Page 1

‫َ‬ ‫ﺗﻴﺖ َ‬ ‫ارض‬ ‫ﺐأ َ‬ ‫ِﻟ َﻜﻲ ُﺗ ِﺤ ﱠ‬

‫اﻟﻴﺎس أَﺑُﻮ َ‬ ‫ﺷﺒَﻜﺔ‬

‫ﻣﻦ اﻟ ّﺬﻛﺮى إِﻟﻰ اﻟ ّﺬاﻛﺮة‬


‫يت َ‬ ‫ل َ‬ ‫األرض‬ ‫ب أَ َت َ‬ ‫ِكي ُت ِح َّ‬

‫اليـاس أَبُو َ‬ ‫شبَكة‬ ‫من ال ّذكرى إِلى ال ّذاكِ رَة‬


‫ت َ‬ ‫األرض‬ ‫ب أَ َت ْي َ‬ ‫ِل َكي ُت ِح َّ‬

‫الياس أَبُو َ‬ ‫شبَكة‪:‬‬ ‫من ال ِّذكرى إِلى ال َّذاكِ رَة‬


‫بطاقة َم ّ‬ ‫كتبية‬

‫َ‬ ‫ُ َّ َ‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫ب أتـيت األرض ‪ -‬الياس أبو شبكة من الذكرى ِإىل الذاكرة‪‬‬ ‫الكتاب‪ :‬لكي ت ِـح‬ ‫ّ‬ ‫المؤلف‪ :‬هنري زغيب‬ ‫الناشر‪ :‬درغام‬ ‫بيوغرافية‬ ‫الموضوع‪ :‬فصولٌ‬ ‫ّ‬ ‫عربية‬ ‫اللغة‪ّ :‬‬ ‫الحجم‪ 328 :‬صفحة‬ ‫القياس‪ 26 × 21 :‬سنتم‬ ‫‬‫‬‫‬‫‬‫رقم الكتاب يف النظام الرقمي الدويل‪ISBN 978 9953 579 50 4 :‬‬ ‫الطبعة ُاألوىل‪2014 :‬‬

‫© احلقوق حمفوظة للنارش‬ ‫منشورات درغام‬

‫بناية درغام‪ ،‬شارع الفردوس‪ ،‬سدّ البورش ّية‬ ‫ص ب ‪ 90 - 1728‬جديدة املتن‬ ‫املتن ‪1202 - 2130‬‬ ‫الربيد ِاإللكرتوين‪:‬‬

‫الموقع ِاإللكرتوين‪:‬‬

‫‪info@dergham.com‬‬ ‫‪www.dergham.com‬‬

‫الص َور احلديثة يف الداخل)‪.‬‬ ‫صورة الغالف‪ :‬كامريا سامي درغام (وله َأيض ًا بعض ُّ‬ ‫يضم جمموع َة مقاالت َن َش َرها املؤَ ِّلف طيلة ‪ 40‬سنة (‪)2012-1972‬‬ ‫هذا الكتاب‪ُّ :‬‬ ‫يف َّ‬ ‫لبنانية َأشا َر ِإليها يف خامتة ُكلّ مقال‪.‬‬ ‫جمالت ُ‬ ‫وصحُ ف ّ‬


‫ا ِإلهداء‬

‫;‪"Les Amours ne se ressemblent pas‬‬ ‫"‪chaque Amour est unique‬‬

‫كنت أ َ ِجل ُس ِإلهيا تحَ يك يل ع ْن ُه وعَ هْنا‬ ‫حني‬ ‫ُ‬ ‫حس ُد ُه وأَغْ ِبطُها‬ ‫ُ‬ ‫كنت أ َ ُ‬ ‫احلقيقي‬ ‫ب‬ ‫ُ‬ ‫عرف هذا ا ُحل َّ‬ ‫وأَحلمُ ‪ :‬أَيَ‬ ‫كون يل أ َ ُ‬ ‫َّ‬ ‫ماليون ّية؟‬ ‫يُ ْنقذُين من أَوهايم ومنحواتيت اـلﭙـي ْغ ُ‬ ‫حىت أ َ ِ‬ ‫مجل من أَحاليم‬ ‫تيت أ َ َ‬ ‫احلقيقي‪.‬‬ ‫ب‬ ‫يل نعم َة احلياةِ الوحيدةَ‪ :‬ا ُحل َّ‬ ‫هُتدني ِإ َّ‬ ‫ّ‬

‫ْت ِإ ِ‬ ‫ليك حُ هَّبُما بلَ ْه َفة الرباءةِ العاشقة‪:‬‬ ‫محل ُ‬ ‫ حُبُّنا أَ َمج ُل‪ ،‬أَقوى‬‫رَدَدْتِين بِأ َ َمجل‪:‬‬ ‫لك ٍ‬ ‫حالة فَريدةٌ ِإحدى‪.‬‬ ‫ب ال تَ َتشا َبه‪ُّ .‬‬ ‫ُ‬ ‫‪ -‬حاالت ا ُحل ِّ‬

‫‪5‬‬


‫المقدمة‬ ‫المقدمة‬

‫– طبعة ثالثة ‪2013‬‬ ‫قباني‪ ...‬متناثر ًا كريش العصافير ‪ :‬بيروت ‪2013‬‬ ‫نزار ّ‬ ‫الذاكرة  ‪ :‬بـيروت ‪2014‬‬ ‫الذكرى ِإلى ّ‬ ‫الياس أَبو شبكة من ّ‬

‫‪4‬‬


‫المقدمة‬ ‫ّ‬

‫من نبع احلقيقة جاء‪:‬‬

‫قول سوى احلق‬ ‫دق ال أ َ ُ‬ ‫أَ ُ‬ ‫عشق ال ِّص َ‬

‫ول���و ج���ار يف احل��ي��اة عَ���لَ��� ّي���ا(((‪.‬‬

‫حييت سأَحيا‬ ‫اي حبييب‪ ،‬كما‬ ‫ُ‬ ‫ك�ّل�مّ��ا ـغ�ــ��رّق ال���ظَّ�ل�ا ُم عيوين‬

‫ــك استمرارا‬ ‫َّ‬ ‫إن يب م��ن نعميِ َ‬ ‫(((‬ ‫��ب يف ديم أَن���وارا ‪.‬‬ ‫أَط��ـ‪‬لـَ��ع ا ُحل ُّ‬

‫فبقيت منه‬ ‫وعىل اسم هذه احلقيقة عاش‪ِ .‬صد َق ُه ك َّله عاش ِ‬ ‫وشع َره ك َّله‪َ ،‬‬ ‫فجر َأرشق من ِإخالص حبيبته‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫طالئع ٍ‬

‫‪‬‬

‫خنت قواعدها‬ ‫الياس َ‪‬أبو‪ ‬شبكة (وليعذ ْرين ُ‪‬أصوليو‪ ‬اللغة َوأصيلوها ِإذا‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫وفيا لرغبة الشاعر نفسه كتابة اسمه َ‪‬أبو‪ ‬شبكة يف ّ‬ ‫شتى‬ ‫وبقي ُ‬ ‫ت ً‬ ‫ومألوفهم ْ‬ ‫عري ُيرنى‬ ‫وكب ِش ٌّ‬ ‫حاالت الرفع والنصب واجل ّر) يلفت فيه َأنه‪ ،‬يف سامء الشعر‪َ ،‬ك ٌ‬ ‫ِإليه ً‬ ‫جيال بعد جيل‪.‬‬ ‫فالكالسيكيون جيدون فيه ع َل ًما من َأعالمهم‪ ،‬واملجدِّ دون ي َر َ‬ ‫طليع‬ ‫ون ِإليه َ‬ ‫ُّ‬ ‫التجديد‪ ،‬و‪‬احلدا َث ِو ُّيون‪ ‬حيبون نضارته وال يرفضون كالسيكيته‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫‪ )1‬فاحتة من ‪‬صعيد اآلهلة‪.‬‬ ‫‪ )2‬خامتة ‪ِ ‬إىل ا َألبد‪.‬‬

‫‪7‬‬


‫المقدمة‬

‫لذا جاءت قصائدُ ه مجيل ًة كبساطة احلقيقة‪ ،‬وعارية ِإ ّال من الصدق(((‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫ت طويل ًة ظلّ يكتب (عن) وحيكي (يف) ُ‬ ‫وينشر (من) ‪‬غلواء‪.‬‬ ‫سنوا ٍ‬ ‫سنوات طويلة‪.‬‬ ‫سنتني ّ‬ ‫الصبية التي تكربه ببضع سنوات (هي تقول َ‬ ‫ويؤكد آخرون َأهنا سبع)‬ ‫تلك َّ‬ ‫الصبية يف ‪‬الزوق‪ ،‬كانت َأولَ فتاة خفق هلا قلبه عام ‪ ،1920‬وآخ َر وج ٍه َأغمض‬ ‫جار ُته َّ‬ ‫عليه عينيه يف الرابعة فجر ذاك االثنني ‪ 27‬كانون الثاين ‪ً 1947‬‬ ‫قائال هلا‪ :‬استغفري يل‬ ‫من كل َأهايل الزوق‪ .‬ثم غام صو ُته وهو يتمتم ُ‪‬أولغا‪ُ ...‬أولغا‪ ...‬مسكينة ُأولغا‪.‬‬ ‫يف فجر حياته َأشع َلت حيا َته‪.‬‬ ‫وجه َر عالني ًة‪.‬‬ ‫رسا َ‬ ‫بحبه هلا يف قصائده َوأحاديثه‪َ .‬‬ ‫ّ‬ ‫سماها ‪‬غلواء‪ ‬وجهر ّ‬ ‫جه َر ً‬ ‫حبه هلا وكان يف السابعة ْ‬ ‫عشرة‪.‬‬ ‫رسا‪َ :‬أعلن َّ‬ ‫ً‬ ‫ِّ (((‬ ‫عالني ًة‪َ :‬‬ ‫خطبها تسع سنوات وهو يعللها ‪.‬‬ ‫تزوجها‪.‬‬ ‫ويف العام التاسع (‪َّ )1932‬‬ ‫يسميها ‪‬غلواء‪.‬‬ ‫بابنة هلام ِّ‬ ‫تزو َجها‪ ،‬وهو يف الوفاء ِمثال‪.‬كان حيلم ٍ‬ ‫وفاء َّ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫الوفاء ِإمنا َمشو ًبا‬ ‫معا‪ ،‬فبقي‬ ‫لكن احل ْلم انكرس‪ .‬وأجهضت‬ ‫زوجته املولودَ واحل ْلم ً‬ ‫ُ‬ ‫باملرارة‪:‬‬

‫ِ‬ ‫����م األ ُ ّم ل��ع��ن�� ٌة أ َ‬ ‫ن����ت من ُه‬ ‫َ‬ ‫رح ُ‬ ‫��ك القنوطَ ِإىل وجهي‬ ‫محل ْ‬ ‫َت أُم ُّ َ‬ ‫مت‬ ‫املسوخ فمل حط َّ َ‬ ‫َ‬ ‫جئت يف سحنة ُ‬ ‫ـت حُ��بيّ ومل أ ُ ِ‬ ‫كـ‬ ‫طع ْم َ‬ ‫أَألَنيّ بذ ْـل ُ‬

‫يف دم��ايئ كانت‪ ،‬ويف أَعراقي‬ ‫وك��ن��ت ال���رج���اءَ يف أَع��م��اق��ي‬ ‫َ‬ ‫ْ���م���ا من����ا ع��ل�ى أَح����داق����ي‬ ‫حُ�ل�ـ ً‬ ‫(((‬ ‫منه س��وى ال��ف��ت��ات ال��ب��اق��ي؟؟‬

‫‪v‬‬

‫قلب عَ ِّل ْم‪َ :‬أ َ‬ ‫عذب الشعر‪ ‬يف ‪‬نداء القلب‪.)‬‬ ‫ب الشعر ما َصدَ ْق‪( ‬من قصيدة َ‪‬أ ُ‬ ‫عذ ُ‬ ‫‪ ... ) 3‬ويا ُ‬ ‫يومي ُته ‪ 12‬شباط ‪.1931‬‬ ‫‪ )4‬‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫‪ )5‬الطرح‪ ‬آخر قصائد ‪‬أفاعي الفردوس‪.‬‬

‫‪9‬‬


‫المقدمة‬

‫ذات ُبعد واحد‪:‬‬ ‫تفجريا فاستيالدً ا‪ .‬كانت الكلمة لديه َ‬ ‫مل ُي ْع َن َأبو شبكة بالكلمة ً‬ ‫ُالبعد املبارش‪.‬‬ ‫(الشعرية منها عىل ا َألخص) تقولُ ما مل َ‬ ‫تعتدْ قو َله‪َ ،‬أو‬ ‫مل َي َ‬ ‫سع ِإىل جعل الكلمة ِ‬ ‫غالبا‪ ،‬تقليدي ًة ‪‬عتيق ًة‪‬‬ ‫ختلقُ‬ ‫فضاء جديدً ا غري املعطى هلا يف ْاملألوف‪ .‬لذا ِبق َي ْ‬ ‫ت معه‪ً ،‬‬ ‫ً‬ ‫قليل من النثر املنظوم‪.‬‬ ‫يف َأدائها ومؤَ دّ اها‪ ،‬وبقي يف شعره َك ٌّم ُ‬ ‫غري ٍ‬ ‫عامل معها‬ ‫كان َأداء َأبو شبكة عفو ًيا يعتمد الكلم َة وسيل ًة (ال غاي ًة كام َت َ‬ ‫الرمز ُّيون‪ ،‬وهنا الفارق بينه وبني سعيد عقل) ّ‬ ‫ويتخذ الكلمة يف بكارهتا ال يف ما‬ ‫ميكنه (لو شاء) َأن يستولدَ ها‪ ،‬وهنا الفارق بني عرصه وعرصنا يف حماولة تفجري الكلمة‬ ‫ِإىل ِّ‬ ‫تشظيات ختلق َأبعادً ا جديدة هي من ُص ْلب احلداثة العاملية اليوم يف الفن‪ :‬شع ًرا‬ ‫ورسما وموسيقى ووسائلَ تعبري‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ـرومنطقيته وللرومنطقيني‪ .‬قال ّبثه عىل ِإيقاع قلبه هو ال‬ ‫وفيا ل‬ ‫ّ‬ ‫ظلّ َأبو شبكة ً‬ ‫غراض ال تعيش ِإ ّال عىل هامش‬ ‫عىل مذاهب التنظرييني‪  :‬النظريات‬ ‫مذاهب َوأ ٌ‬ ‫ُ‬ ‫كتب يف مقدّ مة َ‪‬أفاعي الفردوس‪.‬‬ ‫ا َألدب‪ ،‬كام َ‬ ‫عرصه الذي‪ ،‬مرح َل َت ِئ ٍذ‪ ،‬كان مي ّر عىل اجلرس الفاصل بني‬ ‫هكذا يكون عاش َ‬ ‫الكالسيكية ونسيم التجديد (الشكالينّ ) الطالع من مجاعة ‪‬الرابطة القلمية‪ ‬يف‬ ‫نيويورك‪ ،‬وبني ريح الشعر احلديث الذي ‪ -‬حني َ‬ ‫بدأ ُ‬ ‫مناخ ُه (املضموينّ ) بالوصول من‬ ‫الغرب ِإىل لبنان ‪ -‬كان َأبو شبكة حز ََم حقيبته وغادرنا‪.‬‬ ‫ولعلّ عزْفه عىل تنويعات الوزن والقافية والعمودية (يف بعض َ‪‬أفاعي الفردوس‪‬‬ ‫طلعت‬ ‫وخصوصا يف ‪‬ا َألحلان‪ )‬كان‬ ‫ثم يف ‪‬نداء القلب‪ ‬و‪ِ ‬إىل ا َألبد‪‬‬ ‫الصباح الذي َ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫شمسه ً‬ ‫الحقا (بعد احلرب العاملية الثانية) عىل شعراء كثريين من لبنان وحميطه‬ ‫َأحدثوا يف الشعر العريب احلديث صدمة التغيري‪.‬‬ ‫النظمي البحت‪.‬‬ ‫هذا ‪‬التجديد‪ ‬لدى َأبو شبكة مل َي َطل سوى الشكل‪ ،‬والشكل‬ ‫ّ‬ ‫هيتم َأو مل يتجارس‪.‬‬ ‫مل ُيغص عىل اجلوهر‪ .‬مل َي ِع َأو مل ّ‬ ‫العرص مل يكن يسمح‪.‬‬ ‫َأو رمبا‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫مزاجـه‪ .‬ال يـتـكـ َّلف‪ .‬وكان شع ُره‪ ،‬كطبيعة مزاجه‪ ،‬عىل َالب َر َكة‪.‬‬ ‫بسيطـا كـان ُ‬ ‫‪8‬‬


‫المقدمة‬

‫رخيما َفأعطاها من قصائده ّ‬ ‫قلبها داف ًئا فد ِف َئ فيه ِإىل‬ ‫كان صو ُتها ً‬ ‫تغنيها‪ .‬وكان ُ‬ ‫َأشع ٍة تقيه ب ْردَ صحراء ما زال ُ‬ ‫ساطعا فطلب من صديقه‬ ‫قحطها يف قلبه‪ .‬وكان مجاهلا‬ ‫ً‬ ‫اجلميل َأن يرسمها له ففعل‪ ،‬وع ّلقَ اللوحة يف صدر بيته غري عابئ ُبنصح‬ ‫الفنان قيرص ّ‬ ‫عروس ِشعره َوأيامه‪:‬‬ ‫ا َألصدقاء يف الزوق َأن يزيلها من صدر الدار‪.‬جع َلها‬ ‫َ‬

‫��ب بقااي‬ ‫ك��ان يف قليب من ا ُحل ّ‬ ‫ِ‬ ‫ح�ين أ َ‬ ‫ام��ت‬ ‫رشقْ����ت ع�لى قليب حَّ َ‬

‫ِ‬ ‫امل����ايض‪ ،‬وامل����ايض خطااي‬ ‫ت��وق��ظ‬ ‫َ‬ ‫لت روحُ ِ‬ ‫��ك ب�� ْؤيس و َش��ق��ااي(((‪.‬‬ ‫غس ْ‬ ‫َ‬

‫وح���ق ه���وى غ���ل���وا‪ ...‬أُح��� ُّس ِ‬ ‫���ك يف ديم‬ ‫ِّ‬ ‫ج���رَت يف ديم وح�� ًي��ا وتَ��جْ��رني يف ديم‬

‫وأُ ِ‬ ‫����م‪ :‬م���ا يف غَ���لْ��� َو حُ ٌّ‬ ‫ق����س ُ‬ ‫����ب مُ��� َدمِّ���رُ‬ ‫ول���ك��� ّن‬ ‫�����ب ق���د ي��ت��غ��يَّ��رُ(((‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ل����ون ا ُحل ّ‬

‫بقيت غلواء‪:‬‬ ‫ومعها‪َ ،‬أ ًيضا‪َ ،‬‬

‫‪ ...‬وبقي عىل وفائه لغلواء‪.‬‬

‫‪v‬‬

‫صوت املغنية السمراء مل يذهب فيه ً‬ ‫وانكسر‬ ‫عميقا فضاع صداها يف الريح‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫الشاعر من جدي ٍد عىل اخليبة‪.‬‬ ‫ومع غياب الصوت غابت املرحل ُة الثالثة من حياته‪.‬‬ ‫بقيت يف صدر الدار‪.‬‬ ‫سوى َأن اللوحة الزيتية َ‬ ‫ِإىل َأن كان عام ‪.1940‬‬ ‫العام الفاصل يف حياة الياس َأبو شبكة وشعره(‪.((1‬‬ ‫ُ‬ ‫شهدَ والدة املرحلة الرابعة وا َألخرية‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫العام الذي ِ‬ ‫بل لع َّلها‪ ،‬يف قلبه‪ ،‬ال ُـ‪‬أ ْوىل‪ ‬وا َألخرية‪.‬‬ ‫‪ ) 8‬العام ا َأل َّول‪ِ ( ‬إىل ا َألبد‪.)‬‬ ‫‪ )9‬القصيدة نفسها‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ت‪ ...‬فقد ُس ِّك َر سمعي‪ ،‬وأ َ‬ ‫ت مقلتايا‬ ‫طبق ْ‬ ‫‪ُ )10‬كلُّ ما يف احلياة أن ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ب ما‬ ‫ك ما رأت عينايا‪( ‬قصيدة ‪‬أنتِ‬ ‫ُ‬ ‫غري عيني ِ‬ ‫سمعت سواه‪َ ...‬‬ ‫ صو ُت ِك َالع ْذ ُ‬

‫يل‪ ‬يف ‪‬نداء القلب‪.)‬‬

‫‪11‬‬


‫المقدمة‬

‫مع ِاإلجهاض تنطوي املرحلة ا ُألوىل من حياته مع َ‬ ‫املرأة‪.‬‬ ‫سي َع ْن ِو ُنها َأنطون قازان‪ ،‬مرحل ُة اجلسد الذي ما‬ ‫تليها الثانية‪ :‬مرحلة ‪‬وردة‪ُ ‬‬ ‫نجَ َح يف ْ‬ ‫قطف الوليد َف َ‬ ‫هاجع‬ ‫جن َح ِإىل ُأ ّم ولي ٍد كانت متنحه ليايل حا ّر ًة بينام طف ُلها‬ ‫ٌ‬ ‫يتف َّط ُر قه ًرا فيام ّ‬ ‫يف الغرفة ا ُألخرى‪ .‬كان َ‬ ‫يتقطر شهو ًة عىل التي مل يرت ِدع َأن يقول‬ ‫ب‪.(((‬‬ ‫هلا ‪‬ستهرمني ويبقى ذلك ا َخل َش ُ‬ ‫كان يعرف َأن ‪‬وردة‪( ‬روز‪ ‬كان اسمها احلقيقي) هي وردة ّ‬ ‫اللذة العابرة فلم‬ ‫ِجيد ِل َن ْع ِتها‪ ،‬حني َمج َع قصائده َف ْت َر َت ِئ ٍذ يف كتاب‪َ ،‬أفضل من َأن تكون سليلة َ‪‬أفاعي‬ ‫الفردوس‪.‬‬ ‫تنهض ِإىل‬ ‫بكاء طف ِلها الرضيع فلم َ‬ ‫َ‬ ‫ذات ليلة ماطر ٍة‪ ،‬وكان عند ‪‬وردة‪َ ،‬‬ ‫سمع َ‬ ‫رضيعها‪َ ،‬‬ ‫ورأى عىل اجلدار صور َة زوجها الغائب يف َ‬ ‫خارجا من عندها‬ ‫فنهض ً‬ ‫سفر‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫الوعيني الزَّوج يف الصورة‪.‬‬ ‫هار ًبا من صوت الطفل يف الغرفة‪،‬‬ ‫بقيت غلواء‪:‬‬ ‫ومع ‪‬وردة‪َ ،‬‬

‫روح ِ‬ ‫وح���ق ِ‬ ‫ت‬ ‫����ك اي غَ���ل���وا‪ ...‬ول��و غ��� َدرَ ‪‬‬ ‫ِّ‬ ‫كنت يف دَعَ ٍة‬ ‫كنت يف َسكر  ةٍ‪ ،‬أَو‬ ‫ِإن‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬

‫ب‬ ‫ـِ��ـ��ي ال��ل��ي��ايل وأَـص‪‬ـ��� َم���ت ق��ل�ِب�يِ َ ال��نُّ�� َو ُ‬ ‫ب َ‬ ‫(((‬ ‫وم����ر َّ ط��ي�� ُف ِ‬ ‫َدب‬ ‫���ره واأل ُ‬ ‫��ك‪ ،‬مـَ����ر َّ ال���ط ُّ ُ‬

‫وبقي عىل وفائه لغلواء‪.‬‬ ‫‪َ ...‬‬

‫‪v‬‬

‫مع انقضاءِ ذاك الليل املاطر تنقيض املرحل ُة الثانية‪.‬‬ ‫وتليها الثالثة‪ :‬اصطلح البعض عىل تسميتها ّ‬ ‫‪‬املغنية السمراء‪( ‬هادية‪ ‬كان‬ ‫اسمها احلقيقي)‪.‬‬ ‫خرائب يف صحو ليلة‬ ‫تبدَّ ت له طالع ًة من دمار انكساراته كحوري ٍة طالع ٍة من‬ ‫َ‬ ‫شعت عليه ُ‬ ‫كشعاع ٍة تطلّ من البحر بعد َن ٍّو كثري‪.‬‬ ‫صيف‪ّ .‬‬ ‫الشهوات‪َ ‬‬ ‫‪ )6‬قصيدة ‪‬يف هيكل ّ‬ ‫(‪‬أفاعي الفردوس‪.)‬‬ ‫‪ )7‬القصيدة نفسها‪.‬‬

‫‪10‬‬


‫المقدمة‬

‫و َن َش َر ْتها يف كتاهبا الشهري ‪‬النبي احلبيب‪ ((1(‬فاحت ًة بذلك حياة جربان اخلاصة عىل‬ ‫وساعتها َأمام َمن يريد فهم جربان ِمن بيوغرافياه‪.‬‬ ‫ت هذا التفصيل َألقول‪ :‬هني ًئا جلربان‪ ،‬ويا ليت ذلك َّ‬ ‫حتقق اللياس َأبو شبكة‪.‬‬ ‫َأوردْ ُ‬ ‫وهو كاد‪.‬‬ ‫و ِل َـم َل ْـم؟‬ ‫جاءها من لدُ ن‬ ‫ذات مسوي ٍة‪ ،‬وليىل غارق ٌة يف حزهنا الكبري عىل غياب شاعرها‪َ ،‬‬ ‫ا َألولياء واحل ّراس َوأرباب العشرية َمن يقول هلا بلهجة ضاغطة‪َ :‬سمعنا َأ ّن بين ِك‬ ‫َ‬ ‫والدك وال بذكرى‬ ‫تترسب ِإىل النرش‪ .‬هذا ال يليق َبأ ِ‬ ‫حرقيها قبل َأن َّ‬ ‫و‪‬بينه‪ ‬رسائل‪َ .‬أ ِ‬ ‫زوج ِك الذي غاب هو اآلخر‪.‬‬ ‫الض َ‬ ‫غوط مر ًة‪َ ،‬‬ ‫قاومت ُّ‬ ‫اثنتني‪ ،‬ثال ًثا‪.‬‬ ‫َ‬ ‫انتق َلت اللهجة من الضغط ِإىل التهديد‪ِ  :‬إ ّما ِإحراق الرسائل و ِإ ّما حرما ُنك مما‬ ‫والدك‪.‬‬ ‫ُيعيل َأ ِ‬ ‫كان َأوالدها كلَّ َأملها يف احلياة‪.‬‬ ‫عاما) مبا مل ُي ِع ْنها عىل اختبار اخلوف‪.‬‬ ‫وكانت من الصبا‬ ‫الطري (عمرها ‪ً 32‬‬ ‫ّ‬ ‫ّفض َلت ْ‬ ‫طمأنينة َأوالدها عىل ق َلق الرسائل‪.‬‬ ‫ينزف ‪‬ال‪ ‬ما زالت َأصداؤُ ها ترتدَّ د يف ندَ مها‬ ‫َأ ً‬ ‫خريا قالت ‪‬نعم‪ ‬فيام قلبها ِ‬ ‫ّ‬ ‫حتى اليوم‪.‬‬ ‫كيسني‬ ‫ذات مساءٍ‬ ‫ماطر َ‬ ‫وصل ‪‬ال َّرسولُ الضاغط‪ ‬فحمل من زاويتها الدفيئة َ‬ ‫ٍ‬ ‫طعمهام النار برشارة قاسي ٍة َأ ْ‬ ‫نريونية َ‪‬أيب جهل‪‬‬ ‫شعلتها َأ ُ‬ ‫كبريين َأ َ‬ ‫َ‬ ‫صابع ساد ّي ٌة ُلتشبع ّ‬ ‫يف َأوامره عىل القبيلة‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ب بني الياس وليىل (‪‬مئات‪ ،‬تقول هي‪،‬‬ ‫ليلتها احرت َقت رسائلُ ّ‬ ‫ست سنوات ُح ّ‬ ‫فكم مر ًة وص َل ْتها منه َأكثر من رسال ٍة يف يوم واحد َوأ ْ‬ ‫جابته عن كلّ واحدة يف اليوم‬ ‫‪ )12‬صدَ ر يف نيويورك هبذا العنوان عام ‪ 1972‬وصد َرت ُ‬ ‫‪‬نبي احلبيب‪‬‬ ‫طبعته العربية يف بريوت (ا َأل ّ‬ ‫هلية للنرش والتوزيع) بعنوان ّ‬ ‫واضح يف ترمجة العنوان‪.‬‬ ‫والتحريف‬ ‫ٌ‬

‫‪13‬‬


‫المقدمة‬

‫ليىل!‬ ‫الوفاء لغلواء يف احلياة‪ ،‬واختفى من الشعر‪.‬‬ ‫بقي ُ‬ ‫معها َ‬ ‫َ‬ ‫واختفت اللوحة الزيتية من صدر الدار‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫حني غاب جربان يف ‪ 10‬نيسان ‪ 1931‬مل يكن معرو ًفا عن حياته اخلاصة سوى‬ ‫ما يف رسائ ِله العامة ِإىل َأصدقائه ومعارفه‪.‬‬ ‫بعد ْاملأتم َبأيام‪ ،‬يف جلسة بني ماري هاسكل وميخائيل َنعيمه يف مقهى‬ ‫‪‬سـﭙـا‪ ‬قرب حمطة القطار ‪‬غراند سنرتال ستايشن‪ ‬يف قلب نيويورك‪،‬‬ ‫فندق ْ‬ ‫حلاح من َنعيمه‪َ ،‬أن ُت َك ْب ِسلَ‬ ‫صباح الثلثاء ‪ 21‬نيسان ‪ ،1931‬استطاعت ماري‪ ،‬ب ِإ ٍ‬ ‫عناوين‬ ‫سبعا وعرشين سن ًة من حياهتا مع جربان‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ت اجللسة‪ً ،‬‬ ‫له‪ ،‬يف َأربع ساعا ِ‬ ‫وسعها َنعيمه ُم ً‬ ‫القصيص والقليلَ الذي َخ ِب َره‬ ‫ضيفا ِإليها الكثري من نسجه‬ ‫عام ًة َّ‬ ‫ّ‬ ‫روائي بيوغرايفّ يف كتابه‬ ‫معا ُبأسلوب‬ ‫شخصيا من مرافقته جربان‪ ،‬ليط ِّرزها ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫‪‬جربان خليل جربان‪ :‬حيا ُته‪ ،‬مو ُته‪ ،‬أد ُبه‪ُّ ،‬فنه‪( ‬بريوت ‪ )1934 -‬وأثار لدى‬ ‫كثريا ال‬ ‫رفاق جلربان وجدوا يف الكتاب ‪‬نسجً ا ً‬ ‫صدوره عاصف ًة يف نيويورك من ٍ‬ ‫عالق َة له بحياة عميدهم‪.((1(‬‬ ‫وظ َّلت حياة جربان ِس ًرا ْ‬ ‫التكهنات‪ّ ،‬‬ ‫حتى كشف‬ ‫ً‬ ‫مغ ًلقا عىل احلقيقة‬ ‫مفتوحا عىل ّ‬ ‫الشاعر توفيق صايغ ُ‬ ‫قمقم السحر بنرش بعض رسائل ماري هاسكل وجربان يف‬ ‫كتاب َ‪‬أضواء جديدة عىل جربان‪ ،‬بعدما كانت الباحثة ﭬـِرجينيا احللو َ(أمريكية من‬ ‫ت تلك الثروة املوجودة منذ ‪ 1953‬لدى جامعة نورث كاروالينا يف‬ ‫َأصل لبناين) َّنس َق ْ‬ ‫ْتشاﭘـِّل ِهلّ ‪ 325 :‬رسالة من جربان ِإىل ماري‪ ،‬و‪ 290‬رسالة من ماري ِإىل جربان‪،‬‬ ‫ومذكرات ماري اليومية (‪ 47‬دفرتً ا) ويومياهتا احلميمة اخلاصة (‪ 27‬دفرتً ا) َّ‬ ‫ّ‬ ‫فحق َق ْتها‬ ‫هم ُ‬ ‫الك ُتب عن‬ ‫‪ )11‬عن كتاب ‪‬جربان‪ :‬حياته وعا َل ُمه‪ْ ‬تأليف جني وخليل جربان‪ ،‬يف ِاإلنكليزية (بوسطن ‪ )1974‬وهو بني َأ ّ‬ ‫سرية جربان‪ .‬وعندما عاد َنعيمه َوأصدر كتابه برتمجته ِاإلنكليزية يف نيويورك (‪َ )1950‬‬ ‫حذ َف منه ما َأثار العاصفة لدى‬ ‫صدور طبعته العربية يف بريوت‪.‬‬

‫‪12‬‬


‫المقدمة‬

‫َ‬ ‫ً‬ ‫األجزاء الثالثة التي َأ ْ‬ ‫تعاونا مع ‪‬دار رواد النهضة‪‬‬ ‫صدر ُتها‬

‫وبقي وعيي شع َره مقصو ًرا عىل ما َأعرفه عنه يف لبنان وحميطه‪.‬‬ ‫فوجئت سعيدً ا بوجود عد ٍد من‬ ‫انتقلت ِإىل الواليات املتحدة (‪)1985‬‬ ‫وحني‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫حتى ِإذا ْ‬ ‫مرتج َم ًة ِإىل ِاإلنكليزية(‪ّ ،((1‬‬ ‫قصائده َ‬ ‫الشعراء ا َألمريكيني‬ ‫قرأ ُتها تواز ًيا مع قراءيت‬ ‫َ‬ ‫وجدت له ً‬ ‫ض لشعره‬ ‫مناخا ً‬ ‫ُ‬ ‫خاصا بني هؤالء‪ ،‬وفسح ًة من عاملية جديرة به لو ُق ِّي َ‬ ‫َأن ُي َنقلَ ِإىل لغة عاملية حية‪.‬‬ ‫واجتمعت‬ ‫زرت والية رود آ ْي ِلند (جارة نيويورك)‬ ‫ُ‬ ‫بعد وصويل ِإىل نيويورك ُ‬ ‫ضمت نخب ًة من اللبنانيني‪.‬‬ ‫ِإىل ركن َأمريكي فيها (من َأصل لبناين) يف سهرة ّ‬ ‫كبريا اسمه الياس َأبو شبكة مولودٌ يف عاصمتهم‬ ‫وحني ُ‬ ‫لبنانيا ً‬ ‫قلت له ِإ ّن شاع ًرا ً‬ ‫بروﭬـيدانس يوم ‪َ 3‬أيار ‪َ 1903‬‬ ‫‪‬ج ْئني ِبشعره يف ِاإلنكليزية ّ‬ ‫حتى‬ ‫فاجأين بقوله‪ِ :‬‬ ‫ِّ‬ ‫ً‬ ‫تكرمييا عىل مستوى الوالية‪.‬‬ ‫احتفاال‬ ‫ننظم له‬ ‫ً‬ ‫اجليويس (منشورات جامعة كولومبيا ‪ -‬نيويورك‬ ‫‪َ )19‬أبر ُزها‪َ :‬أنطولوجيا الشعر العريب احلديث‪ ‬يف ِإرشاف سلمى اخلرضاء ُّ‬ ‫ت َأم َأنا؟‪ ،‬هذه مخري‪ ،‬برتمجة عدنان حيدر ومايكل بريد‬ ‫حب ِك‪َ ،‬أن ِ‬ ‫‪ )1987‬وفيها ثالث قصائد من ‪‬نداء القلب‪ُ :‬أ ُّ‬ ‫(ص ‪ 52‬و‪ )53‬مع مقدّ مة بيوغرافية‪ .‬و ّمثة َأ ًيضا َأنطولوجيا ‪‬خمتارات من الشعر العريب احلديث‪ ‬ترمجة ُم َنح خوري ومحيد‬ ‫الغار (منشورات جامعة كاليفورنيا ‪ )1974 -‬وفيها (ص ‪ 43‬و‪ )45‬قصيدة ‪‬شهوة املوت‪ ‬من َ‪‬أفاعي الفردوس‪.‬‬

‫‪15‬‬


‫المقدمة‬

‫نفسه)‪ ،‬وكانت َأ ْل ِسنة املطر عىل نار الرسائل َأ َ‬ ‫قهر ما زالت حتفر‬ ‫بلغ ٍ‬ ‫دموع ٍ‬ ‫تعبري عن ِ‬ ‫ذاكر َة صاحبة الرسائل ّ‬ ‫حتى اليوم‪.‬‬ ‫ومضات َأدبي ٌة مل َت ِردْ يف قصائد‬ ‫معظمها‬ ‫واحرت َقت يف تلك الرسائل ثرو ٌة َأدبي ٌة يف‬ ‫ٌ‬ ‫ِ‬ ‫َأبو شبكة وال يف نثره‪.‬‬ ‫نفسه جعل حيا َته‬ ‫التحسر عىل ضياع ردْ ٍح من حياة‬ ‫ولكن‪ِ ...‬ل َـم‬ ‫شاعر هو ُ‬ ‫ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫حبه اجلدي ِد اندفاعَ يافع يف الربيع ا َألول‪ .‬ما‬ ‫صفح ًة مفتوحة؟ فهو ‪‬اندفع يف دروب ّ‬ ‫باىل‬ ‫ب‪ ،‬وال بزَوج َأو قريب‪ ‬كام يقول صديقه ا َألقرب فؤاد حبيش(‪.((1‬‬ ‫بعذول َأو رقي ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫مبحيط َأو جمتمع‪.‬‬ ‫جهريا ال يبايل ٍ‬ ‫معه حق‪ :‬هكذا كان الياس‪ ،‬وهكذا كان حُ ّب الياس‪ً :‬‬ ‫‪v‬‬

‫متاما َأثر الياس َأبو شبكة يف اجليل الذي تاله‪ .‬ومن خالل‬ ‫ُ‬ ‫واعيا ً‬ ‫كنت يف لبنان ً‬ ‫واعيا َأمهية شعره الذي بني‬ ‫ّاطالعي عىل تفاصيلَ عام ٍة وخاص ٍة يف حياته ُ‬ ‫كنت ً‬ ‫ا َألقرب ِإىل قلبي‪ ،‬هو الذي‪ ،‬من حادث ٍة طريف ٍة جرت يل عند بيت جدّ ي يف طفولتي‪،‬‬ ‫كان السبب يف حتويل حيايت ك ِّلها ِإىل حرفة القلم(‪.((1‬‬ ‫قمت به ِإلحياء ذكراه يف لبنان بني‬ ‫وكان ُج ًزءا من واجبي جتاهه كلُّ ما‬ ‫ُ‬ ‫مهرجانات َأدبية(‪َ ((1‬أو مقاالت(‪ ((1‬وبرامج ِإذاعية وتلـﭭـزيونية‪َ ،‬أو استذكا ًرا عرب‬ ‫جم َّل ِتي الشعرية ‪‬ا ُألوديسيه‪ِ ((1(‬إىل َأن كانت قمة اهتاممي به‪ :‬عميل عىل مجع‬ ‫خمطوطاته ومنشوراته و ِإصدارها يف جمموعة مؤ ّلفاته الكاملة(‪.((1‬‬ ‫‪) 13‬‬ ‫‪ )14‬‬ ‫‪) 15‬‬ ‫‪ )16‬‬ ‫‪ )17‬‬ ‫‪ )18‬‬

‫‪14‬‬

‫‪‬دراسات وذكريات‪ - ‬ط ‪ - 1‬ص ‪.159‬‬ ‫مفصل َة يف مقدّ مة كتايب ‪‬الضيعة اللبنانية َبأقالم ُأدبائها‪( ‬بريوت ‪ُ )1982‬وأك ِّررها ك ّلام َأحتدّ ث عن مطلع‬ ‫رويت القصة ّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ت َف َن َش ْر ُتها يف الفصل ا َألخري من هذا الكتاب‪.‬‬ ‫عدْ‬ ‫ولذا‬ ‫فيها‪.‬‬ ‫شبكة‬ ‫بو‬ ‫أ‬ ‫ثر‬ ‫وأ‬ ‫دبية‬ ‫أل‬ ‫ا‬ ‫حيايت‬ ‫ُ‬ ‫َأ َّو ُلها عام ‪ 1977‬يف جونيه بدعوة من ‪‬جملس كرسوان الثقايف‪ ،‬وعام ‪ 1978‬يف ‪‬القرص البلدي‪ - ‬زوق مكايل‪.‬‬ ‫‪‬النهار‪ ‬و‪‬احلوادث‪ ‬و‪‬النهار العريب والدويل‪ ‬وسواها‪ ،‬يف ذكرى َأبو شبكة‪.‬‬ ‫مت مهرجان َأبو شبكة يف‬ ‫جت العدد ا َألول منها َ(أيار ‪ )1982‬مبخطوط ِة قصيد ٍة فرنسي ٍة غري منشورة َألبو شبكة‪ ،‬ثم َن َّظ ُ‬ ‫َّتو ُ‬ ‫ُ‬ ‫ذكراه عام ‪ 1984‬باسم ‪‬األوديسيه‪ ‬يف ‪‬القرص البلدي‪ - ‬زوق مكايل‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫صد َرت يف ثالثة َأجزاء (ا َألول للشعر والثاين والثالث للنثر) عن ‪‬دار ّرواد النهضة‪ ‬و‪‬دار األوديسيه‪.)1985( ‬‬


‫أَنـــــــــــا!‬

‫َأبو شبكة َ‬ ‫َ‬ ‫كتب هذا المقال‬ ‫عام‬

‫فيص ُّح َأن َأ َ‬ ‫قف َأمام املرآة‪،‬‬ ‫َأ ّما اآلن‪ ،‬وقد‬ ‫بلغت الثامنة والعرشين من عُ مري‪ُ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫رسم نفيس َوأخالقي وعادايت‪ُ ،‬م ْع ِر ًضا عن‬ ‫رسم هيكيلَ اخلارجي‪ّ ،‬ثم َأعودَ َفأ َ‬ ‫َوأ َ‬ ‫احلسنات القليلة التي ع َّل ْقتها يب الطبيعة‪.‬‬ ‫يبلغ طويل مائة وثالثة وسبعني سنتيمرتً ا‪.‬‬ ‫قام ٌة رقيق ٌة منتصب ٌة ِتزن سبعني كيلو مع الثياب والعصا‪.‬‬ ‫جبنيٌ بني العريض واملعت ِدل‪ ،‬ابتدَ َر ْت ُه ُالغ ُ‬ ‫ت‬ ‫وتس َّن َم ْ‬ ‫ضون منذ عرش سنوات‪َ ،‬‬ ‫ُذرو َته ُشعو ٌر َ‬ ‫عما يف الصدر من الرباكني‪.‬‬ ‫مش َّع َث ٌة ثائر ٌة َكأمنا هي‬ ‫منوذج ّ‬ ‫ٌ‬ ‫‪17‬‬


‫المقدمة‬

‫وص َلت‬ ‫يتم ما دام شعر َأبو شبكة غري منقول ِإىل اللغة التي َأ َ‬ ‫َوأعرف َأن هذا لن ّ‬ ‫‪‬نبي‪ ‬جربان ّ‬ ‫(حتى اليوم) ِإىل ‪ 109‬طبعات يف َأمريكا و ِإىل ‪ 53‬لغة حية يف العامل‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ومهام ُيكن‪ ،‬تبقى ِلشعره نكه ٌة خاصة من شهو ٍة خاصة ذات لذ ٍة حافي ٍة تتد ّفق‬ ‫من ينبوع احلب‪.‬‬ ‫فبقيت لنا منه قصائدُ هي‪ ،‬يف‬ ‫ويبقى َأنه قطف الثمرة املح ّرمة يف املوسم احلرام َ‬ ‫الشعر اخلالد‪ ،‬من َأعذب احلالل‪.‬‬ ‫نيويورك ‪ 27 -‬كانون الثاين ‪1992‬‬ ‫‪‬النهار‪1992/2/11 - ‬‬

‫‪16‬‬


‫َأنا‬

‫غرفة نومه كما استعيدت اليوم يف متحفه‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫بجميع أغراضـها األصليـة من أيام الشاعر‪...‬‬

‫‪ ...‬وعصاه الشهرية التي ورد ذكرها ً‬ ‫كثريا يف مقاالته‬

‫طياهتا ِّ‬ ‫املعششة فيها‬ ‫ـجاو ُرها و َر ٌ‬ ‫قات يكادُ الزمن يفصل بني َّ‬ ‫اآلخ َر يف ليلة مخر‪ُ ،‬ت ِ‬ ‫نتف من وبر اجلوخ َأو من َأحشاء البطانة‪ ،‬حيمل ُ‬ ‫ٌ‬ ‫بعضها َألوا ًنا من التهديد والشتائم‪،‬‬ ‫فاكتفيت‬ ‫موجه ًة ِإىل َأ َحد ال ُـم َس َّو ِدين يف هذا البلد مل َأج ُرؤْ َأن َأقوهلا له يف وجهه‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫بكتاب ِتها عىل ِع ّالهتا ْ‬ ‫موجه ًة‬ ‫ت عذب ًة َّ‬ ‫ووض ِعها يف جيبي‪ ،‬وحيملُ‬ ‫البعض اآلخر عبارا ٍ‬ ‫ُ‬ ‫سمعت عنه ما حما غضبي ا َألولَ عليه‪ ،‬كهذه ً‬ ‫ِإىل َّ‬ ‫‪‬صفحت‬ ‫مثال‪:‬‬ ‫الشخص نفسه وقد‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫عنك‪ُ ...‬‬ ‫ب خال ًفا ملا َ‬ ‫سأ ْك َ‬ ‫بلغني َ‬ ‫َ‬ ‫رمك عندما‬ ‫عنك‬ ‫ُ‬ ‫طي ٌ‬ ‫حب َك‪ِ ...‬إنك لرجلٌ ّ‬ ‫ورصت ُأ ُّ‬ ‫َ‬ ‫اجليب القائم يف اجلهة الغربية العليا من صدر ّيتي فهو َأظه ُر‬ ‫تسن ُح الفرص‪َ .‬أما‬ ‫ُ‬ ‫مدح من بعض تالميذ املدارس ْاملأخوذين بشعري‪،‬‬ ‫اجليوب َو َر ًما َألنه حيملُ رسائلَ‬ ‫ٍ‬ ‫ورسائلَ ُأخرى َيحُ ُّثني َأصحاهبا عىل ِاإلرساع بطبع ‪‬غلواء‪ ،‬وقد فاهتم َأين مل َأنت ِه‬ ‫بعدُ من ْ‬ ‫وعاء‬ ‫نظمها‪َ .‬وأما‬ ‫ُ‬ ‫اجليب الرابع فال َأ َثر عليه من ِطيب العافية َألين جع ْل ُت ُه ً‬ ‫للدراهم‪ .‬وقد جتدُ بني تلك الطوائف من ا َألوراق ُص َو ًرا فوتوغرافية عزيز ًة عىل قلبي‪،‬‬ ‫َأستوحي َأشباحها يف ليا ِل َّـي الشعرية ِإذ َأكون بعيدً ا عن حقائقها اجلميلة‪.‬‬ ‫صباحا‪َ .‬أتناول ً‬ ‫قليال من الطعام‪ ،‬ثم ُأشعل‬ ‫ً‬ ‫َأهنض من الفراش يف اخلامسة‬ ‫النارجيلة‪َ ،‬وأضع َأمامي ركو َة قهو ٍة كبري ًة‪َ ،‬وأنرصف ِإىل الكتابة‪َ .‬أما املوضوع َفأكون قد‬ ‫رت به يف الليلة الفائتة‪.‬‬ ‫ّفك ُ‬ ‫‪19‬‬


‫َأنا‬

‫َ‬ ‫غال من حياته وكتاباته‬ ‫بيت الشاعر (من أعرق حارات زوق مكايل) وهو جزء ٍ‬

‫بعيدٌ ما بني احلاجب واحلاجب‪.‬‬ ‫َأ ٌ‬ ‫رجراك‪.‬‬ ‫كثري مما حتمل ا َألساطري عن َأنف سريانو دُ ه ِب ُ‬ ‫كبري فيه ٌ‬ ‫نف ٌ‬ ‫ضغط َّ‬ ‫الط ُ‬ ‫خدَّ ان هزيالن‪ِ ،‬إ ّال ِإذا َ‬ ‫السمنة‪.‬‬ ‫وق عىل العنق فيستمدّ ان منه بعض ُّ‬ ‫السمرة واحلنطة‪ ،‬وتطفو عليها سحابة من الشحوب‪.‬‬ ‫فتتحير بني ُّ‬ ‫َأما َب َشر ُة الوجه َّ‬ ‫ت َ‬ ‫بكتفني ترتفعان تار ًة وهتبطان ُأخرى َكأهنام‬ ‫رص َ‬ ‫ِإذا انحدر نظ ُرك عن ْرأيس َب ْ‬ ‫بحر هائج‪َ .‬أما ِإذا ُقدِّ ر َ‬ ‫لك َأن َت ُـمدَّ يدك ِإىل جيويب ‪ -‬وال ِإخالك ُت ْق ِدم عىل‬ ‫يف ٍ‬ ‫درك َ‬ ‫قيمتها ِإ ّال َمن يعيش كام‬ ‫وراق غريب ٍة ال ُي ِ‬ ‫هذه املحاولة اخلارسة! ‪َ -‬فت َقع عىل َأ ٍ‬ ‫ب مو َّر َمة اجلوانب‪َ ،‬تغور يف َأح ِدها القائم يف اجلهة‬ ‫َأعيش‪ .‬ففي ‪‬صدر ّيتي‪َ ‬أربع ُة جيو ٍ‬ ‫َ‬ ‫التصقت عليها َأ ٌ‬ ‫الشاملية العليا َأ ٌ‬ ‫وراق ُأخرى‬ ‫تصاميم قصائدَ مل َأنظمها‪،‬‬ ‫وراق حتمل‬ ‫َ‬ ‫هيكل من هياكل رجال السياسة يف هذا البلد‪ُ ،‬‬ ‫كتبتها يف‬ ‫ت يف وصف‬ ‫ُت ِقلُّ شذرا ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫السفىل من جيوب‬ ‫ندوة الـﭙـر ُلـامن َأو يف َأحد َأروقة الرساي‪ُ .‬‬ ‫وتكمن يف اجلهة الشاملية ُّ‬ ‫مقاطع ناقص ٌة َ‬ ‫صدر ّيتي َأ ٌ‬ ‫ت َ‬ ‫والبعض‬ ‫بعضها يف ساع ِة ْيأس‬ ‫وراق تسرتيح عليها‬ ‫نظ ْم ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫‪18‬‬


‫َأنا‬

‫َ‬ ‫من أغراضه الشخصية‬

‫ّ‬ ‫كرسيه وطاولته المستديرة‬ ‫يف غرفته‪:‬‬ ‫عليها كتب معظم مؤلفاته‬

‫وكثريا ما حتدّ ثني‬ ‫جيدً ا من النافذة ما حيدث يف الغرفة‪ً .‬‬ ‫املنترش َة حول البيت َليروا ّ‬ ‫النفس بتمثيل مقالتي‪َ ،‬فأقف َأمام املرآة‪َ ،‬أ ُّ‬ ‫س‬ ‫صف حويل عددً ا من الكرايس ُأج ِل ُ‬ ‫عليها متاثيلَ من اجلبس ا َألبيض ّمتثل عشرتوت َوأﭘـولون َوأدونيس‪َ ،‬أنزعُ عن احلائط‬ ‫ُص َو ًرا فوتوغرافي ًة وزيتي ًة ّمتثل جدّ ي وجدّ يت ووال ِدي َوأقربائي املتو ّفني‪َ ،‬وأنطلق يف‬ ‫هادن ّ‬ ‫ت ختتلف نربا ُته باختالف العبارات واملواقف‪ .‬وال ُأ ُ‬ ‫حتى َتدخلَ‬ ‫التمثيل بصو ٍ‬ ‫ت هيدا؟ ِردّ‬ ‫ت َأعىل من صويت‪ :‬العمى‪َ ،‬أيش ها َأل ْخ َو ْ‬ ‫عيلّ والديت صارخ ًة بصو ٍ‬ ‫ْ‬ ‫حتى َ‬ ‫ـمطرحن‪ .‬وال َأخرج من البيت ّ‬ ‫يكون الروا ُة من‬ ‫والص َور ل ُ‬ ‫خوصه والكرايس ُّ‬ ‫الش ِ‬ ‫عابري الطريق ُ‬ ‫بعض عبارات من مقالتي‪.‬‬ ‫بدأوا ينرشون يف الزوق َ‬ ‫‪‬‬

‫َأصل ِإىل بريوت يف نحو الساعة التاسعة والنصف‪ .‬وبعد َأن َأدفع مقالتي للنرش‬ ‫َأجول بعض جوالت صحافية‪ ،‬ثم َأنزوي يف الناحية العميقة من قهوة ‪‬النجار‪َ ‬وأكتب‬ ‫شك َأن املقال َة التي َأبعثُ هبا ِإىل مرص تكون َأ َ‬ ‫جرأ َوأ َ‬ ‫رسالتي ِإىل مرص‪ .‬ال ّ‬ ‫صدق ما‬ ‫َأكتب‪ ،‬وال سبيلَ ِإىل ِذ ْكر السبب يف ذلك‪.‬‬ ‫‪21‬‬


‫َأنا‬

‫ّ‬ ‫المطل عىل الطريق‬ ‫تحت هذا الشباك‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫صغون ِإليه‬ ‫الزوقيون ُي‬ ‫كان يقف‬ ‫ُ‬ ‫بصوت مرتفع‬ ‫وهو يقرأ مقاالته‬ ‫ٍ‬

‫الكت َبة الذين يستطيعون َأن خي ُلقوا شخصي ًة من غري َأن َ‬ ‫لست من َ‬ ‫يكون هلا‬ ‫ُ‬ ‫شخصا َخ ِب ْر ُته عن‬ ‫خميلتي ً‬ ‫ٌ‬ ‫منوذج (موديل)‪ .‬فعندما ُأ ّفكر يف موضوعي‪َ ،‬أستعرض يف ِّ‬ ‫يدي‬ ‫ُق ْرب‪َ ،‬وأجعلُ ُأ َش ِّرحه كام ُأريد َأنا ال كام يريدُ هو‪ ،‬وال َألبثُ َأن ُأ َ‬ ‫خرجه من بني ّ‬ ‫ضع يف فمه حوا ًرا مل ُ‬ ‫ينطق به يف حياته وال‬ ‫شكل ينطبقُ عىل فئ ٍة من نوعه‪ .‬وقد َأ ُ‬ ‫يف ٍ‬ ‫رت َألجل ذلك عددً ا من َأصدقائي وصديقايت ُ‬ ‫وكثريا ما ّ‬ ‫وهم ال‬ ‫سخ ُ‬ ‫عهدَ له مبثله‪ً .‬‬ ‫َيشعرون‪ ،‬حتى ِإذا انتبهوا ِإىل ّ‬ ‫غضبوا عيلّ ّ‬ ‫وجتنبوين‪ .‬ولكني َأعلم حقّ العلم‬ ‫خطتي ِ‬ ‫عدلت عن هذه اخلطة ُّ‬ ‫وينضب قلمي َأو ُأصبح مق ّلدً ا مهذا ًرا‪.‬‬ ‫خميلتي‬ ‫َأ ّني ِإذا‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫جتف ّ‬ ‫قدم َّي عىل منضديت بني‬ ‫عندما َأنتهي من كتابة موضوعي‪َ ،‬أفتح النافذة‪َ ،‬أضع َ‬ ‫ت مرتفع‬ ‫ا َألوراق واملحابر وا َألقالم‪ُ ،‬أسند ظهري ِإىل احلائط‪َ ،‬وأنطلق يف قراءته بصو ٍ‬ ‫ُ‬ ‫جدً ا‪ّ ،‬‬ ‫الوقوف حتت النافذة ليستمعوا ِإىل‬ ‫سعهم ِإ ّال‬ ‫حتى َأ ّن عابري الطريق ال َي ُ‬ ‫ت‬ ‫خيل ِإليهم َأ َّن يف البيت ِخ ً‬ ‫غراس ُّالتو ِ‬ ‫رصاخي‪ً .‬‬ ‫وكثريا ما ُي َّ‬ ‫صاما شديدً ا فيتس ّلقون َأ َ‬ ‫‪20‬‬


‫َأنا‬

‫كنت َأمحلها ِإمنا كانت توصي ًة لغريي ال يل! يا للوقاحة!‬ ‫ت التي ُ‬ ‫َوأ ّن الرسائلَ والبطاقا ِ‬ ‫ولكن الرسالة يف الربيد تك ِّلف َأربعة قروش‪َ ،‬أما رسالة‬ ‫يا للخبث! ساعي بري ٍد َأنا؟ ّ‬ ‫ذلك ال ُـم َس َّود فكانت تك ّلفني لريتني وثال ًثا‪.‬‬ ‫تدفعني اليوم وغدً ا ِإىل الثورة عىل البرش! َأ ُم ِـحقٌّ‬ ‫هذا هو َأحد ا َألسباب التي ُ‬ ‫رصفت ْ‬ ‫ت يف‬ ‫عاملَ مبثل تلك املعاملة بعد َأن‬ ‫ُ‬ ‫َأنا َأم ُم ْـخطئ؟ َأجيوز َأن ُأ َ‬ ‫عش َر سنوا ٍ‬ ‫صبح ساعي بري ٍد ُم ْض ً‬ ‫كنت ُب ُلب ًال‬ ‫حكا بعد َأن ُ‬ ‫التغريد ِإلطراب الناس؟ َأجيو ُز َأن ُأ َ‬ ‫وكنا ًرا؟ ولكني ُأؤَ ِّكد للكثريين من هؤالء املساكني الذين ي ْل ُ‬ ‫املسود‬ ‫جأون ِإىل مثل هذا َّ‬ ‫َ‬ ‫وقعت‬ ‫فظع مما‬ ‫ُ‬ ‫ويقعون يف حبائله َأهنم ِإذا ّفضوا رسائلَ التوصية يقعون فيها عىل َأ َ‬ ‫عليه‪ُ .‬وأ ّؤكد هلؤالء َأ ًيضا َأهنم كانوا يف املايض ُسعا َة بري ٍد ومل َيشعروا‪َ ،‬وأ ّن كثريين‬ ‫منهم ال يزالون ّ‬ ‫سمح يل ِإ ًذا َأهيا القار ُئ َأن‬ ‫حتى اليوم ّميثلون هذا الدور املضحك‪ِ .‬إ ْ‬ ‫ض البطاقة التي يف َ‬ ‫يدك‬ ‫َأنصحَ ك ‪ِ -‬إذا حدّ ْثت َك النفس ً‬ ‫يوما بط َلب توصية ‪َ -‬بأن ُتف ّ‬ ‫جيبك دفع ُأجرة سيارات‪.‬‬ ‫قبل َأن تك ِّلف َ‬ ‫‪v‬‬

‫شعور َأ َث َر ِت ِه القبيح‬ ‫ال ريب َأ ّن كلّ فر ٍد من َأبناء الناس يرى احلقيق َة من خالل‬ ‫ِ‬ ‫ومشتهياته َوأهوائه وعواطفه‪َ ،‬وأن هذه ا َأل َث َرة واملشتهيات وا َألهواء والعواطف ال ُ‬ ‫تفتأ‬ ‫تتبدّ ل مع العمر واملراتب‪.‬‬ ‫كنت يف املايض َأنطوي عىل عقلي ٍة غري التي َأنطوي عليها اليوم‪ .‬وكانت هذه‬ ‫ُ‬ ‫بضع‬ ‫وكنت ك ّلام‬ ‫العقلي ُة ُتريني الصواب يف جانبي واحلقيق َة يف مجيع نزعايت‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫خطوت َ‬ ‫وعقبت بالتذكار ِإىل املايض‪ ،‬ا َّتضح يل َأ ّن تلك‬ ‫ت يف ساحة ُالعمر واالختبار‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫خطوا ٍ‬ ‫العقلية كانت َّ‬ ‫شاذ ًة ال َّتتفقُ واملبادئ الصحيحة التي َأرمي ِإليها‪ .‬وال َأزالُ ِإىل اليوم‬ ‫ض مباين املايض معتقدً ا َأ ّن احلارض هو احلقيق ُة الثابت ُة التي ال ّ‬ ‫شك فيها‪ِ .‬إ ّال َأين‪،‬‬ ‫َأ ُنق ُ‬ ‫و ِإن َأ ُك ْن َأ ُ‬ ‫عرتف بسلطان احلارض عىل املايض و َت َف ُّو ِق االختبار عىل نزعات الغريزة‬ ‫ت‬ ‫يف الرجل‪ ،‬ال َأزالُ َأجدُ يف مشتهيايت احلارضة َوأهوائي وعواطفي َأ َث ًرا من مشتهيا ٍ‬ ‫َ‬ ‫املتجسمة‪،‬‬ ‫وعواطف كانت َت ُغ ُّبني متباين ًة يف َأطوار حيايت املاضية‪ :‬فا َألثرة‬ ‫هواء‬ ‫ِّ‬ ‫َوأ َ‬ ‫‪23‬‬


‫َأنا‬

‫عندما َأنتهي من كتابة رسالتي َأبعثُ هبا ِإىل الربيد‪ّ ،‬ثم َأ ُ‬ ‫نرصف ِإىل تدوين‬ ‫مذكرايت‪ .‬ويف النادر ما ينجو البرش من غضب ٍة عليهم يف كلّ ّ‬ ‫مذكرة َأكتبها‪ ،‬كام يف‬ ‫بالب َلهاء واحلمقى اللئام الذين ال يرون يف الفن وا َألدب‬ ‫هذه الفقرة‪ِ  :‬إن العامل ميلْ ٌء ُ‬ ‫ِإ ّال صور ًة ُت ِّ‬ ‫َ‬ ‫وسحنتهم البشعة املمسوخة! ِإين َألسخر من‬ ‫مثل َأخالقهم الدنيئة‬ ‫وضع ُهم عىل ّقمة املجد الزمني‪ ،‬و ِإين‬ ‫مجيع هؤُ الء‪َ ،‬وأحتقرهم و ِإن ُيكن احلظ قد َ‬ ‫برجيل التي وط َئت َ‬ ‫َأل ُّ‬ ‫اجله َل َة ال ُـمدَّ عني‪...‬‬ ‫عف َأن َأرفس ْ‬ ‫بالط ا ُألو ِلـمپ هؤالءِ َ‬ ‫هزأ هبا كام َأ ُ‬ ‫وتدليسا‪َ ،‬فأ ُ‬ ‫حيرتمها َ‬ ‫هزأ‬ ‫اآلخرون‪ ،‬حمابا ًة هلم‬ ‫َأما آراؤُ هم ُ‬ ‫وحجَ جُ ُهم التي ُ‬ ‫ً‬ ‫مبحفظة البخيل وبحذائي القديم‪.‬‬ ‫َ‬ ‫يدفعني‪ ،‬يف َأكثر ا َألحيان‪ِ ،‬إىل كتابة‬ ‫يعرف‬ ‫ِإذا شاء القار ُئ َأن‬ ‫السبب الذي ُ‬ ‫َ‬ ‫مثل هذه ّ‬ ‫رص عىل‬ ‫سببا واحدً ا‪ .‬و ِإذا َأ َّ‬ ‫املذكرة‪َ ،‬فأقول له ِإن هناك َأسبا ًبا عديدة ال ً‬ ‫معرفة واح ٍد من هذه ا َألسباب َفأراين مستعدً ا َألن ُأطلعه عليه‪:‬‬ ‫َأ ْل َ‬ ‫يت‬ ‫ـحف عيلَّ َأحد ال ُـم َس َّودين ذات يوم ٍ يف ِإقناعي‬ ‫بقبول وظيف ٍة‪َ ،‬ف َر ِض ُ‬ ‫ِ‬ ‫اشرتطت عليه َأ َّال ُيك ّل َفني ذلك ْ‬ ‫جليش من الناس ِإذ ال‬ ‫حف َظ اجلميل‬ ‫بعد َأن‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫طاق َة يل عىل ذلك‪َ .‬‬ ‫وبدأت املهزلة‪ ،‬فجعلَ هذا ال ُـم َس َّود العظيم ُيـحَ ّم ُلني رسائلَ‬ ‫ت ْمق َفل ًة ِإىل املراجع‪ّ ،‬‬ ‫ودفعني الفضول احلكيم ِإىل‬ ‫خريا َ‬ ‫حتى عيل صربي َأ ً‬ ‫وبطاقا ٍ‬ ‫كبري ً‬ ‫قائال يل ِإن النتيجة مكفولة من‬ ‫فض رسال ٍة ك َّلفني َأن ُأس ّلمها ِإىل‬ ‫ّ‬ ‫مرجع ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وراء هذه الرسالة‪.‬‬ ‫فوجدت فيها ما ييل‪:‬‬ ‫فض الرسالة‪،‬‬ ‫قلت ِإ ّن الفضولَ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫وعدم الثقة دفعاين ِإىل ّ‬ ‫‪َ ...‬ت َ‬ ‫قريبا َألنه زاحني بطلباته وزياراته املتك ِّررة‪.‬‬ ‫ظاه ْر َأمامه باللطف‪َ ،‬و ِعدْ ُه ً‬ ‫خريا ً‬ ‫ماذا َجدّ َ‬ ‫مبسأل ِة (‪)...‬؟ ِإين ُأع ِّلقُ َأمهي ًة كبري ًة عىل نجاحه َألنه يستحقُّ االلتفات‪ ،‬وال‬ ‫خدمنا َأيام االنتخابات وال نزال بحاجة ِإليه‪َ .‬‬ ‫سأنزلُ ِإىل بريوت يف هذين‬ ‫تنس َأنه َ‬ ‫َ‬ ‫اليومني َوأ َ‬ ‫راك يف البيت‪....‬‬ ‫مل َأكد َأ ُ‬ ‫قرأ هذه ا َألسطر اخلبيثة حتى غ َلت مراجلُ صدري وثارت النظرات يف‬ ‫ت بعد ْأل ٍي َأين مل ُأ ِّمثل طوال َأيام ٍ عديدة ِإ ّال دو َر ‪‬ساعي الربيد‪،‬‬ ‫عيني! َأجل‪ ،‬عر ْف ُ‬ ‫‪22‬‬


‫المقدمة‬

‫القسم األ َ َّول‬

‫‪‬صديقي الياس‪...‬‬ ‫َ‬ ‫وه‪...‬‬ ‫عر ُف ُ‬ ‫أ‪َ -‬‬

‫‪25‬‬


‫َأنا‬

‫والكربياء‪ ،‬والتط ُّلع ِإىل ال َـم ِإل ا َألعىل‪ ،‬وميويل الغريبة‪َ ،‬وأهوائي‪ ،‬وعجرفتي‪ ،‬وكلُّ ما‬ ‫ً‬ ‫تطورايت‪،‬‬ ‫شذوذا يف حيايت‪ ،‬ال َيزال ً‬ ‫خييل ِإ َّيل اليوم َأنه كان‬ ‫ـامشيا ُّ‬ ‫ممتزجا ِبـدمي وم ً‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫شكل خيتلف عنه يف األمس البعيد‪.‬‬ ‫ولكن يف‬ ‫ْ‬ ‫ٍ‬

‫َ‬ ‫الياس أبو شبكة‬ ‫من ‪‬عصبة َ‬ ‫العشرة‪‬‬

‫‪‬المعرض‪ 21 - ‬حزيران ‪ - 1931‬العدد ‪.955‬‬

‫َ‬ ‫بريشة پيار صادق (أ ّيار ‪)1956‬‬

‫‪24‬‬


‫ٌ‬ ‫لفظة واحدة‪:‬‬ ‫تختصره‬ ‫‪ ‬العنفوان ‪‬‬

‫الشيخ خليـل تقي الديـن‬

‫تقي الدين‪ ،‬من ‪‬عصبة َ‬ ‫ركن من لبنان الثالثينات‬ ‫العشرة‪ٌ ،‬‬ ‫الشيخ خليل ّ‬ ‫وا َألربعينات‪ ،‬زمان العافية ا َألدبية التي َأحببنا ا َألدب عىل صفحاهتا‪ .‬كان فيها‬ ‫لف وجه َوأ ُ‬ ‫الصدق‪ .‬وكانت فيها َالب َركة‪ .‬بعدها صار يف لبنان َأ ُ‬ ‫لف قناع‪.‬‬ ‫فغاب عني بعينيه‪ ،‬وراح َّ‬ ‫يتذكر‬ ‫جلست ِإليه يف مكتبه (وزارة ِاإلعالم)‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫صديقه الياس‪:‬‬ ‫كبري وال َأنساهم‪ :‬ميشال َأبو شهال‪،‬‬ ‫‪‬بني َأصدقائي الذين كان هلم عيلَّ ْتأ ٌثري ٌ‬ ‫الياس َأبو شبكة‪ ،‬وفؤاد حبيش‪ُ .‬‬ ‫ثالثتهم فقدْ ُت ُهم اليوم كام فقدَ هم ا َألدب يف لبنان‬ ‫‪‬ذهب الثالث ُة‬ ‫قلت يف رثائه‪:‬‬ ‫ويف ديار العرب‪ .‬يوم تو ّفـي َأخريهم‪ ،‬فؤاد حبيش‪ُ ،‬‬ ‫َ‬ ‫وبقيت َأنا‪ .‬فمتى دوري؟‪ .‬ذلك َأننا‪ ،‬نحن ا َألربعة‪ ،‬كنا نؤ ّلف ‪‬عصبة َ‬ ‫العشرة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫وفيها يقول الياس‪:‬‬ ‫ ‬

‫َ ٌ ّ‬ ‫َ‬ ‫ربعة لكنهم عند الحساب َعش َره‪‬‬ ‫‪‬أ‬

‫و‪‬عُ صبة َ‬ ‫العشرة‪ ‬هذه كان ِإطارها ا َألول جملة ‪‬املعرض‪ ‬لـميشال زكور الذي‬ ‫َأفردَ لنا يف دار جملته (شارع اللنبي) غرف ًة خاصة كنا نجلس فيها نحن ا َألربعة‪ :‬هذا‬ ‫كريس‪ ،‬هذا عىل َكن َبة‪ ،‬هذا عىل طاولة‪ ،‬كيفام اتفق احلال‪ .‬كانت ميز ُة حياتنا‬ ‫عىل‬ ‫ّ‬ ‫‪27‬‬


‫تختصره‬ ‫ٌ‬ ‫لفظة واحدة‪:‬‬ ‫‪ ‬العنفوان ‪‬‬

‫َ‬ ‫ّ‬ ‫يتوسطهم شاعر ‪‬الهوى والشباب‪.‬‬ ‫أركان ‪‬عصبة العشرة‪ ‬يف مقهى عىل الربدوين – زحلة‪،‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫من اليمين‪ :‬فؤاد حبيش‪ ،‬الياس أبو شبكة‪ ،‬بشارة الخوري (األخطل الصغري)‪،‬‬ ‫َ‬ ‫خليل تقي الدين‪ ،‬ميشال أبو شهال‬

‫‪‬كانت ‪‬عُ صبة َ‬ ‫لولبها‪ ،‬رائد ًة يف ا َألدب العريب احلديث‪َ .‬تأ َّث ْرنا با َألدب‬ ‫العشرة‪ ،‬والياس ُ‬ ‫اللبناين املهجري‪ُ ،‬‬ ‫وبشكوك طه حسني يف الشعر اجلاهيل‪ .‬كان ُدم الشباب يف عروقنا ثور ًة‬ ‫عىل َّ‬ ‫املحنطني واملق ِّلدين ُوأدباء الكلمة اجلثة‪ ،‬وكنا ندعو ِإىل َأدب احلياة النابض كام القلب‬ ‫يف الصدر‪ .‬ويسعدين َأن تصري ‪‬عُ صبة َ‬ ‫العشرة‪ ‬اليوم موضوع ُأطروحات جامعية‪.‬‬ ‫َأ َ‬ ‫َّ‬ ‫سأل الشيخ خليل عن شخصية الياس‪،‬‬ ‫فيتذكر‪ :‬كان الياس يعيش داخلَ‬ ‫ذاته‪ ،‬يف عامله هو ال يف عامل سواه‪ .‬كان يعتقد َأنه َأشع ُر شعراء زمانه‪ .‬وهنا َأ ُذك ُر منه‬ ‫َ‬ ‫ناحيتني يف شعره ال جياريه فيهام ِإ ّال دا ْنته يف ‪‬جحيمه‪ ‬واملع ّري يف ‪‬رسالة ُالغفران‪.‬‬ ‫‪29‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫يف تلك الغرفة‪ :‬الفوىض َأو البوهيمية ّ‬ ‫نتقيد بنظام ٍ ال يف الكالم وال‬ ‫اخلالقة‪ .‬مل نكن َّ‬ ‫عهدئذ َّ‬ ‫كنت ُأميض‬ ‫كنت‬ ‫موظ ًفا يف جملس النواب لكني ُ‬ ‫العمل‪ُ .‬‬ ‫ٍ‬ ‫يف الكتابة وال يف َ‬ ‫العشرة‪ .‬كان َأبو شهال َّ‬ ‫َأقلّ َأوقايت يف املجلس‪َ ،‬وأكثر َأوقايت يف ‪‬عُ صبة َ‬ ‫يرتأس‬ ‫حترير ‪‬املعرض‪ ‬لكنه‪ ،‬لنزعته ا َألدبية ُ‬ ‫الشعري‪ ،‬كان يقيض وقته يف ‪‬عُ صبة‬ ‫وخلقه‬ ‫ّ‬ ‫العشرة‪ .‬وحدمها‪ :‬الياس َأبو شبكة وفؤاد حبيش كانا منرص َفني انرصا ًفا ً‬ ‫َ‬ ‫كامال ِإىل‬ ‫العمل ا َألديب يف ُالعصبة‪.‬‬ ‫نصل ِإىل َأبو شبكة َفأستمهل الشيخ خليل يف احلديث عنه‪ ،‬وهو من َأعرف‬ ‫عارفيه‪.‬‬ ‫َ‬ ‫‪‬تسألني ذكريايت عن الياس؟ ِإهنا كثرية‪َ .‬أول ما يتبادر ِإىل ذهني اآلن‪ُ :‬خ ُلق‬ ‫فقريا َكأكثر‬ ‫الياس‪ .‬قبل الكالم عىل ِشعره‪ ،‬لفظ ٌة واحد ٌة تدلّ عليه‪ُ :‬العنفوان‪ .‬كان ً‬ ‫ا ُألدباء َأصال ًة‪ .‬وكم مر ًة قال يل‪ِ  :‬إسمع يا خليل‪َ .‬أنا اليوم َأمرباطور‪َ .‬أنا م ِلك‪َ .‬أنا‬ ‫َأعظم رجل يف الدنيا‪َ ،‬أل ّن يف جيبي ربع لرية‪ :‬مخسة غروش لرتامواي بريوت ‪ -‬معاملتني‪،‬‬ ‫مخسة غروش مثن صحن فول ورغيف خبز‪ ،‬مخسة غروش قهوة ونارجيلة‪ ،‬عرشة قروش‬ ‫للطوارئ‪ .‬وها ِإين ْ‬ ‫عظم مني عىل وجه ا َألرض؟‪.‬‬ ‫بدأ ُ‬ ‫ت قصيد ًة جديدة‪ .‬فمن يكون َأ َ‬ ‫سوداء يرضب هبا ا َألرض َأحيا ًنا‪ ،‬و َي ْش َهرها َأحيا ًنا يف‬ ‫كان الياس حيمل عصا غليظ ًة‬ ‫َ‬ ‫مآرب ُأخرى‪.‬‬ ‫وجه عدو خيرتعه خياله‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫وكنت َأسمعه يردِّ د‪ :‬هذه هي عصاي‪ ،‬ويل فيها ُ‬ ‫ّ‬ ‫فيتذكر‪ :‬صحيح‪.‬‬ ‫ُأ ِّذكر الشيخ خليل بـموقف َأبو شبكة من َأمحد شوقي‪،‬‬ ‫العشرة‪َ ‬أ ْ‬ ‫يومها زارنا شوقي‪ ،‬وكنا يف ‪‬عُ صبة َ‬ ‫مدوي ًة صاخب ًة عىل الشعراء‬ ‫طلقنا محل ًة ِّ‬ ‫املق ّلدين وا ُألدباء الزائفني‪ .‬خاف شوقي َأن تصل املوسى ِإىل ذقنه‪َ ،‬‬ ‫فبدأ يرتدَّ د علينا‬ ‫الغني ونحن الفقراء‪ ،‬ويدعونا ِإىل الغداء عند‬ ‫يف غرفة ‪‬املعرض‪ ،‬متودِّ دً ا ِإلينا‪ ،‬هو ّ‬ ‫العجَ مي‪َ ،‬أو ِإىل العشاء يف الرستوران الفرنساوي‪ .‬وكان الياس يتلو عىل شوقي‬ ‫‪‬لست َأ َ‬ ‫َأبيا ًتا من قصائده ِّ‬ ‫سأ ُل َك ْرأ َ‬ ‫يك يف شعري َألنني َأع َر ُف به من‬ ‫معق ًبا بقوله‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫عهدئذ ْمأخوذين َ‬ ‫كل الناس ّ‬ ‫بعظمة شوقي وقصائده و ِإمارة‬ ‫مجيعنا‬ ‫حتى منك‪ .‬كنا ُ‬ ‫ٍ‬ ‫الشعر املعقودة له‪ِ ،‬إ ّال الياس‪ ،‬مل يكن مبهو ًرا بشاعرية شوقي‪.‬‬ ‫‪28‬‬


‫ُ‬ ‫مثال الشاعر الرومنطيقي‬ ‫األَديب توفيق يوسف ع ّواد‬

‫الشتوي يف بحرصاف ُمد ِّنقٌ من الربد‪ ،‬واملط ُر حوله يشتدُّ بال رمحة‪.‬‬ ‫ُبيته‬ ‫ُّ‬ ‫العلية التي‬ ‫قصد ُته ِإىل فوق‪ ،‬يف ليلة‬ ‫كانونية هوجاء‪ ،‬فاستقبلني ِإىل َخ ْلوته عند ّ‬ ‫ّ‬ ‫يكتب فيها و َيقرأ‪َ ،‬أو جيالس َ‬ ‫املدفأة ُيحاكي طقطقات النار موسيقى وال َأدفأ‪.‬‬

‫ُ‬ ‫رهيف ِاإلحساس‪ :‬الياس كان صديقي‪،‬‬ ‫عواد‬ ‫َهزَّته الذكرى‪ ...‬وتوفيق يوسف ّ‬ ‫بل َأخي‪.‬‬ ‫ْ‬ ‫ً‬ ‫حامال كتابه ‪‬فرسان الكالم‪‬‬ ‫استأذ َنني للدُّ خول ِإىل غرفة جانبية‪ ،‬ثم عاد‬ ‫مسرتجعا ما قاله يف َأخيه وصديقه يوم ذكراه الثالثة (‪.)1950‬‬ ‫ً‬ ‫‪‬كأنه الساع َة يتلو عيلَّ َأبياته‪َ ،‬‬ ‫يتذكر‪َ :‬‬ ‫وراح ّ‬ ‫وجهه الشاحب الغائم ماثلٌ‬ ‫وكأ ّن َ‬ ‫وجهي اآلن‪ ،‬وصو َته البعيدَ القرار يف ُأذين‪َ .‬كأنه يرى الشمعة َتذوب ُفيرافق‬ ‫يف‬ ‫َ‬ ‫احتضا َرها بعينيه‪ .‬ينظر ِإ َّيل وال يراين‪ّ .‬‬ ‫يتلمس‬ ‫صابع يده يف الفضاء َكأنه ّ‬ ‫تتشنج َأ ُ‬ ‫مجيعا‪ .‬ال يرتُ كني ِإ ّال َأن َأقول له‬ ‫روح الشمعة‪ ،‬ومعها َ‬ ‫رواح العاشقني ً‬ ‫روحه َوأ َ‬ ‫ْرأيي‪ْ ،‬‬ ‫ثناء و ِإطنا ًبا‪ ،‬ف ِإذا َ‬ ‫نفسه مؤُ ونة‬ ‫ت ‪ -‬والويلُ ِإذا‬ ‫ُ‬ ‫سك ُّ‬ ‫انتقدت ‪ -‬كفى َ‬ ‫ويأباه ِإ ّال ً‬ ‫وطيب‪ّ ،‬ثم راح َي ُّ‬ ‫دق ا َألرض بعصاه السوداء‪ ،‬ال يرتكها ليلَ‬ ‫فطرب لنفسه َّ‬ ‫اجلميل ِ‬ ‫يتوك ُأ عليها ‪ -‬وهو مل َّ‬ ‫هنار‪ ،‬عىل َأرصفة املدينة َأو يف دُ روب القرية‪ّ ،‬‬ ‫يتوك ْأ يف الدنيا‬ ‫ُ‬ ‫ويسوق هبا موكب قوافيه َوأحالمه َوأمانيه‪.‬‬ ‫عىل سواها ‪-‬‬

‫‪31‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫املذيب ً‬ ‫الشعراء ّ‬ ‫مثاال ُيحتذى يف ُ‬ ‫العشاق‪ ،‬والناحية‬ ‫رامه َّاملتقدُ القاتلُ‬ ‫الناحية ا ُألوىل‪َ :‬غ ُ‬ ‫ُ‬ ‫جهنم التي تعيش يف ق ْلبه ْ‬ ‫وص ُفه ّ‬ ‫ورأسه بسبب عذاب ُح ّـبه‪ُ .‬وأ ّنوه هنا‬ ‫ا ُألخرى‪ْ :‬‬ ‫كنت‬ ‫بقصيدته َ‪‬سـدوم‪( ‬يف َ‪‬أفاعي الفردوس‪ ،)‬وهي يف ْرأيي من َأروع ِشعره‪ُ .‬‬ ‫وخيال بل حقيق ًة واقعة‪ ،‬هي نا ُر‬ ‫جماز‬ ‫ٍ‬ ‫َأشعر َأ ّن النار يف دم الياس مل تكن جم َّرد ٍ‬ ‫واإلبداع‪.‬‬ ‫العبقرية‪ ،‬نا ُر العذاب‪ ،‬نا ُر الوحي ِ‬ ‫سفريا يف موسكو‪.‬‬ ‫‪‬يوم مات الياس ُ‬ ‫يصمت الشيخ خليل َتأ ُّث ًرا‪ ،‬ثم ُيكمل‪َ :‬‬ ‫كنت ً‬ ‫قرب له َوأنه يف‬ ‫زرت قربه‬ ‫وحني‬ ‫ُ‬ ‫شهر يف ِإجازيت السنوية‪ُ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫ففوجئت َبأ ْن ال َ‬ ‫عدت بعد َأ ٍ‬ ‫عيت ِإىل زوق مكايل ِإللقاء حمارض ٍة عنه يف القرص‬ ‫ت دُ ُ‬ ‫رضيح مستعار‪ .‬وقبل سنوا ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫فقلت بنيَ ما ُقلت‪ :‬يا َأهل الزوق‪ :‬من‬ ‫البلدي‪ ،‬وكان معي الشيخ فؤاد حبيش‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫وعظيم يف السياسة هو سليم‬ ‫عظيم يف ا َألدب هو الياس َأبو شبكة‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫هذه البلدة خ َرج ٌ‬ ‫تقال‪ .‬و َيجب َأن ُتقيموا ً‬ ‫متثاال لكلٍّ منهام َتخليدً ا لذكرامها‪.‬‬ ‫حتى ِّ‬ ‫َوأرجو منك اليوم‪ ،‬يا صديقي هنري‪َ ،‬أن ُتك ّرر معي هذا النداء ّ‬ ‫بناء‬ ‫حيقق َأ ُ‬ ‫بناء لبنان هذه ا ُألمنية‪.‬‬ ‫بناء كرسوان َوأ ُ‬ ‫الزوق َوأ ُ‬ ‫ليت الشيخ خليل يعلم َأ ّن الياس َأبو شبكة عندي قضي ٌة ُأوىل َأسعى ِإىل كلّ‬ ‫فات‬ ‫ما يستحقُّ صاحبها من تكريم ٍ ووفاءٍ‬ ‫ونرش مؤ ّلفات‪ ،‬كام يليقُ َأن تكون املؤ ّل ُ‬ ‫ِ‬ ‫الكاملة للشعراء اخلالدين‪.‬‬ ‫‪‬الحوادث‪ - ‬العدد ‪ 27 - 1108‬كانون الثاين ‪1978‬‬

‫‪30‬‬


‫في تلك الغرفة الثالثية‬ ‫الشـيخ عبداهلل العاليلي‬

‫الشاعر بريشة صديقه‬ ‫َ ُ‬ ‫عمر األنسي‬

‫َأبر ُز ما بني ّ‬ ‫عالمات معروف ٌة من شخصية‬ ‫العالمة الشيخ والياس َأبو شبكة‪:‬‬ ‫ٌ‬ ‫الياس َوأطباعه‪.‬‬ ‫يتذكره يل الشيخ عبداهلل‪ :‬اخلالفات املستم ّرة يف ْ‬ ‫بني ما ّ‬ ‫الرأي بني الياس‬ ‫وعُ َمر فاخوري حول القيمة احلقيقية ا َألدبية للرتاث العريب يف املايض‪ .‬كان الياس‬ ‫يف جانب ّالنفي‪ ،‬وعُ َمر يف جانب ِاإلجياب‪ .‬كان الياس يرى يف ال َـهيبة حول ا َألدب‬ ‫حيان‬ ‫العريب القديم ضجّ ًة يف غري حم ّلها‪ ،‬فيام كان عُ َمر شديد التع ُّلق باملتنبي َوأيب ّ‬ ‫التوحيدي واجلاحظ َ‬ ‫ومتأ ّث ًرا بآراء بعض املسترشقني‪.‬‬ ‫‪33‬‬


‫ت‬ ‫لتق الياس مر ًة ِإ ّال ّمتث َل ْ‬ ‫ويسرتسل َأديبنا الكبري َأمامي يف رسد ذكرياته‪ :‬مل َأ ِ‬ ‫الرومنطيقي ُت ْفلت من الكتب وا َألساطري و َتدْ ُر ُج عىل ا َألرض‬ ‫يل فيه صورة الشاعر‬ ‫ّ‬ ‫وكثريا ما كنا نلتقي يف املقاهي (حيلو له فيها تدخني النارجيلة وغمغم ُة‬ ‫حلما ً‬ ‫ً‬ ‫ودما‪ً .‬‬ ‫مسودات مقاالته‪َ ،‬أو يف‬ ‫الشعر)‪َ ،‬أو يف ِإدارات الصحف يرتدّ د عليها ِإلصالح َّ‬ ‫املكتبات يقف فيها عىل اجلديد من اآلثار ا َألدبية‪.‬‬ ‫َ‬ ‫صديقه الشاعر‬ ‫وتعود الذكرى َبأديبنا الكبري ِإىل ِإحدى وثالثني سنة‪ ،‬حني زار‬ ‫‪‬عدت الياس ِإىل املستشفى الذي َأغمض فيه عينيه ِاإلغامضة‬ ‫قبل غيابه َبأيام‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫ا َألخرية‪َ ،‬‬ ‫فرأ ُيته كام عهد ُته طوال مخس عرشة سنة‪َ :‬جلودً ا عىل ا َألمل‪َ ،‬سكو ًتا‪َ ،‬أنو ًفا‪.‬‬ ‫كان يعاين هذا ا َألمل منذ زمن ْ‬ ‫ويأبى َأن ُي َصدِّ ق َ‬ ‫خطره‪ .‬وكنا‪ ،‬نحن َأصحابه‪ ،‬نعرف‬ ‫ٍ‬ ‫َأنه مصاب ْ‬ ‫َ‬ ‫بفقر الدم‪ّ ،‬‬ ‫الطبيب يعلن يف الرابعة من صباح ‪ 27‬كانون الثاين‬ ‫حتى وقف‬ ‫ُ‬ ‫‪َ 1947‬أن ُكـ َر َّياته احلمر َنضبت يف ِدمه‪.‬‬ ‫سكت عنها َفت ْر َج َم ْتها‬ ‫ت‬ ‫َ‬ ‫ت صامت ٍة من ذكريا ٍ‬ ‫ويروح توفيق يوسف عواد يف حلظا ٍ‬ ‫طقطقات النار َأمامه يف املوقدة‪ ،‬ويف اخلارج يشتدُّ املط ُر عىل الناس والبيوت‪.‬‬ ‫يل‬ ‫ُ‬ ‫‪‬الحوادث‪ - ‬العدد ‪ 27 - 1108‬كانون الثاين ‪1978‬‬

‫‪32‬‬


‫أَ‬ ‫رستقراطي في روحه‬ ‫ٌّ‬ ‫الناشر أَلبرت الريحاني‬

‫ب حدَ ثٌ َأد ِب ّـي‪،‬‬ ‫زمان العافية‪َ ،‬أ َ‬ ‫يف اجللسة ِإىل َألربت الرحياين ُ‬ ‫يام صدو ُر كتا ٍ‬ ‫رجع ِ‬ ‫ذات َأصداء‪.‬‬ ‫لقاء قصيد ٍة تظاهر ٌة ُ‬ ‫و ِإ ُ‬ ‫حديثه ِإ ّيل عن َأبو شبكة حديثُ الوفاء‪ْ :‬‬ ‫ُ‬ ‫ت يف حقل النرش والطباعة‬ ‫‪‬بدأ ُ‬ ‫سست ‪‬دار رحياين‪ ‬يف الطابق حتت ا َألريض‬ ‫ِإ ْثر عوديت من َأمريكا سنة ‪َ .1934‬وأ‬ ‫ُ‬ ‫من بناية التياترو الكبري ّمت ً‬ ‫خذا سكني يف ّ‬ ‫شق ٍة عليا من البناية ِإياها وكانت حديثة‬ ‫كنت َأتردَّ د عىل دار ‪‬املكشوف‪ ‬قبالة بناية التياترو الكبري تفصل بيننا الطريق‬ ‫البنيان‪ُ .‬‬ ‫فت ِإىل الياس وصار يرتدَّ د عيلّ ‪َ ،‬أحيا ًنا وحده َوأحيا ًنا مع‬ ‫فقط‪ .‬ويف ‪‬املكشوف‪ ‬تع ّر ُ‬ ‫دباء العرص‪ :‬خليل تقي الدين‪ ،‬توفيق يوسف‬ ‫الشيخ فؤاد حبيش الذي كان ً‬ ‫جامعا ُأ َ‬ ‫يوما‪ :‬الياس‪ ،‬يا َألربت‪ ،‬من َأكرب شعرائنا‪.‬‬ ‫عواد‪ ،‬رئيف خوري الذي قال يل ً‬ ‫جييء‬ ‫حني كان الياس يزورين‪ُ ،‬نميض ساعات يف احلديث والرشاب‪ .‬كان‬ ‫ُ‬ ‫َ َ‬ ‫َأحيا ًنا ِإىل ّ‬ ‫ـمض الليل فيها‬ ‫شقتي يرتاح فيها بعدَ الظهر من أ َلـم ٍ أو ُصداع‪ ،‬لكنه مل ُي ِ‬ ‫مر ًة‪ِ ،‬إلرصاره عىل العودة ِإىل الزوق‪.‬‬ ‫يوما ُأهني اللمسات ا َألخرية عىل‬ ‫تتواىل الذكريات بعدُ عىل الرحياين‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫‪‬كنت ً‬ ‫كتاب‬ ‫ب عـن شقـيقـي َأمني بعد وفاتـه‪ ،‬لرغبـ ٍة من َأصدقـائه َأن ُأ ْصدر عنه‬ ‫َ‬ ‫كتا ٍ‬ ‫ففعلَ ّ‬ ‫ونقح يل‬ ‫ت مع مقدّ مة‪.‬‬ ‫طلبت من الياس َأن يعيد النظر يف مقدّ متي َ‬ ‫ُ‬ ‫خمتارا ٍ‬ ‫بعض املقاطع‪.‬‬ ‫‪35‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫ويضيف يل ّ‬ ‫العالم ُة الشيخ‪ :‬كان اللياس‪ ،‬يف جلسات خاصة معه‪ْ ،‬ذكر دائم‬ ‫عنفوان ّ‬ ‫ٌ‬ ‫حتى الكربياء‪ .‬لكنه‬ ‫يف نفيس وتقدير كبري‪ .‬وكان عنده يف احلقل ا َألديب‬ ‫كان َأكثر من عُ َمر َيتأ ّفف من عدم تقدير املجتمع والدولة (كان الشيخ بشارة‬ ‫يوما يف حراجل َ‬ ‫لكن الياس مل يردّ التحية)‪َ .‬وأنا‬ ‫فحياه ّ‬ ‫اخلوري ما ًّرا ً‬ ‫ورأى الياس ّ‬ ‫عرفته قبل ‪‬املكشوف‪ ،‬حني كان ال يزال يف ‪‬ا َألحرار‪َ .‬وأ َّ‬ ‫هكذا ُ‬ ‫دائما تلك‬ ‫تذكر ً‬ ‫سميها ‪‬الغرفة الثالثية‪ ‬يف املندوبية الفرنسية ِإىل ميني قلم املطبوعات‪،‬‬ ‫التي ُ‬ ‫كنت ُأ ّ‬ ‫كنت‬ ‫جيتمع فيها الياس وعُ َمر ورئيف خوري عىل َأحاديث كانت َت ُعنف َأحيا ًنا‪ُ .‬‬ ‫معا من سوء تقدير الناس‬ ‫ُأحب تلك االجتامعات‪ ،‬وما زلت َأذكر َأ َل َـم الثالثة ً‬ ‫حقني ِإزاء ما نرى من ُّ‬ ‫ثالثتهم كانوا ُم ّ‬ ‫َأهلَ ا َألدب‪َ .‬وأعي اليوم كم ُ‬ ‫الظلم الذي‬ ‫يطاهلم بعد وفاهتم‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ت ال تنتهي‪.‬‬ ‫صداء ذكريا ٍ‬ ‫يسكت الشيخ عبداهلل‪َ ،‬فأسمع‪ ،‬من خالل صمته‪َ ،‬أ َ‬ ‫‪‬الحوادث‪ - ‬العدد ‪ 27 - 1108‬كانون الثاين ‪1978‬‬

‫َ‬ ‫َ‬ ‫تخطيط لصورته أبيض عىل أ ْس َود‬

‫‪34‬‬


‫رستقراطي‬ ‫َأ‬ ‫ٌّ‬ ‫في روحه‬

‫َ‬ ‫ِإنك تحمل مصباح الشعر ِإىل ظلمات ْ‬ ‫البؤس والشقاء‪ ،‬فأرجو‬ ‫َّ‬ ‫منك أال تحمل معه اللعنات والسياط‪.‬‬ ‫ْ‬ ‫قرأ ُتها َوأ ْ‬ ‫ُ‬ ‫عد ُت قراءتها‪،‬‬ ‫توقفت عند قصيدة ‪‬حديث يف الكوخ‪.‬‬ ‫َوأنا َأزداد ً‬ ‫حبا لها ولك‪.‬‬ ‫هوذا الشاعر الكبري‪ ،‬وهوذا الشعر الصايف‪.‬‬ ‫َ‬ ‫زاد اهلل يف َأ َ‬ ‫َفز ْدنا منه‪َ ،‬‬ ‫يامك‪َ ،‬وأ َ‬ ‫َ‬ ‫الكوابيس من أحالمك‪.‬‬ ‫زال‬ ‫ِ‬

‫َوأ َ‬ ‫سأل َألربت الرحياين عن شخصية َأبو شبكة‪ ،‬فيحكي يف ِإكبار‪ :‬مل ُيكن يتك َّلم‬ ‫بالتفصيل عن ُح ّبه العظيم‪َ .‬كأ ّن بريوت بعجقتها وشوارعها وحيطاهنا مل تكن ُترحيه‪،‬‬ ‫حسه ً‬ ‫ملتهبا‪ ،‬كام‬ ‫عاشقا ً‬ ‫عكس ال ّريف حيث كان يرتاح للكالم عىل ُح ّبه‪ .‬كنت ُأ ّ‬ ‫كبار العاشقني‪ ،‬وهو ال يقلُّ يف ذلك عن اللورد بايرون‪.‬‬ ‫وبني ما روى يل الرحياين عن صديقه الشاعر حادث ٌة جرت يف منزل الشاعر‬ ‫شارل قرم‪ :‬ذات يوم من ‪ 1938‬اتصل يب شارل قرم‪ ،‬وهو ِإشبيني يف عريس‪ ،‬وقال‬ ‫َ‬ ‫فاصط ِحب معك الياس‪ .‬وهكذا كان‪،‬‬ ‫مهمة‪،‬‬ ‫يل‪ :‬السهرة الليلة عندي‪ ،‬وهي ّ‬ ‫ومجعت تلك السهرة ِإييل تيان وفؤاد َأبو زيد و ِإيـﭭـلني بسرتس ويوسف غصوب‪.‬‬ ‫َ‬ ‫استمعت فيها طوال الوقت لكوين ال َأتعاطى‬ ‫وكانت ُأمسية من اجلدل الشعري‬ ‫ُ‬ ‫وتيان َّيتهامن‬ ‫الشعر‪ ،‬ومثيل ِإيـﭭـلني بسرتس التي مل تكن تعرف العربية‪ .‬راح َأبو زيد ّ‬ ‫ورمبو‪ ،‬فاستفاض الياس يف‬ ‫الياس َبأنه يف َ‪‬أفاعي الفردوس‪ ‬شديدُ التأ ُّثر ببودلري ِ‬ ‫ونثره‪ ،‬وبرهن َأنه يف قصائد ‪‬ا َألفاعي‪‬‬ ‫شعر ِه ِ‬ ‫َردٍّ َأظه َر ّاطالعه عىل ا َألدب الفرنيس ِ‬ ‫واجلميع صامتون ‪ -‬يتلو من قصائد‬ ‫ال يشبه ِإ ّال ذاته َألهنا صورة حياته‪ .‬ثم راح ‪-‬‬ ‫ُ‬ ‫‪‬ا َألفاعي‪َ ‬‬ ‫هب شارل‬ ‫ويسأل عن وجه الشبه‪ ،‬واجلميع صامتون‪ .‬ويف هناية السهرة‪َّ ،‬‬ ‫قرم ِإىل الياس ً‬ ‫كبري نفتخ ُر به وبتواضعه‪.‬‬ ‫ت يا الياس‪َ .‬أ َ‬ ‫قائال‪ :‬صدَ ْق َ‬ ‫نت شاع ٌر ٌ‬ ‫متواضعا قط‪ّ ،‬‬ ‫كنت َأقول له‪:‬‬ ‫بت يومها من شارل َألن الياس مل يكن‬ ‫حتى َأنني ُ‬ ‫ً‬ ‫وعج ُ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫رستقراطي يف روحك‪....‬‬ ‫شعبي يف املظهر ِإمنا أ‬ ‫َ‪‬أنت يا الياس‬ ‫ّ‬ ‫ٌّ‬ ‫كربت يف َألربت الرحياين‪ ،‬بوفائه النبيل‪ ،‬اختصا َره صديقه الياس هبذه العبارة املضيئة‪.‬‬ ‫َوأ ُ‬ ‫‪‬الحوادث‪ - ‬العدد ‪ 27 - 1108‬كانون الثاين ‪1978‬‬

‫‪37‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫كنت َأقصدُ ه ِإىل بيته يف الزوق‪ ،‬ومل يكن فيه يشء من ا َألرستقراطية‬ ‫َأحيا ًنا ُ‬ ‫ُ‬ ‫طاولته‬ ‫مزهوا هبا وفيها‬ ‫بل عىل بعض فوىض و ِإمهال‪ ،‬و َنجلس يف غرفته وكم كان ًّ‬ ‫ب عليها َأكثر مؤ ّلفاته‪.‬‬ ‫املستديرة التي َكت َ‬ ‫حيبه‪،‬‬ ‫َأما هو فلم يزُر الفريكة مرة‪ ،‬لكنه التقى مرا ًرا شقيقي َأمني الذي كان ُّ‬ ‫وكتب له عند صدور َ‪‬أفاعي الفردوس‪ ‬سنة ‪ 1938‬رسال ًة تقييمة‪.‬‬ ‫هنا هنض َألربت الرحياين ِإىل مكتبته‪ ،‬وعاد ً‬ ‫حامال كتاب شقيقه ا َألمني َ‪‬أدب‬ ‫و َف ّن‪ ‬وقال يل‪ِ  :‬إسمع ما كتب ُه َأمني ِإىل الياس‪َ ،‬‬ ‫وقرأ يل تلك الرسالة‪ ،‬وفيها‪:‬‬ ‫ْ‬ ‫بيت فيه‪َ ،‬ف َأ َ‬ ‫طر َبني‪.‬‬ ‫‪‬قرأ ُت الديوان ِإىل آخر‬ ‫ٍ‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫تشف عن سعة النطاق وسالمة الذوق يف‬ ‫وقرأ ُت المقدمة التي‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫رفيقي‪.‬‬ ‫فكنت رفيقك ِإىل النهاية‪ ،‬وكان السرور واالطمئنان‬ ‫أدبك‪،‬‬ ‫َ‬ ‫نبذت التقاليد البالية و‪‬المدرسيات‪ ‬يف التشبيب ويف‬ ‫لقد‬ ‫َ ْ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫الفخر والمدح والرثاء‪ .‬واختططت لنفسك طريقا ِإىل الحياة وفهمها‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫فاخرتت لهذه القصائد ‪‬الشهوة الحمراء‪ ‬أو بالحري تلك‬ ‫وتقديرها‪،‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫المرأة المسكينة المظلومة الظالمة‪ ،‬المخدوعة الخادعة التي ال‬ ‫تستحق ّ‬ ‫ُّ‬ ‫كل هذه السياط تنزل بها عىل ظهرها‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َكأين َ‬ ‫صدق‬ ‫صدق النظر‪،‬‬ ‫‪‬الصدق قبل كل شيء‪،‬‬ ‫بك تقول‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ُّ‬ ‫خشنت‬ ‫صدق التبيان‪ ،‬و ِإن‬ ‫صدق ِاإلحساس‪،‬‬ ‫صدق التفكري‪،‬‬ ‫التصور‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫الكلمة َ‬ ‫ولكن الصدق صدقان‪ :‬صدق الناس‪ ،‬وصدق‬ ‫وقست األحكام‪.‬‬

‫الذي قال‪ :‬من كان منكم بال خطيئة‪....‬‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫نبذت‪ ،‬أيها الشاعر العزيز‪ ،‬أكثر التقاليد الصناعية‬ ‫لقد‬ ‫و‪‬المدرسية‪ ،‬فماذا تصنع بالتقاليد الخلقية واالجتماعية والدينية؟‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المربي وكثافته‪ ،‬وبثرثرة المتنطح للدفاع عن‬ ‫ماذا تفعل بصقاعة‬ ‫َ‬ ‫رميت بـ ‪‬المدرسيات‪ ‬الشعرية ِإىل الكالب‪ِ ،‬فإىل‬ ‫الفضيلة والدين؟‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫َمن ترمي بـ ‪‬مدرسيات‪ ‬المتنطعين والمتحذلقين‪ ،‬وكل من هالته ‪-‬‬ ‫َ‬ ‫ُخ ْب ًثا ‪ -‬صورة امرأة عارية؟‬

‫‪36‬‬


‫وظ ْـفـتُ ُـه‬ ‫َّ‬ ‫‪‬عندي‪‬‬

‫عند ِإصداري جم ّلتي ‪‬ا َألديب‪( ‬كانون الثاين ‪َ )1942‬‬ ‫ونشر فيها باستمرار((( ّ‬ ‫حتى ّتم‬ ‫ً‬ ‫نرشت له يف‬ ‫والحقا‬ ‫اعتقايل يف ‪ 22‬ترشين الثاين ‪ 1943‬بسبب نزعتي االستقاللية‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫منشورات ‪‬ا َألديب‪ ‬كتاب ‪‬ديغول ا َألديب‪ ‬وعنوانه يف ا َألصل الفرنيس ‪‬كتابات‬ ‫ترج َـم ُه عن جان غو ْل ْـم ِييه (حلّ مكان السني يف املفوضية الفرنسية)‬ ‫اجلنرال ديغول‪َ ‬‬ ‫(((‬ ‫لكنه مل يو ِّقع تلك الرتمجة ب ِإمضائه ‪.‬‬ ‫املفوضية‬ ‫بعد ذاك‬ ‫ُ‬ ‫طلبت منه َأن يراجع ترمجة ‪‬الكتاب ا َألصفر‪( ‬صدَ ر عن ّ‬ ‫الفرنسية) ّ‬ ‫حتى كاد يكتب َ‬ ‫فنقحه ّ‬ ‫ترمجته من جديد‪.‬‬ ‫ويف َأوائل ‪َ 1944‬‬ ‫كثريا‪.‬‬ ‫داء ‪‬اللوكيميا‪( ‬فقر الدم) يتس َّلل ِإليه فلم َأعُ د َأراه ً‬ ‫بدأ ُ‬ ‫‪v‬‬

‫يذكر َألبري َأديب َأكثر من هذا‪َ .‬أو ا ّنه مل َي َش ْأ َأن ّ‬ ‫وال ُ‬ ‫يتذكر‪.‬‬ ‫هذا ْ‬ ‫شأ ُنه‪.‬‬ ‫حتما َّ‬ ‫ّ‬ ‫صفحات خالد ٌة‪ ،‬شع ًرا ونث ًرا‪َ ،‬كتبها‬ ‫بعض قيمة جم ّلته‪:‬‬ ‫يتذكر َأ َّن‬ ‫ٌ‬ ‫لكنه ً‬ ‫َ‬ ‫الياس َأبو شبكة‪.‬‬ ‫‪‬الحوادث‪ - ‬العدد ‪ 27 - 1108‬كانون الثاين ‪1978‬‬

‫‪َ )1‬نش َر َأبو شبكة يف ‪‬ا َألديب‪ُ ‬‬ ‫ت‬ ‫(خ ً‬ ‫ت عن الفرنسية ومراجعا ِ‬ ‫صوصا يف َأعداد السنة ا ُألوىل ‪ 1942‬والثانية ‪ )1943‬نث ًرا وترمجا ٍ‬ ‫ُكتب‪ ،‬وشع ًرا َنشر فيها معظم القصائد التي َأصدَ َرها ً‬ ‫الحقا يف جمموعته ‪‬نداء القلب‪.‬‬ ‫‪ ... )2‬لكنه َن َش َر‪ ،‬بتوقيعه الكامل‪ ،‬مراجع ًة هلذا الكتاب يف ‪‬ا َألديب‪ :‬العدد ا َأل ّول من السنة الثانية (كانون الثاين ‪)1943‬‬ ‫ص‪ 5 :‬و‪ 6‬و‪.7‬‬

‫‪39‬‬


‫وظ ْ‬ ‫َّ‬ ‫ـه ‪‬عندي‪)!(‬‬ ‫ـفـ ُت ُ‬ ‫األَديب أَلبير أَديب‬

‫صاحب ‪‬ا َألديب‪ ،‬يف حديثه ِإ ّيل عن الياس َأبو شبكة‪ ،‬حتدَّ ث عن ذاته َأكثر‬ ‫ُ‬ ‫كثريا َأقو ُله عن الياس ِإ ّال كوين َّ‬ ‫وظ ْف ُت ُه عندي (!؟)‬ ‫مما عن َأبو شبكة‪ :‬ال كالم ً‬ ‫عاما ِلإلذاعة سنة ‪ ،1941‬ومدي َر‬ ‫بعدما ت َرك عمله يف جريدة ‪‬ا َألحرار‪ُ .‬‬ ‫كنت مدي ًرا ً‬ ‫املفوضية الفرنسية‪َ .‬‬ ‫لت الياس كم يتقاىض يف اجلريدة ف ِإذا َأج ُر ُه‬ ‫سأ ُ‬ ‫الدائرة العربية يف ّ‬ ‫قلت له‪ :‬تعالَ ُ‬ ‫املفوضية هبذا ا َأل ْجر‪ .‬اقتبل َالعرض لكنه مل‬ ‫‪ 60‬لرية‪ُ .‬‬ ‫وادخل ِإىل ّ‬ ‫يصدِّ قني بل َ‬ ‫ذهب يف اليوم ذاته ينتظر عند َأسفل الدرج نزولَ جاك السني (امللحق‬ ‫مقبوال يف الوظيفة‪َ .‬‬ ‫حتى َ‬ ‫يسأله ِإن كان ً‬ ‫السيايس) ّ‬ ‫سأله امللحق‪ :‬من َو َّظ َفك؟‪َ ،‬أجابه‬ ‫ّ‬ ‫الياس‪َ :‬ألبري َأديب‪ ،‬فقال له السني‪ِ  :‬إن كان هو الذي َّ‬ ‫نت مقبول‪ّ .‬ثم‬ ‫وظ َف َك َف َأ َ‬ ‫دخل الياس الوظيفة وكان منض ِب ًطا (!!!) فعمل يف مكتب الرتمجة والتعليقات مع‬ ‫عُ َمر فاخوري ورئيف خوري وحممد النقاش َوأمني الغر ّيب وصالح ا َألسري وفاضل‬ ‫سعيد عقل وغنطوس الرامي وميشال َأسمر وكريم عزقول ‪....‬‬ ‫َأحيدُ به عن ال َ‬ ‫َّ‬ ‫طلب منه ذكريات شخصية عن‬ ‫وفوقية‬ ‫‪‬املوظف املدير‪َ ‬أل َ‬ ‫ـ ‪‬أنا‪ِّ ‬‬ ‫ّ‬ ‫ويتذكر‪ :‬كان الياس صديقي‪.‬‬ ‫الفوقي‪،‬‬ ‫امتعضت من كالمه‬ ‫الشاعر‪ ،‬فيفهم َأين‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫وكان َأحيا ًنا ينام عندي يف البيت حني َّ‬ ‫حس ًاسا‬ ‫يتعذر رجوعه ِإىل الزوق (!)‪ .‬كان ّ‬ ‫يوجع َألقلّ هفوة‪ .‬كان شاع ًرا يف حياته ال يف شعره فقط‪.‬‬ ‫ضية‪َ ،‬‬ ‫ِإىل دَ َرج ٍة َم َر ّ‬ ‫بآخر ما ُ‬ ‫حيا ُته ذاهتا كانت شاعرية‪َ ،‬‬ ‫كثريا‬ ‫دائما ِ‬ ‫ويتأ َّثر ً‬ ‫يقرأه يف الفرنسية‪ .‬ساعدَ ين ً‬ ‫‪38‬‬


‫لم يكن يكترث للمجد‬ ‫الـﭙـروفسور جان غو ْل ْم ِييه‬

‫ُ‬ ‫ولبنان حتت االنتداب الفرنيس‪،‬‬ ‫عاش الياس َأبو شبكة كامل حياته ا َألدبية‬ ‫طبيعيا َأن ّ‬ ‫يتغذى من ثقاف ٍة فرنسي ٍة ْ‬ ‫ب‬ ‫فكان‬ ‫مش َب َع ٍة بالتقاليد والرتاث َوأعالم االنتدا ِ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫دباء يف لبنان‪.‬‬ ‫الك ّت َ‬ ‫اب وا ُأل َ‬ ‫ً‬ ‫مسؤوال‬ ‫بني هؤالء‪ :‬الـﭙـروفسور جان غو ْل ْم ِيـيه ا َألديب الفرنيس الذي كان يومها‬ ‫السياسية يف ِاإلذاعة (اسمها عهدئذ ‪‬راديو الرشق‪ )‬وكان اللياس‬ ‫عن قسم الربامج‬ ‫ّ‬ ‫برامج فيها‪ .‬تصادق االثنان ّ‬ ‫عضو مؤَ ّسس يف ‪‬اجلمعية‬ ‫حتى َأ ّن غو ْل ْـم ِيـيه‪ ،‬وهو ٌ‬ ‫ترجم بعض قصائد َأبو شبكة ِإىل الفرنسية‪ .‬وهو يد ِّرس‬ ‫الثقافية اللبنانية الفرنسية‪َ ،‬‬ ‫ا َألدب لدى جامعة السوربون يف ﭘـاريس‪.‬‬ ‫سنة ‪ ،1952‬وكان غو ْل ْم ِيـيه غادر لبنان بعدما َّ‬ ‫س قلم املطبوعات يف املفوضية‬ ‫ترأ َ‬ ‫ستاذا َ‬ ‫العليا مع َأواخر عهد االنتداب ّثم انتقل ُأ ً‬ ‫لألدب يف جامعة سرتاسبورغ‪،‬‬ ‫كتب ً‬ ‫مقاال يف جملة ‪‬لوموند آراب‪( ‬العامل العريب) التي تصدر يف ﭘـاريس‪ ،‬عنوا ُن ُه‬ ‫رسدَ فيه ذكرياته مع َأ ُّيوب ثابت وجربان تويني وعمر فاخوري‪،‬‬ ‫‪‬الصداقات اللبنانية‪َ ‬‬ ‫وصديقه الكبري الياس َأبو شبكة‪.‬‬ ‫ومما قاله يف صديقه‪ :‬كان الياس عديم االكرتاث للمجد احلقري‪ .‬عندما َأ ْ‬ ‫بلغ ُت ُه‬ ‫يوما َأ ّن املسترشق كارل بروكلامن يذكر ِإنتاجه وميت ِدح منه يف تاريخ ا َألدب العريب‪،‬‬ ‫ً‬ ‫اهتامم سواه بالظهور‪ ،‬وهو‪ ،‬مثل‬ ‫هيتم باالنزواء َ‬ ‫كانت دهشته َمشوب ًة باالستغراب‪ .‬كان ّ‬ ‫‪41‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫افتتاحية أبو شبكة لـ ‪‬األديب‪( ‬السنة الثانية ‪ -‬أ ّيار ‪)1943‬‬

‫‪40‬‬


‫أَ َ‬ ‫حرق نصف ‪ ‬غلواء ‪‬‬ ‫الناشر فؤاد حبيش‬

‫يتذكره يف رهافة‪َ :‬‬ ‫الشيخ فؤاد حبيش‪ ،‬ولع ّله ا َألقرب بني رفاق الطريق‪َّ ،‬‬ ‫‪‬ظلَّ‬ ‫ير ُقب َ‬ ‫بحبها‪ ،‬وهو جيهل من َأين ستهبط عليه َأو تصعد ِإليه‪،‬‬ ‫املرأة التي تنري قلبه ّ‬ ‫ّ‬ ‫ست سنوات من‬ ‫حتى جت َّلت له ‪‬الناسكة‪( ‬ي ْل ِم ُح هنا ِإىل ليىل حبيبة الشاعر آخر ّ‬ ‫ت‬ ‫عروسه وجد نفسه‪ ،‬لكنه وجدَ ها‬ ‫فلما وجدَ ها وجدَ‬ ‫حياته) ّ‬ ‫ليعيش معها َخطوا ٍ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫يافع يف‬ ‫ُك َتبت عليه يف طريق اجللجلة‪ .‬فاندفع يف دروب ّ‬ ‫حبه اجلديد اندفاعَ ٍ‬ ‫َ‬ ‫الربيع ا َأل ّول‪ .‬ما باىل َبع ٍ َ‬ ‫زوج قريب‪ .‬كان يعقد عىل‬ ‫ذول أو رقيب‪ ،‬وال بزوج ٍة أو ٍ‬ ‫قصيدته الطويلة ‪‬غلواء‪ً ‬‬ ‫ينفك يتحدّ ث عنها يف مقاالته‪ُ ،‬‬ ‫آماال كبا ًرا‪ ،‬وال ُّ‬ ‫ويذكرها‬ ‫يف جمالسه‪ ،‬ويشري ِإليها يف يومياته‪ ،‬متو ّق ًعا هلا اخللود‪ ،‬بعدما َ‬ ‫بلغت َأكثر من ‪1300‬‬ ‫بيت‪ .‬ومل َأ ُكن ْ‬ ‫قرأ ُتها بعدُ عند صدورها حني جاءين الياس ذات يوم ٍ من ‪ِ 1945‬إىل‬ ‫‪‬دار املكشوف‪ ‬وجلس ُقبالتي‪َ .‬‬ ‫سألني بلهج ٍة بدَ ت يل حائر ًة بني احلزن والفرح‪:‬‬ ‫‪‬احلقيق ُة َأنني مل َأ ْ‬ ‫ت ً‬ ‫َ‬ ‫طويال ّ‬ ‫حتى‬ ‫فقلت‪:‬‬ ‫ت غلواء؟‪‬‬ ‫صم َ‬ ‫ُ‬ ‫‪‬كيف وجدْ َ‬ ‫قرأها بعد‪َ .‬‬ ‫حرت يف تفسري صمته وسؤَ اله‪َ .‬‬ ‫‪‬كنت‬ ‫فقلت‪:‬‬ ‫ـمحت يف سؤاله ِس ًرا ُي ْق ُلقه‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫وكأنني َل ُ‬ ‫ُ‬ ‫طبع عىل‬ ‫َأتو ّقع هلا ِإ ً‬ ‫فنان عبقري‪ ،‬و ُت َ‬ ‫خراجا َآخ َر َيليقُ هبا‪َ ،‬كأن ُتز َّين برسوم ٍ من ٍ‬ ‫نت َوأنا ورفاقك‪ ،‬نشتهي‬ ‫َأجود الورق‪َ ،‬فتظهر للناس يف َأمجل ُح َّلة عىل ما كنا‪َ ،‬أ َ‬ ‫هلا يف َأحاديثنا عنها‪ .‬ه َّز ْرأسه وقال يف هدوءٍ عميق‪ :‬حني ُ‬ ‫تقرأها ستالحظ َأهنا‬ ‫ت‪ :‬ملاذا؟‪‬‬ ‫مل تبقَ عىل حاهلا ا ُألوىل‪ ،‬فلم َأ ُنشر من َأبياهتا سوى نص ِفها‪ .‬استغر ْب ُ‬ ‫رغبت‬ ‫ت صاحب َة املشيئة لكنني‬ ‫ُ‬ ‫شاءت‪ .‬وعر ْف ُ‬ ‫َفأجاب باهلدوء نفسه‪ :‬هكذا َ‬ ‫‪43‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫مراجعة كتاب جان غولمييه عن ديغول‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫كما نشرها أبو شبكة يف ‪‬األديب‪ - ‬السنة الثانية ‪ -‬كانون الثاين ‪.1943‬‬

‫الرومنطيقيني الذين عر َف ُهم جيدً ا وعَ َّرب هلم‪ ،‬حاول َأن ُي ِّروض الشعر العريب عىل‬ ‫التنوع اخلاطف يف احلياة الباطنية‪ ...‬مسكني الياس! ُ‬ ‫حتضرين اآلن الكآبة‬ ‫التعبري عن َّ‬ ‫التي َأ ْ‬ ‫شيعناه ِإىل مقربة بلدته‬ ‫وجعتني يف ذلك اليوم العاصف الرطب اهلواء‪ ،‬يوم َّ‬ ‫الكثري ُّ‬ ‫الشحوب‪.‬‬ ‫الزوق يف ‪ 28‬كانون الثاين ‪ 1947‬وغاب ّعني ُ‬ ‫وجهه ُ‬ ‫‪‬الحوادث‪ - ‬العدد ‪ 27 - 1108‬كانون الثاين ‪1978‬‬

‫‪42‬‬


‫آخر ذكرياتي‬ ‫هذه ُ‬ ‫عن الياس أَبو شبكة‬ ‫الشاعر جورج غريِّب‬

‫بني صاحب ‪‬نداء القلب‪ ‬وصاحب هذه املجلة (‪‬ا ُألوديسيه‪ )‬عالق ٌة قدمية تعود‬ ‫خري ّ‬ ‫وشعره‪َ ،‬فأخذ عنه الصدق يف‬ ‫الشعر عىل سرية ا َأل َّول‬ ‫ِإىل حني وعى ا َأل ُ‬ ‫ِ‬ ‫احلب‪َ ،‬وأخذ (منذ َأ ّول عهده بتنظيم املهرجانات ا َألدبية) ُيقيم‬ ‫الشعر وا َألمانة يف ّ‬ ‫َأو يشارك يف ِإقامة احتفاالت ذكرى َأبو شبكة (‪ً ،)1984 ،1978 ،1977‬‬ ‫وصوال‬ ‫ِإىل املسامهة يف ِإحياء ‪‬مخسينية َأبو شبكة‪ )1997( ‬واملشاركة يف العمل (مع‬ ‫بلدية زوق مكايل ورئيسها املحامي هناد نوفل) عىل حتويل بيت َأبو شبكة ً‬ ‫متحفا‪،‬‬ ‫قامها له‪ ،‬و ِإىل نرش َأجزاء ثالثة (تعاو ًنا مع ‪‬دار ّرواد‬ ‫ِإضاف ًة ِإىل حلقات تلـﭭـزيونية َأ َ‬ ‫نرشها يف ‪‬احلوادث‪‬‬ ‫النهضة‪ )‬من ِشعر َأبو شبكة ونثره‪ ،‬و ِإىل مقاالت عديدة َ‬ ‫و‪‬النهار‪ ‬و‪‬النهار العريب والدويل‪.‬‬ ‫وبني َأبو شبكة و‪‬ا ُألوديسيه‪ ‬عالق ٌة قدمية تعود ِإىل نرشها‪ ،‬يف عددها ا َأل ّول َ(أيار‬ ‫‪ ،)1982‬خمطوط َة قصيد ٍة فرنسية َألبو شبكة ِّ‬ ‫بخطه‪ ،‬ثم خمطوط َة قصيد ٍة له بالعربية‪.‬‬ ‫ُتواصل ‪‬ا ُألوديسيه‪ ‬بحُ ّلتها اجلديدة‪ ،‬ما َكأنه عهدٌ عليها مع َأبو شبكة (بعد ْنشرها‬ ‫ت‬ ‫يف العدد ‪ّ 38‬قص ًة شخصي ًة عنه من الفنان مصطفى فروخ‪ ،‬ويف العدد ‪ 39‬ذكريا ٍ‬ ‫شخصي ًة عنه من ا َألديب جان كميد)‪ .‬وها هي ُتكمل السلسلة فتنرش‪ ،‬يف هذا‬ ‫ت شخصي ًة من آخر َأصدقاء َأبو شبكة ا َألحياء‪ :‬ا َألديب والشاعر الكبري‬ ‫العدد‪ ،‬ذكريا ٍ‬ ‫َ‬ ‫جورج غر ِّيب الذي الزم أبو شبكة ِآخ َر سبع سنوات ّ‬ ‫حتى ساعاته ا َألخرية‪.‬‬ ‫‪45‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫مقاالت‬ ‫كان فؤاد حبيش استكتب زمالءه‬ ‫ٍ‬ ‫ِإلصدارها يف عدد خاص من ‪‬المكشوف‪‬‬ ‫ُ‬ ‫يف الذكرى األوىل لغياب صديقه الياس‪ .‬لكنه‬ ‫استعاض عن العدد ِبإصدار هذا الكتاب‬

‫ِإىل االطم ْئنان عن مصري النصف َ‬ ‫اآلخر َفأجا َبني هاد ًئا كذلك‪َ :‬أ ْح َر ْق ُت ُه‪ .‬قاهلا‬ ‫ْ‬ ‫حت ُأؤَ ِّن ُبه َفظلّ ال ُّ‬ ‫يرف له َج ْفن‪ ،‬وال َت ُه ّزه ذكرى‬ ‫وص َمت‪ُ .‬ر ُ‬ ‫بطمأنين ٍة واثق ٍة‪َ ،‬‬ ‫نفسه ندامة‪ ،‬بل كان سابحً ا يف فضاء من الغبط ِة انتقلَ ِإليها‬ ‫ماض‪ ،‬وال تراود َ‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫سه َرها يف نظم‬ ‫عىل أجنحة عرائس بكارى من ِ‬ ‫الشعر‪ ،‬مع أنه بذل ليايل طويل ًة ِ‬ ‫نفسه‪،‬‬ ‫نفسه من ِ‬ ‫‪‬غلواء‪ .‬كان ُم ِص ًّرا عىل َأ ّن ما فع َله كان احللَّ ا َألوحدَ ِإلنقاذ ِ‬ ‫واملحافظ ِة عىل نعيم ٍ كبري انتهى ِإىل َّ‬ ‫جنته احلالية‪.‬‬ ‫‪‬النهار العريب والدويل‪ - ‬العدد ‪ 2 - 196‬شباط ‪1981‬‬

‫‪44‬‬


‫آخر‬ ‫هذه ُ‬ ‫ذكرياتي‪...‬‬

‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫‪‬األحرار‪ ‬حيث قابله جورج ّ‬ ‫غريب للمرة األوىل‬ ‫أبو شبكة ِإىل مكتبه يف جريدة‬

‫كس ْل ٍك‬ ‫ُ‬ ‫قلم َي ُخ ُّط به ‪ِ -‬‬ ‫دخلت عليه‪ .‬كان ِإىل مكتبه غار ًقا فوق َأوراقه‪ ،‬يف يده ٌ‬ ‫وبصره وا ْنحناءة ْرأسه الذي‬ ‫عصبه َ‬ ‫من كهرباء ‪ -‬عىل َأوراق مبعثرة َأمامه‪ُ ،‬يعطيها من َ‬ ‫ما عرف االنحناء ِإ ّال للكلمة‪.‬‬ ‫شعر بوجودي‪َ ،‬كأنه‬ ‫وقفت َأمامه‬ ‫خاشعا ملنظره العجيب‪َ .‬لـم يلتفت ِإ َل ّي‪ ،‬وال َ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫يف عا َلـم ٍ َآخر‪.‬‬ ‫انتظرت ً‬ ‫القلم من يده‬ ‫ساكتا َأ َتأ ّم ُله‪ .‬بعد نحو ربع ساعة‪َ ،‬كأنه ربع عام‪َ ،‬أ َ‬ ‫ُ‬ ‫فلت َ‬ ‫والتفت ِإ ّيل َكأنه‬ ‫متنهدً ا‪،‬‬ ‫َ‬ ‫كجندي ُيفلت بندقيته عائدً ا من معركة‪ ،‬ارتدَّ ِإىل الوراء ّ‬ ‫ّ‬ ‫َلحْ َ‬ ‫ظتها َش َعر بوجودي‪ .‬قال بنربة عصبية‪:‬‬ ‫–  نعم؟ َأ ًهال‪.‬‬ ‫جبت ُ‬ ‫بتلعثم‪:‬‬ ‫َأ ُ‬ ‫– َ أنا جورج غر ّيب‪ ،‬تلميذ يف مدرسة عينطوره‪ُ ،‬‬ ‫جئت َك ب ِإحدى قصائدي‬ ‫راجيا ْرأ َ‬ ‫يك فيها‪.‬‬ ‫ً‬ ‫‪47‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫َ‬ ‫بيت ليىل يف الزوق‪ :‬هنا بدأت الحكاية‪...‬‬

‫جورج ّ‬ ‫غريب خالل ِإدالئه بهذا الحوار‬

‫مهم من شخصية َأبو شبكة‬ ‫َأمهي ُة هذه الذكريات َأهنا تيضء عىل جانب ّ‬ ‫لصيقا بالشاعر الذي فيه) ُفتظهره َأنو ًفا ً‬ ‫ال َّر ُجل (وكم كان ً‬ ‫واثقا من نفسه‬ ‫ُم َعتدًّ ا ِبشعره‪ ،‬كام ُتظهره ً‬ ‫الست‬ ‫عاشقا جمنو ًنا بــ ‪‬ليىل‪ ‬التي ع َر َفها يف سنواته‬ ‫ّ‬ ‫شاعر رؤً ى ّ‬ ‫نقي‬ ‫جهنمية ساخطة ِإىل‬ ‫ت حياته من‬ ‫فغي َر ْ‬ ‫شاعر ُح ّ‬ ‫ا َألخرية َّ‬ ‫ب ٍّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫وغفران و ِإخالص‪ِ ...‬اإلخالص الذي خ ْلناه زال مع شعراء الرومنطيقية‬ ‫وتوب ٍة‬ ‫ٍ‬ ‫النقي الصادق الذي ال َيليق ِإ ّال بكبار‬ ‫جسد ا ُحل ّ‬ ‫يف العامل ف ِإذا َبأبو شبكة ُي ّ‬ ‫ب ّ‬ ‫العاشقني‪.‬‬ ‫وهنا احلوار مع الشاعر جورج غر ّيب‪.‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫‪  ‬كيف َّ‬ ‫تتذكر َ‬ ‫لقاءك األ ّول بالياس أبو شبكة؟‬

‫َ‬ ‫وكنت يف السادسة ْ‬ ‫تلميذ الصف اخلامس التكمييل‬ ‫عشرة‬ ‫–  سنة ‪،1936‬‬ ‫ُ‬ ‫ت‪ ،‬بعد حماوالت متتالية‪ ،‬باحلصول عىل ِإ ْذ ٍن من الرئيس‬ ‫يف مدرسة عينطوره‪ُ ،‬و ِّف ْق ُ‬ ‫فنزلت ِإىل بريوت َ‬ ‫‪‬متأ ّب ًطا‪ ‬قصيد ًة يل َغزَلية‪،‬‬ ‫(ا َألب َسرلوت) مبغادرة املدرسة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫قاصدً ا ‪‬الشاعر الكبري‪ ‬الياس َأبو شبكة ِإىل مكتبه يف جريدة ‪‬ا َألحرار‪( ‬عىل شاطئ‬ ‫‪‬الزيتونة‪ ‬اليوم)‪ ،‬وكان يومها يف ع ّز شهرته‪ ،‬مال ًئا َأوساط بريوت ا َألدبية‪.‬‬ ‫‪46‬‬


‫آخر‬ ‫هذه ُ‬ ‫ذكرياتي‪...‬‬

‫التصحيح يف االمتحانات)‪ .‬وكان بني مصحّ حي‬ ‫عىل َأساتذة ا َألدب يف املدارس‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫صدف َأن م ّرت‬ ‫تلك الدورة الياس َأبو شبكة وا َألخطل الصغري ونقوال ّفياض‪.‬‬ ‫مسابقتاي يف النقد وا َألدب عند الياس َأبو شبكة‪ ،‬فوضع عىل ا ُألوىل ‪ 20/16‬وعىل‬ ‫ا ُألخرى ‪.60/52‬‬ ‫ذهبت (برفقة ِإحدى احلسناوات) ِإىل‬ ‫لعت عىل نتيجتي يف االمتحان‬ ‫ُ‬ ‫عندما ّاط ُ‬ ‫ِإدارة جريدة ‪‬ا َألحرار‪َ ‬أل ُ‬ ‫خصني به‪َ .‬وأرادت رفيقتي احلسناء‬ ‫شكر الشاعر عىل ما ّ‬ ‫تتدخل يف املوضوع َ‬ ‫َأن ّ‬ ‫ت الشاعر‪:‬‬ ‫فسأ َل ِ‬ ‫عالمت َك ً‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫قليال؟‬ ‫زدت‬ ‫عرفت َأ ّن‬ ‫–  لو‬ ‫كنت َ‬ ‫املسابقتني ُهام جلورج غر ِّيب‪ ،‬هل َ‬ ‫َ‬ ‫َفأجاهبا بنربته املعهودة‪:‬‬ ‫وضعت له َأكثر‪.‬‬ ‫القبر َوأجرى امتحا ًنا‪َ ،‬لام‬ ‫ُ‬ ‫–  لو قام دان ِته من ْ‬ ‫‪  ‬ومل ُتعد ِإىل زيارته؟‬

‫ً‬ ‫تلميذا‪ ،‬وكانت تلك فاحت َة‬ ‫–  بىل‪ ،‬يف العام التايل‪ .‬و ِإمنا مد ِّر ًسا هذه امل ّرة ال‬ ‫َ‬ ‫تلميذ‬ ‫كنت يف معهد عينطوره‬ ‫عالقتي الطويلة به‪ .‬يف العام املدريس (‪ُ )1940- 1939‬‬ ‫الثانوي الثاين (صف الفلسفة) حني يف منتصف العام ُتو ّفي مع ّلمي ُمد ِّرس ا َألدب‬ ‫ومدي ُر الدروس العربية يف املعهد ا َألب مارون غصن‪ ،‬فعهدَ ت ِإ ّيل ِإدار ُة املدرسة‬ ‫تدريس ّ‬ ‫صفه ِإىل هناية العام الدرايس وضجَّ ت َأوساط املدارس الكاثوليكية لعهدة‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫صف العربية يف شيخ املعاهد ِإىل ابن عرشين‪.‬‬ ‫خذت ُأ ُ‬ ‫عاليا يف‬ ‫من يومي ا َأل ّول يف التدريس َأ ُ‬ ‫حافظ عىل مستوى العربية ً‬ ‫هذا املعهد الذي َأ َ‬ ‫نشأين‪َ ،‬وأن َأجعلَ منه منرب الكلمة املنرية لكبار ا ُألدباء والشعراء‬ ‫ّ‬ ‫واملفكرين‪.‬‬ ‫ردت َأن َأفتتح سلسلة اللقاءات ُبأمسية اللياس َأبو شبكة‪ ،‬وهو َأحد تالمذة‬ ‫َوأ ُ‬ ‫املعهد القدامى‪ ،‬فوافقَ وكانت ُأ ُ‬ ‫دبيا‪.‬‬ ‫مسيته حدَ ًثا َأ ً‬ ‫املزدحم َيلهج بشاعرية‬ ‫يف ختام ا ُألمسية خرجنا من القاعة الكربى‪ ،‬واحلضو ُر‬ ‫ُ‬ ‫بسيد ٍة تتقدَّ م مني َ‬ ‫فجأ ًة وسط الزحام‪ ،‬هلا من‬ ‫ابن الزوق العاشق‬ ‫الرومنطيقي‪ ،‬ف ِإذا ّ‬ ‫ّ‬ ‫‪49‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫عطيته القصيدة ِب َـي ٍد راجفة‪ ،‬فلام َ‬ ‫َأ ُ‬ ‫‪‬لوالك‪َ ،‬لم ُيكمل قراءة َأبياهتا‬ ‫قرأ عنوا َنها‬ ‫ِ‬ ‫بل َ‬ ‫فاجأين بسؤاله‪:‬‬ ‫نت ً‬ ‫‪‬لوالك‪‬؟‬ ‫حتب فتا ًة وتقول هلا‬ ‫– َ أ َ‬ ‫ِ‬ ‫فعال ُّ‬ ‫ت من نربته ا ِجلدّ ّية الصارمة َكأنه ُيحاسبني عىل ْفعلتي ‪‬الشنعاء‪َ ‬وأنا يف‬ ‫ِخ ْف ُ‬ ‫ُ‬ ‫فعاجلت ُه باجلواب‪:‬‬ ‫تلك السن املبكرة‪،‬‬ ‫كتب ُتها َألنني ‪...‬‬ ‫–  ال‪ .‬و ِإمنا ْ‬ ‫وحملقَ يب بعينني‬ ‫بامتعاض ظاهر‪َ ،‬‬ ‫كمل‪ .‬رمى ِإ ّيل القصيدة فو ًرا‬ ‫مل يدعْ ني ُأ ِ‬ ‫ٍ‬ ‫قاسي َتني‪:‬‬ ‫َ‬ ‫حب ً‬ ‫َ‬ ‫بقصيدتك‬ ‫‪‬لوالك‪ ،‬عُ د ِإ ّيل‬ ‫حبها‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫–  عندما ُت ّ‬ ‫فعال ال َت َـخ ُّي ًال‪ ،‬وتقول ِل َمن ُت ُّ‬ ‫َأل ُ‬ ‫نظر فيها‪.‬‬ ‫خارجا من مكتبه ً‬ ‫ذليال‬ ‫فانسحبت ً‬ ‫َوأشاح ّعني برسع ٍة عائدً ا ِإىل َأوراقه َأمامه‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫سقط يف امتحان‪ً ،‬‬ ‫كمن َ‬ ‫جواب الياس َأبو شبكة َأ ّولَ ُأمثول ٍة يف ِاإلخالص‬ ‫حامال معي‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ِلحُ رمة الشعر واحلب واملوهبة‪.‬‬ ‫بعد َ‬ ‫الطموح ِإىل ِإرسال‬ ‫سنتني عىل ‪‬هزميتي‪ ‬تلك َأمام َأبو شبكة‪ ،‬قادَ ين‬ ‫ُ‬ ‫قصيد ٍة يل ُأخرى بالربيد ِإىل ساكن الشخروب ميخائيل نعيمه َأطلب ْرأيه فيها‪.‬‬ ‫مل َأنتظر ً‬ ‫طويال حتى جاءين بالربيد ردٌّ منه بقي يف ذاكريت‪ :‬يبدو يل َأنك يف‬ ‫تنش ْر قصيد ًة حتى ترى َأ ّنها َأمجلُ ما ْ‬ ‫سن املراهقة ا ُألوىل‪ .‬ال ُ‬ ‫ت من ِشعر‬ ‫قرأ َ‬ ‫ّ‬ ‫السابقني‪.‬‬ ‫مت من َأبو شبكة ِاإلخالص يف َح َرم الشعر‪ ،‬ومن ميخائيل نعيمه‬ ‫هكذا‪ ،‬تع ّل ُ‬ ‫ِاإلخالص يف َح َرم صياغته‪.‬‬ ‫َ َ‬ ‫ً‬ ‫ثانية؟‬ ‫التقيت أبو شبكة‬ ‫‪  ‬ومتى ُع ْد َت‬

‫مت من امتحان البكالوريا (اجلزء ا َألول)‪ .‬كان‬ ‫–  يف حزيران ‪ 1939‬تقدّ ُ‬ ‫ُمصحّ حي ا َألدب العريب ْ‬ ‫صحافيون (كان حمظو ًرا‬ ‫شعراء َأو‬ ‫دباء َأو‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫والنقد ا َألديب ُأ ُ‬ ‫‪48‬‬


‫آخر‬ ‫هذه ُ‬ ‫ذكرياتي‪...‬‬

‫سبت‪ .‬ويعرف َأنني‪ ،‬عند العارشة صباح كلّ يوم‪ُ ،‬أغادر‬ ‫كان الياس يزورين كلّ ْ‬ ‫مكتبي يف املدرسة ساع ًة كامل ًة َأدخل فيها ِإىل الصف ُألعطي درويس يف ا َألدب‪.‬‬ ‫ت‬ ‫سبت‪َ ،‬وأنا َأ ُه ّم باخلروج من مكتبي عند العارشة‪ ،‬فوج ْئ ُ‬ ‫ذات صباح‪ ،‬ومل يكن يوم ْ‬ ‫واعتذرت عن‬ ‫بالياس يصل عىل غري عادته وموعده‪ .‬دعَ و ُته للدخول ِإىل مكتبي‬ ‫ُ‬ ‫البقاء معه الضطراري ِإىل ِإعطاء ّ‬ ‫هيم‪َ .‬أنتظرك‪.‬‬ ‫صفي‪ .‬فقال‪ :‬ال ّ‬ ‫واعتقدت َأنه سينتظرين يف مكتبي حتى َأعود‪ ،‬لكنني َوأنا َأ ُه ُّم باخلروج جمددً ا‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫فكررت االعتذار عن البقاء َوأ ْ‬ ‫جابتني هي َأ ًيضا‪ :‬ننتظ ُرك‪.‬‬ ‫فوجئت بـِـليىل تصل‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫عدت ِإىل مكتبي بعد الصف‪َ ،‬لم َأ ِجد الياس ينتظرين‪ ،‬وال‬ ‫غري َأنني‪ ،‬حني‬ ‫ُ‬ ‫وجدت ليىل‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫‪  ‬ومل ُ‬ ‫يعد يلتقيها يف مكتبك؟‬ ‫–  يلتقيها ‪‬فيه‪ ،‬ال‪ .‬لكنه يلتقيها ‪‬منه‪.‬‬ ‫‪  ‬منه؟ كيف ذلك؟‬ ‫جاءين الياس ُم ِّبك ًرا عن عادته‪ ،‬ويف يده‪ ...‬منظار‪.‬‬ ‫– َ‬ ‫ ذات ْ‬ ‫سبت‪ ،‬كالعادة‪َ ،‬‬ ‫َ‬ ‫سأ ُلت ُه عن حاجته ِإليه فقال‪:‬‬ ‫تدخل ِإىل ّ‬ ‫–  موعدي معها عند العارشة حني ُ‬ ‫صفك‪.‬‬ ‫–  هنا؟ يف املكتب؟‬ ‫–  ال‪ .‬هنا يف هذا املنظار‪.‬‬ ‫مقصدَ ُه‪َ ،‬أخذ بيدي وق ّربني من النافذة‪:‬‬ ‫وعندما رآين َلـم َأفهم َ‬ ‫َ‬ ‫– َ‬ ‫عينيك‪.‬‬ ‫ ض ْع هذا املنظار عىل‬ ‫ففعلت َوأردف‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫– َ أ َترى منه هذه الصنوبرة اليتيمة املرتفعة َأمام مدخل دير مار ميخائيل؟‬ ‫مليا‪:‬‬ ‫وبعدما حدّ ُ‬ ‫قت ً‬ ‫–  نعم‪َ ،‬أراها بوضوح‪.‬‬ ‫‪51‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫السحر َأ ٌ‬ ‫دست يف جيبي ورق ًة بكلّ رشاق ٍة‪،‬‬ ‫لوان وتعابري‪ّ .‬هن َأ ْتني‪ ،‬وبدون استئذاين َّ‬ ‫ِّ‬ ‫اجلمع‪.‬‬ ‫وتوارت ُمختفي ًة بني ْ‬ ‫السيدة‪،‬‬ ‫تفحَّ ُ‬ ‫صت جيبي بعد حلظا ٍ‬ ‫ت ف ِإذا بالورقة رسال ٌة ِإىل الياس من تلك ّ‬ ‫ب‬ ‫وكان هلا و َلدان يف املدرسة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫وفهمت منه َأهنا ‪‬ليىل‪ ‬التي َّغيرت حياته ك َّلها ِبـحُ ٍّ‬ ‫ف يليق بشاعريته وجنونه الرومنطيقي‪.‬‬ ‫عاص ٍ‬ ‫تلك الرسالة كانت فاحت َة صداقتي اخلاصة والشخصية مع الياس َأبو شبكة‪.‬‬ ‫َ‬ ‫بدأت تلك الليلة من سنة ‪ ،1940‬ومل تنت ِه ِإ ّال مبوته يف ‪ 27‬كانون الثاين ‪ 1947‬بعدما‬ ‫حبه‪.‬‬ ‫ُقدّ َر يل َأن ُأتابع ُه يف مجيع مراحل ّ‬ ‫‪  ‬كان يف تلك الفرتة عند بداية ّ‬ ‫حبه ليىل‪...‬‬

‫ب كنا‪ ،‬الياس َوأنا‪ّ ،‬‬ ‫ف‬ ‫–  بالضبط‪ .‬سنة ‪.1940‬‬ ‫َ‬ ‫نتمشى عند ُم ْشر ٍ‬ ‫وذات غرو ٍ‬ ‫رائع من زوق مكايل عىل لوح ٍة ربيعية ساحرة‪ ،‬فدار بيننا‪َ ،‬أ ُذكر‪ ،‬احلوا ُر التايل‪:‬‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫–  ما أمجل الطبيعة يا الياس!‬ ‫ لكن الشاعر ُو ِجد ليزيد يف مجا ِلها!‬ ‫– ّ‬ ‫َ‬ ‫للمرأة َأن تقيم الذبيحة ِاإلهلية كالرجل؟‬ ‫–  وملاذا ال حيُقّ‬ ‫–  حتى َ‬ ‫يعبدها‪.‬‬ ‫يكون هو الذي ُ‬ ‫– َ أهذه رسالتك يف احلياة؟‬ ‫جئت ِإىل الدنيا ل َ‬ ‫ـ ‪‬أفتح َ‬ ‫ورشة ُحب‪.(((‬‬ ‫ متاما‪ُ .‬‬ ‫– ً‬ ‫الست السنوات‬ ‫وشاء القدر َأن ُأرافق الياس يف ‪‬ورشة احلب‪ ‬تلك‪ ،‬طوال‬ ‫ّ‬ ‫ا َألخرية من حياته‪.‬‬ ‫َ‬ ‫عندك يف المدرسة؟‬ ‫‪  ‬هل كان يلتقيها‬ ‫–  يف املدرسة‪ ،‬مر ًة واحدة فقط ‪‬خدعَ ني‪ ‬فيها لكنها كانت خدعة بيضاء مجيلة‪.‬‬ ‫نقول ‪‬اخلطيئة البيضاء‪ ،‬ونقول ‪‬الكذبة البيضاء‪ ،‬فلامذا ال نقول ‪‬اخلدْ عة البيضاء‪‬؟‬ ‫خت اخلطيئة والكذبة ِإذا تساوى البياض بني ا َألخوات الثالث؟‬ ‫َأ َوليست اخلدع ُة ُأ َ‬ ‫ُ‬ ‫تيت ا َألرض‪.‬‬ ‫‪ )1‬من هذه العبارة َألبو شبكة كان‬ ‫ب َأ َ‬ ‫عنوان هذا الكتاب‪ِ  :‬ل َكي ُت ِـح َّ‬

‫‪50‬‬


‫آخر‬ ‫هذه ُ‬ ‫ذكرياتي‪...‬‬

‫َ‬ ‫َ‬ ‫عندك عىل المنظار بعد تلك ‪‬الخدعة‬ ‫واقتصرت لقاءاته بها من‬ ‫‪ ‬‬ ‫البيضاء‪‬؟‬

‫– ّ‬ ‫كنت الوحيد‪ ،‬بعد رئيس‬ ‫ كال‪ .‬بعد اخلدعة واملنظار جاء دور اهلاتف‪َ .‬وأنا ُ‬ ‫مكتب‬ ‫املجاور‬ ‫مدرسة عينطوره ا َألب جوﭘـان‪ ،‬يف امتيازي بوجود هاتف يف مكتبي‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫الرئيس‪.‬‬ ‫ربيعي َ‬ ‫َ‬ ‫ورق حيم ُلها‬ ‫صيل‬ ‫فاجأين الياس بزيارته مكتبي ويف يده ُقصاص ُة ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫وذات أ ٍ‬ ‫ظاهر َكأن فيها مفتاح فردوس يبلغ به كنوز الدنيا‪َ .‬أعطاين ِإياها ف ِإذا عليها‬ ‫بفرح ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫رقم‪ ،‬وبادرين بصوت يرتعش‪:‬‬ ‫ٌ‬ ‫–  ليىل تنتظرين عىل هذا الرقم‪ُ .‬أ ْط ُل ْبها فو ًرا‪.‬‬ ‫خذت ُ‪‬مح ّرك‪ ‬جهاز التلفون ذلك الزمان َوأدَ ْر ُت ُه عىل الرقم الذي يف الورقة‪.‬‬ ‫َأ ُ‬ ‫يرن يف ُأذين ّ‬ ‫(املرتعش هو َأ ًيضا) ّ‬ ‫السماعة‬ ‫حتى‬ ‫وما كاد صوت ‪‬ليىل‪‬‬ ‫ُ‬ ‫ناولت الياس ّ‬ ‫ِ‬ ‫لكنه َأ َ‬ ‫ممت باخلروج من مكتبي (كي َأترك له حرية التك ُّلم)‪ّ .‬‬ ‫َ‬ ‫ومأ ِإ ّيل بالبقاء‬ ‫وه ُ‬ ‫َكأمنا َأرادين َأ ُ‬ ‫حبه العاصف‪.‬‬ ‫كون شاهدً ا عىل ّ‬ ‫حب ِك‪ّ ‬‬ ‫حتى اهنم َرت الدموع من عينيه‪ ،‬وظلَّ‬ ‫وما كاد يبادر حبيبته بكلمة ُ‪‬أ ُّ‬ ‫نحو عرش دقائق ال يقول ِإ ّال ُ‪‬أ ِح ُّب ِك‪ُ ...‬أ ِح ُّب ِك ‪ُ ...‬أ ِح ُّب ِك‪ُ ...‬أ ِح ُّب ِك‪ ...‬ودموعُ ه‬ ‫س‬ ‫تنهمر‪ .‬هكذا انتهت املخابرة املنسابة بني َأ ٍ‬ ‫سالك عر َفت َألول مر ٍة كيف ُت ْخ ِر ُ‬ ‫واح العشاق‪.‬‬ ‫الدموعُ َب َ‬ ‫‪  ‬هل من ذكريات َ‬ ‫لك ‪‬معهما‪ ‬خارج المكتب؟‬ ‫ٍ‬ ‫ طبعا‪ .‬ذكريات كثرية‪ .‬منها ً‬ ‫مثال‪ :‬عند منتصف املسافة بني مدرسة‬ ‫– ً‬ ‫عينطوره وحم ّل ٍة يف زوق مكايل ُتدعى ‪‬الرتاب‪َ ‬‬ ‫(بك ْسر ال ّراء عىل اللهجة الكرسوانية)‬ ‫يوما هلا‪ ،‬رغم سنوات التلمذة الطوال يف معهد عينطوره‪.‬‬ ‫ت ّل ٌة صخري ٌة عالي ٌة مل َأ َت َن ّبه ً‬ ‫وهي تطلّ عىل اخلليج اجلميل يف جوار دير مار ميخائيل (الذي مات فيه مع ِّلمي‬ ‫ا َألب مارون غصن ذات ليلة من العام الدرايس ‪ .)1940- 1939‬وهلذه املح ّلة يف‬ ‫ت‬ ‫غري رؤيا منذ كنت َأزور مع ّلمي يف َأوقات املغيب الربيعية َأ َتأ ّمل لوحا ٍ‬ ‫ذكريايت ُ‬ ‫‪53‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫هكذا يبدو بيت ليىل بالمنظار من نافذة غرفة جورج ّ‬ ‫غريب يف معهد عينطوره‬ ‫تلة الزوق‪ :‬كان الياس وليىل‬ ‫يلتقيان تحت صنوبراتها‬

‫هناك ستكون ليىل يف انتظاري عند العارشة‪ِ ،‬لع ْل ِمها َأنني َ‬ ‫سأراها بواسطة هذا‬ ‫َ‬ ‫مكتبك‪.‬‬ ‫شباك‬ ‫املنظار من ّ‬ ‫ارتاح ُلقرب مغادريت َألنه سيكون‬ ‫وفيام ُ‬ ‫كنت ُأ ِّهي ُئ َأوراقي َألدخل ِإىل الصف‪َ ،‬‬ ‫حمل الرؤيا‬ ‫يف مكتبي وحدَ ه مع ‪‬لياله‪ْ ‬عبر منظاره‪ُ ،‬يخاطبها ح ًرا بال رقيب‪ ،‬و ُي ّ‬ ‫ما يريد من النجاوى‪.‬‬ ‫وما ِإن ّ‬ ‫طنت ساع ُة املدرسة بد ّقاهتا العرش‪ ،‬موعد خروجي من مكتبي ودخويل‬ ‫الصف‪ّ ،‬‬ ‫كريس‪َّ ،‬ركز‬ ‫تسمر عندها عىل‬ ‫حتى هرع الياس ِإىل النافذة ال ُـمحدَ ودبة‪َّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ت من غيبوبة َّ‬ ‫الش َطح الصويفّ يرنو ِإىل لقاء حبيبته‪،‬‬ ‫املنظار عىل عينيه‪ ،‬وراح يف َلحظا ٍ‬ ‫ت َأنا ِإىل لقاء ّ‬ ‫طاليب يف الصف‪.‬‬ ‫فيام ُر ْح ُ‬ ‫عدت ِإىل مكتبي ُأل َ‬ ‫بعد انقضاء ساعة ّ‬ ‫متاما كام‬ ‫صفي ُ‬ ‫متاما ً‬ ‫فاجأ بالياس ما زال‪ً ،‬‬ ‫ُ‬ ‫والتمتامت َسكرى‬ ‫كرسيه‪ :‬املنظا ُر عىل عينيه‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫تركته قبل ساعة‪ ،‬خمطو ًفا ُم َس َّم ًرا عىل ّ‬ ‫عىل شفتيه‪َ ،‬كأنه يف مكان عبادة‪.‬‬ ‫‪52‬‬


‫آخر‬ ‫هذه ُ‬ ‫ذكرياتي‪...‬‬

‫ُ‬ ‫عدد ‪‬األوديسيه‪‬‬ ‫الذي صدر فيه الحوار‬ ‫مع جورج ّ‬ ‫غريب‬ ‫وعىل الغالف كاريكاتور‬ ‫بريشة ْرأفت ُ‬ ‫الب َحريي‬

‫معدودات عىل َتجوايل ّ‬ ‫راعيا يقود‬ ‫حتى‬ ‫َلم َتم ّر دقائقُ‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬ ‫صادفت يف تلك الناحية ً‬ ‫قطيعا من ا َألغنام‪َ .‬‬ ‫احلبيبني‪ .‬و َلام‬ ‫ً‬ ‫شغ ْل ُت ُه حلظا ٍ‬ ‫ت َبأسئلتي كي ال يتابع مسري َته نحو َ‬ ‫ضاق َذرعً ا يب َ‬ ‫خفت َأن يكون يف ِعداد ‪‬ال ّرقباء‪( ‬وما كان َأكثرهم يومها‬ ‫وبأسئلتي‬ ‫ُ‬ ‫احلبيبني ِإىل‬ ‫مبالحقة الياس ولياله)‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫عاليا ً‬ ‫اسما مستعا ًرا ِإشار ًة مني لتنبيه َ‬ ‫فناديت ً‬ ‫ت نعيم ٍ قصري ٍة ّ‬ ‫تبخرت تارك ًة عطر‬ ‫احلبيبني عن ُأويقا ِ‬ ‫وانب َترت جلس ُة َ‬ ‫خطر داهم‪َ .‬‬ ‫تائها يف َأجواء تلك الت ّلة اخلرضاء‪.‬‬ ‫‪‬فام‪ ‬يضوع ً‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫عاشقا حتى هذيان الجنون‪.‬‬ ‫‪  ‬أعرف عنه أنه كان‬ ‫–  صحيح‪ .‬خذ هذه احلادثة ا ُألخرى عنه‪ :‬ذات يوم ٍ وصل الياس ِإىل مكتبه‬ ‫دوما) َألنه كان عىل موع ٍد‬ ‫يف ِاإلذاعة مته ّل ًال (عىل غري عادته‪ ،‬هو الرصني ا ِجلدّ ّي ً‬ ‫مكان ُمحدَّ ٍد يف بريوت‬ ‫َأن ّتتصل به ليىل عند الساعة احلادية عرشة كي يوافيها ِإىل ٍ‬ ‫معا يف ْمأمن من َأعني الرقباء‪ .‬د ّقت الساعة احلادية عرشة ّ‬ ‫ودق معها جرس‬ ‫يضمهام ً‬ ‫ُّ‬ ‫‪55‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫‪54‬‬

‫لوحات قلَّ َأن‬ ‫ترسمها الشمس عىل ا ُألفق الغريب يف مهرجان الغياب‪...‬‬ ‫ٌ‬ ‫عجائبي ًة ُ‬ ‫الناس املشغولون ُبأمور احلياة املادية امللحّ ة‪َ ،‬وأ ّ‬ ‫تذكر قول ﭘـول ﭬـالريي‪:‬‬ ‫االهتامم‬ ‫يعريها‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫سرتجع كيف انسحَ َرت مدام‬ ‫ب الشمس؟‪َ ،‬وأ‬ ‫ُ‬ ‫شعر َأمام مغي ِ‬ ‫‪‬ما قيمة َألف ِ‬ ‫ديوان ٍ‬ ‫دُ ه ِم ْن ُتنان بروعة املغيب‪ ،‬وكيف كبا ُر الشعراء وجدوا يف َجامالت الطبيعة َوأرسارها‬ ‫َ‬ ‫معتكفهم ا َألوسع‪.‬‬ ‫السبت من كلّ ُأسبوع موعدَ لقائي‬ ‫طوال سبع سنوات (‪ )1947 - 1940‬كان‬ ‫ُ‬ ‫بالياس َأبو شبكة داخل صومعتي يف معهد عينطوره (سكن فيها المارتني َأربعة‬ ‫َأيام)‪َ ،‬ف َنجولُ يف ُأمور الشعر وا َألدب واحلب‪ ،‬ويطول بنا الوقت حول ْكأس من‬ ‫ّ‬ ‫معتقات ا َألقبية‪ .‬وكان من العادة َأن ُأرافقه يف طريق العودة (مع َأول الغروب)‬ ‫ُفأ َودِّ عه عند ذاك َ‬ ‫املطلّ الساحر‪ ،‬ومن هناك يكمل َ‬ ‫طريقه ِإىل الزوق‪َ ،‬وأعود ِإىل‬ ‫املدرسة بانتظار السبت التايل (ذلك السبت الذي ّغن ُيت ُه مرا ًرا يف مهرجانات ذكرى‬ ‫الياس بعد غيابه)‪.‬‬ ‫سبت‪ ،‬ونحن يف انحدارنا من عينطوره‪ ،‬وص ْلنا حتت تلك الت ّلة الصخرية‬ ‫َ‬ ‫ذات ْ‬ ‫ُ‬ ‫ضيقة ملتوية هي طريق الرعيان‬ ‫ففوجئت بالياس‬ ‫ُ‬ ‫ينحرف يب ُص ُعدً ا ْعبر مم ّرات ّ‬ ‫القمة‪ ،‬منظ ُر زوق‬ ‫يسلكوهنا بخرافهم صوب املراعي‪ .‬وكم َأدهشني‪ ،‬عندما بلغنا ّ‬ ‫مكايل يف املنحدر املقابل‪َ ،‬كأ ّنها عىل مرمى َحجَ ر َأو يف متناول اليد‪.‬‬ ‫ْ‬ ‫وقفنا يف رهبة املكان َ‬ ‫صامتني‪ :‬يف عَ يني الياس انتظا ٌر‪ ،‬ويف خيايل سؤالٌ عن‬ ‫ب ُم َ‬ ‫نتظر‪.‬‬ ‫غي ٍ‬ ‫بعد دقائق َأط َّلت من َأسفل املنحدَ ر ُحوري ٌة َكأ ّنها لـجامهلا خارج ٌة من عا َلم‬ ‫ا َألساطري‪ّ ،‬‬ ‫ففهمت َأنه تكملة‬ ‫الضيق يف ا ّتجاهنا‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫بعباءة محراء‪ ،‬تتس ّلق املم ّر ّ‬ ‫ملتف ٌة َ‬ ‫للمم ّر الذي سلكناه من اجلهة املقابلة‪ .‬وص َلت ‪‬احلورية‪َ ‬بأناقتها و ُنحُ وهلا ْ‬ ‫وعطر‬ ‫قلت َ‬ ‫سمعت رضبات قلب‬ ‫لك ِإنني‬ ‫ُ‬ ‫‪‬فام‪َ )Femme( ‬يضوع حو َلها‪ .‬وال ُأبالغ ِإن ُ‬ ‫ّ‬ ‫وتراجعت َأستكشف وحدي‬ ‫ففهمت هلف َة تط ُّلعاته ونحن ُم َص ِّعدان‪،‬‬ ‫الياس يف صدره‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َجامالت الت ّلة ً‬ ‫وميض‪ ،‬يف غفلة عن ‪‬الرقباء‪.‬‬ ‫للحبيبني َأن ينعام بلقاءٍ ‪ ،‬ولو‬ ‫تاركا‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬


‫آخر‬ ‫هذه ُ‬ ‫ذكرياتي‪...‬‬

‫قلت له بكل ُوضوح‪:‬‬ ‫قبل َأن يذهب الياس ِإىل موعده اللييلّ ُ‬ ‫–   ِإنتبه ِلام َ‬ ‫سأقول‪ :‬هنا َتحت الدير ورش ُة بناء‪ ،‬واحلائط الذي ُي َس ِّور الدير‬ ‫غري ّبوابة املدخل الكبرية ضمن قوسها احلجري‪ .‬معنى ذلك َأ ّنك‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫مهدوم مل يبقَ منه ُ‬ ‫عندما تعود َ‬ ‫البوابة الكبرية فتوقظ الرهبان‪.‬‬ ‫متأ ّخ ًرا يف الليل‪ ،‬ال َ‬ ‫لزوم َألن َتدُ ّق مبطرقة ّ‬ ‫مهدوم و ُيمكنك الدُّ خولُ بكل سهولة من خارج البوابة فال ُتزعج‬ ‫اجلدا ُر من حوهلا‬ ‫ٌ‬ ‫َأحدً ا وال يدري َ‬ ‫بك َأحد‪.‬‬ ‫ُ َ‬ ‫كليا‪:‬‬ ‫استغرب الياس َتنبيهي وكلَّ هذا الرشح الوقائي‪،‬‬ ‫صغ ِإ ّيل ً‬ ‫والحظت أنه مل ُي ِ‬ ‫مهتما ُبأهبة االنرصاف‪.‬‬ ‫كان ملهو ًفا ًّ‬ ‫صحوت عند الثانية بعد منتصف الليل عىل‬ ‫مع ذلك‪ ،‬رغم كلّ ذاك الرشح‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫فنهضت فو ًرا (قبل َأن يصحو َأحدٌ من الرهبان) َليقيني َأن‬ ‫البوابة الكبرية‬ ‫ُ‬ ‫قرع مطرقة ّ‬ ‫الطارق هو الياس‪ُ .‬‬ ‫ت شبه هامس‪:‬‬ ‫شباك غرفتي بصو ٍ‬ ‫ناديته من ّ‬ ‫جانبيها مهدوم‪.‬‬ ‫–  الياس‪ُ ،‬أدخل عن َيمينك‪ .‬ال رضور َة للبوابة‪ ،‬احلائط عن َ‬ ‫وفهم‬ ‫عندئذ‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وعندئذ فقط‪َ ،‬أدرك َت َـخ ُّويف ِمام كان َسـ‪‬يرتكب‪ ‬لدى عودته‪َ ،‬‬ ‫تركت له ً‬ ‫يت عليه من هيئ ٍة‬ ‫تنبيهي ِإياه عىل ا َألمر‪َ .‬ه َّـم َبأن يعتذر فام‬ ‫جماال‪ِ ،‬لام َرأ ُ‬ ‫ُ‬ ‫ب ظاهر‪.‬‬ ‫ُم َش ّوشة واضطرا ٍ‬ ‫قليال ُ‬ ‫تركته يسرتيح ً‬ ‫ُ‬ ‫وهيدأ‪ ،‬و ُرحت َأنتظر منه سبب هذا االضطراب‪ .‬وبعدما‬ ‫َ‬ ‫ت َأعصا ُبه ً‬ ‫قليال َأخذ يروي‪:‬‬ ‫هدأ ْ‬ ‫خذت َأ َتأ ّمل البيوت حتى‬ ‫–‬ ‫سي ًرا بعد تعب الطريق اللييلّ ‪َ .‬أ ُ‬ ‫ُ‬ ‫ بلغت بولونيا ْ‬ ‫َأهتدي ِإىل ُ‬ ‫‪‬ش ّقة‪ ‬السعادة يف َأحدها‪ّ ،‬‬ ‫خرجت من‬ ‫اهتديت ِإليها َأ‬ ‫حتى إذا َظ َن ْن ُتني‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫‪‬اجلنة‪َ ‬وأ ْ‬ ‫جيبي مفتاح ّ‬ ‫حاولت ثاني ًة وثالث ًة ف ِإذا‬ ‫ت ُأحاول فتح الباب‪َ .‬لم ينف ِتح‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫خذ ُ‬ ‫يب ُأ ُ‬ ‫واستدرت‬ ‫ت‬ ‫فاجأ‬ ‫ُ‬ ‫هلع ُ‬ ‫بصياح يتعاىل من الداخل‪ :‬حرامي‪ ...‬حرامي‪ْ ....‬‬ ‫ٍ‬ ‫منحدر من الغابة املظلمة التي تفصل بولونيا‬ ‫وجعلت َأركض هار ًبا يف‬ ‫وعي‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫بال ٍ‬ ‫فاصطدم صدري بشجر ٍة‬ ‫عن اخلنشارة‪ .‬ويف ركيض املجنون املذعور ز َّلت يب قدمي‬ ‫َ‬ ‫قلم احلرب يف جيبي فسال َأ ْس َودُ ُه عىل قمييص كام َترى‪ .‬وتريدين‪ ،‬بعدَ كل‬ ‫وانكسر ُ‬ ‫َ‬ ‫‪57‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫اهلاتف‪ ،‬ولكن‪ ...‬ال لتحديد اللقاء بل‪ ...‬لالعتذار عنه‪ :‬فـ ‪‬ا ُألمور غري سانحة‪،‬‬ ‫والظرف القاه ُر مفاجئ‪.‬‬

‫ما كانت النتيجة؟‬ ‫باهنيار ُيشبه ِاإلغامء‪ ،‬ما اضط ّر ِإدارة اإلذاعة‬ ‫ُأصيب الياس من ج ّراء الصدمة‬ ‫ٍ‬ ‫ب ملعاينته‪.‬‬ ‫ِإىل استدعاء طبي ٍ‬ ‫ً‬ ‫عادي‪.‬‬ ‫غري‬ ‫حبه‬ ‫ّ‬ ‫عاصفا َ‬ ‫نعم‪ِ .‬إىل هذا احلد كان ُّ‬ ‫ُ‬ ‫التواصل ‪‬معها‪‬؟‬ ‫‪  ‬وهل كان دائم‬ ‫ديب يف‬ ‫–  عىل طريقته‪ ،‬نعم‪ .‬يف َأثناء ترؤُّ ِسه (بصفة رئيس قلم)‬ ‫القسم ا َأل َّ‬ ‫َ‬ ‫سبوعي يتناول فيه مواضيع‬ ‫ِاإلذاعة َ(أواخر عهد االنتداب الفرنيس) كان له حديثٌ ُأ‬ ‫ٌّ‬ ‫حبه ‪‬ليىل‪ ‬صاحبة ‪‬نداء‬ ‫خمتلفة من سياسة َوأدب وشعر‪ .‬وكان يف َأوج اشتعال ِّ‬ ‫القلب‪ ‬و‪ِ ‬إىل ا َألبد‪ .‬فكان ‪ -‬كام قال يل ‪ -‬قبل البدء ب ِإلقاء احلديث ُيرسل تنهيد ًة‬ ‫(املنتظر ِة يف بيتها َأمام جهاز الراديو)‬ ‫مفتعل ًة ظاهر َة القصد كي ُي ِلمح لـ‪‬ليىل‪‬‬ ‫عميق ًة َ‬ ‫ِ‬ ‫وجميع مشاعره!‬ ‫َأ ّنها تعيش يف َأنفاسه وكلامته وخياله َ‬ ‫‪  ‬هل َ‬ ‫ٌ‬ ‫ذكريات ‪‬معهما‪ ‬خارج الزوق؟‬ ‫لك‬

‫ربيعي‬ ‫حبه املجنون‪ .‬عشي َة هنار‬ ‫– ً‬ ‫ طبعا‪ُ :‬خذ هذه احلادثة التي تدُ لُّ عىل ِّ‬ ‫ٍّ‬ ‫مدعو وا َألب جوﭘـان (رئيس معهد‬ ‫خربت الياس َأنني‪ ،‬يف اليوم التايل‪،‬‬ ‫من ‪َ 1945‬أ ُ‬ ‫ٌّ‬ ‫عينطوره) ِإىل زيارة دير الطبيش يف اخلنشارة وقضاء ليلة هناك يف ضيافة اآلباء‪.‬‬ ‫صباح اليوم التايل َ‬ ‫َ‬ ‫مرافقتنا ِإىل اخلنشارة ِإذا سمح ا َألب‬ ‫فاجأين الياس بطل ِبه‬ ‫َ‬ ‫الرئيس‪َ .‬‬ ‫خربت الياس فه َّلل ملوافقة الرئيس‬ ‫لت هذا ا َألخري ِإن كان‬ ‫يسمح ف َر َّحب‪َ ،‬وأ ُ‬ ‫سأ ُ‬ ‫ُ‬ ‫ووافانا ِإىل مدرسة عينطوره‪ ،‬ومل َأكن َ‬ ‫سأ ْل ُته بعدُ عن سبب رغب ِته يف مرافقتنا‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫لكل منا غرف ٌة رهباني ٌة َأنيق ٌة يف بساطتها‪.‬‬ ‫وص ْلنا ِإىل الدير يف اخلنشارة فأ ِفردَ ت ٍ‬ ‫وهناك َأ ْط َلعني الياس عىل الغاية من املجيء ِإىل اخلنشارة‪ :‬موعدٌ مع ليىل‪ ،‬العارشة‬ ‫ليال‪ ،‬لدى ّ‬ ‫ً‬ ‫صديق له يف بولونيا‪.‬‬ ‫شقة‬ ‫ٍ‬ ‫‪56‬‬


‫آخر‬ ‫هذه ُ‬ ‫ذكرياتي‪...‬‬

‫جورج ّ‬ ‫غريب مع والدة الشاعر عىل مدخل بيتها‬

‫جاءين ِإىل مكتبي مقهو ًرا يف حالة تاعسة‪ ،‬وروى يل ما كان‬ ‫يف ا ُألسبوع التايل َ‬ ‫من َأمر الصورتني‪َ ،‬‬ ‫وختم‪:‬‬ ‫ردت َأن َأمحل ِإليها الصور َة ُألفاج َئها هبا وتفرح‪.‬‬ ‫–  موعدي غدً ا َألرى ليىل‪َ .‬أ ُ‬ ‫شت اليوم يف ثيايب وبني َأوراقي فلم َأ ِجد تلك الصورة‪ .‬ال َأعرف كيف َ‬ ‫سقطت‬ ‫ّفت ُ‬ ‫مني ومتى َوأين‪.‬‬ ‫نبيذ ّ‬ ‫معت ٍق من قبو دير عينطوره‪َ ،‬وأنا ُأردّ د‪:‬‬ ‫بت خاطره‪ ،‬وقدّ ُ‬ ‫طي ُ‬ ‫س ٍ‬ ‫ّ‬ ‫مت له ْكأ َ‬ ‫ هون عليك‪ِ .‬إن ضاعت الصورة فـليىل مل َت ِضع‪ .‬وهي ال تزال ُم ِش َّع ًة يف‬ ‫– ِّ‬ ‫عينيك‪.‬‬ ‫‪  ‬ماذا عن جـ ّـو بيته ِإزاء هذا ُ‬ ‫الحب المجنون؟‬ ‫بقيت َأتردَّ د َأحيا ًنا عىل والدته وشقيقته ﭬـرجيني يف البيت‪.‬‬ ‫–  بعد وفاة الياس ُ‬ ‫حبه‪ ،‬فقال َلها‬ ‫خرب ْتني والد ُته َأنه دخل عليها ً‬ ‫َأ َ‬ ‫يوما مغمو ًرا بالغبطة‪ ،‬وكان يف ذروة ّ‬ ‫َكأنه يص ّلي‪:‬‬ ‫ت ليىل يا ُأمي كيف م َّرت بنا؟‬ ‫– َ أ َرأي ِ‬ ‫‪59‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫ياي من ّ‬ ‫هذا‪َ ،‬أن َأهتدي ِإىل اجلدار املهدوم َوأ ّ‬ ‫دق البوابة مبطرقتها‬ ‫تذك َر َتحذيرك ِإ َ‬ ‫الغليظة؟‬ ‫بعد يومني من عودتنا صدَ ر يف اجلريدة مقالُ الياس عن ‪‬زيارة اخلنشارة مع‬ ‫وطبعا بدون َأ ِّي‬ ‫تلميح ِلام حلّ‬ ‫رئيس معهد عينطوره ومدير الدروس العربية فيها‪ً ،‬‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ليلتها بالعاشق املو ّله من‪ ...‬نكبات‪.‬‬ ‫ْ‬ ‫خرب َتني ً‬ ‫مرة يف ِإحدى جلساتنا عن صور ٍة ضاعت ُ‬ ‫‪َ   ‬أ ْ‬ ‫فج َّن لفقدها‪...‬‬

‫املصور (املشهور آنذاك)‬ ‫–  صحيح‪ .‬دخل الياس يف بريوت ً‬ ‫يوما ُمحرتف ّ‬ ‫العصبية املعتادة‪:‬‬ ‫َأسعد دَ ُّقوين يف حملة ‪‬الزيتونة‪ ،‬وقال له بلهجته‬ ‫ّ‬ ‫واستخر ْج‬ ‫– ُ أريد َأن ْتأ ُخ َذ يل صور َتني‪ِ .‬إستعمل َّفنك كام تريد َأل ْخذ ا ُألوىل‬ ‫ِ‬ ‫ست ُن َسخ منها‪َ .‬أ ّما ا ُألخرى َفأنا َأ ّ‬ ‫ستخرج منها سوى‬ ‫تكفل بتهي َئة ذايت هلا وال َت‬ ‫يل َّ‬ ‫ْ‬ ‫نسخة واحدة‪.‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫والتقط له‬ ‫جلس ُه بالشكل الذي ارتآه‪،‬‬ ‫امت َثل ّ‬ ‫املصور الفنان لطلب الشاعر‪َ .‬أ َ‬ ‫الصورة ا ُألوىل‪ .‬وعندما استعدّ اللتقاط الصورة ا ُألخرى‪ ،‬استوقفه الياس‪:‬‬ ‫مهال‪ِ .‬إ َنت ِظر‪َ .‬‬ ‫–  ال‪ً .‬‬ ‫سأ ُ‬ ‫منجذب ِإليها‬ ‫غرق يف الرؤيا‪َ ،‬أ ّمتثل احلبيبة َأمامي َوأنا‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫ستحرضها ك ّل ًيا ُأومئ َ‬ ‫ُ‬ ‫عدستك‬ ‫فتلتقط‬ ‫لك ب ِإشار ٍة خاطف ٍة من يدي‬ ‫ُبك ِّليتي‪ .‬وحلظ َة َأ‬ ‫ُ‬ ‫يني‪.‬‬ ‫حلظ َة الرؤيا املنعكس َة عىل وجهي وعَ ّ‬ ‫ت خيالي ٍة سامه ٍة َأ َ‬ ‫رعشت كيانه وه َّزت مشاعره‪ .‬وحني‬ ‫وراح الياس يف حلظا ٍ‬ ‫َ‬ ‫بان له يف انخطافه ُ‬ ‫َ‬ ‫التائهتني‪ ،‬وحدَّ ق ِإليها ِبـجُ ْمع َأعصابه‬ ‫طيف ليىل َأمام عينيه‬ ‫املصور فالتقط تلك اللحظة ُم ِّ‬ ‫َ‬ ‫حرتما‬ ‫حلم الشاعر‬ ‫ورغبته‪ُ ،‬م ً‬ ‫َأشار بيده ِإىل ّ‬ ‫حق ًقا َ‬ ‫ُذهو َله وتو ُّت َر َأعصابه‪.‬‬ ‫الست من الصورة ا ُألوىل‪،‬‬ ‫بعد يومني عاد الشاعر الستالم ُص َوره‪َ ،‬فأخذ ُّالن َسخ‬ ‫ّ‬ ‫املصور َفأ َ‬ ‫خذها َوأتلفها‬ ‫املسودة من ّ‬ ‫تناو ِله الصورة ا ُألخرى اخلاصة بليىل طلب ّ‬ ‫وعند ُ‬ ‫يضمن َأ ْن لن تكون َلها نسخ ٌة أخرى‪ .‬وعىل هذه الصورة كتب‪ :‬يف هذه‬ ‫كي‬ ‫َ‬ ‫ستحرض ِك َأمامي‪.‬‬ ‫كنت َأ‬ ‫اللحظة ُ‬ ‫ُ‬ ‫‪58‬‬


‫آخر‬ ‫هذه ُ‬ ‫ذكرياتي‪...‬‬

‫شب َه مستحيلة‪ .‬يف تلك الفرتة ا ُألوىل كانت تزوره بحجة زيارة ُأ ّمه وشقيقته‪.‬‬ ‫رفيعه معرو ًفا بــ‪‬لويس اخلامس عرش‪ .‬وذات‬ ‫احلذاء‬ ‫وكان‬ ‫النسائي العايل الكعب ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُّ‬ ‫سم ًرا َأمام الواجهة الزجاجية العالية يف حارته الواسعة‪،‬‬ ‫صباح بينام كان الياس ُم َّ‬ ‫عيناه غارقتان يف البعيد ِإىل َأكامت حريصا السبع واخلليج ا َألزرق‪ّ ،‬‬ ‫يفكر بصعوبة‬ ‫مع ُه و ْق ُع ‪‬لويس اخلامس عرش‪ ‬عىل بالط الدار‪.‬‬ ‫َمجيء ليىل ِإليه كاملعتاد‪ ،‬بلغ َس َ‬ ‫استدار وفوجئ بليىل ُم َّتجهة ِإليه ُبخطى َم َل ّكية فجَ علَ يراقب َ‬ ‫خطواهتا تقرتب‬ ‫منه‪ّ ،‬‬ ‫قدميها وانتزع ‪‬لويس اخلامس عرش‪ ‬من ِإحدى‬ ‫حتى ِإذا د َنت انحنى عىل َ‬ ‫القدَ مني وخاطبه‪َ :‬‬ ‫فقدت‬ ‫وكنت‬ ‫قدميها ِإ َّيل‬ ‫‪‬لك فضلٌ عيلَّ َأهيا امل ِلك‪َ :‬أ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫وصلت َ‬ ‫ا َألمل بزيارهتا‪.‬‬ ‫تؤكد يل َأن يف سلوك العباقرة َأ ً‬ ‫هذه البادرة‪ ،‬كام رواها يل الياس‪ِّ ،‬‬ ‫طفاال مهام‬ ‫ُ‬ ‫عظ ُموا‪َ .‬وأ َّ‬ ‫تذكر هنا قول اجلاحظ ِإ ّن َ‪‬و ْقع َأحذية النسوان‪ُ ،‬‬ ‫طريقهن ِإلينا‪،‬‬ ‫وه َّن يف‬ ‫َّ‬ ‫يذهب بالعقل ً‬ ‫حينا و ُيثري َخ ْفقَ القلوب َأحيا ًنا‪.‬‬ ‫َ‬ ‫‪  ‬هذا عن ليىل عروس ‪‬نداء القلب‪ ‬و‪ِ ‬إىل األبد‪ ،‬ولكن ماذا عن‬ ‫َ‬ ‫الفرتة بالذات‪ ،‬وهو يف قمة جنونه بليىل؟‬ ‫ِإصداره ‪‬غلواء‪ ،‬تلك‬

‫يوما َيحمل ِإ ّيل ما سامها ‪‬مفاجأ ًة‪ ‬تساوي يف نظره مجيع‬ ‫–  جاءين الياس ً‬ ‫مفاجآته ا َألدبية‪ .‬وبكثري من الفخر واالرتياح بادرين‪:‬‬ ‫حرقت نصف ‪‬غلواء‪.‬‬ ‫– َ أ ُ‬ ‫هلت مبهو ًتا لغرابة ما قال‪ ،‬فاستد َر َك‪:‬‬ ‫وانتظ َر مني َأن َأنفعل لكنني ُذ ُ‬ ‫–  ستقول ِإنني جمنون‪.‬‬ ‫– َ‬ ‫نت قلت‪.‬‬ ‫ وأ َ‬ ‫ويف ذهويل َش َر َح يل َأنه ال يرتاجع عن موقفه َألنه وعَ دَ ليىل َأ ّال َي ُنشر غز ًَال قاله‬ ‫يف سواها‪َ .‬فأ ُ‬ ‫جبته يف استغراب شديد‪:‬‬ ‫زل ُق َلت ُه قبل ليىل َس َ‬ ‫لخ منك لكتابته َأكث َر من نصف‬ ‫– َ أ ُتحاسب َ‬ ‫نفس َك عىل َغ ٍ‬ ‫عمرك؟‬ ‫‪61‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫َأبو شبكة يف غرفة جورج ّ‬ ‫غريب‬ ‫(آخر صورة آلخر زيارة للشاعر‬ ‫َ‬ ‫قبل أسابيع من دخوله المستشفى ووفاته)‬

‫خوف َأن يكون وحيدها يف حالة هذيان‪ .‬و ِإذ الحظ َّ‬ ‫مل ُت ِـجب الوالدة َ‬ ‫شكها يف‬ ‫ما يقول‪َ ،‬أضاف‪:‬‬ ‫قسم ل ِك يا ُأ ّمي َأ ّنها م ّرت بنا كام كانت َوعَ دَ ْتني‪.‬‬ ‫– ُ أ ِ‬ ‫–  كيف ُ‬ ‫تكون م َّرت بنا ومل َأ َرها؟ دَ عْ عنك يا الياس هذه اهلواجس‪َ .‬أخشى‬ ‫َأن تؤَ ّثر عىل صحّ تك‪.‬‬ ‫ناحي‬ ‫–  بىل‪ ،‬يا ُأمي‪ ،‬بىل‪ ،‬صدِّ قيني‪ :‬عَ َب َرت من ُهنا يف الصباح الباكر عىل َج َ‬ ‫غيم ٍة بيضاء‪.‬‬ ‫تعاين بلوعة الوالدة ماذا فعل‬ ‫استسلمت ُأم الياس لدموعها‪ ،‬وهي‬ ‫عندها‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫العشق بوحيدها املجنون‪.‬‬ ‫ََ‬ ‫‪  ‬أل ْم ُتكن ليىل َت ُزوره يف بيته؟‬

‫الشائعات عنهام يف الزوق و ُي ِّ‬ ‫حظ َر‬ ‫تنترش‬ ‫–  بىل‪ ،‬كانت تزو ُره ِإمنا قبل َأن‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫و‪‬املستأ َجرون‪ ‬والوشاة و ُتميس زيارا ُتها‬ ‫زوجها عليها زيار َة بيته ويكث َر املراقبون‬ ‫ُ‬ ‫‪60‬‬


‫آخر‬ ‫هذه ُ‬ ‫ذكرياتي‪...‬‬

‫َ‬ ‫‪  ‬وماذا عن كتاباته بعد نشره ‪‬غلواء‪ ‬المنقوصة و‪‬نداء القلب‪ ‬و‪ِ ‬إىل األبد‪‬؟‬

‫–  يف املرحلة ا َألخرية من حياته القصرية كان الياس ُي ِعدُّ مرسحي ًة شعري ًة عن‬ ‫سقاطات عىل حبيبة عمره ليىل‪ .‬يف زيارته ا ُألسبوعية‬ ‫‪‬زينب‪( ‬ملكة تدمر) وفيها ِإ‬ ‫ٌ‬ ‫ذات سبت من كانون ا َأل ّول ‪َ 1946‬‬ ‫سأ ُلته‪:‬‬ ‫َ‬ ‫نت من مرسحيتك؟‬ ‫– َ أين َأ َ‬ ‫انتهيت من هذه يسهل ا َألم ُر بعدها‬ ‫–  مل َأنت ِه بعدُ من َتهيئة عوا ِلمها‪ .‬متى‬ ‫ُ‬ ‫ِإذ ال يعود سوى ّالنظم‪...‬مل َأ ُ‬ ‫نظم منها سوى سبعة َأبيات‪َ ،‬‬ ‫آتيك هبا السبت املقبل‪.‬‬ ‫يومها مل َأ ُكن َأدري َأ َّن َ‬ ‫ت من لقاءاتنا ا ُألسبوعية‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ذاك النهار كان آخ َر سب ٍ‬ ‫طرحه يف الفراش‬ ‫الداء ُأسبوعَ ٍئذ َ‬ ‫فـ‪‬السبت املقبل‪ ‬مل ُيق ِبل وال َأقبل صديقي فيه َألن َ‬ ‫َ‬ ‫دامت شه ًرا وبعض الشهر وانتهت برحيله‪.‬‬ ‫وبدأ ْ‬ ‫ت به مرحل ٌة من آالمه ا َألخرية َ‬ ‫يظهر بعد رحيل الياس َأ ُّي َأ ٍثر لتلك ا َألبيات السبعة‪.‬‬ ‫و َلم َ‬ ‫عىل ْذكر ‪‬زينب‪ :‬عندما َأع َل ّنا ً‬ ‫الحقا عن ِإقامة احتفال لذكرى َأبو شبكة يف‬ ‫لقيت قصيديت ‪‬زينب‪ )‬اتصلَ يب الطبيب الـﭙـروفسور‬ ‫قاعة ‪‬الندوة اللبنانية‪( ‬وفيه َأ ُ‬ ‫ليخربين َأنه ّ‬ ‫لكن شيخوخته‬ ‫تلقى الدعوة ِإىل االحتفال‬ ‫وحيب َأن حيرض ّ‬ ‫ُّ‬ ‫َأبو ال ّروس َ‬ ‫َتحُ ول دون خروجه وحده ً‬ ‫وطلب مني َأن َأ ُم َّر َفأصطحبه وهكذا كان‪ .‬وبعد‬ ‫ليال‪،‬‬ ‫َ‬ ‫االحتفال ّهن َأين الطبيب الصديق عىل قصيديت مرتني‪ُ :‬أوىل عىل شعر ّيتها وا ُألخرى‬ ‫ت ِإىل ُحلم ٍ مل يستطع َأبو شبكة حتقيقه‪.‬‬ ‫رش ُ‬ ‫عىل َأنني َأ ْ‬ ‫َ‬ ‫تزورك بعد غياب شاعرها؟‬ ‫‪  ‬هل كانت ليىل‬ ‫طمئن ِإىل نتائج ولدَ هيا املدرسية‪ ،‬وكي نتحدَّ ث عن الياس مبا‬ ‫–  نعم‪ ،‬كي َت َّ‬ ‫املميزة‬ ‫يرضيها‪ .‬وذات يوم‪ ،‬وهي تغادر مكتبي بعد زيارهتا وهي يف كامل َأناقتها َّ‬ ‫‪‬فام‪ ،‬صادف خروجها مرور َأحد ا َألساتذة ُّ‬ ‫الظرفاء من آل صقر‪،‬‬ ‫َي ُش ُّع منها عطر ّ‬ ‫فتباطأ َ‬ ‫َ‬ ‫متأ ِّم ًال ما هي عليه من اجلامل وال ّرونق‪ّ ،‬‬ ‫حتى ِإذا غابت منحدر ًة يف الدَّ رج‬ ‫املؤدّ ي ِإىل اخلارج‪ ،‬ارتدَّ ِإ ّيل بكل َحامس ٍة ً‬ ‫قائال‪:‬‬ ‫ولع صديقك الياس هبذه َ‬ ‫املرأة الساحرة‪.‬‬ ‫–  اآلن‬ ‫ُ‬ ‫فهمت َ‬ ‫‪63‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫ليىل بين جورج ّ‬ ‫غريب وسليم حيدر‬

‫ب ليىل وال ُيريدُ َأن يناقش يف َأ ّي موضوع‬ ‫مل ُي ِج ْبني‪ .‬كان يف غبط ٍة من ُح ّ‬ ‫حبه املجنون‪.‬‬ ‫ميس ّ‬ ‫ت عىل غياب الياس ع ّلق رفيقُ دريب َأنطون قازان عىل موقف َأبو‬ ‫بعد سنوا ٍ‬ ‫شبكة‪:‬‬ ‫– َ أ ُش ُّك يف د ّقة هذا املوقف‪َ .‬فأبو شبكة َنشر مقاطع من ‪‬غلواء‪ ‬تباعً ا يف‬ ‫صح قو ُله يف قصائد زعم َأنه َأحرقها و َلم ُ‬ ‫ينشرها‪،‬‬ ‫الصحف قبل ُصدورها كتا ًبا‪ .‬ولو ّ‬ ‫وجدناها منشورة يف الصحف‪.‬‬ ‫ُلك ّنا َ‬ ‫بني قول الياس ْ‬ ‫ورأي أنطون‪ ،‬يبقى َأ ّن هذا الشاعر َب َذلَ يف حبه َأقىص ا َألقايص‬ ‫والو َله و‪ ...‬اجلنون‪.‬‬ ‫من الشغف َ‬ ‫‪62‬‬


‫آخر‬ ‫هذه ُ‬ ‫ذكرياتي‪...‬‬

‫َ‬ ‫ً‬ ‫عموما؟‬ ‫‪  ‬هل كان يتعصب ِلشعره فقط؟ أم للشعر‬

‫–  للشعر كام لشعره‪ .‬كان الضابط (يف اجليش اللبناين) ِإميل اخلازن ُيقيم يف‬ ‫قريبا من املدرسة‪ ،‬ويزورين َأحيا ًنا يف مكتبي ليقف عىل ُأمور ابنه املدرسية‬ ‫عينطوره ً‬ ‫ت كان الياس يف مكتبي ووصل اخلازن فاغتنم‬ ‫َّ‬ ‫ويطمئن ِإليها‪َ .‬وأصيلَ ذات سب ٍ‬ ‫فرصة وجود الياس ليجادله يف ُأمور السياسة بصفته ‪‬الصحايف املرموق‪ .‬احتدَ م‬ ‫اجلدل بينهام حول ِإحدى قضايا الساعة‪ ،‬و ِإذا الضابط‪َ ،‬‬ ‫بجرأته املعهودة‪ ،‬يقول للشاعر‬ ‫ا َألكثر َ‬ ‫جرأ ًة‪:‬‬ ‫–   ِإسمع كي ُأ ْف ِه َم َك ا َألمر‪.‬‬ ‫سمعك‪‬‬ ‫َف َلم يدَ عْ ه الياس ُيكمل بل َأجابه ْبنبرته‬ ‫العصبية الشهرية ‪‬لن َأ َ‬ ‫ّ‬ ‫ب كان عىل مكتبي‪ ،‬ما َحمل الضابط عىل‬ ‫وانرصف عن حمدِّ ثه ِإىل النظر يف كتا ٍ‬ ‫املغادرة متو ّت ًرا منزعجً ا‪.‬‬ ‫وما كاد الضابط خيرج ّ‬ ‫حتى قال يل الياس بعنفوانه املعروف‪:‬‬ ‫ٌ‬ ‫ ضابط يريد َأن ُيفهم شاع ًرا؟ من هو ِإميل اخلازن ُليفهم الياس َأبو شبكة؟‬ ‫–‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫خالف عىل صفحات اجلرائد‬ ‫وبلغت عنجهيته حدّ الشتيمة َأحيا ًنا‪ ،‬كام يوم و َقع‬ ‫املرصي زكي مبارك (يف ِإحدى الصحُ ف‬ ‫بني َأبو شبكة (يف ‪‬ا َألحرار‪ )‬وا َألديب‬ ‫ّ‬ ‫ت‪ ،‬يف َأ َحدها افتتح مبارك بعبارة‪َ  :‬نحن‬ ‫املرصية)‪ .‬طالَ التهجّ م بينهام ِإىل عدّ ة مقاال ٍ‬ ‫يف مرص َنو ِّرد الشعر وا َألدب‪َ ،‬وأنتم يف لبنان ُتو ِّردون ا ُخل َض َر والفواكه‪ ،‬ف َردَّ عليه‬ ‫مبقال افتتحه بعبارة‪ :‬هذه مقال ٌة أخرى من زكي مبارك‪َ .‬وأترك للقارئ‬ ‫الياس ٍ‬ ‫حتريك َهمزة أخرى كام َيرغب‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫عنجهي ُته المتوترة عىل غري الشعر واألدب؟‬ ‫انسحبت‬ ‫‪  ‬هل‬ ‫– َ أحيا ًنا نعم‪ .‬يف ا َألربعينات كانت زوق مكايل قري ًة ريفي ًة بدكاكينها وعَ ْين‬ ‫مائها وقهو ِتها و َلوزها وزهرها وعطرها وسوقها القديم ُوألفة َأهلها وتقاليدها‪ .‬وكان بيت‬ ‫الياس َأبو شبكة عىل َأمتار من منزل الشيخ سليم اخلازن وزوجته احلسناء مارغو التي‬ ‫‪65‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫َ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫متعصبا السمه‪.‬‬ ‫عصبيته‪ ،‬كان‬ ‫‪  ‬أعرف أنه‪ِ ،‬إىل‬

‫رفعا‬ ‫–  بل لكتابة اسمه‪ .‬كان يكره ّالتالعب ب ِإعراب كلمة َ(أبو) يف اسمه ً‬ ‫ً‬ ‫وخفضا‪ .‬كان يريده َ‪‬أبو‪ ‬شبكة يف َجميع حاالت ِاإلعراب‪ ،‬ويشدِّ د َأمامي‪:‬‬ ‫ونصبا‬ ‫ً‬ ‫رش التالعب َبأسامء َالع َلم‪ .‬وهذا ّذكرين بقول َأحد اللغويني القدامى‪:‬‬ ‫سي َب َو ْيه ّ‬ ‫‪‬كفانا ْ‬ ‫‪‬يا َنحْ ُو‪ ،‬يا َنحو‪ُ ،‬حقَّ ِلمن َبراك املحو‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫التعصب؟‬ ‫‪  ‬أ ِإىل هذا الحد من‬ ‫– َ‬ ‫وح َّم َل ْت ُه َأ َن َف ُت ُه‬ ‫ وأكثر‪ .‬كان عىل َأ َنفة متط ّرفة توازي تط ُّرفه يف حبه‪َ .‬‬ ‫يوما عن جلسة لـ ‪‬عصبة العرشة‪ ‬يف مكتب فؤاد‬ ‫الكثري يف حياته‪َ .‬أخربين الياس ً‬ ‫َ‬ ‫حبيش (‪‬دار املكشوف‪ ،)‬وكان َأبو شبكة َ‬ ‫يقرأ عليهم مقاطع من ‪‬غلواء‪( ‬قبل‬ ‫وفاء لـ ‪‬ليىل‪ .)‬وبينام هو يف اندفاعه‬ ‫طبعها وبعد ِإ ِ‬ ‫سقاطه الكثري من َأبيا ِتها الالهبة ً‬ ‫متغن ًيا برفيقة العمر ُأولغا‪َ ،‬‬ ‫الوجداين ّ‬ ‫قرأ ًبيتا فبادره سليم حيدر‪ ،‬بطيبة الصديق‬ ‫الذي يغار عىل صديقه‪َ ،‬أ ّن البيت مكسور‪ .‬انتفض الياس ّ‬ ‫وقطع الوزن فوجدَ ه‬ ‫فعال كام قال شاعر ‪‬آفاق‪ .‬وحني ً‬ ‫ً‬ ‫الحقا صدَ َرت ‪‬غلواء‪ ،‬وجاءين الياس بنسخ ٍة‬ ‫َ‬ ‫حادثته‬ ‫ذات سبت‪ ،‬عىل موعده ا ُألسبوعي يف مكتبي‪َ ،‬أخربين‬ ‫منها ِإىل عينطوره َ‬ ‫مع سليم حيدر َ‬ ‫فسأ ْل ُته بعفوية‪:‬‬ ‫صلحت البيت ليستقيم الوزن؟‬ ‫–  وهل َأ‬ ‫َ‬ ‫ طبعا ال‪َ .‬أ َأت ُر ُك لسليم حيدر فرص َة قو ِل ِه ِإنه َأصلح َألبو شبكة ًبيتا مكسو ًرا؟‬ ‫– ً‬ ‫ونظمت َآخر مكانه‪.‬‬ ‫لغيت البيت‬ ‫ُ‬ ‫َأ ُ‬ ‫بتي آخر جاءين الياس َ‬ ‫املطولة ‪ِ ‬إىل ا َألبد‪.‬‬ ‫وقرأ عيلّ مطلع قصيدته ّ‬ ‫ويف لقاءٍ َس ّ‬ ‫متمنيا عليه عدم ِإحلاق َ‪‬ألـ‪‬‬ ‫ست له مالحظ ًة صغري ًة‬ ‫دس ُ‬ ‫َأ ُ‬ ‫ً‬ ‫ثنيت عليه‪ ،‬وبكل َح َذ ٍر َ‬ ‫وفهمت‬ ‫‪‬غير‪ ‬كام جاء يف َأحد ا َألبيات‪ ،‬فتف ّرس يب يف َأنفته احلادّ ة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫التعريف بكلمة ْ‬ ‫وجاءت ‪‬غري‪ ‬يف‬ ‫يغيره‬ ‫ُ‬ ‫َأنه لن ّ‬ ‫فابتسمت وابتسم‪ .‬وصدَ َرت قصيدة ‪ِ ‬إىل ا َألبد‪َ ،‬‬ ‫مطلعها َتجُ ُّر وراءها َ‪‬ألـ‪ ‬التعريف‪.‬‬ ‫‪64‬‬


‫آخر‬ ‫هذه ُ‬ ‫ذكرياتي‪...‬‬

‫السير فصاح به الياس‪ :‬بلبل‪ِ ،‬قف‪ ،‬ويب‪ :‬هيا‬ ‫حاول بلبل ِاإلقالع الستئناف ْ‬ ‫نرتجل‪ ،‬وفتح باب السيارة ونزل منها قبيل‪ .‬وما كدنا ُ‬ ‫نطأ ا َألرض ويتابع بلبل سريه‬ ‫ّ‬ ‫من دون َأن يفهم شي ًئا ّ‬ ‫حتى قال يل الياس‪:‬‬ ‫– َ أ ُيريدنا بلبل َأن نجلس يف سيار ٍة عىل رفرافها جيلس ِإنسان؟‬ ‫مشيا يف َح ّر الظهرية ّ‬ ‫حتى‬ ‫و ِإذا بنا‪ُ ،‬لندرة السيارات يف ذلك الزمان‪ ،‬نكمل ً‬ ‫ْ‬ ‫نتصبب عر ًقا و ُلها ًثا‪.‬‬ ‫بلغنا منزل الياس ونحن َّ‬ ‫َ ُ َّ‬ ‫ً‬ ‫دقيقا؟‬ ‫ذكر أن وضعه المادي كان‬ ‫‪  ‬هل ت‬ ‫– ً‬ ‫ دقيقا جدً ا‪َ .‬وأذكر َأنه‪ ،‬بعدما تك َّر َرت َأقوال َأصدقائه ُ‬ ‫الك ُثر مدعوم ًة‬ ‫َببراهني َو ُوعو ٍد واستعدادات‪ ،‬اقتنع َبأنه ِإذا طبع كتابه ‪‬الرسوم‪( ‬كاريكاتور ساخر‬ ‫سيجمع ثرو ًة ما كان ليحلم‬ ‫عهدئذ)‬ ‫ملعظم ا ُألدباء والزعامء وا َألثرياء ورجال احلكومة‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫وطبع الكتاب عىل نفقته وو ّزعه عىل املكتبات‪ .‬راح ّ‬ ‫يفتش عن ُأولئك‬ ‫ِبها‪َّ .‬‬ ‫حتمس َ‬ ‫ا َألصدقاء ُ‬ ‫الكثر الذين كانوا ‪َ ‬ت َب ّرعوا‪ ‬بتشجيعه عىل طباعة الكتاب واعدين باملساعدة‬ ‫شهور عىل نكبته املادية تلك‪ ،‬التقاه َأحدُ َأصحاب املكتبات فز َّ‬ ‫َف‬ ‫والتشجيع‪ .‬وبعد‬ ‫ٍ‬ ‫ِإليه برشى َأنه باع نسخة من كتابه‪َ ،‬فأجابه الياس مبرارة وابتسامة‪:‬‬ ‫رسلت من يشرتهيا‪.‬‬ ‫– َ أعرف‪َ ،‬ألنني َأنا َأ ُ‬ ‫ُّ‬ ‫يهتم بالبيت وما حوله؟‬ ‫‪  ‬هل كان‬ ‫حيبها ويعتني هبا‪َ ،‬‬ ‫– ً‬ ‫ويتأ َّملها من‬ ‫ قليال‪ .‬كان يف جنينة ْمنزله شجرة َأكيدنيا ُّ‬ ‫تتالعب هبا الرياح َأيام الشتاء‪ ،‬و ُتزهر َأيام الربيع‪ ،‬و ُتخرج براعمها زمن‬ ‫نافذة غرفته‬ ‫ُ‬ ‫الصيف‪ ،‬وكيف َتفقدُ ِحملها َأيام اخلريف احلزينة‪.‬‬ ‫قلت بعد َأن َأ ْس َك َر ُه احلديث عنها‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫–  هل ِل َث َم ِرها حالو ُة مظهرها؟‬ ‫ لست َأدري‪َ .‬لم َأ ُذ ْق واحدة منها‪.‬‬ ‫–‬ ‫ُ‬ ‫–  ملاذا؟‬ ‫‪67‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫كثريا َبيته ّاملتسع‬ ‫حب ً‬ ‫كانت ُتكثر من التلميح ِإىل عالقة الياس وليىل‪ .‬وكان الياس ُي ّ‬ ‫اجلوانب‪ ،‬ومو َل ًعا (كام كان يقول يل) ب ِإطاللته عىل اخلليج ا َألزرق َوأكامت حريصا‬ ‫َ‬ ‫صيل ً‬ ‫واقفا عند الواجهة‬ ‫السبع‪ .‬يف مطلع فصل الشتاء الراعد‪ ،‬كان الياس ذات أ ٍ‬ ‫تعب ُر َسامء خياله‬ ‫الزجاجية العالية‪ ،‬عيناه ّ‬ ‫مسمرتان يف ا ُألفق البعيد‪َ ،‬وأحالم لياله ُ‬ ‫ُ‬ ‫اخلفيف تتناثر ُح َب ْيبا ُت ُه عىل الرتاب َأمامه‪ .‬يف عز انخطافه‬ ‫بوشاحها ا َألبيض‪ ،‬واملط ُر‬ ‫دخ َلت عليه مارغو كعادهتا بدون ك ْلفة وال موعد‪َ .‬‬ ‫وكأهنا َ‬ ‫الحظت رشودَ ه يف البعيد‬ ‫وفهمت َأين رشودُ ه‪َ .‬أرادت َأن تقول َأ ّي كالم ٍ ُي ّنبه الشاعر ِإىل وجودها‪ ،‬فردَّ دت ما‬ ‫َ‬ ‫خير الطبيعة‪ :‬ليك يا الياس‪ ،‬عَ ْم ْت ّ‬ ‫شتي‪َ .‬وأفاقت‬ ‫ّ‬ ‫تعودنا َأن نفوه به عندما يتساقط ْ‬ ‫الياس هذه النقز ُة من حلمه البعيد فبادرها منزعجً ا‪ :‬صحيح؟؟؟ ْفك ِر ْك َأنا مش‬ ‫ّ‬ ‫عمتشتي؟؟؟‪.‬‬ ‫شايف ِإنو‬ ‫سببا يف قطيع ٍة بني َأصحاب املنز َلني اللذين َلم ُتباعد ً‬ ‫قبال‬ ‫وكانت تلك احلادثة ً‬ ‫بينهام ا َأليام‪.‬‬ ‫ِإن للشعراء َأبجدي ًة خاص ًة ال ُيحسن التعاطي هبا ِإ ّال القليلون‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫عصبيا؟‬ ‫‪  ‬أ ِإىل هذا الحد كان مزاجه‬ ‫وأكثر‪ :‬من مزاج الياس العصبي كذلك‪َ ،‬أ َّ‬ ‫تذكر َأنني ج ْئ ُته يف بريوت ِإىل مكتبه‬ ‫يف اجلريدة فبادرين عىل عجَ ل‪:‬‬ ‫–   ِإنتظرين عند الساعة الواحدة عىل موقف سيارات الزوق يف ساحة الشهداء‪.‬‬ ‫َأ َ‬ ‫دعوك ِإىل َأ ْكلة َسمك عندي يف البيت‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫وافيته ِإىل املوقف َأنتظر يف سيارة ‪‬بلبل‪( ‬السائق املشهور بشعبيته يف ذلك‬ ‫الزمان)‪ .‬ووصل الياس عىل املوعد فا ْر َتمى بجانبي عىل املقعد اخل ْلفي مردّ دً ا عبارته‬ ‫حتى وص ْلنا ِإىل َم ّ‬ ‫رب عفوك ورضاك‪ .‬وانطلق بنا بلبل ّ‬ ‫حطة عينطوره‬ ‫املعهودة ‪‬يا ّ‬ ‫وقتئذ‪ ،‬وهي اليوم معروفة بـ ‪‬مفرق الزوق‪ )‬فصاح َأحدهم بالسائق‬ ‫نسميها ٍ‬ ‫(كام كنا ّ‬ ‫بلبل َأن يقف له كي يصعد ِإىل عينطوره‪ .‬و َلم يكن يف السيارة مقعدٌ لراكب إضايف‪،‬‬ ‫خارجا عىل رفراف السيارة ا َألمين‪.‬‬ ‫رص الرجل َأن يركب ولو ً‬ ‫َفأ ّ‬ ‫‪66‬‬


‫آخر‬ ‫هذه ُ‬ ‫ذكرياتي‪...‬‬

‫‪‬عم ُتحدّ ث الشباب ِإ ّال عن لبنان‪ُ ،‬‬ ‫وهم َأبرياء‬ ‫مل يرتك يل فرصة ِإبداء ْرأيي فتابع‪َّ :‬‬ ‫نصوره َلهم صحيحً ا ال َت ْع َت ِو ُر ُه ا َألسقام‬ ‫يتط ّلعون ِإىل الغد َبعني طافح ٍة َأ ًمال؟ علينا َأن ِّ‬ ‫والشوائب‪ .‬فلبنان َأغنى ما َ‬ ‫كنوز‪ ،‬عىل ترابه الندى‪ ،‬يف َشمسه‬ ‫وه َب ِ‬ ‫ت ا َألرض من ٍ‬ ‫الذهب‪ .‬ال قيمة للدنيا واملال ِإذا َّ‬ ‫جفت سهولنا وشحّ ت هضابنا‪ُ .‬روح اهلل م ّرت عىل‬ ‫هذا ا َألديم الذي تنتسب ِإليه الكتب‪ ،‬و ِإليه يعود مرجع الوحي وعياله‪ .‬هذه الربى َأراها‬ ‫ينابيع الفجر منسكب ًة‪ ،‬وك ّلام مسح املجد‬ ‫ختيل َ‬ ‫ُنهودً ا ُتخصب احلب! َأمام هذا اخلليج َأ ّ‬ ‫حلما عن َأجفانه جاءته منه َأحالم‪ ...‬فمتى يورق ا َألدب يف َأغصان هذا الوطن؟‪.‬‬ ‫ً‬ ‫بخشوع واحرتام‬ ‫ساهم‬ ‫انتفض الياس من سكرته وعاد ِإىل ذاته‪ .‬وفيام َأنا‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫ومحية‪ :‬لنا يا َأخي‬ ‫َأمام َأ َلمه وشوقه‪ ،‬استعاد َسكرته وتابع بصوت َأشدَّ حرق ًة َّ‬ ‫شباب يغيل ِاإلميان يف دمه‪َ ،‬‬ ‫وخمر ُة ا َألجداد‬ ‫آمالٌ يف هذا البلد‪ ،‬آمال سامية! لنا‬ ‫ٌ‬ ‫توحي ِإليه بالنشوة والعنفوان! اجلاملُ واحلب والعفاف مواهب السامء! َأليس من‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫واحلطب؟‪.‬‬ ‫الشوك‬ ‫احليف ‪ -‬ولنا هذا الرتاث النقي ‪َ -‬أن َيجني َأبناؤُ ه‬ ‫تو ّقف صديقي عن االسرتسال َ‬ ‫قلت‪ :‬كيف تستشريين يف‬ ‫والتفت ِإ ّيل متفحّ ًصا‪ُ .‬‬ ‫قائال‪َ :‬‬ ‫تكتب‪ ،‬وقصيدتك جاهزة؟‪ .‬انتفض يف مكانه من جديد ً‬ ‫ما ُ‬ ‫نت ُق ْلت‪.‬‬ ‫‪‬وأ َ‬ ‫ت من ذلك العش اهلادئ‪،‬‬ ‫انس َل ْل ُ‬ ‫وبينام تناول القلم ُم ِك ًّبا عىل ورق ٍة بيضاء َأمامه‪َ ،‬‬ ‫ً‬ ‫تاركا لشعث ا َألفكار َأن ينقاد للبناء‪.‬‬

‫مع بعض الشعراء عىل ضفة الربدوين يف زحلة‪.‬‬ ‫َ‬ ‫أبو شبكة الثاين من اليمين‬

‫‪69‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫–   َألن الوطواط َيمنعها ّعني يف موسم ِإنتاجها فال خيتمر وج ُه َحبة منها ّ‬ ‫حتى‬ ‫ضحية َنهمه‪.‬‬ ‫َ‬ ‫تذهب ّ‬ ‫ُ‬ ‫نظرته ِإىل لبنان؟‬ ‫‪  ‬كيف كانت‬ ‫صاحبي ا َألناشيد الوطنية‪ ،‬طلبا‬ ‫خوين فليفل (‪)1940‬‬ ‫–  يف َأوائل معرفتي با َأل َ‬ ‫َ‬ ‫ورحت‬ ‫خذت بفكرة املناسبة‬ ‫ُ‬ ‫مني كتاب َة قصيدة يلحّ ناهنا ِإلحدى املناسبات الوطنية‪ُ .‬أ ُ‬ ‫َأ ُ‬ ‫مبنى ً‬ ‫ومعنى هو (بشهادة َأمني نخلة) من َأصعب‬ ‫هتيأ هلا‪ .‬فالنشيد املكتمل ً‬ ‫منكبا عىل وضع النشيد َأمام ورق ٍة‬ ‫املحاوالت الشعرية‪ُ .‬‬ ‫كنت يف صومعتي العينطورية ًّ‬ ‫فت‬ ‫بيضاء مل َأكن‬ ‫رس ِاإلله‪ ،‬وتو ّق ُ‬ ‫ُ‬ ‫كتبت عليها سوى صدر البيت ا َألول‪َ :‬أر ُزنا َغ ُ‬ ‫َ‬ ‫مستغرق يف َ‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫منرصف‬ ‫التأ ُّمل‪،‬‬ ‫مفك ًرا عن عَ جُ ٍز يكون مبستوى صدر البيت‪ .‬وبينام َأنا‬ ‫الصور وال ُّرؤى‪ُ ،‬ق ِرع باب مكتبي ف َلم ُأ ِجب‪ُ .‬فتح الباب ومل َألتفت‬ ‫بك ّليتي ِإىل التقاط ُّ‬ ‫زائر ْغي ِر مرغوب فيه َ‬ ‫بقيت يف انكبايب عىل الورقة‬ ‫تلك اللحظات‪ .‬دنا الزائر ّمني‪ُ .‬‬ ‫ِإىل ٍ‬ ‫مستطلعا سبب‬ ‫العيص ف ِإذا بالزائر ينحني عىل املكتب فوق الورقة َأمامي‬ ‫ِإلمتام البيت‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫وقفت دون عَ جُ ِزه‪،‬‬ ‫استغراقي‪ .‬ويف بره ٍة انتشل القلم من يدي َوأكمل البيت الذي‬ ‫ُ‬ ‫وكتب‪ :‬مل َتزَلْ فيه يدَ ْاه‪.‬‬ ‫ذاك الزائر كان َأبو شبكة الذي بادرين بلهجة خطابية‪ :‬قلْ هلؤالء ّ‬ ‫املشككني‬ ‫بتاريخ هذا الوطن ِإ ّن اهلل كان ّفال ًحا يف بالدي‪.‬‬ ‫دافئ َأمني َلم يكن َيحلو‬ ‫ويف سياق ُّ‬ ‫عش ٌ‬ ‫تعصبه للبنان كان يف بيته غرف ٌة هي ٌّ‬ ‫متكوم ٌة ك ّلها هناك‪ ،‬ويشعر َأ ّن‬ ‫له الكتابة ِإ ّال بني جدراهنا‪ ،‬مدَّ ًعيا َأ ّن حياته الفكرية ِّ‬ ‫َأحالمه ولدَ ت يف ذلك الفضاء َّ‬ ‫الض ِّيق يستظ ُّله ليكتب آالمه َوأحالمه‪.‬‬ ‫دخلت عىل الياس يف غرفته الصغرية تلك‪،‬‬ ‫عشي ٍة من حزيران ‪1945‬‬ ‫ُ‬ ‫ذات ّ‬ ‫اهنامكا مل يدَ عْ ني َأستوضحه حتى بادرين بتلك العصبية َ‬ ‫حياه ً‬ ‫املتأ ّصلة‬ ‫ُ‬ ‫فلمست عىل ُم ّ‬ ‫فيه‪ :‬معهد اآلباء املرسلني اللبنانيني يف جونيه ‪ -‬معهد الرسل ‪ُ -‬يعدّ حفل ًة الختتام‬ ‫العام الدرايس يف ختام هذا الشهر ويريدونني َأن َأكون من شعراء االحتفال‪ .‬عَ َّم‬ ‫ُتراين َأ َتحَ دَّ ث؟‪.‬‬ ‫‪68‬‬


‫آخر‬ ‫هذه ُ‬ ‫ذكرياتي‪...‬‬

‫ّ‬ ‫القصيدة بخط الشاعر‬

‫ي ا ُحلب خُم ِصب ٌة؟‬ ‫هذي ُّالرىب‪ ،‬أَثُ ِد ُّ‬ ‫مسح املج ُد عن أَجفانه حُل ًُما‬ ‫ال ي ـَ ُ‬ ‫عليك ِإذا‬ ‫لبنان! تكل املجايل‪ ،‬ما‬ ‫َ‬ ‫ب��ل��ب��ن��ان آم�����ا ٌل مـُ��ح��برَّ ة‬ ‫ل��ن��ا‬ ‫َ‬ ‫الشباب‪ ،‬لنا ِاإليمْ��ان يف دَ ِم ِ��ه‬ ‫لنا‬ ‫ُ‬ ‫ب��روح��ه خمَ����رةُ األ َج�����داد صافي ٌة‬ ‫أُ‬ ‫لبنان‪ ،‬ما لمَ يُ ْعطَ ُه َبلَ ٌد‬ ‫عطيت‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ه���ذا اجل���م���ا ُل‪ ،‬لمِ����اذا ال ت���و ّزعُ��� ُه‬ ‫أَتجَ تين احلس َن يف دنياك أ َ ُعي ُننا‬ ‫ِ‬ ‫ك‬ ‫ل��ب��ن��ان‪ ،‬أ َ َّو كُ َ‬ ‫���ر َ‬ ‫ُ‬ ‫ل ادلُّن��ي��ا وآخ ُ‬

‫اخلليج‪ ،‬أ َ ْنب ُع الفجر مُ ِ‬ ‫ب؟‬ ‫هذا‬ ‫نسك ُ‬ ‫ُ‬ ‫ب‬ ‫ح�ّت�ىّ تجَ يئَك منه أَبْ����ر ُ ٌد ُق ُش ُ‬ ‫ورق يف أ َ‬ ‫ب‬ ‫َ‬ ‫وَل َّت‪ ،‬وأ َ َ‬ ‫غصانك األَدَ ُ‬ ‫ب‬ ‫ت��أْيت من ا ُحل�ُل�مُ األ َسمْ���ى وتَ��ق�تر ِ ُ‬ ‫ب‬ ‫ِإذا ُ‬ ‫الكهول ترا َخوا فيه وال ِّش َي ُ‬ ‫ذم���ة اهلل وال��ت��ارخي م��ا رشب��وا‬ ‫يف ّ‬ ‫ِ‬ ‫ب‬ ‫ففي‬ ‫صعيد َ‬ ‫ك أَ ُ‬ ‫رزاق المسا نخُ َ ُ‬ ‫ِ‬ ‫ب؟‬ ‫عىل‬ ‫القلوب ف َينقى اجله ُد والت َع ُ‬ ‫وك واحلطَب؟‬ ‫تن يف َ‬ ‫بنيك ال َّش ُ‬ ‫جُوي ىَ‬ ‫ب‬ ‫ادلُّنيا‪،‬‬ ‫َ‬ ‫وبعدك ال أ ُ ٌ‬ ‫فْ��ق وال هُشُ ُ‬ ‫‪71‬‬


‫هنار االحتفال طلع َأبو شبكة عىل الشباب بقصيد ٍة من قصائده اخلالدة‪ّ ،‬‬ ‫رت‬ ‫تذك ُ‬ ‫عند َسامعها ما كان ردَّ ده يل يوم التقينا يف ّ‬ ‫عشه الدافئ‪ِ .‬ومام جاء فيها‪:‬‬

‫ب‬ ‫ُ‬ ‫لبنان‪ ،‬أ َ ىَ‬ ‫غن كنوز األ َرض ما هَتَ ُ‬ ‫ما قمي ُة امل��ال وادلنيا ِإذا انمك َ َشت‬ ‫َت‬ ‫���ك رو ُح اهلل‪ ،‬ما نزل ْ‬ ‫عىل أَديمْ ِ َ‬ ‫اي شاط َئ ا ُحل ْسن يف ادلنيا ِوق َّمتَ ُه‬ ‫‪70‬‬

‫ب‬ ‫عىل ثَراك الندى‪ ،‬يف مَش ِس َ‬ ‫ك اذل َه ُ‬ ‫ب؟‬ ‫الهسول‪ ،‬وَ َش َّح ْ‬ ‫هذي ُ‬ ‫ت هذه ا ِهل َض ُ‬ ‫عليك‪ ،‬ففي أ َ ِ‬ ‫ب‬ ‫ِإ ّال‬ ‫عماق َ‬ ‫َ‬ ‫ك الكتُ ُ‬ ‫لك عيال ال��ويح تَ ِ‬ ‫ب‬ ‫ليك ُّ‬ ‫ِإ َ‬ ‫نتس ُ‬


‫آخر‬ ‫هذه ُ‬ ‫ذكرياتي‪...‬‬

‫يومها خرج الياس بالشنكليش من مكتبي‪ ،‬و‪ ...‬مل ُيعدْ ‪َ ،‬ألن امل َرض ّ‬ ‫تفشى‬ ‫يف جسده‪.‬‬ ‫ومن قبيل الدعابة رصت َأقول ل ُلطف اهلل الغر ّيب ك ّلام ُ‬ ‫التقيته‪َ :‬س َّم ْم ُتم َألبو‬ ‫شبكة بشنكليشكم‪.‬‬ ‫سيصدر َمجموعة شعرية جديدة عنوا ُنها‬ ‫يف تلك الزيارة ا َألخرية قال يل ِإنه ُ‬ ‫‪‬قبل ٌة عىل شفاه‪ .‬وشاء القدر َأن يغيب الياس وال َتصدر املجموعة فاحتفظت‬ ‫(وفاء) ِإلحدى َمجموعايت الشعرية يف ما بعد ‪ُ ‬ق َبلٌ عىل شفاه‪.‬‬ ‫بالعنوان‬ ‫ً‬ ‫انكببت عىل كتبه َأدرسها‪ ،‬وعىل ذاكريت َأستعيد ما فيها من‬ ‫بعد غياب الياس‬ ‫ُ‬ ‫ت ميخائيل نعيمه‬ ‫علم ُ‬ ‫َأفراح اللقاءات َوأحزا ِنها‪ُ ،‬ألخرج ُأوىل دراسايت عنه‪ .‬وحني َأ ْ‬ ‫ب عن صديقنا الراحل‪َ .‬أرجو‬ ‫كتب ِإ ّيل يقول‪ُ  :‬تخربين َأ ّنك بارشت بوضع كتا ٍ‬ ‫با َألمر َ‬ ‫وفيا لرسالته ووطنه َوأصدقائه‪.‬‬ ‫َأن تعطي َأبا ناصيف ما يستحقّ من تكريم‪ ،‬فقد كان ً‬ ‫عسى َأن َ‬ ‫دباء لبنان ما كان لشاعر الرومنطيقية‬ ‫يكون عم ُلك فا ِتح َة عه ٍد ُيعلن بعدَ ه ُأ ُ‬ ‫الكبري من َأثر يف هذا العرص‪.‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫شخصيا َوأ ً‬ ‫ً‬ ‫دبيا‪ .‬من كان األقرب ِإليه‬ ‫‪  ‬كنت أقرب الناس ِإىل أبو شبكة‬ ‫ُ‪‬ز ً‬ ‫وقيا‪‬؟‬

‫ً‬ ‫وصديقا هو حبيب عودة (تو ّفي يف َأيار‬ ‫– َ أورثني َأبو شبكة صديق ًة هي ليىل‪،‬‬ ‫يتحم ْلها قلبه)‪.‬‬ ‫‪ِ 2001‬إثر عملية جراحية َلم َّ‬ ‫وطيب‬ ‫حبيب هو ابن زوق مكايل (ولد فيها عام ‪ )1915‬وعُ رف بصفاء ا ُخللق ِ‬ ‫املعشر وسداد ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫زاحمت‬ ‫نول ماه ًرا وبار ًزا بني َأبناء بلدته التي َ‬ ‫الرأي‪ .‬وكان‬ ‫حائك ٍ‬ ‫‪‬صنعاء‪ ‬عىل ِاإلمارة يف صناعة ا َألنوال‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫تعاطف كليهام مع حزب ‪‬الكتلة الوطنية‪ ‬وعمي ِدها‬ ‫َجمع ُه بالياس َأبو شبكة‬ ‫ب‬ ‫ِإميل إده‪ .‬وال تنسى زوق مكايل كيف الياس (يف ِإحدى مقاالته الصحافية) َه َّ‬ ‫للدفاع عن حبيب يوم َ‬ ‫داهمه رجال ا َألمن ُيحاولون نزع ُص َور إميل ِإدّ ه عن واجهة‬ ‫مشغله فتصدّ ى َلهم َ‪‬أبو َأنطون‪ِ ‬ب َ‬ ‫جرأته املعروفة‪.‬‬ ‫‪73‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫َ‬ ‫‪  ‬ماذا عن سنواته األخرية وكنت رفيقه الدائم؟‬

‫من َأمثالنا الشعبية القدمية‪َ :‬أصفر بال ع ّلة‪ .‬ولعلّ هذا َاملثل َص َّح يف َأبو شبكة‪.‬‬ ‫َج ْ‬ ‫(االختصايص الشهري‬ ‫معوض‬ ‫معتني يف ا َألربعينات صداق ٌة مع الطبيب َسمري ّ‬ ‫ّ‬ ‫وكنت‬ ‫حبيبة الياس‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫يومئذ َبأمراض القلب) ومصد ُر هذه الصداقة َأنه شقيقُ ‪‬ليىل‪َ ‬‬ ‫ك ّلام ُ‬ ‫التقيته يف عيادته (بجانب كنيسة مار جرجس املارونية مقابل اللعازارية قرب‬ ‫معوض كان ّ‬ ‫مط ًلعا عىل احلب‬ ‫ساحة الشهداء) َتحدَّ ْثنا عن َأبو شبكة َألن الدكتور ّ‬ ‫بني شقيقته ليىل والشاعر العاشق‪ ،‬وكانا َأحيا ًنا يلتقيان يف عيادته‪.‬‬ ‫يوما يف منتصف ‪( 1945‬قبل سنتني من وفاة الشاعر)‪:‬‬ ‫من َأغرب ما قال يل ً‬ ‫ُ‬ ‫‪‬صديق َك حيا ُت ُه قصرية‪ .‬ال َأ ُّ‬ ‫ظنه يعيش َأكثر من سنة ونصف َأو سنتني‪ .‬آ َلمني‬ ‫الطبي لكنني َلم ُأ ْ‬ ‫ناقشه يف هذا االفرتاض‪.‬‬ ‫هاجسه ّ‬ ‫ُ‬ ‫ذات يوم من السنة نفسها (‪ )1945‬جاء ْتني شقيقتي جوزفني ِإىل معهد عينطوره‬ ‫ب من والديت‪ِ .‬ومام ْ‬ ‫‪‬كنت َأمس يف بريوت‬ ‫قالته يل يومها‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫تستطلع َأحوايل بط َل ٍ‬ ‫مع صديق ِتنا املغرتبة سلمى شكيبان وصاد ْفنا صديقك الياس َأبو شبكة َي ُعبر ساحة‬ ‫الشهداء (ساحة الربج)‪ .‬س َّلم عيلَّ بلهف ٍة َ‬ ‫ليك ً‬ ‫وط َمأنني ِإ َ‬ ‫كنت عند‬ ‫قائال‪َ :‬أمس ُ‬ ‫َ‬ ‫انرصف قالت يل سلمى‪َ  :‬لـم يعجبني‬ ‫جورج‪ ،‬وهو يف َأحسن َأحواله‪ .‬وبعدما‬ ‫اصفرا ُر وج ِه الشاعر‪َ .‬كأنه عليل‪ .‬عسى َأن ّ‬ ‫يكذبني الواقع‪.‬‬ ‫حياه‪ ،‬وهو َذ َكر يف ِإحدى مقاالته‪ :‬ما‬ ‫نفس ُه َلم يغفل عن اصفرار ُم ّ‬ ‫َوأبو شبكة ُ‬ ‫كان يصعد الدم ِإىل وجهي ِإ ّال حني َأ ُشدُّ عىل عنقي الستبدال طوق القميص‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫‪  ‬وكان فعال يف سنواته األخرية‪...‬‬

‫ت َألبو شبكة عندي (منتصف كانون ا َألول ‪)1946‬‬ ‫–  صحيح‪ .‬يف آخر سب ٍ‬ ‫َرأى عىل مكتبي ثالثَ ِق َط ٍع مستديرة من الشنكليش يف ِإحدى الزوايا‪ .‬ه ّلل َلها‬ ‫‪‬جاءتني هبا والد ُة تلميذي لطف اهلل الغر ّيب من َب ْينو (عكار) و َلم يسبق‬ ‫فبادَ ْر ُت ُه‪َ :‬‬ ‫عرفت الشنكليش‪ .‬قال الياس ِإن هذا النوع من ا َألجبان َأشهى مازة مع‬ ‫يل َأن‬ ‫ُ‬ ‫ْكأس العرق‪َ ،‬‬ ‫ويت ّنعم َ‬ ‫الطيبات َ‬ ‫بتذ ُّوقها‪.‬‬ ‫فسأ ْل ُت ُه َأن ْيأخذ تلك ّ‬ ‫‪72‬‬


‫آخر‬ ‫هذه ُ‬ ‫ذكرياتي‪...‬‬

‫داءه ّ‬ ‫ا َألقدس ‪ْ -‬‬ ‫حتى َأس َلم الروح‪ .‬وطوال َأيام‬ ‫اخلندق الغميق) حيث بقي يقاوم َ‬ ‫ُ‬ ‫صديقه حبيب عودة ال ُ‬ ‫يوما واحدً ا‪ .‬وهناك يف‬ ‫الشاعر يف املستشفى الزمه‬ ‫يرتكه ً‬ ‫دخلت املستشفى نفسه (يف ‪ 15‬كانون الثاين‬ ‫املستشفى اشتدّ ت ِصلتي بحبيب َألنني‬ ‫ُ‬ ‫فبقيت‬ ‫ب ‪‬نزلة صدرية‪َ ‬أ َل َّمت يب‪ ،‬وكانت غرفتي ُمجاور ًة غرف َة الياس‬ ‫ُ‬ ‫‪ )1947‬بسب ٍ‬ ‫ب ْمأساة رحيله‪.‬‬ ‫ُأسبوعني ُأ ُ‬ ‫عاين عن ُق ْر ٍ‬ ‫ذات يوم‪َ ،‬وأنا يف املستشفى‪ ،‬جاءت ليىل ُ(محَ جَّ َب ًة ّ‬ ‫حبيبها‪َ .‬لم‬ ‫متنكر ًة) َتعودُ َ‬ ‫يستطع لشدّ ة ْ‬ ‫الصليب املتد ّلي‬ ‫لتقبل جبينه َق َّبل هو‬ ‫وهنه َأن يك ِّلمها‪ .‬و ِإذ ا ْنحَ َن ْ‬ ‫َ‬ ‫ت ِّ‬ ‫من عنقها‪ .‬وهو ما َذك ْر ُت ُه يف قصيديت عن الياس يوم ذكراه يف القرص البلدي (زوق‬ ‫مكايل ‪ 27 -‬كانون الثاين ‪:)1978‬‬

‫صليبا‬ ‫قُ��م نُ��قَ ِّ��ب�� ْل يف بيت ليىل ً‬

‫ِ‬ ‫الصليب‬ ‫منك لمَْ تَ��ز َ ْل يف‬ ‫قُب ٌةل‬ ‫َ‬

‫يومها يف املستشفى َأوعَ زَت ليىل ِإىل حبيب َبأن هيرع فو ًرا ِإىل بيت الياس و ُي َ‬ ‫نقذ‬ ‫َ‬ ‫فتكون‬ ‫الرسائل بينها وبينه ( َب َل َغت مئات الرسائل الالهبة) قبل َأن متتدّ ِإليها يدٌ غريبة‬ ‫بقيت‬ ‫فضيح ٌة رهيبة‪ .‬استعادت ليىل الرسائل من حبيب بعد غياب الياس‪ .‬ولو اهنا َ‬ ‫يف عهدة حبيب َلام كانت ُأ ِرغ َمت ليىل عىل ِإحرا ِقها وحرمان ا َألدب العريب احلديث‬ ‫رائعا من كنوز َأدب الرسائل‪.‬‬ ‫كنزًا ً‬ ‫اختصوا‪ِ ،‬إىل جانب الشعر‪ ،‬بكتابة رسائل ِإىل حبيباهتم‬ ‫بني كبار الشعراء َمن ُّ‬ ‫َح ّملوها َأ َ‬ ‫‪‬ملكات من صنع الشعراء‪‬‬ ‫صدق ما لدهيم من َل َهب‪ .‬ويف مقدّ مة ديواين‬ ‫ٌ‬ ‫ت يف‬ ‫نساء َغدَ ْو َن ملكا ٍ‬ ‫الئح ٌة بكبار يف الرشق والغرب خ َّلدوا بشعرهم ورسائلهم ً‬ ‫هذا العامل‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ب َألحد كبار شعراء فرنسا ه َّز‬ ‫وحني‬ ‫ت رسائل ُح ّ‬ ‫اكتشف ُّالن ّقادُ قبل سنوا ٍ‬ ‫سينامئيا‪.‬‬ ‫فيلما‬ ‫ا َخل َب ُر املجتمع الفرنيس وه َرع ُمخرجو الشاشة ِإىل َتحويل الرسائل ً‬ ‫ً‬ ‫هذا يف الغرب‪ ،‬بينام يف الرشق ُتح َرق رسائل َأبو شبكة وليىل بكل ما فيها‬ ‫نقية ال ُيمكن َأن َتخجل هبا امرأ ٌة َأو يرتدَّ دُ عن كتابتها‬ ‫من روائع شعرية وعاطفية ّ‬ ‫عاشقٌ و ِف ّي‪.‬‬

‫‪75‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫بيت ليىل كما كان يراه الياس من المدافن‬ ‫َ‬ ‫حيث ينتظر أن تطفئ ضوء غرفتها‬ ‫كي يذهب ِإىل بيته‪.‬‬

‫بيت ّ‬ ‫‪‬الست لييل‪ ‬كما يبدو من شرفة حبيب عودة‬ ‫ّ‬ ‫حيث كان الياس يجلس لرياها تطل ولو من بعيد‪.‬‬

‫ومن روا ِئع حبيب عودة ا ِحل َرفية لوح ٌة كبري ٌة َنسج فيها عىل َّالن ْول توقيع الياس‬ ‫َأبو شبكة (بالنظر ِإليه عن ُبعد ال ْ‬ ‫بنق ِل ِه من ورق ٍة َتحْ ت يده)‪.‬‬ ‫كان منزل حبيب ُقبال َة ْمنزل ليىل‪ ،‬تفصل بني املنز َل ْين مدافن زوق مكايل‬ ‫ً‬ ‫وصيفا ال يغاد ُرها ّ‬ ‫ينطفئ‬ ‫حتى‬ ‫شتاء‬ ‫َ‬ ‫سه َر الشاعر يف َمم ّراهتا املوحشة ً‬ ‫التي طا َلام ِ‬ ‫ت با َألمر‪َ ،‬أ َ‬ ‫ت تسهر لياليها مع العتمة‬ ‫خذ ْ‬ ‫الضوء يف غرفة ليىل التي‪ ،‬حني ع ِل َم ْ‬ ‫كي تو ّفر عىل شاعرها االنتظار بني املقابر‪ .‬وحني ُكث َرت زيارات َأبو شبكة ل َ‬ ‫ـ ‪‬أبو‬ ‫فتفاهم مع ليىل عىل‬ ‫َأنطون‪َ ‬رأى الشاعر َأن يستفيدَ من موقع ْمنزل صديقه‬ ‫َ‬ ‫‪‬شيفر ٍة‪ ‬خاصة ِبهام ْعبر مناشف ُت َنشر عىل السطح يدلُّ ُ‬ ‫لون كل منشفة منها عىل‬ ‫زمان اللقاء ومكانه‪.‬‬ ‫احلب وال ُّرقباء‪ .‬ويف َأواخر‬ ‫توالت ا َأليام َوأبو شبكة يف‬ ‫رصاع مع العرص ومع ّ‬ ‫ٍ‬ ‫‪َ 1946‬‬ ‫وساءت حاله ُفن ِقلَ ِإىل املستشفى الفرنيس (مستشفى القلب‬ ‫فاجأه الداء‬ ‫َ‬ ‫‪74‬‬


‫آخر‬ ‫هذه ُ‬ ‫ذكرياتي‪...‬‬

‫َأجل‪ ...‬قا َلها الياس ِبحرقة‪ :‬مسكينة ُأولغا‪.‬‬ ‫ت من غرفته ّ‬ ‫رحت ُأردِّ د يف ذايت‪ ... :‬ومسكني الياس‪،‬‬ ‫حتى‬ ‫وما ِإن َ‬ ‫ُ‬ ‫خرج ْ‬ ‫َوأتساءل‪َ :‬من ِمن االثنني َغ َفر لآلخر؟‬ ‫تساو َيا يف منح الغفران‪.‬‬ ‫ب َظ ّني َأ ّنهام‪ ،‬يف ساعة الوداع الكربى‪َ ،‬‬ ‫َوأغ َل ُ‬ ‫ُ َ‬ ‫نهار ُه األخري؟‬ ‫‪  ‬كيف كان‬

‫–  من ِإ ْيجابيات وجودي يف مستشفى القلب ا َألقدس (بني ‪ 15‬و‪ 27‬كانون الثاين‬ ‫كنت قرب َأخي الياس َأبو شبكة يف َأيامه ا َألخرية‪.‬‬ ‫‪َ )1947‬أتعالج من نز ِلتي الصدرية َأنني ُ‬ ‫عند اخلامسة عرص ا َألحد ‪ 26‬من ذلك الشهر م ّر بغرفتي الدكتور كيوان متجَ ِّه ًما‬ ‫بعد جولته عىل مرضاه يف املستشفى‪ ،‬وعىل شفتيه كلامت يرتدَّ د يف ِاإلفصاح عنها‪.‬‬ ‫عرفت ما تريد َأن تقول‪.‬‬ ‫داع‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫قلت له‪ :‬ال ٍ‬ ‫خرج من غرفتي (املجاورة غرف َة الياس) ّ‬ ‫ت عيلَّ مدير ُة املستشفى‬ ‫حتى دخ َل ْ‬ ‫وما َ‬ ‫َ‬ ‫‪‬صديقك ُي َ‬ ‫حتضر لكنه ما زال‬ ‫رمين (اللعازارية) تباد ُرين ِب َلوع ٍة بادية‪:‬‬ ‫ا ُألخت ِج ْ‬ ‫استدعيت له الكاهن كي َي َ‬ ‫ـمشحَ ه ( َيمسحه بالزيت املقدّ س) قبل َأن‬ ‫بكامل وعيه‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫يدخل يف غيبوبته ا َألخرية‪.‬‬ ‫ً‬ ‫كنا ّ‬ ‫جرمين‬ ‫(حامال قارورة الزيت)‪ ،‬ا ُألخت‬ ‫ست ًة حول رسير الياس‪ :‬الكاهن‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫(حامل ًة َش َ‬ ‫(شقيقته) الشيخ فؤاد حبيش‬ ‫معتها الالهثة الضوء)‪ُ ،‬أولغا‪ ،‬ﭬـرجيني‬ ‫قلبك‬ ‫(وصل يف تلك اللحظة وحاول الياس َأن ُيك ّلمه فبادره الشيخ فؤاد‪ :‬ال ُتجْ هد َ‬ ‫بالكالم يا الياس‪ ‬فردَّ الياس بصوت واهن‪ :‬بالعكس‪َ ،‬خ ِّلني َأحكي‪ .‬بعد َلحَ ظات‬ ‫َأتو َّق ُف عن الكالم ِإىل ا َألبد‪.)‬‬ ‫مس َح جبني الياس بالزيت املقدّ س َأ َ‬ ‫ومأ الياس ِإىل‬ ‫و َلحظ َة‬ ‫َ‬ ‫اقرتب الكاهن ِل َي َ‬ ‫خت ِإ َ‬ ‫رب‪ِ ...‬إ ْس َمع‬ ‫رص ُ‬ ‫ا ُألخت ِجرمني َأن ُت ْس َ‬ ‫ليك يا ّ‬ ‫معه صال َة ‪‬من ا َألعامق َ‬ ‫صويت! ِل َت ُكن ُأ ُذ َ‬ ‫سيد‬ ‫ت َت َض ُّرعي‪ِ .‬إن َ‬ ‫صغي ْتين ِإىل صو ِ‬ ‫كنت لآلثام راصدً ا يا ِّ‬ ‫ناك ُم َ‬ ‫َ‬ ‫فمن ِس َ‬ ‫عندك املغفرة َف ْل َي ُك ْن َ‬ ‫لك ِاإلكرام‪( ‬مزمو ٌر ُيتىل عاد ًة يف مثل‬ ‫واك يرحم؟ ِإ ّن‬ ‫هذا الظرف)‪.‬‬ ‫‪77‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫كتاب جورج ّ‬ ‫غريب عن صديقه الشاعر‬

‫َ‬ ‫ُ ُ‬ ‫وزوجته أولغا أمل تكن يف المستشفى؟‬ ‫‪ ‬‬

‫طبعا‪ .‬كانت غرفتي يف املستشفى عىل خطوات من غرفة الياس‬ ‫–  بىل ً‬ ‫فكنت ُأطلّ عليه ً‬ ‫ليال هنا ًرا‪ .‬وذات مر ٍة استفاق الياس عىل َنحيب ُأولغا من اخلارج‬ ‫ُ‬ ‫جئت ُه ِبها َ‬ ‫َ‬ ‫فسألني َأن ُأنادهيا‪ُ .‬‬ ‫ضمريه ‪ :-‬مسكينة‬ ‫حياسب‬ ‫َ‬ ‫فتأ َّم َلها ِبحُ ز ِنها وقال ‪َ -‬كأنه ِ‬ ‫ُأولغا‪.‬‬ ‫ال َأعرف ما الذي َحمل الياس َ‬ ‫(كأنه يف كريس اعرتاف) عىل َأن تكون آخر‬ ‫املغمسة بالندم؟‬ ‫كلامته َلها تلك العبارة ّ‬ ‫ضمريه َأمام زوجته يف ساعاته‬ ‫ما الذي م ّر يف خيال العاشق وهو ُيحاسب‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫حبها سنوا ٍ‬ ‫ا َألخرية؟ َأ َأ َّنه َأساء ِإليها؟ َأ َأ َّنه َأ ْه َملها؟ َأ َأ َّنه َأ َح َّ‬ ‫ب سواها بعدما كان َأ َّ‬ ‫(‪ )1932- 1920‬قبل َأن َيت َّزو َجها؟‬ ‫َأمام املوت يغتسل ِاإلنسان من ذنوبه ِإذا كان َأذنب‪ .‬كلُّ يشء يتبدّ ل َأمام‬ ‫عيني َمن يشعر بقرب مغادرته الوجود‪ِ .‬اإلحساس َ‬ ‫َ‬ ‫باآلخر يتبدّ ل‪ .‬يصبح ل ِّلقاء شكل‬ ‫آخر ورنني آخر‪.‬‬ ‫‪76‬‬


‫آخر‬ ‫هذه ُ‬ ‫ذكرياتي‪...‬‬

‫غياب صديقايت‬ ‫رب مع ليىل ِإىل ذلك املعبد‪َ .‬أدهشني َوأوجعني‬ ‫ُ‬ ‫عَ َب ْر ُت الدَّ َ‬ ‫ت من ي ٍد‬ ‫عرفهن و َلم تبقَ‬ ‫منهن سوى َمن َنجَ ْو َن بقاما ِت َّ‬ ‫َّ‬ ‫كنت ُأ ّ‬ ‫ت ُ‬ ‫هن ِ‬ ‫الشامخا ِ‬ ‫صنوبرا ٍ‬ ‫ِلإلنسان َلم ُتحَ ّو ْل ُه ّن َب ْعدُ َح َط ًبا َأو تستبد ْل ُه َّن ِبحجار ٍة ّ‬ ‫بعضها َ‬ ‫شق َع ْت َ‬ ‫وس َّم ْتها‬ ‫بعض َ‬ ‫فوق ٍ‬ ‫بيو ًتا‪.‬‬ ‫جثم عليها املعبد‬ ‫ب ْاملنحنى حتى‬ ‫ُ‬ ‫َص َّعدْ ُ‬ ‫وصلت ّ‬ ‫ت معها عىل ترا ِ‬ ‫القمة التي َي ُ‬ ‫شياء ُأخرى َتهبط‬ ‫فشعرت َأنني َب ُ‬ ‫ُ‬ ‫لغت آخر الدنيا‪َ ،‬وأ َّن شي ًئا من ا َألعامق يصعدُ ِإ ّيل َوأ َ‬ ‫َ‬ ‫طيفك‬ ‫ت من اهليوىل تغم ُرين َأمام املعبد اخلايل ِإ ّال من‬ ‫من ا َألعايل‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫وقفت ْبين موجا ٍ‬ ‫جيء يف مطاوي الزَّمن َومم ّرات ّ‬ ‫وسكون الدّ قائق‪...‬‬ ‫الذكريات ُ‬ ‫العمالق َيروح و َي ُ‬ ‫عىل َأصوات الشحارير‪.‬‬ ‫َ‬ ‫املعتكف‬ ‫وقفت َأ َتأ َّملُ َم َّر َأجنح ِت َك البيضاء يف ذلك‬ ‫الصنم‬ ‫ُ‬ ‫مام َّ‬ ‫وكعاب ٍد َأ َ‬ ‫وشى َبألف ريش ٍة وريشة‪ ،‬ال ُـم َّ‬ ‫ا َألبيض ال ُـم ّ‬ ‫لون ولون‪ ،‬ال ُـم َط َّرز َبألف‬ ‫وشح َبألف ٍ‬ ‫َ‬ ‫وعصاك عىل احلىص‬ ‫الصخور‪،‬‬ ‫ُأغني ٍة ُوأغنية‪ُ ،‬أصغي َفأ‬ ‫سرتجع و ْق َع قدميك عىل ّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫تصفع هبا وج َه الثرى‪ ،‬وصدى َهمس َت َن ُّه َ‬ ‫داتك ُتطلقها َمحرور َة احلنايا كلَّ مر ٍة‬ ‫ف‪َ ،‬أو من وراء‬ ‫َ‬ ‫خاطبت هبا ليىل يف رسال ٍة‪ ،‬يف قصيد ٍة‪ ،‬يف لقاءٍ ‪ ،‬يف ِس ْلك هات ٍ‬ ‫املذياع‪.‬‬ ‫َ‬ ‫معتك تناجي َ‬ ‫هناك عند املعبد اخلايل َس ُ‬ ‫حبيبتك‪:‬‬

‫م��ر ًة عن طريقها‬ ‫«‪...‬واي َب رَ‬ ‫�َص�ي ِح�� ْد َّ‬

‫َّك مَشدو ٌد خِب ٍ‬ ‫َق»‬ ‫َ‬ ‫كأَن َ‬ ‫يط من القَل ْ‬ ‫َ‬ ‫(‪‬أ َ‬ ‫الشعر‪ ‬من ‪‬نداء القلب‪)‬‬ ‫ب ِ‬ ‫عذ ُ‬

‫ت‬ ‫قرب املعبد بقايا من اخرضار السامء‪َ .‬أطل ْل ُ‬ ‫ال تق َلقْ يا الياس‪َ :‬لـم َتزَل ْبعدُ َ‬ ‫الغريب الشاميل منه املنح ِد ِر انحدار ّ‬ ‫بعض غابة‬ ‫الشالل‬ ‫عىل املنحنى‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫فوجدت غاب ًة َأو َ‬ ‫ال تزال ُتحافظ عىل َبكار ِتها ُوأنوثتها و َت َم ُّوجات خصورها الوارفة‪.‬‬ ‫دت‬ ‫السبع التي حدَّ َ‬ ‫مام عيني الدّ امعة َأ ُ‬ ‫ُّ‬ ‫التفت ِإىل البعيد ف ِإذا َأ َ‬ ‫كامت حريصا َّ‬ ‫ت ِو ْقفا ِت َك احلا ِلامت َأمام ْمن َ‬ ‫زلك الفسيح ُت َس ِّر ُح النظر من وراءِ‬ ‫نت عَ دَ دَ ها فذك ْر ُ‬ ‫َأ َ‬ ‫منظر َ‬ ‫لديك‪ :‬اخلليج ا َألزرق‪.‬‬ ‫الزجاج عىل َأ َح ِّ‬ ‫ب ٍ‬ ‫‪79‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫تلك كانت ليل َة َأبو شبكة ا َألخرية‪ .‬عند الرابعة من فجر االثنني َ‬ ‫لفظ َن َف َس ُه‬ ‫ا َألخري‪ ،‬و‪َ ...‬‬ ‫ت ِإىل ا َألبد‪.‬‬ ‫سك َ‬ ‫ْ‬ ‫‪  ‬وكيف كان مأتمه؟‬

‫–  صبيح َة االثنني ‪ 27‬كانون الثاين ‪ 1947‬خرج من مستشفى القلب ا َألقدس‬ ‫اثنان‪ :‬واحدٌ فارق احلياة هو الياس َأبو شبكة‪ ،‬وواحدٌ ال يزال عىل الئحة االنتظار‬ ‫هو جورج غر ِّيب‪.‬‬ ‫اضطررت ِإىل‬ ‫استكملت عالجي بعدُ من ج ّراء ّالنزلة الصدرية لكني‬ ‫َلم َأ ُكن‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫اخلروج ِل ُمرافقة الياس ِإىل ‪‬مهرجان‪ ‬وداعه‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫اليوم احلزين (الثلثاء ‪ 28‬كانون ا َألول‬ ‫َأجل‪ ...‬كان مهرجا ًنا َألبو ناصيف ذلك ُ‬ ‫ت فيه زوق مكايل َبأكملها ِلمالقاته ووداعه الوداع ا َألخري يف ذاك اليوم‬ ‫‪َ )1947‬‬ ‫خرج ْ‬ ‫املاطر العاصف احلزين‪.‬‬ ‫خر َج النعش ِإىل باحة الكنيسة القدمية‬ ‫بعد املراسم يف كنيسة سيدة املعونات ُأ ِ‬ ‫عت هبا رفيق‬ ‫غفري‬ ‫كلامت رثاءٍ استه َل ْل ُتها بكلم ٍة من القلب ودَّ ُ‬ ‫ُ‬ ‫وتوا َلت َأمام حش ٍد ٍ‬ ‫مت ميخائيل نعيمه َفألقى كلمته يف رثاء صديقه‪ ،‬وتواىل بعده‬ ‫السنوات السبع وقدّ ُ‬ ‫َأصدقاء ُأدباء قالوا يف الراحل الكبري بعض ما يستحقّ ‪.‬‬ ‫َ‬ ‫‪  ‬بعد هذا الحديث الطويل عن صديقك الياس أبو شبكة‪ ،‬ماذا يبقى‬ ‫تقوله له اليوم؟‬

‫َأقول له‪:‬‬ ‫احلارض يف حضورنا ال ُـم ِّغيب‪ ،‬يا الياس َأبو شبكة‪:‬‬ ‫الغائب‬ ‫َأ ُّيها‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫وصحبت ‪‬ليىل‪ِ ‬إىل ‪‬املعبد‪‬‬ ‫ذهبت ِإىل زوق مكايل‬ ‫شي َة يوم ٍ من َأيام ذكراك‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫عَ َّ‬ ‫ات‬ ‫ستق َّر ُ‬ ‫املزروع عىل اهلضبة نصف اخلرضاء (املجاورة َبيتها احلا ِل َم ا َألنيقَ ) حيثُ ُم ِ‬ ‫ِل ُ‬ ‫ت جمرى اهلوى‬ ‫ت انتهت مبو ِت َك بعد َأن َّغي ْر َ‬ ‫قاءاتكام َطوال ِس ّ‬ ‫حب داميا ٍ‬ ‫ت ٍّ‬ ‫ت سنوا ِ‬ ‫صدق ما َي ْع َت ِو ُر‬ ‫ومفهوم اهلوى ومصائر اهلوى‪ ،‬و َبدَّ ْل َ‬ ‫َ‬ ‫ت التعبري عن َأره ِ‬ ‫ت َأدوا ِ‬ ‫ف َوأ ِ‬ ‫الصراعات‪.‬‬ ‫ديس ّ‬ ‫الوجدان ِاإلنساين من ُق ِّ‬ ‫‪78‬‬


‫‪‬عندما أَتز ّوج أُولغا لن أُساكنها‪...‬‬ ‫أُ َف ِّ‬ ‫ضل أَن أَراها في كامل هندامها‪‬‬ ‫الشاعر رياض المعلوف‬

‫كثريون كتبوا عنه شاع ًرا‪ .‬آخرون رافقوه ً‬ ‫صحافيا‪ .‬نادرون‬ ‫عاشقا‪ .‬بعضهم زامله‬ ‫ً‬ ‫فهموه ِإنسا ًنا‪.‬‬ ‫مجع صور ٍة شب ِه واضح ٍة للشاعر الذي كا َن ُه‬ ‫من تلك الكتابات مجيعها ُيمكن ُ‬ ‫وشع ًرا و ِإنسا ًنا متف ّردً ا‪.‬‬ ‫الياس َأبو شبكة سري ًة ِ‬ ‫يف مطلع حياته ِح ْقب ٌة مل ُ‬ ‫يذكرها يف يومياته َوأحاديثه‪ ،‬رمبا لعدم اقتناعه‬ ‫هبا‪ ،‬وال َأصدقاؤُ ه َ‬ ‫مجيعهم من املرصودين عىل‬ ‫ذكروها َألهنم ِح ْق َب َت ِئ ٍذ مل يكونوا ُ‬ ‫قدَ ر القلم‪.‬‬ ‫يف مطلع شبابه زاول الياس َأبو شبكة التدريس‪ .‬كان ُب َعيدَ انتهاء احلرب العاملية‬ ‫عمل‪ .‬وكانت َأ َن َف ُته املتط ّرفة َتحُ ول بينه وبني‬ ‫ا ُألوىل ترك معهد عينطو َره ويبحث عن َ‬ ‫وحده ً‬ ‫ناهال‬ ‫ب مؤ ّلفات فرنسية ويتابع حتصيله الع ْلمي‬ ‫ُ‬ ‫االرتزاق كيفام ا ّتفق‪ .‬راح يع ِّر ُ‬ ‫غنية‪.‬‬ ‫من ا َألدب‬ ‫الفرنيس منابع ّ‬ ‫ّ‬ ‫مدارس يف العاصمة يد ِّرس فيها العربية َف ّلبى َيحدُ وه َأمران‪ :‬ا َأل ّولُ ْتأمنيُ‬ ‫طلب ْته‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫العيش لوالدته نايلة وشقيقته ﭬـرجيني (بعد اغتيال والده يف اخلرطوم سنة ‪1913‬‬ ‫وتبدُّ د ثروته) َ‬ ‫يتزو َجها‬ ‫واآلخر‪ :‬وفاؤُ ه بالتزامه خلطيبته ُأولغا (‪‬غلواء‪ ‬يف ما بعد) َأن َّ‬ ‫‪81‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫المعبد الذي كانت ليىل تقصد باحته وتكتب رسائلها ِإىل الياس‪.‬‬ ‫‪‬حبيبي‪ ...‬عىل هذه الرابيه‪( ‬نداء القلب‪)‬‬

‫استرشفت امل ْرتقى ّ‬ ‫الحت يل مساح ٌة من ا َألرض‬ ‫رقي من املعبد‬ ‫وعندما‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫الش َّ‬ ‫شاطئ َأو هناية‪ُ .‬‬ ‫عشية‬ ‫وخ ِّيلَ ِإ ّيل يا الياس‪َ ،‬وأنا وليىل ْ‬ ‫بدون‬ ‫خ ْل ُتها‬ ‫وحدَ نا ّ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫لك هناك يف تلك ّ‬ ‫َ‬ ‫زهر َأتركها َ‬ ‫الذكرى احلزينة‪ ،‬دعو ُة ليىل‬ ‫ذكراك‪َ ،‬أ ّن َأفضلَ باق ِة ٍ‬ ‫امع َك‬ ‫ِإىل فتح دفرتها العتيق ‪ -‬كلُّ ما َت َب ّقى من رماد تلك ال ّرسائل الشهيدة ‪ -‬و ِإ ْس ِ‬ ‫عر َك مط َل َع رسال ٍة من ليىل ِإ َ‬ ‫نت ِشع ًرا يف قصيدة ‪‬الناسكة‪‬‬ ‫ليك َح َّو ْل َتها َأ َ‬ ‫من ِش ِ‬ ‫(‪‬نداء القلب‪:)‬‬

‫ال��راب�� َي��ه‬ ‫ح��ب��ي�بي‪ ...‬ع�ل�ى ه���ذه ّ‬ ‫فَ��أ ُ ِ‬ ‫حُ��ب‬ ‫غْ��ل ُ‬ ‫��ق ‪ِ -‬إ ّال ع�لى م��ا ت ُّ‬

‫‪80‬‬

‫ـال يَ��رق��ى بِ�� َي�� ْه‬ ‫ـِ���ـ���س خ�يـ��ـ� كَ َ‬ ‫أُح ُّ‬ ‫������ك‪َ -‬ق��لْ�بي وأَه���دابِ��� َي��� ْه‪.‬‬ ‫َ‬ ‫روحُ‬

‫ُ‬ ‫مجلة ‪‬األوديسيه‪ - ‬العدد ‪ - 40‬خريف ‪2001‬‬


‫تزوج‬ ‫عندما َأ ّ‬ ‫ُأولغا‪...‬‬

‫لقيت ذاك الفرض عىل رفاقي ّ‬ ‫ُ‬ ‫حتى ِإذا‬ ‫كرسيه واملنرب‬ ‫َأسدى ِإ ّيل‬ ‫فاعتليته َوأ ُ‬ ‫ّ‬ ‫انتهيت ط َلب منهم َأن ّ‬ ‫لكن هذا َأثار حفيظة رفيقي الذي حلّ‬ ‫يصفقوا يل ففعلوا‪ّ .‬‬ ‫ُ‬ ‫‪‬سم ُيتك منذ اليوم ديك الصف‪.‬‬ ‫ثانيا‪ .‬عندما‬ ‫ُ‬ ‫انتهيت قال يل ا ُألستاذ َأبو شبكة‪ّ :‬‬ ‫ً‬ ‫فسأل رفيقي‪َ :‬‬ ‫َ‬ ‫‪‬وأنا يا ُأستاذ؟‪َ ‬فأجابه ا ُألستاذ َأبو شبكة‪َ :‬أنت أل‪ .‬بعدك ف ُّروج‪.‬‬ ‫يوما ِإىل الصف َ‬ ‫رئيس‬ ‫متأ ّخ ًرا‪ ،‬وكان دخل علينا‬ ‫ومن ذكريايت َأنه وصلَ ً‬ ‫ُ‬ ‫فوجئ ا ُألستاذ َأبو شبكة بوجود‬ ‫راهب مرميي سوداين‪.‬‬ ‫قسم الدروس العربية‪ ،‬وهو‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫ب عىل‬ ‫ب عىل ْتأخريه‪،‬‬ ‫املسؤُ ول الذي راح ّ‬ ‫َ‬ ‫يوجه ِإىل ا ُألستاذ َ‬ ‫وكالم عتا ٍ‬ ‫كالم ْتأني ٍ‬ ‫كونه ‪ُ ‬ي ْلهينا يف الصف بقراءة قصائده وال ّيتبع املنهاج املطلوب‪ .‬وحني خرج ا َألخ‬ ‫املسؤول امتعض ُأستاذنا َأبو شبكة يف شكل ظاهر وقال لنا‪ :‬هذه هلجة ال َأرضاها‬ ‫سأقدّ م استقالتي ْ‬ ‫يف املعاملة‪ .‬هذا آخر يوم َأدخل فيه الصف‪ُ .‬‬ ‫وليأتوا لكم ُبأستاذ‬ ‫مهمزًا باخلروج‬ ‫آخر حيتمل ْتأنيب املسؤولني‪ .‬ونفض عصاه السوداء ِإىل ا َألمام ِّ‬ ‫َف َه َب ْبنا مجيعنا بحركة واحدة وصوت واحد‪َ :‬أبدً ا‪ُ ،‬أستاذ َأبو شبكة‪ ،‬لن ترتكنا‪ِ .‬إذا‬ ‫مصم ًما عىل اخلروج َنخرج ك ُّلنا معك‪ .‬لن نرىض ُبأستاذ سواك‪ .‬وبعد طول‬ ‫َ‬ ‫بقيت ِّ‬ ‫ُّ‬ ‫يستحقه‬ ‫حمب ًة بنا‪ ،‬بعدما كال لذاك ا َألخ املسؤول بعض ما‬ ‫جدَ ٍل عدَ ل عن قراره‪ّ ،‬‬ ‫من لعنة الشعراء‪.‬‬ ‫يوما َأحدُ هم َبأنفه الكبري‬ ‫كان‬ ‫عصبي املزاج‪ ،‬ثائ ًرا عىل كلّ يشء‪ ،‬وحني عَ َّيره ً‬ ‫ّ‬ ‫دوبرجراك‪َ ،‬أجابه َأبو شبكة‪َ :‬أ ْنفي ِج ْس ٌر ِإىل العلياء‪....‬‬ ‫ُ‬ ‫الذي ُيشبه َأنف سريانو‬ ‫ط يف مواعيده؟‬ ‫‪  ‬هل كان عىل انضبا ٍ‬

‫ غالبا‪َ .‬أجل‪ .‬كان حيلو له‪ ،‬كلّ صباح قبل وصوله ِإىل املدرسة‪َ ،‬أن ُيع ّرج‬ ‫– ً‬ ‫‪‬تري ْنك‪‬‬ ‫عىل صديقه وابن منطقته منصور خملوف (من عينطوره) صاحب حملّ ِ‬ ‫َ‬ ‫لأللبسة اجلاهزة‪ُ ،‬يميض عنده ا ُألصبوحة عىل كركرة ا َأل َركيلة وفناجني القهوة ّثم‬ ‫فيأيت ِإىل الصف‪َ .‬‬ ‫ينهض ْ‬ ‫يوما ملاذا ّ‬ ‫يفضل َأن يلبس الثياب اجلاهزة َفأجابني‬ ‫سأ ْل ُته ً‬ ‫بنربته العصبية‪َ :‬أ ّو ًال منصور خملوف صديقي‪ ،‬وهو افتتح هذا املحل ً‬ ‫حديثا‪ ،‬و ُيمهلني‬ ‫يف تسديد الثمن عىل دفعات‪ّ ،‬ثم َأنا ال ُأطيق الثياب التي تك ِّلفني عرشين مشوا ًرا‬ ‫‪83‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫تتيسر احلال‪ .‬وكان هلذه ‪‬احلال‪َ ‬أن ّ‬ ‫تتمطى تسع سنوات كاملة قبل َأن يدخل‬ ‫حاملا ّ‬ ‫َأبو شبكة ‪‬السعادة الزوجية‪ ‬يف ‪ 10‬كانون ا َألول ‪.1932‬‬ ‫ت قليل ًة جدً ا‪ ،‬نتو ّقف عند‬ ‫عن مرحلة التدريس تلك‪ ،‬وهو مل ميارسه ِإ ّال سنوا ٍ‬ ‫اجلميزة ‪ -‬بريوت)‪ ،‬وعند زمان‪.1925 :‬‬ ‫(لإلخوة املرمييني ‪ّ -‬‬ ‫مكان‪ :‬مدرسة الفرير ِ‬ ‫ُ‬ ‫تلميذه فيهام‪ :‬الشاعر رياض املعلوف‪ ،‬وكان‬ ‫شاهدُ نا عىل ذينك املكان والزمان‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫عامئذ يف الصف الثانوي ا َأل ّول قبل َأن ينتقل يف العام الالحق‬ ‫تلميذ تلك املدرسة‬ ‫ٍ‬ ‫متابعا الصف الثانوي الثاين (البكالوريا يف تعبرينا اليوم)‪.‬‬ ‫ِإىل معهد عينطوره ً‬ ‫ها هو َّ‬ ‫يتذكر‪َ :‬أعود ِإىل الوراء ‪ 57‬سنة‪ .‬كان َأبو شبكة سنة ‪ 1925‬يد ِّرسنا‪ ،‬يف‬ ‫الصف الثانوي ا َألول‪ ،‬مادة ا َألدب العريب يف كتاب ‪‬جماين ا َألدب‪َ ‬‬ ‫لألب لويس شيخو‪،‬‬ ‫ومادة القواعد يف ‪‬كتاب الرشتوين‪ .‬يف ساعات ا َألدب كان يطرب بني القدماء‬ ‫(خصوصا‬ ‫لعمر بن َأيب ربيعة وزهري بن َأيب ُسلمى‪ ،‬ومن املعارصين لرشيد َأيوب‬ ‫ً‬ ‫جت َأشجاين‪َ )‬وأحيا ًنا ِإليليا َأبو مايض‪ ،‬وللبساتنة‪ ،‬وكان‬ ‫يف قصيدته ‪‬يا ثلج قد َّهي َ‬ ‫ُي َقدِّ ر َ‬ ‫شقيق َّي فوزي وشفيق‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫الصف ُم َه ْم ِد ًرا َمت ْم ِت ًما َأبيا ًتا من قصيدة‪ ،‬ثم بادرنا‪ :‬شغ َل ْتني‬ ‫ذات يوم دخل‬ ‫َ‬ ‫عرب َبيتها ا َأل ّول‪ .‬كانت تلك‬ ‫قصيد ٌة َطوال الليل‪ ،‬مل َأنت ِه منها بعد‪ُ .‬ق ْم يا رياض َوأ ِ‬ ‫قصيد َته يف استقبال َأمري الشعراء َأمحد شوقي يف بريوت‪.‬‬ ‫واستكتبني ذاك البيت‪:‬‬ ‫هنضت ِإىل اللوح ا َألسود‬ ‫ُ‬ ‫َ‬

‫ن���ت أَرف��� ُع ٍ‬ ‫جب َل القري ِ‬ ‫قمة‬ ‫ض وأ َ َ‬

‫يف ج��ان ِ‬ ‫َ‬ ‫��ب��ي��ك تَ�� َف�� َّي��أ َ ال��شُّ��ع��راءُ‬

‫ومما َأ َت َذ َّكر كذلك‪ :‬كان من عادة املدرسة َأن نقوم بنزهة مع ا َألخ الناظر ِإىل‬ ‫كفرض‬ ‫شاطئ البحر بعد ظهر اخلميس‪ .‬جاء بعدها ا ُألستاذ َأبو شبكة يطلب ِإلينا‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫كاتبا يل‬ ‫يف ِاإلنشاء‪َ ،‬أن َن ِص َف له تلك النزهة ففع ْلنا‪ .‬وعند ِإرجاع فروضنا وجدْ ُته ً‬ ‫كتبت هذا الفرض‬ ‫نت‬ ‫َ‬ ‫‪‬جيد جدً ا‪ّ .‬ثم استدعاين‪ :‬يا رياض‪َ ،‬أ َ‬ ‫با َألمحر عىل ورقتي‪ّ :‬‬ ‫جيد‪ .‬تعالَ ْ‬ ‫واقرأ ُه عىل رفاقك‪.‬‬ ‫ْبنثر ّ‬ ‫‪82‬‬


‫تزوج‬ ‫عندما َأ ّ‬ ‫ُأولغا‪...‬‬

‫ً‬ ‫‪  ‬هل كان مياال ِإىل الحزن عىل عادة الرومنطيقيين؟‬

‫دائما عىل َم َرح كتوم‪َ .‬أ ّ‬ ‫تذكر ضحكته لطيف ًة خفيف َة ا ِجل ْرس َك َّرة‬ ‫– َ أبدً ا‪ .‬كان ً‬ ‫حساسا ِإىل درجة بالغة‪َ :‬يتأ ّثر َأل ّي يشءٍ‬ ‫معبرة‪ .‬وكان‬ ‫ً‬ ‫عصفور دوري‪ :‬خافتة جدً ا ِإ ّنام ّ‬ ‫يسمي التلميذ املزعج ْ‪‬س َك ْي ْك‪َ ،‬‬ ‫مزاجيته الغريبة َأنه‪ ،‬يف‬ ‫فيمتعض َأو يثور‪ .‬كان ّ‬ ‫وبلغت ّ‬ ‫تصحيح الفروض‪ ،‬مل يكن يشري با َألمحر ِإىل ا َألخطاء بل ِإىل عبارات َأو مقاطع تعجبه‪.‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫‪  ‬هل كان يخربكم عن أنشطته أو كتاباته؟‬ ‫– َ أحيا ًنا‪َ .‬ك َأ ْن يقول لنا‪ :‬غدً ا َتصدر يل قصيدة يف ‪‬املعرض‪ُ ‬‬ ‫فاقرأوها‪.‬‬ ‫ويف اليوم التايل نشرتي جريدة ‪‬املعرض‪ُ ‬‬ ‫نقرأ فيها قصيدة ُأستاذنا َأبو شبكة‪َ .‬أحيا ًنا‬ ‫كان ُيسمعنا َأبيا ًتا من قصيد ٍة َش َرع يف كتابتها‪ .‬و ِإذ يتوقف نستزيده فيعتذر‪ :‬مل تنت ِه‬ ‫القصيدة بعد‪ .‬حني َأنتهي َأدفع هبا ِإىل ‪‬املعرض‪ُ ‬‬ ‫فتقرأوهنا فيه‪.‬‬ ‫كنت َأحيا ًنا ُأع ّرج عىل‬ ‫وعندما‬ ‫انتقلت من مدرسة الفرير ِإىل معهد عينطوره ُ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫فيستأذن ا َألخ الناظر ويستبقيني عنده ريثام يعود رفاقي مع الناظر‬ ‫بيته يف الزوق‬ ‫مساء ِإىل عينطوره‪.‬‬ ‫َفألتحق هبم ً‬ ‫التلم َذة عليه‪ .‬وحني ُكنت‬ ‫بقيت صور ُته لصيق ًة يف َأذهاننا بـ ‪‬املعرض‪ِ ‬إىل ما بعد َ‬ ‫َ‬ ‫ُأع ّرج عىل ميشال َز ُّكور‪ ،‬صاحب ‪‬املعرض‪ُ ،‬أعطيه ّللن ْشر قصيد ًة يل َأو قطعة نثرية‪،‬‬ ‫ُأ ُ‬ ‫صادف َأحيا ًنا يف مكتبه ُأستاذي َأبو شبكة‪ ،‬وكان ط َّلق حياة التدريس‪ ،‬ويكون معه‬ ‫غالبا يف املكتب‪ :‬خليل تقي الدين وفؤاد سليامن وفؤاد حبيش وميشال َأبو شهال وتوفيق‬ ‫ً‬ ‫دائما َأراه بني تلك الش ّلة ّ‬ ‫يدخن ا َألركيلة‪َ ،‬أو َألتقيه يف ‪‬قهوة‬ ‫يوسف عواد وآخرون‪ .‬كنت ً‬ ‫البح َرين‪ُ ‬ي َكركر َأركيلته ويكتب َأو حيلم شاردً ا‪ .‬وحني يراين َيهفو ِإ ّيل مبحبة صادقة‪.‬‬ ‫‪  ‬ما آخر ذكرياتك عنه؟‬ ‫–  بعد يومني عىل وصويل ِإىل لبنان من الربازيل يف كانون الثاين ‪1947‬‬ ‫َ‬ ‫بغصة‪ُ :‬أستاذك يا رياض يعاين‬ ‫ت عن ُأستاذي َأبو شبكة‪ ،‬فبادرين فؤاد حبيش ّ‬ ‫سأ ْل ُ‬ ‫الساعات ا َألخرية‪َ .‬‬ ‫ففعل‪ .‬وهناك كانت‬ ‫سأ ُلته َأن يرافقني ِإىل املستشفى الفرنيس َ‬ ‫‪85‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫ويشك يف القامش عىل َ‬ ‫ّ‬ ‫مرأى مني عرشات‬ ‫قياسا‬ ‫عند اخلياط ُيجري عرشين ً‬ ‫الدبابيس‪.‬‬ ‫كان ا ُألستاذ َأبو شبكة‪ً ،‬‬ ‫فعال‪ ،‬من َأوائل الذين لبسوا الثياب اجلاهزة‪ .‬وكان له‬ ‫الرمادي فالغامق‪ .‬ويف مجيع احلاالت‬ ‫دائما ِإىل‬ ‫مزاج خاص يف اختيار َألواهنا‪ :‬مائلة ً‬ ‫ّ‬ ‫كان حيرص عىل َأناقته‪.‬‬ ‫هذا احلرص لديه عىل اجلامل والكامل جع َله ُيبقي زوجته ُأولغا عند بيت َأهلها‬ ‫كصديق لشقيقي شفيق‪َ ،‬‬ ‫فسأ ُلته‬ ‫مساء ِإىل بيته‪ .‬وكانت يل دا ّلة عليه‬ ‫ويعود وحدَ ه‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫تساك َنها يف بيتك؟‪‬‬ ‫ستتزوج خطيبتك ُأولغا لن‬ ‫مرة‪ :‬هل صحيح َأ ّنك عندما‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫متاما تنضح‬ ‫َفأجابني بعنفوان كبري‪ً :‬‬ ‫‪‬طبعا يا رياض‪ُ .‬أ ِّفضل َأ ّال َأراها ِإ ّال ُم َه ْندَ َم ًة ً‬ ‫لست تراين َأختار ثيايب جاهز ًة كي ال َأشهد مراحل بلوغها ا َألناقة؟‬ ‫باجلامل وا َألناقة‪َ .‬أ َ‬ ‫هكذا َ‬ ‫حبها َأنيق ًة‬ ‫املرأ ُة عندي‪ :‬ال ُأ ّ‬ ‫حب َأن َأراها يف مراحل طريقها ِإىل ا َألناقة‪ُ .‬أ ُّ‬ ‫جاهزة‪ .‬لذا ُأريدُ َأ ّال تستقب َلني ُأولغا ِإ ّال وهي َأنيقة جاهزة‪ .‬والشاعر‪ ،‬يا رياض‪ ،‬جيب‬ ‫دائما ح ًرا ً‬ ‫طليقا من كلّ قيد‪ ،‬فتبقى ُ‬ ‫يوما حليلته كي‬ ‫حبيبته خلي َل َته وال تصري ً‬ ‫يكون ً‬ ‫الشوق َأل ّن ُم َ‬ ‫َيظلَّ عىل هلب ّ‬ ‫ساك َنتها خت ُلق الرتابة‪ ،‬والرتابة تقتل الشعر يف الشعراء‪.‬‬ ‫‪  ‬وماذا عن مزاجه الغريب؟‬ ‫– َ‬ ‫ سأ ْل ُته مر ًة‪ُ :‬أستاذ َأبو شبكة ملاذا ال تنام يف َأحد فنادق بريوت َأو لدى‬ ‫ت‬ ‫َأصدقائك وهم ُك ُثر؟ َفأجابني‪ :‬ال ميكنني يا رياض َأن َأنام يف بريوت‪ .‬تعودْ ُ‬ ‫رشب منها‪َ ،‬أسمع ً‬ ‫رسيري اخلاص‪َ ،‬‬ ‫ليال سقسقة املاء فيها‬ ‫حتته بئر عميق ٌة َأ ُ‬ ‫َوأنام عىل هذه السقسقة‪ّ ،‬‬ ‫هنضت باك ًرا ِإىل قهويت َوأركيلتي َوأوراقي‬ ‫حتى ِإذا‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫استلهام الشعر‪ .‬هذا دافعي ا َأل ّول للنوم يف بيتي‪ ،‬مع‬ ‫شارك ْت ِني هذه السقسق ُة‬ ‫َ‬ ‫َأنني َأحيا ًنا ال َأ ّ‬ ‫متكن من ِإجياد سيارة‪َ ،‬أو يفوتني قطار جونيه ( ُي ِق َّلني ِإىل حمطة‬ ‫عينطوره يف الزوق) َفأركب عربة خيل من هنا ِإىل الدورة‪ ،‬ومن الدورة ُأكمل‬ ‫سريا ِإىل الزوق ولو يف َأيام الربد الشديد َأو احل ّر الشديد‪ .‬ك ُّله َأ ْه َو ُن من َأن‬ ‫ً‬ ‫نام خارج بيتي‪.‬‬ ‫َأ َ‬ ‫‪84‬‬


‫تزوج‬ ‫عندما َأ ّ‬ ‫ُأولغا‪...‬‬

‫كانت تلك آخر كلامت فاه هبا الياس َأبو شبكة مودّ عً ا هبا َأصدقاءه َوأبناء جيله‪.‬‬ ‫عىل َأننا نحن‪ ،‬اجليل الذي مل يعارص َأبو شبكة‪ ،‬نجد اختصا ًرا الستذكارنا ما‬ ‫وهبط؟ صحيح‪ ،‬طار‪ ،‬لكنه حني‬ ‫قاله فيه ُأنيس احلاج‪ :‬عصفور صغري‪ ...‬طار‪َ ...‬‬ ‫َهبط‪َ ،‬هبط يف قلوبنا ِإىل ا َألبد‪.‬‬ ‫‪‬النهار العريب والدويل‪‬‬ ‫العدد ‪ 19 - 259‬نيسان ‪1982‬‬

‫ّ‬ ‫‪‬المعلم‪‬‬

‫يف الفرتة القليلة التي َأمضاها َأبو شبكة ُمدَ ِّر ًسا‪ ،‬عانى ما يعانيه املع ّلمون َأمام‬ ‫تالميذهم الناهلني‪ .‬من تلك الفرتة قصيد ٌة ُت َـم ِّيزها عن قصيدة شوقي يف املع ّلم نبض ُة‬ ‫بعض َأبيات منها‪:‬‬ ‫املعاناة ال التنظري الشعري‪ .‬هنا ُ‬

‫ٍ‬ ‫��ب��ط��ة وتَ���� َو مُّس ِ‬ ‫��م هل��م ع��ن ِغ‬ ‫��س ْ‬ ‫تَ�� َب َّ‬ ‫���س م��رورَه��ا‬ ‫��م��ر ُّ ال��ث��واين‪ ،‬ال أ ُ ِح ُّ‬ ‫تَ ُ‬ ‫أَم����ام ص��غ��ار ٍ ج��احن�ين ِإىل ال�� ُع�لى‬ ‫زي��وت الطُّره يف حَ َدقاهتم‬ ‫تُ�ضيء‬ ‫ُ‬ ‫أ ُ ِع����� ُّد َش���رابً���ا خ�����ا ًدلا لنفوهسم‬ ‫مسارح‬ ‫ال��ن��ف��وس‬ ‫ن‬ ‫أَق���و ُل هل��م ِإ ّ‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫نِ‬ ‫ل�ِئ� ت��ثِ��ب��وا‪ ،‬فاملج ُد يف وَثَ َ��ب��ات�كم‬ ‫ن احل��ي��اةَ فضي ٌةل‬ ‫أَق����و ُل هل��م ِإ ّ‬

‫ف��ف��ي م ِ‬ ‫امل��ع��لمِّ ِ‬ ‫��ق�لة ال�� ّت�لم��ي��ذ رُو ُح ُ‬ ‫ُ‬ ‫ش ل��ل��ت��قَ�� ُّدم ِ‬ ‫أَم�����ام ص���غ���ار ٍ عُ���طَّ��� ٍ‬ ‫كأَفراخ نرس ٍ أُورث��وا املج َد يف ادلَّم ِ‬ ‫املتبسم ِ‬ ‫ُ��ط��ف ال��ف��م‬ ‫مي��ازِجُ��ه��ا ل‬ ‫ُ‬ ‫ِّ‬ ‫خ�ير مَطعم ِ‬ ‫وأ ُ ُ‬ ‫ط��ع��م�هم م��ن مهجيت َ‬ ‫ِ‬ ‫ابمل��ع��اي��ب تُ��ظْ�ِل�مِ ِ‬ ‫ن تُثقلوها‬ ‫ف��� ِإ ْ‬ ‫فاملج ُد رَهْ�� ُن التَّصرَ ُّم ِ‬ ‫و ِإ ْ‬ ‫ن تَ ْق ُعدوا َ‬ ‫امل�� َع��ظَّ��مِ!‬ ‫تُ��ب��ارك��ه��ا رو ُح ِاإلـل���ه ُ‬ ‫‪87‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫دخلت عليه والشيخ فؤاد‪ .‬وما رآين ُأستاذي ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫حتى ابتسم‬ ‫وشقيقته‪.‬‬ ‫زوجته ووالد ُته‬ ‫ُ‬ ‫بغصة ا َألمل والفراق وقال يل‪ :‬مبارح كنت عَ ْم ِب ْس َأل َّعنك الشيخ فؤاد‪ .‬مشتاقلك يا‬ ‫ّ‬ ‫رياض‪ُ .‬أقعد‪َ .‬خ ِّبرين كيف شفيق صديقي‪ ،‬وعائلتك‪ ،‬واجلميع؟ منيح اليل جيت‪.‬‬ ‫كنت خايف روح وما شوفك و ِإ ْت َط ّمن عليكن هونيك‪َ .‬‬ ‫وتالشت يف حلقه الكلامت‪.‬‬ ‫شاحبا يذوب كالشمعة التي خاطبها يف ‪‬غلواء‪ .‬هنا دخل الطبيب‪َ ،‬أجرى‬ ‫كان‬ ‫ً‬ ‫بعيني فكان َف ِه َم وجه الطبيب‪،‬‬ ‫عدت ِإليه‬ ‫ففه ْمنا‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫الفحوصات وخرج ّ‬ ‫َّ‬ ‫مكفهر الوجه ِ‬ ‫وراح ُ‬ ‫يرمقنا بنظر ٍة بعيدة بعيدة‪ ،‬ووج ٍه غائر فيه َأ ُ‬ ‫لوان املساء والغياب‪َ .‬أخذ يدي‬ ‫َ‬ ‫اتصلت يف‬ ‫وخرجت‪ .‬وحني‬ ‫وضغط عليها مبا ُأو ِت َـي من عافية‪َّ .‬قب ْل ُته عىل جبينه‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫اليوم التايل َأخربوين يف املستشفى َأنه دخل َّالنزع ا َألخري‪ .‬مل تطاوعني َأعصايب َأن‬ ‫خميلتي صورته ّ‬ ‫َأذهب َوأراه‪ّ ،‬‬ ‫املتوهجة حني كان ُأستاذي‪ ،‬ونرب ُة‬ ‫مفض ًال َأن تبقى يف ّ‬ ‫صوته اجلهوري حني كنت َألتقيه ّفوار العافية‪.‬‬ ‫كان صديقَ شقيقي شفيق‪ .‬التقيا مر ًة يف هنر الكلب ودعاه شفيق لزيارة زحلة‬ ‫فلبى‪ ،‬وله فيها قصيد ٌة رائعة‪ّ .‬ثم انتقال ِإىل بعلبك‪ ،‬وكان معهام ا َألديب ُنـهرا املعلوف‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫معا‪ .‬ظلّ الودّ ً‬ ‫متينا بني‬ ‫وبني حمفوظاتنا يف مكتبة والدي صور ٌة شمسية للثالثة ً‬ ‫الياس وشفيق‪ .‬وحني وصل ِإىل شقيقي ُنبأ وفاة الياس‪َ ،‬أرسل ِإىل َأرملته ُأولغا برقي َة‬ ‫املشت َر ِكني َ(أ ُّ‬ ‫تعزية وقصيدة‪ ،‬وك َّلف َأحد ا َألصدقاء َ‬ ‫ظنه الشيخ خليل تقي الدين)‬ ‫زيار َة الرضيح ْ‬ ‫ووض َع باق ٍة من الزهور عليه‪ .‬وحني كتب الشيخ خليل ِإىل شقيقي‬ ‫شفيق يف الربازيل َأ ّن َأبو شبكة يرقد يف قرب مستعار من آل الباشا يف الزوق‪َ ،‬أرسل‬ ‫رضيح خاص بالفقيد الكبري‪ .‬لكنني مل َأعُ د َأعرف عن‬ ‫َأخي شفيق املبلغ الالزم لبناء‬ ‫ٍ‬ ‫هذا املوضوع شي ًئا وما زلت َأتساءلُ َأين َأصبح مرشوع نقل الرفات‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫وسكت رياض املعلوف‪.‬‬ ‫َ‬ ‫هنارئذ‪ ،‬بعد دقائق عىل خروج رياض املعلوف من املستشفى‪ ،‬عاد فؤاد حبيش‬ ‫ٍ‬ ‫فسمعه يردِّ د‪ :‬عصفور صغري‪ ...‬طار‪ ...‬طار‬ ‫ِإىل غرفة صديقه الشاعر املريض‪،‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫وه َبط‪ ...‬ماذا يستطيع عصفو ٌر صغري؟‪.‬‬ ‫‪86‬‬


‫َأنا والياس‬ ‫َأبو شبكة‪...‬‬

‫صحافيا‬ ‫ا َألدب من َأن نكون قلييل ا َألدب‪ .‬وهي عبارة تدلُّ عىل روح النكتة عنده‪،‬‬ ‫ً‬ ‫كبريا‪.‬‬ ‫ديبا ً‬ ‫ناقدً ا ساخ ًرا مبقدار ما كان شاع ًرا َوأ ً‬ ‫َوأذكر له ً‬ ‫العراقيني َأمحد الصايف النجفي وحممد مهدي‬ ‫حديثا آخر عن الشاع َرين‬ ‫َّ‬ ‫ت َأ ُذكر بينها َأبيا ًتا للجواهري يف‬ ‫اجلواهري‪ .‬كان معجَ ًبا هبام‪ ،‬وتال من شعرمها منتخبا ٍ‬ ‫ّ‬ ‫وطب َع ْتني يف ذلك احلديث نرب ُة َأبو شبكة عند ْذك ِر ِه فقر الصايف‬ ‫الكذب‬ ‫ِ‬ ‫والكذاب‪َ .‬‬ ‫النجفي‪ .‬ز َف َر زفر ًة عميق ًة وقال‪ :‬والصايف فقري‪ ....‬قا َلها كام عن معاناته الشخصية‬ ‫َكأنه يقول‪ :‬والصايف َأ ٌخ لنا يف الفقر‪.‬‬ ‫َ‬ ‫‪  ‬والسياسة يف أحاديثه؟‬

‫–  يف ِإحدى َأمايس الثلثاء‪ ،‬بعد َت َو ّلي حكومة االستقالل السلط َة يف لبنان‬ ‫فوجئت‬ ‫(واإلذاعة حينذاك يف ِإرشاف الفرنسيني)‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫وقبل جالء اجليوش ا َألجنبية عنه ِ‬ ‫يومئذ‪َ ،‬‬ ‫َبأبو شبكة ُيلقي ً‬ ‫شخصني‬ ‫بدأه بحوار عىل لسان َ‬ ‫حديثا حول موقفه السيايس ٍ‬ ‫‪‬عجيب َأم ُر َأبو شبكة‪ ،‬ويستوضحه اآلخر‪ :‬ما به؟‪‬‬ ‫يتحدّ ثان عنه‪ .‬يقول َأحدمها‪:‬‬ ‫ٌ‬ ‫ومفروض‬ ‫عريب‪،‬‬ ‫عريب وشاع ٌر ّ‬ ‫ديب ّ‬ ‫ٌ‬ ‫فيجيبه ا َألول‪َ :‬أصبح حيب الفرنسيني مع َأنه َأ ٌ‬ ‫جن ِب َّيها‪ .‬وهنا ّ‬ ‫وطني الروح ال َأ َ‬ ‫يعقب َأبو شبكة ب ِإيضاح مفهومه الوطني َة يف‬ ‫َأن يكون‬ ‫َّ‬ ‫كالم ُ‬ ‫النسق‪ِ  :‬إذا كانت الوطنية كذا وكذا َفأنا لست‬ ‫يبدأه بـ‪ِ ‬إذا‪ ‬الرشطية عىل هذا َ‬ ‫حقر امل َردَ ة ُوأ ِّ‬ ‫وطنيا‪ِ ‬إىل َأن قال‪ :‬و ِإذا كانت الوطنية َأن ُأ ِّ‬ ‫لست‬ ‫عظم ِالق َردَ ة َفأنا‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫وطنيا‪ .‬وكان املعنى واضحً ا‪َ :‬فأبو شبكة ْيأبى َأن يشارك يف التهجّ م عىل َأجنبي‬ ‫ً‬ ‫رقيه َوأجماده‪ْ ،‬‬ ‫يتشبث بالبقاء يف بالدنا َألن هلذا ا َألجنبي حرم ًة يف عينيه ُ‬ ‫ويأبى‬ ‫مبعثها ُّ‬ ‫ّ‬ ‫َأن يرى يف العاملني للحرية واالستقالل من َأبناء شعبنا ورجاالتنا َأ ً‬ ‫بطاال حقيقيني‬ ‫وقوته‪ .‬يف تلك احلقبة النضالية‪،‬‬ ‫ناسا عظامء ال يطاولون املارد الغريب يف عظمته َّ‬ ‫َأو ُأ ً‬ ‫املتحمس ملفاهيم التح ّرر والسيادة والكرامة الوطنية‪َ ،‬أ ّثرين ذلك يف َأبو‬ ‫َوأنا الفتى‬ ‫ّ‬ ‫هت ِإليه رسال ًة ْ‬ ‫مغ َفلة ُل ْـم ُته فيها عىل ازدرائه َبأبناء‬ ‫حبه‪َّ .‬‬ ‫وج ُ‬ ‫شبكة مبقدار ما كنت ُأ ُّ‬ ‫وختمتها‪َ :‬‬ ‫ُ‬ ‫‪‬كأ ّن هذا احلديث ليس من ْرأسك بل بدافع‬ ‫جنبي‬ ‫شعبه وتقديسه ا َأل َّ‬ ‫الشخصني خالل احلوار الذي ساقه يف مطلع‬ ‫حتبهم‪ِ ( ‬إشارة ِإىل ما ذكره َأحد‬ ‫َ‬ ‫الذين ُّ‬ ‫‪89‬‬


‫‪‬أَنا والياس أَبو شبكة‪:‬‬ ‫يتم‪‬‬ ‫لقاءان‪...‬وثالث لم ّ‬ ‫األَديب جان كميد‬

‫َ‬ ‫ذكريات شخصي ٌة مع َأبو شبكة‪.‬‬ ‫لألديب جان كميد‪ ،‬يف مطلع شبابه‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫ت نقدي ًة وحتليلي ًة‪ ،‬وفضلَ ِإصداره عدَ دً ا‬ ‫ت عد ًة عنه‪ ،‬مقاال ٍ‬ ‫عىل َأ ّن له كتابا ٍ‬ ‫خاصا (السنة الثانية‪ ،‬العدد اخلامس ‪ -‬نوار‪/‬حزيران ‪ )1955‬من جملة ‪‬الرسالة‪‬‬ ‫ً‬ ‫رئيس حتريرها منذ ْتأسيسها (‪ )1955‬حتى احتجاهبا (‪.)1958‬‬ ‫التي كان‬ ‫َ‬ ‫مالمح من ذكرياته الشخصية ونصوص يف ذاكرته وحمفوظاته من كتابات َأبو‬ ‫هنا‬ ‫ُ‬ ‫شبكة مل تصدر يف مؤلفاته‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫‪  ‬ما أوىل ذكرياتك عن أبو شبكة؟‬

‫مساء كلّ ثلثاء ً‬ ‫حديثا‬ ‫–‬ ‫ُ‬ ‫ سمعت صو َته قبل َأن َرأ ُيت ُه‪ .‬سنة ‪ 1945‬كان ُيلقي َ‬ ‫لربع ساعة من ِإذاعة ‪‬راديو الرشق‪ ‬يف بريوت‪ ،‬يتناول فيه َ‬ ‫مسأل ًة َأدبية َأو سياسية‪.‬‬ ‫ست عددَ جملة ‪‬اجلمهور‪ ‬الصاد َر‬ ‫تلم ُ‬ ‫سبوعيا هذا احلديث ف ِإذا فاتني م ّر ًة ّ‬ ‫كنت َأنتظر ُأ ً‬ ‫يف ا ُألسبوع التايل َأ ُ‬ ‫غالبا ما كانت تنرش نصوص َأحاديثه‪.‬‬ ‫ذاعي َألهنا ً‬ ‫قرأ فيه النص ِاإل ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫‪  ‬ما أبرز ما تتذكر عن تلك األحاديث؟‬ ‫التضخم ا َألديب يف لبنان‪َ .‬‬ ‫ُّ‬ ‫بدأه َأبو شبكة بقوله‪ :‬يقولون‬ ‫– َ أ ُذكر َأحدَ ها عن‬ ‫َ ْ‬ ‫َ‬ ‫خري لنا َأن نكون كثريي‬ ‫س علينا يف ذلك؟ ٌ‬ ‫ِإ ّن األدب يف لبنان كثري‪ ،‬ولكن‪ ...‬أ ُّي بأ ٍ‬ ‫‪88‬‬


‫َأنا والياس‬ ‫َأبو شبكة‪...‬‬

‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫سمعت ُه‬ ‫سمعته َألبو شبكة من ِاإلذاعة‪ ،‬وبعده‬ ‫سبوعي‬ ‫ث ُأ‬ ‫كان ذلك آخ َر حدي ٍ‬ ‫ّ‬ ‫يف برنامج خاص عند وفاة الشاعر الفرنيس ﭘـول ﭬـالريي‪ ،‬وكان بني املتحدِّ ثني معه‬ ‫يف تلك احللقة‪َ :‬أمني نخلة وسعيد عقل وصالح ا َألسري وآخرون‪ .‬لكني مل َأعُ د َأذكر‬ ‫ما قاله َأبو شبكة يف ﭬـالريي‪.‬‬ ‫َ‬ ‫تابعته يف ما بعد؟‬ ‫‪  ‬وكيف‬ ‫ت ُأسبوعية َأو ّ‬ ‫متقطعة يف جملة‬ ‫–  انقطع عن التحدُّ ث من ِاإلذاعة واكتفى مبقاال ٍ‬ ‫‪‬اجلمهور‪ ‬لصديقه ميشال َأيب شهال‪ ،‬ضمن زاوية ‪‬يف حديث ا َألدب والسياسة‪.‬‬ ‫(خصوصا يف ُأسلوبه االنتقادي) َأو صحافي ًة ال َأثر فيها‬ ‫وكانت َأحيا ًنا من النثر الرائع‬ ‫ً‬ ‫َلن َفس َأديب احتفظ به رفاق َأبو شبكة من ُأدبائنا وشعرائنا الكبار كعمر فاخوري‬ ‫ديبا ً‬ ‫دخيال‬ ‫ومارون عبود وفؤاد سليامن َوأمني نخلة وسعيد عقل‪َ .‬فأبو شبكة مل يكن َأ ً‬ ‫متميزتني اجتمعتا يف شخصه‪ :‬صفة ا َألديب وصفة‬ ‫عىل الصحافة بل كان ذا اثنتني ّ‬ ‫الصحايف‪ .‬ولعلّ مردّ ذلك ِإىل ضيق الوقت واضطرار الشاعر ِإىل ِإنجاز املقال الصحايف‬ ‫يف موعده ْتأ ً‬ ‫مينا لعيشه من الصحيفة‪.‬‬ ‫تذكر َأحاديثه اإلذاعية‪ ،‬فهل ُ‬ ‫‪ُ  ‬‬ ‫تذكر بعض تلك المقاالت؟‬ ‫ِ‬ ‫–  بني َأطرف تلك املقاالت‪ :‬تعليقُ َأبو شبكة عىل حوار مع الشاعر املرصي‬ ‫عيل اجلارم حني جاء بريوت (متوز ‪ِ )1944‬إللقاء قصيدة يف املؤمتر الطبي العريب‪.‬‬ ‫كبريا يف ا َألوساط‪،‬‬ ‫ُو ِصفت القصيدة يف حينها َبأهنا ‪‬مع ّلقة العرص‪ ،‬ونالت صدى ً‬ ‫ومطلعها‪:‬‬ ‫ُ‬

‫ل���ق���ي���ت ل��ل��غ��ي��د ا ِ‬ ‫أَ‬ ‫ـل����م��ل�اح ِس��ل�ايح‬ ‫ُ‬ ‫رحي�����ان ال��ص��ب��ا ف��وج��دتُ�� ُه‬ ‫ْ���ت‬ ‫َ‬ ‫ولـَ���م���ح ُ‬

‫ورج����ع����ت أَغ����س���� ُل ابدلم�������وع ِ ج���رايح‬ ‫ُ‬ ‫��ت نـَـــــــــــــــــضارتُه ع�لى األَق���داحِ‬ ‫ذَبُ��ل َ ْ‬

‫يف ذاك احلوار ُس ِئل اجلارم عن شعراء لبنانيني ُيعجب هبم َفأجاب‪ :‬ما فيش‬ ‫شاعر يف لبنان غري بشارة (ويعني بشارة اخلوري ‪‬ا َألخطل الصغري‪ْ )‬و ِس َيبك من‬ ‫الباقي‪َ .‬أ َّثر هذا اجلواب َبأبو شبكة فكتب يف ‪‬اجلمهور‪ ‬مقال‪ :‬لو مل هي ِبط اجلارم‬ ‫ِإىل النثر‪َ ‬‬ ‫بدأه بالثناء عىل عاطفة اجلارم يف قصيدته نحو لبنان‪ ،‬ثم ّمتنى لو انه بقي‬

‫‪91‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫َ‬ ‫مطلع حديث ِإذاعي ألبو شبكة من ‪‬راديو الشرق‪‬‬

‫حديثه َأنه َأصبح حيب الفرنسيني)‪ .‬ال َأدري ِإن كان الشاعر ّ‬ ‫تلقى تلك الرسالة من‬ ‫الربيد العادي وال َأعرف ما كان موقفه منها‪ .‬فهو مل يردّ عليها من ِاإلذاعة ومل يعرف‬ ‫شخصيا‪.‬‬ ‫كاتبها فريدّ عليه‬ ‫ً‬ ‫ومن َأحاديثه السياسية كذلك‪َ ،‬أذكر وفاة وزير اخلارجية سليم تقال ابن زوق‬ ‫مكايل‪ ،‬وكان َأبو شبكة عىل خصوم ٍة سياسية معه (سليم كان دستور ًيا والياس‬ ‫كتلو ًيا)‪ .‬ومع ذلك كانت كلمة الشاعر يف رجل الدولة مفعم ًة با َألسى‪ ،‬مليئ ًة اعتزا ًزا‬ ‫بسيايس نابغ َأ َط َل ْعته بلدته‪ ،‬استه َّلها بقوله‪ُ :‬‬ ‫ت اليوم بوفاة سليم تقال صفح ٌة‬ ‫‪‬ط ِو َي ِ‬ ‫جميد ٌة من تاريخ لبنان‪.‬‬ ‫‪90‬‬


‫َأنا والياس‬ ‫َأبو شبكة‪...‬‬

‫َ‬ ‫غالف العدد الخاص عن أبو شبكة من مجلة ‪‬الرسالة‪‬‬ ‫التي كان جان كميد رئيس تحريرها‬

‫يصه ُره فيه و َي ِس ُم ُه‬ ‫ومفرتق طرق وملتقى حضارات وصاه َر ثقافات‪ :‬ما ْيأخذه من غريه َ‬ ‫بطابعه‪ ،‬ف ِإذا هو ِبدعَ ٌة له وعَ َملٌ من َخ ْلقه‪.‬‬ ‫ويف مقال آخر‪ :‬متى نضع لقلوبنا عيو ًنا؟‪ ‬تناول َأبو شبكة معنى االستقالل‪:‬‬ ‫‪‬كلامت االستقالل والكرامة والسيادة الوطنية‪ ،‬والذهاب ِإىل ِاإلسكندرية والقاهرة‬ ‫فيقيمه عىل َأساس‬ ‫وسان فرنسيسكو لن تفيد لبنان ِإذا مل يعرف هو َأن يبني هذا ك ّله َ‬ ‫صحيح هو التضامن ْ‬ ‫املخلص يف احلقل الوطني الداخيل‪ .‬االستقالل والكرامة‬ ‫وطني‬ ‫ٍ‬ ‫والسيادة الوطنية ُّ‬ ‫ت طنان ًة ومظاه َر‬ ‫والتنقالت واالجتامعات الرسية والعلنية تبقى كلام ٍ‬ ‫مبساع ِإدارية جمْدية َوأعامل ِإصالحية مثمرة وتكا ُتف وثيق‬ ‫َب َّراق ًة ِإن مل تقرتن يف الداخل‬ ‫ٍ‬ ‫بني طبقات ا ُأل ّمة‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫باءت بالفشل‪ .‬لن‬ ‫ويع ّلق مر ًة عىل تعديل ِإحدى الوزارات‪:‬‬ ‫‪‬سياستنا الداخلية َ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫مسؤوال عن هذا الفشل بل ا َألشخاص‪ ،‬وا َألشخاص‬ ‫نعتب عىل النظام‪ ،‬فالنظام ليس‬ ‫يتبدّ لون‪ .‬و ِإذا تك ّرر هذا الفشل وتك َّرر تبديل ا َألشخاص فال بدّ للنظام ‪ -‬و ِإن يكن‬ ‫يتحمل التبعة آخ َر ا َألمر َوأن يدفع الفدية‪.‬‬ ‫بري ًئا ‪ -‬من َأن ّ‬ ‫‪93‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫(ويتعمد َأبو‬ ‫طائ ًرا يف السامء ال ينزل ِإىل ا َألرض‪ .‬فهو حني هبط ِإىل النثر َن ِس َي‬ ‫ّ‬ ‫شبكة كلمة ‪َ ‬ن ِس َي‪ ‬ومل ُيقل َ‪‬أ َنك َر‪ )‬ما قاله يف ِشعره عن لبنان عندما َن َع َت ُه بـ‪‬دَ وح‬ ‫السالف‪ ،‬فقال َأ ْن ليس يف لبنان ِإال شاع ٌر واحدٌ‬ ‫الشعر‪ ‬و َن َع َ‬ ‫ت ِشع َره َبأ َّن له ‪‬فعل ُ‬ ‫هو بشارة اخلوري‪ .‬ويضيف َأبو شبكة‪ :‬ال نخال ا َألخطل الصغري نفسه يقتنع هبذا‬ ‫َ‬ ‫ْ َ‬ ‫شدوه يف سامء موحشة ال شا ٍد‬ ‫فضل يبقى له ِإذا ُس ِم َع ُ‬ ‫الرأي أو يرىض عنه‪ِ ،‬إذ أ ُّي ٍ‬ ‫فيها سواه؟‪ِّ .‬‬ ‫ويؤكد َأبو شبكة عىل التناقض بني شعر اجلارم ونثره حول شاعرية‬ ‫نكتم ا ُألستاذ اجلارم َأننا‪ ،‬بعد َأن ْ‬ ‫اللبنانيني‪ :‬ال ُ‬ ‫قرأنا شعره ونثره‪ِ ،‬صرنا يف حرية‪:‬‬ ‫يناقض اآلخر؟‪ .‬وخيتم َأبو شبكة تعليقه‪:‬‬ ‫َأ ُنصدّ قه شاع ًرا َأم نصدّ قه ناث ًرا‪ ،‬وكالمها‬ ‫ُ‬ ‫‪‬كان بودّ نا َأن يرت َّفع ا ُألستاذ اجلارم عىل ا َألقل عن التزام منطق اهلازل فال هيبط من‬ ‫(‪‬العجْ ر‪ = ‬الكالم العامي) فيقول ‪‬ما فيش شاعر يف لبنان غري‬ ‫النثر ِإىل َالعجْ ر َ‬ ‫عجيبا هذا اهلبوط من الشعر ِإىل النثر ِإىل العجر‪‬؟‬ ‫بشارة‪ْ ،‬و ِسيبك من الباقي‪َ !‬أليس ً‬ ‫َ‬ ‫‪  ‬هذا عن الوجه األديب‪ .‬فماذا عن الوجه السياسي من زاويته ‪‬يف‬ ‫َ‬ ‫حديث األدب والسياسة‪‬؟‬

‫واخلارجي‪َ ،‬أو يعود ِإىل‬ ‫داخليها‬ ‫–  كان َأبو شبكة يع ّلق عىل ا َألحداث اليومية‪ِّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ت َأدبية‪َ ،‬أو يسوق آراء عامة‪َ ،‬أو ُ‬ ‫يذكر‬ ‫والس َير‪َ ،‬أو َيذكر ُل َـمحً ا عن شخصيا ٍ‬ ‫التاريخ ِ‬ ‫َ‬ ‫طرائف َأدبية‪ .‬يف َأحد مقاالته تناول خطا ًبا لسامي الصلح يف جملس النواب َو َردَّ الدكتور‬ ‫َأيوب ثابت عليه‪ .‬قال سامي الصلح‪ :‬يف لبنان فكرتان‪ُ :‬أوىل تقول باستقالل لبنان‬ ‫ومتيل ِإىل االنعزال‪ ،‬وا ُألخرى باالستقالل مضا ًفا ِإىل التعاون مع البلدان العربية‪ ،‬وجاء‬ ‫يرحبون بكل تعاون عىل َأساس احرتام استقالل‬ ‫يف ردّ َأيوب ثابت‪ :‬مجيع اللبنانيني ّ‬ ‫لبنان واملحافظة عىل كيانه وسيادته‪ ،‬وليس فيهم من مييل ِإىل االنعزال‪ .‬االختالف هو‬ ‫طرح هذه َ‬ ‫املسألة عىل بساط البحث‬ ‫يف وجهات النظر‪ .‬وع ّلق َأبو شبكة‪ِ  :‬بودِّ نا َأن ُت َ‬ ‫هنائيا َ‬ ‫فيوض َع حدٌّ هنائي ُلت َهم حتمل عىل‬ ‫يتم ِإيضاحها ً‬ ‫ا ِجلدِّ ّي يف جملس النواب‪َ ،‬وأن ّ‬ ‫مثن‬ ‫الظن َبأن يف لبنان َمن يريد‬ ‫االنكامش عىل نفسه جمارا ًة لسياس ٍة َأجنبية (‪َ .)...‬أ ُ‬ ‫َ‬ ‫اجلامع بني‬ ‫الرابط بني الرشق والغرب‪،‬‬ ‫موقع ُه الفريد عىل هذا‬ ‫ما ميلك لبنان ُ‬ ‫الساحل ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫كونيا بثقافته وقابليته‪،‬‬ ‫املاء والصحراء‪ ،‬طبع لبنان بطابع‬ ‫خاص وجعل الشعب اللبناين ً‬ ‫ّ‬ ‫‪92‬‬


‫َأنا والياس‬ ‫َأبو شبكة‪...‬‬

‫سليما‪ ،‬علينا َأن نعمل َأ ًوال عىل تكوين َأنفسنا‪ ،‬عىل هتذيبها و ِإصالحها‪َ ،‬أن ّ‬ ‫نفتش‬ ‫ً‬ ‫ننمي هذه التقاليد‬ ‫يف َأوساط عيالنا وبالدنا عن التقاليد ِاإلنسانية السامية‪َ ،‬وأن ّ‬ ‫سليما للتنظيم االجتامعي‪ .‬علينا‬ ‫مذهبا ً‬ ‫ونطبقها عىل احلياة العامة ونصنع َألنفسنا ً‬ ‫ّ‬ ‫َأ ّال ننسى‪ ،‬ونحن عىل عتبة املعرتك االجتامعي‪َ ،‬أ ّن اهليكل االجتامعي الوطني يندمج‬ ‫يتم ويكتمل ِإ ّال ِإذا َأخذ مبا تتط ّلبه احلياة الدولية‬ ‫يف جمموع دويل‪َ ،‬وأ ّن مذهبنا ال ّ‬ ‫والعدل الدويل‪ .‬علينا َأن ُن ْر ِحب آفاقنا حتى تشملَ العامل‪ .‬فاملشكلة االجتامعية‬ ‫عظيما لعمل‬ ‫حتم ًسا‬ ‫مشكلة عاملية‪ ،‬وعلينا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫دائما ُّ‬ ‫خصوصا وقبل كلّ يشء َأن َنل َزم ً‬ ‫ري هو صيان ُة عظمة‬ ‫التكميل االجتامعي‪َ ،‬وأن َننظر ِإليه نظر َتنا ِإىل َأمجل ِإ ْلـهام ٍ َبش ٍّ‬ ‫ِاإلنسان وكرامته ب ِإدماجه يف هيكل اجتامعي سليم‪ .‬املشكلة االجتامعية عىل جانب‬ ‫ّ‬ ‫والتعقد‪ .‬واملجتمع ْمثلُ خاليا متشابكة تصعب بينها املواصالت‬ ‫كبري من الشمول‬ ‫واإلنسان مييل ِإىل االنعزال يف حميط نشاطه الصغري حتى ِإذا شاء‬ ‫وتنعدم َأحيا ًنا‪ِ .‬‬ ‫اخلروج منه ُ‬ ‫اضط ّر ِإىل بذل جهد‪.‬‬ ‫هذه املشكالت التي تشغ ُلنا اليوم كذلك‪ ،‬شغلت َأبو شبكة منذ ما يزيد‬ ‫ّ‬ ‫واملفكرون الكبار‪ ،‬يسبقون زمنهم ويكونون ّروادً ا‬ ‫عن نصف قرن‪ .‬هكذا الشعراء‬ ‫وطالئع‪.‬‬ ‫َ‬ ‫صحافيا‪ ،‬جيد‬ ‫ولكن َأبو شبكة‪ ،‬وهو يعانق هذه اآلفاق الشاملة يف ما يعاجله‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫سعا من الوقت كذلك لينتقد ‪‬الشكل العجيب‪ ‬يف انتخابات َأعضاء جدد جلمعية‬ ‫ّمت ً‬ ‫وليلمح ِإىل ُ‪‬أمور كثرية‪ ‬شهدَ ها كان يرغب َأال يشهدها‪،‬‬ ‫قدامى مدرسة عينطوره‪ُ ،‬‬ ‫خطيبا‬ ‫عتبه عىل معهده الذي ّ‬ ‫حيب َأل ّنه دعا ِإىل افتتاح َأنشطة ناديه ا َألديب ً‬ ‫ثم يذكر َ‬ ‫رج الصنوبر الذي يك ّلل با َألخرض الدائم هامة هذا املعهد‬ ‫‪‬مل يسبق له َأن َن َشقَ َأ َ‬ ‫ال ُـم ِس ّن‪ّ ،‬‬ ‫وثنى َبأن َأقام حفلة ُأخرى تك ّلم فيها ‪‬خطيب واحدٌ مل يقترص جه ُل ُه عىل‬ ‫موقع عينطوره بل جتاوز ِإىل جهله منطقة كرسوان‪ .‬قال هذا َألن عينطوره املدرسة‬ ‫تع ّز عليه‪ :‬عينطوره حقيق ٌة مجيلة جيب َأن حتافظ عىل مجاهلا‪ ،‬وعينطوره تقاليد َوأجماد‬ ‫َوأمثلة عُ ليا جيب َأن تبقى َأمثل ًة عُ ليا َوأجمادً ا وتقاليد‪ِ .‬إهنا َأقدم رصح علمي يف هذه‬ ‫املنطقة جي ّر وراءه َأ ً‬ ‫جياال من جالل املعرفة يف الرشق‪.‬‬ ‫‪95‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫وهكذا‪ :‬من التعليق العابر ينتهي َأبو شبكة ِإىل ْرأي عميق‪ِ ،‬إىل َأحد مبادئ‬ ‫نظاما‪ْ ،‬‬ ‫ْ‬ ‫وتأثريها عىل النظام‬ ‫االجتامع‬ ‫واحلكم‪ :‬جتارب ا َألشخاص الذين ّميثلون ً‬ ‫نفسه‪.‬‬ ‫كثريا عند هناية احلرب وبعدها)‪،‬‬ ‫َأما ْرأي َأبو شبكة يف السالم (كلمة تردَّ دت ً‬ ‫واملتصوفني‪ .‬قد ال ُيقيم ِإال‬ ‫فــ ‪‬السالم ليس سوى كلمة يف فم الشعراء والفالسفة‬ ‫ّ‬ ‫يف َأحالم ديوجني‪ ،‬وديوجني ال يقيم ِإال يف برميل من خشب‪ .‬نحن املتمدنني‬ ‫َأبناء احلضارات ال نجهل َأ ّن ا َألرض اجلميل َة حفن ٌة من الرتاب‪ .‬وال نطيق التاريخ ما‬ ‫نطبق التاريخ ما مل َن َر فيه َأشباح‬ ‫مل َن َر حفنة الرتاب تستحيل حفن ًة من رماد‪ ،‬وال ّ‬ ‫نينوى وبابل منتصب ًة ُبع ْرهيا الكامل خلل الدمار واملوت‪ .‬هي املسخرة البرشية ْتأبى‬ ‫عىل التاريخ ِإ ّال َأن ُيرهيا مجال املوت وروعة الدمار‪ ،‬وهي املسخرة البرشية تستنجد‬ ‫ت تلك‬ ‫يف ويالهتا بـجامعات املنقذين‪ :‬ا َألبطال والشعراء‬ ‫واملتصوفني حتى ِإذا هاد َن ْ‬ ‫ّ‬ ‫الويالت تاقت مساخ ُر البرش ِإىل َمشاه ِدها الدامية عىل لوحات التاريخ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ِّ‬ ‫متعدد المواضيع‪...‬‬ ‫‪ِ   ‬إذا كان يف مقاالته‬ ‫–  صحيح‪ .‬كان له يف مقاالته آراء اقتصادية واجتامعية ّ‬ ‫تتخطى الفكرة الفردية‬ ‫التي كانت سائد ًة يف يومه‪ ،‬ومنها ْرأيه يف املال‪ .‬يف مقاله َ‪‬أ ْل ِسنة َأزوب َوأموال‬ ‫املربر ا َألول المتالكنا الثروة‪ ،‬فهل يبقى‬ ‫اجلامعة‪ ‬جاء‪ِ  :‬إذا كان حقنا يف احلياة هو ّ‬ ‫للفرد حقُّ َأن حيتفظ هبا لنفسه حاملا تصبح هذه الثروة غري الزمة لتضمن لنا ولعيالنا‬ ‫ْ‬ ‫وطمأنينة؟ َأال ينبغي َأن تكون المتالك الثروة بوجه عام‪ ،‬واملال بوجه‬ ‫سعة‬ ‫العيش ِب َ‬ ‫َ‬ ‫خاص‪ ،‬غاي ٌة مفيدة للمجتمع؟ وهذه الغاية هل ّ‬ ‫تتحقق ِإال ِإذا استطاع الفرد وعائلته‬ ‫االستفادة من املال؟ املال يؤدّ ي واجبه االجتامعي من خالل الفرد الذي خيدمه‪ ،‬ولكن‬ ‫منذ اليوم الذي ُي َ‬ ‫راكم فيه هذا املال وال يوضع ُ‬ ‫فيضه يف جمرى االقتصاد الوطني ليخدم‬ ‫يتحول املال عن واجبه االجتامعي‪.‬‬ ‫به اآلخرون‪ّ ،‬‬ ‫ب َألقاه َأبو شبكة يف معهد عينطوره حلفلة هناية السنة (حزيران‬ ‫ومن خطا ٍ‬ ‫وصدَ َر يف ‪‬اجلمهور‪ ،‬تط ّرق ِإىل املشكلة االجتامعية باهتامم كبري من جهة‪،‬‬ ‫‪َ )1944‬‬ ‫وباستنارة ونفاذ ِإىل ا َألعامق من جهة ُأخرى‪ِ  :‬إذا شئنا َأن نبني َألنفسنا ً‬ ‫وطنا‬ ‫‪94‬‬


‫َأنا والياس‬ ‫َأبو شبكة‪...‬‬

‫ويوجه َ‪‬أمله‪ِ ‬إىل القارئ َبأ ّال ُت َ‬ ‫يص ُفها) حج ًة‬ ‫ِّ‬ ‫ؤخ َذ هذه ا َألبيات ‪‬الساذجة‪( ‬كام ِ‬ ‫عليه ً‬ ‫ف شعره‪.‬‬ ‫دليال عىل ضع ِ‬ ‫يف هذا السياق‪ ،‬آخ ُر ما َأذكر من مقاالت َأبو شبكة يف ‪‬اجلمهور‪َ ‬أجوبته عن‬ ‫َأربعة َأسئلة يف استفتاءٍ َأديب َأ ْجر ْته الصحافية جاكلني حكيميان وهي‪:‬‬ ‫تنظم شعرك؟‬ ‫‪  .1‬كيف ُ‬ ‫‪  .2‬هل لك ساع ٌة َّ‬ ‫مفضلة للنظم؟‬ ‫َ‬ ‫قصائدك ِإليك؟‬ ‫حب‬ ‫‪  .3‬ما َأ ُّ‬ ‫‪ َ .4‬أ ُّي شاعر (قديم َأو حديث) ُ‬ ‫تقرأه بلذة و ِإمعان؟‬ ‫رس من‬ ‫َأجاب َأبو شبكة عن السؤال ا َألول‬ ‫ً‬ ‫مداعبا‪ :‬كيف َأنظم شعري؟ هذا ٌ‬ ‫َأرسار املهنة َأخاف ِإن َأنا َأ ُ‬ ‫مجيع قرائي شعراء عىل طريقتي َأو مثيل‪.‬‬ ‫يصبح ُ‬ ‫فشيته َأن َ‬ ‫ثم انتقل ِإىل ا ِجلدّ فقال‪َ :‬أال ت َرين يف هذا السؤال ً‬ ‫تكليفا ملا ال طائل حتته‪ ،‬وا ّتباعً ا‬ ‫لدعوى قدمية حاربناها وقضينا عليها؟‪.‬‬ ‫َوأجاب عن السؤال الثاين‪َ :‬أما الساعة ّ‬ ‫شاعر‬ ‫املفضلة للنظم فسؤال ُيطرح عىل ٍ‬ ‫يلهو َأو عىل شاعر َّ‬ ‫اخلليني َأو اهلانئني ال طوارئ‬ ‫‪‬منظم‪ ‬يسري يف حياته عىل غرار ّ‬ ‫فيها وال َأحداث‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫جمموعت ُه ا َألخرية‬ ‫َوأعلن جوا ًبا عن السؤال الثالث َأ ّن َأ َحب قصائده ِإليه هي‬ ‫‪ِ ‬إىل ا َألبد‪.‬‬ ‫ويف جوابه عن السؤال الرابع َأجاب َأن الشعراء الذين ُ‬ ‫يقرأهم بلذ ٍة خاص ٍة‬ ‫كثريون‪ ،‬خيتلفون باختالف ّلذاته اخلاصة و َت َـه ُّـيؤه النفيس‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫‪َ  ‬‬ ‫ً‬ ‫شخصيا‪...‬‬ ‫عرفته‬ ‫قلت يل ِإن َك‬ ‫رسيعا فلم ّميتعنا بجواره ُوأ ْنس ِه ً‬ ‫طويال‪.‬‬ ‫–  قاب ْل ُته م ّرتني ثم خطفه املوت من بيننا ً‬ ‫ُ‬ ‫‪  ‬ما كانت المرة األوىل؟‬ ‫خطابية عند هناية السنة‬ ‫–  كانت يف ‪‬معهد الرسل‪( ‬جونيه) خالل حفلة‬ ‫ّ‬ ‫‪97‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫يف مقال آخر من زاويته ‪‬يف ا َألدب والسياسة‪ ،‬ملناسبة سقوط مدينة رشبور‬ ‫هم معارك اجليوش الفرنسية خالل‬ ‫الفرنسية يف قبضة اجليوش احلليفة‪ ،‬يعرض َأ ّ‬ ‫العصور‪ .‬ومبناسبة الدعوة ِإىل ‪‬عقد مؤْ متر عريب من رجال الصحافة وا َألدب يدعم‬ ‫ميثاق اجلامعة العربية حول التعاون الثقايف‪ ،‬يعرض حماوالت سابقة جرت‪ ،‬ذاك ًرا‬ ‫فضل يوسف ابراهيم يزبك عىل ذلك ودعوته ِإىل ‪‬التعارف والتعاون وعقد اجتامع‬ ‫تنبثق منه فكرة التنظيم العميل الصحيح‪ ،‬وفضل حممد حسني هيكل وزير املعارف‬ ‫املرصية (‪ )1941‬وهو اقرتح عقد مؤمتر تعليمي عريب‪ .‬ويعرض مر ًة لسرية َأحد َأبطال‬ ‫احلرية يف فرنسا‪ :‬كان بايـي فيلسو ًفا وعا ًملا مشهو ًرا ورجلَ خري حيب احلرية بل‬ ‫يعبدها َألهنا من خريات نادرة ُتسبغها السامء عىل ا َألرض‪ .‬سوى َأن َ‬ ‫حمبته احلري َة‬ ‫التعصب ا َألعمى فيذهب ِإىل َأن الشعوب جيب‬ ‫كانت ترتفع به ِإىل ِاإلميان ال ِإىل ّ‬ ‫والروحي عن طريق املستنريين من َأفرادها ال عن طريق‬ ‫الرقي العقيلّ‬ ‫ّ‬ ‫َأن تصل ِإىل ّ‬ ‫الفوىض واالضطراب‪ .‬ويف مقال آخر ّ‬ ‫يلخص حمارضة لكاتبة فرنسية عن شعراء‬ ‫املقاومة يف فرنسا َأيام احلرب‪ ،‬وم ّرت عىل ذكر آراغون وإميانويل وسوﭘـرﭬـييل و ِإيلوار‪.‬‬ ‫ً َ‬ ‫‪  ‬وكان يف تلك المقاالت ً‬ ‫دوما‪ ،‬أم كان يمازجها ببعض سخريته؟‬ ‫جادا‬ ‫–  مل يكن ينسى سخريته ولو عىل نفسه‪ .‬فها هو مل يتو ّرع مرة عن ‪‬استالم‪‬‬ ‫مقتبسا ِإياها عن ‪‬وصايا‬ ‫نفسه ب ِإيراد َأبيات قدمية له (‪ )1921‬عندما كان شاع ًرا ناش ًئا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫لبنانيا‪:‬‬ ‫مارا‪( ‬من َأبطال الثورة الفرنسية) مع تكييفها ً‬

‫ٍ‬ ‫���ف���ان‬ ‫داف����� ْع ب�ك�ل ح������رارةٍ وتَ‬ ‫واش��طُ��ب ع�لى «ال��ن��ب�لاء» أَنَّ���ا أ ُ ّم�� ٌة‬ ‫واس�ترج��ع ِ امل��ا َل اذلي َسلَبوه من‬ ‫سببا فال‬ ‫ف ل�ك ّ‬ ‫واع����ر ِ ْ‬ ‫ل رضي��ب�� ًة ً‬ ‫�����س رشائ���� َع ل��ل��ب�لاد رشي��ف�� ًة‬ ‫أ َ ِّس ْ‬ ‫��ك ال�تي تَمسو هبا‬ ‫واح�� َف�� ْظ ك��رامَ�� َت َ‬ ‫ٍ‬ ‫��ل�ا هلا‬ ‫واج���ع��� ْل ل�كل‬ ‫وظ��ي��ف��ة أَه ً‬

‫‪96‬‬

‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫احل���ري���ة ال��ل��ب��ن��اين‬ ‫ب��ي�رق‬ ‫ع���ن‬ ‫ِ‬ ‫ج���ان‬ ‫ت���س�ت�رق مل��س��ت��ب�� ٍّد‬ ‫ال‬ ‫ُّ‬ ‫أَ ِ‬ ‫ِ‬ ‫األزم����ان‬ ‫ي��ت��ام��ن��ا يف س��ال��ف‬ ‫ِ‬ ‫الكسالن‬ ‫الرضائب حصة‬ ‫تبقى‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫والسلطان‬ ‫الصعلوك‬ ‫تَ�سري عىل‬ ‫ال����رن ِ‬ ‫ابل��� ِّص��� ْد ِ‬ ‫ن‬ ‫ق ال ابأل َص���ف��� ِر اّ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫وف�ل�ان‬ ‫ف�ل�ان���ة‬ ‫وان��� ُب��� ْذ رج�����اءَ‬


‫َأنا والياس‬ ‫َأبو شبكة‪...‬‬

‫مدرس ٌة شعرية َ‬ ‫بدأت يف فرنسا عند َأواخر القرن التاسع عرش ومل ُتع َرف قبل‬ ‫شعر قبل قيام هذه‬ ‫ذلك‪ .‬وللرمزية ّ‬ ‫مقومات خاصة وقواعد ومقاييس مل تتوفر يف ٍ‬ ‫املدرسة‪.‬‬ ‫ت يف امتحان البكالوريا الفرنسية لذلك العام‪ ،‬فهاجم‬ ‫عط َي ْ‬ ‫انتقلنا ِإىل مواضيع ُأ ِ‬ ‫َأبو شبكة املسؤول عن املواضيع العربية يف البكالوريا الفرنسية (جبور عبد النور)‬ ‫لكونه انتقى ملسابقة الرتمجة ِإىل الفرنسية مقطوعة ‪‬دُ عاء‪ ‬لعمر فاخوري‪َ .‬وأضاف‪:‬‬ ‫ُ‪‬أسلوب عمر خاص جدً ا‪ ،‬وذو حبك ٍة صعب ٍة ودقيقة‪ ،‬وقد ُخ ِلقَ ل ُّلغة العربية وحدها‬ ‫رتجم‪ .‬والطالب ناشئون مل يتم ّرسوا هبذا ا ُألسلوب‪ .‬قد ال يفهمونه ِإذا ُ‬ ‫قرأوه‬ ‫فال ُي َ‬ ‫فكيف َبأن يرتمجوه؟!‪ .‬وكان عمر ُتو ّفي قبلذاك َبأسابيع‪.‬‬ ‫َ‬ ‫سأله جورج َأبو سعدى‪ :‬ما ْرأيك يا ُأستاذ َأبو شبكة مبا كتبه ميخائيل نعيمه‬ ‫عايش جربان‬ ‫تجن عليه؟‪َ ‬أجاب َأبو شبكة‪ :‬ال‪ .‬ميخائيل نعيمه‬ ‫عن جربان؟ َأمل َي َّ‬ ‫َ‬ ‫وع َرفه ِإنسا ًنا فيه طبائع البرش‪ .‬نحن نعرفه من خالل كتاباته ُفنضفي عليه هال ًة من‬ ‫معجبا به َ‬ ‫وبأدبه‪ .‬مل يكن باستطاعته‬ ‫ب جربان َوأ َنص َفه‪ ،‬وكان‬ ‫القداسة‪ .‬نعيمه َأ َح َّ‬ ‫ً‬ ‫ترضعْ‬ ‫برشي الذين يريدون َأن يقولوا‪ :‬يا مار جربان ّ‬ ‫َأن ينساق مع عاطفة َأبناء ّ‬ ‫موضوعيا يف دراسته‪.‬‬ ‫ض َأن يكون‬ ‫ديب ُيف َر ُ‬ ‫َألجلنا‪ .‬نعيمه رجلٌ َأ ٌ‬ ‫ً‬ ‫اكتفى َأبو سعدى بجواب الشاعر وقدّ م له قطعة نثر ّية له عنواهنا ‪‬معنى القبلة‪‬‬ ‫ع ّله يرى فيها ما يستوجب التصحيح‪َ .‬‬ ‫لناه عن جديده فقال ِإنه تعاقد مع ‪‬دار‬ ‫وسأ ُ‬ ‫صادر‪ ‬عىل تسليمها ديوا ًنا جديدً ا للنرش يف هناية الصيف ومل يبارش َج ْم َع ُه بعد‪.‬‬ ‫َ‬ ‫قلت‪ :‬وهل هو غز َّيل؟‪‬‬ ‫سأ ُلت ُه عن اسم ديوانه اجلديد فقال‪ :‬من صعيد اآلهلة‪ُ .‬‬ ‫ليس بغزل‪.(((‬‬ ‫فقال‪ :‬ال‪ ،‬هذا الديوان َ‬ ‫وختمنا احلديث عن الجئني ﭘـولونيني كانوا يومها ُ‬ ‫ميألون زوق مكايل‪َ ،‬فأبدى‬ ‫ْ‬ ‫الشاعر ِإعجابه بتد ّينهم‪ ،‬وقال ِإنه يراهم ْيأتون ِإىل الكنيسة قرب بيته ْيق ِبلون عىل َأداء‬ ‫الواجبات الدينية‪.‬‬ ‫شهر عىل تلك الزيارة‪ ،‬فلم َيصدُ ر هذا الديوان ِإ ّال بعد وفاته (عن ‪‬دار صادر‪ ‬سنة ‪.)1959‬‬ ‫‪ ... )1‬ولكن املوت عاجله بعد َأ ٍ‬

‫‪99‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫املدرسية تك ّلم فيها الشيخ ابراهيم املنذر وا َألساتذة َأمني الغريب والياس َأبو شبكة‬ ‫ّ‬ ‫والياس ربايب‪ .‬ويف هذه احلفلة َألقى َأبو شبكة قصيدته التي مطلعها‪:‬‬

‫ب‬ ‫ُ‬ ‫لبنان أَغىن كنوز األ َرض ما هَتَ ُ‬ ‫ت‬ ‫ما قمي ُة امل��ال ِ وادلُّنيا ِإذا انمك َش ْ‬

‫ثراك الندى‪ ،‬يف ِ‬ ‫اذلهب‬ ‫ك‬ ‫مشس َ‬ ‫عىل َ‬ ‫ُ‬ ‫ب؟‬ ‫هذي الهسو ُل وش َّحت هذه ا ِهل َض ُ‬

‫عند انتهاء احلفلة قدَّ َم ْتني ِإليه والديت‪ ،‬وكانت صديق ًة لزوجته‪ .‬وعند هذا احلدّ‬ ‫انتهى لقاؤُ نا ا َألول‪.‬‬ ‫‪  ‬واللقاء َ‬ ‫اآلخر؟‬

‫هنار من حزيران ‪ ،1946‬قبل وفاة الشاعر بنحو ستة‬ ‫–  هو ا َأل َه ّم‪ .‬بعد ظهر ٍ‬ ‫َأشهر‪ ،‬ق َّررنا َأنا وصديقان‪ :‬جورج َأبو سعدى وراشد اخلازن َأن نقصده ِإىل زوق‬ ‫مكايل (يف بيت َأهل زوجته)‪ .‬كان ْيأخذ قيلولته‪ .‬وحني هنض وجاء جيلس معنا‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ِّ‬ ‫واسع‬ ‫بدا متكل ًفا يف البدء‪ ،‬حتى ِإذا دار حديثُ األدب ورأى ّزواره الفتيان عىل ِإملام ٍ‬ ‫والسامع‪َ .‬وأذكر عبارة منه عني كانت َأ ّول‬ ‫به‪ ،‬بدا عليه االرتياح واسرتسل يف القول ّ‬ ‫دب ً‬ ‫سبيال‪َ .‬‬ ‫ت ِإىل زوجته وقال‪ :‬هذا الشاب‬ ‫مشجّ ع‬ ‫التف َ‬ ‫وحافز يل عىل اختياري ا َأل َ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫وميلك مادة املواضيع التي يناقش فيها‪.‬‬ ‫متاما عىل ا َألدب القديم واحلديث‪،‬‬ ‫مط ٌلع ً‬ ‫َ‬ ‫سألناه عن ُكتب ينصحُ نا بقراءهتا لرتسيخ َأساسنا ا َألديب َفأشار علينا بـ ‪‬ا َألغاين‪‬‬ ‫ذهبت‬ ‫قلت له ِإنني‬ ‫ُ‬ ‫و‪‬العقد الفريد‪ ‬وقال ِإهنام موجودان يف ‪‬مكتبة صادر‪ .‬وعندما ُ‬ ‫ابتسم وقال‪ :‬هذا ُ‬ ‫شعر‬ ‫ُ‬ ‫واشرتيت منها ديوانه ‪‬نداء القلب‪َ ،‬‬ ‫ِإليها قبل َأيام ٍ‬ ‫ديوان ٍ‬ ‫يل‪ .‬لكني ُأشري عليك بكنوز ا َألدب العريب القديم الذي حتتاجه اليوم يف مستهل‬ ‫ِإطاللتك عىل ا َألدب‪.‬‬ ‫مجعه‬ ‫قلت له ِإنني ُأطالع كتاب ‪‬هنج البالغة‪ِ ‬لإلمام عيلّ فقال‪ :‬هذا كتاب َ‬ ‫الريض عىل ّذمته وال ُيعرف ِإذا كان هو صاحبه َأم ِاإلمام عيلّ ‪ .‬قلت‪:‬‬ ‫الرشيف‬ ‫ّ‬ ‫رمزي‪ .‬بعض‬ ‫‪‬رمزي؟ عاملينو‬ ‫رمزي‪َ .‬فأجاب‪:‬‬ ‫الريض؟ هذا شاعر‬ ‫‪‬الرشيف‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الباحثني يريدون َأن يكرسوا مزراب العني‪ .‬يفتشون عن الطريف واجلديد يف‬ ‫بحوثهم وال يعرفون َأين جيدونه‪ ،‬ويريدون َأن يردّ وا كل يشء ِإىل العرب‪ .‬الرمزية‬ ‫‪98‬‬


‫َأنا والياس‬ ‫َأبو شبكة‪...‬‬

‫ً‬ ‫حاولت َأن َأخرج‬ ‫عاصفا‪.‬‬ ‫واجلو‬ ‫يوم ْمأمته (‪ )1947/1/28‬كان‬ ‫ُ‬ ‫الطقس ماط ًرا ُّ‬ ‫ُ‬ ‫لكن الريح واملطر ّ‬ ‫خصيصا‬ ‫والنظار وا َألهل الذين جاؤوا‬ ‫ً‬ ‫من املدرسة َألحرض ْاملأتم ّ‬ ‫ّ‬ ‫فدخلت قاعة الدرس َألجد‬ ‫ليطمئنوا ِإىل عدم ذهايب‪ ،‬حالوا دون رغبتي‬ ‫ِإىل املدرسة‬ ‫ُ‬ ‫الصقيع فيها ويف نفيس َأشدَّ من الصقيع يف اخلارج‪ْ ،‬‬ ‫وليأتيني صوت املع ّلم جليد ًيا‬ ‫ليس فيه غري‪ ...‬صقيع الفراغ‪.‬‬ ‫باردً ا َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫مجلة ‪‬األوديسيه‪ - ‬العدد ‪( 39‬صيف ‪)2001‬‬

‫ً ُ‬ ‫بشغل َّ‬ ‫الن ْول كما كان َأ ّيام َأبو َ‬ ‫شبكة‬ ‫صالون البيت ُمستعادا‬

‫‪101‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫فعبر عن رسوره بزيارتنا‪ ،‬ودعاين ِإىل زيارته يف مصيفه (حراجل)‬ ‫ودّ عْ ناه لننرصف َّ‬ ‫دمت يف القرية املجاورة (مريوبا) حمدّ دً ا صعوده ِإىل اجلبل بالعارش من الشهر التايل‬ ‫ما ُ‬ ‫(متوز) فشكر ُته عىل ذلك ووعد ُته باملوافاة‪.‬‬ ‫‪  ‬ومل ُتز ْر ُه يف حراجل؟‬ ‫صيفئذ َبأديبني من َأصدقاء َأبو شبكة‪ :‬عبد اهلل سالمة وجورج‬ ‫ تعرفت‬ ‫–‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫غر ّيب‪ ،‬ووعداين َبأن ُأرافقهام ِإىل زيارته‪ .‬وذات يوم ٍ جاءت السيدة ُأولغا (زوجة‬ ‫َأبو شبكة) تزو ُرنا وكانت صديقة ُأمي‪ ،‬فك َّر َرت يل و ُألمي رسور الياس بزياريت‬ ‫حاليا‬ ‫ا ُألوىل له‪َ ،‬وأنه ينتظر مني زيارة ثانية‪ .‬ويف احلديث ذك َرت َأن الياس ً‬ ‫دركه َ‬ ‫يعاين من ‪‬الشاهوق‪ ‬الذي َأ َ‬ ‫متأخ ًرا ومل َي ِفدْ عليه يف طفولته‪ .‬وملا كانت‬ ‫والديت ختشى عيلّ من هذا املرض الذي مل يكن َأدركني بعد‪َ ،‬م َن َع ْتني من زيارة‬ ‫وختلفت َأنا‬ ‫الشاعر‪ .‬وبعد َأيام زاره عبد اهلل سالمة وجورج غر ّيب وحدمها‬ ‫ُ‬ ‫متحس ًرا َأ ً‬ ‫سيفا‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫الحقا َأن مرض الياس (اللوكيميا‪ :‬رسطان فقر الدم) َ‬ ‫فهمت ً‬ ‫بدأ بطالئع‬ ‫ثم‬ ‫ُ‬ ‫كالشاهوق لينجيل من َث َّـم عن حال ٍة َأكث َر خطور ًة‪ .‬وعندذاك َّ‬ ‫انتبهت‬ ‫رت َأنني‬ ‫ُ‬ ‫تذك ُ‬ ‫ف يف َق َسامته‪ ،‬عكس‬ ‫ب وجفا ٍ‬ ‫ِإىل اصفرار وجهه لدى زياريت ِإياه يف الزوق‪ ،‬و ِإىل َت َص ُّل ٍ‬ ‫مالحمه املعافاة حني َرأ ُيته للمرة ا ُألوىل يف معهد الرسل‪.‬‬ ‫سمعت بعد َأيام َأنه ُن ِقل ِإىل املستشفى َوأخذ يصارع العذاب َأشه ًرا بعزميته‬ ‫ُ‬ ‫َأكثر مما بالعالج‪.‬‬ ‫ت َأخربين شفيق ضاهر (كان مدير دار ‪‬املكشوف‪ ‬التي َأصدر‬ ‫بعد سنوا ٍ‬ ‫لدهيا َأبو شبكة معظم مؤلفاته) َأنه كان يذهب لعيادة َأبو شبكة يف املستشفى فرياه‬ ‫مضطجعا عىل رسيره فاقد القوى‪ ،‬لكنه ما ِإن يراه حتى ينتصب ً‬ ‫واقفا يف َأرض‬ ‫ً‬ ‫الغرفة ً‬ ‫سائال‪ :‬شفيق‪َ :‬أنا بدّ ي موت؟ ال‪ .‬ما رح موت َأنا‪ .‬ما رح موت‪َ .‬هه‪،‬‬ ‫شوف‪ ‬ويروح مييش يف غرفته مشي ًة عسكري ًة ذها ًبا و ِإيا ًبا ً‬ ‫تدليال عىل عافي ٍة َليتها‬ ‫كانت صحيحة‪.‬‬ ‫‪100‬‬


‫جلسات‬ ‫ساهمة‪...‬‬

‫ُ‬ ‫طبيعي لـمنظر َأ ّخا ٍذ بجامله وبساتينه وصخوره‪،‬‬ ‫رفوف العصافري‪ِ .‬إطار‬ ‫دائما‬ ‫وتزوره ً‬ ‫ٌ‬ ‫تقابله يف البعيد بلدة كفرذبيان التي كان له فيها صديق يدعى نجيب عقيقي‪.‬‬ ‫هناك جيلس ً‬ ‫سارحا يف‬ ‫ً‬ ‫وغالبا ما كنا نلحق به َن َتأ ّمله عن ُبع ٍد فنراه‬ ‫طويال‪ً .‬‬ ‫جالسا خمطو ًفا بـهذا املشهد‪.‬‬ ‫البعيد‪ ،‬مكتفني َبأن نراه ً‬ ‫مجيعا‬ ‫كان حيب طبيعة حراجل اهلادئة َوأهلها املضيافني اخلدومني‪ .‬وكانوا ً‬ ‫ُّ‬ ‫واإلعجاب‪.‬‬ ‫يكنون له االحرتام ِ‬ ‫مل يكن ُي ّغير مقعده الصباحي حتت اجلوزة الضخمة‪ ،‬عىل الصخرة الكبرية نفسها‪،‬‬ ‫يف الساعة نفسها‪ ،‬وطيلة الفرتة نفسها‪.‬‬ ‫َأحيا ًنا‪ ،‬لدى عودته من حتت اجلوزة‪ ،‬قبل دُ خوله َبيته يع ِّرج علينا فيجلس‬ ‫وشقيقها خايل املحامي بولس مراد‪ .‬و ِإذ يصل ُينادي زوجته ُأولغا‬ ‫ِإىل والديت ميليا‬ ‫ِ‬ ‫زلت َأذكرها بقامتها املمشوقة وشعرها الطويل ووجهها‬ ‫فتلتحق به عندنا‪ .‬وما ُ‬ ‫الصباحي حتى‬ ‫البشوش‪ .‬وكانت اجللسة تطول َبأحاديث شتى حول فنجان القهوة‬ ‫ّ‬ ‫وزوج َته ِإىل بيته املقابل‪.‬‬ ‫ِإذا قار َبت ساعة الظهرية عاد َ‬ ‫َأ ُذكره ِجد ًيا جدً ا‪ ،‬يرتاح ِإىل االنعزال واالنفراد‪ ،‬ال حيب االختالط الكثري بالناس‪،‬‬ ‫متفردً ا ْ‬ ‫برأيه‪ ،‬ذا طبع خاص غريب‪ ،‬رسيع االنفعال‪ ،‬حتى َأنه َأحيا ًنا يتخاصم مع‬ ‫ُأولغا فتهرع ِإىل والديت طالبة َتدَ ُّخ َلها ِإلصالح الوضع معه‪.‬‬ ‫ومع آخر الصيف ينزل من حراجل ِإىل منزله يف الزوق فال َنعود عىل اتصال‬ ‫ُ‬ ‫الصيف التايل‪.‬‬ ‫به ِإىل َأن يعود‬ ‫هداء ً‬ ‫طويال ِإىل والديت بحربه‬ ‫َوأ ُذك ُر َأ ْن كان عندنا َأحدُ مؤلفاته َ‬ ‫كتب عليه ِإ ً‬ ‫ا َألسود ّ‬ ‫وخطه اجلميل‪.‬‬ ‫ويؤْ سفني َأن ُتكون تلك النسخة ُف ِقدَ ت من بيتنا‪.‬‬

‫‪103‬‬


‫جلسات ساهمة تحت جوزة حراجل‬ ‫رجل األَعمال نبيه مارون‬

‫ذكريات ‪‬حراجلية‪ ‬عن َأبو شبكة‪ ،‬ترقى ِإىل مشاهدات‬ ‫ل َر ُجل ا َألعامل نبيه مارون‬ ‫ٌ‬ ‫صيفية خيترصها باآليت‪:‬‬ ‫وكنت يف العارشة من عمري‪ ،‬كنا نصطاف يف حراجل ْ‬ ‫مستأجرين‬ ‫‪‬سنة ‪،1937‬‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫سهلٌ واسع‪ .‬مل تكن‬ ‫واسعا ميلكه فرنسيس زغيب‪ ،‬يف الساحة العامة َوأمامه ْ‬ ‫منزال ً‬ ‫بلغت حراجل بعد ّ‬ ‫فكنا نصل ِإىل ريفون ونكمل ِإليها عىل ظهور البغال‪.‬‬ ‫الطريق‬ ‫ْ‬ ‫يف السنة التالية‪ ،‬وكان والدي َأ ّسس جتار ًة للحُ بوب‪ ،‬بنى حار ًة كبرية يف حراجل‬ ‫مقابل البيت السابق الذي عاد ْ‬ ‫فاستأجره تباعً ا خليل بربر اخلازن (مدير الدرك) ثم‬ ‫فيليب كميد ثم سنة ‪ 1940‬الشاعر الياس َأبو شبكة‪.‬‬ ‫َ‬ ‫َأ َّ‬ ‫منتصب الظهر‪،‬‬ ‫تذكره منذ تلك السنوات يف صباي‪:‬‬ ‫ممشوق القامة‪ ،‬مييش ِ‬ ‫دائما َأنيق امللبس‪ ،‬ربط ُة‬ ‫ـتوسط َ‬ ‫وجهه شاربان‪ ،‬يفرق شعره من َأيرسه ِإىل اليمني‪ً ،‬‬ ‫ي ّ‬ ‫هندام ال خ َلل فيه‪ ،‬حيمل عصا ُب ّن ّي ًة هلا مسكة‬ ‫دائما‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫العنق ال تفارقه‪ ،‬حذاؤُ ه ل ّـماع ً‬ ‫بشكل ‪ ،S‬مييش و َي ُـمدُّ ها َأمامه‪.‬‬ ‫ذاهبا ِإىل حمل ٍة تدعى‬ ‫ً‬ ‫كنت َأراه‬ ‫ُ‬ ‫صباحا‪ ،‬يف نحو الثامنة‪َ ،‬ي ُـم ّر َأمام بيتنا ً‬ ‫عال يطلّ عىل‬ ‫شري ٍ‬ ‫‪‬الساليخ‪ ‬تبعد نحو ‪ 500‬مرت‪ ،‬فيها جوزة كبرية وارفة عند ٍ‬ ‫وحور‬ ‫وجوز َ‬ ‫ويضم َأشجار زيزفون َ‬ ‫دائم‪،‬‬ ‫اخرضار وا ٍد‬ ‫ُّ‬ ‫عميق يتصاعد منه خري ُر َنـهر ٌ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫‪102‬‬


‫خصومة‬ ‫ُ‬ ‫الدقيقة‬ ‫الواحدة‬

‫بعناق يف مقهى‪،‬‬ ‫هكذا ِإ ًذا‪ ،‬مل تكن تلك‬ ‫ُ‬ ‫اخلصومات ا َألدبية تطول‪ ،‬وكانت تنتهي ٍ‬ ‫َأو يف مكتب جريدة‪ ،‬وتكون النتيجة بني ‪‬املتخاصمني‪ ‬ودًّ ا َأقوى من السابق‪.‬‬ ‫يف حمفوظات هاين ف ُّروخ عن دفاتر والده مصطفى صفحتان َك َت َبهام فروخ ّ‬ ‫بخطه‬ ‫‪‬خصام دقيقة‪ ،‬عن قص ٍة طريف ٍة ج َرت بينه وبني الياس َأبو شبكة‪،‬‬ ‫حتت عنوان‬ ‫ُ‬ ‫حقيقيني ال تف ِّرق بينهم‬ ‫هي من البساطة والرباءة ما يدُ لُّ عىل نقاء فنانني‬ ‫ّ‬ ‫غيم ٌة عابرة مهام تكن‪.‬‬ ‫كتب ُهام ف ُّروخ يف دفرت ّ‬ ‫َ‬ ‫مذكراته‪:‬‬ ‫ص‬ ‫الصفحتني كام َ‬ ‫هنا َن ُّ‬

‫‪‬كانت ُ‬ ‫تربطني بشاعرنا الراحل صداق ُة الشاعر ّ‬ ‫الفكر بالفكر‬ ‫بالفنان‪ ،‬رابط ُة‬ ‫ِ‬ ‫والعاطفة بالعاطفة‪.‬‬ ‫منذ ْ‬ ‫يعبر عن‬ ‫ت له للمرة ا ُألوىل َأ‬ ‫ُ‬ ‫قرأ ُ‬ ‫صبحت من املعجَ بني به َألنه كان يف َأدَ به ّ‬ ‫َ‬ ‫واجلرأة يف قول احلقّ ‪ .‬لذلك‬ ‫حس الثورة‬ ‫شعوري َوأهدايف‪َ ،‬فأجدُ يف َأدبه ا َأل َنفة‪ُ ،‬وأ ّ‬ ‫َأ ُ‬ ‫ت ِإليه‪.‬‬ ‫حببته وم ْل ُ‬ ‫قد يكون لشخصيته َأ َثـ ٌر يف شدّ ة ِإعجايب به‪ ،‬وقد يكون لصورته وشكله دخلٌ‬ ‫ً‬ ‫دون اكرتاث‪،‬‬ ‫لبنانيا‬ ‫يف ا َألمر‪ .‬فهو كان ً‬ ‫حمافظا عىل طابعه‪ِ :‬ب ـ َـو ْض ِع طربوشه من ِ‬ ‫ُ‬ ‫ب كالرمح‪ ،‬ومشيته الدا ّلة عىل كثري من الثقة‬ ‫جسمه املنتص ِ‬ ‫هور ُغ َّرته‪ّ ،‬ثم انسجام ِ‬ ‫وظ ِ‬ ‫وصحُ َف ُه‪ ،‬وشموخ ْرأ ِسه َأبدً ا ِإىل فوق‪ .‬كلُّ ذلك‬ ‫بالنفس‪ ،‬ثم َتأ ُّب ِط ِه عصاه الشهري َة ُ‬ ‫حمبته واستلطافه َألنه ذو شخصية ّمميزة‪ ،‬وذو طابع خاص‪.‬‬ ‫كان حيم ُلني عىل َّ‬ ‫ْ‬ ‫وص ْق ِلها‪.‬‬ ‫يقولون‪ :‬ال ُبدّ‬ ‫لشحذ الصداقة من َصدَ مات َلت ْقو َي ِتها َ‬ ‫وكثريا ما كان ُيرسل يل النكت َة‬ ‫وهاك حاد ًثا‪ :‬م َّرت عىل صداقتنا‬ ‫ٌ‬ ‫سنوات عديدة‪ً ،‬‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫خطوطا هزلي ًة الذعة َي ُ‬ ‫كالما َّ‬ ‫وحيفظها بني َأوراقه‪.‬‬ ‫ضحك هلا‬ ‫جمنحً ا َفأردُّ ها له‬ ‫ً‬ ‫ب َأرى الدنيا ُظلم ًة‬ ‫يام عىل خصام‪َ ،‬أين ُ‬ ‫يوما‪ ،‬وا َأل ُ‬ ‫َصدَ َف ً‬ ‫كنت ثائ َر ا َألعصا ِ‬ ‫وجها‬ ‫حالكة‪.‬‬ ‫خمازن بائعي احللوى‪ ،‬ف ِإذا يب َأ ِق ُف وشاعرنا الياس ً‬ ‫ُ‬ ‫دخلت ِإىل َأحد ِ‬ ‫بدأ يف عتايب َلعدَ م زياريت ِإ ّياه‪َ .‬‬ ‫حتى َ‬ ‫حي ْي ُت ُه ّ‬ ‫وكأنه ذاك النهار كان‬ ‫لوجه‪ .‬وما ِإن َّ‬ ‫الصدر ‪ -‬والشاع ُر‬ ‫مثيل يف ثور ٍة نفسية فلم َي َقبل اعتذاري ومل ُيسامح‪.‬‬ ‫وكنت َض ّيقَ ّ‬ ‫ُ‬ ‫‪105‬‬


‫ُ‬ ‫‪‬خصومة الدقيقة الواحدة‬ ‫بيني وبين الياس أَبو شبكة‪‬‬ ‫الرسام مصطفى فرُّوخ‬ ‫ّ‬

‫مل تكن فرت ُة الثالثينات وا َألربعينات حافل ًة بالزَّخم ا َألديب َفحَ سب‪ ،‬بل خت ّل ْلتها‬ ‫شخيص َ‬ ‫مناسبات‪ُ :‬‬ ‫عام‪ ،‬جع َلت من احتكاك َأحداثها َوأعالمها‬ ‫بعضها‬ ‫ٌ‬ ‫واآلخر ٌّ‬ ‫ٌّ‬ ‫َ‬ ‫نتاجا ثر ًيا‪.‬‬ ‫ترج َمها األدب اللبناينُّ ِإ ً‬ ‫فور ًة مبارك ًة َ‬ ‫منها ً‬ ‫ب بني بشارة اخلوري (ا َألخطل الصغري) و‪‬عصبة َ‬ ‫ٌ‬ ‫العشرة‪‬‬ ‫مثال‬ ‫خالف َنش َ‬ ‫(فؤاد حبيش‪ ،‬ميشال َأبو شهال‪ ،‬خليل تقي الدين‪ ،‬الياس َأبو شبكة) وانتهى‬ ‫مبصاحل ٍة َر َّت َبها سعيد عقل يف كازينو ‪‬الوادي‪ ‬عىل ضفاف الربدوين‪.‬‬ ‫بعض ا ُألدباءِ ْ‬ ‫وسع دائرة النرش‬ ‫ومنها مقاطع ُة‬ ‫النش َر يف جملة ‪‬املكشوف‪ ،‬ما َّ‬ ‫ِ‬ ‫ا َألديب يف جمالت وصحف ُأخرى‪.‬‬ ‫ومنها تلك العواصف (العابرة) بني صاحب ‪‬العاصفة‪ ‬كرم ملحم كرم وبعض‬ ‫ُأدباء جيله‪.‬‬ ‫بعضهم َ‬ ‫صور ُ‬ ‫لألخري َأ ّن سعيد‬ ‫ومنها‬ ‫ٌ‬ ‫خصام بني سعيد عقل وبشارة اخلوري حني َّ‬ ‫عقل عىل منرب اجلامعة ا َألمريكية كان يعنيه هو حني حتدَّ ث يف حضوره عن‬ ‫ُّ‬ ‫يسميه‪ ،‬ثم‬ ‫‪‬الش َو ِيع ِرين‪ ،‬فعاد ا َألخطل ِإىل املنرب وهاجم سعيد عقل من دون َأن ّ‬ ‫رصار ً‬ ‫(الحقا) من ا َألخطل َأن َيكتب سعيد عقل ال‬ ‫انتهت القص ُة بعناق َأ َخ ّ‬ ‫وي و ِإ ٍ‬ ‫سواه مقدّ مة ‪‬ديوان ا َألخطل الصغري‪ ،‬وكان سعيد عقل َ‬ ‫مهرجان مبايعة‬ ‫ب‬ ‫كوك َ‬ ‫ِ‬ ‫مريا للشعراء يف قرص ا ُألونسكو (حزيران ‪.)1961‬‬ ‫ا َألخطل الصغري َأ ً‬ ‫‪104‬‬


‫خصومة‬ ‫ُ‬ ‫الدقيقة‬ ‫الواحدة‬

‫ّ‬ ‫النص‬ ‫حول‬ ‫عن هاين ف ُّروخ َأ ّن املحلّ املقصود هو ‪‬حلويات َالو ّزي‪ ‬عىل ساحة الربج‪ ،‬كان‬ ‫معظم ا ُألدباء والفنانني قبل َأن يتف ّرقوا ِإىل مناطقهم وبلداهتم‪.‬‬ ‫يلتقي فيه‬ ‫ُ‬ ‫وشائج عميق ٍة كانت بني ف ُّروخ َوأبو شبكة‪ .‬فف ُّروخ‬ ‫هذا النص دليلٌ آخر عىل‬ ‫َ‬ ‫هو الفنان الوحيدُ الذي َ‬ ‫مائي (كانت حتتفظ‬ ‫وضع َألبو شبكة‬ ‫ً‬ ‫رسوما ثالثة‪ :‬ا َألول ّ‬ ‫كاريكاتوري‬ ‫السيدة ليىل العضم عروس ‪‬نداء القلب‪ ‬و‪ِ ‬إىل ا َألبد‪ ،)‬الثاين‬ ‫ّ‬ ‫به ّ‬ ‫(‪ )1944‬نرشه هاين ف ّروخ سنة ‪ 1980‬يف كتاب ‪‬وجوه العرص ِبـحرب الفنان ف ُّروخ‪،‬‬ ‫كاريكاتوري َأ ًيضا (‪ 1946‬وضعه ف ُّروخ قبل َأشهر من وفاة الشاعر) هو‬ ‫والثالث‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫واملجالت والكتب ا َألدبية واملدرسية مجيعها‪،‬‬ ‫الشائع عن َأبو شبكة تتناق ُله الصحف‬ ‫وهو َأكث ُر الرسوم انتشا ًرا عن َأبو شبكة بفضل ف ُّروخ‪.‬‬ ‫سنة ‪ 1955‬زار ف ُّروخ زوق مكايل َووضع هلا لوح ًة زيتي ًة ظه َر يف مقدّ مها بيت‬ ‫َّ‬ ‫ويتمشيان بني َأشجار اللوز يف حنايا الزوق‪.‬‬ ‫َأبو شبكة حيث كان يلتقي الصديقان‬ ‫ويف حمفوظات ف ُّروخ الطبع ُة ا ُألوىل لـ ‪‬نداء القلب‪( ‬دار املكشوف ‪)1944 -‬‬ ‫وعليها من َأبو شبكة ّ‬ ‫بخطه وحربه ا َألخرض هذا ِاإلهداء‪ِ  :‬إىل َأخي الفاضل ا ُألستاذ‬ ‫حمبة واحرتام ‪ -‬الياس َأبو شبكة‪.)1944( ‬‬ ‫مصطفى ف ُّروخ‪ ،‬تقدمة ّ‬ ‫من دفاتر َف ـ ُّـروخ َأ ً‬ ‫يضا‬ ‫ويف دفاتر مصطفى ف ُّروخ هذان املقطعان َ‬ ‫نسخهام بخطه عن جملة ‪‬الدبور‪ ،‬هنا‬ ‫ُّنصهام ملا فيهام من طرافة عن الشاعر‪:‬‬ ‫ُّ‬ ‫َأبو شبكة َ‬ ‫‪‬الدبور‪‬‬ ‫يلس ُعه‬ ‫معان كثرية يف اللغة العربية‪ .‬فيقال ً‬ ‫مثال‪ :‬العم قزعون َأديب‪،‬‬ ‫‪‬ا َأل ُ‬ ‫دب له ٍ‬ ‫ويقال‪َ :‬أبو نواس َأديب‪ ،‬و‪‬عبدالرمحن املجذوب َأديب‪.‬‬ ‫َ‬ ‫وفوق هذا وذاك وذلك‪ ،‬بل نستغفر اهلل‪ ،‬ليس فوقهم َأحد‪ .‬ونقول ‪ً -‬‬ ‫عوضا عن‬ ‫رفيع َأو ثخني ال‬ ‫‪‬فوق هذا وذاك وذلك‪ :- ‬حتت هذا وذاك‪ ،‬وذلك ً‬ ‫دب ٌ‬ ‫(طبعا) َأ ٌ‬ ‫خيرج عن دائرة ا َألدب!‬ ‫ديبا فعليه َأن ال َ‬ ‫دب َأ ٌ‬ ‫ندري‪ .‬واخلالص ُة َأ ّن ا َأل َ‬ ‫دب‪َ ،‬ومن كان َأ ً‬ ‫‪107‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫َ‬ ‫بيت أبو شبكة يف زوق مكايل‪.‬‬ ‫زيتية لمصطفى ّفروخ‬ ‫َ‬ ‫صديقه الشاعر‬ ‫يف ِإحدى زياراته‬

‫والك ّر َ‬ ‫والفنان كا َألطفال الذين ال ُيحسنون َأساليب املراوغة واملصانعة َ‬ ‫ُ‬ ‫والف ّر ‪ ،-‬فكان‬ ‫َ‬ ‫لت يف عينيه وم َّرت يف خاطري‬ ‫بعض الكلامت اجلافة‪ .‬ولكن‬ ‫صدف َأن َتأ ّم ُ‬ ‫َأن تباد ْلنا َ‬ ‫فابتسمت له وابتسم يل وقال‪:‬‬ ‫ب‪َ .‬مـ ـ َّر هذا ك َل ْمح البرص‬ ‫ُ‬ ‫ِق َط ٌع من َأدَ ِب ِه الذي ُأ ِح ّ‬ ‫‪ِ ‬بــر ّب َك‪َ ،‬أ ًّ‬ ‫غري ا ُحلب واجلامل‬ ‫حقا َأننا نتخاصم اآلن؟ َأميكن ا َألديب والفنان َأن يعرفا َ‬ ‫كنت ُأ ّفكر فيه ِل َلحظة‪ .‬ثم َمدَّ ذراعيه وعا َن َقني بلهف ِة‬ ‫جبت‪ :‬هذا ما ُ‬ ‫والسالم‪‬؟ َفأ ُ‬ ‫ا َألخ ِإىل َأخيه‪.‬‬ ‫يرتسم عىل‬ ‫واالستفهام‬ ‫كنت يف حلم‪ ،‬واالبتسام ُة ال تفار ُقني‪،‬‬ ‫التفت ِإليه َكأين ُ‬ ‫ُّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ونظرت ِإىل مييني فوقع‬ ‫اجلو‬ ‫ُ‬ ‫وجهي‪ .‬م َّر كلُّ ذلك يف رسع ٍة خاطفة‪ .‬و ِد ُ‬ ‫دت َأن ُأبدّ ل ّ‬ ‫نظري عىل واجه ِة احللوى َ‬ ‫َ‬ ‫رائحتها‬ ‫ت ِق َط ُعها عىل خمتلف َأشكاهلا َوألواهنا تبعثُ‬ ‫انط َر َح ْ‬ ‫َ‬ ‫‪‬دونك هذه احللويات اجلامثة‪،‬‬ ‫ت له‪:‬‬ ‫الشهي َة َكأهنا ُمدَّ ت هنا ِلمثل هذه املناسبة‪ .‬فق ْل ُ‬ ‫فاجعلْ َ‬ ‫فداء السامعيل‪.‬‬ ‫فداء خلال ِفنا العارض‪ ،‬كام اهلل سبحانه جعل الكبش ً‬ ‫بعضها ً‬ ‫مدوي ًة هلذه الفتوى املرجتَلة واملسا ِلـمة الربيئة‬ ‫هنا َأط َل َقها‪ ،‬رمحه اهلل‪ ،‬ضحك ًة ّ‬ ‫البعيدة عن احلقد والضغينة و َبثّ ا َأللغام اخلفية‪.‬‬ ‫الس َّكر عن شفاهنا‪ ،‬تودَّعْ نا مبصافح ٍة شديد ٍة َّ‬ ‫مك َنت من‬ ‫وبينام كنا َن ُ‬ ‫ـمسح بقايا ُ‬ ‫صداق ِتنا‪ ،‬فكا َنت هلا كاملاء َن ـزَلَ عىل الزهرة الذابلة َفأ َنع َشها ف ِإذا هي َأقوى من ذي قبل‪.‬‬ ‫‪106‬‬


‫خصومة‬ ‫ُ‬ ‫الدقيقة‬ ‫الواحدة‬

‫مائية بريشة مصطفى ّفروخ‬

‫َ‬ ‫ُ‬ ‫‪‬األ ِّ‬ ‫وديسيه‪ّ :‬فروخ وأبو شبكة‬ ‫غالف‬

‫–  ال ُبدّ لك يا ُأستاذ من شخص ّ‬ ‫نت الشاعر الياس َأبو شبكة‪.‬‬ ‫يؤكد لنا َأ ّنك َأ َ‬ ‫َأدار ا ُألستاذ برصه ْمبأموري الربيد يتع َّرف عىل شخص يعرفه‪ّ ،‬‬ ‫لكنه مل ي َر ِإ ّال‬ ‫ً‬ ‫وجوها غريبة فعاد ِإىل ْاملأمور يقول‪:‬‬ ‫ً‬ ‫صديقا يف هذه الدائرة‪ّ ،‬‬ ‫سيدي َأنني َأنا نفيس‬ ‫– ال َأعرف يل‬ ‫لكنني ُأ ّؤكد يا ّ‬ ‫الياس َأبو شبكة املعروف‪ ،‬وليس هناك شخص آخر هبذا االسم‪.‬‬ ‫ولكن ْاملأمور كان عنيدً ا َوأبى َأن يرصف احلوالة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫هنا َفت َقت احليلة ُ‬ ‫لألستاذ َأن يقول ّ‬ ‫الشعر ُليد ِّلل بواسطته عىل َأنه شاعر‪ .‬فو َقف‬ ‫حس ْاملأمور َأن ا َألمر سيطول‪ ،‬مل ي َر من حيل ٍة‬ ‫ِوقف ًة شعري ًة َوأخذ يف ِاإلنشاد‪ .‬و ِإذ َأ ّ‬ ‫ففعل ُم ْك َر ًها‪.‬‬ ‫يف َص ْرف ا ُألستاذ عنه ِإ ّال َأن يرصف له احلوالة‪َ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫‪‬الدبور‪ 12( ‬كانون الثاين ‪)1931‬‬

‫ُ‬ ‫‪‬األوديسيه‪ ‬العدد ‪ - 38‬ربيع ‪2001‬‬

‫‪109‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫‪‬اإل ُّل ْسرتاسيون‪ ‬اخلواجا الياس َأفندي‬ ‫وبا َألمس كان َأخونا باهلل َأو مبجلة ِ‬ ‫ديبا‪ ،‬ولكنه‪ ،‬ملا ُح ِك َم عليه يف حمكمة ‪‬الد ّبور‪ ‬البدائية بتهمة ْ‬ ‫النقل‬ ‫َأيب شبكة َأ ً‬ ‫خارجا عن ا َألدب‪ ،‬ومل ُيعدْ له َحقُّ اخلروج من ا َألدب‬ ‫ً‬ ‫عن جمل ٍة َأجنبية‪ ،‬صار‬ ‫َأل ّن الذي َيكون ّنق ًاال جيب َأن ُي ْن َقلَ ِإىل البساتني‪ ،‬وهناك َي ْخ ُرج عن دائرة‬ ‫متاما‪.‬‬ ‫ا َألدب ً‬ ‫ّ‬ ‫‪‬الدبور‪ 6( ‬حزيران ‪)1930‬‬

‫َ‬ ‫ُ‬ ‫األستاذ أبو شبكة غري معروف‬ ‫راسل ا ُألستاذ الياس َأبو شبكة‪ ،‬من عصبة العرشة‪ِ ،‬إحدى الصحف‬ ‫املرصية وفا ًقا التفاقي ٍة بني الفريقني‪َ .‬‬ ‫يوما براتب‬ ‫وبعثت الصحيفة املرصية ً‬ ‫ا ُألستاذ عىل ِإدارة الربيد يف بريوت‪ ،‬وكانت َأ ّول حوالة من نوعها‪ .‬جاء ا ُألستاذ‬ ‫وشغف ورغبة‪َ .‬‬ ‫ٌ‬ ‫سأله ْمأمور الربيد عَ ّما ِإذا كان هو‬ ‫يتس ّلم احلوالة وك ُّله آمالٌ‬ ‫ب كيف َيجه ُله ْمأمور الربيد‬ ‫باإلجياب وعَ ِج َ‬ ‫نفسه الياس َأبو شبكة‪ .‬فقال ا ُألستاذ ِ‬ ‫اسمه َ‬ ‫السمع وملْ َء البرص‪ .‬لكن ْمأمور الربيد‬ ‫وش ُ‬ ‫وقد َأصبح ُ‬ ‫خصه ِ‬ ‫وشع ُره ملْ َء ّ‬ ‫مل َي ْق َنع‪ ،‬فقال ُ‬ ‫لألستاذ‪:‬‬ ‫‪108‬‬


‫عر ُفوه‬ ‫ُزوق ُّيون َ‬

‫َّ‬ ‫قصصا‬ ‫املم ّيزة‪،‬‬ ‫ما زالوا ْيذ ُك ُرونه بعصاه ِوم ْش َي ِته‬ ‫ويتذكرون عنه ً‬ ‫وشخصيته َ‬ ‫ّ‬ ‫ت‪ُ ،‬‬ ‫بعضها ج َرت هلم معه‪ ،‬واآلخ ُر سمعوها‬ ‫ت َوأحدا ًثا ومشاهدَ وروايا ٍ‬ ‫وحكايا ٍ‬ ‫عنه َأو يعرفوهنا من َأحاديث َأهل الضيعة‪.‬‬ ‫عاصروه َأو عرفوه‪َ ،‬أو‬ ‫هي ذي بلد ُته‪ ،‬زوق مكايل‪،‬‬ ‫تستحض ُر ُه يف ذاكرة الذين َ‬ ‫ِ‬ ‫كانوا يرونه عىل طرقات الزوق َأو لدى بيوت َأصدقائه فيها‪.‬‬ ‫ُزر ُتهم واحدً ا واحدً ا‪ ،‬يف بي ِته َأو َمحَ ِّله يف السوق العتيق‪ ،‬واستذك ْر ُتهم الباقي‬ ‫يف باهلم عنه‪.‬‬

‫ميشال َّ‬ ‫السلموين (‪)1925‬‬ ‫َأ َّ‬ ‫جيدً ا‪َ ،‬كأنه اليوم َأمامي‪.‬‬ ‫تذكره ّ‬ ‫َ‬ ‫صديقه حبيب عودة يف دكان َّالنول وكان َأ ًيضا ‪‬صالون‪‬‬ ‫دائما يزور‬ ‫كان ً‬ ‫تقريبا كلَّ يوم‪َ .‬أ َّ‬ ‫رض بعقب‬ ‫اهلواء بعصاه‪ ،‬وا َأل َ‬ ‫حالقة‪ً .‬‬ ‫تذكره مي ُّر يف السوق‪ ،‬يرضب َ‬ ‫حذائه‪َ .‬يـم ُّر ال ُيك ِّلم َأحدً ا‪ .‬كانت ‪‬البوسطة‪( ‬الربيد) عند حبيب‪َ .‬يـم ُّر َأبو شبكة‪،‬‬ ‫يتفقد بريده‪ُ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫قسما من النهار‪.‬‬ ‫يقرأ الصحف‪ ،‬و ُيـميض عنده ً‬ ‫كنت َأصطاد احلجال قرب الكاﭘـّيال ُ‬ ‫ت قرب‬ ‫فوق عند تلة الزوق‪ .‬وص ْل ُ‬ ‫ذات يوم ٍ ُ‬ ‫‪‬الست ِلي ِلي‪ .‬كانت جالس ًة ِإىل ميني ا َألتون‪،‬‬ ‫تون ُم َهدَّ م ٍ مهجور‪ ،‬فوجد ُته هناك مع‬ ‫ّ‬ ‫َأ ٍ‬ ‫احرتاما له ْ‬ ‫كملت طريقي‪.‬‬ ‫ت عائدً ا وما‬ ‫وهو ِإىل يساره‪.‬‬ ‫عدت َأ ُ‬ ‫ُ‬ ‫انكفأ ُ‬ ‫ً‬ ‫‪111‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫َ‬ ‫بطاقة أبو شبكة الصحافية‪...‬‬

‫َ‬ ‫‪ ...‬رسالة من ‪‬البالغ‪ ‬يف مصر ِإىل أبو شبكة يف الزوق‬

‫‪110‬‬


‫وقيون‬ ‫زُ ُّ‬ ‫عرفُ وه‬ ‫َ‬

‫وراءه‬ ‫غالبا ِإىل اللحاق به عن قر ٍ‬ ‫َ‬ ‫عوض العصا‪ .‬كان فضويل الصبيان ُّـي يدفعني ً‬ ‫ب َ‬ ‫خييل‬ ‫كي ُأنصت ِإىل ما كان يقول وحده‪ .‬مل َأ ِ‬ ‫ستطع مر ًة َأن َأفهم منه كلمة‪ِ .‬إمنا َّ‬ ‫ِإ ّيل َأنه كان يقول شع ًرا‪.‬‬ ‫سيدة املعونات يعقوب الفرنجي باسم َأهايل‬ ‫هنار ْمأمته يف الزوق رثاه عند كنيسة ّ‬ ‫حراجل‪َ ،‬وأ ُذكر من ُندْ َبته‪:‬‬

‫����ك اي ح��ب��ي�بي‬ ‫ص�����وت أخ����تَ ْ‬ ‫ـض�ــ�ــ��ربِ��ة ادلَّه�����ر اـل��م�صـ�يـ��بـِ��ه‬

‫س���كـَّ�ـ�ر األ َرب�������ع ـنَ��ــ��ـ��وايح‬ ‫آ ْخ ك��ْس��رْ ت��ل��ي ج���ن���ايح‬

‫ً‬ ‫عاصفا شديدَ املطر‪.‬‬ ‫يومها مع َأن النهار كان‬ ‫كان ْمأمته حاشدً ا َ‬

‫وديع عودة (‪)1929‬‬ ‫كان مي ُّر ِإىل هنا‪ِ ،‬إىل حم ّلنا يف السوق‪ .‬فهو صديق والدي َأنطون نقوال عودة‬ ‫ورثت عنه‪ ،‬كام ترى‪ ،‬صنعة ِاإلسكافة‪ .‬كام كان صديقَ َأ َخ َو َّي حبيب ورزقاهلل‪.‬‬ ‫الذي‬ ‫ُ‬ ‫َأذكره ُ‬ ‫دوما‪ ،‬ويباد ُرنا َ‪‬أسعد اهلل مساكم‪.‬‬ ‫مساء‪ ،‬بالعصا ً‬ ‫يدخل املحل ً‬ ‫غالبا بني ّرواد قهوة ‪‬امليسة‪َ ،‬وأحيا ًنا يكمل منها ِإىل غابة الصنوبر‬ ‫ُ‬ ‫كنت َأراه ً‬ ‫فوق‪ ،‬يف َأعايل الزوق‪.‬‬ ‫عصبيا جدً ا‪.‬‬ ‫كنت َأسمع الناس يقولون ِإنه كان‬ ‫ال َأذكر الكثري عنه لكنني ُ‬ ‫ً‬ ‫َأ َّ‬ ‫َ‬ ‫املصادف عيد مار افرام (‪ 28‬كانون الثاين)‪ .‬كان هنا ًرا ماط ًرا‬ ‫تذكر هنار ْمأمته‬ ‫ً‬ ‫سيدة املعونات‪ .‬وبعد الصالة‬ ‫جدً ا‬ ‫وعاصفا جدً ا‪ .‬وضاقت باحلشود الكثيفة كنيس ُة ّ‬ ‫تواىل كثريون عىل الكالم‪َ ،‬أذكر منهم‪ :‬هناد بويز‪ ،‬لبيب الريايش‪ ،‬وجورج غر ِّيب الذي‬ ‫كان‪ ،‬هو َأ ًيضا مثل ا ُألستاذ َأبو شبكة‪ ،‬صديقَ َأخي حبيب‪.‬‬ ‫حاولت َأن ُأساعد يف‬ ‫بعد الكلامت‪ ،‬ونحن يف طريقنا ِإىل مدافن ‪‬حارة املري‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ْمحل النعش لكنني ْ‬ ‫املهمة عىل َمن كانوا‬ ‫انكفأ ُ‬ ‫ت بسبب اشتداد الريح التي َص َّعبت َّ‬ ‫حيملونه ووصلوا َمب َّللني باملطر ِإىل مدفن بيت الباشا الذين‪ ،‬بصداقة عميدهم بطرس‬ ‫الباشا مع الشاعر‪ ،‬عرضوا َأن يوضع النعش يف مدفنهم اخلاص‪.‬‬ ‫‪113‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫يف الصيف كان يع ّرج عىل قهوة ‪‬امليسة‪( ‬اليوم ‪‬قهوة املري‪ ‬يف السوق العتيق)‬ ‫يرشب الليموناضه و ُيكمل طريقه‪.‬‬ ‫لباسه ِإ ً‬ ‫دارجا‪َ ،‬أكثر من‬ ‫مجاال كان قا ًمتا‪ .‬رماد ًيا يف معظمه‪ .‬وكان الزجل َأيامها ً‬ ‫ُ‬ ‫كتبه أوَ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫الشعر الفصيح‪ ،‬عىل أ ْل ِسنة معظم الناس‪ .‬لذا ال أ ّ‬ ‫ظن الزوقيني كانوا يعرفون َ‬ ‫ُ‬ ‫يسمونه‬ ‫قرأوها وال عارفني َأمهيته شاع ًرا يف حقيقة قيمته ا َألدبية‪ .‬عىل العكس‪ :‬كانوا ُّ‬ ‫‪‬ا َأل ْخ َوت‪َ ‬أو ‪‬املجنون‪ ،‬وقد يتغامزون عليه‪.‬‬ ‫ت ِلي ِلي‪ ‬كانت حمرتمة جدً ا يف الضيعة‪ ،‬وكذلك زوجها‪ .‬كانت تتباهى‬ ‫‪‬الس ّ‬ ‫ِّ‬ ‫بصداقتها ا َألدبية مع َأبو شبكة‪.‬‬ ‫يف سنواته ا َألخرية كان يزور حبيب عودة َألنه من ُشرفة بيته يستطيع َأن يرى‬ ‫َبيتها‪،‬‬ ‫وعلمت يف ما بعد َأ ّن حبيب كان يضع منشف ًة بيضاء عىل رشفة بيته املطلّ‬ ‫ُ‬ ‫عىل بيتها كي تفهم َأ ّن الشاعر وصل عندَ ه‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫الزجيل موسى زغيب (‪)1937‬‬ ‫الشاعر‬ ‫َ‬ ‫مببلغ‬ ‫بطرسية سافر ُ‬ ‫كان َأليب عَ َّم ٌة تدعى‬ ‫ّ‬ ‫زوجها فرنسيس ِإىل أمريكا وعاد ٍ‬ ‫من املال َم َّكنه من بناء حار ٍة سقفها من َألواح التوتياء ا ْلـكانت دارج ًة َأيامها مثل‬ ‫القرميد‪ .‬مل يكن لدهيام َأوالد‪ ،‬لذا كانت احلارة واسعة عليهام‪َ .‬وأذكر َأن ا ُألستاذ َأبو‬ ‫شبكة كان ْ‬ ‫لست َأذكر تفاصيل عن تلك‬ ‫قسما من ذاك البيت كلّ صيف‪ُ .‬‬ ‫يستأجر ً‬ ‫احلقبة لكنني َأذكر جيدً ا َأننا استيقظنا ذات يوم فوجدْ نا ُص َور الشاعر مع ّلقة عىل‬ ‫طول الشارع من ساحة حراجل ِإىل ذاك البيت حيث كان يصطاف‪ .‬وحني َ‬ ‫سأ ْلنا‬ ‫عن ا َألمر قالوا لنا‪ :‬مات ا ُألستاذ الياس َأبو شبكة‪َ .‬وأذكر َأن احلراجليني يومها‬ ‫جتمعوا بالعرشات ونزلوا ِإىل الزوق كي يشاركوا يف ْمأمته‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫َ ُ‬ ‫رئيس بلدية حراجل أنطون فارس زغيب (‪)1930‬‬ ‫كان ا ُألستاذ َأبو شبكة يصطاف عندنا يف حراجل‪َ .‬أذكره يف شارع حراجل‬ ‫فيلوح بيديه‬ ‫غالبا مع العصا وناد ًرا بدوهنا ِّ‬ ‫الرئييس ويف ساحتها‪ ،‬مييش وحيكي وحدَ ه‪ً ،‬‬ ‫‪112‬‬


‫وقيون‬ ‫زُ ُّ‬ ‫عرفُ وه‬ ‫َ‬

‫ومما َأذكره َأن ُأمي (جوهرة صايف) كانت صديقة ‪‬الست ِلي ِلي‪ ‬التي كانت‬ ‫وغالبا ما كنت َأراها بالروب ا َألمحر صاعد ًة صوب احلقلة‬ ‫تزورنا لصداق ِتها مع َأهيل‪ً ،‬‬ ‫التي يف ْرأس الضيعة‪ ،‬وتع ّرج َأحيا ًنا يف طريقها عىل جدَّ يت َأليب (كرمية قيرص غانم)‬ ‫حني تراها ختبز عىل الصاج‪.‬‬ ‫مل َأكن َأفهم كلَّ ما يدور حويل‪ِ ،‬إمنا َأذكر َأن السيد َألرب العضم (زوج ‪‬الست‬ ‫مترب ًما من ِإشاعات ترسي يف الضيعة عن صداقة زوجته‬ ‫ِلي ِلي‪ )‬كان يزورنا َأحيا ًنا ّ‬ ‫للتوسط لدى ال َّر ُج َلني‪ .‬وذات يوم ٍ َأمىض عندنا بعد‬ ‫وا ُألستاذ الياس‪ ،‬فيسعى َأيب ِّ‬ ‫الظهر حتى املساء وغادر عائدً ا ِإىل بيته َألسمع َأنه يف تلك الليلة نفسها مات‬ ‫بالسكتة القلبية‪ .‬كان ذلك بعد بضعة َأشهر من وفاة ا ُألستاذ َأبو شبكة‪.‬‬ ‫َ‬ ‫جوزف أبو عساف (‪)1931‬‬ ‫كنت يف اخلامسة عرشة‪َ ،‬وأ ّ‬ ‫تذكره بلباسه البسيط ِإمنا ا َألنيق‪ ،‬يرتدّ د عند جارنا‬ ‫ُ‬ ‫خصوصا َأيام‬ ‫ُهنا ميشال الديراين الذي تفصل الطريق بني بيته وبيتنا‪ .‬يف الصيف‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وكرسيني عند ْرأس الدرج عىل الطريق‬ ‫ا َألحد‪ ،‬كان الديراين يضع طاولة صغرية‬ ‫َّ‬ ‫وينادم الشاعر ْ‬ ‫بكأس عرق ومازة من حتضري زوجته ماري سالمة‪ .‬وكان مليشال‬ ‫خت مل تتز ََّوج‪ ،‬اسمها َر ْو َزة‪ ،‬يقال ِإن الشاعر كان ‪‬يستلطفها‪.‬‬ ‫ُأ ٌ‬ ‫بالسيدة وردة زوجة نقوال ساروفيم‬ ‫غري َأنني‬ ‫ُ‬ ‫سمعت يف ما بعد عن عالقة له ّ‬ ‫غنية و ُيميض َ‬ ‫(كان َّ‬ ‫معظم وقته يف مرص)‪ .‬ويقال ِإ ّن ا ُألستاذ‬ ‫مثق ًفا ويف بيته مكتبة ّ‬ ‫الياس َكتب عنها قصائد يف كتابه َ‪‬أفاعي الفردوس‪.‬‬ ‫كان جهاز الراديو ناد ًرا يف تلك ا َأليام‪ ،‬وكان لدى َألرب العضم جها ٌز جيتمع‬ ‫غالبا بني ُأولئك‬ ‫حوله َأحيا ًنا ِلإلصغاء‬ ‫ُ‬ ‫بعض الزوقيني‪ ،‬والشاعر َأبو شبكة ً‬ ‫الزوار‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫يف ما بعد مل ُيعد ا ُألستاذ الياس يذهب عند بيت العضم‪َ ،‬فأخذ يرتدَّ د عىل‬ ‫بيت صديقه الكتلوي حبيب عودة الذي كان يضع عىل حبل الغسيل منشف ًة تشري‬ ‫ـ ‪‬الست ِلي ِلي‪َ ‬أ ّن الشاعر موجود عنده‪.‬‬ ‫ل ّ‬ ‫‪115‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫مدفن آل الباشا يف حارة المري ‪ -‬زوق مكايل‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫قد ْ‬ ‫مته العائلة ليسرتيح فيه جثمان أبو شبكة‬

‫مرغريت غانم سالمة (‪)2012–1934‬‬ ‫َ‬ ‫حائك َنول يف حي الرتاب (ت ّلة يف َأعىل الزوق) وكان‬ ‫كان والدي ميشال غانم‬ ‫َ‬ ‫صديقه ويرتدَّ د عليه يف الدكان‬ ‫يف دكانه َأ ًيضا كريس ِحالقة‪ .‬وكان ا ُألستاذ َأبو شبكة‬ ‫حيب اجللوس عىل سطيحتنا املمتلئة َأضاليا َ‬ ‫وش ّم النسيم‬ ‫ويف البيت‪ .‬حني يزورنا كان ّ‬ ‫كنت يف العارشة َأيامها‪ ،‬وكنا يف‬ ‫واحلبق والقرنفل واملردكوش‪ُ .‬‬ ‫وفم السمكة والزنبق َ‬ ‫مدرسة اللعازارية نحفظ ً‬ ‫بعضا من قصائده‪ .‬كان َأيب حيب ا ُألستاذ الياس وحيكي‬ ‫خصوصا بعد موته الذي َأ ّثر ً‬ ‫عميقا يف نفس َأيب‪ .‬اجلميع يف الزوق‬ ‫كثريا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫لنا عنه ً‬ ‫كانوا َأ ًيضا حيبونه‪.‬‬ ‫ُ َ‬ ‫صوت‬ ‫قاس َأجعد‪ ،‬شع ٌر منبوش‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫كنت أهرب منه خو ًفا من منظره‪ :‬وج ٌه ٍ‬ ‫يلوح هبا يف كل‬ ‫جش‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫حركات غريب ٌة متواصلة يف يدَ يه وكتفيه‪ ،‬عصا دائمة يف يده ّ‬ ‫َأ ّ‬ ‫جالسا مع َأيب‪،‬‬ ‫اجتاه‪ ،‬لكنه رغم كل ذلك ُمر َّتب اهلندام‪ .‬مل َأكن َأجلس حيث يكون ً‬ ‫معا َبأركيلة ُيعدُّ ها َأيب َلض َيفيه‪.‬‬ ‫َوأحيا ًنا يكون معهام ا ُألستاذ هناد بويز‪ ،‬ويكركرون ً‬ ‫‪114‬‬


‫وقيون‬ ‫زُ ُّ‬ ‫عرفُ وه‬ ‫َ‬

‫بقي ا َألمر نحو َ‬ ‫سنتني وا ُألستاذ ال مي ُّر بدكاننا وال يدفع املرت ِّتب عليه‪ ،‬وعمي‬ ‫يت‬ ‫يطالبه‪،‬‬ ‫فص ُ‬ ‫ً‬ ‫احرتاما له وتقدي ًرا‪ ،‬عىل َأساس َأنه ال ُبدَّ َأن يدفع هذا الدَّ ين‪ِ ،‬‬ ‫ال ُ‬ ‫ا ُألستاذ يف الضيعة ال يشو ُبه َلوم‪.‬‬ ‫كانت ُألمي صديق ٌة يف الزوق اسمها ماري العضم عىل صداق ٍة مع ُأولغا زوجة‬ ‫الشاعر‪َ ،‬‬ ‫تتوسط لديه كي يد َفع هذا الدَّ ين املرتاكم َألنني َأخاف َأن‬ ‫فسأ ْلتها ُأمي َأن َّ‬ ‫طالبه فيز ُْجرين َأو يط ُردين‪ .‬وهكذا كان‪ :‬قالت ماري ُألمي َأن َأذهب ِإليه‬ ‫َأذهب ُوأ َ‬ ‫ِإمنا ال ِإىل بيته بل ِإىل بيت ساروفيم حيثُ كانت زوجته تعيش يف بيت َأهلها َألهنا‬ ‫مل ْتسكن يف بيت زوجها الشاعر‪.‬‬ ‫عرص اليوم التايل فوجد ُته ِإىل طاولة مستديرة ُ‬ ‫يكتب‪ .‬مل ينظر ِإ ّيل‪.‬‬ ‫قصدْ ُته َ‬ ‫يكتب وميحو بعض ما ُ‬ ‫يكتب ال َهيت ّم يل‪ُ .‬‬ ‫استم ّر ُ‬ ‫يكتب‪ .‬وبعدَ وقت غري قليل رآين‬ ‫ً‬ ‫الست ُأولغا وجاء ْتني‬ ‫واقفا َأمامه فنادى زوجته‪ :‬يا ُأولغا َض ّيفي الصبي‪ ‬فقامت‬ ‫ّ‬ ‫امللبس وكوب ماء الورد‪ .‬ثم قال يل‪ :‬شو حسايب؟‪ ‬وكان دفرت الديون معي‬ ‫ببعض ّ‬ ‫وقلت‪ 22 :‬لرية و‪ 22‬قرش ونص‪ ‬فنادى َ‬ ‫ُ‬ ‫زوجته من جديد‪ :‬يا ُأولغا‬ ‫ففتحته له‬ ‫ُ‬ ‫خر ْجها من احلساب وعُ ــدْ ِإل َّـي آخر‬ ‫جيبييل لريه‪ ‬وجاءت هبا َفأعطانيها وقال‪َ :‬أ ِ‬ ‫الشهر‪.‬‬ ‫عدت إليه آخ َر ذاك الشهر‪ ،‬كام قال يل‪ ،‬فكان كذلك ُ‬ ‫يكتب كام َرأ ُيته يف‬ ‫ُ‬ ‫امل ّرة السابقة‪ ،‬وتك َّرر املشهد نفسه‪ :‬يا ُأولغا َض ّيفي الصبي‪ .‬وبعد الضيافة‬ ‫رسل َأنا بطلبك بعد‬ ‫جاء ْته ُأولغا باللرية َفأعطانيها َوأضاف‪ :‬ال ُتعد ِإ ّيل حتى ُأ ِ‬ ‫فرتة‪.‬‬ ‫غري َأن تلك الــ ‪‬فرتة‪ ‬طالت سن ًة كاملة ومل ّيتصل‪ .‬وكان من عادته َأن مي ّر قرب‬ ‫فتتعمد ُأمي َأن تشتغل يف َ‬ ‫اجلنينة قدّ ام البيت لع ّله‬ ‫بيتنا صاعدً ا عند بيت العضم‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫يلوح بعصاه وهي ُّز َ‬ ‫يراها َّ‬ ‫هيتم وال يرى وال ينت ِبه‪.‬‬ ‫فيتذكر‪ ،‬لكنه مي ُّر سا ًمها ِّ‬ ‫بكتفيه ال ُّ‬ ‫ِإىل َأن كان ما ًّرا ذات يوم ٍ َ‬ ‫ورأى ُأمي يف اجلنينة فناداها‪َ :‬أرسيل حبيب ِإ َّيل غدً ا‪.‬‬ ‫‪117‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫خياطة وطاهية اسمها لطيفة‪ُ ،‬بيتها عند طرف الضيعة‪.‬‬ ‫كان عند بيت العضم ّ‬ ‫‪‬الست ِلي ِلي‪ ‬عند بيت لطيفة‪،‬‬ ‫وحني َك ُث َر الكالم واهلمس عىل الشاعر‪َ ،‬أخذ يلتقي ّ‬ ‫َوأذكر َأ ّن َألرب العضم التقاه مر ًة هناك وكان بينهام نفو ٌر كاد يبلغ ِّ‬ ‫الشجار‪.‬‬ ‫‪‬الست ِلي ِلي‪ ‬عىل تلك الصداقة مع الشاعر‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫كنت َأسمع بعض اهلمس ي ُلوم ّ‬ ‫‪‬الست‬ ‫ً‬ ‫الرس ّية يف ما بعد‪ ،‬انتق َلت ِإىل عجلتون حيث كانت ّ‬ ‫خصوصا َأن صداقتهام‪ّ ،‬‬ ‫ِلي ِلي‪ ‬تصطاف ويلتقيها الشاعر يف بعض انزواءٍ حتى َأن كثريين كانوا ّ‬ ‫يظنونه‬ ‫عاز ًبا‪.‬‬ ‫اجتامعيا‪ .‬كانوا يتندّ رون‬ ‫اجلميع حيرتمونه لكنه ما كان خيتلط‬ ‫يف الزوق كان‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫يلوح هبا‬ ‫َأحيا ًنا عىل طبعه العصبي املتو ّتر‬ ‫ً‬ ‫ماشيا وحده بعصاه ِّ‬ ‫خصوصا َأهنم يرونه ً‬ ‫يف كلّ اجتاه ويتحدَّ ث وحده متط ِّل ًعا ِإىل َأشجار اللوز َأو َأعمدة الط ُرق َأو ِإىل فوق‪،‬‬ ‫فو َقه‪َ ،‬كأنه خياطب الغيم‪ .‬وذات مساءٍ حياه َأحدهم‪ :‬سعي ِده خواجه ِاإلستاذ‪‬‬ ‫خواجه‪ ،‬يا ُقول ِإستاذ‪.‬‬ ‫فانتهره الشاعر‪ :‬كيف؟ شو هاحلكي؟ يا ُقول َ‬ ‫سيايس مع سليم تقال‬ ‫كان كتلو ًيا (حزب الرئيس ِإميل ِإده) وعىل خالف‬ ‫ّ‬ ‫الدستوري (حزب الرئيس بشارة اخلوري)‪ .‬لذلك عند وفاة َأبو شبكة انقسمت‬ ‫الضيعة بني آسفني عىل موته وآسفني َأقلّ ‪ .‬وحتى احلشدُ يف كنيسة سيدة املعونات‬ ‫كان يف معظمه من مجاعة الكتلويني‪.‬‬ ‫حبيب فرح (‪)1925‬‬ ‫جبور فرح ّقصا ًبا يف الزوق‪ ،‬وكان ا ُألستاذ َأبو شبكة يشرتي اللحم من‬ ‫كان َأيب ُّ‬ ‫ً‬ ‫فكنت َأخاف‬ ‫مستدينا‪َ .‬أحيا ًنا َأكون يف الدكان حني ْيأيت ا ُألستاذ يشرتي اللحم‬ ‫عنده‬ ‫ُ‬ ‫يلوح هبا يف كل اجتاه‪.‬‬ ‫من منظره َبشعره املنبوش وعصاه ِّ‬ ‫حني تويف َأيب بحادث سيارة سنة ‪ُ 1935‬‬ ‫ابن عرش سنوات‪ِ ،‬إىل‬ ‫ررت‪َ ،‬وأنا ُ‬ ‫اضط ُ‬ ‫عمي يف بيع اللحم‪ .‬ذات فرت ٍة كان دَ ُين‬ ‫ترك املدرسة والنزول ِإىل الدكان ُأساعد ّ‬ ‫ا َألستاذ َأبو شبكة بلغ ‪ 22‬لرية و‪ً 22‬‬ ‫قرشا ونصف القرش‪.‬‬ ‫‪116‬‬


‫وقيون‬ ‫زُ ُّ‬ ‫عرفُ وه‬ ‫َ‬

‫غالبا ما كنا نلتقيه يف هذا الشارع هنا َأمام بيتنا ّ‬ ‫يلوح هبا‪،‬‬ ‫يتمشى‬ ‫ُ‬ ‫بعصاه‪ِّ ،‬‬ ‫ً‬ ‫ت ُأولغا يف احلي‪.‬‬ ‫الس ّ‬ ‫ت وحدَ ه ومرا ٍ‬ ‫مرا ٍ‬ ‫ت مع ّ‬ ‫حي ْي ُته‪َ :‬م ْرحبا يا ُأستاذ‪َ ‬فأجابني َ‪‬م ْرحبا‪َ ‬‬ ‫وسألني عن اجتهادي يف‬ ‫ذات يوم ٍ َّ‬ ‫املدرسة َوأردف‪ِ  :‬إنتبه ِإىل دروسك‪ .‬من طلب العىل سه َر الليايل‪ .‬وانتبه ِإىل صحّ تك‪.‬‬ ‫َأحيا ًنا كنا نراه عند عني الزوق ّ‬ ‫يتمشى ُص ُعدً ا صوب بيت العضم‪ .‬كان عىل‬ ‫ت ِلي ِلي‪ّ ‬‬ ‫املثقفة ثقاف ًة عالية‪.‬‬ ‫‪‬الس ّ‬ ‫صداقة مع َألرب العضم وزوجته ّ‬ ‫غائبا عن‬ ‫َوأحيا ًنا ُكنا من ّر َحدّ بيته فنراه يكتب يف غرف ٍة صغرية جانبية مستق ّلة‪ً ،‬‬ ‫ت من الصيف كنا نراه بني ّرواد قهوة ‪‬امليسة‪ ‬يف‬ ‫كلّ ما جيري حوله‪ .‬ويف فرتا ٍ‬ ‫السوق‪َ ،‬أو عند صديقه حبيب عودة‪.‬‬ ‫يوم وفاته كان ً‬ ‫وسمعت الزوقيني يقولون يف ْاملأتم‪ :‬ضيعان ا ُألستاذ‬ ‫حزينا‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫الشاعر‪ .‬كان يع ِّلي اسم الزوق‪.‬‬ ‫سليم درويش (‪)2013–1930‬‬ ‫دائما نرى ا ُألستاذ الياس يتمشى‪َ ،‬أو‬ ‫ُبيتنا‪ ،‬كام ترى‪ ،‬عىل الطريق العام‪ .‬كنا ً‬ ‫قاصدً ا حمطة القطار يف جونيه َأو عىل مفرق الزوق (وكان اسمها ‪‬حمطة عينطوره‪،‬‬ ‫و ُي َس ُّموهنا َأ ًيضا ‪‬عينطورة الزوق‪ )‬ليذهب ِإىل بريوت‪ .‬عصاه مل تكن تفارقه‪ .‬مييش‬ ‫وحيكي‪ .‬وحده حيكي‪ .‬يف َأ ّي وقت نراه عىل الطريق نراه حيكي‪.‬‬ ‫كان كتلو ًيا وعىل خصومة سياسية مع سليم وفيليپ تقال الدستور َّي ْين‪ .‬كان عىل‬ ‫عزّة نفس عالية وال يرىض املساومات عىل ا ُألمور الشخصية والوطنية‪.‬‬ ‫غالبا حيمل ِإىل‬ ‫كان هيكل ّ‬ ‫املدور يستثمر حقل اللوز قرب بيت الشاعر‪َ ،‬فأراه ً‬ ‫ا ُألستاذ ِسالل اللوز يتناوله ا ُألستاذ مع ْكأس العرق يف بيته حيث ُأمه ُوأخته وكانتا‬ ‫تتكبران عىل‬ ‫َأ ًيضا عىل بعض انحراف عقيلّ ‪ ،‬تعتزّان مبكانتهام االجتامعية‪ ،‬ولذا كانتا ّ‬ ‫ُ‬ ‫ت ُأولغا‬ ‫عموما‪ .‬من هنا‬ ‫خصوصا وعىل بيت ساروفيم‬ ‫ُأولغا‬ ‫الس ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫اخلالف وامتناعُ ّ‬ ‫فبقيت عند َأهلها حتى بعد زواجها من ا ُألستاذ الياس‪.‬‬ ‫عن العيش معهام يف البيت‪َ ،‬‬ ‫‪119‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫ويف اليوم التايل قصدْ ُت ُه ً‬ ‫حامال الدفرت فتك َّررت الضيافة نفسها‪ ،‬غري َأنه هذه املرة‬ ‫فدفعه يل ً‬ ‫كامال َ‬ ‫كان ُم ِّهي ًئا َ‬ ‫وش َط ْبنا الدَّ ين من الدفرت‪.‬‬ ‫املبلغ الباقي َ‬ ‫طبيعي‪.‬‬ ‫شخصا ‪‬غري‬ ‫سمونه ‪‬ا َأل ْخ َوت‪ ‬وي َرون فيه ً‬ ‫َأ ُذكر عنه َأ ّن َأهل الزوق كانوا ُي ُّ‬ ‫ّ‬ ‫وال َأزال َأحفظ من شعره القديم َ‬ ‫هذين َ‬ ‫البيتني‪:‬‬

‫ـــم؟‬ ‫هذا ٌ‬ ‫ف��م؟ أَم بـُــــــــــــــــــرع ـُ ُ‬ ‫وي��ك��ون يف ف��م��ك ال��ن��ع�يم؟‬

‫ـَ��ت��ـ��ض��ر ُم؟‬ ‫أَم جـَ�����م��ـ��ر ٌة ت‬ ‫ّ‬ ‫ج�����ه�����نُ؟‬ ‫أَيف ال����ن����ع��ي�م‬ ‫مَّ‬

‫ُ‬ ‫عبده تابت (‪)1928‬‬ ‫ً‬ ‫عصبيا جدً ا‪ .‬يدخل عند ّ‬ ‫متناوال‬ ‫انتفض‬ ‫احلالق ف ِإذا َأطالَ يف قص شعره‬ ‫َأ ُ‬ ‫َ‬ ‫ذكره ً‬ ‫متمتما وحده‬ ‫غاضبا مزجم ًرا‬ ‫ً‬ ‫عصاه وخرج قبل اكتامل َالق ّصة‪ّ ،‬‬ ‫يلوح بعصاه يف اهلواء ً‬ ‫يف الشارع‪.‬‬ ‫َوأ ُذكر َأنه‪ ،‬يف فرتة امليالد‪ ،‬كان ْيأيت ِإىل الكنيسة ُليصغي ِإىل بولس رعد ير ّتلُ‬ ‫بصوته احلنون‪َ :‬أرسلَ اهلل َابنه الوحيد نو ًرا ُ‬ ‫لألمم‪ .‬كان ا ُألستاذ حيب هذه الرتتيلة‪.‬‬ ‫مل يكن َأهل الزوق ك ُّلهم يعرفون قيمته‪ .‬بعضهم سامه ‪‬املخلوع‪ ‬وبعضهم اآلخر‬ ‫‪‬املهزوز‪ .‬مل يعرفوا َأمهيته احلقيقية كشاعر عظيم‪ .‬يوم وفاته جاؤُ وا ِإىل الكنيسة‬ ‫وتنبهوا ِإىل َهيبة هذا الشاعر الذي مل يكونوا يعرفون قيمته‪.‬‬ ‫ففوجئوا هبا مكتظ ًة ّ‬ ‫بقيت ُأمه ُوأخته وحدمها يف البيت َكأنه مهجور‪ .‬ال َأحد يزورمها وال‬ ‫بعد وفاته َ‬ ‫يزوران َأحدً ا يف الزوق‪.‬‬ ‫بشارة السلموين (‪)1925‬‬

‫تزوج ا ُألستاذ الياس من جارتنا ُأولغا‪،‬‬ ‫نحن وبيت ساروفيم جريان من زمان‪ .‬ملا َّ‬ ‫دائما يزورها عند بيت َأهلها‪ .‬مل ُ‬ ‫تسكن معه يف بيته فكان ْيأيت هو ِإىل‬ ‫ُ‬ ‫كنت َأراه ً‬ ‫هنا‪ ،‬وعند املساء يغادر ِإىل بيته‪.‬‬ ‫الست ُأولغا وهي َأ ًيضا َتزُورنا‪.‬‬ ‫كنا نزور‬ ‫ّ‬ ‫‪118‬‬


‫وقيون‬ ‫زُ ُّ‬ ‫عرفُ وه‬ ‫َ‬

‫ُ‬ ‫بيت أولغا تسكنه اليوم روزة ساروفيم عزيز وعائلتها‬

‫قاض غري عادل يف بعض َأحكامه‪َ ،‬أصدر‬ ‫وذات فرتة كان يف حمكمة جونيه ٍ‬ ‫ت ضدّ ه يف الصحف حتى‬ ‫ُح ْك ًما جائ ًرا عىل َأحدهم فكتب ا ُألستاذ الياس مقاال ٍ‬ ‫َت َّـم نق ُله من حمكمة جونيه‪ ،‬وتداول الناس عندها َردَّ ة زجلي ًة َأ ُذك ُر منها‪:‬‬

‫حُ���طّ���و ك���اس وش��ي��ل��و ك��اس‬ ‫أَب�������و انص����ي����ف اـل ش���ال���و‬

‫ش���ال���و ال���ق���ايض َع ِاإلف��ل��اس‬ ‫اـلمـساس‬ ‫كعب‬ ‫بْ�َض�رَْ بِ��ه م��ن َ‬ ‫ّ‬

‫َوأ ّ‬ ‫كثريا تدخني‬ ‫حيب ً‬ ‫والكبة النيئة والقهوة‪ ،‬وكان ّ‬ ‫تذكره ّ‬ ‫يتذوق ْكأس العرق ّ‬ ‫ا َألركيلة ك َّلام كان وقته َيسمح بني كتاباته الكثرية‪.‬‬ ‫قصريا فلم َي ْه ْنأ بزواجه وحياته كام يستاهل‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫لكن املسكني كان عم ُر ُه ً‬ ‫وخالل حديثي ِإىل السيدة روزة دخ َلت علينا ابنتها لودي َ‬ ‫فتذ َّك َرت هي ا ُألخرى‬ ‫ت طفل ًة (هي من مواليد ‪ )1943‬مع جارهتم ُأ ّم جرجي ‪‬عند بيت ا ُألستاذ‬ ‫ذهب ْ‬ ‫كيف َ‬ ‫وكان ً‬ ‫ب من حتت رسيره كمش ًة من ا َجل ْوز‬ ‫مريضا‪،‬‬ ‫فنهض الستقبالنا يف بشاش ٍة وسحَ َ‬ ‫َ‬ ‫قدَّ مها يل‪.‬‬ ‫‪121‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫ّزوا ُره يف البيت كانوا قالئل‪َ .‬أ َّ‬ ‫تذكر منهم ا ُألستاذين لبيب الريايش وجورج‬ ‫غر ّيب الذي كان مد ِّر ًسا يف معهد عينطوره‪.‬‬ ‫دائما َأ ً‬ ‫َأ َّ‬ ‫نيقا‪ .‬يزورنا َألنه عىل صداق ٍة مع َأيب الياس درويش املولود مث َله‬ ‫تذكره ً‬ ‫يف السنة نفسها (‪ .)1903‬وكان َأحيا ًنا يرتدَّ د عىل كنيسة سيدة املعونات هنا خلف‬ ‫بيتنا ليشارك يف القدّ اس ِاإلهلي‪.‬‬ ‫كثري ع ْلم‪ ،‬لذا كان العاد ُّيون يف الضيعة‬ ‫زوقي معظمه ُ‬ ‫كان متع ِّل ًما يف َ‬ ‫غري ِ‬ ‫وسط ّ‬ ‫ويتهيبون ع ْلمه وثقافته‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫يسمونه ‪‬ا َأل ْخ َوت‪َ ‬أو ‪‬املجنون‪ .‬غري َأهنم كانوا حيرتمونه َّ‬ ‫صوصا عندما شاهدوا يف دفنه ذاك احلشد الكبري من‬ ‫كثريا‪ُ ،‬خ ً‬ ‫ويوم مات حزنوا عليه ً‬ ‫ً‬ ‫عاصفا وماط ًرا‪.‬‬ ‫ا ُألدباء والشعراء واملثقفني‪ ،‬مع َأن الطقس يومها كان‬

‫روزة ساروفيم عزيز (‪)1928‬‬ ‫جت من َأ ُ‬ ‫نطون ساروفيم عزيز‪ ،‬والدُ ه اسكندر‪ :‬شقيقُ سليم والد ُأولغا زوجة‬ ‫تزو ُ‬ ‫َّ‬ ‫الياس َأبو شبكة‪.‬‬ ‫منذ زواجي سنة ‪َ 1942‬وأنا َأرى ا ُألستاذ الياس يرتدَّ د علينا يف بيت‬ ‫شقتني يفصل بينهام جدار‪َّ :‬‬ ‫ساروفيم‪ ،‬وكان من ّ‬ ‫شق ُتنا حيث نسكن تالصقها‬ ‫شقة بيت والد ُأولغا‪ .‬وكانت يف تلك الشقة غرف ٌة ُألولغا وزوجها ا ُألستاذ‬ ‫ليال يف ا ُألسبوع هنا‪ ،‬والباقي يف بيته القريب عىل‬ ‫الياس‪ .‬كان ينام بضع ٍ‬ ‫بضع خطوات من هنا‪.‬‬ ‫فجهز لعرس ُأولغا َأثاث البيت ّ‬ ‫وغطى‬ ‫وكان سليم والد ُأولغا حائك نول‪ّ ،‬‬ ‫اخلشب بتطريز مجيل من شغل النول صنعه َبتأ ٍّن‪ .‬وكانت ُأولغا‪ ،‬خالل فرتة‬ ‫خطوبتها‪ ،‬خاطت ستائر مجيلة ز َّيـنت هبا البيت‪.‬‬ ‫لكن ّ‬ ‫َأ َّ‬ ‫احلظ َح َر َمه من َو َلد‪ .‬وكان يف‬ ‫كثريا‪ّ ،‬‬ ‫تذكر ا ُألستاذ الياس حيب الصغار ً‬ ‫لطفل يصاد ُفه َأو يراه عندنا‪َ .‬وأ َّ‬ ‫تذكره رصحيًا يف‬ ‫دوما حبوب بونبون يعطيها‬ ‫جيبه ً‬ ‫ٍ‬ ‫مواقفه‪ ،‬جري ًئا يف َأقواله‪ ،‬كريم النفس‪ ،‬متساحمًا‪.‬‬

‫‪120‬‬


‫وقيون‬ ‫زُ ُّ‬ ‫عرفُ وه‬ ‫َ‬

‫كانت ُأ ّمي َلي َلى (وننادهيا ويعرفها اجلميع بــ‪ِ ‬لي ِلي‪َّ )‬‬ ‫مثقف ًة ثقافة عالية‪،‬‬ ‫ميل رومنطيقي كثري‪ ،‬فيام َأيب‪ ،‬ولو َّ‬ ‫عمليا‬ ‫رومنطيقيا بل‬ ‫مثقف‪ ،‬مل يكن‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫عىل ٍ‬ ‫رجل َأعامل‪.‬‬ ‫ـراغامتيا ككل ُ‬ ‫ﭘ ً‬ ‫جيء ِإىل البيت يف‬ ‫م َّرت فرت ٌة مل َأعُ د خالهلا َأرى الشاعر يف بيتنا حني ُ‬ ‫كنت َأ ُ‬ ‫العطالت املدرسية‪.‬‬ ‫ْقبلذاك كانت ُأمي تزور بيت الياس ُ‬ ‫ُ‬ ‫خادمتنا العجوز يف بيت‬ ‫ترافقها ميالدة‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫مجيعنا‬ ‫وبقيت يف بيتنا بعد زواج َأيب ُوأ ّمي (سنة ‪)1931‬‬ ‫ورافقتنا َ‬ ‫وال ِدي منذ والدَ يه‪َ ،‬‬ ‫ِإخويت الثالثة َوأنا‪.‬‬ ‫تذك ُرمها يتحادَ ثان ً‬ ‫َأ ُذكر َأنني ذهبت مع ُأ ّمي مرتني ِإىل بيت الشاعر‪َ ،‬وأ َّ‬ ‫طويال‬ ‫يضعني يف حضنه َأثناء احلديث‪.‬‬ ‫فيام هو ُ‬ ‫اجلو يف البيت تو َّتر بني ُأمي َوأيب بسبب ِإشاعات َأ َ‬ ‫خذت‬ ‫ُ‬ ‫فهمت يف ما بعد َأ ّن ّ‬ ‫فمنعها َأيب من َأن تذهب ِإليه يف‬ ‫ترسي يف الضيعة عن الصداقة بني ُأمي والياس‪َ ،‬‬ ‫بيته َأو َأن تلتقيه‪.‬‬ ‫شيا يف طريق الزُّوق ُن ً‬ ‫زوال حتى‬ ‫بعد ذاك ‪‬ال َـم ْنع‪ ‬صارت ُأمي تصحَ ُبني معها َم ً‬ ‫ض َأن ُتطلّ ﭬـرجيني‬ ‫وعو َ‬ ‫نصل َفأسمع ُأمي تنادي ُأخته ِﭬـرجيني‪َ ،‬‬ ‫بيت الياس‪ِ .‬‬ ‫ُيطلُّ الياس و َينطلق يف حديث طويل مع ُأمي‪ :‬هو من الشباك وهي عىل الطريق‪،‬‬ ‫َوأنا َأنتظر َوأنتظر وال َأفهم شي ًئا مما جيري‪ ،‬حتى َأنني مر ًة‪ ،‬ونحن نغادر تلك ِالوقفة‬ ‫ملحت يف َ‬ ‫كارجة عىل خدَّ هيا‪.‬‬ ‫عيني ُأمي دموعً ا َ‬ ‫حتت الشباك‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫حني نعودُ َي َ‬ ‫سأهلا َأيب َأين كانت فتقول ِإهنا َأ َ‬ ‫خذ ْتني يف مشوار عىل الطريق‬ ‫و ُتنكر َأن تكون ا ْل َتقت الياس َأو ك َّل ْمته‪.‬‬ ‫املشهد ِإياه يتك ّرر ً‬ ‫صيفا‪ :‬كنا نصطاف عند بيت سالمة يف عجلتون‪ ،‬وكانت‬ ‫ُأمي تصطحبني يف مشوار عىل الطريق و‪‬تصدُ ف‪َ ‬أحيا ًنا َأن نلتقي الياس فيتحادثا‬ ‫ت طويل‪.‬‬ ‫لوق ٍ‬ ‫‪123‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫َ‬ ‫ليىل عىل شرفة بيتها وخلفها ابنتها أسرتيد‬

‫َ‬ ‫أ ْسرتيد العضم وازن (‪)1936‬‬ ‫دائما يف البيت َألنني‬ ‫ُ‬ ‫كنت طفل ًة يف الرابعة حني كان الياس َيزورنا‪ .‬ومل َأ ُكن ً‬ ‫كنت يف مدرسة داخلية (لدى راهبات ُالبزَنسون)‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫حضنه فريوح َ‬ ‫كنت َأهرع ِإليه َأجلس يف ْ‬ ‫يسألني‬ ‫كلام كان يزورنا بعدذاك بسنوات‪ُ ،‬‬ ‫عن درويس َأو يع ِّلمني ً‬ ‫بعضا منها َفأستغرب بعض ما يقوله يل َوأقول له ِإن املع ّلمة‬ ‫ُ‬ ‫يضحك ِضحك ًة طويل ًة و ُي َق ِّبلني يف َشعري‪.‬‬ ‫متاما‪،‬‬ ‫تع ّلمنا غري ذلك‪ ،‬فيضحك‪َ ،‬أ ُذكر ً‬ ‫كان ْيأيت وحده‪ ،‬وال َأذكر َأن زوجته ُأولغا كانت ْتأيت معه‪.‬‬ ‫وكان الياس عىل صداقة مع َأيب َأل ّن كليهام كان من ُمنارصي ‪‬الكتلة الوطنية‪‬‬ ‫بزعامة ِإميل ِإدّ ه‪.‬‬ ‫ً‬ ‫منهمكا يف َأعامله‪ :‬وكيلَ رشكة‬ ‫دوما‬ ‫ُ‬ ‫قرب ِإىل ُأمي َألن َأيب َألرب العضم كان ً‬ ‫كنت َأ َ‬ ‫مكتبه يف شارع املعرض‪ ،‬حـَدّ عيادة‬ ‫‪‬ﭘـيجو‪ ‬للسيارات وصاحب ‪‬بنك عضم ِإخوان‪ُ ،‬‬ ‫تذكر سائقه زعيرت‪ ،‬وبني ّ‬ ‫الدكتور جورج خبصا‪َ .‬أ ّ‬ ‫موظفيه من الزوق بشارة طراد‪.‬‬ ‫‪122‬‬


‫وقيون‬ ‫زُ ُّ‬ ‫عرفُ وه‬ ‫َ‬

‫‪‬عين الزوق‪.‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫أمامها حاول أول قبلة من ليىل عىل عجل‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫َ‪‬أيا ً‬ ‫قبلة ّ‬ ‫مرت عىل ضف َتي فمي‪‬‬ ‫(‪‬نداء القلب‪)‬‬

‫ترتك له ً‬ ‫شاحت بوجهها عنه كي ال َ‬ ‫التي َ‬ ‫جماال َأل ّي ما خيرج عن العالقة‬ ‫رفضت َوأ َ‬ ‫ا َألدبية البحتة‪.‬‬ ‫تصحبنا‪ِ ،‬إخويت َوأنا‪ِ ،‬إىل ال َـمزار اخلاص بنا عند ت ّل ٍة‬ ‫يف فرت ٍة الحق ٍة كانت ُأمي‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫نحن حوهلا نلعب ونلهو‪،‬‬ ‫ركن‪ُ ،‬‬ ‫يف َأعىل الزوق‪ً ،‬‬ ‫تقريبا كلَّ يوم‪ ،‬فأراها جتلس يف ٍ‬ ‫فهمت ً‬ ‫وراق‬ ‫ت ورسائلَ‬ ‫ُ‬ ‫الحقا َأهنا كانت يوميا ٍ‬ ‫وهي منرصف ٌة ِإىل الكتابة يف دفاتر َوأ ٍ‬ ‫ِإىل الياس توص ُلها ِإليه بواسطة َنجال زوجة حبيب عودة‪.‬‬ ‫ملحق لبيتنا ثم‬ ‫اسمها لطيفة ّنفاع تسكن يف‬ ‫يف تلك الفرتة كانت جار ٌة لنا ُ‬ ‫ٍ‬ ‫لتسكن يف بيت آخر‪ ،‬م ْلك بيت نفاع‪ ،‬عىل ت ّل ٍة عند ط َرف‬ ‫انتق َلت مع َأخيها قزحيا‬ ‫َ‬ ‫تصطحبنا معها عند بيت لطيفة ال ُـم ِطلّ من‬ ‫تقريبا‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫الضيعة‪ .‬فكانت ُأمي‪ ،‬كلّ يوم ً‬ ‫ُ‬ ‫يلوح هلا‪َ ،‬أو‬ ‫معين‪ ،‬يقف عىل باب بيته ّ‬ ‫فوق عىل بيت الياس الذي‪ ،‬يف توقي ٍ‬ ‫ت َّ‬ ‫يقرتب ً‬ ‫ضيق‪ ،‬ولكنه ال يصل ِإىل بيت لطيفة َأل ّن‬ ‫قليال صوب الت ّلة يف طريق صاع ٍد ّ‬ ‫غالبا ما كان يلحق بنا ِإىل هناك‪.‬‬ ‫َأيب ً‬ ‫‪125‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫كنت َأسمع ُأمي َوأيب يتشاجران بسبب تلك ِاإلشاعات‪ .‬وال َأذكر َأن‬ ‫ت ُ‬ ‫مرا ٍ‬ ‫َ‬ ‫ِإخويت َّ‬ ‫ومعظم وقتهم يف املدرسة الداخلية‬ ‫تدخلوا يف املوضوع‪ُ ،‬فهم َأ ًيضا كانوا صغا ًرا‬ ‫متاما وتبقى عىل موقفها َبأن العالقة بينها وبني‬ ‫(معهد عينطوره)‪ .‬كانت ُأمي ُتنكر ً‬ ‫الياس كانت وتبقى عالقة َأدبي ًة ثقافي ًة بحتة‪ .‬مع َأن ِاإلشاعات كانت حادَّ ًة َأحيا ًنا‬ ‫س َبأ ّن الياس َأ َ‬ ‫زوجها‪ ،‬من ُأرسهتا‪ .‬غري َأهنا‬ ‫خذ ِلي ِلي من بيتها‪ ،‬من ِ‬ ‫وتب ُل ُغ َحدَّ الدَّ ّ‬ ‫كانت ِإشاعات ْ‬ ‫مغ َ‬ ‫رض ًة مر ًة وغامض ًة مرات‪.‬‬ ‫يف تلك الفرتة الصعبة بينهام‪ ،‬بعد تشديد َأيب عىل َأ ّال تلتقي الياس َأو تزو َره‪،‬‬ ‫كانت مرحلة الرسائل‪.‬‬ ‫وبني ما َأ ُذك ُر َأ ًيضا َأن ُأمي كانت تصطحبني معها ِإىل القدّ اس هنار ا َألحد يف‬ ‫كنيسة مار ضومط‪َ ،‬فتجْ لس عىل مقعد الكنيسة يف الصف الثاين َ‬ ‫خلف زوجة حبيب‬ ‫كنت‬ ‫عودة‬ ‫الست َنجال التي جتلس يف الصف ا َألول وترتك حقيب َة ي ِدها مفتوحة‪ُ .‬‬ ‫ّ‬ ‫تضعها يف عُ ِّبها و ُتخرج‬ ‫َأرى ُأمي تنحني فتمدُّ يدها ِإىل حقيبة نجال‪ْ ،‬تأخذ منها َأورا ًقا ُ‬ ‫تضعها يف جزدان نجال‪.‬‬ ‫من جزداهنا َأورا ًقا ُأخرى ُ‬ ‫ً‬ ‫محيما لـحَ بيب الذي كان‬ ‫وعىل ْذكر َنجال وحبيب عودة‪ :‬كان الياس‬ ‫صديقا ً‬ ‫ً‬ ‫وسيطا بني ُأمي والياس يف نقل رسائلها من زوجته ِإىل الياس‪ ،‬ومن الياس ِإىل‬ ‫نجال كي تس ِّلمها ِإىل ُأمي يف القدّ اس َأو يف َأ ّي سانحة ُأخرى‪.‬‬ ‫فيضع حبيب منشف ًة‬ ‫دائما بيت حبيب املطلّ عىل بيتنا العايل ُ‬ ‫وكان الياس َيزور ً‬ ‫عىل الرشفة دليل َأن الياس عنده‪ِ .‬وم ّـما عَ ِل ْم ُته يف ما بعد َأن الياس كان يغادر بيت‬ ‫الضوء يف غرفة ُأمي ُمضاء‪ ،‬وال يغادر‬ ‫حبيب ِإىل املدافن َأمام البيت فيبقى بينها طاملا‬ ‫ُ‬ ‫الضوء َ‬ ‫ت ُأمي بذلك‬ ‫املقابر ِإ ّال حني يرى‬ ‫علم ْ‬ ‫انطفأ ُفيقفل عائدً ا ِإىل بيته‪ .‬حني َ‬ ‫َ‬ ‫َأ َ‬ ‫شفقت عىل صحّ ته يف ليايل الربد واملطر َأن يبقى مع َّر ًضا للريح بني املقابر‪ ،‬فكانت‬ ‫ً‬ ‫مطمئنا ِإىل َأهنا نامت‪.‬‬ ‫الضوء و َتسهر يف غرفة ُأخرى كي يغادر هو ِإىل بيته‬ ‫ُتطفئ‬ ‫َ‬ ‫مر ًة كان الياس ّ‬ ‫يتمشى عىل الطريق بني ُأولغا ُوأ ّمي‪ .‬حني وصلوا ِإىل عني‬ ‫رشب فغافل الياس تلك اللحظة َ‬ ‫وه َّـم بتقبيل ُأمي‬ ‫الزوق تقدَّ مت ُأولغا من العني َلت َ‬ ‫‪124‬‬


‫وقيون‬ ‫زُ ُّ‬ ‫عرفُ وه‬ ‫َ‬

‫عمي توفيق هدَّ د ُأمي بحرماهنا من ِاإلرث ِإن هي مل ُتحرق الرسائل‪ .‬خا َفت‬ ‫ّ‬ ‫حرمان ِّ‬ ‫يعذهبا يف تنش َئة عائلتنا‪ ،‬وهي ا َألرملة الشابة يف ربيعها الثاين‬ ‫ُأمي من‬ ‫ٍ‬ ‫والثالثني‪ .‬جاءت بالرسائل مجيعها‪َ ،‬وأمام عمي توفيق َأشعلت فيها النار حتى‬ ‫يرمد‪ ،‬قبل ا َألوراق‪ ،‬مع انطفاءِ آخر جذو ٍة‬ ‫وقلبها يكادُ ِّ‬ ‫َّرمدت ً‬ ‫متاما حتت نظر عمي‪ُ ،‬‬ ‫ست سنوات من احلب الكبري‪.‬‬ ‫يف رسائل هي ثرو ٌة َأدبية طو ُلها ّ‬ ‫وضعت يف‬ ‫وتندم عىل َأهنا لو َ‬ ‫وظ َّلت ُأمي‪ ،‬طيلة حياهتا‪ْ ،‬تأسف عىل عم ِلها هذا‪ُ ،‬‬ ‫ف َوأ ْ‬ ‫عوض الرسائل‪ ،‬ملا كان َأحدٌ درى مبا فيهام‪،‬‬ ‫حرقتها‬ ‫َ‬ ‫الكيسني َأ َّي َأوراق َأو صحُ ٍ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫حبها حي ًة يف أوراق‬ ‫وبقيت هلا‬ ‫ٌ‬ ‫نبضات من ِّ‬ ‫ولكانت أنقذت تلك الرسائلَ ‪/‬الثرو َة‪َ ،‬‬ ‫رسائلها ِإىل الياس ورسائل الياس ِإليها‪ ،‬وفيها ما ال يقلّ ِإبداعً ا شعر ًيا عن قصائده‬ ‫َ‬ ‫جمموعتيه الشعر َّي َتني ا َألخري َتني ‪‬نداء القلب‪ ‬و‪ِ ‬إىل ا َألبد‪.‬‬ ‫التي َّغنى هبا ُأمي يف‬ ‫اقتنع َبأ ّن ما بني بني ُأمي والشاعر عالق ٌة َأدبي ٌة بحتة‪،‬‬ ‫عمي َ‬ ‫بعد سنوات‪ ،‬وكان ّ‬ ‫َ‬ ‫اعرتف هلا ِب َندَ مه َأ ْن يكون َأرغمها عىل ِإحراق تلك الرسائل‪.‬‬

‫‪127‬‬


‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬عرفوه‬ ‫القسم ّ‬

‫خالل مرض الياس يف َأيامه ا َألخرية َأرادت ُأمي َأن تزوره يف املستشفى‬ ‫َ‬ ‫صديقتها جورجيت بطرس‬ ‫(الفرنيس يف اخلندق الغميق)‪ .‬نز َلت ِإىل بريوت وزارت‬ ‫شاال ً‬ ‫معطف َف ْرو َو ً‬ ‫َ‬ ‫غامقا‬ ‫(والدة رجل ا َألعامل مرسال بطرس) واستعا َرت من عندها‬ ‫شبه ُم َت ّ‬ ‫خفي ٍة فلم َتدْ ِر هبا سوى ُأولغا التي‬ ‫ونظار َتني‬ ‫َ‬ ‫سوداوين ووص َلت ِإىل املستشفى ْ‬ ‫كانت ُأمي ا َّت َفقت معها َأن تزور املستشفى يف ساع ٍة ُمـحَ دَّ د ٍة ال يكون فيها َأحد من‬ ‫َأهايل الزوق‪.‬‬ ‫يطن‬ ‫ت ُأمي جرس سيدة املعونات ُّ‬ ‫سمع ْ‬ ‫صباح االثنني ‪ 27‬كانون الثاين ‪َ 1947‬‬ ‫خرجت ِإىل الرشفة فوجدت عىل ُشرفة بيت حبيب عودة منشف ًة‬ ‫طننيَ احلزن‪َ .‬‬ ‫فهمت َأ ّن الياس مات‪.‬‬ ‫سوداء‪َ .‬‬ ‫ذهب هو ِإىل الكنيسة‪ ،‬وهي‬ ‫منعها َأيب من الذهاب ِإىل ْاملأتم يف اليوم التايل‪َ .‬‬ ‫سيدة املعونات‪ .‬ومن هناك‬ ‫ذهبت عند لطيفة َألن َبيتها يطلُّ مبارش ًة عىل كنيسة ّ‬ ‫َ‬ ‫زن فاجع‪َ ،‬وأ َلقت عىل نعشه‪ ،‬من بعي ٍد‪ ،‬نظر َتها ا َألخرية قبل َأن حيم َله‬ ‫تا َب ْ‬ ‫عت ْمأمته بـحُ ٍ‬ ‫الزوقيون ِإىل مدافن بيت الباشا يف حارة املري‪.‬‬ ‫نفيس‪ .‬ومل َي ُطل به ا َألمر هو‬ ‫َوأ ُذكر َأ ّن َأيب يومها عاد من ْاملأتم ُم َره ًقا من َت َـمز ٍُّق ّ‬ ‫نفسها بعد عرشة َأشهر‪ :‬هنار عيد ميالدي‬ ‫اآلخر حتى تو ِّفي بسكتة قلبية يف السنة ِ‬ ‫فيصطحبني من‬ ‫احلادي عرش (السبت ‪ 15‬ترشين الثاين ‪ .)1947‬كان َوعَ دين َأن ْيأيت‬ ‫َ‬ ‫ت‪ .‬جاء السائقُ زعيرت وحدَ ه‪َ .‬‬ ‫سأ ُلته‬ ‫املدرسة ِإىل البيت لالحتفال بعيدي‪ .‬يومها مل ْيأ ِ‬ ‫عن َأيب فقال يل ِإنه مريض يف البيت‪ .‬وحني وص ْلنا ِإىل البيت َ‬ ‫يت زمحة الناس‬ ‫ورأ ُ‬ ‫فهمت َأن َأيب لن حيتفل بعيدي بل العائل ُة ك ُّلها حتتفل بوداعه ا َألخري‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫بقيت ُأمي با َأل ْس َود ِحدادً ا عىل الياس‪ .‬كان مو ُته ً‬ ‫صاعقا عليها‪.‬‬ ‫مخس سنوا ٍ‬ ‫ت َ‬ ‫َ‬ ‫طويال ً‬ ‫وبقيت عىل ذكراه ً‬ ‫نقي‪.‬‬ ‫مل ِ‬ ‫حتتم ْل ُه‪َ ،‬‬ ‫طويال يف وفاءٍ ّ‬ ‫عمي توفيق من ا َألرجنتني‪ .‬وبالتواتر ع ِل َم بالرسائل بينها‬ ‫بعد وفاة َأيب جاء ّ‬ ‫جلبت رسائ َلها ِإىل الياس من عند حبيب عودة الذي كان‬ ‫وبني الياس‪ ،‬وكانت ُأمي َ‬ ‫ً‬ ‫كبريين‪.‬‬ ‫كيسني َ‬ ‫وخب َأ ْتها مع رسائل الياس ِإليها يف َ‬ ‫حمتفظا هبا‪َّ ،‬‬ ‫‪126‬‬


‫القسم األ َ َّول‬

‫‪‬صديقي الياس‪...‬‬ ‫َ‬ ‫وه َ‬ ‫وك َت ُبوه‬ ‫ب‪َ ... -‬ق َرأُ ُ‬


‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ينظر إىل بيته َت َح َّول ُم ً‬ ‫تحفا‬ ‫تمثال أبو شبكة‬ ‫ِ‬


‫ِ‬ ‫مستمعا‪‬‬ ‫ست‬ ‫واج ْر َح ِشعري‪َ ،‬ل َ‬ ‫‪ ...‬وأَنت‪ُ ،‬‬ ‫الشاعر سعيد عقل‬

‫��م��را ق�ض�ى‪ ...‬م��ا يَ��قُ�� ْل يب يُ��ب ِْ��ق�ني وَ ِج��ع��ا‬ ‫عُ ً‬ ‫ل��ب اذلي ه��� َو يل‬ ‫اي وحيَ�����ه!‪َ ..‬ض��يَّ�� َع ال��ق�� َ‬ ‫ح�ّت�ىّ ِإذا مَ��� َّض��� ُه ادلاءُ‪ ،‬ارت������أَى وَ لِ��� ًع���ا‬ ‫ن���ي���ق‪ ،‬ليك‬ ‫وي���ومَ���ذاك ارت����دى ا‬ ‫ل��ث��وب األَ َ‬ ‫َ‬ ‫��غ��وص عىل‬ ‫أَفْ��ض�ى هب����ا‪ ...‬وم�َض�ىَ يحَْ��ك�ي‪ ..‬يَ ُ‬ ‫���دى‬ ‫اي‬ ‫ه���اج���را ع����ادَ ه���ذا ال��ي��وم ‪ -‬وه���و َص ً‬ ‫ً‬ ‫ق مُ ِ‬ ‫ستم ٌع‬ ‫��دي‬ ‫ف��ي��ك ا رَ‬ ‫َ‬ ‫ل��َش� ُ‬ ‫ِإىل ق��ص��ي َ‬ ‫ْ���ت ع��ن قملي‬ ‫���ك ! كيف انْ���زَح َ‬ ‫أَان أُح���بُّ َ‬ ‫ولِ��ل��ص��د ِ‬ ‫ن يف ال��ع��ص��ور ِ كَ����أ َ ْن‬ ‫اق��ة رَ ٌّ‬ ‫ل��ش��ع��ر‪ ،‬أَهشَ���� ُد‪ ،‬أَ‬ ‫اص��ط��ف��اك أَ ًخ���ا‪،‬‬ ‫ع���ط���اك‪:‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ا ُ‬ ‫ن���ت‪ ،‬ا ُنب ِطــيـبتـِ نا‪،‬‬ ‫ن���ت‪ ،‬يف عُ��مْ��قِ ما أَ َ‬ ‫وأَ َ‬ ‫ك�� َّن ل ًَظى‬ ‫يمات دَوْحِ «ال����زوق» ُ‬ ‫وال ن ُ َس ُ‬ ‫ل���������ولدْ ِ((( م���ن عَ����لىَّ هب���ا‪ ،‬يَ���� ُد ُ ه‬ ‫هل���ا ِم���ن ا‬ ‫ُ‬ ‫ِغ����وى اخ���ض��رارٍ‪ِ ،‬غ����وى زَهْ������رٍ‪ ،‬تَ��ش��اؤُمه��ا‬

‫‪v‬‬

‫ال��س��ي��ف مُ��رتَ ِ��دع��ا‬ ‫وال أَرُدُّ‪ ...‬ك����أَنيّ‬ ‫ُ‬ ‫كري ب ِ ِ‬ ‫بيت ِالش ْعر ِإ ْن بَ ُدعا‬ ‫وكيف ُس ْ‬ ‫أَ ْن أَ‬ ‫ْ��ج��رُ ال�� َولَ��ع��ا‬ ‫َ‬ ‫س��ت��ج��ي��ب لـِ�ـلُ��ق��ي��ا تَ��ف ُ‬ ‫يـَ��ـ��ق��و َل‪« :‬ه���ا مَ��ِل�كِ ٌ زارَ‪ ،‬اهلَ��ن��ا جمُ ِ ��ع��ا!»‬ ‫ْ����ري ح����تىّ رَدَّين ِق��طَ��ع��ا‬ ‫جَ���ل��ال ِ ِش����ع َ‬ ‫س���اق���ي اهلَ���ن���ا جُ���رَع���ا ‪-‬‬ ‫ل��ي��وم��ن��ا ذ اك‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫لست مُست َِمعا!‬ ‫ن����ت‪ ،‬واجُ����رْ َح ِش��عْ��ري! َ‬ ‫وأَ َ‬ ‫�����عْ�����ت؟ أَان ق��ل�بي لهَ����ا دَمَ���ع���ا!‬ ‫َ‬ ‫وم����ا دَمَ‬ ‫مش���س ال�� ُض��ح��ى‪َ ،‬سطَعا‬ ‫�ل�ي‪ ،‬وال َ‬ ‫وَجْ����� ُه ال��� َع ِّ‬ ‫ال���رص ِ‬ ‫م��ن��ك رىع‬ ‫ْ���ف َ‬ ‫َ‬ ‫ب���ك اغ��ت�نى‪َّ ،‬‬ ‫وبهَ����ي َ‬ ‫ال أَه����لكُ َ اس��تَ��وح��ش��وا‪ ،‬ال عَ��ظ ُْ��م��مه َخ ِسعا‬ ‫ْ���س َص��ل�اةٍ واب�ت�ه���ا ُل دُع��ا‬ ‫و«‬ ‫ُ‬ ‫ال�������زوق» َه���م ُ‬ ‫�������رىم ومُ���خ��� َت���رَع���ا‬ ‫ً‬ ‫ِإهل������� ًة ُق����لْ��َت�هَ����ا‪ ،‬مَ‬ ‫ابب ال�َس�مَ��ا شرُ ِع���ا‬ ‫«اي ُ‬ ‫زوق»‪ ،‬قُ���� ْل‪ ،‬ف�ت�رى َ‬

‫‪ِ )1‬إشارة ِإىل رئيس بلدية زوق مكايل املحامي ُنهاد نوفل‪ ،‬والقصيدة ُمهدا ٌة ِإليه‪.‬‬

‫‪131‬‬


‫واج ْر َح‬ ‫و َأنت‪ُ ،‬‬ ‫ِ‬ ‫شعري‪...‬‬

‫أَ‬ ‫ـَ��ـ��ي غـَ��ـ��وٍ‬ ‫ل���غ���رب ىَّ‬ ‫ُ‬ ‫غ���ن هب��ا أَ ْن ال لـِ��ـ�َغ� ِّ‬ ‫ـِ���ي ال���شمُ���و ُخ‪ ،‬فال‬ ‫ك����أ َ ْن هل��ا ِم���ن ق���واف َّ‬

‫���روس���ا طُ�ْه�ـْ��رُه��ا بَ��رَع��ا‬ ‫تُ ىَ‬ ‫�����رج‪ ،‬ول��ك�� ْن عَ ً‬ ‫ْ���ق هل���ا ك َِ��ت��ع��ا‬ ‫رأْ ٌس هل���ا ذَ َّل‪ ،‬ال عُ���ن ٌ‬

‫ل��س��ي��اس��ةُ؟ ُق��لْ��ه��ا ا ِ‬ ‫ل���ش���ع َْ���ر‪ِ ،‬ع��زَّتهُ��ا‬ ‫وم���ا ا‬ ‫َ‬ ‫�����ك مل ت ِ‬ ‫خُْ���ف���ضْ��� ُه‪ِ .‬ق�ْس�مْ َ�� ُت��ن��ا‬ ‫ن�����ت رأْ ُس َ‬ ‫وأَ َ‬ ‫ل���ق���ت ِإىل‬ ‫فَ������راديت أَان أَنـِّ�����ي م���ا ان���ز‬ ‫ُ‬ ‫ك���أَن�ن�ي ال���نَ�س�ر يَ���بْ�ن�ي عُ��� َّش��� ُه ِ‬ ‫���را‬ ‫ك َ���ب ً‬ ‫ُ‬ ‫ت ِإ ْن أَطْ�� َع�� ْن عىل ال ُش َع َرا؟‬ ‫شاعرا رِص ُ‬ ‫أَ ْن ً‬ ‫ابك�����را‪ ...‬م��ا ه�� َّل ِم��ن قمل ٍ‬ ‫جـُـنـِّ ـْـبـتـُـها‬ ‫ً‬ ‫قْ�����ص ع�لى حَ���� ِّد ال��س��ي��وف‪ ،‬فال‬ ‫ال��ش��ع��رُ رَ ٌ‬ ‫ُ���ص ا ُنب ج ً�لا‬ ‫حَ���� ُّد ال��س��ي��وف‪ ،‬ع��ل��ي��ه يَ���رق ُ‬ ‫اب ُحل���س���ن ِ ع���لىَّ ع�لى ا ُحل���س���ن‪ .‬اق��ت��ح��امَ�� ُت��ه‬ ‫ت مَ ْو ـِت َي ِإ ْن‬ ‫ت؟ حاشا ! ِع ْش ُ‬ ‫ت جَ�� َّددْ ُ‬ ‫َب ِش ْع ُ‬ ‫ومَ�����ن يجُ������� ِّددْ ع��ل��ي��ه أَن يُ���ط��� َّل وال‬ ‫ل‪ :‬اشمْ َ����� ْخ اب َجل���م���ال‪ُ ،‬هنا‬ ‫وأَ ْن يُ����قَ���� ِّو كَ َ‬ ‫ٍ‬ ‫ل��ط��ان يُ��ركِّ�� ُع��ه‬ ‫يْ������ك  ! بِ��س��‬ ‫َ‬ ‫وذاك‪ ،‬وَ‬

‫‪v‬‬

‫����ذ ِ‬ ‫جَ��ب��ي�ُن�هُ��ا‪ .‬ال؟ ُخ ِ‬ ‫ال��ص��يْ�� َد ان�ت�هَ���وا تَ َ��ب��ع��ا‬ ‫أَان وأَ‬ ‫ن������ت‪ ،‬ك�����أ َ ْن ف��ي��ن��ا ا ِإلاب زُرِع����ا‬ ‫َ‬ ‫ْ��ب م��ا ُص ِقعا‬ ‫رىض ب�َس�هَْ��� ٍل‪ ،‬ح��ي��ايت ال�� َص��ع ُ‬ ‫ً‬ ‫ع�ل�ى َش��� َف���ا ش���اه��� ٍ‬ ‫ق بـِ�ـال�لا ُه��ن��ا ط َِ��م��ع��ا!‬ ‫ِ‬ ‫���غْ���رةِ ان��دل��ع��ا‬ ‫ع���رف�ُت�هُ���ا مَ َ‬ ‫َ‬ ‫����ر ًض����ا يف ال���ص َ‬ ‫ن��ث��رت ع��ل��ي��ه ال�������وردَ وال���� َورَع����ا‬ ‫ِإالَّ‬ ‫ُ‬ ‫خَ َي������ ْل ُس���ن���ون���و تَ���� َش����ا ىك أَنّ������ه َس�� َج��ع��ا‬ ‫���اص ِ‬ ‫آانت حُ���سْ���نٍ‪ ،‬ص����ا َل م���ا ُق ِ��م��ع��ا‬ ‫ق���نَّ ُ‬ ‫ٍ‬ ‫زه�������ر ُه رُبِ���ع���ا‬ ‫ع���ط���اء‬ ‫ه�����ذي‪ ،‬رب���ي��� ُع‬ ‫ُ‬ ‫ع����ت م���ا رَهْ�����طُ بُ������ َّداع ٍ هل َخ�� َض��ع��ا‬ ‫زَعْ����زَ ُ‬ ‫ِإط���ل��اةل َ ال�ش�م��� ِ‬ ‫س تمَ���ح���و َّلك م���ا وَ ُض���ع���ا‬ ‫ال��ب��عْ�� ُد ارجت����ى وَ َس���ىع‬ ‫ال ال��قَ��بْ�� ُل ق����ال‪ ،‬وال َ‬ ‫ِ‬ ‫ك�� ُّل ال��س�لاح ِ كعىَ ‪.‬‬ ‫كالسيف ك��ابَ��رَ ِإذْ ُ‬

‫ِ‬ ‫��ع��رك‪ِ ،‬إن‬ ‫حَ َ��ب��بْ��تُ�� ُه نَ�� َف ً��س��ا يف‬ ‫ل���ون ِش َ‬ ‫ل�ت�م���اس ِ‬ ‫���ك‪ ،‬ها‬ ‫والتَ���ن��ي ِآخ������ ًذا أَخْ������ َذ ا‬ ‫ُ‬ ‫اق رَ ْونَ���قُ���ه���ا‪،‬‬ ‫تمَ�ش�ي ف�َت�مَ�شي ال���ق���وايف ر َ‬ ‫كل‪ ،‬اعْ��لَ�� ْولَ��ت أَرُومَ�ُت�هُ���ا‪،‬‬ ‫��ب َ‬ ‫وتَ��س��ت��ج��ي ُ‬ ‫دوم����ا كل ال���وتَ���رُ ا ْز َه������� ْو ىَه ب��ن��اقـِ�ـرِهِ‪،‬‬ ‫ً‬ ‫��ي��ت ف���اج���ر ًة!‬ ‫ن�����ت‪ ،‬ول���و غ�� َّن َ‬ ‫ن�����ت أَ َ‬ ‫وأَ َ‬

‫‪v‬‬

‫�ي�ن م���ا ارتَ�� َف��ع��ا‬ ‫يمَ���تَ��� َّد رافَ������ َع ِم����ن ص��� ّن َ‬ ‫��ف ُه��ن��ا اصطَرعا‬ ‫رُمْ���� ٌح ُه��ن��ا َش َّ‬ ‫���ك‪ ،‬ه��ا س��ي ٌ‬ ‫لت الصبا رَجَ��ع��ا‪...‬‬ ‫لت اهل��وى‬ ‫ط��اب أَو ُق َ‬ ‫ُق َ‬ ‫َ‬ ‫اط�����ر رُوَّ ٌع ألْالؤُه����������ا بَ����رَع����ا‬ ‫َخ�����و ٌ‬ ‫كل ال���واح��� ُة احْ��لَ�� ْولَ��ت لمِ َ���ن َرتَ��ع��ا‬ ‫دوم����ا َ‬ ‫ً‬ ‫ْ��ت مَ��ن ضرَ َعَ���ا!‬ ‫ن����ت‪ ،‬ول��و غ��ا َض��ب َ‬ ‫ن����ت أَ َ‬ ‫وأَ َ‬ ‫‪133‬‬


‫وه َ‬ ‫وكتَ ُـبوه‬ ‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬قَ َر ُأ ُ‬ ‫القسم ّ‬

‫سعيد عقل يلقي قصيدته يف خمسينية َأبو شبكة وبدا َ‬ ‫السفري فؤاد الرتك وكان يدير االحتفال‪.‬‬

‫‪132‬‬

‫ْت هب��ا؟‬ ‫ﭘ‬ ‫اـري�����س ط��ايَ��بْ�َت�هَ��ا ح�ّت�ىّ أُ ِخ�������ذ َ‬ ‫ُ‬ ‫ش��ع��ر مُه ُ‬ ‫ﭬــِ�ــ��يُّ��ون‪ ،‬ب��ودل�ير‪ ،‬رَم���ب���و‪ ...‬قيل ُ‬ ‫���ح���ر‪ ...‬حَ�����ذار ِ! عُ�لى‬ ‫وال�� َص��ع�� ُ‬ ‫ل�كات هل��ا ِس ٌ‬ ‫ع��ن��دك ما‬ ‫��ل�اك‪ :‬ال��ف�� ُّن‬ ‫َ‬ ‫أَدري أَان م��ا عُ َ‬ ‫ل��ك�� ْن لمَ ِ �����لءُ ادلُـن�����ى‪ ،‬ل��ب��ن��ان! ت��ع�� ِرفُ��ه��ا؟‬ ‫ُه��ن��ا ال�ك�م���ا ُل‪ُ ،‬ه��ن��ا مَ���رض���اةُ م���ن طَ��ُه��رُ وا‪،‬‬ ‫ُه��ن��ا عُ�ل�ى امل�����رأَةِ‬ ‫��ت ك��رامَ��تهُ��ا‬ ‫َّ‬ ‫ان��ص��ك ْ‬

‫‪v‬‬

‫اـري�����س تَ��عْ�� ُب�� ُد م�نه��ا ال��� َب��� ْد َع ال ال��بِ�� َدع��ا‬ ‫ﭘ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫�������م ع���ا ُش���وا ال��� ّض���ىن وَ ِس���ع���ا‬ ‫���ع���را أل هََّنُ ُ‬ ‫ش ً‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ابْ����ل نَ�� َص�� َع��ا‬ ‫ا ِإل‬ ‫ن���س���ان‪ :‬ذ َ‬ ‫��ع��ر‪ ،‬هُ ُ‬ ‫اك ه��و ال��ش ُ‬ ‫ا ِإلع���ص���ارُ؟ م��ا ال��ن��ارُ؟ م��ا جَ���نيْ ُ ال ِ��ص��ب��ا يَ َنعا؟‬ ‫���وب امل��ج ِ��د مُ��ترَّ َعَ��ا‬ ‫��ن��ت‪ُ ،‬‬ ‫شرَ ِبْ���تَ��� ُه‪ُ ،‬‬ ‫ك َ‬ ‫ك َ‬ ‫ك���رِع���ا‬ ‫ه��ن��ا زُال ُل ال��ي��ن��اب��ي��عِ ال�����رِىض ُ‬ ‫َ��ح��ل ِ‬ ‫ك ِ‬ ‫يئ م���ا ام�� ُت ِ��ق��ع��ا‬ ‫ْ��ي��ة ال��ل��ؤل��ِؤ ال��� َض���و ِّ‬


‫سنستملِ ُ‬ ‫ك البيت‬ ‫المحامي نهاد نوفل‬

‫المحامي نهاد نوفل يلقي كلمته يوم‬ ‫َ‬ ‫االحتفال بافتتاح متحف أبو شبكة‪.‬‬

‫رئيس بلدية زوق مكايل املحامي هناد نوفل‪ ،‬را ِف ُع ُّالت َهم عن الناس‪ ،‬هو َأكث ُر‬ ‫مقصر يف العمل لتكريم َأبو شبكة‪.‬‬ ‫الناس تع ُّر ًضا ِل ُـم َّت ِهمي جملس البلدية َبأنه ّ‬ ‫غري القليل ُّ‬ ‫ت الفعل‬ ‫عىل َأ ّن هناد نوفل‪ ،‬وهو الشاب ُ‬ ‫الطموح(((‪ ،‬يعمل يف صم ِ‬ ‫وقعا من القول‪ُ  :‬قمنا ّ‬ ‫حتى اليوم بغري بادرة جتاه َأبو شبكة‪َ .‬أبر ُزها مسعانا لدى‬ ‫ا َألشدّ ً‬ ‫‪ )1‬كان يف اخلامسة والعرشين حني تو ّلى رئاسة البلدية (سنة ‪َ )1963‬وأخذ ينهض ِإىل العاملية بزوق مكايل التي احتفلت‬ ‫يف ‪ 25‬ترشين الثاين ‪ 2013‬بالسنة اخلمسني لتو ّليه رئاسة البلدية‪.‬‬

‫‪135‬‬


‫وه َ‬ ‫وكتَ ُـبوه‬ ‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬قَ َر ُأ ُ‬ ‫القسم ّ‬

‫���ري���ك جَ�� ًف��ا‬ ‫ان�����ت ال تُ‬ ‫ال��ل��ف��ظ�� ُة ال���ن���ارُ د ْ‬ ‫َ‬ ‫قْ��ت ! م��ا نَ���ز ِ ٌق‬ ‫بْ���ت َ‬ ‫كل اس��تَ�نزَ َ‬ ‫ومك طَ���ر ِ ُ‬ ‫ف��ي��ه م��ن ا ِ‬ ‫ل���ك�ْب�رْ ِ‪ ،‬ف��ي��ه م��ن َصالبـَـتـِ ـنا‬ ‫ْ��ت أُ ِ‬ ‫ت��ق�� ُن�� ُه‪،‬‬ ‫ع�ّن�يّ تَ��ع��اطَ��ي َ‬ ‫ْ��ت وَخْ����� ًزا ل��س ُ‬ ‫���ك ار ِج���� ْع ِإل�يه��ا‪ ،‬ار ِج���� ْع ول��و َشب ًحا‪،‬‬ ‫رجَ���وتُ َ‬ ‫ف مَن؟‬ ‫و َب��ع�� ُد‪ ...‬غنَّ ْي َ‬ ‫ت جمْ�� َد ا ُحل ِّ‬ ‫���ب ! ت��ع�� ِر ُ‬ ‫احل����ب أَمج���� ُل م��ا نُ��عْ��ط��ى‪...‬‬ ‫و‬ ‫ُ‬ ‫ت��ك��ون هلُ‬ ‫ُّ‬ ‫��ط��ي��ب‪ ...‬أَان‬ ‫أَواترُه�����ا‪ ،‬ق��ل ُ��ب َ‬ ‫��ك ال��ن��ايه‪ ،‬يَ‬ ‫ُ‬ ‫ح���ب���ب ُ‬ ‫ْ���ت حُ���بَّ���ك تُ���غ���ري���ه‪ ،‬تُ����ق���� ِّولهُ ُ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ف‬ ‫����ع����ر ُه شرَ َ ٌ‬ ‫أُ ٌّس أل ُّم�����ت�����ه مَ����ن ش ُ‬ ‫ل��ش��ع��وب ـب��م��ا َخ��طَّ��ت ي��� ُد ال�� ُش�� َع��را‬ ‫تُ��ب�نى ا‬ ‫ُ‬ ‫�ْل� ﭬــِرـجيل‪َ ،‬س�� ْل ُهومري‪ :‬هل بِ ِس ًوى‬ ‫َس�� ْل‪َ ،‬س هْ ُ‬ ‫������ق ِم���ن روم����ا َب��س��الـَ��ـ��تهَ��ا‪،‬‬ ‫َه�����ذاك أَن َّ َ‬ ‫لك ه���ذا‪ .‬ظَ����� َّل‪ ...‬ظَ��� َّل عىل‬ ‫وأَ َ‬ ‫ن�����ت يل ُّ‬ ‫م����اذا ! َص��دي��قَ�ين رصان ال���ي���وم؟ ال ُخ�����سرُ ٌ ! !‬ ‫ـل��م��م��ك��ن��ات‪ ،‬أَال‬ ‫و اي رف��ي�� ًق��ا‪َ ،‬س��ج َ‬ ‫�ين ا ُ‬ ‫��ع��ت يل فُ َ��ر ًص��ا‬ ‫أَان أُ ِح‬ ‫������ب‪ ...‬فَ����لمِْ َض��يَّ َ‬ ‫ُّ‬

‫‪134‬‬

‫‪v‬‬

‫���ت ابل���ش���ذا رَ ِص��ع��ا‬ ‫وال��ل��ف��ظ�� ُة ال���طُ�ْه�رْ ُ ه���بَّ ْ‬ ‫ق ِإ ْن َص َفعا‬ ‫أَان‪ ،‬ول��ك�� ْن حَ َ��ب��ب ُ‬ ‫ْ��ت ال��َن�زَْ َ‬ ‫يف ِ‬ ‫وج���ه مَ��ن ع��ن�� َد ِج���� ْذع ِ األَرز ِ م��ا َخ َشعا!‬ ‫ْ��ت ك���أ ْ ًس���ا ـُس�� ُّم��ه��ا نَ��قَ��ع��ا‬ ‫ع�ّن�يّ تَ��ع��اط��ي َ‬ ‫قْ���ت‪ ،‬ع�ّن�يّ أَان‪ ،‬يف ِ‬ ‫وجْ����ه م��ن َب ِ��ش��ع��ا!‬ ‫نَ���ز ِ َ‬ ‫ك ال َض ىَن انزتَعا‬ ‫مَ ْن ُ‬ ‫ت؟‪ ...‬مَن ِش ْع ُره َش�� ْو َ‬ ‫ك ْن َ‬ ‫ق���ي���اث�ي�ر‪ ،‬ان�َت�هَ ِ���ي ِخ��لَ��ع��ا‬ ‫ق����ي����ث����ار ًة؟‪ ...‬اي‬ ‫ُ‬ ‫��ت‪ُ ،‬ص ِ��دع��ا!‬ ‫ق��ل�بي‪ ،‬لـِــهـَـبـَّ ِـة ِع��طْ��ر ٍ ط��ايَ�� َب ْ‬ ‫أَ ْن آ ُه���ن���ا يه ُآه ا ُحل�ـ�ـ���رِّ ِإ ْن لذُ ِع���ا‬ ‫م������ر ًة رَ ِض���ع���ا‬ ‫ال مَ����ن ح�� َ‬ ‫ل��ي��ب ِس����ب����اع ٍ ّ‬ ‫كَ�� ْد ُس اجلمال‪ِ ،‬‬ ‫��ت‪َ -‬ش َفعا‬ ‫ب��ه‪ِ -‬إ ْن أَوجَ�� َع ْ‬ ‫ِع������ز ٌّ ل����روم���� َة أَو ِإغ���ري���ق���ي���ا ُش ِ���ق���ع���ا؟‬ ‫ِ‬ ‫����رع����ا!‬ ‫ه�����ذا ِإل����ي����ه ِص���ب���ا ِإغ���ري���ق���ي���ا َه َ‬ ‫ط���اب مُنت َجعا!‬ ‫ب��ي��ت ِش��ع�� ٍر‬ ‫ف��م��ي‪ ،‬ك��م��ا‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫���ي���ف‪ ،‬همِْ هب���ا مُ��تَ��ع��ا‬ ‫كل َس‬ ‫ْ���ب�ت�ي َ‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫وص���ح َ‬ ‫ب ا َجل��م��ال ِ معا؟‬ ‫تَ ْشجى أل َْن مل نخَ ُ ْ‬ ‫���ض حَ���رْ َ‬ ‫بهِ���ا أَج��ي��ئُ��ك ابل���ت���اج ِ ان��تَ��قَ��ى ال��لُ�� َم��ع��ا؟‬ ‫َ‬ ‫مهرجان ‪‬خمسينية الياس أبو شبكة‪:‬‬ ‫القصر البلدي ‪ -‬زوق مكايل‬ ‫(‪ 22‬حزيران ‪.)1997‬‬


‫ِ‬ ‫سنستمل ُك‬ ‫البيت‬

‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫حديثا‬ ‫متحفا‬ ‫صيره اليوم‬ ‫‪ ...‬وهكذا‬ ‫ّ‬ ‫يضم آثار الشاعر‬

‫‪ ...‬ومنا ِإىل املسؤُ ولني واملسؤُ ولني عن املسؤُ ولني‪ :‬با َألمس كان يف قفص‬ ‫جملس بلدية زوق مكايل‪ .‬لكنه‪ ،‬عىل ما يبدو‪َ ،‬أطلق البادرة‪ .‬ويبقى التنفيذ‪.‬‬ ‫اال ّتهام‬ ‫ُ‬ ‫غضب‪ :‬هوذا مرشوعٌ ال جيو ُز ْتأخريه َأو ُ‬ ‫الصوت نرفعه يف َ‬ ‫التباطؤُ يف تنفيذه‪.‬‬ ‫ِإ ّما َأن نكون جديرين ُبأدبائنا فنك ّرمهم كام تك ّرم الدولُ الراقي ُة احلضاري ُة ُأدباءها‪،‬‬ ‫َوأما َأننا ال نستاهل ُأدباءنا وال ا َألدب‪ ،‬ومن َث َّـم ال نستاهل كـن َز ترا ِثنا ا َألديب‪.‬‬ ‫‪‬الحوادث‪ - ‬العدد ‪ 27 - 1108‬كانون الثاين ‪1978‬‬

‫‪137‬‬


‫وه َ‬ ‫وكتَ ُـبوه‬ ‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬قَ َر ُأ ُ‬ ‫القسم ّ‬

‫ّ‬ ‫َ‬ ‫هكذا تسلم نهاد نوفل بيت أبو شبكة‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫مهجورا مخل ًعا يكاد ينهار‪...‬‬

‫اجلهات املختصة يف وزارة الرتبية لتسمية التكميلية الرسمية يف الزوق ‪‬مدرسة الياس‬ ‫َ‬ ‫تالميذها قمصا ًنا خاصة‬ ‫وطلبنا ِإىل املسؤولني يف هذه املدرسة َأن ُيل ِبسوا‬ ‫َأبو شبكة‪ْ ،‬‬ ‫عليها اسم الياس َأبو شبكة‪ ،‬ومطبوعٌ عليها رسمه ففعلوا‪ .‬وجملس زوق مكايل البلدي‬ ‫لكن املنجَ ز ا َألهم‪ :‬قرار‬ ‫دعا مرا ًرا ِإىل حفالت تكرميية لشاعرها يف مطلع السبعينات‪ّ .‬‬ ‫متحفا يليق به‪َ .‬‬ ‫املجلس البلدي باستمالك بيت الشاعر لتحويله ً‬ ‫بدأ املسعى منذ ‪1973‬‬ ‫ُ‬ ‫يتباطأ يف الدوائر الرسمية ّ‬ ‫حتى تو َّقف يف التنظيم ال ُـمدُ ين لـ‪‬عدم املوافقة‪.‬‬ ‫وراح القرار‬ ‫لكن مسعاي ّ‬ ‫شهر مرشوعَ مرسوم بذلك يف‬ ‫مؤخ ًرا َأمثر مع وزير ا َألشغال فو َّقع منذ نحو ٍ‬ ‫انتظار توقيع وزير الداخلية فرئيس الوزراء لصدوره يف مرسوم مجهوري‪ .‬بعدها سنسعى‬ ‫هتتم باملنزل و ُتحافظ عليه‪.‬‬ ‫ِإىل تشكيل جلن ٍة خاصة ّ‬ ‫‪136‬‬


‫اتِّ حاد الـ ‪َ ‬أنا‪‬‬ ‫بـالـ ‪َ ‬أنت‪‬‬

‫تتجسد َسكرة العشق اللهيف ِإىل املطلق َلت َّت ِخذ‬ ‫عن طريق الوصال‬ ‫ّ‬ ‫اجلسدي الذي به َّ‬ ‫حسي ًة للرباءة‪،‬‬ ‫بفعل احلب ُفيصبح اجلسدُ حال ًة روحية‪،‬‬ ‫شك َلها ا َألريض ْ‬ ‫واللقاء صيغ ًة ّ‬ ‫ُ‬ ‫و ِإذا ال ُـمتناهي َيـحوي الالمتناهي‪ ،‬و ِإذا ّ‬ ‫ة‪/‬العفاف ُتزيل الفواصلَ بني ‪‬ا َألنا‪‬‬ ‫باللذ َ‬ ‫َ‬ ‫احلب‬ ‫و‪‬اآلخر‪َ ‬فتفنى ا ُهلو ّية يف ا ُهلو ّية و ُت َقتل ا َألضدادُ ويدُ وم حبو ُر النعيم‪ ،‬ويصري هذا ّ‬ ‫ً‬ ‫يندمج العاشق باملعشوق وتتعادل ال َـ‪‬أنت‪ ‬وال َـ‪‬أنا‪َ ‬ف َي َتعادلُ‬ ‫عديال ِإميا َنه الديني ِإذ‬ ‫ُ‬ ‫صري الشاع ُر يف الوقت نفسه هو املص ِّلي وهو‬ ‫الضمريان‬ ‫ويصري ِاإلميان ْ‬ ‫كفعل احلب و َي ُ‬ ‫ُ‬ ‫حوهلا الشاعر َأراجيح ُمـحَ َّمل ًة بالروح الفولكلورية‪ ،‬ترحتب يف‬ ‫الصالة‪ .‬والطبيع ُة التي َّ‬ ‫هبائها العميم‪ ،‬و ُتشادُ َبأمجعها ً‬ ‫هيكال للعبادة‪ ،‬و َيرسي احلب يف مجيع خاليا الوجود‪.‬‬ ‫مفتوحا عىل الصريورة املتجدِّ دة‪َ ،‬مـحمول ًة‬ ‫ً‬ ‫ـموت الشاعر و َتبقى قصائدُ ه عا َل ًـما‬ ‫َي ُ‬ ‫عىل احتامالت اخليال َ‬ ‫لألجيال اآلتية‪.‬‬ ‫‪‬النهار العريب والدويل‪ - ‬العدد ‪ 2 - 196‬شباط ‪1981‬‬

‫‪139‬‬


‫ا ِّتحاد الـ ‪‬أَنا‪ ‬بالـ ‪‬أَنت‪‬‬ ‫نطون ّ‬ ‫الدكتور أ َ ُ‬ ‫غطاس كرَم‬

‫يف مهرجان ‪‬ثالثون َأبو شبكة‪( ‬النادي اللبناين للسيارات والسياحة‪ -‬الكسليك‪-‬‬ ‫‪ 12‬آذار ‪َ )1977‬ألقى الدكتور َأنطون غطاس كرم كلم ًة حتليلي ًة عميق ًة خرج منها‬ ‫شخصيته َّ‬ ‫املركبة‪.‬‬ ‫َأبو شبكة َبأهبى‬ ‫َّ‬ ‫بعض ما يف تلك الكلمة‪:‬‬ ‫هنا ُ‬

‫‪ ...‬زاولَ َأبو شبكة َّفنه عىل َّ‬ ‫خطني متواز َيني يف الزمن‪ُ ،‬مو َّزعً ا بني نقاء‬ ‫ف التو ُّتر ال ُـمحْ َكم يف َ‪‬أفاعي الفردوس‪َ .‬‬ ‫ت عن هذا التناقض‬ ‫نشأ ْ‬ ‫غلواء ِ‬ ‫الرخ ّي وعن ِ‬ ‫ُ‬ ‫درامي‪:‬‬ ‫قسم ْت ُه ِضدَّ ين فتفجَّ ر عن رصاع‬ ‫نداء اجلسد فينزلقُ ِإىل‬ ‫جدلي ٌة َ‬ ‫يستيقظ فيه ُ‬ ‫ّ‬ ‫ا ِّتباع النداء‪ ،‬ثم تعي ْ‬ ‫َّ‬ ‫حجم اخلطيئة و ِإذا ببعض‬ ‫س رهب َة السقوط‬ ‫فيتضخم فيها ُ‬ ‫النف ُ‬ ‫ُ‬ ‫البلوري القديم ْ‬ ‫الص ِف ّي ُي ِنكر َ‬ ‫قتلته‬ ‫حبه‬ ‫بعضه اآلخ َر الدَّ ِنس‪.‬‬ ‫الشاعر َ‬ ‫ّ‬ ‫ويعرتف َبأ ّن ّ‬ ‫وت له‪َ ،‬‬ ‫ودبيب‬ ‫اخلراب‬ ‫فرأى يف هيكله‬ ‫املعصي ُة فامت‪ ،‬ومعه مات ِاإلميان الذي هو ُق ٌ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫الفناء َ‬ ‫وش َر َق مبرارة الفاجع‪.‬‬ ‫احلب ا َألخري وا َألكرب الذي َفجَّ َره‬ ‫عىل َأ ّن َأبو شبكة مل جيدْ‬ ‫َ‬ ‫مفتاح السعادة ِإ ّال يف ِّ‬ ‫فاستنبط له شخصي َة َ‬ ‫َ‬ ‫يف ‪‬نداء القلب‪ ‬و‪ِ ‬إىل ا َألبد‪،‬‬ ‫حواء النقية‪ ،‬ووصلَ‬ ‫املرأة‪/‬الطفلة‪ّ ،‬‬ ‫حبه با َألزل َ‬ ‫تطورها ا َألخري ِإىل‬ ‫تتحولَ ذا ُته يف ُّ‬ ‫وبأبطال َأساطريه يف العامل‪ .‬وبدَ لَ َأن َّ‬ ‫َّ‬ ‫ص ِإىل مبد ِإ االحتاد وحمو ِاإل ْث َن ْي ِن ّية‬ ‫مبد ِإ وحدة الوجود (كام فعل‬ ‫الرومنطيقيون) َخ ُل َ‬ ‫ّ‬ ‫‪138‬‬


‫َه َب َط في‬ ‫قلوبنا‬ ‫ِإلى ا َألبد‬

‫حرصه عىل كرامة الشعر‪َ ،‬وأنه كان شاع ًرا يف نثره كام يف شعره‪.‬‬ ‫جمعنا به ُ‬ ‫و َي ُ‬ ‫احللم بالفردوس ا َألريض‪،‬‬ ‫جمعنا به هذا احلننيُ ِإىل‬ ‫و َي ُ‬ ‫فردوس مفقود‪ ،‬هذا ُ‬ ‫ٍ‬ ‫والعذاب يف هذا احللم وعدم االستقرار‪ .‬فهو يرى احلل يف الطبيعة وال جيدُ ه‪ ،‬ويراه‬ ‫يف احلب وال جيدُ ه‪ ،‬ويراه يف اخلمر وال جيدُ ه‪ ،‬ويراه يف منتهى العواطف وال جيدُ ه‪،‬‬ ‫وندم عىل كلّ يشء‪.‬‬ ‫دائما قلقٌ وحرس ٌة عىل كلّ يشء ٌ‬ ‫فثمة عنده ً‬ ‫جمعنا به شعوره اهلائل َّ‬ ‫بالندَ م (هتا ُل ُكه العظيم عىل ط َلب التوبة وط َلب الغفران)‪.‬‬ ‫و َي ُ‬ ‫ذاتيا َ‬ ‫وكأ ّن لبنان هو‪ ،‬وهو لبنان‪.‬‬ ‫جمعنا به ِإحساسه‬ ‫و َي ُ‬ ‫حساسا ً‬ ‫بلبنانيته ِإ ً‬ ‫ّ‬ ‫بقي ً‬ ‫طفال‪َ ،‬وأنه كان يستاهل حيا ًة َأفضل من التي عاشها‪.‬‬ ‫و َي ُ‬ ‫جمعنا به َأنه َ‬ ‫قصاص العامل َألبو شبكة عىل‬ ‫كان َألبو شبكة شجاع ٌة فائق ٌة يف مواجهة العامل‪ ،‬وكان‬ ‫ُ‬ ‫فعاقبه بالفقر والعذاب واملرض واملوت‪.‬‬ ‫قدْ ر شجاعته َ‬ ‫وبقي العامل‪ ،‬ورحل الياس َأبو شبكة‪.‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫وغري بقاءِ العامل‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫لكن أبو شبكة أ ًيضا سيبقى‪َ ،‬‬ ‫راح‬ ‫العا َل ُـم يبقى َليصطادَ العصافري و َيسجُ َنها‪َ ،‬وأبو شبكة يبقى ِل ُي ْطلقَ يف العامل َس َ‬ ‫العصافري‪.‬‬ ‫قبلَ َأن َيلفظ َأنفاسه عىل رسير املرض قال لصديقه فؤاد حبيش‪ :‬عصفو ٌر صغري‬ ‫يستطيع ُه عصفو ٌر صغري؟‪‬‬ ‫وهبط‪ .‬ما الذي‬ ‫ُ‬ ‫طار‪ ،‬طار‪َ ،‬‬ ‫ب‪.‬‬ ‫عظم جمد ِلإلنسان‪:‬‬ ‫بىل‪َ ،‬يستطيع‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫يستطيع َأن ُي ِح ّ‬ ‫يستطيع َأ َ‬ ‫نت يا الياس َأبو شبكة‪.‬‬ ‫وهذا ما فع ْل َت ُه َأ َ‬ ‫وهبط‪ ،‬لكنه َهب َط يف قلوبنا ِإىل ا َألبد‪.‬‬ ‫والعصفور الذي هو َأ َ‬ ‫نت‪ ،‬طار ‪ -‬صحيح ‪ -‬طار َ‬ ‫‪‬النهار العريب والدويل‪ - ‬العدد ‪ 2 - 196‬شباط ‪1981‬‬

‫‪141‬‬


‫ط في قلوبنا ِإلى َ‬ ‫َه َب َ‬ ‫األبد‬ ‫الشاعر أُنسي الحاج‬

‫‪ ...‬ويف املهرجان ذاته (‪ 12‬آذار ‪َ )1977‬ألقى ُأنيس احلاج كلم ًة شفاف ًة رسم فيها‬ ‫ما يفصلنا عن َأبو شبكة وما جيمعنا به‪.‬‬ ‫بعض ما يف كلمته‪:‬‬ ‫هنا ُ‬

‫‪ ...‬يفص ُلنا عن َأبو شبكة‪ :‬غيا ُبه‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫اختالف يف ط ُرق التعبري‪.‬‬ ‫ويفص ُلنا عنه‬ ‫تغيرات عىل كلّ صعيد‪.‬‬ ‫ويفص ُلنا عنه عا َل ٌـم َبأرسه من ال ُـم ّ‬ ‫جمعنا به ُ‬ ‫جتربته ِاإلنسانية التي بفضلها سيبقى ِشع ُره مثا َر اهتامم‪ ،‬وهي جترب ٌة‬ ‫و َت ُ‬ ‫صدق حتى َس َ‬ ‫حق ْت ُه احلياة وهو يف منتصف الطريق‪،‬‬ ‫ْمأساوي ٌة عاشها برهاف ِة ٍّ‬ ‫حس واندفاع ِة ٍ‬ ‫تطو َره‪ ،‬وال َأمه َل ْته ليضع حياته ك َّلها يف شعره باختياراهتا وخالصتها‪.‬‬ ‫فلم مته ْله ُليكملَ ُّ‬ ‫بعض اخلسارة يف تو ُّقف عطائه قبل ا َألوان َأنه‪ِ ،‬إىل جانب ُكتبه‪،‬‬ ‫يعوض علينا َ‬ ‫ولعلّ ما ّ‬ ‫العبقري‪،‬‬ ‫ت َرك لنا ِشع َر حياته وهو شديدُ الوهج‪َ .‬فأبو شبكة‪ ،‬ككلّ شاعر ذايت من طرازه‬ ‫ّ‬ ‫يعيش الشعر كام َي ُكت ُبه بل َأكثر‪ .‬وهو هذا ما ُيكملُ فينا صور َة الشاعر‪ :‬هذا َّالت َو ُّحدُ‬ ‫ُ‬ ‫الشعر‪ ،‬هذا االنوجادُ ِشعر ًيا يف كلّ حلظة‪ .‬وهذا ما كانه َأبو شبكة‪.‬‬ ‫الكياين مع ِ‬ ‫باحلب‪ ،‬ا َألشب ُه ما تكون باالهنيار‬ ‫جمعنا َبأبو شبكة تلك الرصخ ُة ِاإلميانية‬ ‫و َت ُ‬ ‫ّ‬ ‫بني براثن احلب‪.‬‬ ‫‪140‬‬


‫لبنان في‬ ‫ُر َؤى‬ ‫َأبو شبكة‬

‫فكري عجيب عرب َأحداث السياسة يف احلارض َوأقوال ا َألنبياء يف املايض ‪ -‬كان يرى‬ ‫ّ‬ ‫لبنان الغد وما يعانيه يف هذه ا َأليام‪.‬‬ ‫طبيعي َأ ّال َيجهر مبا كان خيتلج يف نفسه‪ ،‬تفاعُ ًال مبا كان َيلقى عند من مت ّلى‬ ‫ٌّ‬ ‫َ‬ ‫جتمع يف أعامقه اخلفية ورغباته‬ ‫َبأقواهلم َوأطال صحبتهم َو َل َّـج يف خمالصتهم‪ ،‬ف ِإذا بـام َّ‬ ‫رؤى متناثرة‪ ،‬ينتظمها ٌ‬ ‫سلك‬ ‫الالشعورية َوأفكاره غري املعرتف هبا‪َ ،‬أطلع شع ًرا ينضح ً‬ ‫الفكري‬ ‫روحيا يف معينه‬ ‫ّ‬ ‫خفي ال يراه ِإ ّال َمن اندمج ك ّل ًيا يف ّ‬ ‫جوه الشعري‪ ،‬وانسجم ً‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫طار َ‬ ‫ثابتني‪ :‬لبنان وغلواء‪،‬‬ ‫ماضيا‬ ‫ِإ ً‬ ‫رهاصا ِإثر ِإرهاص بعوامل الغيب‪ً ،‬‬ ‫ومستقبال‪ ،‬يف ِإ ِ‬ ‫وتصورات خياله يف كلّ تعبري عن لذة حسية َأو‬ ‫َيظهران عىل لسانه وخلجات قلبه ّ‬ ‫نشوة روحية‪َ ،‬بت ِوش َي ٍة رمزية َأو بديعية‪.‬‬ ‫وجودي يضطرب به كيا ًنا‬ ‫تعبريا عن ّلذة حسية يف ع ْرض‬ ‫ّ‬ ‫كانت غلواء يف شعره ً‬ ‫يرصح به عام يف نفسه جتاه َ‬ ‫ويعج به ً‬ ‫ْ‬ ‫اجتذبته ك ّل ًيا‪ ،‬و ِإن كان حيرص عىل‬ ‫امرأة‬ ‫ُّ‬ ‫خياال‪ّ ،‬‬ ‫ِإنكار هويتها ود ْفع كل ما يتصل هبا يف شعره‪.‬‬ ‫يصعدُ من َأعامقه ترصحيًا‬ ‫كان لبنان يف ضمريه نشو ًة روحية يف جوهر‬ ‫حضاري‪ِّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫هلاما َو َو ْح ًيا‪ّ ،‬‬ ‫حتى‬ ‫هبو ّيته عرب كلّ زمن يبثّ ما يف نفسه جتاهه رمو ًزا ورؤى و ِإ ً‬ ‫َأنه‪ ،‬لشدّ ة مصاحبته الكتب الدينية واندماجه يف َأجواء ُّالن ُب ّوة عرب عمله الصحايف‬ ‫وفع َله‬ ‫ب قو َله ْ‬ ‫ومعايشته ا َألحداث‪ ،‬تكاد تشعر َأنه حني َي ْذكر لبنان ُي ّعبر ً‬ ‫برؤى َتق ِّر ُ‬ ‫ِإىل الفصل ا َألول من ِس ْفر امللوك ا َألول‪ :‬وكان يف ما سبق‪ِ ،‬إذا َأراد رجل من‬ ‫ِإرسائيل َأن يذهب َ‬ ‫‪‬هلم نذهب ِإىل الرائي َألن الذي يقال له اليوم‬ ‫ليسأل اهلل‪ ،‬يقول‪ّ :‬‬ ‫نبي كان يقال له من ْقبلُ راءٍ ‪.‬‬ ‫من هنا َ‬ ‫نسأل‪َ :‬أال نرى يف طليعة تلك الرؤى ما ّعبر عنه يف حديثه عن ‪‬عُ صبة‬ ‫َ‬ ‫العشرة‪ ‬حني قال‪:‬‬

‫أَرب����������ع���������� ٌة ل����ك��ّن�هّ����م‬ ‫ِإذا أَه�������اب�������وا ابدلىج‬

‫���َش���ه‬ ‫ع���ن���د احل�����س�����اب عَ‬ ‫رَ َ‬ ‫���ره‬ ‫أَرـخ�ـ�ـ�ـ�ـ�ـ�ـ���ى ع��ل�يه��م َق��� َم َ‬

‫‪143‬‬


‫لبنان في ُر َؤى أَبو شبكة‬ ‫الدكتور أَحمد ّ‬ ‫مكي‬

‫يف ِإحيائنا ذكرى شاعر َف ٍّذ من كبار شعرائنا((( نس ّلط ا َألضواء عىل جوانب من‬ ‫هو ّيته الشعرية‪َ .‬أل ّن ِّ‬ ‫االطالع عىل َأدبه‪ ،‬وهو ال يقلّ ناث ًرا عنه شاع ًرا‪ ،‬يوصلنا ِإىل ما ال‬ ‫الغني يف ثقافته اللغوية باللسا َنني العريب والفرنيس‪ ،‬ما يشري ِإىل معرف ٍة‬ ‫ُيجارى فيه‪ ،‬هو ّ‬ ‫واسعة عنده با َألدَ َبني عىل السواء يف مراحل تطورمها‪ .‬يف هذا املناخ الثقايفّ عاش َأبو‬ ‫شبكة ً‬ ‫بالغا َأبعادً ا ساعدَ ت عليها ُ‬ ‫بخلفيتها احلضارية‪ ،‬فظه َرت‬ ‫بيئته االجتامعية والدينية ّ‬ ‫ونبذ التقليد يف نتاجه الشخيص َأو ِإسهامه‬ ‫ثنائيا يف الدعوة ِإىل التجديد ْ‬ ‫آثاره ظهو ًرا ً‬ ‫ديب ِإىل ‪‬عُ صبة َ‬ ‫العشرة‪ ‬وكان هو من َأبرز َأعضائها‪ ،‬وباالندماج‬ ‫اجلامعي بانتامئه ا َأل ّ‬ ‫احلضاري يف الرتاث القديم واستلهام روائعه يف ِإقامة بنيانه الشعري‪.‬‬ ‫فكري يف احلارض يشمل املايض‬ ‫اندماج‬ ‫هذه الثنائية يف هو ّيته الشعرية حصيل ُة‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫مشارق الغد يف مغارب ا َألمس‪ ،‬وتقودُ ه مطالعاته‬ ‫واملستقبل عىل السواء‪ ،‬يرى فيه‬ ‫َ‬ ‫روحي يعيش فيه حارض الناس يف كلّ ما يفعلون‪ ،‬ومايض‬ ‫وتأ ُّمالته ِإىل انجذاب‬ ‫ّ‬ ‫جو شعري فريد‬ ‫الرواة وا َألنبياء يف كلّ ما يقولون‪ .‬من هنا ِإبداعه يف ْنقل قارئه ِإىل ّ‬ ‫التام بني املايض واحلارض‪َ ،‬كأنه ‪ -‬باندماج‬ ‫يوحي بالتعبري عن املستقبل عرب االلتحام ّ‬ ‫‪ )1‬مهرجان َأبو شبكة الـسابع والثالثون ‪ -‬القرص البلدي ‪ -‬زوق مكايل (ا َألحد ‪ 29‬كانون الثاين ‪ )1984‬بدعوة من جملة‬ ‫‪‬ا ُألوديسيه‪.‬‬

‫‪142‬‬


‫لبنان في‬ ‫ُر َؤى‬ ‫َأبو شبكة‬

‫بُ���� َؤ ٌر م���س���ترَّ َةُ ال��ف��س��اد بـِ��خ�� ْد ٍ‬ ‫ع��ة‬ ‫أَسليةلَ الفحشاء انرُ ِ‬ ‫ك يف ديم‬ ‫جهن َ جُ��ذو ًة‬ ‫أَان لست أَخ�شى من مّ‬ ‫ط�� ّو ِ‬ ‫ف��ت يب مي ًتا ب��أ َ ْروِق��ة اللظى‬ ‫ع��لـَّ��م ِ‬ ‫ْ��ت�ني ل��غ�� َة ال��ن��ب��وءَ ة عندما‬

‫ال�شه��ي مُ��ر ّق�� َع��ه‬ ‫ن��ك��راءَ ابخل�ــ�ـز ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫تترضيم‬ ‫َّ‬ ‫فترضيم ما شئت أَن ّ‬ ‫هني‬ ‫م��ا دام ج�سم��ي اي َس����دو ُم جَ مَّ‬ ‫ْت اتب��ويت رِ‬ ‫ت مِبأْمتي‬ ‫وس ُ‬ ‫فح َمل ُ‬ ‫ف�� َّج ِ‬ ‫��رت أَل��غ��ا َم ال��سمُّ��وم مب ْن َجمي‬

‫البصري يـُ��خ�� َد ُع اب ُحل ْسن‬ ‫وال��ب��ص�ير‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬

‫ويَ���ن���ق���ادُ ك���ال���ضرَّ ي���ر ِ ال�ضري��ر ِ‬

‫ح��ل��م ُ‬ ‫ْ��ت ب��دن��ي��ا ل��ي�َت�هَ��ا ال تُ�� َب�� َّددُ‬ ‫ال�شه��ي ِإىل رؤى‬ ‫نُفيق م��ن احل�لم‬ ‫ّ‬

‫ذلائ�� ُذ أَح�لايم‪ ،‬وال كان يل غ ُد‬ ‫ك��واب��ي��س يف يقظاـتنا ت��ت�َس�رَ َّدُ‬ ‫َ‬

‫لوك يُقاضون النفوس ِإىل المسا‬ ‫مُ ٌ‬ ‫م��ؤم��ن ف��ه��و فاجر‬ ‫ِإذا م��ا حل���امه‬ ‫ٌ‬ ‫عروشم‬ ‫سالطني حُفَّت ابلسياط‬ ‫هُ‬ ‫ُ‬ ‫ت���رى م�نه��م ال��ع��ايت ي��ق��يءُ خناعه‬ ‫ق��ي��ارص ٌة عُ���ور امل�لاح��م‪ ،‬زُ ّي�� َف��ت‬ ‫م��وال��ي�� ُد ف����ردوس ٍ أَراغ����وا نفوسهَ م‬

‫وي�نه��ي ب�� ِإي��دهي��م‬ ‫مض�ي�ر م����دوَّدُ‬ ‫ٌ‬ ‫و ِإن ن�� َّد م��ن أَغ�لاهل��م فهو ِ‬ ‫ملح ُد‬ ‫فس ِّيدمه‪ -‬ه��و َل الصعاليك‪ -‬مـَ ْج دَ ُل‬ ‫شسع ال��غ��زاة ويَسج ُد‬ ‫صباغًا ع�لى ْ‬ ‫ي��واق��ي��ت يف تيجاهنم وزمُ����رّدُ‬ ‫يبق ل��ل��وج��دان ّ‬ ‫ف�لم َ‬ ‫فهين مَ��ولدِ ُ‬

‫َ‬ ‫تساقطت ال ُّرؤى عليه يب ْلغها تار ًة تلميحً ا وطو ًرا ترصحيًا‪َ :‬أمل ُتكن ِإحداها وهي‬ ‫كف ْلقة الصبح حني َرأى لبنان (يف قصيدة ‪‬شمشون‪َ )‬تتأ َّلب عليه القوى من كلّ‬ ‫رضا وكرام ًة ّ‬ ‫وحتضيضا يباع َبيع الغرر َأ ً‬ ‫ً‬ ‫متمث ًال يف ِإهاب شمشون اجلبار‬ ‫غراء‬ ‫مكان ِإ ً‬ ‫ٍ‬ ‫بالعقار ّ‬ ‫رس ا َألرسار؟‬ ‫تتصدّ ى له من اجلوار دليل ُة ُ‬ ‫والنضار لتنتزع منه ّ‬ ‫السي ُئ َ‬ ‫ُ‬ ‫‪‬القاذورة‪‬‬ ‫وبأهله‪ ،‬كام ُيشري ِإىل بعض تلك الرؤَ ى يف‬ ‫ُليحيق به املكر ّ‬ ‫من َ‪‬أفاعي الفردوس‪:‬‬

‫راسما يف الغيب ُص َور املقامرين مبصري لبنان‪ّ ،‬‬ ‫متوهيا ِلإلقطاع‬ ‫املقنعني بالدِّ ين ً‬ ‫ً‬ ‫حني يقول‪:‬‬

‫‪145‬‬


‫وه َ‬ ‫وكتَ ُـبوه‬ ‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬قَ َر ُأ ُ‬ ‫القسم ّ‬

‫وجه النقد والتجريح ِإىل العاملني يف‬ ‫‪‬العصبة‪ ‬يوم ُت ِّ‬ ‫وما الذي كان من َأمر ُ‬ ‫ميادين ا َألدب واالجتامع واالقتصاد والسياسة؟ َأمل ُيكن بعقله هذا ُ‬ ‫الضيق‬ ‫ينف ُذ من ّ‬ ‫املحدود ِإىل الرحب ْ‬ ‫املطلق ً‬ ‫باطنا‪ ،‬ال ق ّلة العاملني ِإزاء كثرة ا َألعامل ظاه ًرا؟ وذلك‬ ‫رهاصا مبا كان ينتظر لبنان نتيجة الوقوع يف الغلط احلسايب يف تقدير ِن َعم االستقالل؟‬ ‫ِإ ً‬ ‫القوة واملوضوع‪ .‬ال ْتصعب َأفكار توحي به ظاه ًرا‬ ‫تتواىل الرؤى عىل اختالف يف ّ‬ ‫مبقدار ما ْيسهل ِإثباهتا ً‬ ‫باطنا‪ .‬فلبنان الذي يف ضمري الشاعر كان معه يف كلّ ما ّيتصل‬ ‫ً‬ ‫صو ًرا ورمو ًزا َوأماين عىل اختالف الزمان واملكان‪.‬‬ ‫وحارضا‬ ‫ماضيا‬ ‫ومستقبال‪ُ ،‬يربزه َ‬ ‫ً‬ ‫به ً‬ ‫ها هو ّ‬ ‫الغني باخلصب والطموح وباجلامل‬ ‫يتنقل (يف ‪‬ا َألحلان‪ )‬بني حارض لبنان ّ‬ ‫يتد ّفق َبأرضه‪:‬‬

‫ص������غ���ي��ر ٌة ب���ي��ن ادلو ْل‬ ‫ك�����ب��ي��ر ٌة م����ث���� ُل األ َم�������� ْل‬ ‫ك����ان����ت ل���ن���ا ومل تَ������� َز ْل‬

‫ب��ل��ادُان أَج��������دادُان أَوالدُان‪...‬‬

‫ف��ي��ن��ي��ق��ي��ا وجم���� ُده����ا امل��ش��يَّ�� ُد‬ ‫أَم���ي��رةُ ال��ف��ن��ون وال���ت���ج���ارَه‬ ‫س��ل��ط��ان�� ُة ال���ب���ح���ار واأل َس����ف����ار‬ ‫وال��ت��ي��ج��ان‬ ‫ل���� ْؤل���� َؤةُ ال���ع���روش‬ ‫ْ‬

‫امل��� َؤيَّ��� ُد‬ ‫ومُ ُ‬ ‫��لْ��ك��ه��ا امل��ع��ظ َّ ُ‬ ‫��م ُ‬ ‫ون����ش����أةُ ال���ع���ل���وم واحل����ض����ارَه‬ ‫م��ل��ي��ك�� ُة اـلﭙرـف���ي���ر وال��ن��ض��ار‬ ‫ِ‬ ‫وال���روم���ان‬ ‫ال���ي���وانن‬ ‫وم��ط��م��ح‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬

‫ِإي��ه َس��دو ُم ُبعثْ ِ‬ ‫ت من خلَل اللظى‬ ‫ِ‬ ‫هليبك ُس�� ّن�� ٌة‬ ‫يف لك ج��ي�� ٍل م��ن‬ ‫ق��ذفَ��ت ِ‬ ‫ْ��ك ص��ح��راءُ ال��زىن حبضارةٍ‬

‫ِ‬ ‫امل��ت�سرعَ��ه‬ ‫��وات��ك‬ ‫ّ‬ ‫مح���راءَ يف هشَ‬ ‫َس��ك��رى حم��ط��م�� ٌة ع��ل��ي��ه مخُ��لّ�� َع��ه‬ ‫ثَكىل م��ش�� ّو ِ‬ ‫ه��ة ال��وج��وه م َف َّج َعه‬

‫‪ ...‬وبني ماضيه تزدهيه ا َألجماد يف ُص ْور (كام قال يف ‪‬غلواء‪:)‬‬

‫يرى لبنان ْ‬ ‫ً‬ ‫وصوال ِإىل ذرو ٍة بني الوجود‬ ‫الزهو‬ ‫وتأخذه العزّة بالرتاث فيستبدّ به ُ‬ ‫الشهوات والرشور َت ً‬ ‫واملصري َيهيم يف تيه من ّ‬ ‫طاوال يف البنيان و ِإمعا ًنا يف الزُّور والبهتان‬ ‫واستهتا ًرا بتق ُّلبات الزمان‪ ،‬كام يقول يف قصيدة َ‪‬سدوم‪ ‬من َ‪‬أفاعي الفردوس‪:‬‬

‫‪144‬‬


‫لبنان في‬ ‫ُر َؤى‬ ‫َأبو شبكة‬

‫ف�� ّخ��ار ٌة جُ�� ِب��لَ��ت ابدلم���ع وال��ط�ين ِ‬ ‫ن�ي�رون أَرض َم ف�يه��ا مج��ر مُقلته‬ ‫ت��ب��ادرت��ا م��ن ادلي�����دان طائفة‬ ‫هْ‬ ‫ما كان اسكند ٌر فهيا سوى شبح ٍ‬ ‫م��ا ك��ان جنكزيُ ِإ ّال‬ ‫ت�ض�رمَ���ت وت�����وارَت‬ ‫َّ‬ ‫واح���س��راته‬ ‫وال����ن����اس‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫م��ق��ل��ت��ان‬ ‫أَع����م����ى هل‬ ‫�����بْ��ص��ر أَظْ��ل�مَ����تْ���� ُه‬ ‫ومُ‬ ‫ٌ‬

‫ني أَو من ْقبل قايني ِ‬ ‫من عهد قاي َ‬ ‫ِ‬ ‫نريون‬ ‫تكل الرباكني من أَجفان‬ ‫أَبطال حرب من الغُل ْب املجانني ِ‬ ‫حي ّجب المشس عن عَينيَ ديوجني ِ‬ ‫ِ‬ ‫ال��ك��ي��ان‬ ‫رشار ًة يف‬ ‫ب�ي�ن ال����رم����اد ال��ف��اين‬ ‫ِ‬ ‫خمتلفان‬ ‫ِإث�نـ�ــ�ــ�ــ�ـان‬ ‫ِ‬ ‫���بْ�ص�راتن‬ ‫يف ال��ع��ق��ل مُ‬ ‫������ر ِ‬ ‫ِ‬ ‫اين‬ ‫ع���ي���ن���ان ال تَ َ‬

‫مَ��ن مل ي��ذُق يف اخل�بز طع َم األَلمَْ‬ ‫مَ���ن مل ي��غ�� ّم��س يف ه���واه دمَ��� ْه‬ ‫مَ���ن ل��ي��س ي��رق��ى ذُروةَ اجللجل‬

‫��م‬ ‫ومل يُ ِّ‬ ‫ال��س��قَ ْ‬ ‫��ن��ك��ر وج��ن�� َت��ي��ه َ‬ ‫مَ��ن مينع األ َه����وا َل أَن تُ ِ‬ ‫طع َم ْه‬ ‫�����ل‬ ‫ولمَ يُ�َس�مَ ِّ���رْ يف اهل����وى أَمنُ هَْ‬ ‫��م واخل����� ُّل لهَْ‬ ‫ويُ����رفَ����ع ِ ال�� َع��ل��قَ ُ‬

‫وراع ُه َأن يرى لبنان ُتـخ ّربه َأيدي الغرباء بغطاءٍ من بنيه يسري يف درب‬ ‫اجللجلة‪ ،‬فقال يف ‪‬غلواء‪:‬‬

‫ويبقى مؤْ ًمنا بلبنان عىل تكاثر كائدين ومتآمرين يريدون القضاء عليه بالقضاء‬ ‫رس وجوده ومربر بقائه‪ :‬التعايش فيه بني فئاته وبنيه‪ ،‬فرياه يف شمشون َ‬ ‫جيأر‬ ‫عىل ّ‬ ‫يف وجه املتآمرين عليه‪:‬‬

‫كل ذُل‬ ‫ل ِاإلمث مل أ ُ حِب َ‬ ‫ه��ي�ك َ‬ ‫الك ِذ ِ‬ ‫ب اجلاين‬ ‫فاسقطي اي دع��امئ َ َ‬ ‫رش ظ�لايم‬ ‫مـَ���ح���ق اهلل‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫ـف����ي ّ‬ ‫تكن جزّت اخليانة شعري‬ ‫ِإن ُ‬

‫ق مل أ ُ‬ ‫س��لمِّْ��ك نريي‬ ‫َ‬ ‫ش��ب�� َح ال����رّ ِّ‬ ‫ك�����وين أُس����ط����ور ًة ل�ل�دُّه���ور ِ‬ ‫و ُ‬ ‫فل ُتض ْئ يف احل��ي��اة ح�كم�� ُة ن��وري‬ ‫يف ض�لايل‪ ،‬فقُ َّويت يف ُشعوري‬ ‫‪147‬‬


‫وه َ‬ ‫وكتَ ُـبوه‬ ‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬قَ َر ُأ ُ‬ ‫القسم ّ‬

‫منددً ا مبحرتيف السياسة من رجال الدِّ ين واملتاجرين بالدِّ ين من حمرتيف السياسة‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ورأى يف مجلة الرؤى ِجدَّ َالغيب البعيد يف هزْل احلارض القريب عىل لسان بائع‬ ‫اللعب‪:‬‬

‫���ب‬ ‫أَان ابئ������ ُع ال���لُ��� َع ْ‬ ‫ابـب��ـ��ـ�����و ْر مُ���س���لَّ��� ْح‬ ‫ش���خ���ت���ورْ مُ���ص��� ّف��� ْح‬ ‫ع����ن����دي مَ�����داف����� ْع‬ ‫دَوار ْع‬ ‫ع����ن����دي‬ ‫ق����ذائ����ف‬ ‫ع����ن����دي‬ ‫ْ‬ ‫ع�����ن�����دي ِج�����ي�����ادْ‬ ‫ع�����ن�����دي قُ����������� ّوادْ‬ ‫ع�����ن�����دي جُ�����ن�����ودْ‬

‫ب‬ ‫عندي‬ ‫العجيب الع َج ْ‬ ‫ُ‬

‫وط�����������ي�����������ارات‬ ‫ْ‬ ‫ودـب�����ـ��ـ��اـب�����ـ��ـ��ات‬ ‫ْ‬ ‫ش������غ������ ُل ال������ب���ل��ادْ‬

‫َرأى َأرض لبنان تفيض بالسالح متهيدً ا ُلصنع ما ال يباح‪َ ،‬‬ ‫ورأى بني اللبنانيني‬ ‫عم َيت قلوهبم وباعوا نفوسهم للشيطان َفأهاب هبم عرب رؤياه‪:‬‬ ‫َمن ِ‬

‫ِ‬ ‫اـلــدماء‬ ‫أَهي��ا الفاحتون يف األ َرض ط ُّــرا أَهي��ا الشاربون ك��أ ْ َس‬ ‫أَهي��ا الشاخصون للكون سخرا م��ن خ�ل�ال ال��ق��ذائ��ف ال��ص�� ّم ِ‬ ‫��اء‬ ‫ودماء ال ِّضعاف واأل ِ‬ ‫َبرايء‬ ‫واف�� َت�� َت��حْ�تم م�ْل�كْ ال�ثرى ابل��ص��وار ْم وسكر ـْتـــــــم خبمرة االنتصار ِ‬ ‫واخ����ت��ص�رت ص���ف���احئ األ َع����م����ار ِ‬ ‫ـاجل��م��اج��م‬ ‫ورشب��ت�م د َم ال����ورى ـب�‬ ‫مُ‬ ‫ْ‬ ‫ِـبـرياع ٍ ـِمــدـادُ ُه من انر ِ‬

‫وكان يرى عن ُب ْع ٍد قبل َأن نرى نحن ما َرأيناه من ِاإلمعان يف التقا ُتل والتامدي‬ ‫ً‬ ‫يف السادية‪ً :‬‬ ‫وتنكيال بني ِاإلخوة وا َألقربني حني قال يف ‪‬الصالة‬ ‫خطفا وذبحً ا‬ ‫احلمراء‪ ‬من َ‪‬أفاعي الفردوس‪:‬‬ ‫‪146‬‬


‫الياس أَبو شبكة ‪ -‬انطباعات عراقية‬ ‫الروائي العراقي عبدالرحمن الربيعي‬

‫الياس َأبو شبكة!‬ ‫ماذا يعني لنا هذا االسم نحن العراقيني من جيل الستينات؟‬ ‫وما الذي يعنيه ل َـمن َس َبقنا من ثوار جادّ ين فجَّ روا القصيدة العربية‪َ ،‬تـم ّردوا هبا‬ ‫النمطي السائد يف هناية ا َألربعينات َوأوائل اخلمسينات حني تو ّفرت‬ ‫خارجني عن‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫ب‬ ‫ت ْ‬ ‫خص ٍ‬ ‫البيايت‪ ،‬املالئكة) واضعي َل ِبنا ِ‬ ‫(السياب‪ّ ،‬‬ ‫ظروف جع َلت من شعراء عراقيني ّ‬ ‫ِشعري و ِإضافة رصخة كان ال بدّ منها؟‬ ‫ال ُأريد هنا َأن ُأ َو ِّثق بل َأن َأ َ‬ ‫صوغ مالمح انطباع ما زلت َأ ُذكره ُ‬ ‫ويذكره من‬ ‫سبقوين ب ِإجالل وتقدير‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫ت خمتلفة شهد ْتها‬ ‫حياة َأبو شبكة تقرتب من َأن تكون عادي ًة يف زمن استعامرا ٍ‬ ‫ب هذه العاد ّية وجع َلها ِوقف ًة وانطالق ًة‬ ‫جييء َأبو شبكة شاع ًرا ق َل َ‬ ‫املنطقة‪ .‬ولكن َأن َ‬ ‫ب يف متاهات التكرار لوال تف ُّردات يف‬ ‫وانعطاف ًة قوي ًة يف مسار‬ ‫شعري ّ‬ ‫عريب‪َ ،‬فض ْر ٌ‬ ‫ّ‬ ‫هذا البلد العريب َأو ذاك‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫املفتون بالكلامت‬ ‫ب والـمحبوب‪،‬‬ ‫نفسه‪ ،‬هو ال ُـم ِح ّ‬ ‫هل وعى ذلك َأبو شبكة ُ‬ ‫ُ‬ ‫والشعر وال تعطي‬ ‫الصادق مع نفسه‪ ،‬الكاف ُر‬ ‫املموسقة‪،‬‬ ‫بطقوس يومي ٍة تستنفد الناس ِ‬ ‫ٍ‬ ‫‪149‬‬


‫وه َ‬ ‫وكتَ ُـبوه‬ ‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬قَ َر ُأ ُ‬ ‫القسم ّ‬

‫تعبر عن لبنان الذي مل ُي ِـحلّ َج ّز َ‬ ‫الشعر و ِإطفاء‬ ‫هكذا تبقى صورة شمشون ّ‬ ‫نور العني دون ارتداد القوة ِإليه واستعادة رشده لينذر املرجفني با َألباطيل واملغامرين‬ ‫باملصري بانقالب اهليكل عىل رؤُ وسهم من ا َألساس َلت َط ُاوهلم عىل قدس ا َألقداس‪.‬‬ ‫ها هو يرى لبنان (يف ‪‬ا َألحلان‪ )‬رؤْ يا ال تنتهي‪ً ،‬‬ ‫منبعثا من جديد‪:‬‬

‫ك����ان‬ ‫أ َ ِرج���������� ْع ل���ن���ا م����ا‬ ‫ْ‬ ‫ك����ان����ت ل���ن���ا أَح��ل�امُ����ن����ا‬ ‫وامل�����ن�����ى‬ ‫ُ‬

‫ال���زم���ان‬ ‫����فْ����و‬ ‫وك�����ان َص‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬

‫ِ‬ ‫ب�سم��ات ال��زه��ور ِ‬ ‫ل��ق��د غ��س��لَ��ت‬ ‫وع��اد العناق ِإىل اهلـضـــبات‬

‫وث��وب الشتاء‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫الكفيف البصرَْ‬ ‫ف��ف��ي لك غَ�����رس ٍ فـُ������� َؤا ٌد غ�� َف��ر‬

‫زلت يف ادلنيا أَطُوف َخبمريت‬ ‫وما ُ‬ ‫ِإىل أَن دهاين الناس فاخرتْت عزةلً‬

‫ش��ع��ب ه���از ٌئ بوفايئ‬ ‫وح���ويل‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫أُف�� ِّت��ش ف�يه��ا ع��ن ح��ط��ام رج��ايئ‬

‫وذوب��ت مخري يف ِإ ٍانء من اهلوى‬ ‫ُ‬ ‫ضاحكا‬ ‫انيئ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫فشاهدت قليب يف ِإ َ‬ ‫فأَدنيتُه من مرـشـفـي وـشــــرـبتُ ُه‬

‫ب���ب�ك�ايئ‬ ‫أل َرشهب�������ا مم����زوج���� ًة ُ‬ ‫ب���ه دَعَ����� ٌة ع�����ذراء يف ُخ��� َي ِ‬ ‫�ل�اء‬ ‫وم��ا زال م��اءُ احل��ب ِم��� ْلءَ ِإانيئ‬

‫بعد َأن تغسل التوب ُة اخلطايا‪:‬‬

‫ل���ب���ن���ان‬ ‫اي ده���������ر ُ يف‬ ‫ْ‬

‫ويذوب الشاعر قلبه ّ‬ ‫متمث ًال لبنان فيه برسمدية وجوده و ُيدنيه من مراشف‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫‪‬اإلناء‪ ‬من‬ ‫الفقراء والرؤَ ساء والسجناء واحلكامء وا ُألمراء والشعراء ِإىل أن يقول يف ِ‬ ‫‪‬نداء القلب‪:‬‬

‫وجاء الربء من َأدواء ِاإلقطاع واحلزبية والطائفية لينعم بالعافية اللبنانية يف‬ ‫ختام الرؤى‪:‬‬

‫ض شع ُر‬ ‫ميان بلبنان يف الزمان واملكان‪ ،‬ومل َي ِف ْ‬ ‫كان شعر الياس َأبو شبكة عهد ِإ ٍ‬ ‫واإلنجيل والقرآن‪.‬‬ ‫شاعر من لبنان ْمبثل ما فاض به شعره من روائع التوراة ِ‬ ‫ٍ‬

‫‪148‬‬


‫انطباعات‬ ‫عراقية‬

‫بدأت َتـخمد َ‬ ‫يذان َبأن ُجذوة اهلل يف داخله َ‬ ‫مجيل َأو التفاتة فاتنة‪ ،‬فهذا ِإ ٌ‬ ‫وبدأت ْتأيت‬ ‫ُ‬ ‫خامتته ولو استم ّر جسدً ا بني َأجساد اآلخرين‪.‬‬ ‫قصائد َأبو شبكة تقول ِإنه كان املثال يف العشق والعطاء‪ .‬كان الطفل ا َألبدي‪.‬‬ ‫خيفا َأمام ا َألنصاب ّ‬ ‫خيفا َأ ًيضا‪ُ :‬م ً‬ ‫لكنه كان ُم ً‬ ‫وشهروا بكلامته‪.‬‬ ‫املتعفنة‪ ،‬لذلك قاوموه َّ‬ ‫َ‬ ‫وعظمة الشاعر َأن يكون ُم ً‬ ‫مسدسا َأو مطواة َأو سيامء قتلة مـحرتفني‬ ‫خيفا ال بـحَ ْمله‬ ‫ً‬ ‫بل َألنه شجاعٌ ال َيقبل املهادنة‪ ،‬كلام ُته هتدّ السدود الكاذبة وتصفع الوجوه العائمة يف‬ ‫مياه غبائها ّ‬ ‫واخلير من َأجل ِاإلنسان يف كل َأرض‪.‬‬ ‫وتبشر باجلميل ّ‬ ‫هكذا كان َأبو شبكة وهكذا كانت قصائده‪ .‬وبذلك اكتسب الرشعية يف ُأ ُب َّو ِته‬ ‫واإلبحار‪.‬‬ ‫املبدعني اخلارجني عىل ُالعرف والرتابة‪َ ،‬رس َم هلم الطريق ّ‬ ‫وزودهم بذخرية السفر ِ‬ ‫مل يكن َأبو شبكة من دُ يوك البالطات وال خصيان السالطني بل كان شاع ًرا‬ ‫نساءه ‪-‬‬ ‫َآم َن بقلبه َفأصغى ِإليه وجعل منه بوصل ًة ترسم له املسار‪َ ،‬أعانه عىل ذلك َأ ّن َ‬ ‫كن عىل مستوى مشاعره وتق ُّلباته َفحَ َف ْظ َن ُه‬ ‫وخصوصا غلواء الزوجة وليىل احلبيبة ‪َّ -‬‬ ‫ً‬ ‫وتقاس ْـم َن ُه عُ ْم ًرا وشع ًرا‪.‬‬ ‫من التبدُّ د َ‬ ‫زمن َش َّح معه ِاإلهلام ّ‬ ‫حتى كادَ ينعدم‪.‬‬ ‫فتحي ًة لغلواء وليىل كانتا ِاإلهلام يف ٍ‬ ‫وسيبقى َأبو شبكة موضوعً ا ً‬ ‫شح ولن يغيب‪.‬‬ ‫وشع ًرا‬ ‫معطاء لن َي َّ‬ ‫نابضا ِ‬ ‫ً‬ ‫حتي ًة له وانحناء َة ِإجالل و ِإعجاب‪.‬‬ ‫َ‬ ‫مهرجان أبو شبكة الـسابع والثالثون ‪-‬‬ ‫القصر البلدي ‪ -‬زوق مكايل‬ ‫َ‬ ‫(األحد ‪ 29‬كانون الثاين ‪)1984‬‬

‫‪151‬‬


‫وه َ‬ ‫وكتَ ُـبوه‬ ‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬قَ َر ُأ ُ‬ ‫القسم ّ‬

‫حصيل ًة َث َّرة؟ ً‬ ‫زعيم‬ ‫يقينا َأنه مل يكن يعرف ما َفعل‪َ ،‬ألن الشاعر ليس متآم ًرا وال َ‬ ‫ب ُّ‬ ‫الفوارة‪،‬‬ ‫يرف كي يقارعَ رداء َة العامل بطفول ِته الرسمدية‪ ،‬مبراهق ِته ّ‬ ‫قبيل ٍة بل هو ذو قل ٍ‬ ‫بصدقه اجلارح‪.‬‬ ‫لذلك َمن ُ‬ ‫يقرأ َأبو شبكة َ‬ ‫يذوب فيه ّ‬ ‫حتى يكو َنه‪.‬‬ ‫يقرتب منه بل‬ ‫ينشدُّ ِإليه‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫املميزين‪،‬‬ ‫ت ُّ‬ ‫وهذه حال ٌة نادرة من حاال ِ‬ ‫تقمص ال نعرفها ِإ ّال مع َنف ٍر من الشعراء َّ‬ ‫َوأبو شبكة َأحدهم‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫ابتعدت؟ َ‬ ‫فأْلقرتب ِإ ًذا َألقول ِإ ّن الرعيل ا َألول من الشعراء العراقيني‬ ‫تراين‬ ‫ُ‬ ‫يتو ّقفون ب ِإجالل ورو ّية عند َأبو شبكة‪ .‬و ِإذا هم انقلبوا عىل القصيدة العربية َوأ ْبـحُ ر‬ ‫اخلليل َوأعادوا ترتيبها من جدي ٍد َف َأبو شبكة َ‬ ‫سبقهم ِإىل ما هو َأ َه ّم‪ :‬انقال ُبه عىل‬ ‫املوضوع الشعري و ِإحدا ُث ُه صدم ًة كبري ًة يف ْ‬ ‫النفس والوجدان‪ ،‬ما جعل بعض‬ ‫املتزمتني ُ‬ ‫ينظرون ِإليه بارتياب‪ْ ،‬‬ ‫ويغ ِلقون ا َألبواب َأمام قصائده‪َ .‬فأبو شبكة كان‬ ‫ّ‬ ‫مهما جدً ا و ِإيذا ًنا باالنقالبات‬ ‫ثائ ًرا يف عطاء القصيدة ال يف هندستها‪ ،‬وكان هذا ًّ‬ ‫الالحقة‪َ .‬وأمامنا َأمثل ٌة متناقض ٌة لشعراء عموديني ْفك ًرا لكنهم حاولوا َأن يسكبوا‬ ‫كلامهتم َبأشكال ْ‬ ‫متجانسا مع ِشعره‬ ‫وتقنيات حديثة فلم ُيفلحوا‪ ،‬بينام َأبو شبكة كان‬ ‫ً‬ ‫ْ‬ ‫سمعت الشعراء العراقيني‬ ‫ونفسه‪ ،‬وهو يف زمنه و ِإمكاناته كان َأكث َر من ثائر‪ .‬هكذا‬ ‫ُ‬ ‫َيحْ ُكمون‪ ،‬وهكذا َتأ َّلق هذا ا ُحل ْكم عند َأبناء جييل َف ُر ْحنا نبحث عن عطائه‪ ،‬وتنق َلت‬ ‫كلام ُته بيننا كاملنشورات الرسية‪َ :‬أفاعي الفردوس‪ ،‬غ ْلواء‪ ‬وقصائد متناثرة ُأخرى‪.‬‬ ‫وعندما ُتصبح قصائد الشاعر منشو ًرا رس ًيا يكون الشاعر َمزَّق َ‬ ‫وخرج ومل َي ُعدْ‬ ‫الكفن‬ ‫َ‬ ‫َأحد قاد ًرا عىل تكبيله ْ‬ ‫حسبام يشاء‪.‬‬ ‫وسكبه ْ‬ ‫‪v‬‬

‫هكذا ا َألمر معنا نحن العراقيني‪ :‬وجدْ نا الكثري يقال عند َأبو شبكة‪ ،‬رغم َأنه‪ ،‬يف‬ ‫ت‬ ‫وسعاد ُوأخريا ٍ‬ ‫ما قال‪ ،‬مل يبتعدْ ً‬ ‫كثريا عن خفقات قلبه‪ .‬وقصائدُ ُه يف غلواء وليىل ُ‬ ‫َ‬ ‫ب دائم ويف كل مرحلة من مراحل حياته‪.‬‬ ‫برهنت َأن الشاعر املبدع هو يف حالة ُح ٍّ‬ ‫و ِإذا ما ّ‬ ‫حس َبأن قلبه مل يعد قاد ًرا عىل ِاإلرساع يف نبضه َأمام وجه‬ ‫كف عن ذلك َوأ ّ‬ ‫‪150‬‬


‫َأبو شبكة‬ ‫شاعر ٍ‬ ‫اله‬ ‫ٌ‬

‫بالعناء والرصاع‪ ،‬تشدُّ ه اآلفاق َّالن ْه َي ِو َّي ُة فريوح‬ ‫عامل الياس َأبو شبكة‬ ‫صاخب َ‬ ‫ٌ‬ ‫ي ْلهث ً‬ ‫بلوغا ِإليها‪ ،‬لكنه رسعان ما ُيدرك َبأنه مشدودٌ ِإىل واقع آن ٍّـي يف طريق الزَّوال‪.‬‬ ‫تلهف‬ ‫اجلاملُ َنجم ُة ُق ْطبه‪ .‬نظر ٌة منه ِإليه ُتشيع فيه رعش َة ِاإلبداع وقشعرير َة ال ُـم ِّ‬ ‫ِإىل َّ‬ ‫والبشاعات َت َنه ُشه ُ‬ ‫براثنها‪.‬‬ ‫الذ َوبان يف قرارته‪ُ .‬يفيقُ ف ِإذا به سجنيُ ُالقبح َ‬ ‫فرحا ً‬ ‫ً‬ ‫وبريق‬ ‫حينا يزهو ويف َرح ً‬ ‫تأللئ ِ‬ ‫عابقا بشذا الوعو ِد احلالـم ِة و َل َـمعان ُّالنور ال ُـم ِ‬ ‫الغناء َي َنهل من مناهلها‪ً ،‬‬ ‫النضارة احللوة ّ‬ ‫وحينا َي ْفجَ ُأ َك وقد دجا الليلُ وتغلغ َلت‬ ‫ُح ُ‬ ‫لكته يف َأغوار َأغواره‪.‬‬ ‫ما الذي حصل؟ ِإهنا الشهو ُة َّ‬ ‫ريعا‬ ‫الش ِبق ُة‬ ‫ـهيبا ُم ً‬ ‫ُ‬ ‫تنساب من جدي ٍد ِإىل قل ِب ِه َل ً‬ ‫ْ‬ ‫رات اليائسني‪ً :‬‬ ‫تطي ُر و َي ُثو ُر‬ ‫قلب ُه ْمأوى حتتشد فيه َز َف ُ‬ ‫حينا َيتململُ و َي َّ‬ ‫ويأ ًسا مري ًرا َكأ ّن َ‬ ‫احلم َم اجلهنمي َة احلمراء‪ً ،‬‬ ‫خاشعا يف َأحضان‬ ‫وحينا يرمتي‬ ‫ً‬ ‫منفج ًرا كالربكان َيقذف َ‬ ‫واملناجيات واالبتهاالت‪.‬‬ ‫َ‬ ‫الصلوات‬ ‫كثري للداللة عىل معاناة َأبو شبكة الالهية وعنا ِد ِه يف مواجهاته‬ ‫هذا قليلٌ من ٍ‬ ‫العتية املتكررة ّ َ‬ ‫نواع اللهو‪ ،‬وشاعر ّيته التصاعُ دية التي َ‬ ‫اعتن َقت ُّالنبلَ ومل َتسقط‬ ‫ّ‬ ‫شتى أ ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫يوما يف السخافة أو السهولة أو ال ُـم َ‬ ‫بتذل‪.‬‬ ‫ً‬ ‫املبدع َأنه جدَ ل ٌّـي يصطرع فيه الشعور‬ ‫الياس َأبو شبكة شاع ٌر ال ٍه‪ ،‬ميز ُة َل ْـه ِوه‬ ‫ِ‬ ‫بالشعور‪.‬‬ ‫الصال ُة يف شعره تطارد الفجور‪ ،‬والفجو ُر يطارد ا َخليبة‪ ،‬واخليب ُة تطارد ذاهتا‪ِ .‬إنه‬ ‫ب واحلقد عنده َ‬ ‫توأمان متصارعان‬ ‫رصاعٌ‬ ‫ٌ‬ ‫مستميت يف سبيل كينون ٍة َأفضل َوأ ْج َود‪ .‬ا ُحل ّ‬ ‫واليأس َ‬ ‫توأمان متصارعان‪ ،‬وا َألملُ ْ‬ ‫والقبح َ‬ ‫َأبدً ا‪ ،‬واجلاملُ ُ‬ ‫توأمان متصارعان‪ .‬الظلم ُة‬ ‫والرب َكة يتعاقبان يف وجدانه مداور ًة بال انقطاع‪ ،‬واللذ ُة وا َأل َلـم‬ ‫والنور يتنازعا ِن ِه‪ ،‬واللعن ُة َ‬ ‫يفصامنه تار ًة وطو ًرا ُيعيدان اللحمة بني َشط َريه َّ‬ ‫املهشمني‪ .‬اصطراعٌ يقسو حتى‬ ‫ِ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫رخيم‬ ‫ري املذاق‪ ،‬جيلَّ الوصال‪،‬‬ ‫الدَّ م‬ ‫فيتقطر ِشع ًرا َكو َث ّ‬ ‫ناعم الرميم‪َ ،‬‬ ‫شفيف الرؤَ ى‪َ ،‬‬ ‫الصدى‪.‬‬ ‫‪153‬‬


‫أَبو شبكة شاع ٌر الهٍ‬ ‫تيان صقر‬ ‫األَب إ ِ ّ‬

‫ال َل ْه ُو َأنواعٌ َوأشكال‪َ :‬ل ْـه ٌو َّ‬ ‫دمر‪َ ،‬ل ْـه ُو ال َـملْ ء و َل ْـه ُو الفراغ‪،‬‬ ‫خال ٌق ّبناء و َل ْـه ٌو ُم ِّعقم ُم ِّ‬ ‫الطروب و َل ْـه ُو ال ْ‬ ‫ب و َل ْـه ُو ُالبغض‪َ ،‬ل ْـه ُو ُّ‬ ‫َل ْـه ُو العي ِد َّ‬ ‫الطهر والرباءة و َل ْـه ُو‬ ‫ـمأساة‪َ ،‬ل ْـه ُو ا ُحل ّ‬ ‫العشق و َل ْـه ُو َالق َرف‪َ ،‬ل ْـه ُو اجلامل و َل ْـه ُو ُالق ْبح‪َ ،‬ل ْـه ُو التسلية و َل ْـه ُو‬ ‫ُ‬ ‫العهر واخلطيئة‪َ ،‬ل ْـه ُو ِ‬ ‫الضجَ ر‪ّ ،‬‬ ‫َّ‬ ‫ب عىل ذاته‪.‬‬ ‫وحتى َل ْـه ُو ال َل ْه ِو ال ُـم ْن َص ّ‬ ‫بعض‬ ‫ستحرض الشاعر الياس َأبو شبكة بعد قراءيت ا َألخرية‬ ‫من هذه الزاوية َأ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫دواوينه‪ :‬نداء القلب‪ ،‬ا َألحلان‪ِ  ،‬إىل ا َألبد‪َ ،‬أفاعي الفردوس‪ ،‬و‪‬غلواء‪ ‬بعهودها‬ ‫ا َألربعة‪.‬‬ ‫َأتو ّقف‪ ،‬بداي ًة‪ ،‬عند قصيدته ‪‬يف هيكل الشهوات‪( ‬من َ‪‬أفاعي الفردوس‪ )‬يف‬ ‫ت يوجز معاناة شخصيته‪:‬‬ ‫بي ٍ‬

‫ق����ويل هل‪ :‬ه����ذه األَايم م�هزةل‬

‫َب‬ ‫وليس‪ِ ،‬إال ـل َمن يَنشىَ هبا‪ ،‬الغَل ُ‬

‫واعيا َأنه ال ٍه‪َ ،‬وأنه ال ٍه َألنه شاعر‪ .‬اقتحم جماالت ال َل ْهو‬ ‫فيبدو يل الشاعر ً‬ ‫يستنفدُ ها حتى كادت تستن ِفدُ ه‪ ،‬غا َزلَ َأشكا َله‪َّ ،‬عبدَ درو َبه‪َ ،‬ن ْـه َن َه ُضرو َبه َف َن ْه َن َه ْت ُه ول ّـما‬ ‫قريب املنال دَ ِن َّـي اجلنى ف ِإذا ِب ُـمناه‬ ‫احلب َ‬ ‫يتوسل من نعيم ِّ‬ ‫حس َ‬ ‫َي ْرعَ ِو‪ .‬كم مر ًة ِ‬ ‫ب ما ّ‬ ‫اللذة ْ‬ ‫طعم ّ‬ ‫طاما قبل َأن َت َـم ّسها َأ ُ‬ ‫دوام‬ ‫ُ‬ ‫ويأمل َ‬ ‫تتهافت ُح ً‬ ‫طراف َأنامله‪ :‬ما ِإن يذوق َ‬ ‫فرح النشوة ّ‬ ‫فانيا مندث ًرا‪.‬‬ ‫حتى َيتناث َر ُ‬ ‫فرح ُه ً‬ ‫‪152‬‬


‫التصويري‬ ‫أَبو شبكة بين الفكرة والتعبير‬ ‫ّ‬ ‫الدكتورة نازك سابا يارد‬

‫ال يصري الفكر ماد ًة للشعر ِإ ّال بالصورة يستوحيها الشاعر من الفكرة َأو العاطفة‪ّ ،‬ثم‬ ‫مفصلة َأو صور ٍة َ َ َ‬ ‫ب باملعاين يف‬ ‫تتحول الفكرة َأو العاطفة ِإىل لوح ٍة ّ‬ ‫ـمح ضار ٍ‬ ‫ّ‬ ‫مقت َض َبة أو ل ٍ‬ ‫فتفتح َأمام القارئ باب‬ ‫رصح به َ‬ ‫اخلفاء‪ ،‬توحي مبا جيول يف َأعامق الشاعر من غري َأن ُت ِّ‬ ‫َّالت َو ُّغل يف هذه ا َألعامق ثم يف عملية اخللق‪َ ،‬ألن الشاعر خيلق بالصورة ُوجودً ا جديدً ا‪.‬‬ ‫َ‬ ‫نشأ َأبو شبكة وعاش يف َأحضان طبيع ٍة مجيلة ُمـحيط ٍة ببلدته زوق مكايل‪،‬‬ ‫بالرومنسية الفرنسية‬ ‫الرابية التي متدُّ قدميها ُت َب ِّردُ مها يف خليج جونيه‪ .‬وزاده ِإعجابه‬ ‫َ‬ ‫فانطب َعت هذه الطبيعة يف ذاته َ‬ ‫ورأى ذاته‬ ‫ُشعو ًرا باندماج الطبيعة يف كيان ِاإلنسان َ‬ ‫ُّ‬ ‫منطبع ًة فيها‪ ،‬وامتزج ّ‬ ‫التوغل يف ذاته ُبص َو ٍر ُم َ‬ ‫والتوغل يف الذات‬ ‫ست َمدَّ ٍة من الطبيعة‪.‬‬ ‫اجلانب القاتم الدينْ َء ال ُـمرعب واجلانب ال ُـم ْشرق الطاهر اجلميل‪ .‬ويف‬ ‫يكشف منها‬ ‫َ‬ ‫صو َر ذاته اآلمثة ّ‬ ‫املعذبة‪ .‬ومن‬ ‫مظاهر الطبيعة اجلميعة َأو املنح ّلة َرأى َأبو شبكة َ‬ ‫ّ‬ ‫املطمئنة‬ ‫وخياالت نفسه‬ ‫الطبيعة املرشفة اجلميلة َأط َّلت عليه صورة الطفولة النقية‬ ‫ُ‬ ‫وحبه السامي‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫طه َرها عذا ُبه ُّ‬ ‫َأما الذات اخلاطئة َّ‬ ‫صورها خاصة قصائد َ‪‬أفاعي الفردوس‪ ‬ومنها يف‬ ‫املعذبة َفت َّ‬ ‫‪‬القاذورة‪:‬‬

‫فت يف غَ ْمر ٍ من الليل واخلنا‬ ‫فَط ّو ُ‬

‫يُ��ع��رب��د واأل َرج����اس تُ���ريغ وتُ��زب�� ُد‬

‫‪155‬‬


‫وه َ‬ ‫وكتَ ُـبوه‬ ‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬قَ َر ُأ ُ‬ ‫القسم ّ‬

‫ككلّ فنان‪ُ ،‬‬ ‫ككلّ فيلسوف‪ُ ،‬‬ ‫ككلّ شاعر‪ُ ،‬‬ ‫الياس َأبو شبكة شاع ٌر ال ٍه ُ‬ ‫ككلّ قديس‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫والشعر‬ ‫جامع‬ ‫َوأكادُ َأقول‪ :‬مجيعنا الهون‪ .‬فاللهو ٌ‬ ‫مشرتك بني الفلسفة والقداسة ِ‬ ‫والفن‪ .‬واللهو‪ ،‬مبعناه احلقيقي َ(أي ال َل ْه ُو ال ُـم ِّنسق مع معطيات العقل بدون َأن ُت ّكب َله‬ ‫مجوحه) هو َل ْـه ٌو‬ ‫مجوحها ‪َ -‬ألن العقل هو َأ ًيضا ُجموح‪َ -‬أو يض ِّللها ُ‬ ‫قيودُ ها أو يض ِّل َله ُ‬ ‫نقيض ما يتباهى به ‪‬ال َّرصينون‪‬‬ ‫ف سواه‪ .‬وهو‬ ‫ُ‬ ‫يستلزم رصان ًة ال يستلزمها َأ ُّي موق ٍ‬ ‫الذين ُيسميهم جان ﭘـول سارتر ‪‬الدَّ ِنئون‪.‬‬ ‫يف سياق هذا ‪‬اللهو‪ِّ ‬‬ ‫يذكرين شعر الياس َأبو شبكة بعبار ٍة للفيلسوف ا َألملاين‬ ‫َه ْي ِد ِغر من وحي الشاعر ا َألملاين ِه ْل ِد ْرلني استوحاها من الفيلسوف ا َألملاين هيغل‪،‬‬ ‫‪‬الشعر هو ُ‬ ‫وهي‪ِّ :‬‬ ‫نسميه الفلسفة التي ا ّت َلدت من‬ ‫الع ْلم الذي ّ‬ ‫املبدأ والنهاي ُة هلذا ِ‬ ‫ذات مساءٍ من َرأس جوﭘ ِّـيت ِير‪.‬‬ ‫الشعر كام َ‬ ‫خرجت ِاإل َل َـه ُة مينرﭬـا َ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫مهرجان أبو شبكة الـسابع والثالثون ‪-‬‬ ‫القصر البلدي ‪ -‬زوق مكايل‬ ‫َ‬ ‫(األحد ‪ 29‬كانون الثاين ‪)1984‬‬

‫‪154‬‬


‫بين الفكرة‬ ‫والتعبير‬

‫صور‬ ‫معا‪َّ .‬‬ ‫واإلنسان ً‬ ‫ووحدت َ‬ ‫فبات ب ِإمكانه َأن يرى مظاهر اجلامل يف الطبيعة ِ‬ ‫َأبو شبكة بني ُطهر الطبيعة والطفل وبراءهتام ِإذ ّغنى الطفل‪:‬‬

‫أل ُرـج�����ـ�����وان ال�ن�ه���ا ْر‬ ‫وم����ن ح���ن���ان امل�����زارْ‬

‫وحني يقول للعنب‪:‬‬

‫ف ْجر ُ اجلـبلـْ ‬

‫أَ‬ ‫ـلــــوان‬ ‫ْ‬ ‫أَ‬ ‫حلـــاـن‬ ‫ْ‬

‫ن َّدى علـيكْ ‬

‫����يْ����ك‬ ‫يف وَج����ن���� َت‬ ‫ْ‬ ‫����يْ����ك‬ ‫يف م��س�م���� َع‬ ‫ْ‬ ‫ُ��ب�� ْل‬ ‫أَح��ل�ى ق َ‬

‫الصور ذكريات الطفولة اهلنيئة يف القرية ممزوج ًة بحُ ب عذب‬ ‫ترتاءى لنا يف َ‬ ‫طاهر‪.‬‬ ‫الصور اطمئنانه ِإىل نفسه‬ ‫ب ليىل من قلقه وعذابه َن َق َلت َ‬ ‫وحني خ َّلصه ُح ُّ‬ ‫معا فقال‪:‬‬ ‫والطبيعة ً‬

‫خ�ضر يف عين‬ ‫ّ‬ ‫فاطمأن الصبا ُح أ َ َ‬

‫وط���ابَ���ت ع�ل�ى أَدمي�����ي ال��ع��ش��ااي‬

‫ح��ب��ي�بي ع��ل�ى ه�����ذه ال���راب��� َي���ه‬ ‫فما دف َّ���ق الشعرَ م��ن أَصغرَيك‬ ‫راه ع�ل�ى امل��ن��ح�نى واخل��ل��ي��ج‬ ‫أَ ُ‬ ‫ع���روق ادلوايل‬ ‫ويف م��ا يَ��ق��وت‬ ‫َ‬ ‫��ي�ن‬ ‫أَراه ع�ل�ى أَم�����ل ال����زارع َ‬

‫أُ‬ ‫���ي���اكل ي��رق��ى ب�� َي�� ْه‬ ‫ح�����س َخ‬ ‫َ‬ ‫ُّ‬ ‫جت���� َّم���� َع يف ه�����ذه ال��ن��اح�� َي��ه‬ ‫ويف ه����ذه ال���غ���اب���ة اجل���اريَ���ه‬ ‫ِ‬ ‫��ض��م��ر ُ اخل���م���ر ُ ل��ل��خ��اب�� َي��ه‬ ‫وم���ا يُ‬ ‫ويف م���ومس احل���قْ���ل وامل��اش�� َي��ه‬

‫حينئذ َ‬ ‫صور اجلثث واملستنقعات والديدان لتتج ّلى فيها‬ ‫ٍ‬ ‫اختفت من الطبيعة َ‬ ‫ْ‬ ‫مفاتن الربى‬ ‫عكستها‬ ‫حبه املثايل الطاهر‬ ‫ُ‬ ‫صور ُة احلبيبة اجلميلة النقية‪ .‬وصور ُة ّ‬ ‫واخللجان َوألوان الغابات والكروم وخريات احلقول والينابيع والعذوبة يف َأصوات‬ ‫الطيور كالعطور يف شذا الزهور‪:‬‬

‫‪157‬‬


‫وه َ‬ ‫وكتَ ُـبوه‬ ‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬قَ َر ُأ ُ‬ ‫القسم ّ‬

‫ليصور‬ ‫املرغي املزبد وبالليل املظلم‬ ‫جماز معنوي كثيف استعان بالبحر‬ ‫ِّ‬ ‫يف ٍ‬ ‫ّ‬ ‫َضياعه َ‬ ‫وغرقه يف هاوية ِاإلثم الذي عجز عن مقاومته كام يعجز ِاإلنسان عن مقاومة‬ ‫ُلـجَ ج البحر فيغرق فيها‪ .‬ويف الليل ينام الوجدان فال يراقب النفس اآلمثة الرشيرة‪.‬‬ ‫ليست قضية فردية بل ترتقي ِإىل القضية‬ ‫قضي ُة الشاعر يف هذا الديوان َ‬ ‫وعظامها وديدا َنها‬ ‫ِاإلنسانية‪َ :‬رأى البرشية مستسلم ًة للفساد َفأخذ من الطبيعة ُج َثثها‬ ‫َ‬ ‫احلسية املرعبة عن اشمئزازه وتقزُّزه‬ ‫تنم ُص َو ُرها ّ‬ ‫ومستنقعا ِتها اآلسن َة يستوحيها رؤَ ى ّ‬ ‫رش العامل وفساده وانحالله‪ .‬يقول‪:‬‬ ‫من ّ‬

‫ف���أ َ‬ ‫ب�ص�رت أَط��ب��ا ًق��ا ت��ع�� ِّم��ده��ا ي�� ٌد‬ ‫ُ‬ ‫ص��ب��ا ٌغ يفور اخل���زْي منه مالص ًقا‬ ‫وشاهدت يف األ َطباق مَفسدةَ الورى‬ ‫ُ‬

‫أَص��اب�� ُع م��ن ع��ظْ��م‪ ،‬وتصبغها يَ�� ُد‬ ‫جَ��م�� ُد‬ ‫ِإذا علقَت فهيا ال��ن��واظ��ر ت ُ‬ ‫تمَ��ور هب��ا ادلي���دان سكرى تُعرب ُد‬

‫جسدي شوقًا يعذّبين‬ ‫أ ُ ُّ‬ ‫ح��س يف َ‬

‫ففي ديم س ْور ٌة كا َخلمر يف جايم‬

‫ط��ب�� ٍ‬ ‫ق مستنقَع يف صقيعه‬ ‫ففي َ‬

‫ف��اج��رات تَ�� َوقَّ�� ُد‬ ‫ح�ش�رات‬ ‫منَ��ت‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬

‫احل��ب سوى‬ ‫م��ايض يف‬ ‫مل يكن‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬

‫م��ط�هرٍ أَف��ض�ى ِإىل ه���ذا ال��ن��ع�يم ِ‬

‫بالرش والفساد والعربدة‪ :‬يفو ُر‬ ‫احلركة يف هذه الرؤيا منبثقة من ا َأللفاظ املتصلة ّ‬ ‫يصور‬ ‫اخلزي‪َ ...‬مفسدة الورى متور هبا الديدان سكرى تعربد‪َ .‬كأن الشاعر هبا ّ‬ ‫من‬ ‫سورة الشهوة اجلنسية التي تتح ّرك يف ِاإلنسان فتدفعه ِإىل ما يعتربه املسيحي املؤْ ُ‬ ‫خطيئ ًة‪ .‬لذا قال يف ‪‬الشهوة احلمراء‪:‬‬ ‫فـ‪‬ا َألمحر‪ُ ‬‬ ‫لون الدم ولون هذه ‪‬السالمل احلمراء‪ ‬التي ظهرت يف الرؤْ يا لشفيق‬ ‫وتتحمل‬ ‫شاعر ‪‬غلواء‪َ .‬رأى َأبو شبكة يف الدم ولونه ا َألمحر صورة الشهوة واخلطيئة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫تسبب‬ ‫املرأة نصف املسؤولية يف هذه اخلطيئة‬ ‫فيتخيلها الشاعر حرشة حقرية دنيئة ّ‬ ‫َّ‬ ‫مراضا تفيض ِإىل مجود املوت‪ .‬وهذا ما توحي به َ‬ ‫َأ ً‬ ‫احلشرة و‪‬الطبق املستنقع يف‬ ‫الصقيع‪ ‬يف قوله‪:‬‬ ‫وطهر الشاعر من آثامه فقال لليىل‪:‬‬ ‫ولكن هذا العذاب عاد َّ‬ ‫ّ‬

‫‪156‬‬


‫بين الفكرة‬ ‫والتعبير‬

‫فتنم الصورة عن ِإميانه الصويف َبأن الطبيعة واحلبيبة واهلل مظاهر خمتلفة‬ ‫ُّ‬ ‫لوجود واح ٍد‪ ،‬ووحدة تنصهر فيها املتناقضات ويزول الفارق بني اليشء وضدّ ه‪،‬‬ ‫بني احلالة ونقيضها‪ ،‬فيكون ‪‬ا ُحللم‪َ ‬أو ‪‬الغفلة‪ ‬هو السبيل ِإىل ‪‬وعي‪ ‬اجلوهر‬ ‫واملطلق‪:‬‬

‫����ك ال ي��ن�ته��ي‬ ‫وحُ��ل�م����ي‬ ‫حب����ب َ‬ ‫ِّ‬

‫وه���ل تنهتي ال��غ��ف�لةُ ال��واع�� َي��ه؟!‬ ‫(‪‬ال� �ن ��اس� �ك ��ة‪ ‬م ��ن ‪‬ن� � ��داء ال �ق �ل��ب‪)‬‬

‫مثالٌ آخر‪ :‬وردَ يف التوراة َأن ِاإلنسان من طني‪َ .‬أخذ َأبو شبكة الفكرة‬ ‫واستوحى من حياته القروية ِإبريقَ الفخار وز ْرعَ القمح يف آنية خزفية ّ‬ ‫حتى ينبت‪.‬‬ ‫صورت فكرة الزوال و ّمنت عن ِإحساسه بضعف ِاإلنسان‬ ‫ّثم و َّلد لوح ًة رائعة َّ‬ ‫وتفاهته بل تفاهة الوجود ك ِّله ورسعة زواله‪ .‬يقول يف ‪‬الصالة احلمراء‪ ‬من‬ ‫َ‪‬أفاعي الفردوس‪:‬‬

‫وغ��اب ع�ّن�يّ َ أَين ع ْشب ٌة نب َتت‬ ‫عىل جوانب ِإب��ري�� ٍ‬ ‫ت‬ ‫ق ِإذا نظر َ ْ‬

‫عىل جوانب ِإبريق من اخل��ز َ ِ‬ ‫ف‬ ‫ني ِإىل ِع ْتقه احنطّت عىل تَل ِ‬ ‫َف‬ ‫ع ٌ‬

‫ن��ْت�� ٍ‬ ‫ذات‬ ‫فَ������� ّخ�������ارة‬ ‫نْ‬ ‫ُ‬ ‫ق����������رون ع��ل�يه��ا‬ ‫م��������رت‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫وم����� ّه�����د ال�������نُّ�������تنْ ُ ف�يه��ا‬

‫ِ‬ ‫ك�����ال�����زم�����ان‬ ‫ق������دمي������ ٌة‬ ‫ِ‬ ‫ادله�������ان‬ ‫ل�������ون‬ ‫ف����ح����ا َل‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ادلي�����������دان‬ ‫م������س������ارب‬ ‫َ‬

‫مقليت س��اع�� َة ه��ول ٍ‬ ‫َ‬ ‫ع��ش��ت يف َّ‬

‫ح�� َج��رت غ�� ّص�تي ع�لى ِإش��ف��اق��ي‬

‫َرأى يف ‪‬العشبة‪ ‬التي نبتت رم َز ضعف ِاإلنسان‪ ،‬وحني ك ّرر َأهنا نبتت ‪‬عىل‬ ‫جوانب ِإبريق من اخلزَف‪َ ‬أ ّكد ِإحساسه َبأن الوجود عىل حافة العدم‪ّ .‬ثم يرتسم‬ ‫َأمامنا شعو ُره بالتفاهة والفراغ والزوال حني يتابع يف القصيدة ذاهتا‪:‬‬

‫بالصور متزج فكرة الزوال بالفساد واالنحالل‪.‬‬ ‫و ِإذا‬ ‫َ‬ ‫ّثم نراه يقول البنه ‪‬الطرح‪ ‬يف القصيدة هبذا العنوان من َ‪‬أفاعي الفردوس‪:‬‬

‫‪159‬‬


‫وه َ‬ ‫وكتَ ُـبوه‬ ‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬قَ َر ُأ ُ‬ ‫القسم ّ‬

‫ولكن خيال الشاعر مل يتو ّقف عند حدود االندماج بالطبيعة بل ّ‬ ‫ختطاه ِإىل ِإعادة‬ ‫ّ‬ ‫دت‬ ‫وتبدُّ له الدائمني‪ ،‬وو َّل ْ‬ ‫احلي يف َتحَ ُّوله َ‬ ‫بنائها َف َن َف َذ خيال الشاعر ِإىل جوهر الوجود ّ‬ ‫َ‬ ‫ثدي‬ ‫ف‬ ‫حولت َ‬ ‫طبيعته َأو مناقض‪ ،‬كام يف رؤْ يا فوق واقعية ّ‬ ‫ُص َوره شي ًئا من يشءٍ خما ِل ٍ‬ ‫َ‬ ‫املرأة الفاجرة ِإىل ضفدع لزج ْمقرف خيرج من مستنقع ِاإلثم والعهر‪:‬‬

‫ِ‬ ‫م��راض�� ُع��ه��ا ف��ط��س��اءُ ف��ه��ي ض��ف��ادع‬

‫جتدل‬ ‫ع�لى م��ا هب��ا م��ن هش���وةِ ال��ن��ار ُ‬

‫وع������ذاب ق���د ف����اح م��ن��ه خب��ور‬ ‫ٌ‬

‫خ������ا ٌدل يف جم���ام���ر األ َح���ل���ام ِ‬

‫بِ‬ ‫����روح����ك م���غ���م���ور ٌة يقظيت‬ ‫َ‬ ‫����ك ال ي��ن�ته��ي‬ ‫����ب َ‬ ‫وحُ��ل�م����ي ُحب ّ‬

‫بسحرك أَـحــــــالم َيه‬ ‫ون��ش��وى‬ ‫َ‬ ‫وه���ل ت��ن�ته��ي ال��غ��ف�لةُ ال��واع��ي��ه؟!‬

‫ِ‬ ‫خ��ي��اكل ج��اري‬ ‫ح���س خيايل يف‬ ‫أُ ّ‬ ‫كأَن ّ ِ‬ ‫ك َشطْ ٌر من ـكياين أَض ْعتُه‬

‫وروحَ ِ‬ ‫ك يف رويح وعقلكَ ِ يف عقيل‬ ‫اهتدـيت ِإىل أَصيل‬ ‫وملا تـَالـقـَـــيـنا‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬

‫َأو يقول يف ‪‬غلواء‪:‬‬

‫يطهره ويسمو‬ ‫فتتحولُ َأحالم الشاعر ِإىل جممرة حيرتق فيها عذابه بخو ًرا مقدّ ًسا ّ‬ ‫ّ‬ ‫حتى تنكشف له احلقائق التي ّ‬ ‫به ّ‬ ‫يبثها شعره وهبا خي ُلد‪.‬‬ ‫وعيا‬ ‫وكذا احلال يف هذه الصورة التي ق َلبت احلالة ِإىل نقيضها َ‬ ‫فجع َلت الغفلة ً‬ ‫حني قال عىل لسان ليىل‪:‬‬

‫الصور َوأمثاهلا ك َل ًفا بالبديع‬ ‫والشاعر مل َ‬ ‫جيمع املتباعدات واملتناقضات يف هذه َ‬ ‫و ِإظهار الرباعة الفنية بل َألن الصورة َأصبحَ ت ُح ّل ًة اكتساها موقفه الفكري َأو‬ ‫يوحد بني احلبيبني يف حلولية صوفية ِإذ‬ ‫احلب ّ‬ ‫معاناته الوجدانية‪ .‬فهو مؤْ من َبأن ّ‬ ‫يقول لليىل‪:‬‬

‫ويف مطلع ‪ِ ‬إىل ا َألبد‪ ‬يقول عن ليىل‪:‬‬

‫هيِ‬ ‫منك يف ا ُحلب‬ ‫رب‪ ،‬فذل ٌة َ‬ ‫َ ‪ ،‬اي ِّ‬ ‫‪158‬‬

‫َ َ‬ ‫َ‬ ‫�ت أم أن� ��ا‪ ‬م��ن ‪‬ن� ��داء ال�ق�ل��ب‪)‬‬ ‫(‪‬أن � � ِ‬

‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫اخل�ض�راء‬ ‫دم���وع���ك‬ ‫ج���رت م��ن‬


‫وحب كبير‬ ‫لبناني‬ ‫عاش على شموخ‬ ‫ٍّ‬ ‫ّ‬ ‫المحامي عصام خوري‬

‫صباح اخلري يا زوق‪.‬‬ ‫ونجي َة حريصا‪.‬‬ ‫مرحبا يا جار َة البحر ّ‬ ‫شم الزّهر بني بكركي وعينطوره‪.‬‬ ‫ويا طيب ِاإلقامة عىل ّ‬ ‫ٌ‬ ‫ترتدينه َ‬ ‫َ‬ ‫منمن َم ا َألناقة واحلالوة‪ ،‬وس ِلمت يداه‪ ،‬هناد‬ ‫ثوب‬ ‫ومبارك ل ِك يا زوق ٌ‬ ‫ينسج الثوب ويزرع ا َألناقة ويعشق اجلامل‪.‬‬ ‫نوفل‪ُ ،‬‬ ‫َأهيا السادة(((‪،‬‬ ‫خففوا ْ‬ ‫وأنتم تدخلون الزوق ِّ‬ ‫الوط َء وال ُتخط ُئوا ِاإلصغاء‪ :‬فالزهر هنا ّ‬ ‫يغني مع‬ ‫شجر اللوز‪ ،‬وا َألنوال حتكي‪ ،‬وا َألجراس تص ّلي‪ ،‬ورمبا كان َأنطون قازان يالعب الكلمة‬ ‫يف عرس َأو مهرجان‪.‬‬ ‫وال تنسوا‪َ ،‬وأنتم مت ّرون َأمام ذلك البيت العتيق‪ ،‬عىل ُبعد َأمتار من هنا‪َ ،‬أن‬ ‫ِتق ُفوا ً‬ ‫قليال و ُت َغ ُّنوا‪:‬‬

‫ك����ان‬ ‫أ َ ِرج���������� ْع ل���ن���ا م����ا‬ ‫ْ‬ ‫ك����ان����ت ل���ن���ا أَح��ل�امُ����ن����ا‬ ‫وامل�����ن�����ى‬ ‫ُ‬

‫ل���ب���ن���ان‬ ‫اي ده���������ر ُ يف‬ ‫ْ‬ ‫ال���زم���ان‬ ‫����فْ����و‬ ‫وك�����ان َص‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬

‫ُ‬ ‫كلمت ُه‪ ،‬وزي ًرا للرتبية الوطنية والفنون اجلميلة‪ ،‬يف افتتاح مهرجان َأبو شبكة الـسابع والثالثني ‪ -‬القرص البلدي ‪ -‬زوق مكايل‬ ‫‪ )1‬‬ ‫وديسيه‪.‬‬ ‫(ا َألحد ‪ 29‬كانون الثاين ‪ ،)1984‬بدعو ٍة من جملة ‪‬ا ُأل ِّ‬

‫‪161‬‬


‫وه َ‬ ‫وكتَ ُـبوه‬ ‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬قَ َر ُأ ُ‬ ‫القسم ّ‬

‫فجسدَ ت الصورة ْ‬ ‫َ‬ ‫مشكلته ِاإلنسانية‬ ‫مشكل ًة ميتافيزيقية جاهبت الشاعر َفأ ْن َس ْته‬ ‫ّ‬ ‫ب يشفق عىل ولده‪ .‬هذه املشكلة هي مسؤولية ِاإلنسان‪َ .‬فأبو شبكة يعترب‬ ‫َكأ ٍ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫انرصف‬ ‫مسؤوال عن َأعامله‪ .‬ولذا كان ‪‬الطرح‪ ‬رم َز العقاب‪ ،‬عقابه هو ِإذ‬ ‫ِاإلنسان‬ ‫ِإىل الشهوة ا َألثيمة‪.‬‬ ‫هكذا يتج ّلى مجالُ ُص َوره و َتظهر ُقدر َته ّ‬ ‫الفذة عىل حتويل الفكرة َأو العاطفة‬ ‫ِإىل صور ٍة ُيسبغ هبا عىل ا َألشياء َأبعادً ا ليست َأ ً‬ ‫ليغير‬ ‫صال هلا‪َ ،‬أو يستخدم الصورة ّ‬ ‫منسجما مع رؤاه ّ‬ ‫حتى تصبح املحسوسات رمو ًزا َألفكاره َأو‬ ‫تغيريا‬ ‫ً‬ ‫هندسة الكون ً‬ ‫حلاالته النفسية‪.‬‬ ‫مجال الشعر وخلو ِده‪.‬‬ ‫رس ِ‬ ‫وهنا ُّ‬ ‫َ‬ ‫مهرجان أبو شبكة الـسابع والثالثون ‪-‬‬ ‫القصر البلدي ‪ -‬زوق مكايل‬ ‫َ‬ ‫(األحد ‪ 29‬كانون الثاين ‪)1984‬‬

‫ّ‬ ‫زيتية بريشة جان خليفة ‪1976 -‬‬

‫‪160‬‬


‫عاش على‬ ‫شموخ‬ ‫لبناني‪...‬‬ ‫ّ‬

‫طيب ٍة َأو عن‬ ‫رسي ٍة باسم احلداثة والتحديث‪ِ ،‬إمنا هم‪ ،‬عن ّني ٍة ّ‬ ‫واجلامل يف عملية اغتيال ّ‬ ‫يشوهون هذه ّ‬ ‫نسميها الشعر‪.‬‬ ‫الفنية اجلاملية الراقية التي ّ‬ ‫سوءِ ّنية‪ّ ،‬‬ ‫واإلبداع والتجديد والعرصنة‪ ،‬لكنام من‬ ‫من الطبيعي َأن يكون اللبناينّ مع احلرية ِ‬ ‫الرضوري َأن يكون ضدّ السهل واملنهوك والضعيف والفوىض والشعوذة‬ ‫الطبيعي بل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫والتزييف وعَ ْلك كالم فارغ ُيطلق عليه البعض اسم الشعر‪ ،‬وعفو ّ‬ ‫الشعر من هؤالء‬ ‫املدّ عني‪.‬‬ ‫هذه كانت كلم ًة بني هاللني يف هذه ِالوقفة الشعرية اليوم‪ ،‬ال َأقوهلا دفاعً ا‬ ‫عن الشعر والشعراء بل ْتأكيدً ا عىل مجالي ٍة يف الشعر كان َأبو شبكة واحدً ا من كبار‬ ‫وجمانيا يف َو ْأدها َأو ّالت ُّنكر هلا‪.‬‬ ‫عشوائيا‬ ‫صانعيها‪ ،‬وحرام َأن نساهم اليوم‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫َأ ّيها السادة‪،‬‬ ‫تلقائيا ِوقف ٌة مع صاحب‬ ‫هذه كانت ِوقفتي مع الوطن ومع الشعر‪ ،‬وهي‬ ‫ً‬ ‫وحب كبري‪َ ،‬كأنه خيترص يف ذاته بعض‬ ‫الذكرى‪ِ ،‬إنسا ًنا عاش عىل شموخ لبناينّ‬ ‫ٍّ‬ ‫مالمح هذا الوطن‪.‬‬ ‫وهبط‪ .‬ماذا يستطيع‬ ‫يف ساعاته ا َألخرية كان يردّ د‪ :‬عصفور صغري‪ ،‬طار‪ ،‬طار‪َ ،‬‬ ‫َأن يفعل عصفور صغري؟‪.‬‬ ‫ماذا يستطيع؟‬ ‫حيا بعد سبع وثالثني سنة عىل موته‪ ،‬ويستطيع‬ ‫يستطيع َأهيا الشاعر َأن يبقى ًّ‬ ‫َأن يبقى صور ًة عن وطن صغري يطري وهيبط لكنه ال يستسلم وال ميوت‪.‬‬ ‫العصفور الصغري يستطيع َأن َي َ‬ ‫ـحوك ً‬ ‫عرشا له من زهرات اللوز‪.‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫يعنيك حني قال‪:‬‬ ‫وكأ ّن سعيد عقل‪ ،‬يف بعض ما يعنيه‪ ،‬كان‬

‫من زهر ِ لبنان ُخ ْذ عر ًشا‪ ،‬ومن ِقيمَ ٍ‬

‫ِ‬ ‫لبنان م�� ّن ٌ‬ ‫َ‬ ‫ال زه���ر ُ‬ ‫��ان وال ال��ق�َي�مَ ُ‬ ‫‪163‬‬


‫وه َ‬ ‫وكتَ ُـبوه‬ ‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬قَ َر ُأ ُ‬ ‫القسم ّ‬

‫اليوم‪ ،‬مع َأبو شبكة يف ذكراه السابعة والثالثني‪ ،‬ال بدّ من ِوقفة مع لبنان ومع‬ ‫الشعر‪:‬‬ ‫مع لبنان يف و ِقفة ْعقل و َتـحَ دٍّ ال انتحا َر فيها وال احتضار‪ .‬هذا الوطن الذي‬ ‫وصوت املدفع‬ ‫واحلب والشعر‪ ،‬وترتافق فيه القذيف ُة مع القصيدة‪،‬‬ ‫يعيش عىل الكلمة‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫متار‬ ‫مع صوت الناي‪ ،‬وصور ُة الفجيعة مع لوحة ِاإلبداع والفن‪ ،‬هو ٌ‬ ‫وطن ال ُيقاس َبأ ٍ‬ ‫ّ‬ ‫وطن يدعمه ا ُحللم‬ ‫وال ُيـحَ دّ مبقاييس وال خيضع َألحكام املح ّللني‬ ‫واملنظرين‪ِ .‬إ ّنه ٌ‬ ‫نفسه يقول فيه‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫والشعر و ُيبدعه املغامرون والعباقرة‪ .‬وها َأبو شبكة ُ‬

‫ب‬ ‫لبنان‪ ،‬أَغىن ُ‬ ‫ُ‬ ‫كنوز األ َرض ما هتَ ُ‬ ‫ك‬ ‫لبنان‪ ،‬أ َ َّو كُل ادلُّن��ي��ا‪،‬‬ ‫وآخ���ر َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬

‫راك الندى‪ ،‬يف ِ‬ ‫ب‬ ‫مشس َ‬ ‫عىل ثَ َ‬ ‫ك اذل َّ َه ُ‬ ‫ب‬ ‫اـلــــــدـُّنيا‪،‬‬ ‫َ‬ ‫وبعدك ال أُف ٌ‬ ‫ْق وال هُشُ ُ‬

‫الشعرية‬ ‫ِإ ّن اجتامعنا اليوم يف ذكرى َأبو شبكة‪ ،‬وبدعوة من ‪‬ا ُألوديسيه‪ ‬املج ّلة ِ‬ ‫الرائدة ومن صاحبها الصديق الشاعر هنري زغيب الذي ُأ َقدِّ ُر فيه َه َوس ْاملبدعني‪،‬‬ ‫خالصا‬ ‫ب معرك ٍة َيخوضها صاحب كلم ٍة هي كالسيف ِإ ً‬ ‫ِإمنا هو اجتامعُ مقاتلني‪ .‬و ُر َّ‬ ‫ونرب َة حق‪ ،‬تكون معرك ًة فاصل ًة ضدّ الذين د َّنسوا الكلمة َوأ ُ‬ ‫طفأوا ّالنور والضياء‬ ‫وتس ّلحوا بالنار واحلقد واجلرمية‪.‬‬ ‫يتيما‪ .‬فاللبنانيون‪ ،‬كلّ يوم ٍ ويف كلّ قرية‬ ‫ِإ ّن اجتامعنا اليوم ليس فريدً ا وال ً‬ ‫يعبرون عن ِإمياهنم باحلياة والسالم‬ ‫ومدينة وبالكلمة واملوسيقى واللون واحلركة‪ِّ ،‬‬ ‫واجلامل والبقاء‪.‬‬ ‫وطنا يك ِّرم ُأدباءه ّ‬ ‫ِإ ّن ً‬ ‫شعبا وحكوم ًة‪ ،‬وخيتلس ساعات التكريم‬ ‫وفنانيه ومبدعيه‪ً ،‬‬ ‫من يد قنايص السالم واجلامل‪ ،‬هو وطن بقاؤُ ُه ٌ‬ ‫رشف ِلإلنسانية وتاج‪ ،‬واسمه ْ‬ ‫صنو الزّمان‬ ‫والتاريخ واخللود‪ِ .‬إنه فعل التحدّ ي‪ ،‬نردّ ده اليوم‪َ ،‬وأبو شبكة عَ َل ٌم يف التحدّ ي والعنفوان‪،‬‬ ‫َ‬ ‫والوقفة مع الشعر َت َط ُّل ٌع ِإىل الصعب اهلادر‬ ‫فكأ ّنام ُنجدّ د فعل ِاإلميان بلبنان ال ميوت‪ِ .‬‬ ‫حيث القصيد ُة َخ ْلقٌ عىل يد ّ‬ ‫ونورانية وبراءة‪.‬‬ ‫بيت الشعر اغتسالٌ‬ ‫خالق‪ ،‬وحيث ُ‬ ‫ّ‬ ‫ْمأزق الشعر اليوم َأ ّن البعض حياول اغتصابه َبأن جيعل منه ُأضحوكة ُوألعوبة‬ ‫املع َتدُ ون عىل الشعر َّ‬ ‫وهذيا ًنا ً‬ ‫والذوق‬ ‫والفن‪ .‬هؤالء ْ‬ ‫فارغا يقتل فيه العصب واجلذور ّ‬ ‫‪162‬‬


‫خذت‬ ‫َأ‬ ‫ُ‬ ‫طربوشي‬ ‫وخرجت‬ ‫ُ‬

‫َ‬ ‫وطرائف (شخصي ًة َأو عامة) عن هذا الشاعر الذي حار اجلميع يف عشقه‪،‬‬ ‫توات ًرا)‬ ‫َوأكربوا حياته الصحافية هو ا ْلــكان يف مراحل ُ‬ ‫ت لثالث‬ ‫يكتب ثالث افتتاحيا ٍ‬ ‫(مصر عىل ا َألخص) وعدا‬ ‫ف يف يوم واحد‪ ،‬عدا مراسل ِته صحُ ًفا خارج لبنان ْ‬ ‫صح ٍ‬ ‫اشتغاله يف الرتمجة ْ‬ ‫والتأليف وكتابة َأعمدة طويلة يف الصحف من دون توقيع‪ّ ،‬‬ ‫حتى‬ ‫َ‬ ‫لكأ ّن الصحف التي اشتغل فيها تكاد تكتفي بقلمه وحده‪ ،‬وهو مر ًة يو ّقع اسمه‬ ‫ً‬ ‫ت‬ ‫كامال‪ ،‬ومر ًة ‪‬ا‪.‬ا‪.‬ش‪َ .‬أو َ‪‬أبو ناصيف‪َ ‬أو ‪َ ‬ر َّسام‪َ ‬أو َ‬ ‫‪‬عص ْب َصب‪ ،‬ومرا ٍ‬ ‫كثرية بدون توقيع‪.‬‬ ‫وجهني من حياة َأبو شبكة‪ :‬العاشق والصحايف‪.‬‬ ‫كتاب جوزف َأيب ضاهر ينحرص يف َ‬ ‫ت خمطوطة‬ ‫ها هو يوضح يف املقدمة‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫‪‬حصلت عىل رسائلَ وقصائدَ وكلام ٍ‬ ‫اشرتيت بعضها يف مطلع‬ ‫غري منشورة ُتسهم يف حتديد صورة الياس َأبو شبكة‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫السبعينات من بائع ُكتب ّدالل كان يضعها بني جمالت رخيص ٍة يبيعها عىل رصيف‬ ‫يف ساحة الدباس َأيام كانت ساحات الربج واللعازارية والد ّباس يف اآلحاد وا َألعياد‬ ‫وحصلت عىل البعض اآلخر من‬ ‫متجول ًة تبيع القديم بثمن بخس‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ت ّ‬ ‫تتحول مكتبا ٍ‬ ‫ـ‪‬العصبي املجنون‪....‬‬ ‫شاعر ع ّرف ابن الزوق بـ‬ ‫ّ‬ ‫موجهة ِإىل ا َألمري فؤاد َأيب اللمع ّ‬ ‫(املوظف يف الدوائر‬ ‫معظم هذه ‪‬الثروة ا َألدبية‪َّ ‬‬ ‫ُ‬ ‫العقارية ‪ -‬جونيه) وكان َأبو شبكة عىل صداقة متينة معه ويرتاح ِإىل جمالسه َوأفكاره‬ ‫الواضحة وثقافته الشاملة ومواقفه السياسية املشاهبة ملواقف الشاعر‪.‬‬ ‫تعود صداقة الشاعر وا َألمري ِإىل َأيام الدراسة وكانت َأبعدَ من القضايا العامة‪.‬‬ ‫واطالعه و َي َقبل انتقاداته مهام كانت قاسية‪َ ،‬‬ ‫فالياس حيرتم ثقافة صديقه ّ‬ ‫ويسأله ْرأيه‬ ‫الكتب ّ‬ ‫يف الشعر وبعض ُ‬ ‫وحتى يف الشؤون اهلامشية‪ .‬ولعب فؤاد َأيب اللمع دور‬ ‫املوجه يف مطلع حياة الشاعر الذي س َّلمه َأرسار عالقاته َ‬ ‫باملرأة َوأ ْطلعه عىل كل‬ ‫ّ‬ ‫خفاياه معها‪.‬‬ ‫بطاقات شخصية من الشاعر ِإىل‬ ‫بني الرسائل والقصائد والكلامت املخطوطة‬ ‫ٌ‬ ‫ا َألمري (بالعربية والفرنسية‪ ،‬وبالقلم الرصاص َأو باحلرب البنفسجي) بعضها للتنويه‬ ‫‪165‬‬


‫‪ ...‬أَ‬ ‫وخرجت‪،‬‬ ‫خذت طربوشي‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫تحدثني أَالّ أَعود‪‬‬ ‫ونفسي‬ ‫ّ‬ ‫عن كتاب جوزف أَبي ضاهر‬

‫مرار ًا دعا ِإىل تكرميه َأو ساهم فيه‪.‬‬ ‫ت عن َأبو شبكة َأو َألبو شبكة‪.‬‬ ‫ومرار ًا فتح صفحات جم ّلته ‪‬صدى ا َألرز‪ ‬لكتابا ٍ‬ ‫وها هو جوزف َأيب ضاهر‪ ،‬هذه املرة‪ْ ،‬يأيت بجدي ٍد يف كتابه ‪‬الياس َأبو شبكة‬ ‫ت (شفاه ًة َأو‬ ‫ت (شع ًرا ورسائل) ومعلوما ٍ‬ ‫الصحايفّ العاشق‪ ،‬مجع فيه خمطوطا ٍ‬ ‫‪164‬‬


‫خذت‬ ‫َأ‬ ‫ُ‬ ‫طربوشي‬ ‫وخرجت‬ ‫ُ‬

‫ً‬ ‫َ‬ ‫وش ْح ِط ُكم حاال كما َيشحط الرب المالئكة الشريرة من سماءه (كذا)‬ ‫َ ّ‬ ‫(((‬ ‫واإلكرام‬ ‫و ِإجالس فايز زوين الذي احتقرتموه وهو أحق باالعتبار ِ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫جميعا‪ ،‬وإن شرارة من دماغ فايز لو أصابتكم ألحرقتكم‬ ‫منكم‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫رمادا ً‬ ‫ً‬ ‫باردا دون منازع‪ ،‬أنتم الذين تعدون الحق والعدل‬ ‫وجعلتكم‬ ‫َ‬ ‫وتظهرون اآلن بمظهر األنانية‪ ،‬فبئس هذه المبادئ التي َّ‬ ‫تدعونها وال‬ ‫تقومون بموجبها‪:‬‬

‫ن ِإك��را َم الفقري حمر َّ ٌم‬ ‫فكأ َ َّ‬

‫الغين مُبا ُح‪.‬‬ ‫وك��أ َ َّ‬ ‫ن ِإك��رام ِّ‬ ‫َ‬ ‫أخوك‬ ‫َ‬ ‫الياس أبو شبكة‬

‫‪v‬‬

‫َ‬ ‫أبو شبكة العاشق‬ ‫الزمته طوال حياته َ‬ ‫وصبغت ِشعره ّ‬ ‫صفة ْ‬ ‫حتى بات اليوم مك َّر ًسا بني كبار شعراء‬ ‫وغذاء للعاشقني‪.‬‬ ‫حبه شع ًرا‬ ‫احلب‪ ،‬وهو عرف كيف ُيحب‪ ،‬وعرف كيف يسكب ّ‬ ‫ً‬ ‫وليس عاب ًرا قو ُله‪ :‬كيف السبيلُ ِإىل الشعر ِإن مل َت ُقدْ ِإليه َ‬ ‫امرأة؟‪ .‬وهو‪ ،‬كام‬ ‫ب ّ‬ ‫حتى الثاملة‪ .‬مل يكن ُيفيق من هلف ٍة ِإ ّال ليدخل يف‬ ‫حيدده جوزف َأيب ضاهر‪َ :‬أ َح ّ‬ ‫طعاما ل ّلهب َ‬ ‫ُأخرى ِإىل عامل الشوق َ‬ ‫املتأ ّجج يف صدره‪.‬‬ ‫فكأنه مل ُيخ َلق ِإ ّال ليكون ً‬ ‫غريب يف تعامله مع القلم وا َألصحاب‪ .‬غريب يف عشقه الذي‬ ‫رصفه‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫غريب يف َت ّ‬ ‫ب حتى بعد التعب والندم ووجع الضمري‪ .‬الياس َأبو شبكة‬ ‫ما عرف اسرتاح َة حمار ٍ‬ ‫حكايات حكايات‪ ،‬وقصائدُ َت َو ُّه ٍج تتاميل فيها خياالت نساء‬ ‫حكاي ٌة مل تكتمل‪ ،‬بل‬ ‫ٌ‬ ‫معا‪.‬‬ ‫ّمتشحات با َألرسار وبالتجارب التي ُتطعم اجلسد والروح ً‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫تاريخ و َّقعها‪ :‬الياس‬ ‫ومن املخطوطات النادرة بني أوراق أبو شبكة‪ ،‬ورق ٌة بدون ٍ‬ ‫ب ِإىل الرؤية‬ ‫يوسف َأيب شبكة‪ ،‬وا َألرجح َأهنا من مطلع شبابه ملا فيها من بكار ٍة واقرتا ٍ‬ ‫الناضجة‪ .‬وهنا املخطوط ُة َأنق ُلها كامل ًة من كتاب جوزف َأيب ضاهر‪:‬‬ ‫ً‬ ‫ضابطا يف الدرك‪.‬‬ ‫‪ )1‬فايز زوين كان‬

‫‪167‬‬


‫وه َ‬ ‫وكتَ ُـبوه‬ ‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬قَ َر ُأ ُ‬ ‫القسم ّ‬

‫والتعريف َبأشخاص‪ ،‬وبعضها اآلخر حيمل دعو ًة للمشاركة يف احتفاالت اجتامعية‬ ‫خاصة‪.‬‬ ‫وتعليقات ظريفة عليها (بالقلم الرصاص)‬ ‫ومع البطاقات ُص َو ٌر للشاعر ورفاقه‬ ‫ٌ‬ ‫تدلّ عىل عمق الصداقة بني الرجلني‪.‬‬ ‫من تلك ً‬ ‫مثال‪ ،‬وعىل بطاقة غري مؤ ّرخة‪:‬‬ ‫َت َّ‬ ‫كر ْم بالجواب‪.‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫أخي األمري‬ ‫ً‬ ‫وسالما‪ً ...‬‬ ‫ً‬ ‫غدا تحتفل الزوق بجنازة المرحوم نجيب مطر‬ ‫تحية‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫الخوري الذي ُت ُو ّفي َ‬ ‫مؤ ً‬ ‫خرا يف أمريكا‪ ،‬وقد طلب مني أحد األصدقاء أن‬ ‫َ ّ َ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫َأقول كلمة يف الفقيد الذي كان َأ ً‬ ‫وموسيقيا‪ .‬وكما أنني ال أود أن‬ ‫ديبا‬ ‫َ َ ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ملبيا‬ ‫راك ِإال‬ ‫منك‪ ،‬وال أ‬ ‫ملتمسا‬ ‫أقول وحدي يف ذلك الموقف‪ ،‬أتيت‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫تتطرق فيها ِإىل‬ ‫كلمة فيه اجتماعية‬ ‫فكريت واقرتاحي عليك‪ ،‬أن تقول‬ ‫َ‬ ‫األديب الراحل‪ ،‬وذلك ً‬ ‫ً‬ ‫ذكر‬ ‫صباحا بعد القداس‪.‬‬ ‫غدا الساعة ‪9،30‬‬ ‫ً َ‬ ‫واسلم طويال ألخيك الياس‪.‬‬

‫تضم فيليب كميد وا َألمري فؤاد َأيب اللمع ويوسف تابت وحبيب‬ ‫وعىل صورة ّ‬ ‫واقفا خلفهم)‪ُ ،‬‬ ‫ّفضول والياس َأبو شبكة (بالطربوش ً‬ ‫نقرأ‪:‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫أخي األمري‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫َ‬ ‫تقرأ كلمتي عىل ّ‬ ‫كل رفاقك)‬ ‫رجوك أن‬ ‫(أ‬ ‫ُ‬ ‫تعودت ِإ ّال َأن َأقول الحقيقة‪َ .‬‬ ‫وقع نظري عىل هذه‬ ‫واهلل ما‬ ‫ُ َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫الصورة ِفإذا هي مشهد استبدا ٍد جعلني أرتاب بما كنت أعتقده فيكم‬ ‫ً‬ ‫من العدل ومحبة الحق‪ِ .‬إن َمن ينظر ِإىل هذا الرسم ويكون عارفا‬ ‫ْ‬ ‫ً‬ ‫بحقيقة َأمر ٍّ‬ ‫جميعا دون استثناء‬ ‫كل منكم‪ ،‬ال يتمالك من صف ِعكم‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫أنتم الجالسون (كذا) عىل الكراسي فقط مع ذلك األخري المرتوك‪،‬‬ ‫‪166‬‬


‫خذت‬ ‫َأ‬ ‫ُ‬ ‫طربوشي‬ ‫وخرجت‬ ‫ُ‬

‫ّ‬ ‫يصعد الزفرات المتواصلة‪َ .‬ع َ‬ ‫َتأ َّملوه فهو (يتساءل) َع َ‬ ‫الم ُ‬ ‫الم‬ ‫قلبه‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫عواطفه َتخفق لهديل الحمام وحفيف األوراق وسكون الليل ونحيب‬ ‫َ‬ ‫وعالم يبكي مع النسيم‪.‬‬ ‫الجدول‬ ‫ً‬ ‫جميال تحت سماء لبنان‪ًّ ،‬‬ ‫َتأ َّملوه ً‬ ‫غنيا يف العشرين من‬ ‫شابا‬ ‫ً َ ً‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫نظري طائر يحمل عىل جناح الطبيعة ً‬ ‫متفت ًحا‬ ‫طافحا‪ ،‬أمال‬ ‫قلبا‬ ‫صباه‬ ‫ٍ‬ ‫كالزهرة‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫وملك النقاوة ِّ‬ ‫ً‬ ‫يقبل عىل‬ ‫رطيبا كالغصن‬ ‫تأ َّملوه سليم النية‪،‬‬ ‫جبينه جمال قلبه النقي‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َتأ َّملوا ً‬ ‫َ‬ ‫تخصه‪ .‬األيائل‬ ‫تبسم له‪ .‬قصور الدنيا‬ ‫جيدا‬ ‫عرائس الشعر ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫والحقول هي ُ‬ ‫ملكه‪ ،‬الغابات واألنهار والجبال أ َبقت اسمه يف بطونها‬ ‫وهي ُتصغي للصدى‪.‬‬ ‫القرى ومواشي الرهبان هي له‪ .‬عندما ُّ‬ ‫يمر يف ال َـمزارع يقف ملك‬ ‫َ‬ ‫ُ ُ‬ ‫َ‬ ‫الملكة َ‬ ‫األمراء ْ‬ ‫ِّ‬ ‫نفسها‬ ‫طلب َن يده‪ ،‬ولو أراد‬ ‫ليصبحه‪ :‬بنات‬ ‫السالم‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫خليلة له لنالها غدا‪ .‬عرائسه أحالم ذهبية وخياالت وهمية‪.‬‬

‫ٌ‬ ‫بحبه الكبري َلي َلى‬ ‫معروف َأن َأبو شبكة استهلّ حياته بحُ ّ‬ ‫ب غلواء‪َ ،‬و َت َّو َجها ّ‬ ‫لكن جوزف َأيب ضاهر َ‬ ‫كشف لنا‬ ‫بعدما ا ْلتاع من ‪‬وردة‪ ‬و‪‬املطربة السمراء‪ّ .‬‬ ‫عن عالق ٍة ِّ‬ ‫سماها (مي) وقد يكون َأو ال يكون هذا هو اسمها‬ ‫مبكرة جدً ا بفتاة ّ‬ ‫ّ‬ ‫وجها من مطالع َأبو‬ ‫وكتب هلا ِشع ًرا هو من البدائي‬ ‫احلقيقي‪،‬‬ ‫واملتعثر لكنه ُيبدي ً‬ ‫َ‬ ‫شبكة الشعرية‪.‬‬ ‫من قصائده ِإىل مي‪ :‬مقطوع ٌة َأرسلها ِإىل صديقه ا َألمري فؤاد َأيب اللمع وكتب‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫فالضعيف جدي ٌر‬ ‫بالشفقة‪،‬‬ ‫له يف حاشيتها‪ :‬صديقي ا َألمري‪ ،‬عاملْ هذه ا َألبيات‬ ‫عهدئذ يعرف َأ ّن هذه القصيدة‬ ‫بكل رمحة‪َ .‬أخوك الياس‪ .‬ومل يكن َأبو شبكة‬ ‫ٍ‬ ‫َوأخواهتا هي البذرة التي ُ‬ ‫العبقري الذي لن يعود يف حاجة‬ ‫ستطلع منه الشاعر‬ ‫ّ‬ ‫ِإىل ْرأي َأحد‪.‬‬ ‫‪169‬‬


‫وه َ‬ ‫وكتَ ُـبوه‬ ‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬قَ َر ُأ ُ‬ ‫القسم ّ‬

‫َ‬ ‫اللغة السرية الخالدة‪َ ،‬‬ ‫َ‬ ‫لغة القلوب يف‬ ‫‪‬أهوى الشعر تلك‬ ‫َ‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫ُ‬ ‫الشعر هو القلب الذائب عىل‬ ‫تخيالتها‪.‬‬ ‫تنهداتها‪ ،‬واألفكار يف‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫العاشق‬ ‫الشعور الصادر من النفس المتألمة‪ .‬هو‬ ‫حرارة الغرام‪ .‬هو‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫الباكي الذي ِّ‬ ‫يفتش وهو ث ِم ٌل عىل دموع فا ِتن ِته يف رسائل الهوى‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫تغاريد البلبل‬ ‫ويحلم وهو يتلوها بنغمات صوتها العذب‪ .‬هو‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫وردة يستنشقون أريجها الذكي ثم يرمونها عىل الطريق‬ ‫والكنار‪ .‬هو‬ ‫ّ‬ ‫كونته الطبيعةُ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬ ‫وحي ال يهبط ِإال عىل من‬ ‫فتذبل وتموت‪ .‬الشعر هو‬ ‫َ‬ ‫َ ُ َ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ٌّ‬ ‫(يسمعه البشر وال‬ ‫نقي وجميل‬ ‫هواه ألنه‬ ‫شاعرا‪ .‬وأهواه‪ ،‬نعم أ‬ ‫َّ‬ ‫يتكل ُمه) (كذا)‪.‬‬ ‫َ‬ ‫عالم العاشق يهوى الهجو‪ ،‬وعالم الشاعر يهوى العذاب؟ ماذا‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫يصعدها الفؤاد أو‬ ‫يرجيان من ذلك يا ترى؟ دمعة يا ِإلهي؟ دمعة‬ ‫َ‬ ‫تذرفها العيون؟ دمعة هي لهما أجر وثواب تقودهما ِإىل سماء الخلود؟‬ ‫ً َ‬ ‫َ‬ ‫سعيدا أم ال‪ ،‬ال يدري من نفسه‬ ‫لو تسألون الشاعر عما ِإذا كان‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫شيئا‪ .‬فهو يذبل كما تذبل الزهرة بين األشواك وينطفي سراج حياته‬ ‫َ‬ ‫كما تنطفي الشموع عندما تفنى‪ ،‬ولكن يبقى ذلك األ َر َج العطري‬ ‫َ‬ ‫بين األشواك‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫بنت فكرة ربما مل تطرق باكورة خيال شكسـﭙـري ودانته‬ ‫هاك‬ ‫َ‬ ‫ٌّ‬ ‫وهوغو وأيب العالء‪ :‬شاب يف ريعان عمره جالس عىل ضفاف جدول‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ُّ‬ ‫النقي ابتدأ‬ ‫صاف كالبلور‪ ،‬متنكر كالحب‪ ،‬جميل كاألزهار‪ ،‬قلبه‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫يتفتح ُّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫اضطراب الوردة عندما‬ ‫السحر ويضطرب‬ ‫تفتح األكمام عند‬ ‫ُتنعشها قطرات الندى‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫غريق يف دموع النساء‪ ،‬تلك الطبيعة التي َ‬ ‫وهبها اهلل‬ ‫تأ َّملوه فهو‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫ورقة العواطف‪.‬‬ ‫فوق ما وهب الرجل من الجمال ِ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ُّ‬ ‫ضعيفا نظري المسكين‪،‬‬ ‫يضم العامل ِإىل قلبه الذابل‬ ‫تأ َّملوه فهو‬ ‫َ‬ ‫وال ُيخفي خفقة‪ُ ،‬فينيط نفسه بالهوى َك ُعود تقطعت أوتاره وال يزال‬ ‫يدق عىل مراشف الليل‪.‬‬

‫‪168‬‬


‫خذت‬ ‫َأ‬ ‫ُ‬ ‫طربوشي‬ ‫وخرجت‬ ‫ُ‬

‫ق��ل ـل«ميَ ٍّ » خب��ش��وع ٍ واح��ت��ش��ا ْم‬ ‫نان‬ ‫ف���ارق ادلن��ي��ا ِإىل أَمس��ى ِج ْ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫غصون يف اجلنان‬ ‫كملا اهزتّت‬ ‫ٌ‬

‫ِ‬ ‫ف��اض��ت‬ ‫ن��ف��س مَ���ن هت�� َوي��ن��ه ق��د‬ ‫ُ‬ ‫ح��اف�� ًظ��ا يف ص����دره ً‬ ‫ق��ل��ب��ا س��ل�يمْ‬ ‫يذكر األ َف���راح وال��ص��وت الرخميْ‬

‫َ‬ ‫أبو شبكة الصحايف‬ ‫املهم من َأبو شبكة‪ ،‬ويوضح‪:‬‬ ‫ينتقل جوزف َأيب ضاهر ِإىل هذا الوجه ّ‬ ‫‪‬مل يكن دخوله الصحافة لكتابة املقاالت ا َألدبية فقط َأو لرتمجة ما يصل ِإىل لبنان‬ ‫من صحف َأجنبية‪ ،‬فهو الشاعر الغارق ّ‬ ‫حتى ُأذنيه يف السياسة‪ ،‬يعادي ويصادق من‬ ‫خالل ِنظرته ِإليها‪ .‬والسياسة مبادئُ‪َ ،‬‬ ‫ويفت َرض َأن تكون هذه املباد ُئ واضح ًة‪ ،‬جلي ًة‪،‬‬ ‫جتي ُر خلدمة َأصحاب املصالح اخلاصة‪ .‬وهو ناضل يف هذا‬ ‫ختدم املصلحة العامة وال َّ‬ ‫ت ثورية كثرية‪ ،‬ويف كل ما كتب كان ِاإل ُ‬ ‫نسان هو الغاية‬ ‫املجال‪ ،‬وشارك يف انتفاضا ٍ‬ ‫واهلدف‪ ،‬و َألجله جيب َأن َّ‬ ‫تتحقق العدال ُة واملساواة‪ ،‬فال يصمت صوت احلق‪ ،‬وال‬ ‫ُت َ‬ ‫خنقُ َأ َّن ُة مظلوم‪.‬‬ ‫سبب له خماصم ًة دائم ًة مع صديقه كرم ملحم‬ ‫َ‬ ‫مزج بني ا َألدب والسياسة ما ّ‬ ‫ويرص شاعر ‪‬غلواء‪ ‬عىل موقفه ويعنف النقاش‬ ‫كرم الذي كان يقول عكس ذلك‪ُّ .‬‬ ‫وغالبا ما كان ينتهي لصاحله‪.‬‬ ‫ً‬ ‫‪‬مراقب َأحداث‬ ‫ويضاعف َأبو شبكة نشاطه واهتاممه بشؤون الناس وشجوهنم‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫َ َ‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫قلمه‬ ‫واع كلَّ حركة‪،‬‬ ‫شاحذ َ‬ ‫ومناسبات احلياة‪ ،‬اجتامعية كانت أو سياسية أو أدبية‪ٍ ،‬‬ ‫وصعده‪.‬‬ ‫ليغمسه يف كلّ قضية ذات صلة باملجتمع عىل اختالف نواحيه ُ‬ ‫نقدات تصيب اجلوهر وحتاول َأن ُتسقط‬ ‫كتاباته الصحافية يف معظمها‬ ‫ٌ‬ ‫القشور‪ ،‬وليس من هدف سوى احلقيقة التي آمن هبا‪ ،‬ومن َأجلها عاش الفقر‬ ‫طيلة حياته‪.‬‬ ‫كانت بدايات مشواره الصحايف مع ‪‬الصحايف التائه‪ ‬السكندر الريايش‪،‬‬ ‫و‪‬االستقالل‪ ‬البراهيم نجار الذي ّمحل الشاعر َأعباء حترير اجلريدة بكاملها لينرصف‬ ‫هو ِإىل ُأمور ُأخرى ُت ّ‬ ‫مكن اجلريدة من االستمرار‪.‬‬

‫‪171‬‬


‫وه َ‬ ‫وكتَ ُـبوه‬ ‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬قَ َر ُأ ُ‬ ‫القسم ّ‬

‫مي وعنواهنا ‪‬يا مالكي‪:‬‬ ‫وهنا قصيدته ِإىل ّ‬

‫اي مَ�ل�ايك ع��ن��دم��ا يُ���رىخ ال��ظَّ�لا ْم‬ ‫ب ال��ن��وم يف ج��ف��ن األَان ْم‬ ‫وي���� ُد ُّ‬ ‫ِإ ِ‬ ‫حبنان‬ ‫نعطف ف��وق رسي��ري‬ ‫ْ‬ ‫و ُخ ِ‬ ‫م���ان‬ ‫�����ذ ال��ت��س��ب��ي��ح م�ن�ي ب���أ َ ْ‬

‫اي م�ل�ايك م��ذ ت���رى ض����وءَ ال��ق��م��رْ‬ ‫ع��ي�ني ذ ْر َ‬ ‫وت���رى م��ن أ َ ُ‬ ‫ف ال��ع�َب�رَْ‬ ‫ِإق�ترب من مضجيع ف��وق اخل�َض�رَْ‬ ‫ِ‬ ‫واتْ��� ُل‬ ‫آايت اهل���وى ح�ّت�ىّ الس َحرْ‬ ‫احلسان‬ ‫و ِإذا م��ا أَق��ب��لَ��ت ت�لك‬ ‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫جمُ��ان‬ ‫��س ع��قْ��د‬ ‫ط��رْ ِإل�يه��ا‬ ‫ْ‬ ‫واخ��ت��ل ْ‬ ‫جن���م ال��سهُّ��ى‬ ‫اي م�ل�ايك ِإن ب���دا ُ‬ ‫احل���ب يف دار ال�َب�هَ��ا‬ ‫زُر ْ رب���وع‬ ‫ّ‬ ‫زرت «م��يًّ��ا» قُ��� ْل هلا‬ ‫و ِإذا م��ا‬ ‫َ‬ ‫���ب ي��رن��و َولهَ���ا‬ ‫أُع��طُ��ف��ي ف���ا ُحل ُّ‬ ‫ِ‬ ‫خفقان‬ ‫القلب يبدي‬ ‫هل���واك‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫وأَل��ي�ني ف��اهل��وى يَ��س��ق��ي ِ‬ ‫��ي��ان‬ ‫ال��ل ْ‬ ‫اي م�لايك ِإن دع��ا دايع ِ‬ ‫احل��م��ا ْم‬ ‫ق��ت�رب م�ني ويف الثغر ابتسا ْم‬ ‫ِإ‬ ‫ْ‬ ‫وام��تَ ِ‬ ‫��ط اجل��� َّو وَزُر ْ ت�لك اخل��ي��ا ْم‬ ‫‪170‬‬

‫‪v‬‬

‫‪v‬‬

‫‪v‬‬

‫ً‬ ‫انرشا أَش��ب��اح��ه ف���وق ال��ش��ج��رْ‬ ‫اتركً �����ا ذك����رى هن���ار ق���د ع�َب�رَْ‬ ‫اً‬ ‫وح��ن��ون ك��ن ع�لى جمسي السقميْ‬ ‫���ل‬ ‫مث س��� ِّج هْ‬ ‫ّ‬ ‫ب����ك����راس ال��ن��ع�يمْ‬ ‫ابرزً ا م���ا ب�ي�ن أَش���ج���ار ال��غ��دي��رْ‬ ‫وج��ي��وش ّ‬ ‫اهل���م يف قليب الكسريْ‬ ‫اخل��ض�ير‬ ‫ابمس�����ا ف����وق‬ ‫ومت������ َّددْ ً‬ ‫ْ‬ ‫مَ�ي�ر‬ ‫اي‬ ‫َ‬ ‫م��ل�اك ال�����روح اي خ�ي�ر س ْ‬ ‫ٍ‬ ‫س��احب��ات يف ف ًضا ص��ايف األ َدمي ْ‬ ‫وانقلب حن��وي ع�لى م�تن النسميْ‬

‫ابس�� ًط��ا ف��وق احل��م��ى ن���و ًرا ضئي ْل‬ ‫حيث تلقى ذكل ال��وج�� َه اجلمي ْل‬ ‫ج�سم��ا حني ْل‬ ‫اجل��س��م غ���دا‬ ‫ذكل‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ط��ال��ب��ا ع��ط�� ًف��ا م��ن ال��ث��غ��ر ال��رت��ي�� ْل‬ ‫ً‬ ‫ال��ك��ل��و ْم‬ ‫��ب أَض��ن��تْ��ه ُ‬ ‫ف��ف��ؤاد ال�� َّص ِّ‬ ‫وب��غ�ير ال��ل�ين ال يُ��س��ق��ى ال��س��ق�يمْ‬ ‫ِ‬ ‫ال���راح���ة‬ ‫ف���احتً���ا ل��ل��ن��ف��س ابب‬ ‫وت��������زوَّد ن����ظ����ر ًة م����ن ح��ال�تي‬ ‫ِ‬ ‫هامت‬ ‫حيث رويح فو َقها ق��د‬


‫خذت‬ ‫َأ‬ ‫ُ‬ ‫طربوشي‬ ‫وخرجت‬ ‫ُ‬

‫وكتب ِإىل مرص لـ‪‬املساء‪ ‬و‪‬املقتطف‪ .‬ثم اشتغل ّ‬ ‫طربوشه‬ ‫حتى َأعىل‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫يف الصحافة املحلية حم ِّر ًرا يف ‪‬صوت ا َألحرار‪ ‬و‪‬املعرض‪ ‬و‪‬العاصفة‪ ‬و‪‬الربق‪‬‬ ‫و‪‬املكشوف‪ ‬و‪‬البريق‪ ‬و‪‬النداء‪ ‬و‪‬اجلمهور‪ ‬وسواها‪ ،‬ثم انتقل ِإىل ِاإلذاعة يف َأواخر‬ ‫مرحلة االنتداب‪.‬‬ ‫ت َأبو شبكة بني ْ‬ ‫التأليف والرتمجة لـ‪‬دار‬ ‫هكذا خيتم جوزف َأيب ضاهر َت َو ُّزع وق ِ‬ ‫تشع بالفوىض‬ ‫يتحول غرف ًة ُّ‬ ‫صادر‪ ،‬وبني الكتابة يف الصحُ ف حيث كان مكتبه َّ‬ ‫ب حني يق ّرر الدخول يف نقاش‪.‬‬ ‫يؤَ ِركلُ فيها‪ ،‬يستقبل الوحي‪ ،‬وجيعلها ساحة حر ٍ‬ ‫َ‬ ‫ِإشارة أخرية‬ ‫ضواء اجلديدة تتواىل‪ .‬بعضها خيدُم الشاعر وبعضها اآلخر يفاجئ ببدائيته‪.‬‬ ‫ال تزال ا َأل ُ‬ ‫لكن هذا البعض اآلخر ال يضري‪ .‬فمن قال ِإن ليوناردو داﭬـنتيش وضع املوناليزا‬ ‫ّ‬ ‫قبل َأن مي ّر بعرشات املخططات؟‬ ‫متاما كام ترسو السفينة راتع ًة وتغرق‬ ‫املخططات تزول وتبقى الرائع ُة خالد ًة‪ً ،‬‬ ‫املرساة يف قعر البحر‪.‬‬ ‫وال بدّ للمرساة من بعض وفاء‪.‬‬ ‫ضواء جديد ًة عىل شاعرنا‪ ،‬منها ومن َأمثاهلا ننطلق‬ ‫جوزف َأيب ضاهر فتح َأ َ‬ ‫ِإىل فهم شخصيته َأكثر‪.‬‬ ‫فهم شعره ً‬ ‫عميق لشخصيته الغريبة‪.‬‬ ‫َوأبو شبكة ال ميكن ُ‬ ‫ٍ‬ ‫عميقا ِإ ّال بفهم ٍ‬ ‫‪‬النهار العريب والدويل‪ - ‬العدد ‪- 404‬‬ ‫‪ 28‬كانون الثاين ‪1985‬‬

‫‪173‬‬


‫وه َ‬ ‫وكتَ ُـبوه‬ ‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬قَ َر ُأ ُ‬ ‫القسم ّ‬

‫لكن االستمرار كان َعق َبة الشاعر ال صاحب اجلريدة‪ .‬فها َأبو شبكة يكتب ِإىل‬ ‫صديق‪:‬‬ ‫ٍ‬ ‫‪‬طلب ِإ ّيل السيد ابراهيم النجار َأن َأ َّ‬ ‫نضم ِإليه يف تحرير ‪‬االستقالل‪‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫حاجبها‬ ‫الحياة تبتسم يل بعد أن قطبت‬ ‫ت‬ ‫فقلت يف نفسي‪ :‬لقد بدأ ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َْ‬ ‫يف وجهي طيلة أعوام أربعة‪ ،‬فكانت النتيجة أ َّن عىل قلمي أن يقوم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫بأ ِ‬ ‫عباء الجريدة كلها‪ ،‬وليس عليه هو ِإال كتابة المقال االفتتاحي فقط‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫يمأل َ‬ ‫فراغها قلم واحد‪.‬‬ ‫و‪‬االستقالل‪ ‬كما ال تجهل‪ ،‬جريدة كربى ال‬ ‫جلست إىل المنضدة التي طالما َّ‬ ‫عل ُ‬ ‫لت نفسي بالجلوس ِإليها‪،‬‬ ‫ُ ِ‬ ‫ًّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫فعر ُ‬ ‫َّ‬ ‫يتشعب منها لعبداهلل باشا صفري‪،‬‬ ‫مطوال عن الوحدة وما‬ ‫بت مقاال‬ ‫ً ُ َّ ً َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫وعر ُ‬ ‫َّ‬ ‫طوال ألحد‬ ‫كاملين عن السياسة األوروﭘـية‪ ،‬ومقاال م‬ ‫بت عامودين‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫وكو ُ‬ ‫يتعلق بسوريا ولبنان‪َّ ،‬‬ ‫نت مقاال يزيد عن ثالثة‬ ‫كت َبة ِاإلفرنج‬ ‫استخلصته من جرائد َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫نسبته ِإىل ُ‬ ‫‪‬مكاتب ‪‬االستقالل‪‬‬ ‫حلب‬ ‫عواميد‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫الخصوصي يف حلب‪ ،‬وما هنالك أ ٌثر ُلمكاتب‪ ،‬وأ ُ‬ ‫خذت خالصة‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫قرأ ُتها َّ‬ ‫َ‬ ‫جتزئ منها ما يكون‬ ‫كلها أل‬ ‫أقوال الجرائد اليومية بعد أن‬ ‫وعر ُ‬ ‫ً‬ ‫مالئما لروح الجريدة‪َّ ،‬‬ ‫بت ثالث صفحات عن كتاب ‪‬دين الشاعر‪‬‬ ‫كله وبقي َ‬ ‫حت الطبع َّ‬ ‫ت‪ -‬ثم َّ‬ ‫لرابندرانات تاغور‪ -‬هكذا ُك ِت َب ْ‬ ‫صل ُ‬ ‫عل َّي‬ ‫فنهضت عن المنضدة َوأ ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫جانبا‪ ،‬وكانت‬ ‫لقيت القلم‬ ‫تعريب الربقيات‪،‬‬ ‫الساعة َأ َ‬ ‫وشكت َأن ُتعلن غياب الشمس‪َ ،‬وأ ُ‬ ‫خذت طربوشي الذي كان‬ ‫قد مضى عليه ثماين ساعات ّ‬ ‫ونيف ُم ْل ً‬ ‫قى بين قصاصات الورق‪،‬‬ ‫ُ ّ‬ ‫ً‬ ‫حدثني َأ ّال َأ َ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫يضن‬ ‫عمل‬ ‫ثانية ِإىل‬ ‫عود‬ ‫وخرجت من ِاإلدارة ونفسي ت‬ ‫ٍ‬ ‫عيل ببعض ساع ٍة َأرفع بها ْرأسي ِإىل فضاء الغرفة َأو َأتناول بها ً‬ ‫َّ‬ ‫شيئا‬ ‫َّ‬ ‫من الطعام‪ ،‬فكأن ابراهيم النجار َت َـم َّثل بقول القائلين ِإن الشعراء‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫جالسا ِجلسة المستغرق‬ ‫يعيشون من فتات قلوبهم‪ .‬أما اآلن فرتاين‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َبأحالمه يف تلك الغرفة ُّ‬ ‫الصغرى أستوحي ما أستوحيه من عيون ابن ٍة‬ ‫َ‬ ‫رحمتك اللهم وعدلك‪‬‬ ‫شقراء‪.‬‬ ‫(الزوق‪ ،‬يف ‪ 17‬آذار ‪.)1926‬‬

‫‪172‬‬


‫مود ٌة بين‬ ‫َّ‬ ‫كرم‬ ‫و َأبو شبكة‬

‫ْ��ت أَخل ُع عين تس َع ًة َسلَ َفت‬ ‫فَ��رُح ُ‬ ‫احل��ب‪ ،‬اي ك��ر ُم‪،‬‬ ‫��رات‬ ‫و ِإنمّ���ا ـثَ�� َم ُ‬ ‫ّ‬ ‫حقيق ٌة جُ��زْت ـَ��ه��ا َق��ب�لي‪ ،‬وأَيَّ�� َده��ا‬ ‫ٍ‬ ‫قلب يق ّدم ُه‬ ‫لك َّن من س��ار يف‬ ‫َيك‪ ،‬اي ك��ر ٌم‪ ،‬واس�� َع�� ْد بأُمِّهما‬ ‫طفل َ‬ ‫��ب من أَخ���داره ِن َع ًما‬ ‫ول ُي ْسبِغ ِ ا ُحل ُّ‬

‫لـَ��م‬ ‫أَعقَ ْم ُ‬ ‫ت فهيا اهل��وى واستمثر األ َ ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ما يُنض ُج البط ُن ال ما يُنض ُج القلمَ ُ‬ ‫ْبان بع َدمها لن تُقطَ َع ِ‬ ‫ُصل ِ‬ ‫الرح ُم‬ ‫تسبق ال��قَ�� َد ُم‬ ‫فما عليه ِإذا مل ْ‬ ‫���ر ُم‬ ‫ِّ‬ ‫س��ت احل��رائ��ر ال ِس ٌ‬ ‫��ت��ر وال حَ َ‬ ‫ات اهل��وى ِن َع ُم‬ ‫ُ‬ ‫عليكما‪ ،‬فَ َعط ّي ُ‬

‫من هذه الصداقة الوطيدة بني كرم َوأبو شبكة َي ُ‬ ‫ذك ُر النقيب عصام كيف كان‬ ‫فرتحب به ُأ ّم عصام عىل َأنه من َأهل البيت‪ .‬كانت‬ ‫َأبو شبكة يزور كرم يف البيت ِّ‬ ‫املودّ ة ناضح ًة بينهام‪ ،‬و ِإن كانا َأحيا ًنا خيتلفان يف ْ‬ ‫الرأي كام حيصل بني كرم وا َألخطل‬ ‫الصغري َأو بينه وبني شبيل مالط‪.‬‬ ‫واملالط حتى اخلالف فخرج ّ‬ ‫ذات يوم ٍ احتدّ النقاش بني كرم ّ‬ ‫غاضبا‪.‬‬ ‫املالط‬ ‫ً‬ ‫مل حيم ْلها كرم فبادر ولديه عصام وملحم‪ :‬تعا َليا معي‪ .‬صدَّ عْ نا خاطر شبيل بك‪.‬‬ ‫ب خاطره‪ .‬وخرجوا ِإىل بيت شاعر ا َألرز‪ ،‬وكان يف احلي نفسه‪،‬‬ ‫طي ْ‬ ‫ف ْل َن ْذ َه ْ‬ ‫ب و ُن ِّ‬ ‫َ‬ ‫فالتقوه يف منتصف الطريق بني ال َـمنزلني َأمام كنيسة مار مطانيوس ًآتيا هو اآلخر‬ ‫كي ُيصالح كرم‪.‬‬ ‫َي ُ‬ ‫ذكر النقيب عصام عن َأبو شبكة َأنه مل يكن كثري ا َألناقة لكنه مل يكن عىل ِإمهال‪،‬‬ ‫َوأنه حني يكتب‪ ،‬يرفع ُك ّم قميصه ّ‬ ‫ويفك ربطة عنقه‪ ،‬ويغوص عىل الكتابة يف انرصاف‬ ‫عميق‪ .‬مل يكن ْيأخذ قيلولة بعد الغداء بل يواصل الكتابة حتى ُينهيها ويعود ِإىل الزوق‪.‬‬ ‫سنة ‪َ 1939‬‬ ‫خالف بني والدي َوأبو شبكة َ‬ ‫ٌ‬ ‫بلغ درج َة اخلصومة‪َ ،‬فك َتب كرم‬ ‫نشأ‬ ‫ً‬ ‫مقاال ً‬ ‫عنيفا ضدّ صديقه الياس َوأجابه الياس مبقال عنيف يف ‪‬صوت ا َألحرار‪( ‬السبت‬ ‫ٌ‬ ‫مشرتك هو منصور خملوف‪ ،‬صاحب حمالت ‪‬ترينك‪‬‬ ‫‪ 25‬آذار)‪ .‬وكان هلام صديقٌ‬ ‫َ‬ ‫فجمع ُهام يف القسم اخللفي من حمله (شارع البطريرك احلويك‬ ‫لأللبسة الرجالية اجلاهزة‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫هب بعدَ ها‬ ‫قرب مطعم العجمي) وصاحلهام يف جلسة مل‬ ‫تستغرق سوى بضع دقائق َّ‬ ‫واحدُ مها يعانق اآلخر وانتهت املخاصمة‪.‬‬

‫‪175‬‬


‫مود ٌة بين كرم وأَبو شبكة‬ ‫َّ‬ ‫يندر م ْثلها بين ُ‬ ‫األدباء‬ ‫ُ‬ ‫النقيب عصام كرم‬

‫يف جلستي((( ِإىل النقيب عصام كرم (الستكامل َج ْـمعي الشهادات يف هذا‬ ‫الكتاب) ُيحدّ ثني عن َأبيه كرم ملحم كرم والياس َأبو شبكة‪ٌ ،‬‬ ‫مناخ من ُالقربى‬ ‫الروحية لكون الشاعر ُج ًزءا ً‬ ‫نابضا من طفولة النقيب وشقيقه ملحم‪.‬‬ ‫وليس َأدلَّ عىل ذلك من قصيدة َأبو شبكة سنة ‪ 1932‬يوم تنصري عصام وشقيقه‬ ‫حممد احلوت ‪ْ -‬رأس النبع)‪ ،‬وفيها‪:‬‬ ‫ملحم يف بيت كرم (شارع ّ‬

‫َيك ابلروحَني اي كر ُم‬ ‫ت طفل َ‬ ‫ع ّم ْد َ‬ ‫ٍ‬ ‫لطائفة‬ ‫روح��ا‬ ‫ِإن كان ماءُ المسا ً‬ ‫��م‬ ‫ُ‬ ‫ف��امل��ع��م��دان هل يف عنقنا ذمَ ٌ‬ ‫طفليك ابلروحَني فاغْتَلمَ ا‬ ‫دت‬ ‫َ‬ ‫ع ّم َ‬ ‫قلت هل‪:‬‬ ‫فامسع حني َ‬ ‫هذا ِعصامُ َ‬ ‫ك َ‬ ‫ف َهل َروت يف الليايل هش��رزادُ لنا‬ ‫َت‬ ‫واحلب اذلي َانبثَق ْ‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫وحق غلواءَ‬ ‫َيك مرتسمَ ً ا‬ ‫��ك يف طفل َ‬ ‫لمَ ّ��ا هش�� ْدتُ َ‬ ‫‪ )1‬دير القمر ‪ -‬صيف ‪.2012‬‬

‫‪174‬‬

‫ِ‬ ‫ابخل��م��ر حن��� ُن‪ ،‬وابمل����اء ال���� ُّزالل مُه ُ‬ ‫روح تَ�� ُض�� ُّم‬ ‫فاخلمر ُ ٌ‬ ‫َ‬ ‫ال��ن��اس لكَّ�ُه�مُ ُ‬ ‫لباخوس يف قلب الورى ذِمَ ُم‬ ‫لكن‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫أُعجوب ُة اخلمر‪ :‬كيف ُ‬ ‫الطفل يَغتَمل ُ‬ ‫ب وال َع َج ُم»‬ ‫«ماذا وراءَ َ‬ ‫ ك؟» قال‪« :‬ال ُعرْ ُ‬ ‫ك َر ُم؟‬ ‫سلك ُه يف الناس اي َ‬ ‫نت تَ ُ‬ ‫ما أ َ َ‬ ‫منه ‪ -‬وهل بع َد هذا يف الورى َق َس ُم؟‪-‬‬ ‫فيك يَرتَ ِس ُم‬ ‫يقنت أ َ َّ‬ ‫ن اهلوى ما َ‬ ‫أَ ُ‬


‫الياس أَبو شبكة‪،‬‬ ‫مواط ًنا في لبنان الشعر‬ ‫أَدونيس‬

‫ْ‬ ‫والشعراء الذين جاي َلهم‪،‬‬ ‫مناخ كتاب ٍّـي َأ ّسس له الياس َأبو شبكة‬ ‫نشأ ُ‬ ‫ُ‬ ‫ت يف ٍ‬ ‫خصوصا ما اتصل منه بجاملية التساؤُ ل‪ ،‬و ِإعادة النظر جذر ًيا يف ال ُـم َس َّلامت واملسبقات‬ ‫ً‬ ‫خص‪.‬‬ ‫الدينية والثقافية عىل نحو َأ ّ‬ ‫عندما َأستعيد نتاجهم ‪ -‬عىل الرغم من التفاوت الكبري بني آفاقهم وا ُأل ُفق الذي‬ ‫تستيضء ِبها‪،‬‬ ‫غني ًة َيجدر بالعقول والقلوب َأن‬ ‫َأسري فيه اليوم ‪َ -‬أجدُ يف ِشعرهم ماد ًة َّ‬ ‫َ‬ ‫وعيه ذا َته يف‬ ‫ُوأشدِّ د هنا‪ ،‬بخاص ٍة‪ ،‬عىل شعر الياس َأيب شبكة‪ .‬ذلك َأنه ال يلتمس َ‬ ‫‪177‬‬


‫وه َ‬ ‫وكتَ ُـبوه‬ ‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬قَ َر ُأ ُ‬ ‫القسم ّ‬

‫يف مكتب ‪‬العاصفة‪:‬‬ ‫َ‬ ‫كرم وأبو شبكة ‪ -‬صحبة العمر الجميل‬

‫َ‬ ‫ُ‬ ‫يف الرستوران الفرنسي يوم احتفى أدباء لبنان بأحمد شوقي‪ ،‬الجلوس من اليمين‪:‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫خليل َ‬ ‫كسيب‪ ،‬ميشال زكور‪ ،‬أحمد شوقي‪ ،‬جربان تويني‪ ،‬ميشال أبو شهال‪،‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫خليل تقي الدين‪ .‬ووقف أبو شبكة وراء أحمد شوقي‪ ،‬و ِإىل يساره كرم ملحم كرم‪،‬‬ ‫ّ َ‬ ‫والمصور أسعد دقوين‬ ‫فؤاد حبيش‬

‫وكان منصور خملوف حيب الياس ويساعده َأحيا ًنا يف ُأمور معيشية‪.‬‬ ‫نعي الياس فكانت الصدم ُة قاسي ًة عليه‪،‬‬ ‫يف ‪ 27‬كانون الثاين ‪ 1947‬بلغ ِإىل كرم ُ‬ ‫وبقي ثالثة َأيام ال ْيأكل‪ ،‬وكلام دَ عَ ْته ُأم عصام ِإىل املائدة بادَ َرها‪ :‬مات الياس‪.‬‬ ‫مقال َأهناه َ‬ ‫بالتساؤُ ل‪ ... :‬وهل ميوت من َأطعم‬ ‫كيف مات الياس؟‪ ،‬ورثاه يف ٍ‬ ‫اخللودَ زادَ البقاء؟‪.‬‬ ‫‪‬بقيت ذكرى الياس يف بي ِتنا ً‬ ‫طويال لكثرة ما كان َأيب ُيضمر‬ ‫وخيتم النقيب كرم‪َ :‬‬ ‫اللياس َم َودَّ ًة َيندُ ُر ْمث ُلها بني ا ُألدباء‪.‬‬

‫‪176‬‬


‫مواطنًا في‬ ‫لبنان الشعر‬

‫الشعر‪.‬‬ ‫ليست ِاإليديولوجيا للشاعر ِإ ّال اختنا ًقا َأو حرشج ًة يف حنجرة ِ‬ ‫ويف هذا الضوء‪َ ،‬‬ ‫س‬ ‫هؤالء الشعراء ‪ -‬والياس َأبو شبكة يف طليعتهم ‪ -‬يع ِّلموننا كيف‬ ‫ُ‬ ‫نرفض التجا ُن َ‬ ‫ويؤسس لـِهيمنة العام َ‬ ‫املشت َرك املبتذل‪.‬‬ ‫القطيعي الذي ُيلغي اخلصوصية والتف ُّرد‪ِّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫التفاوت يف ما بينهم‪ ،‬عَ ـ ّرافو الذاتية اجلذرية العالية‪ .‬ولئن ّ‬ ‫تعث َرت الذاتية‬ ‫ِإهنم‪ ،‬عىل ُ‬ ‫بدءا من النصف الثاين للقرن املنرصم‪ ،‬فهي غا َبت عن املجتمعات العربية‪،‬‬ ‫يف لبنان‪ً ،‬‬ ‫انتقال مقوالت ِاإليديولوجيا‬ ‫الشعر وحدَ ه و ِإمنا يف الثقافة العربية ك ِّلها بفعل‬ ‫ال يف ِ‬ ‫ِ‬ ‫والتوتاليتاريا ِإىل الدين والنظام واملؤَ سسة‪ .‬ال الفردُ اليوم هو الذي ِّ‬ ‫يفكر َأو يكتب‪،‬‬ ‫اجلمع الذي ّ‬ ‫حينا يف السياسة والقضية وا ُأل ّمة‪ً ،‬‬ ‫يتمثل ً‬ ‫وحينا يف الدِّ ين والنظام‪.‬‬ ‫بل‬ ‫ُ‬ ‫يتحول ِاإلنسان ِإىل ُمـجَ ـ ّرد آلة‪.‬‬ ‫ويف هذه احلاالت ً‬ ‫مجيعا‪َّ ،‬‬ ‫ِإ ّن حياة الفرد ّ‬ ‫اخلالق ْمف َرد ٌة ال شبيه هلا‪ .‬وال ُيمكن َأن ُت ّعوض عنها حيا ُة َأ ّي فرد‬ ‫َأو مجاعة‪ .‬حضو ُر ُه راي ًة يف ِس ْرب‪َ ،‬أو يدً ا يف مجاعة‪َ ،‬أو ْرأ ًسا يف قطيع‪ ،‬ليس ِإال غيا ًبا‪.‬‬ ‫من هذه ُّ‬ ‫قني ِإ ّن لبنان الشعر هو الذي‬ ‫الشرفة‪ ،‬ويف هذا ِاإلطار‪ ،‬ميكن القولُ ِب َي ٍ‬ ‫َ‬ ‫مجيعا‪ .‬وكان عىل َ‬ ‫لبنان املعنى‪ ،‬ذلك‬ ‫ابتكر اهلوية الشعرية العربية احلديثة للعرب ً‬ ‫ً‬ ‫الضوءِ ّ‬ ‫وراء َ‬ ‫استكامال‪ ،‬اهلوي َة‬ ‫لبنان الشعر‪َ ،‬أن يبتكر كذلك‪،‬‬ ‫اخلالق املدْ هش املختبئ َ‬ ‫ني‪ .‬غري َأنه‬ ‫املدنية التي يتساوى فيها ا َألفراد‪ ،‬يف ما يتخطى َأ َّي انتامءٍ ديني َأو ِإ ْت ّ‬ ‫رجة تارخيية حضارية ‪ -‬هي َأكث ُر من َأن توصف‬ ‫وانحسر‪ ،‬من جه ٍة بفعل َّ‬ ‫اضط َرب‬ ‫َ‬ ‫َبأهنا نكب ٌة َأو كارث ٌة َألهنا نوعٌ من اقتالع البرش ِمن جذورهم ْ‬ ‫ب‬ ‫ف هبم يف َم َه ّ‬ ‫والقذ ِ‬ ‫قوى َت ُ‬ ‫َّ‬ ‫خنق فيام تعانق‪ ،‬ومتزّق فيام َتر ُتق‪.‬‬ ‫الضياع ‪ ،-‬ومن جه ٍة ثاني ٍة بفعل ً‬ ‫بطش َأعمى واح ٍد هو‬ ‫الشعر َأ ّن ِاإلنسان ليس عاجزًا ِإ ّال َأمام‬ ‫مع هذا ك ِّله يع ّلمنا ِ‬ ‫ٍ‬ ‫واملوت هنا ِّ‬ ‫واجلامح ا َألعظم‪:‬‬ ‫املقيدُ العظيم‬ ‫املوت‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫املتنبي‪ ،‬ذلك ّ‬ ‫يذكرنا مبا يقوله الشاعر ّ‬

‫وصف��ه‬ ‫ِإذا م��ا ت��أ َ ّم َ‬ ‫��لْ��ت ال��زَّم��ان رِْ‬

‫نوع من القت ِل‬ ‫ن‬ ‫املوت ٌ‬ ‫َ‬ ‫نت أ َ ّ‬ ‫تَ َي ّق َ‬

‫و َت ُ‬ ‫حضرين هنا عبارة املحامي الفرنيس الشهري لوستالو ‪ِ Loustalot‬إ ّبان الثورة‬ ‫ض!‪.‬‬ ‫الفرنسية‪ :‬ال يبدو لنا الكبا ُر كبا ًرا ِإ َّال َألننا َأ َ‬ ‫مامهم جاثون عىل ُر َك ِبنا‪َ .‬ف ْل َن ْن َه ْ‬ ‫بعضهم باخرتاع العجز ْ‬ ‫يتربع ُ‬ ‫قائم‪،‬كام لو انه‬ ‫يكفي ِإ ًذا َأن ّ‬ ‫واليأس وال ُّرضوخ ملا هو ٌ‬ ‫لبنان ً‬ ‫وطبعا‪ .‬غري َأ ّن ما حيتاج ِإليه ُ‬ ‫غضب َفر ٍد عىل َفرد‪َ ،‬أو‬ ‫حقا‪ ،‬ليس‬ ‫مفروض طبيع ًة ً‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫‪179‬‬


‫وه َ‬ ‫وكتَ ُـبوه‬ ‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬قَ َر ُأ ُ‬ ‫القسم ّ‬

‫يلتمسها يف‬ ‫بحصر املعنى‪َ ،‬أو يف السياسة بحرص الداللة‪ ،‬و ِإمنا‬ ‫التقليد‪َ ،‬أعني يف الدِّ ين ْ‬ ‫ُ‬ ‫ودي‬ ‫الشعر‪ِ .‬إهنا ماد ٌة تؤَ ِّكد عىل َأ ّن شعر الياس َأبو شبكة ميثل اآلن حلظ َة َوعْ ٍي عَ ُم ٍّ‬ ‫عميق ًة من الغبطة العميقة‪ُ ،‬ت َذ ّكرنا َبأن جي َله من الشعراء كانوا‪ ،‬يف بلدهم الصغري لبنان‪،‬‬ ‫الشعرية العربية‪ ،‬و َألرض احللم العريب‪ .‬وكانوا بني َأعمق َوأعىل‬ ‫كبريا هلذه ا َألرض ِ‬ ‫رمزًا ً‬ ‫عرفته طاقا ُتها ِاإلبداعي ُة يف تلك املرحلة‪َ :‬أ َ‬ ‫ما ْ‬ ‫عطوا هوية لبنان الشعرية هلذه اللغة العالية‪.‬‬ ‫الصغري يف عدد ّ‬ ‫حتى عىل مستوى َ‬ ‫كبريا‬ ‫دي كان لبنان‪،‬‬ ‫سكانه‪ً ،‬‬ ‫ُ‬ ‫الك ّم العدَ ّ‬ ‫يف عدد ُشعرائه‪ .‬ففيام كنا نستطيع َأن َن ُعدَّ اثنني َأو ثالث ًة بني الشعراء الكبار يف‬ ‫َأكرب بل ٍد عريب‪ ،‬كنا باملقابل نستطيع َأن َن ُعدّ عرشة شعراء كبار َأو َأكثر يف لبنان‪.‬‬ ‫ِإ ُ‬ ‫قرأوا َ‬ ‫وشع َر رفاقه‪ ،‬وسوف‬ ‫اآلن‪ ،‬يف هذه اللحظة من تاريخ لبنان‪ِ ،‬شع َر َأيب شبكة ِ‬ ‫َت َرون َأ ّن َنحّ ات هذه ا َألملاسة اللبنانية‪ :‬هوي َة لبنان‪ ،‬ال نجدُ ه يف الطائفة وال التجارة وال‬ ‫السياسة‪ ،‬و ِإمنا َنجدُ ه يف ِاإلبداع الثقايف ْفك ًرا وفلسف ًة‪َ ،‬أدَ ًبا وشع ًرا‪ ،‬تصوي ًرا ً‬ ‫موسيقى‬ ‫ونحتا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫هم الذين َح َفروا و َيحفرون اسم لبنان‬ ‫وغناء‪ُ .‬أولئك املبدعون يف تلك امليادين املختلفة‪ُ ،‬‬ ‫بدي من تاريخ ِاإلنسان‪ُ .‬‬ ‫التفاوت بينهم‪،‬‬ ‫وهم‪ ،‬عىل ُ‬ ‫جسد اللغة نفسها‪َ ،‬أعني يف ا َأل ّ‬ ‫يف َ‬ ‫الذاتية‪ ،‬ال ذاتية االنعزال واالنغالق بل ذاتية َ‬ ‫التأ ُّمل واالنفتاح واالسترشاف‪.‬‬ ‫نبياء ّ‬ ‫َأ ُ‬ ‫ُ‬ ‫وهم‪ ،‬يف هذا‪َ ،‬أ ّسسوا ِلـ ُـهو ّية لبنان املنفرد املتضامن‪ ،‬فخ َر ُجوا به من حدو ِده يف الطائفة‬ ‫ٌ‬ ‫مسكون‬ ‫الشعر َكأ ّنه‬ ‫واملذهب‪ ،‬وفتحوا هذه احلدود عىل ِاإلنسان‪ ،‬بحيث بدا لبنان يف هذا ِ‬ ‫الس ُفن‪َ ،‬وأ ّن احلواجز‬ ‫بالكون ك ِّله‪ .‬كانوا يعرفون َأ ّن الصخور يف مداراهتم َأكث ُر عددً ا من ُّ‬ ‫دائما ُي ْـبحرون و َيعربون‪.‬‬ ‫قد تكون َأكث َر عددً ا من العابرين‪ ،‬غري َأ ّنهم كانوا ً‬ ‫دين ‪ -‬نحن الذين جاؤوا بعدَ هم‪ ،‬ويف‬ ‫اللياس َأبو شبكة‪ ،‬ولـِجيله من الشعراء َن ُ‬ ‫تضم الرؤُ وس َ‬ ‫بعضها ِإىل بعض‪،‬‬ ‫هدْ ي مناراهتم ‪ُ -‬بأمثول ٍة شعري ٍة هي َأ ّن ِاإليديولوجيا ّ‬ ‫جسده‪َ ،‬أي عن َأعمق ما يف شخصه‬ ‫يف ِسرب َأو مجاعة‪ ،‬غري َأهنا ْتفصل الفرد عن َ‬ ‫خصوصا َأ ّن ِاإليديولوجيا‬ ‫يتم باسم التخ ِّلي عن الذات‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ويف نفسه‪ْ .‬‬ ‫اجلمع هنا‪ِ ،‬إ ًذا‪ُّ ،‬‬ ‫بلباس ُم َت َع ْص ِر ٍن‪،‬‬ ‫تقليدي‬ ‫راسب‬ ‫والعصبية‪َ ،‬أو هي‬ ‫الذهنيـ َـتني الدينية‬ ‫وريث ُة َأدنى ما يف‬ ‫ٌّ‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ٍ‬ ‫ـمثل َت ً‬ ‫ُ‬ ‫واالنخراط فيها ُي ِّ‬ ‫نازال عن الذاتية وعن البحث والنقد واالعرتاض‪ِ .‬إهنا ‪‬عبود َّية‬ ‫سياسيا باسم ا َألرض‪ .‬هبذا املعنى‪،‬‬ ‫ويتم‬ ‫ً‬ ‫دينيا باسم السامء‪ُّ ،‬‬ ‫يتم ً‬ ‫ـحاء ُّ‬ ‫ُمختارة‪َ ،‬أو هو ِّام ٌ‬ ‫‪178‬‬


‫ص ُ‬ ‫لي‬ ‫الم َخ ِّل ُ‬ ‫ُ‬ ‫الك ْح ّ‬ ‫الشاعر جوزف حرب‬

‫ما ضمَ َّ ُه يف األ َرض ِ مُلْتَ َح ُد ْه‬ ‫لمَ ّا تُ ُوفـِّ َي‪ ...‬ضمَ َّ ُه أَبَ ُد ْه‬ ‫سؤال عن منازهلِ‬ ‫ك كَ َ‬ ‫واتر ْ‬ ‫ُ‬ ‫ببيت ِ‬ ‫ِ‬ ‫الشعر ال ت ـَ ِج ُد ْه‬ ‫ِإ ّال‬

‫بيت ِ‬ ‫الشعر؟‬ ‫َس ْل‪ :‬أَني ُ‬ ‫ك؟‬ ‫هل رحل َ ْ‬ ‫ت يف الكون روحُ َ‬ ‫ِإنه بَ َددُ ْه !‬ ‫‪w‬‬

‫‪181‬‬


‫وه َ‬ ‫وكتَ ُـبوه‬ ‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬قَ َر ُأ ُ‬ ‫القسم ّ‬

‫سيايس‬ ‫اقتصادي‬ ‫اجتامعي‬ ‫الغضب‬ ‫مجاع ٍة عىل مجاعة‪ ،‬بل هو‬ ‫ُ‬ ‫ٍّ‬ ‫ُ‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍّ‬ ‫اجلامع الشاملُ عىل نظام ٍ‬ ‫والق َيم ْ‬ ‫فسد احلياة ذاهتا‪.‬‬ ‫ُيفسد ا َألفراد واجلامعات َ‬ ‫والفكر والعمل‪ ،‬و ُي ِ‬ ‫والعالقات ِ‬ ‫ِإ ّن رفض الوحشية‪ ،‬يف خمتلف َأشكاهلا‪َ ،‬أجاءت من الداخل َأم من اخلارج‪ ،‬دون‬ ‫العمل عىل اجتثاث ُجذورها‪ ،‬هو خط ٌر َآخ ُر يكتفي بالبحث عن جمرم ٍ َأو جمرمني بدَ لَ‬ ‫العمل للتخ ُّلص من الرشوط وا َألوضاع التي ُتن ِتج هؤالء املجرمني‪.‬‬ ‫جيب‬ ‫َخلقَ لبنان للعرب ك ِّلهم عا َل ًما ِآس ًرا من الدَّ هشة والفرح وكلِّ ما هو عَ ٌ‬ ‫وفتان‪ .‬والغريب َأ ّن قادته َي ْعملون ُ‬ ‫ّ‬ ‫عمليا ِإ ّن لبنان ال َي ْق ِدر َأن يكون‬ ‫بط ُر ٍق تقول ً‬ ‫حاض ِره وعن التخطيط َلصريورته‪.‬‬ ‫كينون ًة مستق َّل ًة‪ ،‬و ِإنه عاج ٌز عن ِإدارة ِ‬ ‫هكذا َّ‬ ‫نبع من‬ ‫جوفيا يف تاريخ لبنان احلديث‪َ .‬ي ُ‬ ‫يتمثل يل الياس َأبو شبكة هن ًرا ً‬ ‫جرح صديقٌ لذلك ا ُجلرح ا َألول‬ ‫َغ ٍور له عمقُ ا ُألسطورة‪ ،‬ويتد َّفق يف ً‬ ‫جمرى يبدو َكأنه ٌ‬ ‫موت َأدونيس ً‬ ‫غري َبعي ٍد من ُهنا‪،‬‬ ‫القديم نفسه يف لبنان‪ُ :‬‬ ‫قتال َبأنياب ِخ ْنزير َب ّري‪َ ،‬‬ ‫يف َأحضان َنهر ابراهيم‪ ،‬االسم ِ احلديث الذي َحلَّ َمحلَّ االسم القديم‪ :‬هنر َأدونيس‪.‬‬ ‫وقد يكون يف شعر َأبو شبكة‪ ،‬وبخاص ٍة يف جمموعته الشعرية َ‪‬أفاعي الفردوس‪،‬‬ ‫صدى لتلك ا َألنياب الوحشية‪ِ ،‬إشار ًة ِإىل َأ ّن الواقع ال حييا ِإال َبأجنحة‬ ‫بعض‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫الضوء والدِّ ْف َء‪،‬‬ ‫واقع َآخ ُر داخلَ الواقع‪َ ،‬يمنحُ ُه‪ ،‬يف ٍآن‪،‬‬ ‫املخيلة‪َ ،‬ك َأ ّن ا ُألسطور َة ٌ‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫تصديقا لقول الشاعر الفرنيس الكونت ﭘـاتريس دُ والتور دوﭘـان (‪Patrice de La‬‬ ‫ساطري هلا‪َ ،‬تموت من َالب ْرد‪.‬‬ ‫‪ :)Tour du Pin‬البالد التي ال َأ َ‬ ‫وشع ُر َأبو شبكة ْيأ ُ‬ ‫خذنا يف اجتا ِه َعتب ِة ا ُألسطورة‪ِ ،‬إىل الدِّ ْفءِ َّ‬ ‫والضوء‪ .‬و ِإن‬ ‫ِ‬ ‫الشعر معرف ًة الئق ًة به‪ ،‬مكان ًة و ِإبداعً ا‪َ ،‬فسوف يظلُّ‬ ‫مل يعرف القار ُئ اللبنان ُّـي هذا ِ‬ ‫املخيلة ويف َأحضان الواقع‪.‬‬ ‫َمحضو ًنا بالرمز يف رسير ِّ‬ ‫ُ‬ ‫حتضن ّفنه ورسالته‪ ،‬لع َّله يكون عالم ًة من‬ ‫هذا‬ ‫املتحف الذي ُيقام اليوم َلي ِ‬ ‫عالمات اهلجْ س َ‬ ‫الشعر‪ ،‬وتلبي ًة ِإنساني ًة فني ًة لذاك النداء العميق الذي يتصاعدُ‬ ‫بلبنان ِ‬ ‫احتفاء ب ُلبنان املستقبل‪.‬‬ ‫مجيعا‪،‬‬ ‫من َأعامق التاريخ اللبناينّ ‪ُ ،‬م َت ِّ‬ ‫وج ًها ِإىل َأبنائه ً‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫متحفا‬ ‫كلمته يف االحتفال بتدشين بيت أبو شبكة‬ ‫َ‬ ‫(زوق مكايل ‪ -‬األربعاء ‪ 11‬حزيران ‪)2008‬‬

‫‪180‬‬


‫ص‬ ‫الم َخ ِّل ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫لي‬ ‫الك ْح ّ‬

‫ِ‬ ‫الضبابة فو َق ُه بُرُدُ ْه‪.‬‬ ‫ف‬ ‫ِش ُّ‬ ‫تقرتب‬ ‫ال‬ ‫ْ‬ ‫ِإذ ليس بع ُد ِبه من ِ‬ ‫نت‬ ‫جمسه ما أ َ َ‬ ‫تفتق ُد ْه‬ ‫حتىّ ِإذا جاءَت حبيبت ُه‬ ‫أَل ُّ‬ ‫لك جاءَ‬ ‫جس ُد ْه‪.‬‬ ‫ومل ي ـَ ِج ْئ َ‬ ‫‪w‬‬

‫هو شاعر سك َنت أ َ ِ‬ ‫انم هَ ُل‬ ‫ٌ‬ ‫ك َم ُد ْه‬ ‫ُش َع ُل الغياب وش َّف ُه َ‬ ‫وجد اهلوى أَح ٌد‬ ‫هل َّ‬ ‫غص يف ْ‬ ‫ما كان يف غ ّصاته ي ـَ ِج ُد ْه؟‬ ‫هو مُع َد ٌم طاوٍ‪ ،‬به يَ َب ٌس‪،‬‬ ‫ال يشءَ ِإالَّ ِش ُعر ُه رَغَ ُد ْه‬ ‫أَعْىل اـل َم ِ‬ ‫ماكل ال عىل أَس ٍل‬ ‫أَعْىل اـل َمماكل عن َده َص َي ُد ْه‬ ‫حجر ُ البخور جبي ُن ُه‬ ‫ف ِإذا أَغفى‬ ‫مباخر َ أ َ‬ ‫صبحت وُ ُس ُد ْه‬ ‫ْ‬ ‫سج ٍ‬ ‫واللي ُل مل يحَ ت ْج ِإىل رُ ُ‬ ‫فلقد أَضاء سوادَ ُه سهُ ُ ُد ْه‬ ‫احلزن خـَ ْمرتُ ُه‬ ‫ُ‬ ‫ومُ ِنش ُده مطر ُ املسا‬

‫والرحيُ مست َن ُد ْه‬ ‫ت‪:‬‬ ‫دَوَياَ ُ‬ ‫ك عن أ َ ِ‬ ‫رُدّي غ ْم َس ِحرب ِ ِ‬ ‫قالمه‬ ‫فَ َدواتُ ُه كبِ ُد ْه‪.‬‬ ‫‪w‬‬

‫ن الكالم ِ َش ٍج‬ ‫يف بيته رَ ُّ‬ ‫يخ نَبرْ ُ ُه‪ ،‬غَرِدُ ْه‬ ‫ٌ‬ ‫صوت‪ ،‬رَ ٌّ‬ ‫راقص‬ ‫جس ُد العبارةِ ٌ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫وعىل ِإيقاع مَيسة َخرصه غَ َي ُد ْه‬ ‫ِ‬ ‫كاملالك‪،‬‬ ‫ي ون َ ْق ٌط‪،‬‬ ‫جَرْ ٌ‬ ‫نيق الر َّ ْجع‪ ،‬مُتَِّئ ُد ْه‬ ‫هل َخطْ ٌو أ َ ُ‬ ‫أ َ ِلشعرُ‪ْ ،‬قب ُل‪ ،‬كو ْهج ريشتِ ِه‬ ‫وحي ُه أَعطى وال َخ دَ ُل ْه‬ ‫ال ُ‬ ‫الن!‬ ‫صعب ُه كالغمي ِ َ‬ ‫مك ُ‬ ‫ومك حُلَّت رشيطَ ٍ‬ ‫جديةل عُقَ ُد ْه‬ ‫ك ُّل ِ‬ ‫النساء‬ ‫قد خانه ُ‬ ‫سوى غزَّارةٍ تأْيت مُزَيَّ َن ًة‪،‬‬ ‫مرىخ علهيا َه ْد ُل هِ‬ ‫هشوتا‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫جاءت‪ِ ،‬ـبما تَع ُد ْه‬ ‫وتَفي‪ ،‬مىت‬ ‫ْ‬ ‫كح َل غُ ِ‬ ‫ق‬ ‫امتص ُ‬ ‫موضها ورَ ٌ‬ ‫ال َّ‬ ‫ك رسُّ َب ِ‬ ‫عيدها رَ َص ُد ْه‬ ‫أَو فُ ّ‬ ‫ولـَها دليه رَسير ُ ٍ‬ ‫غاوية‬ ‫وفَ ٌم ت ـَ َم ُّو ُج هَْن ِدها يَرِدُ ْه‬ ‫‪183‬‬


‫وه َ‬ ‫وكتَ ُـبوه‬ ‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬قَ َر ُأ ُ‬ ‫القسم ّ‬

‫شاعر‬ ‫هو ٌ‬ ‫والكون؟‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫حس ُب َ‬ ‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫من رَ ِحم ادلّواة ِـبحبرْ ِه يَ دِ ُل ْه‬ ‫وأَصاب ُع احلبرْ ِ‬ ‫الثالث‬ ‫ُ‬ ‫ت عندي األ َقانميَ الثالث َة‬ ‫غ َد ْ‬ ‫يف قمل ٍ ِإهلٍ واح ٍد‬ ‫البيت؟‬ ‫فترُ ى ما ُ‬ ‫سبوع‬ ‫أُ ٌ‬ ‫‪w‬‬ ‫ست تَفاعي ٌل أَصوغ بهِ ا بييت‬ ‫الغريب‬ ‫شاعر يُدىع‬ ‫وستـَّ ُت ُه ٌّ‬ ‫َ‬ ‫هو ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫رخميات ِبه عُ ُم ُد ْه‬ ‫بل ْه‬ ‫عىل تكل اـل َمغامض يف املدى‪ :‬دَ ُ‬ ‫ْق ت ـَ َّم ِبه‬ ‫ِإن سال دم ُع العني‬ ‫حتىّ ِإذا ما ا َخلل ُ‬ ‫ت سـِتـَّـ َت ُه ٍ‬ ‫بقافية‬ ‫ن ِم ْن أَمسه الرقراق سال‬ ‫وخ َت ْم ُ‬ ‫حسب أ َ ْ‬ ‫ت ـَ‬ ‫ُ‬ ‫ُق ْل‪:‬‬ ‫غَ ُد ْه‬ ‫صار أُسبو ًعا أَىت أَحَ ُد ْه‪.‬‬ ‫خالق حتىّ بدم َع ِت ِه‬ ‫هو ٌ‬ ‫ل َ َع َن اخلطيئ َة ث ّـُم عانَق َها‬ ‫‪w‬‬ ‫ب حَبي ِبه‬ ‫ابب ادلُّخول ِإىل أَعماقنا‪.‬‬ ‫وـمَحاه حُ ّ‬ ‫هو فاحتٌ َ‬ ‫ِمن ْقب ُل‬ ‫ـنَحلَت أَوصال‬ ‫كان عىل أَقالمنا س ْقطُ العباء ةِ‬ ‫صدى‬ ‫صارت ً‬ ‫َ‬ ‫أَو كوف َّي ُة الزمَن القدمي ِ‬ ‫وغ َدت طي ًفا فَلمَْ ًحا‬ ‫وجلباب البالط‬ ‫ُ‬ ‫وفجأ َ ًة ظرهت ر ْؤاي ليوحنا الكالم ِ‬ ‫أَو ب َدت ش َب ًحا‬ ‫فخيا َل بع ِ‬ ‫ض خيال ِ ال أَحَ ٍد‬ ‫مبشرِّ َ ًة بأ َ ْ‬ ‫ن جاء املعلمّ ُ‬ ‫فَ َت َص ُّو ًرا لمِ َ ِ‬ ‫اي ِ‬ ‫مسا‬ ‫عهدي اجلدي َد‬ ‫ذاب ِظ ِّل ً‬ ‫واي مـُ َخل ُِّص‬ ‫قال‪:‬‬ ‫َ‬ ‫رويح‬ ‫ت ـُ‬ ‫خاطب الشعراءَ َ‬ ‫ُ‬ ‫كم‬ ‫ذي قمصان ُ ُ‬ ‫كم‬ ‫هذي‬ ‫مراكب ُ‬ ‫ُ‬ ‫فلتغمسوا املجذاف‬ ‫تدف ُعمك رحيُ اـل َمحابر ِ‬ ‫للبعيد‬ ‫فقد اندى ل ُن ْب ِحر َ ن ـَ ْح َو ُه ُب ُع ُد ْه‬

‫‪182‬‬


Viendra un jour où les géographes, au lieu de relever le contour des continents et des océans, relèveront la carte géographique amoureuse des poètes. Celle d’Elias Abou Chabaké aura pour patrie Zouk Mikaël, un village découvert par moi, il y a plus de trente-cinq ans, devenu petite ville depuis. Les villages sont imprévisibles, selon mon ami René de Obaldia. Il suffit de leur tourner le dos pour qu’ils s’étirent jusqu’à la mer, et qu’ils baillent jusqu’au ciel. Abou Chabaké, qui a vécu et qui est enterré à Zouk, la reconnaîtra-til s’il revenait parmi les vivants ? Saura-t-il retrouver la maison où il vécut

185


‫وه َ‬ ‫وكتَ ُـبوه‬ ‫األول‪ :‬صديقي الياس‪ ...‬قَ َر ُأ ُ‬ ‫القسم ّ‬

‫دواوني‬ ‫وهل ٌ‬ ‫قصائ ُدها يف ِ‬ ‫الشعر‬ ‫قد دارَت عىل فلكَ ٍ‬ ‫يه يف مَدار ـنُجومه جُ ُددُ ْه‬ ‫وتارُ رويح يف هِ‬ ‫حَ‬ ‫قراءتا‪:‬‬ ‫ٍ‬ ‫غيب ِجنُّ ُه يَ ِف ُد ْه؟‬ ‫ي‬ ‫من أ َ ِّ‬

‫أَو كيف يـَخرج من َق ِ‬ ‫ماق ِمه‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫فض ختمْ ِدواته مَرَدُ ْه‬ ‫يف ِّ‬ ‫‪w‬‬

‫مضه يف األ َرض مُ ْل َت َح ُد ْه‬ ‫ما َّ‬ ‫لمَ ا تُوفـِّ َي‪ ...‬ضمَ َّ ُه أَبَ ُد ْه!‬

‫َ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫متحفا‬ ‫قصيد ُته يف االحتفال بتدشين بيت أبو شبكة‬ ‫َ‬ ‫(زوق مكايل ‪ -‬األربعاء ‪ 11‬حزيران ‪)2008‬‬

‫‪184‬‬


étudiante) de Zouk Mikaël, et 82 ans séparaient Baudelaire (né en 1821) d’Elias Abou Chabaké (né en 1903). Frères en poésie, ils ont plongé leur plume dans une encre de la même noirceur, départageant le même encrier là-haut, ou peut-être en bas, dans cet enfer qu’ils ont décrit avec délectation, précision comme s’ils l’avaient habité. L’« enfer », un mot clé de leurs poésies. Répété dix fois dans le même poème par Elias Abou Chabaké dans « Afaï al Ferdaous » (« Les vipères du paradis ») comme on creuse un tunnel à la recherche de la lumière. Comme Baudelaire l’a fait avec ses vers qu’il reprenait comme un refrain « valse mélancolique et douloureux vertige » comme pour scander sa douleur, l’apprivoiser, en faire un mantra pour dissoudre son désespoir. Baudelaire et Abou Chabaké ont transmué les misères humaines en beauté. Peu importe la souffrance quand le regard y trouve son compte. Ils furent deux outres de remords, deux innocents qui se prenaient pour des pécheurs. L’amour de Layla avait libéré Abou Chabaké de son enfer intérieur visible dans « Afaï al Ferdaous » mais l’avait jeté dans un autre enfer dominé par un Dieu exigeant que le poète supplie :

ٍ ‫حـناـن ميـتدـُّ يف صـحرـايئ‬ ‫ِظالـًّ من‬ ِ ِ ‫اخل�ض�راء‬ ‫دم���وع���ك‬ ‫ج���رت م��ن‬

ِ َ ‫ وأ‬...‫���ن���ا‬ ‫ـل��ي‬ ْ‫ ُص ه‬،‫رب‬ ِّ َ ‫ب��ق��ه��ا‬ ِ ‫احلب‬ ‫ فذل ٌة منك يف‬،‫رب‬ ّ ِّ ‫ اي‬،‫يه‬

« Dieu protège-la… garde-la moi ombre de tendresse Prolongement de mon désert Dieu ! Elle est fragment de ton amour Elle coule de tes larmes vertes ».

Un Dieu auquel il demande pardon parce qu’il est heureux:

‫ال����ط��ي�ن يف ال����ط��ي�نِ؟‬ ‫وـي���خ���ب���و‬ ُ ‫جبمرة ال ُّسخط يف أَي���دي الشياطنيِ؟‬ ‫ وتمَ��ض��ي ال تُ�� َن�� ّج��ي�ني‬...‫ف�ل�ا تجُ����ي����ب‬ 187

ٍ ‫ ـهل ينهتي حملي‬،‫ربـَّاـه‬ ،‫ببارقة من اللهيب‬ ‫ملهتبا‬ ً ‫وه���ل أَرى زاح�� ًف��ا يف ال��ل��ي��ل‬ َ‫أ‬ ‫دـع�ـ�ـ���وك وال���ظُ�ل�م��� ُة احل���م���راء تحُ��رق�ني‬ َ


َ ‫وه‬ ‫وكتَ ُـبوه‬ ُ ‫ قَ َر ُأ‬...‫ صديقي الياس‬:‫األول‬ ّ ‫القسم‬

avec Ghalwa’, la nature où il retrouvait Layla ? La mémoire est sélective ; « elle ne retient que ce qui est lié à une émotion » disent les psychologues. M’appuyant sur leur dire, je dirai qu’Elias Abou Chabaké retrouvera la maison de Ghalwa’ à la fumée qui s’échappe de sa cheminée, à la lueur de la lampe à travers une fenêtre, reconnaîtra la prairie où il retrouvait Layla à l’odeur de sa terre, à l’épaisseur de son herbe. Elias Abou Chabaké ne se sentira pas dépaysé comme je l’ai été il y a un an lorsque de retour dans mon village Bcharré, accompagnée d’une équipe de télévision. J’ai cherché, sans succès, les endroits que j’ai décrits dans mes livres. La cascade qui semblait prendre sa source au ciel, devenue mince filet d’eau, masquée par un restaurant sur pilotis. La tombe de Khalil Gibran, jadis visible à travers un vitre à moitié, cachée par le béton pour des raisons sécuritaires. L’atelier de mon oncle menuisier fabricant de cercueils devenu poulailler, et le cimetière déménagé ailleurs avec ses voyageurs immeubles, et ceux restés sur place parce que, ne faisant partie des voyages serrés dans un cube en pierre, ma mère en fait partie. Pardonnez cette parenthèse sur ma personne, alors que j’ai effectué ce voyage avec le seul désir et le but de ne parler que d’Elias Abou Chabaké. Oui, la mémoire est sélective et ne retient que ce que le temps enrobe d’émotion. Elias Abou Chabaké, découvert par moi il y a quarante ans, je le croyais effacé de ma mémoire au cours des trois décennies vécues conjugalement avec la poésie française. Mais il a suffi que je le relise, il y a deux semaines lorsque mon ami le poète Henri Zoghaib m’a fait part de ce projet étonnant, pour que la même émotion m’étreigne de nouveau. Elias Abou Chabaké est pareil aux pas recouverts de sable, mais il suffit qu’un vent contraire souffle sur le désert pour que ces pas réapparaissent aussi nets qu’avant. Abou Chabaké est pareil à ces fleuves qu’on croit taris, alors qu’ils cheminent sous terre et refont surface dès qu’on gratte la terre. Elias Abou Chabaké comme Saïd Akl, Khalil Moutran, Michel Trad et d’autres qui font partie de la géographie culturelle du pays. J’ai découvert Elias Abou Chabaké et Baudelaire la même année. 15 kilomètres séparaient la bibliothèque de l’École des Lettres (où j’étais

186


‫م الثاني‬ ‫القس ُ‬ ‫ْ‬

‫العاشق‬ ‫ـموت ِإالّ َهوانا أَ َعلى َ‬ ‫ُ‬ ‫رض َمن ُي ِ‬ ‫ب ِسوانا»‬ ‫«ك ُّل َح ٍّي َي‬ ‫ُ‬ ‫األ ِ‬ ‫ـح ُّ‬ ‫الياس أَبو شبكة (« ِإلى َ‬ ‫األبد»)‬

‫‪189‬‬


َ ‫وه‬ ‫وكتَ ُـبوه‬ ُ ‫ قَ َر ُأ‬...‫ صديقي الياس‬:‫األول‬ ّ ‫القسم‬

« Mon rêve, Dieu, prendra-t-il fin dans un éclair de feu ? Et l’argile fondra-t-il dans l’argile, me verrais-je rampant dans ma nuit Brûlé par les braises de l’opprobre entre des mains diaboliques? Dieu ! Je t’appelle et l’obscurité rouge m’est incendie Je t’appelle mais tu ne réponds pas Tu as pitié de moi mais ne me sauve pas ».

Abou Chabaké, le premier à avoir introduit en son temps le corps de la femme en poésie, fut un grand amoureux. Sa Layla rejoint et grossit la horde des amoureuses inoubliables de l’Histoire. Layla, devenue la sœur de Layla de Kaïs, de Bouthayna de Jamil, et d’autres et depuis d’autres jusqu’à nous. Layla, et je le cite :

‫ ق��ل��ن��ا‬،‫ويه أمس�����ى ح���ق���ائ���ق احل������ب‬ ّ�‫ورق اجل������م������ا ُل وغ��ّن‬ َ َ‫ـل���م���ا أ‬ ِ ُ‫أَعَ���ل��ى األَرض م���ن يح‬ ‫������ب س����واان؟‬ ُّ

...

ِ ‫يه أُس�����ط�����ور ٌة م���ن ا‬ ،‫ ق���ال���وا‬،‫ل���ش���ع���ر‬ ،‫��ب‬ َّ ‫وـلـــــو‬ ّ ‫��وب مل تَ��فْ�� َن يف ا ُحل‬ َ ‫ان ال��قُ��ل‬ ...‫ ِإالَّ َه�����واان‬،‫يـَ���م���وت‬ ‫يح‬ ُ ُّ ‫كـُ�ـ�ـ�ـ‬ ٍّ ‫�ل‬

« Elle est légende du poème ont-ils dit Elle est sa plus haute réalité nous avons dit Et les cœurs ne s’usent que pour que chante et verdisse la beauté … Tout rirant meurt sur terre sauf notre amour Y a-t-il au monde d’autres amants que nous » ?

Mort jeune : Elias Abou Chabaké a vécu le double de son âge, tant sa vie fut intense. َ ً ‫متحفا‬ ‫كلمتها يف االحتفال بتدشين بيت أبو شبكة‬ َ )2008 ‫ حزيران‬11 ‫ األربعاء‬- ‫(زوق مكايل‬

188


‫تيت َ‬ ‫األرض‬ ‫ب أَ َ‬ ‫لكي ُت ِح َّ‬ ‫هنري زغيب‬

‫اك‬ ‫جَ ِّددْ رُؤَ َ‬ ‫أَان أَستمكل ال َّس َفرا‬ ‫الس ُح انداين‬ ‫فح ُلم َ‬ ‫ُ‬ ‫ك مَّ ْ‬ ‫ويب اخ ُتصارِ‬ ‫فيك قيثار ٌة‬ ‫لو َ‬ ‫من يُمتِها وج َعت ـِب َن ٍ‬ ‫غمة‬ ‫كنت من أَنغامها وَ تَرا‬ ‫ُ‬ ‫قلت لِطَ ْي ٍ‬ ‫منك‪:‬‬ ‫ف َ‬ ‫ويو َم ُ‬ ‫«عُ ْد»‬

‫ت عىل يرايع حَاكاي ل ـَ َّم ِ‬ ‫ت ا َخل رَبا)‬ ‫س ْ‬ ‫(وَ رَ َ‬ ‫ن‬ ‫صداك‪/‬ا ُجلر َح يوم ُئ يل أ َ ْ‬ ‫يف َ‬ ‫وعَ ُ‬ ‫يت َّ‬ ‫واح ما َه َدرا»‪.‬‬ ‫ «مُر َّ يب‪ ،‬اي َشبهيي‪ ،‬يْ َ‬‫فصار يودلُ يف التَّذكار مَوع ُدان‬ ‫ويهنض اـل َمطرح الغايف بغري ِ ثرى‬ ‫ُ‬ ‫ويُزهر ُ اللوز‬ ‫ِ‬ ‫هوى‬ ‫ما يف‬ ‫غري ً‬ ‫«الزوق» ُ‬ ‫اب ٍ‬ ‫ق عىل العهد‪:‬‬ ‫ «مُرْ اي عه ُد ما أَمَرا»‪...‬‬‫‪‬‬

‫‪191‬‬


‫خارطة عشقه‬ ‫قصريا‪.‬‬ ‫– مشوا ُره احليايت كان ً‬ ‫َ‬ ‫– بدأ ُه يف ‪ 3‬نوار ‪َ 1903‬‬ ‫وعاشه عىل َأرض ‪‬الزوق‪ ‬طفول ًة وشبا ًبا وزوج ًة‬ ‫كبريا‪.‬‬ ‫وعبقري ًة‬ ‫و‪...‬حبا ً‬ ‫ً‬ ‫– باك ًرا وقف عىل حمطة العمر منتظ ًرا ‪‬غودو‪.‬‬ ‫– التقاه مر ًة ُأوىل عام ‪ ،1920‬فكان َ‬ ‫سف ٌر وكان ِشع ٌر وكانت جتربة وكانت‬ ‫ُ‬ ‫‪‬غلواء‪.‬‬ ‫انكس َر َ‬ ‫السفر‪ .‬مل يكن ‪‬غودو‪ ‬هو ‪‬غودو‪‬‬ ‫– ‪ :1932‬صارت ‪‬غلواؤُ ه‪ ‬زوجته‪َ .‬‬ ‫املنتظر‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫عواصف وكانت‬ ‫ليال وكانت‬ ‫– عاد ينتظر من جدي ٍد عىل املحطة‪ .‬وكانت ٍ‬ ‫َ‪‬أفاعي الفردوس‪.)1938( ‬‬ ‫– ‪ :1940‬وصل ‪‬غودو‪ ‬املنتظر‪ .‬كان هو هو‪ .‬وكان سفر املحطة املهاجرة‬ ‫صوب ال َـ‪‬أنا‪:‬‬

‫�ب سوى‬ ‫�ايض يف احل� ّ‬ ‫مل يكن م� َّ‬

‫مَ��ط�هرٍ أَف��ض�ى ِإىل ه���ذا ال��ن��ع�يم ِ‬

‫���ب دن��ي��ا القلوب‬ ‫ِإذا ه��ج��ر َ ا ُحل ُّ‬

‫ف��م��ا تَ��ن � َف � ُع ِ‬ ‫��م ال��ب� ـِ‬ ‫�اق��ـ� َي��ه؟‬ ‫احل���طَ� ُ‬

‫– كانت تلك هي الرحل َة ا َألخرية لكنها ا ُألوىل التي ال ثانية هلا‪ .‬ذا َقها ك َّلها‪.‬‬ ‫ت كانت ُ‬ ‫تبدأ كلّ يوم ٍ من جديد‪ .‬و ِإذا ‪‬نداء القلب‪ )1944( ‬يبقى‬ ‫ذا َقها ّ‬ ‫ست سنوا ٍ‬ ‫ً‬ ‫صارخا ‪ِ ‬إىل ا َألبد‪.)1945( ‬‬ ‫انتهت‬ ‫– يوم انتهى املشوار صباح ذاك االثنني املاطر (‪ 27‬كانون الثاين ‪َ )1947‬‬ ‫هي فيه َ‬ ‫ليبدأ هو فيها‪:‬‬

‫‪190‬‬


‫لكي تُ ِح َّب‬ ‫تيت ا َألرض‬ ‫َأ َ‬

‫ومل تَ ِفق ْد هبا َخ َفرا‬ ‫عرف هَْتَا َقبل أَن تُويم‬ ‫نت ص ٍد ل َتلتقهيا وت ـُ ْحيي منمكا ال َّسفرا‬ ‫وأ َ َ‬ ‫(قلت)‬ ‫ «حبيبيت َ‬‫هل أ َ ِ‬ ‫َت؟‬ ‫وصل ْ‬ ‫نت اليت َ‬ ‫خاف يغ ُدرُين دهري‬ ‫أَ ُ‬ ‫ومك غَ َدرا»‬ ‫قال َت‬ ‫ن سـَ ًما‬ ‫يب ما قال َت كأ َ َّ‬ ‫(واي ِط َ‬ ‫من َش ْقع بِلَّور عي َنهيا غ َدت دُرَرا)‬ ‫ِ‬ ‫«حبيب (قال َت)‬ ‫‬‫جنواك‬ ‫أَان َ‬ ‫يف من َْس ِحرا‬ ‫رص ُدين نداءَ قل ِب َ‬ ‫ك حييا َّ‬ ‫تَ ُ‬ ‫عت؟‬ ‫وَ ِج َ‬ ‫أَوج ـْع َتين‬ ‫فيك‬ ‫اي آ َخ ُه وج ُع ا ـْل ما َب ِعد َ‬ ‫ِ‬ ‫ق اذلُعُرا‬ ‫اـلم ْق ِل َ‬ ‫فهات ُ‬ ‫فيك‬ ‫هذي أَان‪ ...‬فاختَ رِصين َ‬ ‫وارتَ ِ‬ ‫ق يب‬ ‫يف جنمة الصبح ِ تل ْقاين‬ ‫فكن َس َحرا‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫حبيب‬ ‫َشأ ْ ت ـَ ْم ُح دُنيا يب‬ ‫ك مُ‬ ‫و َشأ ْ أَع ِ يب أَبعادَ َ‬ ‫الشَّ‬

‫ِإن حُبًّا و  ِإن ِ‬ ‫ك رَبا‬ ‫مشس يف الظ ِّ ِّل َخلّينا بال َق َمر ٍ‬ ‫اي ُ‬ ‫احلب ما يف ِظ كِّ ِ‬ ‫ل اس َترتا‬ ‫عذب ِّ‬ ‫فأ َ ُ‬ ‫غيب؟‬ ‫أَ ُ‬ ‫ما مَهَّ !‬ ‫نت‬ ‫مهي أ َ َ‬ ‫يداك ُسنب ًةل أَحوي هبا غُ ُمرا‬ ‫تَزرعين َ‬ ‫ك الوهلى عىل م َي ٍد‬ ‫أَان مواعي ُد َ‬ ‫ك ُّل الو ْق ِ‬ ‫أَمام ِ‬ ‫ت يب َص ُغرا‬ ‫ك ُ‬ ‫وعد َ‬ ‫ب‬ ‫هبي ا ُحل ّ‬ ‫ف ُض َّمين اي َّ‬ ‫الوس َع يلقاين وال األ ُمَرا‬ ‫ن عىل‬ ‫ِإ َّ‬ ‫َ‬ ‫جبينك ْ‬ ‫هذي أَان‪ ...‬مِهْ حبييب يب‬ ‫َياالك‬ ‫وق َُّص عىل مهيس ل َ‬ ‫أَلمْ َ ْم َبع َدك ال ُّص َورا‬ ‫لو ِ‬ ‫منك فَرَّت‪ ...‬ـِف َّي أَح ِبسهُ ا‬ ‫ك ْل َم ٌة َ‬ ‫أَان تراثُك أَمحي كزنَه أَثَرا‬ ‫تيت األ َرض‬ ‫ب أَ َ‬ ‫ليك تحُ ِ َّ‬ ‫ك اليوم ال َق ُبل؟‬ ‫كيف أَان أَتيتُ َ‬ ‫ارتعش ق َدرَا‬ ‫ْ‬ ‫ك ُه‬ ‫ب؟ ما َ‬ ‫ب أَن أ ُ ِحبَّ َ‬ ‫ك ُ‬ ‫أ ُ ِح ُّ‬ ‫ون حُ ٍّ‬ ‫نت‪ ،‬مجا ًال بع ُد ما ن ُ رِشا‬ ‫ب أَ َ‬ ‫أ ُ ِح ُّ‬ ‫حُزين َهفا؟‬ ‫ايك غائم ًة‬ ‫قُل َت ُه ر ْؤ َ‬ ‫سقيتَ ُه فر َح ال ُع َّشاق فاهنَ َمرا‬ ‫‪193‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫ف يف تَ َوث ُّ ِب ِه‬ ‫ِمشوارُ َ‬ ‫مض نَزْ ٌ‬ ‫ك‪/‬ال َو ُ‬ ‫انءَت به الرحيُ‬ ‫ ك انكرسا !‬ ‫اي ِمشوارَ َ‬ ‫حت تَنب ُض ُه‬ ‫ما بني «غَلوا» و«ل ُـلْوى» رُ َ‬ ‫فلك حلظة ِعش ٍ‬ ‫ق‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ع ْش هَتا دَ َهرا‬ ‫ك «األ َفايع» يف تَعهرُّ ِها‬ ‫ض َ‬ ‫ومل تَ رِ ْ‬ ‫ل يف أَنياهبا انتَ رَصا‬ ‫ما دام ن ُ ْب كُ َ‬ ‫لواك (واأل َياّ ُم بُرعُم ٌة)‬ ‫عرفت غَ َ‬ ‫َ‬ ‫والسَرا‬ ‫و رُ َ‬ ‫حت ترصد فهيا األ َُنس مَ‬ ‫مرتقـبا دِف ًئا هي ُّل عىل حمطَّة العمر‬ ‫َ‬ ‫وكنت ً‬ ‫حتيا فيه مؤتَزَرا‬ ‫ل يف «غَل ْ َوا»‬ ‫و ِإذ بدا كَ َ‬ ‫الس َفرا‬ ‫وشمَ ْ َ‬ ‫ت به قصيد ًة ِشئ هَْتا تَستمكِ ُل َ‬ ‫ن العمر َ غَ ْف ُو غَ ٍد‬ ‫يت بأ َ ّ‬ ‫وما وعَ َ‬ ‫الهسرا‬ ‫وأَن َ‬ ‫ويع الليايل يكرس َ‬ ‫َت «غلواءُ»‬ ‫ن ذ َُبل ْ‬ ‫فاكن أ َ ْ‬ ‫اي وجَيع عىل اهلنهية تُغري يف ادلُّىج َق َمرا‬ ‫ت من ٍ‬ ‫مهنزما‬ ‫وعُ ْد َ‬ ‫خيبة يف ا ُحلب ً‬ ‫ِإىل املحطَّة‬ ‫فيك ِ‬ ‫منتظرـا‬ ‫حتيا َ‬ ‫‪‬‬

‫ «غودو تعال»‬‫الوقت ْتسك ُنه)‬ ‫حت َ‬ ‫(ورُ َ‬ ‫‪192‬‬

‫ «غودو تعال»‬‫رؤاك رسى)‬ ‫(ويأ ْ ٌس يف َ‬ ‫ْت يف الهشوات ا ُحل ْمر ِ‬ ‫ت ـَ ِخذ َ‬ ‫أَلف هوى دَ ٍ‬ ‫ ليةل‬ ‫الشرا‬ ‫وسدو ٌم توق ُد رَّ‬ ‫َ‬ ‫ُلت‪:‬‬ ‫وق َ‬ ‫رب‬ ‫ «اي ُّ‬‫ك ِ‬ ‫يغفرُ يل‬ ‫ال ِإ ّال َ‬ ‫رب قليب َبتو ٌل مل يَشأ ْ دَعَرا‬ ‫اي ُّ‬ ‫رب‬ ‫اي ُّ‬ ‫أَني غودو يأْيت فينقذين‬ ‫كون عُرى‬ ‫منفى‪ ،‬وال ُّس‬ ‫ُ‬ ‫هنا املحطة ً‬ ‫غلواي ـِف َّي‪ ،‬بىل‪،‬‬ ‫لك َّن يف َس َفري و ِ ْس ًعا تجُ افيه عيناها‪...‬‬ ‫فكيف تَرى؟‬ ‫رب‬ ‫اي ِّ‬ ‫َك ٍة‬ ‫رب طَهرِّ ين بِلَ ْيل َ‬ ‫اي ِّ‬ ‫ن عَ ُمرا‬ ‫أَان هلا العمر َ قربانًا وأ َ ْ‬ ‫غودو تعا َل‪»...‬‬ ‫و ِإذ‬ ‫يف غَ ْفلةَ ٍ ومَ َضت‬ ‫عَ َصت هبا ل ـَحظَـ ٌة ما وافَت القَ َدرا‬ ‫فرَّت من الزَّمن املكسور‬ ‫ليك هميى‬ ‫وارحتلَت ِإ َ‬


‫الياس أَبو شبكة العاشق‬

‫ما عىل النبض عاش‪ ،‬بل عىل َالع َصب‪.‬‬ ‫وما من قلبه فاض ِشع ًرا‪ ،‬بل من َت َو ُّهج َأعصابه‪.‬‬ ‫َ‬ ‫لكأنه كتل ٌة من تو ّت ٍر متواصل‪ ،‬منذ والدته هنار ‪َ 3‬أ ّيار ‪ 1903‬يف بروﭬـي ِد ْنس‬ ‫(عاصمة والية رود آيلند ا َألمريكية حيث كان والداه يف رحلة استجامم) ّ‬ ‫حتى َأطبق‬ ‫َأجفا َنه يف املستشفى الفرنيس عند الرابعة من صباح االثنني ‪ 27‬كانون الثاين ‪.1947‬‬ ‫ف مع ُالعمر‪ .‬عاش يف رشاسة الزمن اهلارب‪،‬‬ ‫وبذاك التو ُّتر ظلّ عىل‬ ‫سباق هلي ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫واختطفه الغياب يف غفل ٍة هاربة‪ .‬لكنه اخرتق الغياب‪ ،‬وجدَّ د يف غيابه مرحلة من‬ ‫ضالعا فينا‪.‬‬ ‫نابض ال ُيحرقها الزمن‪،‬‬ ‫حضور‬ ‫بدليل َأنه ال يزال ً‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫عاما َخ َتمها ب ِإغامضة عينني لتفتحَ ُهام ‪ِ -‬إىل ا َألبد ‪ -‬قصائدُ ه ا ْلــبا َتت‬ ‫َأربع ٌة َوأربعون ً‬ ‫امت َ‬ ‫توهجَ ت يف القلب َ‬ ‫ُتتىل ك َّلام هاج يف البال الوطن‪ ،‬و ُتص ّلى ك ّلام َّ‬ ‫عاشقني‪.‬‬ ‫هين ُ‬ ‫الياس َأبو شبكة مل يكن ً‬ ‫نفسه‬ ‫رجال‪/‬ظاهرة وال شاع ًرا‪/‬ظاهرة‪ ،‬بل هو ِ‬ ‫الشعر ُ‬ ‫رجل ّ‬ ‫والرجل َفأصبحَ ت حيا ُته‬ ‫الشعر ُ‬ ‫َت َأ ْن َس َن ظاهر ًة يف ُ‬ ‫انكس َرت املسافة بني ِ‬ ‫حتى َ‬ ‫مست قصائده تدوين ًة يومي ًة حلياته‪.‬‬ ‫س ْل ًخا من ثنايا قصائده‪َ ،‬وأ َ‬ ‫ِمن الشعراء َمن ُت َعنو ُنهم قصائدُ هم‪ .‬ومنهم َمن تو ّزعَ ت عناوينهم عىل مؤ ّلفات‪.‬‬ ‫صعدَ يف‬ ‫احلب‪ِ .‬إىل ّقمته ا َألسمى َّ‬ ‫الياس َأبو شبكة مل يكن له سوى عنوان واحد‪ّ :‬‬ ‫‪195‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫ِ‬ ‫فيك انسك ًة؟‬ ‫وش ْئ َتين أَن أ ُ َص يّل َ‬ ‫وص ْغ من طُهرْ ه َب رَشا‬ ‫ُخ ْذ ُ‬ ‫ك َّل نُسيك ُ‬ ‫لك تفاصييل‬ ‫وت َّ‬ ‫مـَ َح َ‬ ‫غدوت سـَ ًما‬ ‫ُ‬ ‫ما ه ـَ َّمين ال أَراين‬ ‫نت تَرى‬ ‫مَه َّ أ َ َ‬ ‫طَهرَّ ْتَين‬ ‫فيك عاشق ًة‬ ‫رصت زَ ْهوي َ‬ ‫ُ‬ ‫ورصت اي فريح اآليت ومك طَهرُ ا‬ ‫ُ‬ ‫ُراك ال تنهتي يب‬ ‫ذ َ‬ ‫ويه حُمل ُ غَدي‬ ‫نلت مهنا‬ ‫ِإن ذُرو ٌة َ‬ ‫غت فيك ذُرى‬ ‫ُص ُ‬ ‫أَان «األ ُودي َّسةُ» َشأْين فيك الهب ًة‬ ‫«هومري»‪ ...‬اي زَ ْهوي عىل الشُّ َعرا»‬ ‫وأ َ َ‬ ‫نت ُ‬ ‫‪‬‬

‫منك هذي؟‬ ‫حاكي ٌة َ‬ ‫ال‬ ‫ل َتج َم ُعنا‬ ‫كرا‬ ‫ب مبتَ َ‬ ‫ِإىل لكَينا ُ‬ ‫يليق ا ُحل ُّ‬ ‫فا ْش ُددْ يَدي‬ ‫ك الملَّا ُح‬ ‫ِشعرُ َ‬ ‫النبض مع َت رَصا‬ ‫يرمس يل حاكي ًة حن ُن فهيا ُ‬ ‫ب‬ ‫َ‬ ‫سكنت يب اي شفي َع ا ُحل ّ‬ ‫فَاغْ َو ميع‬ ‫ؤاك‬ ‫ج ِّدد رُ َ‬ ‫أَان أَستمكِ ُل ال َّسفرا‪.‬‬

‫َ‬ ‫قصيديت يف مهرجان ‪‬ثالثون أبو شبكة‪- ‬‬ ‫النادي اللبناين للسيارات والسياحة ‪-‬‬ ‫‪ 12‬آذار ‪.1977‬‬

‫‪194‬‬


‫الياس َأبو‬ ‫شبكة‬ ‫العاشق‬

‫عىل عُ ريه العاطفي ُليثبت َأنه جاء بال قناع‪ ،‬وعاش بال ّقفاز‪ ،‬وغاب بال رياء‪ ،‬هو‬ ‫الذي عرف كلّ َأصحاب الرياء ّ‬ ‫والقفازات وا َألقنعة‪.‬‬ ‫حبه الكبري‬ ‫يلتو‪ .‬ومل ينكرس‪ .‬وظلَّ شاه ًرا صدْ قه ً‬ ‫تاجا عىل جبينه‪ ،‬وظلّ ُّ‬ ‫ومل ِ‬ ‫مشهو ًرا لؤلؤ َة هذا التاج‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫ب‪َ .‬فأين استق َّر‪ ،‬بعد طول ق َلق‪ ،‬هذا العنوان؟‬ ‫ُ‬ ‫قلت له عنوا ًنا وحيدً ا‪ :‬ا ُحل ّ‬ ‫ربع نساء‪.‬‬ ‫يف حياته‪ ،‬كام‬ ‫املتداول‪َ ،‬أ ُ‬ ‫َ‬ ‫لكنهن‪ ،‬يف مساره‪ ،‬واحدة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫احلب‪َ ،‬أن َندلّ يف حياته عىل نساء‪ ،‬كام نظ ُلم‬ ‫نظ ُلم الشاعر‪ ،‬ونحن نقوله شاعر ّ‬ ‫العاشق‪ ،‬ونحن نقوله َت َر ْه َب َن لعشقه‪َ ،‬أن نتساءل َأ َّي َ‬ ‫امرأة َأ َحب َأكثر‪.‬‬ ‫يتلمس حبيبته يف وجوه‪ّ ،‬‬ ‫حتى ِإذا التقاها َت َص َوم َع يف وجهها‪.‬‬ ‫العاشق‪َ ،‬أن ّ‬ ‫حبيبته َ‬ ‫َ‬ ‫مسودات‪ّ ،‬‬ ‫بدأ‬ ‫حتى ِإذا التقى‬ ‫احلب‪َ ،‬أن تبقى قصائده يف النساء َّ‬ ‫وشاع ُر ّ‬ ‫ُ‬ ‫يكتب هلا قصائده البكر‪.‬‬ ‫الياس َأبو شبكة ‪ -‬وهو ُق ُلته رم َز الصدق ّ‬ ‫ب عىل صليب صدْ قه ومل‬ ‫حتى ُص ِل َ‬ ‫حبه يف َأكث َر من َ‬ ‫يكفر ‪ -‬مل يكن متعدِّ د النساء‪ ،‬وال هو َأ َ‬ ‫طويال ً‬ ‫امرأة‪ .‬ظلّ ً‬ ‫ُ‬ ‫حامال‬ ‫فرغ َّ‬ ‫َ‬ ‫اكتشف َأن ليس وج َه غودو َمن‬ ‫قنديله‪ ،‬ك ّلام َأضاء عىل وج ٍه َّمتهل يف القلق ف ِإذا‬ ‫عليا قنديله من جديد‪ً ،‬‬ ‫موغال يف رحلة الق َلق‪ ،‬من وج ٍه ِإىل‬ ‫َو َجد‪َ ،‬أشاح عنه َوأ َ‬ ‫كمل ُم ً‬ ‫حتى ِإذا اهتدى‪ ،‬وكان غودو هو غودو َ‬ ‫وجه‪ّ ،‬‬ ‫هناك‬ ‫ب و ِإ ٍ‬ ‫املنتظر‪ ،‬ز َفر خالصه من تع ٍ‬ ‫بنت ْ‬ ‫اليأس‪ّ ،‬‬ ‫وحط قنديله واسرتاح هان ًئا شاك ًرا نعم َة السامء‪ ،‬مردّ دً ا من‬ ‫ومرار ٍة هي ُ‬ ‫غبط ٍة وحبور‪ُ :‬أوريكا‪ُ ...‬أوريكا‪َ ...‬كأ ّن ِك شط ٌر من كياين َأ َض ْع ُت ُه‪ ،‬و َل ّـما تالقينا‬ ‫اهتديت ِإىل َأ ْصيل‪َ ‬‬ ‫ت َأم َأنا؟‪ ‬من ‪‬نداء القلب‪ .)‬وقبل َأن ُيطفئ قنديله‬ ‫ُ‬ ‫(‪‬أن ِ‬ ‫التفت ِإىل الطريق الطويل الذي مشاه وقال له شاك ًرا‬ ‫خريا‪،‬‬ ‫َ‬ ‫حبه َأ ً‬ ‫َ‬ ‫ليستنري بشمس ّ‬ ‫مطهر َأفىض‬ ‫ماض َّي يف ِّ‬ ‫ر ْفقته الطويلة معتذ ًرا منه عن طول تو ُّتر‪ :‬مل يكن ِ‬ ‫احلب سوى ٍ‬ ‫ِإىل هذا ّالنعيمِ‪( ‬هذه مخري‪ ‬من ‪‬نداء القلب‪.)‬‬ ‫‪197‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫فتح من ذاته ً‬ ‫الطريق‪ ،‬و َب ً‬ ‫حثا عنه َح َمل القنديل‪ّ ،‬‬ ‫طريقا واسرتاح‬ ‫حتى ِإذا اهتدى ِإليه َ‬ ‫من يده القنديل‪.‬‬ ‫ً‬ ‫حمتمال قسوة املراحل‪ ،‬ناز ًفا جبينه من ِإكليل املجتمع‪،‬‬ ‫صليبا‪،‬‬ ‫َمحلَ صدقه ً‬ ‫مقتبال ِإسفنجة ّ‬ ‫ً‬ ‫العذال‪ ،‬صاب ًرا عىل طعنات القدَ ر‪ّ ،‬‬ ‫مسامري‬ ‫حتى ِإذا انغر َزت يف هناءته‬ ‫ُ‬ ‫احلب‪ ،‬مل ُ‬ ‫يتربم‪ ،‬وظلّ ّ‬ ‫حتى‬ ‫يكفر ومل ّ‬ ‫ا َألولياء واحل ّراس‪ ،‬وارتفع مصلو ًبا عىل جلجلة ّ‬ ‫دائما ذلك اهلوى‬ ‫اللحظة ا َألخرية يردِّ د يف حرشجة املؤمنني‪ :‬سوف يستحيل ً‬ ‫ربيعا ً‬ ‫املستحيلُ ‪( ‬الرسول‪ ‬يف ‪ِ ‬إىل ا َألبد‪.)‬‬ ‫ربيعا مستم ًرا‪ ،‬حيمل نداء القلب صاد ًقا ِإىل ا َألبد‪ .‬فك ّلام َأ َ‬ ‫زه َرت‬ ‫باق ً‬ ‫وها ُح ُّب ُه ٍ‬ ‫طرح ُة زهر اللوز يف ‪‬الزوق‪ ‬تتم ّرى يف قصائده‪ ،‬وك ّلام ّ‬ ‫تذه َبت شمس الصيف يف‬ ‫‪‬الزوق‪َ ‬تتأ ّنق يف َأشعاره‪ ،‬وك ّلام ر ّنق اخلريف يف ‪‬الزوق‪ ‬يص ّلي يف َأبياته‪ ،‬وك ّلام‬ ‫هاجت رياح الشتاء يف ‪‬الزوق‪ ‬تسرتيح يف ْ‬ ‫دفءِ قوافيه‪ .‬ويبقى َأبو شبكة عريس‬ ‫الفصول‪ ،‬وتبقى قصائده‪ ،‬يف شعر لبنان‪ ،‬زوغ َة العرس وفرح َة املهرجان‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫يتعب؟‬ ‫حربا حتى َأتعب الصفحات ومل َ‬ ‫هل َبعدُ ما يقال فيه‪ ،‬وهو َأسال ً‬

‫وهل من جدي ٍد‪ ،‬بعدُ ‪ ،‬وكلُّ ما قيل فيه جديدٌ مثله‪ ،‬متجدّ د مثل ِإميانه با ُحلب؟‬ ‫َ‬ ‫ت ُ‬ ‫ت ُ‬ ‫وخ َط ًبا وآراء‪ ،‬عارفني (وما‬ ‫ت وذكريا ٍ‬ ‫وكت ًبا ومقاال ٍ‬ ‫لكأ ّن َمن تناولوه دراسا ٍ‬ ‫َأ َ‬ ‫هنأهم) وقادرين (وما َأكثرهم) وباحثني يف شعره (وما َأشدّ تنا ُقضهم)‪َ ،‬أحاطوا منه‬ ‫اسمه‪ :‬الياس َأبو‬ ‫بالكثري‪َّ ،‬‬ ‫لكن واحدً ا وحيدً ا يبقى َأفضل َمن قال فيه كلَّ يشء‪ُ ،‬‬ ‫شبكة‪.‬‬ ‫رسا‪ ،‬وال ِل ُـمباحه جه ًرا‪ ،‬فكان‬ ‫ٌ‬ ‫عجيب هذا الرجل! مل يرتك لنفسه َأم ًرا‪ ،‬وال ّ‬ ‫حلبه ً‬ ‫مس ًكا بقرار فتح هذه الصفحة‪ .‬قال حياته‬ ‫صفح ًة مفتوحة للجميع‪ ،‬لكنه ظلّ وحده ُم ِ‬ ‫للفن‪ .‬وقاهلا يف ّ‬ ‫محيمي َة االعرتاف لتنقية‬ ‫الفن ّ‬ ‫يف شعره‪ ،‬فكانت ِإبداعَ ّ‬ ‫مذكراته فكانت ّ‬ ‫واملجالت‪َ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫الروح‪ .‬وما ّ‬ ‫يرص‬ ‫الصحف‬ ‫تبقى قاله يف مقاالته عىل صفحات ُّ‬ ‫فكأنه كان ُّ‬ ‫‪196‬‬


‫الياس َأبو‬ ‫شبكة‬ ‫العاشق‬

‫غمز غري‬ ‫ومع ِإميائها له َأ ْن‬ ‫ُ‬ ‫‪‬فهمت مرماك‪ّ ‬‬ ‫تطو َرت الصداق ُة و‪‬اجلرية‪ ‬من ٍ‬ ‫مبارش بني سطور الروايات ِإىل رسائل حب مبارشة بني َط ّيات صفحات ُ‬ ‫الكتب‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫بلغ الياس العرشين (‪ )1923‬وبدأ ينرش بواكريه يف صحُ ف ذلك الزمان‪ .‬ومل َي ُعد‬ ‫زيارات الياس ِإىل‬ ‫خفيا عىل الشقيق الصديق‪ ،‬وال عىل َأهل البيت‪ ،‬فاكتسبت‬ ‫ُ‬ ‫ا َألمر ً‬ ‫رسميا ِإىل ‪‬رشعي‪ ،‬ومل ُتعد ُأولغا شقيقة يوسف ساروفيم‬ ‫بيت ساروفيم ً‬ ‫طابعا آخر‪ً ،‬‬ ‫وحسب بل صارت خطيب َة الفتى الشاعر‪ُّ ،‬‬ ‫يبثها نجاوى قلبه اللهيف‪ّ ،‬‬ ‫حتى َأدخلها‬ ‫ْ‬ ‫ووسمها باسم آخر يليق بعروس الشعر (الشاعر‪ ،‬حني يعشق‪ ،‬يريدُ‬ ‫َ‬ ‫ملكوت شعره َ‬ ‫عروس عشقه بريئ ًة من كلِّ ما فيها ّ‬ ‫كليا له ومنه‬ ‫حتى من اسمها‪ .‬يريدها جديد ًة ً‬ ‫َ‬ ‫وحتولت ُأولغا ِإىل ‪‬غلواء‪.‬‬ ‫وفيه)‪ّ ،‬‬ ‫ومهية َأو تقليدية ّ‬ ‫فرتكزَت‬ ‫ٍ‬ ‫منذئذ مل ُتعد قصائد الياس َأبو شبكة ِّ‬ ‫مهوم ًة يف َأسامء ّ‬ ‫عىل ‪‬غلواء‪ ،‬راح ينرش مقاطع منها يف الصحف التي كان من ُأرسة حتريرها‪ .‬واشتهرت‬ ‫‪‬غلواء‪ ‬يف قصائده حتى ارتبط اسمها به شع ًرا وكتاب ًة َوأحاديث مع َأصدقائه‪ ،‬ودخ َلت‬ ‫متداول ًة يف‬ ‫الرس والع َلن‪ ،‬وباتت هلم ماد ًة‬ ‫َ‬ ‫عىل ‪‬الزوق‪ ‬حكاي ٌة تناق َلها الزوقيون يف ّ‬ ‫ختامي كان َأهل ُأولغا َأ ّول من طرحه‪ :‬كيف ميكن هذا الشاب‬ ‫عشياهتم‪ ،‬مع سؤال‬ ‫ّ‬ ‫ٍّ‬ ‫يتزوج ابنتهم وهو ْبعدُ مل ّ‬ ‫اجتامعيا ُم َـم ِّك ًنا‪ ،‬ويف بيته والد ٌة عجوز‪ ،‬وشقيق ٌة‬ ‫وضعا‬ ‫يرتكز ً‬ ‫َأن َّ‬ ‫ً‬ ‫صحافيا؟‪.‬‬ ‫عانس ُيعيلهام الياس من رواتبه املتواضعة يف اشتغاله‬ ‫ً‬ ‫هذا َّ‬ ‫الطوق االجتامعي الذي َ‬ ‫بلغ حدَّ ‪‬التابو‪ ‬املوروث‪ ،‬جعلَ عالقة الياس ُبأولغا‬ ‫َ‬ ‫رسمي‬ ‫طابع‬ ‫ب‬ ‫رشعي ًة‪ ،‬وزيارا ِت ِه زيار َة خطي ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ٍّ‬ ‫خطيبته‪ ،‬بكلّ ما يف هذه الزيارات من ٍ‬ ‫مقي ٍد باحلدّ ا َألقىص من مراقبة‬ ‫حمارص با َألعني‪،‬‬ ‫حماط باجلميع‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫مغلول بالـ‪‬ال جيوز‪ّ ،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ضم َة ُهنا‪ ،‬وال ُقبل َة‬ ‫‪‬اهلمس احلميم‪ ‬وهو َأقلُّ من احلدّ ا َألدنى جيوع ِإليه العاشق‪ ،‬فال ّ‬ ‫متنبهون‬ ‫عمن هم ً‬ ‫هناك‪ ،‬وال ملس َة ي ٍد الهب ًة يف غفلة ّ‬ ‫دائما هنا‪ ،‬جالسون حميطون ّ‬ ‫ّ‬ ‫حتى ولو ُأ ِره ِق الليل ونام‪.‬‬ ‫وشب ًقا‪،‬‬ ‫ماذا يفعل الشاب‬ ‫ُّ‬ ‫الضاج فور َة رجول ٍة ونضارة‪ ،‬وفيه حياة تغيل فحيحً ا َ‬ ‫يوما من ّبوابة احللم؟!‬ ‫وعروس َأحالمه مل خترج ً‬ ‫‪v‬‬

‫‪199‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫خريا‪ ،‬وغلّ يف فردوسه الذي‬ ‫حبه الشاطر َأ ً‬ ‫ومن يومها َه ِنئ يف سعادته‪ ،‬وغمر َّ‬ ‫كان ً‬ ‫احلب‪ ،‬خالدً ا به َوفي ِه‪ ،‬وسيبقى ِإىل ا َألبد‬ ‫ضاال َف ُوجد‪ ،‬وال يزال ِإىل اليوم ً‬ ‫ناعما هبذا ّ‬ ‫نابضا يف قلب ‪‬موناليزاه‪ ‬اخلالدة التي حتفظه ّ‬ ‫ً‬ ‫مشعا يف عينيها العاشقتني‪.‬‬ ‫حتى اليوم ًّ‬ ‫ُو ً‬ ‫عاما (‪.)1940–1920‬‬ ‫صوال ِإليها طال انتظا ُره عرشين ً‬ ‫حتمل جلجلة ا َألعوام العرشين؟ وكيف‪ِ ،‬إذ التقاها‪َ ،‬‬ ‫عيم ُه؟‬ ‫ذاق َن َ‬ ‫فكيف َّ‬ ‫‪v‬‬

‫كان َأبو شبكة يف السابعة عرشة (هناية ‪ )1920‬حني َ‬ ‫لفتت ُه شقيق ُة صديقه يوسف‬ ‫اسمها ُ‪‬أولغا‪ .‬وكانت مجيل َة الوجه بري َئ َته‪ ،‬طويل َة‬ ‫جاره يف ‪‬الزوق‪ .‬كان ُ‬ ‫ساروفيم‪ِ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ضج ُوأنوث ٍة شدّ ت ِإليها ذاك الفتى املفتون‬ ‫الشعر‬ ‫مسرتس َل َته‪ ،‬تكربه بسنوا ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ت كافي ٍة ُلن ٍ‬ ‫خذه يف شقيقته مجالٌ َ‬ ‫بتمتامت قصائده ا ُألوىل‪ ،‬وهو يرتدّ د عىل صديقه ْ‬ ‫ويأ ُ‬ ‫بدأ يلفت‬ ‫وزوا َر البيت‪.‬‬ ‫ِإليه‬ ‫شباب الضيعة ّ‬ ‫َ‬ ‫قطعت بينهام‬ ‫وكان يومها ط َّلق حياة التلمذة (بعد فرتتني يف معهد عينطوره َ‬ ‫وعصاميته العتيدة ( َف َقدَ َأباه‬ ‫وصمم ‪ -‬مبزاجه النافر‬ ‫ُ‬ ‫سنوات احلرب (‪َّ ،)1918 - 1914‬‬ ‫ّ‬ ‫عام ‪َ - )1913‬أن يواصلَ حتصيله وحدَ ه غار ًفا من مؤ ّلفات ا ُألدباء الفرنسيني وشعراء‬ ‫وخ ً‬ ‫فرنسا الرومنطيقيني بذو ًرا لثقافته ُ‬ ‫لنسج شاعر ّيته‪.‬‬ ‫يوطا ُأوىل ْ‬ ‫ليقتحم فتاة‬ ‫مل تكن له عهدَ ذاك ‪ -‬وهو الفتى املراهق ‪ -‬جترب ُة املغامرات العاطفية ِ‬ ‫خف ٍر َأ َّو ًال ثم يف خجَ ٍل ْ‬ ‫برسائل غرام ٍ مبارشة‪ ،‬فراح‪ ،‬يف َ‬ ‫ب‪ ،‬ميدُّ شقيق َة‬ ‫َأحالمه‬ ‫زغ ٍ‬ ‫ِ‬ ‫وضع خطوط با َألمحر حتت‬ ‫يتعمد يف بعض صفحاهتا َ‬ ‫صديقه بروايات عاطفية فرنسية ّ‬ ‫عواطفه حلبيبته يف الرواية‪ .‬كانت ُأولغا ُ‬ ‫َأ ُ‬ ‫َ‬ ‫آنس ًة فيها‬ ‫سط ٍر ُيبثّ فيها العاشق‬ ‫تقرأ الروايات َ‬ ‫حتى ِإذا َ‬ ‫معينة‪ّ ،‬‬ ‫لفتتها‬ ‫سطر ّ‬ ‫ِإىل احلبكة الروائية‪ ،‬غري ِّ‬ ‫متنبهة ِإىل اخلطوط ا ُحلمر حتت َأ ٍ‬ ‫ُ‬ ‫صديقتها ذات يوم ٍ ِإىل َأ ّن ا َألسطر املز ّيحة با َألمحر ‪‬هي ما يريد الياس َأن يقو َله ل ِك من‬ ‫خالل كالم الرواية‪َ ،‬‬ ‫شقيقها‪ ،‬وتستزيدُ ها ‪ -‬يف حذاقة‬ ‫بدأت ْتأنس َأكثر ِإىل ُكتب‬ ‫صديق ِ‬ ‫ِ‬ ‫الص ّبية املمتلئة ُأنوث ًة ‪ -‬مشيح ًة‪ِ ،‬إىل حدّ كبري‪ ،‬عن احلبكة ال ّروائية‪ ،‬باحث ًة هلفى عن َأ ُ‬ ‫سطر‬ ‫ّ‬ ‫فيها َّ‬ ‫سطر حتتها الياس با َألمحر‪.‬‬ ‫‪198‬‬


‫الياس َأبو‬ ‫شبكة‬ ‫العاشق‬

‫املطولة ‪‬غلواء‪َ ،‬أن‬ ‫اختال ِفه ِإىل ُأولغا خطيب ًة وكتاب ِته َف َن ْش ِره‬ ‫َ‬ ‫مقاطع من قصيدته ّ‬ ‫يتخ ّلى عنها َ‬ ‫تلوكها‪ْ ،‬‬ ‫لأللسنة ُ‬ ‫حريصا‬ ‫وللتأويالت ترت ّبع يف حياة هذا الرجل الذي كان ً‬ ‫عىل سريته كام حرصه عىل َأناقته البسيطة‪.‬‬ ‫جائيا للجميع حتى هلا‪ِ .‬إ ّال له‪ .‬كان‬ ‫لذا باتت زجيتهام‬ ‫حتمية‪ .‬وكان ذلك ُف ً‬ ‫ّ‬ ‫وصحافيا‪ً .‬‬ ‫بسيطا‬ ‫دبيا وشعر ًيا‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫زواجهام بعيدً ا عن ا َألضواء فيام كان هو ملْ َء ا َألضواء َأ ً‬ ‫ورسيعا كان بدون ِإطناب (خالل مراسم‬ ‫كان ذلك (يف بيت خطيبته ال يف الكنيسة)‪،‬‬ ‫ً‬ ‫الزواج ‪ -‬وهو اقترص عىل ّ‬ ‫مدعوين‪ -‬قال للكاهن‪ :‬عجِّ ل‬ ‫سكان البيت وحدَ هم دون ّ‬ ‫و‪‬واجبا‪ ‬كان (ذاك الزواج) كام ِإ ً‬ ‫نقاذا‬ ‫الالزم الالزم بدون طويل رسد‪،)‬‬ ‫يا بونا‪ُ ،‬قل‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫جمتم ًعا ّ‬ ‫وسكا ًنا َوأ ًهال‪.‬‬ ‫ِلـام ُيحكى َأو سيحكى ِم ّـما ال حتتمله ‪‬الزوق‪َ ‬‬ ‫بعض ما َف َت َر يف قلب الشاعر فكانت فرتة َح ْمل‬ ‫كان ِاإلنجاب َأ ًمال ب ِإنقاذ‬ ‫ِ‬ ‫ُأولغا وعدً ا مزه ًرا للشاعر‪َ .‬وأكث َر من م ّرة ردَّ د لزوجته احلامل‪ِ  :‬إذا ُر ِزقنا ًبنتا‪،‬‬ ‫سميها ‪‬غلواء‪ُ ( .‬تراه بذلك كان ُليريض زوجته؟ َأم ُأ ُب ّوته؟ َأم رؤْ ياه الشعرية ‪ -‬وكان‬ ‫ُن ّ‬ ‫معظمها متف ِّر ًقا يف‬ ‫املطولة الشعرية بعدما نرش‬ ‫َ‬ ‫قارب َأ ْن ينتهي من كتابة ‪‬غلواء‪َّ ‬‬ ‫َ‬ ‫الصحف ‪-‬؟ َأ ِميلُ ِإىل اجلزم َأنه كان ُليريض االحتامل الثالث ُفيؤَ ْن ِس َن ّقصته الشعرية‬ ‫انكسر قبل َأن َيهلّ َفأجهضت ُأولغا يف شهرها الرابع‬ ‫َبش ًرا سو ًّيا)‪ّ .‬‬ ‫لكن الوعدَ ا َألخري َ‬ ‫هنائيا باخلصب واحتامل ا ُألمومة ( ِإثر عملية جراحية حازمة)‬ ‫خامت ًة باالجهاض عهدها ً‬ ‫جهض الشاعر آخر َأحالمه ‪‬الرشعية‪ ‬يف قصيدة ّ‬ ‫‪‬الطرح‪ ‬ختم هبا قصائد َ‪‬أفاعي‬ ‫َوأ َ‬ ‫َ‬ ‫مرحلتني من حياته‪ :‬وردة‪ ‬و‪‬غلواء‪.‬‬ ‫الفردوس‪ ‬خا ًمتا بذلك‬ ‫‪v‬‬

‫رشعيا ‪َ -‬أ ّال يساكن‬ ‫جتسد‬ ‫ًّ‬ ‫حس بزئبقية حلمه الذي ّ‬ ‫مل تكن مصادف ًة ‪ -‬وهو َأ ّ‬ ‫ت هي يف بيت َأبيها‪ ،‬وبقي هو يف ‪‬حارته‪ ‬مع ُأ ّمه‬ ‫زوجته يف بيته‬ ‫بقي ْ‬ ‫الزوجي‪َ .‬‬ ‫ّ‬ ‫حتاشيا لصدامات بني زوجته‬ ‫وشقيقته‪ .‬قد يكون صحيحً ا ما يقال ِإنه فعل ذلك‬ ‫ً‬ ‫حتب ُأولغا)‪َ ،‬أو بني زوجته ُوأمه (نايلة التي مل‬ ‫وشقيقته (ﭬـرجيني التي مل تكن ّ‬ ‫ً‬ ‫مسبقا‬ ‫س‬ ‫تكن راضي ًة عن زواجه من ُأولغا)‪َّ .‬‬ ‫لكن الصحيح َأ ًيضا َأ ّن الشاعر َحدَ َ‬ ‫‪201‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫سيد ٌة مط ِفل‪ ،‬استولدها‬ ‫يف ذينك الزّمان واملكان كانت بني َأفراد بيت ساروفيم ّ‬ ‫ْبع ُلها ً‬ ‫وانص َر َف عنها ِإىل َأعامله وشؤونه‬ ‫طفال يف ليل ٍة باردة مل تدف ْئها رشعي ُة الزواج‪َ ،‬‬ ‫تاركا ِإياها يف َ‬ ‫واجتامعياته‪ً ،‬‬ ‫النهم‪ ،‬تبحث عن ْ‬ ‫دفءٍ جلسدها ّالنضري بني‬ ‫محأة َ‬ ‫الشبق ِ‬ ‫ضمتهام حرارة احلياة‪.‬‬ ‫رشعيتني‪ ‬تقطف من َّ‬ ‫ذراعني ‪‬غري ّ‬ ‫ويف هنيه ٍة َسكرى بخمر املح ّرمات ّ‬ ‫الطيب اللذيذ) وجدَ ت روز‬ ‫املعتق ( ِإ ًذا‪ّ :‬‬ ‫نبعا يدفق هلا اللذة احلمراء والنشوة ا ُألنثو ّية‬ ‫ساروفيم يف جسد الياس َأبو شبكة ً‬ ‫شه َاء َ‬ ‫بدأت ً‬ ‫عسال ولبا ًنا وانتهت‬ ‫ت رسير ّي ٍة ّ‬ ‫الشاعلة‪ ،‬فا ّتحدَ اجلسدان يف سويعا ٍ‬ ‫ُس ً‬ ‫خطا ولعن ًة ظهرت ً‬ ‫الحقا قصائدَ َح ْـمآوي ًة يف َ‪‬أفاعي الفردوس‪.‬‬ ‫ومرة ُأخرى انقلب اسم َ‬ ‫املرأة من روز ِإىل ‪‬وردة‪ِ .‬إمنا هذه املرة مل ُيعطها سوى‬ ‫عفيفا ً‬ ‫قلبه ً‬ ‫بتوال يف نبضاته وخفقه‪َ ،‬وأطلق‬ ‫ما مل يستطع َأن يقطفه من ‪‬غلواء‪ ،‬فظلّ ُ‬ ‫َ‬ ‫استحوذت عىل قلبه وال تلك‬ ‫جلسده َأن ُيـجَ ِّير محم براكينه الالهبة ِإىل وردة‪ ،‬فال هذه‬ ‫كانت ً‬ ‫حائال دون ُّ‬ ‫تنف ِسه َج َسدَ ه‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫‪200‬‬

‫مل يكن مرور ‪‬وردة‪ ‬يف حياته ِإ ّال عاب ًرا‪ :‬مساف َة ما بني اشتهاء اللذة و ِإطفاء‬ ‫وفيا لغلواء (الوفاء‬ ‫رغبتها وما بينهام من براكنيَ شعري ٍة صاخبة‪ .‬لذلك ظلّ الشاعر ً‬ ‫هو الوجه اآلخر للصدق) حتى ِإذا ساعد ْته ظروفه املادية (بعد خطوبة سنوات تسع)‬ ‫وتزوجها هنار اخلميس ‪ 10‬كانون ا َألول ‪.1932‬‬ ‫ندهها ِإىل ‪‬الرشعية‪ّ ‬‬ ‫َ‬ ‫استكان ِإىل هذا الزواج؟ وهل تلك كانت ّقم َة طموحاته َالغلوائية؟‬ ‫هل‬ ‫يتمنى الوصول‪َ ،‬وأ ُ‬ ‫عذب ما يف الشاعر َأن ّ‬ ‫ً‬ ‫صدق ما فيه َأ ّال يشتهي‬ ‫يقينا ال‪َ .‬فأ ُ‬ ‫احلبيبني َأمجلُ‬ ‫وصولَ هذا الوصول‪َ ،‬أل ّن االنتظار َأحىل من اللقاء‪ ،‬و َألن املساف َة بني َ‬ ‫ا َألزمنة‪.‬‬ ‫ضمريه‬ ‫قلبه بل‬ ‫َ‬ ‫َأميل ِإىل َأ ّن احلافز ا َألول لزواج الياس َأبو شبكة مل يكن َ‬ ‫سيد الصادقني ا َألوفياء)‪ .‬فلم يكن ً‬ ‫ت‬ ‫تسع سنوا ِ‬ ‫ُ‬ ‫(والضمري ّ‬ ‫ممكنا للشاعر‪ ،‬بعد ِ‬


‫الياس َأبو‬ ‫شبكة‬ ‫العاشق‬

‫راح َأبو شبكة يرتدَّ د ِإىل ُ‬ ‫حيثام ّ‬ ‫مكان ببعض‬ ‫تغني ‪‬هادية‪ ،‬وخيتلف و ِإ ّياها ِإىل غري ٍ‬ ‫طالبا ِإليه رسم‬ ‫ِسر ّية‪ ،‬حتى اصطحبها ً‬ ‫اجلميل ً‬ ‫يوما ِإىل حمرتف صديقه الرسام قيرص ّ‬ ‫الزيتية وع ّلقها يف صدر صالون بيته مشيحً ا‬ ‫‪‬ﭘـُورتريه‪ ‬لوجهها َف َف َعل‪ .‬محلَ الشاع ُر تلك ّ‬ ‫وعتب زوجته التي َ‬ ‫عن اعرتاضات ُأ ّمه ومواقف شقيقته َ‬ ‫بلغ ْتها َأخبار تلك اللوحة‪.‬‬ ‫عىل َأ ّن مشواره مع صاحبة الصوت ال ّرخيم رسعان ما انكرس يوم فوجئ هبا‬ ‫ت عىل ك ِتف‬ ‫ذات ليل ٍة َألحد َأقرب َأصدقاء الشاعر‪ .‬فر َّب َ‬ ‫جسدها ‪‬الرخيم‪َ ‬‬ ‫َت َه ُ‬ ‫ب َ‬ ‫مهن ًئا ِإ ّياه عىل ‪‬غنيمته‪ْ ‬‬ ‫صديقه بضحك ٍة ساخرة ّ‬ ‫جامعا‬ ‫املخلصة‪ ،‬وعاد ِإىل الزوق‬ ‫ً‬ ‫كتبها لتلك َ‬ ‫ب يف نرشها‬ ‫غري راغ ٍ‬ ‫املرأة اللعوب‪ ،‬و َز َّجها يف َأحد َأدراجه َ‬ ‫قصائد كان َ‬ ‫مقاطع بني قصائد ‪ِ ‬إىل ا َألبد‪َ ‬ألسباب‬ ‫َ(أصدَ َرها بعد عرش سنوات ‪ -‬سنة ‪- 1945‬‬ ‫َ‬ ‫وردها ً‬ ‫الحقا)‪.‬‬ ‫ُأ ِ‬ ‫‪v‬‬

‫مواصال َ‬ ‫ً‬ ‫قاسي ًة كانت تلك التجربة َ‬ ‫طريقه‬ ‫قلبه ومحل قندي َله من جديد‪،‬‬ ‫فخنق َ‬ ‫ْ‬ ‫ِإمنا هذه امل ّرة بدون ِ َ‬ ‫يطفئ جذوة القنديل‪.‬‬ ‫س يكاد اختناقه‬ ‫ُ‬ ‫مل بل ِب ِش ْبه يأ ٍ‬ ‫كبري أ ٍ‬ ‫توهم َأ ّن غودو َ‬ ‫املنتظر لن ْيأيت َوأنه ً‬ ‫من هذه اخليبة النسائية املريرة َّ‬ ‫عبثا يبقى‬ ‫ت ِإىل‬ ‫عىل انتظاره‪َ ،‬وأ ّن‬ ‫هن متشاهبات‪ ،‬فراح ّ‬ ‫مجيع ّ‬ ‫النساء َ‬ ‫يتمهل يف ِم ْشيته غري ُملت ِف ٍ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫رسمت ُه ّن قصيدته ‪‬يف هيكل‬ ‫حية الفردوس َأمزج ٌة‪( ‬كام‬ ‫وجوه النساء ‪ُ -‬‬ ‫‪‬فه َّن من ّ‬ ‫عيناه عىل الطبيعة‪/‬ا ُألم‪ ،‬الطبيعة‬ ‫الشهوات‪ ‬من َ‪‬أفاعي الفردوس‪ ،)‬واسرتاحت ُ‬ ‫الوفية‪ ،‬الطبيعة‪/‬ملجَ ِإ الرومنطيقيني‪ُّ ،‬‬ ‫نجاواه فال ختو ُنه‪ ،‬يركن ِإليها فال‬ ‫يبثها‬ ‫ُ‬ ‫الصادقة ّ‬ ‫طريقها ً‬ ‫خيب براءته‪ ،‬فكانت قصائدُ للطبيعة ولبنان وجدت َ‬ ‫الحقا يف ‪‬ا َألحلان‪.‬‬ ‫ُت ّ‬ ‫ً‬ ‫مستلقيا يف َأحضاهنا‪ ،‬مفتو ًنا بجامالت لبنان‪،‬‬ ‫مسرتسال ِإىل الطبيعة‪،‬‬ ‫ت‬ ‫ظلّ سنوا ٍ‬ ‫ً‬ ‫مهتم َ‬ ‫َ‬ ‫مغن ًيا َأ َ‬ ‫ِّ‬ ‫المرأة هتلّ ‪َ ،‬أو ُأخرى ُت ِطلّ ‪َ ،‬أو ثالث ٍة تغلّ ‪.‬‬ ‫وشعبه‬ ‫رضه‬ ‫وطبيعته‪ ،‬غري ّ‬ ‫َ‬ ‫َوأ َقنع ذاته َأن قلبه لن ُيفيق‪َ ،‬وأ َّن َ‬ ‫رسمها يف ضوء عينيه‪ ،‬وينتظ ُرها منذ‬ ‫املرأة التي َ‬ ‫جيء َأو ا ّنها موجود ٌة ولن يلتقيها‪.‬‬ ‫عرشين ً‬ ‫عاما‪ ،‬لن َت َ‬ ‫‪v‬‬

‫‪203‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫بيتوتية‬ ‫باهنيار احللم َفأراد‬ ‫عروسا منزَّهة عن ّ‬ ‫عروس ِشعر السنوات العاشقة َأن تبقى ً‬ ‫َ‬ ‫املتيم ‪َ -‬أو مبا َأراد َأن ُيبقيه هو فيه من هذه‬ ‫الزوجة‪ ،‬فيبقى َيؤُ ُّمها بلهفة العاشق َّ‬ ‫تالفيا النكسار الشاعر بعد انكسار الزوج ‪ -‬عوض َأن ُيساكنها زوج ًة فيلقاها‬ ‫‪‬اللهفة‪ً ‬‬ ‫ف ومشاهدَ و َت َهندُ م ٍ وهندام ٍ ومسارات ثرثار ٍة بارد ٍة من كلّ نبض‪ ،‬ورمبا‬ ‫يف ظرو ٍ‬ ‫َأدّ ت ِإىل مشاحنات زوجية وعالق ٍة اجتامعية ﭘـرتوكولية‪ ،‬بعدما عَ ِهدَ ها ‪َ -‬أو املفروض‬ ‫َأن تكون كذلك ‪ -‬واقف ًة تنتظره يصل فتستقبله يف كامل ا َألناقة التي ُت َم ّيز ا ُألنثى‬ ‫زوجها بكيفام ا ّتفق من هيئ ٍة‬ ‫اجلميلة عن الزوجة التي ينكرس فيها االنتظار فتستقبل َ‬ ‫ومنظر وهندام‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫هبذا َأ َ‬ ‫الرجل‪َ ،‬وأبقى‬ ‫علية‬ ‫نقذ الياس َأبو شبكة مزاجه من ﭘ‬ ‫ـروتوكولية الزوج و َب ّ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫هائما عاد فالتقط قندي َله من جديد‪َ ،‬وأشع َله بخيبة املرارة‪َ ،‬وأخذ‬ ‫عىل ذاته شاع ًرا ً‬ ‫طريقه من جدي ٍد ً‬ ‫باحثا عن وج ٍه جديد‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫وشع قلمه‬ ‫بعد ‪ 1932‬كان الياس َأبو شبكة شقّ طريقه بثبات يف عامل الشعر‪ّ ،‬‬ ‫ومقتبس‬ ‫ـميزًا يف عامل الصحافة‪ ،‬وباتت له يف املكتبات ُكتب عدّ ٌة بني موضوع‬ ‫َ‬ ‫ُم ّ‬ ‫ومرتجم‪.‬‬ ‫َ‬ ‫بدهيي‪ ،‬وهو بات عىل هذا القدْ ر من الشهرة‪َ ،‬أن يكون ّ‬ ‫حمط انتباه‬ ‫ٌّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫من بكلم ٍة أو انعطاف ِة أو (وما أ ُ‬ ‫سعده ّن‬ ‫‪‬الطموحات‪‬‬ ‫ينع َ‬ ‫هن َ‬ ‫يتكوكبن حوله‪ ،‬عل َّ‬ ‫َ‬ ‫لو‪ )...‬بقصيدة‪.‬‬ ‫جمع ِإىل ُأنوثتها‬ ‫بني هؤالء نف َرت واحد ٌة‪ ،‬مجيل ُة َالقوام‪ ،‬ساحرة الوجه والعينني‪َ ،‬ت َ‬ ‫رخيما به ُ‬ ‫املهني احرتا ًفا‪.‬‬ ‫الطاغي ِة صو ًتا ً‬ ‫اشتهرت يف ا َألوساط الفنية‪ ،‬وذاك كان رصيدها ّ‬ ‫ّ‬ ‫متك َنت تلك ّ‬ ‫املغنية السمراء (واسمها ‪‬هادية‪ )‬من ْلفت الشاعر ِإليها‪َ ،‬فأ ِنس‬ ‫ب لصوهتا ّ‬ ‫حب عىل الشاعر من‬ ‫يغني من قصائده‪ .‬وليس َأ ّ‬ ‫وطر َ‬ ‫ِإىل مجاهلا والقوام‪ِ ،‬‬ ‫ت ُم َغ ٍّن‪.‬‬ ‫ت عىل شفاه الناس عن طريق صو ٍ‬ ‫َأن ُتميس قصائدُ ه رندحا ٍ‬ ‫‪202‬‬


‫الياس َأبو‬ ‫شبكة‬ ‫العاشق‬

‫َ‬ ‫فاستدرك ً‬ ‫َ‬ ‫متلع ِثم ًة‪َ :‬أ ًهال‪َ ،‬‬ ‫هليفا‪ :‬ال‪.‬‬ ‫وه َّمت لتنادي زوجها‬ ‫ارتبكت‪ .‬بادر ْته ْ‬ ‫ت‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫راك َأن ِ‬ ‫ت‪َ .‬أل ِ‬ ‫جئت َألج ِل ِك َأن ِ‬ ‫يف تلك اللحظة بالذات َ‬ ‫انشقَّ فج ٌر جديدٌ ‪ .‬وكام من روائع الصدف يف القدَ ر‬ ‫ت كلَّ ما مل ُيق ْل ُه‪ ،‬و َف ِه َم َأهنا كانت تنتظر تلك اللحظة التارخيية املصريية‪ .‬تال َقت‬ ‫ِفه َم ْ‬ ‫ُ‬ ‫العيون َبأبلغ َبوح‪ ،‬وتبادَ لَ َالق ْلبان خفق ًة من تلك‬ ‫عمق صمت‪ ،‬ا ْل َت َم َعت‬ ‫النظرتان َبأ ِ‬ ‫َ‬ ‫وابتدأت َ‬ ‫حلظتها بارق ُة احلكاية‪.‬‬ ‫البكارى‪،‬‬ ‫راجيا ِإميانه َأ ّال خييب هذه امل ّرة َأ ًيضا‪ ،‬بل َأن ُي َ‬ ‫َ‬ ‫عينه عىل‬ ‫ليلتها عاد ِإىل بيته ً‬ ‫استيعاب ما جرى‪ ،‬وهو ال يقلّ ً‬ ‫كشفا عن حلظة ِاإلرشاق‪.‬‬ ‫ندم عىل ُشعوره ْ‬ ‫التفت ِإىل قنديله‪/‬الرفيق‪َ ،‬‬ ‫َ‬ ‫حنون‬ ‫رمق ُه بنظر ٍة‬ ‫باليأس‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ليلتها َ‬ ‫ٍ‬ ‫تستطيع َأ ْن َتسرتيح‪.‬‬ ‫وغمز َُه َأ ْن‪َ :‬كفى‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫شمس ذاك‬ ‫حس ُبنور الفجر َيغم ُره‪ ،‬و َتغم ُره‬ ‫وحني َأرشق‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫صباح اليوم التايل َأ َّ‬ ‫َ‬ ‫ب الكبري‪.‬‬ ‫الديوجيني انتهى‪،‬‬ ‫يقن َأ ّن دَ ور قندي ِله‬ ‫النهار‪َ ،‬وأ َ‬ ‫وانكشفت له سامء ا ُحل ّ‬ ‫ّ‬ ‫الوقت ّ‬ ‫قنوطه‪ُ ،‬ش ِف َي من مرارته‪َ ،‬أبلَّ من ِوحدته‪،‬‬ ‫مل َي ُطل به‬ ‫ُ‬ ‫حتى تعاىف من ِ‬ ‫خالص‪ ،‬بكلّ وفاءٍ ‪ ،‬وبكلّ شوق‬ ‫ميان‪ ،‬بكلّ ِإ‬ ‫َ‬ ‫واندفع يف طريق ّ‬ ‫حبه الكبري بكلّ ِإ ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ْ َ‬ ‫احلب‬ ‫انتظاره عرشين ً‬ ‫س ّ‬ ‫هل وال َألصدقاء وال لزوجة‪ ،‬وراح َي ْت َرعُ ْكأ َ‬ ‫ِ‬ ‫عاما‪ .‬مل يأ َب ْه أل ٍ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫حتى يبلغه ْ‬ ‫منت ِظ َر ُه ّ‬ ‫غري مصدِّ ق أ ّن هذا اخلمر كان َ‬ ‫وينهلَ منه‪.‬‬ ‫َ‬ ‫آمن الياس َأبو شبكة ‪‬هبا‪َ .‬أ َقسم َأن جيهر ب ِإميانه حتى ‪‬االستشهاد‪َ .‬وأ ّية قيم ٍة‬ ‫ست ُره ويراوغ كي ُيخفيه‪ ،‬ويف ساعة ْ‬ ‫ميان َي ُ‬ ‫الصفر ُينكره ثال ًثا قبل صياح القلب؟‬ ‫ِإل ٍ‬ ‫سام َ‬ ‫مسوداته التي خر َبشها وخمططاته التي ج َّرب‬ ‫وكام َآن ُينهي ال ّر ُ‬ ‫رائعته ُيمزّق ُكلَّ َّ‬ ‫نعيم ّ‬ ‫جنته عاد ِإىل قصائده املنشورة وغري‬ ‫هبا‪ ،‬هكذا الياس َأبو شبكة‪َ :‬آن دخلَ َأ ً‬ ‫خريا َ‬ ‫فعملَ عىل غربل ِتها حاذ ًفا منها ما مل َي ُعد ً‬ ‫الئقا بشاعر ّيته بعدما شاعر ّي ُـته تفجّ َرت‬ ‫املنشورة ِ‬ ‫يفسر‬ ‫وطهر جديد بل ببكار ٍة جديدة‪ .‬هذا ‪ -‬بل وحده هذا ‪ّ -‬‬ ‫س جديد ٍ‬ ‫منذ ‪َ 1940‬بن َف ٍ‬ ‫البواكري فيها مل‬ ‫كبريا من ‪‬غلواء‪ ‬لدى صدورها (‪َ )1945‬أل ّن تلك القصائدَ‬ ‫ِإتال َفه ً‬ ‫َ‬ ‫قسما ً‬ ‫احلب فيها ‪َ -‬أبيات ذاك احلب ‪ -‬مل ُتعد َتليق‬ ‫ُتعد الئق ًة بشاعر ّيته املتفجّ رة‪ ،‬و َأل ّن َأبيات ّ‬ ‫بقصائده اجلديدة التي ُينبضها مبا مل َيكن ُ‬ ‫حس ‪ -‬كام ال من ْقبلُ وال‬ ‫ينبضه من ْقبل‪َ ،‬فأ ّ‬ ‫‪205‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫‪ ...‬وكان عام ‪! 1940‬‬ ‫وطه ْ‬ ‫وانتظار ِه‬ ‫ويأ ِسه واسرتسا ِله‬ ‫املنعطف الذي سيشيل بالشاعر من هدْ َأ ِته و ُق ُن ِ‬ ‫ِ‬ ‫سيطلُّ غودو َ‬ ‫املنتظر ً‬ ‫الفردوس املوعود بعد‬ ‫حامال معه‬ ‫الفج َر الذي منه هذه امل ّرة ُ‬ ‫َ‬ ‫الفردوس املفقود‪.‬‬ ‫و ِإذا َ‬ ‫غري بعيدة عنه‪ ،‬و ِإذا هبا هي َأ ًيضا‬ ‫باملرأة التي َظ ّن لن يلتقيها‪ ،‬موجود ٌة‪ُ ،‬‬ ‫كانت تنتظ ُره‪ ،‬ال َتعلم َأهنا تنتظ ُره وال َأنه يبحث عنها‪.‬‬ ‫سيد ٌة ثقيف ٌة‪ ،‬مجا ُلها ُي َو ِّه ُج الشعراء‪ ،‬ذكاؤُ ها يلفت العباقرة‪ ،‬حضو ُرها ُيشدّ ِإليها‬ ‫ّ‬ ‫َأنقياء الروح‪.‬‬ ‫لصداقته مع زوجها كان يرتدّ د عىل بيتها‪ .‬مل يكن َيراها ولو َن َظ َر ِإليها‪ .‬وال هي‬ ‫كانت ْتأنس ِإليه ولو َأطال اجللوس‪.‬‬ ‫منهن تلخيص رواية‬ ‫طلب ّ‬ ‫وصلَ ً‬ ‫يوما وهي مع ُش ّلة من صديقاهتا وجاراهتا‪َ .‬‬ ‫حصد النصوص‬ ‫‪‬جوسالن‪ ‬الشعرية (‪ 8000‬بيت) كي ينرشه يف ‪‬ا َألديب‪ .‬حني َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫مضمون هذه‬ ‫ت‬ ‫لفته بينها واحدٌ فقط‪،‬‬ ‫عميق والف ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫مكتوب َبأناق ٍة فرنسي ٍة بليغة و ِب َف ْهم ٍ‬ ‫الرواية الشعرية‪ .‬وكان ذاك َّنصها ‪‬هي‪.‬‬ ‫لفت ُه ذكاؤُ ها َ‬ ‫وبدأ ُ‬ ‫لفت ْته! َ‬ ‫من يومها َ‬ ‫يلفت ُه حضو ُرها‪ .‬عىل َأهنام‪ ،‬رغم تردُّ ده ِإىل‬ ‫يوما ما ُيشعل يف القلب رشار َة الربكان‪.‬‬ ‫بيتها يف املسو ّيات‪ ،‬مل يتبادال ً‬ ‫ِإىل َأن كان ذات مساءٍ يف ذلك البيت اهلادئ عىل ك ِتف الزوق‪ ،‬فقال لزوجها‬ ‫مساء غ ٍد‪َ .‬‬ ‫سأقول‬ ‫و ِل َـمن يف تلك السهرة‪ِ  :‬إسمعوا تعليقي من ِاإلذاعة يف السادسة َ‬ ‫مشيا كعادته ِإىل بيته يف َأ َّول الضيعة‪.‬‬ ‫فيه موضوعً ا ًّ‬ ‫مهما‪ .‬ثم هنض وعاد ً‬ ‫ت‪.‬‬ ‫مساء اليوم التايل‪ ،‬مل ْيأ ِ‬ ‫عىل َأ ّن صو َته‪ ،‬يف السادسة َ‬ ‫ب بسيط‪ :‬مل ينزل ِإىل ِاإلذاعة‪.‬‬ ‫لسب ٍ‬ ‫تتهي ُأ ِلـمغادرة بيتها ِإىل‬ ‫ففي نحو الثالثة بعد ُظهر ذاك اليوم‪ ،‬فيام كا َنت ‪‬هي‪ّ ‬‬ ‫تفاج َأ به ‪‬هو‪ً ‬‬ ‫زيارة عائلية‪ّ ،‬‬ ‫دق الباب ففتحَ ت ُل َ‬ ‫واقفا بالباب‪ ،‬يف قامته النحيلة ُكلُّ‬ ‫احلضور‪ ،‬ويف وجهه امللهوف ُكلُّ الكالم‪.‬‬ ‫‪204‬‬


‫الياس َأبو‬ ‫شبكة‬ ‫العاشق‬

‫مصو ًرا د ّقة انصهاره هبا َو َت َو ْحدُ ِنه فيها‪ ،‬جاء‬ ‫وفيا لليىل‪ ،‬خمْ ِل ًصا لـحُ ّبه‪ِّ ،‬‬ ‫وكي يبقى ً‬ ‫مقاطع بني قصائد كتابه‬ ‫كتبها للمغنية السمراء‪َ ،‬وأدرجها‬ ‫َ‬ ‫بخمس مقطوعات كان َ‬ ‫مرب ًرا هلا لدى صدور الكتاب َأنه فعل‬ ‫‪ِ ‬إىل ا َألبد‪،‬‬ ‫ً‬ ‫واضعا ِإياها عىل لسان ليىل‪ّ ،‬‬ ‫َ‬ ‫فتظن هي َأنه كتبها لسواها‬ ‫يكتشف َأحدٌ بعدَ ه هذه القصائد‬ ‫ذلك كي ال‬ ‫وينرشها ّ‬ ‫َ‬ ‫عىل غفل ٍة منها‪.‬‬ ‫الصدق بلغ احلب لدى الياس َأبو شبكة‪ .‬وباسم هذا‬ ‫بىل‪ِ :‬إىل هذا احلدّ من ّ‬ ‫ربع نساء‪ ،‬كام ُيقال و ُيكتب‪ ،‬بل عرف حبيب ًة واحدة ظلّ‬ ‫الصدق ُ‬ ‫قلت ِإنه مل يعرف َأ َ‬ ‫حبه‪َ ،‬أن َيعرف يف‬ ‫نساء حتى التقاها‪ .‬مل يكن ُيمكنه‪ ،‬وهو الكيلّ يف ّ‬ ‫ُي َخ ِّط ُط قب َلها ً‬ ‫حياته َأكثر من حبيبة‪ّ .‬‬ ‫يتغي ُر‪( ‬العام‬ ‫حتى ولو هو قال‪َّ ... :‬‬ ‫ولكن لون ّ‬ ‫احلب قد َّ‬ ‫ا َأل ّول‪ ‬من ‪ِ ‬إىل ا َألبد‪.)‬‬ ‫كان يؤْ من ً‬ ‫احلب‪،‬‬ ‫عميقا َأ ّن ما عرفه ْقبل ليىل مل يكن ُ‬ ‫‪‬ح ًّبا‪ ‬بل كان الطريقَ ِإىل ّ‬ ‫واجلرس ِإىل العبور نحو سعادة احلب الكبري‪ ،‬حتى ولو هو قال‪ ... :‬وحقِّ هوى غلوا‬ ‫َ‬ ‫حس ِك يف دمي‪( ‬العام ا َأل ّول‪ ‬من ‪ِ ‬إىل ا َألبد‪ .)‬وهو هنا ال ُيقسم بغلواء القلب‬ ‫ُأ ُّ‬ ‫بل بغلواء الضمري‪ .‬وهبذا الضمري الذي ّمييز الصادقني ا َألوفياء َأبقى عىل غلواء ُم ْك ِر ًما‬ ‫ِإياها زوج ًة ورفيق َة درب‪ُ ،‬مشدِّ دً ا عىل بقائها حدَّ ه يف مستشفى ساعاته ا َألخرية‪.‬‬ ‫يدمر‬ ‫فحبه مل ّ‬ ‫ورمبا هلذا كان هان ًئا ِإىل َأ ّن العالقة هادئ ٌة ومسرتحية بني قلبه وضمريه‪ُّ .‬‬ ‫وضمريه كان ُيميل عليه ِإمتام مجيع ما عليه‬ ‫حياته (عىل العكس‪ :‬صاهنا من االهنيار)‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫لزوجته من دون َأن ّ‬ ‫يتدخلَ يف شؤون قلبه الشاعر‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫الساخط يف َ‪‬أفاعي الفردوس‪ّ ،‬‬ ‫املغني يف‬ ‫الياس َأبو شبكة‪ ،‬الراوي يف ‪‬غلواء‪،‬‬ ‫‪‬ا َألحلان‪ ،‬كان الشاع َر الكبري ( َألنه كان العاشق الكبري) يف ‪‬نداء القلب‪ ‬و‪ِ ‬إىل ا َألبد‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫وبعد‪ ...‬ماذا ْبعد؟‬ ‫ْ‬ ‫احلب‪.‬‬ ‫احلب‬ ‫ُ‬ ‫الكالم وال ينتهي ّ‬ ‫ينتهي عىل ّ‬ ‫مجيعها َأ ّولَ م ّرة‪.‬‬ ‫ناشبا فينا َكأ ّول م ّرة‪َ ،‬كأ ّول رعشة‪َ ،‬كأ ّول قبلة‪ ،‬وتبقى َم ّرا ُته ُ‬ ‫يبقى ً‬ ‫‪207‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫م ّرة‪َ -‬أنه هذه املرة ً‬ ‫حقا ُ‬ ‫ويكتبه‪ .‬من هنا ال حقيق َة ثابت ًة ِلـام قيل‬ ‫احلب‬ ‫يذوق ّ‬ ‫احلقيقي ُ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حلبه اجلديد َأو‬ ‫حتى اليوم ‪َ -‬أو ِلـام هو َ‪‬أشاعَ ‪ - ‬من َأنه َأت َلف نصف ‪‬غلواء‪ِ ‬إ ً‬ ‫كراما ِّ‬ ‫حبيبته ليىل مل ْ‬ ‫ملشيئة حبيبته‪ .‬ودلييل ِإىل ذلك َأمران‪َ :‬أ َّو ُلهام َأ ّن َ‬ ‫تقرأ ‪‬غلواء‪ ‬منشور ًة‬ ‫مقاطع متف ّرق ًة يف الصحف‪َ ،‬‬ ‫واآلخر َأ ّنه كان خمطو ًفا بحبيب ِته‪ ،‬وهي تبادله االنخطاف‬ ‫َ‬ ‫املجنون نفسه‪ ،‬عىل ضيق ُأويقات اللقيا‪ّ ،‬‬ ‫وقت للكالم ِإ ّال عىل‬ ‫حتى مل يكن جمالٌ وال ٌ‬ ‫ب املشتعل يف دقائق هارب ٍة تكاد ال ّتتسع ِإ ّال لتنهيدة هلفى وجلواب تنهيدة‪.‬‬ ‫هليب ا ُحل ّ‬ ‫املغنية‬ ‫زيتية قيرص اجلميل لتلك ّ‬ ‫كام ليس صحيحً ا ما قيل حتى اليوم ِإ ّن ّ‬ ‫السمراء ‪‬هادية‪ ‬مل تغا ِدر صالون بيت الشاعر ِإ ّال يوم ْ‬ ‫دخلته حبيبته‪ .‬ودلييل ِإىل‬ ‫نفسها الثانية يف تربير ِإحراق ‪‬غلواء‪ ،‬وحج ٌة ثاني ٌة َأ ّنها‬ ‫ذلك ثالثٌ ‪ :‬حجّ ٌة ُأوىل هي ُ‬ ‫يوما موضوعَ اللوحة لشدّ ة ما كانت تؤْ من به‬ ‫بقيت فرت ًة تزوره يف البيت ومل تفتح له ً‬ ‫خربها َأ ّن ّقصته معها انتهت‬ ‫وبصدْ قه ووفائه فلم ُتكن تغار من صاحبة اللوحة ِإذ َأ َ‬ ‫من زمان‪ ،‬واحلجة الثالثة َأ ّن حقيقة ا َألمر َأ ُ‬ ‫بسط من ذلك‪ :‬ذات يوم ٍ ع ِل َم الشاع ُر من‬ ‫الثري‪ .‬وكان الشاعر‬ ‫زوجها ّ‬ ‫َأحد َأصدقائه َأن تلك ّ‬ ‫املغنية عادت من َأفريقيا برفقة ِ‬ ‫صح‪َ :‬أعادَ ها ِإليه) ناصحً ا‬ ‫اجلميل َفأرسل اللوحة ِإليه (وا َأل ّ‬ ‫يعلم بحال صديقه قيرص ّ‬ ‫تزو َجت من مورس‪ .‬وهكذا كان‪.‬‬ ‫ِإياه َأن يرسلها ِإىل صاحبتها َفتشرتهيا بعدما َّ‬ ‫َأ ُ‬ ‫كثري َل ِـحقَ َبأبو شبكة عىل َأقالم دارسيه‪،‬‬ ‫غريمها ٌ‬ ‫سوق هاتني احلادثتني‪ ،‬و ّمثة بعدُ ُ‬ ‫حلبه الكبري‬ ‫ال َألدخل يف تفاصيل وتربيرات بل ُألشدّ د عىل ِإخالص َأبو شبكة ّ‬ ‫خالصا مل ُيعد َيحْ سب معه حسا ًبا ليشءٍ وال َألحد‪ّ ،‬‬ ‫الزوجية‪.‬‬ ‫حتى وال حلياته‬ ‫ِإ ً‬ ‫ّ‬ ‫دخلها يف شعره‪ ،‬فهذه املرة مل َيجد‬ ‫و ِإذا كان يف السابق َيهوى اختيار ا َألسامء ُلي ِ‬ ‫وبقيت يف شعره ‪‬ليىل‪ ‬ومل ُي ِّغي ْر ُه‪ .‬مل َي ْ‬ ‫شأ َأن‬ ‫مرب ًرا الختيار االسم‪ .‬ليىل ُ‬ ‫ّ‬ ‫اسمها‪َ ،‬‬ ‫حبه ِإياها صاد ًقا‪ .‬ملاذا مواجه ُة الصدق باملواربة؟‬ ‫ُيوارب‪ .‬كانت ليىل صادقة وكان ّ‬ ‫ب ظلَّ صاد ًقا منذ َلـحظته ا ُألوىل َأن تد ِّن َسه املواربة؟‬ ‫وهل جيوز ِلـحُ ٍّ‬ ‫هبذا العري الصادق واجه احلياة بحبيب ِته متحدّ ًيا بنقاوهتا اخلصيبة عُ ْق َم املجتمع‬ ‫وسخاف َة ‪‬التابو‪ ‬ومهزل َة ا َألولياء واحل ّراس و‪‬رشعية‪ ‬اآلخرين‪.‬‬ ‫‪206‬‬


‫مع َغ ْلواء‬

‫غلواء يف صباها‬ ‫َ‬ ‫عهد َأ َّ‬ ‫حبها الشاعر‬

‫غلواء‪ ،‬يف رحلة َأبو شبكة احلياتية‪ ،‬بداي ُة املشوار وهنايته‪.‬‬ ‫ب َأ ْح ُرف اسمها ِإىل ‪‬غلواء‪.‬‬ ‫هي ُ‪‬أولغا‪ ‬التي ق َل َ‬

‫عىل عينيها انفتح النور يف حضوره‪ ،‬ويف ُحضورها َأغمض عينيه ِإىل ا َألبد‪.‬‬ ‫زوجها‬ ‫زر ُتها حيث َتعيش يف بيت َأخيها جوزف ساروفيم‪ ،‬منسي ًة يف حياهتا‪ ،‬كام ُ‬ ‫يف مماته‪.‬‬ ‫قرب له‪ ،‬وال ُبيته‬ ‫َل َـم َعت يف بايل ومض ُة َأسى‪ :‬مسكني الياس‪ ،‬ال رفاته يسرتيح يف ٍ‬ ‫ب َأن ُأ َس ّميها َأرملته) ال تسرتيح يف بيتها‪ ،‬وال الياس‬ ‫يسرتيح ِإىل حالته‪ ،‬وزوجته (ال ُأ ِح ُّ‬ ‫الشاعر يسرتيح حيث جيب َأن يسرتيح يف وطنه الذي َ‪‬أ َ‬ ‫دب‪.)!(‬‬ ‫ورق يف َأغصانه ا َأل ُ‬ ‫‪209‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫حبا‪ .‬كام كثرة القصائد ال ختلق شاع ًرا‪.‬‬ ‫كثر ُة النساء ال َتخلق ً‬ ‫امرأ ٌة‪َ ،‬‬ ‫وحدَ ها َ‬ ‫انتظار وق َل ٍق‪َ ،‬تخ ُلق ً‬ ‫امرأ ٌة َ‬ ‫عاشقا خالدً ا ‪-‬‬ ‫تصلُ بعد طول‬ ‫‪/‬كون‪ِ ،‬‬ ‫ٍ‬ ‫تكون له ْقب َلها َّ‬ ‫طات قصائدَ ‪ ،-‬فتمنحه الشعر‪.‬‬ ‫خمط ُ‬ ‫وندم ِإليها بلسان‬ ‫الياس َأبو شبكة َوجدَ ها فتاب ِإليها بضامئر قصائ ِده السابقة‪َ ،‬‬ ‫الساعات التي ‪‬خاهنا‪ ‬فيها قبل َأن يعرفها‪ ،‬واهنم َر عليها ً‬ ‫حنان و ُن ُب ّوة‪.‬‬ ‫فيضا من ٍ‬ ‫احلب‪َ .‬م َنحَ ها َ‬ ‫ندامت ُه َف َم َنحَ ْته‬ ‫الياس َأبو شبكة َو َجدها‪َ .‬منحَ ها انتظا َره َف َم َنحَ ْته ّ‬ ‫الشعر‪ .‬وحني س ّلمها غيا َبه وراح‪َ ،‬أشعلت قنديله من‬ ‫السعادة‪َ .‬م َنحَ ها قلبه َف َم َنحَ ْته ِ‬ ‫لرتفعه ِإىل وجهها ُنو ًرا سامو ًيا ًآتيا ِإىل حضور ال يغيب‪.‬‬ ‫جديد‪ ،‬ال للبحث عن وجه آخر بل َ‬ ‫وتتهي ُأ بكلّ فاصلة‬ ‫وال تزال حتى اليوم تستقبل الفجر‪ ،‬كام ذاك الفجر ا َألول‪ّ ،‬‬ ‫الباب ويقول هلا الكالم ك َّله قبل َأن‬ ‫له‪ ،‬ع َّله يصل كام بعد ظهر ذاك اليوم‪ ،‬فيط ُرق َ‬ ‫تنفرج شفتاه‪.‬‬ ‫تنام‪ُ ،‬‬ ‫ت َأو شهق ٍة‬ ‫وال تزال حتى اليوم‪ ،‬قبل َأن َ‬ ‫طي بي ٍ‬ ‫تقرأ ُه وتعيدُ ه ع َّلها جتدُ َّ‬ ‫من كلمة‪ ،‬تنهيد ًة ً‬ ‫ُ‬ ‫فتكتشفها و ُت َـخ ِّب ـ ُئها له عند الصباح‪.‬‬ ‫بتوال مل ُتو َلدْ ْبعد‪،‬‬ ‫احلب يستاهل املوت من َأجله َألنه يقوى عىل املوت‪.‬‬ ‫حب كهذا ّ‬ ‫ٌّ‬ ‫احلب عىل املوت يف حبيب ٍة َّ‬ ‫تتنفس شاع َرها كلَّ يوم ٍ َكأنه‬ ‫عظم َأن ينترص ُّ‬ ‫وما َأ َ‬ ‫ساكن بني دَ ّقات قلبها ودَ ّقات الساعة‪.‬‬ ‫عني َكأ ّنه‬ ‫ٌ‬ ‫واصلٌ بعد هنيهة‪ ،‬وحتيا به كلَّ ر ّفة ٍ‬ ‫ياله معه‪ ...‬وبعدَ ه‪.‬‬ ‫احلب‪ ،‬هني ًئا له ِب َل ُ‬ ‫الياس َأبو شبكة‪ ،‬قدّ ُيسنا يف ّ‬ ‫العشاق ا َألبدية يف نعيم ٍ ال يدخله سوى ّ‬ ‫ولع ّله اليوم رافلٌ بسعادة ّ‬ ‫العشاق من‬ ‫الشعراء‪.‬‬ ‫الشعراء الصادقون‪ ،‬وال َيستاهلُ ُمـجاورة‬ ‫دسية الشعر ِإ ّال‬ ‫فليس َيدنو من ُق ّ‬ ‫ُ‬ ‫نقياء العاشقون‪.‬‬ ‫العاشقني ِإ ّال ا َأل ُ‬ ‫مجلة ‪‬الفصول اللبنانية‪ - ‬العدد ‪1984–12‬‬

‫‪208‬‬


‫مع َغ ْلواء‬

‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ِإحدى زيارايت المتعددة ِإىل أولغا (غلواء) يف أواخر حياتها‬

‫ّ‬ ‫ب ِشع ًرا يف غريي‪ .‬الياس كان‬ ‫‪‬اإلهلام كان ّمني و ِإن هو َكت َ‬ ‫وتؤكد يل غلواء‪ِ :‬‬ ‫َ‬ ‫عجبه من النساء‪.‬‬ ‫ستحسن و َي‬ ‫حس ًاسا‪ ،‬ومن الطبيعي َأن َي‬ ‫َ‬ ‫ستلطف َمن ُت ُ‬ ‫شاع ًرا ّ‬ ‫ديني عائيلٍّ يف‬ ‫ذات يوم دعاه َأحد َأصدقائنا ِإىل‬ ‫لكنه كان حيرتم يل كياين‪َ .‬‬ ‫ٍ‬ ‫احتفال ٍّ‬ ‫ردت َأن‬ ‫مار ضومط (الزوق) وجاء من هيمس يل َأن ‪‬فالنة‪ ‬ستكون موجودة‪َ .‬أ ُ‬ ‫رصرت عىل عدم الذهاب‪ .‬فلم يكن من الياس ِإ ّال َأ ْن َأخذ‬ ‫متحن مكانتي لديه َوأ‬ ‫ُ‬ ‫َأ َ‬ ‫وامت َنع هو َأ ًيضا عن الذهاب ّ‬ ‫ا َألمر بكلّ طيب ٍة َ‬ ‫مؤكدً ا يل‪ :‬حيث ال تذهبني معي‬ ‫ال َأذهب‪.‬‬ ‫حيسم كلّ‬ ‫حب َأن َأ ّ‬ ‫ُتراها تبالغ؟ ال ُأ ّ‬ ‫نفسه ُ‬ ‫ظن ذلك‪ .‬ومهام يكن‪ ،‬هوذا الياس ُ‬ ‫تكهن‪:‬‬ ‫ّ‬

‫ِ‬ ‫استطعت‪ ،‬قليب‪ ،‬فقليب‬ ‫‪ ...‬واعرصي ما‬ ‫وتَ��� َوقـَّ���ي ِإح���دى زواايه‪ ،‬ال تقيس‬

‫مل يَ����زل ف��ي��ه م��ن غ����رايم َب��ق��ااي‬ ‫ف�ل�ي حُ���رم��� ٌة ب��� ِإح���دى ال�����زوااي‬ ‫َ‬ ‫(‪‬أفاعي الفردوس‪)‬‬

‫‪211‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫وها غلواء اليوم تغالب العمر‪ ،‬يف عقدها الثامن‪ ،‬ومل يبقَ هلا من ا َأليام اخلوايل‬ ‫زهو العرشينات وجترب َة الثالثينات‬ ‫ت آتي ٍة من بعي ٍد حامل ًة معها َ‬ ‫غري صدى ذكريا ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ومأساة ا َألربعينات‪.‬‬ ‫صم ٌم يف سمعها‬ ‫كلُّ ذلك يرتدَّ د يف داخلها فال تبوح به‪ ،‬ويزيد يف انعكافها َ‬ ‫ثقيل‪ ،‬فال تسمع ِإ ّال ما تفهمه من حركات َ‬ ‫الشفتني واليدَ ين‪.‬‬ ‫كنت يف ُص ْور عند ِإحدى قريبايت‬ ‫ترشح يل‪ :‬يعودُ هذا‬ ‫الصمم ِإىل يوم ُ‬ ‫َ‬ ‫بحمى شديدة (ذك َرها الياس يف كتابه ‪‬غلواء‪ ‬عند كالمه عىل مرض‬ ‫ُوأ ِص ْب ُ‬ ‫ت ّ‬ ‫كثريا‪ .‬بعد زواجنا‬ ‫حبيبته يف ُص ْور)‪ .‬وكان من نتيجة ّ‬ ‫احلمى َأن َخ ّف سمعي ً‬ ‫ب ّ‬ ‫متاما‪ِ .‬إمنا يف املدة ا َألخرية‪ ،‬منذ‬ ‫شفي ُ‬ ‫ت ً‬ ‫َأخذين الياس عند َأكثر من طبي ٍ‬ ‫حتى ْ‬ ‫الصمم‪ً ،‬‬ ‫استرشت ا َألطباء َفأ ّكدوا يل ثبو َته‬ ‫وعبثا‬ ‫ُ‬ ‫تقريبا‪ ،‬عاودَ ين هذا َ‬ ‫عرش سنوات ً‬ ‫زلت َأقرأ يف كتابات الياس ويف ما َت ُكتب‬ ‫هم‪ .‬يكفي َأنني ما ُ‬ ‫النهائي‪ ...‬ما ّ‬ ‫ّ‬ ‫عنه ا َألقالم‪.‬‬ ‫وتؤكد يل َأ ّن الياس كان ُ‬ ‫ينشر ً‬ ‫ِّ‬ ‫يقرأ هلا ما يكتبه‪ :‬مل يكن ُ‬ ‫مقاال َأو قصيد ًة ِإ ّال‬ ‫دائما ُي ِّ‬ ‫حيبه‪ :‬ﭬـيكتور هوغو وكيف كان‬ ‫النص‪ .‬كان ً‬ ‫ذكرين بشاعر ّ‬ ‫بعد َأن ُيسمعني ّ‬ ‫ُ‬ ‫وطربوا َّ‬ ‫تيقن من نجاح قصيدته‪ ،‬و ِإذا مل‬ ‫يقرأ قصائده عىل َأحفاده ف ِإذا ارتعشوا هلا ِ‬ ‫هيتزّوا هلا يدرك َأهنا غري مو ّفقة كام جيب‪َ .‬أما الياس فكان كلُّ ما يكتبه مو ّف ًقا‪ .‬مل‬ ‫يكن يقدر َأن يكتب ما ال يو ّفق فيه‪.‬‬ ‫العمر ماحي ًة به كلّ ما ُ‬ ‫تلوكه ا َأللسن‬ ‫هزّين هذا ِاإلميان اجلازم ُت ْطلقه رفيق ُة‬ ‫ِ‬ ‫ُّ‬ ‫وتبثه ا َألقالم‪ ،‬واضع ًة حدًّ ا للوشايات‪ّ ،‬‬ ‫حبه صاد ًقا كلّ‬ ‫مؤكد ًة َأ ّن الياس كان يف ّ‬ ‫الصدق‪ ،‬وهذه من مزايا الرومنطقيني‪ ،‬ولو انه كتب يف غريها شع ًرا بني َأحىل ما‬ ‫التاج الذي يك ّلل جبينه‪:‬‬ ‫كتب‪ّ .‬‬ ‫لكن ُح َرم َتها هي حمفوظ ٌة‪ ،‬وهواها هو ُ‬

‫وحق هوى غـلوا‪ ،‬أ ُ ِح ّس ِ‬ ‫ك يف ديم‬ ‫ِّ‬ ‫وح ًيا وتجَ رِني يف ديم‬ ‫جرَت يف ديم ْ‬

‫‪210‬‬

‫وأ ُ ْق ِ‬ ‫��م‪ ،‬ما يف غل َو حُ ٌّ‬ ‫��س ُ‬ ‫��ب مُدمِّر ُ‬ ‫وـلـك َّنـ َ‬ ‫لون ا ُحل� ّ‬ ‫�ب قد يتــغَـ َّير ُ‬ ‫(‪ِ ‬إىل ا َألبد‪)‬‬


‫مع َغلْواء‬

‫َ‬ ‫َ‬ ‫غلواء أبو شبكة وابنة أخيها غلواء ساروفيم الهاين‬

‫خالل حواري معها لـ ‪‬النهار‪)1974( ‬‬

‫ً‬ ‫مشيا طوال الليل ا َألهوج‬ ‫شباكها‪ ،‬والشمس مل تط َلع بعد‪ .‬كان وصلَ ً‬ ‫واقفا عند ّ‬ ‫الشمس عىل الناس‪.‬‬ ‫لينعم بشمسه ُه َو قبل َأن ُترشق‬ ‫املاطر من الزوق ِإىل اخلنشارة َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫تبتسم غلواء وتضيف‪ :‬كان‬ ‫كان لديه‬ ‫العنف يف احلب ِإمنا كانت لديه كذلك الغرية‪ِ .‬‬ ‫ت‬ ‫يقولُ يل ً‬ ‫ت يا ُأولغا فال‪َ ،‬ألنك لس ِ‬ ‫دائما‪ :‬حيقّ للشاعر ما ال حيق لغريه‪َ .‬أما َأن ِ‬ ‫كثريا‪.‬‬ ‫شاعرة‪ .‬كان يغار عيلّ ً‬ ‫َ‬ ‫وكأن تلك البسمة َأقرص من ابتسام العمر اللياس‪ ،‬فعادت غلواء ِإىل صورة‬ ‫ا َألمس العتيق‪ :‬كان الياس كلّ حيايت‪ .‬وكان عىل ثقاف ٍة واسع ٍة ُت ْغنيني َأحيا ًنا عن‬ ‫تصوره َأمامي يكتب‬ ‫القراءة‪ .‬لذا يوم فقد ُته شعرت َأنني فقدت الثقافة‪ .‬وال َأزال َأ ّ‬ ‫ت‬ ‫يف رسعة‪ ،‬يف عصبية وتو ّتر‪ .‬كنت َأندهش له ساع َة يرتجم‪ :‬كان يطوي صفحا ٍ‬ ‫طويل ًة وناد ًرا جدً ا ُ‬ ‫كنت ُأخاطبه فال‬ ‫كثريا ما ُ‬ ‫يلجأ ِإىل القاموس‪ ،‬ال ّتساع ثقافته‪ً .‬‬ ‫كمن يف غيبوبة‪ .‬وحلظ َة يصحو عىل صويت‬ ‫حسه يف عامل آخر‪ .‬يكون َ‬ ‫جييبني‪ُ .‬أ ّ‬ ‫حسه ًآتيا من َ‬ ‫سف ٍر بعيد‪ .‬وآخ ُر ما َأذكر عن هذه‬ ‫َأو عىل َه ّزة يد بسيطة مني‪ُ ،‬أ ّ‬ ‫‪213‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫َ‬ ‫تحمل أغراضه وعصاه‬

‫َ‬ ‫غلواء أمام صورة شاعرها‪ ...‬وجميع الذكريات‬

‫حب يف عنف‪ .‬قد ال تكون غلواء‪ ،‬غلواؤُ ه‪ ،‬هي‬ ‫ب‪َ ،‬وأ َّ‬ ‫الثابت َأن الياس َأ َح َّ‬ ‫بقيت مرسومة عىل شفتيه قصيد ًة صامت ًة نابض ًة يف‬ ‫حبه الوحيد الكبري‪ ،‬لكنها َ‬ ‫ّ‬ ‫شعره‪.‬‬ ‫َأما تلك احلبيبة التي قال فيها الياس مزغردً ا‪َ :‬أ َي ُّ‬ ‫ُ‬ ‫الغزل وعىل‬ ‫حق يل‪ ،‬يف غريها‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫احلب الكبري الذي فجّ ر الشاع َر يف‬ ‫فمي من قلبها ق َبل‪‬؟ (‪‬نداء القلب‪ ،)‬فتبقى ّ‬ ‫حب غلواء رسم الياس َأبو شبكة عىل هامة شاعر‪.‬‬ ‫الياس َأبو شبكة بعدما كان ُّ‬ ‫حبه ا َألول َأيقظ فيه الشعر َ‬ ‫وتركه‬ ‫حب الياس ا َأل ُ‬ ‫ُّ‬ ‫خري فجّ ر فيه ِشعر الشعر‪ ،‬بينام ُّ‬ ‫هييم ّ‬ ‫مفت ًشا عن قصيدته الضائعة‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫هكذا هي َ‬ ‫املرأة يف شعر الياس َأبو شبكة‪.‬‬

‫غلواء ُتثبت ذلك فرتوي يل‪ ،‬بني ما َرو ْت ُه‪ ،‬يوم‬ ‫َأ َح ّ‬ ‫ب يف عنف‪َ .‬أجل‪ .‬وهذه ُ‬ ‫ُ‬ ‫صباحا لتجدَ الياس‬ ‫تستيقظ ً‬ ‫كانت يف اخلنشارة عند َأقارب هلا َأيام الشتاء‪ ،‬و ِإذا هبا‬ ‫‪212‬‬


‫مع َغلْواء‬

‫ُ‬ ‫َ‬ ‫أولغا بثياب األحد‬

‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫أولغا وفرجيني (شقيقة الشاعر)‪ ...‬الود المفقود‬

‫عوملنا معامل ًة جيدة‬ ‫ا َأليام ا َألخرية يف املستشفى الفرنيس (اخلندق الغميق اليوم) ِ‬ ‫كاهن‬ ‫جدً ا وكان يزورنا ناس كثريون‪ .‬قبل دخوله غيبوبته ا َألخرية دخل علينا‬ ‫ُ‬ ‫يت َأنا‪.‬‬ ‫الرعية فبادره الياس‪ :‬ص ّلييل يا بونا‪ ‬فص ّلى الكاهن وص ّلى الياس وص ّل ُ‬ ‫ليذهب‪ ،‬استوقفه الياس وناداه ً‬ ‫وحني استدار الكاهن َ‬ ‫قائال‪ :‬يا بونا‪ ،‬استغ ِفر يل‬ ‫من كلّ َأهايل الزوق‪.‬‬ ‫كثريا‪.‬‬ ‫وهنا َب َكت غلواء‪َ .‬ب َكت ً‬ ‫ّ‬ ‫رت الياس‪:‬‬ ‫فتذك ُ‬

‫اي مَش���ع�ت�ي‪ ،‬م����اذا وراء األ َن��ي�ن؟‬

‫ني؟‬ ‫���ب كما تنهت ْ‬ ‫أَيَ��ن�ته��ي ا ُحل ُّ‬

‫(‪‬غلواء‪)‬‬

‫َ‬ ‫الدرامي وصولُ غلواء الصبية (غلواء ساروفيم اهلاين) ابنة‬ ‫املوقف‬ ‫ُينقذ هذا‬ ‫َّ‬ ‫شقيق غلواء‪ ،‬فتعود ِاإلرشاقة ِإىل َ‬ ‫شفتـي ُأولغا ساروفيم َأبو شبكة وتستدرك‪ :‬هذه‬ ‫‪215‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫ُ‬ ‫يراسلها ًّ‬ ‫سرا‪ ...‬عىل ورقة عابرة ويستدعيها ِإىل لقائه تحت العريشة‬ ‫هكذا كان‬

‫الغيبوبية‪ ،‬يـوم كـنا مصطافـني يف حـراجـل‪َ ،‬أنه كان ُي ِّهي ُئ ِاإلطار العام‬ ‫اللحظات‬ ‫ّ‬ ‫ملرسحية شعرية عنواهنا ‪‬زينب‪ ‬مل ُ‬ ‫يكتب منها ِإ ّال اثني عرش ًبيتا وجدوها حتت‬ ‫خمدّ ته بعد وفاته‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫مهل ِإىل مثواه ا َألخري‪َ ،‬وأ ّتبين‬ ‫تذ ُكر غلواء الوفاة فأملح يف مآقيها تابو ًتا يسري عىل ٍ‬ ‫يف صوهتا املتهدّ ج نواح صبايا ‪‬الزوق‪ ‬عىل شاعرها‪ .‬وتشاء املصادفة َأن َأكون يف‬ ‫زيارة غلواء هنار االثنني ‪ 27‬كانون الثاين والياس تو ّفي سنة ‪ 1947‬يف النهار نفسه‪،‬‬ ‫وكان َأ ًيضا يوم االثنني‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫دائما‬ ‫يتقطع‬ ‫يامه ا َألخرية صعبة وقاسية‪ُ .‬‬ ‫ُ‬ ‫كنت حدّ ه ً‬ ‫صوت غلواء‪ :‬كانت َأ ُ‬ ‫يتذمر‪.‬‬ ‫يتحمل اآلالم يف صرب عجيب‪ .‬ال َيتأ ّوه وال ّ‬ ‫ال ُأفارقه حلظة واحدة‪ .‬كان ّ‬ ‫ودائما َي ّ‬ ‫حثني‬ ‫تقيا جدً ا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫َأحيا ًنا يطلب مني َأن ُأص ّلي فريدِّ د ورائي الصالة‪ .‬كان ًّ‬ ‫خاصة‪ .‬خالل تلك‬ ‫عىل سامع القداس و ِإن كان هو ال‬ ‫يسمعه ِإ ّال يف مناسبات ّ‬ ‫ُ‬ ‫‪214‬‬


‫مع َغلْواء‬

‫َ‬ ‫ُ‬ ‫رسالة من الياس ِإىل أولغا أيام الخطوبة (من مريوبا – ‪ 12‬آب ‪)1928‬‬

‫ُ‬ ‫مقاالت خضعت للمراقبة فترشح غلواء‪ :‬كان‬ ‫تلفتني يف َأوراق َأبو شبكة‬ ‫ٌ‬ ‫شخيص) مع الشيخ بشارة اخلوري‪ ،‬وكان يتع ّرض له‬ ‫(سيايس ال‬ ‫الياس عىل نفور‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫دوما يف مقاالته ُفت ّ‬ ‫مبقص الرقابة‪ .‬مر ًة كنا جالسني‪َ ،‬أنا وهو‪ ،‬عىل‬ ‫عطلها له الدولة‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫رشفة بيتنا يف حراجل حيث كنا نصطاف‪ ،‬فصادف مرور الشيخ الرئيس‪ .‬تالقى‬ ‫نظرامها فام َتح ّرك الياس للتحية‪ .‬ول ّـما ُل ْـم ُته َأجابني بنربته املعهودة‪ :‬تريدين َأن‬ ‫حييه وال يردّ يل التحية فيزداد التو ّتر بيننا؟‪.‬‬ ‫ُأ ّ‬ ‫عىل ذكر تلك ا َأل َنفة تروي يل غلواء قصة كاهن من عائلة طربيه كان من‬ ‫َأصدقاء الياس‪ُ ،‬‬ ‫‪‬ج َّن جنون‬ ‫دعي للمحاكمة يف الـﭭـاتيكان َألمر ُز ّج فيه ُزو ًرا‪ُ .‬‬ ‫است َ‬ ‫الياس وراح َيكتب يف ‪‬صوت ا َألحرار‪ ‬سلسلة مقاالت عنيفة ‪‬كانت هت ّز الـﭭـاتيكان‪.‬‬ ‫وما هي ّ‬ ‫حتى ُأخيلَ الكاهن وعاد ِإىل لبنان‪ .‬وحني جاء َمن يطلب ِمن الياس َأن‬ ‫‪217‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫َ‬ ‫ُ‬ ‫هنا كان بيت أولغا‪ ...‬عىل أمتار من بيته‬

‫كنت ُحبىل كان الياس يقول يل‪ِ  :‬إذا‬ ‫بنت َأخي‪ .‬عروس منذ بضعة َأشهر‪ .‬حني ُ‬ ‫كنت َأ َ‬ ‫جاء ْتنا بنت سنسميها غلواء‪ً .‬‬ ‫جاءنا صبي؟‪َ ‬كأنه كان‬ ‫وعبثا ُ‬ ‫سأله‪ :‬وماذا لو َ‬ ‫متأ ّكدً ا من َأنني َ‬ ‫َ‬ ‫سأضع طفلة‪ .‬وشاءت الظروف القاسية َأ َّال َّ‬ ‫تتحقق ا ُألمنية فانحرمنا‬ ‫جهضته ً‬ ‫طفل َأ ُ‬ ‫جنينا يف شهره الرابع بسبب نشوء ليف ٍة يف ال َّرحم (وردَ ذلك يف‬ ‫من ٍ‬ ‫طلبت‬ ‫قصيدة ‪‬الطرح‪ ‬آخر قصائد َ‪‬أفاعي الفردوس‪ .)‬وملا ُر ِزق َأخي جوزف ابن ًة‬ ‫ُ‬ ‫ففعل‪ .‬وها هي اليوم عروس َأمامك‪.‬‬ ‫منه َأن يسميها غلواء َ‬ ‫ت ِإىل غلواء الصبية َأ َ‬ ‫سأهلا اعتزا َزها باالسم التي حتمل‪َ ،‬وأمتنى هلا ً‬ ‫طفال‬ ‫َأ ْلت ِف ُ‬ ‫حتمله ِإىل غلواء العجوز يكون هلا الياس آخر حتمل معها ذكراه ِإىل الياس الكبري‪.‬‬ ‫َأعود ِإىل غلواء الياس‪َ .‬أ ّ‬ ‫تصفح معها َأعدادً ا قدمية من ‪‬املكشوف‪ ‬و‪‬املعرض‪،‬‬ ‫َوأ ُم ّر عىل خمطوطات بخط الياس‪ ،‬وتعرض يل قلمه ّ‬ ‫ووالعته ونظار َتيه وحمفظ َة نقوده‬ ‫دائما تبقى فارغة‪ ‬تقول ُأولغا) وتشري ِإىل طاولة مستديرة َ‬ ‫‪‬كتب عليها‬ ‫(‪‬كانت ً‬ ‫الياس كلّ مؤ ّلفاته‪.‬‬ ‫‪216‬‬


‫مع َغلْواء‬

‫ْ‬ ‫تدر ما تضيف‪ .‬لكنام اللوم ال يقع عليها بل عىل من‬ ‫قالتها َكأ ّنها َتلوم نفسها ومل ِ‬ ‫يرتكون هذه النفائس ُ‬ ‫واإلمهال‪َ .‬أليس من احليف َأن يبقى بيت‬ ‫يصدأ فيها النسيان ِ‬ ‫َأبو شبكة ً‬ ‫مهمال‪ ،‬وندَّ عي َأننا بلد ِاإلشعاع والنور؟‬ ‫بلدية الزوق (وعىل ْرأسها رجل كفاءة ونشاط) ف ْلتباد ْر ِإىل العمل عىل حتويل بيت‬ ‫الياس َأبو شبكة وحديق ِته ً‬ ‫متحفا كي ال ترتك مكتب ًة نفيسة تتخ ّلع عىل ْرأس د َرج‪.‬‬ ‫َأفتح املكتبة‪ُ .‬أق ِّلب فيها‪ .‬كتب مهداة ِإىل الياس من رياض املعلوف وشفيق‬ ‫املعلوف وشارل قرم وخليل تقي الدين وعمر فاخوري وغريهم وغريهم‪ ،‬ومجيعها‬ ‫تفوح بتقدير ُأولئك املؤ ّلفني لشخص الياس وموهبته ّ‬ ‫الفذة‪.‬‬ ‫الصماء)‬ ‫َأشكر السيدة َأدال (لقيامها َأغلب ا َألحيان بنقل حديثي ِإىل ُأولغا شبه ّ‬ ‫حس يف وداعها ُحرق ًة دفينة‪َ :‬‬ ‫‪‬اهت ُّموا بالياس‪...‬‬ ‫ُوأودّ ع غلواء الشعر والشاعر ُفأ ّ‬ ‫وبتحبو كتري‪.‬‬ ‫واجب تعم ُّلو يش‪ِ ...‬إنت بتعرفو منيح‬ ‫ّ‬ ‫واجب‪َ .‬أجل واجب‪.‬‬ ‫َأترك ‪‬الزوق‪ ،‬ترتدد يف بايل كلامت الياس يف َأ ّول قصيد ٍة من ‪‬القيثارة‪َ ‬أ ّول‬ ‫جمموعة له (‪:)1926‬‬

‫ك��ف� ِ‬ ‫��زءا بنفيس‬ ‫اي ب�لادي‪َ ،‬‬ ‫�اك ُه� ً‬ ‫ال ت��ق��ويل ق��د أَـح�ــ�ــ��ر َق� هْ�ت��ا البالاي‬

‫ِإن نفيس ح��س��امُ� ِ‬ ‫امل��ط��رورُ‬ ‫�ك َ‬ ‫�ن�ير‪.‬‬ ‫لك ن � ْف��س مل‬ ‫ُّ‬ ‫ْ‬ ‫حت��ت�رق‪ ،‬ال تُ� ُ‬

‫ال يا الياس‪ .‬لن َت َ‬ ‫هزأ َ‬ ‫منك بالدُ ك‪.‬‬ ‫َ‬ ‫حمب ٍة ِو ْسع لبنان‬ ‫غري بعيد‪،‬‬ ‫جييء ٌ‬ ‫يوم‪ ،‬هو ُ‬ ‫ندعوك فيه للرجوع ِإلينا يف ّ‬ ‫وسوف ُ‬ ‫َ‬ ‫وحول‬ ‫ميان‪ ،‬وتشهد‬ ‫غلواءك ومجع آثا َرك الكاملة َّ‬ ‫وطنك‪ ،‬بعدما ك ّرم َ‬ ‫الذي ّغن َيته ب ِإ ٍ‬ ‫يدعوك ِإىل مهرجانك الكبري ْ‬ ‫َ‬ ‫نت و ُتلقي كلمة املهرجان‪.‬‬ ‫بيتك ِإىل متحف‪،‬‬ ‫فتأيت َأ َ‬ ‫‪‬النهار‪( - ‬الجمعة ‪)1975/2/7‬‬

‫‪219‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫ُ‬ ‫َ‬ ‫أغراض شخصية حفظتها له أولغا‪ ،‬وهي اليوم محفوظة يف المتحف‬

‫قنعه بعد رحيل املوفد‬ ‫يكتب قصيد َة هتنئة يف رجل الدين ذاك‪ ،‬رفض‪.‬‬ ‫حاولت َأن ُأ َ‬ ‫ُ‬ ‫فانتهرين يف َ‬ ‫ت ا ُألمور‬ ‫غضب‪َ :‬أنا‬ ‫ُ‬ ‫كتبت حني كان رضور ًيا َأن َأكتب‪ .‬اليوم ُس ّو َي ِ‬ ‫حس به؟‪.‬‬ ‫َ‬ ‫وانتهت‪ .‬كيف تريدينني َأن َأكتب ما مل َأعُ د ُأ ّ‬ ‫‪‬يوما‪ ،‬وكنا‬ ‫يبدو َأ ّن هذه ا َألنفة مولود ٌة معه منذ الصغر‪ .‬تروي يل غلواء‪ً :‬‬ ‫ً‬ ‫حديثا‪َ ،‬أخرب ْتني ُأ ّمه َأن الياس خالل احلرب العاملية ا ُألوىل‪ ،‬واملدارس‬ ‫متزوجني‬ ‫َ‬ ‫مقفلة‪ ،‬كان يرتدّ د ِإىل مدرسة َأ َ‬ ‫لكن الولد‬ ‫نشأها يف الضيعة ابن الزوق جورج هاين‪ّ .‬‬ ‫يوجه مالحظة ِإليه‪َ ،‬وأحيا ًنا لغالظة‬ ‫الياس كان هيرب من تلك ‪‬املديرسة‪ ‬كلام املع ِّلم ّ‬ ‫طريقة تدريسه‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫َأ ُه ُّم باالنرصاف ُفتشري السيدة َأدال (زوجة شقيق ُأولغا) ِإىل زيارة املكتبة‪ ،‬ف ِإذا‬ ‫هي ُ‬ ‫ضيق مل ُيعد ّيتسع‪.‬‬ ‫فوق عىل ْرأس الدرج‪ .‬وتضيف السيدة َأدال‪ :‬البيت ّ‬ ‫وضعناها هنا يف اخلارج عىل الدرج‪.‬‬ ‫‪218‬‬


‫مع َغلْواء‬

‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫صفحتان من مذكرات أولغا بخطها‪ ،‬كتبتها سنة ‪ُ 1986‬بلغتها المحكية البسيطة‬

‫‪221‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫‪220‬‬


‫يتزوج‬ ‫صاحب ‪‬غلواء‪‬‬ ‫َّ‬

‫ر ّبام كانت َأمجل قصيدة َ‬ ‫نظمها ا ُألستاذ الياس َأبو شبكة هي اقرتانه باآلنسة‬ ‫اللطيفة ُأولغا ساروفيم‪.‬‬ ‫تزوج َ‬ ‫فجأ ًة دون َأن يشعر به َأحد من‬ ‫تزوج َأ ً‬ ‫فا ُألستاذ َأبو شبكة َّ‬ ‫خريا(((‪ .‬لقد َّ‬ ‫عروسه‬ ‫تزوج‪ .‬فام عُ ِقدَ له عىل ِ‬ ‫تزوج دون َأن َيشعر هو نفسه َبأنه َّ‬ ‫َأصدقائه‪ ،‬بل هو َّ‬ ‫ّ‬ ‫حتى َب ِر َحها ِإىل بعض ا َألصدقاء يقيض و ِإياهم ليل ًة ساهر ًة ِإىل نصف الليل‪.‬‬ ‫وهكذا َأراد الشاعر الروحان ُّـي ال ُـم َلهم َأن ُيظهر للناس َأ ّن الشعراء َيختلفون يف‬ ‫كلّ يشء عن سائر البرش‪َ ،‬وأ ّن الزواج ليس لدهيم با َألمر العظيم‪ .‬فهو عندهم َكن ْظم‬ ‫عناء ال يك ِّلفهم ِإياه الزواج‪.‬‬ ‫ت من الشعر‪ ،‬وقد يك ّل ُفهم َن ْظ ُم البيت من ِ‬ ‫بي ٍ‬ ‫الشعر ً‬ ‫فهني ًئا للصديق الكريم بغلوائه‪ ،‬وعسى َأ ْن ُيثمر يف حقل الزواج ما َأث َـم َر يف‬ ‫ت شعره‪ ،‬ويق ُّر ً‬ ‫عينا بثامره من قصائد خرائد‬ ‫حقل ا َألدب‪ ،‬فيعت ّز بزغاليله كام يعت ّز ببنا ِ‬ ‫وبنني!‬ ‫جريدة «العاصفة» العدد ‪ 4( 26‬شباط ‪)1933‬‬

‫خرب الزواج‬ ‫حمتج َب ًة قرس ًيا َف َصدَ َر ُ‬ ‫‪ )1‬ت َّـم الزواج هنار اخلميس ‪ 10‬كانون ا َألول ‪ .1932‬لكن ‪‬العاصفة‪ ‬يف تلك احلقبة كانت ِ‬ ‫مع العدد ا َألول من عودهتا ِإىل الصدور (‪ 4‬شباط ‪.)1933‬‬

‫‪223‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫ٌ‬ ‫حل ْم َ‬ ‫ت له باالستقالل‬ ‫بلد ِ‬ ‫يف مكتبة َأبو شبكة عىل ْرأس الد َرج يف بيت ساروفيم‪َ ،‬وأنا ُأق ِّلب خمطوطاته‬ ‫وجدت هذه القصيدة غري املنشورة له يف رثاء البطريرك الياس احلويك‬ ‫الكثرية‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫(‪:)1931‬‬

‫�ْت� ُ اجل����دود وحُ��� ّج��� ُة األ َن��س��ال ِ‬ ‫َخ� مْ‬ ‫ل�ادك ح َّي ٌة‬ ‫�ام��ا يف ب�‬ ‫َ‬ ‫تسعون ع� ً‬ ‫درجَ��ت عىل رشف اجلهاد عفيف ًة‬ ‫عنوان اهلُ��دى‬ ‫وبعثْ هَتا يف الناس‬ ‫َ‬ ‫��م‪ ،‬واح�لم ا ُحل�ْل�مْ الكبري عىل ثرى‬ ‫ن ـَ ْ‬ ‫�ت األ ُْس���د يف َه َضباتِه‬ ‫�رس� َ‬ ‫ب� ٌ‬ ‫لد غ� ْ‬ ‫عليك‪ ،‬أَاب السباع‪ِ ،‬إذا وىن‬ ‫م��اذا‬ ‫َ‬ ‫�ال الصفي ِ‬ ‫القوي ِإذا بىغ‬ ‫ق مع‬ ‫ح� ُ‬ ‫ِّ‬ ‫ك أُمَّ���� ٌة مغلوب ٌة‬ ‫مس � َع��ت‬ ‫زئ��ي�ر َ‬ ‫َ‬ ‫ع �لمَّ ْ� هَ�ت��ا ل��غ � َة األ ُس����ودِ فَ � َح � َّولَ��ت‬

‫‪222‬‬

‫����احل األ َع���م���ال ِ‬ ‫ت��ب�لى وخي� دُ‬ ‫�ُل��� ص� ُ‬ ‫أَلْ��قَ��ي�ته��ا ِع��َب��رَ ً ا ع�ل�ى األ َج���ي���ال ِ‬ ‫وخ�ت�مْ�َت�هَ ���ا ب��ط��واب��ع األ َب���ط���ال ِ‬ ‫ف َم َضت وكانت مرضب األ َمثال ِ‬ ‫ب� ٍ‬ ‫���ت هل ابالس��ت��ق�لال ِ‬ ‫�ل�د ح�ِل�مِ ْ َ‬ ‫�اج��ا يف ث��ي��اب رج��ال ِ‬ ‫ف� مََن�َ��وا ن��ع� ً‬ ‫��ق ابلرئبال ِ‬ ‫�ق الليوث وعُ� َّ‬ ‫ُخ �لُ� ُ‬ ‫�س � ُه ب��رايل ِ‬ ‫يُ�ش�رى‬ ‫ُ‬ ‫الضعيف ون��ف� ُ‬ ‫َسعلَت ع�لى اجلبل األ مََش العايل‬ ‫�س��ع��ال ِ‬ ‫ل ُ��غَ�� َة األ ُس����ودِ ب � َص � ْدره��ا لِ� ُ‬


‫رح َلت عن الدنيا‬ ‫‪‬غلواء‪ ‬أَبو شبكة َ‬ ‫لتكون مع شاعرها في الثرى المستعار‬

‫السيدة ُأولغا ساروفيم َ(أرملة الشاعر الياس َأبو‬ ‫فج َر االثنني ‪ 4‬آذار ‪ 1996‬رح َلت ّ‬ ‫عاما‪.‬‬ ‫شبكة) عن ستة وتسعني ً‬ ‫ُوأولغا هي التي َأخذ َأبو شبكة حروف اسمها َ‬ ‫وعك َسها ِإىل ‪‬غلواء‪ّ ‬‬ ‫وغناها يف‬ ‫مطولة شعرية عام ‪1945‬‬ ‫حبهام ‪‬غلواء‪ ‬يف َّ‬ ‫ِشعره سننيَ طويل ًة قبل َأن ُيص ِدر قص َة ِّ‬ ‫عن ‪‬دار املكشوف‪.‬‬ ‫ولدَ ت يف زوق مكايل عام ‪ 1900‬وتع َّرفت ِإىل ابن بلدهتا الشاعر الناشئ الياس‬ ‫حب ْتلتها خطبة رسمية‬ ‫َأبو شبكة سنة ‪( 1920‬ولد سنة ‪َ )1903‬فن َمت بينهام قص ُة ّ‬ ‫سنة ‪ 1924‬لتسع سنوات قبل َأن يتزوجها سنة ‪.1932‬‬ ‫ويف ّ‬ ‫مذكرات َأبو شبكة (‪‬دراسات وذكريات‪ -‬دار املكشوف‪ -‬طبعة ُأوىل‬ ‫‪ )1948‬رسائلُ عدّ ة ْ‬ ‫وذكر لغلواء غري مرة روى فيها َأحدا ًثا ووقائع عن حياهتام‬ ‫معا‪.‬‬ ‫ً‬ ‫بعد غياب الشاعر (‪ )1947‬ظ ّلت وحيد ًة مع آثاره وذكرياته َوأغراضه‪ ،‬وكان آخ ُر‬ ‫ظهور هلا قبل مخسة َأسابيع حني دَ عاها ‪‬املركز الثقايف البلدي‪ ‬يف زوق مكايل‪،‬‬ ‫هنار ذكرى الشاعر يف ‪ 27‬كانون الثاين‪ِ ،‬إىل زيارة بيت زوجها الشاعر الياس َأبو‬ ‫شبكة‪ ،‬البيت الذي َيتأ ّهل كي يصري ً‬ ‫متحفا عىل اسمه‪.‬‬ ‫(‪‬النهار‪)‬‬

‫‪225‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫ُ‬ ‫بطاقة عرس الياس وأولغا‬

‫َ‬ ‫خرب زواج أبو شبكة كما صدر يف جريدة ‪‬العاصفة‪‬‬ ‫(‪ 4‬شباط ‪ - 1933‬العدد ‪)26‬‬

‫‪224‬‬


‫‪‬غلواء‪‬‬ ‫َأبو شبكة‬ ‫رح َلت ‪...‬‬ ‫َ‬

‫ّ‬ ‫سجل الوفيات يف رعية ّ‬ ‫سيدة المعونات – زوق مكايل‬ ‫عن‬

‫َأخذ ُ‬ ‫ينظم منذ ‪ 1926‬قصائد ‪‬غلواء‪ ‬وينرش مقاطع منها تباعً ا يف ‪‬املعرض‪‬‬ ‫و‪‬املكشوف‪ ‬و‪‬صوت ا َألحرار‪ ‬فراجت عىل َألسنة الناس قبل َأن تصدر يف كتاب‪.‬‬ ‫وكان يع ّلل خطيبته شه ًرا بعد شهر‪ ،‬وعُ ذ ًرا بعد عُ ذر‪ ،‬وهي صابر ٌة تنتظر وال‬ ‫َتيأس‪ُ ،‬تراس ُله ويراس ُلها من فيطرون‪ ،‬من حراجل‪ ،‬من مريوبا‪ ،‬ومن الزوق ِإىل الزوق‪،‬‬ ‫وا َألعذار تتواىل‪ :‬تسديد نفقات البيت‪ ،‬اجلرايد التي تدفع ً‬ ‫قليال لشغل كثري‪ ،‬كتابات‬ ‫صحافية للنرش يف بريوت والقاهرة‪ ،‬مقاالت مقاالت مقاالت‪ ،‬ويف آخر الشهر ال يبقى‬ ‫مطالع قصائد وخمططات مقاالت‪ ،‬ومجيعها ال تفي‬ ‫قصاصات ورق عليها‬ ‫يف جيبه ِإ ّال‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُأولغا حقوقها كخطيبة َتحلم َأن تصري زوجة هذا ‪‬املجنون‪.‬‬ ‫ِإىل َأن َ‬ ‫َ‬ ‫خطيبته (‪ .)1932 - 1923‬ففي ‪ 10‬كانون ا َألول‬ ‫قطفت نتيجة صربها‬ ‫‪ 1932‬استدعى ‪‬ا ُألستاذ الياس‪ ‬خوري الضيعة ِإىل البيت (بيت َأهل ُأولغا ال بيته)‪.‬‬ ‫كان َ‬ ‫يكتب ً‬ ‫بدأ ُ‬ ‫مقاال لـ‪‬املعرض‪ .‬وصل اخلوري‪:‬‬ ‫– نعم ُأستاذ الياس؟‬ ‫نتجوز يا بونا‪ ،‬هيدي ُأولغا حارضة‪ .‬والشهود حارضين‪ِ :‬اإلشبني‬ ‫– بدنا ّ‬ ‫واإلشبينة‪ّ .‬‬ ‫تفضل‪َ .‬وأرسع شوي َألنو بدي إهني هاملقال ْو َودِّ يه عَ اجلري ِده‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫مراس َم الزواج يف البيت‪ .‬وما انرصف اخلوري من‬ ‫وهكذا كان‪ .‬و‪‬استعجل‪ ‬اخلوري ِ‬ ‫‪‬العريسني السعيدَ ين‪ّ ‬‬ ‫حتى عاد ‪‬ا ُألستاذ الياس‪ ‬ينرصف ِإىل كتابة مقاله‪.‬‬ ‫البيت مهن ًئا‬ ‫َ‬ ‫‪227‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫يوم حت ّل ْقنا حو َلها يف السابع والعرشين من كانون الثاين املايض‪ ،‬وهي عىل‬ ‫تغص‬ ‫كريس متح ّرك تزو ُر بيت زوجها الياس َأبو شبكة‪ ،‬كانت دامع ًة وهي‬ ‫ُّ‬ ‫الست والتسعني قائل ًة يل‪ :‬هذه‪ ،‬يا هنري‪َ ،‬أول مرة َأدخل هذا البيت‬ ‫بسنواهتا ّ‬ ‫منذ ‪ 49‬سنة‪.‬‬ ‫مع َأهنا‪ّ ،‬‬ ‫كثريا‪ .‬فهي‬ ‫حتى يف تلك ا َأليام القدمية‪ ،‬مل تكن ‪َ ‬تدخل البيت‪ً ‬‬ ‫زوجها الشاعر ‪‬يزورها‪ ‬هناك‪َ ،‬يسهر‬ ‫الزوجية يف بيت َأهلها‪ ،‬وكان ُ‬ ‫عاشت حياهتا‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫‪‬صبحيات‪ ‬اآلحاد‪ُ ،‬تكركر نارجيلته حول قلمه يسيل باملقاالت‬ ‫ويكتب َأو ُيميض‬ ‫ّ‬ ‫ينهض ً‬ ‫واقفا للمغادرة تسبقه عصاه السوداء يط ُرق‬ ‫عىل الطاولة املستديرة قبل َأن‬ ‫َ‬ ‫هبا ا َألرض ازديادً ا يف العنفوان‪ُ ،‬‬ ‫تعلوان وهتبطان يف‬ ‫ترافقه عىل طريق الزوق كتفاه َ‬ ‫حركة مستم ّرة‪.‬‬ ‫يف يفاع العمر كان حني تع ّرف ِإليها‪ .‬كانت تكربه بثالث‪ .‬وما َه ّم العمر بينهام‬ ‫طالعا عىل احلياة‪ .‬تع ّرف ِإليها عام ‪1920‬‬ ‫حبه ا َألول‪ .‬هام هبا شا ًبا ً‬ ‫طاملا كانت هي َّ‬ ‫وكان يف السابعة عرشة‪َ .‬‬ ‫بدأت بينهام قص ُة احلب بــ‪‬قصص وروايات كان ُيسدهيا ِإ ّيل‬ ‫كي َأ َ‬ ‫ً‬ ‫خطوطا ُحم ًرا حتت َأسطر الغرام الواردة فيها مما كان َي َودّ‬ ‫وضع‬ ‫قرأها‪ ،‬ويكون َ‬ ‫َأن يقو َله يل وال ُيمكنه َأن يقول‪ ،‬كام قالت يل يف حديثي معها قبل عرشين سنة‬ ‫(‪‬النهار‪ - ‬صفحتها الثقافية ‪ 7 -‬شباط ‪.)1975‬‬ ‫تطورت ِإىل‬ ‫احلب احلايف بني شاب من الزوق وصبية من الزوق َّ‬ ‫عىل َأن قصة ّ‬ ‫وخطبها من ذوهيا سنة ‪ .1923‬ومنذ ذلك‬ ‫‪‬عالقة رسمية‪ ‬حني تقدّ م ِإليها الياس‬ ‫َ‬ ‫احلني صار الشاعر حيكي عن ‪‬خطيبتي ُأولغا‪ ‬يف جمالسه اخلاصة والعامة ويف مقاالته‬ ‫ّ‬ ‫وذكرياته التي ُ‬ ‫واملجالت‪.‬‬ ‫ينشرها يف الصحف‬ ‫ت ضئيلة ف ِإهنا مع‬ ‫و ِإذا كان من طبيعة اخلطوبة عاد ًة َأن متتدَّ َأشه ًرا َأو سنوا ٍ‬ ‫تسعا‪.‬‬ ‫ت ً‬ ‫الياس َأبو شبكة امتدّ ت سنوا ٍ‬ ‫تسع سنوات كاملة َأمضاها الياس َأبو شبكة يتحدّ ث عن ُأولغا ويكتب عن‬ ‫فرتتئذ ‪ -‬بـ ‪‬شاعر غلواء‪.‬‬ ‫ُأولغا حتى بات معرو ًفا ‪-‬‬ ‫ٍ‬ ‫‪226‬‬


‫‪‬غلواء‪‬‬ ‫َأبو شبكة‬ ‫رح َلت ‪...‬‬ ‫َ‬

‫َي ْطلْ ‪َ ،‬أن جيدَ يف ‪‬غلواء‪َ ‬‬ ‫مستندً ا َلظ ٍّن َأو موضوعً ا الجتهاد‪ .‬فهي حيا ُة مجاعة ال‬ ‫وليست حياة‪ .‬هي قصيد ٌة ال تاريخ‪ ...‬الياس َأبو شبكة‪.‬‬ ‫حياة فرد‪ .‬هي احلياة َ‬ ‫ترشين الثاين ‪.1945‬‬ ‫تراه بذلك كان يريض َ‬ ‫حبيبته ليىل َأم ِ احلقيقة؟‬ ‫ُ‬ ‫فتح َ‬ ‫حبها‪ ،‬وحني َأغمضهام‬ ‫فسد عالقته بغلوائه التي َ‬ ‫مهام يكن فهو مل ُي ِ‬ ‫عينيه عىل ِّ‬ ‫يف املستشفى الفرنيس كانتا عىل غلوائه الصامتة الدامعة حدَّ فراشه ا َألبيض‪ .‬بني‬ ‫روحه‪.‬‬ ‫روحه عىل احلب‪ ،‬وعىل يدهيا َأسلم َ‬ ‫فتح َ‬ ‫يدهيا َ‬ ‫وعاشت بعده ‪ 49‬سنة بني آثاره َوأغراضه وذكرياهتا معه‪ ،‬تستقبل الصحافيني‬ ‫ّ‬ ‫تسع‬ ‫والباحثني وا ُألدباء‪ُ ،‬تحَ دّ ثهم عنه‬ ‫خطبها َ‬ ‫وتتذكر ماضيها املغاير مع شاعر جمنون َ‬ ‫وحتى يف زمن الزواج مل تكن َ‬ ‫وتزوجها مخس عرشة‪ّ ،‬‬ ‫زوجته يف بيته بل يف‬ ‫َّ‬ ‫سنوات‬ ‫بيت َأهلها‪ ،‬تنتظ ُره كام تنتظ ُر اخلطيبة وصولَ خطيبها آخ َر النهار‪.‬‬ ‫قبل مخسة َأسابيع (‪ 27‬كانون الثاين ‪ )1996‬كنا نحتفل مع ‪‬املركز الثقايف البلدي‪‬‬ ‫صبح ‪‬متحف الياس‬ ‫يف زوق مكايل بزيارة بيت الياس َأبو شبكة الذي َيتأ َّهل كي ُي َ‬ ‫كرسيها املتح ّرك بادر ْتني فور َرأ ْتني َوأنا َأنحني‬ ‫َأبو شبكة‪ .‬وحني دخ َلت ُأولغا عىل ّ‬ ‫ت عَ هالبيت‪ .‬وينو ُنهاد؟‬ ‫َأبوس جبينها‪ :‬صار يل يا هنري تسعة َوأربعني سنة ما ِف ّ‬ ‫بدّ ي َه ِّن ْيه‪ .‬وكانت تقصد املحامي هناد نوفل رئيس بلدية زوق مكايل الذي بفضله‬ ‫سيتحول بيت َأبو شبكة ِإىل متحف‪.‬‬ ‫عاما‬ ‫وعمله الصامت منذ عرشين ً‬ ‫وبفضل َأناته َ‬ ‫ّ‬ ‫كانت تلك آخر مرة َتخ ُر ُج فيها غلواء من رسيرها الذي تالزمه منذ وقت طويل‪.‬‬ ‫غمضت ُ‪‬أولغا سليم ساروفيم عزيز‪َ ‬‬ ‫صباح َأمس َأ َ‬ ‫عينيها ِإىل ا َألبد تارك ًة‬ ‫َ‬ ‫حبه‬ ‫لنا ‪‬غلواء‪ ‬احلكاية و‪‬غلواء‪ ‬الكتاب‪َ ،‬وم ْط ًلعا َألبو شبكة استهلّ به قصة ّ‬ ‫ا ُألوىل‪:‬‬

‫امس��ه��ا املعطارا‬ ‫غ��ل��واءُ‪ ،‬م��ا أَح�ل�ى َ‬ ‫ش��اع��ر أَن يـُبدعا‬ ‫ال يستطي ُع‬ ‫ٌ‬

‫ص���ب���ي��� ٌة ت��غ��ب��طُ��ه��ا ال����ع����ذارى‬ ‫ق���ص���ي���د ًة أَمج�����ل م�نه��ا مَ��ط��ل��ع��ا‬

‫‪229‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫كبريا كذلك‪.‬‬ ‫ـحملها‪ ،‬وكان ُ‬ ‫شهر كانت فرحة ُأولغا كبرية ِب ْ‬ ‫فرح الشاعر ً‬ ‫بعد َأ ٍ‬ ‫نسميها غلواء‪.‬‬ ‫‪ِ -‬إذا ِإجانا بنت يا ُأولغا بدنا ّ‬

‫ليفيا‪ً ‬‬ ‫خبيثا كان ينتظر ُأولغا يف رمحها اضطرت بسببه َأن ُتجهض‬ ‫عىل َأ ّن ً‬ ‫‪‬ورما ً‬ ‫ً‬ ‫جنينا َذك ًرا يف شهره الرابع َوأن َي ِت َّم استئصال رمحها معه‪ .‬وكانت كبري ًة خيب ُة الشاعر‬ ‫وصادم ًة ظه َرت يف قصيدته الشهرية ‪‬الطرح‪( ‬آخر قصائد َ‪‬أفاعي الفردوس‪:)‬‬

‫ِ‬ ‫���م األ ُم‪ ...‬ل��ع��ن� ٌة أَن���ت منه‬ ‫رح� ُ‬ ‫ِل�مِ‬ ‫ج��ئ� َ‬ ‫�ت يف س ْحنة ُ‬ ‫امل��س��وخ فَ� ْ‬ ‫ك‬ ‫�ت حيب ومل أُطع ْم َ‬ ‫أَأل َين ب��ذلْ� ُ‬ ‫لكن‬ ‫ن يف اهلل ص��ورةَ ا َخللْق‬ ‫ْ‬ ‫ِإ ّ‬

‫يف دم��ايئ كانت ويف أَعراقي‬ ‫ت حُ ًلما مَن��ا عىل أَح��داق��ي؟‬ ‫حطّ ْم َ‬ ‫ِ‬ ‫��ت��ات ال��ب��اق��ي؟‬ ‫م��ن��ه س���وى ال�� ُف‬ ‫أَني يف ا َخل � ْل��ق ص���ورةُ اخل�ل� ّا ِ‬ ‫ق؟‬

‫وانكرست حيا ُة الشاعر عىل اخليبة لكنها مل تنكرس عىل غلواء‪.‬‬ ‫‪...‬‬ ‫َ‬ ‫مقاطع يف ّ‬ ‫املجالت والصحف‪،‬‬ ‫ت عىل نرش ‪‬غلواء‪‬‬ ‫َ‬ ‫سنة ‪ ،1945‬بعد سنوا ٍ‬ ‫بكثري‬ ‫ب وفوجئ َأصدقاؤُ ُه ومتابعوه َبأن َأبيات الكتاب َأقلُّ‬ ‫َأصدرها الشاعر يف كتا ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫من القصائد الكانت منشورة يف الصحف‪ .‬وعن فؤاد حبيش َأ ّن الشاعر َأحرق نصف‬ ‫عروس ‪‬نداء القلب‪‬‬ ‫رضاء ِلـحُ ّـبه العاصف الذي كانت َأمري َته ‪‬ليىل‪‬‬ ‫ُ‬ ‫َأبيات ‪‬غلواء‪ِ ‬إ ً‬ ‫‪‬حرام عيلَّ بعد‬ ‫و‪ِ ‬إىل ا َألبد‪َ ،‬وأنه َأ ْل َـم َح ِإليها يف جوابه عن استفهام فؤاد حبيش‪:‬‬ ‫ٌ‬ ‫حرقت نصف َأبيات غلواء‪.‬‬ ‫اليوم الغزَل بسواها‪ .‬من َأجلها َأ ُ‬ ‫عىل َأن يف هذا بعض ّ‬ ‫طولته‬ ‫التجني عىل احلقيقة‪ .‬فلعلّ الشاعر َأ ْتلف من ُم ّ‬ ‫راضيا‬ ‫كتبها يف مستهلّ صباه َ‬ ‫ونرشها يف مطلع حياته الصحافية ومل ُيعد ً‬ ‫الشعرية َأبيا ًتا َ‬ ‫عنها عندما نضجَ ت ُ‬ ‫موهبته الشعرية‪ .‬وقد يكون َأرىض ضمريه العاشق كذلك َفأتلف‬ ‫َأبيا ًتا من احلب امللتهب مل ُتعدْ ُت ّ‬ ‫حبه العاصف ا َألخري‪.‬‬ ‫ـمثله وهو يعيش مع ليىل َّ‬ ‫حيسم ا َألمر يف مقدّ مة ‪‬غلواء‪ُ :‬ك َتبت غلواء بني ‪ 1926‬و‪1932‬‬ ‫نفسه ُ‬ ‫وها هو ُ‬ ‫وليس فيها من حياة املؤَ ّلف يف مطلع شبابه ِإ ّال شط ٌر ضئيل‪ .‬فهي يف َمـجموعها‬ ‫من صنيع اخليال ال من صنيع الواقع‪ً .‬‬ ‫وعبثا ُيحاول القارئُ‪ ،‬ولو طال الزمن ومهام‬ ‫‪228‬‬


‫في قلبها ‪ِ ...‬إلى َ‬ ‫األبد‬

‫َ‬ ‫ً‬ ‫نت يا ّ‬ ‫َ‬ ‫‪‬أ َ‬ ‫خلقت جماال مثلها‪...‬‬ ‫رب ما‬

‫فصل هلا يف هذا الكتاب‪ ،‬وهي موجود ٌة يف‬ ‫بعض صعوب ٍة ت‬ ‫كان عىل‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ـخصيص ٍ‬ ‫فصل من ُفصوله‪.‬‬ ‫كلّ‬ ‫ٍ‬ ‫كالم عىل َأبو شبكة العاشق من دون التو ُّقف عندها‪ ،‬هي التي كانت ِو َ‬ ‫قفته‬ ‫فال َ‬ ‫ا َألخرية‪َ ،‬وأجرؤُ َفأقول‪ :‬ا ُألوىل ا َألخرية‪.‬‬ ‫ليىل (ونعر ُفها ويعر ُفها ا َألقربون بــ ‪ِ ‬لي ِلي‪ )‬هي اجلوكوندا التي َظلَّ َيرسم‬ ‫ت متتالي ًة حتى َأنجزَها باكتامل احلب‪.‬‬ ‫ُمـخططا ٍ‬ ‫‪231‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫وها ْ‬ ‫املط َلع انكرس صباح َأمس‪ ،‬وساف َرت غلواء تالقي شاعرها بعد نصف قرن‬ ‫ت مل مته ْلها ّ‬ ‫حتى َتحتفل معنا يف مطلع السنة املقبلة بالذكرى اخلمسني‬ ‫من سنوا ٍ‬ ‫ب عنه حتى يف ساعات َغ ـ َز ِلــه بسواها‪:‬‬ ‫لغياب شاعرها الذي مل َت ِغ ْ‬

‫وحق هوى غَلوا أُح ُّس ِ‬ ‫ك يف ديم‬ ‫ِّ‬ ‫جرَت يف ديم وَح ًيا وتجَ رِني يف ديم‬

‫وأ ُ ِ‬ ‫��م م��ا يف غَ� ْل � َو حُ ٌّ‬ ‫ق��س ُ‬ ‫��ب مدمِّر ُ‬ ‫ول��ك � َّن ل� َ‬ ‫��ون ا ُحل� ّ‬ ‫��ب ق��د يتغ َّير ُ‬

‫ضمه قبل ‪ 49‬سنة‬ ‫جواره يف مدفن‬ ‫مستعار َّ‬ ‫وما َأ َ‬ ‫وجع َأن نوارهيا َ‬ ‫ٍ‬ ‫عرص اليوم ِإىل ِ‬ ‫انتظار َأن َ‬ ‫مدفن يليق به‪.‬‬ ‫يكون له‬ ‫يف‬ ‫ٌ‬ ‫ِ‬ ‫باق بشعره معنا‪.‬‬ ‫لكن َ‬ ‫عزاءنا َأنه ٍ‬ ‫ب‬ ‫وبغياب غلوائه‬ ‫َ‬ ‫ب غري ٍ‬ ‫صباح َأمس تنطوي الصفح ُة ا َألخري ُة من حكاية ُح ٍّ‬ ‫َأمجلُ ما فيها َأهنا تليق بغرابة الشعراء‪.‬‬ ‫‪‬النهار‪ - ‬الثالثاء ‪ 5‬آذار ‪1996‬‬

‫‪230‬‬


‫في قلبها ‪...‬‬ ‫ِإلى ا َألبد‬

‫ت هلا من ‪‬نداء القلب‪َ ‬أو ‪ِ ‬إىل ا َألبد‪( ‬وهي قصائدُ ه فيها ومنها‬ ‫‪َ ...‬أو َق ْرأ ُ‬ ‫ب‬ ‫ت حافية‪ :‬ليس َمن ُي ِـح ُّ‬ ‫غيم وهي تسمع‪ ،‬و ُت َت ْم ِت ُم يف قل ِبها بكلام ٍ‬ ‫و ِإليها) كا َنت َت ُ‬ ‫َ‬ ‫بذاك َالو َله كهذا ال َّر ُجل‪!‬‬ ‫ومن ُشرفة بي ِتها‪ ،‬حيث نحن جالسان‪َ ،‬أ ُمدُّ َبصري بعيدً ا ِإىل ُفتحة السامء‬ ‫فوق خليج جونيه ُم ِطلٌّ عليه ُبيتها يف الزوق‪َ ،‬تنهملُ يب عبار ُتها العاشقة ُفأ ْك ِب ُر ما‬ ‫عص َف من ُه َوأ َج َّن َوأ َر ّج‪ْ ،‬‬ ‫فاش َت َعال‬ ‫نون ال َق ْت ُه هي َبأ َ‬ ‫عَ َر َف معها من عَ ْص ٍ‬ ‫ف َر ٍّج يف ُج ٍ‬ ‫قصص نادر ٌة هبذا َالو َل ِه الرائع‬ ‫ب لن تط ِف َئها ا َأليام‪ ،‬و ُتخ ِّلدُ قصائدَ ه فيها‬ ‫يف حال ِة ُح ٍّ‬ ‫ٌ‬ ‫الفريد‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫حب مثله‪ .‬تقو ُلها‬ ‫حديثها ً‬ ‫دائما عنه‪ :‬ال َأعرف ِإن كان يف الرجال من ُي ُّ‬ ‫مرئي له وهلا‪.‬‬ ‫وتغيب عني ِإىل هناك‪ِ ،‬إىل بعي ٍد المر ِئ ٍّي‪ٍّ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫تنطفئ ذكراه يف‬ ‫دائما كان عنها وعن ُه‪ ،‬عن ذاك ا ُحلب العظيم الذي ال‬ ‫حديثنا ً‬ ‫ُ‬ ‫قلبها حتى َينط ِف َئ النور يف عينيها‪.‬‬ ‫مرا ًرا تقول يل‪َ :‬أكون وحدي يف البيت‪َ .‬‬ ‫خييلُ يل َأنني َأسمع‬ ‫فجأ ًة َّ‬ ‫فتح له الباب‪ِ .‬إ ْ‬ ‫قرأ‬ ‫رضب َة‬ ‫ُ‬ ‫هنض َفأ َ‬ ‫جمح يب ُقشعرير ُة َأن َأ َ‬ ‫عصاه عىل الدَّ َرج و َت ُ‬ ‫يا هنري‪ِ .‬إ ْ‬ ‫قرأ يل من ِشعره يب‪ ،‬ودَ عْ ني َأسيح ِإىل تلك اللحظات الغابرات‬ ‫وليست عابرات‪.‬‬ ‫َ‬ ‫‪v‬‬

‫هذه َ‬ ‫شاعر َ‬ ‫عرف كيف َيمنح‪ ،‬كيف َيعيش‪،‬‬ ‫احلقيقي من‬ ‫ب‬ ‫امرأ ٌة عر َفت ا ُحل ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫كيف َي ّ‬ ‫ب احلقيقي‪.‬‬ ‫تلقى نعمة ا ُحل ّ‬ ‫وحدَ ه َج ُرؤَ يف ُح ّبه؟‬ ‫واجهت ُكلَّ ما ُوكلَّ َمن‪َ .‬ح َّص ْنتها ُق ّوة ا ُحلب احلقيقي‪.‬‬ ‫ال‪ .‬هي َأ ًيضا‪َ .‬‬ ‫ووس َعت ُ‬ ‫عيون اآلخرين من َأولياء وحراس‪،‬‬ ‫اشتدّ عليها احلصار‬ ‫َ‬ ‫السور ِ‬ ‫وارتفع ُّ‬ ‫ترتاجع عن عه ِدها كام َص َّو َر ُه باسمها‪:‬‬ ‫ومل َ‬ ‫‪233‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫وتصاميم حتى بلغ‬ ‫ت‬ ‫ِإحدى عرش َة سن ًة ظلّ ليونار دوﭬـِنتيش يزاول خمططا ٍ‬ ‫َ‬ ‫هناءته بالـ ‪‬موناليزا‪.‬‬ ‫َ‬ ‫هوى ومن ّقص ٍة ِإىل ّقص ٍة ومن‬ ‫هوى ِإىل ً‬ ‫ت طويل ًة ظلَّ َأبو شبكة َي ُعب ُر من ً‬ ‫وسنوا ٍ‬ ‫امرأ ٍة ِإىل َ‬ ‫عَ الق ٍة ِإىل عَ الق ٍة ومن مغامر ٍة ِإىل مغامر ٍة ومن َ‬ ‫امرأ ٍة‪ ...‬حتى وصلَ ِإىل‬ ‫َ‬ ‫ومعها وفيها‪.‬‬ ‫احلب َ‬ ‫‪‬امرأة‪ ‬حياته التي َ‬ ‫اكتمل هبا ّ‬ ‫‪ ...‬حتى وصلَ ِإىل ليىل‪.‬‬ ‫عجب َأن يقول رفا ُق ُه َوأصدقاؤه ا َألقربون ِإنه‪ِ ،‬إذ وجدها‪ ،‬اندفع يف دُ روب‬ ‫وال‬ ‫َ‬ ‫غري عابئ ِبرقي ٍ َ‬ ‫زوج وال بعائل ٍة وال‬ ‫وعي وال ُمراعا ٍة‪َ ،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ُح ّبه بال ٍ‬ ‫ب أو عَ ذول‪ ،‬وال ِب ٍ‬ ‫مبجتمع رماه بالـ ‪‬تابو‪ ‬يف ّقصته مع ليىل‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫اهتم وال باىل‪.‬‬ ‫وما ّ‬ ‫مجيعا‪:‬‬ ‫جه َر يف وجههم ً‬ ‫َ‬

‫���ب س���وى م��ط�هرٍ أَف�ض�ى ِإىل ه���ذا ال�نَّ��ع�يم ِ‬ ‫مل ي��ك��ن‬ ‫م���ايض يف ا ُحل� ّ‬ ‫َّ‬ ‫(‪‬هذه مخري‪ ‬من ‪‬نداء القلب‪)‬‬

‫وكان معه حق‪.‬‬ ‫يوم ِه ا َألخري‪.‬‬ ‫عيم ُه ُكلّ ثاني ٍة من ُكلّ دقيق ٍة من ُكلّ يوم ٍ حتى ِ‬ ‫وعاش َن َ‬ ‫تعيش ُح َّـبهام ‪ِ ‬إىل ا َألبد‪.‬‬ ‫ت ُحضو َره ناذر ًة َأن تظلَّ‬ ‫وبعد غيابه َأكم َل ْ‬ ‫ُ‬ ‫وشعاع َ‬ ‫عينيها ورجف ِة صوهتا حني َت ْذ ُك ُر ُه َأو َتت َذ َّك ُره‪ ،‬وال‬ ‫ونب ِضها‬ ‫بقي يف با ِلها ْ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫يوما ِإال وكان هو ثالثنا‪.‬‬ ‫َأذكر َأنني ُزر ُتها ً‬ ‫‪v‬‬

‫َ‬ ‫ت هلا من ُه ‪...‬‬ ‫ت ِإ‬ ‫ت ‪َ -‬وردَّ دْ ُ‬ ‫ليها ‪ -‬وكم َج ْلس ُ‬ ‫ك ّلام َج َل ْس ُ‬

‫�ت جمَ ��ا ًال‬ ‫رب م��ا َخ��ل� ْق� َ‬ ‫أَن� َ‬ ‫��ت اي ِّ‬ ‫نـساـء‬ ‫رب م��ا َخل ْق َ‬ ‫أَن� َ‬ ‫��ت اي ِّ‬ ‫ت ً‬ ‫‪232‬‬

‫ِم��ث�لَ��ه��ا يف امل�لا ِ‬ ‫ِئ��ك األ َن��ق��ي� ِ�اء‬ ‫�ل ليىل نـَــــــــق َّي َة األ َح��ش� ِ�اء‬ ‫م��ث� َ‬ ‫(‪‬صالة‪ ‬يف مطلع ‪ِ ‬إىل ا َألبد‪)‬‬


‫في قلبها ‪...‬‬ ‫ِإلى ا َألبد‬

‫ً َ‬ ‫عاشقة أيام شاعرها‪...‬‬ ‫ليىل‬

‫ً‬ ‫وحزينة بعد شهرين عىل غيابه‬ ‫‪...‬‬

‫ُ َ‬ ‫رؤية َأعماقي‪َ .‬‬ ‫التي كانت َت ُ‬ ‫حجب عني ْ‬ ‫وضوح‬ ‫صرت أرى يف‬ ‫بعدها‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ َ‬ ‫َ‬ ‫تعذ ُ‬ ‫تعذ ُ‬ ‫َّ‬ ‫بت ً‬ ‫كثريا‪ ،‬وتأ َّك ْد أنني‪ ،‬منذ‬ ‫بت‪،‬‬ ‫كل ما يف ُعمق ذايت ألنني‬ ‫حسني َأستطيع االحتفاظ َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫صرت ُأ ُّ‬ ‫بك يل َوحدي‪َ ،‬وحدي‪،‬‬ ‫غيابك‪،‬‬ ‫َوحدي‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫حيا فيها َت ْذ ُك ُره َ‬ ‫وتتذ َّك ُر ُه هبذا الوفاءِ َعقدَ ْت ُه‬ ‫َأ ُّي كالم ٍ بعد كالمها‪ ،‬هي ا ْلـ ما زال ً‬ ‫ياه َ‬ ‫ذاك النهار احلزين؟‬ ‫له منذ َوداعها ِإ ُ‬ ‫ت القهر وا َألمل‪:‬‬ ‫سرتجع معها مشهدً ا من ذاك النهار وما َ‬ ‫صع َقها فيه من حلظا ِ‬ ‫َأ ِ‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬ ‫هوج ينهم ُر بقسوة‪َ ،‬‬ ‫عاصف ُيز ّنر‬ ‫واء‬ ‫– الثلثاء ‪ 28‬كانون الثاين ‪ :1947‬مط ٌر َأ ُ‬ ‫وه ٌ‬ ‫بيوت الزوق َوأز َّقتها‪.‬‬ ‫‪235‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫القلب‬ ‫ن تحَ ْ��ر ُ َم‬ ‫وسع ال ُّسجون أ َ ْ‬ ‫َ‬ ‫أَب ِ ْ‬ ‫ت سـَـــــــــــأـَحيا‬ ‫اي حبييب‪ ،‬كما حَ ِي ْي ُ‬ ‫كلمّــاـ غـَــــرَّق ال �ظَّ�لا ُم عيوين‬ ‫ُ‬

‫ب التـَّــــذــكـاـرا؟‬ ‫رُؤَ ُاه‪ ،‬وت ـَ ْح ُج َ‬ ‫ك ْاستِ ْمــرارا‬ ‫ِإ َّ‬ ‫ن يب ِم��ن نَعميِ َ‬ ‫���ب يف ديم أَن���وارا‬ ‫أَطْ���لَ��� َع ا ُحل ُّ‬ ‫(‪‬العام الثالث‪ ،‬خامتة ‪ِ ‬إىل ا َألبد‪)‬‬

‫وكان هو عىل مستوى ِإمياهنا به‪ .‬ها هو ُ‬ ‫ب ِإليها يف رسال ٍة بالفرنسية‬ ‫يكت ُ‬ ‫النقي الذي َي ُـمدُّ ين َبأمل‬ ‫(السبت ‪ 18‬نيسان ‪ :)1942‬حبيبتي‪َ ،‬أهيا اجلاملُ‬ ‫البهي ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫احلياة (‪ُ )...‬أ ُ‬ ‫ت مني شاع ًرا حنو ًنا‪،‬‬ ‫بارك ِك‪َ ،‬أنا الشاع ُر ذو الرؤى اجلهنمية‪ ،‬جع ْل ِ‬ ‫صافيا‪ ،‬هاد ًئا‪....‬‬ ‫ً‬ ‫فكتبت ِإليه يف رسال ٍة بالفرنسية ِإ ّبان زمن‬ ‫ومل تكن هي يف ُولوعها َأقلَّ و ًهلا‪َ ،‬‬ ‫اللقاءات الصعبة‪َ :‬أ َأطمع َأن َأراك ًآتيا ِإ َّيل كام يف املايض؟ (‪َ .)...‬أ ِعدْ عىل‬ ‫دوما‪َ :‬أ ُعبدُ ِك‪ُ ،‬‬ ‫ب َأقوى‪:‬‬ ‫سمعي ما ُق َ‬ ‫لت يل وتقول يل ً‬ ‫َم َ‬ ‫وليكن هذه ا َمل َّرة ِبـحُ ٍّ‬ ‫كنت اآلن َحدّ ي‪ .‬حني تغادرين يكويني ا َألمل ُفأ ِّمجد شك َل َك َوأ َ‬ ‫َ‪‬أ ُعبدُ ِك‪َ !‬‬ ‫محلك‬ ‫ليتك َ‬ ‫نت واحدٌ وحيدٌ يف هذا العامل‪....‬‬ ‫معي ِإىل عزلتي‪َ .‬أنت يف ذايت َو َحويل َوأ َ‬ ‫‪v‬‬

‫ُ‬ ‫يف ِإحدى ِجلسايت معها َأر ْتني صفح ًة من ُم ّ‬ ‫تكشفها للمرة‬ ‫ذكراهتا بالفرنسية‬ ‫ا ُألوىل بعد ‪ 34‬سنة عىل غيابه‪.‬‬ ‫خاطر ٌة َك َت َب ْتها ليلة ‪ 1954/1/26‬عشية ذكراه السابعة‪.‬‬ ‫هنا ُ‬ ‫ترمجتها احلرفية‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫‪‬الياس يا حبيبي‪ِ :‬إ ّن َ‬ ‫مطارح‬ ‫اليوم‬ ‫تفصلهما‬ ‫روحينا اللتين‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫تتالمسان َوتتواصالن يف رغب ٍة واحدة‪:‬‬ ‫مستحيلة‪،‬‬ ‫وجسور‬ ‫المنظورة‬ ‫َ‬ ‫األخري‪ .‬ويف المدى الالمحسوس‪َ ،‬أ َ‬ ‫ُ‬ ‫بعد‬ ‫الوفاء حتى يف القرب بعد الغياب‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫من ّ‬ ‫ً‬ ‫كل زمان‪ ،‬تتالقى أ ُ‬ ‫روحانيا‬ ‫لتخت َم بالدم ميثاقا‬ ‫حالمنا من جدي ٍد‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫غياب َك َ‬ ‫َ‬ ‫الداخلية التي َف َّج َرها ُ‬ ‫ً‬ ‫الغيوم‬ ‫ت‬ ‫العاصفة‬ ‫دائما بيننا‪ِ .‬إن‬ ‫نزع ِ‬

‫‪234‬‬


‫في قلبها ‪...‬‬ ‫ِإلى ا َألبد‬

‫من قصائده إليها يف ‪‬نداء القلب‪...‬‬

‫َ‬ ‫‪ ...‬ويف ‪ِ ‬إىل األبد‪‬‬

‫‪237‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫العام رجالٌ وامجون يتحدَّ ون املطر واهلواء و ُيكملون املسري يف‬ ‫– عىل الطريق ّ‬ ‫اجلنازة‪ :‬الزُّوق ُتودِّ ع شاعرها‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫ورفاق له كم رافقوه عىل دروب الزوق ودروب‬ ‫– بني السائرين ُأدباء وشعراء‬ ‫وخيطفه من بينهم ً‬ ‫َ‬ ‫حياته قبل َأن ّ‬ ‫غص َة الغياب‪.‬‬ ‫املرض الرشس‬ ‫يتمكن منه‬ ‫تاركا فيهم ّ‬ ‫ُ‬ ‫– بني الباكيات يف البيت‪ :‬غلواء‪ ‬التي فتح َ‬ ‫وجهها‬ ‫عينيه يف‬ ‫ّ‬ ‫احلب عىل ِ‬ ‫َوأ َ‬ ‫‪‬ص ّلي يل يا ُأولغا‪‬‬ ‫وجهها‪ ،‬وهو َيقول هلا‪َ :‬‬ ‫غمضهام يف املستشفى الفرنيس عىل ِ‬ ‫ُ‬ ‫فتبدأ ُأولغا ُتص ِّلي وينتهي هو ِإىل غيبوبته ا َألخرية‪.‬‬ ‫ت حارقة‪ ،‬عند تل ٍة ُت ُ‬ ‫رشف عىل كنيسة‬ ‫– بني َأشجار اللوز‪ ،‬عىل ُب ْع ِد َدمعا ٍ‬ ‫صبي ٌة واقف ٌة حتت املطر ُتراقب املشهدَ‬ ‫سيد ٌة َّ‬ ‫سيدة املعونات حيث الصال ُة عىل اجلثامن‪ّ :‬‬ ‫ّ‬ ‫عينني ّ‬ ‫من َبعي ٍد ِب َ‬ ‫يقرتب منها رجلٌ ختيار‪ ،‬يبكي هو اآلخر‪:‬‬ ‫دمع كثري‪.‬‬ ‫غشامها ٌ‬ ‫ُ‬ ‫البقية يف حياتك‪ .‬بعد اليوم لن َأمحلَ رسائ َله ِإلي ِك‬ ‫َ‬ ‫‪‬العوض بسالم ِتك يا بنتي‪ّ .‬‬ ‫الطقس باردٌ جدً ا‪.‬‬ ‫ت َلي َلى‪.‬‬ ‫وال رسا ِئ َل ِك ِإليه‪َ .‬أهلل يرمحه‪ .‬ارجعي ِإىل البيت يا ِس ّ‬ ‫ُ‬ ‫وثيا ُب ِك َب َّل َلها املطر‪ .‬ال َت ِقفي هكذا يف هذا البستان البارد‪َ .‬أهلل يرمحه‪ .‬ارجعي يا‬ ‫بنتي‪ .‬ارجعي ِإىل البيت‪....‬‬ ‫‪v‬‬

‫عاما‪.‬‬ ‫ذلك كان قبل ‪ً 34‬‬ ‫َّ‬ ‫نتذك ُره اليوم كام َ‬ ‫ينض ُح يف وجداننا الوفاء‪.‬‬ ‫وحس ُبنا يف التذكار َأن نبقى َأوفياء عىل الذكريات َف ُ‬ ‫عمقه يف صمت‬ ‫ندخلَ ِإىل ِ‬ ‫ْ‬ ‫عينيها صور َته‪ ،‬وما زالت ‪‬لياله‪ُ ‬م ْ‬ ‫الصالة‪ ،‬هو ا ْل ـ ما زالت ‪‬غلواؤُ ُه‪ ‬حتملُ يف َ‬ ‫رته ِب َن ًة‬ ‫س َق َط َع ْت ُه له عند تلك ِالوقفة احلزينة يف‬ ‫يف هيكله ناذر ًة حيا َتها َّللتذكار و ِلعه ٍد مقدَّ ٍ‬ ‫بستان اللوز حتت ذاك املطر احلزين‪.‬‬ ‫‪‬النهار العريب والدويل‪ ‬العدد ‪ 2 - 196‬شباط ‪1981‬‬

‫‪236‬‬


‫ّ‬ ‫من الياس ِإىل ليىل بخطه‪:‬‬ ‫قصيدة بالفرنسية كتبها عىل دفعتين‪:‬‬ ‫صيف ‪ 1943‬وصيف ‪1945‬‬

‫‪239‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫‪238‬‬


‫تيم َت ِ‬ ‫ان‬ ‫َ‬ ‫الي َ‬ ‫الباقيتان‬ ‫َ‬

‫من الياس ِإىل َل ُ‬ ‫ياله‪:‬‬ ‫ْ‬ ‫شاعرا َح ً‬ ‫ً‬ ‫نونا‬ ‫َج َعل ِتني‬ ‫السبت‪ 18 ،‬نيسان ‪1942‬‬

‫صديقتي الغالية‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ ُ َ‬ ‫سأله ً‬ ‫ِ‬ ‫يوما‪:‬‬ ‫صدقاء الكاتب العريب الشهري ابن المقفع‬ ‫حد أ‬ ‫أ‬ ‫َ‬ ‫ناقة العبارة َوألوانُ‬ ‫دق الكالم َوأ ُ‬ ‫نت َمن له ص ُ‬ ‫‪‬لماذا ال تقول الشعر‪ ،‬وأ َ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫نادرة المثال؟‪َ ،‬فأجاب‪َّ :‬‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬ ‫‪‬كلما َه َم ْم ُ‬ ‫ت‬ ‫وثروة من األفكار‬ ‫الخيال‬ ‫َّ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ازدحمت يف صدري األفكار فتوقف ُ‬ ‫َ‬ ‫ت عاجزا عن تـخ ُّير‬ ‫ِب َقول الشعر‬ ‫َأ َ‬ ‫حسنها‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ك عن حبي‪،‬‬ ‫عزمت عىل‬ ‫هذه حايل يا ولدي‪ :‬كلما‬ ‫مخاطبت ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ َ ُ‬ ‫الصمت‪ .‬ومل َّيت ْ‬ ‫ْ‬ ‫فق يل أن‬ ‫لون يف مشاعري فأ ْك َر ُه عىل‬ ‫اختلط ألف ٍ‬ ‫ً‬ ‫َأعكس ولو ُش ً‬ ‫عاعا‬ ‫واحدا من المشاهد الجميلة التي يرسمها يف نفسي‬ ‫ُ‬ ‫ك ُ‬ ‫وح ُ‬ ‫وس ُ‬ ‫وح ُّبكِ‪.‬‬ ‫لم ِ‬ ‫جمال ِ‬ ‫حركِ ِ‬ ‫ك ِ‬ ‫ََ‬ ‫ُ َ َ َ‬ ‫ُ‬ ‫ستطيع أن أقوله اآلن؟‬ ‫عجزت عن قوله قبل هنيه ٍة أأ‬ ‫وما‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ما ُ‬ ‫مغمورا بهذه َّ‬ ‫ً‬ ‫السكر ِة التي ذقتها بين ذراعيكِ‪ ،‬بهذا الرحيق‬ ‫زلت‬ ‫ُ‬ ‫ُ َ‬ ‫الذي َ‬ ‫ك‬ ‫سك َب ْت ُه يل عيناكِ ‪ ،‬بهذا االنخطاف الذي ُيغرقني فيه لون بش َرت ِ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُّ‬ ‫ك الجميلتين كلما‬ ‫الينبوع‬ ‫الزنبقي َيسقيه‬ ‫سقس ُق من عيني ِ‬ ‫العذب ال ُـم ِ‬ ‫َأ ُ‬ ‫جدين ِإىل جانبكِ‪.‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ك وبين هذه المخلوقات َت ُ‬ ‫ُ‬ ‫حوم حولنا‪،‬‬ ‫أواه! كلما‬ ‫قارنت بين ِ‬ ‫ً ّ َُ ّ‬ ‫ً‬ ‫ْ‬ ‫حقرية حتى ألشك يف ُوجودِها‪.‬‬ ‫صغرية‪...‬‬ ‫وجد ُتها‬

‫ُأ ُ‬ ‫بارككِ!‬

‫َ ُّ َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫ـمدين بأ َمل الحياة!‬ ‫النقي الذي ي‬ ‫البهي‬ ‫الجمال‬ ‫أ ُّيها‬ ‫َ‬ ‫مرات َأ َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫عاد ِإ َّيل ُح َّ‬ ‫َ‬ ‫ب َع ْي َلتي‪:‬‬ ‫سبع‬ ‫الجميل‬ ‫الجمال‬ ‫أ ُّيها‬ ‫ٍ‬

‫‪241‬‬


‫ان الباق َيتان‬ ‫تيم َت ِ‬ ‫ال َي َ‬

‫ُ‬ ‫(عروس‬ ‫وصديقته ليىل‬ ‫ست ُم َك ّثفة (‪ )1946 - 1940‬تبادَ لَ الشاع ُر‬ ‫ت ٍّ‬ ‫طيلة سنوا ٍ‬ ‫ُ‬ ‫‪‬نداء القلب‪ ‬و‪ِ ‬إىل ا َألبد‪ )‬رسائلَ كثري ًة يف الفرنسية َأل ّن ليىل كانت ُت ْت ِق ُنها َأكث َر من‬ ‫لكن املرض اشتدَّ‬ ‫تعريب‬ ‫العربية‪ .‬وكان ينوي‬ ‫صوصا‪ّ ،‬‬ ‫مقاطع كثري ٍة منها‪ِ ،‬شع ًرا َأو ُن ً‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫عليه وح َر َمه تلك الرغب َة الرومنطيقية‪.‬‬ ‫طريح َأيامه ا َألخرية يف املستشفى الفرنيس (كانون الثاين ‪َ ،)1947‬أوعز‬ ‫حني كان َ‬ ‫خزانته يف البيت ْ‬ ‫ويأ َ‬ ‫يفتح َ‬ ‫خذ منها رسائلَ ليىل‬ ‫ِإىل صديقه ا َألقرب حبيب عَ ودة َأن َ‬ ‫ِإليه ويعطيها ِإياها َصو ًنا ِلسمعة صاحبة الرسائل‪.‬‬ ‫ت معها رسائ ُلها ِإليه َ‬ ‫حفظ ْتها مع رسائله ِإليها حتى ِإذا تو ِّف َي صباح ‪ 27‬كانون‬ ‫بقي ْ‬ ‫َ‬ ‫الثاين َأ َ‬ ‫مجيعها‪.‬‬ ‫ري‪ ،‬بعد بضعة َأ ّيام‪ ،‬عىل ِإحراقها ِ‬ ‫رغ َمها اضطرا ٌر عائيلٌّ َق ْس ّ‬ ‫وحنيَ دُ ِع َي الشيخ فؤاد حبيش ِإىل تنسيق َأوراق الشاعر بعد وفاته‪َ ،‬و َجدَ يف‬ ‫زاوي ٍة عميق ٍة من َ‬ ‫َ‬ ‫تلك اخلزانة َ‬ ‫مربوطتني برشيط ٍة وردية‪.‬‬ ‫باقي َتني‬ ‫رسالتني َ‬ ‫َ‬ ‫الرسالتني ُمع َّر َب َتني عن الفرنسية‪:‬‬ ‫نص‬ ‫هنا ُّ‬

‫‪240‬‬


‫تيم َت ِ‬ ‫ان‬ ‫َ‬ ‫الي َ‬ ‫الباقيتان‬ ‫َ‬

‫شاع ِرها‪:‬‬ ‫من ليىل ِإىل ِ‬ ‫َ ْ َ َّ ْ َ َ‬ ‫امرأ ٌة َق ْبيل كما ُأ ُّ‬ ‫حب َك؟‬ ‫هل أحبتك‬

‫َ َ‬ ‫صديقي األغىل‪:‬‬ ‫َ ْ‬ ‫بعد َبأ ْن َأ َ‬ ‫طمع ُ‬ ‫راك ً‬ ‫َأ َأ ُ‬ ‫كنت تأتيني؟‬ ‫آتيا نحوي كما‬ ‫َ َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ِّ‬ ‫يخف َ‬ ‫ُ‬ ‫األ ُ‬ ‫انتظاري ال ُـم ِم َّ‬ ‫ض‬ ‫ف‬ ‫ستطيع أن‬ ‫التائه لن َي‬ ‫مل‬ ‫هذا‬ ‫ْ‬ ‫َْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫وق َع َق َدميكَ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ُّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ووق ُع األقدام حويل مل َيعد َيهزين لعلمي أنه ليس‬ ‫الق ِلق‪.‬‬ ‫ً‬ ‫َأ َ‬ ‫نت‪ ،‬يا َمن ْائ َت َم ْن ُت ُه عىل ِس ِّر نفسي كامال‪.‬‬ ‫َأ ُ‬ ‫تكون يف بريوت هذا المساء؟ ال ُأ ُ‬ ‫ريد َأن ُأ َ‬ ‫زعج َك ُ‬ ‫بسؤايل‬ ‫ب َأن ُأراف َق َك بف ْكري َفأ ّ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫راحت َك‪ُ ،‬أ ِح ُّ‬ ‫ً‬ ‫تعويضا عن‬ ‫تعزى‬ ‫توفريا‬ ‫لكنني‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ ُ‬ ‫سألكَ‬ ‫َ‬ ‫حبنا بفضل هذا َّ‬ ‫صبر‪ .‬كم اغتنى ُّ‬ ‫الصرب‪ .‬و ِإذ أ‬ ‫حضورك وأ ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫صغاء إىل صوتكَ‬ ‫َ‬ ‫ِّ‬ ‫تحدثني براح ٍة عن شجو ِنك فألين ال أ ُّ‬ ‫مل ِاإل‬ ‫أن‬ ‫ِ‬ ‫َ ِ‬ ‫َ ُ‬ ‫حفظ ُه ً‬ ‫دوما عىل مسمعي ما َ‬ ‫خبزا ِإلشباع ُبعادِنا ال ُـم ّر‪َ .‬أ ِع ْد ً‬ ‫قلت يل‪:‬‬ ‫أ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫عب ُدكِ ‪ ،‬وقلها يل هذه المرة ب ُـح ٍّ‬ ‫ب أشد‪ :‬أ ُ‬ ‫‪‬أ ُ‬ ‫عب ُدكِ ‪!‬‬ ‫ِ‬ ‫َ َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫عنك‪ ،‬أحتفظ‬ ‫الهنيهة التي أنفصل فيها‬ ‫ليتك َح ِّدي اآلن!‬ ‫َ‬ ‫َ َ ُّ‬ ‫َ‬ ‫تعل ًقا َ‬ ‫ولحظة َأ َ‬ ‫األ َلـم ُفأ ِّ‬ ‫ُ‬ ‫جم ُد‬ ‫تغادرين‪ ،‬يكويني‬ ‫راك‬ ‫بك‪.‬‬ ‫بها ألزداد‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َش َ‬ ‫وواحد َأحدٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫كل َك وأحملك معي ِإىل عزلتي‪ .‬أنت يف ذايت‪ ،‬وحويل‪،‬‬ ‫يف هذا العامل‪.‬‬ ‫ُ َ َ َ‬ ‫ََ‬ ‫َ َ‬ ‫سأ َل َك ِإ ْن َأ َّ‬ ‫حب ْت َك امرأ ٌة ق ْبيل‬ ‫الياس‪ ،‬يا حبيبي‪ ،‬أأستطيع أن أ‬ ‫ُ ّ َ‬ ‫َ‬ ‫َ ُّ‬ ‫استطاعت‪ ،‬بعد ِس ّ‬ ‫َ‬ ‫كما ُأ ُّ‬ ‫ب‪ ،‬أن ُت ْبقي‬ ‫سنوات ح‬ ‫ت‬ ‫حب َك؟ أي امرأ ٍة‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫َ َ َ‬ ‫قان صو ِتك َ‬ ‫يومنا األ َّول؟ بىل‪:‬‬ ‫فيها‬ ‫وحك األ َّو ِل يل يف ِ‬ ‫ذات َب ِ‬ ‫شعور خف ِ‬ ‫ّ‬ ‫َ َ ُّ‬ ‫ُ‬ ‫دام َف ُمكَ‬ ‫يتكلم‪ .‬إنه حديثٌ‬ ‫باق يب ما َ‬ ‫ِ‬ ‫تأثري بتلك اللحظة األوىل ٍ‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫خافت يبقى َتر ُّد ُد ُه ِإىل األبد‪.‬‬ ‫بصوت‬ ‫حميم‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫بع ُ‬ ‫فهل ُي َ‬ ‫ث هذا األمس؟ هل َيعود؟‬ ‫َ ُ‬ ‫َأيكون لنا َب ُ‬ ‫عد َأن َنبكي ّ‬ ‫ونضحك أخرى؟‬ ‫مر ًة‬ ‫‪243‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ُّ‬ ‫حنونا‪،‬‬ ‫شاعرا‬ ‫ت مني‬ ‫الشاعر‬ ‫أنا‬ ‫الجهنمي الرؤى‪ ،‬جعل ِ‬ ‫ً‬ ‫مرات َم ٌ‬ ‫ً‬ ‫هادئا‪َ .‬فأنا َمدين لكِ‪َ ،‬‬ ‫دين لكِ‪.‬‬ ‫سبع‬ ‫صافيا‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫‪‬ح ّ‬ ‫وكلمة ُ‬ ‫رات مجهولة‪ ،‬تعني‪ ،‬يف‬ ‫ب‪ ،‬المنطوية عىل َس َك ٍ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫معنى آخر‪.‬‬ ‫يناف ُس ُه‬ ‫شفاهنا‪،‬‬ ‫قلب ْينا وعىل‬ ‫ِ‬ ‫معنى ال ِ‬ ‫ٌ ّ‬ ‫ُ َ‬ ‫ُ‬ ‫تغني فيها ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫لغات األرض‪.‬‬ ‫تجهلها‬ ‫لغة‬ ‫مخطوطة شعرية‬ ‫ِإنه‬ ‫ِإىل ٍ‬ ‫لقاء قريب‪.‬‬ ‫شاعركِ الذي ُّ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫يحب ِ‬ ‫الياس‬

‫‪242‬‬


‫‪‬نداء القلب‪َ ‬يغيب ‪ِ ‬إلى َ‬ ‫األبد‪‬‬ ‫‬ ‫ُ‬

‫جتمعنا‬ ‫ت يف صالوهنا الفسيح َأو عىل ُشرفة بيتها ال ُـمطلّ‬ ‫كانت ُ‬ ‫مساء كلّ سب ٍ‬ ‫َ‬ ‫يف زوق مكايل عىل خليج جونيه‪ ،‬فنتح ّلق حوهلا‪ُ ،‬أدباء ُ‬ ‫وشعراء َوأصدقاء‪ّ ،‬‬ ‫حتى ِإذا‬ ‫قرأ لنا من شعره‪َ .‬فأروح َأ ُ‬ ‫اكتملت احللق ُة باد َرت‪ :‬هنري‪ِ ،‬إ ْ‬ ‫قرأ هلا من قصائد ‪‬نداء‬ ‫القلب‪ ‬و‪ِ ‬إىل ا َألبد‪ ‬لشاعرها الياس َأبو شبكة الذي كتبها فيها‪.‬‬ ‫َأ ُ‬ ‫قرأ من قوله هلا‪:‬‬

‫����وت‪ِ ،‬إ ّال هـَ���واان‬ ‫يح مي�‬ ‫ُّ‬ ‫ُ‬ ‫لك ٍّ‬ ‫حن��ن وال��ن��اس‪ :‬مَن�ل�أُ األ َرض حُ ًـبا‬ ‫َوأ ُ‬ ‫قرأ من قوله فيها‪:‬‬

‫الصدق يف اهلوى‬ ‫أَق��ول لقليب ِإهن��ا‬ ‫ُ‬ ‫واي شعراءَ األ َرض ما أَص��دق النَّدى‬ ‫َوأ ُ‬ ‫قرأ من قوله عنها‪:‬‬

‫�ت مج��ا ًال‬ ‫رب م��ا َخ��ل� ْق� َ‬ ‫أَن� َ‬ ‫��ت اي ّ‬ ‫نساء‬ ‫رب م��ا َخ��ل� ْق� َ‬ ‫أَن� َ‬ ‫��ت اي ّ‬ ‫�ت ً‬

‫��ب س��واان؟‬ ‫أَعَ�ل�ى األ َرض م��ن يحُ � ُّ‬ ‫�������م‪ ...‬يـَ���م�ـ�ـ�ـلأُونهَ���ا ن�ي�راان‬ ‫وه ـُ‬ ‫ُ‬ ‫(‪ِ ‬إىل ا َألبد‪)‬‬

‫ق‬ ‫ـب‬ ‫َ‬ ‫لغريك ما َخ َف ْ‬ ‫ويف قلهبا حـُ ٌّ‬ ‫ِإذا ابتمسَت ليىل وما أ َ‬ ‫ق‬ ‫كذب ال َورَ ْ‬ ‫َ‬ ‫(‪‬نداء القلب‪)‬‬

‫ِ‬ ‫َن��ق��ي��اء‬ ‫م��ث�لَ��ه��ا يف امل�لائ��ك األ‬ ‫ِ‬ ‫َح��ش��اء‬ ‫�ل ل َ���ي�َل�ىَ ‪ ...‬ن��ق��ي� َة األ‬ ‫م��ث� َ‬ ‫(‪ِ ‬إىل ا َألبد‪)‬‬

‫‪245‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ظل يف عينيها وقلبها وأحاديثها حتى أيامها األخرية‬

‫كنا!‬

‫ًّ َ َ َ ُ َ‬ ‫َ ً‬ ‫َ‬ ‫وص َم َ‬ ‫لآلخر َ‬ ‫ت َح َر ًدا! كم أطفاال‬ ‫حدنا ظهره‬ ‫كم مرة أدار أ‬

‫َ ُ‬ ‫َ ّ‬ ‫عوض َ‬ ‫لك عن ّ‬ ‫تمنى َأن ُأ ِّ‬ ‫مس َك ِب ُج ْم ِع‬ ‫أ‬ ‫كل ما مضى‪ ،‬وأن أ ِ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫الساعات المسرعة التي‪ ،‬لألسف‪ ،‬تسابق َفرحي‪.‬‬ ‫َك َّف َّي‬ ‫ِ‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫مدل َلة َ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ذات طفول ٍة مرير ٍة‬ ‫طفلة‬ ‫كنت فيه‬ ‫ماضيا‬ ‫غفر يل‬ ‫ِإ ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫فضلك فه ُ‬ ‫مت الحياة ْفه ًما‬ ‫غريب ٍة عن المرأة التي صرتها اليوم‪ .‬ف ِب ِ‬ ‫ِ‬ ‫ََُْ ّ‬ ‫ُ َ ّ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫لوالك ما بلغتها ِإال‬ ‫بل ُغ ِإال بالفن‪،‬‬ ‫وارتقيت ِإىل حقيق ٍة ال ت‬ ‫عميقا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بصعوب ٍة كل ّية‪.‬‬ ‫مع َج َب ٌة َ‬ ‫َأنا ْ‬ ‫بك‬ ‫ُوأ ُّ‬ ‫حب َك(((‪.‬‬

‫لكنها تعود ترجيحً ا ِإىل ‪ 1946‬بدليل عبارة َ‪‬أ ُّي َ‬ ‫‪ )1‬هذه الرسالة بدون تاريخ‪ّ ،‬‬ ‫ب‪،...،‬‬ ‫امرأ ٍة استطاعَ ت‪ ،‬بعد ِس ّ‬ ‫ت سنوات ُح ّ‬ ‫َ‬ ‫والشاعر َ‬ ‫تاحا‬ ‫وواضح من ُحرقتها أهنا مكتوب ٌة يف الفرتة الصعبة ‪ -‬ا َألخرية بينهام ‪ -‬حني مل َي ُعدْ ُم ً‬ ‫عرف ليىل سنة ‪.1940‬‬ ‫ٌ‬ ‫لقاؤُ مها كام من َق ْبل‪.‬‬

‫‪244‬‬


‫‪ ‬نداء القلب ‪‬‬ ‫ُ‬ ‫َيغيب ‪ِ  ‬إلى‬ ‫ا َألبد‪‬‬

‫وشعره فيها‬ ‫(الست ‪ِ ‬لــي ِلــي‪ ‬كام نعرفها) الوفي ُة عىل حجم وفائه هلا‬ ‫هذه الـ‪‬ليىل‪ّ ‬‬ ‫ِ‬ ‫الناضح بالوفاء‪ّ ،‬غناها الياس َأبو شبكة َبأنقى ما ُ‬ ‫يكون الشعر عن َأنقى ما يكون احلب‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫الحظ ُه توفيق يوسف عواد يوم زارها صيف ‪( 1950‬بعد ثالثة‬ ‫الوفاء النادر‬ ‫هذا ُ‬ ‫َأعوام ونصف العام عىل غياب َأبو شبكة) ِإذ وجدها ال تزال البس ًة عليه احلداد َ‬ ‫فكتب‬ ‫‪‬ذات الوشاح ا َألسود‪( ‬موجودة يف كتابه ‪‬من حصاد العمر‪ ،)‬ومنها‪:‬‬ ‫قصيدته ُ‬

‫وِش��احُ��ه��ا األ َْس��������� َودُ‪ ...‬اـي لي ًةل‬ ‫َس���ك���رى مب���ا تَ���ع�ُص�رُ م���ن قلهبا‬ ‫ٍ‬ ‫ابخن���ط���اف ِإىل‬ ‫ص�����اء ت��ص�غي‬ ‫مَ َّ‬

‫غ����ارت ع�ل�ى األُفْ�����ق درارهي����ا‬ ‫يف أَكْ ����� ُؤس ٍ م��ن عهد ماضهيا‬ ‫أُغ����ن���� َّي� ٍ‬ ‫�ـ��ات مُ��غ � ّن�يه��ا‬ ‫���ة‪ ...‬ـم�‬ ‫َ‬

‫ك َشطْ ٌر من ِ‬ ‫كأَن ّ ِ‬ ‫كياين أ َ َض ْعتُه‬ ‫َ‬

‫�ت ِإىل أَصيل‬ ‫ولمَ ّ��ا تالقينا اه� َت� َدي� ُ‬

‫حبه الكبري‪ ،‬كتبوا عنه بعد غيابه مشدِّ دين‬ ‫ومجيع رفاق َأبو شبكة ا ْلـكانوا يعرفون ّ‬ ‫ُ‬ ‫العشاق ا َألوفياء‪.‬‬ ‫عىل وفائه ِل َليىل َكأندر ما يكون‬ ‫ت عىل ذاك الوفاء العجيب الذي تبادَ اله‬ ‫بقي ْ‬ ‫وها هي بعدَ مثاني ٍة ومخسني ً‬ ‫عاما َ‬ ‫حيا فيها ّ‬ ‫حتى‬ ‫حبهام القصرية (دامت ِس َّ‬ ‫ت سنوات ‪ )1946 - 1940‬وبقي هو ًّ‬ ‫يف حياة ّ‬ ‫غياهبا (اخلميس ‪ 10‬شباط ‪.)2005‬‬ ‫و ِإذ قال فيها ذات يوم (يف ‪‬نداء القلب‪:)‬‬

‫غاب عىل َأمل َأن يكون شط ُره َ‬ ‫سبقها ِإىل ‪‬هناك‪ ،‬وها‬ ‫لع َّله‪ ،‬يوم غاب عنها‪َ ،‬‬ ‫غاب عنا عىل َأمل َأن هيتدي احلبيبان يف ‪‬هناك‪ِ ‬آم ٍن بعيدً ا عن َأ ْل ِس َن ِة‬ ‫شط ُرها اليوم َ‬ ‫وعيون ُالع ّذال احلاسدين‪.‬‬ ‫النمامني‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫مع غياهبا (اخلميس‪َ ،‬أمس ا َأل ّول) ُ‬ ‫‪‬نداء القلب‪ ‬غاب ‪ِ ‬إىل ا َألبد‪ ،‬ومعه‬ ‫يكون ُ‬ ‫جسد مث َلها َ‬ ‫َ‬ ‫رشيان احلياة يف حياة‬ ‫غا َبت قص ُة ُح ّ‬ ‫ب َيندُ ُر َأن ُت ِّ‬ ‫امرأ ٌة كانت ذات يوم ٍ‬ ‫شاعر‪.‬‬ ‫َ‬ ‫‪‬النهار‪ - ‬أزرار‪ 394 ‬‬

‫السبت ‪ 12‬شباط ‪2005‬‬

‫‪247‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫َ‬ ‫ّ‬ ‫‪‬الست لييل‪ :‬هي‪ ،‬و ِإىل يمينها الشاعر المصري فاروق شوشة‪ ،‬والشاعر سهيل مطر (‪)1997‬‬ ‫من السهرات األدبية عند‬

‫َأ ُ‬ ‫مجيعا ُتصغي يف‬ ‫القراء َة‬ ‫قرأ ُوأعيد‬ ‫مساء كلّ سبت‪ ،‬وهي بني احلارضين ً‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫عروس شعره وكان‬ ‫صمت بعي ٍد منخطف ًة ِإىل هناك‪ِ ،‬إىل ذاك الزمن الذي كانت فيه‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫مال ًئا كلَّ حياهتا‪ّ ،‬‬ ‫ت‪:‬‬ ‫حتى ِإذا‬ ‫ناكها و َت ْم َت َم ْ‬ ‫ُ‬ ‫انتهيت من القراء ِة ‪‬عادَ ت‪ِ ‬إلينا من ُه ِ‬ ‫ُ‬ ‫‪‬كم َ‬ ‫ب‪.‬‬ ‫كان‬ ‫يعرف َأ ْن ُي ِح ّ‬ ‫ت ثنائي ٍة تروح حتكي يل‪ ،‬يف انخطا ِفها العاشق‪ ،‬عن‬ ‫يف تردُّ دي عليها ِإىل ِجلسا ٍ‬ ‫تلك الذكريات ُ‬ ‫وظروف كتابة بعض القصائد ومناسبة هذا القول َأو تلك التلميحة يف‬ ‫بعض ا َألبيات‪ ،‬طالب ًة ِإ ّيل‪ ،‬مبا َأو َل ْتني من ثقة‪َ ،‬أ ّال َأ ُنشر تلك املعلومات عىل حياهتا‪،‬‬ ‫طلبت مني َأ ّال َأ ُنشرها‬ ‫وفيها ِإ‬ ‫ٌ‬ ‫ضاءات كثري ٌة عىل حياة الياس َأبو شبكة‪ ،‬وتفاصيلُ َ‬ ‫َأبدً ا‪.‬‬ ‫‪246‬‬


‫القسم الثالث‬

‫ت األَرض‪»...‬‬ ‫«‪ ...‬أَت َ ْي َ‬ ‫يا ِبالدي‬ ‫َل ِ‬ ‫ك قلبي‬ ‫ِ‬ ‫لك آمالي وحبي‬ ‫وجهادي‬ ‫ِ‬ ‫يا بالدي‬

‫َ‬ ‫(«األلحان»)‬ ‫الياس أَبو شبكة‬

‫‪249‬‬


‫القسم ّ‬ ‫الثاني‪ :‬العاشق‬

‫يف السهرة نفسها‪ :‬تقف بيني وبين الشاعر العراقي عبد الوهاب البيايت‪...‬‬

‫‪248‬‬

‫‪ ...‬وهي بين الشاعر السوداين محمد الفيتوري (السودان) والشاعر فاروق شوشة (مصر)‪ ،‬والشاعر‬ ‫ُ َ‬ ‫ابنتها أسرتيد‬ ‫سهيل مطر‪ ،‬والشاعر سليمان العيسى (سوريا)‪ ،‬ووقفت وراءها‬


‫أَنـا ُّ‬ ‫والزوق وأَبو شبكة‬

‫باي َأستم ِتع ّ‬ ‫مكان عىل طرف الضيعة ُيدعى‬ ‫ُ‬ ‫كنت يف ِص َ‬ ‫بالذهاب مع َأترايب ِإىل ٍ‬ ‫‪‬حرش البالط‪( ‬ينتهي ِإىل وا ٍد فيه نبع ٌة تدعى ‪‬عني ْب ِزيلْ ‪ )‬فيه صخ ٌر كبري َّ‬ ‫مسطح‬ ‫(رمبا منه اسم املكان) فاصلٌ بني ضيعتي َصربا وضيعة زوق مكايل التي مل تكن‬ ‫عمتي هيالنة َ(أو ‪ِ ‬إيلني‪َ ‬أو ‪ِ ‬إيالن‪ ‬كام ننادهيا)‪.‬‬ ‫تعني يل يومها سوى َأهنا ضيعة ّ‬ ‫لوز تشتعل يف‬ ‫كنت َأ َتأ َّمل َ‬ ‫من هناك ُ‬ ‫بيوت الزوق القرميدي َة اجلميلة وبساتنيَ ٍ‬ ‫ربيعا ً‬ ‫زائغا ْ‬ ‫بالزهر ا َألبيض وا َألمحر‪.‬‬ ‫نيسان ً‬ ‫اكتشفت من ّ‬ ‫اسم الشاعر‬ ‫وحني‬ ‫ستي‪َ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫ذات ليل ِة صي ٍ‬ ‫ف يف مطلع صباي‪َ ،‬‬ ‫الياس َأبو شبكة ْ‬ ‫يوم َأذهب ِإىل ‪‬حرش البالط‪ ‬و‪‬عني ْب ِزيلْ ‪َ ‬أرنو ِإىل فوق‪،‬‬ ‫بدأ ُ‬ ‫ت َ‬ ‫َفأرى ِإىل الزوق التي باتت يف بايل ‪‬ضيعة الياس َأبو شبكة‪.‬‬ ‫كنت ُأرافق والدَ َّي عند عمتي يف الزوق معايدين َأو زائرين‪،‬‬ ‫يف مواسم ا َألعياد ُ‬ ‫بغص ٍة غريبة مل َأ ُكن َأعرف‬ ‫شعر َّ‬ ‫بيت َأبو شبكة املهجو َر‪ ،‬كلام عَ َب ْرنا َأمامه‪َ ،‬وأ ُ‬ ‫َف َأ َتأ ّمل َ‬ ‫هيتم به‪.‬‬ ‫بيت‬ ‫سببا هلا سوى َأن يبقى ُ‬ ‫كبري مهجو ًرا وال من ّ‬ ‫ً‬ ‫شاعر ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫لعمتي ِإيلني ّدكان يف السوق العتيق‪ُ ،‬‬ ‫وبيتها يف َأ ّول طلع ٍة قبال َة الدكان‪،‬‬ ‫كان ّ‬ ‫فكنت حني َأزورها َأ َتأ َّمل شكل السوق العتيق املصفوفة دكاكينه يف رياز ٍة قدمية‬ ‫ُ‬ ‫وعيت‬ ‫ف مل َأ ُكن يف تلك احلقبة من عمري َأعرف حجمها الذي‬ ‫توحي‬ ‫ُ‬ ‫بازدهار سال ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫عليه ً‬ ‫الحقا وعىل ما كان للسوق من َأمهية يف تاريخ لبنان‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫‪251‬‬


‫والـزوق‬ ‫َأنـا‬ ‫ُّ‬ ‫و َأبو شبكة‬

‫مكتب صديقه ُأستاذ العربية فيه‬ ‫يس ُلكها الشاعر ِإىل عينطو َره (قاصدً ا يف معهدها‬ ‫َ‬ ‫جورج غر ّيب)‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫املحطات املضيئة‪ :‬ت ّلة الزوق‪ ‬وعند َّقمتها بقع ٌة مجيلة من الصنوبر‬ ‫من تلك‬ ‫(تطل من جه ٍة عىل خليج جونيه‪ ،‬ومن ُأخرى عىل بكركي وخلفها جبال كرسوان)‬ ‫وتكتب ّ‬ ‫ت طوال‬ ‫طلب الشاعر من لياله َأن تنعزل ِإليها‬ ‫وهي التي‬ ‫ففع َل ْ‬ ‫مذكراهتا َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫حب استلّ الشاع ُر ِإحداها وتر َمجها‬ ‫ت كثري ًة ورسائلَ ٍّ‬ ‫وكتبت هناك صفحا ٍ‬ ‫َأيام َأربع ٍة َ‬ ‫شع ًرا يف قصيدته ‪‬الناسكة‪( ‬من ديوانه ‪‬نداء القلب‪ ،)‬وفيها‪:‬‬

‫ح��ب��ي�بي ع�ل�ى ه����ذه ال���رابِ��� َي���ه‬ ‫�ق ‪ِ -‬إ ّال ع�لى م��ا تـُ� ِ‬ ‫�ب‬ ‫ف �أُغ��ل� ُ‬ ‫�ح� ُّ‬ ‫فما دفَّ���ق الشعرَ م��ن أ َ‬ ‫صغريك‬ ‫َ‬ ‫راه ع�ل�ى امل��ن��ح�نى واخل��ل��ي��جِ‬ ‫أَ ُ‬ ‫ح��ب��ي�بي ع�ل�ى ه����ذه ال���رابِ��� َي���ه‬ ‫ِ‬ ‫القلوب‬ ‫��ب دن��ي��ا‬ ‫ِإذا َه � َج��ر َ احل� ُّ‬

‫أُ‬ ‫��اكل ي���رق���ى بِ�� َي��ه‬ ‫ح�����س خ���ي� َ‬ ‫ُّ‬ ‫�����ك ‪ -‬ق��ل�بي وأَه���دابِ��� َي���ه‬ ‫روحُ�‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ال��ن��اح�� َي��ه‬ ‫تجَ ��� َّم���ع يف ه����ذه‬ ‫ويف ه����ذه ال��غ��اب��ة اجل���ارِيَ���ه‬ ‫��ب إمي� ِ‬ ‫��ان��� َي���ه‬ ‫��ح� ّ‬ ‫أُق�������رِّب ل���ل� ُ‬ ‫َ���م ال��ب� ِ‬ ‫ف��م��ا تَ��ن��ف � ُع ِ‬ ‫�اق � َي��ه؟‬ ‫احل���ط ُ‬

‫ما هُابلا «ال��زوق» تَدعوان ِإىل عُرُس ٍ‬ ‫�ك��م��اءُ حافي ٌة‬ ‫ه��ذي ش��وارعُ��ه��ا َب� ْ‬ ‫وت� ةّ‬ ‫تنفك انسك ًة‬ ‫ّل�ُ ال���زوق مل‬ ‫َّ‬

‫وش��اع��ر ُ «ال���زوق» لمَ ��ا زال مدفوان‬ ‫ول��وزُه��ا نسيـَت ذك���راه تِرشينا‬ ‫صنوـبرات هبا ما زلْ�� َن يـَحكينا‬ ‫ٌ‬

‫ت هادئ ٍة َأ َتأ َّمل َ‬ ‫ْ‬ ‫املكان الذي كان‬ ‫طبعتني هذه الت ّلة‬ ‫ُ‬ ‫وكنت َأقصدُ ها َأحيا ًنا ُألويقا ٍ‬ ‫بيت حبيبته‪َ ،‬أو يطلُّ عليه من شباك غرفة صديقه‬ ‫الشاعر ْيأيت ِإليه كي يرى منه َ‬ ‫جورج غر ِّيب يف معهد عينطو َره كي يرى َ‬ ‫متنس َك ًة فيها كام طلب‬ ‫حبيبته قاصد ًة ِإليها ِّ‬ ‫هو منها‪.‬‬ ‫ـمهرجان َأ ْقم ُت ُه‬ ‫طب َع ْتني تلك الت ّلة حتى َأ ّن قصيديت الثانية يف َأبو شبكة (ل‬ ‫بىل‪َ :‬‬ ‫ٍ‬ ‫يف القرص البلدي هنار ذكراه يف ‪ 27‬كانون الثاين ‪ )1978‬مح َلت عنوان ‪َ ‬ت َأ ُّمالت عىل‬ ‫ت ّلة الزوق‪ ،‬ومنها‪:‬‬

‫‪253‬‬


‫القسم الثالث‪َ ... :‬أ َت ْي َت ا َألرض‪...‬‬

‫ت ِلي ِلي‪ ‬تريد التع ُّرف يب َ‬ ‫وسألني‬ ‫‪‬الس ّ‬ ‫َ‬ ‫ذات غرو ٍ‬ ‫ب من ‪ 1972‬بادَ رين َأيب َبأ ّن ّ‬ ‫َأن يصطحبني ِإليها‪.‬‬

‫ت ِلي ِلي‪‬؟‬ ‫‪‬الس ّ‬ ‫ومن هي ّ‬ ‫عروس ‪‬نداء القلب‪ ‬و‪ِ ‬إىل ا َألبد‪‬‬ ‫ت ِلي ِلي‪ ‬هي‬ ‫ل ّـما‬ ‫‪‬الس ّ‬ ‫ُ‬ ‫علمت منه َأ ّن ّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫وطرت معه ِإليها‪.‬‬ ‫ت بالط َلب‬ ‫ُ‬ ‫(رائعتي َأبو شبكة) ِفر ْح ُ‬ ‫املش َّعة لو ًزا وذكريات‪ُ ،‬‬ ‫التقيتها للمرة ا ُألوىل‪.‬‬ ‫هناك‪ ،‬يف بيتها عىل ت ّلة الزوق ِ‬ ‫ورسعان ما تقا َر ْبنا‪ ،‬بعدما عر َفت قصة اكتشايف َأبو شبكة عند بيت ّ‬ ‫ستي يف مطلع‬ ‫َ‬ ‫لدي من َنهم ٍ لـمعرف ِة ا َألكثر بعدُ‬ ‫منذئذ‪ ،‬وبعدما‬ ‫ِصباي واهتاممي به‬ ‫ٍ‬ ‫الحظت ما َّ‬ ‫كنت َأشعر َكأنه يكاد يدخل علينا يف‬ ‫عن شاعرها الذي‪ ،‬لعظمة وفائها النبيل له‪ُ ،‬‬ ‫َأ ّي وقت‪.‬‬ ‫َأ َ‬ ‫ت عن الشاعر‬ ‫خذ ْ‬ ‫ت زيارايت ِإليها تتك َّرر‪َ ،‬وأنا سعيدٌ ِبـام َأقطف لدهيا من ذكريا ٍ‬ ‫الذي ْ‬ ‫وعيت عىل الشعر‪.‬‬ ‫بفض ِله‬ ‫ُ‬ ‫ب َأن َأ َ‬ ‫احرتاما ل َـموقعها‪ِ ،‬إىل َأن بادر ْتني‬ ‫سأهلا عن ُأولغا (‪‬غلواء‪)‬‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫كنت َأ َّهتي ُ‬ ‫هي ذات يوم بالسؤَ ال‪َ :‬أتصحَ ُبني لزيارة ُأولغا؟‪َ ،‬ص َع َقني السؤَ ال بصدم ٍة ِإجيابي ٍة‬ ‫ُ‬ ‫سيدة املعونات)‪ .‬وكانت‬ ‫(حي ّ‬ ‫حي َآخر من الزوق ّ‬ ‫واصطحبتها ِإىل بيت ُأولغا يف ٍّ‬ ‫كبري من لبنان‪.‬‬ ‫سيد َتني يف الزوق ُت َس ِّوران حيا َة‬ ‫يل‬ ‫ٍ‬ ‫هنارئذ جلس ٌة الفت ٌة بني ّ‬ ‫شاعر ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫كنت َأصحب فيها َلي َلى ِإىل ُأولغا‬ ‫ت ُ‬ ‫ومن زيار ٍة ِإىل َلي َلى وزيار ٍة ِإىل غلواء‪ ،‬وزيارا ٍ‬ ‫ت َأصحَ ب ُأولغا ِإىل َلي َلى‪َ ،‬أصبحَ ت زوق مكايل يف مسرييت الشعرية‬ ‫ت‪ ،‬ومرا ٍ‬ ‫مرا ٍ‬ ‫طبع حيايت ا َألدبية‪.‬‬ ‫جزءا ً‬ ‫ضالعا َ‬ ‫ً‬ ‫وتعم َقت الزوق يف بايل وقلبي َأكثر َفأكثر مع جلسايت ِإىل الشاعر جورج غر ِّيب‬ ‫َّ‬ ‫فرتتئذ) حني كان يكشف يل َأ َث َر الزوق يف ْنفس‬ ‫(آخر َأصدقاء َأبو شبكة ا َألحياء‬ ‫ٍ‬ ‫حياء فيها كان هلا ما كان من َم ّ‬ ‫ـحطات مضيئة‬ ‫َ‬ ‫َأبو شبكة‪،‬‬ ‫ومعارجها يف مسريته‪َ ،‬وأ َ‬ ‫ت فرعية كان‬ ‫وحي الـ ‪‬تراب‪ ‬وبساتني اللوز وطرقا ٍ‬ ‫يف حياة الشاعر‪ ،‬كـ ‪‬عني الزوق‪ّ ‬‬ ‫‪252‬‬


‫الياس أَبو شبكة‪ِ ...‬إنّهم ال يحترمو َنك!‬

‫َ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫َأيام الحرب‪ّ ...‬‬ ‫مكانا لبيع األحذية‬ ‫تحول صالون بيت أبو شبكة‬

‫قلت َ‪‬أزو ُره‪ ‬يف بيته‪.‬‬ ‫يف ذكراه الثامنة والعرشين‪ُ ،‬‬ ‫مهجو ٌر كام يف ْقفر‪ ،‬خم َّل ٌع كام ٌ‬ ‫كوخ عتيقٌ م ّرت عليه عاصفة‪ .‬يف زواياه يعنكب‬ ‫النسيان‪ ،‬ويف ثنايا سقفه العايل يشيخ العنكبوت‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫خامي‬ ‫هذا هو بيت الياس َأبو شبكة‪ .‬مل يبقَ فيه من جالل ا َألمس ِإ ّال‬ ‫البالط ال ُّر ُّ‬ ‫النفيس‪ ،‬ومن شاعرية ا َألمس ِإ ّال ذكريات تطالعك يف كلّ خطوة‪ ،‬تتسابق ِإليك‪ ،‬وكلُّ‬ ‫واحدة متدّ ْرأسها لتقول‪َ :‬أنا َأطرف‪.‬‬ ‫‪255‬‬


‫القسم الثالث‪َ ... :‬أ َت ْي َت ا َألرض‪...‬‬

‫تيت ا َألرض‪ ‬ومنها ُ‬ ‫عنوان هذا الكتاب ‪ -‬آذار‬ ‫ب َأ َ‬ ‫وقصيديت ا ُألوىل فيه (‪‬لكي ُت ِح َّ‬ ‫ري الزوق التي ال ُيمكن َأن تنفصل عن سرية الشاعر ا َألدبية‬ ‫‪ )1977‬مل َت ْخلُ من ِذ ْك َ‬ ‫قلت فيها‪:‬‬ ‫واحلياتية بل تلتصق هبا الزوق عضو ًيا‪ ،‬ولذا ُ‬

‫هوى‬ ‫غري ً‬ ‫‪ ...‬ويُ ِزهر ُ اللوز! ما يف «الزوق» ُ‬

‫اب ٍ‬ ‫ق عىل الو ْعد‪ ،‬مـُرـْ اي وَ ْع� ُد ـماـ أَمـَرـا‬

‫ومع زيارايت الكثرية ً‬ ‫غنمت عن تلك‬ ‫‪‬الست ِلي ِلي‪ ‬و ِإىل ‪‬غلواء‪،‬‬ ‫الحقا ِإىل‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫بوشبكية‪ ‬ذكرياهتام عن الزوق التي وعى رئيس بلد ّيتها هناد نوفل َأ َ‬ ‫مهيتها‬ ‫الفرتة ‪‬ا َأل‬ ‫ّ‬ ‫التارخيية والفكرية والوطنية ونق َلها من ضيع ٍة ِإىل بلد ٍة ِإىل مدينة‪ ،‬ومن لؤلؤ ٍة مستلقي ٍة‬ ‫شع ٍة يف العامل تقطف جوائز عربية وعاملية‪.‬‬ ‫عىل خرص شاطئ كرسوان ِإىل لؤلؤ ٍة ُم َّ‬ ‫ت‬ ‫زلت َأقصدُ يف الزوق َ‬ ‫اليوم ما ُ‬ ‫بيت عمتي التي َأرى يف ثلج ْرأسها سنوا ٍ‬ ‫ت ال تزال تروي يل منها الكثري عن الزوق‪َ ،‬وأزور السوق العتيق‬ ‫مبارك ًة من ذكريا ٍ‬ ‫متحفا ً‬ ‫حتول ً‬ ‫حديثا‬ ‫املرمم بعدما‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫وعيت َأمهيته التارخيية‪َ ،‬وأزور بيت َأبو شبكة بعدما َّ‬ ‫عىل طراز َأبرز املتاحف الشخصية يف العامل‪.‬‬ ‫حكايتي مع زوق مكايل طويل ٌة عذب ٌة ُ‬ ‫تبدأ من طفولتي يف ‪‬حرش البالط‪،‬‬ ‫عمتي يف ‪‬السوق العتيق‪( ‬بات اليوم َأحد املواقع السياحية ال ُـم َر َّم َـمة)‪،‬‬ ‫ِإىل ّدكان ّ‬ ‫عروساهام َ‬ ‫ُ‬ ‫حي ًة يف ‪‬شعره‪ ‬ويف‬ ‫ِإىل َبيتني غا َبت‬ ‫(غلواء و َلي َلى) ّ‬ ‫لكن ذكرامها باقي ٌة َّ‬ ‫ذكريايت‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ّ َ‬ ‫مجلة ‪‬أنوال‪ - ‬العدد الثاين ‪ -‬أ ّيار ‪.2007‬‬ ‫(تصدر عن المجلس الثقايف البلدي يف زوق مكايل)‬

‫‪254‬‬


‫ِإّنهم ال‬ ‫يحترمونك!‬ ‫َ‬

‫املؤجر‬ ‫نت جهل هؤالء الناس الطيبني يف َأ ّي منزل يسكنون‪َ ،‬وأ ّية ْفعلة اقرتفها ِّ‬ ‫َوأ َيق ُ‬ ‫يوم دفع هلم مبفتاح البيت‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫سيخف الستقبايل)‪َ .‬أذهلني َأمران زادا من املصيبة‬ ‫(خ ُلت ُه‬ ‫ُ‬ ‫دخلت غرفة الياس ِ‬ ‫التي ُابتيلَ هبا شاعرنا البائس‪:‬‬ ‫عال كان صهره‬ ‫‪ )1‬غياب رسيره العتيق من الغرفة‪ ،‬وهو ختت حديدي كبري ٍ‬ ‫علمت ً‬ ‫الحقا‪ ،‬من حديثي مع غلواء‬ ‫(زوج ُأخته الكربى ماري) جاء به من َأمريكا‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫زوجة الشاعر‪َ ،‬أ ّن التخت اليوم يف عجلتون لدى حبيب غصن ‪‬وكيل البيت‪( ‬هل‬ ‫يل َأن َأرجو حرضة ‪‬الوكيل‪ِ ،‬إن َ‬ ‫قرأ مقايل هذا َأو قاله له َأحد‪َ ،‬أن حيتفظ هبذا‬ ‫التخت ريثام يستعادُ منه يوم َّ‬ ‫يتحقق احللم الكبري بتحويل البيت ِإىل متحف؟)‪.‬‬ ‫فوجئت يف غرفة الياس ّ‬ ‫بأن احليطان التي كان‬ ‫‪ )2‬ا َألمر اآلخر َأدهى َوأقسى‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫الشاعر َكتب عليها‪ًّ ،‬‬ ‫خطا َأو ْ‬ ‫حف ًرا‪َ ،‬أبيا ًتا من الشعر َأو خطرات‪ ،‬حماها الطرش‬ ‫والدهان َأو َأتى عىل معظمها‪ .‬فلم َأرتدع عندها‪ ،‬بدون َأن َأ َ‬ ‫عرف الفاعل‪ ،‬عن‬ ‫ِإطالق لعنة جحيمية عىل مجيع املسؤُ ولني عن ت ْرك هذا البيت يف َأي ٍد ال تدري ماذا‬ ‫تفعل‪ ،‬وال تعرف َأ ّن ذر ًة من تراب احليطان تضيع‪ ،‬تضيع معها حكاية من َأهبى‬ ‫حكايات هذا اجلبل ا َألخرض‪.‬‬ ‫قبل َأن َأخرج من الغرفة‪ ،‬بعدما استبدَّ يب احلزن والغضب‪ّ ،‬‬ ‫رت قصة‬ ‫تذك ُ‬ ‫يوما‪ ،‬قالت‪ ،‬كانت ُأ ّم‬ ‫احلذاء‪ ،‬روهتا يل غلواء قبل َأعوام‪ ،‬عن الياس يف طفولته‪ً .‬‬ ‫الياس ّ‬ ‫تنظف تلك الغرفة فاضط َّرت ِإىل نقل حذاء الغالم الياس من مكانه‪ .‬وما‬ ‫عاد الياس ّ‬ ‫وضعه هو‬ ‫حتى ثار عىل الـ ‪ ...‬الذي نقلَ‬ ‫حذاءه من املكان الذي َ‬ ‫َ‬ ‫نفثت ْمح َأهتا ً‬ ‫فيه‪ .‬وهذه احلكاية (عىل سذاجتها) من بواكري عصبي ٍة َ‬ ‫الحقا عىل َأ ْل ِسنة‬ ‫َ‪‬أفاعي الفردوس‪.‬‬ ‫فت ِإىل احلائط املقابل‪َ .‬أ َّ‬ ‫ت‬ ‫تفاو َ‬ ‫َأخ ُر ُج ِإىل البهو الكبري‪َ .‬أ ْل َت ُ‬ ‫تذكر ّقصة لوح ٍة زيتي ٍة َ‬ ‫حبها الياس يف مطلع‬ ‫َت َن ُاولُ ا َألقالم ِ ّقص َتها‪ .‬وهي ‪‬ﭘـورتريه‪ ‬املغنية هادية التي َأ َّ‬ ‫اجلميل َأن يرسمها‪ ،‬وع ّلق الياس اللوحة يف‬ ‫الثالثينات‪،‬‬ ‫َ‬ ‫وطلب من صديقه قيرص ّ‬ ‫‪257‬‬


‫القسم الثالث‪َ ... :‬أ َت ْي َت ا َألرض‪...‬‬

‫باب البيت كما كان‪...‬‬

‫‪ ...‬وكما هو اليوم‬

‫ت‬ ‫ت‪ُ ،‬م ّـخ ِّبئ ًة يف َأعباهبا حكايا ِ‬ ‫وحدها الصنوبرة الكبري ُة يف اخلارج متيد يف صم ٍ‬ ‫تنهدا ِته وزغردا ِته‪ ،‬كام شهدَ ت معه كيف ُ‬ ‫فتى يف ا َألمس شهدَ ت َ‬ ‫يكون‬ ‫ميعته وثور َته‪ُّ ،‬‬ ‫ً‬ ‫احلب الذي يشيل بصاحبه ِإىل حدّ اخللود‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫زرت البيت يف ُأسبوع الذكرى‪ِ ،‬ب َـهيب ٍة ُ‬ ‫شاعر م ّر من هنا‪ ،‬ويوم‬ ‫ُ‬ ‫وخشوع‪ِ ،‬ل َت َذ ُّكر ٍ‬ ‫راح َ‬ ‫فرحا يف تراث‪ ،‬وحز ًنا عىل ضياع هذا الرتاث دون التفات ِإليه‪.‬‬ ‫ترك لنا ً‬ ‫قلت ُه مهجو ًرا‪ .‬لع ّلي مل ُأ ْ‬ ‫البيت‪ُ ،‬‬ ‫قوما يسكنونه‪َ ،‬أو عىل‬ ‫بالغ‪ .‬مع َأ ّن فيه اليوم ً‬ ‫صح ْ‬ ‫القيم عليه اليوم‪ .‬وراعني لدهيم‪ ،‬وهم َأفراد عائلة‬ ‫ا َأل ّ‬ ‫‪‬استأجروه‪ ‬من ‪‬حرضة ِّ‬ ‫عج ُبوا مني َوأنا َأجول يف ُالغ َرف‪َ .‬كأمنا الحظوا عىل وجهي‬ ‫جبلية صغرية‪َ ،‬أهنم ِ‬ ‫ُذ ً‬ ‫هوال حاولوا َأن ينتزعوه بضيافتهم املتواضعة‪َّ :‬‬ ‫‪‬تفضل يا ِإستاذ‪ .‬قهوتك رح ُتربد‪.‬‬ ‫‪256‬‬


‫ِإّنهم ال‬ ‫يحترمونك!‬ ‫َ‬

‫يف هذا البهو كانت صورة ‪‬المغنية السمراء‪‬‬

‫زوجني‪ .‬بعد‬ ‫يضم الياس ُوأولغا َ‬ ‫وهذا البيت‪ ،‬كام يع َلم معارصو الياس‪ ،‬مل ّ‬ ‫بقيت هي يف بيت َأخيها (جوزف ساروفيم)‪ ،‬وكان هو ينام ً‬ ‫حينا لدى‬ ‫زواجهام َ‬ ‫بيت َأخيها‪ً ،‬‬ ‫وحينا ينام يف بيته حيث ُأ ُّمه (تو ّف َيت بعده بثامين سنوات‪ :‬سنة ‪)1955‬‬ ‫ُ‬ ‫مصح دير الصليب ِإلصابتها بداء ا َهل ْل َوسة)‪ .‬وعىل ّذمة‬ ‫وشقيقته ﭬـرجيني (اليوم يف ّ‬ ‫ُأولغا َأ ّن ﭬـرجيني (وهي‪ ،‬بشهادة الياس نفسه‪ ،‬مل تكن حتب ُأولغا‪ ،‬كام َذكر يف رسال ٍة‬ ‫له ِإىل نسيبه سليامن عقيقي يف ا ُألوروغواي) هي املسؤولة‪ ،‬بعد موت الياس‪ ،‬عن‬ ‫ضياع الكثري من َأوراقه وتشتي ِتها ّ‬ ‫وحتى َح ْرقها (؟!)‪.‬‬ ‫نائم بالجارور‬ ‫عانس غري طبيعية‪ .‬فوالدي‪ ،‬وكان مق َّر ًبا من‬ ‫الترصف من‬ ‫ال َأستغرب هذا‬ ‫ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫مستم ِهل ًة‪ :‬عىل مهلك‬ ‫عائلة الشاعر‪َ ،‬أخربين َأ ْن ك ّلام م ّر من هناك‪ ،‬هترع ِإليه ﭬـرجيني‬ ‫ْ‬ ‫‪259‬‬


‫القسم الثالث‪َ ... :‬أ َت ْي َت ا َألرض‪...‬‬

‫ُ‬ ‫غرفته المهجورة والش ّباك الذي كان يطل منه عىل‬ ‫ليىل واقفة عند طرف الطريق‬

‫بقايا كتابات بخطه عىل الحائط‬

‫صدر الصالون‪ .‬هنا يفرتق التنظري‪ :‬من َأصدقائه (بينهم فؤاد حبيش وجورج غر ّيب)‬ ‫َمن َذكروا َبأ ّن الياس ‪ -‬بعد فشل حماوالت سابقة ِإلقناعه ب ِإنزاهلا ‪َ -‬أ ْن َز َلها عن احلائط‬ ‫حني دخ َلت حيا َته صاحب ُة ‪ِ ‬إىل ا َألبد‪ .‬بينام صاحب ُة ‪ِ ‬إىل ا َألبد‪ ‬قالت يل ِإ ّن الياس‬ ‫تزوجت ثر ًيا‬ ‫حني ع ِل َم برجوع تلك املطربة ‪ -‬عشيقة ا َألمس ‪ -‬من َأفريقيا حيث ّ‬ ‫وعادت عىل بعض غنى‪َ ،‬أنزل الياس اللوحة َوأعادها ِإىل صديقه قيرص اجلميل كي‬ ‫يقدّ مها ِإىل صاحبتها فتشرتهيا مبا ليس الرسام يف غنى عنه‪.‬‬ ‫ال ُأناقش يف َأ ٍّي من ْ‬ ‫الرأيني عىل صواب‪ ،‬لكنني َأجزم َبأ ّن َلي َلى‪ ،‬يوم دخ َلت‬ ‫دنيا الياس‪ ،‬صار بال قيم ٍة كلُّ ما سواها ( ِإ ّال ‪‬هوى غلواء‪ ‬واحرتامها) فلم ُيكن‬ ‫مر َآخر َأن ُيصحّ يه من تلك ْ‬ ‫السكرة‪.‬‬ ‫ل ّلوحة َأو َأل ِّي َأ ٍ‬ ‫‪258‬‬


‫ِإّنهم ال‬ ‫يحترمونك!‬ ‫َ‬

‫و َت ُّ‬ ‫شقق جدرانه‪ ،‬ومنو العشب عىل حفايف حديقته ويف َأرجائها‪ ،‬فتقفز ِإىل بايل صور ٌة‬ ‫شخصيا ترسل كلّ عام يف ذكرى‬ ‫من ْس ْترا ْتفورد آﭘـون آﭬـون يف ِإنكلرتا‪ :‬امللكة‬ ‫ً‬ ‫شكسـﭙـري ِإ ً‬ ‫حمج‬ ‫كليال من الزهر ِإىل رضحيه ومندو ًبا ِإىل منزله ‪ -‬املتحف الذي صار ّ‬ ‫السياح َّ‬ ‫واملثقفني‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫َوأ ّ‬ ‫تذكر َأ ّن جربان‪ ،‬الذي يعيش اآلالف اليوم من قلمه‪ ،‬ال شارع باسمه يف عاصمة‬ ‫جيء عىل ْذكرها كان التهليل واالحرتام‪.‬‬ ‫وطنه‪ ،‬بينام ُ‬ ‫اسمه يف َأمريكا من القيم التي ِإذا َ‬ ‫يضم رفات َأبو شبكة ف ِإذا‬ ‫ُأغادر البيت ِإىل الرضيح املستعار (من بيت الباشا) ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫حظ ُه ليس َأفضلَ من ّ‬ ‫يرتاكض َأوالدٌ شاهدوين َأدخلُ املقابر ومعي‬ ‫حظ البيت‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫املصور‪ ،‬فد ّلوين‪ :‬هنا‪ ،‬هنا‪ .‬رصنا نعرف‪ .‬كثريون من الصحافيني مثلك ْيأتون‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫يسألون‪.‬‬ ‫املصور‪َ .‬ص ِّو ْر هذا الرضيح الذي ليس فيه ما يدلُّ عىل َأنه قرب الشاعر‪.‬‬ ‫َ‬ ‫– ص ِّور َأهيا ّ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫متسائال‪ :‬متى يكون لرفات شاعرنا َأن حيظى‪ ،‬يف‬ ‫– أغادر القرب املستعار‬ ‫‪‬ﭘـانتيون‪ ‬للعظامء عندنا‪ ،‬مبكانه الالئق؟‬ ‫– ‪‬واآلن ِإىل َأين؟‪َ ‬‬ ‫املصور‪ُ .‬فأشري ِإىل ت ّلة عالي ٍة ُ‬ ‫فوق عىل كتف ‪‬الزوق‪.‬‬ ‫يسألني ّ‬ ‫نصل َ‬ ‫فيسألني من جديد‪ :‬وماذا ُأ َص ِّو ُر هنا؟‪.‬‬ ‫– هذا املعبد‪.‬‬ ‫َوأسيح بتفكريي‪ :‬هنا كانت ختتيل ليىل وتكتب خواطرها حلبيبها الشاعر‪ .‬هنا‬ ‫ختيل الياس ُيطلق نداء‬ ‫عىل هذه الت ّلة حتت هذه ‪‬اخلروبة‪ ‬العتيقة حدّ هذا املعبد‪َ .‬وأ ّ‬ ‫قلبه رصخة َت ْخ ُلدُ ِإىل ا َألبد عن هذه الصومعة عىل هذه الربوة‪ -‬املزار‪ .‬ومن رسال ٍة‬ ‫كتب ْتها ليىل هنا‪ ،‬صاغ قصيدته ‪‬الناسكة‪:‬‬ ‫بالفرنسية َ‬

‫ح��ب��ي�بي‪ ،‬ع�ل�ى ه����ذه ال���رابِ��� َي���ه‬

‫����س َخ���ي���الكَ َ يَ���رق���ى بِ � َي��ه‬ ‫أُح� ُّ‬ ‫(‪‬نداء القلب‪)‬‬

‫‪261‬‬


‫القسم الثالث‪َ ... :‬أ َت ْي َت ا َألرض‪...‬‬

‫يوما يف دير الصليب قالت يل ِإهنا‬ ‫يا فارس‪ ،‬الياس نايم باجلارور‪َ .‬وأكثر‪ :‬يوم زر ُتها ً‬ ‫تكتب ّ‬ ‫مذكرات َأخيها (!) كام ُيمليها عليها ‪‬من جارور اخلزانة‪.‬‬ ‫قبل َأن ُأغادر البهو الكبري َأ ّ‬ ‫تذكر قص َة َأ ّن الياس‪ ،‬يف هذا البيت‪َ ،‬أح َرق نحو‬ ‫ستمئة بيت من رائعته ‪‬غلواء‪.‬‬ ‫هنا كذلك َأكثر من رواية‪ :‬الشيخ فؤاد حبيش (و‪‬يف عيادته ُو ِلد الياس َأبو‬ ‫شبكة ثاني ًة‪ ‬كام َكتب َأ ُ‬ ‫نطون قازان) َذك َر َأ ّن الياس َأخربه ب ِإحراقه نصف ‪‬غلواء‪‬‬ ‫حلبه اجلديد (وا َألخري) ً‬ ‫‪‬حرام عيلَّ بعد اليوم َ‬ ‫التغزُّلُ بغريها‪(َ ‬أي‬ ‫قائال له‪:‬‬ ‫ٌ‬ ‫كرمى ّ‬ ‫بغري َلي َلى)‪ .‬وجورج غر ّيب َيذكر َأ ّن الياس َأحرق تلك ا َألبيات قربا ًنا عىل مذبح‬ ‫حبه اجلديد‪ .‬ويف رواية مغايرة َأ َّكدت يل َلي َلى َأ ّن الياس َأ َ‬ ‫تلف تلك ا َألبيات َلس َببني‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫َأ ّن يف مضموهنا مغاال ًة َ‬ ‫وجرأ ًة من فورة الشباب َ‬ ‫(كتب ‪‬غلواء‪ ‬يف العرشين) َوأ ّن‬ ‫مستوى شعر ًيا مل يعد يرضاه ْنضجُ ه الشعري وهو يف ا َألربعني‪ .‬وعىل َأ ِّي حال‬ ‫فيها‬ ‫ً‬ ‫(حبه ا َأل ّول) ومباركة ‪‬لياله‪ ‬التي‪ ،‬وهي‬ ‫ظهرت ‪‬غلواء‪ )1945( ‬برىض صاحبتها ّ‬ ‫َ‬ ‫روائع يف ‪‬غلواء‪ ‬هي من‬ ‫فجَّ َرت فيه‬ ‫شاعريته الشفيفة‪ ،‬ما كانت لرتىض ضياع َ‬ ‫مبلغ كبري‪.‬‬ ‫الشاعرية يف ٍ‬ ‫َ ّ‬ ‫أي طريق؟‬

‫َأخرج‪َ .‬أبقى برهة عىل َعتبة البيت‪.‬‬ ‫حقا َأ ّن البيت كان َّ‬ ‫ماذا؟ َأ ً‬ ‫خمط ًطا له َأن يتهدَّ م بفعل مرور الطريق؟ َوأ ُّي طريق‬ ‫يف الدنيا ُتساوي حجَ ًرا من بيت شاعر؟‬ ‫تفت َفأ ّ‬ ‫تذكر مرشوعً ا من املايض ِإلقامة متثال‬ ‫قبل َأن َأنزل عن عتبة البيت َأ ْل ُ‬ ‫الشاعر بني ا َألربع الصنوبرات املواجه ِة البيت‪ .‬وعىل ْرأس املرشوع كان َأنطون قازان‪.‬‬ ‫اليوم غاب َأنطون قازان وغاب معه مرشوع التمثال‪.‬‬ ‫َأخ ُرج من البيت‪َ .‬أقف ُقدّ امه‪َ .‬أ َتأ ّمله من خارج بزجاج شبابيكه املكسور‪،‬‬ ‫‪260‬‬


‫ِإّنهم ال‬ ‫يحترمونك!‬ ‫َ‬

‫َ‬ ‫ِإسمعي األجراس يف قبة دير راهبات البشارة‬

‫ٍ‬ ‫‪ ...‬فهي أ َ‬ ‫رات‬ ‫صوات‬ ‫حنان وبقااي زَفَ ْ‬ ‫ُ‬ ‫الصليب‬ ‫راهبات ادلير ُق َّدام‬ ‫َصعَّ َد ـْتها‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫غيب‬ ‫امل ْ‬ ‫أ ُ ْس ُجدي هلل اي نفيس فقد واىف َ‬

‫(‪‬ا َأللحان‪)‬‬

‫وكان املغيب واىف ً‬ ‫خذت شمس كانون الدافئة ت ُل ُّم خيوطها عن ‪‬زوق‪‬‬ ‫فعال‪َ ،‬وأ ْ‬ ‫َأبو شبكة عىل جبني خليج جونيه‪.‬‬ ‫حتى ا َألمس كنا من ّر يف ‪‬الزوق‪َ ‬فن ُ‬ ‫ّ‬ ‫حسنا‪ ،‬ك َّلام‬ ‫ذكر شاعرها َ‬ ‫ونوجع‪ .‬واليوم ُن ُّ‬ ‫وج ُع َأكثر ملصريه‪ ،‬هو الذي َأعطى‬ ‫م َر ْرنا َحدَّ ذاك البيت اهلاجع عىل املنعطف‪ُ ،‬ن َ‬ ‫شاع ًرا ّغنى بالده وردة الورود َ‬ ‫فرتك ْته بالدُ ه يذوي كام الورود‪.‬‬ ‫‪‬النهار‪( ‬الجمعة ‪)1975/1/31‬‬

‫‪263‬‬


‫القسم الثالث‪َ ... :‬أ َت ْي َت ا َألرض‪...‬‬

‫ُ‬ ‫عنده بليىل‬ ‫معبد التلة التي كان يختيل‬

‫هنا يرقد يف الضريح المستعار من بيت الباشا‬

‫كامت حريصا السبع تلثم مياه اخلليج الرائع‪َ ،‬وأطوي‬ ‫ُأغادر التلة اهلادئة تواجهها َأ ُ‬ ‫ختيل َأبو شبكة عائدً ا عليها من زيارة ِإىل معهد‬ ‫طرقات ‪‬الزوق‪ ‬ومنعرجاهتا َأ َّ‬ ‫عينطو َره‪َ ،‬أو ً‬ ‫دالفا عىل ضوء القمر يف صحو ليايل الصيف‪َ ،‬أو حتت ّ‬ ‫زخ املطر يف ُهوج‬ ‫ليايل الشتاء قاصدً ا حبيبته ا َألمرية‪.‬‬ ‫َأ ُم ُّر عىل دير الزيارة يف ‪‬الزوق‪َ ‬فأ َّ‬ ‫تذكر ما قاله الياس يف ج َر ِسه املتواضع يوم‬ ‫راح يص ّلي‪:‬‬

‫الراهبات‬ ‫ِإمسيع األ َجراس يف ق ُّبة دير‬ ‫ْ‬ ‫الزاهدات‬ ‫رَجَّ َع الوادي َصداها للنفوس‬ ‫ْ‬

‫‪262‬‬


‫بيتُ ك‬ ‫ٌ‬ ‫متحف لك‬

‫سقف الصالون استعيدت زخرفته يف المتحف‬ ‫َ‬ ‫كما كانت عىل أيام الشاعر‬

‫ْ‬ ‫والص َور ملطرحن‪ .‬وال َأخرج من البيت ّ‬ ‫حتى يكون الرواة من عابري‬ ‫الشخوص والكرايس ُّ‬ ‫الطريق ُ‬ ‫بدأوا ينرشون يف الزوق بعض عبارات من مقايل‪( ‬مقال َ‪‬أنا‪ ،‬منشو ٌر ً‬ ‫كامال‬ ‫ص‪ 17‬من هذا الكتاب)‪.‬‬ ‫الكاريكاتوري اخترص الشاعر ْفص ًال من فصول حياته يف البيت الكبري‬ ‫هبذا الرسم‬ ‫ّ‬ ‫يسمون مثيالهتا يف لبنان) حيث َأمىض حياته ً‬ ‫ت‬ ‫(‪‬احلارة‪ ‬كام ّ‬ ‫تاركا فيه َأصداء ذكريا ٍ‬ ‫عادي‪.‬‬ ‫غري‬ ‫ّ‬ ‫غالبا ما ظه َرت يف كتاباته عاكس ًة تع ُّل ًقا هبذا البيت َ‬ ‫ً‬ ‫‪v‬‬

‫تاريخ البيت‪ ،‬وهو يرتبط نوعً ا بالعامرة الزوقية‪ ،‬يرقى ِإىل منتصف القرن التاسع‬ ‫ني َو ْفق هندسة العامرة اللبنانية يف تلك احلقبة‪ :‬احلارات‪ ‬دليلٌ عىل‬ ‫عرش‪ .‬وهو َم ْب ٌّ‬ ‫ُيرس َأصحاهبا‪ .‬صمم هذه احلارة مهندس مرصي‪ ،‬ورسم َ‬ ‫نقوشه فنانون منساويون‬ ‫كانوا يف جبل لبنان جاؤُ وه بعدما رسموا سقوف قصور السالطني يف تركيا‪ .‬استدعى‬ ‫َ‬ ‫بعضهم يوسف َأبو شبكة‪ ،‬والدُ الشاعر (وهو تاجر معروف يف لبنان والدول العربية‪،‬‬ ‫‪265‬‬


‫ٌ‬ ‫متحف لك‪...‬‬ ‫الياس أَبو شبكة‪ :‬بي ُتك‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫يت‬ ‫وش‬ ‫عرك للجميع ول َّلتي غ ّن َ‬ ‫ق ّلام َ‬ ‫دبيا‪ ،‬كام الياس َأبو شبكة‪ .‬دخل ُبيته عُ ْضو ًيا‬ ‫حياتيا َوأ ً‬ ‫ارتبط شاع ٌر ِبـمنزله‪ً ،‬‬ ‫يف معظم كتاباته وكانت له فيه َأكث ُر من ذكرى‪.‬‬ ‫يوم ‪ 21‬حزيران ‪َ 1931‬نشر الياس َأبو شبكة يف العدد ‪ 955‬من ‪‬املعرض‪ً ‬‬ ‫مقاال‬ ‫كاريكاتور ًيا بعنوان َ‪‬أنا‪َ ،‬رسم فيه شخصيته وعاداته‪ ،‬ومما فيه‪َ :‬أهنض من الفراش يف‬ ‫صباحا َفأتناول ً‬ ‫قليال من الطعام‪ّ ،‬ثم ُأشعل النارجيلة َوأضع َأمامي ركوة‬ ‫الساعة اخلامسة ً‬ ‫موضوع َأفتح النافذة‪،‬‬ ‫كبرية من القهوة َوأنرصف ِإىل الكتابة‪ .‬عندما َأنتهي من كتابة‬ ‫ٍ‬ ‫قدمي َ‬ ‫االثنتني عىل منضديت بني ا َألوراق واملحابر وا َألقالم‪ُ ،‬أسند ظهري ِإىل‬ ‫َأضع‬ ‫َّ‬ ‫مرتفع جدً ا ّ‬ ‫حتى َأ ّن عابري الطريق ال َي َسعهم ِإ ّال‬ ‫ت‬ ‫احلائط‪َ ،‬وأنطلق يف قراءة مقايل بصو ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫خصاما‬ ‫خيل ِإليهم َأ ّن يف البيت‬ ‫ً‬ ‫الوقوف حتت النافذة ليستمعوا ِإىل رصاخي‪ً .‬‬ ‫وكثريا ما ُي َّ‬ ‫شديدً ا فيتس ّلقون َأغراس التوت ال ُـمنترشة حول البيت َلريوا جيدً ا ِمن النافذة ما َيحدُ ث‬ ‫يف الغرفة‪ .‬وقد ُتحدّ ثني نفيس بتمثيل مقايل َفأقف َأمام املرآة‪َ ،‬أ ُص ّف حويل عددً ا من‬ ‫س عليها متاثيل من اجلبس ا َألبيض ُت ّ‬ ‫ـمثل عشرتوت َوأﭘـولون َوأدونيس‪،‬‬ ‫الكرايس ُأج ِل ُ‬ ‫صو ًرا فوتوغرافية وزيتية ُت ّ‬ ‫ـمثل جدّ ي وجدّ يت ووالدي َوأقربائي املتو ّفني‪،‬‬ ‫َوأنزع عن احلائط َ‬ ‫َوأنطلق يف التمثيل بصوت ختتلف نرباته باختالف العبارات واملواقف‪ .‬وال ُأهادن ّ‬ ‫حتى‬ ‫ُ‬ ‫خوت هيدا؟ ردّ‬ ‫ت َأعىل من صويت‪ :‬العمى َأيش ها َأل َ‬ ‫تدخلَ عيلّ والديت صارخ ًة بصو ٍ‬ ‫‪264‬‬


‫بيتُ ك‬ ‫ٌ‬ ‫متحف لك‬

‫ماري (شقيقة الشاعر الكربى) وزوجها غصن غصن‬ ‫(يف نيويورك)‬

‫ڤرجيني ووالدتها نايلة‬

‫ُ‬ ‫استدنتها منه ل ِف ِّك ْرهن بيتي يف الزوق‪.‬‬ ‫كنت‬ ‫يطالبني فيها بدفع ستامئة لرية مرصية ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫سيطرح البيت يف املزاد العلني ِإذا مل أ َسدّ د له املبلغ‪ .‬ويف ّ‬ ‫مذكراته‬ ‫وقال يف رسالته ِإنه َ‬ ‫‪‬تطالبني حمكمة كرسوان العقارية بدفع مبلغ ستامئة َوأربعني‬ ‫يوم ‪ 6‬شباط ‪ 1931‬كتب‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫قرشا خلزينتها رضيب ًة مرتاكم ًة عن البيت‪ .‬من َأين تريد اخلزينة َأن َأجيئها هبذا املبلغ؟‬ ‫ولكن ال بدّ من تسوية ا َألمر للمحافظة عىل البيت مهام ك َّلف ا َألمر‪ .‬وبقي الشاعر‬ ‫ْ‬ ‫ً‬ ‫متمس ًكا به رغم صعوبات مادية حادة َ‬ ‫رافق ْته طوال حياته‪.‬‬ ‫حمافظا عىل البيت ّ‬ ‫عضوي من كتاباته؟‬ ‫وجزء‬ ‫يومي من اهتامماته‪،‬‬ ‫ٌّ‬ ‫وكيف ال ّ‬ ‫ٌ‬ ‫يتمسك به وهو ٌ‬ ‫جزء ٌّ‬ ‫بعد وفاة الشاعر ُوجدَ ت بني َأوراقه ثالثة دفاتر صغرية ذات ج ْلدة محراء‬ ‫مفكرات كانت مصانع روبني َ‬ ‫هي ّ‬ ‫لألدوية يف فرنسا ُتهدهيا ِإىل عمالئها يف لبنان‬ ‫‪267‬‬


‫القسم الثالث‪َ ... :‬أ َت ْي َت ا َألرض‪...‬‬

‫من َأعيان الزوق ومن طبق ٍة فيها ميسور ٍة‪َ ،‬أفرادها من التجّ ار َوأصحاب مشاغل َّالنول‬ ‫وا ِمل َهن احلرة) وط َلب ِإليهم ْرسم النقوش عىل جدران املنزل وسقفه‪.‬‬ ‫سنة ‪ 1901‬اقرتن يوسف َأبو شبكة بنايلة غصن من عجلتون‪ .‬وكان ُبيته ملتقى‬ ‫ً‬ ‫وامليسورين‪ .‬فيه ُو ِلدَ ت ُ‬ ‫ستتزوج من غصن‬ ‫(الحقا‬ ‫ابنته البكر ماري‬ ‫َّ‬ ‫رفاقه التجّ ار ُ‬ ‫غصن وتسافر ِإىل نيويورك و ُتميض حياهتا فيها) وﭬـرجيني ُ‬ ‫(ستميض حياهتا عزباء‬ ‫الصبي الوحيد‪ ،‬فوالدَ ُته (‪َ 3‬أيار‬ ‫مس من اجلنون)‪َ .‬أما الياس‪،‬‬ ‫يف البيت و ُيصيبها ٌّ‬ ‫ّ‬ ‫‪ )1903‬مل تكن يف هذا البيت بل يف مدينة ﭘـروﭬـي ِد ْنس (عاصمة والية رود آي ِلند‬ ‫ا َألمريكية) خالل زيارة والدَ يه خالَ ُأ ّمه الياس فرزان هناك‪ .‬وعادا بالطفل الياس يف‬ ‫شهره الثامن ِإىل الزوق ُليميض حياته ك ّلها يف هذا البيت‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫بيت َأبو شبكة يسرتيح فوق هضبة مجيلة من زوق مكايل‪ ،‬البلدة الكرسوانية عىل‬ ‫خرص خليج جونيه‪ .‬وهلذا البيت َأث ٌر عميقٌ يف ُّ‬ ‫رومانسيته‬ ‫تفتح شاعرية َأبو شبكة عىل‬ ‫ّ‬ ‫حبه طبيع ًة فتح عينيه عىل مجاالهتا َوأغمضهام حرس ًة عىل فراقها‪.‬‬ ‫العاطفية‪ ،‬وعىل ِّ‬ ‫يف هذا البيت ريب َأبو شبكة عىل دالل َأبيه امليسور ّ‬ ‫حتى كانت الفاجعة‪ :‬يف‬ ‫كانون ا َألول ‪ ،1913‬وكان والدُ ه يف السودان جيول عىل َأعامله وممتلكاته يف اخلرطوم‪،‬‬ ‫وصل ِإىل البيت رئيس معهد عينطوره (حيث كان الياس يتابع دروسه) َوأخذ‬ ‫كتفيه‪ :‬ال تنتظ ْر َأ َ‬ ‫بالصبي ً‬ ‫قائال وهو ير ِّبت عىل َ‬ ‫باك بعد اليوم يا ُب َن ّي‪َ .‬أبوك صار‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫واتضح ً‬ ‫الحقا أ ّن ُقطاع الطرق اغتالوه يف صحراء مقفرة‪ ،‬واستولوا عىل‬ ‫يف السامء‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ما كان حيم ُله من مال‪ ،‬وعىل ساعته الذهبية الثمينة ّ‬ ‫املدالة من جيبه‪.‬‬ ‫عسر‪ ،‬وتبدّ دَ ت ثروة َأبيه‬ ‫منذ ذاك اليوم تبدّ َلت حياة‬ ‫الصبي‪ .‬انق َلب ُاليرس ِإىل ْ‬ ‫ّ‬ ‫مع الدائنني ومع ضيق املعيشة يف احلرب العاملية ا ُألوىل‪ ،‬وبعدها ُ‬ ‫اضط ّر الفتى ِإىل‬ ‫ترك املدرسة والعمل لتحصيل معيشة والد ٍة وشقيقة‪ ،‬وللمحافظة عىل البيت‪.‬‬ ‫ً‬ ‫والحقا‪ ،‬يف دفرت ّ‬ ‫مذكراته‪َ ،‬كتب يوم ‪ 20‬شباط ‪:1930‬‬ ‫وهو حافظ عليه بعناد‪.‬‬ ‫‪‬وص َل ْتني اليوم رسال ٌة من صهري غصن غصن زوج شقيقتي ماري يف نيويورك‪،‬‬ ‫‪266‬‬


‫بيتُ ك‬ ‫ٌ‬ ‫متحف لك‬

‫ك����ان‬ ‫أ َ ِرج���������ع ل���ن���ا م����ا‬ ‫ْ‬ ‫أ َ ِرج����������ع ِإل����ي����ن����ا ال����ص����ا ْج‬ ‫ِ‬ ‫وخ����ص���� َب����ن����ا يف ال�����رىب‬ ‫ِ‬ ‫واس����ت���رج��������ع ِ ال����ك��ه�راب‬ ‫اي ده���������ر ُ أ َ ِرج�������������ع ل��ن��ا‬

‫ل���ب���ن���ان‬ ‫اي ده���������ر ُ يف‬ ‫ْ‬ ‫������������رن وامل����ه����ب����ا ْج‬ ‫وا ُجل�‬ ‫َ‬ ‫ال�����ّس�����ا ْج‬ ‫ون������������ورَان يف‬ ‫رّ‬ ‫ِ‬ ‫�����������������اذابت ال����غ��ن�ى‬ ‫وك�‬ ‫���ان‬ ‫م�����ا ك� ْ‬ ‫ل��ب��ن��ان‬ ‫يف‬ ‫ْ‬ ‫(‪‬ا َأللحان‪)‬‬

‫ويف هذا البيت بقي بدون زوجته ّ‬ ‫حتى بعد زواجه (اخلميس ‪ 10‬كانون ا َألول ‪)1932‬‬ ‫وبقيت ُأولغا تعيش يف بيت َأهلها‪.‬‬ ‫َ‬ ‫فعاش فيه مع والدته (نايلة غصن) وشقيق ِته ﭬـرجيني‪َ ،‬‬

‫ويف هذا البيت زاره ميخائيل نعيمه عام ‪ 1933‬وذكر يف كتاب سريته ‪‬سبعون‪‬‬ ‫مقطعا ً‬ ‫طويال‪ ،‬منه‪ ... :‬كان النهار ً‬ ‫سبتا من َأوائل آذار‪ ،‬ودَ عاين‬ ‫عن تلك الزيارة‬ ‫ً‬ ‫مساء السبت‪ ،‬ومننا َ‬ ‫ليلتنا‬ ‫فلب ُ‬ ‫الياس ِإىل متضية هنار ا َألحد عنده يف الزوق‪ّ ،‬‬ ‫يت دعوته َ‬ ‫رسين عند النوم َأن َأرى ُمضيفي َيستوي يف رسيره‬ ‫ا ُألوىل يف غرف ٍة واحدة‪ .‬وكم َّ‬ ‫و ُيص ّلي بحرارة املؤمن‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫ت بعد زواجه‪ ،‬ظ َّلت ً‬ ‫طويال يف صدر قاعة االستقبال الكربى‬ ‫ويف هذا البيت‪ ،‬سنوا ٍ‬ ‫اجلميل َأن يرسمها ِل ُـم ّغني ٍة‬ ‫لوح ٌة زيتي ٌة كان الشاعر طلب من صديقه الفنان قيرص ّ‬ ‫حبها َأبو شبكة‪ّ ،‬غناها يف شعره َّ‬ ‫وغنت بصوهتا املخميلّ َأبياته فيها‪ ،‬ومنها‪:‬‬ ‫سمراء َأ ّ‬

‫فجن‬ ‫جُ�نَّ��ت ادلن��ي��ا كما هن��وى‪ُ ،‬‬ ‫أَن��زل َ��ت ع��ي��ن� ِ‬ ‫�اك يف صحرائها‬ ‫يه ك��� ّن���ارةُ ف��ت��ح ٍ يف ي��دي‬ ‫س��وف نغدو يف ال���ورى أُس��ط��ور ًة‬

‫م��ن��ك ِ‬ ‫ِ‬ ‫وم�ني‬ ‫���وى‬ ‫ِإمن����ا ادلن��ي��ا ه� ً‬ ‫م��ن ِ‬ ‫ْ��واي ومَ�ّنّ‬ ‫مس��اء‬ ‫احل��ب َس��ل َ‬ ‫ّ‬ ‫ال��ش��ك‪ ،‬فغَن‬ ‫ط��ار ع��ن أَواتره����ا‬ ‫ُّ‬ ‫�اس اهل���وى ع��ن� ِ‬ ‫�ك وعَ�ني‬ ‫ينقل ال��ن� ُ‬ ‫(‪ِ ‬إلى ا َألبد‪)‬‬ ‫‪269‬‬


‫القسم الثالث‪َ ... :‬أ َت ْي َت ا َألرض‪...‬‬

‫كي ُيهدُ وها ِإىل َأصدقائهم‪ .‬كلّ دفرت من ‪ 180‬صفحة (صفحة لكلّ يومني من َأيام‬ ‫السنة)‪ .‬الدفرت ا َألول ّدون فيه الشاعر ّ‬ ‫مذكراته بني ‪ 1931/1/1‬و‪ ،1931/10/30‬الثاين‬ ‫من ‪ِ 1934/4/4‬إىل ‪ ،1934/6/16‬والثالث من ‪ِ 1934/10/7‬إىل ‪ .1934/12/31‬ويف‬ ‫هذه الدفاتر خواط ُر للشاعر عن هواجسه وحياته اليومية وصعوبات عمله‪ ،‬ويف مجيعها‬ ‫ْذك ٌر دائم للبيت‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫حب َأبو شبكة جا َر َته ابن َة الزوق ُأولغا ساروفيم‪ّ ،‬ثم خطبها وكان يع ِّللها كلَّ‬ ‫َأ ّ‬ ‫فرت ٍة ُبقرب موعد الزواج‪َ .‬أما السبب فالصعوبات املادية‪ .‬يف يومية ‪ 12‬شباط ‪1931‬‬ ‫قبضت هذه ا َأليام يف الشهر احلايل سوى مثاين‬ ‫َكتب‪ :‬مل يبقَ يف جيبي من كلّ ما‬ ‫ُ‬ ‫لريات‪ .‬جيب َأن َأضع حدًّ ا لنفقايت اجلنونية‪ ،‬وال َأنسى َأين صاحب عيلة مؤ ّلفة من‬ ‫نتزوج؟‪.‬‬ ‫والد ٍة وشقيق ٍة وخطيب ٍة ما تزال تنتظر الف َرج منذ تسع سنوات‪ .‬فمتى ّ‬ ‫ْ‬ ‫ت اليوم خطيبتي ُأولغا وهي‬ ‫يومية ‪ 15‬شباط ‪َ 1931‬كتب‪:‬‬ ‫‪‬فاجأ ُ‬ ‫وبعد ثالثة َأيام‪ ،‬يف ّ‬ ‫ففهمت َأهنا ّ‬ ‫تفكر يف الزواج وقد م ّر عىل خطبتنا تسع سنوات‪.‬‬ ‫تبكي‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫حصتي‬ ‫‪‬لدي فكر ُة َأن َأبيع غدً ا ّ‬ ‫يف ِإحدى رسائله ِإليها (‪َ 16‬أيلول ‪َ )1925‬كتب‪ّ :‬‬ ‫خطر ُأمي وال سواها‪ .‬وعىل هذا ُأريد َأن َأحتدّ ثَ‬ ‫ونتزوج فو ًرا من دون َأن ُأ ِ‬ ‫يف البيت ّ‬ ‫ِإلي ِك ً‬ ‫ت ِإىل‬ ‫طويال‪ .‬لكنني ال َأستطيع‬ ‫املجيء ِإلي ِك يف البيت وال فائد َة من جميئ ِك َأن ِ‬ ‫َ‬ ‫حصته وبقي ً‬ ‫حمافظا عىل البيت‬ ‫بيتي‪ِ .‬إنزعي هذه الفكرة من ْرأس ِك‪ .‬لكنه َلم َي ِب ْع ّ‬ ‫زمنا ً‬ ‫بقيت ً‬ ‫طويال بعد وفاته‪.‬‬ ‫الذي َكتب عىل جدرانه مئا ٍ‬ ‫ت من َأبيات الشعر َ‬ ‫ويف هذا البيت كان ُيحب َأن ُيميض َ‬ ‫يذهب ِإىل ارتباطاته املهنية‪.‬‬ ‫وقته حني ال‬ ‫ُ‬ ‫شعرت بعاطفة تدفعني ِإىل‬ ‫ومن يومية ‪ 5‬شباط ‪ :1931‬مل َأذهب اليوم ِإىل بريوت‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫نظمها من‬ ‫وكتبت عرشين ًبيتا من قصيديت ‪‬غلواء‪‬‬ ‫فبقيت يف البيت‬ ‫َّالن ْظم‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫استغرق ُ‬ ‫صباحا ِإىل الظهر‪.‬‬ ‫ً‬ ‫الثامنة‬ ‫ويف هذا البيت َكتب قصائدَ ه ومقاالته عىل نكهة قهوته وكركرة نارجيلته ونور‬ ‫السراج‪ .‬فهو رفض ِإدخال الكهرباء ِإىل بيته ُم َط ِّب ًقا ما دعا ِإليه هو نفسه يف شعره‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫‪268‬‬


‫بيتُ ك‬ ‫ٌ‬ ‫متحف لك‬

‫باالنتقال ِإىل املستشفى فتتو ّفر له وسائل العالج يف بريوت َأكثر منها يف الزوق‪ .‬ويف‬ ‫الطب حائ ًرا عاجزًا ال ميلك سوى املورفني ُي ّ‬ ‫آالما‬ ‫املستشفى الفرنيس وقف‬ ‫خفف به ً‬ ‫ّ‬ ‫يتذمر‪ ،‬عىل َأمل الشفاء القريب‬ ‫ب ال يشكو وال ّ‬ ‫مربحة َت َّ‬ ‫بصرب عجي ٍ‬ ‫ّ‬ ‫حملها الياس ٍ‬ ‫ُيع ّلله به ا َألطباء رمح ًة بشبابه ومبا كانوا يطالعونه يف عينيه من تع ُّلقه باحلياة التي‬ ‫حبها من َأجل ‪‬لياله‪ .‬ويف املستشفى كان ّ‬ ‫يؤكد ُلع ّواده َأنه عائدٌ بعد َأيام ٍ ِإىل‬ ‫َأ ّ‬ ‫بيته يف الزوق‪ .‬لكنه يف الرابعة صباح ِاإلثنني ‪ 27‬كانون الثاين ‪ 1947‬انف َرجت شفتاه‬ ‫عن ابتسام ٍة بعيد ٍة َ‬ ‫وهبط‪ .‬ما يستطيع‬ ‫ومتتم‪ :‬عصفو ٌر ٌ‬ ‫صغري‪ ...‬طار‪ ...‬طار‪َ ...‬‬ ‫عصفور صغري؟‪َ .‬وأغمض عينيه ِإىل ا َألبد‪.‬‬ ‫هنا ُر ْمأمته كان ً‬ ‫كثري الرعد‪ ،‬ويروي َأصدقاؤُ ه َأ ّن شباب الزوق‬ ‫حزينا‪ ،‬ماط ًرا َ‬ ‫ت كثري ًة َأمام بيته قبل َأن حيملوه ِإىل املدفن ا َألخري َألهنم‬ ‫ر َقصوا بتابوته ا َألبيض دورا ٍ‬ ‫انقصف يف ع ّز شبابه ومل يكمل‬ ‫كانوا يعرفون كم كان هذا البيت يعني للشاعر الذي َ‬ ‫الرابعة وا َألربعني‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫عاما‪ً .‬‬ ‫ت‬ ‫ظلّ بيت َأبو شبكة مهجو ًرا ثالثني ً‬ ‫وحمبوه مقاال ٍ‬ ‫وعبثا كتب َأصدقاؤه ّ‬ ‫وبقيت‬ ‫َ‬ ‫لتعمد الدولة اللبنانية ِإىل استمالك البيت قبل َأن ينهار عىل م ّر السنني‪َ .‬‬ ‫ممتلئ الطموح والتفكري‬ ‫رئيس بلدي ٍة‬ ‫سدى حتى توافر للزوق‬ ‫النداءات تذهب‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫احلضاري ببلدته وتطويرها لـمواكبة العرص‪ ،‬هو املحامي هناد نوفل الذي سعى بوسائل‬ ‫ّ‬ ‫بلد ّيته املحدودة ِإىل تكريم شاعر الزوق كام يليق به التكريم‪ ،‬فكان وراء تسمية‬ ‫املدرسة الرسمية يف الزوق باسم ‪‬تكميلية الياس َأبو شبكة‪ ،‬وعند الفراغ من بناء‬ ‫خصص قاعة للمطالعة فيها باسم ‪‬قاعة الياس َأبو شبكة‪،‬‬ ‫القرص البلدي يف الزوق ّ‬ ‫وهو يفتح قاعة املحارضات يف ‪‬القرص‪ ‬لـمهرجانات ذكرى الياس َأبو شبكة‪ ،‬ويف‬ ‫صدرها لوحة زيتية للشاعر اشرتاها هناد نوفل من متحف الفنان جان خليفة‪.‬‬ ‫بيت الشاعر م ّر َبأزمات حادة واجهها رئيس البلدية خالل احلرب‪ .‬ففيام‬ ‫وكان ُ‬ ‫كان ينهي معامالت استمالك البيت من الورثة ومالكني جدُ د منقسمني حول توا ُرثه‬ ‫‪271‬‬


‫القسم الثالث‪َ ... :‬أ َت ْي َت ا َألرض‪...‬‬

‫ً‬ ‫كراما لزوجته‬ ‫وعبثا حاول َأصدقاء الشاعر ِإقناعَ ه ب ِإنزال اللوحة من مكاهنا ِإ ً‬ ‫وبقيت اللوحة يف صدر البيت‬ ‫ووالدته ووضعه االجتامعي‪ .‬كان عنيدً ا يف قناعاته‪َ ،‬‬ ‫حتى ‪ 1940‬حني َ‬ ‫اجلميل‬ ‫اختفت َ‬ ‫يوم َأنزهلا الشاعر َوأعادها ِإىل صديقه الفنان قيرص ّ‬ ‫طالبا منه ِإرساهلا ِإىل تلك ّ‬ ‫املغنية‪.‬‬ ‫ً‬ ‫حبه ا َألخري وا َألقوى‪ .‬يف ذاك البيت كانت ليىل‬ ‫وكان البيت‬ ‫ً‬ ‫حارضا يف ّقصة ّ‬ ‫تزو ُره مصحوب ًة بخادمتها العجوز ا ّتقاء َ‬ ‫َ‬ ‫ورسعان ما تغفو‬ ‫لأل ُلسن الواشية اخلبيثة‪.‬‬ ‫هناء ُة اللحظات‪ .‬وهو ُ‬ ‫يذكر ذلك يف ‪‬العام الثاين‪ ‬من ‪ِ ‬إىل ا َألبد‪:‬‬ ‫العجوز ف ــ ‪َ ‬تحلو َ‬

‫انم ِإ ّال اهل��وى ف �أَه� كُ ِ‬ ‫�ل انم��وا وعىل‬ ‫��ب���ا‪ ...‬كما‬ ‫ج � ْئ��تِ�ني تنضحني ح� ً‬ ‫ي ب����أْس ٍ ع��ل��ي� ِ‬ ‫�ك واأل َمـَ���ـ��� ُة‬ ‫أ َ ُّ‬ ‫ِإهنا من ذَوي� ِ‬ ‫ٍ‬ ‫مضان ما عىس‬ ‫خري‬ ‫�ك ُ‬ ‫ف��اهس��ري‪ ،‬ف��ال��ع��ج��وزُ انمَ���ت عىل‬

‫ال��ل��ي��ل م��ن ه���واان ـِ‬ ‫احتـــــــشا ُم‬ ‫ينضح نو ًرا من القُ َمري الغـَــــــــــــما ُم‬ ‫ُ‬ ‫ين ومَمسَ ٌع وـكــــال ُم؟‬ ‫الشيخ ُة عَ� ٌ‬ ‫أَن ي��ق��ول واش ٍ ـحــــــــــرـا ُم؟‬ ‫�س � َن� ِ�د هس��ران�� ًة‪ ...‬علهيا ال��س�لا ُم!‬ ‫امل� ْ‬ ‫َ‬

‫حب ليىل التي‪ ،‬بعد طول شقاءٍ‬ ‫حبه الكبري‪ّ ،‬‬ ‫ويف هذا البيت َأزه َرت ّقص ُة ّ‬ ‫وكتب َأمجل قصائده‪.‬‬ ‫وانتظار‪ ،‬ع َرف معها َأسعد َأيامه‬ ‫َ‬ ‫رص كلّ يوم ٍ عىل العودة ولو َ‬ ‫ينام يف‬ ‫متأ ّخ ًرا‪ ،‬فال َيرىض َأن َ‬ ‫و ِإىل هذا البيت كان ُي ّ‬ ‫بريوت كي َ‬ ‫قريبا من ‪‬لياله‪ .‬وروى َأحد َأصدقائه َأنه مر ًة مل يكن ميلك ُأجرة‬ ‫يكون ً‬ ‫مشيا من بريوت ِإىل الزوق (نحو عرشين كيلومرتً ا)‬ ‫سيار ٍة وال َ‬ ‫مثن بطاق ِة قطار فعاد ً‬ ‫كي ال يغيب عن ‪‬لياله‪ ‬التي كانت تنتظره ِإىل نافذة بيتها‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫ويف هذا البيت َ‬ ‫آالم املرض ا َألخري (اللوكيميا) َفأخذ خيضع‬ ‫بدأت تظهر عليه ُ‬ ‫جللسات طويلة من العالج والئحة طويلة من ا َألدوية والعالجات‪ .‬ويف هذا يقول‬ ‫صديقه احلميم فؤاد حبيش صاحب ‪‬املكشوف‪ ‬يف ّ‬ ‫مذكراته‪ :‬الزم الياس رسي َره‬ ‫شه ًرا ً‬ ‫كامال يف تلك الغرفة العتيقة من بيته يف الزوق‪ ،‬حتى َأشار عليه ا َألطباء‬ ‫‪270‬‬


‫بيتُ ك‬ ‫ٌ‬ ‫متحف لك‬

‫حارضا فيه َأكثر‪.‬‬ ‫حسك‬ ‫ً‬ ‫ختيل البيت يف غيابك ُفأ ّ‬ ‫َأ ّ‬ ‫َ‬ ‫حافيا ّ‬ ‫عرفت كيف ْتشحَ ُذه من‬ ‫قلمك الذي‬ ‫يتمشى عىل طرف‬ ‫َ‬ ‫َوأسمع صو َتك ً‬ ‫زنبق ونار‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫ختي َ‬ ‫لك ُ‬ ‫تكتب يف البيت َفأ ّهتيب املوقف َوأحبس َأنفايس من خلف ا َألطلنطيك‬ ‫َأ ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ورفيف قلم احلرب عىل‬ ‫قهوتك‬ ‫شفتيك عىل فنجان‬ ‫وحفيف‬ ‫سمع كركر َة َأركيل ِتك‬ ‫كي َأ َ‬ ‫َأغصان َأوراقك‪َ .‬وأعرف‪ ،‬من قراءيت ِّ‬ ‫مذك َ‬ ‫راتك مرا ًرا هنا يف هذه ُالغربة القاسية‪،‬‬ ‫سوداء كي ُتحافظ هلذا البيت عىل ذكرياته البيضاء‪.‬‬ ‫ياما‬ ‫َأعرف كم‬ ‫َ‬ ‫واجهت َأ ً‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ترفرف فيه وتنتظرك‪ .‬ما‬ ‫والذكريات‬ ‫سبع َوأربعون وهذا البيت من دونك‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬ ‫َأمجل انتظا َر الكون َأن يزوره شاعر‪.‬‬ ‫مالمح يف َ‬ ‫بيتك والوطن يف سبع َوأربعني‪.‬‬ ‫تغي َرت‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫سبع َوأربعون‪ ...‬وكم ّ‬ ‫نت اليوم‪ِ :‬إ ْ‬ ‫ومن ُ‬ ‫بيتك ِإ َ‬ ‫هنأ بعودة َ‬ ‫ليك كام يليق بالعودة َأن تكون‪.‬‬ ‫حيثام َأ َ‬ ‫َ‬ ‫دت ِإىل َ‬ ‫لوطن َغ َّن ْي َت ُه َف َأ ْغ َن ْي َته‬ ‫ّنيالك‪ ...‬عُ َ‬ ‫بيتك ومل ُتعد مثيل يف املنأى‪ .‬وهني ًئا ٍ‬ ‫حتى َ‬ ‫حببته ّ‬ ‫من هذا البيت الذي َأ َ‬ ‫جعلته عنوا ًنا يف كتاباتك‪.‬‬ ‫تستطيع َأن تدخلَ ِإىل َ‬ ‫كنت ختشع‬ ‫بيتك من جديد‪،‬‬ ‫بعد اليوم‬ ‫وختشع كام َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫نت تص ّلي قبل َأن تنام‪ ،‬وتردِّ دَ ما َ‬ ‫إميان عظيم‪:‬‬ ‫يوما عن‬ ‫ُكلّ ليل ٍة َوأ َ‬ ‫قلت ُه ً‬ ‫بالدك يف ٍ‬

‫������ت ك��ال��ف��ج��ر فَ� ِ‬ ‫ِ‬ ‫��ت��� َّي���ه‬ ‫أَن�‬ ‫ط���������هرِّ ي ال������ي������و َم ديم‬ ‫ي����س��ت�ر ْح ف���ي���ك رم������ادي‬

‫ن������ت ك��ال�شم��س غَ ِ‬ ‫ِ‬ ‫أَ‬ ‫��ن�� َّي��ه‬ ‫ك��������وين ف� ِ‬ ‫��م���ي‬ ‫وغ����������دا ُ‬ ‫ً‬ ‫ـي����ـ����ـ����ـ����ا ب������ل������ادي‬ ‫(‪‬ا َأللحان‪)‬‬

‫َ‬ ‫َّ‬ ‫(المنأى ال ُـم َوقت ‪ -‬بحرية الليمون ‪ -‬فلوريدا)‬ ‫َ‬ ‫(سلس َل ِتي ‪‬رسائل المنأى‪)‬‬ ‫ِ‬ ‫‪‬النهار‪ - ‬الجمعة ‪1994/1/28‬‬

‫‪273‬‬


‫القسم الثالث‪َ ... :‬أ َت ْي َت ا َألرض‪...‬‬

‫فواجا من املهجَّ رين وجدوا‬ ‫العقاري‪ ،‬جاءت احلرب يف لبنان َوأفرزت‪ ،‬يف ما َأفرزت‪َ ،‬أ ً‬ ‫يف بيت َأبو شبكة املهجور ً‬ ‫ملجأ هلم‪ .‬هكذا ‪‬احت ّله‪ ‬بعضهم فرتة ّثم جاء فريق آخر‬ ‫ف َ‬ ‫ً‬ ‫خريا‬ ‫ـ ‪‬أخىل‪ ‬البيت من حمت ّليه واحت ّله هو‬ ‫مستعمال ِإ ّياه ‪‬مستودَ عً ا لبيع ا َألحذية‪َ ،‬وأ ً‬ ‫جاءت عائل ٌة ُأخرى من املهجّ رين ف َ‬ ‫ـ ‪‬أخلت‪ ‬البيت من ا َألحذية َوأصحاهبا واحت ّلته‬ ‫فرت ًة طويلة‪.‬‬ ‫بعد تلك املراحل من ‪‬االحتالل التهجريي‪ ‬عادت ِإىل الدولة سلط ُة ِإخالء‬ ‫البيوت من املهجَّ رين فعاد البيت من براثن سبع عرشة سنة ‪‬احتالالت‪َ ،‬وأخذ‬ ‫متحفا بعدما َ‬ ‫طريقه لتحويله ً‬ ‫ارتأى رئيس البلدية‪ ،‬لتمويل مرشوع املتحف‪َ ،‬أن يبيع‬ ‫عال مقابلَ بيت َأبو‬ ‫بناء ٍ‬ ‫نصف العقار الكبري الذي يقوم عليه البيت‪ .‬واليوم قام ٌ‬ ‫لكن البيت نجا من البيع َأو اهلدم َأو املساس‪.‬‬ ‫شبكة ّ‬ ‫متس ْسه سوى رشاسة ا َأليام بعواصفها َوأمطارها‪ .‬وك ّلف رئيس البلدية جلن ًة‬ ‫مل َ‬ ‫لتهيئة املتحف و ْمجع ‪‬مرتوكات‪ ‬الشاعر حيث هي لدى َأهله َوأقربائه َوأصدقائه‬ ‫وحمبيه‪ِ ،‬إضاف ًة ِإىل تراثه املخطوط واملطبوع‪ ،‬فيعود ُ‬ ‫متحفه ذاكر ًة حي ًة لبيته الذي كان‬ ‫ّ‬ ‫تع ُّل ُقه به شديدَ ا َألثر‪.‬‬ ‫حمبيه‪:‬‬ ‫هكذا تكون حتققت لذكرى َأبو شبكة ُأمني ٌة غالية عىل قلب الشاعر وقلوب ّ‬ ‫يتحول ً‬ ‫البيت الذي حافظ عليه الشاعر رغم َأشدّ الصعوبات احلياتية‬ ‫متحفا ذاك‬ ‫ُ‬ ‫َأن ّ‬ ‫رشاس ًة وجاء بعد غيابه َمن حيافظ عليه رغم َأشدّ صعوبات احلرب اللبنانية رشاسة‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫فيا شاعر ‪‬الزوق‪َ ،‬أهيا العاشق ِإىل ا َألبد‪ :‬هوذا ُبيت َك يف ‪‬الزوق‪ ‬يعودُ ِإليك‪.‬‬ ‫وجع ما معنى البيت‬ ‫َوأنا من هنا‪ ،‬من منآي البعيد القايس‪َ ،‬أعرف َأكث َر َوأ َ‬ ‫واحلنني ِإىل املطارح يف البيت‪.‬‬ ‫فهني ًئا َ‬ ‫الدافئ يعيد ِإليك ف َر ًحا ع َّل َمتنا ِإياه يف بيوتنا ودفاترنا ُ‬ ‫وكتب‬ ‫لك ُبيتك‬ ‫ُ‬ ‫ا َألشعار‪.‬‬ ‫‪272‬‬


‫‪ 77‬الشارع‬ ‫العام‬ ‫زوق مكايل‬

‫سلبيا من َأ ِل ِفه ِإىل يائه ِإ ّال ِإجيابي ًة وحيد ًة َ‬ ‫طغت عىل سلبياته‬ ‫جاء ذاك املقال ًّ‬ ‫ً‬ ‫مدخال ِإىل َتع ُّريف برئيس بلدية زوق مكايل املحامي هناد نوفل الذي‬ ‫مجيعها‪ :‬كان‬ ‫كانت ردَّ ُة ْفع ِله عىل املقال َأ ْن ع ّلقه عىل لوحة خاصة يف القرص البلدي‪ .‬وحني‬ ‫ُ‬ ‫وضح يل هبدوئه ونضجه وحكمته ما لديه من‬ ‫التقيت ُه بعدها يف‬ ‫نائي َأ َ‬ ‫اجتامع ُث ٍّ‬ ‫ٍ‬ ‫ومشاريع حتت الدرس لرتميم البيت وحتوي ِله ً‬ ‫متحفا‪.‬‬ ‫ت راهنة َوأفكار مستقبلية‬ ‫َ‬ ‫معطيا ٍ‬ ‫وكان ذاك االجتامع فاحت َة صداق ٍة يل مع هناد نوفل هي اليوم بني َأغىل صداقايت‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫شاب‬ ‫موقف الرئيس هناد نوفل جم ّردَ كالم ٍ لتهدئ ِة‬ ‫يف ذاك االجتامع مل يكن‬ ‫ٍّ‬ ‫س ّ‬ ‫ت‪ ‬ال ‪‬سوف َأفعل‪َ )‬أنه‬ ‫حتى َّالت َس ُّرع بل َأ َفه َمني (عىل مبد ِإه‪ :‬فع ْل ُ‬ ‫ِّ‬ ‫متحم ٍ‬ ‫ت وتصميم ٍ عىل مواجهة الصعوبات‪ .‬وكان ُيشارك يف كلّ احتفال عن‬ ‫َيعمل بصم ٍ‬ ‫َأبو شبكة‪ ،‬بل يرعاه‪ ،‬يف قاعة حمارضات القرص البلدي‪.‬‬ ‫طاو َلت‪ ،‬بيت‬ ‫وطاو َلت‪ ،‬بني ما َ‬ ‫وجاءت احلرب التي َأشعلت لبنان سنة ‪َ 1975‬‬ ‫ت كان‬ ‫ً‬ ‫َأبو شبكة فكان َس ْب ًيا‬ ‫مستباحا ِل َمن تعاقبوا عىل ‪‬احتالله‪ ‬و‪‬سكناه‪َ ‬ومـحْ و َأبيا ٍ‬ ‫َأبو شبكة َكتبها عىل احليطان‪ُ ،‬‬ ‫وعبثوا بالبقية الباقية من معامله التزينية والنقوشية‪ ،‬وبلغ‬ ‫ا َألمر ببعضهم ِإىل َحدّ فتح البيت مستودعً ا لبيع ا َألحذية‪ ،‬ما َأشعلَ الغضب يف بعض‬ ‫تطالب الدولة بالتح ُّرك و ُتـح ِّرض بلدية زوق مكايل عىل املبادرة‪.‬‬ ‫ا َألقالم‪ ،‬ومنها قلمي‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫مل تكن عنيُ الرئيس نوفل غائب ًة عن كلّ ما جرى وجيري ّ‬ ‫حتى َس َن َح ِاإلمكان‬ ‫فكانت خطوته ا ُألوىل ولع ّلها ا َألصعب‪ِ :‬إنقاذ البيت من خطر اهلدم بعدما اشرتاه من‬ ‫الترصف بالعقار (من دون اهتامم‬ ‫الورثة‪َ ،‬وأ‬ ‫ُ‬ ‫مقاولون و ُتجّ ا ُر بناءٍ يريدون ُّ‬ ‫صحاب احلقّ ِ‬ ‫كبري مكانه‪.‬‬ ‫لـام ّميثله َأو ما ّميثل‬ ‫صاحبه الشاعر) و َي ُنوون َ‬ ‫ُ‬ ‫مركز ٍ‬ ‫هدم البيت لتشييد ٍ‬ ‫الرئيس احلريص عىل تراث َأبو شبكة سارع ِإىل استمالك العقار‪َ ،‬‬ ‫ت من‬ ‫وبدأ ْ‬ ‫ُ‬ ‫يومها مسري ٌة صعب ٌة ُم ْضنية (ضمن ِاإلمكانات البلدية املتوافرة) نحو سعي البلدية ِإىل‬ ‫رصني َن َقلَ البيت من حالته املزْرية َ(أبوا ُبه خم َّلعة‪،‬‬ ‫ترميم البيت‪ ،‬وهو ما جرى ِب ُب ْطءٍ‬ ‫ٍ‬ ‫سقفه َّ‬ ‫مكسرة‪ ،‬حيطا ُنه مق َّلشة‪ُ ،‬غ َر ُفه تالفة‪ُ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫حمطم‪ ،‬خشبه منخور) ِإىل‬ ‫شبابيكه منهار ٌة َّ‬ ‫َ‬ ‫والرسوم عىل سقفه وجدرا ِنه ْ‬ ‫وبن َي َته‬ ‫وشبابيكه‬ ‫ورشة ترميمية َأعادت ِإليه تباعً ا َأبوا َبه‬ ‫َ‬ ‫‪275‬‬


‫‪ 77‬الشارع العام ‪ -‬زوق مكايل‬

‫َ‬ ‫ترقيم بلدية زوق مكايل‪ :‬بيت أبو شبكة رقمه ‪77‬‬

‫كتبت‬ ‫يف مطلع حيايت الصحافية‪َ ،‬وأول عهدي بالكتابة يف جريدة ‪‬النهار‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫مقاال ً‬ ‫ً‬ ‫طويال امتدّ عىل صفح ٍة كاملة بعنوان ‪‬الياس َأبو شبكة‪ِ :‬إهنم ال َيحرتمونك‪‬‬ ‫(اجلمعة ‪ 31‬كانون الثاين ‪ )1975‬ملي ًئا بحامسة الشباب التي تبلغ َأحيا ًنا حدّ الرعونة‬ ‫َ‬ ‫املهتمة‬ ‫غري‬ ‫وارجتال‬ ‫غري مسؤُ ولة‪َ ،‬ص َب ْب ُ‬ ‫ّ‬ ‫ت فيه ً‬ ‫ِ‬ ‫غضبا شديدً ا عىل الدولة ِ‬ ‫مواقف ِ‬ ‫خراب‬ ‫بيت َأبو شبكة يتآكله‬ ‫برتاث َأبو شبكة‪ ،‬وعىل بلدية زوق مكايل التارك ِة َ‬ ‫ٌ‬ ‫هيدّ ده باالهنيار‪.‬‬ ‫‪274‬‬


‫‪ 77‬الشارع‬ ‫العام‬ ‫زوق مكايل‬

‫يومها دَ َخ َل ْت ُه غلواء (زوجة الشاعر) للمرة ا ُألوىل بعد تسع َوأربعني سنة‪ ،‬وكان‬ ‫املرممة ُوأزحيت‬ ‫تارخييا يف زوق مكايل جال فيه‬ ‫هنا ًرا‬ ‫املدعوون عىل غرف البيت َّ‬ ‫ُّ‬ ‫ً‬ ‫(حجري ب ِإزميل بيار كرم)‪.‬‬ ‫الستارة َأمام البيت عن ِتمثال الشاعر‬ ‫ّ‬ ‫كبريا َمج َع كبار‬ ‫القرص‬ ‫شهدَ‬ ‫البلدي مهرجا ًنا شعر ًيا ً‬ ‫ُّ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫واحتفاء بـِخمسينية َأبو شبكة‪ِ ،‬‬ ‫الشعراء من مرص (فاروق شوشة)‪ ،‬وسوريا (سليامن العيسى)‪ ،‬والعراق (عبدالوهاب‬ ‫خطباءه السفري فؤاد‬ ‫البيايت) والسودان (حممد الفيتوري)‪ ،‬ولبنان (سعيد عقل)‪ ،‬وقدَّ م‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫وح ُضوره يف مقدّ مة‬ ‫الرتك‪ ،‬وكان املهرجان يف رعاية رئيس اجلمهورية الياس اهلراوي ُ‬ ‫مجهور كثيف احتشد لالحتفال بشاعر زوق مكايل ولبنان‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫واصلَ العمل عىل‬ ‫ف الرئيس هناد نوفل مبهرجان اخلمسينية واحتفاالهتا‪َ .‬‬ ‫مل يكت ِ‬ ‫متحفا‪ّ ،‬‬ ‫هتيئة البيت ً‬ ‫وشكل جلن ًة خاصة جلمع الرتاث املطبوع واملخطوط َ‬ ‫واملقتنيات‬ ‫الباقية من َأيام َأبو شبكة‪ ،‬فازدهى البيت برسير الشاعر وبعض خزائنه واستعاد‬ ‫َ‬ ‫والصور ُ‬ ‫والكتب واملخطوطات‬ ‫نقوشه وشك َله ا َأل ّول‪ ،‬ودخ َل ْت ُه جمموع ٌة كبرية من الوثائق‬ ‫َ‬ ‫وكلِّ ما جيعله ً‬ ‫رائع من الفنان العاملي جان لوي‬ ‫متحفا‬ ‫ً‬ ‫ٍّ‬ ‫شخصيا بتصميم ٍ‬ ‫هنديس ٍ‬ ‫ِم ْن ِغي االختصايص هبذا النوع من املتاحف عىل غرار املتاحف العاملية َألعالم العامل‪.‬‬ ‫قبل البيت واملتحف كانت البلدية نجحَ ت يف تسمي ٍة تربوية‪ :‬تكميلية الياس‬ ‫ت متتالي ٍة شهدَ ت‬ ‫َأبو شبكة الرسمية املختلطة‪ ،‬ومرا ًرا فتحَ ت قرصها‬ ‫البلدي ملهرجانا ٍ‬ ‫ّ‬ ‫مرجعيا عن الشاعر‪ِ ،‬إضاف ًة‬ ‫كالما شعر ًيا ونثر ًيا عن َأبو شبكة بات اليوم‬ ‫عىل منربها ً‬ ‫ً‬ ‫ت دراسية يف بيت الشاعر َّ‬ ‫سيدة اللويزة)‬ ‫ِإىل مؤمتر َأ ّ‬ ‫ديب من َأربع ندوا ٍ‬ ‫(نظ ْمتها جامعة ّ‬ ‫متهيدً ا لتكريسه ً‬ ‫ت َأدبية‪.‬‬ ‫الحقا ‪‬بيت ا ُألدباء‪ ‬يعقدون فيه حلقا ٍ‬ ‫ت لوجستية باتت يف مراحلها ا َألخرية َ(أثا ًثا‪ ،‬و ُبني ًة حتتي ًة‪،‬‬ ‫ويف انتظار جتهيزا ٍ‬ ‫ً‬ ‫وعرضا للموادّ وفق تصاميم جان لوي ِم ْنغي)‪ ،‬جيثم البيت اليوم ِبهالته َو َه ْي َب ِته بعدما‬ ‫ورواده عىل عنوان‬ ‫لزواره ّ‬ ‫استعاد َأ َلقه الشكيل ويستعدُّ َأللقه املضموين حني َينفتح ّ‬ ‫ُم َر َّم ٍز من ترقيم بيوت زوق مكايل وشوارعها‪ - 77 :‬الشارع العام ‪ -‬زوق مكايل‪.‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫‪‬أنوال‪ - ‬كانون األول ‪2006‬‬

‫‪277‬‬


‫القسم الثالث‪َ ... :‬أ َت ْي َت ا َألرض‪...‬‬

‫َ‬ ‫شارع أبو شبكة يف بريوت‬

‫البيت َيستعيدُ احلياة‪ً ،‬‬ ‫شكال عىل ا َألقلّ ‪ ،‬يف‬ ‫التحتية واحليا َة ِإىل قرميده وحميطه‪ ،‬وراح‬ ‫ُ‬ ‫انتظار عودة احلياة ِإىل املضمون‪.‬‬ ‫يف سبيل ذلك ّ‬ ‫شكل الرئيس نوفل ‪‬جلنة متحف الياس َأبو شبكة‪َ ‬ت َر َّأسها‬ ‫وضمت بني كبار اللبنانيني‪ :‬غسان تويني‪ ،‬نقيب الصحافة‬ ‫الرئيس شارل حلو‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫السيدة نايلة معوض‪،‬‬ ‫السيدة رباب الصدر‪ّ ،‬‬ ‫السيدة ّهبية احلريري‪ّ ،‬‬ ‫حممد البعلبكي‪ّ ،‬‬ ‫عالما آخرين راحوا جيتمعون يف‬ ‫السيدة رميا شحادة‪ ،‬الدكتور لطف اهلل ملكي‪َ ،‬وأ ً‬ ‫دارة الرئيس حلو و ُي ِّ‬ ‫خططون لوالدة املتحف‪.‬‬ ‫التحضري كانت ُأمسي ٌة شعرية ّ‬ ‫نظمتها ‪‬مؤسسة ناديا‬ ‫املواك َب ِة‬ ‫َ‬ ‫وبني ا َألنشط ِة ِ‬ ‫رحة من ناديا تويني وفؤاد َأبو‬ ‫ت ُم َـم ْس َ‬ ‫تويني‪ ‬يف حديقة زوق مكايل العامة لقراءا ٍ‬ ‫زيد والياس َأبو شبكة‪.‬‬ ‫وهنار ذكرى غياب الشاعر (‪ 27‬كانون الثاين) سن َة مخسينيته (‪ )1997-1947‬كان‬ ‫االحتفالُ الكبري بافتتاح ‪‬البيت‪ ‬بعد الفراغ من ترميمه‪َ ،‬تمهيدً ا لتحويله ً‬ ‫متحفا‪.‬‬ ‫‪276‬‬


‫وللبلديات دو ٌر ثقافي حضاري‬

‫َ‬ ‫(بإزميل بيار كرم) بين الصنوبرات قبالة بيته‬ ‫تمثال أبو شبكة ِ‬

‫الرسمي‬ ‫مساء افتتاحه‬ ‫الذين زاروا ‪‬بيت الشاعر‪ - ‬متحف الياس َأبو شبكة ‪-‬‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫بلوغ البيت‬ ‫متحفا (ا َألربعاء ‪ 18‬حزيران ‪ )2008‬طا َل َعهم ْدأبان‪ُ :‬‬ ‫الصرب الطويلُ حتى ِ‬ ‫مرحل َة املتحف (التوقيع‪ُ :‬نهاد نوفل) واجلاملُ يف عرض حمتويات املتحف (التوقيع‪:‬‬ ‫جان لوي ِمنغي)‪.‬‬ ‫‪279‬‬


‫القسم الثالث‪َ ... :‬أ َت ْي َت ا َألرض‪...‬‬

‫زحلة‪ :‬آخر قصيدة‪ ...‬آخر صورة‬

‫استثنائيا‬ ‫كان هنار اخلميس ‪ 20‬حزيران ‪ 1946‬مهرجا ًنا‬ ‫ً‬ ‫ايف زحلة َش ِهدَ خالله منرب ‪‬الكلية الرشقية‪ ‬االحتفال‬ ‫بــ‪‬مخيس اجلسد‪َ ‬ألقى خالله شعراء ُوأدباء قصائدَ‬ ‫نرش ْتها‬ ‫ت‪ ،‬بينها قصيد ُة الياس َأبو شبكة ‪‬زحلة‪َ ‬‬ ‫وكلام ٍ‬ ‫‪‬زحلة الفتاة‪ ‬يف عددها ‪ 2874‬هنار السبت ‪ 29‬حزيران‪،‬‬ ‫مت هلا بالكلمة التالية‪ :‬القصيدة اخلالدة التي َأنشدها‬ ‫وقدَّ ْ‬ ‫الشاعر الكبري ا ُألستاذ الياس َأبو شبكة يف مهرجانات‬ ‫مخيس اجلسد‪ ،‬واستحقّ من َأجلها اجلنسية الزحلية‪ ،‬وقد‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫تصفيقا حا ًّرا‪.‬‬ ‫ت من َأبياهتا‬ ‫صفق اجلمهور لكل بي ٍ‬

‫َ‬ ‫ُ َ ّ َ‬ ‫بخط أبو شبكة (اليوم بين أوراقه يف متحفه)‪،‬‬ ‫هنا القصيدة‬ ‫َْ‬ ‫ُ‬ ‫وصورت ُه يلقي القصيدة‪ ،‬كما نشرتها ‪‬زحلة الفتاة‪.‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫وهذه ُ‬ ‫وآخر صور ٍة له عىل منرب‪.‬‬ ‫آخر قصيد ٍة ألقاها أبو شبكة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫صح ُـته صيفا‪ ،‬وانهارت خريفا‪ ،‬ودخل‬ ‫تراجعت‬ ‫بعدها‬ ‫ً‬ ‫المستشفى شتاء (كانون الثاين ‪ ،)1947‬ومل يخرج منه حتى‬ ‫وفاته‪.‬‬

‫‪278‬‬


‫وللبلديات‬ ‫دور ثقافي‬ ‫ٌ‬ ‫حضاري‬

‫ُ‬ ‫رسالته ِإىل أولغا‬

‫لوحة شفيق عبود (‪)1946‬‬

‫آثار الشاعر معروضة يف المتحف‬

‫‪281‬‬


‫القسم الثالث‪َ ... :‬أ َت ْي َت ا َألرض‪...‬‬

‫من النقوش المعاد ترميمها‬

‫الرواق الداخيل المؤدي ِإىل الصالون‬

‫مدخل البيت‪/‬المتحف‬

‫فاملواد التي فيه َ(أمتع ُة الشاعر اخلاصة‪ :‬رسيره‪ّ ،‬‬ ‫نظارتاه‪ ،‬قلمه‪َ ،‬أغراضه‬ ‫الشخصية‪َ …،‬مخطوطا ُته الشعرية والنثرية‪ ،‬رسائلُ منه و ِإليه‪َ )… ،‬مجموع ٌة يف ُتؤَ دَ ٍة‬ ‫ب َأ ْثراها َ‬ ‫التأ ّني يف احلفاظ عىل البيت وعليها حتى جاء يوم االحتفال الكبري‪.‬‬ ‫دَ ؤو ٍ‬ ‫عرض هذه املواد يف طريق ٍة تشكيلي ٍة ذواق ٍة رهيف ِة‬ ‫والتنسيقُ اجلاميل الذي َت ّم به‬ ‫ُ‬ ‫املنسقة‬ ‫اخلربة والتدبري‪ ،‬جعلَ الدخول ِإىل املتحف متع ًة يف ذا ِتها قبل اكتشاف ا َألعامل َّ‬ ‫خزائن زجاجية‪َ ،‬أو عىل ستائ َر ّ‬ ‫موشا ٍة بقصائد الشاعر‪َ ،‬أو مع َّلق ًة عىل اجلدران‬ ‫يف‬ ‫َ‬ ‫صو ًرا ووثائقَ من زمان الشاعر‪.‬‬ ‫َ‬ ‫‪280‬‬


‫وللبلديات‬ ‫دور ثقافي‬ ‫ٌ‬ ‫حضاري‬

‫من مخطوطاته يف المتحف (‪)1926/12/24‬‬

‫ال ‪‬ماذا‪ ‬سوى االقتداء‪ .‬يف لبنان َ‪‬أبو شبكات‪ ‬كثريون ولكن ليس يف لبنان‬ ‫سوى ُنهاد نوفل واحد‪.‬‬ ‫رئيسها‪ ،‬بـحُ سن ِإدارته‬ ‫ماذا بعد؟ ِبـميزاني ٍة عادي ٍة يف بلد ّية زوق مكايل عَ رف ُ‬ ‫و ُر ْشد ِإنفاقه‪ ،‬كيف َيختزن منها ما َيجعلها قادر ًة عىل َتمويل هذا املرشوع الرائد‪.‬‬ ‫ال ُحجّ ة بعد اليوم َأل ّي رئيس بلدية يف لبنان َأن يعتذ َر عن تقصري‪َ ،‬أو ‪‬ينقَّ ‪‬‬ ‫ب من مبادرة‪َ ،‬أو َيختلقَ ا َألعذار‪ ،‬حني يف نطاق بلد ّيته مبدعٌ‬ ‫عىل ميزانية‪َ ،‬أو يته ّر َ‬ ‫بيت ويستحقّ َتحويل بيته ً‬ ‫متحفا‪.‬‬ ‫لبناين له ٌ‬ ‫البلدي ُة ليست ُمج ّرد صندوق مراجعات‪ ،‬وال ِإدارة نفايات‪ ،‬وال تزفيت ساحات‪،‬‬ ‫وال ترميم حفايف طرقات‪ ،‬وال ْتأمني الرصف الصحّ ي يف قنوات‪ ،‬وال ما يف البنية‬ ‫التحتية من يوميات‪.‬‬ ‫للبلدية دو ٌر ثقايف وحضاري ال عُ ْذر َلها َأ ّال تقوم به‪ .‬وال عُ ْذر لرئيس بلدي ٍة يف‬ ‫ضآلة ميزانية وال يف التقصري عن تدبري‪.‬‬ ‫‪283‬‬


‫القسم الثالث‪َ ... :‬أ َت ْي َت ا َألرض‪...‬‬

‫من المتحف‪ :‬صور غلواء يف مراحل مختلفة من عمرها‬ ‫ويف الوسط‪ :‬مرآة تبدو فيها صورة ليىل من الحائط المقابل‬

‫وجهه يف واجهة البيت‬

‫يف احلديث عن َ‪‬أفاعي الفردوس‪َ ‬كتب َأنطون قازان‪ُ :‬ولد الياس َأبو شبكة‬ ‫م َّرتني‪ُ :‬أوىل سنة ‪ ،1903‬وا ُألخرى سنة ‪ 1938‬عند صدور َ‪‬أفاعي الفردوس‪ ‬يف‬ ‫عيادة ‪‬مكشوف‪ ‬الشيخ فؤاد حبيش‪.‬‬ ‫اليوم ُيمكن القول ِإ ّن افتتاح متحفه (‪ 11‬حزيران ‪ )2008‬والد ٌة ُأخرى كذلك‪.‬‬ ‫سكن َبيته من جدي ٍد وهو بات ً‬ ‫متحفا يستقبل ّرواد الشعر‬ ‫فها هو َأبو شبكة َي ُ‬ ‫بواب وشبابيك‪،‬‬ ‫وا َألدب يف بيت الئق ظلَّ مهجو ًرا مخسني ً‬ ‫عاما تش َّلعت منه خالهلا َأ ٌ‬ ‫ب منه طيف الشاعر‪.‬‬ ‫تكس َرت‪ ،‬وه َر َ‬ ‫وطارت عن ْرأسه قرميدات ّ‬ ‫بشاعر َ‬ ‫ترك بصامته عىل‬ ‫اليوم يعود الياس َأبو شبكة ِإىل بيته الذي عاد جدي ًرا‬ ‫ٍ‬ ‫الشعر اللبناين والعريب‪ ،‬فال َأقلَّ من َأن تعود ِإىل بيته بصام ُته عىل َمخطوطاته وكتبه‬ ‫ووثائقه‪.‬‬ ‫ماذا بعد؟‬ ‫‪282‬‬


‫وللبلديات‬ ‫دور ثقافي‬ ‫ٌ‬ ‫حضاري‬

‫يف المدرج الروماين (حزيران ‪ )2008‬االحتفال بتدشين المتحف‪.‬‬ ‫من اليمين‪ :‬جوزف حرب‪َ ،‬أدونيس‪ّ ،‬‬ ‫غسان تويني‪ ،‬ڤينوس خوري غاتا‬

‫نقذ البيت‪ :‬نهاد نوفل‪ ،‬مهندس المتحف‪ :‬جان لوي منغي‬ ‫ُم ِ‬

‫‪285‬‬


‫القسم الثالث‪َ ... :‬أ َت ْي َت ا َألرض‪...‬‬

‫اللوحة عىل مدخل المتحف‬

‫قص الشريط عىل مدخل المتحف نهار االفتتاح الرسمي‬

‫َمن يعرف وال يبادر‪َ ،‬ف ْل َيخ ُرج من رشف العمل البلدي‪.‬‬ ‫ومن يريد َأن يبادر وال يعرف كيف يبادر َف ْل َي َت َع ّلم ممن بادر ونجح‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫فمربوك عليه عم ُله البلدي عىل مستوى‬ ‫َأما الذي ال يعرف وال يريد َأن يعرف‬ ‫مستوعب نفايات َومجارير رصف صحي‪.‬‬ ‫بعد متحف الياس َأبو شبكة يف زوق مكايل‪ ،‬ال عُ ْذر َأل ّي رئيس بلدية يف َأ ِّي‬ ‫اعتذار‪.‬‬ ‫َ‬ ‫‪‬النهار‪( ‬أزرار‪ ‬رقم ‪- 551‬‬ ‫السبت ‪ 14‬حزيران ‪)2008‬‬

‫‪284‬‬


‫مدرسة‬ ‫َأبو شبكة‬ ‫الرسمية‬

‫ناقش املجلس البلدي َأ ّن املدرسة الرسمية‬ ‫يف جلسة ‪ 6‬ترشين الثاين ‪1964‬‬ ‫َ‬ ‫والسعي ِإىل ِإجياد حمل واسع‬ ‫مؤ َّلفة من غرفة واحدة فــ ‪‬اقرتح رئيس البلدية جتهيزها ّ‬ ‫يكون مركزًا ملدرسة تضم عددً ا َأكرب من التالمذة‪.‬‬ ‫يف جلسة ‪ 28‬حزيران ‪ 1965‬كشف رئيس البلدية َأنه ّ‬ ‫‪‬تلقى ً‬ ‫عرضا باستئجار‬ ‫مبنى جديد للمدرسة الرسمية عىل َأن َتدفع البلدية نصف ِاإلجيار و َتدفع وزارة الرتبية‬ ‫الوطنية النصف اآلخر‪.‬‬ ‫وبناء عىل كتاب رئيس دائرة الرتبية يف جبل لبنان رقم ‪ 7864‬تاريخ ‪1965/8/12‬‬ ‫ً‬ ‫‪‬القايض بتكليف السلطة املحلية يف زوق مكايل ْتأمني بناءٍ صالح للمدرسة الرسمية‪،‬‬ ‫مبنى من طابقني يف وسط البلدة‪.‬‬ ‫ق ّرر املجلس املوافقة عىل است ْئجار ً‬ ‫يف جلسة ‪ 28‬نيسان ‪َ 1966‬أبلغ رئيس البلدية َأعضاء املجلس البلدي ‪‬انتقالَ‬ ‫املدرسة الرسمية ِإىل املبنى اجلديد‪.‬‬ ‫يف جلسة ‪ 15‬ترشين الثاين ‪ 1966‬ق ّرر املجلس ‪‬جتهيز املدرسة الرسمية بالطاوالت‬ ‫وا َأللواح اخلشبية وسائر اللوازم‪.‬‬ ‫كبريا من‬ ‫يف جلسة ‪ 30‬نيسان ‪ ،1969‬نظ ًرا الستقطاب املدرسة الرسمية عددً ا ً‬ ‫ـموقعها ونتائجها الرتبوية اجليدة‪ ،‬طالبت البلدية بتحويل هذه املدرسة ِإىل‬ ‫التالميذ ل ِ‬ ‫تكميلية‪ ،‬وب ّررت طلبها كاآليت‪:‬‬ ‫‪ِ ‬إن جملس بلدية زوق مكايل‪،‬‬ ‫بعد ِّ‬ ‫االطالع عىل وضع املدرسة الرسمية فيها‪،‬‬ ‫حاليا‪،‬‬ ‫وبعد الكشف عىل البناء الذي تشغله هذه املدرسة ً‬ ‫ّ‬ ‫مكتظة‬ ‫وحيث َأ ّن ِاإلقبال عىل هذه املدرسة يزداد بكثرة نظ ًرا ملوقعها يف منطقة‬ ‫بالسكان يف مركز ِإشتاءٍ لـقرى كرسوان‪،‬‬ ‫وحيث َأ ّن ا َألهايل رغبوا من هذا املجلس تقديم َت َـم ٍّن عىل وزارة الرتبية الوطنية‬ ‫جلعل هذه املدرسة تكميلية‪،‬‬ ‫‪287‬‬


‫ٍ‬ ‫غرفة واحدةٍ ضئيلة‬ ‫من‬ ‫ِإلى ‪‬مدرسة الياس أَبو شبكة الرسمية‪‬‬

‫لوحة بلدية زوق مكايل عىل ناصية الشارع‬

‫البلدي اجلديد يف زوق مكايل برئاسة املحامي هناد نوفل‬ ‫مع انتخاب املجلس‬ ‫ّ‬ ‫الرتبوي‪ُ ،‬ب ً‬ ‫لوغا‬ ‫ت عدّ ًة يف البلدة‪ ،‬منها‬ ‫ُّ‬ ‫(الثلثاء ‪ 9‬متوز ‪َ )1963‬أخذ ُيويل اهتاممه قطاعا ٍ‬ ‫ِإىل تسمية املدرسة الرسمية فيها ‪‬مدرسة الياس َأبو شبكة‪.‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ت مع وزارة الرتبية‪،‬‬ ‫البلوغ‬ ‫غري َأن هذا‬ ‫ت ومراسال ٍ‬ ‫استغرق مراحلَ من مراجعا ٍ‬ ‫خمتص ٌر هلا‪ً ،‬‬ ‫ٌ‬ ‫نقال عن املحارض الرسمية جللسات املجلس البلدي‪.‬‬ ‫هنا‬ ‫رشيط َ‬

‫سنة ‪ 1963‬ق ّرر املجلس البلدي ‪‬السعي لدى ِاإلدارات الرسمية املختصة لنقل‬ ‫املدرسة الرسمية ِإىل مكان َأفضل يف البلدة‪.‬‬ ‫‪286‬‬


‫مدرسة‬ ‫َأبو شبكة‬ ‫الرسمية‬

‫ُّ‬ ‫الرواق الداخيل للبيت‬ ‫ُ‬ ‫ِّ‬ ‫حيز الدخول ِإىل المتحف‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫كما صممه جان لوي منغي‬

‫يف ‪ 27‬حزيران ‪ 1970‬رعَ ت البلدية اختتام العام الدرايس يف تلك املدرسة‬ ‫باحتفال ت ّـم خالله التدشني الرسمي لـ‪‬تكميلية الياس َأبو شبكة الرسمية‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫يف جلسة ‪ 7‬متوز ‪ 1970‬صدَ ر عن املجلس البلدي‪:‬‬ ‫‪‬بعد االستامع ِإىل آراء َوأعضاء املجلس البلدي َوأهايل التالمذة‪ّ ،‬‬ ‫وبالنظر‬ ‫لالرتياح العام السائد يف البلدة من ج ّراء نجاح ِاإلدارة واهليئة التعليمية يف ممارسة‬ ‫ا َألعامل املنوطة هبا‪ ،‬ق َّرر املجلس ِاإلعالن عن ُش ْكر ا َألهايل عىل جهود وزارة الرتبية‬ ‫والتفتيش الرتبوي ْلتأسيس املدرسة الرسمية التكميلية يف البلدة‪ ،‬والستجابة‬ ‫وتسمي ِتها بـ‪‬تكميلية الياس َأبو‬ ‫مطالب البلدية بتحسني َأوضاع هذه املدرسة‬ ‫َ‬ ‫شبكة الرسمية‪.‬‬ ‫‪289‬‬


‫القسم الثالث‪َ ... :‬أ َت ْي َت ا َألرض‪...‬‬

‫وحيث َأ ّن عدد التالمذة هلذه الصفوف َ‬ ‫سيتأ َّمن بصورة أكيدة‪ ،‬وحتى ال يبقى‬ ‫ت ِإجياره الدول ُة والبلدي ُة‪،‬‬ ‫قسم من البناء شاغ ًرا يف حني تدفع بدال ِ‬ ‫ٌ‬ ‫لذلك ق َّرر املجلس‪:‬‬ ‫‪ )1‬توجيه شكر ِإىل املسؤولني يف وزارة الرتبية الوطنية عىل االهتامم َبأوضاع‬ ‫ث هلا‪.‬‬ ‫املدرسة الرسمية يف البلدة‪ ،‬وعىل استئجار مبنى َآخ َر حدي ٍ‬ ‫ّ‬ ‫التمني عىل وزارة الرتبية الوطنية اختاذ التدابري الالزمة جلعل هذه املدرسة‬ ‫‪ )2‬‬ ‫تكميلي ًة حتى ِإذا تب َّل ْغنا موافقتها عىل ذلك َأجرينا ما يقتيض للتعاون مع‬ ‫املسؤولني عن املدرسة ملا فيه املنفعة العامة‪.‬‬ ‫يف جلسة ‪ 30‬كانون الثاين ‪ ،1970‬كان القرار التايل‪:‬‬ ‫‪‬بعد استحداث مدرسة رسمية ابتدائية وتكميلية يف بلدة زوق مكايل‪،‬‬ ‫دوما لرفع مستواها وحتسني َأوضاعها‪،‬‬ ‫وحيث َأ ّن البلدية تسعى ً‬ ‫وحيث َأ ّن الشاعر الياس َأبو شبكة من بلدة زوق مكايل ويف العادة ِإ ُ‬ ‫طالق‬ ‫َأسامء شعراء ُوأدباء عىل بعض املدارس الرسمية‪،‬‬ ‫وشعر الياس َأبو شبكة َأصبح يف منهج البكالوريا احلديث‪،‬‬ ‫وحيث َأ ّن‬ ‫تدريس َأدب ِ‬ ‫َ‬

‫وحيث يرى املجلس البلدي ِإطالق اسم الشاعر الياس َأبو شبكة عىل املدرسة‬ ‫الرسمية يف زوق مكايل ِإلحياء وختليد ذكراه يف مسقط رأسه‪،‬‬ ‫لذلك يقرر املجلس البلدي‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫التمني عىل وزارة الرتبية الوطنية ِإطالق اسم الشاعر الياس َأبو شبكة‬ ‫‪ )1‬‬ ‫عىل املدرسة الرسمية يف زوق مكايل وتسميتها ‪‬تكميلية الياس َأبو شبكة‬ ‫الرسمية‪.‬‬ ‫‪ِ )2‬إحالة القرار ِإىل حرضة قائمقام كرسوان ِإليداعه جانب وزارة الرتبية الوطنية‬ ‫وفقا ُ‬ ‫ً‬ ‫لألصول‪.‬‬ ‫‪288‬‬


‫ِ‬ ‫ﭬـرجـيـنـي‬

‫ڤرجيني وحيدة يف البيت بعد وفاة والدتها‬

‫ڤرجيني وصديقة لها عىل مدخل البيت‬

‫فتزو َجت باك ًرا من نسي ِبها ُغصن ُغصن وساف َرت معه‬ ‫َأما الشقيق ُة الكربى ماري َّ‬ ‫ِإىل نيويورك ومل َت ُعد ِإىل لبنان‪.‬‬

‫بقيت ﭬـرجيني وحدها تعيش‬ ‫بعد وفاة الشاعر (‪ )1947‬ووفاة الوالدة (‪َ )1955‬‬ ‫سوءا‪.‬‬ ‫يف ذاك البيت الكبري الفارغ‪ ،‬فازداد ُ‬ ‫وضعها العقيل ً‬ ‫عن حمارض املجلس البلدي يف زوق مكايل َ(أ ّيام رئاسة الدكتور نجيب سعادة)‬ ‫هاتان املعلومتان‪:‬‬ ‫جلسة ‪َ 21‬أيار ‪:1961‬‬ ‫‪ُ ...‬‬ ‫رح عىل بساط البحث َأم ُر رصف املبالغ التالية وفق البند الثاين من‬ ‫وط َ‬ ‫املحرض رقم ‪ 15‬تاريخ ‪:1961/5/21‬‬ ‫‪291‬‬


‫ﭬـِرجيني‬

‫َ‬ ‫ڤرجيني يف صباها أيام كانت تعيش مع‬ ‫والدتها نايله وشقيقها الياس‬

‫عاش الياس َأبو شبكة طيلة حياته يف ‪‬احلارة‪ ‬التي ور َثها عن َأبيه‪.‬‬ ‫وبوفاة الوالد يوم اغتاله ُقط ّاع طرق يف طريقه بني ﭘـور سعيد واخلرطوم (كانون‬ ‫ا َأل ّول ‪ُ ،)1913‬‬ ‫اضط ّر االبن الوحيد الياس ِإىل العمل من َأ ّول شبابه (يف التدريس‬ ‫واإلذاعة) ْلتأمني عيش والد ٍة (نايلة غصن) ال َموردَ هلا‪،‬‬ ‫والكتابة الصحافية والرتمجة ِ‬ ‫س يف‬ ‫بقيت‬ ‫وشقيق ٍة ُصغرى (ﭬـرجيني) َ‬ ‫عزباء طيلة حياهتا‪ ،‬وكانت عىل بعض َم ٍّ‬ ‫َ‬ ‫الزوجي بعد عقد‬ ‫وترصفاهتا ما حال دون مالزمة ُأولغا زوجة الشاعر َبيتها‬ ‫طبعها‬ ‫ُّ‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫ِالقران‪.‬‬ ‫‪290‬‬


‫حوار مع الياس أَبو شبكة في قبره المستعار‬

‫مساء اخلري َأبا غلواء‪.‬‬ ‫َأدلف ِإليك هذه العشية‪ ،‬يف ذكراك اخلامسة والعرشين‪ ،‬والقمر من خالل‬ ‫ُالغييامت يغمر تالل الزوق‪.‬‬ ‫تفضل اج ِلس‪ .‬هنا يف َ‬ ‫تفضل‪ّ .‬‬ ‫ّ‬ ‫قربك ليس من ﭘـْرتوكول َألننا خارج الزمن‪.‬‬ ‫خرجت من زمن املكان ومكان‬ ‫ارحتت عندما‬ ‫نت كم‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫خارج؟ نعم خارج‪َ .‬وأ َ‬ ‫الزمن‪.‬‬ ‫سيجارة؟ شك ًرا‪ ،‬ال ُأدَ ّخن‪.‬‬ ‫قهوة؟ بىل ُأشاركك‪.‬‬

‫قطعت َ‬ ‫كنت تكتب؟‬ ‫َأراين‬ ‫عليك الكتابة‪َ .‬‬ ‫ُ‬ ‫حس ًنا تفعل‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫فمذكراتك السابقة هنبوها ُن َت ًفا ُن َت ًفا واندث َر منها الكثري‪.‬‬ ‫مذكراتك؟ َ‬ ‫اندث َر‪ .‬نعم‪ .‬ال ُت ْ‬ ‫فاجأ‪ .‬ويا ضياع تعبك!‬

‫غادرت عزلتك يف هذا الرضيح‬ ‫متشائما‪ .‬هذا هو الواقع‪ .‬ولو انك‬ ‫لست‬ ‫ال‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫حزنت ّ‬ ‫حتى املوت‪.‬‬ ‫لكنت‬ ‫ت بعد ربع القرن ا ْل َـق َض َيته هنا‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫املستعار‪،‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫وخرج َ‬ ‫تغير كلُّ يشء‪ ،‬والذي َ‬ ‫يتيما‪.‬‬ ‫تركت ُه بقي ً‬ ‫بىل‪ّ :‬‬ ‫‪293‬‬


‫القسم الثالث‪َ ... :‬أ َت ْي َت ا َألرض‪...‬‬

‫السيد سليم الصايغ ُأجرة نقل املريضة‬ ‫(‪ )...‬مخس عرشة لرية لبنانية َألمر ّ‬ ‫ﭬـرجيني َأيب شبكة ِإىل دير الصليب برفقة الد َرك ذها ًبا و ِإيا ًبا‪ .‬ق ّرر املجلس البلدي‬ ‫رصف القيمة من الفصل ‪ 6‬املادة ‪ 2‬باب ِإحسانات‬ ‫املوافقة عىل املبلغ عىل َأن ُت َ‬ ‫(‪.)...‬‬

‫جلسة ‪ 30‬حزيران ‪:1961‬‬ ‫‪ُ ...‬‬ ‫رح عىل بساط البحث َأم ُر رصف املبالغ التالية وفق البند ا َألول من‬ ‫وط َ‬ ‫املحرض رقم ‪ 20‬تاريخ ‪:1961/6/30‬‬ ‫املدعوة ﭬـرجيني َأيب‬ ‫(‪ )...‬مخس وعرشون لرية َألمر السيد بطرس عودة لنقل‬ ‫ّ‬ ‫شبكة من دير الصليب ِإىل منزهلا يف الزوق مع االنتظار‪ ،‬و ِإعادة َأفراد الدورية ِإىل‬ ‫رصف القيمة‬ ‫خمفر د َرك اجلدَ يدة‪ .‬وق ّرر املجلس البلدي املوافقة عىل املبلغ عىل َأن ُت َ‬ ‫من الفصل ‪ 6‬املادة ‪ 2‬باب إحسانات (‪.)...‬‬ ‫مصح دير‬ ‫ومع السنوات راح ُ‬ ‫هنائيا ِإىل ّ‬ ‫وضعها العقيل يتدَ هور‪ ،‬ما استدعى نقلها ً‬ ‫الصليب (جلّ الديب) حتى وفاهتا فيه هنار السبت ‪ 11‬آب ‪.1979‬‬ ‫‪292‬‬


‫حوار معه‬ ‫في قبره‬ ‫المستعار‬

‫عن سجل الوفيات يف كنيسة رعية سيدة المعونات وفيه خطآن‪:‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫يف تاريخ الوفاة (‪ 26‬كانون الثاين واألصح ‪ )27‬ويف عمر الشاعر عند وفاته (‪ 42‬عاما واألصح ‪)43‬‬

‫قبل َأيام َ‬ ‫لت مد ِّرس ًة عن َأعالم تد ِّرسهم َف َذ َك َ‬ ‫رتك بـ‪‬الياس َش َبكة‪ .‬كذا‬ ‫سأ ُ‬ ‫ت َأن َأ َ‬ ‫سألَ تلك الدجاجة هل تقول‪ :‬ندرس جان أسطفان‬ ‫ِب َشريف يا الياس‪ .‬ووددْ ُ‬ ‫روسو َأو مرتي دُ ه الفونتني؟ يلعن هذه ا َأليام التي بات فيها مد ِّرسو ا َألدب ال‬ ‫ّ‬ ‫يعرفون َأسامء ُأدبائهم‪.‬‬ ‫َ‬ ‫شع ْلها‪َ ...‬أو َأشعل هذه النارجيلة ِإىل ميينك‪ ،‬فسوف‬ ‫انطفأ ْ‬ ‫ت سيجارتك‪َ .‬أ ِ‬ ‫تتو ّتر َأعصابك َأكثر بعد‪...‬‬ ‫َأين ُك ّنا؟‬ ‫كنا نحكي عن َأد ِبك‪.‬‬ ‫هل تعرف كيف ُ‬ ‫ولكن ال‬ ‫صاحبه وله ناطو ُره‬ ‫يكون الكرم ا ْل ـ عَ ىل درب؟ له‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫صاحبه هنا وال ناطو ُره؟‬ ‫ُ‬ ‫هكذا َأد ُبك‪.‬‬

‫مؤ ّل َ‬ ‫غلفتها عىل السنني وما ُط ِبع منها ثاني ًة جاء ً‬ ‫فاتك اصف َّرت َأ ُ‬ ‫مسخا ال تتع َّرف‬ ‫عليه َأنت وال ّ‬ ‫يتبناه َأد ُبك‪.‬‬ ‫رحم الزمن َ‬ ‫زمان الش ّلة‪ :‬خليل تقي الدين يقبع يف زوايا ُكتبه‪َ ،‬أنطون قازان‬ ‫ستاذا َ‬ ‫يتحدَّ ث عنك يف املواسم‪ ،‬جورج غر ّيب ال يزال ُأ ً‬ ‫لألدب العريب‪ ،‬وفؤاد حبيش‬ ‫هارون الرشيد خلف مكتب ‪‬املكشوف‪.‬‬ ‫‪295‬‬


‫القسم الثالث‪َ ... :‬أ َت ْي َت ا َألرض‪...‬‬

‫وبقيت وحدها قصائدُ ك‪ُ ،‬كت ُبك‪،‬‬ ‫ال ترفع حاجبيك تعجُّ ًبا‪ .‬ا َألوصياء تف ّرقوا‪َ ،‬‬ ‫خمطوطا ُتك‪ ،‬ذكريا ُتك‪ ،‬والزوق‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫تغي َرت‪.‬‬ ‫حتى الزوق ّ‬ ‫نت فيها ِإ ّال قصة ُتحكى يف البال ك ّلام َ‬ ‫ت شارد ٌة يف البال‪.‬‬ ‫خط َر ْ‬ ‫مل َت ُعد َأ َ‬

‫شعلْ سيجارة‪ .‬معك حق‪ .‬فسوف َتتأ ّثر ً‬ ‫بليغا‪.‬‬ ‫َأ ِ‬ ‫مل يعد َي َ‬ ‫اجلرس احلزين يف ّقبة دير الراهبات كلام َ‬ ‫حان الغروب‬ ‫ذكرك ِإ ّال‬ ‫ُ‬ ‫راهبات الدير قدّ ام الصليب‪.‬‬ ‫وخشعت‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َأكثر؟ تريد َأكثر؟‬

‫وكتبت فيه ومنه وله‪َ ،‬أ ُ‬ ‫تعرف ما‬ ‫حببت‬ ‫َ‬ ‫واضبط َأعصابك‪ُ :‬بيتك الذي َأ َ‬ ‫خذ ُ‬ ‫َأحواله اليوم؟ عرضوه ِلإلجيار‪ ،‬وفيه اآلن مجاع ٌة ال يستحقون َأن ميسحوا الغبار عن‬ ‫عفونة بالطه‪.‬‬ ‫ً‬ ‫بيت شكسـﭙـري يف بلدته صار حمجًّ ا سنو ًيا‪َ .‬وأعرف‬ ‫مهال‪ِ .‬إبقَ مكانك! َأعرف َأ ّن َ‬ ‫ضبط َأعصابك ودَ ِّخن‪.‬‬ ‫ما ستقوله يل‪ُ .‬أ ُ‬ ‫رشيف ال‬ ‫بل َأكثر‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫سمعت عن مرشوع لـهدْ مه من َأجل توسيع الطريق‪ِ .‬ب َ‬ ‫َأمزح‪ .‬نعم‪ .‬وبلدية الزوق ال حت ِّرك ً‬ ‫هتمها الطرقات الواسعة‬ ‫ساكنا ُلتنقذ البيت‪ .‬رمبا ُّ‬ ‫هم من بيت الياس َأبو شبكة‪.‬‬ ‫لتحسني الضيعة‪ ،‬وهذا يف نظر الناس َأ ّ‬ ‫هذه قهويت؟ شك ًرا‪.‬‬ ‫هل َأ َ‬ ‫س يف املدارس واجلامعات؟‬ ‫خربك َأحد َأ ّن بعض قصائدك ُتدَ َّر ُ‬ ‫ت جتارية ُم ْـخزية؟‬ ‫وهل‬ ‫َ‬ ‫سمعت َبأ ّن النارشين ينهبون ُكت َبك ويصدروهنا يف طبعا ٍ‬ ‫يا عا َرنا َ‬ ‫شوهوك باسم الع ْلم وصلبوك باسم ا َألدب والفكر‪،‬‬ ‫منك يا الياس! َّ‬ ‫وعندما ّفتشوا َ‬ ‫عنك وجدُ وا شبحَ ك ومل جيدوك‪ .‬فال الطالب تع ّرفوا عليك وال‬ ‫َأساتذهتم عرفوا كيف يع ِّرفوهنم عليك‪.‬‬

‫‪294‬‬


‫حوار معه‬ ‫في قبره‬ ‫المستعار‬

‫َ‬ ‫‪َ - 1926‬‬ ‫عام ُصدور ديوانه األ ّول ‪‬القيثارة‪‬‬

‫ك��ف� ِ‬ ‫��زءا بنفيس‬ ‫اي ب�لادي‪َ ،‬‬ ‫�اك ُه� ً‬ ‫��ت��ا ال��ب�لااي‬ ‫ال ت��ق��ويل‪ :‬ق��د أَح��ر َق هْ‬

‫ن نفيس حُ��س��امُ� ِ‬ ‫ِإ ّ‬ ‫امل��ط��رورُ‬ ‫�ك َ‬ ‫�ن�ير‬ ‫ُّ‬ ‫لك ن�� ْف��س مل حت��ت��ر ِ ْ‬ ‫ق‪ ،‬ال تُ� ُ‬

‫لكن بالدَ ك يا الياس مل تؤْ من َ‬ ‫بك كام ْ‬ ‫نت هبا‪.‬‬ ‫ت َأ َ‬ ‫آمن َ‬ ‫ّ‬ ‫السواد‪ ،‬كان يف الزوق ٌ‬ ‫رهط‬ ‫ب‪،‬‬ ‫َ‬ ‫والشمس ملتحف ٌة ً‬ ‫ذات غرو ٍ‬ ‫غيوما كثيف َة َّ‬ ‫ُ‬ ‫جمتمعني حول تابوت‪ .‬املط ُر كان ً‬ ‫عنيفا‪ ،‬وكذلك اهلواء‪َ .‬وأخذوا َي ِعدُ ون بالكثري‪.‬‬ ‫كان ذلك هنار ْمأمتك‪.‬‬ ‫يتغير يشء‪.‬‬ ‫واليوم‪ ،‬يا الياس‪ ،‬بعد ربع قرن من َت َص ْو ُم ِع َك يف هذا القرب املستعار‪ ،‬مل َّ‬ ‫ت وال َأ َ‬ ‫ال الوعود َأ َ‬ ‫يتغير يشء‪.‬‬ ‫زه َر ْ‬ ‫زه َرت الكلامت‪ .‬مل ّ‬

‫‪297‬‬


‫القسم الثالث‪َ ... :‬أ َت ْي َت ا َألرض‪...‬‬

‫َأما ما َ‬ ‫املدرسية َ‬ ‫انتثر َ‬ ‫منك يف ُ‬ ‫رات ِإن مل ُت ِض ّر ال تنفع التالميذ وال‬ ‫الكتب‬ ‫فش َذ ٌ‬ ‫ّ‬ ‫تنفعك!‬ ‫فهمك‪ .‬فهي كام َ‬ ‫تركتها‪ ،‬يتيم ًة‬ ‫تنهدْ َ‬ ‫َوأما خمطوطاتك‪ ...‬ملاذا َّ‬ ‫ت هكذا؟ نعم‪َ .‬أ ُ‬ ‫ال من يرعاها وال من ميسح عنها غبار الزمن‪َ .‬أتعرف َأين هي؟ ترتاح عىل د َرج‬ ‫هرمت وصا َرت عجو ًزا ِإ ّال يف قل ِبك‪ .‬وك ّلام‬ ‫الطيبة التي َ‬ ‫البيت الذي تسكنه غلواؤُ َك ّ‬ ‫طلع عىل بال َأح ِدهم َأن ْيأخذ منها ورق ًة َأو دفرتً ا وجدَ عىل الدرج العتيق ما يكفيه‪.‬‬ ‫نعم؟ احلكومة؟ ال َأدري‪ .‬مل َأسمع ً‬ ‫قبال هبذا االسم‪.‬‬ ‫ِاإلذاعة؟ وما ُ‬ ‫عالقتها بالفكر يا الياس؟ ِإهنا كاراج للمنتفعني‪.‬‬ ‫التلـﭭـزيون؟ ال مكان فيه َ‬ ‫لألدب‪ .‬مشغول مبحارم كلينكس وسمنة فينو وحبوب‬ ‫ريني لعرس العضم‪.‬‬ ‫ِإرشب فنجانك‪ .‬ث َّلج‪.‬‬ ‫عىل فكرة‪ :‬هل َأخربك َأحد عن جملس كرسوان الثقايف؟‬

‫عال‪َ ،‬أحسن‪.‬‬ ‫طيب‪ُ .‬‬ ‫َ‬ ‫غضبا‪.‬‬ ‫تتحسر وال هت ّز‬ ‫سأخربك ْ‬ ‫كتفيك ً‬ ‫ولكن ال ّ‬ ‫رص؟ ّ‬ ‫ُت ّ‬ ‫سيدي َأ َ‬ ‫بعض مثقفي كرسوان لكي ينهضوا َبأهل‬ ‫نشأه‬ ‫ُ‬ ‫هذا املجلس يا ّ‬ ‫الفكر من كرسوان‪ .‬هل تعرف مباذا هنضوا؟ ِإحزر‪ .‬هنضوا‪ ،‬يا رمحك اهلل قبل‬ ‫َأن متوت‪ّ ،‬‬ ‫بشق ٍة مفروش ٍة جعلوها مرك ًزا لتبادل ا َألنخاب يف املناسبات َوأيام‬ ‫اآلحاد وا َألعياد ْ‬ ‫ت‬ ‫املأمورة‪ .‬كاسك‪ .‬لو مل تكن عصاك عىل الرسير هناك َل ِـخ ْف ُ‬ ‫َأن ترضبني هبا‪.‬‬ ‫تضمنا اآلن ِإ ّال احلب وا َألمل‪.‬‬ ‫احلب وا َألمل‪ ،‬مل ُ‬ ‫حتصد هلذه املقربة التي ُّ‬ ‫هكذا‪ ،‬يا شاعر ّ‬ ‫قلت (يف َأ ّول دواوينك املطبوعة‬ ‫يوما‪،‬‬ ‫وكنت بعدُ شا ًبا تتفجّ ر بالعطاء‪َ ،‬‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫‪‬القيثارة‪:)1926 - ‬‬ ‫‪296‬‬


‫ِوقفة عند قبره‪ ...‬المستعار‬

‫قليلني كنا‪ِ ،‬إ ّنام كثريي ِاإلميان‪ ،‬يف وقفتنا َأمام بالطة املدفن رقم ‪ 91‬املستق ِبل‬ ‫خارج زوق مكايل‬ ‫جثامن ُ‪‬أولغا سليم ساروفيم عزيز‪ ،‬االسم الذي قد ال يعني َألح ٍد َ‬ ‫اسمها باسم شاعرها الياس َأبو شبكة‪.‬‬ ‫لكنه َألهل ا َألدب يعني ‪‬غلواء‪ ‬التي ارتبط ُ‬ ‫عالمة هذه َ‬ ‫بقيت غارقة يف الصمت‪ :‬صمت‬ ‫املرأة َأهنا ‪ً 49‬‬ ‫عاما بعد غيابه َ‬ ‫زوجها ووعت َأمهيته َأكثر‬ ‫الذكريات‪ ،‬صمت الوفاء‪ ،‬صمت قراءة الشاعر الذي كان َ‬ ‫َ‬ ‫يكتبون‪.‬‬ ‫املهتمون يزوروهنا‪ ،‬يستفرسون منها‬ ‫بعدما َأخذ ُّ‬ ‫ويكتبون ُ‬ ‫و‪‬يسألون عنه و‪ُ ...‬‬ ‫وكام عاشت يف صمت‪ ،‬رح َلت يف صمت (االثنني ‪ 4‬آذار ‪ )1996‬آخذ ًة معها‬ ‫حي يف‬ ‫الذكريات ك َّلها‪ ،‬ملتحق ًة بالذي عاشت عىل ذكراه ‪ً 49‬‬ ‫عاما بعد غيابه‪ ،‬وهو ٌّ‬ ‫كتاب جديد َأو مقالٌ جديد َأو بحثٌ جديد‪.‬‬ ‫عاما بعد عام كلام صدَ ر عنه‬ ‫باهلا ً‬ ‫ٌ‬ ‫قريبا فال يلتقي‬ ‫وهي هذي حرقة الشاعر‪َ :‬أن يراه ا َألقربون بعيدً ا وا َألبعدون ً‬ ‫ا َألبعدون وا َألقربون ِإ ّال بعد غيابه‪ :‬عىل صفحات ُ‬ ‫الكتب‪َ ،‬أو عند‪ ...‬بالطة الرضيح‪.‬‬ ‫‪299‬‬


‫القسم الثالث‪َ ... :‬أ َت ْي َت ا َألرض‪...‬‬

‫وال يشء؟‬ ‫قلب غلواء ينبض كلَّ عشية من َ‬ ‫َ‬ ‫ليالك ما زال‬ ‫وقلب‬ ‫التذ ُّكر الصامت‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫بىل‪ُ :‬‬ ‫َ‬ ‫صوتك ِإىل َأجيال اخللود‪.‬‬ ‫مضي ًئا كام يف تلك العشايا حيملُ‬ ‫ربع قرن! نعم يا الياس‪ :‬ربع قرن عىل غيابك ّعنا‪.‬‬ ‫لك ِإننا يف َ‬ ‫مل َتشعر هبا َأنت‪َ .‬أعرف‪َ .‬أمل َأ ُقل َ‬ ‫قربك هنا خارج الزمن؟‬ ‫واآلن‪َ :‬وداعً ا‪.‬‬ ‫شك ًرا عىل قهوتك‪.‬‬ ‫دافئ ْ‬ ‫تفضل‪َّ ،‬‬ ‫َّ‬ ‫دف َء العبقرية‪.‬‬ ‫تفضل اجلس‪ .‬الطقس يف اخلارج بارد‪َ ،‬وأنت هنا ٌ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫فنجان قهو ٍة َأحتسيه‬ ‫وهي ْئ يل‬ ‫كتابتك‪َ .‬أعتذر َأنني‬ ‫عُ دْ ِإىل‬ ‫قاطعت َك بزياريت‪ِّ ،‬‬ ‫َ‬ ‫منسيا هنا‪.‬‬ ‫معك يف‬ ‫يوبيلك اخلمسيني ِإذا وجد ُت َك ما زلت ً‬ ‫َأما ِإذا مل َأجدْ َك ُ‬ ‫فسأ ُ‬ ‫يومها َأ ّن بالدك صارت زهر ًة تعرف كيف تقدِّ م َأ َر َجها‬ ‫درك َ‬ ‫للعباقرة العظام‪.‬‬ ‫‪‬صدى لبنان‪ 31 - ‬كانون الثاين ‪1972‬‬

‫‪298‬‬


‫القسم الرابع‬

‫ماذا يبقى اليوم‬ ‫من الياس أَبو شبكة؟‬ ‫‪301‬‬


‫القسم الثالث‪َ ... :‬أ َت ْي َت ا َألرض‪...‬‬

‫قليلني كنا يف ِوقفتنا احلزينة عند بالطة قرب َ‪‬أ ُ‬ ‫نطون الباشا عقيقي‪ .‬ينفردُ من‬ ‫بني اجلمع ختيا ٌر من الزوق يعرف اهتاممي‪ ،‬هيمس يل‪ :‬هنا يا ُأستاذ‪ ،‬عند هذه‬ ‫خشبي صغري‪.‬‬ ‫صندوق‬ ‫عظام ُه يف‬ ‫الزاوية‪ ،‬منذ نحو عرشة َأعوام‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫مجعت َ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫مالئ شعرنا وحياتنا‪ ،‬عظامه يف صندوق‬ ‫ارتعشت َ‬ ‫ُ‬ ‫للتص ُّور‪ :‬الياس َأبو شبكة ُ‬ ‫وشعراء العامل الكبار َنزور َأ َ‬ ‫رضحتهم كام َنزُور‬ ‫خشبي صغري‪ ‬ويف‪ ...‬قرب مستعار‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ومتاحفهم‪ :‬حجّ ًاجا يف َخشعة الرهابني‪.‬‬ ‫بيو َتهم‬ ‫مدافن عامة‪ ،‬بيننا صال ٌة مجاعية يقودُ ها خوري الرعية‪ِ ،‬إكليلٌ َأبيض عىل قرب‬ ‫حولنا‬ ‫ُ‬ ‫متواضع يف عرص حزين‪ ...‬وبيننا‬ ‫مستعار‪ ،‬حفن ٌة من حمبي الشاعر َوأهايل الزوق‪ ،‬احتفالٌ‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫امرأ ٌة غارق ٌة وراء سكوت عينيها يف ُخشوع التذكار‪ :‬ليىل َتسرتجع ذاك النها َر املاط َر قبل‬ ‫عاما‪ ،‬وتابو ًتا َأبيض ينقل َ‬ ‫حبها ‪ِ ‬إىل ا َألبد‪.‬‬ ‫‪ً 50‬‬ ‫جثامن الشاعر الذي َّبثها ‪‬نداء القلب‪َ ‬وأ َّ‬ ‫مقاالت نرشها‬ ‫َأعودُ من ْاملأتم‪ .‬يطالعني عىل مكتبي كتاب ‪‬يف ذلك الزمان‪:‬‬ ‫ٌ‬ ‫ـمعها وقدَّ َم هلا ِإدوار‬ ‫الياس َأبو شبكة يف مراحل خمتلفة ويف صحف خمتلفة‪ ،‬ج َ‬ ‫البستاين‪ُ .‬أ َق ِّل ُب ُه ُوأراقب كم كان َأبو شبكة غزي َر ِاإلنتاج‪ ،‬وثيقَ املتابعات ا َألدبية‬ ‫كاتبا بنبضه ِّ‬ ‫حي‪.‬‬ ‫املتوهج شع ًرا كام نث ًرا يف َأد ٍ‬ ‫والثقافية يف عرصه‪ً ،‬‬ ‫ب ّ‬ ‫الطيب الطوية َأمىض حياته ُ‬ ‫َكأن هذا الشاعر الصادق ْ‬ ‫يكتب مذكراته‬ ‫املخلص ِّ‬ ‫اليومية‪ :‬مر ًة يف قصيدة‪ ،‬مر ًة يف مقال‪ ،‬مر ًة يف يومية محيمة‪ّ ،‬‬ ‫ليصح َأن َأفضل‬ ‫حتى‬ ‫ّ‬ ‫نفسه‪ .‬فهو مل ْيأخذ ِبـمبد ِإ َأ ّن ال َـ‪‬أنا مـمجوجة‪‬‬ ‫من َك َتب عن َأبو شبكة هو َأبو شبكة ُ‬ ‫كام قاهلا بليز ﭘـاسكال‪ ،‬بل كان يعرف َأ ّن ال َـ‪‬أنا‪ ‬هي املصدر وهي املآل‪ ،‬ومن‬ ‫يكذب عىل الناس‪ ،‬وقب َلهم ُ‬ ‫يكذب عىل ذاته يف َزيف املواجهة‪.‬‬ ‫يتجاه ُلها‬ ‫ُ‬ ‫وما كان َأبعد َأبو شبكة عن هذا الزَّيف‪.‬‬ ‫‪‬نهار الشباب‪  - ‬زاوية  ‪‬كومپاكت‪ ‬‬ ‫الثالثاء ‪ 25‬آذار ‪1997‬‬

‫‪300‬‬


‫ماذا يبقى؟‬

‫بعد ُكلّ ما قيل ُوك ِتب‪ ،‬ما الذي يبقى اليوم من الياس َأبو شبكة؟‬ ‫شمسا حني العشاق ‪ -‬يف وضعه االجتامعي ‪ -‬يلتمسون‬ ‫حبه ً‬ ‫العاشقُ الذي َش َه َر ّ‬ ‫خبيئة الظل‪،‬‬ ‫طب َع شعره ِبحياته ّ‬ ‫حتى باتت قصائدُ ه فصولَ بيوغرافياه‪،‬‬ ‫الشاع ُر الذي َ‬ ‫حيا ال ِإىل ُذبول‪.‬‬ ‫غاب يف ربيع العمر (‪ً 43‬‬ ‫عاما)‪ ،‬ليرتك شع َره‪ ،‬كام ُح َّبه‪ًّ ،‬‬ ‫الياس َأبو شبكة‪ ،‬ماذا يبقى منه اليوم؟‬ ‫الكالسيكيون ِجيدُ ون فيه ع َل ًما من َأعالمهم‪.‬‬ ‫املجدِّ دون َيجدون معه طليعة التجديد‪.‬‬ ‫كالسيكيته‪.‬‬ ‫حيبون نضارته وال يرفضون‬ ‫ّ‬ ‫‪‬احلداثيون‪ّ ‬‬ ‫هكذا تبقى اليوم َ‪‬أفاعي الفردوس‪ ‬عالم ًة مضيئة يف ّ‬ ‫الشعر املعارص‪ ،‬وتبقى‬ ‫حب تنام حدَّ خمدة العشاق‪.‬‬ ‫ت ٍّ‬ ‫قصائد ‪‬نداء القلب‪ ‬و‪ِ ‬إىل ا َألبد‪ُ ‬أغنيا ِ‬ ‫‪v‬‬

‫متاما يف الشكل واملضمون‪ ،‬فهو كان جمدّ دً ا يف حياته‪.‬‬ ‫ِإن مل يكن َأبو شبكة ُمجدِّ دً ا ً‬ ‫بقيت‪ ،‬وستبقى‪ ،‬سمفونيا غري منتهية‪.‬‬ ‫احلي ُة النابض ُة التي َ‬ ‫حيا ُته‪ :‬قصيد ُته َّ‬ ‫تعبريا عن حياته‪.‬‬ ‫حبه‪ .‬كان احلب ً‬ ‫مل يكن الشعر ً‬ ‫تعبريا عن ّ‬ ‫الياس َأبو شبكة مل يكن ً‬ ‫رجال َقدَ َر ُه ّ‬ ‫الشعر‪ .‬كان رصخ َة احلب يف صوت‬ ‫شاعر‪.‬‬ ‫‪‬ج ُرؤ‪.‬‬ ‫شع ُر ما فيه َأنه َ‬ ‫َأ َ‬ ‫َتحدّ ى ُمجتمعه وطقوس ‪‬التابو‪ ‬يف بيئ ٍة حما ِفظة ْ‬ ‫مغ َل َقة‪ .‬مشى عكس التيار‪.‬‬ ‫َت ِب َع قلبه العاشق ومل ْيت َبع طقوس املجتمع اآلسن‪.‬‬ ‫‪303‬‬


‫ماذا يبقى؟‬

‫رست هبا ِإ َّيل ذات ليل ٍة‬ ‫وراءها من قصص بينه وبني ليىل‪َ ،‬أ َّ‬ ‫نفتقدُ كلّ ما كان َ‬ ‫نرشها ِإال بعدَ وفاهتا‪.‬‬ ‫وطلبت َأ ّال َأ َ‬ ‫كانوني ٍة عاصفة‪َ ،‬‬ ‫وها َأنا َأ ُنش ُر بعضها للمرة ا ُألوىل‪ ،‬تلك القصص التي و ِلد منها الشعر‪:‬‬ ‫– قص َة اخلتيار الذي كان حيمل الرسائل منه ِإليها ومنها ِإليه‪،‬‬ ‫سيد ٍة من ‪‬الزوق‪( ‬لن َأذكر اسمها) حاو َلت استاملته ِإليها والتقليل من‬ ‫– قص َة ّ‬ ‫ف َوأملح ِإليها يف قصيدته ‪‬الشاعران‪( ‬من ‪‬نداء القلب‪:)‬‬ ‫مهية ليىل‪َ ،‬فصدَّ ها ُبعن ٍ‬ ‫َأ ّ‬

‫َ��م ال��ن��س��اء؟ ف� ِإن�ني‬ ‫أَت��لُ��وم�ني ِح��ط ُ‬ ‫����ت أَش���وا ًق���ا تَ���� َود ُّ ل��و هَّان��ا‬ ‫ورأَي� ُ‬

‫ت عَرف زَواين‬ ‫امل�لام ِ ن َش ْق ُ‬ ‫خل ََل َ‬ ‫ر ٌحي مَيُ������ر ُّ ع��ب�يره��ا بِ�� َب��ي��اين‬

‫الشياح) من‬ ‫– قص َة اتصاالته اهلاتفية العاصفة بليىل (وهي لدى بيت َأهلها يف ّ‬ ‫وباكيا َأحيا ًنا‪ ،‬حتى ليكاد‬ ‫هامسا ذا ِئ ًبا يف حديثه‪ً ،‬‬ ‫مكتبه يف املفوضية الفرنسية العليا‪ً ،‬‬ ‫يوما ميشال َأسمر وهو كان يف‬ ‫َيدخل يف سامعة اهلاتف‪( ‬كام روى يل يف ﭘـاريس ً‬ ‫يومي َألنه كان زميل الياس يف ذاك املكتب)‪،‬‬ ‫الثالثينات شاهدً ا عىل ذلك بشكل ّ‬ ‫– قص َة اتصاالته اهلاتفية هبا من غرفة صديقه جورج غريب ُمد ِّر ًسا يف معهد‬ ‫عينطوره‪،‬‬ ‫– قص َة ُوقوفه اللييلّ الطويل حتت املطر بني املقابر املط ّلة عىل بيتها‪ ،‬ال ُ‬ ‫هيدأ له‬ ‫ويفهم َأ ّن الزوار انرصفوا َف َي َتدَ َّل َف‬ ‫ينطفئ‬ ‫بال وال يغادر املقابر حتى‬ ‫َ‬ ‫الضوء يف بيتها َ‬ ‫ُ‬ ‫ِإىل بيته كي ينام‪،‬‬ ‫لوز كثيف ٍة كانت يف الزوق َأمام منزل صديقه حبيب عودة الذي‪،‬‬ ‫– قص َة شجر ِة ٍ‬ ‫كرمى لصديقه الشاعر‪َ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫فيتسنى‬ ‫تنفتح ُشرفة بيته عىل ُشرفة بيت ليىل‪،‬‬ ‫قط َعها كي َ‬ ‫للشاعر َأن َيخرج َفرياها عىل رشفة بيتها وتراه فتفهم َأنه عاد من عمله يف بريوت‪.‬‬ ‫وعىل تلك الرشفة بالذات كانت العالمة ا َألخرية‪ :‬حني كان الشاعر طريح املستشفى‬ ‫ُ‬ ‫ملونة عىل رشفته‬ ‫ً‬ ‫صديقه حبيب عودة يضع‬ ‫يف َأيامه ا َألخرية كان‬ ‫صباحا منشف ًة َّ‬ ‫فتفهم ليىل َأ ّن حالة الشاعر مستق ّرة‪ .‬غري َأنه‪ ،‬صبيحة االثنني ‪ 27‬كانون الثاين‪ ،‬وضع‬

‫‪305‬‬


‫القسم الرابع‪ :‬ماذا يبقى اليوم من الياس َأبو شبكة؟‬

‫َ‬ ‫احلقيقي (سنة ‪ )1940‬بعدما كان جناحاه َ‬ ‫انض َويا يف قضبان‬ ‫احلب‬ ‫متأ ِّخ ًرا جاءه ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫القضبان َوأطلق جناحيه‪:‬‬ ‫كرس‬ ‫‪‬السعادة الزوجية‪( ‬سنة ‪َ .)1932‬‬

‫ِ‬ ‫رب‬ ‫«قلت‪ِ :‬إن كان للرشائع ٌّ‬

‫رب؟»‬ ‫مستبِ ٌّد‪ ،‬أَل��ي��س للقلب‬ ‫ُّ‬ ‫(‪‬العام ا َألول‪ِ  – ‬إىل ا َألبد‪.)‬‬

‫قفص مهام َو ِس َعت مساحة القفص‪.‬‬ ‫النرس يف‬ ‫ال ُيمكن َ‬ ‫س ُ‬ ‫حب ُ‬ ‫ٍ‬ ‫الفضاء الذي يبلغ الشمس‪.‬‬ ‫للنرس‬ ‫ُ‬ ‫ا َألقفاص للعصافري‪ ،‬وما سوى الوطاويط اخلائفة ّ‬ ‫تتلطى خلف ُخبث وزيف ورياء‬ ‫ُ‬ ‫وتكاذب ‪‬اجتامعي‪ُ ‬م َّقنع‪.‬‬ ‫وحده الشاعر يبلغ الشمس وال يكون ‪ِ ‬إيكار‪.‬‬ ‫قد يكون َف َر ًاشا حول قنديل‪ ،‬لكنه لن يكون ‪ِ ‬إيكار‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫مع احرتاق رسائل َأبو شبكة العاطفية الالهبة بينه وبني ليىل‪ّ ،‬رمدَ ت حياته‬ ‫مجر هليفة‪ .‬ال يليقُ بالعاشق الرومنطيقي ِإ ّال‬ ‫اخلاصة‪ ،‬هو الذي عاشها عىل ُحرقة ٍ‬ ‫العيش احرتا ًقا ِإىل احلبيبة‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫مع احرتاق الرسائل َ‬ ‫سايس يف كتابة بيوغرافيا َأبو شبكة الذي َي ْس ُهلُ‬ ‫انطفأ ُب ْعدٌ َأ ٌّ‬ ‫ُ‬ ‫ت‪ ،‬كلّ كلم ٍة‪َ ،‬ألن كلّ حرف من‬ ‫بلوغ شعره بفهم ما َخ ْل َف كلّ قصيد ٍة‪ ،‬كلّ بي ٍ‬ ‫شعره مسلوخ من حياته‪.‬‬ ‫بفقداهنا‪ ،‬تلك الرسائل‪ ،‬نفتقدُ خفايا منه كثري ًة كانت وراء قصائد َ‪‬أفاعي‬ ‫الفردوس‪ ‬وصاحبة ال َـ‪‬أفاعي‪.‬‬ ‫الرس احلقيقي ِإلحراقه َ‬ ‫قربان منه عىل مذبح‬ ‫ونفتقدُ ّ‬ ‫نصف ‪‬غلواء‪ ‬ا َألصلية بادر َة ٍ‬ ‫حبه الكبري‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ت الهب ًة و ِلدَت من خماضها قصائدُه ِإىل ليىل ‪‬نداء القلب‪ ‬و‪ِ ‬إىل ا َألبد‪.‬‬ ‫ونفتقدُ َلحظا ٍ‬ ‫‪304‬‬


‫ماذا يبقى؟‬

‫أَ ِ‬ ‫ل��ق��ي��ه خم���م���و ًرا ع�ل�ى ص���دري‬ ‫ك�����ر ُ م��ن عمري‬ ‫�ك � ُّل م��ا أَذْ ُ‬ ‫ف� ُ‬ ‫�����اب������ن������ا‬ ‫وغ� ُ‬ ‫ِإال ل� ُ�ي � ْخ��ف��ي��ن��ا‬

‫يِ‬ ‫م�������ان‬ ‫وانْ�‬ ‫ْ‬ ‫������ِس������� ال�������ز َّ‬ ‫��������وان‬ ‫ه����������ذي ال���������ثَّ�‬ ‫ْ‬ ‫م�����ا أَن������� َب�‬ ‫������ت ال����������وزَّالْ‬ ‫َ‬ ‫ع�����ن أَع�����ُي�����نُ ِ ال������ ُع������ذ ّْال‬

‫�ت يف ي�� َد ِ‬ ‫مث َق��بَّ � ْل� ِ‬ ‫ي��ك غُ َصي ًنا‬ ‫و بِ � َش��ع��ري عَ��قَ�� ْدتِ ِ‬ ‫��ه وع�لى عين‬ ‫ْت‪« :‬ماذا؟» فقل ِ‬ ‫ب‪.‬‬ ‫ْت‪ِ « :‬إ ُ‬ ‫قل ُ‬ ‫لكيل حُ ٍّ‬ ‫ليل‪...‬‬ ‫سوف تذوي‬ ‫التيجان اي َ‬ ‫ُ‬ ‫َكاليل س��وف تَ��ذوي وتبىل‬ ‫واأل‬ ‫ُ‬ ‫وع��ل�ى م��ف��رق��ي وق���ل�ب�ي سيبقى‬

‫َس�ى فيه قلب ِ‬ ‫املسكوب‬ ‫ك‬ ‫ُ‬ ‫ف� رَ‬ ‫ُ‬ ‫ط ََ��ب�� ْع ِ‬ ‫غيب‬ ‫��ت اب��ت��س��امَ � ًة ال تَ ُ‬ ‫احلبيب»‬ ‫احلبيب‬ ‫كر ِ ُم‬ ‫هكذا يُ ْ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫عصوب‬ ‫امل‬ ‫وال ُّس ُ‬ ‫ُ‬ ‫لطان يذوي جبي ُن ُه َ‬ ‫يب‬ ‫يب الغار اذلي ال يَ ِش ُ‬ ‫ويَ ِش ُ‬ ‫غُص ُن ِ‬ ‫طيب‬ ‫طب وهو ٌّ‬ ‫يح رَ ُ‬ ‫ك الر َّ ُ‬

‫وش���احُ���ه���ا األ َس��������ودُ اي ل��ي�ل ًة‬ ‫����م�����ر ُّ ابل����ن����اس ودن�����ي� مُ‬ ‫تَ� ُ‬ ‫����اه ُ‬ ‫ق��د أَس��دل��ت دون ال���ورى جفهنا‬ ‫ٍ‬ ‫اخن��ط��اف ِإىل‬ ‫ص����اءَ تُ��ص�غي يف‬ ‫مَ ّ‬

‫غ����ارت ع�ل�ى األُفْ�����ق درارهي����ا‬ ‫غ���رـي�ب�ـ��� َة ادلن����ي����ا وأَه���ل�ي�ه���ا‬ ‫��ت ع��ل�ى ف�يه��ا‬ ‫وخ���ت��م َ ال���ص���م� ُ‬ ‫أُغ����ن���� َّي� ٍ‬ ‫���ة م�����ات مُ��غَ�� ّن�يه��ا‬

‫معا يف تلك الناحية نفسها من غابة‬ ‫– قص َة‬ ‫غصن‪ ،‬خالل ِإحدى ِجلساهتام ً‬ ‫ٍ‬ ‫عجلتون‪َ ،‬ق َط َف ْته ليىل َو َو َض َع ْته عىل ْرأسه ِإكليلَ وفاء وعهدً ا عىل ِاإلخالص ِلـحُ ِّبهام‬ ‫مدى احلياة‪ ،‬وهو ما ظهر ً‬ ‫الحقا يف ‪ِ ‬إىل ا َألبد‪( ‬العام الثالث‪:)‬‬

‫ومن تلك ‪‬اجللسات‪ ‬بالذات كان عنوان َمجموعته ‪ِ ‬إىل ا َألبد‪...‬‬ ‫شال ّ‬ ‫ونظار َتني‬ ‫ ‬ ‫– قص َة زياراهتا خالل َأيامه ا َألخرية يف املستشفى‪ُ ،‬م َتحجِّ ب ًة خلف ٍ‬ ‫سوداوين‪ ،‬بعدما ّتتصل ُبأولغا زوج ِته كي َت ْأ َم َن َأ ْن ليس يف غرفته َأحدٌ من َأهايل الزوق‪،‬‬ ‫َ‬ ‫مخس سنوات حدادً ا عليه‪ ،‬ما دفع توفيق‬ ‫– قص َة ارتدائها فستا ًنا َأسودَ واحدً ا َ‬ ‫شريا ِإليها يف‬ ‫يوسف عواد ِإىل ْذكر ذلك يف كتاب سريته الذاتية ‪‬حصاد العمر‪ُ ‬م ً‬ ‫قصيدته ‪‬ذات الوشاح ا َألسود‪:‬‬

‫‪307‬‬


‫القسم الرابع‪ :‬ماذا يبقى اليوم من الياس َأبو شبكة؟‬

‫ت ِإىل غرفتها منهار ًة‬ ‫عىل رشفته منشف ًة‬ ‫ففهمت ليىل َأ ّن شاعرها مات‪ ،‬ودخ َل ْ‬ ‫سوداء َ‬ ‫َ‬ ‫جرس الكنيسة يف الزوق ُ‬ ‫يبدأ بق ْرع ّ‬ ‫طنات احلزن ُمعلن ًة‬ ‫لتسمع بعد دقائقَ طويل ٍة‬ ‫َ‬ ‫وفاة الياس َأبو شبكة‪،‬‬ ‫– قص َة التنهيدة اخلاصة بصوته وراء ميكروفون ِاإلذاعة قبل َأن َ‬ ‫يبدأ بقراءة تعليقه‬ ‫ ‬ ‫ِاإلذاعي‪ِ  ،‬إشار ًة‪ ‬منه ِإليها َألنه يعرف َأهنا َأمام جهاز الراديو يف بيتها تصغي ِإليه‪،‬‬ ‫معا‪ ،‬كادت َأن حتصل ومل حتصل‪ ،‬قرب‬ ‫– قص َة ُالقبلة ا ُألوىل‪ ،‬يف َأول عهدمها ً‬ ‫الشعر‪‬‬ ‫‪‬عني الزوق‪( ‬اليوم حتت القرص البلدي)‪َ ،‬‬ ‫فظهرت يف مطلع قصيدته َ‪‬أعذب ِ‬ ‫(من ‪‬نداء القلب‪:)‬‬

‫أَاي ُق��ب�ل ًة م���رّت ع�لى ض �فَّ� يَ�ت فمي‬

‫ك ِ‬ ‫ٍ‬ ‫َق‬ ‫طيف‬ ‫َ‬ ‫حبيبمَر َّيفا ُحللمْ وانْطَـل ْ‬

‫ِ‬ ‫ي ب �أْس ِ‬ ‫عليك واألَمَ��� ُة الشيخ ُة‬ ‫أ َ ُّ‬ ‫ِإهن���ا م��ن ذَوي� ِ‬ ‫ٍ‬ ‫مض��ان‬ ‫ي�ر‬ ‫����ك خ� ُ‬ ‫ف��اهس��ري‪ ،‬فالعجوز انم��ت عىل‬

‫ن‪ِ ...‬‬ ‫ك��ل�ا ُم؟‬ ‫وم�س�م��� ٌع‪ ...‬و َ‬ ‫ع��ي� ٌ‬ ‫ي��ق��ول واش ٍ ح����را ُم؟‬ ‫م��ا ع��س��اه‬ ‫ُ‬ ‫�س � َن� ِ�د هس��ران�� ًة علهيا ال��س�لا ُم !‬ ‫امل� ْ‬

‫منزل صديق ٍة مشرتكة يف‬ ‫– قص َة ذاك اللقاء الطويل عىل ضوء القمر‪َ ،‬خلف ِ‬ ‫الزوق‪َ ،‬‬ ‫ترك ْت ُهام وحدمها وانرص َفت‪ ،‬وحني عادت ِإليهام بعد َأكثر من ساعة وجدَ ْتهام‬ ‫يف حالة بكاءٍ شديد‪،‬‬ ‫سهر‬ ‫– قص َة زيارات ليىل ِإىل بيته يف حضور ُأ ّمه وشقيق ِته اللتني تتعبان من ٍ‬ ‫ُ‬ ‫فتدخالن ِإىل النوم ويبقى هو معها يف حضور خادمتها العجوز التي هي ا ُألخرى ال‬ ‫تنعس فتنام‪ ،‬ومن هنا قوله يف ‪‬العام الثاين‪ ‬من ‪ِ ‬إىل ا َألبد‪:‬‬ ‫تلبث َأن‬ ‫َ‬

‫– قص َة ِإمياءته هلا من صندوق شاحن ٍة كان يستق ُّلها يف حراجل ِإىل عمله يف‬ ‫ت حمَدَّ د‪ ،‬قرب بيتها‬ ‫بريوت‪ ،‬عوض الباص‪ ،‬فقط َأل ّن تلك الشاحنة كانت َت ُـمر‪ ،‬يف وق ٍ‬ ‫الصيفي يف عجلتون‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫– قص َة لقاءاهتام يف ناحي ٍة منفردة من عجلتون يعلو فيها الو ّزال ستا ًرا يفص ُلهام‬ ‫عن ّرواد الصيف‪ ،‬ومن هنا قو ُله يف قصيدة ‪‬استغراق‪ ‬من ‪‬نداء القلب‪:‬‬

‫‪306‬‬


‫ماذا يبقى؟‬

‫متزوجة) لكنها مل‬ ‫متزو ًجا‪ ،‬وهي ّ‬ ‫ُح ُّبه ليىل كان يف ‪‬الزمن املمنوع‪( ‬كونه كان ّ‬ ‫حبه حديثَ َأهايل الزوق َوأصدقائه وحتى قرائه‪ .‬مع‬ ‫تكن يف ‪‬الزمن املستور‪ .‬كان ُّ‬ ‫جتمعا ُي ْغ ُلقه اخلبث‬ ‫حاصر ُم ً‬ ‫ذلك كانت له شجاع ُة التحدّ ي‪َ :‬تحدّ ي ‪‬التابو‪ ‬الذي ُي ِ‬ ‫وال ينفتح عىل َمن َتغم ُر ُهم نعم ُة احلب‪.‬‬ ‫مرا ًرا قالت يل ليىل يف حلظات صفائها ا َأل َش ّف‪:‬‬ ‫ب الياس‪.‬مل َأعرف َأحدً ا‪ ،‬ومل َأ ْ‬ ‫قرأ عن‬ ‫– هكذا كان الياس‪ .‬وهكذا كان ُح ّ‬ ‫َأح ٍد‪َ ،‬‬ ‫حب كام َأ َح ّبني الياس بذاك الولع املجنون‪.‬‬ ‫عرف كيف ُي ّ‬ ‫و ِإنه ً‬ ‫فعال كذلك‪:‬‬ ‫وليااله‪.‬‬ ‫ولي ُ‬ ‫اله َ‬ ‫َج َهر ب َل ْي ِل ِه ْ‬ ‫مضاء بنور ُحبها الذي َ‬ ‫مأل هناراته ولياليه‪.‬‬ ‫لي ُله كان‬ ‫ً‬

‫اسما‬ ‫اسمها‬ ‫احلقيقي وال انتحل هلا ً‬ ‫ف َ‬ ‫لياله كانت عروس قصائده‪َ ،‬لم ُي ْخ ِ‬ ‫ّ‬ ‫مو ًها‪َ ،‬فذ َكرها رصاح ًة كام يف قصيدة ‪‬صالة‪ ‬فاحتة ‪ِ ‬إىل ا َألبد‪:‬‬ ‫ُ‪‬م َّ‬

‫م��ث��ل ل��ي�لى ن��ق��ي�� َة األ َح����ش� ِ‬ ‫���اء‬

‫نساء‬ ‫رب م��ا خل ْق َ‬ ‫أَن� َ‬ ‫��ت اي ِّ‬ ‫ت ً‬

‫وليااله (‪‬الليا َلى‪ُ ‬هنا‪ْ :‬مجع ‪‬يا ليل‪ ،‬وهي غري ‪‬الليايل‪ ‬مجع ليلة) كانت ترت َّنح‬ ‫واسم ‪‬ليىل‪ ‬م َر َّخ ًما‪،‬‬ ‫يف قصائده بني ‪‬يا ليلُ ‪ ‬و‪‬يا ليلَ ‪ ‬فيمتزج يف كتاب ِته الليلُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫قلبه العاشق‪.‬‬ ‫وهينأ ُ‬ ‫‪v‬‬

‫عن َأنطون قازان َأ ّن ‪‬الياس َأبو شبكة ُولدَ مرتني‪ :‬مر ًة سنة ‪ ،1903‬وا ُألخرى‬ ‫سنة ‪ 1938‬يف عيادة الشيخ فؤاد حبيش نارش َ‪‬أفاعي الفردوس‪.‬‬ ‫ُأخالف َأنطون يف غيابه‪َ ،‬وأرى والدة َأبو شبكة ا ُألخرى كانت سنة ‪ 1940‬يوم‬ ‫َ‬ ‫جموعتني من‬ ‫ب‪ :‬نداء القلب‪ ‬و‪ِ ‬إىل ا َألبد‪َ ،‬م‬ ‫ع َرف ليىل التي ستمنحُ ه ث َـمرتـَي ُح ّ‬ ‫َأعذب شعرنا يف النصف ا َألول من القرن العرشين‪.‬‬ ‫‪309‬‬


‫القسم الرابع‪ :‬ماذا يبقى اليوم من الياس َأبو شبكة؟‬

‫– قص َة ‪‬مصادفات‪( ‬مل تكن َأبدً ا ‪‬مصادفات‪ )‬يف لقاءاهتام عىل طرقات الزوق‬ ‫َأو لدى َأصدقاء مشرتكني‪،‬‬ ‫ت ِإىل رابي ٍة‬ ‫ت‬ ‫وانسحب ْ‬ ‫فلب ْ‬ ‫َ‬ ‫– قص َة طل ِبه ِإليها َأن تنزوي وتكتب له يوميات‪َّ ،‬‬ ‫َ‬ ‫حبهام بشكل رسائلَ تناول‬ ‫فوق بيتها‬ ‫ُ‬ ‫تكتب له (يف الفرنسية) خواطر وانطباعات عن ِّ‬ ‫منها رسال ًة وتر َمجها شع ًرا ِإىل العربية فكانت قصيدة ‪‬الناسكة‪( ‬من ‪‬نداء القلب‪.)‬‬ ‫يوميا ِإىل الزوق من بريوت‪ ،‬ولو َت َأ ّخر به الليل‬ ‫– قص َة ِإرصاره عىل العودة ً‬ ‫و َت َو َّف َر له َأن ينام يف بريوت‪َ ،‬ألنه يطمح َأن يرى لياله يف الزوق صبيح َة اليوم التايل‬ ‫صاحبها‬ ‫قبل ُنزوله ِإىل عمله يف بريوت‪ .‬كان َأحيا ًنا يرتدّ د عىل ‪‬دار رحياين‪ُ ‬يعاون‬ ‫َ‬ ‫َألربت الرحياين يف تنقيح بعض املنشورات‪ ،‬وكانت َأللربت ّ‬ ‫سكني ٌة فوق مكتبه‬ ‫شق ٌة ّ‬ ‫وغالبا ما كان يعرض عىل الياس َأن ينام يف تلك َّ‬ ‫الشقة‬ ‫(الـ‪‬غران تياتر‪ -‬بريوت)‪ً ،‬‬ ‫رص عىل العودة ِإىل الزوق (من حديثي‬ ‫حني َيتأ َّخر به العمل‪ ،‬فكان يرفض ً‬ ‫حازما و ُي ّ‬ ‫يف واشنطن مع َألربت الرحياين ‪ -‬جملة ‪‬الناقد‪ - ‬لندن شباط ‪-1991‬العدد ‪ .)32‬ومر ًة‬ ‫ينام‬ ‫مشيا من بريوت ِإىل الزوق كي ال َ‬ ‫سيارة وكان فاته موعدُ القطار‪ ،‬فعادَ ً‬ ‫مل جيد ّ‬ ‫صباحا‪.‬‬ ‫ً‬ ‫بعيدً ا عن رؤْ ية لياله‬ ‫– قص َة املقاطع اخلمسة (يف ‪ِ ‬إىل ا َألبد‪ )‬كان ً‬ ‫سابقا َك َتبها ِإىل ّ‬ ‫املغنية ‪‬هادية‪‬‬ ‫(عَ َر َفها قبل ليىل)‪ ،‬لكنه َأوردها يف الكتاب (عىل لسان ليىل) كي ال َيجدَ ها َأحدٌ‬ ‫وينسبها ِإىل َ‬ ‫امرأ ٍة عىل زمان ليىل‪ ،‬وهو ما كان َي ُ‬ ‫احرتاما‬ ‫رفضه الشاعر‬ ‫بعدَ ه بني َأوراقه‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫وتقديسا حلب ليىل الذي شاءه ا َألكرب الوحيد وا َألخري‪.‬‬ ‫ً‬ ‫‪v‬‬

‫‪308‬‬

‫خرب ْتنيها ليىل يف‬ ‫قصصا كثرية ُتحكى‪،‬‬ ‫ً‬ ‫باحرتاقها‪ ،‬تلك الرسائل‪ ،‬نفتقدُ ً‬ ‫وقصصا َأ َ‬ ‫جلسايت ِإليها لكنني لن َأحكيها َأبدً ا‪.‬‬ ‫حب احلياة متحدّ ًيا ظرو َفها االجتامعية التقليدية حني َ‬ ‫عرف مع ليىل‬ ‫َفأبو شبكة َأ َّ‬ ‫حبه بق ْلب جديد‪.‬‬ ‫بفرح َمن َن ِس َي شقاء املايض وجاء ِإىل ِّ‬ ‫َّ‬ ‫حبه الكبري فعاشه ِ‬


‫ماذا يبقى؟‬

‫وشعره‪.‬‬ ‫هذا عن ُح ّبه ِ‬ ‫فامذا عن مقاالته التي تكاد ال ُتحىص؟ ماذا يبقى منها اليوم؟‬ ‫رسح‬ ‫مقاالت كثري ٌة َصد َر ْ‬ ‫ٌ‬ ‫كتب ودراسات‪ ،‬آراء ُومحارضات‪َ ،‬م ٌ‬ ‫ت عنه وحتقيقات‪ٌ ،‬‬ ‫حتى َ‬ ‫وندوات‪َ ،‬أفكار َوأطاريح‪َ ،‬ت َك ُّه ٌن وتنظريات‪ّ ،‬‬ ‫لكأنه شعراء جتمهروا يف شاعر‪.‬‬ ‫رف الكتب وهدَ َأ‪َ ،‬نجده ال يزال بيننا َ‬ ‫كلام خ ْلناه ا ّتخذ مكانه عىل ّ‬ ‫معنا‬ ‫يشقع َ‬ ‫الكتب وال هيدأ‪.‬‬ ‫التقيت غلواء للمرة ا ُألوىل (‪ )1973‬حاور ُتها استنطا ًقا وذكريات‪ .‬انتهى‬ ‫حني‬ ‫ُ‬ ‫ت الذكريات‪ ،‬ومل ُتعدْ لقاءايت التالية هبا سوى تكرار‪.‬‬ ‫اللقاء ا َأل ّول‪ ،‬ومعه انته ِ‬ ‫ذاك ُ‬ ‫التقيت ليىل للمرة ا ُألوىل (‪ )1972‬حاور ُتها استنطا ًقا وذكريات‪ ،‬ومل ينت ِه‬ ‫وحني‬ ‫ُ‬ ‫ضوء جديدٌ ‪ ،‬ومل تنته‬ ‫اللقاء ا َأل ّول وال انته ِ‬ ‫ت الذكريات‪ .‬كان لدهيا يف كلّ لقاءٍ جدي ٍد ٌ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫قلبها ِإىل األبد (‪.)2005‬‬ ‫َأضواؤها حتى انتهى الضوء يف عينيها‬ ‫َ‬ ‫وسكت ُ‬ ‫لشاعر َي ُ‬ ‫حيا َأكث َر‬ ‫هني ًئا‬ ‫سكن ذكريات حبيبته‪َ ،‬ألنه َيسكن الـ‪‬ما بعد‪ُ ‬فيبقيه ًّ‬ ‫ٍ‬ ‫من الـ‪‬ما كان‪ .‬يف ‪ 27‬كانون الثاين ‪َ 1947‬محل حقائبه وغادر‪.‬‬ ‫قبل نحو عامني ِإ ّال شه ًرا من والديت (‪ 9‬كانون ا َأل ّول ‪.)1948‬‬ ‫ب‪ .‬وال َأزال‪ ،‬يف كلّ ما َأكتب‬ ‫طبعني ِشع ًرا وسري َة ُح ّ‬ ‫و ِإذا به الشاعر الذي َ‬ ‫بقص ٍة عنه َرو ْتها يل جدَّ يت‬ ‫عنه َأو َأخطب‪َ ،‬أشعر َأنني َأ ِفيه بعض دَ ينه عيلّ ‪َ ،‬أن يكون ّ‬ ‫وحولني ِإىل ِحرفة ا َألدب‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ذات ليلة من ليايل طفولتي‪َّ ،‬غير َمجرى حيايت ّ‬ ‫ُ‬ ‫كاتب غزير ِاإلنتاج‪َ .‬ومخاضه يف كتابة النثر ال خيتلف عن َمخاضه‬ ‫ويكون َأنه‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫الشعر‪ :‬كالمها ْنس ٌج َم ٌ‬ ‫يف كتابة ّ‬ ‫والشغف ومتعة ا َخللق‪.‬‬ ‫حفوف با َألمل‬ ‫َكأمنا عالم ُة الشعراء الكبار َأن َيصوغوا نثرهم ُبن ْسغ ّ‬ ‫الشعر فيظلَّ النثر عندهم‬ ‫فنيا‪ ،‬ويظلَّ ِشعرهم ِشع ًرا فال يقال ِإ ّن هذا النثر ارتقى ِإىل مستوى ّ‬ ‫الشعر (وهذه‬ ‫نث ًرا ً‬ ‫عظيما بذاته)‪ ،‬وال يقال ِإن هذا ِشعر منثور‪َ ،‬ألن‬ ‫ِإهانة للنثر كام لو ّان النثر ليس ًفنا‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫الشعر والنثر َف َّن ِان فاخران‪ ،‬ويا َلـحَ ّظ من ُي َمن ُح نعم َة َأن ُيبدع يف كليهام‪.‬‬ ‫‪311‬‬


‫القسم الرابع‪ :‬ماذا يبقى اليوم من الياس َأبو شبكة؟‬

‫صفاء ّ‬ ‫الشعر‪.‬‬ ‫صفاء ا ُحل ّ‬ ‫ب َفم َنحَ ْت ُه َ‬ ‫منحَ ها َ‬ ‫ً َّ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫غريبة‬ ‫طفلة مدل َل ًة‪،‬‬ ‫كنت فيه‬ ‫ماضيا‬ ‫غفر يل‬ ‫كتب ْ‬ ‫ت له يف ِإحدى رسائلها‪ِ  :‬إ ِ‬ ‫َ‬

‫َ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫عميقا‪ْ ،‬‬ ‫عبر‬ ‫فارتقيت ِإىل فهم الحياة‬ ‫بفضلك‪،‬‬ ‫عن المرأة التي ِص ُرتها اليوم‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫لوالك‪.‬‬ ‫بلوغها‬ ‫حقيق ٍة ما كان يل‬ ‫َ‬ ‫الجهنمي ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫جعلت مني‬ ‫الر َؤى‪،‬‬ ‫وكتب هلا يف رسال ٍة جوابية‪ :‬أنا الشاعر‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫صافيا هادئا‪ ،‬فأنا َم ٌ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ك سبع مرات‪.‬‬ ‫شاعرا َحنونا‬ ‫دين ل ِ‬

‫اهن َ‪‬أفاعي الفردوس‪ِ ‬إىل احلنون اهلادئ‬ ‫ِمن الثائر عىل النساء حتى َس ّـم َّ‬ ‫الصايف يف ‪‬نداءِ القلب‪ ‬و‪ِ ‬إىل ا َألبد‪.‬‬ ‫هي هذه‪ ،‬يف هيوالها‪ ،‬والد ُة الشاعر احلقيقية‪:‬‬ ‫احلقيقي الذي ْيأيت َ‬ ‫متأ ِّخ ًرا ليمحو كلّ ما قبله ويبقى ِإىل ِآخر ُالعمر‪،‬‬ ‫احلب‬ ‫يف ّ‬ ‫ّ‬ ‫ِإىل ا َأل َبد‪،‬‬ ‫يف احلبيبة التي َت ُ‬ ‫جيب نداء القلب‪،‬‬ ‫ب ُلت َ‬ ‫خرتق احلجُ َ‬ ‫ُ‬ ‫فيخفت نقيقُ املجتمع يف‬ ‫يف الزمن الذي َيجرؤ‪ ،‬يكرس القضبان و َيجرؤ‪،‬‬ ‫صوت الشاعر فيستديم ً‬ ‫جيال بعد جيل‪ ،‬قصائدُ ه خب ٌز‬ ‫املستنقعات اآلسنة‪ ،‬ويقوى‬ ‫ُ‬ ‫وماء للعطاش ِإىل احلياة‪:‬‬ ‫للجائعني ِإىل احلب‪ٌ ،‬‬

‫ل َ���ت���أْىب ال�س�م���اءُ أَن ي�نه��ارا‬ ‫���ب يف ديم أَن���وارا‬ ‫أَطْ���لَ��� َع ا ُحل ُّ‬

‫ِإن ب��ي � ًت��ا ع�لى اجل��م��ال بنيناه‬ ‫ك�ّل مّ���ا غ����رَّق ال���ظ�ل�ا ُم عيوين‬ ‫ُ‬

‫(خامتة ‪ِ ‬إىل ا َألبد‪)‬‬

‫هكذا َج ُرؤَ الياس َأبو شبكة‪.‬‬ ‫وهكذا يبقى اليوم شاع ًرا متف ّردً ا‪ ،‬وتبقى ِلشعره نكه ٌة خاص ٌة ال تعاد ُلها ِإ ّال حلظ ُة‬ ‫احلب املمنوع ُتنبض يف قلب َ‬ ‫امرأة عاشقة‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫‪310‬‬


‫ماذا يبقى؟‬

‫يكتب متابع ًة حد ًثا‪َ ،‬أو ْرأ ًيا يف‬ ‫ومقاالته َّمتيزَت بثقافة واسعة‪ .‬مل يكن يكتفي َبأن‬ ‫َ‬ ‫حادثة َأو كتاب‪َ ،‬أو ً‬ ‫بناء فني كامل) بل ُي ْغنيه‬ ‫تعليقا عىل موضوع يف مقا ِله (ومقا ُله ٌ‬ ‫غنيا ِبام حيويه من ُشحنات‬ ‫ت وخلفيا ٍ‬ ‫ت واستشهادا ٍ‬ ‫مبعلوما ٍ‬ ‫ت َتجعل ّنصه الصحايفّ ً‬ ‫مبوضوع املوضوع بل مبا ُ‬ ‫يقطفه من‬ ‫اهتاممه‬ ‫ثقافية‪ ،‬وما ُي ْغني القارئ حتى ال يعودَ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ثقاف ٍة لقراءة املقال‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫مالز َم ٌة‬ ‫احلي‪ .‬فال َـ‪‬أنا‪ ‬عنده ‪ -‬ويا َألف ُ‬ ‫عافاه ‪ِ -‬‬ ‫وتتج ّلى لديه نزع ٌة ِإىل ‪‬ا َألدب ّ‬ ‫‪‬آخر‪ ‬يف كتاباته من دون َ‪‬أناه‪ ‬حمو ًرا وانطال ًقا ً‬ ‫‪‬اآلخر‪ .‬ال َ‬ ‫َ‬ ‫ومآال‪ .‬وليسمح لنا‬ ‫ا َألخ بليز ﭘـاسكال ْ‬ ‫برأيه َأ ّن ‪‬ا َألنا َممجوجة‪ .)Le moi est haïssable( ‬ف َليس من‬ ‫حي ِإ ّال َ‬ ‫و‪‬أنا‪ ‬ا َألديب هي فيه الضوء‪ ،‬وما عداها ظالل حوهلا وخياالت‪.‬‬ ‫َأد ٍ‬ ‫ب ٍّ‬ ‫وليست مصادف ًة َأن َ‬ ‫الس َير الذاتية‬ ‫تكون َأكث ُر الكتب ً‬ ‫مبيعا وط َل ًبا يف العامل هي ُكتب ِّ‬ ‫(ا ُألوتوبيوغرافيا) َأو َالغريية (البيوغرافيا)‪َ ،‬أل ّن القارئ حيب َأن يشعر بالكاتب ً‬ ‫ماثال‬ ‫َ‬ ‫َأمامه‪ ،‬ال ِّ‬ ‫املخاطب‪ .‬ولعلّ الضمري الوجداينّ ‪ ،‬يف ذاته‪،‬‬ ‫متست ًرا خلف ضمري الغائب َأو‬ ‫ضمري املتك ّلم‪.‬‬ ‫ضمريا ِإ ّال حني يكون‬ ‫ال يكون‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫هبذا يؤ ّرخ َأبو شبكة صفح ًة مرشق ًة يف َأدبنا‪ :‬صفح َة املذكرات َأو اليوميات َأو‬ ‫ب عن َأبو شبكة و َي ُكتب‬ ‫حي‪َ ،‬كأمنا َأفضلُ َمن َك َت َ‬ ‫السرية الذاتية‪ ،‬صفح ًة حي ًة َألد ٍ‬ ‫ب ٍّ‬ ‫اسمه الياس َأبو شبكة‪ِ :‬شع ُره سري ُة حياته‪ ،‬ونث ُره سري ُة حياته‪،‬‬ ‫كاتب واحدٌ ُ‬ ‫وس َي ُكتب‪ٌ :‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫حيا ِلـام أراد أن يقو َله يف نثره والشعر‪.‬‬ ‫َكأنه جعل حيا َته استشهادً ا ًّ‬ ‫كاتب واحد اسمه الياس َأبو شبكة‪.‬‬ ‫واحدٌ بصورة املتعدِّ د‪.‬‬ ‫مجع بلفظة املفرد‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫اسم ٍ‬ ‫مفردٌ بصيغة اجلمع‪.‬‬ ‫مزيج من قيس ليىل وحذاقة اجلاحظ‪،‬‬ ‫شعراء ُوأدباء ُ‬ ‫اسمهم الياس َأبو شبكة‪ٌ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫الشقي‪.‬‬ ‫من موليري الالذع والمرتني احلامل‪ ،‬من هوغو العبقري وبودلري‬ ‫ّ‬ ‫‪v‬‬

‫‪313‬‬


‫القسم الرابع‪ :‬ماذا يبقى اليوم من الياس َأبو شبكة؟‬

‫َوأبو شبكة ّ‬ ‫نابض بالسخرية يف براعة كاريكاتورية الذعة‪،‬‬ ‫س‬ ‫ٌ‬ ‫يوشح نث َر ُه ِح ٌّ‬ ‫ابتسامه َأو ضحكه خيلوان من‬ ‫تدحض ما قاله عنه بطرس البستاين َأ ْن ‪‬مل يكن‬ ‫ُ‬ ‫مرارة‪ .‬وال َأذك ُر َأنني َرأ ُيته مر ًة واحدة يضحك ملء فيه‪ ،‬ضحك َة غبطة وارتياح‪.‬‬ ‫طريفا ً‬ ‫وعمن عرفوا َأبو شبكة‪َ ،‬أنه كان ساخ ًرا ً‬ ‫ظريفا‬ ‫فعما كانت ترويه يل ليىل‪َّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫تنم عن َتم ُّل ٍك باحلبكة‬ ‫ُممتل ًئا حيا ًة ً‬ ‫ومرحا وفكاهة‪ ،‬يف نتعا ٍ‬ ‫ت باسمة َأو ضاحكة‪ُّ ،‬‬ ‫الساخرة من جذورها الراسخة‪.‬‬ ‫الناث ُر الصحايفّ فيه مل يؤ ّثر عىل الشاعر‪ .‬و ِإذا كان صحيحً ا َأن ‪‬الصحافة تقضم‬ ‫َأصابع الشاعر‪( ‬كام قال يل مر ًة نزار قباين) َفأبو شبكة‪ ،‬رغم غزارته املذهلة يف‬ ‫الكتابات الصحافية‪َ ،‬أنقذ َأصابعه من القضم والقرض واحلريق‪ ،‬فظلّ للشعر عنده‬ ‫حلظته مهام ّ‬ ‫فجر يطلّ حني ْتأزف ُ‬ ‫ُ‬ ‫تكثفت‬ ‫مكان الزمن ِّ‬ ‫السيد‪َ ،‬كأمنا لقصيد ِته فعلُ ٍ‬ ‫حجُ ب الليل وطال ُبزوغ الصباح‪.‬‬ ‫قياسا عىل حياته القصرية‬ ‫الفت ٌة تلك الغزارة لديه‪ .‬فلو َأحصينا عددَ مقاالته ً‬ ‫يوما واحدً ا عن الكتابة‪.‬‬ ‫َل َشع ْرنا َكأنه مل يتو ّقف ً‬ ‫وهذه ظاهر ٌة ال يؤْ تاها كثريون‪.‬‬ ‫اتصلت مبحمد عبدالوهاب َأ َ‬ ‫سأله شهاد ًة يف عايص‬ ‫عند غياب عايص الرحباين‬ ‫ُ‬ ‫نتاجا مع َأنني حني ْ‬ ‫ت كان ال يزال ً‬ ‫طفال‪.‬‬ ‫َفأجابني‪ :‬عايص كان َأكث َر مني ِإ ً‬ ‫بدأ ُ‬ ‫عايص مل يكن يتو ّقف عن التلحني‪ .‬كان يلحِّ ن وهو ْيأكل‪ ،‬يلحِّ ن وهو يقود سيارته‪،‬‬ ‫يلحِّ ن وهو يتحدّ ث معنا ِّ‬ ‫ويدخن‪ ،‬يلحِّ ن وهو مييش‪ ،‬يلحِّ ن وهو يصغي‪َ ،‬كأ َّن فيه‬ ‫طاحون َة تلحني ال تتو َّقف‪.‬‬ ‫هذا القول ينطبق مضمو ُن ُه عىل الياس َأبو شبكة‪َ .‬وأ ُذكر‪ ،‬بني كثري ما قالته يل‬ ‫غلواء يف لقائي ا َألول هبا‪َ ،‬أنه مل يكن ُيغادر طاولة الكتابة ً‬ ‫‪‬يكتب حني‬ ‫ليال َأو هنا ًرا‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫يعود من بريوت بعد الظهر‪ ،‬يكتب يف السهرة‪ ،‬يكتب يف الليل‪ ،‬يكتب يف الزوق‪،‬‬ ‫يكتب يف مريوبا‪ ،‬يكتب يف حراجل‪َ ،‬أتركه يكتب َألروح ِإىل زيارة‪َ ،‬وأعودُ و ِإذا به‬ ‫ال يزال يكتب‪.‬‬ ‫‪312‬‬


‫‪ ...‬وأُقفِ ُل الدائرة‬

‫‪ ...‬يف تلك املسو ّيات من طفولتي‪ ،‬كان َجدّ ي ميالد يصل باك ًرا من دُ ّكانه‬ ‫يف ساحة الضيعة‪َ ،‬‬ ‫عشاءه عىل طاول ٍة واطئ ٍة يرت َّبع خ ْلفها فوق‬ ‫فتضع له ِستي ليىل‬ ‫َ‬ ‫ط ّراحة‪ّ ،‬‬ ‫ت اليوم؟‪َ ‬فأروح عىل ضوء قنديل منرو ‪3‬‬ ‫كتب َ‬ ‫حتى ِإذا انتهى َ‬ ‫انتهرين‪ :‬ماذا ْ‬ ‫َأو عىل نور اللوكس َأ ُ‬ ‫بتسم‬ ‫قرأ‬ ‫فروض ِاإلنشاء املدرسي َة بصو ٍ‬ ‫َ‬ ‫عال ونرب ٍة خطابية‪َ ،‬في ُ‬ ‫ت ٍ‬ ‫نصت ِإ َّيل ستي َأكثر مما ِإىل ِع َظة بونا جناديوس يوم ا َألحد‪ .‬و ِإذ‬ ‫جدّ ي اعتزا ًزا‪ ،‬و ُت ِ‬ ‫تغمرين مردّ دة‪ :‬يقربين هالصبي ْب ِيحكي متل ّ‬ ‫الش َّعار‪(َ ‬أي‪ ،‬يف قاموسها‪:‬‬ ‫َأنتهي ُ‬ ‫‪‬الشعراء‪.)‬‬ ‫وقفت بالبنطلون الشو ْرت يف‬ ‫وكنت‬ ‫(وكنت يف العارشة)‬ ‫ذات ليل ٍة من ‪1958‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫‪‬وقفة منربية‪ْ ‬‬ ‫وصف الربيع‪ ،‬تقدَّ َمت منه ّ‬ ‫ستي‬ ‫ت عىل جدّ ي فرض ِاإلنشاء عن ْ‬ ‫وقرأ ُ‬ ‫َ‬ ‫ت كلّ اليل قالو الصبي‪ ،‬بس دخ َلك يا ميالد ُأوعى يط َلع‬ ‫فهم ْ‬ ‫مست له‪ :‬ما ْ‬ ‫وه َ‬ ‫متل هاك ا َأل ْخ َوت ا ْلـ كان ّعنا بالزوق‪.‬‬ ‫ت‪ ‬عندما‬ ‫ت َأن َأكون َ‪‬أ ْخ َو ْ‬ ‫منت تلك الليلة َوأنا ُأ ّفكر بعبارة ستي‪ :‬ملاذا خا َف ْ‬ ‫ُ‬ ‫ت الذي تقصدُ ه؟‬ ‫َأكرب‪َ ،‬ومن هو هذا ا َأل ْخ َو ْ‬ ‫‪v‬‬

‫ذاهبا ِإىل دكانه يف الساحة‪،‬‬ ‫صباح اليوم التايل‪ ،‬بعدما ودَّ عَ ْ‬ ‫َ‬ ‫ت جدّ ي عىل الباب ً‬ ‫ت‪َ ،‬ف َأجابت بالمباالة مدهشة‪ :‬مش مهم‬ ‫رعت َأ‬ ‫ستفرس منها عن ذلك ‪‬ا َأل ْخ َو ْ‬ ‫َه ُ‬ ‫ُ‬ ‫‪315‬‬


‫القسم الرابع‪ :‬ماذا يبقى اليوم من الياس َأبو شبكة؟‬

‫ماذا يبقى اليوم من الياس َأبو شبكة؟‬ ‫ربيعه الرابع وا َألربعني‪ّ ،‬‬ ‫وظنناه ا ّتخذ مكانه‬ ‫كملَ َ‬ ‫غاب قبل َأن ُي ِ‬ ‫يبقى ذاك الذي َ‬ ‫دائما بيننا‪َ ،‬‬ ‫عىل ّ‬ ‫معنا ُ‬ ‫الكتب‪َ ،‬نتعب نحن‬ ‫يشقع َ‬ ‫رف الكتب‪ ،‬ف ِإذا به ال يزال بيننا‪ً ،‬‬ ‫وهو وال َيهدأ‪.‬‬ ‫وهذه عالمة اخلالدين‪.‬‬ ‫‪‬النهار‪ 27 – ‬كانون الثاين ‪.2010‬‬

‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫الصغرية التي كان يكتب فيها‬ ‫غرفت ُه‬ ‫الم ِّ‬ ‫ومن شباكها ُ‬ ‫طل عىل الطريق‬ ‫كان ِّ‬ ‫يكلم ليىل حين ُ‬ ‫فيلحظات هاربة‬ ‫تم ُّر به‬ ‫ٍ‬

‫‪314‬‬


‫‪ ...‬و ُأ ِ‬ ‫قف ُل‬ ‫الدائرة‬

‫بعد و ْفر ما صدر حتى اليوم عن َأبو شبكة منذ غيابه قبل ُث َلثي قرن (‪-1947‬‬ ‫َ‬ ‫‪ ،)2013‬بني كتا ٍ َ‬ ‫فصل من كتاب‪ ،‬ودراس ٍة ُوأطروح ٍة جامعي ٍة ومقال ٍة‬ ‫ب أو ُجزءٍ أو ٍ‬ ‫داو ٍل ِلـام‬ ‫ث و َن ْش ِر وثا ِئقَ عنه خمطوط ٍة َأو َمرو َّي ٍة‪ ،‬يبقى ِشع ُر ُه موضوعَ َت َن ُاو ٍل و َت ُ‬ ‫و َبـح ٍ‬ ‫جاء به يف عرصه من جدي ٍد وجريء‪.‬‬ ‫تبقى سريته التي‪ ،‬رغم ُورودها واضح ًة يف قصائده ونصوصه‪ ،‬ظ َّلت ُم َتر ّنح ًة بني‬ ‫وتقرير ِلام كانت عليه من ْنسج َ‬ ‫معظ ُمه َ‬ ‫دوما نور احلقيقة‪.‬‬ ‫تقدير‬ ‫متخ َّيلٌ ليس فيه ً‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫شهادات َأقربني ِإليه‬ ‫كان ال بدَّ من الذهاب ِإىل الينبوع لالستسقاء‪ .‬والينبوع‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫نسبا‪َ ،‬وأصدقاء حلق ًة‪ ،‬وعارفني ِإصدا ًقا‪ ،‬حتى تكتمل الصور ُة واضح ًة منسوج ًة َ‬ ‫متأ ّنية‬ ‫ً‬ ‫حي ٌ‬ ‫اك عتيقٌ عىل َنول الزوق‪.‬‬ ‫شال ُي ْط ِلعه ِب ِد َّق ٍة ماهر ٍة ّ‬ ‫َك ٍ‬ ‫وهكذا كان‪ ...‬فكان هذا الكتاب‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫ت ِإىل الشعر بفضله‪ ،‬مل‬ ‫آليت عىل قلمي َأن ُأتابع هذا الشاعر الذي ج ْئ ُ‬ ‫منذ ُ‬ ‫ً‬ ‫قطفت مخري َته َوأ ُ‬ ‫ودعتها مقال ًة َأو خزان ًة يف‬ ‫صديقا له ِإال‬ ‫َأدع َن ًصا منه َأو عنه َأو‬ ‫ُ‬ ‫انتظار َأن ْتأيت الساعة‪.‬‬ ‫وج ُع من َأذى َي ْلحَ ُق ُه يف بيته املهمل َأو كتبه املرسوقة‬ ‫كنت يف متابعايت ُأ َ‬ ‫وكم ُ‬ ‫احلقوق َأو سوء قراءته بالكتابة عنه يف ّ‬ ‫واحتفظت‬ ‫خفة و َت َس ُّر ٍع وادِّ عاءات غبشاء‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫بالقيم الصادر عنه يف َأ ّي شكل‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫برنامج‬ ‫حت َأدفع عنه ذاك ا َألذى‪ :‬رصخ ًة عىل منرب‪ ،‬غضب ًة يف مقالة‪ ،‬لفت ًة يف‬ ‫و ُر ُ‬ ‫ٍ‬ ‫ذاعي َأو تلـﭭـزيوينّ ‪... ،‬‬ ‫ِإ ٍّ‬ ‫َ‬ ‫قضيتي حتى تستوي ُ‬ ‫فيذوق يف غيابه ما‬ ‫قضيته كام يليق به‬ ‫َكأ ّن هذا الشاعر َّ‬ ‫مل َي ُذ ْق عىل َحياته‪.‬‬ ‫َوأخذت املراحل تتواىل كام تا َب َعها ويؤَ ِّر ُخها هذا الكتاب‪ :‬مدرسة عىل اسمه‬ ‫يف الزوق‪ ،‬مهرجانات ذكرى‪ ،‬ترميم البيت وحتويله ً‬ ‫متحفا‪ ،‬صدور جمموعته الشعرية‬ ‫‪317‬‬


‫القسم الرابع‪ :‬ماذا يبقى اليوم من الياس َأبو شبكة؟‬

‫ّ‬ ‫ستي‪ .‬هيدا واحد جمنون كان ّعنا بالزوق‪ِ ،‬ب َيس ُّموه شاعر و ْب ْيك ُتب ُك ُتب‪ ،‬مييش عَ‬ ‫الطريق‪ ،‬حامل عصا ُتو يرضب فيها ا َألرض َأو ي َل ْو ِلح فيها باهلوا‪ ،‬وهي ّز بكتافو‪ ،‬وحيكي‬ ‫ت؟ كانو ْي ُقو ُلو ُلو الياس ُبو َش ْب ِكه‪....‬‬ ‫وحدو‪َ .‬حدا بيق َّلك َأ ْخ َو ْ‬ ‫عجب ْتني عن ذلك‬ ‫ومن يومها‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫سيا ‪ -‬بصور ٍة َأ َ‬ ‫رحت َأح ُلم ‪ -‬غريز ًيا ال َحدْ ّ‬ ‫مت َأن َأهتدي ِإىل كتبه‪.‬‬ ‫فصم ُ‬ ‫‪‬ا َأل ْخ َوت‪َّ ،‬‬ ‫‪v‬‬

‫ت من َأيب َأن يشرتي يل ما جيدُ من‬ ‫آخر الصيف‬ ‫وطلب ُ‬ ‫ُ‬ ‫عدت ِإىل بيتنا يف رصبا ْ‬ ‫فجاءين ب َ‬ ‫خذت‬ ‫ـ ‪‬أفاعي الفردوس‪ ‬و‪‬ا َألحلان‪ ‬و‪ِ ‬إىل ا َألبد‪َ ،‬أ ُ‬ ‫ُكتب الياس َأبو شبكة‪َ ،‬‬ ‫َأ ُ‬ ‫ت َأمامي يف املكتبة َأعودُ ِإليها كلَّ فرتة َوأفهم‬ ‫قرأ فيها وال َأفهم‬ ‫بقي ْ‬ ‫َ‬ ‫معظمها‪ ،‬لكنها َ‬ ‫َأكث َر مع تقدُّ مي يف السنوات ويف فهم الشعر‪ ،‬ومن َأخبار َأيب عن الشاعر (كان َأيب‬ ‫ُمدَ ِّر ًسا يف الزوق ويلتقي الشاعر َأحيا ًنا)‪ُ ،‬‬ ‫صوصا من جملة ‪‬الرسالة‪ ‬التي كان َأيب‬ ‫وخ ً‬ ‫ً‬ ‫مشرتكا فيها لصداقته مع رئيس حتريرها ا َألديب جان كميد‪ ،‬وكانت َأصدَ َرت عددً ا‬ ‫خاصا عن َأبو شبكة (السنة الثانية ‪ -‬العدد اخلامس ‪ّ 15 -‬نوار‪ 15/‬حزيران ‪)1956‬‬ ‫ً‬ ‫حب عا َل َمه‪ِ ،‬سري ًة‬ ‫ّاط َل ْع ُ‬ ‫حس ْس ُتني ُأ ُّ‬ ‫ت فيه عىل سريته وآراء َأصدقائه فيه ويف شعره‪َ ،‬فأ َ‬ ‫اهتديت ِإليه يف ُكت ِبه‪َ ،‬‬ ‫يت ِإىل عامل ا َألدب‪.‬‬ ‫يقنت َأنني‪ِ ،‬إذ‬ ‫اهتدَ ُ‬ ‫ُ‬ ‫وشع ًرا‪َ ،‬وأ ُ‬ ‫ِ‬ ‫‪v‬‬

‫ت ماتت ِس ّتي وهي ال تعلم َأ َّن عبار ًة عابر ًة ْ‬ ‫ذات ليل ٍة من‬ ‫قالتها َ‬ ‫قبل سنوا ٍ‬ ‫ليايل طفولتي َأ ْ‬ ‫وجع َل ْتني َأهتدي‬ ‫ت جمرى حيايت َ‬ ‫وصلتني ِإىل الياس َأبو شبكة َفحَ َّو َل ْ‬ ‫ِإىل ِحر َفة القلم‪.‬‬ ‫خذت‪ ،‬منذ مطلع حيايت ا َألدبية‪ُ ،‬أتابع َأبو شبكة َوأكتب عنه ُوأ ِّ‬ ‫نظم مهرجانات‬ ‫َأ ُ‬ ‫عاما‬ ‫لدي طيلة ‪ً 40‬‬ ‫تكونت َّ‬ ‫ذكراه السنوية‪ُ ،‬وأشارك يف ندوات عنه ومؤمترات‪ ،‬حتى َّ‬ ‫ماد ًة كثيف ًة من مقااليت عنه وكتابايت َ‬ ‫جيمعها هذا الكتاب‪.‬‬ ‫بلغت قدَ َرها اجلميل َأن َ‬ ‫‪v‬‬

‫‪316‬‬


‫المحتويات‬

‫ِاإلهداء  ‪5 . ................................................................‬‬ ‫ّ‬ ‫املقدمة  ‪7 . ................................................................‬‬ ‫َأنا! ‪17 . .................................................................. .‬‬

‫القسم ا َأل َّول‪َ  :‬صديقي الياس‬

‫‪25 ..................................  ...‬‬

‫أ ‪َ -‬ع َرفُو ُه‪25 . .................................................. ...‬‬

‫‪ ‬ختترصه ٌ‬ ‫لفظة واحدة‪:‬‬

‫‪ ‬العنفوان ‪ ‬‬

‫الشيخ خليـل تقي الديـن ‪27 . ........................................‬‬

‫‪ُ ‬‬ ‫ مثال الشاعر الرومنطيقي‬

‫األديب توفيق يوسف ّعواد  ‪31 . ......................................‬‬

‫‪ ‬يف تلك الغرفة‬

‫الثالثية ‬

‫‪َ ‬‬ ‫رستقراطي يف‬ ‫ أ‬ ‫ٌّ‬

‫روحه ‬

‫الشـيخ عبداهلل العالييل ‪33 . ..........................................‬‬

‫الناشر ألربت الريحاين  ‪35 . ...........................................‬‬


‫القسم الرابع‪ :‬ماذا يبقى اليوم من الياس َأبو شبكة؟‬

‫شهادات من َأصدقائه وعارفيه‪ ،‬حتى‬ ‫والنثرية يف ثالثة َأجزاء‪ ،‬طابع رسمي باسمه‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫استعاد ا َأللق ودخل اليوم حتى يف طرائق التكنولوجيا ووسائط االتصال والتواصل‬ ‫شاعر من العامل له مواقعه ِاإللكرتونية عىل شبكة ِاإلنرتنت‪.‬‬ ‫ب َأو‬ ‫َكأ ّي َأدي ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫القديم َألبو شبكة‪َ ،‬أو ِإعاد ُة‬ ‫وفاء عهدي‬ ‫ُ‬ ‫َكأنه ُ‬ ‫ٍ‬ ‫اعتبار َتأ َّخ َرت (منذ ‪َ :1972‬أقدم ِ‬ ‫مقال ٍة ً‬ ‫ت فيه‪:‬‬ ‫زمنا) لكنها حص َلت‪َ ،‬يشهد عىل مراحل ِإنضاجها هذا‬ ‫مجع ُ‬ ‫الكتاب حوله ْ‬ ‫ُ‬ ‫عاما (بني ‪ 1972‬و‪ )2012‬يف صحف‬ ‫نرش ُتها خالل ‪ً 40‬‬ ‫مقااليت الكثرية عنه ْ‬ ‫وجمالت َ(أو َردْ ُتها كام هي بعناوينها ومراجعها وتواريخ نرشها)‪،‬‬ ‫ت شخصي ًة عليه من شهو ٍد عرفوه َأو عارفني كتبوا عنه‪،‬‬ ‫ِإضاءا ٍ‬ ‫خصيصا لـهذا الكتاب‪.‬‬ ‫وضع ُتها‬ ‫وثائقَ‬ ‫ً‬ ‫ونصوصا حديث ًة ْ‬ ‫ً‬ ‫املتنوعة‬ ‫هي هذه رسالتي من ْنس ِج مجيع تلك النصوص والشهادات والوثائق ِّ‬ ‫ت دائر َته باملقدِّ مة ُوأقف ُلها بـهذه اخلامتة‪،‬‬ ‫ب فتحْ ُ‬ ‫صدارها يف كتا ٍ‬ ‫ا َألمكنة والتواريخ‪ ،‬و ِإ ِ‬ ‫ُمقدِّ ًما ِإىل الشاعر َ‬ ‫مكانته كام يستحقُّ َأن تكون ومكا َنه كام جيب َأن َيكون‪.‬‬ ‫‪v‬‬

‫يت ما عيلَّ َألبو‬ ‫هبذا الكتاب‪،‬‬ ‫حسني َأدَّ ُ‬ ‫ووفاء لتلك ا ُألمسية يف طفولتي‪ُ ،‬أ ُّ‬ ‫ً‬ ‫اكتشفت َ‬ ‫اكتشفت طريقي ِإىل الشعر و ِإىل كيف ُ‬ ‫يكون‬ ‫طريقه‬ ‫يوم‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫شبكة‪ ،‬هو الذي َ‬ ‫ب احلقيقي‪.‬‬ ‫ا ُحل ّ‬ ‫َو‪...‬‬ ‫باإلهداءِ َأ ُ‬ ‫خت ُم به‪،‬‬ ‫كام افتتحْ ُ‬ ‫ت ِ‬ ‫احلالية‪ ،‬هذا الكتاب‪.‬‬ ‫ً‬ ‫رافعا قبل َة ُح ٍّ‬ ‫ب ووفاءٍ عىل جبني التي بني َيدَ هيا ُو ِلدَ ‪ِ ،‬بـحُ َّلته ّ‬

‫‪318‬‬


‫ سنستمل ُك‬ ‫‪‬‬ ‫ِ‬

‫البيت ‬

‫المحامي نهاد نوفل  ‪135 ............................................‬‬ ‫ـ ‪‬أنا‪ ‬بـال َ‬ ‫ اتِّحاد ال َ‬ ‫ـ ‪‬أنت‪ ‬‬ ‫‪‬‬

‫الدكتور أنطون غطاس َكرم ‪138 . .....................................‬‬

‫‪ ‬هَ َب َط يف قلوبنا ِإىل‬

‫َ‬ ‫األبد ‬

‫الشاعر أنسي الحاج  ‪140 ............................................‬‬ ‫ لبنان يف ُر َؤى َأبو شبكة ‬ ‫‪‬‬ ‫الدكتور أحمد مكي  ‪142 ............................................‬‬ ‫ الياس َأبو شبكة ‪ -‬انطباعات عراقية ‬ ‫‪‬‬

‫الروائي العراقي عبد الرحمن الربيعي ‪149 .............................‬‬

‫‪َ ‬‬ ‫شاعر‬ ‫ أبو شبكة ٌ‬

‫اله ‬ ‫ٍ‬

‫ّ‬ ‫إتيان صقر  ‪152 ...............................................‬‬ ‫األب‬

‫‪َ ‬‬ ‫ أبو شبكة بني الفكرة والتعبري‬

‫التصويري ‬ ‫ّ‬

‫الدكتورة نازك سابا يارد  ‪155 ........................................‬‬

‫ عاش عىل شموخ ّ‬ ‫وحب‬ ‫‪‬‬ ‫لبناين ٍّ‬

‫كبري ‬

‫المحامي عصام خوري  ‪161 . ........................................‬‬

‫خذت طربويش‬ ‫‪َ ‬أ ُ‬ ‫عن كتاب جوزف أيب ضاهر  ‪164 . ....................................‬‬ ‫يندر م ْثلها بني ُ‬ ‫‪ ‬مودَّ ٌة بني كرم َوأبو شبكة ُ‬ ‫األدباء ‬ ‫وخرجت ‬ ‫ُ‬

‫النقيب عصام كرم  ‪174 . ............................................‬‬


‫المحتويات‬

‫‪َّ ‬‬ ‫ وظ ْـفـتُ ُـه‬

‫‪‬عندي‪ )!(‬‬

‫األديب ألبري َأديب ‪38 . ..............................................‬‬ ‫للمجد ‬

‫ مل يكن يكرتث‬ ‫‪‬‬ ‫ْ‬ ‫غولم ِييه  ‪41 . ........................................‬‬ ‫الـﭙـروفسور جان‬ ‫‪َ ‬‬ ‫ أ َ‬ ‫حرق نصف ‪ ‬غلواء ‪ ‬‬

‫الناشر فؤاد حبيش ‪43 . ............................................‬‬ ‫آخر ذكريايت عن الياس َأبو شبكة ‬ ‫‪‬‬ ‫ هذه ُ‬

‫الشاعر جورج ِّ‬ ‫غريب  ‪45 . ..........................................‬‬ ‫تزوج ُأولغا لن ُأساكنها‬ ‫‪‬‬ ‫ عندما َأ ّ‬

‫الشاعر رياض المعلوف ‪81 . ........................................‬‬ ‫‪َ ‬‬ ‫يتم ‬ ‫ أنا والياس َأبو شبكة‪ :‬لقاءان‪...‬وثالث مل ّ‬

‫األديب جان كميد  ‪88 . ............................................‬‬

‫ جلسات سامهة حتت جوزة‬ ‫‪‬‬

‫حراجل ‬

‫رجل األعمال نبيه مارون  ‪102 ......................................‬‬ ‫ُ‬ ‫ خصومة الدقيقة الواحدة بيني وبني الياس َأبو شبكة‬ ‫‪‬‬

‫ّ‬ ‫الرسام مصطفى ُّفروخ  ‪104 ..........................................‬‬

‫وقيون َعر ُفوه  ‪111 ....................................................‬‬ ‫‪ُ   ‬ز ُّ‬

‫ب ‪َ ... -‬ق َر ُأو ُه َ‬ ‫وكتبُوه  ‪ ...............................................‬‬ ‫ست‬ ‫واج ْر َح ِشعري‪َ ،‬ل َ‬ ‫‪َ ...‬وأنت‪ُ ،‬‬

‫مستمعا ‬ ‫ِ‬

‫‪129‬‬

‫الشاعر سعيد عقل  ‪131 .............................................‬‬


‫مكايل  ‪. ....................................‬‬

‫‪ 77  ‬الشارع العام ‪ -‬زوق‬ ‫دور ثقايف حضاري  ‪ .....................................‬‬ ‫‪‬‬ ‫ وللبلديات ٌ‬ ‫ مدرسة الياس أبو شبكة الرسمية ‪. ..................................‬‬ ‫‪‬‬ ‫ ﭬرجينـي  ‪ .........................................................‬‬ ‫‪ِ ‬‬ ‫ حوار معه يف قربه املستعار  ‪ ........................................‬‬ ‫‪‬‬ ‫ وقفة عند قربه‪ ...‬املستعار  ‪ ........................................‬‬ ‫‪ِ ‬‬

‫القسم الرابع‪ :‬ماذا يبقى اليوم من الياس أَبو شبكة؟‬

‫ ‬

‫‪274‬‬ ‫‪279‬‬ ‫‪286‬‬ ‫‪290‬‬ ‫‪293‬‬ ‫‪299‬‬

‫  ‪301 ............‬‬

‫وأقف ُل الدائرة  ‪315 .................................................‬‬ ‫‪ِ ...‬‬


‫المحتويات‬

‫‪ ‬الياس َأبو شبكة‪ ،‬مواطنًا يف لبنان‬

‫الشعر ‬

‫أدونيس ‪177 . .......................................................‬‬

‫‪ ‬ا ُمل َخ ِّل ُص‬

‫الك ْح ّ‬ ‫ُ‬ ‫يل ‬

‫الشاعر جوزف حرب ‪181 ............................................‬‬

‫‪Il a vécu le double de son âge, tant sa vie fut intense  ‬‬ ‫‪ .........................................  Vénus Khoury-Ghata‬‬

‫القس ُم الثاين‪ :‬العاشق‬ ‫ْ‬

‫‪185‬‬

‫ ‬

‫  ‪189 .............................................‬‬

‫تيت‬ ‫‪‬‬ ‫ لكي تُ ِح َّب َأ َ‬

‫َ‬ ‫األرض ‬

‫هنري زغيب ‪191 ...................................................‬‬

‫ الياس أبو شبكة العاشق  ‪195 ..........................................‬‬ ‫‪‬‬

‫‪ ‬مع غلواء  ‪ ........................................................‬‬ ‫يتزوج  ‪. ..........................................‬‬ ‫‪ ‬صاحب ‪‬غلواء‪َّ ‬‬ ‫‪ ‬غلواء‪ ‬أبو شبكة رحلت عن الدنيا ‪ ...............................‬‬ ‫ يف قلبها ‪ ...‬إىل األبد ‪ ............................................‬‬ ‫‪‬‬ ‫تان الباق َيتان  ‪ ................................................‬‬ ‫‪ ‬ال َي َ‬ ‫تيم ِ‬ ‫ ‪‬نداء القلب‪َ ‬يغيب ‪‬إىل األبد‪. ...................................  ‬‬ ‫‪‬‬ ‫ُ‬

‫‪209‬‬ ‫‪223‬‬ ‫‪225‬‬ ‫‪231‬‬ ‫‪240‬‬ ‫‪245‬‬

‫ت ا َألرض‪ ............................  ...‬‬ ‫القسم الثالث ‪ ...‬أَ َت ْي َ‬

‫‪249‬‬

‫ أنـا والـزُّ وق وأبو شبكة  ‪251 ............................................‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪ ‬الياس أبو شبكة‪ ...‬إهنم ال حيرتمونك!  ‪255 . ............................‬‬ ‫ الياس أبو شبكة‪ :‬بيتُ ك متحف لك   ‪264 . ...............................‬‬ ‫‪‬‬


ˉ̑˶ʌ4ʟ˞̉̋ ‰͑̑͒̔͋͘{ ̗͈̒̑ʾ{ ̧̼̭̑ ˂ ˂ ˇ {ʺ͎̑ʬ {̼͗͌ʘ{{ʙƒ˘˖˗˖„ {ʗˀ̥͕͒͋ʢ {͚̱́͋ʢ {̻͚̓ʬʘ {•̧̮̽͋ʢ ˆ {͂͘ {͓̗͎̑̓͋̌ {ʦ ˅ ̥̠ ˄ ˄ʞ ˅ ‰ƒ˘˖˗˘„{ʗʴ͖͒͏͏͋ʢ{̶̮̎̑͋ʢ {̧̛͒͋ʢʾ{̧̽ ̮͋ʢ{ ˇ ˆ ͍˅ ̺˅ ˅͑{ì{̀͌͋̕ʢ{ʥ̑̀ ˅ ˅͋ʘ{ʙƒ˘˖˗˖„{ʗʷ̧̡͋ʢ{̼͗͌{̷͆͑̕ʘ{•̧̛͒͋ʢ{͂͘ʾ ˅ {ʗ͉͎͒̕͝ʢʾ{ʮ̑͒͋ʢ{̥͔ʢ͖̭{ì{ʼʢ̧̝̔{͚̣͊͌{ʼʢ̧̝̔ʘ{ʙƒ˘˖˗˗„{ʗʴʢ̥̓͟ʢʾ{ʺ͖̰ ͝ʢ{͚͐̓ ˅ {̧̬͙ʶ͈ {ʢ̧̘͎̑͒̚ {‰‰‰͑̑̔͘ͅ ˁ ˇ {ʬʢ̨͑ʘ {ʙƒ˘˖˗˘„ {ʗ͉̠͗ {ʼʠ {̼͊͆ {̥͚̪̽ʘ {ʙƒ˘˖˗˘) ‰ƒ˘˖˗˙„{ʗ̧͚̱͂̑̽͋ʢ

ISBN 978-9953-579-50-4

9 789953 579504

Henri Zoghaib - هنري زغيب - الياس أبو شبكة... من الذكرى إلى الذاكرة  

Art Literature - "الياس أبو شبكة ... من الذكرى إلى الذاكرة" هذا الكتاب حصيلة 40 عامًا من البحث والكتابة ونشر الجديد عن الياس أبو شبكة ومقاب...

Read more
Read more
Similar to
Popular now
Just for you