Page 1


E ‫א א‬ 2015

‫א و‬

‫א‬

1436

2015 2963 W‫אع‬

‫א‬

978 9947 58 031 8 W

‫د‬

‫دار اﻟﻔﻀﻴﻠﺔ ﻟﻠﻨﺸﺮ واﻟﺘﻮزﻳﻊ‬ %& '(

) * +, 44 021 57 56 38

!"# $ :V :k ì i

E0661F 62 53 08 W ‫א ز‬ darelfadhila@hotmail.com W ‫و‬ www.rayatalislah.com W

‫א‬

‫א‬ ‫א‬

‫א‬


‫ﺷﺮﺣﻬﺎ‬


‫ﭑﭒﭓﭔ‬

‫الحمد هلل رب العالمين‪ ،‬وأشهد أن ال إله َإال اهلل ودده ال شريك له‪،‬‬ ‫وأشهد َ‬ ‫حمدا عبده ورسوله‪ ،‬ص َلى اهلل وس َلم عليه وعلى آله وأصحابه‬ ‫أن م َ‬ ‫أجمعين؛ أما بعد‪:‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ناصح ومرب مشف ٍق؛ أال وهو اإلمام‬ ‫وشيخ‬ ‫ف قي ٌم‪ ،‬إلما ٍم علم‬ ‫فهذا مؤ َل ٌ‬ ‫العّلمة‪ :‬عبد العزيز بن عبد اهلل بن باز ‪ ،‬يف موضو ٍع ٍ‬ ‫غاية يف األهم َية؛ كتبه‬ ‫َ‬ ‫نصحا لعا َمة األ َمة فيما ينبغي أن يتع َلموه من أمور الدين؛ عقيدة وعبادة وخلقا‪،‬‬ ‫وقد ر َتبه‬

‫ترتيبا نافعا ومفيدا للغاية‪ ،‬ب َين فيه‬

‫ضرور َيات الدين‪،‬‬

‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ومسلمة‪.‬‬ ‫مسلم‬ ‫المهمة المتحتم معرفتها على كل‬ ‫والواجبات‬ ‫َ‬

‫ويعدُّ هذا الكتاب منهجا رصينا يف تعليم العوام‪ ،‬وتلقينهم أمور الديانة‪،‬‬ ‫وتعريفهم بضرور َياته‪ ،‬وما يجب عليهم تع ُّلمه من أمور الديانة؛ عقيدة وعبادة‪.‬‬ ‫والمستهدف فيه بالدَ رجة األولى هم العوا ُّم‪ ،‬نصحا لهم‪ ،‬وتعليما لهم‬ ‫مما أنبه عليه يف طليعة ال َتعليق على هذه الرسالة؛ َ‬ ‫أن‬ ‫لضرور َيات دينهم؛ ولهذا َ‬ ‫بسطا سهّل‪ ،‬بما يتناسب مع من ألفت هذه‬ ‫األسلوب يف شردها سيكون أسلوبا م َ‬ ‫ـ‪5‬ـ‬


‫الرسالة من أجلهم‪ ،‬وهم‪ :‬العوا ُّم(‪.)1‬‬ ‫وقد أجاد َ‬ ‫الشيخ‬

‫يف هذه الرسالة وأفاد‪ ،‬ونصح وأبلغ يف النَصيحة‪،‬‬

‫ومحل عنايته إلى آخر دياته‪ ،‬وال َ‬ ‫َ‬ ‫أدل على‬ ‫وكانت هذه الرسالة موطن اهتمامه‬ ‫ذلك من َ‬ ‫أن هذه الرسالة طبعت يف طبعتها األخيرة يف العام ا َلذي توفي فيه‬ ‫تعديّلت منه‬ ‫وعليها‬ ‫ٌ‬

‫‪،‬‬

‫‪ ،‬سواء يف إضافة بعض الدُّ روس‪ ،‬أو يف اإلضافة‬

‫وكمل يف‬ ‫وال َتكميل لبعض الدُّ روس؛ فقد أضاف بعض الدُّ روس الجديدة‪،‬‬ ‫َ‬ ‫بعض‪ ،‬وعدَ ل شيئا ما يف ال َترتيب‪ ،‬والمعتمد يف شردي لهذه الرسالة هو على‬ ‫ال َطبعة األخيرة ا َلتي صدرت يف العام ا َلذي توفي فيه‬ ‫الرسالة عند َّ‬ ‫وعنايتِه هبا إىل آخر حياتِه‪ ,‬وأرجو اهللَ أن يكون‬ ‫الشيخ‬ ‫مكانة هذه ِّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫واملسامهة يف هذا الباب العظيم‪.‬‬ ‫الوفاء هلذا اإلمام اجلليل‬ ‫الَّش ِح يش ٌء من‬ ‫يف هذا َّ‬

‫ٌ‬ ‫داللة عىل‬ ‫‪ ،‬ويف هذا‬

‫وأسأل اهلل‬

‫الصالح‪ ،‬وال َتوفيق‬ ‫أن يرزقنا أجمعين العلم النَافع والعمل َ‬

‫لما يح ُّبه ويرضاه من سديد األقوال وصالح األعمال‪ ،‬وص َلى اهلل وس َلم على‬ ‫محمد وآله وصحبه‪.‬‬ ‫نبينا َ‬

‫‪‬‬

‫دروس ألقيتها يف مسجد النَبي بلغت اثني عشر مجلسا‪ ،‬عقدت يف َ‬ ‫(‪ )1‬وأصل هذا َ‬ ‫الشهر‬ ‫الشرح‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وإضافات‬ ‫تعديّلت‬ ‫األخير من عام خمسة وثّلثين وأربعمائة وألف للهجرة‪ ،‬أجريت عليه‬ ‫وتنقيحات‪ ،‬واهلل ودده الموفق‪.‬‬

‫ـ‪6‬ـ‬


‫‪D‬‬

‫‪ ‬ﻗﺎل ﱠ‬ ‫اﻟﺸﻴﺦ ﻋﺒﺪ اﻟﻌﺰﻳﺰ ﺑﻦ ﺑﺎز ‪::‬‬

‫ﻟﻠﻤ ﱠﺘ ِﻘﻴﻦ‪،‬‬ ‫اﻟﺮﺣﻴﻢ‪ ،‬اﻟﺤﻤﺪُ ﷲ ﱢ‬ ‫رب اﻟﻌﺎﻟﻤﻴﻦ‪ ،‬واﻟﻌﺎﻗﺒﺔ ُ‬ ‫اﻟﺮﺣﻤﻦ ﱠ‬ ‫»ﺑﺴﻢ اﷲ ﱠ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ﺤﻤ ٍﺪ وﻋﻠﻰ آﻟﻪ وأﺻﺤﺎﺑﻪ أﺟﻤﻌﻴﻦ؛ ﱠأﻣﺎ‬ ‫وﺻ ﱠﻠﻰ اﷲُ وﺳ ﱠﻠﻢ ﻋﻠﻰ ﻋﺒﺪه ورﺳﻮﻟﻪ ﻧﺒ ﱢﻴﻨَﺎ ُﻣ ﱠ‬

‫اﻟﻌﺎﻣ ُﺔ ﻋﻦ دﻳﻦ‬ ‫ﻮﺟ َﺰ ٌة ﰲ ﺑﻴﺎن ﺑﻌﺾ ﻣﺎ ﻳﺠﺐ أن ﻳﻌﺮ َﻓﻪ‬ ‫ﺑﻌﺪُ ‪ :‬ﻓﻬﺬه‬ ‫ٌ‬ ‫ﻛﻠﻤﺎت ُﻣ َ‬ ‫ﱠ‬ ‫ِ‬ ‫اﻷﻣﺔ«‪ ،‬وأﺳﺄل اﷲَ أن ﻳﻨ َﻔ َﻊ ﺑﻬﺎ‬ ‫اﻟﻤﻬﻤ ُﺔ‬ ‫ﺳﻤﻴ ُﺘﻬﺎ »اﻟﺪﱡ روس‬ ‫ﻟﻌﺎﻣﺔ ﱠ‬ ‫ﱠ‬ ‫ﱠ‬ ‫اﻹﺳﻼم‪ ،‬ﱠ‬ ‫ﻛﺮﻳﻢ«‪.‬‬ ‫اﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ وأن ﻳ َﺘﻘ ﱠﺒ َﻠﻬﺎ ﻣﻨﱢﻲ‪ ،‬إ ﱠﻧﻪ ﺟﻮا ٌد‬ ‫ٌ‬ ‫‪:n‬‬ ‫ﺑﺤﻤﺪ اﷲ واﻟ ﱠﺜ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ﻨﺎء ﻋﻠﻴﻪ‬ ‫اﻟﺮﺳﺎﻟﺔ‪ ،‬اﺳﺘﻬ ﱠﻠﻬﺎ ‪:‬‬ ‫‪ ‬ﻫﺬه ُﻣﻘﺪﱢ ﻣ ٌﺔ ﺑﻴﻦ ﻳﺪَ ْي ﻫﺬه ﱢ‬

‫َ‬ ‫ﺟﻞ ﰲ ﻋﻼه ـ ﺑﻤﺎ ﻫﻮ أﻫ ُﻠﻪ‪ ،‬وﺑﻴﺎن ﱠ‬ ‫ـ ﱠ‬ ‫اﻟﻜﺮﻳﻢ ﰲ اﻟﺪﱡ ﻧﻴﺎ‬ ‫واﻟﻤﺂل‬ ‫أن اﻟﻌﺎﻗﺒ َﺔ اﻟﺤﻤﻴﺪ َة‬ ‫َ‬ ‫اﻟﻤﻼزﻣﻮن ﻟﻄﺎﻋﺔ اﷲ اﻟ ُﻤﺠﺎﻧِﺒﻮن ﻟﻤﻌﺎﺻﻴﻪ‪،‬‬ ‫واﻵﺧﺮةِ ﻷﻫﻞ اﻟ ﱠﺘﻘﻮى؛ ُ‬ ‫وﻫﻢ ُ‬ ‫ﺑﺄواﻣﺮه‪ ،‬اﻟﻤﻨ َﺘﻬﻮن ﻋﻦ ﻧﻮ ِ‬ ‫ِ‬ ‫اﻫﻴﻪ‪ ،‬اﻟﻌﺎﻣﻠﻮن ﻟﻨَﻴﻞ رﺿﺎه واﻟ َﻔﻮز ﺑﻜﺮاﻣﺘﻪ‬ ‫اﻟﻤﺆ َﺗ ِﻤﺮون‬ ‫َ‬ ‫ُ ُ‬ ‫ُ‬

‫ـ ﺗﺒﺎرك وﺗﻌﺎﻟﻰ ـ ﻳﻮم ﻟﻘﺎه‪.‬‬

‫‪ ‬‬


‫الرسول المجتبى والنَبي المصطفى؛ خيرة اهلل‬ ‫وبالصّلة‬ ‫َ‬ ‫والسّلم على َ‬ ‫َ‬ ‫ـ تبارك وتعالى ـ من خلقه‪ ،‬وصفوة عباده‪ ،‬صلوات اهلل وسّلمه وبركاته عليه‪.‬‬ ‫ثم ب َين أ َنها موجز ٌة ليس فيها ٌ‬ ‫اختصار مخل‪ ،‬بل فيها إيجاز‪،‬‬ ‫طول ممل وال‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫تصار على ما يحقق المقصود ـ بإذن اهلل ـ تبارك وتعالى‪.‬‬ ‫وسهولة عبارة‪ ،‬واق ٌ‬ ‫وخصها «يف بيان بعض ما يجب أن يعرفه العامة»‪ ،‬أي‪ :‬من واجبات الدين‬ ‫َ‬ ‫وضرور َياته‪ ،‬وال س َيما ما ال يعذر المرء بجهله‪ ،‬مع بعض المسائل ا َلتي هي من‬ ‫همة ا َلتي ينبغي على‬ ‫المستح َبات وليست من الفرائض‪ ،‬لكنَها من األمور الم َ‬ ‫عا َمة األ َمة أن يعنوا هبا‪.‬‬ ‫سمى‪،‬‬ ‫اسم مطاب ٌق للم َ‬ ‫وسماها‪« :‬الدروس المهمة لعامة األمة»؛ وهو ٌ‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫وعنوان مواف ٌق للمعنى ا َلذي اشتملت عليه هذه الرسالة‪ ،‬فهي رتبت ترتيبا بديعا‬ ‫األول‪ ...‬ال َثاين‪ ...‬ال َثالث‪ ...‬إلخ‪.‬‬ ‫على هيئة دروس‪ :‬الدَ رس َ‬ ‫مما يحتاج إليه عوا ُّم المسلمين‪.‬‬ ‫«المهمة»‪ :‬أي ا َلتي يف غاية األهم َية َ‬ ‫ونوع المصنف مضامين هذه الرسالة‪ ،‬فب َين فيها ما يتع َلق بجانب االعتقاد‪،‬‬ ‫َ‬ ‫وما يتع َلق بجانب العبادات‪ ،‬وال س َيما المباين الخمسة لإلسّلم‪ ،‬وب َين فيها أيضا‬ ‫ودذر فيها من كبائر ُّ‬ ‫َ‬ ‫الذنوب‪ ،‬وعدَ د‬ ‫األخّلق ا َلتي ينبغي أن يتح َلى هبا المسلم‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ودذر أشدَ ال َتحذير من الشرك األكرب النَاقض للدين المباين للم َلة؛‬ ‫جملة منها‪،‬‬ ‫ومهمة تم ُّس داجة عوام المسلمين إليها‪.‬‬ ‫فهي رسال ٌة دوت مضامين عظيمة‬ ‫َ‬ ‫«وأسأل اهلل‬

‫أن ينفع بها المسلمين وأن يتقبلها مني إنه جواد كريم»؛‬

‫هذه دعو ٌة عظيم ٌة‪ ،‬جمعت بين سؤال اهلل ـ تبارك وتعالى ـ النَفع هبذه الرسالة‪،‬‬ ‫ـ‪8‬ـ‬


‫وأن يتق َبلها منه بق ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫دسن‪.‬‬ ‫بول‬ ‫ومن فضل اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ ومنه َ‬ ‫أن هذه الرسالة القت قبوال واسعا؛‬ ‫فعقدت المجالس الكثيرة لمدارستها‪ ،‬وقرئت على ٍ‬ ‫كثير من النَاس يف المساجد‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫لشيء من مضامينها‪ ،‬وا ُّتخذت منهجا يف تعليم العوام وتلقينهم أمور‬ ‫مع البيان‬ ‫الديانة‪ ،‬وترجمت إلى ٍ‬ ‫كثير من ال ُّلغات؛ وهذا ك ُّله من األمارات على القبول ـ إن‬ ‫شاء اهلل ـ ا َلذي جعله اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ لهذه الرسالة‪.‬‬ ‫وأسأل اهلل ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ أن يجزي مؤلفها خير الجزاء‪ ،‬وأن يثقل هبا موازينه‬ ‫أن ينفع هبذا‬

‫يوم لقاء اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪ ،‬وأن ينفعنا أجمعين هبا‪ ،‬وأسأله‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫قريب‬ ‫سميع‬ ‫دسن؛ إ َنه ـ تبارك وتعالى ـ‬ ‫بقبول‬ ‫الشرح المسلمين وأن يتق َبله مني‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫مجيب‪.‬‬ ‫ٌ‬

‫‪‬‬

‫ـ‪9‬ـ‬


‫ﱠ‬

‫ﱠ‬

‫ﺍﻟﺪﺭﺱ ﺍﻷﻭﻝ‬

‫ﱡ َ‬ ‫ﺳﻮﺭﺓ ﺍﻟﻔﺎﲢﺔ ﻭﻗﺼﺎﺭ ﺍﻟﺴﻮﺭ‬

‫‪ ‬ﻗﺎل‪: :‬‬

‫ِ‬ ‫اﻟﺴﻮر‪.‬‬ ‫»اﻟﺪﱠ رس ﱠ‬ ‫اﻷول‪ :‬ﺳﻮرة اﻟﻔﺎﺗﺤﺔ وﻗ َﺼﺎر ﱡ‬

‫اﻟﺴﻮر؛ ِﻣﻦ ﺳﻮرة اﻟ ﱢﺰﻟ َﺰﻟﺔ إﻟﻰ ﺳﻮرة‬ ‫ُﺳﻮرة اﻟﻔﺎﺗﺤﺔ وﻣﺎ‬ ‫َ‬ ‫أﻣﻜﻦ ﻣﻦ ﻗﺼﺎر ﱡ‬

‫ﻳﺠﺐ ﻓﻬ ُﻤﻪ«‪.‬‬ ‫اﻟﻨﱠﺎس؛ ﺗﻠﻘﻴﻨ ‪ ،‬وﺗﺼﺤﻴﺤ ﻟﻠﻘﺮاءة‪ ،‬وﺗﺤﻔﻴﻈ ‪ ،‬وﺷﺮﺣ ﻟﻤﺎ‬ ‫ُ‬ ‫‪:n‬‬

‫‪َ ‬‬ ‫ﻬﻤ ِﺔ ﻟﻌﺎ ﱠﻣ ِﺔ اﻷ ﱠﻣ ِﺔ؛ وﻫﻮ ﰲ‬ ‫رس ﱠ‬ ‫ﻫﺬا ُﻫﻮ اﻟﺪﱠ ُ‬ ‫اﻟﻤ ﱠ‬ ‫اﻷو ُل ﻣﻦ اﻟﺪﱡ روس ُ‬ ‫ﻌﻠﻴﻢ ِﻟﻘ َﺼ ِ‬ ‫اﻟﺴ ِ‬ ‫َ‬ ‫اﻟﺴ َﻮ ِر‬ ‫وﻳﻘﱰح أن‬ ‫ﻮر‪،‬‬ ‫ﺗﻌﻠﻴﻤﻬﻢ ﺳﻮر َة اﻟﻔﺎﺗﺤﺔ‬ ‫ُ‬ ‫ﺎر ﱡ‬ ‫ﻳﻜﻮن اﻟ ﱠﺘ ُ‬ ‫وﻗﺼﺎر ﱡ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫اﻟﺰ َﻟﺰ َﻟﺔ إﻟﻰ ﺳﻮرةِ اﻟﻨﱠﺎس‪ ،‬ﱠ‬ ‫ﻛﺎف ﻟﻠﻌﻮا ﱢم ﻟ ُﻴ َﺆ ﱡدوا ﲠﺎ‬ ‫وأن ﻫﺬا اﻟﻘﺪْ َر‬ ‫ﻣﻦ ﺳﻮرة ﱠ‬ ‫اﻟﺴﻮر َة اﻟﻮاﺣﺪ َة‬ ‫ﺻﻼ َﺗﻬﻢ َ‬ ‫ﻛﺮ َر ﱡ‬ ‫ﻓﺮﺿﻬﺎ و َﻧ ْﻔ َﻠﻬﺎ ﺑﻤﺎ ﰲ ذﻟﻚ ﻗﻴﺎم اﻟ ﱠﻠﻴﻞ‪ ،‬ﺣ ﱠﺘﻰ ﻟﻮ ﱠ‬ ‫ُﻣﻘﺘ َِﺼ ًﺮا ﻋﻠﻴﻬﺎ ﰲ ﻗﻴﺎﻣﻪ ﻣﻦ اﻟ ﱠﻠﻴﻞ؛ ﻓ َﻌﻦ ﻗﺘﺎدة ِ‬ ‫رﺟﻼ ﻗﺎم ﰲ‬ ‫ﺑﻦ اﻟﻨﱡﻌﻤﺎن ا َأ ﱠن ً‬ ‫ِ‬ ‫ﻓﻠﻤﺎ‬ ‫اﻟﺴ َﺤ ِﺮ ﴿! " ‪ ﴾% $ #‬ﻻ ﻳﺰﻳﺪ ﻋﻠﻴﻬﺎ‪ ،‬ﱠ‬ ‫ﻳﻘﺮ ُأ ﻣﻦ ﱠ‬ ‫ﱠﺒﻲ ح َ‬ ‫زﻣﻦ اﻟﻨ ﱢ‬

‫رﺟﻞ اﻟﻨﱠﺒﻲ ح ﻓﺬﻛﺮ ذﻟﻚ ﻟﻪ َ‬ ‫ُ‬ ‫أﺻ َﺒ ْﺤﻨﺎ أﺗﻰ ٌ‬ ‫رﺳﻮل اﷲ‬ ‫اﻟﺮ ُﺟ َﻞ ﻳﺘﻘﺎ ﱡﻟﻬﺎ‪ ،‬ﻓﻘﺎل‬ ‫وﻛﺄ ﱠن ﱠ‬ ‫ﱠ‬

‫‪ ‬‬


‫‪« :‬والذي ن ْفسي بيده إنها لت ْعدل ثلث الق ْرآن»(‪.)1‬‬ ‫وهذه المنهج َية يف ال َتعليم تشجع كثيرا من العوام على ال َتع ُّلم والحفظ؛‬ ‫عندما يقال له‪َ :‬‬ ‫الزلزلة إلى‬ ‫السور؛ من َ‬ ‫إن القدر ا َلذي تحتاج إليه هو هذا القدر من ُّ‬ ‫النَاس‪ ،‬فيشعر َ‬ ‫أن القدر ا َلذي يحتاجه إلقامة عبادته هو هذا القدر اليسير‪ ،‬فتعظم‬ ‫السور من ديث الحفظ ومن ديث الفهم لمعانيها‪ ،‬د َتى تكون تّلوته‬ ‫عنايته هبذه ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫السور عن ٍ‬ ‫ودراية بمدلولها‪ ،‬ولهذا لو أ َنه خصص يف المساجد‬ ‫فهم لمعانيها‬ ‫لهذه ُّ‬ ‫السور‪ ،‬ومن أكملها يقال له‪ :‬أكملت‬ ‫دلقا لعوام المسلمين يقتصر فيها على هذه ُّ‬ ‫أردت الزيادة التحق بالحلقات ا َلتي يحفظ فيها القرآن كامّل‪،‬‬ ‫ما تحتاج إليه‪ ،‬وإذا‬ ‫َ‬ ‫ر َبما أتقن بعضهم يف ٍ‬ ‫شهر‪ ،‬ور َبما يف شهرين‪ ،‬بحسب مقدرته ودافظته‪ ،‬فـهذه‬ ‫المنهج َية مه َم ٌة بحيث يستشعر العامي يف جلوسه َ‬ ‫أن القدر المطلوب منه ليس‬ ‫قدرا كبيرا‪ ،‬وإ َنما هي سور قليل ٌة يتم َكن ـ بإذن اهلل ـ من إتقانها يف ٍ‬ ‫وقت ٍ‬ ‫يسير‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫وتكون الطريقة يف تعليمها للعوام على نحو ما بين؛ وهي عبر خطوات‬ ‫أربع‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ الخطوة األولى‪ :‬ال َتلقين؛ قال‬

‫‪« :‬تلقينًا»‪ ،‬أي يلقنهم اإلمام أو المقرئ‬

‫ثم‬ ‫ومرتين‪َ ،‬‬ ‫مرة َ‬ ‫السور‪ ،‬آية‪ ،‬آية؛ فيكرر على مسامعهم اآلية األولى َ‬ ‫أو الحافظ هذه ُّ‬ ‫ال َثانية‪ ...‬وهكذا‪ ،‬فالقرآن يؤخذ بال َتلقين‪ ،‬فيسمعونها سماعا صحيحا‪.‬‬ ‫ثم بعد ذلك يقرؤون ما سمعوه‪ ،‬ويقوم اإلمام أو المقرئ أو المحفظ‬ ‫‪2‬ـ َ‬ ‫تصحيحا للقراءة»‪.‬‬ ‫بتصحيح قراءتهم‪ ،‬ولهذا قال‪« :‬‬ ‫ً‬ ‫ثم تأيت بعد ذلك المردلة ال َثالثة وهي‪ :‬الحفظ؛ فيحفظ هذا ا َلذي تل َقنه‬ ‫‪3‬ـ َ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪.)5014‬‬

‫ـ ‪ 11‬ـ‬


‫وقرأه بين يدي َ‬ ‫الشيخ وص َحح له دفظا صحيحا ويكرره دسب الكفاية؛ فبعض‬ ‫مرة أو مئتين لتكون محفوظة‬ ‫السورة خمسين أو مئة َ‬ ‫النَاس يحتاج إلى أن يكرر ُّ‬ ‫عنده دفظا متقنا‪.‬‬ ‫الرابعة وهي‪َ :‬‬ ‫الشرح لما يجب فهمه‪،‬‬ ‫ثم تأيت بعد ذلك المردلة َ‬ ‫‪4‬ـ َ‬ ‫ثم من سورة‬ ‫السور‪ ،‬وبيان مدلوالتها‪ ،‬بدءا من سورة الفاتحة َ‬ ‫وتفسير معاين هذه ُّ‬ ‫الزلزلة إلى سورة النَاس‪.‬‬ ‫َ‬

‫ٍ‬ ‫السور ا َلتي‬ ‫وإتماما للفائدة أعلق تعليقا يسيرا ببيان شيء من معاين هذه ُّ‬ ‫الزلزلة إلى سورة النَاس‪ ،‬بيانا مختصرا‬ ‫ثم َ‬ ‫‪ ،‬بدءا من سورة الفاتحة‪َ ،‬‬

‫ذكرها‬

‫وتفسيرا موجزا‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫ﭷﭸ ﭹﭺ ﭻ‬ ‫﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ‬ ‫ﭟ ﭠﭡ ﭢﭣﭤﭥﭦﭧ ﭨﭩﭪﭫﭬﭭ‬ ‫ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ﴾ ‪.‬‬ ‫مر ٍة يتلو فيها المسلم كتاب اهلل ـ تبارك‬ ‫االستعاذة يشرع اإلتيان هبا يف كل َ‬ ‫وتعالى ـ‪.‬‬ ‫وطلب منه ـ تبارك وتعالى ـ أن يعيذ عبده‪ ،‬وأن‬ ‫واالستعاذة‪ :‬التجا ٌء إلى اهلل‬ ‫ٌ‬ ‫يقيه من َ‬ ‫الرجيم‪.‬‬ ‫الشيطان َ‬ ‫ـ ‪ 12‬ـ‬


‫وإ َنما شرعت االستعاذة بين يدي تّلوة كتاب اهلل‬

‫؛ َ‬ ‫ألن َ‬ ‫الشيطان أشدُّ‬

‫ما يكون درصا على صرف العبد عن هذا الكتاب العظيم والفوز هبداياته‬ ‫والوقوف على معانيه ومضامينه وال َتأ ُّثر به؛ فشرع للعبد أن يستعيذ باهلل من هذا‬ ‫َ‬ ‫الشيطان د َتى تكون قراءته لكتاب اهلل ـ تبارك وتعالى ـ قراءة سالمة من وساوس‬ ‫َ‬ ‫الشيطان وهمزه ونفخه‪ ،‬محفوظا بحفظ اهلل‪.‬‬ ‫الصاد لهم عن‬ ‫و«الش ْيطان»‪ :‬أي العايت المتمرد الغاوي المغوي لعباد اهلل‪َ ،‬‬ ‫طاعة اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪.‬‬ ‫«الرجيم»‪ :‬أي المطرود الـمبعد الملعون‪ ،‬ا َلذي أبعده اهلل ـ سبحانه‬ ‫الردمة أراد أن يبعد عباد اهلل عنها‪،‬‬ ‫ولما كان مبعدا عن َ‬ ‫وتعاىل ـ من ردمته‪َ ،‬‬ ‫فطلب من العبد أن يستعيذ باهلل من هذا َ‬ ‫الشيطان العايت المتمرد‪ ،‬ا َلذي يعمل‬ ‫على صرف اإلنسان عن طاعة اهلل وعبادته والفوز بردمته ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ‪.‬‬ ‫﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ﴾ البسملة آي ٌة من كتاب اهلل‬ ‫ٍ‬ ‫سورة‪ ،‬عدا سورة براءة‪.‬‬ ‫تّلوة كل‬

‫‪ ،‬يؤتى هبا بين يدي‬

‫ٍ‬ ‫استعانة باهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪ ،‬ومعنى بدء التّلوة‬ ‫والبسملة هي كلمة‬ ‫أن من يتلو كتاب اهلل يبدأ تّلوته مستعينا باهلل؛ َ‬ ‫بالبسملة‪ :‬أي َ‬ ‫ألن الباء يف «بسم‬ ‫اهلل» باء االستعانة‪ ،‬متربكا بذكر اسمه ـ تبارك وتعالى ـ‪.‬‬ ‫﴿ﭒ﴾ عل ٌم على اهلل‬

‫‪ ،‬ومعناه‪ :‬ذو األلوه َية والعبود َية على خلقه‬

‫أجمعين‪ ،‬وهو دال على ألوه َية اهلل‪ :‬وهي أوصاف الكمال والعظمة والجّلل‬ ‫ا َلتي استح َق هبا أن يؤله وأن يعبد وأن يذ َل له ويخضع له ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ‪ ،‬ودال‬ ‫ـ ‪ 13‬ـ‬


‫على العبود َية‪ :‬وهي أفعال العبد ا َلتي يقتضيها هذا االسم من ذل وخضو ٍع‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وإقبال على اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪.‬‬ ‫وانكسار‬ ‫الردمة‪َ ،‬‬ ‫داالن على ثبواها هلل ـ سبحانه‬ ‫﴿ﭓ ﭔ﴾ اسمان مشت َقان من َ‬ ‫الردمة الواسعة َ‬ ‫الشاملة‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬ ‫وتعاىل ـ؛ أ َما ﴿ﭓ﴾ فهو دال على َ‬ ‫خص اهلل‬ ‫﴿ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ﴾ [‪ ،]156 :c‬و﴿ ﭔ﴾ دال على ما َ‬ ‫ـ تبارك وتعالى ـ به أولياءه وأصفياءه‪ ،‬كما قال ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ‪﴿ :‬ﰑ‬ ‫ﰒ ﰓ﴾ [{‪.]43 :‬‬ ‫﴿ﭖ ﭗ﴾ الحمد‪ :‬هو ال َثناء على اهلل مع الحب له ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪ ،‬واهلل‬ ‫يثنى عليه على أسمائه الحسنى وصفاته العليا‪ ،‬ويثنى عليه على نعمه وآالئه‬ ‫ومننه ا َلتي ال تعدُّ وال تحصى‪.‬‬ ‫﴿ﭘ ﭙ﴾ أي خالقهم‪ ،‬ومالكهم‪ ،‬والمدبر لهم‪ ،‬والمتصرف‬ ‫ٍ‬ ‫شيء من ذلك‪ ،‬والعالمون‪ :‬هم من سوى اهلل‪.‬‬ ‫فيهم‪ ،‬ال شريك له يف‬ ‫والخاصة كما تقدَ م‪.‬‬ ‫بالردمة العا َمة‬ ‫َ‬ ‫﴿ﭛ ﭜ﴾ أي‪ :‬الم َتصف َ‬ ‫ٍ‬ ‫قراءة‪﴿ :‬ملِ ِك ﭟ ﭠ﴾‪ ،‬أي‪ :‬يوم الجزاء‬ ‫﴿ﭞ ﭟ ﭠ﴾ ويف‬ ‫والحساب‪ ،‬فالدين هو الحساب‪ ،‬ومن أسماء ربنا ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪« :‬الدَ َيان» أي‪:‬‬ ‫المجازي المحاسب‪ ،‬وهذا فيه الخوف من اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪ ،‬ومن لقائه‬ ‫والوقوف بين يديه‪ ،‬كما قال اهلل ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ‬ ‫ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ﴾ [\‪.]Ñ‬‬ ‫ـ ‪ 14‬ـ‬


‫﴿ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴾ فيها إخّلص العبادة واالستعانة هلل ـ َ‬ ‫جل‬

‫وعّل ـ؛ فقوله‪﴿ :‬ﭢ ﭣ﴾‪ ،‬أي‪ :‬أخلص لك عباديت‪ ،‬فّل أعبد غيرك‪﴿ ،‬ﭤ‬ ‫ﭥ﴾‪ ،‬أي‪ :‬أخلص استعانتي بك‪ ،‬فّل أستعين ٍ‬ ‫بأدد سواك‪.‬‬ ‫ففي قوله‪﴿ :‬ﭢ ﭣ﴾ براء ٌة من الشرك‪ ،‬ويف قوله‪﴿ :‬ﭤ ﭥ﴾‬ ‫براء ٌة من الحول والق َوة‪.‬‬ ‫تحقيق لـ‪ :‬ال إله َإال اهلل‪﴿ ،‬ﭤ ﭥ﴾ تحقيق لـ‪:‬‬ ‫﴿ﭢ ﭣ﴾‬ ‫ٌ‬ ‫قوة َإال باهلل‪.‬‬ ‫الدول وال َ‬ ‫﴿ﭢ ﭣ﴾ فيها الخلوص من الشرك والرياء‪﴿ ،‬ﭤ ﭥ﴾‬ ‫خلوص من العجب والكربياء‪.‬‬ ‫فيها‬ ‫ٌ‬ ‫﴿ﭧ ﭨ ﭩ﴾‪ ،‬أي‪ :‬د َلنا ووفقنا يا اهلل؛ لسلوك هذا الصراط‬ ‫المستقيم واتباعه‪ ،‬قال تعالى‪﴿ :‬ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾﭿ ﮀ ﮁ ﮂ‬

‫ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ﴾ [‪ ،]153 :b‬وهو دين اهلل ا َلذي رضيه لعباده‪ ،‬وال‬ ‫يرضى لهم دينا سواه‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫والشهداء‬ ‫﴿ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ﴾‪ ،‬أي‪ :‬من النَبيين والصديقين‬ ‫الصالح؛‬ ‫والصالحين ودسن أولئك رفيقا‪ ،‬من جمعوا بين العلم النَافع والعمل َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫فإن المنعم عليهم هم أهل العلم والعمل‪.‬‬ ‫ممن يعلم‬ ‫﴿ﭯ ﭰ ﭱ﴾ وهم اليهود‪ ،‬ومن سلك نهجهم َ‬ ‫الحق وال يعمل به‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ـ ‪ 15‬ـ‬


‫ممن يعبد اهلل‬ ‫﴿ﭲ ﭳ﴾ وهم النَصارى‪ ،‬ومن سلك مسلكهم؛ َ‬ ‫ٍ‬ ‫بصيرة وال علم‪.‬‬ ‫ـ تبارك وتعالى ـ بغير‬ ‫الضّلل‪ ،‬كما قال سفيان ابن‬ ‫السوء وع َباد َ‬ ‫والمقصود‪ :‬التَحذير من علماء ُّ‬ ‫عيينة‪« :‬من فسد من علمائنا كان فيه شب ٌه من اليهود‪ ،‬ومن فسد من ع َبادنا كان فيه‬ ‫شب ٌه من النَصارى»(‪.)1‬‬ ‫السورة‪ :‬دديث أبي هريرة‬ ‫ومن أعظم ما يعين على فهم هذه ُّ‬ ‫النَبي‬

‫عن‬

‫فيما يرويه عن ربه ـ تبارك وتعالى ـ أ َنه قال‪« :‬قس ْمت الصالة ب ْيني وب ْين‬

‫ع ْبدي ن ْصف ْين‪ ،‬ولع ْبدي ما سأل‪ ،‬فإذا قال الع ْبد‪﴿ :‬ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ﴾‬ ‫قال اهلل تعالى‪ :‬حمدني ع ْبدي‪ ،‬وإذا قال‪﴿ :‬ﭛ ﭜ﴾ قال اهلل تعالى‪ :‬أ ْثنى‬

‫علي ع ْبدي‪ ،‬وإذا قال‪﴿ :‬ﭞ ﭟ ﭠ﴾ قال‪ :‬مجدني ع ْبدي‪ ،‬فإذا قال‪﴿ :‬ﭢ‬ ‫ﭣ ﭤ ﭥ﴾ قال‪ :‬هذا ب ْيني وب ْين ع ْبدي ولع ْبدي ما سأل‪ ،‬فإذا قال‪:‬‬

‫﴿ﭧ ﭨ ﭩ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ‬ ‫ﭳ﴾ قال‪ :‬هذا لع ْبدي ولع ْبدي ما سأل»(‪.)2‬‬ ‫ومعنى «قس ْمت الصالة»‪ ،‬أي‪ :‬الفاتحة‪ ،‬وسميت صّلة؛ أل َنه ال صّلة لمن‬ ‫الصّلة‪.‬‬ ‫لم يقرأ هبا‪ ،‬لعظم مكانتها يف َ‬

‫ٍ‬ ‫الرب والعبد‪ :‬أي َ‬ ‫للرب‪،‬‬ ‫أن ثّلث آيات ونصف منها َ‬ ‫ومعنى قسمها بين َ‬

‫(‪ )1‬ذكره ابن كثير‬

‫يف «تفسيره» (‪.)138/4‬‬

‫(‪ )2‬أخرجه مسلم (‪.)395‬‬

‫ـ ‪ 16‬ـ‬


‫ٍ‬ ‫ونصف للعبد وهي آخرها‪.‬‬ ‫وهي‪َ :‬أولها وثّلث آيات‪،‬‬ ‫أولها ثنا ٌء على اهلل‪ ،‬وآخرها دعا ٌء للعبد‪.‬‬ ‫ف َ‬ ‫وهي تس َمى «أ َم القرآن»؛ أل َنها دوت إجماال ما دواه القرآن تفصيّل‪،‬‬ ‫وهي مليئ ٌة بالدُّ روس والعرب‪ ،‬وتقرير قواعد الدين وأصول اإليمان‪ ،‬وأمور‬ ‫َ‬ ‫السورة العظيمة‪.‬‬ ‫مما دوته هذه ُّ‬ ‫الشريعة واألخّلق واآلداب‪ ،‬إلى غير ذلك َ‬ ‫‪‬‬

‫ﭑ ﭒﭓﭔ‬ ‫﴿ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ ﭱﭲﭳﭴﭵ‬ ‫ﭶﭷﭸﭹﭺ ﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ‬ ‫ﮄ ﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋ ﮌﮍﮎﮏﮐ‬ ‫ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ﴾‪.‬‬

‫الرب ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ‬ ‫السورة العظيمة «سورة َ‬ ‫الزلزلة» فيها ذكر َ‬ ‫‪ ‬هذه ُّ‬ ‫الساعة؛ َ‬ ‫مما يكون بين يدي قيام‬ ‫فإن َ‬ ‫لألهوال العظيمة ا َلتي تكون بين يدي قيام َ‬ ‫الساعة تزلزل األرض‪ ،‬وهو ارتجاجها واهتزازها‪.‬‬ ‫َ‬ ‫وتحركت‪.‬‬ ‫واهتزت‬ ‫﴿ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ﴾‪ ،‬أي‪ :‬ارت َجت‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫﴿ﭮ ﭯ ﭰ﴾‪ ،‬أي‪ :‬أخرجت األرض ما يف بطنها من‬ ‫األموات ا َلذين دفنوا فيها‪ ،‬وألقت ما فيها من كنوز‪ ،‬وهذا اإلخراج لهؤالء النَاس‬ ‫من األرض هو إي ٌ‬ ‫الساعة والوقوف بين يدي اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪.‬‬ ‫ذان بقيام َ‬ ‫ـ ‪ 17‬ـ‬


‫﴿ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ﴾‪ ،‬أي‪ :‬يقوم اإلنسان من قربه إلى دشره ووقوفه بين‬ ‫يدي ربه مذهوال من هذا األمر العجيب والمنظر المهول‪ ،‬قائّل‪ :‬ما لها؟! ما‬ ‫لألرض دصل لها هذا ا َلذي دصل‪.‬‬ ‫﴿ﭷ﴾‪ ،‬أي‪ :‬يوم القيامة ﴿ﭸ ﭹ﴾؛ تحدث األرض بما كان‬ ‫عليها وما فعله النَاس فوقها من ٍ‬ ‫خير أو شر؛ وهذا فيه َ‬ ‫أن األرض تشهد بما دصل‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وأعمال قام هبا النَاس‪ ،‬وهي شهاد ٌة منها عليهم بأمر‬ ‫وأقوال‬ ‫وأدوال‬ ‫أخبار‬ ‫عليها من‬ ‫اهلل‪ ،‬كما قال اهلل سبحانه‪﴿ :‬ﭻﭼﭽﭾ﴾‪ ،‬أي‪ :‬أمرها وأذن لها هبذه َ‬ ‫الشهادة‪.‬‬ ‫الصدور من أرض الموقف لمّلقاة الجزاء‬ ‫ثم من بعد ذلك يكون دال ال َناس ُّ‬ ‫َ‬ ‫والحساب كل بحسب عمله؛ ﴿ﮀ﴾‪ ،‬أي‪ :‬يوم القيامة ﴿ﮁ ﮂ ﮃ﴾‪،‬‬ ‫أي‪ :‬أصنافا وأجناسا كل بحسب عمله من ٍ‬ ‫خير أو شر‪﴿ ،‬ﮄ ﮅ﴾‪ ،‬أي‪ :‬يعاينوا‬ ‫ٍ‬ ‫أعمال‪ ،‬سوا ٌء كانت األعمال خيرا‬ ‫ويشاهدوا ويقفوا على ما قدَ موه واقترفوه وفعلوه من‬ ‫أو شرا‪ ،‬محصاة عليهم‪ ،‬وهذا اإلدصاء لألعمال ـ خيرها وشرها ـ بمثاقيل َ‬ ‫الذر‪ ،‬يروا‬ ‫أعمالهم ك َلها ال ينقص من عملهم شي ٌء؛ ال من خير العمل وال من شره‪ ،‬ال من قليله‬ ‫السيء‪.‬‬ ‫ثم ينالوا ال َثواب على العمل َ‬ ‫الصالح‪ ،‬والعقاب على العمل َ‬ ‫وال من كثيره‪َ ،‬‬ ‫﴿ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ‬

‫الذ َرة‪ :‬هي الواددة من صغار النَمل‪ ،‬فالوزن يوم القيامة بمثاقيل َ‬ ‫ﮓ﴾ َ‬ ‫الذر يف‬ ‫خير األعمال وشرها‪ ،‬وهذا فيه تنبي ٌه للعباد أن ال يحقروا من أعمال الخير شيئا‪،‬‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬اتقوا النار ول ْو بشق ت ْمرة»(‪)1‬؛ َ‬ ‫فإن الوزن‬ ‫بي ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫وقد قال النَ ُّ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)1417‬ومسلم (‪ )1016‬عن عدي بن داتم‬

‫ـ ‪ 18‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫يوم القيامة بمثاقيل َ‬ ‫الذر‪.‬‬ ‫﴿ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ﴾‪ ،‬أي‪ :‬من خير ﴿ﮋ ﮌ﴾‪﴿ ،‬ﮎ ﮈ‬

‫ﮉ ﮊ﴾ ‪ ،‬أي‪ :‬من شر ﴿ﮒ ﮓ﴾‪ ،‬أي‪ :‬عقوبة على أعماله جزاء وفاقا‪،‬‬ ‫وهذا فيه ال َتحذير من االستهانة بمح َقرات ُّ‬ ‫الذنوب‪ ،‬كما جاء يف دديث عائشة‬ ‫‪« :‬إياك ْم ومحقرات األ ْعمال؛ فإن لها من اهلل طال ًبا»(‪ ،)1‬بل عليه أن يجتنب‬ ‫ٍ‬ ‫ُّ‬ ‫شيء منها بادر إلى ال َتوبة واإلنابة إلى اهلل‬ ‫الذنوب كبيرها وصغيرها‪ ،‬وإن وقع يف‬ ‫ـ سبحانه وتعاىل ـ ‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫ﭑ ﭒﭓﭔ‬ ‫﴿ﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜ ﮝﮞﮟ ﮠﮡ‬ ‫ﮢﮣ ﮤﮥﮦﮧ ﮨﮩ ﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ‬ ‫ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗﯘﯙ ﯚﯛﯜ ﯝ ﯞ ﭑﭒﭓ ﭔ ﭕﭖﭗ‬

‫ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﴾‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫السورة العظيمة «سورة العاديات» فيها قس ٌم من اهلل ـ تبارك‬ ‫وهذه ُّ‬

‫وتعالى ـ هبذه المخلوقات‪ ،‬واهلل‬

‫يقسم بما شاء من مخلوقاته‪ ،‬وإقسام اهلل‬

‫تشريف لها‪ ،‬وأ َما المخلوق فّل يجوز له أن يقسم َإال‬ ‫تعالى هبذه المخلوقات فيه‬ ‫ٌ‬ ‫الصحيحة»‬ ‫(‪ )1‬أخرجه النَسائي يف «الكربى» (‪ ،)11811‬وابن ماجه (‪،)4243‬‬ ‫وصححه األلباين يف « َ‬ ‫َ‬ ‫(‪.)513‬‬

‫ـ ‪ 19‬ـ‬


‫باهلل؛ لقول النَبي‬

‫‪« :‬م ْن كان حال ًفا ف ْلي ْحل ْ‬ ‫ت»(‪ ،)1‬ولقوله‪« :‬م ْن‬ ‫ف باهلل أ ْو لي ْصم ْ‬

‫حلف بغ ْير اهلل فقدْ كفر أ ْو أ ْشرك»(‪.)2‬‬ ‫﴿ﮕ ﮖ﴾ هذا قس ٌم منه ـ تبارك وتعالى ـ بالخيل المنطلقة عدوا‪،‬‬ ‫الصابرون المحتسبون‪ ،‬القاصدون‬ ‫على متونها المجاهدون يف سبيل اهلل‪َ ،‬‬ ‫بجهادهم إعّلء كلمة اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪.‬‬

‫‪,‬‬

‫معروف؛ وهو سرعة جريها‪ ،‬م َتجهة إلى أماكن أعداء دين اهلل‬ ‫والعدو‬ ‫ٌ‬ ‫الضبح‪ :‬هو نفس الخيل‪ ،‬فمع شدَ ة عدوها وجريها يخرج‬ ‫ـ تبارك وتعالى ـ‪ ،‬و َ‬ ‫الصوت‪.‬‬ ‫منها هذا النَفس هبذا َ‬ ‫﴿ﮘ ﮙ﴾‪ ،‬أي‪َ :‬‬ ‫أن دوافرها مع شدَ ة جريها وعدوها وسرعتها‬ ‫الشرر والنَار‪ ،‬وهذا ٌ‬ ‫الصلبة أو الحصى ينقدح منها َ‬ ‫دليل‬ ‫عندما تّلمس األرض َ‬ ‫وقوة انطّلقها لمّلقاة األعداء‪.‬‬ ‫على ق َوتها وسرعتها َ‬ ‫الصبح‪،‬‬ ‫﴿ﮛ ﮜ﴾؛ المغيرات‪ :‬أي على األعداء‪ ،‬صبحا‪ :‬أي وقت ُّ‬ ‫وهذا هو الغالب يف هدي النَبي‬

‫وجيوشه يغير على األعداء يف هذا الوقت‪.‬‬

‫السرعة إلى ديث مكان‬ ‫﴿ﮞ ﮟ ﮠ﴾ ‪ ,‬أي‪ :‬عندما تأيت هبذه َ‬ ‫القوة وهذه ُّ‬ ‫األعداء؛ تثير الغبار يف سادة القتال من شدَ ة العدو ا َلذي كانت عليه د َتى‬ ‫وصلت إلى سادة القتال‪.‬‬ ‫﴿ﮢ ﮣ﴾ ‪ ,‬أي‪ :‬بالمقاتل يف سبيل اهلل وهو على متنها‪﴿ ،‬ﮤ﴾‪ ،‬أي‪:‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)2679‬ومسلم (‪ )1646‬عن ابن عمر‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )2‬أخرجه أدمد (‪ ،)6072‬وأبو داود (‪ ،)3251‬والرتمذي (‪ ،)1535‬عن ابن عمر‬ ‫األلباين يف «اإلرواء» (‪.)2561‬‬

‫ـ ‪ 20‬ـ‬

‫وصححه‬ ‫‪.‬‬ ‫َ‬


‫جموع األعداء‪ ،‬فتأيت منطلقة‪ ،‬وتدخل بالمقاتل عليها يف صفوف األعداء‪ ،‬د َتى‬ ‫يكون منه بإذن اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ الفتك هبم‪.‬‬ ‫هذا هو القسم‪.‬‬ ‫أ َما المقسم عليه‪ :‬فهو بيان دال اإلنسان ﴿ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ﴾؛ والكنود‪:‬‬ ‫يتفضل عليه ر ُّبه بأنواع النعم وصنوف‬ ‫هو الجادد للنعمة‪ ،‬فهذا دال اإلنسان عموما‪َ ،‬‬ ‫المنن‪ ،‬فيكون كنودا جاددا لنعمة اهلل عليه وفضله ومنه ـ سبحانه وتعاىل ـ‪ ،‬وممسكا‬ ‫ونجاه‪.‬‬ ‫مما آتاه اهلل‪َ ،‬إال من س َلمه اهلل َ‬ ‫شحيحا بخيّل ال ينفق وال يبذل َ‬ ‫﴿ﮫ﴾‪ ،‬أي‪ :‬هذا اإلنسان ﴿ﮬ ﮭ ﮮ﴾‪ ،‬أي‪ :‬شهيدٌ على نفسه هبذه‬ ‫الصفة َ‬ ‫الذميمة والخصلة المشينة‪.‬‬ ‫﴿ﮰ ﮱ ﯓ﴾‪ ،‬أي‪ :‬المال ﴿ﯔ﴾؛ نفسه ال تقنع مهما أوتي من‬ ‫يحب المال دبا جما‪ ،‬أي دبا شديدا‪ ،‬لو أوتي من المال واديا لتمنَى أن‬ ‫المال‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫يكون له واد آخر‪.‬‬ ‫ثم ن َبه ـ تبارك وتعالى ـ على ما يعين العبد على النَجاة من هذه الخصال‬ ‫َ‬ ‫والسّلمة من هذه الصفات‪ ،‬فقال‪﴿ :‬ﯗ ﯘ﴾‪ ،‬أي‪ :‬اإلنسان ﴿ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ‬ ‫َ‬

‫جدير بالعبد أن يكون على ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وعلم به‪َ ،‬‬ ‫وأن هذا الجحود‬ ‫ذكر له‬ ‫أمر‬ ‫ٌ‬ ‫ﯝ﴾‪ ،‬هذا ٌ‬ ‫عما خلق العبد‬ ‫لنعمة اهلل‪ ،‬وهذا‬ ‫َ‬ ‫الحب للمال واالنكباب عليه‪ ،‬واالنشغال به َ‬ ‫ألجله وأوجد لتحقيقه؛ المآل فيه إلى َ‬ ‫ثم يبعثر ما يف‬ ‫أن هذا العبد سيموت‪َ ،‬‬ ‫القبور‪ ،‬ويقوم النَاس من قبورهم للمجازاة والمحاسبة‪.‬‬ ‫حصل يف ذلك اليوم ما انطوت عليه‪ ،‬ليجازى‬ ‫﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ﴾‪ ،‬أي‪ :‬ي َ‬ ‫ـ ‪ 21‬ـ‬


‫ٍ‬ ‫وكنود وغير ذلك من الخصال َ‬ ‫الذميمة‪.‬‬ ‫العبد على ما كان عليه من شح وبخ ٍل‪،‬‬ ‫﴿ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ﴾‪ ،‬أي‪ :‬م َطل ٌع على أعمالهم ال َظاهرة والباطنة‪،‬‬ ‫الخف َية والجل َية‪ ،‬ومجازيهم عليها‪.‬‬ ‫اسم من أسماء اهلل؛ وهو العليم ببواطن األمور وخفايا األشياء‪،‬‬ ‫و«الخبير» ٌ‬ ‫كعلمه بظاهرها وعلنها‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫ﭑ ﭒﭓﭔ‬ ‫﴿ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧﭨ‬ ‫ﭩﭪﭫ ﭬﭭﭮﭯ ﭰﭱ ﭲ‬ ‫ﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹ ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀ‬

‫ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ﴾‪.‬‬ ‫اسم من أسماء يوم القيامة‪ ،‬وقد تعدَ دت أسماؤها‬ ‫‪﴿ ‬ﭜ﴾‪ ,‬هذا ٌ‬ ‫وأوصاف‪ ،‬ألهنا دا َل ٌة على أوصاف عظيمة لذلك اليوم‪.‬‬ ‫لتعدُّ د صفاتها؛ فهي أعّل ٌم‬ ‫ٌ‬ ‫و«القارعة»‪ ،‬أي‪ :‬ا َلتي تقرع القلوب واألسماع من هول شدَ تها وعظم خطبها‪.‬‬ ‫﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ﴾‪ ,‬وهذا استفها ٌم لل َتهويل‪ ،‬وبيان عظم‬ ‫عظيم‪ ،‬ويو ٌم شديدٌ ‪.‬‬ ‫ذلك اليوم‪ ،‬وأ َنه يو ٌم‬ ‫ٌ‬ ‫﴿ﭦﭧ ﭨ ﭩﭪ﴾‪ ,‬يف ذلك اليوم تكون دال النَاس‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ببعض كالفراش عندما ينتشر ويموج‬ ‫ببعض‪ ،‬واختّلط بعضهم‬ ‫يف موجان بعضهم‬ ‫ـ ‪ 22‬ـ‬


‫بعضه يف بعض‪ ،‬وهو نظير قوله تعالى يف اآلية األخرى‪﴿ :‬ﭖ ﭗﭘ﴾‪.‬‬ ‫الص ُّم الصّلب القو َية المتماسكة المتينة‬ ‫﴿ﭬ ﭭ﴾‪ ،‬أي‪ُّ :‬‬ ‫الصوف المندوف‪ ،‬فأصبح بعد ندفه كوما‪،‬‬ ‫﴿ﭮ ﭯ﴾‪ ،‬أي‪ :‬ك ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫يسير تّلشى‪ ،‬فتذهب عن تلك الجبال‬ ‫لكنَه غير متماسك‪ ،‬بحيث لو َ‬ ‫هب هوا ٌء ٌ‬ ‫وقوتها‪.‬‬ ‫صّلبتها َ‬ ‫ثم ب َين دال النَاس يف ذلك اليوم‪ ،‬وأ َنهم على قسمين‪:‬‬ ‫َ‬ ‫﴿ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ﴾‪ ،‬أي‪ :‬رجحت بالحسنات وال َطاعات وأنواع‬ ‫نعيم م ٍ‬ ‫القربات‪﴿ ،‬ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ﴾‪ ،‬أي‪ :‬يف جنَة الخلد‪ ،‬يف ٍ‬ ‫قيم ال يحول‬ ‫وال يزول أبد اآلباد‪ ،‬قرير ٌة عينه ـ بمنَة اهلل عليه وفضله َ‬ ‫جل يف عّله ـ راضي ٌة‪،‬‬ ‫الصحيح‪« :‬إذا دخل أ ْهل الجنة الجنة يقول اهلل ـ تبارك‬ ‫ولهذا جاء يف الحديث َ‬ ‫وتعالى ـ‪ :‬تريدون ش ْيئًا أزيدك ْم؟ فيقولون‪ :‬أل ْم تبي ْض وجوهنا؟ أل ْم تدْ خ ْلنا الجنة‬ ‫وتنجنا من النار؟ قال‪ :‬فيكْشف الحجاب‪ ،‬فما أ ْعطوا ش ْيئًا أحب إل ْيه ْم من النظر‬ ‫إلى ربه ْم‬

‫»(‪ ،)1‬جعلنا اهلل أجمعين منهم بمنه وكرمه‪.‬‬

‫السيئات والمعاصي ُّ‬ ‫والذنوب ﴿ﮀ‬ ‫﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴾‪ ،‬أي‪ :‬ب َ‬ ‫ﮁ﴾‪ ،‬أي‪َ :‬‬ ‫أن النَار هي مأواه وهي مكانه‪ ،‬وقيل‪( :‬أ ُّمه)‪ ،‬أي‪ :‬رأسه هاوية‪،‬‬ ‫أي‪ :‬يهوي على رأسه يف النَار‪.‬‬ ‫تعظيم ألمرها و ٌ‬ ‫بيان لخطوراها‪.‬‬ ‫﴿ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ﴾‪ ،‬أي‪ :‬هذه الهاوية‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪ )181‬عن صهيب‬

‫‪.‬‬

‫ـ ‪ 23‬ـ‬


‫نار شديد ٌة محرق ٌة‪ ،‬وقد جاء يف الحديث َ‬ ‫أن‬ ‫﴿ﮈ ﮉ﴾‪ ،‬أي‪ٌ :‬‬ ‫رسول اهلل‬

‫قال‪« :‬نارك ْم ج ْزء م ْن س ْبعين جزْ ًءا م ْن نار جهنم»(‪ ،)1‬أعاذنا اهلل‬

‫منها‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫ﭑ ﭒﭓﭔ‬ ‫﴿ﮋ ﮌ ﮍﮎﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﮗ ﮘ‬ ‫ﮙﮚﮛﮜ ﮝ ﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥ ﮦ‬

‫ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ﴾ ‪.‬‬ ‫‪﴿ ‬ﮋ ﮌ﴾‪ ،‬أي‪ :‬أشغلكم وجعلكم تمضون يف هذه الحياة يف‬ ‫غفل ٍة مستم َر ٍة‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫﴿ﮌ﴾‪ ،‬أي‪ :‬طلب ما يتكاثر النَاس به من ٍ‬ ‫وتجارة ومساكن‬ ‫مال‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وادد لآلخر؛ أشغلكم‬ ‫مما يقصد منه مكاثرة كل‬ ‫ومركوبات وولد‪ ،‬وغير ذلك َ‬

‫عما خلقتم ألجله‪ ،‬وأوجد ُّتم لتحقيقه‪ ،‬وهو عبادة اهلل‪ ،‬وهذا دال‬ ‫هذا ال َتكاثر َ‬ ‫عما خلقوا هم ألجله وهو عبادة اهلل‪.‬‬ ‫كثير من النَاس؛ انشغلوا بما خلق ألجلهم َ‬ ‫مرت دالكم يف هذا االنشغال‪ ،‬وهذا ال َلهو‬ ‫﴿ﮎ ﮏ ﮐ﴾‪ ،‬أي‪ :‬است َ‬ ‫كثير من النَاس؛ فتجد الوادد منهم يف له ٍ‬ ‫د َتى م ُّتم وأدخلتم القبور‪ ،‬وهي دال ٍ‬ ‫ث‬ ‫وراء هذا ال َتكاثر دتَى يموت‪ ،‬ومن ث َم يدرج يف قربه‪ ،‬وسمي هذا الدُّ خول للقبور‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)3265‬ومسلم (‪ )2843‬عن أبي هريرة‬

‫ـ ‪ 24‬ـ‬


‫زيارة؛ َ‬ ‫ألن القرب برز ٌخ بين الدُّ نيا واآلخرة‪ ،‬ومعب ٌر إلى الدَ ار الباقية‪ ،‬يدخله الميت‬ ‫الزائر؛ أل َنه ال يستم ُّر فيه‪ ،‬وإ َنما هي زيار ٌة وينتقل منه إلى الدَ ار اآلخرة‪.‬‬ ‫دخول َ‬ ‫جر عن هذه الحال وهذه الصفة‪ ،‬أي‪:‬‬ ‫﴿ﮒ ﮓ ﮔ﴾؛ ﴿ﮒ﴾ هذا ز ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫وغفلة‪ ،‬سوف تعلمون‪ :‬أي إذا أدخلتم‬ ‫ليس األمر كما أنتم منشغلين به من تكاث ٍر‬ ‫القبور‪ ،‬ورأيتم عاقبة العمل دسنه وسيئه‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫وبيان لعظم هذا َ‬ ‫الشأن‪.‬‬ ‫﴿ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ﴾‪ ،‬تأكيدٌ لهذا األمر‪،‬‬ ‫﴿ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ﴾‪ ،‬أي‪ :‬لو كان عند اإلنسان علم اليقين هبذا‬ ‫عما خلق ألجله وأوجد‬ ‫المآل وهذا المصير لما ألهاه ال َتكاثر‪ ،‬ولما أشغله َ‬ ‫لتحقيقه من طاعة اهلل‪.‬‬ ‫﴿ﮡ ﮢ﴾‪ ،‬أي‪ :‬لترد َن القيامة‪ ،‬فلترو َن الجحيم ا َلتي أعدَ ها اهلل‬ ‫للكافرين‪.‬‬ ‫والجحيم ـ وهي النَار ـ يؤتى هبا يوم القيامة إلى أرض المحشر‪ ،‬كما يف‬ ‫الحديث‪« :‬ي ْؤتى بجهنم ي ْومئذ لها س ْبعون أ ْلف زمام‪ ،‬مع كل زمام س ْبعون أ ْلف‬ ‫ملك يجرونها»(‪ ،)1‬فيعاينها النَاس ويشاهدونها‪.‬‬ ‫﴿ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ﴾‪ ،‬أي‪ :‬تعاينونها دقيقة بأبصاركم؛ وذلك يوم‬ ‫القيامة‪ ،‬يوم يقف النَاس بين يدي اهلل‪.‬‬ ‫﴿ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ﴾‪ ،‬أي‪ :‬يسألكم اهلل ـ تبارك وتعالى ـ يوم القيامة‬ ‫عن النَعيم ا َلذي آتاكم يف الدُّ نيا‪ ،‬ويدخل يف ذلك نعمة المال‪ ،‬ونعمة الص َحة‪ ،‬ونعمة‬ ‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪ )2842‬عن ابن مسعود‬

‫‪.‬‬

‫ـ ‪ 25‬ـ‬


 $    !"#         ,      ,     , 

(Ù¡) :â&#x20AC;« Ø£Ù&#x160;â&#x20AC;¬Ø&#x152;| { 1 . !/ 0 +, % -# ! &"  !&( )* , %&'   85 69( ;!"# %&' $ 8  7 6 5 ,6-3 45    )* ,6& " )* 6- 3;       4 #   B !A'-  7? !@#   ,!&-#  => !'+ </  $ &' ,6 "     M!-DH 6 5 6'-J  # 6-DH I-J K) )* 6-3; 85 6L ,B FG# E CD



 DC B A L K  J I H G F E D C B A .Q PONM

  ,1N P D% , N 3&-/ , N &O# 1N 7 F)*  S@ B R 0     5 ,!-  &Q   6 = . % * ,U" C &-   %     #5 C<  -. '@ * T / U&( B  @   *&J M*+ 4

 6U-.  W" FE 8 > V"D :K5 ,DC ,8  7J Z   F)* E R 6*"YX  7  % ?L : \ /X 5 0[,  D  ,1  X % 6* . X    ,!/ 8 >/ B  @ S@ B 6* %5   / R/ :K5 ,J I H Z Z # ?L 8    ;6-  M1&T/ 6-# ? 8 > 8H !&( )* 

 h :â&#x20AC;« Ø­â&#x20AC;¬R 7 = : = â&#x20AC;« تâ&#x20AC;¬1* g/5 # _defa] 6< ,_aabc] K)%` ^J5 _]           &   *  % ,& (  ) &  # $  % !   :         !               (  M_bak] i <&<T ,i, -    +

 h E jH !<<,   

â&#x20AC;« Ù&#x20AC;â&#x20AC;¬Ù¢Ù¦ â&#x20AC;«Ù&#x20AC;â&#x20AC;¬


‫تقربوا إلى اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ بأنواع‬ ‫﴿ﭛ ﭜ﴾‪ ،‬أي‪َ :‬‬ ‫الصالح‬ ‫العبادات وصنوف القربات طلبا لرضوانه سبحانه‪ ،‬ويف إيماهنم وعملهم َ‬ ‫ٌ‬ ‫تكميل ألنفسهم‪.‬‬ ‫﴿ﭝ ﭞ﴾‪ ،‬أي‪ :‬بدين اهلل ا َلذي رضيه لعباده وشرعه لهم‪،‬‬ ‫وتواصيهم به‪ ،‬أي‪ُّ :‬‬ ‫دث بعضهم بعضا على العناية به والمحافظة عليه‪ ،‬وهذا‬ ‫ٌ‬ ‫كملوا أنفسهم‪.‬‬ ‫تكميل لغيرهم بعد أن َ‬ ‫﴿ﭟ ﭠ﴾‪ ،‬أي‪ :‬على طاعة اهلل‪ ،‬وعن معصية اهلل‪ ،‬وعلى أقدار اهلل‬ ‫المؤلمة‪ ،‬وهذا فيه َ‬ ‫أن طريق الدَ عوة ال بدَ فيه من أذى؛ فليصبر اإلنسان‬ ‫وليحتسب‪ ،‬د َتى يكون بإذن اهلل ـ تبارك وتعالى ـ من النَاجين الفائزين‪ ،‬وقد قال‬ ‫اإلمام َ‬ ‫الشافعي‬

‫السورة لكفتهم»‪ ،‬أي‪ :‬لكفتهم‬ ‫‪« :‬لو ف َكر النَاس يف هذه ُّ‬

‫واعظا وزاجرا عن المنه َيات‪ ،‬وسائقا إلى الخير والرب بأنواعه‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫ﭑ ﭒﭓﭔ‬ ‫﴿ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ‬ ‫ﭰ ﭱﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ‬

‫ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ﴾‪.‬‬ ‫وهّلك‪ ،‬وقيل‪ :‬هو ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫واد يف جهنَم‪﴿ ،‬ﭣ ﭤ‬ ‫خسران‬ ‫‪﴿ ‬ﭢ﴾‪ ،‬أي‬ ‫ﭥ﴾‪ ،‬أي‪ :‬هذا شغله وديدنه الهمز وال َلمز؛ أي‪ :‬الوقيعة يف أعراض النَاس‬ ‫ـ ‪ 27‬ـ‬


‫وال َطعن فيهم وال َثلب لهم‪ ،‬والهمز بالقول‪ ،‬وال َلمز بالفعل واإلشارة‪.‬‬ ‫همه‪ ،‬جمع المال واالستكثار من جمعه‬ ‫﴿ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ﴾‪ ،‬أي‪ :‬هذا ُّ‬ ‫وتعداده‪َ ،‬‬ ‫الرقيق كذا‪ ،‬ويملك من‬ ‫وأن عنده من المال كذا وكذا‪ ،‬ويملك من َ‬ ‫المواشي كذا‪ ،‬ويملك من المساكن كذا‪ ،‬ويملك من المزارع كذا‪ ...‬إلخ‪ ،‬معددا‬ ‫متفاخرا متباهيا متعاليا على النَاس باألموال ا َلتي عنده‪.‬‬ ‫﴿ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ﴾‪ ،‬يظ ُّن من هذا شأنه وهذه صفته َ‬ ‫أن هذا المال‬ ‫ا َلذي يجمعه ويتكاثر به ويتفاخر به يكون سببا لخلوده وبقائه يف هذه الدُّ نيا‪.‬‬ ‫﴿ﭱﭲ﴾‪ ،‬ليس األمر كما ظ َن وال كما يحسب‪.‬‬ ‫ثم يكون‬ ‫﴿ﭳ ﭴ ﭵ﴾‪ ،‬مآل هذا أ َنه يموت‪ ،‬ويرتك ماله وراء ظهره‪َ ،‬‬ ‫مآله يوم القيامة أن يرمى ويلقى يف النَار‪ ،‬والنَار من أسمائها «الحطمة»؛ أل َنها‬ ‫تحطم‪ ،‬أي‪ :‬تكسر وتهشم ما ألقي فيها من شدَ تها‪.‬‬ ‫﴿ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ﴾‪ ،‬ما هي هذه الحطمة؟ ماذا تكون؟ االستفهام‬ ‫لل َتهويل‪ ،‬وبيان عظم خطورة هذه النَار‪.‬‬ ‫﴿ﭼ ﭽ ﭾ﴾‪ ،‬أي‪ :‬المس َعرة‪ ،‬وبشدَ ة اإليقاد يزداد د ُّرها ـ أعاذنا اهلل‬

‫منها ومن كل ما قرب إليها من ٍ‬ ‫قول وعم ٍل ـ‪.‬‬ ‫َ‬

‫﴿ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ﴾؛ خ َصت األفئدة هبذا االطّلع؛ َ‬ ‫ألن األفئدة هي منبع‬ ‫األعمال ومصدرها والمحرك لها؛ فاألعمال تنبع من القلوب‪« ،‬أل وإن في الجسد م ْْغ ًة‬ ‫ت صلح الجسد كله‪ ،‬وإذا فسد ْت فسد الجسد كله؛ أل وهي الق ْلب»(‪.)1‬‬ ‫إذا صلح ْ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)52‬ومسلم (‪ )1599‬عن النُّعمان بن بشير‬

‫ـ ‪ 28‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫﴿ﮅ﴾‪ ،‬أي‪ :‬النَار ﴿ﮆ ﮇ﴾‪ ،‬أي‪ :‬مغلق ٌة محكمة اإلغّلق‪.‬‬ ‫﴿ﮉ ﮊ ﮋ﴾‪ ،‬أي‪ :‬على باب جهنَم‪ ،‬سدَ ت عليهم هبا األبواب‪ ،‬فّل‬ ‫خروج لهم منها‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫ﭑ ﭒﭓﭔ‬ ‫﴿ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ‬ ‫ﮜﮝﮞﮟﮠ ﮡﮢﮣﮤﮥﮦ ﮧﮨ﴾‪.‬‬

‫‪﴿ ‬ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ﴾‪ ,‬ألم تعلم أ ُّيها النَب ُّي! كيف فعل‬

‫ر ُّبك بأبرهة وجنوده ومعهم الفيل دينما أتوا قاصدين تخريب الكعبة‪.‬‬

‫﴿ﮕ ﮖ ﮗ﴾‪ ,‬أي‪ :‬مكرهم وتخطيطهم لهدم بيت اهلل ﴿ﮘ ﮙ﴾‪,‬‬

‫ٍ‬ ‫وذهاب‪ ،‬وع ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وخيمة لهم‪ ،‬فلم يبوؤوا هبذه الفعلة وهذا المكر‬ ‫اقبة‬ ‫أي يف ضيا ٍع‬ ‫والكيد َإال بالخسران‪.‬‬

‫﴿ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ﴾‪ ,‬جماع ٌة من ال َطير متتابع ٌة‪ ،‬جاؤوا بالفيلة‪،‬‬ ‫وهي أضخم الحيوانات وأكبرها بزعمهم‪ ،‬ال يصدُّ هم صاد وال ير ُّدهم عن هدم‬ ‫البيت راد‪ ،‬فأرسل اهلل عليهم طيرا صغيرة تحمل دجارة صغيرة يف مناقيرها‪.‬‬ ‫الصلب من‬ ‫﴿ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ﴾‪ ،‬دجار ٌة من الطين المحمي َ‬ ‫شر هلك ٍة‪.‬‬ ‫المكان العالي‪ ،‬فما يقع دج ٌر منها على وادد من هؤالء َإال هلك َ‬ ‫﴿ﮥ﴾‪ ,‬أي‪ :‬هذه الجموع ا َلتي جاءت لهدم بيت اهلل ﴿ﮦ‬ ‫ـ ‪ 29‬ـ‬


‫الزرع ا َلذي هجمت عليه الماشية وأكلته ووطأته بأقدامها‪،‬‬ ‫ﮧ﴾‪ ,‬أي‪َ :‬‬ ‫وهذه من آيات اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ وعظيم قدرته‪َ ،‬‬ ‫وأن العبد مهما بلغ مكره‬ ‫وكيده وتر ُّبصه يجعل اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ له العاقبة الوخيمة والخسران يف‬ ‫الدُّ نيا واآلخرة‪.‬‬ ‫ولد يف هذا العام ـ عام الفيل ـ ا َلذي وقعت فيه هذه الحادثة‬

‫بي‬ ‫والنَ ُّ‬ ‫والسّلم ـ‪.‬‬ ‫العظيمة‪ ،‬فكانت من جملة اإلرهاصات لمبعثه ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫‪‬‬

‫ﭑ ﭒﭓﭔ‬ ‫﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ‬

‫ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴾‪.‬‬ ‫كثير من المفسرين‪َ :‬‬ ‫الجار والمجرور يف قوله ﴿ﭑ ﭒ﴾‬ ‫إن‬ ‫َ‬ ‫‪ ‬قال ٌ‬ ‫بالسورة ا َلتي قبلها وهي سورة الفيل؛ َ‬ ‫فإن هذا الهّلك ألبرهة وجنوده‬ ‫متعل ٌق ُّ‬ ‫هبذه اآلية الباهرة العظيمة الدَ ا َلة على كمال قدرة اهلل وعظيم بطشه ـ سبحانه‬ ‫وتعاىل ـ‪ ،‬فأصبح لقري ٍ‬ ‫ش بعد هذه الحادثة هيب ٌة‪ ،‬واطمأنُّوا يف سكناهم ويف‬ ‫الصيف والشتاء‪.‬‬ ‫ردّلتهم التجار َية يف َ‬

‫ٍ‬ ‫﴿ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ﴾‪ ،‬أي‪ :‬ما هم فيه من ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وأمن‪ ،‬وأ َن‬ ‫ورخاء‬ ‫نعمة‬

‫الصيف إلى َ‬ ‫الشام‪ ،‬تذهب وتعود‬ ‫والردّلت التجار َية آمن ٌة يف الشتاء إلى اليمن‪ ،‬ويف َ‬ ‫المسالك َ‬ ‫بكل ٍ‬ ‫أمان؛ وهذه نع ٌم تستوجب شكر المنعم وإخّلص الدين له‪ ،‬ولهذا قال‪﴿ :‬ﭙﭚ‬ ‫ـ ‪ 30‬ـ‬


‫ﭛ ﭜ﴾‪ ,‬أي‪ :‬ليخلصوا عبادتهم هلل ودده‪ ،‬مفردينه ـ سبحانه وتعاىل ـ ودده‬ ‫بالعبادة‪ ،‬مخلصين له الدين ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ‪ ،‬فّل يجعلوا معه شريكا‪ ،‬وال ي َتخذوا معه ندا‪.‬‬ ‫﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ﴾‪ ,‬ا َلذي م َن عليهم بال َطعام‬ ‫ب لشكر المنعم‪ ،‬وإخّلص‬ ‫وم َن عليهم باألمن؛ فهذه النعم وهذا األمن موج ٌ‬ ‫الدين له‪ ،‬وإفراده ـ تبارك وتعالى ـ ودده بالعبادة‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫ﭑ ﭒﭓﭔ‬ ‫﴿ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ‬ ‫ﭱﭲﭳﭴﭵ ﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽ ﭾ‬

‫ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ﴾‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫َعجب ﴿ﭧ ﭨ‬ ‫َبي! واالستفهام معناه الت ُّ‬ ‫﴿ﭦ﴾‪ ،‬أ ُّيها الن ُّ‬

‫ﭩ﴾‪ ،‬أي‪ :‬يكذب بالجزاء والبعث والوقوف بين يدي اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ‬ ‫ومّلقاته ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ‪ ،‬ويكذب بالدين‪ ،‬أي‪ :‬ب َ‬ ‫الشرع ا َلذي شرعه ودعا عباده‬ ‫إليه‪ ،‬القائم على توديده وإخّلص الدين له ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ‪.‬‬ ‫﴿ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ﴾‪ ,‬أي‪ :‬من‬ ‫ثمرات هذا ال َتكذيب أن يكون اإلنسان هبذه الصفة وهذا الحال؛ ﴿ﭭ‬

‫ﭮ﴾‪ ،‬أي‪ :‬يزجره زجرا شديدا‪ ،‬ويردعه ردعا‪ ،‬ويدفعه دفعا‪ ،‬فّل يتعامل معه‬ ‫ٍ‬ ‫ردمة‪﴿ ،‬ﭰ ﭱ﴾ غيره ﴿ﭲ ﭳ ﭴ﴾؛ أل َنه يف نفسه ال‬ ‫بشفق ٍة وال‬ ‫ـ ‪ 31‬ـ‬


          !?$% &'()    !     ;

    

* - ', + â&#x20AC;«Ø&#x203A;â&#x20AC;¬m l k j i h g f :- 01 ./ *

,'5?',B CDE% ;'5 1 @'A 5*  ,'5 <=>'? ;:) ,)7 8 53* 4% 5 6 K'L'/; 'H'=>B '5IJ% & 'GE@; & F1

C (  P08; * Q 5:' * Q 5:; * <1 5:; *  ;P08; * P08; * <% ON M    8; <1  5:; Q U 8G; < , 5:; TR:%  U)  '% ;P0   R  ':3S; < * M * M *  *     ! F 1 UY G X*  P 08; * W:

<M G  ,'53'=>B B '5IV B '5?',B C D? ,'5 1 N '5 Z K! F 1 4V

    ] :â&#x20AC;«' Ø­â&#x20AC;¬, ,\'

* ; 5?06 5'G14% :[B ,qpo K(Ù¡)^                      , ! "    $ # ' @ ,1'G;  G 5)_% P *FV < :[B ,u t s  > MF(;  :.b ,'6 cd T' % C

E  T` *Fa W, `

G; \4 ; ._ >' 





  `  K% < 5D% '@  E : iE* ; f'Vg; < $h e P%S;  ;R;  

 



 DC B A .ba`_~}|{zyxwv

M ,!'

8  k 3 c)1 3'aA j; U *  =h :[B ,+ ; !'1B 4%   ;@  ua6] Q t'g;  : * ,â&#x20AC;« اâ&#x20AC;¬FA i%B <1 nrpsrl /' <%; ,noopqpl FGB /mB nl Knpvswl ^C'R;

â&#x20AC;« Ù&#x20AC;â&#x20AC;¬Ù£Ù¢ â&#x20AC;«Ù&#x20AC;â&#x20AC;¬


‫يمن اهلل ـ سبحانه وتعاىل‬ ‫الخير العظيم والفضل العميم؛ ومن ذلكم‪ :‬النَهر ا َلذي ُّ‬ ‫ـ به على نبيه‬

‫يوم القيامة‪ ،‬وكذلك الحوض المورود‪.‬‬

‫﴿ﮊ ﮋ﴾‪ ،‬أي‪ :‬شكرا هلل على منه وفضله وعظيم عطائه‪﴿ ،‬ﮌ﴾‬ ‫ذبيحتك لربك‪ ،‬مخلصا دينك هلل‪ ،‬كما قال اهلل تعالى‪﴿ :‬ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ‬

‫ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ﴾ [\‪.]b‬‬ ‫عدوك ومبغضك ﴿ﮐ ﮑ﴾‪ ،‬أي‪ :‬األقطع من‬ ‫﴿ﮎ ﮏ﴾‪ ،‬أي‪َ :‬‬ ‫كل خير‪ ،‬واألقطع ـ أيضا ـ من الذكر الحسن‪ ،‬فّل يذكر َإال َ‬ ‫والسوء‪.‬‬ ‫بالشر ُّ‬ ‫‪‬‬

‫ﭑ ﭒﭓﭔ‬ ‫﴿ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙ ﭚﭛ ﭜﭝﭞ‬

‫ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ﴾ ‪.‬‬ ‫السورة «سورة الكافرون» وهي سورة البراءة من الشرك والمشركين‪،‬‬ ‫‪ ‬هذه ُّ‬ ‫والكفر والكافرين‪.‬‬ ‫بي! ﴿ﭒ ﭓ﴾‪ ,‬أي‪ :‬باهلل ـ سبحانه وتعاىل‬ ‫﴿ﭑ﴾‪ ,‬أي‪ :‬أ ُّيها ال َن ُّ‬

‫ـ‪ ،‬يا من تعبدون معه غيره من األصنام واألوثان‪.‬‬

‫﴿ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ﴾‪ ،‬أي‪ :‬من األصنام واألوثان ا َلتي ا َتخذتموها أندادا‬ ‫وشركاء هلل ـ سبحانه وتعاىل ـ‪.‬‬ ‫﴿ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ﴾‪ ،‬مع أ َنهم يعبدون اهلل يف جملة ما يعبدون! لك َن‬ ‫ـ ‪ 33‬ـ‬


‫العبادة هلل ال تكون عبادة َإال باإلخّلص‪ ،‬فإذا لم تكن خالصة ال تكون عبادة‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫الصّلة ال تكون صّلة َإال بال َطهارة‪ ،‬فلو َ‬ ‫كما َ‬ ‫طهارة‬ ‫أن إنسانا ص َلى من غير‬ ‫أن َ‬ ‫صح أن يقال‪ :‬لم‬ ‫لص َح أن يقال‪ :‬لم يصل‪ ،‬وكذلك من عبد اهلل بغير اإلخّلص َ‬ ‫يعبد اهلل؛ َ‬ ‫ألن عبادة اهلل ال تكون َإال باإلخّلص‪.‬‬ ‫﴿ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ﴾‪ ،‬قيل‪َ :‬‬ ‫األول من ديث‬ ‫إن َ‬ ‫يعبد اهلل مخلصا له دينه‪ ،‬وهم يعبدون األصنام واألوثان‪،‬‬

‫بي‬ ‫المعبود‪ ،‬فالنَ ُّ‬ ‫وال َثاين من ديث العبادة نفسها‪ ،‬فعبادة النَبي‬

‫ال َتوديد واإلخّلص‪ ،‬وعبادة‬

‫األول على عدم وجود الفعل‪ ،‬وال َثاين على‬ ‫هؤالء الشرك وال َتنديد‪ ،‬وقيل‪ :‬ليد َل َ‬ ‫َ‬ ‫أن ذلك قد صار وصفا الزما‪.‬‬ ‫﴿ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ﴾‪ ،‬هذه براء ٌة منهم ومن دينهم‪﴿ ،‬ﭬ ﭭ﴾‪ ،‬أي‪:‬‬ ‫عبادة األصنام واألوثان واألنداد ُّ‬ ‫والشركاء‪﴿ ،‬ﭮ ﭯ﴾ وهو ال َتوديد؛ عبادة اهلل‬ ‫وإخّلص الدين له ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫ﭑ ﭒﭓﭔ‬ ‫﴿ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ‬

‫ﭾﭿﮀﮁ ﮂﮃﮄ ﮅﮆﮇ﴾‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫السورة البشارة للنَبي ـ صلوات اهلل وسّلمه عليه ـ بالنَصر‬ ‫يف هذه ُّ‬

‫العظيم والفتح المبين‪.‬‬ ‫ـ ‪ 34‬ـ‬


‫﴿ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ﴾‪ ،‬أي‪ :‬فتح م َكة؛ إشارة إلى عظيم منَة اهلل‬ ‫أمر متحق ٌق وكائ ٌن‪.‬‬ ‫عليه‪ ،‬وأ َنه ٌ‬ ‫﴿ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﮄ ﮅ ﮆ﴾‪ ،‬أي‪ :‬أكثر من ال َتسبيح‬ ‫السورة يكثر من أن‬ ‫واالستغفار‪ ،‬وكان ـ عليه َ‬ ‫والسّلم ـ بعد نزول هذه ُّ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫يقول‪« :‬س ْبحانك اللهم ربنا وبح ْمدك‪ ،‬اللهم اغْف ْر لي»‪ ،‬يتأ َول القرآن(‪.)1‬‬ ‫السورة‪ :‬إشعار النَبي‬ ‫ومن المعاين المستفادة من هذه ُّ‬

‫بدنو أجله‪ ،‬إذا‬

‫دصل هذا النَصر والفتح؛ َ‬ ‫ألن ال َطاعات العظيمة تختم باالستغفار‪ ،‬وكذا الحياة‬ ‫الصّلة‬ ‫الكريمة دياة اإليمان وال َطاعة تختم به‪ ،‬فكان آخر ما سمع من نبينا ـ عليه َ‬ ‫والسّلم ـ قبيل وفاته‪« :‬اللهم اغْف ْر لي‪ ،‬و ْارح ْمني‪ ،‬وأ ْلح ْقني بالرفيق»(‪.)2‬‬ ‫َ‬ ‫‪‬‬

‫ﭑ ﭒﭓﭔ‬ ‫﴿ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ‬

‫ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ﴾‪.‬‬ ‫األول دعا ٌء‬ ‫‪﴿ ‬ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ﴾‪ ,‬أي‪ :‬خسرت يداه وخابت‪َ ،‬‬ ‫عليه‪ ،‬وال َثاين خب ٌر عنه‪.‬‬ ‫والسّلم ـ‪ ،‬وكان من أشد أعدائه‪،‬‬ ‫وأبو لهب‪ :‬هو ع ُّم النَبي ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫كثير األذ َية له والتَن ُّقص له ولدينه‪.‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)817‬ومسلم (‪ )484‬عن عائشة‬ ‫(‪ )2‬أخرجه البخاري (‪ ،)4440‬ومسلم (‪ )2444‬عن عائشة‬

‫ـ ‪ 35‬ـ‬

‫‪.‬‬ ‫‪.‬‬


‫َ‬ ‫َبي‬ ‫وثبت يف سبب نزولها أن الن َ‬ ‫صباحاه!» فاجتمعت إليه قري ٌش قالوا‪ :‬ما لك؟ قال‪« :‬أرأ ْيت ْم ل ْو أ ْخب ْرتك ْم أن‬ ‫الصفا ذات يو ٍم فقال‪« :‬يا‬ ‫لما صعد َ‬ ‫َ‬

‫العدو يصبحك ْم أ ْو يمسيك ْم‪ ،‬أما كنْت ْم تصدقوني؟»‪ ،‬قالوا‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪« :‬فإني نذير‬ ‫ي عذاب شديد»‪ ،‬فقال أبو لهب‪ :‬تبا لك! ألهذا جمعتنا؟! فأنزل اهلل‪:‬‬ ‫لك ْم ب ْين يد ْ‬ ‫﴿ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ﴾(‪.)1‬‬ ‫﴿ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ﴾‪ ،‬األموال ا َلتي جمعها واألوالد‬ ‫والتجارة وغير ذلك؛ َ‬ ‫كل هذه ال تغني عنه من اهلل شيئا‪.‬‬ ‫﴿ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ﴾‪ ,‬هو وامرأته يصلون النَار‪ ،‬وهذه‬ ‫السورة نزلت يف دياة أبي لهب وامرأته‪ ،‬وهذه من اآليات العظيمة والرباهين‬ ‫ُّ‬ ‫الرسول‬ ‫العجيبة على صدق ما جاء به َ‬

‫؛ َ‬ ‫فإن فيها اإلخبار أ َنهما يموتان على‬

‫الكفر والمعاداة لدين اهلل ـ تبارك وتعالى ـ هو وامرأته‪ ،‬وكان موتهما على ذلك‪.‬‬ ‫﴿ﮚ﴾‪ ،‬وهي أروى بنت در ٍ‬ ‫ب أ ُّم جمي ٍل ﴿ﮛ ﮜ﴾‪ ،‬كانت‬ ‫والسّلم ـ‬ ‫السعدان واألذى‪ ،‬وتضعه يف طريق النَبي ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫تحمل شوك َ‬ ‫مبالغة يف إيذائه‬

‫‪.‬‬

‫﴿ﮞ ﮟ﴾‪ ,‬أي‪ :‬عنقها ﴿ﮠ ﮡ ﮢ﴾‪ ،‬أي‪ :‬ترفع به إلى شفير جهنَم‬ ‫ثم يرمى هبا إلى أسفلها‪ ،‬أو أنَها تحمل يف النَار الحطب على زوجها‪ ،‬متقلدة يف‬ ‫َ‬ ‫عنقها هذا الحبل‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)4801‬ومسلم (‪ )208‬عن ابن ع َباس‬

‫ـ ‪ 36‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫ﭑ ﭒﭓﭔ‬ ‫﴿ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚ ﭛﭜﭝﭞ‬ ‫ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ﴾‪.‬‬

‫‪ ‬هذه «سورة اإلخّلص» تعدل ثلث القرآن‪ ،‬كما ثبت بذلك الحديث‬ ‫والسّلم ـ أنَه قال‪« :‬أي ْعجز أحدك ْم أ ْن ي ْقرأ ثلث الق ْرآن في‬ ‫عن نبينا ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫فشق ذلك عليهم وقالوا‪ :‬أ ُّينا يطيق ذلك يا رسول اهلل؟ فقال‪« :‬اهلل الواحد‬ ‫ل ْيلة؟»‪َ ،‬‬ ‫(‪)1‬‬ ‫سمى‪« :‬سورة اإلخّلص»؛ أل َنها أخلصت لبيان‬ ‫الصمد ثلث الق ْرآن» ‪ ،‬وت َ‬

‫ال َتوديد العلمي‪ ،‬وسورة الكافرون ـ أيضا ـ تس َمى «سورة اإلخّلص»؛ أل َنها‬ ‫أخلصت لبيان ال َتوديد العملي‪ ،‬وال َتوديد نوعان‪ :‬علمي وعملي‪.‬‬ ‫﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ﴾‪ ،‬أي‪ :‬متفر ٌد ـ سبحانه وتعاىل ـ‪ ،‬ال ندَ له ال يف أسمائه‬ ‫وصفاته‪ ،‬وال يف ربوب َيته‪ ،‬وال يف ألوه َيته ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪.‬‬ ‫الصمد‪ ،‬أي‪ :‬الكامل يف أسمائه وصفاته‪ ،‬الكامل يف‬ ‫﴿ﭖ ﭗ﴾؛ َ‬ ‫والصمد‪ :‬ا َلذي تصمد إليه الخّلئق وتفزع يف داجاتها؛ ففيه‬ ‫سؤدده ونعوته‪،‬‬ ‫َ‬ ‫دالل ٌة على غنى اهلل عن جميع المخلوقات لكماله يف جميع صفاته‪ ،‬وعلى كمال‬ ‫قدرته وافتقار المخلوقات كلها إلى اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ‪ ،‬وأ َنها تصمد إليه‬ ‫وتفزع إليه يف كل داجاتها‪ ،‬ال غنى لها عنه طرفة عين‪.‬‬ ‫نفي‬ ‫ومن أدد َيته وصمد َيته وكماله سبحانه أ َنه ﴿ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ﴾؛ ٌ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ )5015‬عن أبي سعيد الخدري‬

‫ـ ‪ 37‬ـ‬

‫‪ ،‬ومسلم (‪ )811‬عن أبي الدَ رداء‬

‫‪.‬‬


‫لألصل والفرع؛ ت َنزه وتقدَ س عن ذلك‪.‬‬ ‫﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ﴾‪ ،‬أي‪ :‬ال مثيل له‪ ،‬وال ندَ له‪ ،‬وال سم َي له‪،‬‬

‫وتنزه عن المثال والند والنَظير‪.‬‬ ‫َ‬

‫‪‬‬

‫ﭑ ﭒﭓﭔ‬ ‫﴿ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ‬ ‫ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ﴾‪.‬‬

‫الصبح‪ ،‬أي‪ :‬أعوذ باهلل فالق اإلصباح‪،‬‬ ‫‪ ﴿ ‬ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ﴾؛ الفلق‪ُّ :‬‬ ‫وقيل ـ أيضا ـ‪ :‬فالق النَوى‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫عوذ‬ ‫﴿ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ﴾‪ ،‬أي‪ :‬من شر كل‬ ‫مخلوق فيه شر‪ ،‬وهذا عام يف ال َت ُّ‬ ‫من كل المخلوقات ا َلتي قامت فيها ُّ‬ ‫الشرور‪.‬‬ ‫﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ﴾‪ ،‬أي‪ :‬ال َليل‪ ،‬وما يكون فيه من هوام‪ ،‬وما‬ ‫يتحرك فيه من شرور‪.‬‬ ‫تنبعث فيه من شياطين‪ ،‬وما َ‬ ‫الّلتي ينفثن يف العقد‬ ‫السوادر َ‬ ‫﴿ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ﴾‪ ،‬أي‪َ :‬‬ ‫د َتى يتم َكن السحر ويقع‪ ،‬وال يقع َإال بإذن اهلل‬ ‫وال َتع ُّوذ باهلل‬

‫‪.‬‬

‫منه َن ٌ‬ ‫دليل على َ‬ ‫تأثير‪ ،‬منه ما‬ ‫أن السحر له دقيق ٌة وله ٌ‬

‫يقتل‪ ،‬ومنه ما يمرض‪ ،‬ومنه ما يفرق بين المرء وزوجه‪ ،‬أعاذنا اهلل‬ ‫أجمعين‪.‬‬ ‫ـ ‪ 38‬ـ‬

‫ودمانا‬


‫﴿ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ﴾‪ ،‬أي‪ :‬من شر كل داس ٍد إذا تح َرك فيه‬ ‫الحسد‪ ،‬ويدخل يف ذلك العائن؛ َ‬ ‫ألن العين ال تكون َإال عن دس ٍد‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫ﭑ ﭒﭓﭔ‬ ‫﴿ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ‬ ‫ﮍﮎﮏﮐ ﮑﮒﮓﮔﮕ ﮖﮗ‬ ‫ﮘ ﮙ﴾‪.‬‬

‫تعو ٌذ‬ ‫‪﴿ ‬ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ﴾‪ ،‬هذا ُّ‬ ‫رب‬ ‫باهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ بذكر ربوب َيته وألوه َيته وملكه‪ ،‬وهذه األسماء ال َثّلثة ـ ُّ‬ ‫مرت معنا يف فاتحة الكتاب؛ ديث وردت يف‬ ‫النَاس‪ ،‬ملك النَاس‪ ،‬إله النَاس ـ َ‬ ‫مقام ال َثناء على اهلل‬

‫‪ ،‬ويف خاتمة الكتاب وردت استعاذة به ـ سبحانه وتعاىل ـ‬

‫واعتصاما به ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ‪.‬‬ ‫﴿ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ﴾‪ ،‬وهو َ‬ ‫الشيطان‪ ،‬ذكر هبذين الوصفين‪:‬‬ ‫الصدور‪.‬‬ ‫﴿ﮍ﴾‪ ،‬أي‪ :‬ا َلذي يلقي الوساوس يف ُّ‬ ‫﴿ﮎ﴾‪ ،‬أي‪ :‬ا َلذي إذا ذكر اهلل‬

‫خنس وانطرد وابتعد عن اإلنسان‪.‬‬

‫ُّ‬ ‫الحث على المحافظة على ذكر اهلل‬ ‫ويف هذا‬ ‫للعبد من َ‬ ‫الشيطان‪.‬‬ ‫ـ ‪ 39‬ـ‬

‫وأن ذلك أعظم ٍ‬ ‫‪َ ،‬‬ ‫واق‬


‫﴿ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ﴾‪ ،‬أي‪ :‬يلقي الوساوس ُّ‬ ‫والشرور يف‬ ‫الرديئة‪ ،‬والعقائد الفاسدة‪ ،‬والمعاين الخبيثة‪.‬‬ ‫صدور النَاس من األفكار َ‬ ‫﴿ﮖ ﮗ ﮘ﴾‪ ،‬أي‪َ :‬‬ ‫أن الوسواس كما يكون من الجن يكون‬ ‫من اإلنس أيضا‪.‬‬ ‫والحاصل َ‬ ‫وب منه أن يعنى بفهم معاين كّلم اهلل ـ سبحانه‬ ‫أن المسلم مطل ٌ‬ ‫الزلزلة إلى‬ ‫ثم من َ‬ ‫السور‪ :‬الفاتحة‪َ ،‬‬ ‫وتعاىل ـ‪ ،‬ويكفي العوا َم أن يحفظوا هذه ُّ‬ ‫النَاس‪ ،‬ويعنوا بمراجعة معانيها ومعرفة دالالتها‪ ،‬د َتى تكون تّلوتهم لها يف كل‬ ‫مر ٍة عن ٍ‬ ‫فهم وتد ُّب ٍر‪ ،‬وعق ٍل للخطاب‪.‬‬ ‫َ‬

‫‪‬‬

‫ـ ‪ 40‬ـ‬


‫ﱠ‬ ‫ﱠ‬ ‫ﺍﻟﺪﺭﺱ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ‬

‫ﺃﺭﻛﺎﻥ ﺍﻹﺳﻼﻡ‬

‫»اﻟﺪﱠ رس اﻟ ﱠﺜﺎﲏ‪ :‬أرﻛﺎن اﻹﺳﻼم‪.‬‬

‫وأو ُﻟﻬﺎ وأﻋﻈَ ُﻤﻬﺎ‪ :‬ﺷﻬﺎد ُة أن ﻻ إِ َﻟ َﻪ ﱠإﻻ اﷲُ وأ ﱠن‬ ‫ﺑﻴﺎن أرﻛﺎن اﻹﺳﻼم اﻟﺨﻤﺴﺔ‪ ،‬ﱠ‬

‫ُ‬ ‫رﺳﻮل اﷲ‪ ،‬ﺑﺸﺮح ﻣﻌﺎﻧﻴﻬﺎ‪ ،‬ﻣﻊ ﺑﻴﺎن ﺷﺮوط ﻻ إﻟﻪ ﱠإﻻ اﷲُ‪ ،‬وﻣﻌﻨﺎﻫﺎ‪) :‬ﻻ إ ِ َﻟ َﻪ(‬ ‫ﺤﻤﺪً ا‬ ‫ُﻣ ﱠ‬ ‫َ‬ ‫ﺷﺮﻳﻚ ﻟﻪ«‪.‬‬ ‫)إﻻ اﷲُ( ُﻣﺜﺒِ ًﺘﺎ اﻟﻌﺒﺎد َة ﷲ وﺣﺪَ ه ﻻ‬ ‫ﻧﺎﻓِ ًﻴﺎ‬ ‫ﺟﻤﻴﻊ ﻣﺎ ُﻳﻌ َﺒﺪُ ﻣﻦ دون اﷲ‪ ،‬ﱠ‬ ‫َ‬ ‫‪:n‬‬

‫اﻟﺸ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ٌ‬ ‫ﺐ ﱠ‬ ‫ﻲء اﻷﻗﻮى‬ ‫‪ ‬اﻹﺳﻼ ُم ﻟﻪ‬ ‫واﻟﺮﻛﻦ‪ :‬ﻫﻮ ﺟﺎﻧ ُ‬ ‫أرﻛﺎن ﻻ ﻳﻘﻮم ﱠإﻻ ﻋﻠﻴﻬﺎ‪ ،‬ﱡ‬

‫ا ﱠﻟﺬي ﻻ ﻳﻘﻮ ُم ﱠ‬ ‫اﻟﺸﻲ ُء ﱠإﻻ ﻋﻠﻴﻪ‪ ،‬و َﻣ َﺜ ُﻞ أرﻛﺎن اﻹﺳﻼم َﻣﺜَ ُﻞ اﻷﻋﻤﺪة ﰲ اﻟ ُﺒﻨﻴﺎن‪.‬‬

‫ــــــﺖ ﻻ ﻳﺒ َﺘﻨـــــــﻰ ﱠإﻻ ِ‬ ‫ـــــﺮس َأوﺗـــــﺎ ُد‬ ‫ﺑﺄﻋﻤـــــــﺪةٍ وﻻ ِﻋﻤـــــﺎ َد إذا ﻟـــــﻢ ُﺗ‬ ‫َ‬ ‫واﻟﺒﻴـ ُ ُ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫وﺟﻮاﻧ ِ ُﺒﻪ اﻷﻗﻮى ا ﱠﻟﺘﻲ ﻻ ﻳﻘﻮ ُم اﻹﺳﻼ ُم‬ ‫ﺎﺋﻤﻪ و َأﻋﻤﺪَ ُﺗﻪ‪َ ،‬‬ ‫ﻓﺄرﻛﺎن اﻹﺳﻼم‪ :‬دﻋ ُ‬

‫ﱠإﻻ ﻋﻠﻴﻬﺎ‪.‬‬

‫ﻓﻤﻦ أﺑﻰ أن‬ ‫واﻹﺳﻼ ُم‪ :‬ﻫﻮ اﻻﺳﺘﺴﻼ ُم ﷲ ـ ﺗﺒﺎرك وﺗﻌﺎﻟﻰ ـ ﺑﺎﻟ ﱠﺘﻮﺣﻴﺪ‪َ ،‬‬ ‫ِ‬ ‫اﺳ َﺘ ْﺴ َﻠ َﻢ ﷲ ﻷ وﻟ َﻐ ْﻴ ِﺮه ﻓﻬﻮ ُﻣ ِ‬ ‫ﺸﺮ ٌك‪.‬‬ ‫َﻳﺴ َﺘ ْﺴﻠ َﻢ ﷲ ﻷ ﻓﻬﻮ ُﻣﺴ َﺘ ْﻜﺒِ ٌﺮ‪ ،‬وﻣﻦ ْ‬

‫‪ ‬‬


‫وهبذا يعلم َ‬ ‫أن اإلسّلم يضا ُّده أمران‪ :‬االستكبار‪ ،‬والشرك‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫الصّلة‬ ‫ن‬ ‫ال‬ ‫نها‬ ‫ي‬ ‫ب‬ ‫‪،‬‬ ‫خمسة‬ ‫أركان‬ ‫واإلسّلم يقوم على‬ ‫َ‬ ‫بي الكريم ـ عليه َ‬ ‫َ‬ ‫ُّ‬ ‫بي ‪« :‬إن اإل ْسالم بني على‬ ‫والسّلم ـ يف دديث ابن عمر‬ ‫َ‬ ‫قال‪ :‬قال النَ ُّ‬

‫خ ْمس‪ :‬شهادة أ ْن ل إله إل اهلل‪ ،‬وإقام الصالة‪ ،‬وإيتاء الزكاة‪ ،‬وصيام رمْان‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫أركان لإلسّلم‪ ،‬وأعمد ٌة ال يقوم إ َال عليها‪.‬‬ ‫وحج الب ْيت»(‪ ،)1‬فهذه الخمسة‬

‫وأعظم هذه األركان وأعّلها شأنا‪ :‬شهادة أن ال إله َإال اهلل َ‬ ‫حمدا‬ ‫وأن م َ‬ ‫رسول اهلل‬

‫والسّلم ـ يف الحديث فقال‪« :‬بني‬ ‫؛ ولهذا قدَ مها ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬

‫اإل ْسالم على خ ْمس‪ ،‬شهادة أ ْن ل إله إل اهلل وأن محمدً ا رسول اهلل»؛ َ‬ ‫فالشهادتان‬ ‫هلل بالوددان َية ولنبيه‬

‫بالرسالة هما أعظم أركان اإلسّلم‪ ،‬وأعظم مبانيه‪ ،‬بل‬

‫هما أصل الدين وأساسه ا َلذي عليه يبنى‪.‬‬ ‫و«ال إله َإال اهلل» هي أعظم الكلمات على اإلطّلق‪ ،‬وأفضلها وأج ُّلها‪،‬‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬أ ْفْل الذكْر ل إله إل‬ ‫وهي أفضل الذكر‪ ،‬يقول نب ُّينا ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫(‪)2‬‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬خ ْير الدعاء دعاء ي ْوم عرفة‪ ،‬وخ ْير ما ق ْلت‬ ‫اهلل» ‪ ،‬ويقول ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬

‫أنا والنبيون م ْن ق ْبلي‪ :‬ل إله إل اهلل و ْحده ل شريك له‪ ،‬له الم ْلك وله الح ْمد وهو‬ ‫على كل ش ْيء قدير» ‪ ،‬ولهذا يقول اهلل تعالى‪﴿ :‬ﭑﭒﭓﭔﭕﭖ ﭗ‬ ‫(‪)3‬‬

‫ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ﴾ [‪ ،]25 :q‬وهي زبدة دعوة المرسلين‪،‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري(‪ )8‬ومسلم(‪ )16‬واللفظ له‪.‬‬ ‫(‪ )2‬أخرجه الرتمذي (‪ ،)3383‬وابن ماجه (‪ )3800‬عن جابر بن عبد اهلل‬

‫ودسنه األلباين يف‬ ‫؛‬ ‫َ‬

‫(‪ )3‬أخرجه أدمد (‪ ،)6961‬والرتمذي (‪ )3585‬عن عبد اهلل بن عمرو‬

‫ودسنه األلباين يف‬ ‫؛‬ ‫َ‬

‫«ال َصحيحة» (‪.)1497‬‬ ‫«ال َصحيحة» (‪.)1503‬‬

‫ـ ‪ 42‬ـ‬


‫ٍ‬ ‫أول ما يخاطبوهنم به‬ ‫وخّلصة رسالتهم‪ ،‬وأ َول كلمة يسمعها أقوامهم منهم‪ ،‬ف َ‬ ‫﴿ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ﴾ [‪ ،]59 :c‬وقد ن َبه َ‬ ‫الشيخ‬

‫‪َ :‬‬ ‫أن هذا المقام‬

‫مقام تعليم َ‬ ‫الشهادتين يحتاج إلى شرح معانيها مع بيان شروط «ال إله َإال اهلل»‪.‬‬ ‫‪ ‬أما معنى «ل إله إل اهلل» فقد ذكر‬

‫َ‬ ‫أن‪(« :‬ل إله) ناف ًيا جميع ما يعبد من‬

‫دون اهلل‪( ،‬إل اهلل) مثب ًتا العبادة هلل وحده ل شريك له»؛ فهي كلم ٌة قائم ٌة على ركنين‬ ‫عظيمين وأساسين متينين‪ ،‬ال توديد هلل ـ تبارك وتعالى ـ َإال هبما‪ :‬النَفي واإلثبات‪:‬‬ ‫نفي عام لكل ما يعبد من دون اهلل‬ ‫‪ٌ ‬‬

‫‪ ،‬أيا كان‪ :‬جمادا‪ ،‬أو ديوانا‪ ،‬أو‬

‫نباتا‪ ،‬أو غير ذلك‪.‬‬

‫ودده‪.‬‬

‫وإثبات خاص للعبادة بكل معانيها هلل‬ ‫‪‬‬ ‫ٌ‬

‫فمن نفى ولم يثبت ال يكون موددا‪ ،‬ومن أثبت ولم ينف ال يكون موددا‪،‬‬ ‫فّل يكون موددا َإال بالنَفي واإلثبات‪ ،‬كما قال اهلل سبحانه‪﴿ :‬ﮗ ﮘ ﮙ‬

‫ﮚ ﮛ ﮜ﴾ [‪ ،]23 :m‬وقال ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ‬ ‫ﮟ﴾ [‪ ،]5 :á‬وقال ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ﴾ [‪ ،]3 :¤‬وقال‬ ‫سبحانه‪﴿ :‬ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ﴾ [`‪ ،]36 :‬وقال تعالى دكاية عن‬ ‫نبيه إبراهيم‬

‫‪﴿ :‬ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ﴾ [\¨]‪ ،‬وقال ـ‬

‫َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴾‬ ‫[‪ ،]36 :l‬وقال ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ‬ ‫ﰐ ﰑ ﰒ﴾ [^‪ ،]256 :‬أي‪« :‬ال إله َإال اهلل»‪.‬‬ ‫كفر بال َطاغوت‪ ،‬وإي ٌ‬ ‫مان باهلل‬ ‫فال َتوديد ٌ‬ ‫ـ ‪ 43‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫فهذا مدلول كلمة ال َتوديد «ال إله َإال اهلل»‪ ،‬فهي ليست كلمة ال معنى لها أو‬ ‫لفظة ال مدلول لها‪ ،‬بل هي كلم ٌة مشتمل ٌة على أعظم المعاين‪ ،‬وأجل المقاصد‪،‬‬ ‫وأنبل األهداف وأعظمها‪ :‬توديد اهلل ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪.‬‬ ‫فّل يكون العبد موددا َإال بتحقيق ما د َلت عليه «ال إله َإال اهلل» من نفي‬ ‫العبود َية عن كل من سوى اهلل‬

‫‪ ،‬وإثبات العبود َية بكل معانيها هلل‬

‫ودده‪.‬‬

‫ولهذا؛ َ‬ ‫فإن قائل «ال إله َإال اهلل» دقا وصدقا ال يدعو َإال اهلل‪ ،‬وال يستغيث‬ ‫َإال باهلل‪ ،‬وال يتو َكل َإال على اهلل‪ ،‬وال يطلب المدد َإال من اهلل‪ ،‬وال يذبح َإال هلل‪،‬‬ ‫وال ينذر َإال هلل‪ ،‬وال يصرف شيئا من العبادة َإال هلل ودده‪﴿ ،‬ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ‬

‫ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ﴾ [\‪.]b‬‬ ‫وهبذا يعلم َ‬ ‫جرد قول هذه الكلمة ال يكفي‪ ،‬بل البدَ من العلم بمعناها‬ ‫أن م َ‬ ‫والفهم لمدلولها‪ ،‬والبدَ من ال َتحقيق لغايتها ومقصودها؛ من إفراد اهلل ـ سبحانه‬ ‫وتعاىل ـ بالوددان َية‪ ،‬وإخّلص الدين له ـ تبارك وتعالى ـ‪ ،‬أ َما أن يقول المرء‪« :‬ال‬ ‫ثم ينقضها بمقاله أو فعاله؛ كأن يدعو غير اهلل بأن يقول‪ :‬مدد يا فّلن!‬ ‫إله َإال اهلل» َ‬ ‫ملتجئ إليك يا فّلن! أو أن يذبح أو‬ ‫أو أغثني يا فّلن! أو أنا عائ ٌذ بك يا فّلن! أو‬ ‫ٌ‬ ‫ينذر لغير اهلل! فهذا ك ُّله ناق ٌض لـ«ال إله َإال اهلل» مباي ٌن لها‪ ،‬فـ«ال إله َإال اهلل» إ َنما‬ ‫ٍ‬ ‫وتحقيق لمدلولها‪ ،‬وقيا ٍم بغايتها‬ ‫تنفع قائلها إذا قالها عن فهم لمعناها‪،‬‬ ‫ومقصودها من توديد اهلل‬

‫وإخّلص الدين له ـ تبارك وتعالى ـ‪.‬‬

‫ولقد كان المشركون ا َلذين بعث فيهم رسول اهلل‬

‫يفهمون معنى «ال إله‬

‫َإال اهلل»‪ ،‬لكنَهم استكبروا عن قبولها‪﴿ ،‬ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ‬

‫ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ﴾ [\‪ ،]¢‬ديث فهموا أ َنها تعني ترك‬ ‫ـ ‪ 44‬ـ‬


‫اآللهة وبطّلن عبادتها من دون اهلل‪ ،‬ولهذا قالوا‪﴿ :‬ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ‬

‫ثم أخذوا يتواصون بينهم على‬ ‫ﭼ ﭽ﴾ [‪ ،]5 :£‬أي‪ :‬أم ٌر يف غاية العجب‪َ ،‬‬ ‫الصرب على عبادة اآللهة ﴿ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇ ﮈ ﮉ ﮊ‬ ‫َ‬ ‫الصرب ﴿ﯛ ﯜ ﯝ‬ ‫ﮋ﴾ [‪ ،]6 :£‬ويحدث بعضهم بعضا مغتبطين هبذا َ‬

‫بالصرب‪،‬‬ ‫ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ﴾ [‪ ،]42 :u‬أي‪ :‬لوال أ َننا تح َلينا َ‬ ‫َ‬ ‫وإال كاد أن يض َلنا عن هذه اآللهة وعن عبادتها‪ ،‬فهم عرفوا معنى «ال إله َإال اهلل»‪،‬‬ ‫وأ َنها تعني إخّلص العبادة هلل ـ تبارك وتعالى ـ والكفر بكل معب ٍ‬ ‫ود سواه‪َ ،‬‬ ‫وأن ك َل‬ ‫معب ٍ‬ ‫ود سوى اهلل ـ تبارك وتعالى ـ عبادته باطل ٌة يجب أن يكفر به ﴿ﰊ ﰋ‬ ‫ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ﴾ [^‪ ،]256 :‬أي‪ :‬استمسك‬ ‫الزمان المتأخر؛ إذ لم يستكبروا عن‬ ‫بـ«ال إله َإال اهلل»‪ ،‬بخّلف المشركين يف َ‬ ‫ات وكر ٍ‬ ‫قبولها نطقا‪ ،‬بل يرددونها مر ٍ‬ ‫ات لكنَهم نقضوها بمقالهم وفعالهم؛ دعاء‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫للمقبورين واستغاثة هبم والتجاء إليهم يف تفريج الكربات وقضاء الحاجات‪ ،‬مع‬ ‫ٍ‬ ‫شيء ينفعهم ذلك النُّطق؟!‬ ‫فأي‬ ‫ذبحٍ لهم ونذ ٍر وغير ذلك‪ُّ ،‬‬ ‫الحاصل َ‬ ‫أن «ال إله َإال اهلل» إنَما تنفع قائلها إذا د َقق ما د َلت عليه‪ ،‬كما قال‬ ‫َ‬ ‫الشيخ‬

‫‪« :‬ناف ًيا جميع ما يعبد من دون اهلل‪ ،‬إل اهلل؛ مثب ًتا العبادة هلل وحده ل شريك‬

‫له»‪ ،‬أي‪ :‬فّل يدعو َإال اهلل‪ ،‬وال يستغيث َإال باهلل‪ ،‬وال يتو َكل َإال على اهلل‪ ،‬وال يذبح‬ ‫َإال هلل‪ ،‬وال ينذر َإال هلل‪ ،‬وال يصرف شيئا من العبادة َإال هلل ـ تبارك وتعالى ـ ودده‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫ـ ‪ 45‬ـ‬


‫‪ ‬قال‬

‫‪:‬‬

‫«وأما شروط «ل إله إل اهلل» فهي‪ :‬العلم المنافي للجهل‪ ،‬واليقين المنايف‬ ‫للشك‪ ،‬واإلخالص المنايف للشرك‪ ،‬والصدق المنايف للكذب‪ ،‬والمحبة المنافية‬ ‫للبغض‪ ،‬والنقياد المنايف للت ْرك‪ ،‬والقبول المنايف للرد‪ ،‬والك ْفر بما يعبد من دون‬ ‫ت يف البيت ْين اآلتي ْين‪:‬‬ ‫اهلل‪ ،‬وقد جمع ْ‬ ‫علــم يقــين وإخــالص وصــدقك م ـ ْع محبــــــة وانقيــــــاد والقبــــــول لهــــــا‬ ‫وزيـــد ثامنهـــا الكفـــران منـــك بمـــا ســـوى اإللـــه مـــن األشـــياء قـــد ألهـــا‬ ‫‪:n‬‬ ‫‪ ‬قال‬

‫‪« :‬وأما شروط ل إله إل اهلل فهي»‪ ،‬وذكرها‪ ،‬وهي ثمانية شروط‬

‫فإذا قال ٌ‬ ‫قائل‪ :‬من أين أتيتم هبذه ُّ‬ ‫الشروط؟‬ ‫الصّلة‪ ،‬وشروط الحج‪،‬‬ ‫يقال‪ :‬من المصدر ا َلذي استخلصت منه شروط َ‬ ‫ٌ‬ ‫وغير ذلك من العبادات؛ فكما َ‬ ‫والحج له‬ ‫شروط ال تقبل َإال هبا‪،‬‬ ‫الصّلة لها‬ ‫ُّ‬ ‫أن َ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫شروط ال تقبل َإال هبا‪ ،‬وغير ذلك من‬ ‫والزكاة لها‬ ‫شروط ال يقبل َإال هبا‪َ ،‬‬ ‫ال َطاعات ال تقبل َإال بشروطها؛ فكذلك «ال إله َإال اهلل» ال تقبل من قائلها َإال‬ ‫ٌ‬ ‫شروط علمت باالستقراء وال َتت ُّبع لكّلم اهلل‬ ‫بشروطها‪ ،‬وهي‬

‫‪ ،‬وكّلم رسوله‬

‫صلوات اهلل وسّلمه وبركاته عليه‪.‬‬ ‫قيل لوهب بن منبه‬

‫‪« :‬أليس ال إله َإال اهلل مفتاح الجنَة؟ قال‪« :‬بلى‪ ،‬ولكن‬

‫ان‪ ،‬فإن جئت بمفتاحٍ له أسن ٌ‬ ‫اح إ َال له أسن ٌ‬ ‫ان فتح لك‪ ،‬وإ َال لم يفتح لك»(‪،)1‬‬ ‫ليس مفت ٌ‬ ‫(‪ )1‬ع َلقه البخاري يف «صحيحه»‪ ،‬باب ما جاء يف الجنائز‪ ،‬ومن كان آخر كّلمه‪ :‬ال إله َإال اهلل‪ ،‬ووصله‬ ‫يف «التاريخ الكبير» (‪ ،)95 /1‬وأبو نعيم يف «الحلية» (‪.)66/4‬‬

‫ـ ‪ 46‬ـ‬


‫يشير بذلك إلى شروطها وضوابطها وقيودها الواردة يف كتاب اهلل‬

‫وس َنة نبيه‬

‫‪.‬‬

‫فإن قال ٌ‬ ‫قائل‪َ :‬‬ ‫جرد النُّطق بشهادة أن ال إله َإال اهلل ينفع‪ ،‬وأ َنها تقبل‬ ‫إن م َ‬ ‫بدون ضوابط وبدون شروط؛ قيل‪ :‬معنى ذلك‪َ :‬‬ ‫أن قول المنافقين ﴿ﮐ ﮑ‬ ‫ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ﴾ [¾‪ ]1 :‬ينفعهم‪ ،‬وكذلك قولهم إذا لقوا‬ ‫ا َلذين آمنوا‪ :‬آمنَا‪ ،‬ينفعهم!! وال يقول بذلك ٌ‬ ‫قائل‪.‬‬ ‫فـ«ال إله إ َال اهلل» ال تقبل من قائلها بمج َرد النُّطق‪ ،‬بل البدَ من اإلتيان‬ ‫بشروطها وضوابطها المستمدَ ة من الكتاب وال ُّسنَة‪.‬‬ ‫جاء عن الحسن البصري‬

‫أنَه قيل له‪َ :‬‬ ‫إن ناسا يقولون‪ :‬من قال ال إله‬

‫َإال اهلل دخل الجنَة‪ ،‬فقال‪« :‬من قال ال إله َإال اهلل فأ َدى د َقها وفرضها دخل‬ ‫الجنَة»(‪.)1‬‬ ‫‪ ‬قال‬

‫‪« :‬وأما شروط ل إله إل اهلل فهي‪:»:‬‬

‫‪ ‬األول‪« :‬العلم المنايف للجهل»‪ :‬أي‪ :‬العلم بمعناها نفيا وإثباتا‪ ،‬ودقيقة‬ ‫ما د َلت عليه من توديد اهلل‬

‫‪ ،‬وإفراده ـ سبحانه وتعاىل ـ بالعبادة‪ ،‬وإخّلص‬

‫مرت معنا اآليات الكثيرات ا َلتي‬ ‫الدين له‪ ،‬والكفر بكل ما يعبد من دون اهلل‪ ،‬كما َ‬ ‫توضح معنى «ال إله َإال اهلل»؛ كقوله تعالى‪﴿ :‬ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ﴾‬ ‫[‪ ،]59 :c‬وقوله‪﴿ :‬ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ﴾ [`‪ ،]36 :‬وقوله‪:‬‬ ‫﴿ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ﴾ [‪.]5 :á‬‬ ‫وقوله‪« :‬المنايف للجهل»‪ ،‬أي‪ :‬علما صحيحا وفهما قويما لهذه الكلمة‬ ‫السنَة يف «الح َجة يف بيان المح َجة» (‪.)152/2‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه قوام ُّ‬

‫ـ ‪ 47‬ـ‬


‫يخرج به عن سبيل الجهل والجاهلين‪ ،‬فإن قالها بّل ٍ‬ ‫علم بمعناها ومدلولها؛‬ ‫فإ َنها ال تنفعه‪ ،‬قال اهلل سبحانه‪﴿ :‬ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ‬ ‫ﰓ﴾ [¬‪ ،]19 :‬فبدأ بالعلم إذ هو األساس‪ ،‬وقال اهلل سبحانه‪﴿ :‬ﯩ ﯪ‬

‫ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ﴾ [\¨]‪ ،‬قال المفسرون‪﴿ :‬ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ﴾‪،‬‬ ‫أي‪ :‬بـ«ال إله َإال اهلل»‪﴿ ،‬ﯭ ﯮ﴾‪ ،‬أي‪ :‬يعلمون معنى ما شهدوا به(‪ ،)1‬ويف‬ ‫(‪)2‬‬ ‫والسّلم ـ أ َنه قال‪« :‬م ْن مات وهو ي ْعلم‬ ‫«صحيح مسلم» عن نبينا ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬

‫أنه ل إله إل اهلل دخل الجنة»‪ ،‬فاشرتط العلم‪.‬‬ ‫‪ ‬الثاين‪« :‬اليقين المنايف للشك والريب»؛ واليقين هو تمام العلم وكماله‪،‬‬ ‫قال اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ‪﴿ :‬ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ﴾‬ ‫[¯‪ ،]15 :‬أي‪ :‬أيقنوا ولم يش ُّكوا‪ ،‬فاإليمان وال َتوديد البدَ فيه من اليقين‪،‬‬ ‫الصحيحة‪ ،‬وربط القلب على ذلك‪ ،‬أ َما إذا كان َ‬ ‫الشخص‬ ‫الصادقة َ‬ ‫والعقيدة َ‬ ‫مرتددا شاكا مرتابا فهذا ال يقبل منه‪ ،‬ويف «صحيح مسلم»‬ ‫هريرة‬

‫(‪)3‬‬

‫من دديث أبي‬

‫والسّلم ـ أ َنه قال‪« :‬أ ْشهد أ ْن ل إله إل اهلل‬ ‫عن نبينا ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬

‫وأني رسول اهلل‪ ،‬ل ي ْلقى اهلل بهما ع ْبد غ ْير ش ٍّ‬ ‫اك فيهما إل دخل الجنة»‪ ،‬فاشرتط‬ ‫اليقين وهو انتفاء َ‬ ‫الشك‪ ،‬ويف الحديث اآلخر قال‬

‫‪« :‬م ْن لقيت م ْن وراء هذا‬

‫الحائط ي ْشهد أ ْن ل إله إل اهلل م ْست ْيقنًا بها ق ْلبه‪ ،‬فبش ْره بالجنة»(‪ ،)4‬فّلبدَ أن تكون‬ ‫(‪ )1‬انظر‪« :‬تفسير ال َطربي» (‪ ،)662/20‬و«تفسير البغوي» (‪.)224 /7‬‬ ‫‪.‬‬ ‫(‪ )2‬برقم (‪ )26‬من دديث عثمان بن ع َفان‬ ‫(‪ )3‬برقم (‪.)27‬‬ ‫(‪ )4‬أخرجه مسلم (‪ )31‬من دديث أبي هريرة‬

‫‪.‬‬

‫ـ ‪ 48‬ـ‬


‫نابعة عن ٍ‬ ‫ارتياب‪ ،‬فإن وجد َ‬ ‫الش َك‬ ‫يقين من قلب قائلها‪ ،‬فّل يكون عنده شك وال‬ ‫ٌ‬ ‫واالرتياب لم تقبل منه وإن قالها مر ٍ‬ ‫ات‪.‬‬ ‫َ‬ ‫‪ ‬الثالث من شروطها‪« :‬اإلخالص المنايف للشرك والرياء»‪ ،‬كما قال اهلل‬ ‫ـ تبارك وتعالى ـ‪﴿ :‬ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ﴾ [‪ ،]5 :á‬وكما قال‬ ‫ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ﴾ [‪ ،]3 :¤‬ويف «ال َصحيح» عن نبينا‬

‫أ َنه‬

‫قال‪« :‬أ ْسعد الناس بشفاعتي ي ْوم القيامة م ْن قال ل إله إل اهلل خال ًصا م ْن ق ْلبه»(‪،)1‬‬ ‫قلب مخل ٍ‬ ‫والسّلم ـ اإلخّلص؛ أن تكون نابعة من ٍ‬ ‫ص هلل‪ ،‬لم‬ ‫فاشرتط ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬

‫يرد هبذه الكلمة وبأعمال الدين َإال اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ ﴿ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ﴾‪،‬‬ ‫شرك أو ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫رياء أو نحو ذلك‪.‬‬ ‫قي ا َلذي ليس فيه شائبة‬ ‫والخالص‪ :‬هو َ‬ ‫الصايف النَ ُّ‬ ‫ويف معنى الخالص لغة تأ َمل قول اهلل تعالى‪﴿ :‬ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨ ﭩ‬ ‫ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ﴾ [‪﴿ ،]66 :l‬ﭲ﴾‪ ،‬أي‪:‬‬ ‫ث‪ ،‬مع أ َنه يخرج من بين ٍ‬ ‫صافيا نقيا‪ ،‬ليس فيه شائبة د ٍم وال شائبة فر ٍ‬ ‫فرث ود ٍم‪،‬‬ ‫الصفاء وتمام النَقاء‪.‬‬ ‫لكنَه يخرج يف غاية َ‬ ‫فإخّلص العبادة هلل رب العالمين أن تكون العبادة صافية نق َية‪ ،‬لم يرد هبا‬ ‫َإال اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ‪ ،‬فإذا جعل مع اهلل‬

‫غيره يف العبادة خرجت عن هذا‬

‫الصفاء والنَقاء فّل تقبل‪ ،‬ولهذا يقول اهلل سبحانه يف الحديث القدسي‪« :‬أنا أ ْغنى‬ ‫َ‬ ‫الشركاء عن الش ْرك‪ ،‬م ْن عمل عم ًال أ ْشرك فيه معي غ ْيري تركْته وش ْركه»(‪،)2‬‬ ‫واإلخّلص مح ُّله ومنبعه القلب‪ ،‬ولهذا قال المصنف‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ )99‬عن أبي هريرة‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )2‬أخرجه مسلم (‪ )2985‬عن أبي هريرة‬

‫‪.‬‬

‫ـ ‪ 49‬ـ‬

‫‪« :‬خال ًصا م ْن ق ْلبه»‪.‬‬


‫‪ ‬الرابع من شروطها‪« :‬الصدق المنايف للكذب»‪ ،‬بأن يقولها صادقا من‬ ‫قلبه‪ ،‬كما يف الحديث عن رسول اهلل‬

‫أ َنه قال‪« :‬ما م ْن أحد ي ْشهد أ ْن ل إله إل‬

‫اهلل وأن محمدً ا رسول اهلل صدْ ًقا م ْن ق ْلبه‪ ،‬إل حرمه اهلل على النار»(‪ ،)1‬فاشرتط‬ ‫والسّلم ـ الصدق يف هذه الكلمة‪ ،‬والصدق فيها أن يكون ما يقوله‬ ‫ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫بلسانه ينطوي عليه قلبه‪ ،‬أ َما إذا كان يقولها بلسانه وال يعتقد مدلولها بقلبه فهذا‬ ‫هو المنافق‪ ،‬ولهذا قال اهلل سبحانه‪﴿ :‬ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘ‬

‫ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ﴾ [¾‪ ،]1 :‬أي‪ :‬كاذبون‬ ‫يف َ‬ ‫أن ما قالوه بألسنتهم ال يعتقدونه يف قلوهبم؛ فمن يقولها بلسانه قوال مج َردا‬ ‫وقلبه ال يعتقد ما د َلت عليه فهذا كاذ ٌب ال تقبل منه هذه الكلمة‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫يحب‬ ‫الخامس من شروطها‪« :‬المحبة المنافية للبغض والك ْره»‪ ،‬بأن‬ ‫َ‬

‫قائلها اهلل‬

‫ورسوله‬

‫‪ ،‬ودين اإلسّلم‪ ،‬والمسلمين القائمين بأوامر اهلل‬

‫الواقفين عند ددوده‪ ،‬وأن يبغض من خالف «ال إله َإال اهلل» وأتى بما يناقضها‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ومما يد ُّل على اشرتاط المح َبة قول اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ عن‬ ‫شرك‬ ‫من‬ ‫وكفر‪َ ،‬‬ ‫الك َفار المشركين‪﴿ :‬ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮈ‬

‫ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ﴾ [^‪]165 :‬؛ َ‬ ‫ألن مح َبة المؤمنين هلل‬

‫مح َب ٌة خالص ٌة‪،‬‬

‫وأ َما مح َبة المشركين هلل فمح َب ٌة سوي فيها غير اهلل باهلل‪ ،‬ولهذا يقولون يوم القيامة‬ ‫إذا أدخلوا النَار‪﴿ :‬ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ﴾ [\‪.]v‬‬ ‫فـ«ال إله َإال اهلل» إنَما تنفع عندما تكون نابعة عن مح َب ٍة هلل ‪ ،‬ومح َب ٍة لهذه‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري(‪ ،)128‬ومسلم (‪ )32‬عن أنس‬

‫ـ ‪ 50‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫الكلمة العظيمة‪ ،‬ومح َب ٍة لما د َلت عليه؛ من توديد اهلل‪ ،‬وإخّلص الدين له‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫الصّلة‬ ‫ومح َبة ألهلها وأعمالها‪ ،‬ومن الدُّ عاء العظيم المأثور عن نبينا ـ عليه َ‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬وأ ْسألك حبك‪ ،‬وحب م ْن يحبك‪ ،‬وحب عمل يقربني إلى‬ ‫َ‬ ‫حبك»(‪ ،)1‬ويف دديث ٍ‬ ‫عن النَبي أ َنه قال‪« :‬ثالث م ْن كن فيه وجد‬ ‫أنس‬ ‫بهن حالوة اإليمان‪ :‬م ْن كان اهلل ورسوله أحب إل ْيه مما سواهما‪ ،‬وأ ْن يحب‬ ‫الم ْرء ل يحبه إل لله‪ ،‬وأ ْن يكْره أ ْن يعود في الك ْفر ب ْعد أ ْن أنْقذه اهلل منْه كما يكْره‬ ‫(‪)2‬‬ ‫أمور ثّلث ٌة‪ :‬أص ٌ‬ ‫ونفي للمضاد‪:‬‬ ‫‪،‬‬ ‫وتفريع‬ ‫‪،‬‬ ‫ل‬ ‫؛‬ ‫أ ْن ي ْقذف في النار»‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬

‫‪ ‬األصل‪ :‬مح َبة اهلل‬

‫‪.‬‬

‫‪ ‬والتفريع‪ :‬مح َبة ما يح ُّبه اهلل‬

‫‪.‬‬

‫‪ ‬ونفي المْاد‪ :‬أن يكره أن يعود يف الكفر بعد إذ أنقذه اهلل‬

‫منه‪ ،‬كما‬

‫يكره أن يقذف يف النَار‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫السادس من شروطها‪« :‬النقياد المنافي للترك»‪ ،‬واالنقياد‪ :‬هو االستسّلم‬

‫وال َطواعية واالمتثال ألمر اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ‪ ،‬فـ«ال إله َإال اهلل» تعني استسّلم العبد هلل‬ ‫جل يف عّله ـ‪ ،‬ولهذا يقول ـ َ‬ ‫‪ ،‬وانقياده لشرعه‪ ،‬وطاعته ألمره ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﮉﮊ‬ ‫ﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓ﴾ [}‪ ،]22 :‬أي‪ :‬بـ«ال إله َإال اهلل»‪،‬‬ ‫ويقول ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ﴾ [‪ ،]54 :¤‬أي‪ :‬انقادوا وامتثلوا‪،‬‬ ‫فأهل «ال إله َإال اهلل» دقا من يستسلمون هلل انقيادا وطواعية‪ ،‬وامتثاال ألوامره ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪.‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أدمد (‪ ،)22190‬والرتمذي (‪ )3235‬عن معاذ‬ ‫الصحيحة» (‪.)3169‬‬ ‫صححه األلباين يف « َ‬ ‫المأل األعلى‪ ،‬وقد َ‬ ‫(‪ )2‬أخرجه البخاري (‪ ،)16‬ومسلم (‪ ،)43‬عن أنس‬

‫ـ ‪ 51‬ـ‬

‫‪.‬‬

‫‪ ،‬وهو جزء من دديث اختصام‬


‫‪ ‬السابع من شروطها‪« :‬القبول المنافي للرد»‪ ،‬القبول‪ ،‬أي‪ :‬لهذه الكلمة‪ ،‬ولما‬ ‫تقتضيه من توديد اهلل‬

‫‪ ،‬وإخّلص الدين له‪ ،‬قال اهلل سبحانه يف شأن المشركين‪:‬‬

‫﴿ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ﴾‬ ‫[\‪ ،]¢‬فذكر من دالهم أنَهم أبوا أن يقولوا‪« :‬ال إله َإال اهلل»‪ ،‬وأن يقبلوا هذه‬ ‫الكلمة وما د َلت عليه من توديد اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ‪ ،‬وإخّلص الدين له‪.‬‬ ‫‪ ‬الثامن من شروطها‪« :‬الكفر بما يعبد من دون اهلل» كما قال اهلل تعالى‪:‬‬ ‫﴿ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ﴾ [^‪،]256 :‬‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬م ْن قال ل إله إل اهلل‪ ،‬وكفر بما ي ْعبد م ْن دون اهلل؛‬ ‫وقال ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫حرم ماله ودمه»(‪ ،)1‬فهذا قيدٌ ال تكون «ال إله َإال اهلل» مقبولة َإال به؛ الكفر بما‬ ‫يعبد من دون اهلل بالبراءة من الشرك وأهله‪﴿ ،‬ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ‬ ‫ﮍ﴾ [\¨]‪ ﴿ ،‬ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ‬ ‫ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ‬

‫ﯢ ﯣ﴾ [«‪.]4 :‬‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬قال‬

‫ت ـ أي‪ :‬هذه الشروط ـ يف البيت ْين اآلتي ْين‪:‬‬ ‫‪« :‬وقد جمع ْ‬

‫علــم يقــين وإخــالص وصــدقك م ـ ْع محبــــــة وانقيــــــاد والقبــــــول لهــــــا‬ ‫وزيـــد ثامنهـــا الكفـــران منـــك بمـــا ســـوى اإللـــه مـــن األشـــياء قـــد ألهـــا‬ ‫‪:n‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪ )23‬عن طارق بن أشيم األشجعي‬

‫ـ ‪ 52‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫‪ ‬فهذه هي شروط «ال إله َإال اهلل» ال َثمانية‪ ،‬ومن أهل العلم من يقتصر يف‬ ‫ٍ‬ ‫سبعة باعتبار َ‬ ‫وممن جمعها نظما‬ ‫عدها على‬ ‫أن ال َثامن ا َلذي زيد داخ ٌل فيما قبله‪َ ،‬‬ ‫َ‬ ‫الشيخ دافظ دكمي يف منظومته «س َلم الوصول» قال‪:‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ســــــبعة قــــــد قيــــــدت ويف نصــــوص الــــودي دقــــا وردت‬ ‫وبشــــــروط‬ ‫فإ َنـــــــــه لـــــــــم ينتفـــــــــع قائلهـــــــــا بـــــــالنُّطق َإال ديـــــــث يســـــــتكملها‬ ‫العلــــــــــم واليقــــــــــين والقبــــــــــول واالنقيـــــــاد فـــــــادر مـــــــا أقـــــــول‬ ‫والصــــدق واإلخــــّلص والمح َبــــه و َفقــــــــــــك اهلل لمــــــــــــا أد َبــــــــــــه‬ ‫وشردها يف كتابه «معارج القبول شرح منظومة س َلم الوصول»(‪ ،)1‬وهو‬ ‫ٌ‬ ‫عظيم جدا يف بابه‪ ،‬قد‬ ‫كتاب‬ ‫متداول‪ ،‬ينصح باقتنائه واإلفادة منه؛ فإ َنه‬ ‫مطبوع‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫‪ ،‬وأجاد وأفاد‪ ،‬ودشد فيه األد َلة من كتاب اهلل وسنَة رسوله‬

‫أدسن فيه مؤلفه‬

‫والسّلم ـ يف بيان جوانب االعتقاد وأصول الديانة‪.‬‬ ‫ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬قال‬

‫‪:‬‬

‫«مع بيان شهادة أن محمدً ا رسول اهلل‪ ،‬ومقتْاها‪ :‬تصديقه فيما أ ْخبر‪،‬‬ ‫وطاعته فيما أمر‪ ،‬واجتناب ما نهى عنه وزجر‪ ،‬وأل يعبد اهلل إل بما شرعه اهلل‬ ‫ورسوله‬

‫»‪.‬‬

‫‪:n‬‬ ‫‪‬‬

‫هذا يتع َلق َ‬ ‫بالشهادة للنَبي‬

‫بالرسالة‪ ،‬وهي قرينة َ‬ ‫الشهادة هلل‬

‫(‪ )1‬انظرها يف (‪.)418/2‬‬

‫ـ ‪ 53‬ـ‬


‫والسّلم ـ ورفيع قدره؛‬ ‫بالوددان َية‪ ،‬وهذا من عظيم شرف النَبي ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫بالشهادة له ـ َ‬ ‫بالرسالة َ‬ ‫جل وعّل ـ‬

‫ديث قرن ـ سبحانه وتعاىل ـ َ‬ ‫الشهادة له‬

‫بالوددان َية‪ ،‬فـشهادة «أن ال إله َإال اهلل» ال تقبل َإال بشهادة « َ‬ ‫حمدا رسول اهلل»‪.‬‬ ‫أن م َ‬ ‫وشهادة « َ‬ ‫حمدا رسول اهلل‬ ‫أن م َ‬

‫» هي شهاد ٌة له بالرسالة‪ ،‬واهلل تعالى‬

‫يقول‪﴿ :‬ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ﴾ [`‪ ،]64 :‬فهذه الغاية‬ ‫ٌ‬ ‫رسول‪ ،‬بل البدَ يف‬ ‫الرسل‪ :‬أن يطاعوا‪ ،‬فّل يكفي أن يقول‪ :‬أنا أشهد أ َنه‬ ‫من بعثة ُّ‬ ‫هذه َ‬ ‫الشهادة من طاعة المرسل‪ ،‬واالئتمار بأمره‪ ،‬واالنتهاء عن نواهيه‪ ،‬وتصديق‬ ‫أخباره‪ ،‬ولهذا قال المصنف‬

‫‪« :‬ومقتْاها‪ :‬تصديقه فيما أ ْخبر‪ ،‬وطاعته فيما‬ ‫ورسوله‬

‫أمر‪ ،‬واجتناب ما نهى عنه وزجر‪ ،‬وأل ي ْعبد اهلل إل بما شرعه اهلل‬

‫»؛ وهذا هو ال َتحقيق لشهادة « َ‬ ‫حمدا رسول اهلل»‪ ،‬أن يقوم العبد بما‬ ‫أن م َ‬ ‫ٍ‬ ‫والسّلم ـ يف أوامره‪ ،‬واالنتهاء عن‬ ‫الصّلة‬ ‫للرسول ـ عليه َ‬ ‫َ‬ ‫تقتضيه من طاعة َ‬ ‫نواهيه‪ ،‬وال َتصديق ألخباره؛ أل َنه‬

‫جاء بأمور ثّلثة‪ :‬أوامر‪ ،‬ونواهي‪ ،‬وأخبار؛‬

‫والسّلم ـ بالرسالة؛ فليصدقه يف أخباره‪ ،‬وليأتمر‬ ‫فمن شهد له ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫بأوامره‪ ،‬ولينته عن نواهيه‪ ،‬صلوات اهلل وسّلمه عليه‪.‬‬ ‫فشهادة « َ‬ ‫الصّلة‬ ‫للرسول ـ عليه َ‬ ‫حمدا رسول اهلل» تعني‪ :‬تجريد المتابعة َ‬ ‫أن م َ‬ ‫أن «ال إله َإال اهلل» تعني تحقيق ال َتوديد هلل وإخّلص الدين له ـ َ‬ ‫والسّلم ـ‪ ،‬كما َ‬ ‫جل‬ ‫َ‬ ‫يف عّله ـ‪ ،‬فّل يكون المرء من أهل شهادة « َ‬ ‫حمدا رسول اهلل‬ ‫أن م َ‬

‫» دقا وصدقا‬

‫َإال إذا د َقق هذه األمور ا َلتي تقتضيها هذه َ‬ ‫للرسول ـ عليه‬ ‫الشهادة؛ من ال َطاعة َ‬ ‫والسّلم ـ يف أوامره‪ ،‬واالنتهاء عن نواهيه‪ ،‬وال َتصديق له‬ ‫َ‬ ‫الصّلة َ‬

‫يف أخباره‪َ ،‬‬ ‫وأال‬

‫والسّلم ـ‪.‬‬ ‫الرسول ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫يعبد اهلل َإال بما شرع‪ ،‬أي‪ :‬بما جاء عن َ‬ ‫ـ ‪ 54‬ـ‬


‫ٌ‬ ‫والرسول مه َمته إبّلغ كّلم المرسل‬ ‫والسّلم ـ‬ ‫وهو ـ عليه َ‬ ‫رسول‪َ ،‬‬ ‫الصّلة َ‬ ‫﴿ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ﴾ [‪ ،]54 :t‬وقد ب َلغ البّلغ المبين‪ ،‬وما ترك خيرا َإال‬ ‫َ‬ ‫دل األ َمة عليه‪ ،‬وال شرا َإال َ‬ ‫دذرها منه صلوات اهلل وسّلمه وبركاته عليه‪« ،‬من‬ ‫الرسول البّلغ‪ ،‬وعلينا ال َتسليم»(‪.)1‬‬ ‫اهلل الرسالة‪ ،‬وعلى َ‬ ‫فمن قال‪« :‬أشهد َ‬ ‫الرسول‬ ‫حمدا رسول اهلل» فليسلم بكل ما جاء به َ‬ ‫أن م َ‬

‫‪،‬‬

‫﴿ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ﴾ [‪﴿ ،]7 :º‬ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ‬ ‫ﯠﯡﯢﯣﯤ ﯥﯦﯧ ﯨﯩﯪﯫﯬﯭ‬ ‫ﯮ﴾ [`‪﴿ ،]65 :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ‬

‫ﭞ ﭟ ﭠ﴾ [{‪ ،]36 :‬وليطعه يف أوامره‪ ،‬فقد جعلت طاعته‬

‫من‬

‫طاعة اهلل ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ﴾ [`‪﴿ ،]80 :‬ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ‬

‫سمى «آية المحنة»‪ ،‬أي‪ :‬فمن ا َدعى مح َبة‬ ‫ﭴ ﭵ﴾ [_‪ ،]31 :‬وهذه اآلية ت َ‬ ‫اهلل‬

‫فليمتحن نفسه يف ضوء ما د َلت عليه من برهان على صدقها‪.‬‬ ‫‪ ‬قال‬

‫‪« :‬وأل يعبد اهلل إل بما شرعه اهلل‬

‫والبدع؛ ولهذا تكاثرت عنه‬

‫ورسوله‬

‫»‪ ،‬ال باألهواء‬

‫األداديث يف ال َتحذير من البدع والنَهي عنها‪،‬‬

‫ومن األداديث العظيمة ا َلتي عدَ ها العلماء أصّل من أصول الدين ا َلتي يقوم‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬م ْن أ ْحدث في أ ْمرنا هذا ما‬ ‫عليها دين اإلسّلم قوله ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫(‪ )1‬كلمة ثبتت عن الزُّ هري‬

‫‪ ،‬أخرجها البخاري تعليقا يف كتاب‪ :‬التوديد‪ ،‬باب‪ :‬قول اهلل تعالى‪:‬‬

‫﴿ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ﴾ [‪ ،]67 :a‬ووصلها الخّلل‬ ‫السنة» (‪ ،)1001‬وانظر «فتح الباري» (‪ ،)504/13‬و«تغليق التَعليق» (‪.)366/5‬‬ ‫يف « ُّ‬

‫ـ ‪ 55‬ـ‬


‫ٍ‬ ‫رواية‪« :‬م ْن عمل عم ًال ل ْيس عل ْيه أ ْمرنا فهو رد»(‪ ،)2‬أي‪:‬‬ ‫ل ْيس فيه فهو رد»(‪ ،)1‬ويف‬ ‫مردو ٌد على صادبه‪ ،‬غير مقب ٍ‬ ‫والسّلم ـ إذا خطب‬ ‫ول منه‪ ،‬وكان ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫النَاس قال‪« :‬أما ب ْعد؛ فإن خ ْير الحديث كتاب اهلل‪ ،‬وخ ْير الهدى هدى محمد‬ ‫‪ ،‬وشر األمور م ْحدثاتها‪ ،‬وكل بدْ عة ضاللة»(‪ ،)3‬وقال يف دديث العرباض‬ ‫اختال ًفا كث ًيرا‪ ،‬فعل ْيك ْم بسنتي وسنة‬ ‫‪« :‬إنه م ْن يع ْش منْك ْم ب ْعدي فسيرى ْ‬ ‫الخلفاء الم ْهديين الراشدين‪ ،‬تمسكوا بها وعْوا عل ْيها بالنواجذ‪ ،‬وإياك ْم‬ ‫وم ْحدثات األمور؛ فإن كل م ْحدثة بدْ عة‪ ،‬وكل بدْ عة ضاللة»(‪ )4‬واألداديث يف‬ ‫هذا المعنى كثير ٌة‪.‬‬ ‫والشهادتان؛ «شهادة أن ال إله َإال اهلل» و«شهادة َ‬ ‫َ‬ ‫حمدا رسول اهلل‬ ‫أن م َ‬

‫»‬

‫حمدٌ رسول اهلل»‬ ‫عليهما قيام الدين كله‪ ،‬فـ«ال إله َإال اهلل» تعني اإلخّلص‪ ،‬و«م َ‬ ‫تعني المتابعة‪ ،‬والدين إ َنما يقوم على اإلخّلص للمعبود‬ ‫والسّلم ـ‪ ،‬كما قال الفضيل بن عياض‬ ‫ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬

‫للرسول‬ ‫‪ ،‬والمتابعة َ‬ ‫يف معنى قوله تعالى‪:‬‬

‫﴿ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ﴾ [‪ ]2 :Â‬قال‪« :‬أخلصه وأصوبه»‪ ،‬قيل‪ :‬يا أبا علي! وما‬ ‫أخلصه وأصوبه؟ قال‪َ « :‬‬ ‫إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل‪ ،‬وإذا كان‬ ‫صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل؛ د َتى يكون خالصا صوابا؛ والخالص ما كان هلل‪،‬‬ ‫السنَة»(‪)5‬؛ فالخالص‪ :‬ما كان هلل‬ ‫َ‬ ‫والصواب ما كان على ُّ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)2697‬ومسلم (‪ )1718‬عن عائشة‬

‫‪ ،‬وهذا مدلول «ال إله َإال‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )2‬أخرجه مسلم (‪.)1718‬‬ ‫(‪ )3‬أخرجه مسلم (‪ )867‬عن جابر بن عبد اهلل‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )4‬أخرجه أدمد (‪ ،)17144‬وأبو داود (‪ ،)4607‬وابن ماجه (‪ )42‬وغيرهم‪.‬‬ ‫(‪ )5‬أخرجه ابن أبي الدُّ نيا يف «اإلخّلص والن َية» (‪ ،)22‬وأبو نعيم يف «الحلية» (‪.)95/8‬‬

‫ـ ‪ 56‬ـ‬


‫حمدٌ رسول اهلل‬ ‫اهلل»‪َ ،‬‬ ‫السنَة‪ ،‬وهذا مدلول «م َ‬ ‫والصواب‪ :‬ما كان على ُّ‬

‫»‪.‬‬

‫األولون‬ ‫فعلى هاتين الكلمتين قيام دين اهلل‪ ،‬وعن هاتين الكلمتين يسأل َ‬ ‫واآلخرون‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ ماذا كنتم تعبدون؟ وجوابه‪« :‬ال إله إال اهلل»‪.‬‬ ‫‪ 2‬ـ ماذا أجبتم المرسلين؟ وجوابه‪« :‬محمد رسول اهلل»‪.‬‬ ‫األول‪ :‬اإلخّلص‪ ،‬وال َثاين‪ :‬المتابعة‪.‬‬ ‫َ‬ ‫‪‬‬

‫قال‬

‫‪:‬‬

‫«ثم يبين للطالب بقية أركان اإلسالم الخمسة وهي‪ :‬الصالة‪ ،‬والزكاة‪،‬‬ ‫سبيال»‪.‬‬ ‫وصوم رمْان‪ ،‬وحج البيت الحرام لمن استطاع إليه ً‬ ‫‪:n‬‬ ‫ٍ‬ ‫شيء من أدكامها‪.‬‬ ‫‪ ‬تب َين أركان اإلسّلم من ديث أهم َيتها وبيان‬ ‫الصّلة هي الركن الثاين من أركان اإلسّلم‪ ،‬وهي أعظم مبانيه بعد‬ ‫ف َ‬ ‫ال َتوديد‪ ،‬وهي البرهان لصدق إيمان َ‬ ‫والسّلم ـ‬ ‫الشخص‪ ،‬كما قال ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫ورا وب ْرهانًا ونجا ًة‬ ‫الصّلة قال‪« :‬م ْن حافظ عل ْيها كان ْ‬ ‫عندما ذكرت عنده َ‬ ‫ت له ن ً‬ ‫ي ْوم القيامة‪ ،‬وم ْن ل ْم يحاف ْظ عل ْيها ل ْم يك ْن له نور ول ب ْرهان ول نجاة‪ ،‬وكان ي ْوم‬ ‫فالصّلة بره ٌ‬ ‫ان‪ ،‬أي‪:‬‬ ‫القيامة مع قارون وف ْرع ْون وهامان وأبي بن خلف»(‪،)1‬‬ ‫َ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أدمد (‪ ،)6576‬والدارمي يف «مسنده»(‪ ،)2763‬والبيهقي يف «شعب اإليمان» (‪،)2565‬‬ ‫وابن د َبان يف «صحيحه» (‪ )1467‬عن عبد اهلل بن عمرو‬ ‫دسن» «مجموع فتاويه» (‪.)278/10‬‬

‫ـ ‪ 57‬ـ‬

‫‪ ،‬قال الشيخ ابن باز‬

‫«بإسناد‬


‫ٌ‬ ‫ودليل على صدق إيمان َ‬ ‫الشخص‪ ،‬قال تعالى‪﴿ :‬ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ‬ ‫شاهدٌ‬ ‫ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ﴾ [‪ ،]18 :e‬وجاء يف الحديث عن نبينا‬ ‫والسّلم ـ أ َنه قال‪« :‬الع ْهد الذي ب ْيننا وب ْينهم الصالة‪ ،‬فم ْن تركها‬ ‫ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫فقدْ كفر»(‪.)1‬‬ ‫الصّلة يف دين اهلل ـ تبارك وتعالى ـ ٌ‬ ‫عظيم‪ ،‬وهي َأول ما يسأل‬ ‫شأن‬ ‫وشأن َ‬ ‫ٌ‬ ‫عنه العبد يوم القيامة‪ ،‬فإن قبلت فقد أفلح وأنجح‪ ،‬وإن ر َدت خاب وخسر(‪،)2‬‬ ‫نصوص كثير ٌة يف األمر بإقامتها‪ ،‬والمحافظة عليها‪ ،‬والعناية‬ ‫وقد جاء يف القرآن‬ ‫ٌ‬ ‫السهو عنها‪ ،‬وال َتفريط فيها‪ ،‬وإضاعتها؛ منها قوله‬ ‫بمواقيتها‪ ،‬وال َتحذير من َ‬

‫‪:‬‬

‫﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ﴾ [^‪،]238 :‬‬ ‫﴿ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ﴾ [^‪ ]110 :‬يف أكثر من موض ٍع من كتاب اهلل‬ ‫سبحانه‪﴿ ،‬ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ﴾ [`‪﴿ ،]103 :‬ﮰ ﮱ‬ ‫ﯓ ﯔ ﯕ﴾ [‪﴿ ،]132 :p‬ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ‬

‫ﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ﴾ [‪﴿ ،]59 :o‬ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﰝ ﰞ ﰟ﴾‬ ‫الصّلة‪ ،‬المبينة لعظيم‬ ‫[\‪ ،]É‬إلى غير ذلك من اآليات المعظمة لشأن َ‬ ‫مكانتها ورفيع منزلتها يف دين اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫مسلم أن تعظم عنايته هبذه الفريضة ا َلتي هي صل ٌة بينه وبين‬ ‫ودري بكل‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أدمد (‪ ،)22937‬والرتمذي (‪ ،)2621‬والنسائي (‪ ،)463‬وابن ماجه (‪ ،)1079‬عن بريدة‬ ‫ابن الحصيب األسلمي‬

‫‪ .‬وصححه األلباين يف «صحيح الجامع» (‪.)4143‬‬

‫وصححه األلباين يف «صحيح‬ ‫(‪ )2‬ورد ذلك يف دديث أخرجه الرتمذي (‪ ،)413‬والنَسائي (‪،)465‬‬ ‫َ‬ ‫الجامع» (‪.)2020‬‬

‫ـ ‪ 58‬ـ‬


‫مما شرع اهلل فيها‪،‬‬ ‫ربه تعالى‪ ،‬اهتماما بأركانها وواجباتها وشروطها وغير ذلكم َ‬ ‫وأن يؤديها بغاية الخشوع واإلدسان وال ُّطمأنينة ظاهرا وباطنا ليفوز بعظيم‬ ‫ال َثواب‪ ،‬ففي «صحيح مسلم»‬ ‫رسول اهلل‬

‫(‪)1‬‬

‫عن عثمان بن ع َفان‬

‫قال‪« :‬سمعت‬

‫يقول‪« :‬ما من ْامرئ م ْسلم ت ْحْره صالة مكْتوبة‪ ،‬في ْحسن‬

‫ت كفار ًة لما ق ْبلها من الذنوب ما ل ْم ي ْؤت‬ ‫وضوءها وخشوعها وركوعها‪ ،‬إل كان ْ‬ ‫كبير ًة‪ ،‬وذلك الد ْهر كله»‪.‬‬ ‫الصّلة يف كتاب اهلل ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪،‬‬ ‫والركن الثالث‪َ :‬‬ ‫الزكاة‪ ،‬وهي قرينة َ‬ ‫والزكاة تطهر المرء‪ ،‬وتزكي قلبه‪ ،‬وتزكي ماله‪ ،‬وتكون بركة له ولماله‪ ،‬و«ما‬ ‫َ‬ ‫ت صدقة م ْن مال»(‪.)2‬‬ ‫نقص ْ‬ ‫والزكاة ٌ‬ ‫قليل من كثير أعطاه اهلل‬ ‫َ‬

‫األغنياء‪ ،‬وهي صدق ٌة تؤخذ من‬

‫األغنياء وتر ُّد على الفقراء‪ ،‬ويرت َتب عليها من المصالح والمنافع َ‬ ‫الشيء الكثير؛‬ ‫من تحقيق المو َدة‪ ،‬وال َتكافل وال َترادم وال َتعاون‪ ،‬وزوال الخصال َ‬ ‫الذميمة من‬ ‫دس ٍد وبغضاء وعدو ٍ‬ ‫ان وغير ذلك‪ ،‬وهي من محاسن هذا الدين العظيم؛ أل َنها‬ ‫قوة ال َتكافل ا َلذي جاء به‬ ‫تحقق مصالح عظيمة للمجتمعات المسلمة‪ ،‬وتظهر َ‬ ‫اإلسّلم وأوجبه وافترضه‪« ،‬صدق ًة ت ْؤخذ م ْن أ ْغنيائه ْم فترد على فقرائه ْم»(‪،)3‬‬ ‫ولهذا البدَ أن يعنى المسلم هبذه الفريضة العظيمة‪ ،‬فمن كان عنده ٌ‬ ‫مال يبلغ‬ ‫النصاب وجب عليه أن يتع َلم أدكامها دتَى يؤديها كما أمر اهلل‬ ‫(‪ )1‬برقم (‪.)228‬‬ ‫(‪ )2‬أخرجه مسلم (‪ )2588‬عن أبي هريرة‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )3‬أخرجه البخاري (‪ ،)1496‬ومسلم (‪ )19‬عن ابن عباس‬

‫ـ ‪ 59‬ـ‬

‫‪.‬‬

‫إلى أهلها‪،‬‬


‫وأن يحافظ على إخراجها طيبة هبا نفسه‪ ،‬متقربا هبا إلى ربه ـ سبحانه وتعاىل ـ‬ ‫ٍ‬ ‫أدب‬ ‫بشيء‬ ‫تقرب متقر ٌب إلى اهلل‬ ‫َ‬ ‫ليفوز بتحقيقه لهذه العبادة فوزا عظيما‪ ،‬وما َ‬ ‫مما افرتضه ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ على عباده‪.‬‬ ‫إلى اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ َ‬ ‫شهر مبارك عظيم‪ ،‬افرتض اهلل ـ سبحانه‬ ‫والركن الرابع‪ :‬الصيام؛ رمضان ٌ‬ ‫وتعاىل ـعلى عباده صيامه ﴿ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ‬

‫تحقيق لتقوى اهلل‬ ‫ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ﴾ [^‪ ،]183 :‬فالصيام‬ ‫ٌ‬ ‫وتخليص للنَفس من رعوناتها وتت ُّبعها لمل َذاتها وشهواتها‪،‬‬ ‫ـ سبحانه وتعاىل ـ‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫مما يّلئمها ويوافق طبيعتها‪ ،‬فمتى‬ ‫لكونه يمرن النُّفوس على َ‬ ‫عما تهواه َ‬ ‫الصرب َ‬ ‫تمرنت النَفس على ذلك بالصيام هان عليها ترك المحارم ا َلتي ال تت ُّم التَقوى َإال‬ ‫َ‬ ‫بتركها فهو جنَ ٌة للعبد من ُّ‬ ‫الرب ـ سبحانه وتعاىل ـ‪ ،‬وفيه من‬ ‫الذنوب ومن سخط َ‬ ‫المصالح والخيرات والبركات َ‬ ‫السنة افرتض اهلل‬ ‫الشيء الكثير‪ ،‬وهو شه ٌر يف َ‬ ‫ـ سبحانه وتعاىل ـ على العباد صيامه‪ ،‬فمن وفق ألداء الصيام كما ينبغي كان له زادا‬ ‫يف عامه كله‪ ،‬يصوم شهرا لكن تبقى آثاره يف العام كله بإذن اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪.‬‬ ‫مرة‬ ‫والركن الخامس‪:‬‬ ‫ُّ‬ ‫الحج‪ ،‬افرتضه اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ يف العمر كله َ‬ ‫طو ٌع‪ ،‬كما قال ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﮬ ﮭ ﮮ‬ ‫واددة على المستطيع وما زاد فهو ت ُّ‬ ‫ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ﴾ [_‪ ،]97 :‬وقد ثبت عن النَبي‬

‫أداديث‬

‫كثير ٌة يف ترغيب أ َمته يف الحج ودثهم على هذه ال َطاعة العظيمة‪ ،‬وبيان ما‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وغفران ُّ‬ ‫للذنوب‪ ،‬فمن كان‬ ‫وثواب جزي ٍل‬ ‫عظيمة‬ ‫أجور‬ ‫يغنمونه يف الحج من‬ ‫مستطيعا وجب عليه أن يجتهد يف معرفة أدكام الحج ليؤديه على بص ٍ‬ ‫يرة‪،‬‬ ‫وليفوز بخيراته وأجوره الوفيرة‪.‬‬ ‫ـ ‪ 60‬ـ‬


‫وتأ َمل ـ رعاك اهلل ـ هذه المباين الخمسة ا َلتي يقوم عليها دين اهلل ـ تبارك‬ ‫وتعالى ـ‪ ،‬وتأ َمل عظم شأنها ورفيع مكانتها من دين اهلل‬

‫‪َ ،‬‬ ‫وأن من و َفقه اهلل‬

‫ـ سبحانه وتعاىل ـ وأكرمه بتحقيقها والقيام هبا كما ينبغي؛ دخل يوم القيامة‬ ‫الجنَة‪ ،‬كما يف دديث معاذ‬

‫قال‪« :‬قلت‪ :‬يا رسول اهلل! أخبرني بعم ٍل‬

‫يدخلني الجنَة‪ ،‬ويباعدني عن النَار» فعدَ له‬

‫هذه المباين الخمسة(‪ ،)1‬ويف‬

‫دديث جابر يف «صحيح مسلم»(‪َ )2‬‬ ‫والسّلم ـ‪:‬‬ ‫أن رجّل قال للنَبي ـ عليه ا َ‬ ‫لصّلة َ‬ ‫الصلوات المكتوبات‪ ،‬وصمت رمضان‪ ،‬وأدللت الحّلل‪،‬‬ ‫«أرأيت إذا ص َليت َ‬ ‫ود َرمت الحرام‪ ،‬ولم أزد على ذلك شيئا أأدخل الجنَة؟» قال‪« :‬نع ْم»‪.‬‬ ‫الرجل األعرابي ا َلذي عدَ د عليه هذه األركان‪ ،‬فقال‪« :‬واهلل ال‬ ‫ويف خرب َ‬ ‫ٍ‬ ‫رواية‪« :‬دخل الجنة‬ ‫أزيد على هذا وال أنقص» قال ‪« :‬أ ْفلح إ ْن صدق»‪ ،‬ويف‬ ‫إ ْن صدق»(‪.)3‬‬ ‫فهذه األركان الخمسة هي المباين ا َلتي يقوم عليها اإلسّلم‪ ،‬ويجب على‬ ‫المسلم أن يحافظ عليها محافظة دقيقة‪ ،‬ويعنى هبا عناية فائقة‪ ،‬وهي أعظم ما‬ ‫يتق َرب به إلى اهلل‬

‫‪ ،‬كما يف الحديث القدسي‪« :‬وما تقرب إلي ع ْبدي بش ْيء‬

‫أحب إلي مما ا ْفتر ْضت عل ْيه»(‪ ،)4‬فإذا وفق العبد للمحافظة عليها يف دياته كان‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أدمد (‪ ،)22016‬والرتمذي (‪ ،)2616‬وابن ماجه (‪ ،)3973‬عن معاذ بن جبل‬ ‫دسنه دسنه األلباين يف «اإلرواء» (‪.)413‬‬ ‫و َ‬

‫(‪ )2‬برقم (‪.)15‬‬

‫(‪ )3‬أخرجه البخاري (‪ ،)1891 ،46‬وأخرجه مسلم (‪ )11‬عن طلحة بن عبيد اهلل‬ ‫(‪ )4‬أخرجه البخاري (‪ )6502‬عن أبي هريرة‬

‫‪.‬‬

‫ـ ‪ 61‬ـ‬

‫‪.‬‬

‫‪.‬‬


‫يوم القيامة من أهل الجنَة‪.‬‬ ‫ولهذا ينبغي على أهل العلم وط َّلب العلم أن يعنوا بحث العوام وعموم‬ ‫النَاس على المحافظة على هذه األركان والعناية هبا‪ ،‬ويبينوا لهم مكانتها وعظيم‬ ‫شأنها من دين اهلل‬

‫‪َ ،‬‬ ‫وأن مثلها من الدين كمثل األعمدة من البنيان‪ ،‬وينبغي‬

‫على كل مسلم أن يحافظ على هذه األعمدة‪ ،‬مستعينا باهلل‪ ،‬طالبا مدَ ه ـ تبارك‬ ‫وتعالى ـ وتوفيقه‪.‬‬

‫‪‬‬

‫ـ ‪ 62‬ـ‬


‫ﱠ‬ ‫ﱠ‬ ‫ﺍﻟﺪﺭﺱ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ‬

‫ﺃﺭﻛﺎﻥ ﺍﻹﳝﺎﻥ‬

‫ﻗﺎل ‪::‬‬

‫»اﻟﺪﱠ رس اﻟ ﱠﺜﺎﻟﺚ‪ :‬أرﻛﺎن اﻹﻳﻤﺎن‪.‬‬

‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ور ُﺳ ِﻠﻪ‪ ،‬وﺑﺎﻟﻴﻮم‬ ‫أرﻛﺎن اﻹﻳﻤﺎن‪ ،‬وﻫﻲ ﺳ ﱠﺘﺔ‪ :‬أن ُﺗﺆﻣ َﻦ ﺑﺎﷲ‪ ،‬وﻣﻼﺋ َﻜﺘﻪ‪ ،‬و ُﻛ ُﺘﺒِﻪ‪ُ ،‬‬ ‫اﻵﺧﺮ‪ ،‬و ُﺗ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ﺆﻣ َﻦ ﺑﺎﻟ َﻘﺪَ ِر َﺧ ْﻴﺮِه َ‬ ‫وﺷ ﱢﺮه ﻣﻦ اﷲ ﺗﻌﺎﻟﻰ«‪.‬‬ ‫‪:n‬‬ ‫ﱡ‬ ‫ُ‬ ‫اﻟﻤﻮاﻫﺐ‪ ،‬و َأﻋ َﻈ ُﻢ اﻷﻫﺪاف‪ ،‬و َأ ْر َﻓ ُﻊ‬ ‫اﻟﻤﻄﺎﻟﺐ‪،‬‬ ‫اﻹﻳﻤﺎن َأ ْﺷ َﺮ ُ‬ ‫‪‬‬ ‫وأﺟﻞ َ‬ ‫ف َ‬ ‫ِ‬ ‫وﻳﻔﻮز ﻳﻮ َم‬ ‫ﻓﺒﺎﻹﻳﻤﺎن َﻳ ْﺤ َﻴﺎ اﻟﻌﺒﺪُ اﻟﺤﻴﺎ َة اﻟ ﱠﻄ ﱢﻴ َﺒ َﺔ ﰲ ﺣﻴﺎﺗِﻪ اﻟﺪﱡ ﻧﻴﺎ‪،‬‬ ‫اﻟﻐﺎﻳﺎت و َأ ْﻧ َﺒ ُﻠﻬﺎ؛‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫اﻟﻤﻘﻴﻢ‪` _ ^ ] \ [ Z Y﴿ ،‬‬ ‫اﻟﻘﻴﺎﻣﺔ ﺑ َﺜﻮاب اﷲ اﻟ َﻌﻈﻴﻢ وﻧﻌﻴﻤﻪ ُ‬ ‫‪:l] ﴾k j i h g f ed c b a‬‬

‫ِ‬ ‫ﺤﺼﻰ وﻻ‬ ‫اﻟﻤ‬ ‫اﻹﻳﻤﺎن‬ ‫وﺛﻤﺎر‬ ‫‪،[٩٧‬‬ ‫ُ‬ ‫ﺒﺎرﻛﺎت ﻋﻠﻰ اﻟﻌﺒﺪ ﰲ دﻧﻴﺎه وأﺧﺮاه ﻻ ُﺗ َ‬ ‫وآﺛﺎره ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬

‫ﻛﻞ ٍ‬ ‫ﺧﻴﺮ ﻳﻨﺎﻟﻪ اﻟﻌﺒﺪُ ﰲ اﻟﺪﱡ ﻧﻴﺎ واﻵﺧﺮة‪ ،‬ﱠ‬ ‫إن ﱠ‬ ‫ُﺗ ْﺴ َﺘ ْﻘ َﺼﻰ‪ ،‬ﺑﻞ ﱠ‬ ‫ﺷﺮ ﻳﺘﺤ ﱠﻘ ُﻖ‬ ‫وﻛﻞ اﻧﺪﻓﺎ ٍع ﱞ‬ ‫ﻟﻠﻌﺒﺪ ﰲ اﻟﺪﱡ ﻧﻴﺎ واﻵﺧﺮة‪ ،‬ﻓﻬﻮ ﻣﻦ ﺛﻤﺎر اﻹﻳﻤﺎن وآﺛﺎره اﻟﻌﻈﻴﻤﺔ اﻟﻤﺒﺎرﻛﺔ‪.‬‬

‫‪ ‬‬


‫واإليمان ُّ‬ ‫أجل المواهب وأعظم العطايا وأكرب المنن‪ ،‬وهو منَة اهلل ـ سبحانه‬ ‫وتعاىل ـ على من شاء من عباده‪ ،‬كما قال ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ‪﴿ :‬ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ‬ ‫ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ‬

‫ﮐ ﮑ ﮒ ﮓﮔ ﮕ ﮖ ﮗ﴾ [\¯]‪ ،‬ويقول ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﯳ ﯴ‬ ‫ﯵ ﯶﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ﴾‬ ‫[¯‪ ،]17 :‬ويقول ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﭣﭤﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬﭭ‬ ‫ﭮﭯﭰﭱﭲ﴾ [‪ ،]21 :t‬واآليات يف هذا المعنى كثير ٌة‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫عظيمة وأس ٍ‬ ‫متينة ال قيام لإليمان َإال عليها؛ َ‬ ‫فإن‬ ‫س‬ ‫أصول‬ ‫وهو يقوم على‬ ‫مثل هذه األصول مع اإليمان كمثل األساس للبنيان واألصول لألشجار‪ ،‬كما‬ ‫يد ُّل لذلك قول اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ‪﴿ :‬ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ‬ ‫ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ‬

‫ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ﴾ [\‪]j‬؛ فهذا مث ٌل ضربه اهلل ـ‬ ‫سبحانه وتعاىل ـ لعباده‪ ،‬ودعاهم لتأ ُّمله وال َتف ُّكر فيه‪ ،‬يف بيان اإليمان وأصوله‪ ،‬وما‬

‫يقوم عليه‪ ،‬وما يتف َرع عنه من فروع‪ ،‬وما يرت َتب عليه من ٍ‬ ‫ثمار وفوائد ينالها أهل‬ ‫والشاهد من إيراد هذه اآلية قول اهلل ـ َ‬ ‫اإليمان يف دنياهم وأخراهم‪َ ،‬‬ ‫جل يف عّله ـ‪:‬‬ ‫﴿ﯼ ﯽ﴾‪ ،‬فكما َ‬ ‫أن َ‬ ‫الشجر ال يقوم َإال على أصوله‪ ،‬فكذلك اإليمان ال يقوم‬ ‫َإال على أصوله وأركانه ودعائمه‪ ،‬وإذا كانت َ‬ ‫الشجرة إذا قطع أصلها ماتت‪ ،‬فكذلك‬ ‫اإليمان إذا عدم أصله انتفى‪ ،‬ولم ينتفع بعم ٍ‬ ‫ل وال قرب ٍة‪ ،‬كما قال اهلل سبحانه‪﴿ :‬ﯽ‬ ‫ﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇ﴾ [‪.]5 :a‬‬ ‫ـ ‪ 64‬ـ‬


‫فاألعمال وال َطاعات وأنواع القربات إ َنما تكون مقبولة من العامل إذا‬ ‫راسخة ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫كانت قائمة على إي ٍ‬ ‫مان صحيحٍ‬ ‫ثابتة يف القلب‪ ،‬ولهذا فاإليمان‬ ‫وعقيدة‬ ‫ـ بأصوله العظيمة وأسسه المتينة ـ يصحح األعمال‪ ،‬وال تكون مقبولة َإال به‪ ،‬كما‬ ‫قال ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ‬ ‫ﭮ ﭯ﴾ [‪ ،]19 :m‬وكما قال ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ‬ ‫ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ﴾ [‪ ،]97 :l‬واآليات يف هذا المعنى كثير ٌة‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫وقد َ‬ ‫والسنَة على َ‬ ‫أركان س َت ٍة‪ ،‬وقد عرفنا‬ ‫أن اإليمان يقوم على‬ ‫دل الكتاب ُّ‬ ‫َ‬ ‫الركن هو جانب ال َشيء األقوى ا َلذي ال قيام َ‬ ‫للشيء َإال عليه‪ ،‬فأركان اإليمان‬ ‫أن ُّ‬ ‫هي دعائم اإليمان وأصوله وأعمدته ا َلتي عليها يرتكز‪ ،‬فّل قيام لإليمان َإال‬ ‫ٌ‬ ‫أصول س َت ٌة جاء تبيانها يف كتاب اهلل‬ ‫عليها‪ ،‬وهي‬

‫وسنَة رسوله ـ صلوات اهلل‬

‫وسّلمه وبركاته عليه ـ‪ ،‬وهي‪ :‬اإليمان باهلل‪ ،‬ومّلئكته‪ ،‬وكتبه‪ ،‬ورسله‪ ،‬واليوم‬ ‫ٌ‬ ‫أصول ا َتفق األنبياء ك ُّلهم ـ من َأولهم‬ ‫اآلخر‪ ،‬واإليمان بالقدر خيره وشره؛ وهي‬ ‫إلى آخرهم ـ على الدَ عوة إليها‪ ،‬بل َ‬ ‫إن دعوات األنبياء ترتكز على هذه األصول‬ ‫وتقوم عليها‪ ،‬وقد قال نب ُّينا‬

‫‪« :‬األنْبياء إ ْخوة لعالت؛ أمهاته ْم شتى ودينه ْم‬

‫واحد»(‪)1‬؛ أي‪ :‬عقيدتهم وادد ٌة وأصولهم وادد ٌة‪ ،‬ولهذا يقول العلماء‪َ :‬‬ ‫إن أمور‬ ‫مما يدخله النَسخ‪ ،‬ال يف شريعة النَبي الوادد‪ ،‬وال‬ ‫االعتقاد وأصول الديانة ليست َ‬ ‫بين نبي وآخر‪ ،‬وإ َنما النَسخ يكون يف َ‬ ‫الشرائع واألدكام ﴿ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ‬ ‫قصه اهلل ـ تبارك‬ ‫ﮞ﴾ [‪ ،]48 :a‬أ َما العقيدة وادد ٌة‪ ،‬ومن يقرأ القرآن وما َ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)3443‬ومسلم (‪ ،)2365‬عن أبي هريرة‬

‫ـ ‪ 65‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫ٍ‬ ‫أصول وأس ٍ‬ ‫س؛ يجد َ‬ ‫أن‬ ‫وتعالى ـ من خبر األنبياء وذكر دعوتهم‪ ،‬وما تقوم عليه من‬ ‫هذه األصول بارز ٌة يف دعوة أنبياء اهلل ورسله عليهم صلوات اهلل وسّلمه أجمعين‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫بعض؛ اإليمان‬ ‫وأصول اإليمان متّلزم ٌة ومترابط ٌة ال ينف ُّك بعضها عن‬ ‫ٍ‬ ‫كفر هبا كلها‪،‬‬ ‫ببعضها يقتضي اإليمان بباقيها‪ ،‬والكفر ببعضها أو بشيء منها ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫فالدين ال يقوم َإال على هذه األصول كلها مجتمعة‪ ،‬فمن َ‬ ‫بشيء من هذه‬ ‫أخل‬ ‫األصول فلم يؤمن به؛ بطل إيمانه‪ ،‬ودبط عمله‪ ،‬وكان يف اآلخرة من الخاسرين‪،‬‬ ‫ومثل هذه األصول لإليمان ـ كما تقدَ م ـ كمثل األصول لألشجار‪ ،‬أرأيتم لو َ‬ ‫أن‬ ‫شجرة قطع أصلها كيف يكون شأنها؟! فهكذا َ‬ ‫الشأن يف اإليمان إذا انتفى شي ٌء‬ ‫من أصوله العظيمة ا َلتي ال قيام له َإال عليها‪.‬‬ ‫وقد جاء تبيان هذه األصول يف كتاب اهلل‬

‫الصّلة‬ ‫وسنَة رسوله ـ عليه َ‬

‫والسنَة قراءة‬ ‫والسّلم ـ؛ وعليه فإ َنه ك َلما عظم نصيب العبد ود ُّظه من الكتاب ُّ‬ ‫َ‬ ‫وتف ُّقها وتأ ُّمّل وتد ُّبرا عظم د ُّظه من هذه األصول وزاد نصيبه منها؛ ولهذا َ‬ ‫فإن‬ ‫ال َناس يتفاوتون يف اإليمان هبا بحسب تفاوتهم يف فهم القرآن وفهم سنَة ال َنبي‬ ‫والسّلم ـ؛ فإ َنه ك َلما عظمت عند العبد وتم َكنت يف قلبه‬ ‫الكريم ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫الشواهد والدَ الئل والرباهين والحجج على هذه األصول‪ ،‬وما تزول به ُّ‬ ‫َ‬ ‫الشبه ا َلتي‬ ‫يلقيها َ‬ ‫وقوة وتم ُّكنا‪﴿ ،‬ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ‬ ‫الشيطان؛ زاد إيمانه رسوخا َ‬ ‫ﭪ ﭫ ﭬ ﭭﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ‬

‫ﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ﴾ [\‪.]e‬‬ ‫والقرآن الكريم بينت فيه هذه األصول أتم ٍ‬ ‫بيان وأوفاه؛ إجماال وتفصيّل‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ـ ‪ 66‬ـ‬


‫ٍ‬ ‫وقفات‬ ‫وكذلك سنَة النَبي الكريم ـ صلوات اهلل وسّلمه وبركاته عليه ـ‪ ،‬ولنقف‬ ‫مع بعض اآليات يف تبيان أصول اإليمان‪ ،‬وال س َيما اآليات الجامعات‪:‬‬ ‫‪‬‬

‫وأول ذلك ما جاء يف أول سورة البقرة؛ ديث يقول ر ُّبنا ـ تبارك‬

‫وتعالى ـ‪﴿ :‬ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ‬ ‫ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ‬ ‫ﭼ﴾؛ فهذه اآليات الكريمات ذكرت فيها هذه األصول العظيمة واألسس‬ ‫المتينة وصفا لعباد اهلل ـ تبارك وتعالى ـ الم َتقين‪ ،‬وهذا فيه َ‬ ‫أن أساس ال َتقوى‬ ‫الصحيح باإليمان هبذه‬ ‫ا َلذي عليه تبنى وأصلها ا َلذي عليه تقوم هو االعتقاد َ‬ ‫األصول العظيمة والدَ عائم المتينة ا َلتي يقوم عليها اإليمان‪.‬‬ ‫وقول اهلل سبحانه‪﴿ :‬ﭝ ﭞ ﭟ﴾‪ ،‬أي‪ :‬ا َلذين يؤمنون بكل ما غاب‬ ‫مما أخبرتهم به رسل اهلل‪ ،‬وهذا من أكمل أوصاف المؤمنين وأجلها‪ ،‬د َتى‬ ‫عنهم َ‬ ‫قال‪« :‬واهلل ا َلذي ال إله َإال هو ما آمن أددٌ بأفضل‬

‫َ‬ ‫إن عبد اهلل بن مسعود‬ ‫من إي ٍ‬ ‫مان بغي ٍ‬ ‫ب»(‪ ،)1‬فانظر هذا الوصف العظيم الجليل ا َلذي وصف اهلل ـ تبارك‬

‫وتعالى ـ به عباده الم َتقين‪ ،‬قال‪﴿ :‬ﭝ ﭞ ﭟ﴾؛ فإيمانهم ال يتو َقف على‬ ‫الحواس؛ َ‬ ‫ودواس‬ ‫ألن كثيرا من النَاس ال يؤمن َإال بما يعرفه من خّلل دواسه‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫العبد خمس ٌة‪َ :‬‬ ‫َ‬ ‫والسمع‪ ،‬والنَظر‪ ،‬وال َلمس‪ ،‬فما ال يعرفه من‬ ‫والش ُّم‪،‬‬ ‫الذوق‪،‬‬ ‫َ‬ ‫خّلل هذه الحواس ال يؤمن به ويجحده ويكون كافرا به‪ ،‬أ َما المؤمن فعنده هذا‬ ‫(‪ )1‬أخرجه سعيد بن منصور يف «سننه» (‪ ،)180‬وابن منده يف «اإليمان» (‪ ،)209‬وابن أبي داتم يف‬ ‫«تفسيره» (‪ ،)66‬والحاكم يف «مستدركه» (‪ ،)3033‬وقال‪« :‬هذا دديث صحيح على شرط‬ ‫الشيخين‪ ،‬ولم يخرجاه» ووافقه َ‬ ‫الذهبي‪.‬‬

‫ـ ‪ 67‬ـ‬


‫مما أخبرت به رسل اهلل‬ ‫األصل العظيم؛ يؤمن بكل ما غاب عنه َ‬

‫؛ فيدخل‬

‫أئمة‬ ‫تحت هذه الجملة أصول اإليمان ك ُّلها‪ ،‬ولهذا قال أبو العالية وغيره من َ‬ ‫ال َتفسير فيما نقله ابن جرير وابن كثير وغيرهما‪﴿« :‬ﭝ ﭞ ﭟ﴾‪ ،‬أي‪ :‬ا َلذين‬ ‫يؤمنون باهلل‪ ،‬ومّلئكته‪ ،‬وكتبه‪ ،‬ورسله‪ ،‬واليوم اآلخر‪ ،‬والقدر خيره وشره‪،‬‬ ‫والبعث بعد الموت»(‪.)1‬‬ ‫شرف اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ هبا أهل اإليمان؛ أل َنهم صدَ قوا‬ ‫فهذه صف ٌة وميز ٌة َ‬ ‫المرسلين‪ ،‬وتل َقوا َ‬ ‫كل ما جاءت به رسل اهلل‬

‫بالقبول وال َتسليم‪« ،‬آمنَا باهلل‪ ،‬وبما‬

‫جاء عن اهلل‪ ،‬على مراد اهلل‪ ،‬وآمنَا برسل اهلل‪ ،‬وما جاء عن رسل اهلل‪ ،‬على مراد رسل‬ ‫(‪)2‬‬ ‫الرسول البّلغ‪ ،‬وعلينا ال َتسليم»(‪.)3‬‬ ‫اهلل» ‪« ،‬من اهلل الرسالة‪ ،‬وعلى َ‬

‫فهذه دال أهل اإليمان؛ يؤمنون بكل ما يبلغهم ويصل إليهم من طريق‬ ‫الرسل ـ عليهم صلوات اهلل وسّلمه ـ‪ ،‬ويتل َقونه بالقبول وال َتسليم‪ ،‬دون تر ُّد ٍد أو‬ ‫ُّ‬ ‫تو ُّق ٍ‬ ‫ف‪﴿ ،‬ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ﴾ [¯‪ ،]15 :‬أي‪:‬‬ ‫أيقنوا‪ ،‬ولم يش ُّكوا‪.‬‬ ‫فيدخل تحت هذه الجملة ﴿ﭞ ﭟ﴾ أصول اإليمان؛ من اإليمان باهلل؛‬ ‫الرسل عن اهلل ـ تبارك‬ ‫إيمانا بأسمائه‪ ،‬وصفاته‪ ،‬وعظمته‪ ،‬وأفعاله‪ ،‬وكل ما أخبرت به ُّ‬ ‫الرسل األ َولين‪ ،‬وغير ذلك‪.‬‬ ‫وتعالى ـ‪ ،‬وعن المّلئكة‪ ،‬وعن الكتب‪ ،‬وعن أدوال ُّ‬ ‫(‪ )1‬انظر‪« :‬تفسير الطربي» (‪ ،)242 /1‬و«تفسير ابن كثير» (‪.)165 /1‬‬ ‫(‪ )2‬ورد عن اإلمام الشافعي‬

‫‪ ،‬ذكره ابن تيمية‬

‫يف مواضع كثيرة من كتبه؛ انظر «الرسالة المدنية»‬

‫(ص ‪ ،)3‬و«جامع المسائل» (‪.)62/5‬‬ ‫(‪ )3‬سبق تخريجه‪.‬‬

‫ـ ‪ 68‬ـ‬


‫ثم قال ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ﴾‪ ،‬أي‪ :‬القرآن ﴿ﭫ ﭬ ﭭ‬ ‫َ‬ ‫بالرسل ا َلذين أنزلت عليهم هذه‬ ‫ﭮ﴾‪ ،‬أي‪ :‬الكتب الم َنزلة‪ ،‬وفيه اإليمان ُّ‬ ‫كر ألص ٍل من أصول اإليمان‪ ،‬وهو‪ :‬اإليمان‬ ‫الكتب ﴿ﭯ ﭰ ﭱ﴾ وهذا ذ ٌ‬ ‫باليوم اآلخر‪.‬‬ ‫فإذا؛ هذا ال َتصدير لسورة البقرة جاء مشتمّل على هذه األصول العظيمة‬ ‫والركائز المتينة ا َلتي يقوم عليها دين اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪.‬‬ ‫َ‬ ‫‪ ‬ثم قال اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ بعد ذلك يف السورة نفسها‪﴿ :‬ﭣ ﭤ‬

‫ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ﴾ إلى قوله‪﴿ :‬ﭿ ﮀ ﮁ﴾ [^‪]136 :‬؛‬ ‫أمر باإليمان باهلل‬ ‫فهذا ٌ‬

‫‪ ،‬وبكل ما أنزل من اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪ ،‬فينتظم تحت‬

‫ذلك كله أصول اإليمان؛ َ‬ ‫فإن اإليمان باهلل‬

‫إي ٌ‬ ‫مان به وبكل ما أمر باإليمان به ـ‬

‫ضمنه وديه المن َزل على رسله الكرام ـ‬ ‫مما أنزله يف كتبه وت َ‬ ‫سبحانه وتعاىل ـ َ‬ ‫عليهم صلوات اهلل وسّلمه أجمعين ـ‪.‬‬ ‫إخبار من‬ ‫السورة‬ ‫ٌ‬ ‫يف هذه اآلية أمر ٌباإليمان ﴿ﭣ ﭤ ﭥ﴾ ‪ ،‬ويف تمام ُّ‬ ‫السورة‬ ‫اهلل ـ تبارك وتعالى ـ بتح ُّققه بامتثال المؤمنين لما أمرهم به؛ ففي أوائل ُّ‬ ‫جاء األمر به‪ ،‬ويف تمامها جاء اإلخبار بتح ُّقق ذلك فيهم؛ قال اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‬ ‫السورة‪﴿ :‬ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢ‬ ‫يف تمام هذه ُّ‬ ‫ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ‬

‫ﯔ ﯕ﴾ [^‪.]285 :‬‬ ‫وقوله ﴿ﯔ ﯕ﴾ فيه إثبات اإليمان باليوم اآلخر‪ ،‬فجاءت هذه‬ ‫ـ ‪ 69‬ـ‬


‫السورة مشتملة على هذه األصول العظيمة‪.‬‬ ‫اآلية يف خاتمة ُّ‬ ‫فافتتحت سورة البقرة بأصول اإليمان‪ ،‬واختتمت بأصول اإليمان ﴿ﮠ‬ ‫ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ‬

‫ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ﴾‪ ،‬وقد جاء عن نبينا‬

‫أنَه قال‪« :‬م ْن قرأ باآليت ْين م ْن‬

‫آخر سورة البقرة في ل ْيلة كفتاه»(‪ ،)1‬وهذا دث على قراءاهما ‪ ،‬ومن فوائد هذه‬ ‫كل ٍ‬ ‫القراءة المتكررة َ‬ ‫ليلة‪ :‬تجديد اإليمان هبذه األصول العظيمة‪.‬‬ ‫ولهذا ينبغي أن يعلم َ‬ ‫أن األذكار المشروعة المأثورة عن النَبي‬

‫ب‬ ‫ك َلها تص ُّ‬

‫ٍ‬ ‫يف هذا الباب؛ تقوية اإليمان وتجديده؛ َ‬ ‫تجديد‪ ،‬كما قال ـ‬ ‫ألن اإليمان يحتاج إلى‬

‫الصحيح‪« :‬إن اإليمان ليخْ لق في ج ْوف أحدك ْم‬ ‫والسّلم ـ يف الحديث َ‬ ‫عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫اسألوا اهلل أ ْن يجدد اإليمان في قلوبك ْم»(‪ ،)2‬فالقراءة َ‬ ‫كل‬ ‫كما يخْ لق الث ْوب الخلق‪ ،‬ف ْ‬ ‫ٍ‬ ‫واستذكار للعهد هبذه‬ ‫واستحضار‬ ‫ليلة لهاتين اآليتين يكون به تجديدٌ لإليمان‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫األصول العظيمة؛ ال سيما مع القراءة بال َتدبر وال َتأمل‪ ،‬وأكرم هبا من ٍ‬ ‫ليلة يفتتحها‬ ‫َ‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫المؤمن بتجديد العهد هبذه األصول العظيمة ا َلتي يقوم عليها دينه ك ُّله‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫السورة جاء ذكر هذه األصول يف قول اهلل ـ تبارك‬ ‫ويف أثناء هذه ُّ‬

‫وتعالى ـ‪﴿ :‬ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ‬

‫ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ﴾ [^‪ ،]177 :‬فذكر ـ تبارك وتعالى ـ هذه‬ ‫األصول العظيمة واألسس المتينة‪.‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)5009‬ومسلم (‪ )808‬عن أبي مسعود األنصاري‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )2‬أخرجه الحاكم يف «المستدرك» (‪ ،)5‬والطرباين يف «الكبير» (‪ ،)84‬عن عبد اهلل بن عمرو‬ ‫وصححه األلباين يف «الصحيحة» (‪.)1585‬‬ ‫َ‬

‫ـ ‪ 70‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫مرت يف ذكر أصول اإليمان مجتمعة لم يذكر‬ ‫وجميع هذه اآليات ا َلتي َ‬ ‫ٌ‬ ‫داخل يف اإليمان باهلل‬ ‫فيها اإليمان بالقدر‪ ،‬وهو‬ ‫بقدرة اهلل‬

‫؛ َ‬ ‫ألن اإليمان بالقدر‪ ،‬إيما ٌن‬

‫خاص ٌة بتقريره كقوله ـ سبحانه وتعاىل ـ‪:‬‬ ‫‪ ،‬وقد جاءت آي ٌ‬ ‫ات كثير ٌة َ‬

‫﴿ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ﴾ [´‪ ،]49 :‬وقوله‪﴿ :‬ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ‬ ‫ﮫ﴾ [\‪ ،]Ö‬وقوله‪﴿ :‬ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ﴾ [‪ ،]40 :p‬وقوله‪﴿ :‬ﭠ‬

‫ﭡ ﭢ﴾ [‪ ،]23 :Ì‬وقوله‪﴿ :‬ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ﴾ [^‪،]20 :‬‬ ‫واآليات يف هذا المعنى كثير ٌة‪.‬‬ ‫والقرآن ـ كما أشرت ـ جاء فيه ٌ‬ ‫تبيان لهذه األصول إجماال وتفصيّل؛ ولهذا‬ ‫عندما تقرأ القرآن تجد آي ٍ‬ ‫ات كثيرة تتع َلق باإليمان باهلل وذكر أسمائه وصفاته‬ ‫وعظمته وأفعاله‪ ،‬و ٍ‬ ‫آيات كثيرة تتع َلق باإليمان بالمّلئكة وأوصافهم وأعمالهم‬ ‫ٍ‬ ‫ووظائفهم‪ ،‬و ٍ‬ ‫وآيات كثيرة تتع َلق‬ ‫آيات كثيرة تتع َلق باإليمان بالكتب المن َزلة‪،‬‬ ‫باألنبياء وقصصهم وأخبارهم‪ ،‬و ٍ‬ ‫آيات كثيرة يف وصف اليوم اآلخر وذكر أسمائه‬ ‫وعّلماته وأوصافه وأهواله‪ ،‬و ٍ‬ ‫آيات كثيرة تتع َلق باإليمان بالقدر؛ ولهذا ال تكاد‬ ‫تقرأ يف القرآن آية َإال وفيها ما يتع َلق هبذه األصول العظيمة ا َلتي يقوم عليها دين‬ ‫اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪.‬‬ ‫مما يبين لنا مكانة هذه األصول‪ ،‬وعظم شأنها‪ ،‬ورفعة مكانتها‪،‬‬ ‫وهذا ك ُّله َ‬ ‫أساس يقوم عليه دين اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪ ،‬ويف دديث جربيل المشهور‬ ‫وأ َنها‬ ‫ٌ‬ ‫بي‬ ‫لما سأل جربيل‬ ‫ـ دديث عمر بن الخ َطاب‬ ‫ـ َ‬ ‫النَ َ‬ ‫فقال‪« :‬أخربين عن اإليمان»؟ قال‪« :‬أ ْن ت ْؤمن باهلل‪ ،‬ومالئكته‪ ،‬وكتبه‪ ،‬ورسله‪،‬‬

‫عن اإليمان‪،‬‬

‫ـ ‪ 71‬ـ‬


‫والي ْوم اآلخر‪ ،‬وت ْؤمن بالقدر خ ْيره وشره»(‪ ،)1‬فذكر ـ صلوات اهلل وسّلمه عليه ـ‬ ‫أصول اإليمان الس َتة ا َلتي يقوم عليها دين اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪.‬‬ ‫السنَة أداديث كثير ٌة جدا تتع َلق بال َتعريف باهلل‬ ‫ويف ُّ‬

‫‪ ،‬وذكر أسمائه‬

‫وأوصافه‪ ،‬وعظمته ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ‪ ،‬وأداديث كثير ٌة تتع َلق بالمّلئكة وذكر‬ ‫أوصافهم وأعمالهم وأخبارهم ووظائفهم‪ ،‬وأداديث كثير ٌة تتع َلق بذكر الكتب‪،‬‬ ‫وذكر األنبياء ـ عليهم صلوات اهلل وسّلمه ـ‪ ،‬وأداديث كثير ٌة يف وصف اليوم‬ ‫اآلخر وأهوال يوم القيامة وأوصاف الجنَة والنَار‪ ،‬وأداديث كثير ٌة يف ذكر‬ ‫فالسنَة مليئ ٌة باألداديث ا َلتي تبين هذه األصول‬ ‫تفاصيل تتع َلق باإليمان بالقدر؛ ُّ‬ ‫العظيمة واألسس المتينة ا َلتي يقوم عليها دين اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪.‬‬ ‫وأصل هذه األصول اإليمان باهلل‬

‫‪ ،‬وبق َية األصول تب ٌع له وفر ٌع عنه‪،‬‬

‫وانظر تبع َية هذه األصول لهذا األصل يف مثل قوله تعالى‪﴿ :‬ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ‬ ‫ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ‬

‫ٌ‬ ‫أصول تابع ٌة لإليمان باهلل‬ ‫ﯕ﴾‪ ،‬قال‪﴿ :‬ﮣ ﮤ ﮥ﴾ فهي‬ ‫أصل أصول اإليمان وأعظمها‪.‬‬ ‫واإليمان باهلل هو اإليمان بوددان َية اهلل ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ يف ربوب َيته‪،‬‬ ‫وألوه َيته‪ ،‬وأسمائه وصفاته؛ وهبذا يعلم َ‬ ‫أن اإليمان باهلل ـ تبارك وتعالى ـ يقوم‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ثّلثة‪ ،‬ال يكون العبد مؤمنا باهلل َإال باإليمان هبا وتحقيقها‪:‬‬ ‫أركان‬ ‫على‬ ‫‪‬‬

‫الركن األول‪ :‬اإليمان بوددان َية اهلل‬

‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪.)8‬‬

‫ـ ‪ 72‬ـ‬

‫تفرده‬ ‫يف ربوب َيته؛ باعتقاد ُّ‬


‫وتصرفا وتدبيرا وإدياء وإماتة‪،‬‬ ‫بالربوب َية ال شريك له‪ ،‬خلقا ورزقا‬ ‫ُّ‬ ‫ـ سبحانه وتعاىل ـ ُّ‬ ‫وأن األمر ك َله بيده‪َ ،‬‬ ‫َ‬ ‫وأن الخلق ك َلهم طوع تدبيره وتسخيره ـ تبارك وتعالى ـ‪ ،‬فاهلل‬ ‫رب العالمين‪ ،‬وخالقهم أجمعين‪ ،‬ومالكهم ال شريك له‪ ،‬والمتصرف فيهم‪،‬‬ ‫سبحانه ُّ‬ ‫المدبر لشؤوهنم؛ عطاء ومنعا‪ ،‬خفضا ورفعا‪ ،‬قبضا وبسطا‪ ،‬عزا وذال‪ ،‬دياة وموتا‪،‬‬ ‫األمر أمره ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ والخلق خلقه‪ ،‬يحكم فيهم بما يريد‪ ،‬ويقضي فيهم بما‬ ‫يشاء‪ ،‬ال معقب لحكمه‪ ،‬وال را َد لقضائه‪ ،‬ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ ﴿ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ‬ ‫ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﮛﮜ ﮝ ﮞ ﮟ‬

‫ﮠﮡ﴾ [_‪﴿ ،]26 :‬ﯸﯹﯺﯻﯼﯽ﴾ [ﮯ‪.]3 :‬‬ ‫‪ ‬الركن الثاين‪ :‬اإليمان بوددان َية اهلل‬

‫يف أسمائه وصفاته‪ ،‬وأ َنه ـ تبارك‬

‫وتعالى ـ له األسماء الحسنى والصفات العّل‪ ،‬قال اهلل تعالى‪﴿ :‬ﭳ ﭴ ﭵ‬

‫ﭶ ﭷ﴾ [‪ ،]180 :c‬قال ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏﮐ ﮑ ﮒﮓ‬ ‫ﮔ ﮕ ﮖ﴾ [‪ ،]110 :m‬وقال ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ‬ ‫ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ‬ ‫ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ‬ ‫ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ‬

‫ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ﴾ [\‪.]º‬‬ ‫والقرآن الكريم مشتم ٌل على ال َتعريف بالمعبود‬

‫‪ ،‬وبعظمته وبأسمائه‬

‫وصفاته وأفعاله ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ‪ ،‬فمن أركان اإليمان به‪ :‬اإليمان بأسمائه‬ ‫ٍ‬ ‫تكييف وال تمثي ٍل وال‬ ‫وصفاته؛ بأن نثبتها كما جاءت‪ ،‬ونم َرها كما وردت‪ ،‬بّل‬ ‫ـ ‪ 73‬ـ‬


‫ٍ‬ ‫تحريف وال تعطي ٍل‪ ،‬وننفي عن اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ ما نفاه عن نفسه وما نفاه‬ ‫عنه رسوله ـ صلوات اهلل وسّلمه وبركاته عليه ـ‪ ،‬ال نتجاوز يف هذا الباب كتاب‬ ‫اهلل وسنَة رسوله ـ صلوات اهلل وسّلمه وبركاته عليه ـ‪ ،‬ويف هذا يقول اإلمام‬ ‫بجل أدمد بن دنبل‬ ‫الم َ‬ ‫رسوله‬

‫‪« :‬نصف اهلل بما وصف به نفسه‪ ،‬وما وصفه به‬

‫؛ ال نتجاوز القرآن والحديث»(‪.)1‬‬

‫ومن ال يؤمن بأسمائه وصفاته ليس مؤمنا باهلل‪ ،‬وكيف يكون مؤمنا باهلل‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫من يجحد أسماءه ولو واددا منها؟! َ‬ ‫واددة‬ ‫صفة‬ ‫وادد من أسمائه أو‬ ‫فإن جحد‬ ‫من صفاته كف ٌر به‪ ،‬وانظر شاهد ذلك يف قوله ـ سبحانه وتعاىل ـ عن الك َفار‪:‬‬ ‫﴿ﭨ ﭩ ﭪﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ﴾ [‪:i‬‬ ‫سمى‬ ‫‪]30‬؛ ف َ‬

‫الردمن» كفرا‪ ،‬وكيف يكون‬ ‫جحدهم اسمه ـ تبارك وتعالى ـ « َ‬

‫مؤمنا باهلل من ال يؤمن بأسمائه وال يؤمن بصفاته الواردة يف كتابه ويف سنَة رسوله‬ ‫ـ صلوات اهلل وسّلمه وبركاته عليه ـ؟‬ ‫‪‬‬

‫الركن الثالث من أركان اإليمان باهلل‪ :‬اإليمان بوددان َية اهلل‬

‫يف‬

‫ألوه َيته‪ ،‬كما قال اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ‪﴿ :‬ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ﴾‬ ‫[‪ ،]5 :á‬وكما قال ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ﴾ [`‪:‬‬ ‫‪ ،]36‬وكما قال ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ‬ ‫ﭽ ﭾ﴾ [‪ ،]36 :l‬وكما قال ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ‬ ‫ﮛ ﮜ﴾[‪ ،]23 :m‬وكما قال ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ على لسان إبراهيم‬ ‫(‪ )1‬انظر‪« :‬مجموع الفتاوى» (‪.)26 /5‬‬

‫ـ ‪ 74‬ـ‬

‫‪﴿ :‬ﮆ ﮇ‬


‫ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ﴾ [\¨]؛ واآليات يف هذا المعنى كثير ٌة‪.‬‬ ‫واإليمان بوددان َية اهلل‬

‫يف ألوه َيته يكون باالعتقاد بأ َنه المعبود بحق‪،‬‬

‫وال معبود بحق سواه‪ ،‬وإخّلص الدين له وإفراده ودده بالعبادة؛ بأن يفرد العبد‬ ‫ر َبه‬

‫والسجود َ‬ ‫ُّ‬ ‫والذبح والنَذر‪ ،‬وغير‬ ‫والركوع ُّ‬ ‫بالذل والخضوع واالنكسار ُّ‬

‫ذلك من العبادات‪ ،‬وهو مدلول «ال إله َإال اهلل»؛ فّل يدعو َإال اهلل‪ ،‬وال يستغيث‬ ‫َإال باهلل‪ ،‬وال يتو َكل َإال على اهلل‪ ،‬وال يذبح َإال هلل‪ ،‬وال ينذر َإال هلل ـ تبارك وتعالى‬ ‫ـ‪ ،‬وال يمدُّ يديه يف دعائه َإال هلل‪ ،‬فا َلذي يمدُّ يديه ويدعو «مدد يا رسول اهلل!» أو‪:‬‬ ‫«مدد يا فّلن!» ما عرف دقيقة اإليمان باهلل‬

‫‪ ،‬وال عرف دقيقة ما دعت إليه‬

‫رسل اهلل ـ صلوات اهلل وسّلمه وبركاته عليهم أجمعين ـ‪﴿ ،‬ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ‬

‫ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ﴾ [\‪،]b‬‬ ‫والسّلم ـ‬ ‫والسّلم ـ‪ ،‬وأمضى دياته ـ عليه َ‬ ‫هبذا ال َتوديد أمر ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫اسأل اهلل‪ ،‬وإذا ْاستعنْت‬ ‫يف الدَ عوة إلى هذا ال َتوديد وهذا اإلخّلص‪« ،‬إذا سأ ْلت ف ْ‬ ‫ت على أ ْن ينْفعوك بش ْيء ل ْم ينْفعوك إل‬ ‫اجتمع ْ‬ ‫استع ْن باهلل‪ ،‬وا ْعل ْم أن األمة لو ْ‬ ‫ف ْ‬ ‫اجتمعوا على أ ْن يْروك بش ْيء ل ْم يْروك إل بش ْيء‬ ‫بش ْيء قدْ كتبه اهلل لك‪ ،‬ولو ْ‬ ‫ت الصحف»(‪.)1‬‬ ‫قدْ كتبه اهلل عل ْيك‪ ،‬رفعت األ ْقالم وجف ْ‬ ‫فهذا هو اإليمان باهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪ ،‬وهو يقوم على هذه األركان ال َثّلثة‪،‬‬ ‫ودين اإلسّلم سمي توديدا؛ َ‬ ‫ألن مبناه على اإليمان بوددان َية اهلل يف ربوب َيته‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أدمد (‪ ،)2763‬والرتمذي (‪ )2516‬عن ابن عباس‬ ‫الجامع» (‪.)7956‬‬

‫ـ ‪ 75‬ـ‬

‫وصححه األلباين يف «صحيح‬ ‫؛‬ ‫َ‬


‫وأسمائه وصفاته وألوه َيته‪ ،‬وال يكون مؤمنا باهلل َإال من آمن هبا ود َقق ما د َلت‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وإخّلص هلل ـ تبارك وتعالىـ‪.‬‬ ‫توديد‬ ‫عليه وما اقتضته من‬ ‫‪‬‬

‫خلق‬ ‫‪ ‬األصل الثاين من أصول اإليمان‪ :‬اإليمان بالمالئكة؛ والمّلئكة ٌ‬ ‫من خلق اهلل‬

‫‪ ،‬وجندٌ من جنوده‪ ،‬ال يعصون اهلل ـ تبارك وتعالى ـ ما أمرهم‬

‫ويفعلون ما يؤمرون‪ ،‬ال يعلم عدَ تهم َإال ا َلذي خلقهم ـ تبارك وتعالى ـ‪.‬‬ ‫والمطلوب منَا يف باب اإليمان بالمّلئكة أن نؤمن بالمّلئكة إجماال فيما‬ ‫أجمل‪ ،‬وتفصيّل فيما فصل‪ ،‬سوا ٌء يف األسماء أو األعداد أو األوصاف أو‬ ‫الوظائف‪.‬‬ ‫فمثال‪ :‬أسماء المالئكة؛ لم يذكر يف النُّصوص َإال أسماء بعضهم‪ ،‬مثل‪:‬‬ ‫‪ً ‬‬ ‫جربيل‪ ،‬وميكائيل‪ ،‬وإسرافيل‪ ،‬ومالك‪ ،‬ومنكر ونكير‪ ،‬فهذه األسماء ال َتفصيل َية ا َلتي‬ ‫السنَة نؤمن هبا تفصيّل كما وردت‪ ،‬وما لم يأت من‬ ‫وردت يف الكتاب أو وردت يف ُّ‬ ‫أسمائهم تفصيّل نؤمن به إجماال‪ ،‬فنؤمن َ‬ ‫أن هلل‬

‫مّلئكة‪ ،‬ولهم أسما ٌء اهلل أعلم‬

‫هبا‪ ،‬كذلك األسماء ا َلتي تشمل المّلئكة ك َلهم‪ ،‬مثل‪ :‬المالئكة‪ ،‬والكرام البررة‪،‬‬ ‫رسل اهلل‪ ،‬السفرة‪ ،‬ف ُّ‬ ‫كل ما جاء تفصيّل عن المّلئكة فيما يتع َلق بأسمائهم نؤمن به‪.‬‬ ‫‪ ‬وأوصاف المالئكة؛ نؤمن تفصيّل بما جاءت به النُّصوص مفصلة يف‬ ‫ذكر أوصاف المّلئكة‪ ،‬وما لم يأت من ال َتفاصيل يف أوصافهم نؤمن به إجماال‬ ‫ٍ‬ ‫كتاب وال سنَ ٍة‪ ،‬ولهذا ال يجوز‬ ‫وال نخوض يف تفاصيل ال دليل عليها من‬ ‫ٍ‬ ‫غيب‪ ،‬ووسيلتنا يف‬ ‫لإلنسان أن يصف المّلئكة بأي وصف َإال بدلي ٍل؛ أل َنهم ٌ‬ ‫ـ ‪ 76‬ـ‬


‫معرفة هذا الغيب من خّلل الودي‪ ،‬فما جاء يف الودي من ال َتفاصيل نؤمن به‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫شيء ال علم لنا به‪﴿ ،‬ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﯶ ﯷ‬ ‫وما لم يأت ال نخوض يف‬ ‫ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ﴾ [‪.]36 :m‬‬ ‫الصحيح‬ ‫‪ ‬ومن أوصاف المّلئكة على وجه ال َتفصيل ما جاء يف الحديث َ‬ ‫عن نبينا‬

‫أ َنه قال‪« :‬أذن لي أ ْن أحدث ع ْن ملك م ْن مالئكة اهلل م ْن حملة‬

‫الع ْرش‪ ،‬إن ما ب ْين ش ْحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة س ْبعمائة عام»(‪ ،)1‬وهذا فيه إثبات‬ ‫العاتق‪ ،‬واألذن وشحمة األذن‪ ،‬وعظم الخلق‪ ،‬فلو َ‬ ‫أن طيرا طار من عاتق الملك‬ ‫م َتجها إلى شحمة أذنه الدتاج إلى سبعمائة سنة طيران د َتى يصل إليها‪ ،‬وأ َما‬ ‫بالنسبة لنا فالمسافة بين العاتق وشحمة األذن قصير ٌة جدَ ا ال تكفي أن يقف‬ ‫ال َطير مج َرد وقوف‪.‬‬ ‫‪ ‬ومن أوصافهم أ َنهم خلقوا من نور‪ ،‬كما يف الحديث عن النَبي‬

‫أ َنه‬

‫قال‪« :‬خلقت المالئكة م ْن نور»(‪َ ،)2‬‬ ‫وأن لهم أجنحة‪ ،‬قال اهلل تعالى‪ ﴿ :‬ﮤ‬ ‫ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ﴾ [ﮯ‪ ،]1 :‬وقال عبد اهلل‬ ‫ابن مسعود‪« :‬رأى رسول اهلل‬

‫جبريل في صورته وله س ُّتمائة جناحٍ ‪ ،‬ك ُّل جناحٍ‬

‫منها قد سدَ األفق‪ ،‬يسقط من جناده من التَهاويل والدُّ ر والياقوت ما اهلل به‬ ‫أوصاف عظيم ٌة ُّ‬ ‫تدل على عظمة هذه المخلوقات‬ ‫خلق عظيم لهم‬ ‫ٌ‬ ‫يم»(‪ ،)3‬فهم ٌ‬ ‫عل ٌ‬ ‫وقوتها وكبر أجسامها‪.‬‬ ‫َ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أبو داود (‪ )4727‬عن جابر بن عبد اهلل‬ ‫(‪ )2‬أخرجه مسلم (‪ )2996‬عن عائشة‬

‫وصححه األلباين يف «الصحيحة» (‪.)151‬‬ ‫؛‬ ‫َ‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )3‬أخرجه أدمد (‪ .)3748‬وله شواهد انظرها يف «الصحيحة» (‪.)1415/7‬‬

‫ـ ‪ 77‬ـ‬


‫‪ ‬وأعداد المالئكة إجماال نؤمن َ‬ ‫بأن عددهم ال يحصيه َإال ا َلذي خلقهم‬ ‫ومما ُّ‬ ‫يدل على هذه الكثرة العظيمة‬ ‫﴿ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ﴾ [‪َ ،]31 :É‬‬ ‫والسّلم ـ ديث قال‪« :‬ثم رفع لي‬ ‫قصة اإلسراء بالنَبي ـ عليه َ‬ ‫للمّلئكة َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫الب ْيت الم ْعمور‪ ،‬فق ْلت‪ :‬يا ج ْبريل ما هذا؟ قال‪ :‬هذا الب ْيت الم ْعمور يدْ خله كل‬ ‫ي ْوم س ْبعون أ ْلف ملك‪ ،‬إذا خرجوا منْه ل ْم يعودوا فيه آخر ما عل ْيه ْم»(‪ ،)1‬وقال‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬أطت السماء‪ ،‬وحق لها أ ْن تئط؛ ما فيها م ْوضع أ ْربع‬ ‫ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫(‪)2‬‬ ‫مما يدُّ ُّل على كثرة المّلئكة‪.‬‬ ‫أصابع إل وملك واضع ج ْبهته ساجدً ا لله» ‪ ،‬فهذا َ‬

‫وتفصيّل نؤمن باألعداد المتعلقة بالمّلئكة على ال َتفصيل كما وردت؛‬ ‫كقول اهلل سبحانه‪﴿ :‬ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ﴾ [‪ ،]17 :Ä‬وقول النَبي‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬ي ْؤتى بجهنم ي ْومئذ لها س ْبعون أ ْلف زمام‪ ،‬مع كل زمام‬ ‫ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫س ْبعون أ ْلف ملك يجرونها»(‪.)3‬‬ ‫وعبا ٌد مكرمون‪،‬‬

‫‪ ‬ووظائف المالئكة وأعمالهم؛ إجماال هم جندٌ هلل‬

‫أتم قيا ٍم‪ ،‬ليس فيهم من يعصي‬ ‫قائم بما يأمره اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ به َ‬ ‫وكل منهم ٌ‬ ‫اهلل يف أمره ﴿ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ﴾ [‪.]6 :Á‬‬ ‫والسنَة؛ فمن‬ ‫وتفصيّل نؤمن بوظائفهم ا َلتي جاء تبيانها يف الكتاب‬ ‫ُّ‬ ‫المّلئكة من هو موك ٌ‬ ‫ول بالودي ﴿ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)3207‬ومسلم (‪ )164‬عن مالك بن صعصعة‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )2‬أخرجه أدمد (‪ ،)21516‬والرتمذي (‪ ،)2312‬وابن ماجه (‪ ،)4190‬عن أبي ذر‬ ‫وصححه األلباين يف «الصحيحة» (‪.)1722‬‬ ‫(‪ )3‬أخرجه مسلم (‪ )2842‬عن ابن مسعود‬

‫‪.‬‬

‫ـ ‪ 78‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫ﮡ﴾ [\‪ ،]v‬ومنهم من هو موك ٌ‬ ‫ول بقبض األرواح ﴿ﯼ ﯽ ﯾ‬ ‫ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ﴾ [|‪ ،]11:‬ومنهم من هو موك ٌ‬ ‫ول بحفظ العبد ﴿ﮠ‬ ‫ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ﴾ [‪ ،]11 :i‬ومنهم من هو‬ ‫ٌ‬ ‫موكول بالكتابة ﴿ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ﴾ [\‪﴿ ،]Ñ‬ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ‬ ‫ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ﴾ [‪ ،]18 :°‬ومنهم من هو موكول بالقطر؛ إلى غير ذلك من‬ ‫وظائف للمّلئكة ا َلتي جاء تفصيلها يف كتاب اهلل وسنَة نبيه ـ صلوات اهلل وسّلمه‬ ‫عليه ـ‪ُّ ،‬‬ ‫فكل ذلك نؤمن به‪ ،‬ومن ذلك ـ‪ ،‬أيضا ـ ما جاء يف الحديث قال ـ عليه‬ ‫اجتمع ق ْوم في ب ْيت م ْن بيوت اهلل‪ ،‬يتْلون كتاب اهلل‪،‬‬ ‫الصّلة‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬ما ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ت عل ْيهم السكينة‪ ،‬وغشيتْهم الر ْحمة‪ ،‬وحفتْهم‬ ‫ويتدارسونه ب ْينه ْم‪ ،‬إل نزل ْ‬ ‫(‪)1‬‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬م ْن سلك‬ ‫المالئكة‪ ،‬وذكرهم اهلل فيم ْن عنْده» ‪ ،‬وقال ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬

‫طري ًقا ي ْلتمس فيه ع ْل ًما سهل اهلل له طري ًقا إلى الجنة‪ ،‬وإن المالئكة لتْع‬ ‫أ ْجنحتها ر ًضا لطالب الع ْلم»(‪ ،)2‬فطالب العلم يمشي إلى دلقة العلم ويجلس‬ ‫فيها يوميا‪ ،‬وال يرى المّلئكة وهي تضع أجنحتها لطالب العلم‪ ،‬وال يراهم وهم‬ ‫يح ُّفون مجلس العلم بأجنحتهم‪ ،‬لكنَه يؤمن بذلك‪ ،‬وعلى يقين به؛ أل َنه يؤمن‬ ‫بالغيب‪ ،‬وهذا اإليمان له أثره على العبد وله وقعه يف النُّفوس‪ ،‬ديث يستشعر‬ ‫العبد يف طلبه للعلم هذه الكرامة العظيمة‪ ،‬يف شرف طلب العلم‪ ،‬وأ َنه من شرفه‬ ‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪ )2699‬عن أبي هريرة‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )2‬أخرجه أدمد (‪ ،)21715‬وأبو داود (‪ ،)3641‬والرتمذي (‪ ،)2682‬وابن ماجه (‪ ،)223‬عن أبي‬ ‫الدرداء‬

‫‪ ،‬وصححه األلباين يف «صحيح الجامع» (‪.)6297‬‬

‫ـ ‪ 79‬ـ‬


‫َ‬ ‫أن المّلئكة تضع أجنحتها له رضا بما يصنع‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬األصل الثالث من أصول اإليمان‪« :‬اإليمان بالكتب المنزلة»‪ ،‬كما قال‬ ‫اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪﴿ :‬ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ﴾ [§‪ ،]15 :‬أي‪:‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫رسول‪ ،‬وقال ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﭻ ﭼ ﭽ‬ ‫كتاب أنزله اهلل على كل‬ ‫آمنت بكل‬ ‫ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ‬

‫ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ﴾ [`‪:‬‬ ‫‪ ،]136‬وهذه اآلية من اآليات ا َلتي جمعت أصول اإليمان بما فيها اإليمان‬ ‫ٍ‬ ‫بالكتب‪ ،‬وفيها َ‬ ‫كفر باهلل ـ سبحانه‬ ‫أن الكفر بأصول اإليمان أو الكفر بشيء منها ٌ‬ ‫وتعاىل ـ؛ َ‬ ‫سمى عدم اإليمان هبا كفرا‪.‬‬ ‫ألن اهلل ـ تبارك وتعالى ـ َ‬ ‫ٌ‬ ‫واإليمان بالكتب إي ٌ‬ ‫وإيمان تفصيلي فيما فصل؛‬ ‫مان إجمالي فيما أجمل‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ألن الكتب الم َنزلة لم تذكر أسماؤها ك ُّلها‪ ،‬وال ال َتفاصيل ا َلتي فيها‪ ،‬وإ َنما ذكر‬ ‫أسماء بعضها‪ ،‬وذكرت تفاصيل جاءت يف بعضها‪ ،‬فما لم يرد تفصيّل نؤمن به‬ ‫فصّل كما ورد‪.‬‬ ‫فصّل نؤمن به م َ‬ ‫إجماال‪ ،‬وما جاء م َ‬ ‫ومن الكتب المنزلة‪« :‬ال َتوراة» ا َلتي أنزلت على موسى‬ ‫ا َلذي أنزل على عيسى‬

‫‪ ،‬و«اإلنجيل»‬

‫الزبور» ا َلذي أنزل على داود‬ ‫‪ ،‬و« َ‬

‫الصحف» ا َلتي أنزلت على إبراهيم‬ ‫و« ُّ‬

‫‪،‬‬

‫‪ ،‬فهذا ا َلذي جاء تفصيّل نؤمن به‬

‫تفصيّل‪.‬‬ ‫ومن ذلك ما جاء يف قول اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ‬ ‫ـ ‪ 80‬ـ‬


‫ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ﴾ [\‪]Ö‬‬ ‫هذا شي ٌء ٌتفصيلي نؤمن به كما جاء‪﴿ ،‬ﭑ ﭒ ﭓﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ‬ ‫ﭚ ﭛﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ‬ ‫ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ‬

‫ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ﴾ [®‪]29 :‬؛ فهذا ثنا ٌء يف ال َتوراة ا َلتي‬ ‫أنزلها على موسى‬

‫‪ ،‬ويف اإلنجيل ا َلذي أنزله على عيسى‬

‫الصحابة‬ ‫األوصاف العظيمة والنُّعوت الجميلة على َ‬

‫هبذه‬

‫من قبل أن يوجدوا‪.‬‬

‫ومما نؤمن به فيما يتع َلق بال َتفصيل ا َلذي يف هذه الكتب أ َنها ك َلها قائم ٌة‬ ‫َ‬ ‫على ال َتوديد‪ ،‬وأ َنها ك َلها مشتمل ٌة على أصول اإليمان الس َتة‪َ ،‬‬ ‫وأن دعوة األنبياء‬ ‫وادد ٌة‪﴿ ،‬ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴾‬ ‫[‪﴿ ،]36 :l‬ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ‬

‫الرسل؛ ك ُّلهم م َتفقون على هذا األصل‬ ‫ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ﴾ [»‪ ]21 :‬ال ُّنذر‪ُّ :‬‬ ‫﴿ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ﴾‪ ،‬وعلى اإليمان باليوم اآلخر‪﴿ ،‬ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ‬ ‫ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ‬

‫ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ﴾ [‪ ،]71 :¤‬وذكر ما فيه من‬ ‫ٍ‬ ‫جنَ ٍة ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وعقاب‪.‬‬ ‫ودساب‬ ‫وجزاء‬ ‫ونار‬ ‫ومن اإليمان بالكتب‪ :‬أن نعتقد أ َنها ك َلها ودي اهلل وتنزيله ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ‪،‬‬ ‫َ‬ ‫الرسل ب َلغت تلك الكتب وافية البّلغ المبين‪﴿ ،‬ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ﴾‬ ‫وأن ُّ‬ ‫والسعادة والنَجاح‪َ ،‬‬ ‫وأن من‬ ‫[‪ ،]54 :t‬وأ َنها مشتمل ٌة على الهدى والفّلح َ‬ ‫ـ ‪ 81‬ـ‬


‫آمن بتلك الكتب من األمم ا َلتي أنزلت عليهم؛ فقد أفلح وأنجح وسعد يف دنياه‬ ‫وأخراه‪ ،‬ومن لم يؤمن هبا فقد خاب وخسر‪.‬‬ ‫ونؤمن بأ َن القرآن الكريم هو خاتم الكتب الم َنزلة‪ ،‬فّل كتاب بعده‪ ،‬كما َ‬ ‫أن‬ ‫والسّلم ـ خاتم النَبيين فّل نبي بعده‪َ ،‬‬ ‫وأن القرآن الكريم‬ ‫الصّلة‬ ‫نب َينا ـ عليه َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫مصد ٌق لما بين يديه ومهيم ٌن عليه‪ ،‬إلى غير ذلك من األمور ا َلتي تتع َلق هبذا‬ ‫األصل العظيم من أصول اإليمان‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬األصل الرابع من أصول اإليمان‪« :‬اإليمان بالرسل الكرام»‪ ،‬إجماال‬ ‫فيما أجمل‪ ،‬وتفصيّل فيما فصل‪ ،‬واهلل ـ تبارك وتعالى ـ قص علينا خبر ٍ‬ ‫عدد من‬ ‫َ‬ ‫األنبياء‪ ،‬ولم يقصص خبر ٍ‬ ‫عدد آخر منهم‪ ،‬قال تعالى‪﴿ :‬ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ‬ ‫قص اهلل‬ ‫ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ﴾ [‪ ،]78 :¥‬فمنهم من َ‬

‫خبره‪ ،‬ومنهم‬

‫من ذكرهم بأسمائهم‪ ،‬وآخرون من األنبياء ـ وهم عد ٌد ليس بالقليل ـ لم تذكر‬ ‫السنَة‪ ،‬وا َلذين ذكروا بأسمائهم من األنبياء يف القرآن‬ ‫أسماؤهم ال يف القرآن وال يف ُّ‬ ‫الكريم خمس ٌة وعشرون نبيا‪ ،‬لكن هناك أنبياء آخرون ورس ٌل لم تذكر أسماؤهم؛‬ ‫فمن ذكرت أسماؤهم من األنبياء نؤمن هبم تفصيّل‪ ،‬ومن ذكرت تفاصيل دعوتهم‬ ‫وقصة عيسى‪،‬‬ ‫قصة موسى‪َ ،‬‬ ‫وأخبارهم مع أممهم نؤمن هبا تفصيّل كما وردت؛ ك َ‬ ‫ٍ‬ ‫قصة سليمان وغيرهم ـ‬ ‫قصة أ ُّيوب‪ ،‬و َ‬ ‫وقصة صال ٍح‪ ،‬و َ‬ ‫وقصة هود‪َ ،‬‬ ‫وقصة نوحٍ ‪َ ،‬‬ ‫َ‬ ‫فصلة‪ ،‬وبعضهم أكثر تفصيّل من بعض‪،‬‬ ‫مما جاءت أخبارهم م َ‬ ‫السّلم ـ َ‬ ‫عليهم َ‬ ‫ف ُّ‬ ‫كل هذه ال َتفاصيل نؤمن هبا كما جاءت يف كتاب اهلل‬ ‫ـ ‪ 82‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫فصّل كما جاء‪ ،‬وما لم يرد من ذلك‬ ‫السنَة نؤمن به م َ‬ ‫وأيضا ما جاء من ذلك يف ُّ‬ ‫تفصيّل نؤمن به إجماال‪ ،‬ونعتقد أ َنهم أجمعون ب َلغوا البّلغ المبين‪ ،‬وما تركوا خيرا‬ ‫َإال د ُّلوا أممهم عليه‪ ،‬وال شرا َإال د َذروا أممهم منه‪َ ،‬‬ ‫وأن من آمن هبم وا َتبعهم؛ فقد‬ ‫سعد يف دنياه وأخراه‪ ،‬ومن َ‬ ‫كذبهم وكفر هبم؛ فقد خسر الدُّ نيا واآلخرة‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫ونؤمن َ‬ ‫بعض‪﴿ ،‬ﭒ‬ ‫فضل بعض النَبيين على‬ ‫بأن اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ َ‬ ‫ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ﴾ [^‪﴿ ،]253 :‬ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ﴾‬ ‫[‪ ،]55 :m‬فنؤمن هبذا ال َتفاضل بين األنبياء‪ ،‬ونؤمن َ‬ ‫أن أفضل األنبياء هم أولوا‬ ‫ومحمد‬ ‫نوح‪ ،‬وإبراهيم‪ ،‬وموسى‪ ،‬وعيسى‪،‬‬ ‫الرسل‪ ،‬وهم خمس ٌة‪ٌ :‬‬ ‫َ‬ ‫العزم من ُّ‬ ‫ـ صلوات اهلل وسّلمه عليهم أجمعين ـ‪ ،‬جمعهم اهلل يف قوله‪﴿ :‬ﭑ ﭒ ﭓ‬ ‫ﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢ‬

‫ﭣ﴾‪ ،‬ونؤمن َ‬ ‫حمدٌ‬ ‫الرسل هو م َ‬ ‫أن أفضل أولي العزم من ُّ‬ ‫وسيد ولد آدم أجمعين‪ ،‬ونؤمن أ َنه‬

‫خاتم النَبيين‬

‫ختمت به الرساالت‪﴿ ،‬ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ‬

‫وصح عنه‬ ‫ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ﴾ [{‪،]40 :‬‬ ‫َ‬

‫أ َنه‬

‫قال‪« :‬وإنه ل نبي ب ْعدي»(‪ ،)1‬إلى غير ذلك من ال َتفاصيل المتعلقة باإليمان‬ ‫بالرسل الكرام‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬األصل الخامس من أصول اإليمان‪« :‬اإليمان باليوم اآلخر»‪ ،‬واإليمان‬ ‫مما جاء ذكره وتفصيله يف‬ ‫باليوم اآلخر هو اإليمان بكل ما يكون بعد الموت َ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)3455‬ومسلم (‪ )1842‬عن أبي هريرة‬

‫ـ ‪ 83‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫والسنَة‪ ،‬والموت بداية اليوم اآلخر‪ ،‬والقرب َأول منازل اآلخرة‪ ،‬ومن‬ ‫الكتاب‬ ‫ُّ‬ ‫مات قامت قيامته وبدأت ساعته‪.‬‬ ‫فاإليمان باليوم اآلخر هو اإليمان بكل ما يكون بعد الموت‪ ،‬بدءا من فتنة‬ ‫ٍ‬ ‫أمور؛ من البعث والنُّشور‪،‬‬ ‫ثم ما يكون بعد ذلك من‬ ‫القبر وعذابه ونعيمه‪َ ،‬‬ ‫والقيام بين يدي رب العالمين‪ ،‬والحشر‪ ،‬والموازين‪ ،‬والصراط‪ ،‬وتطاير‬ ‫الصحف؛ فآخ ٌذ كتابه باليمين وآخ ٌذ كتابه بالشمال‪ ،‬والجنَة والنَار‪ ،‬وال َتفاصيل‬ ‫ُّ‬ ‫المتعلقة بعذاب النَار‪ ،‬وال َتفاصيل المتعلقة بنعيم الجنَة‪.‬‬ ‫‪ ‬واإليمان باليوم اآلخر على درجت ْين‪:‬‬ ‫مان َإال به‪ ،‬أن يجزم وال يش َك َ‬ ‫‪ 1‬ـ إيمان جازم؛ وهو ا َلذي ال يقبل إي ٌ‬ ‫يوم‬ ‫ثمة ٌ‬ ‫أن َ‬ ‫شك أو ارتاب؛ ال يكون مؤمنا‪ ،‬وال يقبل منه ٌ‬ ‫وعقاب‪ ،‬فمن َ‬ ‫عمل‪.‬‬ ‫دساب‬ ‫آخر فيه‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫‪ 2‬ـ إيمان راسخ؛ وهو اإليمان المتمكن من القلب المتعمق يف النَفس‪،‬‬ ‫ا َلذي يستحضره العبد يف المناسبات ويف األدوال ويف األعمال ويف األمور‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫شيء تذ َكر اإليمان باليوم اآلخر‪ ،‬وتجده يف كل‬ ‫بحيث ك َلما أراد أن يقدم على‬ ‫وقت يستعدُّ ويته َيأ لليوم اآلخر‪ ،‬ولهذا يقول أهل الرفعة وأهل الدَ رجات وأهل‬ ‫الراسخ وأثره عليهم‪﴿ :‬ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ‬ ‫الفوز بالنَعيم مخربين عن هذا اإليمان َ‬

‫ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ﴾ [\‪]²‬؛ َ‬ ‫ألن هذا‬ ‫اإلشفاق والخوف يورث االستعداد وال َته ُّيؤ‪﴿ ،‬ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ‬

‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫جازمة‬ ‫عقيدة‬ ‫ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ﴾ [\‪ ،]Ä‬أي‪ :‬كنت على‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫راسخ بأ َنني سأداسب‪ ،‬وأقف بين يدي اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪ ،‬فأثمر هذا‬ ‫وإيمان‬ ‫ـ ‪ 84‬ـ‬


‫اإليمان استعدادا واه ُّيؤا ليوم المعاد‪.‬‬ ‫ويدخل يف اإليمان باليوم اآلخر‪ :‬اإليمان بأشراطه وعّلماته ا َلتي تكون‬ ‫وعّلمات كربى ﴿ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ‬ ‫عّلمات صغرى‬ ‫بين يديه‪ ،‬وهي‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬

‫ﯾﯿ ﰀ ﰁ ﰂ﴾ [¬‪ ،]18 :‬أي‪ :‬عّلماتها‪.‬‬ ‫‪ ‬األصل السادس من أصول اإليمان‪« :‬اإليمان بالقدر خيره وشره من اهلل‬ ‫ـ تبارك وتعالى ـ»‪ ،‬واإليمان بالقدر إي ٌ‬ ‫مان بعلم اهلل ـ تبارك وتعالى ـ األزلي‬ ‫ٍ‬ ‫شيء علما‪ ،‬وأدصى َ‬ ‫كل‬ ‫السابق بكل ما يكون‪ ،‬وأ َنه ـ تبارك وتعالى ـ أداط بكل‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫شيء عددا‪ ،‬وأ َنه ـ تبارك وتعالى ـ كتب مقادير الخّلئق وأعمالهم قبل خلق‬ ‫السماوات واألرض بخمسين ألف سنة‪ ،‬واإليمان بمشيئة اهلل ‪َ ،‬‬ ‫وأن ما شاء‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫اهلل كان وما لم يشأ لم يكن‪ ،‬واإليمان َ‬ ‫شيء‪ ،‬فاإليمان‬ ‫خالق كل‬ ‫بأن اهلل‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫أربعة‪ ،‬يجمعها هذا البيت‪:‬‬ ‫أركان‬ ‫بالقدر يقوم على‬ ‫ــــــم كتابـــــــة موالنـــــــا مشـــــــيئته وخلقـــــه وهـــــو تكـــــوي ٌن وإيجـــــاد‬ ‫علـ ٌ‬ ‫فهذه األمور األربعة هي مراتب اإليمان بالقدر‪ ،‬وال يكون مؤمنا بالقدر َإال‬ ‫من آمن هبا‪ ،‬وهي‪:‬‬ ‫‪ ‬المرتبة األولى‪ :‬اإليمان بالعلم‪َ ،‬‬ ‫وأن اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ علم أزال ما‬ ‫ٍ‬ ‫شيء علما‪،‬‬ ‫كان‪ ،‬وما سيكون‪ ،‬وما لم يكن أن لو كان كيف يكون‪ ،‬أداط بكل‬ ‫ٍ‬ ‫وأدصى َ‬ ‫شيء عددا‪.‬‬ ‫كل‬

‫‪ ‬المرتبة الثانية‪ :‬اإليمان بالكتابة؛ َ‬ ‫وأن اهلل ـ سبحانه وتعاىل ـ كتب مقادير‬ ‫الخّلئق وأفعال العباد ﴿ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ﴾ [‪ ،]70 :r‬وقد‬ ‫ـ ‪ 85‬ـ‬


‫والسّلم ـ أ َنه قال‪« :‬كتب اهلل مقادير الخالئق‬ ‫جاء يف الحديث عن نبينا ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫ق ْبل أ ْن يخْ لق السماوات واأل ْرض بخ ْمسين أ ْلف سنة»(‪ ،)1‬ويف الحديث اآلخر قال‪:‬‬ ‫ب ما هو‬ ‫ب قال‪ :‬رب وماذا أكْتب؟ قال‪ :‬اكْت ْ‬ ‫«إن أول ما خلق اهلل القلم‪ ،‬فقال له‪ :‬اكْت ْ‬ ‫كائن إلى ي ْوم القيامة»(‪ ،)2‬فجرى القلم بكتابة ما هو كائ ٌن إلى يوم القيامة‪.‬‬ ‫‪ ‬المرتبة الثالثة‪ :‬المشيئة؛ َ‬ ‫أن األمور ك َلها بمشيئة اهلل‪ ،‬ما شاء اهلل كان‪ ،‬وما‬ ‫لم يشأ لم يكن‪﴿ ،‬ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ﴾ [‪ ،]29 :Ð‬فنؤمن‬ ‫بمشيئته النَافذة‪ ،‬وقدرته ـ تبارك وتعالى ـ َ‬ ‫الشاملة‪ ،‬وأ َنه ال يكون يف ملك اهلل َإال ما‬ ‫شاءه اهلل وأراده ـ تبارك وتعالى ـ كونا وقدرا‪.‬‬ ‫‪ ‬المرتبة الرابعة‪ :‬مرتبة الخلق واإليجاد‪َ ،‬‬ ‫وأن اهلل ـ تبارك وتعالى ـ خالق‬ ‫ٍ‬ ‫شيء‪﴿ ،‬ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ﴾ [‪﴿ ،]96 :¢‬ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ﴾‬ ‫كل‬ ‫[‪﴿ ،]62 :¤‬ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ﴾ [[‪.]2 :‬‬ ‫فهذه مراتب اإليمان بالقدر‪ :‬العلم‪ ،‬والكتابة‪ ،‬والمشيئة‪ ،‬واإليجاد‪ ،‬وال‬ ‫يكون اإليمان بالقدر َإال باإليمان هبا‪.‬‬ ‫واإليمان بالقدر وال َتصديق به خيره وشره من اهلل ـ تبارك وتعالى ـ يثمر يف‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫إقبال على اهلل ‪ ،‬وتمام تو ُّك ٍل عليه ـ َ‬ ‫لتجاء‬ ‫جل يف عّله ـ‪ ،‬ودسن ا‬ ‫العبد دسن‬

‫ٍ‬ ‫وسؤال ٍ‬ ‫وتوج ٍه إلى اهلل بأن يثبت العبد‪ ،‬وأن ال يزيغ قلبه وأن يصلحه‪،‬‬ ‫دائم‬ ‫إليه‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫وأن يعيذه؛ َ‬ ‫وآثار مباركة‪،‬‬ ‫ثمار عظيم ٌة‬ ‫ٌ‬ ‫ألن األمر بيده ـ سبحانه وتعاىل ـ؛ فله ٌ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪ )2653‬عن عبد اهلل بن عمرو‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )2‬أخرجه أدمد (‪ ،)22707‬وأبو داود (‪ ،)4700‬والرتمذي (‪ )3319‬عن عبادة بن الصامت‬ ‫الصحيحة»(‪.)133‬‬ ‫وصححه األلباين يف «صحيح أبي داود»؛ انظر « َ‬ ‫َ‬

‫ـ ‪ 86‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫يف جناز ٍة‪ ،‬فأخذ شيئا فجعل ينكت به األرض‪ ،‬فقال‪« :‬ما منْك ْم‬

‫َبي‬ ‫«كان الن ُّ‬ ‫م ْن أحد إل وقدْ كتب م ْقعده من النار‪ ،‬وم ْقعده من الجنة» قالوا‪ :‬يا رسول اهلل‪ ،‬أفّل‬

‫نتَكل على كتابنا‪ ،‬وندع العمل؟ قال‪« :‬ا ْعملوا فكل ميسر لما خلق له‪ ،‬أما م ْن كان‬ ‫م ْن أ ْهل السعادة فييسر لعمل أ ْهل السعادة‪ ،‬وأما م ْن كان م ْن أ ْهل الشقاء فييسر‬ ‫لعمل أ ْهل الشقاوة»‪ ،‬ث َم قرأ‪﴿ :‬ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ﴾ [\‪]Û‬‬ ‫اآلية»(‪ ،)1‬والعبد عليه يف هذا المقام أن يحرص على ما ينفعه من خير الدُّ نيا‬ ‫واآلخرة‪ ،‬وأن يستعين بربه‪ ،‬وأن يتو َكل عليه‪ ،‬وأن يطلب منه المدَ والعون وال َتوفيق‬ ‫احر ْص على ما ينْفعك‪ ،‬و ْاستع ْن باهلل»(‪.)2‬‬ ‫‪ْ «:‬‬

‫بي‬ ‫وال َتسديد‪ ،‬كما قال النَ ُّ‬ ‫الحاصل َ‬ ‫أن هذه األصول العظيمة واألركان المتينة ا َلتي يقوم عليها‬ ‫والرسل‪ ،‬واليوم اآلخر‪،‬‬ ‫اإليمان‪ ،‬وهي‪ :‬اإليمان باهلل‪ ،‬والمّلئكة‪ ،‬والكتب‪ُّ ،‬‬ ‫ٌ‬ ‫أصول يجب على كل مسل ٍم أن يعنى هبا عناية‬ ‫واإليمان بالقدر خيره وشره؛‬ ‫عظيمة مقدَ مة على عنايته بأي ٍ‬ ‫أمر آخر‪ ،‬وأن يجتهد يف ال َتف ُّقه فيها‪ ،‬وزيادة العلم‬ ‫السنَة يف بياهنا‬ ‫والرسوخ‪ ،‬من خّلل مطالعة األد َلة وكّلم أهل العلم من أهل ُّ‬ ‫فيها ُّ‬ ‫وتوضيحها‪.‬‬

‫‪‬‬

‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)4948‬ومسلم (‪ )2647‬عن علي‬ ‫(‪ )2‬أخرجه مسلم (‪ )2664‬عن أبي هريرة‬

‫‪.‬‬

‫ـ ‪ 87‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫ﱠ‬

‫ﱠ‬

‫ﱠ‬

‫ﺍﻟﺪﺭﺱ ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ‬

‫ﱢ‬

‫ﺃﻗﺴﺎﻡ ﺍﻟﺘﻮﺣﻴﺪ ﻭﺃﻗﺴﺎﻡ ﺍﻟﺸﺮﻙ‬

‫‪ ‬ﻗﺎل ‪::‬‬

‫اﻟﺮاﺑﻊ‪ :‬أﻗﺴﺎم اﻟ ﱠﺘﻮﺣﻴﺪ وأﻗﺴﺎم ﱢ‬ ‫اﻟﺸﺮك‪.‬‬ ‫»اﻟﺪﱠ رس ﱠ‬

‫اﻟﺮﺑﻮﺑ ﱠﻴﺔ‪ ،‬وﺗﻮﺣﻴﺪُ اﻷﻟﻮﻫ ﱠﻴﺔ‪ ،‬وﺗﻮﺣﻴﺪُ‬ ‫ُ‬ ‫ﺑﻴﺎن أﻗﺴﺎ ِم اﻟ ﱠﺘﻮﺣﻴﺪ وﻫﻲ ﺛﻼﺛ ٌﺔ‪ :‬ﺗﻮﺣﻴﺪ ﱡ‬

‫واﻟﺼﻔﺎت‪.‬‬ ‫اﻷﺳﻤﺎء ﱢ‬

‫ٍ‬ ‫ﺑﺄن اﷲَ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ اﻟﺨﺎﻟِ ِﻖ ﱢ‬ ‫ﺷﻲء‬ ‫ﻟﻜﻞ‬ ‫اﻟﺮﺑﻮﺑ ﱠﻴﺔ‪ :‬ﻓﻬﻮ اﻹﻳﻤﺎن ﱠ‬ ‫‪ ‬ﱠأﻣﺎ ﺗﻮﺣﻴﺪ ﱡ‬ ‫ٍ‬ ‫واﻟﻤﺘﺼﺮ ِ‬ ‫فﰲ ﱢ‬ ‫َ‬ ‫ﺷﺮﻳﻚ ﻟﻪ ﰲ ذﻟﻚ‪.‬‬ ‫ﺷﻲء ﻻ‬ ‫ﻛﻞ‬ ‫ُ َ ﱢ‬

‫ﺑﺄن اﷲَ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻫﻮ اﻟﻤﻌﺒﻮد ﱟ‬ ‫ﺑﺤﻖ ﻻ‬ ‫وأﻣﺎ ﺗﻮﺣﻴﺪُ اﻷﻟﻮﻫ ﱠﻴﺔ‪ :‬ﻓﻬﻮ اﻹﻳﻤﺎن ﱠ‬ ‫‪ ‬ﱠ‬

‫ﻓﺈن ﻣﻌﻨﺎﻫﺎ‪ :‬ﻻ ﻣﻌﺒﻮ َد ﱞ‬ ‫َ‬ ‫ﺣﻖ ﱠإﻻ اﷲُ‪،‬‬ ‫ﺷﺮﻳﻚ ﻟﻪ ﰲ ذﻟﻚ‪ ،‬وﻫﻮ ﻣﻌﻨﻰ ﻻ إﻟﻪ ﱠإﻻ اﷲُ؛ ﱠ‬ ‫ﻓﺠﻤﻴﻊ اﻟﻌﺒﺎدات ﻣﻦ ﺻﻼةٍ وﺻﻮ ٍم وﻏﻴﺮ ذﻟﻚ ِ‬ ‫إﺧﻼﺻﻬﺎ ﷲ وﺣﺪَ ه‪ ،‬وﻻ‬ ‫ﺐ‬ ‫ُ‬ ‫ﻳﺠ ُ‬ ‫ٍ‬ ‫ﺷﻲء ﻣﻨﻬﺎ ﻟﻐﻴﺮه‪.‬‬ ‫ﺮف‬ ‫ﻳﺠﻮ ُز َﺻ ُ‬

‫واﻟﺼﻔﺎت‪ :‬ﻓﻬﻮ اﻹﻳﻤﺎن ﱢ‬ ‫ﺑﻜﻞ ﻣﺎ ورد ﰲ اﻟﻘﺮآن‬ ‫وأﻣﺎ ﺗﻮﺣﻴﺪ اﻷﺳﻤﺎء‬ ‫ﱢ‬ ‫‪ ‬ﱠ‬ ‫اﻟﺼﺤﻴﺤﺔ ﻣﻦ أﺳﻤﺎء اﷲ وﺻﻔﺎﺗِﻪ‪ ،‬وإﺛﺒﺎﺗﻬﺎ ﷲ وﺣﺪه ﻋﻠﻰ‬ ‫اﻟﻜﺮﻳﻢ أو اﻷﺣﺎدﻳﺚ ﱠ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ﻋﻤﻼ‬ ‫ﺗﻜﻴﻴﻒ وﻻ‬ ‫ﺗﻌﻄﻴﻞ وﻻ‬ ‫ﺤﺮﻳﻒ وﻻ‬ ‫اﻟﻼﺋﻖ ﺑﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺗ‬ ‫ﺗﻤﺜﻴﻞ؛ ً‬ ‫اﻟﻮﺟﻪ ﱠ‬

‫ﺑﻘﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ‪- , + * ) ( ' & % $ # " !﴿ :‬‬

‫‪ ‬‬


‫ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ﴾ [\‪ ،]ï‬وقوله‬

‫‪﴿ :‬ﭡ ﭢ‬

‫ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ﴾ [§‪ ،]11 :‬وقد جعلها بعض أهل العلم نوع ْين‪،‬‬ ‫وأ ْدخل توحيد األسماء والصفات يف توحيد الربوبية‪ ،‬ول مشاحة يف ذلك؛ ألن‬ ‫المقصود واضح يف كال التقسيم ْين»‪.‬‬ ‫‪:n‬‬ ‫‪ ‬يف هذا الدَ رس ٌ‬ ‫بيان لما يتع َلق بأقسام ال َتوديد ال َثّلثة؛ ال َتوديد ا َلذي‬ ‫خلقنا اهلل ـ تبارك وتعالى ـ ألجله وأوجدنا لتحقيقه‪ ،‬وقد د َلت نصوص الكتاب‬ ‫ٍ‬ ‫ثّلثة‪:‬‬ ‫والسنَة باالستقراء وال َتت ُّبع أنَه ينقسم إلى أقسا ٍم‬ ‫ُّ‬ ‫الربوب َية‪.‬‬ ‫‪ 1‬ـ توديد ُّ‬ ‫‪ 2‬ـ توديد األلوه َية‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ وتوديد األسماء والصفات‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫بعض؛ إيمان العبد بربوب َية‬ ‫وهي أقسا ٌم متّلزم ٌة مترابط ٌة ال ينف ُّك بعضها عن‬ ‫اهلل‬

‫وأسمائه ـ تبارك وتعالى ـ وصفاته يستلزم أن يخلص العبادة ك َلها هلل‬

‫‪،‬‬

‫وأن يفرده ـ تبارك وتعالى ـ ودده بالعبادة‪ ،‬وأن ال ي َتخذ معه األنداد ُّ‬ ‫والشركاء‪.‬‬ ‫الربوب َية‪ ،‬وتوديد األسماء والصفات‪،‬‬ ‫وتوديد األلوه َية‬ ‫يتضمن توديد ُّ‬ ‫َ‬ ‫وأشار َ‬ ‫الشيخ‬

‫يف آخر دديثه عن هذه األقسام َ‬ ‫أن من أهل العلم من جعلها‬

‫الربوب َية وتوديد األسماء والصفات قسما واددا‪ ،‬وهو‬ ‫قسمين‪ ،‬فجعل توديد ُّ‬ ‫ال َتوديد العلمي‪ ،‬وتوديد األلوه َية قسما‪ ،‬وهو ال َتوديد العملي‪.‬‬ ‫ولهذا؛ بعض العلماء يقول‪ :‬ال َتوديد قسمان‪:‬‬ ‫الربوب َية وتوديد األسماء والصفات؛ َ‬ ‫ألن‬ ‫‪ 1‬ـ توديدٌ علمي؛ ينتظم توديد ُّ‬ ‫ـ ‪ 89‬ـ‬


‫كّل منهما المطلوب فيه العلم والمعرفة واإلثبات‪.‬‬ ‫‪ 2‬ـ توديدٌ عملي؛ وهو توديد األلوه َية بإفراد اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ‬ ‫بالعبادة‪ ،‬وإخّلص الدين له‪.‬‬ ‫وكل من هذين ال َتوديدين مقصو ٌد للخلق؛ كما ُّ‬ ‫لألول قول اهلل‬ ‫يدل‬ ‫َ‬ ‫سبحانه‪﴿ :‬ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ‬

‫ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ﴾ [‪ ،]12 :À‬ويد ُّل لل َثاين قول اهلل ـ تبارك‬ ‫وتعالى ـ‪﴿ :‬ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ﴾ [‪]56 :±‬؛ يف اآلية األولى‬ ‫خلق ليعلموا‪ ،‬وال َثانية خلق ليعبدوا‪.‬‬ ‫فهذان ال َتوديدان هما مقصود الخلق؛ أن نعلم أسماء ربنا‬

‫وصفاته‪ ،‬وأن‬

‫نعرفه ـ َ‬ ‫تعرف إلى عباده به من أسمائه الحسنى وصفاته العليا‬ ‫جل يف عّله ـ بما َ‬ ‫وأفعاله العظيمة‪ ،‬والنَوع الثاين العملي أن يفرد بالعبادة وأن يخلص الدين له‪.‬‬ ‫مشادة يف ذلك؛ َ‬ ‫الربوب َية واألسماء‬ ‫وال‬ ‫َ‬ ‫ألن من عدَ ال َتوديد قسمين جعل ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫والصفات تحت ٍ‬ ‫وادد وهو العلمي؛ َ‬ ‫ألن المطلوب يف كل منهما هو العلم‪,‬‬ ‫قسم‬ ‫وال َثاين ا َلذي هو توديد األلوه َية توديدٌ عملي‪.‬‬ ‫وهذه األقسام ال َثّلثة لل َتوديد علمت بال َتت ُّبع واالستقراء لكّلم اهلل وكّلم‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫كثيرة من َ‬ ‫الشريعة‬ ‫أمور‬ ‫دج ٌة كما هو شأن‬ ‫رسوله ‪ ،‬وهو استقرا ٌء تام‪ ،‬وهو َ‬ ‫عرفت باالستقراء وال َتت ُّبع لكّلم اهلل وكّلم رسوله ـ صلوات اهلل وسّلمه وبركاته‬ ‫تقسيم شرعي؛ بمعنى أنَه متل َقى من كتاب اهلل وسنَة‬ ‫عليه ـ؛ فهذا ال َتقسيم لل َتوديد‬ ‫ٌ‬ ‫رسوله ـ صلوات اهلل وسّلمه عليه ـ‪،‬‬ ‫ـ ‪ 90‬ـ‬


‫انظر هذه األقسام ـ على سبيل المثال ـ يف سورة الفاتحة‪﴿ :‬ﭖ ﭗ ﭘ‬ ‫الربوب َية‪﴿ ،‬ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴾ توديد‬ ‫ﭙ ﭚ﴾ توديد ُّ‬ ‫األسماء والصفات‪﴿ ،‬ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ﴾ توديد األلوه َية‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫سورة يف القرآن‪﴿ :‬ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ﴾‬ ‫وانظر هذه األقسام يف آخر‬ ‫الربوب َية‪﴿ ،‬ﮅ ﮆ ﮇ﴾ توديد األسماء والصفات‪﴿ ،‬ﮈ‬ ‫توديد ُّ‬

‫ﮉ ﮊ﴾ توديد األلوه َية‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫ثم شرح‬ ‫َ‬ ‫‪‬‬

‫َ‬ ‫كل نو ٍع من هذه األنواع ال َثّلثة شردا مختصرا‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫«أما توحيد الربوبية‪ :‬فهو اإليمان باهلل سبحانه الخالق لكل شيء‬

‫والمتصرف يف كل شيء ل شريك له يف ذلك»؛ هذا النَوع يقال له‪ :‬توديد‬ ‫الربوب َية‪ ،‬وهو أن يثبت العبد ويق َر ويؤمن بربوب َية اهلل‬ ‫ُّ‬

‫للعالمين خلقا ورزقا‬

‫وتصرفا وتدبيرا لشؤون العباد‪ ،‬ال شريك له ـ تبارك وتعالى ـ يف‬ ‫وإدياء وإماتة‬ ‫ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫شيء من ذلك‪.‬‬ ‫وهذا ال يكفي ألن يكون المرء موددا‪ ،‬وال ينجي من عذاب اهلل‬

‫ما لم‬

‫يأت بّلزمه وهو توديد العبادة‪ ،‬بأن يخلص عبادته ودينه هلل ـ تبارك وتعالى ـ‪،‬‬ ‫كما قال اهلل ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ﴾ [‪]5 :á‬؛‬ ‫ولهذا قال اهلل سبحانه عن الك َفار المشركين‪﴿ :‬ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ‬

‫ﭯ﴾ [‪]106 :h‬؛ أي يؤمنون ـ كما قال ابن ع َباس‬ ‫ـ ‪ 91‬ـ‬

‫وغيره ـ باهلل ربا‬


‫خالقا رازقا(‪)1‬؛ َ‬ ‫السماوات‬ ‫ألن المشركين إذا سئلوا‪ :‬من خلقكم؟ من خلق َ‬ ‫واألرض؟ من يرزقكم؟ من ا َلذي يحيي ويميت؟ يف كل ذلك يقولون‪ :‬اهلل؛ فهم‬ ‫الرازق المحيي المميت المدبر‪ ،‬وقوله‪﴿ :‬ﭭ ﭮ‬ ‫الر ُّب الخالق َ‬ ‫يؤمنون بأ َنه َ‬

‫ﭯ﴾ أي‪ :‬مشركون معه غيره يف العبادة‪.‬‬ ‫ومثله قول اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪﴿ :‬ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ﴾‬ ‫خطاب للمشركين الك َفار ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ﴾ أي‪ :‬شركاء‬ ‫[^‪]22 :‬؛ هذا‬ ‫ٌ‬ ‫يف العبادة ﴿ﯟ ﯠ﴾ أنَه ال خالق لكم غير اهلل‬

‫؛ فإقراركم بأ َنه ال خالق‬

‫غير اهلل؛ يستلزم أن تفردوه بالعبادة‪ ،‬وأن ال ت َتخذوا معه األنداد ُّ‬ ‫والشركاء‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬قال‪« :‬وأما توحيد األلوهية‪ :‬فهو اإليمان بأن اهلل سبحانه هو المعبود‬ ‫ٍّ‬ ‫بحق ل شريك له يف ذلك‪ ،‬وهو معنى ل إله إل اهلل؛ فإن معناها‪ :‬ل معبود حق إل‬ ‫اهلل‪ ،‬فجميع العبادات من صالة وصوم وغير ذلك يجب إخالصها هلل وحده‪ ،‬ول‬ ‫يجوز صرف شيء منها لغيره»‪.‬‬ ‫‪:n‬‬ ‫هذا توديد األلوه َية‪ ،‬ويقال له أيضا‪ :‬توديد العبادة‪ ،‬ويقال له‪ :‬ال َتوديد‬ ‫ٍ‬ ‫وادد‪.‬‬ ‫اإلرادي ال َطلبي‪ ،‬ويقال له‪ :‬ال َتوديد العملي؛ ك ُّلها أسماء لمسمى‬ ‫والمراد هبذا ال َتوديد‪ :‬إخّلص الدين هلل؛ بأن ال يدعى َإال اهلل‪ ،‬وال يستغاث‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البيهقي يف «األسماء والصفات» (‪ ،)868‬وأبو نعيم يف «الحلية» (‪ ،)325/6‬والّللكائي يف‬ ‫السنَة والجماعة» (‪.)665‬‬ ‫«شرح أصول اعتقاد أهل ُّ‬

‫ـ ‪ 92‬ـ‬


‫َإال باهلل‪ ،‬وال يتو َكل َإال على اهلل‪ ،‬وال يذبح َإال هلل‪ ،‬وال ينذر َإال هلل‪ ،‬وال يصرف شي ٌء‬ ‫من العبادة َإال له ـ تبارك وتعالى ـ‪ ،‬كما قال ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ‬ ‫ﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥ﴾ [\‪.]b‬‬ ‫بالعبادة‪ ،‬وإخّلص الدين له‪ ،‬والرباءة‬

‫فتوديد األلوه َية هو إفراد اهلل‬

‫من الشرك‪﴿ ،‬ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ﴾ [\¨]‪﴿ ،‬ﭴ ﭵ ﭶ‬ ‫ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴾ [‪﴿ ،]36 :l‬ﮗ ﮘ‬

‫ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ﴾ [`‪﴿ ،]36:‬ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﴾ [‪،]23 :m‬‬ ‫﴿ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ﴾ [‪﴿ ،]5 :á‬ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ﴾ [‪:¤‬‬ ‫‪ ]3‬واآليات يف هذا المعنى كثير ٌة جدا‪.‬‬ ‫فتوديد األلوه َية هو معنى‪« :‬ال إله َإال اهلل» كما أشار َ‬ ‫الشيخ‬

‫؛ ولهذا يقال‬

‫لهذه الكلمة‪« :‬كلمة ال َتوديد» َ‬ ‫ألن مدلولها ال َتوديد وهي كلمته‪ ،‬وال توديد َإال هبا؛‬ ‫بنفي العبود َية عن كل من سوى اهلل‪ ،‬وإثبات العبود َية بكل معانيها هلل ودده؛ ذال‬ ‫وخضوعا وركوعا وسجودا ودعاء ونذرا وذبحا وخوفا ورجاء‪ ،‬إلى غير ذلك‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫شيء منها‪.‬‬ ‫شريك يف‬ ‫فتخلص العبادة ك ُّلها هلل ـ تبارك وتعالى ـ‪ ،‬وال يجعل معه‬ ‫وليست «ال إله َإال اهلل» نافعة قائلها ما لم يحقق مدلولها وهو توديد اهلل؛‬ ‫َ‬ ‫ثم إذا‬ ‫فإن من يقولها بلسانه وينقضها بفعاله ال تنفعه؛ من يقول‪« :‬ال إله َإال اهلل» َ‬ ‫دعا يدعو غير اهلل‪ ،‬ويستغيث بغير اهلل‪ ،‬ويطلب المدد من غير اهلل‪ ،‬ويذبح وينذر‬ ‫لغير اهلل‪ ،‬هذا ال تنفعه «ال إله َإال اهلل»؛ أل َنه لم يحقق ما د َلت عليه من ال َتوديد‪،‬‬ ‫فـ«ال إله َإال اهلل» ليست كلمة ال معنى لها أو لفظة ال مدلول لها‪ ،‬بل هي كلم ٌة‬ ‫ـ ‪ 93‬ـ‬


‫مشتمل ٌة على أجل المعاين‪ ،‬وأفضل المقاصد‪ ،‬وأنبل األهداف‪ ،‬وهو توديد اهلل‬ ‫وإخّلص الدين له ـ تبارك وتعالى ـ‪.‬‬ ‫وقد جاءت النُّصوص َ‬ ‫الشرع َية دا َثة على العناية هبذه الكلمة‪ ،‬والمحافظة‬ ‫الصلوات‪ ،‬وغير‬ ‫الصباح والمساء‪ ،‬وعند النَوم‪ ،‬وأدبار َ‬ ‫عليها‪ ،‬واتخاذها وردا يف َ‬ ‫ذلك‪ُّ ،‬‬ ‫كل ذلك ترسيخا لهذا ال َتوديد؛ وخذ مثاال جميّل مفيدا نافعا ثمينا للغاية؛‬ ‫مرة تردد هذه الكلمة؟ وبماذا تتبعها دسب ما ورد‬ ‫عندما تسلم من صّلتك كم َ‬ ‫ٍ‬ ‫صّلة‪« :‬ل إله إل اهلل‬ ‫والسّلم ـ؟ كان يهلل هب َن دبر كل‬ ‫يف سنَة النَبي ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫و ْحده ل شريك له‪ ،‬له الم ْلك وله الح ْمد وهو على كل ش ْيء قدير‪ ،‬ل ح ْول ول‬ ‫قوة إل باهلل‪ ،‬ل إله إل اهلل ول ن ْعبد إل إياه‪ ،‬له الن ْعمة وله الف ْْل وله الثناء‬ ‫الحسن‪ ،‬ل إله إل اهلل مخْ لصين له الدين ولو كره الكافرون»(‪)1‬؛ ثّلث اهليّل ٍ‬ ‫ت‬ ‫ْ‬ ‫ٍ‬ ‫وتتبع ُّ‬ ‫اهليلة بال َتأكيد على معنى ال إله َإال اهلل وال َتحقيق لمدلولها‪:‬‬ ‫كل‬ ‫‪ ‬فال َتهليلة األولى أتبعت بقوله‪« :‬و ْحده ل شريك له»؛ َ‬ ‫ألن ال إله َإال اهلل‬ ‫ٍ‬ ‫تقوم على ركنين‪ٍ :‬‬ ‫وإثبات؛ النَفي يف قوله «ل إله»‪ ،‬واإلثبات يف قوله «إل‬ ‫نفي‬ ‫اهلل»؛ وهذا هو ال َتوديد؛ فأ َكد النَفي واإلثبات بقوله‪« :‬و ْحده ل شريك له»؛ َ‬ ‫فإن‬ ‫قوله «و ْحده» تأكيدٌ لإلثبات‪ ،‬وقوله «ل شريك له» تأكيدٌ للنَفي‪ ،‬فأتبع «ل إله إل‬ ‫ثم أتبعت برباهين ال َتوديد‪« :‬له الم ْلك‪ ،‬وله‬ ‫اهلل» بتأكيد ال َتوديد ا َلذي د َلت عليه‪َ ،‬‬ ‫تفرد بالملك‬ ‫الح ْمد‪ ،‬وهو على كل ش ْيء قدير»؛ أي‪ :‬أنَه ـ تبارك وتعالى ـ كونه َ‬ ‫ٍ‬ ‫قدير ال شريك له‪ ،‬هذا ٌ‬ ‫دليل على‬ ‫ودده وال َتدبير ودده‪ ،‬وأ َنه على كل شيء ٌ‬ ‫وجوب إفراده بال َتوديد وإخّلص الدين له ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ‪.‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪ )594‬عن عبد اهلل بن الزبير‬

‫‪.‬‬

‫ـ ‪ 94‬ـ‬


‫‪ ‬وال َتهليلة ال َثانية أتبعت بقوله‪« :‬ول ن ْعبد إل إياه»؛ َ‬ ‫فإن قوله‪« :‬ول ن ْعبد‬ ‫إل إياه» هذا معنى ال إله َإال اهلل؛ فعطف عليها معناها ومدلولها اهتماما بمقام‬ ‫هذه الكلمة ومدلولها العظيم‪ ،‬وأ َنها إ َنما تنفع بتحقيق هذا المدلول ال بال َلفظ‬ ‫ثم أتبعت برباهين ال َتوديد‪« :‬له الن ْعمة‪ ،‬وله الف ْْل‪ ،‬وله الثناء الحسن»؛‬ ‫جردا‪َ ،‬‬ ‫م َ‬ ‫تفرد بالفضل ال ندَ له ـ سبحانه وتعالى ـ‪،‬‬ ‫فرد بالنعمة ال شريك له‪َ ،‬‬ ‫أي‪ :‬كما أنَه ت َ‬ ‫وتفرد بال َثناء الحسن والصفات العظيمة واألسماء الحسنى ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ؛ فهذا‬ ‫َ‬ ‫من الدَ الئل والرباهين على وجوب إفراده ودده ـ تبارك وتعالى ـ بالعبادة‪.‬‬ ‫‪ ‬وال َتهليلة ال َثالثة أتبعت بقوله‪« :‬مخْ لصين له الدين» وهذا فيه َ‬ ‫أن كلمة‬ ‫ال َتوديد هي كلمة اإلخّلص؛ إخّلص الدين هلل ﴿ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ‬

‫ﮟ﴾ [‪ ،]5 :á‬فنقول‪ :‬ال إله َإال اهلل بألسنتنا‪ ،‬معتقدين ما د َلت عليه من‬ ‫اإلخّلص بقلوبنا‪ ،‬وبذا نكون من أهلها دقا‪.‬‬

‫ٍ‬ ‫صّلة‬ ‫وأنت ترى يف هذا ال َتهليل ا َلذي يشرع للمسلم أن يردده دبر كل‬

‫استذكارا لـ«ال إله َإال اهلل» ولمدلولها‪ ،‬وال َتأكيد على معناها‪ ،‬وال َتحقيق لما د َلت‬ ‫عليه‪ ،‬ولو أردنا أن نستخلص تعريفا جامعا لمعنى «ال إله َإال اهلل» من هذه‬ ‫ٍ‬ ‫صّلة نقول‪:‬‬ ‫ال َتهليّلت ال َثّلث ا َلتي يشرع لنا أن نقولها دبر كل‬ ‫معنى «ال إله َإال اهلل»‪َ :‬أال نعبد َإال اهلل‪ ،‬ودده ال شريك له‪ ،‬مخلصين له‬ ‫الدين‪ ،‬وهذا من أجمع وأدسن وأوىف ما يكون تعريفا لـ «ال إله َإال اهلل»‪.‬‬ ‫الحاصل؛ أنَه ينبغي أن نعلم َ‬ ‫أن ال َتهليّلت واألذكار َ‬ ‫الشرع َية عموما ما جاءت‬ ‫ٍ‬ ‫أوقات معين ٍة مجرد ٍ‬ ‫إتيان‪ ،‬بل هذه األذكار‬ ‫لتقال مج َرد قو ٍل‪ ،‬أو أ َنها كّل ٌم يؤتى به يف‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫تجديد لتوديد العبد‪ ،‬و ٍ‬ ‫توثيق للعهد مع اهلل ـ تبارك وتعالى ـ بتحقيق‬ ‫عبار ٌة عن‬ ‫ـ ‪ 95‬ـ‬


‫توديده وإخّلص الدين له ـ تبارك وتعالى ـ‪ ،‬فتأيت هذه الكلمات مع المسلم يف‬ ‫تحركاته وتن ُّقّلته‪ ،‬ويف جميع أمره‪ ،‬تجدد عهد‬ ‫صباده ومسائه‪ ،‬ويف صلواته‪ ،‬ويف ُّ‬ ‫ال َتوديد وميثاقه العظيم بأن يخلص العبد دينه هلل‬

‫‪ ،‬وأن يفرد ر َبه ـ تبارك وتعالى ـ‬

‫بالعبادة ُّ‬ ‫والذل والخضوع؛ فّل يدعو َإال اهلل‪ ،‬وال يسأل َإال اهلل‪ ،‬وال يستغيث َإال باهلل‪،‬‬ ‫وال يتو َكل َإال على اهلل‪ ،‬وال يصرف شيئا من العبادة َإال هلل ودده‪.‬‬ ‫ممن لم يعقل هذا المقصد العظيم من يرفع مثّل‬ ‫وقد وجد يف النَاس َ‬ ‫أصبعه قائّل‪« :‬ال إله َإال اهلل» وهو ال يعرف مدلول هذه الكلمة‪ ،‬ولذا تجده بعد‬ ‫السريع بين إتيانه بكلمة‬ ‫قلي ٍل يمدُّ يديه ويقول‪« :‬مدد يا فّلن»!! فهذا ال َتناقض َ‬ ‫ال َتوديد ونقضه لها هبذا الدُّ عاء لغير اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ؛ أل َنه يقولها وال يعي‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وإخّلص هلل بالعبادة‪ ،‬وإفراده ـ َ‬ ‫جل‬ ‫توديد هلل‪،‬‬ ‫معناها‪ ،‬وال يعي ما د َلت عليه من‬ ‫وعّل ـ ُّ‬ ‫والرجاء‪ ،‬والدُّ عاء أعظم أنواع العبادة‪ ،‬بل قال‬ ‫بالذل والخضوع والدُّ عاء َ‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬الدعاء هو العبادة»‪ ،‬وتّل قول اهلل تعالى‪﴿ :‬ﭝ‬ ‫َبي ـ عليه ال َصّلة َ‬ ‫الن ُّ‬ ‫ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ‬

‫ﭪ﴾ [‪.)1(]60 :¥‬‬ ‫ددَ ثني أدد األفاضل وآلمني دديثه فقال‪ :‬سمعت رجّل يف سجوده‬ ‫يقول‪« :‬مدد يا فّلن»!! وقد قرأ يف سورة الفاتحة ﴿ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ﴾‬

‫‪،‬‬

‫وهذه عهدٌ بينه وبين اهلل أن ال يدعو َإال اهلل‪ ،‬وال يستعين َإال باهلل‪ ،‬وال يسأل َإال‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أدمد (‪ ،)18352‬وأبو داود (‪ ،)1479‬والرتمذي (‪ ،)2969‬وابن ماجه (‪،)3828‬‬ ‫وصححه األلباين يف «صحيح أبي داود» (‪.)1329‬‬ ‫َ‬

‫ـ ‪ 96‬ـ‬


‫ثم يف صّلته نفسها وهو ساجدٌ يقول‪ :‬مدد يا فّلن!‬ ‫اهلل‪ ،‬وال يتو َكل َإال على اهلل‪َ ،‬‬ ‫قائم ﴿ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ﴾؟ أي‪ :‬نعبدك‬ ‫أين هذا العهد ا َلذي قاله وهو ٌ‬ ‫الصّلة‬ ‫َبي ـ عليه َ‬ ‫وال نعبد غيرك‪ ،‬ونستعين بك وال نستعين بغيرك‪ ،‬وقد قال الن ُّ‬ ‫والسّلم ـ البن ع َباس‬ ‫َ‬

‫استع ْن باهلل‪،‬‬ ‫اسأل اهلل‪ ،‬وإذا ْاستعنْت ف ْ‬ ‫‪« :‬إذا سأ ْلت ف ْ‬

‫ت على أ ْن ينْفعوك بش ْيء ل ْم ينْفعوك إل بش ْيء قدْ كتبه‬ ‫اجتمع ْ‬ ‫وا ْعل ْم أن األمة ل ْو ْ‬ ‫اجتمعوا على أ ْن يْروك بش ْيء ل ْم يْروك إل بش ْيء قدْ كتبه اهلل‬ ‫اهلل لك‪ ،‬ول ْو ْ‬ ‫ت الصحف»(‪.)1‬‬ ‫عل ْيك‪ ،‬رفعت األ ْقالم وجف ْ‬ ‫فالحاصل َ‬ ‫أن‪« :‬ال إله َإال اهلل» هي كلمة ال َتوديد‪ ،‬وال َتوديد هو مدلول هذه‬ ‫الكلمة‪ ،‬وهي‪ :‬إخّلص الدين هلل‬

‫؛ إفراده ُّ‬ ‫والرجاء‬ ‫بالذل والخضوع والدُّ عاء َ‬

‫والخوف َ‬ ‫والذبح والنَذر وغير ذلك من أنواع العبادة‪ ،‬كما قال َ‬ ‫الشيخ‬

‫‪:‬‬

‫«فجميع العبادات من صالة وصوم وغير ذلك يجب إخالصها هلل وحده‪ ،‬ول‬ ‫يجوز صرف شيء منها لغير اهلل» أي‪َ :‬‬ ‫أن من صرف شيئا منه لغير اهلل‬ ‫الصرف توديده‪ ،‬وأصبح بعمله هذا من المشركين‪ ،‬واهلل‬ ‫هبذا َ‬

‫نقض‬

‫يقول‪﴿ :‬ﮯ‬

‫ﮰﮱﯓﯔ ﯕﯖﯗ ﯘ ﯙﯚﯛﯜﯝ ﯞﯟﯠ‬

‫ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ﴾ [\‪ ،]¤‬قوله ﴿ ﯙ ﯚ﴾؛ «عمل» هنا مفر ٌد‬ ‫مضاف‪ ،‬والمفرد المضاف ـ كما هي القاعدة عند أهل العلم ـ تفيد العموم‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وصدقة‬ ‫صّلة وصيا ٍم ودج‬ ‫﴿ﯙ ﯚ﴾ أي‪ :‬تحبط َن جميع أعمالك؛ من‬ ‫ٍ‬ ‫وسوى غير‬ ‫وبر وصلة وغير ذلك‪ ،‬ك ُّلها تكون باطلة إذا أشرك العبد مع اهلل غيره َ‬ ‫(‪ )1‬سبق تخريجه‪.‬‬

‫ـ ‪ 97‬ـ‬


‫ٍ‬ ‫شيء من دقوقه سبحانه‪ ،‬بأن دعا غير اهلل‪ ،‬أو استغاث بغير اهلل‪ ،‬أو‬ ‫اهلل باهلل يف‬ ‫ذبح لغير اهلل‪ ،‬أو نذر لغير اهلل‪ ،‬أو صرف غير ذلك من العبادات لغير اهلل‪ ،‬واهلل‬ ‫ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ يقول‪﴿ :‬ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ‬ ‫ﯟﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ﴾ [\‪.]b‬‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬قال‬

‫‪« :‬وأما توحيد األسماء والصفات‪ :‬فهو اإليمان بكل ما ورد يف‬

‫القرآن الكريم أو األحاديث الصحيحة من أسماء اهلل وصفاته‪ ،‬وإثباتها هلل وحده‬ ‫على الوجه الالئق به ـ سبحانه وتعالى ـ»‪.‬‬ ‫‪:n‬‬ ‫‪ ‬معنى أن نوحد اهلل بأسمائه وصفاته‪ :‬أن نثبت له ـ تبارك وتعالى ـ‬ ‫األسماء الحسنى والصفات العليا ا َلتي أثبتها لنفسه يف كتابه أو أثبتها له رسوله‬ ‫الّلئق بجّلل اهلل‬ ‫والسّلم ـ يف سنَته على الوجه َ‬ ‫ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬

‫؛ َ‬ ‫ألن إضافة‬

‫هذه األسماء والصفات إلى اهلل تقتضي اختصاصه هبا‪ ،‬على دد قوله ـ تبارك‬ ‫وتعالى ـ‪﴿ :‬ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ﴾ [§‪ ،]11 :‬وقوله‪﴿ :‬ﭚ‬

‫ﭛﭜ ﭝ﴾ [‪ ،]65 :o‬وقوله‪﴿ :‬ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ﴾ [‪،]4 :ï‬‬ ‫وقوله‪﴿ :‬ﭡﭢﭣﭤ﴾ [‪ ،]74 :l‬وقوله‪﴿ :‬ﯛﯜﯝﯞ﴾ [^‪:‬‬ ‫‪]22‬؛ فاهلل ـ سبحانه وتعالى ـ له األسماء الحسنى والصفات العّل‪ ،‬فتثبت كما‬ ‫والسّلم ـ‪ ،‬وال‬ ‫جاءت‪ ،‬ويؤمن هبا كما وردت يف كتاب ربنا وسنَة نبينا ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫نتجاوز يف ذلك القرآن والحديث‪ ،‬كما قال اإلمام أدمد‬ ‫ـ ‪ 98‬ـ‬

‫‪« :‬نصف اهلل بما وصف‬


‫به نفسه‪ ،‬وبما وصفه به رسوله‬

‫‪ ،‬ال نتجاوز القرآن والحديث»(‪.)1‬‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬وقوله‬

‫‪« :‬من غير تحريف‪ ،‬ول تعطيل‪ ،‬ول تكييف‪ ،‬ول تمثيل»؛ هذه‬

‫منها‪َ ،‬‬ ‫أمور أربع ٌة َ‬ ‫دذر َ‬ ‫وأن الواجب أن تثبت األسماء والصفات مع‬ ‫الشيخ‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫شيء من هذه األمور األربعة؛ َ‬ ‫الحذر َ‬ ‫ألن كّل من هذه‬ ‫الشديد من الوقوع يف‬ ‫األمور األربعة يعدُّ إلحادا يف أسماء اهلل‬

‫وصفاته‪ ،‬ور ُّبنا يقول‪ ﴿ :‬ﭳ ﭴ‬

‫ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ﴾ [‪:c‬‬ ‫‪ ،]180‬وهذا اهديدٌ ووعيدٌ لكل من يلحد يف أسماء اهلل أو صفاته ـ تبارك وتعالى ـ‪.‬‬ ‫واإللحاد طر ٌق كثير ٌة وسب ٌل متعدد ٌة‪ ،‬لكنَها يجمعها وصف اإللحاد؛ من‬ ‫تكييف‪ ،‬ومن النَاس من إلحاده‬ ‫تحريف‪ ،‬ومن النَاس من إلحاده‬ ‫النَاس من إلحاده‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫أمور يجب أن يحذر منها أشدَ الحذر‪.‬‬ ‫تمثيل‪ ،‬ومن النَاس من إلحاده‬ ‫تعطيل؛ فهذه ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫تحريف لهذه األسماء والصفات‪،‬‬ ‫قوله‪« :‬من غير تحريف» أي‪ :‬من غير‬ ‫سواء بتحريف األلفاظ أو بتحريف المعاين‪.‬‬

‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫درف‪ ،‬أو بتغيير‬ ‫درف‪ ،‬أو بحذف‬ ‫‪ ‬وتحريف األلفاظ‪ :‬يكون مثّل بزيادة‬ ‫درك ٍة إعراب َي ٍة بحيث يتغ َير المعنى‪.‬‬ ‫‪ ‬وتحريف المعاين‪ :‬يكون بإعطاء ال َلفظ مدلول ٍ‬ ‫لفظ آخر‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫وتكذيب هبا وعدم إثبات؛ َ‬ ‫ألن ال َتعطيل‬ ‫قوله‪« :‬ول تعطيل»‪ :‬أي وال جح ٍد‬

‫هو النَفي‪.‬‬ ‫وقوله‪« :‬ول تكييف» أي‪ :‬وال خو ٍ‬ ‫ض يف معرفة كيف َيتها؛ فّل يقال‪ :‬كيف‬ ‫(‪ )1‬سبق تخريجه‪.‬‬

‫ـ ‪ 99‬ـ‬


‫ٌ‬ ‫سؤال باطل؛ أل َننا أخبرنا‬ ‫استوى؟ كيف ينزل؟ كيف يده؟ كيف سمعه؟ هذا‬ ‫بأسماء اهلل‬

‫وصفاته ولم نخبر بكيف َيتها؛ فنثبت ما أخبرنا به‪ ،‬وال نخوض فيما‬

‫ٌ‬ ‫مالك‬ ‫لم نخبر به‪ ،‬ولهذا اإلمام‬

‫ٌ‬ ‫مجهول»‬ ‫قال‪« :‬االستواء معلو ٌم والكيف‬

‫أي‪ :‬ال نعلمه‪ ،‬ويف رواية قال‪« :‬الكيف غير معقول»‪ :‬أي ال نعقله‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫لشيء من صفات اهلل بصفات المخلوقين؛ كأن‬ ‫قوله‪« :‬ول تمثيلٍ»‪ :‬أي‬ ‫يقال‪« :‬سمع اهلل كسمعنا‪ ،‬أو بصر اهلل كبصرنا» تعالى اهلل وتقدَ س عن ذلك‪ ،‬وهذا‬ ‫كافر‪ ،‬ومن يقول‪َ :‬‬ ‫إن يد معبوده كيده‪ ،‬وسمعه‬ ‫كفر باهلل‪ ،‬والممثل ٌ‬ ‫ال َتمثيل ٌ‬ ‫السلف‪« :‬والممثل يعبد‬ ‫كسمعه‪ ،‬وبصره كبصره هذا ال يعبد اهلل‪ ،‬كما قال بعض َ‬ ‫صنما»(‪ ،)1‬أ َما ر ُّبنا ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ فصفاته تليق به‪ ،‬ليس كمثله شيء‪ ،‬ال سم َي له‬ ‫ٍ‬ ‫شيء من أسمائه وصفاته ـ تبارك وتعالى ـ ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ‬ ‫وال مثيل يف‬ ‫كفر باهلل‬ ‫ﭢ﴾ [‪ ،]4 :ï‬فتمثيل صفات اهلل بصفات المخلوقين هذا ٌ‬ ‫وإلحا ٌد يف أسمائه وصفاته ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬قال‬

‫عمال بقوله تعالى‪ ﴿ :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ‬ ‫‪ً «:‬‬

‫ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ﴾ [\‪ ،]ï‬وقوله‬ ‫‪﴿ :‬ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ﴾ [§‪.»]11 :‬‬ ‫‪:n‬‬ ‫سمى‪« :‬سورة‬ ‫السورة وهي ت َ‬ ‫أي‪ :‬نثبت هذه الصفات عمّل هبذه ُّ‬ ‫(‪ )1‬ذكره شيخ ابن تيمية‬

‫يف «المجموع» (‪.)196/5‬‬

‫ـ ‪ 100‬ـ‬


‫الرب‪ ،‬ولو قال ٌ‬ ‫قائل‪ :‬من هو اهلل؟ فأجاب‬ ‫اإلخّلص»؛ أل َنها أخلصت لبيان صفة َ‬ ‫بالرب‬ ‫السورة لكان الجواب وافيا كافيا يف ال َتعريف َ‬ ‫المجيب بتّلوة هذه ُّ‬

‫‪.‬‬

‫قصة‬ ‫الرب ـ سبحانه وتعالى ـ! كما يف َ‬ ‫فما أعظم شأنها يف بيان صفة َ‬ ‫الصحابي الجليل ا َلذي كان يقرأ يف كل ركعة ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ﴾‪ ،‬وأشكل ذلك‬ ‫َ‬ ‫والسّلم ـ‪ ،‬فقال‪« :‬سلوه‬ ‫الصحابة‪ ،‬فأخربوا النَبي ـ عليه َ‬ ‫على من معه من َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫ب‬ ‫الردمن‪ ،‬وأنا أد ُّ‬ ‫‪« :‬ألنَها صفة َ‬

‫ألي ش ْيء ي ْصنع ذلك؟» فسألوه‪ ،‬فقال‬

‫بذلك قال‪« :‬أ ْخبروه أن اهلل يحبه»(‪ ،)1‬ويف‬

‫َبي‬ ‫أن أقرأ بها»‪َ ،‬‬ ‫فلما أخبر الن ُّ‬ ‫الحديث اآلخر‪« :‬حبك إياها أ ْدخلك الجنة»(‪.)2‬‬

‫وعمّل بقوله تعالى‪﴿ :‬ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ﴾ [§‪]11 :‬‬ ‫السمع والبصر بعد نفيه للمثل َية‪َ ،‬‬ ‫فدل ذلك على َ‬ ‫أن إثبات‬ ‫ديث أثبت سبحانه لنفسه َ‬ ‫الصفات ال يستلزم التَشبيه‪ ،‬فهو سبحانه ال يشبهه شي ٌء ال يف ذاته وال يف صفاته وال‬ ‫يف أفعاله‪.‬‬ ‫‪ ‬وتوديد األسماء والصفات يقوم على ركنين اجتمعا يف هذه اآلية ويف‬ ‫سورة اإلخّلص وهما‪ :‬التنزيه بال تعطيل‪ ،‬واإلثبات بال تمثيل‪ ،‬فمن جحد شيئا‬ ‫من أسماء اهلل وصفاته ونفاها فليس بمؤمن‪ ،‬وكذلك من ك َيفها أو ش َبهها بصفات‬ ‫عما يقول ال َظالمون‪.‬‬ ‫عما يصفون وتعالى اهلل َ‬ ‫المخلوقين‪ ،‬سبحان اهلل َ‬ ‫قال‪« :‬وقد جعلها بعض أهل العلم» أي‪ :‬أقسام ال َتوديد ال َثّلثة «نوع ْين‪،‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)7375‬ومسلم (‪ )813‬عن عائشة‬

‫‪.‬‬

‫الركعة‪ ،‬وأخرجه أدمد (‪،)12512‬‬ ‫السورتين يف َ‬ ‫(‪ )2‬أورده البخاري تعليقا يف باب الجمع بين ُّ‬ ‫والرتمذي (‪ ،)2901‬عن أنس بن مالك‬

‫وصححه األلباين يف «المشكاة» (‪.)2130‬‬ ‫‪،‬‬ ‫َ‬

‫ـ ‪ 101‬ـ‬


‫وأدخل توحيد األسماء والصفات يف توحيد الربوبية» باعتبار َ‬ ‫أن هذين النَوعين‬ ‫كّلهما توديدٌ علمي‪.‬‬ ‫قال‪« :‬ول مشاحة يف ذلك»؛ َ‬ ‫ألن المؤ َدى واددٌ ‪ ،‬و«ألن المقصود واضح‬ ‫يف كال التقسيم ْين»‪.‬‬ ‫أن ال َتوديد ينقسم إلى ثّلثة أقسام؛ فليعلم َ‬ ‫وإذا عرفنا َ‬ ‫أن لكل قس ٍم من‬ ‫هذه األقسام ال َثّلثة ضد ينتفي ال َتوديد بوجوده‪.‬‬ ‫‪ ‬فإذا عرفنا َ‬ ‫والرزق‬ ‫بالربوب َية والخلق َ‬ ‫الربوب َية يعني إفراد اهلل ُّ‬ ‫أن توديد ُّ‬ ‫صرف يف هذا الكون‪ ،‬فضدُّ ذلك أن يثبت ألي من‬ ‫واإلدياء واإلماتة وال َتدبير وال َت ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫ألدد من المخلوقات‬ ‫المخلوقات شي ٌء من خصائص اهلل يف ربوب َيته‪ ،‬كأن يجعل‬ ‫صرف أو ال َتدبير لهذا الكون‪ ،‬فمن وجد منه ذلك نقض‬ ‫شي ٌء من الخلق أو ال َت ُّ‬ ‫ذلك توديده‪ ،‬ويكون كافرا بربوب َية اهلل‬

‫؛ َ‬ ‫ألن المرء ال يكون موددا يف‬

‫بالربوب َية‪ ،‬ولم يجعل معه شريكا فيها‪.‬‬ ‫الربوب َية َإال إذا أفرد اهلل ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫‪ ‬وإذا عرفنا َ‬ ‫قائم على إثبات األسماء‬ ‫أن توديد األسماء والصفات ٌ‬ ‫الحسنى والصفات العليا هلل‪ ،‬ونفي النَقائص والعيوب عن اهلل‪ ،‬وتنزيهه سبحانه‬ ‫ٍ‬ ‫عما ال يليق بجّلله؛ َ‬ ‫مما أثبته اهلل ـ سبحانه‬ ‫فإن ضدَ هذا ال َتوديد‪ :‬جحد شيء َ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫شيء نفاه اهلل ؛ فمن أثبت هلل ما نفاه اهلل عن نفسه‪ ،‬أو نفى‬ ‫وتعالى ـ‪ ،‬أو إثبات‬ ‫عن اهلل ما أثبته اهلل لنفسه؛ فقد وقع فيما يضا ُّد توديد األسماء والصفات‪.‬‬ ‫مثال ٍّ‬ ‫لكل منهما من القرآن‪:‬‬ ‫أضرب ً‬

‫ٍ‬ ‫شيء علما‪،‬‬ ‫‪ ‬فاهلل ـ سبحانه وتعالى ـ أثبت لنفسه العلم‪ ،‬وأ َنه أداط بكل‬

‫السماء‪ ،‬يعلم ما كان‪ ،‬وما سيكون‪،‬‬ ‫وأ َنه ال تخفى عليه خافي ٌة يف األرض وال يف َ‬ ‫ـ ‪ 102‬ـ‬


‫وما لم يكن لو كان كيف يكون؛ فمن ش َك أو جحد أو لم يؤمن أو ارتاب يف هذه‬ ‫الصفة أو يف بعض ما يتع َلق هبا؛ يكون كافرا باهلل سبحانه‪ ،‬قال تعالى‪﴿ :‬ﭰ‬ ‫ﭱﭲﭳﭴﭵﭶ ﭷﭸ ﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀ‬

‫ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ﴾‬ ‫[\¦]؛ هذه العقوبات الواقعة على هؤالء مبناها وسببها ﴿ﭰ ﭱ ﭲ‬

‫ٍ‬ ‫شيء أثبته اهلل‬ ‫ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ﴾ هذا فيه شك يف‬ ‫ٍ‬ ‫علمه‪ ،‬وأ َنه ـ سبحانه وتعالى ـ وسع َ‬ ‫شيء علما‪ ،‬فمن نفى ما أثبته اهلل لنفسه‬ ‫كل‬

‫لنفسه‪ ،‬وهو‪ :‬إداطة‬

‫سمى جحدهم السمه‬ ‫يكفر بذلك‪﴿ ،‬ﭨ ﭩ ﭪ﴾ [‪]30 :i‬؛ َ‬ ‫الردمن» كفرا به‪.‬‬ ‫« َ‬ ‫‪ ‬والمثال اآلخر‪ :‬وهو إثبات ما نفاه اهلل‪ ،‬تقدَ م يف سورة اإلخّلص‪﴿ :‬ﭙ‬ ‫ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ﴾ يقول اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ يف سورة مريم‪﴿ :‬ﮮ‬ ‫؛‬

‫ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ﴾ الخطأ عند هؤالء أ َنهم أثبتوا هلل ما نفاه اهلل عن نفسه‪ ،‬فاهلل‬ ‫تنزه وتقدَ س ـ الولد‪ ،‬قال اهلل‬ ‫َنزه نفسه عن الولد‪ ،‬وهم أثبتوا هلل ـ َ‬

‫‪﴿ :‬ﯔ‬

‫ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ﴾ أي‪ :‬عظيما بالغ الخطورة‪﴿ ،‬ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ‬

‫ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ﴾‪.‬‬ ‫فالخلل يف األسماء والصفات يأتي من جهة إثبات ما نفاه اهلل‪ ،‬أو نفي ما‬ ‫أثبته اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ‪.‬‬ ‫‪ ‬القسم الثالث‪ :‬توديد األلوه َية‪ ،‬وهو إفراد اهلل بالعبادة؛ ويضا ُّد ذلك‪:‬‬ ‫ـ ‪ 103‬ـ‬


‫ٍ‬ ‫شيء من العبادة لغير اهلل‪ ،‬من ذبح لغير اهلل‪ ،‬أو دعا غير اهلل‪ ،‬أو استغاث‬ ‫صرف‬ ‫بغير اهلل‪ ،‬أو نذر لغير اهلل؛ َ‬ ‫فإن ذلك ناق ٌض للتَوديد‪ ،‬بل دينه ك ُّله يبطل بذلك‪ ،‬كما‬ ‫مر معنا يف اآلية الكريمة‪﴿ :‬ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ‬ ‫َ‬

‫ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ﴾ [\‪.]¤‬‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬قال‬

‫‪:‬‬

‫«وأقسام الشرك ثالثة‪ :‬شرك أكبر‪ ،‬وشرك أصغر‪ ،‬وشرك خفي؛ فالشرك‬ ‫األكبر يوجب حبوط العمل والخلود يف النار لم ْن مات عليه‪ ،‬كما قال اهلل تعالى‪:‬‬ ‫﴿ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ﴾ [‪ ،]88 :b‬وقال سبحانه‪﴿ :‬ﮅ ﮆ‬ ‫ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏﮐ ﮑ ﮒ‬

‫ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ﴾ [‪ ،]17 :e‬وأن م ْن مات عليه فل ْن يغفر له‬ ‫والجنة عليه حرام‪ ،‬كما قال اهلل‬

‫‪﴿ :‬ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ‬

‫ﮭ ﮮ﴾ [`‪ ،]48 :‬وقال سبحانه‪ ﴿ :‬ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ‬

‫ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ﴾ [‪.]72 :a‬‬ ‫ومن أنواعه‪ :‬دعاء األموات واألصنام‪ ،‬والستغاثة بهم‪ ،‬والنذر لهم‪،‬‬ ‫والذبح لهم‪ ،‬ونحو ذلك»‪.‬‬ ‫‪:n‬‬ ‫ٍ‬ ‫ثّلثة‪َ ،‬‬ ‫‪ ‬عرفنا َ‬ ‫دل عليها كتاب اهلل وسنَة نبيه‬ ‫أن ال َتوديد ينقسم إلى أقسا ٍم‬ ‫ـ ‪ 104‬ـ‬


‫أن لكل ٍ‬ ‫‪ ،‬وعرفنا أيضا َ‬ ‫قسم من هذه األقسام ضد؛ فإذا كان ال َتوديد ثّلثة‬ ‫أقسا ٍم؛ َ‬ ‫فإن الشرك باعتبار تقسيم ال َتوديد ينقسم إلى ثّلثة أقسام‪ :‬شرك يف‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫وشرك يف األسماء والصفات‪.‬‬ ‫وشرك يف األلوه َية‪،‬‬ ‫الربوب َية‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫وهنا يذكر َ‬ ‫الشيخ‬

‫تقسيما آخر للشرك باعتبار دجمه من ديث الكبر‬

‫الخفي‬ ‫والصغر‪ ،‬وأ َنه ينقسم إلى‪ :‬أكرب‪ ،‬وأصغر‪ ،‬وخفي‪ ،‬كما سيأيت بيانه‪ ،‬وهل‬ ‫ُّ‬ ‫وصف للشرك يف الحالتين؟ ويأيت أيضا بيان سبب تسميته‬ ‫قسم مستقل‪ ،‬أو أنَه‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫هبذا االسم‪« :‬الشرك الخفي»‪.‬‬ ‫والشرك األكرب واألصغر يختلفان من ديث الحدُّ ومن ديث الحكم؛ أ َما‬ ‫ٍ‬ ‫سوى غير اهلل‬ ‫الشرك األكرب‪ :‬فهو تسوية غير اهلل باهلل يف شيء من دقوقه؛ فمن َ‬ ‫ٍ‬ ‫شيء من دقوق اهلل؛ فقد ا َتخذه شريكا وندا مع اهلل‪ ،‬فالشرك‪ :‬هو جعل‬ ‫باهلل يف‬ ‫األنداد مع اهلل‬

‫‪ ،‬ولهذا ذكر اهلل عن الك َفار أنَهم إذا دخلوا النَار يوم القيامة‬

‫يقولون‪﴿ :‬ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ﴾ [\‪ ]v‬فهذا‬ ‫هو الشرك؛ تسوية غير اهلل باهلل‪﴿ :‬ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ‬

‫ﮆ ﮇ﴾ [^‪ ]165 :‬أي‪ :‬مساويا لحب اهلل‪.‬‬ ‫‪ ‬والشرك‪ :‬هو ال َتنديد؛ اتخاذ األنداد ُّ‬ ‫والشركاء مع اهلل‪ ،‬قال اهلل ـ تبارك‬ ‫وتعالى ـ‪ ﴿ :‬ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ﴾ [^‪]22 :‬؛ أي‪ :‬شركاء مع اهلل‪ ،‬تصرفون‬ ‫لهم من العبادة والحقوق ما ليس َإال هلل ـ تبارك وتعالى ـ‪.‬‬ ‫وهو أيضا عدل غير اهلل به‪ ،‬أي‪ :‬تسوية غير اهلل به‪ ،‬وجعله عدال هلل‬

‫‪ ،‬أي‪:‬‬

‫مساويا ومماثّل‪ ،‬كما قال اهلل عن الك َفار‪ ﴿ :‬ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ﴾‬ ‫ـ ‪ 105‬ـ‬


‫سوون غيره به‪ ،‬ويجعلون غيره عدال له‪ ،‬أي‪ :‬مساويا له‪ ،‬هذا‬ ‫[‪ ،]1 :b‬أي‪ :‬ي ُّ‬ ‫هو الشرك األكرب النَاقل من الم َلة‪.‬‬ ‫والواجب على المسلم أن يخاف على نفسه من الشرك خوفا عظيما أشدَ‬ ‫من خوفه من أي ٍ‬ ‫أمر آخر‪ ،‬وأن يكون هذا الخوف موجبا الحيطة والحذر من‬ ‫الوقوع فيه‪ ،‬كما هو َ‬ ‫الشأن فيما يخافه اإلنسان من أمور‪ ،‬فيعمل بسبب خوفه منها‬ ‫على اتقائها‪ ،‬ألست ترى يف بعض النَاس أنَه ي َتخذ لنفسه دمية ينتظم فيها انتظاما‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫محرمة‪ ،‬دمية لبدنه من السمنة‪ ،‬أو من‬ ‫مبادة ليست‬ ‫عديدة‬ ‫ألطعمة‬ ‫دقيقا‬ ‫َ‬ ‫األمراض‪ ،‬أو من الثقل والكسل‪ ،‬وينتظم يف هذه الحمية خوف العاقبة‪ ،‬أليس من‬ ‫ٍ‬ ‫دمية نعنى هبا يف دياتنا‪ :‬الحمية من الشرك!! والحمية‬ ‫الجدير أن تكون أعظم‬ ‫من الوقوع فيه!! واتخاذ األسباب الدَ قيقة جدا ا َلتي تكون ـ بإذن اهلل ـ سببا‬ ‫لسّلمة العبد ووقايته من الوقوع فيه!! أيكون دال المرء أن يعنى عناية دقيقة‬ ‫ضرتها‪ ،‬وال يحمي نفسه من ُّ‬ ‫الذنوب‬ ‫بالحمية من بعض األطعمة ال َطيبة خوف م َ‬ ‫ومعرتها يوم يقف أمام اهلل ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ!! وال يحمي نفسه من‬ ‫خوف عاقبتها‬ ‫َ‬ ‫أعظم ُّ‬ ‫الذنوب ا َلذي هو الشرك باهلل ـ سبحانه وتعالى ـ‪.‬‬ ‫َ‬ ‫إن من يعرف الشرك ويعرف عاقبته الوخيمة يخافه جدا على نفسه؛ يكفي‬ ‫يف ذلك أن تقرأ قول اهلل ـ تبارك وتعالى ـ يف سورة النساء يف موضعين‪﴿ :‬ﮢ ﮣ ﮤ‬

‫ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ﴾ [`‪]116-48 :‬؛ وهذا يف دق من‬ ‫مات على ذلك‪َ ،‬‬ ‫الردمة‪ ،‬وال‬ ‫فإن من مات على الشرك ال مطمع له إطّلقا يف َ‬ ‫نصيب له من المغفرة‪ ،‬ليس له َإال العذاب أبد اآلباد‪ ،‬ويبدأ معه العذاب من‬ ‫ـ ‪ 106‬ـ‬


‫والسّلم ـ‪« :‬م ْن مات‬ ‫لحظة مفارقة روده جسده‪ ،‬كما قال نب ُّينا ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫و ْهو يدْ عو م ْن دون اهلل ندًّ ا؛ دخل النار»(‪ ،)1‬فهذا الدُّ خول للنَار من دين تفارق‬ ‫روده جسده‪ ،‬ولهذا قال العلماء‪َ :‬‬ ‫إن النَار قريب ٌة جدا من المشرك‪ ،‬ليس بينه وبين‬ ‫وأول ما تكون النَار له يف قربه‪ ،‬فيكون‬ ‫النَار َإال أن تفارق روده جسده‪ ،‬فيدخلها‪َ ،‬‬ ‫دفرة من دفر النَار‪ ،‬كما قال اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ عن آل فرعون‪﴿ :‬ﮞ‬

‫الصباح والمساء‪.‬‬ ‫ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ﴾ [‪ ]46 :¥‬أي‪ :‬يف َ‬ ‫وقد قال اهلل ـ تبارك وتعالى ـ يف بيان َ‬ ‫أن من مات على الشرك والكفر ال‬ ‫الردمة والمغفرة‪﴿ :‬ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﴾ أي‪ :‬ليس‬ ‫مطمع له إطّلقا يف َ‬ ‫لهم َإال ذلك يوم القيامة ﴿ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ‬ ‫ﯗﯘ ﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤ‬ ‫ﯥ﴾ أي‪ :‬غير الشرك والكفر ا َلذي كنَا نعمله يف الدُّ نيا ﴿ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ‬

‫ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ﴾ [\ﮯ] أي ال َظالمين‬ ‫أنفسهم بالشرك والكفر باهلل ـ سبحانه وتعالى ـ‪ ،‬كما قال تعالى‪ ﴿ :‬ﭱ ﭲ‬

‫ﭳ ﭴ﴾ [}‪.]13 :‬‬ ‫فمن كانت هذه داله‪ ،‬مشركا كافرا باهلل ـ سبحانه وتعالى ـ ومات على‬ ‫ذلك؛ ليس له يف اآلخرة َإال النَار مخ َلدا فيها أبد اآلباد‪ ،‬د َتى َ‬ ‫إن العذاب ال‬ ‫أئمة‬ ‫يخ َفف عنه ﴿ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ﴾‪ ،‬بل يزيد‪ ،‬ولهذا قال بعض َ‬ ‫إن أشدَ ٍ‬ ‫ال َتفسير‪َ :‬‬ ‫آية على المشركين يوم القيامة وهم يف النَار قول اهلل ـ سبحانه‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ )4497‬عن ابن مسعود‬

‫‪.‬‬

‫ـ ‪ 107‬ـ‬


‫وتعالى ـ‪ ﴿ :‬ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ﴾ [‪ ،)1(]30 :Í‬يطمعون يف ال َتخفيف أو‬ ‫أن يقضى عليهم فيموتوا‪ ،‬أو أن يعادوا إلى الدُّ نيا ليعملوا صالحا غير ا َلذي كانوا‬ ‫يعملونه؛ فيقال لهم‪﴿ :‬ﯳ ﯴ ﯵ ﯶﯷ﴾‪.‬‬ ‫‪ُّ ‬‬ ‫كل ذلك يستوجب الخوف من الشرك‪ ،‬والحذر من الوقوع فيه‪،‬‬ ‫وال ُّلجوء الدَ ائم إلى اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ أن يقي عبده وأن يعيذه من الشرك‬ ‫والكفر والنفاق وال َضّلل؛ وانظر يف هذا الباب ـ باب الخوف من الشرك ـ‬ ‫دعوة إبراهيم الخليل إمام الحنفاء خليل اهلل ـ عليه صلوات اهلل وسّلمه ـ‪ ،‬قال‬ ‫يف دعائه‪ ﴿ :‬ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭶ﴾‬ ‫السلف ـ‬ ‫أئمة َ‬ ‫[\‪ ]j‬قال إبراهيم التَيمي ـ وهو من َ‬ ‫البّلء بعد إبراهيم!!»(‪ ،)2‬إذا كان إبراهيم‬

‫‪« :‬ومن يأمن‬

‫خاف على نفسه‪ ،‬وسأل ر َبه‬

‫فقال‪﴿ :‬ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ﴾‪ ،‬أي‪ :‬اجع لني يا رب! يف جان ٍ‬ ‫ب‬

‫ٍ‬ ‫بعيد عن األصنام وعن عبادتها‪ ،‬يطلب من اهلل أن ي حميه‪ ،‬وأن يقي ه‪ ،‬وأن‬ ‫يسلمه‪ ،‬وهو ا َلذي كسر األصنام بيده ـ عليه صلوات اهلل وسّلمه ـ!! فكيف‬ ‫يأمن غيره على نفسه وال يخاف‪.‬‬ ‫والسّلم ـ ا َلذي كان يواظب عليه َ‬ ‫ٍ‬ ‫صباح‬ ‫كل‬ ‫ومن دعاء نبينا ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫ٍ‬ ‫ثابت يف كتاب «األدب المفرد»(‪ )3‬وغيره‪ ،‬أنَه كان يقول ثّلث‬ ‫ومساء؛ وهو ٌ‬ ‫(‪ )1‬انظر‪« :‬تفسير ابن كثير» (‪ ،)58 /8‬و«تفسير السعدي» (ص ‪.)907‬‬ ‫(‪ )2‬أخرجه الطربي يف «تفسيره» (‪ ،)687/13‬وابن أبي داتم يف «تفسيره» (‪.)12287‬‬ ‫(‪ )3‬برقم (‪ ،)701‬وأخرجه أدمد (‪ ،)20430‬وأبو داود (‪ ، ،)5090‬عن أبي بكرة‬ ‫األلباين يف «اإلرواء» (‪« :)356 /3‬وهذا سند صحيح على شرط مسلم»‪.‬‬

‫ـ ‪ 108‬ـ‬

‫؛ وقال‬


‫ات إذا أصبح‪ ،‬وثّلث مر ٍ‬ ‫مر ٍ‬ ‫ات إذا أمسى‪« :‬اللهم إني أعوذ بك من الك ْفر‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫والف ْقر‪ ،‬اللهم إني أعوذ بك م ْن عذاب الق ْبر‪ ،‬ل إله إل أنْت»‪ ،‬وثبت أنَه ـ عليه‬ ‫والسّلم ـ كان يقول يف دعائه‪« :‬اللهم لك أ ْسل ْمت‪ ،‬وبك آمنْت‪ ،‬وعل ْيك‬ ‫َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫توك ْلت‪ ،‬وإل ْيك أن ْبت‪ ،‬وبك خاص ْمت‪ ،‬اللهم إني أعوذ بعزتك‪ ،‬ل إله إل أنْت أ ْن‬ ‫تْلني‪ ،‬أنْت الحي الذي ل يموت‪ ،‬والجن واإلنْس يموتون»(‪ ،)1‬وكان أكثر‬ ‫ت ق ْلبي على دينك»(‪ ،)2‬ويف‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬يا مقلب القلوب! ثب ْ‬ ‫دعائه ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫القرآن‪﴿ :‬ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ﴾ [_‪.]8 :‬‬ ‫َ‬ ‫َبي‬ ‫‪ ‬وكذلك َ‬ ‫مما يوجب الخوف من الشرك‪ :‬أن الن َ‬ ‫األ َمة؛ إخبارا على وجه اإلنذار وال َتحذير‪ ،‬قال ـ صلوات اهلل وسّلمه عليه ـ‪« :‬ل تقوم‬ ‫أخبر أنَه سيقع يف‬

‫الساعة حتى ي ْلحق قبائل م ْن أمتي بالم ْشركين‪ ،‬وحتى ت ْعبد قبائل م ْن أمتي‬ ‫األ ْوثان»(‪ ،)3‬وجاء يف الحديث اآلخر أنَه ـ صلوات اهلل وسّلمه عليه ـ قال‪« :‬ل تقوم‬ ‫الساعة حتى ت ْْطرب إ ْليات نساء د ْوس على ذي الخلصة»(‪ ،)4‬والمقصود‪ :‬د َتى‬ ‫الصنم‪ :‬ذي الخلصة‪ ،‬وهو صن ٌم كان يعبد يف الجاهل َية قبل اإلسّلم‪.‬‬ ‫تعود عبادة ذلك َ‬ ‫والسّلم ـ قوال جامعا يف هذا الباب على وجه ال َتحذير‬ ‫وقال ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)1120‬ومسلم (‪ )2717‬واللفظ له‪ ،‬عن ابن عباس‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )2‬أخرجه أدمد (‪ ،)12107‬والرتمذي (‪ ،)2140‬وابن ماجه (‪ )3834‬عن أنس‬

‫؛ ودسنه‬

‫األلباين يف «الصحيحة» (‪.)2091‬‬ ‫(‪ )3‬أخرجه أدمد (‪ ،)22395‬وأبو داود (‪ ،)4252‬والرتمذي (‪ ،)2219‬وابن ماجه (‪ )3952‬عن‬ ‫ثوبان‬

‫‪ ،‬وصححه األلباين يف «صحيح الجامع»(‪.)1773‬‬

‫(‪ )4‬أخرجه البخاري (‪ ،)7116‬ومسلم (‪ )2906‬عن أبي هريرة‬

‫ـ ‪ 109‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫واإلنذار‪« :‬لتتْبعن سنن م ْن كان ق ْبلك ْم‪ ،‬ش ْب ًرا ش ْب ًرا‪ ،‬وذرا ًعا بذراع»(‪ ،)1‬وأشنع‬ ‫ذلك الشرك وعبادة األوثان‪ ،‬أخرب َ‬ ‫واقع كونا وقدرا‪ ،‬فيجب على‬ ‫أن هذا األمر‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫وخوف من الوقوع فيه‪.‬‬ ‫المسلم أن يكون على دذ ٍر منه‬ ‫والسّلم ـ‬ ‫ومما يستوجب الخوف من الشرك‪ :‬إخبار النَبي ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫‪َ ‬‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫والسّلم ـ يف بيان خفائه‬ ‫أن من الشرك ما هو‬ ‫شرك خفي‪ ،‬وبالغ ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫ٍ‬ ‫والسّلم ـ‪:‬‬ ‫الصّلة‬ ‫عجيب‬ ‫بضرب مث ٍل‬ ‫جدير بأن يتأ َمله المسلم‪ ،‬قال ـ عليه َ‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫«للش ْرك فيك ْم أ ْخفى م ْن دبيب الن ْمل»(‪ ،)2‬ما قال‪« :‬مثل دبيب النَمل»‪ ،‬بل قال‪:‬‬ ‫تدب‬ ‫«أ ْخفى م ْن دبيب الن ْمل»!! وعندما يكون المرء جالسا وتم ُّر من جنبه نمل ٌة ُّ‬ ‫إلى ديث وجهتها أو أكثر‪ ،‬أيشعر هبذا الدَ بيب؟! قال‪« :‬أ ْخفى م ْن دبيب الن ْمل»‬ ‫مما يوجب الخوف وال ُّلجوء الدَ ائم إلى اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ أن يقي‬ ‫فهذا َ‬ ‫لما أخبرهم النَاصح ـ صلوات اهلل وسّلمه‬ ‫العبد وأن يعيذه من الشرك؛ ولهذا َ‬ ‫عليه ـ بذلك د َثهم على د ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫عظيم يجدر بكل مسل ٍم أن يحفظه وأن يحافظ‬ ‫عاء‬ ‫والسّلم ـ يف هذا المقام؛ مقام ال َتحذير من‬ ‫عليه‪ ،‬وص َية من النَبي ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫الشرك وبيان خفائه ووجوب الخوف منه‪ ،‬قال‪« :‬أل أدلك ْم على ش ْيء إذا ق ْلتموه‬ ‫أ ْذهب اهلل عنْك ْم قليل الشرك وكثيره؟» قالوا‪ :‬بلى يا رسول اهلل‪ ،‬فأرشدهم ـ عليه‬ ‫والسّلم ـ أن يقولوا‪« :‬اللهم إني أعوذ بك أ ْن أ ْشرك بك وأنا أ ْعلم‪،‬‬ ‫الصّلة‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ )7320‬عن أبي سعيد الخدري‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )2‬أخرجه البخاري يف «األدب المفرد» (‪ )716‬عن معقل بن يسار‬ ‫صحيح كما يف «الضعيفة» (‪.)3755‬‬

‫ـ ‪ 110‬ـ‬

‫‪ ،‬وهذا الجزء من الحديث‬


‫وأ ْستغْفرك لما ل أ ْعلم»(‪.)1‬‬ ‫‪‬‬

‫مما يستوجب الخوف من الشرك ـ وتأ َمل هذا الحديث‬ ‫كذلك َ‬

‫الصحابة وهم يتذاكرون‬ ‫والسّلم ـ على َ‬ ‫َبي ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫العجيب ـ‪ :‬دخل الن ُّ‬ ‫الفتنة المخيفة المهولة العظيمة‪ :‬فتنة الدَ َجال‪ ،‬ا َلتي هي أ َشدُّ الفتن وأخطرها‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬أل أ ْخبرك ْم بما هو أ ْخوف عل ْيك ْم‬ ‫وأعظمها‪ ،‬فقال ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫عنْدي من المسيح الدجال؟» قلنا‪ :‬بلى‪ ،‬فقال‪« :‬الش ْرك الخفي‪ ،‬أ ْن يقوم الرجل‬ ‫يصلي‪ ،‬فيزين صالته لما يرى م ْن نظر رجل»(‪ ،)2‬هذا ا َ‬ ‫َبي ـ عليه‬ ‫ن‬ ‫ال‬ ‫خافه‬ ‫ذي‬ ‫ل‬ ‫ُّ‬

‫الصّلة من أجل نظر رج ٍل إليه‪ ،‬أو تزيين‬ ‫والسّلم ـ على أ َمته‪ :‬تزيين َ‬ ‫َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫الحج أو العبادة عموما من أجل نظر رج ٍل إليه‪ ،‬وهذا األمر صارت خطورته يف‬ ‫كثير من النَاس يحمل يف جيبه‬ ‫زماننا هذا أشدَ من َ‬ ‫الزمان َ‬ ‫األول؛ أل َنه أصبح ٌ‬ ‫كثير من النَاس يف عباداته يف الحرمين‪،‬‬ ‫جهاز‬ ‫َ‬ ‫الجوال وفيه آلة ال َتصوير‪ ،‬فأصبح ٌ‬ ‫الصور لنفسه ال َثابتة والمتحركة‪،‬‬ ‫أو يف المشاعر وغيرها‪ ،‬أكرب ما يهت ُّم به التقاط ُّ‬ ‫ا َلتي يهدف من ورائها أن يري اآلخرين عمله‪ ،‬د َتى شاهدنا وشاهد غيرنا كثيرا‬ ‫ثم يرفع‬ ‫من هؤالء يقف عند بعض األماكن الفاضلة ـ أماكن الدُّ عاء والعبادة ـ‪َ ،‬‬ ‫المهمة‬ ‫ثم تلتقط له صور ٌة‪ ،‬وتنتهي‬ ‫َ‬ ‫يديه على هيئة الدَ اعي‪ ،‬ويصلح من هيئته‪َ ،‬‬ ‫الصورة عند الكعبة‪ ،‬وعند الجمرات‪ ،‬ويف‬ ‫همه أن تلتقط له ُّ‬ ‫عند هذا الحد‪ُّ ،‬‬ ‫المسعى‪ ،‬وعند عرفات‪ ...‬وإلخ‪ ،‬ثم هذه الصور يجعلها بصو ٍر مكب ٍ‬ ‫رة يف‬ ‫َ‬ ‫ُّ‬ ‫َ‬ ‫(‪ )1‬الحديث السابق‪.‬‬ ‫(‪ )2‬أخرجه ابن ماجه (‪ )4204‬عن أبي سعيد الخدري‬ ‫(‪.)2607‬‬

‫ـ ‪ 111‬ـ‬

‫ودسنه األلباين يف «صحيح الجامع»‬ ‫؛‬ ‫َ‬


‫الصور‪ ،‬ومن لقيه أو زاره أطلعه عليها‪.‬‬ ‫مجلسه‪ ،‬أو يف ألبوم ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫لما وجدت هذه األجهزة‪،‬‬ ‫فاألمر انفتح يف زماننا هذا بشكل‬ ‫خطير جدا َ‬ ‫األول ا َلذي يرائي يحتاج إلى أن يصف عمله وصفا بلسانه؛‬ ‫وكان يف َ‬ ‫الزمان َ‬ ‫يجلس عند النَاس ويقول‪« :‬أنا ذهبت إلى م َكة‪ ،‬وكنت يف عرفات أبكي‪ ،‬وكنت‬ ‫خاشعا‪ ،‬وكنت أقف عند الجمرات وأرفع يدي وأدعو‪ ،»...‬أ َما اآلن مراءا ٌة‬ ‫الصور ال َثابتة والمتحركة ويقول‪ :‬انظر‪ ،‬ما يحتاج أن‬ ‫صامت ٌة بدون أن يتك َلم؛ يعطيه ُّ‬ ‫يتك َلم ويشرح‪ ،‬د َتى َ‬ ‫إن أدد األفاضل أخربين أنَه رأى شخصا كان مع زميله يف‬ ‫شهد‪ ،‬والتقط‬ ‫المسجد‪ ،‬فأعطاه زميله آلة ال َتصوير‪ ،‬وجلس على هيئة المصلي يف ال َت ُّ‬ ‫ثم يقول ألصحابه‪ :‬هذه‬ ‫ثم قام ومشى!! فهذه ُّ‬ ‫الصورة ماذا أريد هبا؟ َ‬ ‫له صورة‪َ ،‬‬ ‫صوريت وأنا أصلي يف المسجد النَبوي؛ وكذب ما كان يصلي‪ ،‬جلس لتلتقط له‬ ‫ثم يقول‪ :‬هذه صوريت وأنا‬ ‫صور ٌة‪ ،‬ومثله َ‬ ‫األول ا َلذي رفع يديه على هيئة الدَ اعي َ‬ ‫أدعو‪ ،‬وكذب؛ ما كان يدعو اهلل‪ ،‬وهذه كارثة ومصيب ٌة عظيم ٌة جدا‪ ،‬فبعد هذا الجهد‬ ‫السفر والنَفقة والغربة والتَعب يأيت هبذه األمور ا َلتي تحبط عمله؟!‬ ‫يف َ‬ ‫وأئمة الباطل‪،‬‬ ‫ومما يستوجب الخوف من الشرك‪ :‬كثرة دعاة َ‬ ‫الضّلل َ‬ ‫‪َ ‬‬ ‫والسّلم ـ على أ َمته منهم ديث قال‪« :‬إن م ْن أ ْخوف‬ ‫وخوف النَبي ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫(‪)1‬‬ ‫الضّلل من يقول‬ ‫أئمة َ‬ ‫ما أخاف على أمتي األئمة المْلين» ‪ ،‬واآلن يوجد من َ‬

‫ثم يلبس عليهم‪ ،‬ويشبه ببعض‬ ‫للنَاس‪ :‬اطمئنُّوا‪ ،‬الشرك لن يقع إطّلقا‪َ ،‬‬ ‫األداديث ا َلتي يحملها على غير معناها؛ فيستد ُّل للنَاس بالمتشابه‪ ،‬ويرتك‬ ‫َبي‬ ‫المحكم البين الواضح‪ ،‬يقول الن ُّ‬ ‫(‪ )1‬سبق تخريجه من دديث ثوبان‬

‫‪« :‬ل تقوم الساعة حتى ت ْعبد قبائل م ْن‬

‫‪.‬‬

‫ـ ‪ 112‬ـ‬


‫(‪)1‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫ثابت‪ ،‬فيرتك‬ ‫دديث‬ ‫شيء أوضح من هذا!! وهو‬ ‫وأي‬ ‫صحيح ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫أمتي األ ْوثان» ‪ُّ ،‬‬

‫النُّصوص المحكمة البينة‪ ،‬ويذهب إلى المتشابه ويستد ُّل به‪ ،‬كحديث‪« :‬إن‬ ‫الش ْيطان قدْ يئس أ ْن ي ْعبده المصلون يف جزيرة العرب»(‪ ،)2‬فيقول للنَاس‪:‬‬ ‫«الجزيرة لن يكون فيها الشرك إطّلقا»‪ ،‬وقد قال العلماء يف معناه‪َ :‬‬ ‫إن َ‬ ‫الشيطان‬ ‫وإقبالهم على ال َتوديد‪ ،‬دخل على‬

‫الصحابة‬ ‫لما رأى ق َوة اإليمان يف زمان َ‬ ‫َ‬

‫نفسه شي ٌء من اليأس أن يعبد ودال اإليمان هكذا ـ لكن ال يأيت على النَاس‬ ‫ٌ‬ ‫زمان إ َال وا َلذي بعده شر منه‪ ،‬ويف كل عا ٍم ترذلون ـ فلم يثنه ذلك ولم يتو َقف‪،‬‬ ‫والصد عن دين اهلل ـ تبارك وتعالى ـ د َتى عبد‬ ‫استمر يف اإلغواء واإلضّلل‬ ‫بل‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫فئا ٌم من األ َمة األوثان‪ ،‬وكم هي الجناية على العوام والج َهال عندما يقال لهم‪:‬‬ ‫ثمة داج ٌة عندهم أن يقال‪« :‬ال َله َم أعذني‬ ‫إنَه لن يقع الشرك إطّلقا؛ فيصبح ما َ‬ ‫من الشرك»‪ ،‬وال يبالون بخطورة الشرك‪ ،‬وال يحرصون على تع ُّلمه من أجل‬ ‫الحذر من الوقوع فيه‪ ،‬فتجد الشرك يدخل على هؤالء دخوال عريضا يف‬ ‫وتصرفاتهم‪ ،‬وهم ال يزالون يظنُّون َ‬ ‫أن الشرك ال يقع‪ ،‬مع أ َنهم‬ ‫أعمالهم وأقوالهم‬ ‫ُّ‬ ‫الضّلل على النَاس‪.‬‬ ‫أئمة َ‬ ‫قد ت َ‬ ‫مما يبين خطورة َ‬ ‫لوثوا به‪ ،‬وهذا َ‬ ‫مما يستوجب الخوف من الشرك والحذر منه وال َتحذير‪،‬‬ ‫وعلى كل؛ هذا َ‬ ‫وأن يكون خوف المرء من الشرك أشدَ من خوفه من أي ٍ‬ ‫أمر آخر‪ ،‬وأن يجاهد‬ ‫نفسه على الحذر من الوقوع فيه‪ ،‬ومن هذه المجاهدة‪ :‬أن يعرف الشرك‪،‬‬ ‫والعلماء ـ ردمهم اهلل ـ قالوا قديما‪« :‬كيف ي َتقي من ال يدري ما ي َتقي»‪ ،‬ا َلذي ال‬ ‫(‪ )1‬سبق تخريجه‪.‬‬ ‫(‪ )2‬أخرجه مسلم (‪ ،)2812‬عن جابر بن عبد اهلل‬

‫‪.‬‬

‫ـ ‪ 113‬ـ‬


‫يدري ما هو الشرك‪ ،‬وما هي أنواعه‪ ،‬وما هي دقيقته‪ ،‬وما هي األمور الدَ اخلة يف‬ ‫ٍ‬ ‫أساس التقاء الشرك‪ :‬أن يعرف ما هو الشرك‪ ،‬وما‬ ‫فأول‬ ‫سماه‪ ،‬كيف ي َتقيه؟! َ‬ ‫م َ‬ ‫هي دقيقته‪ ،‬فبهذه المعرفة ا َلتي يقصد منها االتقاء والحذر يتح َقق بإذن اهلل ـ‬ ‫السلف‬ ‫سبحانه وتعالى ـ اتقاء الشرك‪ ،‬ولهذا قال أدد َ‬

‫(‪)1‬‬

‫يف تعريف ال َتقوى‪:‬‬

‫«تقوى اهلل؛ عم ٌل بطاعة اهلل‪ ،‬على ٍ‬ ‫نور من اهلل‪ ،‬رجاء ثواب اهلل‪ ،‬وتر ٌك لمعصية اهلل‬ ‫ـ وأعظم معاصي اهلل‪ :‬الشرك ـ على ٍ‬ ‫نور من اهلل‪ ،‬خيفة عذاب اهلل»؛ فّلبدَ أن‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫معرفة‬ ‫معرفة بخطورته‪ ،‬و‬ ‫معرفة بحقيقته‪ ،‬و‬ ‫معرفة بالشرك ـ‬ ‫يكون اإلنسان على‬ ‫بعقوبته ـ‪ ،‬معرفة يقصد منها أن يحذر منه‪ ،‬وأن يحذر غيره من الوقوع فيه‪ ،‬د َتى‬ ‫أبناءه‪ ،‬كما يف وص َية لقمان‪﴿ :‬ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ‬

‫ﭲ ﭳ ﭴ﴾ [}‪ ،]13 :‬ف َ‬ ‫حذره من الشرك‪ ،‬وب َين له يف الوقت نفسه‬ ‫خطورته‪ ،‬وأ َنه أظلم ال ُّظلم وأشنعه وأشدُّ ه على اإلطّلق‪.‬‬ ‫ومن هذا المنطلق أخذ َ‬ ‫الشيخ‬

‫هنا يبين ما يتع َلق بحقيقة الشرك‬

‫وأنواعه‪.‬‬ ‫‪ ‬قال‬

‫‪« :‬الشرك األكبر يوجب حبوط العمل» أي‪ :‬بطّلن العمل كله‪،‬‬

‫كما قال اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ‪ ﴿ :‬ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ‬

‫ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ﴾ [\‪،]¤‬‬ ‫الصّلة‬ ‫أمر أودى اهلل به إلى نبيه ـ عليه َ‬ ‫فالشرك محب ٌط لألعمال كلها‪ ،‬وهذا ٌ‬ ‫(‪ )1‬هو طلق بن دبيب‬

‫؛ أخرجه ابن المبارك يف «الزُّ هد» (‪ ،)1343‬وأبو نعيم يف «الحلية»‬

‫(‪ ،)64/3‬وابن أبي شيبة (‪.)35160‬‬

‫ـ ‪ 114‬ـ‬


‫والسّلم ـ‪ ،‬وأودى به إلى جميع النَبيين من قبله ﴿ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ‬ ‫َ‬

‫أن الشرك األكرب إذا خالط العمل ـ َ‬ ‫ﯗ﴾ [‪]88 :b‬؛ وذلك َ‬ ‫قل العمل أو‬ ‫كثر ـ بطل أجمعه‪ ،‬وفسد ك ُّله‪ ،‬ولم يقبل منه شي ٌء‪ ،‬وهذا يستفاد من باب االعتبار‬ ‫بالنَظر يف األمور المفسدة‪.‬‬ ‫باب تجد كثيرا من النَاس يتف َقه فيه‪ ،‬وينظر يف تر ُّتب الفساد على‬ ‫وهذا ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫ببعض‪ ،‬كيف يسري الفساد يف الجميع‪ ،‬بل هناك علو ٌم‬ ‫اتصال بعض األشياء‬ ‫قائم ٌة على مراعاة هذا الجانب يف دفظ األطعمة واألغذية‪ ،‬وكيف أنَه لو وضع‬ ‫كذا مع كذا ألفسده‪ ،‬وتعمل االدتياطات الكافية دفظا لل َطعام ومنعا للفساد‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وإفساد أشدُّ من الشرك؟ إذ هو يفسد العمل ك َله‪ ،‬ويفسد دنيا المرء‬ ‫فساد‬ ‫وأي‬ ‫ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫خسران م ٍ‬ ‫صلوات‪ ،‬أو‬ ‫بين‪ ،‬وإن كانت هناك‬ ‫وآخرته‪ ،‬ويكون ـ والعياذ باهلل ـ يف‬ ‫ٌ‬ ‫صدقات لم تقبل لفساده بدخول الشرك على العمل‪ ،‬قال اهلل‬ ‫صيا ٌم‪ ،‬أو‬ ‫ٌ‬

‫‪:‬‬

‫﴿ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ﴾ [‪]54 :e‬‬ ‫وقال‪﴿ :‬ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﴾[‪.]5 :a‬‬ ‫‪ ‬قال‬

‫‪« :‬والخلود يف النار لم ْن مات عليه» أي‪ :‬من مات على الشرك‬

‫ليس له يوم القيامة َإال النَار مخ َلدا فيها أبد اآلباد‪ ،‬قال اهلل تعالى‪﴿ :‬ﮅ ﮆ‬

‫ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ﴾ أي‪ :‬والحال أ َنهم‬ ‫وجه بالعبادة‬ ‫شاهدين على أنفسهم بالكفر بإقامتهم على عبادة األصنام وال َت ُّ‬ ‫لألوثان ﴿ ﮑ ﮒ ﮓﮔ ﮕ ﮖ ﮗ﴾ [‪ ]17 :e‬أي‪ :‬أبد‬ ‫اآلباد‪ ،‬ال يقضى عليهم فيموتوا‪ ،‬وال يخ َفف عنهم من عذابها‪.‬‬ ‫ـ ‪ 115‬ـ‬


‫‪ ‬قال‬

‫‪« :‬وأن م ْن مات عليه» أي‪ :‬على الشرك األكرب «فلن يغفر له والجنة‬

‫عليه حرام» والدَ ليل على أنَه لن يغفر له قوله تعالى‪﴿ :‬ﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨ ﮩ‬

‫ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ﴾ [`‪ ،]48 :‬وهذا يف دق من مات على ذلك‪ ،‬وال تعارض‬ ‫الزمر‪ ﴿ :‬ﮤ ﮥ ﮦ‬ ‫بين هذه اآلية وبين قول اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ يف سورة ُّ‬

‫ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ﴾ [‪]53 :¤‬؛ َ‬ ‫ألن‬ ‫قوله‪ ﴿ :‬ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ﴾ هذا يف دق من تاب‪ ،‬بدليل قوله‪﴿ :‬ﮪ ﮫ﴾‬ ‫أي‪ :‬توبوا‪ ،‬فمن تاب تاب اهلل عليه من الشرك أو غيره‪ ،‬وقوله يف آية النساء‪﴿ :‬ﮤﮥ‬

‫ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ﴾ هذا يف دق من مات على الشرك‪ ،‬فمن مات‬ ‫على الشرك ال مطمع له إطّلقا يف مغفرة اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ‪.‬‬ ‫والدَ ليل على َ‬ ‫أن الجنَة درا ٌم على المشرك قول اهلل تعالى‪ ﴿ :‬ﭺ ﭻ ﭼ‬ ‫ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ﴾ [‪]72 :a‬‬ ‫أي‪ :‬ما للمشركين ا َلذين ماتوا على الشرك باهلل من أنصار؛ أي‪ :‬من أعوان‬ ‫يقووهنم ويحموهنم من عذاب اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪ ،‬فال ُّظلم هنا يراد به الشرك‬ ‫ُّ‬ ‫كقوله‪﴿ :‬ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ﴾ [}‪ ،]13 :‬وقوله‪ ﴿ :‬ﮟ ﮠ‬

‫ﮡ﴾ [^‪.]254 :‬‬ ‫‪ ‬قال‬

‫‪« :‬ومن أنواعه» أي‪ :‬الشرك «دعاء األموات واألصنام»؛ َ‬ ‫ألن‬

‫صح بذلك الحديث عن‬ ‫الدُّ عاء عباد ٌة‪ ،‬بل هو أعظم العبادة‬ ‫وأهمها‪ ،‬كما َ‬ ‫ُّ‬ ‫رسول اهلل‬

‫أنَه قال‪« :‬الدعاء هو العبادة» ثم تال ـ عليه الصالة والسالم ـ قول‬

‫اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪﴿ :‬ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ‬ ‫ـ ‪ 116‬ـ‬


‫(‪)1‬‬ ‫سمى‬ ‫ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ﴾ [‪ ، ]60 :¥‬أي‪ :‬دقيرين ذليلين‪ ،‬ف َ‬

‫المستكبر عن دعائه مستكبرا عن عبادته‪ ،‬فالدُّ عاء عباد ٌة بل أعظمها‪ ،‬فمن دعا‬ ‫غير اهلل‪ ،‬وطلب المدَ والعون من غيره‪ ،‬ولجأ لغير اهلل‪ ،‬واستغاث بغير اهلل؛ فقد‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬إذا‬ ‫وقع يف الشرك األكرب النَاقل من الم َلة‪ ،‬وقد قال ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫ت على أ ْن‬ ‫اجتمع ْ‬ ‫استع ْن باهلل‪ ،‬وا ْعل ْم أن األمة ل ْو ْ‬ ‫اسأل اهلل‪ ،‬وإذا ْاستعنْت ف ْ‬ ‫سأ ْلت ف ْ‬ ‫ينْفعوك بش ْيء ل ْم ينْفعوك إل بش ْيء قدْ كتبه اهلل لك»(‪.)2‬‬ ‫َ‬ ‫َبي‬ ‫وأئمة َ‬ ‫َ‬ ‫الضّلل الذين خافهم الن ُّ‬ ‫النَاس على دعاء األموات واالستغاثة هبم واالستنجاد هبم‪ ،‬ويقولون لهم‪ :‬هذا‬ ‫على أ َمته ال يزالون إلى اآلن يح ُّثون‬

‫سمى‪ :‬شفاعة‪ ،‬ويورطون العوا َم توريطا عظيما‪ ،‬د َتى َ‬ ‫إن أدد‬ ‫سمى‪ :‬تو ُّسّل‪ ،‬وي َ‬ ‫ي َ‬ ‫مرة سمعته يدعو غير اهلل‪ ،‬فناصحته‪ ،‬وأخذت أقرأ عليه اآليات يف َ‬ ‫أن‬ ‫العوام َ‬ ‫الدُّ عاء عباد ٌة ال يجوز أن يصرف لغير اهلل‪ ،‬مثل قوله تعالى‪﴿ :‬ﯫ ﯬ ﯭ‬

‫ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ﴾ [»‪،]5 :‬‬ ‫ومثل قول اهلل تعالى‪﴿ :‬ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ‬ ‫ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝﮞ ﮟ‬ ‫ﮠ ﮡ ﮢ﴾ [\ﮯ]‪ ،‬ومثل قول اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪﴿ :‬ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ‬

‫ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ﴾ [‪ ،]56 :m‬ومثل قول اهلل‬ ‫ـ تبارك وتعالى ـ‪﴿ :‬ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ‬ ‫(‪ )1‬سبق تخريجه‪.‬‬ ‫(‪ )2‬سبق تخريجه ‪.‬‬

‫ـ ‪ 117‬ـ‬


‫ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ﴾ [~‪]22 :‬؛ وأقرأ‬ ‫لما انتهيت‪ ،‬وفهم األمر جيدا‪ ،‬وا َتضح له قال‬ ‫ثم َ‬ ‫عليه أداديث يف هذا الباب‪َ ،‬‬ ‫سمى لي بلده ـ ما أددٌ قال لي هذا الكّلم»‪ ،‬أي َ‬ ‫أن‬ ‫لي‪« :‬أنا من بلد كذا وكذا ـ َ‬ ‫وس ٌل‪ ،‬وأشعروه َ‬ ‫أن هذا المدَ لليدين والدُّ عاء لغير‬ ‫العلماء كانوا يقولون له‪ :‬هذا ت ُّ‬ ‫اهلل‬

‫وس ٌل‪ ،‬ولم يسمعوه آيات‬ ‫من األنبياء أو األولياء أو غير ذلك إ َنما هو ت ُّ‬

‫أئمة‬ ‫مما يبين لنا ـ ما سبق ـ‪ :‬خطورة َ‬ ‫ال َتوديد وآيات إخّلص الدُّ عاء هلل؛ فهذا َ‬ ‫الضّلل على النَاس‪.‬‬ ‫َ‬ ‫‪‬‬

‫قال‬

‫‪« :‬والستغاثة بهم»؛ االستغاثة‪ :‬طلب الغوث‪ ،‬واالستغاثة‬

‫تكون يف َ‬ ‫وكثير من العوام إذا اشتدَ به المرض‪،‬‬ ‫الشدائد والكربات واألمراض‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫أو اشتدَ ت به الحاجة والفقر‪ ،‬أو نزلت به مصيب ٌة أو نحو ذلك؛ ذهب إلى أدد‬ ‫وألح عليه يف قضاء داجته‪،‬‬ ‫القبور‪ ،‬ولجأ إليه‪ ،‬وبكى عنده‪ ،‬وخضع‪ ،‬وخشع‪،‬‬ ‫َ‬ ‫واهلل يقول‪﴿ :‬ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ‬

‫ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ﴾ [\‪ ]w‬أي‪ :‬ما أق َل تذكُّرهم فيما‬ ‫يرشدهم إلى الحق‪ ،‬ويهديهم إلى الصراط المستقيم‪.‬‬ ‫‪ ‬قال‬

‫‪« :‬والن ْذر لهم» أي‪ :‬تقديم النُّذور والقرابين‪« ،‬والذبح لهم» واهلل‬

‫سبحانه يقول‪﴿ :‬ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ﴾أي‪ :‬ذبحي ﴿ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ﴾‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬لعن اهلل م ْن ذبح لغ ْير اهلل»(‪،)1‬‬ ‫[‪ ،]162 :b‬ويقول ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫وال َلعن‪ :‬هو ال َطرد واإلبعاد من ردمة اهلل ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪.‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪ )1978‬عن علي‬

‫‪.‬‬

‫ـ ‪ 118‬ـ‬


‫وعدُّ َ‬ ‫الشيخ‬

‫يف خاتمة كّلمه عن الشرك األكرب بعض أنواعه فيه ال َتنبيه‬

‫إلى َ‬ ‫لما كانت رسالته‬ ‫أن معرفة الشرك تتط َلب معرفة أنواعه‪ ،‬و َ‬ ‫أشار‬

‫مختصرة؛‬

‫إشارة إلى بعض األنواع؛ تنبيها منه هبا على غيرها من صرف العبادة‬

‫لألموات أو األصنام أو األدجار أو األشجار أو غيرها‪َ ،‬‬ ‫وأن ذلك ك َله من الشرك‬ ‫األكرب النَاقل من الم َلة‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬قال‬

‫‪« :‬أما الشرك األصغر‪ :‬فهو ما ثبت بالنصوص من الكتاب أو‬

‫السنة تسميته شر ًكا‪ ،‬ولكنه ليس من جنس الشرك األكبر؛ كالرياء يف بعض‬ ‫األعمال‪ ،‬والحلف بغير اهلل‪ ،‬وقول‪ :‬ما شاء اهلل وشاء فالن‪ ،‬ونحو ذلك»‪.‬‬ ‫‪:n‬‬ ‫‪‬‬

‫ينبغي االنتباه لهذه الفائدة‪ :‬يف الفرق بين الشرك األصغر والشرك‬

‫األكبر‪:‬‬

‫ٍ‬ ‫شيء من دقوق اهلل‪ ،‬الدُّ عاء دق‬ ‫‪ ‬فالشرك األكبر‪ :‬تسوية غير اهلل باهلل يف‬

‫هلل‪ ،‬ال يدعى َإال اهلل‪ ،‬كذلك‪َ :‬‬ ‫الرجاء‪ ،‬إلى غير ذلك‪،‬‬ ‫الذبح‪ ،‬النَذر‪ ،‬االستغاثة‪َ ،‬‬ ‫ٍ‬ ‫معاذ َ‬ ‫ٌ‬ ‫قال له‪« :‬ه ْل‬ ‫أن النَبي‬ ‫دقوق هلل على عباده‪ ،‬كما جاء يف دديث‬ ‫هذه‬ ‫تدْ ري حق اهلل على عباده‪ ،‬وما حق العباد على اهلل؟» قلت‪ :‬اهلل ورسوله أعلم‪،‬‬ ‫قال‪« :‬فإن حق اهلل على العباد أ ْن ي ْعبدوه ول ي ْشركوا به ش ْيئًا»(‪)1‬؛ العبادة بأنواعها‬ ‫دق هلل‬

‫سواه باهلل يف‬ ‫‪ ،‬فمن أعطى شيئا من العبادة لغير اهلل ـ أيا كان هذا الغير ـ فقد َ‬

‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)2856‬ومسلم (‪.)30‬‬

‫ـ ‪ 119‬ـ‬


‫دق من دقوقه‪ ،‬سوا ٌء الدُّ عاء أو االستغاثة أو َ‬ ‫الذبح أو النَذر أو غير ذلك‪ ،‬فمن‬ ‫سوى هذا الغير باهلل يف دق من دقوق اهلل‬ ‫صرف شيئا من العبادة لغير اهلل فقد َ‬ ‫فيكون بذلك مشركا الشرك األكبر النَاقل من الم َلة‪ ،‬هذه دقيقة الشرك األكرب‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫أما الشرك األصغر‪ :‬فيقول َ‬ ‫الشيخ‬

‫يف تعريفه‪« :‬هو ما ثبت‬

‫بالنصوص من الكتاب أو السنة تسميته ش ْر ًكا‪ ،‬ولكنه ليس من جنس الشرك‬ ‫ٍ‬ ‫شيء من دقوق اهلل‪ ،‬مثّل‪ :‬عندما‬ ‫األكبر»‪ ،‬يعني‪ :‬ليس فيه تسوي ٌة لغير اهلل باهلل يف‬ ‫ٌ‬ ‫لما سمع‬ ‫يقول رج ٌل مخاطبا آخر‪« :‬ما شاء اهلل وشئت» هذا‬ ‫شرك أصغر‪ ،‬ولهذا َ‬ ‫والسّلم ـ رجّل يقول ذلك‪ ،‬قال‪« :‬أجع ْلتني واهلل عدْ ًل»؟ ـ‬ ‫َبي ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫الن ُّ‬ ‫(‪)1‬‬ ‫فالرجل عندما قال‬ ‫جرد لفظ‪َ ،‬‬ ‫ويف رواية‪ :‬ندًّ ا ـ ق ْل‪ :‬ما شاء اهلل و ْحده» ‪ ،‬هذا م َ‬

‫الرب‬ ‫هذه الكلمة لم يقصد أن يسوي بين مشيئة العبد ومشيئة َ‬

‫؛ فإ َنه لو كان‬

‫يقصد ذلك د َتى لو لم ينطق هبذه الكلمة يكفر الكفر األكبر؛ لل َتسوية ا َلتي جعلها‬ ‫ٍ‬ ‫الرب سبحانه‪.‬‬ ‫بين المخلوق وبين الخالق يف شيء من خصائص َ‬ ‫لما كانت لفظة شرك َية وجب أن تصان األلسن عنها‪ ،‬مع َ‬ ‫أن‬ ‫فهذه ال َلفظة َ‬ ‫ٍ‬ ‫لكثير من النَاس يقولون‪« :‬لم نقصد»‪ ،‬ولهذا‬ ‫صحح‬ ‫األلفاظ الشرك َية عندما ت َ‬ ‫يسمي العلماء هذا النَوع من الشرك‪« :‬شرك األلفاظ»‪ ،‬فيقال‪ :‬د َتى لو لم تقصد ما‬ ‫ٌ‬ ‫شرك يجب أن يصان عنه اللسان‪ ،‬ومثل هذا ـ وسيأيت عليه أمثل ٌة ساق‬ ‫تجوز‪ ،‬هذا‬ ‫َ‬ ‫الشيخ‬

‫سمى شركا أصغر؛ أل َنه أطلق عليه يف النُّصوص بأ َنه شر ٌك‪،‬‬ ‫جملة منها ـ ي َ‬

‫(‪ )1‬أخرجه أدمد (‪ ،)1839‬وابن ماجه (‪ )2117‬عن ابن ع َباس‬ ‫الصحيحة» (‪.)139‬‬ ‫« َ‬

‫ـ ‪ 120‬ـ‬

‫وصححه األلباين يف‬ ‫؛‬ ‫َ‬


‫ولكنَه ال يبلغ ددَ الشرك األكرب‪ ،‬قال ‪« :‬ولكنه ليس من جنس الشرك األكبر»‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫شيء من خصائصه‪.‬‬ ‫شيء من دقوقه أو‬ ‫يعني ليس فيه تسوي ٌة لغير اهلل باهلل يف‬ ‫‪ ‬قال‬

‫‪« :‬كالرياء يف بعض األعمال» هذا قيدٌ ؛ َ‬ ‫فر‬ ‫ألن الرياء الخالص ك ٌ‬

‫أكبر ٌ‬ ‫ناقل من الم َلة‪ ،‬وهو رياء المنافقين ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ‬ ‫ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ﴾ [^‪ ،]14 :‬فإذا الرياء يف قوله‪:‬‬ ‫«كالرياء يف بعض األعمال» يراد به يسير الرياء‪ ،‬أ َما الرياء الخالص‪ ،‬الرياء ال َتا ُّم‬ ‫كفر أكبر‪ ،‬وهو رياء المنافقين‪ ﴿ ،‬ﮄ ﮅ﴾ [`‪ ]142 :‬كما وصفهم‬ ‫هذا ٌ‬ ‫اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ بذلك‪.‬‬ ‫‪ ‬قال ‪« :‬والحلف بغير اهلل»‪ ،‬كالحلف مثّل بالكعبة‪ ،‬أو الحلف بالنَبي‬ ‫ٍ‬ ‫بشيء من البقاع أو األمكنة‪ ،‬أو األشخاص‪،‬‬ ‫والسّلم ـ‪ ،‬أو الحلف‬ ‫ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫أو غير ذلك‪ ،‬وقد جاء عن نبينا‬

‫أنَه قال‪« :‬م ْن حلف بغ ْير اهلل فقدْ كفر أ ْو‬

‫(‪)1‬‬ ‫وسماه شركا باهلل ـ سبحانه وتعالى ـ‪،‬‬ ‫فسمى الحلف بغير اهلل كفرا‪،‬‬ ‫َ‬ ‫أ ْشرك» ‪َ ،‬‬

‫ٌ‬ ‫شرك أصغر‪.‬‬ ‫لكنَه ليس الشرك األكرب ال َناقل من الم َلة‪ ،‬وإ َنما هو‬ ‫والشرك األصغر أخطر من الكبائر‪ ،‬خطورته عظيم ٌة جدا‪ ،‬وليس باألمر الهين‪،‬‬ ‫‪« :‬ألن أدلف باهلل كاذبا أد ُّب إل َي من أن أدلف بغيره‬ ‫قال ابن مسعود‬ ‫‪ ،‬واعمل موازنة د َتى ي َتضح لك الكّلم بشك ٍل أكرب‪:‬‬ ‫صادقا»(‪ ،)2‬وانظر يف كّلمه‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أدمد (‪ ،)6072‬وأبو داود (‪ ،)3251‬والرتمذي (‪ )1535‬عن ابن عمر‬

‫وصححه‬ ‫؛‬ ‫َ‬

‫األلباين يف «اإلرواء» (‪. )2561‬‬ ‫(‪ )2‬أخرجه عبد الرزاق (‪ ،)15929‬وابن أبي شيبة (‪ ،)12281‬والطرباين يف «الكبير» (‪)8902‬؛‬ ‫وصححه األلباين يف «اإلرواء» (‪.)2662‬‬ ‫َ‬

‫ـ ‪ 121‬ـ‬


‫فمن يحلف باهلل كاذبا اجتمع يف عمله شيئان‪ :‬دسن ٌة وسيئ ٌة؛ دسنة‬ ‫ال َتوديد‪ ،‬وسيئة الكذب‪ ،‬وبالمقابل يف القسم اآلخر أيضا عنده دسن ٌة وسيئ ٌة؛‬ ‫دسنة الصدق‪ ،‬وسيئة الشرك؛ وال ريب َ‬ ‫أن دسنة ال َتوديد خ ٌير وأعظم من دسنة‬ ‫دصل أفضل‬ ‫ألول َ‬ ‫الصدق‪ ،‬وسيئة الشرك أشدُّ وأعظم من سيئة الكذب؛ فا َ‬ ‫السيئات‪.‬‬ ‫الحسنات‪ ،‬وا َتقى أشدَ َ‬ ‫وقد بلغ األمر يف خطورته عند من دخلوا ال ُّطرق المنحرفة واإليغال يف‬ ‫تعظيم األولياء والغلو فيهم؛ َ‬ ‫أن بعضهم إذا دلف بالولي ال يحلف َإال صادقا‪،‬‬ ‫وإذا دلف باهلل ال يبالي‪ ،‬د َتى لو كان كاذبا فإنَه يحلف‪ ،‬من شدَ ة ما قام يف قلبه‬ ‫ٍ‬ ‫تعظيم للولي!!‬ ‫من‬ ‫ولهذا قد يغلظ هذا الشرك األصغر فيكون شركا أكرب ناقّل من الم َلة ـ‬ ‫والعياذ باهلل ـ إذا عظم المحلوف به تعظيما أشدَ من تعظيم اهلل‪ ،‬أو تعظيما مساويا‬ ‫لتعظيم اهلل‬

‫‪.‬‬

‫َ‬ ‫َبي‬ ‫‪ ‬قال ‪« :‬وقول ما شاء اهلل وشاء فالن» فقد دذر الن ُّ‬ ‫ولما سمع رجّل يقول‪« :‬ما شاء اهلل وشئت» قال‪« :‬أجع ْلتني واهلل عدْ ًل؟ ق ْل‪ :‬ما‬ ‫َ‬

‫من ذلك‪،‬‬

‫شاء اهلل و ْحده»(‪ ،)1‬وذلك َ‬ ‫ثم»‪ ،‬فلو‬ ‫ألن «الواو» تفيد مطلق المساواة‪ ،‬بخّلف « َ‬ ‫ثم فّلن» فّل درج؛ َ‬ ‫ثم» تفيد ال َتراخي‪.‬‬ ‫ألن « َ‬ ‫قال‪« :‬ما شاء اهلل َ‬ ‫‪ ‬قال‬ ‫يف قول اهلل‬

‫‪« :‬ونحو ذلك» أي‪ :‬من هذه األلفاظ؛ وقد جاء عن ابن ع َباس‬ ‫﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ﴾ [\^] قال‪:‬‬

‫(‪ )1‬سبق تخريجه‪.‬‬

‫ـ ‪ 122‬ـ‬


‫«األنداد هو الشرك‪ ،‬أخفى من دبيب النَمل على صف ٍاة سوداء يف ظلمة ال َليل‪ ،‬وهو‬ ‫أن يقول‪ :‬واهلل؛ ودياتك؛ يا فّلن‪ ،‬وديايت؛ ويقول‪ :‬لوال كلبة هذا ألتانا ال ُّلصوص‪،‬‬ ‫ولوال ُّ‬ ‫الرجل لصادبه‪ :‬ما شاء اهلل وشئت‪،‬‬ ‫البط يف الدَ ار ألتى ال ُّلصوص‪ ،‬وقول َ‬ ‫ّلن‪ ،‬ال تجعل فيها «فّلن»‪ ،‬هذا ك ُّله به ٌ‬ ‫الرجل‪ :‬لوال اهلل وف ٌ‬ ‫شرك»(‪.)1‬‬ ‫وقول َ‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬قال‬

‫‪« :‬لقول النبي‬

‫‪« :‬أ ْخوف ما أخاف عل ْيك ْم الش ْرك األ ْصغر»‬

‫فسئل عنه فقال‪« :‬الرياء» رواه اإلمام أحمد والطبراين والبيهقي عن محمود بن‬ ‫لبيد األنصاري‬

‫بإسناد جيد(‪ ،)2‬ورواه الطبراين بأسانيد جيدة عن محمود‬ ‫(‪.»)3‬‬

‫بن لبيد عن رافع بن خديج عن النبي‬ ‫‪:n‬‬ ‫‪‬‬

‫األول يتع َلق بالرياء يف بعض العمل‪ ،‬فالمراد بقوله‪:‬‬ ‫هذا الدَ ليل َ‬

‫«الرياء»‪ ،‬أي‪ :‬يسير الرياء‪ ،‬أ َما خالص الرياء فمن الشرك األكرب النَاقل من الم َلة‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬قال‬

‫‪« :‬وقوله‬

‫‪« :‬م ْن حلف بش ْيء دون اهلل فقدْ أ ْشرك» رواه اإلمام‬

‫أحمد بإسناد صحيح عن عمر بن الخطاب‬

‫(‪ ،)4‬ورواه أبو داود والترمذي‬

‫(‪ )1‬أخرجه ابن أبي داتم يف «تفسيره» (‪.)229‬‬ ‫(‪ )2‬أخرجه أدمد (‪ ،)23630‬والبيهقي يف «شعب اإليمان» (‪.)6412‬‬ ‫(‪ )3‬أخرجه الطرباين يف الكبير(‪.)4301‬‬ ‫(‪ )4‬أخرجه أدمد (‪ ،)329‬وقال األلباين يف «اإلرواء» (‪« :)191/8‬وهذا إسناد صحيح إن سلم من‬ ‫االنقطاع»‪ ،‬وذكر له شاهدا‪.‬‬

‫ـ ‪ 123‬ـ‬


‫عن النبي‬

‫بإسناد صحيح من حديث ابن عمر‬

‫أنه قال‪« :‬م ْن حلف بغ ْير‬

‫اهلل فقدْ كفر أ ْو أ ْشرك »(‪.»)1‬‬ ‫‪:n‬‬ ‫‪ ‬وهذا يتع َلق باألمر ال َثاين وهو الحلف بغير اهلل‬ ‫يف ذلك أداديث‪ ،‬ذكر منها‬

‫‪ ،‬وقد جاء عن النَبي‬

‫هذين الحديثين‪.‬‬

‫والسّلم ـ‪« :‬م ْن حلف بش ْيء»؛ «ش ْيء» نكر ٌة يف‬ ‫ـ قول النَبي ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫سياق َ‬ ‫الشرط فتفيد العموم‪ ،‬فيدخل تحت قوله «ش ْيء» المّلئكة‪ ،‬واألنبياء‪،‬‬ ‫والكعبة‪ ،‬واألولياء‪ ،‬وغير ذلك‪.‬‬ ‫ـ وقوله‬

‫‪« :‬م ْن حلف بغ ْير اهلل فقدْ كفر أ ْو أ ْشرك»‪ ،‬يحتمل أن يكون‬

‫الراوي‪ ،‬ويحتمل أن تكون «أ ْو» بمعنى الواو فيكون قد كفر وأشرك‬ ‫شكا من َ‬ ‫ويكون الكفر ا َلذي هو دون الكفر األكرب كما هو من الشرك األصغر‪َ ،‬إال إذا بلغ‬ ‫الحالف بغير اهلل من ال َتعظيم للمحلوف به واالعتقاد فيه ما ال يكون َإال هلل‬ ‫فيكون من الشرك األكبر النَاقل من الم َلة‪.‬‬ ‫قال َ‬ ‫الشوكاين‬

‫‪« :‬وقد توارد إلينا من األخبار ما ال يش ُّك معه َ‬ ‫أن كثيرا‬

‫توجهت عليه يمي ٌن من جهة خصمه دلف‬ ‫من هؤالء القبوريين أو أكثرهم إذا َ‬ ‫باهلل فاجرا‪ ،‬فإذا قيل له بعد ذلك‪ :‬ادلف بشيخك ومعتقدك الولي الفّلين؛ تلعثم‬ ‫وتل َكأ وأبى واعرتف بالحق‪ ،‬وهذا من أبين األد َلة الدَ ا َلة على َ‬ ‫أن شركهم قد بلغ‬ ‫ٍ‬ ‫ثّلثة»(‪.)2‬‬ ‫فوق شرك من قال إنَه تعالى ثاني اثنين أو ثالث‬ ‫(‪ )1‬سبق تخريجه‪.‬‬ ‫(‪« )2‬نيل األوطار» (‪.)102/4‬‬

‫ـ ‪ 124‬ـ‬


‫قرأت يف أدد الكتب ـ ونقل مصنفه عن بعض هؤالء تعظيما لألولياء أشدَ‬ ‫من تعظيم اهلل‬

‫ـ َ‬ ‫أن أددهم طلب منه الحلف فحلف بأدد األولياء‬

‫المزعومين‪ ،‬فتغ َير وجه المحلوف له‪ ،‬وأنكر على الحالف قائّل‪ :‬أليس َ‬ ‫الشيخ‬ ‫ألول سما ٍع إنكاره أنَه ينهاه عن‬ ‫الراوي‪ :‬ظننته َ‬ ‫عالما بما يجري اآلن بيننا؟ قال َ‬ ‫الحلف بالمخلوق؛ فإذا هو يكبره عن الحلف به‪ ،‬ويشركه مع اهلل يف غيبه(‪!!)1‬‬ ‫فانظر هذا الشرك ما أشنعه! فلم تعد القض َية من الشرك األصغر‪ ،‬بل أصبح‬ ‫الصادق‪ ،‬والمح َق‬ ‫هذا عقيدة يف الولي أنَه يعلم أدوال العباد‪ ،‬ويعلم الكاذب من َ‬ ‫عما يشركون‪.‬‬ ‫من المبطل‪ ،‬تعالى اهلل َ‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬قال‬

‫‪« :‬وقوله‬

‫‪« :‬ل تقولوا‪ :‬ما شاء اهلل وشاء فالن‪ ،‬ولكن قولوا‪ :‬ما‬

‫شاء اهلل ثم شاء فالن» أخرجه أبو داود بإسناد صحيح عن حذيفة بن اليمان‬

‫(‪.»)2‬‬

‫‪:n‬‬ ‫‪ ‬وهذا يتع َلق باألمر ال َثالث وهو قول‪« :‬ما شاء اهلل وشاء فّلن»‪ ،‬قال‪« :‬ل‬ ‫تقولوا‪ :‬ما شاء اهلل وشاء فالن‪ ،‬ولك ْن قولوا‪ :‬ما شاء اهلل ثم شاء فالن»؛ َ‬ ‫ثمة‬ ‫ألن َ‬ ‫ثم»؛ فـ«الواو» تفيد مطلق ال َتساوي‪ ،‬أ َما‬ ‫فرقا بين العطف بـ«الواو» والعطف بـ« َ‬ ‫وأن المعطوف دون المعطوف عليه َ‬ ‫ثم» فتفيد المهلة وال َتراخي‪َ ،‬‬ ‫وأقل منه‪.‬‬ ‫« َ‬ ‫‪‬‬

‫(‪« )1‬رسالة الشرك ومظاهره» للميلي (ص ‪.)211‬‬ ‫الصحيحة» (‪.)137‬‬ ‫(‪ )2‬أخرجه أدمد (‪ ،)23347‬وأبو داود (‪،)4980‬‬ ‫وصححه األلباين يف « َ‬ ‫َ‬

‫ـ ‪ 125‬ـ‬


‫‪ ‬قال‬

‫‪« :‬وهذا النوع ل يوجب الردة‪ ،‬ول يوجب الخلود يف النار‪،‬‬

‫ولكنه ينايف كمال التوحيد الواجب»‪.‬‬ ‫‪:n‬‬ ‫‪ ‬بعد أن ب َين َ‬ ‫الشيخ‬

‫األول ا َلذي هو الشرك‬ ‫اختّلف هذا النَوع عن َ‬

‫األكرب يف الحد‪ ،‬ذكر أنَه يختلف عنه يف الحكم؛ فهذا النَوع ال يوجب الر َدة‪ ،‬وال‬ ‫ٍ‬ ‫شيء من ذلك ال يكون مرتدا‪ ،‬أي‪ :‬ال يكون‬ ‫يوجب الخلود يف النَار‪ ،‬من وقع يف‬ ‫كافرا الكفر األكرب النَاقل من الم َلة‪ ،‬وأيضا إذا مات على ذلك َ‬ ‫فإن ذلك ال‬ ‫يوجب الخلود يف النَار‪.‬‬ ‫والعلماء ـ ردمهم اهلل ـ اختلفوا فيمن مات على الشرك األصغر‪ :‬هل‬ ‫يدخل يف قوله تعالى‪﴿ :‬ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ﴾ [`‪ 48 :‬؛ ‪]116‬؟‬ ‫ٌ‬ ‫داخل فيها لعموم اآلية؛ بمعنى أنَه إن مات‬ ‫‪ ‬فمن العلماء من قال‪ :‬هو‬ ‫على هذا الشرك ال يدخل تحت المشيئة‪ ،‬بل البدَ أن ي َ‬ ‫عذب‪ ،‬لكن ال يخ َلد يف‬ ‫النَار؛ ألنَه ال يخ َلد يف النَار َإال من مات على الشرك األكرب‪.‬‬ ‫‪ ‬ومن العلماء من قال‪َ :‬‬ ‫إن شأنه مثل شأن سائر الكبائر‪ ،‬وأ َنه تحت‬ ‫المشيئة؛ إن شاء اهلل َ‬ ‫عذبه‪ ،‬وإن شاء غفر له‪.‬‬ ‫‪ ‬قال‬

‫‪« :‬لكنه ينايف كمال التوحيد الواجب»؛ وما ينايف كمال ال َتوديد‬

‫عر ٌض للعقوبة وسخط اهلل ـ تبارك وتعالى ـ؛ َ‬ ‫ألن الكمال‬ ‫الواجب صادبه م َ‬ ‫ٌ‬ ‫كماالن؛ ٌ‬ ‫وكمال مستحب‬ ‫كمال واجب يأثم العبد برتكه ويعرض نفسه للعقوبة‪،‬‬ ‫عرضا للعقوبة‪.‬‬ ‫إذا فعله زاد بذلك إيمانه وإن لم يفعله ال يكون بذلك آثما وال م َ‬ ‫‪‬‬

‫ـ ‪ 126‬ـ‬


‫‪ ‬قال‬

‫‪« :‬أما النوع الثالث‪ :‬وهو الشرك الخفي؛ فدليله قول النبي‬

‫‪:‬‬

‫«أل أ ْخبرك ْم بما هو أ ْخوف عل ْيك ْم عنْدي من المسيح الدجال؟» قالوا‪ :‬بلى يا‬ ‫رسول اهلل‪ ،‬قال‪« :‬الش ْرك الخفي؛ يقوم الرجل فيصلي فيزين صالته لما يرى م ْن نظر‬ ‫الرجل إل ْيه» رواه اإلمام أحمد يف «مسنده» عن أبي سعيد الخدري‬

‫(‪.»)1‬‬

‫‪:n‬‬ ‫‪ ‬قال‬

‫‪« :‬أما النوع الثالث» من أنواع الشرك «وهو الشرك الخفي؛‬

‫فدليله قول النبي‬

‫‪« :‬أل أ ْخبرك ْم بما هو أ ْخوف عل ْيك ْم عنْدي من المسيح‬

‫الدجال؟» قالوا‪ :‬بلى يا رسول اهلل‪ ،‬قال‪« :‬الش ْرك الخفي؛ يقوم الرجل فيصلي‬ ‫فيزين صالته لما يرى م ْن نظر الرجل إل ْيه»؛ هذا الشرك سمي خفيا؛ أل َنه يقع‬ ‫شخص ـ مثّل ـ وسجد لغير اهلل‪ ،‬أو ذبح لغير اهلل‪،‬‬ ‫خفاء ليس ظاهرا‪ ،‬يعني لو جاء‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫شرك جلي ظاه ٌر‪ ،‬أ َما ا َلذي يصلي ويزين‬ ‫أو مدَ يديه ودعا غير اهلل‪ ،‬فعمله هذا‬ ‫الرجل إليه‪ ،‬فصورة عمله ال َظاهرة أنَه يصلي هلل‪ ،‬د َتى‬ ‫صّلته لما يرى من نظر َ‬ ‫للصّلة صورته ال َظاهرة أنَه هلل‪ ،‬فالشرك‬ ‫الحسن وال َتحسين وال َتزيين ا َلذي دصل َ‬ ‫األول يسمع إذا قال‪« :‬مدد يا‬ ‫ا َلذي عنده خفي ليس بظاه ٍر‪ ،‬ال يرى وال يسمع‪َ ،‬‬ ‫فّلن»‪ ،‬ويرى إذا سجد لغير اهلل‪ ،‬أو ذبح لغير اهلل‪ ،‬بينما هذا ال يرى وال يسمع؛‬ ‫فسمي خفيا لخفائه‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫وشرك خفي‪،‬‬ ‫شرك جلي‪،‬‬ ‫ولهذا بعض العلماء يقول‪ :‬الشرك نوعان‪:‬‬ ‫وسيأيت إشارة َ‬ ‫الشيخ‬

‫إلى ذلك‪.‬‬

‫(‪ )1‬سبق تخريجه ‪.‬‬

‫ـ ‪ 127‬ـ‬


‫مر معنا يف قوله‬ ‫ومما يتع َلق هبذا المعنى ما َ‬ ‫َ‬

‫‪« :‬للش ْرك فيك ْم أ ْخفى م ْن‬

‫دبيب الن ْمل»‪ ،‬من جهة أنَه يتس َرب إلى القلوب‪ ،‬ويت َس َلل إلى النُّفوس خفية‪ ،‬ومن‬ ‫ديث ال يشعر اإلنسان‪ ،‬ولهذا قال‪« :‬وأ ْستغْفرك لما ل أ ْعل ْم»‪ ،‬والرياء محب ٌط‬ ‫للعمل ا َلذي خالطه‪ ،‬واهلل ـ سبحانه وتعالى ـ ال يقبل من العمل َإال ما كان خالصا‬ ‫لوجهه وابتغاء مرضاته ـ سبحانه وتعالى ـ‪ ،‬ويقال للمرائين يوم القيامة‪« :‬اذهبوا‬ ‫إلى الذين كنْت ْم تراءون في الدنْيا؛ فانْظروا ه ْل تجدون عنْده ْم جزا ًء»(‪.)1‬‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬قال‬

‫‪« :‬ويجوز أن يقسم الشرك إلى نوع ْين فقط‪ :‬أكبر وأصغر‪ ،‬أما‬

‫الشرك الخفي فإنه يعمهما؛ فيقع يف األكبر كشرك المنافقين؛ ألنهم يخفون‬ ‫عقائدهم الباطلة ويتظاهرون باإلسالم ريا ًء وخو ًفا على أنفسهم‪ ،‬ويكون يف‬ ‫الشرك األصغر كالرياء‪ ،‬كما يف حديث محمود بن لبيد األنصاري المتقدم‬ ‫وحديث أبي سعيد المذكور‪ ،‬واهلل ولي التوفيق»‪.‬‬ ‫‪:n‬‬ ‫‪ ‬ختم‬

‫ما يتع َلق هبذا ال َتقسيم بأن قال‪« :‬ويجوز أن يقسم الشرك إلى‬

‫ف‪ ،‬قد‬ ‫نوع ْين فقط‪ :‬أكبر‪ ،‬وأصغر»‪ ،‬وأ َما‬ ‫الخفي فليس قسما ثالثا وإ َنما هو وص ٌ‬ ‫ُّ‬ ‫يكون لألكرب‪ ،‬وقد يكون لألصغر‪ ،‬بحسب نوع الشرك‪.‬‬ ‫وهذه ال َطريقة يف ال َتقسيم هي ا َلتي مال إليها َ‬ ‫الشيخ‬ ‫من «فتاويه»‪ ،‬قال‬

‫األول‬ ‫كما يف المج َلد َ‬

‫والصواب‪َ :‬‬ ‫أن هذا ليس قسما ثالثا‪ ،‬بل هو من الشرك‬ ‫‪َ «:‬‬

‫الصحيحة» (‪.)951‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أدمد (‪،)23630‬‬ ‫وصححه األلباين يف « َ‬ ‫َ‬

‫ـ ‪ 128‬ـ‬


‫األصغر‪ ،‬وهو قد يكون خفيا؛ ألنَه يقوم بالقلوب ـ كما يف هذا الحديث ـ‪ ،‬وكا َلذي يقرأ‬ ‫يرائي‪ ،‬أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يرائي‪ ،‬أو يجاهد يرائي‪ ،‬أو نحو ذلك‪.‬‬ ‫وقد يكون خفيا من جهة الحكم َ‬ ‫الشرعي بالنسبة إلى بعض النَاس؛‬ ‫السابق‪ ،‬وقد يكون خفيا وهو من الشرك‬ ‫كاألنواع ا َلتي يف دديث ابن ع َباس َ‬ ‫األكرب كاعتقاد المنافقين؛ فإنَهم يراؤون بأعمالهم ال َظاهرة‪ ،‬وكفرهم خفي لم‬ ‫يظهروه‪ ،‬كما يف قوله تعالى‪﴿ :‬ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ‬ ‫ﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋ ﮌﮍﮎﮏﮐ‬

‫ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ﴾ اآلية [\`]‪ ،‬واآليات يف كفرهم وريائهم كثير ٌة‪ ،‬نسأل‬ ‫اهلل العافية»(‪.)1‬‬ ‫‪ ‬قال‬

‫عمهما) أي‪ :‬تارة‬ ‫‪« :‬أما الشرك الخفي فإنه يعمهما»؛ معنى (ي ُّ‬

‫ٌ‬ ‫شرك خفي؛ وعليه يمكن أن‬ ‫يقع يف األكرب شرك خفي‪ ،‬وتارة يقع يف األصغر‬ ‫يقال‪:‬‬ ‫إن الشرك األكبر قسمان‪:‬‬ ‫‪ .1‬جلي‪ :‬مثل دعاء األموات واالستغاثة باألموات والنَذر لهم‪ ،‬ونحو‬ ‫ذلك‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫شرك أكرب ٌ‬ ‫ناقل من الم َلة‪ ،‬لكنَه خفي‬ ‫‪ .2‬خفي‪ :‬وهو الرياء الخالص؛ فهذا‬ ‫الصّلة وغيرها‪ ،‬لكنَه يبطن يف‬ ‫ليس ظاهرا‪ ،‬يأيت عند المسلمين ويشاركهم يف َ‬ ‫قرار قلبه الكفر باهلل ﴿ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ‬ ‫(‪ )1‬انظر‪« :‬مجموع فتاوى ابن باز» (‪.)46 /1‬‬

‫ـ ‪ 129‬ـ‬


‫ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ﴾ [¾‪.]1 :‬‬ ‫وكذلك الشرك األصغر قسمان‪:‬‬ ‫‪ .1‬جلي؛ مثل قول القائل‪« :‬ما شاء اهلل وشئت»‪ ،‬ودلف المرء بالنَبي أو‬ ‫الكعبة أو غير ذلك‪ ،‬وهذا كّل ٌم يسمع ليس خفيا‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫شرك أصغر‪ ،‬لكنَه خفي‪.‬‬ ‫‪ .2‬خفي؛ مثل يسير الرياء‪ ،‬هذا‬ ‫موما؛ فإن الشرك ينقسم إلى تقسيمات باعتبارات‪:‬‬ ‫وع ً‬ ‫‪ ‬فينقسم باعتبار أقسام ال َتوديد ال َثّلثة إلى ثّلثة أقسام‪.‬‬ ‫‪ ‬وينقسم باعتبار دجمه من كب ٍر أو صغ ٍر إلى أكرب وأصغر‪.‬‬ ‫‪ ‬وينقسم باعتبار خفائه وجّلئه إلى قسمين‪ :‬جلي وخفي‪.‬‬ ‫وله تقسيمات أخرى باعتبارات أخرى ذكرها أهل العلم ـ ردمهم اهلل‬ ‫تعالى ـ‪.‬‬

‫‪‬‬

‫ـ ‪ 130‬ـ‬


‫ﱠ‬

‫ﺍﻟﺪﺭﺱ ﺍﳋﺎﻣﺲ‬

‫ﺍﻹﺣــﺴــــﺎﻥ‬

‫‪ ‬ﻗﺎل ‪::‬‬

‫»اﻟﺪﱠ رس اﻟﺨﺎﻣﺲ‪ :‬اﻹﺣﺴﺎن‬

‫رﻛﻦ اﻹﺣﺴﺎن وﻫﻮ‪ :‬أن َﺗﻌ ُﺒﺪَ اﷲَ ﻛﺄ ﱠﻧ َ‬ ‫ﻚ ﺗﺮاه‪ ،‬ﻓﺈن ﻟﻢ َﺗ ُﻜ ْﻦ ﺗﺮاه ﻓﺈ ﱠﻧﻪ ﻳﺮاك‪«.‬‬ ‫ُ‬ ‫‪‬‬

‫‪:n‬‬ ‫‪ ‬اﻹﺣﺴﺎن أﻋﻠﻰ ُر َﺗ ِ‬ ‫ُ‬ ‫ﺐ اﻟﺪﱢ ﻳﻦ و َأر َﻓ ُﻌﻬﺎ؛ ﱠ‬ ‫ﺛﻼث ﻣﺮاﺗﺐ‪ :‬أﻋﻼﻫﺎ‬ ‫ﻓﺈن اﻟﺪﱢ ﻳ َﻦ‬

‫ﺛﻢ اﻹﺳﻼم‪ ،‬وﻗﺪ ُﺑ ﱢﻴﻨَ ْﺖ ﻫﺬه اﻟﻤﺮاﺗﺐ اﻟﺜﱠﻼﺛ ُﺔ ﰲ ﺣﺪﻳﺚ‬ ‫ﺛﻢ اﻹﻳﻤﺎن‪ ،‬ﱠ‬ ‫اﻹﺣﺴﺎن‪ ،‬ﱠ‬

‫ﻟﻤﺎ ﻗﺎل ﻟﻪ ﺟﱪﻳﻞ‪:‬‬ ‫ﱠﺒﻲ ـ ﻋﻠﻴﻪ ﱠ‬ ‫واﻟﺴﻼم ـ ﱠ‬ ‫اﻟﺼﻼة ﱠ‬ ‫ﺟﱪﻳﻞ اﻟﻤﺸﻬﻮر‪ ،‬ﺣﻴﺚ ﻗﺎل اﻟﻨ ﱡ‬ ‫اﻹ ْﺳ َﻼ ِم؟«‪ ،‬ﻗﺎل‪ِ » :‬‬ ‫» َأ ْﺧﺒِ ْﺮﻧِﻲ َﻋ ِﻦ ِ‬ ‫اﻹ ْﺳ َﻼ ُم َأ ْن ﺗ َْﺸ َﻬﺪَ أَ ْن َﻻ إِ َﻟ َﻪ إِ ﱠﻻ اﷲُ َو َأ ﱠن ُﻣ َﺤ ﱠﻤﺪً ا‬ ‫رﺳ ُ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ﺖ إ ِ ِن‬ ‫ﺎن‪َ ،‬وﺗ َُﺤ ﱠﺞ اﻟ َﺒ ْﻴ َ‬ ‫اﻟﺼ َﻼةَ‪َ ،‬وﺗ ُْﺆﺗِ َﻲ اﻟ ﱠﺰﻛَﺎةَ‪َ ،‬وﺗ َُﺼﻮ َم َر َﻣ َﻀ َ‬ ‫ﻴﻢ ﱠ‬ ‫ﻮل اﷲ‪َ ،‬وﺗُﻘ َ‬ ‫َ ُ‬ ‫ﻳﻤ ِ‬ ‫ﺖ إِﻟَ ْﻴ ِﻪ َﺳﺒِ ًﻴﻼ«‪ ،‬ﻗﺎل‪َ » :‬ﻓ َﺄ ْﺧﺒِ ْﺮﻧِﻲ َﻋ ِﻦ ِ‬ ‫ﺎن؟«‪ ،‬ﻗﺎل‪َ » :‬أ ْن ﺗ ُْﺆ ِﻣ َﻦ ﺑِﺎﷲِ‪،‬‬ ‫اﺳﺘَ َﻄ ْﻌ َ‬ ‫اﻹ َ‬ ‫ْ‬ ‫وﻣ َﻼﺋِﻜَﺘِ ِﻪ‪ ،‬و ُﻛ ُﺘﺒِ ِﻪ‪ ،‬ورﺳ ِﻠ ِﻪ‪ ،‬واﻟﻴﻮ ِم ِ‬ ‫اﻵﺧﺮِ‪َ ،‬وﺗ ُْﺆ ِﻣ َﻦ ﺑِﺎﻟ َﻘﺪَ ِر َﺧ ْﻴﺮِ ِه َو َﺷ ﱢﺮ ِه«‪ ،‬ﻗﺎل‪:‬‬ ‫َ َْ‬ ‫َ‬ ‫َ ُ ُ‬ ‫ََ‬

‫اﻹ ْﺣ َﺴ ِ‬ ‫» َﻓ َﺄ ْﺧﺒِ ْﺮﻧِﻲ َﻋ ِﻦ ِ‬ ‫ﺎن؟«‪ ،‬ﻗﺎل‪َ » :‬أ ْن َﺗ ْﻌ ُﺒﺪَ اﷲَ ﻛ ََﺄﻧ َ‬ ‫ﱠﻚ ﺗ ََﺮا ُه‪َ ،‬ﻓﺈِ ْن َﻟ ْﻢ َﺗﻜ ُْﻦ ﺗ ََﺮا ُه َﻓﺈِ ﱠﻧ ُﻪ‬

‫‪ ‬‬


‫والسّلم ـ يف تمام هذا الحديث‪« :‬فإنه ج ْبريل أتاك ْم‬ ‫ثم قال ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫يراك»‪َ ،‬‬ ‫يعلمك ْم دينك ْم»(‪.)1‬‬ ‫فعلم من ذلك أن ديننا ثالثة مراتب‪ :‬اإلسالم‪ ،‬واإليمان‪ ،‬واإلحسان‪َ ،‬‬ ‫وأن‬ ‫أعلى مراتب الدين هو اإلدسان‪ ،‬وال يمكن أن يبلغ هذه المرتبة د َتى يتمم‬ ‫ثم اإليمان‪ ،‬ولهذا قال العلماء‪ُّ « :‬‬ ‫كل محس ٍن مؤم ٌن مسل ٌم»؛ أل َنه ال‬ ‫اإلسّلم َ‬ ‫يمكن أن يبلغ مرتبة اإلدسان د َتى يتمم اإلسّلم واإليمان‪« ،‬وليس ُّ‬ ‫كل مؤم ٍن‬ ‫محسنا»‪ ،‬فليس ُّ‬ ‫كل من بلغ درجة اإليمان يبلغ درجة اإلدسان؛ َ‬ ‫ألن درجة‬ ‫اإلدسان أعلى وأرفع‪.‬‬ ‫واإلحسان‪ :‬هو اإلتقان واإلجادة يف تتميم العمل وتكميله د َتى يبلغ أعلى‬ ‫ٍ‬ ‫والسّلم ـ بقوله‪« :‬أ ْن ت ْعبد اهلل كأنك‬ ‫َبي ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫رتبة‪ ،‬وله رك ٌن واددٌ ب َينه الن ُّ‬

‫تراه‪ ،‬فإ ْن ل ْم تك ْن تراه فإنه يراك»‪ ،‬فهو عباد ٌة هلل وتق ُّر ٌب إليه ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ‪ ،‬مع‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وإتقان يف هذا ال َتع ُّبد‪ ،‬باستحضار قرب اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ‪،‬‬ ‫إدسان من العبد‬ ‫ومراقبته يف العبادة‪ ،‬ومجاهدته لنفسه على تكميلها وتتميمها د َتى تبلغ أعلى‬ ‫ر ٍ‬ ‫تبة؛ بأن يعبد اهلل تعالى على هذه الصفة‪ ،‬وهو استحضار قربه‪ ،‬وأنَه بين يديه‬ ‫كأنَه يراه‪ ،‬وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتَعظيم‪ ،‬ومن كان كذلك فاز‬ ‫الخاصة‪ ،‬كما قال ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ‬ ‫بمع َية اهلل‬ ‫َ‬ ‫ﰆ﴾ [‪ ،]128 :l‬وكما قال ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ﴾‬ ‫[‪ ،]69 :y‬وفاز أيضا بمح َبة اهلل ﴿ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ﴾ [^‪ ،]195 :‬وفاز‬ ‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪ )8‬عن عمر‬

‫؛ وأخرجه البخاري (‪ )50‬عن أبي هريرة‬

‫ـ ‪ 132‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫أيضا بعظيم ثواب اهلل ـ تبارك وتعالى ـ ﴿ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ﴾ [‪،]26 :f‬‬ ‫﴿ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ﴾ [‪ ،]60 :µ‬فمن أدسن أدسن اهلل إليه‪،‬‬ ‫وفاز بعظيم ال َثواب‪ ،‬وجميل المآب‪ ،‬ورفيع المنازل يوم القيامة‪.‬‬ ‫بالصرب والمجاهدة‬ ‫واإلدسان رتب ٌة عل َي ٌة من رتب هذا الدين‪ ،‬ال تنال َإال َ‬ ‫للنَفس‪ ،‬كما قال ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ‪﴿ :‬ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﮥ ﮦ ﮧ ﮨ‬ ‫ﮩ﴾ [‪ ،]69 :y‬فاإلدسان مجاهد ٌة للنَفس‪ ،‬ومصابر ٌة ومرابط ٌة‪،‬‬ ‫ومحافظ ٌة على طاعة اهلل‪ ،‬ومداوم ٌة مع المراقبة واستحضار قرب اهلل‪ ،‬وأن يكون‬ ‫يف تع ُّبده هلل على هذا الوصف «أ ْن ت ْعبد اهلل كأنك تراه‪ ،‬فإ ْن ل ْم تك ْن تراه فإنه‬ ‫يراك»‪.‬‬

‫‪‬‬

‫ـ ‪ 133‬ـ‬


‫ﱠ‬

‫ﱠ‬

‫ﺍﻟﺪﺭﺱ ﺍﻟﺴﺎﺩﺱ‬

‫ﱠ‬

‫ﺷــــﺮﻭﻁ ﺍﻟـــﺼـــــﻼﺓ‬

‫‪ ‬ﻗﺎل ‪::‬‬

‫اﻟﺼﻼة‬ ‫اﻟﺴﺎدس‪ :‬ﺷﺮوط ﱠ‬ ‫»اﻟﺪﱠ رس ﱠ‬

‫ُ‬ ‫اﻟﺤﺪَ ث‪،‬‬ ‫ﻓﻊ َ‬ ‫ور ُ‬ ‫ﺷﺮوط ﱠ‬ ‫اﻟﺼﻼة وﻫﻲ ﺗﺴﻌ ٌﺔ‪ :‬اﻹﺳﻼم‪ ،‬واﻟﻌﻘﻞ‪ ،‬واﻟ ﱠﺘﻤﻴﻴﺰ‪َ ،‬‬

‫وﺳ ْﺘ ُﺮ اﻟﻌﻮرة‪ ،‬ودﺧﻮل اﻟﻮﻗﺖ‪ ،‬واﺳﺘﻘﺒﺎل اﻟﻘﺒﻠﺔ‪ ،‬واﻟﻨﱢ ﱠﻴﺔ«‪.‬‬ ‫وإزاﻟﺔ اﻟﻨﱠﺠﺎﺳﺔ‪َ ،‬‬ ‫‪:n‬‬

‫اﻟﺼﻼ ُة ﻫﻲ أَﻋ َﻈ ُﻢ أرﻛﺎن اﻹﺳﻼم ﺑﻌﺪ ﱠ‬ ‫ﻓﻤﻦ‬ ‫‪ ‬ﱠ‬ ‫ﻫﻢ أﻣﻮر اﻟﻌﺒﺪ؛ َ‬ ‫اﻟﺸﻬﺎ َد َﺗﻴْﻦ‪ ،‬وأ ﱡ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫وﺣﻔﻈﻬﺎ‬ ‫ﺣﺎ َﻓﻆ ﻋﻠﻴﻬﺎ‬ ‫ﺣﻔﻆ دﻳﻨَﻪ‪ ،‬و َﻣﻦ ﺿ ﱠﻴﻌﻬﺎ ﻛﺎن ﻟﻤﺎ ِﺳﻮاﻫﺎ ﻣﻦ ﻋﻤﻠﻪ أﺷﺪﱠ‬ ‫ِ‬ ‫اﻟﺼﻼة‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫اﻷﻋﻤﺎل‬ ‫إﺿﺎﻋﺔً‪ ،‬وﻫﻲ ﻋﻤﻮ ُد اﻹﺳﻼم؛ ﻓ َﻘﺒﻮل ﺳﺎﺋﺮ‬ ‫ﻣﻮﻗﻮف ﻋﻠﻰ َﻗﺒﻮل ﱠ‬ ‫ﺳﺎﺋﺮ اﻷﻋﻤﺎل‪.‬‬ ‫ﻓﺈ َذا ُر ﱠدت ُر ﱠدت ﻋﻠﻴﻪ ُ‬

‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ﻘﻴﻢ دﻳ ُﻦ‬ ‫وﻫﻲ ﱠأو ُل ُﻓ‬ ‫ﺮوض اﻹﺳﻼم‪ ،‬وﻫﻲ آﺧ ُﺮ ﻣﺎ ُﻳﻔ َﻘﺪ ﻣﻦ اﻟﺪﱢ ﻳﻦ‪ ،‬وﻻ ﻳﺴ َﺘ ُ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ﻘﻴﻢ‬ ‫اﻟﻤﺴﻠﻢ‪ ،‬وﻻ ﺗﺼﻠﺢ أﻋﻤﺎ ُﻟﻪ‪ ،‬وﻻ‬ ‫ﻳﻌﺘﺪل ﺳﻠﻮﻛُﻪ ﰲ ﺷﺆون دﻳﻨﻪ و ُدﻧﻴﺎه‪ ،‬ﺣﺘﱠﻰ ُﻳ َ‬ ‫اﻟﺼﻼة ﻋﻠﻰ َو ِ‬ ‫ﺘﺄﺳ ًﻴﺎ ﺑﺮﺳﻮل اﷲ ح‪.‬‬ ‫ﻫﺬه ﱠ‬ ‫ﺟﻬﻬﺎ اﻟﻤﺸﺮو ِع ﻋﻘﻴﺪ ًة وﻋﺒﺎدةً‪ُ ،‬ﻣ ﱢ‬

‫اﻟﺼﻼة ﻻﺑﺪﱠ ﻓﻴﻪ ﻣِﻦ ﻣﺮاﻋﺎةٍ ﻟﺸﺮوﻃﻬﺎ وأرﻛﺎﳖﺎ وواﺟﺒﺎﺗِﻬﺎ‪ ،‬وﻣﺠﺎﻫﺪة‬ ‫وإﻗﺎ ُم ﱠ‬

‫‪ ‬‬


‫هذا الدَ رس ودروسا بعده تتع َلق‬

‫للنَفس على تكميلها وتتميمها؛ ولهذا أورد‬ ‫ٍ‬ ‫بالصّلة ـ فذكر ُّ‬ ‫والسنن ـ معاونة‬ ‫بمسائل متعلقة َ‬ ‫الشروط واألركان والواجبات ُّ‬

‫الصّلة وأدائها كما ينبغي‪ ،‬بالمحافظة على ُّ‬ ‫الشروط‪،‬‬ ‫للمسلم على إقام َ‬ ‫السنن والمستح َبات‪.‬‬ ‫واألركان‪ ،‬والواجبات‪ ،‬ومن ث َم ُّ‬ ‫وقدَ م‬

‫الكّلم على ُّ‬ ‫الصّلة‪ ،‬وتكون بين يديها‬ ‫الشروط؛ أل َنها تسبق َ‬

‫الصّلة‪ ،‬وقدَ م األركان على‬ ‫ثم ذكر األركان؛ أل َنها تزامن َ‬ ‫ته ُّيؤا لها واستعدادا‪َ ،‬‬ ‫الواجبات؛ أل َنها آكد وأعظم؛ َ‬ ‫الصّلة بتركه‪ ،‬أ َما الواجب إذا‬ ‫الركن تبطل َ‬ ‫فإن ُّ‬ ‫الركن فّل يجبره شي ٌء بل البدَ أن يؤتى به‪،‬‬ ‫السهو‪ ،‬أ َما ُّ‬ ‫ترك؛ فإ َنه يجبر بسجود َ‬ ‫ولو ترك ركنا وسجد سجدتين يف آخر صّلته من أجل تركه فصّلته باطل ٌة‪.‬‬ ‫‪ ‬قال‬

‫‪« :‬شروط الصالة»‪.‬‬

‫والشرط كما عرفه العلماء‪ :‬هو ما يلزم من عدمه العدم‪ ،‬وال يلزم من وجوده‬ ‫ٌ‬ ‫الصّلة‪ ،‬يلزم من عدم‬ ‫وجو ٌد وال عد ٌم لذاته‪ ،‬فمثّل‪ :‬الوضوء‬ ‫شرط من شروط َ‬ ‫ٍ‬ ‫وضوء فّل صّلة له‪ ،‬ولهذا يف‬ ‫صحتها‪ ،‬فمن ص َلى بّل‬ ‫الصّلة وعدم َ‬ ‫الوضوء عدم َ‬ ‫‪« :‬إذا ق ْمت إلى الصالة فأ ْسبغ الوضوء»(‪)1‬؛‬

‫َبي‬ ‫دديث المسيء صّلته قال الن ُّ‬ ‫توضأ ال يلزم من‬ ‫فالوضوء يلزم من عدمه العدم‪ ،‬وال يلزم من وجوده وجو ٌد؛ من َ‬ ‫الصّلة‪ ،‬لكن يلزم من عدم الوضوء عدم ال َصّلة‪.‬‬ ‫وجود الوضوء وجود َ‬

‫‪ ‬الشرط األول‪« :‬اإلسالم»؛ وذلك َ‬ ‫أن غير المسلم ـ وهو الكافر ـ عمله‬ ‫باطل‪ ،‬وداب ٌ‬ ‫ط غير مقبول‪ ،‬كما قال اهلل سبحانه‪ ﴿ :‬ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ‬ ‫ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ﴾ [‪ ،]5 :a‬وكما قال اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ‪:‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري(‪ ،)6251‬ومسلم(‪ )397‬عن أبي هريرة‬

‫ـ ‪ 135‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫﴿ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏﮐ ﮑ‬

‫ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ﴾ [‪ ،]17 :e‬وكما قال ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪:‬‬ ‫﴿ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ﴾‬ ‫الصّلة‪ :‬الدُّ خول يف‬ ‫[‪ ،]65 :¤‬فالكفر والشرك مبط ٌل للعمل‪ ،‬فمن شروط َ‬ ‫هذا الدين‪ ،‬والدُّ خول فيه إ َنما يكون بالنُّطق َ‬ ‫بالشهادتين‪ ،‬مع الفهم لمعناهما‪،‬‬ ‫وعقد العزم على تحقيق ما يد َالن عليه؛ من توديد المرسل ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ‪،‬‬ ‫وتجريد المتابعة للمرسل ـ صلوات اهلل وسّلمه وبركاته عليه ـ‪.‬‬ ‫‪ ‬الشرط الثاين‪« :‬العقل» وضدُّ العقل الجنون‪ ،‬والمجنون فاقدٌ للعقل‪،‬‬ ‫والسّلم ـ أنَه قال‪:‬‬ ‫فالقلم عنه‬ ‫مرفوع‪ ،‬كما جاء الحديث عن نبينا ـ عليه َ‬ ‫ٌ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫«رفع القلم ع ْن ثالثة‪ »...‬وذكر منهم المجنون(‪.)1‬‬ ‫السابعة‪،‬‬ ‫‪ ‬الشرط الثالث‪« :‬التمييز» أن يكون مميزا‪ ،‬وإ َنما يبلغ ددَ ال َتمييز يف َ‬ ‫ولهذا جاء يف الحديث‪« :‬مروا أ ْبناءك ْم»‪ ،‬ويشمل البنين والبنات «بالصالة لس ْبع‬ ‫سنين‪ ،‬و ْ‬ ‫اضربوه ْم عل ْيها لع ْشر سنين»(‪)2‬؛ أل َنه إذا بلغ سبع سنوات يكون مميزا‪،‬‬ ‫بالصّلة‪.‬‬ ‫ويفهم ويحسن أن يقيم العمل إذا وجه وبين له‪ ،‬وهو وقت األمر َ‬ ‫‪ ‬الشرط الرابع‪« :‬رفع الحدث»؛ والحدث يتناول الحدث األكبر‪ ،‬وهو‬ ‫ا َلذي ال يرتفع َإال بالغسل كالجنابة والحيض‪ ،‬والحدث األصغر ا َلذي ال يرتفع‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أدمد (‪ ،)24694‬وأبو داود (‪ ،)4398‬والرتمذي (‪ ،)1423‬والنسائي (‪ ،)3432‬وابن‬ ‫ماجه (‪ )2041‬عن عائشة‬

‫وصححه األلباين يف «اإلرواء» (‪.)297‬‬ ‫؛‬ ‫َ‬

‫(‪ )2‬أخرجه أدمد (‪ ،)6756‬وأبو داود (‪ )495‬عن عبد اهلل بن عمرو‬ ‫«اإلرواء» (‪.)247‬‬

‫ـ ‪ 136‬ـ‬

‫وصححه األلباين يف‬ ‫؛‬ ‫َ‬


‫ٌ‬ ‫الصّلة‪ ،‬وقد جاء عن نبينا ـ عليه‬ ‫َإال بالوضوء‪ ،‬فرفع الحدث‬ ‫شرط من شروط َ‬ ‫والسّلم ـ أنَه قال‪« :‬ل ت ْقبل صالة بغ ْير طهور»(‪ ،)1‬فمن ص َلى وهو‬ ‫الصّلة‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫محد ٌ‬ ‫ث سواء ددثا أكرب أو أصغر فّل صّلة له‪.‬‬ ‫‪ ‬الشرط الخامس‪« :‬إزالة النجاسة» أي من البقعة ا َلتي يص َلى عليها‪ ،‬ومن‬ ‫الثياب‪ ،‬ومن البدن؛ كما قال اهلل سبحانه ﴿ﯖ ﯗ﴾ [‪ ،]4 :É‬واألصل يف‬ ‫ب عليها الماء‪ ،‬وإن كانت‬ ‫ال َطهارة هو الماء‪ ،‬فإن كانت النَجاسة يف األرض يص ُّ‬ ‫يف غيرها تغسل دتَى تطهر‪.‬‬ ‫‪ ‬الشرط السادس‪« :‬ستر العورة» وهي ما يجب تغطيته‪ ،‬ويقبح ظهوره‪،‬‬ ‫ويستحيا منه؛ قال اهلل سبحانه‪﴿ :‬ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ﴾ [‪]31 :c‬‬ ‫ٍ‬ ‫صّلة‪ ،‬ولهذا من ص َلى وهو ٍ‬ ‫ثياب فصّلته باطل ٌة‬ ‫أي عند كل‬ ‫عار ليس عليه ٌ‬ ‫بإجماع أهل العلم َإال إذا كان فاقدا لها‪ ،‬وجاء أيضا يف الحديث «ل ي ْقبل اهلل‬ ‫(‪)2‬‬ ‫الصّلة َإال وجهها‪ ،‬وإذا‬ ‫صالة حائض إل بخمار» ‪ ،‬والمرأة تغطي بدنها ك َله يف َ‬ ‫ٍ‬ ‫رجال أجانب؛ فإ َنه د َتى الوجه يغ َطى لألد َلة الكثيرة على وجوب‬ ‫كانت بحضرة‬

‫تغطية المرأة وجهها إذا كانت بحضرة الرجال األجانب‪.‬‬ ‫‪ ‬الشرط السابع‪« :‬دخول الوقت» كما قال اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪﴿ :‬ﮣ‬

‫وقت مع َي ٌن ال‬ ‫ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ﴾ [`‪ ،]103 :‬أي لها ٌ‬ ‫تص َلى قبله وال تص َلى بعده‪ ،‬وقال تعالى‪﴿ :‬ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪ )224‬عن ابن عمر‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )2‬أخرجه أدمد (‪ ،)25167‬وأبو داود (‪ ،)641‬والرتمذي (‪ ،)377‬وابن ماجه (‪ )655‬عن عائشة‬ ‫وصححه األلباين يف «اإلرواء» (‪.)196‬‬ ‫؛‬ ‫َ‬

‫ـ ‪ 137‬ـ‬


‫فالصّلة تقام لوقتها‪،‬‬ ‫ﭴ ﭵﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ﴾ [‪َ ،]78 :m‬‬ ‫وقد جاء جربيل إلى النَبي‬

‫بالصّلة وص َلى به يف َأول الوقت يف‬ ‫وأ َمه‬ ‫َ‬

‫ثم قال‬ ‫َ‬ ‫ثم جاء من الغد وأ َمه وص َلى يف آخر الوقت َ‬ ‫الصلوات الخمس‪َ ،‬‬

‫‪:‬‬

‫«هذا و ْقت األنْبياء م ْن ق ْبلك‪ ،‬الو ْقت فيما ب ْين هذ ْين الو ْقت ْين»(‪ ،)1‬أي َأول الوقت‬ ‫فالصّلة تص َلى يف الوقت‪ ،‬واألولى أن تص َلى يف َأول الوقت؛ َإال‬ ‫وآخر الوقت‪َ ،‬‬ ‫الصّلة‬ ‫يف صّلة ال ُّظهر إذا اشتدَ‬ ‫الحر كما جاء يف الحديث عن نبينا ـ عليه َ‬ ‫ُّ‬ ‫والسّلم ـ قال‪« :‬إذا ْاشتد الحر فأ ْبردوا بالصالة» أي‪ :‬أخروها قليّل د َتى تنكسر‬ ‫َ‬ ‫شدَ ة درارة َ‬ ‫الشمس‪ ،‬قال‪« :‬فإن شدة الحر م ْن ف ْيح جهنم»(‪.)2‬‬ ‫السنَة من أفضل َية تأخير صّلة العشاء َإال إذا كان يف‬ ‫وكذلك ما جاءت به ُّ‬ ‫ال َتأخير مش َق ٌة على المصلين؛ فإ َنها تص َلى يف َأول وقتها(‪.)3‬‬ ‫‪ ‬الشرط الثامن‪« :‬استقبال القبلة» وهي الكعبة بيت اهلل‪ ،‬كما قال اهلل‬ ‫ـ سبحانه وتعالى ـ ﴿ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ﴾ [^‪ ،]144 :‬فاآلية‬ ‫صحة صّلته‪ُّ ،‬‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫دليل على َ‬ ‫ويدل‬ ‫فرض على المصلي‪،‬‬ ‫أن استقبال القبلة ٌ‬ ‫وشرط يف َ‬ ‫السنَة قول النَبي‬ ‫لذلك من ُّ‬

‫للمسيء صّلته‪« :‬إذا ق ْمت إلى الصالة فأ ْسبغ‬

‫الوضوء ثم ْاست ْقبل الق ْبلة»(‪.)4‬‬ ‫وصححه‬ ‫‪.‬‬ ‫َ‬

‫(‪ )1‬أخرجه أدمد (‪ ،)3081‬وأبو داود (‪ ،)393‬والرتمذي (‪ )149‬عن ابن عباس‬ ‫األلباين يف «صحيح الجامع» (‪.)1402‬‬ ‫(‪ )2‬أخرجه البخاري (‪ )536‬ومسلم (‪ )615‬عن أبي هريرة‬ ‫(‪ )3‬أخرجه البخاري (‪ )7239‬عن ابن عباس‬

‫‪.‬‬

‫‪ ،‬ومسلم (‪ )638‬عن عائشة‬

‫(‪ )4‬سبق تخريجه‪.‬‬

‫ـ ‪ 138‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫والسّلم ـ‪:‬‬ ‫‪ ‬الشرط التاسع‪« :‬النية» ومح ُّلها القلب كما قال ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫«إنما األ ْعمال بالنيات‪ ،‬وإنما لكل ْامرئ ما نوى»(‪ ،)1‬والمراد بالن َية هنا‪ :‬أي ا َلتي‬ ‫يتم َيز هبا العمل؛ فما ا َلذي يميز صّلة ال ُّظهر عن صّلة العصر؟ وما ا َلذي يميز‬ ‫صّلة الفرض عن صّلة النَفل؟ َإال ما قام يف القلب من ن َي ٍة‪.‬‬ ‫والن َية مح ُّلها القلب‪ ،‬وال َتل ُّفظ هبا بدع ٌة وليس عليه عمل النَبي‬ ‫عمل صحابته الكرام‬

‫وال‬

‫للصّلة جهر بالن َية‬ ‫‪ ،‬وما يفعله بعض النَاس إذا قام َ‬

‫قائّل‪« :‬نويت أن أصلي صّلة العصر أربع ركعات يف مكان كذا‪ »...‬إلخ‪ ،‬هذا‬ ‫بدع ٌة ليس عليه عمل النَبي‬

‫وال عمل صحابته الكرام‬

‫‪ ،‬والبدع ك ُّلها‬

‫ٌ‬ ‫يؤزر المرء عليها وال يؤجر؛ َ‬ ‫مربوط باالتباع ال باالبتداع واإلدداث‬ ‫ألن األجر‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬م ْن عمل عم ًال‬ ‫يف دين اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪ ،‬وقد قال ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫ٍ‬ ‫مقبول منه‪.‬‬ ‫ل ْيس عل ْيه أ ْمرنا فهو رد»(‪ ،)2‬أي‪ :‬مردو ٌد على صادبه‪ ،‬غير‬

‫‪‬‬

‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ )1‬ومسلم (‪ )1207‬عن عمر‬ ‫(‪ )2‬سبق تخريجه ‪.‬‬

‫ـ ‪ 139‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫ﱠ‬

‫ﱠ‬

‫ﺍﻟﺪﺭﺱ ﺍﻟﺴﺎﺑﻊ‬

‫ﱠ‬ ‫ﺃﺭﻛﺎﻥ ﺍﻟﺼﻼﺓ‬

‫‪ ‬ﻗﺎل ‪::‬‬

‫اﻟﺼﻼة‪.‬‬ ‫اﻟﺴﺎﺑﻊ‪ :‬أرﻛﺎن ﱠ‬ ‫»اﻟﺪﱠ رس ﱠ‬

‫اﻟﺼﻼة‪ :‬وﻫﻲ أرﺑﻌ َﺔ ﻋﺸﺮ وﻫﻲ‪ :‬اﻟﻘﻴﺎم ﻣﻊ اﻟ ُﻘﺪرة‪ ،‬وﺗﻜﺒﻴﺮ ُة اﻹﺣﺮام‪،‬‬ ‫أرﻛﺎن ﱠ‬

‫ُ‬ ‫واﻟﺴﺠﻮ ُد ﻋﻠﻰ اﻷﻋﻀﺎء‬ ‫اﻟﺮﻛﻮع‪،‬‬ ‫واﻟﺮﻛﻮع‪،‬‬ ‫ﱡ‬ ‫واﻻﻋﺘﺪال ﺑﻌﺪ ﱡ‬ ‫وﻗﺮاء ُة اﻟ َﻔﺎﺗﺤﺔ‪ ،‬ﱡ‬ ‫ِ‬ ‫اﻟﺴﺠﺪَ َﺗ ْﻴﻦ‪ ،‬واﻟ ﱡﻄﻤﺄﻧﻴﻨ ُﺔ ﰲ ﺟﻤﻴﻊ اﻷﻓﻌﺎل‪،‬‬ ‫ﻓﻊ ﻣﻨﻪ‪،‬‬ ‫َ‬ ‫اﻟﺴﺒﻌﺔ‪ ،‬واﻟ ﱠﺮ ُ‬ ‫ﻠﺴ ُﺔ ﺑﻴﻦ ﱠ‬ ‫واﻟﺠ َ‬ ‫ﱠ‬

‫واﻟﺼﻼ ُة ﻋﻠﻰ اﻟﻨﱠﺒﻲ ح‪،‬‬ ‫واﻟ ﱠﺘﺮﺗﻴﺐ ﺑﻴﻦ اﻷرﻛﺎن‪ ،‬واﻟ ﱠﺘ ﱡ‬ ‫ﺸﻬﺪ اﻷﺧﻴﺮ‪ ،‬واﻟﺠﻠﻮس ﻟﻪ‪ ،‬ﱠ‬ ‫واﻟ ﱠﺘﺴﻠﻴﻤﺘﺎن«‪.‬‬

‫‪:n‬‬ ‫اﻟﺼﻼة«‪.‬‬ ‫اﻟﺴﺎﺑﻊ‪ :‬أرﻛﺎن ﱠ‬ ‫‪ ‬ﻗﺎل ‪» ::‬اﻟﺪﱠ رس ﱠ‬

‫اﻟﺮﻛﻦ‪ :‬ﻫﻮ ﺟﺎﻧﺐ ﱠ‬ ‫اﻟﺮﻛﻦ‬ ‫اﻟﺸﻲء اﻷﻗﻮى ا ﱠﻟﺬي ﻻ ﻗﻴﺎ َم ﻟﻪ ﱠإﻻ ﻋﻠﻴﻪ‪ ،‬واﻧﺘﻔﺎء ﱡ‬ ‫ﱡ‬

‫ﺟﻬﻼ؛ ﱠ‬ ‫ُ‬ ‫ﻷن اﻟﻌﺒﺎد َة ﻻ ﺗﻘﻮ ُم ﱠإﻻ‬ ‫ﺳﻬﻮا وﻻ ً‬ ‫َﻳﺒ ُﻄ ُﻞ ﺑﻪ‬ ‫اﻟﻌﻤﻞ‪ ،‬وﻻ َﻳﺴ ُﻘ ُﻂ ﻋﻤﺪً ا وﻻ ً‬ ‫ﻋﻠﻰ أرﻛﺎﻧِﻬﺎ ﻛﻤﺎ ﱠ‬ ‫اﻟﺒﻴﺖ ﻻ ﻳﻘﻮم ﱠإﻻ ﻋﻠﻰ أرﻛﺎﻧِﻪ‪ ،‬ﻓﺈذا زال ُر ْﻛ ٌﻦ ﻣﻦ أرﻛﺎن اﻟﺒﻴﺖ‬ ‫أن‬ ‫َ‬ ‫ﻓﺎﻟﺼﻼ ُة ﻻ ﺗﻘﻮم ﱠإﻻ ﻋﻠﻰ أرﻛﺎﳖﺎ‪ ،‬وﻫﻲ أرﺑﻌ َﺔ ﻋﺸﺮ رﻛﻨًﺎ‪:‬‬ ‫اﳖﺪم‪ ،‬ﱠ‬

‫‪ ‬‬


‫؛ ألنَه ساب ٌق على جميع‬

‫‪ ‬األول‪« :‬القيام مع القدرة» وبدأ به المؤلف‬

‫األركان‪ ،‬فمن كان قادرا على القيام وص َلى صّلته المكتوبة جالسا لم تص َح‬ ‫صّلته؛ َ‬ ‫ألن القيام رك ٌن ما دام قادرا عليه‪ ،‬قال اهلل تعالى‪﴿ :‬ﭑ ﭒ ﭓ‬ ‫ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ﴾ [^‪ ،]238 :‬ويف دديث المسيء صّلته‬ ‫(‪)1‬‬ ‫والسّلم ـ‪:‬‬ ‫قال‪« :‬إذا ق ْمت إلى الصالة فكب ْر» ‪ ،‬ويف الحديث قال ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬

‫«صل قائ ًما‪ ،‬فإ ْن ل ْم ت ْستط ْع فقاعدً ا»‪ ،‬فإذا كان قادرا على القيام البدَ أن يصلي‬ ‫قائما‪ ،‬وإذا كان غير قادر على القيام ص َلى جالسا «فإ ْن ل ْم ت ْستط ْع فقاعدً ا‪ ،‬فإ ْن ل ْم‬ ‫ت ْستط ْع فعلى جنْب» ‪ ،‬أي‪ :‬ا َتق اهلل ما استطعت‪ ،‬وقد قال اهلل تعالى‪﴿ :‬ﮧ ﮨ‬ ‫(‪)2‬‬

‫ﮩ ﮪ﴾ [¿‪.]16 :‬‬ ‫ثم يذهب إلى‬ ‫ومن المّلدظ على بعض المصلين أنَه يدخل المسجد َ‬ ‫الصف‬ ‫ثم يضعه يف مكانه من َ‬ ‫األماكن الم َ‬ ‫خصصة للكراسي ويأخذ واددا منها َ‬ ‫جالس! مع أنَه دخل المسجد ماشيا‪ ،‬ولو‬ ‫ثم يجلس ويكبر تكبيرة اإلدرام وهو‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫وجد رفيقا له أو صادبا ر َبما وقف معه وتحدَ ث قائما‪ ،‬فعنده قدر ٌة على القيام‬ ‫ومع ذلك يصلي جالسا!! ولهذا ينبغي على من كانت هذه صفته يدخل المسجد‬ ‫قائم‪ ،‬وإذا شعر أنَه‬ ‫ماشيا ويأخذ كرسيا‪ ،‬فّل أق َل من أن يكبر تكبيرة اإلدرام وهو ٌ‬ ‫بحاجة إلى الجلوس‪ ،‬والس َيما إذا كان يف القيام إطال ٌة شيئا ما يجلس‪ ،‬أ َما هكذا‬ ‫من َأول صّلته يبدأها وهو جالس وقد جاء ماشيا د َتى اختار المكان وه َيأه‬ ‫وجلس فيه‪ ،‬فمثل هذا ينبغي أن يتن َبه له‪.‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)757‬ومسلم (‪ )397‬عن أبي هريرة‬ ‫(‪ )2‬أخرجه البخاري (‪ )1117‬عن عمران بن دصين‬

‫ـ ‪ 141‬ـ‬

‫‪.‬‬

‫‪.‬‬


‫‪ ‬الركن الثاين من أركان الصالة‪« :‬تكبيرة اإلحرام»؛ وسميت هذه ال َتكبيرة‬ ‫الصّلة‬ ‫«تكبيرة اإلدرام»؛ أل َنها مفتاح ال َصّلة وأ َولها والمدخل إليها‪ ،‬فّل يدخل َ‬ ‫وال يحصل ال َتحريم َإال هبا‪ ،‬ومن المعلوم َ‬ ‫جرد ال َتكبير‬ ‫أن المصلي إذا ك َبر فإ َنه بم َ‬ ‫الصّلة‪ ،‬فتحريمها ال َتكبير‪ ،‬وجميع‬ ‫حرمة عليه قبل َ‬ ‫أمور لم تكن م َ‬ ‫درمت عليه ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫تحريم‬ ‫تفصيل لهذا ال َتكبير ا َلذي هو‬ ‫الصّلة كلها‬ ‫األعمال ا َلتي تكون يف َ‬ ‫ٌ‬ ‫ُّ‬ ‫وتذل وتدعو وتناجي وتسبح إلى غير‬ ‫للصّلة‪ ،‬فأنت تركع وتسجد وتخضع‬ ‫َ‬ ‫ذلك تكبيرا هلل ـ سبحانه وتعالى ـ‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫بلفظ آخر غير ال َتكبير كـ«اهلل‬ ‫الصّلة بدون هذه ال َتكبيرة‪ ،‬أو‬ ‫فمن دخل َ‬ ‫أعظم» أو «اهلل ُّ‬ ‫أجل» أو نحو ذلك َ‬ ‫تصح؛ أل َنه لم يأت بتحريم‬ ‫فإن صّلته ال‬ ‫ُّ‬ ‫ع َين هذا ال َلفظ دون غيره‪ ،‬ويف دديث‬

‫َ‬ ‫بي‬ ‫َ‬ ‫الصّلة الذي هو ال َتكبير‪ ،‬والنَ ُّ‬ ‫المسيء صّلته قال‪« :‬إذا ق ْمت إلى الصالة فكب ْر»(‪.)1‬‬

‫‪ ‬الركن الثالث‪« :‬قراءة الفاتحة»؛ وهي أعظم سورة يف القرآن‪ ،‬وقراءتها‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫الصّلة‪ ،‬ولهذا َ‬ ‫فإن الفاتحة افرتض‬ ‫رك ٌن يف كل صّلة بل يف كل ركعة من ركعات َ‬ ‫مرة؛ وهذا‬ ‫اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ على العباد قراءتها يف اليوم وال َليلة سبع عشرة َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫أن اهلل ـ سبحانه‬ ‫مما يد ُّل على عظيم شأن الفاتحة‪ ،‬ومن عظيم شأنها يف َ‬ ‫َ‬ ‫سماها صّلة كما يف الحديث القدسي‪« :‬قس ْمت الصالة ب ْيني وب ْين‬ ‫وتعالى ـ َ‬ ‫ع ْبدي ن ْصف ْين ولع ْبدي ما سأل‪ ،‬فإذا قال الع ْبد‪﴿ :‬ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ﴾‬ ‫قال اهلل تعالى‪ :‬حمدني ع ْبدي‪ ،‬وإذا قال‪﴿ :‬ﭛ ﭜ ﭝ﴾ قال اهلل تعالى‪ :‬أ ْثنى‬ ‫(‪ )1‬سبق تخريجه‪.‬‬

‫ـ ‪ 142‬ـ‬


‫علي ع ْبدي‪ ،‬وإذا قال‪﴿ :‬ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴾ قال‪ :‬مجدني ع ْبدي‪ ،‬فإذا قال‪:‬‬ ‫﴿ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ﴾ قال‪ :‬هذا ب ْيني وب ْين ع ْبدي ولع ْبدي ما سأل‪ ،‬فإذا‬ ‫قال‪﴿ :‬ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ‬ ‫الصّلة‬ ‫ﭴ﴾ قال‪ :‬هذا لع ْبدي ولع ْبدي ما سأل»(‪،)1‬‬ ‫وصح عن نبينا ـ عليه َ‬ ‫َ‬ ‫والسّلم ـ أنَه قال‪« :‬ل صالة لم ْن ل ْم ي ْقر ْأ بفاتحة الكتاب»(‪.)2‬‬ ‫َ‬ ‫ومن أسمائها «أ ُّم القرآن»؛ أل َنها ـ كما قال العلماء ـ دوت إجماال ما‬ ‫كثير من الدُّ روس العظيمة النَافعة‪ ،‬وإذا كان‬ ‫اشتمل عليه القرآن تفصيّل‪ ،‬وفيها ٌ‬ ‫مطلوب من المسلم أن يتد َبر القرآن ﴿ﮑ ﮒ ﮓ﴾ [¬‪]24 :‬‬ ‫ٌ‬ ‫فكيف َ‬ ‫مرة!! بل يقرأها فرضا‬ ‫السورة ا َلتي يقرأها المسلم قراءة مست َ‬ ‫الشأن هبذه ُّ‬ ‫مرة‪ ،‬ولو نظر المرء مثّل من بلغ سبعين سنة من عمره‬ ‫يف اليوم وال َليلة سبع عشرة َ‬ ‫الصّلة من صغره كم قرأ هذه الفاتحة يف دياته؛ ألدرك أنَه ال يليق به أن‬ ‫وبدأ َ‬ ‫جرد القراءة‪ ،‬بل الواجب أن يعنى بتد ُّبرها وعقل معانيها‬ ‫يكون د ُّظه منها م َ‬ ‫ودالالتها‪ ،‬وما فيها من الدَ روس المتنوعة والعبر البالغة‪ ،‬د َتى تكون قراءته لها‬ ‫ٍ‬ ‫مر ٍة عن ٍ‬ ‫وبصيرة بمدلوالتها‪.‬‬ ‫علم وتف ُّق ٍه‬ ‫يف كل َ‬ ‫وإن من األمور المؤسفة َ‬ ‫َ‬ ‫أن كثيرا من عوام المسلمين يقرأ الفاتحة وال‬ ‫يستشعر َ‬ ‫أن قوله ﴿ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ﴾ دعا ٌء‪ ،‬وأ َنه هبذا يدعو اهلل‬ ‫ٍ‬ ‫مطلوب‪ :‬أن يهديه الصراط المستقيم‪ ،‬ولهذا أوجب اهلل‬ ‫بأعظم أم ٍر وأجل‬ ‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪ )395‬عن أبي هريرة‬

‫‪.‬‬

‫الصامت‬ ‫(‪ )2‬أخرجه البخاري (‪ )756‬ومسلم (‪ )394‬عن عبادة بن َ‬

‫ـ ‪ 143‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫مرة يف اليوم وال َليلة لعظم شأنه‪ ،‬وبين يدي هذا‬ ‫علينا هذا الدُّ عاء سبع عشرة َ‬ ‫وإقرار بالعبود َية له‪.‬‬ ‫وتعظيم هلل ـ سبحانه وتعالى ـ‬ ‫الدُّ عاء ثنا ٌء وتمجيدٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫‪ ‬الرابع من أركان الصالة‪« :‬الركوع» قال اهلل تعالى‪﴿ :‬ﮕ ﮖ ﮗ‬

‫ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ﴾ [‪ ،]77 :r‬وقال‪﴿ :‬ﮟ ﮠ ﮡ﴾‬ ‫الصّلة ال تص ُّح َإال به‪ ،‬ويف دديث المسيء‬ ‫فالركوع رك ٌن من أركان َ‬ ‫[^‪ُّ ،]43 :‬‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬ثم ْارك ْع حتى ت ْطمئن راك ًعا»(‪.)1‬‬ ‫صّلته قال له ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫‪ ‬قال‪« :‬والعتدال بعد الركوع» أي‪ :‬أن يرفع من ركوعه د َتى يعتدل قائما ويعود‬ ‫ُّ‬ ‫كل عظ ٍم إلى فقاره‪ ،‬ويف دديث المسيء صّلته‪« :‬ثم ْارف ْع حتى ت ْعتدل قائ ًما»(‪.)2‬‬ ‫ومن األمور المؤسفة َ‬ ‫الركوع هوى إلى‬ ‫أن يف المصلين من إذا رفع من ُّ‬ ‫السجود قبل أن يعتدل قائما‪ ،‬ومن كان كذلك فّل صّلة له؛ أل َنه ض َيع ركنا من‬ ‫ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫السرقات‪ ،‬كما جاء يف‬ ‫أركانها‪ ،‬وكان بعمله هذا وقع يف سرقة هي من أسوء َ‬ ‫والسّلم ـ أنَه قال‪« :‬أ ْسوأ الناس سرق ًة الذي‬ ‫الحديث عن نبينا ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫ي ْسرق م ْن صالته»‪ ،‬قالوا‪ :‬يا رسول اهلل‪ ،‬وكيف يسرق من صّلته ؟ قال‪« :‬ل يتم‬ ‫ركوعها ول سجودها أو قال‪ :‬ل يقيم ص ْلبه في الركوع والسجود»(‪ ،)3‬وهذا‬ ‫السرقة أسوء من سرقة المال؛ َ‬ ‫والصّلة‬ ‫ألن المال يتع َلق بحقوق العبد‪َ ،‬‬ ‫النَوع من َ‬ ‫ودق اهلل ـ تبارك وتعالى ـ أعظم‪.‬‬ ‫تتع َلق بحقوق اهلل‪ُّ ،‬‬ ‫‪ ‬السادس‪« :‬السجود على األعْاء السبعة» لقوله تعالى‪﴿ :‬ﮕ ﮖ‬ ‫(‪ )1‬سبق تخريجه‪.‬‬ ‫(‪ )2‬أخرجه البخاري(‪ )6251‬ومسلم(‪.)397‬‬ ‫(‪ )3‬أخرجه أدمد (‪ ،)22642‬عن أبي قتادة‬

‫وصححه األلباين يف «صحيح الجامع (‪.)986‬‬ ‫؛‬ ‫َ‬

‫ـ ‪ 144‬ـ‬


‫ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ﴾‬ ‫الصحيحين» عن النَبي‬ ‫أمر‪ ،‬واألمر للوجوب‪ ،‬ويف « َ‬ ‫[‪ ،]77 :r‬فهذا ٌ‬

‫قال‪:‬‬

‫«أم ْرت أ ْن أ ْسجد على س ْبعة أ ْعظم؛ على الج ْبهة ـ وأشار بيده على أنفه ـ أي‬ ‫(‪)1‬‬ ‫الجبهة واألنف هذا عضو ـ‪ ،‬واليد ْين‪ ،‬والركْبت ْين‪ ،‬وأ ْطراف القدم ْين» ‪ ،‬والبدَ‬

‫السجود؛ َ‬ ‫وإال لم تص َح‬ ‫أن تم َكن هذه األعضاء د َتى يأخذ الجسم ك ُّله د َظه من ُّ‬ ‫السجدة إلى‬ ‫سجدته‪ ،‬مثل ما يحصل من بعض المصلين إذا سجد تجده من َأول َ‬ ‫السجدة؛ فهذا لم‬ ‫السجدة ي ُّح ُّك بإددى قدميه القدم األخرى إلى أن تنتهي َ‬ ‫آخر َ‬ ‫السبعة األعضاء‪.‬‬ ‫يسجد على َ‬ ‫‪ ‬السابع‪« :‬والرفع منه»؛ لقول النَبي‬

‫للمسيء صّلته‪« :‬ثم ْارف ْع حتى‬

‫ت ْطمئن جال ًسا»(‪ ،)2‬وهذا يد ُّل على أنَه الزم؛ ألنَه يف سياق بيان األركان‪.‬‬ ‫لصّلة‪ ،‬فإذا رفع‬ ‫كن من أركان ا َ‬ ‫‪ ‬الثامن‪« :‬الجلسة بين السجدت ْين» وهي ر ٌ‬ ‫السجدة األولى جلس‪ ،‬وأق ُّل ما يكون يف هذا الجلوس أن تحصل ال ُّطمأنينة‪،‬‬ ‫من َ‬ ‫بأن يطمئ َن البدن ويحصل له ركو ٌد‪ ،‬فإذا جلس واطمأ َن يف جلوسه يسجد بعد‬ ‫السجدة ال َثانية قبل أن يتح َقق هذا الجلوس يكون بذلك‬ ‫ذلك؛ فمن هوى إلى َ‬ ‫ترك ركنا من أركان صّلته‪ ،‬ويف دديث المسيء صّلته قال‬

‫‪« :‬ثم ْارف ْع حتى‬

‫ت ْطمئن جال ًسا»(‪.)3‬‬ ‫وقد يقال‪َ :‬‬ ‫الرفع منه والجلسة بين‬ ‫إن يف هذا شيئا من التَكرار؛ ألنَه ذكر َ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)812‬ومسلم (‪ )490‬عن ابن عباس‬ ‫(‪ )2‬سبق تخريجه‪.‬‬ ‫(‪ )3‬سبق تخريجه‪.‬‬

‫ـ ‪ 145‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫السجدتين‪ ،‬فيكفي االقتصار على أددهما‪ ،‬الس َيما وأنَه لم يذكر مثل ذلك بعد‬ ‫َ‬ ‫السجود دتَى يفصل بين‬ ‫الرفع من ُّ‬ ‫الركوع‪ ،‬وقد يكون تنصيصهم على َ‬ ‫الرفع من ُّ‬ ‫َ‬ ‫السجدتين؛ َ‬ ‫السجدتين قد ٌر زائدٌ عن الفصل‪ ،‬فّلبدَ أن يرفع‬ ‫فإن الجلوس بين َ‬ ‫َ‬ ‫السجدتين باعتبار الجلسة ركنا مستقّل‪،‬‬ ‫دتَى يفصل‪ ،‬والبدَ أن يجلس بين َ‬ ‫فلذلك عدُّ وهما ركنين‪.‬‬ ‫‪ ‬قال‬

‫تكرر يف دديث المسيء‬ ‫‪« :‬والطم ْأنينة يف جميع األفعال»؛ لما َ‬ ‫السجود‪،‬‬ ‫والرفع منه‪ ،‬ويف ُّ‬ ‫الركوع‪َ ،‬‬ ‫يذكر هذه ال ُّطمأنينة يف ُّ‬

‫َ‬ ‫َبي‬ ‫صّلته أن الن َ‬ ‫الرفع منه؛ بل قال‪« :‬ثم ا ْفع ْل ذلك في صالتك كلها»(‪ )1‬أي‪َ :‬‬ ‫أن ال ُّطمأنينة‬ ‫ويف َ‬ ‫مطلوب ٌة من العبد يف صّلته كلها‪.‬‬ ‫‪« ‬والترتيب بين األركان» كما هي مر َتب ٌة يف دديث المسيء صّلته‪ ،‬ففي كل‬ ‫ر ٍ‬ ‫ثم» تفيد ال َترتيب‪ ،‬فيؤتى هبذه‬ ‫ثم افعل كذا»‪ ،‬و« َ‬ ‫ثم افعل كذا‪َ ،‬‬ ‫كن كان يقول له‪َ « :‬‬ ‫ٍ‬ ‫والسّلم ـ‪:‬‬ ‫األركان مر َتبة‪ ،‬ال يقدَ م منها شي ٌء على شيء‪ ،‬وقد قال ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫«صلوا كما رأ ْيتموني أصلي»(‪ ،)2‬فلو سجد ناسيا قبل أن يركع وجب عليه أن يرجع‬ ‫بالسجود ا َلذي دصل منه سهوا‪.‬‬ ‫السجود‪ ،‬وال يعتدُّ ُّ‬ ‫ثم ُّ‬ ‫بالركوع َ‬ ‫ليأتي ُّ‬ ‫‪ ‬الحادي عشر والثاين عشر‪« :‬التشه د األخير‪ ،‬والجلوس له»؛ جاء يف‬ ‫الحديث عن النَبي‬ ‫ل له‪»...‬‬

‫(‪)3‬‬

‫أنَه قال‪« :‬إذا قعد أحدك ْم في الصالة ف ْليق ْل‪ :‬التحيات‬

‫إ لى آخر ه‪ ،‬وقال يف الر واية األخرى‪« :‬و لك ْن قول وا‪ :‬التحيات‬

‫(‪ )1‬سبق تخريجه‪.‬‬ ‫(‪ )2‬أخرجه البخاري(‪ )631‬عن مالك بن الحويرث‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )3‬أخرجه البخاري (‪ ،)6328‬ومسلم (‪ )402‬عن ابن مسعود‬

‫ـ ‪ 146‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫(‪)1‬‬ ‫الصّلة‪،‬‬ ‫ل له» ‪ ،‬فالقعود للتَش ُّهد األخير‪ ،‬وقراءة التَش ُّهد فيه ركنان من أركان َ‬

‫الصّلة‪ ،‬فلو ت ركه م ا نسيانا وقام للثَالثة‬ ‫األو ل فهما من واجبات َ‬ ‫أ َما يف التَش ُّه د َ‬ ‫للسهو يف آخر صّلته‪.‬‬ ‫جبر ذلك بس جد تين َ‬ ‫‪ ‬الثالث عشر‪« :‬الصالة على النبي‬

‫والسّلم ـ‪:‬‬ ‫» لقوله ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬

‫«قولوا‪ :‬اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صل ْيت على آل إ ْبراهيم‬ ‫وبار ْك على محمد وعلى آل محمد كما باركْت على آل إ ْبراهيم في العالمين‬ ‫إنك حميد مجيد»(‪.)2‬‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬ت ْحريمها التكْبير‪،‬‬ ‫الصّلة‬ ‫‪« ‬والتسليمتان»؛ لقوله ـ عليه َ‬ ‫َ‬ ‫وت ْحليلها الت ْسليم»(‪)3‬؛ ولحديث عائشة‬

‫الصّلة‬ ‫‪« :‬وكان يختم‬ ‫َ‬

‫بالتَسليم»(‪.)4‬‬ ‫وهذه األركان األربعة عشر‪ ،‬خمس ٌة منها قول َي ٌة وهي‪ :‬تكبيرة اإلدرام‪ ،‬وقراءة‬ ‫والصّلة على النَبي‪ ،‬والتَسليمتان‪ ،‬والبقية فعلية‪.‬‬ ‫الفاتحة‪ ،‬والتَشهد األخير‪َ ،‬‬

‫‪‬‬

‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ )835‬عن ابن مسعود‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )2‬أخرجه البخاري (‪ ،)3370‬ومسلم (‪ )405‬عن أبي مسعود األنصاري‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )3‬أخرجه أدمد (‪ ،)1006‬وأبو داود (‪ ،)61‬والرتمذي (‪ ،)3‬وابن ماجه (‪ ،)275‬عن علي‬ ‫وصححه األلباين يف «اإلرواء» (‪.)301‬‬ ‫َ‬ ‫(‪ )4‬أخرجه مسلم (‪.)498‬‬

‫ـ ‪ 147‬ـ‬

‫؛‬


‫ﱠ‬ ‫ﱠ‬ ‫ﺍﻟﺪﺭﺱ ﺍﻟﺜﺎﻣﻦ‬

‫ﱠ‬

‫ﻭﺍﺟــﺒــﺎﺕ ﺍﻟــﺼـــﻼﺓ‬

‫‪ ‬ﻗﺎل ﱠ‬ ‫اﻟﺸﻴﺦ ‪::‬‬

‫اﻟﺼﻼة‬ ‫»اﻟﺪﱠ رس اﻟ ﱠﺜﺎﻣﻦ‪ :‬واﺟﺒﺎت ﱠ‬

‫ِ‬ ‫ﻜﺒﻴﺮات ﻏﻴﺮ َﺗﻜﺒِ َﻴﺮةِ اﻹﺣﺮام‪ ،‬وﻗﻮل‪:‬‬ ‫ﺟﻤﻴﻊ اﻟ ﱠﺘ‬ ‫اﻟﺼﻼة وﻫﻲ ﺛﻤﺎﻧﻴﺔ‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫واﺟﺒﺎت ﱠ‬ ‫ِ‬ ‫اﻟﺤ ْﻤﺪُ « ﱢ‬ ‫ﻟﻠﻜﻞ‪ ،‬وﻗﻮل‪:‬‬ ‫واﻟﻤﻨ َﻔﺮِد‪ ،‬وﻗﻮل‪» :‬ر ﱠﺑﻨَﺎ وﻟﻚ َ‬ ‫»ﺳﻤﻊ اﷲُ ﻟﻤﻦ َﺣﻤﺪَ ه« ﻟﻺﻣﺎم ُ‬ ‫اﻟﺴﺠﻮد‪،‬‬ ‫ﺒﺤ َ‬ ‫» ُﺳ َ‬ ‫اﻟﺮﻛﻮع‪ ،‬وﻗﻮل‪» :‬ﺳﺒﺤﺎن ر ﱢﺑﻲ اﻷﻋﻠﻰ« ﰲ ﱡ‬ ‫ﺎن ر ﱢﺑ َﻲ اﻟﻌﻈﻴﻢ« ﰲ ﱡ‬ ‫ِ‬ ‫واﻟﺠﻠﻮس ﻟﻪ«‪.‬‬ ‫اﻷول‪،‬‬ ‫اﻟﺴﺠﺪَ َﺗ ْﻴﻦ‪ ،‬واﻟ ﱠﺘ ﱡ‬ ‫ُ‬ ‫ﺸﻬﺪ ﱠ‬ ‫وﻗﻮل‪» :‬ر ﱢب ا ْﻏﻔ ْﺮ ﻟﻲ« َﺑ ْﻴ َﻦ ﱠ‬ ‫‪:n‬‬ ‫اﻟﺼﻼة‪ :‬ﻫﻲ‬ ‫اﻟﺼﻼة«؛ واﺟﺒﺎت ﱠ‬ ‫رس اﻟ ﱠﺜﺎﻣﻦ‪ :‬واﺟﺒﺎت ﱠ‬ ‫‪ ‬ﻗﺎل ‪» ::‬اﻟﺪﱠ ُ‬ ‫وأﻗﻮال َﺗ ِ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫اﻟﺼﻼة ﻟﻜﻨﱠﻬﺎ دون اﻷرﻛﺎن؛ وﻟﻬﺬا ُﺗﺠ َﺒ ُﺮ إن َﺗﺮ َﻛﻬﺎ اﻟﻤﺮ ُء‬ ‫أﻓﻌﺎل‬ ‫ﺐﰲ ﱠ‬ ‫ﺠ ُ‬ ‫ﻟﻠﺴ ِ‬ ‫ﻬﻮ ﰲ آﺧﺮ ﺻﻼﺗِﻪ‪ ،‬وإن ﺗﺮﻛﻬﺎ ﻋﻤﺪً ا ﺑ َﻄ َﻠ ْﺖ ﺻﻼ ُﺗﻪ‪.‬‬ ‫ﻧﺎﺳ ًﻴﺎ ﺑﺴﺠﺪَ َﺗﻴْﻦ ﱠ‬

‫اﻷول‪» :‬ﺟﻤﻴﻊ اﻟﺘﱠﻜﺒﻴﺮات َﻏ ْﻴ َﺮ ﺗﻜﺒﻴﺮةِ اﻹﺣﺮام« َﺗﻘﺪﱠ َم ﱠ‬ ‫أن ﺗﻜﺒﻴﺮ َة‬ ‫‪ ‬اﻟﻮاﺟﺐ ﱠ‬ ‫ِ‬ ‫اﻟﺼﻼة‪ ،‬وﻣﺎ ﻋﺪَ ا َ‬ ‫ذﻟﻚ ﻣﻦ اﻟ ﱠﺘﻜﺒﻴﺮات ـ ﻛﺎﻟ ﱠﺘﻜﺒﻴﺮ ﻋﻨﺪ‬ ‫اﻹﺣﺮام رﻛ ٌﻦ ﻣﻦ أرﻛﺎن ﱠ‬ ‫ِ‬ ‫وﻧﺤﻮ ذﻟﻚ ﻣ َﻦ اﻟ ﱠﺘﻜﺒﻴﺮات‪ -‬ـ ﻛ ﱢﻠﻬﺎ ﻣﻦ‬ ‫واﻟﺮﻓ ِﻊ ﻣﻨﻪ‪،‬‬ ‫اﻟﺴﺠﻮد‪ ،‬ﱠ‬ ‫اﻟﺮﻛﻮع‪ ،‬وﻋﻨﺪ ﱡ‬ ‫ﱡ‬

‫‪ ‬‬


‫قال‪« :‬كان رسول اهلل‬

‫الصّلة‪ ،‬وقد جاء يف دديث ابن مسعود‬ ‫واجبات َ‬ ‫يكبر في كل خف ٍ‬ ‫ض ورف ٍع»(‪.)1‬‬

‫‪ ‬الثاين والثالث‪« :‬قول‪« :‬سمع اهلل لمن حمده» لإلمام والمنفرد‪ ،‬وقول‪:‬‬ ‫«ربنا ولك الحمد» للكل» أي‪ :‬لإلمام وللمأموم وللمنفرد؛ فاإلمام يقول‪« :‬سمع‬ ‫الركوع يقول‪« :‬سمع اهلل‬ ‫اهلل لمن دمده»‪ ،‬ومن يصلي منفردا عندما يرفع من ُّ‬ ‫الرفع من‬ ‫لمن دمده»‪ ،‬وجميعهم ـ اإلمام والمأموم والمنفرد ـ يقولون بعد َ‬ ‫الركوع‪« :‬ر َبنا ولك الحمد»‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫يف ذكر صفة صّلة النَبي‬

‫وقد جاء يف دديث أبي هريرة‬

‫‪ ،‬أنَه‬

‫ـ صلوات اهلل وسّلمه عليه ـ يقول‪« :‬سمع اهلل لم ْن حمده» دين يرفع صلبه من‬ ‫الركوع»(‪ ،)2‬وأيضا يف دديث أبي هريرة‬ ‫ُّ‬

‫ثم يقول‪« :‬ربنا ولك الح ْمد»(‪،)3‬‬ ‫َ‬

‫ويف بعض الروايات‪« :‬اللهم ربنا ولك الح ْمد»(‪.)4‬‬ ‫ومعنى‪« :‬سمع اهلل لمن دمده» ‪ :‬أي‪ :‬استجاب ـ تبارك وتعالى ـ لعبده‬ ‫الحامد لربه ومواله ـ سبحانه وتعالى ـ؛ َ‬ ‫السمع هنا سمع اإلجابة‪.‬‬ ‫ألن َ‬ ‫‪‬‬

‫الواجب الرابع والخامس من واجبات الصالة‪« :‬قول «سبحان ربي‬

‫العظيم» يف الركوع‪ ،‬وقول‪« :‬سبحان ربي األعلى» يف السجود»؛ وقد جاء يف‬ ‫دديث دذيفة‬

‫قال‪« :‬كان‬

‫يقول في ركوعه‪« :‬س ْبحان ربي العظيم»‪،‬‬

‫وصححه األلباين يف «اإلرواء»‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أدمد (‪ ،)3660‬والرتمذي (‪ ،)253‬والنسائي (‪)1083‬؛‬ ‫َ‬ ‫(‪.)330‬‬ ‫(‪ )2‬أخرجه مسلم (‪.)392‬‬ ‫(‪ )3‬أخرجه البخاري (‪ ،)378‬ومسلم (‪ )411‬عن أبي هريرة‬ ‫(‪ )4‬أخرجه البخاري (‪ )795‬عن أبي هريرة‬

‫‪.‬‬

‫ـ ‪ 149‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫(‪)1‬‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬فأما‬ ‫ويف سجوده‪« :‬س ْبحان ربي األ ْعلى»» ‪ ،‬وقال ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫(‪)2‬‬ ‫الرب أن تقول‪« :‬س ْبحان ربي العظيم»‬ ‫الركوع فعظموا فيه الرب» ‪ ،‬ومن تعظيم َ‬

‫وكذلك‪« :‬س ْبحان ذي الجبروت والملكوت والك ْبرياء والعظمة»‪ ،‬ثبت َ‬ ‫أن النَبي‬ ‫يقول ذلك يف ركوعه وسجوده(‪.)3‬‬ ‫‪ ‬السادس‪« :‬قول‪« :‬رب اغْ ف ْر لي» بين السجدت ْين» كما جاء يف دديث دذيفة‬ ‫َ‬ ‫أن النَبي‬

‫السجدتين‪« :‬رب اغْف ْر لي‪ ،‬رب اغْف ْر لي»(‪.)4‬‬ ‫كان يقول بين َ‬

‫‪ ‬السابع والثامن‪« :‬التشهد األول‪ ،‬والجلوس له»؛ لحديث‪« :‬إذا قعدت ْم يف‬ ‫كل ركْعت ْين‪ ،‬فقولوا‪ :‬التحيات لله»(‪ ،)5‬وللحديث‪« :‬أ َن رسول اهلل‬

‫قام في‬

‫وس‪ ،‬فل َما أت َم صّلته سجد سجدتين»(‪ ،)6‬وهذا من األد َلة‬ ‫صّلة ال ُّظهر وعليه جل ٌ‬ ‫الصّلة‪ ،‬وأ َنه ليس برك ٍن؛ َ‬ ‫ألن الواجب هو ا َلذي‬ ‫على أنَه واجب من واجبات َ‬ ‫الركن َ‬ ‫الصّلة‪.‬‬ ‫فإن تركه تبطل به َ‬ ‫بالسجدتين‪ ،‬أ َما ُّ‬ ‫يجبر َ‬

‫‪‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)795‬ومسلم (‪.)772‬‬ ‫(‪ )2‬أخرجه مسلم (‪ )479‬عن ابن عباس‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )3‬أخرجه أدمد (‪ ،)23980‬وأبو داود (‪ ،)873‬والنسائي (‪ ،)1049‬عن عوف بن مالك‬

‫؛‬

‫وصححه األلباين يف «صحيح أبي داود» (‪.)817‬‬ ‫َ‬ ‫وصححه‬ ‫(‪ )4‬أخرجه أدمد (‪ ،)23375‬وأبو داود (‪ ،)874‬والنسائي (‪ ،)1145‬وابن ماجه (‪،)897‬‬ ‫َ‬ ‫األلباين يف «اإلرواء» (‪.)335‬‬ ‫(‪ )5‬أخرجه أدمد (‪ ،)4160‬والنسائي (‪ )1163‬عن ابن مسعود‬

‫وصححه األلباين يف «اإلرواء»‬ ‫؛‬ ‫َ‬

‫(‪.)336‬‬ ‫(‪ )6‬أخرجه البخاري(‪ ،)830‬ومسلم (‪ )570‬عن عبد اهلل بن بحينة‬

‫ـ ‪ 150‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫ﱠ‬

‫ﺍﻟﺪﺭﺱ ﺍﻟﺘﺎﺳﻊ‬

‫ﱠ‬

‫ﱡ‬

‫ﺑـﻴــــﺎﻥ ﺍﻟـﺘــﺸــﻬـــﺪ‬

‫‪ ‬ﻗﺎل ‪::‬‬

‫ﺸﻬﺪ‪.‬‬ ‫رس اﻟ ﱠﺘﺎﺳﻊ‪ :‬ﺑﻴﺎن اﻟ ﱠﺘ ﱡ‬ ‫»اﻟﺪﱠ ُ‬

‫ﺑﻴﺎن اﻟ ﱠﺘﺸﻬﺪ‪ ،‬وﻫﻮ أن ﻳﻘﻮل‪» :‬اﻟ ﱠﺘ ِ‬ ‫اﻟﺴ َﻼ ُم‬ ‫ات واﻟ ﱠﻄ ﱢﻴﺒَ ُ‬ ‫واﻟﺼ َﻠ َﻮ ُ‬ ‫ﺤ ﱠﻴ ُ‬ ‫ﱡ‬ ‫ﺎت ﷲ‪ ،‬ﱠ‬ ‫ﺎت‪ ،‬ﱠ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫َﻋ َﻠ ْﻴ َ َ‬ ‫ﺤﻴﻦ‪،‬‬ ‫اﻟﺼﺎﻟ َ‬ ‫اﻟﺴ َﻼ ُم َﻋ َﻠ ْﻴ َﻨﺎ و َﻋ َﻠﻰ ﻋ َﺒﺎد اﷲ ﱠ‬ ‫ور ْﺣ َﻤ ُﺔ اﷲ و َﺑ َﺮ َﻛﺎ ُﺗﻪ‪ ،‬ﱠ‬ ‫ﱠﺒﻲ َ‬ ‫ﻚ أ ﱡﻳ َﻬﺎ اﻟﻨ ﱡ‬ ‫ور ُﺳﻮﻟُﻪ«‪.‬‬ ‫َأ ْﺷ َﻬﺪُ أن َﻻ إِ َﻟ َﻪ إ ِ ﱠﻻ اﷲُ‪ ،‬وأَ ْﺷ َﻬﺪُ َأ ﱠن ُﻣ َﺤ ﱠﻤﺪً ا َﻋ ْﺒﺪُ ُه َ‬

‫ِ‬ ‫ﺤﻤ ٍﺪ‬ ‫ﱠﺒﻲ ح‬ ‫ﻬﻢ! َﺻ ﱢﻞ ﻋﻠﻰ ُﻣ ﱠ‬ ‫وﻳﺒﺎر ُك ﻋﻠﻴﻪ ﻓﻴ ُﻘﻮل‪» :‬اﻟ ﱠﻠ ﱠ‬ ‫ﱠ‬ ‫ﺛﻢ ﻳﺼ ﱢﻠﻲ ﻋﻠﻰ اﻟﻨ ﱢ‬ ‫ﻚ َﺣ ِﻤﻴﺪٌ َﻣ ِ‬ ‫إﺑﺮاﻫﻴﻢ إ ﱠﻧ َ‬ ‫ﺠﻴﺪٌ ‪،‬‬ ‫ﺖ ﻋﻠﻰ إﺑﺮاﻫﻴﻢ وﻋﻠﻰ آل‬ ‫ﺤﻤ ٍﺪ ﻛﻤﺎ َﺻ ﱠﻠ ْﻴ َ‬ ‫َ‬ ‫وﻋﻠﻰ آل ُﻣ ﱠ‬

‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫و َﺑ ِ‬ ‫ﻴﻢ إ ﱠﻧ َﻚ‬ ‫ﺎر ْك ﻋﻠﻰ ُﻣ َﺤ ﱠﻤ ٍﺪ وﻋﻠﻰ آل ُﻣ َﺤ ﱠﻤ ٍﺪ ﻛﻤﺎ َﺑ َﺎر ْﻛ َ‬ ‫ﻴﻢ وﻋﻠﻰ آل إِ ْﺑ َﺮاﻫ َ‬ ‫ﺖ ﻋﻠﻰ إِ َﺑﺮاﻫ َ‬ ‫َﺣ ِﻤﻴﺪٌ َﻣ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ﻋﺬاب اﻟ َﻘ ْﺒﺮِ‪،‬‬ ‫ﺸﻬﺪ اﻷﺧﻴﺮ ﻣﻦ ﻋﺬاب ﺟﻬﻨﱠﻢ‪ ،‬وﻣﻦ‬ ‫ﺛﻢ َﻳ‬ ‫ﺴﺘﻌﻴﺬ ﺑﺎﷲ ﰲ اﻟ ﱠﺘ ﱡ‬ ‫ﺠﻴﺪٌ «‪ ،‬ﱠ‬

‫ﺎل‪ ،‬ﺛﻢ ﻳﺘﺨﻴﺮ ﻣﻦ اﻟﺪﱡ ِ‬ ‫ﺎت‪ِ ،‬‬ ‫وﻣﻦ ﻓِﺘ َﻨ ِﺔ اﻟﻤﺤﻴﺎ واﻟﻤﻤ ِ‬ ‫وﻣﻦ ﻓﺘﻨﺔ اﻟﻤﺴﻴﺢ اﻟﺪﱠ ﱠﺟ ِ‬ ‫ﻋﺎء ﻣﺎ ﺷﺎء‪،‬‬ ‫ﱠ َ ﱠُ‬ ‫َ‬ ‫َ َْ َ َ‬ ‫ذﻟﻚ وﻣﻨﻪ‪» :‬اﻟ ﱠﻠ ُﻬ ﱠﻢ َأ ِﻋﻨﱢﻲ َﻋ َﻠﻰ ذِ ْﻛﺮِ َك ُ‬ ‫وﺣ ْﺴ ِﻦ ِﻋ َﺒﺎ َدﺗِ َ‬ ‫اﻟﻤﺄﺛﻮر ِﻣﻦ َ‬ ‫ﻚ«‪،‬‬ ‫وﻻﺳ ﱠﻴﻤﺎ‬ ‫وﺷ ْﻜﺮِ َك ُ‬ ‫ُ‬ ‫وﻻ َﻳ ْﻐ ِﻔ ُﺮ ﱡ‬ ‫ﺖ‪َ ،‬ﻓﺎ ْﻏ ِﻔ ْﺮ ﻟِﻲ َﻣ ْﻐ ِﻔ َﺮ ًة ِﻣ ْﻦ‬ ‫ﻮب إِ ﱠﻻ َأ ْﻧ َ‬ ‫ﺖ َﻧ ْﻔ ِﺴﻲ ُﻇ ْﻠ ًﻤﺎ َﻛﺜِ ًﻴﺮا‪َ ،‬‬ ‫»اﻟ ﱠﻠ ُﻬ ﱠﻢ إِ ﱢﻧﻲ َﻇ َﻠ ْﻤ ُ‬ ‫اﻟﺬ ُﻧ َ‬ ‫ِ‬ ‫ِﻋﻨْﺪَ َك َو ْار َﺣ ْﻤﻨ ِﻲ إِ ﱠﻧ َ‬ ‫اﻷول ﻓﻴ ُﻘﻮ ُم ﺑﻌﺪ‬ ‫ﻚ َأ ْﻧ َ‬ ‫ﻴﻢ«‪ ،‬ﱠأﻣﺎ ﰲ اﻟ ﱠﺘ ﱡ‬ ‫ﺸﻬﺪ ﱠ‬ ‫اﻟﺮﺣ ُ‬ ‫ﻮر ﱠ‬ ‫ﺖ اﻟ َﻐ ُﻔ ُ‬ ‫ِ‬ ‫ﱠ‬ ‫ﱠﺒﻲ ح‬ ‫اﻟﺸﻬﺎ َد َﺗ ْﻴﻦ إﻟﻰ اﻟ ﱠﺜﺎﻟﺜﺔ ﰲ اﻟ ﱡﻈﻬﺮ واﻟ َﻌﺼﺮ َ‬ ‫واﻟﻤﻐﺮِب واﻟﻌﺸﺎء‪ ،‬وإن َﺻ ﱠﻠﻰ ﻋﻠﻰ اﻟﻨ ﱢ‬

‫‪ ‬‬


‫فهو أ ْفْل؛ لعموم األحاديث يف ذلك‪ ،‬ثم يقوم إلى الثالثة»‪.‬‬ ‫‪:n‬‬ ‫‪ ‬يف هذا الدَ رس أورد‬

‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫مأثور عن النَبي‬ ‫دعاء‬

‫والصّلة اإلبراهيم َية‪ ،‬وما يتبعها من‬ ‫شهد‪َ ،‬‬ ‫‪ :‬ال َت ُّ‬

‫مما يشرع للمرء أن يقوله يف تمام صّلته قبل أن يسلم‪،‬‬ ‫َ‬

‫َ‬ ‫عوذ‬ ‫والسّلم ـ وال َت ُّ‬ ‫والصّلة على النَبي ـ عليه َ‬ ‫شهد َ‬ ‫وأن هذه الصيغة يف ال َت ُّ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫همة ا َلتي ينبغي أن يحرص ُّ‬ ‫كل مسل ٍم‬ ‫باهلل من األربع اآليت ذكرها من األمور الم َ‬ ‫على تع ُّلمها بألفاظها كما جاءت عن رسول اهلل‬ ‫والصيغة ا َلتي أوردها‬

‫مع دسن الفهم لمعانيها‪.‬‬

‫شهد جاءت يف دديث ابن مسعود‬ ‫يف ال َت ُّ‬

‫‪،‬‬

‫وقد ورد فيه صي ٌغ أخرى صحيح ٌة‪ ،‬لكن ذكر العلماء ـ ردمهم اهلل تعالى ـ أ َن‬ ‫أص َح الصيغ هي هذه الصيغة ا َلتي جاءت يف دديث ابن مسعود‬ ‫ا َلذي ساقه المصنف‬

‫(‪ )1‬هذا‬

‫هنا‪.‬‬

‫شهد المأثور كما جاء عن النَبي‬ ‫فينبغي على المسلم أن يتع َلم ال َت ُّ‬

‫‪ ،‬وقد‬

‫ع َلمه هذه الصيغة وك ُّفه بين ك َفي النَبي ـ عليه‬

‫َ‬ ‫َبي‬ ‫ذكر ابن مسعود‬ ‫أن الن َ‬ ‫السورة من القرآن‪ ،‬وذلك من كمال االعتناء وتمام‬ ‫َ‬ ‫والسّلم ـ كما يعلمه ُّ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫شهد بد َق ٍة كما جاءت عن النَبي ـ صلوات‬ ‫الحرص‪ ،‬وينبغي أن تحفظ ألفاظ ال َت ُّ‬ ‫اهلل وسّلمه وبركاته عليه ـ‪ ،‬وبعض العا َمة ر َبما يجري على لسانه إضافة كلمة‪ ،‬أو‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫إعراب‪ ،‬فر َبما تغ َير المعنى‪.‬‬ ‫تغيير لحركة‬ ‫إضافة درف‪ ،‬أو إنقاص درف‪ ،‬أو ٌ‬ ‫شهد هو أن يقول‪« :‬التحيات هلل»؛ ال َتح َيات‪ :‬يراد هبا ال َتعظيمات؛ من‬ ‫وال َت ُّ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)6265‬ومسلم (‪.)402‬‬

‫ـ ‪ 152‬ـ‬


‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وانكسار‪ُّ ،‬‬ ‫كل ذلك هلل‪ ،‬فهو ـ تبارك وتعالى ـ المستح ُّق‬ ‫وسجود‪ ،‬وذل‪،‬‬ ‫ركو ٍع‪،‬‬ ‫لذلك ودده دون سواه‪﴿ ،‬ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ﴾‬ ‫ٍ‬ ‫شيء من ذلك‪ ،‬وال‬ ‫[‪]77 :r‬؛ فهذا ك ُّله هلل ال شريك له ـ سبحانه وتعالى ـ يف‬ ‫ٍ‬ ‫ألدد سواه ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ‪.‬‬ ‫يجوز أن يصرف‬ ‫«والصلوات» أي‪ :‬الدَ عوات؛ َ‬ ‫الصّلة لغة‪ :‬هي الدُّ عاء؛ فالدَ عوات هلل‬ ‫فإن َ‬ ‫ـ َ‬ ‫بالسؤال َإال إليه‬ ‫جل وعّل ـ‪ ،‬ال يدعى َإال اهلل‪ ،‬وال يلتجأ َإال إلى اهلل‪ ،‬وال يتو َجه ُّ‬ ‫ـ سبحانه وتعالى ـ‪﴿ ،‬ﭝﭞﭟﭠﭡ﴾ [‪﴿ ،]60 :¥‬ﯩ ﯪ‬

‫ﯫ ﯬ ﯭ ﯮﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ﴾ [^‪ ،]186 :‬وقد يراد‬ ‫والسجود‪ ،‬فرضها ونفلها؛ فهي ك ُّلها هلل‪،‬‬ ‫َ‬ ‫الركوع ُّ‬ ‫بالصلوات أي‪ :‬المعروفة‪ ،‬ذات ُّ‬ ‫ال يصرف شي ٌء منها َإال له ـ سبحانه وتعالى ـ‪.‬‬ ‫وقوله «والطيبات» أي‪ :‬من األقوال واألفعال هلل ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪ ﴿ ،‬ﯦ ﯧ‬ ‫ب يف أقواله وأعماله وأفعاله ودسن‬ ‫ﯨ ﯩ﴾ [ﮯ‪ ،]10 :‬والمؤمن طي ٌ‬ ‫تق ُّربه لربه‪ ،‬ولهذا يقال ألهل اإليمان يوم القيامة‪﴿ :‬ﯦ ﯧ ﯨ﴾‬ ‫[‪ ،]73 :¤‬فال َطيبات ا َلتي هي أعمال اإليمان وأقوال اإليمان‪ ،‬هذه ك ُّلها هلل‪،‬‬ ‫وال يبتغى هبا َإال وجه اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ‪ ،‬فاهلل ـ َ‬ ‫ب ال يقبل َإال‬ ‫جل وعّل ـ طي ٌ‬ ‫اسم من أسماء اهلل ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪ ،‬وهو دال على الطيب يف‬ ‫ال َطيب‪ ،‬و«ال َطيب» ٌ‬ ‫أسمائه كلها وصفاته وأفعاله؛ فأسماؤه ك ُّلها طيب ٌة‪ ،‬وأفعاله ك ُّلها طيب ٌة‪ ،‬وأقواله‬ ‫ك ُّلها طيب ٌة ـ سبحانه وتعالى ـ‪.‬‬ ‫ثم بعد هذا ال َتعظيم واإلقرار والخضوع هلل ـ سبحانه وتعالى ـ يس َلم على النَبي ـ‬ ‫َ‬ ‫ـ ‪ 153‬ـ‬


‫والسّلم ـ‪ ،‬ا َلذي إ َنما عرف دين اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ بواسطته ومن طريقه؛‬ ‫عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫فهو الواسطة بين اهلل وبين خلقه يف إبّلغ دينه‪ ،‬قد ب َلغ البّلغ المبين‪ ،‬ونصح األ َمة‪،‬‬ ‫دق جهاده د َتى أتاه اليقين‪ ،‬ما ترك خيرا َإال َ‬ ‫دل األ َمة عليه‪ ،‬وال شرا إ َال‬ ‫وجاهد يف اهلل َ‬ ‫َ‬ ‫دذرها منه؛ فيقال‪« :‬السالم عل ْيك أيها النبي ور ْحمة اهلل وبركاته» وهذه الكلمات‬ ‫ال َثّلثة ك ُّلها دعا ٌء لل َنبي‬

‫‪ ،‬ومن يدعى له ال يدعى من دون اهلل؛ وهذا من أد َلة ال َتوديد‪.‬‬

‫بالسّلمة والعافية‪.‬‬ ‫السّلم‪ :‬فهو دعا ٌء َ‬ ‫‪ ‬أ َما َ‬ ‫ص‬ ‫الردمة‪ :‬فهي‬ ‫ٌ‬ ‫دعوات بالفوز بردمة اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ ا َلتي خ َ‬ ‫‪ ‬وأ َما َ‬ ‫قربين‪﴿ ،‬ﰑﰒﰓ﴾ [{‪.]43 :‬‬ ‫هبا عباده الم َتقين وأولياءه الم َ‬ ‫‪ ‬وأ َما الربكة‪ :‬هي النَماء والزيادة يف الخير والفضل‪.‬‬ ‫ثم‬ ‫ص َأوال ودده ـ عليه َ‬ ‫فيخ ُّ‬ ‫السّلم ال َتام الكامل‪َ ،‬‬ ‫والسّلم ـ هبذا َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫السّلم على عموم المؤمنين‪« :‬السالم عل ْينا وعلى عباد اهلل الصالحين»؛‬ ‫يلقى َ‬ ‫كل ٍ‬ ‫وهذا ال َتسليم العا ُّم يتناول َ‬ ‫ٍ‬ ‫صالح‪ ،‬وقد كانوا يف َأول األمر يقولون‪:‬‬ ‫عبد‬ ‫ٍ‬ ‫السّلم على فّلن‪ ،...‬فتطول‪ ،‬ومع طولها ال يستقصي َ‬ ‫كل من‬ ‫السّلم على فّلن‪َ ،‬‬ ‫َ‬ ‫والسّلم ـ إلى أن يرتكوا ذلك‪،‬‬ ‫َبي ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫يريد أن يسلم عليه؛ فأرشدهم الن ُّ‬ ‫كل مؤم ٍن َ‬ ‫وأن يقولوا هذا الكّلم الجامع‪ ،‬وأ َنهم إذا قالوه فإ َنه يشمل َ‬ ‫وكل عب ٍد‬

‫ٍ‬ ‫مسعود‬ ‫صالحٍ ‪ ،‬فعن عبد اهلل بن‬

‫الصّلة‪،‬‬ ‫قال‪« :‬كنَا نقول‪ :‬التَح َية في َ‬

‫ونسمي‪ ،‬ويسلم بعضنا على بع ٍ‬ ‫ض‪ ،‬فسمعه رسول اهلل‬

‫فقال‪« :‬قولوا‪:‬‬

‫التحيات لله والصلوات والطيبات‪ ،‬السالم عل ْيك أيها النبي ور ْحمة اهلل وبركاته‪،‬‬ ‫السالم عل ْينا وعلى عباد اهلل الصالحين‪ ،‬أ ْشهد أ ْن ل إله إل اهلل وأ ْشهد أن محمدً ا‬ ‫ع ْبده ورسوله؛ فإنك ْم إذا فع ْلت ْم ذلك فقدْ سل ْمت ْم على كل ع ْبد لله صالح في‬ ‫ـ ‪ 154‬ـ‬


‫(‪)1‬‬ ‫الصالحين‪ ،‬وا َلذي يدعى له ال يدعى‬ ‫السماء واأل ْرض» ‪ ،‬وهذا دعا ٌء لعباد اهلل َ‬

‫من دون اهلل‪ ،‬وهذا من براهين ال َتوديد ودالئله ـ كما تقدَ م ـ‪.‬‬ ‫«أ ْشهد أ ْن ل إله إل اهلل‪ ،‬وأ ْشهد أن محمدً ا ع ْبده ورسوله» هذا اإلقرار هلل ـ‬ ‫َ‬ ‫جل وعّل ـ بالوددان َية‪ ،‬ولنبيه‬

‫بالرسالة؛ َ‬ ‫فإن‪« :‬أشهد أن ال إله َإال اهلل» كلمة‬

‫ال َتوديد‪ ،‬وال َتوديد مدلولها‪ ،‬فهي قائم ٌة على النَفي واإلثبات؛ نفي العبود َية عن‬ ‫كل من سوى اهلل‪ ،‬وإثبات العبود َية بكل معانيها هلل ـ تبارك وتعالى ـ ودده‪ ،‬وهي‬ ‫تعني‪ :‬إخّلص العبادة هلل‪ ،‬وإفراده ـ تبارك وتعالى ـ ودده بالعبادة‪ ،‬والرباءة من‬ ‫الشرك والخلوص منه‪.‬‬ ‫وشهادة «أن محمدً ا عبده ورسوله» هذا فيه اإلقرار بعبود َيته‪ ،‬وأ َنه عبده‬ ‫كذب‪ ،‬بل يطاع وي َتبع؛ ولهذا َ‬ ‫والرسول ال ي َ‬ ‫فإن هذه‬ ‫ورسوله‪ ،‬والعبد ال يعبد‪َ ،،‬‬ ‫الكلمة‪« :‬أشهد َ‬ ‫حمدا عبده ورسوله» تجعل قائلها والمعتقد لما د َلت عليه‬ ‫أن م َ‬ ‫متوسطا معتدال‪ ،‬بين الغلو والجفاء‪.‬‬ ‫«ثم يصلي على النبي‬ ‫عن النَبي‬ ‫البدري‬

‫ويبارك عليه» وأورد صيغة من الصيغ المأثورة‬

‫الصّلة المأثورة يف دديث أبي مسعود‬ ‫الصّلة عليه‪ ،‬وهي َ‬ ‫يف َ‬ ‫‪ ،‬قال‪« :‬يقول‪ :‬اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صل ْيت‬

‫على إ ْبراهيم وعلى آل إ ْبراهيم إنك حميد مجيد‪ ،‬وبار ْك على محمد وعلى آل‬ ‫محمد كما بار ْكت على إ ْبراهيم وعلى آل إ ْبراهيم‪ ،‬إنك حميد مجيد»‪.‬‬ ‫والصّلة من اهلل على نبيه‪ :‬ثناؤه عليه يف المأل األعلى‪.‬‬ ‫‪َ ‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪.)1202‬‬

‫ـ ‪ 155‬ـ‬


‫‪ ‬وصّلة المّلئكة على نبيه‪ ،‬وصّلة المؤمنين عليه‪ :‬دعاء اهلل ـ سبحانه‬ ‫وتعالى ـ له برفعة المقام‪ ،‬وال َثناء عليه ـ صلوات اهلل وسّلمه ـ عليه يف المأل األعلى‪.‬‬ ‫‪ ‬وقوله‪« :‬وبار ْك على محمد‪ »...‬هذا فيه الدُّ عاء للنَبي‬

‫بالربكة‪ ،‬وهي‪:‬‬

‫النَماء‪ ،‬والزيادة يف الخير والفضل والمكانة‪.‬‬ ‫«ثم يستعيذ باهلل يف التشهد األخير من عذاب جهنم‪ ،‬ومن عذاب القبر‪،‬‬ ‫ومن فتنة الم ْحيا والممات‪ ،‬ومن فتنة المسيح الدجال» وقد جاء يف «صحيح‬ ‫َ‬ ‫َبي‬ ‫مسلم» من دديث أبي هريرة‬ ‫أن الن َ‬ ‫ف ْلي ْستع ْذ باهلل م ْن أ ْربع»(‪ )1‬وذكر هذه األمور األربعة‪:‬‬

‫قال‪« :‬إذا تشهد أحدك ْم‬

‫األول‪ :‬ال َتعوذ باهلل من جهنَم؛ أي النَار وعذاهبا‪َ ،‬‬ ‫وأن اهلل ـ سبحانه‬ ‫‪َ ‬‬ ‫وتعالى ـ يقي عبده وينجيه من دخولها‪ ،‬واالستعاذة‪ :‬التجا ٌء إلى اهلل واعتصا ٌم به‬ ‫ـ سبحانه وتعالى ـ ‪.‬‬ ‫وعذاب‪ ،‬وعذاب القبر دق‪ ،‬يكون‬ ‫نعيم‬ ‫ٌ‬ ‫‪ ‬ومن عذاب القرب؛ والقرب فيه ٌ‬ ‫على الكفر‪ ،‬ويكون على المعاصي أيضا‪ ،‬مثل ما جاء يف الحديث‪« :‬إنهما‬ ‫ثم ذكر َ‬ ‫أن أددهما يمشي بالنَميمة بين‬ ‫ليعذبان‪ ،‬وما يعذبان في كبير‪ ،‬وإنه لكبير» َ‬ ‫النَاس‪ ،‬واآلخر ال يستنزه من البول(‪.)2‬‬

‫كل ٍ‬ ‫فيعم َ‬ ‫فتنة‬ ‫عوذ من فتنة المحيا والممات؛ و«فتنة» هنا مفر ٌد‬ ‫ٌ‬ ‫ثم ال َت ُّ‬ ‫مضاف ُّ‬ ‫‪َ ‬‬

‫فتن كثير ٌة‪ ،‬ترجع يف جملتها إلى‪ :‬فتن َ‬ ‫الشهوات‪ ،‬وفتن‬ ‫تكون للمرء يف دياته‪ ،‬وهي ٌ‬ ‫ُّ‬ ‫صح يف الحديث عن‬ ‫تعوذ باهلل من الفتن كلها‪ ،‬واإلنسان عرض ٌة للفتن‪ ،‬وقد َ‬ ‫الشبهات؛ في َ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪. )588‬‬ ‫(‪ )2‬أخرجه البخاري (‪ ،)1378‬ومسلم (‪ )292‬عن ابن عباس‬

‫ـ ‪ 156‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫نبينا‬

‫قال‪« :‬تعوذوا باهلل من الفتن‪ ،‬ما ظهر منْها وما بطن»(‪ ،)1‬وهي دعو ٌة ينبغي على‬

‫المرء أن يعتني هبا‪ :‬أن يعيذه اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ من الفتن‪ ،‬والتعوذ من فتنة الممات‬ ‫أي ما يكون منها عند الممات‪ ،‬وهذه أشدُّ وأخطر؛ أل َن الفتنة ا َلتي يف المحيا بعدها شي ٌء‬ ‫لكن فتنة الممات ليس بعدها َإال الموت‪،‬‬ ‫من الحياة قد يتخ َلص المرء ويسلم وينجو‪َ ،‬‬ ‫ولهذا أضيفت إلى الممات أل َنها تكون عند دنوه وقرب دلوله بالعبد‪.‬‬ ‫‪ ‬قال‪« :‬ومن ف ْتنة المسيح الدجال»؛ وهذه أشدُّ الفتن‪ ،‬واهلل ـ سبحانه‬ ‫الساعة وأمارات دنو قيامها‪ ،‬ولهذا َ‬ ‫فإن خروجه‬ ‫وتعالى ـ جعلها من عّلمات َ‬ ‫الزمان‪ ،‬وما من نبي بعثه اهلل َإال وأنذر قومه من هذه الفتنة لشدَ ة‬ ‫يكون يف آخر َ‬ ‫خطورتها؛ ولهذا شرع لنا أن نستعيذ باهلل استعاذة دائمة مستم َرة دبر كل صّلة‬ ‫قبل أن نسلم من هذه الفتنة العظيمة فتنة المسيح الدَ جال؛ وسمي‪ :‬مسيحا؛ َ‬ ‫ألن‬ ‫دجاال؛ َ‬ ‫ألن أموره ك َلها قائم ٌة‬ ‫عينه اليمنى ممسود ٌة طافي ٌة كأ َنها زبيب ٌة‪ ،‬وسمي‪َ :‬‬ ‫على الدَ جل وهو الكذب‪ ،‬ومن أعظم دجله وأكبر كذبه قوله‪ :‬أنَه اهلل‪ ،‬ويأيت‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫خارقة للعادة‪ ،‬يجريها اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ على يديه ابتّلء‬ ‫وأمور‬ ‫بآيات‬ ‫للسماء‪ :‬أمطري؛ فتمطر‪ ،‬ويقول لألرض‪ :‬أنبتي؛‬ ‫وامتحانا‪ ،‬فيفتن النَاس؛ يقول َ‬ ‫أمور خارق ٌة‬ ‫فتنبت‪ ،‬ويقول للبلدة‪ :‬أخرجي كنوزك؛ فتتبعه كنوزها‪ ،‬وهذه ك ُّلها ٌ‬ ‫إذا خرج أن يقترب من المكان ا َلذي هو‬

‫َ‬ ‫َبي‬ ‫للعادة مذهل ٌة‪ ،‬ولهذا دذر الن ُّ‬ ‫(‪)2‬‬ ‫عوذ من فتنة المسيح‬ ‫فيه‪ ،‬فقال‪« :‬م ْن سمع بالدجال ف ْلينْأ عنْه» ‪ ،‬وهذا ال َت ُّ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪ )2867‬عن زيد بن ثابت‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )2‬أخرجه أدمد (‪ ،)19875‬وأبو داود (‪ ،)4319‬عن عمران بن دصين‬ ‫«صحيح الجامع» (‪.)6301‬‬

‫ـ ‪ 157‬ـ‬

‫وصححه األلباين يف‬ ‫؛‬ ‫َ‬


‫الدَ َجال ينبغي على المسلم أن يعنى به‪.‬‬ ‫قال‪« :‬ثم يتخير من الدعاء ما شاء‪ ،‬ولسيما المأثور من ذلك»؛ لقول النَبي‬ ‫والسّلم ـ يف دديث ابن مسعود‬ ‫ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬

‫‪« :‬ثم يتخير ب ْعد من الدعاء ما‬

‫الصّلة وهذا ال َتعظيم‬ ‫شاء»(‪ ،)1‬بل هو موط ٌن‬ ‫عظيم لتحري الدُّ عاء؛ أل َنك بعد هذه َ‬ ‫ٌ‬ ‫بالسّلم؛‬ ‫توس ٌ‬ ‫ّلت بين يدي دعائك ـ‪ ،‬فّل تعجل َ‬ ‫السّلم ـ وهي ُّ‬ ‫وهذه ال َتح َيات وهذا َ‬ ‫كثير من النَاس‪ ،‬ولهذا‬ ‫أمر يغفل عنه ٌ‬ ‫والسؤال‪ ،‬وهذا ٌ‬ ‫بل أقبل على اهلل بالدُّ عاء ُّ‬ ‫ثم يسلم ويمدُّ يديه يدعو‪،‬‬ ‫بعضهم يف صّلة النَفل تجده مثّل يأيت بال َت ُّ‬ ‫شهد سريعا‪َ ،‬‬ ‫شهده قليّل ليدعو بما شاء‪.‬‬ ‫فيفوت على نفسه هذه الفرصة ال َثمينة يف أن يطيل ت ُّ‬ ‫شهد ـ ليأيت ببعض هذه األدعية ـ؛ قد يغضب‬ ‫وإن أطال اإلمام قليّل يف ال َت ُّ‬ ‫الصّلة‪:‬‬ ‫منه بعض المأمومين‪ ،‬يقول أدد‬ ‫األئمة‪ :‬إ َن أدد المأمومين قال له بعد َ‬ ‫َ‬ ‫مرتين؟! هذه فرصة‬ ‫مرتين» من قال لك تقرأ ال َت ُّ‬ ‫«قرأت خلفك ال َت ُّ‬ ‫شهد َ‬ ‫شهد َ‬ ‫عظيم ٌة لتدعو اهلل‬

‫‪ ،‬وتسأله من خيري الدُّ نيا واآلخرة‪ ،‬لكن هذا بسبب الجهل‬

‫بقيمة هذه الحال المباركة‪.‬‬ ‫واألولى كما قال َ‬ ‫بي‬ ‫الشيخ أن يتخ َير من الدُّ عاء ما شاء َ‬ ‫مما ورد‪ ،‬والنَ ُّ‬ ‫السّلم‪ ،‬فينبغي على المسلم أن يعتني هبا؛ ألنَها‬ ‫ورد عنه‬ ‫ٌ‬ ‫دعوات تقال قبل َ‬ ‫دعوات جامع ٌة معصوم ٌة مشتمل ٌة على أعظم المطالب وأجل المقاصد‪ ،‬وال بأس‬ ‫ٌ‬ ‫مما ليس فيه محظو ٌر شرعي‪ ،‬لك َن اقتصاره‬ ‫إن دعا ببعض الدَ عوات‬ ‫َ‬ ‫الخاصة َ‬ ‫على المأثور عن النَبي‬

‫ال َ‬ ‫شك أنَه أولى وأسدُّ وأكمل وأوىف‪ ،‬ولهذا يحرص‬

‫تيسر من هذه األدعية المأثورة عن النَبي‬ ‫على دفظ ما َ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)835‬ومسلم (‪ ،)402‬عن ابن مسعود‬

‫ـ ‪ 158‬ـ‬

‫‪.‬‬ ‫‪.‬‬


‫وذكر َ‬ ‫الشيخ‬

‫من ذلك دعاءين‪:‬‬

‫‪ ‬األول‪« :‬اللهم أعني على ذ ْكرك وش ْكرك وح ْسن عبادتك»؛ وهذا جاء يف‬ ‫َ‬ ‫َبي‬ ‫دديث معاذ‬ ‫أن الن َ‬ ‫أوصيك يا معاذ ل تدعن في دبر كل صالة تقول‪ :‬اللهم أعني على ذكْرك‪،‬‬ ‫قال له‪« :‬واهلل إني ألحبك‪ ،‬واهلل إني ألحبك‪،‬‬

‫وشكْرك‪ ،‬وح ْسن عبادتك»(‪.)1‬‬ ‫ودبر َ‬ ‫مما يليه‬ ‫مما هو جز ٌء منه‪ ،‬ويطلق على آخره َ‬ ‫الشيء يطلق على آخره َ‬ ‫ويأيت بعده‪ ،‬ولهذا يفصل أهل العلم‪:‬‬ ‫ٍ‬ ‫السّلم‪.‬‬ ‫‪ ‬ما كان من دعاء يؤتى به قبل َ‬ ‫السّلم‪.‬‬ ‫‪ ‬وما كان من ذك ٍر يؤتى به بعد َ‬ ‫وقوله‪« :‬اللهم أعني على ذكْرك‪ ،‬وشكْرك‪ ،‬وح ْسن عبادتك» هذا فيه طلب‬ ‫المعونة من اهلل أن يمدَ عبده بالمعونة وال َتوفيق للمواظبة على الذكر‪ُّ ،‬‬ ‫والشكر هلل‬ ‫ـ سبحانه وتعالى ـ على نعمائه‪ ،‬واإلدسان يف العبادة‪ ،‬لم يقل‪« :‬وعبادتك» وإ َنما‬ ‫قال‪« :‬وح ْسن عبادتك»؛ والعبادة إ َنما تكون دسنة باإلخّلص للمعبود‬ ‫للرسول ـ صلوات اهلل وسّلمه وبركاته عليه ـ‪.‬‬ ‫والمتابعة َ‬ ‫الصّلة قبل أن تسلم يأيت يف موض ٍع يف غاية‬ ‫واإلتيان هبذه الدَ عوة دبر َ‬ ‫المناسبة؛ َ‬ ‫الصّلة ا َلتي ص َليتها هي من معونة اهلل لك‪ ،‬فقبل أن تسلم من‬ ‫ألن هذه َ‬ ‫صّلتك اطلب من اهلل المعونة‪ ،‬وأظهر االفتقار إلى اهلل ا َلذي أعانك على هذه‬ ‫الصّلة‪ ،‬وقد أوشكت أن تنتهي منها أن يمدَ ك بالمعونة على الذكر ُّ‬ ‫والشكر‬ ‫َ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أدمد (‪ ،)22119‬وأبو داود (‪ ،)1522‬والرتمذي (‪ ،)3407‬والنسائي (‪)1303‬؛‬ ‫وص َححه األلباين يف «صحيح أبي داود» (‪.)253/5‬‬

‫ـ ‪ 159‬ـ‬


‫الصّلة األخرى اآلتية‪ ،‬وإذا‬ ‫ودسن العبادة‪ ،‬ويدخل يف ذلك المعونة على َ‬ ‫ص َليتها اطلب المعونة ا َلتي بعدها‪ ،‬وهكذا‪.‬‬ ‫‪ ‬الثاين‪« :‬اللهم إني ظل ْمت ن ْفسي ظ ْل ًما كث ًيرا‪ ،‬ول ي ْغفر الذنوب إل أ ْنت‪،‬‬ ‫فا ْغف ْر لي م ْغفر ًة م ْن عنْدك و ْارح ْمني إنك أ ْنت الغفور الرحيم»(‪ ،)1‬وهذا الدُّ عاء‬ ‫قال فيه‪« :‬يا رسول اهلل! علمني دعاء أدعو اهلل به يف‬

‫جاء يف دديث أبي بكر‬

‫صّليت» ويف بعض الروايات‪« :‬يف صّليت وبيتي»‪.‬‬ ‫يطلب من النَبي أن يعلمه دعاء يدعو اهلل به يف‬ ‫فهذا صديق األ َمة‬ ‫ٍ‬ ‫دعوات طيبة‪ ،‬لكن يمنعه من ذلك‬ ‫قادر على أن يصوغ‬ ‫صّلته ويف بيته‪ ،‬مع أنَه ٌ‬ ‫الحرص على ال َتلقي من النَبي‬

‫واألخذ عنه‪.‬‬

‫والسّلم ـ تقول‪« :‬اللهم إني ظل ْمت ن ْفسي ظ ْل ًما كث ًيرا»‬ ‫قوله ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫صديق األ َمة وخيرها أن يقوله‪ ،‬بل إنَه‬

‫َبي‬ ‫هذا دعا ٌء أرشد الن ُّ‬ ‫النَاس يف جميع األمم بعد النَبيين‪ ،‬وإذا كان صديق األ َمة‬ ‫ودسن تع ُّبده هلل‬

‫أفضل‬ ‫ـ مع فضله‬

‫وق َوة إيمانه ـ أرشد إلى أن يقول يف صّلته‪« :‬اللهم إني‬

‫ظل ْمت ن ْفسي ظ ْل ًما كث ًيرا» فكيف بمن هو دونه وال يبلغ عشر معشاره يف ال َتع ُّبد‬ ‫والخضوع هلل ـ سبحانه وتعالى ـ؟‬ ‫وظلم النَفس‪ ،‬كما أنَه يتناول فعل المعصية؛ فإ َنه يتناول أيضا ال َتقصير يف‬ ‫ال َطاعة وعدم ال َتكميل لها وال َتتميم‪.‬‬ ‫وقوله‪« :‬ول ي ْغفر الذنوب إل أ ْنت» فيه َ‬ ‫أن اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ ودده هو‬ ‫الذنوب‪ ،‬فّل يغفر ُّ‬ ‫ا َلذي يغفر ُّ‬ ‫الذنوب سواه ﴿ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ﴾‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)834‬ومسلم (‪.)2705‬‬

‫ـ ‪ 160‬ـ‬


‫[_‪ ،]135 :‬وفيه إيمان العبد بمدلول اسم اهلل «الغفور»‪« ،‬الغ َفار»؛ أي ا َلذي‬ ‫يغفر ُّ‬ ‫ب أن يغفره‪.‬‬ ‫الذنوب جميعا‪ ،‬وال يتعاظمه ذن ٌ‬ ‫«فا ْغف ْر لي»‪ ،‬بعد اإلقرار على نفسه بال ُّظلم الكثير‪ ،‬ولربه بالفضل العميم‬ ‫وغفران ُّ‬ ‫الذنوب يأيت طلب المغفرة «فاغْ ف ْر لي م ْغفر ًة م ْن عنْدك» أي‪ :‬تم ُّن هبا‬ ‫وتفضّل وإدسانا‪.‬‬ ‫علي‪ ،‬إكراما منك‬ ‫ُّ‬ ‫علي‪ ،‬وتتف َضل هبا َ‬ ‫َ‬

‫«و ْارح ْمني»‪ ،‬وهذا فيه طلب ال َظفر والفوز بردمة اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ‬

‫ص هبا عباده المؤمنين‪.‬‬ ‫ا َلتي خ َ‬ ‫توس ٌل إلى اهلل ـ تبارك وتعالى ـ هبذين‬ ‫«إنك أ ْنت الغفور الرحيم»‪ ،‬وهذا ُّ‬ ‫االسمين العظيمين؛ و«الغفور» فيه إثبات المغفرة صفة هلل‪ ،‬و«الرحيم» فيه إثبات‬ ‫ٍ‬ ‫مراعاة للمطلوب؛ َ‬ ‫ألن‬ ‫الردمة صفة هلل‪ ،‬وبالختم هبذين االسمين دسن‬ ‫َ‬ ‫والردمة‪.‬‬ ‫المطلوب‪ :‬المغفرة َ‬ ‫والسّلم ـ يشرع‬ ‫وثمت أيضا صي ٌغ أخرى مأثور ٌة عن النَبي ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫َ‬ ‫السّلم‪.‬‬ ‫أن تقال يف تمام َ‬ ‫الصّلة قبل َ‬ ‫قال‪« :‬أما يف التشهد األول فيقوم بعد الشهادت ْين»‪ ،‬أي‪ :‬بعد أن يقول يف‬ ‫للركعة‬ ‫ال َتح َيات‪« :‬أ ْشهد أ ْن ل إله إل اهلل وأ ْشهد أن محمدً ا ع ْبده ورسوله» يقوم َ‬ ‫ال َثالثة‪ ،‬هذا يف ال ُّظهر والعصر والمغرب والعشاء‪.‬‬ ‫األول «فهو‬ ‫شهد َ‬ ‫«وإن صلى على النبي ـ عليه الصالة والسالم ـ» يعني يف ال َت ُّ‬ ‫الصّلة على النَبي‬ ‫أفْل لعموم األحاديث يف ذلك‪ ،‬ثم يقوم» أي‪ :‬بعد َ‬ ‫الصّلة اإلبراهيم َية «إلى الثالثة»‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ثمينة لإلمام ابن القيم‬ ‫فائدة‬ ‫ولنقف هنا على‬ ‫ـ ‪ 161‬ـ‬

‫الصّلة»‪ ،‬فيما‬ ‫يف كتابه « َ‬


‫عوذات األربع‪.‬‬ ‫والصّلة اإلبراهيم َية وال َت ُّ‬ ‫شهد َ‬ ‫يتع َلق بال َت ُّ‬ ‫قال ابن القيم‬

‫‪« :‬فال َتح َية هي تح َي ٌة من العبد للحي ا َلذي ال يموت‪،‬‬

‫تتضمن الحياة والبقاء‬ ‫وهو سبحانه أولى بتلك ال َتح َيات من كل ما سواه؛ فإ َنها‬ ‫َ‬ ‫الحي الباقي ا َلذي ال يموت وال‬ ‫حق أددٌ هذه ال َتح َيات َإال‬ ‫والدَ وام‪ ،‬وال يست ُّ‬ ‫ُّ‬

‫الصّلة َإال اهلل‬ ‫يزول ملكه‪ ،‬وكذلك قوله «والصلوات» فإ َنه ال يستح ُّق أددٌ َ‬

‫‪،‬‬

‫والصّلة لغيره من أعظم الكفر والشرك به‪ ،‬وكذلك قوله «والطيبات» هي صفة‬ ‫َ‬ ‫الموصوف المحذوف‪ ،‬أي ال َطيبات من الكلمات واألفعال والصفات واألسماء‬ ‫ٍ‬ ‫شيء وأسماؤه أطيب‬ ‫ب‪ ،‬وأفعاله طيب ٌة‪ ،‬وصفاته أطيب‬ ‫هلل ودده‪ ،‬فهو طي ٌ‬ ‫ب وال‬ ‫ب وال يصعد إليه َإال طي ٌ‬ ‫األسماء‪ ،‬واسمه ال َطيب وال يصدر عنه إ َال طي ٌ‬ ‫ب والعمل ال َطيب يعرج‬ ‫ب وإليه يصعد الكلم ال َطيب‪ ،‬وفعله طي ٌ‬ ‫يقرب منه َإال طي ٌ‬ ‫ُّ‬ ‫َ‬ ‫َبي‬ ‫إليه‪ ،‬فالطيبات كلها له ومضاف ٌة إليه وصادر ٌة عنه ومنتهي ٌة إليه‪ ،‬قال الن ُّ‬ ‫اهلل طيب ل ي ْقبل إل طي ًبا»‪ ،‬ويف دديث رقية المريض ا َلذي رواه أبو داود وغيره‪:‬‬ ‫‪« :‬إن‬

‫«أ ْنت رب الطيبين»(‪ ،)1‬وال يجاوره من عباده َإال ال َطيبون كما يقال ألهل الجنَة‪:‬‬ ‫﴿ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ﴾ [‪ ،]73 :¤‬وقد دكم سبحانه يف‬ ‫شرعه وقدره َ‬ ‫أن ال َطيبات لل َطيبين‪ ،‬فإذا كان هو سبحانه ال َطيب على اإلطّلق‬ ‫فالكلمات ال َطيبات واألفعال ال َطيبات والصفات ال َطيبات واألسماء ال َطيبات‬ ‫ك ُّلها له سبحانه ال يستح ُّقها أددٌ سواه‪ ،‬بل ما طاب شي ٌء ُّ‬ ‫قط َإال بطيبته سبحانه‪،‬‬ ‫فطيب كل ما سواه من آثار طيبته‪ ،‬وال تصلح هذه ال َتح َية ال َطيبة َإال له‪.‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أبو داود (‪ ،)3892‬عن أبي الدرداء‬ ‫(‪.)5422‬‬

‫ـ ‪ 162‬ـ‬

‫‪ ،‬وض َعفه األلباين يف «ضعيف الجامع»‬


‫السّلم من أنواع ال َتح َية‪ ،‬وكان المسلم داعيا لمن يحييه‪ ،‬وكان‬ ‫ولما كان َ‬ ‫َ‬ ‫السّلم لعباده‪ ،‬ا َلذين اخت َصهم بعبود َيته‪،‬‬ ‫اهلل سبحانه هو ا َلذي يطلب منه َ‬ ‫وارتضاهم لنفسه‪ ،‬وشرع أن يبدأ بأكرمهم عليه وأدبهم إليه وأقربهم منه منزلة يف‬ ‫هذه ال َتح َية َ‬ ‫بالشهادتين ال َلتين هما مفتاح اإلسّلم‪ ،‬فشرع أن يكون خاتمة‬ ‫الربوب َية‬ ‫َ‬ ‫الصّلة‪ ،‬فدخل فيها بال َتكبير والحمد وال َثناء وال َتمجيد وتوديد ُّ‬ ‫واإلله َية‪ ،‬وختمها بشهادة أن ال إله َإال اهلل َ‬ ‫حمدا عبده ورسوله‪.‬‬ ‫وأن م َ‬ ‫الصّلة إذا زادت على ركعتين تشبيها لها‬ ‫وشرعت هذه ال َتح َية يف وسط َ‬ ‫السجدتين‪ ،‬وفيها مع الفصل راد ٌة للمصلي الستقباله‬ ‫بجلسة الفصل بين َ‬ ‫بنشاط و ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫الركعات‪ ،‬ولهذا كان‬ ‫الركعتين اآلخرتين‬ ‫َ‬ ‫قوة‪ ،‬بخّلف ما إذا والى بين َ‬ ‫َ‬ ‫تطوع بأرب ٍع جلس يف وسطه َن‪.‬‬ ‫األفضل يف النَفل مثنى مثنى‪ ،‬وإن َ‬ ‫الصّلة بمنزلة خطبة الحاجة أمامها؛ َ‬ ‫فإن‬ ‫وجعلت كلمات ال َتح َيات يف آخر َ‬ ‫الراهب يستعطي من ربه ما ال‬ ‫الراغب َ‬ ‫المصلي إذا فرغ من صّلته جلس جلسة َ‬ ‫ثم‬ ‫غنى به عنه‪ ،‬فشرع له أمام استعطائه كلمات ال َتح َيات مقدَ مة بين يدي سؤاله‪َ ،‬‬ ‫َ‬ ‫فكأن المصلي‬ ‫بالصّلة على من نالت أ َمته هذه النعمة على يده وسعادته‪،‬‬ ‫يتبعها َ‬ ‫ثم بال َثناء عليه َ‬ ‫والشهادة له بالوددان َية ولرسوله‬ ‫توسل إلى اهلل سبحانه بعبود َيته‪َ ،‬‬ ‫َ‬ ‫ثم قيل له‪ :‬تخ َير من الدُّ عاء أد َبه إليك‪ ،‬فذاك‬ ‫ثم َ‬ ‫الصّلة على رسوله‪َ ،‬‬ ‫بالرسالة‪َ ،‬‬ ‫الحق ا َلذي لك‪.‬‬ ‫الحق ا َلذي عليك‪ ،‬وهذا ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫الصّلة عليه تكميّل لق َرة عينه بإكرام آله‬ ‫الصّلة على آله مع َ‬ ‫وشرعت َ‬ ‫والصّلة عليهم‪ ،‬وأن يصلي عليه وعلى آله كما ص َلى على أبيه إبراهيم وآله‪،‬‬ ‫َ‬ ‫واألنبياء ك ُّلهم بعد إبراهيم من آله‪ ،‬ولذلك كان المطلوب لرسول اهلل‬ ‫ـ ‪ 163‬ـ‬

‫صّلة‬


‫الصّلة على إبراهيم وعلى جميع األنبياء بعده وآله المؤمنين‪ ،‬فلهذا كانت‬ ‫مثل َ‬ ‫هبا وأفضل‪ ،‬فإذا أتى هبا المصلي‬

‫الصّلة أكمل ما يصلي على رسول اهلل‬ ‫هذه َ‬

‫الشر كله؛ َ‬ ‫فإن َ‬ ‫أمر أن يستعيذ باهلل من مجامع َ‬ ‫الش َر إ َما عذاب اآلخرة وإ َما سببه‪،‬‬ ‫فليس َ‬ ‫وعذاب يف‬ ‫عذاب يف الربزخ‬ ‫الش ُّر َإال العذاب وأسبابه‪ ،‬والعذاب نوعان‪:‬‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫اآلخرة‪ ،‬وأسبابه الفتنة وهي نوعان‪ :‬كربى وصغرى‪ ،‬فالكربى فتنة الدَ َجال وفتنة‬ ‫والصغرى فتنة الحياة ا َلتي يمكن تداركها بال َتوبة بخّلف فتنة الممات‬ ‫الممات‪ُّ ،‬‬ ‫وفتنة الدَ َجال؛ َ‬ ‫ثم شرع له من الدُّ عاء ما يختاره‬ ‫فإن المفتون فيهما ال يتداركها‪َ ،‬‬ ‫السّلم أفضل من الدُّ عاء‬ ‫من مصالح دنياه وآخرته‪ ،‬والدُّ عاء يف هذا المحل قبل َ‬ ‫السّلم وأنفع للدَ اعي» إلى آخر كّلمه‬ ‫بعد َ‬

‫(‪.)1‬‬

‫‪‬‬

‫الصّلة وأدكام تاركها» (ص‪.)151 :‬‬ ‫(‪ )1‬انظر‪َ « :‬‬

‫ـ ‪ 164‬ـ‬


‫ﱠ‬

‫ﺍﻟﺪﺭﺱ ﺍﻟﻌﺎﺷﺮ‬

‫ﱠ‬

‫ﺳـــﻨـــﻦ ﺍﻟــﺼـــﻼﺓ‬

‫‪ ‬ﻗﺎل ‪::‬‬

‫اﻟﺼﻼة‪.‬‬ ‫»اﻟﺪﱠ رس اﻟﻌﺎﺷﺮ‪ُ :‬ﺳﻨَ ُﻦ ﱠ‬ ‫اﻟﺼﻼةِ؛ وﻣﻨﻬﺎ‪:‬‬ ‫ﺳﻨﻦ ﱠ‬ ‫‪ ١‬ـ اﻻﺳﺘﻔﺘﺎح‪.‬‬

‫اﻟﺼ ِ‬ ‫‪ ٢‬ـ َﺟ ْﻌ ُﻞ ﱢ‬ ‫اﻟﺮﻛﻮع‬ ‫ﺴﺮى َﻓ ْﻮ َق ﱠ‬ ‫ﺪر ﺣﻴﻦ اﻟﻘﻴﺎم َﻗ ْﺒ َﻞ ﱡ‬ ‫ﻛﻒ اﻟﻴﺪ اﻟ ُﻴﻤ َﻨﻰ ﻋﻠﻰ اﻟ ُﻴ َ‬

‫وﺑﻌﺪَ ه‪.‬‬

‫ﻮﻣ َﺘ ِﻲ اﻷﺻﺎﺑ ِﻊ ﻣﻤﺪود ًة ْ‬ ‫ﺣﺬ َو اﻟﻤﻨﻜِ َﺒ ْﻴﻦ أو اﻷُ ُذ َﻧ ْﻴﻦ ﻋﻨﺪ‬ ‫‪ ٣‬ـ َر ُ‬ ‫ﻀﻤ َ‬ ‫ﻓﻊ اﻟ َﻴﺪَ ْﻳﻦ َﻣ ُ‬

‫اﻷول إﻟﻰ اﻟ ﱠﺜﺎﻟﺜﺔ‪.‬‬ ‫واﻟﺮﻓ ِﻊ ﻣﻨﻪ‪ ،‬وﻋﻨﺪ اﻟﻘﻴﺎ ِم ﻣﻦ اﻟ ﱠﺘ ﱡ‬ ‫ﺸﻬﺪ ﱠ‬ ‫اﻟ ﱠﺘﻜﺒﻴﺮِ ﱠ‬ ‫اﻟﺮﻛﻮع‪ ،‬ﱠ‬ ‫اﻷول‪ ،‬وﻋﻨﺪ ﱡ‬ ‫ٍ‬ ‫واﻟﺴﺠﻮد‪.‬‬ ‫اﻟﺮﻛﻮع ﱡ‬ ‫‪ ٤‬ـ ﻣﺎ زاد ﻋﻦ واﺣﺪة ﰲ ﺗﺴﺒﻴﺢ ﱡ‬

‫اﻟﺮﻛﻮع‪ ،‬وﻣﺎ زاد ﻋﻦ‬ ‫‪ ٥‬ـ ﻣﺎ زاد ﻋﻠﻰ ﻗﻮل‪» :‬ر ﱠﺑﻨَﺎ وﻟﻚ َ‬ ‫اﻟﺤ ْﻤﺪُ « ﺑﻌﺪ اﻟﻘﻴﺎم ﻣﻦ ﱡ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫اﻟﺴ ْﺠﺪَ َﺗ ْﻴﻦ‪.‬‬ ‫واﺣﺪة ﰲ اﻟﺪﱡ ﻋﺎء ﺑﺎﻟﻤﻐﻔﺮة ﺑﻴﻦ ﱠ‬ ‫‪ ٦‬ـ ﺟﻌ ُﻞ اﻟﺮ ِ ِ‬ ‫اﻟﺮﻛﻮع‪.‬‬ ‫أس ﺣﻴَ َﺎل اﻟ ﱠﻈ ْﻬﺮ ﰲ ﱡ‬ ‫َ ْ ﱠ‬ ‫ﺨ َﺬﻳﻦ‪ ،‬واﻟ َﻔ ِ‬ ‫ِ‬ ‫اﻟﺠﻨْ َﺒ ْﻴﻦ‪ ،‬واﻟﺒ ِ‬ ‫ﺨ َﺬ ْﻳﻦ ﻋﻦ‬ ‫‪ ٧‬ـ ُﻣﺠﺎﻓﺎ ُة اﻟ َﻌ ُﻀﺪَ ْﻳﻦ ﻋﻦ َ‬ ‫ﻄﻦ ﻋﻦ اﻟ َﻔ ْ‬ ‫اﻟﺴﺠﻮد‪.‬‬ ‫اﻟﺴﺎ َﻗ ْﻴﻦ ﰲ ﱡ‬ ‫ﱠ‬

‫‪ ‬‬


‫‪ 8‬ـ رفع الذراع ْين عن األرض حين السجود‪.‬‬ ‫‪ 9‬ـ جلوس المصلي على رجله اليسرى مفروش ًة‪ ،‬ون ْصب اليمنى يف التشهد‬ ‫األول وبين الس ْجدت ْين‪.‬‬ ‫‪ 10‬ـ التورك يف التشهد األخير يف الرباعية والثالثية وهو‪ :‬الجلوس على‬ ‫مقعدته وجعل رجله اليسرى تحت اليمنى ونصب اليمنى‪.‬‬ ‫‪ 11‬ـ اإلشارة بالسبابة يف التشهد األول والثاين من حين يجلس إلى نهاية‬ ‫التشهد وتحريكها عند الدعاء‪.‬‬ ‫‪ 12‬ـ الصالة والتبريك على محمد وآل محمد‪ ،‬وعلى إبراهيم وآل إبراهيم‬ ‫يف التشهد األول‪.‬‬ ‫‪ 13‬ـ الدعاء يف التشهد األخير‪.‬‬ ‫‪ 14‬ـ الجهر بالقراءة يف صالة الفجر‪ ،‬وصالة الجمعة‪ ،‬وصالة العيد ْين‪،‬‬ ‫والستسقاء‪ ،‬ويف الر ْكعت ْين األولي ْين من صالة المغرب والعشاء‪.‬‬ ‫‪ 15‬ـ اإلسرار بالقراءة يف الظهر والعصر‪ ،‬ويف الثالثة من المغرب‪،‬‬ ‫واألخيرت ْين من العشاء‪.‬‬ ‫‪ 16‬ـ قراءة ما زاد عن الفاتحة من القرآن‪ ،‬مع مراعاة بقية ما ورد من السنن‬ ‫يف الصالة سوى ما ذكرنا‪ ،‬ومن ذلك‪ :‬ما زاد على قول المصلي‪« :‬ربنا ولك‬ ‫الح ْمد» بعد الرفع من الركوع يف حق اإلمام والمأموم والمنْفرد فإنه سنة‪ ،‬ومن‬ ‫أيْا‪ :‬وضع اليد ْين على الركبت ْين م ْفرجتي األصابع حين الركوع»‪.‬‬ ‫ذلك ً‬ ‫‪:n‬‬ ‫لما أهنى‬ ‫‪َ ‬‬

‫بالصّلة؛ عقد‬ ‫ما يتع َلق باألركان والواجبات المخت َصة َ‬ ‫ـ ‪ 166‬ـ‬


‫ٍ‬ ‫واجب؛ تنبيها‬ ‫بالصّلة وا َلتي ليست برك ٍن وال‬ ‫السنن المتعلقة َ‬ ‫هذا الدَ رس لبيان ُّ‬ ‫السنن ورعايته لها‪ ،‬وأن يحرص على أن ال‬ ‫منه إلى أهم َية عناية المسلم هبذه ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫شيء منها‪ ،‬وال يقول‪« :‬هذه سنَة» مستهينا‪ ،‬بل عليه أن يحرص عليها‬ ‫يفرط يف‬ ‫السنَة رغبة عنها؛ َ‬ ‫فإن من تركها‬ ‫وأن يعتني هبا‪ ،‬وأن يحذر يف الوقت نفسه أن يرتك ُّ‬ ‫ونصيب من قول النَبي ـ عليه‬ ‫رغبة عنها فهذا يخشى عليه أن يكون له دظ‬ ‫ٌ‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬م ْن رغب ع ْن سنتي فل ْيس مني»(‪ ،)1‬لكن إذا تركها ليس‬ ‫َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫ٍ‬ ‫نشاط على الفعل أو نحو ذلك؛ فإ َنه ال يكون آثما بذلك‪،‬‬ ‫رغبة عنها وإ َنما لعدم‬ ‫لكن يفوته أجرها وثوابها‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫عظيم؛ ففيها ال َتكميل لصّلة العبد‪ ،‬وفيها عظم‬ ‫شأن‬ ‫السنن لها‬ ‫ٌ‬ ‫وهذه ُّ‬ ‫ال َثواب‪َ ،‬‬ ‫السنن المأثورة عن النَبي‬ ‫وأن العبد ك َلما عظم د ُّظه يف صّلته من هذه ُّ‬ ‫كان ذلك أعظم يف أجر صّلته وأرفع يف ثوابه ودرجاته‪.‬‬ ‫السنن المذكورات تنقسم إلى قسمين‪:‬‬ ‫وهذه ُّ‬ ‫‪ 1‬ـ سنن قولية؛ مثل دعاء االستفتاح‪ ،‬ومثل ما زاد على قول‪« :‬سبحان ربي‬ ‫الرفع‬ ‫الركوع‪ ،‬وما زاد على قول‪« :‬ر َبنا ولك الحمد» يف َ‬ ‫مرة واددة يف ُّ‬ ‫العظيم» َ‬ ‫السجود‪ ،‬وما زاد‬ ‫مرة واددة يف ُّ‬ ‫منه‪ ،‬وما زاد على قول‪« :‬سبحان ربي األعلى» َ‬ ‫السجدتين‪.‬‬ ‫مرة واددة بين َ‬ ‫على قول‪« :‬رب اغفر لي» َ‬ ‫الركوع‪ ،‬وعند‬ ‫‪ 2‬ـ سنن فعلية؛ مثل رفع اليدين عند تكبيرة اإلدرام‪ ،‬وعند ُّ‬ ‫الركوع أن ال يشخص‬ ‫الرفع منه‪ ،‬وعند القيام إلى ال َثالثة‪ ،‬ومثل ما جاء يف صفة ُّ‬ ‫َ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري(‪ ،)5063‬ومسلم (‪ )1401‬عن أنس‬

‫ـ ‪ 167‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫بالسجود‪،‬‬ ‫بالسنن الفعل َية المتعلقة ُّ‬ ‫رأسه وال يصوبه كما سيأيت‪ ،‬كذلك ما يتع َلق ُّ‬ ‫شهد‪.‬‬ ‫وتحريك األصبع يف ال َت ُّ‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬قال‬

‫‪« :‬سنن الصالة؛ ومنها‪ :‬الستفتاح»؛ وسمي «استفتادا» أل َنه‬

‫الصّلة‪ ،‬ويؤتى به يف َأولها بعد تكبيرة اإلدرام‪ ،‬وهذا االستفتاح ورد فيه‬ ‫تفتتح به َ‬ ‫والسّلم ـ‪ ،‬فبأي منها أخذ المسلم دصل‬ ‫صي ٌغ ثابت ٌة عن النَبي ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫السنَة العظيمة‪ ،‬وإن فعل الوارد منوعا تارة هذا وتارة هذا فهو أولى‪.‬‬ ‫تحقيق هذه ُّ‬ ‫والسّلم ـ ورد عنه صي ٌغ عديد ٌة يف االستفتاح‪ ،‬مثل‪:‬‬ ‫بي ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫والنَ ُّ‬

‫«اللهم باعدْ ب ْيني وب ْين خطاياي كما باعدْ ت ب ْين الم ْشرق والمغْرب‪ ،‬اللهم نقني‬ ‫من الخطايا كما ينقى الث ْوب األ ْبيض من الدنس‪ ،‬اللهم اغْس ْل خطاياي بالماء‬ ‫والث ْلج والبرد»(‪ ،)1‬ومثل‪« :‬س ْبحانك اللهم وبح ْمدك‪ ،‬وتبارك ْاسمك‪ ،‬وتعالى‬ ‫جدك‪ ،‬ول إله غ ْيرك»(‪.)2‬‬

‫وهذه الصيغ منها ما هو ثنا ٌء على اهلل وتمجيدٌ ‪ ،‬مثل‪« :‬س ْبحانك اللهم‬ ‫ٌ‬ ‫وسؤال‪ ،‬مثل‪« :‬اللهم باعدْ ب ْيني وب ْين خطاياي»‪،‬‬ ‫وبح ْمدك»‪ ،‬ومنها ما هو دعا ٌء‬ ‫ومنها الجامع بينهما بين ال َتمجيد وال َثناء‪ ،‬والدُّ عاء والمسألة؛ ومن ذلك ما كان‬ ‫يقوله‬

‫يف استفتاده من صّلة ال َليل‪« :‬اللهم لك الح ْمد أنْت قيم السموات‬

‫واأل ْرض وم ْن فيهن‪ ،‬ولك الح ْمد لك م ْلك السموات واأل ْرض وم ْن فيهن‪ ،‬ولك‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)744‬ومسلم ( ‪ )598‬عن أبي هريرة‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )2‬أخرجه أدمد (‪ ،)11657‬وأبو داود (‪ ،)775‬والرتمذي (‪ ،)242‬والنسائي (‪ ،)900‬وابن ماجه‬ ‫وصححه األلباين يف «اإلرواء» (‪.)340‬‬ ‫(‪)804‬؛‬ ‫َ‬

‫ـ ‪ 168‬ـ‬


‫الح ْمد أنْت نور السموات واأل ْرض وم ْن فيهن‪ ،‬ولك الح ْمد أنْت ملك السموات‬ ‫واأل ْرض‪ ،‬ولك الح ْمد أنْت الحق‪ ،‬وو ْعدك الحق‪ ،‬وق ْولك الحق‪ ،‬ولقاؤك حق‪،‬‬ ‫والجنة حق‪ ،‬والنار حق‪ ،‬والنبيون حق‪ ،‬ومحمد‬

‫حق‪ ،‬والساعة حق‪ ،‬اللهم‬

‫لك أ ْسل ْمت‪ ،‬وبك آمنْت‪ ،‬وعل ْيك توك ْلت‪ ،‬وإل ْيك أن ْبت‪ ،‬وبك خاص ْمت‪ ،‬وإل ْيك‬ ‫حاك ْمت‪ ،‬فاغْف ْر لي ما قد ْمت وما أخ ْرت‪ ،‬وما أ ْسر ْرت وما أ ْعلنْت‪ ،‬أنْت المقدم‬ ‫وأنْت المؤخر‪ ،‬ل إله إل أنْت‪ ،‬ول ح ْول ول قوة إل باهلل»(‪ ،)1‬وهذا االستفتاح‬ ‫الصّلة‬ ‫العظيم بجمله الكثيرة من أطول االستفتادات المأثورة عن النَبي ـ عليه َ‬ ‫استفتاح‬ ‫والسّلم ـ‪ ،‬وكان يقوله يف استفتاده لصّلة ال َليل‪ ،‬وهو‬ ‫جامع‪ ،‬بل يعدُّ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫متنا جامعا أل َمهات العقيدة وأصول الدين‪ ،‬ودفظ المسلم له‪ ،‬وعنايته به بأن‬ ‫كل ٍ‬ ‫يستفتح صّلته به َ‬ ‫ليلة من أعظم األمور ا َلتي يحصل هبا تجديد اإليمان‬ ‫وتقويته يف القلب؛ وهذا هو مقصد األذكار َ‬ ‫الشرع َية المأثورة عن النَبي الكريم‪،‬‬ ‫صلوات اهلل وسّلمه وبركاته عليه‪.‬‬ ‫‪ ‬قال‬

‫الصّلة‪« :‬ج ْعل كف اليد اليمنى على اليسرى‬ ‫يف عده لسنن َ‬

‫الركوع‪،‬‬ ‫الرفع من ُّ‬ ‫فوق الصدر حين القيام‪ ،‬قبل الركوع وبعده» أي‪ :‬بعد َ‬ ‫سماة بـ‪« :‬تمام الخشوع يف وضع اليدين‬ ‫وللمصنف رسال ٌة َ‬ ‫خاص ٌة يف ذلك م َ‬ ‫الركوع»‪ ،‬وأورد ما يد ُّل لذلك من أد َل ٍة‪.‬‬ ‫على َ‬ ‫الصدر بعد ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫وانكسار بين‬ ‫وهذا الوضع لليدين ـ اليمنى على اليسرى ـ هيئة ذل وخضو ٍع‬ ‫الصّلة؛ أل َنه لو كانت اليد‬ ‫يدي اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪ ،‬وهو أجمع للقلب يف َ‬ ‫مرسلة وطليقة ر َبما ينشغل المرء بتحريكها أو نحو ذلك‪ ،‬لكن إذا قبض اليمنى‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ )1120‬عن ابن عباس‬

‫‪.‬‬

‫ـ ‪ 169‬ـ‬


‫سكون وطمأنين ٌة‪ ،‬إضافة إلى ما فيها من ُّ‬ ‫ٌ‬ ‫الذل هلل ـ تبارك‬ ‫على اليسرى ففيها‬ ‫وتعالى ـ‪ ،‬فهي وقفة متذل ٍل خاض ٍع بين يدي ربه ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ‪ ،‬وسواء وضع‬ ‫السنَة‪ ،‬كما قال‬ ‫الساعد كل منهما جاءت به ُّ‬ ‫ك َفه على ال ُّرسغ أو وضعها على َ‬ ‫َ‬ ‫الشيخ‬

‫الساعد‬ ‫والساعد وصارت أطرافها على َ‬ ‫الرسغ َ‬ ‫‪« :‬وإن جعلها على ُّ‬

‫فهذا هو األفضل‪ ،‬وإن جعلها على الذراع فهو سنَ ٌة أيضا»(‪.)1‬‬ ‫‪ ‬قال‬

‫‪« :‬رفع اليد ْين مْمومتي األصابع ممدود ًة ح ْذو المنكب ْين أو‬

‫األذن ْين عند التكبيرة األولى‪ ،‬وعند الركوع‪ ،‬والرفع منه‪ ،‬وعند القيام من التشهد‬ ‫األول إلى الثالثة» هذه أربعة مواضع يشرع للمسلم أن يرفع فيها يديه مضمومة‬ ‫الرفع يكون إلى دذو المنكبين‪ ،‬أو‬ ‫األصابع‪ ،‬أي‪ :‬ليست مفرجة األصابع؛ وهذا َ‬ ‫الصحيحة عن رسول اهلل‬ ‫السنَة َ‬ ‫فروع األذنين‪ ،‬لمجيء ُّ‬

‫هبذا وهذا‪ ،‬جاء يف‬

‫بعض األداديث‪« :‬يحاذي بهما منْكب ْيه»(‪ ،)2‬وجاء يف بعضها‪« :‬يحاذي بهما فروع‬ ‫(‪)4‬‬

‫أذن ْيه»(‪ ،)3‬فمن ال ُّسنَة أن يرفع يديه يف هذه المواطن األربعة‪ ،‬لما يف البخاري‬

‫عن عبيد اهلل عن ناف ٍع َ‬ ‫الصّلة ك َبر ورفع يديه‪ ،‬وإذا‬ ‫أن ابن عمر «كان إذا دخل يف َ‬ ‫الركعتين‬ ‫ركع رفع يديه‪ ،‬وإذا قال‪ :‬سمع اهلل لمن دمده رفع يديه‪ ،‬وإذا قام من َ‬ ‫»‪.‬‬

‫رفع يديه‪ ،‬ورفع ذلك ابن عمر إلى نبي اهلل‬

‫السنن‪« :‬ما زاد عن واحدة يف تسبيح الركوع والسجود»‪ ،‬قول‪:‬‬ ‫ومن ُّ‬ ‫(‪« )1‬مجموع فتاويه» (‪.)148/8‬‬ ‫(‪ )2‬أخرجه أدمد (‪ ،)23599‬وأبو داود (‪ )730‬والرتمذي (‪ ،)304‬والنسائي (‪ ،)1181‬وابن ماجه‬ ‫(‪ )1061‬عن أبي دميد الساعدي‬

‫وصححه األلباين يف «اإلرواء» (‪.)305‬‬ ‫؛‬ ‫َ‬

‫(‪ )3‬أخرجه مسلم (‪ )391‬عن مالك بن الحويرث‬ ‫(‪ )4‬برقم (‪.)739‬‬

‫ـ ‪ 170‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫مرة واددة‬ ‫السجود َ‬ ‫الركوع‪ ،‬و«سبحان ربي األعلى» يف ُّ‬ ‫«سبحان ربي العظيم» يف ُّ‬ ‫الصّلة‪ ،‬وما زاد على ذلك فهو سنَ ٌة‪.‬‬ ‫هذا من واجبات َ‬ ‫‪ ‬قال‪« :‬ما زاد على قول‪« :‬ربنا ولك الح ْمد» بعد القيام من الركوع» أيضا‬ ‫الركوع يقول‪« :‬ر َبنا ولك الحمد» يقولها اإلمام‬ ‫الرفع من ُّ‬ ‫السنن بعد َ‬ ‫هذا من ُّ‬ ‫السنن‪ ،‬مثل‪« :‬ح ْمدً ا‬ ‫مما ورد ك ُّله من ُّ‬ ‫ثم ما زاد على ذلك َ‬ ‫والمأموم والمنفرد‪َ ،‬‬ ‫كث ًيرا طي ًبا مباركًا فيه‪ ،‬كما يحب ربنا وي ْرضى»(‪ ،)1‬أو‪« :‬م ْلء السماوات وم ْلء‬ ‫األ ْرض‪ ،‬وما ب ْينهما‪ ،‬وم ْلء ما شئْت م ْن ش ْيء ب ْعد‪ ،‬أ ْهل الثناء والم ْجد»(‪ ،)2‬أو‪:‬‬

‫«اللهم طه ْرني بالث ْلج والبرد‪ ،‬والماء البارد‪ ،‬اللهم طه ْرني من الذنوب والخطايا‪،‬‬ ‫كما ينقى الث ْوب األ ْبيض من الوسخ»(‪.)3‬‬

‫«ما زاد عن واحدة يف الدعاء بالمغفرة بين السجدت ْين»‪ ،‬تقدَ م يف دديث‬ ‫دذيفة‬

‫َ‬ ‫مرة‬ ‫أن المصلي يقول بين ال َسجدتين‪« :‬رب اغفر لي»؛ فقوله َ‬

‫السنن‪.‬‬ ‫واددة هذا‬ ‫ٌ‬ ‫واجب‪ ،‬وما زاد على ذلك فهو من ُّ‬ ‫الرأس بمستوى‬ ‫«ج ْعل الرأس حيال الظ ْهر يف الركوع» يعني ال يخفض َ‬ ‫الرأس‪ ،‬بل يكون دياله‪ ،‬أي‪ :‬مساويا له على سمته‪،‬‬ ‫أنزل من ال َظهر‪ ،‬وال يرفع َ‬ ‫وقد جاء يف «صحيح مسلم»(‪ )4‬من دديث أم المؤمنين عائشة‬

‫يف وصفها‬

‫والسّلم ـ أنَها قالت‪« :‬كان إذا ركع لم يشخص رأسه‪،‬‬ ‫لصّلة النَبي ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫ولم يصوبه‪ ،‬ولكن بين ذلك»‪.‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ )799‬عن رفاعة بن رافع‬ ‫(‪ )2‬أخرجه مسلم (‪ )477‬أبي سعيد الخدري‬

‫‪.‬‬ ‫‪.‬‬

‫(‪ )3‬أخرجه مسلم (‪ )476‬عن عبد اهلل بن أبي أوىف‬ ‫(‪ )4‬برقم (‪.)498‬‬

‫ـ ‪ 171‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫«مجافاة العْد ْين عن الجنْب ْين‪ ،‬والبطن عن الفخذ ْين‪ ،‬والفخذ ْين عن‬ ‫الساق ْين يف السجود»‪ ،‬وهذه المجافاة ثابت ٌة من فعله ـ صلوات اهلل وسّلمه عليه ـ‪،‬‬ ‫أن َ‬ ‫وقد ب َين أهل العلم من فائدة هذه المجافاة َ‬ ‫كل موضع من الجسم يأخذ د َظه‬ ‫السجود‪ ،‬بخّلف إذا جعل أجزاء من الجسم ملتصقا بعضها ببعض‪،‬‬ ‫من ُّ‬ ‫الساقين‬ ‫فمجافاة العضدين عن الجنبين‪ ،‬والبطن عن الفخذين‪ ،‬والفخذين عن َ‬ ‫أكمل يف هيئة العبد وتذ ُّللـه يف سجوده لربه ـ تبارك وتعالى ـ‪.‬‬ ‫«رفع الذراع ْين عن األرض حين السجود» كما جاء يف الحديث‪« :‬فإذا‬ ‫سجد وضع يد ْيه‪ ،‬غ ْير م ْفترش‪ ،‬ول قابْهما»(‪.)1‬‬ ‫«جلوس المصلي على رجله اليسرى مفروشة‪ ،‬ونصب اليمنى يف التشهد‬ ‫األول وبين الس ْجدت ْين»؛ وهذا جاء يف دديث عائشة‬

‫يف «صحيح‬

‫مسلم»(‪« :)2‬كان ي ْفرش ر ْجله الي ْسرى‪ ،‬وينْصب ر ْجله الي ْمنى»‪.‬‬ ‫«التورك يف التشهد األخير يف الرباعية والثالثية وهو‪ :‬الجلوس على مقعدته‬ ‫ثابت يف دديث أبي‬ ‫وج ْعل رجله اليسرى تحت اليمنى ونصب اليمنى»؛ وهذا ٌ‬ ‫دميد‬

‫يف البخاري(‪ ،)3‬وفيه‪« :‬وقعد على مقعدته»‪ ،‬وهذه الهيئة يقال لها‪:‬‬

‫ورك» َ‬ ‫والرباع َية ـ‬ ‫شهد ا َلذي يف آخر َ‬ ‫ألن المصلي ـ يف ال َت ُّ‬ ‫الصّلة من ال ُّثّلث َية ُّ‬ ‫«ال َت ُّ‬ ‫يجلس على وركه‪ ،‬بينما األولى يقال لها‪« :‬افرتاش» أل َنه يجعل رجله اليسرى‬ ‫مثل الفراش له يجلس عليها‪.‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ )828‬عن أبي دميد الساعدي‬ ‫(‪ )2‬برقم (‪ )498‬عن عائشة‬

‫‪.‬‬

‫‪ ،‬وقد سبق تخريجه‪.‬‬

‫(‪ )3‬برقم (‪ )828‬عن أبي دميد الساعدي‬

‫‪ ،‬وقد سبق تخريجه‪.‬‬

‫ـ ‪ 172‬ـ‬


‫«اإلشارة بالسبابة يف التشهد األول والثاين من حين يجلس إلى نهاية التشهد‬ ‫وتحريكها عند الدعاء» أي َ‬ ‫شهد إلى أن يسلم‬ ‫أن هذه اإلشارة من دين يجلس لل َت ُّ‬ ‫بالس َبابة يرفعها رفعا غير كامل إشارة للتَوديد‪ ،‬ويحركها عند الدُّ عاء‬ ‫يكون مشيرا َ‬ ‫تحريكا خفيفا‪.‬‬ ‫«الصالة والتبريك على محمد وآل محمد‪ ،‬وعلى إبراهيم وآل إبراهيم يف‬ ‫التشهد األول» أي‪َ :‬‬ ‫شهد‬ ‫الصّلة اإلبراهيم َية اإلتيان هبا يف ال َت ُّ‬ ‫أن هذا من سنن َ‬ ‫األول‪ ،‬وقد تقدَ م ذكر الصيغة‪.‬‬ ‫َ‬ ‫«الدعاء يف التشهد األخير» تقدَ م دديث ابن مسعود‬

‫‪ ،‬وفيه‪« :‬ثم‬

‫والصّلة‬ ‫شهد َ‬ ‫بالسّلم بعد إكمال ال َت ُّ‬ ‫يتخير ب ْعد م ْن الدعاء ما شاء»‪ ،‬فّل يستعجل َ‬ ‫عظيم يتح َرى فيه الدُّ عاء‪.‬‬ ‫اإلبراهيم َية‪ ،‬بل يتخ َير من الدُّ عاء ما شاء؛ فإ َنه موط ٌن‬ ‫ٌ‬ ‫«الجهر بالقراءة يف صالة الفجر وصالة الجمعة وصالة العيد ْين‬ ‫والستسقاء‪ ،‬ويف الركعت ْين األولي ْين من صالة المغرب والعشاء»‪ ،‬ولهذا لو َ‬ ‫أن‬ ‫ثم نبه‬ ‫اإلمام ـ مثّل ـ نسي الجهر بالفاتحة‪ ،‬وقرأ نصف سورة الفاتحة سرا‪َ ،‬‬ ‫ليجهر؛ فّل يعيد الفاتحة من َأولها‪ ،‬وإ َنما يكمل من ديث انتهى إليه قراءة؛ أل َنه‬ ‫مرتين‪ ،‬فيكمل جهرا من ديث انتهى إليه‪.‬‬ ‫ال يشرع قراءة َأول الفاتحة َ‬ ‫«اإلسرار بالقراءة يف الظهر والعصر‪ ،‬ويف الثالثة من المغرب‪ ،‬واألخيرت ْين‬ ‫من العشاء»‪ ،‬والجهر يف مواضع الجهر‪ ،‬واإلسرار يف مواضع اإلسرار‪ ،‬مجم ٌع‬ ‫على استحبابه‪ ،‬واألصل فيه فعل النَبي‬

‫‪.‬‬

‫«قراءة ما زاد عن الفاتحة من القرآن» أي‪َ :‬‬ ‫الصّلة‪ ،‬أ َما‬ ‫أن هذا من سنن َ‬ ‫ـ ‪ 173‬ـ‬


‫ٍ‬ ‫الصّلة‪ ،‬وتقدَ م قوله‬ ‫ركن يف كل ركعة من ركعات َ‬ ‫الفاتحة‪ :‬فهي ٌ‬

‫‪« :‬ل صالة‬

‫لم ْن ل ْم ي ْقر ْأ بفاتحة الكتاب»(‪.)1‬‬ ‫قال‬

‫‪« :‬مع مراعاة بقية ما ورد من السنن يف الصالة سوى ما ذكرنا» ذكر‬

‫ذلك‪ :‬تنبيها إلى َ‬ ‫السنن ليس على سبيل الحصر وإ َنما على‬ ‫أن ما تقدَ م ذكره من ُّ‬ ‫سبيل المثال‪.‬‬ ‫«ومن ذلك‪ :‬ما زاد على قول المصلي «ربنا ولك الح ْمد» بعد الرفع من‬ ‫الركوع يف حق اإلمام والمأموم والمنفرد‪ ،‬فإنه سنة» وقد تقدَ م‪.‬‬ ‫أيْا‪ :‬وضع اليدين على الركبت ْين مفرجتي األصابع حين‬ ‫«ومن ذلك ً‬ ‫الركوع» لحديث وائل بن دجر‬

‫‪« :‬كان رسول اهلل‬

‫إذا ركع ف َرج‬

‫أصابعه»(‪.)2‬‬

‫‪‬‬

‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)756‬ومسلم (‪ )394‬عن عبادة بن الصامت‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )2‬أخرجه ابن خزيمة يف «صحيحه» (‪ ،)594‬والطرباين يف «الكبير» (‪ ،)26‬والبيهقي يف «السنن‬ ‫وصححه األلباين يف «صحيح الجامع» (‪.)4733‬‬ ‫الكربى» (‪)2695‬؛‬ ‫َ‬

‫ـ ‪ 174‬ـ‬


‫ُ‬

‫ﱠ‬

‫ﺍﻟﺪﺭﺱ ﺍﳊﺎﺩﻱ ﻋﺸﺮ‬

‫ﱠ‬

‫ـﺒـﻄــﻼﺕ ﺍﻟـﺼـــﻼﺓ‬ ‫ﻣ‬ ‫ِ‬

‫‪ ‬ﻗﺎل ‪::‬‬

‫اﻟﺼﻼة‪.‬‬ ‫»اﻟﺪﱠ رس اﻟﺤﺎدي ﻋﺸﺮ‪ُ :‬ﻣﺒﻄِ ُ‬ ‫ﻼت ﱠ‬ ‫اﻟﺼﻼة وﻫﻲ ﺛﻤﺎﻧﻴﺔ‪:‬‬ ‫ُﻣﺒﻄِ ُ‬ ‫ﻼت ﱠ‬ ‫اﻟﺬﻛﺮِ ِ‬ ‫اﻟﻜﻼ ُم اﻟ َﻌ ْﻤﺪُ ﻣﻊ ﱢ‬ ‫واﻟﻌ ْﻠ ِﻢ‪ ،‬ﱠأﻣﺎ اﻟﻨﱠﺎﺳﻲ واﻟﺠﺎﻫﻞ ﻓﻼ َﺗﺒ ُﻄ ُﻞ ﺻﻼ ُﺗﻪ‬

‫ﺑﺬﻟﻚ‪.‬‬

‫اﻟﻀﺤﻚ‪.‬‬ ‫ﱠ‬ ‫اﻷﻛﻞ‪.‬‬

‫ﱡ‬ ‫اﻟﺸﺮب‪.‬‬

‫اﻧﻜﺸﺎف اﻟﻌﻮرة‪.‬‬

‫اﻻﻧﺤﺮاف اﻟﻜﺜﻴﺮ ﻋﻦ ﺟﻬﺔ اﻟﻘﺒﻠﺔ‪.‬‬

‫اﻟ َﻌ ُ‬ ‫اﻟﺼﻼة‪.‬‬ ‫اﻟﻤﺘﻮاﻟﻲ ﰲ ﱠ‬ ‫ﺒﺚ اﻟﻜﺜﻴﺮ ُ‬

‫اﻧﺘﻘﺎض اﻟﻄﱠﻬﺎرة«‪.‬‬

‫‪‬‬

‫‪ ‬‬


‫‪:n‬‬ ‫‪ ‬قوله‬

‫الصّلة إذا‬ ‫‪« :‬مبطالت الصالة» أي‪ :‬األمور ا َلتي تبطل هبا َ‬

‫وجدت؛ وهذه المبطّلت يجب على المسلم أن يعرفها‪ ،‬وأن يكون على ٍ‬ ‫علم هبا‬ ‫ٍ‬ ‫شيء منها؛ أل َنها مبط ٌل لصّلته‪« ،‬وهي ثمانية» مبطّلت‪:‬‬ ‫لي َتقي أن يقع يف‬ ‫‪ 1‬ـ «الكالم الع ْمد مع الذكر والعلم»؛ لحديث زيد بن أرقم عندما نزل قول‬ ‫اهلل‬

‫‪﴿ :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ﴾ [^‪]238 :‬‬

‫الصّلة‪،‬‬ ‫الرجل صادبه وهو إلى جنبه في َ‬ ‫قال‪« :‬كنَا نتك َلم في َ‬ ‫الصّلة‪ ،‬يكلم َ‬ ‫السكوت‪ ،‬ونهينا عن الكّلم»(‪.)1‬‬ ‫دتَى نزلت‪﴿ :‬ﭖ ﭗ ﭘ﴾ فأمرنا ب ُّ‬ ‫وقوله «مع الذكر»‪ :‬أي ال يكون ساهيا‪ ،‬وقوله‪« :‬والعلم»‪ :‬أي ال يكون‬ ‫الساهي‪ ،‬بأن تك َلم يف أثناء صّلته سهوا‪،‬‬ ‫جاهّل؛ وعليه فإ َنه إذا دصل كّل ٌم من َ‬ ‫أو تك َلم يف أثناء صّلته جهّل بالحكم؛ َ‬ ‫بالسهو‬ ‫فإن صّلته ال تبطل بذلك للعذر َ‬ ‫والنسيان‪.‬‬ ‫‪ 2‬ـ ‪ 3‬ـ ‪ 4‬ـ «الْحك‪ ،‬األكل‪ ،‬الشرب»‪ ،‬وهذا بإجماع أهل العلم؛ إذا‬ ‫ضحك يف صّلته‪ ،‬أو أكل‪ ،‬أو شرب بطلت صّلته‪.‬‬ ‫الصّلة ستر العورة‪ ،‬وإذا عدم‬ ‫‪ 5‬ـ «انكشاف العورة»‪ ،‬وقد تقدَ م يف شروط َ‬ ‫َ‬ ‫الشرط بطل المشروط‪.‬‬ ‫‪ 6‬ـ «النحراف الكثير عن جهة القبلة»؛ َ‬ ‫ألن استقبال القبلة من شروط‬ ‫يضر‪ ،‬لكن إذا انحرف‬ ‫َ‬ ‫الصّلة كما تقدَ م‪ ،‬فإذا انحرف انحرافا يسيرا فإ َنه ال ُّ‬ ‫(‪)1‬أخرجه البخاري (‪ ،)1200‬ومسلم (‪.)573‬‬

‫ـ ‪ 176‬ـ‬


‫انحرافا شديدا عن جهة القبلة بطلت صّلته‪.‬‬ ‫‪ 7‬ـ «العبث الكثير المتوالي يف الصالة» بأن يعبث بيده أو رجله أو لحيته أو‬ ‫الصّلة؛ أل َنه انشغا ٌل عن ال َصّلة‪ ،‬فحركته‬ ‫مما يبطل َ‬ ‫ثوبه أو غير ذلك‪ ،‬فهذا َ‬ ‫َ‬ ‫وألن ال ُّطمأنينة من أركان‬ ‫سببها انصراف قلبه‪ ،‬فلو خشع قلبه لخشعت جوارده‪،‬‬ ‫الصّلة‪ ،‬وليس لذلك دد محدو ٌد‪،‬‬ ‫الصّلة‪ ،‬فإذا كثر العبث وتوالى بطلت َ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫دركات ال دليل عليه‪.‬‬ ‫وتحديده بثّلث‬ ‫‪ 8‬ـ «انتقاض الطهارة» َ‬ ‫الصّلة‪ ،‬كما تقدَ م يف‬ ‫ألن ال َطهارة من شروط َ‬ ‫الحديث‪« :‬ل ت ْقبل صالة بغ ْير طهور»(‪ ،)1‬فإذا انتقضت طهارة المرء وهو يصلي؛‬ ‫بخروج ريحٍ أو ٍ‬ ‫بول أو نحو ذلك؛ َ‬ ‫فإن صّلته تبطل‪.‬‬

‫‪‬‬

‫(‪ )1‬سبق تخريجه‪.‬‬

‫ـ ‪ 177‬ـ‬


‫ﱠ‬ ‫ﱠ‬ ‫ﺍﻟﺪﺭﺱ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻋﺸﺮ‬

‫ﺷــﺮﻭﻁ ﺍﻟـــﻮﺿــــﻮء‬

‫‪ ‬ﻗﺎل ‪::‬‬

‫»اﻟﺪﱠ رس اﻟ ﱠﺜﺎﲏ ﻋﺸﺮ‪ :‬ﺷﺮوط اﻟﻮﺿﻮء‪.‬‬

‫ﺷﺮوط اﻟﻮﺿﻮء وﻫﻲ ﻋﺸﺮة‪ :‬اﻹﺳﻼم‪ ،‬واﻟﻌﻘﻞ‪ ،‬واﻟ ﱠﺘﻤﻴﻴﺰ‪ ،‬واﻟﻨﱢ ﱠﻴﺔ‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫واﻧﻘﻄﺎع ُﻣ ِ‬ ‫ﻮﺟﺐ‬ ‫ﺗﺘﻢ ﻃﻬﺎر ُﺗﻪ‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫واﺳﺘﺼﺤﺎب ُﺣﻜﻤﻬﺎ ﺑﺄن ﻻ َﻳﻨْ ِﻮي َﻗﻄ َﻌﻬﺎ ﺣ ﱠﺘﻰ ﱠ‬ ‫اﻟﻮﺿﻮء‪ ،‬واﺳﺘﻨﺠﺎء أو اﺳﺘﺠﻤﺎر َﻗﺒ َﻠﻪ‪ ،‬وﻃﻬﻮرﻳ ُﺔ ٍ‬ ‫ﻣﺎء وإﺑﺎﺣ ُﺘﻪ‪ ،‬وإزاﻟ ُﺔ ﻣﺎ َﻳﻤﻨَ ُﻊ‬ ‫ٌ ْ‬ ‫ٌ‬ ‫ﱠ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫اﻟﺼﻼة ﰲ ﱢ‬ ‫ﺣﻖ َﻣ ْﻦ َﺣﺪَ ُﺛﻪ داﺋِ ٌﻢ«‪.‬‬ ‫وﺻﻮ َﻟﻪ إﻟﻰ اﻟ َﺒ ْﺸ َﺮة‪،‬‬ ‫ودﺧﻮل َو ْﻗﺖ ﱠ‬ ‫‪:n‬‬

‫ِ‬ ‫ٌ‬ ‫‪ ‬ﺗﻘﺪﱠ م ﱠ‬ ‫اﻟﺼﻼةِ‪ ،‬ﻓﻼﺑﺪﱠ ﻣﻦ ﻣﻌﺮﻓﺔ اﻷﺣﻜﺎم‬ ‫ﺷﺮط‬ ‫أن اﻟ ﱠﻄﻬﺎر َة‬ ‫ﻟﺼﺤﺔ ﱠ‬ ‫ﱠ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ﻛﺮﻫﺎ‪،‬‬ ‫اﻟﻤﺘﻌ ﱢﻠ َﻘﺔ ﺑﺎﻟ ﱠﻄﻬﺎرة ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ُﺷﺮو ُﻃﻬﺎ‪ ،‬وﻛﺬﻟﻚ اﻟﻤﺴﺎﺋﻞ اﻷﺧﺮى اﻵﰐ ذ ُ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫ﺷﺮوط‪:‬‬ ‫ﺑﺪأﻫﺎ ﺑﺸﺮوط اﻟﻮﺿﻮء ﻓﻘﺎل‪» :‬وﻫﻲ ﻋﺸﺮة«‬

‫اﻷول واﻟ ﱠﺜﺎﲏ واﻟ ﱠﺜﺎﻟﺚ‪» :‬اﻹﺳﻼم‪ ،‬واﻟﻌﻘﻞ‪ ،‬واﻟ ﱠﺘﻤﻴﻴﺰ«؛ وﻫﺬه ﱡ‬ ‫اﻟﺸﺮوط‬ ‫‪ ‬ﱠ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫اﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻨﻬﺎ‪.‬‬ ‫اﻟﺼﻼة وﺗﻘﺪﱠ م‬ ‫ﻛﺮﻫﺎ ﰲ ﺷﺮوط ﱠ‬ ‫ﺗﻘﺪﱠ م ذ ُ‬ ‫ﺻﻼة‪ ،‬أو ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ﻓﻸن َﻏﻴﺮ اﻟﻤﺴﻠِ ِﻢ ﻋﻤ ُﻠﻪ أﻳﺎ ﻛﺎن ـ ﻣﻦ ﻃﻬ ٍ‬ ‫زﻛﺎة‪،‬‬ ‫ﺎرة‪ ،‬أو‬ ‫‪ ‬أ ﱠﻣﺎ اﻹﺳﻼم‪ :‬ﱠ ْ َ ُ‬

‫‪ ‬‬


‫أو غير ذلك ـ ٌ‬ ‫باطل وداب ٌط؛ َ‬ ‫ألن الكفر مبط ٌل للعمل كله‪ ،‬كما قال اهلل ـ سبحانه‬ ‫وتعالى ـ‪﴿ :‬ﯽﯾ ﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇ﴾ [‪.]5 :a‬‬ ‫َ‬ ‫وع عنه القلم‪ ،‬كما تقدَ م يف قوله‬ ‫‪ ‬وأ َما العقل‪:‬‬ ‫فألن المجنون مرف ٌ‬

‫‪:‬‬

‫«رفع القلم ع ْن ثالثة» وذكر منهم‪ :‬المجنون‪ ،‬فالجنون فقدٌ للعقل‪ ،‬ومن شرط‬ ‫العبادة عموما وجود العقل ا َلذي يحصل به المعرفة والفهم والدراية‪ ،‬وفاقد‬ ‫العقل ال يحسن إقامة هذه األعمال واإلتيان هبا على وجهها‪.‬‬ ‫‪ ‬وأ َما ال َتمييز‪َ :‬‬ ‫مرفوع عن ثّلث؛ منهم‪:‬‬ ‫فألن القلم كما تقدَ م يف الحديث‬ ‫ٌ‬ ‫بي د َتى يميز‪ ،‬ولهذا أيضا جاء يف الحديث‪« :‬مروا أ ْبناءك ْم بالصالة لس ْبع»‪،‬‬ ‫َ‬ ‫الص ُّ‬ ‫بالصّلة‪.‬‬ ‫بي بال َطهارة ويؤمر َ‬ ‫والسابعة هي س ُّن ال َتمييز ا َلتي يؤمر هبا َ‬ ‫َ‬ ‫الص ُّ‬

‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫عبادة‪ ،‬وقد‬ ‫الصّلة‪ ،‬ويف كل‬ ‫‪ ‬الرابع‪« :‬النية»؛ والن َية‬ ‫شرط يف ال َطهارة‪ ،‬ويف َ‬

‫والسّلم ـ‪« :‬إنما األ ْعمال بالنيات‪ ،‬وإنما لكل ْامرئ ما‬ ‫الصّلة‬ ‫قال ـ عليه َ‬ ‫َ‬ ‫نوى»(‪ ،)1‬والمراد بالن َية يف ال َطهارة‪ :‬أن يعقد بقلبه أنَه يباشر هذه األعمال من‬ ‫أجل طهارته‪ ،‬فلو أتى بفروض الوضوء‪ ،‬ولم ينو ال َطهارة‪ ،‬وإ َنما نوى نظافة هذه‬ ‫األعضاء‪ ،‬فّل يكون عمله ذلك طهارة؛ َ‬ ‫ألن من شرطها الن َية‪.‬‬ ‫‪ ‬الخامس‪« :‬استصحاب حكمها بأن ل ينوي قطعها حتى تتم طهارته»‬ ‫أل َنه لو قطع ن َية ال َطهارة يف أثناء العمل لم تص َح طهارته؛ كأن يغير الن َية يف أثناء‬ ‫الوضوء من ال َطهارة إلى النَظافة‪.‬‬ ‫طهر‪ ،‬فّل تكون‬ ‫‪ ‬السادس‪« :‬انقطاع موجب الوضوء» أي‪ :‬انقطاع موجب ال َت ُّ‬ ‫السبيلين‪ ،‬أو النَوم‪ ،‬أو نحو ذلك‪ ،‬أ َما‬ ‫ال َطهارة َإال بعد انقطاع الموجب‪ ،‬كالخارج من َ‬ ‫(‪ )1‬سبق تخريجه‪.‬‬

‫ـ ‪ 179‬ـ‬


‫شروع فيها فإ َنها ال تص ُّح‪.‬‬ ‫يف أثناء وجود موجب الوضوء لو دصل لإلنسان طهار ٌة أو‬ ‫ٌ‬ ‫‪‬‬

‫السابع‪« :‬استنجاء أو استجمار ق ْبله» أي يف دال وجود خارجٍ من‬

‫السبيلين؛ فإ َنه يشترط لل َطهارة االستنجاء أو االستجمار قبلها‪ ،‬والمراد‬ ‫َ‬ ‫السبيلين بالماء‪ ،‬والمراد باالستجمار‬ ‫باالستنجاء‪ :‬تنقية موضع الخارج من َ‬ ‫السبيلين‪ ،‬وليس كما‬ ‫تنقيته بالحجارة‪ ،‬وإنَما يشترط ذلك إذا وجد خار ٌج من َ‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫خارج‪.‬‬ ‫طهارة د َتى وإن لم يوجد‬ ‫شرط عند كل‬ ‫يظ ُّن بعض العوام أنَه‬ ‫ٌ‬ ‫‪ ‬الثامن‪« :‬طهورية ماء وإباحته» فإذا كان الماء نجسا؛ فإ َنه ال تحصل به‬ ‫ال َطهارة‪ ،‬وكذلك إذا كان مغصوبا أو مسروقا أو نحو ذلك؛ فّل تص ُّح به ال َطهارة‪.‬‬ ‫‪ ‬التاسع‪« :‬إزالة ما يمنع وصوله إلى البشرة» كأن يكون على اليد أو القدم‬ ‫أصباغ‪ ،‬أو قطعة من العجين؛ لكون ذلك مانعا من إسباغ الوضوء‪.‬‬ ‫‪ ‬العاشر‪« :‬دخول وقت الصالة يف حق م ْن حدثه دائم» كمن عنده سلس‬ ‫للصّلة‪،‬‬ ‫البول‪ ،‬أو سلس الريح‪ ،‬فإذا دخل الوقت ودخول الوقت يعرف بالنداء َ‬ ‫توضأ وص َلى على الحال ا َلتي هو عليها‪ ،‬د َتى وإن خرج شي ٌء‬ ‫للصّلة َ‬ ‫فإذا نودي َ‬ ‫من الريح أو خرج شي ٌء من البول فإ َنه ال تنتقض طهارته؛ ألنَه ال يملك ذلك‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫صّلة عند دخول الوقت‪ ،‬فحكمه‬ ‫يتوضأ لكل‬ ‫لكن من شرط ال َطهارة يف دقه أن َ‬ ‫ٍ‬ ‫صّلة كما يف دديث عائشة‬ ‫تتوضأ لكل‬ ‫أن‬ ‫َ‬

‫َبي‬ ‫دكم المستحاضة أمرها الن ُّ‬ ‫‪« :‬ثم توضئي لكل صالة‪ ،‬حتى يجيء ذلك الو ْقت»(‪.)1‬‬

‫‪‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪.)228‬‬

‫ـ ‪ 180‬ـ‬


‫ﱠ‬ ‫ﱠ‬ ‫ﺍﻟﺪﺭﺱ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ ﻋﺸﺮ‬

‫ﻓﺮﻭﺽ ﺍﻟﻮﺿﻮء‬

‫‪ ‬ﻗﺎل ‪::‬‬

‫رس اﻟ ﱠﺜﺎﻟﺚ ﻋﺸﺮ‪ :‬ﻓﺮوض اﻟﻮﺿﻮء‪.‬‬ ‫»اﻟﺪﱠ ُ‬

‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ﻏﺴﻞ اﻟﻮﺟﻪ وﻣﻨﻪ اﻟﻤﻀﻤﻀ ُﺔ واﻻﺳﺘﻨﺸﺎق‪،‬‬ ‫ﻓﺮوض اﻟﻮﺿﻮء؛ وﻫﻲ ﺳ ﱠﺘ ٌﺔ‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫اﻟﺮ ِ‬ ‫ُ‬ ‫اﻟﺮ ْﺟ َﻠ ْﻴﻦ‬ ‫وﻏﺴ ُﻞ ﱢ‬ ‫أس وﻣﻨﻪ اﻷُ ُذ َﻧﺎن‪ْ ،‬‬ ‫وﻣ ْﺴ ُﺢ ﺟﻤﻴﻊ ﱠ‬ ‫وﻏﺴﻞ اﻟ َﻴﺪَ ْﻳﻦ ﻣﻊ اﻟﻤ ْﺮ َﻓ َﻘ ْﻴﻦ‪َ ،‬‬ ‫ﻣﻊ اﻟ َﻜ ْﻌ َﺒ ْﻴﻦ‪ ،‬واﻟ ﱠﺘﺮﺗﻴﺐ‪ ،‬واﻟﻤﻮاﻻة‪.‬‬

‫ﺛﻼث ﻣﺮ ٍ‬ ‫ات‪ ،‬وﻫﻜﺬا‬ ‫واﻟﺮ ْﺟ َﻠ ْﻴﻦ‬ ‫وﻳﺴ َﺘ َﺤ ﱡ‬ ‫َ ﱠ‬ ‫ﻜﺮار َﻏ ْﺴ ِﻞ اﻟﻮﺟﻪ واﻟ َﻴﺪَ ْﻳﻦ ﱢ‬ ‫ﺐ َﺗ ٌ‬ ‫ُ‬ ‫اﻟﺮأس ﻓﻼ‬ ‫ﻣﺮ ٌة واﺣﺪ ٌة‪ ،‬ﱠأﻣﺎ‬ ‫ُ‬ ‫ﻣﺴﺢ ﱠ‬ ‫اﻟﻤﻀﻤﻀ ُﺔ واﻻﺳﺘﻨﺸﺎ ُق‪ ،‬واﻟﻔﺮض ﻣﻦ ذﻟﻚ ﱠ‬ ‫ُ‬ ‫اﻟﺼﺤﻴﺤ ُﺔ‪.‬‬ ‫ﺖ ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ‬ ‫ﻜﺮ ُاره ﻛﻤﺎ د ﱠﻟ ْ‬ ‫اﻷﺣﺎدﻳﺚ ﱠ‬ ‫ُﻳﺴ َﺘ َﺤ ﱡ‬ ‫ﺐ َﺗ َ‬ ‫‪:n‬‬ ‫ﻓﺮوض اﻟﻮﺿﻮء« ﺟﻤﻊ ﻓﺮض؛ واﻟﻔﺮض ﰲ ﱠ‬ ‫‪ ‬ﻗﺎل ‪ُ » ::‬‬ ‫اﻟﺸﺮ ِع ﻣﻌﻨﺎه‪ :‬ﻣﺎ‬ ‫ُأﻣِﺮ ﺑﻪ ﻋﻠﻰ ﺳﺒﻴﻞ ِ‬ ‫اﻹﻟﺰام‪.‬‬ ‫َ‬ ‫»وﻫﻲ ﺳ ﱠﺘ ٌﺔ« ﻗﺎل اﷲ ﺗﻌﺎﻟﻰ‪, + * ) (﴿ :‬‬

‫ ‪ ،[٦ :a] ﴾1 0 / .‬ﻓﻬﺬه اﻵﻳ ُﺔ َأوﺟﺒ ِ‬‫ﺖ‬ ‫ْ ََ‬

‫‪ ‬‬


‫للصّلة‪ ،‬وب َينت األعضاء ا َلتي يجب غسلها أو مسحها يف الوضوء‪،‬‬ ‫الوضوء َ‬ ‫السنَة النَبو َية شاردة ومفصلة‪.‬‬ ‫ثم جاءت ُّ‬ ‫وددَ دت مواقع الوضوء منها‪َ ،‬‬ ‫‪ ‬األول‪« :‬غسل الوجه ومنه المْمْة والستنشاق» والوجه هو‪ :‬ما تحصل‬ ‫الرأس المعتاد‪ ،‬إلى ما انحدر من اللحيين َ‬ ‫والذقن طوال‪،‬‬ ‫به المواجهة من منابت شعر َ‬ ‫ومن األذن إلى األذن عرضا‪ ،‬والبدء بالوجه لشرفه‪ ،‬أ َما غسل اليدين يف َأول الوضوء‬ ‫فللنَظافة؛ َ‬ ‫ألن فرض غسل اليدين من الكف إلى المرفق يكون بعد غسل الوجه‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ألن‬ ‫«ومنه المْمْة والستنشاق» قوله‪« :‬منه» أي‪ :‬من الوجه؛‬ ‫المضمضة للفم‪ ،‬واالستنشاق لألنف‪ ،‬والفم واألنف من الوجه‪ ،‬فيدخل يف قول‬ ‫اهلل تعالى‪﴿ :‬ﭘ ﭙ﴾‪ ،‬ويستد ُّل له بفعل النَبي‬

‫؛ كحديث عثمان‬

‫‪« :‬فم ْْمض و ْاستنْثر»(‪.)1‬‬ ‫والمضمضة‪ :‬وهي وضع الماء يف الفم وتحريكه‪ ،‬من أجل تنقية الفم وتنظيفه‪.‬‬ ‫واالستنشاق‪ :‬أن يجذب الماء بنف ٍ‬ ‫س قوي إلى أقصى األنف‪.‬‬ ‫مما يعلق به‪.‬‬ ‫واالستنثار‪ :‬دفع الماء إلى الخارج‪ ،‬ليحصل بذلك تنقية الخيشوم َ‬ ‫‪ ‬الثاين «غسل اليد ْين إلى الم ْرفق ْين» أي غسل اليد من أطراف األصابع إلى‬ ‫المرفقين‪ ،‬وقوله‪« :‬إلى الم ْرفق ْين» أي مع المرفقين؛ َ‬ ‫ألن المرفق داخ ٌل يف الغسل‪،‬‬ ‫السنَة العمل َية من فعل النَبي ـ صلوات اهلل وسّلمه عليه ـ‪.‬‬ ‫كما يوضح ذلك ُّ‬ ‫السنَة صفته كما يف دديث‬ ‫‪ ‬الثالث‪« :‬مسح جميع الرأس» وقد ب َينت ُّ‬ ‫عبد اهلل بن زيد‬

‫ثم مسح رأسه بيديه فأقبل هبما وأدبر بدأ بمقدَ م‬ ‫‪ ،‬وفيه‪َ « :‬‬

‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)159‬ومسلم (‪ )226‬واللفظ له‪.‬‬

‫ـ ‪ 182‬ـ‬


‫ثم ر َدهما إلى المكان ا َلذي بدأ منه»(‪.)1‬‬ ‫رأسه دتَى ذهب هبما إلى قفاه َ‬ ‫قوله‪« :‬ومنه األذنان»‪ ،‬يد ُّل لذلك قول النَبي‬

‫‪« :‬األذنان من الر ْأس»(‪،)2‬‬

‫والسّلم ـ‪ ،‬فقد كان يمسح األذنين بالماء ا َلذي‬ ‫الصّلة‬ ‫وكذلك فعله ـ عليه َ‬ ‫َ‬ ‫الرأس‪ ،‬ال يأخذ لهما ماء مستقّل‪ ،‬يجعل س َبابته يف أذنه‪ ،‬ويمسح‬ ‫يمسح به َ‬ ‫باإلهبام ظهر األذنين‪ ،‬واألذن ال تغسل وإ َنما تمسح؛ َ‬ ‫ألن فرضها مثل فرض‬ ‫الرأس مس ٌح وليس غس ٌل‪.‬‬ ‫الرأس‪ ،‬وفرض َ‬ ‫َ‬ ‫‪ ‬الرابع‪« :‬غسل الرجل ْين مع الك ْعب ْين» كما قال تعالى‪﴿ :‬ﭟ ﭠ‬

‫ﭡ﴾ َ‬ ‫فإن «إلى» بمعنى «مع»‪ ،‬ولألداديث الواردة يف صفة الوضوء؛ فإنَها‬ ‫ُّ‬ ‫تدل على دخول الكعبين يف المغسول‪.‬‬ ‫ثم‬ ‫ثم اليدين‪َ ،‬‬ ‫‪ ‬الخامس‪« :‬الترتيب» أي‪ :‬يؤتى هبذه الفروض؛ الوجه‪َ ،‬‬ ‫ثم القدمين‪ ،‬على هذا النَحو من ال َترتيب كما جاء يف اآلية؛ َ‬ ‫ألن اهلل تعالى‬ ‫الرأس‪َ ،‬‬ ‫َ‬ ‫الرأس ـ بين مغسولين‪ ،‬ولفعل النَبي‬ ‫ذكرها مر َتبة‪ ،‬وألنَه أدخل ممسودا ـ وهو َ‬ ‫والسّلم ـ‪َ ،‬‬ ‫فإن من نقل صفة وضوئه‬ ‫ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬

‫نقلها مر َتبة على هذا النَحو‪.‬‬

‫‪ ‬الشرط السادس‪« :‬الموالة» يعني‪ :‬ال يفصل بين ع ٍ‬ ‫والضابط يف ذلك‪:‬‬ ‫ضو وآخر‪َ ،‬‬

‫ٍ‬ ‫ثم يغسل‬ ‫أن ال يؤخر غسل‬ ‫عضو دتَى ينشف ا َلذي قبله‪ ،‬بل يوالي بينها؛ فيغسل العضو‪َ ،‬‬ ‫العضو ا َلذي يليه مباشرة؛ َ‬ ‫توضؤ النَبي‬ ‫ألن ُّ‬

‫كان متواليا ولم يكن يفصل بين أعضائه‪.‬‬

‫قال‪« :‬ويستحب تكرار غسل الوجه واليد ْين والرجل ْين ثالث مرات‪ ،‬وهكذا‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)185‬ومسلم (‪.)235‬‬ ‫وصححه‬ ‫(‪ )2‬أخرجه أدمد (‪ ،)22282‬وأبو داود (‪ ،)134‬والرتمذي (‪ ،)37‬وابن ماجه (‪)444‬؛‬ ‫َ‬ ‫األلباين يف «اإلرواء» (‪.)84‬‬

‫ـ ‪ 183‬ـ‬


‫قال‪:‬‬

‫المْمْة والستنشاق‪ ،‬والفرض من ذلك مر ًة واحد ًة» فعن ابن ع َباس‬ ‫ٍ‬ ‫«تو َضأ النَبي م َرة م َرة»(‪ ،)1‬وال َ‬ ‫واددة‪ ،‬وعن عبد اهلل ابن زيد‬ ‫مر ٍة‬ ‫أقل من َ‬ ‫ُّ‬ ‫(‪)2‬‬ ‫أنَه «دعا بإناءٍ‬ ‫َ‬ ‫تو َضأ م َرتين م َرتين» ‪ ،‬وعن عثمان بن ع َفان‬ ‫َبي‬ ‫«أن الن َ‬ ‫ثم أدخل يمينه في اإلناء فمضمض واستنشق‪،‬‬ ‫فأفرغ على ك َفيه ثّلث مر ٍار فغسلهما‪َ ،‬‬ ‫ثم غسل‬ ‫ثم مسح برأسه‪َ ،‬‬ ‫ثم غسل وجهه ثّلثا‪ ،‬ويديه إلى المرفقين ثّلث مر ٍار‪َ ،‬‬ ‫َ‬

‫ثم قال‪ :‬قال رسول اهلل‬ ‫رجليه ثّلث مر ٍار إلى الكعبين َ‬

‫‪« :‬م ْن توضأ ن ْحو وضوئي‬

‫هذا ثم صلى ركْعت ْين ل يحدث فيهما ن ْفسه غفر له ما تقدم م ْن ذنْبه»(‪ ،)3‬وهو أكمل‪.‬‬ ‫وال يزاد على ال َثّلث‪ ،‬ومن زاد على ال َثّلث فقد أساء وظلم‪ ،‬فعن عبد اهلل‬ ‫قال‪« :‬جاء أعرابي إلى النَبي‬

‫ابن عمرو‬

‫يسأله عن الوضوء‪ ،‬فأراه الوضوء‬

‫ثم قال‪« :‬هكذا الوضوء‪ ،‬فم ْن زاد على هذا فقدْ أساء وتعدى وظلم»(‪.)4‬‬ ‫ثّلثا ثّلثا‪َ ،‬‬ ‫قال‬

‫‪« :‬أما مسح الرأس فال يستحب تكراره كما دلت على ذلك‬

‫ألن َ‬ ‫األحاديث الصحيحة» َ‬ ‫كل من نقل صفة وضوء النَبي‬ ‫مرة واددة‪ ،‬قال ابن القيم‬ ‫الرأس َإال َ‬ ‫َ‬

‫لم يذكر يف مسح‬

‫والصحيح أنَه لم يكرر مسح رأسه؛‬ ‫‪َ «:‬‬

‫الرأس‪ ،‬هكذا جاء عنه صريحا ولم‬ ‫كرر غسل األعضاء أفرد مسح َ‬ ‫بل كان إذا َ‬ ‫صح عنه‬ ‫ي َ‬

‫خّلفه البتَة»(‪.)5‬‬

‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪.)157‬‬ ‫(‪ )2‬أخرجه البخاري (‪ ،)158‬ومسلم (‪.)235‬‬ ‫(‪ )3‬سبق تخريجه‪.‬‬ ‫الصحيحة»‬ ‫(‪ )4‬أخرجه أدمد (‪ ،)6684‬والنسائي (‪ ،)140‬وابن ماجه (‪)422‬؛‬ ‫وصححه األلباين يف « َ‬ ‫َ‬ ‫(‪.)2980‬‬ ‫(‪« )5‬زاد المعاد» (‪.)186/1‬‬

‫ـ ‪ 184‬ـ‬


‫ﱠ‬ ‫ﱠ‬ ‫ﺍﻟﺪﺭﺱ ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ ﻋﺸﺮ‬

‫ﻧﻮﺍﻗﺾ ﺍﻟﻮﺿﻮء‬

‫‪ ‬ﻗﺎل ‪::‬‬

‫اﻟﺮاﺑﻊ ﻋﺸﺮ‪ :‬ﻧﻮاﻗﺾ اﻟﻮﺿﻮء‪.‬‬ ‫»اﻟﺪﱠ ُ‬ ‫رس ﱠ‬

‫ِ‬ ‫اﻟﻔﺎﺣ ُﺶ اﻟﻨﱠ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ﺠ ُﺲ‬ ‫واﻟﺨﺎر ُج‬ ‫اﻟﺴﺒﻴ َﻠ ْﻴﻦ‪،‬‬ ‫ﻧﻮاﻗﺾ اﻟﻮﺿﻮء وﻫﻲ ﺳ ﱠﺘ ٌﺔ‪ :‬اﻟﺨﺎرج ﻣﻦ ﱠ‬ ‫وﻣﺲ اﻟ َﻔ ْﺮجِ ﺑﺎﻟﻴﺪ ُﻗ ُﺒ ًﻼ ﻛﺎن أو ُد ُﺑ ًﺮا ﻣﻦ َﻏ ْﻴﺮِ‬ ‫ُ‬ ‫ﻣﻦ اﻟﺠﺴﺪ‪،‬‬ ‫وزوال اﻟﻌﻘﻞ ﺑﻨَ ْﻮ ٍم أو ﻏﻴﺮِه‪ ،‬ﱡ‬

‫ﺣﺎﺋﻞ‪َ ،‬‬ ‫ٍ‬ ‫وأ ُ‬ ‫واﻟﺮ ﱠد ُة ﻋﻦ اﻹﺳﻼم‪ ،‬أﻋﺎذﻧﺎ اﷲُ واﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻣﻦ ذﻟﻚ«‪.‬‬ ‫ﻛﻞ َﻟ ْﺤ ِﻢ اﻹﺑﻞ‪ ،‬ﱢ‬ ‫‪:n‬‬

‫‪ ‬ﻗﻮﻟﻪ ‪» ::‬ﻧﻮاﻗﺾ اﻟﻮﺿﻮء« أي ﻣ ِ‬ ‫ﻔﺴﺪا ُﺗﻪ‪» ،‬وﻫﻲ ﺳ ﱠﺘﺔ« ﻧﻮاﻗﺾ‪:‬‬ ‫ُ‬

‫واﻟﺴ َ‬ ‫ﺒﻴﻼن‪ :‬ﻫﻤﺎ اﻟ ُﻘ ُﺒ ُﻞ واﻟﺪﱡ ُﺑﺮ‪ ،‬ﻓﺈذا ُو ِﺟﺪَ‬ ‫‪ ‬ﱠ‬ ‫اﻟﺴﺒﻴ َﻠ ْﻴﻦ« ﱠ‬ ‫اﻷول‪ » :‬اﻟﺨﺎرج ﻣﻦ ﱠ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ﻏﺎﺋﻂ‪ ،‬أو رﻳﺢٍ ‪ ،‬أو د ٍم أو َﻣﻨ ِ ﱟﻲ‪ ،‬أو َﻣ ْﺬ ٍي‪ ،‬أو ﻏﻴﺮ‬ ‫اﻟﺴﺒﻴ َﻠ ْﻴﻦ ـ ﻣﻦ ﺑﻮل‪ ،‬أو‬ ‫ﺧﺎر ٌج ﻣﻦ ﱠ‬ ‫ذﻟﻚ ـ ﻓﺈ ﱠﻧﻪ َﻳﻨ َﺘ ِﻘ ُﺾ وﺿﻮ ُء اﻟﻤﺮء ﺑﺬﻟﻚ؛ ﻟﻘﻮل اﷲ ﺗﻌﺎﻟﻰ‪³ ² ± ° ¯﴿ :‬‬

‫وﻟﻘﻮل اﻟﻨﱠﺒﻲ ح‪» :‬و َﻟﻜِﻦ ِﻣﻦ ﻏَﺎﺋِ ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ﻂ َو َﺑ ْﻮ ٍل َوﻧ َْﻮ ٍم«‪.‬‬ ‫´﴾ ]`‪،[٤٣ :‬‬ ‫َ ْ ْ‬ ‫ﱢ‬

‫)‪ (١‬أﺧﺮﺟﻪ أﺣﻤﺪ )‪ ،(١٨٠٩١‬واﻟﱰﻣﺬي )‪ ،(٩٦‬واﻟﻨﺴﺎﺋﻲ )‪ ،(١٢٧‬واﺑﻦ ﻣﺎﺟﻪ )‪ (٤٧٨‬ﻋﻦ ﺻﻔﻮان ﺑﻦ‬ ‫وﺣﺴﻨﻪ اﻷﻟﺒﺎﲏ ﰲ »اﻹرواء« )‪.(١٠٤‬‬ ‫ﻋﺴﺎل ا؛ ﱠ‬ ‫ﱠ‬

‫‪ ‬‬


‫السبيلين‪ ،‬وقد‬ ‫‪ ‬الثاين‪« :‬الخارج الفاحش النجس من الجسد» من غير َ‬ ‫السبيلين هل ينقض الوضوء أو ال؟‬ ‫اختلف العلماء يف الدَ م الخارج من غير َ‬ ‫فقد ذهب بعض أهل العلم إلى عدم نقض الوضوء به؛ ألنَه لم يثبت يف‬ ‫ذلك شي ٌء عن رسول اهلل‬

‫‪.‬‬

‫وذهب بعض أهل العلم إلى دصول النَقض بما كان كثيرا فادشا منه‪ ،‬وقد‬ ‫الصحابة والتَابعين‪ ،‬وهو ا َلذي اختاره َ‬ ‫الشيخ‬ ‫جاء ذلك عن بعض َ‬

‫هنا‪ ،‬وهو‬

‫أ ٌ‬ ‫خذ بما فيه االدتياط والخروج من الخّلف‪.‬‬ ‫‪ ‬الثالث‪« :‬زوال العقل بن ْوم أو غيره»؛ َ‬ ‫ألن النَوم مظنَة خروج الحدث‪،‬‬ ‫يحس به َإال يسير النَوم؛ فإنَه ال ينقض الوضوء؛ َ‬ ‫الصحابة‬ ‫ألن َ‬ ‫وهو ال ُّ‬

‫كان‬

‫الصّلة(‪ ،)1‬وإنَما ينقضه النَوم المستغرق؛ جمعا‬ ‫يصيبهم النُّعاس وهم ينتظرون َ‬ ‫السكر أو اإلغماء‪.‬‬ ‫بين األد َلة‪ ،‬قوله‪« :‬أو غيره» أي كالجنون أو ُّ‬ ‫‪ ‬الرابع‪« :‬مس الفرج باليد قب ًال كان أو دب ًرا من غير حائل»‪ ،‬هذا ا َلذي‬ ‫اختاره َ‬ ‫الشيخ‬

‫المس بدون‬ ‫الصحيح إذا كان‬ ‫ُّ‬ ‫هو قول جمهور العلماء‪ ،‬وهو َ‬

‫مس فرجه أو فرج غيره‪ ،‬وسوا ٌء كان الممسوس صغيرا أو كبيرا‬ ‫دائلٍ‪ ،‬وسوا ٌء َ‬ ‫من األدياء أو األموات‪ ،‬لحديث بسرة بنت صفوان‬ ‫مس ذكره ف ْليتوض ْأ»(‪.)2‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪ )376‬عن أنس‬

‫َ‬ ‫َبي‬ ‫أن الن َ‬

‫قال‪« :‬كان أصحاب رسول اهلل‬

‫قال‪« :‬م ْن‬

‫ثم يص ُّلون‪ ،‬وال‬ ‫ينامون َ‬

‫وضؤون»‪.‬‬ ‫يت َ‬ ‫(‪ )2‬أخرجه أدمد (‪ ،)27293‬وأبو داود (‪ ،)181‬والرتمذي (‪ ،)82‬والنسائي (‪ ،)163‬وابن ماجه‬ ‫(‪ ،)479‬وصححه األلباين يف «اإلرواء» (‪.)116‬‬

‫ـ ‪ 186‬ـ‬


‫‪ ‬الخامس‪« :‬أكل ل ْحم الجزور» ويد ُّل للوضوء من أكل لحم اإلبل ما‬ ‫جاء يف الحديث عن رسول اهلل‬

‫عندما سئل‪« :‬أتو َضأ من لحوم اإلبل؟» قال‪:‬‬

‫«نع ْم»(‪.)1‬‬ ‫‪ ‬السادس‪« :‬الردة عن اإلسالم‪ ،‬أعاذنا اهلل والمسلمين من ذلك»؛ والر َدة‬ ‫ناقض ٌة للوضوء‪ ،‬ومبطل ٌة للعمل كله‪ ،‬لقول اهلل تعالى‪﴿ :‬ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ﴾‬ ‫[‪ ،]66 :¤‬وألنَها دد ٌ‬ ‫ث فتدخل يف عموم قوله‬

‫‪« :‬ل ت ْقبل صالة أحدك ْم إذا‬

‫أ ْحدث حتى يتوضأ»(‪.)2‬‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬قال‬

‫‪:‬‬

‫«تنبيه هام‪ :‬أما غسل الميت؛ فالصحيح أنه ل ينقض الوضوء‪ ،‬وهو قول‬ ‫أ ْكثر أهل العلم لعدم الدليل على ذلك‪ ،‬لكن لو أصابت يد الغاسل ف ْرج الميت‬ ‫من غير حائل وجب عليه الوضوء‪ ،‬والواجب عليه أل يمس ف ْرج الميت إل من‬ ‫وراء حائل»‪.‬‬ ‫‪:n‬‬ ‫‪‬‬

‫اختلف أهل العلم يف هذه المسألة على قولين‪ :‬أددهما وجوب‬

‫الوضوء‪ ،‬والثَاين استحبابه‪ ،‬واختار َ‬ ‫الشيخ‬

‫‪ :‬أنَه ال ينق ض الوضوء؛ «لعدم‬

‫الد ليل على ذلك»‪ ،‬وأل َن األصل بقاء ال َطهارة‪ ،‬وأ َما دديث‪« :‬م ْن غسل ميتًا‪،‬‬ ‫‪.‬‬

‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪ )360‬عن جابر بن سمرة‬ ‫(‪ )2‬أخرجه (‪ ،)135‬ومسلم (‪ )225‬عن أبي هريرة‬

‫ـ ‪ 187‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫ف ْليغْتس ْل»(‪ ،)1‬فقد قال عنه َ‬ ‫الشيخ‬ ‫عن النَبي‬

‫يف‪ ،‬وقد ثبت‬ ‫‪« :‬الحديث المذكور ضع ٌ‬

‫يف أداديث أخرى ما يد ُّل على استحباب الغسل من تغسيل‬

‫المي ت»(‪.)2‬‬ ‫قال‪« :‬لكن لو أصاب ْت يد الغاسل ف ْرج الميت من غ ْير حائل وجب عليه الوضوء»‬ ‫أي‪ :‬لمس الفرج ال لتغسيل الميت‪ ،‬لما سبق َ‬ ‫مس الفرج‪.‬‬ ‫أن من نواقض الوضوء ُّ‬ ‫قال‪« :‬والواجب عليه أل يمس ف ْرج الميت إل م ْن وراء حائل»؛ َ‬ ‫ألن م َس‬ ‫العورة درا ٌم‪ ،‬وكذا النَظر إليها‪ ،‬فوجب أن يغ َطى موضع العورة بق ٍ‬ ‫لئّل‬ ‫ماش َ‬ ‫يمسها‪.‬‬ ‫يراها‪ ،‬وأن يجعل على يده قطعة من القماش َ‬ ‫لئّل َ‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬قال‬

‫‪:‬‬

‫«وهكذا مس المرأة ل ينقض الوضوء مطل ًقا‪ ،‬سواء كان ذلك عن شهوة أو‬ ‫غير ش ْهوة يف أصح ق ْولي العلماء ما لم يخر ْج منه شيء؛ ألن النبي‬

‫قبل بعض‬

‫نسائه ثم صلى ولم يتوض ْأ»(‪.)3‬‬ ‫‪:n‬‬ ‫« َ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫واضح وليس يف هذه‬ ‫صحيح‬ ‫وألن األصل عدم نقض الوضوء َإال بدلي ٍل‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أدمد (‪ ،)7769‬وأبو داود (‪ ،)3161‬وابن ماجه (‪ )1463‬عن أبي هريرة‬

‫وصححه‬ ‫‪،‬‬ ‫َ‬

‫األلباين يف «اإلرواء»(‪.)144‬‬ ‫(‪« )2‬مجموع فتاويه» (‪.)180/10‬‬ ‫(‪ )3‬أخرجه أدمد (‪ ،)25766‬وأبو داود (‪ ،)172‬والرتمذي (‪ ،)86‬وابن ماجه (‪ )502‬عن عائشة‬ ‫وصححه األلباين يف «صحيح أبي داود» (‪.)317/1‬‬ ‫؛‬ ‫َ‬

‫ـ ‪ 188‬ـ‬


‫المسألة ٌ‬ ‫َ‬ ‫مما تع ُّم‬ ‫واضح يد ُّل على نقض الوضوء بمسها‪،‬‬ ‫صحيح‬ ‫دليل‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫وألن هذا َ‬ ‫الرسول‬ ‫به البلوى يف كل بيت‪ ،‬فلو كان ُّ‬ ‫مس المرأة ينقض الوضوء لب َينه َ‬

‫بيانا‬

‫عاما»(‪.)1‬‬ ‫‪‬‬

‫‪:‬‬

‫‪ ‬قال‬

‫«أما قول اهلل سبحانه يف آيتي النساء والمائدة‪﴿ :‬ﭴ ﭵ ﭶ﴾ [`‪:‬‬ ‫‪ ]6 :a[ ،]43‬فالمراد به‪ :‬الجماع يف األصح من قولي العلماء‪ ،‬وهو قول ابن‬ ‫عباس‬

‫وجماعة من السلف والخلف‪ ،‬واهلل ولي التوفيق»‪.‬‬

‫‪:n‬‬ ‫‪ ‬وقد ذكر اإلمام ال َطربي‬

‫قول ابن ع َباس‬

‫ٍ‬ ‫السلف‬ ‫وجماعة من َ‬

‫ثم قال‪« :‬وأولى القولين يف ذلك‬ ‫أنَه الجماع‪ ،‬ودكى القولين يف المسألة‪َ ،‬‬ ‫بالصواب قول من قال‪ :‬عنى اهلل بقوله‪﴿ :‬ﯤ ﯥ ﯦ﴾ الجماع دون غيره‬ ‫َ‬ ‫لصحة الخبر عن رسول اهلل‬ ‫من معاين ال َلمس؛‬ ‫َ‬ ‫يتوضأ»(‪.)2‬‬ ‫ولم َ‬

‫‪‬‬

‫(‪« )1‬مجموع فتاويه» (‪.)133/10‬‬ ‫(‪« )2‬تفسير الطربي» (‪.)73/7‬‬

‫ـ ‪ 189‬ـ‬

‫ثم ص َلى‬ ‫أنَه ق َبل بعض نسائه َ‬


‫ﱠ‬

‫ﺍﻟﺪﺭﺱ ﺍﳋﺎﻣﺲ ﻋﺸﺮ‬

‫ﱢ‬

‫ﱠ ﱢ‬ ‫ﺍﻟﺘﺤﻠﻲ ﺑﺎﻷﺧﻼﻕ ﺍﳌﺸﺮﻭﻋﺔ ﻟﻜﻞ ﻣﺴﻠﻢ‬

‫‪ ‬ﻗﺎل ‪::‬‬

‫ﺸﺮو َﻋ ِﺔ ﱢ‬ ‫ﻟﻜﻞ ﻣﺴﻠﻢ‪.‬‬ ‫اﻟﻤ ُ‬ ‫»اﻟﺪﱠ رس اﻟﺨﺎﻣﺲ ﻋﺸﺮ‪ :‬اﻟ ﱠﺘﺤ ﱢﻠﻲ ﺑﺎﻷﺧﻼق َ‬ ‫ِ‬ ‫ﱢ‬ ‫اﻟﺼﺪق‪ ،‬واﻷﻣﺎﻧﺔ‪،‬‬ ‫اﻟ ﱠﺘﺤ ﱢﻠﻲ ﺑﺎﻷﺧﻼق اﻟﻤﺸﺮوﻋﺔ‬ ‫ﻟﻜﻞ ُﻣﺴﻠﻢ؛ وﻣﻨﻬﺎ‪ :‬ﱢ‬

‫واﻟﺸﺠﺎﻋﺔ‪ ،‬واﻟ َﻜ َﺮم‪ ،‬واﻟﻮﻓﺎء‪ ،‬واﻟﻨﱠﺰاﻫﺔ ﻋﻦ ﱢ‬ ‫واﻟﻌﻔﺎف‪ ،‬واﻟﺤﻴﺎء‪ ،‬ﱠ‬ ‫ﺣﺮ َم اﷲُ‪،‬‬ ‫ﻛﻞ ﻣﺎ ﱠ‬ ‫وﺣ ْﺴ ُﻦ ِ‬ ‫ﺐ اﻟ ﱠﻄﺎﻗﺔ‪ ،‬وﻏﻴﺮ ذﻟﻚ ﻣﻦ اﻷﺧﻼق‬ ‫اﻟﺠ َﻮار‪ ،‬وﻣﺴﺎﻋﺪة ذوي اﻟﺤﺎﺟﺔ َﺣ َﺴ َ‬ ‫ُ‬ ‫ا ﱠﻟﺘﻲ ﱠ‬ ‫اﻟﺴﻨﱠﺔ ﻋﻠﻰ َﻣﺸﺮوﻋ ﱠﻴﺘِﻬﺎ«‪.‬‬ ‫دل‬ ‫ُ‬ ‫اﻟﻜﺘﺎب أو ﱡ‬ ‫‪:n‬‬

‫ِ‬ ‫وﺳ ُ‬ ‫ُ‬ ‫‪ُ ‬‬ ‫ﺒﻴﻞ ﺳﻌﺎ َدﺗِﻪ ﰲ اﻟﺪﱡ ﻧﻴﺎ واﻵﺧﺮةِ‪،‬‬ ‫اﻟﺨ ُﻠ ُﻖ اﻟﺤﺴﻦ‬ ‫ﻋﻨﻮان ﻓﻼحِ ﺻﺎﺣﺒِﻪ َ‬ ‫اﻟﺨﻴﺮات ﰲ اﻟﺪﱡ ﻧﻴﺎ واﻵﺧﺮة ﺑﻤﺜﻠِﻪ‪ ،‬وﻣﺎ اﺳﺘُﺪﻓِ َﻌﺖ ﱡ‬ ‫ﺮور ﻓﻴﻬﻤﺎ‬ ‫ﻓﻤﺎ اﺳﺘُﺠﻠِ َﺒﺖ‬ ‫ُ‬ ‫اﻟﺸ ُ‬ ‫ﺑﻤﺜﻠِ‬ ‫ﻋﻈﻴﻢ وﻣﻜﺎﻧَ ُﺘﻪ َﻋﻠِ ﱠﻴ ٌﺔ‪ ،‬ﺣ ﱠﺘﻰ إ ﱠ‬ ‫ﻟﻤﺎ ُﺳ َﺌﻞ ﻋﻦ أﻛﺜﺮ ﻣﺎ َﻳ ُ‬ ‫َ‬ ‫ﺪﺧﻞ‬ ‫ﻨ‬ ‫اﻟ‬ ‫ن‬ ‫ﻪ‬ ‫ﻧ‬ ‫ﺄ‬ ‫ﻓﺸ‬ ‫ﻪ‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ﱠﺒﻲ ح ﱠ‬ ‫ٌ‬ ‫ﱠ‬ ‫‪‬‬ ‫‪‬‬ ‫ِ‬ ‫ﺎس اﻟﺠﻨﱠ َﺔ ﻗﺎل‪َ » :‬ﺗ ْﻘ َﻮى اﷲِ َو ُﺣ ْﺴﻦ اﻟﺨُ ُﻠ ِﻖ«‪ ، ‬وﻗﺎل ح‪» :‬إِ ﱠن ﻣ ْﻦ َأ َﺣ ﱢﺒﻜ ُْﻢ إِ َﻟ ﱠﻲ‬ ‫ﺑﻪ اﻟﻨﱠ ُ‬ ‫وﺣﺴﻨﻪ‬ ‫)‪ (١‬أﺧﺮﺟﻪ أﺣﻤﺪ )‪ ،(٩٦٩٦‬واﻟﱰﻣﺬي )‪ ،(٢٠٠٤‬واﺑﻦ ﻣﺎﺟﻪ )‪ (٤٢٤٦‬ﻋﻦ أﺑﻲ ﻫﺮﻳﺮة ا‪ ،‬ﱠ‬ ‫اﻷﻟﺒﺎﲏ ﰲ »اﻟﺼﺤﻴﺤﺔ« )‪.(٩٧٧‬‬

‫‪ ‬‬


‫وأ ْقربك ْم مني م ْجل ًسا ي ْوم القيامة أحاسنك ْم أ ْخال ًقا»(‪ ،)1‬وقال‬

‫‪« :‬إنما بع ْثت‬

‫ألتمم صالح األ ْخالق»(‪ ،)2‬وجاء عنه أداديث كثير ٌة يف بيان فضل الخلق‪ ،‬ورفيع‬ ‫مكانته‪ ،‬وجميل عوائده وفوائده وثماره ا َلتي يجنيها أهله يف دنياهم وأخراهم‪.‬‬ ‫واهلل ـ تبارك وتعالى ـ نعت نب َيه يف القرآن الكريم بكمال الخلق وعظمه‬ ‫الصّلة‬ ‫ودسنه‪ ،‬قال‪﴿ :‬ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﴾ [‪ ،]4 :Ã‬وقد كان ـ عليه َ‬ ‫والسّلم ـ أدسن النَاس خلقا‪ ،‬وأكملهم أدبا‪ ،‬وأطيبهم معاشرة‪ ،‬وأجملهم‬ ‫َ‬

‫ٍ‬ ‫كريم‬ ‫معاملة‪ ،‬صلوات اهلل وسّلمه وبركاته عليه‪ ،‬فكان قدوة للعباد يف كل خل ٍق‬ ‫ٍ‬ ‫وأد ٍ‬ ‫ومعاملة دسن ٍة‪ ،‬قال اهلل تعالى‪﴿ :‬ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ‬ ‫ب رفي ٍع‬ ‫ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ﴾ [{‪.]21 :‬‬

‫وباب الخلق يف َ‬ ‫ص يف ال َتعامل مع المخلوق‪،‬‬ ‫باب واس ٌع‪ ،‬ال يخت ُّ‬ ‫الشريعة ٌ‬ ‫الرسول‬ ‫بل الخلق واألدب يكون بين العبد وبين ربه‪ ،‬ويكون مع َ‬

‫‪ ،‬ويكون‬

‫بين العباد؛ ولهذا فإ َن َ‬ ‫كل من يعبد غير اهلل خلقه من أفسد األخّلق‪ ،‬فأين الخلق‬ ‫وتفضل عليه بالنعمة‪ ،‬وأمدَ ه بالعطاء والص َحة‬ ‫يف رج ٍل خلقه اهلل‪ ،‬وأمدَ ه بالرزق‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ثم يلجأ إلى غير اهلل‪ ،‬ويصرف العبادة لغير اهلل؟! ولهذا َ‬ ‫فإن فساد‬ ‫والعافية‪َ ،‬‬ ‫الخلق مّلز ٌم للشرك؛ ُّ‬ ‫فكل مشر ٍك فاسد الخلق؛ َ‬ ‫ألن شركه جز ٌء من فساد‬ ‫األخّلق‪ ،‬بل هو أشنع ما يكون يف فساد األخّلق‪ ،‬فّل يغ َتر ببعض المعاملة‬ ‫(‪ )1‬أخرجه الرتمذي (‪ )2018‬عن جابر بن عبد اهلل‬

‫وصححه األلباين يف «الصحيحة» (‪.)791‬‬ ‫؛‬ ‫َ‬

‫(‪ )2‬أخرجه أدمد (‪ ،)8952‬والبخاري يف «األدب المفرد» (‪ )273‬عن أبي هريرة‬ ‫األلباين يف «الصحيحة» (‪.)45‬‬

‫ـ ‪ 191‬ـ‬

‫وصححه‬ ‫؛‬ ‫َ‬


‫الحسنة ا َلتي يكون عليها بعض الك َفار؛ أل َنها لمصالح دنيو َي ٍة ومقاصد آن َي ٍة‪ ،‬ال‬ ‫يرجون عليها شيئا عند اهلل‪ ،‬وثوابا يوم لقاه ـ سبحانه وتعالى ـ‪.‬‬ ‫والخلق النَافع هو ا َلذي يقوم به صادبه يرجو عليه ما عند اهلل ليفوز يوم‬ ‫لقاء اهلل‪ ،‬دخوال للجنَة‪ ،‬وفوزا بالدَ رجات العّل‪﴿ ،‬ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ‬

‫ﭲ﴾ [‪ ،]9 :Ë‬ال أن يقوم به على سبيل المقايضة والمعاوضة‪ ،‬ولهذا قال‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬ل ْيس الواصل بالمكافئ»(‪.)1‬‬ ‫ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬

‫وأ َما من يتعامل مع النَاس باألخّلق الحسنة لمصالح دنيو َي ٍة فلن يحصل‬

‫من دنياه َإال ما كتب اهلل له‪ ،‬ويفوت على نفسه ثواب اآلخرة‪ ،‬وسيجني علقما‬ ‫بسبب تعامله باألخّلق للمعاوضة والمقايضة؛ َ‬ ‫ألن يف النَاس من ال يحسن ر َد‬ ‫الجميل‪ ،‬وال يحسن معاملة المحسن باإلدسان‪ ،‬بل يف النَاس من هو لئيم‬ ‫ال َطبع‪ ،‬إن أدسن إليه أساء لمن أدسن إليه‪ ،‬والنَاصح ال ينتظر يف تعامله مع‬ ‫النَاس باألخّلق الحسنة شيئا منهم‪ ،‬وإ َنما يرجو ما عند اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ‪،‬‬ ‫ولهذا َ‬ ‫فإن األداديث ا َلتي جاءت يف الحث على الخلق تذكر ثواب الخلق أجرا‬ ‫يوم القيامة؛ دخوال للجنَة وفوزا بالدَ رجات العّل فيها‪ ،‬وك َلما دسن خلق المرء‬ ‫تقربا إلى اهلل به؛ عظم ثوابه وأجره عند اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪ ،‬فإذا لم يفعل من‬ ‫ُّ‬ ‫أجل اهلل وطلب رضاه‪ ،‬وإ َنما فعل من أجل مصالح الدُّ نيا؛ فإ َنه ال يدخل يف‬ ‫صالح عمل العبد؛ َ‬ ‫الصالح المثاب عليه عند اهلل ـ تبارك‬ ‫ألن من شرط العمل َ‬ ‫قرب إلى اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ‪.‬‬ ‫وتعالى ـ أن يقصد به العامل ال َت ُّ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ )5991‬عن عبد اهلل بن عمرو‬

‫ـ ‪ 192‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫الحاصل؛ َ‬ ‫أن الخلق مكانته يف الدين عظيم ٌة ومنزلته عل َي ٌة‪َ ،‬‬ ‫والشيخ‬ ‫ٍ‬ ‫جملة من األخّلق الحسنة ا َلتي يجدر بكل مسل ٍم أن‬ ‫إ َنما أراد هنا اإلشارة إلى‬ ‫يكون م َتصفا هبا‪.‬‬ ‫قال‬

‫ٍ‬ ‫جملة‬ ‫ثم شرع يف عد‬ ‫‪« :‬التحلي باألخالق المشروعة لكل مسلم»‪َ ،‬‬

‫منها على سبيل اإلشارة وليس على سبيل الحصر‪ ،‬ولهذا قال‪:‬‬ ‫«ومنها‪ :‬الصدق»‪ ،‬والصدق من أعظم األخّلق اإلسّلم َية الدَ ا َلة على‬ ‫الصادق يف إسّلمه‪ ،‬قال اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪﴿ :‬ﭲ ﭳ ﭴ‬ ‫فضل المسلم َ‬

‫ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ﴾ [‪.]119 :e‬‬ ‫أنَه قال‪« :‬عل ْيك ْم بالصدْ ق؛ فإن الصدْ ق‬

‫ويف الحديث عن رسول اهلل‬

‫ي ْهدي إلى البر‪ ،‬وإن البر ي ْهدي إلى الجنة‪ ،‬وما يزال الرجل ي ْصدق ويتحرى‬ ‫الصدْ ق حتى يكْتب عنْد اهلل صدي ًقا»(‪.)1‬‬ ‫وأعظم الص دق شأنا وأعّله مكانة‪ :‬الص دق مع اهلل ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ‪،‬‬ ‫﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ﴾ [{‪ ،]23 :‬فيكون صاد قا مع‬ ‫وتقرب ه إلى اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ‪ ،‬قال ـ عليه‬ ‫اهلل يف توديد ه وإيمانه وتعبُّده‬ ‫ُّ‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬ما م ْن أح د ي ْشه د أ ْن ل إله إل اهلل وأ ن مح م دً ا ر س ول‬ ‫الصّلة‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫اهلل ص دْ ًقا م ْن ق ْل به إل حر مه اهلل على النار »(‪ ،)2‬فّل إله َإال اهلل ا َل تي هي أعظم‬ ‫ش ع ب اإليمان وأ رف ع مباين اإلسّلم‪ ،‬وال تكون مقبولة َإال بالص دق مع اهلل‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)6094‬ومسلم (‪ )2607‬عن عبد اهلل بن مسعود‬ ‫(‪ )2‬أخرجه البخاري (‪ )128‬عن أنس‬

‫‪.‬‬

‫ـ ‪ 193‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫كما يف الحديث‪« :‬ص دْ ًقا م ْن ق ْل به »‪.‬‬ ‫والصدق‪ :‬هو مواطأة القلب للسان‪ ،‬بحيث يكون ما يقوله المرء بلسانه‬ ‫موافقا لقلبه‪ ،‬أ َما إذا اختلف ال َظاهر والباطن والس ُّر والعلن فهذا هو النفاق‪ ،‬وقد‬ ‫يكون نفاقا أكرب‪ ،‬وقد يكون نفاقا أصغر‪ ،‬بحسب هذا االختّلف بين ال َظاهر‬ ‫بالردمن؛ فهذا النفاق األكبر‪ ،‬أ َما‬ ‫والباطن‪ ،‬فإذا كان يظهر اإليمان‪ ،‬ويس ُّر الكفر َ‬ ‫إذا كان يظهر الصدق‪ ،‬أو يظهر الوفاء‪ ،‬وهو يبطن الكذب‪ ،‬ويبطن الخيانة؛ فهذا‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬آية المنافق‬ ‫من النفاق األصغر النفاق العملي‪ ،‬كما قال ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫ثالث إذا حدث كذب‪ ،‬وإذا وعد أ ْخلف‪ ،‬وإذا اؤْ تمن خان »(‪ ،)1‬وإذا كان الكذب‬ ‫من آيات النفاق؛ َ‬ ‫فإن الصدق من آيات اإليمان وعّلماته‪ ،‬فالواجب على‬ ‫المسلم أن يكون صادقا‪ ،‬وأن يكون الصدق صفته وزينته ودليته‪ ،‬ليفوز بموعود‬ ‫الصادقين‪.‬‬ ‫اهلل ـ تبارك وتعالى ـ ا َلذي أعدَ ه لعباده َ‬ ‫قال‬

‫‪« :‬واألمانة» واألمانة شأنها يف دين اهلل ـ تبارك وتعالى ـ عظي ٌم‪،‬‬

‫عرضها اهلل ـ َ‬ ‫السماوات واألرض؛ فأشفقت من دملها؛ لعظم‬ ‫جل وعّل ـ على َ‬ ‫األمانة وعظم شأنها‪﴿ ،‬ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ‬

‫ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ﴾ [{‪.]72 :‬‬ ‫واألمانة بمعناها العام تتناول الدين ك َله؛ َ‬ ‫ألن اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ خلق‬ ‫ٍ‬ ‫العباد ليعبدوه‪ ،‬وأوجدهم ليطيعوه‪ ،‬وهذه أمان ٌة يلزم َ‬ ‫إنسان أن يحفظها‪ ،‬وأن‬ ‫كل‬ ‫ٍ‬ ‫ثّلثة‪ ،‬ب َينها اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ يف‬ ‫يعنى هبا‪ ،‬والنَاس يف ذلك انقسموا إلى أقسا ٍم‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)33‬ومسلم (‪ )59‬عن أبي هريرة‬

‫ـ ‪ 194‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫تمام السياق المتقدم ديث قال‪﴿ :‬ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ‬

‫ﯸ ﯹ ﯺﯻ ﯼ ﯽﯾﯿﰀ ﰁ ﰂ﴾ [{‪.]73 :‬‬ ‫اب؛ وهو‬ ‫قسم ا َدعى دفظ األمانة يف ال َظاهر‪ ،‬لك َن باطنه‬ ‫خراب تب ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫‪1‬ـ ف ٌ‬ ‫المنافق‪.‬‬ ‫قسم أضاع األمانة يف ظاهره وباطنه وسره وعلنه؛ وهو المشرك‪.‬‬ ‫‪2‬ـ و ٌ‬ ‫قسم دفظ األمانة يف ال َظاهر والباطن والسر والعلن وهم أهل‬ ‫‪3‬ـ و ٌ‬ ‫اإليمان‪.‬‬ ‫ومن األمانة دفظ دقوق العباد‪ ،‬والوفاء معهم فيما ائتمنوا عليه من أقوا ٍل‬ ‫ودواس اإلنسان ك ُّلها أمان ٌة‪ ،‬واهلل سائله عنها‬ ‫أو مصالح أو منافع أو نحو ذلك‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫يوم القيامة‪﴿ ،‬ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ﴾ [‪،]36 :m‬‬ ‫وماله أمان ٌة عنده يسأل عنه يوم القيامة‪ ،‬وولده أمان ٌة‪﴿ ،‬ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ‬ ‫ﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ ﭱﭲﭳ ﭴﭵ‬

‫ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ﴾ [\‪ ]d‬أي‪ :‬ابتّلء وامتحانا‪ ،‬وهل يؤدي ما‬ ‫ائتمن عليه من ٍ‬ ‫مال أو ول ٍد أو غير ذلك؛ فمن أخّلق المسلم النَاصح‪ :‬رعاية‬ ‫األمانة‪ ،‬ودفظها‪ ،‬والعناية هبا‪ ،‬بمعناها الخاص والعام‪.‬‬ ‫قال‬

‫‪« :‬والعفاف»؛ العفاف يكون بتجنُّب الحرام واآلثام والفوادش‪،‬‬

‫﴿ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ﴾ [‪ ،]33 :t‬ومن ال‬ ‫يتم َكن من النكاح عليه بالعفاف والبعد عن الحرام طاعة هلل وتحقيقا لتقواه‪.‬‬ ‫وأيضا من لم يكن عنده ٌ‬ ‫مال فليتع َفف بأن ال يمدَ يده إلى النَاس يسألهم‬ ‫ـ ‪ 195‬ـ‬


‫أعطوه أو منعوه‪ ،‬ويف الحديث‪« :‬وم ْن ي ْست ْعف ْ‬ ‫ف يعفه اهلل»(‪.)1‬‬ ‫يم يتح َلى به المؤمن‪ ،‬فإذا‬ ‫عظيم‬ ‫قال ‪« :‬والحياء» وهو خل ٌق‬ ‫ٌ‬ ‫ووصف كر ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ا َتصف به؛ دجزه عن كل خل ٍق دن ٍ‬ ‫يء‪ ،‬وساقه إلى كل خل ٍق فاض ٍل؛ ولهذا َ‬ ‫فإن‬ ‫خير ك ُّله‪ ،‬وال يأيت َإال بخي ٍر‪ ،‬وإذا نزع الحياء من المرء فارقه الخير‪ ،‬ولم‬ ‫الحياء ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫فساد‪ ،‬و«إن مما أ ْدرك الناس م ْن كالم النبوة األولى‪:‬‬ ‫يبال بما ارتكب من شر أو‬ ‫اصن ْع ما شئْت»(‪.)2‬‬ ‫إذا ل ْم ت ْستح ف ْ‬ ‫وأعظم الحياء شأنًا‪ :‬الحياء من رب العالمين وخالق الخلق أجمعين‪ ،‬ومن‬ ‫الحياء من اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ‪ :‬أن ال يراك اهلل ديث هناك‪ ،‬بل تكون يف كل‬ ‫وقتك دييا من ربك ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ؛ فّل تغشى الحرام‪ ،‬وال ترتكب اآلثام؛ دياء‬ ‫منه سبحانه؛ فإ َنه م َطل ٌع عليك ال تخفى عليه منك خافي ٌة‪.‬‬ ‫ـــي رقيــــب‬ ‫إذا خلـــوت الـــدَ هر يومـــا فـــّل تقـــل خلــــوت ولكــــن قــــل علـ َ‬ ‫دواسه وجوارده‪ ،‬وأن يحفظ بطنه‬ ‫ومن الحياء من اهلل‪ :‬أن يحفظ المرء‬ ‫َ‬ ‫وجوفه من إدخال الحرام؛ كما يف الحديث‪« :‬ولكن ال ْست ْحياء من اهلل حق‬ ‫الحياء أ ْن ت ْحفظ الر ْأس وما وعى‪ ،‬والب ْطن وما حوى‪ ،‬و ْلت ْذكر الم ْوت والبلى‪،‬‬ ‫وم ْن أراد اآلخرة ترك زينة الدنْيا»(‪.)3‬‬ ‫صرفات‬ ‫السيئة وال َت ُّ‬ ‫ويدخل يف الحياء من العباد‪ :‬البعد عن ال َتعامّلت َ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)1469‬ومسلم (‪ )1053‬عن أبي سعيد الخدري‬ ‫(‪ )2‬أخرجه البخاري (‪ )6120‬عن أبي مسعود‬

‫‪.‬‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )3‬أخرجه أدمد (‪ ،)3671‬والرتمذي (‪)2458‬؛ ودسنه األلباين يف «صحيح الجامع»‬ ‫(‪.)935‬‬

‫ـ ‪ 196‬ـ‬


‫المشينة واألخّلق َيات المذمومة؛ فإ َنها ك َلها تتناىف مع الحياء‪.‬‬ ‫قال‬

‫‪« :‬والشجاعة»‪َ ،‬‬ ‫وفّلح‪ ،‬وأ َما يف‬ ‫الصحيح عز‬ ‫ٌ‬ ‫والشجاعة يف موطنها َ‬

‫ٌ‬ ‫وهّلك‪.‬‬ ‫هو ٌر‬ ‫الصحيح فهي ت ُّ‬ ‫غير موطنها َ‬ ‫وقوة تو ُّكله على سيده‬ ‫‪َ ،‬‬

‫وشجاعة المؤمن نابع ٌة من إيمانه‪ ،‬وثقته بربه‬

‫وخالقه ومواله ـ تبارك وتعالى ـ‪ ،‬فهو ال يخاف َإال من اهلل‪ ،‬وال يخشى َإال اهلل‪،‬‬ ‫وال يطلب عزا وال تمكينا َإال من اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ‪.‬‬ ‫وهي ـ كما قال ابن القيم‬

‫عزة النَفس وإيثار معالي‬ ‫ـ‪« :‬تحمله على َ‬

‫وقوتها على‬ ‫األخّلق والشيم‪ ،‬وعلى البذل والنَدى ا َلذي هو شجاعة النَفس َ‬ ‫بقوة نفسه‬ ‫إخراج المحبوب ومفارقته‪ ،‬وتحمله على كظم الغيظ والحلم؛ فإنَه َ‬ ‫َبي‬ ‫وشجاعتها يمسك عنانها‪ ،‬ويكبحها بلجامها عن النَزغ والبطش كما قال الن ُّ‬ ‫‪« :‬ل ْيس الشديد بالصرعة‪ ،‬إنما الشديد الذي ي ْملك ن ْفسه عنْد الغْب»(‪،)1‬‬ ‫وهو دقيقة َ‬ ‫الشجاعة‪ ،‬وهي ملك ٌة يقتدر هبا العبد على قهر خصمه»(‪.)2‬‬ ‫قال‬

‫والسخاء والعطاء؛‬ ‫‪« :‬والكرم»‪ ،‬والكرم كما أنَه يتناول بذل المال َ‬

‫فإ َنه يتناول بعمومه األخّلق الكريمة؛ َ‬ ‫فإن من كرم المسلم مع إخوانه دسن‬ ‫تعامله معهم‪ ،‬ومدُّ يد المساعدة لهم‪ ،‬ومعاملتهم بالمعاملة ال َطيبة‪.‬‬ ‫والسخاء والجود والعطاء‪ ،‬واهلل‬ ‫ويدخل يف الكرم‪ :‬اإلنفاق والبذل َ‬ ‫يقول‪﴿ :‬ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ﴾ [¿‪]16 :‬؛ فالفّلح يف‬ ‫الكرم‪ ،‬والهّلك يف ُّ‬ ‫الشح‪.‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)6114‬ومسلم (‪ )2609‬عن أبي هريرة‬ ‫(‪« )2‬مدارج السالكين» (‪.)294/2‬‬

‫ـ ‪ 197‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫قال‬

‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫عقود أو نحو ذلك‪ ،‬قال‬ ‫عهود أو‬ ‫‪« :‬والوفاء»‪ ،‬أي بما يلتزمه من‬

‫تعالى‪﴿ :‬ﮍ ﮎ﴾ [‪ ]1 :a‬فهو يفي بما عاهد عليه‪ ،‬وبما عاقد النَاس‬ ‫عليه؛ فيتناول هذا‪ :‬عقود النكاح‪ ،‬وعقود البيع والشراء‪ ،‬وجميع ال َتعامّلت ا َلتي‬ ‫بين المسلم وبين إخوانه‪ ،‬فمن صفات المسلم وزينته وخلقه ودليته‪ :‬أنَه من‬ ‫أهل الوفاء‪.‬‬ ‫قال‬

‫‪« :‬والنزاهة عن كل ما حرم اهلل»‪ ،‬أي‪ :‬أن يكون متنزها عن الحرام‪،‬‬

‫م َتقيا الوقوع فيه‪ ،‬مباعدا نفسه عنه‪ ،‬خوفا من اهلل ـ تبارك وتعالى ـ وسخطه‬ ‫يتنزه عن األخّلق المذمومة‪،‬‬ ‫حرمة‪ ،‬و َ‬ ‫وعقابه‪ ،‬والمسلم نز ٌه؛ َ‬ ‫يتنزه عن األمور الم َ‬ ‫َ‬ ‫والشر صيانة لدينه‬ ‫يتنزه عن خلطة الفساد‬ ‫السيئة‪ ،‬و َ‬ ‫و َ‬ ‫يتنزه عن المعامّلت َ‬ ‫ورعاية لخلقه‪.‬‬ ‫قال‬

‫‪« :‬وحسن الجوار»‪ ،‬هذا أيضا من األخّلق اإلسّلم َية العظيمة‬

‫ا َلتي جاء َ‬ ‫الصّلة‬ ‫الشرع بالوص َية هبا وال َتأكيد عليها‪ ،‬د َتى قال نب ُّينا ـ عليه َ‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬ما زال ج ْبريل يوصيني بالجار حتى ظننْت أنه سيورثه»(‪ ،)1‬وقال‬ ‫َ‬ ‫‪« :‬واهلل ل ي ْؤمن‪ ،‬واهلل ل ي ْؤمن‪ ،‬واهلل ل ي ْؤمن»‪ ،‬قيل‪« :‬ومن يا رسول اهلل؟!»‬ ‫قال‪« :‬الذي ل ي ْأمن جاره بوايقه»(‪.)2‬‬ ‫ومن حسن الجوار‪ :‬البعد عن أذ َية الجار بأي نو ٍع من األذ َية القول َية أو الفعل َية‪.‬‬ ‫ومن حسن الجوار‪ :‬المعاملة ال َطيبة‪ ،‬ودفظ دقوق الجار‪ ،‬وطاعة اهلل‬ ‫ٍ‬ ‫إدسان إلى الجار‪ ،‬وما أمر به رسوله ‪.‬‬ ‫ـ سبحانه وتعالى ـ فيما أمر به من‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)6015‬ومسلم (‪ ،)2625‬عن ابن عمر‬ ‫(‪ )2‬أخرجه البخاري (‪ )6016‬عن أبي شريح‬

‫‪.‬‬

‫‪ ،‬ونحوه مسلم (‪ )61‬عن أبي هريرة‬

‫ـ ‪ 198‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫قال‬

‫‪« :‬ومساعدة ذوي الحاجة حسب الطاقة» أي‪ :‬دسب قدرة العبد‪،‬‬

‫«واهلل في ع ْون الع ْبد ما كان الع ْبد في ع ْون أخيه»‪ ،‬و«م ْن نفس ع ْن م ْؤمن ك ْرب ًة م ْن‬ ‫كرب الدنْيا نفس اهلل عنْه ك ْرب ًة م ْن كرب ي ْوم القيامة»(‪)1‬؛ َ‬ ‫فإن الجزاء من جنس‬ ‫العمل‪.‬‬ ‫‪« :‬وغير ذلك من األخالق التي دل الكتاب أو السنة على‬ ‫قال‬ ‫ٍ‬ ‫شيء من األخّلق‬ ‫إ َنما هو إشار ٌة إلى‬ ‫مشروعيتها» وهي كثير ٌة‪ ،‬وما ذكره‬ ‫العظيمة ا َلتي ينبغي أن يتح َلى هبا المسلم‪ ،‬وفيما ذكر تنبي ٌه على ما لم يذكر‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫خاصة‪،‬‬ ‫وقد أفرد أهل العلم ـ ردمهم اهلل تعالى ـ يف هذا الباب مصنَفات َ‬ ‫من أوسعها وأجمعها‪« :‬كتاب األدب المفرد» لإلمام البخاري‬

‫صادب‬

‫عظيم يف بابه‪ ،‬من ديث ال َتبويب ومن ديث الجمع‬ ‫كتاب‬ ‫الصحيح»؛ فإ َنه‬ ‫ٌ‬ ‫« َ‬ ‫ٌ‬ ‫الصالح ـ ردمهم اهلل تعالى ـ يف‬ ‫السلف َ‬ ‫للنُّصوص واألد َلة واآلثار المرو َية عن َ‬ ‫هذا الباب‪.‬‬

‫‪‬‬

‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪ ،)2699‬عن أبي هريرة‬

‫‪.‬‬

‫ـ ‪ 199‬ـ‬


‫ﱠ‬

‫ﱠ‬

‫ﺍﻟﺪﺭﺱ ﺍﻟﺴﺎﺩﺱ ﻋﺸﺮ‬

‫ﱠ‬ ‫ﱠ ﱡ‬ ‫ﺍﻟـﺘــﺄﺩﺏ ﺑـﺎﻵﺩﺍﺏ ﺍﻹﺳـﻼﻣـﻴـﺔ‬

‫‪ ‬ﻗﺎل ‪::‬‬

‫اﻟﺴﺎدس ﻋﺸﺮ‪ :‬اﻟ ﱠﺘﺄ ﱡدب ﺑﺎﻵداب اﻹﺳﻼﻣ ﱠﻴﺔ‪.‬‬ ‫»اﻟﺪﱠ ُ‬ ‫رس ﱠ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫واﻷﻛﻞ ﺑﺎﻟﻴﻤﻴﻦ‬ ‫اﻟﺴﻼ ُم‪ ،‬واﻟﺒﺸﺎﺷﺔ‪،‬‬ ‫اﻟ ﱠﺘﺄ ﱡدب ﺑﺎﻵداب اﻹﺳﻼﻣ ﱠﻴﺔ؛ وﻣﻨﻬﺎ‪ :‬ﱠ‬ ‫ﱡ‬ ‫ﺮب ﺑﻬﺎ‪ ،‬واﻟ ﱠﺘﺴﻤﻴ ُﺔ ﻋﻨﺪ اﻻﺑﺘﺪاء‪ ،‬واﻟﺤﻤﺪُ ﻋﻨﺪ اﻟ َﻔﺮاغ‪ ،‬واﻟﺤﻤﺪ ﺑﻌﺪ اﻟ ُﻌ َﻄﺎس‪،‬‬ ‫واﻟﺸ ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ﻟﻠﺼﻼةِ واﻟﺪﱠ ِ‬ ‫ﻓﻦ‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ﺒﺎع اﻟﺠﻨﺎﺋﺰ ﱠ‬ ‫وﺗﺸﻤﻴﺖ اﻟﻌﺎﻃﺲ إذا َﺣﻤﺪَ اﷲَ‪ ،‬وﻋﻴﺎد ُة اﻟﻤﺮﻳﺾ‪ ،‬وا ﱢﺗ ُ‬ ‫ِ‬ ‫واﻵداب ﱠ‬ ‫اﻟﺴ َﻔﺮِ‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫اﻟﻤ ِﻨﺰل واﻟﺨﺮوجِ ﻣﻨﻬﻤﺎ‪ ،‬وﻋﻨﺪ ﱠ‬ ‫اﻟﺸﺮﻋ ﱠﻴ ُﺔ ﻋﻨﺪ دﺧﻮل اﻟﻤﺴﺠﺪ أو َ‬ ‫واﻟﺼ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ﻐﺎر‪ ،‬واﻟ ﱠﺘﻬﻨ ِ َﺌ ِﺔ ﺑﺎﻟﻤﻮﻟﻮد‪،‬‬ ‫واﻟﻜﺒﺎر‬ ‫وﻣﻊ اﻟﻮاﻟﺪَ ْﻳﻦ واﻷﻗﺎرب واﻟﺠﻴﺮان‪،‬‬ ‫ﱢ‬ ‫ﻳﻚ ﺑﺎﻟ ﱠﺰواجِ ‪ ،‬واﻟ ﱠﺘ ِ ِ‬ ‫واﻟ ﱠﺘﺒﺮِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫اﻟﻤ َﺼ ِ‬ ‫اﻵداب اﻹﺳﻼﻣ ﱠﻴ ِﺔ ﰲ‬ ‫ﺎب‪ ،‬وﻏﻴﺮِ ذﻟﻚ ﻣﻦ‬ ‫ﻌﺰ َﻳﺔ ﰲ ُ‬ ‫اﻟ ﱡﻠ ْﺒ ِ‬ ‫ﺲ واﻟﺨُ ْﻠ ِﻊ واﻻﻧﺘﻌﺎل«‪.‬‬ ‫‪:n‬‬

‫ِ‬ ‫ﺑﺄﻛﻤ ِﻞ اﻷدب ﰲ ﱢ‬ ‫‪ ‬ﱠ‬ ‫ﻛﻞ‬ ‫اﻟﺸﺮﻳﻌ ُﺔ اﻹﺳﻼﻣ ﱠﻴ ُﺔ ﺷﺮﻳﻌ ُﺔ اﻷدب اﻟﻜﺎﻣ ِﻞ‪ ،‬ﺟﺎءت َ‬ ‫ِ‬ ‫اﻟﻤ ْﺮ ِء؛ ﰲ اﻟ ﱠﺘﻌﺎ ُﻣ ِﻞ ﻣﻊ اﻟﻮاﻟﺪَ ْﻳﻦ‪ ،‬وﰲ اﻟ ﱠﺘﻌﺎ ُﻣ ِﻞ ﻣﻊ اﻟﺠﻴﺮان‪ ،‬وﰲ اﻟ َﺒ ْﻴ ِﻊ‬ ‫ﺗﻌﺎ ُﻣﻼت َ‬ ‫ﱢ ِ‬ ‫ِ‬ ‫اﻟﻤ َﻌ ﱢﻠﻢ ﻣﻊ ُﻃ ﱠﻼﺑِﻪ واﻟ ﱡﻄ ﱠﻼ ِ‬ ‫ب ﻣﻊ ُﻣﻌ ﱢﻠ ِﻤﻴﻬﻢ‪ ،‬وﰲ ُ‬ ‫اﻟﺨﺮوج‪،‬‬ ‫واﻟﺸﺮاء‪ ،‬وﰲ ﺗﻌﺎﻣﻼت ُ‬

‫‪ ‬‬


‫والسفر‪ ،‬ويف دخول المسجد‪ ،‬والخروج منه‪ ،‬ويف‬ ‫والدُّ خول‪ ،‬وركوب الدَ ا َبة‪َ ،‬‬ ‫الصّلة والحج والصيام وغير ذلك‪.‬‬ ‫جميع العبادات؛ كآداب َ‬ ‫ٍ‬ ‫والش ُّ‬ ‫َ‬ ‫جملة من هذه اآلداب مراعيا‬ ‫أشار يف هذا المختصر إلى‬ ‫يخ‬ ‫االختصار‪:‬‬ ‫قال‬

‫والسّلم ـ‪« :‬ل‬ ‫‪« :‬ومنها‪ :‬السالم» بإفشائه‪ ،‬وقد قال ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬

‫تدْ خلون الجنة حتى ت ْؤمنوا‪ ،‬ول ت ْؤمنوا حتى تحابوا‪ ،‬أول أدلك ْم على ش ْيء إذا‬

‫(‪)1‬‬ ‫السّلم بين المسلمين‬ ‫فع ْلتموه تحاب ْبت ْم؟ أ ْفشوا السالم ب ْينك ْم» ‪ ،‬وكم يف إفشاء َ‬

‫من اآلثار العظيمة والعوائد الحميدة المباركة يف دنياهم وأخراهم‪.‬‬ ‫قال‬

‫‪« :‬والبشاشة» بأن يلقى المسلم أخاه بالوجه ال َطليق‪ ،‬وال يحقر‬

‫المسلم من المعروف شيئا‪ ،‬كما يف الحديث عن رسول اهلل‬

‫أنَه قال‪« :‬ل‬

‫ت ْحقرن من الم ْعروف ش ْيئًا‪ ،‬ول ْو أ ْن ت ْلقى أخاك بو ْجه ط ْلق»(‪.)2‬‬ ‫قال‬

‫‪« :‬واألكل باليمين‪ ،‬والشرب بها‪ ،‬والتسمية عند البتداء‪ ،‬والحمد‬

‫عند الفراغ» هذه ك ُّلها من آداب األكل و ُّ‬ ‫الشرب‪ ،‬فّل يأكل المسلم وال يشرب َإال‬ ‫والسّلم ـ هنى عن ذلك‪ ،‬وأخرب َ‬ ‫أن «الش ْيطان ي ْأكل‬ ‫بي ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫بيمينه‪ ،‬والنَ ُّ‬ ‫بشماله‪ ،‬وي ْشرب بشماله»(‪ ،)3‬ومن يأكل بشماله فهو متشب ٌه َ‬ ‫بالشيطان‪.‬‬ ‫ومن آداب األكل‪ :‬أن يسمي يف َأوله‪ ،‬كما يف الحديث‪« :‬يا غالم سم اهلل‬ ‫وك ْل بيمينك وك ْل مما يليك»(‪ ،)4‬وأن يحمد اهلل‬ ‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪ )54‬عن أبي هريرة‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )2‬أخرجه مسلم (‪ )2626‬عن أبي ذر‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )3‬أخرجه مسلم (‪ )2020‬عن ابن عمر‬

‫يف آخره على ما تف َضل به‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )4‬أخرجه البخاري (‪ ،)5376‬ومسلم (‪ )2022‬عن عمر بن أبي سلمة‬

‫ـ ‪ 201‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫وم َن‪ ،‬قال‬

‫‪« :‬إن اهلل لي ْرضى عن الع ْبد أ ْن ي ْأكل األكْلة في ْحمده عل ْيها أ ْو ي ْشرب‬

‫الش ْربة في ْحمده عل ْيها»(‪.)1‬‬ ‫قال اإلمام أدمد‬

‫‪« :‬إذا جمع ال َطعام أربعا فقد كمل‪ :‬إذا ذكر اسم اهلل‬

‫يف َأوله‪ ،‬ودمد اهلل يف آخره‪ ،‬وكثرت عليه األيدي‪ ،‬وكان من دل»(‪.)2‬‬ ‫قال‬ ‫هريرة‬

‫‪« :‬والحمد بعد العطاس‪ ،‬وتشميت العاطس إذا حمد اهلل» عن أبي‬ ‫عن النَبي‬

‫قال‪« :‬إن اهلل يحب العطاس ويكْره التثاؤب‪ ،‬فإذا‬

‫عطس فحمد اهلل فحق على كل م ْسلم سمعه أ ْن يشمته‪ ،‬وأما التثاؤب فإنما هو‬ ‫من الش ْيطان ف ْليرده ما ْاستطاع‪ ،‬فإذا قال‪ :‬هاء‪ ،‬ضحك منْه الش ْيطان»(‪.)3‬‬ ‫والحكمة يف الحمد عند العطاس َ‬ ‫أن العاطس ـ كما يقول ابن القيم‬

‫ـ قد‬

‫دصل له بالعطاس نعم ٌة ومنفع ٌة بخروج األبخرة المحتقنة يف دماغه‪ ،‬ا َلتي لو‬ ‫بقيت فيه أددثت له أدواء عسيرة‪ ،‬ولهذا شرع له دمد اهلل على هذه النعمة مع‬ ‫الزلزلة ا َلتي دصلت للبدن‪ ،‬فلله‬ ‫بقاء أعضائه على التئامها وهيئتها بعد هذه َ‬ ‫الحمد كما ينبغي لكريم وجهه وعز جّلله(‪.)4‬‬ ‫فانظر ـ أخي المسلم رعاك اهلل ـ إلى هذا الجمال والكمال ا َلذي دعت إليه‬ ‫َ‬ ‫وترادم ودعا ٌء‪ ،‬العاطس يحمد اهلل‪ ،‬ومن‬ ‫الشريعة عند العطاس؛ دمدٌ وثنا ٌء‬ ‫ٌ‬ ‫ثم هو يبادل الدُّ عاء بالدُّ عاء‪ ،‬فيدعو لمن ش َمته بالهداية‬ ‫بالردمة‪َ ،‬‬ ‫يسمعه يدعو له َ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪ )2734‬عن أنس‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )2‬انظر‪« :‬زاد المعاد» البن القيم (‪.)213/4‬‬ ‫(‪ )3‬أخرجه البخاري (‪.)6223‬‬ ‫(‪ )4‬انظر «زاد المعاد» (‪401/2‬ـ ‪.)403‬‬

‫ـ ‪ 202‬ـ‬


‫وصّلح الحال‪ ،‬فما أقواها من لحم ٍة‪ ،‬وما أجمله من تراب ٍ‬ ‫ط ووص ٍ‬ ‫ال‪.‬‬ ‫قال‬

‫‪« :‬وعيادة المريض»‪ ،‬وهو دق للمريض على إخوانه‪ ،‬وتستغ ُّل عيادته‬

‫بالدُّ عاء له بالشفاء والعافية‪ ،‬وتسليته بما يحرك فيه النَشاط وال َتفاؤل ونحو ذلك‪.‬‬ ‫قال‪« :‬واتباع الجنائز للصالة والدفن»‪ ،‬وهو دق من دقوق المسلم على‬ ‫أجور عظيم ٌة‪ ،‬قال‬ ‫إخوانه‪ ،‬وقد رتب عليه‬ ‫ٌ‬

‫‪« :‬م ْن شهد الجنازة حتى يصلي‪،‬‬

‫فله قيراط‪ ،‬وم ْن شهد حتى تدْ فن كان له قيراطان»‪ ،‬قيل‪ :‬وما القيراطان؟ قال‪:‬‬ ‫«م ْثل الجبل ْين العظيم ْين»(‪.)1‬‬ ‫قال‬

‫‪« :‬واآلداب الشرعية عند دخول المسجد أو المنزل والخروج‬

‫آداب؛ منها‪ :‬أن يقدم رجله‬ ‫آداب‪ ،‬وللخروج منه‬ ‫منهما»‪ ،‬فالمسجد لدخوله‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫اليمنى عند الدُّ خول‪ ،‬واليسرى عند الخروج‪ ،‬وأن يكون الدُّ خول بال َتسمية‪،‬‬ ‫والخروج بال َتسمية‪ ،‬يقول عند دخوله وخروجه‪« :‬ب ْسم اهلل والصالة والسالم على‬ ‫الردمة‪ ،‬ويف الخروج يسأل‬ ‫رسول اهلل»‪ ،‬ويف دخوله يسأل اهلل أن يفتح له أبواب َ‬ ‫اهلل أن يفتح له أبواب الفضل؛ فعن أبي دمي ٍد‪ ،‬أو عن أبي أسيد‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول‬ ‫اهلل‬

‫‪« :‬إذا دخل أحدكم الم ْسجد‪ ،‬ف ْليق ْل‪ :‬اللهم ا ْفت ْح لي أ ْبواب ر ْحمتك‪ ،‬وإذا‬

‫خرج‪ ،‬ف ْليق ْل‪ :‬اللهم إني أ ْسألك م ْن ف ْْلك»(‪ ،)2‬ويف كل من الدُّ خول والخروج‬ ‫تشرع االستعاذة من َ‬ ‫السنَة أن يقول‪« :‬أعوذ باهلل‬ ‫الشيطان؛ أ َما عند الدُّ خول فمن ُّ‬ ‫العظيم‪ ،‬وبو ْجهه الكريم‪ ،‬وس ْلطانه القديم من الش ْيطان الرجيم»(‪ ،)3‬وأ َما عند‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)1325‬ومسلم (‪ )945‬عن أبي هريرة‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )2‬أخرجه مسلم (‪.)713‬‬ ‫(‪ )3‬أخرجه أبو داود (‪ )466‬عن عبد اهلل بن عمرو‬ ‫(‪.)4715‬‬

‫ـ ‪ 203‬ـ‬

‫وصححه األلباين يف «صحيح الجامع»‬ ‫؛‬ ‫َ‬


‫اعص ْمني من الش ْيطان»(‪ ،)1‬وذلك َ‬ ‫أن‬ ‫السنَة أن يقول‪« :‬اللهم ْ‬ ‫الخروج فمن ُّ‬ ‫َ‬ ‫يص على المرء عند دخوله المسجد د َتى يفوت عليه دسن العبادة‪،‬‬ ‫الشيطان در ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫مكان مح َر ٍم‪،‬‬ ‫وعند الخروج من المسجد د َتى يحرمه من أثر العبادة‪ ،‬فيج ُّره إلى‬ ‫ٍ‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬إن الش ْيطان‬ ‫حر ٍم‪ ،‬كما قال ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫صرف م َ‬ ‫أو فع ٍل مح َر ٍم‪ ،‬أو ت ُّ‬ ‫قعد ل ْبن آدم بأ ْطرقه»(‪ ،)2‬ومن ذلكم‪ :‬طريق المسجد دخوال وخروجا‪.‬‬ ‫آداب‪ ،‬فإذا دخل بيته يسمي‬ ‫آداب وللخروج منه‬ ‫كذلك المنزل لدخوله‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ويسلم؛ فإ َنه برك ٌة عليه وعلى أهل بيته ووقاي ٌة من َ‬ ‫الشيطان‪ ،‬ويتح َلى باألخّلق‬ ‫الفاضلة يف تعامله مع أهله وولده يف بيته‪ ،‬قال‬

‫‪« :‬إذا دخل الرجل ب ْيته فذكر اهلل‬

‫عنْد دخوله وعنْد طعامه قال الش ْيطان‪ :‬ل مبيت لك ْم ول عشاء؛ وإذا دخل فل ْم‬ ‫ي ْذكر اهلل عنْد دخوله‪ ،‬قال‪ :‬الش ْيطان أ ْدركْتم المبيت‪ ،‬وإذا ل ْم ي ْذكر اهلل عنْد طعامه‬ ‫قال أ ْدركْتم المبيت والعشاء»(‪ ،)3‬وقال‬

‫‪« :‬إذا دخ ْلت على أ ْهلك فسل ْم يكون‬

‫برك ًة عل ْيك وعلى أ ْهل ب ْيتك»(‪ )4‬وإذا خرج يسمي‪« :‬ب ْسم اهلل‪ ،‬توك ْلت على اهلل‪،‬‬ ‫ل ح ْول ول قوة إل باهلل»(‪ ،)5‬ويدعو اهلل أن يعيذه‪« :‬اللهم أعوذ بك أ ْن أضل أ ْو‬ ‫وصححه األلباين يف «صحيح الجامع» (‪.)514‬‬ ‫؛‬ ‫(‪ )1‬أخرجه ابن ماجه (‪ )773‬عن أبي هريرة‬ ‫َ‬ ‫وصححه األلباين يف‬ ‫؛‬ ‫(‪ )2‬أخرجه أدمد (‪ ،)15958‬والنسائي (‪ )3134‬عن سبرة بن أبي فاك ٍه‬ ‫َ‬ ‫الصحيحة» (‪.)2979‬‬ ‫« َ‬ ‫(‪ )3‬أخرجه مسلم (‪ )2018‬عن جابر بن عبد اهلل‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )4‬أخرجه الرتمذي (‪ )2698‬عن جابر بن عبد اهلل‬

‫ودسنه األلباين يف «تخريج الكلم ال َطيب»‬ ‫؛ َ‬

‫(‪.)63‬‬ ‫(‪ )5‬أخرجه أبو داود (‪ ،)5095‬والرتمذي (‪ )3426‬عن أنس بن مالك‬ ‫«صحيح الجامع» (‪.)6419‬‬

‫ـ ‪ 204‬ـ‬

‫وصححه األلباين يف‬ ‫؛‬ ‫َ‬


‫أضل‪ ،‬أ ْو أزل أ ْو أزل‪ ،‬أ ْو أ ْظلم أ ْو أ ْظلم‪ ،‬أ ْو أ ْجهل أ ْو ي ْجهل علي»(‪.)1‬‬ ‫قال‬

‫آداب عديدةٌ‪ ،‬ينبغي على المسافر أن‬ ‫السفر له‬ ‫ٌ‬ ‫‪« :‬وعند السفر» َ‬

‫الركوب وآداب النُّزول‪ ،‬وآداب الدُّ خول‬ ‫يعرفها‪ ،‬وأن يتح َلى هبا‪ ،‬من ديث آداب ُّ‬ ‫وات مبار ٍ‬ ‫الشريعة من دع ٍ‬ ‫كات تتع َلق بذلك؛ ُّ‬ ‫للبلد ا َلذي يدخله‪ ،‬وما جاء يف َ‬ ‫كل‬ ‫ذلك يحرص المسلم على العناية به‪.‬‬ ‫قال‬

‫‪« :‬ومع الوالد ْين»؛ والوالدان هما أد ُّق النَاس بحسن األدب‪ ،‬كما‬

‫َ‬ ‫والسّلم ـ‪ :‬من أد ُّق النَاس‬ ‫َبي ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫جاء يف الحديث‪ :‬أن رجّل سأل الن َ‬ ‫بحسن صحابتي؟ قال‪« :‬أمك»‪ ،‬قال‪ :‬ث َم من؟ قال‪« :‬ثم أمك»‪ ،‬قال‪ :‬ث َم من؟ قال‪:‬‬

‫«ثم أمك»‪ ،‬قال‪ :‬ث َم من؟ قال‪« :‬ثم أبوك»(‪ ،)2‬ويف الحديث اآلخر قال‪« :‬بر أمك‬ ‫وأباك وأ ْختك وأخاك‪ ،‬ثم أ ْدناك أ ْدناك»(‪ ،)3‬فهما أد ُّق النَاس باآلداب ودسن‬ ‫المعاملة؛ ولهذا جعل اإلمام البخاري َأول ٍ‬ ‫باب عقده يف كتابه «األدب المفرد»‪:‬‬ ‫إلى َ‬ ‫أن الوالدين هما أد ُّق النَاس بذلك األدب‬

‫«باب بر الوالدين»‪ ،‬تنبيها منه‬

‫واإلدسان‪ ،‬ويكفي داللة على عظم هذا الحق َ‬ ‫أن اهلل قرن د َقهما بحقه يف غير‬ ‫موض ٍع من كتابه‪ ،‬قال اهلل تعالى‪﴿ :‬ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ‬ ‫ﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ‬ ‫ﮰﮱ ﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞ‬

‫ﯟ﴾ [\‪ ]m‬أي‪ :‬أدسنوا إليهما بجميع وجوه اإلدسان القول َية والفعل َية؛‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أدمد (‪ ،)26616‬وأبو داود (‪ ،)5094‬والرتمذي (‪ ،)3427‬والنسائي (‪ ،)5486‬وابن‬ ‫ماجه (‪ )3884‬عن أم سلمة‬

‫الصحيحة» (‪.)3163‬‬ ‫؛‬ ‫وصححه األلباين يف « َ‬ ‫َ‬

‫(‪ )2‬أخرجه البخاري (‪ ،)5971‬ومسلم (‪ )2548‬عن أبي هريرة‬ ‫(‪ )3‬أخرجه الحاكم (‪ )7245‬عن أبي رمثة‬

‫؛ وزاد مسلم‪« :‬ثم أ ْدناك أ ْدناك»‪.‬‬

‫وصححه األلباين يف «اإلرواء» (‪.)322/3‬‬ ‫؛‬ ‫َ‬

‫ـ ‪ 205‬ـ‬


‫ألنَهما سبب وجود العبد‪ ،‬وبذال يف تربيته واإلدسان إليه َ‬ ‫الشيء الكثير‪.‬‬ ‫‪« :‬واألقارب»‪ ،‬كما يف الحديث المتقدم‪« :‬ثم أ ْدناك أ ْدناك»‪،‬‬

‫قال‬

‫فيحرص المسلم على ال َتعامل معهم باآلداب الكريمة‪ ،‬والرعاية لحقوقهم‪،‬‬ ‫وصلتهم‪ ،‬واإلدسان إليهم‪ ،‬والبعد عن اإلساءة إليهم‪.‬‬ ‫قال‬

‫‪« :‬والجيران» فمن آداب َ‬ ‫الشريعة‪ :‬األدب مع الجار‪ ،‬ورعاية‬

‫دقوقه‪ ،‬والبعد عن إيذائه‪ ،‬والحرص على اإلدسان إليه بكل وجوه اإلدسان‬ ‫المستطاعة قول َية أو فعل َية؛ َ‬ ‫فإن الوص َية به يف َ‬ ‫الشرع عظيمةٌ‪ ،‬قال‬

‫‪« :‬ما زال‬

‫يوصيني ج ْبريل بالجار حتى ظننْت أنه سيورثه»(‪.)1‬‬ ‫قال‬

‫الصّلة‬ ‫‪« :‬واألدب مع الكبار والصغار» كل بحسبه‪ ،‬وقد قال ـ عليه َ‬

‫والسّلم ـ‪« :‬ل ْيس منا م ْن ل ْم يوق ْر كبيرنا وي ْرح ْم صغيرنا»(‪ ،)2‬فالكبير يعامل‬ ‫َ‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬إن م ْن إ ْجالل اهلل إكْرام‬ ‫بال َتوقير واالدرتام‪ ،‬وقد قال ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫بالردمة‪ ،‬ومن ال يردم ال يردم‪ ،‬جاء‬ ‫ذي الش ْيبة الم ْسلم»(‪،)3‬‬ ‫َ‬ ‫والصغير يعامل َ‬ ‫الصحيحين» َ‬ ‫أن األقرع بن دابس‬ ‫يف « َ‬

‫الصّلة‬ ‫كان جالسا عند النَبي ـ عليه َ‬ ‫‪ ،‬فقال األقرع‪ :‬إ َن‬

‫والسّلم ـ الحسن بن علي‬ ‫والسّلم ـ‪ ،‬فق َبل ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫َ‬

‫وقال‪« :‬م ْن ل ي ْرحم‬

‫َبي‬ ‫لي عشرة من الولد ما ق َبلت منهم أددا‪ ،‬فنظر إليه الن ُّ‬ ‫(‪)4‬‬ ‫الصحيحين» َ‬ ‫َبي‬ ‫ن‬ ‫ال‬ ‫أتى‬ ‫ا‬ ‫أعرابي‬ ‫أن‬ ‫«‬ ‫يف‬ ‫وجاء‬ ‫‪،‬‬ ‫ل ي ْرحم»‬ ‫َ‬ ‫َ‬

‫وقال‪ :‬تقبلون‬

‫(‪ )1‬سبق تخريجه‪.‬‬ ‫الصامت‬ ‫(‪ )2‬أخرجه أدمد (‪ )6643‬عن عبادة بن َ‬

‫ودسنه األلباين يف «صحيح الجامع» (‪.)5443‬‬ ‫؛ َ‬

‫(‪ )3‬أخرجه أبو داود (‪ )4843‬عن أبي موسى األشعري‬

‫ودسنه األلباين يف «صحيح الجامع»‬ ‫؛‬ ‫َ‬

‫(‪.)2199‬‬ ‫(‪ )4‬أخرجه البخاري (‪ ،)5997‬ومسلم (‪ )2318‬عن أبي هريرة‬

‫ـ ‪ 206‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫َبي‬ ‫الصبيان؟ فما نقبلهم» يعني‪ :‬نحن ال نقبل صبياننا‪ ،‬فقال الن ُّ‬ ‫أ ْن نزع اهلل م ْن ق ْلبك الر ْحمة»(‪.)1‬‬

‫‪« :‬أوأ ْملك لك‬

‫قال ‪« :‬والتهنئة بالمولود» بالدُّ عاء لوالديه أن يجعله ق َرة عي ٍن‪ ،‬وأن‬ ‫دماد بن‬ ‫أئمة الهدى‪ ،‬وأن يجعله مباركا على أهله وعلى األ َمة؛ عن َ‬ ‫يجعله من َ‬ ‫قال‪ :‬كان أ ُّيوب إذا هنَأ رجّل بمولود قال‪« :‬جعله اهلل مباركا عليك‬ ‫زيد‬ ‫وعلى أ َمة مح َم ٍد »(‪ ،)2‬وهي دعو ٌة عظيم ٌة يحسن الدُّ عاء هبا عند التَهنئة‬ ‫ٍ‬ ‫كلمات قد تكون خاطئة‪.‬‬ ‫بالمولود بدل تك ُّلف‬ ‫السري بن يحيى‪َ :‬‬ ‫ممن كان يجالس الحسن ولد له اب ٌن‬ ‫أن رجّل َ‬ ‫وعن َ‬ ‫فهنَأه ٌ‬ ‫رجل فقال‪ :‬ليهنك الفارس‪ ،‬فقال الحسن‪ :‬وما يدريك أنَه فار ٌس؟! لع َله‬ ‫نج ٌار‪ ،‬لع َله خ َي ٌ‬ ‫اط‪ ،‬قال‪ :‬فكيف أقول؟ قال‪ :‬قل‪« :‬جعله اهلل مباركا عليك وعلى‬ ‫َ‬ ‫أ َمة مح َم ٍد »(‪.)3‬‬ ‫قال ‪« :‬والتبريك بالزواج» كما جاء يف الحديث يقال له «بارك اهلل لك‪،‬‬ ‫وبارك عل ْيك‪ ،‬وجمع ب ْينكما في خ ْير»(‪.)4‬‬ ‫قال‬

‫ٍ‬ ‫بمصيبة يف مصابه‪،‬‬ ‫‪« :‬والتعزية يف المصاب» بأن يس َلى من أصيب‬

‫بأن يقال له‪« :‬هلل ما أخذ‪ ،‬وله ما أ ْعطى‪ ،‬وكل عنْده بأجل مس ًّمى؛ ف ْلت ْصب ْر‬ ‫(‪)5‬‬ ‫مما لم يرد من الكلمات ا َلتي فيها‬ ‫و ْلت ْحتس ْ‬ ‫مما ورد‪ ،‬وكذلك َ‬ ‫ب» ‪ ،‬ونحو ذلك َ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)5998‬ومسلم (‪ )2317‬عن عائشة‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )2‬رواه الطرباين يف «الدعاء» (‪ ،)946‬وأبو نعيم يف «الحلية» (‪.)8/3‬‬ ‫(‪ )3‬رواه الطرباين يف «الدعاء» (‪.)945‬‬ ‫(‪ )4‬أخرجه أدمد (‪ ،)8957‬وأبو داود (‪ ،)2130‬والرتمذي (‪ ،)1091‬وابن ماجه (‪ )1905‬عن أبي‬ ‫هريرة‬

‫وصححه األلباين يف «صحيح أبي داود» (‪.)351/6‬‬ ‫؛‬ ‫َ‬

‫(‪ )5‬أخرجه البخاري (‪ ،)1284‬ومسلم (‪ )923‬عن أسامة بن زيد‬

‫ـ ‪ 207‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫ٍ‬ ‫شيء يكون فيه مخالف ٌة لشرع اهلل‪.‬‬ ‫مؤانس ٌة وتسلي ٌة‪ ،‬مع الحذر من‬ ‫قال‬

‫‪« :‬وغير ذلك من اآلداب اإلسالمية يف الل ْبس والخ ْل ع والنتعال»‬

‫ثوب يحمد اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ‪« :‬اللهم لك الح ْمد أنْت‬ ‫من استجدَ له ٌ‬ ‫ك س ْوتنيه‪ ،‬أ ْسأل ك م ْن خ ْيره وخيْر ما صن ع له‪ ،‬وأع وذ ب ك م ْن شره‪ ،‬وش ر ما‬ ‫صنع له»‪ ،‬م ن رأى على أخيه ثوبا جديدا يدع و له بما ورد يف الحديث‪« :‬تبْلي‬ ‫ويخْ لف اهلل ت عال ى»(‪.)1‬‬ ‫السنَة التَيامن يف اللباس ونحوه‪ ،‬وتجنُّب ثياب ُّ‬ ‫الشهرة‪ ،‬والحذر من‬ ‫ومن ُّ‬ ‫اإلسبال والخيّلء‪« :‬كلوا وتصدقوا وا ْلبسوا في غ ْير إ ْسراف ول مخيلة»(‪.)2‬‬ ‫مما ذكره‬ ‫وعناية المسلم هبذه اآلداب وتحليه هبا ـ َ‬

‫أو لم يذكره ـ يعدُّ‬

‫من جمال المسلم وكماله‪ ،‬وعنوان فّلده وسعادته يف دنياه وأخراه‪.‬‬ ‫وليستعن المسلم يف ال َتحلي هبذه اآلداب بربه ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ بسؤاله‬ ‫دسنها واالستعاذة به من سيئها‪ ،‬ويف الدُّ عاء المأثور‪« :‬اللهم ْاهدني أل ْحسن‬ ‫ف عني سيئها‪ ،‬ل ي ْصرف عني سيئها‬ ‫اصر ْ‬ ‫األ ْخالق‪ ،‬ل ي ْهدي أل ْحسنها إل أنْت‪ ،‬و ْ‬ ‫إل أنْت»(‪ ،)3‬ويف الدُّ عاء المأثور أيضا‪« :‬اللهم إني أعوذ بك م ْن منْكرات‬ ‫األ ْخالق واأل ْعمال واأل ْهواء»(‪.)4‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أدمد (‪ ،)11248‬وأبو داود (‪ ،)4020‬والرتمذي (‪ )1767‬عن أبي سعيد الخدري‬ ‫وصححه األلباين يف «صحيح الجامع» (‪.)4664‬‬ ‫؛‬ ‫َ‬ ‫(‪ )2‬أخرجه أدمد (‪ ،)6695‬والنسائي (‪ ،)2559‬وابن ماجه (‪ )3605‬عن عبد اهلل بن عمرو‬ ‫ودسنه األلباين يف «صحيح الجامع» (‪.)4505‬‬ ‫َ‬

‫(‪ )3‬أخرجه مسلم (‪ )771‬عن علي بن أبي طالب‬

‫؛‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )4‬أخرجه الرتمذي (‪ )3591‬عن قطبة بن مالك‬ ‫(‪.)1298‬‬

‫ـ ‪ 208‬ـ‬

‫وصححه األلباين يف «صحيح الجامع»‬ ‫؛‬ ‫َ‬


‫ﱠ‬

‫ُ‬

‫ﱠ‬

‫ﺍﻟﺪﺭﺱ ﺍﻟﺴﺎﺑﻊ ﻋﺸﺮ‬

‫ﱢ‬

‫ﱠ‬ ‫ﺍﻟﺘﺤﺬﻳﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺮﻙ ﻭﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﳌﻌﺎﺻﻲ‬

‫‪ ‬ﻗﺎل ‪::‬‬

‫اﻟﺴﺎﺑﻊ ﻋﺸﺮ‪ :‬اﻟ ﱠﺘﺤﺬﻳﺮ ﻣﻦ ﱢ‬ ‫اﻟﺸﺮك وأﻧﻮاع اﻟﻤﻌﺎﺻﻲ‪.‬‬ ‫اﻟﺪﱠ رس ﱠ‬

‫اﻟﺸﺮك وأﻧﻮاع اﻟﻤﻌﺎﺻﻲ؛ وﻣﻨﻬﺎ‪ :‬اﻟﺴﺒﻊ اﻟﻤﻮﺑِ َﻘ ِ‬ ‫َ‬ ‫اﻟﺤﺬ ُر واﻟ ﱠﺘﺤﺬﻳﺮ ﻣﻦ ﱢ‬ ‫ﺎت‬ ‫ﱠ ُ‬ ‫اﻟﻤﻬﻠِ ِ‬ ‫وﻗﺘﻞ اﻟ ﱠﻨ ِ‬ ‫واﻟﺴﺤﺮ‪ُ ،‬‬ ‫ﱢ‬ ‫ﻜﺎت وﻫﻲ‪ :‬ﱢ‬ ‫ﺑﺎﻟﺤﻖ‪،‬‬ ‫ﺣﺮ َم اﷲُ ﱠإﻻ‬ ‫ﻔﺲ ا ﱠﻟﺘﻲ ﱠ‬ ‫اﻟﺸﺮك ﺑﺎﷲ‪ ،‬ﱢ‬ ‫ُ‬

‫اﻟﻐﺎﻓِ ِ‬ ‫ﻨﺎت ِ‬ ‫وﻗﺬف اﻟﻤﺤﺼ ِ‬ ‫وأﻛﻞ اﻟﺮﺑﺎ‪ ،‬واﻟ ﱠﺘﻮ ﱢﻟﻲ ﻳﻮم اﻟ ﱠﺰ ِ‬ ‫ُ‬ ‫ﻼت‬ ‫ﺣﻒ‪،‬‬ ‫وأﻛﻞ ﻣﺎل اﻟﻴﺘﻴﻢ‪،‬‬ ‫ُ ُ َ‬ ‫ُ ﱢ‬ ‫اﻟﻤ ِ‬ ‫ﺆﻣﻨﺎت‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ﺎن اﻟﻜﺎذﺑ ُﺔ‪،‬‬ ‫وﻣﻨﻬﺎ‪:‬‬ ‫اﻟﺮ ِﺣﻢ‪ ،‬وﺷﻬﺎد ُة اﻟ ﱡﺰور‪ ،‬واﻷَ ْﻳ َﻤ ُ‬ ‫ﻋﻘﻮق اﻟﻮاﻟﺪَ ْﻳﻦ‪ ،‬وﻗﻄﻴﻌ ُﺔ ﱠ‬ ‫ﺎس ﰲ اﻟﺪﱢ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ﻠﻢ اﻟﻨﱠ ِ‬ ‫واﻷﻋﺮاض‪ُ ،‬‬ ‫اﻟﻤﺴﻜِﺮِ‪،‬‬ ‫واﻷﻣﻮال‬ ‫ﻣﺎء‬ ‫وﺷ ُ‬ ‫ﺮب ُ‬ ‫وإﻳﺬا ُء اﻟﺠﺎر‪ ،‬و ُﻇ ُ‬

‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫و َﻟ ِﻌﺐ ِ‬ ‫اﻟﻘ َﻤ ِ‬ ‫ﻣﻤﺎ ﻧﻬﻰ اﷲُ ‪ y‬ﻋﻨﻪ أو‬ ‫ُ‬ ‫وﻏﻴﺮ ذﻟﻚ ﱠ‬ ‫اﻟﻤ ْﻴﺴﺮ‪ ،‬واﻟﻐﻴ َﺒ ُﺔ‪ ،‬واﻟ ﱠﻨﻤﻴﻤ ُﺔ‪ُ ،‬‬ ‫ﺎر وﻫﻮ َ‬ ‫رﺳﻮ ُﻟﻪ ح«‪.‬‬

‫‪:n‬‬

‫ِ‬ ‫اﻟﺸ ُ‬ ‫ﻟﻤﺎ أﳖﻰ ﱠ‬ ‫اﻟﻤﺎﺿ َﻴ ْﻴﻦ ﻣﺎ ﻳﺘﻌ ﱠﻠ ُﻖ ﺑﺎﻷﺧﻼق واﻵداب‬ ‫رﺳ ْﻴﻦ‬ ‫ﻴﺦ ‪ :‬ﰲ اﻟﺪﱠ َ‬ ‫‪ ‬ﱠ‬ ‫ﺗﺤﺬﻳﺮا ﻣﻦ اﻟﻜﺒﺎﺋﺮ وﳖ ًﻴﺎ ﻋﻨﻬﺎ؛‬ ‫وأﻫﻤ ﱠﻴ ِﺔ اﻟﺘﱠﺤ ﱢﻠﻲ ﲠﺎ‪َ ،‬ﻋ َﻘﺪَ ﻫﺬا اﻟﺪﱠ ْر َس‬ ‫اﻹﺳﻼﻣ ﱠﻴ ِﺔ‬ ‫ً‬ ‫ﱢ‬

‫‪ ‬‬


‫فالدَ رسان الماضيان يف ال َتحلية‪ ،‬وهذا الدَ رس يف ال َتخلية‪ ،‬والدين تحل بالفضائل‬ ‫الرذائل‬ ‫الرذائل‪ ،‬وأعظم الفضائل والحسنات‪ :‬توديد اهلل‪ ،‬وأشنع َ‬ ‫وتخل عن َ‬ ‫والموبقات‪ :‬الشرك به ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ‪.‬‬ ‫وكما َ‬ ‫مطلوب منه أن يعرف الفضائل والخيرات ليتح َلى هبا‬ ‫أن المسلم‬ ‫ٌ‬ ‫حرمات‬ ‫وليكون من أهلها الم َتصفين هبا؛ فإ َنه كذلك مط ٌ‬ ‫لوب منه معرفة الم َ‬ ‫والموبقات‪ ،‬ليجتنبها وليحذر من الوقوع فيها‪ ،‬على دد ٍ‬ ‫قول من قال‪:‬‬ ‫َ‬ ‫فإن من لم يعرف َ‬ ‫الشـــ َر ال َ‬ ‫تع َلـــم َ‬ ‫الش َر من النَاس يقـع فيـه‬ ‫للشـــر ولكـــن لتوقيـــه‬ ‫وكان دذيفة‬

‫يقول‪« :‬كان النَاس يسألون رسول اهلل‬

‫عن الخير‪،‬‬

‫وكنت أسأله عن َ‬ ‫الشر مخافة أن يدركني»(‪.)1‬‬ ‫وقد قيل قديما‪« :‬كيف ي َتقي من ال يدري ما ي َتقي»‪ ،‬أي‪ :‬كيف ي َتقي‬ ‫حرمات ويجتنب المنكرات‪ ،‬وهو ال يعرفها‪ ،‬وال يعرف خطورتها‪ ،‬وال‬ ‫الم َ‬ ‫يعرف العقوبات ا َلتي وردت يف نصوص َ‬ ‫الشرع محذرة منها؟! فتأكَد على‬ ‫المسلم‪ :‬أن يعرف الكبائر من أجل اجتنابها واتقائها‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫خاصة بالكبائر‪ ،‬يعددون‬ ‫ولهذا أ َلف العلماء ـ ردمهم اهلل تعالى ـ مصنَفات َ‬ ‫ٍ‬ ‫الكبائر‪ ،‬ويذكرون َ‬ ‫والسنَة‪ ،‬ومن أدسن ما‬ ‫كل كبيرة مقرونة بأد َلتها من الكتاب ُّ‬ ‫ألف يف هذا الباب‪« :‬كتاب الكبائر» لإلمام َ‬ ‫الذهبي‬

‫عظيم يف بابه‪،‬‬ ‫كتاب‬ ‫؛ فإ َنه‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬

‫ونافع جدا يف ال َتحذير من الكبائر‪ ،‬وبيان خطورتها‪.‬‬ ‫الحاصل؛ َ‬ ‫مطلوب منه أن يعرف الكبائر والموبقات‪ ،‬وأن‬ ‫أن المسلم‬ ‫ٌ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)3606‬ومسلم (‪.)1847‬‬

‫ـ ‪ 210‬ـ‬


‫يعرف خطورتها‪ ،‬وأن يعرف العقوبات َ‬ ‫الشرع َية الواردة فيها‪ ،‬ليكون دذرا منها‬ ‫ومحذرا لغيره‪ ،‬تعاونا على البر وال َتقوى‪ ،‬وأمرا بالمعروف وهنيا عن المنكر‪.‬‬ ‫أن المعاصي ُّ‬ ‫وقد د َلت النُّصوص على َ‬ ‫والذنوب تنقسم إلى قسمين‪ :‬كبائر‬ ‫وصغائر؛ كما قال اهلل تعالى‪﴿ :‬ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ‬

‫ﭨ﴾ [\´]‪ ،‬وقال ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ‬ ‫ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ﴾ [`‪ ،]31 :‬وقال‪﴿ :‬ﮝ‬

‫ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ﴾ [‪ ،]32 :³‬وقال ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﭾ ﭿ‬ ‫ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ﴾ [¯‪]7 :‬؛‬ ‫وهذه اآلية قسمت فيها المعاصي ا َلتي ك َرهها اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ إلى عباده‬ ‫ٍ‬ ‫ثّلثة‪:‬‬ ‫المؤمنين إلى أقسا ٍم‬ ‫‪1‬ـ كفر؛ وهو األمر النَاقل من الم َلة‪.‬‬ ‫‪2‬ـ وفسوق؛ وهو كبائر اإلثم‪.‬‬ ‫‪3‬ـ وعصيان؛ وهو ما دون الكبائر‪.‬‬ ‫ويف الدُّ عاء الوارد يف القرآن‪﴿ :‬ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ﴾‬ ‫ُّ‬ ‫[_‪ ]193 :‬فذكر ُّ‬ ‫بالذنوب هنا‪ :‬الكبائر‪،‬‬ ‫والسيئات‪ ،‬ويراد‬ ‫الذنوب‬ ‫َ‬ ‫الصغائر؛ والنُّصوص يف هذا المعنى كثير ٌة‪.‬‬ ‫السيئات‪َ :‬‬ ‫وب َ‬ ‫والصغائر‪ ،‬وانقسام ُّ‬ ‫شك َ‬ ‫وال َ‬ ‫الذنوب إلى كبائر‬ ‫أن معرفة المسلم بالكبائر‬ ‫َ‬ ‫وصغائر‪ ،‬ومعرفته أيضا بخطورة الكبائر‪َ ،‬‬ ‫الصغائر تكفرها ال َطاعات وال‬ ‫وأن َ‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬الصلوات الخ ْمس‪،‬‬ ‫س َيما العبادات الكبار‪ ،‬مثل ما قال ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫ـ ‪ 211‬ـ‬


‫اجتنب‬ ‫والج ْمعة إلى الج ْمعة‪ ،‬ورمْان إلى رمْان‪ ،‬مكفرات ما ب ْينهن إذا ْ‬ ‫الكبائر»(‪ ،)1‬ولهذا قال ‪ ﴿ :‬ﯨ ﯩ ﯪ﴾ أي‪ :‬بالحسنات ا َلتي يوفق اهلل‬ ‫جل وعّل ـ العبد لها‪ ،‬لكن الكبائر البدَ فيها من ٍ‬ ‫ـ َ‬ ‫توبة إلى اهلل ؛ برتك َ‬ ‫الذنب‪،‬‬ ‫َ‬ ‫واإلقّلع عنه‪ ،‬والعزم على عدم العودة إليه‪.‬‬ ‫َ‬ ‫والشيخ‬

‫ٍ‬ ‫جملة من الكبائر تنبيها بما ذكر على‬ ‫يف هذا الدَ رس أشار إلى‬

‫ما لم يذكر‪َ ،‬‬ ‫وأن ما يسعه هذا المختصر اإلشارة إلى بعض الكبائر؛ تنبيها‬ ‫همة ا َلتي يحتاج إليها؛ أن يعرف كبائر ُّ‬ ‫للمسلم إلى َ‬ ‫الذنوب‬ ‫أن من الدُّ روس الم َ‬ ‫والموبقات د َتى يكون منها على دذ ٍر‪.‬‬ ‫وقد جرت عادة النَاس االهتمام باألمور ا َلتي تض ُّرهم يف أبداهنم‪ ،‬ويسألون‬ ‫عنها‪ ،‬ويتو َقونها‪ ،‬د َتى َ‬ ‫إن بعض النَاس يف هذا الباب يشتدُّ به االهتمام‪ ،‬فيرتك‬ ‫كثيرا من ال َطيبات إبقاء على بدنه وص َحته وعافيته‪ ،‬فتجده يحتمي من عدد من‬ ‫لصحته وبدنه‪ ،‬لكنَه يف الوقت‬ ‫ال َطيبات‪ ،‬ال يأكلها وال يطعمها وال يقربها‪ ،‬دفظا‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫الذنوب دفظا لبدنه؛ َ‬ ‫جملة من كبائر ُّ‬ ‫ألن يف البعد عن‬ ‫نفسه ال يحتمي من‬ ‫ُّ‬ ‫الذنوب دفظا للبدن ـ بإذن اهلل ـ من الدُّ خول للنَار يوم القيامة‪ ،‬فعجبا لمن ي َتقي‬ ‫كثيرا من ال َطيبات خوف مض َرتها كيف ال ي َتقي ُّ‬ ‫عرتها وعقوبتها‬ ‫الذنوب خوف م َ‬ ‫يوم يلقى اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ!!‬ ‫والمرء ال َناصح لنفسه يعتني هبذا الباب عناية دقيقة‪ ،‬ويسأل عن الكبائر‬ ‫ويحرص على معرفتها‪ ،‬ليكون منها على دذ ٍر‪ ،‬وليكون أيضا محذرا لآلخرين منها‪.‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪ )233‬عن أبي هريرة‬

‫‪.‬‬

‫ـ ‪ 212‬ـ‬


‫وأنصح كثيرا يف هذا الباب بقراءة «كتاب الكبائر» لإلمام َ‬ ‫الذهبي‬

‫‪،‬‬

‫وأنصح أيضا أن يهدى هذا الكتاب لألهل واألوالد واألقارب‪ ،‬ال س َيما والدَ عوة‬ ‫يف زماننا هذا لفعل الكبائر كبير ٌة جدا من خّلل القنوات ومواقع اإلنرتنت؛ َ‬ ‫فإن‬ ‫شباب المسلمين وشا َباتهم يتخ َطفون يف كل يو ٍم من خّلل هذه المواقع‬ ‫عرفوا بالكبائر‪ ،‬وأن يقفوا على خطورتها‪،‬‬ ‫والقنوات‪ ،‬فما َ‬ ‫أمس داجتهم إلى أن ي َ‬ ‫ليكونوا منها على دذ ٍر‪ ،‬وذلك َ‬ ‫أن العلم َ‬ ‫رعي دص ٌن للمسلم بإذن اهلل ـ تبارك‬ ‫الش َ‬

‫كثير من النَاس بسبب الفراغ والجهل وق َلة العلم والبصيرة‬ ‫وتعالى ـ‪ ،‬وإ َنما يؤتى ٌ‬ ‫بدين اهلل ـ تبارك وتعالى ـ‪.‬‬ ‫قال‬

‫‪« :‬الحذر والتحذير‪ ،»...‬أي‪ :‬يف نفسك ولغيرك «من الشرك وأنواع‬ ‫‪ ،‬وقد جاء ذكر‬

‫ثم عدَ دها‬ ‫المعاصي‪ ،‬ومنها‪ :‬السبع الموبقات المهلكات» َ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫والسّلم ـ أنَه‬ ‫الصحيحين» عن نبينا ـ عليه َ‬ ‫السبع يف دديث وادد يف « َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫هذه َ‬ ‫اجتنبوا الس ْبع الموبقات»‪ ،‬قالوا‪ :‬يا رسول اهلل وما ه َن؟ قال‪« :‬الش ْرك باهلل‪،‬‬ ‫قال‪ْ « :‬‬ ‫والس ْحر‪ ،‬وقتْل الن ْفس التي حرم اهلل إل بالحق‪ ،‬وأكْل الربا‪ ،‬وأكْل مال اليتيم‪،‬‬ ‫والتولي ي ْوم الز ْحف‪ ،‬وق ْذف الم ْحصنات الم ْؤمنات الغافالت»(‪ ،)1‬ومعنى‬ ‫جانب ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫بعيد عن الوقوع فيها‪ ،‬كما قال خليل‬ ‫اجتنبوا‪ :‬أي ابتعدوا عنها‪ ،‬وكونوا يف‬ ‫والسّلم ـ يف دعائه‪﴿ :‬ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ﴾‬ ‫الردمن ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫َ‬ ‫[‪ ]35 :j‬أي‪ :‬اجعلني يف جان ٍ‬ ‫ب بعيد عن األصنام وعبادتها‪.‬‬ ‫ولهذا؛ الواجب على المسلم أن يكون بعيدا عن الكبائر‪ ،‬وبعيدا عن‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)2766‬ومسلم (‪ )89‬عن أبي هريرة‬

‫ـ ‪ 213‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫األسباب الموصلة إليها وال َطرائق المفضية إليها؛ َ‬ ‫ألن اهلل‬

‫لما هنى عن‬ ‫َ‬

‫الكبائر هنى عن قربانها وأمر باجتنابها‪ ،‬قال‪﴿ :‬ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ﴾‬ ‫[`‪ ،]31 :‬وقال ﴿ﮊ ﮋ ﮌ﴾ [‪.]32 :m‬‬ ‫سمى الكبائر‪« :‬موبقات»؛ أل َنها مهلك ٌة لفاعلها يف دنياه وأخراه؛ أ َما يف‬ ‫وت َ‬ ‫الدُّ نيا‪ :‬فبالعقوبات والعواقب الوخيمة ا َلتي يجنيها مرتكبو الكبائر‪ ،‬وأ َما يف‬ ‫اآلخرة‪ :‬فبالعقوبات َ‬ ‫الشديدة ا َلتي أعدَ ها اهلل لهم يوم القيامة‪.‬‬ ‫لما ذكرها ذكر يف‬ ‫قال‪« :‬الس ْبع الموبقات» هذا فيه اهتما ٌم باألمر؛ أل َنه َ‬ ‫بع‪ ،‬فلو عدد َتها فيما بعد ستا تقول لنفسك بقي وادد ٌة‪ ،‬ولو لم يذكر‬ ‫َأولها أ َنها س ٌ‬ ‫يف َأولها أ َنها سب ٌع ر َبما فاتك بعضها ولم تتن َبه؛ وهذا من فائدة ذكر العدد يف أ َول‬ ‫الحديث؛ بل يف ٍ‬ ‫كثير من األداديث؛ أل َنه يعين على ضبط العلم وإتقانه‪.‬‬ ‫ثم إنَه ليس هذا دصرا للكبائر يف هذا العدد؛ أل َنه جاءت أداديث أخرى‬ ‫َ‬

‫ٍ‬ ‫أعمال أخرى أ َنها من الكبائر؛ مثل دديث النَبي‬ ‫فيها ال َتنصيص على‬

‫أنَه قال‪:‬‬

‫«أل أنبئك ْم بأكْبر الكبائر؟» قالوا‪ :‬بلى يا رسول اهلل‪ ،‬قال‪« :‬اإل ْشراك باهلل‪ ،‬وعقوق‬ ‫(‪)1‬‬ ‫الزور ليسا من هذه‬ ‫الوالد ْين‪ ،‬وشهادة الزور» ‪ ،‬وعقوق الوالدين وشهادة ُّ‬

‫السبع المذكورة يف هذا الحديث‪ ،‬وهما من الكبائر بنص دديث رسول اهلل‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫بكثير‪ ،‬بل كما جاء عن ابن ع َب ٍ‬ ‫اس‬ ‫السبع‬ ‫فالكبائر أكثر من َ‬ ‫السبعين أقرب»(‪ ،)2‬وأيضا ليس هذا دصرا لها هبذا العدد‪.‬‬ ‫إلى َ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)2654‬ومسلم (‪ )87‬عن أبي بكرة‬

‫‪.‬‬

‫عبدالرزَ اق (‪ ،)19702‬والبيهقي يف «شعب اإليمان» (‪.)290‬‬ ‫(‪ )2‬أخرجه‬ ‫َ‬

‫ـ ‪ 214‬ـ‬

‫؛‬

‫أنَه قال‪« :‬هي‬


‫أهم ما ينبغي أن يعنى به يف هذا الباب معرفة ضابط الكبيرة ا َلذي به تم َيز‬ ‫و ُّ‬ ‫درمان من دخول الجنَة‪ ،‬أو و ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫الصغيرة‪ ،‬وهو ُّ‬ ‫عيد‬ ‫كل عم ٍل صدر بلع ٍن‪ ،‬أو‬ ‫عن َ‬ ‫الرب وعقابه‪ ،‬أو بلعن فاعله‪ ،‬أو نفي اإليمان عنه‪،‬‬ ‫بدخول النَار‪ ،‬أو بذكر سخط َ‬ ‫أو قول‪ :‬ليس منَا؛ فهذه ك ُّلها من العّلمات على َ‬ ‫أن األمر كبير ٌة‪ ،‬إضافة إلى‬ ‫ال َتنصيص على العمل أنَه من الكبائر‪.‬‬ ‫الصّلة‬ ‫وأخطر الكبائر وأشدُّ ها ضررا‪ :‬الشرك باهلل‪ ،‬ولهذا قدَ مه ـ عليه َ‬ ‫والسّلم ـ؛ فإنَه يف باب األوامر يقدَ م أعظمها وهو التَوديد‪ ،‬ويف باب النَواهي‬ ‫َ‬ ‫يقدَ م أخطرها وهو الشرك؛ كقول اهلل تعالى‪﴿ :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ‬

‫ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴾ [‪ ]68 :u‬فقدَ م الشرك‪،‬‬ ‫وقوله تعالى يف سورة اإلسراء‪﴿ :‬ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ‬

‫ثم ذكر بعده جملة من النَواهي‪ ،‬لكنَه قدَ م النَهي عن الشرك‪ ،‬فالشرك هو‬ ‫ﮕ﴾ َ‬ ‫أعظم الموبقات‪ ،‬وهو َ‬ ‫الذنب ا َلذي ال يغفر‪ ،‬وهو أظلم ال ُّظلم وأشنع‬ ‫المعاصي‪ ،‬كما قال اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ‪﴿ :‬ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ‬ ‫ﮬ ﮭ ﮮ﴾ [`‪ ،]48 :‬ويف وصيَة لقمان‪﴿ :‬ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﭲ‬

‫ﭳ ﭴ﴾ [}‪.]13 :‬‬ ‫ٍ‬ ‫شيء من دقوقه ـ سبحانه وتعالى ـ؛ من‬ ‫والشرك‪ :‬هو تسوية غير اهلل باهلل يف‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫دعاء أو ذبح أو ٍ‬ ‫استغاثة أو غير ذلك من أنواع العبادة‪ ،‬قال اهلل تعالى‪:‬‬ ‫نذر أو‬ ‫﴿ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ‬ ‫ـ ‪ 215‬ـ‬


‫ﯥ﴾ [\‪ ،]b‬ولهذا يقول المشركون يوم القيامة إذا دخلوا النَار‪﴿ :‬ﮝ‬

‫سوى غير اهلل‬ ‫ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ﴾ [\‪]v‬؛ فمن َ‬ ‫ٍ‬ ‫شيء من دقوق اهلل كان من المشركين‪ ،‬وكان من أعظم ال َظالمين‪ ،‬وكان‬ ‫باهلل يف‬ ‫مرتكبا ألكرب الكبائر وأعظم ال ُّظلم وأشد الموبقات‪.‬‬ ‫قال‬

‫كفر‬ ‫‪« :‬والسحر»؛ والسحر من الكبائر‪ ،‬بل هو من أكبرها؛ أل َنه ٌ‬

‫والسادر ال يكون سادرا َإال بالكفر والشرك باهلل‪ ،‬وطاعة َ‬ ‫الشياطين‪ ،‬ونبذ‬ ‫باهلل‪َ ،‬‬ ‫كتاب اهلل رب العالمين‪﴿ ،‬ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ‬

‫ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ﴾‬ ‫كفر باهلل ـ سبحانه وتعالى ـ ﴿ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ‬ ‫[\^]‪ ،‬وهو ٌ‬

‫ولما ب َرأ اهلل نب َيه سليمان‬ ‫ﭠ ﭡ﴾ [\^]‪َ ،‬‬

‫من السحر َبرأه بقوله‪:‬‬

‫﴿ﭙ ﭚ ﭛ﴾؛ َ‬ ‫كفر باهلل ـ سبحانه وتعالى ـ‪.‬‬ ‫ألن السحر ٌ‬ ‫والسحر‪ :‬عبار ٌة عن عزائم ورقى وعق ٍد تؤثر يف المسحور يف قلبه وبدنه‬ ‫وماله؛ فمن السحر ما يقتل‪ ،‬ومنه ما يمرض‪ ،‬ومنه ما يفرق بين المرء وزوجه‪،‬‬ ‫والسحر منه ما له دقيق ٌة‪ ،‬ومنه ما هو مجرد خ ٍ‬ ‫يال ﴿ﭝ ﭞ ﭟﭠ ﭡ ﭢ ﭣ‬ ‫َ‬ ‫تأثير يف‬ ‫ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ﴾ [‪]66 :p‬؛ فالنَوع ا َلذي له دقيق ٌة له‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫الزوجين أو غير ذلك‪ ،‬كما قال اهلل‬ ‫مرض أو‬ ‫موت أو‬ ‫المسحور من‬ ‫تفريق بين َ‬ ‫تعالى‪﴿ :‬ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ﴾ [^‪،]102 :‬‬ ‫عوذ من‬ ‫السوادر‪ ،‬وال َت ُّ‬ ‫وقال‪﴿ :‬ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ﴾ [‪ ]4 :ð‬أي‪َ :‬‬ ‫ـ ‪ 216‬ـ‬


‫شره َن ٌ‬ ‫دليل على َ‬ ‫ضر ٌة على المسحور‬ ‫تأثير وله م َ‬ ‫والسحرة له ٌ‬ ‫السوادر َ‬ ‫أن أعمال َ‬ ‫من مر ٍ‬ ‫ض أو غير ذلك‪.‬‬ ‫والسحر من أعظم ُّ‬ ‫الشرور وأخطرها‪ ،‬وإذا فشا يف مجتم ٍع من المجتمعات‬ ‫السحرة يف البلدة إذا َ‬ ‫قل فيها نور ال َتوديد‬ ‫أهلكه‬ ‫وأضر به أشدَ َ‬ ‫الضرر‪ ،‬ويكثر َ‬ ‫َ‬ ‫وضياؤه‪َ ،‬‬ ‫وقل بيان ال َتوديد وإيضاده؛ فإذا جهل النَاس ال َتوديد والعقيدة‬ ‫السحرة من البلد وتكاثروا فيه‪ ،‬وإذا علت رايات ال َتوديد‬ ‫َ‬ ‫الصحيحة تم َكن َ‬ ‫وظهرت مناراته وقويت الدَ عوة إليه؛ َ‬ ‫فإن السحر ينحسر بل يتّلشى بإذن اهلل‬ ‫ـ تبارك وتعالى ـ؛ ولهذا فما أدوج النَاس إلى ال َتوديد؛ بيانا وإيضادا‪ ،‬وتقريرا‬ ‫واستدالال‪ ،‬وتحذيرا من ضده ونقيضه وهو الشرك باهلل ـ سبحانه وتعالى ـ‪.‬‬ ‫قال‬

‫‪« :‬وقتل النفس التي حرم اهلل إل بالحق» قال اهلل تعالى‪﴿ :‬ﭑ ﭒ‬

‫ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ﴾ [‪،]68 :u‬‬ ‫وقال ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ﴾ [`‪:‬‬ ‫‪ ،]93‬وهذا ٌ‬ ‫أن قتل النَفس المعصومة كبير ٌة من كبائر ُّ‬ ‫دليل على َ‬ ‫الذنوب وعظيم ٌة‬ ‫من عظائم اآلثام‪.‬‬ ‫السنَة أداديث كثير ٌة جدا يف ال َتحذير من هذه الكبيرة وبيان‬ ‫وقد جاء يف ُّ‬ ‫خطورتها‪َ ،‬‬ ‫وأن المرء ال يزال يف فسح ٍة من دينه ما لم يصب دما دراما؛ أل َنه إذا‬ ‫أصاب دما دراما بأن قتل شخصا عمدا أصبح هذا المقتول خصما له يوم‬ ‫القيامة‪ ،‬هناك دق ألولياء المقتول‪ ،‬قد يعفون عنه بمقابل‪ ،‬أو بدون مقاب ٍل‪ ،‬وقد‬ ‫ال يعفون‪ ،‬لكن هناك دق للمقتول‪ ،‬والمقتول ذهب ولم يبق يف الدُّ نيا وليس ث َم‬ ‫ـ ‪ 217‬ـ‬


‫َإال القصاص يوم القيامة‪ ،‬ولهذا ال يزال المرء يف فسح ٍة من دينه ما لم يصب دما‬ ‫دراما‪ ،‬فلو سرق ماال وأراد أن يتوب فيستطيع أن يعيد المال إلى أهله‪ ،‬د َتى لو‬ ‫أي ذن ٍ‬ ‫ب من ُّ‬ ‫الذنوب يستطيع صادبه بإذن‬ ‫مات صادب المال يعيده للورثة‪ ،‬و ُّ‬ ‫اهلل أنَه يتخ َلص من متع َلقاته‪َ ،‬إال القتل فصادب الحق أزهقت روده على يد هذا‬ ‫القاتل‪ ،‬ولم يبق َإال القصاص يوم القيامة‪ ،‬وهذا يد ُّل على خطورة القتل‪َ ،‬‬ ‫وأن‬ ‫القتل أعظم ُّ‬ ‫الذنوب بعد الشرك والكفر باهلل ـ سبحانه وتعالى ـ‪ ،‬سواء قتل المرء‬ ‫سمى باالنتحار ﴿ﭹ ﭺ ﭻ﴾ [`‪ ،]29 :‬أو قتله لغيره‬ ‫نفسه وهو ما ي َ‬ ‫الذنبان أعظم ُّ‬ ‫عمدا بغير دق؛ فهذان َ‬ ‫الذنوب وأكبر الموبقات بعد الكفر‬ ‫والشرك باهلل ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪.‬‬ ‫قال‬

‫‪« :‬وأكل مال اليتيم»؛ قال اهلل تعالى ﴿ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ‬

‫ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ﴾ [`‪]10 :‬؛ وهذا فيه َ‬ ‫أن أكل مال اليتيم‬ ‫من الكبائر الموجبة لدخول النَار يوم القيامة‪ ،‬وال َتنصيص هنا على األكل؛ أل َنه‬ ‫ٍ‬ ‫أعظم وجوه االنتفاع بالمال‪َ ،‬‬ ‫إتّلف لمال اليتيم ـ سواء باألكل أو أن‬ ‫أي‬ ‫وإال ُّ‬ ‫يشرتي به ثيابا أو يشرتي به بيتا أو يشرتي به مركوبا أو أي استعمال آخر ـ؛ فإ َنه‬ ‫يشمله هذا الوعيد‪.‬‬ ‫ضعف‪ ،‬وال يدري عن المال وعن قدره‪ ،‬فول ُّي اليتيم مؤتم ٌن‬ ‫واليتيم فيه‬ ‫ٌ‬

‫رب العالمين ـ َ‬ ‫جل‬ ‫على هذا المال‪ ،‬وقد يأكل منه ويأخذ‪ ،‬وال أدد يعلم به َإال ُّ‬ ‫يف عّله ـ‪ ،‬فجاءت النُّصوص هبذا الوعيد وال َتحذير‪ ،‬دفظا ألموال اليتامى د َتى‬ ‫ال يضيعها من ولي أمرهم‪.‬‬ ‫ـ ‪ 218‬ـ‬


‫قال‬

‫الذنوب وكبائرها‪ ،‬وهو ٌ‬ ‫‪« :‬وأ ْكل الربا» الربا من عظائم ُّ‬ ‫أكل ألموال‬

‫النَاس بالباطل‪ ،‬قال اهلل تعالى‪﴿ :‬ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ﴾ [^‪،]276 :‬‬ ‫وقال عن آكل الربا‪﴿ :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ‬

‫والسخط‪ ،‬كما جاء‬ ‫ﭛ ﭜ ﭝ﴾ [^‪ ،]275 :‬وهو من موجبات ال َلعنة َ‬ ‫يف الحديث‪« :‬لعن رسول اهلل‬

‫آكل الربا‪ ،‬ومؤكله‪ ،‬وكاتبه‪ ،‬وشاهديه»(‪.)1‬‬

‫وال يسلم النَاس من هذه العقوبة بتغيير اسم الربا إلى أرباحٍ ‪ ،‬أو فوائد‪ ،‬أو‬ ‫غير ذلك من األسماء‪ ،‬فالعربة بالحقائق وإن غيرت األسماء؛ َ‬ ‫فإن المعصية ال‬ ‫تتغ َير دقيقتها إذا غير اسمها‪ ،‬فإذا سمي الربا «فوائد» أو سميت الرشوة‬ ‫عر ٌض لعقوبة اهلل ـ‬ ‫«إكرام َية» أو نحو ذلك فالحقيقة باقي ٌة‪ ،‬ومتعاطي ذلك م َ‬ ‫سبحانه وتعالى ـ‪.‬‬ ‫ويجب على المسلم أن يكون محترزا يف هذا الباب‪ ،‬محتاطا د َتى ال يشتبه‬ ‫عليه يف هذا الباب عليه أن ي َتقيه استرباء لدينه وعرضه‪ ،‬وال يخاطر بنفسه‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬فمن اتقى الشبهات ْاست ْبرأ‬ ‫ويعرضها للهّلك‪ ،‬كما قال ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫لدينه وع ْرضه‪ ،‬وم ْن وقع في الشبهات وقع في الحرام»(‪.)2‬‬ ‫قال‬

‫‪« :‬والتولي يوم الزحف» أي‪ :‬مّلقاة العدو‪ ،‬واهلل يقول‪﴿ :‬ﯥ‬

‫ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ﴾ [‪ ،]16 :d‬إذا كان‬ ‫جهة إلى ٍ‬ ‫لقتال ـ أي ينحرف من ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫جهة أخرى‪ ،‬أو ينحاز‬ ‫حرف‬ ‫ال َتولي من أجل ال َت ُّ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪ )1598‬عن جابر بن عبد اهلل‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )2‬أخرجه البخاري (‪ ،)52‬ومسلم (‪ )1599‬عن النُّعمان بن بشير‬

‫ـ ‪ 219‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫إلى ٍ‬ ‫الزدف فهذا من‬ ‫جهة يعاونهم ويساعدهم ـ فّل بأس‪ ،‬أ َما إذا تو َلى فرارا من َ‬ ‫الكبائر العظيمة؛ َ‬ ‫الزدف أخطر من عدم دضور المعركة؛ أل َن‬ ‫ألن ال َتولي يوم َ‬ ‫قوة الجيش وصموده أمام العدو‪ ،‬فإذا وجد المقاتلون َ‬ ‫أن بعض‬ ‫هذا يضعف من َ‬ ‫األفراد َفر َ‬ ‫فت ذلك من عضدهم وأضعف من ق َوتهم وه َمتهم؛‬ ‫ووالهم الدُّ بر َ‬ ‫السبع الموبقات‪.‬‬ ‫ولهذا عدَ يف َ‬ ‫فال ‪« :‬وقذف المحصنات الغافالت المؤمنات» يراد بالمحصنات‪:‬‬ ‫ات أو أبكارا‪ ،‬سواء كن متزو ٍ‬ ‫العفيفات الربيئات الحرائر‪ ،‬سواء كن ثيب ٍ‬ ‫جات أو‬ ‫ٌ َ‬ ‫َ‬ ‫غير متزوج ٍ‬ ‫ات؛ َ‬ ‫ألن المحصنة يف َ‬ ‫الشرع تطلق تارة ويراد هبا العفيفة‪ ،‬وتطلق تارة‬ ‫بالزواج‪ ،‬وهنا يراد هبا العفيفة‪.‬‬ ‫ويراد هبا المتزوجة ا َلتي أدصنت َ‬ ‫ات‬ ‫عما رمين به؛ رمين بالفادشة وه َن‬ ‫غافّلت بريئ ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ويراد بالغافّلت‪ :‬أي‪َ :‬‬ ‫ات عن هذه األعمال‪.‬‬ ‫بعيد ٌ‬ ‫ويراد بالمؤمنات‪ :‬أي‪ :‬باهلل‪ ،‬والعامّلت بطاعته ـ َ‬ ‫جل يف عّله ـ؛ فرميه َن‬ ‫بالفادشة هذا من الموبقات العظيمة المهلكة‪.‬‬ ‫قال‬

‫أدق‬ ‫‪« :‬ومنها» أي‪ :‬الكبائر «عقوق الوالد ْين»؛ والوالدان هما ُّ‬

‫الصحبة وجميل اإلدسان والوفاء‪ ،‬كما قال اهلل تعالى‪﴿ :‬ﭞ‬ ‫النَاس بحسن ُّ‬

‫ﭟ ﭠ ﭡ﴾ [‪ ،]8 :y‬وقال ـ َ‬ ‫جل وعّل ـ‪﴿ :‬ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ‬ ‫ﮜ ﮝ ﮞ﴾ [‪ ،]23 :m‬فاهلل‬

‫و َصى بالوالدين إدسانا‪ ،‬ودفظا‬

‫والصنيع العظيم ا َلذي قدَ ماه لولدهما‪ ،‬واإلدسان إلى الوالدين من‬ ‫للجميل‬ ‫َ‬ ‫أعظم ال َطاعات‪.‬‬ ‫ـ ‪ 220‬ـ‬


‫والعقوق من أعظم ُّ‬ ‫والسنَة‪ ،‬ويف‬ ‫الذنوب‪ ،‬وقد جاء قرين الشرك يف القرآن ُّ‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬أل أنبئك ْم بأكْبر الكبائر؟» قالوا‪ :‬بلى يا‬ ‫الحديث قال ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫رسول اهلل‪ ،‬قال‪« :‬اإل ْشراك باهلل‪ ،‬وعقوق الوالد ْين»(‪ ،)1‬فقرن عقوق الوالدين‬ ‫مما يد ُّل على خطورة العقوق‪.‬‬ ‫باإلشراك باهلل؛ َ‬ ‫وعقوق الوالدين مأخو ٌذ من العق وهو القطع؛ َ‬ ‫ألن اهلل‬

‫أمر باإلدسان‬

‫والوفاء واإلكرام والقيام بالواجب نحوهما‪ ،‬فمن لم يقم هبذا الواجب وأساء‬ ‫إليهما بالقول ﴿ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ﴾ [‪ ،]23 :m‬أو بالفعل ﴿ﮫ ﮬ﴾ [‪:m‬‬ ‫‪]23‬؛ كان بذلك عاقا لهما‪ ،‬وهو أيضا من لؤم اإلنسان؛ َ‬ ‫ألن الوالدين أعظم من‬ ‫قدَ م له معروفا‪ ،‬فكيف يقابل هذا المعروف وهذا اإلدسان باإلساءة إليهما؟!‬ ‫فالعقوق ال يقع َإال من أشد النَاس لؤما‪ ،‬والعياذ باهلل‪.‬‬ ‫قال‬

‫‪« :‬وقطيعة الرحم» واهلل ـ سبحانه وتعالى ـ أمر بصلة ا َلردم‪ ،‬قال‪:‬‬

‫﴿ﭫ ﭬ ﭭﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ﴾ [‪ ،]21 :i‬وقال ‪﴿ :‬ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ‬ ‫ﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍ ﮎ‬

‫ﮏ﴾ [\¬]‪.‬‬ ‫والقطيعة من ُّ‬ ‫َ‬ ‫والشريعة جاءت‬ ‫الذنوب العظيمة والموبقات المهلكة‪،‬‬ ‫بصلة األردام‪ ،‬والوفاء مع القرابة‪ ،‬والعمل على اإلدسان إليهم‪ ،‬وبل هذه‬ ‫ال َرابطة ببّللها؛ صلة وسّلما واهاديا ومح َبة وصفاء‪ ،‬وبعدا عن اإلساءة‪.‬‬ ‫(‪ )1‬سبق تخريجه‪.‬‬

‫ـ ‪ 221‬ـ‬


‫قال‬

‫والز ور هو الكذب والب هتان‪ ،‬وقد جاءت‬ ‫‪« :‬وشهادة الزور»‪ُّ ،‬‬

‫والسنَة؛ أ َم ا القرآن ففي قوله‪:‬‬ ‫الز ور قرينة للش رك يف القرآن‬ ‫شهادة ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫﴿ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ﴾ [‪ ،]30 :r‬وأ َما‬ ‫السنَة‪ :‬ففي الحديث المتقدم قال‪« :‬أل أنبئك ْم ب أكْبر الكبائر؟» قالوا‪ :‬بلى يا‬ ‫ُّ‬ ‫رسول اهلل‪ ،‬قال‪« :‬اإل ْشراك باهلل‪ ،‬وعقوق الوالد ْين‪ ،‬وجلس وكان متكئًا فقال‪:‬‬ ‫أل وق ْول الز ور»‪ ،‬فما زال يكررها‪ ،‬دتَى قلنا ليته سكت؛ شفقة على النَبي ـ‬ ‫صلوات اهلل وسّلمه وبركات ه عليه ـ‪.‬‬ ‫الز ور جريم ٌة كربى؛ ألنَها ت ضيَع هبا الحقوق ‪ ،‬وتؤكل هبا‬ ‫وشهادة ُّ‬ ‫الزور ظ ال ٌم من‬ ‫أموال النَاس بالباطل‪ ،‬وربَما تزه ق هبا‬ ‫أرواح بريئ ٌة‪ ،‬وشاهد ُّ‬ ‫ٌ‬

‫ٍ‬ ‫جهات كثيرةٍ‪:‬‬

‫ظالم من جهة الكذب؛ َ‬ ‫الزور قائم على الكذب والبهتان‪.‬‬ ‫ألن ُّ‬ ‫‪ٌ ‬‬ ‫وظالم يف دق من شهد عليه؛ أل َنه هبذه َ‬ ‫الشهادة ض َيع عليه دقا‪.‬‬ ‫‪‬‬ ‫ٌ‬ ‫وظالم لمن شهد له؛ أل َنه هبذه َ‬ ‫الشهادة أعطاه دقا ليس له‪.‬‬ ‫‪‬‬ ‫ٌ‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬إن‬ ‫‪‬‬ ‫وظالم أيضا فيما يتع َلق باألموال‪ ،‬وقد قال ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫ٌ‬ ‫دماءك ْم وأ ْموالك ْم وأ ْعراضك ْم عل ْيك ْم حرام»(‪.)1‬‬ ‫ٍ‬ ‫جهات عديدةٍ ‪ ،‬وهي جريم ٌة كربى‪،‬‬ ‫الز ور فيها ظل ٌم من‬ ‫فشهادة ُّ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)1739‬ومسلم (‪ )1679‬عن أبي بكرة‬

‫ـ ‪ 222‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫السيئ ة والعواق ب الوخيمة ما ال ي علم عقباه َإال اهلل‬ ‫ويتر َت ب عليها من اآلثار َ‬ ‫ـ سبحانه وتعالى ـ‪.‬‬ ‫قال‬

‫‪« :‬واأل ْيمان الكاذبة » أي‪ :‬ا َلتي تقتطع هبا األموال بغير دق‪ ،‬أو‬

‫والسّلم ـ‪« :‬ثالثة ل‬ ‫الصّلة‬ ‫تن َف ق فيها األموال بغير دق‪ ،‬وقد قال ـ عليه َ‬ ‫َ‬ ‫يكلمهم اهلل ي ْوم القي امة‪ ،‬ول ينْظر إل ْيه ْم‪ ،‬ول ي زك يه ْم‪ ،‬وله ْم عذ اب أليم»‬ ‫وذكر منهم‪« :‬المنف ق س ْل عته بالحلف الك اذب»(‪ ،)1‬فّل يجوز للمسلم أن‬ ‫يجعل اهلل يمين ه يف تنفيق بضائعه وسلعه ﴿ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ﴾‬ ‫[^‪ ،]224 :‬وال يجوز أن يكون متج رئا يف هذا الباب‪ ،‬فك َل ما أراد أن ينفق‬ ‫سلعة أو بضاعة أو غير ذلك دلف‪ ،‬وإذا كان يف أيمانه كاذبا فهذه اليمين‬ ‫الكاذبة خطير ٌة جدا على صادبها‪ ،‬وهي من كبائر ُّ‬ ‫الذنوب وموجبات س خط‬ ‫اهلل وعقابه ـ تبارك وتعالى ـ‪.‬‬ ‫نفى‬

‫بي‬ ‫قال ‪« :‬وإيذاء الجار» أي‪ :‬هذا أيضا من الموبقات‪ ،‬والنَ ُّ‬ ‫والسّلم ـ‪« :‬واهلل ل‬ ‫عمن يؤذي جاره‪ ،‬قال ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫اإليمان ـ أي‪ :‬الواجب ـ َ‬

‫ي ْؤمن‪ ،‬واهلل ل ي ْؤمن‪ ،‬واهلل ل ي ْؤمن» قيل‪ :‬ومن يا رسول اهلل؟ قال‪« :‬الذي ل ي ْأمن‬ ‫(‪)2‬‬ ‫وشره‪.‬‬ ‫جاره بوايقه» ‪ ،‬أي‪ :‬أذاه َ‬

‫قال‬

‫‪« :‬وظلم الناس يف الدماء واألموال واألعراض» وقد قال ـ عليه‬

‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪ )106‬عن أبي ذر‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )2‬سبق تخريجه‪.‬‬

‫ـ ‪ 223‬ـ‬


‫دجة الوداع‪« :‬إن دماءك ْم وأ ْموالك ْم وأ ْعراضك ْم‬ ‫والسّلم ـ يف خطبته يف َ‬ ‫َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫عل ْيك ْم حرام؛ كح ْرمة ي ْومك ْم هذا‪ ،‬في بلدك ْم هذا‪ ،‬في ش ْهرك ْم هذا»‪ ،‬وقال يف‬ ‫الحديث اآلخر‪« :‬كل الم ْسلم على الم ْسلم حرام؛ دمه‪ ،‬وماله‪ ،‬وع ْرضه»(‪.)1‬‬ ‫وقد كتب رج ٌل إلى ابن عمر‬

‫«أن اكتب لي بالعلم كله»‪ ،‬كيف يكون‬

‫السؤال؟ لو َ‬ ‫أن أددا من العلماء جاءته رسال ٌة من أدد‬ ‫الجواب على هذا ُّ‬ ‫السائلين أو المستنصحين وقال له‪ :‬اكتب لي بالعلم كله‪ ،‬كيف يجيب عليه؟‬ ‫َ‬ ‫الصحابة‬ ‫فكتب إليه ابن عمر ـ وانظر جمال نصح َ‬

‫وكمال فقههم ـ قال‪:‬‬

‫«إ َن العلم كثي ٌر‪ ،‬ولكن إن استطعت أن تلقى اهلل خفيف ال َظهر من دماء النَاس‪،‬‬ ‫اف اللسان عن أعراضهم‪ ،‬الزما ألمر جماعتهم‪،‬‬ ‫خميص البطن من أموالهم‪ ،‬ك َ‬ ‫فافعل»(‪ ،)2‬فأشار‬

‫إلى َ‬ ‫للسّلمة من الوقوع يف هذه ال َثّلثة‬ ‫أن من وفق َ‬

‫ـ الدماء واألعراض واألموال ـ فقد أوتي خيرا كثيرا وفقها عظيما‪.‬‬ ‫قال‬

‫‪« :‬وش ْرب المسكر»‪ ،‬خمرا أو غيره من المخدرات والمفترات‪،‬‬

‫وغير ذلك من المذهبات للعقول‪.‬‬ ‫الشرور؛ َ‬ ‫والخمر أ ُّم الخبائث ومجمع ُّ‬ ‫ألن من يتعاطى الخمر ويشربها‬ ‫ٍ‬ ‫وجنايات متنوعة بسبب أ َنها تذهب العقل‪ ،‬وذاهب‬ ‫تجلب له شرورا عظيمة‬ ‫العقل يتصرف تصر ٍ‬ ‫فات كثيرة وهو ال يعي وال يعقل بسبب هذا ا َلذي تعاطاه‬ ‫ُّ‬ ‫َ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪ )2564‬عن أبي هريرة‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )2‬أخرجه الخطيب يف «تاريخ دمشق» (‪ ،)216/16‬وابن عساكر يف «تاريخ دمشق» (‪.)170/31‬‬

‫ـ ‪ 224‬ـ‬


‫وشربه‪ ،‬وهي من كبائر ُّ‬ ‫الذنوب وعظائم اآلثام‪.‬‬ ‫قال‬

‫‪« :‬ولعب القمار‪ ،‬وهو الم ْيسر»؛ والقمار مبني على المخاطرة‬

‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫أناس قامروا‬ ‫أموال وتؤكل أمو ٌال بغير دق؛ فكم من‬ ‫باألموال‪ ،‬ويف القمار تضيع‬ ‫ٍ‬ ‫واددة‪ ،‬وكم من أن ٍ‬ ‫دصلوا بالقمار‬ ‫بأموالهم فذهب مالهم ك ُّله يف لحظ ٍة‬ ‫اس َ‬ ‫دصل أمواال بالقمار فأكله لها ٌ‬ ‫أكل بغير دق‪.‬‬ ‫أمواال طائلة لكن بغير دق‪ ،‬فمن َ‬ ‫ومن ض َيع أمواله بالقمار فهو مس ٌ‬ ‫درمه اهلل ـ‬ ‫ؤول عن هذا ال َتضييع ا َلذي َ‬ ‫سبحانه وتعالى ـ عليه‪ ،‬وهو من أكل األموال بالباطل‪ ،‬وقد جاءت َ‬ ‫الشريعة‬ ‫بتحريمه وال َتحذير منه‪ ،‬وبيان أنَه من عمل َ‬ ‫الشيطان‪﴿ ،‬ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ‬ ‫ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ﴾ [‪.]90 :a‬‬ ‫قال‬

‫والسّلم ـ يف الحديث‬ ‫َبي ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫‪« :‬والغيبة» والغيبة َ‬ ‫عرفها الن ُّ‬

‫بقوله‪« :‬ذكْرك أخاك بما يكْره» ‪ ،‬وقد قال اهلل ـ تبارك وتعالى ـ يف القرآن‪﴿ :‬ﭟ‬ ‫(‪)1‬‬

‫ﭠ ﭡ ﭢﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ﴾ [¯‪]12 :‬؛‬ ‫فش َبه غيبة َ‬ ‫الشخص بأكل لحمه ميتا‪ ،‬تبيانا لشناعة الغيبة وعظم خطورتها‪ ،‬وأ َنها‬ ‫من األذى للمؤمنين‪﴿ ،‬ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ‬

‫ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ﴾ [{‪.]58 :‬‬ ‫فيجب على المسلم أن يحذر من أذى إخوانه المسلمين بأي نو ٍع من‬ ‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪ )2589‬عن أبي هريرة‬

‫‪.‬‬

‫ـ ‪ 225‬ـ‬


‫األذى‪ ،‬بالغيبة أو غيرها‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫بسند صحيحٍ عن‬ ‫وقد جاء يف كتاب «األدب المفرد»(‪ )1‬لإلمام البخاري‬ ‫عائشة‬

‫أنَه قيل للنَبي‬

‫‪ :‬يا رسول اهلل! َ‬ ‫إن فّلنة تقوم ال َليل‪ ،‬وتصوم‬

‫وتصدَ ق‪ ،‬وتؤذي جيرانها بلسانها؟ فقال رسول اهلل‬ ‫النَهار‪ ،‬وتفعل‪َ ،‬‬

‫‪« :‬ل خ ْير‬

‫فيها‪ ،‬هي م ْن أ ْهل النار»‪ ،‬وقيل له‪ :‬وفّلن ٌة تصلي المكتوبة‪ ،‬وت َصدَ ق بأثو ٍار‪ ،‬وال‬ ‫تؤذي أددا؟ فقال رسول اهلل‬

‫‪« :‬هي م ْن أ ْهل الجنة»‪ ،‬فإيذاء النَاس باللسان ـ‬

‫غيبة ونميمة وسخرية واستهزاء ـ هذا من الموبقات والمهلكات العظيمة‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫شخص إلى‬ ‫قال‪« :‬والنميمة»؛ وهي «القالة ب ْين الناس»(‪ ،)2‬بنقل الكّلم من‬ ‫آخر على وجه اإلفساد بينهما‪ ،‬والنَ َمام من المفسدين يف األرض‪ ،‬بل قال بعض‬

‫ٍ‬ ‫ساعة ما ال‬ ‫ـ‪« :‬يفسد النَ َمام يف‬

‫السلف ـ وهو يحيى بن أبي كثير اليمامي‬ ‫َ‬

‫السادر يف شهر»(‪ ،)3‬وهي من أخطر ما يكون يف المجتمعات إيقاعا‬ ‫يفسده َ‬ ‫للفساد‪ ،‬ونشرا للعداوات‪ ،‬وإيجادا للبغضة بين المتحابين‪ ،‬ولذا جاءت َ‬ ‫الشريعة‬ ‫َبي‬ ‫بتحريمها‪ ،‬بل قال الن ُّ‬

‫‪« :‬ل يدْ خل الجنة قتات»(‪ ،)4‬والق َتات‪ :‬هو النَ َمام‪.‬‬

‫وصححه‬ ‫(‪ )1‬برقم (‪ ،)119‬وأخرجه الحاكم (‪ ،)7304‬وابن د َبان يف «صحيحه» (‪)5764‬؛‬ ‫َ‬ ‫األلباين يف «ال َصحيحة» (‪ .)190‬وقوله‪« :‬وتصدق بأثوار»‪ :‬األثوار‪ :‬جمع ثور‪ ،‬وهي قطعة من‬ ‫لبن جامدٌ مستحجر‪ .‬انظر‪« :‬النهاية يف غريب الحديث واألثر» (‪.)228 /1‬‬ ‫األقط‪ ،‬وهو ٌ‬ ‫(‪ )2‬أخرجه مسلم (‪ )2606‬عن عبد اهلل بن مسعود‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )3‬أخرجه أبو نعيم يف «الحلية» (‪ ،)70/3‬والبيهقي يف «شعب اإليمان» (‪.)10602‬‬ ‫(‪ )4‬أخرجه البخاري (‪ ،)6056‬ومسلم (‪ )105‬عن دذيفة بن اليمان‬

‫ـ ‪ 226‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫قال‬

‫‪« :‬وغير ذلك مما نهى اهلل عنه أو رسوله‬

‫» وهذا فيه ال َتنبيه إلى‬

‫َ‬ ‫ليس على وجه الحصر‪ ،‬وإ َنما هو إشار ٌة مختصر ٌة تنبيها على‬ ‫أن ما ذكره‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫جملة من الكبائر‪َ ،‬‬ ‫معرفة هبا‬ ‫وأن الواجب على المسلم أن يكون على‬ ‫وبخطوراها‪ ،‬ليحذر هو يف نفسه منها‪ ،‬وليحذر منها اآلخرين؛ من أه ٍل وول ٍد‬ ‫وجير ٍ‬ ‫ان وأصدقاء وغيرهم‪.‬‬

‫‪‬‬

‫ـ ‪ 227‬ـ‬


‫ُ‬

‫ﱠ‬ ‫ﱠ‬ ‫ﺍﻟﺪﺭﺱ ﺍﻟﺜﺎﻣﻦ ﻋﺸﺮ‬

‫ﱢ‬

‫ﱠ‬

‫ُ‬

‫ﺖ ﻭﺍﻟﺼﻼﺓ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺩﻓﻨﻪ‬ ‫ﲡﻬﻴﺰ ﺍﳌﻴ ِ‬

‫‪ ‬ﻗﺎل ‪::‬‬

‫واﻟﺼﻼة ﻋﻠﻴﻪ ودﻓﻨﻪ‪.‬‬ ‫»اﻟﺪﱠ رس اﻟ ﱠﺜﺎﻣﻦ ﻋﺸﺮ‪ :‬ﺗﺠﻬﻴﺰ اﻟﻤ ﱢﻴﺖ ﱠ‬ ‫وإﻟﻴﻚ ﺗﻔﺼﻴﻞ ذﻟﻚ‪.‬‬

‫ﺸﺮ ُع ﺗﻠﻘﻴﻦ اﻟﻤﺤ َﺘﻀﺮ »ﻻ إﻟﻪ ﱠإﻻ اﷲُ« ﻟﻘﻮل اﻟﻨﱠﺒﻲ ح‪َ » :‬ﻟ ﱢﻘﻨُﻮا َﻣ ْﻮ َﺗﺎ ُﻛ ْﻢ‬ ‫ﱠأوﻻ‪ُ :‬ﻳ َ‬ ‫َﻻ إِ َﻟ َﻪ إ ِ ﱠﻻ اﷲُ« رواه ﻣﺴﻠﻢ ﰲ »ﺻﺤﻴﺤﻪ«‪ ،‬واﻟﻤﺮاد ﺑﺎﻟﻤﻮﺗﻰ ﰲ ﻫﺬا اﻟﺤﺪﻳﺚ‪:‬‬

‫أﻣﺎرات اﻟﻤﻮت‪.‬‬ ‫اﻟﻤﺤ َﺘ َﻀ ُﺮون‪ ،‬وﻫﻢ َﻣ ْﻦ َﻇ َﻬ َﺮ ْت ﻋﻠﻴﻬﻢ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ﺖ ﻋﻴﻨﺎه ُ ِ‬ ‫ﺛﺎﻧﻴﺎ‪ :‬إذا ُﺗﻴ ﱢﻘﻦ ﻣﻮ ُﺗﻪ ُأ ِ‬ ‫اﻟﺴﻨﱠﺔ ﺑﺬﻟﻚ‪.‬‬ ‫ﻏﻤ َﻀ ْ‬ ‫ُ َ‬ ‫وﺷﺪﱠ ﻟ ْﺤ َﻴﺎه؛ ﻟﻮرود ﱡ‬ ‫ً‬ ‫ِ‬ ‫ﻳﺠﺐ ُ‬ ‫اﻟﻤﻌﺮﻛﺔ ﻓﺈ ﱠﻧﻪ‬ ‫اﻟﻤﺴﻠﻢ‪ ،‬ﱠإﻻ أن‬ ‫ﺛﺎﻟ ًﺜﺎ‪:‬‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ﻳﻜﻮن ﺷﻬﻴﺪً ا ﻣﺎت ﰲ َ‬ ‫ﻏﺴﻞ اﻟﻤ ﱢﻴﺖ ُ‬ ‫ﱠﺒﻲ ح ﻟﻢ ُﻳ َﻐ ﱢﺴ ْﻞ َﻗ ْﺘ َﻠﻰ ُأ ُﺣ ٍﺪ‬ ‫ﻐﺴ ُﻞ وﻻ ُﻳﺼ ﱠﻠﻰ ﻋﻠﻴﻪ‪ ،‬ﺑﻞ ُﻳﺪ َﻓﻦ ﰲ ﺛﻴﺎﺑﻪ؛ ﱠ‬ ‫ﻻ ُﻳ ﱠ‬ ‫ﻷن اﻟﻨ ﱠ‬ ‫وﻟﻢ ُﻳ َﺼ ﱢﻞ ﻋﻠﻴﻬﻢ«‪.‬‬ ‫‪:n‬‬ ‫ﺧﺼﺼﻪ ‪ :‬ﰲ‬ ‫اﻟﺮﺳﺎﻟﺔ اﻟﻨﱠﺎﻓﻌﺔ‪ ،‬وﻗﺪ ﱠ‬ ‫‪ ‬ﻫﺬا ﻫﻮ اﻟﺪﱠ ُ‬ ‫رس اﻷﺧﻴﺮ ﻣﻦ ﻫﺬه ﱢ‬ ‫اﻷﺣﻜﺎم اﻟﻤﺘﻌ ﱢﻠ َﻘ ِﺔ ﺑﺎﻟﻤﻴ ِ‬ ‫ﺷﻚ ﱠ‬ ‫ﺗﺠﻬﻴﺰا وﺻﻼ ًة ﻋﻠﻴﻪ ودﻓﻨًﺎ ﻟﻪ؛ وﻻ ﱠ‬ ‫أن ﻫﺬه ﻣﺴﺎﺋﻞ‬ ‫ﺖ‬ ‫ً‬ ‫ﱢ‬ ‫ُ َ‬

‫‪ ‬‬


‫أمر واقع لكل‬ ‫دير بالمسلم أن يتع َلمها وأن يعيها وأن يعرفها‪ ،‬والموت ٌ‬ ‫هم ٌة‪ ،‬ج ٌ‬ ‫م َ‬ ‫ٍ‬ ‫إنسان‪﴿ ،‬ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ﴾ [_‪ ،]185 :‬والميت له أدكا ٌم جاءت‬ ‫َ‬ ‫الشريعة ببياهنا‪ ،‬فيها عناي ٌة بالميت تجهيزا وتغسيّل وتكفينا وصّلة ودعاء ودفنا؛‬ ‫ٍ‬ ‫عظيم على أهله وذويه‪،‬‬ ‫وهي أدكا ٌم عظيم ٌة‪ ،‬تتج َلى فيها ما للميت من دق‬ ‫وعلى عموم النَاس دعاء وصّلة‪.‬‬ ‫وإذا جهلت هذه األدكام ربَما عومل الميت معاملة خاطئة م خالفة‬ ‫لشرع اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ‪ ،‬سواء من ديث التَغسيل والتَكفين‪ ،‬أو من ديث‬ ‫الصّلة والدَ فن‪ ،‬أو من ديث الدُّ عاء ا َلذي يدعى به للمي ت؛ فإ َن من ي جهل ما‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫مخالفة َ‬ ‫للشرع‬ ‫أمور‬ ‫جاءت به شريعة اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ ر َبما وقع يف‬ ‫وأمور ال أصل لها‪.‬‬ ‫مرة ـ وكنَا نجهل هذا األمر ـ جئنا بالجنازة‪،‬‬ ‫ددَ ثني أدد األشخاص قال‪َ :‬‬ ‫وص َلينا عليها ركعتين بركوع وسجود‪ ،‬فمن ال يعرف األدكام يقع منه مثل هذا‬ ‫وتضر‬ ‫ور َبما أشدُّ من ذلك‪ ،‬وكم يمارس عند الدَ فن من بد ٍع ال تنفع الميت‬ ‫ُّ‬ ‫األدياء بسبب الجهل بالدين‪.‬‬ ‫ولهذا ينبغي على المسلم أن يعتني هبذه المسائل‪ ،‬وأن يضبطها د َتى يكون‬ ‫ال َتعامل منه مع الميت وفق شرع اهلل‬

‫‪ ،‬ووفق ما جاء عن رسول اهلل ـ صلوات‬

‫اهلل وسّلمه وبركاته عليه ـ‪.‬‬ ‫قوله‬

‫‪« :‬أو ًل‪ :‬يشرع تلقين المحتْر «ل إله إل اهلل» لقول النبي‬

‫‪:‬‬

‫«لقنوا م ْوتاك ْم ل إله إل اهلل» رواه مسلم يف «صحيحه»‪ ،‬والمراد بالموتى يف هذا‬ ‫ـ ‪ 229‬ـ‬


‫صح عن‬ ‫الحديث‪ :‬المحتْرون‪ ،‬وهم من ظهرت عليهم أمارات الموت»؛ أل َنه َ‬ ‫والسّلم ـ أنَه قال‪« :‬م ْن كان آخر كالمه ل إله إل اهلل دخل‬ ‫نبينا ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫الجنة»‪ ،‬فيشرع أن يل َقن الميت هذه الكلمة العظيمة‪ ،‬لتكون آخر كّلمه من‬ ‫‪« :‬لقنوا م ْوتاك ْم ل إله إل اهلل»(‪ ،)1‬ويراد بالموتى‪ :‬من‬

‫َبي‬ ‫الدُّ نيا‪ ،‬ولذا قال الن ُّ‬ ‫قارب الوفاة‪ ،‬ودنا منها‪ ،‬وظهرت عليه أمارات الموت وعّلماته‪ ،‬وليس من مات‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫لطيف‪ ،‬د َتى‬ ‫وأسلوب‬ ‫السنَة أن يسارع بتلقينه‪« :‬ال إله َإال اهلل»‪ ،‬برف ٍق‬ ‫فعّل‪ ،‬فمن ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫الضجر‪ ،‬والس َيما أنَه يف شدَ ٍة وكر ٍ‬ ‫ب‪ ،‬وإذا قالها ال‬ ‫ال يتس َبب يف إيقاع‬ ‫شيء من َ‬ ‫ٌ‬ ‫دديث آخر؛ فإ َنه من بعد ذلك يل َقن‪ ،‬لكن‬ ‫ثم إن جرى منه‬ ‫يكرر عليه بل يرتك‪َ ،‬‬ ‫يرت َفق به غاية ال َتر ُّفق‪.‬‬ ‫قال‬

‫‪« :‬ثان ًيا‪ :‬إذا تيقن موته أغمْت عيناه وشد ل ْحياه؛ لورود السنة‬

‫بذلك» أي‪ :‬تح َقق من عنده أنَه مات فعّل بظهور عّلمات الموت عليه أو ـ مثّل ـ‬ ‫ٍ‬ ‫دينئذ أن تغمض عيناه؛ أل َنه إذا نزعت‬ ‫بتقرير ال َطبيب أو نحو ذلك؛ فإ َنه يشرع‬ ‫ٍ‬ ‫عندئذ أن تغمض عيناه‪ ،‬ففي‬ ‫السنَة‬ ‫الروح تبعها البصر فيشخص بصره‪ ،‬فمن ُّ‬ ‫منه ُّ‬ ‫«صحيح مسلم»(‪ )2‬عن أم سلمة‬

‫قالت‪« :‬دخل رسول اهلل‬

‫عل ى أ ب ي‬

‫سلمة وقد ش َق بصره‪ ،‬فأغمضه»‪.‬‬ ‫وأن يشدَ لحياه‪ ،‬واللحيان‪ :‬هما العظمان ال َلذان هما منبت األسنان‬ ‫فيشدَ ان بق ٍ‬ ‫ماش؛ ألنَه إذا لم يربطهما فر َبما ينفتح الفم‪ ،‬فإذا شدَ هما وبرد الميت‬ ‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪ )916‬عن أبي سعيد الخدري‬

‫‪.‬‬

‫(‪ )2‬برقم (‪.)920‬‬

‫ـ ‪ 230‬ـ‬


‫بقي مشدودا‪ ،‬ومن الحكمة يف ذلك‪ :‬أن ال يدخل الماء إلى فيه وقت غسله أو‬ ‫ٌ‬ ‫داخل يف األصول العا َمة‪.‬‬ ‫الهوا ُّم بعد دفنه‪ ،‬وهو وإن لم يرد به نص مع َي ٌن َإال أنَه‬ ‫قال‬

‫‪« :‬ثال ًثا‪ :‬يجب غسل الميت المسلم»‪ ،‬أي‪َ :‬‬ ‫أن غسله من الواجبات‪،‬‬

‫وهو من دقوق الميت ا َلتي يجب أن تفعل‪ ،‬وتأيت صفة هذا الغسل‪.‬‬ ‫«إل أن يكون شهيدً ا مات يف المعركة»‪َ ،‬‬ ‫ألن هناك شهداء جاء يف َ‬ ‫الشرع‬ ‫إطّلق َ‬ ‫الشهادة عليهم‪ ،‬لكنَهم يف غير المعركة‪ ،‬مثل‪« :‬المبطون شهيد‪ ،‬والغريق‬ ‫شهيد»؛ فهؤالء شهداء يف ثواب اآلخرة‪ ،‬لكن يف أدكام الدُّ نيا يعاملون معاملة‬ ‫غسلون‪ ،‬ويك َفنون‪ ،‬ويص َلى عليهم‪.‬‬ ‫غيرهم؛ في َ‬ ‫وأ َما شهيد المعركة؛ «فإنه ل يغسل ول يصلى عليه‪ ،‬بل يدفن يف ثيابه؛ ألن‬ ‫النبي‬

‫لم يغس ْل ق ْتلى أحد ولم يصل عليهم»‪ ،‬كما يف دديث جابر‬

‫قال‪:‬‬

‫على ُّ‬ ‫الشهداء ا َلذين قتلوا يومئ ٍذ‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫«لما كان يوم أد ٍ‬ ‫َبي‬ ‫ن‬ ‫ال‬ ‫ف‬ ‫ر‬ ‫ش‬ ‫أ‬ ‫د‬ ‫َ‬ ‫ُّ‬ ‫«زملوه ْم بدمائه ْم»(‪ ،)1‬والحكمة من تركهم بدمائهم من غير تغسيل تعلم من‬ ‫قوله‬

‫يف الحديث اآلخر‪« :‬ما م ْن م ْجروح جرح في اهلل‪ ،‬إل بعثه اهلل ي ْوم القيامة‬

‫وج ْرحه يدْ مى‪ ،‬الل ْون ل ْون الدم والريح ريح الم ْسك»(‪ ،)2‬إبقاء ألثر هذه ال َطاعة‬ ‫العظيمة‪ ،‬طاعة الجهاد يف سبيل اهلل إعّلء لكلمته‬

‫‪.‬‬

‫‪‬‬

‫وصححه األلباين يف «اإلرواء» (‪.)714‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أدمد (‪)23660‬؛‬ ‫َ‬ ‫(‪ )2‬أخرجه البخاري (‪ ،)2803‬ومسلم (‪ )1876‬عن أبي هريرة‬

‫ـ ‪ 231‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫‪ ‬قال‬

‫‪:‬‬

‫«راب ًعا‪ :‬صفة غسل الميت‪:‬‬ ‫عصرا رفي ًقا‪ ،‬ثم يلف الغاسل‬ ‫قليال ويعصر بطنه‬ ‫أ ْن تستر عورته‪ ،‬ثم يرفع ً‬ ‫ً‬ ‫على يده خرق ًة أو نحوها فينجيه بها‪ ،‬ثم يوضئه وضوء الصالة‪ ،‬ثم يغسل رأسه‬ ‫ولحيته بماء وسدْ ر أو نحوه‪ ،‬ثم يغسل شقه األيمن ثم األيسر‪ ،‬ثم يغسله كذلك‬ ‫مر ًة ثاني ًة وثالث ًة‪ ،‬يمر يف كل مرة يده على بطنه‪ ،‬فإن خرج منه شيء غسله‪ ،‬وسد‬ ‫المحل بقطن أو نحوه‪ ،‬فإن لم ي ْست ْمس ْ‬ ‫ك فبطين حر‪ ،‬أو بوسائل الطب الحديثة‬ ‫كاللزق ونحوه‪.‬‬ ‫ويعيد وضوءه‪ ،‬وإن لم ينق بثالث زيد إلى خمس أو إلى سبع‪ ،‬ثم ينشفه‬ ‫بثوب‪ ،‬ويجعل الطيب يف مغابنه ومواضع سجوده‪ ،‬وإن طيبه كله كان حس ًنا‪،‬‬ ‫ويجمر أكفانه بالبخور‪ ،‬وإن كان شاربه أو أظفاره طويل ًة أخذ منها‪ ،‬وإن ترك‬ ‫ذلك فال حرج‪ ،‬ول يسرح شعره‪ ،‬ول يحلق عانته‪ ،‬ول يختنه؛ لعدم الدليل على‬ ‫ذلك‪ ،‬والمرأة يظفر شعرها ثالث قرون ويسدل من ورائها»‪.‬‬ ‫‪:n‬‬ ‫‪ ‬ذكر‬

‫السنَة عن رسول‬ ‫هنا «صفة غسل الميت»؛ يف ضوء ما وردت به ُّ‬

‫اهلل ـ صلوات اهلل وسّلمه عليه ـ‪.‬‬ ‫فذكر َ‬ ‫جرد من مّلبسه ا َلتي‬ ‫أن َأول ما يبدأ به‪« :‬أن تستر عورته» عندما ي َ‬ ‫كانت عليه تستر عورته بأن توضع قطع ٌة من القماش تكون ساترا لعورة الميت‪،‬‬ ‫ـ ‪ 232‬ـ‬


‫ٍ‬ ‫السنن» ألبي‬ ‫حر ٌم سواء كانت عورة دي أو ميت‪ ،‬وقد جاء يف « ُّ‬ ‫فالنَظر للعورة م َ‬ ‫َ‬ ‫‪« :‬ول تنْظرن إلى فخذ ح ٍّي ول‬ ‫قال لعلي‬ ‫َبي‬ ‫داود وغيره أن الن َ‬ ‫ميت»(‪ ،)1‬وإذا كان ال ينظر لفخذ الحي وال فخذ الميت فكيف بالعورة المغ َلظة‬ ‫جرد‬ ‫الركبة‪ ،‬وي َ‬ ‫الس َرة إلى ُّ‬ ‫القبل والدُّ بر؟! ولهذا يجب أن يبدأ بستر العورة‪ ،‬من ُّ‬ ‫الساتر لعورته‪.‬‬ ‫من المّلبس وعليه هذا الغطاء َ‬ ‫قال‬

‫والرأس‪« ،‬ويعصر بطنه‬ ‫‪« :‬ثم يرفع ً‬ ‫قليال»‪ ،‬يعني‪ :‬من جهة ال َظهر َ‬

‫عصرا رفي ًقا» بأن يضع الغاسل ساعده على أعلى البطن‪ ،‬ويضغط ضغطا يسيرا‬ ‫ً‬ ‫ثمة شي ٌء متهي ٌئ‬ ‫على البطن إلى أسفل البطن‪ ،‬وقد أنهضه قليّل من أجل إذا كان َ‬ ‫للخروج يخرج‪ ،‬ويكون ذلك ٍ‬ ‫برفق؛ َ‬ ‫ألن الميت له درم ٌة مثل الحي‪ ،‬ال يقال‪:‬‬ ‫بقو ٍة وشدَ ٍة‪ ،‬بل يرفع برف ٍق ويعصر برف ٍق ادرتاما للميت‪ ،‬مثلما‬ ‫هذا مي ٌت‪ ،‬ويعامل َ‬ ‫أنَه محتر ٌم وهو دي‪.‬‬ ‫الزمان‬ ‫تيسر يف هذا َ‬ ‫«ثم يلف الغاسل على يده خرق ًة أو نحوها»‪ ،‬وقد َ‬ ‫ازات لليدين من القماش ونحوه‪ ،‬سميك ٌة يمكن أن تستعمل يف هذا الغرض‪،‬‬ ‫ق َف ٌ‬ ‫«فينجيه بها»؛ ينجيه من االستنجاء يعني ينظفه‪ ،‬والغرض من هذا القماش ا َلذي‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أبو داود (‪ ،)3140‬وض َعفه األلباين يف «اإلرواء» (‪ ،)698‬وقال‪« :‬وهي وإن كانت‬ ‫هم‪ ،‬بل عللها‬ ‫أسانيدها كلها ال تخلو من ضعف ‪...‬؛ فإن بعضها يقوي بعضا؛ أل َنه ليس فيها م َت ٌ‬ ‫لصحة‬ ‫يطمئن القلب‬ ‫مما‬ ‫تدور بين االضطراب والجهالة‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُّ‬ ‫والضعف المحتمل‪ ،‬فمثلها َ‬ ‫صحح بعضها الحاكم ووافقه َ‬ ‫ودسن بعضها‬ ‫الذهب ُّي‪،‬‬ ‫الحديث المروي هبا‪ ،‬ال سيما وقد َ‬ ‫َ‬ ‫الترمذ ُّي وع َلقها البخاري يف «صحيحه»»‪.‬‬

‫ـ ‪ 233‬ـ‬


‫ف به اليد د َتى ال يباشر بيده لمس عورة الميت‪ ،‬فالعورة ال ينظر إليها‪ ،‬وال‬ ‫تل ُّ‬ ‫تم ُّس باليد مسا مباشرا‪.‬‬ ‫َ‬ ‫َبي‬ ‫«ثم يوضئه وضوء الصالة» جاء يف دديث أم عط َية أن الن َ‬ ‫(‪)1‬‬ ‫وضأ وضوءه‬ ‫فأول ما يبدأ به ي َ‬ ‫«ا ْبد ْأن بميامنها ومواضع الوضوء منْها» ‪َ ،‬‬

‫قال‪:‬‬

‫للصّلة‪ ،‬قال العلماء‪ :‬عدا المضمضة واالستنشاق؛ أل َنه إذا وضع الماء يف فمه‬ ‫َ‬ ‫أو أنفه دخل إلى جوفه‪.‬‬ ‫«ثم يغسل رأسه ولحيته بماء وسدر ونحو ذلك» وقد جاء يف‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َبي‬ ‫الصحيحين» يف َ‬ ‫« َ‬ ‫قصة المحرم الذي وقصته ناقته فمات‪ ،‬أن الن َ‬ ‫«اغْسلوه بماء وسدْ ر»(‪.)2‬‬ ‫قال‬

‫قال‪:‬‬

‫‪« :‬ثم يغسل شقه األيمن ثم األ ْيسر»؛ وقد تقدَ م دديث‪« :‬ا ْبد ْأن‬

‫بميامنها»‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وسابعة فعل‪،‬‬ ‫خامسة‬ ‫«ثم يغسله كذلك مر ًة ثاني ًة وثالث ًة»‪ ،‬وإن ادتاج إلى‬ ‫ٍ‬ ‫زيادة فيزيد‪ ،‬لكن ينتهي بوت ٍر؛ سبعا‪ ،‬تسعا‪ ،‬وهكذا‪ ،‬للحديث‪:‬‬ ‫وإن ادتاج إلى‬ ‫«اغْس ْلنها ثال ًثا‪ ،‬أ ْو خ ْم ًسا‪ ،‬أ ْو أكْثر م ْن ذلك إ ْن رأ ْيتن ذلك»(‪.)3‬‬ ‫«يمر يف كل مرة يده على بطنه‪ ،‬فإذا خرج منه شيء غسله» على النَحو‬ ‫ا َلذي تقدَ م قريبا‪.‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)167‬ومسلم (‪ )939‬عن أم عطية‬ ‫(‪ )2‬أخرجه البخاري (‪ ،)1265‬ومسلم (‪ )1206‬عن ابن عباس‬ ‫(‪ )3‬أخرجه البخاري (‪ ،)1253‬ومسلم (‪ )939‬عن أم عطية‬

‫ـ ‪ 234‬ـ‬

‫‪.‬‬ ‫‪.‬‬ ‫‪ ،‬وقد سبق قريبا‪.‬‬


‫«وسد المحل بقطن أو نحوه»‪ ،‬والغرض من هذا القطن ا َلذي يوضع يف‬ ‫الدُّ بر د َتى ال يخرج شي ٌء بعد ذلك‪.‬‬ ‫«فإ ْن ل ْم ي ْست ْمس ْ‬ ‫ك» يعني مع وجود القطن «فبطين ح ٍّر» أي خالص‪ ،‬وهو‬ ‫ا َلذي ليس معه أشياء ممتزج ٌة به من ٍ‬ ‫الحر يكون متماسكا‬ ‫تراب أو نحوه‪ ،‬والطين ُّ‬ ‫غاية ال َتماسك‪.‬‬ ‫أمور ما كانت‬ ‫تيسرت ٌ‬ ‫«أو بوسائل الطب الحديثة؛ كاللزق ونحوه»‪ ،‬ديث َ‬ ‫األول‪ ،‬فّل بأس من وضع أنوا ٍع من ال َلزق تكون جيدة يف منع‬ ‫متيسرة يف َ‬ ‫الزمن َ‬ ‫هذا الخارج‪ ،‬فتقوم مقام القطن أو الطين الحر‪.‬‬ ‫«ويعيد وضوءه‪ ،‬وإن لم ينق بثالث زيد إلى خمس أو إلى سبع» أي‪:‬‬ ‫بحسب الحاجة‪.‬‬ ‫«ثم ينشفه بثوب‪ ،‬ويجعل الطيب يف مغابنه»‪ ،‬المغابن مثل اإلبط ونحوه‪،‬‬ ‫خاصة ا َلتي يكثر فيها العرق وا َلرائحة‪ ،‬فيضع الطيب يف مغابنه‪« ،‬ومواضع‬ ‫َ‬ ‫السجود‬ ‫سجوده»‪ ،‬مثل‪ :‬الجبهة واألنف والك َفين؛ وهذا فيه شرف مواضع ُّ‬ ‫وعظيم مكانتها‪.‬‬ ‫«وإن طيبه كله كان حسنًا»‪ ،‬إذا كان يف الطيب وفر ٌة‪ ،‬وأراد أن يطيب‬ ‫الصحابة‪ ،‬مثل‪ :‬أنس‬ ‫البدن ك َله كان دسنا‪ ،‬فإ َن مثل ذلك جاء فعله مع بعض َ‬ ‫وابن عمر‬

‫‪.‬‬

‫«ويجمر أكفانه» أي ما يك َفن به «بالبخور» أي بدخان البخور ورائحته‬ ‫والسنَة أن يكون ذلك وترا‪ ،‬فقد جاء يف الحديث عن‬ ‫ال َطيبة لتطيب رائحة الكفن‪ُّ ،‬‬ ‫ـ ‪ 235‬ـ‬


‫والسّلم ـ‪« :‬إذا جم ْرتم الميت فأ ْوتروا»(‪.)1‬‬ ‫نبينا ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫«وإن كان شاربه أو أظفاره طويل ًة أخذ منها‪ ،‬وإن ترك ذلك فال حرج»؛ َ‬ ‫ألن‬ ‫األصل أن يحافظ على كامل جسده‪.‬‬ ‫«ول يسرح شعره ول يحلق عانته ول يختنه؛ لعدم الدليل على ذلك»‬ ‫ٍ‬ ‫شيء من بدنه‪.‬‬ ‫وخشية تساقطه فيتس َبب يف زوال‬ ‫«والمرأة ي ْظفر شعرها ثالثة قرون ويسدل من ورائها» وهذا جاء يف دديث‬ ‫‪« :‬ومشطناها ثّلثة قر ٍ‬ ‫ون»(‪ ،)2‬وتسدل هذه القرون من‬ ‫أم عط َية‪ ،‬قالت‬ ‫ورائها‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬قال‬

‫‪:‬‬

‫خامسا‪ :‬تكفين الميت؛ األفْل أن يكفن الرجل يف ثالثة أثواب بيض‬ ‫« ً‬ ‫ليس فيها قميص ول عمامة‪ ،‬كما فعل بالنبي‬

‫إدراجا‪ ،‬وإن كفن يف‬ ‫‪ ،‬يدرج فيها‬ ‫ً‬

‫قميص وإزار ولفافة فال بأس‪.‬‬ ‫والمرأة تكفن يف خمسة أثواب‪ :‬يف د ْرع‪ ،‬وخمار‪ ،‬وإزار‪ ،‬ولفافت ْين‪.‬‬ ‫والواجب يف حق الجميع ثوب واحد يستر جميع الميت‪ ،‬لكن إذا كان‬ ‫الميت محر ًما؛ فإنه يغسل بماء وسدر‪ ،‬ويكفن يف إزاره وردائه أو يف غيرهما‪ ،‬ول‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أبو يعلى يف «مسنده» (‪ ،)2300‬وابن دبان يف «صحيحه» (‪ ،)3031‬والحاكم‬ ‫(‪ )1310‬عن جابر بن عبد اهلل‬

‫وصححه األلباين يف «صحيح الجامع» (‪.)481‬‬ ‫؛‬ ‫َ‬

‫(‪ )2‬سبق تخريجه‪.‬‬

‫ـ ‪ 236‬ـ‬


‫يغطى رأسه ول وجهه ول يطيب؛ ألنه يبعث يوم القيامة ملب ًيا كما صح بذلك‬ ‫الحديث عن رسول اهلل‬

‫ت كغيرها ولكن ل‬ ‫‪ ،‬وإن كان المحرم امرأ ًة كفن ْ‬

‫تطيب ول يغطى وجهها بنقاب ول يداها بقفاز ْين‪ ،‬ولكن يغطى وجهها ويداها‬ ‫ت فيه‪ ،‬كما تقدم بيان صفة تكفين الم ْرأة‪ ،‬ويكفن الصبي يف‬ ‫بالكفن الذي كفن ْ‬ ‫ثوب واحد إلى ثالثة أثواب‪ ،‬وتكفن الصغيرة يف قميص ولفافت ْين‪.‬‬ ‫‪:n‬‬ ‫‪ ‬قال‬

‫‪« :‬خام ًسا‪ :‬تكفين الميت» وهذه المردلة ا َلتي تلي ال َتغسيل‪،‬‬

‫غسل على الوصف ا َلذي تقدَ م يك َفن‪.‬‬ ‫فبعد أن ي َ‬ ‫قال‬

‫‪« :‬األفْل أن يكفن الرجل يف ثالثة أثواب بيض ليس فيها قميص‬ ‫ٍ‬ ‫بأثواب قط ٌع من القماش طويل ٌة‪ ،‬تكفي‬ ‫» والمراد‬

‫ول عمامة‪ ،‬كما فعل بالنبي‬ ‫ٍ‬ ‫ُّ‬ ‫ف هبا الميت‪ ،‬وقد جاء يف دديث أم المؤمنين عائشة‬ ‫كل‬ ‫واددة منها أن يل َ‬ ‫يض سحولي ٍة‪ ،‬من كرس ٍ‬ ‫اب ب ٍ‬ ‫في ثّلثة أثو ٍ‬ ‫ف»‬ ‫أ َنها قالت‪« :‬كفن رسول اهلل‬ ‫َ‬ ‫يص وال عمام ٌة»(‪.)1‬‬ ‫ـ أي من قطن ـ «ليس فيها قم ٌ‬

‫لف به‬ ‫«يدرج فيها‬ ‫ثم ي ُّ‬ ‫إدراجا»‪ ،‬أي‪ :‬يوضع الميت على ال َثوب َ‬ ‫ً‬ ‫األول‪َ ،‬‬ ‫ثم ال َثاين يكون من تحته‪ ،‬وهكذا‪.‬‬ ‫كامّل‪َ ،‬‬

‫ٍ‬ ‫واددة فقط‬ ‫«وإن كفن يف قميص وإزار ولفافة فال بأس»‪ ،‬وإن كفن يف لفافة‬

‫فّل بأس؛ ألنَه يحصل المقصود وهو سرت الميت‪.‬‬ ‫«والمرأة تكفن يف خمسة أثواب؛ يف د ْرع‪ ،‬وخمار‪ ،‬وإزار‪ ،‬ولفافتين»‪ ،‬وهذا‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)1273‬ومسلم (‪.)941‬‬

‫ـ ‪ 237‬ـ‬


‫الرجل؛ َ‬ ‫ألن فيه مبالغة يف ستر المرأة والعناية بسترها‪ ،‬وهي‬ ‫زائدٌ على تكفين َ‬ ‫السرت لزيادة عورتها على عورته فكذلك تكون‬ ‫الرجل يف َ‬ ‫تزيد يف دياتها على َ‬ ‫ثم الدرع على‬ ‫دالها يف الموت‪ ،‬يبدأ تكفينها باإلزار على العورة وما دولها‪َ ،‬‬ ‫ف باللفافتين على النَحو‬ ‫ثم تل ُّ‬ ‫الرأس وما دوله‪َ ،‬‬ ‫ثم الخمار على َ‬ ‫الجسد‪َ ،‬‬ ‫للرجل‪« ،‬هذا هو األفضل كما ذكره أهل العلم ‪ ،‬وجاء يف ذلك‬ ‫المذكور بالنسبة َ‬ ‫أداديث تد ُّل عليه‪ ،‬وإن كفنت يف َ‬ ‫أقل من ذلك فّل بأس»(‪.)1‬‬ ‫وقد ورد يف ذلك دديث ليلى بنت قانف ال َثقف َية‬ ‫غ َسل أ َم كلثو ٍم بنت رسول اهلل‬

‫قالت‪« :‬كنت فيمن‬

‫عند وفاتها فكان أ َول ما أعطانا رسول اهلل‬

‫ثم أدرجت بعد يف ال َثوب اآلخر»‪ ،‬قالت‪:‬‬ ‫ثم الملحفة َ‬ ‫ثم الخمار َ‬ ‫ثم الدرع َ‬ ‫الحقاء َ‬ ‫«ورسول اهلل‬

‫جال ٌس عند الباب معه كفنها يناولناها ثوبا ثوبا»(‪.)2‬‬

‫قال ابن المنذر‪« :‬أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تك َفن المرأة يف‬ ‫خمسة أثواب»(‪.)3‬‬ ‫ومن أهل العلم من ذهب إلى َ‬ ‫أن عدد أكفان النساء ثّلث لفائف بيض كما‬ ‫جاء يف دق الرجال؛ َ‬ ‫ألن األصل هو التَساوي بين الرجال والنساء يف األدكام؛‬ ‫َ‬ ‫وألن يف إسناد الحديث المروي يف هذا الباب مقاال‪.‬‬ ‫(‪« )1‬مجموع فتاوى الشيخ ابن باز» (‪.)127/13‬‬ ‫(‪ )2‬أخرجه أدمد (‪ ،)27135‬وأبو داود (‪ .)3157‬ويف إسناده نوح بن دكيم وهو مجهول‪ ،‬وله شاهد‬ ‫رواه الجوزقي عن أم عطية‬ ‫قال الحافظ‬

‫ٍ‬ ‫وخمرناها كما يخ َمر الح ُّي»‪،‬‬ ‫قالت‪« :‬فكفناها يف خمسة‬ ‫أثواب‪َ ،‬‬

‫‪« :‬وهذه الزيادة صحيحة اإلسناد»‪« .‬فتح الباري» ( ‪.)159/3‬‬

‫(‪ )3‬نقله ابن قدامة يف «المغني» (‪ ،)350/2‬وانظر‪« :‬األوسط» البن المنذر (‪.)356/5‬‬

‫ـ ‪ 238‬ـ‬


‫«والواجب يف حق الجميع ثوب واحد يستر جميع الميت»‪ ،‬األكمل واألت ُّم‬ ‫ٍ‬ ‫والسّلم ـ‪،‬‬ ‫كما تقدَ م أن يك َفن يف ثّلثة‬ ‫بالرسول ـ عليه َ‬ ‫الصّلة َ‬ ‫أثواب‪ ،‬كما فعل َ‬ ‫فإن لم يتي َسر دصل المقصود ب ٍ‬ ‫ثوب واد ٍد يستر جميع الميت‪.‬‬ ‫«لكن إذا كان الميت محر ًما؛ فإنه يغسل بماء وسدر‪ ،‬ويكفن يف إزاره‬ ‫وردائه أو يف غيرهما‪ ،‬ول يغطى رأسه ول وجهه» لنهي النَبي‬

‫كما يف شأن‬

‫الرجل ا َلذي وقصته ناقته‪ ،‬قال‪« :‬اغْسلوه بماء وسدْ ر وكفنوه في ث ْوب ْين‪ ،‬ول‬ ‫َ‬ ‫َفق عليه‪ ،‬ويف‬ ‫تمسوه طي ًبا‪ ،‬ول تخمروا ر ْأسه؛ فإن اهلل ي ْبعثه ي ْوم القيامة ملب ًيا»(‪ )1‬مت ٌ‬

‫ٍ‬ ‫رواية لمسلم‪« :‬ول و ْجهه»(‪.)2‬‬

‫«ول يطيب»؛ كما تقدَ م يف الحديث‪« :‬ول تمسوه طي ًبا»(‪.)3‬‬ ‫«ألنه يبعث يوم القيامة ملب ًيا كما صح بذلك الحديث عن رسول اهلل‬

‫»‪،‬‬

‫أي‪ :‬يبعث على هيئته ا َلتي مات عليها ومعه عّلم ٌة لحجه‪ ،‬وهي داللة الفضيلة‬ ‫كما تقدَ م يف مجيء َ‬ ‫الشهيد يوم القيامة وأوداجه تشخب دما‪.‬‬ ‫ت كغيرها من النساء كما تقدم لكن ل‬ ‫«وإن كان المحرم امرأ ًة كفن ْ‬ ‫تطيب»؛ َ‬ ‫ألن الطيب من المحظورات‪.‬‬ ‫«ول يغطى وجهها بنقاب ول يداها بقفاز ْين ولكن يغطى وجهها ويداها‬ ‫ت فيه كما تقدم بيان صفة تكفين المرأة» َ‬ ‫ألن المحرمة ال‬ ‫بالكفن الذي كفن ْ‬ ‫(‪ )1‬سبق تخريجه‪.‬‬ ‫(‪ )2‬برقم (‪.)1206‬‬ ‫(‪ )3‬أخرجه البخاري (‪ )1267‬عن ابن عباس‬

‫‪.‬‬

‫ـ ‪ 239‬ـ‬


‫تنتقب وال تلبس الق َفازين‪.‬‬ ‫«ويكفن الصبي يف ثوب واحد إلى ثالثة أثواب‪ ،‬وتكفن الصغيرة يف قميص‬ ‫ولفافت ْين» لعدم ادتياجها إلى الخمار يف ديااها‪ ،‬فكذا بعد مواها‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫‪:‬‬

‫‪ ‬قال‬

‫«ساد ًسا‪ :‬أحق الناس بغسله والصالة عليه ودفنه‪ :‬وصيه يف ذلك‪ ،‬ثم األب‪،‬‬ ‫ثم الجد‪ ،‬ثم األ ْقرب فاأل ْقرب من العصبات يف حق الرجل‪.‬‬ ‫واأل ْولى بغ ْسل المرأة‪ :‬وصيتها‪ ،‬ثم األم‪ ،‬ثم الجدة‪ ،‬ثم األقرب فاألقرب‬ ‫من نسائها‪.‬‬ ‫وللزوج ْين أن يغسل أحدهما اآلخر؛ ألن الصديق‬ ‫غسل ز ْوجته فاطمة‬

‫وألن عل ًّيا‬

‫غسل ْته زوجته‪،‬‬

‫‪.‬‬

‫‪:n‬‬ ‫‪ ‬ذكر‬ ‫قال‬

‫السادسة‪ :‬من ا َلذي يتو َلى تغسيل الميت؟‬ ‫يف هذه المسألة َ‬ ‫‪« :‬أحق الناس بغسله والصالة عليه ودفنه وصيه يف ذلك»؛ ألنَه دق‬

‫للميت فقدم وص ُّيه فيه على غيره‪.‬‬ ‫«ثم األب‪ ،‬ثم الجد ‪ ،‬ثم األقرب فاألقرب من العص بات يف حق‬ ‫ثم‬ ‫ثم اإل خوة وإن نزلوا‪َ ،‬‬ ‫الرجل»‪ ،‬أي‪ :‬بعد األب والجد األبناء وإن نزلوا‪َ ،‬‬ ‫األعمام وإن نزلوا‪.‬‬ ‫«واألولى بغسل المرأة‪ :‬وصيتها‪ ،‬ثم األم‪ ،‬ثم الجدة‪ ،‬ثم األقرب فاألقرب‬ ‫ـ ‪ 240‬ـ‬


‫ثم البنت وإن نزلت‪،‬‬ ‫من نسائها» األولى وص َيتها‪ ،‬فإن لم يكن؛ فاأل ُّم وإن علت‪َ ،‬‬ ‫ثم األقرب فاألقرب من نسائها؛ أختها من ٍ‬ ‫أب أو أم أو َ‬ ‫ثم‬ ‫عمتها‪َ ،‬‬ ‫ثم َ‬ ‫الشقيقة‪َ ،‬‬ ‫َ‬ ‫خالتها‪ ،‬إلى آخره‪.‬‬ ‫«وللزوج ْين لكل واحد منهما أن يغسل اآلخر؛ ألن الصديق‬ ‫زوجته‪ ،‬وألن عل ًّيا‬

‫غسل زوجته فاطمة‬

‫غسل ْته‬

‫فالزوج له أن يغسل زوجته‬ ‫»‪َ ،‬‬

‫والزوجة لها أن تغسل زوجها إذا مات‪.‬‬ ‫إذا ماتت‪َ ،‬‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬قال‬

‫‪:‬‬

‫«ساب ًعا‪ :‬صفة الصالة على الميت؛ يكبر أرب ًعا‪ ،‬ويقرأ بعد األولى الفاتحة‪،‬‬ ‫وإن قرأ معها سور ًة قصير ًة أو آي ًة أو آيت ْين فحسن؛ للحديث الصحيح الوارد يف‬ ‫ذلك عن ابن عباس‬

‫‪ ،‬ثم يكبر الثانية ويصلي على النبي‬

‫كصالته يف‬

‫التشهد‪ ،‬ثم يكبر الثالثة ويقول‪« :‬اللهم اغْ ف ْر لحينا وميتنا‪ ،‬وشاهدنا وغائبنا‪،‬‬ ‫وصغيرنا وكبيرنا‪ ،‬وذكرنا وأ ْنثانا‪ ،‬اللهم م ْن أ ْحي ْيته منا فأ ْحيه على اإل ْسالم‪ ،‬وم ْن‬ ‫وارح ْمه‪ ،‬وعافه وا ْعف ع ْنه‪ ،‬وأ ْكر ْم‬ ‫توف ْيته منا فتوفه على اإليمان‪ ،‬اللهم اغْ ف ْر له ْ‬ ‫نزله‪ ،‬ووس ْع مدْ خله‪ ،‬واغْ س ْله بالماء والث ْلج والبرد‪ ،‬ونقه من الذنوب والخطايا‬ ‫كما ينقى الث ْوب األ ْبيض من الدنس‪ ،‬وأ ْبد ْله د ًارا خ ْي ًرا م ْن داره‪ ،‬وأ ْه ًال خ ْي ًرا م ْن‬ ‫أ ْهله‪ ،‬وأ ْدخ ْله الجنة‪ ،‬وأع ْذه م ْن عذاب الق ْبر‪ ،‬وعذاب النار‪ ،‬وا ْفس ْح له يف ق ْبره‪،‬‬ ‫ونو ْر له فيه‪ ،‬اللهم ل ت ْحر ْمنا أ ْجره ول تْلنا ب ْعده»‪ ،‬ثم يكبر الرابعة ويسلم‬ ‫ـ ‪ 241‬ـ‬


‫تسليم ًة واحد ًة عن يمينه‪ ،‬ويستحب أن يرفع يد ْيه مع كل تكبيرة‪.‬‬ ‫‪:n‬‬ ‫الصّلة على الميت‪.‬‬ ‫السابعة يف صفة َ‬ ‫‪ ‬هذه المسألة َ‬ ‫قال‬

‫‪« :‬يكبر أرب ًعا»‪ ،‬أي‪ :‬أربع تكبيرات‪ ،‬لحديث‪« :‬فخرج به ْم إلى‬

‫المصلى وكبر أ ْربع تكْبيرات»‬

‫(‪)1‬‬

‫ويف الباب أداديث عديد ٌة(‪ ،)2‬وثبت الزيادة‬

‫الردمن بن أبى ليلى قال‪« :‬كان زيدٌ يكبر على جنائزنا‬ ‫على األربع؛ فعن عبد َ‬ ‫أربعا‪ ،‬وإنَه ك َبر على جناز ٍة خمسا فسألته؛ فقال‪ :‬كان رسول اهلل يكبرها»(‪.)3‬‬ ‫«ويقرأ بعد األولى الفاتحة‪ ،‬وإن قرأ معها سور ًة قصير ًة أو آي ًة أو آيت ْين‬ ‫فحسن؛ للحديث الصحيح الوارد يف ذلك عن ابن عباس‬

‫»‪ ،‬فعن طلحة ابن‬

‫ٍ‬ ‫عبد اهلل بن عوف قال‪« :‬ص َليت خلف ابن ع َب ٍ‬ ‫جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب‬ ‫اس على‬ ‫ٍ‬ ‫فلما فرغ أخذت بيده فسألته؛ فقال‪« :‬سنَ ٌة ودق»(‪.)4‬‬ ‫وسورة وجهر دتَى أسمعنا؛ َ‬ ‫«ثم يكب ر الثانية ويصل ي على النبي‬

‫كصالت ه يف التشهد» لكونه لم‬

‫ٍ‬ ‫بصيغة من الصيغ الثَابتة يف التَش ُّهد يف‬ ‫خاصةٌ‪ ،‬فيؤتى فيها‬ ‫ي رد بشأنها صيغ ٌة‬ ‫َ‬ ‫الصّلة المكتوبة‪.‬‬ ‫َ‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)1245‬ومسلم (‪ )951‬عن أبي هريرة‬ ‫(‪ )2‬انظر «أدكام الجنائز» لأللباين‬

‫(ص ‪.)111‬‬

‫(‪ )3‬أخرجه مسلم (‪.)957‬‬ ‫(‪ )4‬أخرجه البخاري (‪ ،)1335‬والنسائي (‪ )1987‬واللفظ له‪.‬‬

‫ـ ‪ 242‬ـ‬

‫‪.‬‬


‫«ثم يكبر الثالثة ويقول‪« :‬اللهم اغْ ف ْر لحينا وميتنا‪ ،‬وشاهدنا وغائبنا‪،‬‬ ‫وصغيرنا وكبيرنا‪ ،‬وذكرنا وأ ْنثانا‪ ،‬اللهم م ْن أ ْحي ْيته منا فأ ْحيه على اإل ْسالم‪ ،‬وم ْن‬ ‫وارح ْمه‪ ،‬وعافه وا ْعف عنْه‪ ،‬وأ ْكر ْم‬ ‫توف ْيته منا فتوفه على اإليمان‪ ،‬اللهم اغْ ف ْر له ْ‬ ‫نزله‪ ،‬ووس ْع مدْ خله‪ ،‬واغْ س ْله بالماء والث ْلج والبرد‪ ،‬ونقه من الذنوب والخطايا‬ ‫كما ينقى الث ْوب األ ْبيض من الدنس‪ ،‬وأ ْبد ْله د ًارا خ ْي ًرا م ْن داره‪ ،‬وأ ْه ًال خ ْي ًرا م ْن‬ ‫أ ْهله‪ ،‬وأ ْدخ ْله الجنة‪ ،‬وأع ْذه م ْن عذاب الق ْبر‪ ،‬وعذاب النار‪ ،‬وا ْفس ْح له يف ق ْبره‪،‬‬ ‫ونو ْر له فيه‪ ،‬اللهم ل ت ْحر ْمنا أ ْجره ول تْلنا ب ْعده»‪.‬‬ ‫هذا الدُّ عاء ا َلذي ساقه‬ ‫فقوله‬

‫جمعه من ثّلثة أداديث وردت يف هذا الباب‪:‬‬

‫‪« :‬اللهم ا ْغف ْر لحينا وميتنا‪ ،‬وشاهدنا وغائبنا‪ ،‬وصغيرنا وكبيرنا‪،‬‬

‫وذكرنا وأ ْنثانا‪ ،‬اللهم م ْن أ ْحي ْيته منا فأ ْحيه على اإل ْسالم‪ ،‬وم ْن توف ْيته منا فتوفه‬ ‫ثم ما جاء يف آخر الدُّ عاء‪« :‬اللهم ل ت ْحر ْمنا أ ْجره ول تْلنا ب ْعده»‬ ‫على اإليمان»‪َ ،‬‬ ‫هذا ورد يف «سنن أبي داود»(‪ )1‬وغيره من دديث أبي هريرة‬ ‫وقوله‬

‫‪.‬‬

‫وارح ْمه‪ ،‬وعافه وا ْعف ع ْنه» إلى قوله‪« :‬وأع ْذه‬ ‫‪« :‬اللهم اغْ ف ْر له ْ‬

‫م ْن عذاب الق ْبر‪ ،‬وعذاب النار» هذا ثابت يف «صحيح مسلم»(‪ ،)2‬من دديث‬ ‫عوف بن مالك‬

‫‪.‬‬

‫وقوله‪« :‬وا ْفس ْح له يف ق ْبره‪ ،‬ونو ْر له فيه» هذا جاء يف الدُّ عاء ا َلذي دعا فيه‬ ‫(‪ )1‬برقم (‪ ،)3201‬وأخرجه وابن ماجه (‪)1498‬؛ وقال األلباين يف «أدكام الجنائز» (ص ‪:)124‬‬ ‫«صحيح على شرط َ‬ ‫الشيخين»‪.‬‬ ‫(‪ )2‬برقم (‪.)963‬‬

‫ـ ‪ 243‬ـ‬


‫َبي‬ ‫الن ُّ‬

‫ألبي سلمة‬

‫(‪.)1‬‬

‫قوله‪« :‬اللهم ا ْغف ْر لحينا وميتنا‪ ،‬وشاهدنا وغائبنا‪ ،‬وصغيرنا وكبيرنا‪،‬‬

‫وذكرنا وأ ْنثانا‪ ،‬اللهم م ْن أ ْحي ْيته منا فأ ْحيه على اإل ْسالم‪ ،‬وم ْن توف ْيته منا فتوفه‬ ‫على اإليمان»‪ ،‬تأ َمل هذا الدُّ عاء ما أعظمه! يكون بين يديه مي ٌت واددٌ فيعمم‬ ‫بالدُّ عاء لهذا الميت ولعموم موتى المسلمين وأديائهم؛ من كان داضرا أو‬ ‫غائبا‪ ،‬من كان صغيرا أو كبيرا‪ ،‬من كان ذكرا أو أنثى‪.‬‬ ‫وذكر اإلسّلم يف الحياة‪ ،‬واإليمان يف الوفاة؛ َ‬ ‫ألن اإلسّلم العمل‪ ،‬فمن‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وصدقة إلى غير ذلك‪ ،‬ومن‬ ‫صّلة وصيا ٍم ودج‬ ‫كان ديا عنده فرص ٌة ليعمل؛ من‬ ‫الصحيح‬ ‫ثمة فرص ٌة للعمل َإال أن يموت على اإليمان َ‬ ‫دضرته الوفاة فما َ‬ ‫الصحيحة‪ ،‬ولهذا قال‪« :‬م ْن أ ْحي ْيته منا فأ ْحيه على اإل ْسالم» أي‪ :‬العمل‬ ‫والعقيدة َ‬ ‫الصحيح‪.‬‬ ‫الصالح‪« ،‬وم ْن توف ْيته منا»‪ ،‬أي‪ :‬االعتقاد َ‬ ‫َ‬ ‫وارح ْمه» المغفرة سرت ُّ‬ ‫الذنوب مع التَجاوز عنها‪،‬‬ ‫قوله‪« :‬اللهم اغْ ف ْر له ْ‬ ‫والردمة أبلغ؛ َ‬ ‫ألن فيها دصول المرغوب بعد زوال المكروه‪.‬‬ ‫َ‬ ‫«وعافه وا ْعف عنْه» أي‪ :‬عافه من العذاب وسلمه منه‪ ،‬واعف عنه ما وقع‬ ‫فيه من زلل وتقصير‪.‬‬ ‫للضيف‪ ،‬أي‪ :‬اجعل نزله وضيافته عندك‬ ‫«وأ ْكر ْم نزله» النُّزل‪ :‬ما يقدَ م َ‬ ‫كريمة‪.‬‬ ‫«ووس ْع مدْ خله» أي‪ :‬وسع له يف قربه وافسح له فيه‪ ،‬ووسع له كذلك‬ ‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪.)920‬‬

‫ـ ‪ 244‬ـ‬


‫منازله عندك يف الجنَة؛ َ‬ ‫ألن المدخل هنا مفر ٌد مضاف فيع ُّم‪.‬‬ ‫«وا ْغس ْله بالماء والث ْلج والبرد» وهذه األمور ال َثّلثة تقابل درارة ُّ‬ ‫الذنوب‬ ‫فتربدها وتطفئ لهيبها‪.‬‬ ‫«ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الث ْوب األ ْبيض من الدنس» أي‪:‬‬ ‫وخص األبيض بالذكر؛‬ ‫تنقية كاملة وتا َمة‪ ،‬كما ين َقى ال َثوب األبيض من الدَ نس‪،‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ألن إزالة األوساخ فيه أظهر من غيره من األلوان‪.‬‬ ‫«وأ ْبد ْله د ًارا خ ْي ًرا م ْن داره» أي‪ :‬أدخله الجنَة دار كرامتك بدال عن دار‬ ‫الدُّ نيا ا َلتي ردل عنها‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫شامل للتَبديل يف‬ ‫«وأ ْه ًال خ ْيرا م ْن أ ْهله» أي‪ :‬وأبدله خيرا منهم‪ ،‬وهذا‬ ‫األعيان واألوصاف‪ ،‬أ َما يف األعيان بأن يعوضه اهلل عنهم خيرا منهم يف دار‬ ‫كرامته‪ ،‬وأ َما يف األوصاف بأن تعود العجوز شا َبة‪ ،‬وسيئة الخلق دسنة الخلق‪،‬‬ ‫وغير الجميلة جميلة‪.‬‬ ‫ثم سأل اهلل له دخول‬ ‫«وأ ْدخ ْله الجنة‪ ،‬وأع ْذه م ْن عذاب الق ْبر وعذاب النار» َ‬ ‫شرها وأثرها‪.‬‬ ‫والسّلمة من فتنة القرب بأن يوقى َ‬ ‫الجنَة والنَجاة من النَار‪َ ،‬‬ ‫قال‪« :‬وا ْفس ْح له يف ق ْبره» أي‪ :‬وسع له يف قربه‪« ،‬ونو ْر له فيه» أي‪ :‬اجعل‬ ‫قربه نورا‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫دعاء‪،‬‬ ‫«اللهم ل ت ْحر ْمنا أ ْجره» أي‪ :‬أجر وثواب اإلدسان لهذا الميت؛ من‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وادتساب على فقده‪.‬‬ ‫وصّلة‪ ،‬وقيا ٍم بحقوقه‪ ،‬وصربٍ‬ ‫الضّلل‪.‬‬ ‫«ول تْلنا ب ْعده» أي‪ :‬ال تجعلنا نفتن بعده ونقع يف َ‬ ‫ـ ‪ 245‬ـ‬


‫جامع‪ ،‬محض فيه الدُّ عاء للميت بالعفو والغفران‪،‬‬ ‫عظيم‬ ‫وهو دعا ٌء‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫والسّلمة والنَجاة‪ ،‬واإلكرام واإلدسان‪ ،‬يؤتى به يف هذا الموضع العظيم عند‬ ‫َ‬ ‫َردم على الميت والدُّ عاء‬ ‫الصّلة عليه‪ ،‬وهو موضع ي‬ ‫ستحب فيه المبالغة يف الت ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫َ‬ ‫له؛ ألنَه قد أتي به إلى إخوانه المسلمين ليدعوا له‪ ،‬وليسألوا اهلل مغفرة ذنوبه‬ ‫وسرت عيوبه وإقالة عثراته‪ ،‬وهو دعاء ينفع الميت بإذن اهلل‪ ،‬وهو من جملة األمور‬ ‫قوة التَرادم والتَعاطف بين أهل اإليمان‪.‬‬ ‫الدَ ا َلة على َ‬ ‫قال‬

‫‪« :‬ثم يكبر الرابعة ويسلم تسليم ًة واحد ًة عن يمينه‪ ،‬ويستحب أن‬

‫يرفع يد ْيه مع كل تكبيرة»‪ ،‬وهذا ا َلذي ذكره‬ ‫الصحيح من فعل ابن عمر‬ ‫باإلسناد َ‬

‫ٍ‬ ‫تكبيرة ثبت‬ ‫حب مع كل‬ ‫أنَه يست ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫تكبيرة من‬ ‫أنَه يرفع يديه مع كل‬

‫الصّلة على الميت(‪ ،)1‬وهذا يد ُّل على أنَه تل َقاه عن النَبي‬ ‫تكبيرات َ‬

‫؛ َ‬ ‫ألن هذا‬

‫الرأي‪.‬‬ ‫ال يقال من جهة َ‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬قال‬

‫‪:‬‬

‫«وإذا كان الميت امرأ ًة يقال‪« :‬اللهم اغْ ف ْر لها»‪ ،‬وإذا كانت الجنائز اثنت ْين‬ ‫يقال‪« :‬اللهم ا ْغف ْر لهما‪ »...‬إلخ‪ ،‬وبالجمع إن كانت أ ْكثر من ذلك يقال‪« :‬اللهم‬ ‫اجع ْله‬ ‫ا ْغف ْر له ْم‪ »...‬إلخ‪ ،‬أما إذا كان فر ًطا فيقال بدل الدعاء له بالمغفرة‪« :‬اللهم ْ‬ ‫وصححه األلباين يف «الضعيفة»‬ ‫(‪ )1‬رواه البيهقي يف «الكربى» (‪ ،)6993‬وابن أبي شيبة (‪،)11380‬‬ ‫َ‬ ‫(‪.)118/13‬‬

‫ـ ‪ 246‬ـ‬


‫فر ًطا وذ ْخ ًرا لوالد ْيه وشفي ًعا مجا ًبا‪ ،‬اللهم ثق ْل به موازينهما وأ ْعظ ْم به أجورهما‪،‬‬ ‫واجع ْله يف كفالة إ ْبراهيم‬ ‫وأ ْلح ْقه بصالح سلف المؤمنين‪ْ ،‬‬

‫‪ ،‬وقه بر ْحمتك‬

‫عذاب الجحيم»‪.‬‬ ‫‪:n‬‬ ‫‪ ‬قال‬

‫الضمائر‬ ‫اغفر لها» أي‪ :‬تعدَ ل َ‬ ‫‪« :‬وإذا كان الميت امرأ ًة يقال‪ :‬اللهم ْ‬

‫بما يناسب الميت يف كل الدُّ عاء من َأوله إلى آخره؛ فإذا كانت امرأ ٌة يقال‪« :‬اللهم‬ ‫واعف عنْها‪ ،‬وأ ْكر ْم نزلها‪ ،‬ووس ْع مدْ خلها»‪.‬‬ ‫وارح ْمها‪ ،‬وعافها‪ْ ،‬‬ ‫اغْ ف ْر لها‪ْ ،‬‬ ‫«وإذا كانت الجنائز ا ْثنت ْين يقال‪« :‬اللهم ا ْغف ْر لهما‪ »...‬إلخ» وإذا كان‬ ‫واعف‬ ‫الميت اثنتين يثنَى َ‬ ‫وارح ْمهما وعافهما ْ‬ ‫الضمير فيقال‪« :‬اللهم ا ْغف ْر لهما ْ‬ ‫ع ْنهما وأ ْكر ْم نزلهما‪ »...‬إلخ‪.‬‬ ‫«وبالجمع إن كانت أ ْكثر من ذلك يقال‪« :‬اللهم اغْ ف ْر له ْم‪ »...‬إلخ» وإذا‬ ‫الضمير بما يناسب ذلك‪ ،‬فيقال‪« :‬ال َله َم اغفر لهم‪،‬‬ ‫كانوا جمعا فيكون َ‬ ‫واردمهم‪ ،‬وعافهم‪ ،‬واعف عنهم» إلى آخر الدُّ عاء‪.‬‬ ‫وإذا كان المأموم يجهل هل الميت ٌ‬ ‫رجل أم امرأة‪ ،‬قال‪« :‬ال َله َم اغفر له‪»...‬‬ ‫إلى آخره ‪ ،‬يعني الميت‪ ،‬وإن قال‪« :‬ال َله َم اغفر لها»‪ ،‬يعني الجنازة‪ ،‬فّل بأس‪.‬‬ ‫اجع ْله فر ًطا وذ ْخ ًرا‬ ‫«أما إذا كان فر ًطا فيقال بدل الدعاء له بالمغفرة‪« :‬اللهم ْ‬ ‫لوالد ْيه وشفي ًعا مجا ًبا‪ ،‬اللهم ثق ْل به موازينهما وأ ْعظ ْم به أجورهما‪ ،‬وأ ْلح ْقه‬ ‫واجع ْله يف كفالة إ ْبراهيم‬ ‫بصالح سلف المؤمنين‪ْ ،‬‬ ‫ـ ‪ 247‬ـ‬

‫‪ ،‬وقه بر ْحمتك عذاب‬


‫الصغير‪ ،‬فرط يتقدَ م والديه إلى اآلخرة؛ ليكون لهما أجره‪،‬‬ ‫الجحيم»‪ ،‬الفرط َ‬ ‫مرفوعا وفيه‪« :‬والس ْقط يصلى عل ْيه ويدْ عى لوالد ْيه‬

‫لحديث المغيرة‬

‫(‪)1‬‬ ‫يتم‪،‬‬ ‫بالمغْفرة والر ْحمة» ‪ ،‬والسقط هو ا َلذي يسقط من بطن أمه ميتا قبل أن َ‬ ‫ٍ‬ ‫وادد‪،‬‬ ‫والردمة؛ ألنَهما بمعنى‬ ‫والطفل يأخذ دكمه يف الدُّ عاء لوالديه بالمغفرة َ‬

‫سبب لوجوده‪ ،‬وقد فقداه وهما يتط َلعان إليه‪،‬‬ ‫والحكمة من الدُّ عاء لوالديه أنَهما ٌ‬ ‫وكانا دريصين على بقائه‪.‬‬ ‫وقد ورد يف الباب بعض اآلثار عن بعض ال َصحابة‬

‫‪« :‬ا ْدعوا اهلل لوالد ْيه أ ْن ي ْجعله لهما فر ًطا وأ ْج ًرا»(‪ ،)2‬وعن‬

‫سمرة بن جندب‬ ‫الحسن‬

‫والتَابعين‪ ،‬فعن‬

‫اجع ْله لنا فر ًطا وذ ْخ ًرا وأ ْج ًرا»(‪.)3‬‬ ‫قال‪« :‬اللهم ْ‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬قال‬

‫‪:‬‬

‫«والسن ة أن يقف اإلمام حذ اء رأس الرجل ووسط المرأة‪ ،‬وأن يكون‬ ‫اج تم عت الجنائز‪ ،‬والمرأة مم ا يلي القبلة ‪ ،‬وإن كان‬ ‫الرجل مم ا يلي اإلمام إذا ْ‬ ‫مع هم أطفال ق دم الصبي على المرأة‪ ،‬ثم المرأة‪ ،‬ثم الطفلة‪ ،‬ويكون رأس‬ ‫الصبي حيال رأس الرجل‪ ،‬ووسط المرأة حي ال رأس الر جل‪ ،‬وهكذا الطفلة‬ ‫وصححه األلباين يف‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أدمد (‪ ،)18174‬وأبو داود (‪ ،)3180‬والرتمذي (‪)1031‬؛‬ ‫َ‬ ‫«اإلرواء» (‪.)716‬‬ ‫(‪ )2‬أخرجه ابن أبي شيبة (‪.)11599‬‬ ‫(‪ )3‬أخرجه ابن أبي شيبة (‪.)29838‬‬

‫ـ ‪ 248‬ـ‬


‫يكون رأسها حيال رأس المرأة‪ ،‬ويكون وسطها حيال رأس الرج ل‪ ،‬ويكون‬ ‫المص لون جمي ًعا خ ْلف اإلمام‪ ،‬إل أن يكون واحدً ا لم يج دْ مكا ًن ا خ ْلف اإلمام‬ ‫فإن ه يقف عن يمينه»‪.‬‬ ‫‪:n‬‬ ‫‪ ‬قال ‪« :‬والسنة أن يقف اإلمام حذاء رأس الرجل ووسط المرأة» لما‬ ‫دت أنس بن مال ٍ‬ ‫ك ص َلى على‬ ‫جاء يف «المسند» عن أبي غالب الخ َياط قال‪« :‬شه ُّ‬ ‫فلما رفعت أتي بجنازة امرأ ٍة من قري ٍ‬ ‫ش أو من‬ ‫جنازة رج ٍل‪ ،‬فقام عند رأسه‪َ ،‬‬ ‫ٍ‬ ‫فّلن‪ ،‬فصل عليها فص َلى‬ ‫األنصار فقيل له‪ :‬يا أبا دمزة‪ ،‬هذه جنازة فّلنة ابنة‬ ‫ٍ‬ ‫فلما رأى اختّلف قيامه على‬ ‫عليها‪ ،‬فقام وسطها وفينا العّلء بن زياد العدوي‪َ ،‬‬ ‫الرجل والمرأة‪ ،‬قال‪ :‬يا أبا دمزة! هكذا كان رسول اهلل‬ ‫َ‬

‫يصنع يقوم من‬

‫الرجل ديث قمت‪ ،‬ومن المرأة ديث قمت؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬فالتفت إلينا العّلء‬ ‫َ‬ ‫فقال‪ :‬ادفظوا»(‪.)1‬‬ ‫والصغير؛ إن كان الميت رجّل يقف اإلمام عند‬ ‫وهذا يفعل مع الكبير‬ ‫َ‬ ‫رأسه‪ ،‬وإن كان طفّل يقف عند رأسه‪ ،‬وإن كانت امرأة أو طفلة يقف عند‬ ‫صف على هذه الهيئة بحيث يكون اإلمام‬ ‫ف الجنائز أيضا ت ُّ‬ ‫وسطها‪ ،‬وعندما تص ُّ‬ ‫الرجل ووسط المرأة‪.‬‬ ‫واقفا دذاء رأس َ‬ ‫«وأن يكون الرجل مما يلي اإلمام إذا اجتمعت الجنائز‪ ،‬والمرأة مما يلي‬ ‫وصححه األلباين يف «أدكام الجنائز» (ص‪.)109‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أدمد (‪ ،)13114‬والرتمذي (‪)1034‬؛‬ ‫َ‬

‫ـ ‪ 249‬ـ‬


‫القبلة» لو كان فيه ٌ‬ ‫الرجل هو ا َلذي يلي اإلمام‪ ،‬والمرأة تكون‬ ‫رجل وامرأ ٌة؛ يكون َ‬ ‫فضّل عليها‪ ،‬وعن نافع َ‬ ‫هي األبعد عنه‪ ،‬لشرف ُّ‬ ‫أن ابن عمر‬ ‫الذكور َية وكونه م َ‬ ‫‪ :‬ص َلى على تسع جنائز جميعا فجعل الرجال يلون اإلمام والنساء يلين‬ ‫القبلة فص َفه َن صفا واددا(‪.)1‬‬ ‫«وإن كان معهم أطفال قد م الص بي على المرأة‪ ،‬ثم المرأة‪ ،‬ثم الط فلة»‬ ‫دت ج نازة امر أة‬ ‫عم ار مولى بني هاشم قال‪« :‬ش ه ُّ‬ ‫لما رواه النَسائي عن َ‬ ‫الص ب ُّي م َما يلي القوم ‪ ،‬ووض ع ت المرأة و راءه ‪ ،‬ف صلي‬ ‫وصبي‪ ،‬فقدم َ‬ ‫عل ي هم ا؛ و يف القوم أبو س ع ٍ‬ ‫يد الخ د ري وابن عبَا ٍ‬ ‫س وأبو قتادة وأبو هريرة‬ ‫السنَة»(‪.)2‬‬ ‫ف س أل تهم عن ذ لك فقالوا‪ُّ :‬‬ ‫«ويكون رأس الص بي حيال رأس الر جل‪ ،‬ووسط المرأة حي ال رأس‬ ‫الر ج ل‪ ،‬وهكذا الطفلة يكون ر أس ها حيال رأس المرأة‪ ،‬ويكون وسطها‬ ‫كالر ج ل‪ ،‬والطفلة توضع كالمرأة‪ ،‬كما‬ ‫حيال رأس الر ج ل» فالطفل يوضع َ‬ ‫تقدَ م بيانه‪.‬‬ ‫«ويكون المصلون جمي ًعا خ ْل ف اإلمام‪ ،‬إل أن يكون واحدً ا لم يجدْ‬ ‫مكا ًنا خ ْلف اإلمام؛ فإنه يقف عن يمينه» ويف دديث صّلة النَبي على‬ ‫النَجاشي قال‪« :‬ث َم تقدَ م فص ُّفوا خلفه فك َبر أربعا»(‪ ،)3‬ومن لم يجد مكانا يف‬ ‫وصححه األلباين يف «أدكام الجنائز» (ص‪.)103‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه النسائي (‪،)1978‬‬ ‫َ‬ ‫(‪ )2‬أخرجه النسائي يف «الكربى» (‪.)2115‬‬ ‫(‪ )3‬سبق تخريجه‪.‬‬

‫ـ ‪ 250‬ـ‬


‫الصفوف ص َلى عن يمين اإلمام‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫‪‬‬

‫‪:‬‬

‫‪ ‬قال‬

‫«ثامنًا‪ :‬صفة دفن الميت‪:‬‬ ‫المشروع تعميق الق ْبر إلى وسط الرجل‪ ،‬وأن يكون فيه ل ْحد من جهة‬ ‫القبلة‪ ،‬وأن يوضع الميت يف اللحد على جنبه األيمن‪ ،‬وتحل عقد الكفن ول تنزع‬ ‫بل تترك‪ ،‬ول يكشف وجهه سواء كان الميت رج ًال أو امرأ ًة‪ ،‬ثم ينصب عليه‬ ‫اللبن ويطين حتى يثبت ويقيه التراب‪ ،‬فإن لم يتيس ْر اللبن فبغير ذلك من ألواح أو‬ ‫أحجار أو خشب يقيه التراب‪ ،‬ثم يهال عليه التراب‪ ،‬ويستحب أن يقال عند‬ ‫ذلك‪« :‬باسم اهلل‪ ،‬وعلى ملة رسول اهلل»‪ ،‬ويرفع القبر قدْ ر ش ْبر ويوضع عليه‬ ‫ح ْصباء إن تيسر ذلك ويرش بالماء‪.‬‬ ‫ويشرع للمشيعين أن يقفوا عند القبر ويدعوا للميت؛ ألن النبي‬

‫كان إذا‬

‫واسألوا له الت ْثبيت؛ فإنه‬ ‫فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال‪ْ « :‬است ْغفروا ألخيك ْم ْ‬ ‫اآلن ي ْسأل»‪.‬‬ ‫‪:n‬‬ ‫‪ ‬هذه مسائل ب َينها‬ ‫قال‬

‫متعلق ٌة بدفن الميت‪.‬‬

‫احفر وا‬ ‫‪« :‬المشروع تعميق القبر إلى وسط الر ج ل» لحديث‪ْ « :‬‬ ‫ـ ‪ 251‬ـ‬


‫وأ ْوسعوا و أ ْعمقوا»(‪ ،)1‬ولم يأ ت عن النَبي‬

‫دد يف التَعميق‪ ،‬وقد‬

‫الس َر ة‪ ،‬وقيل‪ :‬ال ددَ‬ ‫اختل ف يف دد اإلعماق؛ فقيل‪ :‬قامة‪ ،‬وقيل‪ :‬إلى ُّ‬ ‫إلعماقه‪.‬‬ ‫أخرج ابن أبي شيبة(‪ )2‬عن عمر بن الخ َطاب‬

‫أنَه أوصى عمر أن‬

‫يجعل عمق قبره قامة وبسطة‪.‬‬ ‫الرائحة ووصول السباع والكّلب‪.‬‬ ‫ويكفي من ذلك ما يمنع ظهور َ‬ ‫عمق القرب يجعل يف أسفله‬ ‫«وأن يكون فيه ل ْحد من جهة القبلة» أي بعد أن ي َ‬ ‫لحدٌ من جهة القبلة بحيث يدخل فيه الميت‪ ،‬وسمي لحدا؛ ألنَه مائ ٌل عن سمت‬ ‫القرب‪ ،‬ويف الحديث‪« :‬الل ْحد لنا‪ ،‬والشق لغ ْيرنا»(‪.)3‬‬ ‫«ويجعل الميت على جنبه األيمن» ووجهه قبالة القبلة‪ ،‬وعلى هذا جرى‬ ‫عمل أهل االسّلم من عهد رسول اهلل‬

‫‪ ،‬ويف الحديث يف عد النَبي‬

‫للكبائر‬

‫قال‪« :‬و ْاست ْحالل الب ْيت الحرام ق ْبلتك ْم أ ْحيا ًء وأ ْمواتًا»(‪.)4‬‬ ‫«وتحل عقد الكفن ول تنزع‪ ،‬بل تترك» لّلستغناء عنها‪ ،‬ولورود بعض‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أبو داود (‪ ،)3215‬والرتمذي (‪ ،)1713‬والنسائي (‪ )2010‬عن هشام بن عامر‬

‫؛‬

‫وصححه األلباين يف «اإلرواء» (‪.)743‬‬ ‫َ‬ ‫(‪ )2‬برقم (‪.)11663‬‬ ‫(‪ )3‬أخرجه أبو داود (‪ ،)3208‬والرتمذي (‪ ،)1045‬والنسائي (‪ ،)2009‬وابن ماجه (‪ )1554‬عن ابن‬ ‫عباس‬

‫وصححه األلباين يف «أدكام الجنائز» (ص ‪.)145‬‬ ‫؛‬ ‫َ‬

‫(‪ )4‬أخرجه أبو داود (‪ )2875‬عن عمير‬

‫ودسنه األلباين يف «اإلرواء» (‪.)690‬‬ ‫؛ َ‬

‫ـ ‪ 252‬ـ‬


‫اآلثار يف ذلك عن بعض التَابعين تفيد َ‬ ‫السلف(‪.)1‬‬ ‫أن هذا األمر كان معروفا عند َ‬ ‫رجال أو امرأ ًة»‪ ،‬لعدم ورود ما يد ُّل‬ ‫«ول يكشف وجهه سواء كان الميت ً‬ ‫على مشروع َية كشفه‪.‬‬ ‫«ثم ينصب عليه اللبن ويطين حتى يثبت ويقيه التراب»‪ ،‬أي‪ :‬وقاية للميت‬ ‫إذا أهيل عليه ال ُّتراب لئ َّل يدخل شي ٌء منه يف ال َلحد‪ ،‬فعن سعد بن أبي و َقاص‬ ‫قال يف مرضه ا َلذي هلك فيه‪« :‬ا ْلحدوا لي ل ْحدً ا وانْصبوا علي اللبن ن ْص ًبا‬ ‫كما صنع برسول اهلل‬

‫»(‪.)2‬‬

‫«فإن لم يتيس ْر اللبن فبغ ْير ذلك من ألواح أو أحجار أو خشب يقيه‬ ‫التراب»؛ لقوله سبحانه‪﴿ :‬ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ﴾ [¿‪.]16 :‬‬ ‫«ثم يهال عليه التراب» لقول عائشة‬

‫‪« :‬ما علمنا بدفن رسول اهلل‬

‫دتَى سمعنا صوت المسادي»(‪ ،)3‬ولقول فاطمة‬ ‫تحثوا على رسول اهلل‬

‫‪« :‬أطابت أنفسكم أن‬

‫التُّراب»(‪.)4‬‬

‫«ويستحب أن يقال عند ذلك‪ :‬باسم اهلل‪ ،‬وعلى ملة رسول اهلل» لحديث ابن‬ ‫عمر‬

‫َبي‬ ‫قال‪« :‬كان الن ُّ‬

‫إذا أدخل الميت القبر‪ ،‬قال‪« :‬ب ْسم اهلل‪ ،‬وعلى‬

‫(‪ )1‬انظر «السنن الكربى» للبيهقي «باب عقد األكفان عند خوف االنتشار ودلها إذا أدخلوه القرب»‬ ‫(‪.)407/3‬‬ ‫(‪ )2‬أخرجه مسلم (‪.)966‬‬ ‫(‪ )3‬أخرجه أدمد (‪ ،)24333‬وابن أبي شيبة (‪.)11839‬‬ ‫(‪ )4‬أخرجه البخاري (‪.)4462‬‬

‫ـ ‪ 253‬ـ‬


‫ٍ‬ ‫رواية‪« :‬وعلى سنة رسول اهلل»(‪.)1‬‬ ‫ملة رسول اهلل»‪ ،‬ويف‬ ‫السنام ـ لثبوت ذلك يف صفة‬ ‫«ويرفع القبر قدْ ر ش ْبر» مسنَما ـ أي على هيئة َ‬ ‫قبر النَبي‬

‫وصادبيه(‪ ،)2‬وليعلم أنَه قب ٌر فّل يهان‪ ،‬وال يزاد عن ال ُّتراب ا َلذي‬

‫أخرج من القرب‪.‬‬ ‫«ويوضع عليه حصب اء إن تيس ر ذلك ويرش بالماء» لت حف ظ تربة القرب‪،‬‬ ‫وليتماس ك ترابه وال يتطاي ر‪ ،‬وال بأس بتعليمه بحجر ونحوه لي عرف‪،‬‬ ‫لحديث أنس‬

‫‪« :‬أ َن رس ول اهلل‬

‫أ عل م قبر عثمان بن م ظع ٍ‬ ‫ون‬

‫ب ص خر ةٍ»(‪.)3‬‬ ‫«ويشرع للمشيعين أن يقفوا عند الق ْبر» أي‪ :‬بعد الفراغ من الدَ فن من أجل‬ ‫الدُّ عاء للميت‪.‬‬ ‫كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه‪،‬‬

‫«ويدعوا للميت؛ ألن النبي‬

‫واسألوا له التثْبيت؛ فإنه اآلن ي ْسأل» لحديث عثمان‬ ‫وقال‪ْ « :‬است ْغفروا ألخيك ْم‪ْ ،‬‬ ‫ابن ع َفان‬

‫َبي‬ ‫قال‪ :‬كان الن ُّ‬

‫إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫(‪ )1‬أخرجه أبو داود (‪ )2614‬عن أنس‬

‫‪ ،‬وأخرجه الرتمذي (‪ ،)1046‬وابن ماجه (‪ )1550‬عن‬

‫ابن عمر‬

‫وصححه األلباين يف «اإلرواء» (‪.)747‬‬ ‫؛‬ ‫َ‬

‫(‪ )2‬أخرجه ابن دبان يف «صحيحه» (‪ ،)6635‬والبيهقي يف «الكربى» (‪ )6736‬عن جابر‬

‫؛‬

‫وصححه األلباين يف «اإلرواء» (‪.)756‬‬ ‫َ‬ ‫‪ .‬وأخرجه أبو داود (‪ )3206‬عن المطلب‬

‫(‪ )3‬أخرجه ابن ماجه (‪ )1561‬عن أنس‬ ‫الصحيحة» (‪.)3060‬‬ ‫ودسنه األلباين يف « َ‬ ‫َ‬

‫ـ ‪ 254‬ـ‬

‫؛‬


‫« ْاستغْفروا ألخيك ْم وسلوا له التثْبيت؛ فإنه اآلن ي ْسأل»(‪.)1‬‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬قال‬

‫‪:‬‬

‫«تاس ًعا‪ :‬ويشرع لمن لم يصل عليه أن يصلي عليه بعد الدفن؛ ألن النبي‬ ‫فعل ذلك‪ ،‬على أن يكون ذلك يف حدود شهر فأقل‪ ،‬فإن كانت المدة أ ْكثر من‬ ‫ذلك لم تشرع الصالة على القبر؛ ألنه لم ينق ْل عن النبي‬

‫أنه صلى على قبر‬

‫بعد شهر من دفن الميت»‪.‬‬ ‫‪:n‬‬ ‫الصّلة على الميت هل له‬ ‫‪ ‬هذه المسألة التَاسعة بشأن من لم يتم َكن من َ‬ ‫أن يصلي عليه بعد الدَ فن‪.‬‬ ‫«ويشرع لمن لم يصل عليه أن يصلي عليه بعد الدفن؛ ألن النبي‬ ‫ذلك»‪ ،‬من دديث أبي هريرة‬ ‫شابا ـ ففقدها رسول اهلل‬

‫فعل‬

‫‪« :‬أ َن امرأة سوداء كانت تق ُّم المسجد ـ أو‬

‫فسأل عنها ـ أو عنه ـ؛ فقالوا‪ :‬مات؛ قال‪« :‬أفال كنْت ْم‬

‫آذنْتموني!» قال‪ :‬فكأنَهم ص َغروا أمرها ـ أو أمره ـ؛ فقال‪« :‬دلوني على ق ْبرها»‪،‬‬ ‫ثم قال‪« :‬إن هذه القبور م ْملوءة ظ ْلم ًة على أ ْهلها‪ ،‬وإن اهلل‬ ‫فد ُّلوه فص َلى عليها‪َ ،‬‬ ‫(‪)2‬‬ ‫الصّلة عليه بعد الدَ فن هي كصفة‬ ‫ينورها له ْم بصالتي عل ْيه ْم» ‪ ،‬وصفة َ‬

‫وصححه األلباين يف «صحيح الجامع» (‪.)945‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أبو داود (‪،)3221‬‬ ‫َ‬ ‫(‪ )2‬أخرجه مسلم (‪.)956‬‬

‫ـ ‪ 255‬ـ‬


‫الصّلة عليه قبل الدَ فن‪.‬‬ ‫َ‬ ‫«على أن يكون ذلك يف حدود شهر فأقل‪ ،‬فإن كانت المدة أكثر من ذلك لم‬ ‫تشرع الصالة على القبر؛ ألنه لم ينق ْل عن النبي‬

‫أنه صلى على ق ْبر بعد ش ْهر‬

‫ٍ‬ ‫شهر»‪ ،‬وقاال‪:‬‬ ‫من دفن الميت»‪ ،‬قال أدمد وإسحاق‪« :‬يص َلى على القرب إلى‬ ‫َ‬ ‫َبي‬ ‫«أكثر ما سمعنا عن ابن المسيب‪ :‬أن الن َ‬ ‫بعد شهر»(‪.)1‬‬

‫ص َلى على قرب أم سعد بن عبادة‬

‫الصّلة على الجنازة ص َلى‬ ‫قال ابن القيم ‪« :‬وكان من هديه إذا فاتته َ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ومرة بعد ٍ‬ ‫شهر‪ ،‬ولم‬ ‫ومرة بعد ثّلث‪َ ،‬‬ ‫مرة على قربٍ بعد ليلة‪َ ،‬‬ ‫على القرب؛ فص َلى َ‬ ‫يوقت يف ذلك وقتا‪ ،‬قال أدمد ‪« :‬من ُّ‬ ‫الصّلة على القرب؟ ويروى‬ ‫يشك يف َ‬ ‫ٌ‬ ‫دسان»‪،‬‬ ‫عن النَبي كان إذا فاتته الجنازة ص َلى على القبر من ستَة أوج ٍه كلها‬ ‫ٍ‬ ‫بشهر؛ إذ هو أكثر ما روي عن النَبي‬ ‫لصّلة على القرب‬ ‫فحدَ اإلمام أدمد ا َ‬ ‫ص َلى بعده‪ ،‬وددَ ه َ‬ ‫الشافعي‬

‫أنَه‬

‫بما إذا لم يبل الميت‪ ،‬ومنع منها مالك و أبو‬

‫دنيفة ـ ردمهما اهلل ـ َإال للولي إذا كان غائبا»(‪.)2‬‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬قال‬

‫‪:‬‬

‫طعاما للناس؛ لقول جرير ابن‬ ‫عاشرا‪ :‬ل يجوز ألهل الميت أن يصنعوا‬ ‫ً‬ ‫« ً‬ ‫عبداهلل البجلي الصحابي الجليل‬

‫‪« :‬كنا نعد الجتماع إلى أهل الميت‬

‫(‪ )1‬نقله الرتمذي يف «جامعه» (‪ ،)346/3‬ودديث ابن المسيب رواه الرتمذي (‪ )1038‬وهو مرسل‪.‬‬ ‫(‪« )2‬زاد المعاد» (‪.)493/1‬‬

‫ـ ‪ 256‬ـ‬


‫وصنعة الطعام بعد الدفن من النياحة» رواه اإلمام أحمد بسند حسن‪ ،‬أما صنع‬ ‫الطعام لهم أو لْيوفهم فال بأس‪ ،‬ويشرع ألقاربه وجيرانه أن يصنعوا لهم‬ ‫لما جاءه الخبر بم ْوت جعفر بن أبي طالب‬

‫الطعام؛ ألن النبي‬

‫يف الشام‬

‫طعاما ألهل جعفر‪ ،‬وقال‪« :‬إنه أتاه ْم ما ي ْشغله ْم»‪.‬‬ ‫أمر أ ْهله أن يصنعوا‬ ‫ً‬ ‫ول حرج على أهل الميت أن يدعوا جيرانهم أو غيرهم لألكل من الطعام‬ ‫المهدى إليهم‪ ،‬وليس لذلك وقت محدود فيما نعلم من الشرع‪.‬‬ ‫‪:n‬‬ ‫‪ ‬ب َين‬

‫َ‬ ‫أن أهل الميت ال يجوز لهم تجميع النَاس وصنع ال َطعام لهم‬

‫الصّلة على الميت ودفنه‪ ،‬ويف األ َيام ا َلتي تلي ذلك؛ َ‬ ‫السلف ـ ردمهم‬ ‫بعد َ‬ ‫فإن َ‬ ‫اهلل تعالى ـ كانوا يعدُّ ون ذلك من النيادة‪ ،‬ونقل‬ ‫الصحابي الجليل‬ ‫َ‬

‫قول جرير بن عبداهلل البجلي‬

‫‪« :‬كنا نعد ال ْجتماع إلى أ ْهل الميت وصنيعة الطعام ب ْعد‬

‫د ْفنه من النياحة»(‪.)1‬‬ ‫قال َ‬ ‫الشيخ‬

‫‪« :‬وأ َما صنع ال َطعام من أهل الميت للنَاس سواء كان ذلك‬

‫من مال الورثة أو من ثلث الميت أو من شخص آخر فهذا ال يجوز؛ ألنَه خّلف‬ ‫وألن يف ذلك زيادة تع ٍ‬ ‫َ‬ ‫ب لهم على مصيبتهم وشغّل‬ ‫السنَة ومن عمل الجاهل َية‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫إلى شغلهم‪ ،‬ولم يثبت عن رسول اهلل وال عن ٍ‬ ‫وال‬ ‫أدد من أصحابه‬ ‫الصالح إقامة دف ٍل للميت مطلقا؛ ال عند وفاته وال بعد أسبو ٍع وال‬ ‫السلف َ‬ ‫عن َ‬ ‫بعد أربعين يوما وال بعد سن ٍة من وفاته‪ ،‬بل ذلك بدع ٌة يجب تركها وإنكارها‬ ‫وصححه األلباين يف «أدكام الجنائز» (ص ‪.)167‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أدمد (‪ ،)6905‬وابن ماجه (‪)1612‬؛‬ ‫َ‬

‫ـ ‪ 257‬ـ‬


‫والتَوبة إلى اهلل منها لما فيها من االبتداع يف الدين ومشاهبة أهل الجاهل َية»(‪.)1‬‬ ‫«أما صنْع الطعام لهم أو لْيوفهم فال بأس‪ ،‬ويشرع ألقاربه وجيرانه أن‬ ‫يصنعوا لهم الطعام؛ ألن النبي‬

‫لما جاءه الخبر بموت جعفر بن أبي طالب‬

‫طعاما ألهل جعفر‪ ،‬وقال‪« :‬إنه أتاه ْم ما‬ ‫يف الشام أمر أهله أن يصنعوا‬ ‫ً‬ ‫اصنعوا آلل ج ْعفر طع ًاما‪ ،‬فقدْ أتاه ْم ْأمر ي ْشغله ْم‪ ،‬أ ْو أتاه ْم‬ ‫ي ْشغله ْم»‪ ،‬دديث‪ْ « :‬‬ ‫ٍ‬ ‫بإسناد قال عنه َ‬ ‫الشيخ ‪« :‬صحيح»(‪.)3‬‬ ‫ما ي ْشغله ْم» رواه أدمد وغيره(‪،)2‬‬ ‫فّل بأس أن يرسل إليهم جيرانهم أو بعض قرابتهم طعاما‪ ،‬وإذا كان ال َطعام‬ ‫ا َلذي وصلهم زائدا عن داجتهم‪ ،‬ودعوا بعض جيرانهم أو بعض الفقراء يأكلون‬ ‫الزائد فّل درج عليهم يف ذلك‪ ،‬لكن أن ت َتخذ هذه مناسبة‪،‬‬ ‫معهم هذا ال َطعام َ‬ ‫ويصنع أهل الميت األطعمة‪ ،‬ويجمعون النَاس عليها فهذا ال أصل له بل هو من‬ ‫عمل أهل الجاهل َية‪.‬‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬قال‬

‫‪:‬‬

‫«حادي عشر‪ :‬ل يجوز للمرأة اإلحداد على ميت أكثر من ثالثة أيام إل‬ ‫على زوجها؛ فإنه يجب عليها أن تحد عليه أربعة أشهر وع ْش ًرا‪ ،‬إل أن تكون‬ ‫(‪« )1‬مجموع فتاويه» (‪ )356/2‬بشيء من االختصار‪.‬‬ ‫(‪ )2‬أخرجه أدمد (‪ ،)1751‬وأبو داود (‪ ،)3132‬والرتمذي (‪ )998‬وابن ماجه (‪ )1610‬عن عبد اهلل‬ ‫بن جعفر‬

‫وصححه األلباين يف «صحيح الجامع» (‪.)1015‬‬ ‫؛‬ ‫َ‬

‫(‪« )3‬مجموع فتاويه» (‪.)323/9‬‬

‫ـ ‪ 258‬ـ‬


‫حام ًال فإلى وضع الحمل؛ لثبوت السنة الصحيحة عن النبي‬

‫بذلك‪ ،‬أما‬

‫الرجل فال يجوز له أن يحد على أحد من األقارب أو غيرهم»‪.‬‬ ‫‪:n‬‬ ‫‪ ‬هذه المسألة الحادية عشرة يف اإلدداد على الميت‪.‬‬ ‫«ل يجوز للمرأة اإلحداد على ميت أكثر من ثالثة أيام إل على زوجها؛‬ ‫فإنه يجب عليها أن تحد عليه أربعة أشهر وع ْش ًرا‪ ،‬إل أن تكون حام ًال فإلى وضع‬ ‫الحمل؛ لثبوت السنة الصحيحة عن النبي‬

‫» يراد باإلدداد‪ :‬خمسة أشياء‪:‬‬

‫ـ البقاء يف منزلها ا َلذي توفي زوجها وهي فيه مهما أمكنها ذلك‪ ،‬وال يجوز‬ ‫خروجها منه َإال لحاجة‪.‬‬ ‫ـ تجنُّب الطيب يف ثيابها وبدنها‪ ،‬وكذلك الحنَاء‪.‬‬ ‫ـ تجنُّب لبس الحلي بجميع أنواعه‪.‬‬ ‫ـ تجنُّب لبس مّلبس الزينة‪.‬‬ ‫ـ عدم الكحل يف عينيها‪.‬‬ ‫عن أم عط َية‬

‫قالت‪« :‬كنَا ننهى أن نحدَ على مي ٍ‬ ‫ت فوق‬

‫عن النَبي‬

‫ثّل ٍ‬ ‫ث‪ ،‬إ َال على زوجٍ أربعة أشه ٍر وعشرا»(‪.)1‬‬ ‫يقول‪« :‬ل يحل ل ْمرأة ت ْؤمن‬

‫َبي‬ ‫وعن أم دبيبة‬ ‫قالت‪ :‬سمعت الن َ‬ ‫باهلل والي ْوم اآلخر‪ ،‬أ ْن تحد على ميت ف ْوق ثالث‪ ،‬إل على ز ْوج‪ ،‬فإنها تحد عل ْيه‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)313‬ومسلم (‪.)938‬‬

‫ـ ‪ 259‬ـ‬


‫أ ْربعة أ ْشهر وع ْش ًرا»(‪َ ،)1‬إال أن تكون دامّل فإلى وضع الحمل؛ لقوله تعالى‪:‬‬ ‫﴿ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ﴾ [‪.]4 :À‬‬ ‫«أما الرجل فال يجوز له أن يحد على أحد من األقارب أو غيرهم»؛ َ‬ ‫ألن‬ ‫اإلدداد خاص بالمرأة‪ ،‬وهو تاب ٌع للعدَ ة‪.‬‬ ‫قال ابن القيم‬

‫الزوج؛ فإنَه تاب ٌع للعدَ ة وهو من‬ ‫‪« :‬وأ َما اإلدداد على َ‬

‫مقتضياتها ومكمّلتها؛ َ‬ ‫َجمل والتَع ُّطر لتتح َبب‬ ‫فإن المرأة إنَما تحتاج إلى التَز ُّين والت ُّ‬ ‫الزوج واعتدَ ت‬ ‫إلى زوجها‪ ،‬وترد لها نفسه‪ ،‬ويحسن ما بينهما من العشرة‪ ،‬فإذا مات َ‬ ‫األول وتأكيد المنع من ال َثاين‬ ‫منه وهي لم تصل إلى زوجٍ آخر‪ ،‬فاقتضى تمام دق َ‬ ‫مما تصنعه النساء ألزواجه َن‪ ،‬مع ما يف ذلك من‬ ‫قبل بلوغ الكتاب أجله؛ أن تمنع َ‬ ‫سد َ‬ ‫الذريعة إلى طمعها يف الرجال‪ ،‬وطمعهم فيها بالزينة والخضاب وال َتط ُّيب‪ ،‬فإذا‬ ‫بلغ الكتاب أجله صارت محتاجة إلى ما يرغب يف نكادها‪ ،‬فأبيح لها من ذلك ما‬ ‫الزوج‪ ،‬فّل شيء أبلغ يف الحسن من هذا المنع واإلبادة‪ ،‬ولو اقرتدت‬ ‫يباح لذات َ‬ ‫عقول العالمين لم تقترح شيئا أدسن منه»(‪.)2‬‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬قال‬

‫‪:‬‬

‫«ثاين عشر‪ :‬يشرع للرجال زيارة القبور بين وقت وآخر للدعاء لهم‬ ‫والترحم عليهم‪ ،‬وتذكر الموت وما بعده؛ لقول النبي‬ ‫(‪ )1‬أخرجه (‪ ،)1280‬ومسلم (‪.)1486‬‬ ‫(‪« )2‬إعّلم الموقعين» (‪.)167/2‬‬

‫ـ ‪ 260‬ـ‬

‫‪« :‬زوروا ا ْلقبور فإنها‬


‫تذكر ا ْلم ْوت» خرجه اإلمام مسلم يف «صحيحه»(‪ ،)1‬وكان‬

‫يعلم أصحابه إذا‬

‫زاروا القبور أن يقولوا‪« :‬السالم عل ْيك ْم أ ْهل الديار من الم ْؤمنين والم ْسلمين‪،‬‬ ‫وإنا إ ْن شاء اهلل بك ْم لحقون‪ ،‬ن ْسأل اهلل لنا ولكم العافية‪ ،‬ي ْرحم اهلل الم ْست ْقدمين‬

‫منا والم ْست ْأخرين»‪.‬‬

‫أما النساء فليس لهن زيارة القبور؛ ألن الرسول‬

‫لعن زائرات القبور‪،‬‬

‫وألنهن يخشى من زيارتهن الفتنة وقلة الصبر‪ ،‬وهكذا ل يجوز لهن اتباع الجنائز‬ ‫إلى المقبرة؛ ألن الرسول‬

‫نهاهن عن ذلك‪ ،‬أما الصالة على الميت يف‬

‫المسجد أو يف المصلى فهي مشروعة للرجال وللنساء جمي ًعا‪.‬‬ ‫هذا آخر ما تيسر جمعه‪.‬‬ ‫وصلى اهلل وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه»‪.‬‬ ‫‪:n‬‬ ‫‪ ‬هذه المسألة ال َثانية عشرة واألخيرة دول زيارة القبور‪.‬‬ ‫قال‬

‫‪« :‬يشرع للرجال زيارة القبور بين وقت وآخر للدعاء لهم والترحم‬

‫عليهم‪ ،‬وتذكر الموت وما بعده؛ لقول النبي‬

‫‪« :‬زوروا القبور؛ فإنها تذكركم‬

‫اآلخرة» خرجه اإلمام مسلم يف «صحيحه»»؛ هذه الزيارة للقبور تعدُّ زيارة‬ ‫الرسول‬ ‫شرع َية؛ لكوهنا وفق ما جاء عن َ‬ ‫الزائر يستفيد ثّلث فوائد‪:‬‬ ‫المزور؛‬ ‫فالحي َ‬ ‫ُّ‬ ‫‪‬‬

‫الزائر‪ ،‬والميت‬ ‫‪ ،‬ويستفيد منها‬ ‫الحي َ‬ ‫ُّ‬

‫األولى‪ :‬تذكُّر الموت؛ لما يرت َتب عليه من االستعداد له باألعمال‬

‫(‪ )1‬برقم (‪.)976‬‬

‫ـ ‪ 261‬ـ‬


‫الصالحة؛ للحديث ا َلذي ساقه َ‬ ‫الشيخ‬ ‫َ‬

‫‪« :‬زوروا القبور؛ فإنها تذكركم اآلخرة»‪.‬‬

‫‪ ‬والثانية‪ :‬فعله الزيارة‪ ،‬وهي سنَة سنَها رسول اهلل‬

‫‪ ،‬فيؤجر على ذلك‪.‬‬

‫‪ ‬والثالثة‪ :‬اإلدسان إلى األموات المسلمين بالدُّ عاء لهم‪ ،‬فيؤجر على‬ ‫هذا اإلدسان‪.‬‬ ‫وأ َما الميت المزور؛ فإنَه يستفيد يف الزيارة َ‬ ‫الشرع َية الدُّ عاء له واإلدسان‬ ‫إليه بذلك؛ َ‬ ‫ألن األموات يستفيدون من دعاء األدياء‪.‬‬ ‫أ َما زيارة القبور من أجل دعاء أهلها واالستغاثة هبم وطلب قضاء‬ ‫الحاجات منهم ونحو ذلك؛ َ‬ ‫فإن هذه الزيارة ال يستفيد منها الميت ويتض َرر هبا‬ ‫الحي‪ ،‬فالحي يتض َرر؛ ألنَه فعل أمرا ال يجوز؛ إذ هو ش ٌ‬ ‫رك باهلل‪ ،‬والميت ال‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫ينتفع؛ ألنَه لم يدع له‪ ،‬وإنَما دعي من دون اهلل‪ ،‬وقد قال َ‬ ‫الشيخ يف «منسكه»‪:‬‬ ‫«فأ َما زيارتهم لقصد الدُّ عاء عند قبورهم‪ ،‬أو العكوف عندها‪ ،‬أو سؤالهم قضاء‬ ‫الحاجات‪ ،‬أو شفاء المرضى‪ ،‬أو سؤال اهلل هبم أو بجاههم ونحو ذلك‪ ،‬فهذه‬ ‫الصالح ـ ردمهم‬ ‫السلف َ‬ ‫زيار ٌة بدع َي ٌة منكر ٌة لم يشرعها اهلل وال رسوله وال فعلها َ‬ ‫الرسول ديث قال‪« :‬زوروا القبور‪ ،‬ول‬ ‫اهلل ـ‪ ،‬بل هي من الهجر ا َلذي هنى عنه َ‬ ‫تقولوا ه ْج ًرا»(‪ ،)1‬وهذه األمور المذكورة تجتمع يف كوهنا بدعة‪ ،‬ولكنَها مختلفة‬ ‫ٍ‬ ‫بشرك؛ كدعاء اهلل سبحانه عند القبور وسؤاله‬ ‫المراتب‪ ،‬فبعضها بدع ٌة وليس‬ ‫(‪ )1‬أخرجه أدمد (‪ ،)23052‬والنسائي (‪ )2033‬عن بريدة‬ ‫(‪.)226/3‬‬

‫ـ ‪ 262‬ـ‬

‫وصححه األلباين يف «اإلرواء»‬ ‫؛‬ ‫َ‬


‫بحق الميت وجاهه ونحو ذلك‪ ،‬وبعضها من الشرك األكبر كدعاء الموتى‬ ‫واالستعانة هبم ونحو ذلك»(‪.)1‬‬ ‫«وكان‬

‫يعلم أصحاب ه إذا زار وا الق بور أن يق ول وا‪« :‬السالم ع ل يْك ْم‬

‫أ ْهل الد ي ار من الم ْؤم نين والم ْس لم ين ‪ ،‬وإن ا إ ْن ش اء اهلل ب ك ْم لحق ون ‪ ،‬ن ْس أل‬ ‫اهلل ل ن ا و لكم الع افية ‪ ،‬ي ْرحم اهلل الم ْس ت ْقدم ين م نا و الم ْس ت أْخ ر ين»‪ ،‬وهو يف‬ ‫«صحيح مسلم»(‪ ،)2‬وهو دعاء من جنس ما يقوله‬

‫الص ّلة على‬ ‫عند َ‬

‫َرد م واالستغف ار‪ ،‬وأ َما قراءة الفاتحة عند زيارة الق بور‬ ‫المي ت من الدُّ عاء والت ُّ‬ ‫على روح الموت ى فهو ٌ‬ ‫عمل ال أصل له يف ش رع اهلل‪ ،‬بل هو من البدع‪ ،‬ومع‬ ‫هذا تجد من النَاس م ن يعم ل هبذا األمر غير المشروع‪ ،‬ويرت ك أمرا مشروعا‬ ‫فيه نف ٌع له ولم وتاه‪.‬‬ ‫«أما النساء فليس لهن زيارة القبور؛ ألن الرسول‬ ‫ثبت عن النَبي‬

‫لعن زائرات القبور»‬

‫أنَه قال‪« :‬لعن اهلل زوارات القبور»(‪ ،)3‬وقوله «زوارات» ليس‬

‫للمبالغة‪ ،‬بل للنسبة‪ ،‬أي ذوات زيارة‪.‬‬ ‫«وألنهن يخشى من زيارتهن الفتنة‪ ،‬وقلة الصبر»؛ َ‬ ‫ألن المرأة أضعف من‬ ‫(‪« )1‬مجموع فتاويه» (‪.)116/16‬‬ ‫(‪ )2‬أخرجه مسلم (‪.)974‬‬ ‫(‪ )3‬أخرجه أدمد (‪ ،)8449‬والرتمذي (‪ ،)1056‬وابن ماجه (‪ ،)1576‬عن أبي هريرة‬ ‫وصححه األلباين يف «اإلرواء» (‪.)774‬‬ ‫َ‬

‫ـ ‪ 263‬ـ‬

‫؛‬


‫الرجل‪ ،‬وسريعة الجزع وال َت ُّ‬ ‫سخط‪.‬‬ ‫َ‬ ‫«وهكذا ل يجوز لهن اتباع الجنائز إلى المقبرة؛ ألن الرسول‬ ‫عن ذلك» فعن أم عط َية‬

‫نهاهن‬

‫قالت‪« :‬نهينا عن اتباع الجنائز‪ ،‬ولم يعزم‬

‫علينا»(‪.)1‬‬ ‫«أما الصالة على الميت يف المسجد أو يف المصلى فهي مشروعة للرجال‬ ‫وللنساء جمي ًعا» أي إذا جاءت المرأة المسجد ونودي لل َصّلة على الميت تقوم‬ ‫ٍ‬ ‫سواء‪.‬‬ ‫أمر مشروع للرجال والنساء على دد‬ ‫وتصلي‪ ،‬فهذا ٌ‬ ‫قال َ‬ ‫الشيخ‬

‫الصّلة على الميت فلم تنه عنها المرأة‪ ،‬سواء كانت‬ ‫‪« :‬أ َما َ‬

‫الصّلة عليه يف المسجد أو يف البيت أو يف المص َلى‪ ،‬وكان النساء يصلين على‬ ‫َ‬ ‫الجنائز يف مسجده‬ ‫ثم ختم‬ ‫َ‬

‫مع النَبي‬

‫وبعده»(‪.)2‬‬

‫هذه الرسالة النَافعة المباركة بقوله‪« :‬هذا آخر ما تيسر جمعه‪،‬‬

‫وصلى اهلل وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه»‪.‬‬ ‫وأسأل اهلل الكريم أن يجزي َ‬ ‫الشيخ عبد العزيز بن باز‬

‫خير الجزاء‪،‬‬

‫وأن يعظم له األجر‪ ،‬وأن يرفع درجته يف عليين‪ ،‬وأن يغفر له ولجميع علمائنا‬ ‫ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات األدياء منهم‬ ‫واألموات‪ ،‬وأن يصلح لنا شأننا ك َله‪ ،‬وأن ال يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين‪ ،‬وأن‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)1278‬ومسلم (‪.)938‬‬ ‫(‪« )2‬مجموع فتاويه» (‪.)134/13‬‬

‫ـ ‪ 264‬ـ‬


‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ﻏﻴﺮ َﺿﺎ ﱢﻟﻴﻦ‬ ‫ُﻳﺤﺴ َﻦ ﻟﻨﺎ أﺟﻤﻌﻴﻦ اﻟﺨﺘﺎم‪ ،‬وأن ُﻳﺤﻴِ َﻴﻨَﺎ ُﻣﺴﻠﻤﻴﻦ‪ ،‬وأن َﻳ َﺘﻮ ﱠﻓﺎﻧﺎ ُﻣﺆﻣﻨﻴﻦ َ‬ ‫ﻣﺴﺘﻘﻴﻤﺎ‪.‬‬ ‫وﻻ ُﻣ ِﻀ ﱢﻠﻴﻦ‪ ،‬وأن ﻳﻬﺪﻳﻨﺎ أﺟﻤﻌﻴﻦ إﻟﻴﻪ ﺻﺮا ًﻃﺎ‬ ‫ً‬ ‫إﻟﻴﻚ‪.‬‬

‫أﺳﺘﻐﻔﺮ َك وأﺗﻮب‬ ‫ﻬﻢ وﺑﺤﻤﺪك‪ ،‬أﺷﻬﺪ أن ﻻ إﻟﻪ ﱠإﻻ أﻧﺖ‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ﺳﺒﺤﺎﻧﻚ اﻟ ﱠﻠ ﱠ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫اﻟ ﱠﻠ ُﻬ ﱠﻢ ﱢ‬ ‫ﺤﻤ ٍﺪ وآﻟ ِﻪ وﺻﺤﺒِﻪ‪.‬‬ ‫ﺻﻞ وﺳ ﱢﻠ ْﻢ ﻋﻠﻰ ﻋﺒﺪك ورﺳﻮﻟﻚ ﻧﺒ ﱢﻴﻨَﺎ ُﻣ ﱠ‬

‫‪ ‬‬


‫ـ ‪ 266‬ـ‬


‫ﻓﻬﺮﺱ ﺍﳌﻮﺿﻮﻋﺎﺕ‬

‫اﻟﺼﻔﺤﺔ‬

‫اﻟﻤﻮﺿﻮع‬

‫‪ F‬اﻟﻤﻘﺪﻣﺔ ‪٧ ..................................................................‬‬ ‫‪ F‬اﻟﺪرس اﻷول‪ :‬ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺳﻮرة اﻟﻔﺎﺗﺤﺔ وﻗﺼﺎر اﻟﺴﻮر ‪١٠.......................‬‬

‫‪ ‬ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺳﻮرة اﻟﻔﺎﺗﺤﺔ ‪١٢..................................................‬‬

‫‪ ‬ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺳﻮرة اﻟﺰﻟﺰﻟﺔ ‪١٧...................................................‬‬

‫‪ ‬ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺳﻮرة اﻟﻌﺎدﻳﺎت‪١٩.................................................‬‬

‫‪ ‬ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺳﻮرة اﻟﻘﺎرﻋﺔ ‪٢٢..................................................‬‬

‫‪ ‬ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺳﻮرة اﻟﺘﻜﺎﺛﺮ ‪٢٤...................................................‬‬

‫‪ ‬ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺳﻮرة اﻟﻌﺼﺮ ‪٢٦...................................................‬‬

‫‪ ‬ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺳﻮرة اﻟﻬﻤﺰة ‪٢٧...................................................‬‬

‫‪ ‬ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺳﻮرة اﻟﻔﻴﻞ ‪٢٩....................................................‬‬

‫‪ ‬ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺳﻮرة ﻗﺮﻳﺶ‪٣٠....................................................‬‬

‫‪ ‬ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺳﻮرة اﻟﻤﺎﻋﻮن ‪٣١.................................................‬‬

‫‪ ‬‬


‫‪ ‬تفسير سورة الكوثر‪32...................................................‬‬ ‫‪ ‬تفسير سورة الكافرون ‪33................................................‬‬ ‫‪ ‬تفسير سورة النصر‪34....................................................‬‬ ‫‪ ‬تفسير سورة المسد ‪35...................................................‬‬ ‫‪ ‬تفسير سورة اإلخّلص ‪37...............................................‬‬ ‫‪ ‬تفسير سورة الفلق ‪38....................................................‬‬ ‫‪ ‬تفسير سورة الناس‪39....................................................‬‬ ‫‪ F‬الدرس الثاين‪ :‬أركان اإلسالم ‪41............................................‬‬ ‫‪ ‬معنى «ال إله إال اهلل» ‪43..................................................‬‬ ‫‪ ‬شروط «ال إله إال اهلل»‪46.................................................‬‬ ‫‪ ‬شهادة «أن محمدا رسول اهلل»‪53.........................................‬‬ ‫‪ ‬الركن الثاين‪ :‬الصّلة‪57..................................................‬‬ ‫‪ ‬الركن الثالث‪ :‬الزكاة‪59..................................................‬‬ ‫‪ ‬الركن الرابع‪ :‬الصيام‪60..................................................‬‬ ‫‪ ‬الركن الخامس‪ :‬الحج‪60................................................‬‬ ‫الدرس الثالث‪ :‬أركان اإليمان‪63...............................................‬‬ ‫‪ ‬األصل األول‪ :‬اإليمان باهلل ‪72...........................................‬‬ ‫‪ ‬األصل الثاين‪ :‬اإليمان بالمّلئكة ‪76......................................‬‬ ‫‪ ‬األصل الثالث‪ :‬اإليمان بالكتب المنزلة ‪80...............................‬‬ ‫ـ ‪ 268‬ـ‬


‫‪ ‬األصل الرابع‪ :‬اإليمان بالرسل الكرام‪82.................................‬‬ ‫‪ ‬األصل الخامس‪ :‬اإليمان باليوم اآلخر‪83................................‬‬ ‫‪ ‬األصل السادس‪ :‬اإليمان بالقدر خيره وشره ‪85..........................‬‬ ‫‪ F‬الدرس الرابع‪ :‬أقسام التوحيد وأقسام الشرك‪88.............................‬‬ ‫‪ ‬توديد الربوبية‪91........................................................‬‬ ‫‪ ‬توديد األلوهية‪92.......................................................‬‬ ‫‪ ‬توديد األسماء والصفات ‪98............................................‬‬ ‫‪ ‬تقسيم الشرك باعتبار دجمه من ديث الكرب والصغر‪105 ................‬‬ ‫‪ ‬تقسيم الشرك باعتبار جّلئه وخفائه‪129 .................................‬‬ ‫‪ F‬الدرس الخامس‪ :‬اإلحسان ‪131 ............................................‬‬ ‫‪ F‬الدرس السادس‪ :‬شروط الصالة‪134 .......................................‬‬ ‫‪ F‬الدرس السابع‪ :‬أركان الصالة‪140 ..........................................‬‬ ‫‪ F‬الدرس الثامن‪ :‬واجبات الصالة‪148 ........................................‬‬ ‫‪ F‬الدرس التاسع‪ :‬بيان التشهد‪151 ............................................‬‬ ‫‪ F‬الدرس العاشر‪ :‬سنن الصالة‪165 ...........................................‬‬ ‫‪ F‬الدرس الحادي عشر‪ :‬مبطالت الصالة‪175 .................................‬‬ ‫‪ F‬الدرس الثاين عشر‪ :‬شروط الوضوء‪178 ....................................‬‬ ‫‪ F‬الدرس الثالث عشر‪ :‬فروض الوضوء‪181 ..................................‬‬ ‫‪ F‬الدرس الرابع عشر الوضوء‪185 ............................................‬‬ ‫ـ ‪ 269‬ـ‬


!"

:

*""

( )# $ %& $%' :

*"! **A

+,

- ./0 1

2 34

789% 7( : ; <(

*CD

F

:

=(>?@ :

%

F

5

F

2 6

F >B F

@ @ @RWP@

Profile for Hussein Abusamra

شرح الدروس المهمة لعامة الأمة  

شرح الدروس المهمة لعامة الأمة  

Advertisement