Issuu on Google+


‫● الكلمة األخيرة‬

‫حرب «بشار» األولى‪ ..‬هل تكون األخيرة؟!‬ ‫عادل الطريفي‬ ‫عادة ما يتم تعريف «احلرب» بوصفها نزاعا مسلحا بني دولتني‪ ،‬أو طرفني يكون‬ ‫أحدهما ممثال للسلطة ‪ -‬احلكومة املركزية ‪ -‬أو على األقل يكون طامحا لها‪ .‬هناك‬ ‫تعريفات علمية كثيرة وكتب كالسيكية في هذا اجملال موجودة في كتب تراثية‬ ‫مثل «تاريخ احلرب البلويونيزية» للمؤرخ اإلغريقي ثوكوديدس (‪ 395‬ق‪.‬م)‪ ،‬أو «فن‬ ‫احلرب» للفيلسوف الصيني صن تسو‪ ،‬أو كتاب كالوفيتس الشهير بعنوان «في‬ ‫احلرب»‪ ،‬وغيرها الكثير‪ .‬الغرض هنا ليس تعريف احلرب أو احلديث عن كتبها التي‬ ‫ما زالت تؤلف إلى اليوم‪ ،‬وإمنا ألن مفردة «احلرب» باتت ‪ -‬اآلن ‪ -‬خير وصف للتعبير‬ ‫عما يجري في سوريا اليوم‪.‬‬ ‫قاعدة بيانات النزاع الدولي (‪ )UCDP‬التي نشأت بجامعة أبسلي بداية‬ ‫السبعينات لديها معايير محددة لوصف احلروب والنزاعات وأدوات لقياسها‪ ،‬وهي‬ ‫معتمدة لدى كثير من املنظمات والهيئات الدولية‪ .‬أحد معايير احلرب يتعلق بعدد‬ ‫الضحايا‪ :‬وهو أن ال يقل عن ألف ضحية قتلت بشكل مباشر في النزاع املسلح‪.‬‬ ‫اليوم تكمل االنتفاضة الشعبية في سوريا شهرها اخلامس بعدد يفوق األلف قتيل‬ ‫بحسب بعض املصادر‪ .‬هذا يجعل ما يدور في سوريا أكثر من مجرد احتجاجات‪،‬‬ ‫بل عملية عسكرية طالت على األقل ‪ 120‬عنصرا أمنيا أو من اجليش ‪ -‬استنادا‬ ‫إلى الروايات الرسمية‪ .‬بوسع السلطات السورية أن تشكك في مصداقية هذه‬ ‫األرقام‪ ،‬وأن ترفض إطالق صفة «احلرب» على ما يدور بينها وبني املتظاهرين‪ ،‬ولكن‬ ‫احلقيقة الواضحة هي أن السلطات السورية احتاجت إلى نشر اجليش مبدرعاته‬ ‫وتقسيم املناطق وفرض حظر التجوال‪ .‬هذه‪ ،‬وال شك‪ ،‬حرب الرئيس بشار األولى‪ ،‬أو‬ ‫قل نزاعه املسلح األول‪ ،‬بحيث اضطر إلى حتريك اجليش إلى مناطق العصيان املدني‪،‬‬ ‫وهي للمفارقة املرة الثانية التي يطلب فيها من اآلليات العسكرية ‪ -‬في عهده ‪-‬‬ ‫التحرك بعد االنسحاب املذل من لبنان في أبريل (نيسان) ‪.2005‬‬ ‫حاليا‪ ،‬يقاتل النظام من أجل البقاء‪ ،‬ورغم مرور هذه الشهور اخلمسة فإن‬ ‫السلطات تبدو عاجزة عن إخماد العصيان‪ ،‬وهي في الوقت ذاته تواجه ضغوطا‬ ‫وعقوبات دولية هائلة لتغيير النظام‪ .‬هناك شبه إجماع على أن نظام الرئيس‬ ‫األسد لن يكون قويا كما في السابق‪ ،‬فيما يذهب البعض اآلخر إلى القول بأن أيام‬ ‫النظام باتت معدودة‪.‬‬

‫بشعبية‪ ،‬بل كانت هناك وال تزال حالة من الشك املريب‪ ،‬بل وسلبية جتاه عملية‬ ‫السالم والنتائج احملتملة لها‪ .‬هنا‪ ،‬كانت األنظمة تكذب إما بادعاء املقاومة أو‬ ‫تعطيل عجلة السالم‪ ،‬ألنها غير جادة بالطبع‪ ،‬ولكن ‪ -‬أيضا ‪ -‬ألن اجملتمع ال يريد‬ ‫سماع احلقيقة‪ :‬وهي أن السالم مع إسرائيل ضرورة دولية مدعومة من الدول‬ ‫الكبرى‪ ،‬وأن الرأي العربي جتاه إسرائيل ‪ -‬وإن كان مبررا في الداخل العربي ‪ -‬فهو‬ ‫يتم النظر إليه بوصفه مواقف متطرفة جتاه اآلخر‪.‬‬ ‫هناك ‪ -‬أيضا ‪ -‬موضوع دور احلركات الدينية في السياسية‪ .‬بعض األنظمة‬ ‫اجلمهورية ترفع الشعار الديني‪ ،‬والبعض اآلخر يقبل أو يرفض دور احلركات‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬ولكن اجلميع يضطر إلى الكذب فيما يتعلق بهذه احلركات الدينية‬ ‫«اخلالصية»‪ ،‬فال أحد يريد أن يقول مباشرة للجمهور العريض إنه ال ينبغي اخللط‬ ‫بني الدين والسياسة في دولة مدنية‪ ،‬ولهذا فإن األنظمة ‪ -‬حتى البعث السوري ‪-‬‬ ‫تكذب فيما يتعلق بهذا املوضوع‪.‬‬ ‫إذن‪ ،‬املشكلة ليست فقط في وجود نظام ديكتاتوري‪ ،‬أو جلوئه للكذب حتى يصنع‬ ‫مشروعية مزيفة‪ ،‬بل الضطرار اجلميع أن يؤمنوا بقيم ومبادئ عفى عليها الزمن ‪-‬‬ ‫كالفكرة القومية أو الدينية املتشددة‪ ،‬أو فكرة املقاومة‪ ،‬وغيرها ‪ -‬وعدم قدرتهم‬ ‫على جتاوز هذه األفكار والرؤى إلى ما هو أفضل‪ ،‬ولذا كانت النتيجة أن حكمتهم‬ ‫أنظمة ديكتاتورية قالت لهم ما يريدون سماعه‪ ،‬وصنعت شيئا آخر‪.‬‬ ‫هناك كتاب جميل للراحل أحمد بهاء الدين بعنوان «شرعية السلطة في العالم‬ ‫العربي» (‪ ،)1984‬يشير فيه إلى أن أزمة األنظمة العربية ثالثة‪ :‬الدميقراطية‪،‬‬ ‫والعقالنية‪ ،‬والشرعية‪ .‬قد تكون مشكلة غياب الدميقراطية واضحة‪ ،‬ولكن‬ ‫مشكلتنا ‪ -‬أيضا ‪ -‬كانت في انعدام العقالنية‪ ،‬وبالتالي املشروعية‪ .‬وهنا يكون‬ ‫انعدام العقالنية ليس في النظام فقط‪ ،‬بل في اجملتمع الذي ال يقيم وزنا للتفكير‬ ‫العقالني وتبنى فيه كل القضايا على العاطفة القومية‪ ،‬أو الدينية‪ ،‬أو حتى‬ ‫الشخصية‪ ،‬ولهذا ليس مبستغرب أن ال يبني النظام قراراته على مبدأ عقالني‪،‬‬ ‫وحتى إن اتخذ قرارات برغماتية فإنه يعلم مسبقا أنها غير مقبولة ألنها مبنية‬ ‫فقط على االعتبار العقالني للمصالح‪ .‬إن من املستغرب بعد كل ذلك أن يطالب‬ ‫أحد ‪ -‬حقيقة ‪ -‬بنظام شرعي ال وجود فيه للعقالنية‪ ،‬أو بالدميقراطية ألنها ليست‬ ‫فقط صندوق اقتراع مصمتا‪ ،‬بل ثقافة مدنية ‪ /‬علمانية في املقام األول‪.‬‬

‫املسرحي املصري الكبير‪ ،‬علي سالم كتب مقاال بعنوان «هذا عصر زوال‬ ‫الديكتاتوريات»‪ ،‬قال فيه إن األنظمة العربية ‪ -‬أيا كانت ‪ -‬لم يعد بوسعها أن تدير‬ ‫أمورها بديكتاتورية عسكرية ‪ -‬وعن طريق األكاذيب ‪ -‬وأشار فيه إلى مقالة سابقة‬ ‫لي أطرح فيها تساؤال مفاده‪« :‬ماذا لو جنح نظام األسد في البقاء؟»‪ .‬يرى األستاذ‬ ‫سالم أن ما حدث في العالم العربي ليس إال امتدادا لسقوط الديكتاتوريات‬ ‫واألنظمة الشمولية منذ احلرب العاملية الثانية وصوال إلى سقوط جدار برلني‪،‬‬ ‫وأن املوجة تأخرت كثيرا حتى وصلت إلى املنطقة وفضحت أكاذيب (شعارات)‬ ‫األنظمة‪.‬‬

‫قد ينجح النظام السوري في البقاء رغم كل الظروف التي حتيط به‪ ،‬وقد يتمكن‬ ‫حلفاؤه اإليرانيون أن يقدموا له املعونة‪ ،‬وأن يطلعوه على الكيفية التي بإمكانه‬ ‫أن يتحايل بها على العقوبات الدولية عن طريق السوق السوداء‪ .‬أيضا‪ ،‬قد يخرج‬ ‫األسد ضعيفا فاقدا للشرعية في نظر أغلبية مواطنيه‪ ،‬ولكن ما دام هناك من‬ ‫يستطيع الدفاع عن حكمه فسيظل حاكما حتى ولو على قطعة أرض صغيرة‪ .‬هو‬ ‫مقتنع بصواب موقفه‪ ،‬وفي كون اآلخرين يعملون ضده حتى مواطنيه‪ ،‬ومشكلة‬ ‫األسد احلقيقية هي القيم واملبادئ التي يؤمن بها هو ومحازبوه‪.‬‬

‫علي سالم محق فيما كتب‪ ،‬فكثير من األنظمة العربية ‪ -‬ال سيما البعث‬ ‫واالشتراكي العربي ‪ -‬بنت مشروعيتها على جبال هائلة من األكاذيب‪ ،‬وال شك أن‬ ‫هذه األكاذيب باتت مكشوفة‪ .‬مشكلتنا في احلقيقة ليست في وجود األكاذيب‪،‬‬ ‫أو في انفضاح أمر هذه األكاذيب فقط‪ ،‬بل في جلوء األنظمة إلى الكذب ‪ -‬في‬ ‫املقام األول ‪ -‬كي حتقق مشروعية ما‪ ،‬ألن هذا اجلمهور يؤمن بقيم أو رؤى يعجز‬ ‫هذا النظام أو ذاك ‪ -‬اختيارا أو اضطرارا ‪ -‬عن تنفيذها‪ .‬األستاذ سالم محق في‬ ‫أن هذه األنظمة لم تعد قادرة على االستمرار في الكذب في هذا العصر‪ ،‬ولكن‬ ‫لعلي أضيف بأن األزمة ليست فقط في وجود أنظمة ديكتاتورية‪ ،‬بل ألن وجود‬ ‫الديكتاتورية في املاضي كان مبررا ألجل تلك األكاذيب‪.‬‬

‫علينا أن نتذكر أن بقاء عدد من األنظمة التي تفتقر إلى الشرعية في نظر‬ ‫مواطنيها ليس عائدا فقط بسبب قوتها املادية‪ ،‬أو قدرتها على اخلداع باألكاذيب‪،‬‬ ‫بل ألن الكثيرين ال يتصورون الكيفية التي ميكنهم من خاللها بناء شرعية تكون‬ ‫مقبولة لدى اجلميع ومؤمنة ملصالح الكل‪ .‬األقليات‪ ،‬وجزء من الطبقة الوسطى‪،‬‬ ‫التي وقفت إلى جانب األسد لم تقف بالضرورة إميانا به بل تخوفا من املستقبل‪،‬‬ ‫وإنهم رمبا قبلوا ببقاء ديكتاتور ولكن ما الذي مينع أن يوجد ديكتاتور آخر‪ ،‬أو نظام‬ ‫شعبوي آخر‪ ،‬يحكمهم كيفما شاء‪ ،‬من الواضح أن البعض يفضل الديكتاتور‬ ‫الذي يعرفه على الديكتاتوريات ‪ -‬أو الشموليات الطائفية أو الدينية ‪ -‬التي قد‬ ‫تأتي مستقبال‪.‬‬

‫خذ موضوع السالم على سبيل املثال‪ ،‬بعض األنظمة رفضته من حيث املبدأ‪،‬‬ ‫والبعض نادى به ووقع على وثيقة السالم‪ ،‬فيما البعض اآلخر دخل لعبة املفاوضات‬ ‫وتراجع دائما بحجة أن الطرف اآلخر غير راغب في السالم‪ .‬احلقيقة هي أن الشعوب‬ ‫العربية ‪ -‬وبحسب استفتاءات دولية كثيرة ‪ -‬لم حتظ لديها عملية السالم‬

‫يقول أحمد بهاء الدين‪« :‬قد يحيط املغتصب السلطة نفسه بكل أشكال‬ ‫الشرعية… ولكنها تبقى كلها ستائر تخفي عدم الشرعية‪ ،‬فالقانون ليس أي‬ ‫ورقة عليها توقيع احلاكم‪ .‬القوانني أحكام خارجة من ضمير الناس معبرة عنهم‬ ‫في األساس»‪.‬‬

‫‪62‬‬


‫السوفياتي‪ ،‬كان خطاب نيكيتا خوروشوف السري الشهير عام‬ ‫‪ ،1956‬حيث انتقد ستالني بعد وفاته ملا يطلق عليه «الزعيم‬ ‫املؤله»‪ ،‬على الرغم من كل شيء سري‪ ،‬واعتبر مدمرا للشعب‬ ‫السوفياتي‪ .‬اليوم تبرز عائلة كيم احلاكمة في كوريا الشمالية‬ ‫مخاطر هذا اخليار‪ :‬بعد أن نشرت الصحف الرسمية بالفعل‬ ‫أن القائد العزيز كيم يونغ إل يتقن قراءة اخلواطر‪ ،‬فماذا من‬ ‫املفترض أن يفعل ابنه ووريثه املعني حديثا كيم جون أون‬ ‫ليصبح مثله؟‬ ‫املستبد املستنير‬ ‫«في بعض األحيان يتطلب األمر وجود دكتاتور إلجناز املهمة»‪.‬‬ ‫في الواقع ال‪ .‬لم يساعد العامان املاضيان كثيرا في الترويج‬ ‫لقدرات النموذج الدميقراطي الغربي على اتخاذ إجراءات كبرى‬ ‫ومؤملة ولكنها ضرورية‪ .‬يصوب بعض الغربيني املصابني باإلحباط‬ ‫بسبب كل شيء‪ ،‬بدءا من الفشل في حتقيق توازن في امليزانيات‬ ‫إلى العجز الواضح عن مواجهة حتديات تغير املناخ‪ ،‬أنظارهم‬ ‫في حزن إلى احلكم القمعي للحزب الشيوعي في الصني‪.‬‬ ‫كتب توماس فريدمان في مقال له عام ‪ 2009‬في «نيويورك‬ ‫تاميز»‪« :‬بالتأكيد توجد عيوب في نظام احلكم املستبد ذي‬ ‫احلزب الواحد‪ .‬ولكن عندما تقوده مجموعة من األشخاص‬ ‫املستنيرين‪ ،‬كما في الصني اليوم‪ ،‬من املمكن أن يكون له‬ ‫مميزات كبيرة»‪ .‬في مارس (آذار) املاضي‪ ،‬كتب مارتني وولف في‬ ‫«فايننشال تاميز» عن كيف «حققت الصني العظمة»‪ .‬ال‬ ‫تعد هذه الرومانسية مع احلكم االستبدادي أمرا جديدا‪ ،‬حيث‬ ‫وصف كثيرون في واشنطن نظام أوغستو بينوشيه القاتل‬ ‫في شيلي في السبعينيات بأنه قبيح ولكنه أداة ضرورية‬ ‫من أجل اإلصالح االقتصادي‪ .‬ولكن احلنني إلى القبضة القوية‬ ‫تتأصل فيه العديد من املغالطات‪ .‬أوال‪ ،‬تتداخل إخفاقات أحد‬ ‫أنواع الدميقراطية – كما في حالة فريدمان حيث النسخة‬ ‫األميركية التي وصلت إلى طريق مسدود – مع تصنيف كامل‬ ‫للحكم‪ .‬ثانيا‪ ،‬يفترض هذا الشعور أن الدكتاتور أكثر قدرة من‬ ‫احلاكم الدميقراطي على إجراء إصالحات غير شعبية ولكنها‬ ‫الزمة‪ .‬ولكن ال تتحول القرارات غير الشعبية إلى شعبية جملرد‬ ‫أن حاكما مستبدا هو من يتخذها‪ ،‬لنذكر فقط كبير املسؤولني‬ ‫املاليني في كوريا الشمالية الراحل باك نام غي‪ ،‬الذي انتهى به‬ ‫احلال أمام فرقة إعدام‪ ،‬بعد رد فعل شعبي عكسي ضد خطة‬ ‫إصالح للعملة قدمها نظام كيم عام ‪.2010‬‬ ‫في الواقع‪ ،‬رمبا يكون احلكام املستبدون‪ ،‬بسبب افتقادهم‬ ‫شرعية االنتخابات الشعبية‪ ،‬أكثر خوفا من إفساد األمور من‬ ‫الدميقراطيني‪ .‬على سبيل املثال في روسيا بوتني‪ ،‬ال يستطيع‬ ‫القادة تخفيض حجم اإلنفاق العسكري الهائل الذي يحافظ‬ ‫على هدوء الناخبني‪ ،‬على الرغم من أن وزراءهم يدركون أنه‬ ‫ال ميكن حتمله‪ .‬باإلضافة إلى ذلك‪ ،‬تفترض اإلشارة إلى قدرة‬ ‫الدكتاتور على فرض سياسات أفضل على شعبه أنه على‬ ‫األرجح يعرف ما هي تلك السياسات األفضل‪ .‬رمبا تكون‬ ‫فكرة وجود حلول تكنوقراطية ملعظم املشكالت االقتصادية‬ ‫واالجتماعية والبيئية مريحة‪ ،‬ولكنها غالبا خاطئة‪ .‬مثل تلك‬ ‫املسائل نادرا ما جتد إجابات تقنية ال سياسية خالصة‪ ،‬وميكن‬ ‫فقط في ظل النظام الدميقراطي التعبير عنها وحلها بطريقة‬ ‫حتظى بقبول عام على األقل‪ ،‬إن لم يكن تاما‪.‬‬ ‫«الثورات الرقمية تأتي بأخبار سيئة للحكام املستبدين»‪.‬‬ ‫ليس بالضرورة‪ .‬القت وسائل التكنولوجيا احلديثة – من‬ ‫جهاز الفاكس إلى اإلنترنت إلى «فيس بوك» – ترحيبا‬

‫رمبا تكون فكرة وجود حلول تكنوقراطية ملعظم‬ ‫املشكالت االقتصادية واالجتماعية والبيئية‬ ‫مريحة‪ ،‬ولكنها غالبا خاطئة‬ ‫العدد ‪ ،1564‬يونيو ‪2011‬‬

‫مشابها كقوات لقلب األنظمة الدكتاتورية‪ .‬وبالطبع‪ ،‬إذا‬ ‫لم حتقق الهواتف اجلوالة و«تويتر» اختالفا على اإلطالق‪،‬‬ ‫فلن يستخدمها النشطاء املدافعون عن الدميقراطية‪ .‬ولكن‬ ‫االختبار احلقيقي الذي متر به التكنولوجيا هو قدرتها على‬ ‫حتويل ميزان القوة بني الدكتاتور ومن يحاول إطاحته‪ ،‬لكي‬ ‫تصبح الثورات أسرع أو أكثر جناحا أو تكرارا‪ .‬وعلى الرغم من‬ ‫أن الوقت ما زال مبكرا لتأكيد ذلك‪ ،‬ال يبدو منحنى الثورات‬ ‫في ‪ 2011‬مختلفا كثيرا عن الثورات ذات إمكانيات تكنولوجية‬ ‫أقل في عام ‪ ،1989‬أو حتى ‪ .1848‬ما يحقق االختالف هو‬ ‫مدى سرعة توصل األنظمة املستبدة إلى كيفية التعامل‬ ‫مع االختراع اجلديد أو استخدامه بنفسها‪ .‬في بعض األحيان‬ ‫يحدث هذا بسرعة‪ :‬كانت املتاريس التي ابتكرت في باريس‬ ‫وجعلت ثورات ‪ 1848‬ممكنة ذات فائدة‪ ،‬ولكن سريعا ما توصلت‬ ‫قوات اجليش إلى كيفية استخدام املدافع ضدها‪ .‬كذلك اليوم‪،‬‬ ‫يتعلم املستبدون بالفعل كيفية استخدام الهواتف اجلوالة‬ ‫و«فيس بوك» للتعرف على خصومهم وتعقبهم‪.‬‬ ‫على سبيل املثال في إيران‪ ،‬استخدمت مراسالت «فيس بوك»‬ ‫وما ينشر على «تويتر» ورسائل البريد اإللكتروني كدليل ضد‬ ‫املتظاهرين في أعقاب الثورة اخلضراء الفاشلة‪ .‬وكالعادة‪،‬‬ ‫ما زالت بعض من االختراعات املستمرة ال تخرج عن كونها‬ ‫تكنولوجية على األقل‪ .‬كانت االحتجاجات احلاشدة واملظاهرات‬ ‫واإلضرابات‪ ،‬على الرغم من وجودها في كل مكان اآلن‪ ،‬مجرد‬ ‫أفكار جديدة في البداية كما هو احلال مع «تويتر»‪ ،‬ولكنها‬ ‫استمرت لتلعب دورا حاسما في نشر الدميقراطية واحلقوق‬ ‫املدنية حول العالم‪ .‬ومن املفيد أن نتذكر أن ليس جميع األدوات‬ ‫اجلديدة املهمة تأتي في صندوق أو عبر اتصال الواي فاي‪.‬‬ ‫شرارة األمل‬ ‫«الدكتاتورية في طريقها إلى زوال»‪ .‬ليس في عصرنا هذا‪.‬‬ ‫قامت االنتفاضات األخيرة في الشرق األوسط‪ ،‬على الرغم من‬ ‫أنها ملهمة‪ ،‬على خلفية كئيبة‪ .‬ذكرت منظمة فريدوم هاوس‬ ‫أنه في عام ‪ ،2010‬للعام اخلامس على التوالي‪ ،‬فاق عدد الدول‬ ‫التي ساءت فيها احلقوق املدنية والسياسية تلك التي شهدت‬ ‫حتسنا في تلك احلقوق‪ ،‬وذلك في أعوام متتالية هي األطول منذ‬ ‫بداية جتميع املنظمة للبيانات في عام ‪ .1972‬بعد عقدين من‬ ‫انهيار االحتاد السوفياتي‪ ،‬رمبا تزدهر الدميقراطية في وسط أوروبا‬ ‫الشيوعية وأميركا الالتينية وأيضا البلقان‪ ،‬ولكن ظلت معظم‬ ‫دول االحتاد السوفياتي السابق شمولية‪ .‬وعلى الرغم من حترر‬ ‫عدد قليل من الدول العربية من حكامها الطغاة حديثا‪ ،‬فإنها‬ ‫ما زالت تخوض مرحلة انتقالية‪ .‬ال يستبعد الفقر أو الفساد‪،‬‬ ‫املوجودان على سبيل املثال في مصر وتونس‪ ،‬أن تصبح الدولة‬ ‫دميقراطية – ومثال على ذلك الهند – ولكنه يجعل من األصعب‬ ‫بناء نظام دميقراطي مستقر‪ .‬ولكن أشعلت الثورات العربية‬ ‫شرارة األمل‪ ،‬تلك التي أقلقت بوضوح حكاما مستبدين في‬ ‫مناطق بعيدة تصل حيث موسكو وبكني‪.‬‬ ‫السؤال اآلن هو ماذا يجب على األنظمة الدميقراطية الليبرالية‬ ‫في العالم أن تفعله أو ال تفعله من أجل الدفع قدما‪ .‬مبراجعة‬ ‫تاريخ الواليات املتحدة الطويل في تعزيز الدميقراطية وما شهده‬ ‫من جناحات وإخفاقات‪ ،‬والدرس الذي ال مفر منه‪ ،‬بعيدا عن‬ ‫املغامرات األخيرة في العراق وأفغانستان‪ ،‬القليل غالبا ما يعني‬ ‫الكثير‪ .‬إن تقدمي املساعدات – كما فعلت الواليات املتحدة مع‬ ‫املعارضة في دول مثل صربيا وأوكرانيا وجورجيا – أو مجرد تقدمي‬ ‫منوذج كوسيلة إلطاحة دكتاتور أفضل من القيام بإطاحة ذاتها‪.‬‬ ‫ولكن في كلتا احلالتني‪ ،‬من املهم أن نذكر أن األصدقاء الغربيني‬ ‫األقوياء ليسوا كل شيء‪ .‬على أي حال‪ ،‬الدرس املستفاد من‬ ‫تونس ومصر هو أن الطغاة يسقطون في بعض األحيان على‬ ‫الرغم من‪ ،‬وليس بسبب‪ ،‬املساعدة األميركية‪.‬‬

‫خاص بـ»اجمللة»‬ ‫*نشر ألول مرة في «فورن بولسي» بتاريخ ‪ 25‬أبريل ‪2011‬‬ ‫‪61‬‬


‫● اختيار احملرر‬

‫يكمن جزء من املشكلة التي يواجهها املعارضون‬ ‫احملتملون للدكتاتور في معرفة من غيرهم‬ ‫يعارضه‪ ،‬حيث يزيد إجبار اجلماهير على اعتناق‬ ‫اخلرافات املنافية للعقل علنا من صعوبة األمر‬ ‫ويتوقف صعود وهبوط النظام بأسره على مصير رجل واحد‪.‬‬ ‫قوة اجلماهير‬ ‫«تستطيع قوة اجلماهير أن تطيح احلكام املستبدين»‪ .‬ليس‬ ‫بذاتها‪ .‬في عام ‪ ،1989‬اجتاحت قوة الشعوب جميع أنحاء‬ ‫أوروبا الشرقية‪ .‬وأجبرت اإلضرابات اجلماهيرية في بولندا‬ ‫احلكام الشيوعيني في البالد على احلضور إلى طاولة املفاوضات‬ ‫للتوصل إلى طريق للخروج من السلطة‪ .‬وبعد جتمع مئات‬ ‫اآلالف من األشخاص في ساحة فاتسالف في براغ‪ ،‬انهار أحد‬ ‫أكثر األنظمة الشيوعية وحشية في أوروبا الشرقية وتنازل‬ ‫عن احلكم في تشيكوسلوفاكيا لصالح مجموعة متنوعة من‬ ‫الكتاب املسرحيني والقساوسة واألكادمييني وأصدقاء فرانك‬ ‫زابا‪ .‬في أملانيا الشرقية‪ ،‬خرج احلشود الغفيرة من أكبر مناذج‬ ‫الشيوعية في الغرب الجئني إلى أملانيا الغربية‪ ،‬ثم ساعني‬ ‫إلى إعادة الوحدة معها‪ .‬ولم تتقيد قوة الشعب‪ ،‬التي أدت إلى‬ ‫نهاية فرديناند ماركوس في الفلبني عام ‪ ،1986‬بالشيوعية‬ ‫في أوروبا الشرقية‪ .‬ولكن كان هناك ما هو أكبر من سبب‬ ‫انهيار الشيوعية في أوروبا الشرقية واألنظمة املستبدة ممثال‬ ‫في السلطة األخالقية املذهلة التي متلكها اجلماهير‪ .‬وكما‬ ‫أظهر الصينيون في ميدان تيانامنني في عام ‪ ،1989‬االستسالم‬ ‫للنشطاء املدافعني عن الدميقراطية في الشوارع ليس اخليار‬ ‫الوحيد‪ .‬هناك العديد من األماكن األخرى التي أخفقت فيها‬ ‫قوة الشعب كارثيا في مواجهة رد فعل عسكري منظم جيدا‪.‬‬ ‫في اجملر‪ ،‬سحقت دبابات اجليش األحمر االنتفاضة الشعبية التي‬ ‫خرجت عام ‪ 1956‬بوحشية‪ .‬وأسفرت ثورة الزعفران عام ‪2007‬‬ ‫في بورما عن أحكام باإلعدام ضد الرهبان البوذيني املعارضني‪.‬‬ ‫وسقطت ثورة إيران اخلضراء التي قامت عام ‪ 2009‬أمام هراوات‬ ‫الباسيج بعد عامني‪ .‬ما الذي مييز بني جناح قوى الشعوب‬ ‫وإخفاقاتها؟ بالطبع احلجم له أهمية‪ ،‬ولكن مييل احلكام‬ ‫املستبدون إلى السقوط أمام احلشود فقط عندما يخسرون أوال‬ ‫دعما يقدمه لهم حلفاء مهمون في الداخل أو في اخلارج‪ .‬كان قرار‬ ‫اجليش املصري بالتخلي عن مبارك وحماية املتظاهرين احملتشدين‬ ‫في ميدان التحرير في القاهرة‪ ،‬على سبيل املثال‪ ،‬عامال حاسما‬ ‫في سقوط الرئيس في فبراير (شباط) املاضي‪ .‬كيف يستطيع‬ ‫املتظاهرون إقناع حماة النظام بالقفز من السفينة؟ في أوروبا‬ ‫الشرقية‪ ،‬ساعدت رياح التغيير اجليوسياسية التي خطط لها‬ ‫الزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف وحلفاؤه بوضوح‪،‬‬ ‫ولكنك ال تستطيع أن تسقط الستار احلديدي من جديد‪ .‬رمبا‬ ‫تكون األنظمة ذات اجليوش املهنية املنفصلة عن السلطات‬ ‫املدنية أكثر عرضة لالنقسام‪ ،‬أما األنظمة املعتمدة على‬ ‫األحزاب السياسية الفكرية فهي أقل احتمالية خلروج أعضائها‬ ‫عن الصفوف‪ .‬ومن املمكن أن يؤدي التهديد الواثق باالنتهاء إلى‬ ‫محاكمة على ارتكاب جرائم حرب في الهاي أو جتميد األرصدة‬ ‫في بنوك سويسرا إلى نتائج مذهلة أيضا‪ .‬ولكن من املؤسف‬ ‫للمتظاهرين أن توقع ردود أفعال املستبدين لالنتفاضات ال‬ ‫يخضع للعلوم الدقيقة‪ ،‬وفي ذلك قليل من التعزية عندما تُشج‬ ‫رؤوسهم على يد قوات مكافحة الشغب‪.‬‬ ‫خطر االصالح‬ ‫«كلما اتسم الدكتاتور بالوحشية‪ ،‬ازدادت صعوبة إطاحته»‪.‬‬ ‫من املؤسف أن هذا صحيح‪ .‬الحظ أليكسيس دي توكفيل‪ ،‬لدى‬ ‫دراسته للثورة الفرنسية‪ ،‬أن «أخطر حلظة متر بها حكومة‬ ‫‪60‬‬

‫سيئة هي تلك التي تبدأ فيها باإلصالح»‪ .‬من احملزن أن ما‬ ‫انطبق على القرن الثامن عشر ما زال صحيحا في القرن‬ ‫الواحد والعشرين‪ .‬من املرجح أال تكون مصادفة أن قائمة‬ ‫احلكام املستبدين الذين أطاحتهم مظاهرات الشوارع في‬ ‫األعوام األخيرة حتفل بحكام سمحت أنظمتهم بقدر ضئيل‬ ‫من املعارضة السياسية‪ .‬قد يكون طغاة أمثال سلوبودان‬ ‫ميلوسيفيتش في صربيا وإدوارد شيفرنادزه في جورجيا وقربان‬ ‫بيك باقاييف في قرغيزستان وحسني مبارك في مصر مروعني‬ ‫بصور مختلفة‪ ،‬ولكن من دون شك كانت أنظمتهم أكثر تساهال‬ ‫من كثيرين ما زالوا متمسكني بالسلطة حتى يومنا هذا‪ .‬إذا‬ ‫كان ذلك صحيحا‪ ،‬فلماذا يسمح الطغاة باملعارضة في املقام‬ ‫األول؟ وملاذا ال يقدمون على إجراء مثل ما حدث في تيانامنني لدى‬ ‫أول إشارة على االحتجاج؟ ألنه من األصعب اليوم إدارة نظام‬ ‫دكتاتوري مروع بحق عما كان في املاضي‪ .‬لقد زاد ترابط حضارة‬ ‫القرن احلادي والعشرين من صعوبة السيطرة على املعلومات‬ ‫وأصبح من األكثر صعوبة وتكلفة عزل البالد عن العالم اخلارجي‬ ‫مقارنة مبا كان يحدث في القرن العشرين‪.‬‬ ‫في الوقت ذاته‪ ،‬جعلت نهاية الشيوعية اليساريني ��اليمينيني‬ ‫األقوياء على حد سواء املوضوع الرئيس للممارسات املناهضة‬ ‫للدميقراطية‪ .‬في العقد املاضي‪ ،‬استغل حكام دول مثل‬ ‫أوزبكستان واليمن خوف الغرب احلديث من اإلسالم املسلح –‬ ‫والضرورات اللوجيستية حلروب الواليات املتحدة بعد أحداث‬ ‫‪ – 9/11‬من أجل حتقيق أهداف مشابهة‪ ،‬ولكنهم أقل كثيرا‬ ‫من الطغاة اآليديولوجيني الذين قسموا قارات بأكملها بذريعة‬ ‫احلرب الباردة منذ جيل مضى‪ .‬والنتيجة في كثير من املناطق‬ ‫هي أن احلكام مجبرون على تبرير ممارساتهم بإضفاء ملسة من‬ ‫«الدميقراطية»‪ .‬اختار فالدميير بوتني التخلي عن احلكم – على‬ ‫الرغم من عدم ابتعاده عنه – في عام ‪ ،2008‬بدال من انتهاك‬ ‫منع الدستور الروسي الترشح لفترة رئاسية ثالثة متتالية‪،‬‬ ‫بل ويسمح احلزب الشيوعي الصيني أيضا ببعض االنتخابات‬ ‫التنافسية على مستويات القرى والبلدات‪ .‬وبالطبع هناك‬ ‫استثناءات لهذا االجتاه‪ ،‬منها‪ :‬تركمنستان وكوريا الشمالية‬ ‫وبورما‪ .‬ولكن تبدو مثل تلك األنظمة وكأنها بقايا من القرن‬ ‫العشرين املاضي غير املأسوف عليه‪ ،‬بدال من كونها بشائر عصر‬ ‫مقبل‪.‬‬ ‫«الزعماء املؤلهون مجانني»‪ .‬ولكنهم في احلقيقة ماكرون‪ .‬هل‬ ‫يعتقد الكوريون الشماليون حقا أن كيم يونغ إل يستطيع أن‬ ‫يغير الطقس بناء على مزاجه الشخصي؟ هل يؤمن الليبيون‬ ‫أن الكتاب األخضر الذي ألفه القذافي عمل نابغ في الفلسفة‬ ‫السياسية؟ هل يعتبر التركمان أن روح نامة‪ ،‬النص الديني الذي‬ ‫ألفه الدكتاتور السوفياتي الراحل صابر مراد نيازوف‪ ،‬الذي أطلق‬ ‫على نفسه أيضا لقب الزعيم الروحي‪ ،‬نصا مقدسا يتساوى مع‬ ‫القرآن والكتاب املقدس؟ على األرجح اإلجابة ال‪ ،‬ولكن ألسباب‬ ‫تتعلق بالدكتاتورية‪ ،‬عليهم أن يفعلوا ذلك‪ .‬كما يقول العالم‬ ‫السياسي خافيير ماركيز‪ ،‬يتسم الزعماء املألهون بالتفكير‬ ‫االستراتيجي كما يتسمون بالنرجسية‪ .‬يكمن جزء من املشكلة‬ ‫التي يواجهها املعارضون احملتملون للدكتاتور في معرفة من‬ ‫غيرهم يعارضه‪ ،‬حيث يزيد إجبار اجلماهير على اعتناق اخلرافات‬ ‫املنافية للعقل علنا من صعوبة األمر‪ .‬تعد صناعة اخلرافات‬ ‫الرسمية أيضا وسيلة لتطبيق االنضباط داخل النظام‪ .‬علم‬ ‫ستالني – رائد فكرة تأليه الزعيم الدكتاتور احلديثة – جيدا أن‬ ‫نسج اخلرافات حول شخصه سيكون من الصعب أن يتجاوزه‬ ‫رفاقه القدامى‪ ،‬وقد حذر لينني حتديدا من هذا األمر‪ .‬ولكن تعرض‬ ‫هؤالء الذين عارضوه إلى القتل سريعا‪ .‬أما بالنسبة ملن تبقى‬ ‫من الرفاق‪ ،‬فقد كان اإلذعان لتأليه الزعيم مذال‪ ،‬وفي اإلذالل‬ ‫وسيلة قوية للسيطرة على اخلصوم احملتملني‪ .‬ولكن الزعماء‬ ‫املؤلهني‪ ،‬مثل معظم النماذج الدكتاتورية‪ ،‬لديهم عيوبهم‪.‬‬ ‫كلما زاد قدر التأليه‪ ،‬كان حتدي خالفته أكبر‪ .‬ال ميلك ورثة‬ ‫احلكم بالفعل سوى خيارين‪ :‬التخلص من تأليه الشخص أو‬ ‫احلصول على مكانة تأليه أفضل‪ .‬اخليار األول خطير‪ ،‬في االحتاد‬


‫«األنظمة الدكتاتورية تتعلق فقط بالدكتاتور»‪ .‬نادرا ما يحدث ذلك‪.‬‬ ‫في الشهور األولى بعد بداية الثورات العربية‪ ،‬امتألت شاشات التلفزيون‬ ‫حول العالم مبشاهد رمزية لنظام قدمي متهدم‪ ،‬حيث تشتعل النيران في‬ ‫قصر عائلة بن علي املطل على البحر في تونس‪ ،‬وخطابات حسني مبارك‬ ‫ما قبل التنحي في مصر‪ ،‬وهجوم القذافي الالذع املليء بالتحدي من منزل‬ ‫تعرض للقصف في ليبيا‪.‬‬ ‫غرامي روبرتسون‬

‫كانت تلك املشاهد تذكرة بأن أكثر النماذج السياسية بقاء‬ ‫في القرن العشرين‪ ،‬الدكتاتور الذي ال يعرف الرحمة‪ ،‬استمرت‬ ‫حتى القرن الواحد والعشرين‪ .‬ولكن ما قدر استمرارهم؟ وضعت‬ ‫منظمة فريدوم هاوس األميركية غير احلكومية في العام احلالي‬ ‫‪ 47‬دولة حتت تصنيف «غير حرة»‪ ،‬حيث يحكم كال منها دكتاتور‬ ‫مستبد‪ .‬انخفضت أعداد هذه الدول بالتأكيد عن القرن املاضي‪،‬‬ ‫الذي امتأل بقائمة شملت‪ :‬ستالني وهتلر وبول بوت وبينوشيه‬ ‫واخلميني ومجموعة أخرى أصبحت أسماؤها اآلن تترادف مع‬ ‫احلكم القمعي القاتل‪ .‬ولكن استحضار مثل هؤالء الطغاة‪،‬‬ ‫على الرغم من كونهم اختزاال مفيدا في السياسة الدولية‪ ،‬يعزز‬ ‫لألسف من خرافة مزعجة بأن األنظمة الدكتاتورية تتعلق فقط‬ ‫بالدكتاتور‪.‬‬ ‫سيطرت صورة الزعيم القوي اخملتفي داخل الكرملني احملاط‬ ‫بالغموض أو القصر الرئاسي ذي الزخرفة املبهرجة على فترة احلرب‬ ‫الباردة‪ .‬ولكن ال تدار األنظمة الدكتاتورية مبفردها‪ .‬يطلب أداء‬ ‫املهمات األساسية املتوقعة من حكومة مستبدة‪ ،‬من وضع نظام‬ ‫وفرض ضرائب وسيطرة على حدود وإشراف على االقتصاد‪ ،‬تعاون‬ ‫مجموعة كاملة من الالعبني‪ ،‬رجال أعمال وبيروقراطيون وقادة‬ ‫االحتادات العمالية واألحزاب السياسية وبالطبع متخصصون في‬ ‫القمع مثل قوات اجليش والشرطة‪ .‬وال تعد القدرة على إسعادهم‬ ‫جميعا وجعلهم يعملون معا أسهل بالنسبة للدكتاتور منها‬ ‫بالنسبة للحاكم الدميقراطي‪.‬‬ ‫استمرار األوضاع‬ ‫متلك األنظمة الدكتاتورية اخملتلفة أدوات متباينة من أجل استمرار‬ ‫األوضاع‪ .‬اعتمدت األنظمة الشيوعية في القرن العشرين على‬ ‫العضوية اجلماهيرية في األحزاب السياسية للحفاظ على‬ ‫االنضباط‪ ،‬وكذلك فعلت األنظمة املستبدة غير الشيوعية‪ .‬كان‬ ‫النظام املستبد الذي حكم املكسيك ‪ 70‬عاما‪ ،‬والذي وصفه‬ ‫الروائي البيروفي حائز جائزة نوبل ماريو فارغاس لوسا ذات مرة‬ ‫بأنه «النظام الدكتاتوري املثالي»‪ ،‬حيث كان منظما بواسطة‬ ‫احلزب الثوري املؤسسي القومي‪ ،‬وهو منظمة ضخمة امتد‬ ‫نفوذها من مجمع الرئيس في لوس بينوس إلى املقاعد احمللية‬ ‫في احلكومة في كل قرية صغيرة‪ .‬كذلك كان حسني مبارك‬ ‫الرئيس املصري الذي أطيح به أخيرا مدعوما طوال ثالثة عقود‬ ‫من حزبه الوطني الدميقراطي‪.‬‬ ‫هناك أيضا نظام احلكم العسكري‪ :‬حيث الدكتاتورية التي تديرها‬ ‫عصبة عسكرية‪ .‬يتميز هذا النوع باالنضباط والنظام‪ ،‬والقدرة‬ ‫ن له عيوبا أيضا‪ ،‬أبرزها دائرة‬ ‫على قمع املعارضني بينهم‪ ،‬ولك ّ‬ ‫صغيرة طبيعية من املؤيدين ال تتجاوز أصحاب الزي العسكري‪.‬‬ ‫استطاع اجلنراالت الذين حكموا البرازيل من عام ‪ 1964‬إلى عام‬ ‫‪ 1985‬حل هذه املشكلة بإتاحة الوصول احملكم إلى البرملان‬ ‫حيث ميكن أن تعبر النخب االقتصادية وغيرها من أصحاب‬ ‫املصالح القوية عن مطالبها واملشاركة في احلكم‪ .‬ولكن ثبتت‬ ‫صعوبة حتقيق التوازن حيث كان من الصعب على اجليش إدارة‬ ‫االنتخابات وحتمل ضغوط الشعب الذي ازداد عدم رضاه عما حتقق‬ ‫في مجالي االقتصاد وحقوق اإلنسان‪ ،‬وفي النهاية عاد اجلنراالت‬ ‫إلى ثكناتهم‪.‬‬ ‫وعلى النقيض‪ ،‬تقارب بعض احلكومات املستبدة منوذج الدكتاتورية‬ ‫املركزية في اخليال الشعبي‪ .‬في أمثلة تقليدية على ذلك النوع‪،‬‬ ‫موبوتو سيسي سيكو الذي حكم زائير (اآلن جمهورية الكونغو‬ ‫الدميقراطية) ألكثر من ‪ 30‬عاما‪ ،‬وعائلة دوفالييه احلاكمة‬ ‫في هاييتي‪ .‬في هذا النوع من األنظمة‪ ،‬يُحفظ النظام بتوزيع‬ ‫احملسوبيات وفقا لشبكات شخصية أو غيرها‪ :‬مثل العشائر‬ ‫واجلماعات العرقية وما يشبهها‪ .‬ولكن في مفارقة كانت تلك‬ ‫الدكتاتوريات األكثر زعزعة في االستقرار‪ .‬من الصعب استمرار‬ ‫عمل احلكومة بسالسة في ظل غياب قاعدة مؤسسية واسعة‬

‫العدد ‪ ،1564‬يونيو ‪2011‬‬

‫‪59‬‬


‫● اختيار احملرر‬

‫طغاة العالم‬ ‫«أخطر حلظة متر ّ بها حكومة سيئة هي تلك التي تبدأ فيها باإلصالح»‬

‫‪58‬‬


‫تقرير‬ ‫● نقاد‬

‫حركة املعارضة‬ ‫والتغير السياسي في العالم العربي‬

‫حوافز مجهولة‬

‫أثناء أحداث خلع زين العابدين بن علي‪ ،‬الرئيس السابق‬ ‫لتونس‪ ،‬نشر معهد كارنيغي للسالم ذلك التقرير‪ ،‬الذي‬ ‫يحاول رسم صورة خللفية تلك االنتفاضة التي بدت مفاجئة‪.‬‬ ‫يشير التقرير إلى أن مدى االحتجاجات في العالم العربي‬ ‫يثير جدال حول إمكانية تشكل حركة موحدة‪ .‬وفي ظل‬ ‫تالحق األحداث التي اجتاحت املنطقة منذ ذلك الوقت‪،‬‬ ‫تفيد نتائج التقرير في املساعدة على استكشاف ما يخبئه‬ ‫املستقبل للشرق األوسط‪.‬‬ ‫حركة املعارضة والتغير السياسي في العالم العربي‬

‫كما يقدم التقرير عرضا سريعا للطبيعة اخملتلفة لالحتجاجات التي‬ ‫معهد كارنيغي للسالم‬ ‫وقعت في بعض دول اخلليج خالل العقد املاضي‪ .‬حيث لم يتم االحتفاء‬ ‫مارينا أوتاواي وعمرو حمزاوي‬ ‫باإلصالح االجتماعي االقتصادي بنفس قدر االحتفاء بإصالح التمثيل‬ ‫يناير (كانون األول) ‪2011‬‬ ‫املدني‪ ،‬كما كانت األطراف املشاركة تأتي من خلفيات متباينة متاما‪ :‬أبناء‬ ‫نظرا لذلك اإليقاع املتسارع الذي تتطور به األحداث في العالم العربي‪ ،‬الطبقة الوسطى في مقابل جماعات العمال والشباب غير املنظمة‪.‬‬ ‫أصبح ذلك التقرير الذي مت نشره في يناير (كانون األول) متأخرا للغاية‪.‬‬ ‫فمنذ نشره‪ ،‬وقعت العديد من األحداث املزلزلة في مصر وليبيا وسوريا‪ ،‬إن حتليل تكوين املنظمات املشكلة ملا يطلق عليه حركات املعارضة‬ ‫نظرا لالضطرابات املدنية‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬ميكننا أن نستفيد كثيرا من التحليل هو األكثر انطباقا على الوضع الراهن في املنطقة‪ .‬ذلك باإلضافة إلى‬ ‫الذي أعده كل من مارينا أوتاواي وعمرو حمزاوي نظرا ألنهما يدحضان إشكالية متى ميكن ملطالب اإلصالح االجتماعي أن تتحول إلى حركة‬ ‫ببراعة فكرة أن االنتفاضة في تونس ‪ -‬التي مهدت الطريق لالضطرابات سياسية‪ .‬كما مت فحص االفتقار إلى حركة متماسكة في التوتر بني‬ ‫الالحقة في املنطقة ‪ -‬كانت حدثا منعزال مؤكدين أنها «كانت منوذجا جماعات العمال وشبكات الشباب على اإلنترنت واحلركات اإلسالمية‪.‬‬ ‫وأثناء انتظارنا ملا يخبئه القدر ملصر‪ ،‬من الضروري أن نعيد تقييم النجاح‬ ‫دراماتيكيا لالضطرابات الشائعة في املنطقة»‪.‬‬ ‫الواضح لالنتفاضة هناك في ظل التنافر الواضح واالفتقار للثقة بني‬ ‫األطراف األساسية‪ .‬ويعد أكثر األشياء كشفا للمستقبل هو تأكيد‬ ‫وعلى الرغم من أن أوتاواي وحمزاوي‪ ،‬وقت إعدادهما للتقرير لم يكن‬ ‫املؤلفني على أن «هناك صراعات حتمية بني نشطاء الشباب واحملتجني من‬ ‫لديهما‪ ،‬بالطبع‪ ،‬علم مبا سوف يحدث الحقا في مصر‪ ،‬فإن العرض الذي‬ ‫نقابات العمال»‪ .‬واملثير لالهتمام أيضا هو االعتقاد السائد بني النشطاء‬ ‫قدماه حلركة االحتجاجات املصرية خالل السنوات العشر املاضية كان‬ ‫التقليديني بأن «الشبكات االجتماعية (فيس بوك وغيره) تخلق حتالفات‬ ‫كاشفا‪ ،‬خاصة إذا أخذنا في اعتبارنا مفترق الطرق الذي تقف على عتبته قصيرة املدى وال تخلق بنى دائمة ومنظمات»‪.‬‬ ‫مصر حاليا‪ .‬وأخذا في االعتبار النجاح الهائل في خلع حسني مبارك من‬ ‫منصبه‪ ،‬يصبح من السهل النظر للنموذج املصري باعتباره حدثا مفاجئا‪ .‬وفي النهاية يصل التقرير إلى االستنتاج املثير للجدل؛ أنه أخذا في‬ ‫ويظهر العرض الشامل املقدم في التقرير أن إرهاصات تلك االحتجاجات االعتبار طبيعة وشكل االحتجاجات في العالم العربي‪ ،‬فإنه من غير‬ ‫واسعة النطاق كانت موجودة في مصر منذ سنوات‪ .‬ومما ال شك فيه‪ ،‬أن املرجح أن تظهر حركة موحدة‪ .‬فحتى اآلن‪ ،‬وعلى الرغم من النجاح غير‬ ‫هناك فارقا بني االحتجاجات ذات الطبيعة السياسية وتلك االحتجاجات املسبوق لالنتفاضة املصرية والثورات املستمرة (وحتى احلرب األهلية) في‬ ‫التي تدعو فقط لإلصالح االجتماعي االقتصادي‪ .‬وبالتالي كان إضراب ‪ 6‬اليمن وليبيا‪ ،‬فإنه من الصعب دحض تلك الفكرة‪.‬‬ ‫أبريل (نيسان) ‪ 2008‬ميثل حتوال هائال في ذلك الصدد ألنه يدعو لإلصالح‬ ‫السياسي واالجتماعي خاصة التخلص من الفساد املؤسسي‪.‬‬ ‫ويقول أوتاواي وحمزاوي إن املطلوب هو عوامل حفز غير متوقعة ميكن أن‬ ‫يتجمع احملتجون حولها‪ ،‬وبالتالي «فمن املستحيل أن نتنبأ أين ومتى ميكن‬ ‫ويفحص املؤلفان ما يطلقان عليه «حركة احتجاج» إقليمية في الشرق لهؤالء احملتجني املتفرقني أن يكونوا شيئا مشتركا»‪.‬‬ ‫األوسط وشمال أفريقيا‪ .‬وبالنسبة ملصر‪ ،‬اجلزائر‪ ،‬األردن‪ ،‬املغرب‪ ،‬وتونس‪،‬‬ ‫توصلوا إلى أن معظم تلك االحتجاجات كانت متشابهة من حيث تباينها رمبا ال ميثل ذلك استنتاجا متكامال ولكنه استنتاج يعزز على األقل اجلدل‪.‬‬ ‫وافتقارها للتنسيق‪ ،‬نظرا لعدم قدرة تلك اجلماعات على تشكيل جماعات ففي ظل حقيقة أن الظروف مالئمة متاما لنشوب الصراعات في العالم‬ ‫مصالح في مجتمعاتها‪.‬‬ ‫العربي‪ ،‬من املتوقع أن يحتدم ذلك اجلدل‪.‬‬ ‫‪56‬‬


‫مضيع‪ ..‬والقادم أعظم‬ ‫السودان وطن‬ ‫ّ‬

‫رزق اليوم باليوم‬

‫من أصعب املشاعر على أي إنسان شعوره بانهيار الوطن‬ ‫وانكساره ومتزقه بني أبنائه نتيجة لرغبة بعضهم فى‬ ‫االنقسام واالستقالل بقطعة من الوطن فتتغير خريطته‬ ‫وتتقلص حدوده بني يوم وليلة‪ ...‬ولألسف الشديد تنطبق هذه‬ ‫احلالة على السودان الذي مر بظروف صعبة وحروب داخلية‬ ‫كرست للدعوة إلى االنقسام وإحداث الشرخ العميق بني‬ ‫أبناء السودان شماله وجنوبه وهو ما دفع احملللني السياسيني‬ ‫إلى دراسة هذا الوضع اخلطير الذى اليستبعد تكراره في أي‬ ‫قطر عربي آخر‪.‬‬ ‫في أحدث الكتب السياسية الصادرة عن دار ميريت بالقاهرة‬ ‫لشهر مايو هذا العام كتاب «السودان الوطن املضيع»‬ ‫للدكتور حيدر إبراهيم علي‪ ،‬وهو باحث سوداني عمل في‬ ‫العديد من املؤسسات العلمية البارزة و حاصل على درجة‬ ‫الدكتوراة في فلسفة العلوم االجتماعية من جامعة‬ ‫فرانكفورت األملانية‪.‬‬ ‫هذا الكتاب مت تغييرعنوانه من «السودان وضياع وطن» إلى‬ ‫العنوان اجلديد للتأكيد على اإلشارة إلى املسؤول عن هذا‬ ‫الضياع من خالل حتليل املؤلف الذى كان قد بدأ الكتابة في‬ ‫هذا الكتاب قبل حدوث انقسام السودان بفترة وكان يحذر‬ ‫من خطورة التقسيم احملتمل من خالل مجموعة من املقاالت‬ ‫التي ضمها املؤلف ضمن فصول كتابه للتدليل على رؤيته‬ ‫الثاقبة خلطورة املوقف في السودان والتحذير من توابعه‬ ‫اخلطرة التي لم ينتبه إليها اجملتمع السوداني وال الدولي وال‬ ‫العربي فحدث ما حدث وكان ما كان ‪.‬‬ ‫فى البداية يرصد املؤلف بعض املظاهر السلبية املثيرة‬ ‫للقلق على وضع السودان مشيرا إلى أنه لم تعد توجد‬ ‫دولة سودانية مركزية قوية قابضة علي قلبه واطرافه‪ .‬وأنه‬ ‫افتقد القومية املهيمنة‪ ،‬عدا متراكمات قبلية يطلق عليها‬ ‫خصومه السياسيون بال دقة مفاهيمية أو نظرية صفة‬ ‫املركز املسيطر أو املهمش!‬ ‫ويؤكد املؤلف على أن السودان مر بالتجارب التاريخية واالجتماعية واالقتصادية التي‬ ‫ساعدت في حتويل كثير من الكيانات والتجمعات البشرية الي تكوينات وتنظيمات‬ ‫أرقى سياسيا واجتماعيا‪ .‬ولكن السودان ظل بسبب عوامل ذاتية وموضوعية‪ ،‬راكدا‬ ‫أو مقاوما للتغيير‪ ،‬أو على االقل بطيء االستجابة مرجعا ذلك الى عدم الوحدة في‬ ‫احلضارة والدولة والقومية األمر الذي دفع املؤلف إلثارة تساؤل هام عن سبب عدم‬ ‫التوحد لكي ينجز االستحقاقات األخرى‪.‬‬ ‫ويلقى املؤلف باللوم على احملللني السودانيني ويتهمهم بتغليب اجلانب السردي في‬ ‫تناولهم األحداث التاريخية على اجلانب التحليلي األمر الذي اعتبره الدكتور حيدر من‬ ‫أهم أسباب عدم تعلم السودانيني من التاريخ‪ ،‬والذي ظل يعيد نفسه حتي بلغ بنا‬ ‫شكل املأساة التي يعيشها السودان اآلن‪.‬‬ ‫وينتقل املؤلف إلى احلديث عن السودان بلد املتناقضات واملفارقات القاتلة‪  ‬مدلال على‬ ‫ذلك مبا شهدته أراضيه من أحداث سياسية وابتالءات واختبارات‪  ‬كان يرسب فيها في‬ ‫كل مرة يتعرض لها مما أسقطه في نفق مظلم جعل السودان صاحب سجل أطول‬ ‫حرب أهلية في العالم‪ .‬مخيبا آمال املؤرخ الشهير أرنولد توينبي في أن يكون السودان‬ ‫ونيجيريا ملتقى الثقافات واألديان واألعراق في إفريقيا ومحبطا ألحالم العالم العربى‬ ‫بأن يكون سلة غذاء له بل وللعالم أجمع ليصبح مضرب األمثال فى اجملاعات والكوارث‬ ‫اإلنسانية‪.‬‬ ‫وفي أجزاء أخرى من الكتاب يعرج الكاتب على أهم أحداث التاريخ السوداني‪  ‬التي كانت‬ ‫سببا في دخوله هذا النفق املظلم الذي انتهى بضياع الوطن منذ تاريخ االستقالل‬ ‫عام ‪ 1956‬مرورا باالنقالبات العسكرية املتتالية واحلكومات الشمولية التي رضخ لها‬ ‫السودانيون قرابة نصف قرن مشيرا بأصابع االتهام إليهم بالالمباالة وإلى عقالئهم‬ ‫العدد ‪ ،1564‬يونيو ‪2011‬‬

‫باالستهتار والتسبب في ضياع البوصلة ‪.‬‬ ‫‪ ‬ومن املاضي إلى احلاضروحتديدا الفترة التي سبقت عملية االنقسام بني شطري‬ ‫السودان يتناول الدكتور حيدر إبراهيم املشهد السياسي الداخلي في السودان واحلالة‬ ‫املتردية من االنقسامات الغريبة في الصفوف الداخلية وتأثير ذلك على التعجيل‬ ‫بضياع الوطن وانهياره ورأى أنه بدال من أن ينشغل الشماليون بالتفكير اجلدي في‬ ‫الوصول الي الصيغة القومية اجلامعة حلكم ما تبقى من البالد بطريقة متنع التفتيت‬ ‫واالنقسامات الالحقة‪ ،‬دخلوا مجددا في حالة استقطاب حادة ومناورات حزبية عقيمة‬ ‫كشفت عن عقل سياسي يبدو أنه لم يتعلم كثيرا حتى من تاريخه القريب على حد‬ ‫وصف املؤلف‪.‬‬ ‫وحتى على املستوى االجتماعي يرى الكاتب أن اجملتمع السوداني واحلياة العامة في‬ ‫السودان أصبحت تتجه بقوة نحو التشرذم واالنقسامية بصورة غير صحية‪ ،‬إذ يغيب‬ ‫االتفاق حول أهداف قومية جتمع الناس وترفّعهم عن خالفات ثانوية دوما‪ .‬ويكاد هذا‬ ‫امليل نحو التشرذم واالنقسام أن يصبح طبيعة ثانية لدي السودانيني‪ ،‬لينتهى الكاتب‬ ‫في هذا اجلزء من الكتاب إلى نتيجة مفادها أن حتليل الواقع السياسي في السودان‬ ‫أمر صعب‪ ،‬وأن محاوالت استشراف املستقبل أو التنبؤ مبا سوف يحدث مهمة ميكن‬ ‫أن يقوم بها قارئ فنجان وليس احمللل السياسي‪ ،‬وذلك بسبب تبدل املواقع واملواقف‬ ‫مستشهدا ببعض األحداث األخيرة القبلية والتي كشفت عن أن السودان يعيش‬ ‫حالة سيولة سياسية جتعل رسم خريطة سياسية ثابتة نسبيا في حتالفاتها‬ ‫ومواقفها السياسية‪ ،‬مسألة في غاية الصعوبة‪.‬‬ ‫ويرى املؤلف أن األمر األخطر في هذا السياق هوغياب الرؤى االستراتيجية بعيدة املدى‬ ‫في تناول قضايا الوطن متهما اجلميع في السودان ‪ -‬حكومة ومعارضة‪ -‬بالتعامل بردود‬ ‫الفعل أو جتزئة القضايا أو ما يسمي في السودان «رزق اليوم باليوم» وهذا سبب تغيير‬ ‫املواقف السريع واملتواتر‪.‬‬ ‫وعن الدميقراطية السودانية أوضح الكاتب أن هناك قطاعات‬ ‫وتيارات إسالمية كبيرة‪ ،‬ترى في التنوع أو التعدد الثقافي‬ ‫نوعا ًَ من الفتنة أو الفرقة الضالة‪ ،‬واملؤامرة لتمزيق األمة أو‬ ‫الدول العربية‪ ،‬وهو حتليل اعتبره الكاتب حتديثا لفكرة أو تهمة‬ ‫الشعوبية التي سادت طويال في التاريخ العربي‪-‬االسالمي و‬ ‫أن مفهوم االقليات ظل سيء السمعة في السياسة والفكر‬ ‫العربيني‪ ،‬وغالبا ً ما يتم السكوت عنه‪ ،‬ومن هنا يدخل دائرة‬ ‫الغموض والتآمر ألنه ال يناقش علنا ويطارد من يحاول اإلفصاح‬ ‫واإلعالن عن مثل هذه األفكار الهدامة ولذلك فقد اعتبر املؤلف‬ ‫هذا الواقع مسؤوال أيضا عن ضياع السودان بتقسيمه ملا يراه‬ ‫من أن قبول التنوع والتعايش مع اآلخر اخملتلف يرتبط بقضية‬ ‫الدميقراطية احلقيقية‪.‬‬ ‫وعن البعد الدولى في القضية السودانية خصص املؤلف جزءا‬ ‫من كتابه حول دور املؤسسات والكيانات الدولية فى تكريس‬ ‫مبدأ االنفصال حتى وقع متهما إياهم بالكيل مبكيالني وأنه‬ ‫رغم كل حتفظات كل املراقبني والذين سجلوا موقفهم رسميا‬ ‫بأن االنتخابات لم ترق الي مستوى املعايير الدولية إال أنهم‬ ‫اعترفوا بالنتائج‪ ..‬مشيرا إلى أن الغرب كان يهمه فقط قيام‬ ‫االستفتاء في اجلنوب‪ ،‬والذي البد أن يقوم حتت ظل حكومة‬ ‫منتخبة بغض النظر عن عيوب االنتخاب‪              .‬‬ ‫وفى جانب آخر من الكتاب حاول املؤلف التطرق إلى املستقبل واستشرافه في ما بعد‬ ‫االنفصال في ضوء كل ما سرده من أوضاع مقلقة داخل السودان مشيرا إلى أن املتوقع‬ ‫هو انشغال الشماليني مبوضوع الشريعة أوال أكثر من التنمية والتحول الدميقراطي‬ ‫واإلصالح والنهضة‪ .‬ومن ناحية أخرى يحذر الدكتور حيدر إبراهيم من أن الشماليني قد‬ ‫يتعرضون حلروب أهلية فكرية وسياسية عديدة وطويلة وأنها ستكون أكثر دموية إذا لم‬ ‫يتسلح لها السودانيون بكثير من العقالنية والبصيرة واإلدراك العميق‪ .‬ويدق الكاتب‬ ‫جرس إنذار بثورة قريبة في السودان حيث يقول إن من يظن أن السكون الذي يبدو على‬ ‫السودان‪ ،‬هو دليل على أنه ميثل حالة استثناء في سيرورة النهوض الدميقراطي العربي‬ ‫الشامل‪ ،‬وأن االنتفاضة ال مكان لها في البالد يكون مخطئا كبيرا ً‪  .‬مؤكدا ً على‪  ‬فرضية‬ ‫تقول بأن القاعدة هي تشابه النظم العربية االستبدادية في خصائص مشتركة وهي‬ ‫القمع وغياب دولة القانون‪ ،‬الفساد‪ ،‬الفقر‪ ،‬البطالة‪ ،‬التخلف‪ ،‬والتبعية للخارج‪ .‬وهذه‬ ‫أوضاع اعتبرها املؤلف دافعا قويا‪  ‬لقيام الثورة وكفيلة بأن تقود املعارضة واالحتجاج حتى‬ ‫تصل درجة االنتفاضة والثورة الشعبية‪ .‬ويرى أنه في حالة تأخر الثورة‪ ،‬فإن االختالف ليس‬ ‫في أفضلية النظام املعني‪ ،‬بل في جناحه في إضعاف وإنهاك املعارضة مما يجعلها أبطأ في‬ ‫حشد الناس ورفع الوعي‪ ،‬ثم نزول اجلماهير إلي الشارع‪ .‬ونحن أمام نظام مستمر ليس‬ ‫بسبب قواه الذاتية‪ ،‬ولكن بسبب ضعف املعارضة الراهن أو البحث عن البديل‪      .‬‬ ‫��ذا ويعتبر كتاب «السودان الوطن املضيع» من الكتب الهامة التي تقدم‪  ‬رصدا‬ ‫واقعيا معاصرا ومفصال ً حول األوضاع السودانية في الشمال واجلنوب‪ ،‬وداخل السودان‬ ‫وخارجه‪ ،‬كما أن الكتاب يستمد أهميته من موضوعه الذي يدور حول وطن عربي‬ ‫شاءت له األقدار أن يكون غنيا ً في موقعه وثرواته مما جعله عرضة دائمة ألطماع الغرب‬ ‫املتسلط ومؤامراته‪.‬‬ ‫‪55‬‬


‫● نقاد‬

‫«الدولة والكنيسة»‪ ..‬أي موقع‬ ‫ألقباط مصر في اجلماعة الوطنية‬

‫انعزال وغربة‬

‫الشك أن العالقة بني السلطة الدينية والسلطة السياسية‬ ‫كانت شائكة ومثار جدل على مدار الزمن ويشهد على ذلك‬ ‫أحداث تاريخية متعددة كثيرا ما كانت السلطة الدينية طرفا‬ ‫فيها مقاوما أو ذا موقف مختلف مع السلطة السياسية‪.‬‬ ‫وعندما يتعلق األمر بالعالقة بني الكنيسة والدولة في العالم‬ ‫العربي اإلسالمي وبخاصة مصر فإن املوضوع يكون غاية في‬ ‫األهمية سيما في ظل األحداث املتواترة عن وجود توترات‬ ‫وأزمات طائفية بني املسلمني واألقباط حيث يعول على الدولة‬ ‫الدور األكبر في رأب الصدع واتخاذ اإلجراءات التي تكفل نزع‬ ‫فتيل األزمة‪.‬‬ ‫الشك أن العالقة بني السلطة الدينية والسلطة السياسية‬ ‫كانت شائكة ومثار جدل على مدار الزمن ويشهد على ذلك‬ ‫أحداث تاريخية متعددة كثيرا ما كانت السلطة الدينية طرفا‬ ‫فيها مقاوما أو ذا موقف مختلف مع السلطة السياسية‪.‬‬ ‫وعندما يتعلق األمر بالعالقة بني الكنيسة والدولة في العالم‬ ‫العربي اإلسالمي وبخاصة مصر فإن املوضوع يكون غاية في‬ ‫األهمية سيما في ظل األحداث املتواترة عن وجود توترات‬ ‫وأزمات طائفية بني املسلمني واألقباط حيث يعول على الدولة‬ ‫الدور األكبر في رأب الصدع واتخاذ اإلجراءات التي تكفل نزع‬ ‫فتيل األزمة‪.‬‬ ‫وتزداد أهمية املوضوع في مصر بخاصة بعد ما شهدته من ثورة‬ ‫كشفت عن تفاصيل خطيرة مرتبطة بتورط أجهزة أمنية في‬ ‫املساهمة في تأجيج نار الفتنة الطائفية من وقت آلخرألهداف‬ ‫سياسية‪ .‬لكل ذلك تأتي أهمية صدور أحدث كتب املفكر‬ ‫اإلسالمي املستشار طارق البشري "الدولة والكنيسة" عن‬ ‫دار الشروق املصرية والتى كانت قد نشرت بعض مقاالت منه‬ ‫على حلقات على صفحات جريدتها القاهرية باإلضافة لقيام‬ ‫صحف مصرية أخرى بنشر بعض محتوياته على صفحاتها‪.‬‬ ‫وجدير بالذكرأن مؤلف الكتاب املستشار طارق البشري النائب‬ ‫األول السابق جمللس الدولة مبصرهو من الشخصيات التي أثير حولها جدل كبير في‬ ‫األوساط الثقافية والفكرية بخاصة بعد التحول الفكري الذي حدث له واجته على إثره‬ ‫إلى الفكر اإلسالمي واالهتمام بدراسة العالقة بني املسلمني واألقباط وتأثير هذه العالقة‬ ‫على استقرار اجلماعة الوطنية وهو ما كلفه احلرمان من تولي رئاسة مجلس الدولة‬ ‫عام ‪ 1993‬وعرضه لكثير من النقد الذي وصل إلى حد الهجوم الشديد ضده من قبل‬ ‫بعض األقباط فى داخل مصر وخارجها التهامهم له بأنه مسلم متعصب يسيء إليهم‬ ‫ووصفوا كتاباته باملسمومة التي تدعو إلى اإلرهاب وهو ما ينفيه البشري‪ .‬ورمبا كان ذلك‬ ‫وراء غضب البعض وبخاصة االقباط واليساريني وصدمتهم من تعيني اجمللس العسكري‬ ‫في مصر املستشار البشري رئيسا للجنة التعديالت الدستورية التي قامت بصياغة‬ ‫وتعديل املواد الدستورية املعيبة في الدستور القدمي مبا يتالءم مع متطلبات املرحلة الثورية‬ ‫حيث أبدى املعترضون تخوفهم من البشري لكونه احد أقطاب تيار اإلسالم السياسي‪،‬‬ ‫وأحد دعاة املرجعية الدينية‪ ،‬مبا يتناقض مع الدولة املدنية احلديثة التي ينشدونها كما‬ ‫يعتبرون اختيار البشرى لهذه املهمة مبثابة مغازلة من القوات املسلحة لإلخوان املسلمني‬ ‫إلرضائهم مبا يعيد من جديد ذكريات حتالف اجليش مع اإلخوان بعد ثورة يوليو ‪.  1952‬‬ ‫والكتاب ينطلق من نقطة أساسية مفادها بحث العالقة بني سلطة الدولة والكنيسة‬ ‫التي متثل الديانة املسيحية في مصر ومدى خضوع هذه السلطة الكنسية لسيادة‬ ‫القوانني التي تصدرها الدولة حيث يسوق املستشار البشري بعض األمثلة التي تكشف‬ ‫طبيعة تلك العالقة وما يشوبها من توترات ويعرض‪  ‬جملموعة من الوقائع التي تكشف‬ ‫عن حتول في موقف الكنيسة بشأن عالقتها بالدولة وحتول بشأن وضع األقباط كجزء‬ ‫مكون رئيس من اجلماعة الوطنية‪ ،‬ويخص بالذكر موقف البابا شنودة بطريرك الكرازة‬ ‫املرقسية وتصريحاته الرافضة لتنفيذ احلكم الصادر عام ‪ 2008‬من احملكمة اإلدارية‬ ‫العليا مبجلس الدولة مبصر بالترخيص لشخص مسيحى مطلق بالزواج مرة ثانية‪ .‬وهو ما‬ ‫‪54‬‬

‫أملح إليه املؤلف بأنه دليل على أن الكنيسة تعمل بعيدا عن سلطة الدولة واعتبره موقفا‬ ‫غريبا ويتناقض مع كون الكنيسة املصرية إحدى هيئات اجملتمع املصرى اخلاضعة لسلطة‬ ‫الدولة املصرية املعبرة عن اجلماعة الوطنية املصرية على أساس أن األصل هو خضوع‬ ‫جميع املصريني بوصفهم أفرادا وهيئات خاصة لسلطات الدولة وهيئاتها العامة‪ ،‬وأنهم‬ ‫يتعاملون معها حسب تنوع هذه الهيئات وتوزيع اختصاصاتها‪ ،‬مشيرا إلى ‪ ‬أن الدولة‬ ‫تتكون من ثالث سلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية‪ ،‬وكل من هذه السلطات الثالث‬ ‫يتولى مهمات محددة ويخضع لرقابة السلطتني اآلخريني في مجاالت حددها القانون‬ ‫ورسمها‪.‬‬ ‫وينتقد املؤلف في هذا اجلزء من الكتاب موقف الكنيسة في عدم تنفيذ األحكام‬ ‫القضائية واعتمادها على صفتها الدينية في قيامها بالضغط على القبطي الراغب في‬ ‫الزواج الثاني أو غيره من االقباط أصحاب املطالب املشروعة‪  ‬وفي هذا السياق يتساءل‬ ‫الكاتب مندهشا‪ :‬بأى حكم في اإلجنيل يجري هذا األمر وبأي تأويل ألي نص يعتبر ذلك‬ ‫فرضا كنسيا؟!‬ ‫ويتطرق املؤلف إلى نقطة هامة وحساسة مرتبطة بعالقة األقباط باإلسالم‪  ‬حيث يرى‬ ‫إلى أنه إذا كانت الكنيسة تتخذ مواقف مختلفة عن أحكام القضاء املصري في كثير من‬ ‫األحيان فإن ذلك من شأنه أن يؤدي مع مرور الزمن إلى خروج‪  ‬جماعة من املصريني عن نسق‪ ‬‬ ‫اجلماعة الوطنية وإنعزالهم عنها ثم يرد البشرى على من يبررون هذا االنعزال و اخلروج عن‬ ‫النسق العام‪  ‬مبا جاء في الفقه اإلسالمي قائال‪" :‬إن ذلك من شأنه أن يعيد نظام امللة‬ ‫إلى سابق عهده‪ ،‬وهو يخرج عن مفهوم املواطنة‪ ،‬الذي نرفعه عبر أجيال مضت ونقيمه‬ ‫على أسس نظرية وشرعية يقوم بها االندماج احلياتي بني املصريني جميعا"‪ ،‬ليختتم هذا‬ ‫اجلزء في الكتاب مؤكدا على أن هناك جهودا كبيرا بذلت حتى يتسع الفقه اإلسالمي‬ ‫ويستوعب مفهوم اجلماعة الوطنية ومن ثم فإت حديث بعض األقباط عن الفكر اإلنعزالي‬ ‫ليس في صاحلهم ويخرجهم من اجلماعة الوطنية‪.‬‬ ‫واستمرارا للحديث حول الكنيسة وفكر اإلنعزال القبطي‬ ‫يسهب املؤلف في شرح بعض املواقف واحلوادث املعاصرة التي‬ ‫تعكس بعض مظاهر اإلحتقان الطائفي مع التركيز على بعض‬ ‫احلوادث التي تسببت في اإلساءة لإلسالم‪ .‬ويوضح البشرى بأنه‬ ‫في كل مرة تثار فيها أزمة طائفية فإننا نذكر كل األسباب‬ ‫احملتملة والكامنة وراء إثارة األزمة ولكن يتم إغفال وجود احتمال‬ ‫ألي أثر للفعل الكنسي ذاته في الواقعة الطائفية بشكل يبدو‬ ‫متعمدا عدم اإلشارة إليه وهو ما يعتبره املؤلف مناقضا للفكر‬ ‫املوضوعي والتناول احملايد لألزمة ليؤكد من جديد تخوفه من‬ ‫أن يقود هذا النهج غير املوضوعي في تكريس مشاعر اإلنعزال‬ ‫والغربة وإثارة مزيد من احلوادث الطائفية كما حدث أخيرا في‬ ‫إمبابة‪.‬‬ ‫وفي جزء آخر من الكتاب يناقش البشري موضوعا شديد‬ ‫األهمية واحلساسية في الوقت احلاضر بالنسبة ملصر واملصريني‬ ‫وهو يتعلق بتطبيق الشريعة اإلسالمية واحلديث عن املادة‬ ‫الثانية من الدستور املصري والتي تعتبر مثار جدل واسع‬ ‫وخالف كبير بني مختلف القوى السياسية في مصر ما بعد‬ ‫الثورة الرتباطها بكون الشريعة اإلسالمية هي املصدر الرئيس‬ ‫للتشريع وأن اإلسالم هو دين الدولة املصرية‪ .‬حيث يؤكد أن‬ ‫تطبيق الشريعة اإلسالمية ليست أمرا غريبا عن املصريني األقباط ألنها مسألة مطبقة‬ ‫منذ دخول اإلسالم مع الفتح العربى ملصر وأن كل حقوق املواطنة مكفولة في ظلها‪،‬‬ ‫مشيرا إلى أن املادة الثانية من الدستور املصري محل اخلالف ال تنقص أبدا من حقوق‬ ‫املواطنة‪ ،‬مؤكدا على أهميتها بنفس صيغتها احلالية حيث يعتبرها هي احملقق لإلسناد‬ ‫الشرعي اإلسالمي ملبدأ املساواة التامة بني املواطنني املسلمني واملسيحيني في تولي‬ ‫الوظائف العامة واملشاركة الكاملة وبالتالي فهو يخالف كثيرا من اآلراء األخرى املطالبة‬ ‫بإلغائها‪.‬‬ ‫وفي معرض احلديث عن املسألة القبطية والشريعة اإلسالمية يشيد البشري مبوقف‬ ‫اآلباء األوائل من الشريعة األسالمية عبر التاريخ ويذكر بها االقباط الغاضبني‪.‬‬ ‫ويختتم املستشار طارق البشري كتابه باحلديث عن املشروع التاريخي الذي وحد األمة‬ ‫في مصر في بدايات القرن احلادي عشر وأهم الوثائق التي ساهمت في إثراء هذا املشروع‬ ‫والتأريخ له باإلضفة إلى عرض وثائق أخرى عن الشأن القبطى منها وثيقة املؤمتر‬ ‫القبطي الذي انعقد في فبراير عام ‪ 1910‬وتضمن مطالب عدة أهمها املساواة في‬ ‫الوظائف والتمثيل في الهيئة النيابية ومحاكم األحوال الشخصية القبطية والتعليم‬ ‫الديني وهو بالطبع ختام ذو مغزى هام يعكس أحوال األقباط في مصر باملقارنة مبا يتمتع‬ ‫به أقباط مصر اآلن من حقوق‪  ‬وواجبات‪.‬‬ ‫والشك أن كتاب " الدولة والكنيسة " يعد من الكتب اجلديرة بالقراءة‪  ‬ليس فقط من باب‬ ‫املتعة أو الثقافة ولكن ألنه كتاب يتضمن‪  ‬شروحا ودراسات عميقة لها ثقلها الفكري‬ ‫والثقافي املستمد من مؤلفه املستشار طارق البشري ويتضمن أيضا اإلجابة املوضوعية‬ ‫على العديد من التساؤالت والقضايا املثيرة للجدل غير احملسومة بعيدا عن اإلثارة ومن‬ ‫دون تهوين أو تهويل والتي تستند إلى‪  ‬خبرة قانونية‪  ‬وحكمة قضائية وفكر ثقافي ذي‬ ‫خلفية إسالمية مستنيرة حتظى باالحترام مهما أثارت أفكارها من جدل‪.‬‬


‫● الفن‬

‫سحر املكان‪ ..‬كلمة السر ّ في طنجة املغربية‬

‫ريفييرا جديدة‬

‫تشتهر طنجة‪ ،‬التي استضافت في السابق مشاهير املستوطنني‬ ‫األوروبيني‪ ،‬اليوم بأنها وجهة لرواد الشواطئ‪ .‬ولكن تعيد املدينة‬ ‫وضواحيها تعريف ذاتها‪ ،‬في ظل إقامة مارينا ساحرة بطول الساحل‬ ‫وعدد من الفنادق الفخمة‪ .‬توجد أيضا طنجة السرية التي تتطلب‬ ‫الدعوة إليها‪ ،‬حيث ال يستطيع السائح العادي رؤيتها‪.‬‬ ‫جوليت هيغت‬ ‫تعاني طنجة من شهرة ال حتسد عليها‪ ،‬وإن كانت اليوم ال تستحقها‪ .‬يستحضر‬ ‫اسم املدينة في حد ذاته عاملا من التآمر واالنحدار واخملاطر‪ ،‬الذي من السهل تخيله‬ ‫اليوم‪ ،‬حيث تكشف احلواري الضيقة امللتوية عن بيوت تفصل بينها مسافات مبقدار‬ ‫أصابع اليد‪ ،‬متيل على ��عضها البعض وكأن كل بيت يهمس في أذن جاره‪ .‬إنها أقدم‬ ‫مدينة يقطن بها سكان في املغرب‪ ،‬حيث البوابة األصلية ألفريقيا من جهة أوروبا‪،‬‬ ‫والتي تداعت على حكمها القوى اخملتلفة عبر آالف السنني‪ .‬تتميز طنجة التي تبعد‬ ‫عن إسبانيا مبسافة ‪ 15‬كيلومترا عبر مضيق جبل طارق وتعد البوابة الغربية للبحر‬ ‫املتوسط‪ ،‬بأنها مدينة عاملية متسامحة‪.‬‬ ‫تشتهر املدينة التي استضافت مشاهير املستوطنني األوروبيني بأنها وجهة لقضاء‬ ‫اإلجازات على الشاطئ‪ .‬ولكن تعيد طنجة وضواحيها تعريف ذاتها حيث تقام مارينا‬ ‫رائعة بطول الساحل وعدد من الفنادق الفخمة‪ ،‬مثل «لوميراج» على منحدرات‬ ‫صخرية تطل على شاطئ خاص يبدو ممتدا بال نهاية‪ .‬وهناك أيضا جالية عاملية ما‬ ‫زالت تعتبر طنجة موطنا‪ ،‬بدال من مجرد محل إقامة ثانوي‪ ،‬حيث تزوجوا منها وفي‬ ‫حاالت عديدة تركوا ممتلكاتهم ملغاربة بعد وفاتهم‪.‬‬ ‫أوصى الكاتب البريطاني ديفيد هربريت مبنزله جلاودي نور الدين‪ ،‬الذي كان يعتني به‬ ‫حتى وفاته‪ .‬يستقبل نور الدين حاليا ضيوفا مبقابل في املنزل الذي يعبر عن سيمفونية‬ ‫على الطراز املغربي‪ ،‬حيث تعكس األقواس املغربية غرفة ذات زينة مبهجة تلو األخرى‪،‬‬ ‫وأقمشة وأثاث محلى الطراز‪ ،‬وأحد أروع احلدائق التي ميكن تخيلها‪ .‬احتسينا الشاي‬ ‫بالنعناع خارج املنزل في فبراير (شباط)‪ ،‬بينما كانت الطيور تزقزق ونبات اجلهنمية‬ ‫يتألق بلونه الوردي على اجلدران امللونة‪.‬‬ ‫هناك طنجة السرية‪ ،‬إنها زيارة املدينة بدعوة‪ ،‬والتي لن تدركها إال إذا كنت تعرف‬ ‫شخصا مناسبا مثل نور الدين‪ .‬قيل لي مرارا وتكرارا‪« :‬أكثر األشياء املمتعة في‬ ‫طنجة ال يراها السائح العادي‪« ،‬ومن حسن حظي أن أتعرف على بعض من تلك‬ ‫األشياء املمتعة عن طريق أشخاص مضيافني مثل آن المبتون‪ ،‬التي تقيم حفالت‬ ‫غداء وعشاء لوكالء السياحة املتخصصني في منزلها‪ ،‬فيال باملا‪ .‬وتقدم شركتها‬ ‫أيضا سيكريت هومز آند غاردنز رحالت خاصة إلى احلدائق في املغرب‪ .‬أعد طاهي آن‬ ‫المبتون‪ ،‬الذي أوصت آن بالفعل بأن يرث ممتلكاتها‪ ،‬في ذلك اليوم طعاما من املطبخ‬ ‫املغربي احمللي‪.‬‬ ‫في قلب املدينة القدمية‪ ،‬زرت منزال غير عادي‪ ،‬ميلكه األسترالي باري ستيرن الذي‬ ‫جمع أعماال أثرية ومعاصرة من جميع أنحاء العالم في قصر مصغر‪ .‬ومثل اآلخرين‪،‬‬ ‫كنت «أزور» املدينة‪ ،‬ولكني كنت محظوظة للتعرف على األماكن الرئيسة لبيع‬ ‫اآلثار واألعمال اليدوية املغربية‪ .‬في متجر عبد اللطيف املليء بالكنوز‪ ،‬قيل لي‪« :‬إذا‬ ‫اشتريت سجادة ووجدت لدى عودتك إلى بالدك أنها ال تعجبك‪ ،‬ميكنك أن تردها‬ ‫وتسترد ثمن الشراء األصلي‪ ،‬وإن كان بعد مرور عشرين عاما»‪ .‬وفي متجر ماجد‪،‬‬ ‫وجدت مجوهرات رائعة‪ ،‬وبعض من قطع الكهرمان القدمي الثمني للغاية لدرجة أنها‬ ‫تعرض في مجموعة خاصة‪.‬‬ ‫تتسم املدينة القدمية في طنجة خصوصا بجو من املشاهد احمليرة‪ ،‬حيث تسير‬ ‫سيدات محجبات حتى يتوارين داخل احلواري املظلمة‪ ،‬التي تفوح عراقة وقدما‬ ‫«ولكن ليس بروائح مريبة ‪ -‬فحتى أسواق األسماك واللحوم رائحتها لطيفة»‪ .‬تعد‬ ‫املدينة سوقا قائمة على الدوام لسكان الريف احمليط بها‪ .‬وفي أيام اخلميس والسبت‪،‬‬ ‫‪52‬‬

‫تأتي نساء البربر من اجلبال املنحدرة من أجل التجارة‪ ،‬مرتديات قبعات من القش على‬ ‫أطرافها كرات سوداء‪ ،‬ومالبس مخططة من اللونني األحمر واألبيض‪.‬‬ ‫ميكن رؤية هؤالء السيدات البربريات من جديد في قلب املدينة القدمية في تطوان‪،‬‬ ‫املركز القدمي التاريخي املذهل لشرق طنجة‪ .‬تعني تطوان باللغة البربرية «افتح‬ ‫عينيك»‪ ،‬على األرجح في إشارة إلى سرعة إنشائها في القرن اخلامس عشر على‬ ‫يد الالجئني األندلسيني‪ .‬جلب املستوطنون املسلمون واليهود املطرودون من جنوب‬ ‫إسبانيا تراثا معماريا وفنيا ظهر في الشرفات الدقيقة املصنوعة من احلديد‪ ،‬واجلبس‬ ‫املزخرف واخلزف الالمع‪ .‬يطلق سكان تطوان على مدينتهم «ابنة غرناطة»‪ .‬تتباين‬ ‫عظمة البناء القدمي في واجهة الشوارع الواسعة املستقيمة مع فوضى احلواري‬ ‫الصغيرة في املدينة القدمية التي تضج بأنواع النشاط التجاري واحلرفي‪ .‬ويتميز‬ ‫سكانها بابتسامتهم وترحيبهم بالدفء واحلميمية‪ .‬الحظ صاحب متجر مطلي‬ ‫باللونني األحمر واألخضر أنني أصور الطبول التي يصنعها‪ ،‬فوقف في فخر يحمل‬ ‫صورة لفرقته‪.‬‬ ‫تتباطأ الوتيرة في بلدة أصيلة الصغيرة اخلاملة الساحرة‪ ،‬التي يتالقى فيها البحر‬ ‫عند متاريس برتغالية ترجع إلى القرن التاسع عشر‪ .‬كان قصر الريسوني مقرا للص‬ ‫الشهير أحمد الريسوني الذي جنح في احلصول على فدية كبيرة مقابل اإلفراج عن‬ ‫مراسل «التاميز» والتر هاريس الذي اختطفه وأصبح بعد ذلك صديقا له‪ .‬أصبح‬ ‫القصر حاليا مقرا إلقامة مسابقات بني الرسامني والشعراء واملوسيقيني كل‬ ‫أغسطس (آب)‪ .‬وتشتهر أصيلة بجدارياتها التي ترسم على كل مساحة متاحة‬ ‫خالل مهرجانها الثقافي الذي يستمر ملدة يومني‪ ،‬والذي يقام بعده معرض للخيول‪.‬‬ ‫جتذب تطوان وأصيلة وبلدة شيشاوة اجلميلة‪ ،‬وبالطبع طنجة ذاتها املسافرين إلى‬ ‫تلك املنطقة بعيدا عن الفنادق وحمامات السباحة والشاطئ‪ .‬ينجذب اليوم نوع آخر‬ ‫من الزوار إلى هذا الساحل الرائع حيث يجتمع احمليط األطلسي مع البحر املتوسط‬ ‫وتالمس إسبانيا املغرب‪ .‬لقد بدأ نادي اليخت العاملي في إدراك قيمة اختالف هذين‬ ‫العاملني‪ .‬على مدار عشرة أشهر في العام تتنافس ميناء منتجع مارينا سمير مع‬ ‫ماربيال في الهدوء واملساحة‪ .‬وفي يوليو (متوز) وأغسطس (آب) فقط تزداد حركة‬ ‫وصول العائالت املغربية القادمة من الرباط والدار البيضاء إلى منازلهم الثانية حول‬ ‫مارينا أو فندق حياة وكابو نيغرو‪ ،‬حيث يوجد أيضا حوض لليخوت وملعب غولف‪.‬‬ ‫كما يوجد موقع رائع للصيد عند املضيق‪.‬‬ ‫لقد ظهر السر بأن هذا اجلزء من ساحل شمال أفريقيا هو الريفييرا اجلديدة‪ .‬وليس‬ ‫سرا أن «موسم» طنجة الرسمي يبدأ في األول من أبريل (نيسان) وينتهي في ‪15‬‬ ‫نوفمبر (تشرين الثاني)‪ ،‬ولكن نصيحتي هي الذهاب إلى هناك في أقرب وقت‪ ،‬في‬ ‫أي فترة من العام‪.‬‬ ‫جوليت هيغت ‪ -‬كاتبة ومصورة متخصصة في التراث والثقافة املعاصرة في الشرق‬ ‫األوسط‪ .‬تعمل حاليا على تأليف كتابها الثاني «تصميم عمان»‪ ،‬بعد أن نشرت‬ ‫كتابها األول «اللبان‪ :‬هدية عمان إلى العالم» عام ‪.2006‬‬


‫دمى متحركة‬

‫في «الفن العربي» و«الفن الشرق أوسطي»؟‬ ‫ ال أحب أن أصنف نفسي‪ ،‬ال على املستوى اإلنساني وال على املستوى الفني‪ .‬فالفن‬‫ال ينتمي ملنطقة جغرافية محددة‪ .‬ومن جهة أخرى‪ ،‬فإن الفنان ال ميكن أن ينعزل عن‬ ‫مجتمعه ومحيطه‪ .‬فأنا جزء من تلك املنطقة وعملي يهتم بالقضايا التي تهم بالدي‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من أنني ال أنظر لنفسي باعتباري فنانة سياسية‪ ،‬فإنني ال أستطيع أن‬ ‫أنتج أعماال خالية متاما من االهتمام السياسي‪ .‬فأنا مهتمة مبحيطي‪ ،‬ومجتمعي‪،‬‬ ‫وباهتماماتهما‪ .‬وكل ذلك يتجلى في أعمالي‪ .‬ففني يعكس محيطي‪ ،‬حيث أقدم‬

‫تعبيرا بصريا عن مجتمعي‪.‬‬ ‫«اجمللة»‪ :‬لقد درست في فرنسا‪ ،‬وعشت في كندا‪ .‬كيف أثر تنقلك بني األماكن اخملتلفة‬ ‫على أعمالك؟‬ ‫ في البداية‪ ،‬شعرت بالصدمة عندما اطلعت على فن مختلف‪ ،‬حيث إن الفن احلديث‬‫«فن التجهيز في الفراغ»‪ ،‬وفنون الفيديو‪ ،‬كانت مجهولة متاما بالنسبة لي في ذلك‬ ‫الوقت‪ .‬وعندما كنت أدرس في سوريا لم يكن لدينا أي اطالع على الفن الغربي في ما‬ ‫بعد بيكاسو‪ .‬وعندما وصلت إلى أوروبا‪ ،‬اكتشفت أن علي أن أعيد النظر في مفهوم‬ ‫الفن بذاته والبدء‪ ،‬إلى حد كبير‪ ،‬من جديد‪ .‬واآلن أحاول أن أجمع بني جذوري‪ ،‬واألشكال‬ ‫املعاصرة للتعبير‪ .‬كفنان من الضروري أن تعي من أين أتيت وأن تفهم كيف تطورت‬ ‫وسائل التعبير املعاصرة على حد سواء‪ .‬وهذان اجلانبان يجب أن يسيرا جنبا إلى جنب إذا‬ ‫ما كنت تريد أن تنتج فنا «ينتمي إلى ذاتك»‪ ،‬فنا يعد تعبيرا حقيقيا عن وضعك اخلاص‪.‬‬ ‫«اجمللة»‪ :‬أنت لست فقط فنانة ولكنك تدرسني أيضا بكلية الفنون اجلميلة بجامعة‬ ‫دمشق‪ .‬وقد كانت جتربتك اخلاصة املتعلقة بالضياع أمام التقنيات املعاصرة اجلديدة‬ ‫مهمة بالنسبة لتطورك كفنانة‪ .‬كيف تنقلني رؤيتك لطالبك؟‬ ‫ لألسف‪ ،‬الوقت املتاح لدروسي محدود للغاية‪ .‬كما أنني أدرس التصوير‪ ،‬وبالتالي‪،‬‬‫يجب أن تظل التقنيات الفنية األخرى في اخللفية‪ .‬ولكنني أحاول أن أكشف عن أكبر‬ ‫قدر من الفن الدولي املعاصر لطالبي‪ ،‬فيجب على األقل أن يدركوا وجوده وثراءه‪ .‬ولذلك‪،‬‬ ‫فحتى إذا ما كنت غير قادرة حقا على جعله جزءا من دروسي‪ ،‬أمتنى أن أكون قادرة على‬ ‫تشجيعهم على البدء في استكشافه بأنفسهم‪.‬‬

‫بدوية‬

‫العدد ‪ ،1564‬يونيو ‪2011‬‬

‫بثينة علي‬

‫*شارلوت بانك باحثة وكاتبة مختصة في علم اآلثار وتاريخ الفن في الشرق األوسط‬ ‫وتعيش وتعمل بني برلني ودمشق‬

‫‪51‬‬


‫● الفن‬

‫اخلجل‪ ..‬بدون تعليق‬

‫الفنانة السورية بثينة علي‪ ..‬مجرّد امرأة‬

‫انتماء إلى الذات‬

‫تعد الفنانة السورية بثينة علي إحدى الفنانات املعاصرات من جيل الشباب في البالد الذين يعرضون أعمالهم على مستوى عاملي‪ .‬فقد‬ ‫عرضت أعمالها في لبنان‪ ،‬وبرلني‪ ،‬والقاهرة‪ ،‬وباريس‪ ،‬ودبي‪ ،‬وغيرها‪ ،‬كما مت عرض أعمالها ضمن مجموعات املتحف العربي للفن احلديث في‬ ‫الدوحة‪ ،‬ودار الفنون بعمان ومعرض إنريكو نافارا في باريس‪.‬‬ ‫شارلوت بانك‬ ‫تظهر أعمال بثينة علي اهتماما بالغا مبجتمعها والقضايا التي تهم أفراده‪ .‬وباإلضافة‬ ‫إلى االهتمام الذي توليه حمليطها‪ ،‬هناك أيضا منحى عاملي في أعمالها واهتمام باألمناط‬ ‫اإلنسانية والوجودية‪ .‬كما أنها ال تقف أبدا كمتفرج منعزل عن املشهد‪ ،‬بل إنها تندمج‬ ‫مباشرة مع موضوعها وتختار لكل عمل فني جديد الوسيط الذي تعتقد أنه األكثر‬ ‫مالءمة للتعبير عن أفكارها في شكل متوازن بأسلوب فريد‪ .‬تعد أعمال بثينة الفنية‬ ‫معاصرة وعاملية وفي الوقت نفسه فإنها مرتبطة بأصول مجتمعها السوري على نحو‬ ‫كبير‪ .‬وقد جعلها ذلك أكثر الفنانني الشباب أهمية في البالد‪.‬‬ ‫عندما التقيت بثينة علي في دمشق في أكتوبر (تشرين األول) كانت قد عادت للتو‬ ‫من اسطنبول حيث عرضت «ال تصغي إليها‪ ،‬فهي مجرد امرأة» في معرض «مياه‬ ‫مشتركة» في اسطنبول‪ ،‬وهو العرض الذي كان يرعاه الفنانان من السويد‪ ،‬أوال‬ ‫كاستروب‪ ،‬وماريا أنغكويست كليفير‪ .‬وقد حتدثت إلى بثينة حول عملها ووضعها‬ ‫كفنانة شابة من املنطقة العربية على الساحة الفنية الدولية‪.‬‬ ‫«اجمللة»‪ :‬في معرض «ال تصغي إليها‪ ،‬فهي مجرد امرأة» رصدت صحبة املرأة وقوة‬ ‫احلمام التقليدي واحلميمية التي ينضوي عليها‪ ..‬ما هي عناصر القوة التي ترينها في‬ ‫ذلك الشكل التقليدي للصداقة النسائية؟‬ ‫ أتذكر القصص التي أخبرتني بها أمي حول االستعدادات التي كانت تقوم بها هي‬‫‪50‬‬

‫وصديقاتها قبل الذهاب إلى احلمام‪ .‬فقد أخبرتني حول األشياء التي كن يعدانها لكي‬ ‫يأخذنها معهن‪ ،‬السجاجيد‪ ،‬املناشف‪ ،‬ماء الورد‪ ،‬واحلنة‪ ،‬بل وحتى الطعام‪ .‬وكنت أدرك‬ ‫أهمية املكان بالنسبة لها‪ ..‬حيث إنه كان يسمح للنساء بقضاء «وقت خاص»‪،‬‬ ‫واالسترخاء‪ ،‬والرقص‪ ،‬وتناول الطعام‪ ،‬وتبادل احلكايات‪ .‬وعندما تدخل امرأة للحمام‪،‬‬ ‫فإن أول شيء تفعله هو إزالة حجابها‪ ،‬وهو الفاصل الذي يحجبها عن الغرباء من‬ ‫حولها‪ .‬فهي تزيل ذلك الفاصل للكشف عن حقيقتها‪ .‬إن احلمام هو املكان الذي جتد‬ ‫فيه النساء ملجأ مع بعضهن البعض‪ ،‬ويصبحن أحرارا في التعبير عن أصواتهن‪ ،‬وهو‬ ‫املكان الذي تسنح لهن فيه الفرصة ألن يصبحن أنفسهن‪ ،‬بحرية في مكان خال من‬ ‫الضغوط التي ميارسها الذكور‪.‬‬ ‫«اجمللة»‪« :‬ال تصغي إليها‪ ،‬فهي مجرد امرأة» هو مجرد منوذج الهتمامك بالثقافة‬ ‫العربية التقليدية‪ ،‬وفي معرض آخر‪« ،‬خيمة» (‪ )2002‬كنت تفحصني الثقافة البدوية‬ ‫املعاصرة ومنط احلياة بها‪ .‬وكانت أعمالك تقف عادة في مفترق الطرق بني احلقيقة‬ ‫احلية والتقاليد في العالم العربي واألسئلة العاملية حول الوجود اإلنساني‪ ،‬ومن ثم‬ ‫تصبح عصية على التصنيف السهل باعتبارها فنا «عربيا» أو «شرق أوسطي»‪ .‬ومن‬ ‫خالل التركيز العاملي املتزايد على «الفن العربي»‪ ،‬يجد الفنانون أنفسهم في بعض‬ ‫األحيان في حاجة ملوازنة أعمالهم بني التوقعات الغربية ومشاريعهم الفنية اخلاصة‪.‬‬ ‫كيف تضعني نفسك كفنانة عربية داخل املشهد الفني الدولي املعاصر واالستغراق‬


‫● موجز عن دولة‬

‫تطور اقتصادي‪:‬‬ ‫في اجملال االقتصادي أثمرت توجيهات خادم احلرمني الشريفني امللك عبداهلل بن‬ ‫عبدالعزيز نحو اإلصالح االقتصادي الشامل وتكثيف اجلهود من أجل حتسني بيئة‬ ‫األعمال في اململكة وإطالق برنامج شامل حلل الصعوبات التي تواجه االستثمارات‬ ‫احمللية واملشتركة واألجنبية بالتعاون بني جميع اجلهات احلكومية ذات العالقة على‬ ‫حصول اململكة العربية السعودية على جائزة تقديرية من البنك الدولي تقديرا ً‬ ‫للخطوات املتسارعة التي اتخذتها أخيرا ً في مجال اإلصالح االقتصادي ودخول‬ ‫اململكة ضمن قائمة أفضل عشر دول أجرت إصالحات اقتصادية انعكست بصورة‬ ‫إيجابية على تصنيفها في تقرير أداء األعمال الذي يصدره البنك الدولي ‪.‬‬ ‫وأوضح تقرير صندوق النقد الدولي لعام (‪ )2009‬أن اململكة واجهت األزمة املالية‬ ‫العاملية احلالية بأساسيات إقتصادية قوية وعملت على تعزيز مركزها اإلقتصادي‬ ‫الكلي وتقوية القطاع املالي وتنفيذ إصالحات هيكلية لدفع عجلة النمو بقيادة‬ ‫القطاع اخلاص‪ .‬كما أثنى أعضاء مجلس الصندوق على اإلجراءات التي أتخذتها‬ ‫اململكة لتعزيز السيولة املصرفية وحتقيق اإلستقرار في سوق املعامالت بني البنوك‬ ‫والتحرك الذي قامت به احلكومة على مستوى املالية العامة لتخفيف أثر الركود‬ ‫اإلقتصادي العاملي‪.‬‬ ‫وعلى الرغم مما مير به اإلقتصاد العاملي من ظروف صعبة فقد أبقت وكالة ستاندرد‬ ‫آند بورز التصنيف اإلئتماني للمملكة عند مستوى (‪ ،)-AA‬وأكد التقرير على متانة‬ ‫الوضع املالي للحكومة بفضل ميزان املدفوعات القوي وجناح اخلطط اإلصالحية‬ ‫واإلنفاقية للحكومة‪ .‬وتعزز هذه النتائج املكانة اإلقتصادية للمملكة كبيئة جاذبة‬ ‫لإلستثمارات وسيسهل على الشركات السعودية احلصول على التمويل بتكلفة أقل‪.‬‬ ‫كما تضمن تقرير البنك الدولي عن مناخ اإلستثمار لعام (‪ )2010‬تصنيف اململكة‬ ‫في املرتبة (‪ )13‬الثالثة عشرة من بني (‪ )183‬مئة وثالثة وثمانني دولة مت تقييم‬ ‫األنظمة والقوانني التي حتكم مناخ اإلستثمار بها متقدمة من املركز (‪ )16‬السادس‬ ‫عشر الذي حققته في عام (‪.)2009‬‬ ‫هذا ويتوقع اقتصاديون أن ينمو اقتصاد السعودية نحو ستة الى ‪ 6.5‬في املائة في‬ ‫‪ 2011‬بدال من ‪ 4.3‬في املائة كما هو متوقع حاليا بفضل حزمة اإلنفاق االجتماعي‬ ‫التي أعلن عنها في اآلونة األخيرة وتعهدت فيها اململكة بإنفاق ‪ 130‬مليار دوالر‬ ‫أي حوالي ‪ 30‬في املئة من ناجتها االقتصادي السنوي على بناء منازل جديدة وتوفير‬ ‫وظائف وإعانات بطالة وإجراءات أخرى‪.‬‬ ‫الصناعة‪:‬‬ ‫يتكون هيكل اإلنتاج الصناعي في اململكة العربية السعودية من وحدتني رئيسيتني‬ ‫ّ‬ ‫هما الصناعات األساسية (الثقيلة) والصناعات التحويلية ‪ -‬املتوسطة‪.‬‬ ‫وترتبط الصناعة في اململكة بالنفط والغاز الطبيعي‪ :‬تكرير وبترو كيمياء‪ .‬وأهم‬ ‫املنتوجات الصناعية‪ :‬االسمنت القطران‪ ،‬قضبان الفوالذ‪ ،‬االثيلني‪ ،‬العلف‪ ،‬جليكول‬ ‫االثيلني‪ ،‬االيتانول الصناعي‪ ،‬ديكلورور االثيلني‪ ،‬الستيارين‪ ،‬الصودا الكاوية‪ ،‬االزوت‪،‬‬ ‫حمض السيتريك‪ ،‬االوكسجني‪ ،‬امليالمني‪ ،‬وهناك ايضا حتلية مياه البحر وصناعة املواد‬

‫الغذائية‪ .‬يتناول نزع امللح من مياه البحر حوالي ‪ 100‬مليون متر مربع من املاء في‬ ‫السنة‪ .‬وليست هذه الكمية بشيء يذكر أمام الـ ‪ 9500‬مليون متر مكعب التي‬ ‫تؤمنها سنويا املياه اجلوفية والتي تستهلكها الزراعة‪ .‬وفي موازاة ذلك تشهد اليوم‬ ‫اململكة منوا كبيرا في مجال الصناعات الزراعية‪ -‬الغذائية وصناعة املواد االستهالكية‬ ‫التي تقوم على رؤوس االموال اخلاصة‪.‬‬ ‫هذا ومتتلك اململكة العربية السعودية أكبر شبكة للطرق بالشرق األوسط إذ تتنوع‬ ‫ما بني الطرق البرية واجلوية والبحرية فمن ناحية الطرق البرية فإنها متتلك شبكة‬ ‫من الطرق السريعة تربط اخلليج شرقا مرورا بالعاصمة الرياض إلى البحر األحمر غربا‬ ‫ومن الشمال على احلدود األردنية إلى جيزان في اجلنوب ويبلغ مجموع أطوال الطرق ما‬ ‫يزيد عن ‪ 50‬ألف كيلومتر ما بني طرق سريعة ومزدوجة ومفردة بني املدن اما بالنسبة‬ ‫إلى داخل املدن فان غالب املدن الرئيسية وعواصم احملافظات متتلك شبكة من الطرق‬ ‫السريعة الدئرية وبالنسبة للسكك احلديدية فيوجد سكة حديد تربط ما بني ميناء‬ ‫امللك عبد العزيز مبدينة الدمام وما بني امليناء اجلاف مبدينة الرياض ومير باألحساء‬ ‫وبقيق والظهران وحرض‪.‬‬ ‫استثمار آمن‬ ‫هناك عدد من األسباب الداعية لالستثمار في عدد من القطاعات اإلستراتيجية التي‬ ‫متتلك فيها السعودية مزايا نسبية عالية‪ ،‬على مستوى املنطقة والعالم‪ ،‬ومنها على‬ ‫سبيل املثال أن اململكة هي الدولة األولى في العالم من حيث أسعار الطاقة املقدمة‬ ‫للمشاريع االستثمارية‪.‬‬ ‫وبشكل عام فان االستثمار في السعودية يحقق للمشاريع احمللية أو املشتركة أو‬ ‫األجنبية معدالت ربحية مرتفعة‪ ،‬مع نسبة مخاطرة منخفضة‪ ،‬دون أن يكون هناك‬ ‫أشكال متعددة من الضرائب أو رسوم تسجيل امللكية وغيرها حيث حتتل اململكة‬ ‫املركز اخلامس على مستوى العالم فيما يتعلق بالضرائب واملراكز الرابع على مستوى‬ ‫العالم في ما يتعلق بتكاليف تسجيل امللكية وفقا لتقرير أداء األعمال ‪ 2007‬ونقرير‬ ‫أداء األعمال ‪ 2006‬الصادران عن البنك الدولي‪.‬‬ ‫وعلى سبيل املثال فإنه وفقا لدراسة شاملة جمللة عرب فوربز أعلنت عنها في‬ ‫أواخر ‪ 2006‬لتقييم أداء (‪ )1616‬شركة مساهمة في العالم العربي وفقا لعدد‬ ‫من املعايير ومنها الكفاءة التشغيلية القيمة السوقية‪ ،‬املبيعات‪ ،‬اإليرادات‪ ،‬عائد‬ ‫السهم‪ ،‬العائد على حقوق املساهمني‪ ،‬العائد علي املوجودات على مدار السنتني‬ ‫املاضيتني (‪ 2004‬ـ ‪ )2005‬إضافة الى النمو املتوقع لهذه الشركات في السنوات‬ ‫القادمة فقد حصلت على املراكز الثالثة األولى شركات سعودية وكان بني اخلمسني‬ ‫الشركة األفضل ‪ 22‬شركة سعودية ومنه شركات سعودية ‪ 100‬في املائة وشركات‬ ‫مشتركة برأسمال سعودي وأجنبي ‪.‬‬ ‫وكمثال أخر فإن البنوك اإلثني عشر باململكة هي من أفضل البنوك في العالم العربي‬ ‫وأكثرها منوا وحتقيقا لألرباح ومعظمها ضمن قائمة أكبر ألف بنك في العالم‪ ،‬وفقا‬ ‫لتقرير الفايننشال تاميز لعام ‪ 2006‬كما أن أكبر ثالثة بنوك في العالم العربي هي‬ ‫بنوك سعودية‪.‬‬ ‫و اململكة العربية السعودية هي أكبر سوق اقتصادي حر في منطقة الشرق‬ ‫األوسط‪ .‬إذ حتوز على ‪ 25‬في املائة من أجمالي الناجت القومي العربي إضافة إلى أن‬ ‫اململكة العربية السعودية متتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم (‪ 25‬في املائة)‬ ‫وتوفر الطاقة للمشاريع االستثمارية بأقل األسعار على مستوى جميع دول العالم‬ ‫مما يجعل اململكة الوجهة املثالية للمشاريع التي تعتمد على استهالك الطاقة‪،‬‬ ‫إضافة إلى عدد من املوارد الطبيعية الواعدة في مجال التعدين‪ ،‬كما أن املوقع‬ ‫اجلغرافي للمملكة يجعلها منفذا ً سهال ً ألسواق أوروبا وآسيا وأفريقيا‪ ،‬ويتمتع‬ ‫سوقها بقدرة شرائية عالية ويشهد سوقها احمللي توسعا ً مستمرا ً ‪.‬‬ ‫ويعتبر الريال السعودي من أكثر العمالت في العالم استقراراً‪ ،‬حيث لم يكن هناك‬ ‫تغير كبير في قيمة صرفه خالل الثالثة العقود األخيرة وال توجد هناك أية قيود‬ ‫مفروضة على الصرف والتحويل بالعمالت األجنبية وحتويل رؤوس األموال واألرباح‬ ‫للخارج‪ .‬أما معدالت التضخم في اململكة العربية السعودية فهي منخفضة‬ ‫جداً‪ ،‬وتسعى اململكة لتوقيع اتفاقيات ثنائية مع عدد متزايد من الدول فيما يتعلق‬ ‫بتشجيع وحماية اإلستثمار‪ ،‬ومنع االزدواج الضريبي‪.‬‬ ‫وكل ما سبق جعل التقرير الصادر في فبراير ‪ 2007‬عن مؤسسة «ميلكن» العاملية‬ ‫يصنف اململكة العربية السعودية في املرتبة األولى بني جميع دول العالم في‬ ‫التصنيف من حيث بيئة االقتصاد الكلي والتي يقصد بها مدى قابلية هذه البيئة‬ ‫إلدارة ومتويل املشاريع‪ ،‬ويتضمن ذلك بحسب املؤسسة انخفاض واستقرار معدالت‬ ‫الفائدة ومستويات التضخم إضافة إلى انخفاض الضرائب مقارنة مع املستويات‬ ‫الدولية‪.‬‬

‫‪48‬‬


‫كبيرة من عائداتها لتطوير اخلدمات ومنها تطوير قطاع التعليم‪.‬وتعيش اململكة‬ ‫حاليا نهضة تعليمية شاملة توجت بإحدى وعشرين جامعة حكومية وأربع جامعات‬ ‫أهلية تضم ‪ 19‬كلية جامعية أهلية موزعة على جغرافيا لتغطي احتياجات اململكة‬ ‫حيث بلغ عدد طلبتها ‪ 701.681‬وبلغ عدد أعضاء هيئة التدريس في هذه اجلامعات‬ ‫‪ 30.246‬أستاذا للعام الدراسي ‪ , 2007/2008‬اضافة الى ‪ 32‬ألف مدرسة للبنني‬ ‫والبنات ارتفع أجمالي عدد طلبتها إلى أكثر من ‪ 5‬ماليني طالب وطالبة يتلقون‬ ‫تعليمهم ��ي أكثر من ‪ 32‬ألف مدرسة ويقوم على تعليمهم أكثر من ‪ 426‬ألف‬ ‫معلم ومعلمة ‪ .‬كما مت إنشاء العديد من املعاهد واملراكز في بعض اجلامعات ألبحاث‬ ‫التقنيات متناهية الصغر ‪-‬النانو‪.‬‬ ‫دولة املؤسسات‪:‬‬ ‫حرصا على سن األنظمة وبناء دولة املؤسسات واملعلوماتية في شتى اجملاالت مع‬ ‫توسع في التطبيقات مت إكمال منظومة تداول احلكم بإصدار نظام هيئة البيعة‬ ‫والئحته التنفيذية وتكوين هيئة البيعة وجرى حتديث نظام القضاء ونظام ديوان‬ ‫املظالم وتخصيص سبعة مليارات ريال لتطوير السلك القضائي والرقي به كما‬ ‫مت إنشاء عدد من الهيئات واإلدارات احلكومية واجلمعيات األهلية التي تعني بشؤون‬ ‫املواطنني ومصاحلهم ومنها (الهيئة الوطنية حلماية النزاهة ومكافحة الفساد)‬ ‫و(الهيئة العامة لإلسكان) كما مت إنشاء وحدة رئيسية في وزارة التجارة والصناعة‬ ‫مبستوى وكالة تعنى بشؤون املستهلك ‪.‬‬ ‫وبدأت اجملالس البلدية متارس مسؤولياتها احمللية في ‪ 2005‬وزاد عدد مؤسسات اجملتمع‬ ‫املدني وبدأت تسهم في مدخالت القرارات ذات األبعاد االجتماعية واالقتصادية ومت‬ ‫تشكيل هيئة حقوق االنسان وإصدار تنظيم لها وتعيني أعضاء مجلسها كما مت‬ ‫انشاء جمعية أهلية تسمى جمعية حماية املستهلك وهيئة الغذاء والدواء وقام‬ ‫مركز امللك عبدالعزيز للحوار الوطني بدوره في نشر ثقافة احلوار في اجملتمع وأسهم‬ ‫في تشكيل مفاهيم مشتركة بشأن النظرة إلى التحديات التي تواجه اجملتمع‬ ‫وكيفية التعامل معها ‪.‬‬ ‫وفي مجال احلوار بني اتباع االديان والثقافات واحلضارات ونبذ الصدام بينها وتقريب‬ ‫وجهات النظر دعا خادم احلرمني الشريفني امللك عبداهلل بن عبدالعزيز ال سعود في‬ ‫أكثر من مناسبة إلى تعزيز احلوار بني اتباع االديان والثقافات واحلضارات اخملتلفة وإلى‬ ‫ضرورة تعميق املعرفة باألخر وبتاريخه وقيمه وتأسيس عالقات على قاعدة االحترام‬ ‫املتبادل واالعتراف بالتنوع الثقافي واحلضاري و استتثمار املشترك االنساني لصالح‬ ‫الشعوب‪.‬‬ ‫وضوح وشفافية‪:‬‬ ‫في اجملال السياسي حافظت اململكة على منهجها الذي انتهجته منذ عهد‬ ‫مؤسسها الراحل امللك عبدالعزيز القائم على سياسة االعتدال واالتزان واحلكمة‬ ‫وبعد النظر على الصعد كافة ومنها الصعيد اخلارجي حيث تعمل اململكة على‬ ‫خدمة اإلسالم واملسلمني وقضاياهم ونصرتهم ومد يد العون والدعم لهم في ظل‬ ‫نظرة متوازنة مع مقتضيات العصر وظروف اجملتمع الدولي وأسس العالقات الدولية‬ ‫املرعية واملعمول بها بني دول العالم كافة منطلقة من القاعدة االساس وهي العقيدة‬ ‫اإلسالمية الصحيحة ‪.‬‬ ‫وكانت السياسة اخلارجية للمملكة العربية السعودية وما تزال تعبر بصدق‬ ‫ووضوح مقرونني بالشفافية عن نهج ثابت ملتزم جتاه قضايا األمة العربية وشؤونها‬ ‫ومصاحلها املشتركة ومشكالتها وفي مقدمتها القضية الفلسطينية واستعادة‬ ‫املسجد االقصى املبارك والعمل من أجل حتقيق املصالح املشتركة مع التمسك مبيثاق‬ ‫اجلامعة العربية وتثبيت دعائم التضامن العربي على أسس تكفل استمراره خلير‬ ‫الشعوب العربية‪.‬‬ ‫وللمملكة اسهاماتها الواضحة وامللموسة في الساحة الدولية عبر الدفاع عن‬ ‫مبادئ األمن والسالم والعدل وصيانة حقوق اإلنسان ونبذ العنف والتمييز العنصري‬ ‫وعملها الدؤوب ملكافحة اإلرهاب واجلرمية طبقا ملا جاء به الدين اإلسالمي احلنيف‪،‬‬ ‫منهج اململكة العربية السعودية في سياساتها الداخلية واخلارجية باإلضافة‬ ‫إلى مجهوداتها في تعزيز دور املنظمات العاملية والدعوة إلى حتقيق التعاون الدولي‬ ‫في سبيل النهوض باجملتمعات النامية ومساعدتها على احلصول على متطلباتها‬ ‫األساسية لتحقيق منائها واستقرارها‪.‬‬ ‫العدد ‪ ،1564‬يونيو ‪2011‬‬

‫حقائق أساسية‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬

‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬

‫ ‬ ‫ ‬

‫ ‬

‫ ‬

‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬

‫•العاصمة‪ :‬الرياض‬ ‫•أهم املدن‪ :‬مكة املكرمة ‪-‬‬ ‫املدينة املنورة ‪ -‬جدة ‪ -‬الدمام‬ ‫•امللك‪ :‬خادم احلرمني الشريفني‬ ‫عبداهلل بن عبد العزيز آل‬ ‫سعود‬ ‫•ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء‪ :‬سلطان بن عبد‬ ‫العزيز آل سعود‬ ‫•النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء‪ :‬نايف بن عبد العزيز‬ ‫آل سعود‬ ‫•اللغة‪ :‬العربية‬ ‫•الدين‪ :‬االسالم‬ ‫•العلم‪ :‬مستطيل الشكل عرضه يساوي ثلثي طوله‪،‬‬ ‫أرضيته خضراء وتتوسطه الشهادة (ال إله إال اهلل محمد‬ ‫رسول اهلل) وحتتها سيف عربي تتجه قبضته نحو سارية‬ ‫العلم مرسومة باللون األبيض‪ ،‬وال يجوز تنكيسه أو مالمسة‬ ‫األرض أو املاء وذلك احتراما ً للشهادة املكتوبة عليه‬ ‫•العملة‪ :‬الريال السعودي‬ ‫•التقومي‪ :‬التقومي الهجري وهو اليوم الذي هاجر فيه الرسول‬ ‫محمد صلى اهلل عليه وسلم من مكة املكرمة إلى املدينة‬ ‫املنورة والذي يوافق عام ‪ 622‬م‪.‬‬ ‫•العطالت الرسمية‪:‬‬ ‫•نهاية األسبوع‪ :‬اخلميس واجلمعة‬ ‫•عيد الفطر‪ :‬تبدأ من اخلامس والعشرين من شهر رمضان إلى‬ ‫اخلامس من شهر شوال‬ ‫•عيد األضحى‪ :‬تبدأ من اخلامس من شهر ذي احلجة إلى‬ ‫اخلامس عشر منه‬ ‫•اليوم الوطني ‪ 23 :‬سبتمبر وذلك تخليدا ً لذكرى توحيد‬ ‫اململكة وتأسيسها على يدي جاللة امللك عبد العزيز بن‬ ‫عبد الرحمن آل سعود رحمه اهلل الذي أعلن قيام اململكة‬ ‫العربية السعودية عام ‪ 1351‬هـ ‪-1932‬م‬ ‫•النظام القضائي‪ :‬دستور اململكة العربية السعودية هو‬ ‫القرآن والسنة النبوية ‪ ،‬وجميع األنظمة التشريعية لها‬ ‫مستمدة من هذين املصدرين‪.‬‬ ‫•نظام احلكم‪ :‬النظام امللكي‪ ،‬ويشكل مجلس الوزراء مع‬ ‫امللك السلطة التنفيذية والتشريعية للدولة‪ ،‬ويتولى‬ ‫مجلس الشورى إبداء الرأي في السياسات العامة للدولة‬ ‫التي حتال إليه من رئيس مجلس الوزراء‪.‬‬ ‫•جفرافية اململكة ‪:‬حتتل السعودية القسم األكبر من شبه‬ ‫اجلزيرة العربية‪ ،‬وتتألف من سهول ضيقة على ساحل البحر‬ ‫األحمر (سهول تهامة‪ ،‬تليها‪ ،‬نحو الشرق‪ ،‬سالسل جبلية‬ ‫متتد على طول البالد (جبال احلجاز وعسير ويتعدى أقصى‬ ‫ارتفاعها ‪2000‬م)‪ ،‬ثم صحار وهضاب صخرية في الوسط‬ ‫(‪ 90%‬من املساحة العامة)‪ ،‬أكبرها صحراء النفوذ في‬ ‫الشمال والربع اخلالي في اجلنوب‪ .‬أما في الشرق‪ ،‬وعلى طول‬ ‫ساحل اخلليج العربي‪ ،‬فتمتد سهول ساحلية واسعة‪.‬‬ ‫•املوقع‪ :‬تقع اململكة في أقصى اجلنوب الغربي من قارة‬ ‫آسيا حيث يحدها غربا ً البحر األحمر وشرقا ً اخلليج العربي‬ ‫واإلمارات العربية املتحدة وقطر وشماال ً الكويت والعراق‬ ‫واألردن وجنوبا ً اليمن وسلطنة عمان‬ ‫•املساحة‪ :‬تشغل السعودية أربعة أخماس شبه جزيرة‬ ‫العرب مبساحة تقدر ‪ 2،149،790‬كيلومتر مربع‬ ‫•عدد السكان‪ 28 :‬مليون نسمة منهم ‪ 7‬ماليني أجنبي‬ ‫•معدل الدخل للفرد‪ 16.039 :‬دوالر أميركي‬ ‫‪47‬‬


‫● موجز عن دولة‬

‫اململكة العربية السعودية‬

‫اململكة العربية السعودية هي دولة عربية إسالمية‪ ،‬حتتل اجلزء األكبر من شبه اجلزيرة العربية‪ ،‬وتتميز مبوقعها االستراتيجي‬ ‫بني ثالث قارات‪ ،‬وهي موطن للعديد من احلضارات ومهد للرساالت السماوية‪ ،‬عاصمتها الرياض‪ ،‬وتشتهر اململكة بوجود‬ ‫األماكن االسالمية املقدسة بها‪ ،‬فيوجد بها املسجد احلرام مبكة املكرمة‪ ،‬واملسجد النبوي الشريف باملدينة املنورة‪ ،‬ويفد‬ ‫إليها ماليني املسلمني سنويًّا ألداء شعائر احلج والعمرة‪ ،‬باإلضافة لوجود العديد من املزارات اإلسالمية األخرى‪.‬‬ ‫تشتهر اململكة بكثرة األحداث التاريخية التي مرَّت بها‪ ،‬وذلك منذ عصور ما قبل‬ ‫اإلسالم ومرورًا بظهور اإلسالم بها‪ ،‬وغيرها من األحداث الهامة مثل توحيد اململكة‬ ‫مؤسس اململكة‪ .‬وتُعد اململكة هي األولى في‬ ‫على يد امللك عبد العزيز آل سعود‬ ‫ِّ‬ ‫العالم من حيث إنتاج البترول واحتياطه‪ ،‬كما حتتل املركز العاشر في إنتاج الغاز‬ ‫الطبيعي‪.‬‬

‫اإلسالمي وبذل كل ما يستطيع إلصالح ذات البني بني األشقاء من العرب واملسلمني‬ ‫وتعميق الروابط األخوية بني الدول الشقيقة في مجلس التعاون وفي اجلامعة العربية‬ ‫وبني دول العالم اإلسالمي‪ .‬ونادى بالعمل على حتقيق السالم العادل ودعا حملاربة‬ ‫اإلرهاب أيا ً كان مصدره وشدد خالل زيارته للفاتيكان وغيرها بأهمية احلوار بني األديان‬ ‫واحلضارات لتعزيز التسامح واألمن بني شعوب العالم‪.‬‬

‫إن املوقع اجلغرافي املتميز للمملكة وثرواتها النفطية واملعدنية الهائلة وسياساتها‬ ‫االقتصادية املنفتحة وسوقها احمللي الكبير إضافة إلى العدد املتزايد من مشاريع‬ ‫اخلصخصة واحلوافز االستثمارية التي تطرحها احلكومة‪ ،‬جتعل منها أفضل موقع‬ ‫لالستثمار األجنبي مبنطقة الشرق األوسط‪.‬‬

‫تعامل امللك عبداهلل مع كل القضايا الداخلية منها واخلارجية بكل حكمة وعقالنية‬ ‫(آخرها من يشهده العالم العربي من تغيير وحتوالت عميقة) فانتهجت اململكة‬ ‫بتوجيهاته مبدأ الشفافية والتوازن بني بذل اجلهد حلل املشكالت ودرء مخاطرها عن‬ ‫اململكة وبني احلفاظ على وتيرة التنمية الداخلية والدفع بها إلى آفاق أرحب تطال‬ ‫كافة املناحي االجتماعية واالقتصادية والثقافية والعلمية وهو ما تشهد به احلقائق‬ ‫واملنجزات‪.‬‬

‫خادم احلرمني الشريفني‬ ‫قبل ست سنوات وعند بيعته ملكا للمملكة العربية السعودية عاهد خادم احلرمني‬ ‫الشريفني امللك عبداهلل بن عبدالعزيز آل سعود شعبه أن يتخذ القرآن الكرمي دستورا ً‬ ‫واإلسالم منهجا ً وأن يكون شغله الشاغل إحقاق احلق وإرساء العدل وخدمة أبناء هذا‬ ‫الوطن جميعا ً وكان دائما ً يردد في لقاءاته املتعددة مع أبناء شعبه «عليكم الصبر‬ ‫وعلي الوفاء مبشيئة اهلل تعالى»‪.‬‬ ‫لم تكن فترة تولي امللك عبداهلل مريحة على صعيد األزمات اإلقليمية والدولية‬ ‫وتداعياتها في فترة شهدت حربني إسرائيلتني ضروسني ضد كل من لبنان وغزة‬ ‫وانقسامات عربية حادة وتعد على حدود اململكة اجلنوبية وأزمة مالية عاملية وإرهابا ً‬ ‫يتهدد العالم ويطال أمن اململكة‪.‬‬ ‫وقف خادم احلرمني بحزم مع كل قضايا احلق التي تخص األمة العربية والعالم‬ ‫‪46‬‬

‫شهدت اململكة العربية السعودية منذ مبايعة امللك عبداهلل العديد من املنجزات‬ ‫التنموية العمالقة على امتداد مساحتها الشاسعة في مختلف القطاعات‬ ‫االقتصادية والتعليمية والصحية واالجتماعية والنقل واملواصالت والصناعة‬ ‫والكهرباء واملياه والزراعة تشكل في مجملها إجنازات جليلة متيزت بالشمولية‬ ‫والتكامل في بناء الوطن وتنميته مما يضعها في رقم جديد في خارطة دول العالم‬ ‫املتقدمة فقد جتاوزت في مجال التنمية السقف املعتمدة إلجناز العديد من األهداف‬ ‫التنموية التي حددها إعالن األلفية لألمم املتحدة عام ‪.2000‬‬ ‫اخلدمات التعليمية‪:‬‬ ‫خطت مسيرة التعليم خطوات متسارعة إلى األمام حيث وجهت اململكة نسبة‬


‫● حوارات‬

‫عن طريق تأجيج العواطف الدينية و التمويل غير أن ذلك يبقى هامشيا‪،‬‬ ‫فالشعب التونسي قد اثبت للعالم قدرته على التغيير بالوسائل السلمية‪ .‬أما‬ ‫بخصوص الكلمة التي نسبت للسيد الراجحي و التي مفادها التشكيك في‬ ‫قائد اجليوش الثالث (الفريق أول رشيد عمار) فما كانت لتثير تلك االضطرابات‬ ‫لو لم يكن الوضع مهيأ لذلك و الذي ال يزال مستمرا في االضطراب‪ ،‬فالوضع‬ ‫االجتماعي في البالد يستحق إجراءات عاجلة حتى يعود األمل للتونسيني الذين‬ ‫انا متأكد من قدرتهم على الصمود لسنوات ثالث أخرى على األقل إذا ملسوا و‬ ‫رأوا عودة نسق االستثمار و التنمية‪ ،‬فمجرد رؤية اجلرافات في الطرق السريعة‬ ‫كفيل بأن يعيد الطمأنينة أما إذا غاب ذلك فمن الطبيعي ان يدب اليأس ال‬ ‫سيما مع حالة الضعف التي عليها احلكومة و االختالل األمني‪ ،‬ما يفرض‬ ‫التعجيل بإعادة الشرعية و تدعيم األمن و املصاحلة مع املواطن‪.‬‬ ‫«اجمللة»‪ :‬يرجع الكثيرون حالة االنفالت األمني إلى ما يسميه التونسيون‬ ‫«حكومة الظل» التي تتركب من بعض فلول النظام السابق و «القوى‬ ‫املضادة للثورة» التي كانت منتفعة من النظام القدمي و بأطراف جديدة حتاول‬ ‫فرض نفسها بالقوة‪ ،‬فما هو تفسيركم لهذه القوى وما هو موقفكم مما‬ ‫يسمى بحكومة الظل؟‬ ‫ـ أوال أنا ال اعتقد في وجود حكومة ظل‪ ،‬فاحلكومة معروفة وأعضاؤها معروفون‬ ‫و رئيسها أيضا معروف من زمن طويل وهو شخصية قد أثبتت في األسابيع‬ ‫القليلة املاضية قدرتها على إدارة دفة الدولة فبالتالي ما يوحى به من وجود‬ ‫حكومة ظل ال أرى له أساسا في الواقع‪ .‬أما قوى الردة فهي بالتأكيد األطراف‬ ‫املتضررة وهي موجودة و لكنها وإن قدرت على النشاط فهي ال تستطيع أن‬ ‫تتجاوز استغالل االضطرابات املوجودة‪  .‬وانا بكل الوضوح أقول انه البد من‬ ‫معاجلة األوضاع بإعادة الشرعية وإعادة األمل للشباب و الثقة للمستثمرين‬ ‫ووضوح رؤية العالم اخلارجي لتونس وحينها فقط تصبح كل األطراف التي‬ ‫حتدثنا عنها على هامش التاريخ و األحداث وغير قادرة على التأثير إال بقدر‬ ‫إخفاقنا في حتقيق املهمات العاجلة واألساسية التي ذكرتها‪.‬‬ ‫«اجمللة»‪ :‬كنتم قبل ‪ 14‬جانفي (يناير) قد تعرضتم و حزبكم إلى هجمات‬ ‫شرسة من البوليس السياسي و احلزب احلاكم سابقا (التجمع الدستوري‬ ‫الدميقراطي) الذي كان مسيطرا على احلياة السياسية في تونس وبعد الثورة‬ ‫الزلتم تتعرضون إلى هجمات و لكن من أطراف أخرى بسبب رفضكم إلقصاء‬ ‫التجمعيني الذين طاملا أقصوكم‪ ،‬فبماذا تردون؟‬ ‫ـ أوال البد من التفريق بني اخلصوم السياسيني و الرأي العام و في جميع دول‬ ‫العالم يختلف كل اخلصوم أما الرأي العام فاعتقد انه إلى جانبنا و يؤيدنا‪ ،‬أما‬ ‫مسألة احلزب احلاكم سابقا فنحن و في حزبنا قد توخينا سياسة االستمرارية‬ ‫بشأنه‪ ،‬فقبل الثورة لم نكن نطالب بحله بل بفصل أجهزته عن أجهزة الدولة‬ ‫لتحقيق تكافؤ الفرص أما بعد ‪ 14‬جانفي فقد قامت حكومة السيد محمد‬ ‫الغنوشي بهذا الفصل و استرجعت الدولة مقراتها و منقوالتها و نادينا في‬ ‫هذه املرحلة بتتبع رموز هذا احلزب الذين تورطوا في الفساد و القمع ليتولى‬ ‫أمرهم قضاء عادل من دون تأثير خارجي مبا فيه تأثير الرأي العام ليبقى احلكم‬ ‫على اخلصوم السياسيني للشعب عن طريق صناديق االقتراع‪  ،‬ففي بلدان أوروبا‬ ‫الشرقية حكمت األحزاب الشيوعية باحلديد و النار و لكنها أصبحت بعد ذلك‬ ‫أقلية ال تسمح لها إمكاناتها بالعودة إلى احلكم‪  .‬وبالنسبة لي اخلالف مع‬ ‫التجمع الدستوري احلاكم سابقا ليس تضادا شخصيا بقدر ما هو على صورة‬ ‫تونس التي نريد وهي اآلن قد حتررت من االحتكار وإن كانت هناك مساءلة‬ ‫فيجب أن تكون أمام القضاء أوال ثم عن طريق صناديق االقتراع‪  .‬ثم انه على‬ ‫كل من ميارس السياسة وضع املصاحلة الوطنية نصب عينيه و اذكر كلمة‬ ‫الرسول صلى اهلل عليه و سلم «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» فهو من‬ ‫طوى صفحة املاضي‪ ،‬فأنا انظر إلى املستقبل و أريد للتونسيني أن يتصاحلوا‬ ‫مع بعضهم البعض‪.‬‬ ‫«اجمللة»‪ :‬كلمة « انظر إلى املستقبل « توحي بنوع معني من احلكم و يريد‬ ‫البعض لتونس نوعا اخر‪ ،‬فكيف تريدون للحكم في تونس أن يكون؟‬ ‫ـ اعتقد أن الدين اإلسالمي مشاع بني اجلميع واعتقد أيضا أن احلياة العصرية‬ ‫تفرض علينا التمييز بني السياسي و الديني الذي يجب أن يتمتع كل منهما‬ ‫باالستقاللية عن اآلخر و لكن ميكن للحركات ان تستوحي برامجها من اإلسالم‬ ‫من دون أن حتاول فرض عقيدتها اخلاصة و تطرحها كمشروع دولة ألن الدولة‬ ‫حتتكر العنف و لو أضفنا إليها الطابع العقائدي دينيا كان أو شيوعيا فستحمل‬ ‫خطر الشمولية و هو ما ال نقبله ويجب التمييز هنا بني العمل الدعوي والعمل‬ ‫السياسي إذ ال جند مثال في الغرب أجنيال ميركل املنتمية للحزب املسيحي‬ ‫‪44‬‬

‫تذهب إلى الكنائس و حترض الشعب على احلزب االشتراكي وال القساوسة‬ ‫يحرضون املصلني للتدخل في الصراع بني األحزاب السياسية كما أنني في‬ ‫نفس الوقت لست من مؤيدي الالئكية الفرنسية‪.‬‬ ‫خالف مع النهضة‬ ‫«اجمللة»‪ :‬منذ أواخر الثمانينات كنتم قد خبرمت اإلسالميني و أساليبهم‬ ‫العنيفة في فرض أنفسهم بالقوة ثم حتالفتم معهم في ‪ 2005‬في إطار‬ ‫هيئة ‪ 18‬أكتوبر لتعلنوا اآلن عدم استعدادكم خلوض أي حتالف مهما كان‬ ‫نوعه‪ ،‬فهل سقطت حتالفاتكم مبجرد سقوط بن علي؟‬ ‫ـ في نهاية الثمانينات كنا فعال على خالف مع حركة النهضة (اإلسالمية)‬ ‫في ما يتعلق بأسلوبها الذي توخته آنذاك على خلفية اعتقادنا بأنه سيساهم‬ ‫في انهيار الوضع العام في البالد و لكن العنف الذي واجه به النظام حركة‬ ‫النهضة لم يكن مقبوال‪ ،‬ال من الناحية األخالقية وال من الناحية السياسية‪،‬‬ ‫ألنه دمر كل أمل في تطور دميقراطي في البالد‪ ،‬وفي سنة ‪ 2005‬وعلى قاعدة‬ ‫مطالب دنيا كحرية التعبير و التنظم و العفو العام‪ ،‬التقينا مع حركة النهضة‬ ‫و قمنا بتحرك دام سنة و نصف السنة‪  ‬و أجرينا حوارات في إطار ما يسمى‬ ‫مبنتدى ‪ 28‬أكتوبر و توصلنا إلى اتفاقات حول عديد القضايا لكن هذا التحالف‬ ‫جتاوزه الزمن منذ ‪ 2008‬حني طرحت مسالة انتخابات ‪ 2009‬عندما اختلفت‬ ‫الرؤى و انفرط التحالف بخاصة عند معركة املناشدة التي خضناها في‬ ‫الصف األول و لم جند سندا من عديد القوى مبا فيها حركة النهضة التي‬ ‫تعللت بان قواها ال تسمح لها لنختلف بعد الثورة أيضا في كيفية التعامل‬ ‫معها‪ ،‬فقد ارتأينا نحن أن حكومة الوحدة الوطنية هو اسلم الطرق للمرور إلى‬ ‫الدميقراطية بينما ارتأى اإلخوة في النهضة التشكيك في شرعية احلكومة‬ ‫و عملوا على إسقاطها بالتعاون مع اليسار التونسي و منظمة االحتاد العام‬ ‫التونسي للشغل و هو ما جعل السبل تختلف و لكن لالنتخابات املقبلة أن‬ ‫تضع مكاسب تونس احلداثية في امليزان و سنعمل على تعزيزها عكس الدولة‬ ‫العقائدية التي ال تخلو من األخطار على احلريات اخلاصة من ناحية و على‬ ‫صورة تونس في العالم من ناحية أخرى و هو أساس اخلالف مع هذه احلركة‪.‬‬ ‫«اجمللة»‪ :‬إذا نفهم انه من غير الوارد رؤيتكم في حكومة حتالف مع حركة‬ ‫النهضة؟‬ ‫ـ األصل هو أن يفرز اجمللس الوطني التأسيسي غالبية‪  ‬تكون في احلكومة و‬ ‫أقلية تكون في املعارضة و لكن يقع في بعض احلاالت كما في أملانيا مثال أن‬ ‫تتعايش في حكومة انتقالية واحلديث في هذا ال يزال سابقا ألوانه غير أنني‬ ‫شخصيا ال أرى نفسي معنيا مبثل هذه احلكومة‪.‬‬ ‫«اجمللة»‪ :‬اتهمكم النظام السابق بتنفيذ أجندة أمريكية في تونس وال تزال‬ ‫بعض األطراف من قوى ما بعد ‪ 14‬جانفي جتتر هذه االتهامات فما مدى‬ ‫صحتها؟‬ ‫ـ حاول النظام السابق اإلساءة إلينا بشتى الطرق كاتهامنا باملواالة ألمريكا‪،‬‬ ‫ليقول أمام األمريكان بأننا موالون لصدام حسني‪ ،‬ونشرت الصحافة الصفراء‬ ‫صورنا «كأعضاء لعصابة املوساد» و لم تؤثر هذه املمارسات في شيء فقد‬ ‫سقط الزيف «و قل جاء احلق و زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا « و بقينا‬ ‫واقفني‪ .‬وال اعلم ملن تشيرين بالضبط باحلديث عن اتهامنا باملواالة لألمريكان‬ ‫فوالؤنا هلل و لتونس‪.‬‬ ‫«اجمللة»‪ :‬أخيرا‪ ،‬انطلقت الثورات العربية من تونس‪ ،‬فكيف تتوقعون ملستقبل‬ ‫املنطقة العربية ان يكون؟‬ ‫ـ أنا أرى أننا بصدد ميالد جديد للمنطقة العربية و لألمة العربية‪ ،‬فقد كنا‬ ‫على هامش التاريخ بسبب فقدان الدميقراطية و احلمد هلل تفجرت الثورات‬ ‫في كامل أرجاء العالم العربي و كان لنا شرف البدء و كانت االوضاع ناضجة‬ ‫ومواتية النطالق عمليات التغيير الدميقراطي و القضاء على داء االستبداد‬ ‫الذي كان ينخر العالم العربي و التخلص منه سيمنحه فرصة االنبعاث من‬ ‫جديد‪ ،‬فاجملتمعات العربية ستفجر طاقاتها‪  ‬و ستوسع التواصل بينها في‬ ‫إطار مبادالت و تنقالت حرة و هو ما سيعزز عرى الوحدة الثقافية و اجلغرافية‬ ‫و ستكون االفاق باذن اهلل واعدة و أنا اشعر ألول مرة بأننا نضع أرجلنا على‬ ‫اليابسة و إن شاء اهلل نتقدم في طريق الدميقراطية‪.‬‬

‫أجرى احلوار‪ :‬شهرزاد عكاشة‬


‫انه مت إقرار انتخابات اجمللس الوطني التأسيسي الذي لم يقع حتديد مهماته وال‬ ‫م ّدته عدا صياغة دستور جديد‪ ،‬أال تخشون من إعادة السيناريو الليبي الذي مكّن‬ ‫القذافي من السيطرة على احلكم ألكثر من أربعني عاما؟‪ ‬‬ ‫ـ فعال‪ ،‬أنا كنت والزلت مقتنعا بأن خارطة الطريق األولى التي وضعتها حكومة‬ ‫السيد محمد الغنوشي كانت هي الصائبة و السليمة‪ ،‬فقد كان علينا التوجه‬ ‫مباشرة إلى انتخابات رئاسية متكن من رؤية واضحة ملستقبل البالد من خالل‬ ‫اختيار شخصية وطنية تتولى مسؤولية السلطة التنفيذية كما كان باإلمكان‬ ‫و في نفس السياق ان يقع انتخاب هيئة تشريعية ذات صالحيات دستورية تعيد‬ ‫النظر في الدستور التونسي الن القدمي لم يعد صاحلا و كانت هذه الفرضية‬ ‫كفيلة بإعادة االستقرار للبالد و الثقة للشركاء األجانب و األمل للشباب‬ ‫التونسي الذي أرى أن اليأس بدأ يعتريه من حتسن أوضاعه‪ .‬التخوف من ان يطول‬ ‫عمر اجمللس التأسيسي قائم ألنه ال شيء يحدد من صالحياته ال سيما و انه‬ ‫سيكون الهيئة الوحيدة الشرعية الصادرة عن صناديق االقتراع و بالتالي فال‬ ‫السلطات احلالية و ال الالحقة قارة على حتديد صالحياته التي ستكون مطلقة‬ ‫و لو كنا قد أجنزنا انتخابات مباشرة لكان هناك اآلن توازن بني هيئتني منتخبتني‬ ‫من الشعب لكن النخب السياسية أرادت السير نحو مجلس وطني تأسيسي‬ ‫فسرنا و هاهم يريدون التأجيل سامحهم اهلل ‪.‬‬ ‫االستحقاق الرئاسي‬ ‫«اجمللة»‪ :‬هل ستترشحون لالستحقاق الرئاسي املقبل؟‬ ‫ـ ‪ ‬لقد مت تعليق العمل بالدستور في انتظار صياغة اخر جديد و بالتالي فالسؤال‬ ‫هو‪ :‬هل سيكون لتونس احلق في انتخاب رئيس‪ ...‬؟ فقد يقرر من سيصيغ‬ ‫الدستور انه من غير الضروري وجود رئيس كما هو احلال في ايطاليا و لكن أمتنى‬ ‫ذلك بخاصة و أن احلزب قد شارك في كل االستحقاقات االنتخابية السابقة‬ ‫وفي صورة إقرار نظام رئاسي وبعد موافقة احلزب ال أرى مانعا في الترشح‪.‬‬ ‫«اجمللة»‪ :‬و لكن وقع تفسير استقالتكم من حكومة الغنوشي برغبتكم في‬ ‫الترشح للرئاسية املقبلة بعد إقرار منع املسؤولني في احلكومة من الترشح‬ ‫لهذا االستحقاق و هو ما يعني أن النية كانت وال تزال موجودة لديكم‪.‬‬ ‫ـ‪  ‬بالفعل‪ ،‬ولكن القانون منع كل املتحملني للمسؤولية في احلكومة من الترشح‬ ‫ألي خطة انتخابية ومبا أنني كنت انوي منذ ذلك الوقت الترشح النتخابات اجمللس‬ ‫الوطني التأسيسي تخليت عن موقعي وتفرّغت بالكامل للحملة االنتخابية‬ ‫للحزب و الترشح ليس طموحا شخصيا بقدر ما هو محاولة خلدمة تونس عن‬ ‫طريق توفير أكثر ما ميكن من احلظوظ للحزب الدميقراطي التقدمي حتى يكون‬ ‫له تأثير في احلياة السياسية التونسية‪.‬‬ ‫«اجمللة»‪ :‬السيد احمد جنيب الشابي ما هي رؤيتكم لدور اجليش التونسي في‬ ‫هذه املرحلة االنتقالية احلساسة من تاريخ البالد؟ وهل تتوقعون أن يكون له دور‬ ‫في احلياة السياسية؟‬ ‫ـ ‪ ‬أنا شخصيا افتخر مبكسبني في حياتنا الوطنية التونسية‪ ،‬األول هو مجلة‬ ‫األحوال الشخصية و حرية املرأة والثاني هو حياد اجليش الذي دافع عن حدود‬ ‫البالد و كان في نصرة الشعب كلما تعرض إلى مخاطر و أمتنى أن يبقى في دوره‬ ‫هذا و لكن يبقى املطلوب أن يحكم التونسيون أنفسهم بأنفسهم عن طريق‬ ‫صناديق االقتراع‪.‬‬

‫سواء احلكومة أو األحزاب و لكنني حتى وان كنت أعارض ذلك فإنني اعتبر هذا‬ ‫فرصة إلعادة احلوار و النظر في أمر الهيئة العليا حلماية أهداف الثورة واإلصالح‬ ‫السياسي و االنتقال الدميقراطي ‪.‬‬ ‫«اجمللة»‪ :‬أال ترون أن الهيئة العليا لالنتخابات تستجيب في موقفها لنداءات‬ ‫األطراف املنادية بتأجيل االنتخابات؟‬ ‫ـ ال أظن ذلك فأنا اخذ األمور بظواهرها و ال أميل إلى تفسير األمور من منطلق‬ ‫نظرية املؤامرة و اعتقد ان أعضاء الهيئة أشخاص نزهاء و في قرارهم اعتمدوا‬ ‫على االعتبارات التقنية بينما أضع أنا في احلسبان االعتبارات السياسية و التي‬ ‫تعد أهمها الظروف األمنية‪ ،‬في هذا الوقت‪ ،‬و أعني اآلن‪ ،‬غالب الطرقات إلى‬ ‫احملافظات مقطوعة كما تشهد جهات اجلنوب إضرابات عامة و يسود البالد‬ ‫اضطراب كبير هو وليد الثورة ‪ ‬ووليد الفراغ احلكومي الذي اخشى إن طال أن‬ ‫تتفاقم األمور‪.‬‬ ‫«اجمللة»‪ :‬كنتم قد ناديتم غداة الثورة باملرور مباشرة إلى انتخابات رئاسية غير‬ ‫العدد ‪ ،1564‬يونيو ‪2011‬‬

‫«اجمللة»‪ :‬كنتم وغداة إقالة حكومة الغنوشي قد حذرمت من تسلم اجليش‬ ‫للسلطة‪ ،‬فهل كنتم وقتئذ تسيئون الظن باجليش أم كنتم تطلبون حياده‬ ‫فقط؟‬ ‫ـ قلت في ذلك التصريح أنني ال اتهم اجليش وال قيادته بل كنت والزلت اكبر دوره‬ ‫و لكن قلت أيضا أن الفوضى تعبد الطريق أمام احلكم الديكتاتوري مبا فيه احلكم‬ ‫العسكري الذي ال أمتناه لتونس مبا أنني ضد الديكتاتورية و لذلك أؤكد انه يجب‬ ‫تالفي الفوضى التي إذا سادت جتعل الشعب يتوق إلى حكم قوي لتخليصه منها‬ ‫و لتجنب الوصول إلى هذه النتيجة‪ ،‬يجب إجراء انتخابات في اقرب وقت ممكن‪.‬‬ ‫إعادة الشرعية‬ ‫«اجمللة»‪ :‬مبناسبة احلديث عن الفوضى‪ ،‬أال ترون كما الكثير من املتابعني أن‬ ‫قيام زوبعة تصريحات وزير الداخلية األسبق فرحات الراجحي وتعرض تونس إلى‬ ‫هجمات إرهابية هدفها التشكيك في اجليش الوطني و قيادته‪ ،‬يرجح فرضية‬ ‫وقوف نفس اجلهة وراء احلادثتني؟‬ ‫ـ كما قلت سابقا ليست لي تفسيرات تآمرية لألشياء‪ ،‬و لكنني أرى أن اخلطر‬ ‫اإلرهابي في بالدي حقيقي غير انه يبقى هامشيا‪ ،‬فال شيء في اجملتمع التونسي‬ ‫يدفع و يشجع اإلرهاب إال حاجيات الناس االقتصادية و التي قد يقع استغاللها‬ ‫‪43‬‬


‫● حوارات‬

‫أحمد جنيب الشابي‪ :‬أرفض التحالف مع النهضة أو إقامة دولة عقائدية في تونس‬

‫الفوضى طريق للديكتاتورية‬

‫أكد أحمد جنيب الشابي انه ال يرى نفسه في حكومة حتالف مع اإلسالميني الذين كان قد خبرهم في جتارب سابقة مشددا‬ ‫على انه ال سبيل إلى إقامة دولة عقائدية في تونس دينية كانت أو عسكرية أو شيوعية‪ .‬وأوضح املرشح األبرز لرئاسة تونس‬ ‫ما بعد بن علي في حوار مع «اجمللة» انه ضد «االجتثاث» وإقصاء احلزب احلاكم سابقا من املشهد السياسي التونسي ما‬ ‫عدا من ثبت تورطه في القمع أو في الفساد‪.‬‬ ‫شهرزاد عكاشة‬

‫احمد جنيب الشابي هو املؤسس و األمني العام السابق للحزب الدميقراطي‬ ‫التقدمي وأحد أبرز السياسيني التونسيني املرشحني للفوز برئاسة اجلمهورية‬ ‫التونسية ما بعد زين العابدين بن علي‪ .‬كان الشابي معارضا شرسا لنب علي‬ ‫منذ التسعينات و من قبله ألول رئيس لتونس احلبيب بورقيبة غير أن الكثيرين لم‬ ‫يغفروا له «ثقة» كان قد منحها للرئيس السابق غداة توليه احلكم في نوفمبر‬ ‫‪ 1987‬ليغير موقفه مع أول انتخابات أجنزت في عهد بن علي‪.‬‬ ‫يحسب الحمد جنيب الشابي أنه كان يتكلم‪ ،‬وبصوت عال‪ ،‬حني اختار البعض‬ ‫الصمت و «درء الشر» وأنه كان بني من عارضوا نظام بن علي‪ ،‬وبقوة‪ ،‬ورفضوا‬ ‫التجديد له لوالية رئاسية خامسة‪ .‬النظام السابق‪ ،‬وفي وجود جل رموز املعارضة‬ ‫في اخلارج‪ ،‬بخاصة االسالمية منها‪ ،‬كان يعتبر الشابي احملرض األول ضد نظام‬ ‫حكم بن علي و اتهمه بأنه «موال» ألميركا‪ .‬تهمة موالة أميركا ال تزال تالحقه‬ ‫إلى اآلن حتى من طرف حلفاء األمس أعداء اليوم‪ ،‬غير أن الرجل أكد أن هذه‬ ‫االتهامات هي من باب االفتراء و أعلن بأن الوالء هلل و لتونس التي يتمنى أن يراها‬ ‫بلدا ذا نظام رئاسي حقيقي يتمنى أن يكون على رأسه يوما «إذا وافقه حزبه و‬ ‫أيد ترشحه»‪.‬‬ ‫‪42‬‬

‫«اجمللة» التقت الشابي الذي عليه قبل التطلع الى قصر الرئاسة بقرطاج‬ ‫الفوز أوال بثقة الناخب التونسي ‪ ‬في انتخابات اجمللس الوطني التأسيسي الذي‬ ‫ستكون ابرز مهماته صياغة دستور جديد للبالد و انتخاب حكومة شرعية تسير‬ ‫شؤونها‪.‬‬ ‫وإلى أن ينتهي اجلدال حول موعد اول انتخابات تعددية ودميقراطية في تونس ما‬ ‫بعد بن علي إليكم نص احلوار الذي أجرته «اجمللة» مع أحمد جنيب الشابي‪.‬‬ ‫«اجمللة»‪ :‬بداية‪ ،‬شهدت تونس جدال كبيرا حول تأجيل انتخابات اجمللس الوطني‬ ‫التأسيسي الذي صرحت الهيئة العليا املستقلة لالنتخابات باستحالة اجنازها‬ ‫في موعدها املقرر في ‪ 24‬جويلية‪ -‬يوليو ‪  2011‬بخاصة و أن هناك قوى سياسية‬ ‫عديدة تساند هذه التصريحات‪ ،‬أال تتوقعون حصول ضغط في هذا االجتاه إذا‬ ‫أصرت احلكومة املوقتة على هذا التاريخ؟‬ ‫ـ باملوقف الذي أعلنت عنه الهيئة املستقلة أصبح تنظيم االنتخابات في‬ ‫موعدها احملدد في خطر كبير حتى مع تعهد احلكومة بتوفير كل الظروف و‬ ‫اإلمكانيات‪  ‬و أخشى أن يكون اجنازها أمرا صعبا‪  ‬فموقف الهيئة قد فاجأ الكل‬


‫ال أدري كيف ميكن أن تتحول ألننا ال نعرف كيف ستتطور األمور‪.‬‬ ‫ونحن نعرف بالتأكيد أن البحرين لن تخضع لتغيير احلكومة وهو‬ ‫ما كان سيعتبر إقليميا بالتأكيد نصرا إليران‪ .‬ولكن إذا سقط‬ ‫النظام السوري‪ ،‬ستكون هذه خسارة فادحة إليران في منافستها‬ ‫اإلقليمية على النفوذ‪ .‬لذلك أعتقد أن األمور ما زالت غير‬ ‫محددة‪ .‬وأكثر ما أراه مثيرا لإلزعاج هو زيادة الشعور بالطائفية‬ ‫في املنطقة‪ .‬ال تغيب الطائفية عن املنطقة مطلقا‪ ،‬وفي مناطق‬ ‫مثل لبنان والعراق‪ ،‬حيث وقعت صراعات داخلية‪ ،‬أصبحت هذه‬ ‫الهويات الطائفية أكثر بروزا‪ .‬ولكن ما نراه اليوم في دول اخلليج‬ ‫هو مزيد من التأكيد على الهوية الطائفية‪ ،‬وأرى أن ذلك قد‬ ‫يسبب مشكالت كبيرة على املدى البعيد‪.‬‬ ‫«اجمللة»‪ :‬ما هي تداعيات أو نتائج إجراءات مجلس التعاون‬ ‫اخلليجي في ما يتعلق بالبحرين؟ هل تتنبأ بوقوع مشكالت‬ ‫طائفية‪.‬‬ ‫ لست مندهشا بالتأكيد من تدخل السعودية وأعضاء مجلس‬‫التعاون اخلليجي اآلخرين في البحرين‪ .‬لقد أدركوا أن هناك‬ ‫احتمالية ألن تسقط البحرين ولم يكونوا سيسمحون بوقوع‬ ‫ذلك‪ ،‬فهذا خط أحمر للسعوديني‪ .‬ولكن رد الفعل البحريني جاء‬ ‫بعد ذلك مع دعم ضمني أو فعلي واضح من دول مجلس التعاون‬ ‫األخرى‪ ،‬مما تسبب في خلق مشكلة ألن هناك غالبية شيعية في‬ ‫هذه الدولة‪ ،‬وال ميكن جلم الغالبية على الدوام من دون اخملاطرة‬ ‫بحدوث نوع من رد الفعل العنيف‪ .‬من املؤكد أن هناك عناصر في‬ ‫إيران يسعدها استغالل ذلك بل وتشجيعه‪ .‬لذا أعتقد أنه في حني‬ ‫قد يكون هناك استقرار في البحرين على املدى القصير‪ ،‬فإن الثمن‬ ‫قد يكون باهظا في املستقبل‪.‬‬ ‫«اجمللة»‪ :‬في هذا الصدد‪ ،‬إلى أي درجة تعتقد أن مجلس التعاون‬ ‫اخلليجي يبالغ في حجم التهديد اإليراني؟‬ ‫ أعتقد أنه من اخلطأ رؤية حركات االحتجاج السياسية‬‫الداخلية كمجرد أداة للسياسة اخلارجية اإليرانية‪ .‬أتفهم اخملاوف‬ ‫اجليوسياسية التي متثلها إيران في اخلليج‪ ،‬وهي ليست فقط‬ ‫حجم إيران وقوتها العسكرية وإمكانياتها النووية‪ .‬أعني أننا‬ ‫نعرف محاولة إيران في املاضي الستغالل االنقسامات الداخلية‬ ‫في الدول العربية‪ .‬ونعرف أن إيران تدعم جماعات مثل حزب اهلل‬ ‫وأحزاب معينة في العراق وحتاول تعزيز نفوذها في العالم العربي‪.‬‬ ‫ونعرف أنه في الثمانينيات بذل النظام اإليراني جهودا كبيرة‬ ‫لتصدير الثورة إلى اخلليج‪ ،‬لذلك من املفهوم أن احلكومات في‬ ‫اجلانب العربي من اخلليج تنظر إلى إيران بعدم ارتياح وريبة‪.‬‬ ‫ولكنهم يرتكبون خطأ حقيقيا باعتبار كل حركة احتجاج داخلية‬ ‫أو حركة سياسية تضم مواطنني من الشيعة أنها بدعم من‬ ‫إيران‪ .‬سيصبح ذلك نبوءة تتحقق ذاتيا‪.‬‬ ‫«اجمللة»‪ :‬في هذه احلالة‪ ،‬هل ترى أن هناك عالقة بني األمن‬ ‫اإلقليمي والداخلي؟‬ ‫ أرى أن املشاكل الداخلية من املمكن أن تؤدي إلى مشكالت‬‫إقليمية‪ .‬في هذه احلالة‪ ،‬سيقدم إليران مجال جاهز حملاولة‬ ‫السيطرة على السياسة في هذه الدولة‪ ،‬لذا هناك مخاطرة‪.‬‬ ‫وأعتقد أن إرضاء املواطنني وسيلة فعالة في منع تسلل إيران‬ ‫إلى احلياة السياسية في الدولة بصورة أفضل من سياسة‬ ‫القمع‪ .‬مبعنى أنه سيكون هناك دائما توازن بني الترضية والقوة‬ ‫في أي نظام سياسي‪ .‬إذا حدث ميل نحو جانب القوة – مثلما‬ ‫فعل البحرينيون – يبدو لي أن في ذلك مخاطرة بدفع أكثر األمناط‬ ‫اعتداال في املعارضة السياسية التخاذ مواقف قد تصبح إيران‬ ‫أكثر قدرة على استغاللها‪.‬‬ ‫«اجمللة»‪ :‬ما رأيك في رد فعل كل من السعودية وإيران على‬ ‫االضطرابات املدنية الراهنة في سوريا؟‬ ‫ حسنا‪ ،‬يقف اإليرانيون موقفا محرجا‪ ،‬حيث إن عليهم‬‫مساندة حليف مقرب يقمع شعبه بالطريقة التي أدانها‬ ‫اإليرانيون عندما وقعت في البحرين أو مصر أو تونس‪ .‬ولكن‬ ‫احلرج ال يؤدي غالبا إلى أن تغير الدول سياساتها اخلارجية‪ .‬لذا‬ ‫العدد ‪ ،1564‬يونيو ‪2011‬‬

‫يبدو لي أن اإليرانيني سيقفون إلى جانب نظام األسد – على‬ ‫عكس األتراك – فهم غير ملتزمني بفكرة أن نفوذهم مرتبط‬ ‫باحلركات الدميقراطية في املنطقة‪ ،‬وأعتقد أن هذه رؤية أنقرة‬ ‫ولكنها ليست بالتأكيد رؤية طهران‪ ،‬التي أعتقد أنها ستستمر‬ ‫في مساندة األسد‪.‬‬ ‫«اجمللة»‪ :‬هل تعتقد أن موقف الرئيس اليمني علي عبداهلل صالح‬ ‫ضعيف؟ وما هي التداعيات اإلقليمية لرحيله احملتمل؟‬ ‫ في رأيي ال ميكن الدفاع عن موقفه‪ .‬ولكن بالنسبة لشخص في‬‫مثل هذا املوقف‪ ،‬يبدو بالتأكيد أنه متمسك مبكانه لبعض الوقت‪.‬‬ ‫وفي ظل انقسام اجليش وانشقاق شخصيات قبلية بارزة عن‬ ‫النظام‪ ،‬أشك في أن علي عبداهلل صالح ميكنه أن يستمر كرئيس‬ ‫لليمن لفترة أطول‪ .‬ولكنني ال أعتقد أن هذا سيكون له آثار إقليمية‬ ‫هائلة‪ .‬على الرغم من أن صالح رئيس لليمن – شمال اليمن ثم‬ ‫الدولة املوحدة – منذ عام ‪ ،1978‬فإن اليمن ذاته كان دائما مكانا‬ ‫غير مستقر نسبيا بحكومة مركزية ضعيفة‪ .‬وأعتقد أن هذا‬ ‫سيستمر‪ ،‬لذلك ال أرى حقيقة أن بقاء صالح أو رحيله سيكون له‬ ‫أثر إقليمي هائل‪.‬‬ ‫«اجمللة»‪ :‬إذا وضعنا ذلك في االعتبار‪ ،‬بعد مقتل أسامة بن الدن‬ ‫أخيرا‪ ،‬هل تعتقد أن هذا سيكون له أي أثر كبير على تنظيم‬ ‫القاعدة في شبه اجلزيرة العربية أو إقليميا‪ ،‬داخل اليمن؟‬ ‫ ال أعتقد أنه سيكون هناك تأثير كبير‪ .‬أصبحت «القاعدة» إلى‬‫حد كبير تطبق الالمركزية بالدرجة الكافية ألن يستمر عملها‬ ‫في اليمن‪ ،‬ألن لديها جذورها احمللية ووسائل جتنيد خاصة بها‪ .‬من‬ ‫املمكن أن يؤدي غياب بن الدن إلى صراع على السلطة في التنظيم‬ ‫املركزي لـ«القاعدة»‪ ،‬وقد يؤدي ذلك إلى مشكالت في انخفاض‬ ‫أعداد اجملندين‪ .‬ولكن يبدو‪ ،‬في ما يتعلق باملستقبل القريب – سواء‬ ‫بالنسبة لـ«القاعدة في شبه اجلزيرة العربية» أو «القاعدة في بالد‬ ‫املغرب اإلسالمي» – أن هذه اخملاوف مستمرة‪.‬‬ ‫أعتقد أن «القاعدة» كانت على املدى البعيد في طريقها لالنحسار‬ ‫في املنطقة‪ .‬وال أعتقد أن رسالتها اآليديولوجية حققت شعبية‪.‬‬ ‫ال أرى أنها كانت قادرة على حتقيق أي جناحات في األعوام األخيرة‪.‬‬ ‫وأعتقد أنها كانت في وضع سيئ في الغالب‪ .‬وأرى أن مقتل بن‬ ‫الدن إشارة أخرى في طريق انحدار «القاعدة»‪ .‬وفي احتمال على‬ ‫املدى البعيد‪ ،‬أعتقد أن أهمية «القاعدة» ستقل‪ .‬ولكن في رأيي إن‬ ‫هذه اجلماعات العديدة التابعة لـ«القاعدة» هي التي من املمكن أن‬ ‫تسبب مشكالت‪.‬‬ ‫«اجمللة»‪ :‬إلى أي درجة ميكن أن تعيد السعودية تقييم عالقاتها‬ ‫مع دول مجلس التعاون اخلليجي األخرى‪ ،‬وهل تعتقد أن األحداث‬ ‫األخيرة ستسمح لدول اجمللس األخرى – وبخاصة الكويت أو قطر –‬ ‫باحلصول على مزيد من النفوذ؟‬ ‫ أعتقد أن األحداث األخيرة جمعت دول مجلس التعاون اخلليجي‬‫معا‪ ،‬حيث تشترك الدول في شعورها بالتهديد جراء االضطرابات‬ ‫الداخلية‪ .‬ويأتي الصالح املشترك ألي نظام في احلفاظ على أنظمة‬ ‫احلكم‪ ،‬وهو ما أعتقد أنه األساس الذي قام عليه اجمللس‪ .‬من املثير‬ ‫لالهتمام أن قطر أرسلت قوات إلى البحرين‪ ،‬معظم وسائل اإلعالم‬ ‫ذكرت أن السعودية واإلمارات أرسلت قواتها – وأعتقد أنها كانت‬ ‫أولى البعثات – ولكن أرسلت كل من الكويت وقطر أيضا بعض‬ ‫القوات إلى البحرين‪ .‬لذلك تبدو هذه إشارة جيدة إلى أن الدولة‬ ‫اخملتلفة داخل اجمللس – قطر‪ -‬تشارك أيضا في هذه العملية‪ .‬ونعرف‬ ‫أيضا أن قناة اجلزيرة لم تغط بالفعل أحداث البحرين كما فعلت‬ ‫في مناطق أخرى‪ ،‬وفي ذلك إشارة أخرى إلى املوقف القطري من‬ ‫األحداث‪ .‬وأرى بالفعل أن تلك األحداث ساهمت كثيرا في توحيد‬ ‫دول مجلس التعاون اخلليجي بدال من تفريقها‪.‬‬

‫أجرى احلوار مايكل وايتنغ‬ ‫‪41‬‬


‫● حوارات‬

‫غريغوري غوس ‪ :‬االنتفاضات العربية «و ّحدت» الدول اخلليجية‬

‫خط أحمر‬

‫أي تأثير للتطورات اإلقليمية األخيرة على منطقة اخلليج العربي وما هي اخملاوف األمنية على املنظومة اخلليجية‪« .‬اجمللة»‬ ‫استطلعت رأي األستاذ غريغوري غوس الذي رأى أنه من األفضل للحكومات االبتعاد عن استخدام القوة أو خوض مخاطرة‬ ‫زيادة انعدام االستقرار‪ .‬وفي ظل انتفاضة هنا وثورة هناك‪ ،‬تزداد‪ ،‬بخاصة داخل دول مجلس التعاون اخلليجي‪ ،‬خطوات تقوية‬ ‫العالقات السياسية في محاولة للحفاظ على الوضع الراهن‪.‬‬ ‫مايكل وايتنغ‬ ‫يعمل إف غريغوري غوس الثالث أستاذا للعلوم السياسية في‬ ‫جامعة فيرمونت األميركية‪ .‬وهو خبير شهير في العالقات الدولية‬ ‫في الشرق األوسط‪ ،‬متخصص في شؤون شبه اجلزيرة العربية‬ ‫واخلليج العربي‪ .‬تتضمن أعماله املنشورة «العالقات الدولية في‬ ‫اخلليج الفارسي» (‪« ،)2010‬ممالك النفط‪ :‬التحديات الداخلية‬ ‫واألمنية في دول اخلليج العربي»‪« ،)1994( .‬العالقات السعودية‬ ‫اليمنية‪ :‬الهياكل الداخلية والنفوذ األجنبي» (‪.)1990‬‬ ‫حتدث األستاذ غريغوري إلى «اجمللة»‪ ،‬حيث عرض أفكاره حول‬ ‫الصراعات اإلقليمية النتقال السلطة‪ ،‬والتهديد الذي ميثله‬

‫‪40‬‬

‫التأثير اإليراني‪ ،‬وتقييد القمع السياسي‪ ،‬واألهمية طويلة األمد‬ ‫لـ«القاعدة» وبقاء حتالف مجلس التعاون اخلليجي‪.‬‬ ‫وفي ما يلي نص احلوار‪:‬‬ ‫«اجمللة»‪ :‬أمام األحداث األخيرة املذهلة في تونس ومصر والبحرين‬ ‫وغيرها‪ ،‬ما رأيك في حتول السياسة اإلقليمية إليران والسعودية‪ ،‬ال‬ ‫سيما في ما يتصل بعالقة بعضهما ببعض؟‬ ‫ أعتقد أن اخلصومة بني إيران والسعودية تعود إلى ما قبل‬‫األحداث التي وقعت في األشهر القليلة املاضية‪ .‬وأعتقد أنها‬ ‫الفكرة الرئيسة للسياسة اإلقليمية منذ عامي ‪.2008 - 2007‬‬


‫تقول غادة صالح مديرة إدارية في شركة خاصة ان املرأة اليمنية‬ ‫“يجب أن تكون شريكا ً فعليا ً وعمليا ً للرجل وليس مبجرد كالم”‪..‬‬ ‫أما رجاء علي مقبل وهي ربة بيت فتقول‪“ :‬ال يجب أن نعتمد على‬ ‫األحزاب فقط أيا ً كان توجهها‪ ،‬فاألحزاب تستغل املرأة كورقة ال أكثر‪،‬‬ ‫واملطلوب ارادة خاصة باملرأة نفسها”‪ ،‬اال أنها ترى في وصول اجلماعات‬ ‫اإلسالمية “األخوان املسلمني” الى احلكم اثرا سلبيا على املرأة‬ ‫وقضاياها “ولديهم سوابق في اليمن”‪ .‬أما الصيدالنية مينى األسودي‬ ‫فترى في الفترة القادمة دالئل على متكن املرأة من املراكز واملواقع‬ ‫القيادية في الدولة اجلديدة “بعد أن قادت النساء الثورة الشبابية‬ ‫في الساحات”‪.‬‬

‫من ن�ساء الثورة‬

‫احلركة النسوية‬ ‫هل يبدو املستقبل معتما بالنسبة للمرأة العربية في هذه الثورت‬ ‫التي جاءت تطالب بتغيير النظام القدمي بكل تداعياته‪ ،‬عندما كانت‬ ‫تصيح في الساحات والتظاهرات‪“ :‬الشعب يريد اسقاط النظام”؟‬ ‫تقول الصحفية البريطانية جني مارتنسون مسؤولة قسم املرأة في‬ ‫صحيفة (ذي غارديان) “ان الثورات العربية قامت ألن النساء أصرّين أن‬ ‫يكن جزءا من حراكها باجتاه الدميقراطية”‪ .‬هذا صحيح‪ ،‬فال أحد ينكر‬ ‫كيف ظهرت صور النساء في التغطيات االعالمية العربية تبحث‬ ‫عنهن الصحف والقنوات الفضائية وتركز على سيرهن الذاتية‪ .‬ولكن‬ ‫بعد أن انتهت مرحلة اسقاط النظامني في مصر وتونس‪ ،‬لم يبد ان‬ ‫هناك اهتماما ً جديا ً بالتمثيل النسائي في ادارة شؤون البالد‪ ،‬فقد عاد‬ ‫اجملتمعان الى القوالب املسبقة على الثورة‪ ،‬ان بخصوص االقليات او‬ ‫بخصوص اجلندر‪ ،‬وبقي مفهوم “املواطن من الدرجة الثانية” فاعال‬ ‫على أرض الواقع‪ .‬في تونس مثال حيث احلراك النقابي واجملتمع املدني‬ ‫أكثر حضورا من العديد من اجملتمعات العربية األخرى‪ ،‬نالحظ أن‬ ‫نوابا رجاال‬ ‫األحزاب واجلمعيات واالحتاد العا ّم التونسي للشغل رشحت ّ‬ ‫ميثّلونها في (الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة واإلصالح السياسي‬ ‫واالنتقال الدميقراطي)‪ ،‬وبلغت نسبة النساء حوالي ‪ 20‬في املائة من‬ ‫الترشيحات بينما كانت في البرملان األخير أي قبل سقوط بن علي‬ ‫‪ 27‬في املائة‪ ،‬على الرغم من ان هذا احلضور النسائي البرملاني مثله‬ ‫مثل احلضور الرجالي لم يكن فاعال فترة بن علي‪ ،‬ولكن لالرقام لغتها‬ ‫أيضا‪.‬‬ ‫وتذكرنا الدكتورة آمال قرامي أننا أمام عقلية مسؤولني سياسيني‬ ‫راعت رغبات الرجال ولم تع ّبر عن تطلعات النساء‪ ،‬وهو أمر يتكرر مع‬ ‫كل ثورة‪ .‬و”كأن الرجال عندما يستفيقون من وقع الثورة‪ ،‬يريدون أن‬ ‫يحققوا مجدا ذكوريا ً خالصا من دون تسليط األضواء على مساهمة‬ ‫النساء في بناء هذا اجملد”‪ .‬تقول قرامي اخملتصة بشؤون اجلندر‪ ..‬إال‬ ‫أن بعض االشارات القليلة هنا وهناك تدفعنا الى التفاؤل قليال‪ ،‬مثل‬ ‫انتخاب (حركة عدالة وحرية السياسة الشعبية) مبدينة اإلسكندرية‬ ‫للشابة أماني السيد منسقة عامة للحركة قبل أسابيع قليلة‪،‬‬ ‫واخلطوة هي األولى من نوعها بني احلركات الشبابية في مصر‪ ،‬لكن‬ ‫البادرة تبقى محدودة التاثير قياسا ً بالهيمنة الذكورية على املشهد‬ ‫السياسي بشبابه ومخضرميه‪.‬‬ ‫في الوقت احلالي تنادي نساء مصر وتونس مبجتمع مدني ودولة مدنية‬ ‫ال دولة دينية‪ ،‬تضمن املساواة بني الرجل واملرأة‏ وبني مختلف أطياف‬ ‫اجملتمع‏ في احلقوق الدستورية‪.‬‏ وعلى هذا األساس تناضل الناشطات‬ ‫اآلن يساندهن في ذلك الرجال املؤمنني بهذه الفكرة‪ .‬وتستعد نساء‬ ‫اليمن بعد اجتياز فترة القلق مع نظام علي عبداهلل صالح الى‬ ‫االلفتات حلقوقهن‪ ،‬وقد أثبنت وهن في ساحات االعتصام قدرة على‬ ‫اجلدل والتفاوض ال تقل شأنا عن زمالئهن من الرجال‪.‬‬ ‫إن املعركة ليست سهلة وينتظر النساء مبن فيهن الشابات‬ ‫الناشطات‪ ،‬شوط آخر من املطالبات ستأخذ في حينها طبيعة أخرى‬ ‫واسما ً آخر رمبا اندرج حتت مسمى (احلركة النسوية) الذي سيعاد له‬ ‫االعتبار بعد أن خفت قليال في السنوات املاضية‪.‬‬

‫لينا بن مهنّي ‪ -‬ناشطة حقوق إنسان و مدونة و صحفية تونسية‬ ‫و عضوة الهيئة الوطنية إلصالح اإلعالم واالتصال‪ .‬تعمل صحفية‬ ‫في راديو كلمة الذي متلكه ناشطة حقوق اإلنسان التونسية سهام‬ ‫بن سدرين‪ .‬و تعمل كذلك أستاذة جامعية في اللغة االجنليزية‪.‬‬ ‫عرفت مبعارضتها لنظام زين العابدين بن علي‪ .‬و تكتب لينا بن‬ ‫مهني كذلك في موقع األصوات العاملية‪.‬ساهمت في التغطية‬ ‫اإلعالمية عبر اإ��نترنت لثورة تونس حيث توجهت إلى مدينة الرقاب‬ ‫لتغطي انتفاضة سيدي بوزيد‪ .‬اختيرت أفضل مدونة في مسابقة‬ ‫«البوبز» عام ‪ ،2011‬وسبق ان منعها النظام السابق من السفر‬ ‫الى خارج تونس في مناسبات عدة‪.‬‬ ‫تعتبر لينا واحدة من الشباب الذين أوصلوا الثورة التونسية عبر‬ ‫االنترنت والشبكات االجتماعية إلى العالم‪ ،‬لكن بعد خمسة‬ ‫اشهر من سقوط نظام زين العابدين بن علي ال تزال لينا بن مهني‬ ‫«املدونة من اجل الربيع العربي»‪ ،‬قلقة على الدميوقراطية في‬ ‫بالدها‪.‬‬ ‫بدأت تكتب مدونتها منذ عام ‪ 2006‬وفي ‪ 2008‬بدأت تكتب‬ ‫ألصوات عاملية وتبنت قضايا حقوقية عدة وساهمت في العديد‬ ‫من حمالت التضامن مع صحفيني ومدونني تونسيني وعرب تعرضوا‬ ‫لالعتقال أو املضايقات من سلطات بالدهم‪.‬‬ ‫على هامش مهرجان «مسافرون مدهشون» الذي دعيت اليه في‬ ‫سان مالو غرب فرنسا أخيرا‪ ،‬قالت‪»:‬لم يتغير شيء في اإلعالم‪.‬‬ ‫لم يتحرك شيء‪ .‬األشخاص أنفسهم الذين كانوا موجودين في‬ ‫ظل نظام بن علي في املناصب العليا في الصحف والتلفزيونات‪،‬‬ ‫ال يزالون هنا»‪.‬‬ ‫وبعد رحيل بن علي عبرت لينا عن خشيتها من ان يستغل‬ ‫االسالميون االنتخابات وقالت «من بني جميع األحزاب‪ ،‬هم األكثر‬ ‫تنظيما‪.‬كما انهم سيستفيدون من شهر رمضان الذي سيقع في‬ ‫آب‪/‬اغسطس هذا العام‪ ،‬ليروجوا ألنفسهم»‪.‬‬ ‫وتنتقد املدونة عموما األحزاب السياسية التي «ترتكب األخطاء‬ ‫ذاتها‪ ،‬مرارا‪ .‬هم يسعون الى السلطة من دون ان يأخذوا في‬ ‫احلسبان إرادة الشعب»‪.‬‬

‫*غالية قباني ‪ -‬كاتبة وروائية وناشطة سورية مقيمة في لندن‬ ‫العدد ‪ ،1564‬يونيو ‪2011‬‬

‫‪39‬‬


‫● الوضع البشري‬

‫هذا املشهد احليوي لم ينعكس بالتوازي مع القرارات الرسمية فترة‬ ‫ما بعد الثورة وتولي حكومتني الوزارة‪ .‬فاللجنة التي شكلت العادة‬ ‫النظر في التعديالت الدستورية تألفت من تسعة رجال قانونيني ليس‬ ‫بينهم امرأة واحدة‪ ،‬على رغم وجود بعض النساء اخملتصات في القانون‬ ‫الدستوري‪ .‬وكان رد النساء عمليا ً كما حصل يوم ‪ 8‬مارس املاضي‪،‬‬ ‫عندما جتمعت النساء مع الرجال أمام نقابة الصحفيني حامالت‬ ‫الالفتات والشعارات باملطالب املتفق عليها‪ ،‬وتوجهن جميعا إلى‬ ‫ميدان التحرير ليلتحمن مبسيرات أخرى من مناطق مختلفة‪ ،‬وكانت‬ ‫املفاجأة أن هناك املئات من البلطجية وكذلك بعض السلفيني في‬ ‫انتظارهن‪ ،‬أخذوا بالتحرش باملتظاهرات وقاموا بأعمال استفزازية‬ ‫وصلت إلى توجيه الكلمات البذيئة وحتول امليدان إلى بؤرة للصراع‬ ‫واجلدل غير احلضارى‪.‬‬ ‫وميكن القول إن النساء من ضحايا ما يسمى بـ”الثورة املضادة” في‬ ‫مصر اآلن‪ ،‬وهو أمر استدعى تنظيم النساء ألنفسهن ضمن (حتالف‬ ‫املنظمات النسوية املصرية) الذي وجه في مارس املاضي رسالة‬ ‫لرئيس الوزراء اجلديد عصام شرف في مطالبة ألن تضم الوزارة اجلديدة‬ ‫كفاءات نسائية‪ ،‬وأن يتم متثيل النساء فى جميع اللجان مبا ال يقل‬ ‫عن ‪ 30‬في املائة من عضويتها‪ .‬وشددن بشكل خاص على اجلمعية‬ ‫التأسيسية لصياغة الدستور اجلديد ملصر التي سيتم اختيارها من‬ ‫قبل البرملان اجلديد‪ .‬اال أن الوزارة اجلديدة ضمت امرأة واحدة فقط‬ ‫اوكلت لها حقيبة التخطيط‪.‬‬ ‫الناشطة الشابة إسراء عبدالفتاح التي تعمل حاليا َ مديرة مشاريع‬ ‫في املعهد املصري الدميقراطي‪ ،‬تعترف بتجاهل صناع القرار لدور املرأة‬ ‫“وهذا ما يقلقنى على مستقبل املرأة وحقوقها فى مصر”‪ .‬وترى‬ ‫ان قيام الثورة ال يعني بالضرورة االميان بدور املرأة في بناء املرحلة‬ ‫الالحقة‪ .‬وأن تغيير الصورة الذهنية عن املرأة فى اجملتمع املصري أمر‬ ‫غير سهل ويحتاج جملهود وحمالت كثيرة‪ .‬هل هي وزميالتها قلقات‬ ‫على املكاسب التي حققتها املرأة عبر السنوات املاضية‪ ،‬مثل‬ ‫قانون األحوال الشخصية‪ ،‬منصب أول قاضية في مصر‪ ،‬نائبة رئيس‬ ‫محكمة االستئناف‪ ،‬الخ؟ “نعم” تقول اسراء “وهذا مرتبط بحال‪ ‬ان‬ ‫القوى السياسية املدنية لم تتمكن من تنظيم نفسها لتنافس التيار‬ ‫االسالمي بج ّدية”‪.‬‬ ‫حتالف املنظمات النسوية الذي يضم ‪ 15‬منظمة نسوية مصرية‬ ‫يحاول أن يفرض حضورا ً في مواجهة االستخفاف الذي تقابل‬ ‫به املرأة وتنظيماتها‪ ،‬فقد أعلنت املتحدثات باسمه في مؤمتر‬ ‫صحفي عقد في ابريل املاضي عن خططه لدولة مدنية دميقراطية‪.‬‬ ‫الدكتور فؤاد عبد املنعم رياض‪ ،‬العضو باجمللس القومي حلقوق‬ ‫اإلنسان‪ ،‬كرر خالل املؤمتر هذه املسلمة التي بات على النساء‬ ‫معرفتها والتحرك على أساسها‪ ،‬وهي أن قضية النساء مرتبطة‬ ‫بثقافة اجملتمع‪ ،‬وليس بالتغيير الذي طرأ على اجملتمع بعد الثورة‪.‬‬ ‫ترددت أسماء ثالث نساء مصريات في سياق الترشح للرئاسة في‬ ‫اخلريف املقبل‪ .‬اثنتان منهما لم تبادرا الى اعالن رغبتهما ولكن الفكرة‬ ‫اقترحت عليهما من مجموعة من النساء املتحمسات‪ ،‬ومت انشاء‬ ‫صفحة من املؤيدين نساء ورجاال ً على الفيس بوك للمستشارة تهانى‬ ‫اجلبالى نائب رئيس احملكمة الدستورية العليا‪ .‬وكان رد املستشارة‬ ‫رفض الترشح مع تأكيدها على أهلية املرأة املصرية وحقها الدستورى‬ ‫فى تولي الرئاسة‪“ ،‬منصب الرئاسة ليس إمامة أو خالفة‪ ،‬وهو مجرد‬ ‫وظيفة فى إطار الدستور والقانون”‪.‬‬ ‫أما املستشارة نهى الزيني‪ ،‬نائبة رئيس هيئة النيابة اإلدارية في مصر‪،‬‬ ‫قصرّحت لـ”العربية‪.‬نت” إنها تؤيد بشكل قاطع ترشح املرأة لهذا‬ ‫املنصب ألنه يعتبر وظيفة في الدولة وليس والية عامة‪ .‬ولكنها‬ ‫من ناحية أخرى نفت نيتها ترشيح نفسها في االنتخابات القادمة‬ ‫للرئاسة‪ ،‬بسبب الثقافة السائدة في الشارع املصري املضادة للفكرة‪.‬‬ ‫تبقى اإلعالمية “بثينة كامل” هي املرأة الوحيدة التي قررت الترشح‬ ‫عمليا ملنصب رئيس اجلمهورية في مصر‪ .‬وقد صرحت أخيرا بأنها‬ ‫سوف تروّج حلملتها اإلنتخابية في احملافظات املصرية من خالل قناة‬ ‫(ريالتى تي في) ‪ reality tv‬التليفزيونية التي سيتم إطالقها في‬ ‫‪38‬‬

‫القريب من خالل برنامج يحمل اسم “يوميات مرشحة الرئاسة”‪ .‬‬ ‫شراكة في اليمن‬ ‫املتابع للمشهد اليمني يرى اجلموع الغفيرة من الشباب حتديدا‪،‬‬ ‫وبينهم نساء محجبات ومنقبات‪ ،‬يقفون في الساحات في املدن‬ ‫اليمنية األساسية‪ ،‬ويطالبون برحيل الرئيس علي عبداهلل صالح‪.‬‬ ‫بل إن العارفني بظروف اليمن االجتماعية وشدة قبضة التقاليد‬ ‫القبلية فيها‪ ،‬يستطيع ان يحكم على مدى قوة النساء في مواجهة‬ ‫كل تلك الظروف والصمود بني اجلموع‪ ،‬حتت وطأة ردة الفعل احلادة‬ ‫للنظام اليمني‪ ،‬كما في إدانته في احدى خطاباته األخيرة باملشاركة‬ ‫النسائية في التظاهرات‪ ،‬ومهاجمته لالختالط بني الرجال والنساء‪،‬‬ ‫كونه محرما دينياً‪ ،‬مع مالحظة أن النساء اليمنيات خرجن للشارع‪،‬‬ ‫قسم مع التغيير وقسم ضد التغيير‪.‬‬ ‫توكل كرمان االعالمية والناشطة واحدة من أبرز الوجوه في ساحة‬ ‫التغيير في صنعاء العاصمة اليمنية‪ ،‬اختيرت واحدة من سبع نساء‬ ‫أحدثن تغييرا ً في العالم وفق تقرير ملنظمة «مراسلون بال حدود»‬ ‫عام ‪ .2009‬فهذه الشابة حتدت السلطة منذ عام ‪ 2004‬منطلقة‬ ‫أسست (منظمة صحافيات بال حدود) وكانت‬ ‫من‬ ‫الهم املهني عندما ّ‬ ‫ّ‬ ‫أول منظمة مينية تُعنى بحماية حرية التعبير في مختلف الوسائل‬ ‫السمعية والبصرية‪ .‬وقادت العديد من االعتصامات العامني االخيرين‬ ‫للمطالبة بإيقاف احملكمة االستثنائية املتخصصة بالصحافيني‪،‬‬ ‫وبكف السلطة عن سياسة إيقاف الصحف‪ .‬وكان لها مع السلطة‬ ‫مواجهات سابقة أدت بها الى االعتقال أكثر من مرة‪ .‬لكن املرء‬ ‫سيفاجأ من حقيقتني تخصان توكل‪ ،‬أولهما أن هذه الشابة املتمردة‬ ‫التي خلعت النقاب واكتفت باحلجاب‪ ،‬محسوبة على حزب (التجمع‬ ‫اليمني لإلصالح)‪ ،‬احلزب الديني الوحيد في اليمن‪ ،‬بل وتدرجت فيه‬ ‫إلى عضوية مجلس الشورى فيه‪ .‬وهي على ما يبدو تراهن على التيار‬ ‫الشبابي االصالحي في احلزب‪ ،‬وليس على اخلط املتشدد الذي يقوده‬ ‫عبدالكرمي الزنداني رئيس احلزب‪.‬‬ ‫تلخص وداد البدوي الصحفية‪ ‬ورئيسة مركز اإلعالم الثقافي ‪،CMC‬‬ ‫حقيقة احلضور الكبير للنساء في هذا احلراك اليمني بقولها‪“ :‬رمبا‬ ‫أن وضعهن احلالي املتردي هو ما دفع بهن للخروج السريع واملطالبة‬ ‫بدولة مدنية حديثة تكفل لهن العدالة اإلجتماعية”‪ .‬ومن املطالب‬ ‫التي تخص املرأة إلغاء االعتبارات القبلية في الدولة‪ ،‬كون هذه‬ ‫االعتبارات تقصي املرأة من حقوقها لتركز على الرجال‪“ .‬املرأة نفسها‬ ‫في ساحات احلرية والتغيير‪ ‬تريد التخلص من العنف املمارس ضدها‬ ‫بسبب القوانني التمييزية‪ ،‬تقول وداد وتكمل‪“ :‬لدينا أكثر من ‪27‬‬ ‫مادة متييزية‪ ‬نناضل من أجل تغييرها لسنوات‪ ،‬من دون جدوى”‪ .‬وهي‬ ‫ال تعتقد بأن املرأة ‪ ‬ستكون من املنسيني ‪ ‬بعد جناح الثورة‪ ،‬كونها‪ ‬‬ ‫مشاركة في اجملالس التنسيقية للثورة في احملافظات اخملتلفة مثل‬ ‫صنعاء وتعز وعدن وبعضها تترأسها املرأة‪“ .‬ميكنني القول إن املرأة‬ ‫وجدت املساواة احلقيقة وعدم التمييز في الساحة‪ ،‬أكثر‪ ‬مما وجدتها‬ ‫في حياتها العامة”‪.‬‬ ‫األديبة والصحفية والناشطة بشرى املقطري ابنة مدينة تعز‪ ،‬لم‬ ‫تكن اقل جرأة من زميلتها‪ ،‬حتى أن بيتها تعرض الطالق رصاص‬ ‫استدعى اصدار بيانات االدانة من بعض التنظيمات احلزبية واحلقوقية‬ ‫بينها‪ ‬احتاد‪ ‬األدباء‪ ‬والكتاب اليمنيني‪ .‬وتؤكد بشرى ان املرأة دخلت‬ ‫الثورة كشريك حقيقي‪ ،‬هن واعيات ملطالبهن وللتحديات التي‬ ‫حتاصرهن كنساء من القوى التقليدية الكثيرة‪ .‬وتقول في حوار‬ ‫هاتفي سريع بعد ان صعب عليها الدخول الى رسائلها األلكترونية‬ ‫للرد على أسئلة “اجمللة”‪ ،‬بسبب حجب خدمة االنترنت من قبل‬ ‫احلكومة‪“ :‬لدينا مطالب كثيرة وواضحة‪ ،‬وهي مدعومة من قبل قوى‬ ‫الشباب احلية ومن بعض األحزاب”‪ .‬من بني املطالب التي رفعتها هي‬ ‫وزميالتها نظام الكوتا وضرورة متثيل املرأة سياسيا ً واجتماعياً‪ ،‬ومنع‬ ‫زواج القاصرات‪ .‬وترى املقطري أن الصراع ساهم في فرز الصراع بني‬ ‫العقليات القدمية واجلديدة‪ ،‬بني مشروع تقدمي وآخر تقليدي‪ ،‬واملرأة‬ ‫جزء من هذا الصراع‪“ .‬يوم أمس كان داميا ً مت ّ فيه حجز مجموعة‬ ‫من الناشطات والصحفيات في مركز للشرطة مع االعتداء عليهن‬ ‫لفظيا ً بأبشع األلفاظ”‪.‬‬


‫حتقق وسقط النظام ومازالت الثورة متواصلة حتى حتقيق أهدافها”‪.‬‬ ‫غير أنها ال تنفي تنوع الشعارات التي رفعت أثناء االحتجاجات قبل‬ ‫سقوط النظام‪ ،‬ومنها “املرأة للبيت”‪ ،‬مذكرة بالسخط الذي كان‬ ‫سائدا في الشارع التونسي على زوجة الرئيس السابق وارتباط‬ ‫اسمها بالفساد في البالد‪ .‬وهذا الكالم ال يبدو نكوصا الى الوراء‬ ‫وحتسرا على حقبة سابقة‪ ،‬وبحسب تعبير استاذة القانون سلسبيل‬ ‫القليبي في محاضرة بنادي الطاهر احلداد بتونس‪“ :‬نحن اقتلعنا‬ ‫نظاما فاسدا ال قيم اجتماعية له”‪  .‬‬ ‫اال أن السلطات ردت على تخوف النساء وضغوط اجملتمع املدني‬ ‫بقانون يعتبر سابقة فى العالم العربي واالسالمي‪ ،‬املناصفة‪،‬‬ ‫الذي يفرض على جميع األحزاب التي ستقدم مرشحني للمجلس‬ ‫التأسيسي في االنتخابات التى ستجري فى ‪ 24‬يوليو ‪ -‬متوز القادم‬ ‫النتخاب اول جمعية تأسيسية تضع دستورا مناسبا للبالد لفترة‬ ‫ما بعد بن على‪ ،‬أن تكون قائماتها االنتخابية باملناصفة بني الرجال‬ ‫والنساء وبالتناوب في الترتيب داخل القائمة الواحدة‪.‬‬ ‫ثورة مضادة في مصر‬ ‫في مصر وقفت النساء جنبا ً إلى جنب مع الرجال في ساحة التحرير‬ ‫وغيرها من الساحات في املدن املصرية األخرى‪ ،‬بعد ان خرجت‬ ‫الدعوات من اجملموعات الشبابية من خالل املواقع االفتراضية مثل‬ ‫صفحة (كلنا خالد سعيد) و(شباب ‪ 6‬ابريل) داعية الى التجمع يوم‬ ‫‪ 25‬يناير املاضي‪ .‬وطالبت املتظاهرات مع زمالئهن بوضع حد للقمع‬

‫السياسي وبإجراء إصالحات جذرية داخل النظام‪ ،‬قبل أن تتطور‬ ‫املطالبات الى دعوة مبارك الى الرحيل‪ .‬وقدمت النساء خدمات‬ ‫لوجستية مثل التدقيق في هويات القادمني الى الساحة‪ ،‬وجمع‬ ‫النقود ألجل تأمني املستلزمات ملن سيرابط ليال نهارا في ميدان‬ ‫التحرير‪ .‬وتشاركن مع الرجال في عنف رجال األمن والبلطجية الذي‬ ‫أفضى أحيانا ً الى املوت‪.‬‬ ‫برز في تلك الفترة أكثر من فتاة عرفن باسم “فتيات الفيسبوك”‬ ‫ينتمني الى مجموعة الشباب التي قادت التغيير األخير في مصر وأدى‬ ‫الى سقوط النظام في فبراير املاضي‪ .‬فقد كتبت أسماء محفوظ‬ ‫على صفحتها في الفيسبوك‪“ :‬أنا ذاهبة الى ميدان التحرير”‬ ‫واستفزت رجولة الشباب ان يفعلوا مثلها ان امتلكوا اجلرأة على‬ ‫ذلك‪ .‬كذلك برزت إسراء عبد الفتاح‪ ،‬التي كانت عرفت اعالميا ً قبل‬ ‫ثالث سنوات عندما دعت هي وزمالؤها الى إضراب عام يوم ‪ 6‬أبريل‬ ‫عام ‪ 2008‬تضامنا ً مع عمال احمللة ضد الغالء والفساد‪ .‬وبلغ حجم‬ ‫الدخول فترتها الى الصفحة التي حملت الدعوة في الفيسبوك نحو‬ ‫‪ 77000‬مشتركا ً‪ .‬اال أنها لم تكن مبنأى عن األمن املصري الذي قادها‬ ‫الى االعتقال مع ستة آخرين ملدة عشرين يوما‪ ،‬حتى أفرج عنهم‬ ‫بعد تدخل من جهات عدة‪ .‬وتالحظ الدكتورة عزة كامل الناشطة‬ ‫في مجال حقوق املرأة مساهمة النساء في ذلك احلراك السياسي‬ ‫بأنه “ألول مرة منذ عقود طويلة‪ ،‬تعامل النساء على أنهن كامالت‬ ‫األهلية ال فرق بينهن وبني الرجال‪ ،‬ال فرق بني محجبة‪ ،‬ومنتقبة‪ ،‬وغير‬ ‫محجبة‪ ،‬مسلمة‪ ،‬ومسيحية”‪.‬‬

‫توكل كرمان‪ :‬كاتبة صحافية وناشطة ورئيسة منظمة صحفيات‬ ‫بال قيود‪ ،‬وكانت قبل ذلك أديبة وشاعرة ومخرجة سينمائية‪ .‬وهي‬ ‫أحد أبرز املدافعات عن حرية الصحافة وحقوق املرأة وحقوق اإلنسان‬ ‫في اليمن‪ .‬عضو في عدد كبير من املنظمات واالحتادات العربية‬ ‫والدولية املدافعة عن حقوق الصحافيني وحقوق االنسان بصفة‬ ‫عامة‪ .‬قادت العديد من االعتصامات والتظاهرات السلمية والتي‬ ‫تنظمها اسبوعيا ً في ساحة أطلقت عليها مع مجموعة من‬ ‫نشطاء حقوق اإلنسان في اليمن اسم ساحة احلرية وذلك قبل حتى‬ ‫بداية مظاهرات العالم العربي‪ .‬وعلى الرغم من تعرضها للعديد من‬ ‫التهديدات واملضايقات واالعتداءات من أجل إثنائها عن نشاطها‪ ،‬إال‬ ‫أنها واصلت نضالها من أجل تغيير دميقراطي في اليمن وهي تعتبر‬ ‫من أشد املعارضني واملنتقدين لنظام الرئيس علي عبداهلل صالح‪.‬‬ ‫اعتقلت مساء السبت الـ‪ 23‬من يناير ‪ 2011‬من قبل القوات األمنية‪،‬‬ ‫بتهمة إقامة جتمعات ومسيرات غير مرخصة لها قانونا والتحريض‬ ‫على ارتكاب أعمال فوضى وشغب وتقويض السلم االجتماعي‬ ‫العام‪ .‬أفرجت السلطات اليمنية عنها ‪ 24‬من يناير‪ 2011‬بعد أن‬ ‫أثار القبض عليها موجة احتجاجات جديدة في العاصمة صنعاء‪.‬‬ ‫وضمن محاوالت «التخويف»‪ ،‬تلقت توكل أخيرا رسالة إلكترونية‬ ‫عبر البريد وموقع التواصل االجتماعي «فيس بوك» من مجموعة‬ ‫تسمى «كتائب الثأر لليمن وللرئيس علي عبد اهلل صالح» تطالبها‬ ‫باالعتذار للشعب اليمني و»االعتراف بالعمالة للواليات املتحدة‬ ‫األميركية»‪.‬‬ ‫وكشفت إلى تلقيها تهديدات يومية بالتصفية من جهات مجهولة‬ ‫في الفترة األخيرة‪ ،‬اخرها تهديد بقطع رأس أخيها طارق إذا لم تعتذر‬ ‫عن الثورة‪ ،‬وهو ذات اليوم التي مت فيه اقتحام منزلها‪.‬‬ ‫وأوضحت أنه مت تكسير الزجاج والعبث مبحتويات املنزل‪ ،‬كما متت‬ ‫سرقة املكتبة التلفزيونية وأقراص التخزين وأجهزة احلاسوب اآللي‪.‬‬

‫العدد ‪ ،1564‬يونيو ‪2011‬‬

‫‪37‬‬


‫● الوضع البشري‬

‫يصلح هذا املثال دليال على ما آلت اليه أوضاع النساء في تونس‪،‬‬ ‫التي‪ ،‬عندما اندلعت الثورة استخدمت مشاركتهن وقودا ً للدفع‬ ‫حتى إسقاط نظام بن علي‪ ،‬وسرعان ما مت نسيانهن في املرحلة‬ ‫التالية عند تشكيل احلكومتني الالحقتني‪ ،‬لتقتصر مشاركتهن‬ ‫على وزيرة او وزيرتني بينهما وزيرة للمرأة‪.‬‬ ‫هذا القلق ميكن ان يلتقطه املرء بسرعة من املواقع األلكترونية‬ ‫اخلاصة بالصحف او اجلمعيات النسائية التونسية‪ ،‬او صفحات‬ ‫التواصل االجتماعي‪ ،‬او من خالل احلوار املباشر مع النساء او‬ ‫الناشطني‪ .‬هناك حالة من الذعر من عودة أنصار حركة النهضة‬ ‫واالعتراف الرسمي بها كحزب من قبل احلكم اجلديد‪ .‬علينا ونحن‬ ‫نتابع املشهد التونسي اال ننسى انه في العام ‪ 1956‬وفي عهد‬ ‫الرئيس السابق احلبيب بورقيبة‪ ،‬وضع في تونس قانون لالحوال‬ ‫الشخصية متقدم عما سواه من انظمة االحوال الشخصية في‬ ‫الدول العربية‪ ،‬ينطوي على حظر لتعدد الزوجات هو االول من نوعه‬ ‫في العالم االسالمي‪ .‬لكن وفي محاول لطمأنة اجملتمع من عودة‬ ‫حركة النهضة االسالمية‪ ،‬احملظورة سابقا‪ ،‬الى تونس قال ناطق‬ ‫باسمها ان “بعض القيود على املرأة هي من تأثير تقاليد اجتماعية‬ ‫وليس بسبب الدين”‪ ،‬فيما أكد زعيم احلركة راشد الغنوشي متسك‬ ‫حزبه بالنموذج التركي املعتدل‪.‬‬ ‫هل يعكس التخوف من هذا احلزب غياب الثقة الشعبية بالدميقراطية‬ ‫وآلياتها التي يجري تفعليها حاليا ُ من بعد سبات على يد النظام‬ ‫السابق؟ وجهت السؤال للبروفيسور آمال‪ ‬قرامي‪ ‬االستاذة في‬

‫اجلامعة التونسية واخملتصة بدراسات اجلندر والدراسات اإلسالمية‬ ‫التي قالت‪“ :‬ال يتعلق القلق بحزب النهضة فحسب‪ ،‬بل بأحزاب‬ ‫إسالمية أخرى منها من نالت الترخيص ومنها من لم تنله بعد‪،‬‬ ‫كحزب التحرير وتيارات سلفية أخرى‪ .‬ولفتت االنتباه إلى أمرين‪،‬‬ ‫أولهما تناقض تصريحات الزعماء االسالميني بني ما يدلون به إلى‬ ‫الصحافة وما ينطقون به في املساجد أو في اجملالس اخلاصة‪ ،‬وثانيها‪،‬‬ ‫انفصال خطاب القادة عن القاعدة‪ ،‬فالشباب يريد عودة النساء إلى‬ ‫البيت وحتجيب النساء بالقوة ولبس النقاب متأثرا بالفضائيات‬ ‫املتطرفة‪ ،‬وليس متأثرا ً بدرجة كبيرة بزعماء النهضة أو غيرها”‪.‬‬ ‫ولم يتوقّف األمر عند حدود احلكومة‪ ،‬اذ تذكرنا الدكتورة قرامي أن‬ ‫نوابا‬ ‫غالب األحزاب واجلمعيات واالحتاد العا ّم التونسي للشغل ق ّدمت ّ‬ ‫–ذكورا‪ -‬ميثّلونها في الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة واإلصالح‬ ‫السياسي واالنتقال الدميقراطي‪“ ،‬كانت نسبة النساء حوالي ‪20‬‬ ‫في املائة واحلال أن ّها كانت من قبل في البرملان ‪ 27‬في املائة”‪.‬‬ ‫وتتبنى شاذلية وهي سيدة أعمال تونسية هذا التخوف وترى ان‬ ‫“هناك نية مبيتة إلقصاء املرأة ارضا ًء ألطراف معينة”!‪ .‬وتشير الى‬ ‫القلق في صفوف النساء من هيمنة احلركة اإلسالمية على البالد‬ ‫“أصبحنا نرى النقاب على وجوه بعض النساء مع ازدياد نسبة‬ ‫احملجبات قياسا ً مبا قبل الثورة”‪ .‬اال أن الصحافية شيراز الرحالي من‬ ‫صحيفة (املوقف) التونسية املستقلة‪ ،‬تبدو أكثر تفاؤال‪“ :‬ال ميكن‬ ‫احلديث اليوم عن أن املرأة لم جتن ثمار الثورة‪ ،‬الن املطلب األساسي قد‬

‫من ن�ساء الثورة‬ ‫جميلة إسماعيل‪ :‬إعالمية وسياسية مصرية ومقدمة برامج‬ ‫تليفزيونية مصرية‪ ،‬قادت حملة شرسة في داخل وخارج‬ ‫مصر من أجل اإلفراج عن زوجها السابق مؤسس حزب الغد‬ ‫املصري أمين نور‪ ،‬والتقت بالرئيس األميركي السابق جورج‬ ‫دبليو بوش كما ألقت خطاب أمام البرملان األوربي للتعريف‬ ‫بقضية زوجها وفضح النظام املصري السابق‪.‬‬ ‫رشح امين نور نفسه في االنتخابات الرئاسية السابقة‬ ‫ضد الرئيس محمد حسني مبارك وخسر‪ .‬انتقام النظام‬ ‫جاء سريعا فتم جتريد نور من حصانته البرملانية وايداعه‬ ‫السجن‪ .‬كما جمد النظام حسابات الزوجني املصرفية‪،‬‬

‫‪36‬‬

‫وطردت جميلة من وظيفتها وتعرضت لسنوات من‬ ‫املالحقة لكن كل املضايقات لم تثنها عن محاولتها‬ ‫اقناع السلطات باطالق سراحه‪ .‬كانت من بني أعلى‬ ‫األصوات املنادية باسقاط النظام وشاركت في احتجاجات‬ ‫واعتصامات ميدان التحرير وقادت العديد من املظاهرات‬ ‫املطالبة بتنحي مبارك‪ .‬قارنت الثورة املصرية بسقوط‬ ‫جدار برلني‪ .‬تقول بفخر‪« :‬صنعنا الثورة بانفسنا‪ ،‬ولسنا‬ ‫مدينني الحد‪ .‬وللمرة االولى هذه بلدنا وليست بلدهم‬ ‫(في اشارة الى مبارك وحاشيته)»‪ .‬وقد قررت جميلة‬ ‫ترشيح نفسها في االنتخابات النيابية املقرر اجراؤها في‬ ‫وقت الحق من العام اجلاري‪.‬‬


‫شهد العام ‪ 2011‬قبل أن ينتصف‪ ،‬أكبر حجم حضور نسائي عربي مشهود من قبل العالم‬ ‫ووسائل االعالم‪ ،‬من خالل مشاركة النساء في احلراك السياسي واالجتماعي الذي تعيشه‬ ‫املنطقة‪ ،‬حيث تصدرن صفحات الصحف والفيسبوك ونشرات االخبار‪ ،‬وكن مرئيات ومسموعات‬ ‫في الوقت نفسه‪ ،‬يدلني بأرائهن وتصدح حناجرهن بالهتافات واملطالبات التي ال تنفصل عن‬ ‫مطالب زمالئهن الرجال بإسقاط نظام وإحالل نظام جديد بدال عنه يحقق لهن طموحاتهن في‬ ‫مجتمع عصري يقوم على احلريات العامة‪.‬‬ ‫غالية قباني‬

‫االنتفاضات العربية‪ ..‬تزرع املرأة فيحصد الرجل‬

‫قوامة التغيير‬

‫اثنان من اجملتمعات التي طالبت بالتغيير وأسقطت نظامني انتهى‬ ‫عمرهما االفتراضي‪ ،‬أي تونس ومصر‪ ،‬منشغلتان اآلن باملرحلة‬ ‫اجلديدة‪ ،‬تنظفان مخلفات املرحلة السابقة وتستعدان النتخابات‬ ‫عامة ودستور يناسب الزمن اجلديد‪ .‬أما اليمن كنموذج جملتمع ال‬ ‫يزال يطالب بالتغيير ولم يتحقق له ذلك بعد‪ ،‬فال تزال جموع ساحة‬ ‫التغيير وغيرها من الساحات التي يتجمع فيها املتظاهرون‪ ،‬مصرّة‬ ‫على مطالبة الرئيس علي عبداهلل صالح بالرحيل هو ونظامه بعد‬ ‫حكم جتاوز العقود الثالثة‪ .‬ويبقى السؤال الذي يخطر ببال املتابع‬ ‫لهذا احلراك الفائر‪ ،‬أنه‪ ،‬وبعد أن يهدأ غبار املعركة من محاربة الفساد‬ ‫ومحاكمة املتنفذين‪ ،‬وبعد أن يبدأ االعداد للمرحلة اجلديدة سياسيا ً‬ ‫واقتصادياً‪ ،‬هل ستتذكر تلك اجملتمعات املرأة ضمن من يستحقون‬ ‫املكافأة‪ ،‬كونها واحدة من املؤثرات في التغيير اجلديد وما كان ميكن‬ ‫للثورات ان تنجح من دونها كما يشير كثير من املعلقني؟‪ .‬أم أنها‪،‬‬ ‫وكما في شواهد تاريخية عديدة‪ ،‬ستكون أول من يضحى بها بعد‬ ‫انتهاء املعارك وأول من سيعود الى الصفوف اخللفية؟‬ ‫مناصفة في تونس‬ ‫في نهاية ابريل املاضي‪ ،‬عقدت في العاصمة التونسية (الندوة‬ ‫الوطنية حول املرأة التونسية وإعالم ما بعد الثورة بني احلضور‬ ‫والغياب)‪ ،‬التي شارك فيها أكادمييون واعالميون ناقشوا احلضور‬ ‫الباهت للمرأة في التلفزيون واالذاعة وعلو الصوت الذكوري‬ ‫الذي يحاول ان يخطف جناح الثورة لصاحله‪ ،‬فهيمن على البرامج‬ ‫التلفزيونية احلوارية احلضور الرجالي الذي يدلي بشؤون وهموم‬ ‫الوطن‪ ،‬في مقابل خفوت الصوت النسائي إال باستثناءات‪ .‬وكانت‬ ‫من بني األوراق تلك املقدمة من الباحثة فتحية السعيدي عن‬ ‫(حضور املرأة في شبكة الفيس بوك) من خالل بحث شمل عينة‬ ‫من ‪ 550‬إمرأة عبر هذا الفضاء االفتراضي‪ .‬وبينت الدراسة انشغال‬ ‫النساء قبل الثورة وأثناءها باالنتهاكات األمنية وكشفهن عن وجه‬ ‫ثوري غير معتاد وتعاطفهن مع عائالت الشهداء‪ .‬أما بعد الثورة‪ ،‬فبرز‬ ‫تعبيرهن عن اخلوف من الفتنة في تونس واستثناء النساء وإقصائهن‬ ‫عن املشاركة في احلياة العامة والعودة إلى الوراء‪ .‬والحظت الباحثة‬ ‫أن هناك مجموعة صغيرة من النساء صرّحن بأفكارهن التحررية‪،‬‬ ‫لكنهن تعرضن لهجمات من قوى رجعية كما تعرضن لعنف لفظي‬ ‫وبينت أنه كلما تعلق األمر برأيهن في‬ ‫وعنف جنسي افتراضي‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫الدين وبإبراز موقف يختلف مع (حركة النهضة) االسالمية‪ ،‬جوبهن‬ ‫بالتصدي ألفكارهن‪.‬‬

‫العدد ‪ ،1564‬يونيو ‪2011‬‬

‫‪35‬‬


‫● الوضع البشري‬

‫‪34‬‬


‫وكان نصير بورتر هو سيف اإلسالم القذافي‪ ،‬ابن الزعيم الليبي‬ ‫واحلاصل على تعليمه في كلية لندن لالقتصاد والذي كان ينظر إليه‬ ‫كخليفته‪ .‬وقد كون سيف عالقة مع كبار األساتذة بهارفارد وعمل‬ ‫مع هيئة استشارية في كامبريدج يطلق عليها «مونيتور غروب» وقد‬ ‫التقى ابنه اآلخر املعتصم بهيالري كلينتون في واشنطن في ‪2009‬‬ ‫بعد أشهر عدة من لقاء أبيه باجليل الثاني من صناع السياسة في‬ ‫جامعة «جورج تاون» من خالل اتصال عبر األقمار االصطناعية‪ .‬فقد‬ ‫كتب املدير السابق لكلية لندن لالقتصاد أنتوني غيدنز في صحيفة‬ ‫«الغارديان» بعد رحلة لليبيا‪« :‬إذا كان القذافي جادا بشأن اإلصالح‬ ‫كما أعتقد فيمكن أن تصبح ليبيا نرويج شمال أفريقيا»‪.‬‬ ‫ولكن بعض أفراد النخبة الليبية كانوا ينظرون بتشكك لإلصالحات‬ ‫بل وللزعيم نفسه الذي كان يقال إنه عرقل العديد من املبادرات وأنه‬ ‫كان يحبط املدافعني عن الليبرالية ويدفعهم للتخلي عن مساعيهم‪.‬‬ ‫«إن الهدف األميركي ليس آيديولوجيا دينية وليس حركة طالبان أو‬ ‫تنظيم القاعدة فاألمر يتعلق أساسا بتغيير ثقافة احلضارات األخرى»‪،‬‬ ‫ذلك ما قاله خليفة مهداوي رئيس القبيلة التي شاركت في احلفاظ‬ ‫على التراث الصحراوي لليبيا‪ ،‬والذي تبنى وجهة نظر متشائمة بشأن‬ ‫جهود حتويل ليبيا إلى دولة مرحبة باالستثمارات وموالية للغرب‪ ،‬وقد‬ ‫ظل مهداوي وفيا للقذافي خالل األزمة احلالية‪« .‬لقد جنحوا في آسيا‬ ‫مع الصني واليابان‪ ،‬اللتني حولوهما إلى نظامهم االقتصادي ولكن ذلك‬ ‫النظام ينهار إذا ما أصبح في اتصال مباشر مع الناس البسطاء في‬ ‫أفغانستان وليبيا الذين يعيشون وفقا ملبادئ تنتمي لقرون مضت»‪.‬‬

‫لقد أصبحت مهمة التحديث الغربية تاريخا اآلن بعدما مزقت‬ ‫الثورة والقمع البالد‪ ،‬واستخدام األسلحة التي وفرها الغرب لقمع‬ ‫االنتفاضة‪ .‬كما أخفقت مقاطع الفيديو الساخنة على «يوتيوب»‬ ‫والتعليقات اخلالية من السياق التي تأتي من شبكات األخبار الدولية‬ ‫في حتقيق العدالة للبلد الذي عرفها‪ .‬وبعد ذلك بعامني‪ ،‬كانت كلمات‬ ‫أحد العمال ما زالت تتردد في ذهني‪« :‬ليست احلضارة أبنية معدنية‬ ‫وسيارات حديثة الطراز‪ ،‬فتلك مجرد حداثة»‪ ،‬ذلك ما قاله عندما كنا‬ ‫منر أمام ملصق ثوري باهت مكتوب عليه‪« :‬الدميقراطية ليست هي‬ ‫حرية التعبير ولكنها حكم الشعب للشعب»‪« .‬فاحلضارة هي ما‬ ‫لديك في عقلك»‪.‬‬

‫إياسون أثاناسياديس ‪ -‬صحافي يعيش في اسطنبول ويغطي الشؤون‬ ‫التركية والشرق األوسط ووسط آسيا‪ .‬ومنذ ‪ 1999‬كان يعيش في‬ ‫القاهرة‪ ،‬ودمشق‪ ،‬والدوحة‪ ،‬وصنعاء‪ ،‬وطهران‪.‬‬

‫وبرر مهداوي ذلك بقوله إنه إذا ما كانت السياسات كافة تعتمد‬ ‫على الثقافة في األساس فإن الوسيلة الوحيدة للحد من‬ ‫الغزوات الغربية يكون عبر تأييد ثقافة ليبيا الوطنية‬ ‫واالحتفاء بها‪ .‬كما كان ينظر بقلق للدول اخلليجية‬ ‫والتي يرى أنها فقدت التواصل مع جذورها‬ ‫البدوية في طريقها للتنمية وكان يخشى أن‬ ‫تلقى ليبيا املصير ذاته‪.‬‬ ‫وقد ظهر الرفض الشعبي لالنفتاح‬ ‫الثقافي نحو الغرب في رد الفعل‬ ‫العنيف للجماهير في بنغازي جتاه‬ ‫ما عرف بـ«أول حفل روك» الذي‬ ‫كان يؤديه املغني البريطاني‬ ‫بوب غيلدوف‪ .‬وكان الهدف‬ ‫من احلفل الذي نظمه سيف‬ ‫اإلسالم اإلصالحي هو تعريف‬ ‫الليبيني باالنفتاح الثقافي‪.‬‬ ‫ولكن في الوقت الذي انشغل‬ ‫فيه املسؤولون عن احلفل‬ ‫بإلقاء اخلطب‪ ،‬هاجت اجلماهير‬ ‫وطاردت سيف وغيلدوف‬ ‫وقذفوهما باحلجارة‪.‬‬ ‫«لقد كانت جتربة اجتماعية‬ ‫جللب الثقافة الغربية لليبيا»‬ ‫ذلك ما أخبرني به رجل األعمال‬ ‫ابن النخبة الليبية في طرابلس‪.‬‬ ‫«وقد أخفقت التجربة على نحو‬ ‫مذهل»‪.‬‬ ‫في ‪ ،2007‬تكرر الغضب من الغرب مرة‬ ‫أخرى عندما هاجت اجلماهير الغاضبة داخل‬ ‫بنغازي خالل ذروة اجلدل حول الرسوم الدمناركية‬ ‫وأحرقوا القنصلية اإليطالية‪ .‬وحتى بعد التأييد‬ ‫الغربي الواضح لقيادة املعارضة‪ ،‬سرعان ما انقلب‬ ‫السكان احملليون على الصحافيني األجانب‪.‬‬ ‫العدد ‪ ،1564‬يونيو ‪2011‬‬

‫‪33‬‬


‫● ثروة األمم‬

‫داخل جماهيرية العقيد‪ ..‬الزمن الليبي يسير ببطء‬

‫ما قبل احلداثة‬

‫رمبا تكون الثورة في ليبيا هي القصة التي تتصدر األخبار العاملية اليوم‪ ،‬ولكن ال يوجد كثير من املعلومات حول تلك «اجلماهيرية‬ ‫«الصحراوية احلصينة التي تقع على عتبة االحتاد األوروبي‪ .‬إياسون أثاناسياديس زار «مملكة القذافي» في ‪ 2009‬واكتشف‬ ‫أن مهمة التحديث ونشر «احلضارة املفترضة» قد سارت على نحو سيئ للغاية‪.‬‬ ‫إياسون أثاناسياديس‬ ‫لم يكن الذهاب إلى ليبيا سهال أبدا حتى قبل أن تنتشر أغلفة املزروعة ملقاومة التصحر والتي خلفها اإليطاليون املستعمرون‪.‬‬ ‫الرصاصات الفارغة واجلثث في شوارع مدنها‪ ،‬وميتلئ هواؤها بالثورة‪.‬‬ ‫ولكن قبل أشهر عدة فقط‪ ،‬كانت ليبيا تعد منوذجا لتجربة إعادة وبعدما عقد الزعيم الليبي معمر القذافي سالما مع الغرب‪ ،‬قام ابنه‬ ‫وعقله اإلصالحي‪ ،‬سيف اإلسالم‪ ،‬باستدعاء عدد من الليبيني املهاجرين‬ ‫تشكيل اجملتمعات العربية‪ ،‬قبل أن تصبح صومال شمال أفريقيا‪.‬‬ ‫فرمبا يكون الغرب قد أعاد تقييم ليبيا جزئيا بعد إعالنها تخليها إلى طرابلس على أمل أن يساهموا في إصالح ليبيا‪ .‬وكان أحدهم هو‬ ‫عن برنامجها النووي في ‪ ،2003‬ولكن حارسات قائد الثورة واخليمة محمود جبريل ‪ -‬الذي حصل على درجة الدكتوراه من جامعة بتسبرغ‬ ‫املضادة للرصاص التي تبدو مقارنة بصالونات الدبلوماسية األوروبية ‪ -‬الذي تفاقمت درجة إحباطه من عملية إصالح النظام بتعيينه رئيسا‬ ‫واألميركية أمرا غريبا‪ ،‬كان ذلك‪ ،‬وأكثر‪  ،‬يحرج شركاءه‪ .‬إال أن القذافي للمجلس التنفيذي في اجمللس االنتقالي الليبي املعارض في مارس‬ ‫الذي كان يشتهر مبناهضته للغرب رفض أن يفهم اإلشارة‪ .‬فكان يقدم (آذار)‪ .‬وأخيرا في فبراير (شباط) ‪ ،2010‬قاد «اجمللس الوطني للتنمية‬ ‫عرضا غريبا كلما استطاع ذلك‪ ،‬ومن أبرز تلك املواقف كان ظهوره في االقتصادية»‪ ،‬وهو مركز أبحاث تابع لـ«مونيتور غروب» االستشارية‬ ‫اجلمعية العامة لألمم املتحدة الذي ألقى خالله بخطاب مطول استحوذ التي يقع مقرها في كامبريدج والتي أسسها سيف اإلسالم‪.‬‬ ‫من خالله على االنتباه على نحو فاق محمود أحمدي جناد وباراك أوباما‪.‬‬ ‫يقول ماندوليوس كنكيس املهاجر اليوناني الذي يعيش في مدينة‬ ‫ويذكر أن مترجم األمم املتحدة سقط منهارا من اإلرهاق‪.‬‬ ‫بنغازي‪« :‬يعمل املستشارون األميركيون والبريطانيون لكي يجعلوا‬ ‫وفي بداية ذلك العام‪ ،‬زرت بلد القذافي‪ .‬وكان والداي – األكادمييان ‪ -‬قد من ذلك البلد منوذجا للمنطقة»‪« ،‬ففي الوقت الذي أصبحت فيه‬ ‫زاراها في الثمانينيات وعادا بقصص حول دولة قبلية حصينة تعاني مناهضة أميركا ظاهرة في العالم العربي‪ ،‬ينظرون إليها كبلد ميكن‬ ‫من العقوبات تطل فيها مدن بدائية على مياه بحر متوسط زرقاء أن يهيمن عليها الغرب سياسيا مقابل بعض املكافآت البسيطة مثل‬ ‫متأللئة تخرج من الصحراء‪ .‬وحتى في ذلك الوقت كان الصحافيون البنية التحتية»‪.‬‬ ‫غير مرحب بهم إال إذا كانوا من املدافعني عن اإلصالح‪ .‬ولكن بوابات‬ ‫تلك اجلمهورية الشعبية كانت مفتوحة أمام جيش من املستشارين وكانت واحدة من املستشارين األميركيني الذين التقيت بهم في‬ ‫الذين يطبقون املعرفة الغربية في ثامن دولة على مستوى العالم من طرابلس في ‪ 2009‬تعمل مع وزارة اإلسكان على مشروع تكلفته‬ ‫مليارات عدة من الدوالرات ميثل املرحلة املقبلة في حتول ليبيا من دولة‬ ‫حيث احتياطي البترول‪.‬‬ ‫شبه بدوية إلى مجتمع متحضر‪ .‬وكان والدها دبلوماسي أميركي نافذ‬ ‫ومن خالل دعوة وجهها إلي صديق دبلوماسي‪ ،‬سافرت إلى مطار ولكنها لم ترغب في اإلفصاح عن اسمها‪ .‬وعندما كانت في ليبيا‬ ‫طرابلس الدولي املزدحم‪ .‬وكان املطار الضيق لدولة من العالم الثالث كانت تعيش في مجمع سكني فاخر خارج طرابلس وكانت تتحرك مع‬ ‫بدأت بالكاد التعافي من سنوات احلظر التجاري ال يستطيع احتواء النخبة احلكومية‪.‬‬ ‫طوابير العمال القادمني من جنوب شرقي آسيا الذين يتزاحمون خلتم‬ ‫كانت رؤية جبريل تعتمد على تبني النموذج الغربي بالكامل في ما‬ ‫جوازات السفر‪.‬‬ ‫يتعلق باحلقوق املدنية‪« ،‬النموذج الذي أراه هو جنوب أفريقيا» ذلك ما‬ ‫كانت تلك هي العالمة األولى على صحوة ليبيا القوية‪ ،‬ولكن بدال من قاله في حوار مبجلة «التامي» في ‪ 2009‬في إشارة إلى دستور ما بعد‬ ‫القصة املباشرة حول التنمية االقتصادية‪ ،‬كانت هناك أدلة جديدة التمييز العنصري والذي تضمن حرية التعبير وحرية امللكية اخلاصة‬ ‫تثبت أن البناء النشط كان مجرد جزء من مشروع أكبر تديره النخبة واملساواة بني اجلنسني‪« .‬يجب أن يكون هناك إطار قانوني لتوزيع‬ ‫الليبية من التكنوقراط ومن يدعمها في الغرب والتي تستهدف إعادة السلطات واحلق في حرية التعبير»‪.‬‬ ‫حتويل ليبيا إلى دولة إسالمية منوذجية‪ .‬وفي ظل عدد السكان الذي‬ ‫يصل إلى ‪ 6‬ماليني نسمة‪ ،‬كان هناك اعتقاد بأن ليبيا يجب أن تتطور وكانت مهمة التحضر على الطراز الغربي جلية في ‪ .2009‬فقد‬ ‫كانت االستخبارات األميركية تعمل مع رئيس االستخبارات الليبية‬ ‫على نحو أسهل من جارتها (مصر) ذات الـ‪ 85‬مليون نسمة‪.‬‬ ‫موسى كوسا لتطبيع العالقات بني الدولتني وهو ما كان ميثل بداية‬ ‫وقد بدت طرابلس ‪ - 2009‬مركز الديناميكية األفريقية التي متتلك موجة من التبادل االقتصادي والدبلوماسي والثقافي‪.‬‬ ‫أكبر احتياطي للبترول في أفريقيا ‪ -‬مثل شبه اجلزيرة العربية في وقد كلفت احلكومة الليبية مستشار ريغان السابق ومدرس اإلدارة‬ ‫السبعينيات‪ .‬في دولة محا قائدها املناهض لالستعمار الترجمات بهارفارد ميشال بورتر بوضع دليل للتنمية‪ .‬وقد أصدر «ليبيا في فجر‬ ‫الالتينية من إشارات الطرق ومحا اللغات الغربية من املناهج عصر جديد»‪ ،‬وهو تقرير صدر عام ‪ 2006‬ويوصي بالسماح للقطاع‬ ‫التعليمية‪ ،‬كان األثر الوحيد للغرب ما زال هو املعمار الزخم الذي اخلاص باحلصول على قدر أكبر من احلصة التي تسيطر عليها‬ ‫يعود إلى عهد الفاشية وماكينات الكابوتشينو العتيقة واألشجار احلكومة‪.‬‬ ‫‪32‬‬


‫تقض مضجع‬ ‫بتسوية قضيه سجن بوسليم‪ ،‬وغيرها من القضايا التي كانت‬ ‫ّ‬ ‫الدولة”‪.‬‬ ‫وتضيف الرسالة‪“ :‬لقد جنح سيف االسالم في العثور على شخص مثل‬ ‫مصطفى عبداجلليل ليحركه مثل “البالي ستيشن” مستغال خبرته في‬ ‫التمويه و التضليل لتغطية جرائم والده حتت راية املصاحلة الوطنية فكان يزور‬ ‫عائالت ضحايا مجزرة بوسليم ويبعث لهم برقيات الكذب والتضليل متظاهرا‬ ‫انه يتضامن معهم وانه ضد املتسببني في اجملزرة ‪ ..‬يفاوضهم في قبول تعويض‬ ‫تافه قدره وهو مبلغ ‪ 120‬ألف‪...‬كان يشترط ان اليطالب أحد منهم باي اجراء‬ ‫اخر مثل الكشف على اجلناة اوتسليم اجلثامني وعندما جادله البعض بأنه ملاذا‬ ‫اليكون التعويض مثل تعويضات ضحايا االيدز او ركاب لوكربي لوى أنفه وقال‬ ‫اللي عاجبه باهي واللي موش عاجبة يشرب من البحر”‪.‬‬ ‫وفي فبراير ‪ 2010‬وفي مقال بعنوان “حتية للمستشار مصطفى عبد اجلليل‪...‬‬ ‫ولكن!” نشر على املوقع الرسمي للجبهة الوطنية إلنقاذ ليبيا الذي تأسس في‬ ‫العام ‪ 1981‬ويعتبر أقدم وأعرق تنظيم معارض حلكم العقيد معمر القذافي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫العشة‪“ :‬هل يستطيع شخص نزيه أن يُحافظ‬ ‫تساءل املعارض الليبي فرج بو‬ ‫على نزاهته في حكومة يُحرّكها القذافي كأنه يُحرّك خيوط مسرح عرائس‪.‬‬ ‫وهل مت اختياره بناء على سمعته القضائية الشريفة فقط؟! ولكن هل يستقيم‬ ‫عمل الشريف حتت سلطة طاغية‪ ،‬يبغض أشد البغض قيم الشرف واالستقامة‬ ‫واألمانة والعدل‪..‬؟!‬ ‫ويضيف‪“ :‬والشاهد أن “أمانة العدل” ليست سوى منشفة بيد القذافي ملسح‬ ‫آثار جرائمه‪ .‬وقد أوتي بالسيد مصطفى عبد اجلليل للتغطية على تلك اجلرائم‪،‬‬ ‫خصوصا مذبحة “بوسليم”‪ ،‬ومتييع مطلب احلقيقة والعدالة الذي يرفعه أهالي‬ ‫الضحايا ومنظمات حقوقية خارجية‪ .‬وبالتالي ال يستقيم له أن يكون أمينا ً نزيها ً‬ ‫للعدل‪ ،‬بينما شرفاء ليبيا يُهلكون في سجون القذافي”‪.‬‬ ‫هذه االنتقادات التي وجهت له في الداخل واخلارج‪ ،‬وتأكده‪ ،‬بعد زوال السحر‪ ،‬أنه‬ ‫كان مجرد وسيلة للنظام لتلميع صورته وبخاصة شعوره أنه مازال على رغم كل‬

‫شيء يحظى بتقدير عدد كبير من الليبيني‪ ،‬دفعه أخيرا الى اعالء صوته فانتقد‬ ‫و”تغول” جهاز أمنه الداخلي‪ ،‬احتجاجا على عدم‬ ‫في ‪  ،2009‬عالنية‪ ،‬القذافي‬ ‫ّ‬ ‫تنفيذ أحكام القضاء واستمرار األجهزة األمنية في اعتقال أكثر من ‪ 300‬سجني‬ ‫سياسي يقبعون في املعتقالت على رغم أن محاكم ليبية قضت ببراءتهم‪ ،‬وهو‬ ‫لتحمل القادم من املسؤوليات اجلسام‪.‬‬ ‫وأهله‬ ‫ما يحسب له وأعاد ثقة الليبيني فيه ّ‬ ‫ّ‬ ‫سنتان حاول فيهما عبد اجلليل ترميم ما ته ّدم واستطاع احيانا أن يعيد بعض‬ ‫احلقوق ألصحابها‪ ،‬وإن يرى محللون أن كل ما حتقق كان مجرد لعبة سياسية‬ ‫لتلميع صورة سيف االسالم القذافي ونظام يريد العودة إلى الساحة الدولية‬ ‫بعد سنوات من احلصار والعزلة‪ .‬وجاءت ثورة ‪ 17‬فبراير عام ‪ 2011‬ضد العقيد‬ ‫معمر القذافي لينجو املستشار عبد اجلليل بنفسه من تبعية لنظام استغل‪،‬‬ ‫كما يقول مالحظون‪ ،‬قلة خبرته السياسية لتوريطه في “لعبة عالقات عامة”‬ ‫الشعب الليبي كان اخلاسر األكبر فيها‪.‬‬ ‫على الرغم من األخطاء‪ ،‬يبقى القاضي مصطفى عبد اجلليل‪ ،‬كما يقول بعض‬ ‫العارفني به‪ ،‬ذا تاريخ مشرف في محاربة الفساد ومالحقة املسؤولني عنه‪ ،‬ممن كان‬ ‫باالمكان محاسبتهم‪ ،‬أولئك الذين ال “ظهر لهم” او أولئك الذين غضب عليهم‬ ‫النظام او أراد التخلص منهم‪.‬‬ ‫مع أول رصاصة أطلقت في بنغازي‪ ،‬هرع ابن الشرق الليبي لنصرة أهله وانضم‬ ‫للمعارضة التي سرعان ما تسلحت بعصبية القبيلة وصواريخ حلف شمال‬ ‫األطلسي لتبدأ حرب بني أبناء البلد الواحد أتت على األخضر واليابس‪ .‬بعد أقل من‬ ‫شهر على اشتعال الثورة ومع اتساع رقعة االحتجاجات املناوئة للقذافي وارتفاع‬ ‫عدد املسؤولني الذين انشقوا عن النظام تأسس في ‪ 27‬فبراير ‪ 2011‬اجمللس‬ ‫الوطني االنتقالي ليكون صوت الثورة وقاطرتها واختير في اخلامس من مارس‪ /‬آذار‬ ‫مصطفى عبد اجلليل رئيسا له‪.‬‬ ‫منذ ذلك التاريخ‪ ،‬مات كثيرون وتشرد كثيرون‪ .‬سمعنا عن كتائب القذافي وعن‬ ‫مرتزقة أجانب وشاهدنا طائرات تقصف وجثثا تتناثر وتعرفنا على معمر قذافي‬ ‫جديد‪ ،‬مضطرب تائه ال يجد الكلمات‪ .‬رأينا علم ليبيا امللكية يرفرف في الشرق‬ ‫والعلم األخضر ينازع املوت في الغرب‪ .‬كان ال بد للثوار أن يتحدوا خلف رجل‬ ‫يحترمه اجلميع‪ ،‬أو على األقل الغالبية فكان املستشار عبداجلليل هو ذلك الرجل‪.‬‬ ‫يقول متابعون للشأن الليبي إن عبد اجلليل قد يكون فعال رجل املرحلة حيث‬ ‫يلقى احتراما في الداخل واخلارج‪ ،‬لكن اخلوف أن القضية جتاوزت شخص معمر‬ ‫القذافي وأن يتحول االقتتال في ليبيا الى حرب بني “شراقة” و “غرابة”‪ .‬فالغرب‬ ‫الليبي الذي استأثرت قبائله بالثروة‪ ،‬وقرّبها القذافي ودعمها‪ ،‬مرتاب في نيات‬ ‫“الثوار” ويخاف أن يفقد سطوته وحظوته وهو الذي تسكنه أكبر القبائل‬ ‫وأكثرها عددا‪ .‬أما الشرق الليبي‪ ،‬الذي يسعى الى استرداد البعض من خيراته‬ ‫املنهوبة وانهاء أكثر من أربعني عاما من التهميش واالهمال‪ ،‬فيصر ّ على اقتسام‬ ‫الثروة والسلطة وأن تكون له كلمة في حاضر ومستقبل ليبيا‪.‬‬ ‫كانت ليبيا‪ ،‬التي نتابع ما يجري فيها اآلن بكثير من األلم‪ ،‬وقبل توحيدها في كيان‬ ‫واحد في عهد امللك ادريس تتكون من ثالثة أقاليم‪ ،‬شبه مستقلة‪ ،‬هي برقة في‬ ‫الشرق وطرابلس في الغرب وفزان في اجلنوب‪ .‬التاريخ يحفظ اخلطاب الشهير‬ ‫الذي ألقاه ذات ‪ 16‬ديسمبر ‪ ،1972‬الرئيس التونسي الراحل احلبيب بورقيبة‬ ‫بتونس العاصمة في حضور معمر القذافي الذي “لم يفهم شيئا” كعادته‪.‬‬ ‫قال بورقيبة حينها‪“ :‬تنقص القذافي التجارب واملعلومات كما ينقصه تكوين‬ ‫وطن‪ ..‬ليبيا محتاجة الى توحيد صفوف رجالها‪ ..‬الى تكوين رابطة قوية بني‬ ‫طرابلس التي تفصلها صحراء عن برقة وصحراء عن فزان‪ ..‬صحارى شاسعة‬ ‫يعيش فيها الليبيون ليس في القرون الوسطى بل في عهد سيدنا آدم”‪.‬‬ ‫أما مدينة البيضاء التي يتحدر منها املستشار عبد اجلليل‪ ،‬فقصتها مع طرابلس‬ ‫أكبر من ينساها أبناء اجلبل األخضر‪ .‬البيضاء كانت ذات يوم‪ ،‬وقبل انقالب القذافي‬ ‫العاصمة املوعودة لليبيا امللكية تضم املباني احلكومية واإلدارية مثل مجلس‬ ‫الوزراء ووزارة العدل‪ ،‬وكانت تتهيأ إلعالنها عاصمة رسمية مبقتضي الدستور‬ ‫ففقدت كل شيء ذات األول من سبتمبر العام ‪.1969‬‬ ‫والسؤال‪ ..‬هل يكون القاضي مصطفى عبد اجلليل “رجل الشرق” أم‪“  ‬رجل‬ ‫ليبيا” ما بعد معمر القذافي‪.‬‬

‫العدد ‪ ،1564‬يونيو ‪2011‬‬

‫‪31‬‬


‫بروفايل‬ ‫بروفايل‬ ‫● ●‬

‫مصطفى عبداجلليل‪ ..‬من أمانة العدل إلى أمانة الثورة‬

‫رجل الشرق‬

‫دم‪“ .‬من أنتم”‪ ..‬سأل األخ العقيد غير مصدق ملا يحدث له‪،‬‬ ‫“من أنتم”‪ ..‬عبارة انطلقت من الشعور رجل‪ ،‬ذات ليلة من أمام بيت مه ّ‬ ‫ومن حوله‪ ،‬وهو الذي ألكثر من أربعني عاما يأمر فيطاع‪ ،‬فتذل أعناق وتقطع رقاب‪“ .‬من أنتم”‪ ..‬سؤال استنكاري من قائد الثورة وهو‬ ‫لتوه‪ ،‬على ميينه وشماله‪ ،‬رجلني آخرين سأال نفس السؤال‪ ،‬فلم ينتظرا طويال ليأتي الرد مدويا وحاسما‪.‬‬ ‫يعرف متاما من هم وقد شهد ّ‬ ‫هم شعب سئم النظريات العقيمة وحكم األب واألبناء والزوجة والقبيلة وقرر أن تكون للجماهير الكلمة الفصل في جماهيرية معمر‬ ‫القذافي‪.‬‬

‫مبنطق التاريخ‪ ،‬كان ال بد ان ميتد “تسونامي” التغيير غير عابئ بحدود او بوابات‪.‬‬ ‫ليبيا كانت تنتظر االشارة وقد جاءت شرقا وغربا وكان لزاما ان يكون الفصل‬ ‫األخير لها وبها‪ ،‬وقد كان‪ .‬بني من خرج على الصف‪ ،‬رجل كان قبل اسابيع قليلة‬ ‫احد أعمدة نظام‪ ،‬مات من مات وهرم من هرم‪ ،‬وهو يسرق االبتسامة ويع ّد‬ ‫ويتصيد األمل‪.‬‬ ‫األنفاس ويحكم بالشبهة‬ ‫ّ‬ ‫معمر الى‬ ‫مصطفى عبد اجلليل‪ ،‬كان أول الكبار الذين خرجوا من جماهيرية‬ ‫ّ‬ ‫جماهيرية الشعب‪ .‬في ‪ 17‬فبراير ‪ 2011‬اندلعت الشرارة وما كان لها ان‬ ‫تشتعل‪ ،‬نارا ودمارا‪ ،‬في بنغازي شرقا اال مبدد يأتي غربا من طرابلس حيث هيمنة‬ ‫األب واألبناء والرفقاء‪ ،‬القذافي وبنيه وصحبه‪.‬‬ ‫لم متر اال ثالثة أيام على أول احتجاجات تشهدها عاصمة الشرق الليبي بنغازي‬ ‫حتى قدم مصطفى عبداجلليل استقالته من منصبه كوزير للعدل احتجاجا ً‬ ‫على األوضاع الدامية واستعمال العنف املفرط ضد املتظاهرين‪ ،‬بحسب ما‬ ‫نقلت عنه صحيفة “قورينا” الليبية‪ .‬كانت االستقالة‪ ،‬ومن بعدها االنشقاق‬ ‫عن النظام واالنضمام الى صفوف املعارضة أول ضربة قوية لقذافي “من أنتم”‬ ‫الذي اختار املواجهة‪ ،‬زنقة زنقة حتى آخر ليبي‪.‬‬ ‫املستشار مصطفى محمد عبد اجلليل من مواليد العام ‪ 1952‬في مدينة‬ ‫البيضاء باجلبل األخضر التي تعتبر ثاني كبرى مدن الشرق الليبي بعد بنغازي‪.‬‬ ‫عمل مساعدا ألمني النيابة العامة في مدينته العام ‪ ،1975‬ثالثة أشهر فقط‬ ‫بعد امتام دراسته اجلامعية في الشريعة والقانون‪ ،‬ثم قاضيا في العام ‪،1978‬‬ ‫ثم مستشارا في العام ‪ .1996‬وفي العام ‪ 2002‬عني رئيسا حملكمة استئناف‬ ‫ثم رئيسا حملكمة البيضاء في العام ‪ 2006‬قبل أن يدخل للعمل السياسي من‬ ‫بابه الواسع باختياره أمينا عاما اللجنة الشعبية العامة للعدل (وزيرا للعدل)‬ ‫في العام ‪.2007‬‬ ‫بعض الذين عرفوا القاضي عبد اجلليل عن قرب أو سمعوا عنه استغربوا في‬ ‫حينه قبوله مبنصب في حجم وزارة العدل في بلد أكثر ما يفتقده هو العدل‪،‬‬ ‫حوله القذافي الى معتقل كبير‪ ،‬هو فيه اخلصم واحلكم والقاضي واجلالد‪.‬‬ ‫بلد ّ‬ ‫موقعه على رأس أمانة العدل كان سيضطره ال محالة الى االصطدام مبلف ما‬ ‫أصبح يعرف مبجزرة سجن “بوسليم” التي تعتبر إحدى أكبر اجملازر اجلماعية‬ ‫التي ارتكبها نظام العقيد القذافي وراح ضحيتها أكثر من ألف معتقل من‬ ‫ليبيني وعرب معظمهم من سجناء الرأي املنتمني إلى جماعات إسالمية‪.‬‬ ‫وقعت اجملزرة عندما داهمت قوات خاصة يوم ‪ 29‬يونيو‪ /‬حزيران ‪  1996‬سجن‬ ‫أبو سليم الواقع في ضواحي العاصمة طرابلس‪ ،‬وأطلقت النار على السجناء‬ ‫بدعوى متردهم داخل السجن ثم قامت السلطات بدفن اجلثث في باحة السجن‬ ‫وفي مقابر جماعية متفرقة في ضواحي طرابلس‪.‬‬ ‫في نوفمبر ‪ 2009‬نشر موقع املؤمتر الوطني للمعارضة الليبية رسالة حتت‬ ‫عنوان “اتق اهلل في دماء ابنائنا يا سيادة الوزير” من فتحي عبداحلميد‪ ،‬وهو أحد‬ ‫الذين فقدوا أبناءهم في أبو سليم‪ ،‬اتهم فيها املستشار مصطفى عبد اجلليل‬ ‫‪30‬‬

‫بأنه ما جاء الى منصبه اال بتعليمات من سيف االسالم القذافي الذي يسعى‬ ‫الى اعطاء صورة وهمية بأن ليبيا تقوم باصالحات وبينها معاجلة القضايا‬ ‫احلساسة التي أساءت الى النظام في الداخل واخلارج‪.‬‬ ‫وتقول الرسالة إنه “بعد تدويل قضية البلغاريات وقصتهن املعروفة (املتهمات‬ ‫بحقن أطفال ليبيني بفيروس االيدز) اقتضت الضرورة أن يستلم وزارة العدل‬ ‫شخص من شرق ليبيا الن أساس القضية حصلت ببنغازي شرق ليبيا وذلك‬ ‫لتدارك األمر وحله دون أن يثار في ذلك نقمة الشعب في الشرق‪ ...‬وجرت األمور‬ ‫كما تشتهي السفن وقام األخ مصطفى عبد اجلليل بغسل القضية وذلك‬ ‫باإلفراج عن البلغاريات مقابل حصول املتضررون على تعويضات‪ ،‬انه حقا االبن‬ ‫البار للثورة‪ ،‬فقد جنبها ويالت تداعي هذه القضية داخليا وخارجيا‪ ،‬تكفل أيضا‬


‫بعد استقالة محمد الغنوشي من رئاسة أول حكومة تونسية‬ ‫مؤقتة بعد فرار الرئيس بن علي‪ ،‬كانت تونس في حاجة الى‬ ‫رجل دولة‪ ،‬خبر السياسة وخبرته‪ ،‬وليس فقط الى وزير أول‬ ‫تكنوقراطي لتسيير شؤون البالد في أخطر وأدق مرحلة‬ ‫تعرفها تونس منذ استقاللها في العام ‪ .1956‬فؤاد املبزّع‬ ‫رئيس اجلمهورية‪ ،‬املؤقت أيضا‪ ،‬فاجأ اجلميع في ‪ 27‬فبراير‬ ‫‪ 2011‬بتعيني ابن الـ‪ 84‬عاما والوزير السابق في عهد احلبيب‬ ‫بورقيبة‪ ،‬الباجي قائد السبسي‪.‬‬ ‫كل من عاصر عهد بورقيبة كان يعرف من هو “سي الباجي”‬ ‫لكن “جيل بن علي” واألجيال األصغر سنا‪ ،‬فوجئت بتعيني رجل‬ ‫جتاوز الثمانني لقيادة حكومة “ثورة الشباب”‪ .‬وسرعان ما عرف‬ ‫الصغير قبل الكبير من هو قائد السبسي‪ ،‬الرجل املتحدث الذي ال‬ ‫يخشى كاميرات التلفزيون وال أسئلة الصحافة‪ ،‬وقبل كل شيء‪،‬‬ ‫خبرة أكثر من نصف قرن في خدمة تونس في مواقع مختلفة‬ ‫ومهمات حساسة في الدولة أهلته ليكون “الرجل املناسب في‬ ‫زمن الثورة” على الرغم من رفض البعض ألسلوبه في ادارة شؤون‬ ‫تونس اجلديدة مبفاهيم وأساليب قدمية‪.‬‬ ‫وهو يعترف أن املهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة ويرى أن‬ ‫“االنتقادات طبيعية وتصب في صالح الدميقراطية في تونس فال‬ ‫يوجد شخص يحظى بإجماع لدى سائر األطراف”‪.‬‬ ‫الباجي قائد السبسي‪ ،‬املولود في العام ‪ 1926‬بقرية سيدي‬ ‫بوسعيد في الضواحي الشمالية لتونس العاصمة‪ ،‬من عائلة‬ ‫كانت قريبة ومقرّبة من “بايات تونس” وهم األسرة امللكية‬ ‫احلاكمة ذات األصول التركية‪ .‬درس في كلية احلقوق في باريس‬ ‫ليتخرج منها عام ‪ 1950‬قبل العمل في احملاماة ابتداء من ‪.1952‬‬ ‫اهتمامه بالسياسة بدأ منذ شبابه قبل استقالل تونس حيث‬ ‫انضم الى احلزب احلر الدستوري وبعد االستقالل عمل مستشارا‬ ‫للرئيس احلبيب بورقيبة الذي توطدت عالقته به وعمل معه‬ ‫حتى انقالب بن علي في السابع من نوفمبر ‪ .1987‬قبل أسابيع‬ ‫قليلة صدرت لقائد السبسي الترجمة العربية لكتابه “احلبيب‬ ‫بورقيبة‪ ..‬املهم واألهم” التي يروي فيها هذا السياسي اخملضرم‬ ‫شهادته على مراحل مهمة من تاريخ تونس احلديث الذي ال ميكن‬ ‫التطرق اليه اال باحلديث عن أول رئيس لتونس اجلمهورية‪  ‬أو‬ ‫“اجملاهد األكبر” كما كان يعرف احلبيب بورقيبة‪.‬‬ ‫قائد السبسي الذي ورث “كاريزما” رئيسه الراحل أكد في كتابه‬ ‫“أن األجيال القادمة سوف تعترف مبناقبه (احلبيب بورقيبة)‬ ‫بشكل أفضل من أبناء جيله أو اجليل الذي عايش شيخوخته‬ ‫املتأخرة ونهايته‪ ،‬أما األمة فإنها ستضعه حتما في املكانة التي‬ ‫هو بها جدير في التاريخ‪ ،‬وذلك ألن دوره لم يتوقف عند املساهمة‬ ‫في بناء الدولة احلديثة فقط‪ ،‬بل جتاوزه إلى رفع مكانة تونس إلى‬ ‫مصاف الدول التي حتظى باالحترام وتتمتع باملصداقية”‪.‬‬ ‫ويضيف في حديثه عن بورقيبة‪“ :‬إن بورقيبة لم يكن سوى‬ ‫إنسان‪ ،‬لقد كانت له أهواؤه وقد عانى املتاعب وحمل أوزار السنني‪،‬‬ ‫وهو يبقى مع ذلك مثاال ً رائعا ً لرجل السياسة‪ ،‬ألنه لم يتردد أبداً‪،‬‬ ‫خالل النضال‪ ،‬في التضحية بحريته‪ ،‬كما انه لم يسع قط‪ ،‬خالل‬

‫العدد ‪ ،1564‬يونيو ‪2011‬‬

‫ممارسة السلطة لكسب ثروة شخصية‪ ،‬ولم يتوقف طوال حياته‬ ‫عن النضال من أجل الكرامة”‪.‬‬ ‫عمل “سي الباجي” مديرا جهويا في وزارة الداخلية التونسية‬ ‫قبل تعيينه في ‪ 1963‬مديرا لألمن الوطني وفي ‪ 1965‬وزيرا‬ ‫للداخلية‪،‬ثم أشرف على وزارة الدفاع من نوفمبر ‪ 1969‬حتى‬ ‫يونيو‪ 1970  ‬ليعني سفيرا لتونس في فرنسا‪.‬‬ ‫توجهاته الليبرالية ساهمت في نشوب خالف مع بورقيبة حيث‬ ‫مت جتميد نشاطه في احلزب االشتراكي الدستوري (احلر ّ الدستوري‬ ‫سابقا والتجمع الدستوري الدميقراطي الحقا) عام ‪ 1971‬على‬ ‫خلفية تأييده إصالح النظام السياسي ليقع طرده من احلزب‬ ‫في‪  ‬عام ‪ 1974‬لينضم الحقا للمجموعة التي ستشكل عام‬ ‫‪ 1978‬حركة الدميقراطيني االشتراكيني بزعامة أحمد املستيري‪،‬‬ ‫وقد تولى في تلك الفترة إدارة مجلة دميقراطية “دميكراسي”‬ ‫املعارضة‪ .‬بعد سنتني من قطيعة مع بورقيبة عاد إلى الوزارة‬ ‫في ديسمبر ‪ 1980‬وزيرا معتمدا لدى الوزير األول الراحل محمد‬ ‫مزالي الذي سعى بدوره إلى انفتاح سياسي في تونس‪ ،‬وفي‬ ‫أبريل ‪ 1981‬عني وزيرا للخارجية وقد لعب دورا مهما أثناء توليه‬ ‫منصبه في قرار إدانة مجلس األمن للغارة اجلوية اإلسرائيلية على‬ ‫مقر منظمة التحرير الفلسطينية في حمام الشط بالضواحي‬ ‫اجلنوبية للعاصمة تونس‪ .‬وفي سبتمبر ‪ 1986‬غادر الوزارة ليعني‬ ‫بعدها سفيرا لدى أملانيا الغربية‪.‬‬ ‫بعد انقالب ‪ 7‬نوفمبر ‪ ،1987‬انتخب في مجلس النواب عام‬ ‫‪ 1989‬وتولى رئاسة اجمللس بني ‪ 1990‬و ‪ 1991‬قبل أن يبتعد عن‬ ‫األضواء ويتقاعد عن العمل السياسي العام‪.‬‬ ‫اعترف الباجي قائد السبسي مباشرة بعد قبوله رئاسة احلكومة‬ ‫املوقتة انه وحده الواجب نحو الوطن دفعه لقبول التحدي وهو‬ ‫في هذه السن املتقدمة من العمر لكنه حذ ّر في نفس الوقت‬ ‫أنه بتاريخه الطويل في خدمة الدولة لن يسمح بانهيارها وهو‬ ‫على رأسها‪.‬‬ ‫وفي أول خطاب وجهه للشعب التونسي بعد توليه مهماته‬ ‫اجلديدة شدد على أن مهمته األولى هي اعادة احالل االمن إلنعاش‬ ‫االقتصاد الذي اصبح على “شفير هاوية” زيادة على إعادة فرض‬ ‫سلطة الدولة التي تراجعت الى مستوى غير مقبول‪.‬‬ ‫في مارس املاضي وفي مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية قال‬ ‫إنه ال يشعر انه بعيد عن الشباب الذين ساهموا في الشارع‬ ‫وعلى االنترنت في انهاء حكم بن علي ونظامه بعد ‪ 23‬عاما‪،‬‬ ‫مؤكدا انه حتت رقابة دائمة من الشباب “حراس” الثورة ومعتبرا‬ ‫ان “جيل االنترنت هو جيل احفادي لكن الشباب هو شباب‬ ‫الروح”‪.‬‬ ‫لكن قائد السبسي الذي عاهد نفسه وتعهد أمام شعبه مبغادرة‬ ‫منصبه الذي “فرضته عليه الثورة” والعودة الى “دور الزوج‬ ‫د” يرى ان تونس اجلديدة ليست اال في بداية الطريق ذلك‬ ‫واجل ّ‬ ‫ان “الثورة ليست هي الدميقراطية‪ ،‬انها بوابتها االولى ونحتاج‬ ‫الى بذل جهد للوصول الى الدميقراطية‪ ...‬هناك بالتاكيد مخاطر‬ ‫انزالق وعلى من يتولى املسؤولية ان يكون يقظا‪ ،‬ونحن يقظون”‪.‬‬

‫‪29‬‬


‫● بروفايل‬

‫الباجي قائد السبسي‪..‬‬ ‫رجل تونس في زمن الثورة‬

‫شباب الروح‬

‫منذ انقالبه في ‪ 1987‬وحتى فراره في ‪ ،2011‬حاول الرئيس زين العابدين بن علي‬ ‫محو اسم سلفه احلبيب بورقيبة من ذاكرة التونسيني‪ ،‬لكن منذ ‪ 14‬يناير املاضي‪،‬‬ ‫وبقوة‪ ،‬بعد وفاته بـ‪ 11‬سنة‪ .‬اجلميع في تونس‬ ‫عاد اسم بورقيبة يتردد في تونس‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫استشعر عودة “البورقيبية” في شخص الباجي قائد السبسي رئيس احلكومة‬ ‫املؤقتة الذي عاد الى األضواء بعد تقاعد سياسي دام أكثر من عشرين عاما‪.‬‬

‫‪28‬‬


‫النمو االقتصادي في مصر عام ‪ 2011‬إلى ‪ 2‬في املائة‪ ،‬أي نحو‬ ‫نصف املعدل املتوقع قبل قيام الثورة‪.‬‬ ‫إنها نهاية مفاجئة حلملة إصالح طموحة جعلت مصر‪ ،‬على‬ ‫أية حال‪ ،‬منوذجا لليبرالية اجلديدة في صندوق النقد الدولي‪.‬‬ ‫قبل عام ‪ ،2004‬أحاط الرئيس مبارك ذاته بأنصار شديدي احلذر‬ ‫يبغضون االستمرار في إصالحات متواضعة أدخلها الرئيس‬ ‫الراحل أنور السادات بعد جيل من املركزية االقتصادية في عهد‬ ‫عبد الناصر‪ .‬كانت البنوك املصرية ملك احلكومة وحتت إدارتها‪،‬‬ ‫وكان تدفق العمالت خاضعا لتنظيم صارم‪ ،‬وكانت التجارة‬ ‫تعاني من فرض ضرائب باهظة‪ .‬وظلت معدالت النمو موحدة‬ ‫حتى مع الزيادة السكانية الهائلة‪ ،‬مما أسفر عن عجز مخيف‬ ‫بني أعداد الشباب املنضمني إلى القوى العاملة وقدرة االقتصاد‬ ‫على استيعابهم‪.‬‬ ‫تغير كل ذلك منذ سبعة أعوام بعد تعيني أحمد نظيف رئيسا‬ ‫للوزراء ومستشاريه االقتصاديني ذوي الشهادات املعتمدة‪،‬‬ ‫والذين كان معظمهم مقربني من جمال مبارك ابن الرئيس‬ ‫والوريث السابق على ما يبدو‪ .‬باإلضافة إلى محيي الدين‪،‬‬ ‫كان هناك وزير التجارة رشيد محمد رشيد‪ ،‬الذي رفع رسوم‬ ‫االستيراد وعقد صفقات جتارية تاريخية مع دول اجلوار‪ ،‬ووزير‬ ‫املالية يوسف بطرس غالي الذي حرر اجلنيه املصري وسمح‬ ‫لألجانب بشراء أسهم غالبة في البنوك الوطنية وسمح أيضا‬ ‫للمقرضني املصريني بتقدمي قروض طويلة األجل‪ ،‬مما سمح‬ ‫بالرفع املالي لالقتصاد الذي لم يكن يعرف في السابق سوى‬ ‫عدم سيولة مزمن‪.‬‬

‫أيضا كانت نتيجة جتربة االشتراكية العربية التي سبقته‪ .‬ولم‬ ‫يظهر حتى اآلن خيار ثالث‪ ،‬لعله يكون مزيجا من االثنني‪.‬‬ ‫«األوضاع سيئة‪« ،‬هذا ما قاله أحد قادة حركة شبابية ساهمت‬ ‫كثيرا في اإلطاحة مببارك لترى بعد ذلك اجليش يحكم قبضته‬ ‫على املعارضة‪ ،‬على الرغم من تشكيل مجلس انتقالي بعد‬ ‫سقوط النظام‪ .‬وأضاف‪« :‬ال يعرف أحد متى جترى االنتخابات‬ ‫أو ما إذا كانت ستجرى من األصل‪ .‬لقد تدهورت عالقاتنا مع‬ ‫اجليش وليس من املؤكد ما هو االجتاه الذي سيتخذونه‪ ،‬سواء‬ ‫نحو الليبرالية احلقيقية أم صورة أخرى من السيطرة»‪.‬‬ ‫منذ عام ‪ ،1952‬عندما استحوذ البكباشي جمال عبد الناصر‬ ‫والضباط األحرار على السلطة في انقالب غير دموي‪ ،‬لم يكن‬ ‫مستقبل مصر االقتصادي واالجتماعي أكثر إبهاما مما هو عليه‬ ‫اآلن‪ .‬ستساهم تعهدات اجملتمع الدولي بتقدمي ضمانات قروض‬ ‫وتخفيف ديون تقدر بعدة مليارات من الدوالرات بقدر ضئيل‬ ‫في إعادة بناء االقتصاد طاملا استمر الغموض السياسي في‬ ‫إبعاد للمستثمرين‪ .‬كما تعرضت صناعة السياحة في البالد‬ ‫لضربة قوية‪ ،‬وتوقفت االستثمارات‪ ،‬األجنبية واحمللية‪ .‬وعصف‬ ‫هروب رؤوس األموال بسوق األوراق املالية وارتفعت معدالت‬ ‫الفائدة بالتوازي مع ارتفاع أسعار الغذاء والوقود العاملية‪ .‬وبعد‬ ‫أن كانت في املاضي ذات فائض‪ ،‬أعلنت احلكومة عن عجز في‬ ‫ميزان املدفوعات بلغ ‪ 3‬مليارات دوالر في األشهر الثالثة األولى‬ ‫من العام‪ .‬وأنفقت ما يقدر بـ‪ 6‬مليارات دوالر من ‪ 36‬مليار دوالر‬ ‫من احتياطي النقد األجنبي لدعم اجلنيه املصري احملاصر‪ ،‬وبددت‬ ‫مليارات أخرى في محاولة فاشلة لتهدئة معارضيها بزيادة‬ ‫دعم الغذاء ورواتب العاملني في الدولة‪ .‬وفقا ملعهد بيترسون‬ ‫لالقتصاد الدولي‪ ،‬وهو مركز بحثي مقره في واشنطن‪ ،‬انخفض‬ ‫العدد ‪ ،1564‬يونيو ‪2011‬‬

‫على الورق على األقل‪ ،‬كانت النتائج مدهشة‪ .‬ما بني عامي‬ ‫‪ 2004‬و‪ ،2008‬حقق االقتصاد املصري منوا من ‪ 4.5‬في املائة‬ ‫إلى ‪ 7.2‬في املائة قبل أن ينخفض إلى معدل متوسط عند ‪5.2‬‬ ‫في املائة في عام ‪ .2010‬وفي العام املاضي‪ ،‬وضع البنك الدولي‬ ‫مصر على قمة التصنيف في تقرير ممارسة أنشطة األعمال‪.‬‬ ‫ولكن لم يؤثر هذا على املصريني العاديني‪ .‬في النهاية‪ ،‬كان‬ ‫ما يهمهم هو معدل البطالة الذي وصل إلى ‪ 12‬في املائة‬ ‫واالرتياب الشديد في أن ثمار اإلصالح تعرضت للنهب على يد‬ ‫أعوان النظام والشركات األجنبية‪ .‬بعد سقوط النظام مباشرة‪،‬‬ ‫اعتقل نظيف وجمال مبارك وشقيقه على خلفية اتهامات‬ ‫بالفساد‪ .‬وهرب بطرس غالي وكذلك رشيد وأسرته‪ ،‬مع ما تردد‬ ‫عن تهريبهم ما استطاعوا من ممتلكاتهم‪ .‬ووجد محيي الدين‪،‬‬ ‫أوثقهم ارتباطا ببرنامج تصفية األصول العامة املرفوض‪ ،‬نوعا‬ ‫آخر من املنفى أكثر راحة؛ ففي خريف العام املاضي‪ ،‬غادر محيي‬ ‫الدين القاهرة إلى واشنطن العاصمة‪ ،‬حيث بدأ مهام عمله‬ ‫اجلديد كمدير إداري في مجموعة البنك الدولي‪.‬‬ ‫يستدعي فشل كل من الليبرالية املصرية اجلديدة ونقيضتها‬ ‫الناصرية تساؤال حول ما هو املطلوب لتوفير فرص عمل جيدة‬ ‫كافية تتناسب مع أعداد الشباب الهائلة‪ ،‬ليس فقط في مصر‬ ‫بل في العالم العربي‪ ،‬حيث التركيبات السكانية املشابهة‪.‬‬ ‫هل تعيد أول حكومة جمهورية منتخبة بحرية في مصر‬ ‫تأميم البنوك وفرض رقابة على العمالت؟ هل ستسحب من‬ ‫احتياطي العملة األجنبية الصعبة من أجل زيادة الدعم‬ ‫ورفع الرواتب احلكومية؟ سيكون ذلك حال تكتيكيا قصير‬ ‫املدى ملشكلة ال ميكن عالجها إال بواسطة خطة استراتيجية‬ ‫واضحة‪ .‬رمبا تكمن اإلجابة في طريق وسط بني رؤية عبد الناصر‬ ‫في اليسار وتوجه محيي الدين في اليمني‪ .‬أيا كانت الطريقة‪،‬‬ ‫ينبغي على جيل جديد من اخملططني االقتصاديني العثور على‬ ‫طريق سريع قبل أن ينتهي الربيع العربي إلى صيف طويل حار‪.‬‬

‫*ستيفن غلني‬ ‫‪27‬‬


‫● قصة الغالف‬

‫الطاقة‪ ،‬فمن املمكن أن يصبح املزيد من االضطراب في املنطقة‬ ‫املنتجة للنفط حتديدا مصدرا للخطورة‪.‬‬

‫قبل أن ينتهي الربيع‬ ‫العربي إلى صيف طويل حار‬

‫وإدراكا منها لألسباب االقتصادية لالضطراب‪ ،‬تلتزم احلكومات‬ ‫املؤقتة بتوفير فرص العمل وحل مشكلة التفاوت‪ .‬ولكن كما ذكر‬ ‫مسعود أحمد في مقال له حتت عنوان «الشرق األوسط وشمال‬ ‫أفريقيا‪ :‬حماية التماسك االجتماعي واالستقرار االقتصادي»‪،‬‬ ‫يتمثل التحدي املباشر للدول التي متر مبرحلة انتقالية في‬ ‫«احلفاظ على التماسك االجتماعي واستقرار االقتصاد الكلي»‪.‬‬ ‫ومن أجل حتقيق ذلك‪ ،‬رفعت الدول نسبة اإلنفاق مما يسمح‬ ‫لها بتوفير شبكة أمان اجتماعي‪ .‬لقد توسعت احلكومات في‬ ‫دعم الغذاء والوقود‪ ،‬ورفعت الرواتب واملعاشات احلكومية‪ ،‬وأقرت‬ ‫تخفيضات ضريبية لتخفيف االحتياجات االقتصادية للقطاعات‬ ‫األكثر فقرا‪ .‬ولكن ال تعد زيادة اإلنفاق حال طويل األمد‪ .‬على‬ ‫الرغم من اختالف احلزمات املالية بصورة كبيرة وميلها ألن تكون‬ ‫أكبر في الدول املصدرة للنفط‪ ،‬فإن هذه السياسة قد جتهد املال‬ ‫العام وتنتج عنها مستويات مرتفعة من الديون‪ ،‬وهذا يضر‬ ‫باستقرار االقتصاد الكلي‪.‬‬

‫في حوار أجري معه في نوفمبر (تشرين الثاني) عام ‪،2008‬‬ ‫كان محمود محيي الدين‪ ،‬أحد كبار املستشارين االقتصاديني‬ ‫للرئيس املصري حسني مبارك‪ ،‬قلقا ولكنه متفائل بشأن‬ ‫مستقبل بالده‪ .‬كان قد انتهى لتوه من اجتماع أطلع فيه‬ ‫قادة اليسار السياسي على خطته مبنح املواطنني أسهما‬ ‫في شركات القطاع العام وكان األمر صعب اإلقناع‪ .‬لم تكن‬ ‫اخلصخصة ذات شعبية لدى معظم املصريني وتعرضت‬ ‫خطته للهجوم على أنها وسيلة لبيع أصول الدولة إلى رجال‬ ‫األعمال األثرياء عن طريق استغالل أموال الشعب‪.‬‬

‫يقدم مؤشر الفالفل الذي تنشره «اجمللة» صورة الختالفات القوة‬ ‫الشرائية في املنطقة‪ .‬وفي مفارقة‪ ،‬يوضح املؤشر أن بعضا‬ ‫من أغنى الدول العربية‪ ،‬وحتديدا تلك التي يحقق سكانها في‬ ‫املتوسط أعلى دخل يومي‪ ،‬لديها أسعار غذاء‪ ،‬الفالفل في هذه‬ ‫احلالة‪ ،‬أقل نسبيا‪ .‬ومن املؤكد أنه جتب معاجلة هذا التفاوت‬ ‫ليس فقط على املستوى الوطني بل على املستوى اإلقليمي‬ ‫من أجل احلفاظ على االستقرار السياسي واالقتصادي‪.‬‬

‫باإلضافة إلى ذلك‪ ،‬وكما أشار كل من ميشال دوني وجيفري‬ ‫فيدمان في موضوعهما عن مصر الذي حمل عنوان «أكبر من‬ ‫الفشل»‪« :‬إذا استطاعت مصر جتاوز األشهر االثني عشر املقبلة‬ ‫من دون أزمة حادة‪ ،‬سيظل هناك الكثير من التساؤالت حول‬ ‫ما إذا كانت متلك اإلرادة السياسية لتبني السياسات املطلوبة‬ ‫جلذب االستثمارات األجنبية املباشرة الضرورية لتوفير ‪700000‬‬ ‫فرصة عمل في العام من أجل القوى العاملة املتنامية فيها»‪.‬‬ ‫مبعنى أنه سيكون على احلكومات املنتخبة حديثا اتخاذ قرارات‬ ‫مهمة تتعلق بنوعية السياسات االقتصادية التي ستنتهجها‬ ‫وأهدافها في تنفيذ سياسات عادلة اجتماعيا‪ .‬على الرغم من‬ ‫أنه غير مؤكد ما إذا كانت احلكومات املنتخبة حديثا ستعالج‬ ‫تفاوت األجور بزيادة اإلنفاق احلكومي بأسلوب مسؤول ماليا‪ ،‬إال‬ ‫أنه من الواضح أن األنظمة التي تعاني من تغيير مستمر يجب‬ ‫أن تفعل ما في وسعها ملنع هروب رؤوس األموال»‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من الترحيب بثورتي مصر وتونس ألجل الفرص‬ ‫السياسية التي تقدمانها‪ ،‬فإنه من املؤكد أنهما متران بتحديات‬ ‫وانتكاسات‪ ،‬ال سيما في مجال االقتصاد‪ .‬سيحتاج قادة مصر‬ ‫وتونس اجلدد أن يحققوا توقعات ناخبيهم‪ .‬اإلصالح السياسي‬ ‫ليس عالجا ميكنه مداواة املظالم االقتصادية الكامنة التي‬ ‫فجرت الثورة بني عشية وضحاها‪ .‬ولكن االضطراب السياسي‬ ‫وضع اقتصادات شمال أفريقيا في حالة غير مستقرة‪،‬‬ ‫ستعتمد نتيجتها على احلفاظ على معدالت النمو وضمان‬ ‫شموله للجميع‪ .‬القول بإمكانية توفير آالف فرص العمل دون‬ ‫الضغط على ميزانية احلكومة أسهل كثيرا من الفعل‪ ،‬ولكن‬ ‫في النهاية‪ ،‬هذا هو مطلب الثوار‪.‬‬

‫*بوال ميجيا‪ :‬تساهم مبقاالت في «اجمللة» وتقيم في تونس‪.‬‬ ‫تعمل صحافية حرة ومستشارة في بنك التنمية األفريقي‪،‬‬ ‫حيث يركز عملها على التحديات االقتصادية واالجتماعية في‬ ‫أفريقيا مع تركيز خاص على مصر وتونس وليبيا‪ .‬تخرجت في‬ ‫كلية االقتصاد بجامعة لندن ومعهد العلوم السياسية في‬ ‫باريس وجامعة شيكاغو‪.‬‬ ‫‪26‬‬

‫اقتصاد و كباب‬

‫ستيفن غلني‬ ‫ولكن كان اإلعالن عن خطة االستثمار في حد ذاته مقياسا‬ ‫للمدى الذي وصل إليه االقتصاد املصري في فترة قصيرة‬ ‫للغاية‪ .‬بعد أن أوشكت احلكومة على اإلفالس تقريبا في عام‬ ‫‪ ،2004‬تخلت عن أجيال من مركزية الدولة وتبنت خطة إصالح‬ ‫من صندوق النقد الدولي‪ .‬ومنذ ذلك احلني‪ ،‬ارتفع معدل منو‬ ‫االقتصاد إلى نسبة سنوية بلغت ‪ 6.5‬في املائة‪ .‬وارتفع حجم‬ ‫االستثمارات األجنبية املباشرة والصادرات بنسبة ‪ 30‬في املائة‬ ‫في العام‪ ،‬بينما منا القطاع اخلاص بنسبة ‪ 35‬في املائة‪ .‬وأثنى‬ ‫صندوق النقد على حترير العملة املصرية واإلصالح املصرفي‬ ‫بصفته منوذجا للعالم النامي‪ ،‬وكذلك أيضا مع حتويل ملكية‬ ‫أصول الدولة من القطاع العام إلى اخلاص‪.‬‬ ‫ولكن كانت هناك بعض الغيوم في األفق‪ ،‬وفقا ملا قاله محيي‬ ‫الدين ألحد املراسلني أثناء عشاء تناول فيه الكباب في فندق‬ ‫هيلتون النيل‪ .‬طاملا استمرت الدولة تعاني من نسبة بطالة‬ ‫مكونة من رقمني ومعدل زيادة سكانية تصل إلى ‪ 2‬في املائة‬ ‫سنويا‪ ،‬سيكون مقيدا في دفعه للدورة التالية من اإلصالح‪.‬‬ ‫وصرح قائال‪« :‬لقد حققت العملية الكثير‪ .‬ولكن كيف‬ ‫تصقلها دون أن تثير رد فعل عكسيا؟»‪.‬‬ ‫بعد مرور ‪ 24‬شهرا‪ ،‬في فبراير (شباط) ‪ ،2011‬تبلورت تلك‬ ‫اخملاوف حتديدا في حلظة تصف ما يطلق عليه الربيع العربي‪.‬‬ ‫أشعل الغضب الشعبي من مزاعم الفساد واالرتفاع املزمن في‬ ‫معدالت البطالة – تلك التي لم يستطع محيي الدين وزمالؤه‬ ‫حلها – ثورة سلمية أنهت نظام مبارك ونظرة محيي الدين‬ ‫الليبرالية اجلديدة ملصر‪.‬‬ ‫من املرجح أن الطبقات السياسية اجلديدة في مصر‪ ،‬احلديثة في‬ ‫النظام الدميقراطي‪ ،‬ستسرف في املعارضة الشعوبية لإلصالح‬ ‫الذي مت على مدار نصف الع��د املاضي‪ .‬إذا قررت احلكومة‬ ‫اجلديدة‪ ،‬املقرر أن تتكون بعد االنتخابات املقرر إجراؤها في شهر‬ ‫سبتمبر (أيلول) املقبل‪ ،‬التخلي عن عملية التحرر االقتصادي‬ ‫أو الرجوع فيها‪ ،‬ستكون تلك حلظة كارثية ملصر «احلرة»‪ .‬رمبا‬ ‫يكون اقتصاد السوق قد أخفق في حتقيق الرخاء‪ ،‬ولكن هكذا‬


‫مؤشر الفالفل‬ ‫يستعير مؤشر الفالفل‪ ،‬القائم على نظرية سعر الصرف‪،‬‬ ‫أداة عملية طورتها في البداية مجلة «اإليكونومست»‪.‬‬ ‫يقدم املؤشر نظرة مهمة على قيمة عملة محددة من‬ ‫حيث قدرة الوحدة الواحدة منها على شراء الكمية ذاتها‬ ‫في جميع أنحاء العالم‪ .‬مبعنى أن العمالت يجب أن تتجه‬ ‫نحو سعر صرف يساوي سعر سلة متماثلة من السلع‬ ‫في أكثر من دولة‪.‬‬

‫ماذا يعني ذلك بالنسبة ملؤشر الفالفل؟ سعر الصرف‬ ‫للفالفل هو سعر الصرف املطلوب لكي يكون سعر‬ ‫الفالفل في لبنان مثله في األردن أو أي مكان آخر في‬ ‫العالم‪ .‬تشير العالقة بني سعر الصرف للفالفل وسعر‬ ‫الصرف الفعلي إلى ما إذا كانت أسعار الصرف مبالغا‬ ‫فيها أو أقل من قيمتها‪ ،‬وهو ما يسمح مبزيد من الدراسات‬ ‫االقتصادية العميقة‪ .‬على سبيل املثال‪ ،‬تشير تلك‬ ‫العالقة إلى مصداقية أرقام التضخم الرسمية‪.‬‬

‫الدولة‬

‫السعر‬ ‫األدنى‬

‫السعر‬ ‫األعلى‬

‫معدل سعر سندويتش الفالفل‬ ‫بالدوالر األميركي‬

‫معدل‬ ‫الدخل اليومي‬

‫الذين يقل دخلهم‬ ‫اليومي عن دوالر واحد‬

‫الذين يقل دخلهم‬ ‫اليومي عن دوالرين‬

‫البحرين‬

‫‪ 0.25‬دينار‬

‫‪1.5‬‬

‫‪2.3‬‬

‫‪75‬‬

‫‪--‬‬

‫‪--‬‬

‫عمان‬

‫‪0.5‬ريال‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪52‬‬

‫‪--‬‬

‫‪--‬‬

‫السودان‬

‫‪4‬جنيهات‬

‫‪6‬‬

‫‪1.90‬‬

‫‪4.5‬‬

‫‪% 40‬‬

‫‪% 60‬‬

‫لبنان‬

‫‪ 1.500‬ليرة‬

‫‪4000‬‬

‫‪1.8‬‬

‫‪18.5‬‬

‫‪% 28‬‬

‫‪% 28‬‬

‫األردن‬

‫‪0.5‬دينار‬

‫‪1.5‬‬

‫‪1.4‬‬

‫‪9.8‬‬

‫‪% 15‬‬

‫‪% 15‬‬

‫سوريا‬

‫‪ 25‬ليرة‬

‫‪100‬‬

‫‪1.25‬‬

‫‪6.9‬‬

‫‪% 12‬‬

‫‪% 12‬‬

‫السعودية‬

‫‪3‬رياالت‬

‫‪5‬‬

‫‪90‬سنتا‬

‫‪51‬‬

‫‪--‬‬

‫‪--‬‬

‫قطر‬

‫‪ 3‬ريااالت‬

‫‪4‬‬

‫‪ 90‬سنتا‬

‫‪241‬‬

‫‪--‬‬

‫‪--‬‬

‫اإلمارات‬

‫‪3‬دراهم‬

‫‪4‬‬

‫‪90‬سنتا‬

‫‪166‬‬

‫‪%19.50‬‬

‫‪%19.50‬‬

‫اليمن‬

‫‪100‬ريال‬

‫‪150‬‬

‫‪ 60‬سنتا‬

‫‪3.5‬‬

‫‪% 20‬‬

‫‪% 45‬‬

‫الكويت‬

‫‪ 0.1‬دينار‬

‫‪0.1‬‬

‫‪ 35‬سنتا‬

‫‪164‬‬

‫‪--‬‬

‫‪--‬‬

‫فلسطني‬

‫‪ 1‬شيكل‬

‫‪4‬‬

‫‪ 45‬سنتا‬

‫‪45‬‬

‫‪% 47‬‬

‫‪% 60‬‬

‫العراق‬

‫‪300‬دينار‬

‫‪500‬‬

‫‪ 34‬سنتا‬

‫‪2.2‬‬

‫‪% 25‬‬

‫‪% 35‬‬

‫مصر‬

‫‪ 0.5‬جنيه‬

‫‪2‬‬

‫‪ 28‬سنتا‬

‫‪5.5‬‬

‫‪% 20‬‬

‫‪% 40‬‬

‫خسائر باجلملة‬ ‫في العموم‪ ،‬أثرت االضطرابات بالفعل على ثقة املستثمرين‬ ‫والسياحة واالستثمارات األجنبية املباشرة‪ .‬في تونس وحدها‪،‬‬ ‫أثرت الثورة بالفعل على تصنيف الدولة االئتماني‪ ،‬حيث‬ ‫خفضت وكالة «فيتش» تصنيفها إلى درجة أعلى قليال من‬ ‫أدنى درجة في نهاية يناير‪ .‬كما تتسبب املظاهرات السياسية‬ ‫في توقف األنشطة االقتصادية وتقدر خسائرها بنحو ‪ 5‬إلى ‪8‬‬ ‫مليارات دوالر‪ ،‬أو ‪ 11‬في املائة من إجمالي الناجت احمللي‪ .‬ووفقا‬ ‫لـ«فايننشال تاميز»‪ ،‬من املتوقع أن يؤدي االضطراب السياسي‬ ‫مع النمو البطيء في أوروبا إلى انكماش بنسبة ‪ 1.5‬في املائة‬ ‫في إجمالي الناجت احمللي الفعلي في عام ‪ .2011‬ومما يزيد األمر‬ ‫سوءا‪ ،‬شهد مصدران مهمان للعملة الصعبة انخفاضا كبيرا‪،‬‬ ‫وهما السياحة وحواالت التونسيني العاملني في ليبيا‪.‬‬ ‫العدد ‪ ،1564‬يونيو ‪2011‬‬

‫كذلك ال تنعم مصر بوضع أفضل‪ .‬يشهد اإلنفاق احلكومي‬ ‫زيادة ثابتة‪ ،‬بعد رفع رواتب املوظفني احلكوميني بنسبة ‪ 15‬في‬ ‫املائة وزيادة بند دعم الغذاء في امليزانية من أجل التخفيف من‬ ‫عبء ارتفاع األسعار في األسواق العاملية‪ ،‬وفقا ملا نشرته «لوس‬ ‫أجنليس تاميز»‪ .‬باإلضافة إلى ذلك‪ ،‬من املتوقع أن يتجاوز العجز‬ ‫احلكومي ‪ 10‬في املائة في حني انخفض احتياطي العمالت‬ ‫األجنبية املتاح في البنك املركزي مبقدار ‪ 8‬مليارات دوالر منذ‬ ‫يناير ووصل اآلن إلى ‪ 28‬مليار دوالر‪.‬‬ ‫إال أن أسعار الغذاء تظل مصدر قلق مهم في املنطقة‪ .‬ففي‬ ‫أبريل (نيسان)‪ ،‬سجلت مراقبة أسعار الغذاء في البنك الدولي‬ ‫معدل تضخم مكون من رقمني في أسعار الغذاء في مصر‬ ‫وسوريا وإيران‪ .‬ونظرا الرتباط زيادة أسعار الغذاء بارتفاع أسعار‬ ‫‪25‬‬


‫● قصة الغالف‬

‫في جسده بعد مصادرة عربة اخلضراوات التي ميلكها‪ ،‬إلى قدر‬ ‫اإلحباط االقتصادي املنتشر في املنطقة‪ ،‬ورغبة اجلماهير في‬ ‫اخلروج لتغيير الوضع القائم‪.‬‬

‫املناطق الريفية واحلضرية‪ ،‬وتفاوت األجور إجماال‪ ،‬على زيادة‬ ‫الشعور بالظلم لدى الثوار في شمال أفريقيا مما دفعهم في‬ ‫النهاية إلى اخلروج إلى الشوارع‪.‬‬

‫وعلى الرغم من االحتجاجات املوسمية التي تخرج كرد فعل‬ ‫ناجت عن شعور باإلحباط االقتصادي الشديد‪ ،‬فوجئ العالم‬ ‫عندما متت إطاحة الرئيس التونسي السابق بن علي في ‪14‬‬ ‫يناير‪ .‬بل وصدم عندما التقطت بقية أنحاء املنطقة هذه‬ ‫العدوى الثورية‪.‬‬

‫خط الفقر‬ ‫من بني تعداد سكاني يزيد على ‪ 80‬مليون نسمة‪ ،‬يعيش أكثر‬ ‫من ‪ 40‬في املائة من املصريني على أقل من دوالرين في اليوم‪،‬‬ ‫ويعيش نحو ‪ 21‬في املائة على أقل من دوالر في اليوم‪ .‬يشير‬ ‫ذلك إلى أنه على الرغم من النمو االقتصادي‪ ،‬فلم تصل فوائد‬ ‫جناح مصر في السوق العاملية‪ ،‬وكذلك دول شمال أفريقيا‪ ،‬إلى‬ ‫بقية السكان‪ .‬كان هذا النوع من التباين واضحا في صميم‬ ‫الثورة التونسية‪ .‬وليست مصادفة أن االحتجاجات بدأت في‬ ‫املناطق احملرومة مثل سيدي بوزيد‪ .‬عالوة على تلك املظالم‪ ،‬لم‬ ‫يكن هناك مفر من املظاهرات في ظل ما يتردد عن الفساد‬ ‫والترف الذي اتسمت به حياة مبارك وبن علي والقذافي‪.‬‬

‫ولكن إذا ألقينا نظرة على أداء شمال أفريقيا االقتصادي في‬ ‫العقد املاضي‪ ،‬سيكون من السهل معرفة سبب عدم توقع‬ ‫املراقبني أن يهل الربيع العربي‪ .‬على أية حال حافظت املنطقة‬ ‫على معدالت منو كبيرة حتى في أثناء األزمة املالية العاملية‪.‬‬ ‫وكانت اقتصادات شمال أفريقيا تفخر بقوتها في مجالي‬ ‫السياحة والتجارة‪ .‬وفيما يتعلق بتأثير النجاح االقتصادي على‬ ‫األفراد‪ ،‬كانت دول شمال أفريقيا حتقق تقدما مثيرا لإلعجاب‬ ‫فيما يتعلق بالتنمية االجتماعية‪ :‬في العقد املاضي‪ ،‬ارتفعت‬ ‫نسبة التعليم ووصلت نسبة االلتحاق باملدارس إلى أعلى‬ ‫معدالتها‪ ،‬وانخفضت نسبة عدم املساواة بني اجلنسني‪ ،‬واتسع‬ ‫نطاق املناطق القادرة على احلصول على املياه النظيفة‪ ،‬وارتفع‬ ‫متوسط األعمار‪ .‬من املؤكد أن املنطقة حققت تقريبا جميع‬ ‫األهداف اإلمنائية في األلفية بحلول عام ‪.2010‬‬ ‫على ما يبدو كانت املنطقة مزدهرة اقتصاديا‪ .‬ولكن ما أظهرته‬ ‫االحتجاجات أن النمو االقتصادي السريع‪ ،‬بل وحتى التقدم‬ ‫في مجال التنمية البشرية ال يكفي إذا كان اجلزء اآلخر من‬ ‫الصفقة يشمل البطالة وتفاوت األجور والتباينات اإلقليمية‬ ‫باإلضافة إلى محدودية الشفافية احلكومية ومحاسبتها‬ ‫واألمن الغذائي‪.‬‬ ‫كانت مشكلة بطالة الشباب امللحة هي الدافع األكبر‬ ‫للمظاهرات‪ .‬يتراوح معدل البطالة في املنطقة ما بني ‪ 18‬في‬ ‫املائة في املغرب إلى ‪ 30‬في املائة في تونس‪ ،‬مقارنة مبتوسط‬ ‫عاملي يصل إلى ‪ 12‬في املائة‪ .‬وكما يوضح تقرير صدر أخيرا‬ ‫عن بنك التنمية األفريقي‪ ،‬أدت التغيرات الدميوغرافية‪ ،‬ال سيما‬ ‫ارتفاع عدد السكان البالغ أعمارهم ما بني ‪ 15‬ــ ‪ 29‬عاما‪،‬‬ ‫إلى تفاقم املشكلة‪ .‬في عام ‪ ،2005‬على سبيل املثال‪ ،‬بلغت‬ ‫نسبة الشباب في إجمالي تعداد السكان في اجلزائر ‪ 23‬في‬ ‫املائة‪ ،‬وفي املغرب ‪ 18‬في املائة وفي تونس ‪ 21‬في املائة‪.‬‬ ‫ومما ضاعف من مشكلة بطالة الشباب أيضا هو عدم توافق‬ ‫املهارات التي يتلقونها في التعليم مع تلك املطلوبة في سوق‬ ‫العمل‪ ،‬باإلضافة إلى النقص اإلجمالي في الوظائف في السوق‬ ‫الرسمية‪ .‬وكان من احملبط لشباب شمال أفريقيا أن نتائج‬ ‫التعليم سلبية‪ .‬فبدال من حتسني فرص العمل بالسعي إلى‬ ‫االلتحاق بالتعليم العالي‪ ،‬أصبحت هناك عالقة معاكسة بني‬ ‫فرص العمل والتعليم في املنطقة‪ .‬في احلقيقة‪ ،‬هناك فائض‬ ‫كبير في أعداد الطالب الذين يركزون على املواد األدبية مثل‬ ‫الدراسات اإلنسانية‪ ،‬بدال من الدراسات العلمية مثل الهندسة‬ ‫والعلوم‪ ،‬وهي املواد األكثر شعبية في االقتصادات الكبرى في‬ ‫آسيا‪ .‬ولكن تشير نسبة البطالة التي بلغت ‪ 40‬في املائة‬ ‫بني خريجي اجلامعات في تونس مقابل ‪ 24‬في املائة من غير‬ ‫اخلريجني‪ ،‬إلى وجود مشكلة جوهرية في النظام‪ .‬وفقا لبنك‬ ‫التنمية األفريقي‪ ،‬توجد مشكلة مشابهة في املغرب؛ حيث‬ ‫يعاني ما يزيد على ‪ 60‬في املائة من حاملي الشهادة الثانوية‬ ‫من البطالة مقارنة بـ‪ 8‬في املائة من الشباب غير املتعلم‪.‬‬ ‫أمام هذه اإلحصائيات يتضح لنا سبب شعور الشباب في‬ ‫شمال أفريقيا بأنه ليس لديهم مستقبل في ظل األنظمة‬ ‫السابقة‪ .‬ولكن بعيدا عن النقص الصارخ في فرص العمل‬ ‫املتاحة أمام الشباب في املنطقة‪ ،‬ساعد التفاوت املنظم بني‬ ‫‪24‬‬

‫ولكن باإلضافة إلى الفقر‪ ،‬دفع نوع آخر من الضغوط االقتصادية‬ ‫االحتجاجات في الشرق األوسط‪ .‬ميثل األمن الغذائي مشكلة‬ ‫في املنطقة منذ أن تفاجأ العالم بارتفاع في أسعار الغذاء في‬ ‫عامي ‪ 2007‬و‪ .2008‬وتعرضت منطقة الشرق األوسط حتديدا‬ ‫ألضرار كبيرة‪ ،‬حيث عدد السكان املتزايد املعتاد على دعم‬ ‫الغذاء الذي يشهد تضاؤال واملناطق اجملدبة التي ال ميكنها أن‬ ‫توفر إمدادات غذائية ثابتة‪.‬‬ ‫في سوريا على سبيل املثال‪ ،‬قبل عام ‪ ،2008‬كان الغذاء‬ ‫زهيد السعر هو حجر الزاوية في السياسة االقتصادية في‬ ‫احلكومة‪ ،‬وذلك من أجل احلفاظ على االستقرار السياسي في‬ ‫البالد‪ .‬وقد حررت احلكومة القطاع الزراعي‪ ،‬ولكن فيما بني يناير‬ ‫ويونيو (حزيران) في العام ذاته‪ ،‬ارتفعت أسعار الغذاء بنسبة‬ ‫‪ 20‬في املائة وفقا لبرنامج الغذاء العاملي‪ .‬وازدادت الضغوط‬ ‫على أسعار الغذاء عندما مت تخفيض الدعم على الوقود في‬ ‫شهر مايو (أيار)‪ ،‬مما تسبب في مضاعفة أسعار الغاز ثالثة‬ ‫أضعاف‪ ،‬كما أوردت «إيرين»‪ ،‬وهي وكالة أنباء إنسانية تابعة‬ ‫لألمم املتحدة‪ .‬وأثر ارتفاع أسعار الوقود على القوة الشرائية‬ ‫للسوريني وأجبر الكثيرون على اتخاذ خطوات قاسية من أجل‬ ‫الوفاء باحتياجاتهم‪.‬‬ ‫صرح محمد وردة‪ ،‬مستشار التنمية الزراعية‪ ،‬لوكالة «إيرين»‪،‬‬ ‫حول قضية أسعار الغذاء في سوريا قائال‪« :‬يجد الناس بعض‬ ‫االستراتيجيات للتعامل مع ارتفاع األسعار إلى هذه املعدالت‪،‬‬ ‫فيبيعون السلع ويقللون االستهالك ويعملون في وظائف‬ ‫إضافية؛ إنهم يتكيفون مع األمر»‪ .‬كانت جتربة سوريا واحدة‬ ‫من بني جتارب أخرى‪ ،‬ففي عام ‪ 2008‬شهدت مصر أيضا أحداث‬ ‫شغب بسبب الغذاء‪.‬‬ ‫نظرا لألحوال االقتصادية الصعبة التي تواجه املنطقة‪ ،‬ليس‬ ‫غريبا أن يخرج الكثيرون إلى الشوارع مطالبني بالتغيير‪ .‬في‬ ‫الوقت الذي تسبب فيه احلكم السيئ في كثير من املظالم‬ ‫االقتصادية التي تعانيها الشعوب في الشرق األوسط وشمال‬ ‫أفريقيا‪ ،‬ستسفر التغييرات املفاجئة في النظام عن معوقات‬ ‫اقتصادية إضافية أمام تلك الدول التي تواجه فترة صعبة‬ ‫بالفعل‪.‬‬ ‫من الضروري حدوث منو اقتصادي من أجل تهدئة االضطراب‬ ‫السياسي‪ ،‬على الرغم من عدم القدرة على ضمان املساواة‪.‬‬ ‫ولكن على الرغم من أن الربيع العربي قد يؤدي إلى تعديالت‬ ‫حكومية مهمة ميكنها أن تدعم النمو االقتصادي واملساواة‪،‬‬ ‫فإنه على املدى القريب سيسفر عن انعدام استقرار سيعرقل‬ ‫النمو االقتصادي‪ .‬وتتمثل لعنة الثورات العربية في أنه‬ ‫على الرغم من أن املظالم االقتصادية هي الدافع وراء التحرر‬ ‫السياسي في هذه الدول‪ ،‬فإنها أيضا جعلت مشاريع اإلصالح‬ ‫في هذه الدول معرضة خلطر الفشل‪.‬‬


‫العدد ‪ ،1564‬يونيو ‪2011‬‬

‫‪23‬‬


‫● قصة الغالف‬

‫الثمن االقتصادي‬ ‫للربيع العربي‬

‫خبز و حرية‬

‫لم تكن االعتصامات واالضرابات وصور االحتجاج األخرى التي‬ ‫تضم مئات املشاركني شيئا مرتبطا بدول الشرق األوسط‬ ‫وشمال أفريقيا‪ ،‬في الوقت الذي غيرت فيه ثورتا الياسمني‬ ‫واللوتس توقعات القادة واجملتمع الدولي عن نفوذ العمل‬ ‫اجلماعي في املنطقة‪ ،‬كانت هناك أحداث مهمة سابقة على‬ ‫ثورات يناير (كانون الثاني) أشارت إلى وجود مشكالت عالقة‪.‬‬ ‫بوال ميجيا‬ ‫وعلى الرغم من غياب اجملتمع املدني النشط في معظم أنحاء‬ ‫شمال أفريقيا والشرق األوسط‪ ،‬فإن ما فعله عمال النسيج في‬ ‫مصر في األعوام األخيرة‪ ،‬سبق الثورات التي لم يتوقعها أحد‪،‬‬ ‫بل وأظهر أيضا املظالم االجتماعية االقتصادية التي أطاحت‬ ‫بعضا من أقدم الرؤساء في املنطقة‪.‬‬ ‫وعلى سبيل املثال‪ ،‬فقد دعا عمال النسيج في شركة «مصر‬ ‫للغزل والنسيج» في احمللة عام ‪ 2008‬إلى إضراب وطني‪،‬‬ ‫أدى إلى مواجهته بالسالح‪ .‬وعلى الرغم من تلبية احلكومة‬ ‫ملطالبهم وجتنب اإلضراب‪ ،‬فإن العمال قادوا مظاهرات حاشدة‬ ‫ضد ارتفاع األسعار وتأثيرها في قدرتهم على سداد متطلبات‬ ‫احلياة في ظل أجورهم املتدنية وفرص العمل احملدودة‪ .‬وكان رد‬ ‫فعل احلكومة متوقعا‪ ،‬كما ذكرت صحيفة «األهرام» املصرية‪:‬‬ ‫«كان القمع وحشيا‪ ،‬وطوال ثالثة أيام من االحتجاجات قتل‬ ‫خمسة أشخاص وجرح املئات ومت اعتقال العشرات»‪ .‬ولكن في‬ ‫النهاية خضعت احلكومة ملطالب العمال‪ ،‬نظرا لعجزها عن‬ ‫االستمرار في األعمال القمعية‪.‬‬ ‫لم تكن مظاهرات احمللة حدثا منفردا‪ .‬نقال عن مركز األرض‬ ‫حلقوق اإلنسان‪ ،‬فقد نشرت «األهرام» أنه «في ما بني عامي‬ ‫‪ 2004‬و‪ ،2008‬شارك ‪ 1741870‬عامال (مصريا) في مظاهرات‬ ‫واعتصامات واضرابات وصور أخرى من األعمال اجلماعية»‪ .‬وفي‬ ‫هذه اإلحصائية استثناء لواحد من أبرز أحداث املواقف املدنية‪،‬‬ ‫وهي انتفاضة اخلبز املصرية عام ‪ ،1977‬والتي تكررت أخيرا‬ ‫في عامي ‪ 2007‬و‪ 2008‬عندما وصلت أسعار اخلبز إلى درجة‬ ‫قصوى‪.‬‬ ‫في الواقع‪ ،‬كان جناح عمال احمللة في احلصول على تنازالت من‬ ‫احلكومة إنذارا مهما بقيام الثورة في مصر‪ .‬لقد عبرت احمللة‬ ‫عن شكاوى كثير من املصريني‪ ،‬ولكنها أيضا قدمت حال‪ :‬حيث‬ ‫اخلطوة اجلماعية من أجل احلصول على رد فعل حكومي‪ .‬يتردد‬ ‫الكثير عن الدور الذي لعبته مواقع التواصل االجتماعي في‬ ‫جناحات الربيع العربي‪ ،‬في مصر على وجه التحديد‪ ،‬وكانت‬ ‫سابقة احمللة ورغبة املشاركني في االنضمام إلى دعوات التظاهر‬ ‫التي أطلقت عبر «الفيس بوك» و«تويتر» حاسمة في جناح‬ ‫الثورة‪.‬‬ ‫كما أظهرت أحداث احمللة‪ ،‬أنه رمبا تسفر املظالم في مصر‬ ‫واملنطقة ككل عن تغيير سياسي‪ ،‬ولكنها توضح أن األسباب‬ ‫الكامنة في األساس اقتصادية‪ .‬يشير تاريخ االحتجاجات في‬ ‫مصر حتديدا إلى الدور الهائل الذي تلعبه الفرص االقتصادية‪ ،‬أو‬ ‫نقصانها‪ ،‬في دفع األفراد إلى التظاهر ضد الدولة‪ .‬كذلك يشير‬ ‫الشهيد الثائر في تونس محمد البوعزيزي‪ ،‬الذي أشعل النار‬ ‫‪22‬‬

‫مانويل أمليدا‬


6


‫● شؤون سياسية‬

‫وعلى الرغم من االنتقادات احلادة التي توجهها له شخصيات محافظة بارزة‬ ‫مثل األخوين الريجاني‪ ،‬أيد أحمدي جناد رحيم مشائي قائال‪« :‬إن اإليرانيني‬ ‫قبلوا اإلسالم بسبب تفوقهم على هؤالء الذين جلبوا اإلسالم إلى أرضنا»‪،‬‬ ‫وأن القيم اإليرانية املذكورة في اسطوانة سيروس يجب أن تكون املبادئ‬ ‫اإلرشادية لألمة اإليرانية في مسيرتها نحو «إعادة إقامة دولة قوية وحضارة‬ ‫حديثة»‪.‬‬ ‫ومن جانبه‪ ،‬يحاول أحمدي جناد االستفادة من احلرس الثوري في زيادة سلطات‬ ‫الرئاسة على حساب البرملان واملرشد األعلى‪ .‬وعلى الرغم من اعتراضات عدد‬ ‫من البرملانيني‪ ،‬فرض جناد رفع الدعم في محاولة لترشيد االقتصاد ونزع حقوق‬ ‫املنتقدين من الطبقة املتوسطة مع الوعد مبزيد من الدعم املوجه للطبقات‬ ‫الفقيرة التي تؤيد حكومته‪ .‬أضف إلى ذلك إقالة وزير اخلارجية منوشهر‬ ‫متكي ودعم أحمدي جناد املستمر لرحيم مشائي وفشل محاوالت القضاء‬ ‫واجليش في مقاضاة محمد رضا رحيمي ‪ -‬النائب األول للرئيس ‪ -‬ليتضح أن‬ ‫فصال جديدا في السياسة اإليرانية قد بدأ‪.‬‬ ‫كُتب الكثير عن القوة السياسية واالقتصادية للحرس الثوري اجلمهوري‪،‬‬ ‫ولكن مت إغفال محاولة احلرس األخيرة الختراق القطاع الديني بإقامة عدد من‬ ‫املعاهد الدينية مثل معهد الشهيد محالتي في قم‪ .‬يسعى احلرس الثوري‬ ‫من خالل ذلك إلى احلد من احتكار رجال الدين للمؤسسات الدينية وبسط‬ ‫نفوذه على صناعة القرار الديني‪ ،‬فيصبح لديه رأي في تعيينات أصحاب‬ ‫املناصب الرفيعة‪ .‬يتماشى ذلك مع ادعاءات أحمدي جناد املكررة غير امللحوظة‬ ‫بأن تفسيرات الدين لم تعد تتطلب دورا وسيطا من رجال دين محددين‪.‬‬ ‫عالوة على ذلك‪ ،‬على النقيض من االعتقاد السائد في الغرب‪ ،‬لم يعتمد‬ ‫احلرس الثوري مطلقا على سلطة املرشد األعلى في وجوده‪ .‬بل كان خامنئي‬ ‫هو الذي يعتمد دائما على احلرس من أجل احلفاظ على قبضته على السلطة‪،‬‬ ‫نظرا ألنه يفتقد إلى أوراق اعتماد دينية ليصبح فقيها‪ ،‬بخالف أشياء أخرى‪.‬‬

‫�صراع ال�سلطة‬ ‫يتميز املشهد السياسي اإليراني بالتوتر املستمر بني مؤسسة رجال الدين‬ ‫املؤيدة للحكم املطلق والتخطيط العدواني لكتلة الرئيس أحمدي جناد‪.‬‬ ‫في ضوء هذا املشهد‪ ،‬تشير التعليقات األخيرة التي أدلى بها محمد علي‬ ‫جعفري‪ ،‬قائد احلرس الثوري‪ ،‬إلى نقطة انفصال محتملة في صراع السلطة‪.‬‬ ‫في أبريل (نيسان)‪ ،‬استعرض علي جعفري عضالت احلرس الثوري اإليراني‬ ‫بقوله إن «احلرس الثوري ليس مجرد مؤسسة عسكرية‪ ،‬ولكنه مؤسسة‬ ‫أمنية وثقافية وآيديولوجية وسياس‪-‬ية وعسكرية‪ ،‬مما يعني أنه من املتوقع‬ ‫أن تكون له العديد من املهام ليتمكن من حماية الثورة ونتائجها في مجاالت‬ ‫الثقافة والسياسة واالقتصاد واجملتمع واألمن واالستخبارات»‪.‬‬ ‫تلت هذا التعليق في شهر مايو (أيار) سلسلة من التصريحات التي متارس‬ ‫ضغطا على أحمدي جناد الذي يحتمل مترده‪.‬‬ ‫صرح رجل الدين ذو النفوذ حجة اإلسالم كاظم صديقي قائال‪« :‬قال الرئيس‬ ‫إنه سيحبط أعداء النظام (بقبوله سلطة خامنئي) ولكن هذا ال يكفي‪ .‬إننا‬ ‫ننتظر أن يترجم أقواله إلى أفعال»‪.‬‬ ‫وقال أحمدي جناد في اجتماع جمللس الوزراء إنه سيطيع خامنئي كما «يطيع‬ ‫االبن أباه» في محاولة إلنهاء املواجهة بني القائدين‪.‬‬ ‫وكان أحمدي جناد قد قاطع في السابق جميع الواجبات الرسمية بعد أن عارض‬ ‫خامنئي إقالته لوزير االستخبارات حيدر مصيلحي‪ ،‬حليف املرشد األعلى‪.‬‬ ‫حذر اجلنرال جعفري‪ ،‬اخلاضع لسلطة خامنئي مباشرة‪ ،‬قائال‪« :‬لقد نسي‬ ‫بعض األشخاص داخل النظام قيم الثورة ويسعون إلى تشويه صورة اإلسالم‪..‬‬ ‫ولكن الناس ال تتبع الشياطني أو اجلن‪ ،‬ولن يتسامحوا مع مثل هذا االنحراف»‪.‬‬ ‫قال آية اهلل‪ ‬محمد‪ ‬تقي مصباح يزدي‪ ،‬مستشار أحمدي جناد‪« :‬إن طاعة‬ ‫املرشد األعلى واخلضوع له واجب ديني ليس له عالقة بالسياسة»‪ ،‬مضيفا أن‬ ‫شرعية الرئيس «تقوم على إقرار املرشد األعلى وليس االنتخابات الشعبية»‪.‬‬ ‫وكرر حجة اإلسالم مجتبى ذو النور‪ ،‬ممثل خامنئي لدى احلرس الثوري‪ ،‬الرسالة‬ ‫ذاتها‪ ،‬حيث قال‪« :‬ال ميلك الرئيس أو أي شخص آخر أي شرعية دون أمر من‬ ‫املرشد األعلى»‪ ،‬مطالبا أحمدي جناد بـ«تصحيح» موقفه‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫وحتى اآلن‪ ،‬يسعى خامنئي والباسداران إلى حتقيق هدف واحد‪ ،‬وهو منع‬ ‫انتخاب رمز إصالحي آخر في منصب رئيس الدولة‪ .‬وكانت قيادة خامنئي‬ ‫واعتداله بني احملافظني دعما حملاوالت احلرس الثوري في التخلص من اإلجراءات‬ ‫اإلصالحية في إيران‪ .‬ولكن افتقاد خامنئي غير املسبوق للشعبية قلص من‬ ‫حجم مؤيديه بصورة كبيرة لدرجة أنه أصبح عبئا أكثر من كونه مساندا‪.‬‬ ‫لذلك إذا أدرك احلرس الثوري أن خامنئي لم يعد له أي فائدة سياسية‬ ‫حقيقية‪ ،‬فسيكون لديهم السلطة واملوارد والرغبة في تهميشه‪.‬‬ ‫وفي ضوء هذه االعتبارات‪ ،‬خسر خامنئي قدرا كبيرا من سلطته السياسية‬ ‫وقوته‪ ،‬ال سيما في ما يتعلق بالتعليقات التي صدرت أخيرا عن حسني علي‬ ‫شريعتمداري‪ ،‬لدرجة معارضة املرشد األعلى في تطورات سياسية معينة‬ ‫نتيجة مخاوف على بقاء النظام‪ .‬لم يعد خامنئي هو صاحب القرار ولكن‬ ‫مطلوب منه أن يؤدي دوره في جهد ينظمه احلرس الثوري‪ ،‬للحفاظ على هدوء‬ ‫اجملتمع ومنع قيام انتفاضة أخرى واسعة النطاق‪ .‬ومثال على ذلك‪ ،‬تصريحات‬ ‫خامنئي األخيرة عن النموذج اإليراني اإلسالمي في التنمية االقتصادية‪.‬‬ ‫ومثال آخر إبعاد وزير اخلارجية السابق منوشهر متكي‪ .‬رمبا يكون متكي ‪-‬‬ ‫كبير مستشاري علي الريجاني في االنتخابات الرئاسية التي أجريت عام‬ ‫‪ 2005‬واختير في منصبه الدبلوماسي بناء على إصرار على خامنئي ‪ -‬قد‬ ‫أصبح غير مهم لدرجة أن خامنئي قبل بإبعاده‪ .‬وقبل وقت قصير قدم‬ ‫خامنئي دعمه ملتك�� عندما انتقد الرئيس في اختيار مستشاريه لشؤون‬ ‫السياسة اخلارجية‪.‬‬ ‫وفي ما يتعلق بتداعيات ذلك على الواليات املتحدة وحلفائها‪ ،‬جتد جماعة‬ ‫أحمدي جناد‪ ،‬في مسيرتها القومية اإلسالمية‪ ،‬دافعا لها في كل من تكاتف‬ ‫القوة الداخلية والبقاء‪ .‬لذلك تعكس هذه األجندة اجلديدة مخاوف أكثر من‬ ‫الطموحات‪ ،‬إنه ذلك اخلوف الذي يجب أن يشكل حجر الزاوية في املوقف‬ ‫الغربي نحو احلكومة اإليرانية‪.‬‬ ‫سيصبح على الواليات املتحدة وحلفائها التعامل مع حكومة متلك القوة‬ ‫للوفاء بتعهداتها ودوافع لتقدمي تسويات‪ ،‬ومن جانب آخر‪ ،‬تخشى على‬ ‫مستقبلها ألنها تخوض صراعا سياسيا داخليا‪ .‬لهذا بدأ معسكر أحمدي‬ ‫جناد يعتقد أن الوصول إلى اتفاق مع الغرب ميكن أن مينحه اعترافا داخليا‬ ‫ودوليا يحتاج إليه كثيرا من أجل إنهاء العجز السياسي في طهران وتعزيز‬ ‫نفوذه‪.‬‬ ‫متر إيران مبرحلة حرجة تتعلق برغبتها في احلصول على أسلحة نووية‪ .‬وقد‬ ‫أظهرت كوريا الشمالية للقيادة اإليرانية أنه من املمكن تطوير أسلحة‬ ‫نووية على حساب النمو االقتصادي واحلياة اليومية الكرمية‪ .‬ولكن ليس من‬ ‫الواضح أن احلكومة على استعداد ألن تدفع هذا الثمن‪.‬‬ ‫تشير األدلة إلى أن العقوبات التي فرضت على إيران عام ‪ 2010‬أحلقت‬ ‫أضرارا بالنظام‪ ،‬بإجباره على تغييرات مكلفة ومستنزفة للوقت في عالقاته‬ ‫املصرفية والتجارية‪ .‬مبعنى أن العقوبات الدولية لعبت دورا في تنفيذ حزمة‬ ‫اإلصالح االقتصادي اجلديدة‪ .‬من املؤكد أن محمود أحمدي جناد ورجال احلرس‬ ‫الثوري يعرفون تأثير االنهيار االقتصادي على قوة النظام‪ ،‬وبذلك لديهم دوافع‬ ‫قوية لتقدمي تنازالت في البرنامج النووي‪ .‬يتضح ذلك في اخلطاب األخير الذي‬ ‫ألقاه الرئيس في مدينة رشت‪ ،‬حيث أشار إلى إمكانية التوصل إلى «اتفاق‬ ‫إيجابي» مع الغرب في «اجتماعات مستقبلية»‪.‬‬ ‫نتيجة لذلك‪ ،‬يجب أن يكون هناك نقاش ملح وصادق حول إيران ودورها أو‬ ‫نفوذها في الشرق األوسط وكيفية تعزيزها للمصالح األميركية هناك‪.‬‬ ‫يتطلب هذا بالضرورة التقدم بعيدا عن اخلالفات واملشكالت املاضية املترسبة‬ ‫والتركيز بحدة على احلاضر واملستقبل‪.‬‬

‫نيما خورامي أسل ‪ -‬محلل أمني في مشروع األزمات الدولية في لندن‪ .‬يكتب‬ ‫بانتظام لصحيفة «الغارديان»‪ .‬تتضمن مجاالت تخصصه شؤون الشرق‬ ‫األوسط واإلسالم السياسي والتحرر من الراديكالية والصني والقوقاز وأمن‬ ‫الطاقة واجلغرافيا السياسية‪.‬‬


‫احلرس الثوري وأحمدي جناد يعلنان نهاية دور املرشد في ايران‬

‫فقيه بال والية‬

‫منذ االنتخابات الرئاسية املتنازع عليها‪ ،‬أصبح احلرس الثوري اإلسالمي العبا أساسيا في السياسة اإليرانية‪ .‬في محاولة‬ ‫لتعزيز قوته‪ ،‬يستغل احلرس االستياء الداخلي من املرشد األعلى من أجل إطالق خطاب قومي إسالمي‪ ،‬مما يؤدي إلى تهميش‬ ‫علي خامنئي‪ .‬ويحمل ذلك مضامني مهمة للمجتمع الدولي في تعامله مع إيران‪.‬‬ ‫نيما خورامي أسل‬ ‫اكتسبت «احلركة اخلضراء»‪ ،‬التي ظهرت أثناء حملة االنتخابات الرئاسية‬ ‫التي أجريت عام ‪ 2009‬في إيران‪ ،‬زخما بعد الهزمية غير املقنعة للمرشحني‬ ‫اإلصالحيني‪ ،‬وأصبحت جبهة معارضة قوية وحقيقية تتحدى أساس النظام‬ ‫اإلسالمي ذاته‪ ،‬مما سهل على احلرس الثوري اجلمهوري اإليراني عملية الصعود‬ ‫ليتصدر القيادة السياسية في البالد‪.‬‬

‫طرق بديلة ملواجهة قيم اإلصالحيني وأجندتهم‪ ،‬وبذلك جلأوا إلى تهميش دور‬ ‫املرشد األعلى‪ .‬وفي ‪ 19‬يناير (كانون الثاني)‪ ،‬على سبيل املثال‪ ،‬أرسل أحمدي‬ ‫جناد خطابا إلى أعضاء البرملان ينتقد فيه صراحة املؤسسات ذاتها اخلاضعة‬ ‫إلشراف املرشد األعلى‪ ،‬وهي حتديدا القضاء والبرملان ومجلس تشخيص‬ ‫مصلحة النظام‪.‬‬

‫يعمل احلرس الثوري اليوم ككتلة اجتماعية وسياسية واقتصادية شاملة‬ ‫ميتد نفوذها إلى كل أركان احلياة السياسية واجملتمع اإليراني‪ .‬يحمل‬ ‫الباسداران (احلرس)‪ ،‬الذي يجمع أفراده خلفية مشتركة في احلرب والنشأة‬ ‫في اخلدمة العسكرية‪ ،‬نظرة شمولية شعوبية حاسمة نحو جمهورية إيران‬ ‫اإلسالمية تدعي أنها أكثر إخالصا للمبادئ األولى للثورة‪.‬‬

‫في الوقت ذاته‪ ،‬أدرك مجلس الوزراء الذي يسوده احلرس الثوري أن الدين وحده‬ ‫لم يعد عملة سياسية ثمينة وأن الترويج للقومية بنكهة إسالمية بدأ‬ ‫يحل محل القيم الثورية في خطاب املسؤولني في إيران بعد االنتخابات‪.‬‬ ‫وهو اخلطاب الذي يفيد احلرس الثوري قبل أي من األطراف األخرى في الساحة‬ ‫السياسية اإليرانية‪ ،‬حيث يسمح له بتبرير مطالبته بوجود حكومة مركزية‬ ‫قوية‪.‬‬

‫ولكن جتري حاليا مراجعة لصيغة السلطة‪ ،‬ويبدو أن احلرس الثوري اجلمهوري‬ ‫يرعى عملية دعم القيم القومية في مقابل القيم الثورية‪ .‬دفع تزايد صرح أقرب أصدقاء جناد‪ ،‬إسفنديار رحيم مشائي‪ ،‬بأنه يجب على إيران أن‬ ‫االستياء احمللي من النظام اإليراني ‪ -‬حتديدا املرشد األعلى ‪ -‬بالرئيس أحمدي تروج للمدرسة اإليرانية التي تقول إن «هناك تفسيرات مختلفة لإلسالم‪،‬‬ ‫جناد‪ ،‬أحد قادة احلرس الثوري السابقني في الباسيج‪ ،‬ومؤيديه إلى البحث عن ولكن فهمنا للطبيعة احلقيقية إليران ولإلسالم هو املدرسة اإليرانية»‪.‬‬ ‫العدد ‪ ،1564‬يونيو ‪2011‬‬

‫‪19‬‬


‫● شؤون سياسية‬

‫إال ما كان موافقا ملزاج العقيد‪.‬‬ ‫وفتح العقيد أبواب الرفاهية لنفسه وأسرته ولكتابه وأفكاره‪ ،‬ولكنه سدها‬ ‫في وجه شعبه‪ ،‬الذي ضيق اخلناق عليه وحرمه من العيش الكرمي‪.‬‬ ‫الزحف‪ ..‬الكارثة‬ ‫األسوأ من كل هذا‪ ،‬ما حدث بعد ذلك‪ ،‬إذ أطلق القذافي العنان للجانه‬ ‫الثورية بتحريض جموع العمال واحلرفيني والقوى العاملة األخرى على‬ ‫(الزحف) على املنشآت واملصانع واألماكن التي يعملون فيها لتشكيل‬ ‫جلان شعبية تدير هذه املصانع موهمينهم بأنهم سيتحولون من أجراء إلى‬ ‫شركاء‪ ،‬تطبيقا ملقولة «شركاء ال أجراء» وهي واحدة أخرى من مقوالت‬ ‫الكتاب األخضر‪ .‬ومواكبة لهذا الهدف أمر القذافي بإصدار صحيفة سماها‬ ‫«الزحف األخضر» في يناير ‪.1980‬‬ ‫ ‬ ‫وبدأ العمال في الزحف على املصانع واملؤسسات واحملال التجارية وشكلوا‬ ‫فيها جلانا شعبية لتسيير أمورها وطردوا أصحابها احلقيقيني الذين هربوا‬ ‫وفضلوا السالمة على املال‪ ،‬ومن رفض من هؤالء اخلروج اضطر إلى ذلك‬ ‫اضطرارا بالقوة‪ .‬وهنا ساء احلال في ليبيا‪ ،‬بسوء اإلنتاج وقلته‪ ،‬إذ نقصت‬ ‫طاقات املصانع واملنشآت املزحوف عليها‪ ،‬بعد أن تولى رئاستها أناس ليست‬ ‫لهم اخلبرة واحلنكة‪ ،‬وليست لديهم معرفة باألسواق العاملية التي توفر‬ ‫املواد وقطع الغيار الالزمة لهذه املصانع‪ ،‬فأهملت وخربت‪ .‬ولم متض خمس‬ ‫سنوات حتى نزعت ملكية جميع املصانع والشركات من أصحابها‪ .‬وفي‬ ‫مواكبة هذا احلدث كان يجري أيضا تشكيل أمانات أو مثابات اللجان الثورية‬ ‫في كل مكان من ليبيا‪ .‬وهذه اللجان التي أمر القذافي بتشكيلها كانت‬ ‫لها الصالحيات الكاملة في كل شيء‪ .‬فدبت الفوضى في كل مكان وعانى‬ ‫الشعب الليبي من بطش هذه اللجان وإرهابها إذ كانت تطبق حرفيا ما‬ ‫يقوله القذافي في خطاباته ولقاءاته ومحاضراته‪.‬‬ ‫التصعيد‬ ‫عاشت ليبيا سنني صعبة متوترة منذ بدأ القذافي في تطبيق منوذجه‬ ‫السياسي على اجملتمع الليبي‪ ،‬فظهر ما سماه «التصعيد الشعبي» وهي‬ ‫عملية فوضوية حيث يختار الناس في مناطقهم اخملتلفة شخصا ويعينونه‬ ‫أمينا على االقتصاد مثال أو الصحة أو التعليم‪ .‬وأدى هذا إلى هيمنة القبائل‬ ‫الكبرى على أعمدة الدولة‪ .‬كما أن االختيار لم يكن مدروسا فعادة ما يختار‬ ‫الناس شخصا ليس مؤهال بل أميا وحدث هذا مرارا‪ .‬كما أن الوقت الذي‬ ‫تستغرقه عملية االختيار طويل جدا‪ ،‬مما أدى إلى إهمال الناس ألعمالها‬ ‫وحرفها ووظائفها‪ ،‬وظلوا يتغيبون عنها من دون حسيب أو رقيب‪ .‬وكان‬ ‫لهذا مردود سيئ على االنتاج‪.‬‬ ‫‪    ‬‬ ‫ورافق كل هذا (تشنج ثوري) استمر متأججا حتى سقوط االحتاد السوفياتي‪.‬‬

‫كان القذافي خاللها في قمة اندفاعه الثوري‪  ،‬فكان ال يدع مناسبة إال‬ ‫ويظهر في بدلة عسكرية بنياشينه وأوسمته وكأن ليبيا في حرب أبدية‪،‬‬ ‫صابا جام غضبه على الرجعية ومن يسميهم املندسني‪.‬‬ ‫إن ما كان يحدث في ليبيا شيء غريب عجيب‪ ،‬أربعة عقود من الزمن ذهبت‬ ‫سدى‪ ،‬عاثت فيها اللجان الثورية فسادا وإرهابا للناس‪ ..‬وحصرت فيها‬ ‫على الليبيني أنفاسهم‪ ..‬وأرغمتهم بالقوة على ترديد مقوالت القذافي‪..‬‬ ‫وتدريسه في املدارس واجلامعات‪ ،‬بل ذهب بهم األمر إلى بث جزء من الكتاب‬ ‫األخضر قبل أية نشرة إخبارية مسموعة أو مرئية‪ .‬وما زال هذا األمر قائما‬ ‫إلى اآلن‪.‬‬ ‫إن ليبيا بالكامل أصبحت ملك رجل واحد يتحكم في ناسها ومالها‬ ‫ونفطها وسمائها وأرضها‪ .‬دكتاتورية مطلقة‪ ،‬كانت حتى برامج التلفزيون‬ ‫والراديو تدار بأمره وأمر مكتبه‪ .‬وحدث مرة أن ع ّبر عن عدم رضائه عن برامج‬ ‫التلفزيون بأن قطع البث‪ ،‬ووضع صورة ثابتة حلذاء ظل الناس ينظرون إليه‬ ‫فترة ليست بالقصيرة‪.‬‬ ‫وفي هوس جنون العظمة كان ال يقبل النجومية‪ ،‬أي أنه كان ال يسمح‬ ‫بذكر أسماء في نشرات األخبار أو الصحف إذ كان يُكتفى بالقول مثال أمني‬ ‫الصحة من دون ذكر اسمه‪ .‬وقد حدث هذا للمنتخب الليبي لكرة القدم‬ ‫فكان محظورا ذكر اسم الالعب ويذكر فقط رقمه‪.‬‬ ‫اجلمهرة‬ ‫ذهب العقيد إلى أبعد من ذلك عندما رأى وجوها تلفزيونية تتألق فأعلن ما‬ ‫سماها (اجلمهرة)‪ ،‬استباقا لطغيانها على صورته في اإلذاعة‪ .‬واجلمهرة‬ ‫هي أن يأتي املواطنون إلى اإلذاعة لقراءة نشرات األخبار‪ ،‬فأضحت اإلذاعة‬ ‫الليبية شبيهة مبسرح العرائس يأتي إليها املواطنون من مختلف ربوع البالد‬ ‫ويطلبون قراءة النشرة‪ .‬وقد قضى الليبيون شهورا ضاحكني ومنذهلني‬ ‫مما يحدث داخل اإلذاعة‪ .‬إلى أن اضطر إلى إنهائها بعدما كثرت األخطاء‬ ‫واألغالط الفظيعة حيث إن نشرات األخبار تبث على الهواء مباشرة‪.‬‬ ‫إن حكم القذافي املطلق ينطبق عليه متاما قول املؤرخ والسياسي اإلجنليزي‬ ‫جون آكتون ‪ 1902 - 1834‬إن «السلطة عادة ما جتنح للفساد‪ ،‬إال أن‬ ‫السلطة املطلقة هي التي تفسد بشكل مطلق» وهو فعال ما حدث في‬ ‫ليبيا‪ .‬إذ ما كان لرأي أن يعلو فوق رأي العقيد‪ .‬بل ما كان ألحد أن يجرؤ على‬ ‫إبداء أي رأي‪ .‬فالرأي ما كان يراه العقيد‪  .‬‬

‫*عزالدين سنيقرة‬

‫من الكتاب الأخ�ضر‪ ..‬من حت ّزب خان‬ ‫احلزب هو الدكتاتورية العصرية‪ ..‬هو أداة احلكم الدكتاتورية احلديثة‪ ...‬إذ إن احلزب هو حكم جزء للكل‪...‬‬ ‫وهو آخر األدوات الدكتاتورية حتى اآلن ‪.‬ومبا أن احلزب ليس فرداً‪ ،���فهو يضفي دميقراطية مظهرية مبا يقيمه‬ ‫من مجالس وجلان ودعاية بواسطة أعضائه‪ .‬فاحلزب ليس أداة دميقراطية على اإلطالق ‪ ،‬ألنه يتكون إما من‬ ‫ذوي املصالح الواحدة‪ ...‬أو الرؤية الواحدة‪ ..‬أو الثقافة الواحدة‪ ...‬أو املكان الواحد‪ ..‬أو العقيدة الواحدة‪..‬‬ ‫هؤالء يكونون احلزب لتحقيق مصاحلهم أو فرض رؤيتهم أو بسط سلطان عقيدتهم على اجملتمع ككل‪،‬‬ ‫وهدفهم السلطة باسم تنفيذ برنامجهم‪ .‬وال يجوز دميقراطيا ً أن يحكم أي من هؤالء كل الشعب الذي‬ ‫يتكون من العديد من املصالح واآلراء و األمزجة واألماكن والعقائد ‪ ..‬فاحلزب أداة حكم دكتاتورية متكن‬ ‫أصحاب الرؤية الواحدة أو املصلحة الواحدة من حكم الشعب بأكمله‪ ...‬أ ّي شعب‪ ...‬واحلزب هو األقلية‬ ‫بالنسبة للشعب‪ .‬إن الغرض من تكوين احلزب هو خلق أداة حلكم الشعب‪ ...‬أي حكم الذين خارج احلزب‬ ‫بواسطة احلزب‪ ...‬فاحلزب يقوم أساسا ً على نظرية سلطوية حتكمية‪ ..‬أي حتكّم أصحاب احلزب في غيرهم‬ ‫من أفراد الشعب‪ ..‬يفترض أن وصوله للسلـطة هو الوسـيلة لتحقيق أهدافه‪ ،‬ويفترض أن أهدافه هي‬ ‫أهداف الشعب‪ ،‬وتلك نظرية تبرير دكتاتورية احلزب‪ ،‬وهي نفس النظرية التي تقوم عليها أي دكتاتورية‪.‬‬ ‫ومهما تعددت األحزاب فالنظرية واحدة بل يزيد تعددها من حدة الصراع على السلطة‪ ...‬ويؤدي الصراع‬ ‫احلزبي على السلطة إلى حتطيم أسس أ ّي إجناز للشعب‪ ...‬ويخرب أي مخطط خلدمة اجملتمع‪ ...‬ألن حتطيم‬ ‫اإلجنازات وتخريب اخلطط هو املبرر حملاولة سحب البساط من حتت أرجل احلزب احلاكم ‪.‬‬

‫‪18‬‬


‫بعد هذه الندوة بشهور قليلة سيق كثير من روادها إلى السجون‪ .‬وقمعت‬ ‫حرية التعبير وكممت األفواه‪ .‬وسارع القذافي بعد ذلك إلى إعالن النقاط‬ ‫اخلمس‪.‬‬ ‫لم يتخلص القذافي من املفكرين واملثقفني الذين عارضوا أفكاره في ندوة‬ ‫الفكر الثوري فقط‪ ،‬ولكنه متكن أيضا من التخلص من زمالئه أعضاء احلركة‬ ‫الذين كانوا يكونون ما سمي «مجلس قيادة الثورة» فقد كان عددهم اثني‬ ‫عشر عضوا وهم اآلن ثالثة‪ ،‬واحد منهم حتت اإلقامة اجلبرية‪.‬‬ ‫قبل إعالن القذافي عام ‪ 1977‬بعام واحدعن قيام سلطة الشعب‪ ،‬وانبالج‬ ‫عصر اجلماهير أو عصر االنعتاق النهائي ‪ -‬وهي تسميات يحلو للقذافي أن‬ ‫يكررها في كل مناسبة ‪  -‬جاءت األحداث الدامية في السابع من أبريل ‪76‬‬ ‫والتي قال عنها القذافي شخصيا إنها قربت من قيام سلطة الشعب‪.‬‬ ‫هناك روايتان ملا حدث ذلك اليوم‪ :‬رواية النظام أو رواية اللجان الثورية تقول‪:‬‬ ‫«إن ثورة الطالب في ابريل قامت رفضا للنظام الرجعي املتعفن‪ ،‬اميانا ً منها‬

‫مببادئ وفكر معمر القذافي الذي حرّض على القضاء النهائي على الرجعية‬ ‫املتخلفة في كل املؤسسات التعليمية آنذاك‪ ،‬والتي تعد أهم الركائز التي‬ ‫يعول عليها اجملتمع اجلماهيري الواعي‪ ،‬بثورة طالبية تكتسح الرجعية‬ ‫وتطهر املؤسسات التعليمية من بقاياها ومن العنكبوت الذي عشعش‬ ‫في العقول‪ ،‬وكبح حرية التفكير حيث اقتصر التعليم على فئة معينة‬ ‫ووحيدة‪ ،‬أما باقي افراد الشعب فكانوا محرومني من هذا احلق»‪.‬‬ ‫الرواية الثانية‪ ،‬كتبها التاريخ‪ ،‬فحكم بأن كل هذا الكالم الثوري ليس إال‬ ‫ذرا للرماد في العيون‪ ،‬فالقذافي كان يهيئ لنموذجه االشتركي املتمثل في‬ ‫الكتاب األخضر‪ .‬ولكنه كان يعرف أن أفكاره هذه ستصطدم برؤى طلبة‬ ‫اجلامعات‪ ،‬فرأى أن يصفي حساباته معها أوال‪ .‬واستخدم في ذلك مصطلحا‬ ‫واضحا هو «تطهير اجلامعات من اليمني املتعفن»‪.‬‬ ‫فالنظام الفتي‪ ،‬في وقتها‪ ،‬كان يعد لهذا اليوم‪ ،‬وقام بإقحام الطلبة‬ ‫وإعدادهم في امللتقيات واملعسكرات العقائدية التي يسميها إلى اآلن‬ ‫معسكرات «سواعد وأشبال الفاحت» ثم جزهم في اجلامعات اخملتلفة‬ ‫لينفذوا إرادته وسياساته‪ .‬وهذا ما حدث‪.‬‬ ‫لقد كانت أحداث دامية قتل فيها عدد من الطلبة الذين كانوا من املعارضني‬ ‫لسياسة النظام ذي الرؤية الواحدة‪ .‬كما زج بالكثير منهم في السجون‬ ‫ومكثوا فيها مددا طويلة جدا حيث دخلوها شبابا وخرجوا منها كهوال‪،‬‬ ‫وأطلق القذافي كثيرا منهم في مسرحية "دكه للسجون" ببلدوزر في ما‬ ‫سماه يوم ‪« ‬أصبح الصبح»‪ .‬لكن هناك أعداد من هؤالء الطالب لم يعودوا‬ ‫حتى اليوم إلى أهاليهم‪.‬‬ ‫بيد أن ما حدث بعد هذا التاريخ سيظل من األمور املريعة واملضحكة في‬ ‫اآلن نفسه في تاريخ ليبيا احلديث‪ .‬لقد تعرض اجملتمع الليبي ألسوأ فوضى‬ ‫عرفتها املنطقة‪ ،‬عندما شرع القذافي في تطبيق أفكار كتابه األخضر‬ ‫بالقوة على اجملتمع الليبي‪.‬‬ ‫من حتزّب خان‬ ‫ولنبدأ مبقولة من مقوالت هذا الكتاب وهي من «حتزب خان»‪ .‬حيث نكّل‬ ‫النظام باحلزبيني ومنع تشكيل األحزاب حتت أي مسمى وزج بقادتها‬ ‫واملنتمني إليها في السجون‪ .‬وطبق النظام مقولة «البيت لساكنه»‬ ‫بتعسف ومن دون استفتاء إذ أصبح كل انسان يسكن في بيت باإليجار‬ ‫ميلك هذا البيت‪ .‬ولنتصور وقع هذا األمر على القطاع العقاري الذي أحرقت‬ ‫ملفاته في ما بعد عمدا من قبل أجهزة النظام من اللجان الثورية‪ ،‬ليصبح‬ ‫من الصعب على أي شخص ميلك عقارا تقدمي دليل على ذلك‪ .‬ووفقا لهذا‬ ‫التطبيق الفوضوي اجملحف عمت الفوضى والتذمر‪ ،‬وسعى العقاريون إلى‬ ‫بيع أمالكهم بأثمان بخسة والفرار إلى اخلارج‪.‬‬ ‫ومما ال‪  ‬شك فيه أن القذافي جنح جناحا باهرا في القضاء على الطبقة الثرية‬ ‫في اجملتمع الليبي مبصادرة أمالكها والتضييق عليها ومحاصرتها وكان من‬ ‫أبرز هؤالء األثرياء عائلة "طاطاناكي" التي كانت متلك عقارات وأراض واسعة‬ ‫في طرابلس‪ .‬ولكن بدأت تنمو في البالد في ما بعد‪ ،‬طبقة أخرى من األثرياء‬ ‫اجلدد أكثر شراسة وثراء من طاطاناكي نفسها‪ ،‬لتأسس بعد ذلك للفساد‬ ‫والرشوة واحملسوبية والوساطة‪.‬‬ ‫وقد أنفقت أموال طائلة على الكتاب األخضر وطبع بكل اللغات احلية‬ ‫وامليتة منها‪ ،‬وأنشئ له مركز رئيس في طرابلس سمي «املركز العاملي‬ ‫لدراسات وأبحاث الكتاب األخضر» يوظف الطلبة وأساتذة اجلامعات من كل‬ ‫أرجاء الدنيا ويطلب منهم كتابة بحوث ودراسات حول هذا الكتاب مقابل‬ ‫أموال طائلة‪ .‬وقام هذا املركز بإقامة الندوات في جامعات عاملية شهيرة‬ ‫مثل جامعة كاركاس في فنزويال وجامعتي مدريد والسربون وأكرا في غانا‬ ‫باإلضافة إلى معظم اجلامعات األفريقية‪ .‬وكان الطلبة من جميع أنحاء‬ ‫العالم يأتون للدراسة في ليبيا على نفقة هذا املركز‪ ،‬حيث يتم تدريسهم‬ ‫الكتاب األخضر‪ ،‬وبعد ذلك يطلب منهم أن يكونوا «مبشرين بهذا الكتاب»‬ ‫يعني تدريسه وتوزيعه في بلدانهم مقابل أموال مجزية‪.‬‬ ‫وهكذا أصبحت كل الكتب في ليبيا قربانا للكتاب األخضر‪ ،‬وأصبح املثقفون‬ ‫الليبيون يئنون في صمت‪ .‬وكان ال يجرؤ أحد منهم أن يخرج كتابا إلى النور‪،‬‬

‫العدد ‪ ،1564‬يونيو ‪2011‬‬

‫‪17‬‬


‫● شؤون سياسية‬

‫القذافي من «ندوة الفكر» إلى االستبداد املطلق‬

‫الرأي ما يراه العقيد‬

‫كانت بداية سبعينات القرن املاضي في ليبيا مرحلة غير محددة املعالم‪ ،‬وظل هذا األمر قائما حتى بعد «النقاط اخلمس»‬ ‫التي أعلنها القذافي عام ‪ 1973‬في خطاب زوارة الشهير‪ ،‬وأعلن فيها‪ :‬إعالن الثورة الشعبية‪ ،‬والثورة الثقافية وتعطيل كل‬ ‫القوانني املعمل بها‪ ،‬وتطهير البالد من جميع املرضى واملندسني‪ ،‬وإعالن الثورة اإلدارية والقضاء على البيروقراطية‪.‬‬ ‫عزالدين سنيقرة‬

‫بي‪ ،‬ولم يظهر هذا‬ ‫لم تكشف حركة ‪ 1969‬عن أيديولوجيتها بشكل نّ‬ ‫واضحا إال عام ‪ 1977‬عندما أعلن القذافي أن ليبيا سيكون اسمها من‬ ‫اآلن فصاعدا «اجلماهيرية» عوضا عن اجلمهورية‪ ،‬حيث شرع القذافي في‬ ‫تطبيق كتابه األخضر تطبيقا عمليا على اجملتمع الليبي‪ .‬ومن ذلك التاريخ‬ ‫تبنت ليبيا "االشتراكية"‪.‬‬ ‫قبل اخلوض في ما حدث عام ‪ 1977‬وما بعده‪ ،‬ينبغي معرفة مقدمات‬ ‫هذا االنتقال االستبدادي الفردي املطلق من بداية االنتقال من اجلمهورية‬ ‫إلى اجلماهيرية‪ .‬ومن هذا التاريخ بالذات بدأت قبضة القذافي احلديدية‬ ‫احلقيقية وسلطته املطلقة تأخذان منحى استبداديا طاغيا‪.‬‬ ‫بعيدا عن التحامل أو اإلجحاف‪ ،‬كانت البداية حسنة ومشجعة‪ ،‬فقد‬ ‫تنفس املثقفون الليبيون الصعداء عندما علموا أن حركة الضباط تنوي‬ ‫اقامة حوار وطني كبير يجمع كل األطياف والتيارات السياسية والدينية‪.‬‬ ‫‪16‬‬

‫وفعال جاء الوعد وأقيمت ندوة كبرى حتت مسمى «ندوة الفكر الثوري» بثت‬ ‫على الهواء مباشرة‪ ،‬واستغرقت أسابيع واتسم فيها النقاش باحلرية التامة‬ ‫واملطلقة‪.‬‬ ‫كان الليبيون يستمعون فيها لكل التيارات والتنظيمات السياسية‬ ‫داخل ليبيا‪ .‬وكانوا ينصتون إلى احلوارات السياسية الناضجة والبناءة‪.‬‬ ‫والتصادمات الفكرية املمتعة واملتعددة‪.‬‬ ‫يذكر أهل ذاك الزمان في ليبيا تلك احلادثة بني مدير الندوة الرائد بشير‬ ‫هوادي‪ ،‬عضو مجلس قيادة الثورة في ذلك احلني‪ ،‬والكاتب الكبير الصادق‬ ‫النيهوم‪ .‬فقد انتقد هوادي لباس الصادق وطلب منه أن يترك لباس اجلينز‬ ‫وأن يرتدي بدلة‪ ،‬أو لباسا أنيقا مقبوال‪ .‬ولم يرد الصادق على هوادي‪ .‬وفي‬ ‫اليوم التالي قدم الصادق باللباس نفسه‪ ،‬ولكنه كان يحمل معه بدلة‬ ‫أنيقة مع مشجبها‪ ،‬وعندما طلب هوادي من الصادق أن يتحدث‪ ،‬أشار إليه‬ ‫الصادق بأن يتوجه بسؤاله للبدلة‪.‬‬


‫واشنطن فشلت في توحيد القوى العراقية إلى جانبها ما‬ ‫افضى إلى تزايد النفوذ اإليراني واضعاف جهود واشنطن في‬ ‫توفير الشروط املساعدة النسحاب قواتها في الوقت احملدد‬ ‫والتي زادت تعقيدا مع املتغييرات التي شهدتها املنطقة‬ ‫القلق االميركي الذي دفع واشنطن للدخول في مساومة مع احلكومة العراقية‬ ‫لتمديد تواجد قواتها في هذا البلد‪ ،‬حسب بعض املقربني من هذه االدارة‪ ،‬مرده إلى‬ ‫قلقها من السيطرة اإليرانية وتأثيرها على احلكومة العراقية عن طريق حلفائها‬ ‫النافذين واملسيطرين على قرار احلكومة بشكل كبير وواضح يتناقض في جوهره‬ ‫مع الرغبات االميركية‪.‬‬ ‫وتعتقد االدارة االميركية حسب هؤالء املقربني‪ ،‬انها تدرك ما ستكون عليه‬ ‫طبيعة رد احلكومة العراقية‪ ،‬اال انها تتخوف من ردة الفعل الشعبية في حال‬ ‫موافقة احلكومة على الرغبة االميركية‪ ،‬التي ستكون عامة تتفاوت بني املطالبة‬ ‫باالستقالة او التهديد بالتصدي الذي قد يصل إلى البعد العسكري‪.‬‬ ‫وقد توقف الكثير من املراقبني امام ما اعلنه زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر‪،‬‬ ‫والدعوة إلى استعراض ملناصريه ما جعل البعض يعتقد بان التصدي اليران في‬ ‫العراق سيكون امرا محفوفا باخملاطر وال بد من التفاهم معها باعتبارها قوة‬ ‫اقليمية صاعدة في املنطقة‪ ،‬وان وجود اكثر من ‪ 170‬الف جندي في العراق لم‬ ‫يستطع قطع الطريق او احلد من النفوذ اإليراني في هذا‪ .‬فكيف ميكن آلالف عدة‬ ‫من اجلنود حسب االتفاقية ان تكون قادرة على مواجهة النفوذ واالنتشار اإليراني‬ ‫داخل العراق ومؤسساته الرسمية واملدنية‪.‬‬ ‫استنفار‬ ‫وتعتقد هذه االوساط ان الهدف االميركي من ابقاء ‪ 20‬الف من جيوشها في‬ ‫العراق هو البقاء القيادة اإليراني في حال استنفار‪ ،‬اال ان هذه القوات لن تكون قادرة‬ ‫على التصدي للغضب اإليراني في حال وصلت االمور بني الطرفني إلى حد االنفجار‪،‬‬ ‫وهذا ما يدفع إلى االعتقاد بان الطلب االميركي بتمديد تواجد القوات يعود إلى‬ ‫تقديرات لدى واشنطن من ان حالة االرباك وعدم االستقرار التي تعيشها املنطقة‬ ‫قد تدفع باالمور إلى االنفالت ما قد يؤثر مباشرة على امن الدولة االسرائيلية‪ ،‬وان‬ ‫عليها االبقاء على وجودها العسكري قريبا وجاهزا وقادرا على التحرك والتدخل‬ ‫السريع في حال حصول أي تطور دراماتيكي‪ ،‬وقد زاد من هذه اخملاوف ما شهدته‬ ‫احلدود اللبنانية والسورية من حترك غير متوقع كاد ان يطيح مبعادلة االستقرار‪،‬‬ ‫اضافة إلى محاولة طمأنة حلفاء اخرين من انها ملتزمة معهم مبواجهة‬ ‫الطموحات االيرانية في ظل صعوبة التعايش مع طموحاتها االقليمية التي ال‬ ‫ميكن االعتراف بها‪.‬‬ ‫واذا ما كانت االرادة االيرانية قد التقت إلى حد ما مع االرادة االميركية على ابقاء‬ ‫الرعاية للدولة العراقية وبالتالي القول بانها غير قادرة على حتمل مسؤوليتها‬ ‫بشكل مستقل بعد االنسحاب‪ ،‬وقد التقتا ايضا في التصدي لتقسيم العراق‪.‬‬ ‫اال ان واشنطن فشلت في توحيد القوى العراقية إلى جانبها ما افضى إلى تزايد‬ ‫النفوذ اإليراني واضعاف جهود واشنطن في توفير الشروط املساعدة النسحاب‬ ‫قواتها في الوقت احملدد والتي زادت تعقيدا مع املتغييرات التي شهدتها املنطقة‪.‬‬

‫طرفي كماشة الضغط العسكري التي قد تستخدمها واشنطن ضدها‪ ،‬أي ان‬ ‫استمرار تواجد قوات اميركية في العراق اكثر من العدد الذي حددته االتفاقية‬ ‫االمنية بني البلدين‪ ،‬سيجعل منها قوة ضاربة ومهددة اليران اذا ما اضيفت إلى‬ ‫القوات االميركية املنتشرة في افغانستان والتي يفوق عددها املائة والعشرين‬ ‫الفا تضاف اليها قوات التحالف الدولي‪ ،‬ما يفرض على طهران تشتيت قواها‬ ‫العسكرية على اكثر من جبهة حربية‪ .‬في املقابل يعتقد البعض في واشنطن‬ ‫ان استمرار التواجد العسكري في العراق باحلد الذي يسمح بخوض معركة‬ ‫عسكرية مع إيران‪ ،‬هو امر يفوق قدرة واستطاعة واشنطن في هذه املرحلة‪ ،‬وان‬ ‫تخفيض عدد هذه القوات سيضع القيادة العسكرية االميركية امام حقيقة‬ ‫يصعب معها التحرش بايران الن ذلك سيجعل من هذه القوات لقمة سائغة‬ ‫لفرق املوت االيرانية‪.‬‬ ‫في املقابل يعتقد بعض املقربني من طهران‪ ،‬ان االخيرة ال ترغب بانسحاب كامل‬ ‫للقوات االميركية من العراق وال تريد توسيع هذا التواجد بل االلتزام باحلدود‬ ‫واحلجم الذي اقرته االتفاقية االمنية‪ ،‬وتعتقد ايضا ان التحرك الذي بدأ في االيام‬ ‫االخيرة من محافظة النجف‪ ،‬ويقوم على رفع عرائض ملسؤولي احملافظات باصدار‬ ‫قوانني متنع القوات االميركية من دخول احملافظات‪ ،‬قد يشكل مؤشرا على الرغبة‬ ‫االيرانية هذه‪.‬‬ ‫تهديد‬ ‫ويرى هؤالء ان التهديد الذي صدر عن جماعة التيار الصدري وجيش املهدي للقوات‬ ‫االميركية بالعودة إلى الساحة جاء انطالقا من ان قيادة هذا التيار احلليفة اليران‬ ‫التي ال تريد أي تعديل على نص االتفاقية‪ ،‬وتطالب بتطبيق االتفاقية من دون‬ ‫احلديث عن تعديل حجم القوات الذي من املمكن ان يتم املوافقة عليه في حال مت‬ ‫االلتزام ببقائها في قواعدها اخملصصة خارج املدن العراقية‪.‬‬ ‫ويعتقد بعض هؤالء املقربني ان تهديد التيار الصدري للقوات االميركية قد ال‬ ‫يكون املقصود منه الضغط على االدارة االميركية الخراج قواتها من العراق‪ ،‬بل قد‬ ‫يكون تهديدا لهذه االدارة انه في حال قامت بااللتزام باالتفاقية وسحبت قواتها‬ ‫فان عناصر جيش املهدي والتيار الصدري سيقومون باستهداف من سيتبقى من‬ ‫خبراء ومدربي هذه القوات وضرب االستقرار في العراق وحتويله إلى منصة لضرب‬ ‫االستقرار في املنطقة‪.‬‬ ‫ويجهد حلفاء طهران والقيادة االيرانية من ورائهم استغالل املوقع الصعب‬ ‫لواشنطن في العراق‪ ،‬فهي غير قادرة من جهة على تخفيض حجم تورطها في‬ ‫املوضوع العراقي‪ ،‬وهم غير قادرين على االستمرار بالوضع احلالي من جهة اخرى‪.‬‬ ‫واالنسحاب سيساعد طهران على حتريك حلفائها للضغط السياسي واالمني‬ ‫والعسكري على احلكومة العراقية واجبارها على اعادة النظر بعالقاتها مع اميركا‬ ‫وهذا سيكون على حساب القوى واالحزاب التي سعت اليجاد حالة من التوازن في‬ ‫عالقاتها بني طهران وواشنطن‪.‬‬ ‫ويبدو من املبكر وصف إيران بالفائز االكبر في العراق في مقابل خسارة اميركية‪،‬‬ ‫لكن ممن املمكن ان يتحول هذا الوصف إلى واقع اذا لم تواجه واشنطن بحزم كبير‬ ‫النفوذ اإليراني في هذا البلد وان تتخذ خطوات عملية اقلها‬ ‫‪ – 1‬دعم القوات املسلحة العراقية وتعزيز قدراتها لتولي امللف االمني وفرض‬ ‫االستقرار‪.‬‬ ‫‪ – 2‬العمل على عزل التيار الصدري وكل القوى املتطرفة من كل املكونات‬ ‫الطائفية العراقية‪.‬‬ ‫‪ – 3‬مساعدة العراق على استعادة موقعه االقتصادي خصوصا على صعيد‬ ‫الصناعات النفطية‪.‬‬

‫ان تزامن انسحاب القوات االميركية من العراق مع التطورات التي تشهدها‬ ‫املنطقة خصوصا الشرق االوسط هو حتما ليس من تخطيط اإليرانيني‪ ،‬لكنهم‬ ‫بال شك سيستفيدون منه وسيحاولون توظيفه لصاحلهم‪ ،‬انطالقا من ان أي‬ ‫تغيير في املنطقة اذا لم يكن في السياق الذي يريدونه فانه على االقل لن يخلق‬ ‫وضعا مشابها للوضع السابق ولن يكون باحلدة نفسها من العداء للطموحات‬ ‫االيرانية االقليمية‪ ،‬اضافة إلى ان إيران ستستفيد من االرباك الذي ستحدثه هذه‬ ‫املتغيرات على الدول التي تعتبرها منافسة لها في املنطقة وستحاول توريطها‬ ‫في ازمات متنقلة وانها لن تتوانى عن بذل أي جهد قد يساعد في تعقيد االمور‬ ‫على االخرين‪ ،‬وان اخلروج االميركي من العراق سيرفع من وتيرة التحديات التي‬ ‫تواجهها هذه الدول من دون ان تكون طهران مجبرة على الدخول في أي مغامرة‬ ‫عسكرية من اجل حتسني موقعها السياسي‪.‬‬

‫اما اذا قررت واشنطن تقليل وجودها العسكري في العراق‪ ،‬فان إيران التي تتمتع‬ ‫بعالقات حميمة ومختلفة وواسعة مع العراق‪ ،‬اقتصادية وثقافية واجتماعية‪،‬‬ ‫فانها ستكون املستفيد االول من هذه اخلطوة اكثر من أي دولة في املنطقة‪،‬‬ ‫وستعمل على تعزيز نفوذها في هذا البلد كاحد ابرز القوى االجنبية في العراق‬ ‫ما سيؤثر على نفوذ وتأثير الواليات املتحدة في املنطقة التي ستكون مدعوة إلى‬ ‫تعزيز تواجدها الدبلوماسي واالقتصادي واالستخباراتي والعسكري لقطع الطريق‬ ‫على هذا املسار‪.‬‬

‫وتعقتد طهران ان انسحاب القوات االميركية من العراق سيساهم في الغاء احد‬

‫‪ * ‬حسن فحص‪ -‬صحفي متخصص في الشؤون االيرانية‬

‫العدد ‪ ،1564‬يونيو ‪2011‬‬

‫‪15‬‬


‫● احلرب والسالم‬

‫هذا النفوذ اإليراني الواضح واملتشعب في احلياة السياسية العراقية وداخل‬ ‫مكوناتها احلزبية واالجتماعية وحتى الثقافية‪ ،‬دفع الكثير من هذه القوى إلى‬ ‫كسب ود القيادة االيرانية‪ ،‬حتى ولو كان ذلك يتعارض مع موقفها غير املعلن‬ ‫من طهران ‪ .‬وبالتالي فانها ستكون مجبرة على االخذ بعني االعتبار موقف التيار‬ ‫الصدري واحلركة التي قام بها جيش املهدي االستعراضية رفضا لتمديد االتفاقية‬ ‫االمنية للسماح ببقاء القوات االميركية في العراق‪ ،‬وبالتالي دفعهم للوقوف على‬ ‫حقيقة املوقف اإليراني من هذا االمر والعمل في اطاره وتنفيذ ما تريده إيران في‬ ‫رفض او قبول او تعقيد شروط التمديد ‪.‬‬ ‫واذا ما كان جيش املهدي قد خرج إلى شوارع العاصمة بغداد في استعراض للقوة‪،‬‬ ‫عسكري بلباس مدني‪ ،‬ضد متديد بقاء القوات االميركية ‪.‬‬ ‫فالشعب العراقي الذي ال يرغب في بقاء القوات االميركية بقدر رغبته في احلد‬ ‫ومنع التدخل اإليراني في شؤونه الداخلية والسياسية ‪ ،‬سيعيش حالة من الرعب‬ ‫على مستقبله في حال بقيت هذه القوات او انسحبت‪ ،‬الن االستعراض يكشف‬ ‫ما سيكون عليه مستقبل العراق السياسي واالمني في ظل وجود هذه القوة‬ ‫وامتداداتها االقليمية ‪.‬‬ ‫فهل سيوحد هذا التحدي‪ ،‬الذي اوجده التيار الصدري باستعراضه الهادف‪ ،‬مكونات‬ ‫الشعب العراقي ليعتبر هذا اليوم يوم مأساة عراقية تشبه بحجمها املأساة التي‬ ‫نزلت باالمام احلسني وآل بيته في صحراء كربالء في العام احلادي والستني للهجرة‬ ‫على يد جيش اخلليفة االموي يزيد ابن ابي سفيان‪ .‬وهل ستحول هذا اليوم إلى‬ ‫يوم يشبه يوم العاشر من محرم "عاشوراء " الذي يحييه العراقيون شيعة وسنة‬ ‫حزنا على احلسني عليه السالم‪ ،‬بان يخرجوا إلى الشوارع حاسري الرؤوس مطلقني‬ ‫عنانهم لـ" اللطم" على مستقبل العراق وسالمه وامنه في حال خرج االميركيون‬ ‫ام لم يخرجوا‪.‬‬ ‫إرادة‬ ‫في العام ‪ 2007‬وبعد تلويح االدارة االميركية في عهد الرئيس السابق جورج دبليو‬ ‫بوش بامكانية سحب القوات االميركية من العراق‪ ،‬اجتمعت اإلرادة العربية واالرادة‬ ‫االيرانية على رفض هذه اخلطوة او تنفيذ هذا االنسحاب‪.‬‬

‫بتدريب القوات العراقية في مؤسستي اجليش والشرطة واالستخبارات ‪.‬‬ ‫اثناءها رمت طهران بكل ثقلها عبر حلفائها الدخال تعديالت على هذه االتفاقية‪،‬‬ ‫وقد جنحت ‪ ،‬في ادخال بعض التعديالت التي تعبر عن الهاجس االيراني واخلوف‬ ‫من امكانية شن حرب ضدها في املستقبل‪ ،‬فتضمنت االتفاقية بندا يؤكد عدم‬ ‫استخدام االراضي العراقية كمنطلق لشن اي حرب على اي من دول اجلوار‪ .‬ومبا ان‬ ‫طموح االدارة االميركية كان التوصل إلى توقيع معاهدة استراتيجية بني الطرفني‬ ‫تعطي اجلانب االميركي حرية العمل العسكري وانشاء قواعد عسكرية متقدمة‬ ‫في العراق قادرة على استيعاب عدد كبير من اجلنود واالسلحة املتطورة واملتقدمة‪،‬‬ ‫فان اخلرق االيراني لهذا املسار اعتبرته طهران انتصارا استراتيجيا لها في مواجهتها‬ ‫مع واشنطن‪.‬‬ ‫متغيرات‬ ‫وفي العام ‪ 2011‬وبعد املتغيرات الدراماتيكية التي شهدها العالم العربي في دول‬ ‫كانت تعتبر نقطة ارتكاز لالدارة االميركية في الشرق االوسط وتوفر التوازن بوجه‬ ‫طموحات طهران وامتداداتها االقليمية عبر حلفائها من دول واحزاب ومنظمات‬ ‫وحركات ترفع شعار معارضة عملية التسوية والسالم في الشرق االوسط ‪ .‬هذه‬ ‫املتغييرات دفعت االدارة االميركية للبدء باعادة النظر في بعض خططها واسلوب‬ ‫تعاطيها مع حلفائها االق��يميني‪.‬‬ ‫خطوات كثير بدأتها وقامت بها واشنطن الستيعاب املتغيرات في منطقة الشرق‬ ‫االدنى او كما يسميه البعض – الربيع العربي – ولعل اهمها اخلطوة االستباقية‬ ‫في ما يتعلق باملوضوع العراقي‪ ،‬اذ قام وزير الدفاع االميركي روبرت غيتس بزيارة إلى‬ ‫العاصمة العراقية بغداد واجرى مباحثات مع القيادة العراقية طلب فيها ادخال‬ ‫تعديل على االتفاقية االمنية بني البلدين في النقطة املتعلقة بانسحاب كامل‬ ‫القوات االميركية من هذا البلد‪ .‬وتبعها الكالم الصادر عن واشنطن من انه اذا رغبت‬ ‫بغداد في بقاء القوات االميركية على اراضيها بعد التاريخ الذي حدد في االتفاقية‬ ‫االمنية أي في ‪ 31‬ديسمبر ‪ 2011‬فان عليها التقدم سريعا بطلب ذلك من واشنطن‬ ‫لتكون قادرة على القيام بخطوات جديدة في هذا االطار واال فان واشنطن لن تكون‬ ‫قادرة على البقاء في العراق‪ .‬واخلشية االميركية من التباطؤ العراقي بالرد السريع‬ ‫ينطلق من ان تلبية هذا الطلب بحاجة ملسار طويل ومعقد من التخطيط قد ال‬ ‫تكون االستجابة له ممكنة اذا تلكأت القيادة العراقية في اتخاذ اخلطوة املطلوبة ‪.‬‬

‫اجتماع االرادتني العربية وااليرانية على رفض اخلطوة االميركية كان من منطلقات‬ ‫على طرفي نقيض لدى كل منهما‪ ،‬واعتبر االنسحاب مبثابة تهديد ملصالح كال‬ ‫الطرفني في العراق‪  .‬فاملؤسسة العسكرية واالمنية ومعها املؤسسة السياسية‬ ‫في إيران التي اعلنت مرارا انها على استعداد ملساعدة االدارة االميركية وتوفير‬ ‫انسحاب مشرف لها من العراق في اطار صفقة اقليمية‪ ،‬رأت ‪ -‬في دائرة التخطيط‬ ‫والقرار ‪ -‬ان الوقت لم يحن بعد خلروج هذه القوات وال بد من اتخاذ خطوات تساهم‬ ‫في زيادة لزوجة املستنقع العراقي حتت اقدام االدارة االميركية ما يساعد على‬ ‫تشتيت جهودها وعدم التفكير او التركيز على الطموحات االيرانية في املنطقة من‬ ‫بوابة البرنامج النووي وتعقيد احتماالت اي حرب ممكنة قد تفكر بها واشنطن ضدها‬ ‫‪ .‬وتذرعت طهران آنذاك بان الدولة العراقية لم تصل إلى املستوى من القدرة على ثم وفي خطوة تكشف وجود تغير في موقف املالكي باجتاه تعاط اكثر إيجابية مع‬ ‫ضبط االمن وان االنسحاب من العراق يعني ادخال املنطقة في حال من الفوضى الطلب االميركي‪ ،‬اعلن انه ال يعارض متديد او تعديل بعض بنود االتفاقية في حال‬ ‫االمنية ستنعكس سلبا على استقرار جميع الدول والالعبني ‪.‬‬ ‫مت ذلك في اطار توافق كل االطراف العراقية وكل الكتل البرملانية التي يعود لها‬ ‫حق التقرير في أي تعديل على االتفاقية وطبيعته‪ ،‬وهي التي تقرر حجم القوات‬ ‫اما االسباب املوجبة لرفض الدول العربية لالنسحاب االميركي من العراق في تلك االميركية التي ستبقى ان كان كخبراء ال يتعدى عددهم ثمانية آالف ملهمة التدريب‬ ‫املرحلة‪ ،‬وما تزال حتى االن – والتي كانت تتقاطع مع موقف مؤيد لها داخل االدارة على االسلحة االميركية التي متلكها القوات املسلحة العراقية ام البقاء في‬ ‫االميركية –‪  ‬فقد كانت من منطلقات اعتبرت ان االنسحاب سيكون مبثابة تقدمي معسكرات خارج املدن باعداد كبيرة قد تصل إلى اكثر من خمسني الفا‪.‬‬ ‫انتصار مجاني لاليرانيني الذين سيستغلون الوضع الحكام سيطرتهم وتعزيزها‬ ‫على العراق سياسيا وامنيا واقتصاديا وثقافيا‪.‬‬ ‫املالكي في هذا املوقف فتح بابا مواربا لالدارة االميركية من دون ان يتخذ موقفا‬ ‫واضحا من الطلب الذي تقدمت به‪ ،‬وربط االمر بتوافق وطني بني الكتل البرملانية‬ ‫في اواخر عهد الرئيس بوش عام ‪ 2008‬توصل الطرفان االميركي والعراقي إلى التي متتلك القدرة على ادخال أي تعديل على االتفاقية التي وقعها مع الرئيس بوش‪.‬‬ ‫تفاهم حول توقيع معاهدة امنية تسمح لواشنطن بسحب قواتها من العراق مع‬ ‫االبقاء على عدد محدد من عناصرها داخل معسكرات خارج املدن العراقية والقيام وورقة العودة إلى البرملان التي رفعها املالكي بوجه واشنطن تترك الباب لطهران‬ ‫مفتوحا للمساومة واللعب على امكانية املوافقة او عدمها‪ ،‬انطالقا من انها متلك‬ ‫في العام ‪ 2007‬وبعد تلويح االدارة االميركية بامكانية تأثيرا على الكتلة البرملانية االكبر التي اوصلت املالكي إلى رئاسة الوزراء‪ ،‬اضافة إلى‬ ‫امكانية التحالف مع اصوات اخرى من خارج الكتلة الشيعية البرملانية‪ ،‬وبالتالي‬ ‫سحب القوات االميركية من العراق‪ ،‬اجتمعت اإلرادة ستكون قادرة على مترير التعديل او عرقلته او ايقافه‪.‬‬ ‫تباين‬ ‫التوجه االميركي لتمديد تواجد قواته في العراق كشف عن خالف حصل داخل‬ ‫القيادة العراقية حول التعاطي مع الطلب او الرغبة االميركية‪ ،‬ففي الوقت الذي‬ ‫ابدت فيه القائمة العراقية وزعيمها رئيس الوزراء السابق اياد عالوي إيجابية‬ ‫وتفهما للطلب االميركي‪ ،‬سارع رئيس الوزراء نوري املالكي إلى التأكيد ان القوات‬ ‫املسلحة العراقية باتت قادرة على تولي املسؤوليات االمنية في كامل العراق وال‬ ‫تعديل على االتفاقية االمنية وعلى القوات االميركية االنسحاب في الوقت احملدد‬ ‫في االتفاقية ‪.‬‬

‫العربية واالرادة االيرانية على رفض هذه اخلطوة او تنفيذ‬ ‫هذا االنسحاب‬ ‫‪14‬‬

‫هذه التعددية في املواقف العراقية كشفت وجود ضغوط اميركية على احلكومة‬ ‫العراقية للقيام بتغيير سريع في موقفها من االنسحاب على امل ان يساعد بقاء‬ ‫هذه القوات في التأثير على بعض االحداث التي تشهدها املنطقة من تعقيدات‬


‫دخل التيار الصدري في االنتخابات البرملانية بداية عام ‪ 2010‬بشكل قوي ومؤثر‪،‬‬ ‫فاستطاع احلصول على املركز الثالث بني الكتل االنتخابية بعد كتلة العراقية‬ ‫بزعامة اياد عالوي وكتلة دولة القانون بزعامة نوري املالكي‪ ،‬ودفعت كتلة اجمللس‬ ‫االعلى االسالمي في العراق بزعامة عمار احلكيم إلى املركز الوراء على الرغم من‬ ‫أن التحالف بني الطرفني قد جرى مبباركة وطلب ايراني واضح‪ ،‬حتى ان مرشح‬ ‫التيار الصدري في محافظة "الناصرية" اجلنوبية احتل املركز االول بني الناجحني‬ ‫على حساب مرشح تيار اجمللس االعلى عادل عبداملهدي ابن املدينة ونائب رئيس‬ ‫اجلمهورية ‪.‬‬ ‫هذا املوقع املتقدم للتيار الصدري فرضه شريكا اساسيا ومقررا في تركيب احلكومة‬ ‫العراقية ورئيسها القادم‪ .‬الزيارات الكثيرة واملتكررة للمسؤولني اإليرانيني إلى‬ ‫العراق قبل تشكيل احلكومة كزيارة رئيس البرملان علي الريجاني ووزير اخلارجية‬ ‫حينها منوتشهر متكي‪ ،‬ساهمت في اخراج االتفاق على توحيد النواب الشيعة‬ ‫الفائزين من دولة القانون واالئتالف الوطني في كتلة واحدة حتت اسم " التحالف‬ ‫الوطني" تضم مائة وتسعة وخمسني نائبا (‪.)159‬‬

‫العدد ‪ ،1564‬يونيو ‪2011‬‬

‫وعلى الرغم من هذا الدور اإليراني الكبير والواضح في تركيب التحالف‪ ،‬اال ان الصدر‬ ‫لم يقدم أي تنازالت مجانية تساعد على عودة املالكي املتسمك بترشحه وتوليه‬ ‫رئاسة الوزراء للمرة الثانية ‪ ،‬وقد تذرع الصدر بتاريخ صراعه مع املالكي ومعركتي‬ ‫البصرة ومدينة الصدر في بغداد للحصول على مكاسب سياسية وادارية اكبر من‬ ‫املالكي ‪.‬‬ ‫مفاتيح‬ ‫حتول الصدر في احلكومة العراقية اجلديدة التي تشكلت اواخر ‪ 2010‬إلى احد‬ ‫مفاتيح القرار السياسي واالمني واالداري في العراق‪ ،‬وحتول إلى اهم نافذة ايرانية‬ ‫على الساحة العراقية إلى جانب النوافذ االخرى التاريخية كحزب الدعوة وحزب‬ ‫بدر(منظمة بدر) واجمللس االعلى االسالمي في العراق (احلكيم) وعصائب اهل‬ ‫احلق التي خرجت من رحم التيار الصدري وجيش املهدي وحزب االصالح (ابراهيم‬ ‫اجلعفري)‪.‬‬ ‫ولعل املواقف التي ادلى بها رئيس الوزراء العراقي االسبق اياد عالوي خالل ازمة‬ ‫اختيار رئيس الوزراء القادم حول الدور اإليراني في هذا االختيار وانه من غير املمكن‬ ‫وصول رئيس للوزراء في العراق "ال ترضى عنه إيران" يشكل بوضوح عمق النفوذ‬ ‫اإليراني وفي الوقت نفسه عمق االزمة العراقية السياسية ‪.‬‬ ‫‪13‬‬


‫● احلرب والسالم‬

‫العراق‬

‫االنسحاب العسكري االميركي وصراع املصالح مع إيران‬

‫لطم على مستقبل‬

‫رسم االستعراض الضخم الذي قامت به قوات وعناصر تابعة جليش‬ ‫املهدي بزعامة رجل الدين الشاب مقتدى الصدر في العاصمة العراقية‬ ‫بغداد عالمات استفهام كبيرة وكثيرة عن االهداف واجلهات التي تقف وراء‬ ‫هذا العمل‪ ،‬وهل تقتصر االهداف على تأكيد املطالبة بانسحاب القوات‬ ‫االميركية من العراق بناء على االلتزام باالتفاقية االمنية املوقعة بني‬ ‫الطرفني‪ ،‬ام انها حتمل رسائل من اطراف تقع خارج حدود الدولة العراقية‬ ‫موجهة للعراقيني في الداخل واالدارة االميركية في واشنطن؟‬ ‫‪ * ‬حسن فحص‬ ‫العودة املدوية ملقتدى الصدر من منفاه االختياري في إيران إلى العراق حتت ظالل‬ ‫عودة جيش املهدي اجلناح العسكري للتيار الصدري الذي يتزعمه‪ ،‬تأتي في حلظة‬ ‫تاريخية تتشابك فيها حدة اجلدل حول امكانية التمديد لتواجد القوات االميركية‬ ‫في العراق وتطورات املنطقة التي تربك كل االطراف الدولية واالقليمية ومحاولتها‬ ‫للتأثير على كامل مساراتها او استثمارها في اطار الرؤية التي تخدم مصاحلها‪.‬‬ ‫االستعراض الكبير جليش املهدي وان كان مدنيا في تفاصيله اال انه كان عسكريا‬ ‫في ابعاده‪ ،‬بخاصة وانه كشف عن وجود كتلة بشرية على امت االستعداد واجلهوزية‬ ‫لتتحول إلى قوة عسكرية قادرة على قلب املعادلة االمنية في العراق خالل مدة‬ ‫وجيزة بفضل امتداداتها اجلغرافية والدميوغرافية االقليمية ‪.‬‬ ‫فبعد ان استطاع مقتدى الصدر‪ ،‬وتياره‪ ،‬فرض نفسه العبا ورقما صعبا في املعادلة‬ ‫السياسية واالنتخابية العراقية‪ ،‬فرض على كل االطراف استرضاءه ان كان خالل‬ ‫عملية االقتراع او خالل تشكيل احلكومة‪.‬‬ ‫الصدر الذي يعتبر القوة االبرز في جنوب العراق استطاع جتاوز نتائج املعركة التي‬ ‫فرضت عليه من قبل حكومة املالكي االولى والتي عرفت مبعركة البصرة في الثالث‬ ‫والعشرين من شهر مارس ‪ 2008‬وادت في نتائجها إلى خسارته السيطرة االمنية‬ ‫على محافظات اجلنوب مبساعدة من القوات االميركية ثم تالها في شهر ايار حصار‬ ‫معقله في بغداد داخل مدينة الصدر‪ ،‬وانتهت مبا اصطلح على تسميته تعزيز‬ ‫سلطة وقدرة احلكومة املركزية االمنية والسياسية ‪.‬‬ ‫جيش املهدي الذي تشكل بدايات العام ‪ 2004‬بعد الدخول االميركي إلى العراق‪،‬‬ ‫خاض اولى معاركه العسكرية ضد القوات االميركية في مدنية النجف االشرف‬ ‫معقل احلوزة الدينية في ابريل عام ‪ ،2004‬وهي املعركة التي اربكت احلسابات‬ ‫االميركية في تعاطيها مع الكتلة الشيعية العراقية وفرضت عليها اعادة‬ ‫حساباتها في اسلوب التعاطي مع مقدسات هذا املكون االساسي في العراق‪.‬‬ ‫معركة النجف اكسبت التيار الصدري قاعدة شعبية واسعة‪ ،‬خصوصا وانه حتول‬ ‫إلى قوة اجتماعي�� اهتمت ايضا إلى جانب عملها العسكري باجلانب االنساني‬ ‫ومساعدة احملتاجني واستقطاب العاطلني عن العمل من ابناء هذه الطائفة الكبيرة‪،‬‬ ‫ما حولها الحقا إلى تبني شعار الدفاع عن الشيعة في مواجهة الطوائف واملذاهب‬ ‫االخرى‪ ،‬ودخلت في لعبة احلرب الطائفية وحتولت "فرق املوت" التابعة جليش املهدي‬ ‫إلى احد اخطر الفاعلني فيها خصوصا بعد‪  ‬تفجير مقام االمامني العسكريني‬ ‫للشيعة االثنا عشرية في مدينة سامراء في فبراير عام ‪ ،2006‬واستمر نفوذ هذا‬ ‫التيار باالتساع حتى وصل عديد قواته‪ ،‬حسب التقديرات االميركية في العام ‪2007‬‬ ‫إلى اكثر من ‪ 60‬الف عنصر‪.‬‬ ‫مهادنة‬ ‫في العام ‪ 2007‬قرر التيار الصدري وبتوجيه من عمقه اإليراني الدخول او املشاركة‬ ‫‪12‬‬

‫في العملية السياسية في العراق‪ ،‬ما فرض عليه تبني قرار التخلي عن العمل‬ ‫العسكري او املهادنة مع االطراف االخرى املشاركة في العملية السياسية‪ .‬هذا‬ ‫القرار ساهم في احداث عملية فرز بني عناصر هذا التيار‪ ،‬فاجتهت الكتلة االكبر‬ ‫منه إلى العمل السياسي احلزبي املنظمة‪ ،‬في حني انزلقت مجموعات اخرى قليلة‬ ‫في اتون العنف الطائفي املنظم ‪.‬‬ ‫دخول التيار الصدري في العملية السياسية ساعد القوات االميركية واحلكومة‬ ‫العراقية على القاء القبض واعتقال عدد من قادة جيش املهدي الذين رفضوا‬ ‫االنصياع إلى القرار السياسي‪ ،‬ترافق ذلك مع اعالن مقتدى الصدر في صيف عام‬ ‫‪ 2007‬اول قرار للتيار بوقف اطالق النار ملدة ستة اشهر‪ ،‬ثم عاد وجدد هذا القرار‬ ‫في فبراير عام ‪ 2008‬ملدة ستة اشهر جديدة‪ ،‬اال ان استمرار اعمال العنف دفعت‬ ‫احلكومة العراقية ومبساعدة من القوات االميركية إلى اتخاذ قرار مبهاجمة معقل‬ ‫التيار في مدينة البصرة في ‪ 23‬مارس ‪.2008‬‬ ‫انتصار حكومة املالكي في البصرة لم يكن ناجزا حتى بعد املساعدة التي حصل‬ ‫عليها من القوات االميركية‪ ،‬فقد تعرض إلى محاولة اغتيال كاد تودي به‪ ،‬اال ان‬ ‫الوساطة االيرانية بني التيار الصدري واحلكومة سمحت لالخيرة ببسط سيطرتها‬ ‫ونفوذها على هذه املدينة ومحافظات جنوب العراق ‪.‬‬


‫تزايدت تكلفة عمليات القرصنة الصومالية بنسبة هائلة‪ ،‬وبلغت‬ ‫الفدية التي يتم دفعها سنويا إلى القراصنة نحو ‪ 238‬مليون دوالر‪.‬‬ ‫ويقدر خبير باألمم املتحدة التكلفة االقتصادية لعمليات القرصنة بـ‪5‬‬ ‫ ‪ 7‬مليارات دوالر سنويا‪ .‬وفي كينيا اجملاورة‪ ،‬تزيد عمليات القرصنة‬‫من تكلفة الواردات حتى أنها تصل إلى ‪ 23.9‬مليون دوالر شهريا‪،‬‬ ‫وفقا ألحد التقديرات‪ ،‬فيما يشير تقدير آخر إلى أن الزيادة في تكلفة‬ ‫الصادرات لكينيا نظرا لعمليات القرصنة أصبحت تصل إلى ‪9.8‬‬ ‫مليون دوالر شهريا‪.‬‬ ‫ومن جهة أخرى‪ ،‬ميكن أن ميثل غياب السلطة ‪ -‬املقصود في هذه احلال‬ ‫هو حكومة فعالة في الداخل وحرس سواحل صومالي ميكنه متشيط‬ ‫املياه الصومالية بكفاءة ‪ -‬الذي ميثل مشكلة بالنسبة لكثير من‬ ‫األطراف فرصة للبعض اآلخر‪ .‬وتعد شركات التأمني من أول األطراف‬ ‫التي حققت فوائد كبيرة نظرا للقرصنة الصومالية حيث إنها‬ ‫الضمان األخير ألصحاب السفن الذين يكون عليهم ترك سفنهم‬ ‫تعبر املياه التي يهيمن عليها القراصنة‪.‬‬ ‫وتعد شركات األمن اخلاصة آخر املنضمني لقائمة املستفيدين التي‬ ‫تتضمن بالفعل عددا من األطراف‪ .‬فوفقا ملا ذكرته «نيويورك تاميز»‪،‬‬ ‫تشارك شركة يقع مقرها بجنوب أفريقيا «ساركني»‪ ،‬ويقف وراءها‬ ‫إريك برينس مؤسس شركة «بالك ووتر»‪ ،‬في القتال ضد القرصنة‪،‬‬ ‫بالطبع في مقابل ماليني عدة من الدوالرات‪.‬‬ ‫وهناك نوعان من األنشطة غير الشرعية التي جتري في املنطقة‬ ‫االقتصادية الصومالية منذ بداية التسعينيات‪ .‬أحدها هو عمليات‬ ‫الصيد غير الشرعية التي تقوم بها السفن األجنبية بخاصة‬ ‫األوروبية واآلسيوية والتي تقدر مبئات املاليني من الدوالرات سنويا في‬ ‫أنواع مختلفة من الصيد‪.‬‬ ‫باإلضافة إلى التخلص من النفايات مبا فيها النفايات السامة‪ ،‬وهي‬ ‫العملية التي تقوم بها الشركات األجنبية في املياه الصومالية‪،‬‬ ‫وهي أحد النشاطات غير الشرعية األخرى التي حتدث في املنطقة‬ ‫االقتصادية الصومالية منذ التسعينيات‪ ،‬حيث إنه ميثل حال أرخص‬ ‫من الطرق التقليدية للتخلص من النفايات‪ .‬وفي ظل املوجات‬ ‫الهائلة التي ضربت األراضي الصومالية بعد موجات التسونامي‬ ‫في ديسمبر (كانون األول) ‪ 2004‬اندفعت النفايات السامة كافة‬ ‫إلى الشاطئ‪ .‬وباإلضافة إلى التسبب في عدد خطير من األمراض‬ ‫بالتزامن مع األمراض اإلشعاعية بني سكان شمال شرقي الصومال‪،‬‬ ‫فإن تلك اخمللفات السامة واإلفراط في الصيد قد عمال على تدمير‬ ‫احلياة البحرية مما دفع الصيادين إلى التحول إلى القرصنة‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من أن البعض يعتبر اإلفراط في الصيد باإلضافة إلى‬ ‫النفايات السامة من األسباب الرئيسة وراء مشكلة القرصنة في‬ ‫الصومال‪ ،‬فإنهما إلى حد كبير ميثالن عرضا للمشكلة األساسية‬ ‫وهي االضطرابات املزمنة في الصومال‪ ،‬حيث إن السلطات الصومالية‬ ‫لديها قدرة ضئيلة أو ليس لديها قدرة أصال على وضع حرس سواحل‬ ‫يكفي لضمان ممارسة الصومال لسيادتها على مياهها اإلقليمية‪.‬‬ ‫ورمبا يكون احلل الوحيد اجلذري لتلك املشكلة هو عالج مشكلة‬ ‫االضطرابات الدائمة في الصومال وكإجراء مبدئي تنفيذ عمليات‬ ‫لضرب القراصنة في املواقع التي يتمركزون بها على األرض‪ .‬وعلى‬ ‫الرغم من أن السيناريو السابق‪ ،‬في الوقت الذي تبدو فيه فكرة بناء‬ ‫الدولة مقلقة‪ ،‬يعد بعيد املنال ويتنافى مع إرادة اجملتمع الدولي‪،‬‬ ‫فإن الشيء نفسه ينطبق على اخليار األخير الذي يتعلق بضرب‬ ‫القراصنة على األرض وهو احلل الذي تستبعده قوات الدول املشاركة‬ ‫في العمليات البحرية‪ .‬ومن هذا املنطلق‪ ،‬فإن كلتا السياستني‪،‬‬ ‫من إرسال السفن العسكرية إلى حراسة سفن البترول‪ ،‬وإقامة‬ ‫محاكمات دولية حملاكمة القراصنة الذين عادة ما يطلق سراحهم‪،‬‬ ‫هما حالن للتغطية على املشكلة وليس حللها‪.‬‬ ‫*مانويل أمليدا‬ ‫العدد ‪ ،1564‬يونيو ‪2011‬‬

‫‪11‬‬


‫● احلرب والسالم‬

‫الصوماليون يختطفون السفن والدول الغنية والشركات األجنبية جتني األرباح‬

‫قراصنة القرن األفريقي‬

‫بالنسبة للصوماليني‪ ،‬تعد القرصنة في بعض األحيان‪ ،‬هي امللجأ األخير للحصول على دخل مربح‪ .‬إال أن الصيادين الذين حتولوا إلى قراصنة ليسوا‬ ‫الوحيدين الذين بإمكانهم حتقيق أرباح هائلة من ذلك النشاط ومن عدم وجود سلطة مسؤولة في املياه الصومالية‪ .‬حيث تشكل شركات التأمني‬ ‫وشركات األمن اخلاصة بالصيد غير الشرعي واملشروعات األجنبية التي تسعى إلى وسائل أرخص للتخلص من النفايات‪ ،‬اقتصادا بكامله في بحار‬ ‫القرن األفريقي نتيجة لالضطرابات املستمرة في البالد‪.‬‬ ‫مانويل أمليدا‬

‫في فبراير (شباط) من العام احلالي‪ ،‬رصدت مروحية تابعة للبحرية‬ ‫الدمناركية امللكية يختا خاصا يرفع العلم األميركي ويحمل اسم‬ ‫«ذا كويست» وهو يبحر على بعد نحو مائتي ميل جنوب شرقي‬ ‫جزيرة «مسيرة»‪ ،‬بعمان‪ .‬وبعد محاولة رجال البحرية الهولندية‬ ‫االتصال باليخت‪ ،‬اتضح أن اليخت أصبح حتت سيطرة القراصنة‬ ‫الصوماليني‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من التوتر الذي يسود املوقف‪ ،‬لم تكن هناك مخاوف‬ ‫كبرى بشأن سالمة الرهائن‪ ،‬حيث إنه في معظم مثل تلك املواقف‪،‬‬ ‫كان القراصنة الصوماليون يتبعون بروتوكوال غير رسمي‪ ،‬وهو‬ ‫احلفاظ على سالمة وتغذية الرهائن واملطالبة بفدية ماليني عدة من‬ ‫الدوالرات في مقابل حتريرهم‪ .‬ومبجرد دفع الفدية‪ ،‬يتم إطالق سراح‬ ‫الرهائن‪ ،‬ويعتزل الرهائن ويتزوج غالبهم‪ .‬إال أنه في تلك املرة لم‬ ‫تسر األمور على نفس النحو‪ .‬حيث ذهبت أربع سفن تابعة للبحرية‬ ‫األميركية وحاملة طائرات إلى اليخت اخملتطف‪ .‬وبعد حتقيق الهدف‬ ‫األول‪ ،‬أجريت اتصاالت بالقراصنة وبدأت املفاوضات‪ .‬وذهب اثنان من‬ ‫القراصنة إلى سفن البحرية األميركية الستئناف املفاوضات وظلوا‬ ‫طوال الليلة على منت السفينة‪ .‬ولكن في الصباح‪ ،‬قام القراصنة‬ ‫على منت اليخت بإطالق قذيفة صاروخية ضد سفينة البحرية‬ ‫‪10‬‬

‫األميركية التي كانت املفاوضات جتري عليها‪ ،‬وسمع دوي إطالق نيران‬ ‫داخل كابينة اليخت‪ .‬فقام رجال البحرية األميركية بدخول اليخت‬ ‫ليجدوا أن الرهائن كافة قد قتلوا وخسروا حياتهم في النهاية‪.‬‬ ‫وتقول إحدى روايات القصة إن زعيم القراصنة الذي ذهب إلى‬ ‫سفينة البحرية األميركية للتفاوض كان قد اتفق مع رجاله على أن‬ ‫يقتلوا الرهائن في حال عدم عودته‪ .‬وبالتالي كان القراصنة ينفذون‬ ‫السيناريو املتفق عليه‪.‬‬ ‫وتعد حلقة «ذا كويست» ذات النهاية املأساوية غير املسبوقة هي‬ ‫أحد الفصول احلديثة في املشكلة‪ ،‬التي وفقا للبيانات املتاحة تزداد‬ ‫سوءا سنويا‪ .‬وعلى الرغم من مشاركة بحرية عدد من دول حلف‬ ‫شمال األطلسي وبعض الدول األخرى مثل الصني والهند منذ عام‬ ‫‪ ،2008‬فإن عدد الهجمات تزايد مبعدالت هائلة‪ .‬ففي عام ‪،2010‬‬ ‫كان هناك نحو ‪ 44‬هجوما وهو ما يعد رقما متحفظا حيث إن نحو‬ ‫‪ 50‬في املائة فقط من الهجمات يتم اإلبالغ عنها للهيئات الدولية‪.‬‬ ‫وفي مارس (آذار) من العام احلالي‪ ،‬كانت هناك هجمات على نحو‬ ‫شبه يومي‪ ،‬كما قام القراصنة بتوسيع نطاق عملياتهم باستخدام‬ ‫السفن الكبيرة من الشرق األقصى إلى جزر املالديف وجنوبا وصوال‬ ‫إلى قناة موزمبيق‪ .‬وليس فقط عدد الهجمات هو الذي يتزايد‪ ،‬فقد‬


‫متوفرة الآن على‬

‫جملة العرب الدولية‬

‫املجلة‬ ‫تطبيقات املجلة‬ ‫تطبيقات‬


‫●● أقوال‬ ‫احملتويات‬

‫أقوال‬ ‫“املذابح ضد أبرياء في سوريا‬ ‫يجب أن يكون مشكلة ومصدر‬ ‫قلق للجميع‪ ..‬اعتقد انه بات‬ ‫على اجلميع التفكير في ما‬ ‫اذا كان االسد ميلك الشرعية‬ ‫ليحكم في بلده بعد هذا النوع‬ ‫من اجملازر”‬

‫وزير الدفاع األميركي روبرت غيتس في ندوة‬ ‫بالعاصمة البلجيكية بروكسل‬

‫“أمتنى لو كان هناك حل سريع ملشكالتنا االقتصادية‬ ‫ألبلغكم به‪ ،‬ولكن احلقيقة هي أننا لم ندخل في هذه‬ ‫الورطة بني عشية وضحاها‪ ،‬ولن نتخطاها هكذا‪ ،‬بل‬ ‫ستستغرق وقتا”‬

‫الرئيس األميركي باراك أوباما في خطابه األسبوعي حول وضع االقتصاد‬ ‫األميركي‬

‫“إن السؤال حتى وقت قريب‬ ‫كان هل القذافي نفسه‬ ‫ميكن ربطه بحوادث‬ ‫االغتصاب أو أنه شيء‬ ‫حدث في الثكنات‪..‬‬ ‫لكن اآلن نحن نتلقى‬ ‫معلومات بأن القذافي‬ ‫نفسه قرر إجازة أعمال‬ ‫االغتصاب و هذا شيء‬ ‫جديد”‬ ‫مدعي عام احملكمة اجلنائية الدولية‬ ‫لويس مورينو أوكامبو في مؤمتر صحفي‬ ‫باألمم ا��لتحدة‬

‫“ال يصح أن نرقع األمور على أساس حكومة‬ ‫أغلبية وحكومة شراكة‪ ،‬وهذه الشراكة ال‬ ‫تتحقق وأغلبية ال حتدث‪ ،‬ومن ثم تصير‬ ‫تكتالت على أساس بيع مواقف‪ ،‬فهذا‬ ‫في احلقيقة ال ينفع الشعب العراقي‪.‬‬ ‫ما يفيد الشعب العراقي هو أن تأتي‬ ‫حكومة قوية واضحة محددة من‬ ‫خالل االنتخابات النزيهة‪ ،‬تؤدي ما‬ ‫عليها وتعمل على حل ما تستطيعه‬ ‫من العقد‪ ،‬ألن هناك عقدا من الصعب‬ ‫حلها وأخرى نرى إمكانية حلها”‬

‫رئيس الوزراء العراقي األسبق وزعيم القائمة العراقية إياد‬ ‫عالوي في تصريحات لصحيفة “الشرق األوسط” السعودية‬

‫‪8‬‬

‫“الربيع العربي أتى برياح التغيير‪ ..‬لقد انطلقت‬ ‫شرارة الرغبة في التغيير في تونس‪ ،‬لكن كانت‬ ‫مصر هي التي شكلت مالمح الربيع العربي‪.‬‬ ‫ورياح التغيير اآلن تهب على كل‬ ‫مكان‪ .‬وليس بالضرورة أن‬ ‫يكون ذلك أمرا سيئا‪..‬‬ ‫نحن جزء من الربيع‬ ‫العربي‪ ،‬لكننا نرغب في‬ ‫التأكد من أنه في صالح‬ ‫تسط عليه‬ ‫الشعوب ولم‬ ‫ُ‬ ‫أطراف أخرى ملصلحتها‬ ‫اخلاصة”‬ ‫وزير اخلارجية البحريني الشيخ خالد بن‬ ‫أحمد آل خليفة في حديث مع صحيفة‬ ‫“واشنطن بوست” األميركية‬

‫“الثورة الشعبية خلقتها إرادة الشعب اليمني‪ ،‬الذي هو‬ ‫مصدر جميع السلطات‪ ،‬وصاحب الشرعية‪ ،‬ومن حقه‬ ‫انتزاع هذه الشرعية ملن وهبها له بإرادته‪ ..‬بأي شرعية‬ ‫يتحدى الرئيس شعبه‪ ،‬وبأي شرعية يضرب شعبه بسالح‬ ‫اجليش‪ ،‬ويقتل األمن ويجرح ويعتقل من يطالب باستعادة‬ ‫الشرعية إليه‪ ،‬ألنه مالكها”‬ ‫قائد الفرقة اليمنية األولى مدرع اللواء علي محسن صالح في حوار مع‬ ‫صحيفة “احلياة” اللندنية‬

‫«لن نخضع أبداً‪ ،‬لن تستطيعوا هزمية شعب مسلح‪،‬‬ ‫ستثور بنغازي ودرنة وطبرق والبيضاء واجلبل األخضر‪،‬‬ ‫سيكون هناك فدائي حتت كل شجرة في اجلبل األخضر‪،‬‬ ‫الى اإلمام بالزحف املليوني شرقا ً وغربا ً‪ ..‬أتكلم‬ ‫والقصف بجانبي‪ ،‬لكن روحي بيد اهلل‪ ،‬ال افكر في املوت‬ ‫او احلياة‪ ،‬بل القيام بالواجب»‬ ‫الزعيم الليبي معمر القذافي في تسجيل صوتي بثه‬ ‫التلفزيون الليبي‬

‫“موعد اجراء االنتخابات ليس‬ ‫مقدسا بل املهم هو حتقيق التوافق‬ ‫بشأنه وضمان ظروف جناح هذا‬ ‫االستحقاق وتأمني االمن واالستقرار‬ ‫للبالد”‬ ‫الوزير االول في احلكومة التونسية االنتقالية الباجي‬ ‫قائد السبسي خالل اجتماع عام في تونس العاصمة مع‬ ‫األحزاب وممثلي اجملتمع املدني‬


‫‪34‬‬

‫‪42‬‬

‫‪32‬‬ ‫العدد ‪ ،1564‬يونيو ‪2011‬‬

‫‪7‬‬


‫● احملتوى‬

‫احملتوى‬ ‫أقوال‬

‫‪8‬‬

‫احلرب والسالم‬

‫‪10‬‬

‫ •قراصنة القرن األفريقي‬ ‫ •لطم على مستقبل العراق‬

‫شؤون سياسية‬

‫‪16‬‬

‫خبز و حرية‬

‫‪22‬‬

‫الرأي ما يراه العقيد‬ ‫فقيه بال والية‬

‫الثمن االقتصادي للربيع العربي‬

‫بروفايل‬

‫‪28‬‬

‫ثروة األمم‬

‫‪32‬‬

‫ •ما قبل احلداثة‬

‫الوضع البشري‬

‫‪34‬‬

‫حوارات‬

‫‪40‬‬

‫ •قوامة التغيير‬

‫ •غريغوري غوس ‪ :‬االنتفاضات العربية «و ّحدت» الدول اخلليجية‬ ‫ •أحمد جنيب الشابي‪ :‬أرفض التحالف مع النهضة أو إقامة دولة‬ ‫عقائدية في تونس‬

‫اململكة العربية السعودية‬

‫‪46‬‬

‫الفن‬

‫‪50‬‬

‫النقاد‬

‫‪54‬‬

‫اختيار احملرر‬

‫‪58‬‬

‫الكلمة األخيرة‬

‫‪62‬‬

‫‪6‬‬

‫‪12‬‬


‫الكتاب المساهمون في هذا العدد‬ ‫بوال ميجيا‬ ‫تساهم مبقاالت في اجمللة وتقيم في تونس‪ .‬تعمل صحافية‬ ‫حرة ومستشارة في بنك التنمية اإلفريقي‪ ،‬حيث يركز عملها‬ ‫على التحديات االقتصادية واالجتماعية في افريقيا مع تركيز‬ ‫خاص على مصر وتونس وليبيا‪ .‬تخرجت في كلية االقتصاد‬ ‫بجامعة لندن ومعهد العلوم السياسية في باريس وجامعة‬ ‫شيكاغو‪.‬‬

‫غالية قباني‬ ‫كاتبة وروائية وناشطة حقوقية سورية مقيمة في لندن‪.‬‬ ‫عملت في الصحافة بعد تخرجها من كلية احلقوق والشريعة‬ ‫بالكويت وعملت محررة في صحيفة «الوطن» الكويتية‬ ‫ما بني ‪ 1979‬و ‪ 1990‬حني غادرت الكويت‪ .‬نشرت احلوارات‬ ‫والتحقيقات الصحفية والنقد السينمائي في مجموعة‬ ‫من الصحف واجملالت العربية ‪ .‬وباالضافة للعمل الصحفي‬ ‫تكتب املقالة‪ ،‬وقد نشر لها في صحف « احلياة» و»الشرق‬ ‫االوسط» و «الزمان»‪ .‬كما عملت مسؤولة للتحرير في‬ ‫مجلة «الرجل» التي تصدر في لندن عن الشركة السعودية‬ ‫للنشر ‪.‬‬ ‫تقيم في العاصمة البريطانية منذ العام ‪ 1994‬وانتسبت جملموعة من الدورات في‪ :‬النقد‬ ‫السينمائي‪ ،‬فن الرواية‪ ،‬السينما الوثائقية‪ ،‬واالدب االجنليزي‪.‬‬ ‫لها مجموعة قصصية بعنوان «حالنا وحال هذا العبد» صدرت في دمشق عام ‪ .1992‬ورواية‬ ‫«صباح إمرأة» صدرت عن املركز الثقافي العربي في بيروت عام ‪ .2000‬ومن بني أعمالها‬ ‫مجموعة قصصية عنوانها «فنجان شاي مع مسز روبنسون» عن دار «ميريت في القاهرة»‪.‬‬

‫ستيفن غلني‬ ‫صحفي مستقل و كاتب مقيم في واشنطن‪.‬انظم عام‬ ‫‪ 1991‬لصحيفة وول ستريت جورنال التي عينته مراسال‬ ‫في كوريا اجلنوبية واستمر بالعمل لديها طيلة عقد كامل‬ ‫مغطيا اخبار آسيا و الشرق االوسط من سيئول و طوكيو و تل‬ ‫ابيب و عمان‪ .‬و عمل ايضا مراسال لنيوزويك‪.‬‬ ‫ألف كتاب (احللم بدمشق‪ :‬اصوات عربية في منطقة‬ ‫مضطربة) (جون موري‪ ،‬اململكة املتحدة ) و فازت النسخة‬ ‫االميركية اجلديدة من كتابه التي صدرت بعنوان (املاللي و‬ ‫التجار وامليليشيا‪ :‬االنهيار االقتصادي للعالم العربي‪ .‬سانت‬ ‫مارتن برس) بجائزة افضل كتاب عام ‪ 2004‬التي تطلقها‬ ‫مجلة الغلوبالست االلكترونية‪ .‬و تنشر مقاالته عن السياسة اخلارجية االميركية و شرق اسيا و‬ ‫العالم العربي في النيو ريبابليك واالتلنتك مانثلي وذي نيشن والفاينانشال تاميز و مجلة الغورمت‬ ‫و مجلة سميثسونيان و االنستتيوشنال إنفستر و الغلوبالست و السرفايفال‪ .‬يعمل غلني حاليا‬ ‫على تأليف كتاب حول عسكرة السياسة اخلارجية االمريكية‪.‬‬

‫مانويل أمليدا‬ ‫محرر مساهم في «اجمللة»‪ ،‬كان في السابق كبير محرري‬ ‫النسخة اإلجنليزية من «اجمللة»‪ .‬وهو حاليا مرشح لنيل‬ ‫درجة الدكتوراه في قسم العالقات الدولية في كلية لندن‬ ‫لالقتصاد والعلوم السياسية‪ ،‬حيث يُدرس بها أيضا‪ .‬تضم‬ ‫مجاالت تخصصه الدول الفاشلة‪ ،‬والتنمية الدولية‪ ،‬والعنف‬ ‫السياسي‪ .‬ويعمل أمليدا حاليا على تأليف كتابه اجلديد‪،‬‬ ‫القائم على موضوع رسالة الدكتوراه‪ ،‬حتت عنوان موقت‪:‬‬ ‫«من البرابرة امللحدين إلى الدول الفاشلة‪ :‬تاريخ مشكلة‬ ‫الفوضى»‪.‬‬ ‫العدد ‪ ،1564‬يونيو ‪2011‬‬

‫‪5‬‬


‫● اإلفتتاحية‬

‫أسسها سنة ‪1987‬‬

‫األمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز‬

‫أسسها هشام ومحمد علي حافظ‬ ‫الرئيس التنفيذي‬ ‫الدكتور عزام الدخيل‬ ‫رئيس التحرير‬

‫عادل بن زيد الطريفي‬

‫إدارة التحرير‬ ‫عزالدين سنيقرة‬ ‫جاكلني شون‬

‫التحرير‬

‫سكرتير التحرير‬ ‫جان سينجفيلد‬

‫للمشاركة‬

‫إلرسال مقاالت أو آراء يرجى املراسلة على البريد اإللكتروني ‪editorial@majalla.com‬‬ ‫ملحوظة‪ :‬جميع املقاالت يجب أال تزيد على ‪ 800‬كلمة‬

‫اشتراكات‬

‫لالشتراك في الطبعة الرقمية‪ ،‬يرجى االتصال بـ‪subscriptions@majalla.com :‬‬ ‫لالشتراك في االلكترونية(كندل) بـ‪kindle@majalla.com :‬‬

‫تنويه‬

‫اآلراء الواردة في اجمللة ال تعبر بالضرورة عن رأي إدارة التحرير‬

‫حقوق النشر محفوظة جمللة اجمللة ‪ 2009‬التي تصدر عن الشركة السعودية لألبحاث‬ ‫والتسويق (اململكة املتحدة) شركة محدودة‪ .‬وال يجوز بأي حال من األحوال إعادة طباعة‬ ‫اجمللة أو أي جزء منها أو تخزينها في أي نظام استرجاعي أو نقلها بأي صورة أو أي وسيلة‬ ‫إلكترونية أو آلية أو تصويرها أو تسجيلها أو ما شابه دون احلصول على تصريح مسبق من‬ ‫الشركة السعودية لألبحاث والتسويق (شركة محدودة)‪ .‬وتصدر اجمللة شهريا ً‪ .‬لتلقي‬ ‫استفسارات االشتراك الرقمي‪ ،‬يرجى زيارة ‪www.majalla.com‬‬

‫‪London Office Address‬‬ ‫‪HH Saudi Research & Marketing (UK) Limited‬‬ ‫‪Arab Press House 182-184 High Holborn,‬‬ ‫‪LONDON WC1V 7AP DDI: +44 (0)20 7539‬‬ ‫‪2335/2337, Tel.: +44 (0)20 7821 8181,‬‬ ‫‪Fax: +(0)20 7831 2310‬‬ ‫‪E-Mail: editorial@majalla.com‬‬

‫اإلعالن‬ ‫لإلعالن في النسخة الرقمية يرجي االتصال بـ‪:‬‬

‫‪Mr. Wael Al Fayez‬‬ ‫‪w.alfayez@alkhaleejiah.com‬‬ ‫‪Tel.: 0096614411444,‬‬ ‫‪F.: 0096614400996‬‬ ‫‪P.O.BOX 22304, Riyadh 11495, Saudi Arabia‬‬

‫‪4‬‬

‫عزيزي القارئ‪،‬‬

‫لم تكن االنتفاضات العربية‪ ،‬التي انطلقت شرارتها األولى من تونس قبل ستة‬ ‫أِشهر‪ ،‬فقط من أجل املطالبة باحلرية والدميقراطية واحلقوق األساسية لالنسان‪.‬‬ ‫لقمة العيش والفقر والبطالة كانت هي أيضا من بني األسباب‪ ،‬ولعلّها األهم‪ ،‬التي‬ ‫عم عددا من‬ ‫دفعت املواطن العربي الى االحتجاج‪ .‬احتجاج ّ‬ ‫حتول الى غضب عارم ّ‬ ‫البلدان العربية مغربا ومشرقا‪.‬‬

‫"الربيع العربي"‪ ،‬بطعم احلرية والكرامة‪ ،‬لكنه أيضا بطعم اخلبز و"الفالفل"‪ .‬في‬ ‫العام ‪ ،1986‬طرحت مجلة اإليكونومست السؤال التالي‪" :‬كم تستغرق من الدقائق‬ ‫لتجني ما يساوي سعر وجبة بيغ ماك؟"‪ .‬في حينها نشرت شركة "يو بي إس" تقريرا‬ ‫يوضح املدة التي يستغرقها املوظف في ‪ 73‬مدينة في العالم جلني ما يساوي سعر‬ ‫أشهر برغر في العالم‪ ،‬وفقا ملتوسط األجر‪ ،‬وبذلك بدأ مؤشر "بيغ ماك"‪.‬‬ ‫وألن التاريخ العربي املعاصر لم يعرف من "الثورات"‪ ،‬بعيدا عن االنقالبات العسكرية‬ ‫التي ال تعد وال حتصى‪ ،‬سوى "ثورات خبز"‪ ،‬ارتأت "اجمللة" أن تستوحي من مؤشر‬ ‫"بيغ ماك" مؤشرا عربيا صرفا أطلقت عليه "مؤشر الفالفل"‪ .‬استخدمنا الفكرة‬ ‫الرئيسة ذاتها جمللة اإليكونومست‪ ،‬ولكن مع استبدال وجبة املواطن الغربي الغني‪،‬‬ ‫بالوجبة السريعة املفضلة في الشرق األوسط ‪ ،‬وجبة الفقير التي من دونها تثور‬ ‫أمم وتنتفض شعوب‪.‬‬ ‫في عرض توضيحي لالختالفات بني دخل الفرد وسعر الصرف‪ ،‬يحاول "مؤشر‬ ‫الفالفل" اعطاء فكرة عن دخل املواطن العربي وثمن "وجبته املفضلة" في عدد من‬ ‫األقطار العربية‪.‬‬ ‫كاتبة "اجمللة" بوال ميجيا كتبت من تونس "خبز وحرية‪ :‬الثمن االقتصادي للربيع‬ ‫العربي"‪ ،‬في حتليل عميق ومن أرض الواقع لدور االضطرابات السياسية في عدم‬ ‫استقرار اقتصادات شمال افريقيا‪ .‬أما الكاتب ستيفن غلني‪ ،‬الذي يساهم مبقاالته‬ ‫في اجمللة منذ مدة طويلة‪ ،‬فله دراسة متميزة عن الوضع االقتصادي في مصر‪.‬‬ ‫ندعوك عزيزي القارئ لقراءة هذه املوضوعات وغيرها الكثير على موقعنا اإللكتروني‬ ‫‪ .majalla.com/ar‬ونرحب دائما بآرائك وندعوك للتعليق على املوضوعات أو االتصال‬ ‫بنا إذا رغبت في التواصل معنا‪.‬‬

‫عادل الطريفي‬ ‫رئيس التحرير‬


‫العدد رقم ‪ - 1564‬يونيو ‪2011‬‬

‫مجلة العرب الدولية‬

‫خبز وحرية‬ ‫الثمن االقتصادي‬ ‫للربيع العربي‬

‫‪06‬‬

‫‪9 770261 087119‬‬ ‫‪Issue 1564‬‬

‫ثروة األمم‪:‬‬

‫ما قبل احلداثة‬ ‫داخل جماهيرية العقيد‪ ..‬الزمن الليبي يسير ببطء‬

‫الوضع البشري‬

‫قوامة التغيير‬ ‫االنتفاضات العربية‪ ..‬تزرع املرأة فيحصد الرجل‬

‫حوارات‬

‫ ‪The Majalla‬‬

‫الفوضى طريق للديكتاتورية‬ ‫أحمد جنيب الشابي‪ :‬أرفض التحالف مع النهضة‬


Bread and Freedom