Page 1

‫ھل نُـظـُــم الخليج في وارد‬ ‫االستدراك؟‬ ‫بقلم حسن أحمد الدقي‬

‫‪٢٠١٢/٥/٤‬‬ ‫المفردات‪:‬‬ ‫أوال‪ :‬المقدمة‬ ‫ثانيا‪ :‬نظم الخليج خالل ‪ ٣٠‬عاما؟‬ ‫ثالثا‪ :‬نظم الخليج والربيع العربي؟‬ ‫رابعا‪ :‬األسئلة األشد إلحاحا؟‬ ‫‪١‬‬


‫أوال‪ :‬المقدمة‬ ‫إن الحمد‪ :‬تعالى القائل‪) :‬إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك األيام‬ ‫نداولھا بين الناس وليلعم ﷲ الذين ءامنوا ويتخذ منكم شھداء وﷲ ال يحب‬ ‫الظالمين(آل عمران‪١٤٠:‬‬ ‫سنَنَ من قبلكم شبرا‬ ‫والصالة والسالم على رسول الھدى محمد القائل‪) :‬لتتبعن َ‬ ‫بشبر ‪ ،‬وذراعا بذراع ‪ ،‬حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه ‪.‬قلنا ‪ :‬يا رسول ﷲ ‪،‬‬ ‫اليھود والنصارى ؟ قال ‪ :‬فمن(رواه البخاري‪ ،‬أما بعد‪:‬‬ ‫فالشاھد في اآلية الكريمة قول ﷲ عز وجل‪) :‬وتلك األيام نداولھا بين الناس( حيث‬ ‫أورد اإلمام الطبري فيھا قول قتادة‪ :‬إنه وﷲ لوال الد َول ما أوذي المؤمنون ‪ ،‬ولكن‬ ‫قد يُدال للكافر من المؤمن ‪ ،‬ويُبتلى المؤمن بالكافر ‪ ،‬ليعلم ﷲ من يطيعه ممن‬ ‫يعصيه ‪ ،‬ويعلم الصادق من الكاذب‪.‬‬ ‫سنَنَ من قبلكم(فمن سلك‬ ‫وأما الشاھد في الحديث فھو قوله صلى ﷲ عليه وسلم ) َ‬ ‫سنَنَ َمنْ قبلـَه فقد ضمن لنفسه الوصول إلى نفس النھايات؟ وتلكم النھايات إنما‬ ‫َ‬ ‫ھي الذلة والمسكنة ونزع ما بأيديھم من الملك والسيطرة بدليل قوله عز وجل‪:‬‬ ‫)فترى الذين في قلوبھم مرض يسارعون فيھم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة‬ ‫فعسى ﷲ أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسھم‬ ‫نادمين(المائدة‪٥٢:‬‬ ‫لقد خضع المسلمون والعرب على وجه الخصوص بعد الحرب العالمية الثانية‬ ‫ولمدة‪٤٥‬عاما خضوعا تاما التجاھات الريح في النظام الدولي دون أن يكون لھم‬ ‫أي تأثير حيث أعاد النصارى تشكيل وتصميم ھيكلة الحكم في بالد المسلمين بما‬ ‫يتوائم وتلك المرحلة من سيطرة الخمسة الكبار كما أطلق عليھم وتم تثبيت غرس‬ ‫دويلة اليھود بين ظھرانيھم حتى أذن ﷲ عز وجل برياح التغيير وسنن التداول أن‬ ‫تسري وكان ذلك بنھاية سبعينيات القرن المنصرم ومن أبرز التحوالت التاريخية‬ ‫التي جرت بھا المقادير ظھور الخميني كمخلص للشيعة وقفزته لوراثة شاه إيران‬ ‫وظھور المجاھدين األفغان على الضفة األخرى فكان العامل الشيعي عامل تغيير‬ ‫إقليمي أدى إلى دولة فاطمية أوصفوية أخرى بينما وقف العالم مذھوال للتغيير الذي‬ ‫أحدثه المجاھدون األفغان فقد كان تحوال عالميا اسھم في إسقاط إحدى أكبر‬ ‫االمبراطوريات الملحدة التي عرفھا التاريخ البشري ولكي يلھم التحوالن كال من‬ ‫األقلية الشيعية واألمة السنية بإعادة ترتيب المعادلة الدولية بما يتناسب‬ ‫وأحجامھما العقدية والتاريخية‪.‬‬ ‫فما ھي األدوار العملية واألدوار الزمنية التي فرضتھا تلك التحوالت على دول‬ ‫الخليج فلعبتھا ضمن الحراك الدولي راضية كانت أو مكرھة حتى أسلمتھا األقدار‬ ‫إلى النقطة األصعب منذ نشأتھا وتأسيسھا الحديث؟ وھل يؤھلھا ذلك التاريخ الذي‬ ‫‪٢‬‬


‫خطته بيديھا لكي تستطيل في الزمن وتتجاوب مع عوامل التغيير أم أن محصلة‬ ‫مسيرة القرن العشرين المثقلة بھموم األمة ومصالحھا وتعدي بقية األمم على‬ ‫حرماتھا سوف تكشف الغطاء وتلقي المتاجرين بقضاياھا إلى ساحة السقوط‬ ‫الحتمي كما ھو حال النظام السوري اليوم؟‬ ‫ھذا ما سوف يكشفه قابل األيام وفي ھذا المقال سأحاول الوقوف على السياسة‬ ‫العامة التي حكمت أداء النظم السياسية في الخليج على المستوى العالمي واإلقليمي‬ ‫خالل العقود الثالثة الماضية وكذا سياستھا تجاه الثورة العربية أو ما بات يعرف‬ ‫بالربيع العربي ثم استجالء امكانية تعامل نظم الخليج مع التطورات األشد خطورة‬ ‫في العالم؟‬ ‫ثانيا‪ :‬النظم الخليجية خالل ‪ ٣٠‬عاما؟‬ ‫عقد الثمانينيات‬ ‫بافتتاح العالم عقد الثمانينات من القرن العشرين كان لزاما على قادة األمم والتي‬ ‫تمثل وزنا حقيقيا في العالم أن يتعاطوا مع المتغيرات األظھر برؤية تتيح لھم إبقاء‬ ‫أممھم في حلبة السباق األممي وتستجيب بذلك للتحديات التي تفرضھا تلك‬ ‫المتغيرات وقد كان أوضح تلك التحديات ما تمثل في التحدي االقتصادي والتقني‬ ‫والسياسي والثقافي والذي مثل بمجموعه تحد يقترب من تحديات الحياة أو الموت‬ ‫بالنسبة ألصحاب الوزن الثقيل من األمم‪ ،‬ولم يكد عقد الثمانينيات يقارب على‬ ‫االنتھاء حتى كان العالم يشھد انقالبا في نظامه العالمي يقترب من انقالبات‬ ‫الحروب العظمى ولكن بحروب إقليمية ھذه المرة وكان من أھم تلك الحروب على‬ ‫اإلطالق حرب الخليج األولى بين العراق وإيران وحرب األفغان ضد االتحاد‬ ‫السوفيتي‪ ،‬وما يھمنا في ھذا السياق أن نقف على أداء نظم دول الخليج السياسية‬ ‫في إدارة ھذه المرحلة؟ فلم تكن نظم الخليج إال فرق عمل تابعة للمنظومة األمريكية‬ ‫في العالم التي حكمتھا أربع استراتيجيات رئيسة خدمتھا نظم الخليج بكل تفان‬ ‫وفاعلية وھي‪:‬‬ ‫االستراتيجية األولى‪ :‬المحافظة على تدفق النفط إلى الدول الغربية دون معوقات‬ ‫وبمعدالت مرتفعة جدا حفاظا على أسعاره المريحة للغرب في السوق وتمكينا لضخ‬ ‫المعدالت المطلوبة في ما تسميه أمريكا المخزون االحتياطي االستراتيجي من المادة‬ ‫األخطر واألكثر طلبا في العالم‪ .‬مما مكن أمريكا من إدارة أزمات العالم وھي مرتاحة‬ ‫البال بل وتكليف نظم الخليج بدفع فواتير كثير من البرامج األمريكية حول العالم‬ ‫خاصة فيما يتعلق باستقرار العالم العربي ضمن الرؤية األمريكية واألوروبية‬ ‫كفاتورة تبريد لبنان والتي دفعت بعدة اتجاھات من ضمنھا تكاليف الجيش السوري‬ ‫وإقامته الطويلة في لبنان ضمن اتفاق الطائف عام‪١٩٨٩‬م‪.‬‬

‫‪٣‬‬


‫االستراتيجية الثانية‪ :‬استيعاب التغير األخطر الذي حدث في الخليج وھو بروز‬ ‫الدولة الشيعية والعمل على إبقاء إيران ضمن المظلة األمريكية وعدم التحاقھا‬ ‫بالمنظومة الشرقية وذلك من خالل مسارين رئيسيين‪ ،‬فأما المسار األول فكان من‬ ‫خالل تشجيع المنطقة ودفعھا للدخول في حرب استنزاف متحكم في أطرھا العامة‬ ‫وقد تجاوب النظام العراقي ونظم الخليج مع ھذا الدفع وتكفل الشحن العقائدي‬ ‫الشيعي بتفعيله‪ ،‬وبينما دفع العراق فاتورة الدم فقد تكفلت نظم الخليج بدفع عوائد‬ ‫البترول لتغذية تلك الحرب‪ ،‬ويبدو أن متطلبات حرب الخليج األولى إبقاء إيران‬ ‫بعيدة عن التدخل الفعال في الحرب األفغانية الروسية ألنه وفق خرائط السياسة‬ ‫الجغرافية فإيران سوف تتدخل لصالح الروس ضد األفغان بدليل تدخل الروس‬ ‫لصالح إيران في الحرب عندما منعوا وصول السالح الروسي للعراق‪.‬‬ ‫وأما المسار الثاني في استراتيجية الغرب الستيعاب التمدد الشيعي فكان من خالل‬ ‫دفع دول الخليج لتشكيل تحالف سياسي تعاوني لعله يعوض سقوط الشاه في‬ ‫المنطقة وھو تشكيل منظمة دول مجلس التعاون الخليجي حيث لم تكن عالقة دول‬ ‫الخليج ببعضھا البعض تسمح بأكثر من التعاون وااللتقاء اإلعالمي كلما اقتضت‬ ‫الحاجة‪.‬‬ ‫االستراتيجية الثالثة‪ :‬توفير الحاضنة االقليمية لصراع العمالقة األفغان ضد العمالق‬ ‫الدولي )االتحاد السوفيتي( لعل األفغان يتمكنون من إيقاع الدب الروسي في فيتنام‬ ‫أفغانية ھذه المرة‪ ،‬فلما توفرت ھذه الرؤية األمريكية لم يكن لنظم الخليج والنظام‬ ‫الباكستاني إال أن يستجيب لھا ويسير في ركابھا مع العلم بأن الشعوب العربية‬ ‫واإلسالمية والقوى اإلسالمية الفاعلة فيھا كالجماعة اإلسالمية في باكستان‬ ‫وجماعة اإلخوان المسلمين قد لعبا الدور األبرز في دعم الجھاد األفغاني حيث تمكنا‬ ‫من تشكيل بنية تحتية متكاملة من الدعم السياسي واإلعالمي والمالي واإلغاثي‪،‬‬ ‫ولو أن نظم الخليج والنظام الباكستاني وقفت عند حدود ما ينفع األمة حسب ھبوب‬ ‫لحسب ذلك لھا كثيرا ولكن األدوار التي لعبتھا الحقا أجھزة‬ ‫الرياح الدولية ُ‬ ‫استخباراتھا ـ وفق اإلمالءات األمريكية ـ ومشاركتھا في إفساد نتائج الجھاد‬ ‫األفغاني ومآالته الكبرى خشية تأثيره على العالم اإلسالمي ودوره في إحياء الروح‬ ‫اإلسالمية مرة أخرى‪ ،‬تلك األدوار قضت على كل أمل في امكانية قيام نظم الخليج‬ ‫بأي دور ينطلق من ثوابت األمة كما قضت على كل أمل بامكانية نظم الخليج في‬ ‫الخروج من دائرة الفلك األمريكي ومصالحه‪.‬‬ ‫االستراتيجية الرابعة‪ :‬إبقاء منطقة الشرق األوسط ضمن فضاء المصالح الغربية‬ ‫وفق معادلة محددة بحيث يكون للتفوق اإلسرائيلي الموقع األبرز وإبقاء النظم‬ ‫السياسية تدور في الفلك األمريكي الغربي والتعامل مع محاوالت النھوض الشعبي‬ ‫بامتصاص حركات التغيير خاصة الحركات اإلسالمية وقد لعبت أنظمة الخليج‬ ‫دورھا ضمن ھذا التوجه وكان أخطر ما قامت به دعم موقف حافظ أسد في سوريا‬ ‫أثناء ضربه لمحاوالت اإلخوان المسلمين إشعال ثورة ضد نظام حكمه كما تعاونت‬ ‫‪٤‬‬


‫نظم الخليج مع بقية النظم العربية وأبرزھا النظام المصري في ترتيب البيت العربي‬ ‫بما يتوافق والھيمنة اإلسرائيلية كما حدث إبان غزو إسرائيل للبنان عام ‪١٩٨٢‬م‬ ‫ومساعدة نظم الخليج على تشتيت المنظمات الفلسطينية عقد التسعينيات‬ ‫وإخراجھا من لبنان‪.‬‬ ‫كان الحلم األمريكي والرغبة الجامحة التي أبداھا األمريكان بإلغاء النظام القطبي‬ ‫العالمي المتعدد وتدشين مرحلة القطب األوحد قد بلغت حدا من الضغط تسمح ببدء‬ ‫العمل وما كادت شمس االتحاد السوفيتي تأذن باألفول إال والعم سام يبحث له عن‬ ‫عذر دولي إلعالن ميالد المرحلة ولم يكن من مكان في العلم أفضل من منطقة‬ ‫الخليج الرخوة والمتخمة بالبترول لتدشين ھذه المرحلة فكانت التمثيلية الھزلية‬ ‫والتي لعبت فيھا نظم الخليج دور )الكومبارس( بجانب صدام حسين وفتحت تلك‬ ‫النظم أجواء بالدھا كاملة لكي تحط وتعبر منھا كل أنواع القطع العسكرية األمريكية‬ ‫والغربية ولكي يرفع النصارى الصليب أول مرة في التاريخ على أرض الجزيرة‬ ‫العربية وعلى بعد مئات الكيلومترات من مكة والمدينة‪ ،‬وھنا يمكن أن نالحظ‬ ‫المحطات الرئيسية التالية في ھذا العقد‪:‬‬ ‫المحطة األولى‪ :‬استيعاب إيران وحصار العراق بعد ضربه‬ ‫فبعد موت الخميني وبروز رفسنجاني في قيادة إيران ركزت االستراتيجية األمريكية‬ ‫على امكانية استيعاب إيران ضمن نسق المنظومة اإلقليمية وقد عھد لدول الخليج‬ ‫جزء كبير من ھذه المھمة وعلى رأسھا السعودية وكذلك النظام المصري خاصة في‬ ‫ظل صناعة عدو جديد في المنطقة وھو النظام العراقي والذي توجھت له كل سھام‬ ‫العداوة وقد قامت نظم الخليج بدورھا في حصار العراق بأحسن ما تقضي‬ ‫التوجيھات األمريكية بل والتدخل في إدارة األزمة وترتيب البدائل كالعمل في البيئة‬ ‫الكردية حتى تكون منطلقا للتغيير في العراق‪ ،‬وفي ظل ھذه السياسة التي أطلق‬ ‫عليھا األمريكان سياسة االحتواء المزدوج تمدد الھالل الشيعي ووجد له حاضنة‬ ‫إقليمية ممتازة وكان من أكبر البرامج التي ركز عليھا النظام اإليراني في ظل‬ ‫استراحة التسعينيات أربعة برامج رئيسة البرنامج األول بناء المفاعالت النووية‬ ‫والذي بدأ عام ‪١٩٩٥‬م والثاني تجھيز بدائل الحكم الشيعية للعراق والثالث ترتيب‬ ‫أوراق النظام النصيري السوري باتجاه وراثته والبرنامج الرابع بناء القوة‬ ‫العسكرية في لبنان‪.‬‬ ‫المحطة الثانية‪ :‬التطبيع مع إسرائيل والسعي إلنھاء الصراع‬ ‫وقد سارت ھذه االستراتيجية التي رعاھا األمريكان ضمن مسارات متعددة كان من‬ ‫أھمھا اتفاقية أوسلو والتي جاءت ردا على تسارع وتيرة األداء الجھادي‬ ‫الفلسطيني فلم يكن أمام األمريكان واليھود إال استنساخ النظام العربي الفلسطيني‬ ‫لكي يؤدي واجبه فيما فشلت فيه إسرائيل وقد كان لدعم نظم الخليج وبقية النظام‬ ‫‪٥‬‬


‫العربي الدور األبرز في دعم تلك االتفاقية خاصة في توفير الدعم المالي ولكن‬ ‫أخطر البرامج ضمن عقد التسعينيات ھو التشديد على األداء الجھادي الفلسطيني‬ ‫ومحاصرته ماديا وأمنيا وتجفيف منابعه خليجيا ولم تتوان نظم الخليج في أداء‬ ‫دورھا في ھذه الحلقة خاصة بعد مؤتمر شرم الشيخ الشھير عام ‪١٩٩٦‬م بقيادة‬ ‫الرئيس األمريكي بيل كلنتون والذي تم تدشين مصطلح اإلرھاب فيه‪ ،‬وفي ھذه‬ ‫المحطة تواصلت دول الخليج قاطبة مع إسرائيل ضمن برنامج التطبيع سرا أو‬ ‫جھرا ومن لم يلتق بھم تحت الغطاء الرسمي المباشر التقاھم عبر المسارات‬ ‫األخرى األمنية والثقافية وحوار الحضارات‪.‬‬ ‫المحطة الثالثة‪ :‬محاصرة العمل اإلسالمي بكل ألوانه وتجفيف منابعه‬ ‫وبناء على مقتضيات الرؤية األمريكية بتجفيف ومحاصرة كل أنواع التأثير‬ ‫اإلسالمي سواء في بعده الدعوي والعلمي أو في بعده السياسي أو في بعده‬ ‫الجھادي فقد تسابقت نظم العرب ومنھا نظم الخليج في القيام بواجباتھا ضمن ھذه‬ ‫الرؤية وخضعت نظم الخليج األمنية وكذلك العربية لنظام زين العابدين بن علي‬ ‫فكان وزراء الداخلية ورؤساء أجھزة األمن يجتمعون تحت إمرته بشكل منتظم‬ ‫طوال العقدين األخيرين فتم الزج بالمشايخ والدعاة في السجون وتم غل كل‬ ‫المؤسسات الدعوية واإلعالمية في المنطقة ومن أخطر البرامج التي طبقت في ظل‬ ‫ھذه الرؤية ما أطلق عليه بالعمليات األمنية القذرة والتي تھدف إلى التدخل الھيكلي‬ ‫في مسار الجماعات اإلسالمية إما بحرفھا عن مسارھا وتشتيتھا وإما بإعادة‬ ‫تشكيل قناعاتھا وإما باختراقھا وتوجيھھا ولم تختلف سجون نظم الخليج كثيرا عما‬ ‫يؤديه حسني مبارك وبن علي وبشار األسد‪.‬‬ ‫ولعل من أوضح األدوار السلبية التي لعبتھا نظم الخليج تدخلھا في إدارة الحراك‬ ‫الجھادي الذي عم شعوب المسلمين المضطھدة خالل عقد التسعينيات ومنه الجھاد‬ ‫في طاجيسكتان وأرتريا والبوسنة والفلبين وكوسوفا والشيشان ونتيجة الرتھان‬ ‫إرادة نظم الخليج لألجندة األمريكية فقد لعبت تلك النظم أدوارا سلبية أدت إلى تشتت‬ ‫األداء الجھادي وامتصاص آثاره خاصة عبر التدخل األمني وتجفيف منابع الدعم‪.‬‬ ‫المحطة الرابعة‪ :‬تھميش الشعوب الخليجية وعدم استثمار المالءة المالية لتأمين‬ ‫المستقبل‬ ‫فقد بقيت نظم الخليج تدير المنطقة باستراتيجية ملء البطون طوال عقود دون أن‬ ‫تتمكن من إشراك الشعوب في تقرير مصيرھا ومستقبلھا ودون أن يكون للشعوب‬ ‫أدنى دور في ترتيب شؤونھا فعلى المستوى السياسي لم يسمح بأ ي نوع من‬ ‫الممارسة السياسية الشعبية ولم تتمكن المنطقة من الوفاء بأدنى مستوى من‬ ‫معايير الممارسة الديموقراطية وفي ظل تلك السياسة تم منع الناس والنخب من‬ ‫التعبير الحر في وسائل اإلعالم ولم تتحرك النظم قيد أنملة في سد الفراغات‬ ‫االستراتيجية واألمنية الضخمة التي تعانيھا المنطقة خاصة مع ارتفاع المھددات‬ ‫‪٦‬‬


‫فھي وكمثال على سوء األداء انتبھت اآلن إلى خطورة المد والنفوذ الشيعي في‬ ‫المنطقة وبعد أن دخلت إيران عھد التمدد النووي وبعد أن أسلمت نظم الخليج‬ ‫العراق كھدية إليران تأتي لكي تنادي باتحاد كونفدرالي بين دول الخليج ال يسمن‬ ‫وال يغني من جوع‪.‬‬ ‫وأما على المستوى االقتصادي فقد غابت كل أسس التخطيط االستراتيجي الذي‬ ‫يؤمن مسارات األمم المستقبلية ويستغل مالءتھا المالية ففي غياب الشفافية‬ ‫والمحاسبة على الثروات واعتبار مداخيل المنطقة من البترول مصاريف جيب‬ ‫لالسر الحاكمة تُعطي منه الشعوب النزر اليسير ثم وبكنز الثروة الھائلة للمنطقة‬ ‫فيما سمي بالصناديق السيادية المرھونة لدى النظام المالي العالمي وبتسخير تلك‬ ‫المدخرات في دعم المغامرات األمريكية العسكرية واالقتصادية فإن المستقبل‬ ‫االقتصادي غير واضح المعالم على أقل تقدير‪.‬‬ ‫وفي غياب استثمار المالءة االقتصادية لتحقيق دورة اقتصادية ال يكون البترول ھو‬ ‫كل شيء فيھا ونتيجة للتركيز على التضخم العقاري كمحرك للسوق وإدخال نظام‬ ‫البورصات العالمي الذي ثبتت خطورته على اقتصاديات السوق وغياب التكامل‬ ‫االقتصادي على المستوى العربي واإلسالمي لمواجھة الفجوة الغذائية والفجوة‬ ‫المائية القادمة واللتان تھددان العالم تقف شعوب الخليج في مفترق طرق وليس‬ ‫بيدھا أي رؤية للتعامل مع الوضع ناھيك عن المستقبل‪.‬‬ ‫عقد العشرية األولى‬ ‫تميزت ھذه العشرية بما أطلقت عليه امريكا الحروب االستباقية والتي كان الھدف‬ ‫منھا تأكيد السيطرة األمريكية وتأكيد خروجھا التام من النظام القطبي المتعدد‬ ‫وكانت ‪١١‬سبتمبر والصدمة التي خلفتھا على المستوى األمريكي والعالمي ھي‬ ‫المشجب الذي علق عليه جورج بوش وفريقه كل أسباب ذھابه‬ ‫لحرب)الدونكيشوت( حيث تخيل له أن ضرب أضعف الشعوب والمواقع في األرض‬ ‫سوف يتيح له سيطرة كاملة عليھا لكنه لم ينتبه للجينات الوراثية التي يحملھا‬ ‫المسلمون من عقيدتھم وتاريخھم فكان حتف أمريكا وإبطال سحرھا في العراق‬ ‫وأفغانستان‪.‬‬ ‫وما يھمنا في ھذا المبحث الوقوف على أداء نظم الخليج في ھذه العشرية وسوف‬ ‫يكون التوقف باألحداث الكبرى‬ ‫حادث ‪ ١١‬سبتمبر وغزو أفغانستان‬ ‫ھو عنوان العقيدة األمريكية الجديدة والتي لھا اتجاھان اتجاه السيطرة العالمية‬ ‫واالتجاه اآلخر ھو التخويف من مستقبل المسلمين وخطورة استخدامھم للجھاد‬ ‫للدفاع عن أنفسھم وتحت عناوين ھذه العقيدة عمل فريق جورج بوش وكان من‬ ‫‪٧‬‬


‫أبرز داعميه والملتحقين به نظم الخليج ونظم العرب عموما وقد عملت أمريكا‬ ‫بأساليب الطغاة في تاريخ البشر عبر محاوالت السيطرة على عقول األمم ورفع‬ ‫شعار فرعون )ما أريكم إال ما أرى(اآلية ومن أخطر ما استخدمته اآللة الدعائية‬ ‫واألمنية األمريكية ما عرف باستراتيجية العمليات القذرة ومنھا السجون السوداء‬ ‫ورفع مستوى االنتھاكات إلى مستوى غير مسبوق من التھديد والتخويف والرمزية‬ ‫كرمز جوانتانامو ورمز تعرية أجساد المخالفين وانتھاك أعراضھم وتسليط برامج‬ ‫منتظمة من الضغوط بغية تغيير عقيدتھم وقد ساعدت نظم الخليج في ھذا االتجاه‬ ‫كثيرا وسخرت امكانياتھا لدعم البرنامج األمريكي حتى أظھر جورج بوش رضاه‬ ‫الكامل عن ذلك األداء عندما زار المنطقة مودعا عام‪٢٠٠٧‬م‪.‬‬ ‫كما تماھت نظم الخليج مع االستراتيجية األمريكية في غزوھا ألفغانستان عبر عدة‬ ‫برامج داعمة ومنھا دعم العميل الذي نصبته أمريكا في كابل ومنھا تجميل وجه‬ ‫سمي ببرامج إغاثية تسوق للوجود األمريكي لدى الشعب األفغاني‬ ‫أمريكا القبيح بما ُ‬ ‫وتبرره‪.‬‬ ‫غزو بغداد ‪٢٠٠٣‬م‬ ‫ويعجز القلم عن وصف ھذه اللحظة الزمنية الفارقة التي أظھرت مدى العجز الذي‬ ‫وصلت له األمة المسلمة بملياريھا وعدم قدرتھا على وقف آلة القتل والدمار‬ ‫األمريكي وھي تعيث بالعراق فسادا ولكن األصعب في اللحظة كلھا تجند العرب‬ ‫كلھم خلف الغازي الصليبي وخاصة نظم الخليج التي أسھمت في شرعنة الغزو‬ ‫األمريكي وباشرت تسليم العراق لقمة سائغة للدولة الشيعية المتربصة؟‬ ‫فما الذي تركته عملية غزو بغداد ومشاركة نظم الخليج فيه مع غيرھا من تجمع‬ ‫الراغبين كما سماھم جورج بوش وذلك على المعادلة المنكسرة في المنطقة أصال؟‬ ‫إنھا اآلثار ال ُم ّرة التالية‪:‬‬ ‫·كسرت عملية غزو بغداد آخر ما تبقى من حلقات النظام األمني العربي المھلھل ْإذ‬ ‫أخرجت العراق بكل ثقله من المعادلة السياسية واألمنية في المنطقة‪.‬‬ ‫·وفتحت الباب واسعا النتقال كل من المشروع الفارسي والمشروع اليھودي إلى‬ ‫عھد جديد ولكي يتناوشا في ظله سقوفا استراتيجية أعلى من ذي قبل وھو ما‬ ‫يؤھلھم للتمدد في كل االتجاھات وأخطر النتائج في ھذه المسألة تواصل الھالل‬ ‫الشيعي واكتمال حلقاته إيران فالعراق فسوريا فلبنان‪.‬‬ ‫·وفتحت الجزيرة العربية على أعتى رياح التغيير االستراتيجية والتاريخية دون أن‬ ‫تكون نظم الخليج قادرة على توفير حماية حقيقية ألقدس بقاع المسلمين وال حماية‬ ‫ثروتھا االستراتيجية النفط‪.‬‬

‫‪٨‬‬


‫·وجعلت إيران العبا متفردا في اإلقليم مما يھدد بامكانية تجاوز إيران لكل الثوابت‬ ‫في المنطقة أو للمضي نحو تفاھم مع األمريكان واليھود تضيع على ھامشه كل‬ ‫مصالح العرب العليا‪.‬‬ ‫·وفتحت الباب على مصراعيه إلعادة تشكيل المنطقة وتفتيتھا سواء على أسس‬ ‫عرقية أو مذھبية‪.‬‬ ‫·فتحت األبواب على مصراعيھا للتطبيع مع اليھود وھضم دويلة إسرائيل ضمن‬ ‫المنطقة وما ترتب على ذلك من فرض األمريكان واليھود على النظم العربية‬ ‫بالتخلص من الجھاد الفلسطيني في الداخل وعليه جاءت مبادرة األمير عبدﷲ‬ ‫باالعتراف الكامل بوجود إسرائيل مقابل دولة منزوعة السالح وقابلة للحياة فقط‬ ‫كما يصفھا الغرب وقد تكامل أداء اليھود وأداء األمريكان وأداء النظم العربية وعلى‬ ‫رأسھا نظم الخليج لتحييد حماس والمجموعات األخرى وإخراجھم من اللعبة فقامت‬ ‫إسرائيل بتصفية ‪ %٩٠‬من الصف العقائدي الحمساوي األول ثم قام النظام العربي‬ ‫باختراق صفوف الماجھدين الفلسطينيين عبر إغرائھم بالموافقة على مبادرة األمير‬ ‫عبدﷲ ودخولھم في انتخابات السلطة الفلسطينية التي تستمد شرعيتھا من النظام‬ ‫اإلسرائيلي ذاته! وتم ذلك بإشراف رمز غير عادي ھو الرئيس األمريكي كارتر‬ ‫والذي رعى من قبل اتفاقية كامب ديفيد! فكان حضورا رمزيا خطيرا‪ ،‬وعندما لم‬ ‫تقبل حماس أن تدخل في القفص بكاملھا قامت طائرات إسرائيل بدك غزة بأطنان‬ ‫من أخطر ما في الترسانة العالمية ذلك بنھاية عام ‪٢٠٠٨‬م‪.‬‬ ‫حربي إسرائيل ) لبنان وغزة ‪( ٢٠٠٨-٢٠٠٦‬‬ ‫منذ أن رفرت رايات أحمدي نجاد وفوزه الكاسح في االنتخابات الرئاسية اإليرانية‬ ‫عام‪٢٠٠٥‬م اتضح جليا أن شھر العسل الطويل ما بين المشروع األمريكي‬ ‫والمشروع الفارسي قد انقضى وأن سنة ﷲ عز وجل في تدافع المجرمين بعضھم‬ ‫ببعض قد دقت باسفينھا بينھم وال عزاء للحالمين في النظم العربية ونظم الخليج‬ ‫على وجه الخصوص التي نامت طويال واستيقظت على انكشاف التقية الشيعية عن‬ ‫وجه خطير ومستو ٍل على االقليم من كل جوانبه‪.‬‬ ‫وعندھا بدأ األمريكان واألوروبيون وربائبھم اليھود يعيدون ترتيب أوراقھم‬ ‫المھلھلة في منطقة الشرق األوسط ولكن القطار قد فاتھم لألسباب التالية‪:‬‬ ‫·قطعت إيران شوطا كبيرا في وضع يدھا الثقيلة على مفاصل المنطقة العربية حتى‬ ‫غدت معادلة ال يمكن تغييرھا عبر وسائل النظام الدولي الممزق‪.‬‬ ‫·لعبت إيران على ھواجس القوى الشرقية الصين وروسيا لعبا ممتازا ووضعت‬ ‫خدماتھا في الجغرافيا السياسية بين أيديھما حتى إذا تبين لالمبراطورين أن أمريكا‬

‫‪٩‬‬


‫لم تعد قادرة على أداء دورھا القطبي األحادي خرجا عن صمتھما وقاال ال ويالھا‬ ‫من ال!‬ ‫·وظفت إيران مشاركتھا ألمريكا في غزو بغداد واستثمرت وضع الموالين لھا في‬ ‫بغداد إلى آخر مدى فمتى سارت األمور باتجاه استراتجيتھا أمرت أولياءھا‬ ‫العراقيين بتخفيف الضغوط وإذا تعقدت العالقات بينھا وبين أمريكا ضربتھم من‬ ‫خالل الخاصرة العراقية والعراق بالنسبة ألمريكا كاالبن العاق طعامه من أمريكا‬ ‫ووالؤه إليران‪.‬‬ ‫·مارست كال من إيران وأمريكا لعبة القط والفأر في كل مواقع التمدد الشيعي في‬ ‫اإلقليم وكانت أوضح تلك المواقع لبنان بعد العراق ولم تفلح كل أالعيب أمريكا في‬ ‫تقليص حجم النفوذ اإليراني في لبنان فكان التدخل اليھودي بما سمي حرب تموز‬ ‫عام‪٢٠٠٦‬م وخروج سوريا من لبنان ومقتل الحريري قبل ذلك ولكن دون ان‬ ‫ينتصر طرف على طرف ونظم الخليج ھي الممولة لكل تلك المسرحيات‪.‬‬ ‫·لم يفلح عسل السلطة الفلسطينية في انتزاع حماس من أحضان إيران وإخراجھا‬ ‫عن مسارھا الجھادي فتدخلت اآللة العسكرية اليھودية مرة أخرى لكسر المعادلة‬ ‫وفرض الشروط وإذا كان الدفع من الدم العربي والمال العربي فمن يھتم في ھذا‬ ‫العالم؟‬ ‫·وأخيرا جاء األداء الجھادي في العراق وأفغانستان متسقا مع سنن التدافع وكسر‬ ‫المعادالت الدولية فقد أديا إلى ضعضعة المارد األمريكي وكشف قدرته الحقيقية‬ ‫على النزال‪ ،‬كما أدى اإلنفاق األمريكي الھائل على الحربين إلى انكشاف مالي خطير‬ ‫حتى تدحرجت كرة الثلج في النظام المالي العالمي المتشابك لكي تنھار أسواقه‬ ‫المالية في زلزال لم تشھد له الدنيا مثيل‪ ،‬وكعادة نظم الخليج تسارع إلنقاذ السادة‬ ‫وتضع الصناديق السيادية تحت التصرف لكي تخفـف من حدة الخسائر وتدفع‬ ‫بورصات الخليج نصيبھا المستحق أيضا‪.‬‬ ‫ثالثا‪ :‬نظم الخليج والربيع العربي؟‬ ‫وكما أذن الرب تباركت أسماؤه بتدافع فارس والروم على عھد النبوة ثم أذن عز‬ ‫وجل بخروج العرب على غير ميعاد ال في التاريخ وال في الجغرافيا وتقدمھم نحو‬ ‫ھدم النظم المستقرة في األرض لقرون خلت‪ ،‬فكذلك خرجت أجيال العرب المحدثون‬ ‫لكي تزيد من حيرة العالم والمراقبين فجماھير ال تملك قوت يومھا تصطف لكي‬ ‫تواجه أعتى ما زرعه البريطانيون والفرنسيون ورعاه األمريكون بعد ذلك من نظم‬ ‫قمعية في مشھد حبس أنفاس البشرية وفي مدة زمنية محدودة إذا بفراعنة العرب‬ ‫تحت األقدام‪.‬‬

‫‪١٠‬‬


‫وفي معرض محاولة الوقوف على دور نظم الخليج في التعاطي مع الربيع العربي‬ ‫يمكننا أن نالحظ ما يلي‪:‬‬ ‫·ال تخلتف التركيبة البنيوية لنظم الخليج عن نظم العرب عموما إال أن إشباعھم‬ ‫للبطون يُـشھد له كما شھد الناس من قبل لحاتم الطائي‪ ،‬وأما القواسم المشتركة‬ ‫بين النظم السياسية العربية فال تخطؤھا العين وأخطرھا مواالة أعداء المسلمين‬ ‫ولكن ضعف البنية العلمية والفكرية في منطقة الخليج لم تكن لتسمح بالحراك‬ ‫الثقافي والسياسي كما ھو الحال في العراق ومصر والشام وشمال إفريقيا فلم‬ ‫تضطر نظم الخليج لممارسة القمع األمني والفكري بنفس الدرجة التي مارستھا‬ ‫األنظمة العربية األخرى ولكن التحول األخطر حدث مع محاوالت أمريكا سد الفراغ‬ ‫الدولي الناتج عن سقوط االتحاد السوفيتي وقبول دول الخليج لممارسة أدوار قوية‬ ‫ومباشرة لدعم االمبراطور األمريكي وھكذا تسربت نفس السياسات األمنية المطبقة‬ ‫عند بقية النظم العربية منذ عام ‪١٩٩١‬م‪.‬‬ ‫·كما أفزعت الثورات العربية أمريكا فإنھا بال شك أفزعت وبدرجة أكبر مواليھا من‬ ‫نظم الخليج وتحت ضغط التحوالت الثورية سارعت أمريكا لتوظيف امكانات نظم‬ ‫الخليج في إدارة وتوجيه )أزمة( الثورات العربية وقد عملت أنظمة الخليج على‬ ‫عدة مسارات للتعامل مع الثورات العربية فكان مسار التعطيل الكامل في بداية األمر‬ ‫فلما لم تفلح المحاوالت انتقل األمر إلى اإلدارة األمنية والسياسية واإلعالمية وكانت‬ ‫أوضح المشاركات وأوقواھا ما تمثل في المبادرة الخليجية لتبريد وإدارة الثورة‬ ‫اليمنية والتي تشكل تھديدا مباشرا لنظم دول الخليج من المنظور األمريكي‬ ‫والمنظور الخليجي معا‪.‬‬ ‫·وتدخلت دول الخليج في إدارة الثورة الليبية عبر كل المسارات السياسية واألمنية‬ ‫واإلعالمية وجاء تدخلھا مستظال بالسياسة األمريكية التي استبقت األحداث‬ ‫وسجلت تدخال في توجيه الثورة الليبية بدال من التفرج عليھا كما كان الحال في‬ ‫الثورة التونسية والمصرية ويعد نجاح الفرق العاملة تحت اإلشراف األمريكي في‬ ‫نتيجتين رئيسيتين األولى تقديم كباش الفداء )حسني بن علي صالح(والحفاظ على‬ ‫أصل النظام السياسي في كل من تونس ومصر واليمن واألصل ھنا المرجعية‬ ‫األمنية والعسكرية للنظام‪ ،‬وأما النجاح الثاني فتمثل في تبريد الثورة الليبية‬ ‫وسوقھا إلى حيث تشتھي اإلدارة األمريكية واألوروبية‪.‬‬ ‫·وكان األمر مغايرا في التعامل مع الثورة السورية إذ أنھا متعلقة بالملف اإليراني‬ ‫فلم يكن لنظم الخليج إال أن تستجيب لالستراتيجية األمريكية في إدارة األزمة‬ ‫السورية وھي تسير على مسارين أساسيين‪ ،‬المسار األول‪ :‬استثمار الثورة‬ ‫السورية في تمتين الشرعية في عيون جماھير األمة من خالل طرح نظم الخليج‬ ‫نفسھا كحامية ومدافعة عن أھل السنة تجاه التغول والتھديد الشيعي وھي التي‬ ‫سلمت العراق لقمة سائغة لھم من قبل! وأما المسار الثاني‪ :‬فھو استثمار األزمة‬ ‫‪١١‬‬


‫السورية لتحسين شروط التفاوض مع إيران وإعادة إنتاج أمريكا لدورھا العالمي‬ ‫المميز ولھذا وجدنا األزمة تراوح في مكانھا حيث ال بواكي ألھل الشام في ردھات‬ ‫األمم المتحدة والنظام العربي عدا البكاء في القنوات الفضائية‪.‬‬ ‫وقد أوقعت نظم الخليج نفسھا في ورطة كبيرة ھذه المرة فالنظام الدولي قد حدث‬ ‫فيه تحول خطير جعل أمريكا تخضع للفيتو الروسي الصيني المشترك وھو ما يجعل‬ ‫إيران في وضع مرتاح إلدارة األزمة كما أن اصطفاف نظم الخليج المباشر في خانة‬ ‫أعداء إيران يجعلھا أول المواقع المستھدفة من قبل إيران في حال خرجت األمور‬ ‫عن السيطرة‪ ،‬ولھذا فإيران تستخدم الحراك الشيعي في البحرين لكي تفاوض به‬ ‫دول الخليج فيما يخص موقفھا من الثورة السورية فأصبحت كبالع الموس‪.‬‬ ‫·ومما يھدد واقع دول الخليج خاصة أصحاب الوزن الثقيل نسبيا وھي السعودية‬ ‫وعُمان أنھا لم تتمكن من تفھم وال إدارة أسباب الربيع العربي التي تمتد لكي‬ ‫تتجاوز الحدود ومن أھمھا انعدام أدنى مستويات الحقوق والمشاركة الشعبية‬ ‫وغياب الشفافية في إدارة الشعوب ووصول األخطار االستراتيجية حدا يھدد الوجود‬ ‫الكلي لھذه المجتمعات يقابل ذلك ممارسات خجولة ال تمت للتطورات بصلة فيما‬ ‫يخص محاولة نظم الخليج في امتصاص التحوالت أو مواجھة األخطار كما ھو‬ ‫موضوع إعالن اتحاد يجمع دول الخليج‪.‬‬ ‫رابعا‪ :‬األسئلة األشد إلحاحا؟‬ ‫ـلح األول‪ :‬ھل بوسع نظم الخليج أن تعيد بناء الثقة بينھا وبين شعوبھا‬ ‫السؤال ال ُم ّ‬ ‫خاصة األجيال الجديدة وأن تغير من مرتكزات معادلة النظم العربية بشعوبھا والتي‬ ‫امتدت لعقود خلت لكي تستخدم ناتج ھذه العالقة الجديدة في مواجھة األخطار‬ ‫واالستحقاقات التاريخة التي وصلتھا بأقدامھا وبما جنته أيديھا؟ وھل بقي من عمر‬ ‫األنظمة وزمن التحوالت ما يسمح بالقيام بھذا الدور؟‬ ‫ـلح الثاني‪ :‬ھل تملك نظم الخليج من األدوات الفكرية االستراتيجية ومن‬ ‫السؤال ال ُم ّ‬ ‫الرؤية التاريخية العقدية ما يؤھلھا للتعامل مع التطورات العالمية واالقليمية باتجاه‬ ‫مصلحة الشعوب فضال عن مصلحة األمة ككل؟ وھل تملك القدرة على تجاوز‬ ‫العداوات البينية فيما بينھا أصال؟‬ ‫ـلح الثالث‪ :‬ھل بإمكان نظم الخليج أن تعيد إنتاج وتجديد نظامھا‬ ‫السؤال ال ُم ّ‬ ‫السياسي حتى تتالقى مع متطلبات التغيير في األمة وفي العالم وھل تنبيء ھيكلتھا‬ ‫الحالية بقدرة وبأمل للقيام بھذه المھمة؟‬ ‫ـلح الرابع‪ :‬ھل بإمكان نظم الخليج أن تخرج من دائرة الھيمنة الغربية‬ ‫السؤال ال ُم ّ‬ ‫والتوظيف في الفناء األمريكي الخلفي لكي تتالقى مع متطلبات الشعوب واألمة‬ ‫باالنعتاق من ھذه الھيمنة؟‬ ‫‪١٢‬‬


‫ـلح الخامس‪ :‬ھل بامكان نظم الخليج بعد أن فرطت ولمدة عقود في أن‬ ‫السؤال ال ُم ّ‬ ‫تعيد صياغة المنطقة بشعوبھا وبمقدراتھا لكي تواجه التحديات العالمية‬ ‫واالستحقاقات التاريخية؟ فضال عن أن تشرك بقية الشعوب العربية معھا لمواجھة‬ ‫تلك التحديات؟‬ ‫)وﷲ يقول الحق وھو يھدي السبيل(اآلية‪٢٠١٢/٤/٢٦،،،‬‬

‫‪١٣‬‬

هل نظم الخليج في وارد الاستدراك؟  

مقال حول امكانية دول الخليج على عبور المرحلة التاريخية