Page 1

‫‪cartier.com‬‬

‫روتوند دو كارتييه‬

‫مكرر الدقائق‪ ،‬التوربيون المحلقة ‪ 9402‬إم سي‬ ‫موثقة بدمغة جنيف‪ ،‬الكاليبر ‪ 9402‬إم سي دو كارتييه تجمع مابين اثنتين من أكثر تعقيدات الساعات الكبرى اعتباراً و‬ ‫ً‬ ‫هيبة‪ :‬مكرر الدقائق و التوربيون المحلقة‪ .‬بضغطة واحدة على الزر الجانبي يقوم مكرر الدقائق بتفعيل مطرقتين يمكن‬ ‫رؤيتهما من خالل ميناء الساعة فتعطيان الرنات التي تشير بالترتيب إلى الساعات و أرباع الساعات و الدقائق بالتطابق مع ما‬ ‫تؤشر إليه عقارب الساعة‪ .‬يتم تنظيم الرنات بواسطة دوالب موازنة يعمل بالقصور الذاتي و يمكن رؤيته في موقع الساعة‬ ‫السادسة و يكمل ألف دورة في الدقيقة‪ .‬مطور من خالل عدم وجود الجسر الذي يربطه إلى ميناء الساعة‪ ،‬يظهر التوربيون‬ ‫المحلق و كأنه يطفو في قلب الساعة مبدع ًا تأثيراً بصري ًا فريداً‪.‬‬ ‫علبة الساعة من التيتانيوم‪ ،‬تاج مصقول مرصع بحجر السافير بقطع كابوشون‪ ،‬حركة ميكانيكية بتعبئة يدوية شغل الدار‪،‬‬ ‫مكرر الدقائق و توربيون محلق كاليبر ‪ 9402‬إم سي‪ ،‬تصديق دمغة جنيف (‪ 45‬جوهرة‪ 447 ،‬جزءاً‪ ،‬تردد ‪ 21600‬ذبذبة في‬ ‫الساعة‪ ،‬خزان طاقة مزدوج‪ ،‬احتياطي الطاقة قرابة ‪ 50‬ساعة)‪ ،‬مكرر الدقائق مع دوالب موازنة‪ ،‬مطارق و أجراس قرصية‬ ‫مرئية على جانب الميناء‪ ،‬توربيون محلق بدوار على شكل الحرف ‪. C‬‬

‫بوتيك كارتييه في المملكة العربية السعودية‪ ،‬الرياض‪ ،‬ساكس فيفث أفنيو‪ ،‬مركز المملكة‪،)01( 211 2450 :‬‬ ‫مجمع سنتريا‪ ،‬شارع العليا العام‪)01( 462 6959 :‬‬ ‫ّ‬ ‫جدة‪ ،‬شارع التحلية‪)02( 660 0720 :‬‬ ‫ّ‬ ‫مجمع الراشد مول‪)03( 881 4484 :‬‬ ‫‪،13‬‬ ‫الخبر‪ ،‬بوابة‬ ‫ّ‬


‫الكلمة الأخرية‬ ‫تعيش املنطقة العربية مرحلة تاريخية بالغة التعقيد والحساسية سياسيا واجتماعيا وثقافيا وحتى دينيا وروحيا‪ .‬وتطرح تطوراتها‬ ‫املتالحقة أسئلة حارقة ومؤملة على كل النخب والقيادات املعنية بدينامية اإلصالح السياسي واإلسهام في صياغة املستقبل العربي‪ .‬فاملتتبع‬ ‫ملجريات األحداث وخصوصا في دول الربيع العربي‪ ،‬يلمس كيف أن األحالم الجميلة‪ ،‬التي سكنت قلوب وعقول ماليني من الشباب والنساء‬ ‫واملهمشني بقرب ميالد عهد عربي جديد زاهر‪ ،‬انقلبت إلى كوابيس مخيفة ومرعبة‪.‬‬ ‫أين الحلم بنهاية االستبداد والقهر والذل وزوال دولة الفساد واملحسوبية‪ ،‬ودفن سلطة القهر والبطش والسجن لصالح دولة املؤسسات‬ ‫الدستورية والديمقراطية الحامية لكرامة املواطن وحرياته وحقوقه في الكرامة واملساواة والعيش الكريم؟ الجواب الذي يقدمه الواقع في الدول‬ ‫التي عرفت بثورات الشباب في خضم مخاضات الربيع العربي يدعو إلى اإلحباط وفي أحسن الحاالت إلى القلق املشروع حول املآالت وصيغ‬ ‫الخروج من األزمات الطاحنة التي تعصف بها‪ .‬كيف فشلت الثورات في إجهاض الحلم املشروع ملاليني املواطنني العرب الحاملني بالعيش بقيمة‬ ‫البشر في سائر قارات ودول العالم‪ ،‬في ظل دول تحترم كرامتهم وإنسانيتهم وتحاول أن تتجاوب مع تطلعاتهم للعيش الكريم واملشاركة في‬ ‫تدبير شؤون حياتهم؟ في خضم الحماس العربي الرومانسي لدينامية الثورات في بداية ما يسمى بالربيع العربي‪ ،‬كنت من القالئل الذين‬ ‫حاولوا الدفاع عن مشروعية بناء التوافقات الوطنية وخصوصا في هذه املرحلة الدقيقة من التاريخ العربي‪ ،‬وكان دفاعنا يضيع وسط حماس‬ ‫الثوار املبتهجني بسقوط أنظمة الفساد ورموز الديكتاتورية وفراعنة الزمن العربي‪.‬‬

‫حممد اوجار‬

‫الكل كان متشبثا بالشرعية الجديدة شرعية الثورة والتي ال تعلو عليها مشروعية أخرى‪ .‬ماليني من الشباب والنساء وكل طاقات املجتمع‬ ‫انتفضت‪ ،‬وخرجت في مسيرات ضخمة واعتصمت‪ ،‬وخاطرت بحياتها‪ ،‬وواجهت بشجاعة نادرة وبوسائل سلمية وصدور عارية جبروت‬ ‫الطغيان وحيويته وأجهزته ووسائل إعالمه‪ ،‬وتمكنت من إسقاط بن علي ومبارك والقذافي وعلي عبد الله صالح‪ ،‬وما زالت تجاهد في سوريا‪.‬‬ ‫هذه املاليني وحدها اإلصرار الشبابي واملجتمعي على إسقاط الفساد والثورة ضد االستبداد‪ ،‬واملطالبة بالحرية والكرامة والديمقراطية‪ .‬فهذه‬ ‫ثورات شعبية‪ ،‬انطلقت مدنية‪ ،‬شبابية تلقائية‪ ،‬أنساها الحماس الثوري أن تطرح األسئلة الضرورية حول شكل وصيغ وترتيبات مرحلة ما‬ ‫بعد الثورة‪ ،‬فالجميع كان مسكونا بهاجس إسقاط دول وزعماء الفساد والديكتاتورية‪ .‬إن ضغوطات الثورة وأولوياتها والتعبئة الشعبية‬ ‫إلنجاحها في أقرب األوقات‪ ،‬والحرص الجماعي على إلغاء كل ما يمكن أن يفرق بني الصفوف وبني املناضلني وبني قوى الثورة‪ ،‬فرض تأجيل‬ ‫كل األسئلة السياسية والدستورية وغيرها‪ .‬فالزمن كان هو زمن الثورة وشعاره املركزي القضاء على الطاغية وعلى االستبداد‪ .‬أما الزمن‬ ‫السياسي بكل إكراهاته وإشكاليته وأسئلته فيمكن أن ينتظر‪.‬‬ ‫وحني نجحت الثورات في تحقيق أهدافها املعلنة بإسقاط رؤوس أنظمة الفساد‪ ،‬واجهت «الشرعية الثورية» املنتصرة سؤال ترتيب أوضاع‬ ‫دولة ما بعد الثورة‪ ،‬وتدبير صياغة سيناريوهات املرحلة الجديدة‪ .‬ولم تجد قيادات «الشرعية الثورية» في حماسها لبناء الديمقراطية‪ ،‬بدا من‬ ‫اللجوء إلى االنتخابات‪ ،‬واالحتكام إلى صناديق االقتراع‪ .‬وكأن لهذه الصناديق العجيبة وحدها القدرة السحرية على إنتاج الديمقراطية في‬ ‫ظرف وجيز وقياسي‪ ،‬دون االلتفات إلى أن الديمقراطية مسار تاريخي واجتماعي وحراك متواصل وتراكم ال يمكن بتاتا اختصاره في عملية‬ ‫االنتخابات‪ ،‬رغم األهمية الكبيرة لهذه املحطة في املسار الديمقراطي برمته‪.‬‬

‫في الحاجة الى «الشرعية التوافقية»‬

‫وألن «شعب الثورة» الذي قاد انتفاضة سلمية وتلقائية‪ ،‬لم يكن يمتلك أي‬ ‫مهارات انتخابية‪ ،‬فإنه سيفاجأ بأن هناك من «يسرق» منه الثورة عبر‬ ‫صناديق االقتراع‪ ،‬ألنه يمتلك الخبرة السياسية والحرفية الحزبية والتواصلية‬ ‫التي تجعله ينجح في استقطاب والفوز بأصوات املواطنني‪ .‬وهكذا ستجد‬ ‫«الشرعية الثورية» نفسها في مواجهة شرعية جديدة أفرزتها صناديق االنتخابات وهي «الشرعية الديمقراطية»‪ .‬وسيبدأ صراع حاد بني‬ ‫الشرعيتني‪ :‬الثورية والديمقراطية‪ .‬وسيؤججها السلوك غير الناضج لفصائل اإلسالم السياسي التي فازت في االنتخابات‪ ،‬وحاولت احتكار‬ ‫السلطة لوحدها وإقصاء كل اآلخرين في خطأ استراتيجي وتاريخي ستكون له تداعيات مؤملة على مجمل تطورات مسلسالت اإلصالح‬ ‫السياسي وبناء الديمقراطية في دول الربيع العربي‪ .‬في خضم تداعيات هذا الصراع الحاد بني شرعيتني لكل منهما ما يسندها‪ ،‬ويشرعن‬ ‫مبرراتها كنت من الداعني في عدة لقاءات فكرية في الرباط والقاهرة وتونس وبحضور كثير من الفاعلني السياسيني واملدنيني واإلعالميني‬ ‫في هذا الحراك العربي‪ ،‬إلى االنتصار لشرعية جديدة هي «الشرعية التوافقية» التي تحاول أن تشرك املساهمني والشركاء الحقيقيني في‬ ‫«الشرعية الثورية» في دينامية للتوافق الوطني الواسع على برنامج عمل مشترك بني كل القوى الحية يحدد اإلطار العام والقيم الكبرى التي‬ ‫يجب أن تحكم املرحلة االنتقالية إلعداد الشعوب والدول وتأهيلها فكريا وسياسيا وقانونيا إلنجاح مهام البناء الديمقراطي‪.‬‬

‫وهذه «الشرعية التوافقية» يجب أن تتأسس على قاعدة املصالحة الوطنية الشاملة‪ ،‬وأن تتسلح بآليات العدالة االنتخابية لتمكني الشعوب‬ ‫العربية من تدبير املرحلة الصعبة من عملية االنتقال من مرحلة االستبداد بكل جرائمه البشعة إلى دولة القانون واملؤسسات الدستورية‬ ‫والتنافس الحر على السلطة وعلى الحكم‪ ،‬والتعود على تدبير االختالف بوسائل سلمية وديمقراطية‪ .‬إن الديمقراطية الناضجة مسار صعب‬ ‫ومعقد‪ ،‬ويحتاج االقتناع بقيمه الحضارية إلى جهد تربوي وتعليمي وإعالمي وسياسي‪ ،‬وإيجاد نخب جديدة مؤمنة بهذه الثقافة الجديدة‬ ‫وهذا ما يمكن أن تنتجه املراحل االنتقالية إذا ما تمكنا من تحويلها إلى مراحل انتقال ديمقراطي قائمة على «شرعية توافقية» لها أجندة‬ ‫زمنية واضحة ومحددة في الزمن لتأهيل املجتمعات العربية وإعدادها لتحمل ما يمكن أن ينتج عن «الشرعية الديمقراطية» من مفاجآت‬ ‫انتخابية وما قد تؤدي إليه من صدمات سياسية‪ .‬إن العالم الذي سبقنا إلى إنجاز انتقاالته الديمقراطية أفرز عدة نماذج وآليات لتدبير علمية‬ ‫التحول الديمقراطي وضمنها العدالة االنتقالية كآلية للمصالحة مع الذات ومع املستقبل‪ ،‬وقراءة املاضي االستبدادي بصيغة تخلص املجتمع‬ ‫من كوابيسه وتصالحه مع ذاته‪ ،‬وتعطيه املناعة الضرورية التي تحصنه من عودة االستبداد وجرائمه وخروقاته البشعة لحقوق اإلنسان‪.‬‬ ‫إن االرتباك العربي بما يعيشه اليوم من صراعات حادة للشرعيات‪ ،‬يطرح بإلحاح كل أسئلة الشرعية التوافقية وإلحاحية املصالحات الوطنية‬ ‫الضرورية‪ ،‬وهذه بحاجة إلى شجاعة النخب التي يجب أن تنتصر لإلنسان العربي وحقه في الحرية والعيش بكرامته في أوطان مستقرة‬ ‫وهادئة تسعى إلشراك جميع أبنائها في صياغة املستقبل وبناء الهرم الديمقراطي‪.‬‬ ‫‪66‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬


‫بلوتوبيا‪ :‬األسر النووية واملدن‬ ‫الذرية وكوارث البلوتونيوم العظمى‬ ‫يف أمريكا واالحتاد السوفيايت‬

‫> لم تعلن واحدة من أكثر املواقف العنيدة‬ ‫الصارخة أثناء الحرب الباردة على الرأي العام‪.‬‬ ‫من أجل الصمود في سباق التسلح النووي‪ ،‬أقامت‬ ‫كل من الواليات املتحدة واالتحاد السوفياتي‬ ‫مدنا معزولة لحصاد البلوتونيوم‪ .‬تركز براون‬ ‫على تاريخ نموذجني رائدين‪ :‬مجتمع ريتشالند‬ ‫في شرق والية واشنطن وأوزايورسك في منطقة‬ ‫جنوب األورال‪ُ .‬بنيت األولى في أوائل الحرب‬ ‫العاملية األولى في حني ُبنيت األخيرة مع اقتراب‬ ‫نهاية الحرب‪ .‬إن براون كاتبة جيدة‪ ،‬تصف بدقة‬ ‫بناء كال املوقعني (وهي عملية صعبة في حالة‬ ‫الواليات املتحدة ومروعة على نحو ال ُيصدق في‬ ‫حالة روسيا)‪ ،‬واملهن الخطرة التي قام بها سكان‬ ‫املدينتني وما آلت إليه عن وعي كلتيهما من عدم‬ ‫مساواة على الصعيدين االجتماعي واالقتصادي‪.‬‬ ‫وعلى مر عدة عقود من وجودهما‪ ،‬بعثت كل‬ ‫منهما في املناطق املحيطة بهما نظائر مشعة بلغ‬ ‫حجمها ضعف ما صدر عن كارثة تشيرنوبيل‪.‬‬ ‫وأدى هذا إلى إتالف صحة عمالهما على مرأى‬ ‫ومسمع املشرفني الذين ال يعلمون سوى نصف‬ ‫الحقيقة‪ .‬بيد أن كلتا املدينتني قدمتا لسكانهما‬ ‫امتيازات لن يتمتعوا بها في أي مكان طبيعي‪،‬‬ ‫إلى درجة أنهم عندما خيروا بني البقاء أو الرحيل‬ ‫اختار أغلبهم البقاء واالحتفاظ بدخلهم املادي‬ ‫الوفير على حساب القلق بشأن صحتهم وصحة‬ ‫أسرهم‪.‬‬

‫> من خالل خبرته كمستشار رفيع املستوى‬ ‫في مجلس األمن القومي األميركي‪ ،‬يقدم‬ ‫أبرامز كتابا ذكيا ومفصال بصورة مذهلة‬ ‫عن محاوالت إدارة جورج دابليو بوش الفاشلة‬ ‫في حل الصراع اإلسرائيلي الفلسطيني‪ .‬يؤيد‬ ‫أبرامز إسرائيل واملحافظني الجدد في أميركا‪،‬‬ ‫ويتميز ببالغة األسلوب وعدم اللجوء إلى‬ ‫االعتذار‪ .‬في الواقع‪ ،‬يبرز في الكتاب صوت‬ ‫ارييل شارون‪ ،‬رئيس وزراء إسرائيل من عام‬ ‫‪ 2001‬إلى ‪ ،2006‬بقوة أكبر من أي شخص‬ ‫آخر من أبطال أبرامز‪ .‬ولكن يتبع أبرامز أسلوبا‬ ‫انتقائيا في استخدام األدلة‪ ،‬وهناك نقاط خفية‬ ‫تثير السخط‪ .‬وتدور أكثر نقطة مثيرة لالهتمام‬ ‫حول ما يسمى بخارطة الطريق إلى السالم‬ ‫التي وضعتها إدارة بوش‪ .‬كانت خارطة الطريق‬ ‫محكمة التسلسل‪ :‬أوال إنهاء الهجمات اإلرهابية‬ ‫على إسرائيل‪ ،‬ثم مباحثات حول مالمح التسوية‬ ‫النهائية‪ .‬ويكشف أبرامز أنه لو تم الوصول إلى‬ ‫املرحلة الثانية‪ ،‬ربما قدم قادة إسرائيل أقل مما‬ ‫كانت السلطة الفلسطينية ستقبل به‪ .‬وهكذا‬ ‫فيما يخص إسرائيل‪ ،‬كانت اللعبة كلها متعلقة‬ ‫باملرحلة األولى‪ ،‬التي كان إتمامها قد يثمر‬ ‫انسحابا إسرائيليا أحادي الجانب من بعض‬ ‫مناطق الضفة الغربية‪.‬‬

‫اختبار صهيون‪ :‬إدارة بوش‬ ‫والصراع اإلسرائيلي الفلسطيين‬

‫املؤلفة‪ :‬كيت براون‬ ‫الناشر‪ :‬جامعة أكسفورد‬ ‫العام‪2013 :‬‬ ‫عدد الصفحات‪ 416 :‬صفحة‬

‫املؤلف‪ :‬إليوت أبرامز‬ ‫الناشر‪ :‬جامعة كمربدج‬ ‫العام‪2013 :‬‬ ‫عدد الصفحات‪ 347 :‬صفحة‬

‫دولة ما بعد االستعمار يف‬ ‫أفريقيا‪ :‬خمسون ً‬ ‫عاما من‬ ‫االستقالل‪2010-1960 ،‬‬ ‫املؤلف‪ :‬كراوفرود يونغ‬ ‫الناشر‪ :‬جامعة ويسكونسن‬ ‫العام‪2012 :‬‬ ‫عدد الصفحات‪ 424 :‬صفحة‬

‫> في كتابه الذي يتناول تاريخ أفريقيا‬ ‫السياسي منذ الخمسينيات‪ ،‬يستعرض‬ ‫يونغ أبحاث العلوم السياسية املتعلقة‬ ‫بالعديد من القضايا املهمة مثل اإلرث‬ ‫الذي خلفه االستعمار‪ ،‬واألسباب التي‬ ‫أدت إلى تحول الدول األفريقية إلى نظم‬ ‫استبدادية بعد االستقالل‪ ،‬وأفضل الطرق‬ ‫لتقييم أدائها منذ ذلك الحني‪ .‬وعلى عكس‬ ‫الكتب املماثلة‪ ،‬يتناول يونغ املناطق الواقعة‬ ‫في كل من شمال الصحراء الكبرى‬ ‫ً‬ ‫مركزا على الروابط السياسية‬ ‫وجنوبها‬ ‫ً‬ ‫والدبلوماسية بينها فضال عن تاريخها‬ ‫املشترك‪ .‬ومن أقوى النقاط التي تناولها‬ ‫الكتاب العالقة بني الهوية العرقية والقومية‬ ‫والدولة‪ ،‬وهو ما كتب عنه يونغ تحليالت‬ ‫أولية على مدار عدة عقود‪ .‬وفي وجود أدلة‬ ‫واضحة وحرص كبير على الدقة النظرية‪،‬‬ ‫يوضح يونغ كيف أن االستعمار‪ ،‬وما‬ ‫نتج عنه من أنماط التحول إلى الحداثة‪،‬‬ ‫غير بشكل كبير الهويات الثقافية وأحدث‬ ‫العديد من االنقسامات بني الجماعات التي‬ ‫ما زالت حتى اآلن تشكل الصراع الداخلي‬ ‫في جميع أنحاء املنطقة ويسفر عنها‬ ‫ً‬ ‫أحيانا عواقب وخيمة‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫‪65‬‬


‫مراجعات‬

‫أختارت "املجلة" خمسة كتب متنوعة من أهم الكتب املنشورة التي عرضت للنقد والتحليل في مجلة "فورن‬ ‫أفيرز" وتتميز الكتب املختارة باالثارة واملتعة والثراء من بينها كتاب "روسيا والغرب من الكسندر لبوتني‪:‬‬ ‫الشرف في العالقات الدولية" للمؤلف‪ :‬أندريه بي‪ .‬سيغانوف‪ .‬ويرى الكاتب جيمس بيتيفر في كتابه"جيش‬ ‫تحرير كوسوفا‪ :‬من حرب سرية إلى تمرد البلقان‪ "2001 – 1948 ،‬أن جيش التحرير الكوسوفي يمثل‬ ‫ً‬ ‫ذروة الصراع األلباني الذي دام طويال ضد الهيمنة الصربية‪ ،‬التي تمتد إلى يوغوسالفيا امللكية ما قبل‬ ‫الحرب العاملية األولى‪ .‬وفي كتاب آخر نشر تحت عنوان "اختبار صهيون‪ :‬إدارة بوش والصراع اإلسرائيلي‬ ‫الفلسطيني" يقدم املؤلف إليوت أبرامز من خالل خبرته كمستشار رفيع املستوى في مجلس األمن القومي‬ ‫األميركي كتابا ذكيا ومفصال بصورة مذهلة عن محاوالت إدارة جورج دابليو بوش الفاشلة في حل الصراع‬ ‫اإلسرائيلي الفلسطيني‪.‬‬

‫روسيا والغرب‪ ..‬اختبار صهيون‬

‫أبرز خمسة كتب منشورة حديثا‬ ‫جيش حترير كوسوفا‪:‬‬ ‫من حرب سرية إلى مترد‬ ‫البلقان‪2001 – 1948 ،‬‬ ‫املؤلف‪ :‬جيمس بيتيفر‬

‫املؤلف‪ :‬أندريه بي‪ .‬سيغانوف‬

‫الناشر‪ :‬سي هريست وشركاه‬

‫الناشر‪ :‬جامعة كمبردج‬

‫العام‪2012 :‬‬

‫العام‪2012 :‬‬

‫عدد الصفحات‪ 320 :‬صفحة‬

‫عدد الصفحات‪ 325 :‬صفحة‬

‫> بدراسة الفصل األخير من الحروب اليوغوسالفية التي اتسمت بالدموية والتعقيد‪ ،‬سينظر‬ ‫معظم األجانب إلى جيش التحرير الكوسوفي بكراهية تقل قليال عن رؤيتهم للقائد الصربي‬ ‫السابق سلوبودان ميلوسيفيتش‪ .‬ولكن يرى بتيفر األمور على نحو مختلف‪ .‬بالنسبة له‪ ،‬يمثل‬ ‫ً‬ ‫جيش التحرير الكوسوفي ذروة الصراع األلباني الذي دام طويال ضد الهيمنة الصربية‪ ،‬التي تمتد‬ ‫ً‬ ‫إلى يوغوسالفيا امللكية ما قبل الحرب العاملية األولى‪ ،‬وتم إشعالها مجددا خالل حكم املارشال‬ ‫تيتو‪ .‬وفي خضم االشتباكات بني الفصائل املتنازعة على كوسوفو‪ ،‬يميل قلب بتيفر إلى جيش‬ ‫التحرير الكوسوفي واأللبانيني القوميني املتحالفني معه‪ .‬يصف بتيفر بأدق التفاصيل تشكيل‬ ‫الجماعة الضعيف‪ ،‬والدور الذي لعبه األلبانيون املنفيون في جنيف وزيوريخ‪ ،‬والدعم القادم من‬ ‫الحكومة األلبانية‪ ،‬وعمليات حرب العصابات األولى في كوسوفو‪ ،‬واالنتقام العنيف من قبل الجيش‬ ‫اليوغوسالفي‪ ،‬والدخول املضطرب واملتردد للواليات املتحدة وبريطانيا في الصراع‪ ،‬وحرب عام‬ ‫‪ .1999‬إنها في األساس قصة البلقان عن املظالم القومية التي لم تعالج واألخطاء االستراتيجية‬ ‫في جملتها (ليس هناك خطأ أكبر من خطأ ميلوسيفيتش) والقوى العظمى في سعيها لتحقيق‬ ‫أجندتها التي ال تتعلق باملشكلة املطروحة‪.‬‬

‫‪64‬‬

‫روسيا والغرب من‬ ‫الكسندر لبوتني‪ :‬الشرف‬ ‫يف العالقات الدولية‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫> يعتقد سيغانوف أن احترام الذات الذي يشعر به الروس هو مفتاح فهم التاريخ‬ ‫الطويل لعالقة روسيا بالغرب‪ .‬ويعني احترام الذات الفضائل التي يراها الروس‬ ‫في مجتمعهم واالحترام الذي يوليه اآلخرون لبلدهم‪.‬‬ ‫وسواء كانت روسيا ستتعاون مع الغرب أو تدافع عن نفسها أمامه أو تتخذ‬ ‫موقفا معاديا ضده‪ ،‬يتحدد ذلك ً‬ ‫بناء على االحترام الذي تشعر به روسيا‬ ‫باإلضافة إلى درجة إحساسها باألمان وليس ً‬ ‫بناء على سعيها نحو السلطة أو‬ ‫هيكل النظام الدولي‪ .‬يدرس سيغانوف هذه الديناميكية في مراحل مختلفة من‬ ‫التاريخ الروسي من فترة ما بعد نابليون وحتى اليوم‪.‬‬ ‫ويأخذ نظرية العالقات الدولية على محمل جد ويؤيد بصراحة مذهب البنائية‪.‬‬ ‫وينطبق تفسيره ً‬ ‫جيدا على عصر بوتني‪ .‬ولكن بالنسبة للصورة العامة‪ ،‬تستدعي‬ ‫حاجة النظرية إلى الترتيب اختصار وربط قدر محدد من التاريخ‪.‬‬


‫أن الشادور هو الخندق في مواجهة قيم الغرب "لقد ذهبت إحدى‬ ‫الصديقات إلى مقابلة من أجل عمل حكومي مغطية شعرها وثنياتها‬ ‫ًّ‬ ‫إسالميا لكن الفاحص سخر ورفض‬ ‫بمعطف ومنديل ال غبار عليهما‬ ‫ً‬ ‫"إنك عارية!"‪.‬‬ ‫توظيفها قائال ِ‬ ‫وتمضي بروكس في استعراض صور سردية مثيرة‪ ،‬فسيدات حزب‬ ‫الله اللبنانيات اللواتي بدون مكبالت بالقيود الدينية خارج البيت‪ ،‬لم‬ ‫ّ‬ ‫يكن كذلك وهن يتحررن ويعدن إلى الروح األنثوية عند زيارتها لهن‬ ‫في بيوتهن في ضواحي بيروت الجنوبية‪ ،‬فقد بدون متحررات بشعر‬ ‫أشقر وفساتني حريرية وأجساد ملساء‪ ،‬حيث اعتدن على التزين‬ ‫والدالل لكسب رضا أزواجهن‪ .‬وهذا شأن أغلب النساء اللواتي يسرفن‬ ‫في املاكياج واملالبس األنيقة داخل أسوار البيت في تجارب بروكس‪.‬‬ ‫قرأت الكتاب وأنا أتأمل ً‬ ‫واقعا قد ً بدأ في التغير اإليجابي‪ ،‬على األقل‬ ‫في بعض األماكن‪ .‬إال أن ثمة قلقا ما يبعثر هذا االطمئنان‪ ،‬وهو ما‬ ‫قد أختصره بصعود الجماعات اإلسالمية املتشددة في دول الربيع‬ ‫العربي‪ ،‬والرغبة التي ترددت من جانبهم حول فكرة استعادة الخالفة‬ ‫اإلسالمية‪ .‬وصعودهم على أية حال‪ ،‬قد ِّ‬ ‫يلوح ربما بتراجع بعض‬ ‫الخطوات التي خطتها املرأة بجهد‪ ،‬وبعد الحضور الفاعل للمرأة‬ ‫املسلمة والعربية في الساحة السياسية واالجتماعية واالقتصادية‬ ‫ً‬ ‫تحديدا‪.‬‬ ‫والثقافية‪ ،‬في العقد األخير‬ ‫تقول بروكس‪ :‬إن املرأة في املناطق اإلسالمية "تبقى مجرد امرأة‬ ‫في طبيعة العقل الذكوري مهما علت مكانتها"‪ ،‬مستشهدة بأمثلة‬ ‫ملجتمعات متشددة منها إيران‪ ،‬هي التي مكنت النساء منذ وقت مبكر‬ ‫من البرملان والرياضة والقضاء‪ ،‬فحني قدمت سيدات من الجمهوريات‬ ‫اإلسالمية املدعوات للتدريب الرياضي مع النساء اإليرانيات في‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ًّ‬ ‫وقائيا مبالغا فيه تجاه النساء املدعوات"‬ ‫طهران "اتخذت إيران موقفا‬ ‫فمنعتهن من التجول في البالد إال بحافالت رسمية‪ ،‬هذا الفعل أغاظ‬ ‫ً‬ ‫عضوة الوفد املاليزية "مرشدة مستقيم"‪ ،‬فصفعت رجال من الحرس‬ ‫الثوري حاول أن يمنعها من الخروج من الفندق‪" :‬قلت له إنني مديرة‬ ‫قوات الشرطة املاليزية املتقاعدة‪ ،‬وإنني أمضيت عمري أعطي األوامر‬ ‫للفتيان أمثالك"‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫محتجا‪ :‬إن كانت فعال‬ ‫وكذلك قال أحمد ساطي حول حنان عشراوي‬ ‫ً‬ ‫سياسية جيدة فيجب أن تكون مع زوجها وأطفالها أيضا‪ .‬ورغم أن‬ ‫ً‬ ‫زوج عشراوي راض بحياته مع أبنائه وفخور بزوجته‪ ،‬إال أن رجاال‬ ‫آخرين‪ ،‬من أمثال ساطي في عاملنا‪ ،‬لن يكونوا مرتاحني لذلك ً‬ ‫أبدا‪.‬‬ ‫نفس ذلك يحدث في دول شبيهة حني اضطرت إحدى أعضاء البرملان‬ ‫في انتخابات ‪ 1993‬في األردن أن تقاوم‪ ،‬حني اعترض السلفيون على‬ ‫صوتها‪.‬‬

‫وتطرقت الصحافية إلى الدور اإليجابي الذي لعبته السيدة األولى‬ ‫نور حسني عقيلة ملك األردن‪ ،‬وسردت تفاصيل عاشتها بني أسرته‬ ‫وفي قصره‪ ،‬ومواقف أخرى حني رافقته في طائرته الخاصة‪ً .‬‬ ‫تماما‬ ‫كما ذكرت الدور الكبير الذي أحدثته الشيخة فاطمة حرم الشيخ‬ ‫ًّ‬ ‫خليجيا عام ‪ 1992‬التي تدربت‬ ‫زايد‪ ،‬فكانت اإلماراتية هي األولى‬ ‫في أكاديمية "ساندهرست" العسكرية‪ .‬تقول على لسان اإلماراتية‬ ‫حاضرة درويش التي تدربت من بني فريق الجيش النسائي "وجدت‬ ‫حاضرة صعوبة في إقناع صديقاتها الجالسات في صالونها املذهب‪،‬‬ ‫ً‬ ‫قصصا عن حفر جحور الثعالب‬ ‫كن يهززن أكتافهن لدى سماعهن‬ ‫والحراسة طوال الليل في مخيمات الصحراء"‪.‬‬ ‫بعد كل ذلك‪ ،‬أرادت بروكس أن تقول إنه ورغم املناصب التي وصلت‬ ‫إليها النساء في املجتمعات اإلسالمية‪ ،‬إال أن قلة من هؤالء استطعن‬ ‫وضع تغييرات حقيقية على أوضاع بنات جنسهن بسبب ضغوطات‬ ‫ً‬ ‫املجتمع وقيوده‪ ،‬ورئيسة الوزراء الباكستانية "بانظير بوتو" مثاال‬ ‫لذلك‪ ،‬أو حتى البرملانية التركية "تانسو تشيللر" حني هتف املندوبون‬ ‫ً‬ ‫"لتعد تانسو إلى املطبخ"‪ .‬وهذا مثال أيضا للنظرة الدونية من بعضهم‬ ‫تجاه النساء‪.‬‬ ‫حاولت بروكس‪ ،‬بني فصل وآخر‪ ،‬أن تعود إلى تحليل الواقع االجتماعي‬ ‫السعودي الذي فرض ً‬ ‫قيودا على املرأة‪ .‬لكن لو تأخرت بروكس سنوات‬ ‫من طبع هذا الكتاب‪ ،‬لقالت إن بإمكان املرأة السعودية اآلن‪ ،‬مقارنة‬ ‫بالثمانينيات أو حتى التسعينيات من القرن املنصرم ‪-‬وهو زمن‬ ‫حكاياتها‪ -‬أن تحجز في فندق بهويتها الخاصة دون محرم‪ ،‬وأنها‬ ‫حصلت على حق الترشح والتصويت في املجلس البلدي‪ ،‬ودخلت‬ ‫مجلس الشورى بعضوية كاملة‪ ،‬كما ظهرت كمشاركة في األلعاب‬ ‫األوملبية في لندن ‪ .2012‬وأنها بعد عناء استطاعت أن تربح قضية‬ ‫ً‬ ‫العمل العام‪ ،‬وأن تظهر علنا كبائعة‪ .‬وأن السعوديات اآلن يعملن في‬ ‫مناصب قيادية ومراكز علمية وثقافية مهمة‪.‬‬

‫‪,,‬‬

‫الكتاب هو‬ ‫النسخة‬ ‫املترجمة‬ ‫لكتاب‬ ‫الصحافية‬ ‫األسترالية‬ ‫"جيرالدين‬ ‫بروكس"‬ ‫الذي عنون‬ ‫باإلنكليزية‬ ‫بـ"تسعة أجزاء‬ ‫من الرغبة"‬

‫‪,,‬‬

‫وأنها – املرأة السعودية‪ -‬أصبحت نائبة وزير التربية والتعليم‪ ،‬بعد‬ ‫نحو ‪ً 45‬‬ ‫عاما منذ افتتاح أول مدرسة بنات سعودية‪ .‬عام ‪ ،1963‬كانت‬ ‫ثمة مفارقة عجيبة تحدث‪ ،‬ففي الوقت الذي كانت أميركا تستدعي‬ ‫عساكرها ملواجهة الشغب إثر إلغاء الفصل العنصري في املدارس‪،‬‬ ‫كان امللك فيصل يستدعي الحرس الوطني إلبقاء مدرسة بريدة‬ ‫للبنات مفتوحة‪ ،‬بطالبة واحدة لعام كامل هي ابنة املديرة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ويغير‬ ‫سينحت الحجر‪،‬‬ ‫إن القدر ليثبت َّأن مجرى النهر الصحيح‬ ‫َّ‬ ‫معالم األرض‪ ،‬وليس سوى الوقت‪ .‬وكل األمور املعلقة لظروف مختلفة‪،‬‬ ‫من القضايا املاسة املتكررة مع الزمن‪ ،‬ستأتي ً‬ ‫تباعا‪ ،‬وإن تأخرت في‬ ‫القرار‪ ،‬أو حتى في التطبيق‪ ،‬ما دام الوعي ً‬ ‫قائما <‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫‪63‬‬


‫كتب‬

‫َ‬ ‫"جلست في زاوية من زوايا الفناء ذات اإلسمنت املسلح املتشقق‪ ،‬وإلى جانبها ابنتها وكنتها‪ ،‬وشواديرهن مشدودة‬ ‫بإحكام حول أجسادهن‪ ،‬بدون مثل ثالث من قوارير البولينغ تنتظر الكرة‪ ،‬وخديجة زوجة الخميني ذات الخمسة‬ ‫ِّ‬ ‫ُ‬ ‫وسبعني ً‬ ‫وصلت‬ ‫وراء النظارتني مبتسمة‪ ،‬حني‬ ‫ربيعا لها الوجه املتغضن نفسه الذي لجدة طيبة‪ ،‬كانت تحدق من ِ‬ ‫َ‬ ‫جذور‬ ‫أمسكت بيدها وربتتها برفق انزاح شادورها إلى الوراء منحسرًا عن إنش من‬ ‫مدت يدها لتحييني‪ ،‬وحني‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬ ‫َّ‬ ‫الشعر الفضية‪ ،‬التي تعلوها خصل من الشعر بلون الجزرة"‪.‬‬

‫مستشرقة تقتحم عوالم املرأة في املجتمعات املسلمة‬

‫األنوثة اإلسالمية‬

‫قراءة‬ ‫فضيلة الجفال‬ ‫تأليف‪:‬‬ ‫جيرالدين بروكس‬ ‫ترجمة‪:‬‬ ‫براعم سلمان‬ ‫الناشر‪:‬‬ ‫دار جداول ‪2012‬‬

‫ُ‬ ‫كان انطباعي ً‬ ‫فاترا بعض الشيء تجاه عنوان كتاب نقل‬ ‫إلى العربية "األنوثة اإلسالمية"‪ ،‬ترجمة براعم سلمان‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫مزاجا معينا لقراءته‪ .‬هكذا‬ ‫عنوانه أوحى لي بأنني أحتاج‬ ‫قلت لألستاذ محمد السيف‪ ،‬املالك الشريك للدار الناشرة "جداول"‪،‬‬ ‫متحمسا وهو يشرح محتوى الكتاب‪ .‬لم أكن قد ُ‬ ‫ً‬ ‫قرأت‬ ‫هو الذي كان‬ ‫النسخة اإلنجليزية منه‪ ،‬هو الذي سبق الترجمة بأعوام‪ .‬لكني لم‬ ‫كثيرا حتى فعلت واطلعت على النسخة العربية َّ‬ ‫أؤجل ذلك ً‬ ‫بمعية كوب‬ ‫ضئيل من القهوة‪.‬‬ ‫الكتاب هو النسخة املترجمة لكتاب الصحافية األسترالية "جيرالدين‬ ‫بروكس" الذي عنون باإلنكليزية بـ"تسعة أجزاء من الرغبة" يشير إلى‬ ‫الرغبة الجنسية التي قيل أن املرأة تتفوق فيها على الرجل‪ ،‬مستشهدة‬ ‫في الصفحة األولى من كتابها بحديث لإلمام علي رضي الله عنه‬ ‫"لقد خلق الله الجليل الرغبة الجنسية من عشرة أجزاء‪ ،‬ثم أعطى‬ ‫تسعة منها للمرأة وواحدا للرجل"‪ .‬لست متأكدة على أية حال من‬ ‫مدى صحة الحديث‪ ،‬إال أنني متأكدة حني أقول أن كتاب بروكس‬ ‫يدور في فلك العنوان العربي الفاتر هذا عن األنوثة من منظارها‬ ‫كصحافية عايشت بنفسها تجارب مثيرة‪ ،‬بل مثيرة ً‬ ‫جدا في دول‬ ‫ً‬ ‫العالم اإلسالمي‪ .‬وقد بدا لي العنوان املترجم غير منصف أبدا مقارنة‬ ‫بالدهشة التي بني دفتيه‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫إنه كتاب ثري من الناحية التوثيقية‪ ،‬كتب بنضج وبرؤية فردية‬ ‫محايدة ً‬ ‫غالبا‪ ،‬في محاولة لإلجابة على أسئلة عن املرأة في املجتمعات‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬في الزمن املحكي عنه‪ ،‬بني‪ :‬مصر وإيران والسعودية‬ ‫واإلمارات والكويت ولبنان وتركيا والعراق والجزائر وقطاع غزة‬ ‫واألردن وغيرهم‪.‬‬ ‫بدأت بروكس كتابها في الصفحة األولى منه باستعراض تجربتها‬ ‫كصحافية "امرأة" تزور السعودية‪ ،‬وعدم تمكنها من حجز غرفة‬ ‫في فندق في الظهران‪ ،‬اضطرها األمر إلى املبيت في "املخفر"‪ .‬وفي‬ ‫منتصف الكتاب تظهر تجربة سعودية مختلفة في الثمانينيات من‬ ‫القرن املنصرم حني عاد جيل من السيدات املتعلمات من الخارج‬ ‫وانخرطن في التدريس "كانت النتيجة ً‬ ‫كادرا من املدرسات السعوديات‬ ‫العجائز األكثر ليبرالية من الطالبات الشابات الالئي يقمن بتعليمهن‪.‬‬ ‫وحني قامت بعض هؤالء املدرسات بدورهن في مظاهرة القيادة كان‬ ‫أول من انقلب عليهن هن طالباتهن‪ .‬اندفعت إحدى الطالبات إلى مكتب‬

‫‪62‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫إحدى املدرسات وبدأت تشد األستاذة من شعرها وتشتمها ألنها‬ ‫ً‬ ‫احتجاجا‬ ‫وقادت الشابات املعترضات على قيادة السيارات‬ ‫تظاهرت‪ً ،‬‬ ‫ً‬ ‫غاضبا انطالقا من مسجد حرم الجامعة‪ ،‬من بني هتافات املتحمسات‬ ‫بعد املظاهرة كان املطالبة باإلغالق الدائم لجامعة اإلناث"‪.‬‬ ‫حاولت بروكس أن تربط بني صور اإلسالم الحديث في شبه‬ ‫الجزيرة وبني صور من اإلسالم األول حياة الرسول محمد صلى‬ ‫الله عليه وسلم‪ ،‬ودور املرأة اإليجابي في املجتمع آنذاك‪ ،‬وتعاليم‬ ‫ً‬ ‫اإلسالم تجاهها‪ ،‬وتعامل الرسول أيضا مع املرأة من خالل نسائه‬ ‫والصحابيات‪ .‬إال أن من كل الحكايات التي سردتها عن الواقع الحديث‬ ‫الذي عايشته‪ ،‬ليس ثمة فرق كبير ربما في استعراض العقليات‬ ‫الذكورية لدى رؤية بروكس في كثير من املجتمعات اإلسالمية التي‬ ‫أشارت إليها من خالل التجارب‪ .‬هي املجتمعات التي ترجح التقاليد‬ ‫ً‬ ‫على الدين‪ ،‬حني تساءلت بروكس أوال‪ْ :‬لم يقصد اإلسالم أبدًا أن‬ ‫يضطهد املرأة‪ ،‬ال في القرآن وال من قبل النبي محمد واألحداث التي في‬ ‫ُ‬ ‫عهده‪ ،‬فعالم تضطهد أغلبية نساء املسلمني في هذا العصر الحديث؟‪.‬‬ ‫برغم أنها رؤية مبالغ فيها بعض الشيء‪ ،‬إال أنه سؤال يسأله الكثيرون‬ ‫ّ‬ ‫منا بصيغ شبيهة‪.‬‬ ‫هل شرحت رؤية بروكس ً‬ ‫تماما واقع املرأة في العالم اإلسالمي؟‪ .‬ال‬ ‫أستطيع أن ألخص ذلك في إجابة واحدة‪ .‬فبروكس حاولت استعراض‬ ‫حاالت شتى بعيدة عن العقد الجديد الذي نعيش تطوراته اآلن‪ ،‬لتلقي‬ ‫بالضوء على املرأة في حضن اإلسالم املتشدد‪ ،‬الذي يسعى إلى‬ ‫تنميط السلوك االجتماعي‪ ،‬في مجتمعات مختلفة وفي زمن معاصر‬ ‫متجدد‪ .‬فهي كصحافية وامرأة استرالية عاشت حياة مختلفة عن‬ ‫حياة البلدان اإلسالمية وتعاليمها وقوانينها‪ ،‬لم تبد منفعلة ً‬ ‫جدا‪ ،‬بل‬ ‫تحاول تحليل الواقع‪ ،‬وإن بدت أكثر حدية في بعض مشاهد مثل‬ ‫تشبيهها لفصل النساء عن الرجال في السعودية بأنه شبيه بـ"الفصل‬ ‫العقيم نفسه الذي تطالب به حركة حماس في فلسطني‪ ،‬ومعظم أحزاب‬ ‫فصائل الراديكاليني في أفغانستان‪ ،‬وكثير من الراديكاليني في مصر‪،‬‬ ‫وجبهة الخالص الوطني في الجزائر"‪.‬‬ ‫استعرضت بروكس تأثير اإلسالم املتشدد على وضع النساء في‬ ‫البلدان كإيران زمن الثورة‪ ،‬وكيف أن "حميدة" اإليرانية ارتدت الشادور‬ ‫– الحجاب على الطريقة اإليرانية ‪ً -‬كرمز ثوري إبان الثورة الخمينية‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫إال أنها شعرت ببعض الندم الحقا الرتدائه‪ .‬فالثورة لطاملا تذكر‬


‫‪,,‬‬

‫«أفاتار»‬ ‫واحد من‬ ‫أفالم عديدة‬ ‫تصدرها‬ ‫هوليوود‬ ‫التي يسيطر‬ ‫عليها‬ ‫بامتياز‬ ‫«اليسار‬ ‫الليبرالي»‬

‫‪,,‬‬

‫مشهد من فيلم أفاتار (‪)1‬‬

‫الفيلم الذي أخرجه ريدلي سكوت واقتبسه عن رواية كتبها الذي لعب دور البطولة‪ ،‬بجائزة أوسكار ألفضل ممثل عن‬ ‫املعلق في صحيفة «واشنطن بوست» ديفيد إغناتيوس‪ ،‬ذلك العام‪.‬‬ ‫واملعروف بمعارضته لبوش وقربه من أوباما و«اليسار‬ ‫الليبرالي»‪ ،‬كان يروي عالقة االستخبارات األميركية ومن نافلة القول‪ ،‬أن الرأي العام األميركي صار يبدي‬ ‫بنظيرتها األردنية في الفترة التالية لهجمات ‪ 11‬سبتمبر تعاطفا تجاه املثليني جنسيا وحرياتهم وأوضاعهم‬ ‫القانونية‪ ،‬فقبل أسابيع قليلة‪ ،‬قامت املحكمة الفيدرالية‬ ‫(أيلول)‪.‬‬ ‫العليا‪ ،‬وهي أعلى سلطة قضائية في البالد‪ ،‬بشطب عدد‬ ‫وأفالم هوليوود السياسية ال تتمحور حول السياسة من البنود في قانون أقره الكونغرس في التسعينات وكان‬ ‫الخارجية فحسب‪ ،‬بل غالبا ما تتناول الشؤون الداخلية يعرف بقانون «حماية الزواج»‪ .‬وبقرارها‪ ،‬فتحت املحكمة‬ ‫كذلك‪ ،‬كما في فيلم «ميلك»‪ ،‬الذي يستعيد حياة الناشط العليا الباب للمثليني للزواج ولتحصيل مكتسبات قانونية‬ ‫املثلي في مدينة سان فرانسيسكو‪ ،‬هارفي ميلك‪ ،‬الذي قتل لم تكن متاحة لهم من قبل‪ .‬أما فضل هوليوود ويسارها‬ ‫في العام ‪ .1978‬الفيلم القى انتشارا ورواجا واسعا عند الليبرالي على تأليب الرأي العام األميركي في هذا االتجاه‪،‬‬ ‫صدوره في عام ‪ ،2008‬وفاز املمثل املشهور شون بني‪ ،‬فهو واضح من دون أدنى شك <‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫‪61‬‬


‫ثقافة‬

‫فيلم «أفاتار» هو خرافة علمية‪ ،‬تجري أحداثه في مستقبل بعيد‪ ،‬وتتمحور حول سباق بني كوكبني وشعبني‪ :‬األول‬ ‫بشر يتمتعون بمقدرات تكنولوجية وعسكرية هائلة‪ ،‬والثاني هو شعب «النافي» وهم مخلوقات خيالية عمالقة‬ ‫وزرقاء‪ ،‬تحافظ على اتصال مع البيئة‪ ،‬فتنام في أوراق الشجر‪ ،‬وتركب الطيور‪ ،‬وتحترم كل املخلوقات‪.‬‬

‫اليسار الليبرالي وهوليوود ‪ ..‬درس في "النسبية الثقافية"‬

‫الرسالية يف الفن‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫املحرر الثقافي‬

‫‪,,‬‬

‫عندما كانت‬ ‫أميركا‬ ‫في حمأة‬ ‫هجومها ضد‬ ‫بوش أصدرت‬ ‫هوليوود‬ ‫أحد أشهر‬ ‫أفالمها في‬ ‫هذا السياق‬ ‫وحمل عنوان‬ ‫«جسم من‬ ‫الكذب»‬

‫‪,,‬‬

‫‪60‬‬

‫البشر‪ ،‬الذين يمثلون ما يعرف أميركيا بـ «املجمع الصناعي بعيدا عن الحضارة‪ ،‬فهو ال يؤمن بجدارتهم على املنافسة‬ ‫العسكري»‪ ،‬يسعون إلى اقتالع الشجرة العمالقة التي من دون مساعدة خارجية‪.‬‬ ‫يعيش فيها النافي ألن تحت الشجرة مصدر الطاقة‬ ‫مطلوبا‪ .‬تدور حرب بني االثنني‪ ،‬وينتصر النافي على «أفاتار» هو واحد من أفالم عديدة تصدرها هوليوود‪،‬‬ ‫بامتياز «اليسار الليبرالي» األميركي‪،‬‬ ‫جشع البشر على الرغم من تفوق البشر عسكريا‪ .‬ويقود التي يسيطر عليها‬ ‫ُ‬ ‫النافي بشري انقلب على صحبه وراح يقاتل بجسم نافي إلى درجة دفعت بعض امل َمولني من اليمينيني املحافظني‬ ‫األميركيني إلى التفكير في تمويل صناعة سينمائية‬ ‫مستعار كانت صنعته التكنولوجيا البشرية‪.‬‬ ‫تنافس هوليوود‪ ،‬ولكن بأفكار يمينية‪ .‬وما يغيظ اليمني‬ ‫الفيلم‪ ،‬وهو من إخراج جيمس كاميرون‪ ،‬يمثل درسا في هو أن هوليوود تسهم بشكل واسع في صناعة الرأي العام‬ ‫«النسبية الثقافية»‪ ،‬وهي مدرسة تدعو العالم‪ ،‬خصوصا األميركي‪ ،‬وبدرجة أقل العاملي‪ ،‬وتدفعه نحو اليسار وتبعده‬ ‫أميركا‪ ،‬إلى احترام خصوصيات الشعوب املختلفة حول عن اليمني‪.‬‬ ‫العالم‪ ،‬حتى لو بدت هذه الشعوب متأخرة علميا أو‬ ‫اجتماعيا أو اقتصاديا‪.‬‬ ‫الحرب على اإلرهاب‬ ‫وكان صوت هذه املدرسة عال أثناء حربي العراق‬ ‫وأفغانستان‪ ،‬وأثناء محاولة الواليات املتحدة ممارسة ما‬ ‫عرف بـ «بناء األمم» في هاتني الدولتني‪ ،‬مما دفع هوليوود‪،‬‬ ‫كما األميركيني عموما‪ ،‬إلى مطالبة املؤسسة السياسية‬ ‫بالبقاء خارج شؤون الشعوب وشجونها‪ ،‬حتى لو اعتقد‬ ‫األميركيون أن ما يفعلونه هو في مصلحة هذه الشعوب‪.‬‬ ‫لكن «النسبية الثقافية»‪ ،‬وهي من أبرز األفكار التي يستند‬ ‫إليها «اليسار الليبرالي» األميركي في رسم مواقفه من‬ ‫السياسة الخارجية‪ ،‬تقدمها هوليوود بكثير من السذاجة‪،‬‬ ‫إذ من غير الضروري أن يعيش شعب النافي في الشجرة‬ ‫فقط للحفاظ على هويته‪ ،‬وال ضير في أن يستفيد النافي‬ ‫من االختراعات البشرية‪ ،‬من دون أن يضطرهم ذلك إلى‬ ‫الرحيل من أرضهم أو التخلي عن هويتهم وعالقتهم‬ ‫املميزة بالطبيعة‪.‬‬ ‫ثم إن انتصار النافي على البشر لم يكن ممكنا لوال ذلك‬ ‫املقاتل البشري الذي انقلب على صحبه وراح يقود قوات‬ ‫النافي بجدارة غير مسبوقة‪ ،‬مما يشي بأن كاميرون‬ ‫يعتقد أنه ال يمكن لهذه الشعوب املتأخرة أن تقدم قادتها‪،‬‬ ‫وأن املخرج‪ ،‬حتى لو أنه أراد الدعوة إلى الحفاظ على النافي‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫وال حياء لدى أهل هوليوود من استخدام صناعتهم‬ ‫ألهدافهم السياسية‪ ،‬ففيلم «زيرو دارك ثيرتي» للمخرجة‬ ‫كاثرين بيغلو‪ ،‬والذي يروي أحداث كشف مخبأ أسامة‬ ‫بن الدن في باكستان وقتله‪ ،‬صدر قبل أسابيع قليلة من‬ ‫االنتخابات الرئاسية األميركي في نوفمبر (تشرين الثاني)‬ ‫املاضي‪ ،‬في ما بدا وكأنه تذكير للجمهور األميركي بدور‬ ‫أوباما في هذه العملية‪ ،‬وتاليا جدارته في قيادة «الحرب‬ ‫على اإلرهاب» والسياسة الخارجية عموما‪.‬‬ ‫توقيت الفيلم املذكور أثار سخط اليمني‪ ،‬الذي أثار أعضاؤه‬ ‫في الكونغرس تساؤالت حول كيفية فتح الوثائق السرية‬ ‫واألرشيف للمخرجة بيغلو دون غيرها من عموم‬ ‫األميركيني‪.‬‬ ‫أفالم أميركية عديدة أخرى صدرت مع مضمون وهدف‬ ‫سياسي يساري محدد‪ .‬فعندما كانت أميركا في حمأة‬ ‫هجومها ضد إدارة الرئيس السابق جورج بوش واتهامها‬ ‫بالقيام بأعمال تعذيب ضد معتقلني في غوانتانامو‪،‬‬ ‫وبإسناد بعض التعذيب واالعتقال ألجهزة استخبارات‬ ‫حليفة‪ ،‬أصدرت هوليوود أحد أشهر أفالمها في هذا‬ ‫السياق‪ ،‬وحمل عنوان «بودي أوف اليز (جسم من الكذب)»‪.‬‬


‫ملحق يومي وصفحات متخصصة‬ ‫في‬ ‫عقارات‬

‫صحتك‬

‫السبت‬

‫الجمعة‬

‫سفر وسياحة‬

‫ثقافة‬ ‫األحد‬

‫الثالثاء‬

‫إعالم‬

‫االثنني‬

‫حصاد‬

‫ملسـات‬

‫الخميس‬

‫األربعاء‬

‫املتخصصة‬ ‫صفحات‬ ‫أجندة األعمال السبت واألربعاء > علوم السبت‬ ‫سيارات األحد > فنون االثنني > التعليم االثنني > تقنية املعلومات الثالثاء‬ ‫كتب األربعاء > أنغام الخميس > سينما الجمعة‬ ‫سجاالت األحد (داخل صفحات الرأي)‬

‫‪ ..‬تجدد دائم‬


‫صحافة عالمية‬

‫الحشود املؤيدة ملرسي من إعادة الرئيس املعزول إلى السلطة‪ .‬إذا‬ ‫استمرت الجماعة في تغذية الشعور بأنها ضحية ورفضت من‬ ‫حيث املبدأ املشاركة في الحكومة املؤقتة‪ ،‬سوف تؤدي دور املفسد‬ ‫بغيابها‪ .‬وسوف تتجنب الجماعة التسوية املؤملة‪ ،‬ولكن أيضا‬ ‫سيصبح من الصعب على أي حكومة جديدة أن تحقق النجاح‪.‬‬ ‫يعتمد قرار اإلخوان بشأن ما ستفعله في الفترة املقبلة إلى حد‬ ‫ما على الدروس التي تعلمتها من األحداث األخيرة ومن تصرفات‬ ‫القوى السياسية واالجتماعية األخرى‪ .‬والسؤال املطروح هو إذا‬ ‫كانت الجماعة سوف تعطي األولوية للبدء من جديد في املرحلة‬ ‫االنتقالية في مصر على حساب الدفاع عن مصالحها الحزبية‪.‬‬ ‫إذا سار األمر على النحو املثالي‪ ،‬سيمتلك قادة الجماعة بعد النظر‬ ‫الذي يسمح لهم باالعتراف – سرا إن لم يكن علنا – بأن توسعهم‬ ‫املفرط في النفوذ ساعد في نهايتهم‪ ،‬وهو ما سيمهد الطريق أمام‬ ‫مشاركتهم في إعادة تعريف النظام السياسي الجديد في مصر‪.‬‬ ‫ولكن ليس من الواضح اآلن على اإلطالق إذا كان قادة الجماعة‬ ‫الحاليون يرغبون في التعلم من أخطائهم أو يستطيعون ذلك‪.‬‬ ‫وكما أكدت في مقال سابق‪«( :‬اإلخوان املسلمون بعد مبارك»‪،‬‬ ‫‪ 2‬فبراير‪ /‬شباط ‪،)2011‬‬ ‫ال تعتبر الجماعة كيانا‬ ‫متماسكا‪ ،‬بل تضم بعض‬ ‫الفصائل املرنة فكريا والتي‬ ‫تنفتح على الحوار والتعاون مع‬ ‫الجماعات األخرى‪ .‬وتحتوي‬ ‫أيضا على جماعات انعزالية‬ ‫وضيقة األفق‪ .‬وتكمن املشكلة‬ ‫في أن الفصائل املنفتحة كانت‬ ‫تعاني من تهميش متزايد‬ ‫داخل الجماعة أثناء فترة‬ ‫الحصار في عهد مبارك‪ .‬في‬ ‫حني انشغل هؤالء األعضاء‬ ‫في إدارة برامج خدمات‬ ‫اجتماعية وعقد مؤتمرات بشأن حقوق اإلنسان والديمقراطية في‬ ‫النقابات املهنية ونوادي أعضاء هيئة التدريس‪ ،‬كان الحرس القديم‬ ‫حكم قبضته على تدريب وتأهيل األعضاء‬ ‫ذو الفكر املحافظ ُي ِ‬ ‫الجدد وتخصيص املوارد الداخلية والتعيينات‪ .‬ومع تزايد خيبة‬ ‫أمل في الجمود الفكري واألسلوب اإلداري املستبد الذي اتسم به‬ ‫الحرس القديم‪ ،‬غادر بعض من أكثر القيادات ديناميكية وتقدمية‬ ‫الجماعة ليؤسسوا حزب الوسط في منتصف التسعينات من‬ ‫القرن املاضي‪.‬‬

‫ك�سر التدخل الع�سكري ال�صلة‬ ‫بني الدميقراطية وهيمنة‬ ‫الإ�سالميني‪ ،‬مما خلق م�ساحة‬ ‫لإقامة نظام جديد يت�أ�س�س على‬ ‫د�ستور يدافع عن حقوق الفرد‬

‫منذ اندالع ثورة ‪ ،2011‬غادرت أعداد أكبر من أعضاء الجماعة من‬ ‫بينهم القيادي البارز عبد املنعم أبو الفتوح‪ ،‬الذي خاض انتخابات‬ ‫الرئاسة بصفته مرشحا مستقال ويرأس اآلن حزبا أسسه‪ .‬ترك‬ ‫رحيله ومعه تقدميون غيره الحرس القديم الذي يسود املكتب‬ ‫التنفيذي للجماعة‪ ،‬مع حلفائهم املخلصني في حزب الحرية‬ ‫والعدالة‪ ،‬ليتشبث بسلطته ونفوذه بعد سقوط مبارك‪.‬‬

‫الحقيقية واملتخيلة وامليل إلى اعتبار السياسة لعبة محصلتها‬ ‫صفر‪ .‬ويمكن القول إن هذا االقتصار ساهم في سقوط مرسي‪،‬‬ ‫وليس التطرف الفكري الذي توقعه العديد من املحللني املحافظني‬ ‫ومذيعي البرامج الحوارية بعد قيام الثورة‪( .‬يدعي مرسي وقادة‬ ‫اإلخوان املسلمني أنهم يفضلون تحقيق التوازن بني الحريات‬ ‫الفردية وحماية الهوية والقيم الدينية للمجتمع‪ ،‬وهو موقف ال‬ ‫يبتعد كثيرا عن الرأي العام املصري ككل)‪.‬‬ ‫من الصعب القول إذا كان عزل الجيش ملرسي إجراء شرعيا‪ .‬جاء‬ ‫مرسي رئيسا عن طريق انتخابات حرة ونزيهة في العموم‪ ،‬وفي‬ ‫األنظمة الديمقراطية يجب احترام نتيجة صندوق االقتراع‪ .‬ولكن‬ ‫في مصر لم يستقر النظام الديمقراطي‪ .‬وعندما تدخل الجيش كان‬ ‫ذلك ضد رئيس ال تخضع سلطاته إلى املحاسبة املؤسسية الفعالة‬ ‫ومن غير املؤكد التزامه بالقيم الديمقراطية‪ .‬سواء كان ذلك جيدا أم‬ ‫سيئا‪ ،‬غير كل من الحشد الجماهيري والتدخل العسكري ميزان‬ ‫القوة ومنح الجماعات العلمانية التي هزمت أمام اإلسالميني في‬ ‫االنتخابات األخيرة فرصة أكبر لوضع النظام السياسي الجديد‬ ‫في مصر‪ .‬لقد كسر التدخل العسكري الصلة بني الديمقراطية‬ ‫وهيمنة اإلسالميني‪ ،‬مما خلق مساحة إلقامة نظام جديد يتأسس‬ ‫على دستور يدافع عن حقوق الفرد ويضع صيغة للمشاركة في‬ ‫السلطة تمنع أي جماعة – سواء كانت اإلخوان املسلمني أو الجيش‬ ‫أو غيرهما – من احتكار السلطة في املستقبل‪.‬‬ ‫ولكن تبدو احتماالت «إعادة» البدء في املرحلة االنتقالية في مصر‬ ‫مظلمة إذا رفضت جماعة اإلخوان املشاركة فيها‪ .‬لسوء الحظ قد‬ ‫تعطي السرعة والنشاط الذي اعتقل به الجيش مرسي وقيادات‬ ‫أخرى في جماعة اإلخوان إشارات قمعية سيئة‪ .‬وسوف يزيد‬ ‫استخدام الجيش للقوة القاتلة ضد املتظاهرين املؤيدين ملرسي‬ ‫في األيام املاضية من صعوبة عودة اإلخوان لالندماج في النظام‬ ‫السياسي‪ .‬وبصورة عامة‪ ،‬يحيط الغموض بمسائل رئيسة في‬ ‫خارطة الطريق التي تبناها الجيش في عجالة مثل معايير اختيار‬ ‫املشاركني في اقتراح ومراجعة التعديالت الدستورية‪ .‬وحتى‬ ‫الليبراليون الذين أيدوا التدخل العسكري يشعرون بالقلق ملنح‬ ‫الرئيس املؤقت سلطات مطلقة‪.‬‬ ‫في سبيل املضي قدما يجب على مسؤولي الحكومة املؤقتة بذل‬ ‫قصارى جهدهم إلقناع اإلخوان املسلمني – أو على األقل بعض‬ ‫الفصائل داخلها – بأن مميزات املشاركة في النظام الجديد سوف‬ ‫تتفوق على املظاهرات املستمرة والتغيب عن املشاركة‪ .‬سوف‬ ‫يتطلب ذلك إجراء مباحثات مكثفة مع كبار قادة الجماعة الذين‬ ‫وضعوا قيد االعتقال حاليا وربما يتضمن ذلك في النهاية منح‬ ‫مرسي منصبا شكليا أو استشاريا في الحكومة الجديدة‪ .‬إذا‬ ‫عجز أصحاب السلطة الجدد في مصر عن جذب اإلخوان إلى‬ ‫املشاركة‪ ،‬سيخاطرون بإقامة نظام إقصائي مثل نظام الجماعة‪،‬‬ ‫وبذلك يكون عرضة لالضطرابات مثل حكومة مرسي التي أرادوا‬ ‫أن يحلوا محلها‪.‬‬

‫تملك جماعة اإلخوان جذورا ممتدة داخل املجتمع ولها إمكانيات‬ ‫ّ‬ ‫بالفعل يحمل سلوك اإلخوان طوال العامني والنصف املاضيني كبيرة سوف تساعدها في تأدية دور بناء في النهوض بالبالد‪.‬‬ ‫طابع العقلية التي تشكلت في ظل الحصار السابق‪ ،‬من حيث ولكن يعتمد تحقيق هذه اإلمكانيات على الجماعة وخصومها إذا‬ ‫ّ‬ ‫السرية واالنعزال عن الغرباء والحساسية املفرطة تجاه التهديدات اختاروا التعاون البناء بدال من املواجهة في األيام املقبلة‬ ‫فورن أفيرز‪ /‬أغسطس ‪ -‬آب ‪58 - 2013 /‬‬


‫في الثالثني من يونيو (حزيران) عام ‪ 2012‬أدى محمد مرسي‪،‬‬ ‫رئيس حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة اإلخوان‬ ‫املسلمني‪ ،‬اليمني الدستورية رئيسا ملصر‪ .‬وفي ذكرى مرور عام‬ ‫على تنصيبه واجه مرسى ماليني من املتظاهرين الذين يطالبونه‬ ‫بالتنحي‪ .‬وعندما أثبت الرئيس عجزه عن حل األزمة‪ ،‬عزله الجيش‬ ‫من منصبه ووضعه وقادة بارزين آخرين في جماعة اإلخوان قيد‬ ‫اإلقامة الجبرية‪.‬‬

‫الهائلة التي ترسخ في ندرة املوارد والزيادة السكانية السريعة‬ ‫وتضيف إلى صعوبتها عقود من الحكم املستبد الذي اتسم‬ ‫بالفساد والنهب‪ .‬ولكن جعل نقص خبرة اإلخوان املسلمني في‬ ‫الحكم‪ ،‬باإلضافة إلى رفضها مشاركة أحد في امتيازات وأعباء‬ ‫السلطة‪ ،‬من الصعب حل هذه املشكالت بدرجة أكبر مما لو اجتهد‬ ‫اإلخوان في حشد طاقة وخبرة من هم خارج دوائرها‪ .‬عالوة‬ ‫على ذلك‪ ،‬لم يبد مرسي ميال أو قدرة على الدفع بعملية اإلصالح‬ ‫الهيكلي الديمقراطي لجهاز الدولة القائم منذ عهد مبارك‪ .‬على‬ ‫وجه التحديد‪ ،‬كان مرسي بطيئا في إصالح املؤسسة األمنية‬ ‫وهو أحد األهداف الرئيسة لثورة ‪ ،2011‬وذلك خوفا من إبعاد‬ ‫القوى ذاتها التي تعتمد عليها املؤسسة في احتواء االضطراب‬ ‫املتصاعد‪.‬‬

‫ترجع نهاية رئاسة مرسي املفاجئة واملخزية إلى عدة عوامل‪.‬‬ ‫على الرغم من تعهد مرسي بأن يكون رئيسا لكل املصريني‪،‬‬ ‫إال أن تصرفاته على مدار العام املاضي أعطت انطباعا قويا –‬ ‫لدى شخصيات مهمة في كل من مؤسسات الدولة واملعارضة‬ ‫العلمانية – أنه كان يستخدم سلطات منصبه من أجل تحقيق‬ ‫مكاسب حزبية‪ .‬على سبيل املثال‪ ،‬أعطى اإلسالميني وزارات بعد شهور من العصيان املدني‪ ،‬تقدمت معارضة حكومة مرسي‬ ‫رئيسة في الحكومة‪ ،‬من بينها التعليم واإلعالم‪ .‬وبعد إطاحته بتشكيل حركة «تمرد» – وهي حملة يقودها شباب جمعوا ماليني‬ ‫بـ‪ 17‬محافظا‪ ،‬عني مرسي سبعة محافظني من أعضاء جماعة التوقيعات على استمارات تطالب بتنحي مرسي – وخرجت‬ ‫اإلخوان ومحافظا ينتمي إلى الجماعة اإلسالمية التي كانت تتبنى في مظاهرات جماهيرية حاشدة ضد حكومته في ‪ 30‬يونيو‬ ‫نشاطات مسلحة في السابق‪ .‬كما عني أشخاصا موالني للجماعة (حزيران)‪ .‬في األول من يوليو (تموز)‪ ،‬أنذر الجيش الرئيس بحل‬ ‫األزمة في غضون ‪ 48‬ساعة‪ ،‬ولكن مرسي رفض‪ .‬وفي ‪ 3‬يوليو‪،‬‬ ‫في مواقع استراتيجية في مكتب النائب العام وفي اإلعالم‪.‬‬ ‫تدخل الجيش وعطل الدستور‬ ‫برر مرسي ومؤيدوه مثل هذه اإلجراءات قائلني إنهم يحتاجون وأطاح بمرسي‪ ،‬وأعلن عن‬ ‫إلى تطهير الدولة من الشخصيات التي ارتبطت بالنظام السابق‪ .‬خارطة طريق جديدة في املرحلة‬ ‫ويمكن القول أيضا إن مكافأة أعضاء الحزب الذي ينتمي إليه االنتقالية في مصر‪.‬‬ ‫املسؤول سلوك طبيعي في السياسة الديمقراطية‪ .‬ولكن في‬ ‫مصر‪ ،‬تشوب العالقات بني األطراف السياسية الرئيسة وممثلي تؤكد جماعة اإلخوان على‬ ‫املجتمع املدني شكوك وارتياب متبادل يرجع إلى فترة بعيدة‪ ،‬مما أن مرسي انتزع من سلطته‬ ‫فسر مثل هذه التعيينات على أنها دليل على عزم اإلخوان على الشرعية كرئيس منتخب للبالد‬ ‫احتكار السلطة‪.‬‬ ‫وأعلنت عن حشد مظاهرات‬ ‫تفاقمت الشكوك في التزام اإلخوان املسلمني بإقامة نظام سياسي كبيرة حتى عودته إلى منصبه‪.‬‬ ‫شامل حقيقي عندما قرر مرسي‪ ،‬في نوفمبر (تشرين الثاني)‪ ،‬في مواجهة بني الحشود املؤيدة‬ ‫تحصني قراراته ضد الطعن القضائي‪ ،‬مما سمح له بمنع حل واملعارضة ملرسي في الشوارع‪،‬‬ ‫الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور التي ينتمي غالبية ومع إبداء الجيش استعداده‬ ‫أعضائها إلى اإلسالميني‪ .‬ثم قرر الدعوة إلى استفتاء عام سريع الستخدام القوة الوحشية‬ ‫على الدستور الذي صاغته الجمعية‪ ،‬على الرغم من الجدل حول للحفاظ على النظام‪ ،‬تقف‬ ‫تشكيل الجمعية املشوه‪ .‬وفي الفترة األخيرة‪ ،‬أصدر قرارات املرحلة االنتقالية في مصر على حافة الهاوية‪ .‬تتعرض البالد‬ ‫بالقبض على عدد من النشطاء الحقوقيني واقترح قانونا جديدا اآلن لخطر االنزالق في عنف واسع النطاق على نحو يفوق أي‬ ‫يفرض سلطة الدولة على تسجيل وتمويل جمعيات املجتمع املدني‪ .‬فترة أخرى منذ تنحي مبارك‪ .‬ما يزيد املوقف خطورة هو أن‬ ‫كال من اإلخوان املسلمني وخصومهم يرون أنفسهم مدافعني عن‬ ‫ولكن كان مصدر القلق األكبر للناخبني املصريني هو فشل روح الثورة الديمقراطية ومصالح األمة‪ .‬ويعتقد كل طرف أن أسوأ‬ ‫مرسي واإلخوان في تحقيق تقدم ملموس نحو تلبية احتياجات شكوكه في الطرف اآلخر قد تأكدت‪ ،‬وأنه يمتلك القوة البشرية‬ ‫الشعب التي طالب بها في ثورة ‪ 2011‬من خبز وحرية وعدالة‪ .‬واملوارد والدوافع التي تسمح له باالستمرار في املواجهة في الفترة‬ ‫في أثناء عهد حسني مبارك‪ ،‬اشتهرت جماعة اإلخوان بتلبية املقبلة‪.‬‬ ‫احتياجات الجماهير من خالل توفير خدمات في مجالي الصحة‬ ‫والتعليم في األحياء الفقيرة‪ .‬ولكن اكتشفت الجماعة أن مهمة كان على جميع األطراف السياسية الرئيسة في البالد‪ ،‬تجنبا‬ ‫تقديم الخدمات العامة على نطاق جماهيري من خالل النظام للوقوع في فوضى ممتدة‪ ،‬أن يلتزموا بحل خالفاتهم من خالل‬ ‫البيروقراطي املتكلس في الدولة أكثر صعوبة‪ .‬في الحقيقة‪ ،‬في العملية السياسية‪ .‬ولكن أدى انعدام الثقة بني اإلخوان والجيش من‬ ‫العامني املاضيني‪ ،‬تدهورت األوضاع املعيشية كثيرا‪ .‬وساهمت جانب واإلخوان وخصومها الليبراليني من جانب آخر إلى فشل‬ ‫مشكالت الزحام املروري وتكدس القمامة ونقص الوقود وزيادة دعوات الحوار والتسوية‪ .‬على وجه الخصوص‪ ،‬ال تمر الجماعة‪،‬‬ ‫التي تعتبر أن تدخل الجيش أطاح بمكتسباتها التي حققتها بعد‬ ‫البطالة وارتفاع نسبة الجرائم في تزايد اإلحباط واالستياء‪.‬‬ ‫جهد شاق‪ ،‬بفترة تسمح بالتزام الحكمة وضبط النفس‪ .‬ولكن‬ ‫من اإلنصاف أن نذكر عدم وجود حلول سريعة للمشاكل الهيكلية طاملا ظل الجيش ثابتا في سيطرته‪ ،‬لن تكون هناك فرصة تمكن‬

‫تفاقمت ال�شكوك يف التزام‬ ‫الإخوان امل�سلمني ب�إقامة‬ ‫نظام �سيا�سي �شامل حقيقي‬ ‫عندما قرر مر�سي يف نوفمرب‬ ‫(ت�شرين الثاين) حت�صني‬ ‫قراراته �ضد الطعن الق�ضائي‬

‫فورن أفيرز‪ /‬أغسطس ‪ -‬آب ‪57 - 2013 /‬‬


‫صحافة عالمية‬

‫هل تعود «الجماعة» من جديد؟‬

‫اإلخوان املسلمون بعد مرسي‬

‫مرشد عام جماعة االخوان محمد بديع يلقي كلمة في رابعة العدوية (‪ 5‬يوليو‪)2013‬‬

‫بقلم‪ :‬كاري روزفسكي ويكهام *‬

‫في الثالثني من يونيو (حزيران) عام ‪ 2012‬أدى محمد مرسي‪ ،‬رئيس حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية‬ ‫لجماعة اإلخوان املسلمني‪ ،‬اليمني الدستورية رئيسا ملصر‪ .‬وفي ذكرى مرور عام على تنصيبه واجه مرسى‬ ‫ماليني من املتظاهرين الذين يطالبونه بالتنحي‪ .‬وعندما أثبت الرئيس عجزه عن حل األزمة‪ ،‬عزله الجيش من‬ ‫منصبه ووضعه وقادة بارزين آخرين في جماعة اإلخوان قيد اإلقامة الجبرية‪.‬‬ ‫* أستاذة مساعدة في العلوم السياسية في جامعة إيموري‪ .‬صدر أحدث كتبها تحت عنوان «اإلخوان املسلمون‪ :‬تطور جماعة إسالمية»‬

‫فورن أفيرز‪ /‬أغسطس ‪ -‬آب ‪56 - 2013 /‬‬


‫الثابت في الديمقراطيات الجديدة أن انقالبات املجتمع املدني تعني نزع السلطة من قائد‬ ‫منتخب من خالل احتجاجات مستمرة وعادة ما يتم ذلك بمساعدة الجيش‪ .‬في الواقع‪،‬‬ ‫إنها الشراكة بني املجتمع املدني والجيش ‪ -‬وهما طرفان ال يعرف عنهما التعاون معا‬ ‫في املعتاد ‪ -‬التي تفرق بني انقالب املجتمع املدني واالنقالب العادي‪ .‬في أغلب األحيان‪،‬‬ ‫يبرر الذين يقفون وراء االنقالب وقوعه‪ ،‬ويدعون أنهم ينوون إنقاذ الديمقراطية‪ ،‬وذلك في‬ ‫تناقض مع حقيقة أنهم يقتلعونها من جذورها‪b.‬هذا هو املجتمع املدني املارق الذي تحدث‬ ‫وترو نحو تحسني الديمقراطية‪،‬‬ ‫عنه املفكر الفرنسي توكفيل؛ بدال من العمل بصبر ٍ‬ ‫يتحول املجتمع املدني إلى الغضب والضيق ويخطط إلحداث تغييرات سياسية مفاجئة‬ ‫وراديكالية‪ .‬في مقالي األصلي الذي كتبته عن عزل شافيز من منصبه‪ ،‬حددت ثالثة‬ ‫شروط مسبقة لوقوع انقالب املجتمع املدني‪ .‬األول هو صعود قائد للسلطة يبدو التزامه‬ ‫بالديمقراطية في أحسن األحوال مشكوكا فيه‪ .‬والشرط الثاني عجز املؤسسة السياسية‬ ‫عن تلبية تطلعات الشعب في النمو االقتصادي واالستقرار‪ ،‬وذلك عادة بسبب الفساد‬ ‫وعدم الكفاءة وإهمال الدولة لالحتياجات األساسية‪ .‬والشرط الثالث هو ظهور ممثلي‬ ‫املجتمع املدني ‪ -‬من االتحادات التجارية‪ ،‬واملؤسسات الدينية واملنظمات املدنية ‪ -‬بصورة‬ ‫أكبر من القوى السياسية املنظمة رسميا‪ ،‬والتي إما تفككت أو التي لم تتطور بالكامل في‬ ‫املقام األول‪ ،‬مثل املعارضة الرئيسة للحكومة‪.‬‬ ‫تظهر النتيجة املجتمعة لهذه األوضاع في نشوء عالقة عدائية بني املجتمع املدني النشيط‬ ‫ونظام سياسي منزوع الشرعية على خلفية استياء مجتمعي واسع النطاق وانهيار‬ ‫سيادة القانون‪ .‬في ظل هذه األوضاع‪ ،‬يتم حل النزاعات واألزمات السياسية في الشارع‬ ‫وليس في السلطة التشريعية‪ .‬جميع هذه الشروط تحققت في مصر‪ .‬بمجرد أن أصبح‬ ‫مرسي رئيسا للبالد‪ ،‬لم يضيع وقتا لكي يظهر املمانع ضد الديمقراطية‪ .‬في نوفمبر‬ ‫(تشرين الثاني) املاضي‪ ،‬حاول أن يمنح نفسه سلطات غير قابلة للطعن أمام القضاء‬ ‫من شأنها أن تضعه فوق القانون‪ .‬وزعم أنه في حاجة إلى هذه الصالحيات لاللتفاف‬ ‫على القضاء املعادي الذي ال يزال يضم في األساس مسؤولني باقني من النظام السابق‪.‬‬ ‫لكن اعتبر املصريون هذه الخطوة مجرد وسيلة إلحكام قبضته على السلطة‪ .‬في الشهر‬ ‫التالي‪ ،‬شعر كثير من املصريني بالخيانة عندما دفع مرسي بدستور جديد ينتقص من‬ ‫حقوق املرأة ويعزز من نفوذ الجيش باإلضافة إلى نقاط خالف أخرى‪ .‬شابت أيضا الفترة‬ ‫الرئاسية القصيرة ملرسي اضطرابات اقتصادية‪ .‬وأصبحت الظروف املعيشية في مصر‬ ‫اآلن أسوأ مما كانت عليه في عهد مبارك‪ .‬وفقا لصندوق النقد الدولي‪ ،‬بلغت نسبة من‬ ‫يعيشون في خط الفقر قبل الثورة ‪ 40‬في املائة‪.‬‬ ‫أما اآلن فقد وصلت النسبة إلى ‪ 50‬في املائة‪ .‬وفي األسابيع التي سبقت االنقالب‪،‬‬ ‫كان هناك نقص حاد في املواد الغذائية والوقود وغيرها من الضروريات األساسية‪.‬‬ ‫من املؤكد أن مرسي تحمل إرث اقتصاد متعثر للغاية‪ .‬ووفقا ملا ذكره إبراهيم سيف‪،‬‬ ‫الخبير االقتصادي في مؤسسة كارنيغي‪ ،‬خلقت الثورة «بيئة معادية الستثمارات‬ ‫القطاع الخاص»‪ ،‬تسبب فيها إدراك «مخاطر املصادرة»‪ ،‬فضال عن األضرار الناجمة‬ ‫عن «الضرائب‪ ،‬واللوائح الصارمة‪ ،‬ودعم التصدير واإلنتاج‪ ،‬وارتفاع تكاليف الصفقات‬ ‫املرتبطة بالروتني»‪ .‬ولكن في الوقت ذاته‪ ،‬فاقمت سياسات مرسي من حالة عدم االستقرار‬ ‫السياسي وعدم الوضوح‪ .‬وبدوره‪ ،‬جعل ذلك من املستحيل تقريبا عودة قطاع السياحة‬ ‫إلى نشاطه السابق‪ ،‬أو دعم ثقة املستثمرين‪ ،‬أو إقناع الجهات الدولية املانحة مثل صندوق‬ ‫النقد الدولي والبنك الدولي بأن الديمقراطية الجديدة تقف على قاعدة ثابتة‪ .‬وأخيرا‪ ،‬على‬ ‫مدار السنة ونصف املاضية‪ ،‬كان من الصعب تمييز من يشكلون املعارضة تحديدا‪ .‬هذا‬ ‫هو القاسم املشترك بني التحوالت الديمقراطية التي تتم من أسفل‪ ،‬والتي ال تميل إلى إقامة‬ ‫معارضة سياسية موحدة‪ ،‬بل كوكبة من جماعات املعارضة التي تكون انقساماتها أكبر‬ ‫من أي اختالف بينها وبني الحكومة‪ .‬يؤدي ذلك إلى صعوبة الوصول إلى تسويات بني‬ ‫الحكومة والساخطني عليها‪ ،‬ويجعل األكثر صعوبة إقامة معارضة مخلصة تحقق توازنا‬ ‫أمام الحزب الحاكم‪ ،‬بل وتعبر عن مظالم الناس من خالل النظام السياسي‪ .‬يتساوى‬ ‫في األهمية تشكيل معارضة مخلصة مع وجود قائد ديمقراطي فعال من أجل تعزيز‬ ‫الديمقراطية‪ .‬ظهرت الطبيعة غير املنظمة للمعارضة املصرية بوضوح خالل االحتجاجات‬ ‫التي أدت إلى تدخل الجيش‪ ،‬حيث خرجت مجموعات مختلفة مؤيدة للديمقراطية معا‬ ‫متفقة على هدف واحد هو اإلطاحة باإلخوان املسلمني من السلطة‪.‬‬ ‫عادة ما تميل النزعة الفطرية إلى اعتبار انقالب املجتمع املدني انقالبا جيدا (في مقابل‬ ‫االنقالبات السيئة التي يخططها الجيش دون تأييد الجماهير)‪ .‬ولكن تحمل انقالبات‬

‫املجتمع املدني وعد جذاب بإعادة البدء في عملية التحول الديمقراطي من خالل إزالة‬ ‫آثار تجربة انحرفت فيها االنتخابات عن مسارها وفتح صفحة جديدة إلقامة نظام‬ ‫ديمقراطي جديد‪ .‬هذه هي رؤية الليبراليني املصريني‪ ،‬الذين يجتهدون لتجنب استخدام‬ ‫كلمة «انقالب»‪ .‬صرح محمد البرادعي‪ ،‬الدبلوماسي الحائز جائزة نوبل واملدير السابق‬ ‫للوكالة الدولية للطاقة الذرية وأبرز الليبراليني املصريني‪ ،‬لصحيفة «نيويورك تايمز»‬ ‫بأن «مرسي أفسد تحول البالد إلى الديمقراطية الشاملة»‪ ،‬مضيفا‪« :‬كما قال يوغي‬ ‫بيرا‪ ،‬إنها ديجافو مرة أخرى‪ ،‬ولكن نأمل أن نصيب في هذه املرة»‪ .‬ولكن تظل فكرة أن‬ ‫انقالب املجتمع املدني يستطيع إعادة البدء في التحول الديمقراطي مفرطة في التفاؤل‪.‬‬ ‫تقدم كل من فنزويال والفلبني نوعني من السيناريوهات املرجحة‪ .‬في فنزويال‪ ،‬خرجت‬ ‫موجات من اإلضرابات بعد اقتراحات بتأميم شركة النفط الوطنية الفنزويلية‪ .‬واتخذ‬ ‫الجيش شافيز رهينة ملدة ‪ 48‬ساعة قبل أن يسحب الجيش مخططه بتنصيب رئيس‬ ‫مؤقت والدعوة إلجراء انتخابات جديدة وقبل بإعادة شافيز إلى منصبه‪ .‬ما أجبر‬ ‫الجيش على تغيير خططه هو إدراكه أنه ال يستطيع احتواء أنصار شافيز الذين‬ ‫يشكلون أفضل قوة سياسية تنظيما في البالد‪ ،‬والذين يخلصون بشدة لقائدهم‪،‬‬ ‫وهو ما اتضح من خالل املظاهرات العنيفة املعارضة لالنقالب التي أسفرت عن مصرع‬ ‫نحو ‪ 20‬شخصا‪ .‬حكم شافيز فنزويال ملدة عقد آخر بعد ذلك‪ ،‬حتى وفاته في مطلع‬ ‫هذا العام‪ ،‬كان فيها أكثر رغبة في االنتقام واالستبداد‪ .‬وتزايد عداؤه للواليات املتحدة‪،‬‬ ‫حيث اتهمها بالتواطؤ من أجل عزله‪ .‬وعلى الرغم من الخالف حول دليل املشاركة‬ ‫األميركية في االنقالب الفنزويلي‪ ،‬فإن إدارة بوش اعتبرت اإلطاحة بشافيز «انتصارا‬ ‫للديمقراطية» قبل أن تصحح مسارها بعد أن نددت معظم حكومات أميركا الالتينية‬ ‫بالتطورات في فنزويال واعتبرتها‬ ‫انقالبا‪ .‬تجدر املقارنة بني انقالب‬ ‫فنزويال وما حدث في مصر‪.‬‬ ‫كما في فنزويال‪ ،‬انتزع االنقالب‬ ‫في مصر السلطة من أفضل‬ ‫قوة سياسية منظمة في البالد‪،‬‬ ‫جماعة اإلخوان املسلمني‪ .‬على‬ ‫عكس شافيز‪ ،‬ال يعتبر أعضاء‬ ‫اإلخوان من قيادات وقواعد أنه‬ ‫يجسد الجماعة‪ .‬ولكن حتى اآلن‬ ‫تصمم قيادة الجماعة على إعادة‬ ‫مرسي إلى السلطة‪ ،‬مشيرين إلى‬ ‫أنه ال يمكن استبعاد عودته‪ .‬وصرح املتحدث باسم الجماعة لشبكة «إيه بي سي»‬ ‫اإلخبارية‪« :‬ال توجد خطة بديلة‪ ،‬إما أن نعيد الرئيس إلى مكانه املناسب أو سيكون‬ ‫عليهم إطالق النار علينا في الشارع»‪ .‬في الفلبني في عام ‪ ،2001‬أطاح الجيش بالرئيس‬ ‫جوزيف استرادا بعد أربعة أيام من االحتجاجات الشعبية العنيفة أثناء ثورة سلطة‬ ‫الشعب الثانية‪ ،‬التي سميت بذلك احتفاء بثورة سلطة الشعب التي أطاحت بالرئيس‬ ‫القوي فرديناند ماركوس عام ‪ .1986‬بعد عزل استرادا‪ ،‬عني الجيش نائبة الرئيس‬ ‫غلوريا أرويو رئيسة للبالد‪ .‬كانت فترة رئاسة أرويو‪ ،‬التي استمرت حتى عام ‪،2010‬‬ ‫مضطربة‪ .‬يرجع السبب إلى حد كبير إلى تحملها عار الوسيلة غير الشرعية التي‬ ‫أطاحت بسلفها من منصبه‪.‬‬

‫�صرح حممد الربادعي‬ ‫ل�صحيفة «نيويورك تاميز» ب�أن‬ ‫«مر�سي �أف�سد حتول البالد �إىل‬ ‫الدميقراطية ال�شاملة»‬

‫حاولت أرويو التماسك في ظل املظاهرات املعارضة العنيفة التي خرج فيها مؤيدو‬ ‫استرادا (الذي تحول إلى ظل يخيم على أرويو طوال فترة رئاستها)‪ ،‬من بينها‬ ‫اقتحام ثالثة ماليني متظاهر القصر الجمهوري في عام ‪ 2001‬مدعني أنهم يمثلون‬ ‫ثورة سلطة الشعب الثالثة‪ .‬وفي مصر‪ ،‬يشكل العثور على بديل مقبول ملرسي‬ ‫تحديا‪ ،‬كما يمكننا أن نرى من خالل صعود وهبوط اسم البرادعي كمرشح‬ ‫ملنصب رئيس الوزراء املؤقت‪ .‬نادرا ما تكون انقالبات املجتمع املدني جيدة لتحقيق‬ ‫الديمقراطية‪ .‬في الواقع‪ ،‬ربما كان من األفضل للمصريني أن يتركوا مرسي يكمل‬ ‫مدته في السلطة بدال من إجهاض فترة رئاسته غير البارعة ولكنها ديمقراطية‪.‬‬ ‫حتى اآلن ربما يكون من حسن حظ مصر أن تصبح مثل فنزويال أو الفلبني‪ ،‬ألنها‬ ‫قد تسلك مسارا مأساويا بوقوع حرب أهلية‪ ،‬وهو االحتمال األقرب حيث يستمر‬ ‫العنف ضد مؤيدي مرسي‪ .‬إذا كانت هناك دروس مستفادة من العقود القليلة‬ ‫املاضية‪ ،‬فهي أن الديمقراطية تعتمد بدرجة كبيرة على أشخاص ينتظرون هزيمة‬ ‫الحكومات القائمة عبر صناديق االقتراع وليس في الشوارع‬

‫فورن أفيرز‪ /‬أغسطس ‪ -‬آب ‪55 - 2013 /‬‬


‫صحافة عالمية‬

‫حتى االنقالبات الجيدة سيئة‬

‫دروس ملصر من الفلبني وفنزويال‬

‫جوزيف استرادا الرئيس الثالث عشر لجمهورية الفلبني تولى الرئاسة من ‪ 30‬يونيو ‪ 1998‬إلى ‪ 20‬يناير ‪2001‬‬

‫بقلم عمر إنكارناسيون *‬

‫من أجل فهم النهاية السريعة واملفاجئة ألول رئيس مصري جاء في انتخابات ديمقراطية وما قد تنذر به‬ ‫ملستقبل البالد‪ ،‬من املفيد أن نلقي نظرة مقارنة واسعة‪ .‬ال تعتبر الطريقة التي عزل بها الجيش الرئيس‬ ‫محمد مرسي‪ ،‬الذي ينتمي لحزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لإلخوان املسلمني‪ ،‬بأي حال من األحوال‬ ‫حالة فريدة‪ .‬بل في الواقع يوصف ما حدث بأنه أحد نماذج انقالب املجتمع املدني‪ ،‬وهو مفهوم وصفته ألول‬ ‫مرة في مقال نشر في «وورلد بوليسي جورنال» في عام ‪ 2002‬حيث تناولت عزل الرئيس الفنزويلي هوغو‬ ‫شافيز ملدة وجيزة من السلطة على يد تحالف من رجال األعمال والعمال والجماعات املدنية‪ .‬بعد ذلك طبق‬ ‫علماء آخرون الفكرة على انقالبات أخرى‪ ،‬مثل تلك التي وقعت في كل من الفلبني في عام ‪ ،2001‬واإلكوادور‬ ‫في عام ‪ ،2002‬وتايالند في عام ‪ ،2006‬وهندوراس في عام ‪ .2009‬وتوضح كل هذه الحاالت أن انقالبات‬ ‫املجتمع املدني ليست عالجا من أجل الديمقراطية كما يدعون‪ ،‬وهو ما يبدو صحيحا في حالة مصر أيضا‪.‬‬ ‫* أستاذ العلوم السياسية في كلية بارد‬

‫فورن أفيرز‪ /‬أغسطس ‪ -‬آب ‪54 - 2013 /‬‬


‫حتى االنقالبات الجيدة سيئة‬

‫دروس ملصر من الفلبني وفنزويال‬ ‫بقلم‪ :‬إيريك تراغر‬

‫هل تعود «الجماعة» من جديد؟‬

‫اإلخوان املسلمون بعد مرسي‬ ‫بقلم‪ :‬كاري روزفسكي ويكهام‬

‫فورن أفيرز‪ /‬أغسطس ‪ -‬آب ‪53 - 2013 /‬‬


‫البـحـوث العلـميـة عاليـة التأثيـر‬ ‫‬ ‫ٌ‬ ‫متـاحـة ان للمـجتـمع بأكمله‪.‬‬

‫ﺷـﻬـﺮﻳﺎ‬ ‫ﺑﺎﻃﻼﻋﻚ ﻋﻠﻰ ‪ Nature‬ﺍﻟﻄﺒــﻌﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴــﺔ‪ ،‬ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺼـﺪﺭ‬ ‫ًّ‬ ‫ﺍﻧﻀـﻢ ﺇﻟﻰ ُﺭ ّﻭﺍﺩ ﺍﻟﻌﻠــﻮﻡ ﱢ‬ ‫ﺑﺎﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴـــﺔ‪ ،‬ﺇﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ ﺍﻟﻤﻮﻗﻊ ﺍﻹﻟﻜﺘــﺮﻭﻧﻲ ﺍﻟﺨـﺎﺹ ﺑﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺷﺒـﻜﺔ ﺍﻹﻧﺘـﺮﻧـﺖ‪ ،‬ﺍﻟﺬﻱ‬ ‫ﻳﺘﻢ ﺗﺤﺪﻳﺜﻪ ﺑﺼﻔﺔ ﺩﺍﺋﻤﺔ‪.‬‬ ‫ﺇﻥ ‪ Nature‬ﺍﻟﻄﺒــﻌﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴــﺔ ﺗﺘﻴﺢ ﻟﻠﻨﺎﻃﻘﻴﻦ ﺑﺎﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴــﺔ ﻣﺘﺎﺑﻌﺔ ﺍﻷﺧﺒــﺎﺭ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴــﺔ ﻓﺎﺋﻘﺔ ﺍﻟﺠﻮﺩﺓ‪ ،‬ﻭﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻘﺎﺕ‬ ‫ﻣﺘﺎﺣﺎ ﻣﺠﺎﻧً ﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻧﺘـﺮﻧـﺖ ﻛﻞ ﺃﺳﺒــﻮﻉ‪ ،‬ﻣﻊ ﻭﺟـﻮﺩ ﻧُ َﺴﺦ‬ ‫ﺍﻟﻮﺍﺭﺩﺓ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ”‪.“Nature‬ﺇﻥ ﻣﺤﺘـﻮﻯ ﺍﻟﻤﺠﻠﺔ ﺳﻴـﻜﻮﻥ‬ ‫ً‬ ‫ﺷﻬﺮﻳﺎ‬ ‫ﻣﻄﺒﻮﻋﺔ ﻣﺤﺪﻭﺩﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺠﻠﺔ‬ ‫ًّ‬

‫ﺍﻃﻠِ ْﻊ ﻋﻠﻰ ‪ Nature‬ﺍﻟﻄﺒﻌﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺍﻹﻧﺘﺮﻧﺖ‪ ،‬ﻭﺍﻣﻸ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﺨﺎﺹ ﺑﺎﻻﺷﺘﺮﺍﻙ ﻣﺠﺎﻧً ﺎ ﺑﺎﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﺮﺍﺑﻂ ﺍﻟﺘﺎﻟﻲ‪:‬‬ ‫ﱠ‬

‫‪arabicedition.nature.com‬‬

‫ﺑﺎﳌﺸﺎرﻛﺔ ﻣﻊ‪:‬‬


‫في فيتنام بدأت أسأل نفسي‪ :‬من هو والدي الحقيقي؟ وأين هو اآلن؟‬ ‫بعد أن عدت من الحرب بدات أسأل أمي أكثر عن املوضوع‪ .‬ال أعرف‬ ‫ملاذا‪ .‬لكني أذكر ان االسرة كانت تتناول العشاء‪ ،‬وكانت والدتي تحكي‬ ‫قصة عني وأنا صغير‪.‬‬ ‫وسألتها بعفوية عن أبي الحقيقي‪ ،‬قالت‪ :‬ال أعرف أين هو اآلن‪ .‬لم‬ ‫نتقابل منذ الطالق‪.‬‬ ‫وقالت‪ :‬أعرف أنه كان مقربا من األميرين فهد بن عبد العزيز‪ .‬وخالد بن‬ ‫عبد العزيز‪ .‬كان ذلك في عهد امللك فيصل رحمه الله واقترحت الوالدة‬ ‫علي‪ ،‬ان كنت حقا أريد أن أعرف‪ ،‬أن اتصل بالسفارة السعودية‪.‬‬ ‫عام ‪ ،1975‬كتبت أربعة خطابات الى السفارة السعودية‪ ،‬لكنهم لم‬ ‫يجيبوني على أي منها ال سلبا وال ايجابا في وقت الحق نسيت‬ ‫املوضوع تقريبا‪ .‬وقلت في نفسي لقد مضى زمن طويل وال بد أن‬ ‫والدي الحقيقي قد بلغ الثمانني‪ ،‬أو توفاه الله‪.‬‬ ‫خالل تلك الفترة غيرت اسمي من كاليف أبو شادي الى كاليف ويلمان‬ ‫(ويلمان اسم والد امي)‪ ،‬ربما ألنني أحسست بأن انتمائي ألمي أقوى‬ ‫من االنتماء ألبي بالتبني‪ ،‬وأب حقيقي ال أعرف عنه شيئا‪.‬‬ ‫وقبل ‪ 3‬اسابيع‪ ،‬عدت الى املنزل فقالت لي زوجتي مارجريت‪":‬ال أعرف‬ ‫كيف أنقل لك هذا الخبر؟"‪.‬‬

‫نواف في الثالثة‬

‫*قلت‪:‬مارجريت‪ ،‬مارجريت ‪ :‬هذه عادتك لن تغيرها أبدا‪ .‬قولي لي ما‬ ‫حدث‪.‬‬

‫أحسست أنه أشرق الدمع وعض‪ ،‬لقد تهدج صوته وتغير‪ ،‬ربما لم يبك‪،‬‬ ‫ولم تنزل دموعه‪ ،‬ولكنني متأكد أنه غص‪.‬‬

‫‪ -‬قالت‪ :‬والدك اتصل بالتلفون يبحث عنك‪.‬‬

‫*هل تعرف شيئا عن السعودية؟‬

‫الذي حدث ان د‪ .‬عثمان الرواف‪ ،‬بعد أن أخذ املعلومات عني من املحقق‬ ‫الخاص‪ ،‬اتصل باملنزل‪ ،‬بنتي رفعت التلفون‪ ،‬سمعت عثمان يقول ‪":‬أنا‬ ‫ابن عم لوالدك"‪ .‬بنتي نادت والدتها‪ :‬قائلة ‪ ":‬ماما ابن عم والدي في‬ ‫التلفون"‪ .‬قالت لها والدتها‪":‬ليس لوادك ابن عم‪ ،‬أو عم‪.‬‬

‫ ال ابدا فأنا لم أزرها‪ ،‬غير انني قرأت عنها من قبل معلومات عامة‪.‬‬‫وأثناء حرب الخليج قرأت عنها أكثر‪ ،‬وسمعت عنها الكثير‪.‬‬

‫ربما ظنت مارغريت انه من الذين يبيعون أشياء بالتلفون – اعطتني‬ ‫الرقم واتصلت بعثمان‪.‬‬ ‫وكانت أول كلمة قالها والدي‪":‬نواف‪ ،‬كيف حالك؟" لقد ناداني باسمي‬ ‫الحقيقي الذي لم أسمع أحدا يناديني به من قبل‪.‬‬

‫*هل تعرف عربا‪ ،‬ألم تزر أي بلد عربي؟‬ ‫ أعرف بعض العرب‪ ،‬لكنني لم أزر أي بلد عربي‪ ،‬وأنا اآلن أستخرج‬‫جواز سفر لي ولعائلتي لزيارة السعودية‪ ،‬وابن عمي الدكتور عثمان‬ ‫الرواف يرتب أمر زيارتي مع العائلة للسعودية‪ ،‬وباملناسبة فأنا تزوجت‬ ‫مرتني ولدي من زوجتي السابقة بنت اسمها اندروميدا عمرها ‪19‬‬ ‫سنة‪ ،‬ولي من زوجتي الحالية بنت اسمها ماليسا وعمرها ‪ 13‬سنة‪،‬‬ ‫وزوجتي من أصل عربي سوري من بيت معاد‪.‬‬

‫*وكيف كان شعورك يا كاليف؟‬

‫*هل ستطلب الجنسية السعودية وتصبح سعوديا؟‬

‫‪ -‬في منتهى السعادة بالطبع‪.‬‬

‫ لم أفكر في هذا األمر‪ ،‬لقد حصل كل شيء بسرعة مذهلة ليس هينا‬‫أن ترى أباك ألول مرة وعمرك ‪ 45‬عاما‪.‬‬

‫*هل بكيت؟‬ ‫ ال لم أبك‪ ،‬ولكن عواطفي كانت تتالطم في داخلي‪ ،‬كنت قد يئست من‬‫امكانية وجود أبي ثانيا‪ .‬ثم فجأة أسمع صوته يقول لي هكذا وكأنه في‬ ‫املجهول "نواف‪ ،‬كيف حالك"‪.‬‬ ‫*ووالدك هل بكى؟‬ ‫‪-‬حني التقينا لم يبك‪ ،‬ولم أر له دمعة‪ ،‬لكنني على الهاتف قبل اللقاء‬

‫*ماذا تعمل يا كاليف اآلن؟‬ ‫ مثمن عقارات‪.‬‬‫*هل ستصبح مشهورا في السعودية والعالم العربي بعد أن ننشر‬ ‫قصتك وهل يضايقك هذا؟‬

‫‪ -‬ال أبدا‪ ،‬فليعلم العالم كله أنني وجدت أبي <‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫‪51‬‬


‫أرشيف‬

‫االبن كاليف‪ :‬أحسست‬ ‫بأن أبي غص بالدمع‬ ‫حني سمع صويت‬ ‫وتركنا كاليف (نواف) يتحدث عن نفسه وعن والده‪،‬‬ ‫وعن املناسبة نفسها يقول‪:‬‬ ‫كنت أعرف أنني ولدت يوم ‪ 1946/6/23‬في نيويورك‪.‬‬ ‫ عندما تزوجت أبو شادي انضمت الى أسرتنا ابنتاه من زواجه‬‫السابق (صفية وهدى) وابنه من نفس الزواج (رمزي)‪ .‬كلهم‬ ‫ظلوا يعاملون كاليف كأنه شقيقهم منذ يوم ميالده‪.‬‬

‫خليل الرواف‬

‫‪,,‬‬ ‫كاليف‬ ‫ويلمان‪:‬‬ ‫بعد ‪45‬‬ ‫عاما قال‬ ‫لي أبي‬ ‫"نواف‪..‬‬ ‫كيف‬ ‫حالك؟"‬

‫‪,,‬‬

‫*كاليف قال لنا أنه كان يقلب ملفات قديمة عندما كان عمره ‪9‬‬ ‫سنوات‪ ،‬وقرأ انه ابن أبو شادي بالتبني‪ .‬لكنه لم يهتم باملوضوع‬ ‫كثيرا في تلك السن؟‬ ‫ كاليف لم يقل لي هذا أبدا‪.‬‬‫*وقال أيضا أنه خالل اشتراكه في حرب فيتنام (عندما بلغ‬ ‫عمره أكثر من ‪ 35‬سنة) بدأ يفكر في أبيه الحقيقي؟‬ ‫ لم يخبرني عن هذه املشاعر مطلقا‪.‬‬‫*متى علمت أن خليل الرواف يبحث عنه؟‬ ‫ لم أعرف أبدا‪ ،‬حتى قبل أسبوعني عندما اتصل بي كاليف من‬‫فلوريدا‪ ،‬وقا لي انه عثر على أبيه الحقيقي‪.‬‬ ‫*ماذا قال لك كاليف في التلفون تحديدا؟‬ ‫‪ -‬قال لي‪":‬والدي هنا جاء من السعودية"‪.‬‬

‫وان اسم والدي كان أحمد زكي أبو شادي‪ .‬من مصر‪،‬‬ ‫ودرس في اكسفورد وكمبريدج ببريطانيا‪ ،‬ثم هاجر الى‬ ‫أمريكا سنة ‪ .1945‬قابل والدتي في نيويورك‪ ،‬وتحابا‪،‬‬ ‫وتزوجا‪.‬‬ ‫وكنت أعرف ان "والدي" أبو شادي توفي وعمري ‪9‬‬ ‫سنوات‪ ،‬ولم يقل لي أي شيء عن "والدي الحقيقي"‪ .‬بنتاه‬ ‫(صفية وهدى) وولده (رمزي) من الزواج األول‪ .‬لم يقولوا‬ ‫لي أي شيء‪ ،‬كذلك‪.‬‬ ‫بعد وفاة والدي كنت أبحث عن ايصاالت قديمة‪ ،‬وأقلب‬ ‫في أوراق والدتي عندما وجدت ملفا باسم كاليف أبو‬ ‫شادي‪.‬‬ ‫ووجدت في امللف شهادة ميالدي وقد تغير اسمي من‬ ‫"نواف"‪ ،‬الى "كاليف"‪ ،‬ووثيقة الزواج‪ ،‬وشهادة التبني‪.‬‬ ‫سألت والدتي‪ :‬هل صحيح ان أبي ليس أبي الحقيقي؟‬ ‫أجابت‪ :‬نعم‪ .‬أبو شادي تبناك‪ ،‬وأبوك األصلي طلقني‬ ‫وذهب الى السعودية‪.‬‬

‫*وماذا قال خليل عندما تحدث معك بالتلفون؟‬

‫كانت أسئلة وأجوبة سريعة‪ ،‬انتهت بسرعة‪ ،‬ولم أفكر في‬ ‫األمر كثيرا فقد كان عمري آنذاك تسعة أعوام‪.‬‬

‫ انا قلت‪":‬خليل"؟ انني ال أصدق هذا أنا سعيدة أن أسمع صوتك‬‫مرة أخرى"‪ .‬قال‪":‬وأنا سعيد كذلك‪ .‬لقد كبرت في السن‪ .‬عمري‬ ‫اآلن ‪ 95‬سنة"‪ .‬قلت‪":‬ال أصدق‪ ،‬صوتك ال يزال شابا"‪ .‬قال‪":‬مضت‬ ‫سنوات كثيرة‪ ،‬أود ان نلتقي‪ ،‬لكني أخشى اال تريدي مقابلتي؟"‬ ‫قلت ‪":‬انني ال أكاد أنتظر حتى نتقابل"‪.‬‬

‫كانت األسرة في واشنطن حيث كان "أبي" يعمل في‬ ‫اذاعة "صوت أمريكا" وتفرق شمل االسرة بعد وفاة‬ ‫والدي أبي شادي عام ‪ 1956‬وأذكر ان رمزي أصبح‬ ‫فيما بعد مترجما‪ ،‬وعمل في األمم املتحدة‪ .‬وانتقلنا من‬ ‫واشنطن الى والية ماريالند‪.‬‬

‫*لو انك قابلت خليل في الشارع‪ .‬هل كنت ستعرفيه بعد مرور‬ ‫‪ 45‬سنة؟‬

‫بعد ‪ 5‬سنوات تزوجت أمي من رجل بريطاني اسمه‬ ‫كيث جارني وانتقلنا الى بريطانيا‪ .‬ثم عدنا الى أمريكا‪،‬‬ ‫حيث انضممت الى القوات املسلحة‪ ،‬واشتركت في حرب‬ ‫فيتنام خالل السنوات ‪.1974-1969‬‬

‫ أقسم لك بأنني كنت سأعرفه‪ .‬كنت سأعرفه من شكل رأسه‪.‬‬‫مثل رأس ابنه تماما‪ .‬حتى بعد أن تساقط شعره <‬

‫‪50‬‬

‫وان اسمي كان كاليف أبو شادي‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬


‫القديمة وثيقة تبني نواف بعد أن تزوج والدته وأرسلتها لي في‬ ‫السعودية‪ .‬وفيها تاريخ امليالد‪ ،‬واالسم الجديد‪ ،‬الخ‪...‬أرسلتها انا‬ ‫الى محقق خاص في لوس أنجلوس‪ ،‬لكن بال فائدة‪.‬‬ ‫عرفت سنة ‪ 1988‬انه كان في فرقة الفرسان األولى‪ .‬اتصلت‬ ‫بقيادة الفرقة في والية تكساس‪ ،‬بال فائدة‪ .‬في السنة املاضية‬ ‫عندما أرسلت القوات الدولية الى السعودية استعدادا لحرب‬ ‫الخليج‪ ،‬اتصلت بهم هناك‪ ،‬بال فائدة كذلك‪.‬‬ ‫هذا العام‪ ،‬وقبل حوالي شهر كنت في واشنطن قابلت صديقا‬ ‫أمريكيا قديما اسمه مايكل اورسني‪ ،‬أعرفه منذ ايام الدراسة‬ ‫في جامعة ديوك‪ ،‬ويعمل حاليا في وزارة الخارجية األمريكية‪.‬‬ ‫اهتم صديقي هذا باملوضوع‪ ،‬واعتبره حالة خاصة ومستعجلة‪،‬‬ ‫وأعطاني اسم محقق خاص‪ ،‬قدمت له املعلومات التي عندي‪.‬‬ ‫بعد ‪ 3‬أيام اتصل بي املحقق‪ ،‬وأعطاني االسم الحالي لنواف‪:‬‬ ‫كاليف ويلمان‪ ،‬وعنوانه في مدينة ميرامار بوالية فلوريدا‪ ،‬ورقم‬ ‫تلفون منزله‪.‬‬ ‫عندما كنت أتحدث مع املحقق كنت في غرفتي في الفندق في‬ ‫واشنطن‪ ،‬وكان عمي الذي جاء الى واشنطن أيضا يجلس‬ ‫بجواري في الغرفة‪ .‬ولم نكن حددنا ما اذا كان من األنسب ان‬ ‫نكتب لنواف‪ ،‬ام نتصل به تلفونيا‪ ،‬أم نزوره‪ .‬اذا وجدناه‪.‬‬

‫"سمعين عمي أقول‪":‬وجدته؟وجدته؟‬ ‫وبعد أن أخذت املعلومات من املحقق سألت عمي‪":‬هل نتصل‬ ‫به؟ قال ‪":‬نعم"‪ ،‬ثم قال "ال"‪ ،‬ثم صمت فترة من الوقت‪ ،‬وأغمض‬ ‫عينيه كأنه يسترجع املاضي كله في تلك االغماضة‪ .‬أعرف‬ ‫عمي جيدا انه رجل متدين جدا‪ .‬أحسست انه يدعو ربه‪ .‬فتح‬ ‫‪.‬عينيه‪ ،‬وقال بلهجة حاسمه اتصل به‪ .‬فاتصلت‬ ‫*األم‪ :‬كونستانس ويلمان (‪ 77‬سنة)‬ ‫وكان ال بد لـ"املجلة" أن تلتقي بأم نواف لتسألها عن ظروف‬ ‫اللقاء والزواج والطالق‪ .‬وهذه القطيعة الطويلة بينها وبني العم‬ ‫خليل‪ ،‬سألناها عن كيفية اللقاء األول بينهما فقالت‪:‬‬

‫يذكر لي انه تزوج من امرأة قبلي‪ .‬وقد عرفت ذلك بالصدفة‪ .‬ويا‬ ‫ليته كان قال لي ذلك‪ ،‬كنت سأسانده ضدها‪ ،‬فقد علمت فيما‬ ‫بعد أنها أساءت معاملته قبيل طالقهما‪.‬‬

‫مع ابن العم د‪.‬عثمان ياسني الرواف‬

‫*متى رأى ابنه نواف آخر مرة؟‬ ‫ لم يره عندما التقينا آلخر مرة في املحكمة‪ .‬فنحن حتى لم‬‫نودع بعضنا عندما صدر الحكم لصالحي بالحضانة‪ .‬كان هو‬ ‫في الجانب اآلخر من قاعة املحكمة‪ .‬نظرت اليه نظرة أخيرة‪،‬‬ ‫فسالت الدموع على خدي وأعتقد انه هو اآلخر أدمع ولم أكن‬ ‫قد أحضرت نواف الى املحكمة‪ ،‬يومها‪ ،‬فقد علمت ان خليل‬ ‫خطط ألخذه معه الى السعودية‪ .‬كما أخبرتني خادمتنا التي‬ ‫اتفق معها‪.‬‬ ‫*وملاذا غيرت اسم الطفل من "نواف" الى "كاليف"؟‬ ‫ احببت اسم نواف‪ .‬لكن أسئلة الناس ضايقتني حول "هذا‬‫االسم الغريب"‪ .‬وعندما أدخلته روضة االطفال وكان عمره ‪3‬‬ ‫سنوات‪ ،‬اخترت له اسم "كاليف" وهو اسم جدي الكبير الذي‬ ‫هاجر من انجلترا قبل ذلك بمائة وخمسني سنة‪.‬‬ ‫*كيف قابلت أبو شادي؟‬

‫والدي كان محاميا مشهورا في نيويورك خالل الثالثينات‪.‬‬ ‫وكان يوفر لنا فرص الزيارة والدراسة في أوروبا‪ .‬عشت في‬ ‫ايطاليا عدة سنوات‪ ،‬ودرست الحضارة الغربية‪ ،‬والحظت اثر‬ ‫الحضارة العربية عليها‪ .‬ثم عدت الى نيويورك‪ .‬وعملت محررة‬ ‫في دار للنشر‪ ،‬وفي عام ‪ 1944‬قابلت الدكتور خير الله‪ ،‬املهاجر‬ ‫العربي واملهندس الناجح‪ .‬وأثناء الحديث ذكرت له رغبتي في‬ ‫تعلم اللغة العربية‪ ،‬فأشار علي بخليل الرواف قائال ان لديه أكثر‬ ‫من مدرسة في نيويورك‪ .‬فذهبت الى خليل‪ ،‬وقلت له انني أريد أن‬ ‫أتعلم العربية‪ .‬فقبلني عنده وفي وقت الحق أحب كل منا اآلخر‪،‬‬ ‫وتزوجنا على يدي امام‪ ،‬ثم رزقنا بطفلنا نواف‪.‬‬

‫*لم تقولوا لكاليف ان أباه الحقيقي هو خليل النواف؟‬

‫*وملاذا اختلفتما؟‬

‫‪ -‬ال أبدا‪.‬‬

‫ حبي لخليل كان بال حدود‪ .‬لكنني فوجئت بآراء محددة له‬‫عن املرأة‪ ،‬لم يكن يؤيد عمل املرأة خارج املنزل‪ .‬لم يقل لي ذلك‬ ‫مباشرة بل كان يقوله آلخرين‪ ،‬وكان يتصل بي في مكان‬ ‫عملي‪ ،‬بشكل دائم يتصل بمن يعملون معي يسالهم عني‪ .‬ثم‬ ‫اختلفنا مرة على فستان ارتديته ملناسبة اجتماعية‪ .‬كذلك لم‬

‫*وال أبو شادي قال له ذلك؟‬

‫ في سنة ‪ 1945‬بعد زواجي من خليل‪ .‬جاء الى مكتبنا التجاري‬‫(كنت أساعد خليل في أعماله التجارية) يطلب عمال‪ .‬أعتقد أنه‬ ‫وجد عمال في منظمة االمم املتحدة‪ .‬ولم نلتق كثيرا‪.‬‬ ‫بعد طالقي من خليل التقينا وأحب كل واحد من اآلخر‪،‬‬ ‫وتزوجنا‪ .‬ثم انتقلنا الى واشنطن حيث كان أبو شادي يعمل‬ ‫في اذاعة "صوت أمريكا"‪ .‬بعد زواجنا تبنى أبو شادي كاليف‪.‬‬ ‫فاصبح االسم "كاليف أبو شادي"‪.‬‬

‫‪,,‬‬ ‫خليل الرواف‬ ‫هاجر الى‬ ‫أميركا في‬ ‫الثالثينات‬ ‫وعاد الى‬ ‫السعودية في‬ ‫الخمسينات‬

‫‪,,‬‬

‫ وال أبو شادي أخبره‪.‬‬‫*وال اخواته واخوانه؟‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫‪49‬‬


‫أرشيف‬

‫رفعت راية الحداثة التي تزوجته بعد عام من طالقها من العم‬ ‫خليل‪ ،‬وملا كان أبو شادي على قدر عال من املسؤولية والشعور‬ ‫املرهف فقد تبنى نواف خاصة وأنه كان على معرفة بأبيه‪،‬‬ ‫وعامله كواحد من أبنائه ال يميز أحدا من أبنائه عليه‪ .‬وكان‬ ‫أبو شادي قد انضم الى فريق العمل في الوفد السعودي لدى‬ ‫هيئة األمم املتحدة لكن املوت ما لبث أن عاجل الشاعر املجدد‬ ‫فانتقل الى رحمة الله بعد أن تغير اسم نواف ليصبح "كاليف‬ ‫أبو شادي"‪.‬‬ ‫وظل العم خليل أثناء ذلك كله في بحث دائم عن ولده‪ .‬الى أن‬ ‫ابتعثت جامعة امللك سعود في الرياض الطالب عثمان ياسني‬ ‫الرواف ابن أخ العم خليل الستكمال دراساته العليا في أمريكا‪.‬‬

‫ابن العم د‪ .‬عثمان ياسني الرواف‬ ‫*خليل الرواف (واقفا في مؤخرة‬ ‫الصورة) في نيويورك عام ‪ 1945‬مع خادم‬ ‫الحرمني الشريفني امللك فهد بن عبد‬ ‫العزيز واملغفور له امللك فيصل بن عبد‬ ‫العزيز واملرحوم حافظ وهبه‬

‫‪,,‬‬

‫وذات يوم اتصلت شابة أمريكية مثقفة اسمها كونستانس‬ ‫ويلمان ترغب في تعلم اللغة العربية‪ ،‬بعد ان زارت أوروبا وقرأت‬ ‫ان الحضارة العربية هي أساس الحضارة الغربية‪.‬‬ ‫بدأت كونستانس تحضر الى املدرسة وتتعلم أبجدية العرب‬ ‫وبدأ الحب يغزل خيوطه بني العم خليل وكونستانس‪ ،‬منذ اللقاء‬ ‫األول‪ ،‬وكما يقولون فان الحب أعمى‪ ،‬لدرجة انه جعل العم خليل‬ ‫ينسى أنه وعد نفسه بعدم الزواج من امرأة غير عربية مختلفة‬ ‫العادات والثقافة‪ .‬وهكذا لم تكد تمضي سنوات ثمان على طالقه‬ ‫من فرانسيس حتى عقد العم خليل قرانه على كونستانس‪.‬‬ ‫في الثالث والعشرين من يونيو (حزيران) ‪ ،1946‬أنجبت‬ ‫كونستانس ولدا للعم خليل سماه "نواف" لكن التقاليد واألعراف‬ ‫عادت لتقف حائال دون سعادة الزوجني‪.‬‬

‫عمره ‪95‬‬ ‫سنة عمل‬ ‫في هوليوود‬

‫صار عمر نواف ‪ 8‬شهور حني لم يعد بمقدور أي منهما أن‬ ‫يتعايش مع اآلخر‪ .‬وكان طالق آخر في حياة ابن بريدة‪،‬‬ ‫الذي وجد ان الحياة االمريكية بالرغم من جمالها وبهرجتها‬ ‫ال تناسب انتماءه وجذوره وتقاليده‪ ،‬فعصف به الحنني الى‬ ‫الصحراء العربية‪ ،‬فلم يطل به املقام بعد الطالق اال عاما أو بعض‬ ‫عام‪ ،‬صفى فيه أعماله ومدارسه ورحل صوب الشرق‪.‬‬

‫ومثل فيلما‬ ‫مع جون‬ ‫واين‬

‫في السعودية قرر عم خليل الزواج للمرة الثالثة‪ ،‬وكما يقولون‬ ‫كانت الثالثة ثابتة‪ ،‬مصرية اسكندرنية انجبت له ابنتني‪ ،‬واحدة‬ ‫تعمل حاليا طبيبة واألخرى مدرسة‪ .‬لكن العم خليل لم ينس‬ ‫ابنه نواف‪.‬‬

‫‪,,‬‬

‫عام ‪ 1958‬عاد الى أمريكا بصحبة األمير طالل بن عبد‬ ‫العزيز‪ ،‬وبرجاء من العم خليل أرسل األمير طالل مندوبا الى‬ ‫كونستانس منها أن تعطي حضانة الولد ألبيه‪ ،‬على أن يكون‬ ‫األمير نفسه مشرفا على تربيته وتعليمه‪ ،‬لكن عاطفة األمومة‬ ‫أبت أن تقبل بفراق بكرها‪.‬‬ ‫وكرر عم خليل املحاولة مرة أخرى عام ‪ 1963‬حني رجع الى‬ ‫أمريكا مع زوجته وابنتيه‪ .‬لكنه لم يجد أثرا لنواف أو أمه‪ .‬وأعاد‬ ‫الكرة ثالثة عام ‪ 1968‬ورابعة عا ‪.1987‬‬ ‫في تلك االثناء وبعد أن صفى العم خليل أعماله في أمريكا عائدا‬ ‫الى وطنه‪ ،‬تعرفت كونستانس على الشاعر العربي املجدد أحمد‬ ‫زكي‪ ،‬أبو شادي احد مؤسسي جماعة أبوللو الشعرية التي‬

‫‪48‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫لكن الحظ لم يسعف عثمان في العثور على ابن عمه رغم جهوده‬ ‫الدائبة للعثور عليه طيلة ‪ 17‬عاما‪ .‬اال ان رحمة الله وعنايته‪،‬‬ ‫شاءت في آخر املطاف ان تجمع شمل األب بابنه‪ ،‬حني تمكن‬ ‫عثمان ياسني الرواف في الشهر املاضي من العثور على كاليف‬ ‫ويلمان‪ ،‬أو نواف خليل الرواف‪ .‬ولذلك قصة أخرى يرويها مدير‬ ‫مركز البحوث ومركز دراسات الخليج العربي في جامعة امللك‬ ‫سعود الدكتور عثمان ياسني الرواف‪:‬‬ ‫منذ كنت طفال صغيرا في بريدة كنت أسمع عن عمي خليل الذي‬ ‫سافر الى أمريكا‪ ،‬كانت الوالدة تحدثنا عنه وتقول انه أرسل لنا‬ ‫صورة جميلة لولده‪ ،‬لكنها ضاعت‪ .‬غير انني لم أتابع املوضوع‬ ‫بعد ذلك حتى سنة ‪ ،1974‬عندما ابتعثتني جامعة امللك سعود‬ ‫للدراسات العليا في الواليات املتحدة‪ .‬قال لي عمي قبل السفر‬ ‫"اسأل السفارة السعودية في واشنطن عن نواف"‪ .‬ففعلت كما‬ ‫قال عمي وجنت الى السفارة حيث قال لي موظف فلسطيني‬ ‫كبير السن كان يعمل في السفارة انه يعرف القصة‪ .‬وقادني الى‬ ‫صفية أبو شادي‪ ،‬التي كانت تعمل في اذاعة "صوت أمريكا"‪.‬‬ ‫قالت لي صفية‪" :‬نعم أعرف نواف‪ ،‬والدي تزوج والدته بعد‬ ‫طالقها من الرواف‪ :‬وعشنا معا لعدة سنوات حتى توفي والدي‪،‬‬ ‫بعدها تزوجت والدته رجال آخر‪ ،‬ولم أعد أعرف عنهما شيئا"‪.‬‬ ‫واضافت‪":‬لكن ألن اسمه كان كليف أبو شادي‪ ،‬ولتاشبه‬ ‫االسمني‪ ،‬قال لي شخص انه يعرفه‪ ،‬وأنهما حاربا في فيتنام"‬ ‫(مع القوات األمريكية التي أرسلت الى هناك ملواجهة املد الشيوعي‬ ‫من فيتنام الشمالية نحو فيتنام الجنوبية حتى سنة ‪.)1975‬‬ ‫هذه املعلومات جعلتني أكتب الى وزارة الدفاع االمريكية التي‬ ‫طلبت مني معلومات لم أكن أعرفها‪ :‬مثل اسم املستشفى الذي‬ ‫ولد فيه‪ ،‬ورقم بطاقة التأمني االجتماعي‪ ،‬الخ‪..‬وهذه معلومات ال‬ ‫يعرفها عمي نفسه‪ ،‬بعد هذا الفشل األولي نصحني شخص‬ ‫ان أنشر اعالنا في مجلة عسكرية خاصة باملحاربني القدامى‪.‬‬ ‫وبالفعل نشرت االعالن‪":‬انا عثمان الرواف‪ ،‬عنواني كذا‪ ،‬وأبحث‬ ‫عن ابن عمي الذي حارب في فيتنام‪ ،‬الخ‪."..‬‬ ‫لكن لم يصلني اي رد أو خبر حتى عدت عام ‪ 1980‬الى السعودية‬ ‫بعد أن نلت الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة ديوك‬ ‫بوالية نورث كارولينا‪.‬‬ ‫لكني واصلت متابعة املوضوع‪ ،‬واالتصال بصفية أبو شادي‪.‬‬ ‫سنة ‪ 1985‬قالت لي صفية أنها وجدت وسط أوراق والدها‬


‫‪,,‬‬ ‫املتحدة‪ .‬في رحلة طويلة استغرقت ‪ 6‬أشهر‪ ،‬الى أن وصال‬ ‫الى والية اريزونا‪ ،‬وكانا خالل تجوالهما الطويل دائما موضع‬ ‫ترحيب‪ ،‬ففي كل بلدة ومدينة كان الناس يعرفون فرانسيس‬ ‫فيستقبلونها بحفاوة بالغة هي وزوجها العم خليل‪ ،‬وكانت‬ ‫طبيعة االستقبال بالنسبة لعربي قادم من الصحراء بثقافة‬ ‫مختلفة وترسيبات تاريخية قديمة في الوجدان‪ ،‬وتراث ال‬ ‫يجيز خروج املرأة واختالطها بالرجال‪ ،‬شيئا جديدا وغير‬ ‫مقبول‪ .‬في أريزونا بدأ الخالف يدب بني الزوجني‪ ،‬حتى‬ ‫انفجر‪ ،‬فقد شعر العم خليل ان رجولته مهددة‪ ،‬فهو يعيش‬ ‫في كنف امرأة هي التي تسوق السيارة وهي التي تعرف اللغة‬ ‫وهي التي تصرف عليه من فلوسها‪ ،‬فقرر الطالق‪ ،‬ولكن‬ ‫الطالق مشكلة في أمريكا‪ .‬فهما تزوج حسب الشرق على‬ ‫الطريقة االسالمية‪.‬‬ ‫عادت فرانسيس الى دمشق حيث أوكلت محاميها‪ ،‬فارس‬ ‫الخوري احد رجاالت سوريا وسياسييها الكبار ومحاميها في‬ ‫مصر السياسي الكبير والخطيب املفوه مكرم عبيد‪ ،‬واستعانت‬ ‫بفوزان السابق ممثل السعودية لدى اململكة املصرية في حينه‬ ‫حتى حصلت على الطالق‪.‬‬ ‫وهكذا تحررت فرانسيس من تقاليد خليل ابراهيم الرواف‪ .‬كما‬

‫تحرر خليل من نفوذها وسلطتها وغطرستها‪ .‬ويبدو انه قرر‬ ‫عدم الزواج من أمريكية‪.‬‬ ‫وكان غريبا ان يذهب الشاب العربي القادم من بلدة بريدة‬ ‫السعودية الى هوليوود عاصمة السينما في العالم‪ ،‬ولكن العم‬ ‫خليل كان يجيد االنكليزية وعددا آخر من اللغات‪ ،‬وهكذا‬ ‫عمل مستشارا فنيا للتراث العربي والعادات البدوية‪ .‬والتقاليد‬ ‫الشرقية في استوديوهات هوليوود‪ ،‬ولم يقتصر األثر على هذا‬ ‫الشأن‪ ،‬بل انه دخل عالم التمثيل واشترك مع جون واين في‬ ‫تمثيل فيلم "كنت مراسال حربيا"‬

‫أحمد زكي‬ ‫أبو شادي‬ ‫تبناه‬ ‫وتزوج أمه‬

‫‪,,‬‬

‫مع نجم السينما وبطل الوسترن الشهير جون واين‪ .‬حيث مثل‬ ‫العم خليل دور حارس بدوي لشيخ قبيلة بدوية في صحراء‬ ‫العراق‪.‬‬ ‫وعادت الصحف االمريكية لتكتب مرة أخرى عن العم خليل لكن‬ ‫بمفرده هذه املرة وبدون فرانسيس اليسون‪.‬‬ ‫بعد هوليوود انخرط العم خليل في وضع كتب لتعليم اللغة‬ ‫العربية لالمريكيني واتبع ذلك بفتح مدارس لتعليم العربية‪ ،‬وذلك‬ ‫بعد سنوات من طالقه من فرانسيس‪.‬‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫‪47‬‬


‫أرشيف‬

‫في ثالثينيات القرن العشرين كان خليل إبراهيم الرواف (‪ )2000 – 1895‬املهاجر السعودي األول إلى الواليات‬ ‫املتحدة األميركية في وقت لم تكن أميركا دولة عظمى ملء السمع والبصر‪ ،‬لم يكن نيل ارمسترونغ قد وصل الى‬ ‫القمر ولم يكن هناك تلفزيون‪ ،‬حتى السينما كانت صامتة في الغرب‪ ،‬لكن خليل كان قد سمع بها ووجد طريقه‬ ‫إليها‪ .‬بدأت في أميركا قصته اإلنسانية التي فاقت خيال الروائي‪ ،‬اذ فرقت الظروف بينه وبني ابنه على مسافة بضعة‬ ‫اشهر من ميالده‪ ،‬فلم يلقه إال وقد انتصف االبن في عقده الخامس‪ ،‬فكان اللقاء األول مع نواف الذي أصبح كاليف‬ ‫الضابط املتقاعد من خدمه الجيش األميركي!»‪ .‬مجلة "املجلة" في عددها (‪ )611‬بتاريخ ‪ 29-23‬أكتوبر ‪ 1991‬تروي‬ ‫قصة الراحل خليل الرواف مع ابنه نواف (كاليف)‪ ،‬وكيف كان لقائهما بعد مرور ‪ 45‬سنة‪.‬‬

‫قصة أغرب من الخيال‬

‫سعودي من بريدة يعثر على ابنه األمريكي‬ ‫تحقيق من‬ ‫واشنطن أعده‬ ‫محمد علي صالح‬ ‫مجلة (املجلة)‬ ‫العدد ‪611‬‬ ‫أكتوبر ‪1991 -‬‬

‫خليل ابراهيم الرواف واحد من عرب قالئل في تلك‬ ‫األيام سمع بأميركا‪.‬‬ ‫خاصة انه رجل بدوي ينتمي الى قبائل العقيالت‪ ،‬شاب في‬ ‫ّ‬ ‫"جمال" يشتري النوق والجمال يربيها‬ ‫مطلع العمر مهنته‬ ‫ويبيعها‪ ،‬وتأخذه تجارته بني رمال الصحراء من بريدة وعنيزة‬ ‫في السعودية الى العراق وسوريا واالردن‪.‬‬ ‫كان ذلك في العشرينات والثالثينات من هذا القرن‪ ،‬لكن خليل‬ ‫ابراهيم الرواف ولد في القرن التاسع عشر‪ ،‬عام ‪ ،1895‬في‬ ‫دمشق لعائلة كانت مهمتها حراسة قوافل الحجاج الى بيت الله‬ ‫الحرام من دمشق الى مكة حني كانت الرحلة تستغرق ‪ 40‬يوما‪.‬‬ ‫قصة خليل الرواف قصة غريبة عجيبة‪ .‬وقد يكون من الصعب‬ ‫تصديقها حتى في أفالم الدراما العربية‪ ،‬لكن ما يدفع الى‬ ‫تصديقها انها قصة حقيقية أبطالها ما زالوا أحياء يرزقون‬ ‫حتى العم خليل ابراهيم الرواف أنعم الله عليه بطول العمر‬ ‫لتكتحل عيناه قبل الرحيل برؤية ولده األمريكي الذي انقطعت‬ ‫أخباره عنه خمسا وأربعني عاما‪.‬‬ ‫والقصة أشبه ما تكون بقصص ألف ليلة وليلة‪ ،‬ففي العام ‪1933‬‬ ‫كان خليل الرواف يقيم في فندق دجلة في بغداد‪ ،‬في الوقت‬ ‫الذي كان يقيم في هذا الفندق احد املهاجرين العرب األوائل الى‬ ‫أمريكا‪ ،‬كما كانت في الفندق أيضا امرأة أمريكية ثرية اسمها‬ ‫فرانسيس اليسون جاءت كسائحة تتعرف على بلد العرب‬ ‫وتستكتشف حضارتهم ويبدو أنها كانت على معرفة وثيقة‬ ‫برجاالت العالم العربي في ذلك الزمان‪ .‬والفئة القليلة املثقفة آنذاك‬ ‫بني أبنائه‪.‬‬ ‫حدث املهاجر العربي الى أمريكا عم خليل عن‬ ‫العالم الجديد وأهله‪ ،‬ورأى العم خليل في فرانسيس‬ ‫أليسون عينة يانعة من أبناء هذا العالم‪ .‬فقد حدثته‬ ‫فرانسيس عن بالدها وأهلها‪ ،‬ويبدو ان العم خليل أعجب‬

‫‪46‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫بفرانسيس كما أعجبت فرانسيس بشبابه ولونه األسمر‪،‬‬ ‫فتحابا وترك عم خليل بعارينه وتجارته‪ ،‬ورافق تلك املرأة‬ ‫الشقراء من بغداد الى دمشق ومن دمشق الى بيروت ومن‬ ‫بيروت الى نيويورك‪ ،‬رحلة طويلة وجميلة‪ ،‬ظلت آثارها في‬ ‫نفس العم خليل‪ .‬وما فتئت نكهتها تلح عليه بالعودة الى ذلك‬ ‫العالم الجديد الساحر‪ .‬وملا كانت فرانسيس قد أحبته ووقع في‬ ‫قلبها كما وقعت في قلبه فقد وعدته بأنها ستعود الى دمشق‪،‬‬ ‫وستقابله هناك وسوف تغير دينها وتعتنق االسالم وتتزوجه‪.‬‬ ‫في الشام ظل العم خليل ينتظر ويحسب االيام والساعات‪ ،‬وذات‬ ‫يوم أطلت وكما وعدت فرانسيس فعلت‪.‬‬ ‫بعد األفراح والليالي املالح في الشام‪ ،‬ذهبت فرانسيس بصحبة‬ ‫زوجها العربي السعودي الى بيروت‪ .‬وهناك في السفارة‬ ‫االمريكية حصل العم خليل على البطاقة الخضراء‬ ‫التي تخوله حق االقامة الدائمة في قارة كولومبوس‪ .‬لم يضيع‬ ‫الزوجان وقتا في بالد العرب‪ ،‬اذ سرعان ما حزم العمل خليل‬ ‫حقائبه وانطلق مع زوجته بحرا الى بالدها‪.‬‬ ‫في ‪ 3‬أكتوبر (تشرين األول) من عام ‪ 1935‬رست الباخرة في‬ ‫امليناء‪ .‬وحط عم خليل رحاله في نيويورك‪ ،‬لتصبح البعارين‬ ‫مجرد ذكرى جميلة‪ ،‬ولكنها ماضية كأنها من غابر القرون‪.‬‬ ‫خاصة حني رأى بعينه كيف تهافت املصورون الصحفيون على‬ ‫بوابة امليناء يلتقطون الصور والكلمات من فم فرانسيس العائدة‬ ‫من الشرق‪ ،‬بالد األساطير وألف ليلة وليلة‪ .‬فلم يكن هينا في ذلك‬ ‫الزمان أن يسافر املرء الى هكذا بالد بعيدة‪ ،‬فكيف الحال بامرأة‪،‬‬ ‫تسافر وتبحث وتكتشف وتتقصى‪ ،‬وتعود بزوج أسمر وسيم‪.‬‬ ‫لوحته شمس الصحراء العربية‪ ،‬وهكذا وجد العم خليل صورته‬ ‫في اليوم التالي تمأل صفحات الجرائد واملجالت األمريكية‪.‬‬ ‫ولم تكن فرانسيس لتوفر شيئا من أجل اسعاد زوجها‬ ‫العربي‪ ،‬فاشترت سيارة وطافت به في أنحاء الواليات‬


‫نشطاء في منظمات مجتمع مدني خلف القضبان بعد‬ ‫صدور حكم قضائي في مطلع يونيو (حزيران) ‪2012‬‬ ‫بسجنهم وإغالق أربع منظمات غير حكومية في مصر‬ ‫بدعوى الحصول على تمويل أجنبي من دون ترخيص‬

‫عندما وصل مرسي إلى السلطة‪ ،‬لم يكن هناك شك في أنه‬ ‫ورث تحديات هائلة‪ .‬ولكن ما عجز مرسي‪ ،‬وجماعة اإلخوان‬ ‫ككل‪ ،‬عن إدراكه هو أن العمل اليومي في الحكومة يختلف تماما‬ ‫عن كونهم حزبا في املعارضة‪ .‬لم يحاول اإلخوان فعليا إدماج‬ ‫املصريني في رؤيتهم للتغيير‪ ،‬وفرضوا قيودا على الساحة التي‬ ‫يمكن أن يعمل في إطارها املجتمع املدني‪ ،‬وركزوا على قضايا‬ ‫خطأ في فترة كان كثيرون يصارعون من أجل البقاء‪ ،‬ولم‬ ‫يقيموا التحالفات الالزمة مع أطراف رئيسة أخرى على ساحة‬ ‫السياسة املصرية‪ ،‬مما كان سيساعدهم في الوقت الحالي‪ .‬في‬ ‫إيجاز‪ ،‬كانت السياسة الفعلية الجيدة على الطراز القديم هي‬ ‫التي ستنقذ املوقف بدال من االستمرار في االنغماس كثيرا في‬ ‫اعتبارات آيديولوجية‪.‬‬

‫إعادة بناء الدولة‬ ‫لجأ كثير ممن صوتوا لصالح اإلخوان إلى هذا االختيار دون‬ ‫تفكير‪ ،‬ليس بالضرورة ألنهم يريدون وصول اإلخوان إلى‬ ‫السلطة‪ ،‬بل ألنهم لم يريدوا شفيق‪ ،‬الذي اعتبره كثيرون عودة‬ ‫إلى النظام السابق‪ .‬ولكن لو كانت غالبية األطراف املتبقية‪ ،‬سواء‬ ‫كانت مستقلة أو علمانية أو أحزابا شبابية أو ليبراليني‪ ،‬قد‬

‫وصلت إلى تحالف ما‪ ،‬ال شك في أنها كانت ستنجح‪ .‬وكانت‬ ‫نتيجة تفرقهم أنهم تشتتوا أصواتا ثمينة‪ .‬وبالفعل‪ ،‬يكمن‬ ‫العجز عن االتحاد‪ ،‬والتجمع من أجل هدف استراتيجي‪ ،‬وتنحية‬ ‫الطموحات الشخصية في أن يلمع نجم الفرد (بغض النظر عن‬ ‫مدى كفاءته) من أجل الصالح العام‪ ،‬في صميم تحدي الحكم‬ ‫الذي يواجه العالم العربي اليوم‪.‬‬

‫التحدي الحقيقي‬ ‫ال يعني ذلك أن تولي الجيش مقاليد الحكم هو الحل‪ .‬يبدو أنه‬ ‫في حمى املعركة نسي البعض كم كان املصريون يعانون في‬ ‫ظل حكم النظام العسكري في املاضي‪.‬‬ ‫في مثل هذه الفترات من التوترات والشكوك الكبيرة يمكن‬ ‫أن تكون هناك فرص أيضا‪ .‬يكمن التحدي الحقيقي أمام أي‬ ‫حزب سياسي جديد يصل إلى السلطة بعد االنتخابات التي‬ ‫وعد الجيش بإجرائها في وضع املصلحة العليا قبل مصالحه‬ ‫الخاصة والتركيز على إعادة بناء الدولة‪ ،‬بدال من تعزيز مسيرته‬ ‫السياسية‪ .‬ولعل ذلك يساعد على استعادة ثقة سائق التاكسي‬ ‫في أنه ليس جميع السياسيني فاسدين <‬

‫‪,,‬‬

‫فرض املجلس‬ ‫العسكري‬ ‫وحكومة‬ ‫جماعة‬ ‫اإلخوان من‬ ‫بعده مزيدا‬ ‫من القمع‬ ‫على الحقوق‬ ‫املدنية‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫‪45‬‬


‫تقرير‬

‫في شهر أبريل (نيسان) عام ‪ ،2011‬بعد شهرين من سقوط حسني مبارك‪ ،‬كنت في القاهرة لحضور مؤتمر‬ ‫عن استعادة األموال املنهوبة‪ .‬سألني سائق التاكسي الذي أقلني من املطار إلى الفندق عما أفعله في القاهرة‪ ،‬وكان‬ ‫يبدو عليه أنه مطلع على التحليالت السياسية‪ ،‬فأخبرته‪ .‬فصاح‪« :‬اآلن بعد أن تخلصنا من مبارك‪ ،‬جئتم لتحاربوا‬ ‫الفساد؟!»‪.‬‬

‫مكافحة الفساد في الدول العربية‪..‬إلى أين تتجه؟‬

‫املقاومة املدنية‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫أروى حسن‬

‫وقعت الدول‬ ‫العربية (فيما‬ ‫عدا السودان‬ ‫وسوريا) على‬ ‫اتفاقية األمم‬ ‫املتحدة ملكافحة‬ ‫الفساد‬

‫في بعض األحيان تكون هناك صعوبة في استيعاب محاولة رشوة النشطاء الشباب‬

‫أن مكافحة الفساد تتطلب جهودا مستمرة‪ ،‬مثل أي‬ ‫محاوالت تهدف إلى جعل العالم مكانا أفضل‪ .‬وليست‬ ‫شيئا له بداية واضحة أو نهاية‪ .‬كان االستياء من الفساد‬ ‫املستشري في األنظمة السياسية والهيئات غير الديمقراطية‪،‬‬ ‫واملطالبة بمزيد من الحريات املدنية واحترام كرامة اإلنسان‬ ‫والحرية ومكافحة الفساد بمعناها العام‪ ،‬كانت كلها عوامل‬ ‫أساسية دفعت الجماهير إلى الخروج للشوارع العربية للتظاهر‬ ‫في عام ‪ .2011‬يظل الفساد محور شعور الناس بالعدالة والظلم‪،‬‬ ‫وكما هو الحال دائما‪ ،‬يرتكبه هؤالء الذين يتحملون مسؤولية‬ ‫حماية وصيانة ثروة الدولة ومواردها ورخاء مواطنيها‪ .‬ولكن‬ ‫بدال من احترام الثقة التي وضعها الناس في القائد‪ ،‬يسيء‬ ‫استخدامها‪ .‬وهنا نرى أن ما تبدو وكأنها النهاية‪ ،‬أي سقوط‬ ‫مبارك‪ ،‬هي في الحقيقة مجرد بداية‪.‬‬

‫استراتيجيات املقاومة املدنية‬

‫نجح كل من املصريني والتونسيني بفاعلية في استخدام‬ ‫استراتيجيات املقاومة املدنية في محاربة الفساد والقمع‪،‬‬ ‫وتكللت حركتهم باإلطاحة بمبارك وبن علي‪ .‬وانتشرت الثورات‬ ‫في جميع أنحاء العالم العربي بحيث لم‬ ‫تترك مكانا تقريبا لم يتأثر بموجة‬ ‫التغيير‪ .‬ولكن في املقابل‪،‬‬ ‫نشاهد الحكومات وهي‬ ‫تزيد من القيود التي تحجم‬ ‫قدرات منظمات املجتمع‬ ‫املدني على العمل‪.‬‬ ‫وقعت جميع الدول‬ ‫العربية تقريبا (فيما‬ ‫عدا السودان وسوريا)‬ ‫على اتفاقية األمم‬ ‫املتحدة ملكافحة الفساد‪،‬‬ ‫والتي تضمن حريات مدنية‬ ‫شاملة‪ ،‬ولكن ال تحترم هذه‬ ‫الدول ذاتها التزاماتها الدولية‬ ‫وال تنفذها‪ ،‬وكذلك ال تلتزم‬ ‫بحماية حقوق املواطنني فيما يتعلق‬ ‫بشار االسد وعمر البشير‬ ‫بحرية التجمع والتعبير عن الرأي‪.‬‬ ‫‪44‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫وعلى الرغم من أن مبارك وبن علي رحال‪ ،‬فإن كثيرا من‬ ‫التهديدات القديمة ما زال قائما‪ ،‬وظهرت تهديدات جديدة أيضا‬ ‫تخص النشطاء‪ .‬بعد سقوط مبارك بفترة وجيزة‪ ،‬تابعنا كيف‬ ‫استمر الحرس القديم في اللجوء إلى األساليب الفاسدة في‬ ‫إحكام قبضته على السلطة‪ ،‬سواء بمحاولة رشوة النشطاء‬ ‫الشباب بإقامة أحزاب سياسية أو تعيني قادة االتحادات املدنية‬ ‫أو التجارية‪ .‬وأصبحت املقاومة املدنية مشوشة بدرجة كبيرة‪.‬‬ ‫يعتمد النجاح في التحول إلى نظام ديمقراطي فعال على‬ ‫مكافحة الفساد‪.‬‬ ‫ويحتاج النشطاء إلى أن يكونوا أكثر إبداعا وبراءة من أجل‬ ‫العمل في بيئة يحتاج فيها املجتمع املدني إلى إعادة التفكير في‬ ‫منهجه كي يضمن قدرته على االستمرار في التأثير‪.‬‬ ‫فرض املجلس العسكري وحكومة جماعة اإلخوان التي جاءت‬ ‫بعده في حكم مصر مزيدا من القمع على الحقوق املدنية‪ .‬صدر‬ ‫حكم قضائي في مطلع يونيو (حزيران) ‪ 2012‬بسجن ‪43‬‬ ‫مسؤوال في منظمات مجتمع مدني وتم إغالق أربع منظمات‬ ‫غير حكومية بناء على مزاعم بحصولها على تمويل أجنبي‬ ‫دون ترخيص‪ .‬في الحقيقة‪ ،‬كانت هذه املنظمات تنظم برامج‬ ‫تهتم في األساس بالتحول الديمقراطي‪ .‬تؤدي مثل هذه األحكام‬ ‫إلى تضييق املساحة أمام املجتمع املدني املصري لكي يعمل‬ ‫على التغيير بوسيلة بناءة ال تتسم بالعنف‪.‬‬

‫خيبة أمل بعد سقوط الدكتاتور‬ ‫ما شاهدناه في مصر في األسابيع األخيرة أثار خيبة أمل كبيرة‬ ‫في دولة تبدو أقل كثيرا من الدولة التي حلم بها الشعب في‬ ‫فبراير(شباط) ‪ .2011‬من كان يظن أنه بعد سقوط الدكتاتور‪،‬‬ ‫سيكون الناس أقل حرية من قبل؟ فرض املجلس العسكري‬ ‫الذي تولى الحكم بعد رحيل مبارك قيودا على الحريات املدنية‬ ‫إلى درجة أنه في بعض األحيان كان عدد املدنيني املعتقلني في‬ ‫انتظار املحاكمات العسكرية أكبر من عددهم طوال فترة حكم‬ ‫مبارك‪ .‬وندد املحللون املصريون باحتكار املجلس العسكري‬ ‫إلعالم الدولة وممارسته للتخويف والقمع بما يفوق ما عاصره‬ ‫الشعب في عهد مبارك‪.‬‬


‫‪www.majalla.com‬‬

‫العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫مجلة العرب الدولية‬ ‫شهرية سياسية‬

‫‪‬‬

‫تأسست في لندن عام ‪1980‬‬

‫حممد اوجار ‪ :‬الربيع العربي‪« ..‬ال�صرعية الثورية» يف مواجهة «ال�صناديق»‬ ‫اأروى ح�صن‪ :‬املقاومة املدنية‪..‬مكافحة الف�صاد يف الدول العربية‬ ‫ح�صني عبد احل�صني‪ :‬قراءة يف موقف الي�صار الأمريكي من �صوريا‬

‫‪‬‬

‫للحصول على العدد‬ ‫اسـتخـدم هاتفــك‬ ‫ال ــذكي لـمــسح‬ ‫هـ ـ ــذا الـ ــرقـ ـ ـ ــم‬ ‫‪08‬‬

‫‪ISSN 1319-0873‬‬

‫‪9 771319 087013‬‬ ‫‪‬‬

‫‪‬‬

‫‪issue 1586 - August 2013‬‬

‫‪www.majalla.com‬‬


‫قصة الغالف‬

‫صحيفة (االخبار) املصرية تنشر اعترافات قاتل رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي املنتمي‬ ‫لجماعة اإلخوان املسلمني (ديسمبر‪)1948/‬‬

‫محمد التابعي‬

‫‪,,‬‬

‫مقاال عام ‪ 1984‬بعنوان‪( :‬دمج اإلخوان في الحياة السياسية)‪.‬‬

‫موقف‬ ‫األسواني‬ ‫تشابه مع عدد‬ ‫من الكتاب‬ ‫والسياسيني‬ ‫الذين أطلقوا‬ ‫على أنفسهم‬ ‫مسمى‬ ‫(عاصرو‬ ‫الليمون) !‬

‫‪,,‬‬

‫عالء‬ ‫االسواني‬

‫‪42‬‬

‫وهو نفس العام الذي تحالف فيه اإلخوان مع حزب الوفد في‬ ‫االنتخابات البرملانية وحصلوا من خالله على ‪ 8‬مقاعد ثم زادت‬ ‫في انتخابات ‪ 1987‬إلى ‪ 36‬مقعدا‪ ،‬بعد تحالفهم مع حزب العمل‬ ‫االشتراكي‪ ،‬الذي غير اسمه إلى حزب العمل اإلسالمي‪ ،‬بعد‬ ‫سيطرة اإلخوان عليه‪.‬‬ ‫وفي ذلك الوقت كثفت الجماعات اإلسالمية بدعم غير مباشر من‬ ‫اإلخوان هجومها على املفكرين‪ ،‬وأقامت الكثير من الدعاوى ملنع‬ ‫عرض بعض األعمال الفنية مثل فيلم (املهاجر) للمخرج يوسف‬ ‫شاهني بحجة أنه يتعرض لحياة النبي يوسف عليه السالم‪ ،‬كما‬ ‫شددت هجومها على الكتاب الذين يتعرضون ألفكار اإلخوان‬ ‫والتيارات اإلسالمية‪.‬‬ ‫وكان على رأس هؤالء فرج فودة‪ ،‬الذي اغتيل على يد أعضاء‬ ‫من الجماعة اإلسالمية‪ ..‬وبفتوى من جبهة علماء األزهر‪ ،‬التي‬ ‫يسيطر عليها اإلخوان املسلمون‪ ،‬وكان فودة يمثل تهديدا لهم‬ ‫بسبب تفنيده ألفكارهم وتأكيده أنها ال تمثل اإلسالم الصحيح‬ ‫والسمح‪ ،‬واألخطر أن قتلته حصلوا على أحكام مخففة بفضل‬ ‫شهادة للشيخ محمد الغزالي‪ ،‬أمام املحكمة‪ ،‬إذ أكد الغزالي في‬ ‫أقواله أن أفكار فودة تنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة!‪..‬‬ ‫وأن قتلته افتأتوا على الحاكم بتنفيذهم حد الردة‪ ،‬لكن ال عقوبة‬ ‫شرعية عليهم ألن الحاكم تخاذل عن تنفيذ الحد! ونفس املوقف‬ ‫اتخذه اإلخوان أثناء قضية تفريق د‪ .‬نصر حامد أبو زيد عن‬ ‫زوجته بدعوى أنه مرتد إذ أنهم أيدوا القضية‪ ،‬التي أقامها أحد‬ ‫املحامني بإيعاز من د‪ .‬عبد الصبور شاهني‪ ،‬وانضم إليه عدد‬ ‫من املحامني بعضهم كان ينتمي لـ«اإلخوان»‪ ،‬ولكن في عدد من‬ ‫القضايا األخرى‪ ،‬لم يتخف اإلخوان وراء جماعات أخرى‪ ،‬إنما‬ ‫قادوا الهجوم بأنفسهم مثل املطالبة بمصادرة رواية (وليمة‬ ‫ألعشاب البحر) للكاتب السوري حيدر حيدر‪ ،‬التي نشرتها‬ ‫هيئة قصور الثقافة التابعة لوزارة الثقافة املصرية‪ ،‬إذ وجدوها‬ ‫فرصة للهجوم على وزير الثقافة حينذاك فاروق حسني بدعوى‬ ‫أنه ينشر رواية تعيب في الذات اإللهية‪ ،‬على حساب الدولة ومن‬ ‫أموال الشعب‪.‬‬ ‫وظل اإلخوان يظهرون أحيانا ويختفون أحيانا‪ ،‬وراء جماعات‬ ‫وشخصيات أخرى‪ ،‬في هجومهم على املثقفني حتى قامت ثورة‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫نصر حامد ابوزيد‬

‫يناير التي أطاحت بنظام مبارك‪ ،‬ومنحتهم الفرصة للفوز برئاسة‬ ‫الجمهورية واألغلبية في البرملان‪.‬‬ ‫ورغم أنهم حاولوا إيهام املثقفني بأنهم يريدون املشاركة ال‬ ‫املغالبة وأنهم يؤمنون بالتعددية وحرية الفكر‪ ،‬فإن أفكارهم‬ ‫الحقيقية والقديمة ظهرت‪ ..‬مما جعل الذين طالبوا بدمجهم في‬ ‫الحياة السياسية يبدون أسفهم وعلى رأسهم د‪ .‬سعد الدين‬ ‫إبراهيم الذي كتب (أنهم يعبدون الجماعة والتنظيم من دون الله)‪،‬‬ ‫أما الذين طالبوا الشعب بانتخاب د‪ .‬محمد مرسي مثل د عالء‬ ‫األسواني‪ ،‬الذي قال وقتها (واجبنا أن ندعم اإلخوان ضد نظام‬ ‫مبارك رغم اختالفنا معهم)‪ ..‬عاد بعد ذلك ليقول (إن اإلخوان‬ ‫جماعة فاشية وصلت إلى السلطة عن طريق االنتخابات وقررت‬ ‫أن تلغي الديمقراطية)‪ .‬وأصبح األسواني بعد ذلك من أكبر‬ ‫املهاجمني للجماعة والداعني لثورة يونيو (حزيران) ضد قادتها‪.‬‬ ‫موقف األسواني تشابه مع عدد من الكتاب والسياسيني‪ ،‬الذين‬ ‫أطلقوا على أنفسهم مسمى (عاصرو الليمون) أي الذين انتخبوا‬ ‫على مضض د‪ .‬محمد مرسي مرشح اإلخوان ضد الفريق أحمد‬ ‫شفيق في االنتخابات الرئاسية باعتبار أن األخير رمز لنظام‬ ‫مبارك‪ ..‬ولكنهم جميعا ‪ -‬باستثناء الكاتب الصحفي وائل قنديل‬ ‫الذي ما زال يدافع عن مرسي وجماعته ‪ -‬فإن الباقني من هذه‬ ‫املجموعة الليبرالية واليسارية هاجموا د‪ .‬محمد مرسي وجماعته‬ ‫وشاركوا في اعتصام األدباء ضد اختيار اإلخواني عالء عبد‬ ‫العزيز وزيرا للثقافة‪ .‬وهو االعتصام الذي شارك فيه رموز‬ ‫الثقافة املصرية مثل بهاء طاهر وزين العابدين فؤاد وجمال‬ ‫الغيطاني ويوسف القعيد وجابر عصفور وغيرهم من شيوخ‬ ‫وشباب املبدعني‪.‬‬ ‫واآلن بعد ثورة يونيو التي عزلت الرئيس محمد مرسي‪ ،‬فإن‬ ‫العالقة بني املثقفني واإلخوان تتأكد‪ ،‬فهي عالقة قطيعة وكراهية‬ ‫ربما سببها عدم وجود مبدع إخواني وهو ما عبر عنه الشاعر‬ ‫الكبير أحمد عبد املعطي حجازي بقوله (من هم كتاب اإلخوان‬ ‫وشعراؤهم وفنانوهم‪ ،‬ال أذكر سوى اسم واحد هو سيد قطب‬ ‫الذي ترك األدب بعد انضمامه لـ«اإلخوان»)‪ ،‬كلمة حجازي هي‬ ‫استعادة وتأكيد بشكل ما لكلمة سيد قطب التي كتبها منذ ما‬ ‫يربو على ‪ 70‬عاما‪ ،‬والتي ذكرناها في بداية املقال (ليس لدى‬ ‫اإلخوان مشروع ثقافي) <‬


‫للهجوم على الجماعة التي وسموها باإلرهاب‪ ،‬وربما كان أفضل‬ ‫توصيف للعالقة بني الطرفني ‪ -‬بعد وقبل الحادث ‪ -‬ما كتبه‬ ‫رائد الصحافة الحديثة الكاتب الكبير محمد التابعي في مقال‬ ‫له بعنوان (نعم حدث انقالب)‪ .‬واملدهش أن هذا املقال يصلح‬ ‫لتوصيف الحالة اإلخوانية التي نعيشها اآلن‪ ،‬يقول التابعي في‬ ‫مقاله‪:‬‬ ‫(كان الرأي العام يقف موقفا مائعا من جماعة اإلخوان قبل‬ ‫الجريمة األخيرة‪ ،‬فريق يعطف عليها ويبرر لها أسباب الغدر‬ ‫فيما اقترفوه من جرائم في العهد السابق ظنا منهم أنها وقعت‬ ‫تحت أسباب قاهرة‪ ،‬وأنها لن تتكرر‪ .‬وفريق يقف موقف الحياد‪،‬‬ ‫وفريق يغالب في نفسه حسن الظن بالجماعة ويؤثر االنتظار‬ ‫حتى يرى ما تفعله في العهد الجديد‪ ،‬وفريق كان يسيء الظن‬ ‫باإلخوان وبدعواهم ولكنه اضطر أن يكتم سوء ظنه بعد أن رأى‬ ‫الرياح في شراعهم والتيار مع سفينتهم‪ ،‬ثم توالت األحداث‪..‬‬ ‫وظهر اإلخوان على حقيقتهم‪ ..‬وعرف الشعب أن زعماء الجماعة‬ ‫كاذبون ومنافقون‪ ،‬وأنهم ليسوا جند الله ولكنهم جند الشهوة‬ ‫والشيطان)‪.‬‬ ‫وشارك التابعي في هجومه على اإلخوان مجموعة من الكتاب‬ ‫الكبار مثل د‪ .‬طه حسني والشاعر كامل الشناوي وعلي أمني‬ ‫وجالل الحمامصي وناصر الدين النشاشيبي‪ ،‬والذين جمعت‬ ‫مقاالتهم في كتاب تحت عنوان (هؤالء هم اإلخوان)‪ ،‬على أن‬ ‫وجود اإلخوان في السجون واملعتقالت وصدور أحكام باإلعدام‬ ‫على بعض قادتهم في الخمسينات والستينات خفف كثيرا من‬ ‫هجوم املثقفني عليهم‪ ،‬بل إن البعض تعاطف معهم بعد ما تسرب‬ ‫من حكايات تعذيبهم في املعتقالت‪.‬‬

‫تعاطف وعداء‬ ‫وساهم في ذلك أن كثيرا من الكتاب واملفكرين خاصة املنتمني‬ ‫لليسار التقوا بأعضاء الجماعة في السجون واملعتقالت بعد‬ ‫كل حملة من النظام الناصري ضد التنظيمات اليسارية‪،‬‬ ‫وتعرف بعضهم إلى بعض وقتها‪ ،‬ورغم التعاطف الذي أبداه‬ ‫عدد من املنتمني لليسار تجاه اإلخوان فإن اآلخرين ظلوا على‬

‫انغالقهم الفكري‪.‬‬ ‫ويحكي الكاتب الكبير سعد هجرس‪ ،‬في لقاء خاص وكاتب هذه‬ ‫السطور‪( :‬التقيت وعددا من قيادات اإلخوان داخل املعتقل‪ ..‬كان‬ ‫من بينهم املرشد السابق مهدي عاكف‪ ..‬وكنا ننظم مباريات في‬ ‫كرة القدم‪ ،‬وحاولنا اللعب مع اإلخوان‪ ..‬لكنهم رفضوا!‪ ..‬فلعبنا‬ ‫مع اليهود املصريني الذين كان يتم اعتقالهم كل فترة‪ ،‬وفوجئنا‬ ‫باإلخوان يشجعون اليهود بدعوى أنهم أهل كتاب أما نحن‬ ‫فشيوعيون وماركسيون كفار)!‬ ‫ويبدو أن عداء اإلخوان لليبراليني قبل ثورة يوليو‪ ،‬امتد بعدها‬ ‫إلى اليساريني الذين تصدروا املشهد الثقافي في الستينات وما‬ ‫تالها‪.‬‬ ‫وعندما أفرج الرئيس السادات عن اإلخوان في السبعينات‪،‬‬ ‫وأخرجهم من املعتقالت واستعان بهم لضرب اليسار خاصة‬ ‫في الجامعات‪ ،‬حاولوا تنفيذ إرادته‪ ،‬وفتحت مجالت «الدعوة»‬ ‫و«االعتصام» و«املختار اإلسالمي» صفحاتها للهجوم على‬ ‫املفكرين عموما‪ ،‬واليساريني خصوصا‪ ..‬وكان للكاتب جابر‬ ‫قميحة نصيب األسد في ذلك‪ ،‬إذ خصص مقاال شهريا في مجلة‬ ‫«الدعوة» للهجوم على طه حسني والعقاد وتوفيق الحكيم ونجيب‬ ‫محفوظ وإحسان عبد القدوس وغيرهم من الكتاب بدعوى أنهم‬ ‫ضد اإلسالم! ثم ظهرت مجموعة من الكتب التي تهاجم املفكرين‬ ‫مثل كتاب (طه حسني في ميزان اإلسالم) للكاتب أنور الجندي‪،‬‬ ‫الذي يعد نموذجا صارخا في تكفير املفكرين!‬

‫فنانو دار األوبرا املصرية في تظاهرة‬ ‫احتجاجية بسبب إقالة عالء عبدالعزيز وزير‬ ‫الثقافة (االخواني) في حكومة قنديل ملديرة‬ ‫دار األوبرا إيناس عبدالدايم(مايو‪)2013/‬‬

‫‪,,‬‬

‫شارك التابعي‬ ‫في هجومه على‬ ‫اإلخوان كتاب‬ ‫كبار مثل طه‬ ‫حسني وكامل‬

‫الشناوي‬ ‫والنشاشيبي‬

‫‪,,‬‬

‫تحالف الوفد‬ ‫لكن مع ظهور الجماعات اإلسالمية‪ ،‬ودخول اإلخوان معترك‬ ‫السياسة واالنتخابات البرملانية عقب اغتيال السادات وتولي‬ ‫حسني مبارك رئاسة الجمهورية غيرت الجماعة من تكتيكها‬ ‫تجاه املثقفني‪ ،‬وتركت مهمة التكفير والهجوم الحاد واملباشر‬ ‫للجماعات التي خرجت من عباءتها‪ ،‬وساعد على ذلك دعوة‬ ‫عدد من املفكرين لدمج اإلخوان في الحياة السياسية مثل عالم‬ ‫االجتماع السياسي الشهير د‪ .‬سعد الدين إبراهيم‪ ،‬الذي كتب‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫طه حسني‬

‫‪41‬‬


‫قصة الغالف‬

‫(خوان اإلسالم)‪ ..‬هكذا وصف املفكر الكبير عباس محمود العقاد جماعة اإلخوان املسلمني‪ ،‬متهما قادتها بانتهاك‬ ‫سماحة الدين‪ ..‬بينما رأى األديب الشهير د‪ .‬عالء األسواني (أنها جماعة فاشية)‪ 64 .‬عاما‪ ،‬هي الفارق الزمني بني‬ ‫مقال العقاد ‪ -‬الذي كتبه عام ‪ - 1949‬وتصريحات األسواني‪ ،‬التي أطلقها – حديثا ‪ -‬عبر موقع التواصل االجتماعي‬ ‫(تويتر)‪ ،‬وأكدها عبر أكثر من لقاء تلفزيوني‪ .‬خالل هذه الفترة الزمنية‪ ،‬ظلت العالقة بني الثقافة واملثقفني واملبدعني‪،‬‬ ‫وبني جماعة اإلخوان تسير على نهج واحد‪ ..‬فكل منهما ال يتقبل اآلخر‪ ،‬ويعتبره خطرا عليه‪.‬‬

‫من العقاد إلى األسواني‪ :‬املثقفون و«اإلخوان»‪ ..‬ال يلتقون‬

‫انقالب ثقايف‬

‫بقلم‪:‬‬ ‫أسامة سالمة‬

‫‪,,‬‬

‫كتب العقاد‬ ‫قائال‪ :‬أراح‬ ‫النقراشي البالد‬ ‫من عصابات‬ ‫كثيرة قبل‬ ‫هذه العصابة‬ ‫اإلجرامية ومنها‬ ‫عصابة الخط !‬

‫‪,,‬‬

‫حسب ما كتبه سيد قطب في جريدة «املقطم» قبل‬ ‫انضمامه للجماعة‪ ،‬وقبل أن يصبح أبرز منظريها قال‪:‬‬ ‫(ليس لـ«اإلخوان» مشروع ثقافي)! ولعل هذا يوضح ملاذا‬ ‫ظلت الجماعة طوال تاريخها ترى أن الثقافة ال بد أن توضع تحت‬ ‫الرقابة؟ وتنظر إلى املثقفني الليبراليني ومن بعدهم اليساريون‬ ‫بريبة وشك‪ ..‬وتتهمهم بأنهم «متفرنجون» وضد اإلسالم‪.‬‬ ‫فعلت هذا مع د‪ .‬طه حسني بعد صدور كتابه (مستقبل الثقافة‬ ‫في مصر) عام ‪ .1938‬الذي دعا خالله لالستفادة من القواسم‬ ‫املشتركة بني الحضارات‪ ..‬خاصة حضارة البحر املتوسط‪ ،‬إذ‬ ‫تربطنا بها روابط كثيرة‪ ،‬عكس ثقافة الصحراء التي ال تنتج‬ ‫حضارة‪.‬‬ ‫وقتها‪ ،‬انبرى كتاب اإلخوان للهجوم على عميد األدب العربي‪،‬‬ ‫واتهموه في مقاالت عدة نشرت بمجلة (النذير) ‪ -‬لسان حال‬ ‫الجماعة حينئذ ‪ -‬بأنه (يهاجم الدين!)‪ ..‬وهي تهمة لم تمل‬ ‫الجماعة توجيهها لكل من يختلف مع أفكارها من املبدعني‪.‬‬ ‫في املقابل‪ ،‬رأى كثير من املفكرين الليبراليني‪ ،‬أن الجماعة تمثل‬ ‫تهديدا حقيقيا لالستقرار واإلبداع في آن‪ .‬وقال عنهم أستاذ‬ ‫الجيل أحمد لطفي السيد‪( :‬هذه طائفة جاءت لتفرق األمة)‪ ،..‬على‬ ‫أن هجوم املفكرين على الجماعة اتضح أكثر بعد عمليات االغتيال‬ ‫التي قامت بها الجماعة‪ ،‬فقد أثارت مثل هذه العمليات مخاوف‬ ‫الكثيرين منهم‪ ،‬من إمكانية تكرار سيناريو هذه االغتياالت مع‬ ‫من يختلف معهم فكريا‪ ..‬كما طالت من اختلف معهم سياسيا‪.‬‬ ‫ولعل أبرز مثال على ذلك‪ ،‬العقاد‪ ..‬إذ كتب عدة مقاالت هاجم‬ ‫خاللها الجماعة‪ ،‬عقب اغتيالها محمود فهمي النقراشي «رئيس‬ ‫الوزراء»‪ ،‬بسبب إصداره قرارا بحلها‪.‬‬ ‫وكان أقوى هذه املقاالت بعنوان (الفتنة اإلسرائيلية)‪ ،‬الذي نشره‬ ‫بجريدة «األساس» في يناير (كانون الثاني) عام ‪ .1949‬وذكر‬ ‫فيه أن «الفتنة التي ابتليت بها مصر على يد العصابة التي تسمي‬ ‫نفسها اإلخوان املسلمني‪ ،‬هي أقرب إلى الفنت في نظامها إلى‬ ‫دعوات اإلسرائيليني واملجوس»‪.‬‬ ‫ومضى العقاد في مقاله مهاجما مؤسس الجماعة حسن البنا‪،‬‬ ‫مشيرا إلى تشككه في أن جده يهودي من املغرب‪ ،‬قدم إلى مصر‪..‬‬

‫عباس العقاد‬

‫‪40‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫ودلل على ذلك بأن أحدا ال يعرف أصله‪ ..‬وأن اليهود طائفة كبيرة‬ ‫باملغرب كما أن والد حسن البنا كان يعمل (ساعاتي)‪ ،‬وهي مهنة‬ ‫لم يكن يعمل فيها في زمنه إال اليهود!‬

‫ُ‬ ‫خط الصعيد‬ ‫وفى مقال آخر له بنفس الجريدة ربط العقاد بني اإلخوان‬ ‫املسلمني وعصابة (خط الصعيد)‪ ..‬وكتب قائال‪( :‬أراح النقراشي‬ ‫باشا رحمه الله البالد من عصابات كثيرة قبل هذه العصابة‬ ‫اإلجرامية‪ ،‬ومنها عصابة الخط املشهورة التي كانت تعبث بالقتل‬ ‫والسلب والنهب في أوساط الصعيد‪ ،‬ولكن الخط لم يدع لنفسه أنه‬ ‫من أئمة الدين‪ ..‬فقد استطاع هذا املخلوق أن يجمع حوله أربعني‬ ‫رجال يجازفون بالحياة في سبيل طاعته‪ ،‬فهل كانوا محتاجني‬ ‫إلى إيمان مضلل يسوقهم إلى املجازفة بالحياة‪ ،‬كل ما احتاجوه‬ ‫هو تحريك طبيعة الشر في الطمع والغرور)‪.‬‬ ‫ورد اإلخوان على هذه االتهامات بمحاولة اغتيال العقاد وهو‬ ‫ما كشف عنه الكاتب الصحافي سامح كريم في كتابه (عباس‬ ‫محمود العقاد الحاضر الغائب)‪ ،‬إذ كتب يقول‪( :‬إن اإلخوان بعثوا‬ ‫إلى العقاد رسائل تهديد أعقبها وضع متفجرات أمام منزله‪ ،‬ثم‬ ‫إطالق الرصاص على نافذته‪ ..‬إال أن الرصاصة أخطأته‪ ،‬ورفض‬ ‫العقاد أن يقوم بإبالغ الشرطة)‪ .‬ولم يكن العقاد وحده الذي هاجم‬ ‫اإلخوان عقب اغتيال النقراشي‪ ،‬فقد تصدى لهم مجموعة من‬ ‫كتاب أحزاب‪« :‬الوفد واألحرار الدستوريني والسعدي والكتلة»‪،‬‬ ‫الذين شعروا بخطورة الجماعة التي أنشأت جهازا خاصا للقيام‬ ‫باالغتياالت والعمليات اإلرهابية‪ ،‬ولكن الجماعة حظيت بفترة‬ ‫راحة من هجوم املفكرين عليها بعد قيام ثورة يوليو (تموز)‬ ‫‪ 1952‬بسبب العالقة الوثيقة بني قادتها والضباط األحرار‪ ،‬وعلى‬ ‫رأسهم قائد التنظيم الحقيقي جمال عبد الناصر‪.‬‬

‫محاولة اغتيال عبد الناصر‬ ‫وخالل هذه الفترة لم يكن هناك تماس بني املثقفني والجماعة‪،‬‬ ‫إال أن هذه املرحلة لم تستمر سوى أقل من عامني‪ ،‬حيث انتهت‬ ‫بمحاولة اغتيال عبد الناصر في ميدان املنشية باإلسكندرية‪،‬‬ ‫واتهام أعضاء الجماعة بالضلوع فيها‪ .‬وبعدها انبرى املثقفون‬


‫الزعيم املصري أحمد عرابي‬

‫حيث قام به الرؤساء الراحلون محمد نجيب وجمال عبد الناصر وأنور‬ ‫السادات‪ ،‬ويتكرر أيضا حينما تولى الجيش تنفيذ إرادة الشعب في‬ ‫فبراير (شباط) ‪ ،2011‬وقام بعزل الرئيس حسني مبارك‪ ،،‬وأخيرا‬ ‫الفريق أول عبد الفتاح السيسي في يوليو ‪ 2013‬الذي تحمل باقتدار‬ ‫إرادة الشعب‪ ،‬وقام بعزل الرئيس مرسي‪.‬‬ ‫وفي جريدة «الوفد»‪ ،‬قبيل مظاهرات ‪ 30‬يونيو‪ ،‬كتب عباس الطرابيلي‪،‬‬ ‫يقارن بني حركة «تمرد» وتمرد عرابي‪ ،‬مقاال بعنوان‪ ..« :‬وعرابي كان‬ ‫متمردا»‪ ،‬قال فيه‪« :‬كان أحمد عرابي باشا فالحا مصريا من محافظة‬ ‫الشرقية‪ ..‬وقد يكون أول مصري صميم يصل إلى رتبة العسكرية في‬ ‫الجيش املصري‪ ،‬فعرابي هو الذي ابتدع الوقفات امليدانية االحتجاجية‪..‬‬ ‫وهو الذي قاد أول مظاهرة عسكرية مصرية ومعه رفقاء النضال في‬ ‫ميدان قصر عابدين‪ ...‬وأدت حركة تمرد عرابي (العسكرية) ونجاحها‬ ‫األول إلى أن أصبحت املعبر الحقيقي عن أحالم األمة املصرية‪ ..‬بل‬ ‫تحولت من حركة تمرد عسكرية إلى حركة شعبية تمردية شملت‬ ‫الشعب املصري»‪.‬‬ ‫وعرابي يحضر مرة أخرى في مقارنة سابقة بالطريقة ذاتها‪ ،‬حني‬ ‫عقدت ضمن فعاليات معرض الكتاب بالقاهرة سنة ‪ 2012‬ندوة‬ ‫بعنوان «ما بني ثورة عرابي وثورة ‪ 25‬يناير»‪ ،‬أكد فيها املشاركون أن‬ ‫أوجه التشابه كثيرة بني أول ثورة وطنية في مصر (عرابي) وثورة ‪25‬‬ ‫يناير‪ ،‬وأن الثورة العرابية كما فعلت ثورة يناير استطاعت أن تجذب‬ ‫إليها فئات الشعب املصري الذي كان بعيدا تماما عما يجري‪ ،‬فشارك‬ ‫فيها الشباب والشيوخ والنساء والتف الجميع حول عرابي ورفقائه‪..‬‬ ‫«وقد كانت الثورة العرابية هي بداية تاريخ نضالي من مقاومة الظلم‬ ‫والقهر واالحتالل»‪.‬‬ ‫وهكذا فكل طرف يتمسك بخيط «عرابي» ويجره إلى ناحيته‪ ،‬على‬ ‫الرغم من اختالف وتضارب االستشهادات فإنها تؤكد وتوضح كم‬ ‫كانت «لحظة عرابي» مرحلة فارقة في الذاكرة والخارطة والتاريخ‪،‬‬ ‫وتأسيس طبيعة عالقة الشعب بالجيش‪.‬‬ ‫األمر ذاته تكرر من قبل من ثورة يوليو‪ ،‬ففي كتاب له يحلل ظروف‬ ‫وطبيعة ثورة عبد الناصر‪ ،‬كتب صالح منتصر في مقدمة كتابه «من‬ ‫عرابي إلى عبد الناصر‪ ..‬قراءة جديدة للتاريخ» قال فيها‪« :‬لقد وجدت‬

‫الفريق أول عبد الفتاح السيسي‬

‫من الضروري حتى يفهم أي شاب أسرار ثورة يوليو‪ ،‬أن يتعمق في‬ ‫تاريخها وجذورها‪ ،‬إنها تعود إلى تلك اللحظة التي رفع فيها أول‬ ‫فالح مصري فأسه ليحفر قناة السويس‪ ،‬في أول لحظة بدأت املطامع‬ ‫األجنبية توجه أنظارها نحو مصر‪ ،‬في تلك اللحظة التي وقف فيها‬ ‫عرابي بثورته ضد كل الطامعني واملنتفعني‪ ،‬ومنذ ذلك التاريخ بدأت‬ ‫مسيرة مصر في بحثها عن استقاللها وحريتها‪ ..‬فأكمل مشوارها‬ ‫وحمل رايتها عبد الناصر في ثورته ضد الظلم واإلقطاع»‪.‬‬ ‫وهكذا مع عبد الناصر يتجدد مشهد القائد العسكري الذي يقوم‬ ‫بانقالب يلتف حوله الناس‪ ،‬ويهتفون باسمه‪ ،‬وهو يتلمس مطالبهم‬ ‫وينحاز لرغباتهم‪ ،‬ويهتف في خطبه باسم الشعب‪ ،‬يتحدث سامح‬ ‫عاشور رئيس الحزب الناصري‪ ،‬في ذكرى ثورة يوليو قائال‪« :‬إنه‬ ‫رغم مرور ‪ 60‬عاما على ثورة ‪ 23‬يوليو فإن أغلبية املصرين ما زالوا‬ ‫يقدرون هذا الحدث املهم الذي يعد امتدادا لثورة عرابي»‪.‬‬ ‫ولكن إجماع البدايات مع هذا الزعيم العسكري يتحول مع مرور الوقت‬ ‫إلى صراع ومواجهة في كل مرة‪ ،‬يتذمر الشعب ويشتكي من تلك‬ ‫اللحظة التي شجع فيها هذا القائد‪ ،‬ويبحث من جديد عن وسيلة‬ ‫للخالص من طوق النجاة الذي استعان به أوال‪ ،‬فكثير من املحللني‬ ‫والكتاب يرون أن «هوجة» عرابي التي أشادوا بها أوال وفرحوا كانت‬ ‫سببا في أن يقع الشعب املصري تحت االستعمار اإلنجليزي ملصر عام‬ ‫‪ - 1882‬وإن بغير قصد ‪ -‬أما ثورة يوليو ‪ 1952‬التي خرجت هتافات‬ ‫الجماهير باسم زعيمها عبد الناصر في يوم ثورته ويوم مماته فقد‬ ‫ساهمت في ترسيخ حكم العسكر الذي رزح الشعب املصري تحت‬ ‫وطأته قرابة الستني عاما وخرج ثائرا على منتجاتها في ‪ 25‬يناير‬ ‫‪ ،2011‬ولكن هذه الثورة ضد حكم العسكر أفرزت حكم اإلخوان‪،‬‬ ‫واستبدل املصريون «مرسي» بـ«مبارك»‪ ،‬فخرجوا عليه بعد أقل من‬ ‫سنة له رافضني‪ ،‬وجدوا أنفسهم قد استبدلوا بمستبد عسكري آخر‬ ‫مدنيا‪ ،‬وعادت الحلقة املفرغة دورانها من جديد حني أعلن وزير الدفاع‬ ‫عبد الفتاح السيسي بيانه في الثالث من يوليو ‪ ،2013‬مقررا استجابة‬ ‫ملطالب املتظاهرين عزل الرئيس محمد مرسي وبدء مرحلة انتقالية‪..‬‬ ‫مرحلة ال ندري إلى أين ستتجه هذه املرة‪ ،‬هل ستكرر املشاهد كاملعتاد‬ ‫ويخرج الشعب الذي كان يهتف «يعيش جيش مصر العظيم»‪ ،‬ليقول‬ ‫كما كل مرة‪« :‬يسقط‪ ..‬يسقط حكم العسكر»؟! <‬

‫‪,,‬‬

‫حني تصل‬ ‫القوى‬ ‫السياسية‬ ‫إلى طرق‬ ‫مسدود على‬ ‫حافة الصدام‬ ‫واالنهيار‪،‬‬ ‫يمثل الجيش‬ ‫صمام األمان‬ ‫واملالذ‪ ،‬لكنه‬ ‫ما يلبث أن‬ ‫يتحول إلى‬ ‫مشكلة وأزمة‬ ‫أخرى‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫‪39‬‬


‫قصة الغالف‬

‫حني نقلب تاريخ مصر الحديث نجد الجيش املصري نقطة املركز واملحور في أي تغيير أو منعطف تاريخي‪ ،‬ذاكرة‬ ‫الجيش ومعاركه‪ ،‬وصوالته وجوالته حاضرة في الثقافة والوجدان املصري حتى اليوم‪ ،‬هو يستذكر ثورة القائد‬ ‫العسكري وزير الدفاع أحمد عرابي‪ ،‬ويحتفل بيوم الجالء‪ ،‬ويتذكر إنجاز الجيش في ‪ 6‬أكتوبر‪ ،‬وما زال يتناقش‬ ‫كثيرا حول ثورة ‪ /‬انقالب الضباط األحرار‪ ،‬وال ينسى «البيان رقم واحد» للمجلس األعلى للقوات املسلحة الذي عزل‬ ‫فيه الرئيس حسني مبارك‪ ،‬وما زال يعيش على صدى بيان وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي الذي قرر عزل الرئيس‬ ‫محمد مرسي‪ ..‬فما هي طبيعة هذه العالقة بني الجيش والشعب‪ ،‬وما هي اللحظة املفصلية التي شكلتها؟‬

‫الجيش والشعب‪ ..‬من عرابي إلى السيسي‬

‫حلقة مفرغة!‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫عبد الله الرشيد‬

‫‪,,‬‬

‫كانت ثورة‬ ‫عرابي‬ ‫جذوة حية‬ ‫في الذاكرة‬ ‫املصرية‪..‬‬ ‫تعكس اللحظة‬ ‫التي تشكلت‬ ‫فيها صورة‬ ‫الجيش‬ ‫املنحاز‬ ‫لرغبات‬ ‫الشعب ضد‬ ‫السلطة‬ ‫الحاكمة‬

‫‪,,‬‬

‫‪38‬‬

‫حني أصدر الجيش املصري في األول من شهر يوليو‬ ‫(تموز) ‪ 2013‬بيانا تضامن فيه مع مطالب املتظاهرين في‬ ‫يوم «التمرد» الشهير ‪ 30‬يونيو (حزيران)‪ ،‬أمهل فيه القوى‬ ‫السياسية للوصول إلى حل يلبي مطالب الشعب املصري مهلة أقصاها‬ ‫‪ 48‬ساعة‪ ،‬وإال فإن الجيش سيقدم خارطة طريق جديدة للشعب‪ ،‬ردت‬ ‫حركة «تمرد» مرحبة ببيان الجيش املصري‪ ،‬وقالت‪« :‬هذا هو جيش‬ ‫مصر‪ ،‬هذا هو جيش عرابي‪ ،‬وعبد الناصر‪ ،‬وسعد الدين الشاذلي»‪.‬‬ ‫نتذكر هنا‪ ،‬ومن هذه الكلمات الترحيبية الحارة من هذا البيان‪ ،‬تلك‬ ‫الورود واألهازيج التي قدمها ثوار ‪ 25‬يناير (كانون الثاني) للجيش‬ ‫املصري‪ ،‬حني أصدر بيانه األول‪ ،‬وقرر عزل الرئيس املصري حسني‬ ‫مبارك‪ ،‬وتقديم خارطة طريق جديدة للمرحلة املقبلة‪ ،‬خرجت فيها‬ ‫الجموع تحيي العسكر‪ ،‬وترحب بالجيش حامي الحصن والدرع األخير‬ ‫ملصر ولشعبها‪.‬‬ ‫ولكن هذه العالقة لم تكن كذلك دائما‪ ،‬إنها تعوم بني املحبة والكره‪ ،‬بني‬ ‫املد والجزر‪ ،‬فاملتظاهرون الذين هتفوا من أجل الجيش املصري حني‬ ‫عزل مبارك خرجوا بعد بضعة أشهر يصرخون «يسقط يسقط حكم‬ ‫العسكر‪ ،‬يسقط حكم املشير»‪ ،‬فقرر قرر الرئيس املصري السابق‬ ‫محمد مرسي إقالة املشير طنطاوي‪ ،‬خرجت الهتافات ترحب بهذا‬ ‫القرار‪ ،‬إنه ينتزع مصر من حكم العسكر‪ ،‬إنه يحقق نتائج الثورة‪،‬‬ ‫ويعيد مصر جمهورية مدينة حديثة‪ ،‬لطاملا هتف من أجلها النشطاء‬ ‫والثائرون «نريدها دولة مدينة‪ ،‬ال عسكرية»‪.‬‬ ‫لكن بعد سنة من حكم اإلخوان «املدني» الذي سقط في الكثير من‬ ‫األزمات واالنشقاقات والصراعات بني القوى السياسية‪ ،‬خرج‬ ‫َ‬ ‫تتوان أبدا أن تنسى خالفها مع العسكر‬ ‫املتظاهرون في ثورة ثانية لم‬ ‫وترحب وتهتف بحرارة لوزير الدفاع عبد الفتاح السيسي الذي قرر‬ ‫استجابة ملطالب املتظاهرين عزل الرئيس محمد مرسي‪.‬‬ ‫ما الذي يحدث؟ هل هي دائرة مفرغة يدور فيها الشعب املصري في‬ ‫عالقته مع الجيش؟ يلتف حوله حني تشتد األزمات‪ ،‬ويصل إلى طريق‬ ‫مسدود‪ ،‬ثم بعد ذلك ينفض منه ويطالب بإسقاطه‪ ،‬ثم بعد ذلك ينسى‬ ‫أو يتناسى ويعود إليه مناشدا ملتفا مترجيا مطالبا؟‬ ‫عالقة الشعب املصري بالجيش عالقة وجدانية معقدة عميقة‪ ،‬لها‬ ‫جذورها التاريخية التي لم ترتبط بحماية شؤون الداخل فقط‪ ،‬لكنها‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫حملت في ذكراها قصص االستقالل واملقاومة‪ ،‬وصد الدخيل األجنبي‪.‬‬ ‫في تلك اللحظة التي وقف فيها الزعيم املصري أحمد عرابي (‪- 1841‬‬ ‫‪ )1911‬أمام الخديو توفيق عام ‪ ،1881‬قائال‪« :‬لقد خلقنا الله أحرارا‪،‬‬ ‫ولم يخلقنا تراثا أو عقارا‪ ،‬فوالله الذي ال إله إال هو‪ ،‬ال نورث‪ ،‬وال‬ ‫نستعبد بعد اليوم»‪.‬‬ ‫كانت لحظة فارقة في الوجدان املصري‪ ،‬حيث التف الناس حول هذا‬ ‫الشخص الذي بدأ يصدح بمطالبهم ويقف أمام مظالم الحكام األتراك‬ ‫والشركس‪ ،‬ويتلمس أحوالهم االقتصادية‪ ،‬ويعد العدة ملواجهة التدخل‬ ‫األجنبي القادم من فرنسا وإنجلترا على السواء‪ ،‬أدت املواجهات بني‬ ‫عرابي والخديوي توفيق إلى قيام الثورة العرابية‪ ،‬أو ما عرف حينها‬ ‫بـ«هوجة عرابي»‪ ،‬الذي كان يتقلد منصب «ناظر الجهادية» بما يماثل‬ ‫وزير الدفاع اليوم‪ ،‬ومنذ تلك اللحظة والنهج الذي رسخه عرابي في‬ ‫الضمير املصري أصبح ينظر إلى الجيش املصري وقادته كمرجع‬ ‫ومالذ يمثل مطالب الشعب وينحاز إليها ضد السلطة الحاكمة‪.‬‬ ‫رضخ توفيق ملطالب عرابي في بداية األمر حني رأى التفات الشعب‬ ‫حوله‪ ،‬وعزل قيادات الشرطة التي كانت تستبد بالشعب‪ ،‬لكن التدخل‬ ‫اإلنجليزي ساهم في انهيار الثورة العرابية وتفتتها‪ ،‬ونفي زعيمها‬ ‫إلى سيالن‪.‬‬ ‫كانت ثورة عرابي ‪ -‬على الرغم من فشلها ‪ -‬جذوة حية في الذاكرة‬ ‫املصرية‪ ،‬يتم استحضارها في كل لحظة وطنية تريد استعادة القرار‬ ‫والسلطة إلى الشعب‪ ..‬يتحدث الكاتب املصري طارق الشيخ في مقال له‬ ‫بعنوان «مصر‪ ..‬من عرابي إلى السيسي» قائال‪« :‬بيان القوات املسلحة‬ ‫الذي أذيع يوم ‪ 1‬يوليو وأكد على أن القوات املسلحة املصرية طرف‬ ‫رئيسي في معادلة املستقبل وتتحمل بمسؤوليتها الوطنية والتاريخية‬ ‫في حماية أمن وسالمة الوطن‪ ،‬ذكرتني بالعبارات التي قالها الزعيم‬ ‫أحمد عرابي للخديوي توفيق وقناصل الدول األجنبية في عابدين‬ ‫حينما أشار إلى أن األهالي (جماهير الشعب) أقاموه نائبا عنهم في‬ ‫عرض طلباتهم وتنفيذها بواسطة القوات التابعة له والذين هم إخوانهم‬ ‫وأوالدهم‪ .‬فالجنود هم القوة التي تنفذ بها مطالب أبناء الشعب الذين‬ ‫أنابوه عنهم في طلب حقوقهم مؤكدا أنه لن يغادر امليدان حتى تنفذ‬ ‫املطالب»‪.‬‬ ‫يشير الكاتب الشيخ إلى أن هذا املوقف يتكرر في الحالة املصرية‪،‬‬


‫جدلية التابع واملتبوع‪ ،‬تستمر حتى في أبسط وأسرع مستويات التعبير‬ ‫الخاص والعام‪.‬‬

‫الحسي الفرعوني واملجرد اإلسالمي‬ ‫في الواقع فإن الحسية وإن كانت قدرا جغرافيا بعض الشيء بسبب تأثير‬ ‫عوامل املناخ املتطرفة على الوعي‪ ،‬إال أن اإلبداع املصري للصور واألشكال‬ ‫ومنه العمارة‪ ،‬لم يكن مجرد سبق في الهندسة‪ ،‬بقدر ما كان ميال فطريا‬ ‫الحترام العالم الخارجي بصفته ممنوحا معجزة خالقه الذي أبدع في تكوينه‬ ‫فخلق عاملا يستحق التقدير واإلشادة‪ ،‬وهذا التقدير للعالم الخارجي تحول‬ ‫إنتاجا مفتوحا لألشخاص والطبيعة‪ .‬ال شيء‪ ،‬إذن‪ ،‬خارج املحسوس‪ ،‬بدءا‬ ‫من الخلق وانتهاء باملخلوق‪ .‬فرأينا تاريخا غامضا وساحرا وغريبا هو ما‬ ‫أطلق عليه الحضارة الفرعونية‪.‬‬ ‫كل هذا اإلنتاج الحسي العيني للعقائد واألفكار والثقافات‪ ،‬انسجم بكليته‬ ‫مع ثقافة أكثر تجريدا وأقل حسية‪ ،‬وهي الدين اإلسالمي‪ .‬أقل حسية من‬ ‫ناحية التعبير الفني عن العقيدة كالرسوم واملنحوتات بصفة خاصة‪ .‬هنا‬ ‫كانت هندسة املسجد اإلسالمي‪ ،‬أو العمارة اإلسالمية‪ ،‬عامة‪ ،‬نقطة االنطالق‬ ‫الكبرى نحو دمج هاتني الثقافتني املتناقضتني‪ ،‬جوهريا‪ ،‬في مكان واحد‪ .‬لقد‬ ‫وفرت هندسة املسجد اإلسالمي مجاال رحبا ومشروعا للتعبير عن املخزون‬ ‫الحسي املغرق في قدمه في تلك األنا‪ ،‬وحصلت أغرب مفارقة في تاريخ‬ ‫األديان السماوية‪ :‬أقصى املحسوس يجد نفسه في أقصى الغيبي‪ ،‬فاتحدا‬ ‫مكونني شخصية امتلكت كل مواصفات الخصوصية وأدواتها التعبيرية‬ ‫الكاملة‪ .‬ولعل هذا هو السبب الذي جعل فيلسوفا مرموقا بحجم اشبنجلر‪،‬‬ ‫وفي كتابه الذي ال تغيب عنه شمس القراء في كل ثقافات العالم‪ ،‬واملعروف‬ ‫بـ{انحالل الغرب} أو سقوط الحضارة الغربية‪ ،‬يقول في دراسته التاريخ‬ ‫املصري الفرعوني‪ ،‬محترما فيه جانبه الفرعوني وجانبه اإلسالمي فيقول‬ ‫بعد مقارنة ساحرة ما بني الثقافة الهندية واآلسيوية من جهة‪ ،‬واملصرية‬ ‫من جهة أخرى‪ ،‬بأن الحضارة املصرية‪« :‬لم تهمل أي شيء} قاصدا الطعن‬ ‫بالثقافات اآلسيوية الصوفية والبوذية التي عادة ما تأتي مقدسة للغائب مقللة‬ ‫من شأن الحاضر‪ .‬وأفرد في كتابه املدهش هذا مساحة كبيرة لدراسة التاريخ‬ ‫املصري وكذلك الحضارة اإلسالمية التي أبدى لها كل احترام وتبجيل وكاد أن‬ ‫يعتبرها‪ ،‬تقريبيا‪ ،‬نهاية التاريخ الفلسفي‪ .‬إن هذا الفيلسوف العمالق هو من‬ ‫أشهر وأقوى العقول التي حفرت في األنا املصرية مكتشفة القوة الالمنظورة‬ ‫للحسي فيها‪ ،‬ومن هنا قال عبارته الرائعة عنها إنها لم تهمل أي شيء!‬ ‫لقد كان املسجد اإلسالمي العروة الوثقى التي تربط ما بني ثقافتني‬ ‫متعارضتني‪ ،‬ال بل في جزء من أحدهما {تكفير} لجزء في األخرى‪ ،‬كما‬ ‫في قصص الفراعنة في النص القرآني الكريم‪ .‬ومن هنا ترى األثر العماري‬ ‫اإلسالمي ‪ -‬واملسيحي ‪ -‬في مصر له قداسة منقطعة النظير‪ ،‬وفيه تمت كل‬ ‫تطبيقات الهندسة واملشغوالت الخشبية واملعدنية‪ ،‬بأفضل وأجمل ما يمكن‪.‬‬ ‫وعند هذا التداخل ما بني الحسي والغيبي‪ ،‬التاريخ والوحي‪ ،‬تتأسس شخصية‬ ‫مصرية مبرزة أناها على النحو الذي عبر عنه األملاني الرفيع برتولد بريخت‬ ‫حني اختصرها بقوله‪{ :‬اللحم الجديد يؤكل بالشوكة القديمة}‪ ..‬وهي إن كانت‬ ‫تعني عودة البنية املتنحية إلى الظهور‪ ،‬من خالل جدليات غامضة‪ ،‬وعبر عنها‬ ‫هيغل باملكر‪ ،‬إال أن املعنى الذي استهدفه بريخت مأخوذ أصال‪ ،‬وللمفارقة‪،‬‬ ‫من أصل إنجيلي إنما مع تغيير باألسماء‪ ،‬وكذلك تغيير جوهري باملدلول‪.‬‬ ‫تشكلت األنا املصرية على هذا اللقاء الفلسفي النادر ما بني املرئي والالمرئي‪،‬‬ ‫املرئي يتولى إعجاب املصري بنفسه من خالل اإلشارة إلى تقديره الفطري‬ ‫للعالم الخارجي وإعادة إنتاجه في العمارة والفلسفة الدينية‪ .‬والالمرئي‬ ‫يعكس الرضوخ للخالق ومقدرته الالمحدودة على الخلق والذي عبر عنه‪،‬‬ ‫هنا‪ ،‬في اإلسالم‪ ،‬كما عبر عنه أيضا في املسيحية‪ ،‬ألنه حتى املسيحية‬ ‫املصرية لها خصوصية تميزها عن مسيحية املشرق والغرب‪ .‬لكنها ليست‬ ‫موضوعنا هنا‪ .‬وفي هذا الجمع الجذري املشار إليه‪ ،‬أصبح من الطبيعي‬

‫أن تكون األنا املصرية ذات مالمح خاصة مميزة‪ ،‬تدفعها الحسية لعشق‬ ‫العالم الخارجي (الفن‪ ،‬املوسيقى‪ ،‬الرسم‪ ،‬النحت‪ ،‬املسرح) ويدفعها الغيبي‬ ‫إلى الركون لقانون الهي مقدس يعطي الحق للكل في آخر املطاف‪ ،‬وإلى هذه‬ ‫اإليمانية تعود نزعة التسامح‪ .‬لكن الحسية‪ ،‬تلك‪ ،‬الجزء الباني للحضارة‬ ‫املصرية‪ ،‬هي التي لم تتسامح مع غلطة جرح األنا التي أصابتها في الصميم‬ ‫من قبل بعض الجماعات الدينية التي تعاملت بعني واحدة مع هذه األنا فجاء‬ ‫الرد طوفانا من الرافضني لإلخوان املسلمني في مصر‪.‬‬

‫األنا املصرية تستعيد خصوصيتها‬ ‫الجرح النرجسي الذي نزف على يد جماعة اإلخوان املسلمني‪ ،‬كان السبب األبلغ‬ ‫النقالب {األمة املصرية} على مرتكبي هذا الجرح‪ .‬ولعل أولى بوادر الجرح‪ ،‬تلك‪،‬‬ ‫هي التعامل التبعي مع الدولة املصرية‪ ،‬بحيث يكون املجتمع املصري مجرد‬ ‫حلقة عامة‪ ،‬في دائرة من حلقات الدول اإلسالمية‪ .‬األمر الذي دفع املرشد‬ ‫السابق للجماعة مهدي عاكف بقول قولته الشهيرة عن الوطن املصري‪ ،‬التي‬ ‫يعلمها الجميع‪ ،‬والتي تعني باملحصلة التهكم على خصوصية الوطن املصري‪.‬‬ ‫لم يجرؤ زعيم مصري‪ ،‬مهما بلغت قوميته ‪ -‬باملناسبة قد تؤدي القومية‪،‬‬ ‫املؤدى نفسه‪ ،‬للهوية اإلسالمية‪ ،‬لجهة عدم االعتراف بخصوصية الوطن‬ ‫املصري أو غير املصري ‪ -‬على تجاوز األنا املصرية بهذا الشكل الحاد‪ .‬من‬ ‫عبد الناصر القومي‪ ،‬مرورا بالسادات الوريث ِّ‬ ‫واملطور‪ ،‬انتهاء بمبارك‪ ،‬لم يتجرأ‬ ‫أحد على جرح األنا املصرية التي ّ‬ ‫تميز ذلك املجتمع الذي يتغنى بخصوصيته‬ ‫ومنجزاته‪ .‬إال على يد جماعة اإلخوان التي ارتكبت الخطأ الذي ال {كفارة} له‪:‬‬ ‫جرح األنا املصرية بحجة الهوية األعم واألشمل ذات الطبيعة التوسعية‪.‬‬ ‫يمكن للمصريني أن يغفروا لخطأ االقتصاد والسياسة‪ ،‬إنما هذا الخطأ‬ ‫اإلخواني البالغ أطاح بشعبية الجماعة التي تصطدم اآلن برد فعل تقوم به األنا‬ ‫املنجرحة التي لن تتنازل عن حق الرد‪ ،‬مهما بلغت تكاليف االشتباك‪ .‬ويعود‬ ‫سبب هذا الخطأ اإلخواني‪ ،‬إلى ما يتهمه خصوم الجماعة منذ زمن طويل‬ ‫لهذا التنظيم بأنه ال يعرف مصر وبعيد عن ثقافتها‪ .‬ولعل أول وأكبر دليل‬ ‫على واقعية هذا االتهام هو جرح الجماعة لألنا املصرية عبر عدم االعتراف‬ ‫بخصوصيتها والتعامل معها كما لو أنها مجرد حلقة في هوية تسلسلية‬ ‫تبدأ ربما من القاهرة وال تنتهي في جمهوريات روسيا املسلمة‪.‬‬ ‫هذا الخطأ التاريخي تم الرد عليه بزحف جماهيري غير مسبوق ربما على‬ ‫مستوى العالم‪ .‬األمر الذي زاد من إرباك الجماعة التي بدت في ردود أفعالها‬ ‫أنها حقا ال تعرف املجتمع الذي تنتمي إليه‪ ،‬فمرة يكون سبب االحتجاج‬ ‫{الفلول} ومرة يكون السبب {املؤامرة} ومرة يكون السبب {قطع الوقود لتأليب‬ ‫الناس ضدها} ومرة يكون السبب أشخاصا وتيارات‪ ..‬الخ‪ .‬عدم التوازن‬ ‫هذا‪ ،‬سببه األصلي عدم الدراية الفعلية بخصوصية املجتمع املصري‪ ،‬الذي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫للمفارقة‪ ،‬لم يشكل جاذبية للجماعة‪ ،‬فامتنعت من االعتراف بخصوصيته‬ ‫وسلبته حقا مكتسبا‪ ،‬فقام هو بسلبها حق إدارة البالد!‬

‫‪,,‬‬

‫الجرح‬ ‫النرجسي‬ ‫الذي نزف‬ ‫على يد‬ ‫جماعة‬ ‫اإلخوان‬ ‫املسلمني كان‬ ‫السبب األبلغ‬ ‫النقالب {األمة‬ ‫املصرية} على‬ ‫مرتكبي هذا‬ ‫الجرح‬

‫‪,,‬‬

‫إن الجرح النرجسي الذي أصاب األنا املصرية يشكل دافعا يفوق أي دافع‬ ‫آخر‪ .‬ال يمكن االستهانة برد الفعل الناتج عن حرمان األنا االجتماعية من‬ ‫غنائيتها ورومانسيتها‪ .‬مرور سنة على أي حاكم أو أي نظام سياسي‪ ،‬ال‬ ‫يمكن أن يكفي للحكم عليه أو عزله‪ ،‬إال في حال ارتكاب أخطاء جسيمة‪.‬‬ ‫ولم يكن خطأ النظام اإلخواني جسيما ال على املستوى القانوني وال على‬ ‫املستوى األخالقي‪ ،‬لقد كان خطأ اإلخوان نفسيا‪ ،‬بكل معنى الكلمة‪ :‬جرحوا‬ ‫األنا التي تتباهى بخصوصيتها التاريخية‪ ،‬فكان الرد طوفانا من االحتجاج‬ ‫غير املسبوق تستعيد فيه األنا حقها املكتسب بالخصوصية وتثبت فيه‬ ‫لسالب هذا الحق أن ما ال تراه ال يعني أنه غير موجود‪ ،‬وما ال تؤمن به ال‬ ‫يعني أنه يفتقد للشرعية <‬ ‫* صحايف سوري مقيم يف القاهرة ‪ ،‬نشر مقاالت وحتقيقات‬ ‫يف الصحف ومجالت عربية عديدة‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫‪37‬‬


‫قصة الغالف‬

‫أول ما يتبادر إلى الذهن في التغيرات املتسارعة في املجتمع السياسي املصري‪ ،‬هو سبب انقالب املصريني على‬ ‫اإلخوان املسلمني‪ ،‬بهذه السرعة؟ خصوصا أن قابلية هذا املجتمع الخاص‪ ،‬لوجود أحزاب دينية واالنتماء إليها‪،‬‬ ‫مفتوحة إلى حد بعيد‪ .‬بل إن أكثر عبارة يوصف بها املصريون أنهم شعب ّ‬ ‫متدين‪ .‬فماذا جرى كي يتحرك هذا‬ ‫الشعب املتدين‪ ،‬بكل هذه األعداد الضخمة‪ ،‬بوجه حزب ديني تاريخي ضارب الجذور في الحركة السياسية املصرية‪،‬‬ ‫وهو اإلخوان املسلمون؟!‬

‫لغز املصريني وخطأ اإلخوان املسلمني‬

‫األنا املصرية‬

‫بقلم‪:‬‬ ‫عهد فاضل *‬ ‫متظاهرة مصرية تحمل العلم املصري‬ ‫احتفاال بعزل مرسي عند كوبري قصر‬ ‫النيل الذي يقع بالقرب من ميدان‬ ‫التحرير بالقاهرة‬

‫الكالم الكثير عن تأثير األزمة االقتصادية على الرأي العام في‬ ‫مصر‪ ،‬ضد اإلخوان املسلمني‪ ،‬يجانب الصواب في أغلب جوانبه‪،‬‬ ‫لطاملا تعود املصريون في السنوات األخيرة على نوع من االقتصاد‬ ‫الصعب الذي بالكاد يحقق لغالبية من أفراد املجتمع‪ ،‬الحد األدنى‪ ،‬أو ما‬ ‫دون ذلك في بعض الفئات‪ .‬وحقيقة األمر تتجلى في أن املواطن املصري‬ ‫البسيط‪ ،‬خاصة‪ ،‬ال يتنازل عن تسامحه االعتيادي الذي أصبح سمة من‬ ‫سماته السلوكية‪ ،‬وربما قد استخدم تسامحه هذا كثيرا مع أنظمة سابقة‪،‬‬ ‫لعل املرحلة الناصرية أشهرها‪ ،‬فعكست ميل املصريني الفطري للتسامح من‬ ‫خالل مطالبتهم زعيمهم بالعدول عن استقالته بعيد النكسة‪ .‬ويكاد يكون‬ ‫الشعب الوحيد في التاريخ السياسي ّ‬ ‫املدون الذي ّ‬ ‫ينصب رئيسه الخاسر‬ ‫ّ‬ ‫ملعركة عسكرية محبطة للغاية (إحباط النكسة تسرب إلى كل طبقات‬ ‫املجتمع العربي وعلى رأسها النخبة الثقافية والسياسية) مجددا‪ ،‬ويرجوه‬ ‫العودة للحكم‪ .‬إن مثل هذه الظاهرة التسامحية بالغة الندرة‪ ،‬هي جزء‬ ‫ّ‬ ‫مكون يتمم البعد الديني الذي عرف به‪ .‬وبناء على ما سبق‪ :‬لو كانت‬ ‫أزمة اإلخوان املسلمني بإحداثهم ضائقة اقتصادية في املجتمع‪ ،‬ملا‬ ‫كان من هذا املجتمع إال أن يندفع بحكم تركيبته الرمزية الخاصة‪،‬‬ ‫للتسامح والصبر مع هذه الجماعة‪ .‬وبالتالي‪ ،‬ال يمكن فهم األمر‬ ‫الحاصل على أنه تم بدفعة عاجلة من األزمة االقتصادية‪.‬‬

‫سياسة العزل‬ ‫أيضا‪ ،‬تتم اإلشارة تلو اإلشارة‪ ،‬إلى أن سياسة العزل التي‬ ‫مارستها الجماعة املنتصرة بعيد ثورة ‪ 25‬يناير‪ ،‬ضد‬ ‫باقي شرائح املجتمع أدت إلى هذه َّ‬ ‫{الهبة} العنيفة بوجهها‬ ‫مطالبة برحيلها عن إدارة حكم البالد‪ .‬إال أن العزل وحده‬ ‫لم يكن كافيا‪ ،‬هو اآلخر‪ ،‬لتأليب الرأي العام املصري بهذه‬ ‫الحدة‪ .‬فالعزل‪ ،‬يكاد يكون مشتركا ثقافيا في العمل‬ ‫السياسي والحزبي‪ ،‬وال يستغربه العاملون في حقل‬ ‫السياسة إال على نطاق نخبوي صرف‪ ،‬وإن ّ‬ ‫عبر عن‬ ‫نفسه خارج النخبة يكون ذا طبيعة رومانسية شاكية‬ ‫وحاملة‪.‬‬ ‫واقع األمر في طبيعة املجتمع املصري‪ ،‬أنه كان‬ ‫يمكن لهذا املجتمع أن يتسامح مع ضائقة‬ ‫اقتصادية أو انفراد طرف بالحكم وإدارة البالد‪.‬‬ ‫لنتحدث بصراحة‪ :‬العزل أصبح شقيقا‬ ‫للعمل السياسي العربي وحصل معه نوع‬ ‫‪36‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫من التعود‪ ،‬ومهما بلغت حدته فال يؤسس ّ‬ ‫لهبة في الرأي العام‪ ،‬بهذه السرعة‬ ‫وبتلك الشمولية‪ .‬إنما ومع كل ذلك‪ ،‬ما الذي حصل مع اإلخوان لينقلب عليهم‬ ‫الشارع املصري؟!‬ ‫لغز االنقالب السريع على اإلخوان املسلمني‪ ،‬وبهذه الحدة والجماعية‪ ،‬يكمن‬ ‫في خطأ ثقافي جذري ارتكبته الجماعة املنتصرة بعيد ثورة ‪ 25‬يناير‪ ،‬هذا‬ ‫الخطأ يتمثل بجرح األنا املصرية التي لطاملا عرفت بخصوصيتها البالغة‬ ‫وتأثيرها الشديد على ذلك املجتمع الذي يتغنى بفكرة الدولة األمة‪.‬‬

‫الرمز أقوى من الواقع‬ ‫تعود خصوصية األنا املصرية إلى طبقات مركبة متناقضة في الظاهر‪،‬‬ ‫ومنسجمة في العمق‪ .‬فهي األنا التي تجمع التقديس الفرعوني للمحسوسات‪،‬‬ ‫والتعامل مع العالم الخارجي على أنه دوال (جمع دال) لعالم أكثر خفاء‪.‬‬ ‫وجاءت اللغة املؤسسة والناقلة لحضارة وثقافة هذا املجتمع‪ ،‬بنفس املقدار‬ ‫من التقديس الفطري للمرئي واملحسوس‪ ،‬عبر وضع األشكال الحيوانية‬ ‫والنباتية والصناعية واملجردة في تسلسلها الهجائي‪ .‬ولإلحساس بالفارق‬ ‫يكفي مجرد النظر إلى كتابة تاريخية مجاورة تقريبيا للغة الهيروغليفية‪،‬‬ ‫وهي اللغة املسمارية التي كانت منتشرة في بالد الرافدين‪ ،‬حيث هي مجرد‬ ‫تشكيالت هندسية مجردة تعتمد املثلث املتنقل بكل االتجاهات لحفر الكلمة‪،‬‬ ‫وتخلو بالكامل من أي تصوير لشكل خارجي‪.‬‬ ‫إال أن هذا التقديس الفطري للمحسوس واملرئي‪ ،‬لم يكن في حال من األحوال‬ ‫ليتفوق على التجريدي‪ ،‬في إيمانات هذه الثقافة‪ ،‬ومنها مثال انتصار فكرة‬ ‫التوحيد اإللهي األخناتوني على باقي الديانات متعددة اآللهة‪ .‬فنرى في‬ ‫العقائد الدينية املصرية القديمة ذلك امليل الجارف للغيبي والعالم اآلخر‪ .‬أي‬ ‫إن املحسوس والغيبي يتجاوران لدى هذه األنا التاريخية تجاورا قل نظيره‬ ‫في أي مجتمع متدين معروف‪ .‬ففي العادة يتفوق الغيبي على الحسي كما‬ ‫نرى مثال في التدين العربي الخليجي‪ ،‬ولدى أهل الشام ّ‬ ‫تهرب فلسفي من‬ ‫اإلحساس بالفارق ما بني هذين الحدين الرمزيني‪ :‬الجسد والروح‪ .‬إال عند‬ ‫املصريني‪ ،‬وحدهم‪ ،‬وتلك خاصية أفردتهم بالكامل عن أي مجتمع ديني‪،‬‬ ‫يتجاور الحسي الكثيف إلى جانب الغيبي الحاد في ذات واحدة‪ّ ،‬‬ ‫وتدين واحد‪،‬‬ ‫ليس لدى املصريني املسلمني فقط‪ ،‬بل لدى األقباط أيضا‪ ،‬باملقدار نفسه من‬ ‫تجاور الحسي والغيبي‪ ،‬وبالحدة نفسها من دمج املتناقضات من دون أي‬ ‫إعاقة‪.‬‬ ‫والتقديس الفطري للمرئي‪ ،‬كمخلوق يتمتع بمزايا منحه إياه الله تعالى‪ ،‬في‬


‫إضراب عام للعمال في كراكاس‪ ،‬والعفو عن القيادات العسكرية التي‬ ‫قامت باالنقالب عليه‪ ،‬وإجراء تحقيق شامل حول أحداث العنف التي‬ ‫ارتكبتها قوات األمن والحرس الرئاسي ضد املتظاهرين‪ .‬وبموجب هذا‬ ‫االتفاق تسلم شافيز مقاليد الحكم مجددا من نائبه كابيللو في يوم ‪13‬‬ ‫أبريل (نيسان) ‪ ،2002‬وعقب عودته للحكم وجه نداء إلى الشعب دعاه‬ ‫فيه إلى الوحدة‪ ،‬وأعلن عن بدء حوار وطني بني الكنيسة واملسؤولني‬ ‫والنقابات السياسية ومديري وسائل اإلعالم الخاصة‪ ،‬وأكد في الوقت‬ ‫نفسه أنه لن يكون هناك أي انتقام أو مطاردة لخصومه الذين سماهم‬ ‫«األشرار»‪.‬‬ ‫أما في حالة الرئيس مرسي‪ ،‬فالوضع جد مختلف ألن الجيش املصري‬ ‫يبدو‪ ،‬ظاهريا على األقل‪ ،‬كما لو كان على قلب رجل واحد‪ ،‬حتى فيما‬ ‫يتعلق باإلطاحة به‪ ،‬وليس به انقسامات يمكن ملرسي االستفادة منها‪ ،‬في‬ ‫حالة تتشابه كثيرا مع تجربة مبارك في فبراير (شباط) ‪ ،2011‬مع فوارق‬ ‫مهمة تتمثل في كون الرئيس مرسي منتخبا بإرادة شعبية‪ ،‬فضال عن‬ ‫وجود تأييد شعبي للرئيس مرسي على األرض ال يمكن تغافله‪.‬‬ ‫ولقد استفاد شافيز كثيرا من سوء أداء الرئيس املدني املؤقت الذي حل‬ ‫محله واملعني من قبل الجيش بيدرو كارمونا‪ ،‬نتيجة اتخاذه عددا من‬ ‫القرارات مثل حل الجمعية الوطنية املنتخبة ديمقراطيا وتعيني مجلس‬ ‫استشاري من ‪ 35‬عضوا ضم إليه كبار املعارضني لشافيز وتجميد‬ ‫العمل بأحكام ومواد الدستور وإعالن حالة الطوارئ في البالد وتنحية‬ ‫القيادات العسكرية التي ساعدته في القيام باالنقالب‪.‬‬ ‫أما في مصر‪ ،‬فاألمور تمضي على نحو مغاير‪ ،‬فلم تتبلور حتى اآلن‬ ‫على األقل موجات من االستياء الشعبي حيال الحكومة الجديدة أو‬ ‫خريطة الطريق التي فرضها الجيش ويتولى تنفيذها الرئيس املؤقت‬ ‫املستشار عدلي منصور‪ ،‬الذي حرص على استقدام أبرز وأهم الكفاءات‬ ‫في مختلف املجاالت كوزراء ومستشارين‪ ،‬على نحو القى ترحيبا‬ ‫شعبيا هائال‪ ،‬وال أظن أن الرئيس املؤقت قد يفكر في فتح أبواب‬ ‫الشيطان عليه عبر اإلقدام على عزل قيادات الجيش كما سبق وفعل‬ ‫نظيره الفنزويلي‪.‬‬

‫اإلسالم املتطرف كعبء‬ ‫تشي تجربة اإلسالميني في الحكم خالل العامني املاضيني ببعض دول‬ ‫الربيع العربي‪ ،‬بأن اإلسالم الراديكالي الجهادي التكفيري املتشدد كان‬ ‫عبئا على تجربة اإلسالم املعتدل ممثال في اإلخوان املسلمني في كل‬ ‫من مصر وتونس‪ ،‬حتى أجهضها وأصابها ‪ -‬أو كاد ‪ -‬بالفشل‪ .‬وذلك‬ ‫على عكس الحال في تركيا‪ ،‬التي لم تشهد موجة مشابهة من اإلسالم‬ ‫املتطرف فكان النجاح حليف تجربتها‪.‬‬ ‫ففي مصر‪ ،‬تعتقد تيارات السلفية الجهادية أن صعود اإلخوان للسلطة‬ ‫لم يشكل انتصارا للمشروع اإلسالمي ألنه لم يفض إلى تطبيق‬ ‫الشريعة اإلسالمية‪ ،‬لذا‪ّ ،‬‬ ‫شن عدد من قيادات تلك التيارات‪ ،‬هجوما‬ ‫حادا على الدكتور محمد مرسي حينما كان رئيسا‪ ،‬وطالبوا بإسقاط‬ ‫حكمه بل واغتياله على غرار الرئيس الراحل أنور السادات بذريعة أنه ال‬ ‫يطبق الشريعة كما يحكم بغير ما أنزل الله ويبقى على مسار التصالح‬ ‫مع اليهود والزج باإلسالميني في السجون‪ ،‬وال يعبأ بانتشار ّ‬ ‫الخمارات‬ ‫واملالهي الليلية‪ .‬فضال عن أنه يبقى على وزير الداخلية‪ ،‬الذي يصر‬ ‫على مالحقة عناصر السلفية الجهادية‪ ،‬كما ال يطبق قرار املحكمة‬ ‫تجاه الضباط امللتحني‪.‬‬ ‫وعلى صفحته بمواقع التواصل االجتماعي‪ ،‬اعتبر عادل عوض‪ ،‬أحد‬ ‫قيادات السلفية الجهادية في السويس‪ ،‬أال بيعة ملرسي عندهم إذا لم‬

‫يحكم بشرع الله‪ ،‬وأنهم مختلفون تماما مع جميع التيارات اإلسالمية‬ ‫وال يؤمنون بالسياسة بأي شكل من األشكال فالحكم لله وحده‪ ،‬كما‬ ‫ارتأى أن انتخابات مجلس الشعب والشورى والرئاسة كلها مبنية على‬ ‫الدستور الذي يخالف الشريعة اإلسالمية وحدودها‪ .‬ويؤمنون بأن‬ ‫الديمقراطية التي يتغنى بها املهتمون بالعمل السياسي معناها في‬ ‫األصل (حكم الشعب للشعب) والسيادة تكون للشعب‪ ،‬وهذا يخالف‬ ‫شرع الله صاحب السيادة املطلقة‪ .‬ويؤكد عوض أنهم ال يبايعون إال‬ ‫الله وال يؤمنون إال بأحكامه وشريعته‪ ،‬ومرسي أو غيره ليس لهم بيعة‬ ‫عندهم ويكفي أنه حلف اليمني أمام جهة تخالف شرع الله سواء كانت‬ ‫املحكمة الدستورية أو مجلس الشورى املنحل‪ .‬ويرى مجلس أمناء‬ ‫السلفية أن الخروج على الحاكم ال بد أن يكون ضد الحاكم الذي ال‬ ‫يطبق شرع الله وليس الحاكم الظالم‪ ،‬حيث إنه ال يجوز الخروج على‬ ‫الحاكم الظالم ظلما يحتمل أما الحاكم الذي ال يطبق شرع الله ويجحف‬ ‫في تطبيقه فال بد من الخروج عليه خروجا مسلحا‪.‬‬ ‫من جهة أخرى‪ ،‬أفضى تسامح نظام الرئيس املعزول محمد مرسي‬ ‫مع التنظيمات السلفية الجهادية من خالل عدم اتخاذ إجراءات قانونية‬ ‫وتصفوية حاسمة ضدها إلى تقوية شوكتها وتشجيع كثيرين على‬ ‫االنضمام إليها‪ .‬خصوصا في ظل حالة السيولة األمنية وانتشار‬ ‫السالح وضعف قبضة الدولة على مواضع شتى‪ .‬لكن هذا النهج تغير‬ ‫بعد عزل الرئيس مرسي‪ ،‬حيث تبدو اإلدارة االنتقالية الجديدة في‬ ‫مصر والقوات املسلحة عازمتني على تصفية معاقل وبؤر الجماعات‬ ‫الجهادية الراديكالية التي تهاجم الجيش والشرطة في سيناء‪.‬‬ ‫وتأسيسا على ما ذكر آنفا‪ ،‬وفي ضوء بروز تيار شبابي ليبرالي‬ ‫إصالحي داخل جماعة اإلخوان عقب أحدث الثالث من يوليو‪ ،‬يدعو إلى‬ ‫املراجعة والنقد الذاتي والتحرر من ربقة الفكر التقليدي الجامد لقيادات‬ ‫الجماعة الطاعنني في السن واملوغلني في التشدد‪ ،‬في إطار ما وصفه‬ ‫املفكر األميركي ذو األصول اإليرانية آصف بيات قبل عقدين ونيف من‬ ‫الزمن بـ«ما بعد اإلسالم السياسي»‪ ،‬يجوز االدعاء بأن أطياف اإلسالم‬ ‫املعتدل في مصر‪ ،‬خاصة جماعة اإلخوان املسلمني‪ ،‬قد تلجأ إلى‬ ‫تحكيم العقل وتعلم الدرس وإعمال النهج البراغماتي‪ ،‬بعد أن تستوعب‬ ‫ما جرى وتستفيق من الصدمة‪ .‬أي أننا سنكون بصدد «بريسترويكا»‬ ‫إخوانية يقودها «أردوغان» مصري يخرج من رحم جماعة اإلخوان‬ ‫بتيار إسالمي ليبرالي حداثي متصالح مع العلمانية واآلخر‪.‬‬

‫‪,,‬‬

‫يراهن‬ ‫إسالميون كثر‬ ‫على إمكانية‬ ‫تكرار تجربة‬ ‫الرئيس‬ ‫هوغو شافيز‬ ‫في فنزويال‬ ‫مع الرئيس‬ ‫مرسي في‬ ‫مصر‬

‫‪,,‬‬

‫فمن غير املستبعد على تلك الجماعة‪ ،‬إذا ما ملست تغيرا في موازين‬ ‫القوى على غير مصلحتها محليا وإقليميا ودوليا‪ ،‬أن تسعى إلى‬ ‫الحفاظ على مغانمها من ثورة يناير ‪ 2011‬كالعمل السياسي تحت‬ ‫مظلة الشرعية بدعم من منابر إعالمية وأحزاب سياسية ومشاريع‬ ‫اقتصادية موازية‪ ،‬وتتخلى عن الخيار االنتحاري «شمشون» املتمثل‬ ‫في سيناريو الصدام مع الدولة املصرية‪ ،‬فتراجع حساباتها وتتبرأ‬ ‫من تيارات اإلسالم الراديكالي الجهادي حتى تتخلص من العبء‬ ‫الثقيل الذي تشكله وتنفض عن كاهلها التأثير السلبي الذي خلفته‬ ‫على تيارات ما يعرف باإلسالم املعتدل‪ ،‬شريطة أن يساعدها‬ ‫املجتمع على ذلك بحيث ال تشيطنها وسائل اإلعالم أو تقصيها‬ ‫اإلدارة االنتقالية‪.‬‬ ‫وظني أن الغرب سيرحب بهكذا توجه وربما يدعمه‪ ،‬ال سيما وأن‬ ‫ً‬ ‫وجهات نظر غربية عديدة ال تزال ترى أن املنطقة‪ ،‬التي تعاني وهنا‬ ‫مزمنا للنخب املدنية‪ ،‬ليبرالية كانت أو يسارية أو قومية‪ ،‬قد دخلت‬ ‫عصرها اإلسالمي على أجنحة الثورات العربية‪ ،‬وهو ما وضع الغرب‬ ‫بني خيارين في التعاطي مع ظاهرة اإلسالم السياسي‪ ،‬فإما التورط في‬ ‫حرب استنزاف فكري وعسكري مع اإلسالم الراديكالي املتطرف‪ ،‬أو‬ ‫البحث عن صيغ للتعاون والتفاهم مع إسالم آخر معتدل <‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫هوغو تشافيز‬

‫‪35‬‬


‫قصة الغالف‬

‫على قانون االنتخابات تحول دون ذلك األمر‪ ،‬واستغلت الجبهة وقتذاك‬ ‫فشل الشاذلي بن جديد في خطته إلصالح االقتصاد الجزائري وتنامي‬ ‫الغضب الشعبي تجاهه وتجاه الحزب الحاكم‪.‬‬

‫‪,,‬‬

‫جوانب‬ ‫اختالف‬ ‫عديدة‬ ‫تباعد بني‬ ‫النموذجني‬ ‫املصري‬ ‫والجزائري‬ ‫وتحول‬ ‫دون تكرار‬ ‫السيناريو‬ ‫الجزائري في‬ ‫مصر حاليا‬

‫‪,,‬‬

‫خامسا‪ :‬تباين مواقف املؤسسة العسكرية في كل من مصر والجزائر من‬ ‫الصعود السياسي لإلسالميني‪ ،‬ففي حني رفضت املؤسسة العسكرية‬ ‫الجزائرية تولي اإلسالميني دفة السلطة والحكم‪ ،‬حيث أجبر الجيش‬ ‫الجزائري الشاذلي بن جديد على االستقالة وألغى نتائج االنتخابات‬ ‫وأسس مجلسا رئاسيا لحكم البالد برئاسة محمد بوضياف‪ ،‬تقبل‬ ‫الجيش املصري وصول اإلسالميني للسلطة واستحواذهم على البرملان‬ ‫والجمعية التأسيسية ومجلس الشورى والرئاسة في عهد املجلس‬ ‫العسكري‪ ،‬الذي أشرف على االنتخابات البرملانية والرئاسية ووصل‬ ‫بها إلى مستوى غير مسبوق من الشفافية والنزاهة‪ .‬كما أنه لم يبد‬ ‫تبرما من قيام الرئيس محمد مرسي بعزل كبار قادة هذا املجلس‬ ‫من مناصبهم بعد أحداث رفح العام املاضي‪ ،‬إضافة إلى أن املؤسسة‬ ‫العسكرية لم تطرح نفسها بديال للمدنيني وللنظام الديمقراطي بعد‬ ‫انتفاضة ‪ 30‬يونيو‪ ،‬بل أنشأت سلطة انتقالية تقوم بتعديل الدستور‬ ‫وقانون االنتخابات تمهيدا إلجراء انتخابات برملانية ورئاسية مبكرة‪.‬‬ ‫وربما يرتبط األمر بمدى رغبة الجيوش في التدخل السياسي أو‬ ‫االستحواذ على السلطة والحكم من عدمه‪ .‬فحتى اليوم‪ ،‬ال يزال الجيش‬ ‫الجزائري يلعب دورا محوريا في العملية السياسية‪ ،‬بينما يحرص‬ ‫الجيش املصري على النأي بنفسه قدر املستطاع عن هذا املستنقع‪.‬‬

‫استحالة النموذج الفنزويلي‬ ‫يراهن إسالميون كثر على إمكانية تكرار تجربة الرئيس الفنزويلي‬ ‫هوغو شافيز في فنزويال مع الرئيس مرسي في مصر‪ ،‬مستندين على‬ ‫بعض نقاط التالقي بني الحالتني والتي من أهمها‪ ،‬كما أن كال الرئيسني‬ ‫مرسي وشافيز جاءا بانتخابات حرة نزيهة‪ ،‬الهبة الشعبية التي اندلعت‬ ‫ضد شافيز في عام ‪ 2002‬جاءت نتاجا لعاملني أساسيني‪ ،‬األول هو‬ ‫صدامه مع أكبر املؤسسات نفوذا في فنزويال وهي «الشركة الفنزويلية‬ ‫للبترول»‪ ،‬والثاني هو قيام أحزاب املعارضة بإثارة العديد من قطاعات‬ ‫املجتمع الفنزويلي ضد حكمه لفشله في معالجة األزمة االقتصادية‬ ‫املستديمة‪ .‬وهو ما حدث تقريبا مع مرسي الذي اصطدم خالل عام من‬ ‫حكمه بمؤسسات الدولة النافذة واملؤثرة بال استثناء كالقضاء واإلعالم‬ ‫والداخلية والجيش‪ ،‬وتواكب ذلك مع فشله في ملفات األمن واالقتصاد‬ ‫وإدارة الدولة‪ ،‬ما أدى إلى اندالع حركة تطالب بخلعه من السلطة مثلما‬ ‫حدث مع شافيز عام ‪.2002‬‬

‫عباس مدني‬

‫‪34‬‬

‫وهذا على خالف ما جرى في مصر بعد عام من حكم اإلخوان الذين‬ ‫كانوا في موقع السلطة ال املعارضة‪ ،‬وهو ما أفقدهم قسطا هائال من‬ ‫شعبيتهم‪ ،‬كما أنهم سعوا إلى وضع قانون لتنظيم العملية االنتخابية‬ ‫يعظم من فرصهم وحدهم للفوز فيها‪ ،‬وذلك بالتزامن مع فشلهم في‬ ‫حل األزمة االقتصادية في البالد وما واكبه من نقص مروع في الخدمات‬ ‫والسلع األساسية‪ ،‬مما فاقم الغضب الشعبي ضد سياساتهم‪ ،‬حتى‬ ‫أنهم رفضوا إجراء انتخابات رئاسية مبكرة أو استفتاء على بقاء‬ ‫الرئيس من عدمه‪ .‬ومن ثم فقد اقتربوا كثيرا‪ ،‬بحكم املوقع والخيارات‬ ‫ورد الفعل الشعبي‪ ،‬من الحزب الحاكم في الجزائر منهم إلى الجبهة‬ ‫اإلسالمية لإلنقاذ‪.‬‬

‫ولعل املوقف الدولي حيال هاتني الحادثتني كان متشابها في نقاط‬ ‫عديدة‪ .‬فرغم أن واشنطن رعت وباركت االنقالب على شافيز بينما‬ ‫أمسكت بالعصا من املنتصف في حالة مرسي‪ ،‬فقد ظهر ارتباك واضح‬ ‫في املوقف الدولي حيال توصيف ما حدث في مصر وهل هو ثورة أم‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫انقالب‪ ،‬ورغم أن دوال كتركيا ومنظمات إقليمية كاالتحاد األفريقي‬ ‫ارتأت فيما جرى بمصر انقالبا عسكريا‪ ،‬كما حدث مع شافيز‬ ‫عندما رفضت دول أميركا الالتينية ومنظمة الدول األميركية االعتراف‬ ‫بشرعية االنقالب ضده‪ ،‬فإننا هنا أيضا لسنا إزاء اعتراف واضح من‬ ‫القوى الدولية الفاعلة بشرعية ما حدث في مصر‪ ،‬وإن بدأت واشنطن‬ ‫واالتحاد األوروبي يحاوالن إقناع اإلخوان بقبول األمر الواقع نظير‬ ‫ترضيات مقبولة‪.‬‬ ‫ورغم ذلك‪ ،‬تلوح في األفق جوانب اختالف عديدة ومظاهر تباين متنوعة‬ ‫بني التجربتني على نحو يجعل تكرار سيناريو شافيز مع مرسي أمرا‬ ‫مستبعدا‪ .‬فمن جانبه‪ ،‬ارتكن هوغو شافيز في فنزويال عام ‪ 2002‬على‬ ‫شعبية هائلة كان يحظى بها‪ ،‬خصوصا بني صفوف الفقراء وأبناء‬ ‫الطبقتني الدنيا والوسطى جراء سياساته الوطنية وإنجازاته الالفتة‬ ‫من خالل ثورته البوليفارية التي رفعت من مستوى معيشة الفقراء‪،‬‬ ‫وقلصت الفجوة الهائلة بينهم وبني األغنياء‪ .‬لذلك‪ ،‬لم يكن مستغربا أن‬ ‫تقود الجماهير الغفيرة املؤيدة له‪ ،‬بالتعاون مع بعض جنراالت الجيش‪،‬‬ ‫ما يشبه االنقالب املضاد على الرئيس بيدرو كارمونا الذي حل محل‬ ‫شافيز عقب االنقالب عليه‪ ،‬وإعادة شافيز إلى سدة السلطة مجددا‪.‬‬ ‫وخالفا لذلك‪ ،‬انحصرت شعبية الرئيس مرسي مؤخرا في إطار‬ ‫التيارات اإلسالمية املؤيدة له كجماعة اإلخوان وحزبي البناء والتنمية‬ ‫واألصالة فضال عن قطاع محدود من السلفيني‪ .‬صحيح أن الثورة‬ ‫املضادة والدولة العميقة واإلعالم املوالي لهما قد لعبوا جميعا دورا‬ ‫ملموسا في مخطط إفشال مرسي وإجهاض مشروعه‪ ،‬إال أن تواضع‬ ‫إنجازاته واستسالمه ملساعي جماعة اإلخوان من أجل االستحواذ‬ ‫واالنفراد بالسلطة خالل العام املنقضي قد أسفر عن فقدانه لشطر‬ ‫هائل من الدعم والتأييد الشعبيني‪ ،‬خصوصا من خارج دائرة التيار‬ ‫اإلسالمي‪ .‬ورويدا رويدا‪ ،‬أتاح تراجع شعبية الرئيس مرسي واتساع‬ ‫دائرة معارضيه بشكل استلفت انتباه العرب والعجم‪ ،‬غطاء سياسيا‬ ‫وأخالقيا مالئما للجيش من أجل التدخل وعزل أول رئيس مدني‬ ‫منتخب في تاريخ مصر السياسي استجابة ملا اعتبره العسكريون‬ ‫«اإلرادة الشعبية»‪.‬‬ ‫ففي عام ‪ ،2002‬حينما تعرض الرئيس الفنزويلي املنتخب ديمقراطيا‬ ‫هوغو شافيز ملحاولة انقالب من قبل معارضيه وقيادات عسكرية‬ ‫ورجال أعمال موالني لواشنطن‪ ،‬ونجحت املحاولة وأطيح بشافيز وأودع‬ ‫في السجن وتم تعيني رئيس آخر بدال منه هو بيدرو كارمونا‪ .‬غير أن‬ ‫جموعا شعبية مؤيدة لشافيز‪ ،‬إضافة إلى قيادات عسكرية رافضة‬ ‫لالنقالب قامت بما يشبه االنقالب املضاد على الرئيس البديل املوالي‬ ‫لواشنطن وأعادوا شافيز مرة أخرى إلى سدة السلطة‪.‬‬ ‫وبعدما رفضت دول أميركا الالتينية ومنظمة الدول األميركية‬ ‫االعتراف بشرعية االنقالب ضد شافيز‪ ،‬سارعت القيادات العسكرية‬ ‫الرافضة لالنقالب على شافيز وأجبرت بيدرو كارمونا على إلغاء‬ ‫قراره بحل الجمعية الوطنية وتجميد العمل بأحكام الدستور وطالبته‬ ‫باالستقالة من منصبه‪ ،‬وبادرت تلك القيادات املدعومة بطوفان شعبي‬ ‫مؤيد لشافيز باالستيالء على مقر الرئاسة وتوقيف بيدرو كارمونا‬ ‫ومعاونيه‪ ،‬والسيطرة على عدة محطات تلفزيونية خاصة‪ ،‬كانت تساند‬ ‫حكومة االنقالب‪.‬‬ ‫وقامت تلك القيادات العسكرية بتنصيب نائب الرئيس ديوسدادو‬ ‫كابيلو كرئيس مؤقت لفنزويال‪ ،‬وأجريت العديد من املفاوضات بني‬ ‫الرئيس هوغو شافيز ورئيس الجمعية الوطنية وقادة القوات املسلحة‬ ‫الفنزويلية تم بمقتضاها إبرام صفقة بني الطرفني تنص على عودة‬ ‫شافيز ملمارسة مهام الرئاسة مقابل إصداره عدة قرارات منها‪ :‬تنحية‬ ‫مجلس إدارة الشركة الوطنية للبترول والذي كان سببا في حدوث‬


‫‪,,‬‬

‫عرض لطائرات سالح الجو املصري في سماء ميدان‬ ‫التحرير وسط فرحة وابتهاج عشرات اآلالف من‬ ‫الجماهير املناوئة لحكم مرسي (‪ 3‬يوليو‪)2013/‬‬

‫كان من املفترض لنتائج االنتخابات أن تخولها تشكيلها إذا ما مضت‬ ‫االنتخابات إلى نهايتها‪ .‬أما في الحالة املصرية‪ ،‬فإن جماعة اإلخوان قد‬ ‫وصلت بالفعل إلى سدة السلطة حيث انتزعت منصب الرئاسة ومن‬ ‫قبله غالبية البرملان بالتنسيق مع السلفيني‪ ،‬وظل الرئيس املحسوب‬ ‫على الجماعة رئيسا للبالد طيلة عام كامل‪ ،‬لم يبل فيه بالء حسنا‪،‬‬ ‫ألسباب متنوعة يتعلق بعضها بضعف خبرته وسوء إدارته فيما‬ ‫يتصل بعضها اآلخر بالدولة العميقة والثورة املضادة‪.‬‬ ‫وأيا ما كانت األسباب‪ ،‬فقد أفضى إخفاق اإلخوان إلى تعاظم الغضب‬ ‫الشعبي على الرئيس وجماعته على نحو ما تجلى في ظهور حركة‬ ‫تمرد التي جمعت توقيعات لـ‪ 22‬مليون مصري على استمارات تطالب‬ ‫بسحب الثقة من الرئيس مرسي واملطالبة بإجراء انتخابات رئاسية‬ ‫مبكرة‪ ،‬حتى تطور األمر لتشهد البالد أضخم تظاهرات في تاريخها‬ ‫يوم ‪ 30‬يونيو املاضي مطالبة بضرورة رحيل الرئيس مرسي‪ ،‬غير أن‬ ‫رفضه االمتثال ملطالب الجماهير فتح الباب أمام تدخل الجيش الذي‬

‫عزله ووضع خارطة طريق إلدارة البالد مخافة نشوب حرب أهلية‪.‬‬ ‫ثالثا‪ :‬بينما تم عزل وإقصاء الجبهة اإلسالمية لإلنقاذ في الجزائر‪ ،‬ال‬ ‫تبدو هناك نية وال حتى إمكانية النتهاج نهج مماثل مع جماعة اإلخوان‬ ‫وسائر التيارات اإلسالمية في مصر‪ .‬فلقد دعا بيان القوات املسلحة‬ ‫الدكتور مرسي وجماعته واملتحالفني معهما ليكونوا شركاء في‬ ‫وضع خارطة الطريق للمستقبل واملشاركة في إدارة البالد‪ ،‬كما أكدت‬ ‫الرئاسة املصرية أن وزارات عرضت على جماعة اإلخوان وحزب النور‬ ‫لكنهما رفضا قبولها‪ ،‬وعرض الجيش على معتصمي رابعة العدوية‬ ‫وميدان النهضة األمان واملشاركة في صنع مستقبل مصر مقابل فض‬ ‫االعتصام لكنهم أبوا‪.‬‬

‫برز تيار‬ ‫شبابي‬ ‫ليبرالي‬ ‫إصالحي‬ ‫داخل جماعة‬ ‫اإلخوان عقب‬ ‫أحدث ‪3‬‬ ‫يوليو‪ ،‬يدعو‬ ‫إلى املراجعة‬ ‫والنقد الذاتي‬ ‫والتحرر من‬ ‫ربقة الفكر‬ ‫التقليدي‬ ‫الجامد‬ ‫لقيادات‬ ‫الجماعة‬

‫‪,,‬‬

‫رابعا‪ :‬بينما كانت في صفوف املعارضة‪ ،‬نجحت الجبهة اإلسالمية‬ ‫لإلنقاذ في إلحاق هزيمتني سياسيتني متتابعتني بحزب التحرير‬ ‫الوطني الحاكم عامي ‪ 1990‬و‪ 1991‬رغم قيام األخير بإدخال تعديالت‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫‪33‬‬


‫قصة الغالف‬

‫كثيرة هي التساؤالت التي نضح بها املشهد التراجيدي الذي تعيشه مصر منذ الثالثني من يونيو (حزيران)‬ ‫املاضي‪ ،‬فمن متسائل عن توصيف ما جرى في الثالث من يوليو (تموز) وما إذا كان ثورة أخرى أو موجة ثورية‬ ‫جديدة أم انقالبا عسكريا على رئيس مدني منتخب‪ ،‬مرورا بمحاول سبر أغوار الحدث الستجالء الحقائق وفك‬ ‫الطالسم‪ ،‬وصوال إلى ساع الستشراف املستقبل والوقوف على مآالت األمور‪.‬‬

‫بعد زلزال الثالث من يوليو‪ ..‬سيناريوهات محتملة‬

‫نهاية نظام‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫بشير عبد الفتاح‬

‫‪,,‬‬

‫تعتقد تيارات‬ ‫السلفية‬ ‫الجهادية أن‬ ‫صعود اإلخوان‬ ‫للسلطة لم‬ ‫يشكل انتصارا‬ ‫للمشروع‬ ‫اإلسالمي‬

‫‪,,‬‬

‫‪32‬‬

‫ربما أغرى وجود بعض نقاط التشابه ما بني الحالتني‬ ‫الجزائرية واملصرية إلى بعض املراقبني للزعم بإمكانية تكرار‬ ‫النموذج الجزائري لعام ‪ 1992‬في مصر اليوم وعقب اإلطاحة‬ ‫بالرئيس مرسي في الثالث من يوليو الحالي‪ ،‬ففي الحالتني‪ ،‬تم تقويض‬ ‫تجربة الحكم اإلسالمي وإقصاء اإلسالميني عن املشهد السياسي بعد‬ ‫تعاظم فرصهم في التمكني وفقا آلليات ديمقراطية‪ ،‬وإن بصيغ مختلفة‬ ‫ومستويات متفاوتة‪ .‬عالوة على وجود ظهير تنظيمي لإلسالميني‬ ‫املعتدلني من الجماعات التكفيرية الجهادية لدى البلدين ال يمانع في‬ ‫إسقاط أنظمة سياسية ذات مرجعية إسالمية ال تراها تطبق الشريعة‪،‬‬ ‫وال تتورع عن اتخاذ العنف سبيال لبلوغ ما تعتبره مشروعا للدولة‬ ‫اإلسالمية‪.‬‬

‫صعوبة السيناريو الجزائري‬ ‫غير أن جوانب اختالف عديدة تباعد بني النموذجني املصري والجزائري‬ ‫وتحول دون تكرار السيناريو الجزائري في مصر حاليا‪ .‬فإلى جانب‬ ‫االختالف البني في الشخصية املصرية عن نظيرتها الجزائرية‪ ،‬حيث‬ ‫ال تجد األخيرة أية غضاضة في اللجوء إلى خيار العنف بعض الشيء‬ ‫في إدارة الصراعات املجتمعية والسياسية‪ ،‬بينما تجنح األولى للتصالح‬ ‫والتعايش وتجنب االنزالق إلى العنف‪ ،‬برأسها تطل اعتبارات أخرى‬ ‫عديدة أهمها‪:‬‬ ‫أوال‪ :‬إن الجزائر شهدت ما يمكن أن نعتبره انقالبا عسكريا‬ ‫متكامل األركان‪ ،‬وذلك عندما أوقف الجيش الجزائري مسار‬ ‫العملية االنتخابية في يناير (كانون الثاني) ‪ ،1992‬وألغى نتائج‬ ‫الجولة األولى لالنتخابات التشريعية التي حصلت فيها الجبهة‬ ‫اإلسالمية لإلنقاذ على ‪ 188‬مقعدا من أصل ‪ 228‬كانت مطروحة‬ ‫للتنافس عليها في املجلس الشعبي الوطني‪ .‬وعلى أثر ذلك‪ ،‬شهدت‬ ‫البالد عشر سنوات من العنف الذي أودى بحياة اآلالف وشاركت‬ ‫في هذا العنف الجبهة اإلسالمية لإلنقاذ والعديد من الجماعات‬ ‫املنبثقة عنها وعلى رأسها الجماعة اإلسالمية املسلحة‪ ،‬واستقال‬ ‫أو أقيل الشاذلي بن جديد رئيس الدولة واستدعى الجيش املناضل‬ ‫الوطني محمد بوضياف من منفاه االختياري في املغرب ليحكم‬ ‫على رأس ما عرف باسم املجلس األعلى للدولة‪ .‬لكن بوضياف‬ ‫اغتيل بعد خمسة أشهر فقط من وجوده في السلطة‪ ،‬فخلفه علي‬ ‫كافي كرئيس للمجلس األعلى للدولة‪ ،‬ثم وزير الدفاع اليامني زروال‪،‬‬ ‫وأخيرا عبد العزيز بوتفليقة املنتخب لثالث واليات متتالية منذ عام‬ ‫‪ ،1999‬والذي سعى إلى تبني نهج الوئام الوطني بالعفو عن كل من‬ ‫يلقي السالح‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫أما في مصر‪ ،‬فيمكن االدعاء بأن ما جرى يوم الثالث من يوليو من‬ ‫عزل الدكتور مرسي من منصبه كرئيس للجمهورية‪ ،‬وتسمية رئيس‬ ‫املحكمة الدستورية العليا رئيسا مؤقتا للجمهورية‪ ،‬وإعالن خريطة‬ ‫طريق واضحة املعالم تتضمن تعديل الدستور‪ ،‬وإجراء انتخابات‬ ‫برملانية وأخرى رئاسية في مدى زمني ال يتجاوز ثمانية أشهر‪ ،‬لم يكن‬ ‫انقالبا عسكريا مكتمل األركان‪.‬‬ ‫فعلى الرغم من أن الجيش كان طرفا أصيال فيما شهدته مصر يوم‬ ‫الثالث من يوليو‪ ،‬فإن تدخله قد جاء بناء على مطلب شعبي حاشد‪،‬‬ ‫كما استند إلى قاعدة شعبية عريضة‪ ،‬ولم يهيمن الجيش على السلطة‬ ‫بعد اإلطاحة بالرئيس مرسي وإنما أسندها إلى شخصيات مدنية وفقا‬ ‫لخارطة طريق تضمن دوران عجلة الديمقراطية‪ .‬وهو بهذا يختلف عن‬ ‫االنقالب العسكري بمفهومه الكالسيكي‪ ،‬الذي يرتكز على مجرد‬ ‫ظهور الجيش على الساحة السياسية‪.‬‬ ‫ومن األهمية بمكان أال نغفل دور اإلرادة الشعبية وإلحاح الجماهير في‬ ‫استدعاء الجيش‪ ،‬ذلك أن حركة الجيش املباركة في سنة ‪ 1952‬كانت‬ ‫في موقف صعب في البداية حينما لم تحظ بمشاركة شعبية‪ ،‬بل إن‬ ‫عبد الناصر نفسه أعرب في كتيب فلسفة الثورة‪ ،‬الذي صاغه هيكل‪،‬‬ ‫عن خيبة أمله في غياب الجماهير املؤيدة في الشارع عند بداية انطالق‬ ‫حركة الضباط األحرار ونجاحها‪.‬‬ ‫ورغم أنه يحلو لكثيرين اعتبار ما جرى في مصر مؤخرا انقالبا‬ ‫عسكريا كون الجيش قد أطاح برئيس مدني منتخب منحازا بذلك‬ ‫لفصيل سياسي هو املناهض للرئيس املنتخب‪ ،‬متجاهال الفصيل‬ ‫اآلخر املؤيد‪ ،‬فإن التوصيف العلمي الدقيق لهذا الحدث ربما يستغرق‬ ‫بعض الوقت ويستوجب إعادة النظر في مفهوم االنقالب والتبحر في‬ ‫نظريات العالقات املدنية العسكرية وما طالها من تطورات‪ ،‬فضال عن‬ ‫دور الجماهير وما بات يسمى بسياسات الشارع‪.‬‬ ‫وإلى حني يتسنى ذلك‪ ،‬يمكن القول إن األمر قد يصنف على أنه شكل‬ ‫من أشكال التدخل العسكري في صراع سياسي مدني‪ ،‬ربما لم يبلغ‬ ‫حد االنقالب العسكري متكامل األركان بمعناه الكالسيكي‪ ،‬كون‬ ‫الجيش تحرك استجابة إلرادة شعبية وأطاح برئيس منتخب كما لم‬ ‫يتول السلطة بعدها‪ ،‬وإنما أسندها إلى القوى املدنية ضمن خارطة‬ ‫طريق ذات جدول زمني واضح‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬لم تكن جبهة اإلنقاذ الجزائرية قد وصلت بالفعل إلى سدة‬ ‫السلطة ولم تمارس الحكم‪ ،‬إذ لم تمكن أصال من تشكيل الحكومة التي‬


‫يشكل ما حدث في «الحوار الوطني» نموذجا على سوء اإلدارة السياسية‬ ‫في العالقة مع مختلف مكونات املجتمع السياسي‪ .‬وقد لجأ اإلخوان‬ ‫املسلمون إلى عدة وسائل لتقويض املعارضة‪ ،‬منها محاولة تفجيرها‬ ‫من الداخل بتفكيك تماسك جبهة اإلنقاذ‪ ،‬أو تشكيل تكوينات ملحاربتها‬ ‫مثل «جبهة الضمير» التي ضمت عناصر من اإلخوان واملتحالفني معهم‬ ‫من القوى السياسية‪ ،‬أو استغالل قيادات الجماعة اإلسالمية في تفزيع‬ ‫املعارضني‪ ،‬وتخويفهم‪ ،‬وال سيما املسيحيني الذين رأى اإلخوان املسلمون‬ ‫أنهم يشكلون جبهة معارضة ملشروعهم السياسي‪.‬‬ ‫ومن الالفت أن يتصل رئيس الجمهورية محمد مرسي بالبابا تواضروس‬ ‫إبان أحداث االعتداء على الكاتدرائية بالحجارة واملولوتوف‪ ،‬معلنا أن‬ ‫االعتداء على الكاتدرائية اعتداء عليه شخصيا‪ ،‬ثم يستمر االعتداء لساعات‪،‬‬ ‫وتكشف األحداث أن االتصال جرى في أعقاب تنديد كاثرين أشتون‬ ‫املمثل األعلى للشؤون الخارجية والسياسية واألمنية باالتحاد األوروبي‬ ‫بما يحدث في محيط الكاتدرائية‪ ،‬ولم َير السفير رفاعة الطهطاوي رئيس‬ ‫ديوان رئيس الجمهورية تحوال خطيرا في طبيعة العنف في املجتمع‪ ،‬إذ‬ ‫ذكر لبعض املسؤولني في الكاتدرائية املرقسية أنه ال ينبغي االستغراب مما‬ ‫حدث‪ ،‬فقد سبق أن اعتدي على قصر االتحادية بنفس الطريقة‪ ،‬لكن فاته‬ ‫أن املقارنة ليست في محلها وال سيما أن الكاتدرائية رمز ديني‪ ،‬ولم يكن‬ ‫االعتداء عليها إال ألنها فتحت أبوابها للصالة على ضحايا عنف طائفي‬ ‫في منطقة الخصوص‪ .‬وباملناسبة لم يكن االعتداء على الكنيسة متفردا‪،‬‬ ‫فقط سبق التعدي على األزهر الشريف قبل ذلك بأيام وسط محاوالت‬ ‫مستميتة بذلها اإلخوان املسلمون لعزل شيخ األزهر الدكتور أحمد الطيب‪.‬‬

‫غموض السياسات الخارجية‬ ‫وهذا خامس األسباب ‪ ،‬حيث الغموض الذي غلف صناعة القرار الداخلي‬ ‫رافقه غموض مماثل في صناعة القرار الخارجي‪ .‬اهتز املحور التقليدي‬ ‫الذي يربط كال من مصر ببعض دول الخليج وسوريا‪ ،‬فقد عادى نظام‬ ‫اإلخوان دوال خليجية كبرى‪ ،‬وقطع الرئيس مرسي العالقات بشكل‬ ‫مفاجئ ‪ -‬دون علم مسبق من مؤسسات سيادية مهمة ‪ -‬مع سوريا‪،‬‬ ‫ورغم أن رفض ممارسات نظام بشار األسد محل إجماع من النخب‬ ‫املصرية على اختالف ألوانها وأطيافها السياسية‪ ،‬فإن هناك تقديرات‬ ‫للموقف من العالقة مع سوريا‪ .‬حلت قطر داعمة وراعية ملصر‪ ،‬وهو ما‬ ‫أقلق املصريني‪ ،‬ومس شعاب كبريائهم الوطنية‪ ،‬وسط أنباء وأخبار عن‬ ‫سعي قطر المتالك مشروعات تمس السيادة املصرية‪ ،‬ولم يكن غريبا أن‬ ‫تتصدر صحيفة األخبار‪ ،‬اليومية‪ ،‬وهي صحيفة حكومية‪ ،‬عبارة «ماما‬ ‫قطر»‪ ،‬مما دفع القائمني على الصحافية إلى اإلسراع بحذفه في الطبعة‬ ‫الثانية بعد موجة تنديد عنيف من مؤسسات مهمة في الدولة املصرية‪.‬‬ ‫بالطبع الغموض في السياسة الخارجية فتح املجال أمام أنصاف‬ ‫املعلومات‪ ،‬والشائعات‪ ،‬والروايات التي تفتقر إلى املصداقية للرواج‬ ‫والتداول‪ ،‬ولكن كانت هناك إشارات ال تنكر من أن اإلخوان املسلمني‬ ‫ال يدركون املفهوم املتعارف عليه لألمن القومي كما هو مستقر في‬ ‫دوائر املؤسسات السيادية املصرية‪ .‬وقد كان لتعيني عصام حداد‪،‬‬ ‫مساعدا لرئيس الجمهورية للشؤون الخارجية‪ ،‬نقطة تحول في التعاطي‬ ‫مع السياسة الخارجية‪ .‬ورغم أن الرجل في حوار تلفزيوني ذكر أن‬ ‫منصبه هو أقرب إلى مستشار األمن القومي الذي تصب عنده كل خيوط‬ ‫مؤسسات السياسة الخارجية (وزارة الخارجية‪ ،‬وزارة التعاون الدولي‪،‬‬ ‫املخابرات‪ ...‬إلخ)‪ ،‬فإن الظاهر أنه كان يشكل حلقة الوصل بالتنظيم‬ ‫الدولي لجماعة اإلخوان املسلمني‪ ،‬ويلعب دورا موازيا لوزارة الخارجية‬ ‫املصرية‪ .‬وأثارت البيانات التي اعتاد نشرها ‪ -‬واعتبرتها الرئاسة أحيانا‬ ‫موقفا شخصيا له ‪ -‬غضب واستنكار املصريني ملا فيها من افتراءات‬ ‫واستدعاء للتدخل الخارجي في الشأن املصري‪ .‬وقد ذكر كثير من‬ ‫الدبلوماسيني الغربيني في القاهرة أنهم لم يعودوا يعرفون على وجه‬

‫التحديد ماهية الطرف املنوط به صناعة السياسة الخارجية‪ ،‬وطبيعة‬ ‫عالقاتهم بوزارة الخارجية املصرية‪ .‬كان ذلك مبعث تذمر قطاعات‬ ‫واسعة من الدبلوماسيني املصريني‪ ،‬وال سيما أن الدبلوماسية املصرية‬ ‫مدرسة عريقة‪ ،‬تضم كفاءات وخبرات‪ ،‬وأدى تذمر الدبلوماسيني الذين‬ ‫رفضوا تنفيذ كثير من مطالب مؤسسة الرئاسة عبر وزير الخارجية‬ ‫ومنها دعم اإلعالن الدستوري في نوفمبر ‪2012‬م إلى تعيني نبيل فهمي‬ ‫وزيرا للخارجية في التشكيل الحكومي الذي أعقب عزل الرئيس محمد‬ ‫مرسي‪ .‬ولم يكن األمر أقل حدة في دوائر مؤسسات سيادية تقوم على‬ ‫رعاية مفهوم األمن القومي كانت تشعر بأن مخرج عملها قد يصب في‬ ‫صالح أطراف أخرى تتحالف معها جماعة اإلخوان املسلمني في إطار‬ ‫التنظيم الدولي للجماعة ال يخدم املصالح العليا املصرية‪.‬‬

‫ثورة يونيو‬ ‫صفوة القول‪ ،‬إن جماعة اإلخوان املسلمني قضت في قصر الرئاسة‬ ‫عاما كامال عادت السلطة مؤسسات الدولة (القضاء‪ ،‬الجيش‪،‬‬ ‫الشرطة‪ ،‬أجهزة سيادية وبيروقراطية)‪ ،‬كما دخلت في عداء مع‬ ‫مؤسسات املجتمع الحديث (اإلعالم‪ ،‬النشطاء الشباب‪ ...‬إلخ)‪ ،‬ولم‬ ‫تستطع أن تدير عالقاتها باملؤسسات الدينية اإلسالمية واملسيحية‬ ‫على نحو كفء‪ ،‬هذا في الوقت الذي لم تمتلك فيه رؤية واضحة‬ ‫إلدارة البالد‪ ،‬وسارت بتشوهات على نهج النظام السابق‪ ،‬مفضلة‬ ‫الرأسمالية الريعية على اإلنتاج‪ ،‬متخذة سياسات تحابي األغنياء‬ ‫على حساب الفقراء‪ ،‬ولجأت إلى قيادات تدين لها بالوالء أقل كفاءة‬ ‫وقدرة على مواجهة مطالب متزايدة ومتنامية‪ ،‬وكان لتحالفاتها مع‬ ‫الجماعات الراديكالية اإلسالمية ‪ -‬التي على يمني اإلخوان املسلمني‬ ‫ مثل الجماعة اإلسالمية والجبهة السلفية دورا مهما في انصراف‬‫املجتمع عنهم‪ ،‬ولم تعد الجماعة تمتلك في الشهور األخيرة القابلية‬ ‫للحكم بعد أن تخلى املحكومون عن قابليتهم للمحكومية في صورة‬ ‫ماليني هادرة خرجت إلى الشوارع في نهاية يونيو املاضي‪ ،‬سبقها‬ ‫استقاالت أعضاء التيار املدني في مجلس الشورى‪ ،‬واتساع دائرة‬ ‫االحتجاج في إطار حركة «تمرد» الشبابية التي تلقت دعما في أطراف‬ ‫كثيرة في املجتمع‪ ،‬وغاص املجتمع في مشكالت سياسية واقتصادية‬ ‫واجتماعية خانقة <‬

‫‪,,‬‬

‫القياديان بجبهة االنقاذ محمد البرادعي‬ ‫نائب رئيس الجمهورية املؤقت وعمرو‬ ‫موسى رئيس حزب املؤتمر‬

‫أشار املستشار‬ ‫القانوني للرئيس‬ ‫في خطاب‬ ‫االستقالة إلى‬ ‫أنه لم يشارك في‬ ‫صناعة الكثير‬ ‫من القرارات‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1585‬يوليو‪ -‬تموز ‪2013‬‬

‫سمير مرقص‬

‫‪31‬‬


‫قصة الغالف‬

‫ذكر أن أعضاء مجلس الشورى من اإلخوان املسلمني رغم أنهم يشكلون‬ ‫أغلبية ال يستطيعون مواجهة متطلبات التشريع مما يجعل من الضروري‬ ‫«تطعيمهم» بأعضاء خارج املجلس‪ .‬وتكشف املمارسة أن الوجوه التي‬ ‫تصدت ملمارسة العمل البرملاني لم تزد على عشرة أعضاء من نحو‬ ‫مائة وعشرين عضوا محسوبني على اإلخوان املسلمني شكلوا أغلبية‬ ‫ميكانيكية‪ .‬وقد اقترن بغياب الرؤية في إدارة شؤون البالد عدة ظواهر‬ ‫طريق اإلفراط في طلب القروض‪،‬‬ ‫خطيرة‪ :‬التوسع في االستدانة الدولية عن ُ‬ ‫وفرض االنقسام على املجتمع الذي لم يخل من فرز على أساس ديني‪،‬‬ ‫واالرتباك في إدارة املشهد‪ ،‬وعدم إدراك غضب شرائح اجتماعية صاعدة‬ ‫وال سيما الشباب‪ ،‬وتعزيز استقطاب سياسي حاد ضرب وحدة املجتمع‪،‬‬ ‫وجعل لرئيس الجمهورية «أهال وعشيرة» ‪ -‬حسب تعبيره ‪ -‬يخطب فيهم‪،‬‬ ‫واد آخر‪ .‬لخص املشهد‬ ‫ويتظاهرون دعما له‪ ،‬في حني أن غالبية املجتمع في ٍ‬ ‫الكاتب الصحافي أيمن الصياد ‪ -‬الذي استقال من منصبه مستشارا‬ ‫لرئيس الجمهورية بقوله‪« :‬هناك استقطاب حاد بات يضرب أطناب الوطن‪،‬‬ ‫ويهدد بتفككه‪ ،‬نستشعر لألسف استهانة باألمر في دوائر صناعة‬ ‫القرار‪ ،‬كما ال نستشعر اهتماما جديا في مساعدتنا على معالجة داء نراه‬ ‫لن يضرب ثورة كل الشعب في جوهرها األصيل فقط‪ ،‬بل سيضرب وحدة‬ ‫هذا الشعب في الصميم»‪.‬‬

‫سوء اإلدارة السياسية‬ ‫وزير الداخلية محمد ايراهيم ووزير‬ ‫الدفاع عبد الفتاح السيسي‬

‫‪,,‬‬

‫بنى اإلخوان‬ ‫املسلمون‬ ‫نظرتهم إلى‬ ‫جهاز الدولة‬ ‫على أنه «غنيمة‬ ‫حرب» ينبغي‬ ‫االستيالء عليها‬

‫‪,,‬‬

‫الرئيس‬ ‫املؤقت عدلي‬ ‫منصور‬

‫‪30‬‬

‫سماه «تعثر الرئاسة في تحقيق توافق وطني بني أبناء الشعب بجميع‬ ‫اتجاهاته لبناء نهضة الوطن‪ ،‬وإرساء دولة مؤسسات حقيقية ال دولة‬ ‫أسرار خفية واجتماعات سرية وقرارات مضطربة»‪.‬‬

‫مشروع النهضة‪ ..‬وغياب الرؤية‬ ‫ثالث األسباب هو افتقاد اإلخوان املسلمني الرؤية الواضحة إلدارة شؤون‬ ‫البالد‪ .‬لم يمتلك كوادرهم خبرة إدارة مؤسسات الدولة‪ ،‬ولم يستعينوا‬ ‫بخبرات غيرهم‪ ،‬بما في ذلك قيادات فكرية وتكنوقراط محسوبة على‬ ‫التيار اإلسالمي على اتساعه‪ .‬لم يستيقظ املصريون فقط على وهم ما‬ ‫روجه اإلخوان املسلمون بوصفه «مشروع النهضة»‪ ،‬ولكن أيضا وجدوا‬ ‫محدودية قدرات القيادات التي يجري االستعانة بها‪ .‬وتعد مسألة اختيار‬ ‫القيادات من األهمية في رعاية برامج التغيير السياسي واالقتصادي‬ ‫واالجتماعي‪ ،‬وهو ما أكده املفكر العاملي فرنسيس فوكوياما من أن‬ ‫اليابان لم تنب بعد الحرب العاملية الثانية بفضل األموال فقط‪ ،‬ولكن أيضا‬ ‫نتيجة وجود قيادات تسلمت زمام املؤسسات العامة‪ ،‬آمنت برسالتها‪،‬‬ ‫ونقلت روحا من الجدية واملسؤولية والنزاهة في العمل‪ .‬لم يمتلك اإلخوان‬ ‫املسلمون الكفاءات‪ ،‬وجاءت التشكيالت الوزارية في عهد الرئيس محمد‬ ‫مرسي خالية من الكفاءة‪ ،‬يرأسها رئيس وزراء‪ ،‬تمسك به على نحو كان‬ ‫محل انتقاد من اإلخوان املسلمني أنفسهم‪ ،‬ولم يثبت كفاءة في عمله‬ ‫الحكومي‪ ،‬بما في ذلك امللف الذي كان متخصصا فيه‪ ،‬حوض النيل‪ .‬لم‬ ‫يكن مستغربا أن يعلل املستشار محمد فؤاد جاد الله املستشار القانوني‬ ‫لرئيس الجمهورية استقالته في أبريل ‪2013‬م بما سماه «عدم وجود‬ ‫رؤية واضحة إلدارة الدولة وبناء مستقبل مصر‪ ،‬وتحقيق أهداف الثورة»‪،‬‬ ‫وأضاف مفصال‪« :‬اإلصرار على استمرار حكومة قنديل رغم فشلها‬ ‫سياسيا واقتصاديا وأمنيا‪ ،‬واعتراض الغالبية عليها»‪.‬‬ ‫والالفت أن قيادات اإلخوان املسلمني‪ ،‬رغم تواضع إمكاناتها كما أثبتت‬ ‫التجربة‪ ،‬محدودون في العدد مما يجعل نفس الوجوه تتكرر في نفس‬ ‫املجالس واملنتديات‪ .‬دليل على ذلك أنه عندما قام رئيس الجمهورية بتعيني‬ ‫تسعني عضوا بمجلس الشورى‪ ،‬عني عددا من قيادات اإلخوان املسلمني‬ ‫الذين كانوا أعضاء في مجلس الشعب الذي حل قضائيا‪ ،‬والسبب الذي‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1585‬يوليو‪ -‬تموز ‪2013‬‬

‫تسلم محمد مرسي مقاليد الحكم بفارق واحد في املائة عن منافسة‬ ‫الفريق أحمد شفيق‪ ،‬وهو ما يعني أن ما يقرب من نصف الناخبني‬ ‫لم يرغب فيه‪ ،‬وكان ينبغي أن يكون ذلك دافعا له كي يتبنى سياسات‬ ‫عامة أكثر استيعابية للقوى السياسية‪ ،‬والتيارات الفكرية املتنوعة التي‬ ‫يختلف معها‪ .‬لم يفعل ذلك‪ ،‬بل أدت سياساته وقراراته إلى مزيد من‬ ‫االستقطاب‪ ،‬وقلصت من الدوائر املتحالفة واملتعاطفة معه‪ .‬وشكل ما‬ ‫عرف بـ«الحوار الوطني» نموذجا لإلدارة السياسية الرديئة‪ ،‬واملراوغة‪،‬‬ ‫ومحاوالت كسب الوقت على حساب تبني سياسات رشيدة ترسي‬ ‫دعائم نظام ديمقراطي‪ .‬ظهر «الحوار الوطني» في أعقاب إصدار اإلعالن‬ ‫الدستوري في نوفمبر ‪2012‬م‪ ،‬وما تاله من احتجاجات شعبية عارمة‬ ‫تعرف بأحداث «االتحادية» ‪ -‬أي قصر الرئاسة الذي كان يقبع فيه مرسي‬ ‫ وتعرض لالعتداء من قبل املتظاهرين الغاضبني‪ .‬رأس الحوار الوطني‬‫الذي تبنته مؤسسة الرئاسة نائب رئيس الجمهورية وقتئذ املستشار‬ ‫محمود مكي ‪ -‬الذي استقال بعد أن ألغى الدستور الجديد منصبه‪ ،‬وسار‬ ‫الحوار في دروب شتى‪ ،‬لم تشارك فيه جبهة اإلنقاذ ‪ -‬التحالف املعارض‬ ‫الرئيس ‪ -‬ورغم ذلك كانت تقدم مقترحاتها عبر بعض الشخصيات‬ ‫املشاركة في جلسات الحوار الوطني‪.‬‬ ‫ورغم أن جلسات الحوار ضمت عددا من األحزاب والشخصيات العامة‪،‬‬ ‫وكنت مشاركا فيها ممثال عن الكنيسة القبطية األرثوذكسية‪ ،‬انتهت إلى‬ ‫مسودة قانون لالنتخاب‪ ،‬وعقدت مؤسسة الرئاسة مؤتمرا صحافيا يوم‬ ‫األول من يناير ‪2013‬م إلعالن اتفاق األحزاب املشاركة في الحوار على هذه‬ ‫املسودة‪ ،‬إال أنه ما لبث أن تخلى حزب الحرية والعدالة ‪ -‬الذراع السياسية‬ ‫لإلخوان املسلمني ‪ -‬عنها في مجلس الشورى‪ .‬ليس هذا فحسب‪ ،‬بل إن‬ ‫ممثل الحزب في الحوار الوطني الدكتور فريد إسماعيل أعلن في آخر‬ ‫جلسات الحوار الوطني ‪ -‬حضر إليها متأخرا بأربع ساعات متعلال بسوء‬ ‫األحوال الجوية ‪ -‬التي خصصت ملناقشة التعديالت الدستورية موقف‬ ‫حزبه الذي ال يرى ضرورة لتعديل الدستور‪ ،‬وهو ما نسف الحوار الوطني‬ ‫في جوهره‪ ،‬نظرا ألن تعديل الدستور كان يمثل أحد املبررات األساسية‬ ‫التي قام عليها‪ .‬ترتب على ذلك انسحاب غالبية املشاركني في الحوار‬ ‫الوطني‪ ،‬ومن بينها األحزاب والكنائس املصرية‪ ،‬وبمرور الوقت اقتصر‬ ‫الحوار الوطني على األحزاب والقوى اإلسالمية املتحالفة مع اإلخوان‬ ‫املسلمني‪.‬‬


‫‪,,‬‬

‫كان تعيني‬ ‫القيادي‬ ‫اإلخواني‬ ‫عصام حداد‬ ‫مساعدا لرئيس‬ ‫الجمهورية‬ ‫للشؤون‬ ‫الخارجية‬ ‫نقطة تحول‬ ‫في التعاطي‬ ‫مع السياسة‬ ‫الخارجية‬ ‫مرشد جماعة االخوان املسلمني الدكتور‬ ‫محمد بديع ومن خلفه رئيس الجمهورية‬ ‫السابق محمد مرسي (يونيو‪)2012/‬‬

‫(نظرا لغياب مجلس الشعب)‪ ،‬ثم حصن قراراته حتى ال تخضع ملراجعة‬ ‫السلطة القضائية‪ .‬كان صدور هذا اإلعالن املباغت سببا في استقالة‬ ‫مساعدين ومستشارين للرئيس‪ .‬أتذكر أنني كنت يوم صدور اإلعالن‬ ‫الدستوري (‪ 23‬نوفمبر) في لقاء مع السيد سمير مرقص‪ ،‬مساعد رئيس‬ ‫الجمهورية للتحول الديمقراطي‪ ،‬للتخطيط لعقد ندوة موسعة في يناير‬ ‫‪2013‬م في الذكرى الثانية لثورة ‪ 25‬يناير‪ ،‬ولم يكن على علم بما يحدث‬ ‫بالقرب منه في مؤسسة الرئاسة رغم أنه – نظريا ‪ -‬مسؤول عن التحول‬ ‫الديمقراطي‪ ،‬وصدور هذا اإلعالن في صميم عمله‪ ،‬وما إن انتهيت من‬ ‫االجتماع وعدت إلى املنزل حتى أذاع املتحدث باسم رئاسة الجمهورية‬ ‫اإلعالن الدستوري‪ ،‬وبعد ساعات علمت بنبأ استقالة السيد سمير‬ ‫مرقص الذي لم يترك مكتبه في ذلك اليوم قبل أن يقدمها بعد أن تلقى‬ ‫النبأ‪ ،‬وهو في مكتبه‪ ،‬وقد وصف في استقالته اإلعالن الدستوري بأنه‬ ‫«انحراف عن التراث الدستوري املصري»‪ ،‬وأضاف أنه «لم يستشر بشأنه‬ ‫مطلقا‪ ،‬مما يعكس إشكالية حقيقية حول جدوى الفريق الرئاسي»‪ .‬وأكد‬ ‫مساعدو ومستشارو الرئيس اآلخرون نفس األمر‪ ،‬ونفوا أية معرفة لهم‬ ‫باإلعالن الدستوري‪ .‬وقد أشار املستشار محمد فؤاد جاد الله املستشار‬ ‫القانوني للرئيس الذي استقال في أبريل (نيسان) ‪2013‬م ‪ -‬في خطاب‬

‫‪,,‬‬

‫االستقالة إلى أنه لم يشارك في صناعة الكثير من القرارات‪ ،‬وكانت له‬ ‫اعتراضات على بعض مواد اإلعالن الدستوري‪ ،‬وعلل ذلك باالعتماد‬ ‫على أصحاب الثقة فقط‪ ،‬وتهميش وإقصاء باقي التيارات‪ .‬أصحاب‬ ‫الثقة هم مكتب اإلرشاد‪ ،‬ومستشاروه‪ ،‬الذين كانوا يحددون األجندة‬ ‫التشريعية ملجلس الشورى‪ ،‬ويعدون ملفات لخصومهم فيه‪ ،‬وتحولت‬ ‫املؤسسات سواء كانت الرئاسة أو املجلس التشريعي أو الحكومة إلى‬ ‫كيانات سياسية تدار بواسطة مكتب سياسي ليس له أية صفة في النظام‬ ‫السياسي والقانوني للدولة‪ ،‬وهو األمر الذي وصفه على استحياء أحد‬ ‫الكتاب اإلسالميني بأن اإلخوان املسلمني لم يستطيعوا التفرقة بني إدارة‬ ‫الدولة‪ ،‬وإدارة الجماعة‪.‬‬ ‫الغموض في صناعة القرار على مستوى مؤسسة الرئاسة‪ ،‬وبقية‬ ‫مؤسسات الدولة األخرى‪ ،‬وصفه خالد علم الدين‪ ،‬مستشار الرئيس‬ ‫السلفي الذي أقيل وسط اتهامات صدرت في حقه نفاها الرجل وأرجع‬ ‫ذلك إلى تصفية حسابات بني اإلخوان املسلمني وحزب النور السلفي‪،‬‬ ‫قال عبارات نقدية قاسية قبل إقالته بأيام‪ ،‬وصف فيها استشاراته بأنها‬ ‫«حبر على ورق»‪ ،‬وأعرب عن «تخوفه على الثورة املصرية»‪ ،‬وانتقد ما‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫عصام حداد‬

‫‪29‬‬


‫قصة الغالف‬

‫البعض يرى أن اإلخوان املسلمني عقب عزل الرئيس املصري محمد مرسي عادوا عقودا إلى الخلف‪ ،‬والبعض اآلخر‬ ‫يعتبرها محنة سوف تتغلب عليها الجماعة التي ظلت باقية على املسرح السياسي ملدة ثمانني عاما رغم تبدل‬ ‫مواقف األنظمة السياسية منها‪ .‬ولكن الحقيقة التي قد ال يختلف عليها كثيرون أن اإلخوان املسلمني‪ ،‬ومن خلفهم‬ ‫وإلى جوارهم جماعات كثيرة من اإلسالم السياسي‪ ،‬يعيشون حالة من اختالل التوازن منذ ‪ 30‬يونيو (حزيران)‬ ‫املاضي‪ ،‬وهناك مخاوف وشجون على ضياع فرصة قد ال تتكرر في وصول املشروع اإلسالمي إلى السلطة‪.‬‬

‫حكم اإلخوان‪ :‬عادت السلطة مؤسسات الدولة وأجهزتها السيادية‬

‫اجلماعة املعزولة‬

‫بقلم‪:‬‬ ‫سامح فوزي‬

‫‪,,‬‬

‫ممثل الحرية‬ ‫والعدالة‬ ‫أعلن في‬ ‫آخر جلسات‬ ‫الحوار الوطني‬ ‫ملناقشة‬ ‫التعديالت‬ ‫الدستورية‬ ‫أن حزبه ال‬ ‫يرى ضرورة‬ ‫لتعديل‬ ‫الدستور‬ ‫وهو ما نسف‬ ‫الحوار الوطني‬ ‫في جوهره‬

‫‪,,‬‬

‫‪28‬‬

‫وصل اإلخوان املسلمون إلى سدة الحكم في مصر في ‪30‬‬ ‫يونيو ‪2012‬م بانتخاب الرئيس محمد مرسي بعد أن تغلب على‬ ‫منافسه الفريق أحمد شفيق بفارق ضئيل‪ .‬جاء كأول رئيس‬ ‫منتخب بعد ثورة شعبية‪ .‬البعض انتخبه عن اقتناع‪ ،‬والبعض اآلخر رأى‬ ‫أنه البديل األوفق لقطع الطريق على من يطلق عليهم «فلول» النظام السابق‪،‬‬ ‫وكانت هناك مباركة أميركية واضحة النتخابه لعدة أسباب‪ ،‬منها أن‬ ‫اإلخوان املسلمني استطاعوا الفوز أو على األقل التقدم على بقية القوى‬ ‫السياسية في االستفتاءات واالنتخابات البرملانية والرئاسية التي أعقبت‬ ‫ثورة ‪ 25‬يناير (كانون الثاني) ‪2011‬م‪ ،‬وتفضل واشنطن أن تدعم نظام‬ ‫حكم له شعبية‪ ،‬يحقق مصالحها‪ ،‬وتبرم معه اتفاقا طويل األمد‪ .‬ولعبت‬ ‫السفيرة األميركية آن باترسون دورا في هندسة وصول اإلخوان املسلمني‬ ‫إلى الحكم‪ ،‬لكنها نالت نصيبها من معاداة املصريني على نحو لم يحدث‬ ‫مع أي سفير أميركي من قبل‪ ،‬وتعيش أيامها األخيرة في مصر شبه‬ ‫معزولة‪.‬‬

‫كانت سائدة في عهد نظام مبارك‪ .‬هنا ظهر مصطلح «أخونة الدولة»‪،‬‬ ‫وهو تعبير استخدمته املعارضة لوصف عملية زرع قيادات إخوانية في‬ ‫مفاصل جهاز الدولة‪ ،‬وأكد ذلك حزب النور «السلفي» الذي تحدث عن‬ ‫آالف الوظائف الحكومية‪ ،‬وبخاصة في اإلدارة املحلية التي كان يجرى‬ ‫أخونتها على قدم وساق‪ .‬األخونة التي اعتبرها القيادي اإلخواني محمد‬ ‫البلتاجي «قمة الديمقراطية» شكلت ليس فقط استمرارا لنهج «الوالء» في‬ ‫شغل املواقع على حساب «الكفاءة»‪ ،‬ولكن شكلت أيضا تبشيرا بصيغة‬ ‫استبدادية تلوح في األفق تمسك بمفاصل الدولة‪ ،‬وتقبض على مفاتيح‬ ‫املوارد الحكومية‪ ،‬وتتحكم في مخرجات العملية االنتخابية على النحو‬ ‫الذي يروق للجماعة الغالبة‪ .‬وفي هذا لجأ اإلخوان املسلمون إلى ما يطلق‬ ‫عليه «البيروقراطية املوازية»‪ ،‬وتعني استخالص العناصر التي يمكن‬ ‫االعتماد عليها‪ ،‬ووضع قيادات إخوانية تدير شؤونها تحل ‪ -‬في الهيمنة‬ ‫والنفوذ ‪ -‬بديال عن البيروقراطية الحكومية املستقرة بدعوى مكافحة‬ ‫الفساد‪ ،‬واالستعانة بالقيادات الكفء‪ .‬ذكر ذلك صراحة القيادي اإلخواني‬ ‫جهاد الحداد في ندوة عقدها «كارنيغي» أوروبا في مقر البرملان األوروبي‬ ‫يوم ‪ 6‬مايو (أيار) ‪ .2013‬وإزاء تهميش عناصر وقطاعات واسعة من‬ ‫مواز عليها يقوم على تمكني اإلخوان املسلمني‪،‬‬ ‫البيروقراطية‪ ،‬وفرض نمط ٍ‬ ‫جاء رد الفعل االنتفاضي من جانبها برفض التعاون مع اإلخوان املسلمني‬ ‫حينا‪ ،‬وباالحتجاج أحيانا‪ ،‬وبدعم ثورة ‪ 30‬يونيو الحقا‪ .‬الرئيس محمد‬ ‫مرسي‪ ،‬الذي نفى أخونة الدولة في حديث إعالمي‪ ،‬كان معزوال شعبيا‪.‬‬ ‫أحد أقرب مستشاريه قال له يوما‪« :‬ملاذا ال تراهن على الشعب املصري؟»‪،‬‬ ‫فجاءت إجابته‪« :‬ال أستطيع أن أدير ظهري للجماعة»‪.‬‬

‫غنيمة حرب‬

‫الغموض في صناعة القرار السياسي‬

‫بنى اإلخوان املسلمون نظرتهم إلى جهاز الدولة (‪)State Apparatus‬‬ ‫على أنه «غنيمة حرب» ينبغي االستيالء عليها في أعقاب الفوز في‬ ‫«غزوة الصناديق» ‪ -‬وهو تعبير استخدم من قبل أحد املشايخ السلفيني‬ ‫املتحالفني مع اإلخوان املسلمني لوصف النصر في االستفتاء على تعديل‬ ‫الدستور في ‪ 19‬مارس (آذار) ‪2011‬م ‪ -‬وهو ما تنبأ به الكاتب املعروف‬ ‫وحيد حامد في النص السينمائي املبدع لفيلم «طيور الظالم» في النقاش‬ ‫بني أحد قيادات اإلسالم السياسي مع قيادة سياسية فاسدة محسوبة‬ ‫على نظام مبارك من أن اإلخوان املسلمني – الجماعة التي كانت تبحث‬ ‫عن حزب آنذاك ‪ -‬تنظر إلى املسألة برمتها على أنها «نزاع على ملكية»‪.‬‬ ‫تصور اإلخوان املسلمون أن الدولة دانت لهم‪ ،‬وجاء دور «التمكني»‪ ،‬أي‬ ‫إخضاع جهاز الدولة لقيادات اإلخوان املسلمني بنفس الشروط التي‬

‫بعد تولي الرئيس محمد مرسي السلطة رسميا كون فريقا رئاسيا من‬ ‫أربعة مساعدين‪ ،‬وعدد من املستشارين يعكسون انتماءات سياسية‬ ‫ودينية متنوعة‪ .‬شكل ذلك فكرة خالقة لتوسيع نطاق صناعة القرار في‬ ‫مؤسسة الرئاسة دون الركون فقط إلى الرئيس الفرعون‪ .‬ولكن مع مرور‬ ‫الوقت بات واضحا أن هناك غرفا مغلقة تصنع خلفها القرارات الرئاسية‪،‬‬ ‫ال يعرف عنها شيئا املساعدون أو املستشارون‪ ،‬وأشار كثيرون إلى دور‬ ‫«مكتب إرشاد» جماعة اإلخوان املسلمني في صناعة القرارات الحاسمة‬ ‫التي ال يملك الرئيس حيالها سوى االعتماد واملوافقة‪ .‬يشار في هذا الصدد‬ ‫إلى اإلعالن الدستوري الذي صدر في نوفمبر (تشرين الثاني) ‪2012‬م‪،‬‬ ‫الذي فجر موجة غضب عارمة في صفوف املصريني نظرا ألنه دشن‬ ‫الرئيس الفرعون دستوريا الذي يمتلك السلطتني التنفيذية والتشريعية‬

‫وصل الدكتور محمد مرسي إلى سدة الحكم‪ ،‬وكان هناك «مجلس‬ ‫شورى» غالبيته من اإلخوان املسلمني حصن بقاءه في دستور ‪2012‬م‬ ‫الذي لم ُيرق لقطاعات واسعة من املجتمع‪ ،‬وشكل حكومة برئاسة هشام‬ ‫قنديل لم يسعد أداؤها حلفاء اإلخوان املسلمني قبل خصومهم‪ ،‬وتكاثرت‬ ‫األزمات االقتصادية واالجتماعية فضال عن السياسية مما عجل من‬ ‫سقوط نظام محمد مرسي‪ ،‬ولكن ظاهر األسباب التي أدت إلى حنق وثورة‬ ‫ماليني املصريني‪ ،‬هي انعكاس ألسباب بنيوية عميقة جعلت من بقاء نظام‬ ‫اإلخوان املسلمني أمرا ال يمكن توقعه‪ ،‬وهو ما يحتاج إلى نقاش مفصل‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬


‫خطابه األول توجه بالحديث إلى «شعب مصر العظيم»‪ ،‬ثم شكر‬ ‫«األهل والعشيرة» في محافظات مصر جلها تقريبا‪ ،‬وعدد أبناء‬ ‫املهن والحرف على اختالفها‪.‬‬ ‫وقال‪« :‬أتوجه إليكم جميعا في هذا اليوم املشهود الذي أصبحت‬ ‫فيه بعد فضل الله بإرادتكم رئيسا لكل املصريني وسأكون لكل‬ ‫املصريني على مسافة واحدة»‪ ،‬دون أن يذكر من لم ينتخبوه‪،‬‬ ‫وكان عددهم كبيرا‪ .‬وهو يخالف في ذلك خطاب السادات حينما‬ ‫قال عقب استفتاء شعبي «سأكون مع الذين قالوا نعم والذين‬ ‫قالوا ال»‪.‬‬ ‫ويغيب أيضا عن خطاب مرسي السياسي الحديث املفصل عن‬ ‫املشاكل التي يواجهها الشعب فعال‪ ،‬مثل شح الوقود وارتفاع‬ ‫األسعار وانقطاع التيار الكهربائي‪ .‬وهو إن تحدث عنها فإنما‬ ‫يشير إليها سريعا‪ ،‬ويحمل النظام القديم مسؤوليتها‪.‬‬

‫الشرعية بالتهديد‬ ‫وعلى الرغم من مطالبة حركة تمرد و‪ 30‬يونيو بإجراء انتخابات‬ ‫رئاسية مبكرة‪ ،‬لم يتعرض مرسي في خطابه األخير‪ ،‬الذي ألقاه‬ ‫بعد مهلة الجيش‪ ،‬لهذا املطلب‪ ،‬بل ركز الخطاب كله على فكرة‬ ‫الشرعية وتمسكه بها مهما كان الثمن‪ ،‬فقال «فإذا كان الحفاظ‬ ‫على الشرعية ثمنه دمي أنا‪ ،‬فأنا مستعد أن أدفع ذلك الثمن‪،‬‬ ‫حسبة لله تعالى»‪.‬‬ ‫وكرر مرسي ذكر الدم والدماء غير مرة‪ ،‬واستخدم أسلوب النهي‬ ‫وكأنه يحث على نقيض ما ينهى عنه‪ ،‬فقال متحدثا عن الجيش‬ ‫«ال أريدكم أن تقعوا في هذا املطب‪ ،‬فال تسيئوا للجيش وحافظوا‬ ‫على الجيش معي»‪ .‬ونهيه هنا قد دعم ‪ -‬بطريقة غير مباشرة‪،‬‬ ‫وربما دون أن يدري ‪ -‬الصورة الذهنية لإلساءة إلى الجيش‪.‬‬

‫الخطاب الشهير للرئيس الراحل انور السادات‬ ‫في الكنيست االسرائيلي (‪19‬نوفمبر‪)1977/‬‬

‫ وصورة األبناء أو األوالد أو حتى اإلخوة ‪ -‬تصويرا للشباب‬‫أو بعض أفراد الشعب ‪ -‬يستدعي بالضرورة بقية مقتضيات‬ ‫الصورة الذهنية‪ ،‬من وجوب احترام الوالد وطاعته‪ ،‬وإطالق يده في‬ ‫القرار باعتباره رب العائلة‪ .‬فالعالقة بني رئيس الدولة والشباب‬ ‫هنا هي عالقة األب باألبناء‪ ،‬وليست عالقة رئيس منتخب كلف‬ ‫بمسؤولية القيادة‪ ،‬وعليه واجبات وله حقوق‪ ،‬بمواطنني لهم‬ ‫حقوق وعليهم واجبات أيضا‪.‬‬

‫غيبة املواطنة‬ ‫وهذا يفضي بنا إلى ملمح ثالث في خطاب مرسي السياسي‪،‬‬ ‫وهو غياب فكرة املواطنة‪ ،‬فهو ال يبدأ خطابه بمخاطبة املواطنني‬ ‫ كما كان يفعل الرئيس السابق جمال عبد الناصر دوما ‪ -‬ولكنه‬‫يوجه خطابه لـ «شعب مصر العظيم»‪.‬‬ ‫ويغيب عن خطابه السياسي أيضا ذكر من لم يؤيدوه‪ ،‬ففي‬

‫في أميركا نجح الرئيس السابق جورج بوش االبن في‬ ‫كسب تأييد األميركيني لبرنامجه ففاز مرتني‪ ،‬ألنه استعان‬ ‫بمستشارين يتقنون عرض القضايا بطريقة مقنعة للمخاطب‪،‬‬ ‫وإن بنيت على خداع لغوي‪ ،‬ونجح في كسب مساندة الدول‬ ‫األخرى لحربه على أفغانستان والعراق ألنه مهد لها بطرح أطر‬ ‫ذهنية تفرض على املتلقي خيارا قد ال يستطيع الفكاك منه‪ ،‬وهو‬ ‫اتباع مسار بوش‪.‬‬

‫‪,,‬‬

‫«الخطاب‬ ‫السياسي» ال‬ ‫ينحصر فقط‬ ‫في الخطب‬ ‫السياسية التي‬ ‫يلقيها الزعماء‬ ‫والساسة‬ ‫بل يتجاوز‬ ‫ذلك إلى ما‬ ‫يستخدمه‬ ‫السياسيون‬ ‫من وسائل‬ ‫للتعبير‬

‫‪,,‬‬

‫وفي مصر هيمن خطاب الفرقة والتقسيم‪ ،‬واالستعالء‪ ،‬والهيمنة‬ ‫األبوية‪ ،‬والتمسح بالدين‪ ،‬والعواطف‪ ،‬وغيبة املواطنة‪ ،‬على خطابنا‬ ‫السياسي‪ ،‬خاصة خطاب اإلخوان املسلمني‪ ،‬وخطاب الرئيس‬ ‫السابق محمد مرسي‪.‬‬ ‫ولست أدري إن كان ملرسي مستشارون في مجال الخطاب‬ ‫السياسي‪ ،‬أو إن كان يستشيرهم قبل إعداد خطبه‪ ،‬أو إن كان‬ ‫هؤالء املستشارون ‪ -‬إن وجدوا ‪ -‬ذوي خبرة في اللغة والخطاب‬ ‫وتحليله‪ ،‬أو إن كانت خطابات الرئيس السابق تعد في مكتب‬ ‫اإلرشاد التابع لجماعة اإلخوان املسلمني‪ ،‬ويشرف عليها‬ ‫ويراجعها املرشد الحالي أو مرشد سابق‪ ،‬كما يوحي شريط‬ ‫فيديو متداول اآلن على اإلنترنت <‬ ‫* باحث اكاديمي ـ ـ متخصص في الدراسات اللغوية‬ ‫جامعة برمنجهام‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫زين العابدين‬ ‫بن علي‬

‫‪27‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫من غير املسلمني‪ ،‬ويتسم بالتعميم‪ ،‬وال يهدف إال إلى كسب‬ ‫تأييد عامة الناس امليالني للدين بطبيعتهم‪.‬‬

‫‪,,‬‬

‫تهدف‬ ‫دراسات‬ ‫تحليل‬ ‫الخطاب‬ ‫السياسي‬ ‫إلى تفسير‬ ‫العالقة بني‬ ‫الخطاب وعدد‬ ‫من العوامل‬ ‫املهمة في‬ ‫املجتمع أهمها‬ ‫السلطة‬

‫‪,,‬‬

‫وكان حزب الحرية والعدالة قد أعلن في أواخر ‪ 2011‬عن تخليه‬ ‫عن رفع هذا الشعار في االنتخابات البرملانية التي جرت بعد ثورة‬ ‫الخامس والعشرين من يناير‪ ،‬واستبدل به شعار «نحمل الخير‬ ‫ملصر»‪ ،‬لكنه لم يف بالوعد‪ ،‬وأعاد رفع شعار «اإلسالم هو الحل»‬ ‫ملا له من تأثير شعبي ديماغوغي‪.‬‬

‫الرئيس الواعظ‬ ‫اختيار اسم للجماعة فيه استخدام لكلمة اإلسالم‪ ،‬ورفعها‬ ‫شعارات دينية‪ ،‬ليس غريبا على جماعة دينية عرفت في أول‬ ‫عهدها باعتبارها جماعة دعوية‪ .‬أما أن يستخدم الجناح‬ ‫السياسي للجماعة‪ ،‬حزب" الحرية والعدالة"‪ ،‬الدين وشعارات‬ ‫دينية إسالمية في حملة انتخابية‪ ،‬فهذا أمر قد يفضي إلى‬ ‫مصادرة آراء اآلخرين من غير املسلمني‪ ،‬وحتى من املسلمني‬ ‫الذين ال ينتمون إلى جماعة اإلخوان أو إلى حزبهم‪ ،‬وقد يؤدي‬ ‫إلى إقصاء اآلخر‪.‬‬ ‫وقريب من هذا النهج الخطاب السياسي للرئيس السابق محمد‬ ‫مرسي‪،‬الذي يتقمص دوما شخصية الواعظ الديني في بداية‬ ‫خطاباته‪ ،‬وخاللها‪ ،‬ربما لكسب مشاعر املسلمني البسطاء‪ .‬ظهر‬ ‫ذلك في أول خطاب ألقاه في يونيو ‪ ،2012‬وآخر خطاب ألقاه في‬ ‫يونيو ‪ .2013‬إذ يبدأ دوما كما يبدأ شيوخ الواعظني خطبهم‬ ‫بالبسملة‪ ،‬والصالة والتسليم على الرسول الكريم‪ ،‬ثم يتبع ذلك‬ ‫آية قرآنية‪.‬‬ ‫وتقمص شخصيات دينية أو تاريخية‪ ،‬واستخدام اقتباسات‬ ‫من الكتب الدينية‪ ،‬أو من أقوال شخصيات تاريخية مشهورة‪،‬‬ ‫وسيلة معروفة في الخطاب السياسي‪ .‬فقد كان الرئيس املصري‬ ‫السابق أنور السادات يستخدم أيضا تلك الوسيلة‪ ،‬حتى أطلق‬ ‫عليه وصف «الرئيس املؤمن»‪.‬‬ ‫لكن خطاب مرسي السياسي يغرق في ذلك أكثر من غيره‪.‬‬ ‫ففي خطابه األول عندما أعلنت نتائج االنتخابات‪ ،‬استحضر‬ ‫شخصية أبو بكر الصديق ونقل عنه «وأما عن نفسي فإنني‬ ‫ليس لي حقوق‪ ،‬وإنما علي واجبات‪ ،‬فأعينوني أهلي وعشيرتي‬ ‫ما أقمت العدل والحق فيكم‪ ،‬أعينوني ما أطعت الله فيكم‪ ،‬فإن‬ ‫عصيته ولم ألتزم بما تعهدت لكم به‪ ،‬فال طاعة لي عليكم»‪.‬‬ ‫وفي نهاية الخطاب تعهد للمصريني مستخدما فكرة خيانة الله‬ ‫ومعصيته‪ ،‬وليس الوطن‪ ،‬فقال «وأردد مؤكدا‪ ..‬ما أعلنته من قبل‬ ‫أنني لن أخون الله فيكم ولن أعصيه في وطني‪ ،‬وأضع نصب‬ ‫عيني قول الله سبحانه وتعالى (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله‬ ‫ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم ال يظلمون)»‪.‬‬

‫العاطفية وإطار األبوة‬ ‫امللمح الثاني في خطاب مرسي السياسي هو «العاطفية»‪ ،‬إذ‬ ‫تتكرر لديه كلمات الحب «كل التحية لشعب مصر العظيم وجيش‬ ‫مصر‪ ..‬والقوات املسلحة بكل أبنائها أينما وجدوا تحية خالصة‬ ‫من قلبي لهم‪ ،‬وحب ال يعلمه في قلبي إال الله سبحانه وتعالى‬ ‫وأنا أحب هؤالء وأقدر دورهم وأحرص على تقويتهم والحفاظ‬ ‫عليهم وعلى املؤسسة العريقة التي نحبها ونقدرها جميعا»‪..‬‬

‫ونستون‬ ‫تشرشل‬

‫‪26‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫واألحباب «ولكنني متأكد أننا بتوفيق الله ثم بتعاوننا وبدعمكم‬ ‫أيها األحباب سنتمكن من عبور هذه املرحلة»‪.‬‬ ‫ومن هذا الباب تكراره لتعبيرات «أهلي وعشيرتي»‪ ،‬و«األهل‬ ‫والعشيرة واألحبة» التي رددها غير مرة في خطابه األول‪ ،‬ثم‬ ‫استخدام تعبير «أوالدي» في خطابيه األول واألخير إشارة إلى‬ ‫الشباب‪ ،‬فهو يقول موجها كالمه إليهم في خطابه األخير «شباب‬ ‫مصر والدي بجد‪ ،‬عندهم مشاكل‪ ،‬ولهم حق‪ ،‬حقوق كثيرة»‪.‬‬ ‫وخاطب الشرطة في خطابه األول فوصف رجالها بأنهم «أبناؤه‬ ‫وإخوانه»‪ ،‬فقال «وأما رجال الشرطة الشرفاء وهم األغلبية الغالية‬ ‫من أبنائي وإخواني من رجال الشرطة في مصر هؤالء لهم علي‬ ‫حق التحية الواجبة»‪.‬‬ ‫استحضار إطار األب الذهني وصورة الوالد ‪ -‬تصويرا للرئيس‬


‫الحزب تخفيض الضرائب عن رجال األعمال وأصحاب رؤوس‬ ‫األموال والشركات‪ ،‬وهذا يناقض سياسة الحزب الديمقراطي‬ ‫الذي يريد زيادة الضرائب على الرأسماليني ورجال األعمال‬ ‫لتمويل برنامج الرعاية االجتماعية الذي يؤمن به‪.‬‬ ‫ولو رفعت حملة بوش شعارا يقول هدفنا «تخفيض الضرائب ‪-‬‬ ‫‪ ،»Tax Cut‬لفقدت أصوات الديمقراطيني ومعارضي التخفيض‪.‬‬ ‫لكن فرانك لونتز نصحهم باستخدام شعار آخر هو «‪Tax‬‬ ‫‪ ،»Relief‬أي تخفيف ألم الضرائب‪ .‬والصورة الذهنية التي يجلبها‬ ‫هذا الشعار إلى الذهن‪ ،‬هي صورة شخص متألم وأن بوش يريد‬ ‫خالصه وتخفيف أمله‪ ،‬فكيف يمكن للمعترضني على سياسة‬ ‫تخفيض الضرائب أن يرفضوا تخليص الناس من األلم‪.‬‬ ‫واملشكلة التي ينبهنا إليها جورج الكوف ‪،George Lakoff -‬‬ ‫أحد أبرز علماء نظرية اإلطار الذهني‪ ،‬أن من يرفض إطارا ما‬ ‫فهو ‪ -‬دون أن يدري ‪ -‬يدعمه في ذهن املخاطب‪ .‬ويضرب الكوف‬ ‫مثال بما اعتاد أن يقوله لطالبه في بداية محاضراته عند شرح‬ ‫النظرية «ال تستحضروا إلى أذهانكم صورة فيل»‪ ،‬وينتهي األمر‬ ‫بجميع الطالب وقد استحضروا دون إرادة منهم صورة فيل‬ ‫إلى أذهانهم‪ .‬ويقول الكوف إنك إن أردت رفض إطار ما عليك‬ ‫أن تطرح إطارا آخر يحل محله‪ ،‬ال أن تنفي اإلطار الذهني الذي‬ ‫ال توافق عليه‪.‬‬ ‫إن تعبير «الحرب على اإلرهاب» كان وسيلة إلقناع الشعب‬ ‫األميركي بقبول هذا اإلطار الذهني وما تبعه من سياسات‬ ‫يبررها التعبير بالطريقة التي صيغ بها‪ .‬وهكذا نجح بوش في‬ ‫حملته وفاز بالرئاسة األميركية لدورتني متتاليتني‪.‬‬ ‫وال بد من اإلشارة هنا إلى أن األطر الذهنية التي كان الرئيس‬ ‫بوش يطرحها هو وحزبه كانت ترمي إلى توحيد صفوف‬ ‫األميركيني وكسب تأييد أكبر عدد منهم لبرنامجه وحملته‪.‬‬

‫ميدانان‪ :‬التحرير ورابعة العدوية‬ ‫إذا انتقلنا من الواليات املتحدة إلى الساحة السياسية في مصر‬ ‫وجدنا انقساما شديدا يمثله كما قلت في مطلع هذا املقال‬ ‫ميدانان‪ :‬ميدان التحرير‪ ،‬حيث يحتشد ممثلو حركة تمرد‬ ‫و‪ 30‬يونيو‪ ،‬وغيرهما من القوى املدنية التي عارضت استمرار‬ ‫الرئيس السابق محمد مرسي في الحكم‪ ،‬وطالبته بإجراء‬ ‫انتخابات رئاسية مبكرة‪ ،‬فرفض ثم انتهى األمر بعزل الجيش له‬ ‫بعد خروج حشود املحتجني ضده‪.‬‬ ‫وميدان رابعة العدوية‪ ،‬حيث يعتصم أنصار مرسي‪ ،‬معلنني‬ ‫إصرارهم على البقاء حتى عودة الرئيس «الشرعي»‪ ،‬كما يقولون‬ ‫إلى منصبه‪.‬‬

‫وهنا نلحظ التركيز على‪:‬‬

‫‪,,‬‬

‫‪ -١‬فصل اإلخوان عن املجتمع‪ ،‬وكأنهم ليسوا مصريني‪ ،‬أو ليسوا‬ ‫جزءا من الشعب املصري‪.‬‬ ‫‪ -٢‬معاناة الشعب في الحصول على حاجاته الضرورية‪.‬‬ ‫‪ -٣‬فكرة املواطنة‪.‬‬ ‫فخطاب ميدان التحرير إذن خطاب ‪ -‬وإن كان يدعو للفرقة بني‬ ‫أبناء الشعب وفصيل سياسي له أفكار آيديولوجية مختلفة ‪-‬‬ ‫فهو أيضا ينادي باملواطنة التي تسوي بني الجميع‪.‬‬ ‫وإذا ذهبنا إلى ميدان رابعة العدوية نرى أنه توجد شعارات‬ ‫مكتوبة رفعت‪ ،‬مثل‪:‬‬ ‫«نعم للشرعية رغم أنف العلمانية»‪ ،‬و«الشرعية خط أحمر»‪،‬‬ ‫و«ال للعنف نعم للشرعية»‪ ،‬و«مع الشرعية ضد الهمجية»‪ ،‬و«ال‬ ‫للبلطجة السياسية»‪ ،‬و«ارحل يا سيسي مرسي هو رئيسي»‪.‬‬ ‫ورافق تلك الشعارات رفع علم تنظيم القاعدة املعروف‪ .‬كما أدت‬ ‫الصورة التي صاحبت شعار «الشرعية خط أحمر» دورا مهما‬ ‫في الترهيب‪ ،‬فقد رسمت وسط الصورة التي تحمل الشعار كف‬ ‫مضرجة بالدماء عند نهاية طريق‪ ،‬وكأنها تقول قف‪ ،‬وإال‪...‬‬ ‫وتضافرت الخطب امللقاة مع الشعارات املكتوبة في حمل رسالة‬ ‫تهديد‪.‬‬ ‫قال صفوت حجازي‪« :‬أقول لهم دماؤنا غالية»‪ ،‬و«نحن أشرف‬ ‫من على هذه األرض»‪ ،‬و«نقول لولي أمرنا‪ :‬إن لم تضرب بيد من‬ ‫حديد‪ ،‬فسيكون لنا كالم آخر»‪ ،‬و«الرئيس محمد مرسي اللي‬ ‫يرشه بامليه هنرشه بالدم»‪.‬‬ ‫وقال أحد الشيوخ في رابعة العدوية‪ ،‬موجها كالمه لوزير‬ ‫الدفاع عبد الفتاح السيسي‪« :‬أنت اللي بتعمل حرب أهلية بني‬ ‫املسلمني وغير املسلمني‪ ،‬والعلمانيني‪ ،‬والشيعة‪ ،‬أنت اللي كتبت‬ ‫شهادة وفاة كل واحد عارض الرئيس مرسي‪ ،‬وعارض شرعية‬ ‫الصندوق»‪.‬‬

‫الرئيس السابق‬ ‫محمد مرسي‬ ‫يتقمص دوما‬ ‫شخصية‬ ‫الواعظ الديني‬ ‫في بداية‬ ‫خطاباته‬ ‫وخاللها ربما‬ ‫لكسب مشاعر‬ ‫املسلمني‬ ‫البسطاء ظهر‬ ‫ذلك في أول‬ ‫خطاب ألقاه في‬ ‫يونيو ‪2012‬‬ ‫وآخر خطاب‬ ‫ألقاه في يونيو‬ ‫‪2013‬‬

‫‪,,‬‬

‫وهنا نالحظ أن تركيز الخطاب في ميدان رابعة العدوية كان على‪:‬‬ ‫‪ -١‬فكرة الشرعية والتشبث بها‪ ،‬مهما كان الثمن‪ ،‬والتهديد بالدم‬ ‫في سبيلها‪.‬‬ ‫‪ -٢‬فصل الجماعة عن بقية املصريني‪ ،‬والشعور باالستعالء بني‬ ‫قادة املحتشدين على من يخالفونهم‪ ،‬ووصم املخالفني بأنهم‬ ‫«علمانيون»‪ ،‬وهذا يعني في أوساط اإلسالميني ‪ -‬بصفة عامة‬ ‫‪« -‬ملحدين»‪.‬‬

‫ورفع كل ميدان شعارات‪ ،‬فماذا قال محتشدو ميدان التحرير؟‬ ‫وأنا هنا أنقل فقط الشعارات التي ال تحمل سبا أو إهانة‪ ،‬وهي‬ ‫جزء من خطابهم السياسي‪.‬‬

‫‪ -٣‬الهجوم على وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي‪ ،‬باعتباره‬ ‫ممثال للجيش املصري‪.‬‬

‫«الشعب يريد إسقاط اإلخوان»‪ ،‬و«يسقط حكم اإلخوان‪ ،‬يسقط‬ ‫حكم املرشد»‪ ،‬و«ال لدولة اإلخوان»‪ ،‬و«الجيش لن يكون جناحا‬ ‫عسكريا لإلخوان»‪ ،‬و«فني السوالر؟ زيادة في األسعار‪ ،‬النور‬ ‫مقطوع‪ ..‬هنموت م الجوع‪ ،‬األمن ما فيش‪ ..‬وال لقمة عيش»‪،‬‬ ‫و«الشعب يريد تطهير اإلعالم»‪ ،‬و«الدين لله والوطن للجميع»‪.‬‬

‫وأود هنا أن أقول إن ملمح الفرقة في الخطاب السياسي لجماعة‬ ‫اإلخوان املسلمني‪ ،‬يرجع إلى فترة نشأة الجماعة‪ ،‬فاسم الجماعة‬ ‫ذاته «اإلخوان املسلمون» فيه إيحاء بأنهم هم الفصيل الوحيد‬ ‫املسلم‪ .‬كما أن شعارهم الذي رفعوه غير مرة خالل االنتخابات‪،‬‬ ‫وهو «اإلسالم هو الحل» شعار فيه مصادرة على أفكار اآلخرين‬

‫معمر القذافي ‪-‬‬ ‫خطابات صادمة‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫‪25‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫‪,,‬‬

‫عندما أراد‬ ‫جورج بوش‬ ‫عقب أحداث‬ ‫سبتمبر شن‬ ‫الحرب على‬ ‫أفغانستان‬ ‫رفع شعارا‬ ‫ذكيا يخدم‬ ‫مصالحه‬ ‫ويكسب‬ ‫به تأييد‬ ‫املعارضني‬ ‫لفكرة الحرب‬ ‫وهو شعار‬ ‫«الحرب على‬ ‫اإلرهاب»‬

‫‪,,‬‬

‫والتعبير عن أفكاره وعواطفه ومشاعره‪ ،‬والحديث عن تجاربه‬ ‫املاضية وخططه للمستقبل‪ .‬وأرسطو أيضا هو الذي وصف‬ ‫اإلنسان بأنه «كائن سياسي»‪.‬‬ ‫وال غرابة في ذلك‪ ،‬فالسياسة في مجملها ‪ -‬كما يقول بول‬ ‫تشيلتون ‪ - Paul Chilton -‬الباحث في تحليل الخطاب السياسي‪،‬‬ ‫«هي كيفية استخدام اللغة»‪ .‬ويرى تشيلتون أننا يمكن عن طريق‬ ‫اللغة‪ ،‬من خالل املؤسسات السياسية واالجتماعية‪ ،‬أن نعلن‬ ‫الحرب‪ ،‬وأن نحكم على شخص بأنه «مذنب» أو «بريء»‪ ،‬وأن‬ ‫نزيد الضرائب أو نخفضها‪.‬‬ ‫ويرى بعض اللغويني اآلخرين أن اللغة مرتبطة بالسياسة ارتباطا‬ ‫وثيقا أكثر‪ ،‬وأن أي منطوق لغوي يكشف وراءه دوما انحيازا‬ ‫سياسيا معينا‪.‬‬ ‫يهتم علم تحليل الخطاب السياسي إذن بكشف الوسائل اللغوية‬ ‫التي يستخدمها الخطيب في إقناع جمهوره بآيديولوجيته‬ ‫واكتساب تأييده إما لبرنامج حزبه‪ ،‬وإما للتصويت له في‬ ‫انتخابات رئاسية أو برملانية‪ ،‬ولعل أكثر تلك الوسائل اللغوية‬ ‫هي استخدام اللغة في الخداع أو التضليل‪ ،‬كما سنبني فيما بعد‪.‬‬

‫نظرية «اإلطار الذهني»‬ ‫وسنركز بحثنا هنا على جانبني مهمني من جوانب الخطاب‬ ‫السياسي‪ ،‬هما جانب «اإلطار الذهني ‪ ،»Frame -‬أو الصور‬ ‫الذهنية‪ ،‬أو املفاهيم التي يطرحها السياسيون لكسب الجماهير‪،‬‬ ‫ثم الخطب السياسية التي يلقونها‪.‬‬ ‫وحتى نفهم نظرية األطر الذهنية‪ ،‬يجب أن ندرك أن الدور الذي‬ ‫تؤديه الكلمات التي نستخدمها كل يوم في حياتنا ال يقتصر‬ ‫على إرضاء املخاطبني أو إغضابهم‪ ،‬بل إن تلك الكلمات دوما ما‬ ‫تثير ‪ -‬إلى جانب ذلك‪ ،‬وربما نتيجة لذلك ‪ -‬في أذهان السامعني‬ ‫عند نطقها‪ ،‬أطرا (أو صورا) ذهنية معينة‪ ،‬وتفرض على املتلقني‬ ‫فهما خاصا ومحددا‪ ،‬إزاء املوقف الذي تلفظ فيه‪ ،‬يسعى املتكلم‬ ‫إلى فرضه‪ .‬ومن هنا فإن أهمية اللغة (أو الكالم) تكمن فيما‬ ‫تثيره في أذهان املتلقني من أطر وصور ذهنية محددة‪ ،‬وكذلك‬ ‫أيضا فيما ال تثيره من أطر وصور ذهنية‪ .‬وال يقف األمر عند‬ ‫حد التصور الذهني‪ ،‬إذ إن اإلنسان عادة ما ينتقل من مرحلة‬ ‫اإلدراك الذهني إلى مرحلة السلوك النابع من هذا اإلدراك‪ ،‬فيسلك‬ ‫سلوكا معينا‪.‬‬ ‫فعندما قررت أوروبا اإلجهاز على الدولة العثمانية‪ ،‬عقب‬ ‫خسارتها في أكثر من حرب‪ ،‬وتضعضعها املالي وتحكم القوى‬ ‫األوروبية الكبرى فيها‪ ،‬رفعت شعارا بسيطا تصف به تلك‬ ‫الدولة‪ ،‬بأنها «رجل أوروبا املريض ‪،»Sick man of Europe -‬‬ ‫وكأنها تدعو بطريقة غير مباشرة إلى املساهمة في القضاء على‬ ‫هذا املريض الذي ليس من أمل في شفائه‪.‬‬ ‫وحديث الدول الغربية والواليات املتحدة عن األسلحة النووية‬ ‫يتم في إطارين ذهنيني مختلفني تماما بحسب املخاطب‪ .‬فتلك‬ ‫األسلحة هي «سالح ردع ‪ »Weapon of Deterrence -‬إن كانت‬ ‫في حيازة دولة غربية‪ ،‬لكنها‪ ،‬واألسلحة هي نفسها‪« ،‬سالح‬ ‫دمار شامل ‪ »Weapon of Mass Distruction -‬إن سعت إلى‬ ‫حيازتها دولة أخرى قد تخالف الغرب في سياساته‪.‬‬

‫جورج‬ ‫دبليو بوش‬

‫وعندما احتلت إسرائيل فلسطني حرصت في خطابها‬ ‫‪24‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫السياسي على طمس الهوية الفلسطينية‪ ،‬وملا سئلت رئيسة‬ ‫الوزراء اإلسرائيلية السابقة غولدا مائير عن الفلسطينيني قالت‬ ‫«ليس هناك شيء اسمه فلسطينيون»‪ ،‬وأطلقت إسرائيل على‬ ‫الفلسطينيني الذين حصلوا على الجنسية اإلسرائيلية تعبير‬ ‫«عرب إسرائيل» ملحو هويتهم الفلسطينية والتركيز على أنهم‬ ‫عرب‪ ،‬وأخذت وسائل اإلعالم اإلسرائيلية تردد هذا التعبير‪،‬‬ ‫وتناقلته وسائل اإلعالم الغربية وحتى العربية‪ ،‬بل أصبح يتردد‬ ‫اآلن على ألسنة بعض الفلسطينيني أنفسهم‪.‬‬

‫الحرب على اإلرهاب‬ ‫وعندما أراد جورج بوش االبن ‪ -‬عقب أحداث ‪ 11‬سبتمبر ‪2001‬‬ ‫ شن الحرب على أفغانستان‪ ،‬لم يقل سنحارب أفغانستان‪،‬‬‫أو طالبان‪ ،‬أو «القاعدة»‪ ،‬لكنه رفع شعارا ذكيا يخدم مصالحه‪،‬‬ ‫ويكسب به تأييد الجميع حتى املعارضني لفكرة الحرب‪ ،‬هو‬ ‫«الحرب على اإلرهاب ‪ .»War on Terror -‬فالحرب في الشعار‬ ‫على شيء مجرد هو «اإلرهاب»‪ ،‬وبذلك يمكن أن تمتد إلى أي‬ ‫مكان‪ ،‬وأن تطول ألي فترة‪ ،‬بحسب ما تريده اإلدارة األميركية‪،‬‬ ‫وال يستطيع أحد أن يعترض على حرب يواجه اإلرهاب فيها‪.‬‬ ‫ولم يختر الشعار «الحرب على اإلرهابيني»‪ ،‬ألن اإلرهابيني‬ ‫محدودون‪ ،‬وال يمكن شن الحرب هنا وهناك بذريعة مقاتلة‬ ‫اإلرهابيني‪ .‬وبناء على هذا الشعار شن بوش حربه على العراق‬ ‫أيضا‪ ،‬باعتبارها حربا مشروعة ردا على ما حدث ألميركا في‬ ‫‪ 11‬سبتمبر‪.‬‬ ‫لم يكن هذا الشعار من بنات أفكار الرئيس األميركي نفسه‪ ،‬وال‬ ‫الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه‪ ،‬ولكنه صيغ ‪ -‬فيما أظن ‪ -‬بعد‬ ‫استشارة فرانك لونتز ‪ Frank Luntz -‬خبير الحزب في اللغة‬ ‫والتواصل والتحليل السياسي‪.‬‬ ‫وكان بوش قد مهد لحملته على أفغانستان في خطاب له أمام‬ ‫الكونغرس األميركي بمجلسيه في ‪ 20‬سبتمبر ‪ 2001‬بعبارته‬ ‫املأثورة التي قسم فيها العالم إلى قسمني قائال «إما أن تكون‬ ‫معنا‪ ،‬وإما أن تكون مع اإلرهابيني ‪Either you are with us, -‬‬ ‫‪.»or you are with the terrorists‬‬ ‫وحتى يمهد بوش لحملته على العراق بدأ في خطاب االتحاد‬ ‫في يناير ‪ 2002‬في اإلشارة إلى ما سماه «محور الشر ‪Axis -‬‬ ‫‪ »of evil‬الذي يضم العراق وإيران وكوريا الشمالية‪ .‬وساند‬ ‫الرئيس األميركي إطاره الذهني الجديد بالزعم بأن تلك الدول‬ ‫تدعم اإلرهاب‪ ،‬مركزا الهجوم على العراق في ذلك الخطاب الذي‬ ‫ألقاه في ‪ 29‬يناير ‪ 2002‬ويعود فضل صياغة هذا التعبير إلى‬ ‫ديفيد َ‬ ‫فرم الذي كان يكتب خطابات الرئيس آنذاك‪.‬‬ ‫وقد نجح الرئيس األميركي من خالل هاتني العبارتني في الحالتني‬ ‫في إقناع األميركيني وكسب تأييد أكبر عدد منهم للحرب على‬ ‫أفغانستان والعراق‪ .‬وعلى الرغم من أن بوش ‪ -‬من ناحية أخرى‬ ‫‪ -‬قسم العالم إلى معسكرين‪ ،‬بيد أنه وحد األميركيني وراءه‪.‬‬

‫تخفيف ألم الضرائب‬ ‫وكان للونتز الفضل أيضا في الصياغة اللغوية املعبرة عن رغبة‬ ‫الحزب الجمهوري في تخفيض الضرائب‪ ،‬من أجل كسب التأييد‬ ‫الداخلي في حملة بوش األولى للرئاسة األميركية‪ .‬فمن بني مبادئ‬


‫على الدرس اللغوي‪ .‬فقد كان اللغويون في املاضي يركزون جل‬ ‫همهم في بحوثهم على وحدات الكالم الصغيرة مثل األصوات‪،‬‬ ‫أو الكلمات‪ ،‬أو حتى الجمل‪ ،‬وعالقات الكلمات بعضها ببعض‬ ‫داخلها‪.‬‬

‫ويعرفهم بمناسبة الخطاب ‪ -‬إن كان سيلقى في مناسبة معينة‬ ‫ واملكان‪ ،‬والجمهور الذي سيخاطبه‪ .‬وهذا أحد عوامل نجاح‬‫الخطاب السياسي في الدول الغربية‪ ،‬وهو ما أحسب أننا نفتقده‬ ‫في عاملنا العربي‪.‬‬

‫تحليل الخطاب‬

‫اللغة والسياسة‬

‫لكن علماء تحليل الخطاب كان منطلقهم مختلفا‪ .‬إذ ركزوا‬ ‫على درس الخطاب‪ ،‬واملقصود بالخطاب هنا أي نص مسموع‬ ‫أو مكتوب‪ ،‬ويهدف إلى توصيل رسالة ما‪ ،‬ويندرج تحت هذا‬ ‫الكالم املسموع‪ ،‬والنصوص املكتوبة‪ ،‬بغض النظر عن طولها‪،‬‬ ‫ولغة اإلشارة التي يستخدمها الصم والبكم‪ ،‬والصور‪ ،‬واملالبس‪،‬‬ ‫واملوسيقى‪ ،‬واملعمار‪ ،‬والرقص‪ ،‬طاملا أنها ذات داللة‪.‬‬

‫وتهدف دراسات تحليل الخطاب السياسي ‪ -‬في أغلبها ‪ -‬إلى‬ ‫تفسير العالقة بني الخطاب وعدد من العوامل املهمة في املجتمع‪،‬‬ ‫أهمها السلطة‪ .‬ويحاول العلماء كشف األفكار اآليديولوجية التي‬ ‫يهدف السياسي من خالل خطابه‪ ،‬وعبر سالح اللغة وأدواته‬ ‫املختلفة‪ ،‬إلى إقناع مخاطبيه بها‪.‬‬

‫ومن هنا ندرك ‪ -‬طبقا لهذا املفهوم ‪ -‬أن «الخطاب السياسي»‬ ‫ال ينحصر فقط في الخطب السياسية التي يلقيها الزعماء‬ ‫والساسة‪ ،‬بل يتجاوز ذلك إلى ما يستخدمه السياسيون‬ ‫من وسائل للتعبير‪ :‬مثل الشعارات‪ ،‬والالفتات‪ ،‬والهتافات‪،‬‬ ‫واملناظرات‪ ،‬والصور التي يعلقونها أو ينشرونها‪ ،‬والزي الذي‬ ‫يلبسونه‪ ،‬واملوسيقى واألناشيد التي تصاحب تجمعاتهم‪.‬‬ ‫ويمتاز الخطاب السياسي لدى علماء تحليل الخطاب بأنه ‪ -‬كما‬ ‫يقول فان دايك ‪ ،Van Dijk -‬أحد أشهر الباحثني في هذا املجال‬ ‫ «خطاب شفوي ينتج أمام جمهور‪ ،‬هدفه الوحيد هو اإلقناع‪،‬‬‫وليس التعليم‪ ،‬أو الترفيه والتسلية»‪.‬‬ ‫وهو أيضا ‪ -‬وهذه نقطة مهمة ينبغي االلتفات إليها ‪« -‬خطاب‬ ‫يخطط له قبل» إلقائه‪ ،‬إذ إن السياسي ‪ -‬في الدول الغربية ‪ -‬عادة‬ ‫ما يعد لخطابه قبل إلقائه‪ ،‬أو يطلب من مستشاريه لإلعالم أو‬ ‫للعالقات العامة ‪ -‬ويوصف هؤالء بـ «‪ - »Spin Doctors‬كتابة‬ ‫الخطاب له‪ ،‬بعد أن يعطيهم األفكار التي يريد تضمينها فيه‪،‬‬

‫كما يسعى اللغويون ‪ -‬من وراء تحليل الخطاب ‪ -‬إلى مراقبة‬ ‫سلوك الجماعة ‪ -‬باملعنى االجتماعي للكلمة ‪ -‬أو الصفوة‪،‬‬ ‫وكيفية سيطرتها على اللغة‪ ،‬في الخطاب السياسي‪ ،‬أو تعمد‬ ‫استغاللها‪ ،‬من أجل الحفاظ على وضع الجماعة في املجتمع‪،‬‬ ‫ومراقبة محاوالت السياسيني من خالل املواقف السياسية‬ ‫إسباغ الشرعية على أنشطتهم‪ ،‬أو مقترحاتهم‪ ،‬عن طريق اللغة‪.‬‬ ‫وبهذه السيطرة‪ ،‬بواسطة استخدام اللغة‪ ،‬يمكن أن يقود الخطيب‬ ‫جمهوره بطريقة إيجابية‪ ،‬أو أن يضلله‪ ،‬حتى يعتقد بأن مصالح‬ ‫حزب الخطيب الضيقة هي مصالح الشعب بصفة عامة‪.‬‬ ‫وفي تاريخ البشرية نماذج لخطباء مشهورين من الصنفني‪ ،‬نذكر‬ ‫منهم جمال عبد الناصر في مصر‪ ،‬وتشرشل في بريطانيا‪،‬‬ ‫وروزفلت في الواليات املتحدة‪ ،‬وهتلر في أملانيا‪.‬‬ ‫العالقة بني اللغة والسياسة عالقة قديمة أدركها أرسطو‪ .‬فقد‬ ‫عرف الفيلسوف اليوناني اإلنسان بأنه «كائن ناطق»‪ ،‬إذ إنه‬ ‫الوحيد بني الكائنات الذي يستخدم اللغة في قضاء حوائجه‪،‬‬

‫خطاب الرئيس مرسي في ستاد القاهرة‬ ‫الدولي بمناسبة ذكرى انتصار السادس‬ ‫من اكتوبر والذي اثار جدال كبيرا وغضب‬ ‫قادة القوات املسلحة لدعوة الرئيس‬ ‫السابق رموز من الجماعة املتهمة بقتل‬ ‫السادات لالحتفال (اكتوبر‪)2012/‬‬

‫‪,,‬‬

‫يمتاز الخطاب‬ ‫السياسي لدى‬ ‫علماء تحليل‬ ‫الخطاب بأنه‬ ‫«خطاب شفوي‬ ‫ينتج أمام‬ ‫جمهور هدفه‬ ‫الوحيد هو‬ ‫اإلقناع‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫‪23‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫يهيمن على املشهد السياسي في مصر هذه األيام انقسام واضح‪ .‬ويظهر هذا االنقسام أيضا في الخطاب السياسي‬ ‫املصري‪ ،‬بل لعل أهم مالمح هذا الخطاب هو الدعوة الجلية للفرقة التي أخذت تميزه بعد اندالع ثورة الخامس‬ ‫والعشرين من يناير (كانون الثاني) عام ‪.2011‬فلماذا لم يفلح الخطاب السياسي في مصر في لم شمل املصريني؟‬ ‫وملاذا لم يستطع الخطاب األخير للرئيس املصري السابق محمد مرسي احتواء األزمة ؟‪ .‬بيد أنا إذا توجهنا شطر‬ ‫الواليات املتحدة األميركية وتأملنا ‪ -‬مثال ‪ -‬الخطاب السياسي للرئيس السابق جورج دبليو بوش‪ ،‬وجدنا أن بوش‬ ‫نجح في كسب أصوات الناخبني داخليا والفوز بالرئاسة مرتني‪ ،‬ثم نجح خارجيا في اكتساب تأييد دول كثيرة في‬ ‫العالم لحملته على أفغانستان‪ ،‬ثم الحرب على العراق‪.‬‬

‫ملاذا يفشل خطابنا العربي السياسي في نزع فتيل األزمات؟‬

‫أزمة خطاب‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫محمد رياض العشيري *‬

‫كان من الطبيعي أن تقسم الثورة املصرية حينما هبت‬ ‫املجتمع إلى طائفتني‪ ،‬طائفة النظام املتضعضع بعد‬ ‫نجاح الثورة‪ ،‬وهو النظام الذي ال تزل توجد بقايا حزبه‬ ‫املنهار‪ ،‬وأركان له وأعوان ومستفيدون منتشرون في أرجاء‬ ‫الدولة ومؤسساتها التي ال تزال موجودة‪ ،‬ثم فريق الثوريني‬ ‫الذين خططوا للثورة‪ ،‬وشاركوا فيها‪ ،‬وضحى بعضهم بروحه‬ ‫في سبيل نجاحها‪.‬‬

‫ملمح الفرقة‬ ‫في الخطاب‬ ‫السياسي‬ ‫لجماعة‬ ‫اإلخوان‬ ‫املسلمني‬ ‫يرجع إلى‬ ‫اسمها الذي‬ ‫يوحي بأنهم‬ ‫هم الفصيل‬ ‫الوحيد‬ ‫املسلم‬

‫وكان من املفترض أن يوحد بناء الدولة الجديدة بعد الثورة‬ ‫ُ‬ ‫طوائف املجتمع‪ .‬لكن خطة البناء التي اتفق عليها في أعقاب عدد‬ ‫من اإلعالنات الدستورية‪ ،‬قسمت املجتمع أكثر‪.‬‬

‫‪,,‬‬

‫‪,,‬‬

‫‪22‬‬

‫ولم يعد في البالد نظام قديم منهار‪ ،‬وثوريون فقط‪ ،‬بل انقسم‬ ‫الثوريون أنفسهم ‪ -‬بعد أول استفتاء أجري عقب الثورة ‪ -‬إلى‬ ‫إسالميني (يمثل اإلخوان املسلمون غالبيتهم‪ ،‬باإلضافة إلى‬ ‫حزب النور السلفي‪ ،‬واألحزاب اإلسالمية األخرى)‪ ،‬وليبراليني‬ ‫يوصفون أحيانا بالعلمانيني‪ ،‬تنضوي تحتهم األحزاب األخرى‬ ‫غير اإلسالمية‪.‬‬ ‫ومنذ ذلك الحني أخذ الخطاب السياسي يعمق الشرخ ويزيد‬ ‫الفرقة بني اإلخوان املسلمني واإلسالميني‪ ،‬من ناحية‪ ،‬ورجال‬ ‫النظام القديم وبقايا الحزب الوطني‪ ،‬واألحزاب األخرى‪ ،‬خاصة‬ ‫املدنية منها والليبراليني من ناحية أخرى‪.‬‬

‫لها من دور سوى أنها تعكس األحداث؟‬ ‫هنا نتوقف عند مفهوم اللغة كما يراها الباحثون في علوم تحليل‬ ‫الخطاب بصفة عامة‪ ،‬ثم نعرج على مفهوم «الخطاب»‪ ،‬و«الخطاب‬ ‫السياسي»‪ ،‬قبل أن نلقي نظرة على الخطاب السياسي في مصر‬ ‫‪ -‬والخطاب السياسي في أميركا‪.‬‬

‫اللغة تشكل الواقع‬ ‫كانت اللغة في املاضي تعرف ‪ -‬كما وصفها ابن جني (املتوفى‬ ‫‪ 392‬هـ) في كتابه «الخصائص» بدقة ناسبت عصره ‪ -‬بأنها‬ ‫«أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم»‪ ،‬فهي ‪ -‬طبقا لهذا‬ ‫التعريف الذي تطابق وتعريف علماء اللغة املحدثني في الغرب‬ ‫في بداية ظهور هذا املجال املعرفي ‪ -‬وسيلة للتواصل بني الناس‪،‬‬ ‫يعبرون بها عن أغراضهم‪ ،‬ومن بني تلك األغراض املشاعر‪ ،‬بال‬ ‫شك‪ .‬ونظرا ألنها وسيلة تعبير فهي تعكس الواقع‪ ،‬ولهذا اعتقد‬ ‫كثيرون أن اللغة مرآة تعكس الواقع‪ ،‬ال أكثر‪.‬‬ ‫ومع تفرع العلوم اللغوية الحديثة‪ ،‬وظهور «تحليل الخطاب ‪-‬‬ ‫‪ ،»Discourse Analysis‬اختلفت النظرة إلى اللغة ومفهومها‪.‬‬ ‫فأصبحت اللغة ‪ -‬في عرف بعض مدارس تحليل الخطاب‪،‬‬ ‫خاصة املدرسة النقدية ‪« -‬وسيلة تشكل الواقع وتغيره»‪ ،‬أو «تقدم‬ ‫الواقع بشكل مغاير (عن طريق الخداع)»‪ .‬بل قال بعض العلماء‬ ‫إن «اللغة وسيلة للسيطرة‪ ،‬كما أنها وسيلة للتواصل»‪ .‬وبذلك‬ ‫أضحت اللغة سالحا يستخدمه الساسة والخطباء في اإلقناع‪،‬‬ ‫حتى وإن أسبغوا على أفكارهم لباسا يقنع املخاطب بتلقيها‪.‬‬

‫وازداد الخطاب السياسي املفرق حدة في أعقاب االنتخابات‬ ‫الرئاسية‪ ،‬ونجاح محمد مرسي في أواخر يونيو (حزيران) عام‬ ‫‪ ،2012‬حتى وصلنا إلى املرحلة الحالية التي تلت احتجاجات ‪30‬‬ ‫يونيو‪ ،‬وعزل الرئيس مرسي‪ .‬فتمثل انقسام املجتمع في انقسام‬ ‫العاصمة ذاتها إلى بؤرتني‪ :‬إسالمية في ميدان رابعة العدوية‪،‬‬ ‫وليبرالية مدنية في ميدان التحرير‪ ،‬عدا ميادين القاهرة األخرى‪،‬‬ ‫وميادين املحافظات املختلفة‪.‬‬

‫ويرى آخر أن اللغة متعددة األوجه‪ ،‬وأنها تنقل الخبرات االجتماعية‪،‬‬ ‫لكنها أيضا تتشكل بالخبرات االجتماعية للمتحدثني‪ .‬والكلمات‬ ‫والعبارات املنطوقة ‪ -‬في رأي هذا العالم ‪ -‬مشحونة اجتماعيا‬ ‫وثقافيا عبر التاريخ قبل أن يبدأ في استخدامها املتكلمون‪.‬‬

‫ولكن‪ ،‬هل يمكن أن يكون للخطاب السياسي مثل هذا التأثير في‬ ‫املجتمع‪ ،‬أم أن اللغة مرآة ملا يجري في املجتمع من انقسام‪ ،‬وليس‬

‫ولعل ما دفع الباحثني في علوم تحليل الخطاب إلى رفض‬ ‫مفهوم اللغة التقليدي القديم‪ ،‬هو خوضهم غمار مجال جديد‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬


Distinguish yourself

Kingâ&#x20AC;&#x2122;s is ranked in the top 30 universities worldwide* and based in the heart of London. With nine Schools and six Medical Research Council centres, Kingâ&#x20AC;&#x2122;s offers world-class teaching and research. Our extensive range of subjects includes humanities, law, medicine, psychiatry, dentistry, nursing, mathematics; natural, biomedical, social and management sciences. For further information, please contact Ghazi Lashab at ghazi.lashab@kcl.ac.uk *QS World University Rankings, 2011

www.kcl.ac.uk


‫شؤون سياسية‬

‫الحرية السياسية على اإلطالق‪ ،‬بل «البحث عن مكانة» لشعب‬ ‫يأمل في الهروب من الدونية التي أودعه بها االستعمار وما اعتقد‬ ‫أنها مكائده (الديمقراطية والرأسمالية)‪ .‬وهكذا أصبح مصطلح‬ ‫الحرية مرادفا فضفاضا لالستقالل القومي والعدالة والكرامة‪،‬‬ ‫في إشارة إلى أنهم بدرجة ما أمر واحد متماثل‪ .‬بالنسبة لناصر‬ ‫وتالميذه (مبارك وصالح والقذافي وغيرهم)‪ ،‬كانت الحرية حرية‬ ‫العرب في التعامل معهم بجدية‪.‬‬

‫‪,,‬‬

‫في جيل‬ ‫سابق‬ ‫كانت هناك‬ ‫إعالنات‬ ‫عن أن أكثر‬ ‫ما يحتاج‬ ‫إليه العرب‬ ‫هو تحرير‬ ‫فلسطني أو‬ ‫االشتراكية‬ ‫أو تأميم‬ ‫النفط‬

‫‪,,‬‬

‫وبقدر ما كانت الثورات رفضا واعيا لنموذج الحكومة الناصري‪،‬‬ ‫إال أنها مثلت أيضا رفضا لهذا التعريف الخاطئ للحرية الذي‬ ‫صاحب هذا النموذج‪ .‬لم تكن مصادفة أن األنظمة الجمهورية‬ ‫انهارت بينما ظلت األنظمة امللكية كما هي (على الرغم من أنها‬ ‫اكتسبت بعض الدروس املستفادة)‪ .‬يبدو أن العديد من العوامل‬ ‫لها دور في هذا الشأن‪.‬‬ ‫أوال‪ ،‬ساعد تأثير قنوات التلفزيون الفضائية التحرري الثقافة‬ ‫السياسية العربية منذ منتصف التسعينيات وحتى اآلن‪ ،‬من‬ ‫خالل الترويج لكلمات «حرية» و«ديمقراطية» و«انتخابات»‬ ‫و«حقوق إنسان»‪ ،‬وغيرها من الكلمات التي خلقت وعيا ليبراليا‪.‬‬ ‫ثانيا‪ ،‬كان هناك تعامل غير مريح مع رأسمالية السوق الذي كان‬ ‫على العديد من الدول الجمهورية تطبيقها‪ ،‬مما أسفر عن انكماش‬ ‫القاعدة االجتماعية للدولة واتساع الفجوة بني الفقراء واألغنياء‪.‬‬ ‫أدى العجز عن تلبية احتياجات الدولة التي تفخر بأنها تفعل ذلك‬ ‫إلى فقدان متزايد للمصداقية‪.‬‬

‫كوارث صدام‬ ‫ولكن هناك عنصرا ثالثا أشد ضررا اقتلع الحلم الشعوبي‬ ‫الجمهوري من جذوره وكان هذا هو السقوط املخزي لصدام‬ ‫حسني‪ .‬اتخذ صدام من النموذج الناصري قوة يحتذي بها‬ ‫إلى النهاية‪ ،‬أكثر من أي زعيم آخر‪ .‬ولكن بعيدا عن رفع مكانة‬ ‫العرب بني الدول‪ ،‬ألحق صدام الكوارث بالعرب في سلسلة من‬ ‫املغامرات الخاطئة التي أدت إلى انحسار عام في مكانتهم‪ ،‬وهو ما‬ ‫يناقض كلية الغرض الذي قصده النموذج الناصري‪ .‬أبرزت نهايته‬ ‫اإلفالس األخالقي الذي عانى منه نظام أخضع رغبات املرء املادية‬ ‫إلى «نفس» متعالية متحكمة – ال تقل عن بيروقراطية مغرورة‬ ‫– تحرف وتستغل وتسحق الفرد حتى يفقد جميع قوته‪ .‬كان‬ ‫خروج صدام املذل املسمار األخير في نعش نظام حكم مستبد‪،‬‬ ‫ولكنه أيضا وضع نهاية لرؤية الحرية التي كان يعتمد عليها‪.‬‬ ‫في خطاب ألقاه القائد الليبي معمر القذافي في قمة جامعة الدول‬ ‫العربية عام ‪ ،2008‬كان يعلم ما سوف يحدث‪ .‬وقال لزمالئه‬ ‫رؤساء الدول‪« :‬تحتل قوة أجنبية دولة عربية وتعدم قائدها شنقا‪،‬‬ ‫ونحن نشاهد ونضحك‪ .‬لقد اقتيدت قيادة عربية كاملة إلى حبل‬ ‫املشنقة بينما نحن نشاهد‪ .‬ربما يحل دورك في املرة املقبلة!»‪.‬‬

‫الحرية أوال‬ ‫من أعظم أسس مرحلة ما بعد البوعزيزي أن ما يريده العرب هي‬ ‫الديمقراطية‪ .‬في جيل سابق‪ ،‬كانت هناك إعالنات مشابهة عن‬ ‫أن أكثر ما يحتاج إليه العرب هو تحرير فلسطني أو االشتراكية‬ ‫أو تأميم النفط‪ .‬تخاطر مثل هذه االفتراضات العامة بإغفال‬ ‫احتياجات العرب وفقا للفكرة السائدة في ذلك الوقت أيا ما كانت‪.‬‬ ‫وجد برلني عدم ضرورة في اتصال الحرية والحكم الديمقراطي‪.‬‬ ‫ويقول‪« :‬تختلف اإلجابة على سؤال‪ :‬من يحكمني؟ عن سؤال‪ :‬إلى‬ ‫‪20‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1585‬يوليو‪ -‬تموز ‪2013‬‬

‫أي قدر تتدخل الحكومة في شؤوني؟» في الحقيقة ربما تحرم‬ ‫الديمقراطية اإلنسان من العديد من الحريات‪ ،‬التي ربما استطاع‬ ‫التمتع بها في نوع آخر من املجتمعات‪.‬‬

‫الفردية العربية‬ ‫بالنسبة للعرب الذين تعلموا التفكير النقدي‪ ،‬تعد مهمة إنقاذ‬ ‫املعنى من العدم صعبة ولكنها ليست مستحيلة‪ .‬أزاح الربيع‬ ‫العربي الغطاء عن الفردية العربية‪ .‬إنه تيار إيجابي مشتعل لم يتم‬ ‫التعبير عنه بقوة أو حتى بوسيلة بناءة‪.‬‬ ‫بعد أعوام من اإلعداد لرد فعل ثقافي مضاد الستبداد الجمهوريات‬ ‫الناصرية‪ ،‬كانت هذه هي الطاقة التي تحملت في بعض األحيان‬ ‫التغيير العنيف‪ .‬ما زالت اللغة السياسية العربية‪ ،‬التي تعتبر إلى‬ ‫حد كبير نتاجا للعقلية الدوالنية والجماعية‪ ،‬لم تتغير بالنسبة‬ ‫للمقاتل الثوري السوري أو املتظاهر اليمني‪ ،‬أو حتى السلفيني‬ ‫التونسيني حتى يضيفوا إلى اللغة السياسية رغباتهم في إنهاء‬ ‫تدخل الدولة في الدائرة الخاصة‪ ،‬حتى وإن كان هذا التدخل بدعم‬ ‫من صناديق االقتراع‪ .‬يعتبر البحث عن الحرية «السلبية» في‬ ‫هذا الصدد عنصرا محوريا في فلسفة الربيع العربي‪ .‬وال تعتبر‬ ‫الليبرالية أمرا جديدا تماما على التجربة اإلسالمية التي تميزت‬ ‫بحاالت سابقة في نموذج الدولة ‪ -‬املدينة قبل االستعمار األوروبي‬ ‫وما تاله من إقامة دولة ذات قومية تبالغ في املركزية وفرض القوة‬ ‫في صورة أوروبية‪ .‬أما الورثة العصريون لتركة الدولة ‪ -‬املدينة‬ ‫العربية فهي مشيخات الخليج مثل دبي أو البحرين‪ ،‬التي تجذب‬ ‫حكومتها الصغيرة وتركيبة سوقها الحرة مع السلطة السياسية‬ ‫القبلية التقليدية العرب السعداء من جميع أنحاء العالم‪.‬‬ ‫لعل أكثر مهمات الربيع العربي إلحاحا هي إقامة سلطة تحافظ‬ ‫على الحرية الفردية وتحميها‪ .‬هنا أيضا تستطيع الجمهوريات‬ ‫أن تتعلم شيئا من الدول امللكية‪ ،‬والتي لم تمسها موجة الثورات‬ ‫إلى حد كبير‪ .‬تاريخيا كانت الدولة ذات النظام امللكي أنجح في‬ ‫تخطيط املجاالت العامة والخاصة‪ ،‬وبالتالي اعترفت باملجتمع‬ ‫واملجموعات التي يتكون منها‪ ،‬ولم تسع إلى اقتالعها مثلما حدث‬ ‫مع الجمهوريات الشعوبية‪ .‬يرجع املؤرخ برنارد لويس هذا إلى رد‬ ‫الفعل املحدود ضد االستعمار في هذه الدول‪.‬‬ ‫ويقول‪« :‬في هذه الدول (العربية) التي لم يسيطر عليها‬ ‫(االستعمار) بشكل كامل‪ ،‬لم يهتم النقاش حول الديمقراطية في‬ ‫األساس بحقوق جماعة ضد أخرى أو الدولة ضد دول أخرى‪ ،‬بل‬ ‫بحقوق الفرد أمام حقوق الجماعة أو الدولة»‪.‬‬ ‫وبالتالي‪ ،‬أصبحت النزعة الفردية كمفهوم وممارسة أكثر تطورا‪.‬‬ ‫كيف يمكن أن يحدث ذلك دون أن يؤدي خرق النظام أو اللجوء إلى‬ ‫القسر إلى التأثير على شرعية السلطة السياسية القائمة‪ .‬االرتباط‬ ‫بالعائلة واألقارب والحي واملجتمع وتنفيذ األعراف والتقاليد‪،‬‬ ‫وااللتزام بدين جماعي والشعور العام بالحنني إلى املاضي‪ :‬هذه‬ ‫هي اآليديولوجيا «العضوية» التي قامت على أساسها جميع‬ ‫األنظمة امللكية العربية‪ .‬في الواقع‪ ،‬يمكن القول إن السلطة في الدول‬ ‫امللكية «اجتماعية» أكثر من كونها سياسية‪ ،‬وإنها أكثر ثقافة من‬ ‫كونها قسرية‪ .‬هناك دول متصالحة مع ذاتها‪ ،‬وليس عليها اللجوء‬ ‫إلى آيديولوجيا مناهضة للغرب من أجل اكتساب مكانة‪ .‬يوضح‬ ‫ذلك إلى حد كبير سبب عدم اندالع الثورات في األردن أو املغرب‬ ‫أو السعودية‪ .‬ويجب أن تستفيد من ذلك األنظمة الديمقراطية بعد‬ ‫الربيع العربي <‬


‫الدولة ذلك‪ .‬ولكن كما يشير املؤرخ املغربي عبد الله العروي‪ ،‬لم‬ ‫ترتبط الدولة العربية مطلقا‪ ،‬في نشأتها وتطورها‪ ،‬بفكرة الحرية‬ ‫السياسية بمعناها الغربي‪« ..‬تحمل الحرية في الفكر اإلسالمي‬ ‫معنى نفسيا ميتافيزيقيا‪ ،‬بينما تحمل في الفكر الغربي معنى‬ ‫سياسيا واجتماعيا في األساس»‪ .‬ترجع أول مرة استخدمت فيها‬ ‫الكلمة بمعنى «الحرية السياسية» إلى عام ‪ 1798‬عندما أصدر‬ ‫نابليون بونابرت إعالنا باللغة العربية يخاطب فيه املصريني باسم‬ ‫الجمهورية الفرنسية «التي أقيمت على أساس الحرية واملساواة»‪.‬‬ ‫يمكن إذن أن نتحدث عن تفرد العالقة بني مفهوم الحرية ومفهوم‬ ‫الدولة في املجتمع اإلسالمي العربي التقليدي‪ ،‬يقول العروي‪« :‬كلما‬ ‫اتسع مفهوم الدولة‪ ،‬ضاق نطاق الحرية»‪ .‬لذلك أخفق بناة الدولة‬ ‫العربية في العصر الحديث في تحفيز املواطن العربي على رؤية‬ ‫الدولة القومية‪ ،‬املصنوعة في صورة أوروبية‪ ،‬كتجسيد لإلرادة‬ ‫الشعبية أو األخالقيات العامة‪ .‬وبدال من ذلك‪ ،‬استحوذت على‬ ‫الدول العربية‪ ،‬بدرجات متفاوتة‪ ،‬السلطة والقوة‪ ،‬ولكنها «افتقدت‬ ‫إلى الدعائم األخالقية واآليديولوجية والتعليمية»‪ .‬وكانت النتيجة‬ ‫أن ظلت الدولة «غريبة» بالنسبة للمجتمع‪ ،‬الذي يخاف منها وال‬ ‫يحبها‪.‬‬ ‫لم تكن البداية سعيدة‪ .‬وساءت األمور بالنسبة لبعض العرب‬ ‫عندما أصبح جمال عبد الناصر في مصر مصدر إلهام لظهور‬ ‫نوع جديد وعنيف من الدولة‪ :‬الجمهورية الشعوبية الراديكالية‪.‬‬ ‫وأصبح كل من تونس وليبيا وسوريا والعراق واليمن والجزائر‬ ‫جميعا خاضعة لحكم أنظمة تقلد عبد الناصر في االستبداد‬ ‫والنقابوية والعسكرة واالشتراكية الزائفة‪ .‬وكانت السلطة في هذه‬ ‫الدول تدور حول ثالثة أقطاب‪ :‬الرئيس والجيش والحزب‪.‬‬ ‫ولم تكن الشرعية الشعبية موجودة في اإلجراءات أو اإلنجازات‪،‬‬ ‫بل في األهداف العليا الجماعية التي يتم التعبير عنها بتعريفات‬ ‫قومية أو دينية أو طبقية‪ ،‬لتتراجع أمامها كلية املصالح والرغبات‬ ‫الفردية‪ .‬كتب الفيلسوف السياسي أنطوني دي جاساي أنه في‬

‫مثل هذه الدولة «يجب أن يخضع وجود الفرد الكامل لشخص‬ ‫واحد وعالقة األمر والطاعة‪ ،‬دون دوائر شعبية أو خاصة منفصلة‬ ‫أو انتماءات منقسمة أو مراكز سلطة بديلة أو مقدسات أخرى‪ ،‬أو‬ ‫أي مكان آخر يمكن اللجوء إليه»‪.‬‬

‫أحد أنصار معارضة محمد مرسي‬ ‫يلعب كرة القدم أمام دبابات الحرس‬ ‫الجمهوري املنتشرة خارج القصر‬ ‫الرئاسي في القاهرة‬

‫سحق عبد الناصر للحريات السياسية‬ ‫ظلت هناك دوائر تنتقد في هدوء سحق عبد الناصر للحريات‬ ‫السياسية‪ .‬وفي خطاب ألقاه عبد الناصر في عام ‪ ،1961‬وضع‬ ‫ما أصبح بعد ذلك قاعدة للجمهورية‪ ،‬حيث قال‪« :‬ال يمكن أن‬ ‫تقوم بني ربوع هذه األمة الحرية السياسية إال إذا توفرت الحرية‬ ‫االجتماعية؛ ألن الحرية االجتماعية هي األساس الذي يتحرر به‬ ‫اإلنسان؛ وال يمكن أن تكون الحرية السياسية ذات معنى إال إذا‬ ‫كان اإلنسان حرا‪ ..‬حرا من سيطرة اإلقطاع‪ ..‬حرا من سيطرة‬ ‫رأس املال‪ ..‬حرا من سيطرة االحتكار»‪.‬‬ ‫هنا تكمن املشكلة‪ .‬كان عبد الناصر شابا غاضبا يشعر باإلهانة‬ ‫من االستعمار األوروبي وإسرائيل والطبقة العليا الثرية املكونة‬ ‫من بشاوات وأفنديات كسالى‪ .‬بعد االستحواذ على السلطة‪،‬‬ ‫شرع عبد الناصر في برنامج طموح للتأميم واملركزية والتحول‬ ‫الصناعي‪ ،‬في صراع مع الزمن كما فعل ستالني‪ ،‬لتحويل املجتمع‬ ‫«رغما عن ذاته» وإقامة دولة أحدث وأكثر ثقة يستطيع أن يفخر‬ ‫بها هو ورفاقه املصريون‪.‬‬ ‫أدى هذا التحول السريع إلى الحداثة إلى تداخل متعمد في القيم‪ ،‬أو‬ ‫قل خدعة عبد الناصر اآليديولوجية إذا أردت‪ ،‬إذ سحب نوعا من‬ ‫الحرية‪ ،‬الحرية السياسية «السلبية» التي كان املصريون يتمتعون‬ ‫بها في السابق‪ ،‬واستبدل بها حرية «إيجابية» على الطراز‬ ‫السوفياتي‪ ،‬تضع في األولوية األهداف الجماعية‪.‬‬

‫‪,,‬‬

‫ال يوجد‬ ‫إجماع بني‬ ‫الفئات‬ ‫السياسية‬ ‫العربية‬ ‫على تعريف‬ ‫«الحرية»‬

‫‪,,‬‬

‫لم يكن الدافع الرئيسي للزعماء من جيل ناصر هو البحث عن‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫‪19‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫«الحرية بالنسبة ألستاذ في جامعة أكسفورد تختلف كثيرا عن الحرية بالنسبة لفالح مصري»‪ .‬هكذا قال أحد أبرز‬ ‫أساتذة أكسفورد أشعيا برلني‪ .‬هل كان على صواب؟ هل يحتاج الفالح املصري إلى «نوع» من الحرية مختلف عما‬ ‫يحتاج إليه أستاذ إنجليزي؟‬

‫بعد ثورات الربيع‪ ..‬ماذا يريد العرب؟‬

‫ثمن احلرية‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫مالك العبدة‬

‫‪,,‬‬

‫كان عبد‬ ‫الناصر شابا‬ ‫غاضبا يشعر‬ ‫باإلهانة من‬ ‫االستعمار‬ ‫األوروبي‬ ‫وإسرائيل‬ ‫والطبقة العليا‬ ‫الثرية املكونة‬ ‫من بشاوات‬ ‫وأفنديات‬ ‫كسالى‬

‫‪,,‬‬

‫‪18‬‬

‫لم يرهق السؤال املطروح عقول الباحثني واملعلقني بقدر‬ ‫ما أتعبهم في الوقت الحالي‪ .‬منذ إقدام محمد البوعزيزي‬ ‫على إشعال النار في ذاته‪ ،‬أصبحت مسألة ما يريده‬ ‫العرب محور نقاش عاملي‪ .‬ال توجد معرفة مؤكدة تتجاوز العلم‬ ‫بالطموح العام في الحصول على الحرية‪ .‬ولكن يظل الباب مفتوحا‬ ‫على مصراعيه أمام معنى ذلك بالنسبة للعرب في شوارع القاهرة‬ ‫أو طرابلس أو صنعاء‪.‬‬ ‫يمكن أن يخبرك ذوو امليول الغربية أنها تعني الحياة في نظام‬ ‫ديمقراطي علماني‪ ،‬بينما سيقول اإلسالميون إن الحرية‬ ‫الحقيقية يمكن أن تسمح للدولة بتطبيق الشريعة‪ .‬ال يوجد إجماع‬ ‫بني الفئات السياسية العربية على تعريف «الحرية»‪ ،‬ربما ألنهم‬ ‫لم يجيبوا على أهم سؤال في السياسة‪ :‬عن السلطة‪ :‬ملاذا يجب‬ ‫علي (أو على أي شخص) أن يطيع شخصا آخر؟ ملاذا ال أحيا‬ ‫كما أريد؟ هل تجب علي الطاعة؟ إذا عصيت األوامر‪ ،‬هل أتعرض‬ ‫لإلجبار؛ ممن‪ ،‬وإلى أي درجة‪ ،‬وتحت أي اسم‪ ،‬وألي غرض؟ لم‬ ‫تقدم إجابات مقنعة على هذه األسئلة‪.‬‬

‫صراع وفوضى‬ ‫كانت النتيجة هي غطاء من التشاؤم وتوقع الشر الذي حل على‬ ‫العالم العربي عندما تحولت «الثورات» إلى صراع وفوضى‪ .‬قال‬ ‫برلني في الخمسينيات محذرا‪« :‬عندما تتعرض األفكار إلى‬ ‫اإلهمال ممن يجب أن يستمعوا إليها‪ ،‬أحيانا ما يكتسبون زخما‬ ‫غير صحيح وسلطة ال يمكن مقاومتها على جموع الرجال الذين‬ ‫يصبحون عنيفني للغاية إلى درجة ال يفلح معها النقد العقالني»‪.‬‬ ‫أليست هذه هي املشاكل التي يواجهها املثقفون العرب اليوم؟ قد‬ ‫تكون الثورات سببا في ظهور آالف السياسيني‪ ،‬ولكنها لم تثمر‬ ‫ُ‬ ‫حركة ثقافية موحدة ت ّعرف اإلرادة الشعبية كما فعل الفالسفة‬ ‫مع الثورة الفرنسية‪ .‬هناك أشياء كثيرة غير محددة‪ ،‬وفي هذه‬ ‫املساحات غير املحددة يتشاجر الساعون إلى السلطة في مصر‬ ‫وتونس وغيرهما اآلن متدثرين بلغة الحرية‪.‬‬ ‫إن لغة الحرية وليس أي شيء آخر أمر مهم‪ .‬ولكن كما قال برلني‬ ‫في «مفهومان عن الحرية»‪ ،‬هذا املصطلح يحمل معنى دقيقا‬ ‫للغاية وكما يمكنه أن يساعد على التحرير يمكنه أن يساعد على‬ ‫االستعباد‪ .‬ربما تكون الشيوعية انتهت في القرن املاضي‪ ،‬ولكن‬ ‫يعيش مفهومها عن ماهية الحرية – جيناتها الفلسفية إن جازت‬ ‫التسمية – في مجموعة من األفكار التي سادت الثقافة السياسية‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫العربية طوال عقود‪ .‬وسواء كانت هذه األفكار القومية العربية أو‬ ‫اإلسالم السياسي‪ ،‬بقدر ما تتمسك هذه اآليديولوجيات بأن حرية‬ ‫املجتمع ككل – سواء دولة أو مجموعة من معتنقي الدين – تحمل‬ ‫قيمة أعلى من حرية الفرد‪ ،‬يمكن القول إنها تتبنى رؤية «الحرية‬ ‫اإليجابية»‪( .‬وهو مصطلح صاغه برلني‪ ،‬وهذا ليس قبوال له ولكنه‬ ‫توضيح للموقف املنعكس في هذا الفهم الخاص للمصطلح)‪.‬‬ ‫تتناقض «الحرية لـ» مع «الحرية من»‪ ،‬أي غياب القسر أو التدخل‬ ‫من رجال آخرين‪ .‬في الغرب‪ ،‬أصبحت الحرية السياسية تعني‬ ‫هذه الحرية الفردية «السلبية»‪.‬‬ ‫يزداد صخب الدعوات لتحقيق أغراض مثالية تخرج عن نطاق‬ ‫الشرق األوسط‪ .‬وتعد هذه مفارقة نظرا ألن‬ ‫الفرد في جميع أنحاء‬ ‫ُ‬ ‫األنظمة الديكتاتورية التي أسقطت اعتمدت بصورة رئيسة على‬ ‫هذه األنماط من األفكار الجماعية للحفاظ على الشرعية والتأييد‪.‬‬ ‫لم تكن التربة اآليديولوجية‪ ،‬التي يأمل دعاة الديمقراطية العرب في‬ ‫أن تثمر مجتمعات أكثر حرية وديمقراطية‪ ،‬أقل خصوبة‪ ،‬ولكن‬ ‫من املتوقع أن يظهر في فترة قياسية شيء ما يشبه الديمقراطية‬ ‫الليبرالية الغربية في قمة ازدهارها‪ .‬يظل أحد أكبر التناقضات‬ ‫غير املفهومة في الربيع العربي متعلقا بكيفية إنتاج التراث‬ ‫الفكري نظاما سياسيا نشأ في إطار تراث آخر مختلف تماما‪.‬‬ ‫سيقول هؤالء الذين يعتبرونه كارثة محققة إن العرب في الشوارع‬ ‫يريدون في الحقيقة ديكتاتورا آخر‪ ،‬ولكنه بلحية في هذه املرة‪.‬‬ ‫ولكن يوجد تفسير آخر محتمل‪ ،‬يتعلق بنزعة العرب الطبيعية‬ ‫العتناق مجموعة أفكار ليس من السهل التصالح بينها في‬ ‫وقت واحد‪ .‬كان على األجيال السابقة أن يؤكدوا على «األصالة‬ ‫واملعاصرة» باعتبارها عالجا لجميع مشاكلهم‪ .‬وفي فترة الحقة‪،‬‬ ‫كانت «الوحدة والحرية واالشتراكية» تخدم الغرض ذاته‪ .‬أليس من‬ ‫املمكن أن يكون ما يرغب فيه املواطن العربي‪ ،‬نظرا للخلط الكبير‬ ‫الذي تعرض له ذهنه‪ ،‬هو كل من الحرية الفردية والجماعية؟ من‬ ‫املحتمل جدا‪.‬‬ ‫وصف إيه إتش كار التاريخ بأنه حوار ثابت بني أحداث املاضي‬ ‫ونهايات املستقبل التي تنشأ تدريجيا‪ .‬إذا كان األمر كذلك‪ ،‬تعتبر‬ ‫بعض التطورات الحالية أحداثا هامة في الطريق الذي أدى إلى‬ ‫حادث البوعزيزي وميدان التحرير وما وراءهما‪.‬‬

‫خدعة الجمهورية‬ ‫ال يوجد كيان شكل مواقف العرب تجاه الحرية بقدر ما فعلت‬


‫شؤون سياسية‬

‫هناك هي «صراع قبلي» أو «حرب أهلية» بني أطراف «يكره معظمها الواليات دعم جون ماكني للثوار‬ ‫املتحدة»‪ ،‬حسب اعتقاد هؤالء‪ ،‬وال مصلحة لألميركيني في تكبد عناء وال‬ ‫تكلفة التدخل في صراع كهذا‪.‬‬

‫طبعا هذا املوقف هو من الناحية النظرية‪ ،‬أما في الواقع فيبدو أن ابتعاد‬ ‫أوباما عن سوريا سببه‪ ،‬حسب مؤيديه قبل معارضيه‪ ،‬اضطراب سياسته‬ ‫الخارجية عموما‪.‬‬

‫‪,,‬‬

‫املعلق املعروف في صحيفة «واشنطن بوست»‪ ،‬ديفيد إغناتيوس‪ ،‬كان‬ ‫من أول املبشرين بباراك أوباما رئيسا للبالد‪ ،‬معددا مزايا املرشح الشاب‪،‬‬ ‫متبنيا وعوده في تنفيذ االنسحاب األميركي من العراق وأفغانستان‪ ،‬وفي‬ ‫وضع «سياسة االنخراط» مع نظام الرئيس السوري بشار األسد موضع‬ ‫التنفيذ‪ ،‬وفي السعي للتوصل إلى اتفاق نهائي للسالم بني الفلسطينيني‬ ‫واإلسرائيليني‪.‬‬

‫لو وضعنا‬ ‫جانبا موقف‬ ‫الجمهوري‬ ‫جون ماكني‬ ‫في دعمه‬ ‫لثوار سوريا‬ ‫لرأينا أن‬ ‫موقف‬ ‫الجمهوريني‬ ‫ال يختلف‬ ‫عن «اليسار‬ ‫الليبرالي»‬ ‫و«التحرريني»‬

‫وكتب إغناتيوس‪« :‬هذه غلطة‪ .‬الرؤساء ال يقطعون وعودا باملساعدة العسكرية‬ ‫ثم يتفرجون على حلفائهم وهم يتم سحقهم»‪ .‬ووصف املعلق األميركي‬ ‫سياسة أوباما الساعية إلى حل سياسي ودعم املعتدلني في وجه املتطرفني‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫سنة أو شيعة‪ ،‬بالصحيحة‪ ،‬مضيفا‪« :‬إذن دع ذلك يحدث‪ ...‬فعلى العاملني في‬ ‫البيت األبيض أن يسألوا أنفسهم أثناء اجتماع الوكاالت‪ ،‬كل صباح‪ ::‬ما الذي‬ ‫يمكنهم فعله لتنفيذ وعد الرئيس بمساعدة (سليم) إدريس واملعتدلني؟»‪.‬‬ ‫وإغناتيوس ليس وحده من مؤيدي أوباما املحبطني من سياسة الرئيس‬ ‫الخارجية‪ ،‬فالدبلوماسي املخضرم السابق فرد هوف كان من أول املدافعني‬ ‫عن سياسة أوباما حول سوريا‪ ،‬مقلال في الغالب من شأن التدخل العسكري‪،‬‬ ‫ومحذرا من التسليح من دون تحديد املعتدلني من بني الفئات املعارضة‪.‬‬

‫جون‬ ‫ماكني‬

‫لكن هوف‪ ،‬الذي يعمل اليوم خبيرا في «مركز رفيق الحريري» التابع ملركز‬ ‫أبحاث «مجلس األطلسي»‪ ،‬كتب مقالة جاء فيها أنه يبدو أن «االضطراب» هو‬ ‫ميزة سياسة أوباما نحو سوريا‪ .‬وقال هوف‪« :‬بعض املسؤولني يقترحون‬ ‫عقد مؤتمر جينيف كغاية بذاتها‪ ،‬على الرغم من كون الفكرة أنسب كي‬ ‫تكون جزء من استراتيجية أكبر»‪ .‬وأضاف‪« :‬البعض اآلخر يعطون أهمية‬ ‫ألمن األسلحة الكيماوية وتحييد دور عناصر (تنظيم) القاعدة‪ ،‬وهي حجج‬ ‫يستخدمها بشار األسد الستعراض الفوائد املزعومة النتصاره‪ ،‬متجاهلني‬ ‫طبعا التعاون الطويل األمد بني االستخبارات السورية و(القاعدة) في العراق»‪.‬‬ ‫وختم هوف‪« :‬قبل استشارة الكونغرس والحلفاء (حول سوريا)‪ ،‬األجدى‬ ‫باإلدارة أن تقرر داخليا في ما بينها ما الذي تريد تحقيقه في سوريا‪ ،‬وكيف‬ ‫تنوي تحقيقه»‪ .‬يضاف إلى اضطراب السياسة الخارجية لباراك أوباما‬ ‫عموما‪ ،‬موقف «التحرريني»‪ ،‬وهؤالء محسوبون على الحزب الجمهوري‪ ،‬الذي‬ ‫تستهويه عادة مغامرات الخارج وتدخل أميركا عسكريا حول العالم‪ .‬لكن‬ ‫«التحرريني» يعتقدون أن تقليص حجم ودور الحكومة األميركية يجب أن‬ ‫يشمل القوة العسكرية والسياسة الخارجية‪ .‬ويعكف «التحرريون» منذ ورود‬ ‫أنباء عن إمكانية قيام إدارة أوباما بتسليح ثوار سوريا على استعادة تجربة‬ ‫أفغانستان في الثمانينات‪ ،‬ويتهمون‪ ،‬غالبا من دون أي دالئل‪ ،‬الثوار السوريني‬ ‫باالنتماء إلى تنظيمات متطرفة‪ ،‬مثل تنظيم القاعدة‪.‬‬

‫‪,,‬‬

‫‪16‬‬

‫وفي كل مرة تعثرت إدارة أوباما في السياسة الخارجية‪ ،‬كان إغناتيوس‬ ‫املعروف بعالقاته مع إدارة أوباما وداخل وكالة االستخبارات املركزية (سي‬ ‫آي إيه)‪ ،‬من أول املدافعني واملبررين ألوباما‪ .‬لكن إغناتيوس كتب مقالة مؤخرا‬ ‫حملت عنوان «سياسة أوباما املحيرة في الشرق األوسط»‪ ،‬حمل فيها بشدة‬ ‫على الرئيس األميركي لقطعه وعودا بتسليح املعارضة السورية‪ ،‬بينما يقول‬ ‫املعارضون إنهم لم يتسلموا أي أسلحة حتى اآلن‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫لكن حتى الحزب الجمهوري نفسه ال يبدو في عجلة من أمره للتدخل في‬ ‫سوريا‪ .‬ولو وضعنا جانبا موقف السناتور الجمهوري املخضرم جون ماكني‬ ‫في دعمه لثوار سوريا‪ ،‬لرأينا أن الجمهوريني مترددون مثل «اليسار الليبرالي»‬ ‫و«التحرريني»‪ ،‬فالحزب الجمهوري يحب عادة مصادقة الديكتاتوريات‬ ‫العسكرية التي يمكن أن تخدم املصالح األميركية‪ .‬أما أبرز دليل على ذلك‬ ‫فظهر عندما قام عضو الكونغرس عن الحزب الديمقراطي اليوت انغل بتقديم‬ ‫مشروع قانون في الكونغرس يدعو إدارة أوباما إلى مساندة ثوار سوريا‪.‬‬ ‫انغل وجد نفسه في موقع محرج عندما مر أكثر من أسبوع من دون أن يتقدم‬ ‫أي من زمالئه الجمهوريني لدعم املشروع‪ ،‬على الرغم من االعتقاد السائد أن‬ ‫الجمهوريني هم من يرغبون في تدخل أميركا في سوريا‪ .‬وبعد مرور أسبوع‪،‬‬ ‫وتفاديا للمزيد من الحرج النغل‪ ،‬أضاف عضو الكونغرس ورئيس لجنة‬ ‫ثان للقرار‪ ،‬الذي غرق في اللجان من‬ ‫االستخبارات مايك روجرز اسمه كعراب ٍ‬ ‫دون أي أفق بسبب غياب الدعم السياسي له‪.‬‬ ‫وكما في مجلس النواب‪ ،‬كذلك في مجلس الشيوخ‪ ،‬قدم زعيم «التحرريني»‬ ‫السناتور راند بول نص قانون باالشتراك مع زميل جمهوري وزميلني‬ ‫ديمقراطيني‪ ،‬على أثر تلميح إدارة أوباما إلى نيتها تزويد الثوار السوريني‬ ‫بالسالح‪ .‬وطالب مشروع القانون إدارة أوباما بالبقاء بعيدة عن األزمة‬ ‫السورية تفاديا للغرق «في حرب شرق أوسطية جديدة»‪ .‬هكذا يعارض‬ ‫«اليسار الليبرالي» التدخل األميركي في سوريا ألسباب يعتقدها مبدئية‪،‬‬ ‫ويعارض «اليمني املحافظ» التدخل األميركي في سوريا ألنه ال يؤمن بوجود‬ ‫أسباب تتعلق باملصالح القومية األميركية توجب التدخل‪ ،‬وينضم إلى‬ ‫الكتلتني الكبريني‪« ،‬التحرريني» الذين يعارضون دور أميركا حول العالم ككل‪.‬‬ ‫كل هذه املعارضة مقرونة باستطالعات رأي تظهر معارضة شعبية ألي‬ ‫تدخل أميركي في سوريا‪ ،‬وشخصية أوباما املترددة وسياسته الخارجية‬ ‫املبعثرة‪ ،‬أدت حتى اآلن إلى بقاء أميركا بعيدة عن الوضع السوري‪ ،‬إال من باب‬ ‫الدبلوماسية وتقديم املساعدات اإلنسانية لالجئني‪.‬‬ ‫وقد يلحظ التاريخ أن كل تدخل أميركي خارجي‪ ،‬إن كان إلخراج صدام‬ ‫حسني من الكويت أو إلنهاء املجازر في كوسوفو‪ ،‬يبدأ بالضرورة عند‬ ‫الرئيس األميركي‪ ،‬الذي «يأخذ القضية إلى الرأي العام» ويعمل على حشد‬ ‫التأييد لها‪ ،‬ومن ثم على كسب تأييد الكونغرس‪ .‬حتى عندما كانت أميركا‬ ‫على أهبة االستعداد للذهاب إلى الحرب على أثر اعتداءات ‪ 11‬سبتمبر‬ ‫(أيلول)‪ ،‬حتى لو كانت حربا ضد مجهول‪ ،‬لم يكن هناك بد من وقوف‬ ‫الرئيس جورج بوش االبن أمام شعبه لحثه على تأييد الحرب‪ .‬وحتى في‬ ‫ذلك الحني لم يقدر بوش على أخذ أميركا إلى حرب في العراق على ظهر‬ ‫‪ 11‬سبتمبر وحرب أفغانستان‪ ،‬بل اضطرت إدارته إلى تقديم رواية حول‬ ‫امتالك صدام حسني ألسلحة دمار شامل‪ ،‬ثبت عدم صحتها‪ .‬اليوم‪،‬‬ ‫أوباما مضطرب وسياسته الخارجية محيرة‪ ،‬وال يبدو أنه مستعد إلنفاق‬ ‫أي رصيد سياسي من أجل إنقاذ السوريني من املجازر التي تلحق بهم‪.‬‬ ‫في نفس الوقت‪ ،‬يقود «اليسار الليبرالي» حملة ضد التدخل األميركي في‬ ‫سوريا‪ ،‬ويعكف على التحذير من الغوص في حرب كالعراق أو تسليح‬ ‫فصائل قد يتبني أنها متطرفة‪.‬‬ ‫وينضم إلى اليسار األميركي «التحرريون» الذين يشاركون في الدعاية ضد‬ ‫التدخل في سوريا‪ ،‬بينما يقف «اليمني املحافظ» متفرجا وموافقا‪ ،‬حتى لو‬ ‫لم يشارك في الحملة ضد مجهود عسكري ال يبدو أن أوباما ينوي أصال‬ ‫القيام به <‬


‫أنفسهم تسميات هي‪ :‬جمهوريون‪ ،‬ويمينيون‪ ،‬ومحافظون‪.‬‬ ‫والديمقراطيون مذاهب متعددة‪ ،‬تتراوح بني االشتراكيني وممثلهم عضو‬ ‫مجلس الشيوخ بيرني ساندرز‪ ،‬الذي ال ينتمي إلى أي من الحزبني‪ ،‬ولكنه‬ ‫يصوت غالبا إلى جانب الكتلة الديمقراطية‪ ،‬و«الليبراليني املعتدلني» أو «يسار‬ ‫الوسط»‪ ،‬وهم الغالبية في الحزب الديمقراطي‪.‬‬ ‫أما الرئيس باراك أوباما فيعتقد كثيرون أنه ينتمي إلى «اليسار الليبرالي»‪،‬‬ ‫أي أنه أقرب إلى اليسار من الوسط‪ ،‬والدليل أن مشروعه الرئاسي املدلل كان‬ ‫قانون الرعاية الصحية‪ ،‬الذي وسع تغطية الضمان الصحي لتشمل كل مواطن‬ ‫أميركي‪ ،‬وهو ما دفع معارضيه الجمهوريني إلى أن يطلقوا عليه لقب «الرئيس‬ ‫االشتراكي»‪.‬‬ ‫أوباما‪ ،‬و«اليسار الليبرالي» األميركي عموما‪ ،‬يتمسكون بفكرة أن الحكومة‬ ‫«هي قوة من أجل الخير»‪ ،‬تعمل على تقليص الهوة بني الفقراء واألغنياء‪،‬‬ ‫وتأمني التعليم والطبابة وفرص العمل للفقراء‪ ،‬وتتكفل بحاجات املتقاعدين‪،‬‬ ‫وتحمي املستهلكني من ممارسات الشركات الكبرى كالبنوك‪ ،‬وتسعى‬ ‫للحفاظ على البيئة‪ ،‬وذلك يتم عبر إقرار التشريعات وفرض رقابة على عمل‬ ‫الشركات واملصانع‪ ،‬وفرض ضرائب على امليسورين‪.‬‬ ‫هذه الرؤية تتناقض مع الجمهوريني املحافظني الذين يطالبون بحكومة ذات‬ ‫دور أصغر بكثير‪ ،‬ال تتدخل بعمل القطاع الخاص‪ ،‬وال تمارس رقابة‪ ،‬وتلغي‬ ‫التشريعات‪ ،‬وتخفض الضرائب من أجل تحفيز الشركات واملصانع‪ ،‬وال‬ ‫تلعب أي دور «الختيار فائزين وخاسرين» في السوق‪ ،‬على حد تعبيرهم‪،‬‬ ‫وال تتكفل بأي رعاية اجتماعية أو صحية أو تعليمية ألن ذلك‪ ،‬حسب رأي‬ ‫اليمني‪« ،‬يشجع على البالدة والكسل»‪ ،‬بينما عدم تقديم رعاية حكومية يحفز‬ ‫األشخاص على العمل‪.‬‬ ‫والالفت في األمر أن مواقف الطرفني‪« ،‬اليسار الليبرالي» و«اليمني املحافظ»‪،‬‬ ‫تنقلب تماما عند الحديث عن السياسة الخارجية‪ .‬بالنسبة إلى «اليسار‬

‫الليبرالي»‪ ،‬املطالب بعدالة ترعاها الحكومة على األقل ألسباب إنسانية‪ ،‬تنتهي‬ ‫العدالة عند حدود الواليات املتحدة األميركية‪ ،‬إذ يصر اليساريون على ما‬ ‫يشبه «عزلة» أميركا وعدم تدخلها في شؤون العالم‪ ،‬حتى لو كان ذلك من‬ ‫أجل وقف مجازر أو ألمور إنسانية‪ .‬والغريب في األمر أن موقف اليساريني‬ ‫ال يتناسب أبدا وفلسفتهم حول «التكافل اإلنساني» وضرورة مساعدة‬ ‫املحتاجني‪ ،‬فأميركا دولة صاحبة إمكانات واسعة‪ ،‬وبإمكانها مد يد العون‬ ‫لدول كثيرة‪ ،‬عسكريا وسياسيا واقتصاديا‪ ،‬وفلسفة كهذه تتفق مع رؤية‬ ‫«اليسار الليبرالي» في الداخل‪ ،‬ولكنها لسبب ما ال تشمل نظرتهم إلى الخارج‬ ‫ودور أميركا‪ .‬ويتمسك «اليساريون الليبراليون» بمبدأ «النسبية الثقافية»‪،‬‬ ‫أي أنهم يعتقدون أن لكل شعب الحق‪ ،‬ليس في تقرير مصيره فحسب‪ ،‬بل‬ ‫حق اختيار نظم وقوانني حتى وإن كانت هذه ال تتناسب مع مواثيق دولية‬ ‫مثل شرعة حقوق اإلنسان‪ .‬ومن شاهد فيلم «آفاتار» قد يالحظ أن انحياز‬ ‫هوليوود‪ ،‬التي يسيطر عليها اليسار األميركي‪ ،‬كان ضد املجموعة املتفوقة‬ ‫تكنولوجيا واقتصاديا وعسكريا وإلى جانب الشعب البدائي الذي يسكن‬ ‫الشجر ويركب الطيور ويعيش في تنظيم قبلي ما قبل حداثي‪.‬‬

‫القضية السورية‬ ‫هكذا‪ ،‬تصبح كل شؤون العالم «نسبية» عند «اليسار الليبرالي»‪ ،‬أي أنه ال‬ ‫يوجد «صح أو خطأ»‪ ،‬وال شأن للعالم أو أميركا في التدخل بها‪ ،‬فإن أراد‬ ‫بعض شعوب جنوب شرقي آسيا تزويج أوالدهم وهم تحت السن القانونية‬ ‫املتعارف عليها دوليا فال بأس في ذلك‪ ،‬إذ على العالم احترام هذه التقاليد‪.‬‬ ‫وإن انخرط شعب ما في زواج القربى‪ ،‬وهو محظور عامليا كذلك‪ ،‬فال بأس‬ ‫عند معظم «اليساريني الليبراليني» األميركيني‪ .‬و«النسبية الثقافية» هذه‬ ‫تنطبق على الشؤون السياسية‪ ،‬فإن أراد شعب ما العيش في ظل ديكتاتورية‬ ‫عسكرية‪ ،‬فهذا شأنهم‪.‬‬ ‫هذا النوع من االبتعاد عن شؤون العالم هو الذي يحدد سياسة «اليسار‬ ‫الليبرالي» عموما‪ ،‬وباراك أوباما خصوصا‪ ،‬نحو األزمة في سوريا‪ ،‬فالثورة‬

‫باراك اوباما‬

‫‪,,‬‬

‫اليوم أوباما‬ ‫مضطرب‬ ‫وسياسته‬ ‫الخارجية محيرة‬ ‫وال يبدو أنه‬ ‫مستعد إلنفاق‬ ‫أي رصيد‬ ‫سياسي من أجل‬ ‫إنقاذ السوريني‬ ‫من املجازر التي‬ ‫تلحق بهم‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫‪15‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫يروى أنه على أثر االنقالب الذي قام به عبد الكريم قاسم وأطاح بامللكية الهاشمية في عام ‪ ،1958‬استقدم الجنرال‬ ‫العراقي عددا من الخبراء السوفيات لدراسة وتنفيذ بعض املشاريع‪ .‬وعمال بتقاليد الضيافة العربية‪ ،‬قام أحد‬ ‫الخبراء العراقيني بدعوة نظيره السوفياتي ملأدبة عشاء في منزله‪ .‬بعد العشاء‪ ،‬التفت الخبير السوفياتي حوله وسأل‬ ‫مضيفه‪« :‬من يملك هذا البيت؟»‪ ،‬فأجاب املضيف‪« :‬أنا»‪ .‬وسأل الضيف‪« :‬وملن السيارة؟»‪ ،‬فأجاب الضيف‪« :‬لي»‪.‬‬ ‫وسأل‪« :‬ماذا عن الثالجة؟»‪ ،‬فأجاب املضيف العراقي‪« :‬لي كذلك»‪ .‬هنا استوى الخبير السوفياتي في مقعده وسأل‪:‬‬ ‫«إذن ملاذا قمتم بثورة؟»‪.‬‬

‫قراءة في موقف اليسار األميركي من األزمة السورية‬

‫دميقراطيو ريغان‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫حسني عبد الحسني‬

‫‪,,‬‬

‫بعد انهيار‬ ‫«املعسكر‬ ‫الشيوعي» توزع‬ ‫الشيوعيون‬ ‫السابقون على‬ ‫املذاهب اليسارية‬ ‫املختلفة التي‬ ‫وجدت نفسها‬ ‫تميل إلى األفكار‬ ‫اليمينية‬

‫‪,,‬‬

‫هكذا كان «اليسار العاملي»‪ .‬لم يكن يوما شيوعيا خالصا‪ ،‬كما‬ ‫تصوره البعض‪ ،‬ولم تكن الشيوعية من طراز واحد أصال‪ ،‬إذ هي‬ ‫لطاملا انقسمت بني تروتسكيني وماويني وغيرهم‪ .‬ثم كان هناك‬ ‫االشتراكيون‪ ،‬و«اليسار الديمقراطي»‪ ،‬و«الخضر»‪ ،‬و«الفوضويون»‪ ،‬وهؤالء‬ ‫يتشاركون مع «التحرريني» في أقصى اليمني في عدائهم للحكومات‪ .‬كذلك‬ ‫عند اليمني‪ ،‬هناك يمني محافظ‪ ،‬ويمني وسط‪ ،‬ويمني ليبرالي‪ ،‬وما إلى هنالك‬ ‫من تسميات تتراوح على سلم عقائدي ينقسم إلى يمني ويسار‪.‬‬ ‫على أن املفهوم القائم هو أن اليمني محافظ عموما‪ ،‬يتمسك بالتقاليد السائدة‪،‬‬ ‫بينما اليسار تقدمي غير تقليدي‪ ،‬يناطح «االستابلشمنت» ويحاول غالبا‬ ‫استبدالها‪ ،‬وهذه صورة موروثة من األيام األولى للثورات البريطانية‪ ،‬حيث‬ ‫جلس مؤيدو امللك إلى يمينه‪ ،‬ومعارضوه إلى يساره‪ .‬أما امللك نفسه‪ ،‬أي‬ ‫الوسط‪ ،‬فهو يختلف في وسطيته بني دولة ودولة‪ ،‬وبني تجربة وتجربة‪،‬‬ ‫وبني حكم وحكم‪ ،‬فالوسط في الواليات املتحدة وبريطانيا هو بحكم اليمني‬ ‫بالنسبة للوسط في أملانيا وفرنسا‪.‬‬ ‫وبعد انهيار «املعسكر الشيوعي» مع انهيار االتحاد السوفياتي في عام‬ ‫‪ ،1990‬توزع الشيوعيون السابقون على املذاهب اليسارية املختلفة‪ ،‬التي‬ ‫وجدت نفسها تميل إلى األفكار اليمينية االقتصادية الرائجة في حينه‪ ،‬فحزب‬ ‫العمال البريطاني بزعامة توني بلير‪ ،‬كأحزاب يسارية كثيرة حول العالم‪،‬‬ ‫أكمل في رئاسة الحكومة البريطانية ما كانت بدأته سلفه مارغريت ثاتشر‬ ‫اليمينية من حزب املحافظني‪ ،‬وكذلك بيل كلينتون من الحزب الديمقراطي‬ ‫اليساري أميركيا‪ ،‬تبنى البرنامج االقتصادي لسلفيه الجمهوريني اليمينيني‬ ‫رونالد ريغان وجورج بوش األب‪.‬‬ ‫هكذا‪ ،‬تابع كل من بلير وكلينتون في برامج «ترشيق الحكومة» عبر تقليص‬ ‫اإلنفاق وبرامج الرعاية االجتماعية‪ ،‬وتحفيز القطاع الخاص‪ ،‬وخصخصة‬ ‫مرافق الدولة‪ ،‬وإلغاء التشريعات‪ ،‬وكل هذه سياسات ال تروق ألهل اليسار‪،‬‬ ‫الذين يحبذون أن تلعب الحكومة دور الراعي االجتماعي‪ ،‬وأن تعمل على توزيع‬ ‫الدخل‪ ،‬وضمان العدالة االجتماعية‪ ،‬وتقليص الفوارق الطبقية‪.‬‬

‫الليبرالية مذهب يميني‬ ‫الرئيس االميركي‬ ‫االسبق رونالد ريغان‬

‫‪14‬‬

‫في تسعينات القرن املاضي‪ ،‬تخلى كلينتون وبلير وحكومات يسارية حول‬ ‫العالم عن دور الحكومة في الرعاية االقتصادية واالجتماعية‪ ،‬وتبنوا األفكار‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫َّ‬ ‫اليمينية االقتصادية في التراجع ملصلحة القطاع الخاص‪ .‬لكن ما لم تتبنه‬ ‫الحكومات اليسارية هو األفكار الدينية واالجتماعية اليمينية‪ ،‬فاليمني بطبعه‬ ‫محافظ‪ ،‬أما «اليسار الليبرالي» الناشئ في حينه‪ ،‬أو كما أطلق على نفسه‬ ‫في مطلع األمر في الواليات املتحدة اسم «ديمقراطيو ريغان»‪ ،‬فحافظ على‬ ‫مواقفه لناحية اإلصرار على فصل الدين عن الدولة‪ ،‬وتأييد حرية املرأة حتى‬ ‫لو تعارض ذلك مع األعراف االجتماعية‪ ،‬ومحاربة القوانني التي تحظر بعض‬ ‫املمارسات كمثلية الجنس‪.‬‬ ‫والليبرالية أصال هي مذهب يميني‪ ،‬يعتقد أن أول واضعيها هو الفيلسوف‬ ‫واالقتصادي النمساوي لودفيغ فون ميسيس‪ ،‬وهي تعتمد بشكل أساسي‬ ‫على مبدأ «الحرية الفردية» (‪ ،)Liberty‬وهذه الحرية هي في صراع دائم مع‬ ‫التنظيم االجتماعي الذي تنشأ عنه الدولة‪ ،‬لذا نرى أن مناصري هذا النوع‬ ‫من الحرية يدعون إلى إلغاء الحكومات وتشريعاتها‪ ،‬واالعتماد على القطاع‬ ‫الخاص فقط‪.‬‬ ‫وألن هؤالء الليبراليني يعارضون دور الدولة في املجتمع‪ ،‬فهم يعارضون‬ ‫القوانني االجتماعية‪ ،‬ما يعني أنهم يتفقون مع أهل اليسار في منح الحرية‬ ‫للمرأة واملثليني وغيرهم‪ ،‬وهو ما يجعل من هؤالء يمينيني اقتصاديا يساريني‬ ‫اجتماعيا في الوقت نفسه‪ .‬أما أهل «اليسار الليبرالي»‪ ،‬فهم يتمسكون بدور‬ ‫الدولة االجتماعي على الرغم من دعوتهم إلى ترشيقها اقتصاديا‪ ،‬وهذا ما‬ ‫جعلهم في اختالف عن «اليمني الليبرالي»‪.‬‬ ‫في املحصلة‪ ،‬اكتسب أهل اليسار تسمية «اليساريني الليبراليني» بينما‬ ‫تحول اسم الليبراليني اليمينيني من مؤيدي ميسيس‪ ،‬وتلميذه االقتصادي‬ ‫النمساوي املشهور فريدريك فون هايك‪ ،‬إلى «تحرريني»‪ ،‬وصارت كتابات‬ ‫ميسيس وفون هايك‪ ،‬املعروفة أيضا باملدرسة االقتصادية النمساوية‪،‬‬ ‫تكتسب تسمية «الليبرالية الكالسيكية»‪ ،‬لتمييزها عن «نيوليبرالية» ثاتشر‬ ‫وريغان االقتصادية التي تبناها يساريون‪.‬‬

‫يسار الوسط‬ ‫مع نهاية عهد كلينتون تالشت تسمية «ديمقراطيو ريغان»‪ ،‬واحتفظ‬ ‫الديمقراطيون بثالثة ألقاب‪ ،‬يستخدمونها منفردة أو متصلة‪ ،‬هي‪:‬‬ ‫الديمقراطيون‪ ،‬واليساريون‪ ،‬والليبراليون‪ .‬أما املناوئون فيطلقون على‬


‫الجماعات ملا أسهمت في إسقاط نظام حكم القذافي وتركت في‬ ‫متناولها ترسانة مرعبة من األسلحة وهي بالتالي قد تندم الحقا‬ ‫إذا ضربت مصالحها في الصحراء األفريقية بهذه األسلحة‪.‬‬ ‫في السياق ذاته وحيال املوقف من الحرب على معاقل الجهاديني‬ ‫في مالي كانت السلطات التونسية قد أعلنت في البداية رفض‬ ‫التدخل العسكري الفرنسي في مالي من منطلق رفض التدخل‬ ‫األجنبي في الشؤون الداخلية للبلدان األفريقية والتمسك‬ ‫بمعالجة مشاكل هذه البلدان داخل اإلطار األفريقي‪..‬‬ ‫وهو موقف راجعته الحكومة التونسية عندما تبني لها الحقا‬ ‫أن سلطة الحكم في مالي هي التي طلبت التدخل الفرنسي لصد‬ ‫الخطر الزاحف‪.‬‬ ‫الالفت لالنتباه أن الجزائر التي تجمعها مع مالي حدود تمتد‬ ‫على طول أكثر من ألف كيلومتر قد فتحت مجالها للطائرات‬ ‫الحربية الفرنسية لتعبر في اتجاه مالي كما أن الجزائر وعكس‬ ‫تونس ترفض رفضا قطعيا الحوار مع الجهاديني‪.‬‬

‫أمن تونس‬ ‫غير أن املوقف في تونس من السلفيني الجهاديني ليس باملرونة‬ ‫التي قد يتصورها البعض‪ ،‬ذلك أن حكومة النهضة الحاكمة‬ ‫ترى حسب مصدر حكومي أن ملف السلفية الجهادية حاضر‬ ‫في صلب اهتماماتها وأن الحل ال بد أن يكون جذريا وسلميا‬ ‫وتعتبر أن وضع رقابة على املساجد كفضاء تحرك لهؤالء‬

‫الجهاديني مرحلة ضرورية وملحة وأنه ال بد أن تكون دور‬ ‫العبادة تحت سيطرة وزارة الشؤون الدينية ملنع نشر الفكر‬ ‫القتالي والجهادي باإلضافة إلى التدقيق في أسماء الدعاة الذين‬ ‫يزورون تونس ومنع املتشددين منهم من نشر الفكر التكفيري‬ ‫والدعوة إلى القتال‪.‬‬ ‫ومن ناحية أخرى فإن أوساطا حكومية تشير إلى أن الحل‬ ‫األمني مطلوب وأن محاسبة حاملي السالح دون رخصة مسألة‬ ‫ضرورية مع ضمان شروط املحاكمة العادلة واحترام حقوق‬ ‫اإلنسان في مرحلتي اإليقاف والسجن وأن التوعية والحوار عبر‬ ‫الجدل الفكري والعلمي الشرعي ال غنى عنهما في كل األحوال‬ ‫وقبل الحزم والعقاب‪.‬‬ ‫واليوم وبعد عامني ونصف من حصول الثورة في تونس ومع‬ ‫اتساع هامش الحرية وتزايد األحزاب ذات التوجه اإلسالمي والتي‬ ‫منها املعتدل والراديكالي والقانوني والرافض للتعامل مع السلطة‬ ‫يجدر التساؤل‪ ..‬هل سيكون الجهاديون املعروفون باسم‬ ‫«أنصار الشريعة» أوفياء ملا يكررونه دائما من أنهم مدنيون‬ ‫سلميون يقبلون باآلخر ويتعايشون معه ويهمهم أمن تونس‬ ‫ورقي مجتمعها وأن تونس هي أرض دعوة وليست أرض جهاد؟‬ ‫أم أنهم سيعمدون إلى التمرد على الدولة والتكفير والتقتيل إذا‬ ‫تأكدوا من تخلي الحكومة عن املشروع اإلسالمي ويئسوا من‬ ‫تطبيق الشريعة؟ <‬ ‫* محلل سياسي تونسي‬

‫مؤتمر صحافي لقادة تنظيم انصار‬ ‫الشريعة في العاصمة التونسية‬ ‫تونس (مارس‪)2013/‬‬

‫‪,,‬‬

‫قررت السلطة‬ ‫حظر الفكر‬ ‫التكفيري‬ ‫في املساجد‬ ‫ومنع الدعاة‬ ‫املتشددين من‬ ‫زيارة تونس‬

‫‪,,‬‬

‫ّ‬ ‫الحوارية في التلفزيون التونسي "الوطنية األولى"‬ ‫رئيس قسم البرامج‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫‪13‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫ظهرت السلفية الجهادية في تونس بشكل علني قبل عامني مستفيدة من مناخ الحرية الذي أوجدته الثورة في تونس‬ ‫وهي تتجسد في ما يعرف اليوم بـ«أنصار الشريعة» وهو تنظيم كما يدل عليه اسمه يهدف إلى تطبيق مبادئ‬ ‫الشريعة اإلسالمية في املجتمع التونسي وله أتباع وأنصار يحسبون بعشرات اآلالف‪.‬‬

‫أنصار الشريعة في تونس ‪ ..‬تتبنى فكر القاعدة ‪ ..‬وال تعترف بالحكومة‬

‫مترد جهادي‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫بوبكر بن عمر *‬

‫‪,,‬‬

‫الحكومة‬ ‫تصر على‬ ‫احترام‬ ‫القانون‬ ‫واملعارضة‬ ‫تتهم‬ ‫«النهضة»‬ ‫بالتساهل مع‬ ‫السلفيني‬

‫‪,,‬‬

‫‪12‬‬

‫كان الجهاديون يعملون في تونس‪ ،‬في سرية إلى ‪23‬‬ ‫نوفمبر (تشرين الثاني) ‪ 2007‬تاريخ أحداث مدينة‬ ‫سليمان غير البعيدة من العاصمة وهي أحداث مثلت‬ ‫املنعرج األكبر لبروز التيار السلفي الجهادي في تونس رغم‬ ‫القبضة األمنية القوية للرئيس السابق بن علي حيث تجرأت‬ ‫مجموعة من الجهاديني الشباب على األمن التونسي ونازلته ملدة‬ ‫أسبوعني قبل أن يقتل منهم ‪ 15‬شابا ويعتقل عشرات آخرين‪.‬‬ ‫وبعد ثورة الرابع عشر من يناير (كانون الثاني) أتت أحداث‬ ‫(الروحية) بمحافظة سليانة‪ ،‬ثم (بئر علي بن خليفة) بمحافظة‬ ‫صفاقس وآخرها أحداث (جبل الشعانبي) بمحافظة القصرين‬ ‫املتاخمة للحدود مع الجزائر‪.‬‬ ‫وهي أحداث اتهم فيها السلفيون ولكن البعض يشكك فيها‬ ‫ويعتبرها تهويال من اإلعالم وتحريضا ضد السلفيني والحكومة‬ ‫معا‪ ..‬يذكر أن قيادات «أنصار الشريعة» تعتبر نفسها تنظيما‬ ‫سلميا ينبذ العنف وحمل السالح وما صفة «السلفية الجهادية»‬ ‫إال للتمييز فقط وليست دليال على تيار يتبنى العنف منهجا‪..‬‬ ‫ويستدل هؤالء على أنهم يريدون العيش في املجتمع ومع عامة‬ ‫الشعب بأنهم يقدمون الكثير للناس وللصالح العام في صمت‬ ‫وبعيدا عن الضجيج اإلعالمي فمن توزيع األغطية الصوفية‬ ‫شتاء على سكان الجبال إلى حمالت تنظيف الشوارع واألحياء‬ ‫السكنية وحماية املمتلكات العامة والخاصة عند حصول أعمال‬ ‫عنف ونهب وإيواء الالجئني الليبيني وتقديم الخيام واألغذية لهم‬ ‫باإلضافة إلى األعمال الدعوية‪.‬‬

‫تبني فكر «القاعدة»‬ ‫كما ترى قيادات «أنصار الشريعة» أن املعارضة "تحشر"‬ ‫هذا التيار في صراعها مع الحكومة وتتهمها بالتساهل مع‬ ‫الجهاديني والتغاضي عن تحركاتهم الدعوية في املساجد‬ ‫وخارجها وفي املقابل فإن أنصار الشريعة كثيرا ما صرحوا‬ ‫بأنهم ال يعترفون بحكومة ال تحتكم إلى شرع الله وال تستند‬ ‫في حكمها إلى القرآن والسنة ولكن هذه الحكومة تدرك جيدا أن‬ ‫هذا التنظيم يتبنى فكر «القاعدة» وقد تكون له صلة بها ويؤمن‬ ‫بالجهاد كسبيل للوصول إلى إقامة الدولة اإلسالمية في مرحلة‬ ‫الحقة وتعتبر أن املواجهة معه قادمة ال محالة وهو ما صرح به‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫علي العريض (رئيس الحكومة الحالي) ملا كان وزيرا للداخلية‪.‬‬ ‫ومما يميز التيار السلفي الجهادي في تونس أنه يعتبر أن تونس‬ ‫هي أرض دعوة وليست أرض جهاد وهو موقف يتكرر في كل‬ ‫املنابر واملناسبات وهو أيضا موقف يتوجه إلى الحكومة التي‬ ‫تقول دائما إنها متمسكة بتطبيق القانون على أي جماعة تتبني‬ ‫إدانتها ومخالفتها للقانون فقد قال رئيس الحكومة السيد‬ ‫علي العريض في مايو (أيار) املاضي إن تيار أنصار الشريعة‬ ‫هو «تنظيم غير قانوني وإذا أراد أن يعيش حرا فليترك العنف‬ ‫أما من يحرض أو يمارس العنف أو يخل بالنظام فسنمنعه‬ ‫بالقانون»‪..‬‬ ‫‪ ..‬وواضح أن الحكومة التونسية تنظر إلى السلفيني الجهاديني‬ ‫ضمن نظرة شاملة للخطر اإلرهابي املحتمل والذي يهدد املنطقة‬ ‫كلها والتي عرفت منذ سنوات تأسيس تنظيم القاعدة ببالد‬ ‫املغرب اإلسالمي وتنسق الحكومة مع بلدان الجوار املعنية بهذا‬ ‫امللف تنسيقا دقيقا وعيا منها بأن الترابط بني الجهاديني في‬ ‫هذه البلدان أمر مؤكد‪..‬‬ ‫يذكر أن تنظيم القاعدة ببالد املغرب اإلسالمي تفرع عن‬ ‫الجماعة السلفية الجزائرية للدعوة والقتال منذ ست سنوات هذا‬ ‫التنظيم انسحب من شمال الجزائر إلى جنوبها بسبب املالحقة‬ ‫العسكرية واألمنية‪.‬‬ ‫وإذا كان الكثيرون يقللون من تأثير وقوة هذه الجماعة في‬ ‫السنوات املاضية فإن هذا الرأي تغير بعد سقوط نظام القذافي‬ ‫وحصول مقاتلي التنظيم على كميات هائلة من األسلحة خلفتها‬ ‫كتائب القذافي عند هروبها إما من الثوار وإما من غارات حلف‬ ‫األطلسي‪ ..‬وكانت السلطات التونسية تعي جيدا أن كميات من‬ ‫هذه األسلحة ربما تكون تسربت عبر عصابات التهريب إلى‬ ‫تونس وتدرك أن هذه الجماعات تخزن السالح لتستعمله عندما‬ ‫تقرر ذلك‪..‬‬ ‫وباإلضافة إلى السالح حصل مقاتلو تنظيم القاعدة في بالد‬ ‫املغرب اإلسالمي على أموال طائلة كفدية مقابل تسليم رهائن‬ ‫غربيني إلى بلدانهم (فرنسيون وأملان وإسبان وإيطاليون‬ ‫وغيرهم)‬ ‫ويرى محللون هنا أن دول الغرب هي التي سمحت بتسلح هذه‬


‫الوضع الليبي من منطلقات ليبية‪ ،‬بل هو إعالم له مشاربه املختلفة ويثير ما‬ ‫يصلح به فقط‪.‬‬ ‫كذلك الفوضى فيما يتعلق باملجتمع املدني الذي ال يملك األدوات الكاملة لكي‬ ‫يكون مدنيا‪ ،‬فمؤسسات املجتمع املدني التي تخدم املواطن وتكون وصلة‬ ‫مهمة بينه وبني مؤسسات الدولة غائبة إلى حد كبير‪ ،‬ربما لعدم وجود خبرة‬ ‫كافية في العمل املدني وربما بسبب عدم معرفة آلياته‪ .‬هذا الخضم يجعل‬ ‫الحكومة واملؤتمر متخبطني في تسيير مصالح البالد‪ ،‬وتجعلهما يبرزان‬ ‫كأضعف مكونني في ليبيا‪.‬‬ ‫فالحكومة مشتتة وضعيفة في مقابل قوة السالح واملصالح الحزبية‬ ‫والجهوية‪ ،‬واملؤتمر مشتت في داخله ألسباب عدة‪ ،‬منها عدم قدرة كثير من‬ ‫أعضاء املؤتمر على ملء أماكنهم‪ ،‬فاملؤتمر ال يمارس دوره كناطق باسم‬ ‫الشعب الذي اختاره وال ينفذ املطلوب منه من استحقاقات تخص املرحلة‪،‬‬ ‫فقد تحول املؤتمر إلى تجمع ال هوية عملية له‪ ،‬أما هويته النظرية فهي كونه‬ ‫السلطة التشريعية‪ ،‬هذا إلى جانب ما يعانيه من جهل ومن املصالح الخاصة‬ ‫والقبلية والجهوية والحزبية التي تثقل كاهله وتجعله شبه عاجز‪.‬في هذا الجو‬ ‫املليء بالفوضى يضيع الحوار فال يجد له طريقا‪ ،‬ألن الدولة عاجزة عن إدارة‬ ‫هذا الحوار‪ ،‬أما االعالم واملجتمع املدني فهما مثل الوهم‪.‬‬ ‫ماذا تبقى من أدوات للحوار؟ النخب؟ ربما‪ ،‬لكن أكثر النخب هي األخرى‬ ‫غير مجتمعة بشكل واضح‪ ،‬فالنخب السياسية تعمل كل فئة منها ألجل‬ ‫مصالحها املوهومة‪ ،‬والنخب الثقافية ذابت في الفوضى العامة فال يوجد لها‬ ‫أثر واقعي‪ ،‬بل إن معظم النخبة املثقفة تحولت إلى كتل من الكآبة والنكد‬ ‫والسلبية أو ركنت إلى مصالحها‪.‬‬

‫تشخص الحالة وتدرسها وتقدم واقعا مبنيا على معلومات حقيقية لكي‬ ‫تكون هناك إمكانية التحليل على أساسها‪ ،‬وهذا التحليل يجب أن يكون في‬ ‫املجاالت املختلفة التي ربما يستطيع من يقدموه أن يصلوا إلى مقترحات‬ ‫يتم تقديمها إلى طاولة أو طاوالت الحوار في الشارع الليبي‪ .‬إن ما يجري هو‬ ‫تداعيات طبيعية ملا حدث من ثورة قلبت الدنيا على النظام السابق‪ ،‬والوقت‬ ‫كفيل بحل كثير من هذه التداعيات لالقتراب من سكة قطار يتجه نحو البناء‪.‬‬

‫أما النخب االجتماعية فتقع ضحية للقبيلة أو الجهة وقد تفتقر حتى إلى‬

‫املعرفة‪ ،‬فمصطلح الحكماء مثال صار كاملوضة‪ ،‬وهذا يجعل من قد يتصفون هل من بصيص أمل؟‬

‫بالحكمة استثناء من هذا كله فال يجدون طريقا لهم ليكونوا فاعلني بالحكمة‪.‬‬ ‫هذه الفوضى كرست انتهاكات حقوقية وانتهاكات مالية وانتهاكات تصيب‬ ‫الحرية وحق ممارسة التعبير‪.‬‬

‫هناك أدوات جاهزة تحتاج إلى دعم‪ ،‬وأهم أداة هي حكومة علي زيدان‪ ،‬فهناك‬ ‫رأي قوي يؤكد أن هذا الشخص لديه أدوات ومهارات تؤهله أن يقدم شيئا مما‬ ‫هو مطلوب منه ومن حكومته‪ .‬هذه الحكومة نجحت إلى حد كبير في الفترة‬ ‫السابقة على الرغم من عدم تسلمها امليزانية التي تتحرك بها‪ ،‬غير أن كثيرين‬ ‫يستعجلون كالعادة ويريدون أن يروا نتائج بشكل مباشر‪.‬‬

‫هذه القيمة هجمت عليها القبيلة والجهة والتوجه الفكري فصارت ضحية‬ ‫ألنانية املدن والجهات واأليديولوجيات‪ ،‬وما خفي من انتهاكات في حقوق‬ ‫االنسان أكثر بكثير جدا مما تم اكتشافه‪ .‬ظهرت مصطلحات املدن الثائرة‪،‬‬ ‫وهو ما جعل مدنا غير ثائرة هدفا مشروعا للمدن الثائرة‪ ،‬وكذلك مصطلح‬ ‫املركزية الذي جعل معظم البالد تشعر بالتهميش واإلبعاد‪ ،‬فاملركزية من‬ ‫مخلفات النظام املنهار وكذلك من مخلفات املجلس الوطني االنتقالي الذي‬ ‫سارع إلى تهميش الشرق الليبي بمجرد إعالن التحرير‪ ،‬وهو ما جعل جميع‬ ‫القياديني في الدولة يتمسكون باملركزية وكأنهم يخافون من ضياع هيبة‬ ‫الدولة التي لم توجد أصال‪.‬‬

‫املطلوب أوال من هذه الحكومة االهتمام بالنواحي األمنية‪ ،‬بدءا من تأمني‬ ‫الحدود التي تتعرض لالنتهاكات‪ ،‬وكذلك العمل على تكوين مؤسسات أمنية‬ ‫والجيش وأجهزة املخابرات‪ ،‬وهذا التحدي هو أكبر التحديات ألن املسلحني‬ ‫والثوار يعتبرون في جوانب معينة عوائق قوية وفي جوانب أخرى من عوامل‬ ‫املساعدة الجيدة‪ .‬الحكومة كذلك استطاعت أن تجعل كثيرا من أعضاء املؤتمر‬ ‫الوطني يقفون على ضعفهم وعجزهم أمام حكومة هي أقدر منهم‪ ،‬فمن‬ ‫أعضاء املؤتمر من اعترف بذلك‪ ،‬في وقت كان ينبغي أن يكون املؤتمر الداعم‬ ‫األول واألهم واملراقب الدقيق ألعمال وتحركات الحكومة‪.‬‬

‫حقوق االنسان‬

‫يرى مراقبون كثر أن االنتهاكات املالية بعد الثورة فاقت بكثير االنتهاكات التي‬ ‫كانت في عهد النظام املنهار‪ ،‬فعندما تضيع ميزانية كاملة قيمتها عشرات‬ ‫املليارات في أقل من ثمانية أشهر‪ ،‬هذا يعتبر كارثة بجميع املقاييس‪ ،‬قياسا‬ ‫إلى االنتهاكات التي كانت قبل ذلك‪ .‬االنتهاكات املالية تكونت بقوة السالح‬ ‫وباملزايدات وبعدم وجود منظومة تكشف بشفافية أوجه الصرف‪.‬‬ ‫املزايدات التي انتهكت تلك األموال‪ ،‬منها مزايدات باسم الدين ومنا مزايدات‬ ‫باسم الثورة ومنها مزايدات باسم الحقوق‪ ،‬وهي في مجملها أنواع شتى من‬ ‫الوصاية التي تجعل كل صاحب قوة يلوح بعصى وصايته على مصالح البالد‬ ‫والناس‪.‬هذه املقالة قد تبدو في شكلها فوضى حقيقة‪ ،‬وهي تأثر طبيعي بتلك‬ ‫الفوضى التي تحدثت عنها‪ ،‬لذلك فإن األمر يحتاج إلى عقول باردة متجردة‬

‫من وسائل العالج املهمة هي الوقت‪ ،‬فمن وسائل العالج املربوطة بالوقت مثال‬ ‫هو أننا نرى كثيرا من املصلحيني‪ ،‬سياسيا واجتماعيا وجهويا وإعالميا‬ ‫وحزبيا‪ ،‬ينكشفون أمام أنفسهم وأمام الجميع من خالل مواجهات تكشف‬ ‫ضعفهم ومصلحيتهم وتجعلهم ربما يقتنعون باالنسحاب وترك املجال‬ ‫أمام األقدر منهم‪ .‬وحتى يقتنع الليبيون بأهمية الوقت يحتاجون إلى الصبر‬ ‫واملتابعة الدقيقة والهمة حتى يصنعوا مؤسسات اجتماعية تناقش قضايا‬ ‫خطيرة‪ ،‬منها سحب السالح وتنظيمه وتوفير مجاالت عمل ودعم الحكومة‬ ‫بطريقة حذرة‪ .‬كذلك على الليبيني أن يفكروا أنهم جزء من هذا العالم الذي‬ ‫وقف معهم وقت الثورة‪ ،‬خصوصا أن هناك كثيرا من املنظمات الدولية مازالت‬ ‫تعرض خدمات يحتاجها الليبيون من أجل البناء<‬

‫الليبيون هم أول من وضعوا راجمات‬ ‫الصواريخ على السيارت الصحراويه في‬ ‫حرب تشاد (‪ )1987 / 1979‬ومنذ ذالك‬ ‫الوقت وهي تثبت على السيارات في ليبيا‬

‫‪,,‬‬

‫االنتهاكات‬ ‫املالية بعد‬ ‫الثورة‬ ‫فاقت بكثير‬ ‫االنتهاكات‬ ‫التي كانت‬ ‫في عهد‬ ‫النظام‬ ‫املنهار‬

‫‪,,‬‬

‫* كاتب وشاعر ليبي‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫‪11‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫يصعب توصيف ما آلت إليه األمور في ليبيا خالل الفترة منذ إعالن التحرير إلى يومنا هذا‪ ،‬فاألولويات التي يتحدث‬ ‫عنها الناس مختلفة باختالف طلبات كل فئة أو جهة أو ربما منطقة‪ .‬هناك عجز عام عن التحرك بانتظام‪ ،‬ألن‬ ‫تداعيات الثورة جاءت من أصول نشأت منذ اتخاذ القرار غير املدروس عندما تم تأسيس املجلس الوطني االنتقالي‬ ‫الذي تكون بشكل فيه نوع من التلقائية بحكم الظرف حينها‪ .‬لكن هناك من يقول إن املشكلة ربما بدأت منذ كانت‬ ‫العشوائية في وضع خارطة الطريق في ذلك الوقت‪.‬‬

‫الفوضى في ليبيا وضرورة املراجعة‬

‫إصالح بقوة السالح‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫أحمد مصطفى‬ ‫الرحال *‬

‫‪,,‬‬

‫قانون العزل‬ ‫السياسي‬ ‫والصراع‬ ‫الذي حوله‬ ‫ّ‬ ‫ولد نوعا‬ ‫من النفاق‬ ‫ونوعا من‬ ‫الوصاية‬ ‫ونوعا من‬ ‫االستسالم‬

‫‪,,‬‬

‫‪10‬‬

‫على الرغم من االتفاق على عموميات تمثلت في ضرورة رسم‬ ‫خارطة طريق تفضي بالبالد إلى وضع دستور بشكل مبدئي‬ ‫يكون منه األساس في معرفة معالم الدولة‪ ،‬غير أن االستعجال‪ ،‬كما‬ ‫يرى كثيرون‪ ،‬كان ومازال سمة بارزة في املشهد الليبي‪ ،‬وكذلك الخلط في‬ ‫التسميات وعلى رأسها مصطلح الثوار الذي أربك الوضع‪.‬‬ ‫تزايد عدد الثوار بطريقة مخيفة‪ ،‬خصوصا أن هذه الصفة صارت الزمة ملن‬ ‫يحمل السالح‪ ،‬وكأن هؤالء جميعا حملوا السالح فعال ضد القذافي ونظامه‪،‬‬ ‫وتداخلت اتهامات تحولت إلى معارك بني من أسموا أنفسهم بالثوار وبني من‬ ‫يسمونهم باألزالم‪ .‬وتهمة األزالم باتت تهمة جاهزة يمكن توجيهها إلى كل‬ ‫من خالف توجهات الثوار التي تعددت مشاربها‪.‬‬ ‫وعند التركيز على ما يثار من كالم حول الثوار واألزالم نجد املشهد صار‬ ‫هالميا‪ ،‬حيث صار من الصعب تصنيف من هم الثوار ومن هم األزالم‪ ،‬وماذا‬ ‫يريد كل صنف مزعوم‪ .‬وبني هذا وذاك ظهرت إضافات ملصطلح الثوار‪،‬‬ ‫فهناك من يضيف مفردة (حقيقيون) إلى الثوار في محاوالت ألسباب‬ ‫مختلفة لكشف هوية من يسمونهم أشباه الثوار‪ .‬ووسط هذا كله يفرض‬ ‫الواقع قوة السالح‪ ،‬لكي تكون هي الشرعية الواقعية‪ ،‬فالسالح يمنع كل من‬ ‫يريد التأسيس ألي شيء‪ ،‬سواء أكان هذا الفعل من أجل البناء أم كان من أجل‬ ‫استغالل الفوضى ملصالح حزبية أو جهوية أو قبلية‪ .‬وهنا يبدو ضروريا‬ ‫الحديث عن قضايا تبدو واضحة في معمعة الفوضى العارمة‪ ،‬من هذه‬ ‫املسائل‪ ،‬قانون العزل السياسي‪.‬‬

‫قانون العزل السياسي‬

‫في وجه أي ليبي‪ ،‬سواء أكان من الثوار أم من الذين ساندوا الثورة أم من الذين‬ ‫لم يشاركوا على األقل في ظلم وقهر الليبيني عموما‪.‬‬ ‫العزل السياسي بهذه الطريقة‪ ،‬كما يرى مراقبون‪ ،‬سيطول حتى من كانوا‬ ‫ضحايا النظام من الشهداء ومن الذين أخفاهم النظام قسرا‪ ،‬ومن انشقوا في‬ ‫زمن الثورة ومن عارضوا النظام املنهار في وقت سابق‪ .‬وهناك من يرى أن‬ ‫قانون العزل السياسي جاء مشوها من جوانب عدة‪ ،‬وأول جانب هو إقرار‬ ‫تحصني هذا القانون من قبل صدوره‪ ،‬وجانب آخر له عالقة بمن يشملهم‬ ‫القانون‪ ،‬فلربما شمل األغلبية الساحقة من الليبيني‪ .‬وهناك جانب آخر هو‬ ‫أن هذا القانون ربما تضارب مع عموميات الدستور الذي لم يبدأ العمل عليه‬ ‫أصال من قبل املؤتمر الوطني العام‪ .‬الصراع املوجود حول قانون العزل ليس‬ ‫صراعا عادال‪ ،‬ألن من يقودون الدفع باتجاهه منهم من يحمل السالح ومنهم‬ ‫من يرفض الحوار ويركن إلى أساليب التهديد واملزايدات باسم الثورة وباسم‬ ‫الدين‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫قانون العزل السياسي والصراع الذي حوله ولد نوعا من النفاق ونوعا من‬ ‫الوصاية ونوعا من االستسالم‪ ،‬فالنفاق يظهر واضحا في تصريحات كثير‬ ‫من السياسيني والناشطني الذين يقولون إن الشعب كله يريد هذا القانون‪،‬‬ ‫والوصاية يمارسها من يدفعون في اتجاه هذا القانون بقوة السالح أو‬ ‫بأيديولوجيات ترفض أي أفكار أخرى‪ ،‬واالستسالم يمارسه من قد يشملهم‬ ‫القانون فيكونون ضحايا الهوس املسلح‪ .‬في مقابل هذه التصريحات‬ ‫والفوضى نجد من يتحدث عن ضرورة الجلوس للحوار‪ ،‬حتى يفهم الناس‬ ‫بعضهم بعضا‪ ،‬لكن الحوار قد يكون مشوها إذا تم البدء فيه على أسس‬ ‫معينة يصنعها قوم خائفون أو مصلحيون أو نفعيون‪.‬‬

‫يستغرب كثير من املراقبني ملاذا يختار الليبيون طريق إقرار قانون العزل الحوار و مالبساته‬ ‫السياسي‪ ،‬هذا القانون الهالمي الذي يتفق كثر على كونه فرض بقوة السالح‬ ‫وقوة التهديد وقوة الخوف الذي شكل ضغطا رهيبا جعل أعضاء املؤتمر‬ ‫الوطني يقرونه‪ .‬الحديث عن قانون العزل السياسي جاء كردة فعل‪ ،‬كما يرى‬ ‫مراقبون‪ ،‬ملا يثار قبل ذلك من مسألتني مترابطتني هما‪ ،‬العدالة االنتقالية‬ ‫واملصالحة الوطنية‪ .‬يبدو أن قصة العدالة االنتقالية‪ ،‬التي أثارتها نخب‬ ‫ناضجة‪ ،‬كانت خيارا قد يصنع طريقا أسهل لعزل كل من يحجزه القضاء‬ ‫ممن مارس ظلما ضد الليبيني في فترة النظام املنهار ووقت الثورة‪.‬‬ ‫كان من املمكن أن يكون القضاء هو املحور الذي يجعل الليبيني يصلون بنوع‬ ‫من السالسة إلى شاطئ املصالحة الوطنية بعد تحقيق العدالة االنتقالية‪ .‬ثم‬ ‫جاء موضوع العزل السياسي الذي تحول إلى ما يشبه األلغام التي قد تنفجر‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫في أجواء تغيب فيها‪ ،‬أو على األقل تضعف فيها‪ ،‬مظاهر املدنية‪ ،‬هو اآلخر‬ ‫مهدد بالتشوه وستكون نتائجه غير مثمرة‪ ،‬بل قد تكون مدمرة وتفضي‬ ‫إلى حالة الال‪-‬حوار‪.‬وسائل الحوار غير ناضجة وربما ال تملك من القوة‬ ‫حتى تديره‪ ،‬وأهمها اإلعالم الليبي الذي مازال يتصف بالفوضى والتبعية‬ ‫واملزايدات والخوف‪.‬‬ ‫اإلعالم كان ينبغي أن يكون أداة مهمة وخطيرة للتوعية العامة ومعالجة الرأي‬ ‫العام بعد معرفته ثم صناعته‪ ،‬هذا اإلعالم مشتت ألنه ينقسم إلى إعالم‬ ‫تعبئة لصالح كتلة ما أو مدينة ما أو فكرة ما‪ ،‬وكل نوع من هذه األنواع يدعي‬ ‫الحرية‪ ،‬هذا إلى جانب االعالم العربي والدولي الذي ال يمكنه أن يتعامل مع‬


‫التحالف وصوت عليها مجلس النواب بأغلبيته؟ وكيف يطلب التحكيم امللكي‬ ‫حول سياسات عمومية ألغلبية حكومية حدد لها الدستور بدقة صالحية‬ ‫وضع السياسات العمومية في املجلس الحكومي‪ ،‬مقابل وجود مجلس وزاري‬ ‫يرأسه امللك ويتداول في قضايا كبرى تهم «التوجهات االستراتيجية لسياسة‬ ‫الدولة»‪ ،‬والحال أن الخالف بني الحزبني حول سياسات عمومية وال يمكن‬ ‫أن يصل إلى درجة خالف حول توجهات استراتيجية للدولة‪ .‬وأظهر هذا‬ ‫التمرين الديمقراطي األول في دستور ‪ ،2011‬أن امللك حكم وضامن لدوام‬ ‫الدولة واستمرارها‪ ،‬والضامن هو الوجهة الخارجية للتحكيم‪ ،‬فامللك ضامن‬ ‫السياسة الخارجية والدفاع الوطني والوحدة الوطنية‪ ،‬وصفة الضامن كوجهة‬ ‫خارجية للتحكيم‪ ،‬املبني على عنصري االختيار بني مجموعة أولويات‬ ‫واملصادقة عليها باتخاذ قرارات تنفيذية‪ ،‬مارسها امللك في ثالث محطات‬ ‫كبرى‪ :‬محطة ذات طبيعة اقتصادية وهي زيارته لدول الخليج‪ ،‬ومحطة ذات‬ ‫طبيعة مرتبطة بالدفاع عن الوحدة الترابية مارسها في إدارة ملف الصحراء‬ ‫أمام مجلس األمن والدول الكبرى املؤثرة في العالقات الدولية‪ ،‬ومحطة زيارة‬ ‫أفريقيا التي مارس فيها دبلوماسية اقتصادية وسياسية وأمنية تعيد بناء‬ ‫العمق االستراتيجي للمغرب‪ .‬وأمام هذا الدور الكبير‪ ،‬كيف يطلب من امللك‬ ‫التدخل في حسم صراع ثنائي بني حزبني حليفني في الحكومة؟‪.‬‬ ‫وتبني حالة طلب التحكيم امللكي حول خالف حزبي ثنائي‪ ،‬إنه بعد عامني‬ ‫على وثيقة يوليو ‪ ،2011‬تبدو هذه الوثيقة أكبر من األحزاب السياسية‪،‬‬ ‫فمكونات الحكومة عاجزة عن االشتغال بقواعد وثيقة أول يوليو ‪2011‬‬ ‫واملعارضة تبدو تائهة ومترددة وغير مدركة لحقوقها الدستورية‪ ،‬رغم أن‬ ‫األحزاب السياسية املكونة لألغلبية واألحزاب السياسية املعارضة طلبت في‬ ‫لحظة تقديم مذكراتها الدستورية إلى اللجنة االستشارية ملراجعة الدستور‬ ‫تقوية الصالحيات الدستورية لرئيس الحكومة (الوزير األول سابقا)‬ ‫والحكومة واملعارضة‪ ،‬فرئيس الحكومة ما زال يلبس معطف الوزير األول‬ ‫لدستور ‪ ،1996‬وفي مرات كثيرة يعطي معنى آخر لفصول الدستور الحالي‪،‬‬ ‫فالخالفات الحالية بينه وبني حزب االستقالل تقتضي اتخاذ مبادرات لحل‬ ‫هذا الخالف بعيدا عن التحكيم امللكي حفاظا على سمو املؤسسة امللكية فوق‬ ‫الصراعات الحزبية‪.‬‬ ‫اختار املغرب الحلول الدستورية لتعويم االحتجاجات واستيعابها‪ ،‬واختار‬ ‫وضع الدستور قبل االنتخابات‪ ،‬فكان بذلك مختلفا عن مصر وتونس اللتني‬ ‫أجريتا انتخابات أعطت تمثيلية جديدة ظلت تشتغل بمؤسسات قديمة أو‬ ‫الزالت تشتغل بها إلى اليوم (حالة تونس)‪ ،‬ومختلفا عن الجزائر التي نظم‬ ‫فيها الجيش انتخابات أعطت فوز الجيل القديم لجبهة التحرير قبل إعالن‬ ‫الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن لجنة دستور ال أحد يعرف مالها اليوم‬ ‫بعد اختفاء الرئيس جراء وعكة صحية‪ ،‬فاختيار الدستور في املغرب قبل‬ ‫االنتخابات معناه استمرارية الثوابت الدستورية وتطوير املؤسسات وبناء‬ ‫مؤسسات جديدة لتنظيم عمل النخب التي جاءت بها انتخابات ‪ 25‬نوفمبر‬ ‫‪ .2013‬لكن‪ ،‬بعد عام ونصف‪ ،‬يبني التحليل الدستوري من زاوية أخرى أنه ما‬ ‫زالت الحكومة والبرملان معا لهما االشتغال بقواعد وثيقة فاتح يوليو ‪،2011‬‬ ‫فرئيس الحكومة ما زال يلبس جلباب الوزير األول لدستور ‪ 1996‬وفي مرات‬ ‫كثيرة يعطي معنى آخر لفصول الدستور الحالي‪ ،‬ملا يصبح أقرب إلى أمني‬ ‫عام حزب العدالة والتنمية أكثر منه رئيسا للحكومة‪ ،‬فحضوره في أول مايو‬ ‫‪( 2013‬يوم العمال) إلى جانب نقابة حزبه يجعل منه خصما وحكما‪ ،‬كما أن‬ ‫زيارته لدوائر انتخابية لبرملانيني من حزبه يجعله آمينا عاما للحزب أكثر من‬ ‫رئيس حكومة كل املغاربة‪.‬‬ ‫وبعد مرور عام ونصف‪ ،‬ما زال البرملان يجر في غرفته الثانية مستشارين‬ ‫انتخبوا طبقا ملقتضيات دستور ‪ 1996‬وفقد الثلث منهم تمثيليته بقوة‬ ‫القانون‪ ،‬ورغم ذلك ما زال يشرع ويمثل فئة ال أحد يعرف من هي‪ ،‬وفي الغرفة‬ ‫األولى (مجلس النواب) لم يستطع نساء وشباب جدد تغيير شكل وأداء‬ ‫مجلس النواب‪ ،‬فالعمل البرملاني يسير ويتوقف وتتصارع أغلبيته ومعارضته‬ ‫حول الدستور‪ ،‬لدرجة أن كل الفرق بات فيها «فقهاء دستوريون» يؤولون‬

‫الفصول حسب الحاالت السياسية املوجودة أمامهم‪ ،‬لكن يبدو أن املعارضة‬ ‫ضيعت حقوقها الدستورية تدريجيا خالل عام ونصف العام‪ ،‬لدرجة أنها‬ ‫غير قادرة على املرافعة عن حقها الدستوري املكفول بمقتضى الفصل‬ ‫العاشر بخصوص مشاركتها الفعلية في مساءلة رئيس الحكومة خالل‬ ‫الجلسة الشهرية‪ .‬ورغم أن مجلس النواب وصل إلى سنته الثانية من الوالية‬ ‫التشريعية الحالية‪ ،‬وأن الدورة الربيعية على وشك االختتام‪ ،‬ما زال املغاربة‬ ‫ينتظرون املصادقة على القوانني التنظيمية املكملة للدستور‪ ،‬فالحكومة‬ ‫سكتت عن مخططها التشريعي الذي أحالته على مجلس النواب من دون‬ ‫سند قانوني‪ ،‬ألنه ال وجود في الدستور لشيء اسمه املخطط التشريعي وال‬ ‫أحد يعرف املسطرة القانونية التي جعلت مجلس النواب يقبل بهذه اإلحالة‪،‬‬ ‫ومن هو الوزير الذي سيأتي أمام لجان البرملان ملناقشة هذا املخطط؟ وهل‬ ‫سبق في تاريخ البرملانات العاملية أن أحالت حكومة وثيقة اشتغال داخلية على‬ ‫البرملان ملناقشتها؟‬ ‫ويبدو أن صعوبة الحكومة والبرملان في التعامل مع دستور ‪ 2011‬هو ما‬ ‫يشرح سلوك حزب االستقالل‪ ،‬في سابقة تاريخية‪ ،‬بإعالنه قرار انسحاب‬ ‫من الحكومة‪ ،‬وجعل القرار متوقفا على الفصل الـ‪ 42‬من الدستور‪ ،‬في نزاع‬ ‫يبدو أنه بعيد عن مضامني هذا الفصل‪ ،‬لكونه ال يمس بالسير العادي‬ ‫للمؤسسات الدستورية‪ ،‬وإنما له عالقة بحزبني شريكني في الحكومة كان من‬ ‫املمكن أن يطلب فيها حزب االستقالل من عبد اإلله ابن كيران حل اإلشكال‬ ‫بصفته رئيسا للحكومة‪ ،‬فبني تصريحات حميد‪ ،‬أمني عام حزب االستقالل‬ ‫وردود عبد اإلله ابن كيران‪ ،‬رئيس الحكومة‪« :‬ال نعرف أين تنتهي األمانة‬ ‫العامة‪ ،‬لكالهما وأين تبتدئ املؤسسة الدستورية لرئاسة الحكومة»‪ .‬وبعد‬ ‫سنة ونصف السنة‪ ،‬يبدو أن الحكومة والبرملان لهما صعوبة في التوجه نحو‬ ‫دستور ‪ ،2011‬وبات واضحا أن العالقة بينهما تعيش حالة ال توزن سياسيا‬ ‫رغم اإلمكانيات املتاحة في الدستور‪ ،‬فالعمل السياسي لم يتطور بشكل‬ ‫كبير‪ ،‬وبات الالشكلي يكتسح الشكلي‪ ،‬وباتت املساحة بني العمل السياسي‬ ‫والدستور تتسع تدريجيا‪ ،‬أمام الصعوبة املوجودة في فهم وتطبيق الدستور‬ ‫والتهديد في كل مرة باللجوء إلى تحكيم املجلس الدستوري رغم أن هذا‬ ‫املجلس ال يملك صالحية التحكيم‪.‬‬

‫‪,,‬‬

‫اختار املغرب‬ ‫الحلول‬ ‫الدستورية‬ ‫لتعويم‬ ‫االحتجاجات‬ ‫واستيعابها‬ ‫واختار وضع‬ ‫الدستور قبل‬ ‫االنتخابات‬

‫‪,,‬‬

‫ألول مرة في تاريخ املغرب يتسع سقف الفوارق بني القوى االجتماعية‬ ‫واملدنية‪ ،‬فاملسافات كبيرة بني «حركة التوحيد واإلصالح» املساندة للعدالة‬ ‫والتنمية و«حركة اليقظة املواطنة» املساندة لحزب األصالة واملعاصرة‪ ،‬والتلويح‬ ‫والتنافس باملرجعيات في املغرب بات عاديا في الفضاءات العمومية‪ ،‬وبات‬ ‫املجتمع يعيش صراع األخالقي والتخليقي والحقوقي‪ ،‬وهو صراع كرسه‬ ‫صعود العدالة والتنمية إلى الحكم وقدرته على خلق االعتقاد بأنه سيقضي‬ ‫على كل الظواهر السلبية‪ ،‬دون االنتباه إلى أن املغرب يوجد في مرحلة‬ ‫خروج ظواهر مسكوت عنها إلى العلن‪ ،‬ويبقى الخلل الكبير‬ ‫بعد سنتني من الدستور وسنة ونصف من حكومة‬ ‫العدالة والتنمية يكمن في خلط رئيس الحكومة بني بناء‬ ‫الديمقراطية ومحاربة الظواهر االجتماعية‪ .‬ورغم‬ ‫ذلك‪ ،‬فإن املغرب نجح بعد سنتني على وثيقة‬ ‫يوليو في املحافظة على تعايش سياسي بني‬ ‫املرجعيات الوضعية والدينية‪ ،‬والتعايش‬ ‫بني مطلب الحقوق من منطلق املقاربة‬ ‫العاملية ومقاربة اإلصالح من داخل‬ ‫األسرة‪ ،‬وواضح بذلك أن دستور‬ ‫‪ 2011‬جاء في سياق استمرارية‬ ‫عكس ما يجري في دول عربية‬ ‫أخرى (مصر وتونس) عادت‬ ‫إلى مناقشة هوية الدولة<‬ ‫امللك محمد‬ ‫السادس‬

‫* رئيس املركز املغاربي للدراسات‬ ‫األمنية وتحليل السياسات‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫‪9‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫بعد سنتني من مصادقة املغاربة على الوثيقة الدستورية ألول يوليو (تموز) ‪ ،2011‬تخوض اململكة املغربية تمارين‬ ‫ديمقراطية لتنزيل مضامني الدستور الجديد‪ ،‬فالثقافة الدستورية تطورت بشكل كبير خالل السنتني املاضيتني‪،‬‬ ‫وبات الفاعلون السياسيون يخوضون صراع التأويل الدستوري بينهم ويحتكمون إلى سقف الوثيقة الدستورية‬ ‫في نزاعاتهم‪ ،‬وبات املجتمع بتنظيماته املدنية يستعمل فصول الدستور لالحتجاج على الحكومة والبرملان‪ ،‬فاملغرب‬ ‫دخلت خالل السنتني املاضيتني مرحلة تثبيت املكتسبات السياسية والدستورية‪ ،‬لكن الصورة ما زالت لم تكتمل‬ ‫نهائيا‪ ،‬فاملغرب لم يعد كما كان ولكنه ما زال لم يأخذ شكله املؤسساتي النهائي‪.‬‬

‫سنتان على دستور أول يوليو في املغرب‪ :‬النجاحات والصعوبات‬

‫تعاقد سياسي‏‬

‫بقلم‪:‬‬ ‫عبد الرحيم‬ ‫املنار أسليمي *‬

‫‪,,‬‬

‫النظام‬ ‫الدستوري‬ ‫املغربي يشتغل‬ ‫بقواعد النظام‬ ‫البرملاني‬ ‫في العالقة‬ ‫بني البرملان‬ ‫والحكومة‬ ‫تحت مراقبة‬ ‫أدوات النظام‬ ‫الرئاسي‬

‫‪,,‬‬

‫‪8‬‬

‫لم يكن دستور ‪ ،2011‬حلقة أساسية في املسلسل السياسي‬ ‫لإلصالح في املغرب‪ ،‬مرتبطا بما جرى من تحوالت في العالم‬ ‫العربي‪ ،‬وإنما جاء ليجيب على حاجات رسمتها تشخيصات ثالثة‬ ‫تقارير تأسيسية في تاريخ املغرب الحديث‪ :‬تقرير هيئة اإلنصاف واملصالحة‬ ‫املرتبط بالعدالة االنتقالية‪ ،‬وتقرير الخمسينية املتعلق بالسياسات العمومية‬ ‫للدولة وتقييم املوارد البشرية‪ ،‬وتقرير اللجنة االستشارية للجهوية املحدد‬ ‫لشكل التقطيع الترابي للدولة وطريقة نقل السلطات من املركز إلى الوحدات‬ ‫الترابية‪ ،‬هذه التقارير التأسيسية‪ ،‬التي سبقت لحظة سنة ‪ ،2011‬اعتبرت‬ ‫كمنطلقات تشخيصية اعتمدت عليها لجنة مراجعة الدستور التي أعلن امللك‬ ‫محمد السادس عن إنشائها في خطاب ‪ 9‬مارس (آذار) ‪ ،2011‬فاللجنة‪،‬‬ ‫وجدت أمامها مرجعيات تأسيسية لالنطالق اإلصالح‪ ،‬أضافت إليها‬ ‫استشارات واسعة مع املنظمات الحزبية والنقابية واملدنية‪ ،‬لتنتج في منتصف‬ ‫شهر يونيو (حزيران) وثيقة دستورية عرضت على املغاربة بموجب‬ ‫استفتاء فاتح يوليو ‪ .2011‬ولعل املثير لالنتباه‪ ،‬في مرحلة صياغة دستور‬ ‫أول يوليو ‪ 2011‬واستماع لجنة مراجعة الدستور لكل الفاعلني السياسيني‬ ‫واالقتصاديني واالجتماعيني والثقافيني‪ ،‬هو ظاهرة الطلب على الدستور‬ ‫ومعرفة مضمون الدستور‪ ،‬وهو ما يفسر في نظريات القانون الدستوري‬ ‫بأنه كان طلبا على بناء تعاقد سياسي‪ ،‬فالدستور في نهاية املطاف هو‬ ‫عقد سياسي بني الحاكمني واملحكومني ووثيقة لتنظيم مجاالت اجتماعية‬ ‫وسياسية واقتصادية في تعبيرات قانونية‪ .‬فاملغاربة وجدوا أنفسهم ألول‬ ‫مرة أمام دستور مصاغ من طرف لجنة مغربية عملت على االشتغال من‬ ‫ثالثة منطلقات في الصياغة استعملت فيها األجيال الثالثة من الدساتير‪:‬‬ ‫دستور فصل السلطات ‪ -‬دستور صك الحقوق ‪ -‬الدستور التدبيري‪ .‬دستور‬ ‫جرت صياغته بثالث طرق‪ :‬صياغة في شكل إعالنات‪ ،‬وصياغة تجيب‬ ‫على وقائع وأحداث (‪ ،)2011 - 1996‬وصياغة مبنية على توافقات سياسية‬ ‫وتوافقات اجتماعية (جيلية)‪.‬‬ ‫تفيد نصوص الدستور املغربي ألول يوليو ‪ 2011‬بأن النظام الدستوري‬ ‫املغربي يشتغل بقواعد النظام البرملاني في العالقة بني البرملان والحكومة‬ ‫تحت مراقبة أدوات النظام الرئاسي التي يمكن للملك أن يتدخل بمقتضاها‬ ‫بصفته رئيس الدولة وممثلها األسمى ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة‬ ‫واستمرارها والحكم األسمى بني مؤسساتها‪.‬‬ ‫ولكي نفهم الوظائف الدستورية للملك‪ ،‬يمكن إعطاء مثال بحالة تمرين‬ ‫ديمقراطي عاشه املغرب بني مايو (أيار) ويوليو ‪ 2013‬ملا أعلن حزب‬ ‫االستقالل‪ ،‬وهو حزب ظل ينتمي للحكومة التي يقودها حزب العدالة‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫والتنمية بعد انتخابات ‪ 25‬نوفمبر (تشرين الثاني) ‪ ،2011‬في شهر مايو‬ ‫‪ 2013‬عن قرار انسحابه من الحكومة محيال األمر على امللك وطالبا منه‬ ‫التحكيم في صراعه مع شريكه حزب العدالة والتنمية‪ ،‬هذه الحالة السياسية‬ ‫جعلت املالحظني واملتتبعني الوطنيني والدوليني يتساءلون‪ :‬متى يقوم امللك‬ ‫بتحكيم دستوري بني حزب االستقالل والعدالة والتنمية؟ لكن‪ ،‬امللك لم يقم‬ ‫بالتحكيم بني الحزبني الشريكني في الحكومة وترك التمرين الديمقراطي‬ ‫يتبلور‪ ،‬مادامت شروط التحكيم الدستوري لم تكن متوفرة في خالف‬ ‫حزب االستقالل والعدالة والتنمية‪ ،‬فالخالف هو حالة بني حزبني شريكني‬ ‫في الحكومة‪ ،‬ولم تصل إلى درجة تهديد سير املؤسسات الدستورية‪ ،‬وليس‬ ‫فيها خروقات دستورية ليتدخل امللك ملمارسة صالحياته في ضمان احترام‬ ‫الدستور‪ ،‬فالصراع بني االستقالل والعدالة والتنمية صراع سياسي عادي بني‬ ‫حزبني شريكني داخل أغلبية حكومية لم يصل إلى درجة تهديد الدستور‪.‬‬ ‫وبدا واضحا في هذا التمرين الديمقراطي أنه ال يمكن أن يكون الصراع حول‬ ‫منهجية العمل الحكومي موضوع التحكيم الدستوري للملك‪ ،‬فبيان إعالن حزب‬ ‫االستقالل عن قرار االنسحاب‪ ،‬يشير إلى «تنبيه ونصح»‪ ،‬ويقول إن حزب‬ ‫االستقالل «استنفد جميع إمكانيات التنبيه والنصح» في عالقته مع حزب‬ ‫العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة‪ ،‬ويشير البيان أيضا إلى مذكرة وبيانات‬ ‫موجهة إلى رئيس الحكومة وإلى مشكل داخل عمل األغلبية والتحالف‪ ،‬وإلى‬ ‫«استفراد» حزب العدالة والتنمية الحاكم بجميع القرارات الصغيرة والكبيرة‪،‬‬ ‫وإلى أنه أطلق «العنان للخطابات الشعبوية»‪ ،‬فهذه العناصر ال يمكن أن تكون‬ ‫موضوع تحكيم دستوري ملكي‪ ،‬ألنها خالف حول منهجية عمل حكومي‪،‬‬ ‫وأحيانا خالف حول نعوت وأوصاف‪ ،‬يكون املسؤول عنها بالدرجة األولى‬ ‫األشخاص واألحزاب السياسية املكونة للتحالف الحكومي‪ ،‬وفي درجة ثانية‬ ‫قائد التحالف الحكومي الذي هو رئيس الحكومة‪ ،‬فاألمر يتعلق بحالة صراع‬ ‫داخلي ال يمس املؤسسات وباقي املنظمات السياسية‪.‬‬ ‫أكثر من ذلك‪ ،‬لم يتدخل امللك ألن الخالف بني العدالة والتنمية موضوعه‬ ‫اختيارات اجتماعية واقتصادية يجب أن يحسم فيها داخل مكونات األغلبية‬ ‫وداخل مجلس الحكومة بوصفه جهازا تداوليا التخاذ القرارات املرتبطة‬ ‫بالسياسات العمومية للحكومة‪ ،‬فرئيس الحكومة عبد اإلله ابن كيران يقول‬ ‫إنه وضع برنامج الحكومة الحالية‪ ،‬وإنه مسؤول عن سياسته وقراراته‪،‬‬ ‫وهو يشير إلى ذلك نيابة عن األغلبية املكونة لحكومته‪ ،‬فكيف يعمد حزب‬ ‫االستقالل‪ ،‬وهو شريك في إعداد البرنامج الحكومي‪ ،‬إلى طلب تحكيم‬ ‫دستوري ملكي حول اختيارات حزبية حكومية وافقت عليها مكونات‬


‫الكتــاب املســاهمـون يف هـذا العـدد‬ ‫محمد اوجار‪ :‬وزير حقوق االنسان املغربي‬ ‫السابق‪ ،‬وعضو املجلس األعلى لإلعالم املسموع‬ ‫واملرئي في املغرب ‪.‬رئيس مركز الشروق‬ ‫للديمقراطية واإلعالم وحقوق االنسان في‬ ‫الرباط‪.‬‬

‫أروى حسن‪ :‬خبيرة في التنمية الدولية‬ ‫تعمل مع حكومات ومنظمات مجتمع مدني‬ ‫في العالم العربي منذ ‪ 15‬عاما‪ .‬حاصلة على‬ ‫درجة املاجستير من جامعة كامبريدج في‬ ‫انكلترا ‪ .‬تلقي محاضرات بانتظام في املحافل‬ ‫الدولية بشأن قضايا مكافحة الفساد‪ ،‬والحكم‪،‬‬ ‫واإلصالح املؤسسي‪.‬‬

‫بشير عبدالفتاح‪ :‬أكاديمي وكاتب ومحلل‬ ‫سياسي‪ ،‬متخصص في الشؤون املصرية‬ ‫واآلسيوية ‪.‬رئيس تحرير مجلة «الديمقراطية»‬ ‫الصادرة من مؤسسة األهرام‪ ..‬وباحث في مركز‬ ‫األهرام للدرسات السياسية واإلستراتيجية‪.‬‬

‫فضيلة الجفال‪ :‬كاتبة سعودية استشارية‬ ‫اتصاالت استراتيجية‪ ،‬حاصلة على‬ ‫املاجستير من «غولد سميث» لندن‪ ،‬لها‬ ‫كتاب «أيام مع املارينز» صدر في عام‬ ‫‪.2011‬‬

‫سامح فوزي‪ :‬كاتب ومحلل سياسي‪ ،‬عضو‬ ‫مجلس الشورى املصري املستقيل عن التيار‬ ‫املدني‪ ،‬وممثل الرئاسة السابق في لجنة الحوار‬ ‫الوطني‪ ،‬ومدير مركز دراسات التنمية بمكتبة‬ ‫اإلسكندرية ‪.‬‬

‫حسني عبد الحسني‪ :‬صحافي لبناني خريج‬ ‫“الجامعة االميركية في بيروت” حيث درس‬ ‫فيها التاريخ‪ .‬يقيم في الواليات املتحدة‬ ‫األميركية وهو مدير مكتب جريدة الراي‬ ‫الكويتية في واشنطن‪ .‬صاحب مدونة على‬ ‫موقع “املجلة” العربي بعنوان «من واشنطن»‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫‪7‬‬


‫المحتوى‬

‫سنتان على دستور أول يوليو في‬ ‫املغرب‪ :‬النجاحات والصعوبات‬

‫تعاقد سياسي‏‬

‫من العقاد إلى‬ ‫األسواني‪ :‬املثقفون‬ ‫و«اإلخوان»‪ ..‬ال‬ ‫يلتقون‬

‫انقالب ثقايف‬

‫قراءة في موقف اليسار األميركي‬ ‫من األزمة السورية‬

‫دميقراطيو ريغان‬

‫بعد ثورات الربيع‪ ..‬ماذا يريد العرب؟‬

‫ثمن احلرية‬

‫حكم اإلخوان‪ :‬عادت‬ ‫السلطة مؤسسات‬ ‫الدولة وأجهزتها‬ ‫السيادية‬

‫اجلماعة املعزولة‬

‫حتى االنقالبات الجيدة سيئة‬

‫دروس ملصر من الفلبني وفنزويال‬ ‫‪6‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬


‫‪www.majalla.com‬‬

‫مجلة العــرب الدولية‬


‫االفتتاحية‬

‫رساله المحرر‬ ‫يحتدم الجدل وتتضارب األسئلة التي فجرتها لحظة ‪ 30‬يونيو (حزيران) في مصر‪ ،‬بني من يرى أن ما حدث ليس سوى انقالب‬ ‫عسكري على الشرعية املنتخبة‪ ،‬ومن يؤكد قاطعا أن قرار عزل الرئيس مرسي يعيد الثورة إلى مسارها الصحيح‪ ،‬وينتزعها‬ ‫من مختطفيها‪.‬‬ ‫البعض يرى أن اإلخوان بعد عزل رئيسهم قد عادوا عقودا إلى الخلف‪ ،‬وأصبحوا في حالة واضحة من االرتباك واختالل التوازن‬ ‫بعد أن أضاعوا فرصة قد ال تتكرر لهم في وصول املشروع اإلسالمي إلى السلطة‪.‬‬ ‫مجلة «املجلة» في ملف خاص بعنوان «الجمهورية الثالثة» يتناول تداعيات وتطورات املشهد املصري بعد الثالثني من يونيو‪،‬‬ ‫يكتب املستشار املصري الدكتور سامح فوزي مقاال عن «الجماعة املعزولة» يحلل فيه أداء سنة كاملة من حكم اإلخوان‪ ،‬يرى‬ ‫فيه أن السلطة الحاكمة عادت مؤسسات الدولة وأجهزتها السيادية والديمقراطية‪ ،‬وحكمت على نفسها بالفشل‪.‬‬ ‫وفي مقال آخر يتساءل الكاتب السوري عهد فاضل عن «لغز األنا املصرية»‪ ،‬مفتشا عن السر الذي دفع الشعب املصري‬ ‫«املتدين» إلى االنقالب سريعا على حكم جماعة اإلخوان املسلمني‪ ،‬والوقوف في وجه حزب ديني تاريخي ضارب الجذور في‬ ‫الحركة السياسية املصرية‪.‬‬ ‫تبعه الكاتب واملحلل املصري أسامة سالمة الذي كتب مقاال رصد فيه عالقة املثقفني بجماعة اإلخوان املسلمني‪ ،‬على مدى‬ ‫‪ 64‬عاما‪ ،‬من املفكر الكبير عباس العقاد‪ ،‬وحتى الدكتور عالء األسواني‪ ،‬مواقف وتصريحات تكشف بوضوح أن الطرفني «ال‬ ‫يلتقيان»‪.‬‬ ‫وفي ذات امللف يبحث الكاتب السعودي عبد الله الرشيد عن تلك اللحظة التي تشكلت فيها صورة الجيش في الوجدان املصري‬ ‫باعتباره املالذ والحصن األخير الحامي من انهيار املجتمع‪ ،‬رابطا بني لحظة الزعيم املصري التاريخي أحمد عرابي‪ ،‬وقرار وزير‬ ‫الدفاع الحالي عبد الفتاح السيسي‪.‬‬ ‫وفي سياق آخر يحلل الكاتب حسني عبد الحسني موقف اليسار األميركي من األزمة السورية‪ ،‬وأسباب ابتعاده عنها‪ ،‬حيث‬ ‫تصبح كل شؤون العالم «نسبية» عند اليسار الليبرالي فال يوجد صواب وال خطأ‪ ،‬وال شأن للعالم وال أميركا في التدخل بها‪.‬‬ ‫أما أستاذ الدراسات اللغوية في جامعة برمنغهام الدكتور رياض العشيري فيبحث في «أزمة خطاب» متسائال‪« :‬ملاذا يفشل‬ ‫خطابنا العربي السياسي في نزع فتيل األزمات؟» مقارنا بني خطاب الرئيس املصري السابق محمد مرسي‪ ،‬والرئيس األميركي‬ ‫جورج دبليو بوش‪ ،‬وتعاطي كليهما مع األزمات التي حلت في بلديهما‪.‬‬ ‫وتستعرض الكاتبة السعودية فضيلة الجفال رحلة املستشرقة األسترالية جيرالدين بروكس التي اقتحمت عوالم خفية للمرأة‬ ‫في املجتمعات اإلسالمية‪ ،‬في قراءة لكتابها املترجم إلى العربية بعنوان «األنوثة اإلسالمية» تقول عنه‪« :‬إنه كتاب ثري من الناحية‬ ‫التوثيقية‪ ،‬يتميز برؤية فريدة ناضجة ومحايدة»‪.‬‬ ‫ندعوك عزيزي القارئ لقراءة هذه املوضوعات وغيرها الكثير على موقعنا ‪ majalla.com‬ونرحب دائما بآرائك وندعوك للتعليق‬ ‫على املوضوعات أو االتصال بنا إذا رغبت في التواصل معنا‪.‬‬

‫المحرر‬

‫‪4‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬


‫الرئيس التنفيذي المكلف لشركة نشر‬ ‫عمر بن عبدالعزيز آل الشيخ‬ ‫‪Acting CEO of NASHR Co.‬‬

‫‪Omar A. Alshaikh‬‬ ‫مسؤول مكتب اخلليج‬

‫عبد اهلل الر�شيد‬ ‫سكرتري التحرير‬

‫م�صطفى الد�سوقي‬ ‫للمشاركة‬

‫إلرسال مقاالت أو آراء يرجى المراسلة على البريد اإللكتروني ‪ editorial@majalla.com‬ملحوظة‪ :‬جميع المقاالت يجب أال تزيد على ‪ 800‬كلمة‬

‫اشتراكات‬

‫لالشتراك في الطبعة الرقمية‪ ،‬يرجى االتصال بـ‪ subscriptions@majalla.com :‬لالشتراك في االلكترونية‪www.issuu.com/majalla :‬‬ ‫حقوق النشر محفوظة لمجلة المجلة ‪ 2009‬التي تصدر عن الشركة السعودية لألبحاث والتسويق (المملكة المتحدة) شركة محدودة‪ .‬وال يجوز بأي حال من األحوال إعادة طباعة المجلة أو أي جزء منها أو تخزينها في أي نظام‬ ‫استرجاعي أو نقلها بأي صورة أو أي وسيلة إلكترونية أو آلية أو تصويرها أو تسجيلها أو ما شابه دون الحصول على تصريح مسبق من الشركة السعودية لألبحاث والتسويق (شركة محدودة)‪ .‬وتصدر المجلة شهرياً‪ .‬لتلقي‬ ‫استفسارات االشتراك الرقمي‪ ،‬يرجى زيارة ‪www.majalla.com‬‬

‫‪issue 1586 - August 2013‬‬

‫العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬ ‫الرياض ‪ -‬حي المؤتمرات ‪ -‬طريق مكة ‪ -‬تقاطع التخصصى‬

‫مرخص لها‬

‫الرياض‪ :‬هاتف ‪ - 4419933‬لندن‪A Monthly Political News Magazine +44 207 831 8181 :‬‬

‫‪www.majalla.com/eng‬‬

‫‪HH Saudi Research and Marketing (UK) Ltd‬‬ ‫‪Arab Press House, 184 High Holborn,‬‬ ‫‪London WC1V 7AP‬‬ ‫‪Tel: +44 207 831 8181 - Fax: +44 207 831 2310‬‬

‫الوكيل اإلعالني‬

‫موقع إلكتروني‪ ،www.alkhaleejiah.com :‬بريد إلكتروني‪hq@alkhaleejiah.com :‬‬

‫وكيل اإلشتراكات‬

‫بريد إلكتروني‪ ، info@arabmediaco.com :‬موقع إلكتروني‪ ،www.arabmediaco.com :‬هاتف مجاني‪ 800-2440076 :‬‬

‫وكيل التوزيع‬ ‫مركز الطباعة‬

‫من داخل المملكة ‪ ،920 000 417 :‬دبي‪ ،+9714 3 914440 :‬باريس‪ ، +331 537 764 00:‬لندن‪ ، +44 207 404 6950:‬ومن مختلف الدول ‪+966 1 441 1444 :‬‬

‫وكيل التوزيع في المملكة العربية السعودية حي المؤتمرات ‪ -‬ص‪.‬ب ‪ - 62116‬الرياض ‪ ،11585‬هاتف‪ +966 1 4419933 :‬فاكس‪،+966 1 2121774 :‬‬ ‫موقع إلكتروني‪www.saudidistribution.com :‬‬ ‫ص‪.‬ب‪ - 121 .‬الرياض ‪ ،11383‬هاتف ‪ ،+9661.2657000‬فاكس ‪ ،+9661.2658000‬موقع إلكتروني‪www.halaprintco.com :‬‬

‫شركات المجموعة‬ ‫‪Saudi Specialized Publishing Company‬‬

‫حقوق التوزيع لهذه المطبوعات محفوظة‬

‫لشركة «تريبيون لخدمات اإلعالم»‬

‫حقوق النشر لهذه المطبوعات باللغة العربية مرخصة «المجلة»‬

‫للحصول على المزيد من المعلومات‪ ،‬يرجى اإلتصال على الهاتف المجاني ‪8002440014‬‬


AN AMERICAN EDUCATION A BRITISH SETTING A GLOBAL FUTUR E A Since the 1970’s Richmond has been educating leading Middle Eastern families. Richmond’s unique style of personalised higher education ensures that students leave us with a dually accredited degree, that is recognised in the UK, the USA and worldwide.

+44 20 8133 2877 • enroll@richmond.ac.uk Visit www.richmond.ac.uk/al-majalla today to download our catalog and viewbook.


‫العدد ‪ 1586‬أغسطس ‪ -‬آب ‪2013‬‬

‫مجلة العرب الدولية‬ ‫شهرية سياسية‬

‫‪‬‬

‫تأسست في لندن عام ‪1980‬‬

‫حممد اوجار ‪ :‬الربيع العربي‪« ..‬ال�شرعية الثورية» يف مواجهة «ال�صناديق»‬ ‫�أروى ح�سن‪ :‬املقاومة املدنية‪..‬مكافحة الف�ساد يف الدول العربية‬ ‫ح�سني عبد احل�سني‪ :‬قراءة يف موقف الي�سار الأمريكي من �سوريا‬

‫‪‬‬

‫للحصول على العدد‬ ‫اسـتخـدم هاتفــك‬ ‫ال ــذكي لـمــسح‬ ‫هـ ـ ــذا الـ ــرقـ ـ ـ ــم‬ ‫‪08‬‬

‫‪ISSN 1319-0873‬‬

‫‪9 771319 087013‬‬ ‫‪‬‬

‫‪‬‬

‫‪issue 1586 - August 2013‬‬

‫‪www.majalla.com‬‬

الجمهورية الثالثة  

نهاية نظام «الجماعة» المعزولة.. هل تعود ازدواجية السلطة من جديد ؟