Issuu on Google+

‫اﻟﻌﺪد‪ / ٣٢ :‬اﻟﺴﻨﺔ اﻟﺜﺎﻣﻨﺔ ‪) /‬ﺳﺒﺘﻤﱪ ‪ -‬أﻛﺘﻮﺑﺮ( ‪٢٠١٢‬‬ ‫ﻣﺠﻠﺔ ﻋﻠﻤﻴﺔ ﻓﻜﺮﻳﺔ ﺛﻘﺎﻓﻴﺔ ﺗﺼﺪر ﻛﻞ ﺷﻬﺮﻳﻦ ﻣﻦ إﺳﻄﻨﺒﻮل‬

‫‪w w w. h i r a m a g a z i n e . c o m‬‬

‫األرض والحمائم‬ ‫األرض نحو السالم تسير‪،‬‬ ‫وجبال الجليد القديمة واح ًدا تلو اآلخر تذوب‪،‬‬ ‫واألحداث تحمل إلينا بشارات األمل‪،‬‬ ‫والحمائم ترفرف سعادة أال ترى!‬ ‫***‬

‫النفوس النافعة أو مجتمع الضمير‬

‫كيف يصوغ اإلسالم اإلنسان؟‬

‫دور المجتمعات المحلية‬ ‫في نهضة األمة‬


‫االفتتاحية‬ ‫الفطرة المدمرة‬

‫في مقاله لهذا العدد من "حراء" يشير األستاذ "فتح اهلل كولن" إلى خاصية "اإلثنينية"‬

‫في طبيعة "النفس البش���رية"‪ ،‬فقد فطرت هذا النفس على الجمع بين الش���يء ونقيضه‪،‬‬ ‫بي���ن الخي���ر ونقيضه‪ ،‬والحق ونقيضه‪ ،‬والعدل ونقيض���ه‪ ،‬والجمال ونقيضه‪ ...‬والصراع‬

‫بين هذه األضداد قائم ودائر‪ ،‬وقد يفضي في خاتمة الصراع إلى انتصار أحد النقيضين‬ ‫على اآلخر‪ ،‬ولما كانت "الفطرة" لها في س���حيق الروح مكانة عظيمة‪ ،‬تؤثر فيها وتتأثر‬

‫فأي اس���تالب أو طمس أو مس���خ أو تخري���ب للفطرة‪،‬‬ ‫به���ا‪ ،‬تعطيه���ا وتأخ���ذ منه���ا‪ ،‬لذا ُّ‬

‫يؤث���ر ف���ي الروح‪ ،‬ويضعف قدرتها على إحداث التغيير المطلوب في الفرد والمجتمع‪.‬‬

‫العدد‪32:‬‬ ‫السنة الثامنة‬ ‫(سبتمبر ‪ -‬أكتوبر) ‪2012‬‬

‫فانجذاب األرواح إلى معس���كر الخير أو معس���كر الشر‪ ،‬هو نتيجة ما يؤول إليه الصراع‬ ‫ش���را فش���ر‪ ،‬وهذا هو الذي يميز ال���روح الطيبة عن‬ ‫خيرا فخير وإن ًّ‬ ‫بي���ن األض���داد‪ ،‬فإن ً‬ ‫الروح الخبيثة‪.‬‬

‫ومس���ألة أخ���رى ه���ي األعظ���م م���ن كل المس���ائل‪ ،‬أال وهي م���آل كل م���ن الروحين‬

‫ومصيرهم���ا األخ���روي‪ .‬فالفطرة إذن إما أن تكون عامل بناء وإعمار في الدنيا وس���عادة‬ ‫في اآلخرة‪ ،‬أو تكون عامل تدمير وتخريب في الدنيا وشقاء في اآلخرة‪.‬‬

‫أما مقال "رحلة في مقامات الوصال" للدكتور "الحس���ن الغش���تول" فهو قطعة أدبية‬

‫وفنية رائعة‪ ،‬يتحدث من خاللها عن رحلته إلى األماكن المقدس���ة في "مكة المكرمة"‬ ‫جيشان فكري وروحي يدل على عمق‬ ‫و"المدينة المنورة"‪ ،‬ويقف عند غار "حراء" في َ‬ ‫ه���ذا الم���كان المبارك في ذاكرته الدينية‪ ،‬وعمق ما يس���تثيره من ذكريات حبيبة عن نبي‬

‫"الغار" ‪.‬‬

‫والدكت���ور "عم���ار جي���دل" يتحفن���ا بمق���ال قيم ع���ن المفك���ر الداعية محمد البش���ير‬

‫اإلبراهيمي‪ ،‬وعن فقه بعث الفاعلية الفكرية والروحية في كتابات هذا المفكر العمالق‪.‬‬

‫وعن ابن زهر‪ ،‬أحد أعالم رجال الطب في الحضارة اإلسالمية وعن أبحاثه القيمة‬

‫ودراساته في علم األورام‪ ،‬سبقه في ذلك نجده في قلم الدكتور "بركات محمد مراد"‪.‬‬ ‫وعن مرض "االكتئاب" مرض العصر وطرق التعافي منه‪ ،‬تحدثنا "سعاد الواليتي" عن‬ ‫خبرتها بهذا الخصوص في مقالها الطبي "إضاءات للتعافي من االكتئاب"‪.‬‬

‫والدكت���ور "محمد جكيب" يحدثنا في مقاله القيم عن س���لطة الكلمة وقوتها‪ ،‬وعن‬

‫األدب ف���ي ظ���ل البيان‪ ،‬فيب���دع أيما إبداع فيق���ول‪" :‬إن مادة األدب ه���ي اللغة بكلماتها‬ ‫وآفاقه���ا الداللي���ة وصوره���ا الفنية البالغي���ة‪ ،‬لكن الغذاء الذي يغذيه���ا يقطف من عالم‬

‫المشاعر والوجدان واألحاسيس ومن كل جميل"‪.‬‬

‫ون���ود التنويه بمقال الدكتور حام���د إبراهيم الموصلي "التنمية الذاتية" وعالقة ذلك‬

‫كله بنهضة األمة‪ ،‬فالجهد الذاتي‪ ،‬أحد أهم أسباب النهوض لألفراد واألمم‪ ،‬ألن تثوير‬ ‫الطاقات الذاتية األصيلة هو القاعدة األساس في أي استنهاض أو نهضة‪.‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪B‬‬


‫المحتويات‬ ‫النفوس النافعة أو مجتمع الضمير ‪ /‬فتح اهلل كولن (املقال الرئيس) ‬ ‫رحلة في مقامات الوصال ‪ /‬د‪ .‬احلسن الغشتول (أدب) ‬ ‫التنمية الذاتية ودور المجتمعات المحلية في نهضة األمة ‪ /‬أ‪.‬د‪ .‬حامد إبراهيم املوصلي (تربية) ‬ ‫اليد الكاشفة ‪ /‬حراء (ألوان وظالل) ‬ ‫زخات الثلج ‪ /‬د‪ .‬حممد باباعمي (أدب) ‬ ‫أولى ّ‬ ‫العلم واألخالق وأثرهما في بناء اإلنسان عند النورسي ‪ /‬أ‪.‬د‪ .‬حممد الروكي (قضايا فكرية) ‬ ‫وانج ‪ /‬حراء (ألوان وظالل) ‬ ‫ّ‬ ‫توجه ُ‬ ‫كيف يصوغ اإلسالم اإلنسان؟ ‪ /‬أ‪.‬د‪ .‬الشاهد البوشيخي (قضايا فكرية) ‬ ‫سلطة الكلمة وقوتها ‪ / 2-‬د‪ .‬حممد جكيب (أدب) ‬ ‫لغة القرآن الكريم مفتاح العلوم التجريبية ‪ /‬أ‪.‬د‪ .‬إدريس اخلرشاف (قضايا فكرية) ‬ ‫أطول مطاردة القتناص جسيم في تاريخ الفيزياء ‪ /‬حممد هاشم البشري (علوم) ‬ ‫مستويات الحوار الحضاري مع اآلخر ‪ /‬د‪ .‬مرمي آيت أمحد (ثقافة وفن) ‬ ‫األخالق ودورها في نهضة األمة ‪ /‬د‪ .‬خالد عمارة (قضايا فكرية) ‬ ‫لد آدب (شعر) ‬ ‫الناي في مقام التجلي ‪ /‬أ ّدي و‬ ‫َّ‬ ‫الرمان في الحفاظ على حياة اإلنسان ‪ /‬د‪ .‬سعيد كامل بالل (علوم) ‬ ‫إلى اهلل من جديد ‪ /‬حراء (ألوان وظالل) ‬ ‫إضاءات للتعافي من االكتئاب ‪ /‬سعاد الوالييت (علم النفس) ‬ ‫ابن زهر‪ ..‬الطبيب اإلكلينكي ورائد علم األورام ‪ /‬أ‪.‬د‪ .‬بركات حممد مراد (تاريخ وحضارة )‬ ‫أسس بعث الفعالية في فقه محمد البشير اإلبراهيمي ‪ /‬أ‪.‬د‪ .‬عمار جيدل (قضايا فكرية)‬ ‫الكنغر‪ ..‬والدة قبل النمو ‪ /‬أ‪.‬د‪ .‬عرفان يلماز (علوم) ‬ ‫تنبيهات رمضانية لدى الدولة العثمانية ‪ /‬نور الدين صواش (حمطات علمية وحضارية)‬

‫‪2‬‬ ‫‪5‬‬ ‫‪9‬‬ ‫‪11‬‬ ‫‪12‬‬ ‫‪14‬‬ ‫‪18‬‬ ‫‪19‬‬ ‫‪24‬‬ ‫‪28‬‬ ‫‪32‬‬ ‫‪35‬‬ ‫‪39‬‬ ‫‪43‬‬ ‫‪44‬‬ ‫‪46‬‬ ‫‪47‬‬ ‫‪50‬‬ ‫‪54‬‬ ‫‪58‬‬ ‫‪62‬‬


‫المقال الرئيس‬ ‫فتح اهلل كولن‬

‫النفوس النافعة أو مجتمع الضمير‬

‫عندما ُخلق اإلنس���ان و ُأرس���ل إلى هذا العالم‪،‬‬ ‫ُوضع���ت ف���ي ِجب ّلت���ه ب���ذور الخي���ر والش���ر‪،‬‬

‫أصحابها وممثليها‪ ،‬سيبقى إلى أن يرث اهلل األرض ومن عليها‪.‬‬

‫والنمو والتطور في س���فوح ماهيته‬ ‫البذور قابلي َة التوس���ع‬ ‫تلك‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬

‫متاه���ات األناني���ة المظلم���ة‪ ،‬مع جهل ف���ادح بالطري���ق الهادي‬

‫ومنحت‬ ‫والجم���ال والقب���ح‪ ،‬والنفع والض���ر؛ ُ‬

‫اإلنس���انية‪ .‬ومن���ذ تلك اللحظ���ة َتداخل ‪-‬في كينونة اإلنس���ان‪-‬‬

‫جنبا إل���ى جنب‪ ،‬وبزغ‬ ‫اللي���ل والنهار‪ ،‬وظه���ر‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫الفحم والماس ً‬

‫ال���دوام‪ .‬ويبدو أن الصراع بين هذه المتناقضات‪ ،‬والتدافع بين‬ ‫أرواح���ا حائ���رة تتخبط في‬ ‫أج���ل‪ ،‬إنن���ا ن���رى ‪-‬في ناحي���ة‪-‬‬ ‫ً‬

‫أرواحا‬ ‫وإش���ارات الطريق‪ ،‬بينما نجد في ‪-‬الناحي���ة األخرى‪-‬‬ ‫ً‬ ‫مش���رقة ُتعانق الخلود الماورائي في كل لحظة‪ ،‬وقد حس���مت‬

‫ص���ارع الحق���د والنف���ور م���ع الح���ب‬ ‫الن���ور عق���ب الظ���الم؛ و َت‬ ‫َ‬

‫أمره���ا لإلبح���ار في رحلة أبدي���ة ال نهاية له���ا‪ ،‬أو بعبارة أصح‬

‫وس��� ّلطت النمطي��� ُة والش���كلي ُة مصايده���ا للقض���اء عل���ى روح‬

‫وبينما نرى الفئة األولى ترتعد خو ًفا في عالم من الكوابيس‬

‫والتآل���ف‪ ،‬ودخل���ت الحري���ة ف���ي ع���راك ال ينتهي مع األس���ر‪،‬‬

‫اإلخالص واالنطالق والعشق‪ ،‬وكافح الحق ضد الباطل على‬ ‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪2‬‬

‫عزمت على أن تعيش المعراج في عالمها الداخلي‪.‬‬

‫يب���دأ بفوضى وينتهي بفوضى أخرى‪ ،‬نج���د الفئة الثانية تعيش‬


‫العال���م كله مقاب���ل مصلحة ذاتية صغيرة‪ ،‬كم���ا ال يترددون في‬

‫في عالم مشرق من اإليمان بالماوراء األخروي في كل لحظة‬ ‫م���ن لحظ���ات حياتها‪ ،‬متقلبة بي���ن قصور ِ‬ ‫الجن���ان التي امتدت‬

‫انتهاك حقوق مئات اآلالف من األبرياء مقابل منفعة خسيسة‪.‬‬

‫وبينم���ا نالحظ الفئة األولى يائس���ة أس���يرة َمهِ يض َة الجناح‪،‬‬

‫وقاعدت���ه‪ ،‬يقض���ون حياتهم كلها في س���جن مؤبد من المطامع‬

‫أطرا ُفها مترامية حتى التحمت بأطراف قلوب هؤالء السعداء‪.‬‬ ‫ج���راء س���وء قراءتها للحياة‬ ‫تتج���رع ألوانً���ا م���ن العذاب المرير ّ‬

‫واألحداث‪ ،‬وفساد تفكيرها‪ ،‬وعطب تقييمها‪ ،‬وبالتالي حرمانها‬ ‫من االس���تمتاع بطع���م الحي���اة؛ ُتطالعنا الفئة الثاني���ة مبحر ًة في‬

‫نورا بفضل جمال رؤيتها وحس���ن تفكيرها‪ ،‬ومن‬ ‫عال���م يتألأل ً‬ ‫ثم فهي منطلقة محلقة نحو عوالم زاهية جديدة في كل حين‪،‬‬

‫ناهل ٌة من معين سعادة غامرة ال توصف‪.‬‬

‫إن هؤالء األنانيين الذين يحس���بون أنفس���هم دعامة العالم‬

‫والرغب���ات‪ ،‬وال يفلحون ‪-‬ولو مرة واحدة‪ -‬في رؤية األش���ياء‬

‫ال‪.‬‬ ‫وقراءة الحوادث وفق جوهرها‪ ،‬بل ال يرغبون في ذلك أص ً‬

‫���م ُعمي بال قلب وال إحس���اس‪ ...‬فما يحس���ون به أو‬ ‫إنه���م ُص ٌّ‬ ‫ٌ‬ ‫يسمعونه خداع وضالل ال غير‪ ،‬وما يرونه أو يحدسونه ُفتات‬ ‫أوه���ام وأضغ���اث أحالم‪ ،‬وما ُيبدونه م���ن رأي أو يطلقونه من‬ ‫أحكام َه َذيان كهذيان المخمورين‪.‬‬

‫أج���ل‪ ،‬إن أبن���اء المجموع���ة األول���ى قد خي���م الظالم على‬

‫وضعتهم في ميزان التقييم الذاتي‪،‬‬ ‫والحقيق���ة أن هؤالء لو‬ ‫َ‬

‫لذل���ك فق���دوا جدارته���م وأهليتهم ف���ي نفع المجتم���ع وإفادة‬

‫والخب���رات‪ ،‬وبالتالي عديمي الفائدة للمجتمع الذي يعيش���ون‬

‫عالمهم الداخلي‪ ،‬وأحاط بهم التش���اؤم القاتم من كل جانب‪،‬‬ ‫شيئا أو أن تنفعها مواهبهم‬ ‫أبنائه‪ .‬وهيهات لألمة أن تفيد منهم ً‬

‫دفعا‪،‬‬ ‫بع���د ذل���ك؛ بل إن ه���ؤالء لو ُدفع���وا إلفادة مجتمعاته���م ً‬

‫فق���راء القدرات‬ ‫فس���وف تجده���م عديمي المواه���ب واللياقة‪،‬‬ ‫َ‬ ‫في���ه‪ .‬فه���م َيظهرون في قلب الواقع فج���أة عندما تكون القضية‬

‫إش���باع الرغبات الش���خصية واالس���تمتاع الذات���ي‪ .‬أما إذا‬ ‫ه���ي‬ ‫َ‬ ‫تعلق األمر بإس���داء المعروف إلى اآلخرين‪ ،‬والس���عي لصالح‬

‫أنانيا ُته���م عائ ًق���ا حيالهم‪ ،‬ولس���وف يتعثرون‬ ‫فس���وف تنتص���ب ّ‬ ‫ِ‬ ‫بشباك الهوى فينهزمون أمام "أنفسهم" ويفشلون في تجاوزها‪،‬‬

‫المجتم���ع‪ ،‬ودرء المفا�����د عنه‪ ،‬وجلب المناف���ع له‪ ،‬فلن تجد‬

‫وال ش���ك أن انتظار انبثاق المروءة أو اإلنس���انية من قلوب‬

‫س���ر االنبعاث‬ ‫أم���ا المجموع���ة الثاني���ة الطيبة‪ ،‬فق���د َعرفت ّ‬

‫وفهمهم‬ ‫الح���ب منهم‬ ‫طائ���ل م���ن ورائه‪ ،‬ناهي���ك عن أن تتوقع‬ ‫َّ‬ ‫َ‬

‫فتحا بعد فت���ح‪ ،‬وأقبلت على‬ ‫فحقق���ت ف���ي عوالمه���ا الداخلية ً‬

‫وال يمكنهم أن يحققوا المنشود منهم أو المأمول فيهم البتة‪.‬‬

‫أمر ال‬ ‫ه���ؤالء البؤس���اء بع���د أن امتألت بأل���وان من المطام���ع‪ٌ ،‬‬

‫لآلخري���ن‪ ،‬فذل���ك ضرب من ض���روب المس���تحيالت‪ .‬وحتى‬ ‫ل���و ب���دا هؤالء وكأنه���م يحبون اآلخري���ن‪ ،‬فبقليل م���ن التركيز‬ ‫تكتشف أنهم غير مخلصين وال صادقين في ذلك‪.‬‬

‫وإن معرف���ة تل���ك النف���وس المظلمة البعي���دة كل البعد عن‬

‫أثرا مهما بحثت عنهم‪.‬‬ ‫لهم ً‬

‫والوج���ود والبقاء‪ ،‬وانطلقت في أعماقه���ا الذاتية بعزيمة نادرة‬

‫تأس���يس رواب���ط م���ن الح���ب والعاطفة مع كل ش���يء ومع كل‬

‫أح���د‪ .‬إن ه���ؤالء الطيبي���ن الذين يتمتع���ون بق���درات عالية في‬ ‫جدا لمجتمعاتهم‪ ،‬ال‬ ‫ذواته���م‪ ،‬مفيدون ح ًّقا لآلخرين‪ ،‬نافعون ًّ‬

‫أبدا‪ .‬ففي ظل راية اإلرادة التي ّثبتوها‬ ‫يمكن االس���تغناء عنهم ً‬ ‫ف���ي ذروة ذواته���م يناضل���ون من أج���ل الفضيلة عل���ى الدوام‪،‬‬

‫واالطالع‬ ‫واكتش���اف هويتها‪،‬‬ ‫الوضوح والش���فافية والشجاعة‪،‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫متعذرا‪ .‬إذ‬ ‫عل���ى حقيقتها‪ ،‬في منتهى الصعوبة‪ ،‬بل يكاد يكون‬ ‫ً‬

‫وين ّقب���ون ع���ن التج���رد واإلخ���الص واإليث���ار والتضحية دون‬

‫اإلنس���انية في الوقت الذي يمارسون فيه أشنع المظالم وأفظع‬

‫الفك���ر‪ ،‬وعقولهم التي بلغت حد الصفاء‪ ،‬كأنهم ظالل ألنوار‬

‫إن هؤالء من الحنكة والمهارة بحيث ُيجيدون إظهار المشاعر‬

‫االعتداءات‪ ،‬كما يحس���نون الترائي باللين والرفق أثناء ظلمهم‬ ‫الصارخ وتجاوزاتهم الواضح���ة‪ .‬هؤالء عندما يمتلكون القوة‬ ‫ويعنفون أش���د ما يكون العنف‪.‬‬ ‫يفتكون أش���د ما يكون الفتك‪ُ ،‬‬

‫وعندم���ا يعتريه���م الخوف على أنفس���هم أو ي���رون أنهم فقدوا‬

‫س���فالتهم جلية وتظهر دناء ُتهم ّبينة‪ ،‬فال‬ ‫الس���ند والظهير‪ ،‬تبدو‬ ‫ُ‬ ‫بأس���ا‬ ‫يج���دون‬ ‫ً‬ ‫حرجا في أنفس���هم م���ن لثم األيدي‪ ،‬وال يرون ً‬

‫م���ن تقبيل األقدام‪ .‬إن هؤالء األش���قياء ال يترددون في إحراق‬

‫انقط���اع‪ .‬إن ه���ؤالء القدس���يين‪ ،‬بأرواحه���م الت���ي نضجت بنار‬

‫األنبياء‪ ،‬يمرون على كافة المواقع التي سبقهم إليها األنبياء من‬ ‫قب���ل‪ ،‬فيبلغون مرتبة القرب من المالئك���ة‪ ،‬ويتوحدون معهم‪،‬‬ ‫ُ‬

‫ويطوفون خالل صفوفهم‪.‬‬

‫وجدي���ر بالذكر أن األنبياء عليهم الصالة والس���الم ينزلون‬

‫في نقطة الوس���ط وموقع القلب بين آالف الطوابير من كتائب‬ ‫أهل الحظوة والسعادة الذين يمتدون صفو ًفا متعاقبة بين يدي‬

‫الحق س���بحانه‪ ...‬فنقطة الوس���ط تبدأ بهم وتنتهي بهم‪ ،‬وتليهم‬

‫‪3‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫مباش���رة رايات هؤالء القدس���يين ترفرف في السماء‪- ...‬نفدي‬

‫وينعمون‬ ‫بأجنحة المناجاة والضراعة َفيسعدون بلذة الوصال‪َ ،‬‬

‫يلحن‬ ‫أوام���ر األنبياء ّ‬ ‫وينزلها إل���ى أرض الواقع‪ .‬ومن ثم ما أن ّ‬

‫من ديار األنس بدالل أكرم به من دالل‪ .‬كم من مرة يجيشون‬

‫أصح���اب تل���ك الراي���ات المرفرف���ة بأرواحنا‪ -‬فه���م من يمثل‬ ‫َ‬

‫بق���رب الحبيب الباري وصحب���ة الخليل المتعالي‪ ،‬ثم يعودون‬

‫يهب من اصطف خلفهم من‬ ‫ق���ادة القلب قصيدة الحياة‪ ،‬حتى ّ‬

‫بأطي���اف جدي���دة من مش���اعر العش���ق والوجد‪ ،‬ويحس���ون في‬

‫ببث رسائل الخير والجمال والمعقول‪،‬‬ ‫أن يبدأ س���ادة الوس���ط ّ‬

‫أيما لذة ونشوة ما بعدها من نشوة‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫دوما‪،‬‬ ‫كر الحق تعالى في أنفاسهم ً‬ ‫هؤالء السعداء‪ ،‬يتردد ذ ُ‬ ‫وتم���وج الحقيق���ة ف���ي أفكارهم‪ ،‬وتلتم���ع بش���ارة الخلود على‬

‫بأرق األصوات وأعذب النغمات‪ .‬وما‬ ‫القدس���يين ليترنموا بها ّ‬ ‫وإيقاد مشاعل الحقيقة في كل مكان‪ ،‬حتى ينطلق من اصطف‬

‫وراءه���م م���ن النورانيي���ن ليحوم���وا ح���ول تلك المش���اعل إلى‬ ‫شرع أبطال القلب بنفخ الروح واالنبعاث فيمن‬ ‫األبد‪ .‬وما أن َي َ‬ ‫قائما ووضع الصور على‬ ‫حولهم ‪-‬مثل إس���رافيل وقد انتصب ً‬

‫ش���فتيه‪ -‬حتى يسعى من اصطف خلفهم من السعداء ليسربلوا‬

‫الروح بالجسد‪ ،‬ويمثلوا تلك الروح في كل ساحة من ساحات‬ ‫َ‬ ‫الحياة في أعلى مستوى من النموذجية والمثالية‪.‬‬

‫إن األصوات التي تتردد في ديار لم تصلها أصوات هؤالء‬

‫الس���عداء بعد‪ ،‬ما هي إال حشرجات؛ والعبارات التي تقال‪ ،‬ما‬

‫هي إال هذيان يشبه هذيان المجانين‪ .‬فالعمي الذين لم يبلغوا‬ ‫ُ‬ ‫كتب‬ ‫س���عاد َة رؤية تلك القامات السامقات‪،‬‬ ‫والص ّم الذين لم ُي َ‬ ‫ُّ‬ ‫س���كب السكينة والطمأنينة في‬ ‫حظ س���ماع أنفاسهم التي َت ُ‬ ‫لهم ّ‬ ‫القلوب‪ ،‬س���وف يخلطون بين تغري���د العندليب ونعيق الغراب‬ ‫أبدا‪.‬‬ ‫طوال حياتهم‪ ،‬ولن يتمكنوا من التمييز بينهما ً‬

‫الس���عداء الحقيقة الكبرى من���ذ البداية‪،‬‬ ‫لق���د َعرف ه���ؤالء‬ ‫ُ‬

‫فأحن���وا هاماته���م له���ا‪ ،‬وطأط���ؤوا رؤوس���هم أمامه���ا‪ ...‬آمنوا‬ ‫ومعبودا‪ ،‬ووضع���وا جباههم على عتبة بابه س���بحانه‪.‬‬ ‫ب���اهلل ربًّ���ا‬ ‫ً‬

‫تحيي‬ ‫وإن الس���عداء الذي���ن ُيحن���ون هاماته���م أمام باب���ه تعالى ّ‬

‫ال���ذ َرى التي بلغتها‬ ‫أقدامه���م‪ ،‬وتتجول‬ ‫رؤوس���هم‬ ‫أقدامهم في ّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫وإن الحلقة الناش���ئة في السجود من اتصال الرأس‬ ‫رؤوس���هم‪ّ .‬‬ ‫ُ‬

‫مكنهم من التحليق المستمر في حاالت من الصعود‬ ‫بالقدم َل ُت ّ‬ ‫توج بمعراج جديد‬ ‫(عرش���يات) والنزول (فرش���يات)‪ ،‬تنتهي و ُت َّ‬

‫ش���امخا‪،‬‬ ‫ف���ي كل م���رة‪ )1(.‬أما إذا رفع حص���ان إلهامهم قائمتيه‬ ‫ً‬

‫اج���ا‪ ،‬فس���وف تجده���م ق���د قف���زوا إل���ى م���ا وراء‬ ‫وتوث���ب ّ‬ ‫وه ً‬ ‫الس���ماوات َبن َفس واح���د‪ ،‬وجالوا في ربوع الجنان‪ ،‬وس���ابقوا‬ ‫المالئك���ة‪ ،‬وأخذوا ف���ي الحوم والتطواف ح���ول من ال يمكن‬

‫إدراكه ‪-‬سبحانه‪ -‬بِحيرة وانبهار ال نظير لهما‪.‬‬

‫ومن يدري كم من مرة في اليوم يتخذ هؤالء من الش���مس‬

‫ألعابا‬ ‫ُك���ر ًة‪ ،‬ومن نجم آخر َم ِ‬ ‫ضر ًبا ّ‬ ‫فيقدمون ألهل الس���ماوات ً‬

‫وعروضا عجيب���ة مبهرة‪ .‬كم من م���رة يح ّلقون‬ ‫س���حرية ش���تى‪،‬‬ ‫ً‬ ‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪4‬‬

‫أرواحهم بحظوة اكتش���اف الوجود الحقيقي‪ ،‬فيغرقون في لذة‬

‫ألس���نتهم‪ ،‬وتت���ألأل الس���عادة األبدية ف���ي آفاقهم‪ .‬إنه���م عقدوا‬

‫الع���زم على إعم���ار األرض وبنائها‪ ،‬ولكن دون أن يخطر على‬ ‫أبدا‪ .‬التجرد س���جيتهم‪،‬‬ ‫ب���ال أحدهم االس���تمتاع بلذائ���ذ الدنيا ً‬

‫واإلخالص ديدنهم‪ ،‬واحتساب األجر عند اهلل ُخلقهم األصيل‪.‬‬ ‫ُ‬

‫شكورا‪ ،‬وال يرغبون‬ ‫فهم ال ينتظرون مقابل أعمالهم جزاء وال‬ ‫ً‬ ‫سجل بطوالتهم قاطبة‪.‬‬ ‫في أن ُت َ‬ ‫مآثرهم أو أن ُت َّ‬ ‫ذكر ُ‬

‫إنه لمن المؤس���ف ح ًّقا أن أصحاب هذه األرواح السامية‪،‬‬

‫الذي���ن يمتلئ���ون بالفضيل���ة ويفيض���ون بالخي���ر عل���ى اآلخرين‬ ‫دوما‪ ،‬و ُأهينوا من َقبل‬ ‫امتالء األق���داح وفيضانها‪ُ -‬‬‫َ‬ ‫اضطهدوا ً‬ ‫بع���ض المخدوعي���ن باس���تمرار‪ ،‬وت���م التضييق عل���ى حرياتهم‬ ‫وعلى حقهم في ممارس���ة حياة كريمة ش���ريفة‪ ،‬مع محاوالت‬

‫شنيعة للتهميش واإلقصاء خارج المجتمع والواقع‪.‬‬ ‫ُش ّق قلبي يا حبيبي‪،‬‬

‫وانظر إلى ما فيه من جراح‪،‬‬

‫إن بين قومنا من يمكر بنا‪،‬‬ ‫سيئا‪...‬‬ ‫مكرا ً‬ ‫ً‬

‫***‬

‫أه‪ ،‬طويلة هي هذه الطريق‪،‬‬ ‫قصية َمفاوِ زها‪،‬‬ ‫كثيرة منازلها‪ّ ،‬‬ ‫ال معابر فيها وال جسور‪،‬‬

‫عميقة المياه سحيقة الوديان‪( ...‬يونس َأ ْم َره)‬

‫األرواح تش���ع باألن���وار‪ ،‬والضمائر تتألق‬ ‫ولك���ن م���ا دامت‬ ‫ُ‬

‫ومزيدا من المرابطة‬ ‫فصبرا‬ ‫بالحرية‪ ،‬والصدور تخفق باإليمان‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬

‫والمثابرة!‬

‫(*) الترجمة عن التركية‪ :‬هيئة تحرير المجلة‪.‬‬

‫الهوامش‬

‫الحق‬ ‫الخلق إلى الحق تعالى‪ ،‬والفرش���ية‪ :‬الس���ير من‬ ‫(‪ )1‬العرش���ية‪ :‬العروج من َ‬ ‫ّ‬ ‫الخلق بعد بلوغ ذروة المعراج‪.‬‬ ‫تعالى إلى َ‬


‫أدب‬

‫د‪ .‬الحسن الغشتول*‬

‫"نظ���رت ف���إذا كل ش���يء م���ن حول���ي صامت‬ ‫ُ‬ ‫صم���ت الرهب���ة‪ ،‬س���اكن س���كون الج���الل‪ ،‬ال‬ ‫نأم���ة وال ح���س وال حركة‪ ،‬وال ش���يء يش���غل‬ ‫اإلنس���ان عن التفكير في الس���ماء والكعبة تبدو من بعيد وسط‬ ‫ه���ذا اإلط���ار الصخري‪ ...‬فم���ن كان في الغار‪ ،‬كأن���ه في الدنيا‬ ‫وم���ا هو ف���ي الدنيا‪ ،‬ي���رى الكعبة وحدها فيتص���ل منها بكل ما‬ ‫هو س���ماوي طاهر‪ ،‬ويخفى عليه كل شيء غيرها فينفصل من‬

‫كل م���ا هو أرضي ملوث‪ .‬وقالت ل���ي النفس‪ :‬بماذا كان يفكر‬ ‫وحيدا في هذا الغار؟ فقلت‬ ‫محمد وهو يقضي األيام والليالي‬ ‫ً‬ ‫أن���ا أع���رف ويحك بم���اذا كان يفك���ر محمد؟ أنا أس���مو بعقلي‬ ‫األرضي المثقل بالش���هوات والمطامع إلى جو محمد؟ أتطمع‬ ‫الزواحف أن تزاحم العقبان في أكباد السماوات؟‬ ‫مفك���را‪ ،‬وانطل���ق ذهن���ي يرت���اد جنب���ات‬ ‫خاش���عا‬ ‫وقع���دت‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫محم���دا  وهو في ه���ذا المرقب‬ ‫الماض���ي الحبي���ب يتص���ور‬ ‫ً‬

‫‪5‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫نش���وء حض���ارة مدعومة بالوح���ي‪ .‬عادة‬

‫مف���ردا حين جاءه البريد‬ ‫وحيدا‬ ‫العال���ي‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫م���ن فوق الس���بع الطباق برس���الة من اهلل‬ ���ما يقرن علم���اء النفس واألدب حاالت‬ ‫عندما ي�س��ع نور حممد ر�سول‬ ‫(‪)1‬‬ ‫وقال له‪﴿ :‬ا ْق َر ْأ﴾"‪.‬‬ ‫انف���الت الذاكرة‪ ،‬عبر نثي���ر الموجودات‬ ‫اهلل  يف النفو���س؛ في�س��ر‬ ‫اخت���رت ه���ذا المث���ال ف���ي وص���ف‬ ‫في أزمنة الحكي بمفهوم التداعي‪ ،‬لكن‬ ‫احلك��ي خيا ًال نقيًّ��ا‪ ،‬وحقيقة‬ ‫الرحالي���ن لألماك���ن الش���ريفة والعظيمة‬ ‫أي ن���وع م���ن التداع���ي هذا ال���ذي يمأل‬ ‫التي يم���رون بها ويس���تطلعون أحوالها‪،‬‬ ‫جوان���ح المرء س���عادة‪ ،‬ويغ���وص به في‬ ‫ال ت��درك اإال يف ح��ال انعتاق‬ ‫ألق���ف عل���ى الف���ارق الكبي���ر بي���ن‬ ‫س���حر المكان؟ ب���ل أي نوع من التداعي‬ ‫العق��ل م��ن اأدران امل��ادة‬ ‫مشاهدتين إحداهما ال تتعدى األشكال‬ ‫ه���ذا ال���ذي تعجز في���ه لغ���ة مروضة عن‬ ‫واأو�ساره��ا‪ ...‬تنف�س��ل عن‬ ‫والعوارض المنظور إليها‪ ،‬وأخراهما ال‬ ‫االحتفاظ بمسافة بينها وبين موضوعها؟‬ ‫اإيهابه��ا الب�سي��ط‪ ،‬اإذ غالبًا ما‬ ‫تنحصر مهمتها في حدود مرقب دوني‪،‬‬ ‫تعج���ز‪ ،‬فال يكون لها بد من أن تس���ترفد‬ ‫تتك�سف ه��ذه اللغة عن نقاء‬ ‫حي���ث ي���كل البص���ر وتعج���ز الح���واس‬ ‫ينب���وع قوته���ا من معين خ���ارق وأصيل‪.‬‬ ‫م�سدره؛ املحبة واالإميان‪.‬‬ ‫عن اس���تبصار معالم الطريق‪ ،‬فال سبيل‬ ‫ذل���ك ه���و الن���ور المحمدي ال���ذي يعيد‬ ‫لصاحب هذه المشاهدة إال أن يتبع سنة‬ ‫للغة وهجها وخلودها‪.‬‬ ‫االرتقاء‪.‬‬ ‫يش���ع النور في نف���س الرحالين وهم‬ ‫نفس���ا تواقة إلى الس���فر‪ ،‬يس���يرون وف���ق تواقي���ع يلتح���م فيها الزم���ن‪ ،‬ماضي���ه وحاضره‬ ‫ق���د يحم���ل الرحال���ة بين أطوائ���ه ً‬ ‫وساعية إلى الترفل في كل زينة ظاهرة وغير مكترثة بما يسمو ومس���تقبله‪ .‬يواصل���ون رحلتهم من مكة المكرم���ة إلى المدينة‬ ‫قناعا يرس���م دراما المنورة‪ ،‬وتحضر لديهم ش���جون وتغمرهم أحالم عظيمة‪ ،‬ثم‬ ‫به���ا إل���ى مق���ام التدبر‪ .‬ربم���ا يكون حراك���ه ً‬ ‫رهيب���ة‪ ،‬أو‬ ‫فصاما ينم عن تش���ظ داخل���ي يكبح جماحه‪ ،‬حيث يتذكرون وصايا ما فتئوا يدونونها في مخطوطاتهم‪:‬‬ ‫ً‬ ‫هاربا من نفس���ه لغاية غير معلومة‪،‬‬ ‫"للزائ���ر إذا توج���ه للمدينة المش���رفة‪ ،‬أن يكث���ر في طريقه‬ ‫ال يس���عده س���وى أن يظل ً‬ ‫باعتبار أن السفر في غير طاعة الحق ْ‬ ‫إن هو إال شكل من السم م���ن الص���الة عل���ى النبي ‪ ،‬ف���إذا وق���ع بصره عل���ى جدرانها‬ ‫نفسيا مهد ًئا‪.‬‬ ‫عالجا‬ ‫القاتل أو اإلدمان الذي يخاله الواهم‬ ‫كب���ر ثال ًثا ثم يقول‪ :‬اللهم فإن هذا حرم رس���ولك‬ ‫ً‬ ‫ًّ‬ ‫وأش���جارها ّ‬ ‫ال من أشكال‬ ‫أي ش���ك ً‬ ‫لكن قد يكون الس���فر خال ًفا لذلك‪ْ ،‬‬ ‫مأمنا من‬ ‫ونبي���ك المخت���ار‪ ،‬فاجعله بفضل���ك وقاية من الن���ار‪ً ،‬‬ ‫(‪)2‬‬ ‫االرتقاء والتس���امي من أجل االقت���راب من الحق ذاته‪ .‬والذي العذاب وسوء الحساب‪ ،‬يا عزيز يا جبار"‪.‬‬ ‫يح���رك الرحالة في ه���ذه الحالة‪ ،‬هو روح أصيل���ة تحتكم إلى‬ ‫ويس���طع الن���ور المحمدي أكث���ر كلما اقتربنا م���ع الرحالين‬ ‫موازين دينية وخلقية مخصوصة‪.‬‬ ‫إلى المدينة‪.‬‬ ‫إن ما يميز الرحالة المسلم في هذا المقام عن غيره‪ ،‬هو‬ ‫محدثة بالحقائق‬ ‫وتبدو الشعاب والجبال الكالحة الترابية ِّ‬ ‫أن س���يره س���ير اعتباري؛ فالخطوة التي يخطوها ّ‬ ‫تذكره بعظمة الت���ي ل���م يخمدها الق���در‪ .‬وكل خط���و عبر المعال���م التاريخية‬ ‫الخال���ق‪ .‬وبم���ا أن للم���كان ً‬ ‫نوعا من الجاذبي���ة التي تحضر في يذكر ببهاء نبي اإلنس���انية جمع���اء‪ .‬فهذه قرية بدر وتلك مقبرة‬ ‫النفوس حسب هيئات وصور مختلفة‪ ،‬فإن المكان الذي يحمل القلي���ب‪ ...‬وجه���ان متناقض���ان للتاري���خ‪ ...‬غال���ب ومغلوب!‬ ‫قداس���ته يك���ون له األث���ر البليغ‪ .‬فما بالك ل���و كان هذا المكان الطي���ش البش���ري مغلوب ال محال���ة‪ .‬ما فت���ئ الراحلون يرون‬ ‫موط���ن رس���ول اهلل ‪ ،‬لو كانت تل���ك األرض موطئ قدميه؟! بشارات النصر في بدر‪ ،‬وما فتئ كالم يرن في اآلذان‪ ...‬يوقظ‬

‫أسرار المكان‬

‫نصغي إلى المكان في هذه الحال وهو يقص قصته‪ ...‬فالطريق‬ ‫إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة يجتذب اإلحساس كله‪ .‬ال‬ ‫واصطالحيا‪ ،‬يصف‬ ‫لفظيا‬ ‫نجد في طريق ه���ذه الرحلة معاد ً‬ ‫ًّ‬ ‫ال ًّ‬ ‫ظاهرة التموج األسلوبي والرونق التركيبي الذي يلخص تاريخ‬ ‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪6‬‬

‫القلوب الغلف‪ :‬يا أهل القليب‪ ...‬يا أهل القليب‪.‬‬

‫هنا نادى الرس���ول ‪" :‬يا أبا جهل بن هش���ام! يا أمية بن‬

‫خلف! يا عتبة بن ربيعة! يا شيبة بن ربيعة! أليس قد وجدتم ما‬ ‫وجدت ما وعدني ربي ح ًّقا"‪ .‬فسمع‬ ‫وعد ربكم ح ًّقا؟ فإني قد‬ ‫ُ‬

‫عمر قول النبي  فقال‪ :‬يا رسول اهلل‪ ،‬كيف يسمعوا وأنى أن‬


‫يجيبوا وقد جيفوا؟ قال‪" :‬والذي نفس���ي‬ ‫بي���ده م���ا أنتم بأس���مع لم���ا أق���ول منهم‪.‬‬ ‫العب���دري‪ -‬عالي الس���مك مبيض مدور‬ ‫الطري��ق اإىل مك��ة املكرم��ة‬ ‫ولكنهم ال يقدرون أن يجيبوا"‪( .‬رواه مسلم)‬ ‫بالس���قائف عجي���ب المنظ���ر‪ ...‬وأم���ا‬ ‫واملدين��ة املن��ورة يجت��ذب‬ ‫نور محمد يشع في النفوس؛ فيصير‬ ‫الروض���ة الش���ريفة فتوج���د داخل���ه وهي‬ ‫االإح�سا���س كله‪ ...‬ال جند يف‬ ‫نقي���ا‪ ،‬وحقيق���ة ال تدرك‬ ‫الحك���ي خي���ا ً‬ ‫"معمول���ة بالرخام األبيض من األس���اس‬ ‫ال ًّ‬ ‫إال ف���ي ح���ال انعت���اق العقل م���ن أدران‬ ‫طري��ق ه��ذه الرحل��ة معاد ًال‬ ‫إلى سقف المس���جد بأتقن ما يكون من‬ ‫(‪)5‬‬ ‫المادة وأوضارها‪ ...‬تنفصل عن إيهابها‬ ‫الصنعة وأعجبه"‪.‬‬ ‫لفظيًّ��ا وا�سطالحيًّ��ا ي�س��ف‬ ‫غالبا ما تتكش���ف هذه اللغة‬ ‫وم���ن أل���وان تلك المحب���ة اندماج‬ ‫البس���يط‪ ،‬إذ ً‬ ‫ظاه��رة التم��وج االأ�سلوب��ي‬ ‫عن نقاء مصدره؛ المحبة واإليمان‪.‬‬ ‫اندماج���ا‬ ‫الرائ���ي ف���ي عال���م موصوفات���ه‬ ‫ً‬ ‫والرون��ق الرتكيب��ي ال��ذي‬ ‫صور الرحالون مشاعرهم وعكسوا‬ ‫كلي���ا‪ ،‬فكأني بالرحال���ة يعبر هنا‬ ‫ّ‬ ‫روحي���ا ًّ‬ ‫ًّ‬ ‫ح�سارة‬ ‫ن�سوء‬ ‫تاريخ‬ ‫يلخ���س‬ ‫في مدوناتهم ما كان يعتريهم من أحوال‬ ‫ع���ن حنين���ه األبدي الس���تعادة الش���عور‬ ‫مدعومة بالوحي‪.‬‬ ‫أدبيا‬ ‫بالصف���اء المطلق؛ فما س���عى بين الصفا‬ ‫نح���و خير األن���ام‪ ،‬وتركوا لن���ا ً‬ ‫زادا ًّ‬ ‫يغم���ره اإلحس���اس الص���ادق‪ .‬كل ذلك‬ ‫والم���روة‪ ،‬وما صعد جب���ل الرحمة‪ ،‬وما‬ ‫نطالع���ه أثن���اء تصفحن���ا للرح���الت التي‬ ‫قام في الروضة أو مر ببدر ورأى العدوة‬ ‫كتبها المس���لمون من كل األصقاع بلغات مختلفة عن المدينة الدنيا والعدوة القصوى‪ ،‬إال شعر كأنه يعود إلى تاريخ السمو‬ ‫المنورة‪ ،‬وعن المس���جد النبوي وروض���ات البقيع‪ ،‬نجد ذلك اإلنساني‪ ،‬تاريخ السيرة النبوية‪ .‬ووفق هذه الموازين الروحية‪،‬‬ ‫في اآلداب اإلنسانية المختلفة‪ ...‬لغة هؤالء لغة كونية وفطرية يس���تعيد م���ا أنجزه الدين في عقول الن���اس وأبصارهم لما غير‬ ‫ه���ي حبهم هلل وتعلقهم برس���وله الكري���م‪ .‬كان ذلك خلي ًقا بأن الدنيا من حال إلى حال‪.‬‬ ‫ينس���يهم متاع���ب الرحل���ة ومصاعبه���ا‪ ،‬مثلم���ا نلف���ي في حكي‬ ‫فه���ذه مك���ة ل���م تك���ن س���وى قري���ة صغي���رة متواري���ة بي���ن‬ ‫رحالة مش���فوع بنبض عقيدته الخالد وبمضاء فكره المس���تنير‪ .‬األخش���بين‪ ،‬ولم ت���در بها رومه‪ ،‬ولم تحفل بها القس���طنطينية‪،‬‬ ‫يقول الشيخ الندوي‪:‬‬ ‫فلم���ا دوى فيه���ا صوت محمد  ينادي ال إله إال اهلل وال رب‬ ‫"وتحمل���ت متاعب الس���فر إل���ى المدينة‪ ،‬وأن���ا أتمثل ذلك س���واه‪ ،‬ال كس���رى وال قيص���ر‪ ،‬وال ال���الت وال الع���زى‪ ،‬وأنها‬ ‫ن���ورا وس���كينة‪ .‬وصلنا إلى خابت وخسرت األصنام كلها أصنام الحجارة وأصنام القبور‪،‬‬ ‫الراك���ب األول ال���ذي مأل الفضاء ً‬ ‫المدين���ة المن���ورة‪ ،‬وصلي���ت ركعتين في مس���جد الرس���ول  وأصنام اللحم والدم‪ ،‬وأن الفضل بالتقوى والعاقبة للمتقين‪...‬‬ ‫وحم���دت اهلل عل���ى ذل���ك‪ ،‬ثم وقف���ت وأن���ا ُم ْث َق ٌ‬ ‫���ل بالمنن‪ :‬ال وقعت معجزة المعجزات‪ ،‬كبرت هذه القرية حتى أكلت مدن‬ ‫(‪)3‬‬ ‫أستطيع أن أكافئها‪ ،‬وال أستطيع أن أقضي حقها"‪.‬‬ ‫الباط���ل‪ ،‬ثم كبرت حت���ى ولدت مدن الخير والحق‪ ،‬ثم كبرت‬ ‫والمس���جد النبوي ‪-‬كما ج���اء في رحلة‬

‫مراتب المحبة‬

‫وم���ن أعلى مرات���ب المحبة‪ ،‬محب���ة الرس���ول ‪ ،‬محبة تزدان‬ ‫بتوقي���ر عظي���م‪ ،‬توقي���ر للم���كان ولذك���رى م���ن عاش ف���ي هذا‬ ‫المكان‪ .‬وذاك ما تجلوه أوصاف أمكنة مثل البقيع والمس���جد‬ ‫النب���وي والروض���ة الش���ريفة‪ ،‬وغيرها من المواضع المقدس���ة‪،‬‬ ‫حي���ث تمتزج فيها ذائقة الجم���ال بالحاجة إلى التعظيم‪ .‬البقيع‬ ‫كم���ا تحك���ي الرحل���ة الحجازية‪ -‬له عن���د المس���لمين مكانة‬‫عظيم���ة ويق���ال له بقي���ع الغردق‪ ،‬ألنه كان يكث���ر فيه هذا النوع‬ ‫من الش���جر‪ ،‬وبه دفن نحو عش���رة آالف من الصحابة رضوان‬ ‫(‪)4‬‬ ‫اهلل عليه���م وكثي���ر م���ن آل بيت النب���وة صل���وات اهلل عليهم‪.‬‬

‫حتى صارت أم األرض كلها‪.‬‬

‫(‪)6‬‬

‫وجها آخر من هذا الحب الخالد‪ ،‬النابع من فيض‬ ‫ولنتأمل ً‬

‫الن���ور ف���ي غار حراء‪ ،‬من خ���الل وصف بديع لحرك���ة نورانية‬ ‫له���ذا القاصد المس���تنير‪ ،‬ال���ذي ال وجهة لرحلت���ه غير الوجهة‬

‫التي س���لكها خير البشر أجمعين‪ .‬كان أحد الناس يطأ الصخر‬ ‫وطء متعسف جبار‪ ،‬فما كان إال أن تدحرجت حجارة بقدميه‪،‬‬

‫فما كان من القاصد إال أن صرخ‪ ،‬ويحك فهذي الصخور قد‬ ‫س���معت أول كلمة من حديث الس���ماء ف���ي أذن األرض‪ ،‬ولو‬

‫اس���تطعت لمش���يت على الرأس‬ ‫ال‪" .‬فما أجرؤ‬ ‫تقديس���ا وإجال ً‬ ‫ً‬

‫يوما على محمد ‪،‬‬ ‫أن أط���أ بقدمي الجب���ل الذي ضم ذراعيه ً‬

‫‪7‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫ِاس ِم َر ِّب َك ا َّل ِذي َخ َل َق﴾"‪.‬‬ ‫وسمعت أذناه جبريل يقول له‪﴿ :‬ا ْق َر ْأ ب ْ‬

‫(‪)7‬‬

‫هذه المحبة ثمرة مضافة ينالها نزيل هذا المكان‪ ،‬لذا يهون‬

‫في سبيلها كل عناء‪ .‬يقول‪:‬‬

‫"كنا قد بلغنا القمة بعدما تقطعت أنفاس���نا ونش���فت روحنا‬

‫وبلغ���ت أرواحن���ا التراق���ي‪ ،‬ونظرن���ا ف���إذا نح���ن كالمعل���ق في‬ ‫السحاب‪ ،‬وإذا الدنيا كلها أسفل منا‪ ،‬أما الغار فكان تحتنا في‬

‫م���كان ال يمك���ن أن يصل إلي���ه إال من تدلى‪ ،‬ثم يمر من ش���ق‬ ‫ف���ي الجبل حتى يبل���غ فرجة في الصخر كأنها وكر نس���ر‪ ...‬ما‬

‫أحس���ب طولها يع���دو المترين‪ ،‬وال يبلغ عرضه���ا المتر‪ ،‬وكان‬

‫ه���ذا هو غ���ار حراء‪ ...‬إننا ل���م نصل إلى القم���ة ونحن جماعة‬ ‫ونح���ن نصعد عل���ى درج منحوتة‪ ،‬حتى أش���رفنا على الموت‪،‬‬

‫فكيف كان الرس���ول  وحده‪ ،‬وكي���ف عرف مكان هذا الغار‬

‫إال أن يك���ون قد ارتاد هذه الجبال كلها أو بلغ أعاليها‪ ،‬وكيف‬ ‫كان يقيم وحده الليالي ذوات العدد‪ ،‬وما حوله إال هذه الجبال‬

‫السود وهذه الوحشة الصامتة المرعبة؟"‪.‬‬

‫(‪)8‬‬

‫كامنا في كل الرحالت اإلسالمية‬ ‫حبا ً‬ ‫ويبقى حب الرسول ًّ‬

‫حتى وإن لم تكن وص ًفا للبقاع المقدس���ة‪ .‬فش���خصية الرسول‬ ‫ هي الش���خصية التي يتداعى للدفاع عنها الرحالة المس���لم‪،‬‬ ‫خصوص���ا في تواريخ دقيق���ة ومفصلية في تاريخ األمة‪ .‬وذلك‬ ‫ً‬

‫شأن الرحالة الموريسكي "أفوقاي الحجري"‪ ،‬الذي نكتشف في‬

‫صفوة القول‬

‫تل���ك إذن بع���ض المالمح التي يس���تطيع القارئ م���ن خاللها‪،‬‬ ‫أن يس���تبين حقيق���ة الطاق���ة الفنية الخارق���ة‪ ،‬الت���ي تبعثها محبة‬

‫الرس���ول األعظ���م ف���ي نف���وس الرحالي���ن ف���ي أزمن���ة لقائه���م‬ ‫والتحامه���م باألمكنة الت���ي تذكرهم بضيائه وعظمته ‪ .‬وتلك‬

‫حقيق���ة تتع���دى نطاق الخي���ال واألدب بمعناهما المباش���ر‪ ،‬أو‬

‫الوصف الجغرافي بمعناه العلمي الدقيق‪ ،‬إلى رحابة المجتمع‬ ‫والحض���ارة والعم���ران‪ ،‬حي���ث تبقى حلق���ات النم���و الجمالي‬ ‫والبن���اء الحض���اري موش���وجة وموصول���ة‪ ،‬وتغ���دو ركائ���ب‬

‫المس���تقبل ورحلة األجيال المتالحق���ة في طريق الحق‪ ،‬ظافرة‬

‫بانس���يابية رفيع���ة ومالك���ة لجوه���ر روحي أصيل وأخ���اذ يمثل‬

‫مكمن قوتها وبهائها على مدى األحقاب‪.‬‬ ‫(*) كلية العلوم اإلسالمية‪ ،‬جامعة الجزائر ‪ /‬الجزائر‪.‬‬

‫الهوامش‬ ‫(‪)1‬‬

‫‪1400‬ه�‪1980/‬م‪.‬‬ ‫(‪ )2‬أنس الس���اري والس���ارب م���ن أقطار المغارب إلى منته���ى اآلمال والمآرب‬ ‫س���يد األعاجم واألعارب‪ ،‬ألبي عبد اهلل القيس���ي المعروف بابن مليح (_‬ ‫بعد ‪ ،)1040‬تحقيق محمد الفاس���ي‪ ،‬سلس���لة الرحالت ‪ -5-‬حجازية‪،2/‬‬

‫شخصيته أثناء مجادالته ومناظراته للنصارى واليهود في كتابه‬

‫قويا للرس���ول األعظم‪ ،‬وذلك‬ ‫حبا ًّ‬ ‫"مختصر رحلة الش���هاب"‪ًّ ،‬‬ ‫الحب هو ما يس���تصحب إش���ارته إلى كتاب وجد في غار من‬

‫ص‪ ،90:‬فاس ‪1388‬ه�‪1968/‬م‪.‬‬ ‫(‪ )3‬الجزي���رة العربي���ة ف���ي أدب الرحل���ة األردي‪ ،‬لس���مير عب���د الحمي���د ن���وح‪،‬‬ ‫منش���ورات جامع���ة اإلم���ام محم���د بن س���عود اإلس���المية‪ ،‬سلس���لة آداب‬

‫"خن���دق الجنة" وهو موضع يوجد قرب غرناطة‪ .‬ففي الكتاب‬

‫الش���عوب اإلس���المية ‪ -5-‬اإلدارة العام���ة للثقاف���ة والنش���ر‪ ،‬ص‪،573:‬‬

‫حكمة تقول س���يأتي في الوجود من بعد عيسى ‪" ،‬نور من‬

‫اهلل اس���مه الماحي‪ ...‬خاتم المرس���لين‪ ...‬وخات���م الدين ونور‬

‫األنبياء‪ ،‬ال نور لهم دونه وال ألحد من العالمين‪ .‬فالذين آمنوا به‬ ‫يسعدون حق السعادة‪ ،‬وينورون حق التنوير المبين من اهلل"‪.‬‬

‫(‪)9‬‬

‫ال‪،‬‬ ‫يتبدى الحجري في عرضه األدبي لرحلته‬ ‫شخصا مؤه ً‬ ‫ً‬

‫ليتب���وأ بفض���ل إيمانه وتصديقه للرس���الة النبوية‪ ،‬مق���ام الفاعل‬ ‫حقيقيا من حالة إل���ى حالة أخرى‪ ،‬أي من‬ ‫ال‬ ‫ال���ذي ينج���ز انتقا ً‬ ‫ًّ‬ ‫حال���ة المغل���وب على أم���ره إلى حال���ة المنتصر‪ .‬فه���ذا الرجل‬

‫منتصرا في كل محاوراته ومناظراته‪ ...‬وهو بحق فاعل‬ ‫يخرج‬ ‫ً‬ ‫إجرائي يح ِّقق للسرد وظيفته الجوهرية فيخدم فكرة االتصال‪،‬‬ ‫ويصب���و نحو تحقيق التناغم مع الذات في ظل س���ياق حكائي‬

‫وحواري تروم الرحلة فيه تشويق القارئ واستمالته‪.‬‬ ‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪8‬‬

‫نفح���ات الح���رم‪ ،‬لعل���ي الطنط���اوي‪ ،‬دار الفك���ر‪ ،‬ص‪ ،21:‬دمش���ق‬

‫الرياض ‪1419‬ه�‪1999/‬م‪.‬‬ ‫(‪ )4‬الرحلة الحجازية‪ ،‬لمحمد لبيب البتنوني‪ ،‬ط‪ ،2‬مطبعة الجمالية‪ ،‬ص‪،257:‬‬ ‫مصر ‪1329‬ه�‪.‬‬ ‫(‪ )5‬الرحل���ة المغربي���ة‪ ،‬ألبي عبد اهلل العبدري‪ ،‬تحقيق محمد الفاس���ي‪ ،‬سلس���لة‬ ‫الرح���الت ‪ -4-‬حجازي���ة‪ ،1/‬ص‪ ،205:‬جامعة محم���د الخامس‪ ،‬الرباط‬ ‫‪1960‬م‪.‬‬ ‫(‪)6‬‬

‫نفح���ات الح���رم‪ ،‬لعل���ي الطنط���اوي‪ ،‬دار الفك���ر‪ ،‬ص‪ ،15:‬دمش���ق‬ ‫‪1400‬ه�‪1980/‬م‪.‬‬

‫(‪)7‬‬

‫نفح���ات الح���رم‪ ،‬لعل���ي الطنط���اوي‪ ،‬دار الفك���ر‪ ،‬ص‪ ،20:‬دمش���ق‬ ‫‪1400‬ه�‪1980/‬م‪.‬‬

‫(‪)8‬‬

‫نفح���ات الح���رم‪ ،‬لعل���ي الطنط���اوي‪ ،‬دار الفك���ر‪ ،‬ص‪ ،21:‬دمش���ق‬ ‫‪1400‬ه�‪1980/‬م‪.‬‬

‫(‪ )9‬ناصر الدين على القوم الكافرين‪ ،‬ص‪.31:‬‬


‫تربية‬

‫أ‪.‬د‪ .‬حامد إبراهيم الموصلي*‬

‫التنمية الذاتية‬

‫ودور المجتمعات المحلية في نهضة األمة‬ ‫���د‬ ‫﴿و َج َ‬ ‫عندم���ا بل���غ ذو القرني���ن بي���ن الس���دين َ‬ ‫���ون‬ ‫���ن ُدو ِنهِ َم���ا َق ْو ًم���ا َ‬ ‫ال َي َ‬ ‫ون َي ْف َق ُه َ‬ ‫���ك ُاد َ‬ ‫ِم ْ‬ ‫ال﴾(الكه���ف‪ ،)93:‬لق���د عرض���وا علي���ه صفق���ة‬ ‫َق ْو ً‬ ‫ون ِف���ي‬ ‫﴿ َقا ُل���وا َي���ا َذا ا ْل َق ْر َن ْي ِ‬ ‫���د َ‬ ‫���وج ُم ْف ِس ُ‬ ‫���وج َو َم ْأ ُج َ‬ ‫���ن إ َِّن َي ْأ ُج َ‬ ‫ا َ‬ ‫���ك َخ ْر ًجا َع َل���ى َأ ْن َت ْج َع َل َب ْي َن َن���ا َو َب ْي َن ُه ْم‬ ‫���ل َل َ‬ ‫أل ْر ِ‬ ‫���ل َن ْج َع ُ‬ ‫ض َف َه ْ‬ ‫���دا﴾(الكهف‪ ،)94:‬عرضوا عليه صفق���ة للقيام بعمل معين لقاء‬ ‫َس ًّ‬

‫أجر دون أي مش���اركة منهم‪ .‬فما كان جوابه عليهم؟ لقد نحى‬ ‫﴿ما‬ ‫جانب���ا وقرر أن ينطل���ق من ُم ْك َن ِت��� ِه هو‪َ :‬‬ ‫موض���وع الصفق���ة ً‬

‫َم َّك ِّني ِفي ِه َر ِّبي َخ ْي ٌر﴾(الكهف‪ ،)95:‬أي مما يستطيعه هو كفرد مع‬ ‫نس���بة الفضل فيما يس���تطيعه إلى اهلل  كما لو كان يستشرف‬ ‫المشيئة اإللهية كي يعمل في ظلها‪.‬‬ ‫المه���م هن���ا‪ ،‬كيف تعام���ل ذو القرنين مع ه���ؤالء الذين ال‬

‫‪9‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫نفوس���هم‪ ،‬وم���ن االعتماد على النس���يج‬

‫ال؟ أبس���ط ما يمكن‬ ‫ي���كادون يفقهون قو ً‬ ‫أمي���ون أو جهالء‬ ‫االجتماعي الحض���اري الحي للمجتمع‬ ‫التنمي��ة الذاتي��ة ه��ي ا�ستعادة‬ ‫أن يق���ال عنه���م‪ ،‬إنهم ّ‬ ‫أو عديم���وا الق���درة على الفهم‪ .‬لقد قال‬ ‫المحل���ي‪ ،‬وم���ن النظ���رة إل���ى المجتم���ع‬ ‫النا���س للمب��ادرة وح َّقه��م يف‬ ‫له���م‪َ ﴿ :‬ف َأ ِع ُينو ِني ِب ُق َّو ٍة﴾(الكه���ف‪ ،)95:‬أي‬ ‫ق���ادرا على‬ ‫حيا‬ ‫المحل���ي باعتب���اره ً‬ ‫ً‬ ‫كائنا ًّ‬ ‫االختيار؛ اختيا ِر اأهداف احلياة‬ ‫جانبا‪-‬‬ ‫ال لمقوم���ات‬ ‫الفع���ل والحرك���ة‪ ،‬وحام��� ً‬ ‫أن���ه ‪-‬بع���د تنحيته الصفقة معه���م ً‬ ‫ومعن��ى التق��دم وم�سمون��ه‪،‬‬ ‫اس���تنفر قوتهم وجعل إعانتهم له شر ًطا‬ ‫ذاتيا وذي هوي���ة متفردة‪ ،‬ومالمح‬ ‫نم���وه ًّ‬ ‫وحقهم يف امل�ساركة يف التنمية‬ ‫���م َو َب ْي َن ُه ْم‬ ‫خاصا وتميزه عن‬ ‫لعمل���ه معه���م‪َ ﴿ :‬أ ْج َع ْ‬ ‫طابعا ًّ‬ ‫���ل َب ْي َن ُك ْ‬ ‫وقس���مات تهبه ً‬ ‫أو‬ ‫ا‬ ‫املجتمع‬ ‫م�ستقب��ل‬ ‫بناء‬ ‫ويف‬ ‫َر ْد ًما﴾(الكه���ف‪ ،)95:‬ث���م عاد وطلب منهم‬ ‫غيره من المجتمعات المحلية‪.‬‬ ‫هي‬ ‫الذاتي��ة‬ ‫والتنمي��ة‬ ‫أم��ة‪.‬‬ ‫ال‬ ‫ا‬ ‫إحض���ار خ���ام محل���ي لديه���م‪﴿ :‬آ ُتو ِني‬ ‫وعلى مس���توى الف���رد تنطلق التنمية‬ ‫متكني اأبناء املجتمعات املحلية‬ ‫ُز َبر ا ْل َح ِد ِ‬ ‫يد﴾(الكهف‪ ،)96:‬ثم طلب منهم‬ ‫الذاتي���ة م���ن النظر ل���كل إنس���ان باعتباره‬ ‫َ‬ ‫تنظيميًّ��ا وعلميًّ��ا وتكنولوجيًّا‬ ‫���ال‬ ‫المس���اعدة ف���ي صه���ر الحدي���د‪َ ﴿ :‬ق َ‬ ‫معج���زة ف���ي ذات���ه‪ ،‬وأن لدي���ه إمكان���ات‬ ‫ارا﴾(الكهف‪،)96:‬‬ ‫كي يكونوا منتجني ومبدعني‪.‬‬ ‫كامنة للفعل واإلبداع تميزه عن غيره من‬ ‫ا ْن ُف ُخوا َح َّت���ى ِإ َذا َج َع َل ُه َن ً‬ ‫خاما آخر وهو النحاس‬ ‫بني البش���ر‪ .‬وتتيح التنمية الذاتية ‪-‬على‬ ‫ثم عاد فطل���ب ً‬ ‫���ر ْغ َع َل ْي��� ِه ِق ْط ًرا﴾(الكهف‪،)96:‬‬ ‫﴿آ ُتو ِن���ي ُأ ْف ِ‬ ‫أيضا‪ -‬الفرص���ة للتفاعل‬ ‫مس���توى الف���رد ً‬ ‫ليصنع سبيكة من الحديد والنحاس‪ ،‬أي إن ذا القرنين استطاع النفس���ي‪/‬االجتماعي ف���ي ح���دود طاق���ة الف���رد عل���ى التواصل‬ ‫أن يطل���ق طاقاته���م وقدراتهم الكامنة الت���ي لم تكن ظاهرة في والتفاعل والعمل والمش���اركة اإليجابية في مجتمعه المحلي‪،‬‬ ‫���ون َق ْو ً‬ ‫البداي���ة‪َ ﴿ :‬‬ ‫ال َي َ‬ ‫ون َي ْف َق ُه َ‬ ‫���ك ُاد َ‬ ‫ال﴾(الكه���ف‪ .)93:‬وه���ذا ه���و وكذل���ك ف���ي حدود قدرته على أن ي���رى ويلمس ويدرك ناتج‬ ‫جوه���ر التنمية الذاتي���ة؛ إط���الق الطاقات واس�����تخدام الموارد تفاعل���ه وعمله‪ ،‬أي إن دائ���رة النية والعمل ورؤية ناتج العمل‪،‬‬ ‫المتاحة‬ ‫محليا‪ ،‬إليجاد حل مناس���ب لمش���كلة أو ٍّ‬ ‫تحد واجها تنغلق على مس���توى المجتمع المحلي‪ ،‬فيستطيع الفرد بالتالي‬ ‫ًّ‬ ‫المجتمع المحلي‪.‬‬ ‫أن يصحح رؤيته ويعدل مسار عمله ويعيد االختيار‪ ،‬فيدخل في‬

‫التنمية الذاتية‬

‫هي عملية التحول المس���تمرة للمجتم���ع المحلي‪ ،‬التي تؤدي‬ ‫إل���ى إط���الق الطاق���ات الكامنة في���ه‪ ،‬والتي تنم���ي قدراته على‬ ‫التج���دد الذات���ي والنهض���ة‪ ،‬والت���ي تمكن���ه بالتالي م���ن التعبير‬ ‫ع���ن هويته وقيمه الحضارية الممي���زة‪ ،‬والتنمية الذاتية قد تبدأ‬ ‫بعوامل مس���اعدة من خارج المجتمع المحلي‪ ،‬أو تكون نابعة‬ ‫بالكامل من داخله‪ .‬هي دعوة لمشاركة عامة الناس في التنمية‪،‬‬ ‫وإط���الق طاقاته���م الخالق���ة وقدراتهم على التفكي���ر والخيال‬ ‫والتع���اون والعمل‪ ،‬مما يفتح المجال لإلبداع المحلي في كل‬ ‫المج���االت الفعالي���ة اإلنس���انية والنهوض الحض���اري في كل‬ ‫مكان‪ .‬هي دعوة لتخطيط يبدأ بإعطاء دور رئيس���ي لمش���اركة‬ ‫عامة الناس وتوظيف طاقاتهم الخالقة في التنمية‪ ،‬مما يمكن‬ ‫أن يفض���ي إل���ى نم���وذج جدي���د للتحديث؛ قائم عل���ى اإلبداع‬ ‫المحلي واالعتماد على الذات‪.‬‬ ‫وتنطل���ق التنمي���ة الذاتية م���ن النظرة المتعاطف���ة والمنصفة‬ ‫للن���اس‪ ،‬والثق���ة فيه���م والره���ان عل���ى كل ما ه���و إيجابي في‬ ‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪10‬‬

‫ال لتغيير النفس‪.‬‬ ‫دائرة تفاعل جديدة وهكذا‪ ،‬أال يعد ذلك مجا ً‬ ‫وم���ن زاوية التدخل كعامل مس���اعد‪ ،‬تعن���ي التنمية الذاتية‬

‫الس���عي إلزال���ة عمي القل���وب والعق���ول واألبصار‪ ،‬والس���عي‬

‫للخ���روج بالناس من حالة الغيبوبة والعجز والس���لبية وانتظار‬ ‫الحل���ول الجاه���زة‪ ،‬إل���ى المش���اركة الفعالة في صن���ع واقعهم‬ ‫واس���تعادة دورهم كفاعلين ومعاصرين في س���ياق مجتمعاتهم‬

‫المحلية‪ .‬كما تعني التنمية الذاتية السعي لصناعة المناخ الذي‬ ‫يس���اعد وييس���ر على كل إنسان اكتشاف أو إعادة اكتشاف ذاته‬

‫ف���ي س���ياقات واقعية متزايدة االتس���اع‪ ،‬تبدأ م���ن أصغر وحدة‬ ‫اجتماعي���ة ينتمي إليها فالمجتم���ع المحلي فالقومي فاإلقليمي‬

‫فالعالم أجمع‪.‬‬

‫ويب���دأ تفعيل التنمي���ة الذاتية بفهم الس���ياق العام للمجتمع‬

‫قيما إيجابية‬ ‫المحلي وما يحوزه من إمكانات ذاتية‪ ،‬سواء كانت ً‬ ‫دافع���ة للعمل واإلبداع‪ ،‬أو ش���بكات عالقات اجتماعية فاعلة‪،‬‬

‫أو أش���كال من التنظيم الجماعي المحلي‪ ،‬أو معارف واس���عة‬ ‫يحوزها الناس عن المحيط الحيوي وعن الموارد المحلية‪ ،‬أو‬


‫التراث التقني (المعارف والمهارات والقدرات التقنية) والذي‬

‫ه���و حصيلة تفاعل أبناء المجتمع المحل���ي مع البيئة المحيطة‬ ‫عب���ر آالف الس���نين م���ن أج���ل إش���باع حاجاته���م األساس���ية‪،‬‬

‫كم���ا تض���م اإلمكان���ات الذاتية الخام���ات والم���وارد المحلية‪.‬‬ ‫وتعن���ي التنمي���ة الذاتي���ة االعت���راف بالتن���وع ف���ي الظ���روف‬

‫األيكولوجي���ة‪ ،‬والخب���رات التاريخي���ة‪ ،‬والبن���ى االجتماعي���ة‬

‫ال في اكتش���اف الميزات النسبية والتنافسية‬ ‫واالس���تفادة منه؛ أو ً‬ ‫الت���ي يتمي���ز به���ا كل مجتم���ع محل���ي كمنطل���ق إلقامة أنش���طة‬ ‫وثاني���ا ف���ي إث���راء التجرب���ة التنموي���ة عل���ى‬ ‫اقتصادي���ة ناجح���ة‪ً .‬‬

‫المستوى القومي واإلقليمي والعالمي‪.‬‬

‫كذل���ك تعن���ي التنمية الذاتي���ة‪ ،‬إنصاف العدي���د من عناصر‬

‫الطاب���ع المحل���ي ف���ي المس���كن والملب���س واألث���اث والمأكل‬ ‫واألنش���طة االقتصادي���ة‪ ...‬إل���خ‪ .‬وال يعن���ي ذل���ك تجميد هذه‬ ‫العناص���ر عل���ى صورتها الراهن���ة‪ ،‬فالعديد من عناص���ر الطابع‬ ‫المحل���ي يمك���ن أن تحم���ل صفت���ي الثب���ات والتغي���ر في نفس‬

‫ال‪ -‬فكرة‪ ،‬لكن هناك بدائل عديدة‬ ‫الوق���ت‪ .‬فالبناء بالطي���ن ‪-‬مث ً‬

‫م���ن الم���واد (الطي���ن والطف���الت‪ ...‬إل���خ) والتقني���ات وكذلك‬ ‫التصميمات‪ .‬األهم هو اكتش���اف الشفرة والتعبيرية الحضارية‬ ‫الكامن���ة خلف الطاب���ع المحلي‪ ،‬مما يعط���ي اتجاهات متميزة‬ ‫للتفكي���ر والخي���ال واإلب���داع المرتك���ز عل���ى خصائ���ص البيئة‬

‫المحلية والخصوصية الحضارية للمجتمعات المحلية‪.‬‬

‫اليد الكاشفة‬ ‫أحالمنا‪،‬‬ ‫تافه ٌة‬ ‫ُ‬ ‫هابطة آمالُنا‪...‬‬ ‫إليها نركض الهثين‪،‬‬ ‫وحولها ندور متعبين‪...‬‬ ‫أيتها اليد اآلتية من وراء الغيب!‬ ‫الستار‪،‬‬ ‫ْاكشفي ّ‬ ‫واط ِو الحجاب‪،‬‬ ‫وعظم َة اآلمال أرينا‪،‬‬ ‫وإلى ُس ُم ِّو األحالم ادفعينا‪،‬‬ ‫وإلى عظمة اإلنسان ْارفعينا‪...‬‬ ‫***‬

‫ما الذي تعنيه التنمية الذاتية بأعم وأوسع معانيها؟ إنها تعني‬

‫استعادة الناس ‪-‬عموم الناس‪ -‬للمبادرة وحقهم في االختيار؛‬ ‫اختي���ار أه���داف الحي���اة ومعن���ى التق���دم ومضمون���ه وحقه���م‬

‫ف���ي المش���اركة في التنمية وف���ي بناء مس���تقبل المجتمع‪/‬األمة‪.‬‬

‫كذل���ك تعني التنمية الذاتية تمكين أبن���اء المجتمعات المحلية‬ ‫وتكنولوجيا كي يكونوا منتجين ومبدعين‪ ،‬كما‬ ‫وعلميا‬ ‫تنظيميا‬ ‫ًّ‬ ‫ًّ‬ ‫ًّ‬ ‫تعن���ي التنمي���ة الذاتية التخل���ي عن صيغة "التحدي���ث" الجاهزة‬ ‫والمرتبطة بالتلقي الس���لبي‪ ،‬لثمرات إبداع وعمل اآلخرين في‬

‫صورة س���لع وأس���اليب جاهزة للحياة واالس���تهالك واإلنتاج‪،‬‬

‫مما يؤدي إلى خمود القدرات اإلبداعية الذاتية‪.‬‬

‫(*) رئيس الجمعية المصرية للتنمية الذاتية للمجتمعات المحلية ‪ /‬مصر‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫أدب‬

‫د‪ .‬محمد باباعمي*‬

‫أولى زخات الثلج‬ ‫تعظني وتبكيني‬

‫"ش ْمليش���ا"‪ ،‬عبر نافذت���ي‪ ...‬من بعيد يغمز‬ ‫ف���ي مكتب���ي‪ ،‬أعالي جبال َ‬ ‫لي "البوس���فور" بعيون الزردية‪ ،‬و ِمن فوقه جس���ر العبور من أوروبا‬ ‫ٍ‬ ‫جديد‪ ،‬يتزحزح فيه المحور‬ ‫مس���تقبل للعا َلم‬ ‫أمل‬ ‫إلى آس���يا‪ ،‬يرس���م َ‬ ‫ٍ‬ ‫بشر من كل جنس ولون‪ ،‬يحملون‬ ‫من الغرب إلى الش���رق‪ ،‬وفوق الجس���ر ٌ‬ ‫ناس‪ ...‬بل ٌ‬ ‫آماله���م وآالمه���م‪ ،‬أحالمه���م وأفكارهم‪ ،‬وال يرى بعضهم من بعض س���وى المظاهر‬ ‫﴿ي ْع َلم َخا ِئ َن َة ا َ‬ ‫أل ْع ُي ِن َو َما ُت ْخ ِفي‬ ‫واألش���كال‪َّ ،‬أما "الس���رائر" فتبقى غامضة إال على من َ ُ‬ ‫ور﴾(غافر‪.)19:‬‬ ‫ُّ‬ ‫الص ُد ُ‬ ‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪12‬‬


‫القدس‪ ،‬أو هي الصدفة آثرتنا على العا َلمين‪ ...‬بل هو التطور‪،‬‬

‫مش���هد‬ ‫المش���هد البعيد‬ ‫فج���أ ًة ودون س���ابق إن���ذار‪ ،‬يكس���ر‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫قري���ب‪ ،‬وكم م���ن بعيد أخفى على العبد نعم���ة القريب‪ ...‬إنها‬

‫كل أولئك أنعم‬ ‫وسلس���لة األسباب المادية‪ ،‬والفهم العلمي‪ُّ ...‬‬

‫فتالمس أغصان الش���جر‪ ،‬وتدغدغ أنوف البشر‪ ،‬وتحكي قصة‬

‫واحد أحد‪ ،‬فرد صمد‪ ،‬ال نراه وال نعرفه؟!‬

‫زخ���ات ثل���ج ناع���م هفه���اف‪ ،‬تتنزل ف���ي صمت من الس���ماء‪،‬‬ ‫َّ‬

‫تفرق بين سعيد‬ ‫"البياض الذي يقهر السواد"‪ ،‬وهي في ذلك ال ّ‬ ‫لكن كل واحد من هؤالء على‬ ‫وش���قي وال بين فقير وغني‪َّ ...‬‬

‫اختالف مصدره ومورده‪ ،‬يس���تقبلها حس���ب س���عة قلبه‪ ،‬ووفق‬ ‫ٍ‬ ‫مترف نظر إليها نظر ًة ش���زراء بلهاء‬ ‫إنش���اره وقبضه‪ ...‬فكم من‬ ‫حانقة‪ ،‬وكم من معدم بس���ط كفيه إلى الس���ماء‪ ،‬والتقط واحدة‬

‫ش���اكرا‪،‬‬ ‫حامدا‬ ‫مرضيا‪،‬‬ ‫راضيا‬ ‫م���ن "حبات الخير" فأودعها فاه‬ ‫ً‬ ‫ًّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬

‫منع ًما‪" ...‬كأنما حيزت له الدينا بحذافيرها"‪.‬‬ ‫ً‬ ‫سعيدا َّ‬

‫وقلبك‬ ‫قلبك‪ُ ،‬‬ ‫زخات الثلج تقول‪ :‬أخي‪ ،‬أختي‪ ،‬الدنيا هي ُ‬

‫مر ًحا ورحابة‪،‬‬ ‫ه���و الدنيا‪ ،‬فإن يك‬ ‫ً‬ ‫واس���عا ً‬ ‫رحبا ص َّفق الك���ون َ‬

‫حرجا عبس الوجود‬ ‫ضي ًقا‬ ‫ً‬ ‫وإن يك هذا القلب ‪-‬وا حس���رتاه‪ّ -‬‬

‫وقطب حاجبيه حس���ر ًة وأس��� ًفا! فانظر ماذا ترى‪ ،‬وارس���م على‬ ‫َّ‬

‫وأي لون تشاء‪.‬‬ ‫أي شكل تريد َّ‬ ‫لوحة الزمن َّ‬ ‫ِ‬ ‫يضمخون العالم باألحمر الفاقع‪،‬‬ ‫بعض الناس ما أشقاهم‪ّ ،‬‬ ‫يس���ودونه عنوة ويحاربون البياض بشراسة‪ ،‬وآخرون‬ ‫وآخرون‬ ‫ّ‬

‫طعما‪ ،‬فهم أح���الف "الاللون"‬ ‫ال ي���رون لم���ا حولهم لو ًن���ا وال ً‬

‫وأحالس "الالمعنى"‪ ...‬وآخرون‪ ...‬وآخرون‪.‬‬

‫وردا‬ ‫َّأم���ا‬ ‫ٌ‬ ‫بع���ض م���ن عب���اد اهلل‪ ،‬فتجدهم يفرش���ون القف���ر ً‬

‫عطرا‬ ‫وعنبرا‪ ،‬وتأبى ش���فاههم وصف‬ ‫وزه���را‪ُ ،‬‬ ‫ً‬ ‫ويعبِقون الدنيا ً‬ ‫ً‬ ‫قابل‬ ‫ش���ي ٍء بالس���لب‪ ،‬إذ كلُّ شيء ‪-‬سوى الش���ر‪ -‬في مذهبهم ٌ‬

‫للقب���ول‪ ،‬وكلُّ أم���ر س���وى الفس���اد والقب���ح أه���ل ألن يلتف���ت‬ ‫وخالئف األنبياء‪ ،‬ورواد‬ ‫رس���ل الس���ماء‪،‬‬ ‫إن هؤالء هم‬ ‫ُ‬ ‫إليه‪َّ ...‬‬ ‫ُ‬

‫حباته النورانية من الس���ماء‬ ‫األصفياء‪ ...‬فهم الثلج الذي تتناثر َّ‬

‫رحمة من رب الثلج ورب السماء‪.‬‬ ‫خط أول���ى كلماتي المرتعش���ة في‬ ‫آ ٍه‪ ،‬م���ا إن انتهي���ت م���ن ّ‬

‫بياضا‬ ‫وصف أولى الزخات المتساقطة حتى افترشت األرض ً‬ ‫ناصع���ا‪ ،‬وه���ا هي ذي النباتات والحيوانات والحش���رات ته ِّلل‬ ‫ً‬ ‫وتستبشر‪ ،‬فتعلنه حفل زفاف لهذا العام السعيد‪ ،‬تعلنه بالحمد‬ ‫والش���كر واالعتراف بالنعمة للمنع���م الحميد‪َّ ...‬أما الكثرة من‬

‫فل���م الحاج���ة إذن لإليمان برب‬ ‫علين���ا ه���ذا الخير العمي���م‪َ ...‬‬ ‫زخة واحدة ال أكثر‪،‬‬ ‫فتحت النافذة‬ ‫والتقطت بيدي اليمنى َّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫والتف���ت إلى الضيف ِة‪،‬‬ ‫ل����� في إغالقها حت���ى ال أزكم‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫عج ُ‬ ‫ث���م َّ‬

‫ربك‪َ ،‬م���ن خالقك‪ ،‬من ذا‬ ‫وس���ألتها بص���وت ه���ادئ رفيق‪َ :‬من ُّ‬ ‫وم���ن الذي اعتنى ب���ك فهبطت من‬ ‫ال���ذي ألق���اك من الس���ماء‪َ ،‬‬

‫تتهشم عظامك‪ ،‬ومن أمرك بسقي‬ ‫المسافات الشامخة دون أن َّ‬

‫نبتة أو دودة أو طفلة‪ ...‬أو حتى ملحد جاحد كفار؟‬

‫س���كتت بره���ة وأزاحت النقاب عن وجهه���ا الصبوح‪ ،‬وما‬

‫درت أنه���ا قتلتني بعينيها الحوراوي���ن الكحالوين النجالوين‪،‬‬ ‫والمجمل بخان وحنين‪ ،‬قالت‪:‬‬ ‫وبخدها المب َّلل بدمع سخين‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬

‫أهذا سؤال يسأله عاقل؟‬ ‫قلت‪ :‬أنا ِمن أبي إبراهيم تع َّلمت الس���ؤال‪ ،‬ألم يس���أل ربه‪:‬‬

‫���ف ُت ْحيِ���ي ا ْل َم ْو َتى﴾(البق���رة‪ ،)260:‬أفل���م يجب���ه‬ ‫﴿ر ِّب َأرِ ِن���ي َك ْي َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫﴿ب َلى‬ ‫س���بحانه‪َ ﴿ :‬أ َو َل ْم ُت ْؤم ْن﴾(البقرة‪ ،)260:‬أل���م يقل بعد ذلك‪َ :‬‬ ‫َو َل ِك ْن ِل َي ْط َم ِئ َّن َق ْلبِي﴾(البقرة‪.)260:‬‬ ‫"ليطمئن‬ ‫"ليطمئ���ن قلب���ي"‪،‬‬ ‫"ليطمئ���ن قلب���ي"‪،‬‬ ‫كذل���ك أن���ا‪:‬‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫قلبي"‪...‬‬

‫وس���بحت واس���تغفرت ث���م قالت‪ :‬نع���م‪ ،‬صدقت‪،‬‬ ‫تنهدت‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬

‫إن���ه اهلل رب���ي ورب���ك ورب كل ش���يء‪ ،‬فس���بحانه وه���و القائل‪:‬‬ ‫ات َو َح َّب ا ْل َح ِص ِ‬ ‫﴿و َن َّز ْل َنا ِم َن السما ِء َم ًاء ُمبار ًكا َف َأ ْنب ْت َنا ِب ِه َج َّن ٍ‬ ‫يد‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫َّ َ‬ ‫َ‬ ‫اس��� َق ٍ‬ ‫���ل َب ِ‬ ‫يد  رِ ْز ًق���ا ِل ْل ِع َبا ِد َو َأ ْح َي ْي َنا ِب ِه‬ ‫الن ْخ َ‬ ‫ات َل َها َط ْل ٌع َن ِض ٌ‬ ‫ َو َّ‬ ‫وج﴾(ق‪.)11-9:‬‬ ‫َب ْل َد ًة َم ْي ًتا َك َذ ِل َك ا ْل ُخ ُر ُ‬

‫التف���ت إلى يدي‬ ‫قل���ت بأعل���ى صوتي "س���بحان اهلل"‪ ...‬ثم‬ ‫ُ‬ ‫ولكنها تركت كلمة‬ ‫فألفيتها مب َّلل���ة وقد ذابت الثلجة المع ِّلمة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫باكيا‪:‬‬ ‫محفورة على راحة يدي‪ ،‬فقرأ ُتها مشف ًقا منها‪ً ،‬‬

‫واتل قول‬ ‫ميت���ا"‪ ،‬ولكن واص���ل ُ‬ ‫أخ���ي‪ ،‬ال تقف ف���ي "بلد ًة ً‬ ‫وج﴾‪.‬‬ ‫الحق‬ ‫موقنا‪َ :‬‬ ‫ِّ‬ ‫مؤمنا ً‬ ‫ً‬ ‫﴿ك َذ ِل َك ا ْل ُخ ُر ُ‬ ‫الله���م نجنا يوم الحش���ر‪ ،‬وي���وم البعث‪ ،‬وي���وم الخروج‪...‬‬

‫البشر ‪-‬المستعدون لحفل الكريسماس‪ -‬فهم غافلون سادرون‬ ‫ِ‬ ‫المنع���م‪ ،‬عائم���ون غرقون ف���ي محيطات النع���م وبحارها‬ ‫ع���ن‬

‫آمين‪.‬‬

‫هب���ة الطبيعة المعطاء‪ ،‬أو هي ش���راك ٌة بين األب واالبن وروح‬

‫(*) مدير معهد المناهج‪ ،‬الجزائر العاصمة ‪ /‬الجزائر‪.‬‬

‫ي���ردد‪ :‬هي هكذا ج���اءت‪ ،‬وهي من‬ ‫ووديانه���ا ولس���ان حاله���م ِّ‬

‫‪13‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫قضايا فكرية‬

‫أ‪.‬د‪ .‬محمد الروكي*‬

‫العلم واألخالق‬ ‫وأثرهما في بناء اإلنسان‬ ‫عند النورسي‬ ‫إن القارئ لرس���ائل النور‪ ،‬الدارس لنصوصها‪،‬‬

‫وإ ًذا فالعل���م ال���ذي ال يثمر هذه األخالق‪ ،‬وال يفضي إليها‬

‫قرآن���ي المص���در والغاي���ة‪ ،‬قرآن���ي المضم���ون‬

‫علما‪.‬‬ ‫جدوى منه وال نفع فيه‪ ،‬وليس هو الذي يستحق أن يسمى ً‬

‫المتأمل في س���طورها‪ ،‬يجد ال محالة أن فكره‬ ‫والمنه���ج‪ ،‬وم���ن ث���م ف���إن العلم الذي تح���دث عنه ودع���ا إليه‬ ‫وحث الناس عليه‪ ،‬وأودع مادته في رسائله‪ ،‬هو العلم القرآني‬ ‫ّ‬ ‫وين���ور العق���ول‪ ،‬ويزيل األقفال‬ ‫الربان���ي الذي يفت���ح البصائر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫يع���رف ب���اهلل ‪ ،‬ويهدي‬ ‫ع���ن القل���وب‪ ...‬ه���و العل���م ال���ذي ّ‬

‫إلي���ه ويوص���ل إلي���ه‪ ...‬ه���و العلم النافع الراش���د الذي يس���تقيم‬

‫ب���ه اإلنس���ان ويحمله عل���ى الص���الح واإلص���الح‪ ،‬ويك ّفه عن‬

‫العصي���ان والفس���اد والطغيان‪ ...‬هو العلم ال���ذي يقود صاحبه‬

‫إلى الفضائل ويحمله على التحلي باألخالق العالية ويوجهها‬ ‫ويرش���دها ويحافظ عليه���ا‪ ،‬فهو قرينها وملزومه���ا؛ إذ ال يحل‬ ‫ّ‬ ‫قلب���ا إال ش���رحه ألخ���الق اإلس���الم‬ ‫العل���م القرآن���ي الربان���ي ً‬

‫ال إال أش���بعه بالقيم العالية والمبادئ‬ ‫ومكارم���ه‪ ،‬وال يدخل عق ً‬ ‫السامية‪ ،‬وحرك صاحبهما إلى العمل الرشيد والفكر السديد‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪14‬‬

‫ويحم���ل صاحبه عليه���ا‪ ،‬هو في نظر النورس���ي ال قيمة له وال‬ ‫والمتتبع لكالم النورس���ي في فق���ه عالقة العلم باألخالق‪،‬‬

‫يجد أنها قائمة ‪-‬في فكره‪ -‬على أساس التأثر بخصائص العلم‬ ‫القرآني الرباني‪ ،‬وهي خصائص تميزه عما سواه‪ ،‬بعضها يحلي‬

‫بالفضائ���ل والكماالت‪ ،‬وبعضها يخلي من الرذائل والنقائص‪،‬‬ ‫وبهذه التحلية والتخلية يتم بناء اإلنس���ان على النحو األكمل‪،‬‬

‫وتس���تقيم صياغت���ه على الوجه األجمل‪ .‬فينش���أ ع���ن هذا البناء‬ ‫وه���ذه الصياغ���ة مقام ثالث بي���ن مقامي التحلي���ة والتخلية‪ ،‬هو‬ ‫م���ا يمك���ن أن نس���ميه ب�"مق���ام التجلي���ة"‪ ،‬وه���و مق���ام تظهر فيه‬

‫عل���ى اإلنس���ان الس���الك الواصل آث���ار نع���م اهلل‪ ،‬وتتألأل حوله‬ ‫مصابي���ح الب���ركات الرحماني���ة‪ ،‬وتتجلى فيه أن���وار الفيوضات‬

‫عش���را من هذه‬ ‫الرباني���ة الصمداني���ة‪ .‬ونس���تعرض ‪-‬فيما يأتي‪-‬‬ ‫ً‬

‫الخصائ���ص في ضوء رس���ائل النور وفكر النورس���ي‪ ،‬الخمس‬


‫األول���ى منه���ا في التحلية‪ ،‬والخمس األخ���رى في التخلية‪ ،‬مع ‪ -3‬الدعوة إلى العبادة‬ ‫كثي���ر م���ن االختصار واإلجم���ال‪ ،‬ألن القصد هو إب���راز عالقة‬

‫العبادة بمفهومها الواس���ع عند النورس���ي‪ ،‬هي إظهار اإلنس���ان‬

‫‪ -1‬الدعوة إلى اإليمان‬

‫عن عبوديته المش���ربة بالمحب���ة والطاعة واإلخالص‪ .‬والعبادة‬

‫العلم باألخالق من خالل هذه الخصائص‪.‬‬

‫إظهارا يعبر‬ ‫عج���زه وافتقاره إلى ربه جل وعال في كل ش���يء‪،‬‬ ‫ً‬

‫العلم القرآني الرباني يدعو بطبيعته إلى اإليمان‪ ،‬ويصقل فكر‬

‫به���ذا المعنى داخلة في س���احة العلم‪ ،‬ألن غايته الكبرى ‪-‬كما‬

‫صاحب���ه ويعرفه باهلل ‪ ،‬فينبع م���ن هذه المعرفة إيمان صادق‬ ‫يش���ع نوره في القلب‪ ،‬ويس���ري تياره إلى العقل‪ ...‬واإلنس���ان‬ ‫ّ‬ ‫ف���ي نظر النورس���ي مهيأ ‪-‬بما أودع���ه الخالق فيه من خصائص‬

‫ومقومات‪ -‬لتلقي هذا العلم‪ ،‬واالنخراط في سلكه‪ ،‬واالندراج‬ ‫في مجرته‪ ،‬واالس���تجابة إلى ما يدع���و إليه من اإليمان‪ ...‬فهو‬ ‫يق���رر أن العل���ة الكبرى لمجيء اإلنس���ان إلى ه���ذا العالم هي‬

‫المعرف باهلل تعالى‪ ،‬المش���عر بالعجز واالفتقار إليه جل‬ ‫العلم‬ ‫ِّ‬

‫تق���دم‪ -‬هي الوصول بالمتعلم إلى معرفة اهلل تعالى التي تدفعه‬

‫إل���ى عبادت���ه وطاعت���ه‪ ،‬ألن معرف���ة المعب���ود على ما ه���و عليه‬ ‫م���ن الكم���ال المطلق توج���ب محبته‪ ،‬ومحبت���ه توجب طاعته‪،‬‬ ‫داع إلى‬ ‫وطاع���ة المعب���ود ه���ي ثمرة العب���ادة‪ ،‬فل���زم أن العل���م ٍ‬

‫وجالب لها‪ ،‬وأنها من مشموالته‪ ،‬وال سيما وهي وقود‬ ‫العبادة‬ ‫ٌ‬ ‫اإليمان وأبرز مظاهر العمل وأشرف صوره‪ ،‬وقد سبق أن من‬

‫خصائص العلم‪ ،‬دعوته إلى اإليمان والعمل‪.‬‬

‫وعال‪ ...‬ثم يع ّلل ذلك بأن كل ش���يء في هذا اإلنس���ان‬ ‫"موجه ‪ -4‬الدعوة إلى حفظ الفطرة‬ ‫ّ‬ ‫إل���ى العل���م ومتعل���ق بالمعرف���ة حس���ب الماهية واالس���تعداد‪،‬‬

‫راسخا إال‬ ‫الفطرة قرينة اإليمان والعبادة‪ ،‬ألن اإليمان ال يكون‬ ‫ً‬

‫فأس���اس كل العل���وم الحقيقي���ة ومعدنها ونوره���ا وروحها هو‬ ‫س هذا األس���اس ه���و اإليمان باهلل‬ ‫معرف���ة اهلل تعال���ى‪ ،‬كما أن ُأ ّ‬

‫صفاء الفطرة ونقائها‪ .‬وإ ًذا فكل من رسوخ اإليمان وإخالص‬

‫‪ -2‬الدعوة إلى العمل‬

‫يدع���و إلى اإليمان والعبادة ‪-‬وهما ال يس���تقران إال مع الفطرة‬

‫جل وعال"‪.‬‬

‫المقص���ود بالعم���ل هنا‪ ،‬العم���ل بمقتضيات اإليم���ان‪ .‬فكما أن‬

‫العلم القرآني يدعو اإلنسان إلى أن يؤمن بربه ويعتقد الكمال‬ ‫أيضا يدعوه إلى العمل‬ ‫المطل���ق في ذاته وصفاته وأفعاله‪ ،‬فإنه ً‬ ‫المصدق���ة لم���ا انعقد علي���ه القلب‬ ‫الصال���ح وفع���ل الج���وارح‬ ‫ّ‬

‫عند ذوي الفطر الس���ليمة‪ ،‬والعبادة ال تخلص هلل تعالى إال مع‬

‫العب���ادة منوط بصفاء الفطرة‪ .‬ولم���ا كان العلم القرآني الرباني‬ ‫السليمة‪ -‬فإن من خصائص هذا العلم‪ ،‬الالزمة عن ذلك دعوته‬ ‫إلى حفظ الفطرة وبقائها صافية نقية‪ .‬ومن هنا يقرر النورس���ي‬ ‫أن العلم بحقائق الش���ريعة‪ ،‬يحافظ على موازنة قوانين الفطرة‬

‫وروابط االجتماعيات‪.‬‬

‫والعق���ل م���ن حقائق اإليمان وقيمه‪ ،‬ويس���تفيض النورس���ي في ‪ -5‬الدعوة إلى مكارم األخالق‬ ‫الحدي���ث عن اإليم���ان والعمل وعمق العالق���ة بينهما‪ ،‬وأنهما‬

‫الش���ريعة اإلس���المية كلها م���كارم وفضائل‪ ،‬والتحل���ي بها إنما‬

‫يدعو إليها العلم القرآني الرباني‪.‬‬

‫الم���كارم والفضائ���ل‪ ،‬وتطبيقها مأت���اه؛ العلم به���ا‪ ،‬وفي غياب‬

‫ج���زآن متكامالن يكونان بثنائيتهما صورة واحدة ذات ش���قين‬ ‫والعم���ل الناجح ه���و الصالح المطب���وع بطابع اإلخالص‪،‬‬

‫الموص���ول إلي���ه بالتضحية والف���داء مع نكران ال���ذات والنجاة‬

‫من الرياء‪.‬‬

‫يكون بتطبيق هذه الش���ريعة التي هي بمنزلة الشجرة وثمراتها؛‬ ‫العل���م بها يمتنع تطبيقها على الوجه الصحيح المرضي‪ ،‬وعند‬

‫ذلك تحل الرذائل محل الفضائل‪ ،‬والنقائص محل الكماالت‪،‬‬ ‫والش���قاوة محل الس���عادة‪ ...‬يقول النورس���ي وهو يقرر ذلك‪:‬‬

‫وأعلى مراتب العمل ما تجاوز مصلحة الفرد إلى مصلحة‬

‫"أجل‪ ،‬إنه ال سعادة ألمة اإلسالم إال بتحقيق حقائق اإلسالم‪،‬‬

‫الحي���اة االجتماعي���ة‪ ،‬والس���ير به فيها نح���و مقاومة االختالف‪،‬‬

‫تعي���ش حياة اجتماعية فاضلة إال بتطبيق الش���ريعة اإلس���المية‪،‬‬

‫الجماعة‪ ،‬لذا فقد ألح النورسي على وجوب رعاية العمل في‬

‫ال‬ ‫﴿و َ‬ ‫ومناص���رة الوح���دة واالتفاق في ظل قانون آي���ة األنفال‪َ :‬‬ ‫يح ُك ْم﴾(األنف���ال‪ ،)46:‬وآية المائدة‪:‬‬ ‫َت َن َ‬ ‫از ُعوا َف َت ْف َش��� ُلوا َو َت ْذ َه َ‬ ‫���ب رِ ُ‬ ‫الت ْق َوى﴾(المائدة‪.)2:‬‬ ‫او ُنوا َع َلى ا ْلب ِِّر َو َّ‬ ‫﴿و َت َع َ‬ ‫َ‬

‫وإال ف���ال‪ ،‬وال يمك���ن أن ت���ذوق األمة الس���عادة ف���ي الدنيا‪ ،‬أو‬ ‫قطعا وال أمان مطل ًقا؛ إذ تتغلب عندئذ األخالق‬ ‫وإال فال عدالة ً‬

‫الفاسدة والصفات الذميمة‪ ،‬ويبقى األمر معل ًقا بيدي الكاذبين‬

‫والمرائين"‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫ه���ذه بعض خصائ���ص العلم الرباني‬ ‫ف���ي ش���قها القائ���م عل���ى التحلي���ة‪ ،‬دعوة‬ ‫إلى اإليم���ان والعمل والعب���ادة والفطرة‬ ‫وم���كارم األخ���الق‪ .‬وعالق���ة العل���م‬ ‫باألخ���الق م���ن موق���ع ه���ذا الش���ق‪ ،‬هي‬ ‫عالق���ة الحفظ الوج���ودي لألخالق‪ ،‬أما‬ ‫ش���قها الثاني القائم على التخلية‪ ،‬فعالقة‬ ‫العلم فيه بها هي عالقة الحفظ العدمي‪.‬‬ ‫ونس���تعرض ه���ا هن���ا خم���س خصائص‬ ‫أخرى من هذا الش���ق متوالية ومتسلسلة‬ ‫مع الخمس السابقة‪.‬‬

‫‪ -6‬الحماية من الضاللة‬

‫ال �سع��ادة الأم��ة االإ�س��الم اإال‬ ‫بتحقي��ق حقائ��ق االإ�س��الم واإال‬ ‫فال‪ ،‬وال ميك��ن اأن ت��ذوق االأمة‬ ‫ال�سع��ادة يف الدني��ا‪ ،‬اأو تعي���س‬ ‫حياة اجتماعية فا�سلة اإال بتطبيق‬ ‫ال�رشيع��ة االإ�سالمي��ة‪ ،‬واإال ف��ال‬ ‫عدالة قط ًعا وال اأم��ان مطلقًا؛ اإذ‬ ‫تتغلب عندئذ االأخالق الفا�سدة‬ ‫وال�سفات الذميمة‪ ،‬ويبقى االأمر‬ ‫معلقًا بيدي الكاذبني واملرائني‪.‬‬

‫من خصائ���ص العلم الربان���ي أنه يحمي‬ ‫صاحبه من الضاللة‪ ،‬سواء كانت ناشئة عن جهل أو عن علم‪.‬‬ ‫والحماية منها تكون قبلية وبعدية‪ ،‬فالقبلية هي وقاية اإلنس���ان‬ ‫م���ن الوقوع فيها وإبع���اده عن دائرتها‪ ،‬والبعدية هي إنقاذه منها‬ ‫إذا وقع في مستنقعها‪.‬‬ ‫ويق���رر النورس���ي في هذا الص���دد أن اإلنقاذ م���ن الضاللة‬ ‫الناش���ئة ع���ن جهل‪ ،‬أيس���ر وأهون من الناش���ئة ع���ن علم؛ ألن‬ ‫غارق في هواه‪ ،‬ال يكاد يرى‬ ‫معجب بنفس���ه‪،‬‬ ‫الواقع في الثانية‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫حقيقة أمره من سوء ما هو فيه من الوهم‪ .‬يقول النورسي‪" :‬فيا‬ ‫جيدا أن الضاللة إن كانت ناجمة من الجهل‬ ‫أخ���ي‪ ،‬إنك تعلم ً‬ ‫فإزالتها يسير وسهل‪ ،‬ولكن إن كانت ناشئة من العلم فإزالتها‬ ‫نادرا فيما مضى‬ ‫عس���ير ومعضل‪ .‬وقد كان هذا القس���م األخير ً‬ ‫واحدا يضل باس���م‬ ‫م���ن الزم���ان‪ ،‬وربم���ا ال تجد من األلف إال‬ ‫ً‬ ‫العلم‪ .‬وإذا ما ُوجد ضا ّلون من هذا النوع ربما يسترشد منهم‬ ‫واح���د من األلف‪ ،‬ذل���ك ألن أمثال هؤالء يعجبون بأنفس���هم‪،‬‬ ‫فمع أنهم يجهلون يعتقدون أنهم يعلمون"‪.‬‬ ‫وق���د نفى النورس���ي العلم ع���ن الواقعين ف���ي الضاللة عن‬ ‫عل���م‪ .‬فعلمهم ه���ذا إنما هو في وهمهم‪ ،‬ولو كان عندهم علم‬ ‫حقيق���ي م���ا وقعوا في الضالل���ة‪ ،‬ألن العلم يحم���ي منها‪ ،‬فلزم‬ ‫أن م���ا معه���م مما يتوهم���ون أنه علم‪ ،‬ليس بعل���م‪ .‬وهذا الذي‬ ‫يقرر النورس���ي هنا‪ ،‬هو مس���تمد من القرآن ومقتبس من نوره‪،‬‬ ‫﴿وإ َِّن َك ِثيرا َلي ِضل َ َ ِ‬ ‫���م ب َِغ ْي ِر ِع ْل ٍم‬ ‫فق���د ق���ال ربن���ا ‪َ :‬‬ ‫ُّ���ون ِبأ ْه َوائهِ ْ‬ ‫ً ُ‬ ‫ين﴾(األنع���ام‪)119:‬؛ فقد صرحت اآلية‬ ‫إ َِّن َر َّب َ‬ ‫���ك ُه َو َأ ْع َل ُم بِا ْل ُم ْع َت ِد َ‬ ‫بنف���ي العل���م عن الواقعين ف���ي الضاللة والموقعي���ن فيها‪ ،‬وأن‬ ‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪16‬‬

‫مس���تندهم ف���ي ذلك إنما ه���و أهواؤهم‪،‬‬

‫ويس���تفاد م���ن اآلي���ة ع���ن طري���ق مفهوم‬

‫المخالفة‪ ،‬أن المتحص���ن بالعلم الرباني‬ ‫محمي من الضاللة‪.‬‬

‫‪ -7‬الحماية من الفساد‬

‫الفساد نتيجة الضالل‪ ،‬وكما أن الضالل‬ ‫واإلض���الل س���ببه الجه���ل ول���و توه���م‬ ‫الض���ال أنه عل���ى علم‪ ،‬فكذلك الفس���اد‬

‫واإلفس���اد س���ببه الجهل ولو كان باس���م‬ ‫معا ه���و العلم‬ ‫العل���م‪ ،‬والحام���ي منهم���ا ً‬ ‫القرآني الرباني‪ ،‬فمعه ال مجال للفس���اد‬

‫واإلفساد‪.‬‬

‫كثيرا ما يقرنه‬ ‫والحديث عن الفس���اد ً‬

‫النورسي بالحديث عن الضالل‪ ،‬لما بينهما من عالقة التالزم‪.‬‬ ‫وفي كل منهما يتحدث النورسي عن الناشئ عن جهل‪ ،‬والناشئ‬

‫عن علم‪ ،‬وأن األول أهون من الثاني وأيسر في رفعه وإزالته‪.‬‬

‫‪ -8‬الحماية من المعاصي‬

‫الحدي���ث ع���ن المعاص���ي كالحدي���ث ع���ن الفس���اد والضالل‪،‬‬ ‫معا من مش���موالت‬ ‫ألن المعصي���ة ض���رب من الفس���اد‪ ،‬وهما ً‬

‫الض���الل‪ .‬والعل���م الربان���ي يحمي م���ن ذلك كله حماي���ة قبلية‬

‫بالوقاي���ة‪ ،‬وبعدية بالعالج‪ .‬فال س���بيل إلى وجود المعاصي إذا‬ ‫متحصنا برشادته وهداه‪ .‬ويستدل‬ ‫متسلحا بالعلم‪،‬‬ ‫كان اإلنسان‬ ‫ً‬ ‫ً‬

‫النورس���ي على ذلك بأدلة كثيرة من النقل والعقل والمشاهدة؛‬ ‫ألحدثنكم حدي ًثا‬ ‫نجتزئ من ذلك بحديث أنس  الذي قال‪:‬‬ ‫ّ‬

‫ال يحدثكم به أحد بعدي‪ ،‬س���معت رس���ول اهلل  يقول‪" :‬من‬ ‫أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الزنا" (رواه البخاري)‪.‬‬

‫فواضح من الحديث أن الزنا ‪-‬وهو المعاصي‪ -‬إنما يظهر‬

‫ويفشو إذا قل العلم وفشا الجهل‪ ،‬وهذا يدل عن طريق مفهوم‬

‫المخالفة أن العلم يحمي من هذه المعاصي‪.‬‬

‫‪ -9‬الحماية من البدع‬

‫البدع هي ما ُأحدث في الدين مما ليس منه من أمور العبادات‪،‬‬

‫وهي ضاللة كما سماها النبي ‪" :‬كل بدعة ضاللة" (رواه النسائي)‪،‬‬

‫واس���تدل النورس���ي على بطالنها‪ ،‬وأنها مردودة على صاحبها‬ ‫بأدل���ة منها قوله تعالى‪﴿ :‬ا ْل َي ْو َم َأ ْك َم ْل ُت َل ُك ْم ِد َين ُك ْم﴾(المائدة‪.)3 :‬‬ ‫ففي القرآن كفاية‪ ،‬وما لم يفصل فيه فالس���نة ش���ارحة له ومبينة‬


‫مفصلة بما فيه الش���فاء والغناء؛ "إن ش���عاع السنة المطهرة لهو‬

‫والشهود‪ ،‬وجميع أهل الذوق والكشف من العلماء المدققين‬

‫فال داعي للبحث عن نور في خارجها"‪.‬‬

‫وذخي���رة تلك الرحلة الطويلة المظلم���ة ونورها وبراقها‪ ،‬ليس‬

‫اإلكسير النافذ‪ ،‬فالسنة المطهرة كافية ووافية لمن يبتغي النور‪،‬‬

‫‪ -10‬الحماية من االستكبار‬

‫م���ن آث���ار الجه���ل االس���تكبار‪ ،‬وم���ن االس���تكبار األناني���ة التي‬

‫تح���دث عنه���ا النورس���ي في مواض���ع كثيرة من رس���ائل النور‪،‬‬ ‫وبين أن التخلص منها ومن آفاتها وأضرارها‪ ،‬ال يتم إال بحب‬ ‫ّ‬

‫الجماعة والذوبان في بوتقتها‪ ،‬وال يرتقي لهذه الدرجة إال َمن‬ ‫نصيبا من العلم‪.‬‬ ‫ُأوتي‬ ‫ً‬ ‫جاء في "ملحق قس���طموني" ما نصه‪" :‬فينبغي للقريبين من‬ ‫دائرة رس���ائل النور من أرباب العلم وأهل الطريقة وأصحاب‬

‫المشارب الصوفية االنضمام إلى تيار النور‪ ،‬ليمدوه بما لديهم‬ ‫من رأس���مال س���ابق‪ ،‬والس���عي لتوس���يع دائرته‪ ،‬وحث طالبه‪،‬‬ ‫وبث الش���وق في نفوسهم‪ ،‬وإذابة األنانية وإلقائها كقطعة ثلج‬

‫ف���ي حوض الم���اء السلس���بيل للجماعة‪ ،‬ليغن���م ذلك الحوض‬

‫واألولي���اء الصالحي���ن‪ ،‬متفقون عل���ى أن زاد طري���ق أبد اآلباد‬

‫إال امتثال أوامر القرآن الكريم واجتناب نواهيه"‪.‬‬

‫األث���ر الثان���ي هو التكم���ل واالكتم���ال‪ .‬واألث���ر الثالث هو‬

‫غالبا ما يرادف النورسي بين هذين األثرين‪ ،‬ويتحدث‬ ‫الترقي‪ً :‬‬

‫عنهما في نفس واحد‪ .‬والتكمل هو بذل ما فيه كلفة لنيل درجة‬ ‫الكم���ال‪ ،‬واالكتمال هو نتيج���ة التكمل ومطاوعه‪ .‬والترقي هو‬

‫بذل الكلفة لالرتقاء في درجات الكمال‪ ،‬فهذان أثران من آثار‬ ‫العل���م القرآني الرباني في عالقته باألخ���الق‪ ،‬وهما لبنتان من‬ ‫لبنات بناء اإلنس���ان الس���وي‪ .‬وقد تحدث عنهما النورس���ي في‬

‫مواضع من رسائله‪ ،‬وبين أن التكمل واالكتمال يكون بالتعلم‪،‬‬ ‫وأن الترقي يكون بكس���ب العلم والمعرفة‪ ،‬وأن اإلنسان يتميز‬

‫بهما عما سواه من المخلوقات السفلية‪ ،‬وأنهما محطته األولى‬ ‫للسير إلى األمام والعروج إلى المقامات العليا‪.‬‬

‫األث���ر الراب���ع هو النظر البعيد‪ .‬واألث���ر الخامس هو التأني‪.‬‬

‫جديدا ويس���لك طري ًقا‬ ‫نهجا‬ ‫الكوث���ري‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫كام���ال‪ ،‬وإال فمن يفتح ً‬

‫واألثر السادس هو الحكمة‪ :‬هذه اآلثار الثالثة كلها من نتائج‬

‫نوعا من‬ ‫يش���عر‪ ،‬ويتضرر هو بنفس���ه ً‬ ‫أيضا‪ ،‬بل قد يكون عمله ً‬

‫اإلنس���ان األرق���ى‪ ،‬وهي متالزمة متكاملة يأخ���ذ بعضها بحجز‬

‫أثر عالقة العلم باألخالق في بناء اإلنسان‬

‫األفعال والتصرفات بعواقبها وخواتمها‪ .‬والتأني ضد العجلة‪،‬‬

‫آخر‪ ،‬يضر هذه الجادة القرآنية المستقيمة القويمة من دون أن‬

‫العون للزندقة دون شعور منه"‪.‬‬

‫العالق���ة التالزمي���ة بين العل���م واألخالق‪ ،‬وكله���ا أدوات لبناء‬

‫بع���ض‪ .‬فالنظ���ر البعي���د معن���اه‪ :‬اعتبار م���آالت األم���ور‪ ،‬ووزن‬

‫سبق في المبحث األول‪ ،‬الحديث عن عالقة العلم باألخالق‪،‬‬

‫محكوما باألناة والتؤدة‬ ‫ال ينبغي أن يكون‬ ‫فاتخ���اذ القرارات مث ً‬ ‫ً‬

‫يتكام���ل فيها ما يتجه في وظيفته نح���و التحلية‪ ،‬وما يتجه نحو‬

‫وضع الشيء في موضعه المناسب‪ ،‬وكل من هذه القيم العالية‬

‫تفس���ره خصائص العلم الرباني‪ ،‬التي‬ ‫ووجه هذه العالقة الذي ّ‬

‫وط���ول النظ���ر وعمق التفكي���ر حتى ال يقع الخل���ل‪ .‬والحكمة‬

‫أيضا‪-‬‬ ‫التخلي���ة‪ .‬ونري���د ها هنا أن نبين ‪-‬بش���يء من اإلجم���ال ً‬

‫والمعاني الس���امية هي محطات في تكوين اإلنس���ان الراش���د‪.‬‬

‫فردا وأسرة‬ ‫اإلنس���ان‪ ،‬وتعود عليه بإحكام بنائه وإتقان صياغته ً‬

‫متماسكة تكاد ال تتجزأ في كالمه ورسائله‪.‬‬

‫م���ا ينش���أ عن ذلك‪ ،‬وينبن���ي عليه من اآلثار الت���ي تنعكس على‬ ‫ومجتمع���ا‪ ،‬ف���ي فكره وقلب���ه وروحه وس���ائر مقومات���ه المادية‬ ‫ً‬ ‫والمعنوية‪ .‬وهذه اآلثار كثيرة االنبثاث في رسائل النور‪ ،‬راسية‬ ‫أصوال لما سواها‬ ‫في فكر النورسي‪ ،‬نجتزئ منها بعشرة ُتعتبر‬ ‫ً‬ ‫ولبنات أساسية في بناء اإلنسان‪.‬‬

‫وكثيرا ما يتحدث عنها النورس���ي في نس���ق واحد‪ ،‬ألنها ثالثية‬ ‫ً‬ ‫األث���ر الس���ابع هو الق���وة‪ .‬واألث���ر الثامن هو الع���زة‪ .‬واألثر‬

‫أيضا من آثار عالقة العلم‬ ‫التاسع هو التوفيق‪ :‬هذه الثالثة هي ً‬

‫قويا‬ ‫باألخالق‪ ،‬وهي محطات مهمة في بناء اإلنسان وتخريجه ًّ‬ ‫عزيزا موف ًقا‪ ...‬والقوة في ميزان التربية اإلسالمية ال تنفك عن‬ ‫ً‬

‫األث���ر األول ه���و اكتس���اب زاد الطري���ق‪ :‬إن األث���ر األول‬

‫األمانة‪ ،‬وال يقارنها بطش وال إهانة‪ .‬والعزة ال تنفك عن العدل‬

‫باألخ���الق‪ ،‬ه���ي دفع���ه إلى اكتس���اب زاد الطري���ق إلى اهلل جل‬

‫ونظرا لتالزم هذه الثالثية وتكاملها‪ ،‬فإن بديع الزمان النورسي‬ ‫ً‬

‫واللبنة األولى من لبنات بناء اإلنسان الناشئ عن عالقة العلم‬

‫وع���ال‪ ،‬واالس���تعداد للقائه والع���رض عليه‪ .‬فمن اكتس���ب زاد‬

‫الطريق س���ار‪ ،‬ومن س���ار وصل‪" .‬إن جمي���ع أهل االختصاص‬

‫والح���ق وال يصاحبه���ا غ���رور‪ .‬والتوفيق ال ينفك عن الش���كر‪.‬‬ ‫كثيرا ما يتحدث عنها في سياق واحد عاط ًفا بعضها على بعض‪.‬‬ ‫ً‬

‫األث���ر العاش���ر هو الص���الح واالس���تقامة‪ :‬وهذا أث���ر اآلثار‬

‫‪17‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫وتاجه���ا‪ .‬فه���و غاية التقلب في مدارج التربي���ة والبناء‪ ،‬ومنتهى‬

‫س���لوك التزكي���ة واالرتق���اء‪ ،‬وال يص���ل إل���ى ه���ذا المق���ام إال‬ ‫الصالح���ون األتقي���اء‪ ،‬الذي���ن تذوق���وا ح���الوة التربي���ة النبوي���ة‬

‫وهديه الراش���د‪ ،‬فانخرطوا في سلك مدرس���ته الربانية‪ ،‬ونهلوا‬ ‫من ينابيعها الصافية‪ .‬يقول النورس���ي رحمه اهلل‪" :‬إن األصفياء‬

‫واألولياء الصالحين الذين بلغوا من الكمال ما بلغوا‪ ،‬إنما كان‬ ‫بتربيته السامية‪ ،‬وبهدي شريعته الحقة‪ ،‬فهو مرشدهم وسيدهم‪،‬‬

‫لذا فهو جامع لس���ر كرامتهم وتحقيقاتهم العلمية وإجماعهم‪،‬‬

‫إنما تمثل ركيزة لصدق أستاذتهم الطاهر وصواب دعوته"‪.‬‬

‫وبعد‪ ،‬فهذه قطوف من روض رسائل النور لبيان عالقة العلم‬

‫باألخالق في فكر النورسي وأثر هذه العالقة في بناء اإلنسان‪.‬‬ ‫وإن الحاجة ماسة في واقعنا المعاصر إلى فقه هذه العالقة‬

‫وترس���م خط���ى منهج رس���ائل النور ومدرس���تها في‬ ‫وآثاره���ا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫تنزي���ل قيمه���ا ومضامينها على الحياة‪ ...‬كما أن الحاجة ماس���ة‬ ‫إل���ى إحي���اء العلم القرآن���ي الرباني‪ ،‬وب ّثه في العق���ول والبيوت‬

‫والمجتمع���ات‪ ،‬لنعي���د البناء‪ ،‬ونصحح الس���ير‪ ...‬وفي رس���ائل‬ ‫النور مادة خصبة صالحة لذلك‪.‬‬

‫يق���ول بديع الزمان النورس���ي في لهجت���ه الصادقة األمينة‪:‬‬

‫"اجعل���وا بيوتكم مدرس���ة نورية مصغ���رة‪ ،‬وموضع تلقي العلم‬

‫والعرفان‪ ،‬كي يتربى األوالد الذين هم ثمار تطبيق هذه الس���نة‬

‫على اإليمان‪ ،‬فيكونون لكم شفعاء يوم القيامة وأبناء بررة في‬ ‫هذه الدنيا"‪.‬‬

‫يا ي ًدا ُس ُد َف الظالم تَ ُش ُّق!‬ ‫الح ِّق‪،‬‬ ‫َي ارفعي راي َة َ‬ ‫تَت َعال ْ‬ ‫القمة ارُكزي ساريتها‪...‬‬ ‫وعلى َّ‬ ‫فإذا رأتها الدنيا‪،‬‬ ‫غّيت َرت اتجاهها‪،‬‬ ‫وحولَت مسيرها‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وبها الْتَح َقت‪...‬‬ ‫وكما عاشق ُة الشمس‪،‬‬ ‫حول الشمس تدور‪،‬‬ ‫هكذا اإلنسان حول الراية سيدور‪،‬‬ ‫وفي ِّ‬ ‫ظلها ِ‬ ‫يستظ ُّل‪...‬‬ ‫***‬

‫(*) جامعة محمد الخامس ‪ -‬الرباط ‪ /‬المغرب‪.‬‬

‫المراجع‬

‫(‪ )1‬الكلمات‪ ،‬لبديع الزمان س���عيد النورسي‪ ،‬ترجمة‪ :‬إحسان قاسم الصالحي‪،‬‬ ‫دار النيل للطباعة والنشر‪ ،‬القاهرة‪.‬‬

‫(‪ )2‬المكتوبات‪ ،‬لبديع الزمان سعيد النورسي‪ ،‬ترجمة‪ :‬إحسان قاسم الصالحي‪،‬‬ ‫دار النيل للطباعة والنشر‪ ،‬القاهرة‪.‬‬

‫(‪ )3‬اللمعات‪ ،‬لبديع الزمان س���عيد النورس���ي‪ ،‬ترجمة‪ :‬إحسان قاسم الصالحي‪،‬‬ ‫دار النيل للطباعة والنشر‪ ،‬القاهرة‪.‬‬

‫(‪ )4‬الشعاعات‪ ،‬لبديع الزمان سعيد النورسي‪ ،‬ترجمة‪ :‬إحسان قاسم الصالحي‪،‬‬ ‫دار النيل للطباعة والنشر‪ ،‬القاهرة‪.‬‬

‫(‪ )5‬المالحق‪ ،‬لبديع الزمان س���عيد النورسي‪ ،‬ترجمة‪ :‬إحسان قاسم الصالحي‪،‬‬ ‫دار النيل للطباعة والنشر‪ ،‬القاهرة‪.‬‬

‫(‪ )6‬صيق���ل اإلس���الم‪ ،‬لبديع الزمان س���عيد النورس���ي‪ ،‬ترجمة‪ :‬إحس���ان قاس���م‬ ‫الصالحي‪ ،‬دار النيل للطباعة والنشر‪ ،‬القاهرة‪.‬‬ ‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫ُ‬ ‫وانج‬ ‫توجه‬ ‫ّ‬

‫‪18‬‬


‫قضايا فكرية‬

‫أ‪.‬د‪ .‬الشاهد البوشيخي*‬

‫كيف يصوغ اإلسالم اإلنسان؟‬ ‫صياغة اإلسالم لإلنسان صياغة متميزة تنطلق‬

‫م���ن األصل الكري���م المفضل ال���ذي فيه روح‬ ‫﴿و َن َف ْخ ُت ِفي ِه ِم ْن ر ِ‬ ‫وحي﴾(الحجر‪،)29:‬‬ ‫من اهلل‪َ :‬‬ ‫ُ‬ ‫ولذلك إذا التحم اإلنسان بأصل الروح النازل من عند اهلل ‪،‬‬ ‫﴿و َك َذ ِل َك َأ ْو َح ْي َنا‬ ‫َف َع َل العجب العجاب في الدنيا‪ .‬روح القرآن‪َ :‬‬ ‫ان‬ ‫���اب َو َ‬ ‫ال ا ِ‬ ‫ِإ َل ْي َ‬ ‫يم ُ‬ ‫وح���ا ِم ْن َأ ْم ِر َن���ا َما ُك ْن َت َت ْدرِ ي َما ا ْل ِك َت ُ‬ ‫���ك ُر ً‬ ‫إل َ‬ ‫ِ‬ ‫���اء ِم ْن ِع َبا ِد َنا﴾(الش���ورى‪،)52:‬‬ ‫ورا َن ْه ِدي ِب ِه َم ْن َن َش ُ‬ ‫َو َلك ْن َج َع ْل َن ُاه ُن ً‬ ‫ه���ذه الصياغة لها أهداف كبرى تس���عى لتحقيقه���ا‪ ،‬تنطلق من‬ ‫األصل المكرم‪ ،‬ثم تحول بينه وبين أن يتدنى وأن يتدسى كما‬

‫يم  ُث َّم‬ ‫ق���ال اهلل تعال���ى‪َ ﴿ :‬ل َق ْد َخ َل ْق َنا ا ِ‬ ‫���ان ِفي َأ ْح َس ِ‬ ‫���ن َت ْق ِو ٍ‬ ‫إل ْن َس َ‬ ‫الصا ِل َح ِ‬ ‫ات‬ ‫ين  ِإ َّ‬ ‫ال ا َّل ِذ َ‬ ‫َر َد ْد َن ُاه َأ ْس��� َف َل َس���ا ِف ِل َ‬ ‫آم ُن���وا َو َع ِم ُلوا َّ‬ ‫ين َ‬ ‫َف َل ُه���م َأ ْج���ر َغي���ر َم ْم ُن ٍ‬ ‫ون﴾(التي���ن‪)6-4:‬؛ ال ي���درك هذا االنس���فال‬ ‫ْ‬ ‫ٌ ْ ُ‬ ‫المؤمنين وال يردون إلى أسفل سافلين‪.‬‬

‫وانطال ًق���ا م���ن هذا األس���اس ومن أس���اس الخل���ق‪ ،‬يمكن‬

‫حصر هذه الصياغة في ثالث أهداف كبرى وهي‪:‬‬

‫تحرير اإلنسان من عبودية غير اهلل‬

‫تحري���ر اإلنس���ان من عبودي���ة العباد وم���ن عبودي���ة الطاغوت‪.‬‬

‫اإلنس���ان إال الذي خ َلق هذا‬ ‫عب���د ه���ذا‬ ‫ُ‬ ‫ولك���ن اهلل  أراد أال َي ُ‬

‫‪19‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫اإلنس���ان‪ ،‬وبغير ذلك لن يس���تقيم أمره‪ .‬إن تحرير اإلنسان من‬ ‫َ‬

‫عبودية غير اهلل‪ ،‬وتعبيده هلل  وحده‪ ،‬هو األساس الذي نزل‬

‫ب���ه جمي���ع ما نزل من الكتاب قبل‪ ،‬وجاء به جميع من جاء من‬ ‫هلل‬ ‫���د َب َع ْث َنا ِف���ي ُك ِّل ُأ َّم ٍة َر ُس���و ً‬ ‫ال أ َِن ُا ْع ُب ُدوا ا َ‬ ‫﴿و َل َق ْ‬ ‫الرس���ل قب���ل‪َ :‬‬ ‫وت﴾(النحل‪ ،)36:‬والطاغوت هو كل ما عبد من‬ ‫اج َت ِن ُب���وا َّ‬ ‫الط ُ‬ ‫اغ َ‬ ‫َو ْ‬ ‫دون اهلل ‪.‬‬ ‫المك���رم جاءت لتحقق‬ ‫هذه الصياغة اإلس���المية لإلنس���ان‬ ‫ّ‬

‫هذا الهدف األول عبر تاريخها الطويل‪ ،‬من أول رس���الة حتى‬ ‫آخ���ر رس���الة‪ .‬وكل تلك الرس���االت هي رس���االت إس���المية‪،‬‬

‫وإنم���ا ش���اع االصط���الح األخي���ر ال���ذي ه���و اإلس���الم‪ ،‬عنوا ًنا‬

‫للرس���الة الخاتمة باعتبارها كم���ال الدين وتمام النعمة‪﴿ :‬ا ْل َي ْو َم‬ ‫���ت َل ُك ِ‬ ‫يت َل ُك ُم‬ ‫���ت َع َل ْي ُك ْم ِن ْع َم ِت���ي َو َر ِض ُ‬ ‫���م َو َأ ْت َم ْم ُ‬ ‫َأ ْك َم ْل ُ‬ ‫���م د َين ُك ْ‬ ‫ْ‬ ‫���ال َم ِد ًينا﴾(المائدة‪ ،)3:‬ولم يكن تمام النعمة على أمة محمد‬ ‫ا ِ‬ ‫إل ْس َ‬

‫ فق���ط‪ ،‬وإنم���ا كان على جميع األمم الس���ابقة والالحقة‪ .‬إن‬ ‫اله���دف واض���ح في اآلي���ة الكريمة‪ ،‬بل جعلته أس���اس الخلق‪:‬‬

‫���د ِ‬ ‫���ن َوا ِ‬ ‫ي���د ِم ْن ُه ْم‬ ‫���س ِإ َّ‬ ‫ال ِل َي ْع ُب ُ‬ ‫ون  َما ُأرِ ُ‬ ‫﴿و َم���ا َخ َل ْق ُ‬ ‫���ت ا ْل ِج َّ‬ ‫َ‬ ‫إل ْن َ‬ ‫ِ‬ ‫ي���د َأ ْن ُي ْطع ُم ِ‬ ‫ون﴾(الذاري���ات‪)57-56:‬؛ خلقهم اهلل‬ ‫���ن رِ ْز ٍق َو َم���ا ُأرِ ُ‬ ‫ِم ْ‬ ‫ليعب���دوه وح���ده‪ .‬وإن ظهر في اآلي���ة الكريمة أنه���ا غاية‪ ،‬فهي‬

‫أيض���ا لس���عادة هذا اإلنس���ان ف���ي الدنيا‪:‬‬ ‫ف���ي الحقيق���ة وس���يلة ً‬ ‫ين ِم ْن َق ْب ِل ُك ْم‬ ‫اس ْاع ُب ُ‬ ‫﴿ي���ا َأ ُّي َها َّ‬ ‫���دوا َر َّب ُك ُم ا َّل ِذي َخ َل َق ُك ْم َوا َّل ِذ َ‬ ‫َ‬ ‫الن ُ‬ ‫ون  ا َّل ِذي َج َع َل َل ُكم ا َ‬ ‫���م َاء ب َِن ًاء‬ ‫ض ِف َر ً‬ ‫َل َع َّل ُك ْم َت َّت ُق َ‬ ‫أل ْر َ‬ ‫الس َ‬ ‫ُ‬ ‫اش���ا َو َّ‬ ‫���ز َل ِمن الس ِ‬ ‫���اء َف َأ ْخر َج ِب ِه ِم َن ال َّثم���ر ِ‬ ‫ال‬ ‫ات رِ ْز ًقا َل ُك ْم َف َ‬ ‫َو َأ ْن َ‬ ‫���ماء َم ً‬ ‫َ َّ َ‬ ‫َ َ‬ ‫َ‬ ‫َت ْج َع ُلوا ِ ِ‬ ‫ون﴾(البقرة‪ .)22-21:‬فكل من التقوى‬ ‫هلل َأ ْن َد ًادا َو َأ ْن ُت ْم َت ْع َل ُم َ‬ ‫والعبادة وممارسة شعائر اهلل تؤدي إلى الفالح‪ُ ﴿ :‬أو َل ِئ َك َع َلى‬ ‫ُ ِ‬ ‫ُه ً ِ‬ ‫ون﴾(لقمان‪ .)5:‬الفالح في‬ ‫���م ا ْل ُم ْف ِل ُح َ‬ ‫���دى م ْن َر ِّبهِ ْم َوأو َلئ َك ُه ُ‬ ‫الدني���ا واآلخ���رة هو الهدف من تل���ك العبادة‪ ،‬أي إس���عاد هذا‬ ‫اإلنس���ان‪ ،‬وإال ف���اهلل  ليس بحاج���ة إلى هذا اإلنس���ان وإلى‬ ‫الت ْق َوى‬ ‫وم َه���ا َو َ‬ ‫عبادت���ه‪َ ﴿ :‬ل ْن َي َن َ‬ ‫ال ا َ‬ ‫ال ِد َم ُ‬ ‫اؤ َها َو َل ِك ْن َي َنا ُل ُه َّ‬ ‫هلل ُل ُح ُ‬ ‫هلل ا ْل َغ ِن ُّي َو َأ ْن ُت ُم ا ْل ُف َق َر ُاء﴾(محمد‪.)38:‬‬ ‫﴿وا ُ‬ ‫ِم ْن ُك ْم﴾(الحج‪َ ،)37:‬‬

‫هداية اإلنسان‬

‫ين﴾(الفاتحة‪ .)7-6:‬نزلت الرس���االت من أجل هذه الهداية‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫الضا ِّل َ‬

‫���ه ُر‬ ‫وم���ن أجلها جاء ه���ذا الدين‪ ،‬ومن أجلها نزل القرآن‪َ :‬‬ ‫﴿ش ْ‬ ‫���ان ا َّل ِ‬ ‫���ذي ُأ ْن ِ ِ ِ‬ ‫اس﴾(البق���رة‪،)185:‬‬ ‫���دى ِل َّلن ِ‬ ‫���ر ُ‬ ‫َر َم َض َ‬ ‫آن ُه ً‬ ‫���ز َل في���ه ا ْل ُق ْ‬ ‫ين﴾(البقرة‪)2-1:‬؛‬ ‫اب َ‬ ‫ال َر ْي َب ِفي��� ِه ُه ًدى ِل ْل ُم َّت ِق َ‬ ‫﴿ال���م  َذ ِل َك ا ْل ِك َت ُ‬

‫فه���و ه���دى للن���اس وللمومني���ن والمتقين‪ ،‬إنه مح���ض هدى‪:‬‬ ‫آن َي ْه ِدي ِل َّل ِتي ِهي َأ ْق َو ُم﴾(اإلس���راء‪ .)9:‬إن اإلنس���ان‬ ‫﴿إ َِّن َه َذا ا ْل ُق ْر َ‬ ‫َ‬ ‫غيبا ال يدري ما ه���و مقبل عليه؛ إنه في‬ ‫يواج���ه ف���ي كل لحظة ً‬ ‫كل لحظة محاط من أمامه وخلفه وفوقه بمخلوقات ال يعرف‬ ‫عنه���ا ش���ي ًئا‪ ،‬لذلك يحت���اج إلى منهج يأخذ بي���ده ليعرف كيف‬

‫يدبر أمر نفسه وأمر من يحيط به‪ ،‬ويعرف كيف يدبر أمر جميع‬ ‫ورا‬ ‫���ن َك َ‬ ‫ما اس���تخلف عليه‪َ ﴿ :‬أ َو َم ْ‬ ‫ان َم ْي ًتا َف َأ ْح َي ْي َن ُ‬ ‫���اه َو َج َع ْل َنا َل ُه ُن ً‬ ‫َي ْم ِش���ي ِب ِه﴾(األنعام‪ ،)122:‬ومن ش���أن النور أن يكش���ف لإلنس���ان‬ ‫الطري���ق‪ ،‬وإن الق���رآن واإلس���الم وه���ذه الرس���االت كلها نور‪:‬‬ ‫���ن ا ِ‬ ‫هلل ُنور﴾(المائ���دة‪َ ﴿ ،)15:‬فآ ِم ُنوا بِا ِ‬ ‫هلل َو َر ُس���و ِل ِه‬ ‫﴿ َق ْ‬ ‫���م ِم َ‬ ‫ٌ‬ ‫���د َج َاء ُك ْ‬ ‫َوال ُّنورِ ا َّل ِذي َأ ْن َز ْل َنا﴾(التغابن‪ .)8:‬فمهمة النور أن يكش���ف األشياء‬ ‫على حقائقها‪ ،‬ويسهل لإلنسان أن يبصر الصراط المستقيم‪.‬‬ ‫قد يعطيك اإلنس���ان معلومات كثي���رة‪ ،‬ولكن تنقضي تلك‬

‫المعلومات؛ قد يأتيك ظرف يواجهك فيه أمر ال تجد معلومة‬

‫ترش���دك إل���ى م���ا ينبغي في ذل���ك األم���ر‪ ...‬ولك���ن إذا أعطاك‬ ‫منهجا للس���ير وطريقة للس���لوك وتدبي���ر األمر‪،‬‬ ‫ه���ذا اإلنس���ان‬ ‫ً‬

‫فإن���ك تس���تطيع مواجهة كل جديد‪ ،‬وتس���تطيع ‪-‬ب���إذن اهلل‪ -‬إذا‬

‫تدبرت الهدى النازل من عند اهلل‪ ،‬أن تفتي نفسك والناس في‬ ‫الن���وازل الطارئ���ة لم���ا يعرض ولم يكن له حكم س���ابق‪ ،‬إن لم‬ ‫ممكنا بالنس���بة للفرد‪ ،‬فهو ممكن بالنسبة للجماعة‪.‬‬ ‫يكن ذلك‬ ‫ً‬

‫وه���ذه الصياغة ليس���ت لألف���راد فقط‪ ،‬بل هي للجميع حس���ب‬

‫الصور التطبيقية التي مرت بها؛ بالنسبة آلدم  كانت صورة‬ ‫فردي���ة‪ ،‬ولكن بالنس���بة لألم���م الالحقة كان���ت صياغات لألمم‬

‫تخاطب‬ ‫نفسها‪ .‬وها نحن نرى األمة الخاتمة أمة رسول اهلل ‬ ‫َ‬ ‫﴿ك ْن ُت ْم َخ ْي َر ُأ َّم ٍة‬ ‫جمل���ة في صورة أمة‪ ،‬وصيغت صياغة عام���ة‪ُ :‬‬ ‫اس﴾(آل عمران‪ )110:‬بالبناء للمجهول‪ ،‬أي مخرجها‬ ‫ُأ ْخ ِر َج ْت ِل َّلن ِ‬

‫هو اهلل ‪ .‬فيستطيع اإلنسان بواسطة هاته النقطة المنهجية أن‬

‫هداية اإلنسان هي نتيجة حتمية للهدف األول‪ ،‬إذ الهداية فيها‬

‫منهجيا خير من الذي‬ ‫توجيها‬ ‫يواج���ه ما يجد‪ ،‬والذي يعطي���ك‬ ‫ً‬ ‫ًّ‬

‫ه���ي التي نعني‪ ،‬وه���ي التي يطلبها المؤم���ن كل يوم‪ ،‬بل أجبر‬ ‫ِ‬ ‫يم‬ ‫الص َر َ‬ ‫على طلبها كل يوم سبعة عشر مرة‪ِ ﴿ :‬ا ْه ِد َنا ِّ‬ ‫اط ا ْل ُم ْس َتق َ‬ ‫ ِ‬ ‫اط ا َّل ِذ َ َ‬ ‫ال‬ ‫���وب َع َل ْيهِ ْم َو َ‬ ‫���ر َ‬ ‫���م َغ ْي ِر ا ْل َم ْغ ُض ِ‬ ‫ي���ن أ ْن َع ْم َت َع َل ْيهِ ْ‬ ‫ص َ‬

‫أساس���ا‪ -‬عبارة عن صراط‪،‬‬‫أن تواجه ما يطرأ ويجد‪ .‬فالدين‬ ‫ً‬

‫هداي���ة اإلرش���اد والداللة وهذه س���ابقة‪ ،‬ولكن هداي���ة التوفيق‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪20‬‬

‫يعطي���ك معلومات كثيرة تنقضي في ظرف معين وال تس���تطيع‬ ‫وع���ن طري���ق‪ ،‬وعن منهج‪ ،‬وعن ه���دى‪ ...‬ولذلك كان الهدف‬

‫األول من هاته الصياغة أن تحصل هاته الهداية لإلنسان‪.‬‬


‫إقامة القسط‬

‫يدخ���ل ه���ذا اله���دف ضمن اله���دف الكبي���ر الذي ه���و إخراج‬ ‫الناس من الظلمات إلى النور‪ ،‬أي إقامة القسط‪َ ﴿ :‬ل َق ْد َأ ْر َس ْل َنا‬ ‫ُر ُس��� َل َنا بِا ْلب ِي َن ِ‬ ‫اس‬ ‫ي���ز َ‬ ‫اب َوا ْل ِم َ‬ ‫وم َّ‬ ‫ات َو َأ ْن َز ْل َن���ا َم َع ُه ُم ا ْل ِك َت َ‬ ‫ان ِل َي ُق َ‬ ‫الن ُ‬ ‫َّ‬ ‫بِا ْل ِقس ِ‬ ‫���ط﴾(الحديد‪)25:‬؛ قضية القس���ط في التصور اإلس���المي أو‬ ‫ْ‬ ‫ف���ي الصياغة اإلس���المية‪ ،‬قضية جوهرية تظهر ف���ي الفرد وفي‬ ‫الجماعة وفي األمة وفي النوع اإلنساني‪ ،‬ألنه لم يطالب بهاته‬ ‫الصياغة أن يقسط إلى نفسه أو إلى أهله فقط‪ ،‬أو إلى المسلمين‬ ‫آم ُنوا‬ ‫فق���ط‪ ،‬بل ُأم���ر أن يكون ً‬ ‫﴿يا َأ ُّي َه���ا ا َّل ِذ َ‬ ‫ين َ‬ ‫قواما بالقس���ط‪َ :‬‬ ‫ين بِا ْل ِقس ِط ُش َه َد َاء ِ ِ‬ ‫هلل َو َل ْو َع َلى َأ ْن ُف ِس ُك ْم َأوِ ا ْل َوا ِل َد ْي ِن‬ ‫ُكو ُنوا َق َّوا ِم َ‬ ‫ْ‬ ‫َوا َ‬ ‫���ال َت َّتب ُِعوا‬ ‫هلل َأ ْو َلى بِهِ َما َف َ‬ ‫���ن َغ ِن ًّي���ا َأ ْو َف ِق ًيرا َف���ا ُ‬ ‫أل ْق َرب َ‬ ‫ِي���ن إ ِْن َي ُك ْ‬ ‫﴿و َأ ْن َز ْل َنا‬ ‫ا ْل َه َوى َأ ْن َت ْع ِد ُلوا﴾(النس���اء‪ .)135:‬فاهلل  أمر بالقس���ط‪َ :‬‬ ‫الن���اس بِا ْل ِقس ِ‬ ‫���ط﴾(الحديد‪،)25:‬‬ ‫ي���ز َ‬ ‫���اب َوا ْل ِم َ‬ ‫���م ا ْل ِك َت َ‬ ‫ان ِل َي ُق َ‬ ‫وم َّ ُ‬ ‫َم َع ُه ُ‬ ‫ْ‬ ‫ومجتمع القس���ط‪ ،‬ودنيا القس���ط‪ ،‬وأمة القس���ط‪ ،‬هي التي أريد‬ ‫ال زمن رس���ول اهلل ‪.‬‬ ‫م���ن القرآن أن يصوغها وقد صاغها فع ً‬ ‫وبأث���ر ذلك القس���ط ال���ذي كان‪ ،‬وبأثر ذلك القس���ط الذي أقيم‬ ‫بي���ن الناس‪ ،‬أمِ���ن تحت ظله اليه���ودي والنصراني‪ ،‬والضعيف‬ ‫والقوي‪ ،‬واليتيم والعاجز والمحروم‪ ...‬كلٌّ وصله حقه بالعدل‬ ‫وبالقسطاس المستقيم‪.‬‬ ‫وم���ن أوائل ما اهتم به ه���ذا الدين‪ ،‬إكرام هؤالء الضعاف‪،‬‬ ‫واعتب���ر أن م���ن ل���م يهتم به���ؤالء الضعاف‪ ،‬ه���و متخلق بخلق‬ ‫���ت ا َّل ِ‬ ‫���ذ ُب‬ ‫���ذي ُي َك ِّ‬ ‫الكف���ار وبخل���ق المكذبي���ن بالدي���ن‪َ ﴿ :‬أ َر َأ ْي َ‬

‫ِ‬ ‫ام‬ ‫يم  َو َ‬ ‫ي���ن  َف َذ ِل َ‬ ‫ِالد ِ‬ ‫ال َي ُح ُّ‬ ‫���ض َع َلى َط َع ِ‬ ‫���ك ا َّل ِذي َي ُ‬ ‫ب ِّ‬ ‫���د ُّع ا ْل َيت َ‬ ‫ال ُت ْك ِر ُم َ ِ‬ ‫ا ْل ِمس ِ‬ ‫ال‬ ‫﴿ك َّال َب���ل َ‬ ‫ي���م  َو َ‬ ‫���ك ِ‬ ‫ين﴾(الماعون‪َ ،)3-1:‬‬ ‫���ون ا ْل َيت َ‬ ‫ْ‬ ‫ين﴾(الفجر‪ ...)18-17:‬هاته الطبقات‬ ‫ام ا ْل ِم ْس ِك ِ‬ ‫اض َ‬ ‫ون َع َلى َط َع ِ‬ ‫َت َح ُّ‬ ‫الضعيف���ة م���ن الن���اس‪ ،‬حقه���ا مكف���ول عل���ى وجه���ه الصحيح‬ ‫الكامل في مجتمع القس���ط‪ .‬وفي خواتم س���ورة المزمل يقول‬ ‫﴿ع ِل���م أ َْن س���ي ُك ُ ِ‬ ‫ون‬ ‫ون َي ْض ِر ُب َ‬ ‫���ر َ‬ ‫���م َم ْر َضى َو َ‬ ‫ون م ْن ُك ْ‬ ‫اهلل ‪َ َ :‬‬ ‫َ َ‬ ‫آخ ُ‬ ‫���ون ِم ْن َف ْض ِل ا ِ‬ ‫ِف���ي ا َ‬ ‫ِيل‬ ‫أل ْر ِ‬ ‫ون ِفي َس���ب ِ‬ ‫ون ُي َقا ِت ُل َ‬ ‫آخ ُر َ‬ ‫ض َي ْب َت ُغ َ‬ ‫هلل َو َ‬ ‫ا ِ‬ ‫هلل﴾(المزم���ل‪ .)20:‬مجتمع القس���ط هنا ُصنف إلى أصناف ثالثة‪:‬‬ ‫صن���ف منتج يق���وم بعملية اإلنت���اج واإلدارة والتس���يير بجميع‬ ‫ٌ‬ ‫أش���كالها وألوانه���ا‪ ،‬وه���ذا القس���م هو ال���ذي يغذي القس���مين‬ ‫اآلخرين ويقوم بش���ؤونهما؛ قس���م يقاتل في سبيل اهلل ويحمل‬ ‫ل���واء هاته الدع���وة إلى من لم تبلغه‪ ،‬ويبذل نفس���ه وماله ‪-‬عن‬ ‫طواعي���ة واختي���ار ورضى كامل‪ -‬إلبالغ دي���ن اهلل  وإيصال‬ ‫رحمة اهلل إلى عباده‪ .‬وقس���م هم هؤالء المرضى بجميع أنواع‬

‫األم���راض المزمنة والمؤقت���ة‪ ،‬كالفقر أو آفة من اآلفات‪ ...‬كل‬ ‫ذل���ك حقه مكفول وس���ط هذا المجتمع‪ ،‬أي مجتمع القس���ط‪.‬‬ ‫إنه لم يصغ اإلنسان على القسط فقط في دائرة المسلمين‪ ،‬بل‬ ‫���ق َأ ْن َز ْل َن ُاه‬ ‫﴿وبِا ْل َح ِّ‬ ‫أري���د منه وأريد له أن يقوم بالقس���ط مطل ًقا‪َ :‬‬ ‫َوبِا ْل َح ِّق َن َز َل﴾(اإلسراء‪.)105:‬‬ ‫ه���ذه األهداف الثالث���ة للصياغ���ة اإلس���المية‪ ،‬كلها تدخل‬ ‫ضمن هدف كبير يعبر عنه القرآن بعبارة جامعة يدخل ضمنها‬ ‫ه���ذا وغي���ر هذا‪ ،‬هي عب���ارة "إخراج الناس م���ن الظلمات إلى‬

‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫هلل‬ ‫ِين  َي ْه ِدي ِب ِه ا ُ‬ ‫الن���ور"‪َ ﴿ :‬ق ْ‬ ‫���اب ُمب ٌ‬ ‫ور َو ِك َت ٌ‬ ‫���د َج َاء ُك ْم م َن اهلل ُن ٌ‬ ‫���ن الظُّ ُلم ِ‬ ‫ات ِإ َلى‬ ‫َم ِ‬ ‫الس َ‬ ‫���ال ِم َو ُي ْخ ِر ُج ُه ْم ِم َ‬ ‫َ‬ ‫���ن َّات َب َع رِ ْض َوا َن ُه ُس ُ‬ ‫���ب َل َّ‬ ‫ال ُّنورِ ِبإ ِْذ ِن ِه﴾(المائدة‪.)16-15:‬‬ ‫ف���ي مقول���ة ربعي ب���ن عامر  المش���هورة‪" :‬جئن���ا لنخرج‬ ‫الن���اس م���ن عبادة العب���اد إلى عب���ادة رب العب���اد"؛ فهذه ظلمة‬ ‫الش���رك وظلم���ة الكف���ر‪ ،‬وه���ي الظلم���ة وه���ي الظل���م األكبر‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫يم﴾(لقمان‪ ،)13:‬هي الظلم الظالم والظلمة‬ ‫﴿إ َِّن ِّ‬ ‫الش ْركَ َل ُظ ْل ٌم َعظ ٌ‬ ‫الظالمة‪ .‬والظلمة الثانية‪" :‬ونخرج الناس من جور األديان إلى‬ ‫عدل اإلسالم"؛ وهذا هدف القسط‪ .‬والواقع أنه ال يوجد دين‬ ‫ن���زل من عند اهلل  غير اإلس���الم‪ .‬ف���ال يوجد في دين اهلل ‬ ‫محرم���ا بين عباده‪:‬‬ ‫ج���ور‪ ،‬فاهلل حرم الظلم على نفس���ه وجعله‬ ‫ً‬ ‫محرما فال‬ ‫"إن���ي حرم���ت الظل���م على نفس���ي وجعلت���ه بينك���م‬ ‫ً‬ ‫تظالموا" (رواه مس���لم)‪ .‬والظلمة الثالثة التي أش���ار إليها ربعي بن‬ ‫عامر ‪" :‬ومن ضيق الدنيا إلى س���عة اآلخرة" ح ًّقا إنها ظلمة‬ ‫الجهل‪ .‬إن الرؤية الكونية للمسلم البسيط‪ ،‬أعظم من رؤية أي‬ ‫���ن ِذ ْك ِر َنا َو َل ْم‬ ‫كاف���ر على اإلط���الق‪َ ﴿ :‬ف َأ ْع ِر ْ‬ ‫ض َع ْن َم ْن َت َو َّلى َع ْ‬ ‫الد ْن َيا  َذ ِل َك َم ْب َل ُغ ُه ْم ِم َن ا ْل ِع ْل ِم﴾(النجم‪.)30-29:‬‬ ‫ُي ِ‬ ‫���ر ْد ِإ َّ‬ ‫ال ا ْل َح َيا َة ُّ‬ ‫رحبا‪ ،‬ألن���ه يعلم بإيمانه باهلل ‬ ‫فالمس���لم ي���رى في الدنيا أف ًقا ً‬ ‫أن اهلل ي���راه وإن ل���م يك���ن هو ي���راه‪ ،‬ويعلم أن هات���ه الدنيا إنما‬ ‫ه���ي مقدم���ة صغيرة لعالم ال نهاية له‪ .‬فهذا األفق الكبير البعيد‬ ‫ِ‬ ‫لم خاص ال سبيل للكافر إليه‪ ،‬كما أن المسلم بإيمانه‬ ‫المدى ع ٌ��� ‫عالما بكائنات أخرى ينضبط بإيمانه‬ ‫بالمالئك���ة يصير‬ ‫ً‬ ‫أيضا‪ً -‬‬‫���ان َو َن ْع َل ُم َما‬ ‫���د َخ َل ْق َنا ا ِ‬ ‫إل ْن َس َ‬ ‫﴿و َل َق ْ‬ ‫به���ا‪ ،‬ولها تأثير في س���لوكه‪َ :‬‬

‫���ل ا ْلورِ ِ‬ ‫َ‬ ‫يد  إ ِْذ‬ ‫ُت َو ْس ِ‬ ‫س بِ��� ِه َن ْف ُس ُ‬ ‫���ر ُب ِإ َل ْي ِه ِم ْ‬ ‫���و ُ‬ ‫���ن َح ْب ِ َ‬ ‫���ه َو َن ْح ُن أ ْق َ‬ ‫َي َت َل َّقى ا ْل ُم َت َل ِّقي ِ‬ ‫���م ِ‬ ‫يد  َما َي ْل ِف ُظ ِم ْن‬ ‫ان َع ِن ا ْل َي ِم ِ‬ ‫ين َو َع ِن ِّ‬ ‫ال َق ِع ٌ‬ ‫الش َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫يد﴾(ق‪)18-16:‬؛ فهو جاهز مس���تعد كل‬ ‫ت‬ ‫ع‬ ‫يب‬ ‫ق‬ ‫ر‬ ‫ه‬ ‫���‬ ‫���و ٍل ِإ َّ‬ ‫ال َل َد ْي َ ٌ َ ٌ‬ ‫َق ْ‬ ‫االس���تعداد‪ ،‬إنه ي���رى ما ال ُيرى‪ ،‬ويحس بما ال ُي َحس بس���بب‬ ‫تاريخيا‪ ،‬له صلة‬ ‫امت���دادا‬ ‫ممتدا‬ ‫أيض���ا‬ ‫إيمان���ه فقط‪ ،‬يرى نفس���ه ً‬ ‫ًّ‬ ‫ً‬ ‫ًّ‬

‫‪21‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫بجمي���ع األنبي���اء عليه���م الصالة والس���الم‪ ،‬وهو خات���م لألمم‬ ‫جدا‪ ،‬إذا وصل‬ ‫السابقة‪ ...‬فرؤيته للتاريخ كذلك بعيدة وعميقة ًّ‬ ‫الناس في رؤيتهم إلى القرد‪ ،‬فإنه يصل إلى آدم ‪ ،‬بل حتى‬ ‫ال ِئ َك ِة‬ ‫﴿وإ ِْذ َق َ‬ ‫ال َر ُّب َك ِل ْل َم َ‬ ‫حي���ن كان آدم مجرد خب���ر وتصميم‪َ :‬‬ ‫ِإ ِّني َج ِ‬ ‫اع ٌل ِفي ا َ‬ ‫ض َخ ِلي َف ًة﴾(البقرة‪ ،)30:‬فآدم  ُوجد فكرة‬ ‫أل ْر ِ‬ ‫جسدا‪.‬‬ ‫وتصميما ووظيف ًة قبل أن يوجد‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫إن المس���لم بمحض علمه وإيمانه‪ ،‬يصير أوسع أف ًقا وأبعد‬ ‫نظ���را م���ن جميع العلماء الملحدين‪ ،‬ألن علم الملحد هو علم‬ ‫ً‬ ‫قاص���ر عل���ى المحسوس���ات‪ ،‬بينم���ا علم المؤم���ن يتعدى ذلك‬ ‫ويتضمن���ه ويج���ب أن يتضمن���ه‪ .‬وذلك الذي يح���س هو العلم‬ ‫وهو الغيب‪ ،‬والغيب هو األساس في الشهادة‪ ،‬فمن غاب عنه‬ ‫الغي���ب فه���و الجاهل الحق‪ُ ﴿ :‬ق ْل َأ َف َغي���ر ا ِ‬ ‫هلل َت ْأ ُم ُرو ِّني َأ ْع ُب ُد َأ ُّي َها‬ ‫ْ َ‬ ‫ا ْل َج ِ‬ ‫ون﴾(الزم���ر‪)64:‬؛ وه���ذا اإلخراج من الظلمات إلى النور‪،‬‬ ‫اه ُل َ‬ ‫هو من أهداف هذه الصياغة‪.‬‬

‫جبرا‪ ،‬فقد تكون بوس���ائل متعددة؛‬ ‫والحيلولة ال تكون بمنعهم ً‬ ‫ومنه���ا أال يق���وم التعليم على تعليم الق���رآن كما كان أول مرة‪،‬‬ ‫فلي���س لدينا ش���يء نح���رص عليه نحن الذين ي���راد أن يصاغوا‬

‫أيضا‪ ...‬الذين صيغوا على أساس اإلسالم وأريد‬ ‫وأن يصوغوا ً‬ ‫منه���م أن يصيغ���وا الناس كذل���ك‪ ،‬ألنها أم���ة أخرجت للناس‪،‬‬ ‫كيف يمكنهم القيام بهاته الوظيفة بدون أن يعلموا القرآن! إن‬ ‫القرآن هو المعلومة األولى واألس���اس‪ ،‬قبل أي قراءة ب�"اس���م‬ ‫اهلل" ال توج���د ق���راءة أخرى‪ ،‬لذا يجب على هذا األمر أن ينزل‬

‫منزله‪ ،‬وأن يوضع في المكان الالئق به‪.‬‬

‫إذن‪ ،‬أول نقطة في الوسائل هي التعليم‪ .‬إن الرسالة النازلة‬

‫م���ن عن���د اهلل ‪ ،‬إذا لم ُن َعلم المقصود به���ا ولم نعلم الكيفية‬ ‫التطبيقية لها وهو تعليم الكتاب والحكمة‪ ،‬فسوف تبقى المهمة‬ ‫ناقصة؛ والحكمة كما شرحها العلماء هنا بجانب الكتاب‪ ،‬هي‬

‫الس���نة وهي الكيفية التي نفذ بها رس���ول اهلل  ذلك الكتاب‪،‬‬

‫وسائل الصياغة اإلسالمية‬

‫أ‪ -‬الت ت ت تتالوة والتعليم‪ :‬أما وس���ائل هاته الصياغ���ة فهي كثيرة في‬ ‫أساسا‪ -‬في كتاب اهلل ‪،‬‬‫القرآن المبارك‪ ،‬ألن هذا الدين هو‬ ‫ً‬ ‫وكتاب اهلل ما فرط فيه من شيء‪ ،‬إذ تطرق لكل شيء‪ ...‬وكل ما‬ ‫فردا‬ ‫في كتاب اهلل  هو وس���يلة لصياغة اإلنسان في اإلسالم ً‬ ‫مجتمعا أو دولة‪ .‬ولكن ننظر فقط في الوسائل التي‬ ‫أو جماعة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫نصا حين أمر رس���ول اهلل  ليقوم بهذه الصياغة‪،‬‬ ‫ن���ص عليه���ا ًّ‬ ‫فذك���ر لن���ا م���ن تل���ك الوس���ائل الكب���رى دع���وة إبراهي���م ‪:‬‬ ‫ِك َو ُي َع ِل ُّم ُه ُم‬ ‫ِيه ْم َر ُس���و ً‬ ‫ال ِم ْن ُه ْم َي ْتلُ���و َعل َْي ِه ْم َآيات َ‬ ‫﴿ر َّب َنا َو ْاب َع ْث ف ِ‬ ‫َ‬ ‫���اب َوال ِْحكْ َم َة َو ُي َز ِّك ِيه ْم﴾(البقرة‪ .)129:‬فالتالوة والتعليم هي‬ ‫الْكِ َت َ‬ ‫الوسيلة األولى‪ ،‬ألن هذا الحق النازل من عند اهلل ‪ ،‬والذي‬ ‫ه���و بمثابة رس���الة من رب الملك خال���ق المخلوقات إلى هذا‬ ‫اإلنسان بالتحديد من جهة كونه خليفة‪ ،‬فعليه عهد وميثاق أن‬ ‫يس���ير فيما اس���تخلف عليه وفق ميثاق الخالفة وعهد الخالفة‪:‬‬ ‫���ه َد ُه ْم‬ ‫﴿وإ ِْذ َأ َخ َ‬ ‫���ذ َر ُّب َك ِم ْن َب ِني َ‬ ‫آد َم ِم ْن ُظ ُهورِ ِه ْم ُذرِّ َّي َت ُه ْم َو َأ ْش َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ك‬ ‫ب‬ ‫ِر‬ ‫ب‬ ‫���ت‬ ‫س‬ ‫ل‬ ‫أ‬ ‫م‬ ‫���ه‬ ‫س‬ ‫ف‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫ى‬ ‫���م َقا ُلوا َب َلى﴾(األع���راف‪ ،)172:‬ثم بعد‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َع َل ْ‬ ‫ْ ْ ُ َّ ْ‬ ‫ال َخ ْو ٌف َع َل ْيهِ ْم‬ ‫اي َف َ‬ ‫آدم‪َ ﴿ :‬فإ َِّما َي ْأ ِت َي َّن ُك ْم ِم ِّني ُه ًدى َف َم ْن َتب َِع ُه َد َ‬ ‫ون﴾(البق���رة‪)38:‬؛ ذلك عهد اهلل إلى أبناء آدم‪ ،‬فمن‬ ‫َو َ‬ ‫���م َي ْح َز ُن َ‬ ‫ال ُه ْ‬ ‫ص���ار وف���ق العهد وطبقه‪ ،‬فال خوف عليه���م وال هم يحزنون‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫رسول يبلغها‬ ‫وذلك العهد بمثابة رسالة نزلت من عند اهلل على‬ ‫إلى أبناء آدم‪ .‬إذا لم نعلم مضمون الرسالة فهل يمكن أن نطبق‬ ‫الرس���الة؟ ال يمك���ن‪ ،‬إنه���ا لجريمة كبرى أن يح���ال بين الناس‬ ‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫وبي���ن فه���م القرآن‪ ،‬وتالوة القرآن ومعرف���ة المقصود بالقرآن‪،‬‬

‫‪22‬‬

‫أو ينبغ���ي أن ينفذ ذلك الكتاب‪ ،‬كل ذلك يجب تعليمه‪ .‬وهذا‬ ‫الكتاب بطبيعته‪ ،‬ال يفضي بسره إلى الذي ألقاه في خزانة رأسه‪،‬‬

‫إنما يلقي بسره لمن آمن به واتبع هداه‪ ،‬أما الذي لم يتبع هداه‬ ‫آم ُنوا‬ ‫فال س���بيل له إلى االس���تفادة من القرآن‪ُ ﴿ :‬ق ْل ُه َو ِل َّل ِذ َ‬ ‫ين َ‬ ‫ال ُي ْؤ ِم ُن َ ِ‬ ‫ِ‬ ‫���ر َو ُه َو َع َل ْيهِ ْم‬ ‫ي���ن َ‬ ‫ُه ً‬ ‫���دى َو ِش��� َف ٌاء َوا َّل ِذ َ‬ ‫ون في آ َذانهِ ْم َو ْق ٌ‬ ‫َع ًمى﴾(فصل���ت‪ ،)44:‬و"لي���س اإليمان بالتمن���ي‪ ،‬ولكن ما وقر في‬ ‫آمنوا وعمل���وا‪ ،‬آمنوا‬ ‫القل���ب وصدق���ه العم���ل" (رواه الديلم���ي)‪َ ...‬‬

‫بم���ا ن���زل على محمد ثم عملوا كم���ا عمل محمد ‪ .‬وهكذا‪،‬‬

‫بمجرد أن يس���لم المس���لم أمام رسول اهلل  فإنه يقرئه القرآن‬ ‫"من‬ ‫ويعلمه المراد به وكيفية تنفيذ ما فيه‪ ،‬أي يفقهه في الدين‪َ :‬‬

‫خيرا يفقهه في الدي���ن" (رواه البخاري)؛ هذا التفقيه هو‬ ‫ي���رد اهلل به ً‬

‫الوس���يلة األس���اس‪ ،‬والتعليم هو الذي عل���ى عاتقه هذا األمر‪.‬‬

‫وم���ن بع���د ذلك يأت���ي ما يس���مى اليوم ب�"اإلع���الم" بجميع‬

‫وس���ائله‪ ،‬ويس���مى ب�"الوس���ائل العام���ة" م���ن جمعي���ات تنش���ر‬ ‫الخي���ر وتعلم���ه للن���اس‪ ،‬والصح���ف والتلفزي���ون واإلذاع���ات‬ ‫والمحاض���رات و الن���دوات‪ ...‬ه���ي وس���ائل لتعلي���م وتعمي���م‬ ‫الخي���ر‪ .‬وكل الكائنات ‪-‬كما جاء ف���ي الحديث‪ -‬تدعو لمع ِّلم‬

‫الخي���ر‪ ،‬ألن بتعليم الن���اس الخير ُيرح���م الناس‪ .‬وهذا‬ ‫الن���اس‬ ‫َ‬

‫الهدى ش���بهه رس���ول اهلل  بالغيث‪" :‬مثل ما بعثني اهلل به من‬

‫أرض‬ ‫أرضا‪ ،‬ف���كان منها ٌ‬ ‫اله���دى والعل���م كمثل غيث أص���اب ً‬ ‫طيبة ‪-‬وعند مس���لم نقية‪ -‬قبلت الماء‪ ،‬فأنبتت العش���ب الكثير"‬


‫﴿و ُه َو ا َّل ِذي ُي َن ِّز ُل ا ْل َغ ْي َث ِم ْن َب ْع ِد َما َق َن ُطوا َو َي ْن ُش ُر‬ ‫(رواه البخاري)‪َ ،‬‬ ‫َر ْح َم َت ُه﴾(الش���ورى‪ .)28:‬بم���اء القرآن تنش���ر الرحم���ة في القلوب‬ ‫والج���وارح والمعام���الت وف���ي كل مج���ال‪ ،‬وتص���ل إل���ى بقية‬ ‫ين﴾(األنبياء‪.)107:‬‬ ‫﴿و َم���ا َأ ْر َس��� ْل َناكَ ِإ َّ‬ ‫ال َر ْح َم��� ًة ِل ْل َعا َل ِم َ‬ ‫العالمي���ن‪َ :‬‬

‫الفطرة‪" :‬كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه‬ ‫محافظا على إسالمه‪،‬‬ ‫أو يمجس���انه" (رواه مس���لم)؛ أبواه يجعالنه‬ ‫ً‬ ‫ألن اإلس���الم ه���و الفطرة األصل‪ِ ﴿ :‬ف ْط���ر َة ا ِ‬ ‫اس‬ ‫هلل ا َّل ِتي َف َط َر َّ‬ ‫الن َ‬ ‫َ‬ ‫يل ِل َخ ْلقِ ا ِ‬ ‫ين ا ْل َق ِّي ُم﴾(الروم‪ .)30:‬فالتزكية‬ ‫َع َل ْي َها َ‬ ‫ال َت ْب ِد َ‬ ‫هلل َذ ِل َك ِّ‬ ‫الد ُ‬ ‫ه���ي المحافظ���ة عل���ى ذلك األص���ل وتنمية له في ص���ورة هذا‬ ‫الخريج من مدرس���ة اإلسالم‪ ،‬فيها جانب إرادي‪ ،‬وأصلها من‬ ‫ال َف ْض ُل ا ِ‬ ‫هلل َع َل ْي ُك ْم َو َر ْح َم ُت ُه َما َز َكا ِم ْن ُك ْم ِم ْن‬ ‫���و َ‬ ‫فض���ل اهلل‪َ :‬‬ ‫﴿و َل ْ‬ ‫���اء﴾(النور‪ ،)21:‬و ُنس���بت للبش���ر‬ ‫َأ َح ٍد َأ َب ًدا َو َل ِك َّن ا َ‬ ‫هلل ُي َز ِّكي َم ْن َي َش ُ‬

‫علم‪ ،‬ذهب للممارس���ة‪ ،‬وعند الممارس���ة هناك جانب باطن ال‬

‫اها﴾(الش���مس‪.)10-7:‬‬ ‫اب َم ْن َد َّس َ‬ ‫ َق ْد َأ ْف َل َح َم ْن َز َّك َ‬ ‫اها  َو َق ْد َخ َ‬ ‫فالتزكية وسيلة من وسائل رسول اهلل  ينبغي الحرص عليها‪،‬‬ ‫يوما عن يوم‪.‬‬ ‫وورثة األنبياء هم العلماء الذين لألسف يقلون ً‬ ‫العالم الوارث‪ ،‬هو العالم العامل بميراث رس���ول اهلل ‪ ،‬وهو‬ ‫روحا في المزكى والمتعلم‪ ،‬وهو الذي‬ ‫ال���ذي يمكن أن ينف���خ ً‬ ‫ال قد تأثر وتنور بسراج النبوة‬ ‫يمكن أن يؤثر وينير‪ ،‬ألنه هو أو ً‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫���را‬ ‫﴿ي���ا َأ ُّي َها َّ‬ ‫وبكت���اب اهلل ‪َ :‬‬ ‫النب ُِّي ِإ َّنا أ ْر َس��� ْل َناكَ َش���اه ًدا َو ُم َب ّش ً‬

‫ون���زل رحم���ة‪ ،‬وبالرحمة نبتدئه "بس���م‬ ‫غاي���ة الق���رآن الرحمة‪َ ،‬‬

‫اهلل الرحم���ن الرحيم"‪ ،‬فنزوله رحمة م���ن اهلل الرحمن الرحيم‪،‬‬ ‫والقص���د من���ه أن يرحم به اهلل ‪ ،‬ولذلك يجب الدفع في هذا‬ ‫ِ‬ ‫مجال التفقيه والتعليم‪.‬‬ ‫المجال‪،‬‬ ‫بت‪ -‬التزكية والتطهير‪ :‬وهي تابعة لألولى‪ ،‬ألن اإلنس���ان إذا‬

‫ُي���رى يؤث���ر فيما ُيرى‪" :‬أال وإن في الجس���د مضغة إذا صلحت‬ ‫صلح الجس���د كله‪ ،‬وإذا فس���دت فس���د الجس���د كله‪ ،‬أال ��هي‬

‫القل���ب" (رواه البخ���اري)‪ ،‬واهتم���ام اإلس���الم بصالح ه���ذا القلب‬ ‫اهتم���ام كبي���ر‪ ،‬وحرص���ه عل���ى أن يس���لم القل���ب م���ن المرض‬

‫ح���رص كبير‪ .‬ولذلك يتتبع كل المؤثرات على هذا القلب من‬

‫المعاص���ي الخارجية؛ فيمن���ع العين أن تنظر إلى غير ما يرضي‬ ‫الرجل‬ ‫اهلل‪ ،‬ويمنع الس���مع أن يتقبل غير م���ا يرضي اهلل‪ ،‬ويمنع ِّ‬

‫أن تذه���ب إلى غير ما يرض���ي اهلل‪ ،‬ويمنع اليد أن تفعل غير ما‬

‫يرض���ي اهلل‪ ،‬ويمن���ع كل م���ا يحيط بالعبد من م���ال‪ ...‬كل ذلك‬ ‫يمن���ع م���ا ال يرض���ي اهلل‪ ،‬ألن أثره في القل���ب‪ ،‬فتنكث فيه بكل‬

‫سيئة نكثة سوداء‪ ،‬ومن ثم يتكون الران على القلب حتى يصل‬

‫األمر إلى أن يطبع على القلب‪ ،‬والعكس بالعكس‪ .‬فالحواس‬ ‫س���بل لإلتي���ان بالنور‪ ،‬أي بنور الحس���نات إلى القل���ب‪ ،‬فيزداد‬

‫أبدا‪.‬‬ ‫القلب ً‬ ‫بعد ً‬ ‫بياضا حتى يصل إلى درجة ال تعود فتنة تضره ُ‬

‫اإلس���الم في صياغته لإلنسان‪ ،‬يحرص على أن يسلم هذا‬ ‫﴿هلل ما ِفي السماو ِ‬ ‫ات َو َما ِفي ا َ‬ ‫أل ْر ِ‬ ‫ض َوإ ِْن ُت ْب ُدوا َما ِفي‬ ‫َّ َ َ‬ ‫القلب‪َ ِ ِ :‬‬ ‫وه ُي َح ِ‬ ‫اهلل﴾(البقرة‪ ،)284:‬بسبب خاطر‬ ‫َأ ْن ُف ِس ُ‬ ‫اس ْ���ب ُك ْم ِب ِه ُ‬ ‫���ك ْم َأ ْو ُت ْخ ُف ُ‬ ‫الس���وء تنبت النباتات‪ ،‬فمن القلب يبتدئ نبات السيئة ويبتدئ‬ ‫نبات الحس���نة‪ ،‬ولذلك كان الجزاء والث���واب العظيم على من‬

‫تش���جيعا لهذا اإلنس���ان على فعل‬ ‫نوى حس���نة وإن لم يفعلها‪،‬‬ ‫ً‬

‫ال‪ ،‬والتطهير يتجه إليه‬ ‫الحسنات‪ .‬التزكية تكون لهذا القلب أو ً‬ ‫ب���كل المطهرات من كتاب اهلل ‪ ،‬من صيام وقيام وصدقة‪...‬‬

‫ترشيدا للسلوك‪ ،‬وقد كان أصحاب رسول اهلل‬ ‫ثم تكون التزكية‬ ‫ً‬

‫ يك ّلفون باألعمال وتصدر منهم األقوال في مجالس رسول‬ ‫قر م���ا يقر وينفي ما ينفي‪،‬‬ ‫اهلل  وعل���ى س���معه وعلى بصره ُفي ّ‬

‫الخير؛ أصل‬ ‫وإنم���ا ذلك من أجل تزكيتهم لتنمية ذلك األصل ّ‬

‫‬ ‫ور َها َو َت ْق َو َاها‬ ‫﴿و َن ْف ٍ‬ ‫في قوله ‪َ :‬‬ ‫س َو َما َس َّو َاها َف َأ ْل َه َم َها ُف ُج َ‬

‫َو َن ِذيرا  َو َد ِاعيا ِإ َلى ا ِ‬ ‫اجا ُم ِن ًيرا﴾(األحزاب‪.)46-45:‬‬ ‫هلل ِبإ ِْذ ِن ِه َو ِس َر ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫جت‪ -‬الحك ت ت تتم بين الناس بما أران ت ت تتا اهلل‪ :‬وهي وس���يلة ثالثة‬ ‫وهدف من‬ ‫عظيمة فعلها رس���ول اهلل  وطلب اهلل منه فعلها‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫األهداف ال سبيل إلى تحقيقه بغيرها هو المشار إليه في قوله‬ ‫اس ب َِما‬ ‫الن ِ‬ ‫���ن َّ‬ ‫���اب بِا ْل َح ِّق ِل َت ْح ُك َم َب ْي َ‬ ‫‪ِ ﴿ :‬إ َّن���ا َأ ْن َز ْل َن���ا ِإ َل ْي َك ا ْل ِك َت َ‬ ‫هلل﴾(النس���اء‪ .)105:‬ه���ذا الحكم بي���ن الناس بما أرانا اهلل في‬ ‫َأ َراكَ ا ُ‬

‫كتابه وسنة نبيه  هو السبيل الوحيد إلقامة القسط‪.‬‬ ‫هذه األهداف وهذه الوس���ائل‪ ،‬إذا مورست فإنها تكفل لنا‬ ‫خريجين من طراز خاص من مدرس���ة الصياغة اإلس���المية‪...‬‬ ‫وقد أش���ار حديث جبريل  إلى ثالثة مس���تويات من هؤالء‬ ‫الخريجي���ن‪ :‬مس���توى المس���لم‪ ،‬ومس���توى المؤمن‪ ،‬ومس���توى‬ ‫المحس���ن‪ ،‬والدين اشتمل على كل هذا؛ على اإلسالم‪ ،‬وعلى‬ ‫اإليم���ان‪ ،‬وعل���ى اإلحس���ان‪ ،‬وما ذك���ر في الحديث ه���و عبارة‬ ‫ع���ن وس���ائل إلنتاج هذه النوعي���ات‪ ...‬إلنتاج المس���لم نحتاج‬ ‫إلى ممارس���ة أركان اإلس���الم على وجهه���ا الصحيح‪ ،‬وإلنتاج‬ ‫المؤم���ن نحت���اج إل���ى ممارس���ة أركان اإليم���ان عل���ى وجهه���ا‬ ‫الصحيح‪ ،‬وإلنتاج المحس���ن نحتاج إلى أن نعبد اهلل كأننا نراه‬ ‫فإن لم نكن نراه فإنه يرانا‪.‬‬ ‫(*)‬

‫األمين العام لمؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع) ‪ /‬المغرب‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫أدب‬

‫د‪ .‬محمد جكيب*‬

‫سلطة الكلمة وقوتها ‪2-‬‬ ‫األدب في ظل البيان‬

‫األدب نشاط إنساني يولد مع اإلنسان‪ ،‬ولكي‬

‫فه���ؤالء متأك���دون أن أرواحهم إذا لم تتش���رب روح البيان‬

‫االسترشاد بالبيان الذي خطت معالم خريطته‬

‫أفعاله���م وال أقواله���م ف���ي مقام���ات االكتمال‪ ،‬وس���تظل بعيدة‬

‫خالدا‪ ،‬يتوجب عليه‬ ‫مؤثرا‬ ‫يك���ون جمي ً‬ ‫ً‬ ‫ال ًّ‬ ‫قويا ً‬

‫مفصلة في الكون والوجود‪ ،‬وأنزلت مرتكزاته على محمد ‬

‫في القرآن الكريم‪ .‬وبعبارة أخرى‪ ،‬إن األدب ال يستحق صفة‬ ‫األدبية إال في ظل "البيان"‪ ،‬وذلك باقتران دقة الوسيلة واألداة‬

‫والكلم���ة(‪ )1‬ف���ي إطاره���ا العام بالبي���ان في مس���تواه الثاني‪ ،‬ألن‬

‫الكلمة إذا لم تتطلع إلى أن تكون في مس���توى البيان الحقيقي‬ ‫وتجتهد ألجل ذلك‪ ،‬فس���تكون مجرد زيف ال يلبث بريقها أن‬ ‫يبهت ويعتريه الصدأ‪.‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪24‬‬

‫فإن حركيتهم ستظل مفتقرة إلى النضج واالنسجام‪ ،‬ولن ترقى‬ ‫ع���ن التناغ���م واالنتظام في دائرة البي���ان الكلي حيث يأخذ كل‬

‫عنص���ر مكانه في جو م���ن التوازن والتناس���ق‪ .‬وبعبارة أخرى‪،‬‬ ‫إذا افتق���رت األفع���ال واألق���وال لروح البيان فل���ن تجد مكانها‬ ‫الطبيعي والمنطقي ضمن سلسلة البيان الكلي‪ ،‬بل إن وجودها‬

‫بق���رب العناصر األخرى التي حصلت مش���روعية الدخول في‬

‫ورما‬ ‫عنصرا‬ ‫دائ���رة البي���ان‪ ،‬يصي���ر‬ ‫ً‬ ‫مزعج���ا وحالة مرضي���ة‪ ،‬بل ً‬ ‫ً‬ ‫خبي ًثا يتوجب بتره‪.‬‬


‫إن مظاهر التفاعل مع البيان تتعدد‪ ،‬وس���بل محاكاته تتنوع‬

‫نشوة االكتمال هذه‪ ،‬هي مكونات األدب الذي يدور في دائرة‬

‫يحدد العالقة‪ ،‬ويبني المنهج ويرسم الجادة وفنون القول على‬

‫هو البحث المس���تمر من أجل الوصول إلى مالمس���ة حقيقته‪.‬‬

‫عاما‬ ‫إطارا ًّ‬ ‫بحس���ب مس���تويات التفاعل مع هذا البيان باعتباره ً‬ ‫وج���ه الخصوص‪ ،‬التي توظ���ف الكلمة بمفهومها اللغوي أهم‬ ‫المجاالت التي تحتاج إلى اس���تحضار مفه���وم البيان‪ ،‬بل هي‬

‫مباش���را حاج ًة إلى‬ ‫ارتباطا‬ ‫أهم المكونات المرتبطة باإلنس���ان‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫التفاعل مع البيان واستحضاره‪.‬‬

‫البي���ان المطل���ق‪ .‬وبعب���ارة أخرى‪ ،‬إنه البحث ع���ن الكمال‪ ،‬بل‬ ‫مناسبا‬ ‫فلكل أديب نموذج فردوسي مفقود يبحث عنه بما يراه‬ ‫ً‬ ‫لذل���ك‪ ،‬ولذل���ك كان األدب الرفي���ع على مر العص���ور‪ ،‬معاناة‬

‫عسيرا‪.‬‬ ‫ومخاضا‬ ‫مريرا‬ ‫أليمة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وعذابا ً‬

‫على هذا المنهج صار فحول الكلمة من أمتنا عبر مختلف‬

‫ينقس���م األدب إلى قس���مين كبيرين يعكس���ان تلك العالقة‬

‫العص���ور واألزمن���ة‪ ،‬بع���د أن اخت���ط كل فحل لنفس���ه في دائرة‬

‫الخير مع قوى الش���يطان؛ ففي الوقت الذي تس���عى فيها قوى‬

‫ال في بحثهما‬ ‫ومعان���اة تختم إبداعه‪ ...‬فالحالج وابن عربي مث ً‬

‫األزلية التي يتصارع فيها الخير مع الش���ر‪ ،‬أو تتنازع فيها قوى‬ ‫الخي���ر إل���ى رب���ط صل���ة الف���ن واألدب‬ ‫بالبي���ان وحقائق���ه‪ ،‬تعم���ل األخرى على‬

‫إفساد العالقة األولى‪.‬‬

‫لق���د ض���ل الصنف األخي���ر الطريق‪،‬‬

‫وتوقفت بوصلته منذ خلق اهلل آدم ‪،‬‬ ‫وأمره المالئكة بالسجود آلدم فسجدوا‬ ‫إال إبليس أبى واستكبر فطرد من رحمة‬ ‫اهلل‪ ،‬وأنظ���ره اهلل إل���ى ي���وم يبعث���ون‪...‬‬

‫ولذل���ك يجلس الش���يطان لإلنس���ان في‬ ‫طري���ق العودة إلى الم���كان الذي ُأخرج‬ ‫من���ه عندما خالف آدم وزوجه حواء ْأم َر‬ ‫اهلل وأكال م���ن الش���جرة المحرمة‪ .‬ومنذ‬ ‫ذل���ك الحي���ن يعي���ش اإلنس���ان فص���ول‬

‫وأسلوبا يطبع مخاض نصه‪،‬‬ ‫خاصا يميزه‪،‬‬ ‫هذا المنهج س���بي ً‬ ‫ال ًّ‬ ‫ً‬ ‫ع���ن الحقيق���ة أدركا بآدميتهما اس���تحالة‬

‫الف��ن واالأدب ملزم��ان‬ ‫باالرتق��اء ب��ذوق االإن�س��ان‬ ‫ليتفاع��ل مع البي��ان االإلهي‪،‬‬ ‫االأم��ر الذي ينعك���س اإيجابًا‬ ‫على روح��ه وعلى كيانه كله‬ ‫في��درك دوره احلقيق��ي يف‬ ‫الوجود‪ ،‬ويدرك اأن لوجوده‬ ‫وظيف��ة يتحت��م معرفته��ا‬ ‫واأداوؤها بروح جمالية‪.‬‬

‫معرك���ة ال تنته���ي م���ن أجل الع���ودة إلى‬ ‫ه���ذا الف���ردوس‪ ،‬والف���ن واألدب ف���ي‬

‫اإلمس���اك ب���كل خي���وط البي���ان المطلق‪،‬‬

‫لكنهم���ا أصرا ‪-‬كما أصر غيرهما‪ -‬على‬ ‫البق���اء في دائ���رة المعاناة‪ ...‬ف���كل مقام‬

‫يصلونه‪ ،‬يمثل بداية السير إلى مقام آخر‬ ‫لتب���دأ الرحل���ة من جدي���د‪ .‬فأما الحالج‬

‫فق���د حل���ق ول���م ين���زل‪ ،‬وأما اب���ن عربي‬ ‫هائم���ا في‬ ‫فظ���ل قلب���ه متعل ًق���ا بالس���ماء ً‬

‫المظاه���ر البيانية التي تجود بها‪ ،‬وظلت‬ ‫روحه مشرئبة هائمة في الملكوت‪ ،‬لكن‬

‫على عل���و منخفض‪ ،‬ولم يتق���دم مخافة‬ ‫االحتراق‪.‬‬

‫ولذل���ك ف���األدب في أص���ل وجوده‬

‫رحل���ة بح���ث طويلة‪ ،‬ولألس���تاذ فتح اهلل‬ ‫كول���ن رأي ف���ي هذا الب���اب مضمونه أن‬

‫األصل نوع من التغني بهذا الفردوس‪ .‬لكن الش���يطان ال يمل‬

‫األدب مهم���ا بل���غ من الق���وة الفنية والعم���ق الجمالي والقدرة‬

‫ال���ذي ينير طريق العودة‪ .‬وبضاعة من جندوا لهذه المهمة هي‬

‫نس���بيا‪ ،‬ألن هذا‬ ‫ال‬ ‫يس���تنر بن���ور مملكت���ه‪ ،‬يعتب���ر جمال���ه جم���ا ً‬ ‫ًّ‬

‫م���ن إفس���اد اتس���اق كل نغم���ة وكل ما يقرب م���ن البيان الكلي‬

‫البضاعة السائدة في هذا الزمن الصعب‪ ،‬وهي تدعي امتالكها‬

‫شفرة الوصول إلى السعادة‪ ،‬ولعمري إنه مجرد وهم ليس غير‪.‬‬ ‫سبل االرتقاء في مقامات الوصول عديدة‪ ،‬ومنها االرتباط‬

‫بالروح والوجدان والجوارح بأمنية العودة إلى فردوس مفقود‪،‬‬ ‫من خالل لحن جميل متوازن‪ ،‬أو نص اختمر طويال في رحم‬

‫َو ّالدة حت���ى اكتمل���ت معالمه واجتمعت محاس���نه‪ ،‬ليولد بعد‬ ‫مخاض والدة طبيعية‪ ،‬وليس والدة قيصرية‪.‬‬

‫المخ���اض العس���ير وس���هر الليالي الط���وال ومعاناة تحقيق‬

‫مؤسس���ا على الخط���اب اإللهي ولم‬ ‫عل���ى ��لتأثي���ر‪ ،‬إذا لم يكن‬ ‫ً‬ ‫الجم���ال يفتق���ر إلى المعن���ى الحقيقي للجمال‪ ،‬ب���ل هو مجرد‬ ‫إحساس موهوم‪.‬‬

‫إن التجرب���ة األدبي���ة بهذا المفهوم محض���ن تجارب كثيرة‪،‬‬

‫ولي���س بمقدور أحد االدعاء بأنه نس���يج وحده باس���تثناء البيان‬

‫القرآني‪ .‬فكل تجربة من هذا المنظور‪ ،‬هي في الحقيقة ملتقى‬ ‫تلتق���ي فيه تجارب الماض���ي بخصوصيات الحاض���ر؛ فتجربة‬

‫الي���وم تمتاز ع���ن تجربة الماضي بما تحمل���ه من خصوصيات‬

‫الحاض���ر‪ ،‬لكنه���ا تحم���ل خصوصي���ات الماض���ي كذل���ك وال‬

‫‪25‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫يمكنها التجرد ع���ن ذلك وال التنكر له‪،‬‬ ‫بمعن���ى أن التجرب���ة األدبي���ة ال تكتم���ل‬ ‫معالمها المركزي���ة إال في ظل الخطاب‬ ‫اإلله���ي وعندما تك���ون بوتقة يلتقي فيها‬ ‫ث���راء الماض���ي وتجارب���ه بخصوصيات‬ ‫الحاض���ر ومتطلبات العصر‪ ،‬لكن برؤية‬ ‫تتطلع إلى المستقبل أفضل من الحاضر‬ ‫ومن الماضي نفسه‪.‬‬

‫األدب في ظل األدبية‬

‫ارتباط���ا بمفهوم‬ ‫هي المج���االت األكثر‬ ‫ً‬

‫اإن االأدب مهم��ا بل��غ م��ن‬ ‫القوة الفني��ة والعمق اجلمايل‬ ‫والق��درة على التاأث��ر‪ ،‬اإذا مل‬ ‫ؤ�س�س��ا على اخلطاب‬ ‫يكن مو ً‬ ‫االإله��ي ومل ي�ست��ر بن��ور‬ ‫مملكت��ه‪ ،‬يعترب جمال��ه جما ًال‬ ‫ن�سبيًّا‪ ،‬الأن هذا اجلمال يفتقر‬ ‫اإىل املعن��ى احلقيقي للجمال‪،‬‬ ‫بل هو جمرد اإح�سا�س موهوم‪.‬‬

‫إن م���ادة األدب ه���ي اللغ���ة بكلماته���ا‬ ‫وآفاقه���ا الداللي���ة وصوره���ا الفني���ة‬ ‫البالغي���ة‪ ،‬لكنه���ا الغ���ذاء ال���ذي يغذيه���ا‬ ‫يقطف م���ن عال���م المش���اعر والوجدان‬ ‫واألحاس���يس ومن كل جميل‪ ،‬ولكونها‬ ‫متقلبا‬ ‫مركبا‬ ‫كائنا‬ ‫كذلك‪ ،‬فهي تظل مرتبطة باإلنس���ان باعتباره ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫بي���ن الغموض والوضوح‪ .‬وهذا هو م���ا يجعل األدب أبعد ما‬ ‫يك���ون عن صرامة العلم‪ )2(.‬لكن مع ذلك يمكن تفريع األدب‬ ‫إلى فرعين‪:‬‬ ‫الف���رع األول هو فرع "األدبية"‪ ،‬أي ما يصنع أدبية األدب‪،‬‬ ‫كثيرا عن اللغة التي‬ ‫وما يجعل من األدب ً‬ ‫جنسا لغويًّا يختلف ً‬ ‫توظ���ف في الخطاب الع���ادي‪ ،‬وال مناص لألدبية من الموهبة‬ ‫إلى جانب العناصر األخرى‪ .‬فالموهبة هي الطاقة التي تشحن‬ ‫أدبي���ا‪ ،‬وهي منح���ة إلهية ال‬ ‫اللغ���ة وتفعله���ا لتوج���د منها ً‬ ‫ش���يئا ًّ‬ ‫تمن���ح لل���كل وإال تحول األدب إلى ش���يء مبت���ذل ال يختلف‬ ‫عن ال���كالم العادي‪ ،‬وتق���وم المعرفة بتقنيات الكتابة وس���بلها‬ ‫ونظرياته���ا ومناهجها وأجناس���ها وأنواعه���ا األدبية‪ ،‬بمهمة مد‬ ‫الموهبة باألشكال التي تستوعب اللغة المشحونة ب�"األدبية"‪.‬‬ ‫إن األدب الرفي���ع ال تصنع���ه التقنية بق���در ما يصنعه عنصر‬ ‫الموهب���ة والم َلك���ة الت���ي تحس���ن توظي���ف التقني���ات فتخت���ار‬ ‫المناسب من األجناس‪ ،‬ولهذا تجد الشاعر والقاص والروائي‬ ‫وغي���ر ذل���ك‪ ...‬كل واحد يعب���ر بالجنس األدب���ي القريب منه‪،‬‬ ‫والجنس الذي تبدو تقنياته في متناوله‪ ،‬لكن القاسم المشترك‬ ‫هو التواصل المعنوي مع القلوب والعقول واألرواح بحسب‬ ‫منطلقات األديب‪ ،‬وهنا تكمن وظيفة األدبية‪.‬‬ ‫وأم���ا الف���رع الثاني فيهتم بما يحيط بأحوال اإلبداع األدبي‬ ‫وتأريخا‪ ،‬وه���ذه المجاالت‬ ‫ونق���دا‬ ‫وتنظي���را‬ ‫وتحلي���ال‬ ‫دراس���ة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪26‬‬

‫"عل���م األدب"‪ ،‬وس���يلعب ه���ذا المجال‬

‫أساس���يا في تقريب‬ ‫دورا‬ ‫في المس���تقبل‪ً ،‬‬ ‫ًّ‬

‫المكونات السامية لألدب في ظل البيان‬ ‫ومعطيات���ه عندم���ا تمي���ل اإلنس���انية كلها‬

‫إلى العل���م وحقائقه‪ .‬وفي هذه المرحلة‬ ‫إلحاحا‬ ‫ستصبح الحاجة إلى البيان أكثر‬ ‫ً‬

‫من قبل‪ ،‬ألن من ش���أن حقائق العلم أن‬ ‫تبين حقائق الوجود وتجلي عناصره‪.‬‬

‫بعب���ارة أخ���رى‪ ،‬إن الواق���ع العلم���ي‬

‫س���ينتهي إل���ى االنس���جام الكام���ل م���ع‬

‫الخط���اب القرآن���ي وم���ع البي���ان الكلي‪،‬‬ ‫تعبي���را‬ ‫واألدب نفس���ه س���ينتهي ليك���ون‬ ‫ً‬

‫عن هذه الحقيقة‪ ،‬أي أن يش���رح ويقرب‬

‫البيان إلى كل العقول واألفهام‪ ،‬وسيخاطبهم بأسلوبه ويوظف‬ ‫كل التقنيات التي تفتح القلوب واألرواح بأسلوب خاص‪.‬‬

‫يؤك���د األس���تاذ فتح اهلل كولن أن س���لطة الكلم���ة ضرورية‬

‫النتقال األفكار من ذهن إلى آخر ومن قلب إلى آخر‪ ،‬والذين‬ ‫يحس���نون استعمال هذه الواسطة من أرباب الفكر‪ ،‬يستطيعون‬ ‫جم���ع األنص���ار لألف���كار الت���ي يري���دون زرعه���ا ف���ي القلوب‬

‫واألرواح‪ ،‬فيصل���ون بأفكاره���م إل���ى الخل���ود‪ .‬وأم���ا الذين ال‬ ‫يحسنون ذلك‪ ،‬وال يستطيعونه فسيقضون أعمارهم في معاناة‬

‫أثرا‪ .‬ولما كان‬ ‫فكرية‪ ،‬ويرحلون عن الدنيا دون أن يتركوا فيها ً‬ ‫العنصر األساسي في األدب هو المعنى‪ ،‬فقد وجب أن تكون‬

‫الكلم���ات المذكورة قليلة لكن غني���ة بالمعاني‪ .‬وهي موجودة‬

‫ف���ي ال���كالم العميق عند المفكرين م���ن ذوي القلوب الملهمة‬ ‫المحيط���ة بالوج���ود‪ ،‬والذين تتس���ع قلوبه���م للوجود كله‪ ،‬من‬ ‫ذوي الخيال الواس���ع الذين نجحوا في أن يروا الدنيا واآلخرة‬

‫وفكرا‬ ‫وجهي���ن لحقيقة واحدة‪ ،‬والذين يملك���ون إيما ًنا عمي ًقا‬ ‫ً‬ ‫قويا‪.‬‬ ‫تركيبيا ًّ‬ ‫ًّ‬

‫(‪)3‬‬

‫وم���ن أجل فه���م دقيق لنظري���ة الفن المس���تظلة بظل البيان‬

‫الكل���ي‪ ،‬يتوج���ب رب���ط الفن بصف���ة عام���ة واألدب على وجه‬ ‫الخص���وص‪ ،‬بمقص���د ووظيف���ة ت���روم إيجاد إنس���ان بمميزات‬ ‫تؤهل���ه إلدراك أبع���اد البيان في أفق إعم���ار األرض والوجود‪،‬‬

‫ومحاصرة أعداء اإلنسان؛ "الجهل" و"الفقر" و"التفرقة"‪.‬‬

‫فالف���ن واألدب ملزم���ان باالرتقاء بذوق اإلنس���ان ليتفاعل‬


‫إيجابا على روحه وعلى‬ ‫مع البيان اإللهي‪ ،‬األمر الذي ينعكس‬ ‫ً‬ ‫كيانه كله فيدرك دوره الحقيقي في الوجود‪ ،‬ويدرك أن لوجوده‬

‫وظيفة يتحت���م معرفتها وأداؤها بروح جمالية‪ .‬وبعبارة أخرى‪،‬‬ ‫إن يدرك اإلنسان محله من البيان‪ ،‬فيتفاعل معه التفاعل الالزم‬

‫له‪ ،‬بل إن العلم الذي س���تنتهي إليه اإلنس���انية هو العلم بموقع‬

‫الذات‪/‬الذوات في تفاعلها مع الوجود‪.‬‬

‫ل���م ت���درك حقيقة البيان الكلي‪ ،‬والت���ي حجب غباؤها وضالل‬ ‫روحه���ا عنه���ا إدراك ه���ذه الحقيقة‪ ،‬يس���تحيل عليه���ا أن تكون‬ ‫ال عليه تعالى‪ )5(.‬وعلى هذا القلم أن يدرك بأن‬ ‫مرشدا إليه ودا ًّ‬ ‫ً‬ ‫العال���م ف���ي حاجة إليه‪ ،‬وأن الزمان قد دار دورته‪ ،‬وأن األرض‬ ‫س���يرثها الصالحون‪ .‬وإذا لم يكن القلم في داخل الدائرة‪ ،‬فإن‬

‫وأما محاصرة األدب للفقر فتلمس في توسيع أفق اإلنسان‬

‫ال س���يحتل المكان وتعش���ش فيه قوى الش���ر‪ ،‬لذلك‬ ‫فرا ًغ���ا قات ً‬

‫اتس���اعه وامت���داده‪ ،‬ومن ش���أن ذلك فتح اآلف���اق والدخول في‬

‫ش���به األقالم الت���ي أطالت الكالم دون فائدة‪ ،‬والنور لم تنش���ر‬

‫وفت���ح روح���ه وقلب���ه عل���ى العالم الفس���يح وعل���ى الوجود في‬ ‫دائرة اإلبداع بالتذوق أو باإلبداع واالنطالق‪ ،‬وترك المس���كنة‬

‫والدروش���ة‪ )4(.‬وبعبارة أخرى‪ ،‬إن ترك المسكنة يعني أن يكون‬ ‫اإلنس���ان عالي الهمة كالنس���ر‪ ،‬يرتاد أعالي الجبال وال يرضى‬ ‫بس���فوحها ويقب���ل الخن���وع‪ .‬والف���ن بصفة عام���ة واألدب على‬

‫الخصوص وبمختلف أجناسه يصنع هذا النوع اإلنساني‪.‬‬

‫وأم���ا دور األدب ف���ي محارب���ة التفرق���ة‪ ،‬فتظه���ر من خالل‬

‫اس���تمداد األدب مش���روعية وج���وده م���ن البي���ان حت���ى يصي���ر‬

‫المنطل���ق ال���ذي تنطلق منه كل الرؤى واألف���كار والتصورات‪،‬‬

‫وتحتكم إليه في كل ما يعرض لها أثناء المس���ير‪ ،‬وإذا استطاع‬ ‫ش���د األلب���اب ‪-‬كم���ا ه���و ح���ال البي���ان المطل���ق‪ -‬ف���إن توحيد‬ ‫نظ���ر الجموع وتم���ازج األفئدة حت���ى تصير كف���ؤاد واحد‪ ،‬هو‬

‫المصي���ر األكيد‪ .‬ومن ش���أن ذل���ك جعل المواق���ف تلتقي عند‬

‫الكليات وتتوحد حول األساس���يات‪ ،‬وليس في ذلك أي إلغاء‬

‫على الفن بصفة عامة وعلى األدب بصفة خاصة‪ ،‬أن يس���كت‬ ‫والخي���ر لم تبلغ والعالم لم تضئ‪ ،‬وإس���كاتها ال يكون إال بأن‬

‫تنتشر األقالم المتوضئة في كل مكان‪ ،‬وفي كل قلب‪ ،‬وفي كل‬ ‫ح���دب وصوب‪ ،‬وفي األرض والجو كل���ه‪ ...‬فإذا تكلم القلم‬ ‫الصالح‪ ،‬خنس���ت األق���الم الجوفاء وانكت���م ضجيجها وغلب‬ ‫النور الظالم‪ ،‬وزدانت األرض والسماء بنور ربها‪.‬‬

‫(‪)6‬‬

‫(*) جامعة شعيب الدكالي‪ ،‬كلية اآلداب والعلوم اإلنسانية ‪ -‬الجديدة ‪ /‬المغرب‪.‬‬

‫الهوامش‬ ‫(‪ )1‬نعن���ي بالكلم���ة هنا‪ ،‬كل نظ���ام ترميزي يوظف للتعبي���ر والتواصل كاأللوان‬ ‫واإليقاعات الموسيقية وغيرها‪.‬‬ ‫(‪ )2‬بعض النظريات األدبية تقول ب�"علم األدب"‪ ،‬متأثرة في ذلك بما تحقق في‬ ‫مج���ال العلم الطبيعي من إنجازات‪ ،‬وبغض النظر عما تطرحه هذه الرؤية‬

‫للخصوصي���ات الفردية وال الجماعية‪ ،‬ألن هذه الخصوصيات‬

‫مصدر من مصادر إثراء التجربة‪.‬‬

‫إن م���راد البي���ان الكل���ي ه���و أن يك���ون الن���اس عل���ى إيقاع‬

‫واحد ووفق نبرة واحدة‪ ،‬وال ش���ك في أن س���بل الوصول إلى‬ ‫ذل���ك متع���ددة ومتنوعة‪ ،‬لك���ن الفن بصفة عام���ة واألدب على‬ ‫الخص���وص وبمختلف أجناس���ه ومختلف أنواع���ه الموجودة‪،‬‬ ‫وحتى تلك التي ستظهر في المستقبل‪ ،‬تستطيع توحيد األرواح‬

‫على إيقاع واحد‪.‬‬

‫إن م���ن تعلق���ت أرواحه���م وقلوبه���م وأفئدته���م بالبي���ان‪،‬‬

‫تنتظرهم مهم���ة كبيرة وعظيمة‪ ...‬فالذين اختاروا األدب ألداء‬

‫ال‬ ‫مهمته���م‪ ،‬يتوج���ب ��لى أقالمه���م أن تصنع من الكالم س���بي ً‬ ‫ينش���ر الخير والبش���ائر في كل العوالم المعنوي���ة والمادية دون‬

‫تمييز بينهما‪ ،‬ألن المهمة واحدة والغاية واحدة‪ ،‬وألن المرمى‬ ‫هو أس���مى مرمى يمكن لإلنس���ان أداؤه‪ .‬فاأليادي الجافة التي‬

‫من إشكاالت معرفية‪ ،‬فإن القضية تحتاج إلى تأمل خاص‪.‬‬ ‫(‪ )3‬انظر تفصيل هذه الرؤية في كتاب األستاذ البيان ‪.Speech‬‬

‫(‪ )4‬ترك الدروشة بالمفهوم السلبي ال بالمفهوم اإليجابي‪ ،‬التي تعني الخضوع‬ ‫هلل تعالى‪.‬‬ ‫(‪)5‬‬

‫مس���تلهم من نص األس���تاذ فتح اهلل كولن في مؤلفه "ألوان وظالل في مرايا‬ ‫"تض���ر ُع قل���م" يق���ول‪ :‬تكلم يا قل���م‪ ،‬واصرخ يا م���داد‪" ،‬يا من‬ ‫الوج���دان"‪:‬‬ ‫ُّ‬ ‫بالقل���م أقم���ت! أعوذ بك أن تلمس���ني يد جافة‪ ،‬ويس���تخدمني عقل غبي!‬ ‫وروح ضال‪ ...‬وهبني ‪-‬يا رب‪ -‬إلى من إليك يكتب‪ ،‬وعليك يدل"‪.‬‬

‫(‪ )6‬مس���تلهم من نص األس���تاذ فتح اهلل كولن في مؤلفه "ألوان وظالل في مرايا‬ ‫الوج���دان"‪" :‬لس���ان نور" يق���ول‪ :‬ما أكثر ما قالوا فما أن���اروا‪ ...‬وما أكثر ما‬ ‫تكلم���وا فما أض���اؤوا‪ ...‬ثم صمت���وا‪ ،‬وما عاد عندهم م���ا يقولون‪ ...‬تكلم‬ ‫أن���ت‪ ،‬فال���دور دورك‪ ...‬فق���د أظ���ل زمانك‪ ،‬وأقبل���ت أيام���ك‪ ...‬الوجدان‬ ‫إليك يهفوا‪ ،‬والروح إليك يرنو‪ ،‬فتكلم وأضئ‪ ،‬واألنوار فأشعل‪ ...‬بالنور‬ ‫لسانك مغموس‪ ،‬إذا تكلم‪ ،‬أضاءت الدنيا‪ ،‬وأشرق العالم‪ ،‬وتولى الظالم‪،‬‬ ‫وصلح اإلنسان‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫قضايا فكرية‬

‫أ‪.‬د‪ .‬إدريس الخرشاف*‬

‫لغة القرآن الكريم‬ ‫مفتاح العلوم التجريبية‬

‫إذا تصفحنا صفحات تاريخ أمتنا اإلس���المية‪،‬‬

‫وفك���را‪ ،‬إذ كان له‬ ‫لش���عارات أخ���رى‪ -‬منب���ع الحضارات لغ��� ًة‬ ‫ً‬

‫نذكر منها على سبيل المثال‪ ،‬الحركة العقالنية‬

‫حض���اري‪ .‬كل ه���ذا التحول كان بفض���ل اهلل تعالى‪ ،‬ثم بفضل‬

‫ال بالمنجزات واألعمال الجليلة‪،‬‬ ‫وجدناه حاف ً‬

‫التي حدثت داخل فضاء المجتمع المس���لم بعدما تعرف على‬

‫الكونين المقروء والمشاهد‪ ،‬فحدث على إثرها تحول معرفي‬

‫اعتمد في أساليبه وآفاقه المعرفية على تدبر قول اهلل ‪﴿ :‬إ َِّن‬ ‫الن َهارِ َآل َي ٍ‬ ‫او ِ‬ ‫ات َوا َ‬ ‫ِف���ي َخ ْلقِ‬ ‫ات‬ ‫أل ْر ِ‬ ‫اخ ِت َ‬ ‫ض َو ْ‬ ‫ال ِف ال َّل ْي ِل َو َّ‬ ‫���م َ‬ ‫الس َ‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫ألو ِلي ا َ‬ ‫اب﴾(آل عمران‪.)190:‬‬ ‫أل ْل َب ِ‬ ‫ه���ذا الش���عار ه���و ال���ذي اعتب���ره المس���لمون ‪-‬باإلضاف���ة‬ ‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪28‬‬

‫الفضل في تحويل الس���احة العربية الجرداء إلى منطقة إش���عاع‬ ‫توفر شرطين رئيسين‪:‬‬

‫أولهم���ا‪ :‬مرونة لغ���ة الخطاب‪ ،‬والمتمثل ف���ي اللغة العربية‬

‫أهلها‬ ‫التي كانت ُتعتبر لغة‬ ‫المختبر ولغة الشارع واألقوام‪ ،‬مما َّ‬ ‫َ‬

‫لتك���ون لغة قوية ومتطورة تتميز بمس���ايرتها للركب اإلنس���اني‬ ‫ومتطلبات الحياة المجتمعية‪.‬‬

‫ثانيهم���ا‪ :‬احت���واء اللغ���ة العربي���ة كل المب���ادئ والقيم التي‬


‫ترتب���ط به���ا العالق���ات اإلنس���انية‪ ،‬فانصبت جهود المس���لمين‬

‫بين أفراد األسرة األوروبية واألسرة المسلمة العلمية‪.‬‬

‫عل���ى الق���راءة والتدبر‪ ،‬والنق���ل والترجمة‪ ،‬والبح���ث والتنقيب صناعة المصطلح‬

‫والترش���يح‪ ،‬واالحتف���اظ بما هو صالح ونب���ذ كل ما هو خارج‬

‫عن المنظومة اإلسالمية‪ ،‬واإلبداع والكتابة‪.‬‬

‫فكانت المحصلة‪ ،‬ظهور نخبة من علماء المسلمين عملوا‬

‫على تحريك عجلة التاريخ العلمي بأفكارهم‪ ،‬استطاعوا في مدة‬ ‫زمنية صغيرة تحويل الرقعة الجغرافية التي كانوا يعيشون فيها‪،‬‬

‫من مس���احة رملية ال تعرف س���وى حرب العشائر ووأد البنات‬ ‫وضيق األفق‪ ،‬إلى منطقة إشعاع حضاري ما تزال أيامنا الحالية‬

‫تشهد بصماتهم الفكرية وتعترف بابتكاراتهم األصيلة والرصينة‪.‬‬ ‫باإلضافة لما تقدم‪ ،‬إذا كان علم الرياضيات يعتبر بمثابة علم‬

‫الدقة‪ ،‬فإن عصرنا الذي نقتحمه‪ ،‬يظهر لنا أن هذا العلم أصبح‬

‫بحاج���ة إلعادة النظ���ر في كثير من المصطلحات المس���تخدمة‬

‫فيه‪ ،‬على س���بيل المثال مصطلح الالنهاية‪ ،‬والنقطة‪ ،‬وغيرهما‪.‬‬ ‫وليس هنا من يذلل لنا الصعوبات المطروحة سوى القرآن‬

‫الكري���م‪ ،‬الذي نجده يح���دد المفاهيم ويجعل المادة المعالجة‬

‫إذا قمنا بقراءة سريعة للمصطلحات المتداولة بين الناس‪ ،‬فإننا‬

‫نالحظ اس���تخدام بعضهم لمصطلحات ق���د ال تنتمي لفضائها‬ ‫جهودا كبيرة من أجل‬ ‫الحقيقي‪ .‬من أجل ذلك بذل المسلمون‬ ‫ً‬ ‫إخ���راج المصطلح بدون ش���وائب إغريقية أو س���ريانية كما هو‬

‫ال‪ ،‬حيث اس���تعمل "الكن���دي" ألفا ًظا‬ ‫الح���ال عند "الكندي" مث ً‬ ‫اس���تبدلت بلفظة "جس���م"‪ ،‬و"طينة" التي‬ ‫مثل لفظة "جرم" التي ُ‬ ‫اس���تبدلت بلفظة "مادة"‪ .‬أما المصطلح العلمي عند "الفارابي"‬ ‫ُ‬

‫مكنت���ه إمكانياته العلمية المتمثلة في معرفته‬ ‫(ت‪950‬م)‪ ،‬فلقد ّ‬ ‫بكثي���ر من اللغ���ات‪ ،‬من القي���ام بمقارنة بين اللغ���ات والعلوم‪،‬‬ ‫ووضع تصنيفات لها في مؤلفاته‪ ،‬نذكر منها على سبيل المثال‬

‫كت���اب‪" :‬إحص���اء العل���وم"‪ ،‬حي���ث قام بتقس���يم عل���م األلفاظ‬ ‫إل���ى علم األلفاظ البس���يطة ووضع قوانين له���ا‪ ،‬وعلم األلفاظ‬

‫المركبة‪ ،‬وعلم الكتابة‪ ،‬وعلم تصحيح القراءة‪.‬‬

‫أكثر تناس��� ًقا وتجانس���ا مع الفكر البش���ري‪ ،‬ألن اللغة المتداولة المصطلح القرآني‬ ‫ً‬ ‫ف���ي الق���رآن الكريم ه���ي اللغة نفس���ها التي ُولد بها اإلنس���ان‪،‬‬

‫ونجده يجعل اإلنسان يتأقلم بسهولة مع المصطلحات العلمية‬ ‫المتداولة‪.‬‬

‫حركة الترجمة وقضية المصطلح‬

‫يقدم لنا المصطلح القرآني جملة من المعارف المتراكمة التي‬ ‫تدل على مدى الدقة في استخدام اللفظ‪ ،‬ويضع لهذه األلفاظ‬

‫فكريا يتعدى مجال تخصص اللفظ في‬ ‫اتجاها‬ ‫بنيات لتصب���ح‬ ‫ً‬ ‫ًّ‬ ‫الزمان والمكان‪.‬‬

‫عندما نش���طت الحركة الفكرية أثناء المس���يرة اإلسالمية‪ ،‬أدى في ميدان الفيزياء‬ ‫ذل���ك إلى ظه���ور حركة الترجمة أيام المنص���ور (‪775‬م)‪ .‬ولم‬

‫تمض س���تون س���نة (‪835‬م) حتى كان المأمون قد أنهى س���ائر‬ ‫ِ‬ ‫الترتيب���ات لبناء دار الحكم���ة‪ ،‬فحدثت طفرة علمية لم يعهدها‬

‫كثير من نفائس الكتب العلمية‪.‬‬ ‫التاريخ من قبل‪ ،‬حيث ُترجمت ٌ‬ ‫وهن���ا البد م���ن التذكير بأن "صقلي���ة" ب�"إيطاليا"‪ ،‬و"قرطبة"‬

‫و"غرناط���ة" ب�"األندلس"‪ ،‬كانت بمثابة ملتقى طرق الدارس���ين‬ ‫الذين يريدون تعلم العلوم اإلسالمية المتطورة في شتى فروع‬

‫أساس���يا ف���ي ظهور اللغ���ة العربية‬ ‫دورا‬ ‫المعرف���ة‪ ،‬حي���ث لعبت���ا ً‬ ‫ًّ‬

‫‪ -1‬الفت ت ت تتق‪ :‬يعتبر أحد أهم المصطلح���ات العلمية في العصر‬ ‫الحديث‪ ،‬التي ُتس���تعمل في مدارس التفكير التطبيقي في علم‬ ‫حاليا حول وضعي���ة الكون األصلية‬ ‫الفل���ك‪ ،‬إذ ي���دور النقاش ًّ‬ ‫دوم���ا على صورته‬ ‫وديناميت���ه‪ .‬فهن���اك من ق���ال بأن الكون كان ً‬

‫الحالية (فكرة ثبات الكون)‪ ،‬أما بعض علماء "الفيزياء الفلكية"‬

‫(‪ )Astrophysique‬الحديث���ة‪ ،‬فق���د ذك���روا أن الك���ون كان في يوم‬

‫م���ن األيام نقطة مادية وحيدة ذات كثاف���ة كبيرة ودرجة حرارة‬

‫عالي���ة‪ ،‬وفي لحظة م���ن اللحظات انفجر الك���ون فأطلقوا عليه‬

‫اسم "االنفجار العظيم" (‪.)Big Bang‬‬

‫كوس���يلة التخاط���ب ف���ي البل���دان األوروبية وحتى ف���ي البالط‬ ‫"البابوي"‪ ،‬ألنها لغة ِم ْط َواعة‪.‬‬ ‫ولما وصل المس���لمون إلى ما وصلوا إليه من تقدم ورفعة‬

‫له داللة واضحة المعالم‪ .‬والس���بب ف���ي ذلك يرجع للوضعية‬

‫والتفكير العلمي‪ ،‬كانت لغة القرآن هي لغة التخاطب والتفكير‬

‫عن الظاهرة الكونية بأنها تم ّثل حادثة انفجار وقعت في الكون‬

‫في الهندس���ة والطب‪ ،‬والرياضيات وعلم الفلك‪ ،‬والموسيقى‬

‫أما القرآن الكريم‪ ،‬فيس���تخدم لفظ���ة "الفتق" وهو مصطلح‬

‫يعبر اإلنسان‬ ‫التي تلي المصطلح "الحدث"؛ ففي الوقت الذي ّ‬

‫‪29‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫حس���ب تعبير علم���اء الفيزياء الفلكية‪-‬‬‫يعبر عنها بمصطلح‬ ‫نجد القرآن الكريم ّ‬ ‫المصطلحين‪،‬‬ ‫"الفت���ق"‪ ،‬وإذا قارن���ا بي���ن‬ ‫َ‬ ‫ف���إن الف���رق بينهم���ا يكم���ن ف���ي أن‬ ‫المصطلح األول (المصطلح اإلنس���اني)‬ ‫يعب���ر ع���ن االنفج���ار‪ ،‬وه���ذا معن���اه أن‬ ‫ّ‬ ‫النتيجة ستكون الدمار والخراب‪.‬‬ ‫أما المصطلح الثاني وهو المصطلح‬ ‫يعب���ر عن حادثة‬ ‫القرآن���ي "الفت���ق"‪ ،‬فإنه ّ‬ ‫س���تظهر عل���ى إثره���ا الحي���اة والوجود‪،‬‬ ‫تماما حقيقة ما حدث عقب‬ ‫وهذا يوافق ً‬ ‫االنفتاق ‪-‬أي بعد بداية الكون مباشرة‪-‬‬ ‫كم���ا نصت عليه اآلية الكريم���ة‪َ ﴿ :‬أ َو َل ْم‬ ‫او ِ‬ ‫ات َوا َ‬ ‫َ‬ ‫ض‬ ‫أل ْر َ‬ ‫َي َر ا َّل ِذ َ‬ ‫الس َم َ‬ ‫ين َك َف ُروا أ َّن َّ‬ ‫اه َما﴾(األنبياء‪.)30:‬‬ ‫َكا َن َتا َر ْت ًقا َف َف َت ْق َن ُ‬

‫القراآن الكرمي‬ ‫يحدد املفاهي��م‪ ،‬ويجعل املادة‬ ‫وجتان�سا‬ ‫املعاجلة اأك��ر تنا�سقً��ا‬ ‫ً‬ ‫م��ع الفكر الب���رشي‪ ،‬الأن اللغة‬ ‫املتداول��ة يف الق��راآن الك��رمي‬ ‫ه��ي اللغة نف�سها الت��ي ُولد بها‬ ‫االإن�سان‪ ،‬وجنده يجعل االإن�سان‬ ‫يتاأقلم ب�سهولة مع امل�سطلحات‬ ‫العلمية املتداولة‪.‬‬

‫‪ -2‬الرتق‪ :‬وهي اللفظ���ة العلمية التي تدل على االجتماع‬

‫وااللتحام بدل مصطلح "النقطة المادية" التي يستعملها علماء‬ ‫الفيزياء‪.‬‬ ‫‪ -3‬الطي‪ :‬لقد حقق علماء الفيزياء الكونية في الس���نوات‬

‫العشر األخيرة‪ ،‬قفزة نوعية في موضوع دراسة وجود المجال‬ ‫الزمن���ي للك���ون الذي نعيش���ه‪ ،‬وقد أثار هذا‪ ،‬اهتم���ام الباحثين‬ ‫رغم تنوع مشاربهم الفكرية والمجتمعية‪.‬‬ ‫فف���ي الوقت الذي يطل���ق فيه علماء الفيزي���اء الكونية على‬ ‫وضعي���ة الكون في نهاية حيات���ه مصطلح "االنكماش األعظم"‬ ‫(‪ ،)Big Crunch‬ف���إن الق���رآن الكريم يس���تخدم مصطلح "الطي"‬

‫���ي‬ ‫���وي الس���ماء كط‬ ‫���و َم َن ْط ِ‬ ‫مصدا ًق���ا لق���ول رب العالمي���ن‪َ :‬‬ ‫﴿ي ْ‬ ‫َّ َ َ َ َ ِّ‬ ‫ِ‬ ‫الس ِ‬ ‫���دا َع َل ْي َنا ِإ َّنا ُك َّنا‬ ‫���ج ِّل ِل ْل ُك ُت ِ‬ ‫يد ُه َو ْع ً‬ ‫���ب َك َما َب َد ْأ َنا َأ َّو َل َخ ْلقٍ ُن ِع ُ‬ ‫ّ‬ ‫َف ِ‬ ‫ين﴾(األنبياء‪.)104:‬‬ ‫اع ِل َ‬ ‫مصطلحا يقابل‬ ‫‪ -4‬التكوير‪ :‬في الوقت الذي ال نجد فيه‬ ‫ً‬

‫يعبر ع���ن وضعية‬ ‫نهاي���ة عم���ر الش���مس‪ ،‬فإن الق���رآن الكري���م ّ‬ ‫الش���مس ف���ي مرحلتها النهائي���ة‪ ،‬بلغة بس���يطة التركي���ب‪ ،‬قوية‬ ‫س‬ ‫الداللة‪ ،‬سهلة الفهم‪ ،‬حيث يقول تبارك وتعالى‪ِ ﴿ :‬إ َذا َّ‬ ‫الش ْم ُ‬ ‫ُك ِّو َر ْت﴾(التكوير‪.)1:‬‬

‫‪ -5‬م ت ت تترج‪ :‬إذا كان علم���اء الفيزياء يس���تخدمون مصطلح‬

‫"االخت���الط" في فيزياء الس���وائل للداللة على اتحاد س���ائلين‪،‬‬ ‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪30‬‬

‫مصطلحا‬ ‫فإن الق���رآن الكريم يس���تخدم‬ ‫ً‬ ‫علمي���ا بس���يط التركي���ب ه���و مصطل���ح‬ ‫ًّ‬ ‫���رج"‪ ،‬مصدا ًق���ا لق���ول رب العالمين‪:‬‬ ‫َ‬ ‫"م َ‬

‫���ن َي ْل َت ِقي ِ‬ ‫ان  َب ْي َن ُه َما َب ْر َز ٌخ‬ ‫﴿م َر َج ا ْل َب ْح َر ْي ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ال َي ْبغ َيان﴾(الرحم���ن‪ ،)20-19:‬ألن البحرين‬ ‫َ‬ ‫ال يطغ���ى أحدهما عل���ى اآلخر ويذهب‬ ‫عذب���ا‬ ‫بخصائص���ه‪ ،‬ب���ل يبق���ى الع���ذب ً‬ ‫ملحا بالرغم من تالقيهما‪.‬‬ ‫والملح ً‬ ‫‪ -6‬الف ت ت تتروج الكوني ت ت تتة‪ :‬عل���ى الرغم‬ ‫م���ن الجهود المبذولة م���ن طرف علماء‬ ‫الفيزي���اء الفلكي���ة لمعرف���ة م���ا ي���دور في‬ ‫العال���م الكون���ي‪ ،‬فإن العقل البش���ري ما‬ ‫ي���زال يدرس ظواهر فلكية عديدة‪ ،‬نذكر‬ ‫أخي���را ب�"الثقب‬ ‫اصطلح علي���ه‬ ‫منه���ا م���ا ُ‬ ‫ً‬ ‫األس���ود" حسب التعبير اإلنس���اني‪ .‬ومن أجل استيعاب ذلك‪،‬‬ ‫ومعرف���ة المصطلح داخل اإلط���ار العلمي العقالني الصحيح‪،‬‬ ‫كان الب���د م���ن ق���راءة المصطل���ح م���ن المنظوري���ن اإلنس���اني‬ ‫والقرآني‪.‬‬ ‫فحس���ب علماء الفيزي���اء‪ ،‬نذكر منهم الباح���ث اإلنجليزي‬ ‫"‪ "Richard Whait‬ال���ذي توص���ل ف���ي س���نة ‪1989‬م إل���ى فك���رة‬ ‫مفادها‪ ،‬أن الثقب األسود يأتي نتيجة فقدان الكتلة‪ ،‬وأن هناك‬ ‫نجوم���ا منهارة بالغة الكثافة تق���وم بابتالع ما يقترب منها‪ .‬وإن‬ ‫ً‬ ‫كن���ا ال نش���اطره ال���رأي‪ ،‬فإن هذا االعتقاد ب���دأ يتبدد في اآلونة‬ ‫علميا أن األجس���ام التي‬ ‫األخي���رة (‪1998-1997‬م)‪ ،‬إذ ثب���ت‬ ‫ًّ‬ ‫تقت���رب م���ن الثقب األس���ود ال تنفلت منه ولو كانت س���رعتها‬ ‫تساوي سرعة الضوء ‪ 300000‬كم‪/‬ث‪.‬‬ ‫معنى ذلك أن قوة الجاذبية عند حافة الفروج الكونية تكون‬ ‫ج���دا‪ ،‬مما س���يولد للجس���م الذي جذبه الثقب األس���ود‬ ‫كبي���رة ًّ‬ ‫س���رعة تف���وق بكثير س���رعة الضوء‪ .‬فهو من جه���ة ُيبتلع كيفما‬ ‫كانت س���رعته‪ ،‬ومن جهة أخرى فإن الجس���م ُيبتلع ‪-‬وهذا أمر‬ ‫كبر حجمه‪.‬‬ ‫مهم‪ -‬مهما ُ‬ ‫األم���ر ال���ذي ال يعك���س فكرة نجم ما تح���ول بعد انقضاء‬ ‫يدعيه بعض علماء الفيزياء‬ ‫حياته إلى ثقب أس���ود ‪-‬حس���ب ما ّ‬ ‫جس���ما يكبره‬ ‫صغيرا ال يمكن أن يبتلع‬ ‫جس���ما‬ ‫الكوني���ة‪ -‬ألن‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫آالف المرات‪.‬‬


‫تبني المصطلح القرآني "الفروج"‪،‬‬ ‫لذلك نرى من األنسب ّ‬ ‫أي األب���واب الكوني���ة أو المنطق���ة الت���ي تفص���ل بي���ن فضائين‬ ‫مختلف���ي التكوين‪ ،‬كم���ا ينص على ذلك كتابن���ا العزيز‪ ،‬حيث‬ ‫َ‬ ‫اها‬ ‫الس َما ِء َف ْو َق ُه ْم َك ْي َ‬ ‫ف َب َن ْي َن َ‬ ‫يقول رب العزة‪﴿ :‬أ َف َل ْم َي ْن ُظ ُروا ِإ َلى َّ‬ ‫وج﴾(ق‪.)6:‬‬ ‫اها َو َما َل َها ِم ْن ُف ُر ٍ‬ ‫َو َز َّي َّن َ‬ ‫أم���ا امتص���اص النج���م ع���ن طريق "الثق���ب األس���ود"‪ ،‬فإن‬ ‫عبر عنه بالمصطل���ح "هوى" مصدا ًقا لقوله‬ ‫الق���رآن الكريم قد ّ‬ ‫الن ْج ِم ِإ َذا َه َوى﴾(النجم‪ ،)1:‬معنى ذلك أن النجم ينطفئ‬ ‫﴿و َّ‬ ‫‪َ :‬‬ ‫خاضعا للقوى الخارجية‪.‬‬ ‫نوره‪ ،‬ويصبح بالتالي‬ ‫ً‬

‫في ميدان الرياضيات‬

‫كثيرا‬ ‫‪ –1‬اآلفاق‪ :‬إذا تتبعنا أنش���طة اإلنس���ان العملية‪ ،‬نجد أن ً‬ ‫م���ن المفاهي���م التي بناها ف���ي العقود الماضية‪ ،‬ق���د ُأعيد النظر‬ ‫فيها أو التفكير فيها‪ .‬ومن بين القضايا التي نريد وضعها تحت‬ ‫المجه���ر ‪-‬على س���بيل المثال‪ -‬م���ا ُيصطلح علي���ه ب�"الالنهاية"‬ ‫(‪ ،)Infini‬الذي يعتمد عليه علماء الرياضيات في أغلب األحيان‬ ‫حينما يريدون دراس���ة قضايا مثل؛ معرفة نهاية سلس���لة حينما‬ ‫يأخذ المتحول فيها قيمة كبيرة‪ .‬أو متوالية رياضية‪ ،‬أو دالة‪ ،‬أو‬ ‫ما ش���ابه ذل���ك حينما يؤول المتغير فيها إل���ى قيمة تجعل قيمة‬ ‫جدا‪.‬‬ ‫المتوالية أو الدالة كبيرة ًّ‬ ‫أما القرآن الكريم‪ ،‬فإنه ينقلنا من عالم التفكير الفلسفي إلى‬ ‫مجال التطبيق العملي‪ ،‬كما أنه يربي عقلنا على التفكير العلمي‪،‬‬ ‫ويدفعن���ا الس���تعمال المصطل���ح المناس���ب والقاب���ل للتطبيق‪.‬‬ ‫ف���ي ه���ذا المج���ال نس���تخدم مصطل���ح "اآلف���اق"‪ ،‬ويكون‬ ‫مفتوحا م���ن الجهة اليمن���ى كما يقول‬ ‫المج���ال الزمن���ي وقتئ���ذ‬ ‫ً‬ ‫آه بِا ُ‬ ‫ِين﴾(التكوي���ر‪ .)23:‬ويعمم ذلك‬ ‫أل ُفقِ ا ْل ُمب ِ‬ ‫﴿و َل َق ْ‬ ‫���د َر ُ‬ ‫س���بحانه‪َ :‬‬ ‫���ن ِريهِ ْم َآيا ِت َنا ِفي اآل َف ِ‬ ‫اق َو ِفي َأ ْن ُف ِسهِ ْم َح َّتى َي َت َب َّي َن‬ ‫﴿س ُ‬ ‫بقوله ‪َ :‬‬ ‫َل ُه ْم َأ َّن ُه ا ْل َح ُّق﴾(فصلت‪.)53:‬‬ ‫وعلى س���بيل المثال؛ إذا أخذن���ا مجموعة األعداد الطبيعية‬ ‫(‪ ،)...5 ,4 ,3 ,2 ,1 ,0‬فإن���ه ال يوج���د ع���دد طبيع���ي يمكنن���ا‬ ‫اعتب���اره أكبر عدد ممكن في مجموعة األعداد المذكورة‪ ،‬كما‬ ‫أن���ه ال يوجد ع���دد ُينهي مجموعة األع���داد الطبيعية المذكورة‬ ‫غالبا نصطل���ح عليه بالع���دد الالنهائ���ي‪ -‬فيمكننا القول‬‫آن ًف���ا‬ ‫ً‬ ‫عندئ���ذ؛ إن أف���ق مجموعة األع���داد غير موج���ود‪ ،‬أو نقول إن‬ ‫مجموعة األعداد الطبيعية تمتد إلى األفق‪.‬‬ ‫‪ -2‬المكممتان "أين ما‪-‬أينما" الوجودية‪ :‬يمكن قراءة ذلك‬

‫ف���ي القرآن الكريم واس���تخدامه كمكممتين رياضيتين مصدا ًقا‬ ‫هلل َو ِ‬ ‫لقول رب العالمين‪َ ﴿ :‬ف َأ ْي َنما ُتولُّوا َف َثم َو ْج ُه ا ِ‬ ‫���ع‬ ‫هلل إ َِّن ا َ‬ ‫اس ٌ‬ ‫َ َ‬ ‫َّ‬ ‫ِ‬ ‫يم﴾(البقرة‪ .)115:‬و"أينما" اس���م ش���رط جازم في محل نصب‬ ‫َعل ٌ‬ ‫ظرف مكان متعلق بما بعده‪ .‬ومعنى ذلك من الناحية الرياضية‬ ‫ويعبر‬ ‫أنه مهما تكن وجهة اإلنس���ان الزمكانية فإنه س���يجد اهلل‪ّ .‬‬ ‫القرآن الكريم عن ذلك وفق العالقة الممثلة في س���ورة البقرة‬ ‫تحل مكان "مهما يكن"‪ ،‬وكذلك لفظة " َث َّم"‬ ‫آية ‪" :115‬أينما" ّ‬ ‫تحل مكان "يوجد"‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫‪ -3‬مجموعة المستقر‪ :‬عندما نستعمل التعبير اإلنساني في‬ ‫لغة الرياضيات‪ ،‬فإن المصطلح يجب أن يكون ش���فاف الطرح‬ ‫وي���ؤدي المعن���ى‪ .‬لذلك نأخ���ذ مصطلح "مجموع���ة الوصول"‬ ‫ونبدله بالمصطلح القرآني الممثل بمجموعة المستقر مصدا ًقا‬ ‫لقول رب العالمين‪ِ ﴿ :‬ل ُك ِّل َن َب ٍإ ُم ْس َت َق ٌّر﴾(األنعام‪.)67:‬‬ ‫‪ -4‬يس ت ت تتتوي‪ :‬نعل���م أن مصطل���ح التس���اوي ال يمك���ن‬ ‫اس���تخدامه ف���ي ش���تى المج���االت‪ ،‬لذل���ك كان م���ن األنس���ب‬ ‫اس���تعمال المصطل���ح القرآني ال���ذي يعكس النظ���رة الحقيقية‬ ‫العلمي���ة للمصطل���ح‪ ،‬ويتعل���ق األم���ر بمصطل���ح "يس���توي"‬ ‫اب‬ ‫مصدا ًق���ا لقوله تعالى‪َ ﴿ :‬‬ ‫اب َّ‬ ‫الن���ارِ َو َأ ْص َح ُ‬ ‫ال َي ْس َ���ت ِوي َأ ْص َح ُ‬ ‫ا ْل َج َّن ِة﴾(الحشر‪.)20:‬‬ ‫‪ -5‬االنتماء‪ :‬يمكن اس���تخدام حرف الج���ر "من" للداللة‬ ‫���ال َل ٍة ِم ْن‬ ‫﴿و َل َق ْد َخ َل ْق َنا ا ِ‬ ‫���ان ِم ْن ُس َ‬ ‫إل ْن َس َ‬ ‫عل���ى االنتم���اء الكل���ي‪َ :‬‬ ‫ين﴾(المؤمنون‪.)12:‬‬ ‫ِط ٍ‬

‫‪ -6‬االختي ت ت تتار‪ :‬وهو المصطلح "أو" الذي يدل على حرف‬ ‫���م ِم ْن َب ْع ِد َذ ِل َك‬ ‫عط���ف للتخيير أو للتنويع‪ُ ﴿ :‬ث َّم َق َس ْ‬ ‫���ت ُق ُل ُ‬ ‫وب ُك ْ‬ ‫ِ‬ ‫ار ِة َأ ْو َأ َش ُّد َق ْس َو ًة﴾(البقرة‪.)74:‬‬ ‫َفهِ َي َكا ْلح َج َ‬ ‫المعبر عنه ف���ي الرياضيات بمصطلح‬ ‫‪ -7‬العط ت ت تتف‪ :‬وه���و‬ ‫ّ‬ ‫لبس���ا ف���ي المعنى‪ ،‬لذلك‬ ‫"التقاط���ع"‪ ،‬وه���ذا التعبير قد ُيحدث ً‬ ‫نصطل���ح علي���ه في تعبيرنا الرياضي بالعط���ف بالواو "و"‪ُ ﴿ :‬ق ْل‬ ‫الص َم ُد  َل ْم َي ِل ْد َو َل ْم ُيو َل ْد﴾(اإلخالص‪.)3-1:‬‬ ‫ُه َو ا ُ‬ ‫هلل َأ َح ٌد  ا ُ‬ ‫هلل َّ‬ ‫ه���ذا ويمك���ن للباحثين اس���تخراج كثير م���ن المصطلحات‬ ‫تمكنهم من إثب���ات أصالة القرآن‬ ‫المرتبط���ة بقضاي���ا إعجازية‪ّ ،‬‬ ‫الكريم وسنة نبيه المصطفى  وإعجازهما الخالد في الزمان‬ ‫والمكان‪.‬‬ ‫(*) كلية العلوم‪ ،‬جامعة محمد الخامس ‪ -‬الرباط ‪ /‬المغرب‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫علوم‬

‫محمد هاشم البشير*‬

‫أطول مطاردة القتناص جسيم‬ ‫في تاريخ الفيزياء‬

‫اكتش���ف الفيزيائي���ون حتى اآلن ‪ 12‬لبنة من لبنات بن���اء المادة‪ ،‬واآلن بعد‬ ‫عام���ا م���ن البحث ربما توصلوا إلى اكتش���اف اللبن���ة التي أفلتت منهم‬ ‫‪ً 50‬‬ ‫طيلة هذه الس���نوات أو ما يس���مى "بوزون هيغز" في ختام العام ‪2011‬م‪.‬‬ ‫فقد تناقلت الصحف خبر اكتش���اف جس���يم بعد معلومات جمعت من تجربتين‪ ،‬أدت إلى‬ ‫اكتشاف البوزون الجديد الذي صدمتني فيه تسميته ب�"الجسيم الرب"!‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪32‬‬


‫من هنا بدأت القصة‬

‫تبدأ قصة "جس���يم هيغز" منذ العام ‪ ،1964‬حيث اس���تحوذت‬ ‫فكرة الجسيم المفقود على عقل الشاب "بيتر هيغز" خرج منها‬ ‫بحيل���ة رياضية بس���يطة وبالغة األهمية في نف���س الوقت‪ .‬ومن‬ ‫دون حيلة "هيغز" كانت المعادالت في فيزياء الجسيمات مملة‬

‫حصرا من دون كتلة‪.‬‬ ‫عامرا بالجس���يمات‬ ‫ورتيب���ة‪ ،‬تصف كو ًنا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ولكن من دون كتلة ال تنشأ نجوم وال كواكب‪ ،‬وال وجود للبشر‬

‫ف���ي عالم كهذا‪ .‬وبحيلة "هيغز" توفرت للعلماء أداة يصلحون‬ ‫به���ا معادالتهم‪ ،‬وبها تمكنوا من صياغ���ة "النموذج المعياري"‬ ‫للمادة‪ ،‬الذي يمثل النظرة الش���املة لفيزياء اليوم‪ .‬وكل ما على‬

‫العلماء أن يفعلوه‪ ،‬هو أن يثبتوا وجود جس���يم "هيغز"‪ ،‬فأنفقوا‬ ‫أكث���ر من ‪ 3‬مليارات يورو للبحث عن جس���يم‪ .‬البد أن يكون‬ ‫ف���ي هذا الجس���يم ما يس���تحق عناء البحث عن���ه واإلنفاق عليه‬

‫كثيرا من العلماء يرون أن نصف النتائج "مطبوخة"‪.‬‬ ‫برغ���م أن ً‬

‫محاوالت جسر الهوة بين العملي والنظري‬

‫تذهب النظرية إلى أن جسيمات "هيغز" ُتصنع كل دقيقة‪ ،‬ولكن‬ ‫الغالبي���ة الس���احقة منه���ا ُتف َقد ب���ال رجعة في وابل الجس���يمات‬

‫المتصادم���ة‪ .‬وال يتحلل إال واحد من كل ألف جس���يم "هيغز"‬ ‫إلى "أش���عة غام���ا" ذات طاقة عالية‪ ،‬ويأم���ل العلماء بأن تكون‬ ‫هذه هي اللحظات النادرة التي يرصدون فيها وجود الجسيم‪.‬‬

‫ولك���ن عدد مث���ل هذه المناس���بات التي م���رت عليهم‪ ،‬صغير‪،‬‬ ‫بحي���ث ال يقتن���ع الفيزيائي���ون بأنه���م عل���ى ص���واب‪ .‬ولكنه���م‬ ‫م���ع ذلك متش���جعون بحقيق���ة أن التجربتين الرئيس���تين اللتين‬

‫أجراهم���ا العلم���اء ف���ي مختب���ر المنظم���ة األوروبي���ة لألبحاث‬

‫ف���ي ع���ام أو عامين‪ .‬عكف عل���ى تحقيق هذه المهم���ة الجبارة‬ ‫ما يزيد على العش���رة آالف عالم من مختلف االختصاصات‪،‬‬

‫وبميزاني���ة كلية وصلت إلى ‪ 6‬ملي���ارات يورو‪ ،‬وضعت تحت‬ ‫تصرفه���م من أج���ل إطالق تخصص علمي ما يزال في المهد‪،‬‬ ‫هو فيزياء الجسيمات الالمتناهية في الصغر‪.‬‬

‫حي���ث تعتب���ر فيزي���اء الجزئي���ات بمثاب���ة س���باق المائ���ة متر‬

‫بالنس���بة للعلم‪ ،‬فهي تجذب األضواء وتس���تقطب االهتمامات‬ ‫والمنافسة الشديدة‪ ،‬لكن تقدمها بطيء على صعيد اإلنجازات‬ ‫والتطبيق���ات العملي���ة‪ .‬وهي تق���وم على فيزي���اء النصف األول‬

‫م���ن القرن العش���رين‪ ،‬التي طرح���ت من األس���ئلة النظرية أكثر‬ ‫مختبريا‪،‬‬ ‫مم���ا قدمت من اإلجاب���ات الناجعة والمقنعة والمثبتة‬ ‫ًّ‬ ‫حتى أن هناك هوة عميقة صارت تفصل بين الحقلين النظري‬

‫والمخب���ري ال يمك���ن جس���رها‪ .‬فل���م يتمك���ن العلم���اء س���وى‬

‫التع���رف على ‪ %5‬فقط من المادة في الكون‪ ،‬والبد من العثور‬ ‫على المفتاح السحري المتمثل ب�"بوزونات هيغز" وإال سينهار‬

‫الص���رح العلمي للفيزياء المعاص���رة‪ ...‬فقبل اقتحام المجهول‬ ‫للبح���ث ع���ن النس���بة المجهولة للمك���ون الكون���ي وهي ‪%95‬‬ ‫ال الس���يطرة التام���ة والكامل���ة على الخمس���ة‬ ‫تقريب���ا‪ ،‬ينبغ���ي أو ً‬ ‫ً‬

‫حاليا وشرحها وتفسيرها‪ًّ ...‬أيا كان‪ ،‬تمكن‬ ‫بالمائة المتكش���فة ًّ‬ ‫العلم���اء من رص���د "بوزن" يعادل نح���و ‪ 125‬ذرة هيدروجين‪.‬‬

‫ومن الجهة األخرى‪ ،‬لم يكن هناك دليل ملموس على اكتشاف‬ ‫جدا‪،‬‬ ‫الجسيم‪ ،‬بل مؤشرات إلى وجوده‪ ،‬لكنها مؤشرات شيقة ًّ‬

‫كم���ا دأب مدي���ر المنظمة األوروبية لألبح���اث النووية "رولف‬ ‫هوير" على القول المرة تلو األخرى‪.‬‬

‫النووية‪ ،‬س���جلتا إش���ارات متماثلة‪ .‬ويتفق فريقا العلماء اللذان إشكالية معرفة أم إشكالية منهج؟‬ ‫أجريا التجربتين المنفصلتين‪ ،‬على أن المس���ألة يجب أن ُتحل‬

‫قلي���ال من العل���م يؤدي‬ ‫كم���ا ق���ال الش���يخ "الش���عراوي" ف����"إن‬ ‫ً‬

‫‪33‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫قليال من‬ ‫كثي���را من العلم ي���ؤدي إلى اإليم���ان‪،‬‬ ‫إل���ى اإللح���اد‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫كثيرا من الفلس���فة ي���ؤدي إلى‬ ‫الفلس���فة ي���ؤدي إل���ى اإللح���اد‪ً ،‬‬ ‫���ه ْد ُت ُه ْم‬ ‫﴿ما َأ ْش َ‬ ‫اإليم���ان"‪ ،‬من ه���ذا المنطلق فإن اهلل  يقول‪َ :‬‬ ‫او ِ‬ ‫ات َوا َ‬ ‫ال َخ ْل َق َأ ْن ُف ِس���هِ ْم َو َما ُك ْن ُت ُم َّت ِخ َذ‬ ‫ض َو َ‬ ‫أل ْر ِ‬ ‫���م َ‬ ‫الس َ‬ ‫َخ ْل َق َّ‬ ‫ي���ن َع ُض ًدا﴾(الكهف‪ .)51:‬فعملية الخل���ق بأبعادها الثالثة؛‬ ‫ا ْل ُم ِض ِّل َ‬ ‫خلق الكون‪ ،‬وخلق الحياة‪ ،‬وخلق اإلنس���ان‪ ،‬هي عملية غيبية‬ ‫منفردا إل���ى تصور‬ ‫ال يمك���ن لإلنس���ان أن يص���ل فيه���ا بجه���ده‬ ‫ً‬ ‫صحي���ح‪ .‬والخل���ق ه���ي عملية غيبي���ة‪ ،‬وهدى ما أخب���ر به ربنا‬ ‫جدا‪.‬‬ ‫ ف���ي القرآن العظي���م‪ ،‬واآليات في هذا الص���دد كثيرة ًّ‬ ‫وكل تصور يخلو من وحي الس���ماء فه���و تصور قاصر وباطل‬ ‫وغي���ر كام���ل‪ .‬وقضي���ة الخلق هي قضي���ة يحتار فيها اإلنس���ان‪،‬‬ ‫ويحت���اج فيه���ا إلى هداية ربانية حتى يصل إلى تصور صحيح‪.‬‬ ‫وقضية خلق الكون وخلق الحياة وخلق اإلنسان‪ ،‬هي من أكثر‬ ‫القضاي���ا الت���ي أرهقت العلماء‪ ،‬لذلك فاإلنس���ان إذا انطلق في‬ ‫ال‬ ‫البح���ث في هذه القضية ب���دون هداية ربانية‪ ،‬فقد يضل ضال ً‬ ‫بعيدا‪.‬‬ ‫ً‬ ‫إن اإلش���كالية ف���ي البح���ث ع���ن جس���يم "هيغ���ز" ليس���ت‬ ‫إش���اكلية معرفة بقدر ما هي إش���كالية منهج‪ .‬فس���ؤال "كيف"‪،‬‬ ‫ف‬ ‫ال يطاب���ق س���ؤال س���يدنا إبراهي���م  لربه ‪َ ﴿ :‬أرِ ِن���ي َك ْي َ‬ ‫ُت ْحيِ���ي ا ْل َم ْو َتى﴾(البقرة‪ )260:‬بقدر ما هو محاولة لمعرفة الخلق‪،‬‬ ‫وهذا نبأ به "س���تيفن هوكنج" عندما قال ب�"أن الكون ال يحتاج‬ ‫إل���ى خالق‪ ،‬فس���ؤال ال�"كيف" هنا هو س���ؤال ف���ي المنهج‪ ،‬أي‬ ‫���مها‬ ‫منهج البحث عن بدء الخلق‪ ،‬أي ما الخطوات التي ّ‬ ‫نترس ُ‬ ‫لنصل إلى هذه الحقيقة؟"‪ .‬ولكن كيف لنا أن نتحقق من صحة‬ ‫ال أداة موثوقة لتقرير أس���س المعرفة‬ ‫المنه���ج وكفاءته‪ ،‬وأنه فع ً‬ ‫اليقيني���ة‪ ،‬وق���د يس���تتبع ه���ذا بأس���ئلة ع���ن دور العق���ل وطبيعته‬ ‫وإمكانيات���ه في االش���تغال عل���ى هذه المح���اور‪ ،‬أو عن حدود‬ ‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪34‬‬

‫تفد إلى العقل من الحس‬ ‫المطلق والنسبي في المعطيات التي ُ‬

‫الخارجي‪ ،‬أو من باطنه كمعطيات فطرية أولية على قول وهو‬ ‫القول الحق‪ .‬وهذا يعني وجود مطلقيات وثوابت مغروزة في‬ ‫جدا‪ ،‬وأن إطالق النسبية هو بذاته‬ ‫الفكر‪ ،‬وأنها محددة وقليلة ًّ‬

‫أيضا أن المطلق جزء من تكوين العقل‬ ‫زعم مطلق‪ ،‬مما يعني ً‬ ‫البشري حتى وإن كابر‪.‬‬

‫الخطورة واالنحراف‬

‫الخط���ورة الماثلة اآلن هو أننا أصبحنا نتخذ "المنهج العملي"‬

‫كقائد "معصوم" للعقل البشري‪ ،‬ولكن وبما أن المنهج العملي‬ ‫معن���ي بالم���ادة والماث���ل والمحس���وس؛ فه���و إذن مقصور في‬

‫إثباتات���ه عل���ى ذلك‪ ،‬وال يصح أن يتجاوز هذا اإلطار المحدد‪،‬‬ ‫ألنه يعتمد على أدوات بحثية‪ ،‬لها طبيعة معينة تفقد مصداقيتها‬

‫الح���ظ هنا أن‬ ‫العلمي���ة أو جدواه���ا إن ج���اوزت ه���ذا اإلطار‪.‬‬ ‫ْ‬ ‫يقرر اإلط���ار‪ ،‬وهذا التحديد قبل���ي‪ ،‬يعني ليس‬ ‫الفك���ر ه���و من ُ‬

‫ومجرد تصورنا لذلك س���يجعلنا‬ ‫من منتجات المنهج العلمي‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫بديهي���ا‪ -‬مدركين بأن المنه���ج العلمي ال يعدو أن يكون آلية‬‫ًّ‬ ‫معرفة في نطاق معين هو "المادة"‪ ،‬وال يملك مقومات المحدد‬

‫النهائ���ي للحقائ���ق جملة‪ ،‬أي أنن���ا يمكن أن نكتش���ف "بوزون‬ ‫هيغ���ز" ونثبت وج���وده‪ ،‬ولكن لن يعطين���ا الحقيقة الكاملة عن‬

‫الخل���ق‪ .‬لذل���ك؛ المنه���ج العلم���ي‪ ،‬أح���د أدوات العقل وليس‬ ‫تأم���ل‪ ...‬هل يس���تطيع‬ ‫وحي���دا للمعرف���ة أو الحقيق���ة‪،‬‬ ‫مص���درا‬ ‫ْ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ش���يئا في مباحث القي���م؟ وأظن أنك‬ ‫المنه���ج العلم���ي أن يقرر ً‬

‫تدري ما أهمية القيم في حياة اإلنسان بما هو إنسان‪ ،‬وكل هذا‬ ‫دون أن نشكك في صدقية المنهج العلمي؟‬

‫(*) رئيس جمعية الفيزياء بجامعة وادي النيل ‪ /‬السودان‪.‬‬


‫ثقافة وفن‬

‫د‪ .‬مريم آيت أحمد*‬

‫مستويات الحوار الحضاري مع اآلخر‬ ‫الح���وار مب���دأ راق ال ي���كاد يرفض���ه عقل س���ليم‪ ،‬وه���و خطوة أولى نح���و التعرف‬ ‫على الذات وإزالة س���وء الفهم داخل الدائرة الواحدة (الذين يش���تركون في ثقافة‬ ‫وحض���ارة واح���دة)‪ ،‬وه���و المدخل "اإلنس���اني" لالقت���راب من الدوائ���ر الخارجية‬

‫ومقنعا‪ ،‬ال يت���م ‪-‬عادة‪ -‬في‬ ‫ومؤث���را‬ ‫مثمرا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫(خ���ارج الحض���ارة الواح���دة)‪ ...‬وحت���ى يكون الح���وار ً‬

‫يق���در كل منهم اآلخر‪ ،‬تكون‬ ‫ظ���روف غير طبيعية‪ .‬وكأي نش���اط إنس���اني إذا ح���دث بين متكافئين ّ‬ ‫ل���ه ثمرات���ه وفوائده‪ .‬وبالعكس إذا تم في ظروف "طارئة" وبي���ن غالب ومغلوب‪ ،‬فإن نتائجه ‪-‬في‬

‫‪35‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫الغالب‪ -‬ال تكتس���ب صفة االس���تمرار حتى وإن خففت بعض‬

‫وألن ه���ذا الح���وار ‪-‬بطبيعت���ه‪ -‬ه���و حوار بين ش���باب مختص‬ ‫يض���م مجموع���ات متع���ددة م���ن االختصاصات؛ فيها ش���باب‬ ‫مختص في علم العقائد والش���رائع واألديان‪ ،‬وأطر متخصصة‬ ‫في التاريخ والفقه وأنظمة الحكم‪ ،‬وباحثون في علم االجتماع‬ ‫والسياسة واالقتصاد والعمران‪.‬‬ ‫فموائ���د الح���وار م���ع اآلخ���ر تقتض���ي ‪-‬حت���ى نخ���رج م���ن‬ ‫نف���ق التعمي���م‪ -‬توزيع االختصاص���ات‪ ،‬وتخصي���ص الندوات‬ ‫والمؤتم���رات‪ ،‬وحلق���ات النق���اش ل���كل مح���ور عل���ى ح���دة‪،‬‬ ‫قادرا عل���ى ضبط الحوار في إطاره‬ ‫حتى يصبح الش���باب فع ً‬ ‫ال ً‬ ‫وموقع���ه‪ .‬وبذل���ك يس���تطيع أه���ل االختصاص مم���ن أهلناهم‬ ‫للمنافس���ة الحضارية العالمية‪ ،‬أن يتحدثوا لغة مشتركة يفهمها‬ ‫جيدا شباب الثقافات والحضارات المراد الحوار معها‪.‬‬ ‫ً‬

‫التع���اون‪ ،‬وثمرات حس���ن المعاش���رة‪ ،‬والذوق ال���ذي ال يحقر‬

‫الحوار اإلنساني‬

‫مواطن االحتقان واأللم أو ساعدت على تجاوز ما يهدد أحد‬

‫األط���راف‪ .‬والحوار ل���ه مس���تويات مختلفة باخت���الف قضاياه‬

‫وموقع المتحاورين‪.‬‬

‫حوار التعايش‬

‫فهن���اك ح���وار التعايش بين الناس حول موض���وع التعايش بين‬ ‫أف���راد األم���ة الواح���دة أو بي���ن أفرادها وبين أف���راد الحضارات‬ ‫األخرى‪ .‬وهذا المس���توى من الحوارات‪ ،‬هدفه إزالة الحواجز‬

‫الت���ي تعي���ق التواص���ل‪ ،‬وتولد الجف���وة والكراهية بي���ن األفراد‬ ‫العاديي���ن‪ ،‬ومس���رحه وموضوعه‪ ،‬المش���اعر اإلنس���انية والحياة‬ ‫عاليا من الثقافة ومعرفة اآلخر‬ ‫اليومية‪ .‬وهو ال يتطلب مستوى ً‬ ‫بقدر ما يحتاج إلى اس���تحضار األخوة اإلنسانية‪ ،‬وفوائد روح‬

‫اآلخرين أو يس���خر من ثقافتهم أو يقوم بما يجرح مشاعرهم‪.‬‬ ‫وه���ذا المس���توى من الح���وار فط���ري يتجلى في حي���اة الناس‬ ‫اليومي���ة وعالقاته���م اإلنس���انية‪ ،‬إذ يدخ���ل ف���ي إطاره الش���اب‬

‫المزارع‪ ،‬والصانع‪ ،‬والعامل البس���يط‪ ...‬وهؤالء الشباب ينبغي‬ ‫أن ال يس���تثنوا من فهم أدبيات حوار التعايش كما فهمها جيل‬

‫سلفنا الصالح وطبقوها بالتعايش والتراحم مع أهل الذمة كما‬

‫وأصل‬ ‫عايش���هم رس���ولنا الكريم صلوات اهلل وس���المه علي���ه‪ّ ،‬‬ ‫ل���ه بمعاه���دة وفد نج���ران وصحيف���ة المدينة المن���ورة‪ .‬وأكمل‬

‫عم���ر بن الخطاب  منهج المدرس���ة النبوي���ة بتتويج تاريخنا‬ ‫اإلسالمي بالعهدة العمرية‪ ،‬ببنودها اإلنسانية الراقية في مراعاة‬ ‫حقوق وواجبات أهل الكتاب‪.‬‬

‫الحوار المعرفي‬

‫وه���و حوار بي���ن أصح���اب الفكر والعلم���اء‪ .‬وهذا المس���توى‬

‫يتطل���ب منا الي���وم‪ ،‬وأكثر من أي وقت مضى مع ثورة العولمة‬

‫واالنفتاح العالمي‪ ،‬أن نؤهل كوادر من ش���بابنا للمش���اركة فيه‪،‬‬

‫م���ن أولوي���ات الح���وار الحض���اري‪ ،‬دف���ع الح���وار ف���ي اتج���اه‬ ‫معرف���ة "اإلنس���ان"‪ ،‬فه���ذه المعرف���ة ضروري���ة للوق���وف عل���ى‬ ‫م���دى ج���دوى الحوار‪ ،‬إذ لو كان اإلنس���ان حلق���ة متطورة من‬

‫الس���الحف والدي���دان والق���رود‪ ،‬وكان���ت الحي���اة قائم���ة على‬ ‫أس���اس تنازع البقاء وصراع المصال���ح المادية‪ ،‬لقامت العالقة‬

‫على أس���اس الح���رب والقتال ال عل���ى الفكر واللس���ان‪ ...‬أما‬ ‫الح���وار اإلنس���اني‪ ،‬إنما يقوم بين البش���ر على خلفي���ة اإليمان‬ ‫بالجانب المعنوي الس���امي في اإلنسان وليس الجانب المادي‬

‫فق���ط‪ .‬فنزع���ة "الطي���ن" وحدها ال ت���ؤدي إلى تعايش س���لمي‪،‬‬ ‫ب���ل تدف���ع إلى ص���راع مصلحي محم���وم‪ ،‬والس���الم والتعايش‬

‫والتفاه���م والح���وار‪ ،‬مقوالت تتحقق ف���ي ظل نفخة روح رب‬

‫﴿و َل َق ْد‬ ‫العالمي���ن في هذا الموجود البش���ري بالتعبي���ر القرآني‪َ :‬‬ ‫اك ْم ِم ْن‬ ‫اس ِإ َّن���ا َخ َل ْق َن ُ‬ ‫﴿ي���ا َأ ُّي َها َّ‬ ‫َك َّر ْم َن���ا َب ِني َ‬ ‫آد َم﴾(اإلس���راء‪َ ،)70:‬‬ ‫الن ُ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ار ُفوا إ َِّن َأ ْك َر َم ُك ْم ِع ْن َد‬ ‫َذ َكرٍ َو ُأ ْن َثى َو َج َع ْل َن ُ‬ ‫اك ْم ُش ُ‬ ‫���ع ً‬ ‫وبا َو َق َبائ َل ل َت َع َ‬ ‫ا ِ‬ ‫اك ْم﴾(الحجرات‪.)13:‬‬ ‫هلل َأ ْت َق ُ‬

‫وتمكينه���م م���ن مفاتيح الدخ���ول إل���ى المعرف���ة العميقة بفكر دور الشباب في البناء الحضاري‬ ‫وحضارة اآلخر‪ ،‬والقدرة على فحص مقوماتها والتعرف على‬

‫أسسها ومبادئ منظومتها الفكرية والفلسفية والدينية والسياسية‬

‫واالقتصادية‪ .‬وهذا الشباب المرشح لتأهيله للحوار‪ ،‬ينبغي أن‬

‫متمكنا ح ًّقا من‬ ‫تتوفر فيه ش���روط أولى وأهم‪ ،‬وهي أن يكون‬ ‫ً‬

‫فهم مكونات وأسس حضارته‪ ،‬ولديه القدرة على استخالص‬ ‫قيمه���ا األصيل���ة الت���ي ال تتأثر بالراهن الظرف���ي من األحداث‪.‬‬ ‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪36‬‬

‫من أس���باب تراجع مفاهيم الح���وار الندي المتكافئ مع اآلخر‬ ‫ل���دى ش���بابنا‪ ،‬عدم وج���ود تخطيط محكم بعي���د المدى‪ ،‬حتى‬ ‫فغالبا ما‬ ‫ف���ي حالة وج���ود أهداف وطموح���ات لهذا الح���وار‪،‬‬ ‫ً‬ ‫تك���ون غير مدروس���ة وال واقعي���ة‪ .‬وهكذا‪ ،‬نج���د أن تدخالت‬ ‫عموما بالفوضى واالرتجالية وغياب‬ ‫شباب مجتمعاتنا‪ ،‬تتميز‬ ‫ً‬ ‫التخطيط المحكم بتأهيل كوادر وأطر‪ ،‬وإهمال تقويم أهداف‬


‫وطموحات الحوار الفعال مع اآلخر‪.‬‬

‫فالحدي���ث ع���ن الح���وار‪ ،‬يتطل���ب‬

‫مواجه���ة التحدي���ات واألخ���ذ بأس���باب‬

‫النج���اح والقوة‪ ،‬ومن ذلك فهم أس���باب‬

‫تراجعن���ا عن ال���دور الحض���اري ألمتنا‪،‬‬ ‫وش���روط بناء الش���خصية الس���ليمة عند‬ ‫الش���باب‪ ،‬وتنمي���ة المه���ارات اإلبداعية‬

‫إليج���اد الحل���ول المناس���بة للمش���اكل‬ ‫المطروح���ة‪،‬‬

‫والتحل���ي‬

‫بالجدي���ة‬

‫واإليجابية والصرام���ة لمواجهة الواقع‪،‬‬ ‫وحس���ن تخطي���ط المش���اريع واإلع���داد‬

‫الحدي���ث إذن ال تخص حس���ن اآلداب‬

‫اإن ال�سباب املكلف بالتاأهيل‬ ‫يف عملية احل��وار احل�ساري‬ ‫ال ميك��ن تخلي�س��ه من عقدة‬ ‫الدوني��ة واملوؤام��رة باجت��اه‬ ‫االآخر‪ ،‬اإال اإذا هياأنا له �سعو ًرا‬ ‫متعاليً��ا بال�سخ�سي��ة الدينية‬ ‫واملعرفي��ة واحل�ساري��ة م��ن‬ ‫خالل حميطه الداخلي‪.‬‬

‫للمستقبل‪ ،‬والتشبث بالقيم اإلسالمية‪.‬‬

‫بناء الدور الحضاري المؤهل للحوار‬

‫إن بن���اء الدور الحضاري كما عبر عنه "مالك بن نبي"‪ ،‬يحتاج‬

‫اليوم من الشباب حسن توظيف ثالثية مشكالت النهضة وهي‬ ‫مشكلة اإلنسان‪ ،‬مشكلة التراب‪ ،‬مشكلة الوقت‪.‬‬

‫‪ -1‬اإلنس ت ت تتان‪ :‬إن المش���روع اإلصالح���ي يب���دأ بتغيي���ر‬

‫اإلنسان‪ ،‬ثم بتعليمه االنخراط في الجماعة ثم بالتنظيم فالنقد‬

‫فق���ط‪ ،‬ب���ل هي ج���زء رئيس���ي م���ن تقنية‬

‫العم���ل‪ .‬ونحن نجد ه���ذه الصلة بصورة‬

‫ال‬ ‫رمزي���ة ف���ي مجتمعاتنا حين ن���رى تعط ً‬ ‫ف���ي العمل واإلنجاز بمجرد تعطل تبليغ‬ ‫األفكار بالكالم‪.‬‬

‫فالمش���كلة مشكلة أفكار في النهاية‪،‬‬

‫ألننا بها ننظ���م حوارنا في إثبات ذواتنا‪،‬‬

‫وبه���ا ندف���ع طاقتن���ا ف���ي إرادة العط���اء‬ ‫واإلنج���از‪ .‬وأهمية األف���كار التي نحاور‬

‫به���ا في حياة مجتمع معي���ن‪ ،‬تتجلى في‬ ‫صورتي���ن؛ فه���ي إم���ا أن تؤث���ر بوصفه���ا‬

‫عوام���ل نه���وض بالحي���اة االجتماعي���ة‪،‬‬ ‫وإما أن تؤثر عل���ى عكس ذلك بوصفها‬

‫ال‪.‬‬ ‫عوامل ممرضة تجعل النمو االجتماعي‬ ‫صعبا أو مستحي ً‬ ‫ً‬

‫فاإلنس���ان ال���ذي ال يؤم���ن بالتفاع���ل والح���وار ينته���ي من‬

‫الوجهة النفسية إلى التشاؤم‪ ،‬كما ينتهي من الوجهة االجتماعية‬

‫إلى تكديس المشكالت‪.‬‬

‫ومشكلة شبابنا اليوم تتخلص في جوهرها في عدم توجيه‬

‫البناء‪ .‬وتبدأ عملية التطور من اإلنسان‪ ،‬ألنه المخلوق الوحيد‬ ‫ّ‬

‫األف���كار‪ ،‬ولذل���ك كان علين���ا أن نح���دد المعن���ى الع���ام لفكرة‬

‫كميا ال يعطي‬ ‫لبن���اء الحض���ارة‪ .‬أما المادة‪ ،‬فإنها تبق���ى‬ ‫ً‬ ‫تجميعا ًّ‬

‫فهن���اك ماليي���ن العقول الش���ابة المفكرة في البالد اإلس���المية‪،‬‬

‫ال في أنفس���نا‪،‬‬ ‫يتحق���ق التغير ف���ي محيطنا‪ ،‬يجب أن يتحقق أو ً‬

‫جزء كبير منها في العبث والالفاعلية‪.‬‬

‫تمهيدا‬ ‫الق���ادر على قيادة حرك���ة البناء وتحقيق قف���زات نوعية‬ ‫ً‬

‫التوجيه؛ فالتوجيه هو تجنب اإلسراف في الجهد وفي الوقت‪.‬‬

‫نوعيا إال بس���المة اس���تخدام اإلنس���ان له‪ ،‬فلكي‬ ‫كيفي���ا ًّ‬ ‫معن���ى ًّ‬

‫صالح���ة ألن ترش���د وتوج���ه للبناء الحض���اري حتى ال يذهب‬

‫وإال فإن الش���اب المس���لم لن يس���تطيع الحوار مع نفس���ه وبناء‬

‫إن الشباب المكلف بالتأهيل في عملية الحوار الحضاري‬

‫داخله الحض���اري الذي يمكنه من الحوار مع اآلخر‪ ،‬وعندها‬

‫ال يمك���ن تخليصه من عق���دة الدونية والمؤامرة باتجاه اآلخر‪،‬‬

‫أن يع���رف نفس���ه‪ ...‬أن يع���رف اآلخري���ن وأن ال يتعال���ى‬

‫والحضاري���ة من خ���الل محيط���ه الداخلي‪ .‬فالمحي���ط الثقافي‬

‫شروطا ثالثة‪:‬‬ ‫يجب على شباب أمتنا أن يحقق بمفرده‬ ‫ً‬

‫متعاليا بالش���خصية الديني���ة والمعرفية‬ ‫ش���عورا‬ ‫إال إذا هيأن���ا له‬ ‫ً‬ ‫ً‬

‫عليهم وأن ال يتجاهلهم‪ ...‬ويجب عليه في الشرط الثالث أن‬

‫الداخلي الذي يكبر الش���اب في ثناياه‪ ،‬هو المكون األساس���ي‬

‫أجريت عليها كل عمليات التغيير بعد التنقية والتصفية من كل‬

‫‪ -2‬التت ت ت تراب‪ :‬وهو العنص���ر الثاني الذي يش���كل الحضارة‬

‫يعرف اآلخرين بنفس���ه ولكن بالصورة المحببة‪ ،‬بالصورة التي‬

‫إلطاره وعقله الجمعي الثقافي‪.‬‬

‫رواسب القابلية لالنهزام والتخلف الحضاري‪ ...‬فالشباب هو‬

‫م���ع اإلنس���ان والوقت في فك���ر مالك بن نب���ي‪ .‬وحيث يتكلم‬

‫إن الح���وار هو أبس���ط ص���ورة لتبادل األف���كار‪ ،‬وهو بذلك‬

‫ع���ن التراب من حيث القيمة االجتماعية‪ ،‬وهي قيمة مس���تمدة‬

‫الهدف‪ ،‬وهو نقطة البدء في التغيير والبناء‪.‬‬

‫المرحل���ة التمهيدي���ة البس���يطة ل���كل عم���ل مش���ترك‪ .‬فقواع���د‬

‫ع���ن الت���راب ال يبحث في خصائص���ه وطبيعت���ه‪ ،‬ولكن يتكلم‬ ‫م���ن قوة وتمكي���ن مالكيه‪ .‬فحينما تكون قيم���ة الوطن مرتفعة‪،‬‬

‫‪37‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫غاليا ل���دى أبنائه‪،‬‬ ‫يك���ون ثم���ن الت���راب ً‬

‫وهنا يكمن دور الشباب في رفع المزيد‬

‫م���ن قيمة أوطانهم كم���ا ثمنوها األجداد‬

‫حفاظا على‬ ‫واآلباء بأر��احهم ودمائهم‪،‬‬ ‫ً‬ ‫س���المة أمنن���ا وكرامة حريتن���ا التي نزخر‬

‫بعي���دا ع���ن ربقة المس���تعمر‪.‬‬ ‫به���ا اليوم‬ ‫ً‬ ‫‪ -3‬الوقت‪ :‬وه���و العنص���ر الثالث‬

‫ف���ي تكوين الحضارة‪ .‬إن حظ الش���باب‬

‫العربي واإلسالمي من الساعات‪ ،‬كحظ‬

‫نقدر‬ ‫أي ش���عب متحض���ر‪ ،‬ولك���ن ه���ل ّ‬ ‫قيم���ة الوق���ت؟ هل ينته���ي الوقت عندنا‬

‫إل���ى إنج���از أم إل���ى ع���دم؟ هل أحس���نا‬

‫احل��وار مب��داأ راق ال ي��كاد‬ ‫يرف�س��ه عق��ل �سلي��م‪ ،‬وهو‬ ‫خط��وة اأوىل نح��و التع��رف‬ ‫عل��ى ال��ذات‪ ،‬واإزال��ة �سوء‬ ‫الفهم داخل الدائرة الواحدة‬ ‫(الذي��ن ي�سرتك��ون يف ثقافة‬ ‫وح�س��ارة واح��دة)‪ ،‬وه��و‬ ‫املدخل "االإن�ساين" لالقرتاب‬ ‫من الدوائر اخلارجية‪.‬‬

‫ترشيد شبابنا في عملية توظيف العالقة‬ ‫التكاملية بين حس���ن استغاللهم للوقت‬

‫وحضاريا ويش���كل اس���تثناء‬ ‫ثقافيا‬ ‫غن���ي‬ ‫ًّ‬ ‫ًّ‬ ‫بتع���دده الثقافي‪ ،‬فنج���د أن كل دولة من‬

‫دول���ه تتضم���ن ثقاف���ات متفرع���ة تنصهر‬

‫ف���ي ثقاف���ة وطني���ة موح���دة (الهوي���ة‬

‫العربي���ة)‪ ،‬بي���د أن ذل���ك التن���وع يط���رح‬ ‫ال عمي ًق���ا‪ :‬هل ه���ذا التع���دد يعيش‬ ‫س���ؤا ً‬ ‫ف���ي حالة صراع‪ ،‬أم أنه ف���ي حالة هدوء‬

‫ت���ام وخض���وع ألدبي���ات الح���وار البناء؟‬

‫يبقى المجتمع بشكل عام والشباب‬

‫بش���كل خ���اص‪ ،‬ه���و البوصل���ة ف���ي‬ ‫تحدي���د مدى تالؤم وتناف���ر المفهومين؛‬

‫فالش���باب ل���ه دور ري���ادي ب���ارز ف���ي‬

‫م���دى تعاطيه مع مس���ألة القي���م وعالقته‬

‫باآلخ���ر‪ ،‬ألن الش���باب ف���ي األول‬

‫في خدمة ترابهم لبناء حضارة مجتمعاتهم العربية واإلسالمية؟‬

‫واألخي���ر‪ ،‬ه���و وح���دة متنقل���ة تس���اهم ف���ي التطبي���ع والتلوث‬

‫النهض���ة والح���وار الحض���اري‪ ،‬بتفكي���ك وتحلي���ل مش���كالت‬

‫االنفتاح المحافظ عن القيم لتش���كل فض���اء للحوار والتبادل‪.‬‬

‫أصل لش���روط‬ ‫لقد أمعن مالك بن نبي‪ ،‬هذا المفكر الذي ّ‬

‫متج���اوزا ‪-‬بوضعه���ا تحت مجه���ر مختبر‬ ‫البن���اء الحض���اري‪،‬‬ ‫ً‬

‫المقاربة الحضارية‪ -‬الظواهر السطحية إلى الجذور المتغلغلة‬

‫الثقاف���ي إن ه���ي ترك���ت قيمه���ا‪ ،‬أو تتعام���ل ف���ي إط���ار م���ن‬ ‫وحتى يكون للش���باب دوره كمس���اهم في الحوار الثقافي‪،‬‬

‫يج���ب أن يأخ���ذ بعي���ن االعتبار م���دى تطلع���ات المجتمعات‬

‫ف���ي األعم���اق‪ ،‬وباح ًثا عن الس���نن والقواني���ن الكفيلة بتحويل‬

‫بعي���دا ع���ن تكري���س أش���كال العصبي���ة‬ ‫العربي���ة وغاياته���ا‬ ‫ً‬ ‫والتفرق���ة‪ ...‬والح���وار الثقاف���ي الداخلي بي���ن مكونات الذات‬

‫المطل���ق إلى حال���ة البناء واإلنج���از‪ ،‬ومن المطالب���ة بالحقوق‬

‫وتفكيرا في العوائق الفكرية والنفس���انية والحضارية‬ ‫واآلخ���ر‪،‬‬ ‫ً‬

‫بالح���وار نجده���ا ف���ي ال���ذات ال عن���د اآلخ���ر‪ .‬واس���تكمال‬

‫المس���بقة والمترتب���ة عب���ر العص���ور وف���ي وظيفته���ا الثقافي���ة‪.‬‬

‫ش���باب أمتن���ا م���ن حال���ة العجز إل���ى الق���درة والفعالي���ة‪ ،‬ومن‬ ‫حال���ة مرحلية االنبه���ار والتقليد واالقتباس المتبع باالس���تتباع‬

‫مزدوجا للذات‬ ‫ونق���دا‬ ‫فكريا‬ ‫ال‪ ،‬ألن���ه يتطلب عن���اء‬ ‫ليس س���ه ً‬ ‫ً‬ ‫ًّ‬ ‫ً‬

‫ال‪ ،‬ألن مفاتي���ح ح���ل المش���كالت‬ ‫إل���ى القي���ام بالواج���ب أو ً‬

‫المتراكم���ة ف���ي الترس���بات الجيولوجي���ة لكت���ل األح���كام‬

‫تفعيل الش���خصية المس���لمة باتجاه الواق���ع‪ ،‬يتطلب االعتراف‬

‫وبناء على ذلك فإنه على الشباب المسلم إعمال الفكر في‬

‫سياس���ية‪ ،‬جغرافية‪ ،‬عرقية‪ ،‬تاريخية‪ ...‬إلخ) من حيث وجوب‬

‫الخ���وض في حوار ثقاف���ي حضاري تنموي بن���اء‪ ،‬وكذا القيام‬

‫غوصا في معارف‬ ‫الممارس���ات الغنية بتنويعاته���ا‪ .‬كما يتطلب‬ ‫ً‬

‫في عالقة تؤسس لفضاء التعايش وتركز على القيم األخالقية‪.‬‬

‫وغربلته���ا وإث���راء أف���ق ال���ذات بم���ا يتوافق مع ه���ذه المعارف‬

‫أساس���يا ف���ي نبذ كل أش���كال العصبية العرقية‬ ‫ال‬ ‫باعتب���اره مدخ ً‬ ‫ًّ‬

‫بتعدد التش���كيالت داخ���ل عالمنا اإلس���المى (مذهبية‪ ،‬فكرية‪،‬‬

‫ال‪ ،‬والوقوف عند النقاط الس���لبية التي تحول دون‬ ‫نق���د ذاته أو ً‬

‫إفضائه���ا إل���ى دالل���ة مقصدية واح���دة‪ ،‬تنتج بدوره���ا كما من‬

‫بنقد اآلخر؛ غايته تحقيق التوافق والتصالح مع الذات واآلخر‬

‫اآلخ���ر الغرب���ي‪ ،‬علوم���ه وفنون���ه وآداب���ه وفلس���فاته‪ ،‬وفرزه���ا‬

‫فال بديل للش���باب المس���لم من أجل التنمية‪ ،‬إال بحوار ثقافي‬

‫وتوجهاته���ا وغاياته���ا‪ ،‬ويعمل على إنماء قدراته���ا ومهاراتها‪.‬‬

‫دور جوهري للشباب في الحوار‬

‫مهم���ا وهو فضاء‬ ‫موقعا‬ ‫يحت���ل العال���م العربي‬ ‫جيوس���تراتيجيا ًّ‬ ‫ً‬ ‫ًّ‬ ‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪38‬‬

‫والمذهبية والفكرية‪.‬‬

‫(*) كلية اآلداب والعلوم اإلنسانية‪ ،‬جامعة ابن طفيل ب�"القنيطرة" ‪ /‬المغرب‪.‬‬


‫قضايا فكرية‬ ‫د‪ .‬خالد عمارة*‬

‫ﺷﺠﺎ ًﻋﺎ ﻛﺎن "اﻟﻔﺎﺗﺢ" ﺑﻼ ﻣﺮاء‪ ..‬ﺑﻄ ًﻼ ﻣﻦ أﺑﻄﺎل اﻟﺘﺎرﻳﺦ ﻛﺎن ﺑﻼ ﺷﻚ‪ ..‬وﻟﻜﻦ ﺑﻼ ﺣﻜﻤﺔ مل ﻳﻜﻦ‬ ‫أﺑﺪًا‪ ،‬وﺑﻼ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺑﺎﻟﻔﻦ اﻟﻌﺴﻜﺮي مل ﻳﻜﻦ ﻗﻂ‪ ..‬ﻓﺎﻟﱰﻛﻴﺰ ﻋﲆ ﺷﺠﺎﻋﺘﻪ دون ﺣﻜﻤﺘﻪ‪ ،‬وﻋﲆ ﺑﺴﺎﻟﺘﻪ‬ ‫دون ﻣﻌﺮﻓﺘﻪ‪ ،‬ﺧﻄﻞ ﰲ اﻟﺮأي وﻗﺼﻮر ﰲ اﻟﻨﻈﺮ‪.‬‬ ‫***‬ ‫)اﳌﻮازﻳﻦ(‬

‫األخالق‬

‫ودورها في نهضة األمة‬ ‫المتابع للتاري���خ المكتوب‪ ،‬يرى أن الحضارة‬

‫أو الهند‪ ،‬وقد يكون تركيا أو البرازيل‪ ،‬وقد يكون الصومال أو‬

‫واحدة وال ش���عب متميز‪ .‬فقد بدأت الحضارة‬

‫دائما الس���ؤال‪ :‬لماذا تقدم اآلخرون وتخلف العالم‬ ‫ويثور ً‬

‫والنهضة ال تس���تقر في مكان وال ترتبط بثقافة‬ ‫في الشرق مع الفراعنة والبابليين على مدى (‪ )5000‬عام‪ ،‬ثم‬

‫انتقلت إلى الغرب في الحضارة اليونانية والرومانية‪ ،‬ثم عادت‬ ‫إلى الش���رق م���ع الحضارة اإلس���المية‪ ،‬ثم انتقل���ت إلى أقصى‬ ‫غ���رب أوروبا م���ع العصر الحديث‪ .‬وبالتال���ي فالتوقع بانتقالها‬

‫إلى مكان آخر شيء منطقي‪ ،‬قد يكون هذا المكان هو الصين‬

‫مصر‪ ...‬فمن يدري أين تبدأ الدورة الجديدة وإلى أين تنتهي؟‬

‫اإلسالمي في الثالثمائة سنة األخيرة؟ هل بسبب غياب القيادة‬

‫والزعيم الملهم؟ بالطبع ال‪ ،‬فهناك العديد من مشاريع النهضة‬ ‫ومح���اوالت اللح���اق بالعالم المتقدم‪ ،‬ولكنها فش���لت‪ .‬ومثال‬

‫ه���ذا؛ مش���روع "محمد علي" ف���ي مصر‪ ،‬والذي فش���ل بمجرد‬ ‫هزيمت���ه العس���كرية أم���ام تحال���ف الغ���رب والدول���ة العثمانية‪.‬‬

‫‪39‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫بالرغم من أن اليابان ‪-‬كمش���روع للنهضة‪ -‬قام في نفس الفترة‬

‫اإلسالمي‪ ،‬نجد الرسول عليه الصالة والسالم قد وضع بدين‬

‫عسكرية أشد مرارة وكارثية في الحرب العالمية الثانية‪ ،‬ولكن‬

‫حولها‪ .‬ومع انتش���ار اإلس���الم انتش���رت اللغ���ة العربية‪ ،‬فكانت‬

‫الزمني���ة م���ع مصر (القرن الثامن عش���ر)‪ ،‬وتعرضت إلى هزيمة‬

‫الفارق اليوم كبير بين مشروع مصر واليابان‪.‬‬

‫اإلسالم مجموعة من المبادئ واألخالق التي جمعت الشرق‬ ‫الهوية العربية اإلس���المية جامعة لش���عوب شتى‪ ،‬حتى لمن ال‬

‫من الممكن أن نسأل السؤال بصورة مختلفة‪ :‬كيف نجحت‬

‫يدين بدين اإلسالم ولمن ال يتحدث العربية‪ ،‬فأصبحت بوتقة‬

‫التف���كك والقبلي���ة واالس���تعباد واالحتالل إل���ى العالم األول‪،‬‬

‫ويدخل في صناعتها أعراق ولغات ش���تى من فارس���ي وتركي‬

‫حول اإلس���الم شعوب الشرق من‬ ‫الحضارة اإلس���المية؟ كيف ّ‬ ‫ومن���ار للعلم على مدى أكثر م���ن ثمانية قرون؟ بل وربما نجد‬ ‫في هذه الفترات بعض صور الفس���اد السياسي أو الحروب أو‬

‫التحدي���ات والكوارث‪ ،‬ولك���ن المجتمع كان يجمعه وعي ما‪،‬‬ ‫وص���ورة ذهني���ة تجعله يمضي في طريقه إلى االتجاه الصحيح‬ ‫برغم المعوقات والمشاكل‪.‬‬

‫الوعي الجمعي ينبع من هوية مشتركة‬

‫إذًا فيمكنن���ا الق���ول ب���أن الس���ر في نهض���ة األم���م وتقدمها‪ ،‬هو‬

‫الوع���ي الجمع���ي الذي يجمعه���ا على هدف واح���د وينبع من‬

‫س���ببا‬ ‫هوية مش���تركة‪ .‬هذا الوعي الذي يجمع األمم‪ ،‬قد يكون ً‬ ‫س���ببا للنهوض أو االستس���الم‪،‬‬ ‫في تقدمها أو تفتتها‪ ،‬قد يكون ً‬

‫حافزا عل���ى التحدي ومواجهة الصعاب‪ ،‬وقد يكون‬ ‫ق���د يكون‬ ‫ً‬ ‫الس���بب في االستس���الم أمام محنة أو هزيمة‪ .‬ولصناعة الوعي‬ ‫الجمع���ي لألمم‪ ،‬نحتاج إلى االتفاق على هوية ومبادئ تجمع‬ ‫يوحد مسارهم‪ .‬فالجغرافيا وتقارب‬ ‫البشر‪ ،‬ونحتاج إلى هدف ّ‬

‫الس���كن والم���كان وحده‪ ،‬ال يكفي لعم���ل وعي جماعي‪ ،‬فمن‬ ‫الممكن أن تس���كن قبائل متناحرة نفس المنطقة‪ ،‬وكل منها له‬

‫هوية مختلفة وهدف مختلف‪.‬‬

‫إذا أخذن���ا ه���ذا االفت���راض وطبقن���اه عل���ى نهض���ة العال���م‬ ‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪40‬‬

‫تجمع ش���عوب الش���رق على مبادئ مش���تركة وفك���ر متقارب‪،‬‬ ‫وماالي���و وأردو‪ ...‬إل���خ‪ .‬وأصبح توجه الش���عوب في الش���رق‬ ‫وروحيا‬ ‫ماديا‬ ‫يعض���ده الثق���ة في الق���درة على صنع غد أفض���ل ًّ‬ ‫ًّ‬

‫وعقليا‪ ،‬فانتشر العلم وازدهرت الصناعة والفنون‪.‬‬ ‫ًّ‬

‫وإذا حاولنا تطبيق نفس االفتراض على شعوب الغرب في‬

‫أوروبا وأمريكا‪ ،‬نجد أن حالة النهضة صاحبها الش���عور بهوية‬

‫مش���تركة (يونانية رومانية مس���يحية) تجمع اإلنس���ان األوروبي‬ ‫أم���ام العالم‪ ،‬وش���عور بالقدرة والقوة‪ ،‬اس���تمده ف���ي البداية من‬

‫االنتصارات المتس���ارعة على الش���عوب األصلية لقارة أمريكا‬ ‫وأس���تراليا‪ ،‬وتطورت ه���ذه الثقة مع الق���درة المادية إلى عصر‬ ‫االستعمار‪ ،‬وتطورت الثقة الشديدة والشعور بهوية متفردة إلى‬ ‫حالة مرضية‪ ،‬ظهرت في أوج حاالتها في النازية والفاشية من‬ ‫عنصرية واضطهاد لألجناس األخرى‪.‬‬ ‫إ ًذا َف ِلكي ننهض؛ ال يكفي فقط أن يكون هناك دس���تور أو‬ ‫قانون أو ديمقراطية شكلية‪ ،‬بل يجب أن يصاحبها وعي جمعي‬

‫يتجم���ع الناس حوله‪ ،‬ويتقدمها‪ ،‬ويحرص على تفعيل القانون‬ ‫وتطبيق المبادئ للوصول إلى النهضة المادية والعقلية والروحيه‪.‬‬

‫األخالق هي الصورة الواقعية للوعي الجمعي‬

‫هذا الوعي الجمعي في الش���رق‪ ،‬يجب أن يتضمن هوية عربية‬


‫إسالمية‪ ،‬ولكن هذا وحده ال يكفي‪ ،‬فالبد معه من أخالقيات‬ ‫تحاف���ظ عل���ى تجانس ه���ذه الهوية‪ ،‬بل إن األخ���الق يجب أن‬ ‫تك���ون هي المحور األصي���ل لهذا الوعي الجمع���ي‪ .‬فالمبادئ‬ ‫التي تش���مل‪ ،‬ال تقتل وال تكذب وال تغش وال تس���رق مبادئ‬ ‫تحاف���ظ على أي كيان إنس���اني وتحميه م���ن الضياع‪ .‬ولكن إذا‬

‫تحول���ت ه���ذه المب���ادئ إل���ى إيجابي���ة‪ ،‬فيصبح الح���رص على‬

‫الص���دق واألمان���ة واإلتق���ان ج���زء م���ن الهوي���ة والثقاف���ة‪ .‬فهنا‬

‫يك���ون صناعة الهوية وليس فقط حمايتها‪ ،‬وهنا تتحول الهوية‬ ‫المجمع���ة والوعي الجمعي إلى ش���رف‪ ،‬وتتح���ول المجموعة‬ ‫البشرية المؤمنة بوحدة الوعي الجمعي إلى جسد واحد‪ .‬وعند‬ ‫ه���ذه المرحل���ة يصب���ح كل عضو ف���ي هذه الجماع���ة‪ ،‬لديه من‬ ‫الكرام���ة والترف���ع ما يمنعه م���ن أن يأتي الدني���ة أو أن يفعل ما‬

‫اإذا اأردن��ا النه�سة االأخالقية لل���رشق‪ ،‬فعلينا العمل‬ ‫عل��ى اإعادة بن��اء موؤ�س�س��ات التعلي��م‪ ،‬واالإعالم‪،‬‬ ‫واملوؤ�س�سات االأهلية‪ ،‬واحلكومة الر�سيدة‪ ،‬ويكون‬ ‫املنب��ع ه��ي هوي��ة احل�س��ارة االإ�سالمي��ة وروحها‪،‬‬ ‫واالجتاه نحو نه�س��ة ال�رشق‪ ،‬وتكون االأخالق هي‬ ‫التطبيق العملي والواقعي يف احلياة اليومية‪.‬‬ ‫عيبا والغش‬ ‫يعيب هويته من مفاسد األخالق‪ .‬فيصبح الكذب ً‬

‫أي عضو في هذه الجماعة‪ .‬في‬ ‫إهان���ة‪ ،‬ال يرضاها على نفس���ه ّ‬ ‫حين إن الجماعة المتفككة يتحول كل فرد فيها إلى االنتهازية‬ ‫التي تسمح له بأن يفعل أي شيء وكل شيء في سبيل مصلحة‬ ‫عابرة أو مكس���ب ضئيل‪ .‬فيمكنه أن يكذب أو يس���رق أو يغش‬ ‫أو يخ���ون مقابل أش���ياء تافه���ة أو حتى بدون مقاب���ل‪ ،‬فيتحول‬

‫الك���ذب والغ���ش إل���ى ع���ادة ومرض ال يس���تطيع الش���فاء منه‪،‬‬

‫ويصبح خيانة الوطن ضرورة للبقاء والحصول على الرزق‪.‬‬

‫دائما على‬ ‫إن االس���تعمار والطاغية والديكتات���ور‪ ،‬يحرص ً‬

‫هدم ثالثة دعائم في األمم المستضعفة كي يستمر في السيطرة‬ ‫عليه���ا هي؛ األمل واألخ���الق واحترام الذات‪ .‬حين يهدم هذه‬

‫ال���ذي ينبع من هوية مش���تركة تجمع األمم عل���ى الثقة بالنفس‬ ‫وبالقدرة على النهضة‪ ،‬ومنها ينبع األمل في غد أفضل‪ .‬ويظهر‬ ‫هذا في الواقع في صورة احترام للنفس والمبادئ واألخالق‪،‬‬ ‫وبالتال���ي فاألخ���الق تكون الصورة الواقعي���ة للوعي الجمعي‪.‬‬ ‫وقد تميز التراث اإلسالمي بالحرص على استعمال األخالق‬ ‫داخ���ل وخ���ارج المجتم���ع اإلس���المي‪ ،‬ف���ال تك���ون األخ���الق‬ ‫مقصورة على جنس أو عرق أو لغة أو دين‪ ،‬ولكن ألن منبعها‬ ‫ه���و دي���ن اإلس���الم‪ ،‬فقد كان هن���اك الحرص على نب���ذ التفرقة‬ ‫والتميي���ز بي���ن الش���عوب‪ ،‬س���واء ف���ي المعامل���ة أو الحقوق أو‬ ‫الواجبات‪ ،‬ومن باب أولى المعاملة األخالقية مع كل البش���ر‪.‬‬ ‫وربم���ا يظه���ر هنا الس���ؤال عن‪ :‬كي���ف يتن���ازل البعض عن‬ ‫األخ���الق ف���ي المجتمعات؟ هل البولي���س المصري كله بدون‬ ‫أخ���الق حي���ن رض���ي بتعذيب المس���جونين في عهد "حس���ني‬ ‫مب���ارك؟" ه���ل الجيوش التي تقتل أهله���ا كلها بال أخالق؟ هل‬ ‫يمكن أن يتنازل اإلنس���ان عن مبادئه لمجرد طاعة األوامر؟ أم‬ ‫إنه شريك في الجريمة ومقتنع بما يفعل؟‬ ‫أعتق���د أن أفض���ل إجاب���ة عل���ى هذا الس���ؤال ه���ي تجارب‬ ‫"س���تانلي ميلغ���رام" ف���ي جامع���ة "ي���ال" ب�"الوالي���ات المتحدة"‬ ‫والتي نش���رها في س���بعينات القرن العش���رين‪ ،‬والتي أوضحت‬ ‫أن الكثير من البش���ر لديهم االستعداد للتنازل عن مبادئهم في‬ ‫س���بيل طاعة األوامر‪ ،‬كي يحافظ على وجوده ضمن المنظومة‬ ‫العامة لمجتمع ما‪ .‬وهذه الصورة من التنازل عن األخالق في‬ ‫سبيل طاعة األوامر‪ ،‬وفي سبيل البقاء ضمن منظومة اجتماعية‬ ‫معينة هو شيء خطير‪ .‬واألخطر أن هؤالء الذين يتنازلون عن‬ ‫دائما‪ ،‬يجدون من الحجج‬ ‫أخالقهم في سبيل إرضاء ولي األمر ً‬ ‫واألس���باب ما يكف���ي ليجع���ل ضمائرهم مس���تريحة‪ ،‬وليقنعوا‬ ‫أنفسهم واآلخرين أن ما يفعلون هو دفاع عن الحق والفضيلة‪.‬‬ ‫ولكن ما نريدهم؛ هم الفئة الرائدة التي تصنع المجتمعات‪،‬‬ ‫وال تنق���اد وراء القطي���ع الت���ي ال تتنازل ع���ن أخالقها من أجل‬ ‫طاعة األوامر‪ ،‬والتي نصحنا الرسول  فقال‪" :‬ال تكونوا َّإم َعة‬ ‫أحس���نا‪ ،‬وإن ظلم���وا ظلمنا‪ ،‬ولكن‬ ‫تقولون‪ :‬إن أحس���ن الناس‬ ‫ّ‬ ‫وطنوا أنفسكم‪ ،‬إن أحسن الناس أن تحسنوا‪ ،‬وإن أساؤوا فال‬ ‫ِّ‬ ‫تظلم���وا" (رواه الترم���ذي)‪ .‬ه���ؤالء هم من س���يبنون العصر الجديد‬ ‫لنهضة األمة اإلسالمية واستعادة مجد الشرق‪.‬‬

‫الدعائم يتحول البش���ر إلى قطيع من الحيوانات‪ ،‬تتصارع على كيف يتحقق الوعي الجمعي في المجتمعات؟‬

‫الفتات وتتنافس في خدمة سيدها‪ .‬وكما رأينا؛ فالوعي الجمعي‬

‫ه���ذا ينقلن���ا بالضرورة إلى الس���ؤال التالي وه���و‪ :‬كيف نحصل‬

‫‪41‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫عل���ى ه���ذا المجتمع صاح���ب الوع���ي الجمعي والق���ادر على‬

‫ه���ي الق���وة الوحيدة الجامع���ة التي ال تحتاج إلى اس���تيراد وال‬

‫(‪ )80‬ملي���ون مصري لنحصل على هذه النهضة؟ وهل البد لنا‬

‫له���ا‪ ،‬وتحافظ على اس���تقاللها وتفردها وثقته���ا بالنفس‪ .‬وألن‬

‫النهضة واألخالق؟‬

‫فلتطبي���ق األخ���الق ال يمك���ن أن تك���ون القواني���ن كافي���ة‪ ،‬وال‬

‫صناع���ة النهض���ة؟ وهل نحتاج إلى إعادة تربية مليار مس���لم أو‬

‫إل���ى تبعي���ة‪ ،‬وبالتالي فهي ق���وة مجمعة لعناص���ر األمة وملهمة‬

‫من الربط بين الهوية الحضارية لألمة اإلسالمية وبين مشروع‬

‫كافيا لاللت���زام باألخالق‪،‬‬ ‫قوة الهوية المتجانس���ة تك���ون ً‬ ‫دافعا ً‬

‫بالنس���بة للس���ؤال األول‪ ،‬كي نصنع ه���ذا المجتمع؛ نحتاج‬

‫يمكن أن يكون وراء كل مواطن ش���رطي يراقب أخالقه‪ .‬البد‬

‫إلى وضوح رؤية للهوية المجمعة التي تجمع حولها الماليين‬ ‫وتقنعه���م بأحقيتهم ف���ي النهضة واالرتفاع إل���ى أعلى المراكز‬

‫حاضرا في أربعة‬ ‫بي���ن األم���م‪ .‬وهذا الوضوح يجب أن يك���ون‬ ‫ً‬ ‫مؤسس���ات؛ اإلع���الم‪ ،‬التعلي���م‪ ،‬المؤسس���ات غي���ر الحكومي���ة‬

‫الت���ي تتعامل م���ع المجتمع (مثل الجمعي���ات الخيرية واألهلية‬

‫واألوق���اف والمؤسس���ات التربوية)‪ ،‬والحكومة الرش���يدة التي‬ ‫ترعى المش���روع وال تحاربه وال تعطله‪ ،‬بل تس���اعده (ونقصد‬ ‫بالحكوم���ة الرش���يدة؛ حكوم���ة واعي���ة مس���تقلة الق���رار‪ ،‬تتبن���ى‬

‫مش���روعا للنهضة بعيد المدى)‪ .‬التناغم بين هذه المؤسس���ات‬ ‫ً‬ ‫سيساعد على تحقيق هذا الوعي الجمعي بصورة أسرع‪ ،‬ولكن‬

‫عدم التناغم ال يعني بالضرورة فشل مشروع الوعي الجمعي‪،‬‬

‫ولكنه يعني بطء تطوره‪ .‬فمن الممكن أن نجد مؤسسات أهلية‬ ‫وإعالم تبني في اتجاه‪ ،‬بينما تكون حكومة غير رش���يدة (سواء‬

‫نابع���ا من االقتن���اع واإليمان بها‪،‬‬ ‫أن يك���ون التص���رف بأخالق ً‬ ‫ولي���س هناك وس���يلة لهذا أقوى م���ن الوعي الجمع���ي واتحاد‬

‫الهوي���ة والهدف‪ .‬هذه قاع���دة مطلوبة ال اس���تغناء عنها لنهضة‬ ‫فضال ع���ن أن الهوية اإلس���المية تميزت ع���ن الهوية‬ ‫أي أم���ة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫األوروبية بأنها لم تعتمد العنصرية وسيلة للتأكيد على التميز‪.‬‬

‫تأكيدا على تفوق جنس على اآلخر‪،‬‬ ‫ف���ال نج���د في هذه الهوية‬ ‫ً‬ ‫أو الس���ماح بس���رقة وقتل ش���عوب‪ ،‬بينما تمنع السرقة أو القتل‬ ‫داخل الش���عب المتفوق‪ ،‬كما هو الحال في الغرب من الكيل‬

‫بمكيالين‪ .‬فمن غير المقبول في األعراف األوروبية أن تسرق‬ ‫الحكوم���ة م���ال ش���عبها‪ ،‬ولك���ن مقبول أن تس���رق م���ال األمم‬

‫الفقي���رة ف���ي أفريقيا وأمري���كا الالتينية!! ولكن هذا األس���لوب‬

‫ال ف���ي كالس���يكيات الحض���ارة‬ ‫غي���ر األخالق���ي‪ ،‬ال يج���د قب���و ً‬

‫ج���اءت باالنتخاب الديمقراطي أو بالديكتاتورية) تهدم ما يتم‬

‫اإلسالمية‪ ...‬وبالتالي فمن السهل الربط بين األخالق والهوية‬

‫االتجاهين سيستمر‪.‬‬

‫فتصب���ح األخ���الق الراعي األساس���ي ألي نهضة في الش���رق‪.‬‬

‫بناؤه‪ ،‬ولكن الحركة المجتمعية س���تلعب الدور في تحديد أي‬

‫اإلس���المية له���ذه األمة‪ ،‬بل من الواج���ب أن يكون هذا الربط‪،‬‬

‫بالنس���بة للنس���بة المئوي���ة المطلوب���ة لبدء عجل���ة التغيير في‬

‫ف���إذا أردن���ا النهضة األخالقية للش���رق‪ ،‬فعلين���ا العمل على‬

‫مجتمع‪ ،‬يحتاج لمش���روع النهضة ونشر األخالق‪ .‬فهناك نقطة‬ ‫التحول التي تكون عادة تتراوح بين ‪ 10‬إلى ‪ 15‬في المائة من‬ ‫المجتم���ع‪ .‬هذه النس���بة أثبت���ت الكثير من األبح���اث أنها كافية‬

‫ومؤثرة في تحريك دفة السفينة وعجلة القيادة‪ ،‬فتكون القاطرة‬ ‫الكافي���ة لج���ر باق���ي المجتمع ورائه���ا‪ .‬وهناك األمثل���ة الكثيرة‬

‫لذلك على مر العصور‪ ،‬وليس هناك أوضح من مثال مدرس���ة‬ ‫النب���وة ف���ي دار "األرقم ابن أبي األرقم"‪ ،‬الت���ي تربى فيها جيل‬ ‫سببا في‬ ‫الصحابة على يد النبي عليه الصالة والس���الم‪ ،‬وكانوا ً‬

‫هداية الماليين وفي نشر الدعوى ونهضة الشرق‪.‬‬

‫أما بالنس���بة إلى الس���ؤال الثالث وهو‪ :‬ه���ل البد من الربط‬

‫بي���ن األخ���الق والنهض���ة والهوية اإلس���المية لألم���ة؟ فاإلجابة‬

‫ب�"نع���م"‪ ،‬ألن ه���ذه الهوي���ة ه���ي ما س���تحرك العام���ل والصانع‬ ‫والف���الح والش���رطي ورج���ل القان���ون والعال���م‪ ...‬إل���خ‪ .‬ه���ذه‬ ‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪42‬‬

‫إعادة بناء المؤسس���ات األربع‪ :‬التعليم واإلعالم والمؤسسات‬ ‫األهلي���ة والحكومة الرش���يدة‪ ،‬ويك���ون المنبع هوي���ة الحضارة‬

‫اإلس���المية وروحه���ا‪ ،‬ويك���ون االتج���اه نح���و نهضة الش���رق‪،‬‬ ‫وتك���ون األخ���الق ه���ي التطبيق العمل���ي والواقعي ف���ي الحياة‬

‫اليومية لكل من يعيش هذا المشروع‪.‬‬ ‫(*)‬

‫أستاذ جراحة العظام‪ ،‬جامعة عين شمس ‪ /‬مصر‪.‬‬

‫المراجع‬ ‫(‪)1‬‬

‫مقال الوعي الجمعي‪ ،‬لألستاذ فتح اهلل كولن‪ .‬مجلة حراء‪ ،‬العدد‪.25 :‬‬

‫(‪ )2‬الضمير المجتمعي‪ ،‬إيميل دوركايم‪.‬‬ ‫(‪ )3‬االنصياع للسلطة‪ ،‬ستانلي ميلجرام‪.‬‬

‫(‪)4‬‬ ‫جدا للعالم‪ ،‬جيوفري بالني‪.‬‬ ‫تاريخ قصير ًّ‬

‫(‪ )5‬نقطه التحول‪ ،‬مالكوم جالدويل‪.‬‬


‫شعر‬

‫آدب*‬ ‫ّأدي ولد َّ‬

‫الناي في مقام التجلي‬ ‫ي ت ت تتا ناف ت ت ت َتخ النَّ ت ت ت ِ‬ ‫ور‬ ‫إس ت ت ت َتر ُ‬ ‫افيل ُّ‬ ‫تاي‪ْ ..‬‬ ‫والص ُ‬ ‫كنت أف َه ت ت ت ُتم ِف ْع َل النَّ ت ت ت ِ‬ ‫تاي ِفي ختََل ِدي‬ ‫ما ُ‬

‫تور‬ ‫َأرا ُه َتم ت ت تتا ِفي ُتك َم ت ت تتا إ ْذ َص ْح َ‬ ‫تص ت ت ت َتح النُّ ت ت ت ُ‬ ‫ُّ‬ ‫تج َّل ت ت تتى لِ ُر ِ‬ ‫ور‬ ‫حت ت ت تتى َ‬ ‫الم ْله ت ت ت ُتم الط ُ‬ ‫وح ت ت تتي ُ‬

‫ُر ِ‬ ‫ْح َم ٌة‬ ‫وح النَّ ت ت تتاي َمل َ‬ ‫ور ُ‬ ‫وح ت ت تتك‪ُ ..‬ر ُ‬ ‫وحي ُ‬ ‫األرَو ِاح يَت ْعزف َها‬ ‫النَّ ت ت ت ُ‬ ‫تاي َم ْج ت ت ت َترى َصت ت ت ت َدى ْ‬ ‫بج ت ت ت ْتو ِف النَّاي َح ْش ت ت ت َتر َج ٌة‬ ‫فالم ْص َمتَ ت ت ت ُ‬ ‫تات َ‬ ‫ُ‬ ‫تث َع ْن ن ت ت ت ٍ‬ ‫تاي يُ َم ْو ِست ت ت تقُت َها‬ ‫الري ت ت ت ُتح تَت ْب َح ت ت ت ُ‬ ‫ِّ‬ ‫س‬ ‫ِّ‬ ‫الري ت ت ت ُتح وال ت ت ت ُّتر ُ‬ ‫وح ‪ِ -‬في َم ْعنا ُه َم ت ت تتا‪ -‬نَفتَ ٌ‬ ‫ون نا ِف ِتخت ت ت ت ِه‬ ‫تاي أتفت ت ت ت ُه ُع ت ت تتوٍد ُد َ‬ ‫النُّ ت ت ت ُ‬ ‫ون النَّ ت ت تتاي ِطينَتتُت ت ت ت ُه‬ ‫ونا ِف ت ت ت ُتخ النَّ ت ت تتاي ُد َ‬ ‫خم َرتَت ت ت ت ُه‬ ‫تاي يَ ْش ت ت ت َتر ُب ِس ت ت ت َّتر ال ت ت ت ُّتر ِ‬ ‫النَّ ت ت ت ُ‬ ‫وح ْ‬

‫الو ُجوِد َصت ًدى‬ ‫النَّ ت ت ت ُ‬ ‫صر ْ‬ ‫إح َس ت ت ت َ‬ ‫تاس ُ‬ ‫تاي يَت ْع ُ‬ ‫تت‬ ‫انظ ت ت ت ْتر لش ت ت ت تبَّابَ ِة َّ‬ ‫الرا ِع ت ت تتي إذا نُفتِ َخ ت ت ت ْ‬

‫ورَه ت ت تتا ِ‬ ‫ُور‬ ‫بنش ت ت تتيج النَّ ت ت تتاي َم ْست ت ت تط ُ‬ ‫زبُ ُ‬ ‫وتح ِري ت ت ت ُتر‬ ‫بَت ْي ت ت ت َتن األنا ِم ت ت ت ِتل تقتِي ت ت ت ٌتر‬ ‫ْ‬ ‫تور‬ ‫والم ْر َس ت ت ت ُ‬ ‫تالت ل َه ت ت تتا ِّ‬ ‫بالري ت ت ت ِتح َمت ْزُم ت ت ت ُ‬ ‫ُ‬ ‫ثور‬ ‫تارج النَّ ت ت تتاي َعت ت ت ت ْز ُف ِّ‬ ‫فختَت ت ت َ‬ ‫الري ت ت ت ِتح َم ْن ُ‬ ‫كالجست ت ت ت ِم باألنف ت ت ت ِ‬ ‫تور‬ ‫تاي‬ ‫والنَّت ت ت ت ُ‬ ‫تاس َم ْع ُم ت ت ت ُ‬ ‫ْ‬ ‫تور‬ ‫وح ِفتيت ت ت ت ِه إنت ت ت ت ُه ُّ‬ ‫ْ‬ ‫إن يَنف ت ت ت ِتخ ال ت ت ت ُّتر َ‬ ‫الص ت ت ت ُ‬ ‫تور‬ ‫ل ت ت ت ْتم يَنف ت ت تتخ ال ت ت ت ُّتر َ‬ ‫وح ِفيت َه ت ت تتا ِطينت ت ت ت ٌة بُت ت ت ت ُ‬ ‫تإن تَتَنت َّف َس ت ت تتها َ‬ ‫تور‬ ‫فتتت ْ‬ ‫فالك ت ت ت ْتو ُن َم ْخ ُم ت ت ت ُ‬ ‫ف ت ت ت ُتك ُّل ق ْل ت ت ت ٍ‬ ‫ور‬ ‫تب َ‬ ‫بصت ت ت ت ْتو ِت النَّ ت ت تتاي َم ْع ُص ُ‬

‫تور‬ ‫يَت ْه ُف ت ت تتو القطي ت ت ت ُتع لَ َه ت ت تتا أ ْعنا ُقت ت ت ت ُه ُص ت ت ت ُ‬

‫َت‬ ‫تاي يَت ْن ُد ُب َع ْهت ت ت ت َد َّ‬ ‫الرتْ ِق ُم ت ت تتذ ُفتِق ْ‬ ‫النَّ ت ت ت ُ‬ ‫ْترتُ ُه‬ ‫تاي ْ‬ ‫تش ت ت ت ُتكتو َس ت ت ت ِتح َ‬ ‫النَّ ت ت ت ُ‬ ‫تيق الن ت ت تتأي َزف َ‬ ‫الخ ْل ِد التي َس ت ت ت َتح َر ْت‬ ‫َّاي ِم ْن ِست ت ت ت ْتد َرة ُ‬ ‫الن ُ‬ ‫تاي يُت ْع ت ت ت ُ‬ ‫تول تت ت ت ت َ‬ ‫تذك ًارا َلم ْنبِتِت ت ت ت ِه‬ ‫النَّ ت ت ت ُ‬ ‫ونافخ النَّاي يَ ْح ِكي َص ت ت ت ْتو َت ُ‬ ‫"ك ْن" أ َزال‬ ‫ُ‬

‫َعنَ ِ‬ ‫ور‬ ‫اص ت ت ت ُتر الك ت ت ت ْتو ِن ُ‬ ‫قلب النَّاي َم ْش ت ت ت ُتط ُ‬ ‫لِذاك َس ت ت ت َّتم ْوُه ف ْه َو َّ‬ ‫الد ْه ت ت ت َتر‪َ -‬م ْص ُدور‬‫تور؟‬ ‫ِق ْد ًم ت ت تتا أبَانَ ت ت تتا فأيْ ت ت ت َتن ُ‬ ‫الخلت ت ت ت ُد ُ‬ ‫والحت ت ت ت ُ‬ ‫تور‬ ‫َك َم ت ت تتا يَ ِح ت ت ت ُّتن لت ت ت ت َدى ْ‬ ‫الهج ت ت ت َتران َم ْه ُج ُ‬ ‫ألص ت ت ت ِتل َم ُ‬ ‫تور‬ ‫ُك ٌّل َع َل ت ت تتى تَت ْوِقت ت ت ت ِه لِ ْ‬ ‫فط ت ت ت ُ‬

‫نفخ ُه‬ ‫ي ت ت تتا نتا ِف ت ت ت َتخ النَّ ت ت تتاي ُع ْجبِي ِحي ت ت ت َتن تَ ُ‬

‫تور‬ ‫ْ‬ ‫أن ال يَت ت ت ت ِد َّب ُبع ت ت تتوِد النَّ ت ت تتاي يَ ْخ ُ‬ ‫تض ت ت ت ُ‬ ‫(*) شاعر موريتاني‪.‬‬

‫‪43‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫علوم‬

‫د‪ .‬سعيد كامل بالل*‬

‫الرمان‬

‫في الحفاظ على حياة اإلنسان‬

‫وش ٍ‬ ‫وش ٍ‬ ‫﴿و ُه َو الَّذِ ي َأ ْن َش��� َأ َج َّن ٍ‬ ‫رعع‬ ‫���ات َو َغ ْي َر َم ْع ُر َ‬ ‫ات َم ْع ُر َ‬ ‫���ات َو َّ‬ ‫الز ْر َ‬ ‫الن ْخ َل َو َّ‬ ‫قال تعالى‪َ :‬‬ ‫وا‬ ‫ِ���ن َث َم ِر ِه ِإذَا َأ ْث َم َر َوآ ُت‬ ‫آتوا‬ ‫الر َّم َ‬ ‫الز ْي ُت َ‬ ‫ُم ْخ َت ِل ًفا ُأ ُكل ُُه َو َّ‬ ‫ان ُم َت َش���ا ِب ًها َو َغ ْي َر ُم َت َش���ا ِب ٍه ُكلُوا م ْ‬ ‫ون َو ُّ‬ ‫ِين﴾(األنعام‪.)141:‬‬ ‫ال ُت ْس ِر ُفوا ِإ َّن ُه َ‬ ‫َح َّق ُه َي ْو َم َح َصا ِد ِه َو َ‬ ‫ال ُي ِح ُّب ال ُْم ْس ِرف َ‬ ‫في هذا المقال س���نحاول الكش���ف عن إمكانيات فاكهة الرمان‪ ،‬واس���تعماالتها الوقائية والعالجية على مدى التاريخ‬ ‫اإلنس���اني‪ ،‬م���ع التركي���ز على اس���تخدامات ه���ذه الفاكهة في الط���ب الحديث‪ ،‬من خ���الل األبحاث المنش���ورة حدي ًثا في‬ ‫الدوري���ات العالمي���ة‪ ،‬مما يكش���ف اإلعجاز القرآني في اإلش���ارة إلى ه���ذه الفاكهة واختصاصها بالذك���ر‪ .‬إن الحضارات‬ ‫القديمة في األرض تكاد ُتجمع على أهمية الرمان وفوائده الطبية العديدة‪ ،‬وتنظر إليه بعين التقدير واالعتبار‪.‬‬ ‫ففي الحضارة اليونانية القديمة‪ ،‬فإن الرمان كان يمثل الحياة والتكاثر والزواج‪ ،‬ودخلت حكاياته وفوائده الخارقة في‬ ‫نظرا ألن المحتضر عادة ما يطلب الرمان‪.‬‬ ‫كثير من األساطير اليونانية‪ ،‬كما كان ُيعرف باسم "فاكهة الميت" ً‬ ‫ووجد في الرسوم الموجودة على المعابد المصرية‬ ‫والمصريون القدماء كانوا يعتبرونه‬ ‫ً‬ ‫واحدا من الفواكه المقدسة‪ُ ،‬‬ ‫هزم في الح���رب‪ .‬والبابليون اعتبروا أن‬ ‫القديم���ة‪ .‬وال ُف���رس كان���وا يعتب���رون أن بذور الرمان إذا أكله���ا المقاتل جعلته ال ُي َ‬ ‫بذور الرمان هي العنصر المحفز للبعث والنش���ور‪ .‬وعند الصينيين القدماء‪ ،‬فإن الرمان يرمز للحياة األبدية‪ ،‬ويس���تخدمه‬ ‫الصينيون بشكل كبير في فنون الخزف‪ ،‬حيث يرمز إلى الخصوبة والوفرة والذرية الصالحة والمستقبل السعيد‪.‬‬

‫شجرة الرمان‬

‫ش���جرة الرمان ش���جرة جذابة متوس���طة الحجم‪ ،‬يبلغ متوسط ارتفاعها حوالي خمس���ة أمتار وتعيش لسنوات طويلة‪ .‬تبدأ‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪44‬‬


‫اإلنتاج بعد الس���نة األولى إلى ‪ 15‬سنة‪ ،‬حيث يبدأ اإلنتاج في‬

‫والمغ���ص المع���وي‪ ،‬والتهاب���ات القول���ون‪ ،‬وعس���ر الهض���م‪،‬‬ ‫والطفيليات المعوية‪ ،‬وعلى األخص الديدان الشريطية‪.‬‬ ‫أمراض األجهزة التناسلية‪ :‬مثل التهابات الجهاز التناسلي‪،‬‬ ‫واإلفرازات البيضاء‪ ،‬وفرط الطمث‪.‬‬ ‫أمراض الجلد واألنس ت ت تتجة الرخوة‪ُ :‬تستخدم القشرة كدهان‬ ‫خارجي في حاالت التهابات الجلد التحسسية‪ ،‬حب الشباب‪،‬‬ ‫والتهابات الثدي‪.‬‬ ‫ويس���تخدم الرمان كذلك في أمراض الجهاز العصبي مثل‬ ‫ُ‬ ‫الش���لل‪ ،‬والصداع‪ ،‬والهس���تريا‪ .‬وفي حاالت الشرج الجراحية‬ ‫مثل البواس���ير وسقوط المس���تقيم‪ .‬وفي أمراض العين واألذن‬ ‫مثل آالم األذن‪ ،‬وضعف اإلبصار‪ .‬وفي أمراض الفم واألسنان‬ ‫مثل التهابات اللثة وآالم األسنان‪.‬‬

‫والعصي���ر‪ ،‬والبذور الجافة‪ ،‬وقش���رة الثم���رة‪ ،‬واللحاء المحيط‬

‫الطب الحديث‬ ‫الرمان في ّ‬

‫التراجع‪ ،‬وفي بعض الحاالت التي ُسجلت في جنوب أوروبا‬ ‫عاشت الشجرة ما يزيد على مئتي عام‪.‬‬

‫وهي شجرة دائمة الخضرة في كثير من المناطق‪ ،‬ولكن في‬

‫بعض األماكن وبعض األنواع منها‪ ،‬تتس���اقط أوراقها وتتجدد‬ ‫س���نويا‪ .‬له���ا زهور جذاب���ة‪ ،‬حم���راء برتقالي���ة‪ ،‬وأوراق صغيرة‬ ‫ًّ‬

‫المع���ة رمحية الش���كل‪ ،‬كما تتمي���ز ثمارها المعروف���ة بتيجانها‬

‫الكأسية‪ ،‬وتتراوح ألوانها من األصفر إلى األحمر الغامق‪ ،‬كما‬

‫تحت���وي الثمرة على العديد م���ن البذور المحاطة بحويصالت‬ ‫العصير المتعددة األضالع‪ ،‬والمرصوصة بتداخل عجيب‪.‬‬

‫الطب‬ ‫الرمان في ّ‬

‫تقريبا كل أجزاء النبات ُتستخدم في األغراض الطبية؛ الزهور‬ ‫ً‬

‫بالسيقان والجذور‪.‬‬

‫كما أن الجزء المأكول من الثمرة يحتوي على نسبة ‪%80‬‬

‫م���ن عصي���ر و‪ % 20‬م���ن ب���ذور‪ .‬والعصير يحت���وي على ‪%85‬‬ ‫م���ن ماء‪ ،‬و‪ %10‬من س���كريات‪ ،‬و‪ %1,5‬م���ن بكتين‪ ،‬وحمض‬ ‫األسكوربيك والبوليفينولك فالفينويد‪.‬‬

‫أما الكيماويات النباتية الموجودة في الرمان فهي‪:‬‬

‫مهم���ا لنوعي���ن م���ن مركب���ات‬ ‫العصي ت ت تتر‪ :‬يعتب���ر‬ ‫مص���درا ًّ‬ ‫ً‬ ‫البوليفينولك‪ :‬أنثوثيانين وهيدروليزابل تاننيس‪.‬‬ ‫مهما لأللياف والسكريات والبكتين‪،‬‬ ‫البذور‪ُ :‬تعتبر‬ ‫مصدرا ًّ‬ ‫ً‬

‫كما تحتوي على هرمون اإلستروجين‪.‬‬

‫لح ت ت تتاء الش ت ت تتجرة‪ :‬يحت���وي عل���ى حم���ض البونيكوتانيك‪،‬‬

‫وحمض الجاليك ‪-‬مانايت‪ -‬بيليتيرين ميثيل ايزوبيليتيرين‪.‬‬

‫القش ت ت تترة الخارجية للثمرة‪ :‬تحتوي على معظم الكيماويات‬

‫النباتية‪.‬‬

‫الرمان في الطب التقليدي‬

‫اس���تخدم الرم���ان في‬ ‫ُ‬

‫الطب التقليدي على‬

‫م���دى طويل من الزمان‬

‫ف���ي معظ���م حض���ارات‬

‫األرض‪ ،‬وأهم استخداماته‪:‬‬

‫أمراض الجهاز الهضمي‪:‬‬

‫اإلس���هال‬

‫والدوس���نتاريا‪،‬‬

‫هناك العديد من األبحاث المنشورة حدي ًثا في الدوريات الطبية‬ ‫العالمية ‪-‬وعلى األخص في السنوات القليلة الماضية‪ -‬والتي‬ ‫ت���دل عل���ى األهمية الفائق���ة للرمان في العدي���د من المجاالت‬ ‫الطبية منها‪:‬‬ ‫فاعليت ت ت تته كعنصر مضاد لألكس ت ت تتدة‪ :‬يحت���وي الرم���ان على‬ ‫عناص���ر ذات فاعلي���ة عالي���ة كمض���ادات لألكس���دة التي تعمل‬ ‫عل���ى الحفاظ على صحة الخلية اإلنس���انية وتقاوم األمراض‪.‬‬ ‫فالرم���ان يحت���وي عل���ى المئ���ات م���ن المركب���ات المعروف���ة‪،‬‬ ‫م���ن بينه���ا مركب���ات "البولي فين���ول" القابلة للذوب���ان )‪Soluble‬‬ ‫‪ ،(Polyphenol Compounds‬والت���ي ثب���ت أن له���ا فاعلي���ة عالي���ة‬ ‫ك�"مض���ادات لألكس���دة" مث���ل "حم���ض اإليالجي���ك" )‪Ellagic‬‬ ‫‪ (Acid‬و"حمض الجالي���ك" )‪ (Gallic Acid‬و"األنثوثيانين" )‪An-‬‬ ‫‪ (thocyanins‬و"الكاتيتش���ين" )‪ (Catechins‬و"اإليالجيك تاننيس"‬ ‫)‪.(Ellagic Tannis‬‬ ‫عالج وقائي وكيماوي للسرطان‪ :‬ثبت‬ ‫أن خالص���ة الرم���ان ف���ي الجرعات‬ ‫طبيعي���ا‬ ‫العالجي���ة‪ ،‬تس���بب مو ًت���ا‬ ‫ًّ‬ ‫ل�"لخالي���ا الس���رطانية" )‪Apopto-‬‬ ‫‪ (sis‬دون أن تؤث���ر عل���ى الخالي���ا‬ ‫استخدم بنجاح في‬ ‫الس���ليمة‪ .‬وقد ُ‬ ‫ع���الج س���رطان الث���دي‪ ،‬حي���ث‬ ‫ثبت أن���ه يوقف نمو الخاليا‬ ‫السرطانية‪ ،‬ويمنع انتشارها‪،‬‬

‫‪45‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫ويزي���د م���ن معدالت "الم���وت الطبيع���ي" )‪ (Apoptosis‬للخاليا‬

‫الس���رطانية‪ .‬كم���ا ثبتت فاعليته العالية ف���ي العالج والوقاية من‬ ‫س���رطان المثانة البولية‪ ،‬حيث يوقف نمو الخاليا الس���رطانية‪،‬‬ ‫كما يتدخل في العوامل الوراثية للخاليا الس���رطانية بما يؤدي‬

‫إلى موتها في النهاية‪.‬‬

‫عالج أمراض القلب واألوعية الدموية‪ :‬ثبتت فاعليته العالية‬

‫كمض���اد لتصل���ب الش���رايين‪ ،‬وقد تم���ت تجربته عل���ى الفئران‬

‫فوجد أن���ه يقلل م���ن نمو الب���ؤر التصلبية؛‬ ‫واإلنس���ان بنج���اح‪ُ ،‬‬

‫وذل���ك آلث���اره المضادة لألكس���دة عل���ى "الليبوبروتين" وآثاره‬ ‫عل���ى "الخاليا الالقم���ة" )‪ (Macrophages‬و"الصفائح الدموية"‪،‬‬ ‫واستعادة الوظائف الطبيعية المضطربة للعضلة القلبية‪.‬‬

‫مض ت ت تتاد للميكروب ت ت تتات ولاللتهابات‪ :‬ثبت���ت فاعليت���ه العالية‬

‫كمض���اد للفيروس���ات ومضاد للبكتيريا وكمض���اد لاللتهابات‪،‬‬ ‫ومضاد للعوامل المسببة للتشوهات الوراثية‪ ،‬كما يقوي جهاز‬

‫ويقوي‬ ‫المناع���ة‪ ،‬ويمن���ع تليف الكبد‪ ،‬ويحفز التئ���ام الجروح‪ّ ،‬‬ ‫أيضا يمكن أن يساهم في منع الخاليا‬ ‫األنسجة الرخوة‪ ،‬وهذا ً‬ ‫السرطانية من االنتشار‪.‬‬

‫الرمان في شعارات الهيئات الطبية العالمية‬

‫"الجمعي���ة الطبي���ة البريطاني���ة" )‪،(British Medical Association‬‬

‫وث���الث من الكلي���ات الطبي���ة الملكية وه���ي "الكلي���ة الملكية‬

‫لألطب���اء"‬

‫)‪(Royal Collage of physicians‬‬

‫ألطب���اء النس���اء والتولي���د"‬

‫و"الكلي���ة الملكي���ة‬

‫)‪Royal Collage of Obstetricians and‬‬

‫‪ (Gynaecologists‬و"الكلي���ة الملكية‬

‫للقاب���الت" )‪Royal Collage‬‬

‫ضمن الرمان في شعاراتها‪ ،‬مما يعكس أهميته‬ ‫‪ُ ،(of Midwives‬ت ّ‬ ‫الكبرى في الممارس���ة الطبية‪ ،‬وقناعة هذه المؤسس���ات الطبية‬

‫العريقة بفوائده الكبيرة‪.‬‬

‫ه���ذا االس���تعراض التاريخي إضافة إلى الدراس���ات الطبية‬

‫الحديث���ة والموثقة‪ ،‬تدل على أهمية الرمان ودوره في الحفاظ‬ ‫عل���ى حياة اإلنس���ان‪ ،‬وع���الج الكثير من األم���راض‪ .‬ومن هنا‬

‫تأت���ي اإلش���ارة القرآني���ة المعجزة له���ذه الفاكه���ة باعتبارها من‬ ‫النع���م واآلي���ات الدال���ة على ق���درة اهلل  وعظمت���ه‪ ،‬حيث إن‬

‫ه���ذا القرآن قد نزل على نبي أمي في أمة تفتقد أس���باب العلم‬ ‫ّ‬ ‫والحضارة‪ ،‬فإن هذا يدل على صحة نسبة هذا القرآن‪.‬‬ ‫(*) كلية الطب والعلوم الطبية‪ ،‬جامعة الطائف ‪ /‬المملكة العربية السعودية‪.‬‬ ‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪46‬‬

‫إلى اهلل من جديد‬ ‫أبْجديّ ِ‬ ‫ات ذاتِها َش َرَعت ا ُأل ّم ُة تقرأ‪،‬‬ ‫وألِ ْف باء اإليمان من جديد تتعلّم‪،‬‬ ‫وأيّ َام اهلل ّ‬ ‫تتذكر‪...‬‬ ‫فيا بُوم الظالم‪،‬‬ ‫على بصيص الضوء ال تحوم‪!..‬‬ ‫جيل الضوء يقوم‪،‬‬ ‫فعلى األبواب ُ‬ ‫وش ُهبه على الثغور ثواقب‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫وسهامه في قلب الظالم نوافذ‪...‬‬ ‫***‬


‫علم النفس‬

‫سعاد الواليتي*‬

‫ﻗﺒﻞ أن ﺗﻘﺪم ﺣﺎو ْر ذوي اﻟﺨﱪة واﺳﺘﴩﻫﻢ‪ ،‬واﺳﺘﺄﻧﺲ ﺑﺄﻓﻜﺎرﻫﻢ‪ ..‬ﺛﻢ أﻗﺪم وﺗﻮﻛﻞ‪ ،‬ﻓﻜ ْﺮ‪ ،‬ﻗﺪﱢر‪،‬‬ ‫اﺣﺘﻂ ﻷﻛ َرث اﻟﻨﺘﺎﺋﺞ ﺳﻮ ًءا‪ ..‬ﻓﺈنْ مل ﺗﻔﻌﻞ ﻓﻼ ﺗﻠﻮﻣﻦﱠ إﻻ ﻧﻔﺴﻚ إذا ﺧﺎب أﻣﻠﻚ وﻋﻈﻤﺖ ﻣﺼﻴﺒﺘﻚ‪.‬‬ ‫***‬ ‫)اﳌﻮازﻳﻦ(‬

‫إضاءات للتعافي من االكتئاب‬ ‫مهما بلغت حدة الش���عور باالكتئاب‪ ،‬فإنه يمكن السيطرة‬ ‫علي���ه م���ع الوق���ت وقلي���ل م���ن الجه���د‪ ،‬ب���ل والع���الج إن‬ ‫استدعى األمر‪ .‬وقد تطورت وسائل العالج والتعامل مع‬

‫االكتئاب‪ ،‬س���واء من الناحية الدوائية أو العالج الس���لوكي والتحكم بنمط‬

‫التفكي���ر وردود الفع���ل‪ ،‬عن طريق تمارين ذاتي���ة أثبتت نجاحها في عالج‬ ‫حتى أعتى حاالت االكتئاب‪.‬‬

‫إن أس���اس فكرة العالج الس���لوكي اإلدراكي‪ ،‬هو أنن���ا بإمكننا أن نعيد‬

‫برمجة أذهاننا‪ ،‬ونتخلص من األفكار االنهزامية السلبية‪.‬‬

‫إن الشعور بالكآبة شعور مؤلم يسنتفد طاقة الفرد‪ ،‬ويسبب له الشعور‬

‫بالخور والهبوط واإلحباط‪ ،‬إال أنه قابل لالنفراج بالبدء بخطوات صغيرة‬

‫‪47‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫نح���و التغيير‪ ،‬والبناء عليها خط���وة بخطوة بثبات وصبر وأمل‪،‬‬ ‫واستعانة بالمحيط االجتماعي المساند‪.‬‬

‫جدا‬ ‫التعافي من االكتئاب يحتاج إلى طاقة‪ ،‬وهذه يصعب ًّ‬

‫إيجاده���ا أثناء هجمة الكآبة‪ ،‬بل لعل مجرد التفكير ببذل طاقة‬ ‫مجهودا لمن يعانيها‪ .‬الوضع صعب‪ ،‬لكنه ليس‬ ‫يعتبر بحد ذاته‬ ‫ً‬

‫ال‪ ،‬وإليك بعض الخطوات أو اإلضاءات التي قد تعين‪:‬‬ ‫مستحي ً‬

‫‪ -1‬حاف ت ت تتظ على دائرتك االجتماعية مهما بلغ بك الحال‪:‬‬

‫حي���ن تضي���ق ب���ك األمور‪ ،‬ق���د تميل نفس���ك إلى االنط���واء أو‬

‫االنع���زال وتجنب الناس‪ ،‬حاول أن تقاوم هذا الش���عور‪ ،‬وخذ‬ ‫خطوات ‪-‬ولو بس���يطة‪ -‬باتج���اه االختالط مع من ترتاح إليهم‬ ‫عادة‪ ،‬ومن يبثون في نفسك السعادة والتفاؤل‪.‬‬

‫ق���د تش���عر بالخج���ل من اكتئاب���ك‪ ،‬أو بالخ���وف من ظهور‬

‫عالمت���ه لم���ن حولك‪ ،‬أو بانعدام الطاقة للمحادثة والمش���اركة‬

‫في أي ش���يء‪ ،‬لكن م���ن المهم أن تعل���م أن االنعزال يزيد من‬ ‫كآبتك‪ ،‬ويغرقك في أعماق أفكارك السلبية‪.‬‬

‫تذك���ر مهما بلغ بك الضي���ق‪ ،‬البد أن تقاوم إغراء الهروب‬

‫واالنطواء؛ قد يمتص االكتئاب طاقتك‪ ،‬لكن ال تسمح له بأن‬ ‫يوقف حياتك‪.‬‬

‫يجب علين��ا اأن نعتاد على التعرف عل��ى ذواتنا واإعطائها‬ ‫قدرها من الثقة واالإميان بعي ًدا عن نظرة اأو راأي من حولنا‪.‬‬ ‫ولي�س املق�س��ود الغرور بالنف�س‪ ،‬واإمن��ا الو�سول اإىل قيمة‬ ‫ذاتية ثابتة ال تتاأرجح بتاأرجح راأي االآخرين‪.‬‬ ‫المت���وازن المكون م���ن البروتنيات‪ ،‬والكربوهي���درات المركبة‬

‫‪ -2‬اعتن بنفس ت ت تتك‪ :‬لك���ي تتغلب عل���ى االكتئ���اب‪ ،‬فإنك‬

‫ال) والفاكهة والخضار‪ ...‬تجنب السكريات‬ ‫(الخبز األس���مر مث ً‬

‫وغي���ر ذات أهمي���ة (قضاء الوقت في الطبيع���ة‪ ،‬تجنب األخبار‬

‫والوجبات الس���ريعة‪ -‬فلها تأثير س���لبي عل���ى تقلب المزاج‪...‬‬

‫بحاج���ة ألن تلت���زم ببع���ض الخط���وات الت���ي ق���د تبدو بس���يطة‬ ‫والبرام���ج المحزن���ة‪ ،‬ني���ل الكفاي���ة م���ن الن���وم‪ ،)...‬إال أن له���ا‬

‫جدا في تبديد ما تشعر به من غم‪.‬‬ ‫المفعول الملحوظ ًّ‬

‫مكتئبا قد تكون‬ ‫‪ -3‬مارس الرياض ت ت تتة بانتظام‪ :‬حين تك���ون‬ ‫ً‬

‫الحرك���ة ه���ي آخر ما ت���ود القيام ب���ه‪ ،‬لكن الرياض���ة أداة فعالة‬ ‫ف���ي مكافح���ة االكتئاب‪ ،‬بل لقد أثبتت األبحاث أن الممارس���ة‬

‫كثيرا ما تحقق نف���س النتائج التي تحققها‬ ‫المنتظم���ة للرياض���ة‪ً ،‬‬

‫األدوية مضادات االكتئاب في رفع مستوى الحيوية‪ ،‬وخفض‬ ‫ش���عور اإلجهاد لدى الش���خص المكتئب‪ .‬لم يتوصل العلماء‬ ‫إلى الس���بب وراء هذه الحقيقة‪ ،‬إال أنهم وجدوا أن الممارسة‬

‫المنتظم���ة للرياضة‪ ،‬تزيد من كمية وفاعلي���ة الناقالت العصبية‬ ‫المحسنة للمزاج‪ ،‬كما ترفع من نسبة هرمون اإلندورفين الذي‬

‫يؤثر على المشاعر اإليجابية‪ ،‬وتخفف من التوتر‪ ،‬وتعين على‬ ‫االسترخاء العضلي‪.‬‬

‫‪ -4‬اجع ت ت تتل غ ت ت تتذاءك متوازنً ت ت تتا وصحيًّا بقدر اإلم ت ت تتكان‪ :‬لم‬

‫تخط���ئ الحكمة القائلة‪" :‬أنت ما تأكل"‪ .‬واحرص على الغداء‬ ‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪48‬‬

‫والكربوهي���درات المك���ررة ‪-‬كاإلكث���ار من البطاط���س المقلية‬ ‫وأكث���ر م���ن تناول الموز والرطب واللب���ن‪ ،‬إذ لها ت�ؤثر في رفع‬ ‫مستوى السيريتونين واستقراره‪.‬‬ ‫أكث���ر م���ن األغذي���ة المحتوي���ة عل���ى ده���ون "األومغ���ا ‪،"3‬‬

‫ألن له���ا األثر الملح���وظ في رفع المعنوي���ات‪ ،‬وهي متواجدة‬ ‫في األس���ماك الدهنية‪ ،‬خاصة س���مك الس���المون‪ ،‬والماكريل‪،‬‬

‫والسردين‪ ،‬والمكسرات (خاصة الجوز)‪.‬‬

‫‪ -5‬تجنب األفكار الس ت ت تتلبية وارفضها‪ :‬يق���ول األخصائي‬ ‫النفس���ي "ديفيد بيرنز"‪" :‬المكتئبون هم أس���اتذة فن الخداع‪ ،‬إذ‬ ‫أنهم بنظرتهم المتشائمة‪ ،‬لديهم القدرة على قلب النجاح إلى‬ ‫فشل‪ ،‬والفشل إلى إخفاق"‪.‬‬

‫كثي���ر مم���ن عنده���م القابلي�����ة للكآب���ة‪ ،‬ه���م من أكث���ر فئات‬

‫وإنج���ازا‪ ،‬إال أنه���م مصاب���ون ب���داء التفكير‬ ‫نجاح���ا‬ ‫المجتم���ع‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الس���لبي المتواصل حول أنفسهم ومس���تقبلهم‪ .‬ورؤيتهم تلك‬ ‫وبائسا‪.‬‬ ‫كئيبا‬ ‫ً‬ ‫تشوه نظرتهم للكون حتى يغدو كل شيء حولهم ً‬ ‫إن التوج���ه نح���و التفكي���ر الس���لبي‪ ،‬ال يعتب���ر م���ن أعراض‬


‫الكآب���ة فق���ط بل هو أساس���ها‪ ،‬إذ بما أن أفكارن���ا ومعارفنا هي‬

‫التي تش���كل مزاجنا ف���إن األفكار اإليجابية تترجم نفس���ها إلى‬ ‫مزاج حيوي ومتفائل‪ ،‬بينما األفكار السلبية المتكررة قد تغرق‬

‫صاحبها في بحر من اليأس‪.‬‬

‫ًّ‬ ‫‪ِ -7‬‬ ‫مستقال عن مدح الناس أو ذمهم‪ :‬إذا‬ ‫ابن لنفسك كيانًا‬

‫اعتمدنا في اس���تقرارنا النفسي على مدح الناس أو ذمهم‪ ،‬فلن‬ ‫أبدا‪.‬‬ ‫نعرف الراحة وال القرار ً‬

‫الم���دح والذم وجهان لعملة واح���دة‪ ،‬كالهما حكم ورأي‬

‫ال تتعجل النتيجة‪ ...‬من س���ار عل���ى الدرب وصل‪ ...‬أكثر‬

‫ش���خصي على اآلخرين‪ ،‬وينبغي علينا أن نكتسب المناعة من‬

‫المبك���ر‪ ،‬واإلحباط أم���ام ما يرى من طريق طويل أمامه وجهد‬

‫تماما على النفس بحلول أدنى‬ ‫س���وف يكون له األثر العكسي ً‬

‫شيوعا عند من يعاني من األفكار السلبية هي االنهزام‬ ‫األخطاء‬ ‫ً‬

‫كليهم���ا‪ .‬فااللتف���ات للم���دح ما ه���و إال تغذية للغ���رور والذي‬

‫شاق في تصيد أفكاره السلبية والصبر على تغييرها‪.‬‬

‫نقد أو ذم‪.‬‬

‫ال تل���م نفس���ك على س���لبية أف���كارك؛ اكش���ف باالعتراف‬

‫بوجودها والحاجة لتغييرها‪ ،‬ثم س���ر في طريقك بإيجابية وثق‬

‫بالوصول‪.‬‬

‫حد ْثها بلط���ف اهلل وفضله‬ ‫كلم���ا‬ ‫حدثتك نفس���ك بتش���اؤم‪ِّ ،‬‬ ‫ْ‬

‫ورعايت���ه وعنايت���ه‪ .‬وجه انتباهك وتركي���زك لكل ما هو إيجابي‬

‫وبن���اء ف���ي الن���اس حول���ك؛ وف���ي األح���داث وف���ي الظروف‪،‬‬ ‫���ك َف َت ْر َضى﴾(الضح���ى‪ .)5:‬الجانب الذي‬ ‫ي���ك َر ُّب َ‬ ‫���و َف ُي ْع ِط َ‬ ‫َ‬ ‫﴿و َل َس ْ‬ ‫توج���ه انتباه���ك إليه‪ ،‬هو الجانب الذي س���وف ينم���و ويقوي‪.‬‬ ‫ولو تأملت في أحاديث الرسول ‪ ،‬لوجدت الكثير من األدلة‬

‫عل���ى أث���ر نظرتك في واقعك؛ مثل قول���ه ‪" :‬أنا عند ظن عبد‬

‫بي"‪" ،‬تفاءلوا بالخير تجدوه"‪ ...‬إلخ‪.‬‬

‫ك���ن عل���ى يقي���ن ب���أن الك���ون يس���ير ف���ي مس���اره الطبيعي‬

‫والمفترض له‪ ،‬وأن األحداث ‪-‬وإن بدت لك أنها تس���ير على‬

‫حتما تس���ير وفق المكت���وب ووفق‬ ‫غي���ر المطل���وب‪ -‬إال أنه���ا ً‬

‫المسار الذي يحقق الحكمة اإللهية المطلقة‪ .‬ال تيئس من َروح‬ ‫ال َيي َئس ِم ْن ر ْو ِح ا ِ‬ ‫ون﴾(يوسف‪،)87:‬‬ ‫هلل ِإ َّ‬ ‫ال ا ْل َق ْو ُم ا ْل َكا ِف ُر َ‬ ‫َ‬ ‫اهلل‪ِ ﴿ ،‬إ َّن ُه َ ْ ُ‬ ‫وات���رك التش���اؤم فاهلل تعال���ى نبهنا أنه من أمر الش���يطان إذ قال‪:‬‬ ‫﴿الش���ي َط ُ ِ‬ ‫���م ا ْل َف ْق َر﴾(البق���رة‪ ،)268:‬وإذا حدثت���ك نفس���ك‬ ‫ان َيع ُد ُك ُ‬ ‫َّ ْ‬ ‫بيأس فردها وقل مقالة سيدنا موسى  حين أدركه فرعون‪،‬‬ ‫ين﴾(الشعراء‪.)62:‬‬ ‫﴿ك َّال إ َِّن َم ِع َي َر ِّبي َس َي ْه ِد ِ‬ ‫إذ قال‪َ :‬‬

‫‪ -6‬احرص على مصاحبة الش ت ت تتخصيات اإليجابية‪ ،‬وتجنب‬ ‫المتشائمين والسلبيين‪ :‬ال أحد ينكر أثر الصاحب على النفس‪،‬‬

‫فالصاح���ب س���احب‪" ،‬ق���ل ل���ي م���ن تصاحب‪ ،‬أق���ل لك كيف‬

‫ستشعر"‪.‬‬

‫وق���د نب���ه اهلل تعال���ى في أكثر م���ن موضع في الق���رآن على‬ ‫ين‬ ‫﴿يا َأ ُّي َها ا َّل ِذ َ‬ ‫أهمية اختيار الرفقة لعل من أهمها قوله تعالى‪َ :‬‬

‫ين﴾(التوب���ة‪)119:‬؛ فأمر بعد‬ ‫آم ُن���وا َّات ُق���وا ا َ‬ ‫الصا ِد ِق َ‬ ‫���ع َّ‬ ‫َ‬ ‫هلل َو ُكو ُن���وا َم َ‬ ‫التقوى باختيار الصحبة‪.‬‬

‫يج���ب علينا أن نعت���اد على التعرف عل���ى ذواتنا وإعطائها‬

‫بعيدا عن نظ���رة أو رأي من حولنا‪.‬‬ ‫قدره���ا م���ن الثقة واإليمان ً‬ ‫لي���س المقصود الغرور بالنفس‪ ،‬وإنما الوصول إلى قيمة ذاتية‬

‫ثابتة ال تتأرجح بتأرجح رأي اآلخرين‪.‬‬

‫أيضا م���ن منافع تحقيق مب���دأ اإلخالص الذي‬ ‫ولع���ل هذا ً‬

‫يدعو إليه الدين‪ .‬فقد قال العلماء‪ :‬إن من عالمات اإلخالص‬

‫ف���ي العمل‪ ،‬أن يس���توي عندك المدح وال���ذم‪ .‬فمن عمل على‬ ‫تحقي���ق اإلخالص اكتس���ب راح���ة النفس‪ ،‬إذ ال يبتغي س���وى‬ ‫رضى اهلل تعالى‪.‬‬

‫ويتب���ع ه���ذه النقطة أن تتجنب النقد للغي���ر‪ :‬فإن كثرة النقد‬

‫عالمة على نفسية تتجه نحو رؤية النقص‪ ،‬سواء في النفس أو‬ ‫في الغير‪ ،‬وكالهما تفكير سلبي غير بناء‪.‬‬

‫‪ -8‬ال تتردد في اللجوء للمس ت ت تتاعدة إذا ش ت ت تتعرت بالحاجة‪:‬‬

‫إن كل ما ذكرناه مس���ب ًقا من خطوات‪ ،‬من ش���أنها أن تنجح في‬ ‫تبدي���د أغل���ب حاالت االكتئاب البس���يط والمتوس���ط إذا ما تم‬

‫االلت���زام بأغلب الخطوات بثبات واس���تمرار‪ ،‬والتحلي ببعض‬

‫الصبر‪ .‬إال أن الش���عور باالكتئاب في بعض األحيان قد يكون‬

‫من الحدة‪ ،‬بحيث يصعب على اإلنسان أن يتغ ّلب عليه وحده‪،‬‬ ‫ويحتاج إلى معونة من متخصص‪.‬‬

‫واألدوي���ة المضادة لالكتئاب ليس���ت كما ي���دور في أذهان‬

‫الكثيري���ن ف���ي مجتمعاتن���ا‪ ،‬م���ن أنها ت���ؤدي إلى الن���وم أو إلى‬ ‫اإلدم���ان عليه���ا‪ ...‬فهي أدوية مثلها كمث���ل المضادات الحيوية‬

‫الت���ي له���ا برنامج معين في أخذها وتركها باستش���ارة طبيب ال‬

‫أقل وال أكثر‪ .‬بل قد يكون ألغلبها أعراض جانبية أخف بكثير‬ ‫من أعراض المضادات الحيوية وغيرها من األدوية‪.‬‬

‫(*) كاتبة وباحثة كويتية‪.‬‬

‫‪49‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫تاريخ وحضارة‬

‫أ‪.‬د‪ .‬بركات محمد مراد*‬

‫ابن زهر‬

‫الطبيب اإلكلينكي ورائد علم األورام‬

‫ه���و أبو م���روان عبد الملك ب���ن أبي العالء بن‬

‫وش���اعرا‪ .‬وق���د خدم الخليفة الموح���دي عبد المؤمن بن‬ ‫أديبا‬ ‫ً‬ ‫ً‬

‫المع���ارف اإلس���المية بأنه بي���ن عامي (‪-484‬‬

‫كتبا أخرى أهمها كتاب "التيس���ير ف���ي المداواة والتدبير"‬ ‫أل���ف ً‬

‫ُزه���ر‪ ،‬ولد ب�"أش���بيلية" ف���ي زمن تق���دره دائرة‬

‫‪487‬ه����)‪ .‬تلق���ى عل���وم األدب والفق���ه والش���ريعة وبل���غ فيه���ا‬ ‫منزل���ة عالية‪ ،‬ثم علمه أبوه الط���ب‪ ،‬ولم يمر وقت طويل حتى‬

‫ب���ز أس���تاذه في الط���ب وفاقه في كثي���ر من مس���ائله الدقيقة‪ .‬ثم‬ ‫س���اعدت ميول���ه العلمية على النبوغ الس���ريع في الطب‪ ،‬فكان‬

‫أيضا‬ ‫أمه���ر أطباء أس���رة ُزهر‪ ،‬ومن ُنطُ س أطب���اء العرب‪ ،‬وكان ً‬ ‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪50‬‬

‫كتابا ع���ن "األغذية"‪ ،‬كما‬ ‫عل���ي‪ ،‬ون���ال الحظوة لدي���ه وألف له ً‬ ‫الذي أهداه إلى صديقه وتلميذه ابن رش���د‪ ،‬وقد تمت ترجمته‬ ‫إل���ى الالتينية عام ‪1280‬م‪ ،‬وتتجلى في هذا الكتاب ش���خصية‬

‫ابن زهر بشكل واضح‪.‬‬

‫كان���ت ل���ه تج���ارب مبتكرة ف���ي إع���داد األدوي���ة ومعالجة‬

‫المرض���ى‪ .‬بدأ حيات���ه العلمية بخدمة المرابطي���ن كما كان أبوه‬


‫من قبل‪ ،‬وبعد انتهاء عهد المرابطين التحق بخدمة الموحدين‪.‬‬

‫مؤلفات ابن زهر‬

‫في العلوم والفلس���فة‪ ،‬فتعرف بالطبيب الناشئ‪ ،‬وقامت بينهما‬

‫بن زهر في كتاباته أسلوب علمي تعليمي من الدرجة األولى‪،‬‬

‫ساميا‬ ‫مركزا‬ ‫كان ابن رش���د الفيلسوف األندلسي حينئذ‪ ،‬يحتل‬ ‫ً‬ ‫ً‬

‫صل���ة قوي���ة توطدت ُعراها عل���ى مر األيام‪ ...‬وكان ابن رش���د‬

‫يق���در أبا م���روان بن زهر‪ ،‬ويق���در نبوغه وعبقريت���ه في صناعة‬ ‫ّ‬ ‫الطب‪ ،‬وال يفتأ يتحدث عنه في المحافل العامة‪ ،‬ونقل عنه أنه‬

‫قال فيه‪" :‬إنه أعظم األطباء منذ عهد جالينوس"‪.‬‬

‫كان���ت وظيفة ابن زهر كمدير للمستش���فى‪ ،‬ق���د أتاحت له‬

‫فرصة العثور على كثير من جثث الموتى لتشريحها‪ ،‬وقد تمكن‬ ‫من فصل طب العيون عن الطب العام في هذا الوقت المبكر‪.‬‬

‫كثي���را م���ن الجراح���ات الهامة‪ ،‬إال أن���ه كان يأنف‬ ‫كان يج���ري‬ ‫ً‬ ‫م���ن إج���راء عمليات الفصد‪ ،‬واس���تخراج الحصى م���ن المثانة‬ ‫(‪ ،)Talla‬ومع ذلك فقد قام بكثير من العمليات الهامة والناجحة‪.‬‬ ‫يتبين لنا تلك التقاليد العلمية التي س���ادت بعض‬ ‫وم���ن ثم ّ‬

‫األسر النبيلة في الحضارة العربية اإلسالمية؛ هؤالء الذين ثبت‬

‫عندهم أن يتعلم األبناء على اآلباء واألجداد‪ ...‬وكما س���لكت‬ ‫األجيال الس���ابقة هذا المس���لك‪ ،‬نراه هو اآلخر يتعلم عن أبيه‬

‫الصناع���ة بش���قيها النظ���ري والعمل���ي‪ .‬وبعد طول الممارس���ة‪،‬‬

‫وصل الحفيد بصواب الرأي وحسن المعالجة وجودة التدبير‪،‬‬ ‫تل���ك الت���ي تميز بها نتيج���ة اهتمامه بالتجربة ف���ي إثبات صحة‬

‫الدواء وفعالية المعالجة‪.‬‬

‫ولي���س أدل عل���ى كثرة دربته (تجربته) من أنه أعاد تركيب‬

‫دواء مرك���ب كان وال���ده ق���د ركبه للملك‪ ،‬وأم���ر الوالد بصحة‬

‫تركيب���ه‪ ...‬ومثل ه���ذه الحالة تدلنا على الجان���ب النقدي لدى‬ ‫أطب���اء بني زه���ر‪ ،‬وأن التلمي���ذ ال ينبغي أن يكون نس���خة طبق‬

‫األصل من األستاذ حتى ولو كان والده‪ ،‬إذ لو تمسك التالميذ‬

‫بكل ما لدى األس���اتذة‪ ،‬لما تقدمت العلوم وتطورت‪ .‬ولذلك‬

‫يق���ول الباحث "خال���د حربي" في مقال له عن أس���رة بني زهر‬ ‫الطبي���ة‪" :‬وقد قادني البحث إل���ى الوقوف على جانب هام من‬

‫جوانب فكره‪ ،‬وهو ممارس���ته للعم���ل العلمي الجماعي‪ .‬فلقد‬ ‫يكون جماعة علمية ممتازة ومتعاونة‬ ‫اس���تطاع ذلك الحفيد أن ّ‬ ‫ضم���ت إل���ى جانبه أخت���ه وبنت أخت���ه‪ ...‬فكما تعل���م هو على‬

‫أبيه وأس���الفه‪ ،‬تعلم ابنه أبو محمد عليه‪ ،‬فأوقفه على كثير من‬ ‫أس���رار الصناعة وعملها‪ ،‬م���ن خالل الق���راءة النظرية ألمهات‬

‫الكتب الطبية إلى جانب الممارسة العملية"‪.‬‬

‫جميع مؤلفات ابن زهر تقع في مجال العلوم ��لطبية‪ ،‬وأسلوب‬ ‫وه���و ث���ري بمصطلحات���ه العلمي���ة المتمي���زة المخت���ارة بدق���ة‬ ‫بالغ���ة‪ ،‬والتي تدل على س���عة االطالع وعم���ق الخبرة العلمية‪،‬‬

‫وه���و أس���لوب محبب ألنه مرص���ع ببعض الطرائف الش���ائقة‪،‬‬ ‫والتعليق���ات الظريف���ة الت���ي يس���وقها بن زهر من واق���ع خبراته‬ ‫الشخصية وذكرياته في مهنة الطب‪.‬‬

‫كتبا كثيرة ف���ي الطب‪ ،‬إال أنه‬ ‫وعل���ى الرغ���م من أنه وض���ع ً‬

‫لم يش���تهر منها إال كتابان؛ كت���اب "االقتصاد وإصالح األنفس‬ ‫واألجساد"‪ ،‬وقد شجعه على تأليفه ‪-‬كما يرى‪ -‬األمير إبراهيم‬ ‫بن يوس���ف‪ .‬والثاني كتاب"التيسير في المداواة والتدبير"‪ ،‬وقد‬

‫وضعه بإشارة من صديقه ابن رشد الفيلسوف المشهور‪ .‬وكان‬ ‫أب���و مروان يؤم���ن بنظرية األمزجة الت���ي وضعها جالينوس من‬

‫الناحي���ة النظري���ة‪ ،‬ولكنه م���ن الناحية العملي���ة كان يؤمن إيما ًنا‬

‫قويا بالتجربة وأثرها؛ إذ كان يرى أن التجربة خير مرشد‪ .‬وله‬ ‫ًّ‬

‫في هذا الكتاب ابتكارات طبية تقوم على التجارب الصحيحة‬ ‫والمالحظات الدقيقة‪ ...‬وبذلك أضاف إلى علوم الطب ثروة‬

‫علمية جديدة‪.‬‬

‫وق���د كان الب���ن زه���ر مؤلف���ات أخ���رى مهم���ة‪ ،‬إال أنها لم‬

‫تش���تهر مث���ل هذين الكتابي���ن‪ ،‬وهي كتاب "الترياق الس���بعيني"‬ ‫ومختص���ره‪ ،‬وكتاب "األغذية"‪ ،‬ورس���الة كت���ب فيها إلى بعض‬ ‫األطب���اء بأش���بيلية ف���ي علمي "الب���رص" و"البه���ق"‪ ،‬ومقال في‬

‫أيضا كت���اب "التذكرة" وضع���ه لولده في‬ ‫"عل���ل الكل���ى"‪ .‬ول���ه ً‬

‫معالج���ة األم���راض‪ ،‬وفي���ه نصائ���ح تتص���ل باألح���وال الجوية‬ ‫وصلته���ا باألم���راض المألوف���ة في مدينة مراك���ش ومالحظات‬

‫ش���خصية تس���تحق الذكر‪ ،‬منها قوله‪" :‬إن أحسن عالج للحمى‬ ‫ف���ي األعضاء هي غمس المحموم في الماء البارد"‪ .‬وقد انتقد‬

‫وبين أضرارها‪،‬‬ ‫بشدة تهافت األطباء على استعمال المسهالت ّ‬

‫أيضا كت���اب "التعليق في‬ ‫تجنبها‪ .‬وله ً‬ ‫فإنما هي س���موم يج���ب ّ‬ ‫الطب"؛ وهو كتاب في اإلرشادات الطبية‪ ،‬ومخطوطه محفوظ‬ ‫في مكتبة "تشستربتي" بمدينة "دبلن" عاصمة "إيرلندا"‪.‬‬

‫ابن زهر وكتاب التيسير‬

‫أم���ا أه���م كت���ب ابن زهر وأش���هرها هو "التيس���ير ف���ي المداواة‬ ‫والتدبي���ر"‪ ،‬ألف���ه لصديقه الفيلس���وف ابن رش���د صاحب كتاب‬

‫‪51‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫"الكلي���ات في الط���ب" ليك���ون الكتابان‬ ‫متممي���ن أحدهما لآلخ���ر‪ .‬وقد ذكر ابن‬ ‫زه���ر نفس���ه أنه مأم���ور في تأليف���ه (على‬

‫ما يوضحه الجغراف���ي والمؤرخ التركي‬ ‫"حاج���ي خليف���ة" ف���ي كتاب���ه "كش���ف‬

‫الظنون عن أس���امي الكت���ب والفنون")‪.‬‬

‫وي���رى المؤرخ���ون أن ه���ذا الكتاب قد‬ ‫اش���تهر ش���هرة كبي���رة‪ ،‬ف�"المق���ري" ف���ي‬

‫مث���ال يق���ول‪" :‬وأما كتب‬ ‫"نف���ح الطيب"‬ ‫ً‬ ‫الطب‪ ،‬فالمشهور بأيدي الناس اآلن في‬ ‫أيضا في المش���رق‬ ‫المغرب‪ ،‬وقد س���ار ً‬ ‫لنبل���ه كتاب "التيس���ير" لعب���د الملك بن‬

‫اب��ن زهر‪ ،‬ه��و َمن تو�س��ل اإىل‬ ‫درا�سات وت�سخي�سات �رشيرية‬ ‫(اإكلينكي��ة) الأول م��رة ملر���س‬ ‫ال�رشطان واالأورام اخلبيثة‪ .‬يعترب‬ ‫لذلك‪ ،‬اأول من اأ�سار بالو�سف‬ ‫الدقي��ق اإىل الورم الذي يحدث‬ ‫يف ال�س��در ويف الغ�س��اء الذي‬ ‫يق�سم ال�سدر بالطول‪ ،‬وي�سمى‬ ‫حديثًا ب�"التهاب املن�سف"‪.‬‬

‫م���روان العالء بن زهر"‪ .‬وقد ترجم هذا‬ ‫الكتاب إلى الالتينية بعنوان "‪."Theisir‬‬

‫والكت���اب يتأل���ف م���ن ثالث���ة أقس���ام‪ ،‬ف���ي كل قس���م عدد‬

‫م���ن الرس���ائل‪ ،‬تخت���ص كل رس���الة منها بعدد م���ن األمراض‪.‬‬ ‫ويمي���ل اب���ن زهر ف���ي هذا الكت���اب إلى االقتص���اد والوضوح؛‬

‫عال���ج فيه مختلف األمراض الباطني���ة والجلدية باإلضافة إلى‬

‫الجراح���ة‪ .‬فق���د بحث فيه قروح ال���رأس وأمراضه وما يعرض‬ ‫له م���ن الخراجات‪ ،‬وأمراض األذنين واألنف والفم والش���فاه‬ ‫واألس���نان والعيون‪ ،‬وأمراض الرقبة والرئة والقلب والنقرس‪،‬‬

‫والحميات واألمراض الوبائية‪.‬‬

‫ال عن ذلك‪ ،‬خراج الحيزوم وص ًفا دقي ًقا ألنه‬ ‫ووصف فض ً‬

‫وفرق بينه‬ ‫كان‬ ‫ً‬ ‫مصاب���ا ب���ه‪ ،‬كما وصف التهاب غش���اء القل���ب ّ‬

‫وبي���ن الته���اب الرئة‪ ،‬وناقش في���ه كتاب "القانون" البن س���ينا‪،‬‬

‫أيضا كتاب"كامل الصناعة"‬ ‫والكتاب "الملكي" أو كما يس���مى ً‬ ‫للمجوس���ي‪ ،‬واتهمهما باإلطالة‪ .‬كما كان له اهتمام كبير ببيان‬ ‫فض���ل التغذي���ة الصناعية‪ ،‬وش���رح طريقتها بدق���ة ومهارة فائقة‬

‫سواء أكانت بطريق الحلقوم أم بطريق الشرج‪.‬‬

‫وال ش���ك أن تألي���ف ابن زه���ر مثل هذا الكت���اب في ذلك‬

‫العص���ر‪ ،‬عم���ل أصيل دع���اه إلى إنجازه ابن رش���د‪ .‬ويذكر ابن‬

‫زه���ر ف���ي مقدمة الكت���اب‪ ،‬أنه ما أق���دم على تأليفه إال بس���بب‬ ‫نقص الكت���ب الطبية وإلحاح اإلخوان عليه في تأليفه‪ .‬وقارئ‬ ‫ه���ذا الكت���اب يعجب باس���تقالل صاحبه بآرائ���ه وبجرأته على‬ ‫ال عن‬ ‫نق���د الخاطئ م���ن آراء المتقدمين الس���ابقين‪ ،‬وه���و فض ً‬

‫ذل���ك‪ ،‬كتاب عامر بالمالحظات الش���خصية واألفكار الخاصة‬ ‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪52‬‬

‫والنصائ���ح الطبية الثمينة‪ .‬وقد ألحق ابن‬ ‫زهر بهذا الكتاب مقالة أطلق عليها اسم‬ ‫"الجام���ع ف���ي األش���ربة والمعجونات"‪،‬‬ ‫وه���ي عبارة ع���ن مجموعة من وصفات‬ ‫األدوي���ة والعقاقي���ر والترياق���ات‪ ،‬وطرق‬ ‫تركيبه���ا ووج���وه اس���تعمالها‪ .‬ويالح���ظ‬ ‫أن وض���ع الع���الج ف���ي متن���اول غي���ر‬ ‫المتخصصي���ن أم���ر مع���روف ف���ي تل���ك‬ ‫العص���ور‪ ،‬كم���ا أن وصف���ات األدوي���ة‬ ‫المركب���ة التي أثبتها المؤل���ف تزيد على‬ ‫الخمس���ين‪ ،‬وفيها بيان تحضير األش���ربة‬ ‫ويع���د اب���ن‬ ‫والمراه���م والمعاجي���ن‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫زه���ر بس���بب ه���ذا الكتاب أعظ���م أطباء‬ ‫األندلس‪.‬‬

‫إنجازات ابن زهر الطبية‬

‫نج���ح ابن زه���ر في ع���الج "ش���لل البلع���وم"‬ ‫بث���الث ط���رق مختلفة أخذ بها األطباء من بع���ده‪ ،‬ومنها تغذية‬ ‫صناعي���ا بأنبوب من الفضة ينق���ل الغذاء من البلعوم‬ ‫المص���اب‬ ‫ًّ‬ ‫إلى المعدة‪.‬‬ ‫كان اب���ن زه���ر م���ن أوائ���ل األطب���اء الذين وصف���وا خراج‬ ‫الحي���زوم‪ ،‬والته���اب التام���ور (التهاب غش���اء القل���ب) اليابس‬ ‫واالنسكابي‪ ،‬وميز بينه وبين "التهاب غشاء الرئة" (‪.)Plura‬‬ ‫وبع���د نظر‪ ،‬لدراس���ة األمراض النفس���ية‪،‬‬ ‫تص���دى باقت���دار ُ‬ ‫واعتبرها حاصلة ع���ن عوامل عديدة منها الصدمات المتوالية‬ ‫الت���ي يتع���رض لها اإلنس���ان وصحة الجس���م‪ .‬ونصح بحس���ن‬ ‫معامل���ة المري���ض وإعطائ���ه العقاقي���ر المهدئ���ة‪ ،‬وإس���ماعه‬ ‫الطبيب المعال���ج بمعرفة حالة‬ ‫الموس���يقى‪ ،‬ونص���ح ‪-‬كذلك‪-‬‬ ‫َ‬ ‫مريضه‪ ،‬ألن ذلك يساعد على الشفاء‪.‬‬ ‫رائدا في مجال التخدير‪ ،‬إذ كان يخدر مرضاه بطريقة‬ ‫كان ً‬ ‫المنوم؛ وهو إس���فنج طبيعي يغمر في‬ ‫االستنش���اق باإلس���فنج‬ ‫ّ‬ ‫المنومة والمواد العطرية كاألفيون والسيكران‬ ‫مزيج من المواد‬ ‫ّ‬ ‫والزوان والش���يلم‪ ،‬ثم يجفف ويحفظ‪ ،‬وعند االستعمال يبلل‬ ‫مش���بعا بالمحل���ول المخ���در‪ ،‬ويس���تخدم ف���ي‬ ‫بالم���اء فيصب���ح‬ ‫ً‬ ‫التخدير بوضعه على أنف وفم المريض أثناء الجراحة‪.‬‬ ‫حازما ضد اس���تخدام المس���هالت‪،‬‬ ‫اتخ���ذ اب���ن زهر موق ًفا‬ ‫ً‬ ‫وهاج���م تهاف���ت األطب���اء عل���ى اس���تعمالها قائالً‪" :‬ما س���قيت‬ ‫(‪)Pharyngoplegia‬‬


‫مس���هال ق���ط كدواء إال واش���تغل بال���ي قبله بأيام وبع���ده بأيام‪،‬‬

‫الرئوي���ة‪ ،‬وأجرى عملية القصبة المؤدية إلى الرئة‪ ،‬وتمكن هو‬

‫أدويته���م ومراقبة تأثي���ر الدواء مدة ثالثة أيام‪ ،‬فإذا أفاد أمكنهم‬

‫أنبوب���ة مجوف���ة م���ن القصدي���ر لتغذي���ة المصابين بعس���ر البلع‪،‬‬

‫فإنما هي المس���هالت س���موم"‪ .‬وأوصى األطباء بالتلطف في‬ ‫زيادة الجرعة‪.‬‬

‫بع���د ذل���ك من تش���ريح القصبة ف���ي مرض الذبحة‪ ،‬واس���تعمل‬

‫واس���تعمل الحقن المغذية‪ ،‬واكتش���ف طفيلية الجرب وسماها‬

‫وص���ف ابن زهر طفيل الجرب (وهو في حقيقة األمر نوع‬

‫بسط طرق العالج القديمة‪ ،‬وأوضح أن الطبيعة‬ ‫"صؤابة"‪ ،‬كما ّ‬

‫تس���مى "الحلم" (‪ ،)Mites‬وقد أش���ار إليه باسم "قمل الجرب"‪.‬‬

‫عل���ى مناع���ة الجس���م الطبيعي���ة)‪ .‬وق���د توص���ل إلى دراس���ات‬

‫م���ن مفصليات األرج���ل) الصغيرة الش���بيهة بالعناك���ب‪ ،‬والتي‬

‫تكف���ي وحدها في الغالب لعالج األوجاع واألورام (االعتماد‬

‫لك���ن تبي���ن أن الطبي���ب "علي بن رب���ن الطبري" قد س���بقه إلى‬

‫وتش���خيصات س���ريرية (إكلينكية) ألول مرة لمرض الس���رطان‬

‫وتعرض ابن زهر في حياته العملية الطبية لجراحات المخ‬

‫إلى الورم الذي يحدث في الصدر‪ ،‬وفي الغش���اء الذي يقس���م‬

‫الب���ن زهر إنج���ازات رائدة باهرة في مجال أمراض الحلق‬

‫وقد عالج ابن زهر "الخثر" وهو جرب العين عند العرب‪،‬‬

‫تشخيص الكثير من هذه األمراض‪ ،‬بطرق بسيطة مبتكرة تعتمد‬

‫وقد نادى بالطب الوقائي في مقدمة كتابه "التيسير في المداواة‬

‫وصف ذلك الطفيل في القرن العاشر الميالدي‪.‬‬

‫والقلب والكبد والمعدة والصدر‪ ،‬وكتب عنها في مؤلفاته‪.‬‬

‫والحنج���رة‪ ،‬إذ نج���ده في كتابه "التيس���ير" يش���رح كيف يمكن‬ ‫عل���ى مق���درة الطبيب وق���وة مالحظته وفرط إحساس���ه‪ .‬وهذه‬ ‫تعتم���د عل���ى الفحص بالعيني���ن المجردتين‪ ،‬وتحس���س الحلق‬

‫والحنج���رة واألحب���ال الصوتية باألصابع‪ ،‬ورص���د أية تغيرات‬

‫تطرأ على ملمس هذه األعضاء‪ ،‬وعلى تكوين سطحها وعلى‬ ‫أيض���ا‪ ،‬نجد ابن‬ ‫كيفي���ة حرك���ة أجزائه���ا‪ .‬وفي كتاب "التيس���ير" ً‬

‫زهر يش���رح كيف يمكن بالنظر واللمس باألصابع‪ ،‬تش���خيص‬ ‫الكثي���ر من األمراض الت���ي تصيب هذه األعضاء‪ ،‬بما في ذلك‬

‫األم���راض النادرة الحدوث‪ ،‬مث���ل األورام الحميدة أو الخبيثة‬ ‫وشلل األحبال الصوتية‪.‬‬

‫واألورام الخبيث���ة‪ .‬وهو لذلك أول من أش���ار بالوصف الدقيق‬ ‫الصدر بالطول‪ ،‬ويسمى حدي ًثا ب�"التهاب المنصف"‪.‬‬

‫والرمد الحبيبي حدي ًثا‪ ،‬بواس���طة الجراحة بش���ق شريان الخثر‪.‬‬ ‫والتدبي���ر"‪ ،‬حيث قدم أكثر من عش���رين نصيح���ة تتعلق بحفظ‬ ‫الصح���ة‪ ،‬وق���ال إنها ته���دف إلى "إدامة أس���باب الصحة ودفع‬ ‫أس���باب األس���قام"‪ .‬وهو أول من وصف التهاب غش���اء القلب‬

‫وفرق بينه وبين أمراض الرئة‪.‬‬ ‫الرطب والناشف‪ّ ،‬‬

‫والبن زه���ر كلمات طبية رائعة مثل قوله‪" :‬الخبرة وحدها‬

‫هي المرشد‪ ،‬ومحك الممارسة المعقولة لتبرئة ساحة األطباء أو‬ ‫صحيحا تفوق بعض األعضاء‬ ‫إدانتهم يوم القيامة"‪ ،‬وقوله‪" :‬ليس‬ ‫ً‬ ‫عل���ى بع���ض‪ ،‬وال تفوق القل���ب والمخ على م���ا عداهما‪ ،‬إنما‬

‫الكل في ارتباط وانسجام تام"‪ ،‬وقوله‪" :‬وأنبل الحواس العين"‪.‬‬

‫لقد كانت معالجات ابن زهر مختارة‪ ،‬وتدل على قوته في‬

‫غريب���ا أن نج���د المستش���رقة األلمانية‬ ‫وم���ن هن���ا ال يك���ون ً‬

‫المرضى دون أن يس���ألهم عن أوجاعهم‪ ،‬إذ كان يقتصر أحيا ًنا‬

‫أن تق���ول‪" :‬إن الطبيب اإلش���بيلي ابن زهر‪ ،‬المتحدر من عائلة‬

‫صناعة الطب‪ ،‬وله نوادر في تشخيص األمراض‪ ،‬ومعرفة آالم‬ ‫عل���ى فحص أح���داق عيونهم‪ ،‬أو على ج���س نبضهم‪ ،‬أو على‬ ‫النظر إلى قواريرهم (قناني البول)‪.‬‬

‫"زيغريد هونكة" في كتابها "شمس العرب تسطع على الغرب"‬ ‫عريقة في الطب تمتد فروعها حتى تصل إلى جذورها العربية‬

‫األصيلة‪ ،‬قد وضع كتابه "التيس���ير في المداواة والتدبير" وهو‬

‫وت���دل آث���اره الت���ي وصل���ت إلين���ا‪ ،‬عل���ى أن���ه كان جي���د‬

‫موسوعة طبية يظهر فيها تضلع ابن زهر من الطب وموهبته فيه‪.‬‬

‫له ابتكارات ‪-‬اس���تحدثها هو‪ -‬لم يصل إليها أحد في اإلسالم‬

‫كثيرا من الممارسات الطبية العملية التي جعلت من صاحبها‬ ‫ً‬

‫حس���ن المعالجة‪،‬‬ ‫االس���تقصاء في األدوي���ة المفردة والمركبة‪َ ،‬‬ ‫أو قبل اإلس���الم‪ .‬إنه طبيب إكلينكي‪ ،‬يعتمد على المالحظات‬

‫الس���ريرية‪ ،‬ومعرفة أعراض المرض‪ ،‬واس���تقصاء أسبابه وعلله‬ ‫م���ن أج���ل عالج األس���باب‪ ،‬لتختف���ي األع���راض‪ .‬ولذلك فقد‬

‫توصل بفضل قياساته الطبية والتجريبية الشخصية إلى الكشف‬ ‫ع���ن أم���راض جديدة لم تدرس من قب���ل‪ .‬فقد اهتم باألمراض‬

‫كثيرا من االكتش���افات العلمية‪ ،‬وأتقن‬ ‫لقد أضاف ابن زهر ً‬

‫أش���هر وأكب���ر أعالم الطب العربي واإلس���المي ف���ي األندلس‪،‬‬

‫وعمل���ت على تطور وتق���دم علم الطب ف���ي العصور الالحقة‬ ‫حتى وصلت إلى الغرب الذي عرفه باسم (‪.)Avenzoar‬‬

‫(*) رئيس قسم الفلسفة واالجتماع‪ ،‬كلية التربية‪ ،‬جامعة عين شمس ‪ /‬مصر‪.‬‬

‫‪53‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫قضايا فكرية‬ ‫أ‪.‬د‪ .‬عمار جيدل*‬

‫ﻋﲆ ﻗﺪر ﻋﻠﻮ ﻫﻤﺘﻚ ﺗﻜﻮن ﻋﻨﺪ اﻟﻠﻪ ﻣﻨﺰﻟﺘُﻚ‪ ،‬وأﻋﻼ ﻣﻘﺎﻣﺎت اﻟﻬﻤﻢ اﻟﺘﻀﺤﻴ ُﺔ واﻟﻔﺪا ُء ﻣﻦ أﺟﻞ إﺳﻌﺎد اﻵﺧﺮﻳﻦ‪..‬‬ ‫آﺛ ْﺮ ﺳﻌﺎدة اﻵﺧﺮﻳﻦ ﻋﲆ ﺳﻌﺎدﺗﻚ‪ْ ،‬‬ ‫وﻃﺄ ﺑﻘﺪﻣﻚ ﺣﺘﻰ ﻛﺮاﻣﺘﻚ‪ ،‬وﻟﻴﻜﻦ ﴍ ُﻓﻚ ﻣﻦ ﴍف أﻣﺘﻚ‪ ..‬واﻛﻈﻢ ﻏﻴﻈﻚ‪،‬‬ ‫واﻛﺘﻢ آﻻﻣﻚ‪ ،‬واﻏﻀﺐ ﻷﻣﺘﻚ وﻻ ﺗﻐﻀﺐ ﻋﻠﻴﻬﺎ‪ ،‬وازْأ ْر ﻻ ﻹﺧﺎﻓﺘﻬﺎ وﻟﻜﻦ ﻹﺧﺎﻓﺔ أﻋﺪاﺋﻬﺎ‪ ..‬ﻓﺘﻠﻚ ﻫﻲ اﻟﺘﻀﺤﻴﺔ‬ ‫اﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﻀﺤﻴﺔ ﻗﺒﻠﻬﺎ وﻻ ﺗﻀﺤﻴﺔ ﺑﻌﺪﻫﺎ‪.‬‬ ‫)اﳌﻮازﻳﻦ(‬ ‫***‬

‫أسس بعث الفعالية‬

‫في فقه محمد البشير اإلبراهيمي‬ ‫يج���د المتأم���ل المتدب���ر فيم���ا كتب���ه العالم���ة محم���د البش���ير اإلبراهيمي‬

‫(‪1889‬م‪1965-‬م) أنه أمام نص أدبي رفيع‪ ،‬يكاد أن يكون من نصوص‬ ‫فتحكمه‬ ‫خصيصا إلى هذا العص���ر‪،‬‬ ‫عص���ر االحتج���اج اللغوي جيء ب���ه‬ ‫ّ‬ ‫ً‬

‫وغربا‪،‬‬ ‫ال بين ش���يوخ زمانه وأقرانه ش���ر ًقا‬ ‫قل أن تجد له مثي ً‬ ‫بناصية اللغة العربية وآدابها ّ‬ ‫ً‬ ‫تحكمه بناصية اللس���ان العربي من‬ ‫ق���ال الش���يخ محمد الغزالي ‪-‬رحم���ه اهلل‪ -‬في وصف ّ‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪54‬‬


‫تمكنه من‬ ‫خ���الل محاضرة ألقاها‪" :‬كان ّ‬

‫بارزا في أس���لوب األداء‬ ‫األدب العرب���ي ً‬

‫وطريق���ة اإللقاء‪ ،‬والحق أن الرجل ُرزق‬ ‫س���احرا‪ ،‬وتأ ّن ًقا في العب���ارة يذكرنا‬ ‫بيا ًن���ا‬ ‫ً‬

‫بأدباء العربية في أزهى عصورها"‪.‬‬

‫وإن تعج���ب م���ن لغت���ه فالعج���ب‬ ‫ْ‬ ‫دبجها‬ ‫األكب���ر يتجلى في المباحث التي ّ‬ ‫يراع���ه‪ ،‬فم���ا م���ن ف���ن كتب في���ه إال كان‬

‫فارس���ا ال يبارى كأني به ال يحس���ن‬ ‫فيه ً‬ ‫غي���ره‪ .‬وبالرغ���م من الميادين الفس���يحة‬

‫التحكم‬ ‫تجش���مها فقد ظ ّلت مي���زة‬ ‫ّ‬ ‫التي ّ‬ ‫والضب���ط المعرف���ي والمنهج���ي مي���زة‬

‫عام���ة‪ .‬وتالح���ظ حي���ن الق���راءة ل���ه‪ ،‬أن‬

‫اإن احلي��اة العملي��ة تنبن��ي على‬ ‫احلي��اة العلمي��ة ق�� ّوة و�سعفً��ا‬ ‫إنتاجا وعمال ً‪ ،‬واإن اأفراد االأمة‬ ‫وا ً‬ ‫ال يكون��ون اأقوياء يف العمل اإال‬ ‫اإذا كان��وا اأقوي��اء يف العلم‪ ،‬وال‬ ‫يكونون اأقوي��اء يف العلم اإال اإذا‬ ‫انقطعوا له ووقفوا عليه الوقت‬ ‫كله‪ ...‬اإن العلم ال يعطي القياد‬ ‫اإال ملن مه��ره ال�سه��اد و�رشَف‬ ‫اإليه اأعنّة االجتهاد‪.‬‬

‫ومؤه���الت ذهني���ة‬ ‫���ادا‬ ‫للرج���ل ذكاء و ّق ً‬ ‫ّ‬

‫بوج���وب نقلها من المباحثة النظرية إلى‬

‫التنفيذ العملي‪ ،‬ويتجلى المقصد نفس���ه‬

‫من اهتمامه باس���تجالب العبر والعظات‬

‫م���ن مباح���ث التاريخ وس���ير أمجاده مع‬ ‫الح���ث على ضرورة إحيائه���ا‪ .‬ويتو ّقف‬

‫نجاح تلك الجهود على تطهير النفوس‬

‫م���ن األم���راض االجتماعي���ة والنفس���ية‪،‬‬ ‫له���ذا ينص���ح بالتو ّق���ف عن���د األم���راض‬ ‫االجتماعية وجوائحها النفسية والخلقية‬

‫الت���ي حجبت عنا وج���ه الحياة‪ ،‬وأخفت‬

‫علين���ا مس���الكه‪ ،‬وينصح بع���دم االكتفاء‬ ‫بالتو ّق���ف النظ���ري البح���ت‪ ،‬ب���ل يج���ب‬

‫االنتقال إلى تش���ريح الداء وبيان الدواء‪،‬‬

‫تو ّلدت عنها نباهة عقلية وضبط منهجي من المصاف العالي‪،‬‬

‫تيس���يرا للتمزي���ق العلم���ي والعمل���ي‬ ‫ً‬ ‫للجالبي���ب التي أضفاه���ا الجهل على عقولنا فل���م نفقه معنى‬

‫وف���اق به���ا علم���اء الزمان من الش���رقيين والغربيي���ن‪ ،‬ولم يكن‬

‫ال���رؤوس ويتباهى بها في المجالس‪ ،‬بل ألجل الفعالية‪ ...‬وال‬

‫يدفع إلى االعتراف له بالقدرة على الضبط التي ّبز بها األقران‬

‫الحي���اة وفق���ه الحياة‪ ،‬ليس من قبيل المعارف التي تحش���ى بها‬

‫تندر أو رغبة في غلبة بقدر ما كان‬ ‫اهتمامه بها ألجل ّ‬ ‫تفكه أو ّ‬

‫يتو ّقف في بعث الفعالية عند الميادين المشار إليها وفق الرأي‬

‫تحويل المعارف إلى فعالية‬

‫في���ه ودع���وة الغافلي���ن أو المتخ ّلفي���ن ع���ن ركابه إلى التش���مير‬

‫الهمة ببعث فعالية مفقودة‪.‬‬ ‫متع ّلق ّ‬

‫الش���ائع‪ ،‬بل ينتظر بيان العلم في آفاقه الواس���عة‪ ،‬مع الترغيب‬

‫يتجل���ى ف���ي مجمل ما كت���ب‪ ،‬اهتمامه البالغ بمس���ألة الفعالية؛‬

‫التمس���ك بأس���بابه ويأخذونه‬ ‫عن س���اعد الجد‪ ،‬فيس���ارعوا إلى‬ ‫ّ‬

‫نصا غير ناطق بسؤال‬ ‫محمد البشير اإلبراهيمي‪ ،‬فال تكاد تجد ًّ‬

‫قائ���ال‪" :‬ابحثوا ون ّقب���وا واحدوا‬ ‫وعلومه���ا وآدابه���ا فيدعوه���م‬ ‫ً‬

‫فتكاد مسألة الفعالية أن تكون طابع مجموع مسموع ومكتوب‬

‫الفعالية في مجموع ما نقل عنه‪ .‬بلغ االهتمام بمسألة الفعالية‬ ‫فيصرح به���ا في التراج���م ويعمل على‬ ‫ف���ي فق���ه الرجل م���داه‪،‬‬ ‫ّ‬

‫اس���تجالبها ف���ي ميادي���ن المباحث���ة والنظر والتأصي���ل‪ ،‬ورأس‬

‫مداخ���ل الفعالية اإلحس���ان والذي م���ن مقتضياته أن ال يكتب‬ ‫يتحك���م فيه من‬ ‫الراغ���ب ف���ي تحصي���ل الفعالي���ة ف���ي غي���ر م���ا‬ ‫ّ‬

‫المعارف ويحسن بحث موضوعه‪.‬‬

‫يؤك���د حض���ور س���ؤال الفعالي���ة م���ا اقترح���ه عل���ى كت���اب‬ ‫ّ‬

‫م���ن أقطابه‪ .‬ويختم تلك الميادين الباعث���ة على الفعالية باللغة‬

‫ركابها وطربوا‪ ،‬واسعوا لبيان فضلها سعيكم لتعليمها‪ ،‬وأشربوا‬

‫غرد بلبل بغير حنجرته"‪.‬‬ ‫قلوب أوالد هذه األمة‪ :‬أ ّنه ما ّ‬

‫تتح���ول المع���ارف‬ ‫ب���ر علي���ه أن‬ ‫ّ‬ ‫وف���ي مق���ام الفعالي���ة َي ْك ُ‬ ‫أش���باحا بال أرواح بفع���ل التقليد وق ّلة االس���تقالل‬ ‫اإلس���المية‬ ‫ً‬ ‫لفق���د االس���تدالل‪ ،‬واألدهى م���ن كل ذلك أن يلق���ى االهتمام‬

‫باالس���تدالل ال���ذي ه���و عن���وان االس���تقالل‪ ،‬التضيي���ق عوض‬

‫المباركة والتأييد‪ .‬قال األستاذ في سياق تأبينه للمرحوم محمد‬

‫"البصائ���ر" (لس���ان حال الجمعية)‪ ،‬فنصحه���م بالكتابة في بيان‬

‫بن ش���نب (أحد أعالم الجزائر األفذاذ)‪" :‬أما أس���لوب البحث‬

‫ال‪،‬‬ ‫نشرا‬ ‫علما وعم ً‬ ‫ونصرا بعد إحيائها ً‬ ‫والسنن ّ‬ ‫ً‬ ‫الميتة بإحيائها ً‬

‫الخاصة به ونعته الصادق"‪ ،‬ثم ينتقل إلى بيان سبب اإلعجاب‬

‫وش���رح حقائ���ق الدي���ن وفضائل���ه‪ ،‬وآداب اإلس���الم وحكمه‪،‬‬ ‫ورف���ع األص���وات بل���زوم إحيائه���ا‪ ...‬وف���ي كل ذل���ك تصريح‬ ‫ببع���ث الفعالية المفقودة في درس تلك المباحث‪ ،‬مع التذكير‬

‫العلم���ي وبن���اؤه عل���ى المحاكم���ة والنق���د فهو ظاه���رة الرجل‬

‫ب���ه فيق���ول‪" :‬الس���بب ه���و أنني نظرت ف���ي جميع م���ا لدينا من‬ ‫تتبع أطوار العلوم‬ ‫نسميه ً‬ ‫تراث األوائل مما ّ‬ ‫علما‪ ،‬وأمعنت في ّ‬

‫‪55‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫اإلس���المية م���ن النقطة الت���ي وصل إليها‬

‫مداها في االتس���اع إلى المنشأ األصلي‪،‬‬ ‫فوجدت أن جميع علومنا اإلسالمية في‬ ‫جمي���ع أدوارها يعوزها االختبار والنقد‪،‬‬

‫يعوزها االس���تقالل في ال���رأي‪ ،‬تعوزها‬ ‫الش���جاعة‪ ...‬إل���ى أن ج���اءت عص���ور‬

‫االنحط���اط؛ ف���كان ذلك اإلع���واز بذرة‬ ‫فاس���دة للتقليد في جمي���ع علومنا حتى‬

‫أش���باحا بال أرواح‪ ،‬فال عجب‬ ‫أصبحت‬ ‫ً‬ ‫إذا أكبرت الرجل وأكبرت كل من يو ّفق‬

‫إلى غرس هذه الملكة فيه في نفسه‪".‬‬

‫الفاعلية المنشودة برنامج عملي عام‬

‫أه��م عنا�رش التاأ�سي���س للفعالية‬ ‫ا ّ‬ ‫ّ��م‪ .‬واالأم��ة الت��ي ال تتعلّم‬ ‫التعل ُ‬ ‫يغتاله��ا اجلوع العقل��ي‪ ،‬واالأمة‬ ‫الت��ي ال تعم��ل يغتاله��ا اجل��وع‬ ‫البدين‪ ،‬لهذا فاالأم��ة التي تتعلّم‬ ‫هي اأمة امل�ستقبل‪ ،‬واأمة امل�ستقبل‬ ‫ه��ي اأم��ة �سحيح��ة العق��ول‪،‬‬ ‫�سحيح��ة العقائ��د‪� ،‬سحيح��ة‬ ‫التفك��ر �سحيح��ة االأب��دان‪،‬‬ ‫�سحيحة االأعمال‪.‬‬

‫نتحول من مجتمع‬ ‫مقص���د الفعالية؛ أن‬ ‫ّ‬ ‫التف���كك والتخاذل وضعف البصائر في‬ ‫ّ‬

‫أقوي���اء ف���ي العل���م إال إذا انقطعت���م ل���ه‬ ‫ووقفت���م علي���ه الوق���ت كل���ه‪ ...‬إن العلم‬

‫ال يعط���ي القي���اد إال لم���ن مهره الس���هاد‬ ‫أعنة االجتهاد"‪.‬‬ ‫وصرف إليه ّ‬ ‫َ‬

‫أسس بعث الفعالية‬

‫‪ -1‬الع���ودة إل���ى هداية الكتاب والس���نة‬ ‫وس���يرة الس���لف الصال���ح‪ ،‬والتركي���ز‬

‫عل���ى الجوان���ب الهدائي���ة ‪-‬وف���ي ذل���ك‬

‫لفت نظ���رٍ إلى ترك المباحث���ات النظرية‬ ‫الت���ي ال طائ���ل منه���ا ف���ي حاض���ر األمة‬ ‫ومس���تقبلها‪ -‬والتركيز في تفسير القرآن‬

‫عل���ى تفهي���م معاني���ه وأحكام���ه وحكمه‬

‫وآدابه ومواعظه والتفهيم‪ ...‬تابع للفهم‪،‬‬

‫فمن أحس���ن فهمه أحسن تفهيمه‪ .‬وفهم‬

‫منظمة في جميع‬ ‫الدين والدنيا إلى مجتمع خاص منتج لنهضة ّ‬

‫الق���رآن يتو ّق���ف ‪-‬بع���د القريح���ة الصافية والذه���ن النير‪ -‬على‬

‫الدي���ن واألخ���الق والعل���م والم���ال‪ ،‬وهو أصل م���ا ترمي إلى‬

‫المبينة لمقاصد القرآن‪ ،‬الشارحة ألغراضه بالقول والعمل‪.‬‬ ‫ّ‬

‫ل���وازم حياتنا االجتماعية والخاصة‪ .‬وألزم هذه اللوازم أربعة‪:‬‬ ‫تحقيق���ه جمعية العلماء المس���لمين الجزائريين بطريق إرش���اد‬

‫األمة إلى هداية الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح‪.‬‬

‫التعمق في أسرار البيان العربي‪ ،‬والتف ّقه لروح السنة المحمدية‬ ‫ّ‬ ‫قصارى ما يطلب في هذا الباب‪ ،‬التركيز على لباب العلم‬

‫واطراح القشور وما ال محصول‬ ‫والرمي إلى أغراضه السديدة‪ّ ،‬‬

‫أن اإلسالم الرتكازه على مبدأ الفعالية‪ ،‬دفع‬ ‫ذكر األس���تاذ ّ‬

‫له من المباحث‪ ،‬وإيثار العلم المفهوم على العلم المحفوظ‪.‬‬

‫الحياة‪ ،‬دفع األبطال إلى الفتح وجعل الرفق رديفه‪ ،‬ودفع أولي‬

‫االختب���ار والنق���د واالس���تدالل‪ ،‬وال طري���ق لبلوغه���ا م���ن غير‬

‫عرفهم بمعاني‬ ‫أبناءه بروحانيته العنيفة إلى ميادين الحياة بعد أن ّ‬

‫الهم���م إلى المل���ك وجعل الع���دل حليفه‪ ،‬ودف���ع العلماء إلى‬ ‫التربي���ة وجعل اإلصالح غايتها‪ ،‬ودفع األغنياء إلى بناء المآثر‬

‫���د كل واحد ثغ���رة وأبقى فيها‬ ‫ع���زة األم���ة نهايتها‪َ ،‬ف َس ّ‬ ‫وجع���ل ّ‬

‫اآلثار الخوالد‪ ،‬أبقى األبطال تلك الفتوحات التي هي مفاتيح‬ ‫مل���ك اإلس���الم‪ ،‬وأبق���ى الخلفاء تلك الس���ير الت���ي هي جمال‬

‫األيام‪ ،‬وأبقى تلك األسفار الكريمة التي عطر التاريخ أزهاره‪،‬‬ ‫وأبق���ى األغني���اء ه���ذه المعاقل الباذخ���ة التي هي بي���وت اهلل"‪.‬‬ ‫أن الفعالي���ة المنش���ودة برنام���ج عملي عام‪،‬‬ ‫ّبي���ن األس���تاذ ّ‬

‫‪ -2‬التأس���يس لثقافة االس���تقالل في الرأي بتش���جيع ثقافة‬

‫الش���جاعة األدبية والنفس���ية‪ ،‬وتكاد آثاره أن تكون ناطقة بهذا‬ ‫المقص���د‪ ،‬ولك���ن الخل���وص إل���ى عقلي���ة االختب���ار والنقد ثم‬

‫تأسيسا لالس���تقالل في الرأي والمحاكمة‪ ،‬بحاجة‬ ‫االس���تدالل‬ ‫ً‬ ‫إلى صناع ٍة تستوجب إعادة النظر في طرائق التعليم ومصنفاته‬

‫مش���كورا‬ ‫جهدا‬ ‫ومس���توى تحصيل معلميه‪ .‬وقد بذل األس���تاذ ً‬ ‫ً‬ ‫ألجل تحقيق هذا القصد بالتوجيه واإلرش���اد والتنظيم‪ ،‬وكان‬ ‫القص���د من تل���ك األعمال الجليلة‪ ،‬دفع عقلية "س��� ّلم تس���لم"‬

‫"فالعزة الالمعة‬ ‫و"س��� ّلم للرجال في كل حال"‪ .‬قال األس���تاذ‪:‬‬ ‫ّ‬

‫سي ًدا‬ ‫يفرض على المس���لم الهيمنة على قس���مي الحياة فيكون ّ‬

‫في جبين هذه النهضة العلمية هي اقتران العلم بدليله‪ ،‬فأصبح‬

‫أن "الثانية منهما تنبني‬ ‫متو ّقفة على الس���يادة في األول���ى‪ ،‬ذلك ّ‬

‫بالدليل‪ ،‬ويحكمون بالدليل ولو على أنفسهم"‪.‬‬

‫ولكن الس���يادة في الثانية‬ ‫ف���ي الحي���اة العلمية والحياة العملية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وعم���ال‪ ،‬وإنكم ال تكونون‬ ‫وإنتاجا‬ ‫ق���وة وضع ًفا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫عل���ى األولى ّ‬ ‫أقوي���اء في العم���ل إال إذا كنتم أقوياء ف���ي العلم‪ ،‬وال تكونون‬ ‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪56‬‬

‫علماؤن���ا يعمل���ون بالدلي���ل‪ ،‬ويدع���ون إل���ى الدلي���ل ويطالبون‬ ‫‪ -3‬التأكي���د على أن الحياة الدنيا للعاملين وأن العاقبة في‬

‫للمتقين‪ ،‬وكالهما برنامج عملي يتأسس على الفعالية‬ ‫اآلخرة ّ‬


‫في ش���عاب الحياة‪ .‬وفي هذا الرأي توجيه النظر إلى البذل في‬

‫البشر منها بقدر ما بذلوا لتذليلها‬ ‫ش���عاب الحياة‪ ،‬فالدنيا يأخذ‬ ‫ُ‬

‫على وفق أمر ربها‪.‬‬

‫‪ -4‬ينتظ���ر م���ن أف���راد األم���ة الس���عي واالقتن���اع الت���ام بأن‬

‫العناص���ر الضعيف���ة محكوم عليه���ا بالذوبان وفق س���نة اهلل في‬ ‫الكائن���ات‪ ،‬وه���ذا يفرض أن تملك األم���ة عناصر القوة وتدفع‬

‫عن نفسها عناصر الضعف‪ ،‬وال مطمع في إنشاء القسم األول‬ ‫وأهم‬ ‫ودف���ع الثان���ي بغير أمة تعيش الفعالية في أعمق أعماقها‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫عناصر التأس���يس للفعالية التع ّلم‪ .‬واألمة التي ال تتع ّلم يغتالها‬ ‫الج���وع العقلي‪ ،‬واألم���ة التي ال تعمل يغتاله���ا الجوع البدني‪،‬‬

‫له���ذا فاألم���ة التي تتع ّل���م هي أمة المس���تقبل‪ ،‬وأمة المس���تقبل‬ ‫ه���ي أمة صحيحة العق���ول‪ ،‬صحيحة العقائد‪ ،‬صحيحة التفكير‬

‫صحيحة األبدان‪ ،‬صحيحة األعمال‪.‬‬

‫‪ -5‬االس���تفادة م���ن األم���م المتقدمة ف���ي العل���م والمعرفة‬

‫والنظ���ام‪ ،‬فخ���ذوا منها العب���رة‪ ،‬وخذوا من مصائره���ا العظة‪...‬‬ ‫فالنظ���ام أس���اس النجاح ف���ي التربي���ة التعليمي���ة واالجتماعية‪،‬‬ ‫كل مناحي عملي���ة التعليم‬ ‫ونظامن���ا يس���توجب اإلص���الح ف���ي ّ‬

‫ث���م الحي���اة‪ ،‬وال ضي���ر على اإلط���الق من اإلفادة م���ن التجربة‬

‫اإلنسانية في مجال التنظيم‪.‬‬

‫يبز المسلمون غيرهم من األمم األخرى‪:‬‬ ‫‪ -6‬األخالق بها ّ‬

‫وتفرعت أفنانه‪ ،‬وأس���لس‬ ‫العلم وحده مهما‬ ‫ّ‬ ‫تش���عبت أغصانه‪ّ ،‬‬

‫ال‬ ‫عصي���ه حتى فتح���ت مغلقات الكون‪ ،‬لم ولن يغ���ن عنها فتي ً‬ ‫ّ‬ ‫مفس���دا عن‬ ‫ينهى‬ ‫ال‬ ‫العلم‬ ‫إن‬ ‫والفضائل‪.‬‬ ‫األخ���الق‬ ‫تغني‬ ‫مم���ا‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫مجرما عن اإلج���رام‪ ،‬وال يميت في نفوس‬ ‫اإلفس���اد‪ ،‬وال ي���زع‬ ‫ً‬ ‫األقوي���اء غرائ���ز الع���دوان والبغ���ي عل���ى الضعفاء‪ ،‬ب���ل ما زاد‬

‫وتفننا في اإلثم‪...‬‬ ‫المتجردين من الفضيلة إال ضراوة بالش���ر‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫له���ذا يحث األس���تاذ اإلبراهيمي على جعل الفضيلة رأس���مال‬

‫ربحا‪ .‬وعمدة انسياب األخالق في‬ ‫نفوس التالميذ وجعل العلم ً‬

‫ضمائر المتلقين تخلُّق المرشد بالخالل التي يدعو إليها‪ .‬لهذا‬ ‫ينصح األس���تاذ ألجل تيس���ير فعالية جنود اإلصالح في عملية‬

‫اإلصالح‪ ،‬أن يعتنوا بإصالح أنفسهم ومداواتها من داء األنانية‬ ‫والغ���رور والتحل���ي باألخوة‪ ،‬والتع���اون والتس���اند والتضامن‪.‬‬ ‫توجي���ه األمة للصالحات وتربيتها التربية العقلية والروحية‬

‫المثمرة‪ ،‬ورياضتها على الفضيلة الشرقية اإلسالمية‪ ،‬وتصحيح‬

‫نظرتها للحي���اة‪ ،‬ووزنها للرجال‪ ،‬وتقديرها لألعمال‪ ،‬وتحقيق‬

‫ومحب���ة إخوانهم في‬ ‫مكون���ات المجتم���ع‪،‬‬ ‫روح التآخ���ي بي���ن ّ‬ ‫ّ‬

‫والمحبة‪ ،‬االتص���ال والتعارف‬ ‫العل���م‪ ،‬وأوثق وس���يلة للتآخ���ي‬ ‫ّ‬ ‫التطور العلمي الذي وس���يلته العمل‬ ‫ثم التعاون‪ ،‬ودعوتها إلى‬ ‫ّ‬

‫واإلنت���اج والدخول ف���ي الميادين العامة والتغلغل في ش���ؤون‬ ‫الحياة"‪ .‬وهذا يفرض البعد عن األس���اليب الش���ائعة بين علماء‬ ‫زمان���ه‪ ،‬إذ كان ديدنه���م اإلجاب���ة عن األس���ئلة دون تو ّقف عند‬ ‫أس���بابها وطرق دفعها‪ ،‬ذلك أنهم رجال انقطعت الصلة بينهم‬ ‫وبي���ن أهل زمانهم‪ ...‬وبهذه الس���يرة الت���ي كانوا عليها خرجت‬ ‫األمة من أيديهم إلى أيد ال تحسن قيادة األمة‪.‬‬ ‫‪ -7‬تش���جيع التخص���ص العلم���ي واالبت���كار والمطالع���ة‬ ‫"الحق أقول إن ش���بابنا كس���ول عن‬ ‫المس���تمرة‪ ،‬قال األس���تاذ‪:‬‬ ‫َّ‬ ‫المطالعة‪ ،‬والمطالعة نصف العلم أو ثلثاه‪ .‬فأوصيكم يا شباب‬

‫بانتظام‬ ‫الخي���ر بإدم���ان المطالعة واإلكباب‪ ،‬ولتك���ن مطالعتكم‬ ‫ٍ‬

‫حرصا على الوقت أن يضيع في غير طائل‪ ،‬وإذا كنتم تريدون‬ ‫ً‬ ‫الكمال فهذه إحدى سبل الكمال‪.‬‬

‫وتعليما‪ ،‬وإجادته���ا تك ّلما‬ ‫علم���ا‬ ‫ً‬ ‫‪ -8‬إت�����ان اللغ���ة العربي���ة ً‬

‫ٍ‬ ‫دررا من العلم‪،‬‬ ‫وكتابة وخطابة‪ ،‬فالنهضة تقوم على ألسنة تنثر ً‬ ‫وأقالم تسيل رحمة في مواطن‬ ‫وألسن ٍة تنفث السحر من البيان‪،‬‬ ‫ٍ‬

‫وتمج السمام أو تنثر السهام في مواطن الغضب للحق‬ ‫الرحمة‬ ‫ّ‬

‫و ال���ذود ع���ن الح���ق‪ ،‬وال طريق لتصوي���ر تل���ك الحقائق بغير‬ ‫التحكم في اللسان العربي‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫(*) كلية العلوم اإلسالمية‪ ،‬جامعة الجزائر ‪ /‬الجزائر‪.‬‬

‫المراجع‬ ‫(‪ )1‬آث���ار اإلم���ام محم���د البش���ير اإلبراهيمي‪ ،‬ألحم���د طال���ب اإلبراهيمي‪ ،‬دار‬ ‫الغرب اإلسالمي‪ ،1997 ،‬بيروت‪.‬‬ ‫والعالم���ة محم���د البش���ير اإلبراهيم���ي‪ ،‬ه���و من أب���رز أع���الم اإلصالح في‬ ‫احا بم���ا انتهت إلي���ه قناعاته‪ ،‬وال‬ ‫العالمي���ن العرب���ي واإلس���المي‪ .‬كان ّ‬ ‫صد ً‬ ‫يخاف في إبدائها لومة الئم‪ ،‬ترأس جمعية العلماء المس���لمين الجزائريين‬ ‫بعد وفاة الشيخ الرئيس عبد الحميد بن باديس (‪1940/04/16‬م)‪ .‬وكانت‬ ‫وف���اة اإلبراهيم���ي يوم الخمي���س ‪ 18‬من محرم ‪1385‬ه����‪ ،‬الموافق ‪ 20‬من‬ ‫مايو‪1965‬م‪.‬‬

‫‪57‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫علوم‬

‫أ‪.‬د‪ .‬عرفان يلماز*‬

‫الكنغر‬

‫والدة قبل النمو‬ ‫طاب���ت أيام���ك أيها اإلنس���ان‪ ...‬أن���ا "الكغنر"‪،‬‬

‫المخل���وق المتمي���ز ع���ن باق���ي المخلوق���ات‬ ‫بطريق���ة اإلنج���اب والتكاث���ر‪ .‬معرفت���ك ب���ي‬

‫حديث���ة العه���د مقارن��� ًة بالحيوانات األخ���رى الت���ي عرف َتها من‬

‫زم���ان بعي���د؛ فمن���ذ آدم  وأن���ت تع���رف آالف الكائن���ات‬ ‫الحي���ة على ترب���ة ه���ذه األرض؛ كالخيول وال���كالب والقطط‬

‫والطيور واألس���ماك والحش���رات والزواح���ف وكثير مما خلق‬

‫عش���ت‬ ‫اهلل تعال���ى‪ ،‬إذ كان���ت تعي���ش عل���ى نفس األرض التي‬ ‫َ‬ ‫عليه���ا ف���ي أوراس���يا أي الدنيا القديم���ة‪ ،‬أما معرفت���ك بي ‪-‬أنا‬ ‫الكنغر‪ -‬وبأستراليا‪ ،‬فلم تتجاوز المئتي سنة‪ ،‬ولكن أنا أعرفك‬ ‫م���ن زم���ن بعي���د‪ .‬فقد عش���نا آالف الس���نين م���ع "األبوريجين"‬ ‫(س���كان أس���تراليا األصليي���ن) الذي���ن ج���اؤوا إل���ى هن���ا م���ن‬

‫تقريب���ا‪ .‬إن "األبوريجيون"‬ ‫ق���ارة آس���يا قب���ل ثالثين أل���ف س���نة‬ ‫ً‬

‫أناس���ا مس���المين قنوعين ال يصط���ادون إال بقدر‬ ‫هوالء‪ ،‬كانوا ً‬ ‫احتياجه���م‪ ،‬وذل���ك لع���دم اإلخ���الل بالت���وازن البيئ���ي‪ .‬وما إن‬ ‫ازدادت الرح���الت االكتش���افية األوروبية لعالمن���ا ال ِبكْ ر الذي‬

‫فقدن���ا الراح���ة والطمأنينة‪،‬‬ ‫لم تمس���ه األي���دي‬ ‫المدم���رة‪ ،‬حتى ْ‬ ‫ّ‬

‫ول���م نع���د نعرف العي���ش الرغيد ف���ي وطننا كما كن���ا من قبل‪.‬‬ ‫ننتم���ي نحن الكناغر الذي���ن نعيش على القارة األس���ترالية‬

‫إل���ى "الثدييات الجرابية" (‪ .)Marsupialia‬وق���د خلق ربنا النبات‬

‫كثيرا عن‬ ‫ف���ي ه���ذه المناطق‬ ‫ً‬ ‫مناس���با لطبيعتن���ا‪ ،‬حيث يختل���ف ً‬

‫نب���ات المناط���ق األخرى‪ .‬والب���د أن أذكر في ه���ذا الصدد‪ ،‬أن‬

‫أول حيوان مفترس جاء به س���كان هذه المنطقة من آس���يا إلى‬ ‫هن���ا‪ ،‬ه���و حيوان "الدينغو"‪ .‬إنكم ‪-‬أيها البش���ر‪ -‬تطلقون اس���م‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪58‬‬


‫أيضا من‬ ‫تقي الصغير من األمراض‪ .‬وقد تختلف فترة الرضاع ً‬ ‫نوع آلخر‪ ،‬وينقطع حليب األم عندما يبلغ الصغير مبلغ الطعام‬ ‫ٍ‬ ‫يدب في الصغير‬ ‫ويتعل���م طريقة الحصول عليه‪ .‬وس���رعان م���ا ّ‬ ‫التوجي���ه اإلله���ي على ش���كل أنش���طة وتصرفات مع ّق���دة تبدو‬

‫وكأن���ه تعلَّمه���ا في بطن أمه‪ ،‬ليس���تطيع البقاء عل���ى قيد الحياة‪.‬‬

‫لكننا نحن الثدييات الجيبية أو الكيسية‪ُ ،‬خلِقنا بآلية مختلفة‬

‫لإلنج���اب والتكاث���ر؛ إذ نملك رحمين اثنتين‪ ،‬ودورة تناس���لية‬

‫ُت���دار بالهورمونات بطريق���ة مختلفة‪ .‬وقد تجلى ربنا بأس���مائه‬

‫الحس���نى المتنوعة علينا‪ ،‬فأحدث في سجل الثديات تغييرات‬ ‫طفيفة تخضع لها في مراحل التكاثر والنمو‪ ،‬وبذلك يظهر بأنه‬ ‫وح���ده صاحب القوة والقدرة المطلقة‪ ،‬يخلق ما يش���اء وكيف‬

‫يشاء‪ ،‬يخفي في كل مخلوق من خلقه من البدائع ما ال يمكن‬ ‫إدراكها إال بالتفكر والتدبر‪.‬‬

‫الوالدة قبل النمو‬

‫نض���ع نحن الكناغ���ر صغارنا عند بداية التكوي���ن الجيني وقبل‬

‫"الثدي���ات الحقيقي���ة" (‪ )Eutheria‬عل���ى الحيوانات "المش���يمية"‬

‫نمو أرجله���ا الخلفية وأعينها وذيولها‪ ،‬ويتراوح طول الواحدة‬ ‫ّ‬

‫اإللهي���ة منحت الثديات الحقيقية َر ِح ًم���ا واحدة‪ .‬فالبيضة عند‬

‫المشيمية لَسقط الجنين ومات‪ ،‬أي ألسقطت األم جنينها كما‬

‫التحامه���ا بالنطفة المحمولة من قِبل الس���ائل المنوي‪ ،‬تتش���بث‬

‫م���ا يتعلق بش���عر بط���ن أمه ويزح���ف علي���ه بذراعي���ه القويتين‪،‬‬

‫لتميزوه���ا عن���ا‪ .‬وإن أه���م ف���رق بينن���ا أن الق���درة‬ ‫(‪ّ )Placentalia‬‬

‫"علقة" نتيجة‬ ‫ه���ذا الن���وع‪ ،‬التي تبيضها األم والتي تتح���ول إلى َ‬

‫بج���دار الرح���م وتعش���ش فيه كالش���جرة الت���ي تتش���بث بالتربة‬ ‫بجذورها‪ ،‬ثم تبدأ باالنقسامات لتتكاثر الخاليا وينمو الجنين‬ ‫وف���ق برامج الش���يفرات الوراثية المقترن���ة بها‪ .‬ومن أجل النمو‬

‫المس���تمر م���ع التحوالت المتواصلة داخ���ل بطن األم دون أي‬ ‫خل���ل‪ ،‬يتم تغذي���ة الجنين عن طريق المش���يمة التي تلتقي فيها‬

‫منه���ا م���ا بين ‪15-5‬م���م‪ .‬ولو حصل ه���ذا األمر عن���د الثديات‬

‫تقول���ون‪ .‬وصغيرن���ا هذا ال���ذي يولد دون إتمام نموه‪ ،‬س���رعان‬

‫ث���م يدخل الجراب من دون أية مس���اعدة ليص���ل إلى حلمات‬

‫الحلي���ب األربع���ة الموجودة فيه‪ ،‬فيتمس���ك الصغير ‪-‬الذي لم‬

‫بعد‪ -‬بحلمة منها بقوة‪ ...‬هذا ويكون الجراب قد‬ ‫ُتخلق عيونه ُ‬

‫ُج ِّهز من قِبل الرحمن الرحيم‪ ،‬بشكل يلبي كل ما يحتاجه هذا‬ ‫الصغير العاجز من غذاء وماء‪.‬‬

‫نت���وزع ‪-‬نح���ن الكناغ���ر‪ -‬إل���ى ‪ 50-45‬فصيل���ة‪ .‬فالكناغر‬

‫األوعي���ة الدموية ل���ألم باألوعية الدموية للجني���ن‪ .‬وتضع األم‬ ‫ٍ‬ ‫تبعا‬ ‫ش���هورا أو‬ ‫الجنين بعد زمن يس���تغرق أس���ابيع أو‬ ‫س���نوات ً‬ ‫ً‬

‫الصغي���رة م ّن���ا تس���مى ب�"الكنغ���ر الف���أر"‪ ،‬والكناغر المتوس���طة‬

‫���ري الذي يصل‬ ‫ب���كل التفرع���ات الدقيقة‪ ،‬وبانقطاع الحبل ُّ‬ ‫الس ِّ‬

‫المنتس���بين إلى الفصيلة األخي���رة‪ .‬يظل صغارنا داخل جواربنا‬

‫لحجمه���ا وضخامتها‪ ،‬وبع���د اكتمال أجه���زة الجنين وأعضائه‬ ‫المشيمة بس���رة الجنين عند الوالدة‪ ،‬يبدأ المولود بالتنفس‪ ،‬ثم‬ ‫���ري‪ .‬يولد‬ ‫بتن���اول الغذاء بنفس���ه دون الحاج���ة إلى الحبل ُّ‬ ‫الس ّ‬

‫عاج���زا بال أس���نان‪ُ ،‬فيحدِ ث ربن���ا ذو الرحمة المطلقة‬ ‫الجني���ن‬ ‫ً‬

‫حليبا َيرضعه صغارها‪ ،‬إذ‬ ‫تغييرات هرمونية في األم ليدِ ّر ثديها ً‬ ‫يحتوي هذا الحليب على كافة الفيتامينات واألغذية العضوية‬

‫وغي���ر العضوية‪ ،‬ويحت���وي كذلك على الخاليا الليمفاوية التي‬

‫الحج���م ب�"الول���ب"‪ ،‬والكناغ���ر الكبي���رة ب�"الرم���ادي" وأن���ا من‬ ‫يوما‬ ‫أو جيوبن���ا ت���أكل وتن���ام مدة تت���راوح ما بي���ن ‪ً 320-150‬‬ ‫تبعا ألحجامنا‪ ،‬وبعد هذه الفترة ‪-‬حين يكمل نموها‪ -‬نس���مح‬ ‫ً‬ ‫له���ا بالخروج من الجي���ب لتتنزه لفترات قصيرة‪ .‬وإن كنا نحن‬

‫الكناغ���ر الكبي���رة نمن���ع صغارن���ا من الع���ودة إل���ى الجيب مرة‬

‫أخ���رى‪ ،‬فه���ذا ال يعن���ي أننا نتخلى عنها بالمرة‪ ،‬بل نس���مح لها‬ ‫بإدخال رؤوسها للرضاعة فقط‪ ،‬والبد لنا أن نفعل ذلك حتى‬

‫‪59‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫يتعل���م صغارن���ا االعتماد على أنفس���هم في الحي���اة‪ ،‬وحتى يتم‬ ‫إعداد الجيب للمولود الجديد‪ .‬ولعلكم تتساءلون في عجب‪:‬‬

‫أمر تحار له العقول أليس كذلك؟‬ ‫ٌ‬ ‫حمل في فترة الرضاع؟! ٌ‬

‫تعاقب الحمل‬

‫إن َر ِحم الكنغر تستعيد نشاطها بعد الوالدة بأيام قليلة‪ ،‬فتعيش‬ ‫حال���ة الطمث من جديد‪ ،‬أي إن الكنغر الوالدة ال تعرف حالة‬ ‫النف���اس التي تعرفونها في نس���ائكم أنتم البش���ر بعد الوالدة‪...‬‬

‫قل���ت حالة الطم���ث‪ ،‬لتقريب الصورة إل���ى أذهانكم‪ ،‬فالطمث‬ ‫ُ‬ ‫يوما‪ ،‬تكتمل عندنا خالل‬ ‫الذي يستمر في نسائكم حوالي ‪ً 28‬‬ ‫أي���ام مع���دودات‪ ،‬ولذل���ك تك���ون الكنغر مس���تعدة للحمل من‬

‫جديد في أيام قالئل بعد الوالدة! وإن لم يكن الصغير قد بلغ‬ ‫مرحل���ة الخروج من الجيب‪ ،‬فإن الجنين يبقى ‪-‬بتوليف رباني‬ ‫"السبات‬ ‫قدير‪ -‬على ش���كل بيضة حديثة العهد باللقاح‪ .‬وهذا ُّ‬ ‫الجنيني" الذي ينتظر فيه الجنين اكتمال نمو أخيه في الجيب‪،‬‬ ‫يتم بنظام هرموني فريد بأمر من الرحمن الرحيم‪.‬‬

‫وعندما يكتمل نمو الكنغر الصغير ويخرج من الجيب بعد‬

‫تقريبا‪ ،‬تفيق البيضة من سباتها لتعشش على جدار رحم‬ ‫ش���هر‬ ‫ً‬

‫ل���ه دون التع���رض إل���ى حلمة آخ���رى‪ ،‬وذلك لع���دم صالحية‬

‫يكون صغيرنا الس���ابق قد استعد لمغادرة الجيب‪ .‬يلد المولود‬

‫الرحمن ذي الرحمة المطلقة البصير العالم القدير‪.‬‬

‫فط���ري إلهي متمس���كً ا بش���عر بطن أم���ه‪ ،‬ويلت���زم حلمة حليب‬

‫البط���ن الواح���د مولودي���ن أو ثالثة مواليد‪ ،‬أما األن���واع الكبيرة‬

‫األم وتستهل نموها وانقساماتها‪ ،‬وقبل الوالدة بيوم أو بيومين‪،‬‬ ‫أيضا‪ ،‬ويزحف نحو الجيب بتوجيه‬ ‫الجدي���د قبل اكتمال نم���وه ً‬

‫حليبها له! وهل يمكن أن تكون هذه الشفقة والرحمة‪ ،‬إال من‬ ‫ه���ذا ويمك���ن لبعض إن���اث الكناغر الصغي���رة أن تضع في‬

‫مناسبة له ك��ا فعل كبيره المولود األول‪.‬‬

‫واحدا في كل مرة‪ .‬وإذا كان���ت القلّة منا تنتظر‬ ‫مول���ودا‬ ‫فتض���ع‬ ‫ً‬ ‫ً‬

‫يلتزم المولود الجديد أحد ثديي األم بتقدير إلهي عجيب‪ ،‬ألن‬

‫تماما أنتم البش���ر‪ .‬تس���تمر فت���رة الحمل عند‬ ‫المح���ددة‪ ،‬مثلكم ً‬

‫للمولود الجديد‪ .‬وال نس���مح بعده���ا للصغير النامي بالدخول‬

‫هذا الحمل عند الكناغر الصغيرة ما بين ثالثة أو أربعة أسابيع‪.‬‬

‫أم واحدة وتعددية في نوعية الحليب‬

‫صالحا للمولود الس���ابق غير الصالح‬ ‫حليبا‬ ‫ً‬ ‫الث���دي اآلخ���ر ّ‬ ‫يدر ً‬ ‫إل���ى الجيب خو ًفا م���ن إضرار المولود الجديد‪ ،‬بل نس���مح له‬

‫فقط أن ُيدخل رأس���ه ليحتس���ي الحليب من الثدي الصالح له‪.‬‬ ‫وهك���ذا تعيش إناثن���ا هذه األحوال الثالثة ف���ي آن واحد‪ ،‬ففي‬

‫للتو من‬ ‫الوق���ت الذي يرضع في���ه الكنغر الصغير الذي خ���رج ّ‬

‫الجي���ب؛ ُت ِ‬ ‫رضع الوافد الجديد إلى الجيب وتحافظ عليه حتى‬

‫يكتم���ل نم���وه‪ ،‬ولعله كان في رحمها بيضة ملقحة في س���بات‬ ‫تنتظر دورها في النمو‪.‬‬

‫تتغير نوعية الحليب بما يناس���ب نم���و الصغار الثالثة‪ ،‬كلٌّ‬

‫ين���ال غ���ذاءه الصال���ح له م���ن أم واحدة ومن حلم���ة مخصصة‬ ‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪60‬‬

‫يتزوج في األوقات غير‬ ‫موس���ما‬ ‫ً‬ ‫محددا للتزاوج‪ ،‬فإن معظمنا ّ‬ ‫ً‬ ‫الكناغ���ر الكبيرة مثلي‪ ،‬أربعة أو خمس���ة أس���ابيع‪ ،‬بينما يتراوح‬

‫أم���ا ال���والدة عندنا فتك���ون س���هلة دون أالم ثقيل���ة‪ ،‬ألننا نضع‬ ‫األجنة صغيرة قبل اكتمال نموها‪.‬‬

‫تترش���ح إن���اث الكناغ���ر الكبيرة لألموم���ة في الع���ام الثاني‬

‫والثال���ث م���ن عمره���ا‪ ،‬وتظل تلد م���دة تتراوح م���ا بين ‪12-8‬‬ ‫عام���ا‪ ،‬أما إناث ن���وع الكناغر الصغيرة فتبلغ س���ن األمومة في‬ ‫ً‬

‫السبات الجنيني في‬ ‫‪ 5-4‬أش���هر من العمر‪ ،‬ويمكن أن يستمر ُّ‬ ‫شهرا‪.‬‬ ‫هذه األنواع ‪ً 11-10‬‬

‫آلية القفز المدهشة‬

‫أرجلنا الخلفية تش���كل الجانب األقوى من أعضائنا‪ ،‬و َأذْ رعتنا‬


‫تلبية الحاجات بال نقصان‬

‫حارا‬ ‫نس���تخدم َأذْ رع َتنا في قياس الح���رارة ً‬ ‫أيضا؛ إذا كان الجو ًّ‬

‫وندهن بها األماكن الس���اخنة في أجس���امنا‬ ‫نبص���ق عل���ى أيدينا‬ ‫َ‬

‫حت���ى نخف���ض حرارتها‪ .‬فمن إحس���ان ربنا إلين���ا أن َو َهب كل‬ ‫أعضاء ومواهب تسهل له العيش وفق البيئة‬ ‫نوع من مخلوقاته‬ ‫ً‬

‫الج ْرذ يملك قدرة عظيمة على التمويه‪،‬‬ ‫المحيطة بها‪ .‬فالكنغر ُ‬

‫كم���ا تتمتع أنواع أخرى من الكناغ���ر‪ ،‬بأيد طويلة قوية تمكّ نها‬

‫من التس���لق على األش���جار والعي���ش فوقها‪ ،‬حي���ث تنزل هذه‬

‫األن���واع من الش���جرة باالعتم���اد على أذيالها المنبس���طة القوية‬

‫أيضا موهبة القفز من شجرة‬ ‫التي ال تلتف وال تلتوي‪ ،‬وتملك ً‬ ‫إلى أخرى في المسافات القريبة‪ .‬هذا وقد ُخلقت أقدام كناغر‬ ‫أبدا‪.‬‬ ‫الولب التي تعيش في المناطق الصخرية‪ ،‬بشكل ال تنزلق ً‬ ‫لق���د تم خلق القس���م األمام���ي لمعدتنا على ش���كل "غرفة‬

‫تخمي���ر" (‪ .)Fermantasyon‬وقد منحنا خالقنا "البكتريا التكافلية"‬

‫(‪ )Simbiyont‬والكائن���ات ذات الخلي���ة المهدب���ة الواح���دة ف���ي‬ ‫المع���دة واألمعاء لتؤدي خدماتها ف���ي الهضم‪ .‬حتى إنه تعالى‬

‫أيضا إال أنها قصيرة‪ ،‬كما أن الجزء العلوي من أجس���امنا‬ ‫قوية ً‬

‫خل���ق بع���ض أنواعن���ا‪ ،‬لتتمت���ع بإمس���اك اليوريا في الب���ول قبل‬

‫ط���وي ركبتينا أثناء‬ ‫ال���ورك الضي���ق الطويل‪ ،‬ثم إننا ال نس���تطيع‬ ‫َ‬ ‫َ‬

‫لديه���ا‪ ،‬وعندم���ا يحصل انخف���اض في كمي���ة الفيتامينات لدى‬

‫صغي���ر كذلك‪ .‬يت���م دعم عظم الفخذ الطوي���ل من قِبل مفصل‬

‫القفز وال نحتاج إلى ذلك أصالً‪ ،‬ألن أقدامنا الخلفية مصممة‬

‫للقفز بش���كل ميكانيكي‪ ...‬فأصاب���ع القدمين لدينا‪ ،‬وعضالت‬

‫المشطين والساقين والفخذين‪ ،‬واألوتار الرخوة المتصلة بها‪،‬‬ ‫تقوم بدور القوس المشدود لتؤدي إلى القفز عند تحرير الطاقة‬ ‫الكامنة فيها‪ ...‬وقد تصل القفزة الواحدة في بعض أنواعنا إلى‬

‫مترا‪ .‬كما يقوم ذيلنا بعضالته القوية‪،‬‬ ‫تسعة أمتار أو إلى ‪ً 13,5‬‬ ‫بمس���اندتنا أثن���اء القفز والوث���وب‪ ،‬وكذلك بتأمي���ن توازننا عند‬

‫الوقوف وكأنه قدم خامسة‪ .‬أما الهدف من القفز هو التشويش‬ ‫عل���ى الع���دو والف���رار منه بس���رعة‪ ،‬باإلضاف���ة إل���ى أن الذكور‬

‫تس���تعين بذيوله���ا عن���د االقتت���ال ببعضه���ا البعض‪ .‬وق���د خلَق‬

‫ج���دا حول الخصر‬ ‫جلدا س���ميكً ا ًّ‬ ‫س���بحانه بعلم���ه الالمتناهي‪ً ،‬‬

‫درعا يحمي‬ ‫لذكورنا (أسمك من جلد الكتف بضعفين) ليغدو ً‬ ‫بطونه���ا م���ن التم���زق والخ���رق نتيجة ال���ركالت عن���د العراك‪.‬‬ ‫أحيا ًنا نمشي زح ًفا وأحيا ًنا أخرى نقفز‪ ،‬نستطيع أن نجري‬

‫بسرعة ‪ 55‬كم‪/‬س‪ ،‬أما نوع الكناغر الصغيرة م ّنا تجري بسرعة‬ ‫‪ 30‬كم‪/‬س‪.‬‬

‫الط���رح لبناء البروتينات من جديد‪ .‬عن طريق األيض الخاص‬ ‫بعض أنواعنا‪ ،‬تقوم ‪-‬بفضل عملية استقالب خاص‪ -‬بإمساك‬

‫اليوريا في البول قبل طرحها الس���تخدامها في بناء البروتينات‬

‫من جديد‪ .‬يا لها من صنعة بديعة لصانع بديع‪.‬‬

‫أثر م���ن آثار خالق‬ ‫أيه���ا اإلنس���ان الحبي���ب‪ ...‬نحن وإي���اك ٌ‬

‫واحد صمد‪ .‬م ّتع كل نوع منا ببدائعه المختلفة‪ .‬إياك أن تنسى‬

‫َنعم اهلل عليك‪ ،‬إذ وهبك العقل والمش���اعر والوجدان والقلب‬

‫قت بها على سائر الكائنات‪...‬‬ ‫تفو َ‬ ‫وما شابهها من اآلليات التي ّ‬

‫وإياك أن تنس���ى أنك في امتحان‪ ،‬إما أن تفوز بحس���ناتك وإما‬ ‫أن تخس���ر بس���يئاتك‪ .‬أما نحن فنأكل ونشرب ونمضي بحياتنا‬ ‫هم هذا االمتحان وما يعقبه من حس���اب وجزاء‪.‬‬ ‫بعيدي���ن ع���ن ّ‬

‫أبدا‪...‬‬ ‫فكل ذلك بتقديره وإرادته س���بحانه‪ ،‬فلو ش���اء ما خل َقنا ً‬

‫فنحم���ده عل���ى كل ما أعطانا من َنعم‪ ،‬ثم أتركك أيها اإلنس���ان‬ ‫ِقت له‪.‬‬ ‫ألن تتأمل وتفكر لما ُخل َ‬

‫(*) جامعة ‪ 9‬أيلول ‪ /‬تركيا‪ .‬الترجمة عن التركية‪ :‬مصطفى حمزة‪.‬‬

‫‪61‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫محطات حضارية‬ ‫نور الدين صواش*‬

‫تنبيهات رمضانية‬ ‫لدى الدولة العثمانية‬ ‫ورد في "رمضان َت ْن ِب ْه َن َامسِ ���ي" (وثيقة تنبيهات‬ ‫رمضان) لدى الدولة العثمانية‪ ،‬أن السلطان ذاته‬ ‫هو َمن كان يقوم باختبار واختيار نوعية القمح‬ ‫سيصنع منه الخبز في شهر رمضان المبارك‪ ،‬وكذلك هو‬ ‫الذي ُ‬ ‫َم���ن كان يقوم بتحديد وزنه وكمية المل���ح التي تضاف إليه‪...‬‬ ‫حتى إنه كان يختار نوع الحطب الذي يتم حرقه في طهي هذا‬ ‫الخبز! وإذا نال هذا الخبز إعجاب السلطان وأهل الخبرة في‬ ‫القص���ر‪ ،‬تب���دأ األفران بخب���زه وبيعه إلى األهال���ي والصائمين‪.‬‬ ‫وقبل حلول ش���هر رمضان المبارك الذي تبدأ التحضيرات‬ ‫يوما‪ ،‬يأمر السلطان بتشكيل هيئ ٍة لمراقبة‬ ‫له قبل خمس���ة عش���ر ً‬ ‫األغذية في األس���واق وتنظيم أس���عارها‪ .‬ولعل قيام الس���لطان‬ ‫ذات���ه باإلش���راف عل���ى أدق التفاصيل إب���ان هذه‬ ‫التحضي���رات‪ ،‬خير دليل على اهتمامه بالرعية‬ ‫واعتنائه بصحتهم‪.‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬

‫‪62‬‬

‫وأيض���ا تم في وثيقة "تنبيهات رمضان" توجيه األهالي إلى‬ ‫ً‬

‫التمس���ك ببعض الضرورات وااللتزام بها طيلة ش���هر رمضان‬

‫الوعاظ بتذكير الجماعة في المس���اجد‪،‬‬ ‫المب���ارك‪ ،‬حي���ث يقوم ّ‬

‫ال‬ ‫والمن���ادون بتنبيه األهالي في الش���وارع؛ بأال ي���زور أحد منز ً‬ ‫دون إخب���ار صاحبه أو دون دعوته له‪ ...‬وأال يقوم أحد بتناول‬

‫األطعمة أو المشارب في الشوارع‪ ...‬وأن يحرص الناس على‬ ‫الصلوات الخمس بجماعة في المس���اجد‪ ...‬وأن يبذلوا كل ما‬

‫بوسعهم لنيل بركات هذا الشهر المبارك وفضائله‪ ...‬ثم ُيطلب‬

‫م���ن األهالي أن يدع���وا إلى الدولة العثماني���ة بالخير والفالح‪،‬‬ ‫وإلى األمة اإلسالمية بالفوز والنجاح‪.‬‬

‫والب���د من التذكير هنا‪ ،‬بأن الدول���ة العثمانية قامت بتقديم‬

‫مكاف���آت كبي���رة ألول َم���ن يرى هالل ش���هر رمض���ان المبارك‬ ‫ويخبر اللجنة العليا بذلك‪.‬‬


‫محطات علمية‬

‫النحل‬

‫خبير التكييف‬ ‫كلن���ا يع���رف أن إن���اث النحل تصنع العس���ل‪،‬‬

‫ح���رارة الج���و‪ ...‬ففي هذه الحالة تقوم بع���ض عامالت النحل‬

‫المكيف عند‬ ‫من���ا يعرف أن النح���ل تس���تخدم‬ ‫ّ‬

‫خالل���ه دف���ع الهواء البارد إلى داخل الخلي���ة! أما إذا كان الحر‬

‫ش���افيا لبني البش���ر‪ ...‬ولكن َمن‬ ‫دواء‬ ‫ّ‬ ‫وتقدم���ه ً‬ ‫ً‬ ‫الحر‪ ،‬والمدفأة عند شدة البرد!!‬ ‫شدة‬ ‫ّ‬

‫هوائيا يتم من‬ ‫تيارا‬ ‫بتحريك أجنحتها للتهوية‪ّ ،‬‬ ‫فيتش���كل إثرها ً‬ ‫ًّ‬ ‫ش���ديدا‪ ،‬فتقوم بعض هذه العامالت بتحريك أجنحتها بسرعة‬ ‫ً‬

‫أجل‪ ،‬يس���ير النحل في بيوته على الطريقة التي س���ار عليها‬

‫فائق���ة‪ ،‬وبعضها اآلخر برش الماء عل���ى عيون الخلية لتلطيف‬

‫هلم نرى‪...‬‬ ‫وكأني أسمعك تسأل بفضول‪ :‬وكيف ذلك؟! حس ًنا ّ‬

‫عليه���ا؛ وه���ي ‪ 32‬درجة ثابتة ال تتغي���ر وال تتبدل‪ ،‬ال في الحر‬

‫عن���د هب���وط درجة الح���رارة‪ ،‬بالتجمع حول الخالي���ا وتغطيها‬

‫من أين تعلّمت هذه المخلوقات كل هذه األمور يا ترى؟!‬

‫اإلنسان في التكييف والتبريد في بيته أو دكانه أو محل عمله!‬ ‫يق���وم جمع غفير من عام���الت النحل عند الفجر البارد أو‬

‫بكثاف���ة ‪-‬كأنه���ا تحتضنه���ا‪ -‬لتحمي البيض وتزوده بأجس���امها‬

‫الصغيرة الناعمة بالحرارة الالزمة!‬

‫وأم���ا األمر اآلخر الذي يثير العق���ول ويأخذ باأللباب‪ ،‬هو‬

‫الطريق���ة التي تتبعها ه���ذه المخلوقات في التبري���د عند ارتفاع‬

‫جوه���ا وإعادة درجة حرارتها إلى الحال���ة الطبيعية التي كانت‬

‫وال في البرد!‬

‫أال يعني هذا‪ ،‬أن نظام التكييف والتدفئة تم است��دامه من قبل‬

‫ماليين السنين؟!‬

‫(*) كاتب وباحث تركي‪.‬‬

‫‪63‬‬

‫السنة الثامنة ‪ -‬العدد (‪2012 )32‬‬


‫التصور العام‬

‫• حراء جملة علمية فكرية ثقافية تعىن بالعلوم الطبيعية واإلنسانية واالجتماعية وحتاور أسرار النفس البشرية وآفاق ‬ ‫الكون الشاسعة باملنظور القرآين اإلمياين يف تآلف وتناسب بني العلم واإلميان‪ ،‬والعقل والقلب‪ ،‬والفكر والواقع‪.‬‬ ‫• جتمع بني األصالة واملعاصرة وتعتمد الوسطية يف فهم اإلسالم وفهم الواقع‪ ،‬مع البعد عن اإلفراط والتفريط‪.‬‬ ‫• تؤمن باالنفتاح على اآلخر‪ ،‬واحلوار البناء واهلادئ فيما يصب لصاحل اإلنسانية‪.‬‬ ‫• تسعى إىل املوازنة بني العلمية يف املضمون واجلمالية يف الشكل وأسلوب العرض‪ ،‬ومن مث تدعو إىل معاجلة املواد ‬ ‫مبهنية عالية مع التبسيط ومراعاة اجلوانب األدبية واجلمالية يف الكتابة‪.‬‬

‫شروط النشر‬

‫• أن يكون النص املرسل جديدا مل يسبق نشره‪.‬‬ ‫• أال يزيد حجم النص على ‪ 2000‬كلمة كحد أقصى‪ ،‬وللمجلة أن تلخص أو ختتصر النصوص اليت تتجاوز احلد ‬ ‫املطلوب‪.‬‬ ‫• يرجى من الكاتب الذي مل يسبق له النشر يف اجمللة إرسال نبذة خمتصرة عن سريته الذاتية‪.‬‬ ‫• ختضع األعمال املعروضة للنشر ملوافقة هيئة التحرير‪ ،‬وهليئة التحرير أن تطلب من الكاتب إجراء أي تعديل على ‬ ‫املادة املقدمة قبل إجازهتا للنشر‪.‬‬ ‫• اجمللة غري ملزمة بإعادة النصوص إىل أصحاهبا نشرت أم مل تنشر‪ ،‬وتلتزم بإبالغ أصحاهبا بقبول النشر‪ ،‬وال تلتزم ‬ ‫بإبداء أسباب عدم النشر‪.‬‬ ‫• حتتفظ اجمللة حبقها يف نشر النصوص وفق خطة التحرير وحسب التوقيت الذي تراه مناسبا‪.‬‬ ‫النصوص اليت تنشر يف اجمللة تعب عن آر ُ‬ ‫َّاهبا‪ ،‬وال تعب بالضرورة عن رأي اجمللة‪.‬‬ ‫اء كت‬ ‫• ‬ ‫رِّ‬ ‫رِّ‬ ‫ً‬ ‫• ‬ ‫مجا إىل أي لغة أخرى‪ ،‬‬ ‫للمجلة حق إعادة نشر النص منفصال أو ضمن جمموعة من البحوث‪ ،‬بلغته األصلية أو مرت ً‬ ‫دون حاجة إىل استئذان صاحب النص‪.‬‬ ‫• جملة حراء ال متانع يف النقل أو االقتباس عنها شريطة ذكر املصدر‪.‬‬ ‫ يرجى إرسال مجيع املشاركات إىل هيئة حترير اجمللة على العنوان اآليت‪:‬‬

‫‪hira@hiramagazine.com‬‬ ‫‪YEMEN‬‬ ‫دار النشر للجامعات‬ ‫الجمهورية اليمنية‪ ،‬صنعاء‪ ،‬الخط الدائري الغربي‪،‬‬ ‫أمام الجامعة القديمة‬ ‫‪Phone: +967 1 440144‬‬ ‫‪GSM: +967 711518611‬‬ ‫‪ALGERIA‬‬ ‫‪Bois des Cars 1 Villa Nº68 Dely Brahim‬‬ ‫‪GSM: +213 770 26 00 27‬‬ ‫‪SUDAN‬‬ ‫مركز دار النيل‪ ،‬مكتب اخلرطوم‬ ‫أركويت مربع ‪ 48‬منـزل رقم ‪ - 31‬اخلرطوم ‪ -‬السودان‬ ‫‪Phone: 0024 999 559 92 26 - 0024 915 522 24 69‬‬ ‫‪hirasudan@hotmail.com‬‬ ‫‪JORDAN‬‬ ‫شركة زوزك‪/‬مشيساين شارع عبد احلميد شرف‪ ،‬بناية رقم‪61:‬‬ ‫عمان‪/‬األردن‪.‬‬ ‫‪Phone: +962 656 064 44‬‬ ‫‪GSM: +962 775 935 756‬‬ ‫‪hirajordan@hotmail.com‬‬ ‫‪UNITED ARAB EMIRATES‬‬ ‫دار الفقيه للنشر والتوزيع‬ ‫ص‪.‬ب‪ 6677 .‬أبو ظبي‬ ‫‪Phone: +971 266 789920‬‬ ‫‪MAURITANIA‬‬ ‫‪Phone: +2223014264‬‬

‫‪USA‬‬ ‫‪Tughra Books‬‬ ‫‪345 Clifton Ave., Clifton,‬‬ ‫‪NJ, 07011, USA‬‬ ‫‪Phone:+1 732 868 0210‬‬ ‫‪Fax:+1 732 868 0211‬‬ ‫‪SAUDI ARABIA‬‬ ‫الوطنية للتوزيع‬ ‫‪Phone: +966 1 4871414‬‬ ‫املكتب الرئيسي‪ :‬شارع التخصصي مع تقاطع شارع‬ ‫األمري سلطان بن عبد العزيز عمارة فيصل السيار‬ ‫ص‪.‬ب‪ 68761 :‬الرياض‪11537 :‬‬ ‫اجلوال‪00966504358213 :‬‬ ‫‪saudia@hiramagazine.com‬‬ ‫‪abdallahi7@hotmail.com‬‬ ‫‪Phone-Fax: +966 1 2815226‬‬ ‫‪MOROCCO‬‬ ‫الدار البيضاء ‪ 70‬زنقة سجلماسة‬ ‫‪Société Arabo-Africaine de Distribution,‬‬ ‫)‪d'Edition et de Presse (Sapress‬‬ ‫‪70, rue de Sijilmassa, 20300 Casablanca / Morocco‬‬ ‫‪Phone: +212 22 24 92 00‬‬ ‫‪SYRIA‬‬ ‫‪GSM: +963 955 411 990‬‬

‫جملة علمية فكرية ثقافية تصدر كل ‬ ‫شهرين عن‪:‬‬ ‫‪Işık Yayıncılık Ticaret A.Ş‬‬ ‫‪İstanbul / Türkiye‬‬

‫صاحب االمتياز ‬

‫مصطفى طلعت قاطريجي أوغلو‬

‫املشرف العام‬ ‫نوزاد صواش‬

‫‪nsavas@hiramagazine.com‬‬

‫رئيس التحرير‬ ‫هانئ رسالن‬

‫‪hraslan@hiramagazine.com‬‬

‫مدير التحرير‬ ‫أجري إشيوك‬

‫‪eisiyok@hiramagazine.com‬‬

‫املخرج الفين‬

‫أنكني جفتجي‬

‫املركز الرئيس‬ ‫‪HIRA MAGAZINE‬‬ ‫‪Kısıklı Mah. Meltem Sok.‬‬ ‫‪No:5 34676‬‬ ‫‪Üsküdar‬‬ ‫‪İstanbul / Turkey‬‬ ‫‪Phone: +902163186011‬‬ ‫‪Fax: +902164224140‬‬ ‫‪hira@hiramagazine.com‬‬

‫مركز التوزيع‬ ‫‪ 7‬ش البامكة ‪ -‬احلي السابع ‪ -‬م‪.‬نصر‪/‬القاهرة‬ ‫تليفون وفاكس‪+20222631551 :‬‬ ‫اهلاتف اجلوال ‪+20100780831 :‬‬ ‫مجهورية مصر العربية‬

‫نوع النشر‬ ‫جملة دورية دولية‬

‫‪Yayın Türü‬‬ ‫‪Yaygın Süreli‬‬

‫الطباعة‬ ‫‪Çağlayan Matbaası‬‬ ‫‪İzmir - Turkiye‬‬ ‫‪Tel:+90 (232) 252 20 96‬‬

‫رقم اإليداع‬

‫‪1879-1306‬‬

‫لالشرتاك من كل أحناء العامل‬ ‫‪pr@hiramagazine.com‬‬

‫• اململكة العربية السعودية‪ ١٢ :‬ريال سعودي • اليمن‪ ٣٥٠ :‬ريال ميني • املغرب‪ ٢٠ :‬درهم • الجزائر‪ ٢٥٠ :‬دﻳﻨﺎر‬


‫النورسي‪...‬‬ ‫ ‬

‫النورسي نادرة العصر ومبدع الفكر اإليماني التصديقي والتجديدي‪...‬‬

‫ ‬

‫في فكره اإلبداعي تخوض أقالم كبار مفكري العصر‪...‬‬

‫ ‬

‫هامة من إبداعاته اإليمانية يدلون بشهاداتهم‪...‬‬ ‫على جوانب َّ‬

‫ ‬

‫إن الروح اإلنساني مدين لهذا الفكر العمالق بابتعاثه من مرقده من جديد‪...‬‬

‫ ‬

‫ّ‬ ‫يستمد‪ ،‬ومن وحيه يكتب‪...‬‬ ‫قلمه من وحي القرآن‬

‫ ‬

‫القرآن قبلته األعظم يستقبله في كل مهماته الفكرية والوجدانية‪...‬‬

‫مركز التوزيع فرع القاهرة ‪ 7 :‬ش البرامكة‪ ،‬الحي السابع‪ ،‬مدينة نصر ‪ -‬القاهرة ‪ /‬مصر‬

‫تليفون وفاكس ‪+20222631551 :‬‬

‫الهاتف الجوال ‪+201065523088 :‬‬

‫‪w w w. d a r a l n i l e . c o m‬‬


‫ﺗﺮﻛﻴﺎ‪ ٦ :‬لريات • أوروبا‪ ٣,٥ :‬يورو • أمريكا‪ ٥ :‬دوﻻر‬

‫الطفلة والدعاء‬ ‫إنه ما رّد خاوي اليدين أحدا‬ ‫وما قال ألمثالك "ال" أبدا‬ ‫تكرم على من شاء بما شاء‬ ‫إنه ّ‬ ‫إخالصا وصفاء‬ ‫وأسعد كل قلب خفق‬ ‫ً‬ ‫***‬

‫‪Eylül - Ekim 2012 Sayı: 32 Fiyatı: 6 TL.‬‬

‫‪32‬‬


32