cartier.com
روتوند دو كارتييه
مكرر الدقائق ،التوربيون المحلقة 9402إم سي موثقة بدمغة جنيف ،الكاليبر 9402إم سي دو كارتييه تجمع مابين اثنتين من أكثر تعقيدات الساعات الكبرى اعتباراً و ً هيبة :مكرر الدقائق و التوربيون المحلقة .بضغطة واحدة على الزر الجانبي يقوم مكرر الدقائق بتفعيل مطرقتين يمكن رؤيتهما من خالل ميناء الساعة فتعطيان الرنات التي تشير بالترتيب إلى الساعات و أرباع الساعات و الدقائق بالتطابق مع ما تؤشر إليه عقارب الساعة .يتم تنظيم الرنات بواسطة دوالب موازنة يعمل بالقصور الذاتي و يمكن رؤيته في موقع الساعة السادسة و يكمل ألف دورة في الدقيقة .مطور من خالل عدم وجود الجسر الذي يربطه إلى ميناء الساعة ،يظهر التوربيون المحلق و كأنه يطفو في قلب الساعة مبدع ًا تأثيراً بصري ًا فريداً. علبة الساعة من التيتانيوم ،تاج مصقول مرصع بحجر السافير بقطع كابوشون ،حركة ميكانيكية بتعبئة يدوية شغل الدار، مكرر الدقائق و توربيون محلق كاليبر 9402إم سي ،تصديق دمغة جنيف ( 45جوهرة 447 ،جزءاً ،تردد 21600ذبذبة في الساعة ،خزان طاقة مزدوج ،احتياطي الطاقة قرابة 50ساعة) ،مكرر الدقائق مع دوالب موازنة ،مطارق و أجراس قرصية مرئية على جانب الميناء ،توربيون محلق بدوار على شكل الحرف . C
بوتيك كارتييه في المملكة العربية السعودية ،الرياض ،ساكس فيفث أفنيو ،مركز المملكة،)01( 211 2450 : مجمع سنتريا ،شارع العليا العام)01( 462 6959 : ّ جدة ،شارع التحلية)02( 660 0720 : ّ مجمع الراشد مول)03( 881 4484 : ،13 الخبر ،بوابة ّ
الكلمة الأخرية تعيش املنطقة العربية مرحلة تاريخية بالغة التعقيد والحساسية سياسيا واجتماعيا وثقافيا وحتى دينيا وروحيا .وتطرح تطوراتها املتالحقة أسئلة حارقة ومؤملة على كل النخب والقيادات املعنية بدينامية اإلصالح السياسي واإلسهام في صياغة املستقبل العربي .فاملتتبع ملجريات األحداث وخصوصا في دول الربيع العربي ،يلمس كيف أن األحالم الجميلة ،التي سكنت قلوب وعقول ماليني من الشباب والنساء واملهمشني بقرب ميالد عهد عربي جديد زاهر ،انقلبت إلى كوابيس مخيفة ومرعبة. أين الحلم بنهاية االستبداد والقهر والذل وزوال دولة الفساد واملحسوبية ،ودفن سلطة القهر والبطش والسجن لصالح دولة املؤسسات الدستورية والديمقراطية الحامية لكرامة املواطن وحرياته وحقوقه في الكرامة واملساواة والعيش الكريم؟ الجواب الذي يقدمه الواقع في الدول التي عرفت بثورات الشباب في خضم مخاضات الربيع العربي يدعو إلى اإلحباط وفي أحسن الحاالت إلى القلق املشروع حول املآالت وصيغ الخروج من األزمات الطاحنة التي تعصف بها .كيف فشلت الثورات في إجهاض الحلم املشروع ملاليني املواطنني العرب الحاملني بالعيش بقيمة البشر في سائر قارات ودول العالم ،في ظل دول تحترم كرامتهم وإنسانيتهم وتحاول أن تتجاوب مع تطلعاتهم للعيش الكريم واملشاركة في تدبير شؤون حياتهم؟ في خضم الحماس العربي الرومانسي لدينامية الثورات في بداية ما يسمى بالربيع العربي ،كنت من القالئل الذين حاولوا الدفاع عن مشروعية بناء التوافقات الوطنية وخصوصا في هذه املرحلة الدقيقة من التاريخ العربي ،وكان دفاعنا يضيع وسط حماس الثوار املبتهجني بسقوط أنظمة الفساد ورموز الديكتاتورية وفراعنة الزمن العربي.
حممد اوجار
الكل كان متشبثا بالشرعية الجديدة شرعية الثورة والتي ال تعلو عليها مشروعية أخرى .ماليني من الشباب والنساء وكل طاقات املجتمع انتفضت ،وخرجت في مسيرات ضخمة واعتصمت ،وخاطرت بحياتها ،وواجهت بشجاعة نادرة وبوسائل سلمية وصدور عارية جبروت الطغيان وحيويته وأجهزته ووسائل إعالمه ،وتمكنت من إسقاط بن علي ومبارك والقذافي وعلي عبد الله صالح ،وما زالت تجاهد في سوريا. هذه املاليني وحدها اإلصرار الشبابي واملجتمعي على إسقاط الفساد والثورة ضد االستبداد ،واملطالبة بالحرية والكرامة والديمقراطية .فهذه ثورات شعبية ،انطلقت مدنية ،شبابية تلقائية ،أنساها الحماس الثوري أن تطرح األسئلة الضرورية حول شكل وصيغ وترتيبات مرحلة ما بعد الثورة ،فالجميع كان مسكونا بهاجس إسقاط دول وزعماء الفساد والديكتاتورية .إن ضغوطات الثورة وأولوياتها والتعبئة الشعبية إلنجاحها في أقرب األوقات ،والحرص الجماعي على إلغاء كل ما يمكن أن يفرق بني الصفوف وبني املناضلني وبني قوى الثورة ،فرض تأجيل كل األسئلة السياسية والدستورية وغيرها .فالزمن كان هو زمن الثورة وشعاره املركزي القضاء على الطاغية وعلى االستبداد .أما الزمن السياسي بكل إكراهاته وإشكاليته وأسئلته فيمكن أن ينتظر. وحني نجحت الثورات في تحقيق أهدافها املعلنة بإسقاط رؤوس أنظمة الفساد ،واجهت «الشرعية الثورية» املنتصرة سؤال ترتيب أوضاع دولة ما بعد الثورة ،وتدبير صياغة سيناريوهات املرحلة الجديدة .ولم تجد قيادات «الشرعية الثورية» في حماسها لبناء الديمقراطية ،بدا من اللجوء إلى االنتخابات ،واالحتكام إلى صناديق االقتراع .وكأن لهذه الصناديق العجيبة وحدها القدرة السحرية على إنتاج الديمقراطية في ظرف وجيز وقياسي ،دون االلتفات إلى أن الديمقراطية مسار تاريخي واجتماعي وحراك متواصل وتراكم ال يمكن بتاتا اختصاره في عملية االنتخابات ،رغم األهمية الكبيرة لهذه املحطة في املسار الديمقراطي برمته.
في الحاجة الى «الشرعية التوافقية»
وألن «شعب الثورة» الذي قاد انتفاضة سلمية وتلقائية ،لم يكن يمتلك أي مهارات انتخابية ،فإنه سيفاجأ بأن هناك من «يسرق» منه الثورة عبر صناديق االقتراع ،ألنه يمتلك الخبرة السياسية والحرفية الحزبية والتواصلية التي تجعله ينجح في استقطاب والفوز بأصوات املواطنني .وهكذا ستجد «الشرعية الثورية» نفسها في مواجهة شرعية جديدة أفرزتها صناديق االنتخابات وهي «الشرعية الديمقراطية» .وسيبدأ صراع حاد بني الشرعيتني :الثورية والديمقراطية .وسيؤججها السلوك غير الناضج لفصائل اإلسالم السياسي التي فازت في االنتخابات ،وحاولت احتكار السلطة لوحدها وإقصاء كل اآلخرين في خطأ استراتيجي وتاريخي ستكون له تداعيات مؤملة على مجمل تطورات مسلسالت اإلصالح السياسي وبناء الديمقراطية في دول الربيع العربي .في خضم تداعيات هذا الصراع الحاد بني شرعيتني لكل منهما ما يسندها ،ويشرعن مبرراتها كنت من الداعني في عدة لقاءات فكرية في الرباط والقاهرة وتونس وبحضور كثير من الفاعلني السياسيني واملدنيني واإلعالميني في هذا الحراك العربي ،إلى االنتصار لشرعية جديدة هي «الشرعية التوافقية» التي تحاول أن تشرك املساهمني والشركاء الحقيقيني في «الشرعية الثورية» في دينامية للتوافق الوطني الواسع على برنامج عمل مشترك بني كل القوى الحية يحدد اإلطار العام والقيم الكبرى التي يجب أن تحكم املرحلة االنتقالية إلعداد الشعوب والدول وتأهيلها فكريا وسياسيا وقانونيا إلنجاح مهام البناء الديمقراطي.
وهذه «الشرعية التوافقية» يجب أن تتأسس على قاعدة املصالحة الوطنية الشاملة ،وأن تتسلح بآليات العدالة االنتخابية لتمكني الشعوب العربية من تدبير املرحلة الصعبة من عملية االنتقال من مرحلة االستبداد بكل جرائمه البشعة إلى دولة القانون واملؤسسات الدستورية والتنافس الحر على السلطة وعلى الحكم ،والتعود على تدبير االختالف بوسائل سلمية وديمقراطية .إن الديمقراطية الناضجة مسار صعب ومعقد ،ويحتاج االقتناع بقيمه الحضارية إلى جهد تربوي وتعليمي وإعالمي وسياسي ،وإيجاد نخب جديدة مؤمنة بهذه الثقافة الجديدة وهذا ما يمكن أن تنتجه املراحل االنتقالية إذا ما تمكنا من تحويلها إلى مراحل انتقال ديمقراطي قائمة على «شرعية توافقية» لها أجندة زمنية واضحة ومحددة في الزمن لتأهيل املجتمعات العربية وإعدادها لتحمل ما يمكن أن ينتج عن «الشرعية الديمقراطية» من مفاجآت انتخابية وما قد تؤدي إليه من صدمات سياسية .إن العالم الذي سبقنا إلى إنجاز انتقاالته الديمقراطية أفرز عدة نماذج وآليات لتدبير علمية التحول الديمقراطي وضمنها العدالة االنتقالية كآلية للمصالحة مع الذات ومع املستقبل ،وقراءة املاضي االستبدادي بصيغة تخلص املجتمع من كوابيسه وتصالحه مع ذاته ،وتعطيه املناعة الضرورية التي تحصنه من عودة االستبداد وجرائمه وخروقاته البشعة لحقوق اإلنسان. إن االرتباك العربي بما يعيشه اليوم من صراعات حادة للشرعيات ،يطرح بإلحاح كل أسئلة الشرعية التوافقية وإلحاحية املصالحات الوطنية الضرورية ،وهذه بحاجة إلى شجاعة النخب التي يجب أن تنتصر لإلنسان العربي وحقه في الحرية والعيش بكرامته في أوطان مستقرة وهادئة تسعى إلشراك جميع أبنائها في صياغة املستقبل وبناء الهرم الديمقراطي. 66
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
بلوتوبيا :األسر النووية واملدن الذرية وكوارث البلوتونيوم العظمى يف أمريكا واالحتاد السوفيايت
> لم تعلن واحدة من أكثر املواقف العنيدة الصارخة أثناء الحرب الباردة على الرأي العام. من أجل الصمود في سباق التسلح النووي ،أقامت كل من الواليات املتحدة واالتحاد السوفياتي مدنا معزولة لحصاد البلوتونيوم .تركز براون على تاريخ نموذجني رائدين :مجتمع ريتشالند في شرق والية واشنطن وأوزايورسك في منطقة جنوب األورالُ .بنيت األولى في أوائل الحرب العاملية األولى في حني ُبنيت األخيرة مع اقتراب نهاية الحرب .إن براون كاتبة جيدة ،تصف بدقة بناء كال املوقعني (وهي عملية صعبة في حالة الواليات املتحدة ومروعة على نحو ال ُيصدق في حالة روسيا) ،واملهن الخطرة التي قام بها سكان املدينتني وما آلت إليه عن وعي كلتيهما من عدم مساواة على الصعيدين االجتماعي واالقتصادي. وعلى مر عدة عقود من وجودهما ،بعثت كل منهما في املناطق املحيطة بهما نظائر مشعة بلغ حجمها ضعف ما صدر عن كارثة تشيرنوبيل. وأدى هذا إلى إتالف صحة عمالهما على مرأى ومسمع املشرفني الذين ال يعلمون سوى نصف الحقيقة .بيد أن كلتا املدينتني قدمتا لسكانهما امتيازات لن يتمتعوا بها في أي مكان طبيعي، إلى درجة أنهم عندما خيروا بني البقاء أو الرحيل اختار أغلبهم البقاء واالحتفاظ بدخلهم املادي الوفير على حساب القلق بشأن صحتهم وصحة أسرهم.
> من خالل خبرته كمستشار رفيع املستوى في مجلس األمن القومي األميركي ،يقدم أبرامز كتابا ذكيا ومفصال بصورة مذهلة عن محاوالت إدارة جورج دابليو بوش الفاشلة في حل الصراع اإلسرائيلي الفلسطيني .يؤيد أبرامز إسرائيل واملحافظني الجدد في أميركا، ويتميز ببالغة األسلوب وعدم اللجوء إلى االعتذار .في الواقع ،يبرز في الكتاب صوت ارييل شارون ،رئيس وزراء إسرائيل من عام 2001إلى ،2006بقوة أكبر من أي شخص آخر من أبطال أبرامز .ولكن يتبع أبرامز أسلوبا انتقائيا في استخدام األدلة ،وهناك نقاط خفية تثير السخط .وتدور أكثر نقطة مثيرة لالهتمام حول ما يسمى بخارطة الطريق إلى السالم التي وضعتها إدارة بوش .كانت خارطة الطريق محكمة التسلسل :أوال إنهاء الهجمات اإلرهابية على إسرائيل ،ثم مباحثات حول مالمح التسوية النهائية .ويكشف أبرامز أنه لو تم الوصول إلى املرحلة الثانية ،ربما قدم قادة إسرائيل أقل مما كانت السلطة الفلسطينية ستقبل به .وهكذا فيما يخص إسرائيل ،كانت اللعبة كلها متعلقة باملرحلة األولى ،التي كان إتمامها قد يثمر انسحابا إسرائيليا أحادي الجانب من بعض مناطق الضفة الغربية.
اختبار صهيون :إدارة بوش والصراع اإلسرائيلي الفلسطيين
املؤلفة :كيت براون الناشر :جامعة أكسفورد العام2013 : عدد الصفحات 416 :صفحة
املؤلف :إليوت أبرامز الناشر :جامعة كمربدج العام2013 : عدد الصفحات 347 :صفحة
دولة ما بعد االستعمار يف أفريقيا :خمسون ً عاما من االستقالل2010-1960 ، املؤلف :كراوفرود يونغ الناشر :جامعة ويسكونسن العام2012 : عدد الصفحات 424 :صفحة
> في كتابه الذي يتناول تاريخ أفريقيا السياسي منذ الخمسينيات ،يستعرض يونغ أبحاث العلوم السياسية املتعلقة بالعديد من القضايا املهمة مثل اإلرث الذي خلفه االستعمار ،واألسباب التي أدت إلى تحول الدول األفريقية إلى نظم استبدادية بعد االستقالل ،وأفضل الطرق لتقييم أدائها منذ ذلك الحني .وعلى عكس الكتب املماثلة ،يتناول يونغ املناطق الواقعة في كل من شمال الصحراء الكبرى ً مركزا على الروابط السياسية وجنوبها ً والدبلوماسية بينها فضال عن تاريخها املشترك .ومن أقوى النقاط التي تناولها الكتاب العالقة بني الهوية العرقية والقومية والدولة ،وهو ما كتب عنه يونغ تحليالت أولية على مدار عدة عقود .وفي وجود أدلة واضحة وحرص كبير على الدقة النظرية، يوضح يونغ كيف أن االستعمار ،وما نتج عنه من أنماط التحول إلى الحداثة، غير بشكل كبير الهويات الثقافية وأحدث العديد من االنقسامات بني الجماعات التي ما زالت حتى اآلن تشكل الصراع الداخلي في جميع أنحاء املنطقة ويسفر عنها ً أحيانا عواقب وخيمة.
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
65
مراجعات
أختارت "املجلة" خمسة كتب متنوعة من أهم الكتب املنشورة التي عرضت للنقد والتحليل في مجلة "فورن أفيرز" وتتميز الكتب املختارة باالثارة واملتعة والثراء من بينها كتاب "روسيا والغرب من الكسندر لبوتني: الشرف في العالقات الدولية" للمؤلف :أندريه بي .سيغانوف .ويرى الكاتب جيمس بيتيفر في كتابه"جيش تحرير كوسوفا :من حرب سرية إلى تمرد البلقان "2001 – 1948 ،أن جيش التحرير الكوسوفي يمثل ً ذروة الصراع األلباني الذي دام طويال ضد الهيمنة الصربية ،التي تمتد إلى يوغوسالفيا امللكية ما قبل الحرب العاملية األولى .وفي كتاب آخر نشر تحت عنوان "اختبار صهيون :إدارة بوش والصراع اإلسرائيلي الفلسطيني" يقدم املؤلف إليوت أبرامز من خالل خبرته كمستشار رفيع املستوى في مجلس األمن القومي األميركي كتابا ذكيا ومفصال بصورة مذهلة عن محاوالت إدارة جورج دابليو بوش الفاشلة في حل الصراع اإلسرائيلي الفلسطيني.
روسيا والغرب ..اختبار صهيون
أبرز خمسة كتب منشورة حديثا جيش حترير كوسوفا: من حرب سرية إلى مترد البلقان2001 – 1948 ، املؤلف :جيمس بيتيفر
املؤلف :أندريه بي .سيغانوف
الناشر :سي هريست وشركاه
الناشر :جامعة كمبردج
العام2012 :
العام2012 :
عدد الصفحات 320 :صفحة
عدد الصفحات 325 :صفحة
> بدراسة الفصل األخير من الحروب اليوغوسالفية التي اتسمت بالدموية والتعقيد ،سينظر معظم األجانب إلى جيش التحرير الكوسوفي بكراهية تقل قليال عن رؤيتهم للقائد الصربي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش .ولكن يرى بتيفر األمور على نحو مختلف .بالنسبة له ،يمثل ً جيش التحرير الكوسوفي ذروة الصراع األلباني الذي دام طويال ضد الهيمنة الصربية ،التي تمتد ً إلى يوغوسالفيا امللكية ما قبل الحرب العاملية األولى ،وتم إشعالها مجددا خالل حكم املارشال تيتو .وفي خضم االشتباكات بني الفصائل املتنازعة على كوسوفو ،يميل قلب بتيفر إلى جيش التحرير الكوسوفي واأللبانيني القوميني املتحالفني معه .يصف بتيفر بأدق التفاصيل تشكيل الجماعة الضعيف ،والدور الذي لعبه األلبانيون املنفيون في جنيف وزيوريخ ،والدعم القادم من الحكومة األلبانية ،وعمليات حرب العصابات األولى في كوسوفو ،واالنتقام العنيف من قبل الجيش اليوغوسالفي ،والدخول املضطرب واملتردد للواليات املتحدة وبريطانيا في الصراع ،وحرب عام .1999إنها في األساس قصة البلقان عن املظالم القومية التي لم تعالج واألخطاء االستراتيجية في جملتها (ليس هناك خطأ أكبر من خطأ ميلوسيفيتش) والقوى العظمى في سعيها لتحقيق أجندتها التي ال تتعلق باملشكلة املطروحة.
64
روسيا والغرب من الكسندر لبوتني :الشرف يف العالقات الدولية
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
> يعتقد سيغانوف أن احترام الذات الذي يشعر به الروس هو مفتاح فهم التاريخ الطويل لعالقة روسيا بالغرب .ويعني احترام الذات الفضائل التي يراها الروس في مجتمعهم واالحترام الذي يوليه اآلخرون لبلدهم. وسواء كانت روسيا ستتعاون مع الغرب أو تدافع عن نفسها أمامه أو تتخذ موقفا معاديا ضده ،يتحدد ذلك ً بناء على االحترام الذي تشعر به روسيا باإلضافة إلى درجة إحساسها باألمان وليس ً بناء على سعيها نحو السلطة أو هيكل النظام الدولي .يدرس سيغانوف هذه الديناميكية في مراحل مختلفة من التاريخ الروسي من فترة ما بعد نابليون وحتى اليوم. ويأخذ نظرية العالقات الدولية على محمل جد ويؤيد بصراحة مذهب البنائية. وينطبق تفسيره ً جيدا على عصر بوتني .ولكن بالنسبة للصورة العامة ،تستدعي حاجة النظرية إلى الترتيب اختصار وربط قدر محدد من التاريخ.
أن الشادور هو الخندق في مواجهة قيم الغرب "لقد ذهبت إحدى الصديقات إلى مقابلة من أجل عمل حكومي مغطية شعرها وثنياتها ًّ إسالميا لكن الفاحص سخر ورفض بمعطف ومنديل ال غبار عليهما ً "إنك عارية!". توظيفها قائال ِ وتمضي بروكس في استعراض صور سردية مثيرة ،فسيدات حزب الله اللبنانيات اللواتي بدون مكبالت بالقيود الدينية خارج البيت ،لم ّ يكن كذلك وهن يتحررن ويعدن إلى الروح األنثوية عند زيارتها لهن في بيوتهن في ضواحي بيروت الجنوبية ،فقد بدون متحررات بشعر أشقر وفساتني حريرية وأجساد ملساء ،حيث اعتدن على التزين والدالل لكسب رضا أزواجهن .وهذا شأن أغلب النساء اللواتي يسرفن في املاكياج واملالبس األنيقة داخل أسوار البيت في تجارب بروكس. قرأت الكتاب وأنا أتأمل ً واقعا قد ً بدأ في التغير اإليجابي ،على األقل في بعض األماكن .إال أن ثمة قلقا ما يبعثر هذا االطمئنان ،وهو ما قد أختصره بصعود الجماعات اإلسالمية املتشددة في دول الربيع العربي ،والرغبة التي ترددت من جانبهم حول فكرة استعادة الخالفة اإلسالمية .وصعودهم على أية حال ،قد ِّ يلوح ربما بتراجع بعض الخطوات التي خطتها املرأة بجهد ،وبعد الحضور الفاعل للمرأة املسلمة والعربية في الساحة السياسية واالجتماعية واالقتصادية ً تحديدا. والثقافية ،في العقد األخير تقول بروكس :إن املرأة في املناطق اإلسالمية "تبقى مجرد امرأة في طبيعة العقل الذكوري مهما علت مكانتها" ،مستشهدة بأمثلة ملجتمعات متشددة منها إيران ،هي التي مكنت النساء منذ وقت مبكر من البرملان والرياضة والقضاء ،فحني قدمت سيدات من الجمهوريات اإلسالمية املدعوات للتدريب الرياضي مع النساء اإليرانيات في ً ً ًّ وقائيا مبالغا فيه تجاه النساء املدعوات" طهران "اتخذت إيران موقفا فمنعتهن من التجول في البالد إال بحافالت رسمية ،هذا الفعل أغاظ ً عضوة الوفد املاليزية "مرشدة مستقيم" ،فصفعت رجال من الحرس الثوري حاول أن يمنعها من الخروج من الفندق" :قلت له إنني مديرة قوات الشرطة املاليزية املتقاعدة ،وإنني أمضيت عمري أعطي األوامر للفتيان أمثالك". ً ً محتجا :إن كانت فعال وكذلك قال أحمد ساطي حول حنان عشراوي ً سياسية جيدة فيجب أن تكون مع زوجها وأطفالها أيضا .ورغم أن ً زوج عشراوي راض بحياته مع أبنائه وفخور بزوجته ،إال أن رجاال آخرين ،من أمثال ساطي في عاملنا ،لن يكونوا مرتاحني لذلك ً أبدا. نفس ذلك يحدث في دول شبيهة حني اضطرت إحدى أعضاء البرملان في انتخابات 1993في األردن أن تقاوم ،حني اعترض السلفيون على صوتها.
وتطرقت الصحافية إلى الدور اإليجابي الذي لعبته السيدة األولى نور حسني عقيلة ملك األردن ،وسردت تفاصيل عاشتها بني أسرته وفي قصره ،ومواقف أخرى حني رافقته في طائرته الخاصةً . تماما كما ذكرت الدور الكبير الذي أحدثته الشيخة فاطمة حرم الشيخ ًّ خليجيا عام 1992التي تدربت زايد ،فكانت اإلماراتية هي األولى في أكاديمية "ساندهرست" العسكرية .تقول على لسان اإلماراتية حاضرة درويش التي تدربت من بني فريق الجيش النسائي "وجدت حاضرة صعوبة في إقناع صديقاتها الجالسات في صالونها املذهب، ً قصصا عن حفر جحور الثعالب كن يهززن أكتافهن لدى سماعهن والحراسة طوال الليل في مخيمات الصحراء". بعد كل ذلك ،أرادت بروكس أن تقول إنه ورغم املناصب التي وصلت إليها النساء في املجتمعات اإلسالمية ،إال أن قلة من هؤالء استطعن وضع تغييرات حقيقية على أوضاع بنات جنسهن بسبب ضغوطات ً املجتمع وقيوده ،ورئيسة الوزراء الباكستانية "بانظير بوتو" مثاال لذلك ،أو حتى البرملانية التركية "تانسو تشيللر" حني هتف املندوبون ً "لتعد تانسو إلى املطبخ" .وهذا مثال أيضا للنظرة الدونية من بعضهم تجاه النساء. حاولت بروكس ،بني فصل وآخر ،أن تعود إلى تحليل الواقع االجتماعي السعودي الذي فرض ً قيودا على املرأة .لكن لو تأخرت بروكس سنوات من طبع هذا الكتاب ،لقالت إن بإمكان املرأة السعودية اآلن ،مقارنة بالثمانينيات أو حتى التسعينيات من القرن املنصرم -وهو زمن حكاياتها -أن تحجز في فندق بهويتها الخاصة دون محرم ،وأنها حصلت على حق الترشح والتصويت في املجلس البلدي ،ودخلت مجلس الشورى بعضوية كاملة ،كما ظهرت كمشاركة في األلعاب األوملبية في لندن .2012وأنها بعد عناء استطاعت أن تربح قضية ً العمل العام ،وأن تظهر علنا كبائعة .وأن السعوديات اآلن يعملن في مناصب قيادية ومراكز علمية وثقافية مهمة.
,,
الكتاب هو النسخة املترجمة لكتاب الصحافية األسترالية "جيرالدين بروكس" الذي عنون باإلنكليزية بـ"تسعة أجزاء من الرغبة"
,,
وأنها – املرأة السعودية -أصبحت نائبة وزير التربية والتعليم ،بعد نحو ً 45 عاما منذ افتتاح أول مدرسة بنات سعودية .عام ،1963كانت ثمة مفارقة عجيبة تحدث ،ففي الوقت الذي كانت أميركا تستدعي عساكرها ملواجهة الشغب إثر إلغاء الفصل العنصري في املدارس، كان امللك فيصل يستدعي الحرس الوطني إلبقاء مدرسة بريدة للبنات مفتوحة ،بطالبة واحدة لعام كامل هي ابنة املديرة. ّ ويغير سينحت الحجر، إن القدر ليثبت َّأن مجرى النهر الصحيح َّ معالم األرض ،وليس سوى الوقت .وكل األمور املعلقة لظروف مختلفة، من القضايا املاسة املتكررة مع الزمن ،ستأتي ً تباعا ،وإن تأخرت في القرار ،أو حتى في التطبيق ،ما دام الوعي ً قائما <
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
63
كتب
َ "جلست في زاوية من زوايا الفناء ذات اإلسمنت املسلح املتشقق ،وإلى جانبها ابنتها وكنتها ،وشواديرهن مشدودة بإحكام حول أجسادهن ،بدون مثل ثالث من قوارير البولينغ تنتظر الكرة ،وخديجة زوجة الخميني ذات الخمسة ِّ ُ وسبعني ً وصلت وراء النظارتني مبتسمة ،حني ربيعا لها الوجه املتغضن نفسه الذي لجدة طيبة ،كانت تحدق من ِ َ جذور أمسكت بيدها وربتتها برفق انزاح شادورها إلى الوراء منحسرًا عن إنش من مدت يدها لتحييني ،وحني ِ ُ ٌ َّ الشعر الفضية ،التي تعلوها خصل من الشعر بلون الجزرة".
مستشرقة تقتحم عوالم املرأة في املجتمعات املسلمة
األنوثة اإلسالمية
قراءة فضيلة الجفال تأليف: جيرالدين بروكس ترجمة: براعم سلمان الناشر: دار جداول 2012
ُ كان انطباعي ً فاترا بعض الشيء تجاه عنوان كتاب نقل إلى العربية "األنوثة اإلسالمية" ،ترجمة براعم سلمان. ً ً مزاجا معينا لقراءته .هكذا عنوانه أوحى لي بأنني أحتاج قلت لألستاذ محمد السيف ،املالك الشريك للدار الناشرة "جداول"، متحمسا وهو يشرح محتوى الكتاب .لم أكن قد ُ ً قرأت هو الذي كان النسخة اإلنجليزية منه ،هو الذي سبق الترجمة بأعوام .لكني لم كثيرا حتى فعلت واطلعت على النسخة العربية َّ أؤجل ذلك ً بمعية كوب ضئيل من القهوة. الكتاب هو النسخة املترجمة لكتاب الصحافية األسترالية "جيرالدين بروكس" الذي عنون باإلنكليزية بـ"تسعة أجزاء من الرغبة" يشير إلى الرغبة الجنسية التي قيل أن املرأة تتفوق فيها على الرجل ،مستشهدة في الصفحة األولى من كتابها بحديث لإلمام علي رضي الله عنه "لقد خلق الله الجليل الرغبة الجنسية من عشرة أجزاء ،ثم أعطى تسعة منها للمرأة وواحدا للرجل" .لست متأكدة على أية حال من مدى صحة الحديث ،إال أنني متأكدة حني أقول أن كتاب بروكس يدور في فلك العنوان العربي الفاتر هذا عن األنوثة من منظارها كصحافية عايشت بنفسها تجارب مثيرة ،بل مثيرة ً جدا في دول ً العالم اإلسالمي .وقد بدا لي العنوان املترجم غير منصف أبدا مقارنة بالدهشة التي بني دفتيه. ُ إنه كتاب ثري من الناحية التوثيقية ،كتب بنضج وبرؤية فردية محايدة ً غالبا ،في محاولة لإلجابة على أسئلة عن املرأة في املجتمعات اإلسالمية ،في الزمن املحكي عنه ،بني :مصر وإيران والسعودية واإلمارات والكويت ولبنان وتركيا والعراق والجزائر وقطاع غزة واألردن وغيرهم. بدأت بروكس كتابها في الصفحة األولى منه باستعراض تجربتها كصحافية "امرأة" تزور السعودية ،وعدم تمكنها من حجز غرفة في فندق في الظهران ،اضطرها األمر إلى املبيت في "املخفر" .وفي منتصف الكتاب تظهر تجربة سعودية مختلفة في الثمانينيات من القرن املنصرم حني عاد جيل من السيدات املتعلمات من الخارج وانخرطن في التدريس "كانت النتيجة ً كادرا من املدرسات السعوديات العجائز األكثر ليبرالية من الطالبات الشابات الالئي يقمن بتعليمهن. وحني قامت بعض هؤالء املدرسات بدورهن في مظاهرة القيادة كان أول من انقلب عليهن هن طالباتهن .اندفعت إحدى الطالبات إلى مكتب
62
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
إحدى املدرسات وبدأت تشد األستاذة من شعرها وتشتمها ألنها ً احتجاجا وقادت الشابات املعترضات على قيادة السيارات تظاهرتً ، ً غاضبا انطالقا من مسجد حرم الجامعة ،من بني هتافات املتحمسات بعد املظاهرة كان املطالبة باإلغالق الدائم لجامعة اإلناث". حاولت بروكس أن تربط بني صور اإلسالم الحديث في شبه الجزيرة وبني صور من اإلسالم األول حياة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ،ودور املرأة اإليجابي في املجتمع آنذاك ،وتعاليم ً اإلسالم تجاهها ،وتعامل الرسول أيضا مع املرأة من خالل نسائه والصحابيات .إال أن من كل الحكايات التي سردتها عن الواقع الحديث الذي عايشته ،ليس ثمة فرق كبير ربما في استعراض العقليات الذكورية لدى رؤية بروكس في كثير من املجتمعات اإلسالمية التي أشارت إليها من خالل التجارب .هي املجتمعات التي ترجح التقاليد ً على الدين ،حني تساءلت بروكس أوالْ :لم يقصد اإلسالم أبدًا أن يضطهد املرأة ،ال في القرآن وال من قبل النبي محمد واألحداث التي في ُ عهده ،فعالم تضطهد أغلبية نساء املسلمني في هذا العصر الحديث؟. برغم أنها رؤية مبالغ فيها بعض الشيء ،إال أنه سؤال يسأله الكثيرون ّ منا بصيغ شبيهة. هل شرحت رؤية بروكس ً تماما واقع املرأة في العالم اإلسالمي؟ .ال أستطيع أن ألخص ذلك في إجابة واحدة .فبروكس حاولت استعراض حاالت شتى بعيدة عن العقد الجديد الذي نعيش تطوراته اآلن ،لتلقي بالضوء على املرأة في حضن اإلسالم املتشدد ،الذي يسعى إلى تنميط السلوك االجتماعي ،في مجتمعات مختلفة وفي زمن معاصر متجدد .فهي كصحافية وامرأة استرالية عاشت حياة مختلفة عن حياة البلدان اإلسالمية وتعاليمها وقوانينها ،لم تبد منفعلة ً جدا ،بل تحاول تحليل الواقع ،وإن بدت أكثر حدية في بعض مشاهد مثل تشبيهها لفصل النساء عن الرجال في السعودية بأنه شبيه بـ"الفصل العقيم نفسه الذي تطالب به حركة حماس في فلسطني ،ومعظم أحزاب فصائل الراديكاليني في أفغانستان ،وكثير من الراديكاليني في مصر، وجبهة الخالص الوطني في الجزائر". استعرضت بروكس تأثير اإلسالم املتشدد على وضع النساء في البلدان كإيران زمن الثورة ،وكيف أن "حميدة" اإليرانية ارتدت الشادور – الحجاب على الطريقة اإليرانية ً -كرمز ثوري إبان الثورة الخمينية، ِّ إال أنها شعرت ببعض الندم الحقا الرتدائه .فالثورة لطاملا تذكر
,,
«أفاتار» واحد من أفالم عديدة تصدرها هوليوود التي يسيطر عليها بامتياز «اليسار الليبرالي»
,,
مشهد من فيلم أفاتار ()1
الفيلم الذي أخرجه ريدلي سكوت واقتبسه عن رواية كتبها الذي لعب دور البطولة ،بجائزة أوسكار ألفضل ممثل عن املعلق في صحيفة «واشنطن بوست» ديفيد إغناتيوس ،ذلك العام. واملعروف بمعارضته لبوش وقربه من أوباما و«اليسار الليبرالي» ،كان يروي عالقة االستخبارات األميركية ومن نافلة القول ،أن الرأي العام األميركي صار يبدي بنظيرتها األردنية في الفترة التالية لهجمات 11سبتمبر تعاطفا تجاه املثليني جنسيا وحرياتهم وأوضاعهم القانونية ،فقبل أسابيع قليلة ،قامت املحكمة الفيدرالية (أيلول). العليا ،وهي أعلى سلطة قضائية في البالد ،بشطب عدد وأفالم هوليوود السياسية ال تتمحور حول السياسة من البنود في قانون أقره الكونغرس في التسعينات وكان الخارجية فحسب ،بل غالبا ما تتناول الشؤون الداخلية يعرف بقانون «حماية الزواج» .وبقرارها ،فتحت املحكمة كذلك ،كما في فيلم «ميلك» ،الذي يستعيد حياة الناشط العليا الباب للمثليني للزواج ولتحصيل مكتسبات قانونية املثلي في مدينة سان فرانسيسكو ،هارفي ميلك ،الذي قتل لم تكن متاحة لهم من قبل .أما فضل هوليوود ويسارها في العام .1978الفيلم القى انتشارا ورواجا واسعا عند الليبرالي على تأليب الرأي العام األميركي في هذا االتجاه، صدوره في عام ،2008وفاز املمثل املشهور شون بني ،فهو واضح من دون أدنى شك < المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
61
ثقافة
فيلم «أفاتار» هو خرافة علمية ،تجري أحداثه في مستقبل بعيد ،وتتمحور حول سباق بني كوكبني وشعبني :األول بشر يتمتعون بمقدرات تكنولوجية وعسكرية هائلة ،والثاني هو شعب «النافي» وهم مخلوقات خيالية عمالقة وزرقاء ،تحافظ على اتصال مع البيئة ،فتنام في أوراق الشجر ،وتركب الطيور ،وتحترم كل املخلوقات.
اليسار الليبرالي وهوليوود ..درس في "النسبية الثقافية"
الرسالية يف الفن بقلم: املحرر الثقافي
,,
عندما كانت أميركا في حمأة هجومها ضد بوش أصدرت هوليوود أحد أشهر أفالمها في هذا السياق وحمل عنوان «جسم من الكذب»
,,
60
البشر ،الذين يمثلون ما يعرف أميركيا بـ «املجمع الصناعي بعيدا عن الحضارة ،فهو ال يؤمن بجدارتهم على املنافسة العسكري» ،يسعون إلى اقتالع الشجرة العمالقة التي من دون مساعدة خارجية. يعيش فيها النافي ألن تحت الشجرة مصدر الطاقة مطلوبا .تدور حرب بني االثنني ،وينتصر النافي على «أفاتار» هو واحد من أفالم عديدة تصدرها هوليوود، بامتياز «اليسار الليبرالي» األميركي، جشع البشر على الرغم من تفوق البشر عسكريا .ويقود التي يسيطر عليها ُ النافي بشري انقلب على صحبه وراح يقاتل بجسم نافي إلى درجة دفعت بعض امل َمولني من اليمينيني املحافظني األميركيني إلى التفكير في تمويل صناعة سينمائية مستعار كانت صنعته التكنولوجيا البشرية. تنافس هوليوود ،ولكن بأفكار يمينية .وما يغيظ اليمني الفيلم ،وهو من إخراج جيمس كاميرون ،يمثل درسا في هو أن هوليوود تسهم بشكل واسع في صناعة الرأي العام «النسبية الثقافية» ،وهي مدرسة تدعو العالم ،خصوصا األميركي ،وبدرجة أقل العاملي ،وتدفعه نحو اليسار وتبعده أميركا ،إلى احترام خصوصيات الشعوب املختلفة حول عن اليمني. العالم ،حتى لو بدت هذه الشعوب متأخرة علميا أو اجتماعيا أو اقتصاديا. الحرب على اإلرهاب وكان صوت هذه املدرسة عال أثناء حربي العراق وأفغانستان ،وأثناء محاولة الواليات املتحدة ممارسة ما عرف بـ «بناء األمم» في هاتني الدولتني ،مما دفع هوليوود، كما األميركيني عموما ،إلى مطالبة املؤسسة السياسية بالبقاء خارج شؤون الشعوب وشجونها ،حتى لو اعتقد األميركيون أن ما يفعلونه هو في مصلحة هذه الشعوب. لكن «النسبية الثقافية» ،وهي من أبرز األفكار التي يستند إليها «اليسار الليبرالي» األميركي في رسم مواقفه من السياسة الخارجية ،تقدمها هوليوود بكثير من السذاجة، إذ من غير الضروري أن يعيش شعب النافي في الشجرة فقط للحفاظ على هويته ،وال ضير في أن يستفيد النافي من االختراعات البشرية ،من دون أن يضطرهم ذلك إلى الرحيل من أرضهم أو التخلي عن هويتهم وعالقتهم املميزة بالطبيعة. ثم إن انتصار النافي على البشر لم يكن ممكنا لوال ذلك املقاتل البشري الذي انقلب على صحبه وراح يقود قوات النافي بجدارة غير مسبوقة ،مما يشي بأن كاميرون يعتقد أنه ال يمكن لهذه الشعوب املتأخرة أن تقدم قادتها، وأن املخرج ،حتى لو أنه أراد الدعوة إلى الحفاظ على النافي
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
وال حياء لدى أهل هوليوود من استخدام صناعتهم ألهدافهم السياسية ،ففيلم «زيرو دارك ثيرتي» للمخرجة كاثرين بيغلو ،والذي يروي أحداث كشف مخبأ أسامة بن الدن في باكستان وقتله ،صدر قبل أسابيع قليلة من االنتخابات الرئاسية األميركي في نوفمبر (تشرين الثاني) املاضي ،في ما بدا وكأنه تذكير للجمهور األميركي بدور أوباما في هذه العملية ،وتاليا جدارته في قيادة «الحرب على اإلرهاب» والسياسة الخارجية عموما. توقيت الفيلم املذكور أثار سخط اليمني ،الذي أثار أعضاؤه في الكونغرس تساؤالت حول كيفية فتح الوثائق السرية واألرشيف للمخرجة بيغلو دون غيرها من عموم األميركيني. أفالم أميركية عديدة أخرى صدرت مع مضمون وهدف سياسي يساري محدد .فعندما كانت أميركا في حمأة هجومها ضد إدارة الرئيس السابق جورج بوش واتهامها بالقيام بأعمال تعذيب ضد معتقلني في غوانتانامو، وبإسناد بعض التعذيب واالعتقال ألجهزة استخبارات حليفة ،أصدرت هوليوود أحد أشهر أفالمها في هذا السياق ،وحمل عنوان «بودي أوف اليز (جسم من الكذب)».
ملحق يومي وصفحات متخصصة في عقارات
صحتك
السبت
الجمعة
سفر وسياحة
ثقافة األحد
الثالثاء
إعالم
االثنني
حصاد
ملسـات
الخميس
األربعاء
املتخصصة صفحات أجندة األعمال السبت واألربعاء > علوم السبت سيارات األحد > فنون االثنني > التعليم االثنني > تقنية املعلومات الثالثاء كتب األربعاء > أنغام الخميس > سينما الجمعة سجاالت األحد (داخل صفحات الرأي)
..تجدد دائم
صحافة عالمية
الحشود املؤيدة ملرسي من إعادة الرئيس املعزول إلى السلطة .إذا استمرت الجماعة في تغذية الشعور بأنها ضحية ورفضت من حيث املبدأ املشاركة في الحكومة املؤقتة ،سوف تؤدي دور املفسد بغيابها .وسوف تتجنب الجماعة التسوية املؤملة ،ولكن أيضا سيصبح من الصعب على أي حكومة جديدة أن تحقق النجاح. يعتمد قرار اإلخوان بشأن ما ستفعله في الفترة املقبلة إلى حد ما على الدروس التي تعلمتها من األحداث األخيرة ومن تصرفات القوى السياسية واالجتماعية األخرى .والسؤال املطروح هو إذا كانت الجماعة سوف تعطي األولوية للبدء من جديد في املرحلة االنتقالية في مصر على حساب الدفاع عن مصالحها الحزبية. إذا سار األمر على النحو املثالي ،سيمتلك قادة الجماعة بعد النظر الذي يسمح لهم باالعتراف – سرا إن لم يكن علنا – بأن توسعهم املفرط في النفوذ ساعد في نهايتهم ،وهو ما سيمهد الطريق أمام مشاركتهم في إعادة تعريف النظام السياسي الجديد في مصر. ولكن ليس من الواضح اآلن على اإلطالق إذا كان قادة الجماعة الحاليون يرغبون في التعلم من أخطائهم أو يستطيعون ذلك. وكما أكدت في مقال سابق«( :اإلخوان املسلمون بعد مبارك»، 2فبراير /شباط ،)2011 ال تعتبر الجماعة كيانا متماسكا ،بل تضم بعض الفصائل املرنة فكريا والتي تنفتح على الحوار والتعاون مع الجماعات األخرى .وتحتوي أيضا على جماعات انعزالية وضيقة األفق .وتكمن املشكلة في أن الفصائل املنفتحة كانت تعاني من تهميش متزايد داخل الجماعة أثناء فترة الحصار في عهد مبارك .في حني انشغل هؤالء األعضاء في إدارة برامج خدمات اجتماعية وعقد مؤتمرات بشأن حقوق اإلنسان والديمقراطية في النقابات املهنية ونوادي أعضاء هيئة التدريس ،كان الحرس القديم حكم قبضته على تدريب وتأهيل األعضاء ذو الفكر املحافظ ُي ِ الجدد وتخصيص املوارد الداخلية والتعيينات .ومع تزايد خيبة أمل في الجمود الفكري واألسلوب اإلداري املستبد الذي اتسم به الحرس القديم ،غادر بعض من أكثر القيادات ديناميكية وتقدمية الجماعة ليؤسسوا حزب الوسط في منتصف التسعينات من القرن املاضي.
ك�سر التدخل الع�سكري ال�صلة بني الدميقراطية وهيمنة الإ�سالميني ،مما خلق م�ساحة لإقامة نظام جديد يت�أ�س�س على د�ستور يدافع عن حقوق الفرد
منذ اندالع ثورة ،2011غادرت أعداد أكبر من أعضاء الجماعة من بينهم القيادي البارز عبد املنعم أبو الفتوح ،الذي خاض انتخابات الرئاسة بصفته مرشحا مستقال ويرأس اآلن حزبا أسسه .ترك رحيله ومعه تقدميون غيره الحرس القديم الذي يسود املكتب التنفيذي للجماعة ،مع حلفائهم املخلصني في حزب الحرية والعدالة ،ليتشبث بسلطته ونفوذه بعد سقوط مبارك.
الحقيقية واملتخيلة وامليل إلى اعتبار السياسة لعبة محصلتها صفر .ويمكن القول إن هذا االقتصار ساهم في سقوط مرسي، وليس التطرف الفكري الذي توقعه العديد من املحللني املحافظني ومذيعي البرامج الحوارية بعد قيام الثورة( .يدعي مرسي وقادة اإلخوان املسلمني أنهم يفضلون تحقيق التوازن بني الحريات الفردية وحماية الهوية والقيم الدينية للمجتمع ،وهو موقف ال يبتعد كثيرا عن الرأي العام املصري ككل). من الصعب القول إذا كان عزل الجيش ملرسي إجراء شرعيا .جاء مرسي رئيسا عن طريق انتخابات حرة ونزيهة في العموم ،وفي األنظمة الديمقراطية يجب احترام نتيجة صندوق االقتراع .ولكن في مصر لم يستقر النظام الديمقراطي .وعندما تدخل الجيش كان ذلك ضد رئيس ال تخضع سلطاته إلى املحاسبة املؤسسية الفعالة ومن غير املؤكد التزامه بالقيم الديمقراطية .سواء كان ذلك جيدا أم سيئا ،غير كل من الحشد الجماهيري والتدخل العسكري ميزان القوة ومنح الجماعات العلمانية التي هزمت أمام اإلسالميني في االنتخابات األخيرة فرصة أكبر لوضع النظام السياسي الجديد في مصر .لقد كسر التدخل العسكري الصلة بني الديمقراطية وهيمنة اإلسالميني ،مما خلق مساحة إلقامة نظام جديد يتأسس على دستور يدافع عن حقوق الفرد ويضع صيغة للمشاركة في السلطة تمنع أي جماعة – سواء كانت اإلخوان املسلمني أو الجيش أو غيرهما – من احتكار السلطة في املستقبل. ولكن تبدو احتماالت «إعادة» البدء في املرحلة االنتقالية في مصر مظلمة إذا رفضت جماعة اإلخوان املشاركة فيها .لسوء الحظ قد تعطي السرعة والنشاط الذي اعتقل به الجيش مرسي وقيادات أخرى في جماعة اإلخوان إشارات قمعية سيئة .وسوف يزيد استخدام الجيش للقوة القاتلة ضد املتظاهرين املؤيدين ملرسي في األيام املاضية من صعوبة عودة اإلخوان لالندماج في النظام السياسي .وبصورة عامة ،يحيط الغموض بمسائل رئيسة في خارطة الطريق التي تبناها الجيش في عجالة مثل معايير اختيار املشاركني في اقتراح ومراجعة التعديالت الدستورية .وحتى الليبراليون الذين أيدوا التدخل العسكري يشعرون بالقلق ملنح الرئيس املؤقت سلطات مطلقة. في سبيل املضي قدما يجب على مسؤولي الحكومة املؤقتة بذل قصارى جهدهم إلقناع اإلخوان املسلمني – أو على األقل بعض الفصائل داخلها – بأن مميزات املشاركة في النظام الجديد سوف تتفوق على املظاهرات املستمرة والتغيب عن املشاركة .سوف يتطلب ذلك إجراء مباحثات مكثفة مع كبار قادة الجماعة الذين وضعوا قيد االعتقال حاليا وربما يتضمن ذلك في النهاية منح مرسي منصبا شكليا أو استشاريا في الحكومة الجديدة .إذا عجز أصحاب السلطة الجدد في مصر عن جذب اإلخوان إلى املشاركة ،سيخاطرون بإقامة نظام إقصائي مثل نظام الجماعة، وبذلك يكون عرضة لالضطرابات مثل حكومة مرسي التي أرادوا أن يحلوا محلها.
تملك جماعة اإلخوان جذورا ممتدة داخل املجتمع ولها إمكانيات ّ بالفعل يحمل سلوك اإلخوان طوال العامني والنصف املاضيني كبيرة سوف تساعدها في تأدية دور بناء في النهوض بالبالد. طابع العقلية التي تشكلت في ظل الحصار السابق ،من حيث ولكن يعتمد تحقيق هذه اإلمكانيات على الجماعة وخصومها إذا ّ السرية واالنعزال عن الغرباء والحساسية املفرطة تجاه التهديدات اختاروا التعاون البناء بدال من املواجهة في األيام املقبلة فورن أفيرز /أغسطس -آب 58 - 2013 /
في الثالثني من يونيو (حزيران) عام 2012أدى محمد مرسي، رئيس حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة اإلخوان املسلمني ،اليمني الدستورية رئيسا ملصر .وفي ذكرى مرور عام على تنصيبه واجه مرسى ماليني من املتظاهرين الذين يطالبونه بالتنحي .وعندما أثبت الرئيس عجزه عن حل األزمة ،عزله الجيش من منصبه ووضعه وقادة بارزين آخرين في جماعة اإلخوان قيد اإلقامة الجبرية.
الهائلة التي ترسخ في ندرة املوارد والزيادة السكانية السريعة وتضيف إلى صعوبتها عقود من الحكم املستبد الذي اتسم بالفساد والنهب .ولكن جعل نقص خبرة اإلخوان املسلمني في الحكم ،باإلضافة إلى رفضها مشاركة أحد في امتيازات وأعباء السلطة ،من الصعب حل هذه املشكالت بدرجة أكبر مما لو اجتهد اإلخوان في حشد طاقة وخبرة من هم خارج دوائرها .عالوة على ذلك ،لم يبد مرسي ميال أو قدرة على الدفع بعملية اإلصالح الهيكلي الديمقراطي لجهاز الدولة القائم منذ عهد مبارك .على وجه التحديد ،كان مرسي بطيئا في إصالح املؤسسة األمنية وهو أحد األهداف الرئيسة لثورة ،2011وذلك خوفا من إبعاد القوى ذاتها التي تعتمد عليها املؤسسة في احتواء االضطراب املتصاعد.
ترجع نهاية رئاسة مرسي املفاجئة واملخزية إلى عدة عوامل. على الرغم من تعهد مرسي بأن يكون رئيسا لكل املصريني، إال أن تصرفاته على مدار العام املاضي أعطت انطباعا قويا – لدى شخصيات مهمة في كل من مؤسسات الدولة واملعارضة العلمانية – أنه كان يستخدم سلطات منصبه من أجل تحقيق مكاسب حزبية .على سبيل املثال ،أعطى اإلسالميني وزارات بعد شهور من العصيان املدني ،تقدمت معارضة حكومة مرسي رئيسة في الحكومة ،من بينها التعليم واإلعالم .وبعد إطاحته بتشكيل حركة «تمرد» – وهي حملة يقودها شباب جمعوا ماليني بـ 17محافظا ،عني مرسي سبعة محافظني من أعضاء جماعة التوقيعات على استمارات تطالب بتنحي مرسي – وخرجت اإلخوان ومحافظا ينتمي إلى الجماعة اإلسالمية التي كانت تتبنى في مظاهرات جماهيرية حاشدة ضد حكومته في 30يونيو نشاطات مسلحة في السابق .كما عني أشخاصا موالني للجماعة (حزيران) .في األول من يوليو (تموز) ،أنذر الجيش الرئيس بحل األزمة في غضون 48ساعة ،ولكن مرسي رفض .وفي 3يوليو، في مواقع استراتيجية في مكتب النائب العام وفي اإلعالم. تدخل الجيش وعطل الدستور برر مرسي ومؤيدوه مثل هذه اإلجراءات قائلني إنهم يحتاجون وأطاح بمرسي ،وأعلن عن إلى تطهير الدولة من الشخصيات التي ارتبطت بالنظام السابق .خارطة طريق جديدة في املرحلة ويمكن القول أيضا إن مكافأة أعضاء الحزب الذي ينتمي إليه االنتقالية في مصر. املسؤول سلوك طبيعي في السياسة الديمقراطية .ولكن في مصر ،تشوب العالقات بني األطراف السياسية الرئيسة وممثلي تؤكد جماعة اإلخوان على املجتمع املدني شكوك وارتياب متبادل يرجع إلى فترة بعيدة ،مما أن مرسي انتزع من سلطته فسر مثل هذه التعيينات على أنها دليل على عزم اإلخوان على الشرعية كرئيس منتخب للبالد احتكار السلطة. وأعلنت عن حشد مظاهرات تفاقمت الشكوك في التزام اإلخوان املسلمني بإقامة نظام سياسي كبيرة حتى عودته إلى منصبه. شامل حقيقي عندما قرر مرسي ،في نوفمبر (تشرين الثاني) ،في مواجهة بني الحشود املؤيدة تحصني قراراته ضد الطعن القضائي ،مما سمح له بمنع حل واملعارضة ملرسي في الشوارع، الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور التي ينتمي غالبية ومع إبداء الجيش استعداده أعضائها إلى اإلسالميني .ثم قرر الدعوة إلى استفتاء عام سريع الستخدام القوة الوحشية على الدستور الذي صاغته الجمعية ،على الرغم من الجدل حول للحفاظ على النظام ،تقف تشكيل الجمعية املشوه .وفي الفترة األخيرة ،أصدر قرارات املرحلة االنتقالية في مصر على حافة الهاوية .تتعرض البالد بالقبض على عدد من النشطاء الحقوقيني واقترح قانونا جديدا اآلن لخطر االنزالق في عنف واسع النطاق على نحو يفوق أي يفرض سلطة الدولة على تسجيل وتمويل جمعيات املجتمع املدني .فترة أخرى منذ تنحي مبارك .ما يزيد املوقف خطورة هو أن كال من اإلخوان املسلمني وخصومهم يرون أنفسهم مدافعني عن ولكن كان مصدر القلق األكبر للناخبني املصريني هو فشل روح الثورة الديمقراطية ومصالح األمة .ويعتقد كل طرف أن أسوأ مرسي واإلخوان في تحقيق تقدم ملموس نحو تلبية احتياجات شكوكه في الطرف اآلخر قد تأكدت ،وأنه يمتلك القوة البشرية الشعب التي طالب بها في ثورة 2011من خبز وحرية وعدالة .واملوارد والدوافع التي تسمح له باالستمرار في املواجهة في الفترة في أثناء عهد حسني مبارك ،اشتهرت جماعة اإلخوان بتلبية املقبلة. احتياجات الجماهير من خالل توفير خدمات في مجالي الصحة والتعليم في األحياء الفقيرة .ولكن اكتشفت الجماعة أن مهمة كان على جميع األطراف السياسية الرئيسة في البالد ،تجنبا تقديم الخدمات العامة على نطاق جماهيري من خالل النظام للوقوع في فوضى ممتدة ،أن يلتزموا بحل خالفاتهم من خالل البيروقراطي املتكلس في الدولة أكثر صعوبة .في الحقيقة ،في العملية السياسية .ولكن أدى انعدام الثقة بني اإلخوان والجيش من العامني املاضيني ،تدهورت األوضاع املعيشية كثيرا .وساهمت جانب واإلخوان وخصومها الليبراليني من جانب آخر إلى فشل مشكالت الزحام املروري وتكدس القمامة ونقص الوقود وزيادة دعوات الحوار والتسوية .على وجه الخصوص ،ال تمر الجماعة، التي تعتبر أن تدخل الجيش أطاح بمكتسباتها التي حققتها بعد البطالة وارتفاع نسبة الجرائم في تزايد اإلحباط واالستياء. جهد شاق ،بفترة تسمح بالتزام الحكمة وضبط النفس .ولكن من اإلنصاف أن نذكر عدم وجود حلول سريعة للمشاكل الهيكلية طاملا ظل الجيش ثابتا في سيطرته ،لن تكون هناك فرصة تمكن
تفاقمت ال�شكوك يف التزام الإخوان امل�سلمني ب�إقامة نظام �سيا�سي �شامل حقيقي عندما قرر مر�سي يف نوفمرب (ت�شرين الثاين) حت�صني قراراته �ضد الطعن الق�ضائي
فورن أفيرز /أغسطس -آب 57 - 2013 /
صحافة عالمية
هل تعود «الجماعة» من جديد؟
اإلخوان املسلمون بعد مرسي
مرشد عام جماعة االخوان محمد بديع يلقي كلمة في رابعة العدوية ( 5يوليو)2013
بقلم :كاري روزفسكي ويكهام *
في الثالثني من يونيو (حزيران) عام 2012أدى محمد مرسي ،رئيس حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة اإلخوان املسلمني ،اليمني الدستورية رئيسا ملصر .وفي ذكرى مرور عام على تنصيبه واجه مرسى ماليني من املتظاهرين الذين يطالبونه بالتنحي .وعندما أثبت الرئيس عجزه عن حل األزمة ،عزله الجيش من منصبه ووضعه وقادة بارزين آخرين في جماعة اإلخوان قيد اإلقامة الجبرية. * أستاذة مساعدة في العلوم السياسية في جامعة إيموري .صدر أحدث كتبها تحت عنوان «اإلخوان املسلمون :تطور جماعة إسالمية»
فورن أفيرز /أغسطس -آب 56 - 2013 /
الثابت في الديمقراطيات الجديدة أن انقالبات املجتمع املدني تعني نزع السلطة من قائد منتخب من خالل احتجاجات مستمرة وعادة ما يتم ذلك بمساعدة الجيش .في الواقع، إنها الشراكة بني املجتمع املدني والجيش -وهما طرفان ال يعرف عنهما التعاون معا في املعتاد -التي تفرق بني انقالب املجتمع املدني واالنقالب العادي .في أغلب األحيان، يبرر الذين يقفون وراء االنقالب وقوعه ،ويدعون أنهم ينوون إنقاذ الديمقراطية ،وذلك في تناقض مع حقيقة أنهم يقتلعونها من جذورهاb.هذا هو املجتمع املدني املارق الذي تحدث وترو نحو تحسني الديمقراطية، عنه املفكر الفرنسي توكفيل؛ بدال من العمل بصبر ٍ يتحول املجتمع املدني إلى الغضب والضيق ويخطط إلحداث تغييرات سياسية مفاجئة وراديكالية .في مقالي األصلي الذي كتبته عن عزل شافيز من منصبه ،حددت ثالثة شروط مسبقة لوقوع انقالب املجتمع املدني .األول هو صعود قائد للسلطة يبدو التزامه بالديمقراطية في أحسن األحوال مشكوكا فيه .والشرط الثاني عجز املؤسسة السياسية عن تلبية تطلعات الشعب في النمو االقتصادي واالستقرار ،وذلك عادة بسبب الفساد وعدم الكفاءة وإهمال الدولة لالحتياجات األساسية .والشرط الثالث هو ظهور ممثلي املجتمع املدني -من االتحادات التجارية ،واملؤسسات الدينية واملنظمات املدنية -بصورة أكبر من القوى السياسية املنظمة رسميا ،والتي إما تفككت أو التي لم تتطور بالكامل في املقام األول ،مثل املعارضة الرئيسة للحكومة. تظهر النتيجة املجتمعة لهذه األوضاع في نشوء عالقة عدائية بني املجتمع املدني النشيط ونظام سياسي منزوع الشرعية على خلفية استياء مجتمعي واسع النطاق وانهيار سيادة القانون .في ظل هذه األوضاع ،يتم حل النزاعات واألزمات السياسية في الشارع وليس في السلطة التشريعية .جميع هذه الشروط تحققت في مصر .بمجرد أن أصبح مرسي رئيسا للبالد ،لم يضيع وقتا لكي يظهر املمانع ضد الديمقراطية .في نوفمبر (تشرين الثاني) املاضي ،حاول أن يمنح نفسه سلطات غير قابلة للطعن أمام القضاء من شأنها أن تضعه فوق القانون .وزعم أنه في حاجة إلى هذه الصالحيات لاللتفاف على القضاء املعادي الذي ال يزال يضم في األساس مسؤولني باقني من النظام السابق. لكن اعتبر املصريون هذه الخطوة مجرد وسيلة إلحكام قبضته على السلطة .في الشهر التالي ،شعر كثير من املصريني بالخيانة عندما دفع مرسي بدستور جديد ينتقص من حقوق املرأة ويعزز من نفوذ الجيش باإلضافة إلى نقاط خالف أخرى .شابت أيضا الفترة الرئاسية القصيرة ملرسي اضطرابات اقتصادية .وأصبحت الظروف املعيشية في مصر اآلن أسوأ مما كانت عليه في عهد مبارك .وفقا لصندوق النقد الدولي ،بلغت نسبة من يعيشون في خط الفقر قبل الثورة 40في املائة. أما اآلن فقد وصلت النسبة إلى 50في املائة .وفي األسابيع التي سبقت االنقالب، كان هناك نقص حاد في املواد الغذائية والوقود وغيرها من الضروريات األساسية. من املؤكد أن مرسي تحمل إرث اقتصاد متعثر للغاية .ووفقا ملا ذكره إبراهيم سيف، الخبير االقتصادي في مؤسسة كارنيغي ،خلقت الثورة «بيئة معادية الستثمارات القطاع الخاص» ،تسبب فيها إدراك «مخاطر املصادرة» ،فضال عن األضرار الناجمة عن «الضرائب ،واللوائح الصارمة ،ودعم التصدير واإلنتاج ،وارتفاع تكاليف الصفقات املرتبطة بالروتني» .ولكن في الوقت ذاته ،فاقمت سياسات مرسي من حالة عدم االستقرار السياسي وعدم الوضوح .وبدوره ،جعل ذلك من املستحيل تقريبا عودة قطاع السياحة إلى نشاطه السابق ،أو دعم ثقة املستثمرين ،أو إقناع الجهات الدولية املانحة مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بأن الديمقراطية الجديدة تقف على قاعدة ثابتة .وأخيرا ،على مدار السنة ونصف املاضية ،كان من الصعب تمييز من يشكلون املعارضة تحديدا .هذا هو القاسم املشترك بني التحوالت الديمقراطية التي تتم من أسفل ،والتي ال تميل إلى إقامة معارضة سياسية موحدة ،بل كوكبة من جماعات املعارضة التي تكون انقساماتها أكبر من أي اختالف بينها وبني الحكومة .يؤدي ذلك إلى صعوبة الوصول إلى تسويات بني الحكومة والساخطني عليها ،ويجعل األكثر صعوبة إقامة معارضة مخلصة تحقق توازنا أمام الحزب الحاكم ،بل وتعبر عن مظالم الناس من خالل النظام السياسي .يتساوى في األهمية تشكيل معارضة مخلصة مع وجود قائد ديمقراطي فعال من أجل تعزيز الديمقراطية .ظهرت الطبيعة غير املنظمة للمعارضة املصرية بوضوح خالل االحتجاجات التي أدت إلى تدخل الجيش ،حيث خرجت مجموعات مختلفة مؤيدة للديمقراطية معا متفقة على هدف واحد هو اإلطاحة باإلخوان املسلمني من السلطة. عادة ما تميل النزعة الفطرية إلى اعتبار انقالب املجتمع املدني انقالبا جيدا (في مقابل االنقالبات السيئة التي يخططها الجيش دون تأييد الجماهير) .ولكن تحمل انقالبات
املجتمع املدني وعد جذاب بإعادة البدء في عملية التحول الديمقراطي من خالل إزالة آثار تجربة انحرفت فيها االنتخابات عن مسارها وفتح صفحة جديدة إلقامة نظام ديمقراطي جديد .هذه هي رؤية الليبراليني املصريني ،الذين يجتهدون لتجنب استخدام كلمة «انقالب» .صرح محمد البرادعي ،الدبلوماسي الحائز جائزة نوبل واملدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية وأبرز الليبراليني املصريني ،لصحيفة «نيويورك تايمز» بأن «مرسي أفسد تحول البالد إلى الديمقراطية الشاملة» ،مضيفا« :كما قال يوغي بيرا ،إنها ديجافو مرة أخرى ،ولكن نأمل أن نصيب في هذه املرة» .ولكن تظل فكرة أن انقالب املجتمع املدني يستطيع إعادة البدء في التحول الديمقراطي مفرطة في التفاؤل. تقدم كل من فنزويال والفلبني نوعني من السيناريوهات املرجحة .في فنزويال ،خرجت موجات من اإلضرابات بعد اقتراحات بتأميم شركة النفط الوطنية الفنزويلية .واتخذ الجيش شافيز رهينة ملدة 48ساعة قبل أن يسحب الجيش مخططه بتنصيب رئيس مؤقت والدعوة إلجراء انتخابات جديدة وقبل بإعادة شافيز إلى منصبه .ما أجبر الجيش على تغيير خططه هو إدراكه أنه ال يستطيع احتواء أنصار شافيز الذين يشكلون أفضل قوة سياسية تنظيما في البالد ،والذين يخلصون بشدة لقائدهم، وهو ما اتضح من خالل املظاهرات العنيفة املعارضة لالنقالب التي أسفرت عن مصرع نحو 20شخصا .حكم شافيز فنزويال ملدة عقد آخر بعد ذلك ،حتى وفاته في مطلع هذا العام ،كان فيها أكثر رغبة في االنتقام واالستبداد .وتزايد عداؤه للواليات املتحدة، حيث اتهمها بالتواطؤ من أجل عزله .وعلى الرغم من الخالف حول دليل املشاركة األميركية في االنقالب الفنزويلي ،فإن إدارة بوش اعتبرت اإلطاحة بشافيز «انتصارا للديمقراطية» قبل أن تصحح مسارها بعد أن نددت معظم حكومات أميركا الالتينية بالتطورات في فنزويال واعتبرتها انقالبا .تجدر املقارنة بني انقالب فنزويال وما حدث في مصر. كما في فنزويال ،انتزع االنقالب في مصر السلطة من أفضل قوة سياسية منظمة في البالد، جماعة اإلخوان املسلمني .على عكس شافيز ،ال يعتبر أعضاء اإلخوان من قيادات وقواعد أنه يجسد الجماعة .ولكن حتى اآلن تصمم قيادة الجماعة على إعادة مرسي إلى السلطة ،مشيرين إلى أنه ال يمكن استبعاد عودته .وصرح املتحدث باسم الجماعة لشبكة «إيه بي سي» اإلخبارية« :ال توجد خطة بديلة ،إما أن نعيد الرئيس إلى مكانه املناسب أو سيكون عليهم إطالق النار علينا في الشارع» .في الفلبني في عام ،2001أطاح الجيش بالرئيس جوزيف استرادا بعد أربعة أيام من االحتجاجات الشعبية العنيفة أثناء ثورة سلطة الشعب الثانية ،التي سميت بذلك احتفاء بثورة سلطة الشعب التي أطاحت بالرئيس القوي فرديناند ماركوس عام .1986بعد عزل استرادا ،عني الجيش نائبة الرئيس غلوريا أرويو رئيسة للبالد .كانت فترة رئاسة أرويو ،التي استمرت حتى عام ،2010 مضطربة .يرجع السبب إلى حد كبير إلى تحملها عار الوسيلة غير الشرعية التي أطاحت بسلفها من منصبه.
�صرح حممد الربادعي ل�صحيفة «نيويورك تاميز» ب�أن «مر�سي �أف�سد حتول البالد �إىل الدميقراطية ال�شاملة»
حاولت أرويو التماسك في ظل املظاهرات املعارضة العنيفة التي خرج فيها مؤيدو استرادا (الذي تحول إلى ظل يخيم على أرويو طوال فترة رئاستها) ،من بينها اقتحام ثالثة ماليني متظاهر القصر الجمهوري في عام 2001مدعني أنهم يمثلون ثورة سلطة الشعب الثالثة .وفي مصر ،يشكل العثور على بديل مقبول ملرسي تحديا ،كما يمكننا أن نرى من خالل صعود وهبوط اسم البرادعي كمرشح ملنصب رئيس الوزراء املؤقت .نادرا ما تكون انقالبات املجتمع املدني جيدة لتحقيق الديمقراطية .في الواقع ،ربما كان من األفضل للمصريني أن يتركوا مرسي يكمل مدته في السلطة بدال من إجهاض فترة رئاسته غير البارعة ولكنها ديمقراطية. حتى اآلن ربما يكون من حسن حظ مصر أن تصبح مثل فنزويال أو الفلبني ،ألنها قد تسلك مسارا مأساويا بوقوع حرب أهلية ،وهو االحتمال األقرب حيث يستمر العنف ضد مؤيدي مرسي .إذا كانت هناك دروس مستفادة من العقود القليلة املاضية ،فهي أن الديمقراطية تعتمد بدرجة كبيرة على أشخاص ينتظرون هزيمة الحكومات القائمة عبر صناديق االقتراع وليس في الشوارع
فورن أفيرز /أغسطس -آب 55 - 2013 /
صحافة عالمية
حتى االنقالبات الجيدة سيئة
دروس ملصر من الفلبني وفنزويال
جوزيف استرادا الرئيس الثالث عشر لجمهورية الفلبني تولى الرئاسة من 30يونيو 1998إلى 20يناير 2001
بقلم عمر إنكارناسيون *
من أجل فهم النهاية السريعة واملفاجئة ألول رئيس مصري جاء في انتخابات ديمقراطية وما قد تنذر به ملستقبل البالد ،من املفيد أن نلقي نظرة مقارنة واسعة .ال تعتبر الطريقة التي عزل بها الجيش الرئيس محمد مرسي ،الذي ينتمي لحزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لإلخوان املسلمني ،بأي حال من األحوال حالة فريدة .بل في الواقع يوصف ما حدث بأنه أحد نماذج انقالب املجتمع املدني ،وهو مفهوم وصفته ألول مرة في مقال نشر في «وورلد بوليسي جورنال» في عام 2002حيث تناولت عزل الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز ملدة وجيزة من السلطة على يد تحالف من رجال األعمال والعمال والجماعات املدنية .بعد ذلك طبق علماء آخرون الفكرة على انقالبات أخرى ،مثل تلك التي وقعت في كل من الفلبني في عام ،2001واإلكوادور في عام ،2002وتايالند في عام ،2006وهندوراس في عام .2009وتوضح كل هذه الحاالت أن انقالبات املجتمع املدني ليست عالجا من أجل الديمقراطية كما يدعون ،وهو ما يبدو صحيحا في حالة مصر أيضا. * أستاذ العلوم السياسية في كلية بارد
فورن أفيرز /أغسطس -آب 54 - 2013 /
حتى االنقالبات الجيدة سيئة
دروس ملصر من الفلبني وفنزويال بقلم :إيريك تراغر
هل تعود «الجماعة» من جديد؟
اإلخوان املسلمون بعد مرسي بقلم :كاري روزفسكي ويكهام
فورن أفيرز /أغسطس -آب 53 - 2013 /
البـحـوث العلـميـة عاليـة التأثيـر ٌ متـاحـة ا ن للمـجتـمع بأكمله.
ﺷـﻬـﺮﻳﺎ ﺑﺎﻃﻼﻋﻚ ﻋﻠﻰ Natureﺍﻟﻄﺒــﻌﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴــﺔ ،ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺼـﺪﺭ ًّ ﺍﻧﻀـﻢ ﺇﻟﻰ ُﺭ ّﻭﺍﺩ ﺍﻟﻌﻠــﻮﻡ ﱢ ﺑﺎﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴـــﺔ ،ﺇﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ ﺍﻟﻤﻮﻗﻊ ﺍﻹﻟﻜﺘــﺮﻭﻧﻲ ﺍﻟﺨـﺎﺹ ﺑﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺷﺒـﻜﺔ ﺍﻹﻧﺘـﺮﻧـﺖ ،ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺘﻢ ﺗﺤﺪﻳﺜﻪ ﺑﺼﻔﺔ ﺩﺍﺋﻤﺔ. ﺇﻥ Natureﺍﻟﻄﺒــﻌﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴــﺔ ﺗﺘﻴﺢ ﻟﻠﻨﺎﻃﻘﻴﻦ ﺑﺎﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴــﺔ ﻣﺘﺎﺑﻌﺔ ﺍﻷﺧﺒــﺎﺭ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴــﺔ ﻓﺎﺋﻘﺔ ﺍﻟﺠﻮﺩﺓ ،ﻭﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻘﺎﺕ ﻣﺘﺎﺣﺎ ﻣﺠﺎﻧً ﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻧﺘـﺮﻧـﺖ ﻛﻞ ﺃﺳﺒــﻮﻉ ،ﻣﻊ ﻭﺟـﻮﺩ ﻧُ َﺴﺦ ﺍﻟﻮﺍﺭﺩﺓ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ”.“Natureﺇﻥ ﻣﺤﺘـﻮﻯ ﺍﻟﻤﺠﻠﺔ ﺳﻴـﻜﻮﻥ ً ﺷﻬﺮﻳﺎ ﻣﻄﺒﻮﻋﺔ ﻣﺤﺪﻭﺩﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺠﻠﺔ ًّ
ﺍﻃﻠِ ْﻊ ﻋﻠﻰ Natureﺍﻟﻄﺒﻌﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺍﻹﻧﺘﺮﻧﺖ ،ﻭﺍﻣﻸ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﺨﺎﺹ ﺑﺎﻻﺷﺘﺮﺍﻙ ﻣﺠﺎﻧً ﺎ ﺑﺎﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﺮﺍﺑﻂ ﺍﻟﺘﺎﻟﻲ: ﱠ
arabicedition.nature.com
ﺑﺎﳌﺸﺎرﻛﺔ ﻣﻊ:
في فيتنام بدأت أسأل نفسي :من هو والدي الحقيقي؟ وأين هو اآلن؟ بعد أن عدت من الحرب بدات أسأل أمي أكثر عن املوضوع .ال أعرف ملاذا .لكني أذكر ان االسرة كانت تتناول العشاء ،وكانت والدتي تحكي قصة عني وأنا صغير. وسألتها بعفوية عن أبي الحقيقي ،قالت :ال أعرف أين هو اآلن .لم نتقابل منذ الطالق. وقالت :أعرف أنه كان مقربا من األميرين فهد بن عبد العزيز .وخالد بن عبد العزيز .كان ذلك في عهد امللك فيصل رحمه الله واقترحت الوالدة علي ،ان كنت حقا أريد أن أعرف ،أن اتصل بالسفارة السعودية. عام ،1975كتبت أربعة خطابات الى السفارة السعودية ،لكنهم لم يجيبوني على أي منها ال سلبا وال ايجابا في وقت الحق نسيت املوضوع تقريبا .وقلت في نفسي لقد مضى زمن طويل وال بد أن والدي الحقيقي قد بلغ الثمانني ،أو توفاه الله. خالل تلك الفترة غيرت اسمي من كاليف أبو شادي الى كاليف ويلمان (ويلمان اسم والد امي) ،ربما ألنني أحسست بأن انتمائي ألمي أقوى من االنتماء ألبي بالتبني ،وأب حقيقي ال أعرف عنه شيئا. وقبل 3اسابيع ،عدت الى املنزل فقالت لي زوجتي مارجريت":ال أعرف كيف أنقل لك هذا الخبر؟".
نواف في الثالثة
*قلت:مارجريت ،مارجريت :هذه عادتك لن تغيرها أبدا .قولي لي ما حدث.
أحسست أنه أشرق الدمع وعض ،لقد تهدج صوته وتغير ،ربما لم يبك، ولم تنزل دموعه ،ولكنني متأكد أنه غص.
-قالت :والدك اتصل بالتلفون يبحث عنك.
*هل تعرف شيئا عن السعودية؟
الذي حدث ان د .عثمان الرواف ،بعد أن أخذ املعلومات عني من املحقق الخاص ،اتصل باملنزل ،بنتي رفعت التلفون ،سمعت عثمان يقول ":أنا ابن عم لوالدك" .بنتي نادت والدتها :قائلة ":ماما ابن عم والدي في التلفون" .قالت لها والدتها":ليس لوادك ابن عم ،أو عم.
ال ابدا فأنا لم أزرها ،غير انني قرأت عنها من قبل معلومات عامة.وأثناء حرب الخليج قرأت عنها أكثر ،وسمعت عنها الكثير.
ربما ظنت مارغريت انه من الذين يبيعون أشياء بالتلفون – اعطتني الرقم واتصلت بعثمان. وكانت أول كلمة قالها والدي":نواف ،كيف حالك؟" لقد ناداني باسمي الحقيقي الذي لم أسمع أحدا يناديني به من قبل.
*هل تعرف عربا ،ألم تزر أي بلد عربي؟ أعرف بعض العرب ،لكنني لم أزر أي بلد عربي ،وأنا اآلن أستخرججواز سفر لي ولعائلتي لزيارة السعودية ،وابن عمي الدكتور عثمان الرواف يرتب أمر زيارتي مع العائلة للسعودية ،وباملناسبة فأنا تزوجت مرتني ولدي من زوجتي السابقة بنت اسمها اندروميدا عمرها 19 سنة ،ولي من زوجتي الحالية بنت اسمها ماليسا وعمرها 13سنة، وزوجتي من أصل عربي سوري من بيت معاد.
*وكيف كان شعورك يا كاليف؟
*هل ستطلب الجنسية السعودية وتصبح سعوديا؟
-في منتهى السعادة بالطبع.
لم أفكر في هذا األمر ،لقد حصل كل شيء بسرعة مذهلة ليس هيناأن ترى أباك ألول مرة وعمرك 45عاما.
*هل بكيت؟ ال لم أبك ،ولكن عواطفي كانت تتالطم في داخلي ،كنت قد يئست منامكانية وجود أبي ثانيا .ثم فجأة أسمع صوته يقول لي هكذا وكأنه في املجهول "نواف ،كيف حالك". *ووالدك هل بكى؟ -حني التقينا لم يبك ،ولم أر له دمعة ،لكنني على الهاتف قبل اللقاء
*ماذا تعمل يا كاليف اآلن؟ مثمن عقارات.*هل ستصبح مشهورا في السعودية والعالم العربي بعد أن ننشر قصتك وهل يضايقك هذا؟
-ال أبدا ،فليعلم العالم كله أنني وجدت أبي <
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
51
أرشيف
االبن كاليف :أحسست بأن أبي غص بالدمع حني سمع صويت وتركنا كاليف (نواف) يتحدث عن نفسه وعن والده، وعن املناسبة نفسها يقول: كنت أعرف أنني ولدت يوم 1946/6/23في نيويورك. عندما تزوجت أبو شادي انضمت الى أسرتنا ابنتاه من زواجهالسابق (صفية وهدى) وابنه من نفس الزواج (رمزي) .كلهم ظلوا يعاملون كاليف كأنه شقيقهم منذ يوم ميالده.
خليل الرواف
,, كاليف ويلمان: بعد 45 عاما قال لي أبي "نواف.. كيف حالك؟"
,,
*كاليف قال لنا أنه كان يقلب ملفات قديمة عندما كان عمره 9 سنوات ،وقرأ انه ابن أبو شادي بالتبني .لكنه لم يهتم باملوضوع كثيرا في تلك السن؟ كاليف لم يقل لي هذا أبدا.*وقال أيضا أنه خالل اشتراكه في حرب فيتنام (عندما بلغ عمره أكثر من 35سنة) بدأ يفكر في أبيه الحقيقي؟ لم يخبرني عن هذه املشاعر مطلقا.*متى علمت أن خليل الرواف يبحث عنه؟ لم أعرف أبدا ،حتى قبل أسبوعني عندما اتصل بي كاليف منفلوريدا ،وقا لي انه عثر على أبيه الحقيقي. *ماذا قال لك كاليف في التلفون تحديدا؟ -قال لي":والدي هنا جاء من السعودية".
وان اسم والدي كان أحمد زكي أبو شادي .من مصر، ودرس في اكسفورد وكمبريدج ببريطانيا ،ثم هاجر الى أمريكا سنة .1945قابل والدتي في نيويورك ،وتحابا، وتزوجا. وكنت أعرف ان "والدي" أبو شادي توفي وعمري 9 سنوات ،ولم يقل لي أي شيء عن "والدي الحقيقي" .بنتاه (صفية وهدى) وولده (رمزي) من الزواج األول .لم يقولوا لي أي شيء ،كذلك. بعد وفاة والدي كنت أبحث عن ايصاالت قديمة ،وأقلب في أوراق والدتي عندما وجدت ملفا باسم كاليف أبو شادي. ووجدت في امللف شهادة ميالدي وقد تغير اسمي من "نواف" ،الى "كاليف" ،ووثيقة الزواج ،وشهادة التبني. سألت والدتي :هل صحيح ان أبي ليس أبي الحقيقي؟ أجابت :نعم .أبو شادي تبناك ،وأبوك األصلي طلقني وذهب الى السعودية.
*وماذا قال خليل عندما تحدث معك بالتلفون؟
كانت أسئلة وأجوبة سريعة ،انتهت بسرعة ،ولم أفكر في األمر كثيرا فقد كان عمري آنذاك تسعة أعوام.
انا قلت":خليل"؟ انني ال أصدق هذا أنا سعيدة أن أسمع صوتكمرة أخرى" .قال":وأنا سعيد كذلك .لقد كبرت في السن .عمري اآلن 95سنة" .قلت":ال أصدق ،صوتك ال يزال شابا" .قال":مضت سنوات كثيرة ،أود ان نلتقي ،لكني أخشى اال تريدي مقابلتي؟" قلت ":انني ال أكاد أنتظر حتى نتقابل".
كانت األسرة في واشنطن حيث كان "أبي" يعمل في اذاعة "صوت أمريكا" وتفرق شمل االسرة بعد وفاة والدي أبي شادي عام 1956وأذكر ان رمزي أصبح فيما بعد مترجما ،وعمل في األمم املتحدة .وانتقلنا من واشنطن الى والية ماريالند.
*لو انك قابلت خليل في الشارع .هل كنت ستعرفيه بعد مرور 45سنة؟
بعد 5سنوات تزوجت أمي من رجل بريطاني اسمه كيث جارني وانتقلنا الى بريطانيا .ثم عدنا الى أمريكا، حيث انضممت الى القوات املسلحة ،واشتركت في حرب فيتنام خالل السنوات .1974-1969
أقسم لك بأنني كنت سأعرفه .كنت سأعرفه من شكل رأسه.مثل رأس ابنه تماما .حتى بعد أن تساقط شعره <
50
وان اسمي كان كاليف أبو شادي.
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
القديمة وثيقة تبني نواف بعد أن تزوج والدته وأرسلتها لي في السعودية .وفيها تاريخ امليالد ،واالسم الجديد ،الخ...أرسلتها انا الى محقق خاص في لوس أنجلوس ،لكن بال فائدة. عرفت سنة 1988انه كان في فرقة الفرسان األولى .اتصلت بقيادة الفرقة في والية تكساس ،بال فائدة .في السنة املاضية عندما أرسلت القوات الدولية الى السعودية استعدادا لحرب الخليج ،اتصلت بهم هناك ،بال فائدة كذلك. هذا العام ،وقبل حوالي شهر كنت في واشنطن قابلت صديقا أمريكيا قديما اسمه مايكل اورسني ،أعرفه منذ ايام الدراسة في جامعة ديوك ،ويعمل حاليا في وزارة الخارجية األمريكية. اهتم صديقي هذا باملوضوع ،واعتبره حالة خاصة ومستعجلة، وأعطاني اسم محقق خاص ،قدمت له املعلومات التي عندي. بعد 3أيام اتصل بي املحقق ،وأعطاني االسم الحالي لنواف: كاليف ويلمان ،وعنوانه في مدينة ميرامار بوالية فلوريدا ،ورقم تلفون منزله. عندما كنت أتحدث مع املحقق كنت في غرفتي في الفندق في واشنطن ،وكان عمي الذي جاء الى واشنطن أيضا يجلس بجواري في الغرفة .ولم نكن حددنا ما اذا كان من األنسب ان نكتب لنواف ،ام نتصل به تلفونيا ،أم نزوره .اذا وجدناه.
"سمعين عمي أقول":وجدته؟وجدته؟ وبعد أن أخذت املعلومات من املحقق سألت عمي":هل نتصل به؟ قال ":نعم" ،ثم قال "ال" ،ثم صمت فترة من الوقت ،وأغمض عينيه كأنه يسترجع املاضي كله في تلك االغماضة .أعرف عمي جيدا انه رجل متدين جدا .أحسست انه يدعو ربه .فتح .عينيه ،وقال بلهجة حاسمه اتصل به .فاتصلت *األم :كونستانس ويلمان ( 77سنة) وكان ال بد لـ"املجلة" أن تلتقي بأم نواف لتسألها عن ظروف اللقاء والزواج والطالق .وهذه القطيعة الطويلة بينها وبني العم خليل ،سألناها عن كيفية اللقاء األول بينهما فقالت:
يذكر لي انه تزوج من امرأة قبلي .وقد عرفت ذلك بالصدفة .ويا ليته كان قال لي ذلك ،كنت سأسانده ضدها ،فقد علمت فيما بعد أنها أساءت معاملته قبيل طالقهما.
مع ابن العم د.عثمان ياسني الرواف
*متى رأى ابنه نواف آخر مرة؟ لم يره عندما التقينا آلخر مرة في املحكمة .فنحن حتى لمنودع بعضنا عندما صدر الحكم لصالحي بالحضانة .كان هو في الجانب اآلخر من قاعة املحكمة .نظرت اليه نظرة أخيرة، فسالت الدموع على خدي وأعتقد انه هو اآلخر أدمع ولم أكن قد أحضرت نواف الى املحكمة ،يومها ،فقد علمت ان خليل خطط ألخذه معه الى السعودية .كما أخبرتني خادمتنا التي اتفق معها. *وملاذا غيرت اسم الطفل من "نواف" الى "كاليف"؟ احببت اسم نواف .لكن أسئلة الناس ضايقتني حول "هذااالسم الغريب" .وعندما أدخلته روضة االطفال وكان عمره 3 سنوات ،اخترت له اسم "كاليف" وهو اسم جدي الكبير الذي هاجر من انجلترا قبل ذلك بمائة وخمسني سنة. *كيف قابلت أبو شادي؟
والدي كان محاميا مشهورا في نيويورك خالل الثالثينات. وكان يوفر لنا فرص الزيارة والدراسة في أوروبا .عشت في ايطاليا عدة سنوات ،ودرست الحضارة الغربية ،والحظت اثر الحضارة العربية عليها .ثم عدت الى نيويورك .وعملت محررة في دار للنشر ،وفي عام 1944قابلت الدكتور خير الله ،املهاجر العربي واملهندس الناجح .وأثناء الحديث ذكرت له رغبتي في تعلم اللغة العربية ،فأشار علي بخليل الرواف قائال ان لديه أكثر من مدرسة في نيويورك .فذهبت الى خليل ،وقلت له انني أريد أن أتعلم العربية .فقبلني عنده وفي وقت الحق أحب كل منا اآلخر، وتزوجنا على يدي امام ،ثم رزقنا بطفلنا نواف.
*لم تقولوا لكاليف ان أباه الحقيقي هو خليل النواف؟
*وملاذا اختلفتما؟
-ال أبدا.
حبي لخليل كان بال حدود .لكنني فوجئت بآراء محددة لهعن املرأة ،لم يكن يؤيد عمل املرأة خارج املنزل .لم يقل لي ذلك مباشرة بل كان يقوله آلخرين ،وكان يتصل بي في مكان عملي ،بشكل دائم يتصل بمن يعملون معي يسالهم عني .ثم اختلفنا مرة على فستان ارتديته ملناسبة اجتماعية .كذلك لم
*وال أبو شادي قال له ذلك؟
في سنة 1945بعد زواجي من خليل .جاء الى مكتبنا التجاري(كنت أساعد خليل في أعماله التجارية) يطلب عمال .أعتقد أنه وجد عمال في منظمة االمم املتحدة .ولم نلتق كثيرا. بعد طالقي من خليل التقينا وأحب كل واحد من اآلخر، وتزوجنا .ثم انتقلنا الى واشنطن حيث كان أبو شادي يعمل في اذاعة "صوت أمريكا" .بعد زواجنا تبنى أبو شادي كاليف. فاصبح االسم "كاليف أبو شادي".
,, خليل الرواف هاجر الى أميركا في الثالثينات وعاد الى السعودية في الخمسينات
,,
وال أبو شادي أخبره.*وال اخواته واخوانه؟
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
49
أرشيف
رفعت راية الحداثة التي تزوجته بعد عام من طالقها من العم خليل ،وملا كان أبو شادي على قدر عال من املسؤولية والشعور املرهف فقد تبنى نواف خاصة وأنه كان على معرفة بأبيه، وعامله كواحد من أبنائه ال يميز أحدا من أبنائه عليه .وكان أبو شادي قد انضم الى فريق العمل في الوفد السعودي لدى هيئة األمم املتحدة لكن املوت ما لبث أن عاجل الشاعر املجدد فانتقل الى رحمة الله بعد أن تغير اسم نواف ليصبح "كاليف أبو شادي". وظل العم خليل أثناء ذلك كله في بحث دائم عن ولده .الى أن ابتعثت جامعة امللك سعود في الرياض الطالب عثمان ياسني الرواف ابن أخ العم خليل الستكمال دراساته العليا في أمريكا.
ابن العم د .عثمان ياسني الرواف *خليل الرواف (واقفا في مؤخرة الصورة) في نيويورك عام 1945مع خادم الحرمني الشريفني امللك فهد بن عبد العزيز واملغفور له امللك فيصل بن عبد العزيز واملرحوم حافظ وهبه
,,
وذات يوم اتصلت شابة أمريكية مثقفة اسمها كونستانس ويلمان ترغب في تعلم اللغة العربية ،بعد ان زارت أوروبا وقرأت ان الحضارة العربية هي أساس الحضارة الغربية. بدأت كونستانس تحضر الى املدرسة وتتعلم أبجدية العرب وبدأ الحب يغزل خيوطه بني العم خليل وكونستانس ،منذ اللقاء األول ،وكما يقولون فان الحب أعمى ،لدرجة انه جعل العم خليل ينسى أنه وعد نفسه بعدم الزواج من امرأة غير عربية مختلفة العادات والثقافة .وهكذا لم تكد تمضي سنوات ثمان على طالقه من فرانسيس حتى عقد العم خليل قرانه على كونستانس. في الثالث والعشرين من يونيو (حزيران) ،1946أنجبت كونستانس ولدا للعم خليل سماه "نواف" لكن التقاليد واألعراف عادت لتقف حائال دون سعادة الزوجني.
عمره 95 سنة عمل في هوليوود
صار عمر نواف 8شهور حني لم يعد بمقدور أي منهما أن يتعايش مع اآلخر .وكان طالق آخر في حياة ابن بريدة، الذي وجد ان الحياة االمريكية بالرغم من جمالها وبهرجتها ال تناسب انتماءه وجذوره وتقاليده ،فعصف به الحنني الى الصحراء العربية ،فلم يطل به املقام بعد الطالق اال عاما أو بعض عام ،صفى فيه أعماله ومدارسه ورحل صوب الشرق.
ومثل فيلما مع جون واين
في السعودية قرر عم خليل الزواج للمرة الثالثة ،وكما يقولون كانت الثالثة ثابتة ،مصرية اسكندرنية انجبت له ابنتني ،واحدة تعمل حاليا طبيبة واألخرى مدرسة .لكن العم خليل لم ينس ابنه نواف.
,,
عام 1958عاد الى أمريكا بصحبة األمير طالل بن عبد العزيز ،وبرجاء من العم خليل أرسل األمير طالل مندوبا الى كونستانس منها أن تعطي حضانة الولد ألبيه ،على أن يكون األمير نفسه مشرفا على تربيته وتعليمه ،لكن عاطفة األمومة أبت أن تقبل بفراق بكرها. وكرر عم خليل املحاولة مرة أخرى عام 1963حني رجع الى أمريكا مع زوجته وابنتيه .لكنه لم يجد أثرا لنواف أو أمه .وأعاد الكرة ثالثة عام 1968ورابعة عا .1987 في تلك االثناء وبعد أن صفى العم خليل أعماله في أمريكا عائدا الى وطنه ،تعرفت كونستانس على الشاعر العربي املجدد أحمد زكي ،أبو شادي احد مؤسسي جماعة أبوللو الشعرية التي
48
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
لكن الحظ لم يسعف عثمان في العثور على ابن عمه رغم جهوده الدائبة للعثور عليه طيلة 17عاما .اال ان رحمة الله وعنايته، شاءت في آخر املطاف ان تجمع شمل األب بابنه ،حني تمكن عثمان ياسني الرواف في الشهر املاضي من العثور على كاليف ويلمان ،أو نواف خليل الرواف .ولذلك قصة أخرى يرويها مدير مركز البحوث ومركز دراسات الخليج العربي في جامعة امللك سعود الدكتور عثمان ياسني الرواف: منذ كنت طفال صغيرا في بريدة كنت أسمع عن عمي خليل الذي سافر الى أمريكا ،كانت الوالدة تحدثنا عنه وتقول انه أرسل لنا صورة جميلة لولده ،لكنها ضاعت .غير انني لم أتابع املوضوع بعد ذلك حتى سنة ،1974عندما ابتعثتني جامعة امللك سعود للدراسات العليا في الواليات املتحدة .قال لي عمي قبل السفر "اسأل السفارة السعودية في واشنطن عن نواف" .ففعلت كما قال عمي وجنت الى السفارة حيث قال لي موظف فلسطيني كبير السن كان يعمل في السفارة انه يعرف القصة .وقادني الى صفية أبو شادي ،التي كانت تعمل في اذاعة "صوت أمريكا". قالت لي صفية" :نعم أعرف نواف ،والدي تزوج والدته بعد طالقها من الرواف :وعشنا معا لعدة سنوات حتى توفي والدي، بعدها تزوجت والدته رجال آخر ،ولم أعد أعرف عنهما شيئا". واضافت":لكن ألن اسمه كان كليف أبو شادي ،ولتاشبه االسمني ،قال لي شخص انه يعرفه ،وأنهما حاربا في فيتنام" (مع القوات األمريكية التي أرسلت الى هناك ملواجهة املد الشيوعي من فيتنام الشمالية نحو فيتنام الجنوبية حتى سنة .)1975 هذه املعلومات جعلتني أكتب الى وزارة الدفاع االمريكية التي طلبت مني معلومات لم أكن أعرفها :مثل اسم املستشفى الذي ولد فيه ،ورقم بطاقة التأمني االجتماعي ،الخ..وهذه معلومات ال يعرفها عمي نفسه ،بعد هذا الفشل األولي نصحني شخص ان أنشر اعالنا في مجلة عسكرية خاصة باملحاربني القدامى. وبالفعل نشرت االعالن":انا عثمان الرواف ،عنواني كذا ،وأبحث عن ابن عمي الذي حارب في فيتنام ،الخ.".. لكن لم يصلني اي رد أو خبر حتى عدت عام 1980الى السعودية بعد أن نلت الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة ديوك بوالية نورث كارولينا. لكني واصلت متابعة املوضوع ،واالتصال بصفية أبو شادي. سنة 1985قالت لي صفية أنها وجدت وسط أوراق والدها
,, املتحدة .في رحلة طويلة استغرقت 6أشهر ،الى أن وصال الى والية اريزونا ،وكانا خالل تجوالهما الطويل دائما موضع ترحيب ،ففي كل بلدة ومدينة كان الناس يعرفون فرانسيس فيستقبلونها بحفاوة بالغة هي وزوجها العم خليل ،وكانت طبيعة االستقبال بالنسبة لعربي قادم من الصحراء بثقافة مختلفة وترسيبات تاريخية قديمة في الوجدان ،وتراث ال يجيز خروج املرأة واختالطها بالرجال ،شيئا جديدا وغير مقبول .في أريزونا بدأ الخالف يدب بني الزوجني ،حتى انفجر ،فقد شعر العم خليل ان رجولته مهددة ،فهو يعيش في كنف امرأة هي التي تسوق السيارة وهي التي تعرف اللغة وهي التي تصرف عليه من فلوسها ،فقرر الطالق ،ولكن الطالق مشكلة في أمريكا .فهما تزوج حسب الشرق على الطريقة االسالمية. عادت فرانسيس الى دمشق حيث أوكلت محاميها ،فارس الخوري احد رجاالت سوريا وسياسييها الكبار ومحاميها في مصر السياسي الكبير والخطيب املفوه مكرم عبيد ،واستعانت بفوزان السابق ممثل السعودية لدى اململكة املصرية في حينه حتى حصلت على الطالق. وهكذا تحررت فرانسيس من تقاليد خليل ابراهيم الرواف .كما
تحرر خليل من نفوذها وسلطتها وغطرستها .ويبدو انه قرر عدم الزواج من أمريكية. وكان غريبا ان يذهب الشاب العربي القادم من بلدة بريدة السعودية الى هوليوود عاصمة السينما في العالم ،ولكن العم خليل كان يجيد االنكليزية وعددا آخر من اللغات ،وهكذا عمل مستشارا فنيا للتراث العربي والعادات البدوية .والتقاليد الشرقية في استوديوهات هوليوود ،ولم يقتصر األثر على هذا الشأن ،بل انه دخل عالم التمثيل واشترك مع جون واين في تمثيل فيلم "كنت مراسال حربيا"
أحمد زكي أبو شادي تبناه وتزوج أمه
,,
مع نجم السينما وبطل الوسترن الشهير جون واين .حيث مثل العم خليل دور حارس بدوي لشيخ قبيلة بدوية في صحراء العراق. وعادت الصحف االمريكية لتكتب مرة أخرى عن العم خليل لكن بمفرده هذه املرة وبدون فرانسيس اليسون. بعد هوليوود انخرط العم خليل في وضع كتب لتعليم اللغة العربية لالمريكيني واتبع ذلك بفتح مدارس لتعليم العربية ،وذلك بعد سنوات من طالقه من فرانسيس. المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
47
أرشيف
في ثالثينيات القرن العشرين كان خليل إبراهيم الرواف ( )2000 – 1895املهاجر السعودي األول إلى الواليات املتحدة األميركية في وقت لم تكن أميركا دولة عظمى ملء السمع والبصر ،لم يكن نيل ارمسترونغ قد وصل الى القمر ولم يكن هناك تلفزيون ،حتى السينما كانت صامتة في الغرب ،لكن خليل كان قد سمع بها ووجد طريقه إليها .بدأت في أميركا قصته اإلنسانية التي فاقت خيال الروائي ،اذ فرقت الظروف بينه وبني ابنه على مسافة بضعة اشهر من ميالده ،فلم يلقه إال وقد انتصف االبن في عقده الخامس ،فكان اللقاء األول مع نواف الذي أصبح كاليف الضابط املتقاعد من خدمه الجيش األميركي!» .مجلة "املجلة" في عددها ( )611بتاريخ 29-23أكتوبر 1991تروي قصة الراحل خليل الرواف مع ابنه نواف (كاليف) ،وكيف كان لقائهما بعد مرور 45سنة.
قصة أغرب من الخيال
سعودي من بريدة يعثر على ابنه األمريكي تحقيق من واشنطن أعده محمد علي صالح مجلة (املجلة) العدد 611 أكتوبر 1991 -
خليل ابراهيم الرواف واحد من عرب قالئل في تلك األيام سمع بأميركا. خاصة انه رجل بدوي ينتمي الى قبائل العقيالت ،شاب في ّ "جمال" يشتري النوق والجمال يربيها مطلع العمر مهنته ويبيعها ،وتأخذه تجارته بني رمال الصحراء من بريدة وعنيزة في السعودية الى العراق وسوريا واالردن. كان ذلك في العشرينات والثالثينات من هذا القرن ،لكن خليل ابراهيم الرواف ولد في القرن التاسع عشر ،عام ،1895في دمشق لعائلة كانت مهمتها حراسة قوافل الحجاج الى بيت الله الحرام من دمشق الى مكة حني كانت الرحلة تستغرق 40يوما. قصة خليل الرواف قصة غريبة عجيبة .وقد يكون من الصعب تصديقها حتى في أفالم الدراما العربية ،لكن ما يدفع الى تصديقها انها قصة حقيقية أبطالها ما زالوا أحياء يرزقون حتى العم خليل ابراهيم الرواف أنعم الله عليه بطول العمر لتكتحل عيناه قبل الرحيل برؤية ولده األمريكي الذي انقطعت أخباره عنه خمسا وأربعني عاما. والقصة أشبه ما تكون بقصص ألف ليلة وليلة ،ففي العام 1933 كان خليل الرواف يقيم في فندق دجلة في بغداد ،في الوقت الذي كان يقيم في هذا الفندق احد املهاجرين العرب األوائل الى أمريكا ،كما كانت في الفندق أيضا امرأة أمريكية ثرية اسمها فرانسيس اليسون جاءت كسائحة تتعرف على بلد العرب وتستكتشف حضارتهم ويبدو أنها كانت على معرفة وثيقة برجاالت العالم العربي في ذلك الزمان .والفئة القليلة املثقفة آنذاك بني أبنائه. حدث املهاجر العربي الى أمريكا عم خليل عن العالم الجديد وأهله ،ورأى العم خليل في فرانسيس أليسون عينة يانعة من أبناء هذا العالم .فقد حدثته فرانسيس عن بالدها وأهلها ،ويبدو ان العم خليل أعجب
46
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
بفرانسيس كما أعجبت فرانسيس بشبابه ولونه األسمر، فتحابا وترك عم خليل بعارينه وتجارته ،ورافق تلك املرأة الشقراء من بغداد الى دمشق ومن دمشق الى بيروت ومن بيروت الى نيويورك ،رحلة طويلة وجميلة ،ظلت آثارها في نفس العم خليل .وما فتئت نكهتها تلح عليه بالعودة الى ذلك العالم الجديد الساحر .وملا كانت فرانسيس قد أحبته ووقع في قلبها كما وقعت في قلبه فقد وعدته بأنها ستعود الى دمشق، وستقابله هناك وسوف تغير دينها وتعتنق االسالم وتتزوجه. في الشام ظل العم خليل ينتظر ويحسب االيام والساعات ،وذات يوم أطلت وكما وعدت فرانسيس فعلت. بعد األفراح والليالي املالح في الشام ،ذهبت فرانسيس بصحبة زوجها العربي السعودي الى بيروت .وهناك في السفارة االمريكية حصل العم خليل على البطاقة الخضراء التي تخوله حق االقامة الدائمة في قارة كولومبوس .لم يضيع الزوجان وقتا في بالد العرب ،اذ سرعان ما حزم العمل خليل حقائبه وانطلق مع زوجته بحرا الى بالدها. في 3أكتوبر (تشرين األول) من عام 1935رست الباخرة في امليناء .وحط عم خليل رحاله في نيويورك ،لتصبح البعارين مجرد ذكرى جميلة ،ولكنها ماضية كأنها من غابر القرون. خاصة حني رأى بعينه كيف تهافت املصورون الصحفيون على بوابة امليناء يلتقطون الصور والكلمات من فم فرانسيس العائدة من الشرق ،بالد األساطير وألف ليلة وليلة .فلم يكن هينا في ذلك الزمان أن يسافر املرء الى هكذا بالد بعيدة ،فكيف الحال بامرأة، تسافر وتبحث وتكتشف وتتقصى ،وتعود بزوج أسمر وسيم. لوحته شمس الصحراء العربية ،وهكذا وجد العم خليل صورته في اليوم التالي تمأل صفحات الجرائد واملجالت األمريكية. ولم تكن فرانسيس لتوفر شيئا من أجل اسعاد زوجها العربي ،فاشترت سيارة وطافت به في أنحاء الواليات
نشطاء في منظمات مجتمع مدني خلف القضبان بعد صدور حكم قضائي في مطلع يونيو (حزيران) 2012 بسجنهم وإغالق أربع منظمات غير حكومية في مصر بدعوى الحصول على تمويل أجنبي من دون ترخيص
عندما وصل مرسي إلى السلطة ،لم يكن هناك شك في أنه ورث تحديات هائلة .ولكن ما عجز مرسي ،وجماعة اإلخوان ككل ،عن إدراكه هو أن العمل اليومي في الحكومة يختلف تماما عن كونهم حزبا في املعارضة .لم يحاول اإلخوان فعليا إدماج املصريني في رؤيتهم للتغيير ،وفرضوا قيودا على الساحة التي يمكن أن يعمل في إطارها املجتمع املدني ،وركزوا على قضايا خطأ في فترة كان كثيرون يصارعون من أجل البقاء ،ولم يقيموا التحالفات الالزمة مع أطراف رئيسة أخرى على ساحة السياسة املصرية ،مما كان سيساعدهم في الوقت الحالي .في إيجاز ،كانت السياسة الفعلية الجيدة على الطراز القديم هي التي ستنقذ املوقف بدال من االستمرار في االنغماس كثيرا في اعتبارات آيديولوجية.
إعادة بناء الدولة لجأ كثير ممن صوتوا لصالح اإلخوان إلى هذا االختيار دون تفكير ،ليس بالضرورة ألنهم يريدون وصول اإلخوان إلى السلطة ،بل ألنهم لم يريدوا شفيق ،الذي اعتبره كثيرون عودة إلى النظام السابق .ولكن لو كانت غالبية األطراف املتبقية ،سواء كانت مستقلة أو علمانية أو أحزابا شبابية أو ليبراليني ،قد
وصلت إلى تحالف ما ،ال شك في أنها كانت ستنجح .وكانت نتيجة تفرقهم أنهم تشتتوا أصواتا ثمينة .وبالفعل ،يكمن العجز عن االتحاد ،والتجمع من أجل هدف استراتيجي ،وتنحية الطموحات الشخصية في أن يلمع نجم الفرد (بغض النظر عن مدى كفاءته) من أجل الصالح العام ،في صميم تحدي الحكم الذي يواجه العالم العربي اليوم.
التحدي الحقيقي ال يعني ذلك أن تولي الجيش مقاليد الحكم هو الحل .يبدو أنه في حمى املعركة نسي البعض كم كان املصريون يعانون في ظل حكم النظام العسكري في املاضي. في مثل هذه الفترات من التوترات والشكوك الكبيرة يمكن أن تكون هناك فرص أيضا .يكمن التحدي الحقيقي أمام أي حزب سياسي جديد يصل إلى السلطة بعد االنتخابات التي وعد الجيش بإجرائها في وضع املصلحة العليا قبل مصالحه الخاصة والتركيز على إعادة بناء الدولة ،بدال من تعزيز مسيرته السياسية .ولعل ذلك يساعد على استعادة ثقة سائق التاكسي في أنه ليس جميع السياسيني فاسدين <
,,
فرض املجلس العسكري وحكومة جماعة اإلخوان من بعده مزيدا من القمع على الحقوق املدنية
,,
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
45
تقرير
في شهر أبريل (نيسان) عام ،2011بعد شهرين من سقوط حسني مبارك ،كنت في القاهرة لحضور مؤتمر عن استعادة األموال املنهوبة .سألني سائق التاكسي الذي أقلني من املطار إلى الفندق عما أفعله في القاهرة ،وكان يبدو عليه أنه مطلع على التحليالت السياسية ،فأخبرته .فصاح« :اآلن بعد أن تخلصنا من مبارك ،جئتم لتحاربوا الفساد؟!».
مكافحة الفساد في الدول العربية..إلى أين تتجه؟
املقاومة املدنية بقلم: أروى حسن
وقعت الدول العربية (فيما عدا السودان وسوريا) على اتفاقية األمم املتحدة ملكافحة الفساد
في بعض األحيان تكون هناك صعوبة في استيعاب محاولة رشوة النشطاء الشباب
أن مكافحة الفساد تتطلب جهودا مستمرة ،مثل أي محاوالت تهدف إلى جعل العالم مكانا أفضل .وليست شيئا له بداية واضحة أو نهاية .كان االستياء من الفساد املستشري في األنظمة السياسية والهيئات غير الديمقراطية، واملطالبة بمزيد من الحريات املدنية واحترام كرامة اإلنسان والحرية ومكافحة الفساد بمعناها العام ،كانت كلها عوامل أساسية دفعت الجماهير إلى الخروج للشوارع العربية للتظاهر في عام .2011يظل الفساد محور شعور الناس بالعدالة والظلم، وكما هو الحال دائما ،يرتكبه هؤالء الذين يتحملون مسؤولية حماية وصيانة ثروة الدولة ومواردها ورخاء مواطنيها .ولكن بدال من احترام الثقة التي وضعها الناس في القائد ،يسيء استخدامها .وهنا نرى أن ما تبدو وكأنها النهاية ،أي سقوط مبارك ،هي في الحقيقة مجرد بداية.
استراتيجيات املقاومة املدنية
نجح كل من املصريني والتونسيني بفاعلية في استخدام استراتيجيات املقاومة املدنية في محاربة الفساد والقمع، وتكللت حركتهم باإلطاحة بمبارك وبن علي .وانتشرت الثورات في جميع أنحاء العالم العربي بحيث لم تترك مكانا تقريبا لم يتأثر بموجة التغيير .ولكن في املقابل، نشاهد الحكومات وهي تزيد من القيود التي تحجم قدرات منظمات املجتمع املدني على العمل. وقعت جميع الدول العربية تقريبا (فيما عدا السودان وسوريا) على اتفاقية األمم املتحدة ملكافحة الفساد، والتي تضمن حريات مدنية شاملة ،ولكن ال تحترم هذه الدول ذاتها التزاماتها الدولية وال تنفذها ،وكذلك ال تلتزم بحماية حقوق املواطنني فيما يتعلق بشار االسد وعمر البشير بحرية التجمع والتعبير عن الرأي. 44
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
وعلى الرغم من أن مبارك وبن علي رحال ،فإن كثيرا من التهديدات القديمة ما زال قائما ،وظهرت تهديدات جديدة أيضا تخص النشطاء .بعد سقوط مبارك بفترة وجيزة ،تابعنا كيف استمر الحرس القديم في اللجوء إلى األساليب الفاسدة في إحكام قبضته على السلطة ،سواء بمحاولة رشوة النشطاء الشباب بإقامة أحزاب سياسية أو تعيني قادة االتحادات املدنية أو التجارية .وأصبحت املقاومة املدنية مشوشة بدرجة كبيرة. يعتمد النجاح في التحول إلى نظام ديمقراطي فعال على مكافحة الفساد. ويحتاج النشطاء إلى أن يكونوا أكثر إبداعا وبراءة من أجل العمل في بيئة يحتاج فيها املجتمع املدني إلى إعادة التفكير في منهجه كي يضمن قدرته على االستمرار في التأثير. فرض املجلس العسكري وحكومة جماعة اإلخوان التي جاءت بعده في حكم مصر مزيدا من القمع على الحقوق املدنية .صدر حكم قضائي في مطلع يونيو (حزيران) 2012بسجن 43 مسؤوال في منظمات مجتمع مدني وتم إغالق أربع منظمات غير حكومية بناء على مزاعم بحصولها على تمويل أجنبي دون ترخيص .في الحقيقة ،كانت هذه املنظمات تنظم برامج تهتم في األساس بالتحول الديمقراطي .تؤدي مثل هذه األحكام إلى تضييق املساحة أمام املجتمع املدني املصري لكي يعمل على التغيير بوسيلة بناءة ال تتسم بالعنف.
خيبة أمل بعد سقوط الدكتاتور ما شاهدناه في مصر في األسابيع األخيرة أثار خيبة أمل كبيرة في دولة تبدو أقل كثيرا من الدولة التي حلم بها الشعب في فبراير(شباط) .2011من كان يظن أنه بعد سقوط الدكتاتور، سيكون الناس أقل حرية من قبل؟ فرض املجلس العسكري الذي تولى الحكم بعد رحيل مبارك قيودا على الحريات املدنية إلى درجة أنه في بعض األحيان كان عدد املدنيني املعتقلني في انتظار املحاكمات العسكرية أكبر من عددهم طوال فترة حكم مبارك .وندد املحللون املصريون باحتكار املجلس العسكري إلعالم الدولة وممارسته للتخويف والقمع بما يفوق ما عاصره الشعب في عهد مبارك.
www.majalla.com
العدد 1586أغسطس -آب 2013
مجلة العرب الدولية شهرية سياسية
تأسست في لندن عام 1980
حممد اوجار :الربيع العربي« ..ال�صرعية الثورية» يف مواجهة «ال�صناديق» اأروى ح�صن :املقاومة املدنية..مكافحة الف�صاد يف الدول العربية ح�صني عبد احل�صني :قراءة يف موقف الي�صار الأمريكي من �صوريا
للحصول على العدد اسـتخـدم هاتفــك ال ــذكي لـمــسح هـ ـ ــذا الـ ــرقـ ـ ـ ــم 08
ISSN 1319-0873
9 771319 087013
issue 1586 - August 2013
www.majalla.com
قصة الغالف
صحيفة (االخبار) املصرية تنشر اعترافات قاتل رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي املنتمي لجماعة اإلخوان املسلمني (ديسمبر)1948/
محمد التابعي
,,
مقاال عام 1984بعنوان( :دمج اإلخوان في الحياة السياسية).
موقف األسواني تشابه مع عدد من الكتاب والسياسيني الذين أطلقوا على أنفسهم مسمى (عاصرو الليمون) !
,,
عالء االسواني
42
وهو نفس العام الذي تحالف فيه اإلخوان مع حزب الوفد في االنتخابات البرملانية وحصلوا من خالله على 8مقاعد ثم زادت في انتخابات 1987إلى 36مقعدا ،بعد تحالفهم مع حزب العمل االشتراكي ،الذي غير اسمه إلى حزب العمل اإلسالمي ،بعد سيطرة اإلخوان عليه. وفي ذلك الوقت كثفت الجماعات اإلسالمية بدعم غير مباشر من اإلخوان هجومها على املفكرين ،وأقامت الكثير من الدعاوى ملنع عرض بعض األعمال الفنية مثل فيلم (املهاجر) للمخرج يوسف شاهني بحجة أنه يتعرض لحياة النبي يوسف عليه السالم ،كما شددت هجومها على الكتاب الذين يتعرضون ألفكار اإلخوان والتيارات اإلسالمية. وكان على رأس هؤالء فرج فودة ،الذي اغتيل على يد أعضاء من الجماعة اإلسالمية ..وبفتوى من جبهة علماء األزهر ،التي يسيطر عليها اإلخوان املسلمون ،وكان فودة يمثل تهديدا لهم بسبب تفنيده ألفكارهم وتأكيده أنها ال تمثل اإلسالم الصحيح والسمح ،واألخطر أن قتلته حصلوا على أحكام مخففة بفضل شهادة للشيخ محمد الغزالي ،أمام املحكمة ،إذ أكد الغزالي في أقواله أن أفكار فودة تنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة!.. وأن قتلته افتأتوا على الحاكم بتنفيذهم حد الردة ،لكن ال عقوبة شرعية عليهم ألن الحاكم تخاذل عن تنفيذ الحد! ونفس املوقف اتخذه اإلخوان أثناء قضية تفريق د .نصر حامد أبو زيد عن زوجته بدعوى أنه مرتد إذ أنهم أيدوا القضية ،التي أقامها أحد املحامني بإيعاز من د .عبد الصبور شاهني ،وانضم إليه عدد من املحامني بعضهم كان ينتمي لـ«اإلخوان» ،ولكن في عدد من القضايا األخرى ،لم يتخف اإلخوان وراء جماعات أخرى ،إنما قادوا الهجوم بأنفسهم مثل املطالبة بمصادرة رواية (وليمة ألعشاب البحر) للكاتب السوري حيدر حيدر ،التي نشرتها هيئة قصور الثقافة التابعة لوزارة الثقافة املصرية ،إذ وجدوها فرصة للهجوم على وزير الثقافة حينذاك فاروق حسني بدعوى أنه ينشر رواية تعيب في الذات اإللهية ،على حساب الدولة ومن أموال الشعب. وظل اإلخوان يظهرون أحيانا ويختفون أحيانا ،وراء جماعات وشخصيات أخرى ،في هجومهم على املثقفني حتى قامت ثورة
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
نصر حامد ابوزيد
يناير التي أطاحت بنظام مبارك ،ومنحتهم الفرصة للفوز برئاسة الجمهورية واألغلبية في البرملان. ورغم أنهم حاولوا إيهام املثقفني بأنهم يريدون املشاركة ال املغالبة وأنهم يؤمنون بالتعددية وحرية الفكر ،فإن أفكارهم الحقيقية والقديمة ظهرت ..مما جعل الذين طالبوا بدمجهم في الحياة السياسية يبدون أسفهم وعلى رأسهم د .سعد الدين إبراهيم الذي كتب (أنهم يعبدون الجماعة والتنظيم من دون الله)، أما الذين طالبوا الشعب بانتخاب د .محمد مرسي مثل د عالء األسواني ،الذي قال وقتها (واجبنا أن ندعم اإلخوان ضد نظام مبارك رغم اختالفنا معهم) ..عاد بعد ذلك ليقول (إن اإلخوان جماعة فاشية وصلت إلى السلطة عن طريق االنتخابات وقررت أن تلغي الديمقراطية) .وأصبح األسواني بعد ذلك من أكبر املهاجمني للجماعة والداعني لثورة يونيو (حزيران) ضد قادتها. موقف األسواني تشابه مع عدد من الكتاب والسياسيني ،الذين أطلقوا على أنفسهم مسمى (عاصرو الليمون) أي الذين انتخبوا على مضض د .محمد مرسي مرشح اإلخوان ضد الفريق أحمد شفيق في االنتخابات الرئاسية باعتبار أن األخير رمز لنظام مبارك ..ولكنهم جميعا -باستثناء الكاتب الصحفي وائل قنديل الذي ما زال يدافع عن مرسي وجماعته -فإن الباقني من هذه املجموعة الليبرالية واليسارية هاجموا د .محمد مرسي وجماعته وشاركوا في اعتصام األدباء ضد اختيار اإلخواني عالء عبد العزيز وزيرا للثقافة .وهو االعتصام الذي شارك فيه رموز الثقافة املصرية مثل بهاء طاهر وزين العابدين فؤاد وجمال الغيطاني ويوسف القعيد وجابر عصفور وغيرهم من شيوخ وشباب املبدعني. واآلن بعد ثورة يونيو التي عزلت الرئيس محمد مرسي ،فإن العالقة بني املثقفني واإلخوان تتأكد ،فهي عالقة قطيعة وكراهية ربما سببها عدم وجود مبدع إخواني وهو ما عبر عنه الشاعر الكبير أحمد عبد املعطي حجازي بقوله (من هم كتاب اإلخوان وشعراؤهم وفنانوهم ،ال أذكر سوى اسم واحد هو سيد قطب الذي ترك األدب بعد انضمامه لـ«اإلخوان») ،كلمة حجازي هي استعادة وتأكيد بشكل ما لكلمة سيد قطب التي كتبها منذ ما يربو على 70عاما ،والتي ذكرناها في بداية املقال (ليس لدى اإلخوان مشروع ثقافي) <
للهجوم على الجماعة التي وسموها باإلرهاب ،وربما كان أفضل توصيف للعالقة بني الطرفني -بعد وقبل الحادث -ما كتبه رائد الصحافة الحديثة الكاتب الكبير محمد التابعي في مقال له بعنوان (نعم حدث انقالب) .واملدهش أن هذا املقال يصلح لتوصيف الحالة اإلخوانية التي نعيشها اآلن ،يقول التابعي في مقاله: (كان الرأي العام يقف موقفا مائعا من جماعة اإلخوان قبل الجريمة األخيرة ،فريق يعطف عليها ويبرر لها أسباب الغدر فيما اقترفوه من جرائم في العهد السابق ظنا منهم أنها وقعت تحت أسباب قاهرة ،وأنها لن تتكرر .وفريق يقف موقف الحياد، وفريق يغالب في نفسه حسن الظن بالجماعة ويؤثر االنتظار حتى يرى ما تفعله في العهد الجديد ،وفريق كان يسيء الظن باإلخوان وبدعواهم ولكنه اضطر أن يكتم سوء ظنه بعد أن رأى الرياح في شراعهم والتيار مع سفينتهم ،ثم توالت األحداث.. وظهر اإلخوان على حقيقتهم ..وعرف الشعب أن زعماء الجماعة كاذبون ومنافقون ،وأنهم ليسوا جند الله ولكنهم جند الشهوة والشيطان). وشارك التابعي في هجومه على اإلخوان مجموعة من الكتاب الكبار مثل د .طه حسني والشاعر كامل الشناوي وعلي أمني وجالل الحمامصي وناصر الدين النشاشيبي ،والذين جمعت مقاالتهم في كتاب تحت عنوان (هؤالء هم اإلخوان) ،على أن وجود اإلخوان في السجون واملعتقالت وصدور أحكام باإلعدام على بعض قادتهم في الخمسينات والستينات خفف كثيرا من هجوم املثقفني عليهم ،بل إن البعض تعاطف معهم بعد ما تسرب من حكايات تعذيبهم في املعتقالت.
تعاطف وعداء وساهم في ذلك أن كثيرا من الكتاب واملفكرين خاصة املنتمني لليسار التقوا بأعضاء الجماعة في السجون واملعتقالت بعد كل حملة من النظام الناصري ضد التنظيمات اليسارية، وتعرف بعضهم إلى بعض وقتها ،ورغم التعاطف الذي أبداه عدد من املنتمني لليسار تجاه اإلخوان فإن اآلخرين ظلوا على
انغالقهم الفكري. ويحكي الكاتب الكبير سعد هجرس ،في لقاء خاص وكاتب هذه السطور( :التقيت وعددا من قيادات اإلخوان داخل املعتقل ..كان من بينهم املرشد السابق مهدي عاكف ..وكنا ننظم مباريات في كرة القدم ،وحاولنا اللعب مع اإلخوان ..لكنهم رفضوا! ..فلعبنا مع اليهود املصريني الذين كان يتم اعتقالهم كل فترة ،وفوجئنا باإلخوان يشجعون اليهود بدعوى أنهم أهل كتاب أما نحن فشيوعيون وماركسيون كفار)! ويبدو أن عداء اإلخوان لليبراليني قبل ثورة يوليو ،امتد بعدها إلى اليساريني الذين تصدروا املشهد الثقافي في الستينات وما تالها. وعندما أفرج الرئيس السادات عن اإلخوان في السبعينات، وأخرجهم من املعتقالت واستعان بهم لضرب اليسار خاصة في الجامعات ،حاولوا تنفيذ إرادته ،وفتحت مجالت «الدعوة» و«االعتصام» و«املختار اإلسالمي» صفحاتها للهجوم على املفكرين عموما ،واليساريني خصوصا ..وكان للكاتب جابر قميحة نصيب األسد في ذلك ،إذ خصص مقاال شهريا في مجلة «الدعوة» للهجوم على طه حسني والعقاد وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وغيرهم من الكتاب بدعوى أنهم ضد اإلسالم! ثم ظهرت مجموعة من الكتب التي تهاجم املفكرين مثل كتاب (طه حسني في ميزان اإلسالم) للكاتب أنور الجندي، الذي يعد نموذجا صارخا في تكفير املفكرين!
فنانو دار األوبرا املصرية في تظاهرة احتجاجية بسبب إقالة عالء عبدالعزيز وزير الثقافة (االخواني) في حكومة قنديل ملديرة دار األوبرا إيناس عبدالدايم(مايو)2013/
,,
شارك التابعي في هجومه على اإلخوان كتاب كبار مثل طه حسني وكامل
الشناوي والنشاشيبي
,,
تحالف الوفد لكن مع ظهور الجماعات اإلسالمية ،ودخول اإلخوان معترك السياسة واالنتخابات البرملانية عقب اغتيال السادات وتولي حسني مبارك رئاسة الجمهورية غيرت الجماعة من تكتيكها تجاه املثقفني ،وتركت مهمة التكفير والهجوم الحاد واملباشر للجماعات التي خرجت من عباءتها ،وساعد على ذلك دعوة عدد من املفكرين لدمج اإلخوان في الحياة السياسية مثل عالم االجتماع السياسي الشهير د .سعد الدين إبراهيم ،الذي كتب المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
طه حسني
41
قصة الغالف
(خوان اإلسالم) ..هكذا وصف املفكر الكبير عباس محمود العقاد جماعة اإلخوان املسلمني ،متهما قادتها بانتهاك سماحة الدين ..بينما رأى األديب الشهير د .عالء األسواني (أنها جماعة فاشية) 64 .عاما ،هي الفارق الزمني بني مقال العقاد -الذي كتبه عام - 1949وتصريحات األسواني ،التي أطلقها – حديثا -عبر موقع التواصل االجتماعي (تويتر) ،وأكدها عبر أكثر من لقاء تلفزيوني .خالل هذه الفترة الزمنية ،ظلت العالقة بني الثقافة واملثقفني واملبدعني، وبني جماعة اإلخوان تسير على نهج واحد ..فكل منهما ال يتقبل اآلخر ،ويعتبره خطرا عليه.
من العقاد إلى األسواني :املثقفون و«اإلخوان» ..ال يلتقون
انقالب ثقايف
بقلم: أسامة سالمة
,,
كتب العقاد قائال :أراح النقراشي البالد من عصابات كثيرة قبل هذه العصابة اإلجرامية ومنها عصابة الخط !
,,
حسب ما كتبه سيد قطب في جريدة «املقطم» قبل انضمامه للجماعة ،وقبل أن يصبح أبرز منظريها قال: (ليس لـ«اإلخوان» مشروع ثقافي)! ولعل هذا يوضح ملاذا ظلت الجماعة طوال تاريخها ترى أن الثقافة ال بد أن توضع تحت الرقابة؟ وتنظر إلى املثقفني الليبراليني ومن بعدهم اليساريون بريبة وشك ..وتتهمهم بأنهم «متفرنجون» وضد اإلسالم. فعلت هذا مع د .طه حسني بعد صدور كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) عام .1938الذي دعا خالله لالستفادة من القواسم املشتركة بني الحضارات ..خاصة حضارة البحر املتوسط ،إذ تربطنا بها روابط كثيرة ،عكس ثقافة الصحراء التي ال تنتج حضارة. وقتها ،انبرى كتاب اإلخوان للهجوم على عميد األدب العربي، واتهموه في مقاالت عدة نشرت بمجلة (النذير) -لسان حال الجماعة حينئذ -بأنه (يهاجم الدين!) ..وهي تهمة لم تمل الجماعة توجيهها لكل من يختلف مع أفكارها من املبدعني. في املقابل ،رأى كثير من املفكرين الليبراليني ،أن الجماعة تمثل تهديدا حقيقيا لالستقرار واإلبداع في آن .وقال عنهم أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد( :هذه طائفة جاءت لتفرق األمة) ،..على أن هجوم املفكرين على الجماعة اتضح أكثر بعد عمليات االغتيال التي قامت بها الجماعة ،فقد أثارت مثل هذه العمليات مخاوف الكثيرين منهم ،من إمكانية تكرار سيناريو هذه االغتياالت مع من يختلف معهم فكريا ..كما طالت من اختلف معهم سياسيا. ولعل أبرز مثال على ذلك ،العقاد ..إذ كتب عدة مقاالت هاجم خاللها الجماعة ،عقب اغتيالها محمود فهمي النقراشي «رئيس الوزراء» ،بسبب إصداره قرارا بحلها. وكان أقوى هذه املقاالت بعنوان (الفتنة اإلسرائيلية) ،الذي نشره بجريدة «األساس» في يناير (كانون الثاني) عام .1949وذكر فيه أن «الفتنة التي ابتليت بها مصر على يد العصابة التي تسمي نفسها اإلخوان املسلمني ،هي أقرب إلى الفنت في نظامها إلى دعوات اإلسرائيليني واملجوس». ومضى العقاد في مقاله مهاجما مؤسس الجماعة حسن البنا، مشيرا إلى تشككه في أن جده يهودي من املغرب ،قدم إلى مصر..
عباس العقاد
40
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
ودلل على ذلك بأن أحدا ال يعرف أصله ..وأن اليهود طائفة كبيرة باملغرب كما أن والد حسن البنا كان يعمل (ساعاتي) ،وهي مهنة لم يكن يعمل فيها في زمنه إال اليهود!
ُ خط الصعيد وفى مقال آخر له بنفس الجريدة ربط العقاد بني اإلخوان املسلمني وعصابة (خط الصعيد) ..وكتب قائال( :أراح النقراشي باشا رحمه الله البالد من عصابات كثيرة قبل هذه العصابة اإلجرامية ،ومنها عصابة الخط املشهورة التي كانت تعبث بالقتل والسلب والنهب في أوساط الصعيد ،ولكن الخط لم يدع لنفسه أنه من أئمة الدين ..فقد استطاع هذا املخلوق أن يجمع حوله أربعني رجال يجازفون بالحياة في سبيل طاعته ،فهل كانوا محتاجني إلى إيمان مضلل يسوقهم إلى املجازفة بالحياة ،كل ما احتاجوه هو تحريك طبيعة الشر في الطمع والغرور). ورد اإلخوان على هذه االتهامات بمحاولة اغتيال العقاد وهو ما كشف عنه الكاتب الصحافي سامح كريم في كتابه (عباس محمود العقاد الحاضر الغائب) ،إذ كتب يقول( :إن اإلخوان بعثوا إلى العقاد رسائل تهديد أعقبها وضع متفجرات أمام منزله ،ثم إطالق الرصاص على نافذته ..إال أن الرصاصة أخطأته ،ورفض العقاد أن يقوم بإبالغ الشرطة) .ولم يكن العقاد وحده الذي هاجم اإلخوان عقب اغتيال النقراشي ،فقد تصدى لهم مجموعة من كتاب أحزاب« :الوفد واألحرار الدستوريني والسعدي والكتلة»، الذين شعروا بخطورة الجماعة التي أنشأت جهازا خاصا للقيام باالغتياالت والعمليات اإلرهابية ،ولكن الجماعة حظيت بفترة راحة من هجوم املفكرين عليها بعد قيام ثورة يوليو (تموز) 1952بسبب العالقة الوثيقة بني قادتها والضباط األحرار ،وعلى رأسهم قائد التنظيم الحقيقي جمال عبد الناصر.
محاولة اغتيال عبد الناصر وخالل هذه الفترة لم يكن هناك تماس بني املثقفني والجماعة، إال أن هذه املرحلة لم تستمر سوى أقل من عامني ،حيث انتهت بمحاولة اغتيال عبد الناصر في ميدان املنشية باإلسكندرية، واتهام أعضاء الجماعة بالضلوع فيها .وبعدها انبرى املثقفون
الزعيم املصري أحمد عرابي
حيث قام به الرؤساء الراحلون محمد نجيب وجمال عبد الناصر وأنور السادات ،ويتكرر أيضا حينما تولى الجيش تنفيذ إرادة الشعب في فبراير (شباط) ،2011وقام بعزل الرئيس حسني مبارك ،،وأخيرا الفريق أول عبد الفتاح السيسي في يوليو 2013الذي تحمل باقتدار إرادة الشعب ،وقام بعزل الرئيس مرسي. وفي جريدة «الوفد» ،قبيل مظاهرات 30يونيو ،كتب عباس الطرابيلي، يقارن بني حركة «تمرد» وتمرد عرابي ،مقاال بعنوان ..« :وعرابي كان متمردا» ،قال فيه« :كان أحمد عرابي باشا فالحا مصريا من محافظة الشرقية ..وقد يكون أول مصري صميم يصل إلى رتبة العسكرية في الجيش املصري ،فعرابي هو الذي ابتدع الوقفات امليدانية االحتجاجية.. وهو الذي قاد أول مظاهرة عسكرية مصرية ومعه رفقاء النضال في ميدان قصر عابدين ...وأدت حركة تمرد عرابي (العسكرية) ونجاحها األول إلى أن أصبحت املعبر الحقيقي عن أحالم األمة املصرية ..بل تحولت من حركة تمرد عسكرية إلى حركة شعبية تمردية شملت الشعب املصري». وعرابي يحضر مرة أخرى في مقارنة سابقة بالطريقة ذاتها ،حني عقدت ضمن فعاليات معرض الكتاب بالقاهرة سنة 2012ندوة بعنوان «ما بني ثورة عرابي وثورة 25يناير» ،أكد فيها املشاركون أن أوجه التشابه كثيرة بني أول ثورة وطنية في مصر (عرابي) وثورة 25 يناير ،وأن الثورة العرابية كما فعلت ثورة يناير استطاعت أن تجذب إليها فئات الشعب املصري الذي كان بعيدا تماما عما يجري ،فشارك فيها الشباب والشيوخ والنساء والتف الجميع حول عرابي ورفقائه.. «وقد كانت الثورة العرابية هي بداية تاريخ نضالي من مقاومة الظلم والقهر واالحتالل». وهكذا فكل طرف يتمسك بخيط «عرابي» ويجره إلى ناحيته ،على الرغم من اختالف وتضارب االستشهادات فإنها تؤكد وتوضح كم كانت «لحظة عرابي» مرحلة فارقة في الذاكرة والخارطة والتاريخ، وتأسيس طبيعة عالقة الشعب بالجيش. األمر ذاته تكرر من قبل من ثورة يوليو ،ففي كتاب له يحلل ظروف وطبيعة ثورة عبد الناصر ،كتب صالح منتصر في مقدمة كتابه «من عرابي إلى عبد الناصر ..قراءة جديدة للتاريخ» قال فيها« :لقد وجدت
الفريق أول عبد الفتاح السيسي
من الضروري حتى يفهم أي شاب أسرار ثورة يوليو ،أن يتعمق في تاريخها وجذورها ،إنها تعود إلى تلك اللحظة التي رفع فيها أول فالح مصري فأسه ليحفر قناة السويس ،في أول لحظة بدأت املطامع األجنبية توجه أنظارها نحو مصر ،في تلك اللحظة التي وقف فيها عرابي بثورته ضد كل الطامعني واملنتفعني ،ومنذ ذلك التاريخ بدأت مسيرة مصر في بحثها عن استقاللها وحريتها ..فأكمل مشوارها وحمل رايتها عبد الناصر في ثورته ضد الظلم واإلقطاع». وهكذا مع عبد الناصر يتجدد مشهد القائد العسكري الذي يقوم بانقالب يلتف حوله الناس ،ويهتفون باسمه ،وهو يتلمس مطالبهم وينحاز لرغباتهم ،ويهتف في خطبه باسم الشعب ،يتحدث سامح عاشور رئيس الحزب الناصري ،في ذكرى ثورة يوليو قائال« :إنه رغم مرور 60عاما على ثورة 23يوليو فإن أغلبية املصرين ما زالوا يقدرون هذا الحدث املهم الذي يعد امتدادا لثورة عرابي». ولكن إجماع البدايات مع هذا الزعيم العسكري يتحول مع مرور الوقت إلى صراع ومواجهة في كل مرة ،يتذمر الشعب ويشتكي من تلك اللحظة التي شجع فيها هذا القائد ،ويبحث من جديد عن وسيلة للخالص من طوق النجاة الذي استعان به أوال ،فكثير من املحللني والكتاب يرون أن «هوجة» عرابي التي أشادوا بها أوال وفرحوا كانت سببا في أن يقع الشعب املصري تحت االستعمار اإلنجليزي ملصر عام - 1882وإن بغير قصد -أما ثورة يوليو 1952التي خرجت هتافات الجماهير باسم زعيمها عبد الناصر في يوم ثورته ويوم مماته فقد ساهمت في ترسيخ حكم العسكر الذي رزح الشعب املصري تحت وطأته قرابة الستني عاما وخرج ثائرا على منتجاتها في 25يناير ،2011ولكن هذه الثورة ضد حكم العسكر أفرزت حكم اإلخوان، واستبدل املصريون «مرسي» بـ«مبارك» ،فخرجوا عليه بعد أقل من سنة له رافضني ،وجدوا أنفسهم قد استبدلوا بمستبد عسكري آخر مدنيا ،وعادت الحلقة املفرغة دورانها من جديد حني أعلن وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي بيانه في الثالث من يوليو ،2013مقررا استجابة ملطالب املتظاهرين عزل الرئيس محمد مرسي وبدء مرحلة انتقالية.. مرحلة ال ندري إلى أين ستتجه هذه املرة ،هل ستكرر املشاهد كاملعتاد ويخرج الشعب الذي كان يهتف «يعيش جيش مصر العظيم» ،ليقول كما كل مرة« :يسقط ..يسقط حكم العسكر»؟! <
,,
حني تصل القوى السياسية إلى طرق مسدود على حافة الصدام واالنهيار، يمثل الجيش صمام األمان واملالذ ،لكنه ما يلبث أن يتحول إلى مشكلة وأزمة أخرى
,,
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
39
قصة الغالف
حني نقلب تاريخ مصر الحديث نجد الجيش املصري نقطة املركز واملحور في أي تغيير أو منعطف تاريخي ،ذاكرة الجيش ومعاركه ،وصوالته وجوالته حاضرة في الثقافة والوجدان املصري حتى اليوم ،هو يستذكر ثورة القائد العسكري وزير الدفاع أحمد عرابي ،ويحتفل بيوم الجالء ،ويتذكر إنجاز الجيش في 6أكتوبر ،وما زال يتناقش كثيرا حول ثورة /انقالب الضباط األحرار ،وال ينسى «البيان رقم واحد» للمجلس األعلى للقوات املسلحة الذي عزل فيه الرئيس حسني مبارك ،وما زال يعيش على صدى بيان وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي الذي قرر عزل الرئيس محمد مرسي ..فما هي طبيعة هذه العالقة بني الجيش والشعب ،وما هي اللحظة املفصلية التي شكلتها؟
الجيش والشعب ..من عرابي إلى السيسي
حلقة مفرغة! بقلم: عبد الله الرشيد
,,
كانت ثورة عرابي جذوة حية في الذاكرة املصرية.. تعكس اللحظة التي تشكلت فيها صورة الجيش املنحاز لرغبات الشعب ضد السلطة الحاكمة
,,
38
حني أصدر الجيش املصري في األول من شهر يوليو (تموز) 2013بيانا تضامن فيه مع مطالب املتظاهرين في يوم «التمرد» الشهير 30يونيو (حزيران) ،أمهل فيه القوى السياسية للوصول إلى حل يلبي مطالب الشعب املصري مهلة أقصاها 48ساعة ،وإال فإن الجيش سيقدم خارطة طريق جديدة للشعب ،ردت حركة «تمرد» مرحبة ببيان الجيش املصري ،وقالت« :هذا هو جيش مصر ،هذا هو جيش عرابي ،وعبد الناصر ،وسعد الدين الشاذلي». نتذكر هنا ،ومن هذه الكلمات الترحيبية الحارة من هذا البيان ،تلك الورود واألهازيج التي قدمها ثوار 25يناير (كانون الثاني) للجيش املصري ،حني أصدر بيانه األول ،وقرر عزل الرئيس املصري حسني مبارك ،وتقديم خارطة طريق جديدة للمرحلة املقبلة ،خرجت فيها الجموع تحيي العسكر ،وترحب بالجيش حامي الحصن والدرع األخير ملصر ولشعبها. ولكن هذه العالقة لم تكن كذلك دائما ،إنها تعوم بني املحبة والكره ،بني املد والجزر ،فاملتظاهرون الذين هتفوا من أجل الجيش املصري حني عزل مبارك خرجوا بعد بضعة أشهر يصرخون «يسقط يسقط حكم العسكر ،يسقط حكم املشير» ،فقرر قرر الرئيس املصري السابق محمد مرسي إقالة املشير طنطاوي ،خرجت الهتافات ترحب بهذا القرار ،إنه ينتزع مصر من حكم العسكر ،إنه يحقق نتائج الثورة، ويعيد مصر جمهورية مدينة حديثة ،لطاملا هتف من أجلها النشطاء والثائرون «نريدها دولة مدينة ،ال عسكرية». لكن بعد سنة من حكم اإلخوان «املدني» الذي سقط في الكثير من األزمات واالنشقاقات والصراعات بني القوى السياسية ،خرج َ تتوان أبدا أن تنسى خالفها مع العسكر املتظاهرون في ثورة ثانية لم وترحب وتهتف بحرارة لوزير الدفاع عبد الفتاح السيسي الذي قرر استجابة ملطالب املتظاهرين عزل الرئيس محمد مرسي. ما الذي يحدث؟ هل هي دائرة مفرغة يدور فيها الشعب املصري في عالقته مع الجيش؟ يلتف حوله حني تشتد األزمات ،ويصل إلى طريق مسدود ،ثم بعد ذلك ينفض منه ويطالب بإسقاطه ،ثم بعد ذلك ينسى أو يتناسى ويعود إليه مناشدا ملتفا مترجيا مطالبا؟ عالقة الشعب املصري بالجيش عالقة وجدانية معقدة عميقة ،لها جذورها التاريخية التي لم ترتبط بحماية شؤون الداخل فقط ،لكنها
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
حملت في ذكراها قصص االستقالل واملقاومة ،وصد الدخيل األجنبي. في تلك اللحظة التي وقف فيها الزعيم املصري أحمد عرابي (- 1841 )1911أمام الخديو توفيق عام ،1881قائال« :لقد خلقنا الله أحرارا، ولم يخلقنا تراثا أو عقارا ،فوالله الذي ال إله إال هو ،ال نورث ،وال نستعبد بعد اليوم». كانت لحظة فارقة في الوجدان املصري ،حيث التف الناس حول هذا الشخص الذي بدأ يصدح بمطالبهم ويقف أمام مظالم الحكام األتراك والشركس ،ويتلمس أحوالهم االقتصادية ،ويعد العدة ملواجهة التدخل األجنبي القادم من فرنسا وإنجلترا على السواء ،أدت املواجهات بني عرابي والخديوي توفيق إلى قيام الثورة العرابية ،أو ما عرف حينها بـ«هوجة عرابي» ،الذي كان يتقلد منصب «ناظر الجهادية» بما يماثل وزير الدفاع اليوم ،ومنذ تلك اللحظة والنهج الذي رسخه عرابي في الضمير املصري أصبح ينظر إلى الجيش املصري وقادته كمرجع ومالذ يمثل مطالب الشعب وينحاز إليها ضد السلطة الحاكمة. رضخ توفيق ملطالب عرابي في بداية األمر حني رأى التفات الشعب حوله ،وعزل قيادات الشرطة التي كانت تستبد بالشعب ،لكن التدخل اإلنجليزي ساهم في انهيار الثورة العرابية وتفتتها ،ونفي زعيمها إلى سيالن. كانت ثورة عرابي -على الرغم من فشلها -جذوة حية في الذاكرة املصرية ،يتم استحضارها في كل لحظة وطنية تريد استعادة القرار والسلطة إلى الشعب ..يتحدث الكاتب املصري طارق الشيخ في مقال له بعنوان «مصر ..من عرابي إلى السيسي» قائال« :بيان القوات املسلحة الذي أذيع يوم 1يوليو وأكد على أن القوات املسلحة املصرية طرف رئيسي في معادلة املستقبل وتتحمل بمسؤوليتها الوطنية والتاريخية في حماية أمن وسالمة الوطن ،ذكرتني بالعبارات التي قالها الزعيم أحمد عرابي للخديوي توفيق وقناصل الدول األجنبية في عابدين حينما أشار إلى أن األهالي (جماهير الشعب) أقاموه نائبا عنهم في عرض طلباتهم وتنفيذها بواسطة القوات التابعة له والذين هم إخوانهم وأوالدهم .فالجنود هم القوة التي تنفذ بها مطالب أبناء الشعب الذين أنابوه عنهم في طلب حقوقهم مؤكدا أنه لن يغادر امليدان حتى تنفذ املطالب». يشير الكاتب الشيخ إلى أن هذا املوقف يتكرر في الحالة املصرية،
جدلية التابع واملتبوع ،تستمر حتى في أبسط وأسرع مستويات التعبير الخاص والعام.
الحسي الفرعوني واملجرد اإلسالمي في الواقع فإن الحسية وإن كانت قدرا جغرافيا بعض الشيء بسبب تأثير عوامل املناخ املتطرفة على الوعي ،إال أن اإلبداع املصري للصور واألشكال ومنه العمارة ،لم يكن مجرد سبق في الهندسة ،بقدر ما كان ميال فطريا الحترام العالم الخارجي بصفته ممنوحا معجزة خالقه الذي أبدع في تكوينه فخلق عاملا يستحق التقدير واإلشادة ،وهذا التقدير للعالم الخارجي تحول إنتاجا مفتوحا لألشخاص والطبيعة .ال شيء ،إذن ،خارج املحسوس ،بدءا من الخلق وانتهاء باملخلوق .فرأينا تاريخا غامضا وساحرا وغريبا هو ما أطلق عليه الحضارة الفرعونية. كل هذا اإلنتاج الحسي العيني للعقائد واألفكار والثقافات ،انسجم بكليته مع ثقافة أكثر تجريدا وأقل حسية ،وهي الدين اإلسالمي .أقل حسية من ناحية التعبير الفني عن العقيدة كالرسوم واملنحوتات بصفة خاصة .هنا كانت هندسة املسجد اإلسالمي ،أو العمارة اإلسالمية ،عامة ،نقطة االنطالق الكبرى نحو دمج هاتني الثقافتني املتناقضتني ،جوهريا ،في مكان واحد .لقد وفرت هندسة املسجد اإلسالمي مجاال رحبا ومشروعا للتعبير عن املخزون الحسي املغرق في قدمه في تلك األنا ،وحصلت أغرب مفارقة في تاريخ األديان السماوية :أقصى املحسوس يجد نفسه في أقصى الغيبي ،فاتحدا مكونني شخصية امتلكت كل مواصفات الخصوصية وأدواتها التعبيرية الكاملة .ولعل هذا هو السبب الذي جعل فيلسوفا مرموقا بحجم اشبنجلر، وفي كتابه الذي ال تغيب عنه شمس القراء في كل ثقافات العالم ،واملعروف بـ{انحالل الغرب} أو سقوط الحضارة الغربية ،يقول في دراسته التاريخ املصري الفرعوني ،محترما فيه جانبه الفرعوني وجانبه اإلسالمي فيقول بعد مقارنة ساحرة ما بني الثقافة الهندية واآلسيوية من جهة ،واملصرية من جهة أخرى ،بأن الحضارة املصرية« :لم تهمل أي شيء} قاصدا الطعن بالثقافات اآلسيوية الصوفية والبوذية التي عادة ما تأتي مقدسة للغائب مقللة من شأن الحاضر .وأفرد في كتابه املدهش هذا مساحة كبيرة لدراسة التاريخ املصري وكذلك الحضارة اإلسالمية التي أبدى لها كل احترام وتبجيل وكاد أن يعتبرها ،تقريبيا ،نهاية التاريخ الفلسفي .إن هذا الفيلسوف العمالق هو من أشهر وأقوى العقول التي حفرت في األنا املصرية مكتشفة القوة الالمنظورة للحسي فيها ،ومن هنا قال عبارته الرائعة عنها إنها لم تهمل أي شيء! لقد كان املسجد اإلسالمي العروة الوثقى التي تربط ما بني ثقافتني متعارضتني ،ال بل في جزء من أحدهما {تكفير} لجزء في األخرى ،كما في قصص الفراعنة في النص القرآني الكريم .ومن هنا ترى األثر العماري اإلسالمي -واملسيحي -في مصر له قداسة منقطعة النظير ،وفيه تمت كل تطبيقات الهندسة واملشغوالت الخشبية واملعدنية ،بأفضل وأجمل ما يمكن. وعند هذا التداخل ما بني الحسي والغيبي ،التاريخ والوحي ،تتأسس شخصية مصرية مبرزة أناها على النحو الذي عبر عنه األملاني الرفيع برتولد بريخت حني اختصرها بقوله{ :اللحم الجديد يؤكل بالشوكة القديمة} ..وهي إن كانت تعني عودة البنية املتنحية إلى الظهور ،من خالل جدليات غامضة ،وعبر عنها هيغل باملكر ،إال أن املعنى الذي استهدفه بريخت مأخوذ أصال ،وللمفارقة، من أصل إنجيلي إنما مع تغيير باألسماء ،وكذلك تغيير جوهري باملدلول. تشكلت األنا املصرية على هذا اللقاء الفلسفي النادر ما بني املرئي والالمرئي، املرئي يتولى إعجاب املصري بنفسه من خالل اإلشارة إلى تقديره الفطري للعالم الخارجي وإعادة إنتاجه في العمارة والفلسفة الدينية .والالمرئي يعكس الرضوخ للخالق ومقدرته الالمحدودة على الخلق والذي عبر عنه، هنا ،في اإلسالم ،كما عبر عنه أيضا في املسيحية ،ألنه حتى املسيحية املصرية لها خصوصية تميزها عن مسيحية املشرق والغرب .لكنها ليست موضوعنا هنا .وفي هذا الجمع الجذري املشار إليه ،أصبح من الطبيعي
أن تكون األنا املصرية ذات مالمح خاصة مميزة ،تدفعها الحسية لعشق العالم الخارجي (الفن ،املوسيقى ،الرسم ،النحت ،املسرح) ويدفعها الغيبي إلى الركون لقانون الهي مقدس يعطي الحق للكل في آخر املطاف ،وإلى هذه اإليمانية تعود نزعة التسامح .لكن الحسية ،تلك ،الجزء الباني للحضارة املصرية ،هي التي لم تتسامح مع غلطة جرح األنا التي أصابتها في الصميم من قبل بعض الجماعات الدينية التي تعاملت بعني واحدة مع هذه األنا فجاء الرد طوفانا من الرافضني لإلخوان املسلمني في مصر.
األنا املصرية تستعيد خصوصيتها الجرح النرجسي الذي نزف على يد جماعة اإلخوان املسلمني ،كان السبب األبلغ النقالب {األمة املصرية} على مرتكبي هذا الجرح .ولعل أولى بوادر الجرح ،تلك، هي التعامل التبعي مع الدولة املصرية ،بحيث يكون املجتمع املصري مجرد حلقة عامة ،في دائرة من حلقات الدول اإلسالمية .األمر الذي دفع املرشد السابق للجماعة مهدي عاكف بقول قولته الشهيرة عن الوطن املصري ،التي يعلمها الجميع ،والتي تعني باملحصلة التهكم على خصوصية الوطن املصري. لم يجرؤ زعيم مصري ،مهما بلغت قوميته -باملناسبة قد تؤدي القومية، املؤدى نفسه ،للهوية اإلسالمية ،لجهة عدم االعتراف بخصوصية الوطن املصري أو غير املصري -على تجاوز األنا املصرية بهذا الشكل الحاد .من عبد الناصر القومي ،مرورا بالسادات الوريث ِّ واملطور ،انتهاء بمبارك ،لم يتجرأ أحد على جرح األنا املصرية التي ّ تميز ذلك املجتمع الذي يتغنى بخصوصيته ومنجزاته .إال على يد جماعة اإلخوان التي ارتكبت الخطأ الذي ال {كفارة} له: جرح األنا املصرية بحجة الهوية األعم واألشمل ذات الطبيعة التوسعية. يمكن للمصريني أن يغفروا لخطأ االقتصاد والسياسة ،إنما هذا الخطأ اإلخواني البالغ أطاح بشعبية الجماعة التي تصطدم اآلن برد فعل تقوم به األنا املنجرحة التي لن تتنازل عن حق الرد ،مهما بلغت تكاليف االشتباك .ويعود سبب هذا الخطأ اإلخواني ،إلى ما يتهمه خصوم الجماعة منذ زمن طويل لهذا التنظيم بأنه ال يعرف مصر وبعيد عن ثقافتها .ولعل أول وأكبر دليل على واقعية هذا االتهام هو جرح الجماعة لألنا املصرية عبر عدم االعتراف بخصوصيتها والتعامل معها كما لو أنها مجرد حلقة في هوية تسلسلية تبدأ ربما من القاهرة وال تنتهي في جمهوريات روسيا املسلمة. هذا الخطأ التاريخي تم الرد عليه بزحف جماهيري غير مسبوق ربما على مستوى العالم .األمر الذي زاد من إرباك الجماعة التي بدت في ردود أفعالها أنها حقا ال تعرف املجتمع الذي تنتمي إليه ،فمرة يكون سبب االحتجاج {الفلول} ومرة يكون السبب {املؤامرة} ومرة يكون السبب {قطع الوقود لتأليب الناس ضدها} ومرة يكون السبب أشخاصا وتيارات ..الخ .عدم التوازن هذا ،سببه األصلي عدم الدراية الفعلية بخصوصية املجتمع املصري ،الذي، ّ للمفارقة ،لم يشكل جاذبية للجماعة ،فامتنعت من االعتراف بخصوصيته وسلبته حقا مكتسبا ،فقام هو بسلبها حق إدارة البالد!
,,
الجرح النرجسي الذي نزف على يد جماعة اإلخوان املسلمني كان السبب األبلغ النقالب {األمة املصرية} على مرتكبي هذا الجرح
,,
إن الجرح النرجسي الذي أصاب األنا املصرية يشكل دافعا يفوق أي دافع آخر .ال يمكن االستهانة برد الفعل الناتج عن حرمان األنا االجتماعية من غنائيتها ورومانسيتها .مرور سنة على أي حاكم أو أي نظام سياسي ،ال يمكن أن يكفي للحكم عليه أو عزله ،إال في حال ارتكاب أخطاء جسيمة. ولم يكن خطأ النظام اإلخواني جسيما ال على املستوى القانوني وال على املستوى األخالقي ،لقد كان خطأ اإلخوان نفسيا ،بكل معنى الكلمة :جرحوا األنا التي تتباهى بخصوصيتها التاريخية ،فكان الرد طوفانا من االحتجاج غير املسبوق تستعيد فيه األنا حقها املكتسب بالخصوصية وتثبت فيه لسالب هذا الحق أن ما ال تراه ال يعني أنه غير موجود ،وما ال تؤمن به ال يعني أنه يفتقد للشرعية < * صحايف سوري مقيم يف القاهرة ،نشر مقاالت وحتقيقات يف الصحف ومجالت عربية عديدة
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
37
قصة الغالف
أول ما يتبادر إلى الذهن في التغيرات املتسارعة في املجتمع السياسي املصري ،هو سبب انقالب املصريني على اإلخوان املسلمني ،بهذه السرعة؟ خصوصا أن قابلية هذا املجتمع الخاص ،لوجود أحزاب دينية واالنتماء إليها، مفتوحة إلى حد بعيد .بل إن أكثر عبارة يوصف بها املصريون أنهم شعب ّ متدين .فماذا جرى كي يتحرك هذا الشعب املتدين ،بكل هذه األعداد الضخمة ،بوجه حزب ديني تاريخي ضارب الجذور في الحركة السياسية املصرية، وهو اإلخوان املسلمون؟!
لغز املصريني وخطأ اإلخوان املسلمني
األنا املصرية
بقلم: عهد فاضل * متظاهرة مصرية تحمل العلم املصري احتفاال بعزل مرسي عند كوبري قصر النيل الذي يقع بالقرب من ميدان التحرير بالقاهرة
الكالم الكثير عن تأثير األزمة االقتصادية على الرأي العام في مصر ،ضد اإلخوان املسلمني ،يجانب الصواب في أغلب جوانبه، لطاملا تعود املصريون في السنوات األخيرة على نوع من االقتصاد الصعب الذي بالكاد يحقق لغالبية من أفراد املجتمع ،الحد األدنى ،أو ما دون ذلك في بعض الفئات .وحقيقة األمر تتجلى في أن املواطن املصري البسيط ،خاصة ،ال يتنازل عن تسامحه االعتيادي الذي أصبح سمة من سماته السلوكية ،وربما قد استخدم تسامحه هذا كثيرا مع أنظمة سابقة، لعل املرحلة الناصرية أشهرها ،فعكست ميل املصريني الفطري للتسامح من خالل مطالبتهم زعيمهم بالعدول عن استقالته بعيد النكسة .ويكاد يكون الشعب الوحيد في التاريخ السياسي ّ املدون الذي ّ ينصب رئيسه الخاسر ّ ملعركة عسكرية محبطة للغاية (إحباط النكسة تسرب إلى كل طبقات املجتمع العربي وعلى رأسها النخبة الثقافية والسياسية) مجددا ،ويرجوه العودة للحكم .إن مثل هذه الظاهرة التسامحية بالغة الندرة ،هي جزء ّ مكون يتمم البعد الديني الذي عرف به .وبناء على ما سبق :لو كانت أزمة اإلخوان املسلمني بإحداثهم ضائقة اقتصادية في املجتمع ،ملا كان من هذا املجتمع إال أن يندفع بحكم تركيبته الرمزية الخاصة، للتسامح والصبر مع هذه الجماعة .وبالتالي ،ال يمكن فهم األمر الحاصل على أنه تم بدفعة عاجلة من األزمة االقتصادية.
سياسة العزل أيضا ،تتم اإلشارة تلو اإلشارة ،إلى أن سياسة العزل التي مارستها الجماعة املنتصرة بعيد ثورة 25يناير ،ضد باقي شرائح املجتمع أدت إلى هذه َّ {الهبة} العنيفة بوجهها مطالبة برحيلها عن إدارة حكم البالد .إال أن العزل وحده لم يكن كافيا ،هو اآلخر ،لتأليب الرأي العام املصري بهذه الحدة .فالعزل ،يكاد يكون مشتركا ثقافيا في العمل السياسي والحزبي ،وال يستغربه العاملون في حقل السياسة إال على نطاق نخبوي صرف ،وإن ّ عبر عن نفسه خارج النخبة يكون ذا طبيعة رومانسية شاكية وحاملة. واقع األمر في طبيعة املجتمع املصري ،أنه كان يمكن لهذا املجتمع أن يتسامح مع ضائقة اقتصادية أو انفراد طرف بالحكم وإدارة البالد. لنتحدث بصراحة :العزل أصبح شقيقا للعمل السياسي العربي وحصل معه نوع 36
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
من التعود ،ومهما بلغت حدته فال يؤسس ّ لهبة في الرأي العام ،بهذه السرعة وبتلك الشمولية .إنما ومع كل ذلك ،ما الذي حصل مع اإلخوان لينقلب عليهم الشارع املصري؟! لغز االنقالب السريع على اإلخوان املسلمني ،وبهذه الحدة والجماعية ،يكمن في خطأ ثقافي جذري ارتكبته الجماعة املنتصرة بعيد ثورة 25يناير ،هذا الخطأ يتمثل بجرح األنا املصرية التي لطاملا عرفت بخصوصيتها البالغة وتأثيرها الشديد على ذلك املجتمع الذي يتغنى بفكرة الدولة األمة.
الرمز أقوى من الواقع تعود خصوصية األنا املصرية إلى طبقات مركبة متناقضة في الظاهر، ومنسجمة في العمق .فهي األنا التي تجمع التقديس الفرعوني للمحسوسات، والتعامل مع العالم الخارجي على أنه دوال (جمع دال) لعالم أكثر خفاء. وجاءت اللغة املؤسسة والناقلة لحضارة وثقافة هذا املجتمع ،بنفس املقدار من التقديس الفطري للمرئي واملحسوس ،عبر وضع األشكال الحيوانية والنباتية والصناعية واملجردة في تسلسلها الهجائي .ولإلحساس بالفارق يكفي مجرد النظر إلى كتابة تاريخية مجاورة تقريبيا للغة الهيروغليفية، وهي اللغة املسمارية التي كانت منتشرة في بالد الرافدين ،حيث هي مجرد تشكيالت هندسية مجردة تعتمد املثلث املتنقل بكل االتجاهات لحفر الكلمة، وتخلو بالكامل من أي تصوير لشكل خارجي. إال أن هذا التقديس الفطري للمحسوس واملرئي ،لم يكن في حال من األحوال ليتفوق على التجريدي ،في إيمانات هذه الثقافة ،ومنها مثال انتصار فكرة التوحيد اإللهي األخناتوني على باقي الديانات متعددة اآللهة .فنرى في العقائد الدينية املصرية القديمة ذلك امليل الجارف للغيبي والعالم اآلخر .أي إن املحسوس والغيبي يتجاوران لدى هذه األنا التاريخية تجاورا قل نظيره في أي مجتمع متدين معروف .ففي العادة يتفوق الغيبي على الحسي كما نرى مثال في التدين العربي الخليجي ،ولدى أهل الشام ّ تهرب فلسفي من اإلحساس بالفارق ما بني هذين الحدين الرمزيني :الجسد والروح .إال عند املصريني ،وحدهم ،وتلك خاصية أفردتهم بالكامل عن أي مجتمع ديني، يتجاور الحسي الكثيف إلى جانب الغيبي الحاد في ذات واحدةّ ، وتدين واحد، ليس لدى املصريني املسلمني فقط ،بل لدى األقباط أيضا ،باملقدار نفسه من تجاور الحسي والغيبي ،وبالحدة نفسها من دمج املتناقضات من دون أي إعاقة. والتقديس الفطري للمرئي ،كمخلوق يتمتع بمزايا منحه إياه الله تعالى ،في
إضراب عام للعمال في كراكاس ،والعفو عن القيادات العسكرية التي قامت باالنقالب عليه ،وإجراء تحقيق شامل حول أحداث العنف التي ارتكبتها قوات األمن والحرس الرئاسي ضد املتظاهرين .وبموجب هذا االتفاق تسلم شافيز مقاليد الحكم مجددا من نائبه كابيللو في يوم 13 أبريل (نيسان) ،2002وعقب عودته للحكم وجه نداء إلى الشعب دعاه فيه إلى الوحدة ،وأعلن عن بدء حوار وطني بني الكنيسة واملسؤولني والنقابات السياسية ومديري وسائل اإلعالم الخاصة ،وأكد في الوقت نفسه أنه لن يكون هناك أي انتقام أو مطاردة لخصومه الذين سماهم «األشرار». أما في حالة الرئيس مرسي ،فالوضع جد مختلف ألن الجيش املصري يبدو ،ظاهريا على األقل ،كما لو كان على قلب رجل واحد ،حتى فيما يتعلق باإلطاحة به ،وليس به انقسامات يمكن ملرسي االستفادة منها ،في حالة تتشابه كثيرا مع تجربة مبارك في فبراير (شباط) ،2011مع فوارق مهمة تتمثل في كون الرئيس مرسي منتخبا بإرادة شعبية ،فضال عن وجود تأييد شعبي للرئيس مرسي على األرض ال يمكن تغافله. ولقد استفاد شافيز كثيرا من سوء أداء الرئيس املدني املؤقت الذي حل محله واملعني من قبل الجيش بيدرو كارمونا ،نتيجة اتخاذه عددا من القرارات مثل حل الجمعية الوطنية املنتخبة ديمقراطيا وتعيني مجلس استشاري من 35عضوا ضم إليه كبار املعارضني لشافيز وتجميد العمل بأحكام ومواد الدستور وإعالن حالة الطوارئ في البالد وتنحية القيادات العسكرية التي ساعدته في القيام باالنقالب. أما في مصر ،فاألمور تمضي على نحو مغاير ،فلم تتبلور حتى اآلن على األقل موجات من االستياء الشعبي حيال الحكومة الجديدة أو خريطة الطريق التي فرضها الجيش ويتولى تنفيذها الرئيس املؤقت املستشار عدلي منصور ،الذي حرص على استقدام أبرز وأهم الكفاءات في مختلف املجاالت كوزراء ومستشارين ،على نحو القى ترحيبا شعبيا هائال ،وال أظن أن الرئيس املؤقت قد يفكر في فتح أبواب الشيطان عليه عبر اإلقدام على عزل قيادات الجيش كما سبق وفعل نظيره الفنزويلي.
اإلسالم املتطرف كعبء تشي تجربة اإلسالميني في الحكم خالل العامني املاضيني ببعض دول الربيع العربي ،بأن اإلسالم الراديكالي الجهادي التكفيري املتشدد كان عبئا على تجربة اإلسالم املعتدل ممثال في اإلخوان املسلمني في كل من مصر وتونس ،حتى أجهضها وأصابها -أو كاد -بالفشل .وذلك على عكس الحال في تركيا ،التي لم تشهد موجة مشابهة من اإلسالم املتطرف فكان النجاح حليف تجربتها. ففي مصر ،تعتقد تيارات السلفية الجهادية أن صعود اإلخوان للسلطة لم يشكل انتصارا للمشروع اإلسالمي ألنه لم يفض إلى تطبيق الشريعة اإلسالمية ،لذاّ ، شن عدد من قيادات تلك التيارات ،هجوما حادا على الدكتور محمد مرسي حينما كان رئيسا ،وطالبوا بإسقاط حكمه بل واغتياله على غرار الرئيس الراحل أنور السادات بذريعة أنه ال يطبق الشريعة كما يحكم بغير ما أنزل الله ويبقى على مسار التصالح مع اليهود والزج باإلسالميني في السجون ،وال يعبأ بانتشار ّ الخمارات واملالهي الليلية .فضال عن أنه يبقى على وزير الداخلية ،الذي يصر على مالحقة عناصر السلفية الجهادية ،كما ال يطبق قرار املحكمة تجاه الضباط امللتحني. وعلى صفحته بمواقع التواصل االجتماعي ،اعتبر عادل عوض ،أحد قيادات السلفية الجهادية في السويس ،أال بيعة ملرسي عندهم إذا لم
يحكم بشرع الله ،وأنهم مختلفون تماما مع جميع التيارات اإلسالمية وال يؤمنون بالسياسة بأي شكل من األشكال فالحكم لله وحده ،كما ارتأى أن انتخابات مجلس الشعب والشورى والرئاسة كلها مبنية على الدستور الذي يخالف الشريعة اإلسالمية وحدودها .ويؤمنون بأن الديمقراطية التي يتغنى بها املهتمون بالعمل السياسي معناها في األصل (حكم الشعب للشعب) والسيادة تكون للشعب ،وهذا يخالف شرع الله صاحب السيادة املطلقة .ويؤكد عوض أنهم ال يبايعون إال الله وال يؤمنون إال بأحكامه وشريعته ،ومرسي أو غيره ليس لهم بيعة عندهم ويكفي أنه حلف اليمني أمام جهة تخالف شرع الله سواء كانت املحكمة الدستورية أو مجلس الشورى املنحل .ويرى مجلس أمناء السلفية أن الخروج على الحاكم ال بد أن يكون ضد الحاكم الذي ال يطبق شرع الله وليس الحاكم الظالم ،حيث إنه ال يجوز الخروج على الحاكم الظالم ظلما يحتمل أما الحاكم الذي ال يطبق شرع الله ويجحف في تطبيقه فال بد من الخروج عليه خروجا مسلحا. من جهة أخرى ،أفضى تسامح نظام الرئيس املعزول محمد مرسي مع التنظيمات السلفية الجهادية من خالل عدم اتخاذ إجراءات قانونية وتصفوية حاسمة ضدها إلى تقوية شوكتها وتشجيع كثيرين على االنضمام إليها .خصوصا في ظل حالة السيولة األمنية وانتشار السالح وضعف قبضة الدولة على مواضع شتى .لكن هذا النهج تغير بعد عزل الرئيس مرسي ،حيث تبدو اإلدارة االنتقالية الجديدة في مصر والقوات املسلحة عازمتني على تصفية معاقل وبؤر الجماعات الجهادية الراديكالية التي تهاجم الجيش والشرطة في سيناء. وتأسيسا على ما ذكر آنفا ،وفي ضوء بروز تيار شبابي ليبرالي إصالحي داخل جماعة اإلخوان عقب أحدث الثالث من يوليو ،يدعو إلى املراجعة والنقد الذاتي والتحرر من ربقة الفكر التقليدي الجامد لقيادات الجماعة الطاعنني في السن واملوغلني في التشدد ،في إطار ما وصفه املفكر األميركي ذو األصول اإليرانية آصف بيات قبل عقدين ونيف من الزمن بـ«ما بعد اإلسالم السياسي» ،يجوز االدعاء بأن أطياف اإلسالم املعتدل في مصر ،خاصة جماعة اإلخوان املسلمني ،قد تلجأ إلى تحكيم العقل وتعلم الدرس وإعمال النهج البراغماتي ،بعد أن تستوعب ما جرى وتستفيق من الصدمة .أي أننا سنكون بصدد «بريسترويكا» إخوانية يقودها «أردوغان» مصري يخرج من رحم جماعة اإلخوان بتيار إسالمي ليبرالي حداثي متصالح مع العلمانية واآلخر.
,,
يراهن إسالميون كثر على إمكانية تكرار تجربة الرئيس هوغو شافيز في فنزويال مع الرئيس مرسي في مصر
,,
فمن غير املستبعد على تلك الجماعة ،إذا ما ملست تغيرا في موازين القوى على غير مصلحتها محليا وإقليميا ودوليا ،أن تسعى إلى الحفاظ على مغانمها من ثورة يناير 2011كالعمل السياسي تحت مظلة الشرعية بدعم من منابر إعالمية وأحزاب سياسية ومشاريع اقتصادية موازية ،وتتخلى عن الخيار االنتحاري «شمشون» املتمثل في سيناريو الصدام مع الدولة املصرية ،فتراجع حساباتها وتتبرأ من تيارات اإلسالم الراديكالي الجهادي حتى تتخلص من العبء الثقيل الذي تشكله وتنفض عن كاهلها التأثير السلبي الذي خلفته على تيارات ما يعرف باإلسالم املعتدل ،شريطة أن يساعدها املجتمع على ذلك بحيث ال تشيطنها وسائل اإلعالم أو تقصيها اإلدارة االنتقالية. وظني أن الغرب سيرحب بهكذا توجه وربما يدعمه ،ال سيما وأن ً وجهات نظر غربية عديدة ال تزال ترى أن املنطقة ،التي تعاني وهنا مزمنا للنخب املدنية ،ليبرالية كانت أو يسارية أو قومية ،قد دخلت عصرها اإلسالمي على أجنحة الثورات العربية ،وهو ما وضع الغرب بني خيارين في التعاطي مع ظاهرة اإلسالم السياسي ،فإما التورط في حرب استنزاف فكري وعسكري مع اإلسالم الراديكالي املتطرف ،أو البحث عن صيغ للتعاون والتفاهم مع إسالم آخر معتدل < المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
هوغو تشافيز
35
قصة الغالف
على قانون االنتخابات تحول دون ذلك األمر ،واستغلت الجبهة وقتذاك فشل الشاذلي بن جديد في خطته إلصالح االقتصاد الجزائري وتنامي الغضب الشعبي تجاهه وتجاه الحزب الحاكم.
,,
جوانب اختالف عديدة تباعد بني النموذجني املصري والجزائري وتحول دون تكرار السيناريو الجزائري في مصر حاليا
,,
خامسا :تباين مواقف املؤسسة العسكرية في كل من مصر والجزائر من الصعود السياسي لإلسالميني ،ففي حني رفضت املؤسسة العسكرية الجزائرية تولي اإلسالميني دفة السلطة والحكم ،حيث أجبر الجيش الجزائري الشاذلي بن جديد على االستقالة وألغى نتائج االنتخابات وأسس مجلسا رئاسيا لحكم البالد برئاسة محمد بوضياف ،تقبل الجيش املصري وصول اإلسالميني للسلطة واستحواذهم على البرملان والجمعية التأسيسية ومجلس الشورى والرئاسة في عهد املجلس العسكري ،الذي أشرف على االنتخابات البرملانية والرئاسية ووصل بها إلى مستوى غير مسبوق من الشفافية والنزاهة .كما أنه لم يبد تبرما من قيام الرئيس محمد مرسي بعزل كبار قادة هذا املجلس من مناصبهم بعد أحداث رفح العام املاضي ،إضافة إلى أن املؤسسة العسكرية لم تطرح نفسها بديال للمدنيني وللنظام الديمقراطي بعد انتفاضة 30يونيو ،بل أنشأت سلطة انتقالية تقوم بتعديل الدستور وقانون االنتخابات تمهيدا إلجراء انتخابات برملانية ورئاسية مبكرة. وربما يرتبط األمر بمدى رغبة الجيوش في التدخل السياسي أو االستحواذ على السلطة والحكم من عدمه .فحتى اليوم ،ال يزال الجيش الجزائري يلعب دورا محوريا في العملية السياسية ،بينما يحرص الجيش املصري على النأي بنفسه قدر املستطاع عن هذا املستنقع.
استحالة النموذج الفنزويلي يراهن إسالميون كثر على إمكانية تكرار تجربة الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز في فنزويال مع الرئيس مرسي في مصر ،مستندين على بعض نقاط التالقي بني الحالتني والتي من أهمها ،كما أن كال الرئيسني مرسي وشافيز جاءا بانتخابات حرة نزيهة ،الهبة الشعبية التي اندلعت ضد شافيز في عام 2002جاءت نتاجا لعاملني أساسيني ،األول هو صدامه مع أكبر املؤسسات نفوذا في فنزويال وهي «الشركة الفنزويلية للبترول» ،والثاني هو قيام أحزاب املعارضة بإثارة العديد من قطاعات املجتمع الفنزويلي ضد حكمه لفشله في معالجة األزمة االقتصادية املستديمة .وهو ما حدث تقريبا مع مرسي الذي اصطدم خالل عام من حكمه بمؤسسات الدولة النافذة واملؤثرة بال استثناء كالقضاء واإلعالم والداخلية والجيش ،وتواكب ذلك مع فشله في ملفات األمن واالقتصاد وإدارة الدولة ،ما أدى إلى اندالع حركة تطالب بخلعه من السلطة مثلما حدث مع شافيز عام .2002
عباس مدني
34
وهذا على خالف ما جرى في مصر بعد عام من حكم اإلخوان الذين كانوا في موقع السلطة ال املعارضة ،وهو ما أفقدهم قسطا هائال من شعبيتهم ،كما أنهم سعوا إلى وضع قانون لتنظيم العملية االنتخابية يعظم من فرصهم وحدهم للفوز فيها ،وذلك بالتزامن مع فشلهم في حل األزمة االقتصادية في البالد وما واكبه من نقص مروع في الخدمات والسلع األساسية ،مما فاقم الغضب الشعبي ضد سياساتهم ،حتى أنهم رفضوا إجراء انتخابات رئاسية مبكرة أو استفتاء على بقاء الرئيس من عدمه .ومن ثم فقد اقتربوا كثيرا ،بحكم املوقع والخيارات ورد الفعل الشعبي ،من الحزب الحاكم في الجزائر منهم إلى الجبهة اإلسالمية لإلنقاذ.
ولعل املوقف الدولي حيال هاتني الحادثتني كان متشابها في نقاط عديدة .فرغم أن واشنطن رعت وباركت االنقالب على شافيز بينما أمسكت بالعصا من املنتصف في حالة مرسي ،فقد ظهر ارتباك واضح في املوقف الدولي حيال توصيف ما حدث في مصر وهل هو ثورة أم
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
انقالب ،ورغم أن دوال كتركيا ومنظمات إقليمية كاالتحاد األفريقي ارتأت فيما جرى بمصر انقالبا عسكريا ،كما حدث مع شافيز عندما رفضت دول أميركا الالتينية ومنظمة الدول األميركية االعتراف بشرعية االنقالب ضده ،فإننا هنا أيضا لسنا إزاء اعتراف واضح من القوى الدولية الفاعلة بشرعية ما حدث في مصر ،وإن بدأت واشنطن واالتحاد األوروبي يحاوالن إقناع اإلخوان بقبول األمر الواقع نظير ترضيات مقبولة. ورغم ذلك ،تلوح في األفق جوانب اختالف عديدة ومظاهر تباين متنوعة بني التجربتني على نحو يجعل تكرار سيناريو شافيز مع مرسي أمرا مستبعدا .فمن جانبه ،ارتكن هوغو شافيز في فنزويال عام 2002على شعبية هائلة كان يحظى بها ،خصوصا بني صفوف الفقراء وأبناء الطبقتني الدنيا والوسطى جراء سياساته الوطنية وإنجازاته الالفتة من خالل ثورته البوليفارية التي رفعت من مستوى معيشة الفقراء، وقلصت الفجوة الهائلة بينهم وبني األغنياء .لذلك ،لم يكن مستغربا أن تقود الجماهير الغفيرة املؤيدة له ،بالتعاون مع بعض جنراالت الجيش، ما يشبه االنقالب املضاد على الرئيس بيدرو كارمونا الذي حل محل شافيز عقب االنقالب عليه ،وإعادة شافيز إلى سدة السلطة مجددا. وخالفا لذلك ،انحصرت شعبية الرئيس مرسي مؤخرا في إطار التيارات اإلسالمية املؤيدة له كجماعة اإلخوان وحزبي البناء والتنمية واألصالة فضال عن قطاع محدود من السلفيني .صحيح أن الثورة املضادة والدولة العميقة واإلعالم املوالي لهما قد لعبوا جميعا دورا ملموسا في مخطط إفشال مرسي وإجهاض مشروعه ،إال أن تواضع إنجازاته واستسالمه ملساعي جماعة اإلخوان من أجل االستحواذ واالنفراد بالسلطة خالل العام املنقضي قد أسفر عن فقدانه لشطر هائل من الدعم والتأييد الشعبيني ،خصوصا من خارج دائرة التيار اإلسالمي .ورويدا رويدا ،أتاح تراجع شعبية الرئيس مرسي واتساع دائرة معارضيه بشكل استلفت انتباه العرب والعجم ،غطاء سياسيا وأخالقيا مالئما للجيش من أجل التدخل وعزل أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر السياسي استجابة ملا اعتبره العسكريون «اإلرادة الشعبية». ففي عام ،2002حينما تعرض الرئيس الفنزويلي املنتخب ديمقراطيا هوغو شافيز ملحاولة انقالب من قبل معارضيه وقيادات عسكرية ورجال أعمال موالني لواشنطن ،ونجحت املحاولة وأطيح بشافيز وأودع في السجن وتم تعيني رئيس آخر بدال منه هو بيدرو كارمونا .غير أن جموعا شعبية مؤيدة لشافيز ،إضافة إلى قيادات عسكرية رافضة لالنقالب قامت بما يشبه االنقالب املضاد على الرئيس البديل املوالي لواشنطن وأعادوا شافيز مرة أخرى إلى سدة السلطة. وبعدما رفضت دول أميركا الالتينية ومنظمة الدول األميركية االعتراف بشرعية االنقالب ضد شافيز ،سارعت القيادات العسكرية الرافضة لالنقالب على شافيز وأجبرت بيدرو كارمونا على إلغاء قراره بحل الجمعية الوطنية وتجميد العمل بأحكام الدستور وطالبته باالستقالة من منصبه ،وبادرت تلك القيادات املدعومة بطوفان شعبي مؤيد لشافيز باالستيالء على مقر الرئاسة وتوقيف بيدرو كارمونا ومعاونيه ،والسيطرة على عدة محطات تلفزيونية خاصة ،كانت تساند حكومة االنقالب. وقامت تلك القيادات العسكرية بتنصيب نائب الرئيس ديوسدادو كابيلو كرئيس مؤقت لفنزويال ،وأجريت العديد من املفاوضات بني الرئيس هوغو شافيز ورئيس الجمعية الوطنية وقادة القوات املسلحة الفنزويلية تم بمقتضاها إبرام صفقة بني الطرفني تنص على عودة شافيز ملمارسة مهام الرئاسة مقابل إصداره عدة قرارات منها :تنحية مجلس إدارة الشركة الوطنية للبترول والذي كان سببا في حدوث
,,
عرض لطائرات سالح الجو املصري في سماء ميدان التحرير وسط فرحة وابتهاج عشرات اآلالف من الجماهير املناوئة لحكم مرسي ( 3يوليو)2013/
كان من املفترض لنتائج االنتخابات أن تخولها تشكيلها إذا ما مضت االنتخابات إلى نهايتها .أما في الحالة املصرية ،فإن جماعة اإلخوان قد وصلت بالفعل إلى سدة السلطة حيث انتزعت منصب الرئاسة ومن قبله غالبية البرملان بالتنسيق مع السلفيني ،وظل الرئيس املحسوب على الجماعة رئيسا للبالد طيلة عام كامل ،لم يبل فيه بالء حسنا، ألسباب متنوعة يتعلق بعضها بضعف خبرته وسوء إدارته فيما يتصل بعضها اآلخر بالدولة العميقة والثورة املضادة. وأيا ما كانت األسباب ،فقد أفضى إخفاق اإلخوان إلى تعاظم الغضب الشعبي على الرئيس وجماعته على نحو ما تجلى في ظهور حركة تمرد التي جمعت توقيعات لـ 22مليون مصري على استمارات تطالب بسحب الثقة من الرئيس مرسي واملطالبة بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة ،حتى تطور األمر لتشهد البالد أضخم تظاهرات في تاريخها يوم 30يونيو املاضي مطالبة بضرورة رحيل الرئيس مرسي ،غير أن رفضه االمتثال ملطالب الجماهير فتح الباب أمام تدخل الجيش الذي
عزله ووضع خارطة طريق إلدارة البالد مخافة نشوب حرب أهلية. ثالثا :بينما تم عزل وإقصاء الجبهة اإلسالمية لإلنقاذ في الجزائر ،ال تبدو هناك نية وال حتى إمكانية النتهاج نهج مماثل مع جماعة اإلخوان وسائر التيارات اإلسالمية في مصر .فلقد دعا بيان القوات املسلحة الدكتور مرسي وجماعته واملتحالفني معهما ليكونوا شركاء في وضع خارطة الطريق للمستقبل واملشاركة في إدارة البالد ،كما أكدت الرئاسة املصرية أن وزارات عرضت على جماعة اإلخوان وحزب النور لكنهما رفضا قبولها ،وعرض الجيش على معتصمي رابعة العدوية وميدان النهضة األمان واملشاركة في صنع مستقبل مصر مقابل فض االعتصام لكنهم أبوا.
برز تيار شبابي ليبرالي إصالحي داخل جماعة اإلخوان عقب أحدث 3 يوليو ،يدعو إلى املراجعة والنقد الذاتي والتحرر من ربقة الفكر التقليدي الجامد لقيادات الجماعة
,,
رابعا :بينما كانت في صفوف املعارضة ،نجحت الجبهة اإلسالمية لإلنقاذ في إلحاق هزيمتني سياسيتني متتابعتني بحزب التحرير الوطني الحاكم عامي 1990و 1991رغم قيام األخير بإدخال تعديالت المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
33
قصة الغالف
كثيرة هي التساؤالت التي نضح بها املشهد التراجيدي الذي تعيشه مصر منذ الثالثني من يونيو (حزيران) املاضي ،فمن متسائل عن توصيف ما جرى في الثالث من يوليو (تموز) وما إذا كان ثورة أخرى أو موجة ثورية جديدة أم انقالبا عسكريا على رئيس مدني منتخب ،مرورا بمحاول سبر أغوار الحدث الستجالء الحقائق وفك الطالسم ،وصوال إلى ساع الستشراف املستقبل والوقوف على مآالت األمور.
بعد زلزال الثالث من يوليو ..سيناريوهات محتملة
نهاية نظام بقلم: بشير عبد الفتاح
,,
تعتقد تيارات السلفية الجهادية أن صعود اإلخوان للسلطة لم يشكل انتصارا للمشروع اإلسالمي
,,
32
ربما أغرى وجود بعض نقاط التشابه ما بني الحالتني الجزائرية واملصرية إلى بعض املراقبني للزعم بإمكانية تكرار النموذج الجزائري لعام 1992في مصر اليوم وعقب اإلطاحة بالرئيس مرسي في الثالث من يوليو الحالي ،ففي الحالتني ،تم تقويض تجربة الحكم اإلسالمي وإقصاء اإلسالميني عن املشهد السياسي بعد تعاظم فرصهم في التمكني وفقا آلليات ديمقراطية ،وإن بصيغ مختلفة ومستويات متفاوتة .عالوة على وجود ظهير تنظيمي لإلسالميني املعتدلني من الجماعات التكفيرية الجهادية لدى البلدين ال يمانع في إسقاط أنظمة سياسية ذات مرجعية إسالمية ال تراها تطبق الشريعة، وال تتورع عن اتخاذ العنف سبيال لبلوغ ما تعتبره مشروعا للدولة اإلسالمية.
صعوبة السيناريو الجزائري غير أن جوانب اختالف عديدة تباعد بني النموذجني املصري والجزائري وتحول دون تكرار السيناريو الجزائري في مصر حاليا .فإلى جانب االختالف البني في الشخصية املصرية عن نظيرتها الجزائرية ،حيث ال تجد األخيرة أية غضاضة في اللجوء إلى خيار العنف بعض الشيء في إدارة الصراعات املجتمعية والسياسية ،بينما تجنح األولى للتصالح والتعايش وتجنب االنزالق إلى العنف ،برأسها تطل اعتبارات أخرى عديدة أهمها: أوال :إن الجزائر شهدت ما يمكن أن نعتبره انقالبا عسكريا متكامل األركان ،وذلك عندما أوقف الجيش الجزائري مسار العملية االنتخابية في يناير (كانون الثاني) ،1992وألغى نتائج الجولة األولى لالنتخابات التشريعية التي حصلت فيها الجبهة اإلسالمية لإلنقاذ على 188مقعدا من أصل 228كانت مطروحة للتنافس عليها في املجلس الشعبي الوطني .وعلى أثر ذلك ،شهدت البالد عشر سنوات من العنف الذي أودى بحياة اآلالف وشاركت في هذا العنف الجبهة اإلسالمية لإلنقاذ والعديد من الجماعات املنبثقة عنها وعلى رأسها الجماعة اإلسالمية املسلحة ،واستقال أو أقيل الشاذلي بن جديد رئيس الدولة واستدعى الجيش املناضل الوطني محمد بوضياف من منفاه االختياري في املغرب ليحكم على رأس ما عرف باسم املجلس األعلى للدولة .لكن بوضياف اغتيل بعد خمسة أشهر فقط من وجوده في السلطة ،فخلفه علي كافي كرئيس للمجلس األعلى للدولة ،ثم وزير الدفاع اليامني زروال، وأخيرا عبد العزيز بوتفليقة املنتخب لثالث واليات متتالية منذ عام ،1999والذي سعى إلى تبني نهج الوئام الوطني بالعفو عن كل من يلقي السالح.
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
أما في مصر ،فيمكن االدعاء بأن ما جرى يوم الثالث من يوليو من عزل الدكتور مرسي من منصبه كرئيس للجمهورية ،وتسمية رئيس املحكمة الدستورية العليا رئيسا مؤقتا للجمهورية ،وإعالن خريطة طريق واضحة املعالم تتضمن تعديل الدستور ،وإجراء انتخابات برملانية وأخرى رئاسية في مدى زمني ال يتجاوز ثمانية أشهر ،لم يكن انقالبا عسكريا مكتمل األركان. فعلى الرغم من أن الجيش كان طرفا أصيال فيما شهدته مصر يوم الثالث من يوليو ،فإن تدخله قد جاء بناء على مطلب شعبي حاشد، كما استند إلى قاعدة شعبية عريضة ،ولم يهيمن الجيش على السلطة بعد اإلطاحة بالرئيس مرسي وإنما أسندها إلى شخصيات مدنية وفقا لخارطة طريق تضمن دوران عجلة الديمقراطية .وهو بهذا يختلف عن االنقالب العسكري بمفهومه الكالسيكي ،الذي يرتكز على مجرد ظهور الجيش على الساحة السياسية. ومن األهمية بمكان أال نغفل دور اإلرادة الشعبية وإلحاح الجماهير في استدعاء الجيش ،ذلك أن حركة الجيش املباركة في سنة 1952كانت في موقف صعب في البداية حينما لم تحظ بمشاركة شعبية ،بل إن عبد الناصر نفسه أعرب في كتيب فلسفة الثورة ،الذي صاغه هيكل، عن خيبة أمله في غياب الجماهير املؤيدة في الشارع عند بداية انطالق حركة الضباط األحرار ونجاحها. ورغم أنه يحلو لكثيرين اعتبار ما جرى في مصر مؤخرا انقالبا عسكريا كون الجيش قد أطاح برئيس مدني منتخب منحازا بذلك لفصيل سياسي هو املناهض للرئيس املنتخب ،متجاهال الفصيل اآلخر املؤيد ،فإن التوصيف العلمي الدقيق لهذا الحدث ربما يستغرق بعض الوقت ويستوجب إعادة النظر في مفهوم االنقالب والتبحر في نظريات العالقات املدنية العسكرية وما طالها من تطورات ،فضال عن دور الجماهير وما بات يسمى بسياسات الشارع. وإلى حني يتسنى ذلك ،يمكن القول إن األمر قد يصنف على أنه شكل من أشكال التدخل العسكري في صراع سياسي مدني ،ربما لم يبلغ حد االنقالب العسكري متكامل األركان بمعناه الكالسيكي ،كون الجيش تحرك استجابة إلرادة شعبية وأطاح برئيس منتخب كما لم يتول السلطة بعدها ،وإنما أسندها إلى القوى املدنية ضمن خارطة طريق ذات جدول زمني واضح. ثانيا :لم تكن جبهة اإلنقاذ الجزائرية قد وصلت بالفعل إلى سدة السلطة ولم تمارس الحكم ،إذ لم تمكن أصال من تشكيل الحكومة التي
يشكل ما حدث في «الحوار الوطني» نموذجا على سوء اإلدارة السياسية في العالقة مع مختلف مكونات املجتمع السياسي .وقد لجأ اإلخوان املسلمون إلى عدة وسائل لتقويض املعارضة ،منها محاولة تفجيرها من الداخل بتفكيك تماسك جبهة اإلنقاذ ،أو تشكيل تكوينات ملحاربتها مثل «جبهة الضمير» التي ضمت عناصر من اإلخوان واملتحالفني معهم من القوى السياسية ،أو استغالل قيادات الجماعة اإلسالمية في تفزيع املعارضني ،وتخويفهم ،وال سيما املسيحيني الذين رأى اإلخوان املسلمون أنهم يشكلون جبهة معارضة ملشروعهم السياسي. ومن الالفت أن يتصل رئيس الجمهورية محمد مرسي بالبابا تواضروس إبان أحداث االعتداء على الكاتدرائية بالحجارة واملولوتوف ،معلنا أن االعتداء على الكاتدرائية اعتداء عليه شخصيا ،ثم يستمر االعتداء لساعات، وتكشف األحداث أن االتصال جرى في أعقاب تنديد كاثرين أشتون املمثل األعلى للشؤون الخارجية والسياسية واألمنية باالتحاد األوروبي بما يحدث في محيط الكاتدرائية ،ولم َير السفير رفاعة الطهطاوي رئيس ديوان رئيس الجمهورية تحوال خطيرا في طبيعة العنف في املجتمع ،إذ ذكر لبعض املسؤولني في الكاتدرائية املرقسية أنه ال ينبغي االستغراب مما حدث ،فقد سبق أن اعتدي على قصر االتحادية بنفس الطريقة ،لكن فاته أن املقارنة ليست في محلها وال سيما أن الكاتدرائية رمز ديني ،ولم يكن االعتداء عليها إال ألنها فتحت أبوابها للصالة على ضحايا عنف طائفي في منطقة الخصوص .وباملناسبة لم يكن االعتداء على الكنيسة متفردا، فقط سبق التعدي على األزهر الشريف قبل ذلك بأيام وسط محاوالت مستميتة بذلها اإلخوان املسلمون لعزل شيخ األزهر الدكتور أحمد الطيب.
غموض السياسات الخارجية وهذا خامس األسباب ،حيث الغموض الذي غلف صناعة القرار الداخلي رافقه غموض مماثل في صناعة القرار الخارجي .اهتز املحور التقليدي الذي يربط كال من مصر ببعض دول الخليج وسوريا ،فقد عادى نظام اإلخوان دوال خليجية كبرى ،وقطع الرئيس مرسي العالقات بشكل مفاجئ -دون علم مسبق من مؤسسات سيادية مهمة -مع سوريا، ورغم أن رفض ممارسات نظام بشار األسد محل إجماع من النخب املصرية على اختالف ألوانها وأطيافها السياسية ،فإن هناك تقديرات للموقف من العالقة مع سوريا .حلت قطر داعمة وراعية ملصر ،وهو ما أقلق املصريني ،ومس شعاب كبريائهم الوطنية ،وسط أنباء وأخبار عن سعي قطر المتالك مشروعات تمس السيادة املصرية ،ولم يكن غريبا أن تتصدر صحيفة األخبار ،اليومية ،وهي صحيفة حكومية ،عبارة «ماما قطر» ،مما دفع القائمني على الصحافية إلى اإلسراع بحذفه في الطبعة الثانية بعد موجة تنديد عنيف من مؤسسات مهمة في الدولة املصرية. بالطبع الغموض في السياسة الخارجية فتح املجال أمام أنصاف املعلومات ،والشائعات ،والروايات التي تفتقر إلى املصداقية للرواج والتداول ،ولكن كانت هناك إشارات ال تنكر من أن اإلخوان املسلمني ال يدركون املفهوم املتعارف عليه لألمن القومي كما هو مستقر في دوائر املؤسسات السيادية املصرية .وقد كان لتعيني عصام حداد، مساعدا لرئيس الجمهورية للشؤون الخارجية ،نقطة تحول في التعاطي مع السياسة الخارجية .ورغم أن الرجل في حوار تلفزيوني ذكر أن منصبه هو أقرب إلى مستشار األمن القومي الذي تصب عنده كل خيوط مؤسسات السياسة الخارجية (وزارة الخارجية ،وزارة التعاون الدولي، املخابرات ...إلخ) ،فإن الظاهر أنه كان يشكل حلقة الوصل بالتنظيم الدولي لجماعة اإلخوان املسلمني ،ويلعب دورا موازيا لوزارة الخارجية املصرية .وأثارت البيانات التي اعتاد نشرها -واعتبرتها الرئاسة أحيانا موقفا شخصيا له -غضب واستنكار املصريني ملا فيها من افتراءات واستدعاء للتدخل الخارجي في الشأن املصري .وقد ذكر كثير من الدبلوماسيني الغربيني في القاهرة أنهم لم يعودوا يعرفون على وجه
التحديد ماهية الطرف املنوط به صناعة السياسة الخارجية ،وطبيعة عالقاتهم بوزارة الخارجية املصرية .كان ذلك مبعث تذمر قطاعات واسعة من الدبلوماسيني املصريني ،وال سيما أن الدبلوماسية املصرية مدرسة عريقة ،تضم كفاءات وخبرات ،وأدى تذمر الدبلوماسيني الذين رفضوا تنفيذ كثير من مطالب مؤسسة الرئاسة عبر وزير الخارجية ومنها دعم اإلعالن الدستوري في نوفمبر 2012م إلى تعيني نبيل فهمي وزيرا للخارجية في التشكيل الحكومي الذي أعقب عزل الرئيس محمد مرسي .ولم يكن األمر أقل حدة في دوائر مؤسسات سيادية تقوم على رعاية مفهوم األمن القومي كانت تشعر بأن مخرج عملها قد يصب في صالح أطراف أخرى تتحالف معها جماعة اإلخوان املسلمني في إطار التنظيم الدولي للجماعة ال يخدم املصالح العليا املصرية.
ثورة يونيو صفوة القول ،إن جماعة اإلخوان املسلمني قضت في قصر الرئاسة عاما كامال عادت السلطة مؤسسات الدولة (القضاء ،الجيش، الشرطة ،أجهزة سيادية وبيروقراطية) ،كما دخلت في عداء مع مؤسسات املجتمع الحديث (اإلعالم ،النشطاء الشباب ...إلخ) ،ولم تستطع أن تدير عالقاتها باملؤسسات الدينية اإلسالمية واملسيحية على نحو كفء ،هذا في الوقت الذي لم تمتلك فيه رؤية واضحة إلدارة البالد ،وسارت بتشوهات على نهج النظام السابق ،مفضلة الرأسمالية الريعية على اإلنتاج ،متخذة سياسات تحابي األغنياء على حساب الفقراء ،ولجأت إلى قيادات تدين لها بالوالء أقل كفاءة وقدرة على مواجهة مطالب متزايدة ومتنامية ،وكان لتحالفاتها مع الجماعات الراديكالية اإلسالمية -التي على يمني اإلخوان املسلمني مثل الجماعة اإلسالمية والجبهة السلفية دورا مهما في انصرافاملجتمع عنهم ،ولم تعد الجماعة تمتلك في الشهور األخيرة القابلية للحكم بعد أن تخلى املحكومون عن قابليتهم للمحكومية في صورة ماليني هادرة خرجت إلى الشوارع في نهاية يونيو املاضي ،سبقها استقاالت أعضاء التيار املدني في مجلس الشورى ،واتساع دائرة االحتجاج في إطار حركة «تمرد» الشبابية التي تلقت دعما في أطراف كثيرة في املجتمع ،وغاص املجتمع في مشكالت سياسية واقتصادية واجتماعية خانقة <
,,
القياديان بجبهة االنقاذ محمد البرادعي نائب رئيس الجمهورية املؤقت وعمرو موسى رئيس حزب املؤتمر
أشار املستشار القانوني للرئيس في خطاب االستقالة إلى أنه لم يشارك في صناعة الكثير من القرارات
,,
المجلة /العدد 1585يوليو -تموز 2013
سمير مرقص
31
قصة الغالف
ذكر أن أعضاء مجلس الشورى من اإلخوان املسلمني رغم أنهم يشكلون أغلبية ال يستطيعون مواجهة متطلبات التشريع مما يجعل من الضروري «تطعيمهم» بأعضاء خارج املجلس .وتكشف املمارسة أن الوجوه التي تصدت ملمارسة العمل البرملاني لم تزد على عشرة أعضاء من نحو مائة وعشرين عضوا محسوبني على اإلخوان املسلمني شكلوا أغلبية ميكانيكية .وقد اقترن بغياب الرؤية في إدارة شؤون البالد عدة ظواهر طريق اإلفراط في طلب القروض، خطيرة :التوسع في االستدانة الدولية عن ُ وفرض االنقسام على املجتمع الذي لم يخل من فرز على أساس ديني، واالرتباك في إدارة املشهد ،وعدم إدراك غضب شرائح اجتماعية صاعدة وال سيما الشباب ،وتعزيز استقطاب سياسي حاد ضرب وحدة املجتمع، وجعل لرئيس الجمهورية «أهال وعشيرة» -حسب تعبيره -يخطب فيهم، واد آخر .لخص املشهد ويتظاهرون دعما له ،في حني أن غالبية املجتمع في ٍ الكاتب الصحافي أيمن الصياد -الذي استقال من منصبه مستشارا لرئيس الجمهورية بقوله« :هناك استقطاب حاد بات يضرب أطناب الوطن، ويهدد بتفككه ،نستشعر لألسف استهانة باألمر في دوائر صناعة القرار ،كما ال نستشعر اهتماما جديا في مساعدتنا على معالجة داء نراه لن يضرب ثورة كل الشعب في جوهرها األصيل فقط ،بل سيضرب وحدة هذا الشعب في الصميم».
سوء اإلدارة السياسية وزير الداخلية محمد ايراهيم ووزير الدفاع عبد الفتاح السيسي
,,
بنى اإلخوان املسلمون نظرتهم إلى جهاز الدولة على أنه «غنيمة حرب» ينبغي االستيالء عليها
,,
الرئيس املؤقت عدلي منصور
30
سماه «تعثر الرئاسة في تحقيق توافق وطني بني أبناء الشعب بجميع اتجاهاته لبناء نهضة الوطن ،وإرساء دولة مؤسسات حقيقية ال دولة أسرار خفية واجتماعات سرية وقرارات مضطربة».
مشروع النهضة ..وغياب الرؤية ثالث األسباب هو افتقاد اإلخوان املسلمني الرؤية الواضحة إلدارة شؤون البالد .لم يمتلك كوادرهم خبرة إدارة مؤسسات الدولة ،ولم يستعينوا بخبرات غيرهم ،بما في ذلك قيادات فكرية وتكنوقراط محسوبة على التيار اإلسالمي على اتساعه .لم يستيقظ املصريون فقط على وهم ما روجه اإلخوان املسلمون بوصفه «مشروع النهضة» ،ولكن أيضا وجدوا محدودية قدرات القيادات التي يجري االستعانة بها .وتعد مسألة اختيار القيادات من األهمية في رعاية برامج التغيير السياسي واالقتصادي واالجتماعي ،وهو ما أكده املفكر العاملي فرنسيس فوكوياما من أن اليابان لم تنب بعد الحرب العاملية الثانية بفضل األموال فقط ،ولكن أيضا نتيجة وجود قيادات تسلمت زمام املؤسسات العامة ،آمنت برسالتها، ونقلت روحا من الجدية واملسؤولية والنزاهة في العمل .لم يمتلك اإلخوان املسلمون الكفاءات ،وجاءت التشكيالت الوزارية في عهد الرئيس محمد مرسي خالية من الكفاءة ،يرأسها رئيس وزراء ،تمسك به على نحو كان محل انتقاد من اإلخوان املسلمني أنفسهم ،ولم يثبت كفاءة في عمله الحكومي ،بما في ذلك امللف الذي كان متخصصا فيه ،حوض النيل .لم يكن مستغربا أن يعلل املستشار محمد فؤاد جاد الله املستشار القانوني لرئيس الجمهورية استقالته في أبريل 2013م بما سماه «عدم وجود رؤية واضحة إلدارة الدولة وبناء مستقبل مصر ،وتحقيق أهداف الثورة»، وأضاف مفصال« :اإلصرار على استمرار حكومة قنديل رغم فشلها سياسيا واقتصاديا وأمنيا ،واعتراض الغالبية عليها». والالفت أن قيادات اإلخوان املسلمني ،رغم تواضع إمكاناتها كما أثبتت التجربة ،محدودون في العدد مما يجعل نفس الوجوه تتكرر في نفس املجالس واملنتديات .دليل على ذلك أنه عندما قام رئيس الجمهورية بتعيني تسعني عضوا بمجلس الشورى ،عني عددا من قيادات اإلخوان املسلمني الذين كانوا أعضاء في مجلس الشعب الذي حل قضائيا ،والسبب الذي
المجلة /العدد 1585يوليو -تموز 2013
تسلم محمد مرسي مقاليد الحكم بفارق واحد في املائة عن منافسة الفريق أحمد شفيق ،وهو ما يعني أن ما يقرب من نصف الناخبني لم يرغب فيه ،وكان ينبغي أن يكون ذلك دافعا له كي يتبنى سياسات عامة أكثر استيعابية للقوى السياسية ،والتيارات الفكرية املتنوعة التي يختلف معها .لم يفعل ذلك ،بل أدت سياساته وقراراته إلى مزيد من االستقطاب ،وقلصت من الدوائر املتحالفة واملتعاطفة معه .وشكل ما عرف بـ«الحوار الوطني» نموذجا لإلدارة السياسية الرديئة ،واملراوغة، ومحاوالت كسب الوقت على حساب تبني سياسات رشيدة ترسي دعائم نظام ديمقراطي .ظهر «الحوار الوطني» في أعقاب إصدار اإلعالن الدستوري في نوفمبر 2012م ،وما تاله من احتجاجات شعبية عارمة تعرف بأحداث «االتحادية» -أي قصر الرئاسة الذي كان يقبع فيه مرسي وتعرض لالعتداء من قبل املتظاهرين الغاضبني .رأس الحوار الوطنيالذي تبنته مؤسسة الرئاسة نائب رئيس الجمهورية وقتئذ املستشار محمود مكي -الذي استقال بعد أن ألغى الدستور الجديد منصبه ،وسار الحوار في دروب شتى ،لم تشارك فيه جبهة اإلنقاذ -التحالف املعارض الرئيس -ورغم ذلك كانت تقدم مقترحاتها عبر بعض الشخصيات املشاركة في جلسات الحوار الوطني. ورغم أن جلسات الحوار ضمت عددا من األحزاب والشخصيات العامة، وكنت مشاركا فيها ممثال عن الكنيسة القبطية األرثوذكسية ،انتهت إلى مسودة قانون لالنتخاب ،وعقدت مؤسسة الرئاسة مؤتمرا صحافيا يوم األول من يناير 2013م إلعالن اتفاق األحزاب املشاركة في الحوار على هذه املسودة ،إال أنه ما لبث أن تخلى حزب الحرية والعدالة -الذراع السياسية لإلخوان املسلمني -عنها في مجلس الشورى .ليس هذا فحسب ،بل إن ممثل الحزب في الحوار الوطني الدكتور فريد إسماعيل أعلن في آخر جلسات الحوار الوطني -حضر إليها متأخرا بأربع ساعات متعلال بسوء األحوال الجوية -التي خصصت ملناقشة التعديالت الدستورية موقف حزبه الذي ال يرى ضرورة لتعديل الدستور ،وهو ما نسف الحوار الوطني في جوهره ،نظرا ألن تعديل الدستور كان يمثل أحد املبررات األساسية التي قام عليها .ترتب على ذلك انسحاب غالبية املشاركني في الحوار الوطني ،ومن بينها األحزاب والكنائس املصرية ،وبمرور الوقت اقتصر الحوار الوطني على األحزاب والقوى اإلسالمية املتحالفة مع اإلخوان املسلمني.
,,
كان تعيني القيادي اإلخواني عصام حداد مساعدا لرئيس الجمهورية للشؤون الخارجية نقطة تحول في التعاطي مع السياسة الخارجية مرشد جماعة االخوان املسلمني الدكتور محمد بديع ومن خلفه رئيس الجمهورية السابق محمد مرسي (يونيو)2012/
(نظرا لغياب مجلس الشعب) ،ثم حصن قراراته حتى ال تخضع ملراجعة السلطة القضائية .كان صدور هذا اإلعالن املباغت سببا في استقالة مساعدين ومستشارين للرئيس .أتذكر أنني كنت يوم صدور اإلعالن الدستوري ( 23نوفمبر) في لقاء مع السيد سمير مرقص ،مساعد رئيس الجمهورية للتحول الديمقراطي ،للتخطيط لعقد ندوة موسعة في يناير 2013م في الذكرى الثانية لثورة 25يناير ،ولم يكن على علم بما يحدث بالقرب منه في مؤسسة الرئاسة رغم أنه – نظريا -مسؤول عن التحول الديمقراطي ،وصدور هذا اإلعالن في صميم عمله ،وما إن انتهيت من االجتماع وعدت إلى املنزل حتى أذاع املتحدث باسم رئاسة الجمهورية اإلعالن الدستوري ،وبعد ساعات علمت بنبأ استقالة السيد سمير مرقص الذي لم يترك مكتبه في ذلك اليوم قبل أن يقدمها بعد أن تلقى النبأ ،وهو في مكتبه ،وقد وصف في استقالته اإلعالن الدستوري بأنه «انحراف عن التراث الدستوري املصري» ،وأضاف أنه «لم يستشر بشأنه مطلقا ،مما يعكس إشكالية حقيقية حول جدوى الفريق الرئاسي» .وأكد مساعدو ومستشارو الرئيس اآلخرون نفس األمر ،ونفوا أية معرفة لهم باإلعالن الدستوري .وقد أشار املستشار محمد فؤاد جاد الله املستشار القانوني للرئيس الذي استقال في أبريل (نيسان) 2013م -في خطاب
,,
االستقالة إلى أنه لم يشارك في صناعة الكثير من القرارات ،وكانت له اعتراضات على بعض مواد اإلعالن الدستوري ،وعلل ذلك باالعتماد على أصحاب الثقة فقط ،وتهميش وإقصاء باقي التيارات .أصحاب الثقة هم مكتب اإلرشاد ،ومستشاروه ،الذين كانوا يحددون األجندة التشريعية ملجلس الشورى ،ويعدون ملفات لخصومهم فيه ،وتحولت املؤسسات سواء كانت الرئاسة أو املجلس التشريعي أو الحكومة إلى كيانات سياسية تدار بواسطة مكتب سياسي ليس له أية صفة في النظام السياسي والقانوني للدولة ،وهو األمر الذي وصفه على استحياء أحد الكتاب اإلسالميني بأن اإلخوان املسلمني لم يستطيعوا التفرقة بني إدارة الدولة ،وإدارة الجماعة. الغموض في صناعة القرار على مستوى مؤسسة الرئاسة ،وبقية مؤسسات الدولة األخرى ،وصفه خالد علم الدين ،مستشار الرئيس السلفي الذي أقيل وسط اتهامات صدرت في حقه نفاها الرجل وأرجع ذلك إلى تصفية حسابات بني اإلخوان املسلمني وحزب النور السلفي، قال عبارات نقدية قاسية قبل إقالته بأيام ،وصف فيها استشاراته بأنها «حبر على ورق» ،وأعرب عن «تخوفه على الثورة املصرية» ،وانتقد ما
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
عصام حداد
29
قصة الغالف
البعض يرى أن اإلخوان املسلمني عقب عزل الرئيس املصري محمد مرسي عادوا عقودا إلى الخلف ،والبعض اآلخر يعتبرها محنة سوف تتغلب عليها الجماعة التي ظلت باقية على املسرح السياسي ملدة ثمانني عاما رغم تبدل مواقف األنظمة السياسية منها .ولكن الحقيقة التي قد ال يختلف عليها كثيرون أن اإلخوان املسلمني ،ومن خلفهم وإلى جوارهم جماعات كثيرة من اإلسالم السياسي ،يعيشون حالة من اختالل التوازن منذ 30يونيو (حزيران) املاضي ،وهناك مخاوف وشجون على ضياع فرصة قد ال تتكرر في وصول املشروع اإلسالمي إلى السلطة.
حكم اإلخوان :عادت السلطة مؤسسات الدولة وأجهزتها السيادية
اجلماعة املعزولة
بقلم: سامح فوزي
,,
ممثل الحرية والعدالة أعلن في آخر جلسات الحوار الوطني ملناقشة التعديالت الدستورية أن حزبه ال يرى ضرورة لتعديل الدستور وهو ما نسف الحوار الوطني في جوهره
,,
28
وصل اإلخوان املسلمون إلى سدة الحكم في مصر في 30 يونيو 2012م بانتخاب الرئيس محمد مرسي بعد أن تغلب على منافسه الفريق أحمد شفيق بفارق ضئيل .جاء كأول رئيس منتخب بعد ثورة شعبية .البعض انتخبه عن اقتناع ،والبعض اآلخر رأى أنه البديل األوفق لقطع الطريق على من يطلق عليهم «فلول» النظام السابق، وكانت هناك مباركة أميركية واضحة النتخابه لعدة أسباب ،منها أن اإلخوان املسلمني استطاعوا الفوز أو على األقل التقدم على بقية القوى السياسية في االستفتاءات واالنتخابات البرملانية والرئاسية التي أعقبت ثورة 25يناير (كانون الثاني) 2011م ،وتفضل واشنطن أن تدعم نظام حكم له شعبية ،يحقق مصالحها ،وتبرم معه اتفاقا طويل األمد .ولعبت السفيرة األميركية آن باترسون دورا في هندسة وصول اإلخوان املسلمني إلى الحكم ،لكنها نالت نصيبها من معاداة املصريني على نحو لم يحدث مع أي سفير أميركي من قبل ،وتعيش أيامها األخيرة في مصر شبه معزولة.
كانت سائدة في عهد نظام مبارك .هنا ظهر مصطلح «أخونة الدولة»، وهو تعبير استخدمته املعارضة لوصف عملية زرع قيادات إخوانية في مفاصل جهاز الدولة ،وأكد ذلك حزب النور «السلفي» الذي تحدث عن آالف الوظائف الحكومية ،وبخاصة في اإلدارة املحلية التي كان يجرى أخونتها على قدم وساق .األخونة التي اعتبرها القيادي اإلخواني محمد البلتاجي «قمة الديمقراطية» شكلت ليس فقط استمرارا لنهج «الوالء» في شغل املواقع على حساب «الكفاءة» ،ولكن شكلت أيضا تبشيرا بصيغة استبدادية تلوح في األفق تمسك بمفاصل الدولة ،وتقبض على مفاتيح املوارد الحكومية ،وتتحكم في مخرجات العملية االنتخابية على النحو الذي يروق للجماعة الغالبة .وفي هذا لجأ اإلخوان املسلمون إلى ما يطلق عليه «البيروقراطية املوازية» ،وتعني استخالص العناصر التي يمكن االعتماد عليها ،ووضع قيادات إخوانية تدير شؤونها تحل -في الهيمنة والنفوذ -بديال عن البيروقراطية الحكومية املستقرة بدعوى مكافحة الفساد ،واالستعانة بالقيادات الكفء .ذكر ذلك صراحة القيادي اإلخواني جهاد الحداد في ندوة عقدها «كارنيغي» أوروبا في مقر البرملان األوروبي يوم 6مايو (أيار) .2013وإزاء تهميش عناصر وقطاعات واسعة من مواز عليها يقوم على تمكني اإلخوان املسلمني، البيروقراطية ،وفرض نمط ٍ جاء رد الفعل االنتفاضي من جانبها برفض التعاون مع اإلخوان املسلمني حينا ،وباالحتجاج أحيانا ،وبدعم ثورة 30يونيو الحقا .الرئيس محمد مرسي ،الذي نفى أخونة الدولة في حديث إعالمي ،كان معزوال شعبيا. أحد أقرب مستشاريه قال له يوما« :ملاذا ال تراهن على الشعب املصري؟»، فجاءت إجابته« :ال أستطيع أن أدير ظهري للجماعة».
غنيمة حرب
الغموض في صناعة القرار السياسي
بنى اإلخوان املسلمون نظرتهم إلى جهاز الدولة ()State Apparatus على أنه «غنيمة حرب» ينبغي االستيالء عليها في أعقاب الفوز في «غزوة الصناديق» -وهو تعبير استخدم من قبل أحد املشايخ السلفيني املتحالفني مع اإلخوان املسلمني لوصف النصر في االستفتاء على تعديل الدستور في 19مارس (آذار) 2011م -وهو ما تنبأ به الكاتب املعروف وحيد حامد في النص السينمائي املبدع لفيلم «طيور الظالم» في النقاش بني أحد قيادات اإلسالم السياسي مع قيادة سياسية فاسدة محسوبة على نظام مبارك من أن اإلخوان املسلمني – الجماعة التي كانت تبحث عن حزب آنذاك -تنظر إلى املسألة برمتها على أنها «نزاع على ملكية». تصور اإلخوان املسلمون أن الدولة دانت لهم ،وجاء دور «التمكني» ،أي إخضاع جهاز الدولة لقيادات اإلخوان املسلمني بنفس الشروط التي
بعد تولي الرئيس محمد مرسي السلطة رسميا كون فريقا رئاسيا من أربعة مساعدين ،وعدد من املستشارين يعكسون انتماءات سياسية ودينية متنوعة .شكل ذلك فكرة خالقة لتوسيع نطاق صناعة القرار في مؤسسة الرئاسة دون الركون فقط إلى الرئيس الفرعون .ولكن مع مرور الوقت بات واضحا أن هناك غرفا مغلقة تصنع خلفها القرارات الرئاسية، ال يعرف عنها شيئا املساعدون أو املستشارون ،وأشار كثيرون إلى دور «مكتب إرشاد» جماعة اإلخوان املسلمني في صناعة القرارات الحاسمة التي ال يملك الرئيس حيالها سوى االعتماد واملوافقة .يشار في هذا الصدد إلى اإلعالن الدستوري الذي صدر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012م، الذي فجر موجة غضب عارمة في صفوف املصريني نظرا ألنه دشن الرئيس الفرعون دستوريا الذي يمتلك السلطتني التنفيذية والتشريعية
وصل الدكتور محمد مرسي إلى سدة الحكم ،وكان هناك «مجلس شورى» غالبيته من اإلخوان املسلمني حصن بقاءه في دستور 2012م الذي لم ُيرق لقطاعات واسعة من املجتمع ،وشكل حكومة برئاسة هشام قنديل لم يسعد أداؤها حلفاء اإلخوان املسلمني قبل خصومهم ،وتكاثرت األزمات االقتصادية واالجتماعية فضال عن السياسية مما عجل من سقوط نظام محمد مرسي ،ولكن ظاهر األسباب التي أدت إلى حنق وثورة ماليني املصريني ،هي انعكاس ألسباب بنيوية عميقة جعلت من بقاء نظام اإلخوان املسلمني أمرا ال يمكن توقعه ،وهو ما يحتاج إلى نقاش مفصل.
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
خطابه األول توجه بالحديث إلى «شعب مصر العظيم» ،ثم شكر «األهل والعشيرة» في محافظات مصر جلها تقريبا ،وعدد أبناء املهن والحرف على اختالفها. وقال« :أتوجه إليكم جميعا في هذا اليوم املشهود الذي أصبحت فيه بعد فضل الله بإرادتكم رئيسا لكل املصريني وسأكون لكل املصريني على مسافة واحدة» ،دون أن يذكر من لم ينتخبوه، وكان عددهم كبيرا .وهو يخالف في ذلك خطاب السادات حينما قال عقب استفتاء شعبي «سأكون مع الذين قالوا نعم والذين قالوا ال». ويغيب أيضا عن خطاب مرسي السياسي الحديث املفصل عن املشاكل التي يواجهها الشعب فعال ،مثل شح الوقود وارتفاع األسعار وانقطاع التيار الكهربائي .وهو إن تحدث عنها فإنما يشير إليها سريعا ،ويحمل النظام القديم مسؤوليتها.
الشرعية بالتهديد وعلى الرغم من مطالبة حركة تمرد و 30يونيو بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة ،لم يتعرض مرسي في خطابه األخير ،الذي ألقاه بعد مهلة الجيش ،لهذا املطلب ،بل ركز الخطاب كله على فكرة الشرعية وتمسكه بها مهما كان الثمن ،فقال «فإذا كان الحفاظ على الشرعية ثمنه دمي أنا ،فأنا مستعد أن أدفع ذلك الثمن، حسبة لله تعالى». وكرر مرسي ذكر الدم والدماء غير مرة ،واستخدم أسلوب النهي وكأنه يحث على نقيض ما ينهى عنه ،فقال متحدثا عن الجيش «ال أريدكم أن تقعوا في هذا املطب ،فال تسيئوا للجيش وحافظوا على الجيش معي» .ونهيه هنا قد دعم -بطريقة غير مباشرة، وربما دون أن يدري -الصورة الذهنية لإلساءة إلى الجيش.
الخطاب الشهير للرئيس الراحل انور السادات في الكنيست االسرائيلي (19نوفمبر)1977/
وصورة األبناء أو األوالد أو حتى اإلخوة -تصويرا للشبابأو بعض أفراد الشعب -يستدعي بالضرورة بقية مقتضيات الصورة الذهنية ،من وجوب احترام الوالد وطاعته ،وإطالق يده في القرار باعتباره رب العائلة .فالعالقة بني رئيس الدولة والشباب هنا هي عالقة األب باألبناء ،وليست عالقة رئيس منتخب كلف بمسؤولية القيادة ،وعليه واجبات وله حقوق ،بمواطنني لهم حقوق وعليهم واجبات أيضا.
غيبة املواطنة وهذا يفضي بنا إلى ملمح ثالث في خطاب مرسي السياسي، وهو غياب فكرة املواطنة ،فهو ال يبدأ خطابه بمخاطبة املواطنني كما كان يفعل الرئيس السابق جمال عبد الناصر دوما -ولكنهيوجه خطابه لـ «شعب مصر العظيم». ويغيب عن خطابه السياسي أيضا ذكر من لم يؤيدوه ،ففي
في أميركا نجح الرئيس السابق جورج بوش االبن في كسب تأييد األميركيني لبرنامجه ففاز مرتني ،ألنه استعان بمستشارين يتقنون عرض القضايا بطريقة مقنعة للمخاطب، وإن بنيت على خداع لغوي ،ونجح في كسب مساندة الدول األخرى لحربه على أفغانستان والعراق ألنه مهد لها بطرح أطر ذهنية تفرض على املتلقي خيارا قد ال يستطيع الفكاك منه ،وهو اتباع مسار بوش.
,,
«الخطاب السياسي» ال ينحصر فقط في الخطب السياسية التي يلقيها الزعماء والساسة بل يتجاوز ذلك إلى ما يستخدمه السياسيون من وسائل للتعبير
,,
وفي مصر هيمن خطاب الفرقة والتقسيم ،واالستعالء ،والهيمنة األبوية ،والتمسح بالدين ،والعواطف ،وغيبة املواطنة ،على خطابنا السياسي ،خاصة خطاب اإلخوان املسلمني ،وخطاب الرئيس السابق محمد مرسي. ولست أدري إن كان ملرسي مستشارون في مجال الخطاب السياسي ،أو إن كان يستشيرهم قبل إعداد خطبه ،أو إن كان هؤالء املستشارون -إن وجدوا -ذوي خبرة في اللغة والخطاب وتحليله ،أو إن كانت خطابات الرئيس السابق تعد في مكتب اإلرشاد التابع لجماعة اإلخوان املسلمني ،ويشرف عليها ويراجعها املرشد الحالي أو مرشد سابق ،كما يوحي شريط فيديو متداول اآلن على اإلنترنت < * باحث اكاديمي ـ ـ متخصص في الدراسات اللغوية جامعة برمنجهام
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
زين العابدين بن علي
27
شؤون سياسية
من غير املسلمني ،ويتسم بالتعميم ،وال يهدف إال إلى كسب تأييد عامة الناس امليالني للدين بطبيعتهم.
,,
تهدف دراسات تحليل الخطاب السياسي إلى تفسير العالقة بني الخطاب وعدد من العوامل املهمة في املجتمع أهمها السلطة
,,
وكان حزب الحرية والعدالة قد أعلن في أواخر 2011عن تخليه عن رفع هذا الشعار في االنتخابات البرملانية التي جرت بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير ،واستبدل به شعار «نحمل الخير ملصر» ،لكنه لم يف بالوعد ،وأعاد رفع شعار «اإلسالم هو الحل» ملا له من تأثير شعبي ديماغوغي.
الرئيس الواعظ اختيار اسم للجماعة فيه استخدام لكلمة اإلسالم ،ورفعها شعارات دينية ،ليس غريبا على جماعة دينية عرفت في أول عهدها باعتبارها جماعة دعوية .أما أن يستخدم الجناح السياسي للجماعة ،حزب" الحرية والعدالة" ،الدين وشعارات دينية إسالمية في حملة انتخابية ،فهذا أمر قد يفضي إلى مصادرة آراء اآلخرين من غير املسلمني ،وحتى من املسلمني الذين ال ينتمون إلى جماعة اإلخوان أو إلى حزبهم ،وقد يؤدي إلى إقصاء اآلخر. وقريب من هذا النهج الخطاب السياسي للرئيس السابق محمد مرسي،الذي يتقمص دوما شخصية الواعظ الديني في بداية خطاباته ،وخاللها ،ربما لكسب مشاعر املسلمني البسطاء .ظهر ذلك في أول خطاب ألقاه في يونيو ،2012وآخر خطاب ألقاه في يونيو .2013إذ يبدأ دوما كما يبدأ شيوخ الواعظني خطبهم بالبسملة ،والصالة والتسليم على الرسول الكريم ،ثم يتبع ذلك آية قرآنية. وتقمص شخصيات دينية أو تاريخية ،واستخدام اقتباسات من الكتب الدينية ،أو من أقوال شخصيات تاريخية مشهورة، وسيلة معروفة في الخطاب السياسي .فقد كان الرئيس املصري السابق أنور السادات يستخدم أيضا تلك الوسيلة ،حتى أطلق عليه وصف «الرئيس املؤمن». لكن خطاب مرسي السياسي يغرق في ذلك أكثر من غيره. ففي خطابه األول عندما أعلنت نتائج االنتخابات ،استحضر شخصية أبو بكر الصديق ونقل عنه «وأما عن نفسي فإنني ليس لي حقوق ،وإنما علي واجبات ،فأعينوني أهلي وعشيرتي ما أقمت العدل والحق فيكم ،أعينوني ما أطعت الله فيكم ،فإن عصيته ولم ألتزم بما تعهدت لكم به ،فال طاعة لي عليكم». وفي نهاية الخطاب تعهد للمصريني مستخدما فكرة خيانة الله ومعصيته ،وليس الوطن ،فقال «وأردد مؤكدا ..ما أعلنته من قبل أنني لن أخون الله فيكم ولن أعصيه في وطني ،وأضع نصب عيني قول الله سبحانه وتعالى (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم ال يظلمون)».
العاطفية وإطار األبوة امللمح الثاني في خطاب مرسي السياسي هو «العاطفية» ،إذ تتكرر لديه كلمات الحب «كل التحية لشعب مصر العظيم وجيش مصر ..والقوات املسلحة بكل أبنائها أينما وجدوا تحية خالصة من قلبي لهم ،وحب ال يعلمه في قلبي إال الله سبحانه وتعالى وأنا أحب هؤالء وأقدر دورهم وأحرص على تقويتهم والحفاظ عليهم وعلى املؤسسة العريقة التي نحبها ونقدرها جميعا»..
ونستون تشرشل
26
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
واألحباب «ولكنني متأكد أننا بتوفيق الله ثم بتعاوننا وبدعمكم أيها األحباب سنتمكن من عبور هذه املرحلة». ومن هذا الباب تكراره لتعبيرات «أهلي وعشيرتي» ،و«األهل والعشيرة واألحبة» التي رددها غير مرة في خطابه األول ،ثم استخدام تعبير «أوالدي» في خطابيه األول واألخير إشارة إلى الشباب ،فهو يقول موجها كالمه إليهم في خطابه األخير «شباب مصر والدي بجد ،عندهم مشاكل ،ولهم حق ،حقوق كثيرة». وخاطب الشرطة في خطابه األول فوصف رجالها بأنهم «أبناؤه وإخوانه» ،فقال «وأما رجال الشرطة الشرفاء وهم األغلبية الغالية من أبنائي وإخواني من رجال الشرطة في مصر هؤالء لهم علي حق التحية الواجبة». استحضار إطار األب الذهني وصورة الوالد -تصويرا للرئيس
الحزب تخفيض الضرائب عن رجال األعمال وأصحاب رؤوس األموال والشركات ،وهذا يناقض سياسة الحزب الديمقراطي الذي يريد زيادة الضرائب على الرأسماليني ورجال األعمال لتمويل برنامج الرعاية االجتماعية الذي يؤمن به. ولو رفعت حملة بوش شعارا يقول هدفنا «تخفيض الضرائب - ،»Tax Cutلفقدت أصوات الديمقراطيني ومعارضي التخفيض. لكن فرانك لونتز نصحهم باستخدام شعار آخر هو «Tax ،»Reliefأي تخفيف ألم الضرائب .والصورة الذهنية التي يجلبها هذا الشعار إلى الذهن ،هي صورة شخص متألم وأن بوش يريد خالصه وتخفيف أمله ،فكيف يمكن للمعترضني على سياسة تخفيض الضرائب أن يرفضوا تخليص الناس من األلم. واملشكلة التي ينبهنا إليها جورج الكوف ،George Lakoff - أحد أبرز علماء نظرية اإلطار الذهني ،أن من يرفض إطارا ما فهو -دون أن يدري -يدعمه في ذهن املخاطب .ويضرب الكوف مثال بما اعتاد أن يقوله لطالبه في بداية محاضراته عند شرح النظرية «ال تستحضروا إلى أذهانكم صورة فيل» ،وينتهي األمر بجميع الطالب وقد استحضروا دون إرادة منهم صورة فيل إلى أذهانهم .ويقول الكوف إنك إن أردت رفض إطار ما عليك أن تطرح إطارا آخر يحل محله ،ال أن تنفي اإلطار الذهني الذي ال توافق عليه. إن تعبير «الحرب على اإلرهاب» كان وسيلة إلقناع الشعب األميركي بقبول هذا اإلطار الذهني وما تبعه من سياسات يبررها التعبير بالطريقة التي صيغ بها .وهكذا نجح بوش في حملته وفاز بالرئاسة األميركية لدورتني متتاليتني. وال بد من اإلشارة هنا إلى أن األطر الذهنية التي كان الرئيس بوش يطرحها هو وحزبه كانت ترمي إلى توحيد صفوف األميركيني وكسب تأييد أكبر عدد منهم لبرنامجه وحملته.
ميدانان :التحرير ورابعة العدوية إذا انتقلنا من الواليات املتحدة إلى الساحة السياسية في مصر وجدنا انقساما شديدا يمثله كما قلت في مطلع هذا املقال ميدانان :ميدان التحرير ،حيث يحتشد ممثلو حركة تمرد و 30يونيو ،وغيرهما من القوى املدنية التي عارضت استمرار الرئيس السابق محمد مرسي في الحكم ،وطالبته بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة ،فرفض ثم انتهى األمر بعزل الجيش له بعد خروج حشود املحتجني ضده. وميدان رابعة العدوية ،حيث يعتصم أنصار مرسي ،معلنني إصرارهم على البقاء حتى عودة الرئيس «الشرعي» ،كما يقولون إلى منصبه.
وهنا نلحظ التركيز على:
,,
-١فصل اإلخوان عن املجتمع ،وكأنهم ليسوا مصريني ،أو ليسوا جزءا من الشعب املصري. -٢معاناة الشعب في الحصول على حاجاته الضرورية. -٣فكرة املواطنة. فخطاب ميدان التحرير إذن خطاب -وإن كان يدعو للفرقة بني أبناء الشعب وفصيل سياسي له أفكار آيديولوجية مختلفة - فهو أيضا ينادي باملواطنة التي تسوي بني الجميع. وإذا ذهبنا إلى ميدان رابعة العدوية نرى أنه توجد شعارات مكتوبة رفعت ،مثل: «نعم للشرعية رغم أنف العلمانية» ،و«الشرعية خط أحمر»، و«ال للعنف نعم للشرعية» ،و«مع الشرعية ضد الهمجية» ،و«ال للبلطجة السياسية» ،و«ارحل يا سيسي مرسي هو رئيسي». ورافق تلك الشعارات رفع علم تنظيم القاعدة املعروف .كما أدت الصورة التي صاحبت شعار «الشرعية خط أحمر» دورا مهما في الترهيب ،فقد رسمت وسط الصورة التي تحمل الشعار كف مضرجة بالدماء عند نهاية طريق ،وكأنها تقول قف ،وإال... وتضافرت الخطب امللقاة مع الشعارات املكتوبة في حمل رسالة تهديد. قال صفوت حجازي« :أقول لهم دماؤنا غالية» ،و«نحن أشرف من على هذه األرض» ،و«نقول لولي أمرنا :إن لم تضرب بيد من حديد ،فسيكون لنا كالم آخر» ،و«الرئيس محمد مرسي اللي يرشه بامليه هنرشه بالدم». وقال أحد الشيوخ في رابعة العدوية ،موجها كالمه لوزير الدفاع عبد الفتاح السيسي« :أنت اللي بتعمل حرب أهلية بني املسلمني وغير املسلمني ،والعلمانيني ،والشيعة ،أنت اللي كتبت شهادة وفاة كل واحد عارض الرئيس مرسي ،وعارض شرعية الصندوق».
الرئيس السابق محمد مرسي يتقمص دوما شخصية الواعظ الديني في بداية خطاباته وخاللها ربما لكسب مشاعر املسلمني البسطاء ظهر ذلك في أول خطاب ألقاه في يونيو 2012 وآخر خطاب ألقاه في يونيو 2013
,,
وهنا نالحظ أن تركيز الخطاب في ميدان رابعة العدوية كان على: -١فكرة الشرعية والتشبث بها ،مهما كان الثمن ،والتهديد بالدم في سبيلها. -٢فصل الجماعة عن بقية املصريني ،والشعور باالستعالء بني قادة املحتشدين على من يخالفونهم ،ووصم املخالفني بأنهم «علمانيون» ،وهذا يعني في أوساط اإلسالميني -بصفة عامة « -ملحدين».
ورفع كل ميدان شعارات ،فماذا قال محتشدو ميدان التحرير؟ وأنا هنا أنقل فقط الشعارات التي ال تحمل سبا أو إهانة ،وهي جزء من خطابهم السياسي.
-٣الهجوم على وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي ،باعتباره ممثال للجيش املصري.
«الشعب يريد إسقاط اإلخوان» ،و«يسقط حكم اإلخوان ،يسقط حكم املرشد» ،و«ال لدولة اإلخوان» ،و«الجيش لن يكون جناحا عسكريا لإلخوان» ،و«فني السوالر؟ زيادة في األسعار ،النور مقطوع ..هنموت م الجوع ،األمن ما فيش ..وال لقمة عيش»، و«الشعب يريد تطهير اإلعالم» ،و«الدين لله والوطن للجميع».
وأود هنا أن أقول إن ملمح الفرقة في الخطاب السياسي لجماعة اإلخوان املسلمني ،يرجع إلى فترة نشأة الجماعة ،فاسم الجماعة ذاته «اإلخوان املسلمون» فيه إيحاء بأنهم هم الفصيل الوحيد املسلم .كما أن شعارهم الذي رفعوه غير مرة خالل االنتخابات، وهو «اإلسالم هو الحل» شعار فيه مصادرة على أفكار اآلخرين
معمر القذافي - خطابات صادمة
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
25
شؤون سياسية
,,
عندما أراد جورج بوش عقب أحداث سبتمبر شن الحرب على أفغانستان رفع شعارا ذكيا يخدم مصالحه ويكسب به تأييد املعارضني لفكرة الحرب وهو شعار «الحرب على اإلرهاب»
,,
والتعبير عن أفكاره وعواطفه ومشاعره ،والحديث عن تجاربه املاضية وخططه للمستقبل .وأرسطو أيضا هو الذي وصف اإلنسان بأنه «كائن سياسي». وال غرابة في ذلك ،فالسياسة في مجملها -كما يقول بول تشيلتون - Paul Chilton -الباحث في تحليل الخطاب السياسي، «هي كيفية استخدام اللغة» .ويرى تشيلتون أننا يمكن عن طريق اللغة ،من خالل املؤسسات السياسية واالجتماعية ،أن نعلن الحرب ،وأن نحكم على شخص بأنه «مذنب» أو «بريء» ،وأن نزيد الضرائب أو نخفضها. ويرى بعض اللغويني اآلخرين أن اللغة مرتبطة بالسياسة ارتباطا وثيقا أكثر ،وأن أي منطوق لغوي يكشف وراءه دوما انحيازا سياسيا معينا. يهتم علم تحليل الخطاب السياسي إذن بكشف الوسائل اللغوية التي يستخدمها الخطيب في إقناع جمهوره بآيديولوجيته واكتساب تأييده إما لبرنامج حزبه ،وإما للتصويت له في انتخابات رئاسية أو برملانية ،ولعل أكثر تلك الوسائل اللغوية هي استخدام اللغة في الخداع أو التضليل ،كما سنبني فيما بعد.
نظرية «اإلطار الذهني» وسنركز بحثنا هنا على جانبني مهمني من جوانب الخطاب السياسي ،هما جانب «اإلطار الذهني ،»Frame -أو الصور الذهنية ،أو املفاهيم التي يطرحها السياسيون لكسب الجماهير، ثم الخطب السياسية التي يلقونها. وحتى نفهم نظرية األطر الذهنية ،يجب أن ندرك أن الدور الذي تؤديه الكلمات التي نستخدمها كل يوم في حياتنا ال يقتصر على إرضاء املخاطبني أو إغضابهم ،بل إن تلك الكلمات دوما ما تثير -إلى جانب ذلك ،وربما نتيجة لذلك -في أذهان السامعني عند نطقها ،أطرا (أو صورا) ذهنية معينة ،وتفرض على املتلقني فهما خاصا ومحددا ،إزاء املوقف الذي تلفظ فيه ،يسعى املتكلم إلى فرضه .ومن هنا فإن أهمية اللغة (أو الكالم) تكمن فيما تثيره في أذهان املتلقني من أطر وصور ذهنية محددة ،وكذلك أيضا فيما ال تثيره من أطر وصور ذهنية .وال يقف األمر عند حد التصور الذهني ،إذ إن اإلنسان عادة ما ينتقل من مرحلة اإلدراك الذهني إلى مرحلة السلوك النابع من هذا اإلدراك ،فيسلك سلوكا معينا. فعندما قررت أوروبا اإلجهاز على الدولة العثمانية ،عقب خسارتها في أكثر من حرب ،وتضعضعها املالي وتحكم القوى األوروبية الكبرى فيها ،رفعت شعارا بسيطا تصف به تلك الدولة ،بأنها «رجل أوروبا املريض ،»Sick man of Europe - وكأنها تدعو بطريقة غير مباشرة إلى املساهمة في القضاء على هذا املريض الذي ليس من أمل في شفائه. وحديث الدول الغربية والواليات املتحدة عن األسلحة النووية يتم في إطارين ذهنيني مختلفني تماما بحسب املخاطب .فتلك األسلحة هي «سالح ردع »Weapon of Deterrence -إن كانت في حيازة دولة غربية ،لكنها ،واألسلحة هي نفسها« ،سالح دمار شامل »Weapon of Mass Distruction -إن سعت إلى حيازتها دولة أخرى قد تخالف الغرب في سياساته.
جورج دبليو بوش
وعندما احتلت إسرائيل فلسطني حرصت في خطابها 24
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
السياسي على طمس الهوية الفلسطينية ،وملا سئلت رئيسة الوزراء اإلسرائيلية السابقة غولدا مائير عن الفلسطينيني قالت «ليس هناك شيء اسمه فلسطينيون» ،وأطلقت إسرائيل على الفلسطينيني الذين حصلوا على الجنسية اإلسرائيلية تعبير «عرب إسرائيل» ملحو هويتهم الفلسطينية والتركيز على أنهم عرب ،وأخذت وسائل اإلعالم اإلسرائيلية تردد هذا التعبير، وتناقلته وسائل اإلعالم الغربية وحتى العربية ،بل أصبح يتردد اآلن على ألسنة بعض الفلسطينيني أنفسهم.
الحرب على اإلرهاب وعندما أراد جورج بوش االبن -عقب أحداث 11سبتمبر 2001 شن الحرب على أفغانستان ،لم يقل سنحارب أفغانستان،أو طالبان ،أو «القاعدة» ،لكنه رفع شعارا ذكيا يخدم مصالحه، ويكسب به تأييد الجميع حتى املعارضني لفكرة الحرب ،هو «الحرب على اإلرهاب .»War on Terror -فالحرب في الشعار على شيء مجرد هو «اإلرهاب» ،وبذلك يمكن أن تمتد إلى أي مكان ،وأن تطول ألي فترة ،بحسب ما تريده اإلدارة األميركية، وال يستطيع أحد أن يعترض على حرب يواجه اإلرهاب فيها. ولم يختر الشعار «الحرب على اإلرهابيني» ،ألن اإلرهابيني محدودون ،وال يمكن شن الحرب هنا وهناك بذريعة مقاتلة اإلرهابيني .وبناء على هذا الشعار شن بوش حربه على العراق أيضا ،باعتبارها حربا مشروعة ردا على ما حدث ألميركا في 11سبتمبر. لم يكن هذا الشعار من بنات أفكار الرئيس األميركي نفسه ،وال الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ،ولكنه صيغ -فيما أظن -بعد استشارة فرانك لونتز Frank Luntz -خبير الحزب في اللغة والتواصل والتحليل السياسي. وكان بوش قد مهد لحملته على أفغانستان في خطاب له أمام الكونغرس األميركي بمجلسيه في 20سبتمبر 2001بعبارته املأثورة التي قسم فيها العالم إلى قسمني قائال «إما أن تكون معنا ،وإما أن تكون مع اإلرهابيني Either you are with us, - .»or you are with the terrorists وحتى يمهد بوش لحملته على العراق بدأ في خطاب االتحاد في يناير 2002في اإلشارة إلى ما سماه «محور الشر Axis - »of evilالذي يضم العراق وإيران وكوريا الشمالية .وساند الرئيس األميركي إطاره الذهني الجديد بالزعم بأن تلك الدول تدعم اإلرهاب ،مركزا الهجوم على العراق في ذلك الخطاب الذي ألقاه في 29يناير 2002ويعود فضل صياغة هذا التعبير إلى ديفيد َ فرم الذي كان يكتب خطابات الرئيس آنذاك. وقد نجح الرئيس األميركي من خالل هاتني العبارتني في الحالتني في إقناع األميركيني وكسب تأييد أكبر عدد منهم للحرب على أفغانستان والعراق .وعلى الرغم من أن بوش -من ناحية أخرى -قسم العالم إلى معسكرين ،بيد أنه وحد األميركيني وراءه.
تخفيف ألم الضرائب وكان للونتز الفضل أيضا في الصياغة اللغوية املعبرة عن رغبة الحزب الجمهوري في تخفيض الضرائب ،من أجل كسب التأييد الداخلي في حملة بوش األولى للرئاسة األميركية .فمن بني مبادئ
على الدرس اللغوي .فقد كان اللغويون في املاضي يركزون جل همهم في بحوثهم على وحدات الكالم الصغيرة مثل األصوات، أو الكلمات ،أو حتى الجمل ،وعالقات الكلمات بعضها ببعض داخلها.
ويعرفهم بمناسبة الخطاب -إن كان سيلقى في مناسبة معينة واملكان ،والجمهور الذي سيخاطبه .وهذا أحد عوامل نجاحالخطاب السياسي في الدول الغربية ،وهو ما أحسب أننا نفتقده في عاملنا العربي.
تحليل الخطاب
اللغة والسياسة
لكن علماء تحليل الخطاب كان منطلقهم مختلفا .إذ ركزوا على درس الخطاب ،واملقصود بالخطاب هنا أي نص مسموع أو مكتوب ،ويهدف إلى توصيل رسالة ما ،ويندرج تحت هذا الكالم املسموع ،والنصوص املكتوبة ،بغض النظر عن طولها، ولغة اإلشارة التي يستخدمها الصم والبكم ،والصور ،واملالبس، واملوسيقى ،واملعمار ،والرقص ،طاملا أنها ذات داللة.
وتهدف دراسات تحليل الخطاب السياسي -في أغلبها -إلى تفسير العالقة بني الخطاب وعدد من العوامل املهمة في املجتمع، أهمها السلطة .ويحاول العلماء كشف األفكار اآليديولوجية التي يهدف السياسي من خالل خطابه ،وعبر سالح اللغة وأدواته املختلفة ،إلى إقناع مخاطبيه بها.
ومن هنا ندرك -طبقا لهذا املفهوم -أن «الخطاب السياسي» ال ينحصر فقط في الخطب السياسية التي يلقيها الزعماء والساسة ،بل يتجاوز ذلك إلى ما يستخدمه السياسيون من وسائل للتعبير :مثل الشعارات ،والالفتات ،والهتافات، واملناظرات ،والصور التي يعلقونها أو ينشرونها ،والزي الذي يلبسونه ،واملوسيقى واألناشيد التي تصاحب تجمعاتهم. ويمتاز الخطاب السياسي لدى علماء تحليل الخطاب بأنه -كما يقول فان دايك ،Van Dijk -أحد أشهر الباحثني في هذا املجال «خطاب شفوي ينتج أمام جمهور ،هدفه الوحيد هو اإلقناع،وليس التعليم ،أو الترفيه والتسلية». وهو أيضا -وهذه نقطة مهمة ينبغي االلتفات إليها « -خطاب يخطط له قبل» إلقائه ،إذ إن السياسي -في الدول الغربية -عادة ما يعد لخطابه قبل إلقائه ،أو يطلب من مستشاريه لإلعالم أو للعالقات العامة -ويوصف هؤالء بـ « - »Spin Doctorsكتابة الخطاب له ،بعد أن يعطيهم األفكار التي يريد تضمينها فيه،
كما يسعى اللغويون -من وراء تحليل الخطاب -إلى مراقبة سلوك الجماعة -باملعنى االجتماعي للكلمة -أو الصفوة، وكيفية سيطرتها على اللغة ،في الخطاب السياسي ،أو تعمد استغاللها ،من أجل الحفاظ على وضع الجماعة في املجتمع، ومراقبة محاوالت السياسيني من خالل املواقف السياسية إسباغ الشرعية على أنشطتهم ،أو مقترحاتهم ،عن طريق اللغة. وبهذه السيطرة ،بواسطة استخدام اللغة ،يمكن أن يقود الخطيب جمهوره بطريقة إيجابية ،أو أن يضلله ،حتى يعتقد بأن مصالح حزب الخطيب الضيقة هي مصالح الشعب بصفة عامة. وفي تاريخ البشرية نماذج لخطباء مشهورين من الصنفني ،نذكر منهم جمال عبد الناصر في مصر ،وتشرشل في بريطانيا، وروزفلت في الواليات املتحدة ،وهتلر في أملانيا. العالقة بني اللغة والسياسة عالقة قديمة أدركها أرسطو .فقد عرف الفيلسوف اليوناني اإلنسان بأنه «كائن ناطق» ،إذ إنه الوحيد بني الكائنات الذي يستخدم اللغة في قضاء حوائجه،
خطاب الرئيس مرسي في ستاد القاهرة الدولي بمناسبة ذكرى انتصار السادس من اكتوبر والذي اثار جدال كبيرا وغضب قادة القوات املسلحة لدعوة الرئيس السابق رموز من الجماعة املتهمة بقتل السادات لالحتفال (اكتوبر)2012/
,,
يمتاز الخطاب السياسي لدى علماء تحليل الخطاب بأنه «خطاب شفوي ينتج أمام جمهور هدفه الوحيد هو اإلقناع
,,
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
23
شؤون سياسية
يهيمن على املشهد السياسي في مصر هذه األيام انقسام واضح .ويظهر هذا االنقسام أيضا في الخطاب السياسي املصري ،بل لعل أهم مالمح هذا الخطاب هو الدعوة الجلية للفرقة التي أخذت تميزه بعد اندالع ثورة الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) عام .2011فلماذا لم يفلح الخطاب السياسي في مصر في لم شمل املصريني؟ وملاذا لم يستطع الخطاب األخير للرئيس املصري السابق محمد مرسي احتواء األزمة ؟ .بيد أنا إذا توجهنا شطر الواليات املتحدة األميركية وتأملنا -مثال -الخطاب السياسي للرئيس السابق جورج دبليو بوش ،وجدنا أن بوش نجح في كسب أصوات الناخبني داخليا والفوز بالرئاسة مرتني ،ثم نجح خارجيا في اكتساب تأييد دول كثيرة في العالم لحملته على أفغانستان ،ثم الحرب على العراق.
ملاذا يفشل خطابنا العربي السياسي في نزع فتيل األزمات؟
أزمة خطاب بقلم: محمد رياض العشيري *
كان من الطبيعي أن تقسم الثورة املصرية حينما هبت املجتمع إلى طائفتني ،طائفة النظام املتضعضع بعد نجاح الثورة ،وهو النظام الذي ال تزل توجد بقايا حزبه املنهار ،وأركان له وأعوان ومستفيدون منتشرون في أرجاء الدولة ومؤسساتها التي ال تزال موجودة ،ثم فريق الثوريني الذين خططوا للثورة ،وشاركوا فيها ،وضحى بعضهم بروحه في سبيل نجاحها.
ملمح الفرقة في الخطاب السياسي لجماعة اإلخوان املسلمني يرجع إلى اسمها الذي يوحي بأنهم هم الفصيل الوحيد املسلم
وكان من املفترض أن يوحد بناء الدولة الجديدة بعد الثورة ُ طوائف املجتمع .لكن خطة البناء التي اتفق عليها في أعقاب عدد من اإلعالنات الدستورية ،قسمت املجتمع أكثر.
,,
,,
22
ولم يعد في البالد نظام قديم منهار ،وثوريون فقط ،بل انقسم الثوريون أنفسهم -بعد أول استفتاء أجري عقب الثورة -إلى إسالميني (يمثل اإلخوان املسلمون غالبيتهم ،باإلضافة إلى حزب النور السلفي ،واألحزاب اإلسالمية األخرى) ،وليبراليني يوصفون أحيانا بالعلمانيني ،تنضوي تحتهم األحزاب األخرى غير اإلسالمية. ومنذ ذلك الحني أخذ الخطاب السياسي يعمق الشرخ ويزيد الفرقة بني اإلخوان املسلمني واإلسالميني ،من ناحية ،ورجال النظام القديم وبقايا الحزب الوطني ،واألحزاب األخرى ،خاصة املدنية منها والليبراليني من ناحية أخرى.
لها من دور سوى أنها تعكس األحداث؟ هنا نتوقف عند مفهوم اللغة كما يراها الباحثون في علوم تحليل الخطاب بصفة عامة ،ثم نعرج على مفهوم «الخطاب» ،و«الخطاب السياسي» ،قبل أن نلقي نظرة على الخطاب السياسي في مصر -والخطاب السياسي في أميركا.
اللغة تشكل الواقع كانت اللغة في املاضي تعرف -كما وصفها ابن جني (املتوفى 392هـ) في كتابه «الخصائص» بدقة ناسبت عصره -بأنها «أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم» ،فهي -طبقا لهذا التعريف الذي تطابق وتعريف علماء اللغة املحدثني في الغرب في بداية ظهور هذا املجال املعرفي -وسيلة للتواصل بني الناس، يعبرون بها عن أغراضهم ،ومن بني تلك األغراض املشاعر ،بال شك .ونظرا ألنها وسيلة تعبير فهي تعكس الواقع ،ولهذا اعتقد كثيرون أن اللغة مرآة تعكس الواقع ،ال أكثر. ومع تفرع العلوم اللغوية الحديثة ،وظهور «تحليل الخطاب - ،»Discourse Analysisاختلفت النظرة إلى اللغة ومفهومها. فأصبحت اللغة -في عرف بعض مدارس تحليل الخطاب، خاصة املدرسة النقدية « -وسيلة تشكل الواقع وتغيره» ،أو «تقدم الواقع بشكل مغاير (عن طريق الخداع)» .بل قال بعض العلماء إن «اللغة وسيلة للسيطرة ،كما أنها وسيلة للتواصل» .وبذلك أضحت اللغة سالحا يستخدمه الساسة والخطباء في اإلقناع، حتى وإن أسبغوا على أفكارهم لباسا يقنع املخاطب بتلقيها.
وازداد الخطاب السياسي املفرق حدة في أعقاب االنتخابات الرئاسية ،ونجاح محمد مرسي في أواخر يونيو (حزيران) عام ،2012حتى وصلنا إلى املرحلة الحالية التي تلت احتجاجات 30 يونيو ،وعزل الرئيس مرسي .فتمثل انقسام املجتمع في انقسام العاصمة ذاتها إلى بؤرتني :إسالمية في ميدان رابعة العدوية، وليبرالية مدنية في ميدان التحرير ،عدا ميادين القاهرة األخرى، وميادين املحافظات املختلفة.
ويرى آخر أن اللغة متعددة األوجه ،وأنها تنقل الخبرات االجتماعية، لكنها أيضا تتشكل بالخبرات االجتماعية للمتحدثني .والكلمات والعبارات املنطوقة -في رأي هذا العالم -مشحونة اجتماعيا وثقافيا عبر التاريخ قبل أن يبدأ في استخدامها املتكلمون.
ولكن ،هل يمكن أن يكون للخطاب السياسي مثل هذا التأثير في املجتمع ،أم أن اللغة مرآة ملا يجري في املجتمع من انقسام ،وليس
ولعل ما دفع الباحثني في علوم تحليل الخطاب إلى رفض مفهوم اللغة التقليدي القديم ،هو خوضهم غمار مجال جديد
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
Distinguish yourself
King’s is ranked in the top 30 universities worldwide* and based in the heart of London. With nine Schools and six Medical Research Council centres, King’s offers world-class teaching and research. Our extensive range of subjects includes humanities, law, medicine, psychiatry, dentistry, nursing, mathematics; natural, biomedical, social and management sciences. For further information, please contact Ghazi Lashab at ghazi.lashab@kcl.ac.uk *QS World University Rankings, 2011
www.kcl.ac.uk
شؤون سياسية
الحرية السياسية على اإلطالق ،بل «البحث عن مكانة» لشعب يأمل في الهروب من الدونية التي أودعه بها االستعمار وما اعتقد أنها مكائده (الديمقراطية والرأسمالية) .وهكذا أصبح مصطلح الحرية مرادفا فضفاضا لالستقالل القومي والعدالة والكرامة، في إشارة إلى أنهم بدرجة ما أمر واحد متماثل .بالنسبة لناصر وتالميذه (مبارك وصالح والقذافي وغيرهم) ،كانت الحرية حرية العرب في التعامل معهم بجدية.
,,
في جيل سابق كانت هناك إعالنات عن أن أكثر ما يحتاج إليه العرب هو تحرير فلسطني أو االشتراكية أو تأميم النفط
,,
وبقدر ما كانت الثورات رفضا واعيا لنموذج الحكومة الناصري، إال أنها مثلت أيضا رفضا لهذا التعريف الخاطئ للحرية الذي صاحب هذا النموذج .لم تكن مصادفة أن األنظمة الجمهورية انهارت بينما ظلت األنظمة امللكية كما هي (على الرغم من أنها اكتسبت بعض الدروس املستفادة) .يبدو أن العديد من العوامل لها دور في هذا الشأن. أوال ،ساعد تأثير قنوات التلفزيون الفضائية التحرري الثقافة السياسية العربية منذ منتصف التسعينيات وحتى اآلن ،من خالل الترويج لكلمات «حرية» و«ديمقراطية» و«انتخابات» و«حقوق إنسان» ،وغيرها من الكلمات التي خلقت وعيا ليبراليا. ثانيا ،كان هناك تعامل غير مريح مع رأسمالية السوق الذي كان على العديد من الدول الجمهورية تطبيقها ،مما أسفر عن انكماش القاعدة االجتماعية للدولة واتساع الفجوة بني الفقراء واألغنياء. أدى العجز عن تلبية احتياجات الدولة التي تفخر بأنها تفعل ذلك إلى فقدان متزايد للمصداقية.
كوارث صدام ولكن هناك عنصرا ثالثا أشد ضررا اقتلع الحلم الشعوبي الجمهوري من جذوره وكان هذا هو السقوط املخزي لصدام حسني .اتخذ صدام من النموذج الناصري قوة يحتذي بها إلى النهاية ،أكثر من أي زعيم آخر .ولكن بعيدا عن رفع مكانة العرب بني الدول ،ألحق صدام الكوارث بالعرب في سلسلة من املغامرات الخاطئة التي أدت إلى انحسار عام في مكانتهم ،وهو ما يناقض كلية الغرض الذي قصده النموذج الناصري .أبرزت نهايته اإلفالس األخالقي الذي عانى منه نظام أخضع رغبات املرء املادية إلى «نفس» متعالية متحكمة – ال تقل عن بيروقراطية مغرورة – تحرف وتستغل وتسحق الفرد حتى يفقد جميع قوته .كان خروج صدام املذل املسمار األخير في نعش نظام حكم مستبد، ولكنه أيضا وضع نهاية لرؤية الحرية التي كان يعتمد عليها. في خطاب ألقاه القائد الليبي معمر القذافي في قمة جامعة الدول العربية عام ،2008كان يعلم ما سوف يحدث .وقال لزمالئه رؤساء الدول« :تحتل قوة أجنبية دولة عربية وتعدم قائدها شنقا، ونحن نشاهد ونضحك .لقد اقتيدت قيادة عربية كاملة إلى حبل املشنقة بينما نحن نشاهد .ربما يحل دورك في املرة املقبلة!».
الحرية أوال من أعظم أسس مرحلة ما بعد البوعزيزي أن ما يريده العرب هي الديمقراطية .في جيل سابق ،كانت هناك إعالنات مشابهة عن أن أكثر ما يحتاج إليه العرب هو تحرير فلسطني أو االشتراكية أو تأميم النفط .تخاطر مثل هذه االفتراضات العامة بإغفال احتياجات العرب وفقا للفكرة السائدة في ذلك الوقت أيا ما كانت. وجد برلني عدم ضرورة في اتصال الحرية والحكم الديمقراطي. ويقول« :تختلف اإلجابة على سؤال :من يحكمني؟ عن سؤال :إلى 20
المجلة /العدد 1585يوليو -تموز 2013
أي قدر تتدخل الحكومة في شؤوني؟» في الحقيقة ربما تحرم الديمقراطية اإلنسان من العديد من الحريات ،التي ربما استطاع التمتع بها في نوع آخر من املجتمعات.
الفردية العربية بالنسبة للعرب الذين تعلموا التفكير النقدي ،تعد مهمة إنقاذ املعنى من العدم صعبة ولكنها ليست مستحيلة .أزاح الربيع العربي الغطاء عن الفردية العربية .إنه تيار إيجابي مشتعل لم يتم التعبير عنه بقوة أو حتى بوسيلة بناءة. بعد أعوام من اإلعداد لرد فعل ثقافي مضاد الستبداد الجمهوريات الناصرية ،كانت هذه هي الطاقة التي تحملت في بعض األحيان التغيير العنيف .ما زالت اللغة السياسية العربية ،التي تعتبر إلى حد كبير نتاجا للعقلية الدوالنية والجماعية ،لم تتغير بالنسبة للمقاتل الثوري السوري أو املتظاهر اليمني ،أو حتى السلفيني التونسيني حتى يضيفوا إلى اللغة السياسية رغباتهم في إنهاء تدخل الدولة في الدائرة الخاصة ،حتى وإن كان هذا التدخل بدعم من صناديق االقتراع .يعتبر البحث عن الحرية «السلبية» في هذا الصدد عنصرا محوريا في فلسفة الربيع العربي .وال تعتبر الليبرالية أمرا جديدا تماما على التجربة اإلسالمية التي تميزت بحاالت سابقة في نموذج الدولة -املدينة قبل االستعمار األوروبي وما تاله من إقامة دولة ذات قومية تبالغ في املركزية وفرض القوة في صورة أوروبية .أما الورثة العصريون لتركة الدولة -املدينة العربية فهي مشيخات الخليج مثل دبي أو البحرين ،التي تجذب حكومتها الصغيرة وتركيبة سوقها الحرة مع السلطة السياسية القبلية التقليدية العرب السعداء من جميع أنحاء العالم. لعل أكثر مهمات الربيع العربي إلحاحا هي إقامة سلطة تحافظ على الحرية الفردية وتحميها .هنا أيضا تستطيع الجمهوريات أن تتعلم شيئا من الدول امللكية ،والتي لم تمسها موجة الثورات إلى حد كبير .تاريخيا كانت الدولة ذات النظام امللكي أنجح في تخطيط املجاالت العامة والخاصة ،وبالتالي اعترفت باملجتمع واملجموعات التي يتكون منها ،ولم تسع إلى اقتالعها مثلما حدث مع الجمهوريات الشعوبية .يرجع املؤرخ برنارد لويس هذا إلى رد الفعل املحدود ضد االستعمار في هذه الدول. ويقول« :في هذه الدول (العربية) التي لم يسيطر عليها (االستعمار) بشكل كامل ،لم يهتم النقاش حول الديمقراطية في األساس بحقوق جماعة ضد أخرى أو الدولة ضد دول أخرى ،بل بحقوق الفرد أمام حقوق الجماعة أو الدولة». وبالتالي ،أصبحت النزعة الفردية كمفهوم وممارسة أكثر تطورا. كيف يمكن أن يحدث ذلك دون أن يؤدي خرق النظام أو اللجوء إلى القسر إلى التأثير على شرعية السلطة السياسية القائمة .االرتباط بالعائلة واألقارب والحي واملجتمع وتنفيذ األعراف والتقاليد، وااللتزام بدين جماعي والشعور العام بالحنني إلى املاضي :هذه هي اآليديولوجيا «العضوية» التي قامت على أساسها جميع األنظمة امللكية العربية .في الواقع ،يمكن القول إن السلطة في الدول امللكية «اجتماعية» أكثر من كونها سياسية ،وإنها أكثر ثقافة من كونها قسرية .هناك دول متصالحة مع ذاتها ،وليس عليها اللجوء إلى آيديولوجيا مناهضة للغرب من أجل اكتساب مكانة .يوضح ذلك إلى حد كبير سبب عدم اندالع الثورات في األردن أو املغرب أو السعودية .ويجب أن تستفيد من ذلك األنظمة الديمقراطية بعد الربيع العربي <
الدولة ذلك .ولكن كما يشير املؤرخ املغربي عبد الله العروي ،لم ترتبط الدولة العربية مطلقا ،في نشأتها وتطورها ،بفكرة الحرية السياسية بمعناها الغربي« ..تحمل الحرية في الفكر اإلسالمي معنى نفسيا ميتافيزيقيا ،بينما تحمل في الفكر الغربي معنى سياسيا واجتماعيا في األساس» .ترجع أول مرة استخدمت فيها الكلمة بمعنى «الحرية السياسية» إلى عام 1798عندما أصدر نابليون بونابرت إعالنا باللغة العربية يخاطب فيه املصريني باسم الجمهورية الفرنسية «التي أقيمت على أساس الحرية واملساواة». يمكن إذن أن نتحدث عن تفرد العالقة بني مفهوم الحرية ومفهوم الدولة في املجتمع اإلسالمي العربي التقليدي ،يقول العروي« :كلما اتسع مفهوم الدولة ،ضاق نطاق الحرية» .لذلك أخفق بناة الدولة العربية في العصر الحديث في تحفيز املواطن العربي على رؤية الدولة القومية ،املصنوعة في صورة أوروبية ،كتجسيد لإلرادة الشعبية أو األخالقيات العامة .وبدال من ذلك ،استحوذت على الدول العربية ،بدرجات متفاوتة ،السلطة والقوة ،ولكنها «افتقدت إلى الدعائم األخالقية واآليديولوجية والتعليمية» .وكانت النتيجة أن ظلت الدولة «غريبة» بالنسبة للمجتمع ،الذي يخاف منها وال يحبها. لم تكن البداية سعيدة .وساءت األمور بالنسبة لبعض العرب عندما أصبح جمال عبد الناصر في مصر مصدر إلهام لظهور نوع جديد وعنيف من الدولة :الجمهورية الشعوبية الراديكالية. وأصبح كل من تونس وليبيا وسوريا والعراق واليمن والجزائر جميعا خاضعة لحكم أنظمة تقلد عبد الناصر في االستبداد والنقابوية والعسكرة واالشتراكية الزائفة .وكانت السلطة في هذه الدول تدور حول ثالثة أقطاب :الرئيس والجيش والحزب. ولم تكن الشرعية الشعبية موجودة في اإلجراءات أو اإلنجازات، بل في األهداف العليا الجماعية التي يتم التعبير عنها بتعريفات قومية أو دينية أو طبقية ،لتتراجع أمامها كلية املصالح والرغبات الفردية .كتب الفيلسوف السياسي أنطوني دي جاساي أنه في
مثل هذه الدولة «يجب أن يخضع وجود الفرد الكامل لشخص واحد وعالقة األمر والطاعة ،دون دوائر شعبية أو خاصة منفصلة أو انتماءات منقسمة أو مراكز سلطة بديلة أو مقدسات أخرى ،أو أي مكان آخر يمكن اللجوء إليه».
أحد أنصار معارضة محمد مرسي يلعب كرة القدم أمام دبابات الحرس الجمهوري املنتشرة خارج القصر الرئاسي في القاهرة
سحق عبد الناصر للحريات السياسية ظلت هناك دوائر تنتقد في هدوء سحق عبد الناصر للحريات السياسية .وفي خطاب ألقاه عبد الناصر في عام ،1961وضع ما أصبح بعد ذلك قاعدة للجمهورية ،حيث قال« :ال يمكن أن تقوم بني ربوع هذه األمة الحرية السياسية إال إذا توفرت الحرية االجتماعية؛ ألن الحرية االجتماعية هي األساس الذي يتحرر به اإلنسان؛ وال يمكن أن تكون الحرية السياسية ذات معنى إال إذا كان اإلنسان حرا ..حرا من سيطرة اإلقطاع ..حرا من سيطرة رأس املال ..حرا من سيطرة االحتكار». هنا تكمن املشكلة .كان عبد الناصر شابا غاضبا يشعر باإلهانة من االستعمار األوروبي وإسرائيل والطبقة العليا الثرية املكونة من بشاوات وأفنديات كسالى .بعد االستحواذ على السلطة، شرع عبد الناصر في برنامج طموح للتأميم واملركزية والتحول الصناعي ،في صراع مع الزمن كما فعل ستالني ،لتحويل املجتمع «رغما عن ذاته» وإقامة دولة أحدث وأكثر ثقة يستطيع أن يفخر بها هو ورفاقه املصريون. أدى هذا التحول السريع إلى الحداثة إلى تداخل متعمد في القيم ،أو قل خدعة عبد الناصر اآليديولوجية إذا أردت ،إذ سحب نوعا من الحرية ،الحرية السياسية «السلبية» التي كان املصريون يتمتعون بها في السابق ،واستبدل بها حرية «إيجابية» على الطراز السوفياتي ،تضع في األولوية األهداف الجماعية.
,,
ال يوجد إجماع بني الفئات السياسية العربية على تعريف «الحرية»
,,
لم يكن الدافع الرئيسي للزعماء من جيل ناصر هو البحث عن المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
19
شؤون سياسية
«الحرية بالنسبة ألستاذ في جامعة أكسفورد تختلف كثيرا عن الحرية بالنسبة لفالح مصري» .هكذا قال أحد أبرز أساتذة أكسفورد أشعيا برلني .هل كان على صواب؟ هل يحتاج الفالح املصري إلى «نوع» من الحرية مختلف عما يحتاج إليه أستاذ إنجليزي؟
بعد ثورات الربيع ..ماذا يريد العرب؟
ثمن احلرية بقلم: مالك العبدة
,,
كان عبد الناصر شابا غاضبا يشعر باإلهانة من االستعمار األوروبي وإسرائيل والطبقة العليا الثرية املكونة من بشاوات وأفنديات كسالى
,,
18
لم يرهق السؤال املطروح عقول الباحثني واملعلقني بقدر ما أتعبهم في الوقت الحالي .منذ إقدام محمد البوعزيزي على إشعال النار في ذاته ،أصبحت مسألة ما يريده العرب محور نقاش عاملي .ال توجد معرفة مؤكدة تتجاوز العلم بالطموح العام في الحصول على الحرية .ولكن يظل الباب مفتوحا على مصراعيه أمام معنى ذلك بالنسبة للعرب في شوارع القاهرة أو طرابلس أو صنعاء. يمكن أن يخبرك ذوو امليول الغربية أنها تعني الحياة في نظام ديمقراطي علماني ،بينما سيقول اإلسالميون إن الحرية الحقيقية يمكن أن تسمح للدولة بتطبيق الشريعة .ال يوجد إجماع بني الفئات السياسية العربية على تعريف «الحرية» ،ربما ألنهم لم يجيبوا على أهم سؤال في السياسة :عن السلطة :ملاذا يجب علي (أو على أي شخص) أن يطيع شخصا آخر؟ ملاذا ال أحيا كما أريد؟ هل تجب علي الطاعة؟ إذا عصيت األوامر ،هل أتعرض لإلجبار؛ ممن ،وإلى أي درجة ،وتحت أي اسم ،وألي غرض؟ لم تقدم إجابات مقنعة على هذه األسئلة.
صراع وفوضى كانت النتيجة هي غطاء من التشاؤم وتوقع الشر الذي حل على العالم العربي عندما تحولت «الثورات» إلى صراع وفوضى .قال برلني في الخمسينيات محذرا« :عندما تتعرض األفكار إلى اإلهمال ممن يجب أن يستمعوا إليها ،أحيانا ما يكتسبون زخما غير صحيح وسلطة ال يمكن مقاومتها على جموع الرجال الذين يصبحون عنيفني للغاية إلى درجة ال يفلح معها النقد العقالني». أليست هذه هي املشاكل التي يواجهها املثقفون العرب اليوم؟ قد تكون الثورات سببا في ظهور آالف السياسيني ،ولكنها لم تثمر ُ حركة ثقافية موحدة ت ّعرف اإلرادة الشعبية كما فعل الفالسفة مع الثورة الفرنسية .هناك أشياء كثيرة غير محددة ،وفي هذه املساحات غير املحددة يتشاجر الساعون إلى السلطة في مصر وتونس وغيرهما اآلن متدثرين بلغة الحرية. إن لغة الحرية وليس أي شيء آخر أمر مهم .ولكن كما قال برلني في «مفهومان عن الحرية» ،هذا املصطلح يحمل معنى دقيقا للغاية وكما يمكنه أن يساعد على التحرير يمكنه أن يساعد على االستعباد .ربما تكون الشيوعية انتهت في القرن املاضي ،ولكن يعيش مفهومها عن ماهية الحرية – جيناتها الفلسفية إن جازت التسمية – في مجموعة من األفكار التي سادت الثقافة السياسية
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
العربية طوال عقود .وسواء كانت هذه األفكار القومية العربية أو اإلسالم السياسي ،بقدر ما تتمسك هذه اآليديولوجيات بأن حرية املجتمع ككل – سواء دولة أو مجموعة من معتنقي الدين – تحمل قيمة أعلى من حرية الفرد ،يمكن القول إنها تتبنى رؤية «الحرية اإليجابية»( .وهو مصطلح صاغه برلني ،وهذا ليس قبوال له ولكنه توضيح للموقف املنعكس في هذا الفهم الخاص للمصطلح). تتناقض «الحرية لـ» مع «الحرية من» ،أي غياب القسر أو التدخل من رجال آخرين .في الغرب ،أصبحت الحرية السياسية تعني هذه الحرية الفردية «السلبية». يزداد صخب الدعوات لتحقيق أغراض مثالية تخرج عن نطاق الشرق األوسط .وتعد هذه مفارقة نظرا ألن الفرد في جميع أنحاء ُ األنظمة الديكتاتورية التي أسقطت اعتمدت بصورة رئيسة على هذه األنماط من األفكار الجماعية للحفاظ على الشرعية والتأييد. لم تكن التربة اآليديولوجية ،التي يأمل دعاة الديمقراطية العرب في أن تثمر مجتمعات أكثر حرية وديمقراطية ،أقل خصوبة ،ولكن من املتوقع أن يظهر في فترة قياسية شيء ما يشبه الديمقراطية الليبرالية الغربية في قمة ازدهارها .يظل أحد أكبر التناقضات غير املفهومة في الربيع العربي متعلقا بكيفية إنتاج التراث الفكري نظاما سياسيا نشأ في إطار تراث آخر مختلف تماما. سيقول هؤالء الذين يعتبرونه كارثة محققة إن العرب في الشوارع يريدون في الحقيقة ديكتاتورا آخر ،ولكنه بلحية في هذه املرة. ولكن يوجد تفسير آخر محتمل ،يتعلق بنزعة العرب الطبيعية العتناق مجموعة أفكار ليس من السهل التصالح بينها في وقت واحد .كان على األجيال السابقة أن يؤكدوا على «األصالة واملعاصرة» باعتبارها عالجا لجميع مشاكلهم .وفي فترة الحقة، كانت «الوحدة والحرية واالشتراكية» تخدم الغرض ذاته .أليس من املمكن أن يكون ما يرغب فيه املواطن العربي ،نظرا للخلط الكبير الذي تعرض له ذهنه ،هو كل من الحرية الفردية والجماعية؟ من املحتمل جدا. وصف إيه إتش كار التاريخ بأنه حوار ثابت بني أحداث املاضي ونهايات املستقبل التي تنشأ تدريجيا .إذا كان األمر كذلك ،تعتبر بعض التطورات الحالية أحداثا هامة في الطريق الذي أدى إلى حادث البوعزيزي وميدان التحرير وما وراءهما.
خدعة الجمهورية ال يوجد كيان شكل مواقف العرب تجاه الحرية بقدر ما فعلت
شؤون سياسية
هناك هي «صراع قبلي» أو «حرب أهلية» بني أطراف «يكره معظمها الواليات دعم جون ماكني للثوار املتحدة» ،حسب اعتقاد هؤالء ،وال مصلحة لألميركيني في تكبد عناء وال تكلفة التدخل في صراع كهذا.
طبعا هذا املوقف هو من الناحية النظرية ،أما في الواقع فيبدو أن ابتعاد أوباما عن سوريا سببه ،حسب مؤيديه قبل معارضيه ،اضطراب سياسته الخارجية عموما.
,,
املعلق املعروف في صحيفة «واشنطن بوست» ،ديفيد إغناتيوس ،كان من أول املبشرين بباراك أوباما رئيسا للبالد ،معددا مزايا املرشح الشاب، متبنيا وعوده في تنفيذ االنسحاب األميركي من العراق وأفغانستان ،وفي وضع «سياسة االنخراط» مع نظام الرئيس السوري بشار األسد موضع التنفيذ ،وفي السعي للتوصل إلى اتفاق نهائي للسالم بني الفلسطينيني واإلسرائيليني.
لو وضعنا جانبا موقف الجمهوري جون ماكني في دعمه لثوار سوريا لرأينا أن موقف الجمهوريني ال يختلف عن «اليسار الليبرالي» و«التحرريني»
وكتب إغناتيوس« :هذه غلطة .الرؤساء ال يقطعون وعودا باملساعدة العسكرية ثم يتفرجون على حلفائهم وهم يتم سحقهم» .ووصف املعلق األميركي سياسة أوباما الساعية إلى حل سياسي ودعم املعتدلني في وجه املتطرفني، ّ سنة أو شيعة ،بالصحيحة ،مضيفا« :إذن دع ذلك يحدث ...فعلى العاملني في البيت األبيض أن يسألوا أنفسهم أثناء اجتماع الوكاالت ،كل صباح ::ما الذي يمكنهم فعله لتنفيذ وعد الرئيس بمساعدة (سليم) إدريس واملعتدلني؟». وإغناتيوس ليس وحده من مؤيدي أوباما املحبطني من سياسة الرئيس الخارجية ،فالدبلوماسي املخضرم السابق فرد هوف كان من أول املدافعني عن سياسة أوباما حول سوريا ،مقلال في الغالب من شأن التدخل العسكري، ومحذرا من التسليح من دون تحديد املعتدلني من بني الفئات املعارضة.
جون ماكني
لكن هوف ،الذي يعمل اليوم خبيرا في «مركز رفيق الحريري» التابع ملركز أبحاث «مجلس األطلسي» ،كتب مقالة جاء فيها أنه يبدو أن «االضطراب» هو ميزة سياسة أوباما نحو سوريا .وقال هوف« :بعض املسؤولني يقترحون عقد مؤتمر جينيف كغاية بذاتها ،على الرغم من كون الفكرة أنسب كي تكون جزء من استراتيجية أكبر» .وأضاف« :البعض اآلخر يعطون أهمية ألمن األسلحة الكيماوية وتحييد دور عناصر (تنظيم) القاعدة ،وهي حجج يستخدمها بشار األسد الستعراض الفوائد املزعومة النتصاره ،متجاهلني طبعا التعاون الطويل األمد بني االستخبارات السورية و(القاعدة) في العراق». وختم هوف« :قبل استشارة الكونغرس والحلفاء (حول سوريا) ،األجدى باإلدارة أن تقرر داخليا في ما بينها ما الذي تريد تحقيقه في سوريا ،وكيف تنوي تحقيقه» .يضاف إلى اضطراب السياسة الخارجية لباراك أوباما عموما ،موقف «التحرريني» ،وهؤالء محسوبون على الحزب الجمهوري ،الذي تستهويه عادة مغامرات الخارج وتدخل أميركا عسكريا حول العالم .لكن «التحرريني» يعتقدون أن تقليص حجم ودور الحكومة األميركية يجب أن يشمل القوة العسكرية والسياسة الخارجية .ويعكف «التحرريون» منذ ورود أنباء عن إمكانية قيام إدارة أوباما بتسليح ثوار سوريا على استعادة تجربة أفغانستان في الثمانينات ،ويتهمون ،غالبا من دون أي دالئل ،الثوار السوريني باالنتماء إلى تنظيمات متطرفة ،مثل تنظيم القاعدة.
,,
16
وفي كل مرة تعثرت إدارة أوباما في السياسة الخارجية ،كان إغناتيوس املعروف بعالقاته مع إدارة أوباما وداخل وكالة االستخبارات املركزية (سي آي إيه) ،من أول املدافعني واملبررين ألوباما .لكن إغناتيوس كتب مقالة مؤخرا حملت عنوان «سياسة أوباما املحيرة في الشرق األوسط» ،حمل فيها بشدة على الرئيس األميركي لقطعه وعودا بتسليح املعارضة السورية ،بينما يقول املعارضون إنهم لم يتسلموا أي أسلحة حتى اآلن.
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
لكن حتى الحزب الجمهوري نفسه ال يبدو في عجلة من أمره للتدخل في سوريا .ولو وضعنا جانبا موقف السناتور الجمهوري املخضرم جون ماكني في دعمه لثوار سوريا ،لرأينا أن الجمهوريني مترددون مثل «اليسار الليبرالي» و«التحرريني» ،فالحزب الجمهوري يحب عادة مصادقة الديكتاتوريات العسكرية التي يمكن أن تخدم املصالح األميركية .أما أبرز دليل على ذلك فظهر عندما قام عضو الكونغرس عن الحزب الديمقراطي اليوت انغل بتقديم مشروع قانون في الكونغرس يدعو إدارة أوباما إلى مساندة ثوار سوريا. انغل وجد نفسه في موقع محرج عندما مر أكثر من أسبوع من دون أن يتقدم أي من زمالئه الجمهوريني لدعم املشروع ،على الرغم من االعتقاد السائد أن الجمهوريني هم من يرغبون في تدخل أميركا في سوريا .وبعد مرور أسبوع، وتفاديا للمزيد من الحرج النغل ،أضاف عضو الكونغرس ورئيس لجنة ثان للقرار ،الذي غرق في اللجان من االستخبارات مايك روجرز اسمه كعراب ٍ دون أي أفق بسبب غياب الدعم السياسي له. وكما في مجلس النواب ،كذلك في مجلس الشيوخ ،قدم زعيم «التحرريني» السناتور راند بول نص قانون باالشتراك مع زميل جمهوري وزميلني ديمقراطيني ،على أثر تلميح إدارة أوباما إلى نيتها تزويد الثوار السوريني بالسالح .وطالب مشروع القانون إدارة أوباما بالبقاء بعيدة عن األزمة السورية تفاديا للغرق «في حرب شرق أوسطية جديدة» .هكذا يعارض «اليسار الليبرالي» التدخل األميركي في سوريا ألسباب يعتقدها مبدئية، ويعارض «اليمني املحافظ» التدخل األميركي في سوريا ألنه ال يؤمن بوجود أسباب تتعلق باملصالح القومية األميركية توجب التدخل ،وينضم إلى الكتلتني الكبريني« ،التحرريني» الذين يعارضون دور أميركا حول العالم ككل. كل هذه املعارضة مقرونة باستطالعات رأي تظهر معارضة شعبية ألي تدخل أميركي في سوريا ،وشخصية أوباما املترددة وسياسته الخارجية املبعثرة ،أدت حتى اآلن إلى بقاء أميركا بعيدة عن الوضع السوري ،إال من باب الدبلوماسية وتقديم املساعدات اإلنسانية لالجئني. وقد يلحظ التاريخ أن كل تدخل أميركي خارجي ،إن كان إلخراج صدام حسني من الكويت أو إلنهاء املجازر في كوسوفو ،يبدأ بالضرورة عند الرئيس األميركي ،الذي «يأخذ القضية إلى الرأي العام» ويعمل على حشد التأييد لها ،ومن ثم على كسب تأييد الكونغرس .حتى عندما كانت أميركا على أهبة االستعداد للذهاب إلى الحرب على أثر اعتداءات 11سبتمبر (أيلول) ،حتى لو كانت حربا ضد مجهول ،لم يكن هناك بد من وقوف الرئيس جورج بوش االبن أمام شعبه لحثه على تأييد الحرب .وحتى في ذلك الحني لم يقدر بوش على أخذ أميركا إلى حرب في العراق على ظهر 11سبتمبر وحرب أفغانستان ،بل اضطرت إدارته إلى تقديم رواية حول امتالك صدام حسني ألسلحة دمار شامل ،ثبت عدم صحتها .اليوم، أوباما مضطرب وسياسته الخارجية محيرة ،وال يبدو أنه مستعد إلنفاق أي رصيد سياسي من أجل إنقاذ السوريني من املجازر التي تلحق بهم. في نفس الوقت ،يقود «اليسار الليبرالي» حملة ضد التدخل األميركي في سوريا ،ويعكف على التحذير من الغوص في حرب كالعراق أو تسليح فصائل قد يتبني أنها متطرفة. وينضم إلى اليسار األميركي «التحرريون» الذين يشاركون في الدعاية ضد التدخل في سوريا ،بينما يقف «اليمني املحافظ» متفرجا وموافقا ،حتى لو لم يشارك في الحملة ضد مجهود عسكري ال يبدو أن أوباما ينوي أصال القيام به <
أنفسهم تسميات هي :جمهوريون ،ويمينيون ،ومحافظون. والديمقراطيون مذاهب متعددة ،تتراوح بني االشتراكيني وممثلهم عضو مجلس الشيوخ بيرني ساندرز ،الذي ال ينتمي إلى أي من الحزبني ،ولكنه يصوت غالبا إلى جانب الكتلة الديمقراطية ،و«الليبراليني املعتدلني» أو «يسار الوسط» ،وهم الغالبية في الحزب الديمقراطي. أما الرئيس باراك أوباما فيعتقد كثيرون أنه ينتمي إلى «اليسار الليبرالي»، أي أنه أقرب إلى اليسار من الوسط ،والدليل أن مشروعه الرئاسي املدلل كان قانون الرعاية الصحية ،الذي وسع تغطية الضمان الصحي لتشمل كل مواطن أميركي ،وهو ما دفع معارضيه الجمهوريني إلى أن يطلقوا عليه لقب «الرئيس االشتراكي». أوباما ،و«اليسار الليبرالي» األميركي عموما ،يتمسكون بفكرة أن الحكومة «هي قوة من أجل الخير» ،تعمل على تقليص الهوة بني الفقراء واألغنياء، وتأمني التعليم والطبابة وفرص العمل للفقراء ،وتتكفل بحاجات املتقاعدين، وتحمي املستهلكني من ممارسات الشركات الكبرى كالبنوك ،وتسعى للحفاظ على البيئة ،وذلك يتم عبر إقرار التشريعات وفرض رقابة على عمل الشركات واملصانع ،وفرض ضرائب على امليسورين. هذه الرؤية تتناقض مع الجمهوريني املحافظني الذين يطالبون بحكومة ذات دور أصغر بكثير ،ال تتدخل بعمل القطاع الخاص ،وال تمارس رقابة ،وتلغي التشريعات ،وتخفض الضرائب من أجل تحفيز الشركات واملصانع ،وال تلعب أي دور «الختيار فائزين وخاسرين» في السوق ،على حد تعبيرهم، وال تتكفل بأي رعاية اجتماعية أو صحية أو تعليمية ألن ذلك ،حسب رأي اليمني« ،يشجع على البالدة والكسل» ،بينما عدم تقديم رعاية حكومية يحفز األشخاص على العمل. والالفت في األمر أن مواقف الطرفني« ،اليسار الليبرالي» و«اليمني املحافظ»، تنقلب تماما عند الحديث عن السياسة الخارجية .بالنسبة إلى «اليسار
الليبرالي» ،املطالب بعدالة ترعاها الحكومة على األقل ألسباب إنسانية ،تنتهي العدالة عند حدود الواليات املتحدة األميركية ،إذ يصر اليساريون على ما يشبه «عزلة» أميركا وعدم تدخلها في شؤون العالم ،حتى لو كان ذلك من أجل وقف مجازر أو ألمور إنسانية .والغريب في األمر أن موقف اليساريني ال يتناسب أبدا وفلسفتهم حول «التكافل اإلنساني» وضرورة مساعدة املحتاجني ،فأميركا دولة صاحبة إمكانات واسعة ،وبإمكانها مد يد العون لدول كثيرة ،عسكريا وسياسيا واقتصاديا ،وفلسفة كهذه تتفق مع رؤية «اليسار الليبرالي» في الداخل ،ولكنها لسبب ما ال تشمل نظرتهم إلى الخارج ودور أميركا .ويتمسك «اليساريون الليبراليون» بمبدأ «النسبية الثقافية»، أي أنهم يعتقدون أن لكل شعب الحق ،ليس في تقرير مصيره فحسب ،بل حق اختيار نظم وقوانني حتى وإن كانت هذه ال تتناسب مع مواثيق دولية مثل شرعة حقوق اإلنسان .ومن شاهد فيلم «آفاتار» قد يالحظ أن انحياز هوليوود ،التي يسيطر عليها اليسار األميركي ،كان ضد املجموعة املتفوقة تكنولوجيا واقتصاديا وعسكريا وإلى جانب الشعب البدائي الذي يسكن الشجر ويركب الطيور ويعيش في تنظيم قبلي ما قبل حداثي.
القضية السورية هكذا ،تصبح كل شؤون العالم «نسبية» عند «اليسار الليبرالي» ،أي أنه ال يوجد «صح أو خطأ» ،وال شأن للعالم أو أميركا في التدخل بها ،فإن أراد بعض شعوب جنوب شرقي آسيا تزويج أوالدهم وهم تحت السن القانونية املتعارف عليها دوليا فال بأس في ذلك ،إذ على العالم احترام هذه التقاليد. وإن انخرط شعب ما في زواج القربى ،وهو محظور عامليا كذلك ،فال بأس عند معظم «اليساريني الليبراليني» األميركيني .و«النسبية الثقافية» هذه تنطبق على الشؤون السياسية ،فإن أراد شعب ما العيش في ظل ديكتاتورية عسكرية ،فهذا شأنهم. هذا النوع من االبتعاد عن شؤون العالم هو الذي يحدد سياسة «اليسار الليبرالي» عموما ،وباراك أوباما خصوصا ،نحو األزمة في سوريا ،فالثورة
باراك اوباما
,,
اليوم أوباما مضطرب وسياسته الخارجية محيرة وال يبدو أنه مستعد إلنفاق أي رصيد سياسي من أجل إنقاذ السوريني من املجازر التي تلحق بهم
,,
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
15
شؤون سياسية
يروى أنه على أثر االنقالب الذي قام به عبد الكريم قاسم وأطاح بامللكية الهاشمية في عام ،1958استقدم الجنرال العراقي عددا من الخبراء السوفيات لدراسة وتنفيذ بعض املشاريع .وعمال بتقاليد الضيافة العربية ،قام أحد الخبراء العراقيني بدعوة نظيره السوفياتي ملأدبة عشاء في منزله .بعد العشاء ،التفت الخبير السوفياتي حوله وسأل مضيفه« :من يملك هذا البيت؟» ،فأجاب املضيف« :أنا» .وسأل الضيف« :وملن السيارة؟» ،فأجاب الضيف« :لي». وسأل« :ماذا عن الثالجة؟» ،فأجاب املضيف العراقي« :لي كذلك» .هنا استوى الخبير السوفياتي في مقعده وسأل: «إذن ملاذا قمتم بثورة؟».
قراءة في موقف اليسار األميركي من األزمة السورية
دميقراطيو ريغان بقلم: حسني عبد الحسني
,,
بعد انهيار «املعسكر الشيوعي» توزع الشيوعيون السابقون على املذاهب اليسارية املختلفة التي وجدت نفسها تميل إلى األفكار اليمينية
,,
هكذا كان «اليسار العاملي» .لم يكن يوما شيوعيا خالصا ،كما تصوره البعض ،ولم تكن الشيوعية من طراز واحد أصال ،إذ هي لطاملا انقسمت بني تروتسكيني وماويني وغيرهم .ثم كان هناك االشتراكيون ،و«اليسار الديمقراطي» ،و«الخضر» ،و«الفوضويون» ،وهؤالء يتشاركون مع «التحرريني» في أقصى اليمني في عدائهم للحكومات .كذلك عند اليمني ،هناك يمني محافظ ،ويمني وسط ،ويمني ليبرالي ،وما إلى هنالك من تسميات تتراوح على سلم عقائدي ينقسم إلى يمني ويسار. على أن املفهوم القائم هو أن اليمني محافظ عموما ،يتمسك بالتقاليد السائدة، بينما اليسار تقدمي غير تقليدي ،يناطح «االستابلشمنت» ويحاول غالبا استبدالها ،وهذه صورة موروثة من األيام األولى للثورات البريطانية ،حيث جلس مؤيدو امللك إلى يمينه ،ومعارضوه إلى يساره .أما امللك نفسه ،أي الوسط ،فهو يختلف في وسطيته بني دولة ودولة ،وبني تجربة وتجربة، وبني حكم وحكم ،فالوسط في الواليات املتحدة وبريطانيا هو بحكم اليمني بالنسبة للوسط في أملانيا وفرنسا. وبعد انهيار «املعسكر الشيوعي» مع انهيار االتحاد السوفياتي في عام ،1990توزع الشيوعيون السابقون على املذاهب اليسارية املختلفة ،التي وجدت نفسها تميل إلى األفكار اليمينية االقتصادية الرائجة في حينه ،فحزب العمال البريطاني بزعامة توني بلير ،كأحزاب يسارية كثيرة حول العالم، أكمل في رئاسة الحكومة البريطانية ما كانت بدأته سلفه مارغريت ثاتشر اليمينية من حزب املحافظني ،وكذلك بيل كلينتون من الحزب الديمقراطي اليساري أميركيا ،تبنى البرنامج االقتصادي لسلفيه الجمهوريني اليمينيني رونالد ريغان وجورج بوش األب. هكذا ،تابع كل من بلير وكلينتون في برامج «ترشيق الحكومة» عبر تقليص اإلنفاق وبرامج الرعاية االجتماعية ،وتحفيز القطاع الخاص ،وخصخصة مرافق الدولة ،وإلغاء التشريعات ،وكل هذه سياسات ال تروق ألهل اليسار، الذين يحبذون أن تلعب الحكومة دور الراعي االجتماعي ،وأن تعمل على توزيع الدخل ،وضمان العدالة االجتماعية ،وتقليص الفوارق الطبقية.
الليبرالية مذهب يميني الرئيس االميركي االسبق رونالد ريغان
14
في تسعينات القرن املاضي ،تخلى كلينتون وبلير وحكومات يسارية حول العالم عن دور الحكومة في الرعاية االقتصادية واالجتماعية ،وتبنوا األفكار
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
َّ اليمينية االقتصادية في التراجع ملصلحة القطاع الخاص .لكن ما لم تتبنه الحكومات اليسارية هو األفكار الدينية واالجتماعية اليمينية ،فاليمني بطبعه محافظ ،أما «اليسار الليبرالي» الناشئ في حينه ،أو كما أطلق على نفسه في مطلع األمر في الواليات املتحدة اسم «ديمقراطيو ريغان» ،فحافظ على مواقفه لناحية اإلصرار على فصل الدين عن الدولة ،وتأييد حرية املرأة حتى لو تعارض ذلك مع األعراف االجتماعية ،ومحاربة القوانني التي تحظر بعض املمارسات كمثلية الجنس. والليبرالية أصال هي مذهب يميني ،يعتقد أن أول واضعيها هو الفيلسوف واالقتصادي النمساوي لودفيغ فون ميسيس ،وهي تعتمد بشكل أساسي على مبدأ «الحرية الفردية» ( ،)Libertyوهذه الحرية هي في صراع دائم مع التنظيم االجتماعي الذي تنشأ عنه الدولة ،لذا نرى أن مناصري هذا النوع من الحرية يدعون إلى إلغاء الحكومات وتشريعاتها ،واالعتماد على القطاع الخاص فقط. وألن هؤالء الليبراليني يعارضون دور الدولة في املجتمع ،فهم يعارضون القوانني االجتماعية ،ما يعني أنهم يتفقون مع أهل اليسار في منح الحرية للمرأة واملثليني وغيرهم ،وهو ما يجعل من هؤالء يمينيني اقتصاديا يساريني اجتماعيا في الوقت نفسه .أما أهل «اليسار الليبرالي» ،فهم يتمسكون بدور الدولة االجتماعي على الرغم من دعوتهم إلى ترشيقها اقتصاديا ،وهذا ما جعلهم في اختالف عن «اليمني الليبرالي». في املحصلة ،اكتسب أهل اليسار تسمية «اليساريني الليبراليني» بينما تحول اسم الليبراليني اليمينيني من مؤيدي ميسيس ،وتلميذه االقتصادي النمساوي املشهور فريدريك فون هايك ،إلى «تحرريني» ،وصارت كتابات ميسيس وفون هايك ،املعروفة أيضا باملدرسة االقتصادية النمساوية، تكتسب تسمية «الليبرالية الكالسيكية» ،لتمييزها عن «نيوليبرالية» ثاتشر وريغان االقتصادية التي تبناها يساريون.
يسار الوسط مع نهاية عهد كلينتون تالشت تسمية «ديمقراطيو ريغان» ،واحتفظ الديمقراطيون بثالثة ألقاب ،يستخدمونها منفردة أو متصلة ،هي: الديمقراطيون ،واليساريون ،والليبراليون .أما املناوئون فيطلقون على
الجماعات ملا أسهمت في إسقاط نظام حكم القذافي وتركت في متناولها ترسانة مرعبة من األسلحة وهي بالتالي قد تندم الحقا إذا ضربت مصالحها في الصحراء األفريقية بهذه األسلحة. في السياق ذاته وحيال املوقف من الحرب على معاقل الجهاديني في مالي كانت السلطات التونسية قد أعلنت في البداية رفض التدخل العسكري الفرنسي في مالي من منطلق رفض التدخل األجنبي في الشؤون الداخلية للبلدان األفريقية والتمسك بمعالجة مشاكل هذه البلدان داخل اإلطار األفريقي.. وهو موقف راجعته الحكومة التونسية عندما تبني لها الحقا أن سلطة الحكم في مالي هي التي طلبت التدخل الفرنسي لصد الخطر الزاحف. الالفت لالنتباه أن الجزائر التي تجمعها مع مالي حدود تمتد على طول أكثر من ألف كيلومتر قد فتحت مجالها للطائرات الحربية الفرنسية لتعبر في اتجاه مالي كما أن الجزائر وعكس تونس ترفض رفضا قطعيا الحوار مع الجهاديني.
أمن تونس غير أن املوقف في تونس من السلفيني الجهاديني ليس باملرونة التي قد يتصورها البعض ،ذلك أن حكومة النهضة الحاكمة ترى حسب مصدر حكومي أن ملف السلفية الجهادية حاضر في صلب اهتماماتها وأن الحل ال بد أن يكون جذريا وسلميا وتعتبر أن وضع رقابة على املساجد كفضاء تحرك لهؤالء
الجهاديني مرحلة ضرورية وملحة وأنه ال بد أن تكون دور العبادة تحت سيطرة وزارة الشؤون الدينية ملنع نشر الفكر القتالي والجهادي باإلضافة إلى التدقيق في أسماء الدعاة الذين يزورون تونس ومنع املتشددين منهم من نشر الفكر التكفيري والدعوة إلى القتال. ومن ناحية أخرى فإن أوساطا حكومية تشير إلى أن الحل األمني مطلوب وأن محاسبة حاملي السالح دون رخصة مسألة ضرورية مع ضمان شروط املحاكمة العادلة واحترام حقوق اإلنسان في مرحلتي اإليقاف والسجن وأن التوعية والحوار عبر الجدل الفكري والعلمي الشرعي ال غنى عنهما في كل األحوال وقبل الحزم والعقاب. واليوم وبعد عامني ونصف من حصول الثورة في تونس ومع اتساع هامش الحرية وتزايد األحزاب ذات التوجه اإلسالمي والتي منها املعتدل والراديكالي والقانوني والرافض للتعامل مع السلطة يجدر التساؤل ..هل سيكون الجهاديون املعروفون باسم «أنصار الشريعة» أوفياء ملا يكررونه دائما من أنهم مدنيون سلميون يقبلون باآلخر ويتعايشون معه ويهمهم أمن تونس ورقي مجتمعها وأن تونس هي أرض دعوة وليست أرض جهاد؟ أم أنهم سيعمدون إلى التمرد على الدولة والتكفير والتقتيل إذا تأكدوا من تخلي الحكومة عن املشروع اإلسالمي ويئسوا من تطبيق الشريعة؟ < * محلل سياسي تونسي
مؤتمر صحافي لقادة تنظيم انصار الشريعة في العاصمة التونسية تونس (مارس)2013/
,,
قررت السلطة حظر الفكر التكفيري في املساجد ومنع الدعاة املتشددين من زيارة تونس
,,
ّ الحوارية في التلفزيون التونسي "الوطنية األولى" رئيس قسم البرامج
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
13
شؤون سياسية
ظهرت السلفية الجهادية في تونس بشكل علني قبل عامني مستفيدة من مناخ الحرية الذي أوجدته الثورة في تونس وهي تتجسد في ما يعرف اليوم بـ«أنصار الشريعة» وهو تنظيم كما يدل عليه اسمه يهدف إلى تطبيق مبادئ الشريعة اإلسالمية في املجتمع التونسي وله أتباع وأنصار يحسبون بعشرات اآلالف.
أنصار الشريعة في تونس ..تتبنى فكر القاعدة ..وال تعترف بالحكومة
مترد جهادي بقلم: بوبكر بن عمر *
,,
الحكومة تصر على احترام القانون واملعارضة تتهم «النهضة» بالتساهل مع السلفيني
,,
12
كان الجهاديون يعملون في تونس ،في سرية إلى 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2007تاريخ أحداث مدينة سليمان غير البعيدة من العاصمة وهي أحداث مثلت املنعرج األكبر لبروز التيار السلفي الجهادي في تونس رغم القبضة األمنية القوية للرئيس السابق بن علي حيث تجرأت مجموعة من الجهاديني الشباب على األمن التونسي ونازلته ملدة أسبوعني قبل أن يقتل منهم 15شابا ويعتقل عشرات آخرين. وبعد ثورة الرابع عشر من يناير (كانون الثاني) أتت أحداث (الروحية) بمحافظة سليانة ،ثم (بئر علي بن خليفة) بمحافظة صفاقس وآخرها أحداث (جبل الشعانبي) بمحافظة القصرين املتاخمة للحدود مع الجزائر. وهي أحداث اتهم فيها السلفيون ولكن البعض يشكك فيها ويعتبرها تهويال من اإلعالم وتحريضا ضد السلفيني والحكومة معا ..يذكر أن قيادات «أنصار الشريعة» تعتبر نفسها تنظيما سلميا ينبذ العنف وحمل السالح وما صفة «السلفية الجهادية» إال للتمييز فقط وليست دليال على تيار يتبنى العنف منهجا.. ويستدل هؤالء على أنهم يريدون العيش في املجتمع ومع عامة الشعب بأنهم يقدمون الكثير للناس وللصالح العام في صمت وبعيدا عن الضجيج اإلعالمي فمن توزيع األغطية الصوفية شتاء على سكان الجبال إلى حمالت تنظيف الشوارع واألحياء السكنية وحماية املمتلكات العامة والخاصة عند حصول أعمال عنف ونهب وإيواء الالجئني الليبيني وتقديم الخيام واألغذية لهم باإلضافة إلى األعمال الدعوية.
تبني فكر «القاعدة» كما ترى قيادات «أنصار الشريعة» أن املعارضة "تحشر" هذا التيار في صراعها مع الحكومة وتتهمها بالتساهل مع الجهاديني والتغاضي عن تحركاتهم الدعوية في املساجد وخارجها وفي املقابل فإن أنصار الشريعة كثيرا ما صرحوا بأنهم ال يعترفون بحكومة ال تحتكم إلى شرع الله وال تستند في حكمها إلى القرآن والسنة ولكن هذه الحكومة تدرك جيدا أن هذا التنظيم يتبنى فكر «القاعدة» وقد تكون له صلة بها ويؤمن بالجهاد كسبيل للوصول إلى إقامة الدولة اإلسالمية في مرحلة الحقة وتعتبر أن املواجهة معه قادمة ال محالة وهو ما صرح به
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
علي العريض (رئيس الحكومة الحالي) ملا كان وزيرا للداخلية. ومما يميز التيار السلفي الجهادي في تونس أنه يعتبر أن تونس هي أرض دعوة وليست أرض جهاد وهو موقف يتكرر في كل املنابر واملناسبات وهو أيضا موقف يتوجه إلى الحكومة التي تقول دائما إنها متمسكة بتطبيق القانون على أي جماعة تتبني إدانتها ومخالفتها للقانون فقد قال رئيس الحكومة السيد علي العريض في مايو (أيار) املاضي إن تيار أنصار الشريعة هو «تنظيم غير قانوني وإذا أراد أن يعيش حرا فليترك العنف أما من يحرض أو يمارس العنف أو يخل بالنظام فسنمنعه بالقانون».. ..وواضح أن الحكومة التونسية تنظر إلى السلفيني الجهاديني ضمن نظرة شاملة للخطر اإلرهابي املحتمل والذي يهدد املنطقة كلها والتي عرفت منذ سنوات تأسيس تنظيم القاعدة ببالد املغرب اإلسالمي وتنسق الحكومة مع بلدان الجوار املعنية بهذا امللف تنسيقا دقيقا وعيا منها بأن الترابط بني الجهاديني في هذه البلدان أمر مؤكد.. يذكر أن تنظيم القاعدة ببالد املغرب اإلسالمي تفرع عن الجماعة السلفية الجزائرية للدعوة والقتال منذ ست سنوات هذا التنظيم انسحب من شمال الجزائر إلى جنوبها بسبب املالحقة العسكرية واألمنية. وإذا كان الكثيرون يقللون من تأثير وقوة هذه الجماعة في السنوات املاضية فإن هذا الرأي تغير بعد سقوط نظام القذافي وحصول مقاتلي التنظيم على كميات هائلة من األسلحة خلفتها كتائب القذافي عند هروبها إما من الثوار وإما من غارات حلف األطلسي ..وكانت السلطات التونسية تعي جيدا أن كميات من هذه األسلحة ربما تكون تسربت عبر عصابات التهريب إلى تونس وتدرك أن هذه الجماعات تخزن السالح لتستعمله عندما تقرر ذلك.. وباإلضافة إلى السالح حصل مقاتلو تنظيم القاعدة في بالد املغرب اإلسالمي على أموال طائلة كفدية مقابل تسليم رهائن غربيني إلى بلدانهم (فرنسيون وأملان وإسبان وإيطاليون وغيرهم) ويرى محللون هنا أن دول الغرب هي التي سمحت بتسلح هذه
الوضع الليبي من منطلقات ليبية ،بل هو إعالم له مشاربه املختلفة ويثير ما يصلح به فقط. كذلك الفوضى فيما يتعلق باملجتمع املدني الذي ال يملك األدوات الكاملة لكي يكون مدنيا ،فمؤسسات املجتمع املدني التي تخدم املواطن وتكون وصلة مهمة بينه وبني مؤسسات الدولة غائبة إلى حد كبير ،ربما لعدم وجود خبرة كافية في العمل املدني وربما بسبب عدم معرفة آلياته .هذا الخضم يجعل الحكومة واملؤتمر متخبطني في تسيير مصالح البالد ،وتجعلهما يبرزان كأضعف مكونني في ليبيا. فالحكومة مشتتة وضعيفة في مقابل قوة السالح واملصالح الحزبية والجهوية ،واملؤتمر مشتت في داخله ألسباب عدة ،منها عدم قدرة كثير من أعضاء املؤتمر على ملء أماكنهم ،فاملؤتمر ال يمارس دوره كناطق باسم الشعب الذي اختاره وال ينفذ املطلوب منه من استحقاقات تخص املرحلة، فقد تحول املؤتمر إلى تجمع ال هوية عملية له ،أما هويته النظرية فهي كونه السلطة التشريعية ،هذا إلى جانب ما يعانيه من جهل ومن املصالح الخاصة والقبلية والجهوية والحزبية التي تثقل كاهله وتجعله شبه عاجز.في هذا الجو املليء بالفوضى يضيع الحوار فال يجد له طريقا ،ألن الدولة عاجزة عن إدارة هذا الحوار ،أما االعالم واملجتمع املدني فهما مثل الوهم. ماذا تبقى من أدوات للحوار؟ النخب؟ ربما ،لكن أكثر النخب هي األخرى غير مجتمعة بشكل واضح ،فالنخب السياسية تعمل كل فئة منها ألجل مصالحها املوهومة ،والنخب الثقافية ذابت في الفوضى العامة فال يوجد لها أثر واقعي ،بل إن معظم النخبة املثقفة تحولت إلى كتل من الكآبة والنكد والسلبية أو ركنت إلى مصالحها.
تشخص الحالة وتدرسها وتقدم واقعا مبنيا على معلومات حقيقية لكي تكون هناك إمكانية التحليل على أساسها ،وهذا التحليل يجب أن يكون في املجاالت املختلفة التي ربما يستطيع من يقدموه أن يصلوا إلى مقترحات يتم تقديمها إلى طاولة أو طاوالت الحوار في الشارع الليبي .إن ما يجري هو تداعيات طبيعية ملا حدث من ثورة قلبت الدنيا على النظام السابق ،والوقت كفيل بحل كثير من هذه التداعيات لالقتراب من سكة قطار يتجه نحو البناء.
أما النخب االجتماعية فتقع ضحية للقبيلة أو الجهة وقد تفتقر حتى إلى
املعرفة ،فمصطلح الحكماء مثال صار كاملوضة ،وهذا يجعل من قد يتصفون هل من بصيص أمل؟
بالحكمة استثناء من هذا كله فال يجدون طريقا لهم ليكونوا فاعلني بالحكمة. هذه الفوضى كرست انتهاكات حقوقية وانتهاكات مالية وانتهاكات تصيب الحرية وحق ممارسة التعبير.
هناك أدوات جاهزة تحتاج إلى دعم ،وأهم أداة هي حكومة علي زيدان ،فهناك رأي قوي يؤكد أن هذا الشخص لديه أدوات ومهارات تؤهله أن يقدم شيئا مما هو مطلوب منه ومن حكومته .هذه الحكومة نجحت إلى حد كبير في الفترة السابقة على الرغم من عدم تسلمها امليزانية التي تتحرك بها ،غير أن كثيرين يستعجلون كالعادة ويريدون أن يروا نتائج بشكل مباشر.
هذه القيمة هجمت عليها القبيلة والجهة والتوجه الفكري فصارت ضحية ألنانية املدن والجهات واأليديولوجيات ،وما خفي من انتهاكات في حقوق االنسان أكثر بكثير جدا مما تم اكتشافه .ظهرت مصطلحات املدن الثائرة، وهو ما جعل مدنا غير ثائرة هدفا مشروعا للمدن الثائرة ،وكذلك مصطلح املركزية الذي جعل معظم البالد تشعر بالتهميش واإلبعاد ،فاملركزية من مخلفات النظام املنهار وكذلك من مخلفات املجلس الوطني االنتقالي الذي سارع إلى تهميش الشرق الليبي بمجرد إعالن التحرير ،وهو ما جعل جميع القياديني في الدولة يتمسكون باملركزية وكأنهم يخافون من ضياع هيبة الدولة التي لم توجد أصال.
املطلوب أوال من هذه الحكومة االهتمام بالنواحي األمنية ،بدءا من تأمني الحدود التي تتعرض لالنتهاكات ،وكذلك العمل على تكوين مؤسسات أمنية والجيش وأجهزة املخابرات ،وهذا التحدي هو أكبر التحديات ألن املسلحني والثوار يعتبرون في جوانب معينة عوائق قوية وفي جوانب أخرى من عوامل املساعدة الجيدة .الحكومة كذلك استطاعت أن تجعل كثيرا من أعضاء املؤتمر الوطني يقفون على ضعفهم وعجزهم أمام حكومة هي أقدر منهم ،فمن أعضاء املؤتمر من اعترف بذلك ،في وقت كان ينبغي أن يكون املؤتمر الداعم األول واألهم واملراقب الدقيق ألعمال وتحركات الحكومة.
حقوق االنسان
يرى مراقبون كثر أن االنتهاكات املالية بعد الثورة فاقت بكثير االنتهاكات التي كانت في عهد النظام املنهار ،فعندما تضيع ميزانية كاملة قيمتها عشرات املليارات في أقل من ثمانية أشهر ،هذا يعتبر كارثة بجميع املقاييس ،قياسا إلى االنتهاكات التي كانت قبل ذلك .االنتهاكات املالية تكونت بقوة السالح وباملزايدات وبعدم وجود منظومة تكشف بشفافية أوجه الصرف. املزايدات التي انتهكت تلك األموال ،منها مزايدات باسم الدين ومنا مزايدات باسم الثورة ومنها مزايدات باسم الحقوق ،وهي في مجملها أنواع شتى من الوصاية التي تجعل كل صاحب قوة يلوح بعصى وصايته على مصالح البالد والناس.هذه املقالة قد تبدو في شكلها فوضى حقيقة ،وهي تأثر طبيعي بتلك الفوضى التي تحدثت عنها ،لذلك فإن األمر يحتاج إلى عقول باردة متجردة
من وسائل العالج املهمة هي الوقت ،فمن وسائل العالج املربوطة بالوقت مثال هو أننا نرى كثيرا من املصلحيني ،سياسيا واجتماعيا وجهويا وإعالميا وحزبيا ،ينكشفون أمام أنفسهم وأمام الجميع من خالل مواجهات تكشف ضعفهم ومصلحيتهم وتجعلهم ربما يقتنعون باالنسحاب وترك املجال أمام األقدر منهم .وحتى يقتنع الليبيون بأهمية الوقت يحتاجون إلى الصبر واملتابعة الدقيقة والهمة حتى يصنعوا مؤسسات اجتماعية تناقش قضايا خطيرة ،منها سحب السالح وتنظيمه وتوفير مجاالت عمل ودعم الحكومة بطريقة حذرة .كذلك على الليبيني أن يفكروا أنهم جزء من هذا العالم الذي وقف معهم وقت الثورة ،خصوصا أن هناك كثيرا من املنظمات الدولية مازالت تعرض خدمات يحتاجها الليبيون من أجل البناء<
الليبيون هم أول من وضعوا راجمات الصواريخ على السيارت الصحراويه في حرب تشاد ( )1987 / 1979ومنذ ذالك الوقت وهي تثبت على السيارات في ليبيا
,,
االنتهاكات املالية بعد الثورة فاقت بكثير االنتهاكات التي كانت في عهد النظام املنهار
,,
* كاتب وشاعر ليبي
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
11
شؤون سياسية
يصعب توصيف ما آلت إليه األمور في ليبيا خالل الفترة منذ إعالن التحرير إلى يومنا هذا ،فاألولويات التي يتحدث عنها الناس مختلفة باختالف طلبات كل فئة أو جهة أو ربما منطقة .هناك عجز عام عن التحرك بانتظام ،ألن تداعيات الثورة جاءت من أصول نشأت منذ اتخاذ القرار غير املدروس عندما تم تأسيس املجلس الوطني االنتقالي الذي تكون بشكل فيه نوع من التلقائية بحكم الظرف حينها .لكن هناك من يقول إن املشكلة ربما بدأت منذ كانت العشوائية في وضع خارطة الطريق في ذلك الوقت.
الفوضى في ليبيا وضرورة املراجعة
إصالح بقوة السالح بقلم: أحمد مصطفى الرحال *
,,
قانون العزل السياسي والصراع الذي حوله ّ ولد نوعا من النفاق ونوعا من الوصاية ونوعا من االستسالم
,,
10
على الرغم من االتفاق على عموميات تمثلت في ضرورة رسم خارطة طريق تفضي بالبالد إلى وضع دستور بشكل مبدئي يكون منه األساس في معرفة معالم الدولة ،غير أن االستعجال ،كما يرى كثيرون ،كان ومازال سمة بارزة في املشهد الليبي ،وكذلك الخلط في التسميات وعلى رأسها مصطلح الثوار الذي أربك الوضع. تزايد عدد الثوار بطريقة مخيفة ،خصوصا أن هذه الصفة صارت الزمة ملن يحمل السالح ،وكأن هؤالء جميعا حملوا السالح فعال ضد القذافي ونظامه، وتداخلت اتهامات تحولت إلى معارك بني من أسموا أنفسهم بالثوار وبني من يسمونهم باألزالم .وتهمة األزالم باتت تهمة جاهزة يمكن توجيهها إلى كل من خالف توجهات الثوار التي تعددت مشاربها. وعند التركيز على ما يثار من كالم حول الثوار واألزالم نجد املشهد صار هالميا ،حيث صار من الصعب تصنيف من هم الثوار ومن هم األزالم ،وماذا يريد كل صنف مزعوم .وبني هذا وذاك ظهرت إضافات ملصطلح الثوار، فهناك من يضيف مفردة (حقيقيون) إلى الثوار في محاوالت ألسباب مختلفة لكشف هوية من يسمونهم أشباه الثوار .ووسط هذا كله يفرض الواقع قوة السالح ،لكي تكون هي الشرعية الواقعية ،فالسالح يمنع كل من يريد التأسيس ألي شيء ،سواء أكان هذا الفعل من أجل البناء أم كان من أجل استغالل الفوضى ملصالح حزبية أو جهوية أو قبلية .وهنا يبدو ضروريا الحديث عن قضايا تبدو واضحة في معمعة الفوضى العارمة ،من هذه املسائل ،قانون العزل السياسي.
قانون العزل السياسي
في وجه أي ليبي ،سواء أكان من الثوار أم من الذين ساندوا الثورة أم من الذين لم يشاركوا على األقل في ظلم وقهر الليبيني عموما. العزل السياسي بهذه الطريقة ،كما يرى مراقبون ،سيطول حتى من كانوا ضحايا النظام من الشهداء ومن الذين أخفاهم النظام قسرا ،ومن انشقوا في زمن الثورة ومن عارضوا النظام املنهار في وقت سابق .وهناك من يرى أن قانون العزل السياسي جاء مشوها من جوانب عدة ،وأول جانب هو إقرار تحصني هذا القانون من قبل صدوره ،وجانب آخر له عالقة بمن يشملهم القانون ،فلربما شمل األغلبية الساحقة من الليبيني .وهناك جانب آخر هو أن هذا القانون ربما تضارب مع عموميات الدستور الذي لم يبدأ العمل عليه أصال من قبل املؤتمر الوطني العام .الصراع املوجود حول قانون العزل ليس صراعا عادال ،ألن من يقودون الدفع باتجاهه منهم من يحمل السالح ومنهم من يرفض الحوار ويركن إلى أساليب التهديد واملزايدات باسم الثورة وباسم الدين. ّ قانون العزل السياسي والصراع الذي حوله ولد نوعا من النفاق ونوعا من الوصاية ونوعا من االستسالم ،فالنفاق يظهر واضحا في تصريحات كثير من السياسيني والناشطني الذين يقولون إن الشعب كله يريد هذا القانون، والوصاية يمارسها من يدفعون في اتجاه هذا القانون بقوة السالح أو بأيديولوجيات ترفض أي أفكار أخرى ،واالستسالم يمارسه من قد يشملهم القانون فيكونون ضحايا الهوس املسلح .في مقابل هذه التصريحات والفوضى نجد من يتحدث عن ضرورة الجلوس للحوار ،حتى يفهم الناس بعضهم بعضا ،لكن الحوار قد يكون مشوها إذا تم البدء فيه على أسس معينة يصنعها قوم خائفون أو مصلحيون أو نفعيون.
يستغرب كثير من املراقبني ملاذا يختار الليبيون طريق إقرار قانون العزل الحوار و مالبساته السياسي ،هذا القانون الهالمي الذي يتفق كثر على كونه فرض بقوة السالح وقوة التهديد وقوة الخوف الذي شكل ضغطا رهيبا جعل أعضاء املؤتمر الوطني يقرونه .الحديث عن قانون العزل السياسي جاء كردة فعل ،كما يرى مراقبون ،ملا يثار قبل ذلك من مسألتني مترابطتني هما ،العدالة االنتقالية واملصالحة الوطنية .يبدو أن قصة العدالة االنتقالية ،التي أثارتها نخب ناضجة ،كانت خيارا قد يصنع طريقا أسهل لعزل كل من يحجزه القضاء ممن مارس ظلما ضد الليبيني في فترة النظام املنهار ووقت الثورة. كان من املمكن أن يكون القضاء هو املحور الذي يجعل الليبيني يصلون بنوع من السالسة إلى شاطئ املصالحة الوطنية بعد تحقيق العدالة االنتقالية .ثم جاء موضوع العزل السياسي الذي تحول إلى ما يشبه األلغام التي قد تنفجر
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
في أجواء تغيب فيها ،أو على األقل تضعف فيها ،مظاهر املدنية ،هو اآلخر مهدد بالتشوه وستكون نتائجه غير مثمرة ،بل قد تكون مدمرة وتفضي إلى حالة الال-حوار.وسائل الحوار غير ناضجة وربما ال تملك من القوة حتى تديره ،وأهمها اإلعالم الليبي الذي مازال يتصف بالفوضى والتبعية واملزايدات والخوف. اإلعالم كان ينبغي أن يكون أداة مهمة وخطيرة للتوعية العامة ومعالجة الرأي العام بعد معرفته ثم صناعته ،هذا اإلعالم مشتت ألنه ينقسم إلى إعالم تعبئة لصالح كتلة ما أو مدينة ما أو فكرة ما ،وكل نوع من هذه األنواع يدعي الحرية ،هذا إلى جانب االعالم العربي والدولي الذي ال يمكنه أن يتعامل مع
التحالف وصوت عليها مجلس النواب بأغلبيته؟ وكيف يطلب التحكيم امللكي حول سياسات عمومية ألغلبية حكومية حدد لها الدستور بدقة صالحية وضع السياسات العمومية في املجلس الحكومي ،مقابل وجود مجلس وزاري يرأسه امللك ويتداول في قضايا كبرى تهم «التوجهات االستراتيجية لسياسة الدولة» ،والحال أن الخالف بني الحزبني حول سياسات عمومية وال يمكن أن يصل إلى درجة خالف حول توجهات استراتيجية للدولة .وأظهر هذا التمرين الديمقراطي األول في دستور ،2011أن امللك حكم وضامن لدوام الدولة واستمرارها ،والضامن هو الوجهة الخارجية للتحكيم ،فامللك ضامن السياسة الخارجية والدفاع الوطني والوحدة الوطنية ،وصفة الضامن كوجهة خارجية للتحكيم ،املبني على عنصري االختيار بني مجموعة أولويات واملصادقة عليها باتخاذ قرارات تنفيذية ،مارسها امللك في ثالث محطات كبرى :محطة ذات طبيعة اقتصادية وهي زيارته لدول الخليج ،ومحطة ذات طبيعة مرتبطة بالدفاع عن الوحدة الترابية مارسها في إدارة ملف الصحراء أمام مجلس األمن والدول الكبرى املؤثرة في العالقات الدولية ،ومحطة زيارة أفريقيا التي مارس فيها دبلوماسية اقتصادية وسياسية وأمنية تعيد بناء العمق االستراتيجي للمغرب .وأمام هذا الدور الكبير ،كيف يطلب من امللك التدخل في حسم صراع ثنائي بني حزبني حليفني في الحكومة؟. وتبني حالة طلب التحكيم امللكي حول خالف حزبي ثنائي ،إنه بعد عامني على وثيقة يوليو ،2011تبدو هذه الوثيقة أكبر من األحزاب السياسية، فمكونات الحكومة عاجزة عن االشتغال بقواعد وثيقة أول يوليو 2011 واملعارضة تبدو تائهة ومترددة وغير مدركة لحقوقها الدستورية ،رغم أن األحزاب السياسية املكونة لألغلبية واألحزاب السياسية املعارضة طلبت في لحظة تقديم مذكراتها الدستورية إلى اللجنة االستشارية ملراجعة الدستور تقوية الصالحيات الدستورية لرئيس الحكومة (الوزير األول سابقا) والحكومة واملعارضة ،فرئيس الحكومة ما زال يلبس معطف الوزير األول لدستور ،1996وفي مرات كثيرة يعطي معنى آخر لفصول الدستور الحالي، فالخالفات الحالية بينه وبني حزب االستقالل تقتضي اتخاذ مبادرات لحل هذا الخالف بعيدا عن التحكيم امللكي حفاظا على سمو املؤسسة امللكية فوق الصراعات الحزبية. اختار املغرب الحلول الدستورية لتعويم االحتجاجات واستيعابها ،واختار وضع الدستور قبل االنتخابات ،فكان بذلك مختلفا عن مصر وتونس اللتني أجريتا انتخابات أعطت تمثيلية جديدة ظلت تشتغل بمؤسسات قديمة أو الزالت تشتغل بها إلى اليوم (حالة تونس) ،ومختلفا عن الجزائر التي نظم فيها الجيش انتخابات أعطت فوز الجيل القديم لجبهة التحرير قبل إعالن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن لجنة دستور ال أحد يعرف مالها اليوم بعد اختفاء الرئيس جراء وعكة صحية ،فاختيار الدستور في املغرب قبل االنتخابات معناه استمرارية الثوابت الدستورية وتطوير املؤسسات وبناء مؤسسات جديدة لتنظيم عمل النخب التي جاءت بها انتخابات 25نوفمبر .2013لكن ،بعد عام ونصف ،يبني التحليل الدستوري من زاوية أخرى أنه ما زالت الحكومة والبرملان معا لهما االشتغال بقواعد وثيقة فاتح يوليو ،2011 فرئيس الحكومة ما زال يلبس جلباب الوزير األول لدستور 1996وفي مرات كثيرة يعطي معنى آخر لفصول الدستور الحالي ،ملا يصبح أقرب إلى أمني عام حزب العدالة والتنمية أكثر منه رئيسا للحكومة ،فحضوره في أول مايو ( 2013يوم العمال) إلى جانب نقابة حزبه يجعل منه خصما وحكما ،كما أن زيارته لدوائر انتخابية لبرملانيني من حزبه يجعله آمينا عاما للحزب أكثر من رئيس حكومة كل املغاربة. وبعد مرور عام ونصف ،ما زال البرملان يجر في غرفته الثانية مستشارين انتخبوا طبقا ملقتضيات دستور 1996وفقد الثلث منهم تمثيليته بقوة القانون ،ورغم ذلك ما زال يشرع ويمثل فئة ال أحد يعرف من هي ،وفي الغرفة األولى (مجلس النواب) لم يستطع نساء وشباب جدد تغيير شكل وأداء مجلس النواب ،فالعمل البرملاني يسير ويتوقف وتتصارع أغلبيته ومعارضته حول الدستور ،لدرجة أن كل الفرق بات فيها «فقهاء دستوريون» يؤولون
الفصول حسب الحاالت السياسية املوجودة أمامهم ،لكن يبدو أن املعارضة ضيعت حقوقها الدستورية تدريجيا خالل عام ونصف العام ،لدرجة أنها غير قادرة على املرافعة عن حقها الدستوري املكفول بمقتضى الفصل العاشر بخصوص مشاركتها الفعلية في مساءلة رئيس الحكومة خالل الجلسة الشهرية .ورغم أن مجلس النواب وصل إلى سنته الثانية من الوالية التشريعية الحالية ،وأن الدورة الربيعية على وشك االختتام ،ما زال املغاربة ينتظرون املصادقة على القوانني التنظيمية املكملة للدستور ،فالحكومة سكتت عن مخططها التشريعي الذي أحالته على مجلس النواب من دون سند قانوني ،ألنه ال وجود في الدستور لشيء اسمه املخطط التشريعي وال أحد يعرف املسطرة القانونية التي جعلت مجلس النواب يقبل بهذه اإلحالة، ومن هو الوزير الذي سيأتي أمام لجان البرملان ملناقشة هذا املخطط؟ وهل سبق في تاريخ البرملانات العاملية أن أحالت حكومة وثيقة اشتغال داخلية على البرملان ملناقشتها؟ ويبدو أن صعوبة الحكومة والبرملان في التعامل مع دستور 2011هو ما يشرح سلوك حزب االستقالل ،في سابقة تاريخية ،بإعالنه قرار انسحاب من الحكومة ،وجعل القرار متوقفا على الفصل الـ 42من الدستور ،في نزاع يبدو أنه بعيد عن مضامني هذا الفصل ،لكونه ال يمس بالسير العادي للمؤسسات الدستورية ،وإنما له عالقة بحزبني شريكني في الحكومة كان من املمكن أن يطلب فيها حزب االستقالل من عبد اإلله ابن كيران حل اإلشكال بصفته رئيسا للحكومة ،فبني تصريحات حميد ،أمني عام حزب االستقالل وردود عبد اإلله ابن كيران ،رئيس الحكومة« :ال نعرف أين تنتهي األمانة العامة ،لكالهما وأين تبتدئ املؤسسة الدستورية لرئاسة الحكومة» .وبعد سنة ونصف السنة ،يبدو أن الحكومة والبرملان لهما صعوبة في التوجه نحو دستور ،2011وبات واضحا أن العالقة بينهما تعيش حالة ال توزن سياسيا رغم اإلمكانيات املتاحة في الدستور ،فالعمل السياسي لم يتطور بشكل كبير ،وبات الالشكلي يكتسح الشكلي ،وباتت املساحة بني العمل السياسي والدستور تتسع تدريجيا ،أمام الصعوبة املوجودة في فهم وتطبيق الدستور والتهديد في كل مرة باللجوء إلى تحكيم املجلس الدستوري رغم أن هذا املجلس ال يملك صالحية التحكيم.
,,
اختار املغرب الحلول الدستورية لتعويم االحتجاجات واستيعابها واختار وضع الدستور قبل االنتخابات
,,
ألول مرة في تاريخ املغرب يتسع سقف الفوارق بني القوى االجتماعية واملدنية ،فاملسافات كبيرة بني «حركة التوحيد واإلصالح» املساندة للعدالة والتنمية و«حركة اليقظة املواطنة» املساندة لحزب األصالة واملعاصرة ،والتلويح والتنافس باملرجعيات في املغرب بات عاديا في الفضاءات العمومية ،وبات املجتمع يعيش صراع األخالقي والتخليقي والحقوقي ،وهو صراع كرسه صعود العدالة والتنمية إلى الحكم وقدرته على خلق االعتقاد بأنه سيقضي على كل الظواهر السلبية ،دون االنتباه إلى أن املغرب يوجد في مرحلة خروج ظواهر مسكوت عنها إلى العلن ،ويبقى الخلل الكبير بعد سنتني من الدستور وسنة ونصف من حكومة العدالة والتنمية يكمن في خلط رئيس الحكومة بني بناء الديمقراطية ومحاربة الظواهر االجتماعية .ورغم ذلك ،فإن املغرب نجح بعد سنتني على وثيقة يوليو في املحافظة على تعايش سياسي بني املرجعيات الوضعية والدينية ،والتعايش بني مطلب الحقوق من منطلق املقاربة العاملية ومقاربة اإلصالح من داخل األسرة ،وواضح بذلك أن دستور 2011جاء في سياق استمرارية عكس ما يجري في دول عربية أخرى (مصر وتونس) عادت إلى مناقشة هوية الدولة< امللك محمد السادس
* رئيس املركز املغاربي للدراسات األمنية وتحليل السياسات
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
9
شؤون سياسية
بعد سنتني من مصادقة املغاربة على الوثيقة الدستورية ألول يوليو (تموز) ،2011تخوض اململكة املغربية تمارين ديمقراطية لتنزيل مضامني الدستور الجديد ،فالثقافة الدستورية تطورت بشكل كبير خالل السنتني املاضيتني، وبات الفاعلون السياسيون يخوضون صراع التأويل الدستوري بينهم ويحتكمون إلى سقف الوثيقة الدستورية في نزاعاتهم ،وبات املجتمع بتنظيماته املدنية يستعمل فصول الدستور لالحتجاج على الحكومة والبرملان ،فاملغرب دخلت خالل السنتني املاضيتني مرحلة تثبيت املكتسبات السياسية والدستورية ،لكن الصورة ما زالت لم تكتمل نهائيا ،فاملغرب لم يعد كما كان ولكنه ما زال لم يأخذ شكله املؤسساتي النهائي.
سنتان على دستور أول يوليو في املغرب :النجاحات والصعوبات
تعاقد سياسي
بقلم: عبد الرحيم املنار أسليمي *
,,
النظام الدستوري املغربي يشتغل بقواعد النظام البرملاني في العالقة بني البرملان والحكومة تحت مراقبة أدوات النظام الرئاسي
,,
8
لم يكن دستور ،2011حلقة أساسية في املسلسل السياسي لإلصالح في املغرب ،مرتبطا بما جرى من تحوالت في العالم العربي ،وإنما جاء ليجيب على حاجات رسمتها تشخيصات ثالثة تقارير تأسيسية في تاريخ املغرب الحديث :تقرير هيئة اإلنصاف واملصالحة املرتبط بالعدالة االنتقالية ،وتقرير الخمسينية املتعلق بالسياسات العمومية للدولة وتقييم املوارد البشرية ،وتقرير اللجنة االستشارية للجهوية املحدد لشكل التقطيع الترابي للدولة وطريقة نقل السلطات من املركز إلى الوحدات الترابية ،هذه التقارير التأسيسية ،التي سبقت لحظة سنة ،2011اعتبرت كمنطلقات تشخيصية اعتمدت عليها لجنة مراجعة الدستور التي أعلن امللك محمد السادس عن إنشائها في خطاب 9مارس (آذار) ،2011فاللجنة، وجدت أمامها مرجعيات تأسيسية لالنطالق اإلصالح ،أضافت إليها استشارات واسعة مع املنظمات الحزبية والنقابية واملدنية ،لتنتج في منتصف شهر يونيو (حزيران) وثيقة دستورية عرضت على املغاربة بموجب استفتاء فاتح يوليو .2011ولعل املثير لالنتباه ،في مرحلة صياغة دستور أول يوليو 2011واستماع لجنة مراجعة الدستور لكل الفاعلني السياسيني واالقتصاديني واالجتماعيني والثقافيني ،هو ظاهرة الطلب على الدستور ومعرفة مضمون الدستور ،وهو ما يفسر في نظريات القانون الدستوري بأنه كان طلبا على بناء تعاقد سياسي ،فالدستور في نهاية املطاف هو عقد سياسي بني الحاكمني واملحكومني ووثيقة لتنظيم مجاالت اجتماعية وسياسية واقتصادية في تعبيرات قانونية .فاملغاربة وجدوا أنفسهم ألول مرة أمام دستور مصاغ من طرف لجنة مغربية عملت على االشتغال من ثالثة منطلقات في الصياغة استعملت فيها األجيال الثالثة من الدساتير: دستور فصل السلطات -دستور صك الحقوق -الدستور التدبيري .دستور جرت صياغته بثالث طرق :صياغة في شكل إعالنات ،وصياغة تجيب على وقائع وأحداث ( ،)2011 - 1996وصياغة مبنية على توافقات سياسية وتوافقات اجتماعية (جيلية). تفيد نصوص الدستور املغربي ألول يوليو 2011بأن النظام الدستوري املغربي يشتغل بقواعد النظام البرملاني في العالقة بني البرملان والحكومة تحت مراقبة أدوات النظام الرئاسي التي يمكن للملك أن يتدخل بمقتضاها بصفته رئيس الدولة وممثلها األسمى ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها والحكم األسمى بني مؤسساتها. ولكي نفهم الوظائف الدستورية للملك ،يمكن إعطاء مثال بحالة تمرين ديمقراطي عاشه املغرب بني مايو (أيار) ويوليو 2013ملا أعلن حزب االستقالل ،وهو حزب ظل ينتمي للحكومة التي يقودها حزب العدالة
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
والتنمية بعد انتخابات 25نوفمبر (تشرين الثاني) ،2011في شهر مايو 2013عن قرار انسحابه من الحكومة محيال األمر على امللك وطالبا منه التحكيم في صراعه مع شريكه حزب العدالة والتنمية ،هذه الحالة السياسية جعلت املالحظني واملتتبعني الوطنيني والدوليني يتساءلون :متى يقوم امللك بتحكيم دستوري بني حزب االستقالل والعدالة والتنمية؟ لكن ،امللك لم يقم بالتحكيم بني الحزبني الشريكني في الحكومة وترك التمرين الديمقراطي يتبلور ،مادامت شروط التحكيم الدستوري لم تكن متوفرة في خالف حزب االستقالل والعدالة والتنمية ،فالخالف هو حالة بني حزبني شريكني في الحكومة ،ولم تصل إلى درجة تهديد سير املؤسسات الدستورية ،وليس فيها خروقات دستورية ليتدخل امللك ملمارسة صالحياته في ضمان احترام الدستور ،فالصراع بني االستقالل والعدالة والتنمية صراع سياسي عادي بني حزبني شريكني داخل أغلبية حكومية لم يصل إلى درجة تهديد الدستور. وبدا واضحا في هذا التمرين الديمقراطي أنه ال يمكن أن يكون الصراع حول منهجية العمل الحكومي موضوع التحكيم الدستوري للملك ،فبيان إعالن حزب االستقالل عن قرار االنسحاب ،يشير إلى «تنبيه ونصح» ،ويقول إن حزب االستقالل «استنفد جميع إمكانيات التنبيه والنصح» في عالقته مع حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة ،ويشير البيان أيضا إلى مذكرة وبيانات موجهة إلى رئيس الحكومة وإلى مشكل داخل عمل األغلبية والتحالف ،وإلى «استفراد» حزب العدالة والتنمية الحاكم بجميع القرارات الصغيرة والكبيرة، وإلى أنه أطلق «العنان للخطابات الشعبوية» ،فهذه العناصر ال يمكن أن تكون موضوع تحكيم دستوري ملكي ،ألنها خالف حول منهجية عمل حكومي، وأحيانا خالف حول نعوت وأوصاف ،يكون املسؤول عنها بالدرجة األولى األشخاص واألحزاب السياسية املكونة للتحالف الحكومي ،وفي درجة ثانية قائد التحالف الحكومي الذي هو رئيس الحكومة ،فاألمر يتعلق بحالة صراع داخلي ال يمس املؤسسات وباقي املنظمات السياسية. أكثر من ذلك ،لم يتدخل امللك ألن الخالف بني العدالة والتنمية موضوعه اختيارات اجتماعية واقتصادية يجب أن يحسم فيها داخل مكونات األغلبية وداخل مجلس الحكومة بوصفه جهازا تداوليا التخاذ القرارات املرتبطة بالسياسات العمومية للحكومة ،فرئيس الحكومة عبد اإلله ابن كيران يقول إنه وضع برنامج الحكومة الحالية ،وإنه مسؤول عن سياسته وقراراته، وهو يشير إلى ذلك نيابة عن األغلبية املكونة لحكومته ،فكيف يعمد حزب االستقالل ،وهو شريك في إعداد البرنامج الحكومي ،إلى طلب تحكيم دستوري ملكي حول اختيارات حزبية حكومية وافقت عليها مكونات
الكتــاب املســاهمـون يف هـذا العـدد محمد اوجار :وزير حقوق االنسان املغربي السابق ،وعضو املجلس األعلى لإلعالم املسموع واملرئي في املغرب .رئيس مركز الشروق للديمقراطية واإلعالم وحقوق االنسان في الرباط.
أروى حسن :خبيرة في التنمية الدولية تعمل مع حكومات ومنظمات مجتمع مدني في العالم العربي منذ 15عاما .حاصلة على درجة املاجستير من جامعة كامبريدج في انكلترا .تلقي محاضرات بانتظام في املحافل الدولية بشأن قضايا مكافحة الفساد ،والحكم، واإلصالح املؤسسي.
بشير عبدالفتاح :أكاديمي وكاتب ومحلل سياسي ،متخصص في الشؤون املصرية واآلسيوية .رئيس تحرير مجلة «الديمقراطية» الصادرة من مؤسسة األهرام ..وباحث في مركز األهرام للدرسات السياسية واإلستراتيجية.
فضيلة الجفال :كاتبة سعودية استشارية اتصاالت استراتيجية ،حاصلة على املاجستير من «غولد سميث» لندن ،لها كتاب «أيام مع املارينز» صدر في عام .2011
سامح فوزي :كاتب ومحلل سياسي ،عضو مجلس الشورى املصري املستقيل عن التيار املدني ،وممثل الرئاسة السابق في لجنة الحوار الوطني ،ومدير مركز دراسات التنمية بمكتبة اإلسكندرية .
حسني عبد الحسني :صحافي لبناني خريج “الجامعة االميركية في بيروت” حيث درس فيها التاريخ .يقيم في الواليات املتحدة األميركية وهو مدير مكتب جريدة الراي الكويتية في واشنطن .صاحب مدونة على موقع “املجلة” العربي بعنوان «من واشنطن».
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
7
المحتوى
سنتان على دستور أول يوليو في املغرب :النجاحات والصعوبات
تعاقد سياسي
من العقاد إلى األسواني :املثقفون و«اإلخوان» ..ال يلتقون
انقالب ثقايف
قراءة في موقف اليسار األميركي من األزمة السورية
دميقراطيو ريغان
بعد ثورات الربيع ..ماذا يريد العرب؟
ثمن احلرية
حكم اإلخوان :عادت السلطة مؤسسات الدولة وأجهزتها السيادية
اجلماعة املعزولة
حتى االنقالبات الجيدة سيئة
دروس ملصر من الفلبني وفنزويال 6
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
www.majalla.com
مجلة العــرب الدولية
االفتتاحية
رساله المحرر يحتدم الجدل وتتضارب األسئلة التي فجرتها لحظة 30يونيو (حزيران) في مصر ،بني من يرى أن ما حدث ليس سوى انقالب عسكري على الشرعية املنتخبة ،ومن يؤكد قاطعا أن قرار عزل الرئيس مرسي يعيد الثورة إلى مسارها الصحيح ،وينتزعها من مختطفيها. البعض يرى أن اإلخوان بعد عزل رئيسهم قد عادوا عقودا إلى الخلف ،وأصبحوا في حالة واضحة من االرتباك واختالل التوازن بعد أن أضاعوا فرصة قد ال تتكرر لهم في وصول املشروع اإلسالمي إلى السلطة. مجلة «املجلة» في ملف خاص بعنوان «الجمهورية الثالثة» يتناول تداعيات وتطورات املشهد املصري بعد الثالثني من يونيو، يكتب املستشار املصري الدكتور سامح فوزي مقاال عن «الجماعة املعزولة» يحلل فيه أداء سنة كاملة من حكم اإلخوان ،يرى فيه أن السلطة الحاكمة عادت مؤسسات الدولة وأجهزتها السيادية والديمقراطية ،وحكمت على نفسها بالفشل. وفي مقال آخر يتساءل الكاتب السوري عهد فاضل عن «لغز األنا املصرية» ،مفتشا عن السر الذي دفع الشعب املصري «املتدين» إلى االنقالب سريعا على حكم جماعة اإلخوان املسلمني ،والوقوف في وجه حزب ديني تاريخي ضارب الجذور في الحركة السياسية املصرية. تبعه الكاتب واملحلل املصري أسامة سالمة الذي كتب مقاال رصد فيه عالقة املثقفني بجماعة اإلخوان املسلمني ،على مدى 64عاما ،من املفكر الكبير عباس العقاد ،وحتى الدكتور عالء األسواني ،مواقف وتصريحات تكشف بوضوح أن الطرفني «ال يلتقيان». وفي ذات امللف يبحث الكاتب السعودي عبد الله الرشيد عن تلك اللحظة التي تشكلت فيها صورة الجيش في الوجدان املصري باعتباره املالذ والحصن األخير الحامي من انهيار املجتمع ،رابطا بني لحظة الزعيم املصري التاريخي أحمد عرابي ،وقرار وزير الدفاع الحالي عبد الفتاح السيسي. وفي سياق آخر يحلل الكاتب حسني عبد الحسني موقف اليسار األميركي من األزمة السورية ،وأسباب ابتعاده عنها ،حيث تصبح كل شؤون العالم «نسبية» عند اليسار الليبرالي فال يوجد صواب وال خطأ ،وال شأن للعالم وال أميركا في التدخل بها. أما أستاذ الدراسات اللغوية في جامعة برمنغهام الدكتور رياض العشيري فيبحث في «أزمة خطاب» متسائال« :ملاذا يفشل خطابنا العربي السياسي في نزع فتيل األزمات؟» مقارنا بني خطاب الرئيس املصري السابق محمد مرسي ،والرئيس األميركي جورج دبليو بوش ،وتعاطي كليهما مع األزمات التي حلت في بلديهما. وتستعرض الكاتبة السعودية فضيلة الجفال رحلة املستشرقة األسترالية جيرالدين بروكس التي اقتحمت عوالم خفية للمرأة في املجتمعات اإلسالمية ،في قراءة لكتابها املترجم إلى العربية بعنوان «األنوثة اإلسالمية» تقول عنه« :إنه كتاب ثري من الناحية التوثيقية ،يتميز برؤية فريدة ناضجة ومحايدة». ندعوك عزيزي القارئ لقراءة هذه املوضوعات وغيرها الكثير على موقعنا majalla.comونرحب دائما بآرائك وندعوك للتعليق على املوضوعات أو االتصال بنا إذا رغبت في التواصل معنا.
المحرر
4
المجلة /العدد 1586أغسطس -آب 2013
الرئيس التنفيذي المكلف لشركة نشر عمر بن عبدالعزيز آل الشيخ Acting CEO of NASHR Co.
Omar A. Alshaikh مسؤول مكتب اخلليج
عبد اهلل الر�شيد سكرتري التحرير
م�صطفى الد�سوقي للمشاركة
إلرسال مقاالت أو آراء يرجى المراسلة على البريد اإللكتروني editorial@majalla.comملحوظة :جميع المقاالت يجب أال تزيد على 800كلمة
اشتراكات
لالشتراك في الطبعة الرقمية ،يرجى االتصال بـ subscriptions@majalla.com :لالشتراك في االلكترونيةwww.issuu.com/majalla : حقوق النشر محفوظة لمجلة المجلة 2009التي تصدر عن الشركة السعودية لألبحاث والتسويق (المملكة المتحدة) شركة محدودة .وال يجوز بأي حال من األحوال إعادة طباعة المجلة أو أي جزء منها أو تخزينها في أي نظام استرجاعي أو نقلها بأي صورة أو أي وسيلة إلكترونية أو آلية أو تصويرها أو تسجيلها أو ما شابه دون الحصول على تصريح مسبق من الشركة السعودية لألبحاث والتسويق (شركة محدودة) .وتصدر المجلة شهرياً .لتلقي استفسارات االشتراك الرقمي ،يرجى زيارة www.majalla.com
issue 1586 - August 2013
العدد 1586أغسطس -آب 2013 الرياض -حي المؤتمرات -طريق مكة -تقاطع التخصصى
مرخص لها
الرياض :هاتف - 4419933لندنA Monthly Political News Magazine +44 207 831 8181 :
www.majalla.com/eng
HH Saudi Research and Marketing (UK) Ltd Arab Press House, 184 High Holborn, London WC1V 7AP Tel: +44 207 831 8181 - Fax: +44 207 831 2310
الوكيل اإلعالني
موقع إلكتروني ،www.alkhaleejiah.com :بريد إلكترونيhq@alkhaleejiah.com :
وكيل اإلشتراكات
بريد إلكتروني ، info@arabmediaco.com :موقع إلكتروني ،www.arabmediaco.com :هاتف مجاني 800-2440076 :
وكيل التوزيع مركز الطباعة
من داخل المملكة ،920 000 417 :دبي ،+9714 3 914440 :باريس ، +331 537 764 00:لندن ، +44 207 404 6950:ومن مختلف الدول +966 1 441 1444 :
وكيل التوزيع في المملكة العربية السعودية حي المؤتمرات -ص.ب - 62116الرياض ،11585هاتف +966 1 4419933 :فاكس،+966 1 2121774 : موقع إلكترونيwww.saudidistribution.com : ص.ب - 121 .الرياض ،11383هاتف ،+9661.2657000فاكس ،+9661.2658000موقع إلكترونيwww.halaprintco.com :
شركات المجموعة Saudi Specialized Publishing Company
حقوق التوزيع لهذه المطبوعات محفوظة
لشركة «تريبيون لخدمات اإلعالم»
حقوق النشر لهذه المطبوعات باللغة العربية مرخصة «المجلة»
للحصول على المزيد من المعلومات ،يرجى اإلتصال على الهاتف المجاني 8002440014
AN AMERICAN EDUCATION A BRITISH SETTING A GLOBAL FUTUR E A Since the 1970’s Richmond has been educating leading Middle Eastern families. Richmond’s unique style of personalised higher education ensures that students leave us with a dually accredited degree, that is recognised in the UK, the USA and worldwide.
+44 20 8133 2877 • enroll@richmond.ac.uk Visit www.richmond.ac.uk/al-majalla today to download our catalog and viewbook.
العدد 1586أغسطس -آب 2013
مجلة العرب الدولية شهرية سياسية
تأسست في لندن عام 1980
حممد اوجار :الربيع العربي« ..ال�شرعية الثورية» يف مواجهة «ال�صناديق» �أروى ح�سن :املقاومة املدنية..مكافحة الف�ساد يف الدول العربية ح�سني عبد احل�سني :قراءة يف موقف الي�سار الأمريكي من �سوريا
للحصول على العدد اسـتخـدم هاتفــك ال ــذكي لـمــسح هـ ـ ــذا الـ ــرقـ ـ ـ ــم 08
ISSN 1319-0873
9 771319 087013
issue 1586 - August 2013
www.majalla.com