وهذه هي املجتمعات ال�صاحلة لن�شوء‬ ‫التعاليم الفل�سفية‪ .‬و�سورية كانت بالد متدن باذخ عرفت الت�شريع املدين ثم جاءها اليهود‬ ‫الذين قالوا مبذهب جديد يف الدين هو مذهب الإله الذي يرى وال ُيرى‪ ،‬خالق ال�سموات‬ ‫والأر�ض وعامل الغيب وجعلوه م�صدر ال�شرع ف�صار ال�شرع جامداً غري قابل التغيري‪ ،‬مهما تغيرّ‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪69‬‬

‫الزمان وتقلبت الظروف والأحوال‪ ،‬و�صارت النظرة �إىل احلياة م�ؤ�س�سة مناقبياً وفل�سفياً‪ ،‬على‬ ‫ال�شرع‪ .‬واكتفى النا�س‪ ،‬الذين �آمنوا بالدين اجلديد‪ ،‬بالأ�سا�س املناقبي امل�ستمد من ال�شرع‪.‬‬ ‫بجمود ال�شرع‪ ،‬عن طريق الدين‪ ،‬جمدت الفل�سفة املناقبية �أي�ضاً و َب ُط َل مبد�أ الفيل�سوف‬ ‫ال�سوري الكبري زينون القائل ب�أن الفكر �أو العقل هو جوهر احلياة االن�سانية‪ .‬فحدث يف‬ ‫املجتمع ال�سوري ت�صادم عنيف بني النف�سية ال�سورية وال�شرع املو�سوي الذي �أخذ يقوى‬ ‫على عامل العقل‪ ،‬ب�سبب قوة فكرة اهلل التي ا�ستند �إليها والتي �أخذت تتغلب على فكرة‬ ‫�آلهة الأ�ساطري القدمية والأ�صنام‪ .‬ومل يعد يف الإمكان الت�أثري على املجتمع �إال عن طريق فكرة‬ ‫اهلل‪ ،‬لأن هذه الفكرة �أ�ضعفت منزلة احلكمة الب�شرية وقوة العقل االن�ساين جتاه حكمة اهلل‬ ‫وتدبريه‪ .‬وهذا هو ال�سبب يف اتخاذ التعاليم املناقبية امل�سيحية الفكرة الدينية اجلديدة �أ�سا�ساً‬ ‫لها‪ .‬فظهر امل�سيح مبظهر املوعود به من اهلل ليكون به اخلال�ص‪ .‬وعلى هذا االعتقاد الديني‬ ‫ا�ستند امل�سيح لي�ؤدي ر�سالته املناقبية التي �أهم ما فيها‪ ،‬ب�صرف النظر عن �أهمية تعاليمها‪،‬‬ ‫�أنها �أعادت النظرة ال�سورية �إىل احلياة القائلة بت�سليط العقل على جمرى التاريخ‪ ،‬و�أن ميزة‬ ‫االن�سان الأ�سا�سية هي الفكر‪ ،‬و�أنها كانت انت�صار النف�سية ال�سورية الفا�صل على النف�سية‬ ‫اليهودية القائلة بتحديد احلياة االن�سانية وفاقاً لل�شرع املو�سوي‪.‬‬ ‫قلنا �إن امل�سيح بعد �أن �شدد روحية تالميذه انتقل �إىل تعليم فل�سفته املناقبية االجتماعية‪.‬‬ ‫وقد بد�أ امل�سيح تعاليمه مبهاجمة الوقوف عند حدود ال�شرع واالكتفاء بالفرائ�ض‪ .‬قال‪« :‬قد‬ ‫�سمعتم �أنه قيل للأولني‪ :‬ال تقتل ف�إن من قتل ي�ستوجب الدينونة‪� .‬أما �أنا ف�أقول لكم �إن كل‬ ‫من غ�ضب على �أخيه ي�ستوجب الدينونة ومن قال لأخيه راقاً ي�ستوجب حكم املحفل‪ .‬ومن‬ ‫قال يا �أحمق ي�ستوجب نار جهنم»(متى‪ ،)22 - 21 : 5 ،‬فهذا الت�شديد بوجوب ترك اجلمود‬ ‫املحدد بال�شرع لي�س ت�شريعاً جديداً ين�ص على معاقبة الذي يغ�ضب على �أخيه‪ ،‬كما ن�ص‬ ‫ال�شرع املو�سوي امل�أخوذ عن ال�شرع الكنعاين على معاقبة القاتل بالقتل‪ ،‬بل هو تعليم يقول‬ ‫باحلكم املناقبي امل�ستمد من النظرة الفل�سفية اجلديدة‪ .‬ويثبت �أنه تعليم لي�س فقط يف �أنه مل‬ ‫يعني العقوبات‪ ،‬بل يف الآيات التابعة‪ ،‬وهي‪« :‬ف�إذا قدمت قربانك �إىل املذبح وهناك ّ‬ ‫تذكرت‬ ‫ٍ‬ ‫وحينئذ‬ ‫وام�ض �أو ًال ف�صالح �أخاك‬ ‫�أن لأخيك عليك �شيئاً فدع قربانك هناك �أمام املذبح ِ‬


‫‪70‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫ِ‬ ‫وقدم قربانك»(متى‪ ،)24 - 23 :5 ،‬ثم الآية‪« :‬قد �سمعتم �أنه قيل للأولني ال تزن‪� .‬أما‬ ‫ائت ّ‬ ‫�أنا ف�أقول لكم �إن كل من نظر �إىل امر�أة لكي ي�شتهيها فقد زنى بها يف قلبه»(متى‪- 27 :5 ،‬‬ ‫‪ ،)28‬ثم الآيات‪« :‬قَد قيل من طلق امر�أته فليدفع �إليها كتاب طالق‪� .‬أما �أنا ف�أقول لكم من‬ ‫طلق امر�أته �إال لعلة زنى فقد جعلها زانية ومن تزوج مطلقة فقد زنى»(متى‪.)32 - 31 :5 ،‬‬ ‫ويف تعليم الآيات الأخرية قواعد مناقبية للرتفع عن ال�شهوات احليوانية واالجتاه نحو املثال‬ ‫الأعلى التمدين نحو احلب وتفاهم احلبيبني للإ�شرتاك يف حياة نف�سية راقية‪ ،‬يكون احلب‬ ‫فيها حافزاً على الأعمال الكبرية والإنتاج العمراين والثقايف بد ًال من التال�شي يف املغامرات‬ ‫ال�شهوانية‪ .‬والإ�سالم الذي ن�ش�أ يف �إقليم حدد احلياة الب�شرية حتديداً �شديداً و�أحرجها‪ ،‬حتى‬ ‫�أ�صبحت ال�شهوات احلادة املن�صرف الوحيد لقوى النا�س‪ ،‬ف�ضل �أن يتزوج الرجل امر�أة‬ ‫واحدة يف حني �أباح تعدد الزوجات نظراً ملقت�ضيات البيئة‪ ،‬يقول القر�آن‪{ :‬ف�إن خفتم �أال‬ ‫تعدلوا فواحدة �أو ما ملكت �أميانكم}(الن�ساء‪ .)3 ،‬وقد تابع امل�سيح �إعطاء القواعد املناقبية‬ ‫فقال‪« :‬قد �سمعتم �أنه قيل للأولني ال حتنث‪ ،‬بل � ِ‬ ‫أوف للرب ب�أق�سامك‪� .‬أما �أنا ف�أقول لكم ال‬ ‫حتلفوا البتة ال بال�سماء ف�إنها عر�ش اهلل وال بالأر�ض ف�إنها موطيء قدميه‪ .‬وال حتلف بر�أ�سك‬ ‫لأنك ال تقدر �أن جتعل �شعرة منه بي�ضاء �أو �سوداء ولكن ليكن كالمكم نعم نعم وال ال وما‬ ‫�سام جداً يرفع احرتام‬ ‫زاد على ذلك فهو من ال�شرير»(متى‪ .)37 - 33 :5 ،‬وهذا التعليم ٍ‬ ‫النا�س �أنف�سهم و�أقوالهم حتى ي�صريوا يعنون ما يقولون دائماً‪ ،‬فيكون كالمهم موثوقاً به من‬ ‫غري حاجة �إىل حلف خا�ص يدل على ال�شك ب�صدق رواياتهم و�أقوالهم الأخرى‪ .‬وتابع‬ ‫تعليمه بعدم جتميد الف�ضائل النف�سية باالكتفاء بحد القانون فقال‪« :‬قد �سمعتم �أنه قيل العني‬ ‫بالعني وال�سن بال�سن‪� .‬أما �أنا ف�أقول لكم ال تقاوموا ال�شر بل من لطمك على خدك الأمين‬ ‫فح ّول له الآخر‪ .‬ومن �أراد �أن يخا�صمك وي�أخذ ثوبك ِّ‬ ‫�سخرك‬ ‫فخل له رداءك �أي�ضاً‪ .‬ومن ّ‬ ‫فام�ش معه اثنني‪ .‬ومن �س�ألك ف�أعطه ومن �أراد �أن يقرت�ض منك فال متنعه»(متى‪:5 ،‬‬ ‫مي ًال ِ‬ ‫‪.)42 - 38‬‬ ‫هذه القاعدة املناقبية ال�سامية لي�س ت�أويلها احل�سن ما �أ ّوله ر�شيد اخلوري من غري ا�ستناد‬ ‫�إىل كالم امل�سيح‪ .‬بل ت�أويلها الوحيد ال�صحيح الذي ال يقبل اجلدل هو �أن امل�سيح قال‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪71‬‬

‫بوجوب الت�ساهل يف احلقوق الفردية من �أجل خري املجتمع‪ .‬فقوله‪« :‬ال تقاوموا ال�شر» ال‬ ‫يعني عدم مقاومة الذين يف�سدون املجتمع‪ ،‬بل يعني عدم اال�ست�سالم لعوامل الف�ساد التي‬ ‫منها تف�ضيل حق الفرد وخريه على حق املجتمع وخريه‪ .‬فال�شرير هو الذي يريد �أن يقودك‬ ‫�إىل ال�شر بدفعك �إىل مقاومته ب�سالحه وهو ال�شر‪ ،‬وا�ستعمال هذا ال�سالح ال يخفف ال�شر يف‬ ‫املجتمع‪ ،‬بل يزيده‪ ،‬لأن االنتقام يكون بحدة وبال قيا�س‪ .‬فالغنب ال بد واقع وبالغنب ازدياد‬ ‫الأحقاد وال�ضغائن والعداوة وتفكك املجتمع وف�ساده‪ .‬فمقاومة ال�شر احلادث بني �إن�سان وابن‬ ‫جمتمعه تكون‪ ،‬ح�سب قاعدة امل�سيح املناقبية‪ ،‬بالت�ساهل يف احلقوق الفردية الذي ينتهي يف‬ ‫الأخري �إىل نفي ال�شر‪ ،‬لأنه متى تعلم كل �إن�سان �أن يت�ساهل من �أجل اخلري العام مل يعد هناك‬ ‫من يريد الظلم‪ ،‬فينتفي الظلم باملرة �أو ّ‬ ‫يقل كثرياً حتى ال ُي�شعر به‪ ،‬و�إذا انتفى الظلم فكيف‬ ‫يكون بانتفائه ح�صول اخلنوع واخل�سف والهوان؟‬ ‫�إن ر�شيد اخلوري اجلاهل تعاليم الدينني امل�سيحي والإ�سالمي يظن �أن الإ�سالم يخالف هذا‬ ‫التعليم امل�سيحي‪ ،‬وبنا ًء على هذا الظن الآثم �أخذ ي�صرح باختالف الإ�سالم وامل�سيحية يف‬ ‫هذا ال�صدد‪ .‬ولكن احلقيقة هي �أن الإ�سالم يع ّلم هذا التعليم عينه يف القر�آن واحلديث‪ ،‬فانظر‬ ‫ما يقول القر�آن‪{ :‬وال ت�ستوي احل�سنة وال ال�سيئة ادفع بالتي هي �أح�سن ف�إذا الذي بينك‬ ‫وبينه عداوة ك�أنه ويل حميم}(ف�صلت‪{ .)34 ،‬ثم كان من الذين �آمنوا وتوا�صوا بال�صرب‬ ‫وتوا�صوا باملرحمة}(البلد‪�{ .)17 ،‬إن تبدوا خرياً �أو تخفوه �أو تعفوا عن �سوء ف�إن اهلل كان‬ ‫عفواً قديراً}(الن�ساء‪ .)149 ،‬و�أقوى هذه الآيات يف هذا االجتاه هي املذكورة يف الأول من‬ ‫�سورة ال�سجدة [ ُف ّ�صلت]‪ .‬وقد اكتفت الر�سالة الإ���سالمية بهذا املقدار من موافقة التعليم‬ ‫امل�سيحي مراعاة حلالة البيئة‪ ،‬ولذلك كانت هذه الآيات مطلقة من غري تعيني لكيفية التطبيق‬ ‫بالأمثال‪ ،‬كما يف الر�سالة امل�سيحية‪ .‬فالبيئة العربية كانت‪ ،‬كما ب ّينا يف ما تقدم من حلقات‬ ‫هذا البحث‪� ،‬أ�شد حاجة �إىل و�ضع حد للفو�ضى و�إقامة حدود ال�شرع التي متنع االنتقام‬ ‫اجلامح الذي كاد يقع فيه النبي نف�سه‪ ،‬منها �إىل احلياة الثقافية العليا‪ .‬فقد روي عن حممد‬ ‫�أنه «ملا ر�أى حمزة وقد ُمثّل به» قال‪« :‬واهلل لئن �أظفرين اهلل بهم لأمث ّّلن ب�سبعني مكانك»‬ ‫(ذكره الإمام البي�ضاوي( ) يف �شرحه �سورة النحل)‪ .‬ثم �أن النبي كفّر عن ميينه بنزول الآية‪:‬‬ ‫‪1‬‬


‫‪72‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫{و�إن عاقبتم فعاقبوا مبثل ما عوقبتم به ولئن �صربمت لهو خري لل�صابرين}(النحل‪.)126 ،‬‬ ‫ومع �أن هذه الآية م�ش ّربة روحاً م�سيحي ًة يف الق�سم الأخري منها وهو قوله‪{ :‬لئن �صربمت لهو‬ ‫خري لل�صابرين} ف�إن الق�سم الأول جمان�س لل�شرع املو�سوي الذي هو بداءة تنظيم املجتمع‪.‬‬ ‫وقد كانت موجبات البيئة لت�ساهل الر�سالة قوية �أحياناً خ�صو�صاً بعد االجتاه نحو جمع كلمة‬ ‫امل�سلمني على قتال الذين ال ي�ؤمنون �إميانهم ون�صرة الدين بالقوة‪ ،‬كالت�ساهل بتجويز �ضرب‬ ‫الن�ساء حلملهن على �إطاعة رجالهن‪ .‬فقد وردت يف �سورة الن�ساء الآية‪{ :‬الرجال قوامون‬ ‫ف�ضل اهلل بع�ضهم على بع�ض ومبا �أنفقوا من �أموالهم (يف زواجهن) فال�صاحلات‬ ‫على الن�ساء مبا ّ‬ ‫قانتات حافظات للغيب مبا حفظ اهلل والالتي تخافون ن�شوزهن فعظوهن واهجروهن يف‬ ‫امل�ضاجع وا�ضربوهن ف�إن �أطعنكم فال تبغوا عليهن �سبي ًال �إن اهلل كان علياً كبرياً}(الن�ساء‪،‬‬ ‫‪ .)34‬فلهذه الآية عالقة بحكاية حال وهي �أن �سعد بن الربيع‪� ،‬أحد نقباء الأن�صار‪ ،‬ن�شزت‬ ‫(ع�صت) عليه امر�أته حبيبة بنت زيد بن �أبي زهري فلطمها‪ .‬فانطلق بها �أبوها �إىل النبي ف�شكا‪،‬‬ ‫فقال حممد «لتقت�ص منه»‪ .‬ثم كان �أن الآية نزلت فقال النبي‪�« :‬أردنا �أمراً و�أراد اهلل �أمراً‬ ‫والذي �أراد اهلل خري»‪ .‬ويف هذا القول تدبري �سيا�سي حكيم ملعاجلة احلالة معاجلة ما كان يجب‬ ‫�أن تولد �صدعاً يف �صفوف امل�سلمني‪.‬‬ ‫مع كل هذا الت�ساهل ال�شرعي الذي �أبدته الر�سالة املحمدية جتاه مقت�ضيات حالة البيئة‪ ،‬ف�إن‬ ‫حدث به حديثاً ال �إلزام فيه �أعلى مطلباً للنا�س عامة و�أبعد‬ ‫النبي كان يف بع�ض كالمه الذي ّ‬ ‫يحث امل�ؤمن على التم�سك به‬ ‫مرمى‪ ،‬م�ستفيداً من �أن كالمه لي�س �شرعاً حتمياً‪ ،‬بل �إر�شاد ّ‬ ‫من غري عنت وال �إكراه‪ .‬فهو يف احلديث الذي يخرج به من خ�صو�صيات البيئة و�ضروراتها‬ ‫�إىل عامل االن�سانية الوا�سع الذي يتناول بيئات التمدن �أي�ضاً يجاري امل�سيح يف تعاليمه‬ ‫املناقبية جماراة ال ترتك زيادة مل�ستزيد‪.‬‬ ‫يف احلديث الذي يتناول تعاليم عمومية‪ ،‬كما يف الآيات التي يالحظ �أن عوامل البيئة قيدتها‬ ‫بع�ض التقييد‪ ،‬تظهر لطافة نف�س النبي العربي ال�سورية الأ�صل‪ ،‬ف�إذا جوهرها وجوهر نف�س‬ ‫امل�سيح واحد لأنهما من �أرومة واحدة يف الأ�صل‪ ،‬قبل �أن �صارت القبائل الكنعانية م�ستعربة‬ ‫وهي القبائل العدنانية الكنعانية الأ�صل التي منها النبي حممد‪.‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪73‬‬

‫لينظر القاريء كيف ي ّتحد التعليم املحمدي بالتعليم الي�سوعي ف�إذا هما تعليم واحد ولي�سا‬ ‫تعليمني‪ .‬و�إذا كانت البيئة العربية ال�صحراوية و�أ�ساليب معي�شتها قد اقت�ضت نظراً خا�صاً‬ ‫يق�صر قيد �شعرة عن مرمى الر�سالة‬ ‫بها ف�إن املرمى الأخري املناقبي للر�سالة الإ�سالمية مل ّ‬ ‫امل�سيحية‪ .‬قال حممد يف حديث له ‪�« :‬أو�صاين ربي بت�سع �أو�صيكم بها‪� :‬أو�صاين بالإخال�ص‬ ‫عمن‬ ‫يف ال�سر والعالنية‪ ،‬والعدل يف الر�ضى والغ�ضب‪ ،‬والق�صد يف الغنى والفقر‪ .‬و�أن �أعفو ّ‬ ‫ظلمني و�أعطي من حرمني و�أ�صل من قطعني‪ ،‬و�أن يكون �صمتي فكراً ونطقي ذكراً ونظري‬ ‫عرباً»‪ ،‬ف�إن العفو عن الظلم هو موا ٍز لتحويل اخلد الآخر ملن �ضربك‪ ،‬و�إعطاء من يحرم وو�صل‬ ‫فام�ش معه اثنني ومن طلب مالك فال متنعه‪.‬‬ ‫�سخرك مي ًال ِ‬ ‫من يقطع موازيان لقول امل�سيح من ّ‬ ‫�إذن ال خالف يف جوهر الر�سالة الإ�سالمية وجوهر الر�سالة امل�سيحية‪ .‬وال مغايرة �إال فيما‬ ‫اقت�ضاه اختالف البيئة‪ ،‬ال ما اقت�ضاه ق�صد كل من الر�سالتني‪ ،‬لأنه ال اختالف يف �أن‬ ‫ق�صدهما واحد‪.‬‬ ‫ف�إذا كانت تعاليم امل�سيح تع ّلم اخلنوع واال�ست�سالم والهوان وال�صرب على الظلم‪ ،‬فتعاليم‬ ‫حممد و�آيات القر�آن توافقها على ذلك كل املوافقة‪ .‬وال وجه مطلقاً يجيز القول الذي قاله‬ ‫يف هذا ال�صدد ر�شيد اخلوري‪ ،‬يف حماولة عقيمة لالنت�صار لدين �ضد دين �آخر بت�شويه تعاليم‬ ‫الدينني ون�سبة �أمور �إليهما ال م�ستند �صحيح لن�سبتها �إليهما‪ ،‬ولعن اهلل من �أراد �إيقاظ الفتنة‪.‬‬

‫اهلوامش‬ ‫‪ - 1‬عبداهلل بن عمر البي�ضاوي (تويف ‪1292‬م)‪�« ،‬أنوار التنزيل و�أ�سرار الت�أويل» اجلزء الثالث‪،‬‬ ‫دار الفكر العربي ‪ -‬بريوت‪ ،‬ال�صفحة ‪.195‬‬


‫‪74‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫ضعف اإلدراك من نقص العقل‬ ‫ر�أينا يف ما تقدم من هذا البحث �أن مرمى التعاليم املناقبية امل�سيحية �أبعد كثرياً من احلد‬ ‫الذي يبلغه التفكري والتعليم االنحطاطيان العاجزان عن �إدراك قنن الف�ضائل‪ ،‬ولذلك كان‬ ‫من ال�صعب على النفو�س القانعة بالتفكري والتعليم املذكورين �أن حتاول �إدراكه‪ .‬وهذه‬ ‫ال�صعوبة مل يجدها �صاحب احلار�ضة يف تتبعه تعاليم امل�سيح فقط‪ ،‬بل وجدها يف تتبعه تعاليم‬ ‫حممد �أي�ضاً‪ .‬ولذلك �أغفل �إغفا ًال كلياً ذكر التعاليم الإ�سالمية التي ت�شرتك مع التعاليم‬ ‫امل�سيحية وتك ّون قنة الروحية الإ�سالمية‪ ،‬ف�شواهده من احلديث النبوي كانت قليلة و�ضعيفة‪.‬‬ ‫والأرجح �أنه لي�س له ّاطالع يف هذا الباب الوا�سع‪� .‬أما القر�آن فقد �أغفله باملرة والأرجح �أنه‬ ‫يف هذا الباب �أحد الذين قال القر�آن فيهم‪�{ :‬أفال يتدبرون القر�آن �أم على قلوب �أقفالها}‬ ‫(حممد‪.)24 ،‬‬ ‫ولعل ما يهول ر�شيد اخلوري و�أمثاله‪ ،‬الذين ف�سدت ن�ش�أتهم واختلطت مثالبهم مبناقبهم ف�إذا‬ ‫هي �شيء واحد‪ ،‬من التعاليم امل�سيحية ت�شديد امل�سيح يف وجوب كبح جماح ال�شهوات‬ ‫احليوانية كما يف معاجلته حالة الطالق والزنى‪ .‬فامل�سيح �أراد �أن ُيظهر للمجتمع وخامة عاقبة‬ ‫الظلم الذي ي�أتيه الأفراد والف�ساد الذي يقرتفونه‪ ،‬مت�سرتين بحكم ال�شريعة القائلة �إنه ال‬ ‫ُجناح على من يط ّلق امر�أته ب�شرط �أن يعطيها كتاب الطالق‪ .‬ف�صار الرجال امل�سرت�سلون �إىل‬ ‫ال�شهوات وغري العابئني بامل�ضار التي جتلبها �أعمالهم على املجتمع ي�ستهونون ظلم الن�ساء‬ ‫وتطليقهن لأي �سبب من الأ�سباب الب�سيطة‪ ،‬فتت�أمل الن�ساء ويحدث من وراء ذلك تف�شي‬ ‫الفح�ش وتراخي الروابط العائلية التي هي �أ�سا�س املجتمع‪ .‬فع ّلم امل�سيح بوجوب ترك تطليق‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪75‬‬

‫الن�ساء �إال لعلة الزنى‪ .‬و�شرح تعليمه قائ ًال‪« :‬من طلق امر�أته �إال لعلة الزنى فقد جعلها‬ ‫زانية»(متى‪� ،)32 :5 ،‬أي �أنه يرميها يف التجربة ويحملها على الزنى‪ .‬وقد ال يكون �سبب‬ ‫تطليقها �سوى حجة �ضعيفة يف الظاهر ورغبة باطنة يف تزوج امر�أة �أخرى ا�ستزادة يف التمتع‬ ‫اجل�سدي‪ ،‬من غري نظر يف العواقب االجتماعية وزيادة يف ا�ستهالك القوى احليوية التي كان‬ ‫الأف�ضل �أن ت�صرف يف ال�ش�ؤون العمرانية والثقافية‪.‬‬ ‫�إن هذا التعليم هو ارتقاء يف التعليم التثقيفي املناقبي‪ ،‬وهو �صعب على الذين ن�ش�أت نف�سيتهم‬ ‫على الف�ساد‪ ،‬كما هو �صعب القتال على الذين يف قلوبهم مر�ض‪ .‬والنفو�س ال�ضعيفة ترتد‬ ‫عن الأمور العالية ال�صعبة‪ ،‬ولكن النفو�س ال�صحيحة تطلب دائماً الأ�سمى مهما يكن من‬ ‫�أمر ال�صعوبات احلائلة دون بلوغه‪ .‬و�إذا كانت الأمم الراقية ال تفت�أ تكرث بعثاتها على قمة جبل‬ ‫�إفر�ست ‪ Everest‬يف جبال هماليا وهي �أعلى قمة يف العامل‪ ،‬مع �أن عل ّو هذه القمة يفتك‬ ‫كل مرة بعدد من �أفراد احلملة‪ ،‬ومع �أن قمة اجلبل لي�ست �سوى قنة مادية كقنن اجلبال‬ ‫الأخرى‪ ،‬فكم هو �أرفع قدراً و�أ�سمى فخراً طلب �أعلى القنن الروحية واملناقبية‪ .‬فقول ر�شيد‬ ‫اخلوري �إن هذا التعليم امل�سيحي «يربط الفطرة بال�سال�سل الثقيلة» هو قول مبني على نظرة‬ ‫انحطاطية يف �ش�ؤون احلياة‪ .‬فهذا التعليم ال «يربط» الفطرة ولكنه يهذبها ويثقفها ويوجه قوتها‬ ‫نحو الأ�سمى‪ .‬والرمح املثقف هو الأ�صح للحرب من الرمح الأعوج‪ .‬وق�صد الثقافة �أو الرتبية‬ ‫هو دائماً تقومي االعوجاج وتوجيه قوى احلياة نحو الأف�ضل‪ .‬هكذا ي�شذب الك ّرام ال�سوري‬ ‫الكرمة فيقطع بع�ض فروعها ويطمر بع�ض الفروع الأخرى‪ ،‬فيكون من وراء هذا الت�شذيب‬ ‫والتثقيف �أن مقداراً غري ي�سري من حيوية الكرمة يتحول من تغذية فروع م�سرت�سلة �إىل فطرتها‬ ‫العدمية اجلدوى �إىل تغذية الفروع املثمرة‪ ،‬فتزداد غلة الكرمة �أ�ضعافاً‪ .‬والرجل الذي يتحول‬ ‫مقدار غري ي�سري من حيويته عن تغذية ال�شهوات الفطرية �إىل الأعمال املفيدة من ميكانيكية‬ ‫و�صناعية وزراعية وعلمية و�أدبية وفنية واجتماعية واقت�صادية ال يكون قد خ�سر قوته‪ ،‬بل‬ ‫نن�س �أن امل�سيح تك ّلم بنا ًء على �أن كيان العائلة‬ ‫تكون قد حتولت �إىل الأنفع للمجتمع‪ .‬وال َ‬ ‫عم املجتمع‬ ‫املعروف يف �سورية هو �أ�سا�س املجتمع‪ .‬وهذا الأ�سا�س العائلي ال�سوري هو الذي ّ‬ ‫املتمدن‪ ،‬ففكرة العائلة هي يف �أ�سا�س فكرة امل�سيح يف الزواج والطالق والزنى‪.‬‬


‫‪76‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫و�إذا رجعنا �إىل احللقات الأوىل من هذا الدر�س التي تو�ضح لنا نف�سية ر�شيد �سليم اخلوري‬ ‫وجدنا �أن مثل هذا التعليم‪� ،‬سواء �أكان ي�سوعياً �أو حممدياً‪ ،‬ال يوافق نف�سيته ومن هم على‬ ‫�شاكلته‪ .‬فر�شيد اخلوري بلغ من احليوانية‪ ،‬يف ق�صيدته التي يقول فيها‪« :‬من ذاق �شهدك مل‬ ‫�سمك»‪ ،‬مبلغاً ي�ستهجنه �أي فتى �أو فتاة ن�ش�أ يف بيئة متمدنة‪ ،‬ف�ض ًال عن �أي رجل‬ ‫يخف من ّ‬ ‫�أو امر�أة من بيئة راقية‪.‬‬ ‫كل نف�س تهذبت ّ‬ ‫وحل فيها ال�شعور االن�ساين حمل االح�سا�س احليواين ال تتمالك �أن تق ّز‬ ‫من و�صف ر�شيد اخلوري لكيفية �إكراه فتاة على «جتديد عهد �صباه» واحتقاره �شعور تلك‬ ‫الفتاة وا�ستهزائه بها‪ .‬و�سواء �أكانت احلادثة التي ي�صورها واقعية �أو ت�صويرية فهي تدل على‬ ‫مثالب نف�سية بالغة يف االنحطاط‪ .‬ف�إن احليوانات على �أنواعها ال حتتقر ذكورها �إناثها وال‬ ‫تعاملها على الكيفية التي ت�صورها لنا �أبيات اخلوري بقوله‪:‬‬ ‫فرنوت مغ�ضبة �إ ّ‬ ‫�سهم فوا�شوق الف�ؤاد ل�سهمك‬ ‫يل ف�صابني ‬ ‫من ذاق �شهدك مل يخف من �س ّمك‬ ‫يا نحلة دون ا لأزاهر هجتها ‬ ‫بر�ضاك عني تارة وبرغمك‬ ‫ال بدع �أن جددت يل عهد ال�صبا ‬ ‫وال بدع �أن ال ترى النف�سية الظاهرة يف هذه الأبيات التعليم امل�سيحي �إال �أنه قيد «يربط‬ ‫الفطرة بال�سال�سل الثقيلة ويخنق الطموح»‪ .‬فال �شك �أن العمل بالقاعدة �أو العقيدة املناقبية‬ ‫امل�سيحية يربط الفطرة اجلاحمة غري املثقفة ويخنق الطموح االنحطاطي ال�شهواين املتدهور �إىل‬ ‫ما دون احليوانية‪.‬‬ ‫وقد ر�أينا يف احللقتني ال�سابقتني بطالن ادعاء اخلوري �أن التعاليم امل�سيحية تع ّلم اخلنوع‬ ‫والهوان والذل‪ .‬ون�ضيف �إىل ما تقدم‪ ،‬يف هذا ال�صدد‪ ،‬هذا املذهب‪:‬‬ ‫�إن الذي يت�ساهل يف حقوقه طوعاً‪ ،‬ال كرهاً ال يكون ذلي ًال وال يتعود الهوان‪ ،‬بل يكون عزيزاً‬ ‫كبري النف�س‪ .‬فالهوان يكون بالت�سليم واالذعان املكره عليهما عن عجز وجنب‪ .‬ولي�س هذا‬ ‫�ش�أن املت�سامح اختياراً وطوعاً من �أجل غاية نبيلة‪ .‬فهذا ي�شعر �أنه عفا عن مقدرة‪ ،‬لأنه كان يف‬ ‫و�سعه �أن ينتقم �أو �أن يحا�سب الظامل على ظلمه اجلاهل‪ .‬و�إن يف الت�سامح يف احلقوق الفردية‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪77‬‬

‫من �أجل مبد�أ اجتماعي عام من البطولة ما يفوق كثرياً ما يف امت�شاق احل�سام لغ�ضبة جاهلة‪.‬‬ ‫ولكن املفكرين ال�سطحيني ال يرون قوة هذا املبد�أ وفالح املجتمع العامل به‪ ،‬ولذلك يعزو‬ ‫ر�شيد اخلوري التقدم العمراين عند ال�شعوب امل�سيحية �إىل «خمالفة امل�سيحيني تعاليم الإجنيل‬ ‫ال�س َّنة الطبيعية التي �أمر ال�شارع الإ�سالمي العظيم باتباعها»‪ .‬وهو يقول �أي�ضاً‪:‬‬ ‫وجريهم على ُ‬ ‫«ولي�س ت�أخر امل�سلمني اليوم بناجم عن ف�ساد يف دينهم يعوقهم عن التقدم بل عن تركهم‬ ‫نهجه ال�سوي وتخ ّلقهم مبا كان ينبغي �أن يتخ ّلق به امل�سيحيون‪ .‬فتقدم امل�سيحية اليوم وت�أخر‬ ‫امل�سلمني هو نتيجة تبادلهما العقيدة‪ ،‬وعمل كل امل ّلتني بدين الأخرى �إىل حد بعيد‪ .‬امل�سيحي‬ ‫الغربي يج ّرد �سيف الر�سول وامل�سلم ال�شرقي يرفع راية امل�سيح البي�ضاء ويحمل �صليبه �إىل‬ ‫اجللجلة‪ ،‬مباركاً العنيه‪ ،‬حمباً �أعداءه‪ ،‬حم�سناً �إىل الذين ي�سيئون �إليه‪ ،‬يلطم على خده الأي�سر‬ ‫وي�سخر للم�شي مي ًال واحداً فيم�شي ع�شرة على رجل‬ ‫فيحول الأمين وجبينه وقذاله �أي�ضاً ّ‬ ‫واحدة متادياً يف الطاعة و�سحق النف�س»‪.‬‬ ‫هذه هي الزبدة املناقبية «للبحث الديني ا�سماً واالجتماعي فع ًال» التي ا�ستخرجها ر�شيد‬ ‫اخلوري يف حار�ضته‪ ،‬ليتخذها م�ستنداً لإثارة الفتنة الدينية وحتري�ض املتع�صبني‪ ،‬وملحاولة قتل‬ ‫الع�صبية القومية الآخذة يف ت�أليف قلوب �أبناء �سورية ليكونوا مثا ًال لغريهم من الأمم التي �أقعدها‬ ‫التع�صب الديني امل�ش�ؤوم عن طلب املجد القومي‪ ،‬فيتخل�ص منها ر�أ�ساً �إىل هذا القول الأثيم‪:‬‬ ‫«�أما ترون جمود امل�سلمني وقد قتل �إخوانهم تقتي ًال ّ‬ ‫ونكل بهم تنكي ًال وا�ستبيحت حمارمهم‬ ‫وهتكت �أعرا�ض بنيهم وبناتهم و�أخرجوا من ديارهم‪ ،‬ووهبت مقد�ساتهم ملكاً ل�شُ ّذاذ الآفاق‬ ‫من اليهود الذين هم �أول و�آخر من عادى نبيهم و�آله وذريته؟ �أفما �أخلد امل�سلمون �إىل �أكرث‬ ‫من �سكون امل�سيح وناموا على �أ�شد من �ضيمه وفاقوه يف حمبة �أعدائهم فوالوهم على �أهلهم‬ ‫و�إخوانهم فتخاذلوا فف�شلوا وذهبت ريحهم‪ ،‬و�أطمعوا بهم �صليبيي هذا الزمان حتى لو خرقوا‬ ‫لهم حرمة الكعبة وحطموا احلجر وطمروا البئر ون�سفوا عرفات وت�صرفوا ب�أوراق امل�صحف‬ ‫و�سطوا على قرب النبي (�صلى اهلل عليه و�سلم) فبعرثوا عظامه‪ ،‬ملا �صعد الدم �إىل ر�ؤو�سهم وال‬ ‫حميت �أنوفهم وقبعوا ملوكاً و�أمراء ورعايا �ساكتني كمن مل يع ِنهم �شيء من الأمر»‪.‬‬


‫‪78‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫هذا الكالم التع�صبي اجلاهل املثري الفتنة العمياء هو الغر�ض الأخري الكلي للحار�ضة التي‬ ‫�سماها اخلوري حما�ضرة‪ ،‬وللخطب التهييجية التي بد�أها اخلوري منذ ب�ضع �سنوات ومهد‬ ‫لها ببع�ض ق�صائده‪ .‬كل ذلك ليقب�ض ر�شيد اخلوري املال املتفق عليه مع بع�ض امل�ؤ�س�سات‬ ‫الدينية الإ�سالمية‪ ،‬على ما ي�ستنتج من مقال ملدير «�سورية اجلديدة» الذي رد على بع�ض‬ ‫ت ّرهات اخلوري حال ظهورها‪.‬‬ ‫لوال انحطاط امل�ستوى العلمي والثقايف العام عند عامة ال�سوريني وال�سواد الأعظم من‬ ‫خا�صتهم ملا وجدنا حاجة بنا للنظر يف هذا القول الهراء والبحث فيه بحثاً جدياً‪ .‬ف�إن من �أ�شد‬ ‫الأمور عنا ًء للعامل �أن ي�ضطر �إىل مناق�شة جاهل‪ .‬فتجاه هذا الكالم البعيد كل البعد عن كل‬ ‫�شرط من �شروط العلم و�شروط املحا�ضر واملحا�ضرة‪ ،‬كما ب ّينا ذلك يف احللقة الثانية ع�شرة‬ ‫(احللقة الأوىل بالرتتيب اجلديد) من هذا الدر�س‪ ،‬يكاد ال يقف منطق وال تثبت حكمة وال‬ ‫ي�صمد علم‪ ،‬لأنه كالم غر�ضه الفتنة املق�صودة‪ ،‬ال العلم‪ .‬وقد قالوا‪�« :‬إذا �أردت �أن تفحم عاملاً‬ ‫ف�أح�ضره جاه ًال»‪ .‬ويف ذلك قال حممد‪« :‬ويل لعامل �أمر من جاهله»‪ .‬ولو كان لر�شيد اخلوري‬ ‫�شيء من العلم ال�صحيح بحديث النبي العربي و�شيء من فهم العامل لكان كفانا م�ؤونة هذا‬ ‫العناء‪.‬‬ ‫ال يوجد يف هذا الزمان �صليبيون وهالليون يقتتلون من �أجل حيازة قرب امل�سيح ومكان والدته‪،‬‬ ‫�أو من �أجل «خرق حرمة الكعبة وحتطيم احلجر وطمر البئر ون�سف عرفات والت�صرف ب�أوراق‬ ‫امل�صحف وال�سطو على قرب النبي»‪ ،‬كما يقول اخلوري الدجال‪ ،‬بل يوجد �أمم ناه�ضة وثّقت‬ ‫�أوا�صر وحدتها القومية بالتعاليم امل�سيحية التي ي�شرتك فيها الإ�سالم‪ ،‬وبحثت عن �أ�سباب‬ ‫ترقية عمرانها ال عن �أ�سباب ن�صرة دينها بال�سيف‪ .‬وهذه الأمم الناه�ضة ال تفرق يف �سعيها‬ ‫لعزها وجمدها بني م�سلم ون�صراين‪ .‬و�إن من در�س احلروب الأخرية وجد �أنها كانت فيما بني �أمم‬ ‫م�سيحية �أكرث كثرياً مما كانت بني �أمم م�سيحية وغري م�سيحية‪ .‬فمنذ عهد الفتوحات الإ�سالمية‬ ‫التي ولدت الفتوحات ال�صليبية �أخذ التفكري القومي ي�سيطر رويداً رويداً على جمرى حياة‬ ‫ال�شعوب و�أخذ النا�س يدركون �أن فر�ض �أحد الأديان على النا�س بالقوة ال بد �أن يجد حداً‬ ‫يقف عنده‪ .‬ولقد امتدت الفتوحات الإ�سالمية �إىل �إ�سبانية وحدود فرن�سة بقوة اال�ستمرار‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪79‬‬

‫ولكنها انك�سرت هناك واندحرت وتراجعت �إىل �إفريقية‪ .‬وقد جرى ذلك للم�سلمني وهم‬ ‫يف �إبان اعتزازهم «ب�سيف الر�سول» وعملهم «بالنهج ال�سوي لدينهم»‪ .‬فكيف حدث ذلك‬ ‫يعده اخلوري «نهج الإ�سالم ال�سوي»؟‬ ‫للم�سلمني وهم �آخذون بنهج ال�سيف الذي ّ‬ ‫حدث اندحار امل�سلمني لل�سبب عينه الذي حدث به اندحار �أمم ودول م�سيحية �أمام جيو�ش‬ ‫امل�سلمني الأوىل‪ .‬وهذا ال�سبب هو ترك التعاليم امل�سيحية امل�صادق عليها من الإ�سالم الذي‬ ‫يقول هو �أي�ضاً بها‪ .‬ففي �سورية مث ًال كان الف�ساد املناقبي الذي ج ّره ت�سلط الروم على البالد‬ ‫من �أهم العوامل التي جعلت البالد ت�سقط يف يد اجليو�ش العربية الإ�سالمية‪ .‬والدولة‬ ‫الرومية نف�سها كان ي�ضج فيها الف�ساد املناقبي �ضجيجاً‪ ،‬فانتفى الت�ساهل من بني النا�س‬ ‫وكرثت الأحقاد وال�ضغائن حتى بني قواد اجلي�ش والرهبان والق�س�س‪ ،‬وانت�شر الزنى الذي‬ ‫ولد احلفائظ‪ ،‬فا�شتدت املناف�سات وطلبت الأحقاد االنتقام بجميع الو�سائل‪ ،‬حتى �إنه ندر �أن‬ ‫جرت معركة من املعارك الكربى يف �سورية �إال وكانت اخليانات االنتقامية وعوامل احلقد‬ ‫واملزاحمة من الأ�سباب الرئي�سية الندحار اجليو�ش ال�سورية والرومية �أو اجليو�ش امل�سيحية‬ ‫�أمام اجليو�ش العربية �أو اجليو�ش الإ�سالمية‪.‬‬ ‫�إن ما ن�ؤكده يف ما تقدم لي�س من باب التخر�صات �أو الرجم بالغيب‪ ،‬بل من فوائد مدونات‬ ‫التاريخ‪ .‬فقد �أثبت الواقدي‪ ،‬بالإ�سناد �إىل الذين ح�ضروا الوقائع من �أبطال امل�سلمني‪� ،‬أن فتح‬ ‫ب�صرى كان بخيانة البطريق روما�س ذي الأمر عليها ف�إنه خرج يطلب املبارزة مع �أمري العرب‬ ‫فخرج �إليه خالد بن الوليد فخاطبه روما�س و�أظهر ميله �إىل خيانة جماعته فعر�ض عليه خالد‬ ‫الإ�سالم ف�أ�سلم‪ ،‬وبعد ذلك تظاهر خالد وروما�س بالقتال ليخدعا اجلي�ش ال�سوري ـ الرومي‬ ‫فال ي�شك �أحد يف �أمر روما�س‪ ،‬وبعد معركة النهار بني اجلي�شني خرج روما�س متخفياً وجاء‬ ‫جي�ش امل�سلمني وطلب مقابلة خالد بن الوليد ف�أُخذ �إليه فقال له‪�« :‬أيها الأمري بعد �أن فارقتك‬ ‫طردين قومي وقالوا �إلزم ق�صرك و�إال قتلناك فلزمت ق�صري وهو مال�صق لل�سور وملا وقع لهم‬ ‫جن الليل �أمرت غلماين بحفر ال�سور وفتحوا فيه باباً ف�أتيتك‬ ‫ما وقع وانهزموا حت�صنوا فلما ّ‬ ‫ف�أر�سل معي من تعتمد عليه من �أ�صحابك ت�ستلمون املدينة»! فلما �سمع خالد هذا الكالم‬ ‫�أمر عبد الرحمن بن �أبي بكر �أن ي�أخذ مئة من امل�سلمني وي�سري مع روما�س‪ ،‬قال �ضرار بن‬


‫‪80‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫الأزور‪« :‬وكنت ممن دخل املدينة فلما �صرنا يف ق�صر روما�س فتح لنا خزانة ال�سالح فلب�سنا من‬ ‫�سالحهم وق�سمنا �أربعة �أق�سام‪� ،‬إلخ»( )‪.‬‬ ‫وكان فتح خالد بن الوليد لدم�شق �شبيهاً بفتحه ب�صرى‪ .‬وقد ذكرنا يف حلقة �سابقة �أن ذلك‬ ‫كان بخيانة ق�سي�س يدعى يون�س‪ .‬ذكر الواقدي �أنه‪« :‬ملا كانت تلك الليلة (ليلة �صلح دم�شق‬ ‫مع �أبي عبيدة) نقب يون�س من داره وحفر مو�ضعاً وخرج على حني غفلة من �أهله و�أوالده‬ ‫وق�صد خالداً وحدثه �أنه خرج من داره وحفر مو�ضعاً وقال‪« :‬والآن �أريد �أماناً يل ولأهلي‬ ‫ولأوالدي»‪ ،‬ف�أخذ خالد عهده على ذلك وانفذ معه مئة رجل من امل�سلمني �أكرثهم من‬ ‫ِحميرَ »( )‪.‬‬ ‫و�إن �أ�سو�أ ما حدث من اخليانات ب�سبب الف�ساد املناقبي هو ما كان يف معركة الريموك يف يوم‬ ‫التعوير‪ ،‬و�إليك حكايته نق ًال عن الواقدي( )‪:‬‬ ‫«قال الواقدي رحمه اهلل تعاىل‪:‬‬ ‫«حدثني �أبو عبيدة عن �صفوان بن عمرو بن عبد الرحمن بن جبري �أن �أبا اجلعيد كان رئي�ساً‬ ‫من ر�ؤ�ساء �أهل حم�ص فلما اجتمعت الروم على امل�سلمني يف الريموك دخلوا على حم�ص‬ ‫ت�سمى الزراعة وكان �أبو اجلعيد هذا قد جعلها م�سكنه لطيب هوائها ومائها‬ ‫ونزلوا يف بلدة ّ‬ ‫وانتقل من حم�ص �إليها‪ .‬فنزل ع�سكر الروم على زراعة عنده وكان فيها عر�س لأبي اجلعيد‬ ‫وزوجته تزف �إليه يف تلك الليلة‪ .‬قال فتكلف �أبو اجلعيد ب�ضيافة الروم و�أكرمهم و�أطعمهم‬ ‫و�سقاهم اخلمر فلما فرغوا من �أمورهم قالوا‪ :‬هات امر�أتك �إلينا‪ ،‬ف�أبى ذلك و�س ّبهم ف�أبوا �إال‬ ‫�أخذ العرو�س فلما �ش ّنع عليهم بذلك عمدوا �إىل العرو�س و�أخذوها كرهاً منه وعبثوا بها بقية‬ ‫ليلتهم (وعلى طريقة ر�شيد اخلوري تركوها كالعقد النثري على الرثى)‪ .‬فبكى �أبو اجلعيد‬ ‫من حزنه ودعا عليهم فقتلوا �أوالده وكان له ولد من زوجة غريها(!)‪ .‬قال ف�أقبلت �أم الفتى‬ ‫ف�أخذت ر�أ�س ولدها يف خمارها و�أقبلت �إىل مقدم ذلك اجلي�ش ورمت الر�أ�س �إليه و�شكت‬ ‫حالها وقالت‪« :‬انظر ما �صنع �أ�صحابك بولدي فخُ ذ بحقي» فلم يعب�أ بكالمها‪ .‬فقالت له �أم‬ ‫الفتى‪« :‬واهلل لنن�صرن العرب عليكم» ورجعت وهي تدعو عليه فما كان �إال ي�سرياً حتى‬ ‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪81‬‬

‫هلكوا يف �أيدي امل�سلمني‪ .‬قال فلما كان يوم الريموك بعدما قتل الن�سطور �أتى �أبو اجلعيد �إىل‬ ‫ع�ساكر امل�سلمني وقال خلالد‪« :‬اعلم �أن هذا اجلي�ش النازل ب�إزائكم جي�ش عظيم ولو �س ّلموا‬ ‫�أنف�سهم �إليكم للقتل ملا فرغتم من قتلهم �إال يف املدة الطويلة ف�إن كدتهم لكم يف هذه الليلة‬ ‫مبكيدة تظفرون بها عليهم ماذا تعطوين؟» قالوا‪ :‬نعطيك كذا وكذا وال ت�ؤدي جزية �أنت‬ ‫وولدك و�أهل بيتك ونكتب لك ذلك عهداً �إىل �آخر عقبك‪ .‬فلما ا�ستوثق منهم لنف�سه م�ضى‬ ‫�إىل الروم وهم ال يعلمون و�أتى �إىل وا ٍد عظيم مملوء ماء ف�أنزل الروم �إىل جانبه وقال لهم‪�« :‬إن‬ ‫هذا املنزل به العرب و�أنا �س�أكيد لكم العرب مبكيدة يهلكون بها»‪ .‬قال رجل‪« :‬الناقو�صة فيما‬ ‫بني الروم والعرب» ومل يعلم �أحد ما عمقها‪ ،‬فلما كان يوم التعوير وعلم �أبو اجلعيد �أن الن�صر‬ ‫للعرب و�أن العرب هم املن�صورون(؟!) جاء �أبو اجلعيد �إىل �أبي عبيدة فوجده يطوف تلك‬ ‫الليلة هو وجماعة من امل�سلمني املهاجرين فقال لهم‪« :‬وما قعودكم؟» قالوا‪« :‬وما ن�صنع؟»‬ ‫قال‪�« :‬إذا كان ليلة غد ف�أكرثوا من النريان»‪ .‬ثم رجع �إىل الروم لين�صب عليهم حيلة‪ .‬فلما‬ ‫كانت الليلة الثانية �أوقد امل�سلمون �أكرث من ع�شرة �آالف نار فلما ا�شتعلت النريان �أقبل �إليهم‬ ‫�أبو اجلعيد فقالوا‪�« :‬أ�شعلنا النريان كما �أردت فما بعد ذلك؟» قال‪�« :‬أريد منكم خم�سمئة‬ ‫رجل من �أبطالكم حتى �أ�شري عليهم مبا ي�صنعون»‪ ،‬فاختاروا من امل�سلمني خم�سمئة رجل‬ ‫من جملتهم �ضرار بن الأزور وعيا�ض ورافع وعبد اهلل بن ي�سر وعبد اهلل بن �أو�س وعبد اهلل‬ ‫بن عمر وعبد الرحمن بن �أبي بكر وغامن بن عبد اهلل ومثل ه�ؤالء ال�سادات‪ .‬فلما اجتمعوا‬ ‫�سار بهم �أبو اجلعيد على غري املخا�ضة وق�صد بهم ع�سكر الروم فلما كادوا يخالطونهم �أخذ �أبو‬ ‫اجلعيد منهم رجا ًال ودلهم على املخا�ضة‪ ،‬ومل يكن يعلم بها �أحد �سواه ممن �سكن الريموك‪،‬‬ ‫وقال لهم‪« :‬ناو�شوهم احلرب ثم انهزموا ودعوين و�إياهم»‪ ،‬ففعلوا ذلك و�صاحوا فيهم وحملوا‬ ‫ثم انهزموا قدامهم نحو املخا�ضة‪ .‬فعند ذلك �صاح �أبو اجلعيد برفيع �صوته‪« :‬يا معا�شر الروم‪،‬‬ ‫دونكم ومن انهزم! فه�ؤالء امل�سلمون قد �أوقدوا نريانهم وعولوا على احلرب»‪ ،‬قال‪« :‬ف�أقبلت‬ ‫الروم على حال عجلة يظنون �أن ذلك حق‪ ،‬فبع�ضهم ركب جواده عرياناً وبع�ضهم راجل‬ ‫و�ساروا يف طلب املنهزمني و�أبو اجلعيد يعدو بني �أيديهم �إىل �أن �أوقفهم على الناقو�صة وقال‬ ‫لهم‪« :‬هذه املخا�ضة دونكم و�إياهم»‪ ،‬ف�أقبلوا يت�ساقطون يف املاء ت�ساقط اجلراد حتى هلك يف‬


‫‪82‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫املاء ما ال يعد وال يح�صى عدداً وال يدركه جنان‪ ،‬ف�سمتها العرب الناقو�صة لنق�ص الروم‬ ‫(اجليو�ش ال�سورية ـ الرومية)»‪.‬‬ ‫هذه الرواية امل�أخوذة عن م�صدر من �أهم امل�صادر الإ�سالمية تظهر بجالء �أنه مل يكن ينق�ص‬ ‫امل�سيحيني نهج ال�سيف‪ ،‬و�أن ف�شلهم مل يكن ب�سبب تعاليم دينهم‪ ،‬بل على العك�س‪ ،‬ب�سبب‬ ‫تركهم التعاليم املناقبية ال�سامية التي ا�شرتك فيها الإ�سالم مع امل�سيحية‪ .‬فقد ا�ستظهرت‬ ‫اجليو�ش ال�سورية ـ الرومية على جيو�ش العرب يف يوم الريموك عدة مرات حتى و ّلت هذه‬ ‫الأدبار ومل ترجع �إىل احلرب �إال حتت عامل ا�ستغاثة ن�ساء امل�سلمني‪ ،‬ولكن الف�ساد املناقبي‬ ‫الداخلي كان �أفعل من جميع �سيوف العرب يف تقرير م�صري معركة الريموك‪.‬‬ ‫�إن �أ�سباب �سقوط �سورية هي عينها �أ�سباب �سقوط �إ�سبانية‪ .‬و�أ�سباب انت�صار �شارل مارتل‬ ‫[�سنة ‪732‬م يف موقعة تور] على اجليو�ش الإ�سالمية هي �أن تعاليم املحبة والت�ساهل يف‬ ‫احلقوق الفردية جعلت اجلي�ش الفرن�سي لذلك العهد يداً واحدة على اجلي�ش الإ�سالمي‪.‬‬ ‫و�أ�سباب اندحار امل�سلمني يف ما بعد كانت عم ًال بالإعتماد على ال�سيف فقط وترك التعاليم‬ ‫الإ�سالمية التي هي من نوع روح التعاليم امل�سيحية‪ .‬فلما ترك امل�سلمون الرتاحم بينهم‬ ‫ّ‬ ‫وحكموا ال�سيف يف كل �أمورهم ان�شقوا وتخاذلوا‪ ،‬ومل يكن تخاذلهم وحده �سبب �سقوطهم‪،‬‬ ‫�إذ هناك �سبب مبد�أي �آخر وهو �أن فر�ض العقائد بالقوة له حد يقف عنده و�أن �أف�ضل الطرائق‬ ‫لن�شر العقائد بني ال�شعوب املتمدنة هو الإقناع ب�صحتها ولي�س الإكراه عليها‪.‬‬ ‫و�إن �أ�سباب جمود �أمم العامل العربي حتى الأم�س مل تكن عائدة �إىل ترك ال�سيف‪ ،‬بل �إىل‬ ‫ترك تعاليم املحبة والت�ساهل والدفع بالتي هي �أح�سن وعمل امل�سلمني ببع�ض الآيات من‬ ‫كتابهم وترك العمل بالآيات الأخرى‪ .‬ف�إن بع�ض الذين ال يتدبرون القر�آن من امل�سلمني‬ ‫ال يفت�أون يحر�ضون الغوغاء مبثل هذه الآيات القر�آنية‪{ :‬يا �أيها الذين �آمنوا قاتلوا الذين‬ ‫يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا �أن اهلل مع املتقني}(التوبة‪{ .)123 ،‬قاتلوا‬ ‫الذين ال ي�ؤمنون باهلل وال باليوم الآخر وال يح ّرمون ما ح ّرم اهلل ور�سوله وال يدينون دين احلق‬ ‫(الإ�سالم) من الذين �أوتوا الكتاب حتى يعطوا اجلزية عن يد وهم �صاغرون}(التوبة‪.)29 ،‬‬ ‫{لقد كفر الذين قالوا �إن اهلل ثالث ثالثة وما من �إله �إال �إله واحد و�إن مل ينتهوا عما يقولون‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪83‬‬

‫ليم�س ّن الذين كفروا منهم عذاب �أليم}(املائدة‪{ .)73 ،‬يا �أيها النبي ح ّر�ض امل�ؤمنني على‬ ‫َّ‬ ‫القتال}(الأنفال‪{ .)65 ،‬ما كان لنبي �أن يكون له �أ�سرى حتى يثخن يف الأر�ض}(الأنفال‪،‬‬ ‫‪ .)67‬فن�سي امل�سلمون الآيات الأخرى املتفقة مع التعاليم امل�سيحية كهذه الآيات‪{ :‬ولكل‬ ‫�أمة ر�سول ف�إذا جاء ر�سولهم ق�ضى بينهم بالق�سط وهم ال يظلمون}(يون�س‪{ .)47 ،‬ولو �شاء‬ ‫ربك لآمن من يف الأر�ض كلهم جميعاً �أف�أنت تكره النا�س حتى يكونوا م�ؤمنني}(يون�س‪،‬‬ ‫‪{ .)99‬وال جتادلوا �أهل الكتاب �إال بالتي هي �أح�سن �إال الذين ظلموا منهم وقولوا �آمنا بالذي‬ ‫�أنزل �إلينا و�أنزل �إليكم و�إلهنا و�إلهكم واحد ونحن له م�سلمون}(العنكبوت‪.)46 ،‬‬ ‫فلو عمل امل�سلمون بروح هذه الآيات املكية التي نزلت يف جو جهاد روحي غري م�ضطرب‬ ‫بجهاد ال�سيف والغزو‪ ،‬يتفق مع �سري العمل الفكري الروحي بني الأمم املتمدنة لوجدت الأمم‬ ‫العربية اليوم متحدة كل منها يف داخلها احتاداً قومياً متيناً ال جمال فيه للأحقاد وال�ضغائن‬ ‫واملفا�سد التي جترها والويالت التي جتلبها‪.‬‬ ‫و�إذا كان الإ�سالم قد اتخذ ال�سيف و�سيلة لن�شر الر�سالة يف ال ُعربة حيث جمال الفكر �أ�ضيق‬ ‫من ُ�س ّم اخلياط( )‪ ،‬فهو مل يجعل ال�سيف غر�ضه‪ .‬و�أعظم جناح �أ�صاب امل�سلمني‪ ،‬حني كانت‬ ‫اجلامعة الدينية �أقوى جامعة‪ ،‬كان حني نفى امل�سلمون ال�سيف من بينهم وعملوا بالتعاليم‬ ‫م�صدقاً لها ب�آيات كهذه الآية‪{ :‬حممد ر�سول اهلل والذين معه‬ ‫امل�سيحية التي جاء النبي ّ‬ ‫�سجداً يبتغون ف�ض ًال من اهلل ور�ضواناً �سيماهم يف‬ ‫�أ�شداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ُر ّكعاً ّ‬ ‫وجوههم من �أثر ال�سجود ذلك مثلهم يف التوراة ومثلهم يف الإجنيل}(الفتح‪ .)29 ،‬فالرتاحم‬ ‫الداخلي هو �أ�سا�س كل جمتمع يريد �أال يخرب وهذا هو التعليم امل�سيحي الكلي‪ .‬فامل�سيح‬ ‫ع ّلم املحبة ملنع االنق�سام‪ ،‬لأن «كل مملكة تنق�سم على ذاتها تخرب وكل بيت ينق�سم على ذاته‬ ‫ي�سقط»(لوقا‪ .)17 :11 ،‬والتعليم املحمدي مل يحد قيد �شعرة عن التعليم الي�سوعي‪ ،‬ف�سيف‬ ‫حممد كان لتعزيز العقيدة وهذه هي الطريقة امل�سيحية عينها‪ ،‬فامل�سيح قال‪�« :‬إين جئت لألقي‬ ‫ناراً على الأر�ض وما �أريد �إال ا�ضطرامها‪ .‬ويل �صبغة �أ�صطبغ بها وما �أ�شد ت�ضايقي حتى تتم‪.‬‬ ‫�أتظنون �أين جئت لألقي على الأر�ض �سالماً‪� .‬أقول لكم كال بل �شقاقاً (�سيفاً)»(لوقا‪:12 ،‬‬ ‫‪ .)51 - 49‬فامل�سيح قال بوجوب اجلهاد يف �سبيل العقيدة ولكنه خاطب �أبناء بيئته بلغتهم‬ ‫‪4‬‬


‫‪84‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫فال�سيف الذي جاء ليلقيه هو �سيف العقيدة الروحي‪ .‬وهذا وا�ضح من قوله مردفاً‪« :‬ف�إنه من‬ ‫الآن �سيكون خم�سة يف بيت واحد ي�شاق ثالثة منهم اثنني واثنان ثالثة ي�شاق الأب الإبن‬ ‫والإبن الأب والأم البنت والبنت الأم واحلماة كنتها والكنة حماتها»(لوقا‪.)53 - 52 :12 ،‬‬ ‫وهذا ال�شقاق هو عراك فكري يف �سبيل االقناع ولي�س قتا ًال بال�سيف والرمح‪ .‬ذلك �أن العراك‬ ‫الفكري هو الأكرث انطباقاً على الأمم املتمدنة ك�سورية‪� .‬أما يف بالد العرب فالعراك الفكري يف‬ ‫الأمور العقائدية ال �سبيل �إليه ولذلك مل يكن بد من االلتجاء �إىل القتال بال�سيف والرمح‪.‬‬ ‫والآيات القر�آنية توافق هذا املذهب‪ .‬ومنها ما �سبق �إثباته يف هذا البحث ومنها يف القر�آن‬ ‫كثري كهذه الآية‪{ :‬وما �أر�سلنا من ر�سول �إال بل�سان قومه ليبني لهم ّ‬ ‫في�ضل اهلل من ي�شاء‬ ‫ويهدي من ي�شاء وهو العزيز احلكيم}(�إبراهيم‪ .)4 ،‬و�إذا رجعنا �إىل �سورة الفتح التي �أخذنا‬ ‫منها الآية القائلة‪{ :‬حممد ر�سول اهلل والذين معه �أ�شداء على الكفار رحماء بينهم}(الفتح‪،‬‬ ‫‪ )29‬وجدنا �أن الآيات الأخر تثبت �أن طبيعة البيئة هي التي �أوجبت هذه احلزبية الدينية‬ ‫ال�شديدة‪ .‬فهنالك الآية‪�{ :‬إذ جعل الذين كفروا يف قلوبهم احلمية حمية اجلاهلية ف�أنزل‬ ‫اهلل �سكينته على ر�سوله وعلى امل�ؤمنني و�ألزمهم كلمة التقوى وكانوا �أحق بها و�أهلها وكان‬ ‫اهلل بكل �شيء عليماً}(الفتح‪ ،)26 ،‬فم ّيز القر�آن حالة احلمية وال�شرا�سة وجعل ال�سكينة‬ ‫للم�ؤمنني فيما بينهم مقابل احلمية عند اجلاهلني ولكنه عاد فقال بال�شدة على الكفار‪� ،‬أي‬ ‫مبقابلتهم مبثل �شدتهم ولكن يجب ترك ال�شدة و�إبدال الرحمة بها بني امل�ؤمنني‪.‬‬ ‫بنا ًء عليه ي�صح القول �إن جمود ال�شعوب الإ�سالمية �أو التي �سوادها امل�سلمون لي�س عائداً‬ ‫�إىل عدم الأخذ بال�سيف‪ ،‬بل �إىل �سبب ترك تعاليم الت�ساهل والرتاحم‪ ،‬و�إىل ت�شبث �سواد‬ ‫املتع�صبني فيها باحلزبية الدينية على طراز حزبية ال ُعربة‪ ،‬حزبية القتال والتباغ�ض‪ ،‬و�إىل عدم‬ ‫فهم تعاليم الإ�سالم الروحية التي تتفق كل االتفاق مع تعاليم امل�سيحية و�إىل عدم �إدراك‬ ‫عدد كبري من متعهدي امل�سلمني يف ال�شعوب املتمدنة �أن تقدم الإ�سالم يف البيئات املتمدنة‬ ‫يكون بالقوة الفكرية والناحية الروحية �أكرث مما يكون بقوة ال�سيف والناحية املادية‪.‬‬ ‫�إن اخلبري املتب�صر يف �أ�سباب نهو�ض �أمم و�سقوط �أمم يدرك �أن فالح الأمم امل�سيحية الأوروبية‬ ‫والأمريكية هو نتيجة العمل بتعاليم الت�ساهل واملحبة التي قال بها امل�سيح‪ ،‬و�أيدها الإ�سالم‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪85‬‬

‫يف القر�آن واحلديث‪ ،‬ولي�س برتك هذه التعاليم والعمل بالق�سم املخت�ص بالبيئة العربية من‬ ‫التعاليم الإ�سالمية‪ ،‬الذي �إذا در�سناه در�ساً وافياً ات�ضح لنا �أنه خمت�ص مبا يجب على امل�سلمني‬ ‫من العرب جتاه بقية العرب غري امل�سلمني الذين يناوئون امل�سلمني مناو�أة جماعة جلماعة‪.‬‬ ‫ويجب �أن يكون وا�ضحاً كل الو�ضوح �أن ق�صد التعاليم امل�سيحية هو رفع املناقب الفردية‬ ‫والعائلية‪ ،‬فالت�ساهل الذي ع ّلمه امل�سيح ق�صد به الأفراد ل�سالمة املجتمع وفالحه‪ ،‬ومل يق�صد‬ ‫به �أن يتنازل املجتمع‪� ،‬أي جمتمع‪ ،‬عن حقوقه ال�سيا�سية واالقت�صادية والروحية‪ ،‬لأن هذا‬ ‫التنازل يكون معناه �سقوط املجتمع‪ ،‬ال قيامه‪ ،‬وامل�سيح �أراد قيام املجتمع‪ ،‬ال �سقوطه‪.‬‬ ‫لذلك ال ي�صح مطلقاً ن�سبة اال�ستكانة القومية �إىل امل�سيحيني وتعاليم امل�سيح‪ ،‬كما يريد ر�شيد‬ ‫اخلوري �أن يفهم النا�س‪.‬‬ ‫الد�س و�إثارة الفنت‪ ،‬فلي�ست مقد�سات‬ ‫�أما تخ�صي�صه امل�سلمني يف �أمر اليهود فمن �أ�شد الل�ؤم يف ّ‬ ‫امل�سلمني وحدها هي التي وهبت ل�شُ ّذاذ الآفاق من اليهود‪ ،‬بل مقد�سات امل�سيحيني �أي�ضاً‪.‬‬ ‫ومل يكن نبي امل�سلمني �أول من عاداه اليهود وال �آخر من عادوه‪ ،‬فهم قد عادوا قبله امل�سيح‬ ‫وا�ضطهدوه و�صلبوه وحاربوا �أتباعه‪ .‬وامل�س�ألة الفل�سطينية لي�ست م�س�ألة �إ�سالم ويهود‪ ،‬بل‬ ‫م�س�ألة قومية من الطراز الأول ي�شرتك فيها ال�سوريون امل�سلمون وامل�سيحيون‪.‬‬

‫اهلوامش‬ ‫‪ - 1‬الواقدي‪ ،‬م�صدر �سبق ذكره‪ ،‬ال�صفحة ‪.17‬‬ ‫‪ - 2‬امل�صدر ال�سابق‪ ،‬ال�صفحة ‪.46‬‬ ‫‪ - 3‬امل�صدر ال�سابق‪ ،‬ال�صفحة ‪.138‬‬ ‫‪ - 4‬ثقب الإبرة‪.‬‬


‫‪86‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫بني اجلمود واالرتقاء ‪ -‬ختليط خملّط‬ ‫قلنا يف ختام احللقة ال�سابقة �إن تعاليم امل�سيح املناقبية القائلة بالت�ساهل يف احلقوق الفردية ال‬ ‫تعني مطلقاً ما يفهمه امل�صابون بالعجز الفكري‪ ،‬كر�شيد اخلوري الواغل ب�سف�سطته على العلم‬ ‫والفل�سفة‪ ،‬واخلمول والإ�ستكانة وقبول الذل والت�سليم للظلم‪ ،‬بل على العك�س �إنها تعني‬ ‫�سالمة املجتمع وفالحه‪ .‬وهو نفي اخلمول والذل والظلم بو�ضع قاعدة البطولة االجتماعية‬ ‫املتالئمة مع حالة التمدن ال�سوري الذي �صار �أ�سا�س التمدن العاملي احلديث يف مكان‬ ‫البطولة الفردية �أو القبلية التي هي من خ�صائ�ص ال�شعوب الأولية واملتبدية‪ ،‬والتي ال ت�صلح‬ ‫�أ�سا�ساً لإن�شاء جمتمع‪ ،‬متحد‪ ،‬راقٍ ‪ .‬هذه البطولة االجتماعية هي بطولة الت�ضحية الفردية يف‬ ‫�سبيل خري املجتمع وهي البطولة التي يكت�شفها الدار�س اخلبري يف �صميم النف�سية ال�سورية‬ ‫منذ بدء التاريخ‪ .‬و�إن جذور مبد�أ الت�ضحية الفردية يف �سبيل اخلري العام موجودة يف ت�ضحيات‬ ‫الكنعانيني (ومنهم الفينيقيون) ملولوخ وداغون( ) التي ا�ستفظعها بع�ض الدار�سني‪ ،‬لق�ساوتها‬ ‫املتفقة مع درجة التمدن الأولية ولكنها‪ ،‬يف احلقيقة‪ ،‬متثل مبد�أ فدية املجموع بتقدمي الفرد‬ ‫ذبيحة ت�ضحية من �أجل ا�سرت�ضاء الإله وا�ستعطافه لي�سبغ النعمة على الوطن والأمة‪� .‬إن هذا‬ ‫املبد�أ �أ�سا�سي لكل جمتمع جدير بالبقاء واالرتقاء‪ ،‬الذي ظهر مبظهر وح�شي يف عهد مولوخ‬ ‫هو هو عينه الذي عاد فظهر يف تعاليم امل�سيح مبظهره االن�ساين الراقي اخلال�ص من �أوهام‬ ‫الع�صور القدمية التي كانت يف فجر التاريخ‪.‬‬ ‫وقد الزم مبد�أ الت�ضحية الفردية احل�ضارة ال�سورية يف جميع �أدوارها فكان من �أفعل العوامل يف‬ ‫ازدهارها وامتداد نفوذها وب�سط �سلطان الدول ال�سورية الهك�سو�سية ثم الفينيقية على �شاطيء‬ ‫‪1‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪87‬‬

‫�إفريقية ال�شرقي وال�شمايل‪ ،‬وعلى جزر البحر الأبي�ض املتو�سط وعلى �إ�سبانية و�شاطيء فرن�سة‬ ‫نحو املتو�سط‪ .‬ومن الروايات املدونة عن هذه البطولة االجتماعية يف تاريخ الدول الفينيقية‬ ‫�أن ربان �أحد املراكب التي تك ّون الأ�سطول الفينيقي التجاري عندما ر�أى املراكب الإغريقية‬ ‫الحقة به ت�ص ّور وخامة العاقبة على التجارة الفينيقية من جلب مزاحمني �إغريق �إىل بع�ض‬ ‫فف�ضل الت�ضحية بنف�سه فخرق مركبه و�أغرقه فارتدت املراكب‬ ‫الأ�سواق �أو م�صادر املعادن‪ّ ،‬‬ ‫الإغريقية خا�سرة‪.‬‬ ‫فمبد�أ الت�ضحية الفردية يف �سبيل خري املجتمع هو �أهم مبد�أ مناقبي قام عليه فالح �أي جمتمع‬ ‫متمدن �أو متوح�ش‪ ،‬ولوال هذا املبد�أ ال�سامي ملا �سقط جندي واحد �شهيداً يف �ساحة احلرب‬ ‫دفاعاً عن �شرف �أمته‪� ،‬أو طموحاً �إىل جمد قومي �أو �إىل موارد جديدة للح�ضارة‪ .‬ولوال هذا‬ ‫املبد�أ ملا ع ّر�ض نف�سه طبيب خبري خلطر املوت يف جتربة بع�ض ال�سموم �أو اجلراثيم يف ج�سده‪،‬‬ ‫وملا جازف طيار بحياته بامتحان طيارة وال غوا�ص بامتحان غوا�صة‪ ،‬ولوال هذه الت�ضحيات‬ ‫الفردية ملا حدث هذا التقدم الباهر يف احل�ضارة‪.‬‬ ‫والت�ضحية لي�س لها �شكل واحد لأنها لي�ست حالة �شكلية‪ ،‬بل مبد�أً عاماً‪ .‬فالذي ال تكون‬ ‫الت�ضحية قاعدة عامة عنده ال يعرف البطولة االجتماعية وال ُي ِقدم عليها ففائدته للمجتمع‬ ‫قليلة �أو �سلبية‪ .‬ومن �أ�شكال الت�ضحية ت�ضحية ال�شهوات احلادة وت�ضحية الأنانية العمياء التي‬ ‫ي�سميها �سف�سطائي اخللود ر�شيد اخلوري «تقييداً للفطرة بال�سال�سل الثقيلة»‪ .‬وهذه الت�ضحية‬ ‫�صعبة جداً على الذين مل يرو�ضوا �أنف�سهم على الف�ضائل واندفعوا وراء املثل ال�سفلى‪ .‬ولذلك‬ ‫ي�صف ر�شيد اخلوري امل�سيحية ب�أنها «عدوة نف�سها»‪ ،‬لأنها يف ت�سميته لها «ديانة الت�ضحية» ومن‬ ‫يف�ضل الإ�سالم عليها‪ ،‬لأن الإ�سالم يف عرفه‪ ،‬كما جاء‬ ‫�أجل ذلك يراها عدمية الفائدة‪ .‬وهو ّ‬ ‫يف حار�ضته «دين الفطرة» فيقول فيه‪« :‬فهو يف اعتقادي موجود قبل وجوده �أي قبل ظهور‬ ‫الدعوة وما حممد بن عبد اهلل �إال منبه له ّ‬ ‫ودال عليه فهو مكت�شفه ال خمرتعه»‪ .‬وهو يريد‬ ‫بذلك �أن الإ�سالم دين �إبقاء االن�سان على فطرته الأوىل بكل ما فيها من �شهوات و�أنانيات‬ ‫وحمبة للك�سب بال حدود‪ ،‬وهو يعني �أي�ضاً �أن الإ�سالم لي�س دين احلكمة الإلهية‪ ،‬بل «دين‬ ‫اكت�شاف الفطرة»‪ .‬وهو بعد بلوغه هذا الأوج من ال�سف�سطة ال�سفلية يعود فيقول �إن «�شريعة‬


‫‪88‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫حممد و�إن �سايرت الطبيعة فهي كا�سرة من حدتها مق ّلمة �أظفارها»‪ ،‬فال تدري متاماً ما يريد �أن‬ ‫يقول هذا اجلاهل املخلط‪ ،‬وال تعرف للإ�سالم �صفة ثابتة‪ ،‬فهو مرة «دين الفطرة املوجودة فيها‬ ‫قبل وجوده»‪ ،‬ومرة �أخرى هو دين «م�سايرة للفطرة ولكنه كا�سر من حدتها‪ ،‬مق ّلم �أظفارها»‪.‬‬ ‫وبعد كل هذا وذاك ال تعرف مما يقوله نتيجة فكرية ثابتة‪� ،‬سوى �أنه يهرف عن الإ�سالم مبا ال‬ ‫حم�صل له كمن يتكلم عن �أمور مغ ّيبة‪ .‬و�إنك لو قتلت نف�سك جهداً‬ ‫يعرف ويقول كالماً ال ّ‬ ‫ملا ا�ستنتجت من كل هذا التخليط �أية فكرة ثابتة عن احلالة االجتماعية املثلى �أو امل�ستوى‬ ‫االجتماعي ـ النف�سي التي يرمي الإ�سالم �إىل �إيجادها‪.‬‬ ‫يف�ضل الإ�سالم على امل�سيحية لأن هذه تطلب مقداراً �أكرب من الريا�ضة النف�سية‬ ‫�إن اخلوري ّ‬ ‫واجل�سدية لتحويل معظم قوة االن�سان نحو الأرقى والأنفع للمجتمع كمجد البطولة والت�ضحية‬ ‫واملناقب العالية التي تبلغ ذروة ال�شهامة والعفو وبذل املقدرة يف �سبيل خري املجتمع‪ ،‬ولأن‬ ‫الإ�سالم‪ ،‬يف عرفه‪ ،‬يكتفي بالك�سر من حدة الفطرة غري املرو�ضة وتقليم �أظفارها‪ .‬فماذا يعني‬ ‫ذلك غري االكتفاء بحد من االرتقاء جتمد االن�سانية عنده جموداً ي�شبه جمود احليوانات‪،‬‬ ‫التي ميكن للمرء �أن يك�سر من حدة فطرتها ويق ّلم �أظفارها‪ ،‬كما يفعل مر ّو�ضو الوحو�ش‪ ،‬دون‬ ‫�أن يكون من وراء ذلك �أي ارتقاء اجتماعي ـ نف�ساين عند تلك احليوانات‪ ،‬ذلك لأن ك�سر‬ ‫احلدة وتقليم الأظفار ال يغريان النظرة �إىل احلياة تغيرياً نف�سياً جوهرياً مبعنى االرتقاء‪.‬‬ ‫�إذا كانت هذه هي النظرة االن�سانية املثلى يف ما يجب �أن يكون غر�ض الفل�سفات الدينية‪،‬‬ ‫ف�أكرث قبائل �إفريقية و�أ�سرتالية و�أمريكة املتوح�شة قد بلغت «قمة اجلودي( ) التي ي�ستقر عليها‬ ‫فلك االن�سانية الغارقة يف طوفان العقائد والنظريات والفل�سفات املتباينة»‪ ،‬لأن جلميع هذه‬ ‫القبائل �أدياناً فطرية تك�سر من حدة الفطرة وتق ّلم �أظفارها!‬ ‫كل قبيلة من قبائل ال�شعوب الأولية �أو الفطرية لها عادات من خرافات �أو دين تك�سر من‬ ‫حدة الفطرة وتق ّلم �أظفارها‪ ،‬ويف اجلاهلية كان للعرب �أي�ضاً عادات من خرافات �أو �سحر �أو‬ ‫دين تك�سر من حدة الفطرة وتق ّلم �أظفارها‪ ،‬فكان لهم �شهر حرام يرتك فيه حمل ال�سالح‬ ‫ويرفع الث�أر واالنتقام‪ ،‬وعادات يف الزواج واملعي�شة واالجتماع و�شورى يف القبائل‪ .‬ف�إذا كانت��� ‫هذه هي قمة اجلودي فلماذا جاء الإ�سالم �إذا مل يكن درجة فوق تلك الدرجة الأولية لقبائل‬ ‫‪2‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪89‬‬

‫العربة واجتاهاً نحو درجة �أعلى يف االن�سانية عامة ي�شرتك فيها مع درجة امل�سيحية؟‬ ‫لي�ست هذه احللقة مدار الكالم يف هذا املو�ضوع ف�سنعود �إليه يف حلقة تالية‪ ،‬فلنعد الآن �إىل‬ ‫�إ�شباع ما بد�أناه يف احللقة الأخرية‪.‬‬ ‫ر�أينا يف احللقة املذكورة �أن املق�صود من تعاليم امل�سيح هو �شيء غري «تقييد الفطرة بال�سال�سل‬ ‫الثقيلة»‪ ،‬و�أن هذا ال�شيء الذي ال تقدر العقول الناق�صة �أو العاجزة عن �إدراكه هو �سيطرة‬ ‫الوعي النف�سي على الأفعال احليوانية وما هو مبعنى الغريزة‪ ،‬وحتويل مقدار غري ي�سري من‬ ‫حيوية االن�سان التي كانت تنفق يف املتع اجل�سدية �إىل الأعمال املفيدة‪ ،‬من ميكانيكية‬ ‫و�صناعية وزراعية وعلمية و�أدبية وفنية واجتماعية واقت�صادية‪ .‬وقد ذهب امل�سيح �إىل هذه‬ ‫النظرة املناقبية ر�أ�ساً‪ ،‬لأن البيئة ال�سورية كانت قد ارتقت عن درجات ك�سر حدة الفطرة‬ ‫وتقليم �أظفارها و�أ�صبحت تتطلب م�ستوى �أعلى من االرتقاء النف�سي‪.‬‬ ‫ببلوغ هذه الذروة املناقبية ابتد�أ جناح الأمم امل�سيحية ولي�س بالتخلي عنها‪ ،‬كما ّيدعي هذا‬ ‫الواغل على املوا�ضيع االجتماعية امللقب «بالقروي»‪� .‬أما �أ�سباب ت�أخر ال�شعوب الإ�سالمية‬ ‫وجمود امل�سلمني فبع�ضه ال دخل للدين فيه حيث البيئة الطبيعية قا�سية ال زرع فيها وال‬ ‫معادن و�ضرعها قليل‪ .‬ولكن حيث �أ�سباب العمران متوفرة ف�أهم �أ�سباب اجلمود هي ترك‬ ‫العمل بالتعاليم الإ�سالمية العالية امل�شرتكة مع روحية التعاليم امل�سيحية‪ ،‬واكتفاء بع�ض‬ ‫ال�شعوب الإ�سالمية من الدين «بك�سر حدة الفطرة وتقليم �أظفارها» وترك ذروة املثل العليا‬ ‫النف�سية‪ .‬فبعدت عقولهم عن طلب التفوق العلمي والتكنيكي والفني‪ .‬فقد قيل‪« :‬من‬ ‫طلب العلى �سهر الليايل»‪ ،‬ولكن الذي يق�ضي لياليه مرمتياً مع فتاة فوق �أغ�صان الربى ليذوق‬ ‫�شهدها غ�صباً عنها ويزدري �شعورها ويحتقر كرامتها‪ ،‬كيف ال�سبيل خلروجه من جمود‬ ‫ال�سفولية ومثالب املثل الدنيا؟‬ ‫بني الأمم التي �أكرث عددها من امل�سلمني جتد �سورية �أرقاها و�أ�شدها ن�شاطاً و�أ�سبقها يف العلم‬ ‫والفنون وال�صناعات‪ ،‬وما ذلك �إال مل�ؤهالت جن�سها وعملها مبوجب النظرة املناقبية ال�سورية‬ ‫املتجلية يف تعاليم امل�سيح و�أرقى تعاليم حممد‪ .‬ف�أكرث ال�سوريني امل�سلمني ال مييلون �إىل تعدد‬


‫‪90‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫الزوجات واالنغما�س يف ال�شهوات املك�سورة احلدة‪ ،‬ويف�ضلون توجيه قواهم �إىل الأفيد‬ ‫للمجتمع‪ .‬وقد جمد العلم عندهم يف القرون الأخرية بتوايل الفتوحات الرببرية‪ .‬ولكنك ال‬ ‫ترى هذه النظرة �أو احلالة عينها عند م�سلمي �إفريقية حيث مزيج ال�شعوب وطبيعة الأر�ض‬ ‫جتعل املجتمع �أكرث مي ًال �إىل اللهو والأفعال الغريزية‪.‬‬ ‫وقد �أثرت ت�أثرياً كبرياً يف حالة جمود ال�شعوب الإ�سالمية تعاليم اجلهاد الديني احلزبي‬ ‫ال�سيا�سي التي هي من اخل�صائ�ص العربية يف الدين‪ ،‬ولي�ست من املباديء االن�سانية العامة‪.‬‬ ‫�أي �أنها تعاليم ال توافق البيئات املتمدنة‪ .‬فلو كان امل�سلمون ال�سوريون‪ ،‬وال نتكلم عن غريهم‪،‬‬ ‫«يرفعون راية امل�سيح البي�ضاء» وراية حممد البي�ضاء فيت�ساهلون يف حقوقهم الفردية ويح�سنون‬ ‫عمن ظلمهم وي�صلون من قطعهم‪ ،‬لكانوا �أزالوا �أعظم عقبة‬ ‫�إىل الذين ي�سيئون �إليهم ويعفون ّ‬ ‫من عقبات االحتاد القومي بف�ضل النظرة املناقبية التي ي�شرتك فيها حممد وامل�سيح‪ .‬ومتى‬ ‫ح�صل الت�ساهل من اجلانبني امل�سيحي والإ�سالمي يف احلقوق الفردية �أو احلزبية‪ ،‬الدينية‪،‬‬ ‫الداخلية‪ ،‬بف�ضل هذا الفهم العميق لغاية دينيهما‪ ،‬و ّمت من وراء ذلك االحتاد القومي امل�سامل‬ ‫كل امل�ساملة يف الداخل‪� ،‬أمكن‪ٍ ،‬‬ ‫حينئذ‪� ،‬أن تنه�ض الأمة ال�سورية كرجل واحد وت�سري �إىل‬ ‫فالحها فال تكون يف وحدتها هذه �إ�سالمية وال م�سيحية‪ ،‬بل قومية ينظر �أفرادها �إىل احلياة‬ ‫نظرة واحدة ويفهم كل منهم دينه بهذه النظرة‪.‬‬ ‫بهذا التعليم ال�سوري القومي تنه�ض الأمة ال�سورية وكل �أمة عربية تتخبط يف حماولة عقيمة‬ ‫للتوفيق بني حزبية الدين والواقع االجتماعي ولي�س «ب�سيف الر�سول»‪ ،‬كما ينادي ر�شيد‬ ‫اخلوري امل�أجور ليقول هذا القول‪.‬‬ ‫�إن �سيف الر�سول ال يفيد يف النه�ضات القومية‪ ،‬ففائدته الوحيدة كانت لن�صرة الدين يف‬ ‫بيئة يتعذر فيها االنت�صار بالفكر والفهم‪ ،‬يف ال ُعربة‪ .‬وما ن�سبة ال�سيف �إىل حممد يف الق�ضايا‬ ‫القومية �إال من باب التزلف �إىل متهو�سي امل�سلمني‪ :‬فال�سيف انت�ضته الدول والأمم يف حروبها‬ ‫وفتوحاتها قبل الإ�سالم وقبل امل�سيحية‪ ،‬ولقد �شق �سيف هاين بعل �إيطالية من �شمالها �إىل‬ ‫جنوبها يف فتح مل ي�شهد التاريخ له مثي ًال قبل حممد بنحو ثمانية قرون‪ .‬وكان ال�سيف ُي�ش َهر‬ ‫يف ال ُعربة قبل حممد‪ ،‬وم ّزية حممد الوحيدة يف ا�ستعمال ال�سيف هي �أنه �أدخله يف امل�سائل‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪91‬‬

‫الدينية �أي�ضاً‪� ،‬أما يف امل�سائل القومية فلم يكن ملحمد �أي ف�ضل فيه‪.‬‬ ‫وهذه احلقيقة التي ال غبار عليها متكننا من �إدراك مبلغ �سخافة البيت الذي نظمه ر�شيد‬ ‫اخلوري تزلفاً ومتهيداً لوغوله على العلم‪ ،‬و�صفق له ال�سيد ح�سن كامل ال�صرييف الكاتب يف‬ ‫بع�ض املجالت امل�صرية وهو‪:‬‬ ‫ب�سيف حممد واهجر ي�سوعا‬ ‫�إذا حاولت رفع ال�ضيم فا�ضرب ‬ ‫فن�سبة رفع ال�ضيم �إىل �سيف حممد الديني لي�س �سوى �إقحام يخالف جميع احلقائق‬ ‫التاريخية‪ ،‬فالأمم من قبل حممد بع�شرات القرون تعمد �إىل ال�سيف �أو الرمح �أو النبلة لرفع‬ ‫ال�ضيم‪� .‬أما تهكمه بعد هذا البيت على تعاليم امل�سيح بقوله‪:‬‬ ‫بها ذئب ًا فما جنت قطيعا‬ ‫ ‬ ‫«�أحبوا بع�ضكم بع�ض ًا» وعظنا‬ ‫فمن �أغرب ما عرف يف باب التخليط واخلبل‪« :‬ف�أحبوا بع�ضكم بع�ضاً» (يوحنا‪)26 :15 ،‬‬ ‫هي لوعظ الرعاة وجمع اخلراف ولي�ست «لوعظ الذئاب»‪ .‬ولذلك �أو�صى امل�سيح تالميذه‬ ‫حني �أر�سلهم ليكرزوا قائ ًال‪« :‬ها �أنا مر�سلكم مثل خراف بني ذئاب فكونوا حكماء كاحل ّيات‬ ‫وودعاء كاحلمام»(متى‪ .)16 :10 ،‬وهذا يعني �أن ال يبقوا مع الذئاب كاخلرفان‪ ،‬بل �أن‬ ‫ي�صريوا كاحل ّيات يف دهائها و�إدراكها مع حمافظتهم على الوداعة و�سالمة النية‪ ،‬لأن مهمتهم‬ ‫تعليمية ولي�ست حربية‪.‬‬ ‫�أما هذر اخلوري القائل‪« :‬لي�س الإجنيل يف نظر الن�صارى �إال ملحقاً �أو ذي ًال لتوراة اليهود يكمل‬ ‫ما ابتد�أ من �شرها الفظيع ويتمم نبوءاتها القا�ضية بتجديد عهد العداء والتعدي على �أهل‬ ‫فل�سطني» فمن �أحط النفاق والزندقة والتدجيل‪ ،‬وكذلك قوله‪« :‬فماذا ا�ستفاد امل�سيحيون‬ ‫من �إجنيلهم وقد ع ّلقوه يف قفا التوراة للفرجة»‪ .‬ف�إذا كان ر�شيد اخلوري يتظاهر بالنقمة على‬ ‫امل�سيحية ملجرد �أن امل�سيحيني جمعوا الكتابني التوراة والإجنيل يف جملد واحد �أحياناً‪ ،‬فما‬ ‫قوله بوجود ق�سم كبري من �سرية اليهود وفرائ�ض دينهم يف القر�آن كما ب ّينا �آنفاً؟‬ ‫امل�سيح هو الذي حرر االن�سانية من ال�شرائع التي جعلها اليهود �أحكاماً �أبديةً‪� .‬أما �أن امل�سيحيني‬ ‫�أرادوا جمع التوراة �إىل كتابهم لي�ؤيدوا �ألوهية امل�سيح و�صحة جميئه موعوداً به يف النبوءات‬


‫‪92‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫فال يفيد ذلك ما يفيده وجود �شرائع مو�سوية كثرية وق�ص�ص يهودية يف �صلب القر�آن‪.‬‬ ‫�إن الأمم امل�سيحية املتفوقة مل تبلغ ما بلغته من التقدم بتجريدها «�سيف الر�سول» بل بتجريدها‬ ‫�سيف الوطنية �أو القومية �أو الفتح املعروف من قبل زمن حممد‪ .‬هذا من الناحية اخلارجية‪،‬‬ ‫�أما من الناحية الداخلية فكان تقدمها برتك ال�سيف واتباع تعاليم العدل والرحمة التي‬ ‫ال قيام لأي جمتمع بدونها ولذلك نزلت الآية القر�آنية بجعل الرحمة قاعدة الرتابط بني‬ ‫امل�سلمني واعتماد ال�سيف يف امل�سائل اخلارجية فقط‪ .‬وملّا كان الدين الإ�سالمي قد حتول‬ ‫من جمرد تعليم روحي �إىل دولة قائمة على قاعدة الدين غر�ضها جمع م�صالح املن�ضمني‬ ‫حتت لوائها وب�سط نفوذها على الدنيا ب�أ�سرها عم ًال مبا جاء يف القر�آن‪{ :‬وعد اهلل الذين‬ ‫�آمنوا منكم وعملوا ال�صاحلات لي�ستخلفنهم يف الأر�ض كما ا�ستخلف الذين من قبلهم}‬ ‫(النور‪ ،)55 ،‬وقوله‪�{ :‬إن الأر�ض يرثها عبادي ال�صاحلون}(الأنبياء‪ ،)105 ،‬كان ال بد له‬ ‫من الأخذ ب�أ�سباب قيام الدول من جتنيد الرجال ومبا�شرة احلرب‪ ،‬ولكن هذه الغاية لي�ست‬ ‫غايتها الق�صوى‪ ،‬بل هي و�سيلة �إىل الغاية الق�صوى التي هي‪ :‬الرحمة يف املجتمع والعدل‬ ‫يف احلكم‪ .‬وهذه هي زبدة التعاليم امل�سيحية‪ .‬ف�إذا افرت�ضنا �أن اهلل جعل الأر�ض كلها مرياث‬ ‫امل�سلمني وورثوها فع ًال فماذا بعد ذلك‪� ،‬ألي�س الق�صد من هذا الوعد تعميم ال�صالح من‬ ‫الرحمة والعدل؟ �أال يقول القر�آن‪{ :‬حممد‪ ...‬والذين معه‪ ...‬رحماء بينهم}(الفتح‪)29 ،‬؟‬ ‫وقال �أي�ضاً‪{ :‬من الذين �آمنوا وتوا�صوا بال�صرب وتوا�صوا باملرحمة}(البلد‪{ ،)17 ،‬ولئن‬ ‫�صربمت لهو خري لل�صابرين}(النحل‪.)126 ،‬‬ ‫�أما امل�سيحية فلم تن�ش�أ ن�ش�أة دولة ومل ت�سر على خطة دولة‪ ،‬بل كانت تعليماً فل�سفياً مناقبياً‬ ‫منزهاً عن خطط الدولة‪ ،‬غر�ضه خري املجتمع الداخلي‪ .‬وما نريد باملجتمع هنا هو ما �أو�ضحه‬ ‫زعيم احلركة ال�سورية القومية يف كتابه «ن�شوء الأمم» و�سماه «الواقع االجتماعي»‪ .‬وهو يعني‬ ‫كل جمتمع �أو كيان اجتماعي‪ .‬فالتعليم امل�سيحي لي�س غر�ضه �إن�شاء دولة جتمع �أتباعه وحتارب‬ ‫الدول الأخرى‪ ،‬ولي�س ق�صده جمع �أ�شتات �شعب وتنظيمهم يف دولة كما جرى لليهود‬ ‫والعرب‪ ،‬لأن البيئة ال�سورية عرفت الدول من زمان فقامت فيها دول فتحت الفتوحات‬ ‫وجندت اجلنود و�أن�ش�أت الأ�ساطيل البحرية و�س ّنت القوانني‪ ،‬و�إمنا كان غر�ضه �إيجاد القواعد‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪93‬‬

‫املناقبية التي تثبت املجتمع وتزيد فاعليته الروحية جتاه زعازع ال�سيا�سة واحلروب‪ .‬والأمم‬ ‫تتعر�ض يف تاريخها لالنك�سار كما تتعر�ض لالنت�صار‪ ،‬ف�إذا انك�سرت فال �إقالة لعثارها �إال‬ ‫مبباديء مناقبية متينة‪� ،‬أما �إذا فقدت هذه املباديء واعتمدت ال�سيف فقط ف�إن ال�سيف‬ ‫ي�أخذها وال يعود يقوم لها قائمة‪.‬‬ ‫يف احلرب احلا�ضرة( ) ت�سقط �أمام �أعيننا دول �ضخمة حاربت حروباً كثرية وفتحت الفتوحات‬ ‫ال�سوي‪ .‬فما هو ال�سر يف �سقوطها؟ ال�سر يف فقدها‬ ‫العديدة‪ ،‬ومل تحَ ِ ْد وال مرة عن نهج ال�سيف ّ‬ ‫القوة الروحية واملباديء املناقبية‪� .‬إن �سبب �سقوط فرن�سة مث ًال‪ ،‬هو يف ترك الثقافة املناقبية‬ ‫وتقطيع «ال�سال�سل الثقيلة التي قيدت الفطرة» (على تعبري ر�شيد اخلوري)‪ ،‬و�إطالق �أبنائها‬ ‫العنان ل�شهواتهم املقلمة الأظفار الناعمة امللم�س‪ ،‬و�إن �سبب انت�صارات �أملانيا الأخرية هو يف‬ ‫كبح جماح ال�شهوات و�سلك �سبيل «ال�شدة املتناهية» يف تروي�ض النفو�س والأبدان‪.‬‬ ‫و�إن من �أ�سباب جمود املجاميع الإ�سالمية غري ما ذكرنا‪ ،‬بع�ض �أحكام ال�شرع التي ال تتفق‬ ‫مع عوامل التقدم املدين كمعاملة املر�أة وحتجيبها‪ .‬فت�صور �أن مدينة لندن �أو برلني �أو نيويورك‪،‬‬ ‫حتجب‬ ‫مباليينها و�صناعاتها ومكاتبها ودوائرها‪� ،‬آهلة مبجموع �إ�سالمي حمافظ على قاعدة ّ‬ ‫الن�ساء حتى ال ت�سفر املر�أة �إال لزوجها و�أخيها وابنها و�أقرب الأقربني �إليها‪ ،‬فهل ميكن هذا‬ ‫املجموع �أن يقوم مبتطلبات حاجات عمران مدينة من هذه املدن على م�ستواها التمدين‬ ‫احلا�ضر‪ ،‬الذي مل يبلغ هذه الدرجة �إال با�شرتاك املر�أة كزوجة و�أم و�أخت ومدبرة بيت ومربية‬ ‫�أوالد ومعلمة مدر�سة وممر�ضة وكاتبة على الآلة الكاتبة‪ ،‬وم�شرتكة يف املعاهد الثقافية والدور‬ ‫العلمية ويف كل �ش�أن من �ش�ؤون احلركة االجتماعية ويف الأدب والفنون ويف جميع �أ�شكال‬ ‫احلياة االجتماعية والقومية؟‬ ‫�أمل جتد تركية �أن مت�سكها بفهم الإ�سالم القدمي ال بد �أن يق�ضي عليها فقامت بحركة جتديدية‬ ‫من فوق �إىل حتت و�صارت من الأمم الع�صرية التي لها منزلة خطرية يف جممع الأمم احلية فكان‬ ‫الف�ضل يف نه�ضتها للوعي القومي الذي قاد كمال �أتاتورك الأمة الرتكية �إليه‪ ،‬على الرغم‬ ‫من �صياح �شيوخ الدين الغيورين على ن�ص ال�شرع ومن �صخب الغوغاء الذي عمد ال�شيوخ‬ ‫‪3‬‬


‫‪94‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫�إىل تهييجه؟‬ ‫�أمل يكن الف�ضل يف نه�ضة الأمم امل�سيحية من قبل �أنها نه�ضت يف وجه حتويل امل�سيحية �إىل‬ ‫دولة دينية رئي�سها البابا خليفة امل�سيح؟‬ ‫نقول كل ذلك لنبينّ �أن املو�ضوع القومي هو غري املو�ضوع الديني و�أن �أ�سباب تقدم الأمم‬ ‫وت�أخرها لي�س ما ذكره ر�شيد اخلوري يف حار�ضته‪ ،‬و�أثبتناه يف احللقة ال�سابقة‪ ،‬ولنو�ضح �أن‬ ‫املباديء الدينية الوحيدة التي تفيد الأمم يف نه�ضتها القومية هي املباديء املناقبية التي يقول‬ ‫اخلوري برف�ضها ويعيرّ امل�سيحية بها وميدح الإ�سالم العتقاده �أنه خمالف لها‪.‬‬ ‫ولكن هل لر�شيد اخلوري اعتقاد؟ وهل قال ر�شيد اخلوري ما يعتقد حني �أبدى هذه الغرية‬ ‫امل�ضحكة على «حرمة الكعبة والبئر وعرفات و�أوراق امل�صحف وقرب النبي؟»‬ ‫�أمل ن َر �أنه يف «الأعا�صري» الذي جمع فيه �أخالطاً من النظم �سماه «�شعره الوطني» يقول‬ ‫�أي�ضاً( )‪:‬‬ ‫ومن �أجلها �أفطر ومن �أجلها �صم‬ ‫ ‬ ‫بالدك قدمها على كل ملة‬ ‫وقد حطمتنا بني ناب ومن�سم‬ ‫ ‬ ‫فقد مزقت هذي املذاهب �شملنا‬ ‫و �أه ًال و�سه ًال بعده بجهنم‬ ‫ ‬ ‫�سالم على كفر يوحد بيننا‬ ‫ويقول �أي�ضاً( )‪:‬‬ ‫بل �ضحايا ال�شام باملجد غنية‬ ‫ ‬ ‫ما �أ�ضاحي عرفات ومنى‬ ‫فمن �أين جاءته الآن هذه احلمية اجلاهلية على عرفات ومنى والبئر؟‬ ‫�أثبتنا يف احللقات ال�سابقة �أنه لي�س لر�شيد اخلوري تفكري خا�ص و�أن معظم ما يف نظمه ونرثه‬ ‫م�ستعار �إما من بع�ض �أقوال كبار املفكرين والك ّتاب �أو من عاميني نيرّ ي الذهن‪ ،‬و�أكرث ما‬ ‫اقتب�سه اخلوري من غري ذكر �أو �شكر هو �سطحي يوافق مقدار عقله‪ .‬وقد قلنا يف احللقة ال�سابقة‬ ‫�إنه لوال االنحطاط العلمي والثقايف العام عند عامة ال�سوريني وال�سواد الأعظم من خا�صتهم‬ ‫ملا وجدنا حاجة بنا للنظر يف قوله الهراء الرامي �إىل �إيقاد نار الفتنة الدينية العمياء‪ .‬ونزيد‬ ‫‪4‬‬

‫‪5‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪95‬‬

‫الآن �أن من الدوافع التي دفعتنا �إىل مناق�شة كالم هذا اجلاهل الأحمق كون بع�ضه مقتب�ساً‬ ‫من كالم بع�ض م�شاهري ك ّتاب الع�صر املا�ضي الرجعيني الذين انت�شرت كتاباتهم يف �أو�ساط‬ ‫وعدها �سوادهم النور الذي يجب �أن ي�سرت�شد به‪� ،‬أمثال الكاتب امل�شهور‬ ‫�إ�سالمية وا�سعة‪ّ ،‬‬ ‫جمال الدين الأفغاين وال�شيخ حممد عبده‪ .‬ف�إن كالم اخلوري الذي �أثبتناه يف احللقات‬ ‫عما‬ ‫ال�سابقة الأخرية وف ّندناه و�أظهرنا بطالنه وف�ساد ت�أويله يكاد يف بع�ضه يكون منقو ًال باحلرف ّ‬ ‫جاء يف مقالتني وردتا يف «العروة الوثقى» التي �أ�صدرها الكاتبان املذكوران يف باري�س �سنة‬ ‫‪ .1884‬وهاتان املقالتان هما «الن�صرانية والإ�سالم و�أهلهما»( )‪ ،‬والثانية «انحطاط امل�سلمني‬ ‫و�سكونهم»( )‪ ،‬ويف بع�ض مقاالت �أخرى كمقالة «الق�ضاء والقدر»( )‪ .‬فمن املقالة الأوىل �أخذ‬ ‫اخلوري هذا القول كله‪ ،‬بتحريف قليل‪:‬‬ ‫«�إن الديانة امل�سيحية ُبنيت على امل�ساملة وامليا�سرة يف كل �شيء وجاءت برفع الق�صا�ص‬ ‫ّ‬ ‫واطراح امللك وال�سلطة ونبذ الدنيا وبهرجها‪ ،‬ووعظت بوجوب اخل�ضوع لكل �سلطان يحكم‬ ‫املتدينني بها وترك �أموال ال�سالطني لل�سالطني واالبتعاد عن املنازعات ال�شخ�صية واجلن�سية‪،‬‬ ‫بل والدينية‪ .‬ومن و�صايا الإجنيل‪« :‬من �ضربك على خدك الأمين ف�أدر له الأي�سر» ومن‬ ‫�أخباره �أن امللوك �إمنا واليتهم على الأج�ساد وهي فانية والوالية احلقيقية الباقية على الأرواح‬ ‫وهي هلل وحده» ‪.‬‬ ‫ويتلو ذلك و�صف لتقدم الأمم امل�سيحية مبا يخالف تعاليم دينها وو�صف لت�أخر امل�سلمني خالفاً‬ ‫لتعاليم دينهم‪ .‬وملا كنا قد بلغنا �إىل هذا امل�صدر الأ�سا�سي للأقوال والأفكار التي وردت يف‬ ‫حار�ضة اخلوري‪ ،‬ف�إننا �سنتمم معاجلتنا ملو�ضوع الدينني امل�سيحي والإ�سالمي و�أغالط فهمهما‬ ‫وما ينتج عن ذلك من نظرات �شاذة عن العلم واملنطق يف االجتماع وال�سيا�سة بنا ًء عليه‪،‬‬ ‫تاركني ما تبقى من حار�ضة اخلوري‪ ،‬وهو معظمها‪ ،‬لعدم وجود �أية وحدة فكرية فيها‪ .‬فهي‬ ‫ف�سيف�ساء خطابية جمعت موادها «من كل وا ٍد ع�صا»‪ .‬ونعود بعد الفراغ من النظر يف هذا‬ ‫املو�ضوع �إىل تناول تعري�ضه بالنه�ضة ال�سورية القومية وم�س�ألة «العروبة»‪.‬‬ ‫والذي يقابل كالم «العروة الوثقى» امللقى على عواهنه على ما �أثبتناه يف هذا ال�صدد يف‬ ‫‪6‬‬

‫‪7‬‬

‫‪8‬‬


‫‪96‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫احللقات الأخرية من هذا البحث يجد �أن �أقل ما يقال فيه �إنه اجتهاد م�ش ّوه م�شو�ش ال تد ّبر‬ ‫فيه للإجنيل والقر�آن‪ .‬فالقول �إن امل�سيحية جاءت برفع الق�صا�ص باطل و�إنها جاءت ّ‬ ‫باطراح‬ ‫امللك وال�سلطة باطل‪ ،‬و�إنها قالت بنبذ الدنيا وبهرجها باطل‪� ،‬إال يف وجوه خمالفة للف�ضائل‬ ‫االجتماعية �أ ّيدها فيها القر�آن‪ ،‬وقد ب ّيناه‪.‬‬ ‫امل�سيح قال‪« :‬ال حتكموا بح�سب الظاهر ولكن احكموا حكماً عاد ًال»(يوحنا‪ )24 :7 ،‬وهذا ال‬ ‫يرفع الق�صا�ص‪ ،‬وال يوجد يف الإجنيل قول ّ‬ ‫باطراح امللك وال�سلطة‪ .‬و�أما �أن امل�سيحية «وعظت‬ ‫بوجوب اخل�ضوع لكل �سلطان يحكم املتدينني بها وترك �أموال ال�سالطني لل�سالطني» فقد‬ ‫ح ّوره اخلوري وجعله هكذا‪« :‬ال ب�أ�س يف �شريعته �أن تعي�ش عبداً رقيقاً مدى احلياة ت�سام‬ ‫اخل�سف والهوان‪� ،‬إلخ»‪ .‬وقد ب ّينا ف�ساده يف احللقات ال�سابقة و�أثبتنا �أنه ت�أويل �سطحي مغر�ض‪.‬‬ ‫على �أن يف هذا الكالم اجتهاداً يف فهم قول امل�سيح للذين كانوا يبحثون عن جريرة ي�أخذونه‬ ‫بها ليهلكوه «�أوفوا ما لقي�صر لقي�صر وما هلل هلل »(لوقا‪ .)25 :20 ،‬ولكن ما �أبعد هذا االجتاه‬ ‫عن حقيقة ما عناه امل�سيح‪ .‬ف�إن هذه الآية لي�ست مطلقة وم�ستقلة‪ ،‬بل هي متعلقة بحادث‬ ‫وعبارات �سابقة‪ .‬وذلك �أن ر�ؤ�ساء الدين اليهود ملّا عجزوا عن �أخذ امل�سيح بجرم من تعاليمه‬ ‫يهيجون ال�شعب به عليه �صاروا يطلبون �أن يجدوا فيه خمالفة ل�سلطان الدولة الأجنبية‬ ‫احلاكمة لي�سلموه �إليها‪ .‬وعلى هذه القاعدة جرى الرجعيون يف �سورية لي�س ّلموا زعيم النه�ضة‬ ‫ال�سورية القومية �إىل �سلطان الدولة الأجنبية احلاكمة بعد �أن عجزوا عن �أن يجدوا نق�صاً‬ ‫«فهم ر�ؤ�ساء‬ ‫يف تعاليمه يثري ال�شعب عليه‪ .‬والواقع الذي اقت�ضى قول امل�سيح هو كما يلي‪ّ :‬‬ ‫الكهنة والكتبة �أن يلقوا عليه الأيدي يف تلك ال�ساعة ولكنهم خافوا من ال�شعب لأنهم علموا‬ ‫�صديقون لكي ي�أخذوه‬ ‫�أنه قال هذا املثل عليهم‪ .‬فر�صدوه و�أر�سلوا �إليه جوا�سي�س يرا�ؤون �أنهم ّ‬ ‫بكلمة في�سلموه �إىل رئا�سة الوايل و�سلطانه‪ .‬ف�س�ألوه قائلني‪ :‬يا معلم قد علمنا �أنك بال�صواب‬ ‫تتكلم وتع ّلم وال ت�أخذ بالوجوه‪ ،‬بل تعلم طريق اهلل باحلق‪� .‬أيجوز لنا �أن نعطي اخلراج لقي�صر‬ ‫�أم ال‪ .‬ففطن ملكرهم فقال لهم ملاذا جتربونني؟ �أروين ديناراً‪ .‬ملن ال�صورة والكتابة؟ ف�أجابوا‬ ‫وقالوا لقي�صر‪ .‬فقال لهم �أوفوا ما لقي�صر لقي�صر وما هلل هلل»(لوقا‪.)25 :19 ،‬‬ ‫كل متدبر لهذه الآيات يجد �أنها �أبعد ما يكون عن االجتهاد القائل ب�أن امل�سيحية تقول‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪97‬‬

‫بوجوب «اخل�ضوع لكل �سلطان يحكم املتدينني بها»‪ .‬ولو كان هذا ق�صد تعليم امل�سيح لكان‬ ‫قاله يف مواعظه ولكان �أجاب ال�سائلني على الفور «يجوز �أن تعطوا اخلراج» ولكنه مل يقل‬ ‫ذلك‪ ،‬بل قال �إنه يجوز رد دنانري قي�صر املطبوعة �صورته وكتابته عليها �إليه‪ .‬ولذلك مل يقدر‬ ‫اليهود �أن ي�أخذوه بجرم �ضد الدولة ومل يقدروا �أن ّيدعوا �أو يقولوا �إنه يع ّلم اخل�ضوع ل�سلطان‬ ‫�أجنبي ويهيجوا ال�شعب عليه‪ .‬وهم �إمنا �س�ألوه ليوقعوه يف �إحدى اجلرميتني ال�سيا�سية �أو املناقبية‬ ‫فتغلب على مكرهم برف�ض املوافقة على دفع اجلزية‪ ،‬ولكن من غري الوقوع يف مكيدة �أعدت‬ ‫له لي�سلموه �إىل املحكمة الأجنبية‪ .‬والقر�آن يقول‪{ :‬واهلل خري املاكرين}(�آل عمران‪.)54 ،‬‬ ‫�أما الإ�شارة �إىل «املنازعات ال�شخ�صية واجلن�سية‪ ،‬بل والدينية» ففيها ت�شويه كبري‪ .‬وقد ر�أينا‬ ‫�أن امل�سيح �ألقى نزاع العقائد بني النا�س ولكنه ع ّلم باالبتعاد عن املنازعات ال�شخ�صية حر�صاً‬ ‫على وحدة املجتمع و�سالمته‪ .‬ومل يقل برتك الدفاع عن حقوق املجتمع جتاه املجتمعات‬ ‫الأخرى‪ ،‬وهو ما يرمي االجتهاد املذكور �إىل �إيهامنا �أنه قاله �أو علم به وهو باطل كما ر�أيت‪.‬‬ ‫ومن ا�ستعارات ر�شيد اخلوري قوله يف الدين الإ�سالمي �إنه «مدرحي» �أي «مادي روحي‬ ‫معاً»‪ .‬فقد يظن القاريء غري املط ّلع �أن هذا القول هو فكرة جديدة فل�سفية للخوري‪ ،‬واحلقيقة‬ ‫�أنه م�أخوذ من كتاب «ن�شوء الأمم» ل�سعادة ومن �شرح ملباديء احلزب ال�سوري القومي‪ ،‬فهو‬ ‫فكرة فل�سفية اجتماعية للزعيم �أبداها يف منا�سبات عديدة‪ ،‬و�آخر ما �أعلنه من �أمر نظرته‬ ‫الفل�سفية كان يف خطابه يف �أول مار�س (�آذار) �سنة ‪ ،1940‬الذي ن�شر يف «�سورية اجلديدة» يف‬ ‫العدد ‪ 63‬ال�صادر يف ‪� 27‬إبريل (ني�سان) من ال�سنة املذكورة‪ .‬قال �سعادة‪:‬‬ ‫«�إن احلركة ال�سورية القومية مل ت� ِأت �سورية فقط باملباديء املحيية‪ ،‬بل �أتت العامل بالقاعدة‬ ‫التي ميكن عليها ا�ستمرار العمران وارتقاء الثقافة‪� .‬إن احلركة ال�سورية القومية ترف�ض االقرار‬ ‫باتخاذ قاعدة ال�صراع بني املبد�أ املادي واملبد�أ الروحي �أ�سا�ساً للحياة االن�سانية‪ ،‬وال تقف‬ ‫احلركة ال�سورية القومية عند هذا احلد‪ ،‬بل هي تعلن للعامل مبد�أ الأ�سا�س املادي ـ الروحي‬ ‫للحياة االن�سانية ووجوب حتويل ال�صراع املميت �إىل تفاعل متجان�س يحيــي ويعمر ويرفع‬ ‫الثقافة وي�سيرّ احلياة نحو �أرفع م�ستوى»‪.‬‬


‫‪98‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫�إن املبد�أ الذي جاء به �سعادة هو نظرية فل�سفية �شاملة تتناول العامل و�ش�ؤونه االجتماعية‬ ‫واالقت�صادية‪ ،‬و�شرحها يقت�ضي كتاباً على حدة يبحث يف املباديء املارك�سية املادية لتنظيم‬ ‫املجتمع واملباديء الفا�ش�ستية املازينية الروحية لتنظيم املجتمع‪ ،‬وال�صراع بني هاتني الفئتني‬ ‫من املباديء ثم يف مبد�أ �سعادة الذي يخرج من القاعدتني املت�صادمتني بقاعدة واحدة عامة‬ ‫ميكن �أن تجُ مع عليها االن�سانية‪ ،‬وهو بحث وا�سع بل فل�سفة كاملة يف االجتماع والتاريخ‪.‬‬ ‫�أخذ ر�شيد اخلوري هذه الفكرة الفل�سفية العظيمة التي ال يطيق عقله �إدراك عمقها و�أهمية‬ ‫الق�ضايا االجتماعية التي ت�شتمل عليها‪ ،‬فم�سخها وجعلها جمرد كالم �سطحي ب�سيط يق�صد‬ ‫به �إيجاد مقابلة ا�ستبدادية بني الأديان الثالثة‪ ،‬امل�سيحي والإ�سالمي واليهودي‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫«فالدين امل�سيحي دين ت�صوري ال ينفع الدنيا النف�صاله عنها وال الآخرة لعدم حاجتها �إليه‪،‬‬ ‫�صح‬ ‫وهو نقي�ض الدين اليهودي الذي هو مادي �صرف‪� ،‬أما الدين الإ�سالمي «فمدرحي» �إذا ّ‬ ‫النحت والرتكيب‪� ،‬أي مادي وروحي معاً»‪.‬‬ ‫حم�صل‬ ‫ولي�س غري اجل ّهال الذين �أعطيت لهم حكمة خفيت عن احلكماء يفهمون ما هو ّ‬ ‫هذا الكالم االعتباطي‪ ،‬ف�إذا كان الدين الإ�سالمي مادياً وروحياً معاً فالدين اليهودي �أي�ضاً‬ ‫كذلك‪ ،‬وكذلك الدين امل�سيحي‪ .‬فكل دين من هذه الأديان‪ ،‬بل كل دين على االطالق‪،‬‬ ‫يزعم �أنه جمع �ش�ؤون الروح واجل�سد‪ ،‬وهذا ال يعني �شيئاً جديداً يف الدين واالجتماع �إال �أن‬ ‫خ�ص الإ�سالم به من دون امل�سيحية واملو�سوية ليوهم الغوغاء وناق�صي العلم‬ ‫ر�شيد اخلوري ّ‬ ‫�أنه عامل بهذه «الأديان» و�أن له نظرة فيها لها طابع فل�سفي‪ .‬وهذا التقليد �أقبح من تقليد‬ ‫ال�سعدان للنجار الذي �أدخل �إ�سفيناً يف خ�شبة‪ ،‬ف�شقّها وترك الإ�سفني فيها‪ ،‬فجاء القرد‬ ‫يقلده‪ ،‬فركب على اخل�شبة فتدىل ذنبه يف �شق اخل�شبة‪ ،‬فرفع الإ�سفني ليقلد النجار ف�أطبقت‬ ‫اخل�شبة على ذنبه!‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪99‬‬

‫اهلوامش‬ ‫‪� - 1‬آلهة عبدها الكنعانيون‪ ،‬وكانوا يقدمون لها �أ�ضحية ب�شرية خ�صو�صاً يف قرطاجة‪.‬‬ ‫‪ - 2‬قمة اجلودي هي اجلبل الذي ر�ست فوقه �سفينة نوح ح�سب التقليد الإ�سالمي (�سورة‬ ‫هود الآية ‪.)44‬‬ ‫‪ - 3‬املق�صود احلرب العاملية الثانية‪.‬‬ ‫‪ - 4‬ر�شيد �سليم اخلوري «الأعا�صري» م�صدر �سبق ذكره‪ ،‬ق�صيدة «عيد الفطر» ال�صفحتان‬ ‫‪.111 - 110‬‬ ‫‪ - 5‬امل�صدر ال�سابق‪ ،‬ق�صيدة «عيد الأ�ضحى» ال�صفحة ‪.30‬‬ ‫‪« - 6‬العروة الوثقى»‪ ،‬دار العرب ‪ -‬القاهرة ‪ .1957‬ال�صفحات ‪.29 - 23‬‬ ‫‪ - 7‬امل�صدر ال�سابق‪ ،‬ال�صفحات ‪.35 - 30‬‬ ‫‪ - 8‬امل�صدر ال�سابق‪ ،‬ال�صفحات ‪.58 - 49‬‬


‫‪100‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫بني اهلوس والتدين‬ ‫ر�أينا مما �أثبتناه يف احللقة ال�سابقة �أن القول يف خالف امل�سيحية والإ�سالم وتف�ضيل هذا‬ ‫الدين على ذلك لي�س جمرد قول يقوله �أحمق‪ ،‬بل اعتقادات �شاعت يف �أو�ساط وا�سعة بني‬ ‫امل�سلمني وامل�سيحيني‪ .‬وقد ذكرنا ال�شائعات يف الأو�ساط الإ�سالمية لأن يف هذه الأو�ساط‬ ‫تنت�شر حركة هذا التفكري الرجعي الذي يغذيه عدد من املفكرين امل�سلمني الذين خلطوا‬ ‫الوطنية والقومية بالدين‪ .‬و�سن�أتي‪ ،‬يف �سياق البحث‪ ،‬على ما وقفنا عليه من ال�شائعات يف‬ ‫الأو�ساط امل�سيحية‪ .‬وكون هذه املعتقدات اخلاطئة ذات جذور يف �أو�ساط وا�سعة‪ ،‬ولها �شبه‬ ‫مدر�سة فكرية كان يف طليعة �أ�ساتذتها ال�سيد جمال الدين الأفغاين وال�شيخ حممد عبده‬ ‫وال�سيد ر�شيد ر�ضا وال�سيد حممد كرد علي‪ ،‬ومن تالمذتها املج ّلني ال�سيد �شكيب �أر�سالن‬ ‫وغريه الذين يرون الرجوع �إىل الدولة الدينية ويرون �أن الوطنية هي النعرة الدينية عينها‪ ،‬يربر‬ ‫كل التربير الأهمية التي �أعطيناها حلار�ضة ر�شيد �سليم اخلوري التي لي�ست يف احلقيقة �سوى‬ ‫ف�سيف�ساء �أفكار التقطها‪ ،‬على عادته‪ ،‬من بع�ض ال�صحف واملجالت �أو الكتب ووجد لها‬ ‫جمرى يف بع�ض الأو�ساط‪ .‬وهذه احلقيقة تكفي لإفهام الذين �أظهروا �إ�شفاقاً على «القروي»‬ ‫�أننا مل نهتم هذا االهتمام �إال ملا هو �أهم بكثري من كبح جماح مهوو�س باخللود واملال‪.‬‬ ‫�إذا دققنا �أكرث ف�أكرث يف كالم «العروة الوثقى»( ) املتعلق بغاية الدين امل�سيحي وغاية الدين‬ ‫الإ�سالمي ووقفنا على ُبعد ت�أويله عن االجتاه ال�صحيح امل�ؤيد بال�شواهد وعن الطريقة‬ ‫اال�ستقرائية التاريخية‪ ،‬على ما �أو�ضحناه يف احللقات الأخرية املتقدمة‪ ،‬تبني �أنه كالم ُبني‬ ‫على روح احلزبية الدينية �أكرث كثرياً مما ُبني على ّتدبر القر�آن والإجنيل‪.‬‬ ‫‪1‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪101‬‬

‫وحم�صل كالم «العروة الوثقى» �أنه كتاب يع ّلم‬ ‫�إن القر�آن نف�سه َّ‬ ‫يعد الإجنيل كالماً منز ًال‪ّ ،‬‬ ‫اخلنوع واال�ست�سالم على ما قال اخلوري بالإ�ستناد �إىل كالمها‪ ،‬فهل يتفق هذا الكالم مع‬ ‫ما فر�ضه القر�آن على امل�سلمني من الإميان به بقوله‪{ :‬وقولوا �آمنا بالذي �أنزل �إلينا و�أنزل‬ ‫�إليكم}(العنكبوت‪ .)46 ،‬وهل يجوز ت�صور �أن اهلل �أر�سل روحه �إىل مرمي لتلد امل�سيح ليع ّلم‬ ‫النا�س الذل واخلنوع؟ وهل يتفق مع انطباق التعاليم الإ�سالمية الروحية على التعاليم‬ ‫امل�سيحية كل االنطباق كما ب ّينا؟ هذا من جهة تد ّبر القر�آن‪� ،‬أما من جهة تد ّبر الإجنيل فهل‬ ‫ينطبق الكالم املذكور على ن�ص الإجنيل ال�صريح؟ وقد ر�أينا �أنه ال ينطبق على ن�ص الإجنيل‬ ‫وغر�ض التعليم امل�سيحي‪ ،‬كما �أو�ضحناه بال�شواهد الكثرية‪ ،‬ور�أينا �أي�ضاً �أنه ال ينطبق على‬ ‫ال�شواهد القر�آنية العديدة التي �أثبتناها يف هذا البحث‪ .‬ولكن تقرير هذه احلقيقة ال يعني �أنه‬ ‫كالم غري م�ستند �إىل بع�ض الآيات القر�آنية وبع�ض تقاليد �صدر الإ�سالم من غري تد ّبر لكل‬ ‫ذلك كما يجب‪ ،‬ومن غري فهم للقواعد االجتماعية ـ االقت�صادية التي هي �أهم من العقائد‬ ‫الدينية يف تعيني اجتاه املجتمعات االن�سانية وتقرير م�صريها‪ ،‬والتي هي �سبب ن�شوء الأمم‬ ‫والقوميات‪ ،‬ومن غري فهم ملجرى التاريخ ومن غري فهم حلقيقة الدين على الإطالق وغري‬ ‫معرفة مبحله من التطور االن�ساين‪.‬‬ ‫الرجعة هي مذهب الرجوع �إىل حال �سابقة‪ ،‬وعندما �أطلقنا على الكاتبني الكبريين ال�سيد‬ ‫جمال الدين الأفغاين وال�شيخ حممد عبده نعت الرجعة مل نكن ملقني الكالم اعتباطاً‪ ،‬بل‬ ‫عنينا �أنهما رجعيان بكل ما يف هذه الكلمة من املعنى‪ ،‬لأنهما ق�صدا وناديا بالرجوع �إىل عهد‬ ‫الدولة الدينية وت�أ�سي�س الدولة على الدين‪ .‬فلم يعتربا بالأحداث التاريخية العظمى التي‬ ‫كانت درو�ساً خطرية تنق�ض ال�شيء الكثري من االعتقادات القدمية يف ما هو غر�ض الدين‬ ‫وغر�ض الدولة وطبيعة كل منهما‪ ،‬وظال يعتقدان �أن ذهاب دولة الدين مل يكن �إال لأ�سباب‬ ‫عار�ضة �أو ن�سبية �أو ل�ضعف الأديان غري الإ�سالمية‪ ،‬فع ّلال تقهقر الدولة الدينية الإ�سالمية‬ ‫ب�ضعف الإميان �أو ن�سيان الوعد �أو بتق�صري امل�سلمني عن الأخذ ب�إمناء العلوم �أو ب�شغل �أفكار‬ ‫عامتهم باملغالبات الداخلية بني �أمرائهم‪� ،‬أو غري ذلك من الأ�سباب الواهية املق�صرة عن‬ ‫�إدراك العوامل االجتماعية واالقت�صادية واجلغرافية والنف�سية يف التطور االن�ساين‪ .‬وهذه‬


‫‪102‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫العوامل هي التي لها الغلبة يف الأخري‪ .‬والظاهر �أنهما مل يكونا على اطالع يف ذلك‪ ،‬ولهذا‬ ‫ال�سبب �أو ل�سبب غريه كغلبة الرتبية الدينية املذهبية عليهما قاال‪�« :‬إن ال جن�سية للم�سلمني‬ ‫�إال يف دينهم»( )‪ ،‬وال�صحيح هو غري ذلك‪ .‬وقد ظن امل�سيحيون �أي�ضاً من قبل �أن جن�سيتهم يف‬ ‫دينهم ولكن الواقع نق�ض هذا الظن لي�س فقط يف امل�سيحية‪ ،‬بل يف الإ�سالم �أي�ضاً ويف كل‬ ‫دين �آخر‪ .‬ومن �أراد در�س هذا املو�ضوع فعليه بكتاب «ن�شوء الأمم» ت�أليف �سعادة‪ ،‬وهو كتاب‬ ‫وقدم نظريات‬ ‫يف علم االجتماع جمع �أحدث احلقائق العلمية يف تطور االن�سانية و�أقوامها ّ‬ ‫()‬ ‫جديدة غاية يف الأهمية‪ .‬وللزعيم �أي�ضاً حما�ضرة يف مباديء الرتبية القومية الأ�سا�سية‬ ‫عر�ض فيها لأ�سباب �سقوط اجلامعة الدينية يف امل�سيحية والإ�سالم‪.‬‬ ‫والغفلة عن الت�ضارب الأ�سا�سي‪ ،‬اجلوهري بني مباديء «اجلن�سية الدينية» ومباديء «اجلن�سية‬ ‫االجتماعية» التي ظهرت باملظهر الذي �أطلق عليه ا�سم «القومية»‪ ،‬هي ما جعل كاتبي «العروة‬ ‫الوثقى» يعجبان «كل العجب من �أطوار الآخذين بهذا الدين ال�سلمي (امل�سيحية)» [انظر‬ ‫مقالة «الن�صرانية والإ�سالم و�أهلهما»( )]‪ .‬فعجبهما الذي �أعلناه ال يدل �إال على عدم تدبرهما‬ ‫�أمر الدين امل�سيحي كما ب ّينا‪ ،‬وعدم تدبرهما �أمر الدين على االطالق من وجهة التاريخ‬ ‫االجتماعي‪ ،‬ال من وجهة تقاليد �أحد الأديان‪ ،‬وعلى عدم �إدراكهما الفرق بني «اجلن�سية‬ ‫الدينية» و«اجلن�سية االجتماعية»‪ .‬ولو �أنهما �أدركا الفرق بني هاتني اجلن�سيتني لزال عجبهما‬ ‫من تقدم الأمم امل�سيحية ومظاهر الروحية احلزبية فيها التي ال تت�ضارب مطلقاً مع تعاليم‬ ‫الدين يف امل�سيحية‪ .‬فالأمم امل�سيحية ما نه�ضت �إال برتك مبد�أ «اجلن�سية الدينية» ومبد�أ «الدولة‬ ‫الدينية» (التيوكراتية ‪ )Theocracy‬وبالأخذ مببد�أ «اجلن�سية االجتماعية» ومبد�أ «الدولة‬ ‫القومية» من غري �أن يعني ذلك التخلي عن تعاليم دينها املناقبية التي توثق �أوا�صر وحدتها‬ ‫الداخلية وجتعل كل �أمة منها يداً واحدة يف طلب الفالح‪ .‬والأمم الإ�سالمية ال تزال مت�أخرة‪،‬‬ ‫لأنها ملّا جتتز طور العمل مببد�أ «اجلن�سية الدينية»‪ ،‬وهي ما دامت متم�سكة بهذا املبد�أ الذي‬ ‫ال يتفق مع الواقع االجتماعي فال �أمل لها مبجاراة الأمم امل�سيحية التي تقدمت با�سم اجلامعة‬ ‫القومية املنف�صلة عن الدين‪ ،‬من غري �أن يتخلى �أي م�ؤمن عن دينه وتعاليمه‪.‬‬ ‫�إن خروج املجاميع الإ�سالمية �إىل العمل مببد�أ «اجلن�سية االجتماعية» بد ًال من مبد�أ «اجلن�سية‬ ‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫‪4‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪103‬‬

‫الدينية» قد يبدو �أمراً �صعباً جداً دونه ما هو �أ�شق من خرط القتاد‪� .‬أما �أنه �صعب و�شاق فقد‬ ‫كان �صعباً و�شاقاً للمجاميع امل�سيحية �أي�ضاً‪ ،‬بل �إنه كان �أ�صعب و�أ�شق لأنه مل يكن لهذه‬ ‫املجاميع مثل تقتدي به‪ .‬واملجاميع الإ�سالمية ترى الآن مثل الأمم الناه�ضة وجتد �أمامها الأمم‬ ‫الراقية واالخرتاعات والفنون التي ت�س ّهل لها ما مل يكن �سه ًال للمجاميع التي تقدمتها‪،‬‬ ‫ومع ذلك فللمجاميع الإ�سالمية �صعوبة من نوع �آخر داخلي‪ ،‬من قواعد الدين‪ ،‬فال يكاد‬ ‫يهب زعماء‬ ‫مفكر �إ�سالمي يجهر بفكرة جديدة تنطبق على �أ�صول التطور االجتماعي حتى ّ‬ ‫الدين ينعتونه بالكفر والزندقة‪ .‬وقد جرى مثل ذلك عند امل�سيحيني من قبل‪ .‬فر�ؤ�ساء‬ ‫الدين واملتم�سكون مببد�أ «اجلن�سية الدينية» من امل�سلمني يقولون �إن العمل مببد�أ «اجلن�سية‬ ‫يهد �أركان الدين‪ .‬وهم يحتجون ب�أن غر�ض الإ�سالم هو �أن يرث امل�سلمون‪،‬‬ ‫االجتماعية» ّ‬ ‫الذين هم «العباد ال�صاحلون» الذين يعنيهم القر�آن‪ ،‬الأر�ض كلها من غري امل�سلمني‪ ،‬و�أن من‬ ‫الأوامر ال�شرعية �أن ال يدع امل�سلمون تنمية م ّلتهم بامليل �إىل التغلب على �سواهم‪{ ،‬حتى ال‬ ‫تكون فتنة ويكون الدين كله هلل}(الأنفال‪ .)39 ،‬ويحتجون �أي�ضاً ب�أن معظم �أحكام دينهم‬ ‫موقوف �إجرا�ؤه على قوة الوالية ال�شرعية التي توازي ال�سلطة الزمنية عند امل�سيحيني‪ .‬وجميع‬ ‫هذه احلجج م�سندة �إىل �آيات قر�آنية و�إىل ال�سرية املحمدية‪.‬‬ ‫بنا ًء على هذه احلجج يحارب الرجعيون امل�سلمون النه�ضة ال�سورية القومية القائلة �إن ال‬ ‫نه�ضة للأمة ال�سورية �إال بالأخذ مببد�أ «اجلن�سية االجتماعية» بد ًال من «اجلن�سية الدينية»‪.‬‬ ‫وبنا ًء على مثل هذه احلجج يحارب الرجعيون امل�سيحيون هذه النه�ضة القومية (راجع خطاب‬ ‫البطريريك املاروين �سنة ‪ 1937‬ور ّد الزعيم عليه)( )‪.‬‬ ‫هنا ال بد من �إلقاء �س�ؤال يفتح �أمامنا باب الق�ضية يف �صلبها وهو‪� :‬أ�صحيح �أن الدين الإ�سالمي‬ ‫ال يتم �إال ب�إعالئه على الأديان الأخرى وبيع امل�سلمني �أنف�سهم حتى يتم انت�صار الإ�سالم‬ ‫ويعم العامل؟ و�أن هذا هو غر�ضه الأ�سا�سي؟‬ ‫هذا ما يظهر �أن الذين فهموا الدين فهماً �أولياً يف حاالت ن�ش�أته يعتقدون �أنه ال�صحيح الذي ال‬ ‫جدال فيه‪ ،‬وهذا �أي�ضاً ما ذهب �إليه �إمامان كبريان كال�سيد الأفغاين وال�شيخ حممد عبده‪ ،‬مع‬ ‫العلم �أنهما كانا ُيح�سبان من طالب الإ�صالح يف الدين‪ ،‬و�أنه كان لهما مناوئون يف مق�صدهما‬ ‫‪5‬‬


‫‪104‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫اال�صالحي الذي مل يبلغ �إىل ما بلغه كاتب �آخر هو [عبد الرحمن] الكواكبي الذي كان‬ ‫من امل�ؤ�سف �أن �صيته مل يذهب ذهاب �صيتهما‪ .‬وال نريد �أن نتو�سع كثرياً يف هذه ال�شروح‬ ‫ال�س َّنة وال�شيعة واملت�صوفة وغريها يف ذلك‪ ،‬بل نذهب‬ ‫الآن وال نعر�ض لتفا�صيل مذاهب ُ‬ ‫ر�أ�ساً �إىل اعتماد الأ�سا�س وهو القر�آن‪ ،‬كما اعتمدنا الإجنيل �أ�سا�ساً يف كالمنا على امل�سيحية‪،‬‬ ‫و�إىل فهم عوامل ن�ش�أة الدين الإ�سالمي وتطوره يف بيئته التي هي ال ُعربة‪ ،‬من غري الدخول‬ ‫يف التفا�صيل الثانوية و�شروحها يف املدار�س الأربع‪� :‬أبي حنيفة‪ ،‬مالك بن �أن�س‪ ،‬حممد بن‬ ‫�إدري�س ال�شافعي‪� ،‬أحمد بن حنبل‪.‬‬ ‫وقبل �أن نبد�أ بدر�س �صحة االعتقاد املذكور �آنفاً وف�ساده نريد �أن نظهر مبلغ خطر النتيجة‬ ‫احلا�صلة منه على النه�ضة القومية يف �سورية والأقطار العربية فنلقي هذا ال�س�ؤال‪� :‬إىل �أين‬ ‫يقودنا االعتقاد ب�أن �صحة الديانة الإ�سالمية هي يف حماربة �أهل الأديان الأخرى حتى يدينوا‬ ‫بها �أو يخ�ضعوا للم�سلمني‪ ،‬وب�أن الدين امل�سيحي دين يع ّلم �أتباعه اخل�ضوع لكل �سلطان‬ ‫�أجنبي يحكمهم؟‬ ‫�أ�إىل �شيء �آخر غري االن�شقاق الداخلي و�إفناء التعاليم الدينية ال�سامية يف قتال ال نهاية له؟‬ ‫�إن هذا االعتقاد الذي �سنبني ف�ساد الق�سم الأول منه يف ما يلي‪ ،‬كما ب ّينا ف�ساد الق�سم الثاين‬ ‫يف ما تقدم‪ ،‬واالعتقاد الذي يقابله عند م�سيحيي �سورية‪ ،‬هما وحدهما العقبة الك�ؤود يف طريق‬ ‫نه�ضة الأمة ال�سورية القومية‪ .‬وال �شك يف �أن نه�ضة الأقطار العربية جملة‪� ،‬أو بقاءها يف خمولها‪،‬‬ ‫تتوقف على نتيجة ال�صراع حول هذا االعتقاد‪ .‬وملا كنا قد بد�أنا بتفنيد االعتقادات الرجعية‬ ‫يف الأو�ساط الإ�سالمية ف�سنتابع ذلك قبل االنتقال �إىل االعتقادات امل�سيحية يف هذا الباب‪.‬‬ ‫وال بد لنا من العطف على ما ب ّيناه من ف�ساد االجتهاد القائل ب�أن الدين امل�سيحي يقول‬ ‫بوجوب اخل�ضوع لكل �سلطان يحكم املتدينني به ب�إظهار م�ضاره االجتماعية والقومية فهو‬ ‫تعليم مغر�ض وخيم العواقب‪:‬‬ ‫يف الدرجة الأوىل ت�أتي النتائج االجتماعية الوبيلة التي ميكن �أن تجُ مع يف كلمتي‪ :‬البغ�ض‬ ‫والعداوة بني امل�سلمني وامل�سيحيني يف الأمة الواحدة‪ .‬فامل�سيحيون يبغ�ضون امل�سلمني‪،‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪105‬‬

‫اجتماعياً‪ ،‬لأنهم ي�شعرون مبحاولة حتقريهم بهذا االعتقاد الفا�سد‪ .‬وامل�سلمون يبغ�ضون‬ ‫امل�سيحيني‪ ،‬اجتماعياً‪ ،‬لأن هذا االجتهاد الباطل يجعلهم يعتقدون �أن امل�سيحي ال ميكنه �أن‬ ‫يكون قومياً �صحيحاً ووطنياً �صادقاً‪ ،‬لأن تعاليم دينه‪ ،‬ح�سبما �شرحها لهم االجتهاد الفا�سد‪،‬‬ ‫متنعه من ذلك وتوجب عليه �إباحة عر�ضه‪ ،‬فت�ستحكم العداوة با�ستحكام االعتقادات الباطلة‪.‬‬ ‫والعداوة ي�ستغلها الأجنبي املتيقظ لقوميته وم�صاحلها‪ ،‬والنتيجة الأكيدة هي العبودية احلتمية‬ ‫التي ي�شرتك امل�سلمون وامل�سيحيون يف جرمية دفع بع�ضهم بع�ضاً �إليها‪ .‬وما هو ال�سبب؟‬ ‫ال�سبب هو االعتقادات الفا�سدة واالجتهادات املغر�ضة من الفريقني‪ ،‬املبنية بدورها على‬ ‫اعتقادات دينية واجتهادات فقهية �أو الهوتية هي �أي�ضاً فا�سدة �أو ال موجب حتمي لها من‬ ‫الوجهة االجتماعية ـ الدينية‪ ،‬كما �سنبينه‪.‬‬ ‫وهذه الوجهة القومية ـ االجتماعية هي �أعظم الدوافع التي دفعت كاتب هذا البحث �إىل تناول‬ ‫املو�ضوع ومعاجلته بهذه ال�صراحة الكلية‪ ،‬ولقد قال حممد قو ًال نطلب من جميع متتبعي هذا‬ ‫املو�ضوع اخلطري �أن يجعلوه ن�صب �أعينهم‪ ،‬لأن فيه حكمة اجتماعية ت�سهل ال�شيء الكثري‬ ‫من ال�صعوبات‪ .‬وقوله هو‪« :‬لو تكا�شفتم ملا تراقبتم»‪ .‬و�إننا نقول جلميع ال�سوريني‪ ،‬م�سلمني‬ ‫وم�سيحيني‪ :‬يجب عليكم �أن تتكا�شفوا فتعلم كل فئة ما ت�ضمر لها الفئة الأخرى بكل ما فيه‬ ‫من جميل وقبيح‪ ،‬ف�إذا تكا�شفتم فهو �أول الطريق �إىل �إ�صالح حالكم و�إقالة عثاركم‪ّ .‬‬ ‫وحل‬ ‫كل ق�ضية يتطلب معرفة جميع �أ�ضالعها و�إال كان ح ًال فا�سداً ال يثبت‪.‬‬ ‫والآن نعود �إىل حجج اجلانب الإ�سالمي الرجعية التي �أثارت كل هذا البحث امل�سهب‪،‬‬ ‫ولكي يكون البحث مفيداً يجب �أن يكون م�صنفاً ووا�ضحاً يف ترتيب متنا�سق‪ ،‬ولذلك نبد�أ‬ ‫بالت�صنيف الأ�سا�سي فنقول �إن الإ�سالم من حيث هو عقيدة وم ّلة يق�سم �إىل ق�سمني‪ :‬الأول‬ ‫هو الإ�سالم كدين‪ ،‬والثاين هو الإ�سالم كنظام اجتماعي ودولة‪.‬‬ ‫فالإ�سالم من حيث هو دين يرمي �إىل ثالثة �أغرا�ض �أخرية‪:‬‬ ‫‪� )1‬إحالل الإعتقاد باهلل الواحد حمل عبادة الأ�صنام‪.‬‬ ‫‪ )2‬فر�ض عمل اخلري وجتنب ال�شر‪.‬‬


‫‪106‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫‪ )3‬تقرير خلود النف�س والثواب والعقاب (احل�شر)‪.‬‬ ‫على هذه الأغرا�ض الأخرية قام الإ�سالم كدين فهي �أ�سا�س دعوة حممد و�صلبها‪ ،‬وما تبقى‬ ‫فهو الأمور ال�شكلية التي ُتتخذ و�سائل لبلوغ هذه الأغرا�ض وهي �أي�ضاً جوهرية ولكن �أهميتها‬ ‫ن�سبية من الوجهة الدينية البحت‪ .‬ولكي نقتنع ب�أن هذه الأغرا�ض ال تتم �إال بوا�سطة الديانة‬ ‫الإ�سالمية وحدها يجب علينا �أن نقتنع ب�أن الإ�سالم هو الذي جاء بها و�أنه هو �أ�سا�سها‪ ،‬فهل‬ ‫نتحقق ذلك من الوجهة التاريخية؟‬ ‫�إننا نتحقق العك�س متاماً ب�شهادة الكالم القر�آين نف�سه الذي عزاه حممد �إىل اهلل‪ .‬فكون‬ ‫اهلل واحداً‪ ،‬غري منظور‪ ،‬يرى كل �شيء قادراً على كل �شيء هي فكرة حملها اليهود �أو ًال‬ ‫واتخذوها عقيدة‪ ،‬وكذلك فكرة البعث والثواب والعقاب‪ ،‬وفر�ض عمل اخلري واالبتعاد عن‬ ‫ال�شر‪ .‬ولكن اليهود الذين كانوا يف حالة �أولية وظروف خ�صو�صية فهموا اهلل ووحدانيته‬ ‫بطريقة �أولية فجعلوه �أ�شبه �شيء بطوطم (‪� )Totem‬أو �صنم حي‪ ،‬غري منظور‪ ،‬خا�ص بالقبيلة‬ ‫الإ�سرائيلية التي يظهر �أنه مل يكن لها طوطم �أو �إله خا�ص يرمز �إىل �شخ�صيتها‪ ،‬فر�أوا �أن تكون‬ ‫فكرة اهلل طوطمهم اخلا�ص بهم الرامز �إىل �شخ�صيتهم �أ�سوة بالقبائل �أو ال�شعوب الأخرى‬ ‫التي احتكوا بها‪ ،‬ووجدوا �أن الطوطمية قد حتولت عندها �إىل تقدي�س �أ�صنام ب�شرية الهيئة‬ ‫�أو ممتزجة‪ ،‬وهو خطوة فوق طوطمية احليوانات والنباتات واملادة (الطوطمية ميل ن�ش�أ عند‬ ‫ال�شعوب الفطرية لعد حيوان ما‪ ،‬كلب �أو بقرة �أو ذئب‪ ،‬مث ًال‪� ،‬أو نبات ما �سنديانة �أو �أرزة‪،‬‬ ‫مث ًال‪� ،‬أو مادة ما‪� ،‬صخر �أو جبل‪ ،‬ممث ًال �شخ�صية القبيلة ورامزاً لنف�سيتها فيكون مقد�ساً عندها)‪.‬‬ ‫انظر كتاب «ن�شوء الأمم»( )‪.‬‬ ‫ر�أى اليهود �أن فكرة �إله حي يرى ويفكر ويخلق تق ّوي معنوياتهم وترهب �أعداءهم ملا فيها‬ ‫من هيبة اخلفاء وقوة احلياة جتاه جمود الأ�صنام‪ ،‬ف�ض ًال عن ال�ضرورة الداخلية للإلتجاء �إىل‬ ‫�سلطان ي�ؤيد الت�شريع واحلكم‪.‬‬ ‫ولكن اهلل مل يكن عندهم �أرقى كثرياً من الأ�صنام فكانت عبادتهم له وات�صالهم به �أ�شبه‬ ‫بعبادة الوثنيني الأ�صنام وات�صالهم بها‪ .‬فكانوا ي�شاورونه يف حروبهم كما كان الوثنيون‬ ‫‪6‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪107‬‬

‫ي�شاورون �آلهتهم يف حروبهم‪ ،‬وكان اهلل خا�صاً بهم كما كان لكل �شعب �أو �أمة �أو قبيلة‬ ‫�إله خا�ص به‪ .‬فهو لهم «�إله �إ�سرائيل» �أو «�إله يعقوب ون�سله» وهما واحد‪ .‬وكما كان ال�صنم‬ ‫يحارب عن عباده �أو ي�شري عليهم باحلرب �أو ال�سلم كذلك كان يهوه يحارب عن اليهود �أو‬ ‫ي�شري عليهم باحلرب �أو ال�سلم‪ ،‬ح�سبما يرى �أنه موافق م�صلحة اليهود‪ ،‬لأنه �إلههم وحدهم‬ ‫من دون النا�س‪ .‬وعلى هذه الكيفية مل تكن مرتبته �أعلى كثرياً من مرتبة �صنم‪ ،‬ووظيفته مل‬ ‫تكن �أرقى كثرياً من وظيفة �صنم‪ .‬هو الذي «و�ساق مثل الغنم �شعبه [وقادهم مثل قطيع يف‬ ‫الربية] وطرد الأمم من قدامهم»(املزامري‪.)54 - 52 :78 ،‬‬ ‫ومل تر ِتقِ فكرة اهلل عن فكرة الأ�صنام �إال بتعليم امل�سيح‪ .‬فقد ن�سخ امل�سيح فكرة كون اهلل‬ ‫خمت�صاً ب�شعب دون �شعب يحارب حروبه �ضد ال�شعوب الأخرى‪ .‬ف�صار اهلل يف امل�سيحية �إله‬ ‫جميع الب�شر على ال�سواء ال يفرق بني �سوري وهندي و�إغريقي‪ .‬ورف�ض امل�سيح �أن يكون من‬ ‫يبق يف امل�سيحية من ف�ضل لإن�سان على �إن�سان‬ ‫ن�سل «ال�شعب املختار» من �صلب داود‪ ،‬ومل َ‬ ‫�إال بالعمل بالرحمة يف املجتمع والعدل يف احلكم‪.‬‬ ‫ويف امل�سيحية واليهودية على ال�سواء فر�ض عمل اخلري وجتنب ال�شر وخلود النف�س والثواب‬ ‫والعقاب‪ .‬ولكن امل�سيحية واليهودية اختلفتا يف اخلري العام فجعله اليهود مقت�صراً على بني‬ ‫�إ�سرائيل و�أطلقته امل�سيحية لي�شمل جميع الأمم‪ .‬وبنا ًء عليه خرجت اليهودية من الإعتبار كدين‬ ‫�إن�ساين عام‪ .‬وبقي اليهود يف العامل احللقة املوجودة بني الآلهة ال�شعوبية والإله الإن�ساين‬ ‫العام‪ .‬ولكنها مل تخرج من غر�ض فكرة وحدانية اهلل وغر�ض فعل اخلري وجتنب ال�شر‪ .‬و�إذا‬ ‫�أخرجنا اليهودية من غر�ض اخلري الإن�ساين العام فال ميكننا �إخراج امل�سيحية منه ف�إنها �أ�سا�سه‪،‬‬ ‫وفكرة خلود النف�س والثواب والعقاب فيها هي فكرة وا�ضحة مالزمة جلميع تعاليمها‪ .‬فتحقيق‬ ‫�أغرا�ض الإ�سالم النهائية املذكورة �آنفًا ال يكون‪ ،‬يف احلقيقة‪� ،‬سوى حتقيق �أغرا�ض امل�سيحية‬ ‫عينها التي تقدمته‪ .‬فالأغرا�ض الدينية الأخرية‪� ،‬إذن‪ ،‬لي�ست �أغرا�ض الإ�سالم وحده‪ ،‬فلماذا‬ ‫عدها‪ ،‬كما هي بالفعل‪ ،‬م�شرتكة بني امل�سيحية والإ�سالم‬ ‫تتم �إال به وملاذا ال ميكن ّ‬ ‫ال ميكن �أن ّ‬ ‫تامة بوجود الدينني وبانت�شارهما كل يف البيئات الأكرث موافقة لتعاليمه وقبو ًال لها؟‬ ‫هذا ال�س�ؤال يفتح م�س�ألة الن�صو�ص القر�آنية التي قلنا �إن �أكرث املهيمنني على اجلماعات‬


‫‪108‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫الإ�سالمية ال يتدبرونها �أو ال يريدون �أن يتدبروها‪� ،‬إال وفاقاً لفكرة جامدة �أوجدتها تقاليد‬ ‫�صدر الإ�سالم وفتوحاته‪ ،‬و�أكرثها م�ستمد من ن�صو�ص الق�سم الثاين من الإ�سالم كدولة‪.‬‬ ‫و�إىل هذه الن�صو�ص يلج�أ جميع الذين يريدون �إقامة القومية على الدين كمدر�سة التفكري‬ ‫التي �أ�س�سها ال�سيد الأفغاين وال�شيخ حممد عبده‪.‬‬ ‫هل يعني ذلك �أن ن�ص الر�سالة القر�آنية على نوعني؟‬ ‫اجلواب العلمي (ولي�س الديني) على هذا ال�س�ؤال هو‪ :‬نعم‪� ،‬إن الن�صو�ص القر�آنية على‬ ‫نوعني ويجب �أن تدر�س من وجهتي الدين والدولة‪ .‬وبهذه الطريقة فقط ميكن فهم الإ�سالم‬ ‫فهماً �صحيحاً من الوجهة التاريخية‪ ،‬وبهذه الطريقة فقط ميكن اال�ستفادة من مرونة الإ�سالم‬ ‫ملنع جموده وحتجره كما حتجرت اليهودية‪.‬‬ ‫وبهذه الطريقة يو�ضع حد مل�شعوذي الدين فال ي�ست�شهدون ب�آيات الق�سم الديني يف غر�ض‬ ‫الدولة وب�آيات الق�سم الدويل يف غر�ض الدين فتت�ضارب �أغرا�ض الإ�سالم من دين ودولة كما‬ ‫هو حادث �إىل اليوم وت�ضطرب �سكينة امل�ؤمنني امل�سلمني‪ ،‬الذين يجدون �أنف�سهم م�سوقني‬ ‫�أحياناً لت�ضحية بع�ض �آيات الدين يف �سبيل �إقامة بع�ض �آيات الدولة‪ ،‬وهو الأكرث �ضرراً‪،‬‬ ‫و�أحياناً لت�ضحية بع�ض �آيات الدولة يف �سبيل بع�ض �آيات الدين‪ ،‬من غري معرفة �صحيحة ملا‬ ‫هو الواجب ح�سب حقيقة الدين‪.‬‬ ‫هذا التحليل ال يوافق هوى الذين يريدون �أن تظل عامة امل�سلمني جاهلة هذه احلقائق ليتمكنوا‬ ‫من ت�سيريها وفاقاً لرغائبهم اخل�صو�صية‪ ،‬كما مل يوافق حتليل م�سائل الدين امل�سيحي هوى‬ ‫الذين �أرادوا �إبقاء عامة امل�سيحيني جاهلة حقائق تف�سد �أغرا�ضهم‪ ،‬فرتى الرجعيني وت�سمعهم‬ ‫ي�صيحون‪� :‬إن هذا �إال كالم يق�صد به «نق�ض بناء امل ّلة الإ�سالمية ومتزيقها �شيعاً و�أحزاباً» كما‬ ‫قال �صاحبا «العروة الوثقى»‪ .‬ولكننا نقول �إن معرفة احلقائق هي طريق ارتقاء الأمم الوحيدة‬ ‫من جميع الأديان‪.‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪109‬‬

‫اهلوامش‬ ‫‪« - 1‬العروة الوثقى» م�صدر �سبق ذكره‪ ،‬ال�صفحتان ‪.26 - 25‬‬ ‫‪ - 2‬امل�صدر ال�سابق‪ ،‬ال�صفحة ‪.25‬‬ ‫‪� - 3‬أنطون �سعادة‪ ،‬الأعمال الكاملة‪ ،‬اجلزء الأول‪� ،‬إ�صدار «م�ؤ�س�سة �سعادة للثقافة» ‪ -‬بريوت‬ ‫‪ ،2001‬ال�صفحة ‪.381‬‬ ‫‪« - 4‬العروة الوثقى»‪ ،‬ال�صفحة ‪.150‬‬ ‫‪� - 5‬أنطون �سعادة‪ ،‬م�صدر �سبق ذكره‪ ،‬اجلزء الثاين ال�صفحة ‪.339‬‬ ‫‪� - 6‬أنطون �سعادة‪« ،‬ن�شوء الأمم»‪ .‬م�صدر �سبق ذكره‪ ،‬اجلزء الثالث ال�صفحة ‪.76‬‬


‫‪110‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫أغراض الدين واختالف األديان‬ ‫�إن ن�صو�ص الإ�سالم كدين تقول �إن الدين مل يبتديء مبحمد‪ ،‬بل ب�إبراهيم‪ ،‬جرياً على تقاليد‬ ‫اليهود‪ ،‬و�إن الوحي ن ّزل على حممد لت�أييد الكتب ال�سابقة (التوراة والإجنيل)‪ ،‬ولتذكري‬ ‫فك�ش ُف الدين‬ ‫النا�س الذين جاءتهم الكتب ولإنذار الذين مل ي�أتهم قبل حممد من نذير‪ْ .‬‬ ‫للمرة الأوىل مق�صود به الآخرون‪� ،‬أي الذين مل ي�أتهم نذير قبل حممد‪� ،‬أما �أهل الكتاب فقد‬ ‫نزل القر�آن م�صدقاً ملا معهم‪ ،‬فال خالف يف �أنه الدين �أو �أنه والقر�آن دين واحد ور�سالة واحدة‪.‬‬ ‫لي�س ما قررناه يف الفقرة املتقدمة جمرد ت�أويل لبع�ض �آيات قر�آنية التقطت التقاطاً‪ ،‬كما جرى‬ ‫ويجري لك ّتاب كثريين م�سلمني وم�سيحيني يكتفون ب�سماع قول �أو �آية واحدة �أو ب�ضع �آيات‬ ‫من القر�آن �أو الإجنيل لي�ؤولوا الدين الإ�سالمي �أو امل�سيحي كله على ما ي�ستنتجون منها‪ ،‬من‬ ‫غري معرفة بحقيقتها‪ ،‬بل هو نتيجة در�س علمي ا�ستقرائي لن�ش�أة الر�سالة الإ�سالمية وتطورها‬ ‫وتد ّبر ملا ورد من الآي يف هذا الباب يف جميع �سور القر�آن من �أول �سورة �إىل �آخر �سورة‪.‬‬ ‫وال بد من الإ�شارة‪ ،‬يف هذا ال�صدد‪� ،‬إىل �أن در�س القر�آن لي�س بال�شيء الهني‪ ،‬وكثري من‬ ‫املقبلني على قراءته ي�ضلون فيه ل�سبب عدم وجود �أي تنظيم مو�ضوعي �أو حادثي يف ترتيب‬ ‫�سوره و�آياته‪ .‬فقد ذكرنا يف حلقة متقدمة �أن الذين جمعوا القر�آن رتبوا ال�سور املدنية �أو ًال نظراً‬ ‫لأهميتها ال�شرعية‪ ،‬على �أن ذلك لي�س كام ًال يف ال�صحة‪� ،‬أي �أنه �إذا كانت العناية وجهت �إىل‬ ‫�أحكام ال�شرع‪ ،‬قبل كل �شيء‪ ،‬ف�إنه مل جت ِر �أية حمافظة على هذه القاعدة‪ ،‬فال�سور الت�شريعية‬ ‫ال ت�أتي متعاقبة‪ .‬هذا وال�سور عينها ال حمافظة يف كل منها على مو�ضوع واحد‪ ،‬بل ت�أتي يف‬ ‫ال�سورة الواحدة عدة موا�ضيع فمنها الذكر ومنها الق�ص�ص ومنها الت�شريع املقت�ضب‪ .‬وينقطع‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪111‬‬

‫الت�شريع يف املو�ضوع الواحد �أو يتم يف �إحدى ال�س َور فيظن القاريء �أن املو�ضوع قد كمل و�أن‬ ‫الغاية قد متت ف�إذا يف �سورة �أخرى عودة �إىل معاجلة املو�ضوع عينه و�إذا هنالك تعديل �أو زيادة‬ ‫ملا ورد قبل‪.‬‬ ‫وقد تبينّ �أن الطريقة التي اتبعت يف جمع �س َور القر�آن وترتيبها هي طريقة اختيار الطول‬ ‫والق�صر‪ ،‬فال�س َور الطوال ت�أتي �أو ًال وتليها الأقل طو ًال ثم الأق�صر‪� ،‬إىل الغاية يف الق�صر من غري‬ ‫حمافظة على الدقة الكلية يف ذلك ف�إذا كان الفرق �آيات قليلة فال لزوم للتقدمي والت�أخري‪ .‬وقد‬ ‫عدها فاحتة الكتاب ف�سميت «�أم القر�آن»‪.‬‬ ‫و�ضعت �سورة «الفاحتة» يف �أول القر�آن لأن النبي ّ‬ ‫وت�أتي بعد «الفاحتة» التي هي نوع من ال�صالة والت�سبيح �سورة «البقرة» و�آيها ‪ 286‬وتليها‬ ‫�سورة «�آل عمران» و�آيها ‪ 200‬ثم تليها �سورة «الن�ساء» و�آيها ‪ 176‬وهكذا دواليك‪ .‬ومن �أراد‬ ‫�أن يدر�س القر�آن در�ساً علمياً على هذه الطريقة ال ي�صل �إىل نتيجة �صحيحة‪ ،‬فيحتاج �إىل‬ ‫در�س التواريخ وكتب ال�سرية وي�ضطر لرتتيب القر�آن ترتيباً جديداً على الن�سق احلادثي �أو‬ ‫التعاقبي الذي ُيعرف به �أية �سورة هي ال�سابقة يف الوحي‪ ،‬و�أية هي الالحقة‪ .‬فيعرف كيف‬ ‫نزل القر�آن واحلاالت التي نزلت فيها كل �سورة‪ .‬فيتتبع تطور الر�سالة بتطور حاالتها ويفهم‬ ‫عالقة ا�ستنزال الآيات باحلاالت واحلوادث اجلارية‪ ،‬وينتهي �إىل فهم حقيقة املق�صود من �آيات‬ ‫�إذا ُجردت عن احلاالت واحلوادث ظهرت مت�ضاربة �أو غري منطقية‪ ،‬كما ظهر من جتريد ال�سيد‬ ‫الأفغاين وال�شيخ حممد عبده �آية «�أعطوا ما لقي�صر لقي�صر وما هلل هلل» الإجنيلية من احلالة‬ ‫واحلادث اللذين قيلت فيهما‪ ،‬فبدت غري منطقية ولكن حني در�سنا هذه الآية وو�ضعناها‬ ‫يف حملها ظهر لنا بجالء �أنها على العك�س متاماً مما فهمه منها الكاتبان املذكوران اللذان مل‬ ‫يك ّلفا �أنف�سهما م�شقة مراجعة الإجنيل وفح�ص حقيقة �أمر هذه الآية ويف �أي موقف قيلت‪.‬‬ ‫وكما جرى لهذين الكاتبني وغريهما من �إ�ساءة فهم الآي الإجنيلية ب�سبب عدم در�س عالقة‬ ‫احلوادث واحلاالت بالآيات‪ ،‬كذلك جرى ويجري لهما ولغريهما يف الكالم على الآي‬ ‫القر�آنية من غري قرن كل �آية باحلادث �أو ��حلالة الذي ا�ستنزلت فيه‪.‬‬ ‫قد ر�أينا كيف �أ�سيء فهم بع�ض الآيات امل�سيحية‪ ،‬فل َرن كيف �أ�سيء وميكن �إ�ساءة فهم بع�ض‬ ‫الآيات الإ�سالمية فن�أخذ مث ًال هذه الآية‪{ :‬و�إذ تقول للذي �أنعم اهلل عليه و�أنعمت عليه‬


‫‪112‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫�أم�سك عليك زوجك واتق اهلل وتخفي يف نف�سك ما اهلل مبديه وتخ�شى النا�س واهلل �أحق‬ ‫�أن تخ�شاه فلما ق�ضى زيد منها َو َطراً زوجناكها لكي ال يكون على امل�ؤمنني حرج يف �أزواج‬ ‫�أدعيائهم �إذا ق�ضوا منهن وطراً وكان �أمر اهلل مفعو ًال}(الأحزاب‪ .)37 ،‬ف�إن من يقر�أها لأول‬ ‫حم�ص ًال ثابتاً لنف�سه‪ .‬والق�سم الأخري‬ ‫مرة ومن غري علم مبا دار عليه كالمها يكاد ال يفهم لها ّ‬ ‫ال�شرعي منها �إذا ق�صد منه جواز االقرتان مبطلقة م�سلمة فاحلكم وارد ب�صورة وا�ضحة يف �سورة‬ ‫ال�سور‪ ،‬ولكن امل�س�ألة ت�صبح وا�ضحة متاماً بعد معرفة احلادث املخت�صة‬ ‫«البقرة» وغريها من ّ‬ ‫به الآية‪ ،‬وهو �أن حممداً كان قد عتق زيد بن حارثة وكان زيد قد تزوج امر�أة ا�سمها زينب‬ ‫«ف�أب�صرها حممد‪ ،‬بعدما �أنكحها �إياه فوقعت يف نف�سه فقال‪�« :‬سبحان اهلل مق ّلب القلوب»‬ ‫()‬ ‫و�سمعت زينب بالت�سبيحة فذكرت لزيد ففطن لذلك ووقع يف نف�سه كراهة �صحبتها»‬ ‫فطلقها لكي ال يكون حاجزاً بينها وبني ويل نعمته فاتخذها حممد زوجة من غري وا�سطة‬ ‫عقد ب�سبب �أن الآية نزلت فيها‪ .‬فكان ذلك حادثاً يقت�ضي نظرة خا�صة نظراً للعالقة و�صلة‬ ‫الدعي وكان حدوثه و�سيلة لنزول الآية التي �أباحت للم�ؤمنني‬ ‫املنزلة بني ال�سيد واملوىل �أو ّ‬ ‫اتخاذ ن�ساء �أدعيائهم {�إذا ق�ضوا منهن وطراً} ‪ .‬هذا مثل يف الت�شريع‪ ،‬والأمثلة يف الإر�شاد‬ ‫والوعظ والوعد والوعيد كثرية وكلها ت�ؤيد �أن الإ�ستدالل على معنى الآيات‪ ،‬م�سيحية‬ ‫كانت �أم �إ�سالمية‪ ،‬ب�صورة ا�ستبدادية ومن غري رجوع �إىل مو�ضع الآية ومو�ضوعها واحلال �أو‬ ‫احلادث الذي نزلت فيه هو �أمر كثرياً ما يف�ضي �إىل غري �أو عك�س املق�صود من الآيات الدينية‬ ‫التي منها ما هو مطلق ومنها ما هو مقيد فيجب فهم كل ذلك بدقة لإ�صابة املعنى احلقيقي‬ ‫والغر�ض املق�صود من الآيات‪.‬‬ ‫ولذلك نعود فنقول �إن فهم كون الن�ص القر�آين على نوعني‪ :‬يف الدين ويف الدولة‪ ،‬يقت�ضي‬ ‫تدبراً ال ميكن �أن يح�صل من االبتداء بدر�س القر�آن ح�سب ترتيبه‪� ،‬أي باالبتداء بالفاحتة‬ ‫ثم بالبقرة فب�آل عمران فبالن�ساء فباملائدة �إلخ‪ .‬ف�إن هذا الرتتيب بعيد عن �إعطاء القاريء‬ ‫�صورة �صحيحة للر�سالة الإ�سالمية واملوا�ضيع املحلية والعامة التي عاجلتها‪ .‬وال�صواب �أن‬ ‫ُيبتد�أ ب�سورة العلق فبالقلم فباملزمل فباملدثر‪� ،‬إلخ‪ .‬ح�سب تعاقب ال�سور كما �أعلنها النبي‬ ‫ولي�س ح�سب ترتيب ال�س َور الإ�ستبدادي يف القر�آن‪ .‬ف�إن �أول �سورة نزلت هي العلق ولي�ست‬ ‫‪1‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪113‬‬

‫الفاحتة وثاين �سورة نزلت هي القلم ولي�ست البقرة وهكذا على التوايل‪.‬‬ ‫والآن نعود �إىل متابعة ما بد�أناه يف هذه احللقة يف ما يثبته الن�ص القر�آين ملا هو الدين‪ .‬ف�إن‬ ‫ترم يف الأ�صل �إىل غري الأغرا�ض الدينية الثالثة التي عددناها‬ ‫بداءة الر�سالة الإ�سالمية مل ِ‬ ‫ي�شتم منه رائحة التفريق �أو التمييز بني ر�سالة حممد‬ ‫يف احللقة ال�سابقة ومل يكن فيها �شيء ّ‬ ‫ور�ساالت الأنبياء ال�سابقني‪ ،‬من عهد نوح و�إبراهيم‪ ،‬الذي ظهر يف �أواخر الر�سالة بقوله‪{ :‬هو‬ ‫الذي �أر�سل ر�سوله بالهدى ودين احلق ليظهره على الدين كله ولو كره امل�شركون}(ال�صف‪،‬‬ ‫‪ .)9‬وهو من �ش�ؤون الإ�سالم كدولة �أكرث كثرياً مما هو من �ش�ؤون الإ�سالم كدين �أو هو من‬ ‫ال�ش�ؤون الدينية املق�صود بها معاجلة احلالة ال�سيا�سية الداخلية يف ال ُعربة‪ ،‬ولي�س مق�صوداً بها‬ ‫�إقامة الأغرا�ض الدينية ال�صافية �أو الأغرا�ض الدينية ـ االجتماعية ال�صحيحة التي عددناها‬ ‫يف احللقة ال�سابقة‪ ،‬لأن الأغرا�ض الدينية ال�صحيحة هي عينها يف الإ�سالم ويف امل�سيحية ويف‬ ‫اليهودية‪� ،‬إال �أن هذه الأخرية خرجت من مبد�أ اخلري العام فقط‪.‬‬ ‫قلنا �آنفاً �إن ن�صو�ص الإ�سالم كدين تقول �إن الدين (�أي الدين ال�صحيح) مل يبتديء مبحمد‪،‬‬ ‫بل ب�إبراهيم‪ ،‬وقد ذهبت هذه الن�صو�ص �إىل �أكرث من ذلك فقالت �إن الإ�سالم نف�سه مل يبتديء‬ ‫مبحمد‪ ،‬بل ب�إبراهيم {قل �إنني هداين ربي �إىل �صراط م�ستقيم ديناً قيماً م ّلة �إبراهيم حنيفاً وما‬ ‫كان من امل�شركني}(الأنعام‪{ ،)161 ،‬م ّلة �أبيكم �إبراهيم هو �سماكم امل�سلمني من قبل}‬ ‫(احلج‪ .)78 ،‬وهذا الكالم هو نهج ال�س َور املكية التي فيها �أ�سا�س الدين وجوهر �أغرا�ضه و�إن‬ ‫تكن الأخرية مدنية‪ .‬ومن نهج ال�س َور املكية قوله‪�{ :‬إمنا �أُمرت �أن �أعبد رب هذه البلدة (البلد‬ ‫احلرام) الذي حرمها وله كل �شيء و�أُمرت �أن �أكون من امل�سلمني}(النمل‪.)91 ،‬‬ ‫يهم كل دار�س عامل حمقق معرفة �أول كالم فاه به حممد يف ت�أدية ر�سالته‪،‬‬ ‫مما ال �شك فيه �أنه ّ‬ ‫لأن الكالم الأول هو �إعالن الر�سالة وعنوانها ومبد�أها‪ ،‬وما ي�أتي بعد يكون تابعاً له وم�ؤيداً �إياه‬ ‫ومكم ًال لغر�ضه‪ ،‬فهو الأ�سا�س وما ي�أتي بعد هو البناء الذي ال يحيد وال ينحرف لئال ي�سقط‪.‬‬ ‫فماذا كان �أول �شيء �أعلنه حممد للذين اقرتبوا منه؟ ما هو الإلهام الذي ّ‬ ‫حل عليه والنور‬ ‫الذي �أب�صره؟ ما هي الدعوة و�إىل �أي �شيء هي؟‬


‫‪114‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫هذه الأ�سئلة وغريها تدغدغ خميلة كل مفكر عميق يريد �أن يعرف بداءة الفكرة ومنتهاها‬ ‫ويحيط بتطوراتها وتفا�صيلها ليح�صل له الفهم الكامل لها‪ ،‬وبدون هذه املعرفة وهذه االحاطة‬ ‫يكون فهم الر�سالة جزئياً مبعرثاً �أو مت�ضارباً وهو ما يوقع يف الهو�س املنحرف الذي ال يفت�أ‬ ‫ي�صطدم مبا حوله‪ .‬فماذا كان �أول ما �أعلنه حممد من الوحي؟‬ ‫كان �سورة العلق وهي ت�سع ع�شرة �آية ق�صرية هذا ن�صها‪{ :‬ب�سم اهلل الرحمن الرحيم‪ .‬اقر�أ‬ ‫با�سم ربك الذي خلق‪ .‬خلق الإن�سان من علق‪ .‬اقر�أ وربك الأكرم‪ .‬الذي ع ّلم بالقلم‪ .‬ع ّلم‬ ‫الإن�سان ما مل يعلم‪ .‬كال �إن الإن�سان ليطغى‪� .‬أن ر�آه ا�ستغنى‪� .‬إن �إىل ربك الرجعى‪� .‬أر�أيت‬ ‫الذي ينهى‪ .‬عبداً �إذا �صلى‪� .‬أر�أيت �إن كان على الهدى‪� .‬أو �أمر بالتقوى‪� .‬أر�أيت �إن ّ‬ ‫كذب‬ ‫وتوىل‪� .‬أمل يعلم ب�أن اهلل يرى‪ .‬كال لئن مل ينت ِه لن�سفعاً بالنا�صية‪ .‬نا�صية كاذبة خاطئة‪َ .‬ف ْل َي ْد ُع‬ ‫�سندع الزبانية‪ .‬كال ال ُتطع ُه وا�سجد واقرتب} ‪.‬‬ ‫ناديه ُ‬ ‫ومن در�سنا هذه ال�سورة نرى �أنها ا�شتملت على الأمور الآتية‪:‬‬ ‫‪ )1‬ذكر ا�سم اهلل ونعوته‪.‬‬ ‫‪ )2‬القول باملعاد �أو احل�شر‪.‬‬ ‫‪� )3‬إنذار ّ‬ ‫املكذب الناهي عن ال�صالة ب�سوء العاقبة‪.‬‬ ‫ويجد الدار�س يف هذه ال�سورة طابع القر�آن الذي الزمه حتى �آخر �سورة‪ .‬ومن مقابلته على‬ ‫التوراة والإجنيل يت�ضح �أنه �أ�شبه �شيء باملزامري يف التوراة منه ب�أي ق�سم �آخر‪ .‬فهو �شعري‬ ‫ترتيلي �أكرث مما هو تعليمي �أو �إخباري‪ .‬والق�ص�ص فيه‪ ،‬كما يف املزامري‪� ،‬أخبار قليلة مقت�صرة‬ ‫على ما يفيد عربة �أو مغزى وال تتناول فل�سفة اخلليقة وتعليلها‪ ،‬ذلك �أن القر�آن يعد هذه‬ ‫باحل�ض‬ ‫الفل�سفة موجودة يف الكتب ال�سابقة التي جاء م�صدقاً لها‪ .‬ولذلك ات�صف القر�آن ّ‬ ‫والتهويل‪ .‬و�إذا ذكر كيفية اخللق ذكرها ب�صورة �شعرية مق�صود منها الت�أثري على ال�سامع �أكرث‬ ‫من تعيني كيفية اخللق �أو كيفية حدوثه ب�صورة ثابتة من باب �سرد الواقع‪ .‬وهذا الأ�سلوب‬ ‫وا�ضح يف ال�سورة الأوىل بقوله‪{ :‬اقر�أ با�سم ربك الذي خلق‪ .‬خلق الإن�سان من علق‪ .‬اقر�أ‬ ‫وربك الأكرم‪ .‬الذي ع ّلم بالقلم‪ .‬ع ّلم الإن�سان ما مل يعلم}‪ ،‬فقوله‪« :‬خلق الإن�سان من علق‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪115‬‬

‫وع ّلم بالقلم» مق�صود منه ت�صوير عظمة اخلالق وقدرته ت�صويراً �شعرياً ي�ؤثر يف ال�شعور �أكرث‬ ‫مما هو مق�صود منه �إعطاء تعليل فل�سفي لكيفية اخللق �أو كيفية التعليم‪ .‬فاهلل‪ ،‬من الوجهة‬ ‫الدينية‪ ،‬ع ّلم بالقلم وبغري القلم وخلق من علق ومن غري علق‪ ،‬كما يعود القر�آن فيذكر يف‬ ‫ال�سورة التالية‪ .‬ولكن قوله‪« :‬من علق وبالقلم» هو من لوازم ال�سجع والت�صور ال�شعري �أكرث‬ ‫مما هو من باب البيان الفل�سفي املنطقي‪ .‬وكذلك قوله‪{ :‬لن�سفعاً بالنا�صية‪ .‬نا�صية كاذبة‬ ‫خاطئة} فهو من باب الت�صوير ال�شعري حلالة املذنب وذ ّله �إذ ُيج ّر من نا�صيته �إىل العذاب‬ ‫ولي�س تقريراً لكيفية �سوق املذنب �إىل جهنم على وجه التحقيق‪� ،‬أيكون ذلك بالقب�ض على‬ ‫النا�صية �أو بربط اليدين �أو بطريقة �أخرى‪.‬‬ ‫وال�سورة الثانية «القلم» ال ت�شتمل �سوى على حتذير من املكذبني ووعيد العذاب ووعد‬ ‫بالأجر‪ .‬والثالثة «املزمل» فيها �أول تعظيم هلل وقدرته ب�صورة بارزة و�أول �إنذار {واملكذبني �أويل‬ ‫النعمة} بالعذاب و�أول ذكر {للجحيم} وفيها تعيني �صفة القر�آن بقوله يف الآية الرابعة‬ ‫{ور ِّتل القر�آن ترتي ًال}‪ .‬ويف هذه ال�سورة تعيني �أن حممداً مر�سل �إىل «املكذبني �أويل النعمة»‬ ‫وهم �صناديد قري�ش املهيمنون على القبائل العربية كما كان مو�سى مر�س ًال �إىل فرعون‪ .‬والآية‬ ‫تقول‪�{ :‬إ ّنا �أر�سلنا �إليكم ر�سو ًال �شاهداً عليكم‪ .‬كما �أر�سلنا �إىل فرعون ر�سو ًال}(املزمل‪،‬‬ ‫‪ .)15‬وذكر مو�سى وفرعون يف هذه ال�سورة قبل ذكر الأخبار التاريخية املتعلقة باحلادث‬ ‫الذي ترويه التوراة يفرت�ض �أن الأخبار معروفة مما جاء يف التوراة‪ .‬ويف هذه ال�سورة �أول ذكر‬ ‫الحتمال وجود {�آخرون يقاتلون يف �سبيل اهلل}(املزمل‪ )20 ،‬من غري دعوة �إىل القتال �أو‬ ‫حتري�ض عليه‪ .‬فيختفي ذكر القتال من ال�س َور يف املدة املكية‪ ،‬وهي ثالث ع�شرة �سنة‪ .‬وقال‬ ‫البع�ض �إن املدة املكية ع�شر �سنوات فقط‪ ،‬واملرجح الأول‪ .‬وت�أتي بعد «املزمل» �سور كثرية‬ ‫املدثر‪ .‬قم ف�أنذر‪ .‬وربك‬ ‫«املدثر» التي ت�أتي قبلها وفيها {يا �أيها ّ‬ ‫كلها ترتيل وت�سبيح كالفاحتة �أو ّ‬ ‫فكبرّ ‪ ...‬ف�إذا نقر يف الناقور‪ .‬فذلك ٍ‬ ‫يومئذ يوم ع�سري‪.}...‬‬ ‫وقد ر�أينا يف ال�سورة الثانية ِذكر مو�سى وفرعون‪ .‬و�إننا نرى يف ال�سورة الثامنة «الأعلى» ذكر‬ ‫{ال�صحف الأوىل‪� .‬صحف �إبراهيم ومو�سى} وهو يدل على الإت�صال بالتوراة �أو ًال قبل‬ ‫الإت�صال بالإجنيل‪ِ .‬فذكر امل�سيح ي�أتي يف �سورة مت�أخرة‪ ،‬و�أول �إ�شارة �إىل �أخذ العلم به هي يف‬


‫‪116‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫جد ربنا ما اتخذ �صاحبة وال ولداً}(الآية ‪ .)3‬وال ذكر غري ذلك‬ ‫«اجلن» بقوله‪{ :‬و�أنه تعاىل ُّ‬ ‫ك�س َّنة الرجال‬ ‫للم�سيح ور�سالته‪ّ .‬‬ ‫وحم�صل الآية ا�ستنكار �أن اهلل اتخذ امر�أة ولدت له ولداً ُ‬ ‫املخلوقني وعدم �إمكان اعتبار بنوية امل�سيح هلل‪ ،‬التي يقول بها امل�سيحيون‪� ،‬إال حادثاً من تزاوج‬ ‫بيولوجي‪ .‬وبعد ات�صال القر�آن بالإجنيل �أكرث يتعدل هذا احلكم نوعاً بالقول �إن امل�سيح ولد‬ ‫{من روح اهلل} ر�أ�ساً‪.‬‬ ‫بعد مرور ثالث وثالثني �سورة على ابتداء الر�سالة املحمدية وكلها �س َور ترتيلية ت�سبيحية‬ ‫تدعو �إىل الإقرار باهلل وتنذر «املكذبني»‪ ،‬تبتديء الر�سالة تتخذ �شك ًال من الدعوة الوا�ضحة‬ ‫يف �سورة «ق» بقوله‪{ :‬ق والقر�آن املجيد بل عجبوا �أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا‬ ‫�شيء عجيب �أ�إذا متنا وكنا تراباً ذلك رجع بعيد}(الآيات ‪ .)3 - 1‬فوا�ضح �أن الكالم موجه‬ ‫�إىل جماعة الر�سول التي ال ت�ؤمن بالبعث‪ .‬وهو م�ؤيد ب�آيات كثرية ت�أتي بعد قوله‪{ :‬لتنذر‬ ‫قوماً ما �أنذر �آبا�ؤهم فهم غافلون}(ي�س‪ .)6 ،‬وقوله قبل ذلك‪{ :‬ولقد ّي�سرنا القر�آن للذكر‬ ‫فهل من مذكر}(القمر‪ .)17 ،‬وتتكرر هذه الآية يف �سورة «القمر»‪ .‬ويف �سورة «احلجر» �أن‬ ‫القر�آن هو الذكر بقوله‪{ :‬وقالوا يا �أيها الذي نزل عليه الذكر �إنك ملجنون}(الآية ‪ .)6‬ويزداد‬ ‫غر�ض الدعوة و�ضوحاً بقوله يف «يون�س»‪�{ :‬أكان للنا�س َع َجباً �أن �أوحينا �إىل رجل منهم �أن‬ ‫�أنذر النا�س وب�شّ ر الذين �آمنوا �أن لهم قدم �صدق عند ربهم قال الكافرون �إن هذا ل�ساحر‬ ‫مبني}(الآية ‪ .)2‬وقوله‪« :‬الذين �آمنوا» ال يقت�صر على الذين اتبعوا حممد‪ ،‬بل يتناول الذين‬ ‫�آمنوا بالكتب ال�سابقة‪ .‬وهذا الت�أكيد م�ؤيد ب�آيات من ال�سورة عينها كقوله‪{ :‬وما كان هذا‬ ‫ولكن ت�صديق الذي بني يديه وتف�صيل الكتاب ال ريب فيه من‬ ‫القر�آن �أن ُيفرتى من دون اهلل ْ‬ ‫رب العاملني}(الآية ‪ .)37‬وقوله‪« :‬ولكل �أمة ر�سول» وقد �أثبتناه �سابقاً‪ ،‬وقوله‪{ :‬ف�إن كنت‬ ‫يف �شك مما �أنزلنا �إليك فا�س�أل الذين يقر�أون الكتاب من قبلك لقد جاءك احلق من ربك‬ ‫فال تكونن من املمرتين}(الآية ‪ .)94‬وهذه الآية تقول بالرجوع �إىل الكتب املنزلة من قبل‬ ‫(التوراة والإجنيل) للإ�ست�شهاد وت�أييد �صحة كالم القر�آن ودعوته �إىل اهلل احلي‪ ،‬وترك عبادة‬ ‫الأ�صنام‪ ،‬والإميان بالبعث‪ .‬ويتلو الت�أييد الت�أييد كما يف �سورة «الأنعام» بقوله‪{ :‬وهذا كتاب‬ ‫�أنزلناه مبارك م�صدق الذي بني يديه ولتنذر �أم القرى ومن حولها والذين ي�ؤمنون بالآخرة‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪117‬‬

‫ي�ؤمنون به وهم على �صالتهم يحافظون}(الآية ‪ .)92‬وهذا يعني �أن الذين �آمنوا بالآخرة من‬ ‫قبل يف التوراة والإجنيل ي�ؤمنون بالقر�آن �أي�ضاً لأنه م�صدق ملا معهم‪ ،‬وال يتوجب عليهم تغيري‬ ‫«�صالتهم» �أو طرق دينهم لأن القر�آن ال ينق�ضها‪ .‬وهو يخاطب الأنبياء قائ ًال‪�{ :‬إن هذه �أمتكم‬ ‫�أمة واحدة و�أنا ربكم فاعبدون}(الأنبياء‪ .)92 ،‬وجميع هذه الآيات وطائفة كبرية غريها‪،‬‬ ‫منها ما ذكرناه يف احللقات ال�سابقة ومنها ما مل نذكره‪ ،‬ي�ؤيد قولنا �إن �أغرا�ض الدين الأ�صلية‪،‬‬ ‫وهي التي عددناها يف احللقة ال�سابقة‪ ،‬لي�ست مما مل يوجد �إال بالقر�آن و�إن القر�آن بالذات‬ ‫يعرتف ب�أن غر�ض الدين ُوجد من قبل مبا نزل من الكتب ال�سابقة التي تقدمت القر�آن والتي‬ ‫يجب �أن يكون القر�آن مطابقاً لها لي�صح �أن ي�شهد {الذين يقر�أون الكتاب} ب�أنه {احلق من‬ ‫ربك}(يون�س‪� ،)94 ،‬أي مطابقاً لها يف �أ�سا�س الدعوة �إىل اهلل وفعل اخلري وترك ال�شر‪ ،‬والإميان‬ ‫بالآخرة‪ ،‬ولي�س يف ما اختلف فيه النا�س يف �صفات الر�سل ومنازلهم‪.‬‬ ‫بنا ًء عليه ي�صح كل ال�صحة القول‪� :‬إن �أغرا�ض الدين الأ�سا�سية �أو اجلوهرية التي دعا �إليها‬ ‫الإ�سالم تتم بوا�سطة الإ�سالم وامل�سيحية معاً و�إىل حد ما اليهودية �أي�ضاً‪ .‬والقر�آن ال يقول‬ ‫نقي�ض ذلك‪ ،‬ولكن الر�سالة الإ�سالمية انتقلت من حالة الدعوة �إىل الإميان بها �إىل حالة‬ ‫اجلهاد �ضد امل�شركني الذين قاوموها‪ ،‬وهم عبدة الأوثان الذين ُوجهت �إليهم الدعوة يف‬ ‫الأ�صل‪ ،‬لإخ�ضاعهم للدين بالقوة‪ ،‬لأن التب�شري والإنذار مل ي�ؤثرا فيهم فلم ينتهوا عما كانوا‬ ‫فيه‪ .‬وملّا مل جتد الر�سالة الإ�سالمية ت�أييداً كلياً من اليهود وامل�سيحيني يف ال ُعربة‪ ،‬بل وجدت‬ ‫مقاومة خ�صو�صاً من اليهود �صار ال بد من عدهم خ�صوماً يجب حملهم على االعرتاف‬ ‫ب�صحة الر�سالة واالميان بها من حيث هي م�صدقة ملا معهم‪ .‬وهذا اخلالف هو من ال�ش�ؤون‬ ‫املذهبية يف الدين ولي�س يف �أغرا�ض الدين الأ�سا�سية التي دعا �إليها الإ�سالم‪ .‬فال ي�صح‬ ‫مطلقاً القول �إنه ب�سبب هذا اخلالف انتفى �أن {يكون الدين كله هلل}(الأنفال‪� )39 ،‬إال عن‬ ‫طريق الإ�سالم بالإحتجاج ب�آيات مدنية ال يجوز القول �إنها ن�سخت الآي املك ّية‪ ،‬لأنه �إذا جاز‬ ‫القول بالن�سخ �أ�صبح ق�سم من الكتاب �أو كله باط ًال‪ ،‬والقر�آن يوجب الإميان بالكل‪ ،‬عم ًال مبا‬ ‫جاء يف �سورة «البقرة»‪�{ :‬أفت�ؤمنون ببع�ض الكتاب وتكفرون ببع�ض}(الآية ‪.)85‬‬ ‫ولكن هنالك خالفاً �آخر مع اليهود حول حتريفهم التوراة‪ .‬والر�سالة الإ�سالمية �صادقة فيه‪.‬‬


‫‪118‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫فقد ثبت �أن اليهود عبثوا بالتوراة‪ ،‬ومل نقف على ثبوت �أن ذلك العبث كان بق�صد حذف‬ ‫ا�سم حممد منها‪ .‬ولكن حتريف التوراة �صار م�ستنداً قوياً للر�سالة الإ�سالمية �ضد اليهود‪ .‬وال‬ ‫حاجة للإطالة يف هذا املوقف لأن اليهودية‪ ،‬كما ب ّينا يف احللقة ال�سابقة تخرج من كونها ر�سالة‬ ‫خري عام‪ ،‬وال يجوز‪ ،‬من هذه الناحية‪ ،‬و�ضعها على م�ستوى واحد مع امل�سيحية والإ�سالم‪.‬‬ ‫تبقى م�س�ألة اخلالف بني هذين الدينني على عدم ت�أييد امل�سيحيني لر�سالة حممد وعلى �صفة‬ ‫امل�سيح وبع�ض الأمور الأخرى‪ ،‬فنفرد لذلك مقا ًال يف احللقة التالية‪.‬‬

‫اهلوامش‬ ‫‪ - 1‬عبد اهلل بن عمر البي�ضاوي‪ ،‬مرجع �سابق‪ .‬اجلزء الرابع ال�صفحة ‪.163‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪119‬‬

‫مدار اخلالف بني اإلسالم واملسيحية‬ ‫ال �شك‪ ،‬مهما كان قلي ًال‪ ،‬يف �أن الإ�سالم ي�ؤيد الر�سالة امل�سيحية ت�أييداً تاماً‪ ،‬مطلقاً من كل‬ ‫قيد �أو �شرط و�أنه يعد نف�سه مكم ًال لها عند الذين مل ي�أتهم نذير من قبل‪� ،‬أي عند الذين‬ ‫مل ت�شملهم الر�سالة امل�سيحية‪� .‬أما امل�ؤمنون بهذه الر�سالة فال يطلب منهم الإ�سالم �سوى‬ ‫م�صدق لر�سالتهم‪ .‬والآيات القر�آنية التي تقيم الربهان القاطع‬ ‫االعرتاف ب�أنه دين حقيقي ّ‬ ‫على هذه احلقيقة كثرية‪ ،‬وما تقدم لنا �إثباته منها يكفي لقطع كل قول خمالف‪ ،‬فما هو من�ش�أ‬ ‫اخلالف بني الدينني‪ ،‬والأ�صح بني امل ّلتني‪ ،‬وما هي �أ�سبابه؟‬ ‫ر�أينا يف ما تقدم �أن القر�آن اتخذ �صفة الت�سبيح والرتمن يف عظمة وقدرة اهلل الذي تقدمت‬ ‫القر�آن كتب �سابقة يف �إثبات وجوده‪ ،‬والدعوة �إىل العمل مب�شيئته واالنذار بيوم ح�سابه‪ .‬و�إن‬ ‫�صدق هذه الكتب وجعلها �شاهدة على �صحة دعوة حممد‪ .‬ولكن ال�سرية املحمدية‪،‬‬ ‫القر�آن ّ‬ ‫التي ال بد من التحقيق فيها واال�ستناد �إليها لفهم �آي القر�آن و�أغرا�ضها‪ ،‬تخربنا �أن اليهود‬ ‫وامل�سيحيني يف ال ُعربة �أخذوا ينتقدون اعتبار حممد نف�سه ر�سو ًال من عند اهلل‪ ،‬وينتقدون‬ ‫بع�ض الآيات ويرف�ضون ت�أييد ر�سالته‪ .‬فاليهود ا ّدعوا �أن اهلل وعدهم ب�إر�سال م�سيحهم الذي‬ ‫يعيد جمد �إ�سرائيل‪ .‬وامل�سيحيون قالوا �إنه ال ي�صح �أن ي�أتي بعد امل�سيح نبي �أو ر�سول‪.‬‬ ‫مع ذلك فقد وجد امل�سيحيون �أن دعوة حممد كانت موافقة العتقادهم الإلهي فلم يكن‬ ‫موقفهم من ال�شدة كغريهم‪ .‬و�أكرث املقاومة كانت من �صناديد قري�ش‪ ،‬فه�ؤالء اتهموه بعدم‬ ‫�صحة ادعائه الوحي ون�سبوا �إليه االقتبا�س عن التوراة والإجنيل والتلقن‪ ،‬ت�شهد بذلك �آيات‬ ‫عديدة كهذه‪{ :‬وقال الذين كفروا �إن هذا �إال �أفك افرتاه و�أعانه عليه قوم �آخرون فقد جا�ؤوا‬


‫‪120‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫ظلماً وزوراً‪ .‬وقالوا �أ�ساطري الأولني اكتتبها فهي متلى عليه بكرة و�أ�صي ًال}(الفرقان‪.)5 - 4 ،‬‬ ‫وقد ثبت �أن حممداً كان ي�سمع قراءة التوراة والإجنيل يف مكة‪ ،‬فقد ثبت �أنه كان مبكة رجالن‬ ‫ي�صنعان ال�سيوف ا�سم �أحدهما جرب وا�سم الآخر ي�سار وكانا يقر�آن التوراة والإجنيل وكان‬ ‫حممد مير عليهما فيقر�آن له وي�سمع (انظر �شرح �سورة النحل للبي�ضاوي)( )‪ .‬وقد ا�ستنزل‬ ‫الر�سول �آيات كثرية لت�أييد �أن ما يقوله وحي ين ّزل عليه منها هذه‪{ :‬ولقد نعلم �أنهم يقولون‬ ‫�إمنا يع ّلمه ب�شر ل�سان الذي يلحدون �إليه �أعجمي وهذا ل�سان عربي مبني}(النحل‪،)103 ،‬‬ ‫{�آمل‪ .‬تنزيل الكتاب ال ريب فيه من رب العاملني �أم يقولون افرتاه بل هو احلق من ربك‬ ‫لتنذر قوماً ما �أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون}(ال�سجدة‪ .)3 - 1 ،‬وهذه الآية من‬ ‫�أو�ضح الآيات التي تبينّ �أن حممداً كان ر�سو ًال �إىل الذين مل ي�أتهم ر�سول من قبل يف الدرجة‬ ‫ولي�صدق‬ ‫الأوىل‪� ،‬أي العرب‪ ،‬ليدعوهم �إىل اهلل الذي �سبقت الكتب الأخرى بالدعوة �إليه‬ ‫ّ‬ ‫تلك الكتب‪ .‬وهو ما عنيناه من اخت�صا�ص الر�سالة بالعرب من غري �أن ينق�ض ذلك ا�شرتاكها‬ ‫مع الر�ساالت ال�سابقة وت�أييدها يف دعوة النا�س �أجمعني �إىل �أغرا�ض الدين الأخرية‪ .‬والآيات‬ ‫القر�آنية التي ت�أتي بهذا املعنى كثرية حتى ال يبقى �أي �شك يف هذا التعليل‪ .‬وقد �أوردنا بع�ضها‬ ‫يف حلقات �سابقة ويف ما تقدم من هذه احللقة ونورد هنا �آيات �أخرى‪{ :‬وعجبوا �أن جاءهم‬ ‫منذر منهم وقال الكافرون هذا �ساحر كذاب �أَ َج َع َل الآلهة �إلهاً واحداً �إن هذا ل�شيء عجاب}‬ ‫(�ص‪ .)5 - 4 ،‬وهذه الآية موجهة خ�صي�صاً �إىل الذين مل يعرفوا اهلل وال يزالون يعبدون‬ ‫الأ�صنام‪ .‬ومثلها قوله‪{ :‬هو الذي بعث يف الأميني ر�سو ًال منهم يتلو عليهم �آياته ّ‬ ‫ويزكيهم‬ ‫ويع ّلمهم الكتاب واحلكمة و�إن كانوا من قبل لفي �ضالل مبن��}(اجلمعة‪ .)2 ،‬فالأم ّيون‬ ‫كنت بجانب الطور‬ ‫الذين كانوا من قبل لفي �ضالل مبني هم العرب خا�صة بال ريب‪{ .‬وما َ‬ ‫�إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوماً ما �أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون}‬ ‫من‬ ‫(الق�ص�ص‪ .)46 ،‬ومعنى هذه الآية �أنه و�إن مل يكن حممد حا�ضراً مناداة اهلل ملو�سى فقد َّ‬ ‫اهلل عليه بالوحي رحمة بقوم ما �أتاهم نذير من قبل‪ .‬وهذا يعني �أنه مل يكن يف بدء الر�سالة‬ ‫الإ�سالمية �أي اجتاه للإ�صطدام مع املو�سويني �أو امل�سيحيني يف نزاع على ادعاء �صحة الر�سالة‬ ‫�أو نق�ض التعاليم‪ ،‬بل كان االجتاه للإتفاق على الق�ضاء على عبادة الأ�صنام يف ال ُعربة‪ .‬ولكن‬ ‫‪1‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪121‬‬

‫مل يكن بد من ا�صطدام املعتقدات يف الأخري‪ ،‬كما ب ّينا �آنفاً‪ ،‬لأنه مل ميكن املو�سويني الت�سليم‬ ‫بتعدد الكتب املقد�سة وال امل�سيحيني الت�سليم بتعدد الدعوات‪ .‬ولكن اال�شرتاك يف الأغرا�ض‬ ‫الدينية البحتة امل�شار �إليها �سابقاً خفف كثرياً من اال�صطدام‪� .‬أما امل�شركون �أو عبدة الأ�صنام‬ ‫فلم يكن من �سبيل لتخفيف اال�صطدام والنزاع معهم‪ ،‬فوجهوا �إليه انتقادات الذعة ون�سبوا‬ ‫�إليه ال�سحر والهذيان واجلنون‪ ،‬يف حني �أنه كان ر�سو ًال خمل�صاً �إليهم‪.‬‬ ‫وحدثت يف �أثناء الدعوة حوادث جعلت ال�شك يف الوحي يت�سرب �إىل الذين �آمنوا بالر�سالة‪،‬‬ ‫فكان من جملة الآيات التي ا�ستنزلها الر�سول لدح�ض مزاعمهم هذه الآية‪{ :‬ومن �أظلم‬ ‫يوح �إليه �شيء ومن قال �س�أنزل مثل ما �أنزل‬ ‫ممن افرتى على اهلل كذباً �أو قال �أوحي �إ ّيل ومل َ‬ ‫اهلل ولو ترى �إذ الظاملون يف غمرات املوت واملالئكة با�سطو �أيديهم �أخرِجوا �أنف�سكم اليوم‬ ‫جتزون عذاب الهون مبا كنتم تقولون على اهلل غري احلق وكنتم عن �آياته ت�ستكربون}(الأنعام‪،‬‬ ‫‪ .)93‬وذلك �أن عبد اهلل بن �سعد بن �أبي �سرح كان يكتب وحي النبي فلما نزلت �آية‪:‬‬ ‫{ولقد خلقنا الإن�سان من �ساللة من طني} وبلغ قوله‪{ :‬ثم �أن�ش�أناه خلقاً �آخر} قال عبد‬ ‫اهلل‪{ :‬فتبارك اهلل �أح�سن اخلالقني}(امل�ؤمنون‪ )14 - 12 ،‬فقال له حممد‪« :‬اكتبها فكذلك‬ ‫نزلت» ّ‬ ‫ف�شك عبد اهلل وقال‪« :‬لئن كان حممد �صادقاً لقد �أوحي ّيل كما �أوحي �إليه و�إن كان‬ ‫كاذباً لقد قلت كما قال»‪ ،‬فنزلت الآية املذكورة �أعاله لتكذيبه وتكذيب غريه كم�سيلمة‬ ‫والأ�سود العن�سي وغريهما الذين �أوجبت مقاومتهم له حروباً دامية‪.‬‬ ‫يت�ضح يف كل ما تقدم‪ ،‬يف ما يعني امل�سيحية والإ�سالم من الدعوة الإ�سالمية و�أغرا�ضها‪،‬‬ ‫تدع �إىل �أمر واحد من الأمور الدينية ال�صحيحة خمالف لتعاليم الدين‬ ‫�أن هذه الدعوة مل ُ‬ ‫امل�سيحي‪ ،‬بل �إن القر�آن �أ ّيد الر�سالة امل�سيحية ب�آيات كثرية ودعا القر�آن امل�ؤمنني بالإجنيل‬ ‫ليحكموا {مبا �أنزل اهلل}(البقرة‪ )91 ،‬فيه من غري زيادة �أو نق�صان �أو ما يوجب تغيري‬ ‫«�صالتهم» وتعاليم دينهم‪ .‬فاخلالف ن�ش�أ بالأكرث‪ ،‬من موقف امل�سيحيني العرب من حممد‪،‬‬ ‫بل �أعظمه ما كان مع اليهود الذين �أخذوا يخادعون النبي يف املدينة‪ ،‬فكان �إذا انت�صر على‬ ‫امل�شركني وعاد غامناً يقولون �إنه النبي املنعوت يف التوراة بالن�صرة‪ ،‬فلما انك�سر يوم �أُ ُحد نكثوا‬ ‫العهد معه على �أن ال يكونوا له وال عليه‪ ،‬وخرج كعب بن الأ�شرف يف �أربعني راكباً منهم‬


‫‪122‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫�إىل مكة وحالفوا �أبا �سفيان‪ ،‬ف�أر�سل النبي �أخا كعب من الر�ضاعة فقتله و�صبحهم بالكتائب‬ ‫وحا�صرهم حتى �صاحلوا على اجلالء‪ ،‬فنزلت الآية‪{ :‬هو الذي �أخرج الذين كفروا من �أهل‬ ‫الكتاب من ديارهم لأول احل�شر ما ظننتم �أن يخرجوا وظنوا �أنهم ما ِنع ُتهم ح�صونهم من اهلل‬ ‫ف�أتاهم اهلل من حيث مل يحت�سبوا وقذف يف قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم ب�أيديهم و�أيدي‬ ‫امل�ؤمنني فاعتربوا يا �أويل الأب�صار} (احل�شر‪ ،‬مدنية‪ ،‬الآية ‪ .)2‬وهذه الآية والتي تقدمتها هما‬ ‫من �أ�شد الأدلة �صحة على ارتباط الآيات القر�آنية باحلوادث اجلارية‪.‬‬ ‫و�إذا كان حممد وجد من موقف امل�سيحيني ما �أوجب عدم ر�ضاه وعدم ر�ضى الوحي‪ ،‬ف�إن‬ ‫امل�سيحيني وجدوا يف تعليقات القر�آن على اعتقادهم يف امل�سيح �سبباً كافياً لعدم ت�أييده‪.‬‬ ‫وقد يكون هنالك �سبب �آخر �سابق لهذا ال�سبب هو كون القر�آن ابتد�أ بذكر التوراة ومو�سى‬ ‫و�إبراهيم ومل يذكر الإجنيل وامل�سيح منذ البدء‪ ،‬ور�ؤية امل�سيحيني القر�آن يجاري التوراة �أكرث‬ ‫مما يجاري الإجنيل يف البدء‪ .‬و�إن �أول �إ�شعار الت�صال القر�آن بامل�سيحية كان يف الآية النافية‬ ‫كون اهلل ولد ولداً واتخذ �صاحبة‪ .‬وهي من �سورة «اجلن» وقد �أثبتناها يف احللقة ال�سابقة‪ .‬ومل‬ ‫نحقق يف هل كان نفي كون امل�سيح ابن اهلل �سبب �إعرا�ض امل�سيحيني عن دعوة حممد وعن‬ ‫ت�أييده‪� ،‬أم هل كان موقف امل�سيحيني باعثاً على اتخاذ الر�سالة الإ�سالمية خطة املقاومة لبع�ض‬ ‫معتقداتهم‪� ،‬أو هل كان نفي بنوية امل�سيح �أمراً م�ستق ًال �أوجد �سبباً �آخر للخالف‪ .‬ومهما يكن‬ ‫عدلت معنى الآيات القائلة‬ ‫من �شيء فالثابت من ّتدبر القر�آن كله �أن الر�سالة الإ�سالمية ّ‬ ‫يعد �أمراً و�سطاً بني‬ ‫بعدم والدة امل�سيح من اهلل ب�إعطاء و�صف لكيفية حمل مرمي ميكن �أن ّ‬ ‫االعتقاد ب�أن امل�سيح ابن اهلل ونفي �صلة امل�سيح بذات اهلل وهو القول �إنه ولد {من روح اهلل}‪.‬‬ ‫وعلى هذا الأمر وحده يدور كل اخلالف العقائدي الديني بني امل�سيحية والإ�سالم‪� .‬أما‬ ‫التعاليم امل�سيحية فال يقول القر�آن مبخالفة �شيء منها‪ ،‬بل على العك�س هو يثبتها ويقول �إنها‬ ‫كالم اهلل املنزل وبهذا القول يرفع كل احتمال الختالف الإ�سالم وامل�سيحية على �أغرا�ض‬ ‫الدين‪ ،‬وتبطل كل حجة للذين مل يفهموا من الر�سالة الإ�سالمية غري حب التغلب والطمع‬ ‫يف الدولة وال�سلطان ومنافعهما‪ ،‬القائلني �إنه ال يتم الدين �إال با�ستظهار الإ�سالم على غريه‬ ‫من الأديان وبالعمل ببع�ض �آيات الكتاب دون البع�ض الآخر‪ .‬فالدين و�أغرا�ضه الأخرية‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪123‬‬

‫تكمل‪ ،‬ح�سب قول القر�آن‪ ،‬باالميان مبا �أنزل من قبل ومن بعد وهو يحتم على امل�سلمني االميان‬ ‫ّ‬ ‫بالإجنيل‪.‬‬ ‫انح�صر اخلالف بني الإ�سالم وامل�سيحية يف �أمر واحد من جهة الإ�سالم و�أمر واحد من‬ ‫جهة امل�سيحيني‪ ،‬وال نقول امل�سيحية لأن الإجنيل من حيث هو �سابق للقر�آن مل يعر�ض له‬ ‫فاقت�صر الأمر على معتقدات امل�سيحيني يف �صدد حممد ور�سالته‪ ،‬ولي�س على كالم الإجنيل‬ ‫يف حممد‪ .‬فالأمر الأول هو خمالفة القر�آن اعتقاد معظم امل�سيحيني يف �صفة امل�سيح و�صفة‬ ‫اهلل‪ ،‬والأمر الثاين عدم �إميان امل�سيحيني بر�سالة حممد وب�أنه نبي حقيقي‪ .‬و�سنبحث هذين‬ ‫الأمرين يف الفقرات التالية‪:‬‬ ‫قلنا يف احللقة ال�سابقة �إن �أول تلميح يف القر�آن �إىل امل�سيح �أو امل�سيحية كان ا�ستنكاراً ل�صفة‬ ‫امل�سيح وعالقته باهلل وذلك يف الآية‪{ :‬و�أنه تعاىل جد ربنا ما اتخذ �صاحبة وال ولداً}‬ ‫(اجلن‪ )3 ،‬ف�إذا حققنا يف هذا القول وجدنا �أن العقل العربي‪ ،‬نظراً حلالة البداوة وانعدام‬ ‫الثقافة العقلية‪ ،‬مل ي�ستطع �أن يت�صور كون امل�سيح ابن اهلل �إال ب�أن يكون اهلل قد تزوج امر�أة‬ ‫�أو «اتخذ �صاحبة» ولدت له ابناً‪ .‬وهذا لو �صح �أنه معتقد لكان �إنزا ًال هلل عن مقامه‪� ،‬إذ هو‬ ‫غري حمتاج‪ ،‬مع قدرته‪ ،‬لأن ي ّتخذ �صاحبة �ش�أن الرجال العاديني فيتزوجها وتلد له ولداً على‬ ‫ُ�س َّنة الب�شر‪ .‬و�صحة هذا التحليل للعقلية العربية تت�ضح من قوله‪« :‬تعاىل جد ربنا» �أي �أن اهلل‬ ‫�أعلى من �أن يكون هكذا �ش�أنه و�صفته‪ .‬وال خالف بني الإجنيل والقر�آن يف ذلك وال بني‬ ‫امل�سيحيني وامل�سلمني فيه‪ .‬فامل�سيحيون الذين قالوا بالتثليث منهم والذين قالوا بالتوحيد �أو‬ ‫بالتثنية (بالطبيعتني �أو بامل�شيئتني) ال يقولون �أو يعنون �أن اهلل ا ّتخذ �صاحبة وتزوج امر�أة لتلد‬ ‫له‪ ،‬ولكنهم قبلوا رواية الإجنيل �أن مرمي حبلت من الروح القد�س مب�شيئة اهلل من غري تعيني‬ ‫لكيفية ح�صول احلمل ومن غري �أي دخول يف امل�سائل البيولوجية كوجوب ح�صول اللقاح‪.‬‬ ‫وهم مل ي�أخذوا الوجهة البيولوجية بعني االعتبار تنزيهاً لقدرة اخلالق عن احلاجة �إىل الفعل‬ ‫البيولوجي و�إعالء جلده عن �ش�أن النا�س «املخلوقني» الذين ال قدرة لهم على الوالدة �إال على‬ ‫الطريقة البيولوجية‪.‬‬ ‫ولذلك كانت م�س�ألة والدة مرمي العذراء امل�سيح من العجائب الدالة على قدرة اهلل ونفاذ‬


‫‪124‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫م�شيئته‪ .‬وهذه الوالدة العجائبية عندهم هي من �أقوى م�ستندات اعتقادهم ب�ألوهية امل�سيح‪،‬‬ ‫�أي بحلول روح اهلل يف ج�سده �أو حلول الالهوت يف النا�سوت‪ .‬ولي�س يف هذا االعتقاد عند‬ ‫امل�سيحيني �أي �إنزال لقدرة اهلل �أو تفكري ب�أنه «اتخذ �صاحبة» �ش�أن الرجال العاديني‪ .‬ولكن‬ ‫ال يبعد �أن يكون ظهر �شيء من هذا التفكري عند بع�ض العرب الذين قبلوا الدين امل�سيحي‬ ‫وف�سروه ح�سب عقليتهم الفطرية غري املثقفة‪ .‬ويف هذه احلالة يكون كالم القر�آن موجهاً �إليهم‬ ‫من دون امل�سيحيني املتمدنني‪ ،‬وهذا هو الأرجح من حيث اعتبار �صحة الوحي النبوي و�أنه‬ ‫موجه �إىل العرب خا�صة وبل�سانهم‪� .‬أما من الوجهة العلمية البحتة التي تطلب لكل م�سبب‬ ‫�سبباً فالآية القر�آنية نف�سها ت�صف طريقة التفكري العربي غري املثقف‪ ،‬فهي �إما مطابقة للعقلية‬ ‫العربية و�إما حمللة لها‪ .‬وهي يف كل حالة خمت�صة بطريقة الفهم العربي الذي �ضيقت الطبيعة‬ ‫القا�سية على �أفقه الروحي‪ .‬واالعتقادات امل�سيحية الروحية ال تدخل حتت حكم هذه الآية‪،‬‬ ‫لأنها كلها تن ّزه اهلل عن الفعل البيولوجي وال تناق�ش قدرة اهلل على �إر�سال روحه ب�شكل‬ ‫حمامة �أو ب�أي �شكل �آخر لي�ستقر يف �أح�شاء مرمي‪.‬‬ ‫�س�أل رجل مالك بن �أن�س‪� ،‬أحد م�ؤ�س�سي املدار�س الأربع يف الإ�سالم‪ ،‬عن قوله يف القر�آن‪:‬‬ ‫{الرحمن على العر�ش ا�ستوى}(طه‪ )5 ،‬كيف هذا اال�ستواء؟ ف�أجاب مالك‪« :‬اال�ستواء‬ ‫معقول والكيف جمهول وال �أظنك �إال رجل �سوء»‪.‬‬ ‫هذا ال�س�ؤال واجلواب يدالننا على �أن امل�سلمني الأولني مل يتعر�ضوا لدر�س القر�آن درا�سة‬ ‫علمية فقبلوا ال�صور ال�شعرية قبولهم الأو�صاف احلدثية والتعليال�� املنطقية‪ .‬فالقول «الرحمن‬ ‫على العر�ش ا�ستوى» يدخل يف ال�صفة ال�شعرية التي حللناها يف احللقة ال�سابقة وهو من باب‬ ‫قوله‪« :‬خلق من علق وع ّلم بالقلم» وال لزوم لإحالله يف حمل التقرير احلدثي التاريخي �أو يف‬ ‫حمل التعليل الفل�سفي‪ .‬ولكن جواب مالك يفتح باب القيا�س يف االعتبارات الدينية‪ .‬ف�إذا‬ ‫كان ي�صح يف الإ�سالم �أن تكون �أفعال اهلل معقولة وكيفياتها جمهولة فلماذا يجب �أن ال ي�صح‬ ‫ذلك يف امل�سيحية؟ ف�إذا كان اهلل قادراً على كل �شيء‪ ،‬فلماذا ال يكون قادراً على التج�سد‬ ‫�أو على �إر�سال روح القد�س ليتج�سد يف �شكل �إن�سان من غري وجوب تعيني كيفية حدوث‬ ‫التج�سد؟ و�إذا كان اهلل ال يقدر على التج�سد‪ ،‬ح�سب بع�ض املعتقدات الدينية‪ ،‬فقدرته مل‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪125‬‬

‫تعد كلية‪ ،‬بل �أ�صبحت حمدودة و�أ�صبحت جميع اخلوارق املن�سوبة �إليه كاخللق والبعث‬ ‫باطلة‪ ،‬ومن ثم �أ�صبح هو نف�سه باط ًال‪ّ .‬‬ ‫(نذكر القاريء �أننا ال نتعر�ض هنا لأمر ثبوت املعتقدات‬ ‫الدينية �أو زوالها‪ ،‬فال نعر�ض لإثبات �أو نفي حلول روح اهلل يف جوف مرمي العذراء وال لإثبات‬ ‫�أو نفي �أزلية القر�آن وتنزيله‪ ،‬بل نبحث منطقية بع�ض االفرتا�ضات �أو االعتقادات فقط)‪.‬‬ ‫وقد ا�ستمر القر�آن يرف�ض االعرتاف باعتقاد امل�سيحيني �أن امل�سيح هو ابن اهلل الوحيد‪ .‬فوردت‬ ‫يف ذلك �آيات عديدة مبعنى الآية ال�سابقة كقوله‪{ :‬بديع ال�سموات والأر�ض �أنى يكون له‬ ‫ولد ومل تكن له �صاحبة وخلق كل �شيء وهو بكل �شيء عليم}(الأنعام‪{ ،)101 ،‬ما كان‬ ‫هلل �أن يتخذ من ولد �سبحانه �إذا ق�ضى �أمراً ف�إمنا يقول له كن فيكون}(مرمي‪{ ،)35 ،‬وقل‬ ‫احلمد هلل الذي مل يتخذ ولداً ومل يكن له �شريك يف امللك}(الإ�سراء‪{ ،)111 ،‬ما اتخذ‬ ‫اهلل من ولد وما كان معه من �إله �إذاً لذهب كل �إله مبا خلق ولعال بع�ضهم على بع�ض �سبحان‬ ‫اهلل عما ي�صفون}(امل�ؤمنون‪ .)91 ،‬وهذه الآية الأخرية هي مظهر �آخر من مظاهر العقلية‬ ‫العربية يف فهم اعتقاد امل�سيحيني كون امل�سيح ابن اهلل و�إنه‪ ،‬لذلك‪� ،‬إله‪ .‬فامل�سيحيون ال يقولون‬ ‫ب�ألوهية للم�سيح منف�صلة عن �ألوهية اهلل وب�إرادة له م�ستقلة عن �إرادة اهلل‪ ،‬ولكن قد يكون‬ ‫وجد بني م�سيحيـي العرب من �أ َّول االعتقاد هذا الت�أويل‪.‬‬ ‫ومع ا�ستمرار القر�آن يف �إنكار �ألوهية امل�سيح فقد طر�أ يف �سياق الدعوة املحمدية تعديل كبري‬ ‫على النظرة الأوىل الورادة يف �آية �سورة «اجلن» والآيات ال�شبيهة بها‪ .‬وهذا التعديل يدل على‬ ‫حدوث ات�صال �أقرب بالإجنيل‪ .‬و�أول ما يظهر هذا التعديل يف �سورة «مرمي» وهي نزلت بعد‬ ‫«اجلن» بثالث �سور‪ .‬فانظر هذا التعديل الذي ميكن �أن يعد نقي�ضاً ملا ورد يف �سورة «اجلن»‬ ‫�إذ فيه �صورة جمازية جتعل اهلل مبقام زوج مرمي‪{ :‬واذكر يف الكتاب مرمي �إذ انتبذت من �أهلها‬ ‫مكاناً �شرقياً‪ .‬فاتخذت من دونهم حجاباً ف�أر�سلنا �إليها روحنا فتمثل لها ب�شراً �سوياً‪ .‬قالت �إين‬ ‫�أعوذ بالرحمن منك �إن كنت تقياً‪ .‬قال �إمنا �أنا ر�سول ربك لأهب لك غالماً زكياً‪ .‬قالت �أنى‬ ‫يكون يل غالم ومل مي�س�سني ب�شر ومل � ُأك بغياً‪ .‬قال كذلك قال ربك هو علي هني ولنجعله‬ ‫�آية للنا�س ورحمة منا وكان �أمراً مق�ضياً‪ .‬فحملته فانتبذت به مكاناً ق�صياً ‪ ...‬ذلك عي�سى ابن‬ ‫مرمي قول احلق الذي فيه ميرتون}(مرمي‪.)34 - 16 ،‬‬


‫‪126‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫هذه الآيات تدل على عالقة وثيقة ب�إجنيل م ّتى و�إجنيل لوقا‪ .‬ومن التدقيق فيها يت�ضح لنا �أن‬ ‫القر�آن اعرتف ب�صحة رواية الإجنيل لكون والدة امل�سيح حدثت ب�صورة �إلهية مبا�شرة خارقة‬ ‫جلميع ال�سنن ال�سارية على االن�سان واحليوان‪ ،‬ي�ؤيد ذلك‪:‬‬ ‫‪ -1‬قوله‪{ :‬ولنجعله �آية للنا�س} فالآية هي العجيبة �أو املعجزة الإلهية‪.‬‬ ‫‪� -2‬إن قوله‪{ :‬ف�أر�سلنا �إليها روحنا فتمثل لها ب�شراً �سوياً} يجعل عالقة مبا�شرة وثيقة بني‬ ‫عد اجتهاداً يف �إعادة ت�صوير حادث‬ ‫اهلل ومرمي وهو مع قوله‪{ :‬وكان �أمراً مق�ضياً فحملته‪ُ }...‬ي ُّ‬ ‫احلمل ب�صورة موافقة لرواية الإجنيل‪ ،‬ومقبولة للعقل العربي من حيث [�أنها] تت�ضمن املعنى‬ ‫البيولوجي‪.‬‬ ‫‪� -3‬إن هذه الآيات توافق قول م ّتى �إن مرمي‪« :‬وجدت حبلى من الروح القد�س»(متى‪:1 ،‬‬ ‫‪ )18‬وما ورد يف �إجنيل لوقا من املحاورة بني املالك جربائيل ومرمي‪ ،‬ولكنها ت�ضع روح اهلل يف‬ ‫مكان جربائيل‪.‬‬ ‫بنا ًء عليه تكون هذه الآيات قد �أزالت كل خالف بني القر�آن والإجنيل على �صفة امل�سيح‪،‬‬ ‫لأن حم�صلها يوافق كل املوافقة الرواية الإجنيلية ومعتقدات امل�سيحيني‪ ،‬وال يوجد م�سيحي‬ ‫واحد يرف�ضها‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬ومع و�ضوح االعرتاف بوالدة امل�سيح مب�شيئة اهلل ومن ات�صال روحه‬ ‫مبرمي مبا�شرة ف�إن القر�آن مل يوافق على اال�ستنتاج �أو االعرتاف ب�أن ذلك يعني �أن امل�سيح هو‬ ‫ابن اهلل الوحيد‪� ،‬أي املولود منه‪ ،‬فيلحق بالآيات املذكورة �آية �أخرى ت�أتي ر�أ�ساً بعد �آية {ذلك‬ ‫عي�سى ابن مرمي‪ }...‬وهي قوله‪{ :‬ما كان هلل �أن يتخذ من ولد �سبحانه �إذا ق�ضى �أمراً ف�إمنا‬ ‫يقول له كن فيكون}(مرمي‪.)35 ،‬‬ ‫وقد ورد يف القر�آن بعد التعديل املذكور تعديل �آخر هو �أ�شد نق�ضاً لآية «اجلن» و�أقرب �إىل‬ ‫تعليل والدة امل�سيح الإجنيلية بطريقة �أكرث قبو ًال للعقل العربي وذلك بقوله‪{ :‬والتي �أح�صنت‬ ‫فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها �آية للعاملني}(الأنبياء‪ .)91 ،‬وهي بعد �سورة‬ ‫«مرمي» ب�سبع وع�شرين �سورة‪ .‬ففي هذه الآية �إ�شارة وا�ضحة �إىل اجلهاز التنا�سلي‪ .‬ويعود القر�آن‬ ‫فيزيد هذا التعليل و�ضوحاً بقوله‪{ :‬ومرمي ابنة عمران التي �أح�صنت فرجها فنفخنا فيه‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪127‬‬

‫و�صدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتني}(التحرمي‪ .)12 ،‬فع ّو�ض عن‬ ‫من روحنا ّ‬ ‫قوله «فنفخنا فيها» بقوله «فنفخنا فيه»‪ .‬وهذا االت�صال هلل مبرمي هو �أبعد كثرياً مما تذهب �إليه‬ ‫رواية الإجنيل وت�صورات امل�سيحيني املتمدنني‪ .‬ويف �سورة «�آل عمران» النازلة بعد «الأنبياء»‬ ‫وقبل «التحرمي» ما يدل على عالقة ب�إجنيل يوحنا وهو قوله‪�{ :‬إذ قالت املالئكة يا مرمي �إن‬ ‫اهلل يب�شرك بكلمة منه ا�سمه امل�سيح‪�(}...‬آل عمران‪ ،)45 ،‬و«الكلمة» يف تعليل يوحنا هي‬ ‫�صفة اهلل‪« :‬يف البدء كان الكلمة والكلمة كان عند اهلل وكان الكلمة اهلل‪ ...‬هذا كان يف البدء‬ ‫عند اهلل‪ .‬والكلمة �صار ج�سداً ّ‬ ‫وحل فينا وقد �أب�صرنا جمده جمد وحيد من الأب مملوءاً نعمة‬ ‫يعدل هذه الفكرة يف ال�سورة عينها ويو�ضحها‬ ‫وحقاً»(يوحنا‪ 1 :1 ،‬و‪ .)14 :2‬ولكن القر�آن ّ‬ ‫هكذا {�إن مثل عي�سى عند اهلل كمثل �آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}(�آل‬ ‫عمران‪ .)59 ،‬وهذه الآية ال تق�صد �إي�ضاح والدة امل�سيح‪ ،‬بل تق�صد ت�أويلها‪ ،‬فكيفية جميء‬ ‫امل�سيح �آية من اهلل وكلمته م�شروحة يف �سورة «مرمي» ويف �آيتي «الأنبياء» و«التحرمي»‪ .‬ويف‬ ‫جميع هذه الآيات �أن اهلل مل يخلق امل�سيح كما خلق �آدم‪� ،‬إذ مل يجبله من تراب وينفخ فيه‬ ‫وحم�صل �سورة «�آل عمران» �أن امل�سيح و�إن يكن ولد‬ ‫ن�سمة حياة بل �أر�سل روحه �إىل مرمي‪ّ .‬‬ ‫ب�صورة خارقة وبات�صال اهلل مبرمي فقيمة جميئه على هذه الكيفية لي�ست �أكرث من قيمة جميء‬ ‫�آدم الذي مل يولد من تزاوج ولقاح‪ ،‬بل خلق خلقاً ب�إرادة اهلل‪ .‬فامل�سيح �إذاً خملوق باملنزلة‬ ‫التي خلق بها �آدم ال �أكرث‪ .‬فيكون القر�آن حافظ على القول الأول الوارد يف �سورة «اجلن»‬ ‫عدلته تعدي ًال كبرياً كما ر�أيت‪ .‬ون�أ�سف �أن ال تكون لدينا‬ ‫على الرغم من الآيات التي ّ‬ ‫الأدلة التاريخية الكافية لتعيني هل �أوجبت احلوادث التاريخية هذه املحافظة‪� ،‬أم هل �أوجبتها‬ ‫النظرة املبدئية �أو مبد�أ املحافظة على �صحة ما �سبق �أو مبد�أ املفا�ضلة بني الأنبياء والر�سل‬ ‫الذي برز يف طور من �أطوار القر�آن‪ ،‬ومنا واتخذ �شك ًال وا�ضحاً‪ ،‬مع تقدم الر�سالة‪ ،‬ظهر بالقول‬ ‫بتف�ضيل الإ�سالم على جميع الأديان الأخرى‪.‬‬ ‫وخال�صة هذه املخالفة الإ�سالمية ل�صفة امل�سيح الأخرية هي �أنها خمالفة غري �شديدة وال‬ ‫جازمة‪� ،‬إذ قد تبينّ من الن�صو�ص القر�آنية املثبتة �آنفاً �أن القر�آن �أقر الرواية امل�سيحية لكيفية‬ ‫حمل مرمي ووالدة امل�سيح‪ ،‬ولكنه خالف امل�سيحيني يف ت�أويل قيمة احلادث فتكون هذه‬


‫‪128‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫املخالفة مبنزلة �شيعة من ال�شيع يف امل�سيحية‪ ،‬وهي �أقل بعداً عن ال�شيع امل�سيحية من بع�ض‬ ‫ال�شيع الإ�سالمية عن كلها كالراف�ضة‪ ،‬مث ًال‪ .‬فاخلالف على الت�أويل ولي�س على احلدوث‪.‬‬ ‫ويزداد هذا اخلالف على الت�أويل يف �أواخر الوحي ويبلغ �أوجه يف �سورة «املائدة» بقوله‪{ :‬لقد‬ ‫كفر الذين قالوا �إن اهلل هو امل�سيح ابن مرمي قل فمن ميلك من اهلل �شيئاً �إن �أراد �أن يهلك‬ ‫امل�سيح ابن مرمي و�أمه ومن يف الأر�ض جميعاً وهلل ملك ال�سموات والأر�ض وما بينهما يخلق‬ ‫ما ي�شاء واهلل على كل �شي قدير}(املائدة‪ . )17 ،‬وقوله‪{ :‬ما امل�سيح ابن مرمي �إال ر�سول قد‬ ‫�صديقة كانا ي�أكالن الطعام انظر كيف نبينّ لهم الآيات ثم انظر‬ ‫خلت من قبله الر�سل و�أمه ّ‬ ‫�أنى ي�ؤفكون}(املائدة‪ .)75 ،‬وقوله‪{ :‬لقد كفر الذين قالوا �إن اهلل ثالث ثالثة وما من �إله �إال‬ ‫ليم�سن الذين كفروا منهم عذاب �أليم}(املائدة‪.)73 ،‬‬ ‫�إله واحد و�إن مل ينتهوا عما يقولون‬ ‫ّ‬ ‫والآية الأوىل من هذه الآيات الثالث تنكر ا�ستنتاج امل�سيحيني �أن امل�سيح هو اهلل املتج�سد‬ ‫وهي تتفق مع قول الآية‪{ :‬فنفخنا فيها من روحنا}‪ .‬ولكن االتفاق لي�س تاماً خ�صو�صاً مع‬ ‫قوله‪{ :‬ف�أر�سلنا �إليها روحنا فتمثل لها ب�شراً �سوياً}‪ .‬والآية الثانية ال ت�شتمل على �سوى‬ ‫القول باعتبار امل�سيح يف منزلة ر�سول‪ .‬والأخرية تظهر االعتقادات التثليثية امل�سيحية ك�أنها‬ ‫تقول �إن الآلهة ثالثة‪ ،‬مع �أن هذه االعتقادات ال تقول بتثليث الآلهة‪ ،‬بل بتثليث الأقانيم‬ ‫التي هي �أجزاء واحد‪ ،‬لأن اهلل عند امل�سيحيني واحد والتثليث من �صفاته ولي�س من تعدده‪،‬‬ ‫فال خالف بني الإ�سالم وامل�سيحية يف كون اهلل واحداً ولذلك قال القر�آن‪{ :‬وقولوا �آمنا‬ ‫بالذي �أنزل �إلينا و�أنزل �إليكم و�إلهنا و�إلهكم واحد ونحن له م�سلمون}(العنكب��ت‪.)46 ،‬‬ ‫وتكفري القر�آن امل�سيحيني لي�س من �أجل دينهم وتعاليمه «�صالتهم» بل من �أجل تعدد الآلهة‬ ‫�صح وثبت �أنهم ال يقولون به‪ ،‬و�أثبت القر�آن �أن �إله امل�سيحيني‬ ‫�إن �صح �أنهم يقولون به‪ ،‬وقد ّ‬ ‫وامل�سلمني واحد‪ .‬يبقى �أمر تكفريهم العتقادهم �أن امل�سيح هو اهلل بالتج�سد وهو ال يتناول‬ ‫عقيدة التوحيد وال غر�ضاً واحداً من الأغرا�ض الدينية الأ�سا�سية التي دعا �إليها الإ�سالم‪،‬‬ ‫بل يتناول م�س�ألة مقدار ما يجب �أن ي�ستنتج من والدة امل�سيح على الكيفية امل�شروحة يف‬ ‫الإجنيل والقر�آن‪ .‬وهو خالف مذهبي يف الدين الواحد ولي�س بني دين ودين �إذ هو لي�س‬ ‫خالفاً مع الإجنيل �أو امل�سيح بل مع طوائف امل�سيحيني حول الت�أويل الذي يجب �أن يعطى‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪129‬‬

‫لوالدة امل�سيح‪ .‬وهذه امل�س�ألة ت�شبه م�س�ألة هل القر�آن خملوق �أو غري خملوق يف الإ�سالم‪ ،‬ف�إن‬ ‫اع ُترب القر�آن لوحاً م�سطوراً منذ الأزل �أفال ميكن اال�ستنتاج من ذلك �أن القر�آن �أقنوم من‬ ‫ويخف كثرياً هذا‬ ‫اهلل‪� ،‬أو غري ذلك من االعتقادات التي ال يوجد ن�ص مينعها ب�صورة قاطعة؟ ّ‬ ‫اخلالف باعتبار �أن كالم امل�سيح هو كالم اهلل‪� ،‬إمنا امل�سيحيون يقولون �إن اهلل قاله بالتج�سد‬ ‫والقر�آن يقول بالتنزيل على امل�سيح والنتيجة تق ّرب �شقة اخلالف‪.‬‬ ‫ويف تطور الر�سالة الإ�سالمية يظهر خالف �آخر يف �أمر امل�سيح هل �صلب بالفعل �أم مل ي�صلب‪.‬‬ ‫فالقر�آن ينفي �صلب امل�سيح جماراة لإجنيل برنابا الذي روى �سرية امل�سيح بطريقة �شاذة‪ ،‬ظاهرة‬ ‫فيها حماولة حتقري �شخ�صية امل�سيح‪ .‬ففي �إجنيل برنابا �أن امل�سيح ملا �شعر باقرتاب ت�سليمه‬ ‫و�أن يهوذا قادم مع جمع من اليهود �أو اجلند هرب �إىل منزل واختب�أ يف حجرة فدخل يهوذا‬ ‫الأ�سخريوطي يف �إثره فرفع اهلل امل�سيح و�ألقى على يهوذا نوراً جعله ي�شبه امل�سيح كل ال�شبه‬ ‫حتى مل ي�شك الآتون للقب�ض على امل�سيح يف �أنه هو امل�سيح‪ ،‬فقب�ضوا عليه وهو ي�صيح قائ ًال‬ ‫�إنه لي�س امل�سيح فلم ي�صدقوه و�أخذوه وكل يقينهم �أنهم قب�ضوا على امل�سيح‪ .‬و�إليك قول‬ ‫القر�آن‪{ :‬وبكفرهم (اليهود) وقولهم على مرمي بهتاناً عظيماً‪ .‬وقولهم �إ ّنا قتلنا امل�سيح عي�سى‬ ‫ابن مرمي ر�سول اهلل وما قتلوه وما �صلبوه ولكن �شُ ّبه لهم و�إن الذين اختلفوا فيه لفي �شك منه‬ ‫ما لهم به من علم �إال اتباع الظن وما قتلوه يقيناً‪ .‬بل رفعه اهلل �إليه وكان اهلل عزيزاً حكيماً‪.‬‬ ‫و�إن من �أهل الكتاب �إال لي�ؤم ّنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم �شهيداً}(الن�ساء‪،‬‬ ‫‪.)159 - 156‬‬ ‫هذا هو وجه اخلالف الوحيد‪ ،‬من جهة الإ�سالم‪ ،‬بني امل�سيحية والإ�سالم �أوردناه من غري‬ ‫تطويل ومن غري �إغفال لوجه واحد من وجوهه‪ .‬ومنه يتبينّ ب�صورة ال تبقي جما ًال للريب‬ ‫ويعد الإجنيل منز ًال‪� ،‬أي كالماً‬ ‫�أن الإ�سالم ال ينق�ض الدين امل�سيحي وال تعاليمه‪ ،‬بل يثبته ّ‬ ‫�إلهياً‪ ،‬يتوجب على امل�سلمني �أن ي�ؤمنوا به‪ ،‬ون�صو�ص هذا التثبيت �صريحة وقد �أثبتنا بع�ضها‬ ‫يف ما تقدم‪.‬‬ ‫بنا ًء عليه ميكن القول ب�صورة جازمة �إن �أغرا�ض الدين الأ�سا�سية تتم‪ ،‬من جهة العقيدة‬ ‫الإ�سالمية ال�صحيحة‪ ،‬بالإ�سالم وامل�سيحية معاً {فيكون الدين كله هلل} بوا�سطتهما‬


‫‪130‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫وبانت�شارهما كل منهما يف البيئات الأكرث موافقة وقبو ًال لتعاليمه‪� .‬أما ما ورد من الن�صو�ص‬ ‫التي ميكن �أن ت�ؤول مبا يظهر �أنه ينق�ض هذا احلكم فت�أويله ال�صحيح �أنه من خ�صائ�ص الإ�سالم‬ ‫كدولة‪.‬‬ ‫وهنالك اجتهادات وقعت يف الغلط وال�شذوذ عن الن�صو�ص �أجازت ح�سبان امل�سيحيني يف‬ ‫عداد الكفار و�أهل ال�شرك ا�ستناداً على تكفري القر�آن ت�أويل التج�سد والتثليث‪ .‬وال �شك يف‬ ‫�أن العقدة الكربى هي يف هذه االجتهادات التي ال تد ّبر �صحيحاً فيها للقر�آن‪ .‬ومن هذه‬ ‫االجتهادات ما خلط بني الدين امل�سيحي وامل ّلة امل�سيحية‪ .‬فكل ذلك باطل يف حكم القر�آن‪:‬‬ ‫{�إن الذين �آمنوا والذين هادوا وال�صابئون والن�صارى من �آمن باهلل واليوم الآخر وعمل �صاحلاً‬ ‫فال خوف عليهم وال هم يحزنون}(املائدة‪ .)69 ،‬وقد ذهبت الر�سالة الإ�سالمية �إىل �أبعد من‬ ‫ذلك يف ما يخت�ص بامل�سيحيني {لتجدن �أ�شد النا�س عداوة للذين �آمنوا اليهود والذين‬ ‫�أ�شركوا ولتجدن �أقربهم مودة للذين �آمنوا الذين قالوا �إ ّنا ن�صارى ذلك ب�أن منهم ق�سي�سني‬ ‫ورهباناً و�أنهم ال ي�ستكربون}(املائدة‪ .)82 ،‬ولكن �أكرث ال�شارحني واملف�سرين يقتلون الن�ص‬ ‫ويعوجون الدين ب�إجتهاداتهم‪ .‬فقد �شرح البي�ضاوي( ) هذا القول قائ ًال‪« :‬وفيه دليل على �أن‬ ‫التوا�ضع واالقبال على العلم والعمل واالعرا�ض عن ال�شهوات حممود و�إن كانت من كافر»‪.‬‬ ‫فك�أنه �أبطل حكم هذه الآية وحكم الآية ال�سابقة القائلة �إن الن�صارى م�ؤمنون باليوم الآخر‪،‬‬ ‫عمي عن �آية �سورة «احلج» التي �أخرجت حتى املجو�س من نطاق امل�شركني وهي {�إن‬ ‫وك�أنه َ‬ ‫الذين �آمنوا والذين هادوا وال�صابئني والن�صارى واملجو�س والذين �أ�شركوا �إن اهلل يف�صل‬ ‫بينهم يوم القيامة �إن اهلل على كل �شي �شهيد}(احلج‪ ،)17 ،‬و�إن هذه الآية من جملة �آيات‬ ‫كثرية ت�أمر برتك احلكم والف�صل بني �أهل الأديان يف ما اختلفوا فيه هلل وحده‪ .‬وهي تبطل كل‬ ‫حجة للذاهبني مذهب �أن الإ�سالم ال يتم �إال مبغالبة �أهل الأديان الأخرى و�أن كمال االميان‬ ‫عند امل�سلمني يكون بامليل �إىل التغلب على �سواهم و�إال لأبطل هذا املذهب ق�سماً هاماً من‬ ‫ن�ص الدين‪ .‬و�إذا عملنا مببد�أ �أن �آيات تن�سخ �آيات فماذا يبقى من القر�آن؟‬ ‫‪2‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫اهلوامش‬ ‫‪ - 1‬البي�ضاوي‪ ،‬مرجع �سابق‪ ،‬اجلزء الثالث ال�صفحات ‪.195 - 175‬‬ ‫‪ - 2‬املرجع ال�سابق‪ ،‬اجلزء الثاين ال�صفحة ‪.164‬‬

‫‪131‬‬


‫‪132‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫مدار اخلالف بني املسيحية واإلسالم‬ ‫ر�أينا‪ ،‬يف ما تقدم‪� ،‬أن وجه اخلالف الوحيد من جهة الر�سالة الإ�سالمية انح�صر يف نفي‬ ‫مذهب امل�سيحيني �أن امل�سيح هو ابن اهلل الوحيد اجلال�س عن ميني الأب ب�إعطاء �أقنوم‬ ‫الإبن �شك ًال قائماً بذاته‪ ،‬ولكن من غري نفي والدة امل�سيح من مرمي العذراء ومن روح اهلل‬ ‫ح�سب الروايات امل�سيحية ومن غري نفي لألوهية كالمه‪ .‬فتكون خمالفة الإ�سالم للم�سيحية‬ ‫مقت�صرة على ت�أويل �صفة امل�سيح احلقيقية ولي�س على �صحة تعاليمه‪ .‬ور�أينا �أي�ضاً �أنه مبا �أن‬ ‫ت�أويل امل�سيحيني والدة امل�سيح‪ ،‬بنا ًء على بع�ض «النبوءات» اليهودية‪ ،‬ال يجعل امل�سيح �إلهاً‬ ‫ثانياً والروح القد�س �إلهاً ثالثاً‪ ،‬فقيمة اخلالف الأ�سا�سي ت�صغر وتقرب كثرياً �شقته ب�إعالن‬ ‫القر�آن والدة امل�سيح من روح اهلل‪ .‬والنتيجة الأخرية من حتقيقنا يف هذه الناحية هي �أنه ال‬ ‫يوجد خالف بني امل�سيحية والإ�سالم على غر�ض التوحيد الأ�سا�سي يف هذين الدينني‬ ‫على ال�سواء‪ .‬وما يظهر من اعتقادات امل�سيحيني �أنه خمالف �أو معار�ض لهذا الغر�ض لي�س‬ ‫يف احلقيقة �سوى مذاهب يف كيفية فهم اهلل ومظاهره و�صفاته‪ .‬وكل ذلك من امل�سائل‬ ‫مي�س مطلقاً التعاليم امل�سيحية و�صحتها‪ ،‬وهي تعاليم يعدها‬ ‫الالهوتية والكالمية البحتة وال ّ‬ ‫القر�آن �إلهية ويوجب الإميان بها على امل�سلمني �أي�ضاً‪ ،‬كما ر�أيت يف ما تقدم‪ .‬وقد ورد حديث‬ ‫نبوي يف هذه االختالفات والت�ش ّيعات يح�سن �أن نثبته يف هذا املحل ليتب�صر �أ�صحاب مبد�أ‬ ‫�سالمة «الدين ال�صحيح» يف كيفية فهم حممد لهذه الأمور‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫«افرتقت اليهود على �إحدى و�سبعني فرقة كلها يف الهاوية �إال واحدة‪ ،‬وافرتقت الن�صارى‬ ‫على اثنتني و�سبعني فرقة كلها يف الهاوية �إال واحدة‪ ،‬وتفرتق �أمتي على ثالث و�سبعني فرقة‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪133‬‬

‫كلها يف الهاوية �إال واحدة»‪.‬‬ ‫ونحن ن�ؤكد �أنه ال يدخل يف هذه الفرقة الأخرية �أ�صحاب مبد�أ «�أن الركن الأعظم لدين‬ ‫امل�سلمني هو يف منازعة كل ذي �شوكة يف �شوكته»( )‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وتقل �أكرث قيمة اخلالف من هذا الوجه متى علمنا �أن الت�أويالت امل�سيحية يف ال ُعربة لأمر‬ ‫امل�سيح ووالدته كانت غري وا�ضحة واالعتقادات يف هذا ال�صدد �إتخذت �أ�شكا ًال يجب‬ ‫در�سها على حدة‪ ،‬نظراً خل�صائ�ص البيئة العربية‪ .‬ويف اعتقادنا �أن هذا اخلالف كان يجب‬ ‫�أن يدر�س در�ساً كلياً يف �أ�سباب من�ش�أه من قبل امل�سلمني وامل�سيحيني و�أن تعني قيمته‬ ‫ال�صحيحة للم ّلتني‪ ،‬لرتيا �أنه لي�س خالفاً دينياً جوهرياً يقت�ضي ا�ستحكام العداوة بينهما‪ .‬ولو‬ ‫�أن املجتهدين امل�سلمني اتخذوا هذه الزاوية مبتد�أ الجتهاداتهم لكان ذلك خرياً للم ّلتني‪.‬‬ ‫ولكن �أكرث املجتهدين امل�سلمني خلطوا بني كالم الر�سالة الإ�سالمية الديني وكالمها الدويل‬ ‫وف�ضلوا جعل الكالم الدويل منهاجاً لكل خطاب يوجهونه �إىل امل�سلمني‪ ،‬ليحثوهم على‬ ‫�إقامة الدولة الدينية قبل كل �شيء متوهمني وموهمني �أن هذا هو الدين‪ .‬ويوافقهم يف هذا‬ ‫املذهب املجتهدون من امل�سيحيني يف تبيان �أن هداية اهلل ال تتم �إال با�سم امل�سيح و�أن ر�سالة‬ ‫حممد‪ ،‬يف مذهبهم‪ ،‬باطلة �أو �أنها بدعة تخرب الدين‪ ،‬مع �أنها ر�سالة دينية �صحيحة جاءت‬ ‫م�صدقة لر�سالة امل�سيح‪.‬‬ ‫مل نقف على بحث جديد لكاتب م�سيحي يحمل فيه على الإ�سالم ويطعن يف حقيقته �أو‬ ‫يف حقيقة جميع الأديان الأخرى‪ ،‬ويقول مبغالبة امل�سلمني و�أهل الأديان غري امل�سيحيني‪ ،‬كما‬ ‫يقول �أتباع مدر�سة الدولة الدينية يف الإ�سالم وتالمذة مدر�سة ال�سيد الأفغاين يف الدين‬ ‫وال�سيا�سة واالجتماع‪ .‬ولذلك ي�صعب علينا �أن نناق�ش جميع �أغالط امل�سيحيني يف هذا‬ ‫الباب التي ي�أتونها �ضد الإ�سالم وامل�سلمني‪ ،‬ويو ّلدون بها االنق�سام القومي‪ ،‬كما نناق�ش‬ ‫كتابات �أ�صحاب مبد�أ اجلن�سية الدينية والدولة الدينية من امل�سلمني و�أتباعهم‪ .‬ولكن ذلك‬ ‫ال يعني �أنه ال يوجد هو�س ديني بني امل�سيحيني وال يعني �أنه ال ن�صيب للم�سيحيني يف‬ ‫املنازعات الدينية التي جتعل ن�شوء القومية ال�صحيحة يف حكم امل�ستحيل‪ .‬و�أهم ما ميكن‬ ‫ذكره يف هذا الباب هو ما ي�سمع بني م�سيحيي �سورية و�أمم ال�شرق املتجاورين مع امل�سلمني‪.‬‬ ‫���1‬‬


‫‪134‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫يبق ما يدفعهم‬ ‫�أما امل�سيحيون الأوروبيون فقد تغلبوا‪� ،‬إىل حد بعيد‪ ،‬على هو�س الدين ومل َ‬ ‫�إىل الت�ألب با�سم الدين‪.‬‬ ‫كثرياً ما ت�سمع م�سيح َّيينْ �أو �أكرث من اثنني يتحدثون يف �ش�ؤون الوطن �أو االجتماع �أو الدين‬ ‫فتطرق �أذنك هذه العبارة‪« :‬ال ميكن �أن ي�صري احتاد قومي �أو �إ�صالح اجتماعي �إال �إذا زال‬ ‫القر�آن»‪ .‬وقد يكون �أكرث الذين يرددون هذه العبارة من الذين ذاقوا مرارة الطغيان الديني‬ ‫ال�سابق وعوملوا معاملة قا�سية �أو جمحفة‪ ،‬ولكن هذه احلقيقة ال تربر القول الذي يقولونه وال‬ ‫جتعل له �صحة على االطالق‪.‬‬ ‫احلقيقة �أن هذا القول هو �أبعد الأقوال عن ال�صواب و�أكرثها داللة على اجلهل‪ .‬فالقر�آن‬ ‫كتاب ديني جليل و�أغرا�ضه الدينية الأخرية ال تختلف وال تت�ضارب مع الأغرا�ض الدينية‬ ‫امل�سيحية‪ ،‬من حيث الإقرار باهلل الواحد وترك عبادة الأ�صنام وفعل اخلري وجتنب ال�شر وتقرير‬ ‫خلود النف�س والثواب والعقاب‪ .‬فكيف وب�أي حق يجب �أن يزول كتاب يدعو �إىل هذه‬ ‫الأغرا�ض الأ�سا�سية التي يدعو �إليها دينهم عينه؟‬ ‫اجلواب على هذا ال�س�ؤال هو يف الإميان ال�ضيق الذي ال يقبل اخلال�ص �إال على يد خمل�ص‬ ‫معني‪ .‬ويف هذا نق�ض لتعاليم دينهم عينه الذي يقول‪« :‬و�إذا واحد من علماء النامو�س‬ ‫قام وقال جم ّرباً له (للم�سيح) يا معلم ماذا �أعمل لأرث احلياة الأبدية‪ ،‬فقال له ماذا كتب‬ ‫يف النامو�س كيف تقر�أ‪ .‬ف�أجاب وقال‪� :‬أحبب الرب �إلهك بكل قلبك وكل نف�سك وكل‬ ‫قدرتك وكل ذهنك وقريبك كنف�سك‪ .‬فقال له �أجبت بال�صواب اعمل ذلك فتحيا‪ .‬ف�أراد‬ ‫�أن يزكي نف�سه فقال لي�سوع‪ :‬ومن قريبي‪ .‬فعاد ي�سوع وقال‪ :‬كان رجل منحدراً من �أور�شليم‬ ‫�إىل �أريحا فوقع بني ل�صو�ص فع ّروه وج ّرحوه ثم م�ضوا وقد تركوه بني حي وميت‪ .‬فاتفق �أن‬ ‫كاهناً كان منحدراً يف ذلك الطريق ف�أب�صره وجاز‪ .‬وكذلك الوي وافى املكان ف�أب�صره وجاز‪.‬‬ ‫و�صب عليها زيتاً وخمراً وحمله‬ ‫ثم �إن �سامرياً م ّر به فلما ر�آه حتنن فدنا �إليه و�ضمد جراحاته ّ‬ ‫على دابته و�أتى به �إىل فندق واعتنى ب�أمره‪ .‬ويف الغد �أخرج دينارين و�أعطاهما ل�صاحب‬ ‫الفندق وقال اعنت ب�أمره ومهما تنفق فوق هذا ف�أنا �أدفعه لك عند عودتي‪ .‬ف�أي ه�ؤالء الثالثة‬ ‫حت�سبه �صار قريباً للذي وقع بني الل�صو�ص‪ .‬قال‪ :‬الذي �صنع �إليه الرحمة‪ .‬فقال له ي�سوع‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪135‬‬

‫ام�ض فا�صنع �أنت كذلك»(لوقا‪ ،)37 - 25 :10 ،‬ف�إذا كان ال�سامري املحتقر ف�ضل الالوي‬ ‫ِ‬ ‫والكاهن املقد�س هلل‪ ،‬لأنه �صنع الرحمة للذي وقع بني الل�صو�ص وكان ذلك جائزاً وحقاً عند‬ ‫امل�سيح نف�سه �أفال يكون حممد الذي �أنقذ خلقاً كثرياً من حالة التوح�ش والهمجية وهداهم‬ ‫�صدقه و�أ ّيده‪� ،‬أف�ضل عند امل�سلمني الذين هداهم �إىل‬ ‫�إىل دين احلق ومل يجحد الإجنيل‪ ،‬بل ّ‬ ‫احلق من كل كاهن وكل بطريرك وكل بابا مل يبلغهم منه �شيء من الرحمة؟ و�إذا كان امل�سيح‬ ‫قد خ ّل�ص امل�سيحيني ف�إن النبي حممد قد خ ّل�ص امل�سلمني‪ .‬فكيف تريدون �أيها املجدفون �أن‬ ‫يعدوه ر�سو ًال من اهلل �إليهم وهو الذي هداهم �إىل اهلل؟‬ ‫ينكر امل�سلمون حممداً و�أن ال ّ‬ ‫لقد ُوجد يف ال ُعربة يهود و ُوجد م�سيحيون فهل متكنوا من هداية العرب وجمع كلمتهم‬ ‫و�إخ�ضاعهم لل�شرع و�إقامة النظام فيهم وحت�سني �ش�ؤون حياتهم االجتماعية؟ فلماذا كان يجب‬ ‫�أن تكون اليهودية �أو امل�سيحية �أقرب �إىل امل�سلمني من حممد قريبهم وحبيبهم وقريب كل‬ ‫من�صف غري متعنت وغري متكرب وحبيبه؟‬ ‫يوجد من متعنتي امل�سيحيني من يلعنون حممداً لأنه اتخذ زوجة زيد امر�أة له‪ ،‬فلماذا ال‬ ‫يلعنون داود النبي ويبطلون نبوءاته ومزامريه وهو قد �سلب �أوريا احلثي زوجته �سلباً بحيلة‬ ‫�سافلة‪ ،‬وكيف ي�ستندون �إىل نبوءته لإثبات �ألوهية امل�سيح؟ وبعد ف�إن النبي حممداً مل ي�سلب‬ ‫زيداً زوجه‪ ،‬بل تزوجها من بعد �أن طلقها زيد و�أ�صبحت حال ًال له‪.‬‬ ‫ومنهم من يزعم �أن حممداً لي�س هادياً �إىل اهلل لأنه مل يفعل العجائب التي قيل �إن الأنبياء‬ ‫الذين تقدموه فعلوها‪ ،‬وهذه حجة باطلة لأنه ال لزوم للعجائب من بعد ما تب ّينت كلمة الهداية‬ ‫�أنها �إىل اهلل الذي عرفه الأنبياء ال�سابقون‪ ،‬كما جاء يف القر�آن‪{ :‬قولوا �آمنا باهلل وما �أنزل‬ ‫�إلينا وما �أنزل �إىل �إبراهيم و�إ�سماعيل و�إ�سحق ويعقوب والأ�سباط وما �أوتي مو�سى وعي�سى‬ ‫وما �أوتي النبيون من ربهم ال نفرق بني �أحد منهم ونحن له م�سلمون}(البقرة‪ .)136 ،‬ويف‬ ‫هذه الآية ت�أمني على جميع املعتقدات امل�سيحية وعلى جميع النبوءات التي ي�ستند �إليها‬ ‫امل�سيحيون لإقامة ربوبية امل�سيح‪.‬‬ ‫ومنهم من ينحي على حممد بالالئمة التخاذه �سبيل الغزو وال�ضرب بال�سيف وال�سوط‬


‫‪136‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫وال�سبي‪ ،‬كما فعل عبد امل�سيح الكندي [كتاب «املناظرات»]( ) يف مناظرة �أحد كبار‬ ‫امل�سلمني فن�سب �إىل حممد جمرد حمبة نفع نف�سه و�أ�صحابه و�إقامة دولته‪ .‬وهذا كالم بعيد‬ ‫عن ال�صواب‪ .‬فقد كان حممد يك�سب من جتاراته وقد جلبت عليه دعوته �إىل اهلل الأتعاب‬ ‫والأو�صاب ف�أهني وتع ّر�ض للخطر و�سقط جريحاً يف معركة �أُ ُحد وكاد ُيق�ضى عليه‪.‬‬ ‫�أما �إنه �أراد �إقامة الدولة فهو �صواب ولكنه �أن�ش�أ الدولة لغر�ض الدين كما جعل الدين عماد‬ ‫الدولة يف بيئة ال �أ�سباب لإقامة الدولة فيها غري �سبب الدين‪ .‬و�إقامة الدولة لي�ست فرية وال‬ ‫�إثماً‪ .‬ومن قبل حممد �أن�ش�أ مو�سى دولته بالدين ثم كانت دولة داود بالدين ودولة �سليمان‪.‬‬ ‫ويحتج عبد امل�سيح بن �إ�سحق الكندي يف تربير حروب العربانيني وغزواتهم بعجائب فلق‬ ‫البحر ليم ّر الإ�سرائيليون ويهلك امل�صريون‪ ،‬وغري ذلك من العجائب التي مل يثبتها تاريخ و�إن‬ ‫�صدقها القر�آن‪ .‬وح�صول العجائب يجب �أن ال يربر فظائع تخريب بيوت �شعب �آمن‪،‬‬ ‫يكن ّ‬ ‫كما �أن عدم ح�صول العجائب ال يجرح ق�صد ر�سول لإقامة دين اهلل‪ .‬ف�إذا كان مو�سى نبياً‬ ‫وي�شوع بن نون نبياً وقد جاءا يهاجمان �شعباً �آمناً عاكفاً على التعمري والتمدين ويقتالن حتى‬ ‫الأطفال والبهائم فمحمد نبي �أعظم منهما ومن جميع �أنبياء اليهود لأنه جاء �إىل جماعة‬ ‫تعمر وال متدن بل �ش�أنها الغزو وال�سلب وال�سبي والتقتيل فخاطبها بلغتها وحاربها‬ ‫وح�شية ال ّ‬ ‫ب�سالحها و�أخ�ضعها للحق وال�شرع والنظام‪ ،‬وهذا �شيء �أعظم من �شق البحر ب�إذن اهلل و�إقامة‬ ‫الك�سيح ب�إذن اهلل‪.‬‬ ‫و�أما �أن لغة العنف والقوة يف بث الر�سالة يجب �أن تبقى يف حدود بيئتها و�أن ال ت�ستعمل يف‬ ‫غري موا�ضعها فهذا بحث �آخر تناولناه يف هذه ال�سل�سلة ونحن نبينّ كيف يجب �أن ُيفهم ذلك‬ ‫منعاً ال�صطدامات عقيمة ال تنفع الأمة وال جتدي الدين‪.‬‬ ‫ال وجه يف هذه الأ�سباب للطعن يف حممد ور�سالته ولتجريده من حق النبوة �أو الر�سالة وال‬ ‫ويدعوا القر�آن‪ ،‬فهذا‬ ‫للطعن على امل�سلمني والقول �إنه ال رجاء بهم حتى يرتكوا الذي هداهم َ‬ ‫قول كبري فيه ظلم كثري وهو�س �شديد‪.‬‬ ‫�إن امل�سيح مل ي�شرتط على عامل النامو�س �أن يعرتف ب�أنه هو الكلمة املتج�سدة لريث احلياة‬ ‫‪2‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪137‬‬

‫الأبدية‪ ،‬بل اكتفى بتو�صيته �أن يحب اهلل ويحب قريبه كنف�سه‪ .‬والنبي حممد قد �أوجب ذكر‬ ‫امل�سيح وجاءت �آياته ت�شهد للم�سيح ب�أنه كلمة اهلل‪ ،‬فماذا يريد املتعنتون فوق ذلك؟ وجاء‬ ‫حممد ي�ؤمن امل�سيحيني على دينهم ويقول �إنهم ال يحتاجون �إىل تغيري «�صالتهم» وتعاليم‬ ‫دينهم‪ ،‬وي�أبى املتعنتون �إال �أن يقولوا �إن حممداً مبطل �ضال‪ ،‬حتى �أن عبد امل�سيح بن �إ�سحق‬ ‫عده �صاحب �شريعة ال�شيطان!‬ ‫الكندي ّ‬ ‫�إن حممداً والقر�آن باقيان ويبقيان يف قلوب امل�سلمني لأن حممداً كان ر�سولهم‪ .‬ف�إذا كان الروح‬ ‫القد�س قد ع ّلم تالميذ امل�سيح ور�سله لغات الأقوام الذين توجهوا للب�شارة والكرازة بينها‪،‬‬ ‫فلي�س الذنب ذنب العرب �إذا مل يكن بني ه�ؤالء الر�سل ر�سول ع ّلمه الروح القد�س لغتهم‬ ‫وتوجه �إليهم و�أقام الدين بينهم‪ ،‬فكيف ال يكون حممد �أقرب �إليهم من ر�سل امل�سيحية؟‬ ‫وقد بلغنا �أن كثرياً من امل�سيحيني يفرحون ب�إظهار ف�ساد هو�س املتعنتني امل�سلمني �أ�صحاب‬ ‫مدر�سة حماربة �أهل جميع «الأديان» غري امل�سلمني‪� ،‬أي حماربة امل�سيحيني الذين يعرتف‬ ‫القر�آن ب�صحة دينهم‪ ،‬ويظنون �أننا نق�صد من ذلك نكاية امل�سلمني و�إظهار ف�ساد دينهم وبطالنه‬ ‫وحتقري �شخ�صية نبيهم‪ .‬وبلغنا �أي�ضاً �أن متهو�سي امل�سلمني ظنوا هذا الظن وتوهموا هذا الوهم‪،‬‬ ‫فما �آثم هذا الظن وما �أبعده عن ال�صواب!‬ ‫�إن ما نق�صده يف هذا البحث هو الو�صول �إىل �إفهام �أهل الدينني وجوب نزع التعنت والهو�س‬ ‫ومناف�سة بع�ضهم البع�ض‪ ،‬و�أنه يجب عليهم �إدراك �أغرا�ض دينهم بالعقل ولي�س بالزيغ‬ ‫واملناف�سة التي تعدم ال�صالح وتخرب البيوت وتفيد العدو فقط‪ .‬فنحن ما �أظهرنا بطالن‬ ‫حجج �أ�صحاب املدر�سة الرجعية من امل�سلمني �إال لنجلبهم �إىل احلق ليعلموا �أن الغل ّو يف‬ ‫الدين من املعائب التي �أ�صابتهم كما �أ�صابت الرجعيني امل�سيحيني‪ ،‬ولي�س جلعل امل�سيحيني‬ ‫يبالغون يف الغل ّو مبذهبهم ويزدرون الدين الإ�سالمي‪.‬‬ ‫والنقطة الأ�سا�سية التي كانت ن�صب �أعيننا منذ بداءة هذا البحث هي هذه‪� :‬إن امل�سيحية‬ ‫والإ�سالم دينان �إلهيان يتفقان يف �أغرا�ض الدين الأخرية ويثبت كل منهما الآخر‪ ،‬فيجب‬ ‫�أن ال يكون بينهما ا�صطدام وال نزاع‪ ،‬بل حمبة واحتاد‪ .‬واملحبة واالحتاد ال يكونان برذل كل‬


‫‪138‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫فريق دين الآخر و�إدانته وتف�ضيل دينه عليه‪ ،‬بل باتخاذ القاعدة العامة التي و�ضعناها وهي‪:‬‬ ‫�أن امل�سيحية والإ�سالم يتممان �أغرا�ضهما الأخرية بدون حروب ومنازعات‪ ،‬بل بالت�ساند‬ ‫واالنت�شار‪ ،‬كل منهما يف البيئات الأكرث موافقة لتعاليمه وقبو ًال لها‪ .‬فمن قبل الإ�سالم ديناً‬ ‫فقد اهتدى �إىل اهلل‪� ،‬إذا كان اهلل هو غر�ض الدين الأخري‪ ،‬ومن قبل امل�سيحية فهو م�ؤمن مهتد‬ ‫�إىل اهلل‪{ ،‬وما اختلفتم فيه من �شيء فحكمه �إىل اهلل}(ال�شورى‪{ ،)10 ،‬ف�إمنا عليك البالغ‬ ‫وعلينا احل�ساب}(الرعد‪« ،)40 ،‬ال تدينوا لئال تدانوا‪ ،‬ف�إنكم بالدينونة التي بها تدينون‬ ‫تدانون وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم‪ .‬ما بالك تنظر القذى يف عني �أخيك وال تفطن‬ ‫للخ�شبة التي يف عينك‪� .‬أم كيف تقول لأخيك دعني �أخرج القذى من عينك وها �أن‬ ‫ٍ‬ ‫وحينئذ تنظر كيف تخرج القذى‬ ‫اخل�شبة يف عينك‪ .‬يا مرائي �أخرِج �أو ًال اخل�شبة من عينك‬ ‫من عني �أخيك»(متى‪.)5 - 1 :7 ،‬‬ ‫ما تقدم هو خال�صة وجهة اخلالف امل�سيحية وقد فندناها وب�سطنا ر�أينا فيها و�أو�ضحنا ف�سادها‬ ‫ومبلغ التع ّنت فيها‪ ،‬ف�إذا كان قد بقي �شيء جوهري من هذه الوجهة مل نتناوله فذلك لأنه‬ ‫مل يبلغنا ونكون �شاكرين لكل من يو�صل �إلينا قو ًال م�سيحياً ي�ضاد وجود الدين الإ�سالمي‬ ‫ويعد العمل على زواله عم ًال بن�صو�ص الدين ليكون الدين كله م�سيحياً هلل‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ومن جميع ما تقدم يت�ضح �أن وجهة امل�سيحيني من اخلالف تنح�صر يف عدم االعرتاف ب�صحة‬ ‫كون حممد ر�سو ًال‪ ،‬وذلك ا�ستناداً �إىل حتذير امل�سيح من الأنبياء الكذبة وقوله‪�« :‬إحذروا �أن‬ ‫ي�ضلكم �أحد لأن كثريين �سي�أتون با�سمي قائلني �إين �أنا هو وي�ضلون كثريين»(مرق�س‪:13 ،‬‬ ‫‪ .)6 - 5‬هذا فيما يخت�ص بالن�ص من جهة امل�سيحية و�أما من جهة الإ�سالم فالن�ص ما ورد يف‬ ‫�سورة «الأعراف» يف و�صف غ�ضب مو�سى على بني �إ�سرائيل التخاذهم العجل �إلهاً‪ ،‬فبعد �أن‬ ‫�سكن غ�ضب مو�سى �أخذ الألواح {واختار مو�سى قومه �سبعني رج ًال مليقاتنا فلما �أخذتهم‬ ‫الرجفة قال رب لو �شئت �أهلكتهم من قبل و�إياي �أتهلكنا مبا فعل ال�سفهاء منا �إن هي �إال‬ ‫فتنتك ت�ضل بها من ت�شاء وتهدي من ت�شاء �أنت ول ّينا فاغفر لنا وارحمنا و�أنت خري الغافرين‪.‬‬ ‫واكتب لنا يف هذه الدنيا ح�سنة ويف الآخرة �إ ّنا ُه ْدنا �إليك قال عذابي �أ�صيب به من �أ�شاء‬ ‫ورحمتي و�سعت كل �شيء ف�س�أكتبها للذين يتقون وي�ؤتون الزكاة والذين هم ب�آياتنا ي�ؤمنون‪.‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪139‬‬

‫الذين يتبعون الر�سول النبي الأ ّمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم يف التوراة والإجنيل ي�أمرهم‬ ‫باملعروف وينهاهم عن املنكر ّ‬ ‫ويحل لهم الطيبات ويح ّرم عليهم اخلبائث وي�ضع عنهم �إ�صرهم‬ ‫والأغالل التي كانت عليهم فالذين �آمنوا به وعزروه ون�صروه وا ّتبعوا النور الذي �أنزل معه‬ ‫�أولئك هم املفلحون‪ .‬قل يا �أيها النا�س �إين ر�سول اهلل �إليكم جميعاً الذي له ملك ال�سموات‬ ‫والأر�ض ال �إله �إال هو يحيي ومييت ف�آمنوا باهلل ور�سوله النبي الأ ّمي الذي ي�ؤمن باهلل وكلماته‬ ‫وا ّتبعوه لعلكم تهتدون}(الأعراف‪.)158 - 155 ،‬‬ ‫بنا ًء على هذا الن�ص الإ�سالمي يعتقد �أكرث امل�سلمني غري املحققني �أن التوراة والإجنيل‬ ‫اللذين يف �أيدي النا�س اليوم هما غري التوراة والإجنيل ال�صحيحني‪ ،‬لأنه ال ذكر لأحمد �أو‬ ‫حممد فيهما‪ .‬وقد �س ّلمنا يف ما تقدم من هذا البحث ب�أن اليهود عبثوا بالتوراة‪ ،‬خ�صو�صاً يهود‬ ‫ترجح �أنهم عبثوا بالقر�آن �أي�ضاً قبل �إكمال جمعه‪� .‬أما الإجنيل فلم يجر به‬ ‫العرب‪ .‬هناك �أدلة ّ‬ ‫�أي عبث‪ ،‬ولكن وجد �إجنيليون دونوا �سرية امل�سيح و�أقواله تدويناً خمالفاً لتدوين الإجنيليني‬ ‫الأربعة املع ّول عليهم‪ ،‬واثنان منهم كانا تلميذين للم�سيح وعايناه كم ّتى ويوحنا وثالث كان‬ ‫من �أكرب املحققني هو الطبيب لوقا والرابع هو مرق�س وكان تلميذاً للقدي�س بطر�س‪ .‬وكانت‬ ‫الأناجيل قد توزعت بني �أيدي النا�س يف �أكرث من لغة �إذ كتب م ّتى بال�سريانية وكتب لوقا‬ ‫باليونانية‪ .‬ومل يعد من املمكن‪ ،‬بعد مرور �ستمئة �سنة ونيف على امليالد امل�سيحي‪� ،‬أن جتمع‬ ‫جميع الن�سخ املوجودة يف خمتلف اللغات والأقطار وتتلف �إال ن�سخة واحدة حتذف منها‬ ‫الإ�شارة �إىل حممد‪ .‬ولو كان �صحيحاً �أنه وجد ذكر حممد يف الإجنيل لكان حذفه دعا �إىل‬ ‫�شك كثريين و�صياحهم كما ّ‬ ‫�شكوا و�صاحوا لأمور �أقل من حذف �شيء من ن�ص الإجنيل‪،‬‬ ‫ولكان وجب �أن يقف امل�سلمون وحمققوهم على ن�سخة فيها ذكر حممد ويحفظوها للداللة‬ ‫وي�شريوا �إىل مو�ضع ذكر حممد فيها ويف �أية �آية ويف �أي حادث ورد ذكره‪ .‬ولكن �شيئاً من‬ ‫ذلك مل يحدث‪ ،‬وقد اكت�شفت الن�سخة ال�سينائية التي هي �أقدم ن�سخ الإجنيل وحقق فيها‬ ‫رجال علم بعيدون عن الهو�س الديني‪ .‬الن�سخة موجودة �إىل اليوم ولي�س فيها �أي ما يدل‬ ‫على ذكر حممد‪ .‬ولكن يبقى هنالك وجه هو �أن نعت الروح القد�س «باملع ّزي» يف �إجنيلي‬ ‫مرق�س ويوحنا قد يكون ورد منف�ص ًال يف بع�ض القراءات يف املوا�ضع املوجود بها منف�ص ًال‬


‫‪140‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫عن الإ�سم ف�أدى ذلك �إىل التبا�س �أو �إىل اختالط كقوله‪�« :‬إال �أين �أقول لكم احلق �إن يف‬ ‫انطالقي خرياً لكم لأين �إن مل �أنطلق مل ي�أتكم املع ّزي ولكن �إذا م�ضيت �أر�سلته �إليكم‪.‬‬ ‫ومتى جاء يبكت العامل على اخلطيئة وعلى الرب وعلى الدينونة‪� .‬أما على اخلطيئة فلأنهم‬ ‫مل ي�ؤمنوا بي و�أما على الرب فلأين منطلق �إىل الأب وال تروين بعد‪ .‬و�أما على الدينونة فلأن‬ ‫رئي�س هذا العامل قد ِدين‪ .‬و�إن عندي كثرياً �أقوله لكم ولكنكم ال تطيقون حمله الآن‪ .‬ولكن‬ ‫متى جاء ذاك روح احلق فهو ير�شدكم �إىل جميع احلق‪ ،‬لأنه ال يتكلم من عنده بل يتكلم‬ ‫بكل ما ي�سمع ويخربكم مبا ي�أتي»(يوحنا‪ .)13 - 7 :16 ،‬فكل من يقر�أ �أو ي�سمع هذه الآيات‬ ‫ومل يكن قد �سمع الآية ‪ 26‬من الف�صل الرابع ع�شر القائلة «و�أما املع ّزي الروح القد�س الذي‬ ‫�سري�سله الأب با�سمي فهو يعلمكم كل �شيء ويذكركم كل ما قلته لكم»(يوحنا‪)26 : 14 ،‬‬ ‫ف�إنه ال ي�شك ب�أنه وعد بر�سول �آخر يجيء‪ ،‬بل حتى الآية الأخرية ال متنع كل اجتهاد وكل‬ ‫ت�أويل يف هذا الباب‪.‬‬ ‫و�إننا نرى �أن هذه الن�صو�ص واخلالف فيها هي من ذيول اخلالف على �صفة امل�سيح وعلى‬ ‫�صفة حممد‪ ،‬وال جند خالفاً �أ�سا�سياً جوهرياً فيما يخت�ص ب�أغرا�ض الدين الأخرية‪ ،‬وال ي�ؤثر‬ ‫على �أهل كل دين يف ا ّتباع دينهم‪ .‬فما على �أهل الدينني امل�سيحية والإ�سالم �إال �أن يرتكوا‬ ‫احلكم هلل عم ًال بقول الدينني«ال تدينوا لكي ال تدانوا»(متى‪{ ،)1 : 7 ،‬وما اختلفتم فيه من‬ ‫�شيء فحكمه �إىل اهلل}(ال�شورى‪.)10 ،‬‬ ‫ولقد اتخذ هذا اخلالف‪ ،‬منذ القدمي‪ ،‬مظهراً حزبياً‪ ،‬فقد قر�أنا يف بع�ض امل�صادر �أن امل�سلمني‬ ‫«و�أهل الكتاب» افتخروا فقال �أهل الكتاب «نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن �أوىل‬ ‫باهلل منكم»‪ ،‬وقال امل�سلمون «نحن �أوىل منكم‪ ،‬نبينا خامت النب ّيني وكتابنا يق�ضي على الكتب‬ ‫ين �أهل الكتاب من يعمل‬ ‫املتقدمة»‪ ،‬فنزلت يف هذا اخلالف الآية {لي�س ب�أمان ّيكم وال �أما ّ‬ ‫�سوءاً يج َز به وال يجد له من دون اهلل ولياً وال ن�صرياً‪ .‬ومن يعمل من ال�صاحلات من ذكر �أو‬ ‫�أنثى وهو م�ؤمن ف�أولئك يدخلون اجلنة وال يظلمون نقرياً}(الن�ساء‪.)124 - 123 ،‬‬ ‫وجميع هذه الأقوال من الدينني يقبلها كل ذي عقل �سليم ووجدان حي وال يرف�ضها �إال‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪141‬‬

‫املنافقون يف الدين من امل�سلمني والن�صارى‪ .‬فالأولون يقولون ال يتم الدين �إال مبغالبة �أهل‬ ‫«الأديان» الأخرى وتنمية م ّلة الإ�سالم بالقوة والإكراه‪ ،‬والآخرون يقولون ال يتم الدين �إال‬ ‫مبحو القر�آن من الوجود‪ .‬وهذا منتهى ال�ضالل‪ ،‬لأن كل فريق يقيم نف�سه مقام اهلل نف�سه‬ ‫ليدين الفريق الآخر‪ ،‬مع �أن ن�صو�ص الدين تقول برتك احلكم هلل وحده‪.‬‬

‫اهلوامش‬ ‫‪« - 1‬العروة الوثقى»‪ ،‬ال�صفحة ‪.149‬‬ ‫‪ - 2‬كاتب عا�ش يف العراق خالل القرن التا�سع امليالدي‪ ،‬له م�ؤلفات عدة تب�شر بامل�سيحية‬ ‫وتدافع عنها‪.‬‬


‫‪142‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫بني الدين والدولة‬ ‫�إن النتيجة النهائية التي و�صلنا �إليها يف احللقتني املتقدمتني وهي‪� :‬أن الدينني امل�سيحي‬ ‫والإ�سالمي متفقان كل االتفاق يف الأغرا�ض الدينية الأخرية‪ ،‬و�أن الواجب على اتباعهما‬ ‫يق�ضي برتك حماربة بع�ضهم البع�ض وحماولة �إخ�ضاع بع�ضهم بع�ضاً‪ ،‬ال توافق رجال ال�سلطة‬ ‫الروحية من امل ّلتني وال رجال النفوذ ال�سيا�سي املبني على املذهب وامل ّلة‪ .‬فرجال الدين من‬ ‫امل ّلتني ال يقبلون االعرتاف ب�أن الدينني �صحيحان‪ ،‬فكل فريق ّيدعي �أن دينه هو ال�صحيح و�أن‬ ‫خال�ص النفو�س ال يتم �إال به‪ .‬ومما ال �شك فيه �أن هذا البحث لي�س موجهاً �إىل رجال الدين‬ ‫�أنف�سهم‪ ،‬بل �إىل اخلا�صة والعامة من العلمانيني‪ ،‬ف�إذا كان رجال الدين قد وقفوا �أنف�سهم عليه‬ ‫ف�إن الدين مل ولن يقف نف�سه عليهم‪.‬‬ ‫�إىل جميع النا�س‪ ،‬غري رجال الدين‪ ،‬نوجه هذه الدعوة‪ :‬لنرتك رجال الدين يتناظرون ما‬ ‫�شا�ؤوا املناظرة يف �أي الأديان �أ�صحها‪ ،‬ب�شرط �أن ال يتعدوا حدود املناظرة �إىل تهييج الغوغاء‬ ‫وال�س َّذج وغر�س الأحقاد بني �أبناء الوطن الواحد با�سم الدين‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫�إن هذه الدعوة تعني ترك الع�صبية الدينية واعتناق الع�صبية القومية التي جتعل جميع‬ ‫ال�سوريني‪ ،‬م�سلميهم وم�سيحييهم‪ ،‬ع�صبة واحدة‪.‬‬ ‫هذه الدعوة هي التي يحملها يف �سورية احلزب ال�سوري القومي‪ .‬وقد ا�صطدمت هذه الدعوة‬ ‫مبقاومة من امل ّلتني امل�سيحية والإ�سالمية‪� .‬أما حجة �أبناء امل ّلة امل�سيحية فكانت �أن الوحدة‬ ‫القومية تعيد امل�سيحيني �إىل عهد اخل�ضوع لدولة �إ�سالمية ال حقوق مدنية و�سيا�سية فيها‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪143‬‬

‫للم�سيحيني‪ .‬وهذه �أقوى حجج املدنيني امل�سيحيني با�ستثناء بع�ض املهوو�سني الذين يد�سون‬ ‫بالد�س‪ ،‬ومل يقدروا على تقدمي‬ ‫هنا وهناك عبارات الكره واحلقد على امل�سلمني‪ ،‬واكتفوا ّ‬ ‫نظرية ميكن �أن تكون �شبه عقيدة‪ .‬و�أما حجة �أبناء امل ّلة املحمدية فكانت ذات نظرية م�ؤ�س�سة‬ ‫على ن�صو�ص دينية كالتي عاجلنا بع�ضها يف ما تقدم‪ ،‬وقال بها رجالن خطريان كال�سيد‬ ‫جمال الدين الأفغاين وال�شيخ حممد عبده اللذين ا�ستند �إىل �أبحاثهما �أكرث امل�سلمني الذين‬ ‫يقاومون ن�شوء القومية يف �سورية لتكون رابطة ّ‬ ‫حتل يف االجتماع واحلقوق حمل امل ّلة‪ .‬وملا كان‬ ‫هذا البحث خمت�صاً‪ ،‬بالأكرث‪ ،‬مبناق�شة �أ�صحاب هذه النظرية التي �صفق امل�سلمون كثرياً يف‬ ‫املهجر لر�شيد �سليم اخلوري الذي حت ّزب لها لغاية يف نف�سه‪ ،‬ف�سنتابع املناق�شة لن�صل �إىل نتيجة‬ ‫حا�سمة‪.‬‬ ‫ولكن ال بد من زيادة �إي�ضاح ��لأ�سباب الداعية لتخ�صي�ص معظم هذا البحث بالوجهة‬ ‫الإ�سالمية‪ .‬و�أهم هذه الأ�سباب هو طبيعة كل من الدينني واجتاهه‪ .‬فامل�سيحية ن�ش�أت ن�ش�أة‬ ‫دين بحت جمرد من �ش�ؤون الدولة واحلكم‪ .‬فقد اخت�ص الدين امل�سيحي بالأفراد ومعتقداتهم‬ ‫ومناقبهم‪� .‬أما الدين الإ�سالمي فقد ب ّينا‪ ،‬يف ما تقدم من حلقات هذا البحث‪� ،‬أنه ا�ضطر‬ ‫لأخذ طبيعة البيئة التي ن�ش�أ فيها بعني االعتبار‪ .‬وطبيعة البيئة اقت�ضت �إيجاد الدولة لتكون‬ ‫و�سيلة لإقامة الدين‪ .‬وملا كان غر�ض الدولة �إقامة الدين كان ال بد �أن يكون �أ�سا�سها‪ ،‬فهي‬ ‫وجدت بالدين لإقامة الدين‪ .‬ومن هذه ال�ضرورة اخلا�صة بالبيئة العربية ن�ش�أ هذا االرتباط‬ ‫الوثيق بني الدولة والدين يف الإ�سالم‪ ،‬حتى التب�س �أمر كليهما حتى على �أكرب املفكرين‬ ‫امل�سلمني‪ .‬ولهذا ال�سبب جند م�س�ألة الف�صل بني الدين والدولة يف امل ّلة الإ�سالمية �أ�صعب‬ ‫ح ًال منها يف امل ّلة امل�سيحية‪ ،‬لأن الدولة موجودة يف الن�صو�ص القر�آنية كما هي موجودة يف‬ ‫ن�صو�ص التوراة‪ .‬ولكنها لي�ست موجودة يف ن�صو�ص الإجنيل‪ .‬وبنا ًء على الن�صو�ص القر�آنية‬ ‫�أمكن �صاحبي «العروة الوثقى» القول‪�« :‬إن ال جن�سية للم�سلمني �إال يف دينهم»( )‪ ،‬والقول‬ ‫خماطبني امل�سلمني‪« :‬هل ن�سوا وعد اهلل لهم ب�أن يرثوا الأر�ض وهم العباد ال�صاحلون؟»( )‪،‬‬ ‫والقول‪« :‬الديانة الإ�سالمية ُو�ض َع �أ�سا�سها على طلب الغلب وال�شوكة واالفتتاح والعزة ورف�ض‬ ‫كل قانون يخالف �شريعتها ونبذ كل �سلطة ال يكون القائم بها �صاحب الوالية على تنفيذ‬ ‫‪1‬‬

‫‪2‬‬


‫‪144‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫�أحكامها»( )‪ ،‬والقول‪« :‬ومن الأوامر ال�شرعية �أن ال يدع امل�سلمون تنمية م ّلتهم حتى ال تكون‬ ‫فتنة ويكون الدين كله هلل» وذلك «لإعالء كلمة احلق وب�سطة امللك وعموم ال�سيادة»( )‪،‬‬ ‫والقول‪« :‬كيف ومعظم الأحكام الدينية موقوف �إجرا�ؤه على قوة الوالية ال�شرعية»( )‪ .‬وكل‬ ‫هذه الأقوال بعيد عن ال�صواب ولي�س فيه تد ّبر �صحيح لن�صو�ص الديانة الإ�سالمية وتاريخها‪،‬‬ ‫كما ب ّينا ونبينّ ‪ ،‬بل هي جميعها نتيجة ا�ستبداد يف االجتهاد من �أجل الو�صول �إىل �أغرا�ض‬ ‫�سيا�سية مبنية على نظرة الدولة الدينية واجلن�سية الدينية‪.‬‬ ‫تقدم قولنا �إن الر�سالة الإ�سالمية تق�سم �إىل ق�سمني‪ :‬الق�سم املكي والق�سم املدين (راجع‬ ‫احللقة ‪ / 16‬احللقة اخلام�سة بالرتتيب اجلديد) ثم عدنا فقلنا (احللقة ‪ / 23‬احللقة ‪ 12‬بالرتتيب‬ ‫اجلديد) �إن ن�صو�ص الإ�سالم على وجهني‪ :‬وجه يف الدين ووجه يف الدولة‪ .‬والق�سم املكي‬ ‫هو الأكرث اخت�صا�صاً بالوجهة الدينية‪ ،‬والق�سم املدين هو الأكرث اخت�صا�صاً بالوجهة الدولية‪.‬‬ ‫وهذا االزدواج يف اجتاه الر�سالة الإ�سالمية الذي مل يح�صل له فيما م�ضى درا�سة جتمع‬ ‫وجهتيه يف وحدة فكرية روحية هو الذي ي�سهل لأ�صحاب الأغرا�ض ال�سيا�سية الأخذ ب�أي‬ ‫وجه �أرادوا‪ ،‬ح�سبما يوافق �أغرا�ضهم‪ .‬وهو لي�س عيباً يف القر�آن‪ ،‬بل نق�ص الثقافة التاريخية‬ ‫االجتماعية وعدم تد ّبر الر�سالة الإ�سالمية كما يجب‪.‬‬ ‫و�أ�صحاب الأغرا�ض ال�سيا�سية ال يريدون ن�شوء هذه الدرا�سة يف الإ�سالم‪ ،‬لأنها ميكن �أن‬ ‫تق�ضي على جميع حماوالت ا�ستخدام الدين للأغرا�ض ال�سيا�سية واملطامع اخل�صو�صية‪ .‬ف�إذا‬ ‫يخ�ش ه�ؤالء الأراخنة افت�ضاح �أمرهم‪،‬‬ ‫ظل الإ�سالم بعيداً عن هذه الدرا�سة التكنيكية مل َ‬ ‫بعك�سهم االجتاه الأول للإ�سالم‪ ،‬ف�إن حممداً ا�ستخدم الدولة لإقامة الدين وجعل الدين‬ ‫�أ�سا�ساً لتنظيم �شعب باقٍ يف حالة همجية‪� .‬أما ه�ؤالء الدبلوما�سيون فرييدون ا�ستخدام الدين‬ ‫لتنفيذ املطامع ال�سيا�سية‪.‬‬ ‫ولي�س هذا جديداً يف الإ�سالم‪ ،‬بل �شيئاً قدمياً ظهر يف �أطوار تاريخية كثرية‪ .‬فقد وجد املتنازعون‬ ‫على ال�سلطة وال�سيادة �أ�سباباً كافية يف ثنائية الإ�سالم للمبالغة يف العناد واملكابرة‪ ،‬حتى‬ ‫�إنه ميكن كتابة جملدات يف هذا الباب يف حجج العروبيني وال�شعوبيني ويف النزاع‪ ،‬حتى‬ ‫بني ال�صحابة والأمويني وبيت علي‪ .‬ونكتفي للداللة على �سعة التالعب بثنائية الن�صو�ص‬ ‫‪3‬‬

‫‪4‬‬

‫‪5‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪145‬‬

‫الإ�سالمية ب�إيراد هذا احلادث الذي جرى ملعاوية �إذ خاطب النا�س قائ ًال‪�« :‬أيها النا�س �إن‬ ‫ف�ضل قري�شاً بثالث فقال لنبيه عليه ال�صالة وال�سالم «و�أنذر ع�شريتك الأقربني» فنحن‬ ‫اهلل ّ‬ ‫ع�شريته‪ .‬وقال‪« :‬و�إنه لذكر لقومك» فنحن قومه‪ .‬وقال‪« :‬لإيالف قري�ش �إيالفهم» �إىل قوله‪:‬‬ ‫«الذي �أطعمهم من جوع و�آمنهم من خوف» ونحن قري�ش»‪ .‬ف�أجابه رجل من الأن�صار‪« :‬على‬ ‫ر�سلك يا معاوية ف�إن اهلل يقول‪« :‬وكذب به قومك» و�أنتم قومه‪ ،‬وقال‪« :‬وملا �ضرب ابن مرمي‬ ‫مث ًال �إذا قومك منه ي�صدون» و�أنتم قومه‪ ،‬وقال الر�سول عليه ال�صالة وال�سالم‪« :‬يا رب �إن‬ ‫قومي اتخذوا هذا القر�آن مهجوراً» و�أنتم قومه‪ ،‬ثالثة بثالثة ولو زدتنا زدناك»‪.‬‬ ‫هذا مثل رائع من ا�ستخدام ثنائية الن�ص القر�آين يف �أغرا�ض املناف�سات واملطامع وفاقاً‬ ‫للظروف واحلاالت‪ .‬والذين يجدون �سهولة يف �سلك هذا امل�سلك ال يريدون �أن تقوم درا�سة‬ ‫تو�ضح �أن هذه الثنائية لي�ست مطلقة بل مقيدة ومرتبطة بوحدة فل�سفية يجب ا�ستخراجها‬ ‫و�إبرازها ب�صورة وا�ضحة‪ ،‬لإيجاد اال�ستقرار الروحي يف امل ّلة الإ�سالمية لتهتم ب�ش�ؤون االرتقاء‬ ‫الثقايف‪ ،‬فال تظل مع ّر�ضة لت�ضحية غر�ض الدين يف �سبيل غر�ض ال�سيا�سة التي يهمها الدولة‬ ‫وال�سلطان واحلكم �أكرث مما يهمها الدين واالرتقاء الروحي واملثل العليا والتقدم االجتماعي‪.‬‬ ‫در�سنا يف احللقات املتقدمة من هذا البحث الناحية الدينية من الإ�سالم‪ ،‬و�أو�ضحنا ما هي‬ ‫�أغرا�ض هذا الدين الأخرية و�أنها ال تت�ضارب مع الأغرا�ض الدينية امل�سيحية‪ .‬و�أثبتنا �أن‬ ‫الن�صو�ص القر�آنية نف�سها ت�ؤكد ذلك توكيداً ال ميكن دح�ضه‪ ،‬وبذلك نكون قد �أجبنا جواباً‬ ‫قاطعاً على ال�س�ؤالني اللذين �ألقيناهما يف احللقة الثالثة والع�شرين (احللقة الثانية ع�شرة‬ ‫بالرتتيب اجلديد) وهما‪� :‬أ�صحيح �أن الدين الإ�سالمي ال يتم �إال ب�إعالئه على الأديان‬ ‫ويعم العامل‪ ،‬و�إن هذا هو غر�ضه‬ ‫الأخرى وبيع امل�سلمني �أنف�سهم حتى يتم انت�صار الإ�سالم ّ‬ ‫الأ�سا�سي؟ و�إىل �أين يقودنا االعتقاد ب�أن �صحة الديانة الإ�سالمية هي يف حماربة �أهل الأديان‬ ‫الأخرى حتى يدينوا بها �أو يخ�ضعوا للم�سلمني؟‬ ‫�إن الن�صو�ص القر�آنية التي �أثبتناها تنفي نفياً باتاً �أن هذا هو غر�ض الديانة الإ�سالمية و�إن‬ ‫�إيجاب القر�آن على امل�سلمني االعتقاد ب�صحة الإجنيل بل و�صحة التوراة �أي�ضاً واالميان مبا ورد‬ ‫فيهما يقرر نهائياً �أن الدين ال�صحيح من جهة الإ�سالم يقوم بامل�سيحية كما يقوم به وبالإجنيل‬


‫‪146‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫كما بالقر�آن‪ .‬وقد ن�ص القر�آن على �أن الذين «ي�ؤمنون بالآخرة» (من �أهل الكتاب‪ :‬التوراة‬ ‫والإجنيل) ال حاجة بهم لتغيري «�صالتهم» بل هم يحافظون عليها حتى ولو �آمنوا بالقر�آن‪.‬‬ ‫وكان الأحرى بالذين يرغبون يف التقدم االن�ساين من امل�سلمني �أن يتدبروا هذه الآية اجلليلة‬ ‫من �سورة «الأنعام» التي ت�سند قولنا ال�سابق (احللقة ‪ / 25‬احللقة ‪ 14‬بالرتتيب اجلديد) ب�أن‬ ‫اجتاه الر�سالة الإ�سالمية كان للإتفاق مع الر�ساالت ال�سابقة واال�شرتاك معها على حماربة‬ ‫عبادة الأ�صنام و�إقامة الدين الإلهي‪ .‬فالآية املذكورة مل تطلب من «�أهل الكتاب» غري االميان‬ ‫ب�أن القر�آن كتاب يدعو �إىل اهلل و�أن دعوته �صحيحة‪ ،‬وهي ت�ؤمنهم على «�صالتهم» ح�سب‬ ‫كتابهم وال توجب عليهم تغيري دينهم‪ .‬و�آيات قر�آنية �أخرى عديدة ت�سند حكم هذه الآية‬ ‫كتخ�صي�ص القر�آن وحممد بالذين مل ي�أتهم ر�سول من قبل وكانوا يف �ضالل مبني‪ ،‬وكلها‬ ‫ترمي �إىل �إزالة كل احتمال للت�صادم والت�ضارب مع امل�سيحية واليهودية و�إىل توحيد جهود‬ ‫هذه الفرق �ضد امل�شركني عبدة الأوثان‪ .‬ولو �أن امل�سيحيني واليهود يف ال ُعربة عززوا حممداً‬ ‫و�أيدوه ووافقوه على امل�شركني لكانوا �أزالوا عقبات كثرية من الطريق‪ .‬وكل من�صف مت�أمل‬ ‫يف هذه الآيات احلكيمة‪ ،‬وقد �أثبتنا معظمها يف احللقات املتقدمة‪ ،‬يجد �أنها فتحت وتفتح‬ ‫باب التفاهم وا�سعاً‪� ،‬إذا ح�سن الق�صد من امل�سلمني وامل�سيحيني على ال�سواء‪ .‬وهي تقطع‬ ‫على متعنتي امل�سيحيني حججهم الباطلة القائلة �إنه ال ميكن االتفاق مع امل�سلمني‪ ،‬وكالمهم‬ ‫امل�شبع جه ًال القائل �إنه ال ميكن ح�صول االحتاد القومي يف �سورية �إال بزوال القر�آن‪ .‬وهذه‬ ‫الآيات عينها ال ت�سمح‪ ،‬من الوجهة الأخرى‪ ،‬للم�سلمني بالغل ّو يف احلزبية الدينية‪ ،‬واعتبار‬ ‫�أن مئات الأجيال الربيئة يجب �أن ت�سقط فري�سة التقاطع والتناحر ب�سبب بع�ض �أغالط بع�ض‬ ‫الأولني‪ .‬وفيما يخت�ص بامل�سيحيني يف هذا الباب جند �أن القر�آن �شهد لهم ب�صدق الوجدان‬ ‫و�أنهم مل يكونوا مع امل�سلمني كامل�شركني وال كاليهود‪ ،‬فبعد الآية التي �أثبتناها �آنفاً التي جاء‬ ‫فيها {ولتجدنّ �أقربهم مودة للذين �آمنوا الذين قالوا �إ ّنا ن�صارى}(املائدة‪ )82 ،‬ت�أتي هذه‬ ‫الآية {و�إذا �سمعوا ما �أنزل �إىل الر�سول ترى �أعينهم تفي�ض من الدمع مما عرفوا من احلق}‬ ‫(املائدة‪ .)83 ،‬ومتى علمنا �أنه وجد يف ال ُعربة م�سيحيون مل يفهموا من االميان امل�سيحي �أكرث‬ ‫مما فهم م�سلموها من االميان الإ�سالمي لأنهم كانوا �أعراباً جهلة مردوا على النفاق‪ ،‬ات�ضح لنا‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪147‬‬

‫كم هو فا�سد االلتجاء �إىل احلجج القدمية ال�ستمرار الفتنة الدينية‪.‬‬ ‫ولقد قلنا �إن م�س�ألة مذاهب امل�سيحيني يف ال ُعربة يجب �أن يفرد لها در�س خا�ص ال ي�شمل‬ ‫مو�ضوعه امل�سيحيني املتمدنني‪ ،‬ي�ؤيد هذا القول �أن علي بن �أبي طالب ا�ستثنى ن�صارى‬ ‫بني تغلب من حكم �آية «املائدة»( ) التي حللت للم�سلمني طعام «�أهل الكتاب» والتزوج‬ ‫من ن�سائهم فقال فيهم‪« :‬لي�سوا على الن�صرانية ومل ي�أخذوا منها �إال �شرب اخلمر»‪ .‬فكم‬ ‫ي�صدق على كثري من ن�صارى العرب ت�أويلهم والدة امل�سيح وكالم الإجنيل وخ�صو�صاً‬ ‫ق�ضية ��ثليث الأقانيم؟‬ ‫بنا ًء على ما تقدم ي�صح �أن ن�س�أل الذاهبني مذهب ال�سيد الأفغاين وال�شيخ حممد عبده يف‬ ‫ال�سن َّية يف القر�آن؟ �أو هل ن�سخت‬ ‫ت�أويل الدين الإ�سالمي‪ :‬هل ماتت جميع هذه الآيات ُ‬ ‫ب�آيات �أخرى يدل ظاهرها على �أنه خمالف لها ف�أ�صبحت باطلة؟‬ ‫�إن ثنائية الن�ص القر�آين لي�س معناها �أنه يوجد للر�سالة الإ�سالمية خطتان متباينتان وم�ستقلتان‬ ‫الواحدة عن الأخرى ا�ستقال ًال كلياً‪ ،‬بحيث يجوز للم�ؤمن �أن يختار �إحداهما مرة والأخرى‬ ‫مرة �أخرى كما يروق له �أو يوافق م�صاحله �أو مطامعه‪ ،‬بل معناها �أن هنالك وحدة كامنة‬ ‫بني نوعي الن�ص الإ�سالمي‪ .‬و�إن هذه الوحدة يجب �أن ت�ستخرج من مبد�أ ترابط الأ�سباب‬ ‫وامل�سببات ومن معرفة ن�سبة الوا�سطة �إىل الغاية‪ ،‬ومن در�س العالقة الوثيقة بني الن�ص القر�آين‬ ‫والأ�سباب املوجبة �أو احلوادث اجلارية‪ .‬ف�إذا مل يتجه االجتهاد �إىل ا�ستخراج هذه الوحدة‬ ‫بهذه الطريقة اال�ستقرائية‪ ،‬التحليلية‪ ،‬فال مهرب من الوقوع يف مغالطات الهو�س الديني‬ ‫ي�ضحي حقيقة الدين على مذبح الأهواء اجلاحمة‪ ،‬ويط ّوح بامل�سلمني‬ ‫ال�سيا�سي الذي كثرياً ما ّ‬ ‫يف مغامرات ال تعود على دينهم بفائدة وال على دنياهم بخري‪.‬‬ ‫على هذا الطريق ال�سلبي �سارت مدر�سة ال�سيد جمال الدين الأفغاين وال�شيخ حممد عبده‬ ‫فغررت بجماعات كثرية من امل�سلمني يف م�صر و�سورية والعراق والهند و�إيران و�أفغان�ستان‪،‬‬ ‫وكانت نتائجها خيبة تلو خيبة‪ .‬ف�إن مبد�أ «اجلن�سية الدينية» للم�سلمني ن�سف من � ّأ�سه‪،‬‬ ‫فالإ�سالم مل يكن �أح�سن حظاً من امل�سيحية يف توحيد الأمم ب�إ�سمه‪ .‬فالأتراك مل يقبلوا‬ ‫‪6‬‬


‫‪148‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫ت�ضحية جن�سيتهم االجتماعية يف �سبيل «جن�سيتهم الدينية»‪ ،‬ومل يقبل بذلك الفر�س‬ ‫وال �أية �أمة �إ�سالمية �أخرى ا�ستيقظت لوحدتها االجتماعية ـ االقت�صادية ـ اجلغرافية ـ‬ ‫ال�ساللية‪ ،‬وملطاحمها ومثلها العليا املنبثقة من هذه الأ�صول والعوامل‪ .‬فذهبت �صيحات‬ ‫الكاتبني الأفغاين وعبده يف �سبيل الوحدة الإ�سالمية �أدراج الرياح ولكنها تركت �أثراً‬ ‫�سيئاً يف الذين تعلقوا بها يف �سورية و�أقطار �أخرى فغررت وط ّوحت بهم وراء نظرية فا�سدة‬ ‫�شغلتهم عن طلب وحدتهم القومية ف�سبقتهم �إليها الأمم التي مل ت�ست�سلم لهذا االغراء‪،‬‬ ‫حتى �أن تركية وم�صر والعراق تفاهمت على خ�سارة ال�سوريني لواء الإ�سكندرونة للأتراك‬ ‫ومنطقة املو�صل للعراق‪ ،‬بل �أن العراقيني اتفقوا مع الفرن�سيني على جتريد حدود �سورية من‬ ‫ناحيتهم من مواقع ا�سرتاتيجية ف�أخذوا من احلدود ال�سورية جبل �سنجار لقاء قطعة �أر�ض‬ ‫ال تفيد لوقاية وال لإنتاج‪.‬‬ ‫�إن نظرية مدر�سة الأفغاين وعبده القائلة باجلامعة الإ�سالمية والدولة الدينية و«اجلن�سية‬ ‫الدينية» للم�سلمني تقول �إن الإ�سالم دولة و�إن الن�صو�ص الدولية للإ�سالم هي الدين‪.‬‬ ‫فدعوة هذه املدر�سة هي �إقامة دولة الدين «ومنازعة كل ذي �شوكة يف �شوكته» وحماربة‬ ‫الأديان الأخرى لريث امل�سلمون �أر�ضها‪ ،‬ت�أوي ًال ملا ورد يف القر�آن‪ ،‬و�إىل جعل قاعدة االميان‬ ‫القتال‪ .‬فامل�ؤمن ال يكون �صحيح االميان حتى «يكون �أول �أعماله تقدمي ماله وروحه يف �سبيل‬ ‫االميان‪ ،‬ال يراعي يف ذلك عذراً وال تعلة‪ ،‬وكل اعتذار يف القعود عن ن�صرة اهلل فهو �آية النفاق‬ ‫وعالمة البعد عن اهلل»( )‪.‬‬ ‫واحلركة التي توجه هذه الدعوة �إليها هي «جمع كلمة امل�سلمني» فيطلب ال�سيد الأفغاين من‬ ‫العلماء «�أن ي�سارعوا �إىل هذا اخلري وهو اخلري كله!»( )‪.‬‬ ‫احلقيقة �أنه �إذا كان هذا هو اخلري كله يف الإ�سالم لهذه املدر�سة الفكرية فمذهبها ال�صحيح‬ ‫هو‪ :‬االميان ببع�ض الكتاب والكفر بالبع�ض الآخر‪ ،‬و�أن �آيات التحري�ض على القتال و�إظهار‬ ‫الإ�سالم «على الدين كله» قد ن�سخت الآيات الزكية الهادئة التي ترفع القيمة الروحية على‬ ‫القيمة املادية و�أبطلت حكمتها‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪8‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪149‬‬

‫وبنا ًء على مذهب هذه املدر�سة الفكرية الإ�سالمية يجب على امل�ؤمنني نبذ مثل هذه الآية‬ ‫دع �إىل �سبيل ربك باحلكمة واملوعظة احل�سنة وجادلهم بالتي هي �أح�سن �أن‬ ‫وهجرها‪�{ :‬أُ ُ‬ ‫ربك هو �أعلم مبن �ضل عن �سبيله وهو �أعلم باملهتدين}(الآية ‪( )125‬النحل‪ ،‬مك ّية)‪،‬‬ ‫ومثلها‪{ :‬ومن جاهد ف�إمنا يجاهد لنف�سه �إن اهلل لغني عن العاملني}(الآية ‪( )6‬العنكبوت‪،‬‬ ‫مك ّية)‪ ،‬ومثلها‪{ :‬وعباد الرحمن الذين مي�شون على الأر�ض هوناً و�إذا خاطبهم اجلاهلون‬ ‫قالوا �سالماً}(الآية ‪( )63‬الفرقان‪ ،‬مك ّية)‪ .‬فهذه الآيات وغريها كثري مما �أثبتناه من قبل‬ ‫ومما مل نثبته لي�ست من اخلري يف �شيء‪ ،‬يف ُع ْرف مدر�سة الدولة الدينية واجلن�سية الدينية‪،‬‬ ‫لأنها ال تقول �إن‪« :‬كل اعتذار يف القعود عن ن�صرة اهلل فهو �آية النفاق وعالمة البعد عن‬ ‫اهلل»‪ .‬فالآية املثبتة فوق القائلة �إن اهلل غني عن العاملني هي �آية كاذبة‪ ،‬وكذلك الآية القائلة‬ ‫بالدعوة �إىل �سبيل اهلل باحلكمة واملوعظة فهي باطلة‪ ،‬وامل�ؤمن الذي يعمل بها يكون يف ُعرف‬ ‫هذه املدر�سة منافقاً‪.‬‬ ‫فالدين‪ ،‬لهذه املدر�سة و�أ�ضرابها‪ ،‬لي�س ما هو مثبت يف القر�آن كله ولي�س باالميان بكل ما ورد‬ ‫فيه بل هو ما �شاءت �أهوا�ؤهم ومذاهبهم وباالميان ببع�ض الكتاب دون بع�ض �أو باالميان ببع�ض‬ ‫الكتاب مرة‪ ،‬وببع�ضه الآخر مرة �أخرى يف تق ّلب دائم‪.‬‬ ‫�إننا نعلم �أن هذه احلجج القاطعة التي �أوردناها ال ت�سد جميع �أبواب اجلدل يف وجه �أتباع‬ ‫مدر�سة اجلن�سية الدينية‪ ،‬وك�أننا ن�سمع بع�ضهم يقولون‪� :‬إذا كانت �آيات القتال ون�صرة اهلل ال‬ ‫تبطل �آيات الدعوة باحلكمة واملوعظة واالكتفاء باالر�شاد واالنذار و�سلك طريق االقناع‪ ،‬فهل‬ ‫تبطل هذه الآيات الأخرية �آيات القتال ون�صرة اهلل؟‬ ‫وجوابنا‪ :‬كال و�ألف كال‪ ،‬فبع�ض �آي الكتاب ال ميكن �أن يبطل بع�ض �آيه �إال للذين ال‬ ‫يتدبرونه‪ ،‬ف�إذا �أخذهم الهو�س والزيغ عن كلمة احلق هاجوا واحتجوا ببع�ض الكتاب وعموا‬ ‫عن بع�ضه‪ ،‬وقالوا �إن اخلري كل اخلري يف الأخذ ب�آيات معينة واالعرا�ض عن �آيات معينة حتى‬ ‫يتم القول‪�{ :‬أم على قلوب �أقفالها}(حممد‪.)24 ،‬‬ ‫�إن القتال فر�ض على امل�سلمني لإقامة الدين حيث يوجد من يريد �إبطاله‪� ،‬أي حيث يكون‬


‫‪150‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫نزاع ديني كالذي جرى يف ال ُعربة مع �أهل ال�شرك‪� .‬أما حيث ال يوجد �شرك وحيث النزاع‬ ‫قائم بني جمتمع وجمتمع‪ ،‬بني �أمة و�أمة‪ ،‬باملعنى االجتماعي‪ ،‬فالدعوة �إىل اجلهاد الديني ال‬ ‫تدل �إال على عقلية �أولية كعقلية العرب الذين مل يفهم معظمهم من امل�سيحية غري �شرب‬ ‫اخلمر وال من الإ�سالم غري طلب الغنائم‪.‬‬ ‫يف احللقة التالية �سنبحث ن�صو�ص الإ�سالم كدولة‪ ،‬وكيفية فهم هذه الن�صو�ص فهماً �صحيحاً‬ ‫ال يطوح بالدين وال بامل ّلة‪.‬‬

‫اهلوامش‬ ‫‪« - 1‬العروة الوثقى» (�سنة ‪ ،)1957‬ال�صفحة ‪.69‬‬ ‫‪ - 2‬امل�صدر ال�سابق (�سنة ‪ ،)1936‬ال�صفحة ‪.149‬‬ ‫‪ - 3‬امل�صدر ال�سابق‪ ،‬ال�صفحة ‪.77‬‬ ‫‪ - 4‬امل�صدر ال�سابق‪ ،‬ال�صفحة ‪.164‬‬ ‫‪ - 5‬امل�صدر ال�سابق‪ ،‬ال�صفحة ‪.165‬‬ ‫‪{ - 6‬وطعام الذين �أوتوا الكتاب حل لكم}‪� ،‬سورة املائدة الآية ‪.5‬‬ ‫‪« - 7‬العروة الوثقى» (�سنة ‪ ،)1936‬ال�صفحة ‪.247‬‬ ‫‪ - 8‬امل�صدر ال�سابق‪ ،‬ال�صفحة ‪.248‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪151‬‬

‫الدين والفلسفة االجتماعية‬ ‫متهيد‪:‬‬

‫كنا قد وعدنا الق ّراء‪ ،‬يف ختام احللقة ال�سابقة‪ ،‬ببحث ن�صو�ص الإ�سالم كدولة يف هذه احللقة‪،‬‬ ‫ولكن ر�أينا �أن ن�ضع هذه النظرة الفل�سفية التحليلية للإ�سالم قبل بدء بحث ن�صو�صه كدولة‪،‬‬ ‫ت�سهي ًال لفهم طبيعة هذا الدين و�أغرا�ضه ومراميه‪ ،‬ولفهم حمل ن�صو�صه الدولية منه‪.‬‬ ‫قلنا‪ ،‬يف ما تقدم‪� ،‬إن الق�سم املكي من الدعوة الإ�سالمية هو الأكرث اخت�صا�صاً بالوجهة‬ ‫الدينية‪ ،‬و�إن الق�سم املدين هو الأكرث اخت�صا�صاً بالوجهة الدولية‪ .‬واحلقيقة كلها �أقوى من‬ ‫هذا التعريف‪ ،‬فالق�سم املكي خمت�ص كل االخت�صا�ص بالن�ص الديني فال يدخله �شيء من‬ ‫الن�ص الدويل‪ ،‬يف حني �أن الق�سم املدين يدخله ن�ص ديني مع اخت�صا�صه بالوجهة الدولية‬ ‫من الدعوة‪ ،‬ذلك �أن غر�ض هذا الق�سم لي�س نق�ض غر�ض الق�سم الأول‪ ،‬بل حتقيقه‪.‬‬ ‫وقد قلنا �أي�ضاً �إن �أول الدعوة هو مبثابة �أ�سا�سها لأنه يعينّ غاية الدعوة واجتاهها ال�صحيح قبل‬ ‫�أن يطر�أ عليها من التفاعل مع البيئة ما قد ي�ضطرها التخاذ �أ�شكال خمت�صة ب�سري الدعوة‬ ‫ووا�سطة حتقيقها‪ ،‬ولي�س بحقيقة الدعوة و�أغرا�ضها الأخرية‪ .‬فالدعوة تعلن �أو ًال ثم يكون‬ ‫ّ‬ ‫فتحتك بالبيئة وتتفاعل معها‪ .‬ومن هذا االحتكاك والتفاعل‬ ‫ال�سعي لتحقيقها وتعميمها‪،‬‬ ‫ينتج تطور الدعوة يف نهجها التطبيقي الذي يحتمل �أن يك�سب الدعوة الأ�سا�سية النظرة‬ ‫الفل�سفية التي ي�صلح ا�ستعداد البيئة الروحي واملادي حلملها‪� ،‬إذا مل تكن لها هذه النظرة‬ ‫من البدء‪ .‬ولي�س لهذا التطور نهج قيا�سي عام‪ ،‬لأنه خمت�ص بالدعوة والبيئة النا�شئة فيها‪.‬‬


‫‪152‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫ولي�ست الدعوات ذات نظرة واحدة‪ ،‬ولي�ست البيئة واحدة يف العامل‪ ،‬بل متعددة وعلى‬ ‫�أنواع وخ�صائ�ص �شتى‪ .‬ولبع�ض البيئات ا�ستعداد خا�ص ال�ستخراج نظرة �إىل احلياة والكون‬ ‫ت�شمل جميع البيئات التي من نوعها ك�سورية و�إغريقية‪ ،‬مث ًال‪ .‬فهاتان بيئتان خرجت منهما‬ ‫نظرات وعقائد �شملت العامل املتمدن كله‪ .‬و�سورية كانت قاعدة التفكري الإغريقي ذاته من‬ ‫غري نفي خ�صائ�صه الغنية‪ .‬وما قامت به �سورية ما كان ميكن �أن تقوم به بيئة �أخرى كالهند‬ ‫�أو ال�صني‪ ،‬مع غنى كل منهما باال�ستعداد النف�سي‪ ،‬لأنه ا�ستعداد لي�س �أو مل يكن �صاحلاً‬ ‫ال�ستخراج نظرة �إىل احلياة والكون ميكن �أن ت�شمل جميع العامل املتمدن‪.‬‬ ‫كذلك البيئة العربية‪ ،‬بيئة ال�صحراء والبداوة‪ ،‬بيئة ال�ضروريات احليوية واحللقة املغلقة للأفعال‬ ‫النف�سية‪ ،‬هي بيئة لها ا�ستعداد خا�ص‪ ،‬بطبيعتها ومزيجها الدموي ال�ستخراج نظرة �إىل احلياة‬ ‫والكون ت�شمل جميع البيئات التي من نوعها كال�سالجقة و��ملغول وجميع ال�شعوب الفطرية‬ ‫�أو القريبة �إىل البداوة‪ .‬وهذه النظرة هي‪� :‬إيجاد �صراط م�ستقيم يو�صل �إىل الغاية الأخرية‬ ‫بوا�سطة �شرع حتمي ال حاجة للنف�س مبا وراءه �أو ما حوله‪� ،‬أي حتديد مطالب احلياة باحلاجات‬ ‫املعا�شية والتنا�سلية يف و�ضع �شرعي ي�ؤ ّمن الطريقة العملية حل�صول هذه املطالب املحدودة‬ ‫اجلامدة‪ ،‬ورف�ض جميع الت�صورات الفل�سفية ّ‬ ‫املركبة اخلارجة عن الأوليات الالزمة لإقامة‬ ‫احلدود املحتاجة �إليها البيئة ال�صحراوية‪� ،‬شرع واحد حلياة واحدة حمدودة‪.‬‬ ‫�إن ت�أمل م�ؤلف هذا البحث الفل�سفي واملباديء املناقبية واجتاهاتها جعله يقرر هذه القاعدة‪:‬‬ ‫كل دعوة‪ ،‬مهما كان ابتدا�ؤها �أو غر�ضها الأخري عاماً‪� ،‬شام ًال جلميع النوع االن�ساين‪ ،‬ف�إن نظرتها‬ ‫�إىل احلياة والكون يجب �أن تكون منطبقة على خ�صائ�ص البيئة التي تن�ش�أ فيها وا�ستعدادها‬ ‫الروحي‪ ،‬فال ميكنها �أن ّ‬ ‫ت�شذ عن ا�ستعداد بيئتها �إال �إذا خرجت منها �أو ُو ّجهت �إىل غريها‬ ‫املخالف لها‪ .‬فال �شك عندنا يف وجود جتان�س وترابط بني الدعوة �أو الر�سالة يف جميع تفا�صيلها‬ ‫والبيئة وجماعتها الب�شرية يف ا�ستعدادها النف�سي واملادي وظروفهما‪ .‬وال �شك عندنا يف �أن‬ ‫انت�شار الدعوة وقبولها يف البيئات الأخرى يجب �أن يكون خا�ضعاً ملبد�أ التجان�س والرتابط‬ ‫بني النظرة الفل�سفية اخلارجة من بيئة معينة‪ ،‬وا�ستعداد البيئات الأخرى لقبولها والعمل بها‪،‬‬ ‫�أو لتعديلها �إذا كان قبولها لها غري اختياري �أو خا�ضعاً لعامل تاريخي معني‪.‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪153‬‬

‫تعمر طوي ًال يف �سورية لأنها كانت دون ا�ستعداد البيئة‬ ‫اليهودية �شبه املتمدنة مل تقدر �أن ّ‬ ‫الروحي‪ .‬وامل�سيحية ال�سورية حني دخلت ال ُعربة انحطت حتى �صارت جمرد لذات ج�سدية‬ ‫ك�شرب اخلمر‪ ،‬فلم جتد نظرتها �إىل احلياة االجتماعية حم ًال لها يف النف�س العربية اخلا�ضعة‬ ‫لبيئة طبيعية ت�ض ّيق �أفق الت�صور‪ ،‬وتقيد النف�س بب�سائط العي�ش‪.‬‬ ‫�إن حل م�س�ألة م�صري نف�س االن�سان بعد موته هو �أمر �شغل عقل ال�شعوب التي ارتقى تفكريها‪،‬‬ ‫و�أخذت �شخ�صية الفرد تتميز فيها عن جمرد ال�شكل االن�ساين العام‪ .‬بل �إن االت�صال بحياة‬ ‫بعد املوت �أو االنتقال �إليها ابتد�أ يجد �سبي ًال �إىل نف�س االن�سان حال ارتقائه النف�سي عن‬ ‫حدود احليوانية‪ ،‬وذلك بوا�سطة �شعور تدل عليه عادات دفن املوتى يف ال�شعوب واملدنيات‬ ‫الأولية‪ .‬والدين‪ ،‬يف �أ�سا�سه وبعد ارتقائه‪ ،‬هو عقيدة معرفة م�صدر االن�سان ومعاده وم�صري‬ ‫الفرد الأخري‪ .‬فهو‪ ،‬من هذه الناحية‪ ،‬ال يك ّون نظرة �إىل احلياة والكون باملعنى االجتماعي‬ ‫ـ االقت�صادي ـ الروحي‪ .‬ولكنه ي�ؤثر �أو ي�ساعد على �إبراز هذه النظرة التي يكون من�ش�ؤها‬ ‫احلقيقي يف اال�ستعداد النف�سي للبيئة االجتماعية ـ الطبيعية التي يحدد �أو يو�سع لها‬ ‫ا�ستعدادها فهم كيفية م�صدر احلياة ومعادها‪ .‬فنقول بكل ت�أكيد �إن الدين‪ ،‬حني ي�صبح عقيدة‬ ‫�أ�سا�سية ت�شمل املبد�أ واملعاد‪ ،‬ي�صري حمور جميع الأفكار الرامية �إىل تكوين نظرة فل�سفية يف‬ ‫احلياة والكون باملعنى االجتماعي ـ االقت�صادي ـ الروحي‪ .‬فيكون الدين وا�سطة لإبراز نظرة‬ ‫املجتمع �إىل احلياة كما ت�صري هذه النظرة طريق حتقيق العقيدة الدينية‪.‬‬ ‫عند هذا احلد من التعليل نرى وجوب تقرير هذه احلقيقة‪� :‬إن الدين‪ ،‬من الوجهة التاريخية‬ ‫االجتماعية‪ ،‬م�سبب ال �سبب‪ ،‬ولكنه ي�صري �سبباً من الوجهة الو�ضعية بعد ر�سوخ العقيدة‪.‬‬ ‫جميع الأديان يف الدنيا تخ�ضع لهذه القواعد التي ا�ستخرجناها من الدر�س والت�أمل‪ ،‬ف�إذا كنا‬ ‫نبحث الدين امل�سيحي عليها فال بد من بحث الدين الإ�سالمي �أي�ضاً بالطريقة التي تع ّينها‪.‬‬ ‫قلنا يف احللقة ‪( 23‬احللقة ‪ 12‬بالرتتيب اجلديد) �إن �أغرا�ض الدين الإ�سالمي الأخرية التي‬ ‫جتمع كل فكرة الدين ثالثة هي‪:‬‬ ‫‪� )1‬إحالل االعتقاد باهلل الواحد حمل عبادة الأ�صنام‪.‬‬


‫‪154‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫‪ )2‬فر�ض عمل اخلري وجتنب ال�شر‪.‬‬ ‫‪ )3‬تقرير خلود النف�س والثواب والعقاب (احل�شر)‪.‬‬ ‫و�صلبها‪ .‬و�إن ما تبقى هو الأمور ال�شكلية‬ ‫وقلنا �أي�ضاً �إن هذه الأغرا�ض هي �أ�سا�س دعوة حممد ُ‬ ‫التي ُتتخذ و�سائل لبلوغ هذه الأغرا�ض‪ ،‬وهي �أي�ضاً جوهرية‪ ،‬ولكن �أهميتها ن�سبية من الوجهة‬ ‫الدينية البحتة‪ .‬وعنينا بهذا االي�ضاح �أن الأغرا�ض الدينية البحتة هي التي ال ت�شتمل يف حد‬ ‫ذاتها على النظرة �إىل احلياة والكون باملعنى االجتماعي ـ االقت�صادي ـ الروحي‪ ،‬بل تقت�صر‬ ‫على تعيني املبد�أ واملعاد يف ما وراء املادة �أو بعد املوت وقبل الوالدة‪ .‬وبنا ًء على هذا التحليل‬ ‫تكون حقيقة الدين يف الغر�ضني الأول والثالث‪� .‬أما الغر�ض الثاين فهو الذي يحل م�س�ألة‬ ‫الفائدة �أو ال�ضرورة الرتباط العقائد املجاوزة حدود املادة باحلياة االن�سانية يف خمتلف �أ�شكالها‬ ‫وظروفها‪ .‬وفيه تظهر النظرة �إىل احلياة والكون باملعنى االجتماعي ـ االقت�صادي ــ الروحي يف‬ ‫تعيني الأ�شكال والألوان التي قلنا �إنها جوهرية‪ ،‬مع ن�سبية �أهميتها لغاية الدين الأخرية التي‬ ‫هي �إيجاد م�ستقر دائم للنف�س االن�سانية يف اهلل‪ .‬وقد جعلنا الغر�ض الثاين يف �صلب �أغرا�ض‬ ‫الدين من حيث لزومه لكل فكرة فل�سفية يف حالة مطلقة ال تعينّ نظرة �إىل احلياة والكون‪.‬‬ ‫وقد ب ّينا يف ما تقدم من هذا البحث �أنه ال خالف بني امل�سيحية والإ�سالم يف حقيقة الدين‬ ‫�أو على الأغرا�ض الدينية البحتة‪ .‬و�أثبتنا بال�شواهد الكثرية �أن كتاب امل�سلمني نف�سه يق ّر �أن‬ ‫الدين واحد يف امل�سيحية والإ�سالم‪ ،‬فال خالف بينهما يف الإقرار ب�إله واحد خالق ال�سموات‬ ‫والأر�ض وكل كائن حي �أو جماد‪ ،‬وبالعودة يف الأخري �إىل اهلل حيث يكون اخللود �إما يف‬ ‫النعيم و�إما يف اجلحيم‪.‬‬ ‫مع ذلك فقد ك ّون كل من هذين الدينني نظرة �إىل احلياة والكون قامت عليها قواعد اجتماعية‬ ‫ـ اقت�صادية ـ روحية م�ستقلة عن نظرة الدين الآخر وقواعده‪ .‬وهذا التباين �أو االختالف لي�س‬ ‫ناجتاً عن تباين �أو اختالف يف الدين‪ ،‬بل عن تباين املجتمع ال�سوري املدين‪ ،‬العمراين‪،‬‬ ‫واملجتمع العربي البدوي الالعمراين‪ .‬ويظهر هذا التباين يف التفا�صيل والأ�شكال التي ال‬ ‫�أهمية كبرية لها بالن�سبة �إىل اهلل والفكرة الدينية الأ�سا�سية‪ ،‬والتي ي�صري لها كل الأهمية‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪155‬‬

‫بالن�سبة �إىل املجتمع وا�ستعداده الروحي ونظرته �إىل احلياة والكون‪ .‬فمن الوجهة الدينية‬ ‫االختالف �شكلي غري جوهري‪ ،‬لأن كل جمتمع ق�صد �إقامة اخلري و�إفناء ال�شر‪ .‬ومن الوجهة‬ ‫االجتماعية االختالف جوهري �أ�سا�سي‪ ،‬لأنه يقوم على تعريف اخلري وال�شر وحتديدهما‬ ‫وطرق �إبقاء الواحد و�إزالة الآخر‪ .‬وعلى هذه الطرق يتوقف مقدار �صالح احلياة االن�سانية‬ ‫االجتماعية قبل االنتقال �إىل احلياة ال�سرمدية‪.‬‬ ‫بنا ًء عليه ال يكون هنالك تباين �أو اختالف ديني قط‪ ،‬فاهلل يقبل اخلري ويرف�ض ال�شر‪ ،‬خري‬ ‫كل م�سلم وم�سيحي و�شر كل منهما‪ ،‬من غري تفريق بني خري الواحد وخري الآخر‪ ،‬وبني‬ ‫�شر الواحد و�شر الآخر‪ ،‬لأن اهلل‪ ،‬ح�سب فل�سفة العقيدة الدينية‪ ،‬ال يهتم بالأ�شكال بل‬ ‫بالأ�سا�س‪ ،‬هذا �إذا ح�سبنا اهلل واحداً جلميع الأديان الإلهية‪ .‬ولكن الذي ال يقبل كل خري‬ ‫وال يرف�ض كل �شر هو االن�سان ولي�س اهلل‪ .‬فخري ال�سوري قد ال يكون خري العربي �أو خري‬ ‫الهندي‪ ،‬وخري العربي قد ال يكون خري الأملاين �أو الإنكليزي وغريهم‪ ،‬وقد يكون خري العربي‬ ‫خري ال�سلجوقي والأفغاين واملغويل وغريهم‪.‬‬ ‫اهلل يقبل خري امل�سيحي يف �صالته وبره من غري و�ضوء ومن غري ح�سبان مل�س الن�ساء تنج�ساً‪،‬‬ ‫ويف االكتفاء بزوجة واحدة ومبعموديته من غري ختان ويف عدم حتجيب الن�ساء‪ ،‬وبرتك احلرية‬ ‫لل�شرع ليتطور ح�سب تطور االن�سانية وحاجاتها‪ .‬واهلل يقبل خري امل�سلم يف �صالته وبره‬ ‫وو�ضوئه وجتنبه التنج�س بلم�س الن�ساء قبل ال�صالة وبغ�سل الوجه واليدين �إىل املرفقني‪،‬‬ ‫وم�سح الر�أ�س والرجلني‪ ،‬وبالتقيد بال�شرع الثابت اجلامد وبالتزوج مثنى وثالث ورباع مع‬ ‫العدل بني الن�ساء وحتجيبهن من �أجل اخلري‪ .‬كل خري يقبله اهلل ب�صرف النظر عن �شكله‪.‬‬ ‫ولكل بيئة خريها‪ :‬ففي ال�صحراء حيث املاء قليل ال ي�سمح بالإ�ستحمام كل يوم يكون‬ ‫الو�ضوء وغ�سل الوجه واليدين �إىل املرفقني وم�سح الر�أ�س والرجلني من اخلري‪ .‬ويف املعمور‬ ‫والأر�ض اخل�صبة حيث ال�صابون واملاء غزير ي�صح ا�ستعماله بكرثة فالإ�ستحمام كل يوم �أو‬ ‫مرتني يف الأ�سبوع مع غ�سل الوجه والأطراف وكل جزء من اجل�سم ن�ضح منه عرق �أو �أ�صابه‬ ‫�شيء من القذارة يف كل يوم يغني عن الو�ضوء ويكون من اخلري‪ .‬ومن يتفق له يف �سورية �أن‬ ‫يلم�س امر�أة قبل ال�صالة وله من تربيته ما ي�صرف نف�سه عن ال�شهوات اجلاحمة‪ ،‬ال حاجة به‬


‫‪156‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫للتطهر بالو�ضوء لأنه مل يداخل نف�سه �شيء من الدن�س حني االقرتاب �إىل اهلل‪ .‬ومن كان يف‬ ‫ال�صحراء عازماً على ال�صالة ومل�س امر�أة بعد الو�ضوء فثارت �شهوته ف�صالته يف هذه احلالة‬ ‫ال تفيده لأن �شعوره قد زاغ‪ .‬ومنعاً لهذا ال�ضرر يتوجب على من مل�س امر�أة بعد و�ضوئه‬ ‫لل�صالة �أن يعيد و�ضوءه من قبيل االحتياط ل�سالمة �شعوره‪ ،‬وهذا من اخلري‪ .‬ولكي نفهم‬ ‫نف�سية العربي التي �أوجبت هذا االحتياط نورد ما ذكره قتادة‪ ،‬وهو‪« :‬كان الرجل يعتكف‬ ‫فيخرج �إىل امر�أته فيبا�شرها ثم يرجع» ويف ذلك ا�ستنزل حممد القول‪{ :‬وال تبا�شروهن و�أنتم‬ ‫عاكفون يف امل�ساجد‪ ،‬تلك حدود اهلل فال تقربوها»(البقرة‪ .)187 ،‬فهذه حالة ا�ستعداد روحي‬ ‫ال تطيق قول امل�سيح‪�« :‬إن كل من نظر �إىل امر�أة لكي ي�شتهيها فقد زنى بها يف قلبه»(متى‪: 5 ،‬‬ ‫‪ ،)28‬ف�إن هذا التعليم امل�سيحي ال ميكنه �أن يالقي قبو ًال يف بيئة كال ُعربة‪ ،‬لأنه يطلب من �أهلها‬ ‫ما هو خمالف ال�ستعدادهم الروحي‪ .‬واهلل يقبل هذا اخلري وذاك‪ ،‬لأنه خري‪ .‬ولكن االن�سان‬ ‫ال يقبل اخلري كله لأنه ال يدرك �أو مل يدرك اخلري كله‪ .‬فاخلري للإن�سان هو ما تع ّوده وتربى‬ ‫عليه وتكونت منه نظرته �إىل احلياة‪ ،‬فاخلتان للمتمدن امل�سيحي لي�س من اخلري‪ ،‬وعدم اخلتان‬ ‫للبدوي امل�سلم �أو اليهودي الذي كان بدوياً لي�س من اخلري‪ .‬وجميع ذلك من الأمور املالزمة‬ ‫لفل�سفة احلياة ولي�س لعقيدة الدين‪� ،‬أي لالميان باهلل اخلالق الذي �إليه ترجع النفو�س والأمور‪.‬‬ ‫وحيثما انت�شر دين يف جمتمع خمالف يف االجتماع والثقافة الروحية للمجتمع الذي خرج‬ ‫منه الدين ال بد �أن يطر�أ على النظرة �إىل احلياة التي يحملها هذا الدين تعديل �أو تغيري يوافق‬ ‫ا�ستعداد املجتمع الروحي‪ .‬والإ�سالم قد م ّر يف هذا االختبار‪ ،‬فحيث انت�شر يف بيئات راقية‬ ‫يف التمدن ك�سورية �أخذت نظرته �إىل احلياة تتخذ �شك ًال غري ال�شكل املعروف يف ال�صحراء‪،‬‬ ‫فارتقت من الب�سائط �إىل املركبات‪ .‬واليوم تقول ال ُعربة مبذهب جديد يف الإ�سالم يرمي �إىل‬ ‫جعل الدين عبارة عن عبادة ب�سيطة توافق النف�سية العربية‪ :‬الوهابية‪ .‬وامل�سيحية حني دخلت‬ ‫ال�صحراء اتخذت �أ�شكا ًال ب�سيطة على قدر ا�ستعداد البيئة ف�صار �شرب خمر و�صارت رموز‬ ‫والدة امل�سيح عبارة عن زواج ب�سيط جرى بني اهلل ومرمي‪ .‬حتى �أنه قام دليل على �أن بع�ض‬ ‫االعتقادات امل�سيحية يف ال ُعربة قالت بتثليث الآلهة بالفعل فقالوا‪« :‬الأب والأم والإبن»‪،‬‬ ‫واملرجح �أن القر�آن �أبطل هذا التثليث الذي جعل الآلهة ثالثة‪ .‬ودليلنا قول الآية‪{ :‬و�إذ‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪157‬‬

‫قال اهلل يا عي�سى ابن مرمي �أ�أنت قلت للنا�س اتخذوين و�أمي �إلهني من دون اهلل‪(}...‬املائدة‪،‬‬ ‫‪ ،)116‬وهذا يدل على االعتقاد ب�ألوهية مرمي �أي�ضاً وهذا ما ال يقول به �أحد من امل�سيحيني‬ ‫املتمدنني‪� .‬أما النظرة �إىل احلياة التي حتملها تعاليم امل�سيحية فلم ميكن تطبيقها ومل جتد قبو ًال‬ ‫يف البيئة العربية‪.‬‬ ‫هذه هي النظرة التي جعلتنا جنزم ب�أن الدين يكون كله هلل بدون �أي ت�صادم بني امل�سيحية‬ ‫والإ�سالم‪ ،‬وبانت�شار كل من هذين الدينني يف البيئات الأكرث موافقة وقبو ًال لتعاليمه‪ .‬ولكن‬ ‫ال�صعوبة لقبول هذا املبد�أ تن�ش�أ من االعتقاد بكلية املذهب الديني‪ .‬فكل دين �أو مذهب‬ ‫ديني ّيدعي �أنه هو الدين كله جلميع الب�شر‪ ،‬ا�ستناداً �إىل كلية فكرة اهلل‪ .‬ومع ذلك ميكن ح�صر‬ ‫هذه ال�صعوبة يف رجال الدين‪� ،‬أما �أبناء املجتمع فيجب �أن يتحولوا عن اجلدل العقيم �إىل فهم‬ ‫نف�سية جمتمعهم والعمل على �إ�سعاده‪ ،‬تاركني احلكم يف االختالفات الدينية هلل‪.‬‬ ‫�أما وقد ات�ضح لنا جيداً ما هو الفرق بني االميان الديني يف �أ�سا�سه والنظرة الفل�سفية �إىل احلياة‬ ‫والكون التي تك ّون و�سيلة حتقيق الدين‪ ،‬فيمكننا �أن نتقدم الآن �إىل در�س مو�ضوع الإ�سالم‬ ‫كدولة‪.‬‬ ‫قلنا‪ ،‬يف ما تقدم‪� ،‬إن دعوة حممد كانت �إىل اهلل الذي ع ّرفته الكتب الدينية التي �سبقت القر�آن‬ ‫(التوراة والإجنيل) وذلك لأن معظم العرب كانوا عبدة �أ�صنام‪ ،‬ويف حالة توح�ش �شديد‪� ،‬إذ‬ ‫مل تتمكن امل�سيحية من جلبهم �إىل اهلل بوا�سطة نظرتها �إىل احلياة وقاعدتها الفل�سفية املخالفة‬ ‫ال�ستعداد �أهل ال ُعربة‪ ،‬ومل تتمكن اليهودية من ذلك بعامل نظرتها اخل�صو�صية التي جعلت‬ ‫اهلل وقفاً على بني �إ�سرائيل‪.‬‬ ‫مل تكن دعوة حممد �إىل �إله جديد غري اهلل املعروف يف التوراة والإجنيل‪ ،‬بل �إىل �إله امل�سيحية‬ ‫واليهودية �أي�ضاً‪ .‬ولكنه ّ‬ ‫خط�أ ت�أويالت م�سيحيـي العرب يف �سوء فهمهم والدة امل�سيح وتثليث‬ ‫الأقانيم التي هي لإله واحد‪ .‬وما �أثبتناه من الآي القر�آنية يكفي للربهان على �أن دعوة حممد‬ ‫ح�سبت اهلل واحداً والدين واحداً منذ البدء‪ ،‬و�أن الإ�سالم هو �إ�سالم الأمر هلل من قبل حممد‬ ‫ومن بعده‪{ :‬الذين �آتيناهم الكتاب من قبله هم به ي�ؤمنون‪ .‬و�إذا يتلى عليهم قالوا �آمنا به‬


‫‪158‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫�إنه احلق من ربنا �إ ّنا كنا من قبله م�سلمني}(الق�ص�ص‪� .)53 - 52 ،‬أي �إ ّنا كنا م�سلمني هلل‬ ‫من قبل القر�آن‪ .‬ومع كل ما ورد يف الق�سم املدين من �إقامة �أ�سباب دولة الإ�سالم املحمدي‬ ‫ف�إن القر�آن مل يبطل الإ�سالم اليهودي وال الإ�سالم امل�سيحي‪ ،‬ففي �سورة «املائدة» التي ورد‬ ‫فيها احلديث‪« :‬املائدة من �آخر القر�آن نزو ًال ف�أحلوا حاللها وح ّرموا حرامها» مل ينق�ض القر�آن‬ ‫قيمة التوراة والإجنيل فقال‪{ :‬وكيف يحكمونك (اليهود) وعندهم التوراة فيها حكم اهلل ثم‬ ‫يتولون من بعد ذلك وما �أولئك بامل�ؤمنني‪� .‬إ ّنا �أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون‬ ‫الذين �أ�سلموا للذين هادوا‪ ...‬ومن مل يحكم مبا �أنزل اهلل ف�أولئك هم الكافرون}(الآيات‬ ‫‪ ،)44 - 43‬وقال �أي�ضاً من ال�سورة عينها‪{ :‬وليحكم �أهل الإجنيل مبا �أنزل اهلل فيه ومن مل‬ ‫يحكم مبا �أنزل اهلل ف�أولئك هم الفا�سقون}(الآية ‪ . )47‬فثّبت القر�آن مرة �أخرى �صحة كون‬ ‫التوراة مرجعاً لليهود و�صحة كون الإجنيل مرجعاً للم�سيحيني‪ ،‬و�أكد قوله ال�سابق‪{ :‬وهم‬ ‫على �صالتهم يحافظون}(الأنعام‪� )92 ،‬أي �أنه ال حاجة بهم لتغيري دينهم مع الإميان بالقر�آن‪،‬‬ ‫�إذ الدين واحد و�أمة �أ�صحاب الكتب املنزلة هي يف القر�آن «�أمة واحدة» يف الأ�صل والأ�سا�س‬ ‫م�صدقاً ملا بني‬ ‫ولكنهم �صاروا �أمماً مبا �شرع اهلل لكل فريق منهم‪{ :‬و�أنزلنا �إليك الكتاب باحلق ّ‬ ‫يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم مبا �أنزل اهلل (�أي بكل ما �أنزل اهلل ح�سب ترتيبه‬ ‫ال�سابق) وال تتبع �أهواءهم عما جاءك من احلق لكل جعلنا منكم (�أي لكل منكم‪ ،‬يعني لكل‬ ‫فريق منكم جعلنا) �شرعة ومنهاجاً ولو �شاء اهلل جلعلكم �أمة واحدة ولكن ليبلوكم يف ما �آتاكم‬ ‫فا�ستبقوا اخلريات‪� ،‬إىل اهلل مرجعكم جميعاً فينبئكم مبا كنتم فيه تختلفون}(املائدة‪.)48 ،‬‬ ‫ت�ؤكد هذه الآيات القر�آنية قولنا ال�سابق (احللقة ‪ / 25‬احللقة ‪ 14‬بالرتتيب اجلديد) �إنه مل‬ ‫يكن يف بدء الر�سالة الإ�سالمية �أي اجتاه للإ�صطدام مع املو�سويني �أو امل�سيحيني يف نزاع على‬ ‫ادعاء �صحة الر�سالة �أو نق�ض التعاليم‪ ،‬وما عنيناه من بدء الر�سالة هو �أ�سا�سها وغر�ضها الأخري‬ ‫كما �سبق لنا �شرحه‪.‬‬ ‫و�إذا تدبرنا القر�آن �سورة �سورة‪ ،‬ح�سب تعاقب الإ�ستنزال‪ ،‬وجدنا �أن ال�سور تعاقبت يف الت�سبيح‬ ‫هلل وقدرته وتب�شري الذين ال كتاب لهم مبلكوته وثوابه و�إنذار املكذبني واملبطلني بعقابه‪ .‬و�أخذ‬ ‫يثبت دعوته بالوحي الذي ا�شتمل على ق�ص�ص ما ورد يف التوراة والإجنيل‪ .‬فقاوم دعوته‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪159‬‬

‫عبدة الأوثان‪ ،‬وهزئوا من قوله �إن الأموات يقومون من القبور يوم احل�ساب‪ ،‬فعالج حججهم‬ ‫وذكرهم هزوء النا�س الأولني من الأنبياء والر�سل ال�سابقني‪ ،‬وا�ست�شهد على �صحة ر�سالته‬ ‫بالكتب ال�سابقة‪ ،‬كما �أثبتنا يف مو�ضع متقدم‪ ،‬و�أعطى العرب �صورة اجلنة ونعيمها املالئم‬ ‫للنف�سية العربية‪ .‬ولكن كرازته الطويلة مل تثمر �سوى نفر قليل من ذوي النفو�س ال�شعرية‪.‬‬ ‫فا�ضطهدته قري�ش فهرب و�صحابته الذين التج�أوا �إىل احلب�شة‪ .‬ثم �أعاد الك ّرة وتابع الكرازة‬ ‫دون كبري توفيق‪ ،‬فالكلمة مل تالقِ �آذاناً �صاغيةً‪ ،‬خ�صو�صاً لأن الدعوة مل ت�شتمل على‬ ‫�سوى ما ي�صيب النف�س بعد املوت‪ ،‬فلم ِ‬ ‫يعط ذلك للعرب �شيئاً ت�شتغل به عقولهم ونفو�سهم‬ ‫جملة يف حياتهم‪ ،‬لأنه مل يكن لهم ا�ستعداد للإ�شتغال مبا راء الطبيعة وهم يف �أ�شد احلاجة‬ ‫للإ�شتغال مبا �ضمن الطبيعة‪ ،‬ولأن طبيعة بيئتهم ونوع حياتهم كانا دون امل�ستوى الذي ي�سمح‬ ‫بالإ�شتغال بامل�سائل الروحية والفكرية املج ّردة عن الطبيعة املادية وال�ضرورات العملية‪ .‬ومع‬ ‫�أن ت�صوير اجلنة كان مبا تتوق �إليه نفو�سهم من النعيم املادي يف ظالل وعيون وحور عني‬ ‫وحلل بديعة وذهب وف�ضة‪ ،‬ف�إن النف�س العربية مل تكن م�ستعدة للإن�صراف �إىل التفكري بغري‬ ‫ال�ش�ؤون الب�سيطة القريبة املتناول‪ .‬وقد بقي حممد يب�شر وينذر يف مكة مدة ثالث ع�شرة �سنة‪،‬‬ ‫�أي ع�شر �سنني زيادة على مدة تعليم امل�سيح‪ ،‬من دون �أن يتبعه غري الأفراد الذين ك ّونوا حلقة‬ ‫�صحابته‪ ،‬فوقعت الر�سالة يف م�أزق كان ال بد من فتح منفذ فيه �إذا كان يجب �أن تتابع عملها‪.‬‬ ‫يف املدة املكية كانت الدعوة و�أغرا�ضها قد متت وو�ضحت ف�إذا هي دعوة �إىل االعتقاد باهلل‬ ‫الواحد وبالرجعى �إىل اهلل والعقاب والثواب‪ ،‬وبوجوب فعل اخلري وتنكب ال�شر من غري‬ ‫تعيني ملا هو اخلري وما هو ال�شر �إال االميان باهلل والكفر به‪ .‬ويف عدم التعيني ملا هو اخلري وما هو‬ ‫ال�شر يف جمرى احلياة االن�سانية مل يكن للدعوة نظرة �إىل احلياة والكون باملعنى االجتماعي‬ ‫ـ االقت�صادي ـ الروحي‪ ،‬وهذا كان نقطة �ضعف الدعوة يف الطور املكي‪ .‬فبدون وجود نظرة‬ ‫�أو فل�سفة تعينّ االجتاه يف احلياة فقلي ًال ما ي�شغل �أفكار املحتاجني �إىل هذه النظرة ما ميكن �أن‬ ‫يكون بعد املوت‪ .‬فكان يجب �أن يكون للر�سالة غر�ض وا�ضح يف احلياة يجد حم ًال يف نفو�س‬ ‫املدعوين �إليها‪ .‬وهذا الغر�ض هو بالن�سبة �إىل النظرة الدينية البحتة التي تدور على م�سائل‬ ‫ما بعد املوت‪ ،‬هو غر�ض ثنوي ووا�سطة فقط �إىل الغر�ض الأخري‪ .‬وهذا املبد�أ ي�شمل الإ�سالم‬


‫‪160‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫وامل�سيحية وكل دين �إلهي قال بخلود النف�س والإنتقال �إىل الآخرة‪ .‬ولذلك �أجاب امل�سيح‬ ‫عامل النامو�س قائ ًال‪« :‬اعمل فرائ�ض النامو�س فتحيا احلياة الأبدية»(متى‪ .)17 : 19 ،‬وهكذا‬ ‫فرائ�ض الإ�سالم ف�إنها لي�ست �سوى وا�سطة التقرب �إىل اهلل واكت�ساب ر�ضاه لينال امل�سلم‬ ‫اخللود يف اجلنة املو�صوفة يف القر�آن‪ .‬ولكن النظرة االجتماعية ـ االقت�صادية ـ الروحية هي‬ ‫من الوجهة الفل�سفية االجتماعية‪� ،‬أو ما يجب �أن يكون لهذه الوجهة‪ ،‬الغر�ض الأ�سا�سي من‬ ‫الدين‪ .‬ومن هذه الوجهة التي تهتم مبا قبل املوت وبا�ستمرار احلياة يف هذه الدنيا‪ ،‬لي�س الدين‬ ‫�سوى الغر�ض الثنوي �أو الوا�سطة لتحقيق الغر�ض الأويل الأ�سا�سي‪ ،‬الذي هو‪� ،‬أو ما يجب �أن‬ ‫يكون‪ ،‬ح�صول نظرة �إىل احلياة االجتماعية ـ االقت�صادية ـ الروحية تعينّ �شرعة �أو قاعدة يكون‬ ‫فيها �أكرث اخلري وال�صالح للمجتمع مبعنى الواقع االجتماعي الذي �أ�شرنا �إليه �آنفاً‪.‬‬ ‫وملّا مل يكن حممد فيل�سوفاً اجتماعياً بل نبياً �إلهياً‪ ،‬ف�إن ��ظرته هي النظرة الدينية وغر�ضه‬ ‫الأخري هو �إقامة الدين‪ .‬وكل نظرة �أخرى يجب �أن تكون جمرد نظرة ثنوية �أو وا�سطة لإقامة‬ ‫الدين والو�صول �إىل خلود اجلنة‪ .‬وبنا ًء عليه نقول بت�أكيد �إن حقيقة الدين و�أ�سا�س الدعوة‬ ‫املحمدية هو ما ا�شتمل عليه الطور املكي الذي هو الطور الروحي‪ ،‬املنزه عن �ش�ؤون العامل‬ ‫الدنيوي‪ ،‬املتجه نحو مقر النف�س الأخري يف ما وراء املادة‪ ،‬و�إن االجتاه الدنيوي الذي �سلكه‬ ‫الطور املدين لي�س �سوى الوا�سطة �أو الطريق للق�ضاء على عبادة الأ�صنام و�إقامة الفكرة‬ ‫الدينية لإمتام الغر�ض الديني الأخري الذي اكتمل يف املدة املكية‪.‬‬ ‫قلنا �إنه بعد ثالث ع�شرة �سنة من الدعوة �إىل اهلل من غري جناح يف اجلماعات واجلماهري‪ ،‬و�صلت‬ ‫الر�سالة �إىل م�أزق مل يعد ممكناً لها التقدم فيه بوا�سطة جمرد التب�شري واالنذار‪ ،‬و�صار من الالزم‬ ‫اتخاذ خطة �أخرى‪ .‬وال �شك يف �أن حممداً فكر ملياً يف ما يجب فعله‪ ،‬وو�ضع خطة عقد العزمية‬ ‫على تنفيذها‪ .‬وقد ا�شتملت هذه اخلطة على اخلطوط النف�سية العربية والتفكري العربي التي‬ ‫نرى‪ ،‬عند التحقيق‪� ،‬أنها توازي خطوط النف�سية العربانية والتفكري العرباين قبل �أن �أثرت‬ ‫املدنية ال�سورية على العربانيني ت�أثريها الكبري‪ .‬ولذلك جند موازاة تكاد تكون تامة بني خطة‬ ‫�إقامة الدين الإ�سالمي وخطة �إقامة الدين اليهودي‪ ،‬وعالقة وثيقة بني القر�آن والتوراة‪ ،‬وقد‬ ‫�أ�شرنا �إىل هذه العالقة و�أ�سبابها يف حلقتني �سابقتني (‪ 15‬و‪ 4 / 16‬و‪ 5‬بالرتتيب اجلديد)‪.‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪161‬‬

‫يف العهد املكي كان اخلري وال�صالح كله يف االميان باهلل‪ ،‬وال�شر والطالح كله يف الكفر باهلل‬ ‫وعبادة الأ�صنام (ال�شرك)‪ .‬هذا كل ما يذكره القر�آن من اخلري يف املدة املكية �إال �آيات قليلة‬ ‫�أولية يف �أواخر املدة كقوله يف �سورة «العنكبوت» وهي قبل الأخرية من العهد املكي‪:‬‬ ‫{وو�صينا الإن�سان بوالديه ُح�سناً}(الآية ‪ )8‬التي توازي «�أكرم �أباك و�أمك»(اخلروج‪:20 ،‬‬ ‫ّ‬ ‫‪ )12‬يف التوراة‪ ،‬وكقوله يف �سورة «املطففني»‪{ :‬ويل للمطففني‪ .‬الذين �إذا اكتالوا على النا�س‬ ‫ي�ستوفون‪ .‬و�إذا كالوهم �أو وزنوهم يخ�سرون}(الآيات ‪ .)3 - 1‬ويف ما �سوى ذلك وما �شابهه‬ ‫ال تعيني خلري �أو �شر غري االميان باهلل �أو ال�شرك به‪ .‬وهذه الفكرة الأولية وحدها ما كانت‬ ‫كافية لإن�شاء م ّلة ذات �إميان جديد من عبدة �أ�صنام‪ .‬ولعل خلو الق�سم املكي من تعيني‬ ‫اخلري وال�شر ونظرة �إىل احلياة والعامل كان اعتماداً على �أن ذلك موجود يف الكتب املتقدمة‪،‬‬ ‫يف التوراة والإجنيل اللذين �أوجب القر�آن على امل�سلمني االميان مبا جاء فيهما‪ .‬وجميع �س َور‬ ‫هذا الق�سم تدل على �أن الق�ضاء على عبادة الأ�صنام وجلب العرب �إىل عبادة اهلل الذي‬ ‫تقدمت حممداً ٌ‬ ‫ر�سل بالدعوة �إليه وتبيان �سبله‪ ،‬كانا الغاية الق�صوى من الدعوة املحمدية‪.‬‬ ‫فلي�س يف الق�سم املكي غاية غريها‪ ،‬ال كلية وال جزئية‪ .‬و�س َور الق�سم املكي ‪� 85‬أو ‪� 86‬سورة‬ ‫نزلت يف ثالث ع�شرة �سنة وكلها تب�شري و�إنذار ووعد ووعيد يف ترتيل �شعري م�ستمر‪ .‬وهذه‬ ‫هي الوجهة العامة من الإ�سالم‪ .‬وهي مل تك ّون فكرة فل�سفية ت�شمل احلياة االن�سانية مبناقبها‬ ‫ومثالبها وروحيتها وماديتها واجتماعياتها واقت�صادياتها ومثلها العليا‪ .‬فكان ال بد من �إحدى‬ ‫طريقتني‪� :‬إما �أن يعلن حممد �أن هذه الفكرة الفل�سفية موجودة يف التوراة �أو الإجنيل �أو يف‬ ‫كليهما‪ ،‬فتكون دعوته مبثابة دعوة �إىل هذين الكتابني‪ ،‬و�أما �أن ُيوجد الفكرة �أو النظرة التي‬ ‫ميكن �أن تك ّون للعرب ق�ضيتهم الروحية ـ االجتماعية‪ .‬فاختار حممد الطريقة الأخرية‪ ،‬لأنه‬ ‫كره تذبذب اليهود ونفاقهم‪ ،‬ومل يجد ا�ستعداداً يف العرب للنظرة امل�سيحية التي كانت‬ ‫م�ضطربة عند م�سيحييهم‪ .‬واحلقيقة �أنه كان ال بد من اال�ستقالل بتعيني طريقة احلياة اجلديدة‬ ‫للعرب نظراً خل�صائ�ص بيئتهم‪ .‬ومن جزم حممد بالطريقة الثانية ن�ش�أ الطور املدين الذي‬ ‫�أخرج الدعوة من ملل تكرار تراتيل الت�سبيح والتب�شري واالنذار واحلمد واحل�ض والتهويل‪،‬‬ ‫�إىل ال�شرع و�إقامة حدود املعامالت والعقود التي ترفع م�ستوى احلياة العربية وت�ضبطها‪ .‬وملّا‬


‫‪162‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫كان العرب كلهم‪� ،‬إال بع�ضهم‪� ،‬أميني وبعيدين عن الثقافة والعلم كان ال بد من �إقامة الدولة‬ ‫لإخ�ضاعهم لل�شرع و�ضبط ت�صرفاتهم‪.‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪163‬‬

‫نصوص اإلسالم كدولة‬ ‫�إبتد�أ الطور الثاين‪ ،‬الأخري للدعوة الإ�سالمية‪ ،‬بهجرة حممد وال�صحابة (املهاجرين) �إىل‬ ‫املدينة‪ .‬و�أول �سورة نزلت بعد الهجرة �أعطت الإ�سالم اجتاهه اجلديد الذي �أوجد املذهب‬ ‫العربي يف احلياة املثلى‪ ،‬م�ستخرجاً من حياة العرب وحاجاتها‪ ،‬وهي �سورة «البقرة»‪.‬‬ ‫�أول �سورة «البقرة» ع ْو ُد على بدء الدعوة‪ ،‬ففيه تكرار التب�شري واالنذار والوعد والوعيد‪{ :‬يا‬ ‫�أيها النا�س اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون‪ .‬الذي جعل لكم‬ ‫الأر�ض فرا�شاً وال�سماء بنا ًء و�أنزل من ال�سماء ما ًء ف�أخرج به من الثمرات رزقاً لكم فال جتعلوا‬ ‫هلل �أنداداً و�أنتم تعلمون}(الآيتان ‪{ ،)22 - 21‬وب�شر الذين �آمنوا وعملوا ال�صاحلات �أن لهم‬ ‫جنات جتري من حتتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل‬ ‫و�أتوا به مت�شابهاً ولهم فيها �أزواج مطهرة وهم فيها خالدون}(الآية ‪ .)25‬هذه الآيات ٌ‬ ‫مثل‬ ‫من �أول �سورة «البقرة» وي�أتي بعده �إثبات ذكر خلق �آدم و�إ�سكانه اجلنة مع زوجه ثم �سقوطهما‬ ‫من اجلنة‪ .‬فيكون هذا الذكر متهيداً للعامل ال�سيا�سي الذي يظهر حا ًال‪ ،‬مبخاطبة يهود العرب‬ ‫الذين منهم عدد كبري يف املدينة‪{ :‬يا بني �إ�سرائيل اذكروا نعمتي التي �أنعمت عليكم‬ ‫و�أوفوا بعهدي � ِ‬ ‫م�صدقاً ملا معكم وال تكونوا‬ ‫أوف بعهدكم و�إياي فارهبون‪ .‬و�آمنوا مبا �أنزلت ّ‬ ‫�أول كافر به وال ت�شرتوا ب�آياتي ثمناً قلي ًال و�أياي فا ّتقون}(الآيتان ‪ .)41 - 40‬وتتابع ال�سورة‬ ‫خماطبة بني �إ�سرائيل‪ّ ،‬‬ ‫مذكرة �إياهم بف�ضل اهلل عليهم وتنجيتهم من �آل فرعون و�إخراجهم‬ ‫من م�صر وتنزيل «الكتاب والفرقان» على مو�سى‪ ،‬وكيف اعتنى اهلل بهم يف ال ّتيه‪ ،‬وظللهم‬ ‫املن وال�سلوى‪ ،‬كما هو مذكور كله يف التوراة‪ .‬ثم كيف كفروا وعبدوا‬ ‫بالغمام و�أنزل عليهم ّ‬


‫‪164‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫العجل‪ ،‬وعاد اهلل فتاب عليهم‪ ،‬و�أ�شياء غري ذلك من ق�ص�ص اليهود‪ .‬ثم تقطع ال�س َور هذه‬ ‫الق�ص�ص لت�ضع هذه الآية‪�{ :‬إن الذين �آمنوا والذين هادوا والن�صارى وال�صابئني من �آمن‬ ‫باهلل واليوم الآخر وعمل �صاحلاً فلهم �أجرهم عند ربهم وال خوف عليهم وال هم يحزنون}‬ ‫(الآية ‪ .)62‬في�ست�أنف الق�ص�ص بعدها‪ ،‬ثم تذكر ال�سورة جهل العرب اليهود الأُميني بالدين‪:‬‬ ‫ين و�إن هم �إال يظنون}(الآية ‪ ،)78‬وهذا ي�صدق‬ ‫{ومنهم �أميون ال يعلمون الكتاب �إال �أما ّ‬ ‫على العرب امل�سيحيني وامل�سلمني �أي�ضاً‪ ،‬كما ورد بعد يف �سورة «التوبة» و�أثبتناه يف حلقة‬ ‫�سابقة‪ .‬وت�أتي �آية �أخرى تنذر الذين ا�ستغلوا �أمية امل�ؤمنني بالتوراة ورووا الكتاب على هواهم‪:‬‬ ‫{فويل للذين يكتبون الكتاب ب�أيديهم ثم يقولون هذا من عند اهلل لي�شرتوا به ثمناً قلي ًال‬ ‫فويل لهم مما كتبت �أيديهم وويل لهم مما يك�سبون}(الآية ‪ .)79‬ويف ا�ستمرار معاجلة حال‬ ‫اليهود ت�أتي هذه الآيات‪{ :‬ولقد �آتينا مو�سى الكتاب وقفّينا من بعده بالر�سل و�آتينا عي�سى‬ ‫ابن مرمي الب ّينات و�أيدناه بروح القد�س �أفكلما جاءكم ر�سول مبا ال تهوى �أنف�سكم ا�ستكربمت‬ ‫ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون‪ .‬وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم اهلل بكفرهم فقلي ًال ما ي�ؤمنون‪ .‬وملّا‬ ‫م�صدق ملا معهم وكانوا من قبل ي�ستفتحون على الذين كفروا فلما‬ ‫جاءهم كتاب من عند اهلل ّ‬ ‫جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة اهلل على الكافرين}(الآيات ‪ .)89 - 87‬وهذه الآيات تطلب‬ ‫وحتاجهم ب�أغالطهم ال�سابقة �ضد امل�سيح وحتذرهم من‬ ‫من اليهود �أن ال يجحدوا ر�سالة حممد ّ‬ ‫عاقبة رف�ض االميان بالقر�آن‪ .‬وتتابع ال�سورة جمادلة «�أهل الكتاب» يف �صحة الدعوة املحمدية‬ ‫ووجوب االميان بها و�أنه لي�س �صحيحاً �أن االميان يخت�ص باليهودية �أو بالن�صرانية‪ ،‬فتتخل�ص من‬ ‫هذه املجادلة �إىل هذه النتيجة‪« :‬قولوا �آمنا باهلل وما �أنزل �إلينا وما �أنزل �إىل �إبراهيم و�إ�سماعيل‬ ‫و�إ�سحق ويعقوب والأ�سباط وما �أوتي مو�سى وعي�سى وما �أوتي النبيون من ربهم ال نفرق‬ ‫بني �أحد منهم ونحن له م�سلمون‪ .‬ف�إن �آمنوا مبثل ما �آمنتم به فقد اهتدوا و�إن تولوا ف�إمنا هم‬ ‫يف �شقاق ف�سيكفيكهم اهلل وهو ال�سميع العليم}(الآيتان ‪ ،)137 - 136‬وهي نتيجة كلية‬ ‫جتعل كل �إميان باهلل حقاً فال يكون الدين وقفاً على مذهب دون مذهب‪ ،‬وهي نظرة �صائبة �إذا‬ ‫�أ�ضيف �إليها ما ورد يف �سورة «املائدة» و�أثبتناه يف احللقة ال�سابقة {لكل جعلنا منكم �شرعة‬ ‫ومنهاجاً‪� ...‬إىل اهلل مرجعكم جميعاً}(الآية ‪ .)48‬فالنتيجة الفكرية كاملة تامة ال يرف�ضها �إال‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪165‬‬

‫املتعنتون من م�سلمني وم�سيحيني وغريهم‪ .‬ولكن‪ ،‬بكل �أ�سف نقول‪� ،‬إن كثرياً من املجتهدين‬ ‫واملف�سرين امل�سلمني ال ي�ؤدون واجب الأمانة لهذه النتيجة التي ين�ص عليها دينهم فيلج�أون‬ ‫�إىل ن�صو�ص �أخرى مناق�ضة لها مناق�ضة ظرفية ليبطلوا حقيقتها‪.‬‬ ‫ثم ت�أتي يف هذه ال�سورة [البقرة] م�س�ألة تغيري ال ِقبلة‪� ،‬إذ كان حممد يتجه يف �صالته �إىل‬ ‫�أور�شليم‪ ،‬فلما وجد �إعرا�ض اليهود عن دعوته ورف�ضهم ورف�ض امل�سيحيني االقرار با�ستقالل‬ ‫دعوته و�صحة نبوته‪ ،‬كما تدل عليه الآية‪{ :‬وقالوا كونوا هوداً �أو ن�صارى تهتدوا قل بل م ّلة‬ ‫�إبراهيم حنيفاً وما كان من امل�شركني}(الآية ‪ )135‬عدل عن ِقبلة �أور�شليم وجعل مكة‬ ‫ِقبلته اجلديدة‪ ،‬وا�ستنزل يف ذلك الآيات‪ ،‬وفيه عامل �سيا�سي كبري من ا�سرت�ضاء قري�ش‪،‬‬ ‫�سادين الكعبة‪ ،‬كما فيه اجتاه لتو�سيع اال�ستقالل عن اليهود وجعل الإ�سالم املحمدي م ّلة‬ ‫منف�صلة عن م ّلتي اليهودية وامل�سيحية‪ .‬وبعد تخ ّل�ص من هذه الفكرة اجل��يدة تنتقل ال�سورة‬ ‫�إىل التمهيد لالجتاه اجلديد‪ ،‬الذي هو اجتاه احلزبية الدينية �ضد حزبية قري�ش الوثنية‪ .‬و�أول‬ ‫�آية يف هذا الباب قوله‪{ :‬وال تقولوا ملن يقتل يف �سبيل اهلل �أموات بل �أحياء ولكن ال‬ ‫ت�شعرون}(الآية ‪ ،)154‬ثم يتلو هذه الآية �إعداد النفو�س للحرب‪{ :‬ولنبلو ّنكم ب�شيء من‬ ‫اخلوف واجلوع ونق�ص من الأموال والأنف�س والثمرات وب�شّ ر ال�صابرين الذين �إذا �أ�صابتهم‬ ‫م�صيبة قالوا �إ ّنا هلل و�إ ّنا �إليه راجعون‪� .‬أولئك عليهم �صلوات من ربهم ورحمة و�أولئك هم‬ ‫املهتدون}(الآيات ‪ .)157 - 155‬ثم يجيء التمهيد لل�شرع بقوله‪{ :‬يا �أيها النا�س كلوا‬ ‫مما يف الأر�ض حال ًال طيباً وال ت َّتبعوا خطوات ال�شيطان �إنه لكم عدو مبني}(الآية ‪.)168‬‬ ‫وكانت «خطوات ال�شيطان» �شيئاً غري وا�ضح فجاءت �آية �أخرى‪�{ :‬إمنا ي�أمركم بال�سوء‬ ‫والفح�شاء و�أن تقولوا على اهلل ما ال تعلمون}(الآية ‪ .)169‬ومع ذلك بقي ال�شر غري وا�ضح‬ ‫فال علم مبا هو ال�سوء �أو الفح�شاء‪� ،‬إال �أن يكون الكفر باهلل فقط‪ ،‬كما ب ّينا �سابقاً‪ .‬ولكن الأمر‬ ‫ال يطول حتى ي�أتي الت�شريع‪ ،‬وال�سورة تدخل فيه هكذا‪{ :‬يا �أيها الذين �آمنوا كلوا من‬ ‫طيبات ما رزقناكم وا�شكروا اهلل �إن كنتم �إياه تعبدون‪� .‬إمنا ح ّرم عليكم امليتة والدم وحلم‬ ‫باغ وال عا ٍد فال �إثم عليه �إن اهلل غفور رحيم}‬ ‫اخلنزير وما �أُ ِه َّل به لغري اهلل فمن ا�ضطر غري ٍ‬ ‫(الآيتان ‪ ،)173 – 172‬فكان ذلك �أول ال�شرع ال�ضابط للت�صرف‪ .‬وهو لي�س �شديداً‪،‬‬


‫‪166‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫باغ‬ ‫�إذ فيه �صمام يزيل ال�ضغط ال�شديد يف م�س�ألة امل�آكل وهو قوله‪{ :‬فمن ا�ضطر غري ٍ‬ ‫وال عا ٍد فال �إثم عليه}‪ .‬ويقف الت�شريع يف �آية التحرمي املذكور‪ ،‬فتنتقل ال�سورة �إىل �إنذار‬ ‫الذين {يكتمون ما �أنزل اهلل من الكتاب}(الآية ‪ ،)174‬فت�أتي �آية ت�شبه التعليم امل�سيحي‬ ‫والو�صايا املو�سوية‪{ :‬لي�س البرِ َّ �أن تولوا وجوهكم قبل امل�شرق واملغرب ولكن الرب من �آمن‬ ‫باهلل واليوم الآخر واملالئكة والكتاب والنبيني و�آتى املال على حبه ذوي القربى واليتامى‬ ‫وامل�ساكني وابن ال�سبيل وال�سائلني ويف الرقاب و�أقام ال�صالة و�آتى الزكاة واملوفّون بعهدهم‬ ‫�إذا عاهدوا وال�صابرين يف الب�أ�ساء وال�ض ّراء وحني الب�أ�س �أولئك الذين �صدقوا و�أولئك هم‬ ‫املتقون}(الآية ‪ .)177‬فال تنتهي هذه الآية حتى يعود الت�شريع على خطط التوراة‪{ :‬يا‬ ‫�أيها الذين �آمنوا ُكتب عليكم الق�صا�ص يف القتلى ا ُحل ُّر باحلر والعبد بالعبد}(الآية ‪،)178‬‬ ‫ثم ت�أتي �آية ت�شريع يف حقوق التملك‪ُ :‬‬ ‫{كتب عليكم �إذا ح�ضر �أحدكم املوت �إن ترك خرياً‬ ‫الو�صية للوالدين والأقربني باملعروف حقاً على املتقني}(الآية ‪ .)180‬وهذا الت�شريع ناق�ص‬ ‫كثرياً فترتكه ال�سورة عند نق�صه لتتناول �أمراً �آخر هو فري�ضة ال�صيام‪{ :‬يا �أيها الذين �آمنوا‬ ‫كتب عليكم ال�صيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}(الآية ‪ ،)183‬وبعد‬ ‫�آيات تبني كيفية ال�صيام ومواقيته وجعل ال ِأه ّلة مقيا�س الوقت واحل�ساب‪ ،‬تنتقل ال�سورة‬ ‫�إىل �إعالن احلرب والتحري�ض على القتال والأمر به ب�صورة وا�ضحة‪{ :‬وقاتلوا يف �سبيل اهلل‬ ‫الذين يقاتلونكم وال تعتدوا �إن اهلل ال يحب املعتدين}(الآية ‪ .)190‬وتقفو هذه الآية �آيات‬ ‫يف كيفية القتال �سندر�سها مع هذه فيما يلي‪:‬‬ ‫بعد التحري�ض على القتال تعود ال�سورة �إىل ال�شرع فتبينّ واجبات امل�ؤمن من حج وعمرة‬ ‫و�شروط ذلك‪ ،‬ثم ي�أتي وعد ووعيد وتهويل وغري ذلك‪ ،‬ثم ت�أتي عودة �إىل القتال وتوكيده‪:‬‬ ‫{كتب عليكم القتال وهو كره لكم وع�سى �أن تكرهوا �شيئاً وهو خري لكم وع�سى �أن حتبوا‬ ‫�شيئاً وهو �شر لكم واهلل يعلم و�أنتم ال تعلمون}(الآية ‪ ،)216‬فجعل القتال فري�ضة �شرعاً‪ .‬ثم‬ ‫بعد فر�ض القتال عودة �إىل ال�شرع املدين فيحرم اخلمر واملي�سر حترمياً غري قاطع‪ .‬ثم ي�أتي �أول‬ ‫ؤمن ولأَ َمة م�ؤمنة خري من م�شركة‬ ‫ت�شريع يف الزواج و�أحواله‪{ :‬وال تنكحوا امل�شركات حتى ي� ّ‬ ‫ولو �أعجبتكم وال تنكحوا امل�شركني حتى ي�ؤمنوا ولعبد م�ؤمن خري من م�شرك ولو �أعجبكم‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪167‬‬

‫�أولئك يدعون �إىل النار واهلل يدعو �إىل اجلنة‪(}...‬الآية ‪ .)221‬وتتلو ذلك �آيات املعامالت‬ ‫والعقود يف الزواج والطالق‪ ،‬وقد �أثبتنا بع�ضها يف حلقة �سابقة (احللقة ‪ / 15‬احللقة الرابعة‬ ‫بالرتتيب اجلديد) ثم عودة �إىل التحري�ض على القتال و�ضرب �أمثاله ببني �إ�سرائيل‪�{ :‬أمل‬ ‫ت َر �إىل امللأ من بني �إ�سرائيل من بعد مو�سى �إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل يف �سبيل‬ ‫اهلل قال هل َع�سيتم �إن كتب عليكم القتال �أال تقاتلوا قالوا وما لنا �أال نقاتل يف �سبيل اهلل وقد‬ ‫�أُخرجنا من ديارنا و�أبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا �إال قلي ًال منهم واهلل عليم بالظاملني}‬ ‫(الآية ‪ ،)246‬وتعقبها حكاية متليك �شاول وقتال داود وجليات ليقوى �إميان امل�سلمني ب�أن‬ ‫اهلل ال يتخلى عن �أتباعه وجلعل قاعدة عامة تربر القتال �إذ قد �سبق وقام به اليهود‪ .‬ولكي‬ ‫ف�ضلنا بع�ضهم على بع�ض‬ ‫ال يكون املثل موجباً للت�شبه باليهود جاء القول‪{ :‬تلك الر�سل ّ‬ ‫منهم من ك ّلم اهلل ورفع بع�ضهم درجات و�آتينا عي�سى ابن مرمي الب ّينات و�أيدناه بروح القد�س‬ ‫ولو �شاء اهلل ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم الب ّينات ولكن اختلفوا فمنهم من‬ ‫�آمن ومنهم من كفر ولو �شاء اهلل ما اقتتلوا ولكن اهلل يفعل ما يريد}(الآية ‪ ،)253‬وهو م�ستند‬ ‫ملا �سيجيء من تف�ضيل الإ�سالم اخلا�ص مبحمد على غريه‪.‬‬ ‫ت�أتي بعد ما تقدم و�صايا‪ ،‬ثم الآية‪{ :‬ال �إكراه يف الدين قد تبينّ الر�شد من الغي فمن يكفر‬ ‫بالطاغوت وي�ؤمن باهلل فقد ا�ستم�سك بالعروة الوثقى ال انف�صام لها واهلل �سميع عليم}(الآية‬ ‫‪ .)256‬ثم ي�أتي توكيد البعث م�سنوداً �إىل مثل من �إبراهيم‪ ،‬وبعدها ي�أتي حث على اخلري‬ ‫وو�صايا يف �أ�شكال قريبة من الوجه العملي‪ .‬ثم ت�شريع يف حتليل البيع وحترمي الربا‪ .‬ويتعاقب‬ ‫احلث والت�شريع يف املعامالت والعقود و�شروطها‪ .‬وتختم ال�سورة بقوله‪�{ :‬آمن الر�سول مبا �أنزل‬ ‫�إليه من ربه وامل�ؤمنون ٌّ‬ ‫كل �آمن باهلل ومالئكته وكتبه ور�سله ال نف ّرق بني �أحد من ر�سله وقالوا‬ ‫�سمعنا و�أطعنا غفرانك ربنا و�إليك امل�صري}(الآية ‪ )285‬و�آية �أخرى يف طلب رحمة اهلل‪.‬‬ ‫هذا هو بدء العهد املدين وفيه �أ�سا�سه وغر�ض اجتاهه اجلديد‪ .‬وهذا االجتاه هو‪ :‬ا�ستخراج‬ ‫النظرة العربية (ال�صحراوية) �إىل احلياة االجتماعية واالقت�صادية والروحية وهي النظرة التي‬ ‫عرفناها يف احللقة ال�سابقة‪ .‬ففي هذا العهد ابتد�أ تعيني ما هو خري وما هو �شر‪ ،‬و�إىل جانب‬ ‫�إيجاد هذه النظرة �أوجدت الع�صبية الدينية �ضد الالدينيني �أو الال�إلهيني‪.‬‬


‫‪168‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫(�ضاق نطاق هذا العدد من ا�ستيعاب كل مواد هذه احللقة فن�أتي على بقيتها يف العدد‬ ‫القادم)‪.‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪169‬‬

‫يف الدولة واحلرب الدينية‬ ‫�أما النظرة �إىل احلياة فقد جرت على خطوط النف�سية العربية املماثلة خلطوط النف�سية اليهودية‬ ‫لعهد مو�سى‪ ،‬وقبل دخول اليهود يف احل�ضارة ال�سورية واقتبا�سهم من نظرتها �إىل احلياة‬ ‫وفل�سفتها‪ .‬ون�صت �آيات �صريحة على االقتداء باليهود واتخاذهم مث ًال‪ ،‬كما ب ّينا �آنفاً‪ .‬وقد ب ّينا يف‬ ‫بع�ض احللقات ال�سابقة التماثل الت�شريعي بني الإ�سالم املحمدي والإ�سالم املو�سوي (‪ 15‬و‪16‬‬ ‫‪ 4 /‬و‪ 5‬بالرتتيب اجلديد)‪ .‬ولكن هذه امل�شابهة لي�ست كلية‪ ،‬ففي ال�شرع دخلت اخل�صائ�ص‬ ‫وال�ضرورات العربية التي كان اليهود �آخذين يف اخلروج منها واالجتاه عنها �إىل احل�ضارة ال�سورية‬ ‫التي �أو�شكت �أن ته�ضمهم متاماً‪ ،‬حتى �إن ال�سريانية �صارت‪ ،‬يف �أواخر عهدهم‪ ،‬اللغة الغالبة‬ ‫على ل�سانهم‪ .‬وهذه ال�ضرورات واخل�صائ�ص ال تبطل املوازاة التامة تقريباً يف اخلطوط الكربى‬ ‫للنظرة �إىل احلياة‪ .‬فالو�ضوء‪ ،‬مث ًال‪ ،‬قد حدد االغت�سال نظراً لقلة املاء يف ال ُعربة‪ ،‬بينما التوراة‬ ‫�أطلقته جرياً على قاعدة التمدن ال�سوري «اغت�سلوا تنقوا» (�أ�شعيا‪.)16 :1 ،‬‬ ‫قلنا يف احللقة ال�سابقة وما قبلها �إن العهد املدين كان اخلطوة الفا�صلة لإخراج الر�سالة‬ ‫املحمدية من امل�أزق الذي وقعت فيه‪ ،‬وب ّينا �أن الق�صد من �آياته امل�ؤلفة الن�ص الدويل هو‬ ‫�إقامة الدين وا�ستئ�صال الوثنية‪ ،‬ولي�س حماربة �أهل الأديان غري املحمدية حتى يتخلوا عن‬ ‫�إ�سالمهم ويتبعوا الإ�سالم املحمدي‪.‬‬ ‫وكما �أن �أول �سورة مك ّية دلت على غر�ض الر�سالة الديني و�أ�سا�سها‪ ،‬كذلك دلت �سورة‬ ‫«البقرة» التي هي �أول ال�سور املدنية على الغر�ض الدويل‪ .‬ف�أول �أمر بالقتال كان قوله‪{ :‬وقاتلوا‬ ‫فخ�ص القتال بالذين يقاومون‬ ‫يف �سبيل اهلل الذين يقاتلونكم وال تعتدوا} (البقرة‪ّ ،)190 ،‬‬


‫‪170‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫الدين بالقوة ويقاتلون �أتباعه‪ .‬فالدعوة �إىل القتال‪ ،‬يف �أ�سا�سها وغر�ضها الأخري‪ ،‬مل تكن يف‬ ‫�صلب الدعوة الدينية �إىل اهلل‪� ،‬إذ خال منها العهد املكي خلواً تاماً ولي�ست يف العهد املدين‬ ‫مطلقة من كل قيد �أو �شرط وعامة ملحاربة امل�سلمني غري املحمديني �أي�ضاً‪ ،‬بل مقيدة ب�شرط �أن‬ ‫تكون �ضد الذين يقاتلون امل�ؤمنني ويريدون �أن يطفئوا نور اهلل ب�أفواههم ليمدوا ظلمة الوثنية‪.‬‬ ‫وقد يقول قائل �إن اجلهاد مذكور يف الق�سم املكي �أي�ضاً‪ ،‬فنقول �صحيح ولكنه هناك ذو معنى‬ ‫روحي فقط‪ ،‬فالق�صد منه اجلهاد للإقناع وال�سالح الكلمة ولي�س ال�سيف‪ ،‬كقوله‪{ :‬فال ُتطع‬ ‫الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبرياً} (الفرقان‪.)52 ،‬‬ ‫وملا كان الأمر بالقتال هو لإقامة الدين ولي�س لنق�ضه‪ ،‬ف�إن من الكفر باهلل والهدم للدين‬ ‫ال�صحيح القول �إن �آيات القتال ال�ستعالء امل ّلة املحمدية �أو لدفع ال�شر عنها قد ن�سخت‬ ‫�آيات الدين وحلت حملها‪ .‬فالقتال فر�ض لإقامة �آيات الدين‪ ،‬ال ملجرد القتال �أو حلب القتل‬ ‫ولذلك قالت الآية‪{ :‬وال تعتدوا �إن اهلل ال يحب املعتدين} (البقرة‪.)190 ،‬‬ ‫وقد قلنا يف �سياق ما تقدم من هذا البحث �إن الآيات الدولية يف الر�سالة املحمدية مرتبطة‬ ‫ارتباطاً وثيقاً باحلوادث ��جلارية‪ ،‬وهذه احلقيقة يجب �أن تظل ن�صب �أعيننا يف كل در�س �صحيح‬ ‫لن�صو�ص الإ�سالم املحمدي كدولة‪ .‬ولهذه احلقيقة تخ�ضع �آيات القتال‪ ،‬فقد ا�ستنزل حممد‬ ‫�آيات القتال لأنه وجد من باد�أ امل�سلمني القتال وا�ضطهدهم‪ ،‬ف�أ�صبح القتال مربوطاً ب�شرطية‬ ‫وجود من يطلبون مقاتلة امل�ؤمنني من امل�شركني‪.‬‬ ‫�أما الآيات التي قلنا �إنها تقفو �أول �آية �أمرت بالقتال فهي هذه‪{ :‬واقتلوهم حيث ثقفتوهم‬ ‫و�أخرجوهم من حيث �أخرجوكم والفتنة �أ�شد من القتل‪ .‬وال تقاتلوهم عند امل�سجد احلرام‬ ‫حتى يقاتلوكم فيه ف�إن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين‪ .‬ف�إن انتهوا ف�إن اهلل غفور‬ ‫رحيم‪ .‬وقاتلوهم حتى ال تكون فتنة ويكون الدين هلل ف�إن انتهوا فال عدوان �إال على الظاملني}‬ ‫(البقرة‪ .)193 - 191 ،‬وهذه الآيات تو�ضح جيداً �أن القتال كان دفاعياً ولي�س هجومياً‪،‬‬ ‫و�ضرورة ق�ضت بها عداوة امل�شركني‪ .‬وقوله‪{ :‬الذين يقاتلونكم} يعني �أعداء الدين الذين‬ ‫يق�صدون �إبطاله ومقاتلة امل�ؤمنني حتى ولو مل يبا�شروا القتال ر�أ�ساً‪ .‬ذلك لأن عداوتهم‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪171‬‬

‫وا�ضطهادهم امل�ؤمنني ثابتان‪ .‬وقد جعل القر�آن اال�ضطهاد �أعظم من القتل‪{ :‬الفتنة �أكرب‬ ‫من القتل} (البقرة‪ .)217 ،‬والفتنة هنا مبعنى املحنة‪ ،‬كالإخراج من الوطن‪ .‬ولذلك قال‪:‬‬ ‫{و�أخرجوهم من حيث �أخرجوكم}‪ .‬و�أيد غر�ض القتال الذي �أو�ضحناه بقوله‪{ :‬وقاتلوهم‬ ‫حتى ال تكون فتنة ويكون الدين هلل}‪� ،‬أي لإزالة اال�ضطهاد ومنع العداوة امل�ؤذية ولإقامة‬ ‫تبق حاجة �إىل القتال الديني‬ ‫دين اهلل والق�ضاء على عبادة الأوثان‪ .‬فمتى �صار الدين هلل مل َ‬ ‫و�صار يجب العودة �إىل الفكرة الدينية ال�صافية املو�ضحة يف الق�سم املكي‪{ :‬يا �أيها النا�س‬ ‫�أنتم الفقراء �إىل اهلل واهلل هو الغني احلميد} (فاطر‪{ ،)15 ،‬تلك الدار الآخرة جنعلها للذين‬ ‫ال يريدون علواً يف الأر�ض وال ف�ساداً والعاقب ًة للمتقني} (الق�ص�ص‪ ،)83 ،‬فهنا الدين‪� .‬أما‬ ‫القتال فلي�س للدين بل �ضرورة لإقامة الدين �أوجبتها حالة البيئة‪.‬‬ ‫وت�أييد القر�آن هذه النظرة هو ت�أييد جازم متكرر‪ ،‬فقال‪{ :‬ال �إكراه يف الدين قد تبينّ الر�شد‬ ‫الغي فمن يكفر بالطاغوت وي�ؤمن باهلل‪( }...‬البقرة‪� ،)256 ،‬أي �أن الق�صد من القتال‬ ‫من ّ‬ ‫لي�س الإكراه بل دفع الفتنة والعدوان‪ .‬ولذلك قفى �آية فري�ضة القتال بهذه‪{ :‬ي�س�ألونك‬ ‫و�صد عن �سبيل اهلل وكفر به وامل�سجد احلرام‬ ‫عن ال�شهر احلرام قتال فيه قل قتال فيه كبري ٌ‬ ‫و�إخراج �أهله منه �أكرب عند اهلل والفتنة �أكرب من القتل وال يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم‬ ‫عن دينكم �إن ا�ستطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ف�أولئك حبطت �أعمالهم‬ ‫يف الدنيا والآخرة و�أولئك �أ�صحاب النار هم فيها خالدون} (البقرة‪ .)217 ،‬فهو يدل على‬ ‫مقدار ا�ستحكام العداوة حتى �ضاق حممد ذرعاً بكرثة ا�ضطهاد امل�شركني لدعوته و�أتباعه‬ ‫و�إمعانهم يف الفتنة‪ ،‬فا�ستنزل هذه الآية ليجد خمرجاً لل�ضيق الذي وقع فيه �أتباعه‪ .‬ولوال‬ ‫كرثة ظلم قري�ش ومقاومتهم الكلمة باال�ضطهاد ملا كان الوحي ا�ستوجب االلتجاء �إىل هذه‬ ‫املعاملة‪ .‬فالآية مربوطة بحالة معينة يبقى حكمها فيها‪ .‬وجاء يف �سورة «املمتحنة» التي ت�أتي‬ ‫بعد «البقرة» بثالث �س َور وهي الرابعة( )‪{ :‬ال ينهاكم اهلل عن الذين مل يقاتلوكم يف الدين‬ ‫ومل يخرجوكم من دياركم �أن ت ّربوهم وتق�سطوا �إليهم �إن اهلل يحب املق�سطني �إمنا ينهاكم اهلل‬ ‫عن الذين قاتلوكم يف الدين و�أخرجوكم من دياركم وظاهروا على �إخراجكم �أن تولوهم‬ ‫ومن يتو ّلهم ف�أولئك هم الظاملون} (املمتحنة‪ .)9 - 8 ،‬ومعنى هاتني الآيتني �أن اهلل ال ينهى‬ ‫‪1‬‬


‫‪172‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫امل�ؤمنني عن م�ساواة الذين مل يقاتلوهم وينحازوا �إىل مقاتليهم فه�ؤالء ميكن حتى توليتهم‬ ‫وتقدميهم و�إن كانوا م�شركني (وثنيني)‪ .‬وقد �أو�ضحت هاتان الآيتان املق�صود من املقاتلة‬ ‫والعداء فهما �ضد من «يقاتل يف الدين» ال غري‪.‬‬ ‫اقت�ضت العداوة املوجدة احلرب ال�سري بامل ّلة على قاعدة الع�صبية الدينية وجمع كلمة امل�ؤمنني‬ ‫يف نظام دولة‪ ،‬فاهتمت الر�سالة ب�ش�ؤون احلرب وال�سلم وتوزيع الغنائم‪ .‬وهذا الأمر الأخري كان‬ ‫من الأهمية مبحل خطري‪ ،‬لأن طلب الغنائم كان من �أهم قواعد قيام الدولة يف بيئة فقرية جداً‪،‬‬ ‫واخلالف على ق�سمتها قد ي�ستفحل وي�ؤدي �إىل تفرق كلمة الأتباع‪ ،‬كما اختلف امل�سلمون‬ ‫يف واقعة بدر على الغنائم كيف تق�سم ومن يق�سمها‪ .‬فكان االهتمام بهذه الناحية �أول ما‬ ‫عر�ضت له �سورة «الأنفال» وهي الثانية من العهد املدين‪ ،‬ويف هذه ال�سورة �شرع تخمي�س‬ ‫الغنائم‪ .‬وكان من �ضرورات �إقامة الدولة �إيجاد مبد�أ الطاعة لل�سلطة العليا التي ال تقوم دولة‬ ‫�إال بها‪ ،‬فجاء الأمر بالطاعة يف «الأنفال»‪{ :‬يا �أيها الذين �آمنوا �أطيعوا اهلل ور�سوله وال تولوا‬ ‫عنه و�أنتم ت�سمعون} (الآية ‪ ،)20‬و�أي�ضاً‪{ :‬يا �أيها الذين �آمنوا ا�ستجيبوا هلل وللر�سول �إذا‬ ‫دعاكم ملا يحييكم‪( }...‬الآية ‪ ،)24‬وجاء النهي عن اخليانة‪{ :‬يا �أيها الذين �آمنوا ال تخونوا‬ ‫اهلل والر�سول وتخونوا �أماناتكم و�أنتم تعلمون} (الآية ‪.)27‬‬ ‫وتعود الر�سالة يف هذه ال�سورة �إىل �ش�أن القتال‪ ،‬فت�ؤكد مرة �أخرى تخ�صي�صه بالكفار الذين‬ ‫ال ي�ؤمنون باهلل‪{ :‬قل للذين كفروا �أن ينتهوا ُيغفر لهم ما قد �سلف و�إن يعودوا فقد م�ضت‬ ‫ُ�س َّنة الأولني‪ .‬وقاتلوهم حتى ال تكون فتنة ويكون الدين كله هلل ف�إن انتهوا ف�إن اهلل مبا يعملون‬ ‫ب�صري} (الآيتان ‪.)39 - 38‬‬ ‫�أخرج النهج املدين الدويل الر�سالة املحمدية من م�أزقها ف�أخذ امل�ؤمنون ي�شعرون بوجود نظام‬ ‫ي�ؤمنهم على ح�ص�صهم من الأ�سالب والك�سب‪ ،‬بعد �أن كان ذلك خا�ضعاً للأثرة والقوة‪،‬‬ ‫و�شرع يزيل معاثرهم ويحدد معامالتهم‪ .‬ف�أخذت �شوكة الدولة تقوى باملغازي والغنائم‪ ،‬وبقوة‬ ‫�شوكة الدولة �أخذ الدين يتحرر من اال�ضطهاد‪ ،‬ثم �أخذت الدولة تعتز بدينها ونظرتها �إىل‬ ‫احلياة التي فتحت �أمامها طريق التقدم العملي‪ .‬واحلقيقة �أن فاعلية الدولة كانت �أقوى من‬ ‫فاعلية الدين نف�سه‪ ،‬بل �صارت �آيات الدولة عند العرب يف مقام الدين ومل يقدروا �أن يفهموه‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪173‬‬

‫�إال بها‪ ،‬فاهتدت الر�سالة �إىل منهاجها العملي يف بيئتها ف�سارت عليه بخطوات �أكيدة‪ .‬وبتقدمها‬ ‫مل يعد يجد الوحي حاجة للتودد �إىل «�أهل الكتاب» العرب والت�ساهل معهم‪ ،‬ف�صارت لهجة‬ ‫�سلطة الدولة حتل رويداً رويداً حمل لهجة من ال �سند له غري عقيدته‪ .‬فكرث التحري�ض على‬ ‫القتال وخرجت الر�سالة �إىل طلب �إعالء الإ�سالم املحمدي على الأديان جميعها‪{ :‬هو‬ ‫الذي �أر�سل ر�سوله بالهدى ودين احلق ليظهره على الدين كله ولو كره امل�شركون} (ال�صف‪،‬‬ ‫‪ .)9‬وهذه الآية مكررة يف «الفتح» ويف «التوبة»‪ .‬ولكن هذا القول مل يبطل �صحة الإ�سالم‬ ‫امل�سيحي والإ�سالم اليهودي‪ ،‬كما ب ّينا يف احللقة ال�سابقة‪� ،‬إذ وردت بعد �سورتي «ال�صف»‬ ‫و«الفتح» �سورة «املائدة» التي �أثبتت وجوب اعتبار التوراة والإجنيل �صحيحني لأهلهما‪ .‬ونظراً‬ ‫لورود هذه الآيات يف كتاب واحد فاالرتباط بينها وثيق وال ميكن اعتماد مبد�أ الن�سخ لإبطال‬ ‫الآيات املتعلقة ب�صحة التوراة والإجنيل‪ ،‬ف�إن هذا املبد�أ ينقلب �ضد هذا اال�ستنتاج ويجعل‬ ‫حكم �آيتي «ال�صف» و«الفتح» من�سوخاً بحكم �آيات «املائدة»‪ ،‬لأنها بعدهما‪� .‬أما �سورة «التوبة»‬ ‫فمختلف فيها ويرجح �إحلاقها ب�سورة «الأنفال»‪ .‬وهذه ال�سورة عينها‪« ،‬التوبة»‪ ،‬ت�ؤكد �صحة‬ ‫التوراة والإجنيل بالعودة �إىل اال�ستناد �إليهما مع القر�آن بقول الآية‪�{ :‬إن اهلل ا�شرتى من‬ ‫امل�ؤمنني �أنف�سهم و�أموالهم ب�أن لهم اجلنة يقاتلون يف �سبيل اهلل ف َيقتلون و ُيقتلون وعداً عليه‬ ‫حقاً يف التوراة والإجنيل والقر�آن ومن �أوفى بعهده من اهلل‪( }...‬الآية ‪ .)111‬وهو يثبت �أن ما‬ ‫�أعلنه اهلل يف التوراة والإجنيل ثابت عنده‪ .‬وقد �أظهرنا يف حلقة �سابقة ف�ساد مبد�أ الن�سخ لأنه‬ ‫يع ّر�ض كالم اهلل كله والإميان كله لل�شك‪ ،‬فال يعلم امل�ؤمن على وجه التحقيق ما هو ثابت من‬ ‫كالم اهلل وما هو غري ثابت‪ .‬و�إذا كان اهلل يقول قو ًال غري �أكيد وال ثابت‪ ،‬فلماذا يقوله؟ وملاذا‬ ‫قال‪�{ :‬أفت�ؤمنون ببع�ض الكتاب وتكفرون ببع�ض فما جزاء من يفعل ذلك منكم �إال خزي‬ ‫يف احلياة الدنيا ويوم القيامة يردون �إىل �أ�شد العذاب‪( }...‬البقرة‪.)85 ،‬‬ ‫احلقيقة يف هذه الأمور �أن �ضروريات قيام الدولة ونف�سية العرب هما غري الدعوة الدينية‪.‬‬ ‫والدولة قامت لإثبات الدين و�آياته ولي�س لنفيها وال لن�سخها‪ .‬والقتال فر�ض �ضد الذين‬ ‫«يقاتلون يف الدين»‪� ،‬أما حيث ال قتال يف الدين {فال تعتدوا}‪ .‬وهذا ن�ص وا�ضح ال جدال‬ ‫فيه‪ ،‬ف�إذا كانت هذه الآيات باطلة لأنها من �سورة «البقرة» و�سورة «املمتحنة»‪ ،‬فلماذا ال تكون‬


‫‪174‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫هاتان ال�سورتان باطلتني فتحذفان ويحذف الق�سم املكي كله من القر�آن؟ وما هي حاجة‬ ‫امل�ؤمن �إىل وجود كالم باطل يف كتاب اهلل؟‬ ‫و�إذا كان الإ�سالم املحمدي يجيز االميان ببع�ض القر�آن والكفر ببع�ضه‪ ،‬فكيف يطا ِلب‬ ‫امل�سلمني املو�سويني �أو امل�سلمني امل�سيحيني بوجوب �إقامة التوراة �أو �إقامة الإجنيل كاملني؟‬ ‫وجميع �آي الق�سم املدين ال تن�ص ن�صاً �صريحاً على �إبطال املذهب امل�سيحي يف �شيء منه‪ ،‬بل‬ ‫بالعك�س تطلب احلكم بكتابه‪� .‬أما ما يتذرع به بع�ض املنافقني ليوهموا امل�سلمني املحمديني‬ ‫�أنه قد �أبطلت املحمدية امل�سيحية كقوله‪�{ :‬إن الدين عند اهلل الإ�سالم} (�آل عمران‪،)19 ،‬‬ ‫يبتغ غري الإ�سالم ديناً فلن يقبل منه وهو يف الآخرة من اخلا�سرين} (�آل‬ ‫وقوله‪{ :‬ومن ِ‬ ‫عمران‪ ،)85 ،‬فهو على غري ما ي�ؤولونه لأغرا�ضهم‪ .‬فالإ�سالم لي�س خمت�صاً باملحمديني‪ ،‬بل‬ ‫يطلق على اليهود وامل�سيحيني كذلك‪ ،‬لأنه ح�سب رواية القر�آن نف�سه‪ ،‬ابتد�أ ب�إبراهيم‪ ،‬وال‬ ‫ميكن ه�ؤالء املعوجني للإميان �أن يثبتوا �إدعاءهم الباطل �إال ب�إعالن الكفر ببع�ض القر�آن نف�سه‪،‬‬ ‫فليقولوا قو ًال �صريحاً �أي ق�سم من القر�آن يجب �أن يكفر به امل�ؤمنون وينبذوه َظهرياً نقل لهم‬ ‫ٍ‬ ‫حينئذ يف �أي �ضالل يعمهون‪.‬‬ ‫�أال �أن غر�ض احلياة الدنيا بغيتهم‪ ،‬يرا�ؤون يف الدين‪ ،‬والدين بعيد عن قلوبهم‪ ،‬هو مينعهم من‬ ‫الفتنة وهم يطلبونها‪.‬‬ ‫قال يف القر�آن‪{ :‬كتب هلل لأغلنب �أنا ور�سلي �إن اهلل قوي عزيز} (املجادلة‪ ،)21 ،‬وهي من‬ ‫�أواخر العهد املدين‪ .‬ويقول املنافقون‪�« :‬إ ّنا قد حمونا ما كتب اهلل» عليهم لعنة اهلل والنا�س‬ ‫�أجمعني مبا يقولون على اهلل غري احلق‪.‬‬ ‫�إن القول‪« :‬الديانة الإ�سالمية ُو�ضع �أ�سا�سها على طلب الغلب وال�شوكة واالفتتاح والعزة‪،‬‬ ‫ورف�ض كل قانون يخالف �شريعتها ونبذ كل �سلطة ال يكون القائم بها �صاحب الوالية على‬ ‫تنفيذ �أحكامها»( ) هو قول ا�ستبدادي ال يعبرّ عن حقيقة الديانة الإ�سالمية بل عن ف�ساد‬ ‫ت�أويلها ببع�ض �آيها‪ .‬وكذلك القول‪« :‬هل ن�سوا وعد اهلل لهم ب�أن يرثوا الأر�ض وهم العباد‬ ‫ال�صاحلون؟»( ) فهو باطل‪ ،‬ف�إن اهلل وعد بني �إ�سرائيل بتمكينهم يف الأر�ض وذلك يف عهده‬ ‫‪2‬‬

‫‪3‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪175‬‬

‫ام�ش يف الأر�ض طولها وعر�ضها لأين لك �أعطيها» (تكوين‪:13 ،‬‬ ‫لإبراهيم ويعقوب‪« :‬قم ِ‬ ‫‪{ ،)17‬نتلو عليك من نب�أ مو�سى وفرعون باحلق لقوم ي�ؤمنون �إن فرعون عال يف الأر�ض وجعل‬ ‫�أهلها �شيعاً ي�ست�ضعف طائفة منهم يذبح �أبناءهم وي�ستحيــي ن�ساءهم �إنه كان من املف�سدين‪.‬‬ ‫منن على الذين ا�ست�ضعفوا يف الأر�ض وجنعلهم �أئمة وجنعلهم الوارثني‪ّ .‬‬ ‫ومنكن لهم‬ ‫ونريد �أن ّ‬ ‫يف الأر�ض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} (الق�ص�ص‪،)6 - 3 ،‬‬ ‫{ولقد كتبنا يف الزبور من بعد الذكر �أن الأر�ض يرثها عبادي ال�صاحلون} (الأنبياء‪،)105 ،‬‬ ‫وقال كذلك‪{ :‬وعد اهلل الذين �آمنوا منكم وعملوا ال�صاحلات لي�ستخلفنهم يف الأر�ض كما‬ ‫ا�ستخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارت�ضى لهم وليبدل ّنهم من بعد خوفهم‬ ‫�أمناً يعبدونني ال ي�شركون بي �شيئاً ومن كفر بعد ذلك ف�أولئك هم الفا�سقون} (النور‪،)55 ،‬‬ ‫فب�أي وعد يجب التم�سك؟ ف�إذا كان الوعد الأخري هو للم�سلمني املحمديني فقط فما هي قيمة‬ ‫ما ورد يف التوراة ويف �سورة «الق�ص�ص»؟ هل وعد اهلل بني �إ�سرائيل بالباطل؟ ف�إذا كان الأمر‬ ‫هكذا �أفال يجب �أن يكون الوعد الأخري من نوع الوعد الأول‪ ،‬لأن اهلل الذي يعد ويخلف مرة‪،‬‬ ‫يعد ويخلف مرة �أخرى‪ .‬والذي نراه �أن هذا الوعد يتعلق ب�أر�ض اجلنة‪ ،‬والدليل قوله‪{ :‬و�سيق‬ ‫الذين اتقوا ربهم �إىل اجلنة زمراً حتى �إذا جا�ؤوها وفتحت �أبوابها وقال لهم خزنتها �سالم‬ ‫عليكم طبتم فادخلوها خالدين‪ .‬وقالوا احلمد هلل الذي �صدقنا وعده و�أورثنا الأر�ض نتبو�أ من‬ ‫اجلنة حيث ن�شاء فنعم �أجر العاملني} (الزمر‪ .)74 - 73 ،‬فالأر�ض‪ ،‬يف الق�سم الديني املنزه‬ ‫عن الأغرا�ض الدنيوية‪ ،‬هي اجلنة ال غريها‪ .‬و�أهل الدين ال�صحيح هم الذين يرثون اجلنة ال‬ ‫الأر�ض الدنيا لأن هذه لي�ست غر�ض الدين‪ .‬و�أما قوله‪{ :‬و�أورثكم �أر�ضهم وديارهم و�أموالهم‬ ‫و�أر�ضاً مل تط�أوها وكان اهلل على كل �شي قديراً} (الأحزاب‪ ،)27 ،‬فهو من �ش�ؤون الدولة‬ ‫واحلرب مع امل�شركني وهو �شبيه بخطط اليهود «يطرد الرب جميع ه�ؤالء ال�شعوب من �أمامكم‬ ‫فرتثون �شعوباً �أكرب و�أعظم منكم» (تثنية‪ .)23 : 11 ،‬وها قد مرت �آالف ال�سنني على وعد اهلل‬ ‫لإبراهيم ويعقوب ومو�سى‪ ،‬وها الألف الثاين يزول على وعد اهلل ملحمد‪ ،‬ومل يتحقق من هذين‬ ‫الوعدين �سوى ما كان �ضرورياً لإقامة الدولة الدينية �ضمن نطاق بيئتها‪ .‬واليهود ال يزالون‬ ‫يت�شبثون بوعد اهلل لهم بتمليكهم الأر�ض كلها‪ ،‬والطامعون بالتملك با�سم الدين من امل�سلمني‬


‫‪176‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫املحمديني يزدادون ت�شبثاً بوعد اهلل امل�ؤ َّول عندهم ليحر�ضوا امل�ؤمنني على ت�أييدهم يف طلب‬ ‫امللك و�إقامتهم يف احلكم‪ .‬ولو �شاء اهلل �إيفاء وعده على ما ي�شتهي املت�شبثون لكان فعل منذ‬ ‫زمان يف �أول عهد االميان ال�صايف اململوء حمية‪ ،‬يف زمن فتوة الدعوة‪ ،‬حني كان االميان جديداً‪،‬‬ ‫قوياً حاراً‪ .‬وهو �أجمله و�أف�ضله‪ .‬واحلقيقة �أن اهلل قد ب ّر بوعده و�أعطى اليهود واملحمديني ما ق�سم‬ ‫لهم‪ ،‬فنال الأولون نظاماً و�شرائع ومرتزقاً؛ ونال الآخرون نظاماً و�شرائع ومرتزقاً ون�صرة على‬ ‫عبدة الأ�صنام فورثوا �أر�ضهم وديارهم و ّمت الدين‪�{ :‬إذا جاء ن�صر اهلل والفتح ور�أيت النا�س‬ ‫يدخلون يف دين اهلل �أفواجاً ف�سبح بحمد ربك وا�ستغفره �إنه كان تواباً} (الن�صر‪ .)3 - 1 ،‬فقد‬ ‫جاء الن�صر على �أهل ال�شرك ودخلوا يف دين اهلل وبادت عبادة الأ�صنام من ال ُعربة‪ ،‬فتم العهد‬ ‫املدين و�أ�صبح من الالزم العودة �إىل �إقامة الدين بالت�سبيح واال�ستغفار التي كانت الأ�صل‬ ‫والغاية من الدعوة‪ .‬فما جاء يف �سورة «النور» وهو قوله‪{ :‬وعد اهلل الذين �آمنوا منكم وعملوا‬ ‫ال�صاحلات لي�ستخلفنهم يف الأر�ض كما ا�ستخلف الذين من قبلهم ول ُيمكنن لهم دينهم الذي‬ ‫ارت�ضى لهم ول ُيبدلنهم من بعد خوفهم �أمناً يعبدونني وال ي�شركون بي �شيئاً ومن كفر بعد‬ ‫ذلك ف�أولئك هم الفا�سقون} (الآية ‪ )55‬قد ح�صل بتمامه‪ ،‬فقد ا�ستخلف اهلل املحمديني‬ ‫يبق بعد ذلك غري عبادة اهلل واتقائه‬ ‫يف �أر�ض الوثنيني وورثوهم وجاء ن�صر اهلل والفتح‪ ،‬ومل َ‬ ‫حق تقاته‪{ :‬اليوم �أكملت لكم دينكم و�أمتمت عليكم نعمتي ور�ضيت لكم الإ�سالم ديناً}‬ ‫(املائدة‪ .)3 ،‬والذين يبغون وراء ذلك هم الذين يريدون �إخ�ضاع الدين ل�شهواتهم الدنيوية‬ ‫ويرف�ضون �أن يخ�ضعوا لأوامر الدين وتعاليمه العلوية‪.‬‬

‫اهلوامش‬ ‫‪ - 1‬ح�سب الت�سل�سل الزمني للنزول‪ ،‬ولي�س كما هو موجود يف امل�صحف‪.‬‬ ‫‪« - 2‬العروة الوثقى» �سنة ‪ ،1936‬ال�صفحة ‪.77‬‬ ‫‪ - 3‬امل�صدر ال�سابق‪ ،‬ال�صفحة ‪.149‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪177‬‬

‫الدين والدولة‬ ‫ر�أينا يف ما تقدم �أن الق�صد من �إقامة الدولة الإ�سالمية املحمدية هو �إقامة الدين الإلهي يف‬ ‫�أر�ض كان �أهلها ال يزالون يف �ضالل مبني عن اهلل وكلمته‪ ،‬فالدولة �أن�شئت لغر�ض الدين‬ ‫ولي�س الدين هو الذي �أن�شيء لغر�ض الدولة‪ .‬وهذه القاعدة هي �أ�سا�س كل فكرة دينية يف‬ ‫االجتماع وال�سيا�سة‪ .‬وال ميكن �أن يكون العك�س �إال بهدم الفكرة الدينية الأ�سا�سية و�إبطال‬ ‫الدين‪ ،‬فا�ستخدام الدين للدولة معناه �أن الدين وا�سطة ال غاية‪ .‬والوا�سطة تزول‪� ،‬أما الغاية‬ ‫فتبقى‪ .‬ف�إذا كان الدين وا�سطة فقد �أ�صبح زائ ًال بعد �إقامة الدولة‪� ،‬أو على الأقل �أ�صبح �آلة‬ ‫ثنوية‪ ،‬و�إذا كان الأمر كذلك وجب �أن ننظر �إىل االجتماع ك�أ�سا�س‪ ،‬وبنا ًء عليه ال يعود من‬ ‫املمكن االحتجاج بالآيات الدينية لت�سيري املجتمع‪ ،‬لأن هذه الآيات تكون قد فقدت �صفتها‬ ‫الدينية‪ .‬و�أقل نتيجة لهذه الطريقة التفكريية هي الق�ضاء على الدين‪ .‬وملا كان ق�صد ر�سالة‬ ‫حممد الدين ولي�س ال�سيا�سة‪� ،‬أو فل�سفة االجتماع التي ترتقي بالعلوم االجتماعية‪ ،‬فال بد‬ ‫من الت�سليم ب�أن الدولة هي الوا�سطة للدين الذي هو الغاية‪ ،‬و�أن قيمتها ال ميكن �أن تكون‪،‬‬ ‫من الوجهة الدينية‪� ،‬أكرث من قيمة وا�سطة‪ .‬وبنا ًء عليه تكون الدولة ال�شيء الثنوي القابل‬ ‫للزوال عندما ال تبقى حاجة �إليه �ش�أن كل �آلة �أو وا�سطة �أدت الغر�ض من وجودها‪ .‬ويف‬ ‫متاحف العامل الآلية قاطرات بخارية ومراكب من كل �صنف قد �أدت خدمتها ومل تعد‬ ‫�صاحلة لال�ستخدام لوجود �آالت حديثة �أح�سن منها‪.‬‬ ‫وكذلك يف متاحف العامل االجتماعية دول كثرية معرو�ضة لدر�س تطور االجتماع الإن�ساين‪،‬‬ ‫ومل تعد ت�صلح لغري ذلك‪ ،‬ومن جملتها الدولة الدينية التي �أدت غر�ضها من زمان و�أ�صبح يوجد‬


‫‪178‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫�أح�سن منها الآن خلدمة املجتمع الإن�ساين فلم يبقَ حاجة �إليها لغري الدر�س ومعرفة التاريخ‪.‬‬ ‫الدولة الدينية املحمدية كان غر�ضها الو�صول �إىل �إبادة عبادة الأ�صنام يف ال ُعربة‪ ،‬و�إقامة دين اهلل‪.‬‬ ‫وقد حققت هذا الغر�ض فبادت عبادة الأ�صنام‪ ،‬ودخل النا�س يف دين اهلل �أفواجاً‪ .‬والإ�سالم‬ ‫املحمدي هو اليوم دين يعتنقه ماليني النا�س‪ ،‬وال خطر عليه من �صناديد قري�ش �أو غريهم‪.‬‬ ‫والإن�سانية ت�سري اليوم على غري طريق التطاحن الديني‪ ،‬ومعظم النا�س وكل املتمدنني يحرتمون‬ ‫ويتعلمون احرتام عقائد بع�ضهم البع�ض املتعلقة بالنف�س واخللود واهلل‪ .‬وامل�سلم املحمدي يقدر‬ ‫�أن ميار�س دينه يف �أي قطر نزل فيه و�إن يكن غري حممدي‪ .‬ولوال ا�ضطهاد قري�ش النبي وال�صحابة‬ ‫ملا كان هنالك �سبب للهجرة �إىل املدينة وا�ستغالل ميل �أهلها �إىل مناف�سة قري�ش لإن�شاء دولة‬ ‫حممدية حتارب قري�شاً وتخ�ضعهم‪ .‬فلما ث ّبتت الدولة الدين مت غر�ضها‪ ،‬و�أ�صبح على النا�س‬ ‫االهتمام ب�ش�ؤون دينهم اجلوهرية التي هي عبادة اهلل وال�سري ح�سب و�صاياه‪ ،‬فال قتال مع الذين‬ ‫ال يقاتلون امل�ؤمنني‪ ،‬وال �إخراج ملن ال يريد �إخراجهم من ديارهم با�سم الدين �أو لغاية دينية‪:‬‬ ‫{وما اختلفتم فيه من �شيء فحكمه �إىل اهلل} (ال�شورى‪.)10 ،‬‬ ‫هذا ما يجب �أن يعلمه امل�سلمون املحمديون وامل�سلمون امل�سيحيون وامل�سلمون الدروز‪ ،‬والدروز‬ ‫قد �أقفلوا باب الدعوة ليكون لكل �إن�سان ما اعتقد‪.‬‬ ‫بيد �أن رجال ال�سيا�سة ال�شخ�صية الذين ال يهمهم دين وال دنيا �إال ما �شاءت �أهوا�ؤهم‪،‬‬ ‫ورجال العلم القليل‪ ،‬يقولون بالعك�س‪ ،‬ويح ّرفون الكلم عن موا�ضعه وي�ؤولون الدين على‬ ‫ح�سب �أهوائهم‪ .‬و�صاحبا مدر�سة الرجوع �إىل الدولة الدينية املحمدية وتالميذهما �أمثال‬ ‫ال�سيد �شكيب �أر�سالن ي�ؤولون الآية‪{ :‬وقاتلوهم حتى ال تكون فتنة ويكون الدين كله هلل}‬ ‫(الأنفال‪ )39 ،‬على هذه الوجهة ال�سيا�سية‪« :‬ومن الأوامر ال�شرعية �أن ال يدع امل�سلمون‬ ‫تنمية م ّلتهم حتى ال تكون فتنة ويكون الدين كله هلل»‪ .‬وهذا االجتهاد باطل‪ ،‬فالآية ال تقول‪:‬‬ ‫«�أن ال يدع امل�سلمون تنمية م ّلتهم» (بالقتال �ضمناً) بل �أوجبت مقاتلة‪{ :‬الذين يقاتلونكم}‬ ‫(البقرة‪ )190 ،‬يف الدين‪ ،‬وهذا ال�شرط هو �سابق جلميع �آيات القتال‪ ،‬فهو �شرط لها كلها‪ ،‬وما‬ ‫جاء بعد يجب فهمه بهذا ال�شرط ويف ظروفه‪ .‬ولوال ذلك لأمكن القول �إن جميع املحمديني‬ ‫الذين عا�شوا منذ مئات ال�سنني ال يقاتلون جريانهم وال يكرهونهم على الإ�سالم املحمدي‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪179‬‬

‫هم كفار‪ ،‬وبذلك انتفاء وجود امل ّلة املحمدية‪ ،‬وهو قول باطل لكل متدبر للقر�آن‪ ،‬غري �آخذ‬ ‫ببع�ضه دون بع�ض‪ .‬وقد قال �صاحبا «العروة الوثقى» هذا القول الباطل بهذا ال�شكل‪« :‬كل‬ ‫اعتذار يف القعود عن ن�صرة اهلل فهو �آية النفاق وعالمة البعد عن اهلل»‪ .‬فمن هو الذي يهاجم‬ ‫اهلل اليوم؟ {�إن اهلل ا�شرتى من امل�ؤمنني �أنف�سهم} (التوبة‪ )111 ،‬لإقامة الدين والكتاب‬ ‫حيث ال دين وال كتاب‪ .‬وفيما �سوى ذلك ف�إن اهلل‪« :‬غني عن العاملني ومن جاهد ف�إمنا يجاهد‬ ‫لنف�سه»‪� .‬أما قولهما‪« :‬فما لنا نرى الأجانب ي�صولون البالد الإ�سالمية �صولة بعد �صولة» فهو‬ ‫حمال‪ ،‬لأن الأجانب مل يخت�صوا وال يخت�صون بالد املحمديني بال�صولة عليها‪ ،‬بل ي�صولون‬ ‫على كل بالد �أمكنهم �إخ�ضاعها‪ ،‬م�سيحية كانت �أو حممدية �أو بوذية �أو برهمانية �أو غري‬ ‫ذلك‪� .‬إنهم ال يقاتلون يف الدين‪.‬‬ ‫�إن ه�ؤالء الذين ال يتدبرون الدين ينق�ضون الدين بت�سخريه للدولة‪ ،‬غري مهتمني �إال‬ ‫بالن�صو�ص الدولية التي وجدت لغر�ض معني قد ّمت‪ .‬ثم يحتجون بالدين لإقامة �سف�سطتهم‪،‬‬ ‫فك�أنهم يريدون من الدين �أن يوافقهم على �إبطاله‪� ،‬أي �أن ينتحر‪ ،‬بينما هم ّيدعون �أن يف قتل‬ ‫الدين �إحياء الدين! �إنهم ال يفت�أون يرددون مثل هذه الآية ترديد الببغاوات‪{ :‬ومن يبتغ غري‬ ‫الإ�سالم ديناً فلن ُيقبل منه} (�آل عمران‪ ،)85 ،‬والآية‪�{ :‬إن الدين عند اهلل الإ�سالم} (�آل‬ ‫عمران‪ ،)19 ،‬والآية‪{ :‬هو الذي �أر�سل ر�سوله بالهدى ودين احلق ليظهره على الدين كله}‬ ‫(التوبة‪ .)33 ،‬وقد ر�أينا يف ما تقدم من هذه احللقات �أن الإ�سالم لي�س خمت�صاً باملحمديني‪،‬‬ ‫بل �شام ًال �أهل الكتاب من �أيام �إبراهيم‪ .‬فاملو�سويون م�سلمون [هلل]( ) وامل�سيحيون م�سلمون‬ ‫هلل واملحمديون م�سلمون هلل‪� .‬أما قوله‪{ :‬هو الذي �أر�سل ر�سوله بالهدى ودين احلق ليظهره‬ ‫على الدين كله} فجواب على الذين قالوا �إنه ّ‬ ‫كذاب‪ ،‬وتقوية لروح �أتباعه و�إن كان فيه متابعة‬ ‫لإجنيل برنابا الذي كان يف امل�سيحية �أ�شبه مب�سيلمة يف املحمدية‪ ،‬فقال �إن ي�سوع لي�س امل�سيح‪،‬‬ ‫وو�ضعه من امل�سيح‪ ،‬الذي �سي�أتي بعد‪ ،‬على ر�أيه‪ ،‬يف مقام يوحنا املعمدان من امل�سيح‪ .‬وقال‬ ‫�إن امل�سيح الذي ي�أتي بعد ي�سوع يدعى مبا ي�صح �أن يرتجم مبحمد و�أنه يكون فوق جميع‬ ‫الر�سل‪ .‬ويف كل حال ال ينق�ض هذا القول �إن اهلل �أنزل التوراة والإجنيل وقوله‪{ :‬قل يا‬ ‫�أهل الكتاب ل�ستم على �شيء حتى تقيموا التوراة والإجنيل وما �أنزل �إليكم من ربكم}‬ ‫‪1‬‬


‫‪180‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫(املائدة‪ ،)68 ،‬وقوله‪�{ :‬إن الذين �آمنوا والذين هادوا وال�صابئون والن�صارى من �آمن باهلل‬ ‫واليوم الآخر (�أ�سلم) وعمل �صاحلاً فال خوف عليهم وال هم يحزنون} (املائدة‪ ،)69 ،‬وقوله‪:‬‬ ‫{وال جتادلوا �أهل الكتاب �إال بالتي هي �أح�سن �إال الذين ظلموا منهم وقولوا �آمنا بالذي �أُنزل‬ ‫�إلينا و�أُنزل �إليكم و�إلهنا و�إلهكم واحد ونحن له م�سلمون} (العنكبوت‪ .)46 ،‬وهذه الآية‬ ‫الأخرية هي من �أواخر العهد املكي‪� ،‬أي بعد نحو ثالث ع�شرة �سنة من اال�ستنزال‪ ،‬وفيها ن�ص‬ ‫�صريح ب�أن الإ�سالم هو لإله واحد للمحمديني وامل�سيحيني‪ ،‬فكل من �آمن به فهو م�سلم �سواء‬ ‫�أكان م�سيحياً �أو حممدياً‪� .‬أما �أن اهلل وعد ب�أنه يورث امل�ؤمنني الأر�ض فمخت�ص يف هذه الدنيا‬ ‫ب�أر�ض الوثنيني‪ ،‬وفيما �سوى ذلك املق�صود به اجلنة بعد املوت‪{ :‬وقالوا احلمد هلل الذي‬ ‫�صدقنا وعده و�أورثنا الأر�ض نتبو�أ من اجلنة حيث ن�شاء} (الزمر‪ ،)74 ،‬فالأر�ض هي �أر�ض‬ ‫اجلنة‪ ،‬وت�أويل الوعد خالفاً لهذا الن�ص ال�صريح �إمنا هو خمالف لغر�ض الدين و�إبعاد للم�ؤمنني‬ ‫عن طلب ر�ضى اهلل ب�إقامة جوهر الدين الذي هو �شيء روحي مرتفع عن القتال‪ ،‬وهو�س‬ ‫احلزبيات ّ‬ ‫املعكر على امل�ؤمنني �سكينتهم و�إ�سالمهم لربهم‪{ :‬لي�س ب�أمانيكم وال �أماين �أهل‬ ‫الكتاب‪ ،‬من يعمل �سوءاً ُيجز به وال يجد له من دون اهلل ولياً وال ن�صرياً‪ .‬ومن يعمل من‬ ‫ال�صاحلات من ذكر �أو �أنثى وهو م�ؤمن ف�أولئك يدخلون اجلنة وال يظلمون نقريا} (الن�ساء‪،‬‬ ‫‪ .)124 - 123‬فدخول اجلنة‪ ،‬يف التعليم الديني‪ ،‬هو للذين اتقوا ربهم وعملوا ال�صاحلات‪،‬‬ ‫ولي�س للذين يطلبون قتال من ال يقاتلون يف الدين بنا ًء على ت�أويل فا�سد كالذي وجدناه يف‬ ‫«العروة الوثقى»‪ ،‬وهو الذي يجعل الديانة الإ�سالمية ديانة فتنة وا�ضطهاد وحرب بالقول �إن‬ ‫�أ�سا�سها و�ضع على طلب الغلبة ومنازعة كل ذي �شوكة يف �شوكته‪ ،‬وهو قول فا�سد‪ ،‬باطل‪.‬‬ ‫فالديانة الإ�سالمية و�ضع �أ�سا�سها على عبادة اهلل واتقائه وا�ستباق اخلريات‪� .‬أما احلرب فقد‬ ‫ُفر�ضت لرفع اال�ضطهاد ودفع الفتنة ولي�س لإلقاء اال�ضطهاد و�إثارة الفتنة‪ .‬هذا هو الت�أويل‬ ‫ال�صحيح لقوم يعقلون وال يريدون �إبطال الدين وت�ضحيته على مذبح ال�سيا�سة والدولة �أو‬ ‫تفكيك وحدة الدين التي ال تقوم ببع�ض �آيات دون بع�ض‪ .‬ولكن �إذا كانت الدولة غايتهم‬ ‫الق�صوى‪ ،‬فلماذا يرا�ؤون يف الدين ويتظاهرون بالرجوع �إىل الدين وكتاب اهلل؟ �إنهم ميوهون‬ ‫غاياتهم بادعاء �أنهم يريدون �إقامة دين اهلل‪� .‬أال �إن دين اهلل قائم واهلل يف غنى عن مقا�صدهم‪.‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪181‬‬

‫فبعد فتح مكة و�إبادة عبادة الأ�صنام �أ�صبح دين اهلل قائماً‪ .‬وقد قلنا �إنه ال خالف ديني‬ ‫بني الإ�سالم امل�سيحي والإ�سالم املحمدي �إال يف �صفة ي�سوع و�صفة حممد‪ ،‬فامل�سيحيون‬ ‫يعتقدون �أن ي�سوع هو املخل�ص و�أنه كلمة اهلل وروحه و�أنه اهلل املتج�سد يف الإن�سان‪ ،‬ولذلك‬ ‫هو �أ�سمى من هبط من املحل الأرفع‪ .‬واملحمديون يعتقدون �أن حممداً هو ر�سول اهلل املقدم‬ ‫على جميع الر�سل ومن �ضمنهم ي�سوع‪ ،‬و�أن به اخلال�ص‪ ،‬وهذا معنى قولهم {خامت النبيني}‬ ‫يعد م�صدراً‬ ‫(الأحزاب‪ .)40 ،‬وهذا االعتقاد التقليدي جما ٍر ملا ورد يف �إجنيل برنابا الذي ّ‬ ‫لهذا االعتقاد‪ ،‬فربنابا يقول �إن ي�سوع لي�س امل�سيح (م�سيا) و�إن هذا املوعود �سي�أتي فيما‬ ‫بعد‪ .‬قال برنابا‪�« :‬أجاب ي�سوع‪ :‬ال ت�ضطرب قلوبكم وال تخافوا لأين ل�ست �أنا الذي خلقكم‬ ‫بل اهلل الذي خلقكم يحميكم �أما من خ�صو�صي ف�إين قد �أتيت لأهييء الطريق لر�سول‬ ‫اهلل الذي �سي�أتي بخال�ص العامل‪ ،‬ولكن احذروا �أن ُتغ�شوا لأنه �سي�أتي �أنبياء كذبة كثريون‬ ‫ي�أخذون كالمي وينج�سون �إجنيلي‪ٍ .‬‬ ‫حينئذ قال �أندراو�س‪ :‬يا معلم اذكر لنا عالمة لنعرفه‪،‬‬ ‫�أجاب ي�سوع‪� :‬إنه ال ي�أتي يف زمنكم‪ ،‬بل ي�أتي بعدكم بعدة �سنني حينما يبطل �إجنيلي وال‬ ‫يكاد يوجد ثالثون م�ؤمناً يف ذلك الوقت يرحم اهلل العامل فري�سل ر�سوله الذي ت�ستقر على‬ ‫ر�أ�سه غمامة بي�ضاء يعرفه �أحد خمتاري اهلل وهو �سيظهره للعامل» (برنابا‪ .)14 - 8 :72 ،‬وجاء‬ ‫كذلك �أنه عندما خاطب ي�سوع ال�سامرية قال لها بعد �أن �س�ألته‪ :‬لعلك �أنت م�سيا �أيها ال�سيد‪،‬‬ ‫�أجاب ي�سوع‪�« :‬إين حقاً �أر�سلت �إىل بيت �إ�سرائيل نبي خال�ص‪ ،‬ولكن �سي�أتي بعدي م�سيا‬ ‫من اهلل لكل العامل الذي لأجله خلق اهلل العامل» (برنابا‪.)17- 15 :82 ،‬‬ ‫(مالحظة‪ :‬عندما ذكرنا برنابا و�إجنيله لأول مرة يف هذا البحث مل تكن لدينا ن�سخة منه‬ ‫لنطالعها فاكتفينا بذكر ما ك ّنا قد الحظناه من قبل من قراءة ب�ضع �صفحات من �آخره‪� .‬أما‬ ‫الآن فقد �صارت ن�سخة الإجنيل املذكور بني �أيدينا فطالعناها ووجدنا فيها م�ستندات ومراجع‬ ‫كثرية تدل على ارتباط وثيق للتقاليد املحمدية بها‪ ،‬و�سنعود �إىل تف�صيل ذلك يف حمله حني‬ ‫مراجعة هذا البحث لتنقيحه)‪.‬‬ ‫بنا ًء على ما تقدم وعلى اال�ستناد �إىل رواية برنابا لإقامة اعتقادات حممدية كثرية‪ ،‬يكون‬ ‫اخلالف منح�صراً يف هل ي�سوع هو امل�سيح الذي به اخلال�ص �أو هو حممد؟ وهذه ق�ضية‬


‫‪182‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫يبت بها �إن�سان باحلجة واملنطق والرباهني‪ ،‬فهي م�س�ألة اعتقاد ال م�س�ألة تقرير‬ ‫ال ميكن �أن ّ‬ ‫�أمر تاريخي‪ ،‬واحلكم فيها يجب �أن يرتك هلل كما ورد يف القر�آن‪ ،‬فهو وحده يقدر �أن ينبيء‬ ‫املختلفني ما هم فيه يختلفون‪ .‬ولكن يظهر �أن تالمذة املدر�سة الرجعية ال يريدون �أن يرتكوا هلل‬ ‫�شيئاً حتى وال قوة احلكم‪ .‬فهم يريدون �إبطال احل�شر لأنهم يريدون �أن يحا�سبوا امل�ؤمنني من‬ ‫م�سيحيني وحممديني على كيفية �إ�سالمهم‪ .‬ومتى فعلوا ذلك فماذا يبقى هلل يوم الدينونة؟‬ ‫وما الفائدة من ح�شر النفو�س؟ وما هي القيمة التي تبقى للآيات املنذرة للنا�س بعقاب اهلل؟‬ ‫�إن دعوة �أ�ساتذة «اجلن�سية الدينية» �إىل �إعادة دولة الدين املحمدي قد باءت باخليبة‪ ،‬كما‬ ‫باءت باخليبة دعوة الدين امل�سيحي‪ .‬فقد دعا �صاحبا «العروة الوثقى» العلماء (علماء الدين)‬ ‫لفعل اخلري الذي هو يف عرفهما اخلري كله وهو‪« :‬جمع كلمة امل�سلمني»‪ .‬وناديا‪ ،‬يف مقالة‬ ‫«التع�صب»‪« :‬هذه هي روابطكم الدينية ال تغ ّرنكم الو�ساو�س وال ت�ستهوي ّنكم ال ّرتهات وال‬ ‫تده�ش ّنكم زخارف الباطل‪ .‬ارفعوا غطاء الوهم عن با�صرة الفهم واعت�صموا بحبال الرابطة‬ ‫الدينية التي هي �أحكم رابطة اجتمع فيها الرتكي بالعربي والفار�سي بالهندي وامل�صري‬ ‫باملغربي»( )! فلم يكن وه ٌم �أعظم من وهم هذه الرابطة الدينية يف معرتك حياة الأمم‪ ،‬ومل‬ ‫يكن غرو ٌر �أ�سو�أ م�صرياً من هذا الغرور‪ .‬فهل اجتمع الرتكي بالعربي والفار�سي بالهندي‬ ‫وامل�صري باملغربي؟ كال‪ .‬ذلك لأن الروابط اجلغرافية وال�ساللية واالجتماعية واالقت�صادية‬ ‫كانت �أقوى من الرابطة الدينية يف جميع الأديان على ال�سواء‪ .‬وحني كانت اخلالفة العثمانية‬ ‫قائمة مل يكن للرابطة الدينية من غر�ض غري ت�سخري ال�شعوب الإ�سالمية الأخرى خلدمة‬ ‫م�صلحة تركية فقط‪ .‬ولذلك انتف�ضت الأقطار العربية على تركية حمالفة �أمماً م�سيحي ًة �ضدها‪.‬‬ ‫ويف حني كانت الرابطة الدينية و�سيلة لب�سط النفوذ الرتكي كانت يف الوقت عينه عبئاً على‬ ‫ال�سلطة العثمانية التي رزحت حتته �إذ مل ت�ستطع �أن تك ّون من اجلماعات الإ�سالمية �شعوراً‬ ‫واحداً وفكراً واحداً يف امل�سائل ال�سيا�سية واالقت�صادية الإنرتنا�سيونية‪ ،‬فكان ذلك برهاناً قاطعاً‬ ‫ّ‬ ‫يكذب قول �صاحبي «العروة الوثقى» وهو‪« :‬لهذا ترى العربي ال ينفر من �سلطة الرتكي‪،‬‬ ‫والفار�سي يقبل �سيادة العربي‪ ،‬والهندي يذعن لرئا�سة الأفغاين»‪.‬‬ ‫الرابطة الدينية لها قيمة فعلية يف ال�ش�ؤون الدينية البحتة فقط‪� ،‬أما يف �ش�ؤون احلياة االجتماعية‬ ‫‪2‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪183‬‬

‫ـ االقت�صادية وتقدم الأمم‪ ،‬فالرابطة القومية‪ ،‬كما هي م�شروحة يف كتاب «ن�شوء الأمم» بقلم‬ ‫زعيم النه�ضة ال�سورية القومية‪ ،‬هي الرابطة الوحيدة التي تكفل حرية الأمم وحقوقها‪ ،‬وجتهزها‬ ‫بجميع و�سائل الفالح‪ .‬وحيث تخيب الرابطة القومية ال ميكن �أن ت�صيب الرابطة الدينية‪،‬‬ ‫لأن الرابطة الدينية تهمل اجلغرافية والتاريخ وال�ساللة واالجتماع واالقت�صاد والنف�سية‬ ‫االجتماعية‪� ،‬أي جميع العوامل التي توجد الواقع االجتماعي وتتكفل بحفظه‪.‬‬ ‫حبط م�شروع اجلن�سية الدينية والوحدة الإ�سالمية املحمدية حبوطاً تاماً لأنه م�شروع خارج‬ ‫عن ال�ش�ؤون الدينية البحتة‪ ،‬وداخل يف م�سائل ال ي�صلح الدين حللها لأنها لي�ست م�سائل‬ ‫دينية‪ ،‬فلم ميكن التوفيق بني مطامح ال�سوري ومثله العليا ومطامح الرتكي ومثله العليا‪ ،‬ومل‬ ‫ميكن توحيد عقليات اجلماعات الإ�سالمية من هندية وعربية وفار�سية وتركية وغريها‪ ،‬وال‬ ‫توحيد �شعورها وحاجاتها وم�شاربها‪ ،‬فكان ال بد من حبوط فكر الع�صبية الدينية والدولة‬ ‫الدينية‪ .‬وال نقول �إن فكرة الدولة الدينية ال ميكن �أن تقوم يف الإ�سالم املحمدي فقط‪ ،‬بل يف‬ ‫الإ�سالم امل�سيحي �أي�ضاً ويف كل دين على الإطالق‪.‬‬ ‫بعد حبوط دعوة مدر�سة الدولة الدينية واجلن�سية الدينية �إىل «جمع كلمة امل�سلمني» وتوحيد‬ ‫ال�سوريني والأتراك وامل�صريني والفر�س والأفغانيني واملغربيني والهنود �إلخ‪ ،‬ر�أى �أتباع هذه‬ ‫املدر�سة �أن يلج�أوا �إىل مبد�أ البدل �أو التعوي�ض‪ ،‬فقرروا املناداة بجامعة حممدية �أقل ات�ساعاً‬ ‫من مدى الفكرة الأوىل‪ .‬فنادوا بالعروبة على �أ�سا�س املحمدية متخذين من العن�صر اللغوي‬ ‫دعامة جديدة لفكرتهم الأوىل الدينية املعدلة بعد اخليبة‪ .‬وهذا التعوي�ض باجلامعة الدينية‬ ‫اللغوية عن اجلامعة الدينية البحتة مل يكن الق�صد منه التخلي عن الفكرة الأوىل بالكلية‪،‬‬ ‫بل الق�صد منه االقتناع بالأقل ال�ستحالة الأكرث‪ .‬ويف بع�ض جمادالت �أ�صحاب هذه املدر�سة‬ ‫ال يندر �أن جتد هذا التعبري «وطن امل�سلمني (املحمديني) القر�آن»‪ .‬وهم يجدون يف «العروبة»‬ ‫بد ًال ظاهرياً ال يبعد عن الفكرة الأ�سا�سية‪ ،‬بل �صاحلاً كل ال�صالح لها‪� ،‬إذ مل يكن للعرب‬ ‫�ش�أن تاريخي �إال بوا�سطة الدين‪ ،‬ومل تنت�شر اللغة العربية �إال بالدين‪ .‬فالعروبة عندهم ال تعني‬ ‫�شيئاً غري احلركة الدينية التي قام بها حممد‪ .‬ولذلك ال تخلو كتاباتهم وخطاباتهم من �إيراد‬ ‫الإ�سالم (املحمدي) مقروناً بلفظة العروبة �أو العرب �إال يف ما ندر‪ .‬ومع ذلك ف�أكرثهم يحاولون‬


‫‪184‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫�أن يكونوا دبلوما�سيني ماهرين فيقولون �إن العروبة ال تعني املحمدية و�إنه ال دخل للدين فيها‪،‬‬ ‫�أي �أنها دعوة ميكن �أن ت�شرتك فيها الأقطار العربية بكل جماعاتها الدينية بدون متييز بني‬ ‫دين ودين‪ ،‬ظانني �أن مثل هذا الكالم الب�سيط يكفي خلدع اجلماعات غري املحمدية‪ .‬فهم‬ ‫يجهلون �أن مثل هذه احليلة ال يجوز على املحقق يف العلوم االجتماعية وال�سيا�سية‪ ،‬و�إن جاز‬ ‫على بع�ض الب�سطاء‪� .‬إن احتاد �أقطار ال رابطة بينها يف اجلغرافية �أو االجتماع �أو االقت�صاد �أو‬ ‫النف�سية‪ ،‬وال �صلة لها بع�ضها ببع�ض �إال �صلة الدين املدعومة ب�شيوع اللغة‪ ،‬ال ميكن �أن يكون‬ ‫له غر�ض �آخر غري غر�ض الدين‪ .‬و�إن اجلماعات القليلة التي تنتمي �إىل �أديان �أخرى ال ميكن‬ ‫�أن يكون لها �أي �ش�أن �أو حقوق يف دولة دينية لي�ست من دينها‪ ،‬خ�صو�صاً و�أ�صحاب نظرية‬ ‫هذه الدولة الدينية يجاهرون �أن الغر�ض من دولتهم الدينية هو التغلب على �أهل الأديان‬ ‫الأخرى «منازعة كل ذي �شوكة يف �شوكته»‪« ،‬و�إن الديانة الإ�سالمية ُو�ضع �أ�سا�سها على طلب‬ ‫الغلب وال�شوكة واالفتتاح»‪.‬‬ ‫وملا مل تكن الدعوة «العروبية» غري بدل من الدعوة �إىل الدولة الدينية املحمدية‪ ،‬مل تتمكن‬ ‫من تعيني �أ�صول ثابتة لفكرتها املوهومة‪ .‬لذلك ترى �أ�صحاب هذه الدعوة يلج�أون �إىل‬ ‫التعديل والبدل عند كل �صعوبة ت�صطدم بها دعوتهم‪ ،‬فهم تارة يطلقون القول على جميع‬ ‫ال�شعوب املتكلمة العربية‪ ،‬وطوراً يح�صرونه يف منطقة وهمية �أ�صغر‪ ،‬فيقولون بت�شكيل دولة‬ ‫واحدة من �سورية وم�صر والعراق وال ُعربة‪� ،‬أي ب�إخراج القريوان وطرابل�س الغرب وتون�س‬ ‫واجلزائر ومراك�ش‪ .‬ثم ي�صغّرون هذه املنطقة عند اال�ضطرار فيجعلونها مقت�صرة على �سورية‬ ‫والعراق وال ُعربة‪ .‬هذا يجري «للعروبيني» يف �سورية‪� .‬أما يف الأقطار الأخرى امل�ستقلة فقد‬ ‫حتولت «العروبة» �إىل لفظة يق�صد بها الدعاوة للدولة القائمة والتغرير بال�سوريني وغريهم‪ .‬ففي‬ ‫م�صر‪ ،‬مث ًال‪ ،‬العروبة على �أنواع‪ .‬فمنها العروبة امل�صرية االقت�صادية التي تق�صد �إدخال �سورية‬ ‫والعراق وغريهما حتت �سلطة الر�أ�سمال امل�صري بوا�سطة امل�صارف وغريها من ال�شركات‪،‬‬ ‫ومنها العروبة امل�صرية ال�سيا�سية وغر�ضها �إيجاد خالفة حممدية يف م�صر ت�ضم �إليها ما �أمكن‬ ‫من الأقطار املجاورة‪ .‬وقد ذ ّر قرن هذه العروبة بطلب �إحلاق فل�سطني مب�صر وتفكيك الوحدة‬ ‫ال�سورية‪ .‬ونكتفي بهذين املثلني اللذين ميكن اتخاذهما قيا�ساً للعروبات يف الأقطار الأخرى‪.‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪185‬‬

‫وهذه احلقيقة تو�ضح مقدار الت�صادم بني اجلن�سية االجتماعية �أو الع�صبية القومية واجلن�سية‬ ‫الدينية‪ ،‬ففي م�صر توجد دولة حممدية ويف ال ُعربة توجد دولة حممدية وكذلك يف العراق‪.‬‬ ‫وال يوجد بني هذه الدول خالف على الر�سول وال على القر�آن‪ ،‬ومع ذلك ف�إن الدين مل‬ ‫ي�ستطع توحيد هذه الدول‪ ،‬وال�سبب هو العوامل اجلغرافية وال�ساللية والتاريخية واالقت�صادية‬ ‫وال�سيا�سية والنف�سية وغريها‪ .‬وهذه العوامل هي التي لها الغلب على الدين يف ال�ش�ؤون‬ ‫الدولية لأن الدولة �شيء اجتماعي ـ اقت�صادي ـ �سيا�سي قبل كل �شيء‪.‬‬ ‫العروبة لي�ست �سوى حلم دولة دينية حممدية حمدودة بد ًال من الدولة الدينية املحمدية املطلقة‬ ‫التي حلم بها �أ�صحاب مدر�سة الرجعة‪ .‬وهذه العروبة الدينية التي تزيد ال�شقاق والتناف�س بني‬ ‫الأقطار العربية‪ ،‬ومتنع التفكري القومي من النمو وفتح الآفاق للأمم العربية الل�سان هي نكبة‬ ‫�أو لعنة جلميع الأقطار العربية على ال�سواء‪ ،‬كما �أنها تغرير بامل�سلمني املحمديني لي�سيئوا َفهم‬ ‫دينهم وي�ضحوا روحية الدين يف �سبيل �أغرا�ض دولة دينية‪ ،‬ال حمل لها �إال يف الأقوام غري‬ ‫املتمدنة التي ال تقوم لها قائمة بغري الدين النعدام �أ�سباب العمران عندها‪.‬‬

‫اهلوامش‬ ‫‪ - 1‬كلمة [هلل] �أ�ضيفت اىل الن�ص من قبل حمرري جمموعة «الأعمال الكاملة» متا�شياً مع‬ ‫ما ي�أتي يف �سياق اجلملة‪ ،‬علماً ب�أن �سعادة مل ي�شر بت�صحيحها ال يف «�سورية اجلديدة»‬ ‫وال يف ر�سائله �آنذاك‪ .‬ونحن نعتقد �أن �سعادة ق�صد العبارة كما هي لأنه يرى �أن اليهود‬ ‫مل «ي�سلموا» هلل كما امل�سيحيني واملحمديني‪ ،‬و�إمنا «�أ�سلموا» اىل يهوه الذي يختلف عن‬ ‫اهلل من حيث �أنه «رب بني �إ�سرائيل» ولي�س «رب العاملني»‪ .‬ويف ف�صول «جنون اخللود»‬ ‫الأخرى �إي�ضاحات �أكرث لهذه النقطة‪.‬‬ ‫‪« - 2‬العروة الوثقى» �سنة ‪ ،1936‬ال�صفحة ‪.112‬‬


‫‪186‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫العروبة الزائفة والعروبة الصحيحة‬ ‫�أظهرنا يف احللقة ال�سابقة بطالن حجة �أ�صحاب فكرة اجلن�سية الدينية والدولة الدينية املحمدية‬ ‫الذين حاولوا ت�أويل القر�آن على هواهم وتف�سري الدين مبا ينطبق على �أغرا�ضهم‪ ،‬وقلنا �إن‬ ‫اجتهادهم امل�ستند �إىل بع�ض �آي القر�آن دون بع�ض هو اجتهاد باطل‪ ،‬لأنه يلغي فكرة وحدة‬ ‫الكتاب ووحدة الدين‪ ،‬ويجري �ضد غاية الدين الأ�صلية‪ ،‬ويحاول التغرير بامل�ؤمنني حتى‬ ‫تختلط عليهم �أغرا�ض الدين و�أغرا�ض الدولة فال مييزوا بني تلك وهذه‪ ،‬وهو غاية ال�ضالل‪.‬‬ ‫وقد جئنا ب�شواهد كثرية من القر�آن على ف�ساد ت�أويل �صاحبي «العروة الوثقى» لغر�ض الدين‬ ‫وعلى �أن «تنمية امل ّلة» كان �أمراً �ضرورياً وفر�ضاً على امل�ؤمنني لتثبيت دينهم يف �أر�ض ال�شرك‬ ‫(الوثنية)‪ ،‬ولإزالة �أخطار الوثنيني عليه‪ .‬و�أثبتنا �أن فر�ض القتال كان للتغلب على الذين‬ ‫يقاتلون امل�ؤمنني يف الدين‪ .‬ونزيد هنا على ما �أثبتناه �أنه ال يجوز االحتجاج ب�آية‪{ :‬قاتلوا‬ ‫الذين ال ي�ؤمنون باهلل وال باليوم الآخر وال يح ّرمون ما ح ّرم اهلل ور�سوله وال يدينون دين احلق‬ ‫من الذين �أوتوا الكتاب حتى يعطوا اجلزية عن يد وهم �صاغرون} (التوبة‪ ،)29 ،‬فهذه الآية‬ ‫وردت �إ ّبان التحري�ض على قتال امل�شركني والذين ظاهروهم من �أهل الكتاب على قتال‬ ‫�أتباع حممد وا�ضطهاد دعوته‪ .‬فهي من ق�سم نق�ض العهد مع امل�شركني من �سورة «الأنفال»‬ ‫التي فيها ن�ص �صريح بالتحري�ض على القتال‪ .‬والآية ظرفية بحتة ومتعلقة باحلرب بني حممد‬ ‫و�أعداء دعوته يف ال ُعربة‪ .‬وتخ�صي�ص �أهل الكتاب بدفع اجلزية بد ًال من وجوب تغيري �صالتهم‬ ‫ومعتقدهم هو برهان قاطع على �أن احلرب بني املحمديني وبينهم مل تكن على �أ�سا�س ف�ساد‬ ‫دينهم واعتقادهم باهلل‪� ،‬إذ �أن القر�آن جاء {م�صدقاً ملا معهم} (البقرة‪ ،)91 ،‬بل على �أ�سا�س‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪187‬‬

‫تكذيبهم ملحمد ومعاونة امل�شركني عليه‪ ،‬وهو خمت�ص بالعرب من �أهل الكتاب الذين جعلوا‬ ‫ثالثة �آلهة يف حمل اهلل الواحد وقالوا ب�ألوهية مرمي‪ ،‬وف�سروا امل�سيحية على ما ال ينطبق على‬ ‫تعاليمها‪ ،‬فحكم الآية املذكورة مقيد بظرف الزمان وظرف املكان‪ .‬والربهان على ذلك هو‬ ‫وجود �آيات كثرية مك ّية ومدنية ال جتيز �إطالقها ك�آية‪�{ :‬أف�أنت تكره النا�س حتى يكونوا‬ ‫م�ؤمنني} (يون�س‪ ،)99 ،‬و�آية {وقولوا �آم ّنا بالذي �أنزل �إلينا و�أنزل �إليكم و�إلهنا و�إلهكم‬ ‫واحد ونحن له م�سلمون} (العنكبوت‪ ��)46 ،‬و�آية‪{ :‬ال �إكراه يف الدين قد تبني الر�شد من‬ ‫ين �أهل الكتاب} (الن�ساء‪،)123 ،‬‬ ‫الغي} (البقرة‪ ،)256 ،‬و�آية‪{ :‬لي�س ب�أمانيكم وال �أما ّ‬ ‫ّ‬ ‫و�آية‪{ :‬اهلل يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون} (احلج‪ ،)69 ،‬وغريها كثري‬ ‫ي�ضيق عنه هذا املجال‪ .‬وانظر الفرق بني �آية قبول اجلزية من الذين‪{ :‬ال يدينون دين احلق‬ ‫من الذين �أوتوا الكتاب} (التوبة‪ ،)29 ،‬واملق�صود بع�ض �أهل الكتاب ولي�س كلهم‪ ،‬و�آية قتال‬ ‫امل�شركني حتى يتوبوا وي�ؤمنوا وهي من ال�سورة عينها قال‪{ :‬ف�إذا ان�سلخ الأ�شهر احلرم فاقتلوا‬ ‫امل�شركني حيث وجدمتوهم وخذوهم واح�صروهم واقعدوا لهم كل مر�صد ف�إن تابوا و�أقاموا‬ ‫ال�صالة و�آتوا الزكاة فخلوا �سبيلهم �إن اهلل غفور رحيم} (التوبة‪ .)5 ،‬فمحاربة‪{ :‬الذين ال‬ ‫يدينون دين احلق من الذين �أوتوا الكتاب} ال تتناول جميع �أهل الكتاب‪ ،‬بل تقت�صر على‬ ‫الذين �أ�سا�ؤوا فهم دينهم من العرب الذين و�صفنا �أمرهم و�صفاً م�ؤيداً ب�شواهد‪ .‬وتخ�صي�ص‬ ‫الذين {ال يدينون دين احلق} يعني �أنه يوجد من يدينون هذا الدين مبوجب كتابهم‪� .‬أما‬ ‫ت�أويل املعنى على غري هذا الوجه فاجتهاد بعيد جداً‪ ،‬والعمل باالجتهاد غري واجب‪ ،‬لأن‬ ‫املجتهد يقول مبا ي�صل �إليه �إدراكه وق�صده‪ ،‬فكالمه ر�أي �شخ�صي ال يلزم الن�ص �إذ هو يف غري‬ ‫مقام النبوة والوحي‪ .‬وامل�صيبة كانت دائماً يف الذين يريدون �أن يجعلوا اجتهادهم يف مقام‬ ‫الوحي والنبوة‪ ،‬ويطلبون من امل�ؤمنني ترك الن�ص والتعويل على اجتهادهم‪.‬‬ ‫�إن �أ�صحاب فكرة اجلن�سية الدينية والدولة الدينية من املجتهدين يف تف�سري القر�آن وت�أويله‪،‬‬ ‫وهم �أ�صحاب غاية ال�سلطان واملطامع يف احلكم عن طريق الدين‪ ،‬مل يحاولوا التفكري يف ما‬ ‫هو �أبعد من الطفرة الوقتية وال يف طبائع الدول واملجتمعات الإن�سانية‪ .‬و�أغرب من ذلك‬ ‫�أنهم مل يهتموا بدر�س ن�ش�أة دولة الدين املحمدي وتال�شيها‪ ،‬وال بدر�س ن�ش�أة دولة الدين‬


‫‪188‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫امل�سيحي وانقرا�ضها‪ .‬ولذلك يعزون تفكك وحدة الدولة الدينية املحمدية �إىل «تخالف‬ ‫طالب امللك وتنازع الأمراء»‪ ،‬فقد قال �صاحبا «العروة الوثقى»‪ ،‬وهما �أ�ستاذا هذه املدر�سة‬ ‫الفكرية «الع�صرية» يف مقالة «الوحدة الإ�سالمية»‪:‬‬ ‫«نعم يوجد للتق�صري يف �إمناء العلوم ولل�ضعف يف القوة �أ�سباب �أعظمها تخالف طالب امللك‬ ‫فيهم (املحمديني)‪ ،‬لأ ّنا ب ّينا �أن ال جن�سية للم�سلمني �إال يف دينهم فتعدد امللكة عليهم كتعدد‬ ‫الر�ؤ�ساء يف قبيلة واحدة وال�سالطني يف جن�س واحد‪ ،‬مع تباين الأغرا�ض وتعار�ض الغايات‪،‬‬ ‫ف�شغلوا �أفكار الكافة مبظاهرة كل خ�صم على خ�صمه‪ ،‬و�ألهوا العامة بتهيئة و�سائل املغالبة‬ ‫وقهر بع�ضهم لبع�ض‪ .‬ف�أدت هذه املغالبات وهي �أ�شبه �شيء باملنازعات الداخلية �إىل الذهول‬ ‫عما نالوا من العلوم وال�صنائع‪ ،‬ف�ض ًال عن التق�صري يف طلب ما مل ينالوا منها واالنح�سار‬ ‫دون الرتقي يف عواليها‪ .‬ون�ش�أ من هذا ما نراه من الفاقة واالحتياج‪ ،‬وعقبه ال�ضعف يف القوة‬ ‫واخللل يف النظام‪ ،‬وجلب تنازع الأمراء على امل�سلمني تف ّرق الكلمة وان�شقاق الع�صا»( )‪.‬‬ ‫ثم ت�أتي فقرة �أخرى من املقالة عينها يف جملة «العروة الوثقى» وهذا ن�صها‪:‬‬ ‫«�إن رعاة امل�سلمني‪ ،‬ف�ض ًال عمن عالهم‪ ،‬تت�صاعد زفراتهم وتفي�ض �أعينهم من الدمع حزناً‬ ‫وبكا ًء على ما �أ�صاب م ّلتهم من تفرق الآراء وت�ضارب الأهواء‪ ،‬ولوال وجود الغواة من الأمراء‬ ‫ذوي املطامع يف ال�سلطة بينهم الجتمع �شرقيهم بغربيهم و�شماليهم بجنوبيهم ول ّبى جميعهم‬ ‫ندا ًء واحداً»( )‪.‬‬ ‫�أول ما يظهر التحقيق العلمي بعده عن حقائق العلم ال�صحيح‪ ،‬من كالم «العروة الوثقى»‬ ‫املثبت قبل هذه الفقرة‪ ،‬هو عزو انفراط وحدة الدولة الدينية املحمدية �إىل «تخالف طالب‬ ‫امللك» يف املحمديني‪ .‬ف�صاحب هذا الكالم ال يعرف من �أ�سباب االجتماع الإن�ساين‬ ‫وروابطه غري �سبب الدين الإلهي ورابطته‪ ،‬مع �أن االجتماع الزم الب�شرية منذ �أقدم �أزمنة‬ ‫وجودها‪ ،‬ومع �أن التاريخ يخربنا عن دولة عظيمة �أقامت النظام وفتحت الفتوحات البعيدة‬ ‫قبل عهد الكتب املنزلة والتب�شري بالإله ال�سماوي الواحد‪ ،‬كما جرى للدول ال�سورية منذ‬ ‫العهد الفينيقي �إىل �آخر العهد ال�سلوقي‪ .‬واالمرباطورية ال�سورية ال�شرقية التي ابتد�أت‬ ‫‪1‬‬

‫‪2‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪189‬‬

‫ب�صور‪ ،‬بعد �صيدا‪ ،‬وانتهت بنهاية الدولة ال�سلوقية‪ ،‬واالمرباطورية ال�سورية الغربية‪ ،‬وقاعدتها‬ ‫قرطا�ضة‪ ،‬قد عمرتا �أكرث من �أية دولة �أو �إمرباطورية دينية‪ ،‬وكانت لكل منهما وحدة ورابطة مل‬ ‫تنل مثلهما الدول الدينية‪ .‬فتخالف طالب امللك وتنازع الأمراء قد يكونان ال�سبب الأعظم‬ ‫لف�شل دولة من الدول االجتماعية وتخاذلها‪ ،‬ولكنهما لي�سا ال�سبب الأعظم وال الها ّم يف‬ ‫تال�شي الدولة الدينية‪ ،‬لأن طبيعة االجتماع الإن�ساين غري طبيعة الدين والإميان‪ .‬فامل�ؤمنون‬ ‫من كل دين �أخوة باملعنى الروحي فقط‪� ،‬أما باملعنى االجتماعي ـ االقت�صادي فالأخوة هم‬ ‫فقط �أبناء املجتمع الواحد الذين �أ ّلفت بينهم البيئة وجمعتهم �أ�سباب العي�ش ومطالب احلياة‬ ‫ال �أ�سباب ال�سماء ومطالب الإميان‪.‬‬ ‫الدولة الدينية املحمدية ن�ش�أت ون�ش�أ االختالف بني الأمراء معها يف �أ�صولها‪ ،‬فاختالف‬ ‫ال�صحابة وتنازعهم الأمر وحروبهم مل تكن على ن�ص ديني وال على غاية دينية‪ ،‬بل على‬ ‫ال�سلطة والنفوذ‪ ،‬فطبيعة حياتهم العربية وتقاليد العرب وقبائلهم وعاداتهم ومطالبهم هي‬ ‫�سبب هذه املنازعات بني ال�صحابة التي امتدت �إىل كل مكان دخله العن�صر العربي‪ .‬وهذه‬ ‫املنازعات مل تكن منازعات يف الدولة املحمدية‪ ،‬بل يف البيئة واملجاميع العربية‪ ،‬فال ي�صح‬ ‫�إطالقها على جميع املنازعات التي �أدت �إىل تفكك دولة الدين املحمدي‪ .‬ف�إن �أ�سباب‬ ‫هذه املنازعات الأخرية التي تفككت من جرائها وحدة الدولة الدينية املحمدية هي عينها‬ ‫�أ�سباب املنازعات التي انتهت بتفكك وحدة الدولة الدينية امل�سيحية‪� ،‬أي الأ�سباب القومية‪.‬‬ ‫فالقومية قد انت�صرت على الدولة الدينية‪ .‬فلم يطق ال�سوري اخل�ضوع لدولة فار�سية با�سم‬ ‫الدين وال لآية دولة دينية غري �سورية‪ ،‬ومل يطق الفر�س اخل�ضوع للعرب‪ ،‬ومل تطق �سورية‬ ‫وغريها من الأقطار العربية اخل�ضوع لرتكية‪ .‬فاختالف الأجنا�س والعقليات والبيئات ال ميكن‬ ‫�أن يزول بوحدة الدين �أو بوحدة ال�شرع‪ ،‬لأنه من طبيعة الواقع االجتماعي‪ .‬وجهل هذه‬ ‫القاعدة االجتماعية هو الذي جعل �صاحبي «العروة الوثقى» يقوالن �إن ال�سبب الأعظم‬ ‫لتف ّرق كلمة املحمديني هو «تخالف طالب امللك وتنازع الأمراء» و�إنه‪« :‬ال جن�سية للم�سلمني‬ ‫(املحمديني) �إال يف دينهم»‪ .‬وكالمهما يدل على جهل بن�ش�أة الدولة الدينية املحمدية‬ ‫ونهايتها‪ .‬فهل كان اخلالف اجلن�سي العظيم بني ال�شعوبيني والعروبيني جمرد تنازع �أمراء‬


‫‪190‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫وتخالف طالب امللك؟‬ ‫�أيظن �أ�صحاب فكرة اجلن�سية الدينية املحمدية �أنه لو عم الدين املحمدي العامل لأمكن‬ ‫�إن�شاء دولة واحدة ت�ضم الإن�سانية كلها؟ �إنهم يظنون هذا الظن وينادون بوجوب الدعوة �إىل‬ ‫هذا الوهم‪ ،‬غري معتربين بعلم وال بتاريخ‪ .‬فاختالف �أمزجة ال�شعوب وطبائعها وتباين مراميها‬ ‫وتعار�ض غاياتها لي�س من�ش�ؤه «وجود الغواة من الأمراء ذوي املطامع يف ال�سلطة»‪ ،‬بل اختالف‬ ‫الأقاليم والأجنا�س والبيئات وتباين املطالب العمومية‪ ،‬وتعار�ض الغايات ال�شعوبية وتنائي‬ ‫الأقطار‪ .‬ولذلك ال ميكن التفكري ب�ضم �أبناء دين واحد منت�شر يف الأ�صقاع يف دولة واحدة‬ ‫�إال على �أ�سا�س اجلهل والغرور‪ .‬وقد يحتج ب�أن املحمديني ينق�صهم ازدياد املعارف والفنون‬ ‫ليتحدوا يف دولة واحدة‪ .‬واحلقيقة �أن هذا ينق�صهم ليعلموا بطالن هذه الفكرة‪ .‬فال�شعوب‬ ‫امل�سيحية التي بلغت ذروة التمدن و�أق�صى العلم مل يكن احتادها يف دولة واحدة مع �أن‬ ‫امل�سيحيني يعدون �أنف�سهم �إخوة يف الدين‪ ،‬وتعاليم دينهم �أو�صتهم بالأخ ّوة‪ ،‬ذلك لأن �أخ ّوة‬ ‫الدين ال ميكنها �أن حتل حمل الأخ ّوة القومية واحلاجات واملطالب ال�شعوبية‪ .‬ولذلك خابت‬ ‫الدولة الدينية العامة املطلقة يف جميع الأديان على ال�سواء‪ .‬وكل دعوة لإعادة هذه الدولة‬ ‫هي تغرير و�شعوذة‪ .‬وااللتجاء �إىل مبد�أ البدل لإقامة دولة دينية حمدودة بد ًال من الدولة‬ ‫الدينية العامة هو �شعوذة �أخرى‪ ،‬لأن هذا البدل هو دليل على ف�ساد الفكرة الأ�سا�سية‪ ،‬التي‬ ‫هي فكرة ت�أ�سي�س الدولة على الدين‪ ،‬وا�ستحالة حتقيقها‪ .‬فلو كانت الفكرة �صحيحة للزم عدم‬ ‫انهيار الدولة الدينية بعد ت�أ�سي�سها وعدم االقت�صار على بع�ض �أهل الدين دون بع�ض‪.‬‬ ‫وقد �أو�ضحنا يف احللقة ال�سابقة ف�ساد ق�ضية الدعوة �إىل �إن�شاء دولة دينية حمدودة‪ ،‬بد ًال من‬ ‫�إن�شاء دولة دينية عامة‪ .‬ف�أثبتنا عدم وجود وعدم �إمكان تعيني �أ�صول ثابتة لفكرة الدولة‬ ‫العربية التي يتخيل الداعون الأ�سا�سيون لها �إمكان جمع جميع الأمم املتكلمة العربية‬ ‫والدائنة باملحمدية حتت لوائها‪ .‬وب ّينا عدم ا�ستقرار هذه الدعوة على فكرة وا�ضحة واملجال‬ ‫الوا�سع للت�أويل فيها‪ .‬فبما �أنها لي�ست �سوى بدل من عقيدة فا�سدة مل ت�صلح لتكون عقيدة‬ ‫يف ذاتها ولذلك مل يتمكن �أ�صحابها من توليد حركة واحدة عامة يف جميع الأقطار الداخلة‬ ‫�ضمن نطاق عامل اللغة العربية والدين املحمدي‪.‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪191‬‬

‫العروبة التي تهمل املباديء اجلغرافية واالقليمية وال�ساللية والتاريخية واالجتماعية‬ ‫واالقت�صادية والنف�سية االجتماعية‪� ،‬أي جميع العوامل التي توجد الواقع االجتماعي‬ ‫وتتكفل بحفظه وال ت�ستند �إال �إىل الدين و�إىل اللغة مبقدار هي عروبة زائفة ال نتيجة لها‬ ‫غري عرقلة �سري املباديء القومية ال�صحيحة يف �سورية والأقطار العربية عامة‪ ،‬و�إعطاء الدول‬ ‫الأجنبية كل فر�صة للت�سلط على �أمم العامل العربي‪ ،‬والتغرير بها و�إذاللها‪ ،‬هي عروبة زائفة‬ ‫لأنها ال ترمي �إىل نهو�ض �أمم العامل العربي‪ ،‬بل �إىل �إيقاد نار الفتنة الدينية واحلرب الداخلية‬ ‫يف كل �أمة م�ؤلفة من �أكرث من م ّ��ة املحمديني‪.‬‬ ‫�إن �أ�صحاب هذه العروبة هم �أعداء العرب احلقيقيون لأنهم �أعداء ن�شوء القومية ال�صحيحة‬ ‫يف كل �أمة من �أمم العامل العربي‪ ،‬و�أعداء نهو�ض كل من هذه الأمم كرجل واحد لنيل‬ ‫�سيادتها وحقوقها‪ ،‬واالرتقاء نحو مطالبها العليا املكونة من ن�سيج �شعورها و�آمالها ومطاحمها‬ ‫و�أ�شواقها الأ�صيلة يف نف�س كل �أمة ومزاجها‪ .‬وهم يتوهمون‪ ،‬جلهلهم الفنون والعلوم ال�سيا�سية‬ ‫واالقت�صادية واالجتماعية والنف�سية‪� ،‬أن الأكرثية امل ّلية تغني عن الواقع االجتماعي وعن‬ ‫الوحدة القومية املطلقة التامة‪.‬‬ ‫�إن ه�ؤالء «العروبيني» قد زيفوا القومية وو�ضعوها يف ال�سوق للتداول‪ ،‬عو�ضاً عن القومية‬ ‫احلقيقية التي هي �شعور كل �أمة ب�شخ�صيتها ونف�سيتها وحقوقها ومطالبها‪ .‬وكما يلتب�س‬ ‫على غري اخلرباء بالعملة والطباعة املالية �أمر العملة الزائفة‪ ،‬كذلك يلتب�س على غري اخلرباء‬ ‫بالعلوم االجتماعية وال�سيا�سية وغري املمار�سني للقومية ال�صحيحة �أمر القومية الزائفة‪ ،‬فهم قد‬ ‫جعلوا العروبة يف مقام الرابطة الدينية‪ ،‬ثم طلوها �أو ر�سموها بر�سوم القومية زيادة يف التمويه‬ ‫والت�ضليل‪.‬‬ ‫قلنا �إن القومية هي ال�شعور ب�شخ�صية الأمة وحقوقها ومثلها العليا‪ ،‬وهي يف احلقيقة �شخ�صية‬ ‫املجتمع ونف�سيته فال تطلق �إال على املجتمع املك ّون �شخ�صية فيزيائية ونف�سية واحدة‪ .‬وملا مل‬ ‫يكن العامل العربي قطراً واحداً وبيئ ًة واحدة و�ساللة واحدة وجمتمعاً واحداً فال ميكن �أن‬ ‫تكون له �شخ�صية فيزيائية ونف�سية واحدة‪ ،‬ومن ثم ال ميكن �أن تكون له قومية واحدة ومطالب‬ ‫واحدة ونظرة واحدة �إىل احلياة والفن‪.‬‬


‫‪192‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫العامل العربي م�ؤلف من �أقطار متباعدة‪ ،‬و�أق�سام كبرية منه تتخللها �أو ت�ؤلفها ال�صحارى‬ ‫القاحلة غري ال�صاحلة للعمران‪ .‬و�إذا كانت قد دخلت هذه الأقطار ن�سبة دموية عربية قليلة‪،‬‬ ‫فو�ضعها اجلغرايف ومعدل كثافة �سكانها و�إمكانياتها االقت�صادية مل ت�ؤهل هذه الأقطار لإن�شاء‬ ‫جمتمع واحد مرتابط بدورة دموية واجتماعية ـ اقت�صادية منتظمة‪ .‬فلم تن�ش�أ فيها نف�سية‬ ‫متمدنة واحدة وال نظرة �إىل احلياة واحدة‪ ،‬فهي لي�ست بيئة واحدة‪ ،‬و�سكانها ال ي�ؤلفون‬ ‫�أمة واحدة‪ ،‬وت�سمية �شعوب العامل العربي �أمة هي من باب �إطالق الأ�سماء على خالف‬ ‫مدلوالتها ومعانيها‪.‬‬ ‫العامل العربي بيئات متباينة وجمتمعات متباعدة‪ ،‬وحاجات كل جمتمع ومطالبه العليا‬ ‫ونظرته �إىل احلياة والكون تختلف عن حاجات الآخر ومطالب كل منها ونظرته �إىل احلياة‬ ‫والكون‪ .‬وبنا ًء عليه يكون العامل العربي �أمماً ال �أمة‪ .‬وهذه الأمم لها �صالت لغوية ودينية‬ ‫بع�ضها ببع�ض توجب عليها �سلوك خطة التقارب والتفاهم ما �أمكن‪ ،‬والتعاون على ن�سبة‬ ‫اال�شرتاك يف بع�ض ال�ش�ؤون ال�سيا�سية �أو الثقافية �أو االقت�صادية التي ميكن �أن توجد يف ما‬ ‫بينها‪ .‬والطريق الوحيدة حل�صول هذا التقارب وهذا التفاهم وهذا التعاون هو �أن تنه�ض كل‬ ‫�أمة بنف�سها وتفهم و�ضعها وحاجاتها ومثلها العليا ويتمرن �أفرادها على ممار�سة احلقوق املدنية‬ ‫وال�سيا�سية‪ ،‬فت�صبح قادرة على �إدراك ما ميكنها �أن ت�شرتك فيه مع �أمم العامل العربي ويتفق‬ ‫مع حاجاتها ورغباتها‪ ،‬وما هو الن�صيب الذي تقدر على القيام به وما ال ميكنها اال�شرتاك فيه‬ ‫وال يتفق مع حاجاتها ورغباتها‪ .‬وهذه هي العروبة ال�صحيحة التي جتمع بني املحافظة على‬ ‫�شخ�صيات �أمم العامل العربي وحرياتها وحقوقها من جهة‪ ،‬والتعاون الطوعي �أو االختياري يف‬ ‫جميع امل�صالح املتبادلة يف ما بينها من جهة �أخرى‪ .‬هذه هي العروبة ال�صحيحة التي و�ضع‬ ‫ين�س مركز �سورية‬ ‫قواعدها املتينة احلزب ال�سوري القومي الذي‪ ،‬مع عمله لنه�ضة �سورية‪ ،‬مل َ‬ ‫يف العامل العربي وما تقدر �أن تفعله �سورية للعامل العربي‪.‬‬ ‫كل وحدة فعلية‪ ،‬لكي تثبت على زعازع االنقالبات ال�سيا�سية‪ ،‬يجب �أن تكون طبيعية ال‬ ‫ا�صطناعية‪ .‬فاالمرباطورية العربية ـ املحمدية كانت وحدة �سيا�سية دينية ا�صطناعية اجتماعياً‪،‬‬ ‫لأنها ن�ش�أت بالفتح ولي�س برغبة واختيار الذين ان�ضووا حتتها‪ .‬فما كادت �سورة الفتح تخمد‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪193‬‬

‫حتى ذ ّر قرن املنازعات ال�شعوبية‪ ،‬وا�ستفاق كل �شعب �إىل حاجاته ورغباته اخل�صو�صية‪،‬‬ ‫فتفككت الوحدة اال�صطناعية وانهارت االمرباطورية‪ .‬وال ميكن قيامها من جديد �إال بالطريقة‬ ‫التي قامت بها من قبل‪� ،‬أي بالقوة والفتح‪� ،‬إذ ال ينتظر �أن تكون وحدة اجتماعية ـ اقت�صادية‬ ‫ـ نف�سية ـ جغرافية نظراً للأ�سباب التي تقدم ذكرها‪ .‬وم�س�ألة الفتح تبقى من �ش�ؤون الفاحت‪،‬‬ ‫فهي م�س�ألة �سيا�سية �إنرتنا�سيونية ال م�س�ألة قومية‪� .‬إنها م�س�ألة تقرير م�صري �أمم و�أقطار ال م�س�ألة‬ ‫نه�ضة �أمة واحدة ب�إرادة واحدة‪.‬‬ ‫النظرية ال�سورية القومية يف هذه امل�س�ألة هي‪ :‬النهو�ض القومي ب�سورية �أو ًال ثم �سلك �سيا�سة‬ ‫تعاونية خلري العامل العربي‪ .‬ونه�ضة الأمة ال�سورية حترر القوة ال�سورية من �سلطة الأجانب‬ ‫وحتولها �إىل حركة فعالة لإنها�ض بقية الأمم العربية وم�ساعدتها على الرقي‪.‬‬ ‫وهذه العروبة ال�سورية القومية هي العروبة ال�صحيحة ال�صريحة غري امللتوية‪ ،‬هي العروبة‬ ‫العملية التي توجد �أكرب م�ساعدة للعامل العربي و�أفعل طريقة لنهو�ضه‪.‬‬ ‫�إنها لي�ست عروبة دينية وال عروبة ر�أ�سمالية نفعية وال عروبة �سيا�سية مرائية‪� :‬إنها عروبة مثلية‬ ‫خلري العامل العربي كله‪.‬‬

‫اهلوامش‬ ‫‪« - 1‬العروة الوثقى»‪ ،‬ال�صفحة ‪.150‬‬ ‫‪ - 2‬امل�صدر ال�سابق‪ ،‬ال�صفحة ‪.153‬‬


‫‪194‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫العروبة الدينية والدعاوات األجنبية‬ ‫قلنا يف احللقة ال�سابقة �إن العروبة التي تهمل مباديء النظام االجتماعي ونوامي�س االجتماع‪،‬‬ ‫وال ت�ستند �إال �إىل الدين و�إىل اللغة مبقدار‪ ،‬هي عروبة زائفة ال نتيجة لها غري عرقلة �سري‬ ‫املباديء القومية ال�صحيحة يف �سورية والأقطار العربية عامة‪ ،‬و�إعطاء الدول الأجنبية كل‬ ‫فر�صة للت�سلط على �أمم العامل العربي والتغرير بها و�إذاللها‪ .‬و�سنو�ضح يف ما يلي كيف �أن‬ ‫العروبة الدينية �صارت �أف�ضل و�سيلة خلدمة �أغرا�ض الدول اال�ستعمارية الكربى‪.‬‬ ‫قد ب ّينا يف املقال املتقدم غلط الفكرة القائلة �إن ما ينق�ص املحمديني لإن�شاء دولة واحدة عامة‪،‬‬ ‫�أو دولة واحدة للعامل العربي وحده فقط‪ ،‬هو املعارف والفنون‪ .‬وقلنا �إن نق�ص العلم هو �سبب‬ ‫ت�شبث املهوو�سني بهذه الفكرة الفا�سدة‪ .‬وقد عرفت الدول اال�ستعمارية الكربى ف�ساد هذه‬ ‫الدعوة وعدم �إمكان حتقيقها‪ ،‬فر�أت �أن تتخذها ذريعة ملقا�صدها فتعمل لإبقاء الأمم العربية‬ ‫اجلديرة بالنهو�ض حتت �سلطان �سحرها‪ ،‬تائهة يف �صحراء فكرتها �سعياً وراء �سرابها‪ ،‬فت�أمن‬ ‫بذلك ا�ستيقاظ هذه الأمم ل�شخ�صياتها احلقيقية وقواها الكامنة فيها‪ .‬فما دامت هذه الأمم‬ ‫�ساعية وراء جامعة قد م�ضت �أيامها وزالت �أ�سبابها‪ ،‬بقيت بعيدة عن جمرى احلياة القومية‬ ‫ال�صحيحة‪ ،‬وعن التفكري الو�ضعي الذي به يكون التمييز بني احلقائق الفعلية والأوهام‪.‬‬ ‫املخ�ضعة (بفتح ال�ضاد) �إىل الأوهام‪.‬‬ ‫ولي�س �أف�ضل للدول اال�ستعمارية من ا�ست�سالم الأمم َ‬ ‫لأن هذه كانت دائماً و�ستبقى �أبداً �أفعل يف تقوي�ض الأجماد و�إذالل النا�س من جميع املعدات‬ ‫احلربية والقوات الربية والبحرية واجلوية‪ .‬وهي يف حالة كحالة �أمتنا تغني عن االلتجاء �إىل‬ ‫القوة امل�سلحة لإبقاء �شعبنا يف ذلة اال�ستعباد‪ .‬فلما �أدركت الدول اال�ستعمارية هذه احلقيقة‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪195‬‬

‫وعرفت داءنا املقعد تف ّرغ اخت�صا�صيوها ال�ستنباط املخدرات لعقولنا واملح ّر�ضات لدائنا‪.‬‬ ‫فكلما وجدوا �أن الداء يكاد ي�ضعف حقنوا �أجهزتنا الفكرية مبا يهيج جراثيمه الفتاكة‪ ،‬في�صدر‬ ‫يف �إحدى العوا�صم اال�ستعمارية مقال �أو كتاب عن خطر الإ�سالم املحمدي الذي يهدد‬ ‫�أوروبة وعن خطر العروبة الدينية على ال�سيا�سات اال�ستعمارية‪ ،‬فتتناوله �صحافتنا التي يقوم‬ ‫عليها يف الغالب �أ�شخا�ص عدميو �أو قليلو العلم‪ ،‬يف نفو�سهم مر�ض وعلى عقولهم غ�شاوة‪،‬‬ ‫في�صيحون‪« :‬ها �أوروبة ب�أ�سرها ترتعد اليوم فرقاً من فكرة وحدة �أقطارنا وقيام جامعتنا الدينية‬ ‫اللغوية»‪� ،‬أو كما قال �صاحبا «العروة الوثقى»( )‪:‬‬ ‫«نعم �إن الإفرجن ت�أكد لديهم �أن �أقوى رابطة بني امل�سلمني �إمنا هي الرابطة الدينية و�أدركوا‬ ‫�أن قوتهم ال تكون �إال بالع�صبية االعتقادية‪ ،‬ولأولئك الإفرجن مطامع يف ديار امل�سلمني‬ ‫(املحمديني) و�أوطانهم‪ ،‬فتوجهت عنايتهم �إىل بث هذه الأفكار ال�ساقطة (التع�صب اجلن�سي‬ ‫وحمبة الوطن) بني �أرباب الديانة الإ�سالمية (املحمدية) وزينوا لهم هجرة هذه ال�صلة املقد�سة‬ ‫وف�صم حبالها‪ ،‬لينق�ضوا بذلك بناء امل ّلة الإ�سالمية (املحمدية) وميزقوها �شيعاً و�أحزاباً‪ ،‬ف�إنهم‬ ‫علموا كما علمنا وعلم العقالء �أجمعون �أن امل�سلمني (املحمديني) ال يعرفون لهم جن�سية �إال‬ ‫يف دينهم واعتقادهم‪� ،‬إلخ»‪.‬‬ ‫هذا الكالم غاية يف ال�سف�سطة وف�ساد اال�ستنتاج‪ .‬فلو �أن رابطة الدين واالعتقاد تقوم مقام‬ ‫النوامي�س االجتماعية لكان الإفرجن الذين نالوا �أعظم حظ من العلم يف القرون الأخرية‪،‬‬ ‫جل�أوا �إليها واتخذوها �أ�سا�ساً لتفكريهم هم وقيام دولتهم‪ .‬فالع�صبية القومية عند «الإفرجن» مل‬ ‫تكن بدعة ق�صدوا تغرير الأمم العربية بها‪ ،‬بل كانت �شعوراً �صادقاً بوحدة كل �أمة من �أممهم‬ ‫و�شخ�صيتها وحقوقها وحاجاتها وم�صاحلها‪ .‬وهذه هي الع�صبية التي �أنقذت �أمم «الإفرجن» من‬ ‫انق�ساماتها الداخلية الدينية‪ ،‬وجعلت كل �أمة يداً واحدة على �أعدائها‪ .‬و�إننا مل جند كتاباً‬ ‫واحداً كتبه �أحد من «الإفرجن» بق�صد تفكيك ع�صبية املحمديني الدينية دون ع�صبية غريهم‬ ‫من امللل‪� ،‬إال �أن يكون رجل دين �أو متع�صباً �ضد املحمديني‪ .‬ودار�س التاريخ يعلم �أن انق�سام‬ ‫الدولة الدينية املحمدية بعد الفتح املحمدي مل يكن بدعاوات «الإفرجن» للع�صبية القومية‪،‬‬ ‫بل بانت�صار العامل القومي يف ال�شعوب التي �شملها الفتح على عامل الرابطة الدينية‪ ،‬من‬ ‫‪1‬‬


‫‪196‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫غري دعاوة من اخلارج‪ .‬وقد ذكر هذه احلقيقة العالمِ االجتماعي وامل�ؤرخ �إبن خلدون يف‬ ‫ٍ‬ ‫ومقاالت عديدة يف املجالت وال�صحف التي تعنى‬ ‫مقدمته ال�شهرية‪ .‬ولكننا جند كتباً كثري ًة‬ ‫ب�ش�ؤون �إفريقية وال�شعوب ال�شرقية‪ ،‬الق�صد منها �إبعاد عقول هذه ال�شعوب عن التفكري‬ ‫القومي الع�صري‪ .‬وال ميتنع وجود �سيا�سي �أوروبي يخ�شى على فوائد دولته اال�ستعمارية من‬ ‫هياج ديني يف امل�ستعمرات فيكتب‪ ،‬ولكن بني �أ�ضرار الهياج الديني على دولة ا�ستعمارية‬ ‫والعمل التعمريي لإن�شاء دولة واحدة من جميع �أبناء م ّلة واحدة فرقاً كبرياً جداً‪.‬‬ ‫�إن م�س�ألة القومية لي�ست م�س�ألة حممديني وم�سيحيني بل م�س�ألة واقع اجتماعي له حكم‬ ‫واحد‪ .‬وقد ب ّينا يف احللقة ال�سابقة تباين �أقطار العامل العربي و ُبعد امل�سافة بني قطر وقطر‬ ‫واختالف حاجات هذه الأقطار وعقلياتها‪ .‬وهذه �أمور لي�س من�ش�ؤها الدعاوة الأجنبية‪ ،‬بل‬ ‫الو�ضع اجلغرايف والإقليمي واملزيج ال�ساليل املختلف يف كل قطر عن غريه‪ ،‬ونوع حياة �سكان‬ ‫كل قطر ودرجة متدنهم ومقدار ثقافتهم ومعدل كثافة ال�سكان ومبلغ العمران‪ .‬و�إذا نظرنا �إىل‬ ‫مواقع الأقطار العربية على اخلريطة‪ ،‬ور�أينا تنائيها وترامي حدودها البحرية وال�صحارى التي‬ ‫تتخللها‪ ،‬ثم �إذا در�سنا �إمكانيات هذه الأقطار االقت�صادية وحاجاتها الإدارية واحلربية‪ ،‬تبينّ لنا‬ ‫كم يبعد خيال جعل هذه ال�شعوب �أمة واحدة ودولة واحدة عن احلقيقة الفعلية‪.‬‬ ‫الواغلون على املوا�ضيع االجتماعية وال�سيا�سية وحدهم يظنون �أن الأمم تن�ش�أ بالأهواء‬ ‫والرغبات اال�ستبدادية‪ ،‬ال بالنوامي�س االجتماعية‪ ،‬و�أن الدول تقوم على الهو�س الديني‬ ‫بال�ش�ؤون املخت�صة مبا وراء املادة‪ ،‬ال على القواعد ال�سيا�سية ـ االقت�صادية‪� .‬إن تباعد الأقطار‬ ‫العربية اجلغرايف و�ضعف العمران يف �أكرثها واختالف الأجنا�س وتباين احلاجات واملطالب‬ ‫العليا‪� ،‬أو تزاحمها وت�صادمها‪ ،‬ال ت�سمح بتكوين �أمة واحدة من �شعوب هذه الأقطار ذات‬ ‫دورة اجتماعية ـ اقت�صادية تامة‪ ،‬والذين يقولون‪« :‬هذه �أملانية كانت دو ًال واحتدت‪ .‬وعلى‬ ‫هذا القيا�س ميكن توحيد الأقطار العربية» ال يفهمون �شيئاً من الأمور الو�ضعية والقواعد‬ ‫القيا�سية‪ .‬فنظرة واحدة على اخلريطة‪ ،‬ومقابلة واحدة بني هيئة �أملانية وحدودها وكثافة‬ ‫�سكانها‪ ،‬وهيئة الأقطار العربية وحدودها وكثافة �سكانها تظهران اختالل القيا�س بني الهيئتني‬ ‫وو�ضع كل منهما و�إمكانياته ومقوماته اختال ًال كبرياً‪ .‬وحجج ه�ؤالء الأ�ساطني يف ال�سف�سطة‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪197‬‬

‫هي يف الغالب �صبيانية‪ .‬فمنها �أن الأقطار ال�شا�سعة �شتات البعد فيما بينها ميكن ربطها‬ ‫ب�سكك احلديد والطيارات واملراكب البحرية‪ .‬ولكنهم ال يكلفون �أنف�سهم در�س حاجات‬ ‫هذه الو�سائل ومقوماتها‪ .‬ف�سكك احلديد �إذا مل توجد لها الإمكانيات االقت�صادية الكافية‬ ‫من م�شحونات املحا�صيل الزراعية واملنتوجات ال�صناعية وحركة تنقل �سريعة‪ ،‬فال ميكن �أن‬ ‫تعمر‪ ،‬على افرتا�ض وجدت الر�ساميل الكافية ملدها من جبال البختي�شوه وخليج فار�س �إىل‬ ‫ّ‬ ‫طيطوان على الأطل�سي‪ .‬والطيارات لي�ست �صاحلة لإيجاد دورة اجتماعية ـ اقت�صادية‪ ،‬فال‬ ‫ت�صلح حلمل �أبناء القرى ال�ضعيفة وبناتها من قطر �إىل قطر ليتزاوجوا وين�شئوا الأندية الثقافية‬ ‫واالجتماعية‪ ،‬ولي�شرتكوا يف حياة فعلية واحدة‪ .‬وما يقال يف قطر احلديد والطيارات يقال‬ ‫يف املراكب البحرية‪ ،‬خ�صو�صاً و�أن حما�صيل �أكرث الأقطار العربية مت�شابهة‪ .‬فال يحتاج �أبناء‬ ‫قطر من قطر �آخر �شيئاً يذكر من حما�صيله الزراعية �أو منتوجاته ال�صناعية‪ .‬ف�أهل �سورية ال‬ ‫يحتاجون �إىل قمح �أو عد�س �أو بقول مراك�ش لأن �أر�ضهم تعطي ما يزيد عنهم من هذه الغالل‪.‬‬ ‫و�إذا ن�ش�أت يف �سورية نه�ضة �صناعية ب�سبب وجود النفط والأمالح الكيمياوية ومقدار قليل‬ ‫من احلديد والفحم احلجري ف�ستحتاج �إىل �أ�سواق ملنتوجاتها ال�صناعية يف اخلارج‪ ،‬ولكنها‬ ‫لن حتتاج �إىل املحا�صيل الزراعية‪ ،‬والأرجح �أن �أ�سواقها الطبيعية �ستكون يف اجتاه العراق‬ ‫و�إيران و�أفغان�ستان �أكرث مما تكون يف اجتاه القريوان وطرابل�س الغرب وتون�س ومراك�ش‪ .‬ويف‬ ‫ما خال �سورية‪ ،‬فالأقطار العربية عدمية املعادن ال�صاحلة لل�صناعات الثقيلة‪ ،‬فال تقدر �أن تبني‬ ‫قطرها ومراكبها من مواردها الطبيعية وال �أن ت�صنع معداتها احلربية من بنادق ومدافع وذخرية‬ ‫وما �إىل ذلك‪ .‬فكل خط حديدي تريد �إن�شاءه �ست�ضطر لت�سليمه �إىل �شركات �أجنبية �أو �إىل‬ ‫�شرائه من اخلارج‪ ،‬وكذلك القطارات والطائرات واملراكب‪ .‬فب�أية عملية اقت�صادية ميكنها فعل‬ ‫ذلك؟ ولكن هذا ال�س�ؤال و�أمثاله �سخيف جداً يف نظر �أرباب العروبة الدينية اخليالية‪.‬‬ ‫�أما الوجهة احلربية ومقت�ضياتها الدفاعية ـ الهجومية يف طول ال�شواطيء واحلدود‪ ،‬خ�صو�صاً �شواطيء‬ ‫�إفريقية املحاذية لأوروبة حيث ال�صناعات ال�ضخمة وكثافة ال�سكان العظيمة‪ ،‬ف�أمر يكاد ي�ستحيل‬ ‫النظر فيه على قاعدة تفكري �أ�صحاب العروبة الدينية بدون حتقري للمدارك الإن�سانية العادية‪.‬‬ ‫و�أما الوجهة ال�سيا�سية فمرمى نظرها من �أ�سو�أ املرامي‪ .‬ف�أكرث الأقطار العربية موجود حتت‬


‫‪198‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫�سلطان �أو نفوذ دول كبرية ذات �صناعات �ضخمة وقوات حربية عظيمة‪ ،‬وبع�ض هذه الدول‬ ‫يزيد عدد �سكان الدولة الواحدة منها على جمموع �سكان جميع الأقطار العربية‪ .‬وتعلو درجة‬ ‫ثقافتهم وا�ستعداداتهم التكنيكية من كل نوع على درجة ثقافة وا�ستعدادات جميع الأقطار‬ ‫املذكورة‪ .‬و�أية حركة �سيا�سية واحدة يف الأقطار العربية عامة ال ت�صطدم بدولة واحدة من‬ ‫هذه الدول الأوروبية ال�ضخمة فقط‪ ،‬بل ب�أكرثها‪ .‬ال بد حلركة �سيا�سية عامة يف جميع الأقطار‬ ‫العربية من اال�صطدام لي�س بربيطانية وحدها‪ ،‬وال بفرن�سة وحدها‪ ،‬وال ب�إيطالية وحدها‪ ،‬وال‬ ‫ب�إ�سبانية وحدها‪ ،‬بل بجميع هذه الدول دفعة واحدة‪ .‬فالذين يقولون �إن احتاد جميع الأقطار‬ ‫هو �أ�ضمن طريقة لنيل اال�ستقالل‪ ،‬و�إن ا�ستقالل �سورية وحدها غري ممكن‪ ،‬هم‪ ،‬بالكثري‪،‬‬ ‫�أطفال يف ال�سيا�سة‪ .‬ف�إن ا�ستقالل �سورية املوحدة يف نه�ضة قومية �أكرث �إمكانية و�أقرب منا ًال‬ ‫من ا�ستقالل جميع الأقطار العربية دفعة واحدة بحركة واحدة‪ .‬ف�سورية‪ ،‬بو�ضعها اجلغرايف‬ ‫ومقدرتها املادية والروحية‪� ،‬أقوى‪� ،‬سيا�سياً‪ ،‬من جميع الأقطار العربية متحدة‪ ،‬لأنها‪ ،‬بنه�ضتها‬ ‫القومية‪ ،‬قد ت�صطدم بدولة �أو دولتني �أوروبيتني على الكثري‪ ،‬وميكنها يف مقابل ذلك اكت�ساب‬ ‫�صداقة وتعاون دولة �أو دولتني �أو �أكرث من طراز عد ّوتها �أو عد ّواتها‪ .‬ولكن حركة واحدة يف‬ ‫جميع الأقطار العربية �ست�صطدم حتماً مبعظم الدول الأوروبية‪ ،‬وهي جميعها �صانعة �أ�سلحة‬ ‫()‬ ‫ومعدات‪ ،‬والأقطار العربية ال ت�صنع �شيئاً منها‪ .‬وقد كادت ثورة عبد الكرمي [اخلطابي]‬ ‫تنجح يف مراك�ش الإ�سبانية فلما امتدت �إىل مراك�ش الفرن�سية عظمت قوة العدو عليها‪،‬‬ ‫ومل تكن قد �أعدت �أ�صدقاء ملعاونتها حربياً و�سيا�سياً‪ ،‬فان�سحقت ب�سرعة‪ .‬ولو امتدت الثورة‬ ‫املذكورة �إىل تون�س وطرابل�س الغرب والقريوان لوجدت �إيطالية واقفة مع فرن�سة و�إ�سبانية �صفاً‬ ‫واحداً‪ .‬ولو تو�سعت �إىل م�صر و�سورية لوجدت االمرباطورية الربيطانية قد �صارت مع الدول‬ ‫الثالث ال�سابقة يداً واحدة‪ .‬ولكن نه�ضة قومية يف �سورية قد جتد دولتني �ضدها‪ ،‬ولكنها‬ ‫تتمكن من �إيجاد دول معها واختيار الظروف املنا�سبة لتحقيق �أغرا�ضها‪ .‬ومتى حتررت �سورية‬ ‫�أمكنها ٍ‬ ‫حينئذ �أن تنظر يف كيفية م�ساعدة الأقطار العربية قطراً قطراً ح�سب الظروف والفر�ص‬ ‫والإمكانيات‪ .‬فالذين يقولون �إن النه�ضة ال�سورية القومية «عدوة للعرب» هم ممخرقون‬ ‫وم�شعوذون‪ .‬وقد ب ّينا باحلقائق العلمية �أنهم هم �أعداء العرب و�أعداء نه�ضة العامل العربي‪.‬‬ ‫‪2‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪199‬‬

‫واحلقيقة �أنه لو ُق ِّدر للنه�ضة ال�سورية القومية �أن تن�ش�أ على العهد الرتكي‪ ،‬بد ًال من حركة‬ ‫«الوحدة العربية» اخليالية‪ ،‬لكانت �سورية خرجت من احلرب العاملية املا�ضية دولة م�ستقلة‬ ‫ذات �سيادة تامة على جميع حدودها الطبيعية‪� .‬إن �أ�صحاب فكرة «الوحدة العربية» الدينية‬ ‫زينوا لها حدوث نه�ضة وا�سعة عظيمة ت�سحق اجليو�ش وتهلك الأ�ساطيل وتفتح الفتوحات‪،‬‬ ‫فقعد �شباب �سورية القوي البنية ال يفكر �إال بانتظار تلك النه�ضة اخليالية التي �صوروها له‬ ‫وهو ال يعلم كيف �ستحدث وال متى حتدث‪ ،‬فن�ش�أت يف اجليل ال�سوري املا�ضي روح اتكالية‬ ‫منعت كل طموح �صحيح وكل فكرة جيدة وكل تفكري عملي‪ ،‬ومل تن�شط غري اخلمول‪.‬‬ ‫�إذا �س ّلمنا‪ ،‬جد ًال‪ ،‬ب�إمكان ح�صول حركة واحدة يف �آنٍ واحد يف جميع الأقطار العربية و�إمكان‬ ‫جناحها ال�سيا�سي ‪ -‬احلربي‪ ،‬فهذا النجاح ال يحقق «الوحدة العربية» بجعل �شعوب العامل‬ ‫العربي �أمة واحدة ودولة واحدة‪ ،‬فهذان �أمران يتعلقان بالنوامي�س االجتماعية‪ ،‬ال باحلوادث‬ ‫ال�سيا�سية الوقتية وال بالرغبات اخل�صو�صية �أو اال�ستبدادية‪ .‬وقد قام على �صحة هذا النظر‬ ‫الدليل التاريخي‪� ،‬إذ تفككت الدولة الدينية املحمدية بعد خمود �سورة الفتح من تلقاء ذاتها‪،‬‬ ‫ولي�س بدعاوة «�إفرجنية» �أو غريها‪ .‬ثم عادت فانهارت مرة �أخرى على يد اخلالفة الرتكية‪.‬‬ ‫وتركية مل تتمكن من النهو�ض‪ ،‬بعد �أن رزحت حتت عبء الدولة الدينية و�سيا�سة اخلالفة‪،‬‬ ‫�إال برتك فكرة الدولة الدينية واالعتماد على نه�ضة تركية قومية تنظم ال�شعب الرتكي وتقوي‬ ‫معنوياته‪ .‬فخرجت تركية القومية دولة �أقوى بكثري من ال�سلطنة العثمانية التي جمعت بني‬ ‫الدين والدولة وظنت �أن رابطة الدين من �أهم مقوماتها‪.‬‬ ‫�أدرك �سيا�سيو الدول الكربى اال�ستعمارية ما يف دعاوة «الوحدة العربية» الدينية من خطل‬ ‫الر�أي وق�صر النظر ونق�ص العلم‪ ،‬ف�أخذوا يحدثون الأحداث النف�سية التي تزيد امل�شغوفني‬ ‫بهذه الدعاوة الفا�سدة ���شغفاً‪ ،‬فتارة يظهرون االحرتام لهذه الفكرة وطوراً يتظاهرون بالوجل‬ ‫والف َرق منها وحيناً يرا�ؤون بتحبيذها‪ ،‬و�آناً ميثلون دور الغا�ضب املهدد‪ ،‬ولكنهم يغتبطون �سراً‬ ‫بت�سلط هذا الوهم على عقول �شباب الأمم العربية وما يجره من انق�سامات داخلية وحتزبات‬ ‫�أهلية‪ ،‬لأن �أ�سا�سه فكرة �سيا�سية م ّلية‪ .‬ونحن نعلم اليوم كم ُتخرج مطابع بريطانية و�أملانية‬ ‫و�إيطالية و�إ�سبانية من الكتب واملقاالت املو�ضوعة خ�صي�صاً لإغراء �شعوب العامل العربي‬


‫‪200‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫بخيال الدولة الدينية الوا�سعة‪ ،‬وللإيحاء النف�سي العلمي �إليها بامل�ضي يف طلب هذا ال�سراب‬ ‫الذي ي�صرفها عن �إدراك حقيقة طبائعها و�إمكانياتها‪ .‬وقد ا�ستخدمت بريطانية الكاتب‬ ‫املعروف �أمني الريحاين‪ ،‬الذي قام برحلته امل�شهورة يف ال ُعربة وو�ضع كتابه «ملوك العرب»‬ ‫باالتفاق مع الإنكليز‪ ،‬لتغذية خيال «الوحدة العربية»‪ .‬وا�ستخدمته للغر�ض عينه �إ�سبانية التي‬ ‫دعته لإلقاء حما�ضرات يف مراك�ش‪ .‬و�إ�سبانية �أوجدت يف عا�صمتها جمعية ا�سمها «اجلمعية‬ ‫الإ�سالمية» جللب نظر املحمديني �إىل �إ�سبانية‪ .‬وبع�ض ك ّتابها ي�ؤلفون الآن عدداً من الكتب‬ ‫عن تاريخ العرب وعظمة الإمرباطورية املحمدية ال�سالفة‪ ،‬و�إمكان العودة �إىل �إحياء تلك‬ ‫الدولة واالجتاه نحو �إ�سبانية التي ت�صبح مبثابة طليعة �أو «مقدمة املجد العربي يف �أوروبة»! �إىل‬ ‫�آخر هذه التعابري ال�سيكولوجية املق�صود منها الت�أثري على نف�سيات �شعوب العامل العربي‪،‬‬ ‫للو�صول �إىل �أغرا�ض خارجة عن نطاق الأمم العربية وم�صاحلها‪.‬‬ ‫يف �سورية مل تالحق الدولتان املنتدبتان �أية فئة «عروبية» تنادي باالمرباطورية العربية‪،‬‬ ‫ولكنهما حاربتا كل عمل وحركة يق�صد منهما �إيجاد وحدة قومية متينة يف ال�شعب ال�سوري‪.‬‬ ‫وبريطانية قد ا�ستعملت بنجاح كبري خيال «الوحدة العربية» لتثبيت �سيا�ستها اال�ستعمارية يف‬ ‫�سورية‪ .‬فبعد �أن ا�ستفحل �أمر ثورة فل�سطني �سنة ‪ ،1936‬بدخول العنا�صر ال�سورية القومية يف‬ ‫تلك الثورة وعلى ر�أ�سها القائد ال�سوري القومي امل�أ�سوف عليه �سعيد العا�ص‪ ،‬ور�أت بريطانية‬ ‫�أن ال�شعب ال�سوري �سيلتهب كله يف منطقتي االنتداب‪ ،‬جل�أت �إىل «ملوك العرب» وطلبت‬ ‫فتدخل �أولئك امللوك ووعدوا‬ ‫تدخلهم با�سم العروبة لرفع احلرب ونزع �سالح جي�ش الثورة‪ّ .‬‬ ‫ّ‬ ‫ب�أن يتولوا حتقيق مطالب الثورة بالطرائق ال�سيا�سية ف�سلمت «اللجنة العربية العليا» بذلك‪،‬‬ ‫وفوق هذه اللجنة مفتي فل�سطني احلاج �أمني احل�سيني‪ ،‬فخرج الأمر من يد ال�سوريني‪ .‬وما‬ ‫كاد جي�ش الثورة ي�س َّرح‪ ،‬بعد تلف املوا�سم وزهق النفو�س ونزف الدماء‪ ،‬حتى وفدت اللجنة‬ ‫الربيطانية التي و�ضعت مر�سوم تق�سيم فل�سطني و�إيجاد دولة يهودية يف الق�سم اخل�صب منها!‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪201‬‬

‫اهلوامش‬ ‫‪« - 1‬العروة الوثقى»‪ ،‬ال�صفحة ‪.107‬‬ ‫‪ - 2‬حممد عبد الكرمي اخلطابي (‪ .)1963 - 1882‬ولد يف �أغادير ب�شمال املغرب‪ ،‬وقاوم‬ ‫الإحتاللني الإ�سباين والفرن�سي بني ‪ 1921‬و‪ .1926‬بعد هزميته يف �سنة ‪ ،1926‬نفاه‬ ‫الفرن�سيون اىل جزيرة رينيون يف املحيط الهندي‪ ،‬وظل فيها حتى �سنة ‪ 1947‬عندما‬ ‫�أعلنت باري�س �إطالق �سراحه‪ .‬لكن اخلطابي طلب اللجوء اىل م�صر عندما توقفت‬ ‫�سفينته يف بور �سعيد‪ ،‬وعا�ش يف القاهرة اىل حني وفاته يف �شباط ‪.1963‬‬


‫‪202‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫العروبة كقوة إذاعية للمطامع السياسية الفردية‬ ‫ملّا مل تكن العروبة املق�صود بها وحدة الأقطار العربية الل�سان واملحمدية الدين �سوى لفظة‬ ‫مبدلة من الوحدة الدينية املحمدية‪ ،‬لتدل على وحدة دينية حمدودة باللغة‪ ،‬بد ًال من‬ ‫الوحدة الدينية املطلقة التي كانت غر�ض الدعاوة الرجعية الأوىل �إىل �إعادة �إن�شاء الدولة‬ ‫الدينية‪ ،‬كانت لفظة ذات قوة �إذاعية عظيمة يف الغوغاء يح ّر�ض بها ويحرك ويثار‪ .‬وهذا ما‬ ‫تنبه له ال�سيا�سيون ال�شخ�صيون ذوو املطامح واملطامع ال�سيا�سية الفردية الذين يهمهم ا�ستثمار‬ ‫الدهماء وبناء املجد ال�شخ�صي قبل �إفادة الأمة وبناء املجد القومي‪.‬‬ ‫�أكرث ال�سيا�سيني ال�سوريني الذين تقدموا عهد احلركة ال�سورية القومية �أو انحرفوا عنها هم �إ ّما‬ ‫�شخ�صيون‪ ،‬وه�ؤالء معظمهم‪ ،‬و�إ ّما رجعيون‪� ،‬أو �شخ�صيون ورجعيون معاً‪ .‬ومن ه�ؤالء ال�سيا�سيني‬ ‫من �أدرك عقم فكرة الوحدة العربية كعبد الرحمن ال�شهبندر( ) وها�شم الأتا�سي( ) وغريهما‪.‬‬ ‫ولل�شهبندر مقال ن�شر يف عدد مار�س (�آذار) �سنة ‪ 1934‬من جملة «املقتطف»( ) يقول فيه‬ ‫با�ستحالة اجلمع بني بع�ض �أقوام العامل العربي وبع�ضها الآخر‪ .‬ولكن حني عاد ال�شهبندر �إىل‬ ‫ميدان ال�سيا�سة ال�سورية بعد �إعالن العفو �سنة ‪� ،1937‬أخذ يخطب يف �أحياء دم�شق داعياً‬ ‫�إىل العروبة الدينية ووطن القر�آن والوحدة العربية واالمرباطورية العربية‪ ،‬جامعاً حوله عدداً‬ ‫من الذين يوافقونه يف هذه ال�سيا�سة �أو يذهبون هذا املذهب على غري هدى‪ .‬واحلقيقة هي‬ ‫�أن غر�ضه مل يكن توحيد العامل العربي وال �إن�شاء االمرباطورية العربية املوهومة‪ ،‬بل كان‬ ‫الو�صول �إىل مثار ال�شعور عند الغوغاء‪ ،‬وا�ستفزازه للأخذ بنا�صره لي�ستظهر على «الكتليني»‬ ‫وجميع الأحزاب الأخرى‪ ،‬وي�صل �إىل رئا�سة الدولة �أو رئا�سة احلكومة عن طريق الدعوة �إىل‬ ‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪203‬‬

‫اعتقاد مل يكن ي�ؤمن به الداعي‪ ،‬بل كان نبذه‪ .‬ففي مقالة ال�شهبندر امل�شار �إليها يقول‪:‬‬ ‫«فمن اخلطل ال�سيا�سي االجتماعي العظيم �إذن �أن يتوهم �أحد من رجال النه�ضة يف العامل‬ ‫العربي �أنه يف حيز الإمكان ت�أليف دولة عربية مركزية دميقراطية ت�ضم منذ الآن بني دفتي‬ ‫د�ستور واحد دم�شق والكويت وعنيزة والع�سري واملكال‪ .‬فهذه بلدان‪ ،‬و�إن جمعت بينها اللغة‬ ‫والعقيدة (والأرجح �أنه يعني بالعقيدة الدين)‪ ،‬وت�شاركت يف كثري من �أطوارها التاريخية‪� ،‬إال‬ ‫�أن العادات والتقاليد املحلية‪ ،‬واختالف درجة الثقافة العامة وما �إىل ذلك من مقومات العقل‬ ‫االجتماعي الذي ال بد منه لت�أليف الوحدة ال�سيا�سية‪ ،‬جعلت �شقة اخلالف يف ما بينها �أبعد‬ ‫من �أن ي�ضمها جمل�س ت�شريعي واحد‪� ،‬أو يلم �شتاتها �إرادة �سلطانية واحدة»‪.‬‬ ‫ومع �أن هذا الكالم ناق�ص جداً‪� ،‬إذ مل يتناول الوجهة اجلغرافية وال بقية النظرة ال�سيا�سية‬ ‫وال الناحية االجتماعية وال القواعد االقت�صادية وال الوجه احلربي‪ ،‬التي �أملمنا بها �إملاماً يف‬ ‫احللقة ال�سابقة‪ ،‬ف�إنه ي�ؤكد عدم الإميان بالعروبة كعقيدة جتمع الأقطار العربية اللغة واملحمدية‬ ‫الدين يف �أمة واحدة ودولة واحدة‪ .‬ولكن عبد الرحمن ال�شهبندر كان من ال�صنف ال�سيا�سي‬ ‫العتيق الذي �أقام حاجزاً منيعاً بني ال�سيا�سة والعقيدة ال�سلبية التي انتهى �إليها ووقف عندها‪.‬‬ ‫فال�سيا�سة لرجال هذا ال�صنف كانت ذات قاعدة �شخ�صية بحتة‪ ،‬ولذلك كانوا يجرونها على‬ ‫معتقدات ال�سواد من النا�س املدعوين‪ ،‬مهما كانت بعيدة عن ال�صواب‪ ،‬ال على معتقداتهم‬ ‫هم‪ .‬وهذا ما عناه‪� ،‬أو بع�ض ما عناه‪ ،‬زعيم النه�ضة ال�سورية القومية‪ ،‬يف الب�سط والإي�ضاح‬ ‫املوجز الذي و�ضعه يف �سجنه الأول عن الأ�سباب التي دفعته �إىل �إن�شاء احلزب ال�سوري‬ ‫القومي‪ .‬فقد �أظهر الزعيم �أن ال�سيا�سة عنده هي خلدمة العقيدة القومية امل�شتملة على ق�ضية‬ ‫وا�ضحة جلية معينة‪ ،‬ولي�ست ملجرد ال�سيا�سة �أو لق�ضية �شخ�صية‪ .‬العقيدة ل�سعادة هي الغاية‪،‬‬ ‫وال�سيا�سة هي الوا�سطة‪� .‬أما رجال ال�سيا�سة الالقوميون فال�سيا�سة عندهم هي الغاية والعقائد‬ ‫لي�ست لهم �سوى و�سائط‪ ،‬ولذلك هم يبدلونها‪ ،‬فيقولون اليوم مبا �أنكروه بالأم�س‪ ،‬ويغيرّ ون‬ ‫غداً العقيدة التي نادوا بها اليوم‪ .‬ولذلك مل يكن �أن تن�ش�أ من الفو�ضى والبلبلة نه�ضة قومية‪.‬‬ ‫اختار �أكرث ال�سيا�سيني ال�سوريني اخل�صو�صيني العروبة �أ�سا�ساً لإذاعاتهم‪ ،‬و�أكرثوا من الكالم‬ ‫على الوحدة العربية و�إغراء النا�س بها‪ ،‬لي�س لأنهم يعتقدون ب�صحتها و�إمكان حتقيقها‪ ،‬بل‬


‫‪204‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫لأنهم وجدوا �أكرث العامة ال�سورية الباقني على معتقدات قدمية قابلني للت�أثر بها‪ .‬ف�أكرثية‬ ‫ال�شعب ال�سوري هي من املحمديني الذين حفظوا يف �أذهانهم �صورة الدولة الدينية واخلالفة‬ ‫و�إمارة امل�ؤمنني‪ ،‬ومل يحيوا قط‪ ،‬ال هم وال غريهم من امللل الأخرى‪ ،‬حياة قومية �صحيحة‪.‬‬ ‫وهم لذلك �أ�سهل انقياداً لدعوة �إىل الدولة الدينية منهم �إىل دعوة قومية �إ�صالحية لي�س‬ ‫لهم بها �سابق اختبار �أو معرفة‪ .‬وملّا مل يكن ال�سيا�سيون القدماء يرمون يف الدرجة الأوىل �إىل‬ ‫�إ�صالح عقائد ال�شعب وتوحيدها و�إن�شاء نه�ضة قومية �صحيحة فيه‪ ،‬بل �إىل ا�ستغالل عقائده‬ ‫القدمية خلططهم ال�سيا�سية ال�شخ�صية‪ ،‬مل يكن يهمهم ماذا ي�صيب ال�شعب‪ ،‬مع تقادم العهد‪،‬‬ ‫يبق لها حمل يف �صراع احلياة‬ ‫من امل�صائب ب�سبب بقائه على عقائد ونظريات رجعية مل َ‬ ‫والتفوق بني الأمم‪ ،‬فكان كل همهم من�صرفاً �إىل بلوغ مطاحمهم ومطامعهم ال�سيا�سية �أو ًال‪ ،‬ثم‬ ‫النظر‪ ،‬على قدر معرفتهم وفهمهم‪ ،‬يف ما يفيد ال�شعب ثانياً‪.‬‬ ‫هذا هو �سبب اندفاع �سيا�سيني �شخ�صيني ونفعيني م�سيحيني يف دعاوة العروبة والوحدة‬ ‫العربية‪ ،‬مع �أنهم ال يدينون باملحمدية‪ ،‬فهم قد ا�ستخدموا العروبة والوحدة العربية كقوة‬ ‫�إذاعية بني �سواد ال�شعب‪ .‬ولكن ال هم وال ال�سيا�سيون املحمديون كانوا مقتنعني مبا يقولون‪.‬‬ ‫ومع ذلك فقد غرروا بق�سم كبري من ال�شعب‪ ،‬وحملوا عدداً من �سليمي النية على االعتقاد‪،‬‬ ‫ب�إخال�ص ونزاهة‪ ،‬ب�صحة الدعوة العروبية امل�ؤ�س�سة على الدين املحمدي‪ ،‬فال يخلو الأمر من‬ ‫رجعيني خمل�صني يف رجعيتهم الوبيلة‪.‬‬ ‫ملّا �أ�س�س �سعادة احلزب ال�سوري القومي‪ ،‬وتولدت من مبادئه النه�ضة ال�سورية القومية‪،‬‬ ‫ازداد فزع ال�سيا�سيني ال�شخ�صيني �إىل العروبة والوحدة العربية ليتخذوا منهما قوة �إذاعية‬ ‫بني الأكرثية املحمدية يف �سورية �ضد انت�شار مباديء احلزب ال�سوري القومي‪ .‬كما فزع‬ ‫ال�سيا�سيون ال�شخ�صيون االنف�صاليون املتدرعون بدرع «ا�ستقالل لبنان امل�سيحي» �إىل الدعوة‬ ‫لهذا اال�ستقالل «وعدم �إمكان امل�سيحيني �أن يحيوا مع املحمديني يف دولة واحدة»‪ ،‬ليحاربوا‬ ‫امتداد حركة احلزب ال�سوري القومي بني امل�سيحيني يف ال�ساحل الأو�سط اجلبلي من‬ ‫�سورية‪ .‬وكما �أن الأكرثية املحمدية كان �شعور عامتها نا�شئاً عن النعرة الدينية‪ ،‬كذلك الأقلية‬ ‫امل�سيحية وغريها كان �شعور عامتها نا�شئاً عن النعرة الدينية‪ .‬وال�سيا�سيون ال�شخ�صيون ر�أوا يف‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪205‬‬

‫النعرات الدينية عند العامة القوة الإذاعية الوحيدة التي ميكن ا�ستعمالها ب�شيء من النجاح‬ ‫الوقتي‪� ،‬ضد مباديء احلزب ال�سوري القومي القومية اجلامعة جميع ملل ال�شعب ال�سوري‬ ‫يف عقيدة واحدة توحدهم اجتماعياً و�سيا�سياً‪ .‬فالذين ا�ستعملوا النعرة املحمدية العروبية‬ ‫ا�ستعملوها ريا ًء لتوطيد نفوذهم ال�شخ�صي عند عامة املحمديني وبلوغ مراميهم اخل�صو�صية‪،‬‬ ‫وهذا هو �سر هذا التحري�ض «العروبي» �ضد احلركة ال�سورية القومية‪.‬‬ ‫احلزب ال�سوري القومي ن�ش�أ ليكون �س ّلماً يرقى عليها ال�شعب ال�سوري �إىل ذروة احلياة‬ ‫اجليدة‪ .‬وال�سيا�سيون ال�شخ�صيون واخل�صو�صيون والنفعيون �أرادوا �أن يكون ال�شعب �س ّلماً‬ ‫يرقون عليها �إىل مطاحمهم ومطامعهم الفردية‪ .‬زعامة احلزب ال�سوري القومي تريد �أن تقود‬ ‫ال�شعب يف طريق جديدة �إىل عهد جديد وحياة مثلى‪ ،‬وزعامات الرجعية وال�شخ�صية تريد‬ ‫�أن يبقى ال�شعب حيث هو يف حني ّتدعي �أنها تعمل على �إنقاذه‪.‬‬ ‫العاجزون عن حل م�شاكل ال�شعب الداخلية وعن �شق طريق جديدة حلياته وارتقائه يلج�أون‬ ‫�إىل نعرات ال�شعب القدمية الهدامة‪ ،‬ليتخذوا منها �سالحاً يحاربون به من �أوجد ق�ضية ال�شعب‬ ‫احلقيقية‪� .‬إنه �سالح يف ا�ستعماله مقدار من الفطنة العادية غري كبري كما قد يتوهم‪� .‬إنه‪ ،‬يف‬ ‫كل حال‪� ،‬سالح العاجزين الفا�شلني الذين يظهر عجزهم يف نوع ال�سالح الذي يلج�أون �إليه‬ ‫قبل �أن يظهر يف انخذالهم النهائي القريب‪.‬‬ ‫من هذه الناحية كان دعاة العروبة يف �سورية حلفاء للإرادات الأجنبية يف مقاومة النه�ضة‬ ‫ال�سورية القومية‪ ،‬كما كان دعاة االنف�صال امل�سيحي اللبناين حلفاء هذه الإرادات املعادية‬ ‫لنه�ضة ال�شعب ال�سوري ووحدته التي يقدر بها �أن ينال �سيادته‪ ،‬وي�سيطر على كل �ش�أن يهمه من‬ ‫�ش�ؤون ال�شرق الأدنى والبحر املتو�سط‪ ،‬نظراً ملواهبه املمتازة وخطورة موقع بالده اال�سرتاتيجي‪.‬‬ ‫�إن الدول اال�ستعمارية مل تقاوم فكرة الوحدة العربية الوهمية الدينية الأ�سا�س‪ ،‬بل �شجعتها‪.‬‬ ‫والدولتان «املنتدبتان» يف �سورية مل تقاوما الدعوة العروبية بل �شجعتاها لأنهما وجدتا فيها‬ ‫عام ًال هاماً يف �إحداث االنق�سام الداخلي يف �سورية‪ ،‬و�إيجاد الأحقاد بني �أبناء الأمة الواحدة‬ ‫واحلركات االنف�صالية املجزئة ال�شعب والبالد‪ .‬فمذهب العروبة �أو «القومية العربية» عند‬


‫‪206‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫املحمديني كان جوابه مذهب «القومية اللبنانية» عند امل�سيحيني‪ ،‬ومذهب «اال�ستقالل‬ ‫الدرزي» عند الدروز‪ .‬وهذا �أف�ضل ما ميكن �أن ينتظره اال�ستعمار الذي انتهز هذه الفر�صة‬ ‫لي�شجع جميع احلركات املت�ضادة يف �آنٍ واحد‪.‬‬ ‫مل تهتم الدولتان اال�ستعماريتان يف �سورية حلركة �سيا�سية مثل اهتمامهما حلركة احلزب ال�سوري‬ ‫القومي‪ .‬فبينما رجال «الكتلة الوطنية»‪ ،‬الذين كانوا �أحياناً عروبيني و�أحياناً غري عروبيني ي�سرحون‬ ‫وميرحون ويخطبون عن «الوحدة الكربى» وحتويل االنتداب �إىل معاهدة‪ ،‬وبينما كان يعطى‬ ‫الدكتور عبد الرحمن ال�شهبندر احلرية التامة ليخطب يف �أحياء دم�شق عن العروبة والوطن‬ ‫الديني املمثل بالقر�آن والدولة العربية الكربى‪ ،‬كانت ال�سلطة الفرن�سية واحلكومات املحلية يف‬ ‫لبنان وال�شام توجه القوات الع�سكرية بال�سالح والعتاد ملنع �أي جتمهر يف بريوت ودم�شق ل�سماع‬ ‫خطاب واحد يلقيه زعيم احلزب ال�سوري القومي‪ .‬ومل يقت�صر اهتمام ال�سلطة على منع ال�شعب‬ ‫يف املدن الكربى من �سماع �صوت الزعيم‪ ،‬بل تعدى ذلك �إىل الأق�ضية التي ال يحدث فيها‬ ‫جتمهر كالذي يحدث يف املدن‪ .‬وجميع الذين تتبعوا حركة احلزب ال�سوري القومي يعرفون �أمر‬ ‫القوات اجلندية التي وجهت على طرطو�س وعلى عماطور ال�شوف وعلى بكفيا املنت التي جرت‬ ‫فيها مناو�شة بني القوميني واجلند و�سقط فيها عدد من اجلرحى‪.‬‬ ‫مل حتكم املحاكم الفرن�سية الع�سكرية على رجال «ع�صبة العمل القومي» التي �شعارها‬ ‫«العروبة» و�سعيها لالمرباطورية العربية‪ ،‬ومل ت�صدر �أي حكم كالذي �أ�صدرته على زعيم‬ ‫احلزب ال�سوري القومي ومعاونيه يف �إدارة احلركة القومية على �أحد من رجال ال�سيا�سة‬ ‫ال�سورية‪� .‬أما الأحكام التي �صدرت بحق عدد من الأ�شخا�ص يف دم�شق فعائدة �إىل وجود‬ ‫حماولة اغتيال �ضد رئي�س جمل�س املديرين ولي�س �إىل م�س�ؤولية حركة قومية منظمة‪� .‬أما رجال‬ ‫«العروبة» فقد كانت ال�سلطة ت�شجعهم وتطلق لهم احلرية طاملا عملهم يتعلق ب�أ�سا�س فكرتهم‪،‬‬ ‫�أي جمع كلمة الأمم وال�شعوب العربية‪ ،‬وال يتحول �إىل عمل خمت�ص بال�شعب ال�سوري‪.‬‬ ‫ملاذا الحقت ال�سلطتان االنتدابيتان حركة احلزب ال�سوري القومي هذه املالحقة ال�شديدة‬ ‫منذ اكت�شفتا �أمره؟ وملاذا تخافان من خُ َطب الزعيم وال تخ�شيان خُ َطب «العروبيني» حتى �أنها‬ ‫�أطلقت احلرية جلميع ال�سيا�سيني الذين عادوا بعد �إبعادهم باخلطابة يف اجلوامع وال�ساحات‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪207‬‬

‫العمومية‪ ،‬ومل متنع �أحداً يريد التكلم على «الوحدة العربية» والدعوة �إليها؟‬ ‫اجلواب وا�ضح‪ :‬لأن خُ طب الزعيم قائمة على ق�ضية �صحيحة ميكن بها توحيد ال�شعب‬ ‫ال�سوري و�إطالق قوة ال�شباب ال�سوري من عقالها‪� ،‬أما خُ طب جميع ال�سيا�سيني الآخرين‬ ‫فهي حتدث االنق�سام الديني يف الداخل وحتاول جمع امل�ستحيل يف اخلارج‪.‬‬ ‫�إن الق�ضية التي يحملها احلزب ال�سوري القومي هي ق�ضية �أمة موجودة بالقوة على �أ�سا�س‬ ‫النوامي�س االجتماعية‪ ،‬ف�أخرجها احلزب ال�سوري القومي من ح ّيز القوة �إىل حيز الفعل‬ ‫مببادئه القومية ال�صحيحة التي �أزالت كل �سبب من �أ�سباب التفرقة �ضمن ال�شعب ال�سوري‪.‬‬ ‫احلركة ال�سورية القومية مل تن�ش�أ ن�ش�أة حركة م ّلية حممدية �أو م�سيحية �أو درزية‪ ،‬حتاول الظهور‬ ‫مبظهر �شبه قومي‪ ،‬بل ن�ش�أت حركة قومية جامعة‪ ،‬دخلت فيها‪ ،‬منذ بدء تكوينها‪ ،‬عنا�صر من‬ ‫جميع ملل البالد‪ ،‬فكان فيها الي�سوعي وكان فيها املحمدي وكان فيها الدرزي‪ .‬وكونها حركة‬ ‫وجه دعوته �إىل جميع �أبناء �أمته بال فارق مذهبي �أزال عنها كل �صفة تكتلية ملية‬ ‫ولدها فرد ّ‬ ‫و�أوجد ال�ضمان لعدم ن�شوء تكتالت ملية يف داخلها‪.‬‬ ‫يف احلركة ال�سورية القومية ال يقول ال�سوريون القوميون من امللة املحمدية ب�إن�شاء دولة دينية على‬ ‫�أ�سا�س «اجلن�سية الدينية» التي يقول بها الرجعيون‪ ،‬يعي�ش فيها �أبناء امللل الأخرى حتت كنف‬ ‫�أبناء امللة املحمدية ورحمتهم وحمايتهم‪ .‬وال يقول ال�سوريون القوميون الي�سوعيون �أو الدروز‬ ‫ب�إن�شاء دولة دينية م�سيحية �أو درزية باالتفاق مع دول �أجنبية م�سيحية يعي�ش املحمديون يف كنفها‬ ‫حتت رحمة امل�سيحيني وحمايتهم‪ .‬كال‪ ،‬ال �شيء من ذلك‪� .‬إن جميع ال�سوريني القوميني ي�ؤمنون‬ ‫�أنهم �أبناء �أمة واحدة هي الأمة ال�سورية‪ ،‬جتمعهم عقيدة واحدة وم�صلحة واحدة و�إرادة واحدة‪.‬‬ ‫فهم جميعهم يريدون اجلميع �أحراراً مت�ساوين يف احلقوق والواجبات ويرف�ضون �أن يكون بع�ض‬ ‫الأمة عبداً لبع�ض �أو عالة على بع�ض �أو حتت رحمة وت�ساهل بع�ض‪� .‬إنهم يخجلون من �أن يروا‬ ‫�أحداً من �أبناء �أمتهم غري حر متمتع بجميع احلقوق املدنية وال�سيا�سية التي لهم يف الدولة‪.‬‬ ‫�إن احلزب ال�سوري القومي يقول �إنه يجب �أن يكون لكل فرد من �أفراد الأمة ال�سورية احلق‬ ‫واحلرية ليعتقد يف ال�ش�ؤون املتعلقة مبا وراء املادة‪ ،‬كاهلل وال�سماء واجلحيم واخللود والفناء‪ ،‬كما‬


‫‪208‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫يريد‪ ،‬وال يطلب منه �إال �أن يكون قومياً �صحيحاً خمل�صاً لأمته ووطنه‪.‬‬ ‫يعد‬ ‫ولكننا نرى هنا �أن نقول ب�صورة خ�صو�صية ال دخل للحزب فيها �إنه من امل�ستح�سن �أن ّ‬ ‫امل�سيحيون املدنيون �أو العلمانيون‪� ،‬إذا مل ي�ش�أ الإكلريو�س‪ ،‬حممداً ر�سو ًال �إلهياً ودينه ديناً �صحيحاً‬ ‫لي�شعر املحمديون �أن امل�سيحيني ال يكفّرونهم يف دينهم وال يحطون من قدر نبيهم‪ .‬كما �أنه‬ ‫يعد املحمديون دين الي�سوعيني �صحيحاً و�أن يرتكوا الت�أويالت التي تكفّرهم‪.‬‬ ‫يح�سن �أن ّ‬ ‫�إن ال�سوريني القوميني يحرتمون معتقدات بع�ضهم بع�ضا‪ ،‬وال يخطر يف بال �أحد مدرك منهم‬ ‫�أن ي�سفّه مذهب غريه الديني‪ ،‬ولكن ما ارت�أيناه هنا هو �شيء عام ال يخرج منه الالقوميون‪.‬‬ ‫يجب علينا �أن ننه�ض ك�أمة حية و�أن نزيل من طريقنا جميع ال�صعوبات التي تعرقل �أو‬ ‫متنع نهو�ضنا‪ .‬و�أهم ما يجب �أن نزيله من ال�صعوبات �صعوبة الفتنة الدينية و�صعوبة الفتنة‬ ‫االجتماعية ـ االقت�صادية‪ .‬و�إزالتهما تكون باعتناق مباديء احلزب ال�سوري القومي املوحدة‪،‬‬ ‫ال مبحاربة هذه املباديء املقد�سة كما يفعل اجلهال اخلالون من امل�س�ؤولية‪.‬‬

‫اهلوامش‬ ‫‪ -1‬عبد الرحمن ال�شهبندر (‪� ،)1940 - 1879‬سيا�سي دم�شقي تخرج طبيباً من اجلامعة‬ ‫الأمريكية يف بريوت �سنة ‪ .1906‬توىل من�صب وزير اخلارجية يف حكومة ها�شم الأتا�سي‬ ‫�سنة ‪� .1920‬إن�ضم اىل الثورة ال�سورية �سنة ‪ ،1925‬لكنه �إ�ضطر للهرب اىل الأردن بعد‬ ‫�صدور حكم غيابي عليه بالإعدام‪� .‬ألغي احلكم الحقاً‪ ،‬فعاد اىل دم�شق �سنة ‪1937‬‬ ‫لي�ست�أنف عمله ال�سيا�سي‪ .‬مت �إغتياله يف عيادته يف ‪ 6‬متوز ‪.1940‬‬ ‫‪ - 2‬ها�شم الأتا�سي (‪ ،)1960 - 1875‬م�ؤ�س�س ورئي�س حزب «الكتلة الوطنية»‪ .‬توىل رئا�سة‬ ‫اجلمهورية ال�سورية يف ثالث فرتات‪.1955 - 1954 ،1951 - 1949 ،1939 - 1936 :‬‬ ‫‪ - 3‬عبد الرحمن ال�شهبندر‪« :‬عوامل التجان�س»‪« ،‬املقتطف» اجلزء ‪� 85‬سنة ‪ ،1934‬ال�صفحة ‪.7‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪209‬‬

‫التعنتات املسيحية ‪ -‬خالصة‬ ‫مما تقدم من هذا البحث يتبني �أن الغر�ض الأخري له هو��� :‬قمع الفتنة الدينية بني �أبناء �أمتنا قبل‬ ‫ا�ستعار �أوارها‪ ،‬ودعوة ال�سوريني جميعهم من ر�سوليني وم�سيحيني ودروز �إىل رابطة العقيدة‬ ‫االجتماعية الواحدة‪� ،‬إىل عقيدة القومية ال�سورية التي جتمعهم يف وطن واحد وم�صري واحد‪.‬‬ ‫وقد نبهنا‪ ،‬من قبل‪ ،‬يف احللقة ال�ساد�سة والع�شرين (احللقة ‪ 15‬بالرتتيب اجلديد)‪� ،‬إىل �أنه ال‬ ‫يوجد يف هذا البحث غر�ض فرعي كالذي قد يكون توهمه املتعنتون امل�سيحيون الذين يظنون‬ ‫�أن ت�سفيه ر�أي �أ�صحاب الدولة الدينية الر�سولية‪ ،‬يف امل�سيحية‪ ،‬ويف غر�ض الدين املحمدي‬ ‫كان بق�صد �إظهار �أن الدين امل�سيحي هو الدين ال�صحيح الوحيد‪ ،‬و�أن الدين املحمدي‪ ،‬يجب‬ ‫�أن يزول‪ .‬و�أظهرنا يف عدة �أماكن �سابقة �أن تخ�صي�ص هذه ال�سل�سلة من الأبحاث الفل�سفية‬ ‫االجتماعية والدينية بنق�ض مذهب �أ�صحاب «اجلن�سية الدينية» املحمدية وت�سفيه مطاعنهم‬ ‫يف امل�سيحية‪ ،‬ور ّد دعوتهم �إىل الع�صبية الدينية وتهو�سهم العظيم ال�ضرر بالقومية وم�صري الأمة‬ ‫ال�سورية‪ ،‬مل يكن �إال بق�صد منع الفتنة الدينية التي قام بنف�ض الرماد عن بقية نارها نفر من‬ ‫ذوي املطامع الذين ي�ستبيحون دماء �أبناء الأمة من �أجل �أغرا�ضهم الذاتية احلقرية‪ ،‬ولإقامة‬ ‫احلد وكبح جماح حملة رجعية �إذاعية �شبه منظمة لتحري�ض الغوغاء املحمدي و�إثارة نعرته‬ ‫الدينية‪ ،‬وحتريكه نحو املطامع ال�سيا�سية ال�شخ�صية با�سم الدين‪ .‬وهذه هي الفتنة عينها‪ .‬فبقدر‬ ‫ما يحر�ض الرجعيون والنفعيون اجلماعات الر�سولية ويثريونها يحدث رد فعل يف اجلماعات‬ ‫امل�سيحية والدرزية‪ .‬وال يقف الأمر عند هذا احلد‪ ،‬بل ي�صل �إىل اجلماعات املحمدية ال�صغرى‬ ‫�أي�ضاً كالعلويني وال�شيعة‪ ،‬فهذه ال�شيع قد وقع عليها اال�ضطهاد من اجلماعة املحمدية الكربى‬


‫‪210‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫ال�س َّنة‪ .‬وب�سبب هذه العداوة �أمكن ف�صل منطقة الالذقية ومنطقة جبل‬ ‫يف �سورية من �أهل ُ‬ ‫حوران‪� ،‬إدارياً و�سيا�سياً‪ ،‬عن بقية البالد كما ف�صل لبنان عنها‪.‬‬ ‫�إننا ب ّينا �أغالط املهوو�سني والرجعيني املحمديني والأ�ضرار العظيمة التي جتلبها دعاوتهم على‬ ‫نه�ضة �أمتنا احلديثة‪ ،‬ومتكنا من �إثبات وجوب ف�صل املوا�ضيع املل ّية عن العمل القومي �إثباتاً‬ ‫ال يقبل النق�ض‪ .‬وهذا الغر�ض بعيد عن حماولة احلط من �أ�صول الدين املحمدي الأ�سا�سية‪،‬‬ ‫و�إننا نعتقد �أننا قد بلغنا هذه الغاية يف ما تقدم من حلقات هذا البحث‪.‬‬ ‫بقي �أن نقول قو ًال يتعلق باجلهة املقابلة للحزبية املل ّية املحمدية‪� ،‬أي باجلهة الي�سوعية‪ ،‬ف�إن‬ ‫�أعما ًال رجعية كثرية قد جرت يف اجلماعات امل�سيحية لي�ست كلها عائدة �إىل «اتقاء الهو�س‬ ‫الديني املحمدي»‪ ،‬وهذه الأعمال الرجعية لي�ست �أقل �سوءاً من �أعمال الرجعيني املحمديني‪.‬‬ ‫�إننا نعتقد �أن الغلط ال ي�صلح بغلط من نوعه‪ ،‬و�إيجاد حركة رجعية م�سيحية ال يعدم احلركة‬ ‫الرجعية الر�سولية بل يزيد هذه احلركة احتداماً‪ .‬ولكن الرجعيني امل�سيحيني مل يكونوا‪ ،‬يف‬ ‫�شيء‪� ،‬أقل هو�ساً من الرجعيني الر�سوليني‪ ،‬والرجعة امل�سيحية ال تقل ت�سرتاً بالوطنية و«القومية‬ ‫اللبنانية» عن الرجعة الر�سولية بالوطنية و«القومية العربية»‪ .‬وكلتا القوميتني خرافيتان يف ما‬ ‫يخت�ص بالأمة ال�سورية والوطن ال�سوري الذي يك ّون لبنان جزءاً منه‪.‬‬ ‫ومع �أنه ال جمال يف هذا البحث املخ�ص�ص بالرجعة املحمدية و�أ�صول معتقداتها ال�سيا�سية‬ ‫ـ االجتماعية ـ الدينية للتطويل يف �ش�ؤون الرجعة الي�سوعية التي و�إن مل تظهر منها دعوات‬ ‫�صريحة‪ ،‬علنية‪ ،‬كدعوات �أ�صحاب الرجعة املحمدية املعتزين ب�أكرثيتهم العددية‪ ،‬ف�إنها لي�ست‬ ‫�أقل �أهمية من هذه‪ ،‬فال بد من تناول ما مل يح�ضرنا ذكره يف احللقة ال�ساد�سة والع�شرين‬ ‫(احللقة ‪ .)15‬ف�إن دعاة االنف�صال امل�سيحي يف لبنان يوردون حججاً �أكرثها �أقوال �شفوية‬ ‫يتناقلونها يف �أو�ساطهم‪ ،‬يجب �إ�سقاطها وت�سفيهها لعدم �صحتها وعدم �صوابيتها‪ .‬وقد �أ�سقطنا‬ ‫بع�ضها و�سفّهناه يف احللقة ال�سابقة‪ ،‬امل�شار �إليها‪ ،‬ونتناول هنا ما يح�ضرنا من هذه احلجج‪:‬‬ ‫�سمعنا �أكرث من مرة يف بع�ض املحا�ضر �أ�شخا�صاً م�سيحيني ير ّدون على الدعوة �إىل االحتاد‬ ‫القومي بهذه الأقوال‪« :‬املحمديون متع�صبون وال ميكن االحتاد معهم»‪ ،‬وت�أييد هذا القول‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪211‬‬

‫ي�أتي يف الأقوال الأخرى كهذا القول‪« :‬ال �سبيل للتفاهم معهم �أو حلفظ كرامتنا عندهم‪ ،‬فهم‬ ‫�إذا جاء �أحد منهم يزور واحداً منا ا�ستقبله هذا مع �أهله وعياله‪ ،‬فتجل�س له زوجة امل�سيحي‬ ‫وبناته و�أخواته‪ ،‬ولكن حني يذهب امل�سيحي لريد زيارة املحمدي ف�إنه ي�ستقبله دون �أهله‬ ‫وعياله ويحجب عنه امر�أته وبناته‪ ،‬فكيف ميكن التفاهم واالتفاق مع الذين هذا �ش�أنهم»‪ .‬و�إننا‬ ‫نالحظ �أن الذين يقولون هذه الأقوال يدلون بها بلهجة من قد �أعطى القول الف�صل واحلجة‬ ‫التي ال تدفع‪ .‬وهذا دليل على مبلغ الهو�س واجلهل‪ .‬ف�إن متحي�ص هذه احلجة يثبت بطالنها‬ ‫و�سخف �أ�صحابها‪ ،‬ف�إن املحمدي ال يحجب امر�أته وبناته عن الي�سوعي فقط‪ ،‬بل عن ابن م ّلته‬ ‫نف�سها‪ .‬ففي ن�صو�ص ال�شرع املحمدي ال يجوز �أن ت�سفر املر�أة �إال لزوجها وابنها و�أخيها ومن‬ ‫هم مبنزلة �أقرب القرابة‪ ،‬و�سواء �أكان �سواهم من م ّلتها �أو من غري م ّلتها فهي ال ت�سفر وال جتل�س‬ ‫لهم‪ .‬فهذه املعاملة ال يق�صد منها �إهانة الزائر امل�سيحي وال رف�ض مودته‪ ،‬ولكنها عادة ت�ستند‬ ‫�إىل ال�شرع‪� .‬أما لزوم هذا ال�شرع �أو عدم لزومه فم�س�ألة �أخرى‪ .‬ودليل �آخر على ف�ساد ادعاء‬ ‫�أ�صحاب هذه احلجة هو �أنه �إذا جاء زائر م�سيحي �إىل دار �صديق ر�سويل وجلب معه امر�أته‬ ‫فامر�أة الر�سويل ال متتنع عن ا�ستقبالها يف مكان احلرمي و�إكرامها‪.‬‬ ‫ومن �أقوال ه�ؤالء املتعنتني‪�« :‬إننا قد لقينا كثرياً من اال�ضطهاد من املحمديني‪ ،‬وحرمنا‬ ‫م�ساواة احلقوق والتماثل يف املواقف‪ ،‬فال ميكننا �أن نن�سى ما جرى لبع�ضنا ولآبائنا من االهانة‬ ‫واال�ضطهاد‪� ،‬إلخ»‪ .‬ومع �أن حجة اال�ضطهاد �صحيحة فلي�س �صواباً اتخاذها ذريعة �أو م�ستنداً‬ ‫جلعل املا�ضي يحكم على احلا�ضر وامل�ستقبل‪ ،‬ف�إعدام امل�ستقبل ب�سبب جهاالت املا�ضي‬ ‫هو �أ�سو�أ ال�ضالل‪� :‬إنه االنتحار واالنعدام‪ ،‬وال ي�سعى نحوه �إال كل �سيىء امل�صري‪� .‬إنه جرمية‬ ‫تتناول الأبناء والأحفاد الأبرياء‪ ،‬و�أي جهالة ميكن �أن تكون �شراً من هذه اجلهالة؟‬ ‫ماذا كان يحدث لأملانية لو ظل بروت�ستنتيوها وكاثوليكيوها يقولون مثل هذا القول‪� ،‬أي �أنهم‬ ‫ال ي�ستطيعون ن�سيان الأحقاد واال�ضطهادات القدمية بني تينك ال�شيعتني امل�سيحيتني‪ ،‬التي‬ ‫ولدت بينهما ما يعرف يف التاريخ بحرب الثالثني �سنة؟‬ ‫�أجل‪� ،‬إن حرب الثالثني �سنة الدينية التي ن�شبت بني الذين اعتنقوا مذهب لوثر الإ�صالحي‬ ‫وال�سلطة الكاثوليكية و�أتباعها‪ ،‬هي حرب مل ين�شب مثلها يف بالدنا بني امل�سيحيني والر�سوليني‪.‬‬


‫‪212‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫�إنها حرب �شديدة كرثت وقائعها امل�شهورة و�سالت فيها الدماء �ش�آبيب‪ ،‬وتهدمت املدن‬ ‫يبق يف �أملانية مدينة �أو بلدة �إال ولب�ست احلداد و�أقيمت فيها املناحات‪.‬‬ ‫وخربت الديار‪ .‬ومل َ‬ ‫فلو بقي �أحفاد املتقاتلني الأملان يقولون �إىل اليوم ما يقوله �أحفاد املتقاتلني ال�سوريني‪� ،‬أي‪« :‬ال‬ ‫ميكننا �أن نن�سى ما جرى لآبائنا و�ضحايانا»‪� ،‬أكانت تقوم لأملانية قائمة؟‬ ‫�إال �أن ما م�ضى قد م�ضى‪ ،‬والأمة يجب �أن حتيا للحا�ضر وامل�ستقبل‪ ،‬ولي�س للما�ضي‪ .‬و�إذا‬ ‫نظرنا �إىل املا�ضي فلننظر ال�ستخراج العرب واملغازي ولي�س الرجوع �إىل حالة املا�ضي امل�ؤ�سفة‪.‬‬ ‫ومن �أقوال جهلة امل�سيحيني �إن ما ُيرى من �شدة تع�صب العامة املحمدية هو دليل على عدم �إمكان‬ ‫االتفاق واالحتاد مع املحمديني‪ ،‬فك�أنهم يقولون �إن املحمديني خلقوا جامدين على حالتهم غري‬ ‫قابلني للتطور‪ .‬وهذا جهل وخطل يف الر�أي‪ ،‬ف�إذا رجعنا �إىل �أزمنة التع�صب امل�سيحي وجدنا �أنها ال‬ ‫تختلف يف �شيء عن �أزمنة التع�صب الر�سويل‪� ،‬إذا مل تكن فاقتها �شدة وق�سوة‪ .‬فلنعترب مبا جرى يف‬ ‫()‬ ‫�أملانية ثم مبا جرى يف فرن�سة من اال�ضطهاد الديني الذي بلغ قمته يف مذبحة برتلماو�س ال�شهرية‬ ‫التي ظهرت فيها فظاعة الغدر واحلقد الديني ب�أقبح مظهر‪ .‬وقد ر�أينا بعد ذلك �أن النا�س تركوا‬ ‫هذه الأمور‪ .‬فهل يظن �أحد من ذوي الإدراك العادي �أن امل�سيحيني وحدهم قابلون للتطور و�أن‬ ‫املحمديني �سيبقون جامدين يف حالة الهو�س الديني و�أوهامه؟‬ ‫نن�س �أن �أكرث املحمديني‬ ‫�إن ال�سوريني املحمديني قابلون للتطور كال�سوريني امل�سيحيني‪ ،‬وال َ‬ ‫ال�سوريني كانوا من قبل م�سيحيني ثم اعتنقوا املحمدية مف�ضلينها مع احلرية على امل�سيحية مع‬ ‫العبودية‪ ،‬لأن الفتح املحمدي خيرَّ �أهل البالد بني الدخول يف الدين الر�سويل ونيل جميع‬ ‫حقوق �أتباعه وبني البقاء على دينهم ودفع اجلزية و�إبطال حقوقهم املدنية وال�سيا�سية‪.‬‬ ‫�أما ما نراه من �شدة هو�س اجلماعات املحمدية يف �سورية فهو �أمر طبيعي جرى مثله يف جميع‬ ‫امللل‪ ،‬وهو عائد �إىل قرب عهدهم بالتع�صب الديني وانعدام العلوم الفل�سفية والعلمية من‬ ‫نن�س �أن ت�ساهل امل�سيحيني احلايل عائد‬ ‫�أو�ساطهم‪ ،‬ولي�س �إىل طبيعة فيهم ال تتبدل وال تتغري‪ .‬فال َ‬ ‫�إىل �سبقهم الر�سوليني �إىل العلوم واملعارف الع�صرية مبا ن�ش�أ يف �أو�ساطهم من مدار�س وخ�صو�صاً ما‬ ‫ن� أش� يف املدة الأخرية من املدار�س املدنية‪ .‬وحيث ن�ش�أت يف �أو�ساط ر�سولية مدار�س مدنية عنيت‬ ‫‪1‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪213‬‬

‫بتدري�س العلوم احلديثة جند تبد ًال كبرياً يف نظر التالميذ املحمديني �إىل احلياة االجتماعية‪ .‬ويف‬ ‫احلركة ال�سورية القومية جرى التغيرّ والتطور جمرى واحداً بني امل�سيحيني والر�سوليني والدروز‪.‬‬ ‫معلوم �أن الر�سولية ت�أخرت عن امل�سيحية يف �سورية نحو �سبعة قرون‪ ،‬وفرق هذه املدة يف‬ ‫التطور يجب �أال يذهب بدون مالحظة‪ .‬ثم جند �أن التع�صب الديني امل�سيحي مل يبتديء‬ ‫يخف �إال بعد ن�شوء املدار�س العلمانية‪� ،‬أما حني كان التعليم دينياً بحتاً كان التع�صب الديني‬ ‫ّ‬ ‫امل�سيحي مثل التع�صب الديني الر�سويل‪ .‬و�شدة التع�صب الر�سويل التي ال تزال ظاهرة بني‬ ‫حممديي �سورية عائدة �إىل ت�أخر ن�شوء املدار�س العلمانية عندهم وقلة عددها بالن�سبة �إىل‬ ‫املدار�س الدينية والتعليم الديني املح�شو هو�ساً وتع�صباً دينياً‪.‬‬ ‫�إذا و�ضعنا عدداً مت�ساوياً من التالميذ امل�سيحيني والر�سوليني والدروز حتت ثقافة واحدة ف�إننا‬ ‫جند النتائج واحدة‪ ،‬وال تختلف �إال بتعر�ض التالميذ لت�أثريات �أخرى يف بيوتهم‪ .‬ومع ذلك‬ ‫فاالختالف ي�ضعف رويداً مع ا�ستمرار الثقافة حتى يتال�شى ويزول بامل ّرة‪.‬‬ ‫وقد �شاهدنا �أطوار هذا ال�صراع الطويل بني الثقافة القومية الواحدة التي �أن�ش�أها احلزب ال�سوري‬ ‫القومي وعوامل البيئات املل ّية‪ .‬ويف �أوائل �أطوار هذا ال�صراع ظهر ك�أن عوامل احلياة املل ّية �ستغلب‬ ‫دوافع احلياة القومية وثقافتها‪ .‬ولكن مل يطل الأمر حتى �أخذت الثقافة القومية تتغلب على‬ ‫الثقافة املل ّية‪ ،‬و�صارت دوافع احلياة القومية متحق عوامل احلياة املل ّية حتى �أتت عليها‪ .‬وقد اقت�ضى‬ ‫ذلك مقداراً عظيماً من ال�صرب واحلنكة و ُبعد النظر وح�سن ال�سيا�سة وال�سهر يف �إدارة احلزب‬ ‫ال�سوري القومي العليا‪ ،‬فكانت النتيجة باهرة ال يت�صور الالقوميون ر�ؤيتها وال يف املنام‪.‬‬ ‫وال يظنن �أحد �أن جميع مفكري املحمديني هم من نوع ال�شيخ حممد عبده وال�سيد جمال‬ ‫الدين الأفغاين‪ ،‬فهذان املفكران الرجعيان غري ال�سوريني ال ميكنهما ادعاء احتكار التفكري‬ ‫املحمدي الع�صري‪ .‬وقد قلنا �إنه من امل�ؤ�سف �أن مفكراً �سورياً حممدياً هو ال�سيد الفراتي‬ ‫عبد الرحمن الكواكبي مل يذهب �صيته ذهاب �صيت �إما َمي الرجعة املذكورين مع �أنه �أحق‬ ‫بهداية النفو�س منهما‪� ،‬إذ نظر �إىل احلياة االجتماعية وال�سيا�سية من جهة التفكري ال�سوري‬ ‫املرتقي‪ .‬و�إليك فقرة مما قاله يف كتابه «طبائع اال�ستبداد وم�صارع اال�ستعباد»‪:‬‬


‫‪214‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫«يا قوم‪ ،‬و�أعني بكم الناطقني بال�ضاد من غري امل�سلمني‪( ،‬وهو قول �سوري موجه �إىل ال�سوريني‬ ‫بالدرجة الأوىل و�إن يكن القول عاماً الناطقني بال�ضاد) �أدعوكم �إىل تنا�سي الإ�ساءات‬ ‫والأحقاد وما جناه الآباء والأجداد‪ .‬فقد كفى ما فعل ذلك على �أيدي املثريين‪ ،‬و�أج ّلكم‬ ‫من �أن ال تهتدوا لو�سائل االحتاد و�أنتم املتنورون ال�سابقون‪ .‬فهذه �أمم �أو�سرتيه و�أمريكة قد‬ ‫هداها العلم لطرائق �شتى و�أ�صول را�سخة لالحتاد الوطني دون الديني والوفاق اجلن�سي دون‬ ‫املذهبي‪ ،‬واالرتباط ال�سيا�سي من دون الإداري(؟) فما بالنا نحن ال نفتكر يف �أن نتبع �إحدى‬ ‫تلك الطرائق �أو �شبهها‪ .‬فيقول عقال�ؤنا ملثريي ال�شحناء من الأعجام والأجانب‪ :‬دعونا يا‬ ‫ه�ؤالء‪ ،‬نحن ندبر �ش�أننا‪ ،‬نتفاهم بالف�صحاء ونرتاحم بالإخاء ونتوا�سى يف ال�ض ّراء ونت�ساوى‬ ‫يف ال�س ّراء‪ .‬دعونا ندبر حياتنا الدنيا وجنعل الأديان حتكم يف الأخرى فقط‪ .‬دعونا جنتمع على‬ ‫فلنحي طلقاء �أعزاء!»‪.‬‬ ‫فليحي الوطن‪َ .‬‬ ‫فلتحي الأمة‪َ .‬‬ ‫كلمات �سواء �أال وهي‪َ :‬‬ ‫هذا كالم رجل من املحمديني عرف معنى الإ�سالم ال�صحيح وقال قو ًال جعله يف طالئع العهد‬ ‫القومي‪ ،‬و�إن كان النا�س ا ّتبعوا من هو (الكواكبي) �أحق بالتقدم عليه‪ .‬ولكن النه�ضة ال�سورية‬ ‫القومية جاءت تنف�ض غبار الأوهام عن �أذهان النا�س ليميزوا بني قول احلق وقول الباطل‪ .‬فرحم‬ ‫اهلل ال�سيد الفراتي مبا قال‪ ،‬وفيه زبدة تفكري را�سخ وت�أمل نا�ضج‪« :‬دعونا ندبر حياتنا الدنيا وجنعل‬ ‫الأديان حتكم يف الأخرى فقط»‪ .‬فهذا قول تتبناه احلركة ال�سورية القومية بحرفيته‪ ،‬وتخ ّلد به‬ ‫ذكرى الإمام الكواكبي الذي نظر يف مقت�ضيات الدين والدنيا فقال فيها هذا القول الف�صل‪.‬‬

‫اخلالصة‪:‬‬

‫قد تبني من هذا الدر�س‪ ،‬املخت�صر على طوله‪� ،‬أن الدعوة الرجعية �إىل دولة الدين الر�سويل‬ ‫هي فا�سدة وم�ستندة �إىل جهل يف الدين والدنيا‪ ،‬كما �أن الدعوة الرجعية �إىل دولة الدين‬ ‫امل�سيحي هي فا�سدة وم�ستندة �إىل جهل يف الدين والدنيا‪.‬‬ ‫وات�ضح �أن التع�صبات الدينية واحلزبيات املل ّية هي بالء هذه الأمة ال�سورية الذي ال بالء بعده‪،‬‬ ‫و�أن ال دافع لهذا البالء وغريه عن الأمة غري دافع القومية ال�سورية التي جعلها احلزب ال�سوري‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪215‬‬

‫القومي دين الدنيا لل�سوريني‪ .‬وقد توفرت الأدلة والرباهني النظرية والعملية على �صحة هذا‬ ‫الدين القومي الذي يجعل ال�سوريني ع�صبة واحدة ال تف ّرق بينهم يف الدنيا �أية فكرة حملها‬ ‫يف الآخرة‪ ،‬وال يتميز بينهم �أحد �إال مبقدار ما يجاهد ويبذل خلري الأمة ال�سورية حميعها‪.‬‬ ‫�إن النتائج الفعلية التي ح�صلت بن�شوء القومية ال�سورية و�سري احلركة ال�سورية القومية هي‬ ‫تعم ال�شعب‪ ،‬لينه�ض كله نه�ضة واحدة بعقيدة واحدة و�إميان‬ ‫نتائج �أكيدة ال ينق�صها �إال �أن ّ‬ ‫واحد‪ ،‬في�صري قادراً على ال�صرب والثبات يف معرتك الأمم والتقدم يف م�ضمار احلياة‪ .‬والو�صول‬ ‫�إىل هذه احلالة ال�سعيدة التي ال ي�شتهيها عدو ل�سورية يقت�ضي تلبية وا�سعة �سريعة من الأو�ساط‬ ‫والعنا�صر املدركة التي ر�أت �صحة الر�سالة ال�سورية القومية‪ ،‬لإمداد احلركة ال�سورية القومية‬ ‫باملال الالزم لن�شر ر�سالتها و�إذاعة مبادئها ونظرياتها وتلقني تعاليمها للجماعات العط�شانة �إىل‬ ‫املعرفة امل�شتاقة �إىل نور اليقني‪ ،‬ولت�أييد هذه احلركة املباركة معنوياً ومادياً وم�ساعدتها على‬ ‫مهاجمة الدعاوات الت�ضليلية وحماربة الأفكار ال�ساقطة واملذاهب االنحطاطية‪ ،‬فيكون من‬ ‫وراء ذلك تغيري الأمة من حال االن�شقاق والتخاذل والتحاقد وال�ضعف �إىل حال االتفاق‬ ‫والتعاون والتعا�ضد والقوة والتغلب واملجد‪.‬‬ ‫�إن الق�ضاء على الت�ضليل وامل�ضللني‪ ،‬وجلب �سواد ال�شعب �إىل �صراط احلقيقة واحلق‪،‬‬ ‫يحتاج لبث املعرفة يف جميع الأو�ساط‪ .‬وهذا عمل كبري يف حد ذاته يقت�ضي و�سائل كثرية‬ ‫من الإذاعة اخلطابية والكتابية‪ .‬والتفكري يف هذا امل�شروع وحده ومقت�ضياته يجعلنا ندرك‬ ‫كم هو �ضروري الإقبال على منا�صرة احلركة ال�سورية القومية مادياً ومعنوياً‪ .‬ولو �أن التلبية‬ ‫الفعلية امتدت ب�سرعة يف الوطن واملهجر وح�صلت للحركة املقومات املادية الكافية لإذاعة‬ ‫وا�سعة‪ ،‬وبث الك ّتاب واخلطباء يف جميع الأنحاء‪ ،‬وطبع الكتب واملنا�شري واخلطب وتوزيعها‬ ‫بع�شرات الألوف‪ ،‬و�إن�شاء ال�صحف واملجالت لإمداد النا�س باملعلومات الوثيقة والتوجيهات‬ ‫ال�صحيحة‪ ،‬لكان من املحتمل �أو املرجح �أن يكون موقف �سورية يف هذه احلرب غري موقف‬ ‫ال�شلل الذي تقفه ب�سبب كرثة الدعاوات والإذاعات امل�ضللة التي تقوم بها عنا�صر ال�سيا�سة‬ ‫ال�شخ�صية والرجعية‪ ،‬وتغذيها الإرادات الأجنبية التي‪� ،‬أياً كان م�صدرها‪ ،‬ال ترغب يف �أن‬ ‫ترى الأمة ال�سورية موحدة العقيدة والإرادة لكي ال تفوتها مطامعها فيها‪.‬‬


‫‪216‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫�إن كل �سوري و�سورية يغاران فع ًال على �شرف قوميتهما وم�صلحة �شعبهما ورفاهية وطنهما‬ ‫يجب �أن يعلما �أن �أمانيهما خلري �أمتهما ووطنهما ال تتحقق بالك�سل والالمباالة وال مبجرد‬ ‫التمني‪ ،‬بل بدر�س الق�ضية القومية املقد�سة در�ساً �صحيحاً يف مبادئها التي ن�ش�أت عليها‪،‬‬ ‫دجايل الوطنية والأدب وم�شعوذي العلم والفن‪.‬‬ ‫وبالقيام بالواجب نحو هذه الق�ضية‪ ،‬ومبحاربة ّ‬ ‫بهذه الطريقة يتم الوعي القومي و ُتخ ّل�ص الأمة ال�سورية من ق�ضية احلزبيات املل ّية ومن مظامل‬ ‫االقطاعية‪ ،‬فتقف �صفوفاً واحدة مرتبة بني �صفوف الأمم الباقية ويف مقدمة هذه الأمم جميعها‬ ‫مبا لها من مثل عليا فائقة اجلمال وف�ضل على الثقافة والتمدن الإن�سانيني‪.‬‬ ‫�إن القواعد ال�صحيحة لنه�ضة �سورية قومية عظيمة قد و�ضعت‪ ،‬والنه�ضة العظيمة قد ابتد�أت بالفعل‬ ‫يبق �إال �أن حت�صل التلبية الوا�سعة ل�سري �سورية �إىل املجد الذي ينتظرها‪.‬‬ ‫منذ نحو ع�شر �سنني‪ ،‬فلم َ‬ ‫فيا �أيها ال�سوريون املقيمون واملهاجرون‪ ،‬ارحموا �أنف�سكم وعيالكم وذريتكم يرحمكم اهلل‪،‬‬ ‫انبذوا الذين يريدون بكم �شقاقاً والتفوا حول الذين يريدون بكم وفاقاً‪ ،‬واتركوا ق�ضايا الآخرة‬ ‫للآخرة‪ ،‬وتعالوا �إىل كلمة �سواء جتمع �شملنا وتعيد �إلينا وطننا و�أهلنا وع ّزنا وكرامتنا وحقوقنا‬ ‫وم�صاحلنا‪� ،‬إىل القومية ال�سورية االجتماعية‪ ،‬التي هي رابطة كل �سوري و�سورية بكل �سوري‬ ‫و�سورية‪ ،‬ورابطة الأجيال ال�سورية املا�ضية واحلا�ضرة واملقبلة‪.‬‬ ‫�أيها ال�سوريون‪:‬‬ ‫ان�صروا قوميتكم وتع�صبوا لها وحدها فهي مبد�ؤكم ومعادكم يف الدنيا وبها تنت�صرون وتنالون املجد‪.‬‬ ‫�إنتهى البحث ويف العدد القادم كلمة اخلتام‪.‬‬

‫اهلوامش‬ ‫‪ -1‬مذبحة ارتكبها الكاثوليك بحق الربوت�ستانت يف فرن�سا �سنة ‪ ،1572‬وراح �ضحيتها ما‬ ‫بني ‪� 5‬إىل ‪� 30‬ألفاً‪.‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪217‬‬

‫اخلامتة‪ :‬خلود اجلنون‬ ‫�إن من ي�ستعر�ض‪ ،‬بروية و�إدراك‪ ،‬احللقات ال�سابقة من هذا البحث وينظر يف �أ�سبابها املبا�شرة‬ ‫ويعرف �أهميتها الكبرية لغر�ض «ت�صفية العقائد» البالية املت�ضاربة‪ ،‬الذي �أعلنه زعيم النه�ضة‬ ‫ال�سورية القومية يف خطابه �أول حزيران ‪ 1935‬ويف ب�سطه و�إي�ضاحه الذي و�ضعه يف �سجن‬ ‫الرمل �أوائل كانون الثاين �سنة ‪ ،1936‬يرى بجالء عظيم الفرق بني �إيقاد النار و�إخمادها‪.‬‬ ‫فالأول عمل هينّ ال يندر �أن يكون رمية طي�ش ونفخة جهل‪ ،‬وهو يف مقدور النابغ واخلامل‬ ‫على ال�سواء‪� .‬أما الثاين فعمل �شاق‪ ،‬كثري اجلهد يحتاج فيه �إىل العلم والتنظري وال�صرب‬ ‫واملثابرة‪ .‬والنار الكالمية �أو الفكرية �أ�صعب عالجاً من النار املادية لأنها تتناول النفو�س‬ ‫وتركيبها املعقد وعوامل عقليتها‪ .‬ومن و�ضوح هذا الفرق بني طبيعة العملني يدرك الدار�س‬ ‫الفطن �سهولة تبجح املخربني بتخريبهم و�صعوبة �إجناز التجديد واال�صالح يف بيئة يكرث فيها‬ ‫اجلهلة‪ ،‬الطائ�شون‪ ،‬املخربون‪.‬‬ ‫�إىل جانب هذه احلقيقة نرى حقيقة �أخرى وهي �أن التبجح بالتخريب ينتهي باخلراب‪ ،‬و�أن‬ ‫اجلنون باخللود ال يو�صل �إال �إىل اجلنون‪.‬‬ ‫كما �أن النف�سية العامة هي ّ‬ ‫مركب معقد كذلك النف�سية الفردية‪ .‬ف�إن من غريب �أمر ر�شيد‬ ‫�سليم اخلوري الناظم املعروف بِــ«ال�شاعر القروي» و�أ�ضرابه ك�إليا�س فرحات و�إيليا �أبي ما�ضي‬ ‫�أنهم ل�شدة مر�ض نفو�سهم و�إعجابهم بذواتهم �أخذوا يظنون �أن املباديء والتعاليم االجتماعية‬ ‫ال �صحة �أو حقيقة لها يف نف�سها و�أنه‪ ،‬لذلك‪ ،‬ميكن هدمها بالهجو والقدح والطعن اللئيم‬ ‫ب�أ�صحابها‪ ،‬ثم �إ�شادة فكر و�أوهام خاطئة يف حملها بالتعظيم واملدح‪ .‬وتوهموا �أن �شعور ال�شعب‬


‫‪218‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫و�أمانيه لي�ست ذات �أ�صول نف�سية حقيقية بل جمرد حاالت عار�ضة ميكن التالعب بها‬ ‫بالق�صائد واخلطب‪ ،‬فلم يعودوا يقيمون حرمة لعلم وال وزناً لتعليم �أو مبد�أ‪.‬‬ ‫بهذا التفكري ال�سخيف املمزوج بحالة من �أ�صعب حاالت اجلنون باخللود ومطامع مادية‪ ،‬مالية‬ ‫وغريها‪� ،‬أذعن ر�شيد �سليم اخلوري �إىل �إغراء الذين باعهم نف�سه وقلمه ليحمل على مباديء‬ ‫احلركة ال�سورية القومية و�شخ�صية زعيمها التي كان يعرف هو حقيقة قوتها‪ ،‬وليدعو �إىل بع�ض‬ ‫ال�شخ�صيات الرجعية التي تقلبت يف مذاهبها ومواقفها االجتماعية وال�سيا�سية‪ ،‬وتلونت يف‬ ‫غاياتها العمومية ب�ألوان �شتى كال�سيد �شكيب �أر�سالن الذي حمل على �إيطالية �سنة ‪1931‬‬ ‫ب�سبب �سيا�ستها اال�ستعمارية يف طرابل�س الغرب والقريوان‪ ،‬ثم عاد �سنة ‪ 1939‬وما بعدها‬ ‫يخف على‬ ‫فمدح اال�ستعمار الإيطايل و�أفا�ض يف و�صف العمران الذي قام به يف �إفريقية‪ ،‬ومل َ‬ ‫املراقبني �أن انقالبه كان لأن الطليان ا�ستمالوه باملال‪ .‬ثم عاد �إىل الوطن �سنة ‪ 1937‬بعد و�ضع‬ ‫املعاهدة ال�شامية ـ الفرن�سية و�أيد �سيا�سة «الكتلة الوطنية» و�سيا�سة فرن�سة‪ ،‬وكان الفرن�سيون‬ ‫قد ا�ستمالوه كما ا�ستماله الطليان‪ .‬ثم انقلب بعد �إعالن احلرب احلا�ضرة على رجال «الكتلة‬ ‫الوطنية» الذين كانوا لعهد قريب �إخوانه و�أخدانه‪ ،‬وعلى �سيا�سة فرن�سة‪ ،‬ف�أخذ يطعن فيهم‬ ‫وفيها‪ .‬ومل يكن يف كتاباته �ضد �سيا�سة فرن�سة �سوى معيد بع�ض ما كان �أعلنه الدكتور خليل‬ ‫�سعادة وجاهر به من النقد ل�سيا�ستها يف �سورية‪ .‬و�سبب هذا االنقالب هو �أن الإذاعة الأملانية‬ ‫ا�ستمالته �إليها وا�شرتت �إم�ضاءه ومقاالته التي حتمل مزيجاً جز�ؤه الأول ما ت�شري به �إدارة‬ ‫الإذاعة الأملانية وجز�ؤه الثاين مطامعه ال�شخ�صية يف اخلالفة املحمدية‪ .‬ناهيك عن مواقفه‬ ‫الغريبة‪ ،‬يف العهد الرتكي‪ ،‬البعيدة عن كل �شعور وطني نبيل وعن كل �إدراك قومي �صحيح‪.‬‬ ‫بالتفكري العقيم امل�شار �إليه‪ ،‬قام ر�شيد اخلوري ينق�ض �سراً وجهراً يف بع�ض احلاالت‪ ،‬ما كان‬ ‫قد �أثبته كتابة يف �صدد �شخ�صية م�ؤ�س�س النه�ضة ال�سورية القومية‪ .‬و�إثباته الكتابي املذكور هو‬ ‫ما ن�شره يف �صحيفة «الرابطة» التي عهدت �إليه رئا�سة حتريرها بعد وفاة الدكتور خليل �سعادة‬ ‫والد الزعيم‪ ،‬يف عددها ال�صادر يوم ال�سبت يف ‪ 1‬فرباير (�شباط) ‪ 1936‬بتوقيع «القروي»‪.‬‬ ‫و�إليك بع�ض ما قاله يف املقالة االفتتاحية امل�شار �إليها‪:‬‬ ‫«و�أنطون ذلك الفتى النجيب الذي يعرفه الو�سط ال�سوري ال�سانباويل �إذ كان يعاون املرحوم‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪219‬‬

‫�أباه يف حترير «اجلريدة» وملا يكد يجاوز ن�صف العقد الثاين من عمره النافع الطويل �إن �شاء اهلل‪.‬‬ ‫وهمه �أبعد من �سنه ومراده �أكرب من ج�سمه‪ .‬وكان بع�ض‬ ‫«عرفنا الفتى �أنطون يف هذه احلا�ضرة ّ‬ ‫املتعنتني من الأدباء (ولعل �إليا�س فرحات �أولهم) ي�ستثقلون ظله حل�شره نف�سه بني جماعة‬ ‫املن�شئني والك ّتاب النا�ضجني‪ .‬وكان كاتب هذه ال�سطور (ر�شيد اخلوري) يناق�ش عنه ملا كان‬ ‫يتو�سم فيه من خمائل النجابة التي �أمهلها اهلل مب ّنه حتى �صارت �شمائل حلوة رائعة تدعو �إىل‬ ‫الده�شة والإعجاب»‪.‬‬ ‫هذا بع�ض ما كتبه اخلوري بوجدان نزيه و�صراحة تامة يف �أوائل �سنة ‪ .1936‬ولكن يف �أوائل‬ ‫�سنة ‪� 1939‬أخذت احلالة تتبدل‪ ،‬فلم يعد �أنطون �سعادة ذلك الفتى البعيد الفهم والكبري‬ ‫املراد‪ ،‬وال ذا خمائل النجابة التي �أمهلها اهلل مب ّنه حتى �صارت «�شمائل حلوة رائعة تدعو �إىل‬ ‫الده�شة والإعجاب»‪ .‬كال‪ ،‬مل يعد �أنطون �سعادة لر�شيد اخلوري �سوى م�ضلل لي�س فيه �شيء‬ ‫رائع يدعو �إىل الده�شة والإعجاب! ملاذا؟ لأن ر�شيد �سليم اخلوري و�ضع نف�سه حتت ت�صرف‬ ‫�إرادات خفية غام�ضة ت�شتغل وراء �شكيب �أر�سالن �أو ُت�شغله!‬ ‫يف احللقات الأوىل من هذه ال�سل�سلة ( ُن�شرت يف ق�سم «جنون اخللود») �أوردنا بع�ض مطاعن‬ ‫ر�شيد اخلوري يف احلزب ال�سوري القومي و�شخ�صية زعيمه‪ ،‬ولكن فاتنا �أن نذكر هناك ناحية‬ ‫الد�س الدال على اختبار طويل العهد يف هذا الفن اللئيم‪ .‬فمن و�سائل �إلقاء ال�شبهة‬ ‫من ّ‬ ‫والريبة‪ ،‬بطريقة لبقة على درجة عالية من الإتقان‪ ،‬قول ر�شيد اخلوري لبع�ض الذين ا�ست�صوبوا‬ ‫غاية احلزب ال�سوري القومي وعرفوا قدر مبادئه ال�سامية التي و�ضعها له الزعيم‪�« :‬سواء �أكانت‬ ‫هذه املباديء و�شروحها من �إن�شاء الزعيم نف�سه �أو مما نقله �أو �أخذه الزعيم من م�صادر �أجنبية‪،‬‬ ‫فال �شك �أن احلزب ال�سوري القومي �أوجد نظاماً جيداً و�أ�شياء مفيدة يح�سن اكت�سابها!»‪.‬‬ ‫الد�س على احلركة ال�سورية القومية والعمل‬ ‫�إىل هذا املدى البعيد و�صلت وقاحة اخلوري يف ّ‬ ‫على هدم ع�صمتها وحمق الإميان بها!‬ ‫�أال يعرف ر�شيد اخلوري نف�سه حق املعرفة �أن مباديء احلزب ال�سوري القومي و�شروحها هي‬ ‫من �إن�شاء الزعيم وال ميكن �أن تكون �إال من �إن�شائه؟‬


‫‪220‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫بلى‪ ،‬هو يعرف ذلك حق املعرفة‪ .‬فهو قد احتك ب�أفكار �أنطون �سعادة االجتماعية ـ ال�سيا�سية‬ ‫قبل مغادرته الربازيل عائداً �إىل الوطن ليعمل على �إنها�ضه‪ .‬وال نظنه ين�سى حديث الزعيم‬ ‫�إليه يف �أحد الأم�ساء قرب ج�سر �أنينغباهو يف �سان باولو على فكرته ال�سورية القومية‪ ،‬وكان‬ ‫ذلك قبل �سنة ‪ .1930‬وال نخاله ين�سى مقال �أنطون �سعادة املثبت يف اجلزء الأول من‬ ‫«املجلة» �سنة ‪ 1924‬عن الق�ضية ال�سورية( )‪ ،‬وال خطابه الذي �ألقاه �سنة ‪ 1924‬با�سم «الرابطة‬ ‫الوطنية ال�سورية» التي كان و�ضع لها مبادئها ومنهاجها وغايتها حني �أ�س�سها ب�شكل �سري‪.‬‬ ‫وال يجوز �أن يجهل الناظم القروي �أن يف �سان باولو �أ�شخا�صاً ذوي �أدب ومركز اجتماعي‬ ‫يعرفون بع�ض �أفكار الزعيم القومية قبل عودته �إىل الوطن �سنة ‪ ،1930‬نذكر منهم الدكتور‬ ‫عبده جزرة الذي كان �صديقاً حميماً لوالد الزعيم‪ ،‬ثم متكنت �صداقته مع الزعيم نف�سه‬ ‫فك�شف له الزعيم عن عزمه على العودة �إىل الوطن للعمل على �إحياء �سورية و�إنها�ضها‬ ‫وحتريرها‪ ،‬و�أطلعه على بع�ض �أفكاره‪ ،‬فكان جواب الدكتور جزرة له بهذا املعنى‪« :‬ال �أريد �أن‬ ‫�أثبط عزمك ولكني �أقول �إنك �ستجد �صعوبات كثرية وتالقي نكران اجلميل وحماربة من‬ ‫نواح كثرية وتتعذب كثرياً»‪ .‬والأدلة الوثيقة‪ ،‬التي تثبت �أن مباديء احلزب ال�سوري القومي‬ ‫ٍ‬ ‫ن�ش�أت بتفكري الزعيم امل�ستقل الذي مل يكن يقبل امل�ؤثرات اخلارجية‪ ،‬متوفر عند ر�شيد‬ ‫اخلوري بع�ض خربها‪ ،‬حتى �أنه �شهد للزعيم يف مقالته امل�شار �إليها �آنفاً‪ .‬فال ي�سوغ عباراته‬ ‫املثرية ال�شكوك يف �سالمة مباديء احلزب ال�سوري القومي غري ت�أجريه نف�سه للعمل �ضد هذه‬ ‫املباديء كما ظهر من �أعماله الأخرية‪.‬‬ ‫الد�س اللئيم �أو على الأقل من ّ‬ ‫احلط‬ ‫قد مير بقول اخلوري الب�سطاء فال يجدون فيه �شيئاً من ّ‬ ‫الد�س القاتل يف معر�ض املدح‬ ‫من قدر تعاليم احلزب ال�سوري القومي‪ .‬وهذا نتيجة �إتقان فن ّ‬ ‫الك�سيح‪ .‬فر�شيد اخلوري يريد بهذا القول �أن يلقي يف روع ال�سامعني �أنه و�إن يكن ال�شك يف‬ ‫م�صدر تعاليم احلزب ال�سوري القومي واجباً‪� ،‬أي �أنه يوجد جمال وا�سع لالعتقاد �أن مباديء‬ ‫النه�ضة ال�سورية القومية لي�ست من �إبداع الفتى النجيب �أنطون �صاحب «ال�شمائل احللوة‬ ‫الرائعة التي تدعو �إىل الده�شة والإعجاب»‪ ،‬فال ب�أ�س باقتبا�س بع�ض التنظيمات التي �أوجدها!‬ ‫‪1‬‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪221‬‬

‫حتويل االهتمام باحلزب ال�سوري القومي‪ ،‬الذي جاءت مبادئه القومية االجتماعية جتلو ظلمات‬ ‫الق�ضية ال�سورية‪ ،‬عن هذه املباديء املحيية �إىل الأ�شكال الرتتيبية‪ ،‬ال�شكلية‪ ،‬هو �آخر �سالح جل�أ‬ ‫�إليه الذين عجزوا عن الوقوف يف وجه احلركة ال�سورية القومية‪ .‬وهذا ال�سالح اللئيم بعينه مل‬ ‫يكن لر�شيد اخلوري ف�ضل فيه‪ .‬فقد �سبقه �إىل �إيجاده عدد من م�ستغلي «دولة لبنان الكبري»‬ ‫الد�س واملطاعن اللئيمة مل يكن ر�شيد اخلوري مبتكراً!‬ ‫و«االمرباطورية العربية»‪ .‬حتى يف ّ‬ ‫�إن جميع دجايل الوطنية ومنافقي القومية يقولون لل�سوريني القوميني االجتماعيني‪�« :‬أعطونا‬ ‫نظامكم البديع ف�إننا نقدر �أن ن�ستخدمه يف م�آربنا �ضد حياة الأمة‪ ،‬ولكن �أبعدوا مبادئكم‬ ‫القومية االجتماعية عنا وعن ال�شعب لئال ي�ستيقظ ويعرف �إثمنا نحوه فينقلب ويتحرر من‬ ‫تدجيلنا وميزقنا كل ممزق!»‪.‬‬ ‫�أما احلزب ال�سوري القومي فيقول لهم‪� :‬إين ال �أقدر �أن �أنزع نظامي عن مبادئي فهما كالدورة‬ ‫الدموية والأع�صاب للج�سم فال يحيا ويتحرك �إال بهما كليهما‪� .‬إن النظام وحده ال يحييكم‪� ،‬إن‬ ‫�إك�سري احلياة يف مبادئي‪� ،‬أما نظامي فلي�س �سوى اجلهاز الذي يتم به نقل الإك�سري �إىل الأج�سام!‬ ‫ثم كان �أن ر�شيد اخلوري انتهز فر�صة االحتفال باملولد الر�سويل يف �سان باولو‪ ،‬الربازيل‪� ،‬سنة‬ ‫وعدتها له �صحيفة‬ ‫وعدها ّ‬ ‫‪ 1940‬فكتب مقالة خطابية طويلة يف مو�ضوع «امل�سيحية والإ�سالم» ّ‬ ‫«الرابطة»‪ ،‬التي ن�شرتها له ابتدا ًء من عددها ال�صادر يف الثامن من يونيو (حزيران) من ال�سنة‬ ‫املذكورة‪« ،‬حما�ضرة»‪ ،‬تط ّرق فيها �إىل احلركة ال�سورية القومية وتناولها بالقدح والذم‪� .‬أما‬ ‫�أ�سا�س مو�ضوع حار�ضته التي �سماها حما�ضرة فقد ب ّينا يف �سياق املقاالت املتقدمة مقدار‬ ‫جهله �ش�ؤونه‪ ،‬و�أو�ضحنا �أنه مل يكن مفكراً مبتكراً يف �شيء من مقالته‪ ،‬بل كان ناق ًال‪ ،‬على‬ ‫عادته‪ ،‬بت�صرف‪ ،‬كالم �أ�ستاذي الرجعة �إىل الدولة الدينية املحمدية ال�سيد جمال الدين‬ ‫الأفغاين وال�شيخ حممد عبده‪ .‬و�أما ما تناول به احلزب ال�سوري القومي وعقيدته ال�صحيحة‬ ‫من الذم والهجو فقد ظهر على �ضوء ما تقدم من هذه ال�سل�سلة مبلغ �ضالله وخبطه فيه على‬ ‫غري هدى وب�شيء كثري من اجلهل واحلماقة‪.‬‬


‫‪222‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫ومن غريب �أمر هذا اخلوري‪ ،‬الذي �صار «حاجاً» ر�سولياً ثم عاد خورياً م�سيحياً‪� ،‬أنه مل‬ ‫يكد يقر�أ �أول رد جريء قوي على غوايته ن�شر يف «�سورية اجلديدة» بقلم الرفيق وليم‬ ‫بحلي�س الذي دافع عن الوجهة القومية‪ ،‬وردود الق�س خليل الرا�سي الذي تقدم للدفاع‬ ‫عن امل�سيحية التي قام اخلوري يجردها بنفاقه من فوائدها وف�ضائلها امل�شهورة‪ ،‬ظناً منه‬ ‫�أنه يح�سن الزلفى‪ ،‬على هذه الطريقة‪� ،‬إىل الذين انحاز �إىل هو�سهم الديني وم�آربهم‬ ‫فبدل فيها ليجعل‬ ‫ال�سفلية‪ ،‬حتى �أوقف ن�شر الأق�سام الأخرية من حار�ضته وعمد �إليها ّ‬ ‫كالمه مت�ضمناً رداً احتيالياً على ما �أو�ضح من خبطه وجهله و�سوء ق�صده‪ ،‬فكان من‬ ‫اجلنب واخلوف يف حالة حملته على تزييف كالمه‪ .‬وهذا عمل ال ي�أتيه �أديب �شريف‬ ‫يخدم فكرة يعتقد بها مهما �أحدث كالمه من �ضجة‪ .‬ولو �أن فئة الأدباء وامل�ست�أدبني‬ ‫التي �أطلقت على نف�سها ا�سم «الع�صبة الأندل�سية» �أوجدت م�ؤ�س�سة �صحيحة ذات غاية‬ ‫ونظام‪ ،‬لكانت ر�أت من واجبها‪ ،‬حر�صاً على �سمعتها واملنزلة التي توخت احتاللها‪� ،‬أن‬ ‫تدعو اخلوري‪ ،‬وهو ع�ضو فيها‪� ،‬إىل جل�سة ُي�ستجوب فيها عن كيفية تزييف الق�سم الأخري‬ ‫من حار�ضته التي �سميت‪ ،‬جه ًال‪ ،‬حما�ضرة‪ ،‬وتتخذ بحقه قرار طرد عند ثبوت التزييف‪.‬‬ ‫ولكن «الع�صبة الأندل�سية» كانت خليطاً ال �شكل موحداً لها‪ .‬ونحن نعرف من �أع�ضائها‬ ‫�أديباً �شاعراً واحداً ي�صح �أن يحمل هذا اللقب‪ ،‬وقد يكون هنالك واحد �أو اثنان �آخران‬ ‫ميكن ح�سبانهما يف م�صاف الأدباء‪� ،‬أما الباقون فهم �صيادو �ألفاظ ومرتجمو �أو ما�سخو‬ ‫مقاالت و�أفكار لغريهم وحمبو ظهور حتت ا�سم الأدب‪.‬‬ ‫لقد مدح اخلوري �شكيب �أر�سالن يف حار�ضته فقال عنه �إنه «فتى فتيان العرب»‪ .‬ونحن‬ ‫نعلم �أن «�أر�سالن» لي�س ا�سماً عربياً‪ ،‬بل �سلجوقياً‪ ،‬ونعلم �أن �شكيب �أر�سالن العربي الذي‬ ‫يريد �أن يطهر العامل العربي من الأجنا�س غري العربية‪ ،‬مل يتزوج امر�أة عربية‪ ،‬بل �سورية‬ ‫�شرك�سية‪ .‬ونعلم فوق ذلك �أن غالباً ابن �شكيب �أر�سالن‪ ،‬ال يرى يف �أبيه ما يدعوه �إىل‬ ‫حمبته واحرتامه فهو على خالف معه ويقول �إنه قد تعب من تل ّون �أبيه وريائه‪.‬‬ ‫وقد مدح �شكيب �أر�سالن ر�شيد اخلوري‪ ،‬رياء‪ ،‬فقال عنه يف املقالة التي ن�شرتها له «العامل العربي»‬


‫املسيحية واحملمدية والقومية‬

‫‪223‬‬

‫يف عددها ال�صادر يف ‪ 13‬نوفمرب (ت�شرين الثاين) ‪� ،1940‬إنه ال�شاعر ال�شهري الذي خدم‬ ‫الإ�سالم (املحمدي) برباهينه ال�ساطعة وحججه الدامغة(!!) �أكرث مما خدمه مئات �ألوف من‬ ‫امل�سلمني (املحمديني) �أنف�سهم‪ .‬وعاد ر�شيد اخلوري �إىل مدح �أر�سالن يف بوان�س �آير�س فقال‬ ‫عنه �إنه ذاك املقيم يف �أوروبة «يكفكف يداً وميد �أخرى»‪ ...‬واملطلعون على حركات �شكيب‬ ‫�أر�سالن مل يعرفوه �إال مكفكفاً يداً وماداً �أخرى كل حياته!‬ ‫قلنا �إن الرجعة حتارب حربها الأخرية‪ .‬وها جبهة كاملة تنهار يف املهجر‪� :‬إليا�س فرحات‪ ،‬ر�شيد‬ ‫اخلوري‪� ،‬إيليا �أبي ما�ضي‪ ،‬عبد امل�سيح حداد‪ .‬وهذه اجلبهة لي�ست �سوى حلقة من حلقات‬ ‫�سل�سلة الرجعة والبلبلة والتدجيل‪ ،‬ومنها حلقة �شكيب �أر�سالن و�أ�ضرابه‪.‬‬ ‫�إن النه�ضة ال�سورية القومية ت�أ�سف ل�سقوط ه�ؤالء املبوقني‪ .‬فهي قد حاولت �إنقاذهم من‬ ‫م�صريهم ال�سيىء‪ .‬ولكن ال بد للنه�ضة القومية من �ضرب كل من يحاول الوقوف يف وجهها!‬ ‫�إن �إجناد �إيليا �أبي ما�ضي للخوري و�إجناد عبد امل�سيح حداد لإيليا �أبي ما�ضي مل يحوال دون‬ ‫�إطباق جنون اخلوري على خلوده‪ ،‬وال دون �إطباق �سف�سطة �أبي ما�ضي على �صيته‪ ،‬وال دون‬ ‫�إحلاق عبد امل�سيح حداد ب�صاحبيه ومقا�سميه �سوء طالعه‪.‬‬ ‫ال نزعم �أننا قد ق�ضينا على اجلنون باخللود ولكننا نزعم �أننا قد �أزلنا خطر املجانني باخللود عن‬ ‫ق�ضية �أمتنا ووطننا‪ .‬فهم يقدرون �أن ي�صخبوا وي�ضجوا وراء حواجز احلديد التي �أقمناها لهم‪،‬‬ ‫و�أن ي�صل�صلوا بقيودهم ما �شا�ؤوا‪� .‬إنهم �أحرار يف كل ذلك‪ ،‬ولكنهم مل يبقوا قادرين على‬ ‫�إيذاء الق�ضية القومية االجتماعية املقد�سة‪.‬‬ ‫و�إذا كانت م�صيبتهم ب�إدراكهم‪ ،‬بعد كل هذا العمر‪� ،‬أن املجانني ال يخلدون يف الدنيا فيمكنهم‬ ‫�أن يتعزوا ب�أن اجلنون نف�سه خالد فهو باقٍ ما بقي النا�س‪ .‬فال بد من ظهور جمانني باخللود‬ ‫وبغري اخللود بني الفينة والفينة‪ ،‬ولكن االن�سانية تتقدم يف علومها النف�سية جي ًال بعد جيل‬ ‫وتزيد و�سائل الوقاية من خطر املجانني‪.‬‬


‫‪224‬‬

‫�أنطون �سعادة‬

‫ولعل �أ�صعب م�س�ألة يف �أمر ه�ؤالء هي‪ :‬كيف ميكن وقاية املجانني بع�ضهم من بع�ض؟ ولكن‬ ‫هذه امل�س�ألة �إذا مل تتمكن االن�سانية من حلها ح ًال تاماً فالباقي منه يبقى حله للمجانني‬ ‫�أنف�سهم! فله�ؤالء �ساعات يثور فيها جنونهم والويل ٍ‬ ‫حينئذ لبع�ضهم من بع�ض!‬ ‫انتهى‬

‫اهلوامش‬ ‫‪� - 1‬أنطون �سعادة‪ ،‬الأعمال الكاملة ‪ -‬اجلزء الأول ال�صفحة ‪ .81‬م�ؤ�س�سة �سعادة للثقافة‪،‬‬ ‫بريوت ‪.2001‬‬


‫فهرس األمساء‬ ‫أ‬

‫�إبن خلدون‪196 ،53 ،51 ،50 :‬‬ ‫�أبو بكر‪47 ،46 ،43 :‬‬

‫�أبو حنيفة‪104 :‬‬

‫�أبو �سفيان‪122 ،44 :‬‬

‫�أبو عبيدة �إبن اجلراح‪81 ،80 ،47 ،46 :‬‬ ‫�أبو هريرة‪47 :‬‬

‫�أبي ما�ضي‪� ،‬إيليا‪223 ،217 ،66 :‬‬ ‫�أتاتورك‪ ،‬كمال‪93 :‬‬

‫الأتا�سي‪ ،‬ها�شم‪208 ،202 :‬‬ ‫�أحمد بن حنبل‪104 :‬‬

‫�أر�سالن‪� ،‬شكيب‪،178 ،100 ،66 ،21 :‬‬ ‫‪223 ،222 ،219 ،218‬‬ ‫�أر�سالن‪ ،‬غالب‪222 :‬‬ ‫الأ�سود العنزي‪121 :‬‬ ‫الأفغاين‪ ،‬جمال الدين‪،100 ،95 ،14 :‬‬ ‫‪،133 ،111 ،108 ،103 ،101‬‬ ‫‪221 ،213 ،148 ،147 ،143‬‬ ‫�أمل�ستد‪� ،‬ألربت‪53 ،50 :‬‬

‫ب‬

‫بحلي�س‪ ،‬وليم‪221 ،36 ،8 :‬‬

‫بر�ستد‪ ،‬جيم�س هرني‪53 ،50 :‬‬

‫بندقي‪ ،‬توفيق‪8 ،7 :‬‬

‫بندقي‪ ،‬جورج‪13 ،8 ،7 :‬‬

‫بندقي‪ ،‬ف�ؤاد‪8 ،7 :‬‬

‫البي�ضاوي‪ ،‬عبداهلل بن عمر‪،73 ،71 :‬‬ ‫‪130 ،120 ،118‬‬

‫ج‬

‫جزرة‪ ،‬عبده‪220 :‬‬

‫ح‬

‫حبيبة بنت زيد‪72 :‬‬

‫حداد‪ ،‬عبد امل�سيح‪223 :‬‬

‫احل�سيني‪ ،‬احلاج �أمني‪200 :‬‬

‫خ‬

‫خالد بن الوليد‪،79 ،47 ،46 ،45 ،44 :‬‬ ‫‪81 ،80‬‬ ‫اخلطابي‪ ،‬عبد الكرمي‪201 ،198 :‬‬

‫د‬

‫دي لبال�ش‪ ،‬ويدال‪33 :‬‬


‫ر‬

‫الرا�سي‪ ،‬خليل‪222 :‬‬

‫رافع بن عمرية‪45 ،43 :‬‬ ‫ربيعة بن عامر‪43 :‬‬ ‫ر�ضا‪ ،‬ر�شيد‪100 :‬‬

‫روما�س‪ ،‬البطريق‪80 ،79 :‬‬ ‫الريحاين‪� ،‬أمني‪200 :‬‬

‫ز‬

‫زيد بن حارثة‪112 :‬‬

‫زينون الرواقي‪69 ،26 :‬‬

‫س‬

‫�سعادة‪� ،‬إدوار‪8 :‬‬

‫�سعادة‪ ،‬خليل‪218 :‬‬

‫�سعد بن الربيع‪72 :‬‬

‫ش‬

‫ال�شافعي‪ ،‬حممد بن �إدري�س‪104 :‬‬

‫ال�شهبندر‪ ،‬عبد الرحمن‪،203 ،202 :‬‬ ‫‪208 ،206‬‬

‫ص‬

‫�صفوان بن عمرو‪80 :‬‬

‫ال�صرييف‪ ،‬ح�سن كامل‪91 :‬‬

‫ض‬

‫�ضرار بن الأزور‪81 ،79 :‬‬

‫ع‬

‫العا�ص‪� ،‬سعيد‪200 :‬‬

‫عبد الرحمن بن �أبي بكر‪81 ،79 :‬‬ ‫عبداهلل بن �أني�س‪47 :‬‬

‫عبداهلل بن جعفر‪47 :‬‬

‫عبداهلل بن �سعد‪121 :‬‬

‫عبده‪ ،‬ال�شيخ حممد‪،100 ،95 ،14 ،9 :‬‬ ‫‪،143 ،111 ،108 ،103 ،101‬‬ ‫‪221 ،213 ،148 ،147‬‬ ‫الع�سراوي‪ ،‬جنيب‪9 :‬‬ ‫علي بن �أبي طالب‪147 ،32 ،12 :‬‬ ‫عمر بن اخلطاب‪،52 ،51 ،47 ،46 ،44 :‬‬ ‫‪53‬‬

‫عمرو بن مالك‪52 :‬‬

‫غ‬

‫غيتاين‪ ،‬ليون‪53 ،49 :‬‬

‫الغيداق بن وائل‪44 :‬‬

‫ف‬

‫فرحات‪� ،‬إليا�س‪223 ،219 ،217 :‬‬


‫ك‬

‫كرد علي‪ ،‬حممد‪100 :‬‬

‫كعب بن الأ�شرف‪221 :‬‬

‫الكندي‪ ،‬عبد امل�سيح‪137 ،136 :‬‬

‫الكواكبي‪ ،‬عبد الرحمن‪،213 ،104 :‬‬ ‫‪214‬‬

‫كريوز‪ ،‬حبيب‪12 :‬‬

‫م‬

‫مارتل‪� ،‬شارل‪82 :‬‬

‫بن �أن�س‪124 ،104 :‬‬

‫مالك‬ ‫جماع�ص‪� ،‬سليم‪10 :‬‬ ‫م�سوح‪ ،‬جربان‪9 :‬‬ ‫م�سيلمة‪121 :‬‬ ‫معاوية‪145 :‬‬

‫ن‬

‫نا�صيف‪ ،‬يعقوب‪9 :‬‬

‫هـ‬

‫هاين بعل‪90 :‬‬

‫و‬

‫الواقدي‪،52 ،47 ،46 ،45 ،44 ،43 :‬‬ ‫‪80 ،79 ،53‬‬

‫ي‬

‫يزيد بن �أبي �سفيان‪43 :‬‬

‫يون�س‪ ،‬الق�سي�س‪80 ،46 ،45 ،44 :‬‬


‫السور القرآنية حسب ترتيب النزول‬ ‫‪ -1‬العلق‬ ‫‪ -2‬القلم‬ ‫‪ -3‬املزمل‬ ‫‪ -4‬املدثر‬ ‫‪ -5‬الفاحتة‬ ‫‪ -6‬امل�سد‬ ‫‪ -7‬التكوير‬ ‫‪ -8‬الأعلى‬ ‫‪ -9‬الليل‬ ‫‪ -10‬الفجر‬ ‫‪ -11‬ال�ضحى‬ ‫‪ -12‬ال�شرح‬ ‫‪ -13‬الع�صر‬ ‫‪ -14‬العاديات‬ ‫‪ -15‬الكوثر‬ ‫‪ -16‬التكاثر‬ ‫‪ -17‬املاعون‬ ‫‪ -18‬الكافرون‬ ‫‪ -19‬الفيل‬ ‫‪ -20‬الفلق‬ ‫‪ -21‬النا�س‬ ‫‪ -22‬الإخال�ص‬ ‫‪ -23‬النجم‬ ‫‪ -24‬عب�س‬ ‫‪ -25‬القدر‬ ‫‪ -26‬ال�شم�س‬ ‫‪ -27‬الربوج‬ ‫‪ -28‬التني‬ ‫‪ -29‬قري�ش‬

‫‪ -30‬القارعة‬ ‫‪ -31‬القيامة‬ ‫‪ -32‬الهمزه‬ ‫‪ -33‬املر�سالت‬ ‫‪ -34‬ق‬ ‫‪ -35‬البلد‬ ‫‪ -36‬الطارق‬ ‫‪ -37‬القمر‬ ‫‪� -38‬ص‬ ‫‪ -39‬الأعراف‬ ‫‪ -40‬اجلن‬ ‫‪ -41‬ي�س‬ ‫‪ -42‬الفرقان‬ ‫‪ -43‬فاطر‬ ‫‪ -44‬مرمي‬ ‫‪ -45‬طه‬ ‫‪ -46‬الواقعة‬ ‫‪ -47‬ال�شعراء‬ ‫‪-48‬النمل‬ ‫‪ -49‬الق�ص�ص‬ ‫‪ -50‬الإ�سراء‬ ‫‪ -51‬يون�س‬ ‫‪ -52‬هود‬ ‫‪ -53‬يو�سف‬ ‫‪ -54‬احلجر‬ ‫‪ -55‬الأنعام‬ ‫‪ -56‬ال�صافات‬ ‫‪ -57‬لقمان‬ ‫‪� -58‬سب�أ‬

‫‪ -59‬الزمر‬ ‫‪ -60‬غافر‬ ‫‪ُ -61‬ف�صلت‬ ‫‪ -62‬ال�شورى‬ ‫‪ -63‬الزخرف‬ ‫‪ -64‬الدخان‬ ‫‪ -65‬اجلاثية‬ ‫‪ -66‬االحقاف‬ ‫‪ -67‬الذاريات‬ ‫‪ -68‬الغا�شية‬ ‫‪ -69‬الكهف‬ ‫‪ -70‬النحل‬ ‫‪ -71‬نوح‬ ‫‪� -72‬إبراهيم‬ ‫‪ -73‬الأنبياء‬ ‫‪ -74‬امل�ؤمنون‬ ‫‪ -75‬ال�سجدة‬ ‫‪ -76‬الطور‬ ‫‪ -77‬امللك‬ ‫‪ -78‬احلاقة‬ ‫‪ -79‬املعارج‬ ‫‪ -80‬النب�أ‬ ‫‪ -81‬النازعات‬ ‫‪ -82‬االنفطار‬ ‫‪ -83‬االن�شقاق‬ ‫‪ -84‬الروم‬ ‫‪ -85‬العنكبوت‬ ‫‪ -86‬املطففني‬ ‫‪ -87‬البقرة‬

‫‪ -88‬الأنفال‬ ‫‪� -89‬آل عمران‬ ‫‪ -90‬الأحزاب‬ ‫‪ -91‬املمتحنة‬ ‫‪ -92‬الن�ساء‬ ‫‪ -93‬الزلزلة‬ ‫‪ -94‬احلديد‬ ‫‪ -95‬حممد‬ ‫‪ -96‬الرعد‬ ‫‪ -97‬الرحمن‬ ‫‪ -98‬الإن�سان‬ ‫‪ -99‬الطالق‬ ‫‪ -100‬البينة‬ ‫‪ -101‬احل�شر‬ ‫‪ -102‬النور‬ ‫‪ -103‬احلج‬ ‫‪ -104‬املنافقون‬ ‫‪ -105‬املجادلة‬ ‫‪ -106‬احلجرات‬ ‫‪ -107‬التحرمي‬ ‫‪ -108‬التغابن‬ ‫‪ -109‬ال�صف‬ ‫‪ -110‬اجلمعة‬ ‫‪ -111‬الفتح‬ ‫‪ -112‬املائدة‬ ‫‪ -113‬التوبة‬ ‫‪ -114‬الن�صر‬



Masihia, mahamadia, kawmia inside