Women in Islam Journal - Issue 4 (Arabic)

Page 1

‫العدد ‪2019 - 4‬‬

‫فاطمة أحمد‬ ‫إبراهيم‬ ‫سرية ومسرية‬

‫ذكريات‬ ‫الحرب وأجساد‬ ‫المقاتالت‬ ‫اإلريتريات‬ ‫ما بين العقيدة‬ ‫والحب والحرية‪:‬‬ ‫ملاذا تنضم بعض النساء يف‬ ‫كينيا إىل تنظيم الشباب؟‬

‫ملف العدد‪:‬‬ ‫جنسانية‬ ‫المرأة في‬ ‫المجتمعات‬ ‫اإلسالمية‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪1‬‬


‫كلمة التحرير‬ ‫‪ .٤‬ثالثة أسئلة‪ :‬إلي الفنان صالح يوسف‬

‫وجوه‬

‫‪١٠‬‬

‫‪ .٦‬فاطمة أحمد إبراهيم‬

‫سرية ومسرية‬ ‫‪ .١٠‬المرأة في فكر األستاذ محمود محمد طه‪:‬‬

‫مقاربة نقدية‬

‫‪ .١٤‬عندما تتولى المرأة دفَّة القيادة‬

‫  لنتع َّرف عىل أ َّول امرأة صومالية تعمل ميكانيكية سيارات‬

‫‪ .١٦‬تحديات نشأتي كفتاة مسلمة‬ ‫‪ .١٨‬التعافي عبر الرسم والتلوين‬

‫  تجربة عامالت املنازل االثيوبيات‬ ‫‪ .٢٠‬عكس عقارب الساعة‬

‫  شعر لـ ناهد كيشوار‬

‫‪١8‬‬

‫مساواة‬ ‫‪ .٢٢‬هل الرجال قوامون؟‬

‫  إعادة النظر حول مفاهيم السلطة الذكورية يف التقاليد اإلسالمية‬ ‫‪ .25‬النساء المفتيات‬

‫  حول إعادة تأسيس سلطة النساء الترشيعية املفقودة‬ ‫‪ .28‬تحت سطوة قوانين الرجال‬

‫  نظرة عن قرب لقانون األحوال الشخصية يف أرض الصومال‬ ‫‪ .31‬البحث عن العدالة‪ :‬عرض لفلم وثائقي‬

‫  يف جنويب الهند‪ ،‬ميكن أن يصبح الزواج مسألة حياة أو موت!‬

‫‪28‬‬

‫‪ .34‬حقوق المرأة في الميراث‪ ،‬وسطوة العرف العشائري في أرض الصومال‬

‫ما بين عالمين‬ ‫‪ .36‬ذاكرة الحرب وأجساد النساء االرتريات‬ ‫‪ .40‬الحجاب وتيارات العولمة‬ ‫‪ .44‬أسطرة (الموطن األصلي) وسط الشتات الدارفوري في كندا‬ ‫ديِقِ ي)‬ ‫‪ .47‬نساء مطلوبات للعدالة‪ :‬تأمُّالت في حياة (أيان هرسي علي) و(عافية ِص ِّ‬

‫  عرض لكتاب الكاتبة‪ :‬ديربا سكروجينز‬

‫‪ .50‬إلى ياسين مع كل االمتنان‬

‫ شابة سودانية تروى عن األثر الذي تركة جدها يف حياتها‬

‫‪36‬‬ ‫‪2‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫بين الخاص و العام‬ ‫‪ .53‬ترويض النمرة‬ ‫ ‬

‫رسد شخيص يف مقاومة البطريركية‬

‫‪ .56‬أفتقده كثيراً؛ فقد كان حب حياتي‬

‫   حول تجارب النساء والفتيات يف جامعة بوكو حرام‬

‫صــور و حكايات‬ ‫‪ .٦٠‬حين تصدح المسارح طرباً‬

‫‪٦٢‬‬

‫   مبدعات من القرن اإلفريقي‬

‫وجهات نظر‬ ‫‪ .٦٢‬النساء في مهب الفتاوى‬ ‫‪ .٦٧‬نادي الدر َّاجات‬

‫  ركوب الد َّراجة يف طريق املساواة‬

‫ُ‬ ‫ص‬ ‫‪ .٦٩‬حول تأثير التزمُّت العقائدي في إقصاء المسلمين من المعرفة وف َر ِ‬ ‫التقد ُّم العلمي‬

‫‪ .٧٢‬ما بين العقيدة والحب والحرية‪:‬‬

‫   ملاذا تنضم بعض النساء يف كينيا إىل تنظيم الشباب؟‬

‫‪٦٧‬‬

‫‪ .٧٥‬النساء وتحديات اإلسالم السياسي في إندونيسيا المعاصرة‬ ‫‪ # .78‬تهشيم البطريركية‪ :‬ما بين الحلفاء والمعارضين‬ ‫‪ .81‬الطريق إلى األمام‪:‬‬

‫رضورة إحياء انخراط النساء يف العلوم االسالمية‬

‫جنسانية المرأة في المجتمعات اإلسالمية‬ ‫ما بين الهوس والتحريم‬

‫‪ .84‬النساء ومعاناة الهجران‬ ‫‪ .87‬قراءة في انعكاسات العقل السلفي على التشريعات السودانية‬

‫   اعتامد الحمل وسيلة إلثبات الزنا‬

‫‪92‬‬

‫‪ .89‬السباحة ضد التيار‬

‫ رسالة مفتوحة حول تجربتي مع التح ُّرش الجنيس يف السودان‬

‫‪ .92‬عندما ت ُ َجر َُّم الضحية‬

‫‪ .94‬زواج الطفالت في السودان‬

‫ما بني تعنت السلفية وآفاق اإلصالح‬ ‫‪ .97‬المرأة والجنسانية في المجتمعات اإلسالمية‬

‫تحريم غري ُم َ َّب ٍر‬

‫‪ .100‬األمهات غير المتزوجات وتحديات الواقع ُ‬ ‫المعاش‬

‫‪ .104‬بريد القراء‬ ‫‪ .105‬اصدارات صيحة‬

‫‪٩٤‬‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪3‬‬


‫هيئة التحرير‬ ‫الناشر‬ ‫المبادرة االستراتيجية لنساء القرن اإلفريقي(صيحة)‬ ‫(‪)SIHA Network‬‬ ‫رئيسة التحرير‬ ‫هالة يسن الكارب‬ ‫مديرة التحرير‬ ‫سيليا هيدجز‬ ‫فريق التحرير‬ ‫السر السيد‪ ،‬عائشة السماني‪ ،‬عبد الخالق السر‪ ،‬ميادة‬ ‫الطيب‪ ،‬مارثا توكاهويرا‬ ‫التدقيق الغوي‬ ‫فيصل محمد فضل المولى ‪،‬جنجر جوهانسون‬ ‫المترجمين‬ ‫سام بيرنر‪ ،‬فيصل الباقر‪ ،‬محمد الفكي ‪ ،‬شمس الدين‬ ‫عثمان‪ ،‬اليز اغازريان‬ ‫كتاب العدد‬ ‫تغريد عابدين‪ ،‬فداء عبده‪ ،‬بدور فتح الرحمن أحمد‪،‬‬ ‫دينا افريانتي‪ ،‬يسرا عكاشة‪ ،‬هالة الكارب‪ ،‬السر السيد‪،‬‬ ‫صفية الصديق‪ ،‬اوذرنيت انسبرو‪ ،‬فاتمية عظمية بدر‬ ‫الدين‪ ،‬زهرة بجوة‪ ،‬نقيبة بركزاي‪ ،‬فوزية فريد الشرفي‪،‬‬ ‫محمد الفكي‪ ،‬عبد الخالق السر ‪ ،‬ساندرا هيل ‪ ،‬عبد‬ ‫الفتاح حسن علي‪ ،‬سيليا هيدجز‪ ،‬قوليد أحمد جمعة‪،‬‬ ‫كيت كينغسفورد‪ ،‬مريم كونكلر‪ ،‬فريدة كيوموهانجي‪،‬‬ ‫زيبا مير الحسيني‪ ،‬آيان خليف محمد‪ ،‬عثمان مبارك‪،‬‬ ‫إيناس مزمل‪ ،‬ايفا نيسا‪ ،‬شاهيناز سبيل‪ ،‬تشني‬ ‫سوكوماران‪ ،‬يوسف تيمساني‪ ،‬ليف تونيسون‬ ‫االعمال الفنية‬ ‫حسين ميرغني‪ ،‬أحمد ابو شريعة‪ ،‬سارة مكي أحمد‪،‬‬ ‫هنا برزيك‪ ،‬دان كونيل‪ ،‬نصر الدين الدومة‪ ،‬صالح‬ ‫إبراهيم‪ ،‬ايبوت جوشوا‪ ،‬روني اوغوانغ‪ ،‬الريح امبدى‬ ‫‪ ،‬بليز باتريكس‪ ،‬انالور بييرلو‪ ،‬إبراهيم سيد‪ ،‬جالل‬ ‫يوسف‪ ،‬صالح يوسف‬ ‫التصميم‬ ‫‪Tarek Atrissi Design‬‬ ‫‪Htp/www.atrissi.com‬‬ ‫‪ISSN 9789970949649‬‬

‫كلمة التحرير‬ ‫عزيزتي القارئة‪ ،‬عزيزي القارئ‪:‬‬

‫يسعدنا كثريا ً أن نقدم لكم العدد الرابع من مجلة (املرأة يف اإلسالم)‪ .‬ويأيت هذا العدد تزامناً مع‬ ‫مجموعة من التحديات العاملية املتمثلة يف األزمات السياسة واالقتصادية والبيئية‪ ،‬والنزعات الدينية‬ ‫امل ُتط ِّرفة‪ .‬ويف املقابل‪ ،‬نجد أ َّن هناك ِح َراكاً عاملياً ُمضَ ا َّدا ً يحمل بعضاً من بوادر األمل‪ .‬مثل حملة (أنا‬ ‫أيضاً) (‪ )Me too‬املناهضة للتح ُّرش الجنيس يف الواليات املتحدة وأوروبا‪ ،‬والتي خلّفت صدًى عاملياً‬ ‫بعد رفع العديد من النساء أصواتهن يف وجه أصحاب السلطة والرثوة املتنفذين‪ ،‬متحديات عالقات‬ ‫االستغالل واإلساءة مبختلف أشكالها‪.‬‬ ‫وبالنسبة للنساء يف القرن اإلفريقي‪ ،‬ورمبا للعديد من النساء حول العامل‪ ،‬رمبا هناك تحديات مضاعفة؛‬ ‫فاالستغالل الجنيس واإلساءة ضد املرأة ال يَحدُثان دوماً خلف األبواب املغلقة‪ ،‬بل نجدهام يف أحيانٍ‬ ‫كثرية جزءا ً من الواقع اليومي‪ ،‬يَحدُثان أمام مرأى ومسمع من املجتمع‪ .‬هذا إضافة إىل التو ُّجهات‬ ‫األيدولوجية للعديد من األنظمة التي تتحدث باسم الدين لتربير العنف الجنيس عرب فرضه كأمر واقع‪،‬‬ ‫ومنحه رشعية قانونية‪ .‬وكذلك ما زالت بعض القوانني يف دول القرن اإلفريقي تفرض وصاية الذكر عىل‬ ‫األنثى‪ ،‬ومتيل عىل املرأة التبعية الجسدية والفكرية واالقتصادية ضمن واقع من التأويالت الخاطئة‬ ‫التي تفرض معتقدات جاهلة وتعيد إنتاج عالقات االستغالل يف املجتمع‪ .‬وهكذا ت ُح َر ُم املرأة من أدىن‬ ‫حقوقها املرشوعة يف القبول واملشورة املتبادلة يف شؤون الزواج واملعارشة الجنسية‪ .‬وتواصل السلطات‬ ‫إرصارها عىل رفض تجريم اغتصاب الزوجة‪ .‬وبطبيعة الحال‪ ،‬يؤدي ذلك إىل تربير ثقافة العنف الجنيس‬ ‫كأمر واقع‪.‬‬ ‫والخرب الجيد هو أنه وبفضل الجهود الدؤوبة للناشطات النسويات‪ ،‬أصبح الجيل الجديد من النساء‬ ‫يف املجتمعات اإلسالمية أكرث إقداماً عىل الحراك والحديث عن شؤون العنف واالستغالل الجنيس‪.‬‬ ‫غري أ َّن هذا النضال أمامه الكثري من العمل‪ .‬حيث أنه من املهم أن تنتبه الحركات الداعية إىل التغيري‬ ‫إىل حقيقة الوعي بأ َّن العنف الجنيس إمنا هو انعكاس للواقع السيايس واالقتصادي واالجتامعي الذي‬ ‫تفرضه السلطة البطريركية ‪ ،‬لذلك من الرضوري االنتباه إيل أننا ال نحتاج فقط إىل استهجان العنف‬ ‫الجنيس والتصدِّي له‪ ،‬بل إىل كشف املعايري والظروف املرتاكمة التي تجعل املرأة عرض ًة لالستغالل‬ ‫واإلساءة والتح ُّرش‪.‬‬ ‫ومن هنا‪ ،‬فقد ق َّررنا أن نُك ِّر َس ملف العام ملعالجة موضوع جنسانية املرأة يف اإلسالم؛ فهو موضوع‬ ‫َح ِظ َي بالنقاش الحي يف التاريخ اإلسالمي‪ ،‬ولكن مع انتشار ثقافة الجهل والتعتيم ‪ ،‬يتم التعامل مع‬ ‫هذه الشؤون الحياتية يف أيامنا هذه باعتبارها من باب امل ُ َح َّر َمات‪ .‬يُ َسلِّ ُط هذا العدد الضوء بشكل‬ ‫خاص عىل مفارقات حياة النساء يف القرن اإلفريقي وغريها من الدول اإلسالمية‪ ،‬حيث يعشن يف‬ ‫مجتمعات تعتربهن مبثابة أدوات للمتعة الجنسية‪ ،‬يف الوقت الذي يعانني فيه من الهجر والتوترات‬ ‫واإلشكاالت النفسية التي تسيطر عىل حياتهن‪ .‬لذا‪ ،‬وجب الخوض يف هذا املوضوع الحيوي والهام‪.‬‬ ‫ويُتيح هذا العدد من (مجلة املرأة يف اإلسالم) املساحات لعدد من األصوات الجريئة من النساء‬ ‫والرجال الذين كرسوا حواجز الصمت حول العديد من املوضوعات الحيوية واملعاشة‪ ،‬مثل‪ :‬إشكالية‬ ‫َفش الفتاوى البائسة التي تستهدف النساء‪ ،‬وانهيار التفكري العلمي املوضوعي يف املجتمعات‬ ‫ت ِّ‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬ومالبسات انضامم النساء إىل الحركات الدينية املتط ِّرفة‪ .‬واملجلة كام عهدمتوها ملتزمة‬ ‫بإفساح مساحات وافرة للفنون واإلبداع من رشق إفريقيا ومختلف بالد العامل‪.‬‬

‫جميع الحقوق © لصيحة (المبادرة االستراتيجية لنساء‬ ‫القرن االفريقي)وللمساهمين في هذا العدد‪ .‬ال يجوز‬ ‫نسخ أي من محتويات هذا العدد‪ ،‬او اعادة طباعتها‬ ‫او نشرها او استنساخها بما في ذلك المواد المرئية‬ ‫دون موافقة مكتوبة من صيحة اومن اصحاب االعمال‬ ‫المعنيين ‪ .‬للحصول على إذن من الناشر‪ ،‬وللمزيد من‬ ‫االستفسارات‪ ،‬يرجى مراسلتنا على العنوان التالي‪:‬‬

‫ويتبقَّى أن أضيف هنا أعزايئ القراء‪ ،‬أ َّن مجلة (املرأة يف اإلسالم) ما تزال تحظى باالهتامم املتزايد يف‬ ‫اإلقليم ومختلف دول العامل‪ ،‬حيث تشق طريقها بثقة ومثابرة عالية كمجلة نسوية تهتم باملساواة‬ ‫وعكس واقع العالقات الجندرية يف مجتمعات املسلمني املحيك منها واملسكوت عنها‪ .‬ونشري هنا إىل‬ ‫أهمية دعمكم ومتابعتكم لنا قُ َّرا ًء وكُتَّابَاً ومعلقني ومساندين‪.‬‬

‫‪Strategic Initiative for Women in the Horn of‬‬ ‫)‪Africa (SIHA‬‬ ‫‪Plot 3 Katalima Bend, Naguru, Kampala‬‬ ‫‪P.O. Box 2793, Kampala, Uganda‬‬

‫وأخريا ً أو ُّد أن أشري إىل أ َّن زميلتي‪ ،‬مديرة التحرير‪ ،‬سيليا هيتدجز‪ ،‬التي عملت معها أكرث من عامني يف‬ ‫تحرير مجلة (املرأة يف اإلسالم)‪ ،‬ستغادر فريقنا إىل محطة أخرى من حياتها‪ .‬فباسمي وباسم أعضاء‬ ‫هيئة التحرير كافة‪ ،‬أو ُّد أن أقول‪ :‬إننا سنفتقد سيليا كثريا ً؛ فهي من القالئل الذين صادفتهم ممن جمعوا‬ ‫ما بني املهنية والشغف بالعمل‪ ،‬وتلك خصائص نادرة بحق‪.‬‬

‫‪sihahornofafrica@gmail.com‬‬ ‫‪www.sihanet.org‬‬ ‫‪https://womeninislamjournal.com/blog‬‬

‫وما كان لهذا العدد من (مجلة املرأة يف اإلسالم) أن يصدر لوال الدعم الكريم من برنامج النساء‬ ‫الدويل التابع لصندوق املجتمع املفتوح ومنحة سيجريد راوزنغ تراست‪ .‬ونحن ندين باالمتنان لهاتني‬ ‫املؤسستني عىل دعمهام املتواصل ملسريتنا‪.‬‬ ‫هالة الكارب‬

‫رئيسة التحرير‬

‫‪4‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫ثالثة‬ ‫أسئلة‬ ‫ل‪:‬‬

‫كلمة‪ ...‬كلمة‬

‫البطريركية‬ ‫هي منظومة ت ُجسد ملأسسة هيمنة الذكور‬ ‫بشكل عام عىل اإلناث واألطفال والرجال الفقراء‬ ‫وامل ُطهدين داخل العائلة وىف املجتمع ‪ .‬ويعني‬ ‫ذلك أن الرجال من يتمتعون بامتيازات اجتامعية‬ ‫وثقافية محددة يبسطون زمام سيطرتهم عىل‬ ‫كافة املؤسسات الحيوية يف املجتمع‪ ،‬ويف املقابل‬ ‫يتم حرمان النساء ويف أحيان كثرية الرجال ممن‬ ‫ال يتمتعون باالمتيازات الثقافية االقتصادية‬ ‫واالجتامعية من الصالحيات املتساوية‪ .‬وال يعني‬ ‫ذلك أن النساء عاجزات متاماً أو محرومات بشكل‬ ‫كامل من حقوقه ّن ومصادره ّن ومحفزاته ّن" إال‬ ‫أنهن ُمنمطات داخل ادوار اجتامعية وثقافية‬ ‫محددة تضعهن تحت وصاية الرجال‪ .‬ومن وجهة‬ ‫نظر نسوية‪ ،‬ميكن اعتبار البطريركية بأنها‪ ،‬منطاً‬ ‫يعمل عيل تنظيم املجتمع والثقافة واألفراد‬ ‫بطريقة تؤدي إىل إعادة إنتاج عالقات السلطة‬ ‫والتقنني النعدام املساواة ‪.‬‬

‫صالح يوسف‬ ‫صالح يوسف‪ :‬هو فنان تشكيلي معروف من يوغندا‪ُ ،‬ع ِر َض ْ‬ ‫ت أعماله في إفريقيا وأوروبا‬ ‫والواليات المتحدة‪ُ .‬‬ ‫د عام ‪ ،1983‬وبدأ مشواره الفني بدراسة الفن والتصميم‬ ‫و ِل َ‬ ‫ً‬ ‫الصناعي في جامعة ماكيريري في العاصمة اليوغندية كمباال عام ‪ .2002‬ويقيم حاليا في‬ ‫أوكالند‪ ،‬كاليفورنيا وهو أب لثالثة أطفال‪.‬‬

‫ملاذا َس َّم ْي َت هذه اللوحة (اتخاذ قرار)؟‬ ‫"اخرتتُ هذا العنوان تحديدا ً ألين أردتُ التعبري عن‬ ‫مقدرة املرأة يف اتخاذ القرار‪ .‬وأعتقد أ َّن النساء أصبح‬ ‫مبقدوره ّن تغيري العامل الذي نعيش فيه‪ ،‬وأنه ّن املحركات‬ ‫األساسيات لعجلة التنمية يف مجتمعاتنا‪ .‬النساء يجتزن‬ ‫حواجز الثقافة واألعراف ويشكلن واقع الغد"‪.‬‬

‫مجال العالج الفني للمتعايشني مع عدوى ومرض نقص‬ ‫وقدمت ِو َرشَ اً فنية‬ ‫املناعة املكتسب (مرض اإليدز)‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫لألطفال اليتامى وأطفال الشوارع يف يوغندا‪ .‬وأعتق ُد أ َّن‬ ‫الفن لديه قدرة هائلة عىل جمع أناس مختلفني ومنحهم‬ ‫الراحة والقدرة عيل التواصل‪".‬‬ ‫من االنجليزية اليز غازريان‬

‫ما هو مصدر إلهامك الرئييس؟‬ ‫"أعاميل مستوحاة من املرأة والطبيعة‬ ‫اإلفريقية ومن الطيور واألسامك والفراشات‬ ‫‪...‬إلخ‪ .‬وأتناول النساء اإلفريقيات يف أعاميل‬ ‫ألنَّه َّن مرآة التع ُّدد الثقايف يف إفريقيا‪ ،‬وه ّن حجر‬ ‫األساس يف مجتمعاتنا‪ ،‬وأو ُّد دعم متكني املرأة‬ ‫وتح ُّررِها‪ ،‬أمالً بأن يأيت اليوم الذي تنال فيه املرأة‬ ‫االحرتام أسوة بالرجال"‪.‬‬

‫يف ربيعهـــا‬

‫يمكن للطفلة السودانية أن تُزوج بواسطة‬ ‫وليها الذكر‪ ،‬وفقاً للبند ‪ 40‬من قانون األحوال‬ ‫الشخصية السوداني الصادر عام ‪.1991‬‬

‫هل تعتقد أنَّ الفن يستطيع أن يجرس‬ ‫املسافة ما بني املجتمعات؟‬ ‫"إ َّن الفن ‪-‬سواء أكان تجريدياً أو واقعياً‪ -‬هو‬ ‫لغة تخاطب الجميع‪ .‬إنه جزء ال يتجزأ من‬ ‫الثقافة ويلعب دورا ً يف الرتبية والشفاء‪ .‬وبالنسبة‬ ‫يل شخصياً‪ ،‬أهتم كثريا ً بنرش الفرح واالستمتاع‬ ‫بالعمل الفني مع اآلخرين‪ ،‬ليس فقط من‬ ‫خالل تعليم املهارات واملواد الفنية‪ ،‬ولكن أيضاً‬ ‫مساعدة الناس عىل تحقيق أنفسهم والتعبري عن‬ ‫أمضيت وقتاً طويالً يف‬ ‫إبداعاتهم الكامنة‪ .‬وقد‬ ‫ُ‬

‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪5‬‬


‫فاطمة أحمد إبراهيم‬ ‫سيرة ومسيرة‬ ‫هالة الكارب‬

‫من ثالثينيات القرن املايض‪ ،‬كان السودان يتأرجح ما بني اإلرث التقليدي‬ ‫للدولة املهدية امل ُ ْن َد ِح َرة‪ ،‬وما بني قبسات الحداثة الوافدة مع قدوم‬ ‫االستعامر الربيطاين ُم َمث َ​َّلً يف الحكم الثنايئ‪ ،‬أو ما ُعر َِف الحقاً باالنتداب‬ ‫اإلنجليزي‪-‬املرصي‪ .‬وقد ُو ِس َم ْت الفرتة ذاتها بتداعيات دحر حركة (اللواء‬ ‫األبيض)‪ ،‬تلك الحركة السياسية التي َح َوتْ مزيجاً من امل ُ َج َّن ِدين يف قوات‬ ‫لواء السودان يف ذلك الوقت واملدنيني‪ ،‬والتي ُع ِرف َْت الحقاً يف تاريخ‬ ‫السودان بثورة ‪ ،1924‬حيث قُ ِم َع مترد العسكرين والنشطاء السودانيني‬ ‫بقسوة بالغة من قبل اإلدارة االستعامرية‪ ،‬وكان ذلك مبثابة رسالة قوية‪،‬‬ ‫أي محاولة متر ٍد الحق ٍة ستُقَابَ ُل بالقوة ذاتها‪.‬‬ ‫فحواها أ َّن َّ‬ ‫نشأتْ فاطمة يف ٍ‬ ‫بيت ذي حظوة؛ فقد كان جدها لوالدها إمام مسجد‬ ‫وشيخاً معروفاً‪ ،‬بينام جدها ألمها كان مدير مدرسة‪ .‬أ َّما والدها (أحمد‬ ‫إبراهيم) فقد كان من خريجي كلية غردون التذكارية‪ ،‬وأصبح ‪-‬فيام‬ ‫بعد‪ -‬مدير مدرسة‪ .‬وأ َّما والدتها فهي من سكان مدينة الخرطوم وكانت‬ ‫ت ُ ْعتَ َ ُب يف ذلك الوقت من قالئل النساء الاليت نِلْ َن تعليامً نظامياً‪ .‬وبالنسبة‬ ‫لفاطمة كونها حفيدة رجل دين وابنة رجل متعلم ذي منصب مرموق‬ ‫يف جهاز الدولة يف ذلك الحني‪ ،‬فقد كان لهذه التنشئة املزدوجة األثر‬ ‫الكبري يف تكوين شخصيتها عىل ما هي عليه‪ .‬وجدير بالذكر أ َّن مثل‬ ‫تلك التنشئة املزدوجة قامت عليها شخصية معظم النخب السودانية‪،‬‬ ‫حيث شَ َّكل َْت تلك املزواجة بدرجات مختلفة ما بني التقليدي والحديث‬ ‫هويتهم فيام بعد‪.‬‬ ‫وباإلضافة لكل ذلك‪ ،‬كانت فاطمة تنتمي ألرسة سياسية حاملة لبذور‬ ‫التمرد؛ فقد سبق أن ف ُِص َل والدها بعد تعيينه يف إدارة التعليم بواسطة‬ ‫اإلدارة الربيطانية؛ وذلك حينام رفض التدريس باللغة اإلنجليزية‪ .‬وقد‬ ‫كان ملعارضة أحمد إبراهيم للمستعمر اإلنجليزي ‪-‬بال شك‪ -‬تأثريها‬ ‫عىل أبنائه‪ ،‬مبا فيهم فاطمة‪ .‬حيث أصبح منزل األرسة قبلة مناهيض‬ ‫الرسم‪ :‬نصر الدين الدومة ‪ -‬السودان‬ ‫االستعامر واملدافعني عن الحريات مبدينة أمدرمان ِم َّم جعل أبناءه‬ ‫يف صبيحة الثاين عرش من أغسطس للعام ‪٢٠١٧‬م‪ ،‬توفيت السيدة يُظْ ِه ُرو َن اهتامماً ُم َب ِّك َرا ً بالحركة الشيوعية التي بدأت تأثريها عىل صفوة‬ ‫فاطمة أحمد إبراهيم‪ ،‬الناشطة السياسية السودانية املعروفة ذات التأثري مجتمعات حوارض السودان خالل األربعينيات من القرن املايض‪.‬‬ ‫العظيم عىل الحركة النسوية يف السودان‪.‬‬ ‫انخرطت فاطمة يف الحراك السيايس والتنظيامت الشبابية للحركة‬ ‫ُولِدَتْ فاطمة يف عام ‪١٩٣٣‬م مبدينة أمدرمان عىل الضفة الغربية املعادية لالستعامر منذ ُع ْم ٍر ُم َب ِّكرٍ‪ .‬فقد قادت بشجاعة حمل ًة يف املدرسة‬ ‫للنيل‪ ،‬إحدى املدن الثالث املكونة للعاصمة الخرطوم‪ .‬وكانت أمدرمان ضد قرار اإلدارة التعليمية القايض بإلغاء املواد العلمية من مدارس‬ ‫هي العاصمة القومية لدولة املهدية التي حكمت السودان يف الفرتة ما الفتيات‪ ،‬وقرص التعليم املدريس لهن عىل االقتصادي املنزيل‪ .‬وقد أفضت‬ ‫تلك الحملة إىل إرضاب شامل أرغم املدرسة عىل الرتاجع عن قرارها‪.‬‬ ‫بني ‪.1898-1885‬‬ ‫أصدرت فاطمة يف تلك الفرتة جريدة حائطية باسم (الرائد)‪ ،‬كانت يف‬ ‫ُولِدَتْ فاطمة خالل فرتة تحوالت كربى يف السودان؛ ففي تلك الفرتة مجملها صدى ألفكار الحركة املعادية لالستعامر‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫وجوه‬

‫ويف عام ‪َّ ،1947‬أس َس ْت فاطمة مع مجموعة من النساء املتعلامت‪ ،‬من كام كانت تتمتع بلباقة ومقدرة يف مخاطبة مختلف فئات املجتمع‪.‬‬ ‫بينهم الراحلة خالدة زاهر‪ ،‬الطبيبة والناشطة يف حقوق املرأة‪ ،‬ما يُ ْع َر ُف‬ ‫بـ(رابطة الفتيات املثقفات)‪ .‬ويف العام ‪َّ 1952‬أس َس ْت فاطمة (االتحاد‬ ‫وأصبحت فاطمة يف سودان ما بعد االستقالل شخصية جامهريية‬ ‫النسايئ السوداين)‪ ،‬الذي استمرتْ عىل ُس َّد ِة رئاسته معظم سنوات تتشبه بها النساء؛ ألنها كانت ت ُ َج ِّس ُد يف نظرهم التوافق ما بني قيم‬ ‫نشاطها السيايس‪ .‬وقد أصدر االتحاد النسايئ مجلة (صوت املرأة)‪ ،‬وهي الحداثة واحرتام التقاليد‪ .‬كام كانت محل تقدير الرجال لشخصيتها‬ ‫"ص َّد َرتْ فاطمة للمجتمع‬ ‫مجلة تهتم بشؤون النساء وأوضاعه َّن‪ ،‬وت ُ ْعتَ َ ُب (صوت املرأة) أول مجلة املحافظة ومظهرها غري امل ُ َه ِّدد ملتواضعاتهم‪َ .‬‬ ‫نسوية عىل مستوى القارة اإلفريقية‪ .‬ويف العام ‪ ،1954‬انض َّم ْت فاطمة السوداين منوذجاً ُمرِيحاً وغري ُم َه ِّدد‪ ،‬ملا يجب أن تكون عليه املرأة‬ ‫َت شعبيتها الذروة عقيب انتخابها‬ ‫إىل الحزب الشيوعي السوداين الذي كان يقود الكفاح ضد االستعامر عىل املتعلمة‪ ،‬مظهرا ً وسلوكاً"‪ .‬وقد بَلَغ ْ‬ ‫هدى املبادئ االشرتاكية‪.‬‬ ‫للربملان يف عام ‪ ،1965‬كأول امراة تحظى بهذا الرشف‪ ،‬ليس فقط عىل‬ ‫مستوى السودان‪ ،‬بل يف أفريقيا والرشق األوسط‪ ،‬وهي فقط يف الثانية‬ ‫َت أعداد كبرية والثالثني من عمرها‪.‬‬ ‫وىف اعقاب استقالل السودان يف عام ‪ ،1956‬اِلْتَ َحق ْ‬ ‫من النخبة السودانية بالحزب الشيوعي الذي تنامى تأثريه بحيث ا ُ ْعتُ ِ َب‬ ‫مل تهنأ فاطمة كثريا ً بهذا االنتصار السيايس‪ ،‬يف ِظ ِّل الهشاشة والتقلبات‬ ‫ُم َه ِّد َدا ً لألحزاب السياسية التقليدية ذات اإلرث الديني‪ ،‬مبا يف ذلك حزب‬ ‫اإلخوان املسلمني الصاعد حديثاً إىل مرسح السياسة يف السودان‪ .‬وكذلك الرسيعة التي تتسم بها السياسة السودانية‪ .‬فقد اختارت منذ البداية أن‬ ‫راقبت القوى الخارجية بتوجس صعود الحزب الشيوعي يف ِظ ِّل هيمنة تنضم لحزب علامين التوجه‪ ،‬ذي أجندة اشرتاكية مثرية للجدل‪ ،‬تتقاطع‬ ‫أجندة الحرب الباردة حينذاك عىل املرسح السيايس العاملي‪ .‬وقد كان بالكلية مع واقع السودان الديني التقليدي‪ .‬فقد ت َ َع َّر َض الحزب الشيوعي‬ ‫الحزب الشيوعي ت َّواقاً لتجنيد النساء ضمن عضويته‪ُ ،‬م ْنتَ ِب َهاً منذ وقت الذى كانت تُ َثِّلُ ُه يف الربملان إىل حملة رشسة يف العام ‪ ،1965‬من قبل‬ ‫ُم َبكِّر ألهمية مشاركته َّن كفاعالت عىل املستوى السيايس واالقتصادي‪ ،‬األحزاب الدينية التقليدية ‪-‬خاصة من قبل اإلخوان املسلمني‪ -‬أدَّتْ إىل‬ ‫ودور ذلك يف تنمية الحزب‪ .‬وكذلك انتبه الحزب ُمبَ ِّك َرا ً ألهمية االتحاد طرده من الربملان بعد أن ات ُّ ِه َم باإللحاد‪.‬‬ ‫النسايئ والقوة الكامنة فيه‪ ،‬مام كان سبباً يف إلحاقه كمنظمة تابعة‬ ‫ومنذ تلك اللحظة وما تالها‪ ،‬تَ َع َّرضَ ْت فاطمة عىل املستوى السيايس‬ ‫للحزب‪ ،‬فيام بعد‪.‬‬ ‫والشخيص للعديد من األزمات واملحن‪ .‬تَ َثل َّْت األزمة األوىل يف انشقاق‬ ‫كان االتحاد النسايئ والحزب الشيوعي ‪-‬وعياً منهام بالواقع املحافظ عنارص ُم ِه َّمة من االتحاد النسايئ وانضاممهن للنظام العسكري لجعفر‬ ‫الذي يعمالن فيه‪ -‬حريصني عىل إظهار االحرتام لقيم املجتمع التقليدي‪ ،‬منريي الذي استوىل عىل السلطة يف عام ‪1969‬م‪ .‬وعىل املنوال ذاته‪،‬‬ ‫شانِ فيه بحق املرأة يف التصويت االنتخايب‪ ،‬وحقها انقسم الحزب الشيوعي إىل فصيلني‪ :‬أحدهام ينادي بالتعاون مع النظام‬ ‫يف الوقت الذي كانا يُ َب ِّ َ‬ ‫يف االنتخاب‪ ،‬وحقها يف األجر املتساوي‪ ،‬وكذلك الحق يف إجازة الوضع‪ .‬الجديد‪ ،‬واآلخر يرفض التعاون‪ .‬وقد دفع الفصيل املناهض لنظام منريي‬ ‫انقالب مضا ٌّد يُ ْن َس ُب لهذا الفصيل‪ ،‬يف عام ‪1971‬‬ ‫مثناً باهظاً‪ ،‬حني فشل‬ ‫ٌ‬ ‫وقد نَ َج َح ْت فاطمة ‪-‬كناشطة‪ -‬يف التوسط يف دفع األجندة السياسية كان ينوي اإلطاحة بجعفر منريي‪ ،‬قامت به مجموعة من الضباط املوالني‬ ‫لحزبها‪ ،‬فيام يتعلق بحقوق املرأة السياسية وانخراطها يف الحياة العامة للحزب الشيوعي السوداين‪ .‬حيث تم إعدام والتنكيل بأعداد كبرية من‬ ‫(وفق رشوط املجتمع التقليدي ومحاذيره)‪ .‬وقد كان لخطابها املحافظ العسكريني اليساريني وقادة الحزب الشيوعي‪ ،‬من بينهم عبد الخالق‬ ‫محجوب‪ ،‬السكرتري العام للحزب‪ ،‬والشفيع أحمد الشيخ‪ ،‬زوج فاطمة‪،‬‬ ‫عن ت َ َح ُّر ِر املرأة صدى واسعاً وقبوالً يف املجتمع السوداين‪.‬‬ ‫النقايب وعضو اللجنة املركزية للحزب‪ ،‬اللذين كانا من ضمن الذين متت‬ ‫و ِم َّم الشك فيه أ َّن فاطمة كانت أيقونة زمانها؛ فقد كانت شخصيتها تصفيتهم بقسوة من قبل نظام النمريي‪.‬‬ ‫انعكاساً للمرأة الحديثة يف سودان الستينيات من القرن املايض‪ .‬حيث‬ ‫وقد ت َ َع َّرضَ ْت فاطمة نفسها لإلقامة الجربية التي استمرت أكرث من‬ ‫توفَّ َرتْ لها كل املواصفات ليك تكون قائدة يف زمانها‪ .‬فقد انحدرت من‬ ‫أرسة نخبوية ذات حظوة اجتامعية تنتمي إىل وسط السودان‪ .‬وكانت عامني بعد إعدام زوجها‪ ،‬كام ُح ِظ َر رسمياً نشاط املنظومتني اللتني انتمت‬ ‫إبَّان انخراطها يف الحراك السيايس يف مقتبل شبابها ترتدي الثوب السوداين إليهام‪.‬‬ ‫التقليدي ذا القبول االجتامعي‪ ،‬وتترصف وفق رشوط املجتمع التقليدي‪.‬‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪7‬‬


‫هالة الكارب املديرة‬ ‫اإلقليمية للمبادرة‬ ‫اإلسرتاتجية لشبكة‬ ‫نساء القرن اإلفريقي‬ ‫ورئيسة تحرير مجلة‬ ‫املرأة يف اإلسالم‪.‬‬

‫ويف تقديري‪ ،‬كان لهذه األحداث تأثري كبري عىل شخصية فاطمة‬ ‫ورؤاها السياسية‪ ،‬فيام بعد‪ .‬وميكن القول إ َّن مزيج الغضب وإحساس‬ ‫الضحية صارا السمة املالزمة النخراطها يف العمل العام فيام بعد‪ .‬فاملرأة‬ ‫األمدرمانية‪ ،‬ذات الحظوة االجتامعية ومثار اإلعجاب‪ ،‬والناشطة السياسية‬ ‫بتأثري والدها وإخوانها‪ ،‬جابهت ألول مرة عنف السياسة ورشورها‪.‬‬

‫قبل النخب السودانية والتي بحكم تكوينها الذكوري املحض اتسمت‬ ‫بانحيازها للبطريركية‪ .‬فقد كتب الدكتور عبد الله عيل إبراهيم ‪-‬وهو‬ ‫عضو سابق يف الحزب الشيوعي‪ -‬مقاالً يف مارس ‪ُ 2011‬م َعلِّ َقاً فيه عىل‬ ‫خطاب ألقته فاطمة مبناسبة يوم املرأة العاملي يف عام ‪ ،1980‬مشيدا ً‬ ‫ِب َخطِّ َها املحافظ‪ .‬فقد اتفق معها تحديدا ً يف قرار االتحاد النسايئ قرص‬ ‫حملته املوجهة ضد قانون األرسة عىل قضية (بيت الطاعة) – وهو‬ ‫تخريج فقهي يعطي الرجل الحق يف تحديد حركة الزوجة كنوع من‬ ‫التأديب يف حالة (نشوزها)‪ .‬ويف معرض تعليقه‪ ،‬قال‪" :‬إ َّن فاطمة مل تجد‬ ‫يف قانون األحوال الشخصية السوداين ما يستحق االعرتاض سوى قضية‬ ‫(بيت الطاعة)‪ .‬أ َّما بقية املواد‪ ،‬فهي إ ّما وافقت عليها أو تركتها كام هي"‪.‬‬

‫كام أنني انتقدتها يف املقال ذاته عىل تجاهلها لحقيقة التباين والتع ُّدد‬ ‫الذي يسم الحركات النسوية السودانية‪ .‬وأ ْذكُ ُر أنني َح َضتُ لها ندوة‬ ‫عامة أُ ِق ْي َم ْت يف جامعة الخرطوم يف تسعينيات القرن املايض‪ ،‬حيث‬ ‫شَ َجبَ ْت و َج َّر َم ْت بإرصار حاالت الحمل خارج إطار الزوجية‪ُ ،‬م َح ِّذ َر ًة يف‬ ‫لهجتها أعضاء االتحاد النسايئ بأن ال يجرؤن عىل ارتكاب ذلك الجرم‬ ‫الشنيع‪ .‬وقد أبدى الكثري من النساء الشابات ‪-‬حينذاك‪ -‬امتعاضاً و َر َّد‬ ‫فعل ُمخَالِفاً ملوقفها املحافظ وحكم القيمة الذي استند عليه‪ .‬وأنا أسوق‬ ‫هذا املثال‪ ،‬كنموذج يُ َع ِّ ُب عن الكيفية التي فقدت بها فاطمة القدرة عىل‬ ‫التواصل مع األجيال الشابة‪ ،‬وبذات الكيفية تناقص رصيدها التاريخي‬ ‫يف ساحة النسوية‪.‬‬

‫وبالعودة إىل مقايل يف العام ‪ ،2007‬أعتقد أ َّن تحلييل ‪-‬حينذاك‪ -‬لتاريخ‬ ‫فاطمة قد أغفل الظروف االجتامعية التي من خاللها ولجت فاطمة إىل‬ ‫بوابة السياسة وحقوق املرأة‪ .‬ففي الواقع‪ ،‬تَطَ َّو َرتْ فاطمة كشخصية‬ ‫عامة يف ِظ ِّل واقع اجتامعي ُم َعق ٍَّد‪ ،‬يهيمن عليه اإلسالم التقليدي وقيم‬ ‫سودان الوسط املحافظة واملهيمنة عىل مدينة أمدرمان‪ ،‬مسقط رأسها‪.‬‬ ‫كام كان عليها أيضا أن تجد لنفسها موطئ قدم يف حزب متنازع ما بني‬ ‫رؤى سياسية تق ُّدمية وقاعدة تقليدية دينية؛ فالحزب الشيوعي مل يكن‬ ‫يريد أن يغضب قاعدته االنتخابية‪ ،‬لذلك اِختار منذ البدء أن يخفض من‬ ‫نربة خطابه حيال قضايا العدالة الجندرية واملسائل الثقافية‪ ،‬وذلك يف‬ ‫الوقت الذي كان فيه يتب َّنى إصالحات سياسية طموحة‪.‬‬

‫كان موقفها الديني من قضية املرأة أكرث محافظة من الكثري من‬ ‫الرجال من معارصيها‪ ،‬مبا فيهم حسن الرتايب‪ ،‬زعيم اإلخوان املسلمني‪،‬‬ ‫الذي ت َ َح َّدى منذ وقت ُم َبكِّر متواضعات الفقه التقليدي املتعلق بحقوق‬ ‫املرأة ومساواتها‪ .‬وكذلك تقارصت رؤاها عن رؤى األستاذ محمود محمد‬ ‫طه‪ ،‬امل ُ َج ِّدد الديني املرموق‪ ،‬الذي أقدم عىل إصالحات جذرية يف قانون‬ ‫األحوال الشخصية‪ُ ،‬م ْس ِت ْن ِكرا ً فيه ت َ َع ُّدد الزواج‪.‬‬

‫لقد فطن الحزب الشيوعي ‪-‬عىل املستوى االسرتاتيجي‪ -‬منذ البداية‪،‬‬ ‫ألهمية تجنيد املرأة‪ ،‬ولكنه وجد مقاومة من عضويته ونقدا ً من‬ ‫معارضيه‪ .‬فقد ظل َّْت ت ُ َه ُم االنحالل األخالقي واإلباحية تالحق عضوية‬ ‫الحزب من الجنسني وبشكل ُم َنظَّم‪ .‬هذا دون أن ننىس أ ّن الحزب نفسه‬ ‫مؤسسة يهيمن عليها الرجال‪ ،‬لذلك فإ َّن الغالبية من أعضائه كانوا ال‬ ‫يزالون يعتقدون أ َّن النساء غري مؤهالت لتَ َب ِّني ذات املواقع األيدولوجية‬ ‫التي يتبناها نظرائه َّن من الرجال وبالتايل غري مؤهالت التخاذ القرار‪.‬‬ ‫والجدير بالذكر أ َّن بعض عضوات الحزب يف فرتات الحقة‪ ،‬تحدثن ‪-‬وإن‬

‫يف عام ‪ ،2007‬كَتَبْ ُت مقاالً عىل اإلنرتنت‪ ،‬اِنْتَ َقدْتُ فيه سرية فاطمة‬ ‫وكنت قد بَ َّي ْن ُت فيه كيف أ َّن موقعها‬ ‫كمدافعة عن حقوق النساء‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫وخطابها املحافظ يتعارضان مع األجندة النسوية‪ .‬لقد كان يف رأيي أنها‬ ‫أصبحت رصيحة يف تبنيها للخط التقليدي ويف محاولتها إلرغام النساء‬ ‫عىل تبني ذلك الخط‪ ،‬فارضة رؤيتها ملا يجب عىل النساء لبسه‪ ،‬والسلوك‬ ‫فهذا املوقف املحافظ من قضايا املساواة الجندرية‪ ،‬رغم أنه أكسبها‬ ‫الذي يجب عليهم التَّ َق ُّيد به يف الفضاء العام‪ .‬كام أنها قاومت فكرة‬ ‫مخاطبة التح ِّديات التي تواجهها املرأة يف القضايا املتعلقة بإشكاالت اعرتاف وتقدير العديد من الرجال من الصفوة عرب املنابر السياسية‬ ‫الحقوق اإلنجابية والعنف الجنيس واالجتامعي والثقايف الذى تتع َّرض املختلفة يسارا ً ومييناً إال أنه يف الوقت ذاته ‪-‬وكام ذكرتُ ‪ -‬أىت خصامً عىل‬ ‫رصيدها كرائدة نسوية تحديدا ً ما بني النسويات من األجيال التي تلتها‪.‬‬ ‫له النساء‪.‬‬

‫إال أنه ومن ناحية أخرى فقد َح ِظ َي خطاب فاطمة امل ُ َحا ِفظ بدعم من‬

‫‪8‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫وجوه‬

‫كان بشكل غري رسمي‪ -‬عن ٍ‬ ‫أمناط من التح ُّرش والتهميش واملعاملة غري‬ ‫الكرمية التي كانت تتم داخل أروقة الحزب تجاه النساء‪.‬‬ ‫وأعتقد أ َّن فاطمة كانت عىل وعي تام بالبيئة املحيطة وبإكراهاتها‬ ‫كسياسية‪ ،‬كام كانت واعية بالسلطة البطريركية املحيطة بها‪ ،‬وامتداداتها‬ ‫داخل حزبها‪ .‬ولذلك ‪-‬يف ظَ ِّني‪ -‬اختارت التوافق مع النظام البطريريك‬ ‫الذي ساهم يف صعودها السيايس واالجتامعي‪ .‬ويف تقديري‪ ،‬أنها قد‬ ‫وجدت مشقة كبرية الحقاً يف تحديد الخط الفاصل ما بني تعاطفها مع‬ ‫القيم السودانية التقليدية ورغبتها يف موضعة نفسها كممثلة للتغيري‪.‬‬ ‫كأي نسوية وطنية بنت زمانها‪ ،‬كانت فاطمة تعتقد أ َّن التغيري‬ ‫و ِّ‬ ‫ميكن حدوثه فقط عن طريق السلطة السياسية‪ ،‬ناسي ًة يف الوقت ذاته‬ ‫أ َّن السلطة السياسية نفسها تتشكل من خالل املجتمع الذي أنتجها‪.‬‬ ‫"ده ما الوقت املناسب"‪ ،‬كانت هذه هي العبارة (الكليشيه) التي تواجه‬ ‫بها فاطمة الناشطات الشابات‪ ،‬حني يسألن‪( :‬ملاذا ال يُ َنا ِق ُش االتحاد‬ ‫النسايئ قضايا العنف الجنيس‪ ،‬والحمل خارج الزواج‪ ،‬والحقوق اإلنجابية‬ ‫للنساء‪ ،‬وقضايا تجريم الجنسانية؟)‪ .‬متبنية مواقف الكثري من الجامعات‬ ‫الوطنية العلامنية‪ ،‬كانت فاطمة تعتقد أ َّن املساواة الجندرية ليست‬ ‫قضية ذات أولوية مقارنة بالنضال السيايس الذي تخوضه منظمتها‬ ‫والحزب الشيوعي‪ ،‬اللذان طوعاً تبنيا خطَّاً ُم َحا ِفظَاً لحقوق املرأة يف‬ ‫مقابل الكسب الجامهريي والقبول االجتامعي‪.‬‬

‫كنت يف الخرطوم حني شُ ِّي َع ْت جنازتها يف شهر أغسطس ‪،2017‬‬ ‫ُ‬ ‫رأيت جموع املشيعني من األجيال الشابة من‬ ‫مكتبي‬ ‫نافذة‬ ‫خالل‬ ‫ومن‬ ‫ُ‬ ‫الجنسني يهزجون وينشدون شعارات الحرية واملقاومة‪ ،‬مستدعني إرثها‬ ‫النضايل يف ستينيات القرن املايض‪ .‬ففي موتها كام يف حياتها‪ ،‬استحرضتْ‬ ‫فاطمة كل تناقضات الواقع السيايس واالجتامعي السوداين؛ فقد احتشد‬ ‫موكب جنازتها بكل ألوان الطيف‪ :‬بدءا ً من تنظيامت اإلسالم التقليدي‬ ‫وممثيل النظام الحايل‪ ،‬إىل أعضاء الحزب الشيوعي ومرورا ً بالنسويات‬ ‫والناشطني الشباب والشابات من الخلفيات كافة‪.‬‬

‫بقلم‪ :‬هالة الكارب‬

‫من االنجليزية‪ :‬عبد الخالق السر‬

‫ويُ َذكِّ ُرين موقف فاطمة بالنقاشات املستفيضة يف السودان والصومال‬ ‫عن دور النساء يف تأبيد عادة خفاض الفتيات‪ .‬فعاد ًة النساء اللوايت‬ ‫يدفعن ملامرسة الخفاض ال يقصدن من ذلك الرضر واألذى لبناتهن‪ ،‬بقدر‬ ‫ما يكون القصد هو حامية مستقبلهن الذي ال يكون إال باملحافظة عىل‬ ‫عذريتهن‪ ،‬كرشط اجتامعي ال بد منه للزواج والحياة االجتامعية اآلمنة‪.‬‬ ‫وهذا عني ما مارسته فاطمة (حامية النساء) من خالل ت َ َج ُّن ِب مواجهة‬ ‫الصدام مع قوى البطريركية‪ُ ،‬مفَضِّ لَ ًة خفض سقف مطالبها االجتامعية مبا‬ ‫يحقق القبول االجتامعي يف ذلك الوقت‪.‬‬ ‫ويف السنوات األخرية من حياتها‪ ،‬أصبحت فاطمة أكرث قربا من‬ ‫املحافظني وباعدت الشقة ما بينها واألجندة التق ُّدم َّية التي حاربت يف‬ ‫السابق من أجلها وأكسبتها من بعد اسمها وسمعتها‪.‬‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪9‬‬


‫المرأة في فكر األستاذ‬ ‫محمود محمد طه‪:‬‬ ‫مقاربة نقدية‬ ‫عبد الخالق السر‬ ‫عبد الخالق الرس‪:‬‬ ‫باحث مستقل وكاتب‬ ‫سوداين ومرتجم‬ ‫مستقر يف ملبورن‬ ‫ أسرتاليا‪ ،‬متخصص‬‫يف اإلسالم السيايس‬ ‫ش‬ ‫ن‬ ‫والفكر السلفي‪ .‬ت ُ ْ َ ُ‬ ‫أعامله يف الوسائط‬ ‫االجتامعية وبعض‬ ‫الصحف يف أسرتاليا‬ ‫والسودان‪ .‬مساهم‬ ‫يف هيئة تحرير مجلة‬ ‫املرأة يف اإلسالم‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫ظ ََّل خطاب املرأة حارضا ً بقوة يف كل املساهامت التجديدية للفكر‬ ‫اإلسالمي بشقيه السلفي واملعارص‪ ،‬وتبعاً لذلك اِت َّ َخ َذ خطاب املرأة‬ ‫يف كتابه (تطوير رشيعة األحوال الشخصية)‪ ،‬يعمل األستاذ محمود‬ ‫مواقفاً وأشكاالً متعددة تتسق مع املوقف الفكري املُتَ َب َّنى من التيار‬ ‫عىل إضاءة البعد التاريخي ملنطق القوة الذي حكم عالقة البرش منذ‬ ‫التجديدي أو اإلحيايئ وفقاً لتصوراته األيديولوجية املهيمنة‪.‬‬ ‫األزل وما متخَّض عنه من أحكام كانت تفرضها القوة املنترصة دوماً‪،‬‬ ‫ويث ُِّل الرق‬ ‫وهذا الحضور الطاغي لخطاب املرأة أو فقه املرأة ‪-‬إن شئنا تب ِّني وأصبحت من ث َ َّم متواضعات تحكم عالئق الناس فيام بعد‪َ ُ .‬‬ ‫اللغة الدينية‪ -‬ما هو االّ تعبري عن أهمية أو مأزق وضع املرأة املسلمة مبعناه العريض يف هذا الصدد واحدا ً من أنصع هذه النامذج التي كانت‬ ‫املعارصة‪ ،‬إن كان عىل مستوى الفكر أو القانون أو األخالق يف املجتمع ت ُ َع ِّ ُب عن عالئق القوى بني أبناء البرش‪ .‬تعرضت املرأة للسبي وهو شكل‬ ‫من أشكال الرق‪ ،‬كام يوضح األستاذ‪ ،‬وصارت مبوجبه املعادلة األضعف‬ ‫املسلم‪.‬‬ ‫يف تاريخ البرشية امليلء بالعنف والحروب‪ ،‬مام انعكس سلباً يف حظوظها‬ ‫مل يتأخر الفكر الجمهوري ُم َمث َ ًَّل يف إسهامات األستاذ محمود محمد االجتامعية مستقبالً‪ ،‬ومل تتح الظروف لإلسالم وقتها سوى "ورث هذه‬ ‫طه عن الركب‪ ،‬بل الشاهد أنه أوىل موضوع املرأة عنايته القصوى‪ ،‬األوضاع البشعة التي كانت تجري يف مجتمع الجاهلية ‪ ..‬فحسم املشت ّط‬ ‫ونجد أ َّن خطاب املرأة يتناثر هنا وهناك يف مساهامت األستاذ الفكرية منها حسامً ‪ ..‬ولكنه مل يكن ليتخلص من سائرها‪ ،‬فينهض باملرأة إىل‬ ‫املستوى الذي يريده لها يف أصوله‪ "..‬ص ‪ .38‬ومبعث ذلك‪ ،‬حسب رأي‬ ‫املتعددة‪.‬‬ ‫االستاذ‪ ،‬أ َّن املجتمعات ال تعيش يف فراغ‪ ،‬وال تقفز عرب الفضاء‪ ،‬وإمنا‬ ‫يحاول هذا املقال جاهدا ً إضفاء قراءة نقدية عىل مجمل مساهامت تتطور تدريجياً‪ ،‬وبشكل متئد وحثيث‪.‬‬ ‫الفكر الجمهوري املختصة بواقع املرأة يف الفقة اإلسالمي والرشيعة‪،‬‬ ‫واستنادا ً عىل هذا التص ُّور التاريخي لفعل التطور يرى األستاذ أ َّن‬ ‫ويسعى املقال إىل التوغُّل عميقاً يف بنية النصوص التي تخاطب واقع‬ ‫املرأة‪ ،‬ال ِسيَّ َم يف كتابه املخصص لهذا الغرض‪ ،‬والذي يحمل عنوان‪ :‬الرشيعة عملت عىل إباحة الرجل لزواجه من أربع نساء‪ ،‬ألنه من غري‬ ‫املعقول أن متارس املرأة حقها يف املساواة بني عشية وضحاها‪ ،‬عىل حد‬ ‫(تطوير رشيعة األحوال الشخصية)‪.‬‬ ‫تعبريه‪ .‬ص ‪ .39‬ويرى أ َّن هذا األمر عارض بتقدم اإلنسان من رشيعة‬ ‫وتأيت أهمية هذا الكتاب يف كونه يتقاطع مع الكثري من ثوابت فقه الغاب إىل رشيعة اإلنسان‪ .‬ومل َّا كانت الرشيعة اإلسالمية يف األصل قامت‬ ‫املرأة املتعارف عليها يف الفقه اإلسالمي الكالسييك‪ .‬وهو يحمل ‪-‬كام عىل آيات الفروع‪ ،‬فقد قامت عىل أحكام الوصاية‪ ،‬وهو عهد "البُ َّد أن‬ ‫هو الحال يف الكثري من أفكار األستاذ‪ -‬ما يبعث عىل الجدل والحرية‪ ،‬يكون مرحلياً" ص ‪ ،45‬وبالتايل يزول بزوال أسبابه‪ .‬وبالطبع من املهم‬ ‫إن مل يكن الغضب‪ ،‬ممن تآلفوا واستبطنوا متواضعات وأحكام الفقه هنا اإلشارة إىل مفهوم (آيات األصول) و(آيات الفروع) من واقع كونه‬ ‫الكالسييك بيقينية عالية متاهي بني املقدس واالجتهاد‪ ،‬وتلك بالطبع مفهوماً جوهرياً يستند عليه بالكامل فكر األستاذ محمود محمد طه‪.‬‬ ‫واحدة من مآزق اإلسالم املعارص‪ ،‬وهذا باب ليس مكانه هذه السانحة‪ .‬للمزيد ميكن الرجوع اىل كتاب (الرسالة الثانية)‪.‬‬ ‫ويسعى هذا املقال ‪-‬وبقراءة نقدية للكتاب املعني‪ -‬إىل مساءلة ما‬ ‫واستنادا ً عىل حقيقة آيات الفروع ومرحليتها‪ ،‬يرى األستاذ أ َّن قوامة‬ ‫وقر يف أدبيات الفكر الجمهوري أ َّن آراء األستاذ واجتهاداته الفكرية هي‬ ‫النموذج األمثل لتَ َح ُّر ِر املرأة ومساواتها للرجل من خالل تطوير الرشيعة الرجال عىل النساء الواردة يف اآلية (الرجال قوامون عىل النساء)‪،‬‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬وذلك دون الحاجة اىل االستعانة باألفكار الغربية الرائدة يف مرشوطة بالتفضيل‪ ،‬والتفضيل نفسه نسبي ومتغري بتغري الزمان واملكان‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫متامسك وما كان مدعاة للتفضيل يف زمان ما‪ ،‬قد تنتفي صالحيته يف مكان ما‪ .‬وقد‬ ‫أي مدى نجح األستاذ يف تقديم فك ٍر‬ ‫هذا املجال‪ .‬ولكن‪ ،‬إىل ِّ‬ ‫ينسجم وهذه الدعاوى الكبرية‪ ،‬فهذا ما يو ُّد هذا املقال أن يُ َسلِّ َط عليه َد�ل َّ َل األستاذ‪ ،‬عىل سبيل املثال‪ ،‬بسيادة دولة القانون يف مدينة أمدرمان‪،‬‬ ‫مام ال يستدعي معه حمل السالح من قبل األفراد لحامية أنفسهم‪ ،‬أل َّن‬ ‫الضوء‪.‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬

‫تاريخية األحكام الفقهية‪:‬‬


‫وجوه‬

‫الرسم‪ :‬حسين ميرغني ‪ -‬السودان‬

‫ويتطلب االنتقال اىل قوة العقل‪ ،‬حسب قول األستاذ‪ ،‬الخروج من‬ ‫رشيعة الغاب اىل رحاب رشيعة اإلنسان‪ ،‬حيث للضعيف حق ينص عليه‬ ‫القانون‪ ،‬ويطبقه القضاء وتنفذه السلطة‪ .‬ص ‪ .51‬وهذا موقف ال يتوفر‬ ‫لدين سوى اإلسالم‪ ،‬ألنه له القدرة عىل التوفيق بني حاجة الفرد للحرية‬ ‫املطلقة‪ ،‬وحاجة الجامعة إىل العدالة االجتامعية الشاملة ‪ ..‬واألرضية التي‬ ‫يقوم عليها هذا اإلنجاز إمنا رشيعة الدميقراطية واالشرتاكية يجتمعان يف‬ ‫جهاز واحد‪ .‬ص ‪.51‬‬

‫ذلك موكول أمره لسيادة القانون‪ ،‬وبالتايل يعترب التقيد بالقانون يف هذه‬ ‫الحالة مبثابة الفضيلة‪ ،‬ولكن قد ال يكون ذلك فضيلة يف بادية الكباببيش‪،‬‬ ‫أو جبال البحر األحمر‪ ،‬أو أحراش الجنوب‪ ،‬حيث تضعف سلطة الدولة‬ ‫املركزية‪ ،‬ومن ث َ َّم يتكفل الفرد بحامية نفسه من رشور اآلخرين‪ .‬ص‬ ‫‪ .47‬وغاية مقصد األستاذ هنا هو إن كانت القوة العضلية هي مثار‬ ‫التفضيل يف عالقة الرجل باملرأة يف رشيعة الفروع‪ ،‬فإ َّن األمر سيختلف‬ ‫حني ينتقل تعريف الفضيلة من قوة العضل إىل قوة العقل والخُلق‪،‬‬ ‫وبالتايل لن يكون حظ املرأة هنا منقوصاً أو مبخوساً‪ .‬ص ‪ .48‬ويرى‬ ‫املساواة بني الرجل واملرأة‪:‬‬ ‫األستاذ محمود أ َّن قوة العقل قد استبانت مع ظهور التعليم الحديث يف‬ ‫السودان وتَ َ َّك َنت النساء من تحقيق تطلعاتهن األكادميية والتي أهلتهن‬ ‫يؤكِّد األستاذ محمود أ َّن األصل يف املساواة بني الرجل واملرأة يكمن يف‬ ‫ألعىل املناصب الوظيفية‪ ،‬مام ينعكس كدليل دامغ عىل أفول منطق‬ ‫القوة العضلية كدليل عىل التفضيل كام هو وارد يف رشيعة الفروع‪.‬‬ ‫قيمة كل منهام كإنسان‪ ،‬وهي مساواة تقوم حتى وإن وقع االختالف يف‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪11‬‬


‫الخصائص النفسية والعضوية يف بنية الرجال والنساء‪ ..‬وهي تقوم وإن وذلك حني يبلغن هذا املبلغ من العفة‪ ،‬حينها ت ُ ْرفَ ُع وصاية الرجال‬ ‫اختلفت الوظيفة االجتامعية وميدان الخدمة للمجتمع الذي يتحرك فيه عنهن‪ ،‬ويكون إليهن‪ ،‬يف ظل الله‪ ،‬أمر القيام عىل أنفسهن‪ ،‬تحت وصاية‬ ‫القانون‪ ...‬ص ‪.64-63‬‬ ‫الرجال والنساء‪ .‬ص ‪.54‬‬ ‫لكن األستاذ محمود ال يعرتف بقيمة االستقالل االقتصادي للمرأة وال‬ ‫يصنفه من رشوط املساواة‪ ،‬ألنه يعتقد أ َّن ذلك مبعثه القيم املادية‬ ‫للحضارة الغربية والتي ال تعرتف بالشخص إالّ ُم ْن ِت َجاً وعامالً ِم َّم أدَّى ألن‬ ‫(تسرتجل) املرأة أو كادت‪ ،‬عىل حد تعبريه‪ .‬ص ‪ ،55‬ويستشهد األستاذ‬ ‫بحديث باحث اجتامعي (فرانك لومير)‪ ،‬ويؤكِّد فيه أ َّن عمل النساء يف‬ ‫االتحاد السوفيني يف األعامل الشاقة‪ ،‬قد تسبب يف زيادة اإلجهاض‪،‬‬ ‫وزيادة يف انخفاض الخصوبة يف النساء‪ .‬ص ‪ .55‬فاملرأة (السوية) يف ُع ْر ِف‬ ‫األستاذ هي التي تتجه ملامرسة وظيفتها األساسية‪ ،‬يف إنجاب األطفال‬ ‫س ورعاية شئونها يف بيوت سعيدة‪ ...‬ص ‪.55‬‬ ‫وتكوين األُ َ ِ‬ ‫املرأة مكانها البيت‪:‬‬

‫ويرى األستاذ أ َّن وصول املرأة ألعىل مراحل التعليم واجب‪ ،‬ميليه‬ ‫عظم مقام البيت الذي تديره‪" ،‬وهذا ما نعنيه يف قولنا املرأة مكانها‬ ‫البيت" ص ‪ .56‬ويعتقد محمود أ َّن مثل هذه النظرة قد أملتها "صور‬ ‫القوانني املتطورة تطورا ً يُ َخ َّي ُل للقاريء أنه قفزة‪ ...‬وما هي بذلك‪....‬‬ ‫ولذلك اإلنسان‪ ،‬مطلق إنسان‪ ،‬ال أمل له يف الكرامة َّإل باإلسالم‪ ،‬وإ ّن‬ ‫هذه الكرامة موجودة فقط يف أصول اإلسالم‪ .‬ص ‪.58‬‬ ‫الخالصة‪:‬‬ ‫مام ت َ َق َّد َم ميكن القول إ َّن مفهوم املساواة يف فكر األستاذ محمود‬ ‫محمد طه هو مفهوم عرفاين‪ ،‬أكرث منه فلسفي‪ ،‬يجد نفسه يف براح‬ ‫اللغة املثالية التي تعززها تصورات يوتوبية ملفهوم التطور االجتامعي‬ ‫للمسلمني‪ ،‬بعيدا ً عن تشابكات وتعقيدات عالئق القوى التي تحكم عالقة‬ ‫املرأة بالرجل يف املجتمعات اإلسالمية‪ ،‬والتي تستمد منطقها ومتاسكها‬ ‫الداخيل‪ ،‬من بنيات الثقافة االجتامعية املهيمنة‪ ،‬والتي بدورها أكسبت‬ ‫متواضعات الفقه اإلسالمي الكالسييك‪ ،‬سلطته األخالقية واالجتامعية‪،‬‬ ‫والتي أصبحت مبرور الزمن بنا ًء ذهنياً كامالً تقوم عليه حقائق الوجود‬ ‫يف العقل املسلم‪ ،‬يستمد منها تصوراته األخالقية والقانونية فيام بعد‬ ‫حسب ما عرف بـ(الرشيعة)‪.‬‬

‫يعتقد األستاذ أ َّن البيت هو املكان األمثل للمرأة‪ ،‬ملا للبيت من أهمية‬ ‫يف تكوين األرسة‪ ،‬ويجب أن تكون فيه (ملكة) وليست (خادمة)‪ ،‬حسب‬ ‫تعبريه‪ .‬وينوه‪ ،‬أ َّن قولنا مكان املرأة هو البيت ال يعني ذلك حجبها كام‬ ‫يريد لها السلفيون‪ ،‬ومن ث َ َّم عزلها عن الحياة‪ ،‬وفق منطقهم‪ ،‬وبالتايل‬ ‫أصبحت (كلمة حق أريد بها باطل)‪ ،‬ولكن الحق يف هذه العبارة يكمن‬ ‫يف كيفية أن يتعاون الرجال والنساء يف إعادة تكوين البيت ليكون مكاناً‬ ‫للسعادة‪ ...‬ص ‪ .56‬وال يرى مع ذلك غضاضة يف أن تعمل املرأة خارج‬ ‫البيت رشيطة أن توفق بني عمل البيت وشغلها خارجه‪ ،‬ويُشَ ِّد ُد عىل أن‬ ‫عىل مستوى الحلول العملية مل يخرج األستاذ محمود عن هذه‬ ‫تبتعد عن االشغال (الشاقة) و(العنيفة) التي يجب أن ينفرد بها الرجال‪.‬‬ ‫املتواضعات‪ ،‬عىل الرغم من أنه عىل مستوى اللغة البالغية‪ ،‬أكَّ َد عىل‬ ‫ص ‪.57‬‬ ‫مسألة املساواة بني الرجل واملرأة دون لبس‪ .‬أشار األستاذ يف البدء إىل‬ ‫يحتل مفهوم (العفة) حيزا ً ُم َق َّد َرا ً يف ت َ​َص ُّو ِر األستاذ ملجمل العالقة بني نقطة مهمة وهي تاريخية مظامل املرأة املسلمة‪ ،‬يف عرض متهيدي جيد‬ ‫الرجل واملرأة‪ ،‬ولكنه يف مرحلة الرشيعة يقرصها فقط عىل املرأة‪ ،‬ألنها أراد به الخروج اىل رحاب تصورات متقدمة جدا ً تحكم عالقة املرأة‬ ‫قد تعجز عن صون نفسها‪ ،‬ومن هنا يكمن مراد اآلية (الرجال قوامون بالرجل يف رشيعة األصول‪ ،‬بعد تجاوز العقبات التاريخية التي كانت‬ ‫عىل النساء)ـ يعني أوصياء‪ ،‬متسلطون‪ ،‬لهم عليهن حق الطاعة‪ ..‬فإن تحكم مجمل العالقة غري (املتوازنة) بني الطرفني‪ ،‬ولكن‪ ،‬مفاهيمياً‪ ،‬مل‬ ‫قلت ما هي الحكمة وراء هذا التسلُّط؟ قلنا‪ :‬الحفظ – حفظ فروج يخرج األستاذ كثريا ً عن التصورات الكالسيكية للدور االجتامعي املرسوم‬ ‫النساء‪ ..‬هذا يف املرحلة‪ ...‬ثم تفيض املرحلة إىل العفة والصيانة املرضوبة للمرأة‪ ،‬فهو يعتقد أ َّن البيت هو مكانها األمثل‪ ،‬والفرق الوحيد هو‬

‫‪12‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫وجوه‬

‫أحقيتها يف التعليم‪ ،‬حتى ميكن لها أن تقوم بدورها املنزيل بـ(كفاءة) ال صيانة عفتها دون أن يستدعي ذلك قوامة من الرجل‪ ،‬وتلك هي اللحظة‬ ‫تتوفر للمرأة غري املتعلمة‪ .‬وحتى يف ظل الظروف (غري الطبيعية) التي التي تأخذ فيها رشيعة األصول مكانها الطبيعي‪ ،‬بديالً لرشيعة الفروع!‬ ‫قد تتيح للمرأة الخروج من البيت للعمل‪ ،‬مارس األستاذ ذات االستكراه‬ ‫فهذه رؤية مستقيمة للتطور التاريخي ال مكان لها عىل أرض الواقع‪،‬‬ ‫الذي تعج به كتب فقه الرضورة‪ ،‬وبنى رأيه عىل موافقة مرشوطة قوامها‬ ‫التوفيق بني العمل وإدارة املنزل‪ ،‬وتحديد ميادين العمل والتي ليس من ورمبا تجعل انتظار املرأة لرشيعة األصول طويالً يف انتظار الخالص عىل‬ ‫يديها من رشيعة الفروع املستحكمة بفعل التاريخ والبناء الذهني للعقل‬ ‫بينها (األعامل الشاقة) والتي مل يجتهد كثريا ً يف إيضاحها‪.‬‬ ‫املسلم‪ ،‬وليس هناك ما يرجح أي تصور بديل عنها إن كان عىل مستوى‬ ‫ويف هذا الصدد‪ ،‬نجد أنه حتى مقام التفضيل الوارد يف اآلية املذكورة الفكر الديني املهيمن أو عىل مستوى الحراك االجتامعي الذي يستمد‬ ‫والذي أحاله يف البدء لواقعة اقتصادية‪-‬ثقافية‪ ،‬أنتجت يف ما أسامه هو اآلخر أسباب وجوده من ذات الفكر الضارب بجذوره يف التاريخ‪.‬‬ ‫(منطق العضل)‪ ،‬والذي مل يلبث أن تفوق عليه منطق العقل‪ ،‬وبالتايل‬ ‫تالشت أسباب الفوارق‪ ،‬نجده يأيت الحقاً لاللتفاف عليه ويحيله ألسباب‬ ‫غري تاريخية‪ ،‬تتعلق يف جزء منها بعدم قدرة املرأة عىل صون نفسها‪،‬‬ ‫وبالتايل أصبحت القوامة وصاي ًة وت َ​َسلُّطَاً‪ ،‬الحكمة من ورائها صون‬ ‫بقلم‪ :‬عبد الخالق السر‬ ‫الفروج‪ ،‬أي العفة‪.‬‬ ‫ال يخفي االستاذ تفضيل الرجل عىل املرأة يف املستوى األخالقي‪ ،‬وإن‬ ‫كان يعتقد أ َّن ذلك ال يجب أن يؤثر عىل املساواة بينهام أمام القانون‪،‬‬ ‫وهو رأي يرقى اىل مستوى التقريرية‪ ،‬يعلن عن نفسه ُم َج َّد َدا ً وإن كان‬ ‫هذه املرة بشكل محايث يف هذا القول‪" :‬مقام اإلنسان الكامل (الرجل)‬ ‫من الله هو مقام العبودية‪ ...‬ومقام العبودية هو مقام انفعال‪ ،‬ومقام‬ ‫الربوبية مقام فعل‪ ..‬فالرب فاعل‪ ،‬والعبد منفعل‪ ...‬ثم تنزل َّْت من‬ ‫اإلنسان الكامل زوجته‪ ،‬فكان مقامها منه‪ ،‬مقامه هو‪ ،‬من الذات‪ ،‬فهي‬ ‫منفعلة‪ ،‬وهو فاعل‪ ...‬وهذا يف الحقيقة مستوى العالقة الجنسية بني‬ ‫الرجل واملرأة"‪ .‬ص ‪.59‬‬ ‫هذا االرتباك يف تقديري‪ ،‬مبعثه االشتباك الواقع بني‪ ،‬رشيعة الفروع‬ ‫ورشيعة األصول‪ ،‬وهو اشتباك وصفه بالحتمي يف مرحلة ما من مراحل‬ ‫تطور اإلنسان املسلم‪ ،‬وإن كان ال محالة سيحسم لصالح رشيعة األصول‪.‬‬ ‫ولكن هذا الحسم املبذول من جانبه‪ ،‬ال عالقة له يف حقيقة األمر‪،‬‬ ‫بتعقيدات التاريخ االجتامعي للمسلمني وال برصاعات القوى فيام بينهم‪،‬‬ ‫ولكنه َح ْس ٌم قوامه حل عرفاين قوامه الكشف واإللهام ونظرة يوتوبية‬ ‫ترتقي باملجتمع املسلم اىل مستوى املثالية‪ ،‬وهي مثالية ال تحتاج معها‬ ‫املرأة إىل وصاية أو ت َ​َسل ٍُّط‪ ،‬ألنها هي نفسها سوف تكون لها القدرة عىل‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪13‬‬


‫عندما تتولى المرأة د َّفة القيادة‬

‫ول امرأة صومالية تعمل ميكانيكية‬ ‫لنتعر َّف على أ َّ‬ ‫عبد الفتاح حسن علي‬ ‫الكاتب‪ :‬عبد الفتاح‬ ‫حسن عيل‪ ،‬ناشط‬ ‫صومايل يف مجال‬ ‫حقوق اإلنسان‪،‬‬ ‫يعيش يف مقديشو‪،‬‬ ‫ويعمل ُم َن ِّس َقاً‬ ‫قُطرياً يف الصومال‬ ‫للمبادرة اإلسرتاتيجية‬ ‫لنساء القرن‬ ‫اإلفريقي (صيحة)‬ ‫(‪ ،)SIHA‬وهو أحد‬ ‫املؤسسني ملنظمة‬ ‫(الشاهد) (‪Witness‬‬ ‫‪ ،)Somalia‬وهي‬ ‫منظمة محلية‪ ،‬تعمل‬ ‫يف مجال مراقبة‬ ‫حقوق اإلنسان‬ ‫واملنارصة‪.‬‬

‫‪(TED 1‬تيد)‪ :‬هي اختصار‬ ‫لتكنولوجيا وترفيه وتصميم‪.‬‬ ‫وهي سلسلة من املؤمترات‬ ‫العاملية التي تهدف لتعريف‬ ‫ونرش األفكار الجديدة‬ ‫واملتميزة للعامل‪ ،‬وترعاها‪:‬‬ ‫(مؤسسة سابلنج األمريكية)‬ ‫وهي مؤسسة غري ربحية‬ ‫خاصة شعارها‪( :‬أفكار‬ ‫تستحق االنتشار)[‪.]2‬‬

‫‪14‬‬

‫جنوب وسط الصومال‪ .‬وتقع تلك املدينة بالقرب من الحدود اإلثيوبية‪،‬‬ ‫عىل بعد ‪ 300‬كيلو مرت شامل مقديشو‪ .‬و(نرصة) هي االبنة الكربى‬ ‫ألرسة ُمك َّونة من ستة أشقاء وشقيقات‪ ،‬مبا يف ذلك أربع فتيات وولدان‪.‬‬ ‫وقد عملت نرصة منذ سن ُمبكّرة يف مجموعة متنوعة من الوظائف‬ ‫إلعالة أرستها‪ ،‬فعملت مزارعة‪ ،‬وبائعة متجولة‪ .‬ويف وقت الحق‪ ،‬التحقت‬ ‫بالعمل يف محطة وقود‪.‬‬ ‫يف عام ‪ ،2013‬غادرت (نرصة) مسقط رأسها يف بلدوين‪ ،‬للبحث عن‬ ‫وظيفة يف مقديشو‪ .‬وبعد رحلة استمرت ‪ 10‬أيام‪ ،‬وصلت إىل العاصمة‬ ‫لإلقامة مع عمها‪ .‬وبعد ذلك بعامني‪ ،‬انتقلت إىل منزل عمتها بعد أن‬ ‫رضبها عمها مرارا ً وتكرارا ً كنوع من االنضباط والعقاب بسبب قوة‬ ‫شخصيتها وإرصارها عىل إبداء رأيها‪ .‬وقد تَبَ َّ َي لـ(نرصة) أ َّن العثور عىل‬ ‫وظيفة هو أمر أصعب مام كانت تخطط له وتتوقعه‪ ،‬فظلت عاطلة عن‬ ‫العمل عدة أشهر‪ ،‬بعد أن وضعت قدميها يف مقديشو‪.‬‬ ‫وبالنسبة لكثري من الشباب‪ ،‬فقد تدهور سوق العمل بعد عقود من‬ ‫االضطرابات‪ ،‬وأغرق االضطراب السيايس الصومال يف أزمة اقتصادية‬ ‫عميقة‪ .‬ووفقاً إلحصائيات األمم املتحدة‪ ،‬فإ َّن ‪ ٪54‬من الصوماليني الذين‬ ‫ترتاوح أعامرهم بني ‪ 15‬و‪ 64‬سنة‪ ،‬عاطلني عن العمل‪ .‬ويتأثر بشكلٍ‬ ‫خاص الشباب الذين ترتاوح أعامرهم بني ‪ 14‬و‪ 29‬سنة‪ ،‬حيث يبلغ معدل‬ ‫البطالة بينهم ‪ - ٪67‬وهذه النسبة ت ُ َع ُّد واحدة من أعىل املعدالت يف‬ ‫ش‪ .‬فقط دعني العامل‪ .‬أ َّما النساء‪ ،‬ف ُه َّن األكرث تأثُّرا ً وحرماناً‪ ،‬إذ يبلغ معدل البطالة بينهن‬ ‫"ميكنني فعل ّ‬ ‫ش وأنا بَ َ ٌ‬ ‫أي يشء يفعله الرجال‪ .‬هم بَ َ ٌ‬ ‫‪1‬‬ ‫أقوم بهذا العمل وسرتى كيف أقوم به"‪ .‬هكذا‪ ،‬متكّنت املثابرة‪ :‬نرصة ‪ ٪74‬مقارنة بـ‪ ٪61‬للرجال ‪.‬‬ ‫حاج حسني‪ ،‬البالغة من العمر ‪ 19‬عاماً‪ ،‬من تجاوز الحواجز االجتامعية‪،‬‬ ‫مل تستسلم نرصة ق ُّط للواقع الصعب املحيط بها‪ ،‬بالرغم من العقبات‬ ‫لتصبح أول ميكانيكية يف الصومال عىل اإلطالق‪ .‬حدث هذا‪ ،‬يف مجتمع‬ ‫محافظ و ُمغلَقٍ ‪ ،‬حيث ت ُ َح َّد ُد األدوار الجندرية يف سن ُم َب ِّك َرة‪ ،‬وت ُعتَ َ ُب الكثرية‪ .‬ويف يومٍ من األيّام‪ ،‬استيقظت ُم َب ِّك َرة كعادتها‪ ،‬وأع ّدت وجبة‬ ‫النساء كائنات من الدرجة الثانية‪ ،‬ف ُيع َه ُد إليهن العمل يف وظائف للعائلة‪ ،‬ث ُ ّم اخذت (دُشّ اً)‪ ،‬وغادرت املنزل مشياً عىل األقدام‪ ،‬تتج ّول يف‬ ‫هامشية ومنخفضة األجر‪ ،‬ورغم شح العاملة يف عامل ميكانيكا السيارات‪ ،‬األحياء امل ُجاورة بحثا عن عمل‪ .‬ذهبت نرصة إىل ورشة صيانة سيارات‪،‬‬ ‫ودون ت َ َر ُّد ٍد دخلت مكتب صاحب الورشة‪ ،‬وبعد التح ّية ع ّرفته بنفسها‪،‬‬ ‫أي امرأة يف االنخراط فيام يُعتَ َ ُب عاملاً رجالياً محضاً‪.‬‬ ‫ال تغامر ُّ‬ ‫وعرضت عليه أن يقبلها عاملة يف ورشته‪ .‬يف البداية‪ ،‬اعتقد الرجل أنّها‬ ‫يف أبريل ‪ ،2017‬حرضتُ محارضة يف مؤمتر تيدكس‪ )TEDX( 1‬يف مريضة عقلياً أو مجنونة‪ ،‬أو أنّها متزح معه‪ ،‬ولك ّنه رسعان ما أدرك أنّها‬ ‫مقديشو‪ ،‬حيث ألقت (نرصة) كلم ًة مؤثر ًة عن رحلتها االستثنائية‪ ،‬وهي جادّة‪.‬‬ ‫قصة متّت تغطيتها إعالمياً‪ ،‬عىل نطاق واسع‪ ،‬يف وسائل اإلعالم املحلية‬ ‫أخربها صاحب الورشة‪ ،‬محاوالً إثناءها عن اإلرصار عىل الطلب‪،‬‬ ‫والدولية‪ .‬غادرتُ مكان املناسبة‪ ،‬وأنا معجب –متاماً‪ -‬بجرأة وشجاعة‬ ‫هذه الشابة التي استطاعت أن ت ُ َحطِّ َم الصورة النمطية للمرأة العاملة يف بقوله‪ِ :‬‬ ‫"أنت تعلمني أ َّن هذا املجال ليس عمالً مناسباً للفتيات‪ ،‬وأنت‬ ‫يط ُر عليه الذكور‪ .‬وبعد ال تستطيعني التواؤم مع العمل وطبيعته القاسية؛ ِ‬ ‫الصومال‪ ،‬من خالل اختيارها العمل يف مجال يُ َس ِ‬ ‫ألنك ِ‬ ‫لست كالصبيان‬ ‫التقيت بها يف العاصمة الصومالية مقديشو‪ ،‬ملعرفة ملاذا الذين يُجربهم العمل هنا عىل حمل معدات ثقيلة"‪.‬‬ ‫سبعة أشهر‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫اختارت أن تكون ميكانيكية سيارات؟‬ ‫ُجب النساء عىل العمل يف مراكز وضيعة‪،‬‬ ‫ففي الصومال‪ ،‬غالباً ما ت َ ُ‬ ‫ُولِدَتْ (نرصة) ونشأت يف (بلدوين)‪ ،‬عاصمة مقاطعة (حريان) يف ويقترص عملهن عىل األنشطة التقليدية مثل النظافة والطهي‪ .‬حتى‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫وجوه‬

‫أ َّن الرجال املحافظني‪ ،‬يعتقدون أنه من امل ُح ّرمات عىل النساء‪ ،‬العمل‬ ‫خارج املنزل‪ .‬وباإلضافة إىل ذلك ‪-‬ويف سياق انتشار البطالة عىل نطاق‬ ‫واسع‪ -‬ت ُعطَى األولوية للرجل عىل أساس انتامءات العشائر‪ .‬ففي‬ ‫مجتمع الصومال العشائري‪ ،‬حيث ت ُ َح ِّد ُد العشرية هوية الفرد ونفوذه‪،‬‬ ‫مييل أصحاب العمل الذكور‪ ،‬إىل توظيف الرجال من دوائرهم العشائرية‬ ‫القريبة ويرتددون يف توظيف النساء‪ .‬إذ يُنظَ ُر إىل قدرة املرأة عىل خدمة‬ ‫مصالح العشرية‪ ،‬عىل أنَّها محدودة‪ ،‬ألنها من املحتمل أن تكون متزوجة‬ ‫أو ستتز ّوج من رجل من عشرية مختلفة‪.‬‬

‫كان أحد التحديات الرئيسية التي واجهت نرصة يف البداية‪ ،‬هو أ َّن‬ ‫العمالء الذكور مل يكونوا يرغبون أن تقوم بإصالح سياراتهم ‪ .‬قالت نرصة‬ ‫وهى تتذكّر تجاربها يف املهنة‪" :‬عندما يأمرين املدير بإصالح سيارة ‪ ،‬يكون‬ ‫أصحابها رجال‪ ،‬يقفزون من مكانهم ويبدءون بالشكوى‪ ،‬قائلني إنهم ال‬ ‫يريدونني أن ألعب بسياراتهم"‪ .‬وأضافت‪ :‬استغرق اكتساب ثقة العمالء‬ ‫وقتاً‪ ،‬ولكن تدريجياً ويف وقت الحق‪ ،‬متكّنت نرصة من اكتساب ثقة‬ ‫العديد من العمالء بعد إصالحها سياراتهم بنجاح‪.‬‬

‫وتواصل نرصة ذكرياتها يف املهنة‪ ،‬وتقول بكل فخر‪" :‬أقوم بإصالح‬ ‫لقد تع َّرضَ ت نرصة ‪-‬نفسها‪ -‬للتمييز ضدها يف عدة مناسبات‪ .‬تقول أنواع مختلفة من السيارات مبا يف ذلك السيارات الفاخرة والسيارات‬ ‫نرصة‪" :‬قالوا يل إنهم ال يستطيعون حتى العثور عىل وظائف للباحثني املضادة للرصاص والشاحنات الصغرية‪ .‬ويف بعض األحيان أقوم بإصالح‬ ‫عن العمل من الذكور‪ ،‬ناهيك عن اإلناث"‪ .‬وتضيف‪" :‬سخر البعض ِم ِّني الشاحنات عندما يتم إحضارها إىل الجراج"‪.‬‬ ‫قائالً‪ :‬ملاذا ال تتزوجني فقط؟ ملاذا تبحثني عن وظيفة؟ تزوجي واعميل‬ ‫ت ُ َع ُّد قصة (نرصة) قصة استثنائية ألنها تتحدى الواقع الحايل‪ ،‬والوضع‬ ‫يف خدمة زوجك"‪.‬‬ ‫الراهن “‪ ”status quo‬يف ٍ‬ ‫بلد أجربت فيه البطالة والفقر الكثري من‬ ‫وتقول نرصة‪" :‬كثريا ً ما تساءلت‪ ،‬ت ُ َرى هل أتوقف عن البحث عن الشباب ‪-‬يف عمر نرصة‪ -‬إىل الهجرة من خالل الرحالت والطُرق املحفوفة‬ ‫عمل؟"‪ ..‬ولك ّنها كثريا ً ما َح َّدث َت نفسها حسب قولها‪" :‬هل ُولِدنا للتو باملخاطر‪ ،‬عرب الصحارى والبحار واملحيطات‪ ،‬بحثاً عن حياة أفضل‪ .‬ففي‬ ‫لنكون فقط ربات بيوت؟ هل تنحرص مقدرة النساء فقط عىل إنجاب عام ‪ 2016‬وحده‪ ،‬غرق أكرث من ‪ 400‬الجئ صومايل يف البحر املتوسط‪،‬‬ ‫األطفال ألزواجهن؟"‪ .‬ففي عقل نرصة‪ ،‬كانت اإلجابات واضحة‪ .‬فقد ِم َّم جعل تلك السنة واحدة من أكرث السنوات دموية يف تاريخنا‪ .2‬ففي‬ ‫كانت ُم َص ِّم َم ًة عىل توفري العيش الكريم‪ ،‬لنفسها ولوالديها‪ ،‬دون الوقت الذي نجد فيه العديد من الشباب عىل استعداد ملغادرة البالد‪،‬‬ ‫املساومة يف استقاللها‪.‬‬ ‫وبأي مثن‪ ،‬فإ َّن نرصة‪ ،‬عىل نحو مدهش‪ ،‬ترغب يف البقاء يف الوطن‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫ويف صباح اليوم التايل وعقب لقائها مع صاحب ورشة امليكانيكا‪،‬‬ ‫ذهبت نرصة إىل العمل وقد قبل صاحب الورشة منحها الفرصة‪ .‬تقول‬ ‫وكنت عىل استعداد لحمل‬ ‫"كنت يف حاجة ماسة لهذه الفرصة‪ُ ،‬‬ ‫نرصة‪ُ :‬‬ ‫املعدات الثقيلة مهام كان الثمن"‪ .‬وتضيف قائلة‪" :‬كان جميع العاملني‬ ‫يف الورشة من الرجال؛ بعضهم من الشباب صغار السن‪ ،‬وبعضهم رجال‬ ‫يل‪ ،‬وفيهم أولئك الذين أساءوا‬ ‫من كبار السن‪ .‬كان هناك من يضحك ع َّ‬ ‫إ َّيل عند دخويل إىل الورشة‪َّ ،‬إل أنَّه ويف الوقت نفسه كان هنالك من‬ ‫ذهبت مبارشة إىل من اعتربوين‬ ‫وصفوين بـ( أختهم الصغرية )‪ .‬لقد‬ ‫ُ‬ ‫أختهم‪ ،‬ألنني شعرت باألمان والراحة يف العمل معهم"‪.‬‬ ‫ّنت‬ ‫وتضيف نرصة‪" :‬تدريجيا‪ ،‬وبعد التفاعل مع زماليئ يف العمل‪ ،‬متك ُ‬ ‫من الفوز بقلوبهم وإقناعهم بأنني جزء من الفريق‪ ،‬وأنني مج َّرد عاملة‬ ‫مثلهم‪ .‬وبالفعل فقد قبلوين تدريجيا‪ ،‬ورصتُ بالفعل مثل أختهم"‪ .‬تقول‬ ‫نرصة ذلك بغبطة وفخر وهي تضع كفّها فوق فمها إلخفاء ابتسامة ال‬ ‫تخطئها العني‪.‬‬ ‫ثم تواصل حديثها قائلة‪ :‬يف البداية‪ ،‬مل يتم تج ُّنبها من قبل زمالئها يف‬ ‫العمل فحسب‪ ،‬بل تع ّرضت للوصم من قبل مجتمعها املحيل‪ ،‬والجريان‬ ‫وعانيت‬ ‫وأفراد العائلة‪" ..‬يف بادئ األمر‪ ،‬شعرتُ باإلحباط‪ ،‬وبخيبة األمل‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫من السخرية؛ فقد عارضني الكثريون مبا يف ذلك أفراد عائلتي"‪ .‬وتضيف‬ ‫نرصة‪" :‬أن أصري (ميكانيكية) مل يخطر ذلك ببايل‪ ،‬ومل ترد تلك الفكرة‪،‬‬ ‫مبخيلتي قطُّ‪ ،‬بل مل ِ‬ ‫تأت حتى يف أحالمي‪ .‬إنّها الظروف هي التي دفعتني‬ ‫ألن أنخرط يف هذا املجال"‪.‬‬

‫ولدي أهداف أسعى لتحقيقها بإذن‬ ‫"لدي أحالم‪،‬‬ ‫قالت يل نرصة‪:‬‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫الله‪ .‬إنني أريد أن أكون متح ّدث ًة و ُمحفّزة للنساء الخرتاق مجاالت عمل‬ ‫جديدة‪ ،‬وأريد أن أُطَ ِّو َر نفيس وأمتكَّن من استخدام اإلنرتنت بفعالية"‪.‬‬ ‫وأضافت‪" :‬إ َّن ِق َّصتي ليست مجرد قصة أُنثى اختارت أن تعمل يف مهنة‬ ‫(ميكانييك) فقط‪ ،‬بل هي قصة عن توسيع حدود ما ميكن للنساء فعله‬ ‫وتحقيقه‪ .‬إنها قصة عن إطالق العنان إلمكانيات جيل كامل من اإلناث‬ ‫الاليئ ُحرِم َن من الوصول إىل املوارد االقتصادية وفُ َرص العمل‪ .‬قد أكون‬ ‫أول ميكانيكية يف الصومال‪ ،‬ولكنني أعتقد أ َّن هناك العديد من الفتيات‬ ‫األخريات اللوايت ميكن أن يعملن يف العديد من املجاالت ويحققن‬ ‫نجاحات أفضل من نجاحي‪ ،‬بل وأفضل من العديد من الرجال‪ .‬إنّهن‬ ‫بحاجة ‪-‬فقط‪ -‬إىل التمكني واإللهام‪ ،‬وهذا جزء من رسالتي وإسهامي"‪.‬‬

‫بقلم‪ :‬عبد الفتاح حسن علي‬ ‫من االنجليزية‪ :‬فيصل الباقر‬

‫‪( 1‬تقرير التنمية البرشية يف‬ ‫الصومال لعام ‪ :2012‬متكني‬ ‫الشباب من أجل السالم‬ ‫والتنمية)‪ ،‬برنامج األمم‬ ‫املتحدة اإلمنايئ ‪UNDP،‬‬ ‫‪2012‬‬ ‫‪http://www.undp.org/‬‬ ‫‪content/undp/en/‬‬ ‫‪home/librarypage/‬‬ ‫‪hdr/Somalia-human‬‬‫‪development‬‬‫‪report-2012.html‬‬ ‫‪ 2‬صمويل أوزبورن‪:‬‬ ‫(مخاوف غرق ‪ 400‬الجئ‬ ‫يف البحر املتوسط بعد أن‬ ‫انقلبت القوارب)‪ ،‬صحيفة‬ ‫اإلندبندنت ‪ 18 ،‬أبريل‬ ‫‪.2016‬‬ ‫‪http://www.‬‬ ‫‪independent.co.uk/‬‬ ‫‪news/world/europe/‬‬ ‫‪more-than-400‬‬‫‪refugees-drown‬‬‫‪in-mediterranean‬‬‫‪after-boats-capsize‬‬‫‪crossing-from-egypt-to‬‬‫‪italy-a6989046.html‬‬

‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪15‬‬


‫تحديات نشأتي كفتاة مسلمة‬ ‫فريدة كيوموهانقي‬

‫لقد نشأتُ داخل أرسة ت ُعتَ َ ُب منوذجاً لألرسة املسلمة يف‬ ‫كنت أنا أول املواليد‬ ‫منطقة (روكنجريي) يف غرب يوغندا‪ .‬ولقد ُ‬ ‫الثامنية لألرسة‪ ،‬وكانت والديت هي الزوجة الثانية لوالدي‪.‬‬ ‫مم سبَّ َب كدرا ً شديدا ً‬ ‫أنجبت والديت ست بنات وولدين؛ َّ‬ ‫لوالدي الذي كان يأمل من الزواج منها أن تلد له أطفاالً ذكورا ً‬ ‫عىل نحو متسارع‪ .‬ولقد ساهمت تجارب والديت يف تشكيل‬ ‫شخصيتي الحالية بصورة كبرية‪ .‬وكان من دواعي اعتزازي البالغ‬ ‫أن أمتتع بأم عملت جاهدة عىل بقايئ باملدرسة عىل الرغم‬ ‫من كل التحديات الكثرية‪ .‬فقد أخربتني مؤخرا ً بأ َّن رجل دين‬ ‫إسالمي كبري كان قد تق َّدم للزواج مني مبجرد إكاميل السنة‬ ‫النهائية باملرحلة الثانوية‪ .1‬فالفهم اإلسالمي السائد يف يوغندا‬ ‫فريدة كيوموهانقي‪ :‬هي‬ ‫كان يرى رضورة زواج الفتاة مبجرد وصولها سن البلوغ‪ .‬ولذا‬ ‫محامية حقوق إنسان‬ ‫خاضت والديت معركة روحية حامية الوطيس من أجل أن ال‬ ‫يوغندية‪ ،‬عملت ضمن‬ ‫اإلطارين الحكومي واملجتمع تسمح بزواج ابنتها قبل أن ت ُكمل دراستها‪ .‬ولهذا السبب‬ ‫خالفت‬ ‫أوضحت ملندويب الرجل الذي تق َّدم لخطبتي بأنها قد‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫املدين‪ .‬وحالياً تتبوأ منصب‬ ‫(كبري مسؤويل برامج األبحاث قانون الرشيعة أصالً ال َّن ابنتها كانت قد وصلت سن البلوغ قبل‬ ‫والتدريب) التابع ملركز يوغندا التحاقها بالسنة النهاية للمرحلة الثانوية‪ ،‬وأ َّن ذلك أمر يستحيل‬ ‫لحقوق اإلنسان حيث عملت الرتاجع عنه اآلن‪.‬‬ ‫خالل التسع سنوات األخرية‪.‬‬ ‫كنت أمتتع بحب ورعاية والدين كان غاية‬ ‫وخالل نشأيت ُ‬ ‫حصلت فريدة عىل بكالريوس‬ ‫القانون من جامعة مكاريري همهام هو ضامن انخراطي بأفضل املدارس املوجودة يف منطقة‬ ‫قضيت معظم فرتة طفولتي يف غرب يوغندا‬ ‫بيوغندا‪ ،‬ودرجة املاجستري يف (روكنجريي)‪ .‬وقد‬ ‫ُ‬ ‫قانون حقوق اإلنسان الدويل قبل انتقايل إىل كمباال وااللتحاق مبدرسة (كاوميبي) اإلسالمية‬ ‫والسياسات العامة من كلية ملتابعة دراسة املرحلة (أ)‪ .٢‬لقد بدأتُ تعليمي يف مدرسة أولية‬ ‫إسالمية أتاحت يل فرصة دراسة التعاليم والقيم اإلسالمية‪.‬‬ ‫كورك الجامعية بأيرلندا‪.‬‬ ‫والدي تم تحوييل إىل‬ ‫ولكن بعد سنوات قليلة وبنا ًء عىل طلب‬ ‫َّ‬ ‫مدرسة مسيحية مشهود لها مبستواها األكادميي امل ُتم ّيز‪ .‬وكمسلمة‪ ،‬فقد‬ ‫أصبحت جزءا ً من أقلية لكنني مل أتع َّرض للتمييز ضدي‪ .‬وقد ساهمت‬ ‫ُ‬ ‫هذه التجربة يف تعلُّمي مبادئ التعاليم والقيم املسيحية يف الوقت ذاته‬ ‫كنت فيه أُع ِّز ُز فهمي لإلسالم يف املنزل واملسجد من خالل مواظبتي‬ ‫الذي ُ‬ ‫عىل تلقِّي ٍ‬ ‫دروس يف التعاليم اإلسالمية خالل فرتة العطلة املدرسية‪.‬‬ ‫كنت أتلقَّي معاملة‬ ‫كنت أشعر بأنني ُ‬ ‫وخالل سنوات عمري املُبَكِّرة ُ‬ ‫أسوة بكل األطفال‪ ،‬ولكن مع تق ُّدمي يف العمر وتع ُّريض لظروف مختلفة‬ ‫كنت أتلقا ُه‪،‬‬ ‫بدأتُ يف مالحظة االختالفات البيِّ َنة يف املنهج التعليمي الذي ُ‬ ‫ِّنت رضورة وأهمية الخوف من‬ ‫حيث أنه من خالل التعليم الديني لُق ُ‬ ‫الله وااللتزام الدائم بتعاليمه‪ ،‬ولكن كان خويف األكرب مصدره أساتذيت‪.‬‬ ‫كنت خائفة للغاية من تداعيات عدم‬ ‫ومثل العديد من األطفال اآلخرين‪ُ ،‬‬ ‫فهم ما تعلمته وبالتايل عدم قدريت عىل الرتكيز عىل التعلُّم‪ .‬كان العقاب‬ ‫البدين شائعاً وكانت ِش َّدة العقوبة تعتمد عىل فداحة الذنب وعىل مزاج‬ ‫عم مررتُ‬ ‫امل ُعلِّم‪ .‬مل تختلف تجربتي يف املدرسة الثانوية بشكل كبري َّ‬

‫‪16‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬

‫به يف املدرسة االبتدائية؛ فالشيوخ الدينيون كانوا يزرعون الخوف بني‬ ‫الطالب الذين ال يلتزمون باتِّبَاع القيم اإلسالمية؛ فقد كان (الشيوخ)‬ ‫يُ َه ِّددُو َن برضب الطالب الذين مل يُ َصلّوا خمس مرات يف اليوم الواحد‪،‬‬ ‫حيث كان ذلك مبثابة وعد ديني يلتزمون هم به‪.‬‬ ‫وبحسب ما تعلمناه في ذلك الوقت‪ ،‬فإ َّ‬ ‫ن الفتاة‬ ‫المسلمة الصالحة هي تلك التي ترضي بالخضوع‬ ‫وتهتم ببيتها وزوجها وليست تلك التي تواجه‬ ‫وترفع صوتها‪.‬‬

‫ومن شأن مثل هذه الرؤية أن ت ُحبط الفتاة املسلمة من العمل الجاد‬ ‫والتطلُّع للوصول إىل اآلفاق العليا ما دام أ َّن انخراطها يف املجال العام قد‬ ‫قُل َِّص‪ .‬وكذلك‪ ،‬فإ َّن العالقة ما بني الفتاة املسلمة وكبار السن تنهض عىل‬ ‫ِ‬ ‫شعرونك‬ ‫ثقافة الخوف وليس االحرتام أو الطاعة‪ .‬فكبار السن دامئا ما يُ‬ ‫ِ‬ ‫بأنك لن تكوين أبدا ً فتا ًة مسلم ًة مبا فيه الكفاية؛ حيث تتعرضني لالنتقاد‬ ‫بسبب طريقة ارتدائك للمالبس (خاصة إذا مل تضعي الحجاب) بغض‬ ‫النظر ع َّمن تكونني يف الواقع‪ .‬ولذا لزم ِ‬ ‫عليك أن تفكري ملياً فيمن تودين‬ ‫مقابلتهم قبل أن تختاري الزي الذي سوف ترتدينه خوفاً من أن يُح َك َم‬ ‫عليك ِ‬ ‫ِ‬ ‫بأنك فتاة مسلمة سيئة السمعة‪ .‬وتصبح معاملة الفتاة أكرث ظلامً‬ ‫عندما نجد أ َّن ُحامة األخالق أنفسهم ال يخضعون يف كثري من األحيان‬ ‫كنت‬ ‫َّقت من أ َّن بعض رجال الدين الذين ُ‬ ‫للمعايري نفسها‪ .‬فقد تحق ُ‬ ‫أخافهم وأعتربهم قدوة يل كانت لهم عالقات غرامية مع قارصات أو‬ ‫تزوجوا من قارصات‪.‬‬ ‫وي َ‬ ‫ُش ِّك ُل الخروج مع شريك‪ ،‬أو البحث عن شريك‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ديا بالغا بالنسبة للفتاة المسلمة‪ .‬ولكن الرجل‬ ‫تح ِّ‬ ‫المسلم ال يواجه الحظر نفسه‪ ،‬حيث يحق له الزواج‬ ‫من فتاة من ديانة أخرى بسهولة‪.‬‬

‫وت َ ِق ُّل فُ َر ُص الفتاة كثريا ً يف إيجاد الشخص الذي يناسبها‪ .‬قال زلت‬ ‫أذكر ‪-‬عىل الرغم من صغر سني‪ -‬ردود فعل والدي غري القابلة للتنازل‬ ‫حيال محاولة أختي الكربى استضافة رجل من خارج امللّة‪ .‬ومنذ تلك‬ ‫اللحظة َص َّم َم ُت عىل عدم التع ُّرض ملثل ذلك الغضب حتى لو انتهى يب‬ ‫بقيت بدون رشيك فرتة‬ ‫األمر عىل البقاء من غري زوج‪ .‬ولهذا السبب فقد ُ‬ ‫طويلة قبل أن أحظى بلقاء الشخص املتميّز الذي توافق معي يف نهاية‬ ‫األمر‪ ،‬وكان ذلك بسبب إرصاري وصربي‪ .‬أ َّما بالنسبة لشقيقايت فام زلن‬ ‫بعانيني من أجل إيجاد الرشيك املسلم‪ .‬وكثريا ً ما أنصحهن بأ َّن أقىص ما‬ ‫والتحل بالصرب‪ ،‬ومع‬ ‫ِّ‬ ‫يف إمكانهن القيام به هو االستمرار يف الصلوات‬ ‫س إحباطهن‪.‬‬ ‫ذلك فانا أتف َّه ُم ِ َّ‬ ‫وحتى اآلن أجد صعوبة بالغة يف معرفة ما انتهي إليه حال الفتيات‬


‫وجوه‬

‫أو الفتية الذين زاملتهم خالل سني املرحلة األولية‪ .‬فغالبية الفتيات قد‬ ‫تركن الدراسة بعد املرحلة الثانوية وتزوجن‪ ،‬والقليالت منهن انخرطن‬ ‫يف إدارة أعامل صغرية الحجم يف املدينة‪ .‬وبالتفكري يف كل ذلك أجدين‬ ‫محظوظة جدا ً ال َّن رفيقايت مل تُتَح لهن فرص إمتام دراستهن كام فعلت‬ ‫أنا‪ .‬ويف هذا الصدد تجدين ممتنة جدا ً‬ ‫لوالدي اللذين كانا يؤمنان بجدوى‬ ‫َّ‬ ‫العملية التعليمية وبتشجيعهم يل أن أصبح مستقلة بذايت‪ .‬فقد كان‬ ‫أبليت‬ ‫والداي عىل الدوام يُق ِّدمان يل الدعم وقد أىت كل ذلك أُكله‪ .‬لقد ُ‬ ‫َّ‬ ‫بالء حسناً مكنني من الحصول عىل منحة حكومية وتحقيق حلمي‬ ‫بالتخ ُّرج من جامعة مكاريري‪ ٣‬بدبلوم يف القانون‪ .‬وقد يعتقد البعض يف‬ ‫والدي قد رفضا التعاليم الدينية من أجل تربية فتاة لتصبح أكرث من‬ ‫أ َّن‬ ‫َّ‬ ‫مجرد زوجة‪ ،‬لكن مل يخالجني الشك ق ُّط يف أ َّن مثل هذا الدعم هو كل‬ ‫ما يحتاجه األطفال من أجل أن يصريوا بالغني ومواطنني ذوي مسؤولية‪.‬‬ ‫وعندما أقارن تجربتي في المدارس المختلفة‪ ،‬أشعر‬ ‫بأ َّ‬ ‫ن مناخ الخوف كان سائداً بصفة أساسية في‬ ‫المدارس اإلسالمية‪ .‬فالتالميذ في المدارس األولية‬ ‫والثانوية المسيحية ال يهابون معلميهم بنفس‬ ‫مستوى المدارس اإلسالمية أو يتعرضون لنفس‬ ‫مستوى الضرب المبرح في حال عدم حضورهم‬ ‫ُقد َّاس الكنيسة‪.‬‬

‫وحالياً‪ ،‬كراشدة ومستقلة بذاتها أفكر يف األشياء التي كانت يجب أن‬ ‫عم كان سيكون عليه األمر‬ ‫ت ُؤدَّى بشكل مختلف‪ .‬فام زالت أسائل نفيس َّ‬ ‫لو فَ َّك َر املعلم يف األطفال الذين كان يرهبهم باسم القيم اإلسالمية؟ هل‬ ‫كانوا سيصبحون رجاالً أفاضل أو نساء فاضالت؟‬ ‫أح ُّس باملرارة حيال القيم اإلسالمية‪ ،‬ولكنني ِ‬ ‫وال يعني هذا أنني ِ‬ ‫أح ُّس‬ ‫بذلك يف طريقة تفسري الدين وتطبيق قيمه‪ .‬فاألطفال األبرياء من الذكور‬ ‫واإلناث يجب معاملتهم باحرتام واضعني يف االعتبار حقيقة أنهم سيكربون‬ ‫يوماً وس ُيشَ ِّكلُون مستقبل العامل الذي يعيشون فيه‪ .‬وحالياً كأم أسعى أنا‬ ‫جاهدة إلدخال أطفايل إىل مدارس ‪-‬مبا فيها تلك التي ت ُق ِّد ُم دروس القيم‬ ‫اإلسالمية‪ -‬تتمتع ب َج ٍّو من التشجيع والحميمية وليس الخوف‪ .‬فيجب‬ ‫تدريس األطفال بطريقة تُ ِّك ُنهم من فهم كُنه الله والتعامل مع الدين‬ ‫بدالً عن الخوف من القامئني عىل بَثِّ الرسالة‪.‬و كناشطة حقوقية آمل‬ ‫يف املساهمة يف تعزيز كرامة الطفل واملرأة املسلمة وحثّهم عىل التطلُّع‬ ‫نحو آفاق عليا واكتشاف إمكانياتهم واالستفادة القصوى منها‪.‬‬ ‫بقلم‪ :‬فريدة كيوموهانقي‬

‫من االنجليزية‪ :‬فيصل الباقر‬

‫الصورة‪ :‬فتيات مدرسة إسالمية في يوغندا‬

‫‪ 1‬املرحلة الثانوية الدنيا‬ ‫تتكون من أربع سنوات‬ ‫يجلس الطالب يف نهايتها اىل‬ ‫امتحان املستوى العادي‪.‬‬ ‫‪ ٢‬يتحصل الطالب يف يوغندا‬ ‫عىل شهادة يوغندا املتقدمة‬ ‫يف التعليم عند إكاملهم سنتي‬ ‫املرحلة الثانوية العليا‪.‬‬ ‫‪ ٣‬جامعة مكاريري هي أعىل‬ ‫مؤسسة تعليمية يف يوغندا‪،‬‬ ‫وتُعتَ َ ُب واحدة من أميز‬ ‫الجامعات األفريقية‪.‬‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪17‬‬


‫التعافي عبر الرسم والتلوين‬ ‫تجربة عامالت المنازل االثيوبيات‬ ‫غالباً ما تواجه عامالت املنازل القادمات من إثيوبيا ودو ٍل أفريقية أخرى التمييز يف دول الرشق األوسط والخليج العريب بسبب النوع‪ ،‬أو الدين‪ ،‬أو لون البرشة‪ ،‬إضافة‬ ‫إىل انعدام الحامية القانونية‪ .‬وبالتايل تصبح عامالت املنازل عرضة ألمناط من السلوك العدواين والتمييز العنرصي تحديدا ً النساء من أفريقيا والاليت يندرجن يف قاع السلَّم‬ ‫االجتامعي بسبب لون برشتهن وانتامئهن للقارة التي يعاين معظم سكانها من الفقر‪.‬‬ ‫ووفق تقارير منظمة الهجرة الدولية‪ ،‬هناك ما يُ َق َّد ُر بحوايل مائة وسبعني ألف إىل مائة ومثانني ألف امرأة إثيوبية‪ ،‬يُغا ِدرن بلدهن كل عام إىل دول الخليج والرشق األوسط‬ ‫سعياً وراء فُ َر ِص العمل وتحسني الظروف االقتصادية‪ .‬وتعمل الغالبية العظمي منهن يف قطاع العاملة املنزلية‪ .‬ويُ َق َّد ُر أ َّن حوايل ستني إىل سبعني يف املائة من النساء عامالت‬ ‫املنازل املهاجرات يندرجن تحت فصيل الهجرة غري الرشعية‪ .‬وذلك الوضع يجعلهن بشكل خاص عرضة لالستغالل واإليذاء الجسدي والنفيس‪ .‬وتعاين أعداد كبرية من عامالت‬ ‫أي‬ ‫املنازل اإلثيوبيات العائدات من تلك البلدان من آثار الصدمة النفسية والعقلية بسبب الضغوط وسوء املعاملة الصادمة لفتيات قادمات من الريف اإلثيويب ال ميتلكن َّ‬ ‫خربة أو ت َ​َص ُّو ٍر عن منط الحياة والثقافة ورشوط العمل يف تلك البلدان‪.‬‬ ‫إ َّن برنامج املعافاة من الصدمات النفسية هو برنامج ت ُْش ُِف علية املبادرة االسرتاتيجية لنساء القرن األفريقي (صيحة) مع (جمعية السامري الصالح) يف إثيوبيا والتي توفِّر‬ ‫امللجأ والعالج النفيس وإعادة التأهيل ولَ ِّم الشمل للنساء الاليت يعانني من الصدمات النفسية عقب عودتهن إىل إثيوبيا‪.‬‬ ‫ويف سبتمرب ‪ 2017‬قامت صيحة وجمعية السامري بتنفيذ برنام ٍج للعالج النفيس عرب الرسم والتلوين‪ ،‬وقد طُ ِّو َر الربنامج بالرشاكة مع الفنان باليز باتريكس‪.)Blaise Patrix(1‬‬ ‫ويستخدم هذا الربنامج العالج بالفن لتحسني الصحة الجسدية والعقلية للمرأة‪ ،‬وذلك عن طريق السامح للنساء بالتعبري عن مشاعرهن من خالل الرسم والتلوين‪.‬‬ ‫وقد شاركت ثالث شابات عانني من تجارب مؤملة أثناء البحث عن ُس ُبلِ عيش أفضل‪ ،‬قصصهن معنا إىل جانب ُمشاركتهن باألعامل الفنية التي أنتجنها خالل برنامج رحلة‬ ‫الشفاء‪.‬‬

‫(مريون‪ .‬ط) من إقليم األرومو يف إثيوبيا‪ .‬انتقلت (مريون)‬ ‫إىل بريوت‪/‬لبنان‪ ،‬بعد أن تركت املدرسة يف عام ‪ .2016‬وقد َرت َ​َّب‬ ‫سمسار مكاتب التخديم من مسقط رأسها رحلتها إىل املدينة‬ ‫الصاخبة يف الرشق األوسط‪ ،‬حيث عملت خادم ًة منزلية المرأة‬ ‫تعيش مبفردها‪ .‬وملدة ثالثة أشهر‪ ،‬ظَل َّْت (مريون) تستيقظ‬ ‫يف متام الساعة الرابعة (‪ )4:00‬صباحاً كل يوم‪ ،‬وتقيض‬ ‫ساعات طويلة يف التنظيف والطهي‪ ،‬بينام كانت ربة‬ ‫العمل تعاقبها بالرضب واإلساءات الشفاهية‪ ،‬إىل أن‬ ‫دفعتها ذات يوم مخدمتها من النافذة حيث كرست‬ ‫مريون ساقها‪ .‬أخذ ابن امل ُخدمة مريون إىل املستشفى‪،‬‬ ‫وبعد معالجتها أُلْ ِغيَ ْت إقامتها يف لبنان و ُر ِّحل َْت عىل‬ ‫الفور‪ .‬ومل تحصل قَ ُّط عىل الراتب الشهري الذي كانت‬ ‫قد ُو ِعدَتْ به عند توليها الوظيفة (‪ 200‬دوالر أمرييك) أو‬ ‫أي تعويض عن إصابتها الجسدية‪ .‬وتكافح (مريون) ‪-‬التي‬ ‫ّ‬ ‫تبلغ من العمر ‪ 19‬عاماً‪ -‬حالياً من أجل استعادة عافيتها‬ ‫النفسية والجسدية‪ ،‬ومن أجل الحصول عىل عمل يف إثيوبيا‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫وجوه‬

‫َس ِم َع ْت (زينة) من صديقة لها‪ ،‬بأنها ميكن أن تكسب املال الالئق‬ ‫كخادمة منزلية يف الرشق األوسط ودول الخليج‪ .‬وبنا ًء عليه ت َ َرك َْت‬ ‫زينة املدرسة وتواصلت مع وسيط‪ .‬وبعد مثانية أشهر‪ ،‬أُ ِ‬ ‫رسل َْت إىل‬ ‫بريوت‪/‬لبنان‪ ،‬ألداء عمل منزيل مقابل أجر شهري يُق َّد ُر بحوايل ‪100‬‬ ‫دوالر أمرييك‪ .‬ولألسف‪ ،‬خَابَ ْت توقعاتها برسعة‪ ،‬إذ ُح ِر َم ْت (زينة)‬ ‫جبتْ‬ ‫من الطعام‪ ،‬وأُ ِسيئَ ْت معاملتها عىل أيدي مخدميها‪ .‬وقد أُ ِ َ‬ ‫عىل البقاء مستيقظة معظم ساعات الليل لتلبية الطلبات الكثرية‬ ‫من أرباب عملها‪ .‬ورسعان ما تدهورت صحتها النفسية وأصبحت‬ ‫مريضة للغاية‪ ،‬فأُ ِعيدَتْ إىل إثيوبيا‪.‬‬ ‫وتتعاىف (زينة) –اآلن‪ -‬ببطء‪ .‬وتأمل يف إعادة االندماج يف املدرسة‬ ‫يف أقرب وقت ممكن‪.‬‬

‫ساعدها شقيقها يف الحصول عىل جواز سفر للذهاب إىل بريوت‪/‬‬ ‫لبنان‪ .‬كانت (ماكيدا) تبلغ من العمر ‪ 18‬عاماً عندما وصلت إىل‬ ‫بريوت وبدأت العمل عاملة منزل‪ .‬لك َّنها رسعان ما ندمت عىل‬ ‫قرارها‪ .‬إذ ت َ َع َّرضَ ْت (ماكيدا) للرضب بالعصا من قبل أرباب عملها‬ ‫بشكل منتظم‪ .‬ومل يُ ْس َمح لها بتناول الطعام عىل األواين واألطباق‬ ‫نفسها‪ .‬شَ َع َرتْ (ماكيدة) بأنها منبوذة‪ ،‬و ُم ِن َع ْت من الخروج‪ .‬وبعد‬ ‫أن ت َ َح َّدث َْت عن وضعها املزرى إىل زميلة إثيوبية أخرى تعمل يف‬ ‫املبنى نفسه‪ .‬ساعدتها رفيقتها عىل الهروب‪ ،‬لكن أحد الرجال‬ ‫املنتمني ألرسة ُمخ ّدميها‪ ،‬قبض عليها‪ .‬وبعد ُمشاجرة عنيفة مع‬ ‫َت الرشطة القبض عليها‪ ،‬وأُ ْو ِد َعت السجن مدة أسبوعني‪،‬‬ ‫الرجل‪ ،‬ألق ْ‬ ‫ومن ثم ُر ِّحل َْت قرسا ً ايل موطنها‪ .‬وتحاول (ماكيدا) ‪-‬البالغة من‬ ‫العمر ‪ 21‬عاماً اآلن‪ -‬امليض قدماً‪ ،‬وقَ َّر َرتْ عدم العودة إىل العمل‬ ‫املنزيل‪.‬‬ ‫بقلم المبادرة االستراتجية لنساء القرن االفريقي‬ ‫من االنجليزية‪ :‬فيصل الباقر‬

‫من أجل إخفاء الهوية‪ ،‬استبدلنا األسامء الحقيقية للفتيات اللوايت‬ ‫قابلناهن بأسامء مستعارة‪.‬‬

‫‪ 1‬نُ ِّف َذ هذا الربنامج بدعم‬ ‫من املبادرة االسرتاتيجية‬ ‫لنساء القرن اإلفريقي‪/‬‬ ‫صيحة (‪ ، )SIHA‬و‬ ‫‪Solidarité Internationale‬‬ ‫‪ ، / Anderlecht‬و‬ ‫‪Association‬‬ ‫‪Interculturelle de‬‬ ‫‪Développement‬‬ ‫‪)Artistique (AIDA‬‬

‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪19‬‬


‫عكس عقارب الساعة‬ ‫ناهد كيشوار‬

‫حتى لو أصبح مكان عيني تحت قدميك‬ ‫حتي ولو ‪ ...‬فإ َّن هذا الخوف لن يرتكك‬ ‫وعىل الرغم من أنني لن أستطيع أن أرى‪....‬‬ ‫لكنني أستطيع أن أشعر وأحس حرارة األجسام والكلامت‬ ‫مثل العطر‬ ‫فركت أنفي عىل األرض القذرة حتى‬ ‫حتى ولو لسالمتي‪ُ ...‬‬ ‫تالىش‬ ‫فإ َّن هذا الخوف لن يرتكك‬ ‫و ُرغم أنني لن أستطيع أن أشم‪.....‬‬ ‫فسوف يكون بإمكاين قول يشء ما‬ ‫حتى لو أصبحت شفتي التي طاملا س َّبحت بورع وخضوع يف‬ ‫حضورك ‪ ..‬جافة و بال روح‬ ‫فإ َّن هذا الخوف لن يرتكك‬ ‫وعىل الرغم من أنني لن أستطيع الكالم‪...‬‬ ‫فأ َّن بإمكاين امليش‬ ‫حتى ولو ك َّبلتني بسالسل التطويع والعار واإلهانة‬ ‫ووضعتها كلها حول أرجيل وأصابني الشلل‪...‬‬ ‫فإ ّن هذا الخوف لن يرتكك‬ ‫وعىل الرغم من أنني ال أستطيع امليش‪....‬‬ ‫فام زلت أستطيع التفكري‬ ‫خوفك من أن أكون ُح ّرة‪ ..‬أن أكون ح ّية‬ ‫وقادرة عىل التفكري‪...‬‬ ‫قد يقودك ‪-....‬ومن يدري؟‪ -‬رمبا إىل مخاض عسري‬ ‫ُولِدَتْ ناهد كيشوار يف عام ‪ ،1940‬وهى شاعرة رائدة وغزيرة اإلنتاج من باكستان‪ ،‬إذ أنتجت خالل السنوات الخمسني املاضية أعامالً إبداعية‬ ‫ُشتْ يف عام ‪ .1968‬وفازت بجائزة‬ ‫جريئ ًة ومبتكرة ومثري ًة لإلعجاب‪ .‬أول مجموعة شعرية لها‪ ،‬جاءت بعنوان شفة الكالم ‪ ، ))Lab-i goya‬التي ن ِ َ‬ ‫ُ‬ ‫(آدمجي) األدبية املرموقة‪ .‬ويف مجال يهيمن عليه الرجال تقليدياً‪ ،‬طورت ناهد كيشوار صوتاً أنثوياً فريدا ً ومميزا ً‪ ،‬حيث كتبت باللغة األردية (‪Urdu‬‬ ‫) يف موضوعات غري تقليدية‪ ،‬ترتاوح بني الجنس والدين والسياسة‪ .‬وهى شاعرة معروفة بنشاطها السيايس ويعتربها الكثريون يف باكستان وخارجها‬ ‫رمزا ً للمقاومة‪.‬‬ ‫* من املرتجم ‪ :‬النص الشعرى العريب‪ُ ،‬م َت َج ٌم من النسخة اإلنجليزية للقصيدة‪ ،‬املكتوبة يف األصل باللغة األُردية‪.‬‬ ‫من االنجليزية‪ :‬فيصل الباقر‬

‫‪20‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫الرسم‪ :‬ايبوت جشواء ‪-‬يوغندا‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪21‬‬


‫هل الرجال قوامون؟‬ ‫إعادة النظر حول مفاهيم السلطة الذكورية‬ ‫في التقاليد اإلسالمية‬ ‫عرض لكتاب‪ :‬القوامة في التراث اإلسالمي‪ :‬قراءات بديلة‬ ‫زيبا مير حسينى‬

‫مع ظهور موجات النسوية الجديدة‪ ،‬التي ما زالت تنتج معارف مغايرة تتحدَّ ى التسليم بتفوق الرجال‪ ،‬وتُ َخلْ ِخ ُل من رسوخ السلطة الذكورية من داخل التقاليد القانونية‬ ‫للمسلمني‪ .‬يأيت كتاب (القوامة يف الرتاث اإلسالمي‪ :‬قراءات بديلة)‪ ،‬الذى ح َّر َرتْهُ الكاتبة واألكادميية د‪ .‬زيبا مري حسيني‪ ،‬داعياً إىل إعادة النظر يف سلطة التقاليد القانونية‬ ‫للمسلمني‪ ،‬حيث يُقَدِّ ُم الكتاب بعض الخالصات املهمة يف ذلك املبحث‪.‬‬ ‫ويف هذا املقال‪ ،‬تعكس زيبا مري حسيني‪ ،‬كيف أنَّ الخيال الذكوري حول الدين والعقيدة قد أصبح حقيقة قانونية وظيفتها الرئيسة هي الحفاظ عىل عدم املساواة بني‬ ‫الجنسني‪ .‬وت َُسل ُِّط الضوء عىل الحاجة املُلِ َّحة إلدخال النسوية يف حوار مع التقاليد االسالمية‪ ،‬وتتب َّنى زيبا مري حسيني نهجاً جديداً نحو املساواة بني الجنسني يف املجتمعات‬ ‫املسلمة‪ ،‬وهو نهج يُ َر ِّسخُ الحرتام معتقدات الناس وهوياتهم‪ُ ،‬م َت َحدِّ يَاً أمناط الدوغامئية الدينية والثقافية‪.‬‬

‫وليس من قبيل املبالغة ىف يشء القول‪ :‬إ َّن الرصح الكامل لقانون‬ ‫التقاليد القانونية اإلسالمية والعالقات الجندرية‪:‬‬ ‫َس به الفقهاء الكالسيكيون‬ ‫ف‬ ‫الذى‬ ‫املنظور‬ ‫عىل‬ ‫مبني‬ ‫املسلمة‪،‬‬ ‫األرسة‬ ‫َّ َ‬ ‫ٌّ‬ ‫ال يعامل التقليد القانوين اإلسالمي الرجال والنساء هذه اآلية وترجموها إىل أحكام قانونية‪.‬‬ ‫عىل قدم املساواة‪ .‬وتكمن جذور هذه املعاملة غري‬ ‫وبصدد تحديد األدوار والعالقات بني الزوجني يف مؤسسة الزواج يف‬ ‫املتساوية يف فكر ٍة قدمي ٍة مفادها أنّ‪ :‬الرجال أقوياء‬ ‫جسدياً‪ ،‬يحمون ويزودون‪ ،‬أ َّما النساء فمجبوالت عىل سياقات التقاليد اإلسالمية‪ ،‬استخدم الفقهاء املصطلحات األربعة البارزة‪،‬‬ ‫الضعف وقلة الحيلة؛ لذا يتو ّج ُب عليهن طاعة الرجال مع الرتكيز عىل الجزء األول من اآلية‪ ،‬أي أ َّن الرجال هم قوامون و ُحامة‬ ‫لنيل الحامية‪ .‬أي الطاعة والخنوع يف مقابل الحامية‪ .‬و ُمعيلون‪ .‬وبناء عليه ِص ْي َغ عقد الزواج كعقد يضع الزوجة تلقائياً تحت‬ ‫وهذه الفرضية تُ َث ُِّل البنية األساسية يف املفهومني سلطة الزوج ووصايته‪ ،‬ويفرتض عقد الزواج التبادل ما بني طاعة الزوجة‬ ‫القانونيني اللذين يحكامن عالقات الرجال والنساء يف والخضوع ومتكني الزوجة للزوج من نفسها‪ ،‬يف مقابل اإلعالة (النفقة)‬ ‫املجتمعات املسلمة‪ .‬وهام‪ :‬مفهوم (الـقوامة) الذي من قبل الزوج‪.‬‬ ‫يتمحور يف سلطة الزوج عىل زوجته‪ ،‬ومفهوم (الوالية)‬ ‫وعالوة عىل ذلك قَ َّر َر الفقهاء أ َّن أفراد األرسة الذكور لديهم الحق يف‬ ‫الذي يعكس وصاية الذكور وتفضيلهم عىل أفراد األرسة‬ ‫من اإلناث كام هو سائد يف الفقه اإلسالمي الكالسييك‪ .‬وقد لعب هذان الوالية وواجب مامرسة الوصاية عىل اإلناث‪ ،‬مثل اآلباء أو اإلخوان أو‬ ‫املفهومان ‪-‬وال يزاالن يلعبان‪ -‬دورا ً مركزياً يف إضفاء الطابع املؤسيس الذكور من األرسة املمتدة الذين ت ُ َخ َّو ُل إليهم الوالية عىل النساء عند‬ ‫ملسألة عدم املساواة بني الجنسني يف السياقات اإلسالمية‪ .‬ويتذ َّر ُع إبرام عقد الزواج‪ .‬وهذا املفهوم للزواج والعالقات األرسية ‪-‬مع تعديالت‬ ‫املدافعون عن السلطة الذكورية‪ ،‬باآليات القرآنية الواردة ىف سورة طفيفة ‪ -‬ال يزال يُشَ ك ُِّل العمود الفقري لقانون األرسة املسلمة ويحكم‬ ‫النساء‪ /‬اآلية ‪ 34‬والتى ت ُقرأ‪( :‬ال ِّر َج ُال قَ َّوا ُمو َن َع َل ال ِّن َسا ِء بِ َا فَضَّ َل اللَّ ُه كيفية مامرسته‪.‬‬ ‫َالصال ِ َحاتُ قَانِ َتاتٌ َحا ِفظَاتٌ‬ ‫ل َب ْع ٍض َوبِ َا أَن َفقُوا ِم ْن أ َ ْم َوال ِ ِه ْم ج ف َّ‬ ‫َب ْعضَ ُه ْم َع َ ٰ‬ ‫�لِّلْ َغ ْي ِب بِ َا َح ِف َظ اللَّ ُه ج َو َّ‬ ‫يف عام ‪ ،2010‬بدأت مجموعة (مساواة) ‪-‬وهي حركة عاملية من‬ ‫الل ِت تَخَافُو َن نُشُ و َز ُه َّن فَ ِعظُو ُه َّن َوا ْه ُج ُرو ُه َّن‬ ‫اض ُبو ُه َّن صلے فَإِ ْن أَطَ ْع َن ُك ْم ف َ​َل تَ ْبغُوا َعلَ ْيه َِّن َسب ًِيل قلے إِ َّن أجل العدالة واملساواة لألرسة املسلمة‪ -‬بدأت يف مرشوع بحث ُمتَ َع ِّد ِد‬ ‫ِف الْ َمضَ ا ِجعِ َو ْ ِ‬ ‫األوجه للتعامل مع هذين املفهومني‪( :‬القوامة) و(الوالية)‪ ،‬وبصدد إعادة‬ ‫اللَّ َه كَا َن َعلِ ًّيا كَ ِب ًريا)‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫مساواة‬

‫التفكري فيهام من خالل التقاليد اإلسالمية‪ .‬وكانت النتيجة األوىل لهذا‬ ‫املرشوع هي‪ :‬كتاب‪( :‬القوامة يف الرتاث اإلسالمي‪ :‬قراءات بديلة)‪ ،‬وهو‬ ‫كتاب يحتوي عىل مجموعة أوراق تتألف من عرشة فصول‪ ،‬ت ُ َنا ِق ُش‬ ‫األورق سلطة الذكور والتمييز بني الجنسني من داخل هذه التقاليد‪.‬‬ ‫فاألطروحة الرئيسة للكتاب هي أ َّن مفهومي‪( :‬القوامة) و(الوالية)‬ ‫قد ت َّم التعامل معهام بشكل خاطئ عىل أنهام السلطة اإللهية املمنوحة‬ ‫للرجل عىل املرأة‪ ،‬ونتيجة لذلك أصبحت هذه املفاهيم وفق الظرف‬ ‫التاريخي هي أساس النظام األبوي يف إطار التقاليد اإلسالمية القانونية‪.‬‬ ‫وت ُ َو ِّف ُر الفصول المختلفة من الكتاب مفاهيم بديلة‬ ‫للـ(قوامة) و(الوالية)‪ ،‬بعضها يعتمد على المفاهيم‬ ‫القرآنية باعتبارها البنية المركزية التي ت ُ َو ِّجه العالقات‬ ‫بين الله واإلنسان‪ ،‬وبعضها يتّبع نهجاً نسوياً شامال ً‪،‬‬ ‫يربط التقاليد اإلسالمية بالنظريات الحديثة للمعرفة‬ ‫ومبادئ العدالة والمساواة‪ ،‬وبعضها يرتكز على‬ ‫الحقائق ُ‬ ‫المعاشة وتجارب النساء‪.‬‬

‫ويُبَ ِّ ُي الكتاب أنه‪ :‬ال مصطلح (القوامة)‪ ،‬وال فكرة أ َّن الرجال لديهم‬ ‫سلطة عىل النساء (الوالية) موجودان يف القرآن‪ ،‬باملعنى الذى يحاول أن‬ ‫يُك ِّرس لفهمه ُمنظّرو السلطة الذكورية‪ ،‬إذ أ َّن املصطلح الوثيق الصلة‬ ‫بالوالية‪ ،‬موجود يف القرآن مبعنى الصداقة واملساندة املتبادلة‪ ،‬ولكنه ال‬ ‫يؤيد سلطة الذكر املطلقة عىل املرأة‪ ،‬وفق تفسري املصطلح املكرس لدى‬ ‫أولئك املفرسين‪ ،‬إىل جانب القوامة‪ ،‬يف األحكام الفقهية يف الزواج‪.‬‬ ‫ويف أحد فصول هذا الكتاب تُظْ ِه ُر العاملة املرصية أميمة أبوبكر‬ ‫ُ‬ ‫(الرجال‬ ‫إشكالية تفسري الجملة األوىل من اآلية ‪ 34 :4‬من سورة النساء‪:‬‬ ‫ق َّوا ُمون عىل النسا ِء مبا فضّ ل الل ُه بعض ُهم عىل ٍ‬ ‫بعض ومبا أنفقوا من‬ ‫أموالِهم)‪ ،‬وكيف أُ ِع ْي َد تفسري هذه اآلية بشكل مستمر‪ ،‬حتى أصبحت‬ ‫ركيزة للبناء االبوي‪ .‬ث ُ ّم َح َّددَتْ أربع مراحل يف سريورة هذا البناء‪ ،‬حيث‬ ‫أوضحت أنّه بداية قد ُع ِزل َْت الجملة عن بقية القرآن‪ ،‬ث ُ ّم ُح ِّو َل النص‬ ‫ْ‬

‫إىل بناء مستقل متاماً عن سياقه الذى طُر َِح فيه‪ ،‬فأصبح بنية أبوية‪.‬‬ ‫(ق ّوامون)‪ ،‬من (قوامة)‪ ،‬أي عن طريق أخذ مصطلح (القوامة) من‬ ‫سياقه املبارش‪ ،‬وتحويله إىل (مصدر ترشيعي) يف املرحلة الثانية‪ ،‬عندما‬ ‫ت ّم دمج هذا املفهوم وت ّم تقديم الحجج واملربرات العقالنية‪ ،‬للعالقات‬ ‫الهرمية بني الرجال والنساء‪ .‬ث ّم يأيت بعد ذلك‪ ،‬توسيع مفهوم (القوامة)‬ ‫عن طريق ربط املصطلح بفكرة أ َّن الرجال لديهم ميزة وخاصية عىل‬ ‫النساء‪ ،‬وذلك بربط مفهوم القوامة بالنص املأخوذ من اآلية ‪ 228‬من‬ ‫سورة البقرة‪ ،‬والذى يُقرأ‪( :‬لِل ِّر َجا ِل َعلَ ْي ِه َّن َد َر َجةٌ) أى "أ َّن الرجال لديهم‬ ‫درجة فوق ( النساء)"‪ .‬وهذه العبارة ‪-‬وهي جزء من ممر طويل حول‬ ‫ُستْ عىل أنها دعم إضايف‬ ‫موضوع الطالق‪ -‬أُ ِخذَتْ من سياقها املبارش وف ِّ َ‬ ‫للتفوق الذكوري‪.‬‬ ‫وباإلضافة إىل ذلك‪ ،‬ت َّم استدعاء مجموعة مختارة من األحاديث‬ ‫النبوية لتأسيس واجب الطاعة للمرأة‪ .‬وجاءت املرحلة األخرية يف القرن‬ ‫العرشين مع املفكرين الحديثني الذين ربطوا (القوامة) بنظرية طبيعية‬ ‫(الرشيعة اإلسالمية) وأيديولوجية الحيازة‪ ،‬باستخدام املعرفة النفسية‬ ‫الزائفة للدفاع عن الطبائع املختلفة للرجال والنساء (الفطرة)‪ ،‬أي‬ ‫اختالف الرجال عن النساء طبيعياً (بالفطرة) وتربير ذلك لدونية النساء‪.‬‬ ‫ويف فصل آخر‪ ،‬تُظْ ِه ُر الباحثة ىف القرآن‪ ،‬املغربية‪ ،‬أسامء املرابط‪،‬‬ ‫أنه فيام يتعلق بالزواج‪ ،‬فإ ّن مصطلح (ق َّوامون) يظهر مرة واحدة يف‬ ‫القرآن‪ ،‬بينام تظهر املصطلحات األخرى عدة مرات‪ ،‬كام ىف سورة البقرة‬ ‫مثل (اإلحسان)‪ /‬اآليات ‪ ،237- 236 -231 – 230 - 229‬و(التشاور)‬ ‫و(الرتاىض)‪ /‬اآلية ‪ ،233‬و(املعروف)‪ /‬اآليات ‪233 -231 -230-229 -228‬‬ ‫‪ )236‬وكذلك اآليات التى ترد فيها عبارات (الرحمة) و(املودة)‪ /‬سورة‬‫الروم ‪ ،30:21‬كام جاء ‪ -‬أيضاً‪ -‬ىف سورة النساء اآلية ‪ 65‬واآلية ‪ 145‬اللتني‬ ‫وردت فيهام ‪-‬أيضاً‪ -‬عبارتا (ق َّوامون) و(ق َّوامني) اللتان تتحدثان عن‬ ‫التزام ك ٍُّل من الرجال والنساء املؤمنني بثبات من أجل العدالة واإلنصاف‬ ‫ىف كل املجاالت الخاصة والعامة‪.‬‬

‫الدكتورة زيبا مري‬ ‫حسيني‪ :‬هي عاملة‬ ‫أنرثوبولوجيا قانونية‬ ‫متخصصة يف الرشيعة‬ ‫اإلسالمية ودراسات‬ ‫الجندر‪ .‬وهي ناشطة‬ ‫يف مجاالت املساواة‬ ‫وباحثة مشاركة‬ ‫يف مركز الدراسات‬ ‫اإلسالمية والرشق‬ ‫أوسطية بجامعة‬ ‫لندن ‪-‬كلية الدراسات‬ ‫الرشقية واألفريقية‬ ‫(‪ .)SOAS‬وهي‬ ‫عضوة مؤسسة يف‬ ‫مجموعة (مساواة)‪،‬‬ ‫تلك الحركة العاملية‬ ‫التي تعمل من أجل‬ ‫املساواة يف قوانني‬ ‫األرسة املسلمة‪ .‬ويرتكز‬ ‫مبحث زيبا مري‬ ‫حسيني عىل الجمع ما‬ ‫بني التقاليد اإلسالمية‬ ‫وحقوق اإلنسان من‬ ‫أجل إرساء أُسس‬ ‫راسخة لقانون األرسة‬ ‫املسلمة املبني عيل‬ ‫املساواة‪.‬‬

‫فهذه الفصول‪ ،‬وغريها‪ ،‬يف الكتاب‪ ،‬تُظْ ِه ُر بوضوح‪ ،‬أنه ال ميكن الدفاع‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪23‬‬


‫عن سلطة الذكور عىل النساء عىل أساس ديني‪ .‬إنه بناء قانوين‪ ،‬وليس‬ ‫أي أساس قرآين‪ .‬إذ تتحدث العديد من اآليات عن املساواة‬ ‫لهذه السلطة ّ‬ ‫األساسية بني الرجل واملرأة يف نظر الله والعامل‪ .‬وبعبارة أخرى‪ ،‬فإ َّن‬ ‫املشكلة ليست يف النص بل مع السياق‪ ،‬ومع املعرفة‪ ،‬وطُ ُرقِ معرفة‬ ‫النص‪ ،‬وكذلك الطرق يف استخدام النص للحفاظ عىل الهياكل األبوية‬ ‫واالستبدادية‪.‬‬ ‫منظور نسوي نقدي و أسئلة جديدة ‪:‬‬

‫تزال الـقوامة هي أساس العالقات بني الجنسني يف خيال فقهاء العرص‬ ‫الحديث وىف خيال غالبية املسلمني الذين يقاومون ويُ ِديْ ُنو َن فكرة‬ ‫املساواة يف الزواج باعتبارها غريبة عىل اإلسالم؟ وكيف وما هي العمليات‬ ‫واإلجراءات الفقهية التي ت َّم عن طريقها تحويل قوامة وسلطة الرجال‬ ‫ايل قوانني؟ وما الذي تستتبعه وصاية الذكور‪ ،‬املستمدة من مفاهيم‬ ‫الـ(قوامة) و(الوالية) عىل مستوى املامرسة الحياتية؟ وكيف ميكن للمرأة‬ ‫املسلمة إعادة التفكري يف هذه املفاهيم‪ ،‬وإعادة بنائها بطريقة تعكس‬ ‫مفاهيم العدالة لدينا؟‬

‫إ َّن البحث عن إجابات لهذه األسئلة يأخذنا إىل آفاق خارج اُطُ ِر‬ ‫مسعى لمعالجة الفجوة في‬ ‫كتاب ( القوامة في التراث اإلسالمي )هو‬ ‫ً‬ ‫المناقشات الجارية حول إصالحات قانون األسرة‪ ،‬والمنهج المتبع نحو التقاليد القانونية اإلسالمية‪ ،‬إىل قانون حقوق اإلنسان‪ ،‬والنظرية‬ ‫القانونية النسوية‪ ،‬وتجارب إصالح قانون األرسة يف تقاليد قانونية أخرى‪.‬‬ ‫توفير فرص العدالة وحقوق المرأة في السياقات اإلسالمية‪.‬‬ ‫إ َّن حقائق الواقع املعاش اليوم تكشف بوضوح عن األعداد املهولة من‬ ‫ومن ناحية أُخرى‪ ،‬فإ َّن الغالبية العظمى من علامء الدين اإلسالمي‪ ،‬النساء الاليت يلعنب أدوارا ً مركزية يف حامية أرسهن والزود عنها وكفالتها‪.‬‬ ‫مصابون بـ(العمي الجندري)؛ فهم يجهلون النظريات النسوية‪ ،‬وغري وتساعدنا هذه الرحلة عىل الكشف عن الروابط الحميمة بني النظام‬ ‫مدركني ألهمية املنظور الجندري ضمن آليات التحليل‪ .‬ومن ناحية األبوي واالستبداد وعىل كيفية فصل السلطة األبوية عن النص املقدس‪.‬‬ ‫أخرى‪ ،‬تعتقد العديد من تيارات حقوق املرأة يف السياقات اإلسالمية‪،‬‬ ‫إ َّن التقسيامت األيديولوجية مثل النسوية (العلامنية) أو (الدينية)‪ ،‬أو‬ ‫أ َّن التداخل ومناقشة حقوق النساء من منظور إسالمي ت ُ ْح ِدثُ نتائج‬ ‫عكسية ويؤكدون أنه البُ َّد من الرتكيز فقط عىل استخدام أطر حقوق (اإلسالم) مقابل (حقوق اإلنسان)‪ ،‬هي تقسيامت زائفة وتعسفية‪ .‬ومع‬ ‫اإلنسان‪ .‬وقد ت َ َج َّنبَ ْت تلك التيارات منذ فرتة طويلة التعامل مع التقاليد ذلك‪ ،‬فإنها ت ُْستَ ْخ َد ُم عادة بصدد التمويه عن املعركة الحقيقية‪ ،‬التي‬ ‫القانونية اإلسالمية أو الحجج الدينية أو مناقشتها أو االشتباك معها‪ .‬هي بني قوى االستبداد وقوى الدميقراطية‪ ،‬والتي ما يزال كفاح النساء‬ ‫وهذه النوعية من التيارات النسوية متيل إىل تجاهل اإلرث الثقايف املسلامت من أجل املساواة والكرامة رهيناً لهاتني ال ُق َّوتني ‪.‬‬ ‫للمجتمع‪.‬‬ ‫ويستلزم الكشف عن هذه الحقيقة عمليتني مرتابطتني ومتزامنتني‬ ‫إ َّن النسوية‪ ،‬باإلضافة إىل كونها وعياً‪ ،‬فهي مرشوع معريف‪ ،‬مبعنى أنه وهام‪ :‬استعادة واسرتداد أخالقيات العدالة اإلنسانية وروح املساواة يف‬ ‫يحثنا عىل دراسة كيف نعرف ما نعرفه عن املرأة والعالئق الجندرية يف نصوص اإلسالم امل ُ َق َّد َسة‪ ،‬وفك رموز العالقة والكشف عن عملية إنتاج‬ ‫جميع فروع املعرفة‪ ،‬مبا يف ذلك املعارف الدينية‪ .‬وهذا ال يُ َسلِّ ُط الضوء املعرفة من ناحي ٍة‪ ،‬ودور ومامرسات السلطة من ناحية أخرى‪ .‬وعندها‬ ‫فقط عىل القوانني واملامرسات التي تأخذ مرشوعيتها من الدين‪ ،‬بل إ َّن فقط ميكننا أن نطمح إىل تغيري حقيقي وذي مغزى ميكن أن يغري البنى‬ ‫َّلت حقائقنا الدينية والثقافية والسياسية‪.‬‬ ‫ذلك يتيح لنا الفرصة لتحدى النظام األبوي من الداخل‪ ،‬ذلك النظام العميقة التي شك ْ‬ ‫الذي أُضْ ِف َي عليه الطابع املؤسيس يف التقاليد القانونية اإلسالمية‪.‬‬ ‫ومن األهداف الرئيسة للكتاب‪ ،‬تقديم رؤى من النظرية النسوية‬ ‫ودراسات الجندر يف املناقشات حول قانون األرسة املسلمة‪ ،‬وطرح أسئلة‬ ‫جديدة‪ .‬ملاذا وكيف أ َّن اآلية ‪ 34‬من سورة النساء‪ ،‬وليس اآليات األخرى‬ ‫يف القرآن الكريم‪ ،‬أصبحت هي األساس للبناء القانوين للزواج؟ وملاذا ال‬

‫‪24‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬

‫بقلم‪ :‬زيبا مير حسينى‬

‫من االنجليزية‪ :‬فيصل الباقر‬


‫مساواة‬

‫النساء المفتيات‬

‫حول إعادة تأسيس سلطة النساء التشريعية المفقودة‬ ‫مريم كُنكلير‪ ،‬وإيفا نيسا‬

‫مريم كُنكلري‪ ،‬وإيفا نيسا‪ ،‬هام باحثتان لديهام خربة عقود يف التقاليد اإلسالمية و(الجندر)‪ ،‬وقد قامتا بتحليل نتائج املؤمتر األ َّول للعاملات املسلامت‪ ،‬الذي ُع ِقدَ يف‬ ‫إندونيسيا يف أبريل ‪ .2017‬كام قامتا بدراسة هذا الحدث التاريخي واختباره‪ ،‬استناداً عىل األوراق املقدَّ مة‪ ،‬واملقابالت التي أجريناها مع النساء الباحثات والحضور من‬ ‫الرجال الباحثني‪.‬‬ ‫الدكتورة مريم‬ ‫كُنكلري‪ :‬هي زميلة‬ ‫أبحاث يف الكلية‬ ‫السويدية للدراسات‬ ‫املتقدمة ومؤلفة‬ ‫كتاب (الدميقراطية‬ ‫واإلسالم يف‬ ‫إندونيسيا)‪ ،‬مطبعة‬ ‫جامعة كولومبيا‪،‬‬ ‫‪ .2013‬وقد نرشت‬ ‫مؤخرا ً عددا ً خاصاً من‬ ‫املجلة حول السلطة‬ ‫اإلسالمية للمرأة يف‬ ‫جنوب رشق آسيا‪،‬‬ ‫يف مجلة الدراسات‬ ‫اآلسيوية ‪/4 ، 40‬‬ ‫ديسمرب ‪.2016‬‬

‫ثالثة نساء عالمات‪ .‬الدكتورة علية نجيب ‪،‬نينغ يناس تسوريبا و ناي عماداتول بارورو‬

‫هل ميكن للنساء االنخراط يف العلوم الدينية وتفسري املصادر علمياً يؤ ِّهلهن لالنخراط يف هذا املجال‪ .٣‬ويف حالة وجود نساء دارسات‬ ‫حص يف قضايا املرأة واألرسة‪،‬‬ ‫اإلسالمية؟ هذا السؤال قد تكون له إجابة مختلفة إذا طُر َِح عىل رجل فإ َّن معرفتهن والتشاور معهن غالباً ما يُ َ ُ‬ ‫مسلم من دمشق يف القرن الثاين عرش‪ ،‬ففي ذلك الحني كانت النساء وتربية األطفال‪ ،‬وواجبات الزوجة تجاه زوجها‪ ،‬والنظافة الصحية‪.‬‬ ‫يعملن معلّامت‪ ،1‬وكانت آراء النساء الفقيهات‪ ،٢‬يف مسائل الرشيعة‬ ‫اإلسالمية تحمل وزناً‪ ،‬باملقارنة مع وزن تلك اآلراء التي تصدر عن الفقهاء‬ ‫يف السنوات األخرية‪ ،‬بدأ العديد من املسلمني يف مناطق كثرية من‬ ‫من الذكور‪.‬‬ ‫العامل‪ ،‬يف معالجة هذا االختالل يف التوازن الجندري يف مجاالت الخربة‬ ‫الفقهية اإلسالمية يف الهند‪ ،‬وتركيا‪ ،‬واملغرب‪ ،‬و ُو ِض َعت برامج لتدريب‬ ‫أي رجل أو امرأة مسلمة‪ :‬النساء ك ُمفتيات ميكنهن إصدار فتاوى أو وجهات نظر قانونية مبنية عىل‬ ‫ومع ذلك‪ ،‬إذا طُر َِح نفس السؤال اليوم عىل ِّ‬ ‫أي من الشؤون املتعلقة بالدين؟ فإ ّن التقاليد اإلسالمية‪ .‬وقد بدأت ماليزيا‪ ٤‬والسلطة الفلسطينية‪ ٥‬يف تعيني‬ ‫هل سبق أن استفتيت امرأة حول ٍّ‬ ‫اإلجابة من داكار إىل دكا‪ ،‬ومن رساييفو إىل كيب تاون‪ ،‬حتام ستكون‪ :‬قاضيات يف املحاكم الرشعية‪.‬‬ ‫"ال"‪.‬‬ ‫وىف ات ِّجا ٍه مامثل‪ ،‬تضافرت مؤخرا ً جهود منظامت إندونيسية‪ ،‬لعقد‬ ‫وال يُطل َُب وال يُتَ َوقَّ ُع من النساء االنخراط بعمق يف الدراسات العقائدية أ ّول مؤمتر يف العامل اإلسالمي خاص بالعاملات اإلسالميات‪ ،٦‬وقد أُ ِقي َم هذا‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬وغالباً ما يكون ذلك‪ ،‬بسبب عدم وجود نساء ُمتَ َد ِّربَات تدريباً الحدث التاريخي‪ ،‬يف أواخر شهر أبريل يف سرييبون يف جاوة الغربية‪.‬‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪25‬‬


‫حيث هدف هذا املؤمتر إىل محاولة إعادة تأسيس السلطة الفقهية عىل اإلسالمية‪ ،‬هدف املؤمتر يف إندونيسيا‪ ،‬إىل زيادة الوعي بالتطورات‬ ‫الدكتورة إيفا نيسا‪:‬‬ ‫أسس املساواة الجندرية من أجل إرساء تقاليد إسالمية حساسة تجاه الرائدة‪ ،‬وتعزيز املبادرات املحلية‪ ،‬بغرض دعم دخول النساء ملجال‬ ‫املعارف اإلسالمية‪ .‬واألهم من ذلك‪ ،‬فقد أظهر املؤمتر أنه ليس النساء‬ ‫النساء والرجال يف املجتمع‪.‬‬ ‫هي محارضة يف‬ ‫فقط ُه ّن اللوايت يدعمن هذا النضال‪ ،‬ولكن‪ ،‬كان هناك أيضاً عدد من‬ ‫الدراسات الدينية‬ ‫وقد َع َّر َف املؤمتر مفهوم السلطة الفقهية للمرأة‪ ،‬من خالل الحق يف العلامء الرجال‪.‬‬ ‫بجامعة فيكتوريا يف‬ ‫ويلينغتون‪ ،‬نيوزيلندا‪ .‬تفسري املصادر اإلسالمية‪ ،‬وإمامة الصالة‪ ،‬وتالوة القرآن‪ ،‬وتقديم خطبة‬ ‫وقد كشف املؤمتر عن أ َّن املداوالت التي تتم حول صياغة الفتاوى‬ ‫الجمعة‪ ،‬وإصدار الفتاوى وفق الحيثيات املعرفية العقائدية وظروف‬ ‫وهي حاصلة عىل‬ ‫املكان والزمان الحاليني‪ .‬رغم أ َّن الفتاوى هي توصيات وتوجيهات وفق هي يف مجملها مداوالت تتم بني الرجال فقط‪ ،‬حيث ال ت ُد َعى النساء إىل‬ ‫درجة البكالوريوس‬ ‫مرجعيات معرفية متعلقة بالقرآن والسنة وجهد الفقهاء وإجامعهم تلك املنابر حتى ولو امتلكن املعرفة‪ .‬حيث ارتبطت الفتاوى يف العديد‬ ‫من جامعة األزهر‬ ‫ليست ُمل ِز َمة‪ ،‬ولكنها يف الوقت نفسه تحمل وزناً كبريا ً‪ ،‬اعتامدا ً عىل من الدول اإلسالمية بالعلامء من الرجال‪ .‬ورغم أ َّن إندونيسيا لديها تقليد‬ ‫بالقاهرة ودرجة‬ ‫الدكتوراه من الجامعة السلطة املعنوية لل ُم ِ‬ ‫صدر‪ .‬ويف بعض البلدان اإلسالمية‪ ،‬يضع صانعو طويل يف الفتاوى‪ ١٠‬الصادرة عن املؤسسات اإلسالمية‪ ،‬املعروفة باسم‬ ‫السياسات فتاوى املؤسسات اإلسالمية الرائدة يف الحسبان‪ ،٧‬عند القيام (مفوضيات الفتوى)‪ ،‬فإ َّن تلك املؤسسة تضم سبع نساء فقط من بني‬ ‫الوطنية األسرتالية‪.‬‬ ‫تركز بحثها عىل النساء باإلصالحات املتعلقة بقوانني املساواة الجندرية واملرياث وقوانني األرسة ‪ 67‬عضوا ً يف هيئة الفتوى التابعة ملجلس العلامء يف إندونيسيا (‪)MUI‬‬ ‫يف الحركات اإلسالمية والعامالت‪ .‬لذا فأ َّن وجود نساء مفتيات يُعتَ َ ُب أمرا ً يف غاية األهمية يف ‪ -‬وهي منظمة إسالمية بارزة‪ ،‬أنشأتها الحكومة يف السبعينيات‪ ،‬وقد‬ ‫أصبحت صوتاً بارزا ً يف العملية الترشيعية يف إندونيسيا‪.‬‬ ‫إكساب النساء وضعية ومرشوعية يف مجاالت املعارف الدينية‪.‬‬ ‫وأنواع الزواج‬ ‫والطالق اإلسالمي يف‬ ‫وخالل المؤتمر أصدرت النساء العالمات‬ ‫والطريقة الثانية التي ميكن للنساء من خاللها اكتساب سلطة معرفية‬ ‫إندونيسيا‪.‬‬ ‫د ذاته‬ ‫يف الدراسات اإلسالمية والعقيدة هي السلطة القضائية والعمل كقاضيات‬ ‫اإلسالميات ثالث فتاوى‪ .١١‬وكان هذا في َح ِّ‬ ‫حدثاً تاريخياً‪ ،‬حيث أ َّ‬ ‫ن إصدار الفتوى َظ َّل فترة طويلة‬ ‫يف املحاكم الرشعية‪ ،‬حيث يتطلب هذا األمر انخراط النساء يف دراسة‬ ‫ً‬ ‫حِ كرا على رجال الدين وحدهم‪.‬‬ ‫القانون‪ ،‬والتخصص يف التقاليد واملعارف اإلسالمية‪.‬‬ ‫ففي إندونيسيا‪ ،‬عىل سبيل املثال‪ ،‬تُطَبِّ ُق محاكم األرسة الرشيعة‬ ‫اإلسالمية عىل األغلبية املسلمة (يخضع غري املسلمني لقانون األرسة‬ ‫املدين)‪ .‬ومنذ خمسينيات القرن املايض‪ ،‬ت َّم تدريب قضاة الرشيعة‬ ‫اإلسالمية يف املعاهد اإلسالمية يف البالد‪ .‬ورغم أ َّن أعداد النساء التي ت ُقبَ ُل‬ ‫يف املعاهد اإلسالمية ال تزال أقل من أعداد الرجال بشكل ملموس‪ ،‬إال‬ ‫أ َّن إندونيسيا ت ُ َع ُّد من الدول القليلة التي َخ َّر َجت عددا ً من القاضيات‬ ‫الرشعيات العامالت يف املحاكم‪ ٨‬اإلسالمية‪.‬‬ ‫ويف عام ‪َ ،1973‬ع َّ َي السودان أيضاً قاضيات يف املحاكم الرشعية‪،‬‬ ‫ومع ذلك‪ ،‬فإ َّن األمر استغرق ‪ 35‬عاماً أخرى‪ ،‬قبل أن ت ُ َع َّ َي النساء يف‬ ‫املحاكم اإلسالمية يف بلدان أخرى‪ .‬فقد َع َّي َنت ماليزيا عام ‪ 2005‬عددا ً من‬ ‫القاضيات الرشعيات‪ ،‬و َعيَّ َنت السلطة الفلسطينية يف عام ‪ 2009‬عددا ً‬ ‫من القاضيات‪ ،‬كام َع َّي َنت إرسائيل أول امرأة قاضية يف محاكمها اإلسالمية‬ ‫قبل بضعة أشهر مضت‪.٩‬‬

‫ترتكز الفتوى األوىل عىل العنف الجنيس‪ .‬وت ُشَ ِّد ُد تلك الفتوى عىل‬ ‫أ َّن هذا النوع من العنف‪ ،‬مبا يف ذلك االغتصاب الزوجي (العنف الذي‬ ‫يقع داخل مؤسسة الزواج) محظور مبوجب الرشيعة اإلسالمية و(‬ ‫حرام)‪ .‬كام َميَّ َزت الفتوى الزنا (الخيانة الزوجية وارتكاب الفاحشة) من‬ ‫االغتصاب‪ ،‬وأكَّ َدت أ َّن الضحايا يجب أن يتلقوا الدعم النفيس والجسدي‬ ‫واالجتامعي‪ ،‬وليس العقاب‪.‬‬ ‫أ َّما الفتوى الثانية فتتعلق بزواج األطفال (الطفالت)‪ ،‬وتستنكر الفتوى‬ ‫هذه املامرسة باعتبارها مامرسة ضارة للمجتمع‪ .‬وت ُشَ ِّد ُد الفتوى عىل‬ ‫رفع سن الزواج اإلندونييس القانوين للفتيات إىل ‪ 18‬سنة‪ .‬واألهم من‬ ‫ذلك‪ ،‬ت ُ َج ِّر ُم الفتوى املأذون أو اإلمام الذي يتو َّرط يف جرمية زواج الطفالت‬ ‫واألطفال‪.‬‬

‫وأ َّما الفتوى الثالثة فرتتبط بالحفاظ عىل البيئة وتصف االنخراط‬ ‫والتسبُّب يف التدهور البيئي‪ ،‬لتحقيق املكاسب املادية باعتباره سلوكاً‬ ‫ويف مواجهة املشاركة املحدودة للمرأة يف السلطة القانونية يف الدول ُم َح َّرماً‪ ،‬وتؤكِّ ُد أ َّن الدمار البيئي والتفاوت االجتامعي أدّى يف العقود‬

‫‪26‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫مساواة‬

‫األخرية إىل تفاقم الفوارق االقتصادية وإفقار النساء واألطفال‪ .‬وتالحظ‬ ‫الفتوى كيف أ َّن الجفاف ‪-‬عىل سبيل املثال‪ -‬يضيف أعباء عىل املرأة‬ ‫الريفية املسئولة ‪-‬عادة‪ -‬عن إعدادا الطعام وجلب املياه‪.‬‬ ‫وقد استندت النساء العاملات اإلسالميات يف فتاويهن عىل مصادر‬ ‫الترشيع اإلسالمي األربعة‪ :‬القرآن الكريم‪ ،‬والحديث النبوي‪ ،‬واإلجامع‪،‬‬ ‫والقياس‪ .‬إضافة إىل الدستور يف إندونيسيا‪ .‬وقد استخدمن منهجية‬ ‫ت َُس َّمى (االستدالل غري املقيد) لتحقيق أقىص قدر من (املصلحة العامة)‬ ‫وتقليل (الرضر) للوصول إىل األحكام‪.‬‬ ‫وت ُعتَ َ ُب الفتاوى الثالث التي أُ ِ‬ ‫صد َرت خالل املؤمتر ذات أهمية كربي‪.‬‬ ‫حيث أتت كفتاوى رصينة وموضوعية وكشفت عن مقدرة النساء‬ ‫العاملات وخربتهن‪ .‬حيث أ َّن العاملات مل يحرصن أنفسه ّن يف املصادر‬ ‫الترشيعية األربعة فقط‪ ،‬ولكنهن ِس َن عىل منهج صحيح حيث استصحنب‬ ‫مبدأ التحليل التاريخي وتطور الكفاءة القانونية يف القضايا املعارصة‬ ‫املتنوعة‪.‬‬ ‫لقد أخربتنا نور روفيا‪ ،‬الخبرية يف الدراسات القرآنية والجنسانية‪ ،‬والتي‬ ‫شاركت يف املؤمتر‪ ،‬أ َّن امل ُشارِكات قد أدرجن حيثيات مستفيضة للفتاوى‬ ‫التي أصدرنها‪.‬‬ ‫وتستخدم بعض الناشطات اإلندونيسيات يف مجال حقوق املرأة‪،‬‬ ‫ولجان الفتوى اإلندونيسية‪ ،‬مصطلح "‪( "sikap keagamaan‬املبادئ‬ ‫الدينية) للتوصيات الصادرة عن عملية املداوالت امل ُ َع َّق َدة هذه‪.‬‬ ‫وبغض النظر عن امل َُس َّم َيات سوا ًء أكانت فتاوى أو مبادئ دينية‪ ،‬فإنَّه‬ ‫من األهمية مبكان العمل عىل إعادة تأسيس السلطة القانونية اإلسالمية‬ ‫املفقودة للنساء منذ أمد بعيد‪ ،‬من أجل مجتمعات إسالمية أكرث عدالة‬ ‫وتوازناً‪.‬‬

‫من المترجم‪ :‬موقع الديمقراطية المفتوحة (‪Open‬‬ ‫‪ :)Democracy‬هو منصة إعالمية عالمية مستقلة تُغَ ِّطي الشؤون‬

‫دي السلطة‬ ‫العالمية واألفكار والثقافة التي تسعى إلى تح ِّ‬ ‫وتشجيع الحوار الديمقراطي في جميع أنحاء العالم‪.‬‬

‫‪ 1‬إيرين شنايدر‪ ،‬نساء يف العامل اإلسالمي‪ ،‬النارشون‪ :‬ماركوس ويرن‪2012 ،‬‬ ‫‪ ٢‬خالد أبو الفضل‪ ،‬األدب القانوين والفقهي‪ :‬من القرن التاسع إىل القرن الخامس عرش‪ :‬موسوعة‬ ‫النساء والثقافات اإلسالمية‪ ،‬املحرر العام سعاد جوزيف‪.‬‬ ‫‪ ٣‬ديفيد كلوس‪ ،‬ومريم كنكلري‪ ،‬دراسة السلطة اإلسالمية للمرأة‪ :‬من األعىل إىل األسفل ‪ -‬مناذج‬ ‫أساليب التصديق‪ ،‬يف مجلة الدراسات اآلسيوية‪ ،‬مراجعة‪ ،‬املجلد‪ ، 2016 ، 40 .‬صفحة ‪490 -479‬‬ ‫‪ ٤‬نيك نورياين‪ ،‬ونيك بادليشاه‪ ،‬وياسمني ماديدي‪ ،‬النساء كقاضيات‪ ،‬أخوات يف اإلسالم‪2009 ،‬‬ ‫‪ ٥‬كوثر سالم‪ ،‬فلسطني‪ :‬أول قاضيات مسلامت تم تعيينهن يف فلسطني‪ ،‬نساء يعشن يف ظل قوانني‬ ‫إسالمية‪ 18 ،‬فرباير ‪ -/‬شباط ‪http://www.wluml.org/node/5082 .2009‬‬ ‫‪ ٦‬أُنظر‪/‬ى املوقع اإللكرتوين للمؤمتر‪https://kupi-cirebon.net :‬‬ ‫‪ ٧‬مريم كنكلري وروجا فاضيل‪ ،‬حياة مجتهدتني‪ :‬الهيئة الدينية لإلناث يف القرن العرشين يف إيران‪،‬‬ ‫‪ 12‬يوليو ‪ /‬متوز ‪ ، 2010‬متاح يف ‪SSRN http://dx.doi.org/10.2139/ssrn.1884209‬‬ ‫أو ‪http://dx.doi.org/10.2139/ssrn.1884209‬‬ ‫‪ ٨‬أويس نورالواطى‪ ،‬وأرسكال سامل‪ ،‬جندرة القضاء اإلسالمى‪ :‬القاضيات يف املحاكم الدينية يف‬ ‫إندونيسيا‪ /‬مجلة الدراسات اإلسالمية‪ ،‬املجلد‪ ، 51 .‬العدد ‪2013 ، 2‬‬ ‫‪ ٩‬سارة جاكوبس‪ ،‬ملاذا حاول وفشل اليهود األرثوذكس ىف عزل أ ّول قاضية يف محكمة الرشيعة‬ ‫األوىل يف إرسائيل‪ ،‬هآرتس‪ 27 ،‬أبريل ‪ /‬نيسان ‪2017‬‬ ‫‪https://www.haaretz.com/opinion/1.785991‬‬ ‫‪ ١٠‬نيكو ج ‪.‬ج كابتني‪ ،‬صوت العلامء ‪ :‬الفتاوى والسلطة الدينية ىف أندونيسيا – ‪ -11‬ىف إرشيف‬ ‫(دى سينس سوشيل) – العدد ‪ 125‬يناير‪ -‬مارس ‪ – 2004‬صفحة ‪130 -115‬‬ ‫‪ ١١‬متاح يف‪/http://kupi-cirebon.net/musyawarh-keagamaan :‬‬

‫بقلم‪ :‬مريم كُنكلير‪ ،‬وإيفا نيسا‬ ‫من االنجليزية‪ :‬فيصل الباقر‬

‫هذه النسخة هى تعديل للمقالة األصلية التي ظهرت ألول مرة عىل موقع (الدميقراطية‬ ‫املفتوحة) ‪.Open Democracy‬‬

‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪27‬‬


‫تحت سطوة قوانين الرجال‬

‫نظرة عن قرب لقانون األحوال الشخصية في أرض الصومال‬ ‫جوليد أحمد جامع‬

‫يُ َحل ُِّل جوليد أحمد جامع ‪-‬املدافع عن حقوق اإلنسان واملحامي من هرجيسا‪ -‬كيف وملاذا يفشل النظام القانوين يف جمهوية أرض الصومال (صوماليالند) يف حامية حقوق‬ ‫املرأة والتمسك بها؟ واستناداً إىل مقابالت أُج ِريَ ْت مع خرباء قانونيني ونساء ُمدِّ عيات و ُمدّ ًعى عليهن‪ ،‬يكشف عن العديد من الحواجز التي تعرقل وصول النساء إىل العدالة‬ ‫يف أرض الصومال‪ ،‬وهي بلد ومنطقة تقع بني وعود الحداثة‪ ،‬والتقاليد القامئة عىل العادات النابعة من اإلرث العشائري‪.‬‬

‫الكاتب‪ :‬جوليد أحمد‬ ‫جامع‪ ،‬هو محامٍ‬ ‫وناشط يف مجاالت‬ ‫حقوق اإلنسان‪،‬‬ ‫ومؤسس ملركز حقوق‬ ‫اإلنسان (‪،)HRC‬‬ ‫وهو منظمة ملراقبة‬ ‫حقوق اإلنسان يف‬ ‫أرض الصومال‪.‬‬

‫‪28‬‬

‫بعد ثالثني عاماً من االستقالل‪ ،‬انهار الصومال يف عام ‪ 1991‬عندما وصول النساء إىل العدالة‪.‬‬ ‫اجتاحت الحرب األهلية البالد‪ ،‬وأجرب النظام العسكري الرئيس سياد‬ ‫حينام ُي ِل الرجال القانون‬ ‫التخل عن السلطة‪ .١‬وقد لعبت الحركة الوطنية الصومالية‬ ‫ِّ‬ ‫بري عىل‬ ‫(‪- ،)SNM‬ذات الدعم الرئييس من عشرية إسحاق‪ -‬يف املناطق الشاملية‬ ‫إ َّن القانون العريف الصومايل غري امل ُ َد َّون والقوي (كرس)‪ ،‬هو من صنع‬ ‫دورا ً مركزياً يف اإلطاحة بنظام ُحكم سياد برى‪ .‬ويف مايو ‪ 1991‬تَ َ َّك َنت‬ ‫الحركة الوطنية الصومالية من السيطرة عىل املناطق الشاملية الغربية زعامء العشائر أو الشيوخ‪ ،‬املختارين لحكمهم املفرتض‪ ،‬وشجاعتهم‪،‬‬ ‫من البالد‪ ،‬وقد انفصلت عن الصومال ‪-‬من طرف واحد‪ -‬لتُشَ ك َِّل جمهورية وخربتهم‪ ،‬ومعرفتهم‪ ،‬للتحكيم يف النزاعات وإصدار األحكام‪.‬‬ ‫أرض الصومال املستقلة‪ .٢‬وعىل الرغم من عدم حصول جمهورية أرض‬ ‫ومجلس الشيوخ‪( ،‬غوريت‪ ،)Guurti /‬املكلفني بسامع القضايا‬ ‫ُوص ُف بأنها جزيرة من‬ ‫الصومال عىل االعرتاف الدويل‪ ،‬لك ّنها غالباً ما ت َ‬ ‫السالم النسبي‪ ،‬عىل النقيض من جنوب وسط الصومال الغارقة يف عدم والبت فيها‪ ،‬هو مجلس ُم َك َّو ٌن من الرجال فقط‪ .‬وت ُ َع ُّد قراراتهم ُمل ِز َم ًة‬ ‫االستقرار والعنف‪ .‬ويف خالل أكرث من عقدين من الزمان‪ ،‬ومنذ إنشائها‪ ،‬قانونياً‪ ،‬وتضع سوابق قضائية لحاالت الحقة مامثلة‪ .‬ولذلك‪ ،‬فإ َّن كل‬ ‫قطعت أرض الصومال شوطاً طويالً نحو بناء السالم واألمن‪ ،‬وذلك من قرار صادر من مجلس الشيوخ‪ ،‬هو قانون ينتقل من جيل إىل جيل‬ ‫خالل تطويرها للمؤسسات الدميقراطية‪ ،‬وباستخدام نظام عشائري كتقليد شفوي‪ .‬وقد حاولت السلطات الربيطانية الحد من تأثري القانون‬ ‫مقارب للدميقراطية‪ .‬واعتامدا ً عىل املبادرات املحلية نجحت أرض الصومايل التقليدي (كرس)‪ ،‬خالل فرتة الحكم الربيطاين (‪،)1960-1884‬‬ ‫ٍ‬ ‫الصومال يف تحقيق االنسجام النسبي بني العشائر املتنافسة‪ ،‬ومع ذلك‪ ،‬ولكنها اختارت عدم استبدال تلك القوانني واألعراف التقليدية املحلية‪،‬‬ ‫تأس َست اإلدارة يف املدن الساحلية واملواقع‬ ‫وبالرغم من نجاحها الواضح‪ ،‬ال تزال جمهوية أرض الصومال‪ ،‬تواجه بالقوانني االستعامرية‪ .‬وقد َّ‬ ‫عددا ً من التحديات الخطرية يف مجاالت حقوق اإلنسان واملرأة‪ ،‬حيث االسرتاتيجية القريبة‪ُ ،‬معتَ ِم َد ًة و ُم َع ِّولَ ًة عىل التعاون بني شيوخ القبائل‬ ‫لتوسيع وتوطيد سلطتها عىل البالد‪ .‬وكان املقصود من الحفاظ عىل تأثري‬ ‫تكون املكاسب محدود ًة وهشَّ ًة عىل حد سواء‪.‬‬ ‫القانون الصومايل التقليدى (كرس)‪ ،‬وبالتايل‪ ،‬الحفاظ كذلك عىل دور‬ ‫وبسبب وضعها الفريد‪ ،‬فإ َّن جمهورية أرض الصومال ‪-‬التي مل تحصل شيوخ القبائل داخل العشرية ‪ ،‬مبثابة ضامن لتأمني والئهم‪.‬‬ ‫عىل اعرتاف املجتمع الدويل كدولة‪ -‬ال ميكنها تح ُّمل الواجبات أو حقوق‬ ‫واليوم‪ ،‬يظل القانون العرفي (كسر) مصدراً رئيسياً‬ ‫املطالبة مبوجب القانون الدويل‪ .‬ووفقاً لدستورها‪ ،‬تظل أرض الصومال‬ ‫للتشريع في أرض الصومال‪ ،‬ال ِ‬ ‫سي َ​َّما‪ ،‬في المناطق‬ ‫رغم ذلك‪ُ -‬ملْ َز َم ًة باإلعالن العاملي لحقوق اإلنسان‪ ،‬وتلتزم بالعمل مبا‬‫الريفية والنائية‪ ،‬حيث يكون وجود الحكومة نادراً‪.‬‬ ‫يتفق مع (ميثاق األمم املتحدة والقانون الدويل)‪ .‬ولكن‪ ،‬يبقى هذا‬ ‫م على‬ ‫التع ُّهد –ولألسف‪ -‬ال يُث ِم ُر إال قليالً؛ وذلك أل َّن أرض الصومال تخفق‬ ‫وي ُعت َ​َب ُر انتشار هذا القانون ذا تأثير ٍ ُم ِه ٍّ‬ ‫عملياً يف جعل قوانينها متامشية مع املعايري الدولية لحقوق اإلنسان‪.‬‬ ‫وصول المرأة إلى العدالة‪ ،‬حيث يسمح القانون‬ ‫العرفي لقادة العشائر بالتالعب بالقواعد‪.‬‬ ‫وعىل غرار بلدان أفريقيا جنوب الصحراء األخرى‪ ،‬يتألف اإلطار القانوين‬ ‫لجمهورية أرض الصومال من ثالثة أنظمة قانونية متباينة ولكنها‬ ‫والتأثري عىل (الديناميكيات) الداخلية لعشائرهم‪ .‬وغالباً ما يُنظَ ُر إىل‬ ‫متداخلة‪ ،‬وهي‪ :‬القانون العريف‪ ،‬والقانون الترشيعي‪ ،‬وقانون الرشيعة‪.‬‬ ‫ويُ َس ِ‬ ‫يط ُر هذا النظام القانوين امل ُ َه َّجن واملتضارب‪ ،‬والذي يهيمن عليه شواغل واحتياجات املرأة‪ ،‬عىل أنها ثانوية وتخضع ملصالح الرجل‪ .‬ويف‬ ‫الرجال تقليدياً‪ ،‬ويلعب دورا ً حاسامً‪ ،‬يف إدامة التمييز ضد املرأة وعرقلة أرض الصومال املعارصة ‪-‬حيث يُف ِّو ُض الدستور الربملان لوضع القوانني‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫مساواة‬

‫الرسم‪ :‬جالل يوسف السودان‬

‫نيابة عن املجتمع‪ -‬يظل الرجال أيضاً يف موقع السيطرة‪ ،‬حيث يضم‬ ‫الربملان امل ُ َك َّو ُن من مجلسني مؤلفني من مجلس الشيوخ ومجلس النواب‪،‬‬ ‫سيدة واحدة فقط من بني الـ(‪ )164‬عضوا ً‪.‬‬ ‫حني يفرض الرجال القانون‬ ‫متتد هيمنة الذكور إىل جميع فروع إنفاذ القانون‪ .‬وتتألف املؤسسات‬ ‫الرسمية‪ ،‬مثل الرشطة والقضاء‪ ،‬من الرجال الذين تتأثر قراراتهم‬ ‫أصلَة‪ .‬ولذلك‪ ،‬فإ ّن معظم‬ ‫وأفعالهم بشكل كبري بنامذج منطية جنسانية ُمتَ ِّ‬ ‫النساء الناجيات من العنف الجنيس والعنف القائم عىل نوع الجنس‬ ‫يُردَعن عن توجيه االتهامات بسبب الخوف من الوصمة والتمييز؛ فعند‬ ‫دخول مركز للرشطة‪ ،‬يطلب ال ُح َّراس ‪-‬وهم رجال– من الناس تحديد‬ ‫سبب زيارتهم‪ ،‬وغالباً ما يكون هذا السؤال كافياً لتثبيط ضحايا العنف‬ ‫الجنيس من التامس االنتصاف‪.‬‬ ‫كما ال يتم اإلبالغ عن اإلساءة الزوجية‪ ،‬سواءً أكانت‬ ‫لفظية أو جنسية‪ ،‬وعلى الرغم من تجريمه في قانون‬ ‫العقوبات‪ ،‬ففى معظم الحاالت‪ ،‬ال يتم التعامل مع‬ ‫العنف المنزلي‪ ،‬كجريمة من قِ بل الشرطة أو مكتب‬ ‫ُ‬ ‫المد َّعى العام‪ ،‬حيث تعتبر السلطات العنف المنزلي‬ ‫‪-‬عملياً‪ -‬إجراءً ُم َبر َ​َّراً يقع خارج نطاق اختصاصها‪.‬‬

‫كانت الزهراء‪- ٤‬وهي أم لستة أطفال‪ -‬قد رفعت دعوى عىل زوجها‪،‬‬ ‫للحصول عىل إعالة الطفل يف أبريل‪/‬نيسان ‪ ،2016‬ولكن‪ ،‬حتى اآلن‪ ،‬ال‬ ‫تزال الدعوى قيد النظر أمام محكمة االستئناف‪ .‬وعىل الرغم من أ َّن‬ ‫أي يشء ملواصلة البقاء عىل‬ ‫النساء –يف مثل هذه األوضاع‪ -‬ليس لديهن ّ‬ ‫قيد الحياة‪ ،‬عليهن االنتظار لشهور أو سنوات‪ ،‬يف الوقت الذى يتو ّجب‬ ‫عليهن وضع (يشء ما عىل الطاولة لرعاية أطفالهن‪ .‬ويف ظل هذا الواقع‬ ‫املرير يقول أيان حسن ‪-‬وهو عامل مساعدة قانونية‪ ،‬يق ِّدم خدمات‬ ‫قانونية للنساء اللوايت ال يستطعن استئجار محامٍ ‪" : -‬إ َّن النظام القانوين‬ ‫ال يساعدهن عىل اإلطالق"‪ .‬وبتثبيط همم النساء وعدم تشجيعهن‬ ‫عىل طرق ُسبل التقاىض واملقاضاة‪ ،‬بسبب تصعيب وتطويل إجراءات‬ ‫التقاىض‪ ،‬ومنها –عىل سبيل املثال ال الحرص‪ -‬جلسات االستامع املطولة‪،‬‬ ‫تقبل النساء أحياناً الوساطة‪ ،‬أو يضطررن إىل االستسالم والتوقف عن‬ ‫متابعة قضاياهن أمام املحاكم‪.‬‬ ‫قانون األرسة مابني األعراف وتضارب ااملذاهب‬ ‫ال يوجد يف أرض الصومال (قانون أُرسة) ُمق ّنن‪ ،‬ولذلك‪ُ ،‬يألُ هذا‬ ‫الفراغ القانوين يف القضايا املتعلقة باألُرسة واألحوال الشخصية‪ ،‬من‬ ‫خالل قانون الرشيعة الذي يُط َّب ُق يف األمور العائلية‪ ،‬مبا يف ذلك الزواج‬ ‫والطالق واملرياث ودعم الطفل وحضانة األطفال‪ .‬غري أ َّن الرشيعة ليست‬ ‫مكتوبة‪ ،‬وتتنافس عدة مدارس فكرية‪/‬مذهبية (املذاهب ) لفرض‬ ‫قواعدها‪ .٥‬ومبا أ ّن املذهب الشافعي هو املذهب الرسمي للفقه يف‬ ‫أرض الصومال‪ ،‬تاريخيّاً‪ ،‬لكننا مع ذلك‪ ،‬نجد أ َّن التأثري الوهايب املتنامي‬ ‫قد ع َّد َل املشهد الديني يف البالد‪ .٦‬وعالوة عىل ذلك‪ ،‬ومع عدم وجود‬ ‫مبادئ توجيهية مكتوبة أو واضحة‪ُ ،‬ي َن ُح القضاة سلطة تقديرية لتطبيق‬ ‫الفقه والتفسريات (تفسريات القرآن) التي يختارونها‪ .‬وقال محمد أحمد‬ ‫أبو قور‪ ،‬املحامي البارز الذي يقود وحدة املساعدة القانونية بجامعة‬ ‫هرجيسا‪" :‬يُط ِّب ُق نفس القايض املذاهب املختلفة لحاالت ذات طبيعة‬ ‫مامثلة"‪ .‬وأضاف‪" :‬لذلك‪ ،‬ال ميكنك التنبؤ بالحكم يف قضيّة ما ُمتَ َعلِّقَة‬ ‫بشؤون األُرسة"‪ .‬ويف غياب قانون األرسة املكتوب‪ ،‬ترتك مجاالت الغموض‬ ‫تعسفية‪ ،‬كثريا ً ما تُتَّ َخ ُذ عىل حساب حقوق‬ ‫والثغرات حيِّزا ً التخاذ قرارات ُّ‬ ‫املرأة‪.‬‬

‫كام أ َّن معظم الضحايا اللوايت يتعرضن للرضب املربح عىل أيدي‬ ‫أزواجهن‪ ،‬ال يتلقني حتى العالج الطبي‪ .‬إ َّن حالة عائشة ‪-‬وهي أم تبلغ‬ ‫من العمر ‪ 30‬عاماً‪ -‬ت ُ َج ِّس ُد التحديات التي تواجهها النساء امل ُع ّنفات‬ ‫‪٣‬‬ ‫جنسياً وجسديّاً‪ ،‬فبعد تع ُّر ِضها للرضب من قبل زوجها‪ ،‬تق َّد َمت عائشة‬ ‫بشكوى ومثلت أمام املحكمة بوجه عليه آثار الكدمات وبأسنان‬ ‫مفقودة‪ ،‬ومع ذلك‪ُ ،‬ر ِفضَ ْت شكواها ‪-‬بدون أساس‪ -‬وفقاً ملحاميها‪ .‬ومن‬ ‫املؤكّد أ َّن قضيتها‪ ،‬لألسف‪ ،‬ليست معزولة‪ ،‬وال فريدة من نوعها‪ .‬ولذلك‪،‬‬ ‫ُجب النساء عىل البقاء يف بيت‬ ‫ويف مواجهة عدم وجود بديل‪ ،‬غالباً ما ت َ ُ‬ ‫الزوجية مع األزواج املسيئني‪ .‬وباإلضافة إىل الطابع التمييزي للنظام‬ ‫القانوين‪ ،‬فإ َّن اإلجراءات القضائية املُطَ َّولَة‪ ،‬تعوق بشكل كبري وصول‬ ‫املرأة‪/‬النساء إىل العدالة‪ .‬إذ من املمكن أن تستغرق يف املحاكم قضية‬ ‫فالتداخالت بني القانون العريف التقليدي (كرس)‪ ،‬والقانون الرسمي‬ ‫عائلية بسيطة‪ ،‬مثل نزاع دعم الطفل من سنة إىل ثالث سنوات‪ ،‬قبل أن‬ ‫املدين‪ ،‬وقوانني الرشيعة املتباينة‪ ،‬شائعة أيضاً يف أرض الصومال‪ .‬ويتدخَّل‬ ‫تتم تسويتها نهائياً‪.‬‬

‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪29‬‬


‫قادة العشائر بشكل منتظم لحل القضايا خارج نظام املحاكم‪ .‬وعموماً‪ ،‬واملحافظون بشدة إدراج النساء يف املحاكم‪ ،‬األمر الذي قد يزعج الوضع‬ ‫ففي الحاالت العملية املعتادة لحل النزاع‪ ،‬ال ت ُشار ُِك الضحايا من اإلناث‪ ،‬الراهن‪ .‬وعىل الرغم من وجود نساء يف وظائف امل َّدعني العامني واملحامني‬ ‫يف االجتامعات‪ ،‬حيث يُنا ِق ُش الشيوخ النزاع‪ ،‬ويوافقون عىل التسوية‪ .‬والكتبة‪ ،‬فإ َّن اللجنة القضائية ال ترغب يف تعيني قاضيات‪.‬‬ ‫ويتم متثيل النساء من ِقبل األقارب الذكور‪ .‬وقال أيان حسن من الوحدة‬ ‫ويف عام ‪ ،2011‬دعم برنامج األمم املتحدة اإلمنايئ (‪ )UNDP‬برنامجاً‬ ‫القانونية بجامعة هرجيسا‪" :‬ليس من املهم أن تقبل املرأة [التسوية] أو‬ ‫ال"‪ .‬وباإلضافة إىل ذلك‪ ،‬ال يفرض القانون العريف العقوبات عىل الجاىن‪ ،‬تدريبياً قضائياً لخريجي الحقوق‪.‬‬ ‫إذ يتم حل النزاعات من خالل دفع تعويضات مالية للعشرية ‪ .‬لذلك‪،‬‬ ‫فت ّم تعيني املتدربني الذكور قضاة‪ ،‬فيام ُح ِر َمت املتد ِّربات من الفرص‬ ‫وبغض النظر عن مدى فرض الغرامة املفروضة عىل عشريته‪ ،‬يفلت‬ ‫الجاين من العقاب‪ ،‬وال يتلقَّى الضحية التعويض مبارشة‪ .‬كام أ ّن القضاة نفسها‪ ،‬وتم تعيينهن مسجالت (كتبة)‪ ،‬بال ُرغم من عدم وجود متييز ضد‬ ‫أنفسهم يف بعض األحيان يطلبون ‪-‬رصاحة‪ -‬تدخُّل كبار السن ‪-‬أي شيوخ النساء‪ ،‬يف الدستور‪ ،‬وال يف قانون التنظيم القضايئ‪ .‬ومع كل ذلك‪ ،‬فإ َّن‬ ‫العشائر‪ -‬يف فض نزاعات القضايا العائلية‪ ،‬عىل سبيل املثال‪ ،‬غالباً ما قرار اللجنة القضائية بعدم تعيني املحاميات املؤهالت وامل ُ َد َّربات قضاة‬ ‫يطلب القضاة من األعضاء الذكور من الطرفني حل النزاع من خالل ( قاضيات) لهو انعكاس واضح لثقافة التمييز الراسخة داخل مؤسسات‬ ‫التوصل إىل اتفاق‪ ،‬تقوم املحكمة بعد ذلك بالتصديق جمهورية أرض الصومال‪.‬‬ ‫الوساطة‪ ،‬وإذا تم ُّ‬ ‫عىل القرار وإصدار مرسوم إلنفاذه‪.‬‬ ‫خامتة‬ ‫حني يُقَا ِو ُم الرجال التغيري‬ ‫إ َّن النظام القانوين يف أرض الصومال‪ ،‬كام تم تصميمه وتنفيذه يف‬ ‫روى معظم املحامني الذين متت مقابلتهم‪ ،‬أ َّن الرجال يُفَضِّ لُون دامئاً الوقت الراهن‪ ،‬يهدف إىل إسكات النساء اللوايت غالباً ما تكون مصالحهن‬ ‫رجاالً آخرين يف اإلجراءات القانونية‪ ،‬وينحازون لهم‪ .‬وكمثال لذلك‪ ،‬خاضعة ألوليائهن من الرجال‪.‬‬ ‫قالت يل محامية‪" :‬إذا وصلت الزوجة متأخرة بضع دقائق إىل املحكمة‪،‬‬ ‫وهذا املسلك يديم نظاماً قدمياً ال يعكس الديناميكيات االجتامعية‬ ‫عن املوعد امل ُ َح َّدد للجلسة‪ ،‬ينزعج القايض‪ ،‬وقد يُ ِبدي استياءه من ذلك‬ ‫التأخري‪ ،‬ويتخذ إجرا ًء تأديبياً ض ّدها‪ ،‬بينام يتم التغايض عن تأخُّر الزوج‪ ،‬االقتصادية الحالية‪ ،‬والواقع املعاش للمرأة يف أرض الصومال‪ .‬ويساهم‬ ‫االنقسام الضبايب بني الواليات القضائية الثالث‪ :‬القانون املدين‪ ،‬والقانون‬ ‫مؤش عىل أ ّن األزواج‪ ،‬ال يُ َعا َملُون بالقدر نفسه"‪.‬‬ ‫وهذا ّ‬ ‫العريف التقليدي (كرس)‪ ،‬والرشيعة‪ ،‬يف خلق ومتكني ثقافة اإلفالت من‬ ‫وأضافت تلك املحامية‪" :‬غالباً ما يُفرتَ ُض أ َّن النساء اللوايت يشتكني العقاب‪ ،‬حيث يكون لشيوخ العشائر‪-‬عادة‪ -‬الكلمة األخرية يف كل نظام‪.‬‬ ‫أزواجهن ُه َّن عىل خطأ"‪ .‬وهذا ت َ َح ُّي ٌز واضح‪ ،‬ويظهر ‪-‬بوضوح أكرث‬ ‫وقد أصبح الوضع أكرث تعقيدا ً‪ ،‬من خالل ازدياد النفوذ املتنامي‬ ‫وبشكل خاص‪ -‬يف حاالت الطالق‪ .‬وقالت فردوس آدم‪ ،‬املحامية يف‬ ‫هرجيسا‪" :‬يكفي أن يقول الرجل للمحكمة‪ :‬أريد زوجتي‪ ،‬لرفض طلب للوهابية واإلسالم املُتَشَ ِّدد يف أرض الصومال‪ .‬ويتطلّب تحسني وصول‬ ‫ألي امرأة أن تُطَل َِّق زوجها‪ ،‬إذا مل يوافق هو املرأة إىل العدالة القضاء عىل اآلليات الهيكلية واملؤسسية والتقليدية‬ ‫الزوجة بالطالق"‪ .‬و"ال ميكن ِّ‬ ‫عىل ذلك"‪ ،‬وقد أكّد ذلك أبو قور بقوله‪" :‬عىل النقيض متاماً‪ ،‬فإنّه من التي ت ُ َك ِّر ُس التمييز ضد املرأة‪ ،‬وعدم مساواتها يف مجتمع أرض الصومال‪.‬‬ ‫السهولة مبكان عىل الرجال رفض النساء‪ ،‬واملعروف تقليدياً‪ ،‬ال يحتاج ونختم بالقول‪ :‬إ َّن العمل الدؤوب للمحامني امللتزمني هو أول رشط‪،‬‬ ‫(أنت طالق) أو (أنا أُطَلِّق ُِك) أو أي بيان ولكنه غري ٍ‬ ‫الرجال ألكرث من النطق‪ ،‬بعبارة ِ‬ ‫كاف‪ ،‬لتحقيق العدالة للجميع‪.‬‬ ‫آخر مامثل للطالق ليكون ف َّعاالً"‪.‬‬ ‫ويف سياق يتسم بظهور اإلسالم املُتَشَ ِّدد‪ ،‬يُ َعار ُِض الزعامء الدينيون‬

‫‪30‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬

‫بقلم‪ :‬جوليد أحمد جامع‬

‫من االنجليزية‪ :‬فيصل الباقر‬

‫‪ 1‬سياد ب ّرى‪ ،‬الرئيس الصومايل‬ ‫السابق ‪ ،‬حكم البالد‬ ‫دكتاتورياً من أكتوبر ‪،1969‬‬ ‫عندما قاد انقالباً عسكرياً‬ ‫ضد الحكومة املنتخبة‪،‬‬ ‫وبقي ىف الحكم حتى يناير‬ ‫‪،1991‬عندما أطيح به يف‬ ‫حرب أهلية دامية‪.‬‬ ‫‪ ٢‬جمهورية أرض الصومال‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫تحدّها جيبويت إىل الغرب‪،‬‬ ‫وإثيوبيا يف الجنوب‪ ،‬ومنطقة‬ ‫بونتالند الصومالية من‬ ‫الرشق‪ .‬وميتد اإلقليم عىل‬ ‫ساحل يبلغ طوله ‪740‬‬ ‫كيلومرت‪ ،‬حيث تقع أغلبيته‬ ‫عىل طول خليج عدن‪.‬‬ ‫‪ ٣‬لعدم الكشف عن هوية‬ ‫األشخاص‪ ،‬تم استبدال االسم‬ ‫الحقيقي للشخص الذي متت‬ ‫مقابلته باسم مستعار‪.‬‬ ‫‪ ٤‬املرجع نفسه‪.‬‬ ‫‪ ٥‬هناك أربعة مذاهب‬ ‫سنية ىف الفقه اإلسالمى‪،‬‬ ‫وهي‪ :‬الشافعي‪ ،‬والحنبيل‪،‬‬ ‫والحنفي‪ ،‬واملاليك‪.‬‬ ‫‪ ٦‬السلفية‪ :‬هي حركة‬ ‫إصالحية محافظة داخل‬ ‫الس ّني‪ ،‬تدعو إىل‬ ‫اإلسالم ُ‬ ‫العودة إىل مامرسات األسالف‬ ‫األكرث ورعاً‪.‬‬


‫مساواة‬

‫البحث عن العدالة‪ :‬عرض لفلم وثائقي‬ ‫في جنوب الهند قد يُصبح الزواج مسألة حياة أو موت!‬ ‫زهرة باجوا‪ ،‬وتاشنى سوكوماران‬

‫والقضايا املأساوية‪ ،‬يكشف الفلم الوثائقي (البحث عن العدالة) طرائق‬ ‫الخلقة‪ ،‬وتعبرياتها عن القهر والتح ِّدي واملرونة‬ ‫عمل (الجامعة النسائية) َّ‬ ‫واألمل‪ ،‬وذلك عرب ٍ‬ ‫عرض للحاالت والقضايا التي تعمل عليها النساء من‬ ‫الجامعة لتمكني الضحايا من الوصول إىل العدالة‪ ،‬ويكشف الفلم بشكل‬ ‫صادم عن ديناميكيات الجندر والسلطة‪ ،‬بينام ينسج حكاية ُم َع َّق َدة ت ُ َع ِّ ُب‬ ‫عن النضال والصرب والعمل الدؤوب بصدد تحقيق العدالة‪ .‬ومبثلام يقدم‬ ‫الفلم روايات صادقة عن العنف ضد املرأة‪ ،‬والظلم الذى تُعانيه النساء‪،‬‬ ‫فإنّه يحتفي ويعكس أهمية االنخراط مع الهياكل العدلية والسلطات‬ ‫املحلية بصدد إصالحها عرب إلزام تلك الهياكل بالقيام بواجباتها‪.‬‬

‫القتل‪ ،‬وكُره النساء‪ ،‬وسوء املعاملة‪ .‬هذه هي‬ ‫العنارص الثالثة التي شكَّلت أحداث الفلم الوثائقي‬ ‫(البحث عن العدالة)‪ ،‬ملخرجته ديبا دهانراج‪ .‬وقد‬ ‫َعك َ​َس الفلم أوضاع النساء املسلامت الفقريات يف‬ ‫جنوب الهند‪ ،‬وق َّد َم لنا مشهدا ً أميناً لل ُمعاناة التي‬ ‫تعيشها النساء يف والية (تاميل نادو)‪ .‬ويف هذا‬ ‫الواقع املأساوي‪ ،‬فإ ّن مجموعة (الجامعة النسائية)‪،‬‬ ‫وهي حركة نسوية قاعدية يف جنويب الهند‪ ،‬تعمل‬ ‫بال كلل‪ ،‬باسم املساواة واملقاومة‪ ،‬عىل خلفية‬ ‫التمييز الجندري املعتاد ضد النساء بحجة الدين‬ ‫املدافعتان عن حقوق املرأة‪ ،‬وطالبتا الدراسات العليا يف مدرسة‬ ‫اإلسالمي‪ .‬حيث أصبحت هذه الحركة منارة األمل‬ ‫ملئات من النساء والرجال يف مقاطعة (تاميل نادو)‪ .‬الدراسات الرشقية واألفريقية بجامعة لندن‪ ،‬زهرة باجوا‪ ،‬وتاشنى‬ ‫سوكوماران‪ ،‬تشاركان الق ّراء والقارئات مناقشتهن ال َّرثة وآرائهن عن الفلم‪:‬‬ ‫يُ َوث ُِّق فلم (البحث عن العدالة) ُع َّدة حاالت‬ ‫ُ‬ ‫لنساء عانني جميعاً من تقاعس القانون والنظام القضايئ عن حاميتهن‪.‬‬ ‫دهشت من قوة‬ ‫تاشنى‪ :‬أوالً‪ ،‬يجب أن أقول إنني‬ ‫ففي والية تاميل نادو‪ ،‬تُ َح ُال قضايا األحوال الشخصية من قبل مكتب‬ ‫وجرأة النساء في تأسيس جماعة إسالمية نسوية‪،‬‬ ‫وكيل النيابة إىل مجلس الجامعات املسلمة‪ ،‬وهو مجلس ُم َك َّون من‬ ‫وهو مجال يسيطر عليه الرجال حصرياً‪ .‬تقول‬ ‫رجال دين يتبنون يف الغالب املنهج السلفي يف معالجة قضايا األحول‬ ‫أودري لورد ‪-‬الشاعرة والنسوية األمريكية من أصل‬ ‫إفريقي‪" :-‬إ َّ‬ ‫الشخصية‪ ،‬مام ينتج عنه ظل ٌم عظي ٌم للنساء وت َ َر ٍّد يف أحوالهن‪ .‬حيث‬ ‫ن أدوات السي ّد‪ ،‬ال يمكنها تفكيك منزل‬ ‫يتحكم املجلس ‪-‬الذي هو مبثابة املحكمة الرشعية‪ -‬يف قضايا الطالق‪،‬‬ ‫السيد"‪ .‬ويستدعي فلم (البحث عن العدالة) هذا‬ ‫والزواج‪ ،‬وحضانة األطفال‪ ،‬والعنف املنزيل وغريها من قضايا األحوال‬ ‫األمر‪ ،‬فقد صنعت تلكم النساء أدواتهن الخاصة‬ ‫الشخصية‪.‬‬ ‫لتفكيك بنية الظلم المحيق بهن‪ .‬فلم تنضم‬

‫الكاتبتان‪ :‬زهرة‬ ‫باجوا‪ :‬تسعى حالياً‬ ‫للحصول عىل درجة‬ ‫املاجستري يف القانون‬ ‫– حقوق اإلنسان من‬ ‫مدرسة الدراسات‬ ‫الرشقية واإلفريقية‬ ‫بجامعة لندن‪ .‬عملت‬ ‫ويف املقابل فأ َّن مجموعة (الجامعة النسائية)‪ ،‬تعمل كنقيض واقٍ‬ ‫يف السابق مساعدة‬ ‫باحثة يف قانون العمل لحقوق النساء أمام إقصاء مجلس الجامعات املسلمة امل ُت َّعمد‪ .‬وهكذا‪،‬‬ ‫يحيك الفلم الوثائقي (البحث عن العدالة) قصة (الجامعة النسائية) يف‬ ‫وحقوق اإلنسان يف‬ ‫والية تاميل نادو ‪ -‬التي تضم اثني عرش ألف امرأة (‪ )12000‬كأعضاء‬ ‫باكستان‪.‬‬ ‫من جميع أنحاء جنويب الهند‪ ،‬كام يُ َوث ُِّق الفلم ملثابرة النساء املدافعات‬ ‫عن حقوق املرأة ضمن الجامعة النسائية‪ .‬حيث أ َّن الجامعة النسائية‪،‬‬ ‫كانت قد قامت ما بني األعوام ‪ 2014-2011‬مبعالجة أكرث من مثانية آالف‬ ‫(‪ )8000‬حالة عنف ضد النساء والفتيات يف قضايا تنطوي عىل الزواج‬ ‫باإلجبار‪ ،‬واالعتداء الجنيس‪ ،‬وجرائم القتل املتعلقة باملهر‪ ،‬والعنف‬ ‫املنزيل‪.‬‬

‫النساء إلى الجماعة التي يسيطر عليها الرجال‪ ،‬ولم‬ ‫يتسولوا عطف الرجال كما هو سائد‪ ،‬ولكن ‪-‬وبدالً‬ ‫ّ‬ ‫الخاصة بهن‪،‬‬ ‫عن ذلك‪ -‬أنشأت النساء مؤسستهن‬ ‫(الجماعة النسائية)‪.‬‬

‫زهرة‪ :‬نعم‪ ،‬ما أحببته أيضا يف هذا الفلم الوثائقي‪ ،‬هو كيف أ َّن فكرة‬ ‫املساواة املوضوعية كانت مرتابطة وواضحة‪ .‬ففي البداية‪ ،‬عندما تصف‬ ‫(خانوم) ‪ُ -‬م َؤ ِّس َسة الجامعة النسائية‪ -‬كيف تم إنشاء املنظمة‪ ،‬توضِّ ح‬ ‫كيف تح َّولت الفكرة إىل حقيقة‪ ،‬وكيف تط َّور هذا العمل يف وقت الحق‬ ‫إىل مؤسسة لتمكني النساء‪ .‬فقصة سلمى مثالً التي كشفت عن محاوالت‬ ‫قصة قوية ومؤث ِّ َرة‬ ‫والدها الستغاللها جنسياً وت َضَ ا ُمن والدتها معها‪ ،‬هي ّ‬ ‫بشكل خاص‪ ،‬حيث ت ُثب ُِت تجربة سلمى ووالدتها قدرة النساء عىل‬ ‫ومن خالل الربط بني مجموعة من الحاالت املرتابطة واإلشكاالت املقاومة وتتحدى تلك التجربة فرضية أ َّن النساء يف الغالب يخضعن‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪31‬‬


‫الصورة‪ :‬مشهد من الفلم لجماعة النساء في اجتماع‬

‫من تلك املساحات املهمة‪ .‬ومن ناحية أخرى فإ َّن امل َشَ ا ِهد الحيوية‬ ‫للظلم‪ ،‬وتوضِّ ح عدم جدوى املعتقدات النمطية‪ ،‬واألفكار امل ُس َبقَة‪.‬‬ ‫ملناظرات النساء داخل (الجامعة النسائية) توضِّ ح وجود النساء ودورهن‬ ‫تاشنى‪ :‬نعم‪ ،‬والقصص الثالث املختلفة التي َوث َّ َق َها الفلم‪ ،‬هي قصص الفاعل‪.‬‬ ‫تنتهى فيها األمور بشكل مختلف بداية من الطالق‪ ،‬والعنف املنزيل‬ ‫ِ‬ ‫الحظت أيضاً كيف شَ َع َر الرجال يف املدينة بالتهديد من‬ ‫تاشنى‪ :‬هل‬ ‫املرتبط باملهر‪ ،‬والقتل‪ .‬لقد طاف بنا الفلم من الحزن إىل األمل‪ ،‬وإىل‬ ‫اإلحساس باالنتصار‪ ،‬حيث يحدث كل ذلك عىل خلفية العنف الذي (الجامعة النسائية)؟ كان هذا واضحاً‪ ،‬وبشكل خاص‪ ،‬عندما طلب الرجل‬ ‫من مخرجة ومصورة الفلم إغالق الكامريا‪ .‬لقد كان عدوانياً وعنيفاً‬ ‫يلوح يف األفق‪.‬‬ ‫للغاية‪ .‬وهذا يوضِّ ح أ َّن العديد من الرجال يعتقدون أنه‪ ،‬إذا مل ير‪ ،‬أو مل‬ ‫زهرة‪ :‬هذا العنف مطبوع يف أذهان الجميع نساء ورجال‪ .‬وكام يسمع أحد عن سلوكهم العدايئ واملشني‪ ،‬وإذا مل يكن هناك شهود‪ ،‬فإ ّن‬ ‫قالت إحدى النسوة األعضاء يف (الجامعة النسائية)‪" :‬قبل االنضامم سلوكهم هذا‪ ،‬يُعتَ َ ُب كأنّه مل يكن‪ ،‬وبالتإىل ال ي ُهم‪.‬‬ ‫إىل الجامعة كنت أعتقد أ َّن العادي والطبيعي أن يكون األزواج واآلباء‬ ‫ُ‬ ‫شعرت بذلك؛ فلم يكن‬ ‫زهرة‪ :‬نعم‪ ،‬بالتأكيد‪ ،‬لقد‬ ‫عنيفني‪ ،‬لقد كنت أظن دامئاً أنه مسموح لهم القيام بذلك العنف"‪ .‬إ َّن‬ ‫(الجامعة النسائية) إضافة إىل أنَّها تتحدى اآلليات القامئة التي تخلق‬ ‫ددون النساء من‬ ‫من المستغرب رؤية الرجال يه ِّ‬ ‫عدم املساواة‪ ،‬وتعمل ضد العقليات التي تقف وراءها فهي أيضا وسيلة‬ ‫الجماعة النسائية ويق ِّللون من شأنهن ومن‬ ‫جهودهن‪ ،‬ويحاولون تقويضهن‪ .‬حتى أنهم اتهموا‬ ‫للتغيري‪ ،‬كام أنّها جامعة تخلق شعورا ً بالتضامن ما بني النساء‪.‬‬ ‫النساء بكونهن عامالت جنس‪ .‬وعندما فتحن‬ ‫مكتباً ألول مرة وعقدن اجتماعاتهن كان الرجال‬ ‫يستخدمون حائط مكتب الجماعة النسائية لقضاء‬ ‫الحاجة!!‬

‫تاشنى‪ :‬أتفق معك فاالنضامم إىل (الجامعة النسائية) هو مبثابة‬ ‫إعالنٍ للتضامن‪ ،‬ورسالة واضحة مضمونها‪ :‬أنه حينام تنقسم النساء‬ ‫وفق األجندة الذكورية ت ُ َه َز ُم قضاياهن‪ .‬أعتقد أ َّن امل َشَ ا ِهد التى يُظ ِه ُر‬ ‫فيها الفلم النساء جالسات معاً‪ ،‬وهن يُناقشن مختلف القضايا‪ ،‬ويضعن‬ ‫تاشنى ‪ :‬من الواضح أ َّن الرجال ال يرغبون يف مشاركة السلطة‪ .‬إنهم‬ ‫االسرتاتيجيات‪ ،‬كانت َمشَ ا ِهد قوية للغاية‪ .‬لقد أثبتت النساء عضوات‬ ‫الجامعة أنه كلام ازداد عدد النساء اللوايت يُشكّلن حضورا ً‪ ،‬يف ساحة يسيئون استخدام اإلسالم للحفاظ عىل الوضع الراهن‪ .‬وأوضح مثا ٍل عىل‬ ‫املعركة‪ ،‬سنكون أكرث نجاحاً‪ ،‬وسيكون هناك تراب ٌط اسرتاتيجي بني النساء‪ .‬ذلك‪ ،‬هو عندما يعرتف (أكرب) العضو يف الجامعة الذكورية‪ ،‬بأنَّه يكتب‬ ‫املهر يف السجالت الرسمية‪ ،‬بينام ال يحرص عىل تسجيل مؤخر الصداق‬ ‫زهرة‪ :‬أتفق معك يف قوة امل َشَ ا ِهد‪ ،‬حيث يُ َسلِّ ُط الفلم الضوء عىل الذي يحفظ حق املرأة يف حالة حدوث الطالق‪ ،‬كام ال يُ َد ِّو ُن رجال‬ ‫استبعاد النساء من األماكن العامة‪ .‬فهناك فضاء سلبي مبني عىل التمييز الجامعة ما تجلبه املرأة العروس من مساهامت سوا ًء أكانت أدوات‬ ‫الجندري يعمل عىل تغييب النساء من أماكن وعمليات صنع القرار‪ .‬منزلية أو أثاثاً لبيت الزوجية‪.‬‬ ‫فالصور التي تم تصويرها يف السوق واملسجد مثالً توضِّ ح غياب النساء‬

‫‪32‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫مساواة‬

‫تاشنى‪ :‬ومن الواضح أ َّن جامعات املسلمني الذكورية تستخدم اإلسالم ال يستطعن االقرتاب من (الجامعة النسائية) ولكنهن مستحقات للدعم‬ ‫لحامية مصالحهم‪ .‬حيث يتواطؤون دون تردَّد مع الجناة‪ .‬مث ًال عندما والتواصل‪.‬‬ ‫رفض (أكرب) طلب أرسة املرأة القتيلة استخراج الجثة بصدد ترشيحها‬ ‫زهرة‪ :‬لقد نجح الفلم يف الكشف عن تراكامت القهر التي تعاين منها‬ ‫وهناك شكوك حول تو ُّرط زوجها‪ ،‬مل يرتدد (أكرب) يف أن يُ َ ِّب َر رفضه بحجة‬ ‫أ َّن ذلك غري إسالمي‪ .‬ومن املتفق علىه عموماً‪ ،‬أنه ال يجوز نبش قرب النساء‪ ،‬ومحاوالتهن الدؤوبة للوصول إىل العدالة املنشودة‪.‬‬ ‫إلخراج جسد ما‪ ،‬ولكن ماذا عن مبدأ الرضورة؟ إذا كانت هناك رضورة‬ ‫تاشنى‪ :‬نعم‪ ،‬لقد لعب الفلم بالفعل دورا ً رائعاً يف إظهار تعقيد‬ ‫ُملِ َّحة‪ ،‬فيمكن استخراج الجثة من أجل تقديم األدلة‪.‬‬ ‫دور املرأة‪ .‬مثالً‪ ،‬حينام تقول عضوة (الجامعة النسائية) رصاحة‪" :‬إنها‬ ‫وأيضا مسألة الفساد داخل السلطات املحلية تجعل األمر أصعب مستعدة ملواجهة كل هؤالء الرجال املسيئني‪ ،‬لكنها ال تعرف كيف‬ ‫للنساء‪ ،‬للحصول عىل العدالة‪ .‬فغالبية املؤسسات العدلية تعتمد بشكل تتحدث مع زوجها"‪.‬‬ ‫كبري عىل آراء تلك الجامعات أل َّن الرشطة غري كفؤة‪ ،‬أو غري مكرتثة‪ ،‬أو‬ ‫ِ‬ ‫زهرة‪ :‬أنت عىل حق‪ ،‬هذه الديناميكية املتضاربة من الصعب التغلب‬ ‫فاسدة‪ .‬ولهذا‪ ،‬فإ َّن مواقف الرشطة املتخاذلة يف الغالب والتي يعرضها‬ ‫الفلم هي مواقف مألوفة للكثريين ممن يعملون يف مجال حقوق عليها‪ .‬لهذا السبب أنا معجبة جدا ً بـ(سلمى)‪ ،‬الشابة التي تخرج للعلن‪،‬‬ ‫لتقول‪" :‬نعم‪ ،‬حاول أيب استغالىل جنسياً"‪ .‬لقد كان موقفها وحديثها‬ ‫اإلنسان‪.‬‬ ‫قويان ومتامسكان للغاية‪.‬‬ ‫زهرة‪ :‬يقوم الفلم بعمل رائع يف الكشف عن العديد من التح ِّديَّات‬ ‫تاشنى‪ :‬نعم‪ ،‬أعتقد أ َّن قصة سلمى قصة ُمل ِه َمة وتستحق التوثيق‬ ‫التي تواجهها (الجامعة النسائية)‪ ،‬ولكنه‪ ،‬يلقي الضوء أيضاً عىل‬ ‫تناقضاتها‪ .‬فالنساء محارصات أي إنهن يف موقع دفاع مستمر عن وتبعث عىل األمل يف أ َّن النساء سيصبحن أكرث شجاعة يف مواجهة‬ ‫االستغالل واإلساءة‪ ،‬تحديدا ً أمام الحقيقة املؤملة أ َّن هناك العديد من‬ ‫مرشوعية عملهن‪.‬‬ ‫النساء قد تم قتلهن ونسيانهن‪ ،‬أو ت ُ ِركْ َن محارصات داخل بنية ال تابه‬ ‫فمن ناحية تتح َّدى (الجامعة النسائية) القواعد التمييزية السائدة مبشاعرهن وإنسانيتهن‪.‬‬ ‫من خالل محاوالت تفكيك أدوات القهر التي تفرضها الجامعة الذكورية‪،‬‬ ‫فالفلم الوثائقي (البحث عن العدالة) ال يقترص فقط عىل النضاالت‬ ‫ومن ناحية أخرى تحاول الجامعة مفاوضة البنية الذكورية‪ .‬وكمثال عىل‬ ‫ذلك‪ ،‬ما قالته إحدى العضوات يف (الجامعة النسائية)‪" :‬إنه يف إحدى التي تواجهها الجامعة النسائية‪ ،‬بل أيضاً‪ ،‬يعكس رحلة الضحايا وأرسهن‬ ‫املرات كان عىل األم أن تعيد املهر الذي دفعه الزوج لهم حتى تنقذ من الرجال والنساء يف البحث عن العدالة حيث يعرض الفلم مشاعر‬ ‫الضحايا وأرسهم واستامتتهم يف الحصول عىل العدالة‪.‬‬ ‫ابنتها من القتل"‪.‬‬

‫تاشنى سوكوماران‪:‬‬ ‫باحثة وصحفية‬ ‫ماليزية تعمل يف‬ ‫بحوث االتجار بالبرش‬ ‫والعمل القرسي‬ ‫والسياسة‪ .‬وهي حالياً‬ ‫تسعى للحصول عىل‬ ‫املاجستري يف حقوق‬ ‫اإلنسان من مدرسة‬ ‫الدراسات الرشقية‬ ‫واإلفريقية بجامعة‬ ‫لندن‪.‬‬

‫وبعد مشاهدة الفلم وضح يل أ َّن املعركة ُمتَ َع ِّددَة األوجه وتشمل‬ ‫تاشنى‪ :‬أيضا هناك عدم استقرار يف املوقف‪ ،‬فإعادة املهر رمبا ينجي‬ ‫االبنة مؤقتاً من القتل يف تلك الفرتة‪ ،‬ولكن ماذا كان سيحدث إذا مل تجد مختلف الفاعلىني من مؤسسات الدولة والسياسيني‪ ،‬واملستنريات‬ ‫األم املال إلعادة املهر؟ أنا أؤمن إمياناً قاطعاً بأ َّن تلك املرأة حسنة النية‪ ،‬واملستنريين تقع عليهم جميعاً مسؤولية تطوير خطاب متامسك يسعى‬ ‫ولكننى أيضاً شعرتُ أ َّن هناك الكثري من املشاعر املتناقضة‪ ،‬واملتصارعة‪ .‬إىل تأمني املساواة للنساء‪ .‬ففي نهاية الفلم يشعر امل ُشَ ا ِه ُد بأ َّن الرحلة قد‬ ‫بدأت للتو‪ ،‬وأننا جميعا يجب أن نشارك يف النضال‪.‬‬ ‫أيضا َس َّج َل الفلم يف أحد اجتامعات (الجامعة النسائية) إحدى‬ ‫السيدات العضوات تشكو من أ ّن زوجها يعارش أرملة أخيه‪ ،‬و ُهنا تتفاعل‬ ‫النساء بغضب ويسألن املرأة ملاذا ال ترتكه وتقذف به ‪-‬أي الزوج‪ -‬خارج‬ ‫املنزل ليذهب إىل االرملة لتعتني به‪ .‬هذا االقرتاح يتجاهل حقيقة أ َّن‬ ‫أرملة األخ قد تكون ُمك َر َهة عىل قبول الرجل بسبب العوز والحاجة‬ ‫بقلم‪ :‬زهرة باجوا‪ ،‬وتاشنى سوكوماران‬ ‫مثال‪ .‬فبقدر ما ت َُسا ِعد النسوة األعضاء بعضهن البعض‪ ،‬هناك نساء رمبا‬ ‫من االنجليزية‪ :‬فيصل الباقر‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪33‬‬


‫حقوق المرأة في الميراث‪ ،‬وسطوة‬ ‫العرف العشائري في أرض الصومال‬ ‫يوسف تيماكادى‬

‫الصورة من ارشيف شبكة صيحة ارض الصومال‬

‫كنت َخ ِجلَ ًة جدا ً أن أطالب أشقايئ بنصيبي من املرياث"‪ .‬كان‬ ‫"لقد ُ‬ ‫هذا هو اعرتاف (خدرة‪ ،)1‬وهي أم لستة أطفال‪ ،‬تبلغ من العمر ‪44‬‬ ‫ِف والدها‬ ‫عاماً‪ ،‬وتعيش يف مدينة (هرقيسا) بأرض الصومال‪ .‬فعندما تُو ِّ َ‬ ‫منذ عرشين عاماً كان من ضمن ما َخل َ​َّف من أصول‪ :‬منزل وقطعة أرض‬ ‫نُ ِقل َْت ملكيتهام إىل أبنائه (الذكور)‪ .‬أ َّما خدرة األخت الكربى التي سهرت‬ ‫عىل خدمة والدها قبل وفاته سنوات عديدة فلم تُ ْ َن ْح شيئاً‪ .‬كام مل‬ ‫ِ‬ ‫وباإلضافة إىل ذلك تواجه املرأة صعوبة بالغة يف ظ ِّل تقاليد الكرس‪،‬‬ ‫تُطَالِ ْب بحقها يف املرياث خوفاً من وصمة العار‪ .‬ويف هذا الصدد تضيف‬ ‫خدرة قائلة‪" :‬كان الناس سيقولون إنني عدمية الحياء أذا ما تجرأتُ تتلخص يف عدم قدرتها عىل تحدي سلطة شيوخ العشائر الذين َ ْيتَ ُّد‬ ‫نفوذهم إىل القانون الرسمي‪ .‬وغالباً عندما تُطْ َر ُح القضايا التي مل ت ُ ْح َس ْم‬ ‫وطالبت إخويت بحقي يف املرياث"‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫خالل الكرس أمام القانون العام يف حالة فشل شيوخ العشرية يف التوصل‬ ‫فقانون املرياث يف أرض الصومال محكوم بقوانني الرشيعة‪( ٢‬أي أحكام إىل حلول ُم ْر ِض َية‪ ،‬فيتبع القضاة توصيات الشيوخ والقادة املحليني‬ ‫يب ويرفضون متاماً اللجوء إىل القانون الرسمي قبل اللجوء إىل معالجات‬ ‫الفقه التقليدي)؛ إذ ينص القرآن يف (سورة النساء ‪" )4:7‬لِّل ِّر َجا ِل ن َِص ٌ‬ ‫يب ِّم َّم ت َ َر َك الْ َوالِ َدانِ َوالْ َقْ َربُو َن التقاليد واألعراف‪.٣‬‬ ‫ِّم َّم تَ َر َك الْ َوالِ َدانِ َوالْ َقْ َربُو َن َولِل ِّن َسا ِء ن َِص ٌ‬ ‫ِم َّم ق ََّل ِم ْن ُه أَ ْو ك ُ َ​َث ج ن َِصيبًا َّم ْف ُروضً ا"‪ .‬ولكن عىل الرغم من أ َّن النص‬ ‫ويتفاوت حق املرأة يف املرياث من مكان إىل آخر بحسب التقاليد‬ ‫القرآين قد أقَ َّر بحقوق املرأة يف املرياث إال أ َّن هذه الحقوق يتم تجاهلها‬ ‫ِ‬ ‫عىل أرض الواقع‪ .‬وقد لخ َ​َّص ْت خدرة ذلك بالقول‪" :‬يتناىس الشيوخ والعادات‪ .‬فوفقاً لخصوصيات اإلقليم امل ُ َح َّدد تُ َح َّد ُد األصول األكرث‬ ‫قيمة‪ ،‬حيث تُ ْ َن ُع املرأة من مرياث األرض واإلبل والحدائق‪ .٤‬ففي إقليم‬ ‫العدالة يف التعاليم اإلسالمية عندما يتعلق األمر باملرياث"‪.‬‬ ‫(صانعاق) الواقع يف الجزء الشاميل‪-‬الرشقي من البالد ‪-‬عىل سبيل املثال‪-‬‬ ‫ففي العديد من أجزاء أرض الصومال يلجأ الناس إىل القانون ال ُع ْر ِف تُ ْ َن ُع املرأة من مرياث أشجار اللبان املعروفة محليا بـ(البييو)‪ ،‬التي‬ ‫املعروف بـ(الكرس)‪ ،‬وهو أكرث رواجاً وتطبيقاً من قوانني الرشيعة‪ .‬ت ُْستَ ْخ َد ُم مادتها الصمغية بخورا ً وت ُ ْعتَ َ ُب سلعة ذات قيمة كبرية تعود‬ ‫فالكرس هو عبارة عن نظام عدالة تقليدي يُ َن َّف ُذ بواسطة شيوخ العشائر بجذورها عدة قرون إىل الوراء‪.‬‬ ‫لحل النزاعات بني األفراد والعائالت‪ ،‬إال أنه يف نهاية املطاف يهدف إىل‬ ‫إيجاد حل شامل يعمل عىل الحفاظ عىل عالقات سلمية بني العشائر‬ ‫املختلفة‪ .‬ولكن تحت مظلة قانون الكرس ال يُ ْس َم ُح للنساء بعرض‬ ‫قضاياهن أمام الشيوخ حيث يتم ذلك عرب (أوليائه َّن) من االقأرب‬ ‫الذكور‪ .‬وتربز إشكاالت الوالية بوضوح يف قضايا املرياث حيث ت ُْستَ ْب َع ُد‬ ‫النساء متاماً من املفاوضات‪.‬‬

‫‪ 1‬لدواعي عدم الكشف‬ ‫عن الهوية‪ ،‬تم إستبدال‬ ‫األسامء الحقيقية لألشخاص‬ ‫الذين متت مقابلتهم بأسامء‬ ‫مستعارة‪.‬‬ ‫‪ ٢‬ماريا ب‪ .‬تنقارازا‪( ،‬حقوق‬ ‫اإلنسان للمرأة ىف أرض‬ ‫الصومال)‪ .‬ناقاد (‪63:)2010‬‬ ‫‪ ٣‬اتصال شخيص‪ ،‬أمرية حسن‪،‬‬ ‫محامية وعضو رابطة محامي‬ ‫رشق أفريقيا‪.‬‬ ‫‪( ٤‬التقرير السنوي لحقوق‬ ‫اإلنسان للشعوب املهمشة)‪،‬‬ ‫ناقاد (‪.)2010‬‬ ‫‪ ٥‬املهر‪ :‬عبارة عن دفع إلزامي‬ ‫يدفعه الزوج للزوجة عىل‬ ‫شكل نقود أو أصول أثناء‬ ‫الزواج ويصبح قانونياً من‬ ‫حق املرأة‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫مساواة‬

‫ويُ ْنظَ ُر إىل الورثة اإلناث ك ُم ِه ِّدد ٍ‬ ‫َات الستمرارية ملكية األرسة لألصول‬ ‫مبا يف ذلك األرايض‪ .‬ومن ث َّم ت ُ ْعتَ َ ُب النساء ُم َه ِّدد ٍ‬ ‫َات لرتاكم ثروات العشرية‪.‬‬ ‫ويف املقابل يُ ْعتَ َ ُب توريث األبناء الذكور ضامناً للمحافظة عىل األرض‬ ‫واألصول داخل منظومة األرسة أو العشرية‪ .‬فقد تتزوج الفتاة من رجل‬ ‫من عشرية أخرى وتأخذ معها األصول وت ُ َح ِّولُ َها إىل عشرية زوجها‪ .‬وانطالقا‬ ‫من هذا املنطق يكون من مصلحة الذكور تقييد إمكانية وصول املرأة‬ ‫وتُ َع ُّد حالة (أ‪ .‬و) حال ًة شاذةً؛ فغالبية النساء ال يُ َح ِّب ْذ َن خوض معركة‬ ‫للمرياث من أجل حامية ثروة العشرية‪ .‬حيث يتم النقل املنظم لألصول‬ ‫ِ‬ ‫يعلمن سلفاً عدم جدواها‪ .‬تقول خدرة‪" :‬مل أ َر قَ ُّط امرأة ُمن َح ْت حقها يف‬ ‫القيمة إىل الرجال واألبناء وأبناء األخوان من األقارب‪.‬‬ ‫املرياث خالل املحاكم الرسمية أو محاكم العشائر"‪ .‬وتستطرد قائلة‪" :‬أ َّما‬ ‫وال يقترص الحرمان من املرياث عىل البنات فقط‪ ،‬بل وميتد إىل بالنسبة يل فإنني أنتظر جزايئ من الله يف اليوم اآلخر"‪.‬‬ ‫النساء األرامل‪ .‬فعندما تفقد املرأة زوجها فإنها ت ُ ْج َ ُب عىل الزواج من‬ ‫شقيقه‪ ،‬حيث تعمل هذه املامرسة من وجهة نظر أرسة الزوج املُتَ َو َّ َف‬ ‫بقلم‪ :‬يوسف تيماكادي‬ ‫عىل التَ َحكُّم يف املهر‪ ٥‬املدفوع للزوجة أثناء الزواج‪ ،‬واألهم من ذلك‬ ‫من االنجليزية‪ :‬فيصل الباقر‬ ‫هو اإلبقاء عىل ممتلكات الزوج الراحل ما بني األشقاء‪ .‬ويف حال رفض‬ ‫األرملة الزواج من شقيق املُتَ َو َّف تُطْ َر ُد عنوة من منزل األرسة و ت ُ ْح َر ُم من‬ ‫أي مرياث‪.‬‬ ‫الحصول عىل ِّ‬ ‫وإذا كانت قصة (أ‪ .‬و) تُ َث ُِّل منوذجاً قوياً يُ َع ِّ ُب عن مرونة املرأة‬ ‫وعزميتها‪ ،‬فإنَّها تشف أيضاً عن العديد من التحديات التي تواجهها املرأة‬ ‫وعن محدودية النظام القانوين يف حامية حقوق النساء‪ .‬ويف نهاية املطاف‬ ‫كان البُ َّد لـ(أ ‪.‬و) من أن تتنازل عن حقها يف املرياث الذى أسهمت يف‬ ‫تراكمه حتى يتثنى لها حق االحتفاظ بأوالدها ورمبا الزواج مرة أخرى‪.‬‬

‫وهذا ما قد حدث لـ(أ‪ .‬و)‪ ،‬األرملة ذات التسعة والثالثني ربيعاً من‬ ‫مدينة (هارقيسا)‪ .‬ففي حديثها عن أقارب زوجها املُتَ َو َّف ذكرت قائلة‪:‬‬ ‫"كانوا يرفضون أن أكون مستقلة بذايت وأدير ثرويت"‪ .‬كانت (أ ‪.‬و) متتلك‬ ‫منزالً وعمالً تجارياً صغريا ً مع زوجها قبل وفاته بسكتة قلبية قبل خمس‬ ‫سنوات‪.‬‬ ‫وبعد وفاة الزوج طلب أقاربه منها الزواج من شقيقه األصغر لكنها‬ ‫رفضت ذلك الطلب‪ ،‬وأخربت أقارب زوجها بأنها غري مستعدة للزواج يف‬ ‫الوقت الراهن‪ .‬وعاد األقارب بعد عامني من وفاة الزوج طالبني منها‬ ‫الزواج من شقيقه أو مغادرة املنزل الذى تركة الزوج املُتَ َو َّف لها وال‬ ‫طفالها الثالثة‪ .‬وتقول (أ ‪.‬و)‪" :‬لقد عادوا عندما سمعوا بإشاعة فحواها‬ ‫إنني بصدد الزواج من شخص اخرتته"‪.‬‬

‫نشأ يوسف تيامكادي‬ ‫يف إثيوبيا حيث‬ ‫َه َربَ ْت أرسته سنة‬ ‫‪ 1988‬فرارا ً من الحرب‬ ‫األهلية التي اندلعت‬ ‫يف الصومال‪ ،‬لكنه عاد‬ ‫إىل منطقة (هارقيسا)‬ ‫يف أرض الصومال‪ ،‬يف‬ ‫العام ‪ ،2009‬حيث‬ ‫عمل مع منظمة‬ ‫شبكة العمل من أجل‬ ‫املعاقني‪ .‬ويسعى اآلن‬ ‫للحصول عىل درجة‬ ‫املاجستري لإلدارة‬ ‫التنفيذية وإدارة‬ ‫األعامل من جامعة‬ ‫أبعارسو للعلوم‬ ‫والتكنولوجيا‪ .‬ويعمل‬ ‫يوسف حالياً مع‬ ‫املبادرة االسرتاتيجية‬ ‫لنساء القرن األفريقي‬ ‫يف أرض الصومال‪.‬‬

‫قاومت (أ‪ .‬و) ضغوط األقارب ورفعت قضيتها إىل املحكمة‪ .‬وحسب‬ ‫يل االختيار بني أن أعيش خادمة داخل منزيل أو أن أبدأ‬ ‫قولها‪" :‬كان ع َّ‬ ‫حيايت الجديدة مع الشخص الذي أختاره"‪ .‬وعمالً بتوصية الشيوخ‬ ‫وافقت املحكمة عىل إعطائها حضانة األطفال ولكنها ُح ِر َم ْت من الرثوة‬ ‫التي جمعتها رشاكة مع زوجها الراحل‪.‬‬ ‫وأصبح لِ َزا َماً عىل (أ‪ .‬و) أن تبدأ مرة أخرى من الصفر‪ .‬ويف هذا الصدد‬ ‫تقول‪" :‬أنا سعيدة ألنني ت َ َق َّد ْم ُت بقضيتي للمحكمة و َح َصل ُْت عىل حق‬ ‫حضانة أطفايل‪ ،‬وهذا هو كل ما يهمني وليس املال"‪ .‬وحالياً‬ ‫افتتحت‬ ‫ْ‬ ‫(أ‪ .‬و) محالً تجارياً صغريا ً إلعالة نفسها وأطفالها الثالثة‪ ،‬ولكنها مل تتزوج‬ ‫مرة أخرى حتى اآلن‪ .‬وتقول (أ‪ .‬و) إنها ما تزال تأمل يف أن تجد زوجاً‬ ‫يقبل بها وأطفالها يف املستقبل‪.‬‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪35‬‬


‫ذاكرة الحرب وأجساد النساء االرتريات‬ ‫ساندرا هييل‬

‫يف هذا املقال‪ ،‬تستكشف ساندرا هييل متظهر أجساد النساء يف أوقات الحرب بالرتكيز عىل املقاتالت املسلامت السابقات‪ ،‬وذلك استناداً إىل مقابالت‬ ‫أجرتها يف التسعينيات‪ ،‬تُ َركِّ ُز عىل تحليل تجارب النساء املقاتالت اللوايت خدمن يف جبهة التحرير الشعبية اإلريرتية خالل فرتة ‪ 30‬عاماً من أجل‬ ‫االستقالل من إثيوبيا (‪1961‬م‪1991-‬م)‪ .‬وتدرس هييل تطور املعايري االجتامعية والثقافية وتلك الخاصة بالنوع االجتامعي أثناء النزاع وبعده‪ .‬وت َُسل ُِّط‬ ‫الضوء عىل التحديات التي واجهتها النساء املقاتالت يف فرتة ما بعد الحرب‪ ،‬والتي تجلَّت بانبعاث القيم التقليدية داخل املجتمع اإلريرتي‪.‬‬ ‫وبالتايل أصبحت أجساد النساء فاقدة للخصوصية والتوترات‬ ‫يُ َع ُّد متظهر أجساد النساء املسلامت يف أوقات الحرب والرصاعات‬ ‫الدكتورة ساندرا‬ ‫والنزاعات املسلحة من أجل التحرير موضوعاً ُم َع َّق َدا ً‪ ،‬وكثريا ً ما يهمله الجنسانية‪ ،‬بل وأصبحت محايدة مام مكَّن الرجال والنساء من تطوير‬ ‫هييل‪ :‬هي أستاذة‬ ‫دراسات األنرثوبولوجيا األكادمييون والباحثون‪ .‬وتُ َع ُّد وإريرتيا ‪-‬التي دخلت فيها النساء املسلامت مفاهيم جديدة للخصوصية عندما كانوا يعيشون يف املخابئ نفسها‪.‬‬ ‫والنوع االجتامعي يف النضال قبل نظرياتهن املسيحيات ‪ ،1‬حيث تعرضن لخسائر وانتهاكات‬ ‫وخالل سنوات الحرب وبعدها بسنوات قليلة‪ ،‬أصبح رمز املرأة‬ ‫فادحة‪ -‬ليست استثناء يف هذا الصدد ‪.٢‬‬ ‫جامعة كاليفورنيا‪،‬‬ ‫املقاتلة الشجاعة هو القاعدة‪ .‬حيث ُص ِّو َرت املقاتالت عىل نحو منهجي‬ ‫لوس أنجلوس‪،‬‬ ‫غالباً ما تُغ ُّ َُي النزاعات منظور النساء تجاه أجسادهن‪ .‬فقد صدمني بوصفهن قويات‪ ،‬وأشبه بااليقونات‪ ،‬ومتحررات‪ ،‬ورياضيات يرتدين‬ ‫واملؤسسة املشاركة‬ ‫ملجلة دراسات املرأة الحديث الذي تبادلته مع إحدى املقاتالت اإلريرتيات املسلامت الاليت ترسيحات األفرو والبنطال الكايك والسرتات الجلدية‪ .‬وعىل النقيض من‬ ‫أجريت معهن املقابالت‪ ،‬فلدى سؤالها عن العنف الجنيس ضد املقاتالت‪ ،‬ذلك‪ ،‬فإ َّن صور املقاتالت اللوايت شُ ِّو َهت أجسادهن‪ ،‬وعانني من آثار‬ ‫ُ‬ ‫يف الرشق األوسط‪.‬‬ ‫أجابت بأ َّن النساء املسلامت قمن بحفظ أجسادهن (وصونها)‪ ،‬وأ َّن الجروح أو اإلعاقة أو تع َّرضن للتعذيب‪ ،‬أو تم االعتداء عليهن جنسياً‬ ‫ويستند عملها‬ ‫األكادميي الغني عىل خوفها األكرب أثناء القتال كان من التع ُّرض لألرس واالغتصاب‪ .‬ث ُ َّم َر َّددَت‪ :‬تم إخفاؤها عمدا ً‪ ،‬وت ُستَع َر ُض تلك الصور فقط عندما تتطلب أجندة‬ ‫انخراطها النشط خالل "من األفضل أن نُقتَل؛ فاملوت أرحم عىل جسد املرأة املسلمة من النظام الحاكم ذلك‪.‬‬ ‫االغتصاب"‪.‬‬ ‫عقود من العمل‬ ‫وخالل الحرب الثانية‪ ،‬وهي الحرب األكرث دموية مع إثيوبيا (‪-1998‬‬ ‫البحثي امليداين يف‬ ‫ويُ َع ُّد املجتمع اإلريرتي –الذي نصفه مسيحي أرثوذكيس ونصفه اآلخر ‪2000‬م)‪ ،‬شكَّلت املقاتالت النساء نحو ‪ %20‬من القوة القتالية للجيش‬ ‫السودان وإريرتيا‪.‬‬ ‫مسلم تقريباً‪ -‬مجتمعاً محافظاً ج َّدا ً فيام يتعلق بجسد املرأة والتموضع اإلريرتي‪ .‬بيد أنه يف مارس ‪2000‬م‪ ،‬انترشت شائعات تفيد بأ َّن النساء‬ ‫الثقايف للنساء‪ ،‬حتى أ َّن مشاركة النساء يف القتال‪ ،‬والعيش مع الرجال يف الاليئ وقعن يف األرس كُ َّن يتع َّرضن لالغتصاب‪ .‬ونتيجة لذلك‪ ،‬أعلنت‬ ‫املخابئ‪ ،‬والتفكري يف أنفسهن (مثل الرجال) ألغراض القتال‪ ،‬كانت خروجاً الحكومة اإلرترية أ َّن املجندات سيغادرن الخطوط األمامية للقتال‪،‬‬ ‫صارخاً عن قاعدة عالقات الجندر املتعارف عليها يف املجتمع اإلريرتي‪ .‬ونُ ِقلْ َن ظاهرياً إىل برامج التدريب ‪.٤‬‬ ‫وعندما دخلت املرأة ساحة القتال‪ ،‬كان عىل الجبهة الشعبية‬ ‫اإلريرتية‪- ،٣‬الحزب الحاكم الحقاً‪ -‬أن تنتج أيدولوجيا منافية للمنظور‬ ‫التقليدي للمرأة عيل أنَّها هشة‪ ،‬ونقية‪ ،‬وبحاجة للحامية‪ ،‬إىل تصوير‬ ‫مقاتالت حرب التحرير كنساء شجاعات وقويات ومتساويات مع‬ ‫نظرائهن من الرجال يف كل يشء‪.‬‬ ‫فقد اتَّخذت أجساد المقاتالت معنًى مختلفاً‬ ‫وتخلصن من القدسية والحساسية حول أجساد‬ ‫النساء‪ .‬وقد ذكرت لي عشر نساء على األقل من‬ ‫الالتي قابلتهن إنهن "أصبحن رجاالً" عندما دخلن‬ ‫الميدان‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬

‫ويعكس سحب النساء من الصفوف األمامية للقتال بعد النجاحات‬ ‫الاليت حققنها كمقاتالت خالل الحرب األوىل أ َّن نهج قدسية وخصوصية‬ ‫رسب مرة أخرى إىل الوعي الوطني يف أعقاب‬ ‫أجساد النساء قد بدأ يف الت ُّ‬ ‫استقالل إرتريا‪ .‬حيث يحتم ذلك النهج أن تكون أجساد النساء محمية أو‬ ‫مخفية‪ ،‬وأن تستعيد املرأة أنوثتها التقليدية‪ ،‬كام ذكرت إحدى املقاتالت‬ ‫"أصبحت مصونة بعد الحرب"‪ .‬فعادت النساء مرة أخرى إىل‬ ‫املسلامت‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫مامرسة أدوارهن التقليدية كأمهات‪ ،‬ومربيات اجتامعيات وحارسات‬ ‫للعادات والتقاليد‪ .‬ومرة أخرى‪ ،‬قُ ِّي َدت أجساد النساء بعد كل مظاهر‬ ‫التح ُّرر التي صاحبت حرب االستقالل اإلرترية‪.‬‬ ‫ومن وجهة نظري‪ ،‬فأ َّن ذلك بدأ كنوع من الرتاجع األيديولوجي‪،‬‬


‫ما بين عالمين‬

‫الصورة ‪:‬دان كونيل لمقاتالت ارتريات بعد انتها الحرب واستقالل ارتريا‬

‫حيث أ َّن بناء الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا اعتمد عىل خطاب يدعو املناطق امل ُح َّر َرة إبَّان سنوات الحرب ‪ -‬من ضمن ذلك الحصول عىل‬ ‫لنمط مواطنة جديدة ُمتح ِّر َرة من التنميط الجندري‪ .‬وخالل سنوات التعليم (األكادميي والسيايس والعسكري)‪ ،‬وتعلُّم مهارات جديدة‪،‬‬ ‫النضال من أجل التحرير‪ ،‬عكس الخطاب الوطني الذي وضعته الجبهة والحصول عىل هوية جديدة ‪.٧‬‬ ‫الشعبية النساء كمشاركات أصيالت يف الكفاح املسلح‪ ،‬ولسن بديالت‪،‬‬ ‫والجدير باالنتباه إنَّه من األسهل كثيراً بناء ذلك النمط من الزمالة‬ ‫بل مواطنات يتمتعن باملواطنة الكاملة يف إريرتيا الثورية‪.‬‬ ‫وقد سارت حينها املامرسة جنباً إىل جنب مع أيديولوجية الجبهة‬ ‫الشعبية‪ .‬وقبيل نهاية الحرب األوىل‪ ،‬كانت املرأة تشكل أكرث من ‪%30‬‬ ‫من القوة املقاتلة‪ ،‬وقد عملت بكل قدراتها‪ ،‬بوصفها ( ُمنظِّمة‪ ،‬وناشطة‪،‬‬ ‫و ُم َد ِّر َسة‪ ،‬وإدارية‪ ،‬فضالً عن كونها ميكانيكية‪ ،‬وكهربائية‪ ،‬ومهندسة‬ ‫إلكرتونيات‪ ،‬و ُمصلحة للساعات‪ ،‬وخ َّياطة‪ ،‬وطبيبة‪ ،‬وعاملة صحية يف‬ ‫القرى" ‪ .٥‬وهذا ليس هو بالتاريخ املعتاد للجيوش حيث تستخدم النساء‬ ‫بشكل انتقايئ‪ ،‬وغالباً يف وظائف يُ ْنظَ ُر إليها عىل أنها امتداد لعملهن‬ ‫املنزيل ‪.٦‬‬

‫والمساواة المتينة بين المقاتلين رجال ونساء في ميدان القتال‪ .‬إال‬ ‫أ َّ‬ ‫دي الحقيقي يكمن في استمرار ذلك النمط من المساواة في‬ ‫ن التح ِّ‬ ‫أوقات السلم وعند عودة الحياة إلى طبيعتها‪.‬‬

‫وقد كشفت التحوالت األيدولوجية خالل فرتات نهاية الكفاح امل َُسلَّح‬ ‫والدخول إىل الحياة املدنية عن متغريات عديدة يف الطرق التي تم بها‬ ‫التعامل مع أجساد النساء املقاتالت‪ ،‬وإعادة تشكيلهن لخدمة الدولة‪.‬‬ ‫فمن ناحية فقد تحتم عىل املقاتالت التامهي مع األساطري الوطنية حول‬ ‫عدم االستغناء عن املرأة اإلريرتية يف الكفاح من أجل التح ُّرر‪ .‬إال أنَّه‬ ‫وعىل مستوى املامرسة اليومية‪ ،‬كان عىل النساء العودة إىل دور اإلنجاب‬ ‫وبجميع املقاييس‪ ،‬فقد شهدت النساء درجة عالية من التح ُّرر يف املركزي‪.‬‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪37‬‬


‫ففي الفقرة أعاله‪ ،‬يتحدث كينيايل عن املسكوت عنه حول معاناة‬ ‫النساء املقاتالت‪ .‬إال أنَّه وعىل مستوى الواقع ال يزال الصمت هو سيد‬ ‫املوقف بشأن أجساد النساء التي انتهكت يف أثناء الحرب‪ .‬فلم ت ُفتَح بعد‬ ‫أي ملفات حول تعذيب النساء الذي حدث إبَّان الحرب أو بعدها‪ ،‬وال‬ ‫ّ‬ ‫توجد شهادات فردية أو جامعية يف هذا الصدد‪.‬‬

‫أجريت مقابالت مع أكرث‬ ‫ويف األعوام ‪1994‬م و‪1996‬م و‪1999‬م‬ ‫ُ‬ ‫وطلبت منهن رواية‬ ‫من ‪ 35‬امرأة من الجبهة الشعبية لتحرير إريرتيا‬ ‫ُ‬ ‫تجاربهن يف امليدان وقصص العودة إىل الحياة املدنية‪ .‬وأذكر أنَّه خالل‬ ‫الحظت وجود الكثريات من النساء‬ ‫زياريت األوىل إلرتريا يف عام ‪1994‬م‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫املقاتالت املصابات واملعوقات يف األماكن العامة‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬حني عدت‬ ‫مرة أخرى يف العام ‪1996‬م ‪ ،‬اختفت معظم املقاتالت املعوقات‪ ،‬والنساء‬ ‫مت محارضة يف إحدى املرات عن حركات التح ُّرر لفصل‬ ‫مبتورات األطراف‪ ،‬من األماكن العامة‪ .‬حيث تم إخفاؤهن يف داخل‬ ‫وكنت قد ق َّد ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫رسحات يف إرتريا واللوايت أص َنب‬ ‫املنازل‪.‬‬ ‫اللغة اإلنجليزية الخاص باملقاتالت امل ُ َّ‬ ‫باإلعاقة يف أثناء الحرب‪ .‬وقد امتنعت هؤالء النسوة بشكل صارم عن‬ ‫تبي أ َّن العديد من اإلريرتيني ال يرغبون يف مناقشة أو الحديث عن ظروف إصابتهن أو معاناتهن بشكل عام رغم‬ ‫وبحلول العام ‪1996‬م َّ َ‬ ‫تذكُّر أهوال الحرب والحصيلة التي خلَّفتها عىل أجساد النساء بوجه محاواليت إلثارة النقاش حول املوضوع‪.‬‬ ‫خاص‪ .‬وهكذا‪ ،‬فإ َّن أجساد املقاتالت املعوقات ‪-‬نسبة كبرية منهن من‬ ‫إ َّ‬ ‫املسلامت‪ -‬اختفت تقريباً من العاصمة الوطنية أسمرا‪.‬‬ ‫ن الصمت الذي أحاط بمعاناة المرأة المقاتلة‬ ‫‪ 1‬انضم عدد كبري من النساء‬ ‫املسلامت إىل جبهة التحرير‬ ‫اإلريرتية‪( ،‬حركة االستقالل‬ ‫الرائدة يف إريرتيا خالل‬ ‫الستينيات والسبعينيات)‪.‬‬ ‫‪ ٢‬انظر‪ ،‬عىل سبيل املثال‪،‬‬ ‫ساندرا هييل‪( ،‬الجندي‬ ‫والدولة‪ :‬نساء ما بعد‬ ‫التحرير‪ :‬حالة إريرتيا)‪،‬‬ ‫تحرير مارغريت‪ ،‬والر‪،‬‬ ‫جنيفر ريسنغا‪( ،‬نسوية‬ ‫الخطوط األمامية‪ :‬املرأة‬ ‫والحرب واملقاومة)‪،‬‬ ‫نيويورك‪ :‬روتلدج‪2000 ،‬‬ ‫‪،‬ص ‪370-349‬؛ و(محررة‪،‬‬ ‫ولكن ليست حرة‪ :‬املرأة يف‬ ‫إعادة اإلعامر بعد الحرب)‪،‬‬ ‫تحرير شيال مينتجيس‪ ،‬أنو‬ ‫بيالي‪ ،‬ومرييديث تورشني‪،‬‬ ‫(ما بعد الحرب‪ :‬النساء يف‬ ‫إعادة اإلعامر بعد الحرب)‪،‬‬ ‫نيويورك‪ :‬زيد برس‪2002 ،‬‬ ‫‪ ٣‬تم تشكيل جبهة التحرير‬ ‫الشعبىة اإلريرتية يف عام‬ ‫‪ 1970‬من املجموعات‬ ‫االنفصالية التى انشققت‬ ‫عن الجبهة‪ .‬بعد تحقيق‬ ‫االستقالل يف عام ‪،1991‬‬ ‫تحولت إىل الجبهة الشعبية‬ ‫من أجل الدميقراطية‬ ‫والعدالة‪.‬‬

‫‪38‬‬

‫وتج َّنبت الجبهة الشعبية لتحرير إريرتيا وامتداداتها من وسائل اإلعالم‬ ‫التي يسيطر عليها النظام‪ ،‬إثارة كل ما يتعلق مبصري النساء املقاتالت‬ ‫وغريهن من النساء اللوايت قُب َِض عليهن يف جبهة القتال ضد إثيوبيا‪ .‬وقد‬ ‫حاولت ‪-‬دون نجاح‪ -‬خالل زيارايت التأكُّد من أعداد النساء اللوايت قُ ِتلْ َن‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫يف الحرب أو النساء امل ُع َّوقات أو امل ُش َّوهات أو امل َعذَّبات أو امل ُغتَ َصبَات‬ ‫أو الاليت فقدن أرواحهن يف أثناء الحرب ولكن دون طائل‪.‬‬

‫وتجاربها مع العنف‪ ،‬وإخفاء النساء المعوقات‪،‬‬ ‫والجريحات‪ ،‬والمصدومات‪ ،‬إنما ي َُع ِّب ُر عن الموقف‬ ‫اإلريتري العام الذي يرى في االنتهاكات التي حدثت‬ ‫للنساء على أنَّها عا ٌر وطني يجب إخفاؤه‪ ،‬وفي‬ ‫الوقت نفسه فأ َّ‬ ‫ن شجاعتهن هي جزء من ملحمة‬ ‫وطنية خاصة بإرتريا‪.‬‬

‫تحدثت‬ ‫وت ُعتَ َ ُب رواية إحدى املقاتالت املسلامت السابقات الاليت‬ ‫ُ‬ ‫إليهن مبثابة نقلة من مناقشة صدمات الحرب إىل مناقشة مشاكل ما‬ ‫بعد الحرب‪ .‬فقد وصفت حياتها أثناء القتال بهذه الطريقة‪" :‬يف امليدان‪،‬‬ ‫كانوا [الجبهة الشعبية لتحرير إريرتيا] يهتمون بنا‪ .‬ومل يجرؤ أحد عىل‬ ‫بأي شكل من األشكال‪ ،‬رغم أننا كجنديات كنا‬ ‫إيذائنا أو إساءة معاملتنا ِّ‬ ‫عرضة للتأديب مثلنا مثل زمالئنا من الرجال‪ .‬لكن عندما منرض كنا نجد‬ ‫العناية‪ ،‬وكان بإمكاننا الذهاب إىل املدرسة إذا مل تتح لنا الفرصة لذلك‬ ‫قبل دخولنا امليدان‪ .‬كان الرجال من رفاقنا يكنون لنا االحرتام‪ ،‬غري أ َّن‬ ‫هذا الشعور بالصداقة املتينة تالىش مع انتهاء الكفاح‪ ،‬وأصبح عىل املرأة‬ ‫مرة أخرى أن تتوافق مع املعايري التقليدية"‪.‬‬

‫فإذا أراد املرء أن يشرتك يف تقيص الحقائق الخفية حول املرأة اإلريرتية‬ ‫املقاتلة‪ ،‬تظل املصادر الوحيدة هي امل ُ َذكِّ َرات الشخصية أو الروايات‬ ‫الخيالية التي أ َع َّد َها الغرباء عن إرتريا‪ ،‬مثل توماس كينيايل‪ .‬فقد كان‬ ‫(كينيايل) ‪-‬وهو كاتب متحمس لجبهة التحرير الشعبية اإلريرتية‪ -‬قد‬ ‫سافر مع املقاتلني وعاش فرتة يف امليدان‪ .‬ويف روايته (نحو أسمرا)‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫جسد ُم َحطَّمٍ المرأة مسلمة تُ َث ُِّل ‪-‬بالنسبة له‪-‬‬ ‫يربز كينيايل تفاصيل‬ ‫شاهدا ً عىل معاناة كل اإلريرتيني‪" :‬فقد عانت تلك املرأة من التعذيب‬ ‫بالصدمات الكهربائية‪ ،‬وأُلقيت ممدة عىل صخرة‪ ،‬مقيدة من أطرافها‬ ‫األربعة بالحبال‪ .‬حيث ُم ِّز َق رحمها ومل تعد قادرة عىل اإلنجاب‪ .‬وقد‬ ‫ا ُقتُلِ َعت جميع أسنانها‪ ،‬وجميع أظافرها‪ .‬وكانت هناك حروق يف كل‬ ‫مكان من جسدها‪ ...‬لقد مزقوها‪ ،‬ساقها معقوفة عىل ظهرها‪ ،‬وذراعاها‬ ‫وكام أوضحت املقاتلة املسلمة يف مقابلتي معها‪" :‬أنا مثالً مسلمة‪،‬‬ ‫من ورائها‪ ،‬واملعصامن مربوطان إىل الكاحلني‪ .‬داسوا عىل رقبتها للقيام‬ ‫وأصبحت مواطنة‬ ‫تزوجت من مسيحي‪ .‬وعندما عدتُ إىل املجتمع‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫بذلك‪ .‬ركلوها ‪ ...‬وألقوا بها يف أسفل الدرج" ‪.٨‬‬ ‫مدنية‪ ،‬أجربتني عائلتي عىل الطالق من زوجي والتزوج من رجل مسلم‪،‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫ما بين عالمين‬

‫أي تجربة يف النضال املسلح‪ ،‬ومل يغفر يل‬ ‫(ابن عمي)‪ ،‬الذي ليس له ّ‬ ‫زواجي من مسيحي‪ .‬وعاملني زوجي معاملة سيئة وح َّولني إىل خادمة‬ ‫يف منزيل‪ ،‬وانتهي يب األمر إىل الهروب من منزيل ج َّراء اإلهانة والرضب‬ ‫املُتَ َك ِّرر‪ ،‬ورغم أ َّن القانون يسمح يل بالطالق إال أ َّن الشيوخ يعيقون حق‬ ‫النساء يف الطالق يف مجتمعات املسلمني"‪.‬‬ ‫إ َّن الشعور بالهجر والعزلة هو الذي ساد بني النساء املقاتالت حيث‬ ‫ت ُ ِركْ َن وحدهن ملواجهة املشكالت االجتامعية واالقتصادية بعد الحرب‬ ‫كام ذكرت املقاتلة السابقة املسلمة يف مقابلتها معي‪" :‬أنا اآلن أسكن‬ ‫لدي دخل لعدم وجود فرص‬ ‫مع صديقتي وهي مقاتلة مثيل‪ ،‬وليس َّ‬ ‫بت‬ ‫عمل‪ .‬وقد حصل زوجي عىل حضانة طفلنا الوحيد‪ .‬كام إنني أُ ِص ُ‬ ‫يف أثناء الحرب؛ حيث اخرتقت رصاصة ساقي‪ ،‬ورغم أنني قد حصلت‬ ‫عىل عالج جيد يف امليدان‪ ،‬ولكني بحاجة إىل املزيد‪ ،‬فام تزال ساقي شبه‬ ‫وحظيت ببعض‬ ‫ُم َعطَّلَة‪ .‬وعىل الرغم من أنني ُم َص َّنفَة (مقاتلة ُم َعاقَة)‬ ‫ُ‬ ‫الفوائد‪ ،‬ولكنها ليست الفوائد التي أتوق إليها‪ .‬فأنا أحتاج إىل وظيفة‪،‬‬ ‫وأحتاج إىل العالج الطبيعي وبعض املساعدة واملشورة النفسية ملشاكيل‪.‬‬ ‫وتراودين كوابيس عن صديقتي التي ن ُِس َف وجهها أمام ناظري‪ .‬أراها يف‬ ‫كل ليلة‪."...‬‬ ‫ويف شهادة أخرى إلحدى املقاتالت اإلرتريات‪" :‬يف امليدان تعامل‬ ‫زوجي مع جسدي كام لو كان ُم َق َّد َساً تقريباً‪ .‬فعندما كُ َّنا يف ساحة‬ ‫أي شخص آخر‪ ،‬ولكن‬ ‫القتال‪ ،‬كان زوجي يتعامل معي مثلام يُ َعا ِم ُل َّ‬ ‫عندما نكون قريبني [حميمني] مع بعضنا البعض‪ ،‬يكون رؤوفاً معي‬ ‫يلمس جروحي ويداويها‪ .‬ومنذ أن عدنا إىل الديار مل يعد يرغب يف النظر‬ ‫إ َّيل وصار يعاملني بقسوة حتى يف أكرث أوقاتنا حميمية‪ .‬وأنا محرجة‬ ‫إلخبارك بهذه األشياء‪ ،‬ولكنك طلبت ذلك"‪.‬‬ ‫ت ُ َع ُّد حرب التحرير اإلرترية بالنسبة للعديد من اإلرتريني جزءا ً من‬ ‫األسطورة الوطنية‪ ،‬وتتسم الروايات حولها بقيم التضحية‪ ،‬واالكتفاء‬ ‫الذايت‪ ،‬والتحرير‪ ،‬والحرية‪ ،‬واألخالق‪ ،‬واملثل العليا‪ .‬غري أ َّن جانباً كبريا ً‬ ‫من تلك األسطورة قد تَغ َّ َ​َي ما بني فرتة الحرب املمتدة ودخول املقاتلني‬ ‫إىل الحياة املدنية‪.‬‬ ‫وغالباً ما يُتَ َوقَّ ُع من النساء العائدات من الخدمة العسكرية تحويل‬

‫أجسادهن املقاتلة إىل أجساد تتواءم ومنظور األعراف التقليدية لجسد‬ ‫املرأة واإلسهام يف إعادة الحياة إىل طبيعتها‪ ،‬وهو أمر مألوف يف ديناميات‬ ‫حركات التح ُّرر‪ ،‬حيث أنَّه ويف أوقات ما بعد الحرب‪ ،‬تحتاج الدولة إىل‬ ‫جهد املرأة ولكن بشكل مختلف‪ ،‬ويأخذ هذا النهج يف الغالب شكل‬ ‫املحافظة عىل النسيج األخالقي التقليدي للمجتمع‪ ،‬ومرة أخرى‪ ،‬تتوىل‬ ‫الدولة السيطرة عىل أجساد النساء وإعادة توجيهها‪.‬‬

‫بقلم‪ :‬ساندرا هييل‬

‫من االنجليزية‪ :‬شمس الدين عثمان‬

‫‪( ٤‬الحكومة اإلريرتية‬ ‫تأخذ جنودا ً من الخطوط‬ ‫األمامية)‪ ،‬تقارير من قناة‬ ‫أفريقيا‪ 11 ،‬مارس ‪2000‬؛‬ ‫و(جنديات إريرتيات يغادرن‬ ‫خط الجبهة‪ ،‬ولكنهن‬ ‫مستعدات للعودة)‪ ،‬وكالة‬ ‫األنباء الفرنسية‪ 11 ،‬مارس‬ ‫‪( .2000‬ومع ذلك‪ ،‬قد يكون‬ ‫الخوف من القبض عليهم‬ ‫هو الذي دفع بالقرار)‪ .‬انظر‬ ‫تقرير من ميكييل‪ ،‬إثيوبيا‪،‬‬ ‫(أرسى الحرب اإلريرتيون‪،‬‬ ‫مبا يف ذلك النساء‪ ،‬ينتظرون‬ ‫نهاية الحرب)‪ ،‬ديهاي‪:‬‬ ‫‪dehai-news@primenet.‬‬ ‫‪1999 ,29 com, June‬‬ ‫‪ ٥‬جيني ماتوس‪( ،‬املرأة‬ ‫والحرب)‪ ،‬آن أربور‪ :‬جامعة‬ ‫ميشيغان‪ ،2003 ،‬ص ‪41‬‬ ‫‪ ٦‬سينثيا إنلو‪( ،‬هل الكايك‬ ‫يصبح أنت؟ عسكرة حياة‬ ‫املرأة)‪ ،‬بوسطن‪ :‬مطبعة‬ ‫ساوث إند‪1983 ،‬‬ ‫‪ ٧‬الدراسة الكاملة الوحيدة‬ ‫للمحاربات التي ظهرت‬ ‫خالل الحرب هي أمريت‬ ‫ويلسون‪( ،‬املرأة والثورة‬ ‫اإلريرتية‪ :‬طريق التحدي)‪،‬‬ ‫ترينتون‪ ،‬نيوجرييس‪ :‬مطبعة‬ ‫البحر األحمر‪ .1991 ،‬ملزيد‬ ‫من املعلومات املحدثة‪ ،‬انظر‬ ‫ليدا فافايل وروي بامتان‪،‬‬ ‫(الدم واألرض والجنس)‪:‬‬ ‫التعددية القانونية والسياسية‬ ‫يف إريرتيا‪ ،‬بلومينغتون‪:‬‬ ‫مطبعة جامعة إنديانا‪،2003 ،‬‬ ‫وخاصة الفصل ‪8‬‬ ‫‪ ٨‬اسم إحدى الشخصيات‬ ‫يف الرواية‪ .‬توماس كينيايل‪،‬‬ ‫(نحو أسمرا)‪ ،‬لندن‪ :‬هودر‬ ‫وستوكتون‪ ،1989 ،‬ص‬ ‫‪.316-314‬‬

‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪39‬‬


‫الحجاب وتيارات العولمة‬ ‫سليا هيدجز‬

‫فأنت رياضية"‪ ،‬هكذا تُخ ِ‬ ‫"إذا كان ِ‬ ‫لديك جسد‪ِ ،‬‬ ‫َاط ُب الرشكة امل ُ َص ِّن َعة‬ ‫للمالبس الرياضية الرئيسية (ناييك) النساء امل ُ َح َّج َبات يف حملتها‬ ‫التسويقية ملا يُ َس َّمي بـ(الحجاب عايل األداء)‪.‬‬

‫االتجاه الصحيح نحو مزيد من الشمولية والتنوع يف الرياضة واألزياء‬ ‫وما ورائهام‪ .‬وهذا الشعور العام اِلتقطه حسام عيلوش ‪-‬املدير التنفيذي‬ ‫ملجلس العالقات األمريكية اإلسالمية‪ -‬يف تعليقاته عىل حملة (ناييك برو‬ ‫حجاب)‪ ،‬بقوله‪" :‬بغض النظر عن القيم التي تقود هذا امل ُ ْنتَج الجديد‪،‬‬ ‫فهو ت َ َح ُّر ٌك ُم َر َّح ٌب به عندما تقوم الرشكات ووسائل اإلعالم بتطبيع وجود‬ ‫اإلسالم واملسلمني يف عاملنا وخاصة يف الواليات املتحدة‪."٣‬‬

‫فمن خالل تزويد الرياضيات امل ُ َح َّج َبات بأفضل املنتجات مثل منتج‪:‬‬ ‫(ناييك لل ُم َح َّجبَات)‪ ،‬و(ناييك برو حجاب)‪ ،‬تهدف رشكة ناييك إىل خدمة‬ ‫عمالء اليوم وإىل إلهام املزيد من النساء والفتيات اللوايت ما زلن يواجهن‬ ‫حواجز ومحدودية يف الوصول إىل الرياضة بسبب الخلفيات الدينية‬ ‫و يف الوقت الذي يسود فيه الخوف من اإلسالم (اإلسالموفوبيا) الرأي‬ ‫والثقافية‪ .‬وميكن للمرء أن يقرأ ذلك عىل املوقع اإللكرتوين للرشكة‪.‬‬ ‫العام‪ ،‬ت ُ َق ِّد ُم هذه اإلعالنات ‪-‬عىل األقل يف مظهرها‪ -‬رؤية بديلة عن‬ ‫النساء امل ُ َح َّجبَات‪ ،‬وذلك من خالل تصويرهن كأفراد مستقالت ذوات‬ ‫وليست رشكة نايىك هي الرشكة األوىل أو الوحيدة التي تدخل مغامرة عقول قوية وإرادة‪ .‬فهذه الصور نوع ما قد تساعد يف تفكيك النظرة‬ ‫ما يُ َس َّمى بـ(األزياء اإلسالمية) أو (املوضة اإلسالمية)‪ ،‬ففي السنوات الغربية الراسخة للحجاب كأحد مظاهر ظلم النساء وقهرهن وت َ َخلُّف‬ ‫األخرية قام كبار تجار ومصنعي املالبس بـتخصيص منتجات لل ُم َح َّج َبات املجتمعات املسلمة من ناحية‪ .‬كام تعكس هذه الصور قدرة املرأة‬ ‫مبا يف ذلك محالت (إتش آند إم)‪ ،‬و(يونيكلو)‪ ،‬و(مانقواند)‪ ،‬و(دولىش آند املسلمة عىل اختيار مالبسها واستعادة جسدها وأنوثتها‪.‬‬ ‫قابانا)‪ .‬فقد ط َّو َرتْ تلك الرشكات مجموعات أزياء ومالبس وموضات‬ ‫حديثة تستهدف النساء امل ُ َح َّج َبات‪ .‬وظَ َه َرتْ عارضات أزياء مختصات‬ ‫وكام قالت آنيسيا حاسيبو ‪-‬وهي ُم َص ِّم َمة أزياء حديثة إندونيسية‪: -٤‬‬ ‫يف عرض مالبس امل ُ َح َّجبَات أو ما يُ َس َّمي (لباس الحجاب)‪ ،‬من أمثال‪" :‬أنا أؤمن بأ َّن املوضة هي أحد املنافذ التي ميكننا أن نبدأ فيها التحول‬ ‫ماريا إدريس‪ ،١‬وحليمة عدن‪ ،٢‬والاليت يظهرن يف مناسبات عاملية أو الثقايف يف مجتمع اليوم لتطبيع الحجاب يف أمريكا وأجزاء أخرى من‬ ‫عرب اللوحات اإلعالنية واملجالت الالمعة و ُه َّن يروجن لهذه املنتجات الغرب‪ ،‬وذلك لكرس الصور النمطية وإزالة الغموض واملفاهيم الخاطئة"‪.‬‬ ‫بأساليب تتح َّدى معايري الجامل يف صناعة املوضات العاملية‪ ،‬فأصبح ما‬ ‫ورغم أ َّ‬ ‫كان من املفرتض أن يكون نادر الحدوث أمرا ً شائعاً مع رموز وأيقونات‬ ‫ن هذه الحمالت جديرة بالثناء في بعض‬ ‫النواحي‪ّ ،‬‬ ‫ص َن يَتَ َص َّد ْر َن بانتظام صفحات مجالت املوضة‬ ‫إل أنّها ‪-‬مع األسف‪ -‬تعكس صورة نمطية‬ ‫املوضة امل ُ َح َّج َبات الاليئ ِ ْ‬ ‫ن تعميم فرضية أ َّ‬ ‫وأصولية للمرأة المسلمة؛ إذ أ َّ‬ ‫ووسائل اإلعالم الرئيسية‪.‬‬ ‫ن‬ ‫إ َّن الظهور املتزايد للمرأة امل ُ َح َّج َبة ونرش الصور (اإليجابية) للحجاب‪،‬‬ ‫يقابله من ناحية أخرى العداء والشك والريبة يف أوساط قطاعات كبرية‬ ‫من املجتمع الغريب الذي ت ُ َه ْي ِم ُن عىل فضائه يف هذه الحقبة سياسة‬ ‫الخوف والتخويف من الهجامت اإلرهابية املتكررة‪ ،‬واملهاجرين إىل‬ ‫أوروبا‪ ،‬إضافة إىل قرارات حظر السفر ضد البلدان املسلمة التي أصدرها‬ ‫الرئيس األمرييك دونالد ترامب‪.‬‬ ‫وفي هذا المناخ‪ ،‬كثيراً ما ي ُن ْ َظ ُر إلى المرأة التي‬ ‫ترتدي الحجاب على أنها رمز وتجسيد لإلسالم‬ ‫العدائي‪ ،‬بل وأبعد من ذلك ي ُن ْ َظ ُر إليها على أنها رمز‬ ‫لإلرهاب‪ ،‬وبالتالي‪ ،‬ت ُ َع ُ‬ ‫َمل‪.‬‬ ‫امل كتهديد ُمحْت َ‬ ‫َ‬

‫ُسمَّى بـ(األزياء اإلسالمية) هو إشكالية‬ ‫هناك ما ي َ‬ ‫بحد ذاته؛‬

‫وذلك ألنه يُ ْس ِه ُم يف نفي وإبطال تن ُّوع اللباس واألزياء يف العامل اإلسالمي‬ ‫ويُ ْس ِه ُم يف أحادية التفكري وتقليل قيم الثقافات املحلية من خالل‬ ‫الرتكيز بشكل أسايس عىل أزياء الحجاب والعباءة‪ .٥‬وكام قالت الفنانة‬ ‫والناشطة املرصية دينا محمد‪" :‬ال يوجد يشء اسمه زي ُمو َّحد للمسلمني‪،‬‬ ‫فاملسلمون يرتدون كل أنواع املالبس‪ ،‬وغالباً ما تختلف األزياء حسب‬ ‫البلد والثقافة"‪.٦‬‬

‫وتعكس هذه الحمالت اإلعالنية بشكل عام الفهم الضعيف لواقع‬ ‫املرأة املسلمة من قبل الرشكات متعددة الجنسيات‪ .‬فعىل سبيل املثال‬ ‫يبدأ إعالن ناييك بامرأة تقوم بضبط حجابها بعصبية قبل الذهاب إىل‬ ‫ومن ناحية أخرى فإ َّن العديد من املستهلكني والشخصيات العامة الجري يف شارع فارغ ‪ ،‬بينام الراوي هو صوت امرأة تتحدث باللهجة‬ ‫امل ُشَ ِّج َعة للتنوع ما يزالون يرحبون بهذه املبادرات بحامس‪ ،‬كخطوة يف السعودية وت ُ َر ِّددُ‪" :‬ماذا سيقولون عنك؟ رمبا يقولون إنك تجاوزت كل‬

‫‪40‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫ما بين عالمين‬

‫التوقعات"‪ .‬وعىل الرغم من إلهام الجمل املستخدمة يف اإلعالن‪ ،‬إال أ َّن‬ ‫هذا اإلعالن يُ َص ِّو ُر سيناريو غري واقعي‪ ،‬وال يخاطب أحوال العديد من‬ ‫النساء يف السعودية أو النساء املسلامت الاليت يرزحن يف ِظ ِّل واقع‬ ‫قمعي ال يتيح لهن تلك املساحات ‪.‬‬ ‫"هذا ليس التمثيل الحقيقي للمرأة العربية املسلمة‪ ،‬نحن ال نرتدي‬ ‫الحجاب الريايض ونتجول يف الشوارع ب ُح ِّريَّة‪ .‬العار عىل نايك" هذا ما‬ ‫نرشته ندى سهيمي عىل صفحة الرشكة عىل موقع اإلنستغرام‪.٧‬‬ ‫ويف الواقع‪ ،‬هناك العديد من األمثلة من داخل الثقافات واملجتمعات‬ ‫التى ت ُ َق َّي ُد فيها املرأة بشكل كبري يف مساعيها الرياضية‪ .‬ففي اململكة‬ ‫العربية السعودية ُح ِظ َر التعليم البدين والريايض للنساء والفتيات يف‬ ‫املدارس العامة حتى يوليو ‪ .2017‬والنساء محرومات يف معظم الدول‬ ‫ذات األغلبية املسلمة تقريباً من البنيات التحتية الرياضية املُخ ََّص َصة‬ ‫للنساء‪ .‬حيث أ َّن جميع املالعب واألندية الرياضية واملدربني والحكام‪،‬‬ ‫تقترص عىل الرجال فقط‪ .‬وتبدو مامرسة الرياضة املنتظمة من قبل‬ ‫النساء يف بلد ُس ِم َح ل ُه َّن فيه بالدخول إىل اإلستاد الوطني متفرجات‬ ‫للمرة األوىل يف سبتمرب ‪ ،2017‬تبدو وكأنها احتامل بعيد املنال أكرث من‬ ‫كونه حقيقة‪ .‬ولذلك فأ َّن توفُّر حجاب (رسيع الجفاف من العرق) يسمح‬ ‫للنساء باملشاركة يف األنشطة الرياضية وحدة ال يكفى ليكفل للنساء يف‬ ‫دول الغالبية املسلمة املشاركة يف االنشطة الرياضية ب ُح ِّريَّة سوا ًء إن‬ ‫ارتدين الحجاب أو ال‪.‬‬ ‫ها الشركات‬ ‫فهذه الحمالت الدعائية التي تُنَفِّ ذ ُ َ‬ ‫الغربية ليست بعيدة عن الواقع اليومي فحسب‪،‬‬ ‫بل وتميل أيضاً إلى تصوير النساء المسلمات كما‬ ‫لو كُ َّ‬ ‫ن ينتظرن مساعدة الشركات الغربية ودعمها‬ ‫للوقوف معهن ومساعدتهن في جميع مجاالت‬ ‫ومناحي الحياة‪.‬‬

‫ولكن تبقى الحقيقة األساسية وهي أ ّن رشكة ناييك مل تقم بتمكني‬ ‫الرياضيات املسلامت كام يبدو من حملة الرشكة؛ فقد شاركت النساء‬ ‫املسلامت بإرادتهن ال ُح َّرة ‪-‬رغم كل الصعاب‪ -‬يف فروع الرياضة املختلفة بلدانهم تتالءم مع واقع النساء‪ ،‬إال أ َّن تلك الرشكات الصغرية ‪-‬التي غالباً‬ ‫املحرتفة‪ ،‬وعملن عىل تحقيق ذواتهن من خالل الجرأة والعزمية واملثابرة‪ ،‬ما تديرها نساء‪ -‬تواجه اآلن تحديات كبرية من قبل الرشكات الكربى‬ ‫مثل‪( :‬ناييك)‪ ،‬و(إتش آند إم) التي صارت تسيطر بقوة عيل أزياء النساء‬ ‫وليس عرب مساعدة الرشكات الغربية‪.‬‬ ‫امل ُ َح َّج َبات‪.‬‬ ‫وقد عمل العديد من ُم َص ِّم ِمي األزياء املحليني ورجال ونساء األعامل‬ ‫وتقول هيليا أصالن ‪-‬وهي مستشارة لعالمات املوضة اإلسالمية يف‬ ‫يف دول األغلبية املسلمة منذ عقود عىل تطوير صناع ٍة للموضة يف‬ ‫الرسم انيي بيرلوت ‪ -‬فرنساء‬

‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪41‬‬


‫تركيا‪" -‬هناك مصممو أزياء يقومون حالياً بإنشاء مجموعات عاملية‬ ‫(يف العامل اإلسالمي)‪ ،‬لكن العالمات التجارية الغربية هي التي تأخذ‬ ‫االسبقية يف املبيعات‪."٨‬‬ ‫ويف خالصة األمر فإ َّن ما يهم الرشكات بأحجامها كبرية أو صغرية‪،‬‬ ‫وخلفياتها هو حجم املبيعات الذى ُ َيث ُِّل جوهر املسألة وراء رواج‬ ‫تصميامت الحجاب‪ ،‬وليس متكني النساء املسلامت هو ما يهم الرشكات‪،‬‬ ‫بل قوتهن الرشائية اآلخذة يف التوسع‪.‬‬ ‫َت مجلة األعامل (فورتشن) النساء امل ُ َح َّج َبات‬ ‫وصف ْ‬ ‫ففي عام ‪َ ،2015‬‬ ‫ُ‬ ‫بأنَّه َّن‪" :‬سوق األزياء الكبري امل ْقب ُِل غري امل ُْستَغَل"‪ .‬ومن املهم القول‪ :‬إ َّن‬ ‫الرشكات ال تهمها مكانة املرأة أو معاناتها يف املجتمعات اإلسالمية‬ ‫بقدر أ َّن ما يهم الرشكات هو قدرتها عىل التأثري عىل االقتصاد العاملي‬ ‫واالستحواذ عىل املوارد"‪.‬‬

‫ومرة أخرى‪ ،‬سارعت الرشكات متعددة الجنسيات التي تتخذ من‬ ‫الغرب مقرا ً‪ ،‬إىل القفز عىل عربة القطار‪ .‬وقد َم َّهدَتْ لها الطريق‬ ‫رشكات صناعة املواد الغذائية‪ ،‬ورشكات الوجبات الرسيعة الكبرية مثل‪:‬‬ ‫(ماكدونالدز)‪ ،‬و(كنتايك فرايد تشيكن)‪ ،‬و(صب واي)‪ ،‬وأيضاً رشكة‬ ‫(نستله)‪ ،‬وذلك بإضافة الحالل إىل قوائم طعامهم ِم َّم أسهم يف تطوير‬ ‫عمليات إنتاج أطعمة عليها ماركة (الحالل) لجذب العمالء املسلمني‪.‬‬ ‫وتابعت رشكات مستحرضات التجميل الرائدة يف العامل‪ ،‬مثل‪ ( :‬يونيليفر‬ ‫)‪ ،‬و(لوريل ) االستثامر الكبري يف املنتجات والحمالت لكسب والء النساء‬ ‫املسلامت من الطبقات الوسطى‪.‬‬ ‫وفي الوقت الذي تحظى فيه شعارات (الحالل)‬ ‫باعتراف الشركات المتعددة الجنسيات على نحو‬ ‫متزايد كسوق جديدة وكبيرة‪ ،‬فإ َّ‬ ‫ن المحافظين‬ ‫المسلمين يستخدمون مفاهيم الحالل والحرام‬ ‫ذريعة للسيطرة علي أدق تفاصيل حياة النساء‪،‬‬

‫وكام يقول فايل نرص ‪-‬وهو أكادميي أمرييك من أصل إيراين متخصص يف‬ ‫ويف نسج تصورات ُم َح َّددَة لهن وملظهرهن ورشوط وجودهن يف‬ ‫َاض من أجل الحفاظ‬ ‫شؤون الرشق األوسط‪" :-‬إ َّن املعركة الكربى لن تُخ َ‬ ‫‪٩‬‬ ‫الحياة العامة‪ .‬ويتم ذلك بالتواطؤ مع شعارات وماركات (الحالل)‪ ،‬حيث‬ ‫عىل روح العامل اإلسالمي أو عىل الدين‪ ،‬بل عىل رأساملية السوق"‪.‬‬ ‫تقوم الجامعات اإلسالمية املتطرفة بفحص العادات االستهالكية للنساء‬ ‫ووفقاً للتقرير االقتصادي اإلسالمي العالمي ‪ - 2016‬املسلامت بشكل خاص وبتجريم سلوك املرأة يف محاولة لتأكيد سلطتها‬ ‫عىل النساء وبالتايل املجتمعات‪ ،‬حيث ت ُْص َد ُر الفتاوى ‪-‬اآلن‪ -‬لتنظيم ما‬ ‫‪ ،2017‬أنفق المسلمون ‪ 251‬مليار دوالر‪ ،‬أو ‪ %11‬من‬ ‫إجمالي اإلنفاق العالمي على الموضة في عام ‪ 2015‬إذا كان عىل النساء وضع املاكياج‪ ،‬أو استخدام العطور‪ ،‬أو حتى إزالة‬ ‫‪ .‬حيث أُنْفِ قَ ْ‬ ‫ت ‪ 44‬مليار دوالر من قبل النساء الالئي حواجبهن ‪.‬‬ ‫اشترين أزياء مخصصة للنساء ُ‬ ‫الم َحجَّ َبات‪.‬‬

‫وبحلول عام ‪ ،2021‬يُ َق َّد ُر أن ينمو إنفاق املسلمني عىل املالبس بأكرث من‬ ‫‪ ،%7‬ليصل إىل ‪ 368‬مليار دوالر‪ .‬وأمام مثل هذه األرقام املثرية واملتنامية‪،‬‬ ‫فال عجب أ ّن العالمات التجارية العاملية سوف تلهث الغتنام الفرصة‬ ‫واالستحواذ عىل أسهم السوق‪.‬‬ ‫وال يقترص هذا االتجاه عىل صناعة األزياء فقط؛ فقد شهدت السنوات‬ ‫األخرية تكاثرا ً للمنتجات والخدمات التي تحمل ماركة (حالل)‪ ،‬أي‬ ‫املنتجات امل َُص َّنفَة عىل أنها تحرتم قيم اإلسالم ومبادئه‪ .‬وقد ازدهرت‬ ‫ماركة (الحالل) يف قطاعات متنوعة مثل‪ :‬األغذية‪ ،‬واملرشوبات‪ ،‬واألدوية‪،‬‬ ‫ومستحرضات التجميل‪ ،‬ووسائل اإلعالم والرتفيه‪ ،‬والسفر وغريها‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬

‫وقد أدَّى كل ذلك ألن تصبح الرشكات متعددة الجنسيات أكرث سعادة‬ ‫بارتفاع الطلب ملواد يُضْ فَى عليها ماركة (الحالل) التي أسهم يف رواجها‬ ‫العدد املتزايد للمحظورات من قبل الجامعات اإلسالمية والتي تستهدف‬ ‫النساء‪ .‬فعىل سبيل املثال‪َ ،‬ص َّم َم ْت عدد من رشكات مستحرضات‬ ‫التجميل (طالء األظافر) الذي يزعمون أنه (حالل) بعد أن زعم القادة‬ ‫الدينيون أنه من الرضوري أن تصل املياه إىل سطح الظفر كرشط لص ّحة‬ ‫الوضوء‪ .‬لذا‪ ،‬فإ ّن هذا التقارب يف املصالح بني املتزمتني من املسلمني‬ ‫والرشكات الكربى مثري للقلق؛ ألنَّه قد يؤدي إىل فرض املزيد من القيود‬ ‫عىل حريات املرأة ‪.‬‬ ‫وكام هو واضح من خالل هذه األمثلة فإ َّن مبادرات الرشكات التي‬

‫‪ 1‬ماريا إدرييس‪ :‬هي عارضة‬ ‫أزياء بريطانية مغربية‪/‬‬ ‫باكستانية‪ ،‬وهي أول عارضة‬ ‫أزياء يف العامل ترتدي الحجاب‬ ‫يف حملة أزياء رفيعة املستوى‬ ‫ملتجر التجزئة متعدد‬ ‫الجنسيات (إتش آند إم)‪.‬‬ ‫‪ ٢‬حليمة عدن‪ :‬هي عارضة‬ ‫أزياء أمريكية‪ ،‬وهي أول‬ ‫عارضة أزياء ترتدي الحجاب‬ ‫وهي متيش عىل مدارج‬ ‫دولية‪ ،‬وهي ُمع ّينة من قبل‬ ‫وكالة عرض أزياء كربى‪.‬‬ ‫‪ ٣‬نيكول سبيكتور‪َ :‬ر ّد الفعل‬ ‫العنيف – مقاطعة حجاب‬ ‫نايك – باريس ‪ -‬إن يب ىس‬ ‫نيوز ‪ 14 /‬مارس ‪2017‬‬ ‫‪https://www.nbcnews.‬‬ ‫‪com/business/‬‬ ‫‪consumer/nike-s-hijab‬‬‫‪prompts-backlash‬‬‫‪boycott-praise-n733171‬‬ ‫‪ ٤‬إليزابيث باتون‪( ،‬تأكيد‬ ‫هوية األزياء املسلمة)‪،‬‬ ‫نيويورك تاميز ‪ 1 ،‬نوفمرب‬ ‫‪2016‬‬ ‫‪https://www.nytimes.‬‬ ‫‪/03/11/2016/com‬‬ ‫‪fashion/islamic-fashion‬‬‫‪vogue-arabia.html‬‬ ‫‪ ٥‬رداء فضفاض كامل‬ ‫الطول ترتديه بعض النساء‬ ‫املسلامت‪.‬‬ ‫‪( ٦‬كيف ترى خمس نساء‬ ‫مسلامت خط الحجاب‬ ‫الجديد املنتج من دولىش و‬ ‫قابانا)‪ ،‬كوزموبوليتان‪22 ،‬‬ ‫يناير ‪.2016‬‬


‫ما بين عالمين‬

‫تستهدف النساء املسلامت هي يف الغالب مبادرات انتهازية مدفوعة‬ ‫أي رؤية جديدة للمرأة املسلمة خارج سياق‬ ‫بالربح وال تعكس َّ‬ ‫االستهالك‪ .‬وال متتلك هذه الرشكات بالرضورة اهتامماً أو فهامً لواقع‬ ‫النساء يف دول االغلبية املسلمة والتحديات املحيطة بهن ‪ .‬ويبقى متثيل‬ ‫املرأة املسلمة يف الغرب مفصالً حول تنميطها يف املقام األول‪ ،‬حيث يتم‬ ‫التعامل مع النساء املسلامت كرمز وتعبري عن التهديدات األمنية من‬ ‫قبل املحافظني يف الغرب أو كوسيلة لتخويف املجتمعات املسلمة من‬ ‫قبل املتشددين املسلمني وفرصة لزيادة أرباح الرشكات الكربى‪.‬‬ ‫وىف حقيقة األمر فإ َّن النساء املسلامت ل َْس َن ذوات بُ ْع ٍد واحد كام‬ ‫ت َُص ِّو ُر ُه َّن وسائل اإلعالم والحمالت التسويقية‪ .‬كام أنهن ال ميثلن‬ ‫اإلرهابيني أو يتجاوبن معهم كام يرى أصحاب األجندة املحافظة يف‬ ‫الغرب‪ ،‬وبينهن أعداد كبرية ال ترتدى الحجاب‪.‬‬ ‫إ ّن النساء املسلامت مجموعة من األفراد من ذوي التجارب املعقدة‬ ‫واملتنوعة‪ ،‬واألهداف املشرتكة واملتضاربة‪ ،‬مام يجعل طريقهن صعب يف‬ ‫ص عىل وضعهن يف صندوق‪.‬‬ ‫عامل يُ ِ ُّ‬ ‫وعليه‪ ،‬يجب أن نتوقف عن فرض توقعاتنا وتصوراتنا عىل النساء‬ ‫املسلامت‪ ،‬واالمتناع عن تشكيل صورهن يف محاولة لخدمة مصالح‬ ‫الدوغامئية الدينية والثقافية أو املصالح االقتصادية والسياسية‪ .‬ويجب‬ ‫أن ال تخدعنا حملة ناييك الدعائية؛ فتمكني النساء ال يأيت فقط من فتح‬ ‫اح للمرأة املسلمة الحرية‬ ‫فرص أسواق جديدة لالستهالك‪ ،‬بل عندما تُتَ ُ‬ ‫يف بناء صورتها كفرد وكإنسان مستقل‪.‬‬ ‫بقلم‪ :‬سليا هيدجز‬

‫من االنجليزية‪ :‬فيصل الباقر‬

‫سيليا هيدجز‪ :‬من فرنسا‪ ،‬درست االقتصاد السيايس‪ ،‬وعملت مع املبادرة‬ ‫اصة لحقوق املرأة‪.‬‬ ‫االسرتاتيجية لنساء القرن األفريقي ‪ -‬صيحة‪ ،‬وهي ُم َن ِ َ‬ ‫وتعمل مستشارة مستقلة‪ ،‬وتعيش حالياً يف هايتي‪.‬‬

‫‪ ٧‬سيلني أسود‪( :‬املرأة يف‬ ‫اإلعالن الريايض ترضب‬ ‫العصب يف العامل العريب)‪،‬‬ ‫رويرتز‪ 23 ،‬فرباير ‪.2017‬‬ ‫‪http://www.reuters.‬‬ ‫‪com/article/us‬‬‫‪arab-women-nike/‬‬ ‫‪women-in-sports-ad‬‬‫‪strikes-nerve-in-arab‬‬‫‪world-idUSKBN1620I7‬‬ ‫‪ ٨‬ديدم تايل‪( ،‬كيف تحصل‬ ‫املاركات الغربية عىل املوضة‬ ‫للنساء املسلامت بشكل‬ ‫خاطئ)‪ ،‬فايس‪ /‬نائب‪17 ،‬‬ ‫مارس ‪2016‬‬ ‫‪https://broadly.vice.‬‬ ‫‪com/en_us/article/‬‬ ‫‪xyeb9d/how-western‬‬‫‪brands-get-fashion-for‬‬‫‪muslim-women-all‬‬‫‪wrong‬‬ ‫‪ ٩‬فائقة شريازي‪( ،‬كيف‬ ‫أصبح الحجاب صناعة أزياء‪،‬‬ ‫موضة عاملية)‪ ،‬كوارتز‪10 ،‬‬ ‫مايو ‪2017‬‬ ‫‪/979243/https://qz.com‬‬ ‫‪how-the-hijab-became‬‬‫‪a-global-fashion‬‬‫‪/industry‬‬ ‫‪ ١٠‬يوهان فيرش‪( ،‬حدود‬ ‫الحالل‪ :‬مستهلكون مسلمون‬ ‫يف سوق معوملة)‪ ،‬سلسلة‬ ‫أنرثوبولوجيا األديان املعارصة‪،‬‬ ‫بالقريف ‪ -‬ماكميالن‪.2011 ،‬‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪43‬‬


‫أسطرة (الموطن األصلي) وسط‬ ‫الشتات الدارفوري في كندا‬ ‫محمد الفكي‬

‫يف فرباير ‪ 2003‬بدأ إقليم دارفور النايئ يف السودان‪ ،‬يف احتالل الصدارة‬ ‫الكاتب‪ :‬محمد الفيك‪،‬‬ ‫كاتب سوداىن مقيم يف يف نرشات األخبار العاملية؛ وذلك بعد أن أظهرت التقارير حدوث‬ ‫كندا وطالب دكتوراه انتهاكات لحقوق اإلنسان وفظائع جسيمة‪ ،‬حيث انترشت عىل نطاق‬ ‫ىف جامعة ماكامسرت‪ ،‬شاسع صور القرى املحرتقة وتقارير عن عمليات نهب شاملة وإبادات‬ ‫شعبة األنرثوبولوجيا‪ .‬جامعية واغتصابات لفتيات ونساء‪ ،‬هذا باإلضافة لفرار اآلالف من‬ ‫األشخاص من قراهم ومدنهم الصغرية‪ ،‬مام تس َّب َب يف نزوح سكاين واسع‬ ‫النطاق‪ .‬فمنذ اندالع األزمة يف دارفور لجأ أكرث من مليوين شخص من‬ ‫اإلقليم إىل املراكز الحرضية داخل البالد أو معسكرات اللجوء يف دول‬ ‫الجوار‪.‬‬ ‫وعىل الرغم من أ َّن الجئي دارفور قد أُ ِ‬ ‫جبوا عىل ترك أغلب ممتلكاتهم‬ ‫املادية وراءهم‪َّ ،‬إل أنهم قد حملوا معهم إىل أماكن نزوحهم ولجوئهم‬ ‫ذكريات حيَّة‪ .‬وهذه الذكريات ليست صورا ً جامدة ألحداث سابقة أو‬ ‫استدعاءت شخصية تقترص أهميتها عىل أصحابها فحسب‪ ،‬لكنهم مثلهم‬ ‫مثل غالبية النازحني والالجئني من ضحايا الحروب والكوارث فقد حمل‬ ‫الجئو دارفور معهم ما بات يُع َر ُف عىل نحو متزايد بـ(الذاكرة االجتامعية‬ ‫أو الذاكرة الجامعية)‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫املنتقاة للاميض‪ ،‬وبالتايل تصبح املجموعة املعنية وماضيها املحيك هي‬ ‫منتجات خيالية (أسطورية) لنهوضهام بناء عىل روايات منتقاة‪ .‬وعىل‬ ‫الرغم من صعوبة وتعقُّد هذه الصريورة إال أنها تُ َ ِّك ُن املجموعة املعنية‬ ‫من تجاوز الصدمات العنيفة التي مرت بها وتساعد املجموعات املنكوبة‬ ‫عيل االلتحام مع بعضهم البعض من أجل مواجهة تحديات ومتطلبات‬ ‫الحارض‪ ،‬وبالتايل تساعد الذاكرة الجامعية يف عملية التغيري يف املجتمع‬ ‫أو حتى يف تأجيج الثورة وذلك عن طريق بناء ٍ‬ ‫ماض منتقاة يسهم يف‬ ‫صريورة املجموعات املعنية"‪.٣‬‬ ‫ويتبادل الشتات الدارفوري التصورات والرسد املنتقاة عن األرض‬ ‫السبُل‪ .‬حيث ميزج الكثريون منهم ما بني رسدهم الشخيص‬ ‫االم بشتى ُّ‬ ‫واملحكيات الكربى لدارفور واألزمة التي مير بها اإلقليم ‪ .‬وبالتايل يصبح‬ ‫من غري املجدي أبدا ً بعد اآلن التمييز بني ما إذا كانت عنارص الشتات قد‬ ‫عايشت أحداث الحرب ومآيس اإلقليم مبارشة أم أن معارفهم اكتسبت‬ ‫عن طريق الرسد عرب األجيال‪ ،‬حيث يشرتك الكل يف تاريخ يتجاوز اللحظة‬ ‫اآلنية ويعمل عىل ضامن استمرارية بقاء املجموعة متامسكة‪.‬‬ ‫ويف هذا اإلطار تتحول دارفور من كونها مكاناً ُمتَ َع ِّدد الجغرافيا‬ ‫يعيش فيه أناس من خلفيات اجتامعية وثقافية متنوعة إىل كيان أوحد‪.‬‬ ‫وبدالً عن وضعية التنوع التي كانت وال تزال تسم إقليم دارفور‪ ،‬يتحول‬ ‫(املوطن األصيل) إىل كيان ُمتَ َخ َّيل يوحد الكل‪ .‬وللحق نقول‪ :‬إ َّن هوية‬ ‫الشتات الدارفوري قد نهضت عىل خلفية (أزمة) نتجت عن تاريخ طويل‬ ‫ت َع َّر َض خالله اإلقليم إىل التجاهل والحرمان والتهميش وعمليات النهب‬ ‫املنظمة ملوارد دارفور البرشية والطبيعية من قبل حكومات املركز‪.‬‬

‫فاملجموعات التي تتعرض حياتها واستقرارها إىل ه َّز ٍ‬ ‫ات عنيفة نتيجة‬ ‫للحروب أو النزاعات واملجاعات‪...‬إلخ‪ ،‬تناضل باجتهاد شديد يف محاولة‬ ‫منها إلعادة بناء وجودها املادي املفقود واملحافظة عىل هويتها كـ(كل)‬ ‫سامل ومتامسك‪ .‬ويف هذه الحالة تساعد الذاكرة الجامعية عىل إنتاج‬ ‫وإعادة إنتاج دالالت ومعانٍ تدعم بقاء املجموعة املعنية واستمرارها‪.‬‬ ‫فالذاكرة الجامعية التي تحملها الجامعة النازحة تصبح مبثابة املخطط‬ ‫األويل الذي يعمل عىل إعادة ميالد املجموعة املعنية كوحدة كلية‬ ‫متامسكة‪ .‬وقد َع َّ َبت عاملة األنرثوبولوجية لييزا ماليك عىل نحو دقيق‬ ‫عن حالة امليالد هذه وذلك يف قولها‪" :‬إنتاج مايض [إي مجموعة من‬ ‫املجموعات] هو مبثابة إنتاج تاريخ ذي طبيعة خاصة‪ -‬فهو [تاريخ]‬ ‫يدعي ارتباطات أخالقية مع منطقة محددة؛ (األرض إالم أو املوطن)‬ ‫ويفرتض وجود صالت زمانية ُم َق َّد َسة بني الناس والنظام السيايس‬ ‫واملنطقة الجغرافية املحددة"‪.1‬‬

‫يف كندا تزامن ظهور أول بوادر هوية دارفورية وسط دارفوريي‬ ‫الشتات مع تصاعد األزمة يف دارفور خالل منتصف إىل أواخر التسعينيات‬ ‫عندما بدأت القوات الحكومية واملليشيات يف شن هجامتها الكثيفة يف‬ ‫مناطق جبل مرة وقد ت ُ ِّوجِت تلك األحاسيس األولية بتأسيس رابطة‬ ‫دارفور يف مدينة تورنتو يف حوايل العام ‪ 1999‬وكان من أهم أهدافها‬ ‫‪٤‬‬ ‫معالجة والتصدي لتلك األحداث الجسام التي كانت تحدث يف اإلقليم‪.‬‬

‫إذن فأ َّن عملية إنتاج الذاكرة الجامعية أو التذكُّر هي صريورة تشمل‬ ‫حالتي التذكُّر والنسيان يف آن واحد حيث يصبح املايض هو املادة الخام‬ ‫التي تنفتح عىل عدد غري محدود من التفسريات والقراءات‪ ،‬اليشء‬ ‫َس مقولة‪" :‬املستقبل مضمون لكن املايض ال ُيكن التنبؤ به"‪.٢‬‬ ‫الذي يُف ِّ ُ‬ ‫تستخدم املجموعات املعينة آليتي الرسد والحيك يف إنتاج ومترير قراءاتها‬

‫ومن أجل تعزيز الهوية املُتَ َخيَّلة تعتمد مجموعات الشتات ‪-‬ضمن‬ ‫أشياء عديدة أخرى‪ -‬عىل إحياء عىل اللغة األم واألدوار الجندرية‬ ‫التقليدية واملحافظة عليها‪ .‬فمن ناحية نجد أ َّن مجموعات دارفور‬ ‫الثقافية املختلفة وبال استثناء‪ ،‬مبا فيها مجموعة الشتات‪ ،‬تجنح بوعي‬ ‫كامل وبصورة متزايدة عىل التعامل بلغاتها املحلية بغض النظر عن‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫ما بين عالمين‬

‫اللوحة من أعمال الفنان بليس باتريس ‪ -‬بلجيكا‬

‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪45‬‬


‫السياق املاثل‪ ،٥‬لتصبح اللغة املحلية بعد ذلك مبثابة عالمة متا ٍه اجتامعي‬ ‫وثقايف وكداللة عىل (النقاء املفقود) الذي تتخيله وتهفو إليه املجموعة‬ ‫املعنية‪.‬‬ ‫ومن ناحية أخرى‪ ،‬تقع مهمة ترجمة (املوطن األصيل) املتخيل إىل‬ ‫واقع يومي عىل عاتق املرأة‪ .‬فبينام يتوىل الرجل الجانب (النظري‪/‬‬ ‫الخطايب)‪ .‬متثل املرأة (الجسد الجمعي) للمجموعة املعنية ويُتوقع منها‬ ‫أن ت ُ َج ِّس َد (النقاء) املُتَ َخ َّي َل لـ(الجنة املفقودة)‪ ،‬وبالتايل يكون لزاماً عليها‬ ‫الخضوع ملثاليات وقيم املجموعة كالعفة والتواضع‪ ،‬وبينام تتعرض املرأة‬ ‫التي ال تلتزم بهذه القيم لالحتقار والوصم والعزلة من قبل املجموعة‪،‬‬ ‫وبالتايل فأ َّن تلك القيم تقف عائقاً يَ ِح ُّد من قدرة املرأة عىل االندماج يف‬ ‫البيئة االجتامعية واالقتصادية والثقافية الجديدة‪.‬‬

‫فقط لحظات الحنني التي يستدعيها البعض من وقت آلخر ولكنه‬ ‫ميثل الجوهر الذي يحافظ عىل هوية املجموعة املعنية ويهبها اليقني‬ ‫والطأمنينة‪ ،‬وبالتايل يصبح (املوطن األصيل) عبئاً رضورياً يجتهد‬ ‫األشخاص يف املحافظة عليه وإبقائه ح َّياً‪ .‬إال أ َّن هذه الهوية املُتَ َخ َّيلَة‬ ‫واملنسوجة بعناية‪ ،‬يقع عىل املرأة بصفة خاصة عبء املحافظة عليها و‬ ‫عكس متثالتها والتي تعرب عن عامل الجامعة البعيد واملُتَ َخ َّيل‪.‬‬

‫بقلم‪ :‬محمد الفكي‬

‫ولعله من سخرية القدر أن ينطبق ذات املنطق السابق عىل األوضاع‬ ‫ىف دارفور حيث أصبح االغتصاب واالنتهاكات الجنسية ضد املرأة أدوات‬ ‫ت ُستَخ َد ُم لتقويض ات ِّساق وتكامل املجموعات التي يتم الهجوم عليها‬ ‫بواسطة قوات الحكومة واملليشيات املوالية لها‪ .‬وبالتايل يصبح جسد‬ ‫املرأة هو الرمز وحامل رشف وهوية املجموعة املعنية خالل مساحات‬ ‫الحرب والسالم‪.‬‬ ‫ومن أجل املحافظة عىل الصلة مع (املوطن األصيل) متيل جامعات‬ ‫الشتات عىل إعادة إنتاج البنية التقليدية للمنزل‪ .‬فبالرغم من أ َّن‬ ‫الكثريات من نساء دارفور يف بالد املهجر ينخرطن يف العمل مدفوع األجر‬ ‫يف االقتصاد ويتقاضني رواتب ثابتة‪ ،‬إال أنَّهن ال زلن يقع عىل عاتقهن‬ ‫العبء األكرب من األعامل املنزلية كالطبخ والغسيل وتربية األطفال‪.‬‬ ‫الطعام أيضاً يصبح إحدى الوسائل املستخدمة يف املحافظة عىل هوية‬ ‫املجموعة‪ .‬فالشتات الدارفوري ىف كندا ال يزال يصنع ويستهلك العصيدة‬ ‫التي تُ َث ُِّل أهم الوجبات املحلية يف (املوطن األم)‪ ،‬حيث يُستَجل َُب‬ ‫دقيق الدخن امل ُستَخ َدم يف صناعتها مبارشة من السودان‪ .‬ويف حال تعرث‬ ‫ذلك يُستَخد ُم الدقيق العادي‪ .‬وعادة ما يتم تناول الوجبات املحلية‬ ‫بصورة جامعية مع األقرباء والجريان والضيوف‪ .‬وباإلضافة إىل الطعام‬ ‫أيضاً يحرص دارفوريو الشتات عىل االحتفاظ باملنتجات اليدوية املحلية‬ ‫املصنوعة من األخشاب والجلود والسعف وتزيني املساكن بها‪ ،‬مام‬ ‫يضفى عىل املكان إحساساً باإللفة واالنتامء‪.‬‬ ‫وكام هو واضح من األمثلة السابقة‪ ،‬فإ َّن (املوطن األصيل) ال يعني‬

‫‪46‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬

‫‪ 1‬لييزا ه‪ .‬ماليك‪ ،‬النقاء‬ ‫واملنفى‪ :‬العنف والذاكرة‬ ‫والكونية القومية وسط‬ ‫الجئي الهوتو ىف تنزانيا‪:‬‬ ‫شيكاغو (دار نرش جامعة‬ ‫شيكاغو‪ .)2005 ،‬ص‪1.‬‬ ‫‪ ٢‬نيكوالس أرجنتي وكاثارينا‬ ‫سكرام‪ ،‬تذكُّر العنف‪ :‬وجهات‬ ‫نظر أنرثوبولوجية حول‬ ‫التوارث الجييل‪ ،‬نيويورك‬ ‫(بريهامن للكتاب‪،)2010 ،‬‬ ‫ص‪.9 .‬‬ ‫‪ ٣‬هابواش‪ ،‬منقول عن املصدر‬ ‫السابق‪ ،‬ص‪.5 .‬‬ ‫‪ ٤‬كاتب املقال من مؤسيس‬ ‫رابطة دارفور بكندا‪.‬‬ ‫‪ ٥‬قبل إندالع األحداث‬ ‫األخرية يف دارفور كان يُنظر‬ ‫إىل استخدام اللغة املحلية‬ ‫للتخاطب أمام الغرباء ممن‬ ‫يجهلون تلك اللغة عىل أنه‬ ‫سلوك غري الئق‪.‬‬


‫ما بين عالمين‬

‫نساء مطلوبات للعدالة‪ :‬تأ ُّمالت‬ ‫في حياة (أيان هرسي علي)‬ ‫ص ِّدي ِ ِقي)‬ ‫و (عافية ِ‬

‫عرض لكتاب الكاتبة‪ :‬ديبرا سكروجينز‬ ‫هالة الكارب‬

‫يتناول كتاب (نساء مطلوبات)‪ ،1‬الصادر عام ‪ ،2012‬تجربة ثم إىل أفغانستان حيث ألقت املخابرات األمريكية القبض عليها يف العام‬ ‫امرأتني مثريتني للجدل‪ ،‬وذلك ملواقفهام املتضاربة واملُتَطَ ِّرفَة ‪.2008‬‬ ‫تجاه الدين اإلسالمي‪ .‬الكتاب من تأليف الصحفية والكاتبة‬ ‫َسطَ َع نجم ك ٍُّل من (أيان هريس عيل) و(عافية ِص ّديقي) يف منتصف‬ ‫َت‬ ‫األمريكية املعروفة‪ :‬ديربا سكروجينز‪ ،‬التي سبق وألَّف ْ‬ ‫‪٢‬‬ ‫الكتاب املعروف ىف السودان (‪()Emma’s War‬حرب إميا) التسعينيات‪ ،‬وذلك تحديدا ً آلرائهام املثرية للجدل حول ماهية الدين‬ ‫الذي تناولت فيه الحياة املأساوية لـ(إميا مكيون)‪ ،‬الزوجة اإلسالمي ومتظهراته‪ .‬وتعكس تجربة املرأتني املتاهة التي تواجه أجياالً‬ ‫الراحلة لرياك مشار نائب الرئيس الحايل يف دولة جنوب من املسلمني يف الشتات ويف املجتمعات ذات الغالبية املسلمة عىل‬ ‫السودان والسيايس الجنوب سوداين املعروف‪ .‬واعتامدا ً عىل َح ٍّد سواء يف املواءمة ما بني عقيدة تسيطر عليها قيم اإلسالم السلفي‬ ‫إملامها بالشأن السوداين‪ ،‬وتجربتها امليدانية كصحفية يف البالد‪ ،‬وعامل متغري ومعقَّد‪ .‬وتشري ديربا سكروجينز إىل أ َّن كُل من أيان وعافية‬ ‫تستعرض ديربا سكروجينز يف (حرب إميا) الواقع السيايس حينام اتخذتا قرارات أدت إيل تحوالت الجذرية يف حياتهام "كانتا يف‬ ‫مقتبل الثالثينيات ومتتعتا بذكاء المع ومستقبل مرشق‪ ،‬وكلتاهام سليلة‬ ‫املضطرب والشائك برؤية ثاقبة وشيقة يف الوقت نفسه‪.‬‬ ‫عائلة معروفة بنفوذها السيايس‪ .‬ومن أوجه الشبه بينهام تنقّلهام ما‬ ‫فهذا االهتامم بتتبع مسرية النساء املؤثرات وسرب غور عامله ّن‪ ،‬بني إفريقيا وآسيا وأوروبا والواليات املتحدة‪ .‬وكلتاهام امتلكت شخصية‬ ‫واستخدام البحث الصحفي‪ ،‬مييز أعامل ديربا سكروجينز يف رسدها قوية ومقدرة عىل القتال من أجل القناعات‪ .‬وكلتاهام وجدت يف‬ ‫الشجاعة قيمة هامة‪ .‬كانت أيان وعافية متمردتني عىل مجتمعاتهام مع‬ ‫للتجارب النسويه الفريدة‪.‬‬ ‫اختالف االتجاهات الاليت سلكتها ك ٌُّل منهام"‪.‬‬ ‫ويف كتاب (نساء مطلوبات) نلمس جرأة الكاتبة يف تناولها لحيثيات‬ ‫ففي تجربة أيان وعافية يظهر جليَّاً تأثري سطوة الغرب والعالقات‬ ‫املد الديني اإلسالمي األصويل وتجلياته عىل مجتمعات الدول اإلسالمية‪،‬‬ ‫وخاصة عىل املرأة يف ك ٍُّل من الباكستان والصومال‪ ،‬مسقط رأس معه يف الخيارات التي اتَّخذنها‪ ،‬ورصاعات املجتمعات اإلسالمية أمام‬ ‫الشخصيتني الرئيسيتني يف كتاب (نساء مطلوبات)‪ .‬حيث يعكس إخفاق مشاريع دولة ما بعد االستعامر يف الرشق األوسط وشامل إفريقيا‬ ‫الكتاب األثر العميق لإلسالم السيايس األصويل ودوره يف تشكيل الهويات والقرن اإلفريقي‪ .‬حيث فقدت شعوب الدول اإلسالمية ثقتها بالزعامء‬ ‫االجتامعية والثقافية للمجتمعات‪ ،‬وإعادة تنظيم املعايري االجتامعية املستبدين والفاسدين‪.‬‬ ‫وعالقات الجندر وفق تصورات األصولية‪.‬‬ ‫وأمام غياب مشاريع سياسية بديله‪ ،‬يُ َل َح ُظ عودة الشعوب يف الدول‬ ‫يضعنا كتاب (نساء مطلوبات) أمام امرأتني تشكَّلت حياتهام بناء عىل ذات الغالبية املسلمة إىل حظرية التديُّن السلفي ومرجعياته التقليدية‪.‬‬ ‫جدلية عالقتهام بالدين وتعبريهام الرصيح عن معتقداتهام‪ .‬وإحدى وقد منح ذلك الرتاجع قوى اإلسالم السيايس السلطة والقدرة عىل التأثري‪،‬‬ ‫هاتني الشخصيتني هي‪( :‬أيان هريس عيل)‪ ،‬الناشطة الصومالية ومؤلفة حيث طرح قادة اإلسالم السيايس أنفسهم باعتبارهم املرشوع (البديل)‬ ‫كتاب (امللحدة)‪ )Infidel( ،٣‬الذي تروي فيه تفاصيل حياتها ورحلتها ملقاومة استغالل الغرب وتغ ّوله‪ .‬ويف واقع األمر‪ ،‬فقد كانت التيارات التي‬ ‫التي دفعتها إىل نبذ الدين اإلسالمي‪ .‬والشخصية األخرى هي‪( :‬عافية حملت راية اإلسالم السيايس ُج ّل ما تسعى إليه هو األخذ بزمام السلطة‬ ‫ص ّديقي)‪ ،‬العاملة الباكستانية التي تنحدر من عائلة تقليدية ذات مكانة والسيطرة عىل موارد البالد ملصالحهم الشخصية أسوة بالدكتاتوريات‬ ‫اجتامعية عالية يف الباكستان‪ ،‬وخريجة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا التي سبقتهم‪ .‬مع الفرق أ َّن قوى اإلسالم السيايس قد ثابرت يف بث‬ ‫يف الواليات املتحدة‪ ،‬قبل انخراطها يف تنظيم القاعدة وانضاممها إىل نهج اإلقصاء والكراهية والعنف تجاه النساء واألقليات وك ُِّل من اختلف‬ ‫صفوف جامعات تابعة له يف الواليات املتحدة‪ ،‬وهروبها إىل الباكستان معهم فكرياً أو سياسياً‪ ،‬ذلك دون قراءة لتعقيدات الواقع بشكل حقيقي‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪47‬‬


‫وعميق‪ ،‬فضالً عن التأويالت الحرفية واملختزلة للتاريخ التي تتجاهل وعىل الرغم من هذا النقد الذي يؤخذ عليها‪ ،‬ينبغي أن نعطي أيان حقها‬ ‫وال ننتقص من قيمة إقدامها ونجاحها يف الوصول إىل جهات أمريكية‬ ‫السياق العام وبنية الدولة الحديثة‪.‬‬ ‫متنفذة‪ ،‬مستفيدة من قصتها وسريتها‪.‬‬ ‫ت ُ َج ِّس ُد ك ٌُّل من أيان وعافية قطبني متعارضني فرضهام الواقع امل ُتشظِّي‬ ‫يكمن متيز موقف أيان ‪-‬يف رأيي‪ -‬من كونها امرأة صومالية تبنت‬ ‫الذي نعيشه كمسلمني‪ .‬فأيان أعلنت مرارا ً عن امتعاضها من تعاليم‬ ‫اإلسالم ونأت بنفسها عن أصولها الصومالية‪ .‬وقامت بإعادة تشكيل هذا املوقف‪ ،‬وتجرأت عىل أن تتعرض‪ ،‬عن قصد أو دون قصد‪ ،‬للوصمة‬ ‫أي‬ ‫هويتها باعتبارها امرأة ُمنشَ قَّة وهاربة من براثن اإلسالم‪ ،‬ومرمتية يف والنبذ من قبل أقرانها وأبناء مجتمعها‪ .‬فهذا يُشَ ك ُِّل حمالً ثقيالً عىل ِّ‬ ‫أحضان الغرب‪ .‬مقابل ذلك‪ ،‬نجد أ َّن عافية لجأت إىل فخ األيديولوجية شخص نشأ وترعرع يف مجتمع ذو تقاليد جامعية راسخة‪.‬‬ ‫السلفية العنيفة والقمعية والتي تُبَ ِّج ُل أمجاد املايض وترنو إىل جنة‬ ‫شكَّلت أيان سمعتها يف الغرب من خالل فضح منظومة العنف‬ ‫مفقودة يف عرص ُمتَ َخ َّيل‪.‬‬ ‫واستغالل املرأة باسم اإلسالم يف املجتمعات اإلسالمية‪ .‬وال يشء جديد‬ ‫ويُ َب ِّ ُي كتاب ديربا سكروجينز ردود فعل املؤسسات الغربية من حيث هنا؛ فالنساء ظللن يقاومن القمع باسم الدين منذ قرون‪ .‬ومع أ َّن رواية‬ ‫التعبئة والدعاية اإلعالمية إزاء كل من السيدتني‪ .‬ففي الوقت الذي تم أيان فيها يشء من الصدق‪ ،‬إال أ َّن خطابها املختزل والغاضب َّ‬ ‫يتعث‬ ‫فيه التصفيق أليان ومنحها الجوائز التقديرية والشهرة ملواقفها املعادية باستمرار‪ ،‬لينحرص يف اإلشارة إىل الوقائع ويعجز عن أخذنا إىل جذور‬ ‫لإلسالم‪ ،‬دفعت عافية مثناً باهظا مقابل متاهيها مع األصولية اإلسالمية اإلشكالية‪ .‬حيث تقف أيان عند حدود اإلدانة دون أن تبذل الجهد يف‬ ‫والسلفية الداعية إىل تحرير املسلمني من هيمنة الغرب‪ .‬حيث ُح ِك َم تفكيك تركيبة األصولية اإلسالمية وعالقتها التاريخية واملمتدة مع ذات‬ ‫عليها بالسجن ملدة ‪ 86‬عاماً بعد أن ات ُّ ِه َمت مبحاولة اغتيال بعض وكالء املؤسسات التي تحتوي وتبارك صوت أيان‪ .‬و من ناحية أخرى‪ ،‬يُ َل َح ُظ‬ ‫املباحث الفيدرالية األمريكية وجنود أمريكيني ومرتجمني يف غزين‪ ،‬عدم تط ُّرق كتاب ديربا سكروجينز إىل تو ُّرط الجهاز الحكومي األمرييك يف‬ ‫أفغانستان‪ ،‬خالل التحقيق معها بتهمة االنخراط يف جامعات إرهابية‪ ،‬دعم وتطوير األصولية اإلسالمية‪ ،‬التي أصبح يُنظَ ُر إليها الحقا باعتبارها‬ ‫العدو األكرب للواليات املتحدة‪.‬‬ ‫مبا يف ذلك القاعدة‪.‬‬ ‫وينتقل الكتاب يف رسد حكايتي السيدتني بالتناوب‪ ،‬ويعرض ومضات‬ ‫من حياة أيان وعافية من الطفولة وحتى الحارض‪ .‬حيث ترافقنا ديربا‬ ‫سكروجينز يف رحلة شيقة‪ ،‬نستكشف فيها حياة السيدتني ونشأتهام‪،‬‬ ‫دون أن يغيب عنرص الرسد املش ِّوق والتحليل الرصني ملنظومة (الحرب‬ ‫عىل اإلرهاب) الدائرة‪ .‬وسواء اتفقنا أم اختلفنا مع التحليل الوارد‪ ،‬ال‬ ‫ُفصل واملمتع‪ ،‬وبراعة ديربا سكروجينز يف تناول‬ ‫ميكن أن يفوتنا البحث امل َّ‬ ‫لحظات التحول التي شكَّلت هوية وقرارات الشخصيتني‪.‬‬ ‫نساء مطلوبات‪ :‬حول أيان هريس عيل‪:‬‬ ‫تتحدى ديربا سكروجينز الرواية البطولية التي رسمتها (أيان هريس‬ ‫عيل) حول نفسها يف روايتها (امللحدة) وت ُشَ كِّك يف صدق نواياها‪ .‬تتوقف‬ ‫يف عدة لحظات عىل طريقة رسد أيان لقصة حياتها‪ ،‬دون اإلغفال عن‬ ‫النظر إىل تواطؤها مع جهات أمريكية نافذة معروفة بعدائها للمسلمني‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬

‫أعتقد شخصياً أنه ينبغي محاسبة أيان عىل ترصيحاتها املختزلة‬ ‫واملحدودة‪ ،‬القامئة عىل التعميم‪ ،‬وتواطؤها مع جهات سياسية ذات‬ ‫أسس عقائدية و لها عالقات بانتهاكات حقوق اإلنسان يف فلسطني مثل‬ ‫اللجنة األمريكية اليهودية (‪ .)AJC1‬ومع ذلك‪ ،‬ينبغي أن ال ننتقص من‬ ‫جراءتها وتجربتها الفريدة‪.‬‬ ‫يف (نساء مطلوبات) ت َُسلِّ ُط ديربا سكروجينز الضوء بشكل محدود‬ ‫عىل الجانب الوصويل يف شخصية أيان وت ُ َركِّ ُز عىل الكشف عن الجوانب‬ ‫االنتهازية يف شخصيتها حسب رأى الكاتبة‪ ،‬األمر الذي انتقص ‪-‬برأيي‪-‬‬ ‫من تناولها لحياة أيان‪.‬‬ ‫نساء مطلوبات‪ :‬حول عافية ِصدّ يقي‬ ‫يتتبع كتاب سكروجينز خيوط نشأة عافية ِص ّديقي وحياتها العائلية‬

‫‪AJC is a Jewish 1‬‬ ‫‪advocacy group‬‬ ‫‪established on‬‬ ‫‪.1906 ,11 November‬‬ ‫[‪It is one of the ]5[]1‬‬ ‫‪oldest Jewish advocacy‬‬ ‫‪organizations in the‬‬ ‫‪united states‬‬


‫ما بين عالمين‬

‫وإقامتها يف الواليات املتحدة‪ .‬فحكاية عافية هي مثال قوي عىل أمناط‬ ‫التنشئة االجتامعية الشائعة حالياً بني بعض األرس‪ ،‬وطريقة تربية الفتيات‬ ‫يف أوساط العائالت املسلمة ذات املكانة االجتامعية النخبوية‪ .‬ويُال َح ُظ‬ ‫االنفصام يف الرتبية ما بني الحفاظ عىل التقاليد اإلسالمية امل ُحافظة من‬ ‫ناحية ودفع الفتيات إىل التعلّم عىل الطراز الغريب كجزء من السلطة‬ ‫واملكانة االجتامعية‪.‬‬ ‫يف رسد حكاية عافية‪ ،‬تتأمل ديربا سكروجينز يف حيثيات العالقات‬ ‫ّ‬ ‫مرشف ومنظامت‬ ‫امل ُ َع َّق َدة بني الحكومة الباكستانية خالل حكم برويز‬ ‫أصولية جهادية كالقاعدة‪ ،‬وتشري إىل مواقف الجيش وجهاز االستخبارات‬ ‫الباكستاين املتضاربة إزاء اإلسالميني من ناحية ‪ ،‬ومحاوالتهم منهم‬ ‫إلرضاء حلفائهم األمريكيني‪.‬‬

‫(نساء مطلوبات) هو كتاب بارع ويستحق القراءة‪ .‬حيث يتضمن‬ ‫الكتاب معلومات قيمة ومقاطع مؤثرة قامئة عىل بحث جيد‪ .‬فهو كتاب‬ ‫يعكس حالة االستقطاب والتشظِّي التي تعيشها مجتمعات دول الغالبية‬ ‫املسلمة‪ ،‬عرب رسد مواقف امرأتني فريدتني والخيارات التي ات ّخذنها‪.‬‬

‫بقلم‪ :‬هالة الكارب‬

‫من االنجليزية‪ :‬اليز اغازريان‬

‫ومع أ َّن ديربا سكروجينز ترسم صورة شيقة ومتناسقة ملحطات يف‬ ‫حياة عافية قبل انخراطها يف صفوف القاعدة وغريها من الجامعات‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬نجدها تواجه صعوبة يف كشف النقاب عن جوانب من‬ ‫شخصيتها والعوامل التي دفعتها باتجاه حمل راية األصولية اإلسالمية‪.‬‬ ‫ومع ذلك‪ ،‬ينجح الكتاب يف تحديد عدة نقاط تح ّول يف حياة عافية‪ ،‬مبا‬ ‫يف ذلك مت ُّردها عىل منظومة الزواج واألمومة‪ ،‬ورفضها أن تشكل تلك‬ ‫العوامل لهويتها‪.‬‬ ‫وت ُ َب ِّ ُي ديربا سكروجينز كيف أ َّن عافية تعاملت مع أجندة االصوليني‬ ‫وتبشريهم بأهمية عودة املرأة إىل املنزل ٍ‬ ‫بتحد كبري‪ .‬حيث يشري الكتاب‬ ‫إىل طموح عافية السيايس وتل ُّهفها لالنخراط يف صفوف الجهاد املُتَ َخ َّيل‪.‬‬ ‫كام يكشف الكتاب عن توجهاتها املثالية والساذجة إىل َح ٍّد ما فيام‬ ‫يتعلق مبنظورها نحو الجهاد يف ِظ ِّل الواقع الحايل‪ .‬ومن ناحية أخرى‬ ‫نستشف من التوثيق لسرية عافية يف الكتاب التناقض الذي حملته عافية‬ ‫ما بني طموحها السيايس والشخيص من ناحية‪ ،‬وخنوعها ملنظومة فكرية‬ ‫تنتقص من وجودها كإنسان وسعيها من أجل التح ُّرر‪.‬‬ ‫اآلن‪ ،‬وبعد مرور ما يزيد عىل عقدين من الزمان عىل انخراط عافية يف‬ ‫الجامعات الجهادية‪ ،‬تظهر موجة جديدة من الشابات اللوايت انضممن‬ ‫لتنظيامت إسالمية جهادية‪ .‬ويذكر أ َّن هناك جامعات متش ِّددة مثل‬ ‫تنظيم الدولة اإلسالمية يف العراق والشام (داعش) ما يزال يحاول‬ ‫توظيف قصة عافية واعتقالها الستقطاب اإلناث يف تنظيامتهم‪.‬‬

‫‪Deborah Scroggins, 1‬‬ ‫‪Wanted Women: Faith,‬‬ ‫‪Lies, and the War on‬‬ ‫‪Terror: The Lives of‬‬ ‫‪Ayaan Hirsi Ali and‬‬ ‫‪Aafia Siddiqui (New‬‬ ‫‪,York: Harper Collins‬‬ ‫‪.)2012‬‬ ‫‪Deborah Scroggins, ٢‬‬ ‫‪Emma’s War: A True‬‬ ‫‪Story (New York:‬‬ ‫‪.)2004 ,Vintage Books‬‬ ‫‪Ayaan Hirsi Ali, ٣‬‬ ‫‪Infidel (New York: Atria‬‬ ‫‪.)2007 ,Paperback‬‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪49‬‬


‫إلى ياسين مع كل االمتنان‬ ‫شاهيناز سبيل‬

‫يف هذا املقال‪ ،‬تروي شاهيناز سبيل ‪-‬وهي شابة سودانية نشأت ما‬ ‫بني السودان وكندا ورشق أفريقيا‪-‬عالقتها مع َجدِّ هَا الذي كان شخصية‬ ‫مؤثرة و مهمة يف نشأتها‪ .‬تروي شاهيناز كيف كافح َجدُّ هَا للحفاظ عىل‬ ‫لت فيه الهويات‬ ‫هويته السودانية وظل ُم ْخلِ َصاً لقيمه يف وقت تَ َعطَّ ْ‬ ‫االجتامعية والثقافية يف السودان بسبب صعود اإلسالم السيايس امل ُ َتشَ دِّ د‪.‬‬ ‫ربطتني مع َج َّدي لوالديت (ياسني) عالقة عميقة رغم أنني مل أكن‬ ‫محظوظ ًة مبا يكفي ألقيض املزيد من الوقت معه؛ حيث ت ُ ُو ِّ َف عندما‬ ‫كنت يف الثالثة عرشة من العمر‪ .‬وعىل الرغم من ذلك‪ ،‬فإ َّن جدى ال يزال‬ ‫حارضا ً يف كل تفاصيل حيايت بحيويته وصوته العايل الذي ال يزال يَ ِر ُّن‬ ‫يف أُذين ما بني حني وآخر‪ .‬فقد كان ياسني يَتَ َوقَّ ُع ويَتَ َم َّنى األفضل دون‬ ‫مساومة لكل فرد من أفراد عائلته‪ ،‬مبا فيهم أنا‪.‬‬ ‫كان َج ِّدي أباً ألرسة كبرية وصاخبة‪ .‬وعند كل صباح كان َج َّدي يناديني‬ ‫ألُحرض له عصاه الخشبية ناعمة امللمس جيدة الصنع قبل أن يتوجه إىل‬ ‫السوق يف وسط مدينة الخرطوم‪ ،‬حيث أصبح َج َّدي يف أواخر سنوات‬ ‫عمره تاجر جملة بعد أن هجر مهنة الزراعة بسبب ظروفه الصحية‪.‬‬ ‫وأي يشء أسايس‬ ‫كان َج َّدي يبيع مجموعة متنوعة من السلع الجافة ّ‬ ‫ميكنه الحصول عليه بكميات كبرية‪ :‬من السجائر إىل أكياس األرز‪ .‬وما‬ ‫يثري اإلعجاب يف َج َّدي أنه مل يتوقف عن العمل إىل آخر يوم يف حياته‪،‬‬ ‫وكان حينذاك يف الثامنني من عمره‪ .‬كان َج َّدي استثنائياً يف شغفه‬ ‫بالناس وبتفاصيل الحياة االجتامعية‪ .‬وكان ال يَ َّد ِخ ُر جهدا ً يف زيارة أهله‬ ‫وأصدقائه‪ ،‬وكان يكره رؤية الناس بعيدين عنه‬ ‫‪.‬‬ ‫ال أذكر أ َّن جدى كان يعود من السوق خايل اليدين؛ فهو دامئاً ما‬ ‫س‪ ،‬سوا ًء أكان كيساً من الربتقال أو املوز أو‬ ‫كان يأيت ُم َح َّم َ ًل بكل ما يَتَ َي َّ ُ‬ ‫البطيخ أو الشوكوالتة أو السكر والبصل‪ .‬لقد أخذ َج َّدى دوره كعائل‬ ‫لألرسة عىل محمل الجد‪ ،‬حتى بعد أن أصبح أبناؤه الخمسة ‪-‬مبا فيهم‬ ‫ج َّدي دامئا ً ُم ْعتَ ِم َدا ً عىل نفسه حريصا ً الرسم‪ :‬حسين ميرغني ‪ -‬السودان‬ ‫أمي‪ -‬مستقلني ماليّاً‪ .‬فقد ظ ََّل َ‬ ‫عىل إكرام ضيوفه وأصدقائه‪ .‬وكان يستاء بشدة من فكرة أنه قد يحتاج‬ ‫ياسني عىل مبادئه املتحررة من أوهام اإلسالم السيايس وطقوسه التي‬ ‫يوماً ما إىل االعتامد عىل اآلخرين للعناية به‪.‬‬ ‫تغلغلت يف بنيات املجتمع السوداين االجتامعية والثقافية‪ .‬فقد كان من‬ ‫شهد ياسني سنوات من االضطراب يف تاريخ السودان الحديث بدأت بني القالئل الذين قابلتهم يف السودان ممن احتفوا وثابروا عىل االحتفاظ‬ ‫منذ األيام األوىل لالستقالل‪ ،‬مرورا ً بنظام جعفر منريي العسكري‪ ،‬وانتها ًء بقناعاتهم يف ظل واقع مييل إىل إسكات التنوع وتبجيل السلوك والتفكري‬ ‫بالصعود املستمر لإلسالم السيايس‪ .‬وحينام أتأ ّم ُل سريته وتفاصيل الجامعي‪.‬‬ ‫حياته‪ ،‬أُدر ُِك اآلن كم كان عليه أن يقاتل بجد للحفاظ عىل حريته وعىل‬ ‫استقاللية شخصيته يف ٍ‬ ‫وأنا أُدر ُِك اآلن كم كان َج ِّدي وحيدا ً يف ِظ ِّل ذلك الخضم الهائل من‬ ‫بلد كان يتغري بشكل عميق وجذري‪ .‬لقد حافظ‬

‫‪50‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫ما بين عالمين‬

‫التحوالت الثقافية االجتامعية التي فُرِضَ ْت عىل مجتمعات السودان منذ حتي آخر أيامه عىل طريقته يف مساعدة عائلته ومجتمعه وأصدقائه‪.‬‬ ‫بداية التسعينيات‪ ،‬وال أملك سوى أن أُقدر مقاومته وقوة روحة‪ .‬فقد‬ ‫يل أن أعرتف ‪-‬هنا‪ -‬أنّه عىل الرغم من لطف َج َّدي ومحبته يل‪،‬‬ ‫َص َّم َم َج ِّدي عىل الحفاظ عىل سودانيته وإسالمه كام يعرفهام منذ أن‬ ‫وع َّ‬ ‫ُولِ َد‪ ،‬فلم يساوم أو ينساق لسطوة قيم اإلسالم السيايس التي َه َّمشَ ْت فقد شعرت كطفلة يف أحايني كثرية باالستياء من وجودي يف السودان‪.‬‬ ‫ففي ذلك الوقت‪ ،‬مل أستطع فهم ديناميكيات العالئق االجتامعية؛ فقد‬ ‫ت َ َديُّ َن السودانيني وهوياتهم الثقافية وتقاليدهم‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫كنت‬ ‫السودان‪.‬‬ ‫إىل‬ ‫أتيت‬ ‫عندما‬ ‫املاء‪،‬‬ ‫من‬ ‫للتو‬ ‫ت‬ ‫ج‬ ‫ر‬ ‫خ‬ ‫أ‬ ‫سمكة‬ ‫مثل‬ ‫كنت‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫َ ْ‬ ‫ُ‬ ‫أالحظ مبزيد من الدهشة كيف يتفاعل أفراد األُرسة مع بعضهم بعضاً‪،‬‬ ‫ظل َجد َّى دوماً فخوراً بإرثه كما هو وبثقافته‪.‬‬ ‫ما بني األصوات الصاخبة والنقاشات التي ال تنتهي حول كل يشء‪ ،‬وتلك‬ ‫وعندما أنظر إلى الوراء تجدني جد مندهشة لرجل‬ ‫التحوالت العفويّة ما بني الضحك العايل وأصوات الغضب الحادة‪ .‬مل‬ ‫عادي مثل ياسين ‪-‬مزارع وتاجر بسيط‪ ،‬لم يغادر‬ ‫أستطع أن أفهم ملاذا يقوم األشخاص األكرب ِس َّناً يف العائلة دامئا بإعطاء‬ ‫السودان في حياته‪ -‬استطاع أن يكتسب تلكم‬ ‫األوامر وطرح تصوراتهم للحقائق بتلك الطريقة الجامدة والديكتاتورية‪.‬‬ ‫الشخصية المتماسكة والقوية‪.‬‬ ‫فمن املؤكد أ َّن الصغار يتمتعون بالحب والتدليل‪ ،‬ولكن يف املقابل‪ ،‬هم‬ ‫لقد رفض َج َّدي أن يتم إخضاعه أو تخويفه‪ ،‬وخاصة من ِقبَل مثقلون بتطلعات وتوقعات أفراد العائلة املمتدة‪ .‬فغالباً ما يكون من‬ ‫املُتَشَ ِّد ِدين الدينيني‪ ،‬وظ َّ​َل ُم َحا ِفظاً عىل ُح ِّريَّ ِته‪ ،‬وناضل يف الوقت ذاته حق األهل األكرب ِس َّناً أن يتخذوا قرارات نياب ًة عن أطفالهم قد يكون لها‬ ‫أي خيار‬ ‫عىل أن تتمتع عائلته بالحرية نفسها‪.‬‬ ‫لدي ّ‬ ‫بالغ األثر عىل حياتهم فيام بعد‪ .‬وعىل كل حال‪ ،‬مل يكن َّ‬ ‫تعلمت أن أتقبل الطرق‬ ‫يف ذلك الوقت‪ ،‬ولكن مع ت َ َق ُّد ِمي يف السن‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ومتاشياً مع قيمه‪ ،‬سمح يل َج َّدي أن أُف ِّك َر ب ُح ِّريَّة يف مستقبيل‪ ،‬وذلك الدرامية التي ينتهجها أفراد عائلتي يف التعبري عن مشاعرهم وآرائهم‪،‬‬ ‫وافرتضت أ َّن هذا السلوك رمبا‬ ‫عندما عاملني ليس كامتداد لنفسه‪ ،‬بل كفرد مستقل وأنا بعد طفلة ورصت أرصد تلك الطرق بنوع من امل ُتعة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫صغرية أرادتْ أن تكون ُح َّر ًة يف صنع قالع الطني‪ ،‬وجمع الصخور‪ ،‬وركوب هو جزء من تقاليد العائلة!‬ ‫فعلت‬ ‫الدراجات‪ ،‬وقراءة كتب الديناصورات‪ .‬فقد أَ َح َّب َج َّدي كل ما‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫أدركت‬ ‫وأثناء األوقات التي قضيتها في السودان‬ ‫بلطف وتف ُّهم‪ .‬ويف ِظ ِّل مجتمع ذكوري ال يزال يحمل مشاعر االستياء‬ ‫ً‬ ‫فتئت تكتسبها النساء كان ياسني ُم َرا ِقبَاً‬ ‫أيضا أ ّ‬ ‫ن التوقعات تختلف ما بين األوالد والبنات؛‬ ‫تجاه مساحات التحرر التي ما ْ‬ ‫فالسودان بلد يتمتع فيه الرجل بحرية غير محدودة‬ ‫جيدا ً وناقدا ً قاسياً أكرث من كونه آمرا ً وناهياً‪ .‬وقد كان هذا السلوك غري‬ ‫عادي بالنسبة لرجل بخلفيته وواقعه الثقايف‪ ،‬األمر الذي أصبح الحقاً‬ ‫في حين تستمد فيه المرأة مشروعية وجودها‬ ‫ُ‬ ‫من موافقة الرجال في أسرتها‪ .‬وهذا النمط‬ ‫موضع تقدير كبري ِم ِّني‪.‬‬ ‫ومن ناحية أخرى‪ ،‬فقد كان َج َّدي أيضاً ‪-‬وإىل حد ما‪ -‬رجل زمانه‪.‬‬ ‫ومن الواضح أ َّن معظم الرجال السودانيني من جيله يسرتشدون بنهج‬ ‫مامثل‪ ،‬حيث اهت ّموا وضاعفوا من أه ّمية ِفكرة وجود مالذ مجتمعي‬ ‫ال ترتبط فيه فكرة ال ُحريّة مبفهوم ال ُحريّة الفرديّة ولكنها تشري ببساطة‬ ‫إىل قدرة الشخص عىل مساعدة مجتمعه‪ .‬فالرجل الحق هو ذلك‬ ‫الشخص الذي يساعد ويتحمل مسؤولية من حوله يف املقام األول‪ .‬وقد‬ ‫كان ياسني واحدا ً من هؤالء الرجال الذين كانوا ِ‬ ‫يفتخرون بدعم أرسهم‬ ‫ومجتمعاتهم‪ ،‬الرجال الذين يعاملون جميع األطفال من حولهم وكأنّهم‬ ‫أطفالهم‪ .‬ويف عامل اليوم ‪-‬حيث تغريت ِقيم املجتمع‪ -‬قد تبدو آراء َج َّدي‬ ‫مثالية يف أحسن األحوال‪ ،‬وذلك مع ظهور مجتمع أكرث فردانية‪ .‬إالّ أ ّن‬ ‫غي من طريقة حياته‪ ،‬فقد ظ ََّل َو ِف َّياً‬ ‫هذا التح ّول مل يثني َج َّدي من أن يُ ِّ َ‬

‫الصحي َّة بين الجنسين يتم‬ ‫من العالقات غير ِّ‬ ‫ويقه باعتباره جزءاً من الهُوية الدينية والثقافية‬ ‫تس ِ‬ ‫للسودانيين‪.‬‬

‫ويف هذا السياق‪ ،‬كان َج َّدي واحدا ً من الرجال السودانيني القليلني‬ ‫ٍ‬ ‫تهديد لِ ُحريّتي‬ ‫جدا ً الذين تفاعلوا معي بشكل ِص ِّحي وموضوعي دون‬ ‫أو قمعٍ لشخصيتي‪ .‬لقد كان ياسني حاسامً وواضحاً يف آرائه‪ ،‬إال أنّه كان‬ ‫موضوعياً وميتاز مبقدرة عالية عىل النقاش واملحاورة‪ ،‬حيث كُ ّنا نقيض‬ ‫كنت أشعر‬ ‫أوقاتاً كثرية معاً ونحن نتَ َح َّدثُ يف شتّى األُمور‪ .‬وحتى عندما ُ‬ ‫بأنني متخلفة عن نظرايئ وأقراين الذين يعملون بجد‪ ،‬كانت كلامته‬ ‫وابتسامته تهدئ من روعي‪ .‬لقد كان َج َّدي يذكرين دامئاً بأ َّن هناك طرقاً‬ ‫مختلفة للتفوق‪ ،‬وكان ال يرى بأ َّن هناك سبباً يُ ْج ِ ُب املرء عىل السري يف‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪51‬‬


‫طريق ال يتفق وإرادته‪ .‬فبالنسبة له‪ ،‬أن تكون ُح َّرا ً يعني أن تكون صادقاً‬ ‫مع نفسك‪ .‬فهذا هو الدرس الذى الزمني‪ ،‬باإلضافة إىل دروس أُخرى‬ ‫كثرية تعلَّمتُها منه‪.‬‬ ‫وأو ُّد بشكل خاص أن أذكر قصة حدثت خالل التحضري لعيد األضحى‪.‬‬ ‫وكام هو الحال مع معظم األُرس السودانية‪ ،‬فالعيد يوم مهم ‪ .‬ففي‬ ‫كنت ‪-‬كالعادة‪ -‬أذهب مع َج َّدي إىل السوق الختيار‬ ‫صباح العيد الباكر ُ‬ ‫شاهيناز سبيل‪ :‬طالبة الخروف الكبري مبا يكفي إلطعام كل أفراد األُرسة والضيوف‪ .‬وأت َذكَّ ُر أول‬ ‫كنت خائفة ونافرة قليالً من فكرة‬ ‫تدرس التاريخ والعلوم مرة ذهبت معه الختيار الخروف‪ُ ،‬‬ ‫كنت أتابع َج َّدي مثل‬ ‫السياسية يف كندا‪،‬‬ ‫املشاركة يف اختيار الحيوان املُراد قتله‪ .‬ومع ذلك‪ُ ،‬‬ ‫ظله‪ ،‬وأتأمله وهو يدور حول الخرفان‪ ،‬ويقوم بعمليات فحص دقيقة‬ ‫يف جامعة بروك‪.‬‬ ‫وهي شاعرة وكاتبة للتأكد من سالمة الخروف من أي عيوب خلقية‪ ،‬كام كان يقوم بفحص‬ ‫أسنانه وفرائه‪ .‬أخذ َج َّدي يدي ووضعها عىل ظهر أحد الخراف وسألني‬ ‫قصة قصرية‪ ،‬تنرش‬ ‫إن كان يجب أن نأخذ ذلك الخروف ايل البيت؟ أخذتُ أتأمل يف الخروف‬ ‫أعاملها اإلبداعية يف‬ ‫املختار كام كان يفعل َج َّدي‪ ،‬واكتشفت أ َّن الخروف كان أنثى! ال أعرف‬ ‫مدونتها الشخصية‬ ‫ملاذا‪ :‬لكنني بدأت فجأة يف الرصاخ واالحتجاج مطالب ًة أن يجد َج َّدي‬ ‫عىل اإلنرتنت عىل‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫بأي شكل‬ ‫القصة‬ ‫هذه‬ ‫ي‬ ‫ح‬ ‫و‬ ‫ت‬ ‫ال‬ ‫ً)‪.‬‬ ‫ا‬ ‫(بنت‬ ‫ا‬ ‫خروف‬ ‫وليس‬ ‫ً)‬ ‫ا‬ ‫(ولد‬ ‫آخر‬ ‫ا‬ ‫خروف‬ ‫ُ‬ ‫ِّ‬ ‫ْ‬ ‫الرابط التايل‪http:// :‬‬ ‫‪ justasudanesepoet.‬من األشكال‪ ،‬بأ َّن اإلناث من الخراف يجب أن يتم تجنيبهن الذبح‪ ،‬ولكن‬ ‫كوين طفلة‪ ،‬كل ما كنت أهتم به يف تلك اللحظة هو أ َّن هذا املخلوق‬ ‫‪blogspot.com‬‬ ‫الذى أمامي أنثى خروف صغرية مثيل‪ .‬وقد وافق َج َّدي عىل الفور عىل‬ ‫طلبي بِالرغم من ُسخريِة خايل الذى كان يرافقنا‪.‬‬ ‫قد تبدو هذه القصة ليست ذات قيمة‪ ،‬ولكنها يف الحقيقة ‪-‬ومن‬ ‫وجهة نظري‪ -‬تكشف عن تعاطف َج َّدي وت َ َف ُّه ِمه لعواطفي‪ ،‬وذلك أمر‬ ‫غري سائد يف السودان‪ ،‬حيث يتم تجاهل املشاعر الشخصية وكل القضايا‬ ‫العاطفية إىل الحد الذي ينتهي بالرجال إىل عدم قدرتهم عىل التعبري‬ ‫عن عواطفهم‪ .‬وباملقابل‪ ،‬غالباً ما تُقَابَ ُل محاوالت النساء للتعبري عن‬ ‫مشاعرهن وآرائهن بالسخرية والنفور‪ .‬لقد كان َر ُّد فعل َج َّدي ‪-‬الذي‬ ‫وضع محنتي يف الحسبان‪ -‬غري عادي يف هذا السياق‪ .‬فتَ َف ُّهم َج َّدي يل‪،‬‬ ‫أسهم ‪-‬بالتأكيد‪ -‬يف بناء ثقتي بنفيس كفتاة صغرية؛ فكل ما كنت أريده‬ ‫حقاً هو أن ت ُْس َم َع أرايئ‪ ،‬وأن ت ُؤ َخ َذ أفكاري وتصورايت عىل محمل الجد‪.‬‬ ‫وحينام يفقد معظم الناس شخصاً عزيزا ً لديهم‪ ،‬فإنهم يركنون إىل‬ ‫ت َ َذكُّر اإليجابيات‪ .‬ولكن عندما فقدتُ َج َّدي‪ ،‬مل أستطع أن أمنع نفيس‬ ‫من أن أفكر يف أخطائه وما كان ميكن أن يفعله بشكل مختلف‪ .‬مل يكن‬ ‫ياسني مثالياً كجد أو أب أو رجل‪ ،‬ولكنه كإنسان كان جوهرة نادرة يف‬ ‫بحر من الحىص‪ .‬مل يكن ث َ ِريَّاً بشكل خاص‪ ،‬ومل يرتك حساباً مرصفياً مليئاً‬ ‫باملال أو يرتك ممتلكات‪ ،‬ومع ذلك فقد تَ َ َّك َن ‪-‬عىل نحو ما‪ -‬من ترك‬ ‫إرث ال يقدر بثمن‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬

‫لقد منحني َجد َّي ه َِبة المقاومة والتفاعل المرن‬ ‫مع الحياة والقدرة علي تجاوز الصعاب بكبرياء‬ ‫وكرامة‪ .‬لقد وجد ياسين ثروته في أصدقائه‪،‬‬ ‫وفي عائلته‪ ،‬وفي مواقفه النبيلة في خ َِض ِّم األيام‬ ‫الحالكة‪ ،‬وفي مغامراته الخاسرة والرابحة‪ ،‬وقبل‬ ‫كل شيء في شخصيته الواضحة والقوية وغير‬ ‫االعتذارية‪َ .‬‬ ‫وظ َّل كما هو‪ُ ،‬مت َّ ِ‬ ‫سقَ اً مع نفسه وآرائه‪،‬‬ ‫وأفعاله‪ ،‬حتي آخر لحظات حياته‪.‬‬

‫أي عارض يلوح يف األفق‪ ،‬حتّى ال‬ ‫جاهد َج َّدي برشاسة وبشدة ملقاومة ِّ‬ ‫يخرتق روحه‪ .‬كان ج ّدى تقريباً نرجسياً يف بعض األحيان‪ ،‬إالّ أنني أعتقد‬ ‫أ َّن ذلك كان رضورياً‪ .‬ففي ِظ ِّل ذلك الواقع القايس‪ ،‬فعىل املرء أن يتمحور‬ ‫حول نفسه ملقاومة تيارات التَّشَ ُّد ِد والالموضوعية‪ .‬شكرا ً لك يا َج َّدي‬ ‫قاتلت بشجاعة ورشف من أجل حريتك‪ ،‬بينام أعطيتنا كل القوة‬ ‫ألنك‬ ‫َ‬ ‫لنبحث عن حريتنا‪ .‬ما أقىس غيابك‪ .‬حتامً سنفتقدك ونشتاق إليك دوماً‪.‬‬

‫بقلم‪ :‬شاهيناز سبيل‬

‫من االنجليزية‪ :‬فيصل الباقر‬


‫بين الخاص و العام‬

‫ترويض النمرة ‪ -‬سرد شخصي في‬ ‫مقاومة البطريركية‬ ‫يُسرا عكاشة‬

‫باملواضيع خارج دائرة النقاش‪ ،‬بدعوى عدم إمكانية الوصول لخالصات‬ ‫رفضت أن‬ ‫من النقاشات التي أثريها‪ .‬وقد ظهرت أ َّول بوادر مت ُّر ِدي عندما‬ ‫ُ‬ ‫أع َّد الشاي ألخي األكرب و كان عمري حينذاك اثنتي عرشة سنة‪.‬‬ ‫انخرطت يف املنتديات واألنشطة الطالبية‬ ‫وبعد دخويل الجامعة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫وبدأتُ أعود إىل املنزل بعد مغيب الشمس‪ ،‬وهذا أمر آخر ٍ‬ ‫مناف لألعراف‬ ‫داخل أرسيت‪ .‬وتسبَّ َب مت ُّر ِدي وعنادي يف العديد من الخالفات العائلية‪،‬‬ ‫إال أ َّن ذلك مل يث ِنني عن السعي الكتشاف العامل واملعارف الجديدة‪،‬‬ ‫اكتسبت املعرفة النسوية التي صارت فيام بعد جزءا ً من هويتي‬ ‫حيث‬ ‫ُ‬ ‫ألي امرأة‬ ‫يجب‬ ‫ال‬ ‫أمرين‬ ‫هناك‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫ر‬ ‫ك‬ ‫ب‬ ‫م‬ ‫ر‬ ‫عم‬ ‫منذ‬ ‫ّمت‬ ‫ل‬ ‫وتع‬ ‫وشخصيتي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ِّ‬ ‫َُ‬ ‫أن تساوم فيهام‪ :‬استقاللها االقتصادي‪ ،‬وامتالكها لجسدها وإرادتها‪.‬‬ ‫التقيت بشاب أصبح فيام بعد رشيك‬ ‫ويف سن الخامسة والعرشين‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫حيايت‪ ،‬حيث تزوجنا بعد عامني من لقائنا‪ .‬وال أزال أجزم أ َّن زوجي هو‬ ‫الرجل النسوي (الفمنست) الوحيد الذي التقيته يف حيايت‪ .‬حيث ميتاز‬ ‫بالنظر إىل أوضاع النساء السودانيات يف القرن الواحد والعرشين ‪-‬مبا زوجي بخصائص قلام توجد بني الرجال من املجتمعات التقليدية‪ ،‬مثل‪:‬‬ ‫يُرسا عكاشة‪:‬‬ ‫يف ذلك شخيص‪ -‬نجد أنّ أفضل تصوير لواقعنا امل ُ َعاش يكمن يف مرسحية العطف‪ ،‬والحساسية‪ ،‬والتواضع‪ ،‬والصرب‪ ،‬واملقدرة عىل حل االختالفات‬ ‫ُمد ّونة وصحفية‬ ‫(ترويض النمرة) لـ(وليم شكسبري)‪ .‬تلك املرسحية التي كُ ِت َب ْت يف القرن دون فقدان التحكُّم يف النفس‪.‬‬ ‫وناشطة سودانية‬ ‫السادس عرش والتي تُ َج ِّسدُ كل أمناط كراهية وتحقري النساء‪ .‬وبحسب‬ ‫تكتب عن حقوق‬ ‫تزوجنا بشكل ُمبَ َّس ٍط و ُمختَ َص واستأجرنا منزالً صغريا ً يف جنوب‬ ‫املرسحية‪ ،‬عندما ترفض (كاثرينا) الزواج من (برتيكو) الرجل الذي‬ ‫اإلنسان والقضايا‬ ‫السياسية االجتامعية ابتغاها‪ ،‬تتع َّر ُض ألسوأ أنواع التعذيب النفيس والجسدي حتى تضطر الخرطوم‪ .‬وكان منزلنا رغم صغر حجمه دافئاً ومفتوحاً للجميع‪ ،‬نُر ِّح ُب‬ ‫حظيت مبنحة للدراسة يف‬ ‫للخضوع يف النهاية وتصبح عروسه املُطيعة‪ .‬ويكافئ والد (كاثرينا) فيه بأصدقائنا وزمالئنا‪ .‬وبعد عام من زواجي‬ ‫ُ‬ ‫يف السودان ورشق‬ ‫أفريقيا‪ ،‬بالرتكيز عىل ابنته عىل طاعتها وقبولها الزواج من (برتيكو) مبنحها النصيب األكرب من اململكة املتحدة وات َّفقنا عىل أنه المجال لرفض هذه الفرصة املغرية‪.‬‬ ‫غادرتُ السودان تارك ًة خلفي زوجي ومنزلنا الصغري عىل أمل العودة‪ ،‬غري‬ ‫حقوق املرأة‪ ،‬والسالم‪ ،‬ثروته خصامً عىل نصيب شقيقاتها األخريات‪.‬‬ ‫مدرك ٍة أ َّن حاىل سوف يتغري لألبد يف غضون بضعة أشهر فقط‪.‬‬ ‫وحقوق النازحني‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وكنت آخر من تزوج من بني‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫عام‬ ‫وثالثني‬ ‫ا‬ ‫واحد‬ ‫العمر‬ ‫من‬ ‫اآلن‬ ‫أبلغ‬ ‫ُ‬ ‫كنت أالحظ‬ ‫أخوايت‪ ،‬كام أنّني الوحيدة من بني نساء األرسة امل ُ ْمتَ َّدة التي انخرطت يف‬ ‫وعندما كانت تصلني الصور من زوجي وأنا خارج البالد‪ُ ،‬‬ ‫بلغت الثالثة والعرشين من تناقُص وزنه املستمر‪ ،‬ومالمح اإلعياء البادية عليه‪ .‬وتصورتُ أن ذلك‬ ‫النشاط السيايس من منظور يساري‪ .‬فعندما ُ‬ ‫لت مساري املهني من الصيدلة إىل النشاط املدين املجتمعي قد حدث رمبا ألنه ال يجيد الطبخ فأرسلت له وصفات سهلة اإلعداد‪،‬‬ ‫عمري ح ّو ُ‬ ‫ووضعت جانباً شهادة الرشف من ُمشَ ِّد َد ًة عىل رضورة أن يبدأ يف تعلُّم إعداد الطعام الص ِّحي‪ .‬إال أ َّن صحة‬ ‫مع تركي ٍز عىل الدراسات النسوية‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫الدرجة الثانية من كلية الصيدلة بجامعة الخرطوم‪ ،‬وبدأتُ بتلقِّي زوجي استمرت يف التدهور‪ ،‬حيث تم تشخيصه الحقاً برسطان القولون‬ ‫من املرحلة الثالثة‪.‬‬ ‫دارسات يف النسوية وحقوق اإلنسان واالقتصاد السيايس‪.‬‬ ‫وكثريا ً ما يعتربين الناس فتا ًة متمردةً‪ ،‬فرغم نشأيت وسط أرسة سودانية‬ ‫محافظة من الطبقة الوسطى‪ ،‬فإ َّن مت ُّر ِدي كان قد بدأ يف عمر ُم َب ِّكرٍ‪ ،‬إذ‬ ‫وناقشت الدين والسياسة‬ ‫تساءلت دوماً عن جدوى األعراف االجتامعية‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫واألخالق بشكل منفتح‪ ،‬لدرجة أ ّن والدي وضع قامئة ألفراد األرسة‬

‫كان مرض زوجي نقطة تح ُّو ٍل رئيسية يف حيايت‪ .‬فعالوة عىل حزين‬ ‫وأملي وخويف من الفقدان‪ ،‬فقد بدأ البعض من األرسة واملعارف يعتقدون‬ ‫أ َّن مرض زوجي يعني بالرضورة ضعفه وبالتايل ضعف الدعم املعنوي‬ ‫الذي طاملا تلقيته منه‪ .‬اعترب البعض يف محيطي العائيل واملهني أ َّن‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪53‬‬


‫تلقيت‬ ‫كنت أتناول الطعام (الحالل) إبّان وجودي هناك‪ .‬وبعدها‬ ‫الفرصة قد حانت إلخضاعي والنيل مني‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫إن ُ‬ ‫ٍ‬ ‫محارضات ُمطَ َّولة عن احرتام ثقافة البلد املحافظ الذي نقيم فيه وأ َّن‬ ‫فالنساء املتم ِّردَات يف املجتمعات البائدة والتقليدية ُه َّن أول من مظهري س ُي َع ِّرضُ ني لشبهات الرشطة‪ ،‬ألنني أبدو وفق قولهم كـ(بائعة‬ ‫يتع َّرض للهجوم يف أوقات األزمات والحرب‪ ،‬حتى من أفراد أرسهن‪ .‬هوى)!!‬ ‫بالتخل عنهن ويتع َّرضن يف أحيانٍ كثرية‬ ‫ِّ‬ ‫كام أ ّن املجتمعات تعاقبهن‬ ‫وذات يومٍ ‪-‬وبينام كُ َّنا أنا وزوجي نسري نحو موقف السيارات بعد‬ ‫لالغتصاب ونهب املمتلكات‪ ،‬عقاباً لعدم خضوعهن لألعراف والتقاليد‪،‬‬ ‫كام أنهن يحرمن من حامية العشرية‪ .‬غري أنني مل أف ِّك ُر ولو للحظة‪ ،‬أنني إجراء فحص مسربي للقولون‪ -‬كان زوجي يشعر بالدوران فرتكته يستند‬ ‫عىل كتفي‪ ،‬وعندما رآنا أخو زوجي الذي كان يتوىل القيادة غضب وثار‪،‬‬ ‫سوف أتع َّر ُض لتجربة مشابهة يف القرن الواحد والعرشين ‪.‬‬ ‫وقال إننا يجب منتنع عن إظهار املشاعر علناً‪ .‬وكانت هذه واحدة من‬ ‫كان زوجي يعمل يف بعض الوظائف ال ُح َّرة املتعلقة بتأهيل ذوي جملة أحداث ُمشابهة وقعت قبل أن ننتقل من منزل األرسة الكبرية‪،‬‬ ‫كنت أنا طالب ًة أعيش عىل منح ٍة تدفع الحد بعد أشهر قليلة‪.‬‬ ‫اإلعاقة وحقوق اإلنسان‪ُ ،‬‬ ‫األدىن من األجور‪ .‬فكالنا مل يكن ميلك سوى القليل من املال لتلبية‬ ‫وواجهت نفس االزدراء مع الطاقم الطبي وأفراد األمن يف املستشفى‬ ‫الرضورات املعيشية‪ ،‬كام مل يكن لدينا تأمني ِص ِّحي ملقابلة تكاليف العالج‪.‬‬ ‫كنت أُرافق زوجي يف‬ ‫لذلك كان جل اعتامدنا عىل دعم األرسة املمتدة ومساهامت األصدقاء‪ ،‬التي كان يتعالج فيها زوجي‪ .‬ويف أحد األيام ‪-‬بينام ُ‬ ‫والذي لواله ما تَ َ َّك َّنا من النجاة يف ذلك الحني‪َ .‬رت ّ َب ْت أُرسة زوجي أمر جلسة العالج الكيميايئ‪ -‬تجرأ أحد عامل األمن ‪-‬سوداين الجنسية‪ -‬وأمرين‬ ‫عالجه يف مدينة ديب يف دولة اإلمارات أل َّن خدمات عالج الرسطان ضئيلة بارتداء مالبس الئقة‪ ،‬قائالً إنّه ويف حال قدومي مرة تالية‪ ،‬وأنا أرتدي‬ ‫و ُم َكلِّفَة وغري متاحة يف البالد‪ .‬وخالل أسبوع من تشخيص مرضه انتقلنا مثل تلك املالبس (غري الالئقة من وجهة نظره) فلن يسمح يل بالدخول‪.‬‬ ‫إىل دولة اإلمارات العربية املتحدة‪ ،‬حيث استضافنا أخو زوجي املقيم‬ ‫ويف إحدى امل َّرات كان علينا اإلرساع إىل قسم الحوادث باملستشفى‪،‬‬ ‫هناك‪ .‬وبعد أقل من شهر انتقلت أرسة زوجي لإلقامة يف ديب‪.‬‬ ‫أل ّن أنف زوجي كانت تنزف بغزارة‪ .‬وبينام كُ َّنا يف غرفة االنتظار طلب‬ ‫ُ‬ ‫لم أكن في حاجة إلى وقت طويل ألدرك أ ّ‬ ‫مني أحد أفراد األمن االبتعاد عن زوجي‪ ،‬والذهاب إىل غرفة انتظار‬ ‫ن بعض‬ ‫أصهاري ال ي ُرحّبون بي وبوجودي المستمر إلى جوار النساء‪.‬‬ ‫زوجي‪ .‬فقد َعب َ​َّر الرجال عن اإلنزعاج من مشاركتي‬ ‫في إبداء الرأي في عالج زوجي‪ ،‬إذ كانوا يتوقّعون‬ ‫وفقاً ألعرافهم‪ -‬أن تتوارى النساء عن ت َ​َصد ُِّر‬‫المعامالت والوقوف جانباً‪،‬‬

‫وفي حاالت أخرى كثيرة‪ ،‬عندما أحتاج لقضاء الليل‬ ‫في المستشفى‪ ،‬كان ي ُط َل ُ‬ ‫ب مني أن أتركه وحيداً‪،‬‬ ‫لكونهم ال يسمحون بالمبيت في المستشفى‪،‬‬ ‫سوى للمرافقين الذكور‪.‬‬

‫وذلك بغض النظر عن عالقة املرأة باملريض أو معرفتها باملرض‪.‬‬ ‫كنت أقاوم بشدة يف كل مرة كل السلوك العدايئ من قبل‬ ‫وتصاعد اختاليف مع الرجال من أرسة زوجي لرفيض التزحزح من جوار‬ ‫إال أنني ُ‬ ‫ورفضت أن أنصاع أو أبارح مكاين‪ ،‬وأخربتُ موظفي‬ ‫زوجي وإرصاري عىل إبداء الرأي يف طُ ُرقِ عالجه‪ .‬ق َّررتُ الرتكيز يف املعركة طاقم املستشفى‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫التي نخوضها أنا وزوجي واستثامر كل معرفة ميكن أن تقع عليها يدي‪ ،‬املستشفى أن يستدعوا الرشطة إلخراجي قرسا ً من الغرفة التي بها‬ ‫لكونها معركة حياة أو موت‪ .‬وازدادت ِح َّد ُة الخالفات بيني وأرسة زوجي زوجي‪.‬‬ ‫نت اسمي يف أوراق املستشفى باعتباري أقرب‬ ‫عندما اكتشفوا أنني د َّو ُ‬ ‫تظاهر بعض الرجال يف مجتمعات االغرتاب بأنهم أصدقاؤنا‪ ،‬ولكنهم‬ ‫األقربني‪ .‬ووضح جل ّياً‪ ،‬أنهم ال يُ ِق ُّرون بأهليتي‪ ،‬الكتساب ذلك الحق‪.‬‬ ‫مع األسف‪ -‬اعتربوا أ َّن مرض زوجي فرص ًة وسانح ًة مناسب ًة للحصول‬‫وباإلضافة إىل كل ذلك‪ ،‬مل يجد مظهري وطريقة تفكريي القبول بني ِم ِّني عىل بعض الخدمات الجنسية‪ ،‬أو بدء عالقة حميمة‪ .‬وقد حاول‬ ‫وصلت من اململكة املتحدة سألني أصهاري البعض إقناعي أ َّن مقرتحاتهم ‪-‬تلك‪ -‬إنَّ ا تنبع من دوافع نبيلة‪ ،‬والقصد‬ ‫أفراد األرسة امل ُ ْمتَ َّدة‪ .‬وحاملا‬ ‫ُ‬

‫‪54‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫بين الخاص و العام‬

‫منها ‪-‬كام يزعمون‪ -‬هو أنَّهم يريدون أن يجعلوين قويّةً‪ ،‬وراضي ًة جنسياً‪.‬‬ ‫سيايس معروف‪ ،‬ادَّعى صداقة زوجي لفرتة وحاول التح ُّرش يب‬ ‫أحدهم‬ ‫ٌّ‬ ‫مرارا ً‪ ،‬ورغم رفيض العنيف لكنه مل يفهم أ ّن (ال) تعني (ال)‪ ،‬و يف إحدى‬ ‫يل إال أنَّه فوجئ‬ ‫املرات يف نهاية مارس ‪ ٢٠١٧‬حاول مهاجمتي واالعتداء ع َّ‬ ‫بقويت ومقدريت عىل الدفاع عن نفيس‪.‬‬

‫كان مر ُّد ُه إىل االمتيازات التي اكتسبتها خالل حيايت كامرأة عاملة‬ ‫ومستقلة اقتصادياً ومتعلِّمة قادرة عىل امتالك قراري‪ .‬لكن العديد من‬ ‫النساء يف محيطي ‪-‬لألسف‪ -‬ليس لديهن خيارات للمقاومة‪ .‬هذا إضافة‬ ‫ولست نادمة‬ ‫إىل أنني أعي متاماً مثن التم ُّرد عىل سلطة األعراف السائدة‬ ‫ُ‬ ‫عىل دفع هذا الثمن‪.‬‬

‫فتلك التح ُّرشات‪ ،‬ومحاولة االغتصاب ‪-‬من وجهة نظري‪ -‬مدفوعة‬ ‫بثالث فرضيات‪ :‬االفرتاض األ ّول هو أنّه‪ ،‬مبا أنني حسب وعيهم املحدود‬ ‫أن أكون (نسوية)‪ ،‬هذا يعني بالرضورة أنني ( ُمتَ َح ِّر َرة جنسياً)‪،‬‬ ‫واالفرتاض الثاين هو أنّني رصتُ ال أملك حياة جنسية مع زوجي بسبب‬ ‫رفضت‬ ‫قبلت أو‬ ‫ُ‬ ‫مرضه وهي فرصة‪ ،‬أ ّما االفرتاض الثالث‪ ،‬فهو يف حالة ُ‬ ‫هذه العروض املزرية‪ ،‬فإنني سألوذ بالصمت‪ ،‬ولن أقول كلم ًة واحد ًة أو‬ ‫أخوض معارك علنية‪ ،‬وأين لن أدّخر جهدا ً يف تجنيب زوجي املعاناة من‬ ‫أي ضغوط إضافية‪.‬‬ ‫ِّ‬

‫َت يل تجربتي عىل مدى السنوات األربع املاضية مدى‬ ‫ويف املقابل كَشَ ف ْ‬ ‫صالبة ومح َّبة أمي وأيب ودعمهام غري املرشوط يل تحت كل الظروف‬ ‫وعىل مدى كل الخيارات التي اتخذتها‪ .‬إضافة إىل أصالة العديد من‬ ‫األصدقاء‪ ،‬وبعض أقاريب وأصهاري‪ .‬وبالتأكيد فإ َّن مح َّبة زوجي وصالبته‬ ‫ووقوفنا معاً أمام كل التعقيدات التي تع َّرضنا لها كانت حجر الزاوية يف‬ ‫متكيني من الصمود واملقاومة‪.‬‬

‫وكان مرض زوجي قد حدث بعد فرتة قصرية من نرشي لسلسلة من‬ ‫(التدوينات) بعنوان (الرشطة النسوية)‪ ،‬كان الغرض منها هو الكشف‬ ‫عن التمييز الجندري وكراهية النساء يف خطاب املعارضة السودانية‪،‬‬ ‫تحدثت عن نفاق بعض األفراد من املعارضة‪ ،‬وقد‬ ‫ويف بعض التدوينات‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫قُو ِبلَت كتابايت ب َر ِّد فعلٍ ٍ‬ ‫رشس ومعاد للحركة النسوية بشكل عام‪ ،‬ويل‬ ‫بشكل خاص‪ .‬مثالً يف الليلة التي سبقت خضوع زوجي لعملية جراحية‬ ‫كربى‪ ،‬كَتَ َب أحد الصحفيني منشورا ً يف حسابه يف فيسبوك قائالً‪" :‬ترى ماذا‬ ‫تفعل النسويات عندما ميوت أزواجهن؟ هل يتزوجن للم ّرة الثانية؟"‪.‬‬

‫بقلم‪ :‬ي ُسرا عكاشة‬

‫من االنجليزية‪ :‬فيصل الباقر‬

‫هذا الكم من االستفزاز واالستهانة بالظروف التي أعيشها مع زوجي‬ ‫أشعرين بحزنٍ عميق؛ أل َّن أشخاصاً ال يعرفونني شخصياً وعن قُرب‪ ،‬ال‬ ‫يتورعون يف الذهاب إىل أبعد ما يكون ليسببوا األذى ملن يختلفون معهم‬ ‫يف الرأي‪ .‬فكيف ميكن ألناس بهذا القدر من التخلُّف وضيق األفق أن‬ ‫ميتلكوا القدرة عىل االلتزام بالدميقراطية مبدأً ومامرسةً؟!‬ ‫لقد أظهر يل مرض زوجي األهمية القصوى ألن تكون النساء مستقالت‬ ‫اقتصادياً قادرات عىل التحكم يف قراراتهن‪ .‬وقد اخرتتُ االنسحاب من‬ ‫العديد من املعارك من أجل الفوز يف املعركة الكربى‪ ،‬وهي معركة‬ ‫الحفاظ عىل حياة زوجي وعىل كرامتي‪.‬‬ ‫والحق يقال إ َّن قدريت عىل املقاومة والصمود أمام قهر السلطة‬ ‫البطريركية الراسخة تحديدا ً يف ِظ ِّل الظروف الصعبة التي كُ َّنا نعيشها‪،‬‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪55‬‬


‫الرسم‪ :‬روني اقوانق ‪ -‬يوغندا‬

‫أفتقده كثيراً؛ فقد كان حب حياتي‬

‫حول تجارب النساء والفتيات في جماعة بوكو حرام‬ ‫أودهارنايت أنسبرو‬

‫اختطفت جامعة بوكو حرام اإلرهابية املئات من النساء و الفتيات‪ ،‬إال أنَّ‬ ‫ْ‬ ‫بدأت حملتها العسكرية ضد الحكومة النيجريية يف عام ‪2009‬م‪،‬‬ ‫منذ أن ْ‬ ‫بعض النساء والفتيات قد انخرطن يف صفوف املجموعة طوعاً مام أثار التساؤالت حول كيفية مساعدتهن عند عودتهن إىل ديارهن‪.‬‬ ‫قبل أربع سنوات خلت‪ ،‬كانت عائشة مامان تدرس دبلوم املحاسبة النيجريية عام ‪2009‬م‪ ،‬ظلت بوكو حرام تختطف املئات من النساء‬ ‫عندما هاجمت بوكو حرام بلدتها (باما) يف شامل رشق نيجرييا‪ .‬وهي والفتيات‪ ،1‬وترغمهن عىل العمل يف خدمة الجامعة حيث يتم تزويجهن‬ ‫اآلن أم تبلغ من العمر ‪ 25‬عاماً وزوجة سابقة ألحد قواد جامعة بوكو قرسا ً وت ُف َر ُض عليهن املشاركة يف أعامل العنف التي ترتكبها الجامعة‪ ،‬مبا‬ ‫يف ذلك تنفيذ الهجامت االنتحارية‪.2‬‬ ‫حرام‪.‬‬ ‫فمنذ أن بدأت الجامعة املسلحة حمالت العنف ضد الحكومة‬

‫‪56‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬

‫اِال أ َّن تجربة عائشة مامان كانت مختلفة؛ فهي واحدة من ضمن‬


‫بين الخاص و العام‬

‫العديد من النساء اللوايت اخرتن طوعاً الزواج من أحد أعضاء تلك‬ ‫الجامعة اإلرهابية‪.‬‬ ‫وتروي عائشة قصة لقائها بزوجها‪ ،‬وذلك عندما وفَّ َر لها وألرستها ملجأ‬

‫أثناء فرارهم من قريتهم يف شامل رشق نيجريا نحو الحدود الكامريونية‬ ‫يل كثريا ً وعىل أهيل"‪ ،‬وعندما واصل والداها‬ ‫وت ُ َر ِّد ُد عائشة‪" :‬كان يشفق ع َّ‬ ‫طريقهام إىل مايدوجوري (عاصمة والية برنو) اختارت عائشة البقاء‬ ‫زوجة رابعة مع ذلك الرجل املنتمي إىل بوكو حرام‪ ،‬وتقول‪" :‬لقد وقعت‬ ‫يف حبه وكان يعاملني معاملة طيبة؛ لذلك تزوجته عندما طلبني للزواج"‪.‬‬ ‫مكثت عائشة مامان مدة ثالث سنوات مع زوجها يف غابة سامبيسا‬ ‫ْ‬ ‫(معقل الجامعة يف والية برنو) إىل أن استعادت القوات الحكومية‬ ‫ت مامان ومعها حوايل ‪ 60‬من‬ ‫املنطقة يف العام املايض ‪ ،3‬ومن ث َّم نُقلِ ْ‬ ‫نساء بوكو حرام إىل مرفق حكومي يف مايدوجوري للخضوع لربنامج نبذ‬ ‫التطرف الذي تديره منظمة نيم‪ .4‬وحتى تاريخ إجراء هذه املقابلة ال‬ ‫تزال عائشة مامان تتحدث بحزن بالغ عن حياتها مع زوجها من بوكو‬ ‫حرام‪ ،‬حيث تقول‪" :‬كان طيبا ً للغاية معي‪ ،‬أفتقده كثريا ً؛ فقد كان حب‬ ‫حيايت‪ ،‬لكن ال جدوى من الشوق إليه‪ ،‬ألنني أعرف أنني لن أراه أبدا ً"‪.‬‬ ‫يف السنوات األخرية‪ ،‬أبرزت التقارير اإلخبارية محنة الفتيات اللوايت‬ ‫اختطفن وأصبحن رهائن لدى جامعة بوكو حرام‪ ،‬ال س َّيام الـ ‪ 276‬فتاة‬ ‫من مدرسة واحدة يف بلدة تشيبوك‪ ،‬حيث أثارت عملية االختطاف حملة‬ ‫واسعة يف وسائل اإلعالم االجتامعية العاملية أُطلِ َق عليها اسم‪" :‬أعيدوا‬ ‫إلينا بناتنا" التي حظيت بدعم واسع من شخصيات عامة مثل املغنية‬ ‫بيانيس وميشيل أوباما‪ .‬إال أنه وىف املقابل فقد أوىل املجتمع الدويل‬ ‫واملحيل اهتامما ً ضئيالً بالفتيات من أمثال عائشة مامان اللوايت رغم‬ ‫انخراطهن يف صفوف بوكو حرام طوعا ً ال يزلن ضحايا لآلثار النفسية‬ ‫والجسدية جراء تجربة العيش مع الجامعة‪ ،‬حيث أنهن ظللن أسريات‬ ‫لحياتهن السابقة ومعاناتهن من األذى الجسدي والنفيس الذى لحق‬ ‫بهن‪.‬‬

‫الحكومة النيجريية واملنظامت غري الحكومية ومجموعات املجتمع املدين‬ ‫عن كيفية العمل مع نساء بوكو حرام‪ ،‬وكيفية مناقشتهن ودعوتهن إىل‬ ‫نبذ التطرف‪ ،‬وما الذي سيحدث ألولئك النساء عندما يعدن إىل ديارهن‪.‬‬ ‫وتقول الطبيبة النفسية فاطمة أكيلو (مديرة‬ ‫منظمة نيم)‪( :‬إ َّ‬ ‫ن النساء ينخرطن في بوكو حرام‬ ‫ألسباب معقدة وعديدة‪ ،‬إال أ َّ‬ ‫ن الفقر واألمي َّة‬ ‫واإلرادة المستلبة كلها عوامل تسهم في انخراط‬ ‫النساء في صفوف الجماعة‪،‬‬

‫حيث يأيت مقاتلو بوكو حرام إىل القرى يف نيجريا وهم يحملون‬ ‫الكثري من املال للتفاخر ونيل االحرتام‪ ،‬وبالتايل يقدمون مناذج لشخصيات‬ ‫ت ُ َع ِّ ُب عن أحالم الفتيات الفقريات"‪ .‬وتواصل فاطمة أكيلو‪" :‬إنَّ الفتيات‬ ‫يتزوجن من رجال من بوكو حرام يف الغالب ألنهن يشعرن أنَّ هؤالء‬ ‫الرجال يستطيعون متكينهن اقتصاديا ً"‪ ،‬حيث تتمتع النساء زوجات‬ ‫القادة يف بوكو حرام بحياة يسرية مقارنة بحياة النساء الفقريات يف قرى‬ ‫شامل نيجريا‪ ،‬كام أنهن يتمتعن بسلطة نسبية عىل مجموعات األسريات‬ ‫األخريات من النساء والفتيات الاليت يخدمنهن عىل قدم وساق‪ .‬و تؤكد‬ ‫فاطمة أكيلو أنه ميكن للنساء من داخل الجامعة أيضا طلب الطالق من‬ ‫أزواجهن إذا مل يشعرن بأنهن يُ َعا َملْن معاملة كرمية‪ .‬وتواصل قائلة‪" :‬إن‬ ‫النساء الاليت تجذبهن طرق بوكو حرام غالبا ً ما يكن نساء منحدرات من‬ ‫مجتمعات تقليدية فقرية وقاهرة للنساء‪ ،‬إال أنهن مبجرد أن يرصن جزءا ً‬ ‫من الجامعة كزوجات للمجاهدين يصبح لديهن سلطة ونفوذ اجتامعي‬ ‫ويحظني بحياة أفضل نسبيا ً مقارنة بنمط الحياة يف مناطقهن األصلية"‪.‬‬ ‫وتشري فاطمة أكيلو إىل أنَّ الكثري من الفتيات اللوايت ليس لديهن‬ ‫أي أمل يف التعليم أو الحياة األفضل قد يتطلعن بالفعل إىل الزواج‬ ‫من مقاتيل بوكو حرام‪ ،‬إال أنهن ومبجرد انضاممهن إىل الجامعة يجدن‬ ‫أنفسهن يف مواجهة أعامل القتل الروتينية واإلرهاب التي تقوم بها‬ ‫الجامعة حيث أنه ومن املعروف أن العديد من الفتيات قد شاركن‬

‫بالفعل يف تلك األعامل‪ .‬وتقارن فاطمة أكيلو تجربة انخراط الفتيات يف‬ ‫وترسد الباحثات االجتامعيات وعامالت اإلغاثة اللوايت يعملن مع جامعة بوكو حرام بظواهر االنخراط يف العصابات اإلجرامية‪ ،‬حيث "ال‬ ‫النساء ممن أُطْلِ َق رساحهن أو ُح ِّر ْرنَ من قبضة الجامعة قصصاً عن يشعر األعضاء بأي جرم أو ذنب تجاه الجرائم التي يرتكبونها"‪ .‬وتواصل‬ ‫بعض الحاالت التي متاثل حالة عائشة مامان‪ ،‬ويوجهن تساؤالتهن إىل قائلة‪" :‬عندما تكون جزءا ً من مجموعة‪ ،‬فإنك تعتاد عىل طبيعة األشياء‬

‫‪" 1‬تلك األسابيع الرهيبة يف‬ ‫معسكرهم"‪ ،‬بوكو حرام‪:‬‬ ‫عنف ضد النساء والفتيات يف‬ ‫شامل رشق نيجرييا‪ ،‬هيومن‬ ‫رايتس ووتش‪ 27 ،‬أكتوبر‬ ‫‪.2014‬‬ ‫‪https://www.hrw.org/‬‬ ‫‪/27/10/2014/report‬‬ ‫‪those-terrible-weeks‬‬‫‪their-camp/boko‬‬‫‪haram-violence-against‬‬‫‪women-and-girls‬‬ ‫‪ ٢‬نيجرييا‪ :‬النساء ومترد بوكو‬ ‫حرام‪ ،‬مجموعة األزمات‬ ‫الدولية‪ ،‬التقرير ‪5 ،242‬‬ ‫ديسمرب ‪،2016‬‬ ‫‪https://www. ,‬‬ ‫‪crisisgroup.org/africa/‬‬ ‫‪west-africa/nigeria/‬‬ ‫‪nigeria-women-and‬‬‫‪boko-haram-insurgency‬‬ ‫‪ ٣‬بوهاري‪ :‬اسرتداد آخر‬ ‫قاعدة لبوكو حرام يف غابة‬ ‫سامبيسا‪ ،‬الجزيرة ووكاالت‬ ‫األنباء‪ 24 ،‬ديسمرب ‪،2016‬‬ ‫‪https://www.aljazeera.‬‬ ‫‪com/news/2016/‬‬ ‫‪buhari-boko-haram‬‬‫‪base-retaken-sambisa‬‬‫‪forest-16122412809113.‬‬ ‫‪html‬‬

‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪57‬‬


‫التي كنت ستدينها لو كنت يف وضع مختلف حيث أن هناك نوعاً من الفكاك من قبضة املنظومات العقائدية وتأثريها"‪.‬‬ ‫التدجني الذي يحدث نفسياً وعاطفياً‪.‬‬ ‫ويهدف (برنامج منظمة نيم لنبذ التطرف) إىل أن تعود الفتيات‬ ‫إىل مجتمعاتهن وه َّن قادرات عىل استئناف بعض من مظاهر الحياة‬ ‫و تواصل فاطمة أكيلو قائلة‪:‬‬ ‫الطبيعية‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فإ َّن املجتمع ليس دامئاً عىل استعداد لقبولهن‪،‬‬ ‫"إن بعض الفتيات في منظمة نيم قد ذكرن أن‬ ‫الجماعة قد طلبت منهن قتل أحد والديهن كشرط‬ ‫لالنضمام"‪ .‬كما أقرت نساء أخريات بأنهن قد‬ ‫ساعدن في تجميع األجهزة المتفجرة اليدوية الصنع‬

‫سواء ك َّن قد انضممن لبوكو حرام اختيارا ً أم قرسا ً‪ .‬وقد سلَّط تقرير‬ ‫صدر مؤخرا عن مجموعة إنرتناشونال ألريت‪ 5‬الضوء عىل اإليذاء املزدوج‬ ‫الذى تتعرض له الفتيات اللوايت اختطفتهن جامعة بوكو حرام‪ ،‬فضالً عن‬ ‫أطفالهن الذين ولدوا ‪-‬يف الغالب‪ -‬نتيجة لالغتصاب أو الزواج القرسي‪.‬‬ ‫إضافة إىل أ َّن جميع الفتيات قد شهدن الكثري من الفظائع واالغتياالت حيث تعاين الفتيات وأطفالهن من وصمة العار املزمنة ويُ ْنظَ ُر إليهن‬ ‫وقطع الرؤوس‪ .‬وحسب قولهن‪ ،‬فقد أصبحت تلك الفظاعات امورا ً وأطفالهن عىل أنهم يحملون جينات بوكو حرام اآلمثة‪.‬‬ ‫عادية‪.‬‬ ‫وتروي حواء مييل التي تبلغ من العمر ‪ 13‬عاماً (من برنامج نبذ‬ ‫وتؤكد عائشة مامان أنها شهدت مقتل العديد من السجناء وأنها التطرف)‪ ،‬أنها قد ُز ِّو َج ْت قرسا ً إىل أحد مقاتيل بوكو حرام‪ ،‬حيث تقول‪:‬‬ ‫اعتادت عىل ذلك‪ .‬وتضيف قائلة‪" :‬إنها تراهم ‪-‬أي ضحايا بوكو حرام‪" -‬إ َّن الحياة مل يعد لها معنى بعد أن تحررتُ من بوكو حرام"‪ .‬وذلك‬ ‫ميوتون مرارا ً وتكرارا ً يف ذهنها‪ ،‬مثل رشيط الفيديو الذي يعمل بشكل ألنها تعتقد أنها لن تتمكن من العيش داخل مجتمعها مرة أخرى بسبب‬ ‫مكرر"‪.‬‬ ‫وصمة العار‪ .‬وتقول‪" :‬يعتقد الناس أننا انخرطنا يف صفوف بوكو حرام‬ ‫طوعاً‪ ،‬ولكن هذا كذب‪ ،‬لقد فكرتُ كثريا ً يف االنتحار"‪.‬‬ ‫وقد اختارت بعض صديقات عائشة أن يصبحن انتحاريات‪ ،‬كام‬ ‫تقوم منظمة نيم حالياً بتشكيل فريق من األطباء النفسيني والقادة‬ ‫فعلت إحدى زوجات زوجها السابق‪ ،‬حيث أرادت ‪-‬حسب قول عائشة‪-‬‬ ‫إرضاء الله وسلوك الطريق اآلمن إىل الجنة‪.‬‬ ‫الدينيني والباحثني االجتامعيني ملساعدة املجتمعات املحلية عىل إعادة‬ ‫دمج الفتيات وقبولهن مرة أخرى يف املجتمع‪ ،‬إال أن موارد منظمة نيم‬ ‫تتلقى النساء والفتيات ‪-‬يف برنامج منظمة نيم‪ -‬املشورة النفسية محدودة للغاية؛ وذلك نظرا ً لنزوح أكرث من مليوين شخص بسبب القتال‬ ‫وإعادة الرتبية الدينية عىل يد رجال دين مستنريين‪ ،‬حيث يحاول رجال يف شامل نيجريا‪ ،‬إضافة إيل ضعف وتشتت موارد حكومة والية برنو‬ ‫الدين تفكيك املعتقدات التي نقلتها الجامعة للفتيات والتي تربر القتل التي تحاول جاهدة توفري الحامية والخدمات األساسية التي تحتاجها‬ ‫وغريه من أعامل العنف‪ ،‬بافرتاض أنها تتم باسم اإلسالم‪ .‬وتساعد جلسات النساء‪ .‬ويف بعض الحاالت‪ ،‬تتحفظ رشطة مكافحة اإلرهاب يف نيجرييا‬ ‫املشورة النفسية وإعادة الرتبية الدينية الفتيات والنساء عىل التصالح عىل النساء والفتيات اللوايت ُح ِّر ْر َن من بوكو حرام يف ظروف غري إنسانية‬ ‫مع أنفسهن وإيجاد طريق للوصول إىل الوعي بحجم الفظاعات التي وخطرية‪ ،‬مام يزيد من إعاقة فرصهن يف اسرتداد عافيتهن النفسية‬ ‫ارتكبتها الجامعة ونبذ العنف والتنكيل باآلخرين‪ .‬و تقول فاطمو أكيلو‪ :‬والجسدية ‪.6‬‬ ‫"إ َّن األمل معقود يف أن ال تعود هؤالء الفتيات إىل الجامعة مرة أخرى‪،‬‬ ‫ولكننا ال نعرف ما سيحدث عندما يعدن إىل املجتمع الكبري‪ ،‬حيث ميكن‬ ‫وتقول فاطمة أكيلو إ َّن منظمتها تعمل مع الحكومة وتدعم أنشطتها‬ ‫أن ينضم املرء إىل أي منظومة أيدلوجية برسعة فائقة‪ ،‬ولكن من الصعب املناهضة لإلرهاب‪ ،‬لكنها تشري إىل أ َّن االستجواب العنيف للنساء‬

‫‪58‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬

‫أودهارنايت أنسربو‬ ‫متخصصة يف قضايا‬ ‫النزاعات االهلية‬ ‫وتعمل كاتبة صحفية‬ ‫وميرسة مع املنظامت‬ ‫غري الحكومية‬ ‫والقطاع الخاص‪ ،‬وقد‬ ‫ساعدت اليونيسيف‬ ‫مؤخرا عىل وضع‬ ‫برنامجها املتعلق‬ ‫ببناء السالم‪ ،‬وأجرت‬ ‫أول دراسة وطنية‬ ‫عن أثر الربنامج‬ ‫التدريبي ملعلمي‬ ‫املدارس الحكومية‬ ‫اللبنانية؛ وذلك‬ ‫بهدف مساعدتهم‬ ‫عىل معالجة اآلثار‬ ‫الصادمة الناجمة عن‬ ‫النزاع لدى طالبهم‬ ‫الالجئني‪.‬‬


‫بين الخاص و العام‬

‫والفتيات اللوايت تعرضن لصدمات نفسية بالغة قد يؤدي إىل نتائج‬ ‫عكسية‪ .‬وتقول‪" :‬إن هناك حاجة ماسة إىل فهم جذور األسباب التي‬ ‫تجذب النساء والفتيات إىل الجامعات املسلحة يف املقام األول؛ وذلك‬ ‫ملواجهة تلك االشكالية بشكل حقيقي وف َّعال"‪ .‬وتضيف قائلة‪" :‬إ َّن‬ ‫هذا عمل طويل األمد ويحتاج إىل تضافر جهود العديد من املؤسسات‬ ‫الحكومية وغري الحكومية"‪ .‬أ َّما يف الوقت الراهن‪ ،‬فأن عبء إعادة تأهيل‬ ‫الفتيات اللوايت يُ َح َّرر َن من قبضة بوكو حرام يقع عىل عاتق منظامت‬ ‫املجتمع املدين مثل منظمة نيم التي متثل املالذ الوحيد املتاح ألولئك‬ ‫النساء‪.‬‬ ‫وحسب قول عائشة مامان‪" :‬عىل الرغم من أنني أفتقد زوجي إال‬ ‫أنني أحس بالفرق الذي يحدثه برنامج إعادة التأهيل؛ فنحن هنا نشعر‬ ‫باألمان واالحرتام‪ .‬وبينام يرفضنا املجتمع‪ ،‬يظل برنامج إعادة التأهيل هو‬ ‫الجهة الوحيدة التي تقبلنا بكل إشكاالتنا ومل تفقد األمل يف مساعدتنا"‪.‬‬

‫أ ُ ِعي َد نرش هذه املقالة بإذن من‪ ( :‬نيوز ديبيل) التي نرشت القصة‬ ‫مسبقاً عىل موقعها عىل اإلنرتنت يف ‪ 6‬يناير ‪2017‬م‪ .‬وميكن االطالع عىل‬ ‫املقالة األصلية عىل العنوان التايل‪https://www.newsdeeply.com/ :‬‬ ‫‪womenandgirls/articles/2017/03/06/love-life-women-marry‬‬‫‪.boko-haram‬‬ ‫لالطالع عىل األخبار املهمة عن قضايا النوع االجتامعي يف العامل‬ ‫النامي‪ ،‬ميكنك االشرتاك يف قامئة الربيد اإللكرتوين للنساء والفتيات‪.‬‬

‫بقلم‪ :‬أودهارنايت أنسبرو‬

‫من االنجليزية شمس الدين عثمان‬

‫‪ 4‬ملزيد من املعلومات‪ ،‬يُ ْرجى‬ ‫االطالع عىل موقعها عىل‬ ‫العنوان التايل‪:‬‬ ‫‪http://www.‬‬ ‫‪neemfoundation.org.‬‬ ‫‪ng/who-we-are/about‬‬‫‪neem‬‬ ‫‪ 5‬كياميريس توغود‪" ،‬الدم‬ ‫اآلسن"‪ :‬تصورات األطفال‬ ‫املولودين من العنف الجنيس‬ ‫املتصل بالنزاعات‪ ،‬والنساء‬ ‫والفتيات املرتبطات ببوكو‬ ‫حرام يف شامل رشق نيجرييا‪،‬‬ ‫إنرتناشونال ألريت‪ ،‬فرباير‬ ‫‪.2016‬‬ ‫‪ 6‬األطفال الذين ميوتون‬ ‫يف االحتجاز العسكري يف‬ ‫نيجرييا‪ :‬منظمة العفو‪،‬‬ ‫الجزيرة‪ 11 ،‬مايو ‪،2016‬‬ ‫‪http://www.aljazeera.‬‬ ‫‪com/news/2016/05/‬‬ ‫‪nigeria-children‬‬‫‪military-detention‬‬‫‪amnesty-160511065132‬‬ ‫‪html.576‬‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪59‬‬


‫صور و حكايات‬

‫حين تصدح المسارح طرب ًا‬ ‫مبدعات من القرن اإلفريقي‬

‫وُلِد ْ‬ ‫َت شمس ابوبكر‪ ،‬المُلَقَّبَة بـ(غدودو عروه) (‪-)Guduudo Cawo‬‬ ‫عام ‪ .1935‬وقد بُثَّ ْ‬ ‫ت أغنيتها األولى عام ‪ 1952‬على إذاعة هرجيسا‬ ‫الصومالية‪ ،‬لتصبح بذلك أول امرأة تزاول العمل الموسيقي في‬ ‫الصومال‪ .‬وفي ذلك الوقت‪ ،‬لم يكن ُمتَاحَاً للمرأة الصومالية الغناء علناً‬ ‫أو على وسائل اإلعالم‪ ،‬لذلك قررت (شمس) االستعانة باالسم الفني‬ ‫(غدودو عروه)‪ .‬ومع مرور الوقت‪ ،‬نالت أغانيها إعجاباً شعبياً‪ ،‬وأصبح‬ ‫بإمكانها الخروج إلى المأل‪ .‬توفيت (غدودو عروه) عام ‪ .2017‬وما زال‬ ‫الشعب الصومالي يتذكر أعمالها وأغانيها المُفَْعَمة بالمشاعر والسالم‪،‬‬ ‫ويعتبرها أم المطربات الصوماليات‪.‬‬

‫شمس أبوبكر (‪)Shamis Abokar‬‬

‫إعداد أيان ‪ ،ogdt lp‬مدونة وناشطة‬

‫وُلِد ْ‬ ‫َت حليمة خليف عمر‪ ،‬المعروفة أيضاً باسم (مغول) ‪Magool‬‬ ‫في نهاية األربعينيات‪ ،‬وتوفيت عام ‪ 2004‬في هولندا‪ .‬وقد بدأت الغناء‬ ‫في سن ُمبَكِّرَة‪ ،‬وتُعَدُّ من أوائل المغنيات الصوماليات‪ .‬وقد نالت‬ ‫لقب (ملكة الصوت)‪ ،‬وبرزت نجوميتها أثناء عروضها مع فرقة (وابيري)‬ ‫الصومالية‪ .‬وعُرِفَ ْ‬ ‫ت بأغانيها المؤمنة بالوحدة اإلفريقية‪ ،‬وردََّد الناس‬ ‫أغانيها أثناء االستعمار وبعد استقالل الصومال‪ ،‬وخاصة أغنيتها (يا‬ ‫إفريقيا النائمة) التي نالت شعبية كبيرة‪ .‬وتصف في أغانيها معاناة‬ ‫الشعب اإلفريقي تحت االستعمار‪ .‬وقد كانت صوتاً وحدوياً محبوباً‬ ‫بين مختلف األجيال‪ ،‬وخاصة في وطنها إفريقيا‪.‬‬ ‫محام وناشط في مجال حقوق اإلنسان‪.‬‬ ‫إعداد‪ :‬جوليد جمعة‪ٍ ،‬‬

‫‪60‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬

‫حليمة خليف عمر (‪)Halimo Khalif Omar‬‬


‫مغنية موهوبة‪ ،‬وشاعرة غنائية‪ ،‬وملحنة صومالية شابة‪ .‬تقيم في هرجيسا‪ ،‬الصومال‪ .‬سطع نجمها‬ ‫عام ‪ 2010‬حين انضمت إلى فريق هورن ستار (خيديجاها خيسكيه)‪ .‬وقد حظي إبداعها في مجال تطوير‬ ‫الموسيقى الصومالية المعاصرة بإعجاب واهتمام كبيرين‪ .‬وال يتقَبَّل المجتمع الصومالي دوماً خوض‬ ‫المرأة للمجال الموسيقي (كتابة األغاني واأللحان)‪ ،‬ويعتبر ذلك ِحْكرَاً على الرجال‪ .‬ولكن حمدة تحدَّت هذه‬ ‫الصور النمطية وأثبتت نفسها بإبداعها الملفت‪ .‬ففي واقع يعاني من التحديات الكثيرة‪ ،‬تغرُِّد حمدة بأغانيها‬ ‫المطربة لتذكرنا َّ‬ ‫بأن هناك بوادر أمل‪.‬‬ ‫محام وناشط في مجال حقوق اإلنسان‬ ‫إعداد‪ :‬جوليد أحمد جمعة‪ٍ ،‬‬ ‫حمدة عبدي أحمد كينال‬

‫بدأت خديجة محمد وزينب خليفة بالغناء معاً في فرقة (ثنائي النغم) في الستينيات‪ .‬وتميزت‬ ‫الفرقة بأدائها ألغاني التراث ومزجها بالموسيقى العصرية الحديثة‪ .‬وتنحدر زينب خليفة من‬ ‫األبيض في كردفان‪ ،‬بينما وُلِد ْ‬ ‫َت خديجة محمد في منطقة عد الفرسان في دارفور‪ ،‬وكلتاهما‬ ‫من الجزء الغربي من السودان حيث تنتشر أغاني التراث‪ .‬واستمرت فرقة (ثنائي النغم) في‬ ‫الغناء حتى منتصف الثمانينيات‪ ،‬مؤدية عروضاً في مناطق مختلفة من السودان‪.‬‬ ‫إعداد‪ :‬المرأة في اإلسالم‬ ‫ثنائي النغم‪ ،‬مركز األرشيف السوداني‬

‫تُعَدُّ (تحية زروق) من رائدات التمثيل المسرحي‬ ‫والتلفزيوني والسينمائي في السودان‪ .‬وقد تركت‬ ‫أعمالها بصمة واضحة في المسرح السوداني‪ .‬وقد‬ ‫ساهم نجاحها على تشجيع غيرها من النساء في‬ ‫السودان على خوض مجال التمثيل وتحدِّي الصور‬ ‫النمطية عن تمثيل المرأة‪ .‬وقد تقاعدت خالل‬ ‫التسعينيات بعد أكثر من ثالثة عقود من اإلبداع‪.‬‬ ‫إعداد‪ :‬المرأة في اإلسالم‬

‫تحية زروق ‪ -‬مركز السودان ألبحاث المسرح‬

‫منى محمود هي ممثلة مسرحية سودانية اشتهرت بدورها في مسرحية (سفر الجفا)‪ ،‬التي حققت‬ ‫نجاحاً كبيراً وعُرِ َ‬ ‫ضْ‬ ‫ت في مختلف المدن السودانية خالل السبعينيات‪.‬‬ ‫إعداد‪ :‬المرأة في اإلسالم‬

‫منى محمود ‪ -‬مركز السودان ألبحاث المسرح‬

‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪61‬‬


‫النساء في مهب الفتاوى‬ ‫السر السيد‬

‫تهدف هذه املقالة إىل التوقف عند الفتوى الخاصة بحكم (سفر‬ ‫الرس السيد‪ :‬كاتب‬ ‫املرأة بال محرم‪ ،‬والحكم الرشعي يف الرفقة املأمونة)‪ .‬واملقالة يف سعيها‬ ‫وناقد مرسحي‬ ‫هذا تنطلق من فرضية مفادها‪ :‬أنّ معظم الفتاوى املتعلقة بالنساء‬ ‫وإعالمي سوداين‪.‬‬ ‫عضو مؤسس التحاد تنبني عىل أساس وحيد هو فكرة الغواية‪ ،‬حيث يرى أصحاب هذه‬ ‫الكتاب السوداين‪ .‬وله الفتاوى أنّها خُلق فطري وطبيعي تختص به النساء أكرث من الرجال‪،‬‬ ‫وألنّه فطري وطبيعي‪ ،‬يشتعل متى ما توفَّر رشط وجود املراة مع‬ ‫عدة كتب وبحوث‬ ‫وإسهامات يف مجاالت رجل أو رجال من غري محارمها‪ ،‬وهو ما يعني متى ما كانت خارج‬ ‫ُعشِّ ها‪ ،‬الذي هو بيت والدها أو زوجها‪ ،‬وال يشفع لها تديُّنها وورعها‬ ‫املرسح السوداين‪.‬‬ ‫مهتم بقضايا الجندر مهام عال وامتاز‪ ،‬وال تربيتها مهام كانت متينة وواعية‪ .‬ولعل ما يسند‬ ‫افرتاضنا هذا‪ ،‬هو مئات الفتاوى التى تتخذ من النساء مجاالً لها بدءاً‬ ‫واإلسالم ومساهم‬ ‫راتب مع العديد من من خروجها من البيت‪ ،‬مروراً بنوع وطبيعة املالبس التى يجب أن‬ ‫تلبسها‪ ،‬وانتها ًء مبشيتها وحدود تزينها‪ .‬وستشري املقالة ‪-‬يف اتجاه هدفها‬ ‫مجموعات املجتمع‬ ‫هذا‪ -‬إىل أهمية الفتوى‪ ،‬وموقعها وخطورتها‪ ،‬واملحاذير التي تكتنفها‪،‬‬ ‫املدين يف السودان‬ ‫وما تقوم به من أدوار يف حياة الفرد واملجتمع‪ ،‬كام ال تنىس أن تتوقف‬ ‫والرشق األوسط‪.‬‬ ‫عند الطريقة التي يُب َنى بها ما ميكن تسميته بـ(خطاب الفتوى)‪.‬‬ ‫تُعت َ​َب ُر الفتوى من التقاليد اإلسالمية الراسخة‪ ،‬فال تكاد تخلو حياة‬ ‫أي زمان ومكان من الفتوى‪ ،‬لذلك فهي احتياج حتمي‬ ‫المسلمين في ِّ‬ ‫حيثما كانت هناك حياة تنهض على قانون التغيير الذي يطال كل شيء‪،‬‬ ‫بما أنّه سنة من سنن الله سبحانه وتعالى‪ ،‬ومن هنا يمكن القول‪ ،‬إ ّ‬ ‫ن‬ ‫الفتوى فعل ضروري وممارسة فكرية ذات طبيعة إبداعية‪ ،‬وكيف ال‪،‬‬ ‫وهي الوسيلة الوحيدة التي تمنح المسلم فرصة أن يكون ُمت َّ ِ‬ ‫سقَ اً مع‬ ‫كُل ّ ِّيات دينه‪ ،‬ومع ما يطرأ عليه من ُمستَجِ د َّات في حياته اليومية‪ ،‬وال‬ ‫نصاً واضحاً من القرآن الكريم أو السنة ُ‬ ‫يجد َّ‬ ‫المطهّرة تتموضع عبره‬ ‫هذه المستجدات‪.‬‬

‫ومن هنا أستطيع القول إ ّن الفتوى هى تعبري عن احتياج حيايت آين‪،‬‬ ‫خل ٌق شجاعٌ‪ ،‬وألنّها كذلك‪ ،‬أحاطها كبار علامء اإلسالم‬ ‫فعل ّ‬ ‫ولهذا هي ٌ‬ ‫باملحاذير‪ ،‬وجعلوا لها الكثري من القواعد‪ .‬ولعله من املناسب هنا اإلشارة‬ ‫إىل بعض ما قاله الفقهاء والعلامء يف شأن الفتوى‪ .‬فقد قال الهيثم بن‬ ‫جميل‪" :‬شَ هِدتُ مالكاً ُس ِئ َل عن مثانٍ وأربعني مسألة فقال يف اثنتني‬ ‫وثالثني منها ال أدري"‪ .‬و ُرو َِي عن ابن مسعود وابن عباس قولهام‪" :‬من‬ ‫أفتى يف كل ما يُسأل فهو مجنون"‪.‬‬ ‫ويف الضوابط املعارصة بشأن الفتوى‪ ،‬نشري إىل ما يُع َر ُف‪" :‬بـ(ميثاق‬ ‫الفتوى)‪ ،‬الذي صدر مبكة املكرمة بدعوة من رابطة العامل اإلسالمي‪،‬‬ ‫وهو يتكون من ثالثة أبواب رئيسية تتضمن ‪ 41‬مادة‪ ،‬تتناول مبادئ‬ ‫وأساسيات الفتوى ومجاالتها‪ .‬ومام جاء يف هذا امليثاق‪ ،‬نذكر بعضاً‬ ‫مام جاء يف الباب الثاىن‪ ،‬املادتني‪ 13 :‬و‪ 14‬وهو الباب الخاص بأهم‬ ‫املشكالت التي تواجه الفتوى يف العرص الحديث‪ .‬فقد جاء يف الفقرة‬

‫‪62‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬

‫(د) من املادة ‪ 13‬صدور بعض الفتاوى املخالفة ألصول االعتقاد‪ ،‬وكليات‬ ‫شع من األحكام بنصوص ثابتة قطعية‪.‬‬ ‫الرشيعة‪ ،‬ومبادئ األخالق‪ ،‬وما ُ ِّ‬ ‫وجاء يف الفقرة (ز) من املادة نفسها‪ ،‬تعارض بعض الفتاوى يف املسائل‬ ‫املتجانسة‪ ،‬وما يسببه ذلك أحياناً من الحرية والشك لدى العامة‪ .‬أ ّما‬ ‫يف املادة ‪ ،14‬فقد جاء يف الفقرة (ح)‪ ،‬ويف سياق أه ّم أسباب مشكالت‬ ‫الفتوى يف العرص الحارض‪ ،‬ما نصه‪ ،‬عدم فهم بعض املتصدرين للفتوى‪،‬‬ ‫وفقه الواقع ومآالته‪ ،‬وعدم مراعاتهم ملا قد تحدثه هذه الفتاوى من‬ ‫املفاسد واألرضار"‪.٣‬‬ ‫وال يكتمل هذا التمهيد دون اإلشارة إىل االجتهاد الجامعي‪ ،‬وتفضيله‬ ‫من قبل واضعى امليثاق‪ ،‬إذ أنّه وعىل َح ِّد قولهم‪" :‬إ ّن مؤسساته وهيئاته‪،‬‬ ‫تضم عددا ً من الفقهاء املؤهلني‪ ،‬وأهل الخربة‪ .‬فالفقهاء‪ ،‬يُعلِّمون‬ ‫النصوص ومدلوالتها ومقاصدها‪ ،‬وال ُخرباء يُع ِّرفون الواقع ومآالته‪،‬‬ ‫والحكم الرشعي‪ُ ،‬مركّب من العلم بالنصوص‪ ،‬والعلم بالواقع"‪ .‬وإن‬ ‫كان مثة مالحظة هنا‪ ،‬فهي يف عبارتهم "االجتهاد الجامعي أقرب إىل‬ ‫الحق" إذ األدق هنا‪ ،‬من وجهة نظرنا‪ ،‬أن نقول أقرب إىل الصواب‪ ،‬ال‬ ‫أقرب إىل الحق‪ .‬فاالجتهاد كام هو معلوم‪ ،‬يتحرك يف املسافة بني الخطأ‬ ‫والصواب‪ ،‬ال بني الحق والباطل‪ ،‬لذلك كان للمجتهد أجر يف الحالتني‪،‬‬ ‫مع تفاوت بني األجرين‪ .‬ونالحظ كذلك‪ ،‬مجانبتهم ال ِّدقّة ىف تجريدهم‬ ‫للفقهاء من إمكانية معرفتهم بالواقع‪ ،‬وحرصهم يف معرفة النصوص‬ ‫ومدلوالتها ومقاصدها‪ ،‬وقد يعود األمر هنا‪ ،‬رمبا‪ ،‬إىل خلل يف الصياغة‪:‬‬ ‫إذ رمبا كان املقصود عدم معرفة الفقهاء للتخصص يف املجال موضوع‬ ‫الفتوى‪ ،‬كتخصص الطب أو تخصص االقتصاد مثالً‪ .‬فالفرق شاسع بني‬ ‫عدم املعرفة بالتخصص امل ُ َح َّد ِد‪ ،‬وعدم املعرفة بالواقع‪ ،‬ولكن يبدو أ ّن‬ ‫مؤسسات اإلفتاء‪ ،‬وهذا ما نلحظه كثريا ً‪ ،‬إ ّن الواقع الذي تعنيه‪ ،‬ليس هو‬ ‫الواقع الذي نعرفه‪ ،‬خاصة وأنّها ت ُع ِّرف الفتوى كام جاء يف امليثاق بأنّها‬ ‫"اإلِخبار بحكم الله عن دليل ملن سأل"‪ .‬هذا التعريف املربك للفتوى‪،‬‬ ‫ينتقل بها من مجرد إخبار برأي‪ ،‬قد يقابله رأى آخر يف نفس املسألة‪،‬‬ ‫موضوع الفتوى إىل ُحكم الله‪ ،‬األمر الذي يعنى وفقاً لهذا التعريف‪ ،‬أ ّن‬ ‫امل ُف ِتي‪ ،‬يقوم مبهمة هي من اختصاص األنبياء وحدهم‪ ،‬إذ أ ّن اإلخبار‬ ‫بحكم الله مناط باألنبياء وحدهم‪ ،‬إذ ال أحد يستطيع أن يقول هذا حكم‬ ‫الله‪ ،‬إالّ بوحي منه سبحانه وتعاىل‪.‬‬ ‫موقع الفتوى‪:‬‬ ‫نشري إىل أ ّن الفتوى يف واقعنا املعارص‪ ،‬خاصة يف ظل سيادة املؤسسات‬ ‫ذات الطابع الدعوي‪ ،‬وىف ظل سيادة وقوة اإلسالم الحريك‪ ،‬والجامعات‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬وتأثريها الكبري عىل مجمل أوجه الحياة يف مجتمعات املسلمني‬ ‫املعارصة‪ ،‬أصبحت واحدة من آليات الفرز‪ ،‬والرتتيب السيايس والثقايف‪.‬‬ ‫ُغي منطاً ثقافياً وسلوكياً ظ ََّل راسخاً‬ ‫فقد أصبح باستطاعة الفتوى أن ت ّ‬


‫وجهات نظر‬

‫كاريكاتير الريح امبدي ‪ -‬السودان‬

‫مئات السنني‪ ،‬كام باستطاعتها‪ ،‬أن تبث الكراهية‪ ،‬بل‪ ،‬وتشجع القتل‬ ‫بني فئات املجتمع الواحد‪ ،‬كتلك الفتاوى التى تحض عىل عدم التعامل‬ ‫اليومى‪ :‬كإلقاء التحيّة واملشاركة يف املناسبات االجتامعيّة مع املواطنني‬ ‫النصارى‪ ،‬وغريهم من غري املسلمني‪ ،‬بل مع املواطنني املسلمني‪ ،‬من‬ ‫أصحاب املذاهب والجامعات األخرى‪ ،‬وقد يصل األمر أحيانا إىل استباحة‬ ‫دمائهم وأموالهم ونسائهم‪ .‬هذا املوقع االستثناىئ للفتوى‪ ،‬ش ّجعت عليه‬ ‫عوامل كثرية‪ ،‬منها التطور الكبري الذي شهدته وسائط االتصاالت‪ ،‬ونخص‬ ‫بالذكر هنا اإلنرتنت وما يتميز به من رسعة يف نرش املعلومات‪ ،‬وما يتمتع‬ ‫به من ُحريّة تص ُعب معها السيطرة عىل ما يُ َبثُّ عربه‪.‬‬ ‫النجومية التى تحققت لبعض الدعاة وما يتمتعون‬ ‫به من قبول‪ ،‬فرضت على الكثيرين منهم أن‬ ‫يتحولوا إلى رجال فتوى‪ ،‬مما أضعف الثقافة الدينية‬ ‫عند غالبية المسلمين‪ ،‬وفى الوقت نفسه‪ ،‬تزايدت‬ ‫المستجدات التى فرضتها الحياة المعاصرة‪ ،‬والتى‬ ‫يثير الكثير منها أسئلة تتصل بالدين وبالتدي ُّن‪،‬‬ ‫وغياب الح ُِّري َّات‪ ،‬واختالل ميزان العدالة االجتماعية‬ ‫في بلدان المسلمين‪ّ ،‬‬ ‫وحد َّ‬ ‫مكن لثقافة التقليد‪َ ،‬‬ ‫من مساحات الفكر النقدى‪.‬‬

‫كذلك‪ ،‬هيمنة النظرة التقليدية واملحافظة عىل أكرثية املؤسسات‬ ‫املعن ّية بإنتاج املعرفة الدينية‪ .‬نرش العديد من الكتب الخاصة بالفتاوى‬

‫بصورة فردية‪ ،‬ككُتب الشيخني العثيمني وعبد الحي يوسف‪ ،‬أو بصورة‬ ‫مؤسسية‪ ،‬كتلك التي تصدرها الهيئات واملجمعات الفقهية‪ ،‬وغلبة‬ ‫النظرة التجزيئية يف الفكر اإلسالمي املعارص‪ ،‬وغياب الرؤية الكُليّة يف‬ ‫التعاطي مع الدين‪ ،‬كل ذلك‪ ،‬مكّن للفتاوى أن تحتل موقع التلقي‬ ‫املعريف عن الدين وعالقته بالحياة‪ ،‬فأصبح التديُّن يقوم عىل وصفات يف‬ ‫مختلف شئون الحياة‪ :‬فهناك فتاوى العقائد‪ ،‬وفتاوى املعامالت‪ ،‬وفتاوى‬ ‫العبادات‪ ،‬وهذه نفسها‪ ،‬تُف ََّصل أكرث‪ ،‬فنجد فتاوى العلوم الطبيعية‪،‬‬ ‫وفتاوى التسلية والرتفيه‪ ،‬وفتاوى اللباس والزينة‪ ،‬وفتاوى األعياد‬ ‫واألعراس‪ ...‬وميىض التفصيل أكرث‪ ،‬لنجد‪( ،‬فتاوى النساء)‪ :‬فقد صدر عد ٌد‬ ‫من الكتب تحت هذا العنوان‪.‬‬ ‫هذه الوصفات اليومية املشتملة عىل كل يشء‪ ،‬غيبت عن الدين‬ ‫رحمته وسعته وتفتّحه وإنسانيته وحولته اىل (كاتلوج)‪ ،‬بل غيبت رؤيته‬ ‫الكلية للوجود ولإلنسان وللطبيعة والتاريخ‪ ،‬حيث هنا أصبحت الفتوى‬ ‫رغم أهميتها والحاجة إليها يف الكثري من األحيان‪ُ -‬مه ِّد َدا ً من ُم َه ِّددَات‬‫األمن امل ُجتمعي يف تجلياته املختلفة‪ ،‬خاصة‪ ،‬وأ ّن معظم الذين يتص ّدون‬ ‫لإلفتاء‪ ،‬دُعاة معروفون وحاصلون عىل شهادات عليا يف مجاالت العلوم‬ ‫اإلسالمية املختلفة‪.‬‬ ‫فتوى ُحكم سفر املراة بِال ُمحرم‪:‬‬ ‫صدرت هذه الفتوى من مجمع الفقه اإلسالمي يف السودان‪ ،‬ونُرشت‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪63‬‬


‫"ضمن كتاب (فتاوى املجمع)‪ :‬الكتاب األول"‪ ،٤‬الذي أصدره مجمع الفقه العامة وردها استفتاء عن الحكم الرشعي يف الرفقة املأمونة‪ ،‬وما هي‬ ‫اإلسالمي‪ ،‬وهو مؤسسة فقهية تابعة لرئاسة الجمهورية‪ .‬ليست هناك رشوط الرفقة املأمونة وضوابطها؟ وما الرضورة التى تبيح السفر بال‬ ‫إشارة لتاريخ صدور الفتوى‪ ،‬وال لتاريخ نرش الكتاب‪ .‬الفتوى صادرة ُمحرم؟‪ ،‬فجاءت إجابتها كاآلىت‪:‬‬ ‫بتوقيع الشيخني‪ :‬األستاذ محمد إبراهيم محمد‪ ،‬رئيس دائرة فقه األُرسة‪،‬‬ ‫ال يجوز ملسلمة السفر بغري ُمحرم‪ ،‬وأوردت الروايات اآلتية‪ :‬الرواية‬ ‫واألستاذ الدكتور أحمد خالد بابكر‪( ،‬األمني العام)‪.‬‬ ‫األوىل‪ :‬ثبت عن النبي (ص) إنّه قال‪" :‬ال يحل المراة تؤمن بالله واليوم‬ ‫اآلخر‪ ،‬أن تسافر مسرية يوم وليلة ليس معها حرمة"‪ .‬الرواية الثانية‪" :‬ال‬ ‫خطاب الفتوى‪:‬‬ ‫يحل المراة تؤمن بالله واليوم اآلخر ان تسافر مسرية ثالث ليا ٍل إال ومعها‬ ‫نصاً‪ ،‬وما ذو محرم"‪ .‬الرواية الثالثة‪" :‬ال يحل المراة تؤمن بالله واليوم اآلخر‪ ،‬أن‬ ‫املقصود هنا الطريقة التي بُ ِنيَ ْت بها الفتوى‪ ،‬حتّى صارت ّ‬ ‫يكتنف هذا البناء من تح ُّيزات‪ِ ،‬‬ ‫وح َيل تحيكها وتنهض عليها اسرتاتيجية تسافر سفرا ً يكون ثالثة أيام فصاعدا ً‪ ،‬إالّ ومعها أبوها‪ ،‬أو ابنها‪ ،‬أو زوجها‪،‬‬ ‫الخطاب‪ .‬ولعل ما سأبدأ به هنا‪ ،‬هو‪ ،‬الكيفية التي اشتغلت بِها الفتوى أو أخوها‪ ،‬أو ذو محرم منها"‪ .‬الرواية الرابعة‪" :‬ال يحل المراة مسلمة‪ ،‬أن‬ ‫تسافر مسرية ليلة‪ ،‬إالّ‪ ،‬ومعها رجل ذو حرمة منها" ‪.‬الرواية الخامسة‪" :‬ال‬ ‫عىل النص األسايس‪ ،‬أي الروايات‪ ،‬وصوالً للحكم النهايئ‪ ،‬أي الفتوى‪.‬‬ ‫يحل المرأة تؤمن بالله واليوم اآلخر‪ ،‬أن تسافر مسرية يوم واحد ليس‬ ‫سبب هذه الفتوى كام جاء يف الكتاب املذكور آنفا‪ ،‬أ ّن دائرة الفتوى لها ذو حرمة"‪.‬الرواية السادسة‪" :‬ال يحل المرأة تؤمن بالله واليوم اآلخر‪،‬‬

‫‪ -30‬كاريكاتير الريح امبدي ‪ -‬السودان‬

‫‪64‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫وجهات نظر‬

‫تسافر يوماً إالّ مع ذي محرم"‪ .‬الرواية السابعة‪" :‬ال يحل المرأة تؤمن والذي‪ ،‬يتصل بتعدد الروايات‪ ،‬واختالفها زيادة ونُقصاناً‪ ،‬يف املوضوع‬ ‫بالله واليوم اآلخر أن تسافر مسرية يوم وليلة‪ ،‬إالّ مع ذوي محرم منها"‪ .‬الواحد‪ .‬فهم يرون‪ ،‬أ ّن هذا االختالف يف الروايات‪ ،‬كام جاء يف حيثيات‬ ‫فتوى امل ُج ّمع‪ ،‬مردّه الختالف السائلني‪ ،‬واختالف املواطن‪ ،‬وليس يف النهي‬ ‫ونالحظ يف هذه الروايات ما يىل‪ :‬ليس هناك ات ِّفاق يف املدة التي عن الثالثة‪ ،‬ترصيح بإباحة الليلة أو الربيد‪.‬‬ ‫بسببها يُ َح َّر ُم عىل املراة السفر من دون محرم‪ .‬يف بعض الروايات متت‬ ‫قال البيهقي‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬كأنّه (ص) ُس ِئ َل عن املرأة تسافر ثالثاً بغري‬ ‫اإلشارة إىل هوية املرأة (مسلمة) أو (امرأة مسلمة)‪ ،‬وىف البعض اآلخر‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫وسئ َل عن‬ ‫وسئ َل عن سفرها يومني بغري محرم‪ ،‬فقال ال‪ُ .‬‬ ‫جاءت بصيغة مطلق امرأة "ال يحل المرأة"‪ .‬يف واحدة من الروايات مل محرم؟ فقال ال‪ُ .‬‬ ‫ترد عبارة "تؤمن بالله وباليوم اآلخر"‪ ،‬ويف واحدة من الروايات‪ ،‬تم تعيني سفرها يوماً‪ ،‬فقال ال‪ .‬وكذلك الربيد –انظر اىل كأنه‪ -‬أ ّما الحافظ رحمه‬ ‫الله‪ ،‬فقد قال‪ :‬وقد عمل أكرث العلامء يف هذا الباب باملطلق‪ ،‬الختالف‬ ‫امل ُحرِم باألب واالبن والزوج واألخ‪ ،‬بينام ىف األُخريات مل يتم التعيني‪.‬‬ ‫التقييدات‪ .‬وكذلك أورد استثناءاتهم لسفر املرأة من غري محرم‪ ،‬والتي‬ ‫متثّلت يف خروجها من دار الكفر‪ ،‬إىل دار اإلسالم‪ ،‬أو إذا اصابها داء‬ ‫موقع املفتي‪:‬‬ ‫ُعضال‪ ،‬ال يتأىت عالجه إالّ بالسفر‪ ،‬وهى ال تجد ُمحرماً أو ال متلك نفقة‬ ‫يُ َع ِّر ُف ميثاق الفتوى املفتي بأنّه هو "امل ِ‬ ‫ُخب بِحكم الله عن دليل سفر املحرم‪ .‬وكذلك‪ ،‬أن تكون املرأة يف مكان مخوف‪ ،‬ال تأمن فيه عىل‬ ‫ملن سأل عنه"‪ ،‬وهذا تعريف من وجهة نظرنا‪ُ ،‬مرب ٌِك وغري دقيق‪ ،‬شأنه نفسها‪ ،‬فتنتقل إىل مكان آمن‪ ،‬ونحو ذلك من األحوال‪ .‬الواضح من‬ ‫شأن تعريف الفتوى الذي علَّقنا عليه يف ثنايا هذه املقالة‪ .‬أ َّما موقع كل هذا الكالم‪ ،‬أ ّن علّة النهي‪ ،‬هي السفر نفسه‪ ،‬إذ أ ّن الرِفقة املأمونة‬ ‫املفتي‪ ،‬فنعني به الكيفية التي يجيب بها عن سؤال امل ُستفتي‪ ،‬وىف فتوانا نفسها‪ ،‬عىل حد قول بعض هؤالء الفقهاء‪ ،‬ال تكون إالّ يف َح ّجة الفريضة‬ ‫هذه (عدم جواز سفر املرأة من غري محرم)‪ ،‬يَتَ َح َّد ُد موقع املفتي يف فقط‪ ،‬وال تشمل حج التطوع‪ ،‬وال السفر للتجارة‪ ،‬أو ِ‬ ‫السياحة‪ ،‬وما اشبه‬ ‫الطريقة التي نظر بها إىل النص األصىل‪ ،‬أي الروايات‪ ،‬وصوالً إىل اإلخبار ذلك‪ ،‬مام اعتاده الناس‪ ،‬وبكلمة واحدة‪ ،‬كام يف قول ابن حجر الهيثمى‪،‬‬ ‫بحكم الله عن دليل‪ .‬وفقاً لتعريفهم‪ ،‬نجد أ ّن املفتي عامدا ً أو غري عامد‪ ،‬الوارد يف حيثيات فتوى امل ُجمع‪ :‬يُ َح َّر ُم عليها السفر مع غري ُمحرم‪ ،‬وإن‬ ‫تعي‪ ،‬و ُمعارص‪ ،‬ق َُص السفر‪ ،‬وكان آمناً‪ ،‬ولو لطاعة‪ ،‬كنفل الحج أو العمرة‪ ،‬ولو مع‬ ‫قد تغاىض عن موقع امل ُستفتي‪ ،‬والذي هو شخص ُم ّ‬ ‫استصحب بالرضورة وهو يسأل عن‪ ،‬وضع املرأة اآلن‪ ،‬ورضورات سفرها نساء من التنعيم‪ .‬وهكذا نالحظ‪ ،‬أ ّن موقع امل ُفتي إتكأ‪ ،‬عىل اشتغال‬ ‫إذ أنّه يسأل عن مسألة واقعية يعيشها اآلن‪ ،‬تتحكم فيها سياقات الفقهاء عىل الرواية‪ ،‬و ِمن ث ّم‪ ،‬بنى خطاب فتواه‪ ،‬وفات عليه أوالً‪ ،‬أنّه مل‬ ‫ُم َح َّددَة‪ ،‬ورشوط ذاتية وموضوعية‪ ،‬تَتَ َح َّد ُد من خاللها‪ ،‬وضعية املرأة يشتغل هو عىل الرواية‪ ،‬وفقاً لرضورات ورشوط واقعه‪ ،‬وواقع املستفتي‪،‬‬ ‫ووضعية النساء يف عرصه‪ ،‬وفات عليه ثانياً‪ ،‬أ ّن أساس امل ُشكلة يكمن‬ ‫اآلن‪ ،‬وطبيعة العرص الذي تعيش فيه‪.‬‬ ‫يف وجود املحرم أو عدمه‪ ،‬وليس يف السفر يف َح ِّد ذاته‪ ،‬ليكون السؤال‬ ‫فهي مثال‪ ،‬تسافر اآلن من أجل التعليم‪ ،‬ومن أجل العمل‪ ،‬ومن أجل املركزي هو‪ :‬ما هي رضورة وجود املحرم؟ واالجابة امل ُم ِكنة والوحيدة‬ ‫العالج‪ ،‬ومن أجل السياحة‪ .‬وهى اآلن تعمل يف كل مجاالت العمل‪ ،‬من هنا هي‪ِ :‬‬ ‫الحامية‪ ،‬ببعديها املبارش‪ ،‬والذي يعني درء خطر الطريق بكل‬ ‫الوظائف الدستوريّة‪ ،‬إىل الوظائف العاديّة‪ ،‬كام أنّها تنشط يف مختلف ما ميكن أن يحمله من معنى يف ذلك العرص‪ ،‬وغري املبارش‪ ،‬والذي يعني‬ ‫املجاالت السياسية والثقافية واالجتامعية‪ ،‬وتستخدم وسائل تنقُّل رسيعة درء ال ِغواية‪ ،‬وكل هذا مؤسس عىل افرتاض ضمني‪ ،‬يستبطنه خطاب‬ ‫وآمنة‪ ،‬من وإىل بلدها‪ ،‬وأعني هنا‪ ،‬أمن وتأمني التنقّل‪ ،‬يف الرب والبحر الفتوى‪ ،‬هو‪ :‬ضعف النساء املطلق‪ ،‬لذلك جاء يف ثنايا الفتوى‪ ،‬قول‬ ‫والجو‪ ،‬بدءا ً من ضوابط التنقّل من مكان إىل آخر‪ ،‬وانتها ًء بأمن املطارات املفتي يف ص‪" :145‬والعلة يف هذا النهي‪ ،‬والله تعاىل أعلم‪ ،‬أ ّن املرأة‬ ‫واملوانئ الربية والبحرية‪ ،‬وفوق كل هذا‪ ،‬تتمتّع بترشيعات‪ ،‬وأعني ُهنا ُم َع َّرضَ ة للفتنة‪ ،‬وانفرادها سبب للمحظور‪ ،‬أل ّن الشيطان يجد السبيل‬ ‫املرأة السودانية‪ ،‬ال تُ ّيز بني املواطنني بسبب النوع‪ ،‬وكذلك ت ُتيح ُحريّة بانفرادها‪ ،‬ف ُيغري بها ويدعو إليها"‪ .‬وهكذا‪ ،‬فوجود امل ُحرم‪ ،‬هو ما يقطع‬ ‫التنقّل للمواطنني كافة‪ ،‬وفق إجراءات ورشوط‪ ،‬ليس من بينها النوع‪ ،‬بل السبيل أمام الشيطان‪ ،‬ال إميان املرأة‪ ،‬وال موقفها‪ِ ،‬علامً بأن املرأة‪ ،‬ووفقاً‬ ‫من حقِّها أن تصبح رئيساً للبالد‪ ،‬كام يشري الدستور السوداين االنتقايل للقرآن الكريم‪ ،‬الذي مل يكن له حضور يف هذه الفتوى‪ ،‬ضَ ِمن لها فرصة‬ ‫لسنة ‪ ،2005‬عىل سبيل املثال‪ .‬إضافة إىل أ ّن السائل يشهد‪ ،‬وبشكل أن تدخل ِضمن الذين ال يجد عليهم الشيطان سبيالً‪ ،‬ونقصد قوله تعاىل‪:‬‬ ‫"‪....‬إالّ عبادك منهم املخلصني"‪ ،‬وال أظن أ ّن أحدا ً يحرص هؤالء العباد ىف‬ ‫أي محرم‪.‬‬ ‫متواتر‪ ،‬سفر الدستُوريّات وغريهن‪ ،‬من دون ِّ‬ ‫الرجال فقط‪ ،‬وأيضاً تدخل ىف الذين قال عنهم الله تعاىل "‪....‬والحافظني‬ ‫هذا هو الوضع‪ ،‬أو فلنقل الواقع بشكل عام الذي انطلق منه فروجهم والحافظات أع ّد الله لهم مغفرة وأجرا ً عظيام"‪ .‬وفات عليه‬ ‫امل ُستفتي‪ ،‬وهو ما مل ي ِعره املفتي كبري اهتامم‪ ،‬وهو يورد تلك الروايات‪ ،‬ثالثاً‪ ،‬أ ّن استناده عىل املدونة الفقهية التقليدية‪ ،‬والذي جاء عىل طريقة‬ ‫والتي‪ ،‬ومن شدة تغاضيه وإغفاله لواقع امل ُستفتي‪ ،‬مل يعمل فكره وقع الحافر عىل الحافر‪ ،‬يضعه أمام أسئلة حرِجة منها‪ :‬كيف نُ َح ِّدد دار‬ ‫يف االشتغال عليها‪ ،‬بل اكتفى مبا جاء يف ما ميكن أن نُس ّميه بِامل ُدونّة الكفر ودار اإلسالم يف واقعنا املعارص؟ وفات عليه رابعاً‪ ،‬وهذا هو األهم‪:‬‬ ‫الفقهية التقليديّة‪ ،‬فأورد كل ِحججِها‪ ،‬وهو جهد مقدر من أولئك الفقهاء هو أنّه مل ينظر إىل هذه الفتوى‪ ،‬وما ميكن أن ترتكه من أثر ىف حياة‬ ‫ويثمنون عليه‪ ،‬بدءا ً مام قالوه فيام يتعلق مبا يُع َر ُف بِضبط الرِواية‪ ،‬املسلامت املعارصات‪ ،‬وبالتايل‪ ،‬يف ُمجتمعات املسلمني‪ ،‬إذ ال يُعق َُل عىل‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪65‬‬


‫سبيل املثال‪ ،‬أن تسافر امراة مسلمة‪ ،‬تشغل منصب وزير الخارجية‪ ،‬أو‬ ‫مديرة جامعة‪ ،‬تحت حامية ابنها‪ ،‬الذي ال يتجاوز عمر الثامنة عرشة‪،‬‬ ‫ليحميها من حبائل الشيطان‪ ،‬أو أن تكون ُمحتاجة إىل رفقة مأمونة‪ ،‬يف‬ ‫وسائل تنقّل‪ ،‬ويف موانئ‪ ،‬فيها من إجراءات السالمة والحامية‪ ،‬ما فيها‪.‬‬ ‫وأخلص إىل أ ّن هذه الحيثيات‪ ،‬والتي أدَّت يف األخري إىل القول بأنّه‬ ‫"ال يجوز للمرأة السفر‪ ،‬إالّ بصحبة ُمحرم‪ ،‬هو الذكر‪ ،‬البالغ‪ ،‬العاقل‪،‬‬ ‫الذي يحرم نكاحه عىل التأبيد"‪ ،‬وبالرغم من ِصدورها من مجمع الفقه‬ ‫اإلسالمي‪ ،‬التابع لرئاسة الجمهورية‪ ،‬والذي ي ّدعي‪ ،‬أنّه يتب َّنى املنهج‬ ‫الوسطي‪ ،‬يؤسفني أن أقول‪ ،‬إنّها جاءت مخالفة لبنود الدستور السوداين‪،‬‬ ‫وإنّها مل تنظر إىل هذا الحق اإلنساين الحيوي‪ُ ،‬مستصحبة الرؤية ال ُكلّية‬ ‫لِ ُمراد الدين‪ ،‬القامئة عىل "أ ّن اإلجامع قد وقع عىل أ ّن التكليف مبا ال‬ ‫منفي عن الشارع‪ ،‬وكذلك التكليف مبا فيه مشقة أو حرج‪ ،‬عىل‬ ‫يُطَاق‪ٌّ ،‬‬ ‫‪٥‬‬ ‫حد قول اإلمام الشاطبي" ‪ .‬كام أنّها‪ ،‬مل تنظر لسفر النساء كاحتياج‬ ‫ُمعارص‪ ،‬تفرضه رضورات مجتمعية‪ ،‬وفردية‪ ،‬تتحقق من خاللها الكثري‬ ‫من املصالح التي تنفع البالد والعباد‪ .‬ومن قبل ومن بعد مل تنظر إىل‬ ‫املرأة كشخصية مسئولة لها إرادتها ومعرفتها وأنها قادرة عىل حامية‬ ‫نفسها‪ ،‬ويبقى يبقى السؤال‪ :‬ما الهدف من إصدار فتوى تتصادم مع‬ ‫أبسط ُمقومات الحياة املعارصة‪ ،‬وال ميكن التق ُّيد بها‪ ،‬والعمل عىل‬ ‫ضوئها؟ فنحن نرى اآلن‪ ،‬أ ّن غالبية مطارات وموانئ العامل‪ ،‬ال تشرتط‬ ‫املحرم‪ ،‬أو الرِفقة املأمونة لسفر املسلامت‪ ،‬كام أ ّن بلد امل ُستفتي‪ ،‬وهذا‬ ‫هو األهم‪ ،‬ال يشرتط وجود املحرم‪ ،‬أو الرفقة املأمونة‪ ،‬لسفر النساء‪.‬‬ ‫فال يزال سفر املسلامت السودانيات مستمرا ً‪ ،‬من دون محرم أو رفقة‬ ‫مأمونة‪ ،‬ولكن ماذا نقول يف هذا الذهن الرجايل‪ ،‬الذي ال يزال ُم َهي ِم َناً‬ ‫عىل طرائق التفكري ىف حقول اإلسالم املختلفة‪.‬‬

‫بقلم‪ :‬السر السيد‬

‫‪ 1‬د‪.‬عثامن محمد النضيف‪،‬‬ ‫جمع ورصد وتحقيق‪- :‬دائرة‬ ‫الفتوى‪..‬بعض فتاوى الهيئة‪-‬‬ ‫النارش‪:‬هيئة علامء السودان‪-‬‬ ‫االمانة العامة‪ -‬بدون تاريخ‬ ‫ص‪.7‬‬ ‫‪ ٢‬د‪.‬عثامن النضيف‪،‬‬ ‫"ترتيب"‪-‬ميثاق الفتوى‪..‬‬ ‫القواعد والضوابط‪ -‬إعداد‬ ‫رابطة العامل اإلسالمي ‪-‬النارش‪:‬‬ ‫هيئة علامء السودان‪ -‬األمانة‬ ‫العامة‪ -‬بدون تاريخ ص‪.3‬‬ ‫‪ ٣‬املصدر السابق نفسه‬ ‫ص‪.33/32‬‬ ‫‪ ٤‬فتاوى املجمع‪ :‬الكتاب‬ ‫األول ‪-‬منشورات مجمع‬ ‫الفقه االسالمي‪ -‬السودان‪-‬‬ ‫بدون تاريخ‪ -‬فتوى حكم‬ ‫سفر املراة بال محرم من‬ ‫ص‪ 142‬إىل ص‪148‬‬ ‫‪ ٥‬د‪.‬أمني حسن عمر‪-‬‬ ‫اإلسالميون والدولة‪ :‬حوارات‬ ‫ىف الرشيعة والدولة املدنية‬ ‫والدستور‪ -‬سلسلة كتاب‬ ‫الخرطوم‪ -‬هيئة الخرطوم‬ ‫للصحافة والنرش‪ -‬الطبعة‬ ‫األوىل ‪ 2014‬ص ‪193‬‬

‫‪66‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫وجهات نظر‬

‫نادي الدرَّاجات‬

‫ركوب الدر َّاجة في طريق المساواة‬ ‫سة مبادرة نادي النساء السودانيات للدر َّاجات‬ ‫ؤس َ‬ ‫مقابلة مع إيناس ُمز َّ ِّمل‪ُ ،‬م ِّ‬

‫اشرتكت يف دورة تدريبيه للنساء املهاجرات‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫لتعلُّم كيفية ركوب الدراجة‪ .‬وعاد ًة ما يستغرق‬ ‫األمر بضعة أشهر للنساء املتد ِّربات‪ ،‬لتعلُّم‬ ‫كيفية قيادة وركوب الدراجة‪ ،‬لكنني التقطتها‬ ‫برسعة كبرية‪ ،‬وذلك ‪-‬رمبا‪ -‬ألنني اعتدتُ عىل‬ ‫ركوب الد َّراجة أثناء طفولتي‪.‬‬

‫الصورة‪ :‬لنساء نادى ادراجات فى احد االنشطة‬

‫عىل الرغم من أنَّ املرأة السودانية كانت س َّباقة يف قيادة السيارات‬ ‫منذ أواخر أربعينيات وخمسينيات القرن املايض‪ّ ،‬إل أنَّ األعراف‬ ‫االجتامعية ما زالت تعوق النساء من ركوب الد َّراجات‪ .‬ومع صعود‬ ‫اإلسالم السيايس يف البالد أصبحت النساء ُمس َتب َعدَ ات بشكل متزايد‬ ‫من الفضاء العام‪ ،‬وقد انعكس ذلك‪ ،‬يف وجود ازدياد مستمر يف قامئة‬ ‫السلوكيات (غري املحتشمة) أو (غري املقبولة أخالقياً)‪ .‬ورغم كل ذلك‬ ‫تزداد كثافة وجود النساء يف شوارع الخرطوم املزدحمة أسوة بالرجال‪،‬‬ ‫ويف الفرتة األخرية بدأت أعداد قليلة من النساء يف ركوب الد َّراجات‬ ‫داخل مساحات محدودة من شوارع العاصمة‪.‬‬

‫ويف أثناء فرتة وجودي يف هولندا بدأتُ‬ ‫أُف ِّك ُر يف فُ َر ِص ركوب الد َّراجات يف السودان‪.‬‬ ‫فالدراجة ت ُعتَ َ ُب وسيلة نقل ممتازة يف البيئات‬ ‫الحرضية املكتظة بالسكان مثل الخرطوم؛ فهي‬ ‫رخيصة‪ ،‬وال تأخذ الكثري من املساحة‪ ،‬وال ت ُل ّوثُ‬ ‫البيئة‪ ،‬كام أنّها ال ت ِ‬ ‫ُصد ُر ضوضاء‪ ،‬باإلضافة إىل‬ ‫أنها وسيلة رائعة للنساء لتحسني صحتهن‪ ،‬كام‬ ‫س االنتقال ملسافات قصرية‪.‬‬ ‫أنها ت ُ َي ِّ ُ‬ ‫ِ‬ ‫كنت تركبني الد َّراجة عندما ِ‬ ‫ذكرت أن ِّك ِ‬ ‫ِ‬ ‫توقفت؟‬ ‫كنت طفلة؛ ملاذا‬ ‫لدي دراجة حمراء جميلة‪.‬‬ ‫حينام ُ‬ ‫كنت (بنتاً صغرية) يف السن‪ ،‬كانت َّ‬ ‫ُنت أُ ِح ُّبها‪ ،‬بل وفخورة جدا ً بها‪ .‬ولكن عندما بلغ عمري الـ(‪ )12‬عاماً‪،‬‬ ‫وك ُ‬ ‫ُ‬ ‫أُ ِخذَت تلك الد َّراجة مني وأ ِ‬ ‫عطيَت لـ(ابن ع ّمي)‪ ،‬وذلك أل َّن ركوب‬ ‫الد َّراجة كان يُعتَ َ ُب غري مناسب لفتاة يف تلك السن ‪-‬سن املراهقة‪.-‬‬ ‫غضبت كثريا ً من تلك امل ُعاملة التمييزية‪ ،‬وشعرتُ أنها غري عادلة‪.‬‬ ‫وقد‬ ‫ُ‬ ‫وقد جعلني – ذلك التمييز‪ُ -‬مد ِركَ ًة بأمل االختالف يف املعاملة بني األوالد‬ ‫والبنات يف املجتمع السوداين‪ .‬نعم‪ ،‬فقد أُ ِ‬ ‫عطيَ ْت دراجتي العزيزة لـ( ابن‬ ‫زلت أتذك ُر متاماً أنه عندما زرناهم بعد بضعة‬ ‫عمي) الذي مل ير َع َها‪ .‬وما ُ‬ ‫رأيت الد َّراجة ُملقاة باملنزل يف حالة سيئة‪ ،‬فشعرتُ بالحزن‪.‬‬ ‫أشهر‪ُ ،‬‬

‫إيناس ُم َّز ِّمل‪ ،‬شابة سودانية‪ ،‬تبلُغ من العمر ‪ 29‬عاماً‪ ،‬درست يف‬ ‫ِ‬ ‫فكرتك لـ( مبادرة النساء السودانيات لركوب‬ ‫كيف ترجمت‬ ‫جامعة الخرطوم‪ ،‬وتعمل حالياً يف برنامج األمم املتحدة للبيئة‪ ،‬وهي‬ ‫ؤس َسة مبادرة النساء السودانيات لركوب الد َّراجات‪ .‬تحدّ ثت إيناس الد َّراجات) لتصبح حقيقة؟‬ ‫ُم ِّ‬ ‫ُم َّز ِّمل‪ ،‬يف مقابلة مع (صيحة ‪ ،)SIHA /‬عن أصول وتحدِّ يات مبادرة‬ ‫اشرتيت دراجة‬ ‫عندما ُعدتُ إىل الخرطوم من رحلتي إىل هولندا‪،‬‬ ‫راكبات الد َّراجات السودانيات‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫هوائية‪ .‬لقد كان األمر صعباً؛ نظرا ً أل َّن الد َّراجات املُخ ََّص َصة للـسيدات ال‬ ‫توص ِ‬ ‫ميكن الوصول إليها بسهولة يف السودان‪ .‬ومبجرد رشائها‪ ،‬أخذتُ الد َّراجة‬ ‫لت إىل فكرة إنشاء نا ٍد للنساء لركوب الد َّراجات؟‬ ‫كيف َّ‬ ‫مع شقيقتي وبنت أختي الصغرية إىل (الساحة الخرضاء)‪ ،‬وهي أكرب‬ ‫بدأ كل هذا يف عام ‪ 2013‬عندما سافرتُ إىل هولندا ألغراض مهنية‪ .‬حديقة يف املدينة‪.‬‬ ‫رأيت الكثري من الرجال والنساء‬ ‫ومبجرد أن‬ ‫وصلت هولندا وغادرتُ املطار‪ُ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫واألطفال يركبون الد َّراجات؛ ففي هولندا يُعتَ َ ُب ركوب الد َّراجات جزءا ً‬ ‫فت عىل‬ ‫ومن خالل عميل يف هولندا إلذاعة هولندا العاملية‪ ،‬تع َّر ُ‬ ‫من ثقافة البلد‪ ،‬وهناك ممرات خاصة للدراجات بجانب الطرق‪ .‬ففى امل ُنارصة عرب اإلنرتنت‪ .‬لذا أنشأتُ صفحة عىل ( الفيسبوك ) بعنوان‬ ‫كل صباح‪ ،‬يتدفق املئات من البالغني واألطفال إىل العمل واملدارس عىل (مبادرة النساء السودانيات لركوب الد َّراجات) ونرشتُ بعض الصور‬ ‫رسوج الد َّراجات‪ ،‬بغض النظر عن الظروف الجوية‪ .‬وخالل زياريت الثانية لصديقاىت‪ ،‬وأنا عىل الد َّراجة‪ .‬وكانت ردود األفعال‪ ،‬والتفاعل مع املبادرة‬ ‫لهولندا‪ ،‬بدأتُ يف ركوب الد َّراجات مثيل مثل مواطني البلد‪ .‬وقبل ذلك فوق تصوراتنا وتوقُّعاتنا‪ .‬ففي غضون أيام قليلة‪ ،‬تلقّت الصفحة أكرث‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪67‬‬


‫ومن املهم اإلشارة‪ ،‬إىل أننا ‪-‬ومن ناحية أخرى‪ -‬نحصل عىل الكثري‬ ‫من التشجيع من الناس الذين يُق ِّد ُمون لنا كل أنواع املساعدة والدعم‬ ‫واملشورة‪ .‬وبعض النساء يوقفن سياراتهن عندما يشاهدننا يف الشارع‬ ‫ويسألن كيف ميكنهن االتصال واالنضامم إىل نادي نساء الد َّراجات‪.‬‬ ‫ما هي أسباب نجاح هذه املبادرة ؟‬

‫من ألف إعجاب‪ ،‬ث ُ ّم رسعان ما وصلت إىل ثالثة آالف من (اإلعجابات)‬ ‫بعد بضعة أسابيع‪ .‬ومن خالل تلك الصفحة‪ ،‬بدأنا يف تنظيم اجتامعات‬ ‫أسبوعية يف الساحة الخرضاء‪ .‬ويف بعض األحيان كانت تظهر أكرث من‬ ‫‪ 150‬امرأة يف مكان تج ّمعنا‪ .‬ويف ذلك الوقت‪ ،‬كانت لدينا ثالث دراجات‬ ‫فقط‪ ،‬وكان علينا أن (نتناوب) عىل تعليم بعضنا البعض كيفية حفظ‬ ‫التوازن فوق الد َّراجة وكذلك كيفية قيادتها والدوران بها‪.‬‬ ‫كانت ردود الفعل عىل مبادرتكم عىل الفيسبوك إيجابية‪ .‬فكيف‬ ‫كانت ردود فعل وسائل اإلعالم والجمهور العام؟‬ ‫عموماً‪ ،‬وجدت مبادرتنا ترحيباً كبريا ً من قبل الجمهور‪ .‬ومنذ البداية‬ ‫تلقّينا الكثري من االهتامم من وسائل اإلعالم املحلية والدولية‪ ،‬مبا يف‬ ‫ذلك قنوات وفضائيات مثل‪ :‬الجزيرة‪ ،‬والعربية‪ ،‬و(إم يب يس)‪ ،‬وهيئة‬ ‫ُشتْ مقاالت عديدة حولنا يف‬ ‫اإلذاعة الربيطانية (البي يب يس)‪ .‬وقد ن ِ َ‬ ‫الصحف السودانية‪ ،‬كام طُلِ َب مني املشاركة يف بعض الربامج الحوارية‬ ‫يف التلفزيون القومي عن النساء يف الرياضة‪ .‬وقد تلقينا الكثري من‬ ‫الدعم من الشخصيات العامة السودانية‪ ،‬والفنانني‪ ،‬والعبي كرة القدم‪،‬‬ ‫والناشطات ‪ ...‬إلخ‪.‬‬ ‫لكن يف الحدائق والشوارع العامة يف الخرطوم حيث منارس رياضة‬ ‫ركوب الد َّراجات‪ ،‬تكون ردود األفعال مختلطة‪ .‬وغالباً ما يُفَا َجأ الناس‬ ‫برؤية السيدات والشابات عىل الد َّراجات‪ .‬ويف بعض األحيان‪ ،‬تكون ردود‬ ‫الفعل سلبية‪ ،‬وقد تع َّرضنا للعديد من املضايقات والتح ُّرشات اللفظية‪.‬‬ ‫هل ميكنك التحدُّ ث عن أشكال التح ُّرش التي تواجهكن عادة؟‬ ‫تأيت معظم التعليقات السلبية من الرجال من املا َّرة‪ ،‬ولكن بعض‬ ‫النساء أيضاً ينتقدننا‪ .‬ونحن نعي متاماً أننا نفعل شيئاً جديدا ً يتعارض‬ ‫مع األعراف املتعارف عليها‪ ،‬كام نعرف أ َّن التغيري يحتاج إىل وقت‪ ،‬إال‬ ‫أنَّنا ‪-‬ومن ناحية أخرى‪ -‬متفائلون بإمكانية قبول املجتمع للنساء راكبات‬ ‫الد َّراجات؛ ففي غضون بضعة أشهر‪ ،‬اعتاد الناس –بالفعل‪ -‬عىل رؤية‬ ‫النساء يركنب الد َّراجات يف الساحة الخرضاء يف الخرطوم‪.‬‬

‫‪68‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬

‫يأيت جزء من النجاح من حقيقة أننا نُل ِّبي احتياجاً حقيقياً للنساء‬ ‫الشابات من الطبقة املتوسطة يف الخرطوم‪ .‬حيث يُ َق ِّد ُم النادي للنساء‬ ‫فرص ًة لاللتقاء يف األماكن العامة ومامرسة الرياضة وتعلُّم قيادة الد َّراجة‬ ‫املمتع‪ ،‬وبينام ال ميكن التحكُّم يف املضايقة اللفظية والتح ُّرش‪ ،‬تش ُعر‬ ‫النساء بأنهن محميات ألنهن ميارسن ركوب الد َّراجات يف مجموعة‪.‬‬ ‫ويتيح نادي الد َّراجات للنساء التواجد يف الفضاء العام ودون تكلفة‬ ‫ت ُذكَ ُر‪ ،‬حيث أ َّن معظم األنشطة الرياضية يف الخرطوم تكون يف األماكن‬ ‫املغلقة‪ ،‬وعادة ما تكون مكلفة للغاية‪.‬‬ ‫كام أ َّن النساء اللوايت انضممن للمبادرة ُمتَ َح ِّم َسات لتقديم منوذج‬ ‫إيجايب للمجتمع‪ .‬فنحن ال نقوم فقط مبامرسة ركوب الد َّراجات‪ ،‬بل ننظم‬ ‫أيضاً فعاليات لنرش الوعي حول البيئة والنظافة والوعي مبخاطر التغيري‬ ‫املناخي وعدم جمع النفايات وأهمية املساحات الخرضاء يف املدن‪،‬‬ ‫وندعو الناس إىل ت َ َح ُّمل مسؤولية الح ِّد من آثار التغيري املناخي‪ ،‬حتى‬ ‫نتمكن ‪-‬جميعاً‪ -‬من االستمتاع باملساحات العامة النظيفة والخرضاء‬ ‫واآلمنة‪ .‬ففي فلسفتنا‪ ،‬يبدأ حل املشكالت البيئية بالتزام كل فرد بحامية‬ ‫بيئته املحيطة‪.‬‬ ‫س نجاحنا هو أننا نُشَ ِّج ُع حقوق املرأة‪ ،‬وحامية البيئة‬ ‫وأعتقد أ َّن ِ َّ‬ ‫بطريقة بناءة‪ ،‬ال تتعارض مع الحساسيات الثقافية ملعظم السودانيني‪.‬‬ ‫ونحن ال نعارض الثقافة السودانية‪ ،‬إنّ ا نشعر أننا نُ َثِّلُ َها من خالل‬ ‫جنوحنا إىل البساطة ورعاية البيئة‪.‬‬ ‫ما هي خطة املبادرة للمستقبل؟‬ ‫نحن جمعية ُمست ِقلَّة‪ ،‬وليك نبقى عىل قيد الحياة‪ ،‬نعتمد عىل‬ ‫الت ُّربعات من العضوات‪ .‬ولكن االفتقار إىل التمويل الكايف يُ َح ِّج ُم ‪-‬يف‬ ‫توسعنا‪ .‬ومن خالل السفارة الهولندية‪ ،‬ت َّرب َعت املنظمة‬ ‫الوقت الحايل‪ُّ -‬‬ ‫الهولندية املعروفة باسم (أعط د َّراجة ‪ )Give a Bike‬بخمس دراجات‬ ‫جديدة متاماً دعامً لقضيتنا‪ .‬ولكننا ‪-‬مع ذلك‪ -‬نحتاج إىل املزيد من‬ ‫الد َّراجات‪ ،‬كام نحتاج ملب ًنى لحفظ الد َّراجات‪ ،‬ورمبا أيضاً نحتاج لعدد‬ ‫قليل من املهنيني‪/‬ات ‪-‬غري املتفرغني‪/‬ات‪ -‬الذين يتم توظيفهم‪/‬ن‬ ‫والتعاقد معهم‪/‬ن لتدريب أعضائنا ولتنظيم األنشطة‪ .‬وعموماً‪ ،‬وعىل‬ ‫الرغم من التحديات التى تواجهنا‪ ،‬نشعر بالتفاؤل‪ ،‬حيث يتزايد عدد‬ ‫النساء الاليت ينضممن إىل النادي كل يوم!‬

‫أجرت المقابلة‪ :‬المبادرة اإلستراتيجية لنساء القرن‬ ‫األفريقي (صيحة‪)SIHA-‬‬

‫من االنجليزية‪ :‬فيصل الباقر‬


‫وجهات نظر‬

‫حول تأثير التز ُّمت العقائدي في‬ ‫إقصاء المسلمين من المعرفة‬ ‫التقدم العلمي‬ ‫ص‬ ‫ُّ‬ ‫و ُفرَ ِ‬

‫فوزية فريد الشرفي‬

‫"الناس ال يقتلون بعضهم البعض من أجل الفوئد املادية فحسب‪ ،‬بل أيضاً بسبب التز ُّمت واالستعالء العقائدي‪ .‬فليس هناك ما هو أخطر من اليقني‬ ‫َس العامل من جميع جوانبه‬ ‫بأنَّ املرء وحده عىل حق‪ .‬ويف القرن الواحد والعرشين‪ ،‬ينبغي أن يكون واضحاً لك ُِّل واحد ِم َّنا أنَّه ال يوجد نظام واحد ُيف ِّ ُ‬ ‫وتفاصيله‪ .‬وقد ساعد النهج العلمي عىل دحض فكرة الحقيقة غري امللموسة واألبدية"‪.‬‬

‫هذا النص ‪-‬الذي أصبح مشهورا ً الحقاً (املمكن واملتحقق) للعامل والتنمية املستدامة من بني القضايا الكثرية التي ت ُ َناق َُش حالياً يف املحافل‬ ‫(فرانسوا جاكوب)‪ ،‬الحائز عىل جائزة نوبل يف الطب‪ -‬يرصد بدقة كبرية الوطنية والدولية التي ستؤثر عىل األجيال القادمة‪.‬‬ ‫جوهر العلم‪ ،‬ويُ َذكِّ ُرنَا بأ َّن العلم هو نقيض التز ُّمت العقائدي‪ ،‬حيث‬ ‫ولذلك يجب على البلدان األفريقية أن تتحول من‬ ‫يرفض العلم كل الحقائق امل ُؤكَّ َدة ويتطور من خالل التجريب والتناقض‬ ‫ِجة حقيقية للعلم‬ ‫واملثابرة والشجاعة الفكرية‪ ،‬وهي ِشيَ ٌم تقاسمها املفكرون والعلامء‬ ‫كونها مجرد ُمتَفَ ِّر َجة لتصبح ُمنْت َ‬ ‫والتكنولوجيا‪ .‬وهذا التحول ينطوي على تغيير في‬ ‫الذين سطَّروا تاريخ البرشية‪.‬‬ ‫والواقع أ َّن العلامء الجريئني الذين أسهموا يف التطور البرشى عىل‬ ‫َم ِّر العصور وضعوا سمعتهم وحياتهم عىل املحك ليناهضوا امل َُسل َ​َّم ِت‬ ‫القامئة‪ .‬ومن أشهرهم‪( :‬جاليليو) الذي ُح ِك َم عليه بالسجن مدى الحياة‬ ‫لنظرياته التي تدعم نظاماً شمسياً محوره الشمس‪ ،‬و(جيوردانو برونو)‪،1‬‬ ‫وهو فليك آخر‪ ،‬أُحر َِق حيَّاً لنظريته عن الكون الالنهايئ‪ ،‬و(هيباتيا)‪ ،‬وهي‬ ‫عاملة رياضيات وفيلسوفة بارزة‪ ،‬كان يُ ْنظَ ُر إىل فكرها عىل أنَه (وثني) يف‬ ‫مرحلة النزاع الديني‪ ،‬ف ُق ِتل َْت بعنف يف اإلسكندرية من قبل املسيحيني‬ ‫املتعصبني يف القرن الرابع امليالدي‪.‬‬ ‫وكام يَتَبَ َّ ُي من هذه األمثلة‪ ،‬فإ َّن التق ُّدم العلمي ال يتأيت ببساطة؛‬ ‫فهو يَتَطَل َُّب ُح ِّريَّ ًة فكري ًة ال ميكن لها أن تزدهر إال يف ِظ ِّل املجتمعات‬ ‫الدميقراطية حيث تنظر مؤسسة الدولة إىل جميع املواطنني ‪-‬رجاالً‬ ‫ونسا ًء‪ -‬عىل قدم سواء‪ ،‬ويُ َعا َملُو َن عىل قدم املساواة‪ .‬إ َّن تحقيق ال ُح ِّريَّة‬ ‫الفكرية هو عملية استباقية تنطوي عىل رفض التز ُّمت والركود الفكري‬ ‫من خالل التشكيك املستمر والبناء يف التواصل بني التقليد والحداثة‪.‬‬ ‫ويف عامل يسيطر فيه العلم عىل عملية صنع القرار عىل الصعيد الكوين‪،‬‬ ‫ال ميكن للبلدان األفريقية واإلسالمية ودول جنوب الكرة األرضية بشكل‬ ‫عام أن تتخلف عن الركب‪ .‬فال بُ َّد من تقليص الفجوة العلمية بني البلدان‬ ‫املُتَ َق ِّد َمة وما يُ َس َّمى بـ(الجنوب العاملي) إذا أُ ِريْ َد للبلدان النامية أن‬ ‫متتلك األدوات الالزمة للتأثري عىل القرارات التي تُتَّ َخ ُذ بشأن مستقبل‬ ‫الكوكب‪ .‬وت ُ َع ُّد إدارة املوارد املائية والطاقات املتجددة وتَغ َُّي املناخ‬

‫العقلية‪.‬‬

‫وينبغي أال ت ُ ْعتَ َب املعارف سلعة‪ ،‬و ُم ْنتَ َجاً يسهل الوصول إليه‬ ‫و ُمستَهلَ َكاً‪ ،‬ولكن كمحاولة مشرتكة‪ ،‬وانعكاس للرتاث الفكري الغني‬ ‫لإلنسانية‪ .‬ومن خالل هذا النهج فقط ميكننا بناء مجتمع معريف‪ ،‬يتم‬ ‫فيه إنتاج املعلومات ومعالجتها وتحويلها ونرشها واستخدامها إلنتاج‬ ‫املعارف وتطبيقها من أجل الجميع‪.2‬‬ ‫ولهذا الغرض‪ ،‬يجب عىل البلدان األفريقية أن تتصدى لجميع أشكال‬ ‫التط ُّرف الديني التي تنترش يف القارة‪ .‬وإذا كان العلم قامئاً عىل التفكري‬ ‫النقدي‪ ،‬فإ َّن اليقني هو بصمة األصوليني الذين يتشاركون ‪-‬بغض النظر‬ ‫عن أصولهم العقائدية‪ -‬يف الكراهية الشائعة الستقالل العلم‪ .‬ومييل‬ ‫األصوليون الدينيون إىل اتِّخَاذ الرؤية الرجعية نفسها نحو العلوم‪ .‬حيث‬ ‫إنهم يَ َّد ُعو َن امتالك الحقيقة‪ ،‬ويسعون إىل فرض تفسريهم الخاص‬ ‫للنصوص امل ُ َق َّد َسة‪ ،‬وإسكات أولئك الذين يكافحون من أجل حرية الرأي‬ ‫والدين‪.‬‬

‫د‪ .‬فوزية فريد‬ ‫الرشيف‪ :‬هي فيزيائية‬ ‫وأستاذة جامعية‬ ‫تونسية يف جامعة‬ ‫تونس‪ .‬شغلت منصب‬ ‫وزير الدولة للتعليم‬ ‫العايل يف عام ‪2011‬م‪،‬‬ ‫وهي مؤلفة للعديد‬ ‫من الكتب التي‬ ‫نرشها أوديل جاكوب‪،‬‬ ‫مبا يف ذلك (العلم‬ ‫املح ّجب) ‪2013‬م‪،‬‬ ‫و(األسئلة املقدسة)‬ ‫‪.2017‬‬

‫وقد وضع األصوليون اإلسالميون ‪-‬عىل وجه الخصوص‪ -‬خطاباً جديدا ً‬ ‫حول العلم‪ ،‬مؤكِّدين أ َّن االكتشافات العلمية الرئيسة كانت ُمتَ َوقَّ َعة‬ ‫َت يف النصوص املقدسة‪ .‬وباستخدامهم لنهج علمي زائف‪ .‬ولسوء‬ ‫و ُو ِصف ْ‬ ‫الحظ‪ ،‬فإ َّن خطابهم املنترش عىل اإلنرتنت وشاشات التلفاز‪ ،‬يجد ترحيباً‬ ‫لدى العديد من الشباب املسلمني‪.‬‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪69‬‬


‫الرسم‪ :‬احمد ابوشريعة ‪ -‬السودان‬

‫ويتجل يف كل مكان؛ فهو ُمتَ َج ِّذ ٌر يف تكنولوجيا‬ ‫َّ‬ ‫حالياً‪ ،‬العلم موجود‪،‬‬ ‫االتصاالت والهواتف املحمولة والحواسب اآللية وغريها من األدوات‬ ‫أي شباب‬ ‫التي نستخدمها كل يوم‪ .‬فالشباب املسلمون ‪-‬مثلهم مثل ِّ‬ ‫آخرين‪ -‬هم مستهلكون منتظمون لهذه املنتجات املتطورة للعلوم‬ ‫الحديثة‪ .‬غري أنه يف عامل يُ َح ِّركُه العلم‪ ،‬ميكن اعتبار التطور التكنولوجي‬ ‫أداة هيمنة من البلدان املُتَ َق ِّد َمة النمو‪ .‬ومن خالل النظر إىل النص‬ ‫املقدس كمصدر لك ُِّل املعرفة‪ ،‬مبا يف ذلك العلم‪ ،‬يُ َق ِّد ُم اإلسالميون خطاباً‬ ‫ُمضَ ل َِّلً للشباب املسلمني يقصيهم من اإلسهام يف التطور العلمي‪ .‬ونتيجة‬ ‫لذلك‪ ،‬يواجه عدد متزايد من الطلبة يف تونس وخارجها صعوبات يف‬ ‫االنتقال الفكري ما بني العلم وامل ُعتَقَد‪ .‬إ َّن عدم الثقة يف العلم يتزايد‬ ‫برسعة يف العامل اإلسالمي حيث أ َّن التز ُّمت العقائدي يؤثر يف فهم ووعي‬ ‫الشباب بالنظريات العلمية‪.3‬‬

‫ينبغي للمرء أن ال ي ُقَ ِّل َل من تأثير السلفية وعزم‬ ‫أنصار العلم الزائف ومكافحة العلوم في تشكيل‬ ‫عقول أطفالنا‪ .‬فاألصوليون الدينيون يناصرون ِبهمَّة ٍ‬ ‫ِ‬ ‫لحذف نظرية داروين من الكتب المدرسية‪ ،‬بهدف‬ ‫االستفراد بالتأثير على المجتمع وفرض تصوراتهم‬ ‫القاصرة‪.‬‬

‫إ َّن املعارك القانونية التي دارتْ يف الواليات املتحدة منذ (قضية قرد‬ ‫سكوبس) الرمزية‪ 5‬يف عام ‪1925‬م د�لَّل َْت عىل التفاين والقدرة املالية‬ ‫للحركات األصولية املسيحية املُتَ َز ِّمتَة بفرض رؤيتها الخاصة للعلوم أو‬ ‫ما يُ َس َّمى بـ(علم الخلق)‪ 6‬أو (التصميم الذيك)‪ .7‬وكذلك ال تسلم البلدان‬ ‫األوروبية من مجموعات األصوليني املسيحيني كام هو ُم َوث ٌَّق من قبل‬ ‫املجلس األورويب يف تقرير يحث الدول األعضاء عىل معارضة تدريس‬ ‫ومع ذلك فمن املهم أن ن َُسلِّ َط الضوء عىل أ َّن التالعب يف تفسريات قصة الخلق كمبدأ علمي‪.8‬‬ ‫الكتب املقدسة لصالح التز ُّمت ليس قارصا ً عىل األصولية اإلسالمية؛ فعىل‬ ‫ويجب عىل املدافعني الحديثني عن البحث العلمي مواجهة خطاب‬ ‫سبيل املثال‪ ،‬يعترب املتطرفون الهندوس أ َّن النظريات العلمية الحديثة‬ ‫من ميكانيكا نيوتن إىل الفيزياء‪ -‬كلها َو َردَتْ يف نصوصهم املق َّدسة‪ .‬األصوليني الدينيني والتح ُّدث بصوت عا ٍل و ُمتَّ ِح ٍد‪ .‬وعلينا أن ننهض إلدانة‬‫إ َّن التواطؤ األيديولوجي بني املذاهب األصولية الدينية ينعكس أيضاً يف مخاطر النهج املُتَ َز ِّم ِت يف تفسري العامل الطبيعي‪ .‬ومن مسؤوليتنا أن ندعو‬ ‫الرفض األجوف لنظرية داروين للتطور من قبل الربوتستانت اإلنجيليني إىل فَصلٍ واضح بني األطر الالهوتية واألطر العلمية من أجل الحفاظ عىل‬ ‫واألصوليني املسلمني‪ .4‬وهذا النفور املتنامي ضد نظرية داروين يف العامل العلم كناقل للمعرفة‪ .‬ويُشَ ك ُِّل بناء مجتمع املعرفة ت َ َح ِّديَاً رئيساً لجعل‬ ‫اإلسالمي يُ َع ُّد أكرث إثارة للدهشة‪ ،‬حيث أ َّن مسألة التطور البيولوجي التطور العلمي والتكنولوجي ُم َح ِّركَاً للتق ُّدم العاملي‪ .‬ويحتاج املسلمون‬ ‫قد ُدر َِس ْت ونُو ِقشَ ْت من قبل عدد من العلامء املسلمني خالل حقب ‪-‬عىل وجه الخصوص‪ -‬إىل تحرير أنفسهم من التز ُّمت الديني من أجل‬ ‫مختلفة من التاريخ اإلسالمي‪ ،‬إال أنَّه ويف السبعينيات فقط‪ ،‬ومع بروز التأثري عىل القرارات امل ُ ِه َّمة املتعلقة مبستقبل الكوكب‪ .‬كام هم يف حاجة‬ ‫ظواهر اإلسالم السيايس‪ ،‬أصبحت املسألة مثرية للجدل‪.‬‬ ‫ماسة إىل تقديم جيل جديد من العلامء من اإلناث والذكور القادرين‬

‫‪70‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫وجهات نظر‬

‫عىل التفكري والتحليل النقدي‪ .‬وللقيام بذلك‪ ،‬من الرضوري ‪-‬يف رأيي‪-‬‬ ‫أن نعمل عىل إصالح عالقتنا بالدين‪ ،‬ويف الوقت ذاته أن نُؤكِّ َد ُم َج َّد َدا ً‬ ‫متسكَنا باإلعالن العاملي لحقوق اإلنسان‪ ،‬حيث يُ َك ِّر ُس اإلعالن العاملي‬ ‫ُّ‬ ‫ُشتكَة لإلنسانية التي تتجاوز الحدود الوطنية والثقافية‪ .‬وإعادة‬ ‫للقيم امل َ​َ‬ ‫تأكيد التزامنا به يُ َع ُّد نقطة االنطالق للسامح بالقراءة املتطورة للنصوص‬ ‫اإلسالمية‪.‬‬ ‫إ َّن فهمنا لإلسالم يجب أن يسرتشد بحقيقة أ َّن القرآن يتضمن دروساً‬ ‫بشأن املجال الكوين ورسائل وإرشادات تحتاج جميعها إىل التعامل معها‬ ‫وفق حارضنا امل ُ َعاش‪ .‬ومن ث َ َّم‪ ،‬ينبغي أال ندع األصوليني يشوهون فهمنا‬ ‫للدين باسم النسبية الثقافية‪ .‬وينبغي عدم استخدام الخصوصيات‬ ‫الدينية والثقافية لتربير الخروج عن القيم األخالقية العاملية املُتَّفَقِ عليها‬ ‫مثل املساواة بني الجنسني وكرامة اإلنسان‪ .‬ونحن ‪-‬املسلمني‪ -‬بحاجة إىل‬ ‫املطالبة ب ُح ِّريَّ ِت َنا الفكرية‪ ،‬والحق يف التشكيك‪ ،‬ويف نقد وتفكيك املفاهيم‬ ‫السائدة من حولنا‪ ،‬واملشاركة يف إنتاج املعرفة العلمية‪.‬‬ ‫وينطبق ذلك بصفة خاصة عىل النساء اللوايت اِستُب ِعد َن تاريخياً من‬ ‫املجاالت العلمية‪ .‬حيث يزدهر العلم بحشد الطاقات واملوارد الفكرية‬ ‫لك ٍُّل من النساء والرجال‪ .‬ويف هذا الصدد‪ ،‬ميكن للمرء أن يستند عىل‬ ‫عمل امل ُصلِح التونيس الكبري (الطاهر الحداد)‪ ،‬الذي اقرتح تفسري القرآن‬ ‫‪9‬‬ ‫ُش يف عام‬ ‫مع أخذ تطور املجتمع بعني االعتبار ‪ ،‬وذلك يف كتابه‪ ،‬الذي ن ِ َ‬ ‫‪1929‬م‪( ،‬امرأتنا يف الرشيعة اإلسالمية واملجتمع)‪ ،‬حيث يُ َجا ِد ُل الحداد‬ ‫ليس فقط من أجل تحرير املرأة بل من أجل مساواتها القانونية أيضاً‪.‬‬ ‫وهو يدعو إىل نظام مدريس يُ َركِّ ُز عىل نقل املعرفة العامة للدين والتاريخ‪.‬‬ ‫ويدافع أيضاً عن حقوق الفتيات يف التعليم‪ ،‬وأ َّن التعليم يجب أن يشمل‬ ‫تدريس (العلوم امل ُحكمة) ويقول‪" :‬إ َّن الواجب يدعونا اليوم أكرث من‬ ‫أي وقت مىض إلخراج النساء من ظلامت القرون املاضية واعتبارهن‬ ‫ِّ‬ ‫عضوات ورشيكات متساويات يف حياتنا‪ ،‬ذلك هو مثن خالصنا وحريتنا"‪.‬‬ ‫إ َّن االستثامر يف تطوير النظام التعليمي وفق متغريات العرص والتطور‬ ‫الذي يحدث كل يوم يف عاملنا هو أفضل َر ٍّد عىل األفكار الرجعية‬ ‫لألصوليني الدينيني‪ .‬حيث أنَّه من املهم والرضوري أن يعزز نظامنا‬ ‫التعليمي التفكري النقدي وأسس املساواة بني الرجل واملرأة‪ .‬وينبغي‬ ‫أن ينبني نظامنا التعليمي عىل ثقافة ال ُح ِّريَّة والتسامح والسالم بدالً‬ ‫عن التمييز والعنف‪ .‬وعلينا أن نُ َر ِّب أطفالنا كمواطنني مدركني لتحديات‬ ‫العامل‪ ،‬وملتزمني ببناء مستقبل البرشية‪ .‬وهذا هو أساس التق ُّدم‪.‬‬ ‫بقلم‪ :‬فوزية فريد الشرفي‬

‫من االنجليزية‪ :‬شمس الدين عثمان‬

‫‪1‬‬

‫جيوردانو برونو (‪-1548‬‬ ‫‪1600‬م)‪ ،‬هو الفيلسوف‬ ‫اإليطايل‪ ،‬الفليك‪ ،‬عامل‬ ‫الرياضيات‪ ،‬واملؤمن‬ ‫بالخوارق الذي توقعت‬ ‫نظرياته العلوم الحديثة‪.‬‬ ‫‪ 2‬جريوم بينده‪ ،‬نحو‬ ‫مجتمعات املعرفة‪ ،‬منشورات‬ ‫اليونسكو‪2005 ،‬م‪.‬‬ ‫‪ 3‬فوزية فريد الرشيف‪ ،‬العلم‬ ‫املحجب‪ ،‬إد‪ .‬أوديل جاكوب‪،‬‬ ‫‪2013‬م‪ ،‬الفصل ‪.3‬‬ ‫‪ 4‬املرجع نفسه‪ .‬الفصالن‬ ‫‪ 4‬و ‪.5‬‬ ‫‪( 5‬قضية قرد سكوبس) هي‬ ‫قضية قضائية أمريكية اِت ُّ ِه َم‬ ‫فيها مدرس مبدرسة ثانوية‬ ‫بانتهاك قانون بتلر بوالية‬ ‫تينييس‪ ،‬الذي َج َّر َم تعليم‬ ‫نظرية تطور اإلنسان يف‬ ‫املدارس التي متولها حكومة‬ ‫الوالية‪.‬‬ ‫‪ 6‬علم الخلق هو محاولة‬ ‫لتقديم قصة الخلق الواردة‬ ‫يف سفر التكوين كحقيقة‬ ‫علمية محضة‪.‬‬ ‫‪ 7‬التصميم الذيك‪ ،‬هي نظرية‬ ‫أ َّن املسألة‪ ،‬واألشكال املختلفة‬ ‫للحياة‪ ،‬والعامل ت َّم إنشاؤها‬ ‫بواسطة عمل هادف من‬ ‫عامل ذيك‪.‬‬ ‫‪ 8‬أخطار قصة الخلق يف‬ ‫التعليم‪ ،‬لجنة الثقافة والعلوم‬ ‫والتعليم‪ ،‬مجلس أوروبا‪،‬‬ ‫‪2007‬م‪.‬‬ ‫‪ 9‬الطاهر الحداد‪ ،‬امرأتنا يف‬ ‫الرشيعة اإلسالمية واملجتمع‪،‬‬ ‫تونس‪ ،‬الدار التونسية للنرش؛‬ ‫طراد‪.‬تحت عنوان (املرأة‪،‬‬ ‫الرشيعة اإلسالمية واملجتمع‪،‬‬ ‫تونس)‪ ،‬البيت التونيس‬ ‫للنرش‪ ،‬ودار النرش التونسية‪،‬‬ ‫‪1978‬م‪.‬‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪71‬‬


‫ما بين العقيدة والحب والحرية‪:‬‬

‫لماذا تنضم بعض النساء في كينيا إلى تنظيم الشباب؟‬ ‫فاتمية عظمية بادرودين‬

‫يبذل تنظيم الشباب املسلح ‪-‬الذي يجعل من الصومال مقراً له‪ -‬جهداً متزايداً من أجل تجنيد املرأة ضمن صفوفه‪ .‬ويف هذا املقال تحاول الباحثة فاتيمة عزمية‬ ‫بادوردين الكشف عن بعض ديناميات تجنيد النساء والفتيات يف تنظيم الشباب يف إقليم كينيا الساحيل‪ .‬وتسعى الباحثة أيضاً لتحليل األسباب التي تدفع باملرأة‬ ‫الكينية لاللتحاق بصفوف الجامعة ومناقشة مسألة (التجنيد الطوعي‪.)١‬‬ ‫ت ُ َق ِّد ُم التقارير اإلعالمية صورا ً مختلفة عن النساء والفتيات الاليئ‬ ‫ينضممن لتنظيم الشباب‪ .‬فالبعض يصورهن عىل أنهن (عرائس جهادية)‬ ‫مدفوعات برغبة الزواج من املقاتلني اإلسالميني‪ .٢‬والبعض اآلخر يهتم‬ ‫بالرتكيز عىل األدوار املتعددة التي تؤديها النساء داخل الجامعة مقاتالت‬ ‫و ُمجندات أو عميالت ينقلن األخبار للجامعة أو ُمسا ِه َمت يف تقديم‬ ‫الدعم املايل أو الحريك‪ .‬وقد َسلَّط َْت بعض الكتابات الضوء عىل مشاركة‬ ‫النساء والفتيات يف تدبري الهجامت اإلرهابية وتشكيل الخاليا‪.٣‬‬ ‫إال أ َّن املشاركة املبارشة للمرأة يف أعامل العنف التي يقوم بها تنظيم‬ ‫الشباب ات َّضَ َح ْت بشكل سافر خالل العام ‪ ،2016‬وذلك عندما هاجمت‬ ‫ثالث نساء املقر املركزي لرشطة مدينة ممبسا الساحلية‪ .‬فتلك الواقعة‬ ‫بالتحديد أجربت السلطات األمنية الكينية عىل إعادة النظر يف أدوار‬ ‫النساء يف تنظيم الشباب باعتبارهن ميكن أن يَ ُك َّن فاعالت يف أعامل‬ ‫العنف أو انتحاريات محتمالت‪.٤‬‬

‫إلجبار النساء والفتيات لالنضامم إىل التنظيم‪ .‬وعليه ميكن القول إ َّن‬ ‫انخراط النساء يف تنظيم الشباب يتم ما بني االنضامم إىل التنظيم طوعاً‬ ‫أو عن طريق اإلجبار والتخويف والخداع‪.‬‬ ‫حيث يرتكز خطاب الجامعة للنساء والفتيات عىل دور النساء‬ ‫والفتيات كحاميات للعقيدة وذلك بتسليط مزيد من الضوء عىل‬ ‫أدوراهن ك ُمعينات لألزواج واألبناء واألقارب الذكور يف االضطالع‬ ‫بالتزاماتهم العقائدية خاص ًة الجهاد‪ .‬ويرفد تنظيم الشباب هذا الخطاب‬ ‫بروايات تاريخية وقصص عن زوجات الرسول (ص) وعن نساء أخريات‬ ‫ذوات نفوذ يف التاريخ اإلسالمي؛ وذلك لتسهيل عملية تجنيد املرأة يف‬ ‫أجريت معهن‬ ‫أوضحت إحدى الفتيات الاليت‬ ‫صفوف التنظيم‪ .٥‬وكام‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫مقابالت خالل عميل البحثي‪ ،‬أن النساء يُت َوقَّ ُع منهن أن يُ ْس ِه ْم َن يف‬ ‫جهود تنظيم الشباب من خالل دعم الرجال يف جهدهم لبناء الدولة‬ ‫اإلسالمية‪ .‬ويتضمن هذا املوقف الداعم من قبل النساء تجنيد الرجال‬ ‫والنساء من مجتمعاتهم أو حثهم عىل االنضامم إىل تنظيم الشباب‬ ‫والهجرة إىل مواقع الجهاد من أجل حامية وحدة األمة‪ .‬وكام هو الحال‬ ‫مع الحركات اإلسالمية املتطرفة يستخدم تنظيم الشباب كل ال ُح َج ِج‬ ‫املُضَ لِّلَة يف تجنيد األعضاء الجدد؛ وذلك عن طريق إساءة استغالل‬ ‫مفاهيم العقيدة والتدين‪.٦‬‬

‫ورغم أ َّن العديد من األوراق البحثية تحدثت عن أدوار النساء‬ ‫والفتيات وتجنيدهن يف تنظيم الشباب بصورة جيدة إال أنه ال بُ َّد من‬ ‫االعرتاف أ َّن هناك ندرة كبرية يف املعلومات املستقاة من مصادر بحثية‬ ‫تتسم بالدقة؛ ولذا تعتزم هذه املقالة محاولة ردم الفجوة املعرفية‬ ‫وتقع مسألة الهجرة ضمن الخطاب امل ُْستَ ْخ َدم يف التجنيد للجهاد‬ ‫املاثلة‪ ،‬وذلك من خالل تقديم نظرة ثاقبة يف مسارات التجنيد واألسباب‬ ‫حيث ت ُ َر ِّو ُج الجامعة إىل أنه من واجب املسلم (الحق) هجر األرايض غري‬ ‫التي تدفع بالنساء لالنضامم إىل تنظيم الشباب ‪.‬‬ ‫اإلسالمية وااللتحاق بأرض املسلمني‪ .‬وت ُ َح ِّر ُض هذه الفكرة املتطوعني عىل‬ ‫ت ُ َج َّن ُد النساء والفتيات يف تنظيم الشباب بعدة طرق طوعية أو إجبارية‪ .‬الذهاب إىل املناطق التي تقع تحت سيطرة الجامعة‪.‬‬ ‫ففي حالة التجنيد الطوعي ت ُ َع ِّ ُب املتطوعة عن رغبتها يف االنضامم إىل‬ ‫وعند مراجعة دوافع النساء والفتيات املنضامت إىل التنظيم تشري‬ ‫التنظيم اإلرهايب انطالقاً من وحي دوافع عقائدية أو شخصية أو مادية‪.‬‬ ‫وعىل العكس من ذلك فأ َّن امل ُ َج َّن َدة غري املتطوعة قد تقع يف مصيدة املتطوعات يف تنظيم الشباب إىل مسألة الهجرة باعتبارها مسألة مركزية‬ ‫أي معرفة ُم ْس َبقَة‪ ،‬وذلك عن طريق تلقيها أكرث من إشارتهن إىل الجهاد‪ .‬ولذا يلعب مفهوم الهجرة دورا ً كبريا ً‬ ‫تنظيم الشباب من دون ِّ‬ ‫ٍ‬ ‫أي فُ َرص حياتية أخرى‪ .‬وكذلك يف حشد النساء؛ وذلك ألنه ينطلق من الفكرة التي يُ َر ِّو ُج لها اإلسالم‬ ‫وعودا ً بالعمل أو الزواج أو التعليم أو ِّ‬ ‫يف حاالت التجنيد اإلجباري للنساء ت ُْستَخ َد ُم آليات الخداع أو االختطاف السيايس السلفي واملتطرف بشكل عام وفحواها أنه ال يُ ْس َم ُح للنساء‬ ‫باملشاركة يف القتال ولكن بدالً عن ذلك تشارك‬ ‫النساء يف الجهاد عن طريق دعم مجهودات‬ ‫املجاهدين الرجال‪.‬‬ ‫ويشجع التنظيم مشاركة النساء والفتيات في أعمال العنف؛ وذلك‬ ‫عن طريق استخدام ُم َب ِّر َر ٍ‬ ‫ات عقائدية وأيديولوجية تنهض على‬ ‫تفسيرات ورؤى التنظيم‪.‬‬

‫‪72‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬

‫فاتيمة عزمية‬ ‫بادوردين باحثة‬ ‫ومحارضة بشعبة‬ ‫العلوم االجتامعية‬ ‫بجامعة ممبسا‬ ‫التقنية يف كينيا‪.‬‬


‫وجهات نظر‬

‫وبالنسبة للمجندات من النساء والفتيات فإ َّ‬ ‫ن‬ ‫مجرد وصفهن بالـ (مدافعات عن العقيدة) يعطي‬ ‫معنى كبيراً لحياتهن‪.‬‬

‫وينطبق هذا عىل حال (أمينة‪ )٧‬التي انضمت إىل تنظيم الشباب عىل‬ ‫أمل أن تجد الثواب يف اآلخرة‪ .‬وقد كانت أمينة تعتقد بأن حياتها قبل‬ ‫انضاممها إىل الجامعة املسلحة كانت تتمحور حول املتع الدنيوية‪،‬‬ ‫ولكن كانت أمينة ترغب يف خدمة الله والوفاء بالتزاماتها الدينية‪ ،‬وقد‬ ‫أقنعها ُم ِج ِّن ُد َها للتنظيم بأ َّن أيديولوجية الشباب هي (الدين الحقيقي)‪،‬‬ ‫وأنَّها بانضاممها إىل تنظيم الشباب تساهم يف حامية األمة اإلسالمية و‬ ‫تؤدي واجبها نحو الله‪.‬‬ ‫ويث ُِّل الزواج أحد العوامل الرئيسية التي تسهم يف تجنيد النساء‬ ‫َُ‬ ‫والفتيات يف تنظيم الشباب‪ .‬ويف هذا الصدد ميكن مالحظة أربعة‬ ‫سيناريوهات متعددة الحدوث‪ .‬السيناريو األول‪ :‬قد ترغب املرأة يف‬ ‫الزواج من ٍ‬ ‫شخص معروف عنه تدينه ولكن دون أن تعلم بأ َّن الرجل قد‬ ‫ت َ َع َّه َد بالوالء إىل تنظيم الشباب الحقاً‪ .‬السناريو الثاين‪ :‬قد تضطر املرأة‬ ‫أوضحت يل‬ ‫للزواج من شخص ما بسبب الضغوط االجتامعية‪ ،‬وذلك كام‬ ‫ْ‬ ‫أجريت معهن مقابلة‪ ،‬حيث قالت‪:‬‬ ‫إحدى النساء الاليت‬ ‫ُ‬ ‫"إ َّ‬ ‫ن معظم الرجال يتوقعون الزواج من فتيات‬ ‫صغيرات في العمر‪ ،‬وعندما تتعدى المرأة سن ال‬ ‫‪ 25‬فإنها ‪-‬غالباً‪ -‬ما تجد نفسها في وضع ال يتيح لها‬ ‫باي‬ ‫اختيار الزوج‪ ،‬ويصير من المتوقع منها أن تقبل ِّ‬ ‫رجل يعرض عليها الزواج"‪.‬‬

‫و يف الغالب تقع هؤالء النساء ضحايا ألزواج مرتقبني ينتمون إىل‬ ‫تنظيم الشباب‪ .‬السيناريو الثالث‪ :‬يحدث لبعض النساء أو الفتيات‬ ‫الاليت يُ ْستَ ْد َر ْج َن عن طريق الوعود بالزواج من رجال أغنياء‪ ،‬ويف الكثري‬ ‫من هذه الحاالت تقع املرأة ضحية ملجندي الشباب الذين يتخفون‬ ‫يف أزياء رجال أثرياء يحملون جنسيات أو وظائف من دول الخليج‬ ‫العريب أو أوروبا‪ .‬وأخريا ً‪ :‬فأ َّن بعض الفتيات والنساء يقعن ضحية آبائهن‬ ‫وأولياء أمورهن حيث يُ َز َّو ْج َن قرسا ً بسبب الفقر والرغبة يف تقليل األعباء‬ ‫املادية لرجال من التنظيم‪ .‬ويف بعض األحيان تتم غواية الوالدين باملهر‬ ‫املعروض عليهم أو قد يُضَ لِّلُهم ت َ َديُّن العريس‪.‬‬ ‫ومبجرد الزواج من رجال منتمني إىل تنظيم الشباب غالباً ما تجد‬ ‫النساء أنفسهن محارصات‪ .‬وعىل حد قول إحدى النساء الفاعالت يف‬ ‫حقوق املرأة يف ممبسا‪" :‬غالبا ما يستطيع األزواج يف مجتمعنا إقناع‬ ‫زوجاتهم بااللتحاق بتنظيم الشباب‪ ،‬وقد يستخدمون مختلف الوسائل‬ ‫إلقناع زوجاتهم أو إجبارهن عىل االلتحاق بالتنظيم أو معاونته‪ .‬والسائد‬ ‫هو أ َّن الرجال يستخدمون ‪-‬يف الغالب‪ -‬املرجعيات الدينية والفقهية التي‬ ‫تنص عىل أن تتبع املرأة زوجها وت ُ ْخلِص له‪ .‬وت ُ َع ِّ ُب حالة (نعمة) عن هذا‬ ‫النموذج بامتياز‪ ،‬حيث ذكرت بأنها قررت االنضامم إىل تنظيم الشباب‬ ‫يك تحافظ عىل متاسك أرستها وكذلك يك ال يتخىل عنها زوجها‪ .‬ورغم أ َّن‬

‫واقع الحال يقول إن نعمة انضمت إىل التنظيم طوعاً‪ ،‬لكن انخراطها‬ ‫أساسه أنها تريد املحافظة عىل عالقتها مع زوجها‪.‬‬ ‫ويَ ْستَ ْه ِد ُف ُم َج ِّن ُدو تنظيم الشباب ‪-‬أيضاً‪ -‬النساء الاليئ تأثرن بالحمالت‬ ‫األمنية ملناهضة اإلرهاب‪ .‬فانتشار الغارات العنيفة واالعتقاالت‬ ‫التعسفية واالختفاء القرسي وعمليات القتل خارج نطاق القضاء بواسطة‬ ‫قوات األمن الكينية‪ ،‬كلها أصبحت عوامل ت ُ َغذِّي حاالت االستياء ضد‬ ‫جهازالدولة؛ فالنساء الاليئ فقدن أحد األقارب مثل األب‪ ،‬أو األخ‪ ،‬أو‬ ‫الزوج‪ ،‬أو االبن‪ ،‬يَ ْس ُه ُل إقناعهن باالنضامم إىل تنظيم الشباب‪ .‬ويف بعض‬ ‫الحاالت ت ُ َق ِّر ُر املرأة بشكل مستقل التنفيس عن غضبها أو السعي إىل‬ ‫االنتقام من الدولة من خالل االنضامم إىل الجامعات املتطرفة‪ .‬ويف داخل‬ ‫الجامعة تتعرض املرأة لغسيل الدماغ والتلقني من قبل امل ُ َج ِّن ِدين الذين‬ ‫يُ َع ِّززُون من رغبة النساء يف االنتقام‪ .‬ولذلك ميكن القول إنه حتى يف حال‬ ‫انضامم بعض النساء مبحض إرادتهن إىل التنظيم‪ ،‬يبقي من الرضوري‬ ‫مبكان التشكيك يف إمكانية النساء يف اتخاذ قرار مستقل متاماً عند‬ ‫تحليلنا ألمناط وطرق التجنيد وعالئق القوى التي تحكم عالقات النساء‬ ‫والرجال يف املجتمع‪.‬‬ ‫وي َُعد ُّ نفوذ األقران وضغوطاتهم أيضاً من العوامل‬ ‫التي تدفع بالنساء والفتيات إلى الوقوع في أحضان‬ ‫األيديولوجيات المتطرفة‪.‬‬

‫ويشجع مفهوم (األخوات) الذي ت ُ َر ِّو ُج له اآللة الدعائية لتنظيم‬ ‫الشباب يف جذب النساء والفتيات داخل شبكات صداقات تتبني‬ ‫قضايا وأيدلوجية تنظيم الشباب‪ .‬وتعمل شبكات الصداقة عرب اإلنرتنت‬ ‫ومجموعات (األخوات االفرتاضية) أيضاً عىل خلق شعور باالنتامء املشرتك‬ ‫يُ َس ِّه ُل تجنيد النساء والفتيات للتنظيم‪.‬‬ ‫وت ُ َع ُّد اإلغراءات املالية ‪-‬أيضاً‪ -‬من ضمن عوامل الدفع التي تساعد عىل‬ ‫تجنيد األعضاء الجدد؛ فالعديد من النساء ينخرطن يف التنظيم اعتقادا ً‬ ‫منهن أ َّن ذلك من شأنه مساعدتهن مالياً واالرتقاء مبكانة األرسة أو ملجرد‬ ‫السامح لهن بحياة مريحة‪ .‬كام نجد أيضاً أ َّن النساء املتورطات يف نزاعات‬ ‫عائلية والاليت يعشن أزمات شخصية أو رصاعات نفسية يصبحن ‪-‬بصفة‬ ‫خاصة‪ُ -‬م َع َّرضَ ات للوقوع يف أيدي الجامعات املتطرفة‪.‬‬ ‫وتتنظيم الشباب ‪-‬مثله مثل الكثري من الجامعات املتطرفة األخرى‪-‬‬ ‫يُ َق ِّد ُم للنساء الاليت يشعرن بتجاهل أو رفض أرسهن لهن‪ ،‬يُ َق ِّد ُم لهن‬ ‫عاطفة مفعمة باألمل واالنتامء وإحساساً بالتحرر والتمكني؛ فقد َذكَ َرتْ‬ ‫(منرية) ‪-‬عىل سبيل املثال‪ -‬أنها قد انضمت إىل تنظيم الشباب من‬ ‫أجل الحصول عىل دخل ومن أجل ان ت ُْصب َِح مستقلة بذاتها وأن ت ُثب َِت‬ ‫لزوجها الذي تركها بأنها قادرة عىل إعالة نفسها‪ .‬وباملثل‪ ،‬فقد ذكرت‬ ‫(ليليان) بأنها قد قررت االنضامم إىل تنظيم الشباب انتقاماً من والديها‬ ‫عىل تجاهلهام لها‪ .‬فهذه األمثلة تدعم وجهة نظراألكادميية الكندية‬ ‫(مايا بلووم) التي أكَّدَتْ أ َّن النساء ينخرطن يف العنف املتطرف ألسباب‬ ‫شخصية يف الغالب‪.٨‬‬

‫‪ 1‬تأسس هذا املقال عىل‬ ‫منطني من املعلومات األولية‬ ‫جمعتها فاتيمة بادوردين‪:‬‬ ‫(‪ )1‬بحث ميداين خاص‬ ‫بإطروحة دكتوراة (ديسمرب‬ ‫‪ 2015‬إىل يونيو ‪ )2017‬و(‪)2‬‬ ‫مبحث خاص بالعائدات أو‬ ‫املنشقات عن تنظيم الشباب‬ ‫(مايو ‪ 2017‬إىل نوفمرب‬ ‫‪ .)2017‬و قد أجرت الباحثة‬ ‫مقابالت مع النساء العائدات‬ ‫و أفراد من أرس املجندات‬ ‫وقيادات نسائية وشبابية‬ ‫وقيادات تعبوية من املجتمع‪.‬‬ ‫‪ ٢‬جواكني بوانا‪ ،‬و وليز‬ ‫أوكتيش‪( ،‬الدولة‪ :‬العرائس‬ ‫الجهادية و ارتباطاها مع‬ ‫الدولة اإلسالمية يف العراق و‬ ‫الشام) ستاندارد ديجيتال‪7 ،‬‬ ‫مايو‪.2015 ،‬‬ ‫‪https://www.‬‬ ‫‪standardmedia.co.ke/‬‬ ‫‪article/2000161310/‬‬ ‫‪state-jihadi-brides‬‬‫‪have-links-with‬‬‫‪isisaccessed%20‬‬ ‫‪20.02.2018‬‬ ‫‪ ٣‬ستيوارت ويتنغهام (األرملة‬ ‫البيضاء سامانثا لوثويت‬ ‫قتلت ‪ٍ 400‬‬ ‫شخص يف عهد‬ ‫اإلرهاب ضد الغرب)‪ ،‬مريور‪،‬‬ ‫‪.2015 ،17‬‬ ‫‪https://www.mirror.‬‬ ‫‪co.uk/news/world-news/‬‬ ‫‪white-widow-samantha‬‬‫‪lewthwaite-has-5714810‬‬ ‫‪( ٤‬قتل متفجرات انتحاريات‬ ‫خالل هجوم انتحاري عىل‬ ‫رئاسة مركز رشطة ممبسا)‪،‬‬ ‫كابيتال نيوز‪ 11 ،‬سبتمرب‪،‬‬ ‫‪.2016‬‬ ‫‪https://www.capitalfm.‬‬ ‫‪co.ke/news/2016/09/‬‬ ‫‪female-bombers-killed‬‬‫‪foiled-attack-mombasa‬‬‫‪/central-police-station‬‬

‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪73‬‬


‫لإلنضامم إىل تنظيم الشباب انطالقاً من اعتقادهن بأ َّن‬ ‫قيم أزواجهن تحتل املوقع األسمى مقارنة بقيمهن‬ ‫ووجهات نظرهن الشخصية‪ .‬ومن هذه الناحية فإنه‬ ‫ميكن اعتبار تلك املجموعة من النساء قد اخرتن‬ ‫طوعاً االنضامم إىل التنظيم‪.٩‬‬ ‫ومن ناحية أخرى ميكن اإلشارة هنا ايل فرضية‬ ‫(جيني هكاريب) أستاذة القانون التطبيقي يف جامعة‬ ‫ديوك‪ ،‬التي تقول‪" :‬إنَّه من الرضورة مبكان تحدي‬ ‫االعتقاد السائد القائل بأ َّن النساء إمنا يشاركن يف‬ ‫التطرف العنيف فقط بسبب انقيادهن األعمى‬ ‫للرجل‪ ."١٠‬فالنساء عادة ما ينجذبن للجامعات من‬ ‫أمثال تنظيم الشباب بوحي من عوامل عديدة تشمل‬ ‫عدم املساواة أو الحرمان أو جاذبية القضية‪ ،‬يف حني‬ ‫أ َّن بعض النساء يقمن طواعية باختيار وتبني نهج‬ ‫وأهداف الجامعة املتطرفة‪.‬‬ ‫وقد تختار املرأة االنضامم إىل التنظيامت املتطرفة‬ ‫وسيلة للهرب من أعباء األدوار الجندرية التقليدية‬ ‫وللوصول إىل مواقع السلطة والقوة والقيادة التي ما‬ ‫كان سيتثنى لها الوصول إليها ضمن بنية املجتمعات‬ ‫املحافظة‪ .‬فالنساء الاليئ يتعرضن لعنف بنيوي يف‬ ‫مجتمعاتهن يسعني للحصول عىل انتامء يف وسط‬ ‫جامعات ت َ َّد ِعي وقوفها مع متكني املرأة‪ .‬إذن قد يصبح‬ ‫االنضامم إىل تنظيم الشباب ‪-‬يف بعض األحيان‪ -‬وسيلة‬ ‫تتمكن من خاللها املرأة من تحرير ذاتها من وضعية‬ ‫الخنوع التي تخضع لها ضمن األرسة واملجتمع‪.‬‬

‫الرسم‪ :‬ابراهيم سيد ‪ -‬السودان‬

‫مناذج متفردة لنساء قررن االنضامم إىل‬ ‫وتُ َث ُِّل الحاالت املذكورة‬ ‫َ‬ ‫تنظيم الشباب مبحض إرادتهن‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فإ َّن فكرة انضامم النساء‬ ‫طوعاً للتنظيم هي فكرة قابلة للنقد والنقاش‪ ،‬حيث أ َّن وضع النساء‬ ‫يف املجتمع يف كينيا ‪-‬ويف ممبسا بالتحديد‪ -‬يجعل موضوع استقالليتهن‬ ‫وقدرتهن عىل اتخاذ القرار مبعزل عن وصاية الرجال وتأثري املجتمع من‬ ‫حولهن مثارا ً للتساؤل‪.‬‬ ‫وميكن القول إ َّن قدرة النساء والفتيات عىل اتخاذ قرارات ُح َّرة‬ ‫ومستقلة ت ُ َق ِّي ُد َها الطبيعة البطريركية‪/‬األبوية للمجتمع‪ ،‬وإ َّن االستقاللية‬ ‫ال تتامىش مع حاالت اإلذعان املفرط املفروضة عىل املرأة‪ .‬وبالطبع‪ ،‬فإ َّن‬ ‫اإلذعان املفرط أو الخنوع إمنا يشري إىل أ َّن اختيارات املرأة ومفاضلتها يف‬ ‫حقيقة األمر ال تتم إال بواسطة آخرين‪ .‬ولكن ‪-‬ومع كل هذا‪ -‬يستحيل‬ ‫إنكار حقيقة أ َّن بعض النساء يرغنب يف وضع أنفسهن يف موقع التابع أو‬ ‫قبول وضعية اإلذعان‪ .‬وكام أوضحنا سلفاً‪ ،‬فإ َّن بعض النساء قد تطوعن‬

‫‪74‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬

‫وىف كل األحوال يجب أخذ هذه الظاهرة بالجدية‬ ‫املطلوبة ملا لها من مآالت وخيمة؛ فقد تجد النساء‬ ‫والفتيات أنفسهن يقمن بكل ما هو ممكن من أجل‬ ‫أي مجموعة إرهابية أخرى تحت‬ ‫تعزيز أهداف تنظيم الشباب أو ّ‬ ‫ذريعة (تحرر كاذب)‪ .‬لذا فإنه من الرضوري مبكان تفكيك خطاب‬ ‫(التحرر الكاذب) الذي ت ُ َر ِّو ُج له تلك الجامعات املتطرفة من أمثال‬ ‫تنظيم الشباب؛ وذلك عن طريق استخدام مناظري نسوية موضوعية‬ ‫وذات صلة لرفد املرأة بآفاق حقيقية للتحرر‪.‬‬

‫بقلم‪ :‬فاتيمة عزمية بادوردين‬ ‫من االنجليزية‪ :‬فيصل الباقر‬

‫‪ ٥‬اتصال شخيص‪ ،‬قيادة‬ ‫شبابية‪ ،‬ذكر‪ ،‬ممباسا‪ 7 ،‬مايو‪،‬‬ ‫‪.2017‬‬ ‫‪ ٦‬تقليدياً ارتبط مفهوم‬ ‫الهجرة بهجرة الرسول‬ ‫وأصحابه إىل املدينة تجنباً‬ ‫للعداءات التي لحقت بهم‬ ‫يف مكة‪.‬‬ ‫‪٧‬‬

‫لدواعي عدم الكشف عن‬ ‫الهوية‪ ،‬استبدلت األسامء‬ ‫الحقيقية لألشخاص بأسامء‬ ‫مستعارة‪.‬‬

‫‪ ٨‬مايا بلووم‪ ،‬املرأة واإلرهاب‪:‬‬ ‫القنبلة (فالدلفيا‪ :‬دار نرش‬ ‫جامعة بنسلفانيا‪) 2011 ،‬‬ ‫‪ ٩‬أندريا ويسلوند‪( ،‬نكران‬ ‫الذات واملسؤولية عن الذات‪:‬‬ ‫هل يتوافق اإلذعان مع‬ ‫االستقاللية؟)‪ ،‬فيلسوفيكال‬ ‫ريفيوو‪:)2003( 112 ،‬‬ ‫‪.77-37‬‬ ‫‪ ١٠‬جني هكريب‪( ،‬عندما تصبح‬ ‫املرأة إرهابية)‪ ،‬النيويورك‬ ‫تاميز‪ 21 ،‬يناير‪.2015 ،‬‬ ‫‪https://www.nytimes.‬‬ ‫‪com/2015/01/22/‬‬ ‫‪opinion/when-women‬‬‫‪become-terrorists.html‬‬


‫وجهات نظر‬

‫النساء وتحديات اإلسالم السياسي‬ ‫في إندونيسيا المعاصرة‬ ‫دينا افريناتي‬

‫متر إندونيسيا املعارصة ‪-‬اليوم‪ -‬بحقبة مليئة بالتحديات؛ إذ تشهد يف عدد من املحاوالت التي يبذلها اإلسالمويون لتغيري الدستور والقوانني‬ ‫الدكتورة دينا‬ ‫أفريانتي‪ :‬هي زميلة البالد تج ُّدد ظهور التعبري عن الدين اإلسالمي علناً كجزء من مكونات لرتسيخ قيم اإلسالم التقليدي كأيدلوجية للدولة‪.٢‬‬ ‫الهوية الوطنية للبالد‪ .‬فقد أصبح الدين اإلسالمي يف أكرب دولة إسالمية‬ ‫أبحاث ما بعد‬ ‫وحالياً متيل أعدا ٌد متزايدة من املسلمني اإلندونيسيني إىل املغاالة يف‬ ‫من حيث السكان املرجعية الرئيسة للمجتمع اإلندونييس للتم ُّعن يف‬ ‫الدكتوراه يف معهد‬ ‫القضايا االجتامعية والثقافية والسياسية‪ .‬وعندما رشعت إندونيسيا يف التعبري علناً عن ت َ َديُّ ِنهِم‪ ،‬وال يقترصون عىل استهالك املواضيع الدينية‬ ‫الدين والسياسة‬ ‫واملجتمع (‪ )IRPS‬يف إصالحاتها الدميقراطية عام ‪ ،1998‬وضعت النسويات املسلامت والنساء علناً بل وينادون بتطبيق السياسات والقوانني العامة املرتكزة عيل‬ ‫متسق مع النزوع العاملي تجاه‬ ‫الجامعة الكاثوليكية الناشطات آماالً عراضاً يف اقرتاب تَ َحقُّقِ مبادئ املساواة الجندرية وحرية العقيدة‪ .‬ومن الواضح أ َّن هذا األمر‬ ‫ٌ‬ ‫النساء والتسامح وترسيخ القيم الدميقراطية عىل أمل أن ت ُشَ ك َِّل املبادئ التَ َديُّنِ الجامهريي إال أنه أيضا يعكس ‪-‬وبنفس القدر‪ -‬التأثري املتزايد‬ ‫األسرتالية‪ .‬وت ُ َركِّ ُز‬ ‫األساسية بنية الدولة اإلندونيسية‪ .‬فقد ت َ​َص َّد َرتْ النساء لسنوات عدة للوهابية عيل اإلسالم يف إندونيسيا‪ ،‬وهي حركة أصولية وسلفية يف‬ ‫أبحاثها عىل النوع‬ ‫االجتامعي‪ ،‬والسياسة‪ ،‬حراك التغيري يف إندونيسيا‪ ،‬وت َ َح َّملْ َن عبئاً باهظاً ج َّراء العنف واالغتصاب املقام األول تحظى بتمويل عا ٍل نَبَ َع ْت من اململكة العربية السعودية‪.‬‬ ‫واسع النطاق الذي صاحب انهيار نظام الرئيس سوهارتو‪ .١‬ومع إنشاء حيث أث َّ َرت الطريقة الوهابية ‪-‬إىل حد بعيد‪ -‬يف ظهور منظامت اإلسالم‬ ‫والتعليم اإلسالمي‪،‬‬ ‫املفوضية الوطنية للقضاء عىل العنف ضد النساء أو (كومناس بريميبوان)‪ ،‬السيايس املتطرفة مثل عسكر الجهاد‪ ،‬ومجلس املجاهدين‪ ،‬وحزب‬ ‫والعالقات الدولية‪،‬‬ ‫يف العام ‪ ،1998‬الذى تبعه إنشاء منظمة املرأة الوطنية وفروعها التي العدالة االجتامعية السيايس اإلسالمي‪ .‬ووفقاً للباحث اإلندونييس‬ ‫وحقوق اإلعاقة يف‬ ‫املجتمعات اإلسالمية‪ .‬امتدت عرب البالد‪ ،‬ساد اعتقاد لدى الكثريين أ َّن املساواة الجندرية قد املسلم‪ :‬نورهايدي حسن‪ ،‬فإ َّن هذه املنظامت متيز نفسها من املؤسسات‬ ‫صارت قريبة املنال‪ .‬إال أ َّن واقع الحال ‪-‬مع األسف‪ -‬قد أثبت العكس‪ .‬اإلسالمية اإلندونيسية األخرى بـ"التزامها الصارم بالتطهريية‪ ،‬وقيم‬ ‫وهي أيضا تابعة‬ ‫اإلسالم السلفي‪ ،‬واملغاالة يف إظهار التَّ َديُّنِ يف الفضاء العام"‪.٣‬‬ ‫لجامعة رشيف هداية‬ ‫الدميقراطية و صعود اإلسالم السيايس‪:‬‬ ‫الله اإلسالمية يف‬ ‫وتستنكر الناشطات من النسويات املسلامت وناشطات حقوق‬ ‫جاكرتا‪ .‬وهي مؤلفة‬ ‫تقتيض الدميقراطية إتاحة الفرص املتساوية لكل املجموعات السياسية املرأة واملجتمع املدين صعود اإلسالم السيايس باعتباره ُم َه ِّد َدا ً للمساواة‬ ‫كتاب‪( :‬املرأة وقانون‬ ‫والثقافية والدينية ‪-‬مبا يف ذلك املجموعات املحافظة‪ -‬للتعاطي والتأثري والدميقراطية‪ ،‬حيث أ َّن املجموعات السياسية والدينية املحافظة تدفع‬ ‫الرشيعة يف شامل‬ ‫إندونيسيا ‪ -‬املنظامت يف تشكيل الخطاب الجامهريي والسياسات العامة‪ .‬وقد شهدت الفرتة بتفسري لإلسالم يُ ِ‬ ‫خض ُع النساء ويُ َقيِّ ُد ُه َّن يف داخل املنزل‪ .‬ويف األعوام‬ ‫غري الحكومية املحلية االنتقالية يف أعقاب انهيار نظام سوهارتو االستبدادي تزايدا ً ُمطَّ ِر َدا ً املاضية نَظَّ َم الدعاة الدينيون اإلسالمويون سلسلة من الحمالت التي‬ ‫يف األحزاب واملجموعات السياسية ذات األيدولوجيات املتباينة ما بني تدعم ت َ َع ُّد َد الزوجات وفرض النقاب عىل النساء وتشويه األعضاء‬ ‫النسائية وإصالح‬ ‫املجموعات اليسارية واالشرتاكية أو الليربالية أو مجموعات ميينية كلها التناسلية (خفض اإلناث) والزواج امل ُ َبكِّر‪ .‬وإضافة إىل التزايد امللحوظ‬ ‫القانون اإلسالمي يف‬ ‫آتشيه)‪ ،‬الذي نرشته تتنافس يف الفضاء السيايس‪ .‬وبعد عقدين من الدميقراطية يف إندونيسيا يف ارتداء النقاب‪ ،‬فقد دار جدل كثيف حول استخدام منصات التواصل‬ ‫يالحظ املرء النمو املتصاعد للنزعة التقليدية والصعود املنتظم للدين االجتامعي عرب اإلنرتنت للرتويج لتَ َع ُّد ِد الزوجات‪ .‬وت َّم تدشني تطبيق‬ ‫روتليدج يف عام‬ ‫جديد للهاتف الذيك عام ‪ 2017‬يتيح للرجل املتزوج البحث عن زوجات‬ ‫السلفي يف القطاعني الترشيعي والقضايئ‪.‬‬ ‫‪.2015‬‬ ‫إضافيات‪ ،‬كل ذلك دومنا اعتبار لقانون الدولة اإلندونيسية الذي يُ َنظِّ ُم‬ ‫وقد نتج هذا التطور من مزيج من العوامل‪ .‬أوال‪ :‬إخفاق الدميقراطية ويح ُّد من ت َ َع ُّد ِد الزوجات (قانون الزواج رقم ‪ .)1974/1‬وقد أثارت هذه‬ ‫الغربية والرأساملية االقتصادية يف تعزيز العدالة االجتامعية واملساواة الحمالت قلق املسلمني املعتدلني من ناحية‪ ،‬ومن ناحية أخرى فقد‬ ‫يف بلد مزدحم بالسكان قليل املوارد مثل إندونيسيا‪ ،‬إذ يؤمن كثري من وجدت تلك املنابر رواجاً واسعاً بني أعدا ٍد متزايدة من النساء ممن‬ ‫اإلندونيسيني أ َّن الفساد واآلفات املجتمعية‪ ،‬ما هي ّإل من مثار الثقافة وافقن عىل الرأي القائل بأ َّن واجبهن هو البقاء يف املنزل لخدمة األزواج‬ ‫الغربية‪ .‬وىف الغالب فإ َّن وجهة النظر هذه ما هي إال ردَّة فعل من ورعاية األطفال‪.‬‬ ‫تفش ظاهرة كراهية املسلمني التي انترشت‬ ‫املسلمني اإلندونيسيني تجاه ِّ‬ ‫الحركة النسوية اإلسالمية اإلندونيسية‪:‬‬ ‫يف مختلف أنحاء العامل والرتويج إىل ربط اإلسالم باإلرهاب والعنف‪.‬‬ ‫و َحر ٌِّي بنا هنا مالحظة أ َّن الهوية الدينية اإلسالمية ظل َّْت دوماً جزءا ً‬ ‫من الفضاء العام يف إندونيسيا التي يلعب فيها اإلسالم دورا ً مركزياً يف‬ ‫تشكيل الثقافة والروابط االجتامعية‪ .‬ويُ َ ِّب ُر هذا الرابط ‪-‬من منظور‬ ‫اإلسالمويني يف إندونيسيا‪ -‬الحاجة لتأسيس (دولة إسالمية)‪ .‬ويتجىل هذا‬

‫إ ّن ازدياد القبول باإلسالم السلفي يُ ْنظَ ُر إليه باعتباره ِر َّد ًة سياسية‬ ‫ثقافية واجتامعية بني النسويات املسلامت واملسلمني املعارصين‬ ‫الذين ظلّوا يحاربون املامرسات الدينية السلفية عقودا ً مبا يف ذلك‬ ‫ت َ َع ُّدد الزوجات وعزلة النساء داخل املنزل‪ ،‬وذلك منذ السنوات األوىل‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪75‬‬


‫إ ّن الحمالت السياسية التى متارسها وتديرها هذه الجامعات كاألبوية‬ ‫وكراهية النساء ت ُ َع ِّر ُض للخط ِر التقد ُم امل ُ ْح َر ُز نحو املساواة بني الجنسني‬ ‫وحقوق املرأة يف إندونيسيا‪.‬‬ ‫التحديات املعارصة التى تواجهها املرأة املسلمة اإلندونيسية‪:‬‬ ‫ومع دخول إندونيسيا يف مرحلة أكرث محافظة‪ ،‬ألقت التطورات يف‬ ‫الحراك السيايس الضوء عىل العديد من التحديات التي تواجهها النساء‪.‬‬ ‫ومل تعد قصص النساء اللوايت تعرضن لـ(الجلد) يف مقاطعة آتشيه‬ ‫بزعم ارتكاب الخيانة الزوجية أو الزنا أو الفاحشة‪ ،‬تجد رصخة عامة‬ ‫أو تُ ِث ُري غضب الجمهور‪ .‬ويُ ْنظَ ُر اآلن إىل الجلد (الرضب) كشكل من‬ ‫أشكال العقوبة املتسقة مع اإلسالم‪ ،‬وبالتايل مقبولة اجتامعياً‪ .‬وهناك‬ ‫عدد قليل من الناس يجرؤ عىل إدانة هذه املامرسة باعتبارها جزءا ً من‬ ‫تفش كراهية النساء والتفسري األبوي لإلسالم‪ .‬وعىل سبيل املثال‪ُ :‬ح ِك َم‬ ‫ِّ‬ ‫عىل امرأة يف مقاطعة آتشيه مؤخرا ً مبائة جلدة للـ(خلوة)‪ ،‬أى‪( :‬أنّها‬ ‫ُو ِجدَتْ عىل مقربة من رجل مل يكن زوجها)‪ .‬ومبوجب القانون الجنايئ‬ ‫اإلسالمي لعام ‪ ، 2014‬أصبحت عقوبة (الخلوة) مائة جلدة‪ ،‬وهي‬ ‫زيادة كبرية عن العرش جلدات املنصوص عليها يف القانون السابق لعام‬ ‫‪ .2003‬وباإلضافة إىل ذلك‪ ،‬يجب تنفيذ عقوبة (الجلد) أمام املسجد بعد‬ ‫لحركة استقالل إندونيسيا‪ .٤‬ويف مواجهة هذه التحديات فإ َّن النسويات صالة يوم الجمعة‪ .‬ويُ ْنظَ ُر إىل جعل العقاب يف مكان عام وعىل مرأى‬ ‫املسلامت يف إندونيسيا‪ ،‬اعتمدن مقاربة شبيهة باالسرتاتيجية التى من الجمهور عىل أنه وسيلة إلثناء اآلخرين عن خرق القانون اإلسالمي‪.‬‬ ‫اعتمدتها النسويات يف الرشق األوسط وشامل أفريقيا‪ .‬حيث تحتوى هذه‬ ‫ِ‬ ‫ص مؤيدو اإلسالم السيايس يف مقاطعة أتشيه عىل أ َّن تطبيق‬ ‫املقاربة عىل إعادة قراءة وتفسري وبناء التقاليد اإلسالمية بطريقة تتحدى‬ ‫ويُ ُّ‬ ‫الفهم املؤيّد لكراهية النساء (امليسوجينية) واألبوية (البطريركية)‪ ،‬كام الرشيعة يستند إىل الحقوق والحريات التي متنحها الحكومة املركزية‬ ‫ألهل أتشيه ليعيشوا وفقاً للمبادئ اإلسالمية التي اختاروها‪ .‬ولذلك‬ ‫يُ َر ِّو ُج لهام السلفيون وكوادر اإلسالم السيايس‪.‬‬ ‫أي انتقاد من جانب النسويات املسلامت واملجتمع املدين ونشطاء‬ ‫فإ َّن َّ‬ ‫وقد بدأ هذا الجهد يف أوائل التسعينيات‪ ،‬بالتعاون مع أكادمييات حقوق اإلنسان ‪-‬وخاصة عىل املستوى الوطني‪ -‬يُ ْرف َُض ويُ ْعتَ َ ُب بال أساس‪.‬‬ ‫مسلامت معتدالت تخ ّرجن من مؤسسات التعليم العاىل اإلسالمية‬ ‫وقد ت َ​َس َّب َب حادث آخر مؤخرا ً يف غضب شعبي عارم؛ وذلك عندما‬ ‫التابعة للدولة باإلضافة إىل جامعات غربية ورشق أوسطية بينام‬ ‫ص َح أحد قضاة املحكمة الرشعية يف سومطرة الشاملية يف كتاب أصدره‬ ‫استلهمت تلكم األكادمييات والناشطات مؤلفات النسوية اإلسالمية التى َ َّ‬ ‫كتبتها فاطمة املرنيىس‪ ،‬وأمينة ودود‪ ،‬وزيبا مري حسينى‪ ،‬وأصغر عيل ويف مقابالته مع وسائل اإلعالم الوطنية أ َّن أسلم طريقة للرد عىل زيادة‬ ‫إنجنري‪ .‬ومن ناحية أخرى انخرطت واستلهمت النسويات اإلندونيسيات معدل الطالق هي مطالبة النساء بالخضوع الختبارات العذرية قبل‬ ‫التقاليد املحلية اإليجابية يف العمل عىل تعزيز حقوق املرأة‪ .‬وعىل سبيل الزواج‪ .٥‬وذلك العتقاده أ َّن الطالق ينتج من عدم االلتزام مبؤسسة الزواج‪.‬‬ ‫املثال‪ ،‬فيام يتعلّق بـالحجاب (نقاب الوجه) مثالً‪ ،‬ت ُ َجا ِد ُل النسويات ولسوء الطالع فإ َّن هذا القايض ليس هو أول مسؤول عمومي يسمح‬ ‫املسلامت بأ ّن هذه املامرسة القادمة من الرشق األوسط إمنا هي تعبري لقناعاته العقائدية بالتأثري عىل آرائه حول املصلحة العامة والنظام العام‪.‬‬ ‫عن الثقافة أكرث من كونها ضمن تعاليم اإلسالم‪ .‬وت ُسلّ ُط النسويات‬ ‫الضوء عىل تواريخ الحركة النسوية يف إندونيسيا عندما ارتدت القيادات‬ ‫ففي عام ‪ ،2015‬قَ َّر َر مثانية قضاة من املحكمة الدستورية رفض طلب‬ ‫النسوية املسلمة خالل فرتة االستعامر (شاالً متواضعاً) لتغطية شعرهن‪ .‬مراجعة قضائية ق َّد َمه خرباء الصحة ونشطاء املجتمع املدين من أجل‬ ‫ش َن إىل أ ّن النساء يف إندونيسيا لعنب دورا ً مهامً كقائدات رفع الحد األدىن لسن الزواج للفتيات من ‪ 16‬إىل ‪ 18‬سنة‪ .٦‬وقد ق َّد َم‬ ‫وباملثل‪ ،‬يُ ِ ْ‬ ‫ت َ َح ُّر ٍر يف أجزاء عديدة من البالد‪ ،‬مبا يف ذلك مقاطعة (آتشيه) اإلسالمية‪ .‬امللتمسون معلومات علمية عن املخاطر الصحية والنفسية املرتبطة‬ ‫وأص امللتمسون يف‬ ‫بالزواج و( َح ْمل) الفتيات ما قبل سن الثامنة عرشة‪َّ َ .‬‬ ‫َت‪ ،‬ما زالت النسويات طلب املراجعة عىل عدم موامئة سن الزواج الحايل مع عدد من القوانني‬ ‫وعىل الرغم من بعض النجاحات التي ت َ َح َّقق ْ‬ ‫املسلامت يف إندونيسيا يصارعن ‪-‬اليوم‪ -‬للتصدى لخطاب الفاعلني الوطنية‪ ،‬مبا يف ذلك قوانني التعليم‪ ،‬وحقوق اإلنسان‪ ،‬وقانون حامية‬ ‫السياسيني والدينيني الذين يروجون لإلسالم السلفي واإلسالم كدولة الطفل‪ ،‬وحتى مع الدستور اإلندونييس‪.‬‬ ‫وأيديولوجية سياسية قادرة عىل حل جميع األمراض االجتامعية‬ ‫واالقتصادية والقانونية والسياسية يف املجتمع‪ .‬وقد أصبحت النساء‬ ‫وبدالً من اتباع توصيات النشطاء والقانونيني‪ ،‬أصدر القضاة قرارهم‬ ‫‪-‬لألسف‪ -‬من املجموعات املستهدفة بدعاوى السلفية واإلسالم السيايس‪ .‬بنا ًء عىل آراء املنظامت التي تتخذ من التفسري السلفي لإلسالم ُمتّ َكأً‬

‫‪76‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬

‫‪ 1‬االجرنال سوهارتو‪ :‬هو‬ ‫رئيس إندونيسيا من العام‬ ‫‪ 1967‬إىل العام ‪ ،1998‬وقد‬ ‫متيز نظامه االستبدادي‬ ‫بالتحكم املركزي وقمع‬ ‫املعارضة والفساد املسترشي‪.‬‬ ‫‪ 2‬أرسكال سامل‪( :‬تحدي‬ ‫الدولة العلامنية‪ :‬أسلمة‬ ‫القانون يف إندونيسيا‬ ‫الحديثة)‪ ،‬مطبعة جامعة‬ ‫هاواي‪.2008 ،‬‬ ‫‪ 3‬نورهايدى حسن‪( ،‬اإلميان‬ ‫والسياسة‪ :‬صعود عسكر‬ ‫الجهاد يف عرص االنتقال يف‬ ‫إندونيسيا)‪ ،‬إندونيسيا‪ ،‬رقم‬ ‫‪( ،73‬نيسان ‪ /‬أبريل ‪:)2002‬‬ ‫ص ‪.169-145‬‬ ‫‪ 4‬ت َّم تب ِّني إعالن االستقالل‬ ‫اإلندونييس يف ‪ 17‬أغسطس‬ ‫‪ .1945‬وقد شكَّل اإلعالن‬ ‫بداية الثورة الوطنية‬ ‫اإلندونيسية‪ ،‬وهي مقاومة‬ ‫دبلوماسية ومسلحة ضد‬ ‫القوات الهولندية‪ ،‬حتى‬ ‫اعرتف هولندا ‪-‬رسمياً‪-‬‬ ‫باستقالل إندونيسيا يف عام‬ ‫‪.1949‬‬


‫‪ 5‬ملزيد من املعلومات‪ ،‬يرجى‬ ‫االطالع عىل‪:‬‬ ‫‪https://www.‬‬ ‫‪voaindonesia.com/a/‬‬ ‫‪komnas-perempuan‬‬‫‪kecam-usul-uji‬‬‫‪.4024852/-keperawanan‬‬ ‫‪ html‬؟‪utm_source=dlvr.‬‬ ‫_‪it&utm‬‬ ‫‪medium=twitter‬‬

‫الرسم‪ :‬احمد ابو شريعة ‪ -‬السودان‬

‫لها‪ ،‬مثل منظامت‪ :‬املحمدية‪ ،‬ونهضة العلامء‪ ،٧‬ومجلس العلامء الوطني اإلسالموية العاملية بـ(نجاح) و(ببطء) ملؤسسات الدولة والقضاء يف‬ ‫(وهو مؤسسة شبه حكومية)‪ .‬وقد جادلت هذه املنظامت بأ َّن الزواج إندونيسيا‪.‬‬ ‫يجب أن ُ َيا َر َس وفقاً لـ(املعتقدات الدينية)‪ .‬ومتاشياً مع هذه الحجج‬ ‫وعىل الرغم من التق ُّدم الذى أحرزته النسوية اإلسالمية عىل مدى‬ ‫أكَّ َد القضاة أ َّن اإلسالم ال يهتم بالحد األدىن لسن الزواج ولكن مع ما‬ ‫يُ ْع َر ُف بـ(العقل و البلوغ) أي‪( :‬عا ِقل وبالِغ)‪ .‬وبهذا ت ُ ْعتَ َ ُب الفتاة راشدة العقود الثالثة املاضية‪ ،‬تحتاج الحركة النسوية املعارصة إىل تب ِّني‬ ‫عندما تكون سليمة العقل وقادرة عىل التمييز بني (السيئ والج ّيد)‪ ،‬واحتضان اسرتاتيجيات جديدة‪ ،‬مبا يف ذلك التواصل مع النساء املشاركات‬ ‫يف املؤسسات الدينية السلفية والعمل عىل استقطابهن؛ فقد ي ُك ّن‬ ‫وهي مرحلة تصلها الفتيات حسب تقديراتهم من سن الـ‪.16‬‬ ‫قادرات عىل التأثري يف تَطَ ِّور العقيدة اإلسالمية لدى النساء املنتميات‬ ‫وهناك حجة أخرى قَ َّد َم َها القضاة‪ ،‬وهي أ َّن العامل يشهد ‪-‬يف الوقت إىل األحزاب السياسية اإلسالمية أو املنتميات ألكرب منظمتني إسالميتني يف‬ ‫الراهن‪ -‬ت َ​َسا ُر َعاً يف امل ُغريات والغواية بني الشباب بسبب تحسني الوصول إندونيسيا‪ ،‬وهام‪ :‬املحمدية ونهضة العلامء‪.‬‬ ‫إىل التكنولوجيا واملعلومات‪ .‬وهذه التطورات ‪-‬وفقاً آلراء القضاة‪ -‬يجب‬ ‫لقد م َّك َن ْت تكنولوجيا املعلومات واالتصاالت النساء اإلندونيسيات‬ ‫أن ت ُ َو َّجه من خالل الزواج الرشعي وفقاً للتعاليم الدينية‪ ،‬وت َ َج ُّن ِب إنجاب‬ ‫من التع ُّرف عىل الثقافات اإلسالمية بشكل منفتح‪ ،‬كام ت َ َع َّرفْ َن أيضاً‬ ‫األطفال خارج إطار الزواج‪.‬‬ ‫عىل أشكال التَّ َديُّنِ والتقوى املتسامحة وعىل النسوية اإلسالمية ونهج‬ ‫اإلسالم السيايس واإلسالم السلفي‪ .‬إ َّن التحدي الرئييس الذي تواجهه املرأة‬ ‫ماهو مستقبل املرأة املسلمة اإلندونيسية؟‬ ‫اإلندونيسية اآلن يتمثل يف إيجاد طريق خاص بها‪ ،‬يُ َع ِّز ُز حقوق املرأة‪،‬‬ ‫عىل ضوء التطورات السابق ذكرها يتعني عىل املسلمني اإلندونيسيني بينام يحرتم الثقافة اإلندونيسية‪.‬‬ ‫املعتدلني أن يردوا عن طريق إعادة النظر يف موقع اإلسالم والعقيدة يف‬ ‫بقلم‪ :‬د‪ .‬دينا أفريانتى‬ ‫دولة إندونيسيا الحديثة‪ .‬إذ ت ُ َوضِّ ُح األمثلة املذكورة أعاله ‪-‬بدقة‪ -‬كيفية‬ ‫من االنجليزية‪ :‬فيصل الباقر‬ ‫اخرتاق العقل السلفي لإلسالم وت َ َوغُّله‪ ،‬وهو ُم ْستَ ْو ًحى ‪-‬يف الغالب‪ -‬من‬

‫‪ 6‬كيىل بوشانان‪ :‬املحكمة‬ ‫ترفض إلتامسني‪/‬طلبني‬ ‫يتحديان قانون الزواج‪ ،‬مكتبة‬ ‫الكونغرس‪ 25 ،‬يونيو ‪.2015‬‬ ‫‪http://www.loc.gov/law/‬‬ ‫‪foreign-news/article/‬‬ ‫‪indonesia-court-rejects‬‬‫‪two-challenges-to‬‬‫‪/marriage-act‬‬ ‫‪ 7‬ت ُ ْعتَ َ ُب املحمدية ونهضة‬ ‫العلامء من أكرب املنظامت‬ ‫اإلسالمية يف إندونيسيا‪ .‬وقد‬ ‫تأسست املحمدية يف عام‬ ‫‪ 1912‬وتلتها نهضة العلامء‬ ‫يف عام ‪ .1926‬يف حني ت ُ ْعتَ َ ُب‬ ‫املحمدية منظمة إسالمية‬ ‫حديثة ونقية‪ ،‬يُ ْنظَ ُر إىل‬ ‫نهضة العلامء عىل أنها أكرث‬ ‫تقليدية‪ .‬وتضطلع املنظمتان‬ ‫بأدوار مهمة يف التنمية‬ ‫االجتامعية واالقتصادية‬ ‫والسياسية يف إندونيسيا‪.‬‬ ‫ويؤكد عامل األنرثوبولوجيا‬ ‫األمرييك روبرت هيفرن أ َّن‬ ‫املنظمتني لعبتا دورا ً كبريا ً‬ ‫يف تعزيز الدميقراطية يف‬ ‫إندونيسيا‪ .‬للحصول عىل‬ ‫معلومات إضافية‪ ،‬يُ ْرجى‬ ‫االطالع عىل‪ :‬روبرت هيفرن‪،‬‬ ‫(اإلسالم املدين‪ :‬املسلمون‬ ‫والدميقراطية يف إندونيسيا)‬ ‫مطبعة جامعة برينستون‪،‬‬ ‫‪.2000‬‬

‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪77‬‬


‫‪ #‬تهشيم البطريركية‪ :‬ما بين‬ ‫الحلفاء والمعارضين‬ ‫تغريد شمس الدين عابدين‬

‫الكاتبة‪ :‬تغريد شمس‬ ‫الدين عابدين‪ :‬هي‬ ‫أم ومهندسة معامرية‬ ‫و ُم َد ِّونَة من السودان‪.‬‬ ‫غاضبة عىل الظلم‪،‬‬ ‫ومستلهمة للقيم‬ ‫اإلنسانية‪ ،‬ولها كتابات‬ ‫منشورة يف املونيتور‬ ‫وبامبازوكا نيوز‪.‬‬ ‫ميكنك الحصول عىل‬ ‫املزيد من كتابتها‬ ‫عىل‪taggysudan. :‬‬ ‫‪blogspot.com‬‬

‫يف بالد ال تزال حذرة ومسرتيبة تجاه الحركة النسوية‪ ،‬حيث تستخدم‬ ‫الشخصيات الدينية فيها مصطلح (العلامنية) بشكل متناوب مع‬ ‫مصطلحي (اإللحاد) و(الشيوعية)‪ ،‬فإ َّن إعالن الحرب عىل النظام األبوي‪/‬‬ ‫البطريريك ال يتالءم مع العديد من الناس‪.‬‬ ‫والشاهد يف هذا األمر أ َّن إسهامايت يف وسائل التواصل االجتامعي التي‬ ‫أقرنها مع هاشتاق ‪ #[ SmashThePatriarchy#‬تهشيم األبوية] تحظى‬ ‫بإقبال ضعيف إذا جاز التعبري مقارنة باألخبار أو الحكايات األخرى‬ ‫التي أنرشها عىل املنصات نفسها‪ .‬فام يقرب من ‪ ٪90‬من أصدقايئ عىل‬ ‫متابعي متواضعي‬ ‫الفيسبوك (‪ )Facebook‬يعرفونني شخصياً‪ ،‬يف حني أ َّن‬ ‫َّ‬ ‫العدد يف منصة تويرت (‪ )Twitter‬هم يف الغالب من الغرباء بالكامل‪،‬‬ ‫ولكن تُقَاب ُِل هاتان املجموعتان حملة سحق األبوية بالالمباالة نفسها‪،‬‬ ‫ويبدو أنه من الواضح أ َّن (تحطيم النظام األبوي) ال يحظى بالكثري من‬ ‫الدعم‪.‬‬

‫ويف الواقع‪ ،‬نجد أنَّه ويف الحقب االخرية أ َّن النساء تأث ّرن بشكل غري‬ ‫متناسب بالحريات املبتورة ورصن أكرث عرضة للرصاعات اإلقليمية‪ .‬حيث‬ ‫أ َّن دوائر القمع تعمل ِض ّدهن بشكل منتظم‪ .‬فنجد أ َّن الرجال ضحايا‬ ‫الرصاعات يبحثون عن من هم دونهم لتفريغ شحنات القهر الذي‬ ‫تعرضوا له الستعادة إحساسهم بالسيطرة وتظل النساء هن املتلقيات‬ ‫لالضطهاد املزدوج‪.‬‬ ‫وال يقتصر هذا (االضطهاد بالوكالة) على دائرة‬ ‫األسرة والمجتمع‪ ،‬فالقوانين المعادية للنساء‬ ‫ُسمَّى بـ(قانون النظام العام )‪ ،‬تسمح‬ ‫مثل ما ي َ‬ ‫أي‬ ‫ألي شخص‪ ،‬بأن يعلن نفسه (مستاء) من ظهور ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫أنثى في المجاالت العامة أو الخاصة‪.‬‬

‫وعىل هذا ميكنه تقديم شكوى للرشطة‪ ،‬واعتامدا ً عىل كيفية تطبيق‬ ‫القانون املبهم‪ ،‬ففي أسوأ السيناريوهات‪ ،‬ميكن تغريم األنثى املعنية‬ ‫هل يا ترى أ َّن شعار تهشيم األبوية يحتاج إىل توضيح أكرث‪ ،‬ومسألة أو سجنها أو جلدها‪ .‬ويف أفضل السيناريوهات‪ ،‬سوف ت ُضَ يِّ ُع السيدة أو‬ ‫أنني أطالب بإزالة األنظمة التي ال تخدم النساء (يف أحسن األحوال) الفتاة وقتها يف لعبة فاضحة وتُ َع ِّر ُض نفسها لالبتزاز‪.‬‬ ‫وتعمل عىل قمعهن بشكل نشط يف أسوأ األحوال‪ ،‬هو أمر يحتاج إىل‬ ‫وبالرغم من جسامة هذه االنتهاكات‪ ،‬فإنَّ ِني ال أرى أ َّن هذه القوانني‬ ‫الكثري من الدقّة؟ إ َّن موقفي هذا ليس هجوماً عىل الرجال بشكل عام‪،‬‬ ‫ولكن عىل األُطُ ِر القانونية واالجتامعية التي تُفَضِّ لُ ُه ْم وتنحاز لهم بشكل أو النظام الحايل هي أخطر عنارص البطريركية‪ .‬فهناك فعالية أكرث شؤماً‬ ‫أعمى مام ينجم عنه وجود خلل اجتامعي واضح‪.‬‬ ‫تحدث يف السودان بانتظام‪ ،‬تتمثل يف انتشار مجموعات سامرسة قهر‬ ‫النساء بالوكالة‪ ،‬هؤالء الذين قفزوا إىل عربة االضطهاد إلثبات ذواتهم‬ ‫ورمبا كان شعار تهشيم األبوية دراماتيك ّياً مثالً‪ ،‬ولكن السؤال يبقى‪ ،‬وتف ُّوقهم الزائف حيث يوجد هؤالء يف مختلف منعرجات الحياة يف‬ ‫هل سيكون الناس أكرث انفتاحاً للتآكل التدريجي للبطريركية أو األبوية‪ ،‬السودان‪.‬‬ ‫بدالً من الدعوة إىل مواجهتها وتهشيمها؟ وهل ينبغي لنا أن نُ َح ِّذ َر من‬ ‫وعىل الرغم من اختالف سناريوهات البطريركية فإ َّن منطها يبقى‬ ‫مواجهة نظام يستعبد املرأة وينحاز لتف ُّوق الرجال؟ وهل لنا أن نأمل يف‬ ‫ظل هذا الوضع يف إمكانية الحصول عىل املزيد من الحريات دون تكبُّد متطابقاً وتربيراتها مو َّحدة‪ ،‬فهي تستند بشكل أسايس عىل متويه الدين‬ ‫عناء املواجهة وأن نأمل يف ظهور حلفاء أقوياء‪.‬‬ ‫والثقافة لخلق منط تفكري يؤسس ملرشوعيتها‪ ،‬فنجد مثالً أ َّن أسطورة‬ ‫تف ُّوق الذكور بشكل عام عىل اإلناث يتم ترسيخها بشكل دؤوب يف‬ ‫اإلجابة‪ :‬بالطبع‪ ،‬وحتامً ال‪.‬‬ ‫القوانني واملامرسات والخطاب اليومي‪ ،‬ثم أسطورة تف ُّوق الذكور‬ ‫املستعربني عىل غريهم‪ ،‬ثم تف ُّوق األثرياء من الرجال عىل الفقراء الذين‬ ‫يحظون بالرثوة التي أعطاها الله لهم حيث يجب أن ال يجرؤ أحد عىل‬ ‫في السودان وفي ظل النظام الحالي تمسك السلطة البطريركية‬ ‫انتزاعها منهم‪ .‬كام ال ميكن الطعن يف امتيازاتهم باعتبارها منحة من‬ ‫بمفاصل األمور في المجتمع إلى درجة االختناق‪ .‬فقد ولّت األيام‬ ‫أي محاولة ملواجهة تلك االمتيازات هي مواجهة مع‬ ‫التي كان يمكن للسودان والسودانيين فيها أن يتباهوا بحيازة النساء السامء‪ .‬وتصبح ّ‬ ‫لحقوق التصويت والتمثيل السياسي‪ .‬حيث لم ت ُ‬ ‫الدولة ومواجهة مع الدين ومواجهة مع الله‪.‬‬ ‫عد هناك قفزات‬ ‫وخطوات واسعة تجاه حقوق النساء في العقود األخيرة‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬

‫"كيف تجرؤ؟"‪" ،‬هل أنت وثني علامين؟"‪ ،‬حيث ميكن للمرء أن يسمع‬


‫وجهات نظر‬

‫الرسم‪ :‬حسين ميرغني ‪ -‬السودان‬

‫ذلك‪ ،‬عندما يطعن يف امتيازات السلطة يف السودان وهنا يحدث انهيار النساء الناشطات يف حقوق املرأة يف شبكات التواصل أنفسهم مدانني‬ ‫بتهمة عدم القيام بوظيفتهم يف السيطرة عىل زوجاتهم‪ ،‬وستوصم النساء‬ ‫تام للتواصل وبرسعة الربق‪.‬‬ ‫غري املتزوجات باعتبارهن عانسات عاجزات عن الزواج وحاقدات‪.‬‬ ‫فبفضل سماسرة ووكالء البطريركية المنتشرون‬ ‫عبر وسائل التواصل االجتماعي‪ ،‬ال يتعي ُّن على‬ ‫القابضين على السلطة تكب ُّد عناء الدفاع عن‬ ‫أنفسهم؛ فوكالء السلطة البطريركية القابضة‬ ‫قادرون على الفتك بكل الحجج‪ ،‬دون حتى استدعاء‬ ‫للمنطق أو إظهار الحجج المضادة‪.‬‬

‫أي فرصة يف النقاش املوضوعي‪.‬‬ ‫ويف ِظ ِّل تلك الفوىض تضيع ّ‬ ‫وما يثير حفيظتي أكثر هو وكالء البطريركية من النساء‪ .‬فمن ناحية أنا‬ ‫أفهم تماماً تشب ُّث الرجال الموروث بالسلطة‪ ،‬واستعالءهم ُ‬ ‫المزمن‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫إل أنني ال أستطيع أن أفهم النساء اللواتي يدعمن هذا النظام الذي‬ ‫ويكرس لإلبقاء عليهن تحت وطأة السلطة‬ ‫يقمعهن وي ُقعِ د بهن‬ ‫ِّ‬ ‫األبوية‪.‬‬

‫أي يشء ممكن وغري ممكن للتص ِّدي ألي‬ ‫حيث لن يتو ّرعوا عن فعل ِّ‬ ‫رأي موضوعي‪ .‬فسوف يبحثون عن ملفات وسائل اإلعالم االجتامعية‬ ‫بالطبع‪ ،‬فإ َّن هذا الوضع ليس حرصا ً عىل السودان‪ .‬إ َّن رصخات قوى‬ ‫الخاصة بـ(الليرباليني) وتحديدا ً النساء عىل شبكة اإلنرتنت‪ .‬وسينقبون‬ ‫أي معلومات ميكن أن يجدوها تُ َ ِّك ُنهم من مامرسة املزايدة بالقيم اليمني املتط ِّرف ضد النسوية تكتسب مرشوعية جديدة يف جميع أنحاء‬ ‫عن ِّ‬ ‫ٍ‬ ‫وعندئذ يجد الرجال أزواج العامل‪ .‬إال أنني أُ ُِّ‬ ‫واألخالق مثل‪" :‬ملاذا ِ‬ ‫ص عىل أ َّن النسوية لها أهميتها القصوى يف السودان يف‬ ‫أنت خارج املطبخ؟"‪.‬‬

‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪79‬‬


‫ِظ ِّل القهر العام الذى يحدث لكل رشائح املجتمع‪ .‬لذا يجب االستامتة يف‬ ‫الحفاظ عىل الحراك النسوي يف السودان‪.‬‬ ‫واملثري للتفاؤل أ َّن الحركة النسوية يف السودان‪ ،‬رغم كل الصعاب‪،‬‬ ‫ترفض أن تنزوي أو تختفي‪ ،‬وينض ُّم العديد من الحلفاء الجدد إىل املعركة‬ ‫وبعضهم من الرجال الذين يرفعون أصواتهم معلنني تضامنهم ومجاهرين‬ ‫مبواقفهم التضامنية مع النساء‪ .‬فالعديد من الشباب ينسبون نجاحهم‬ ‫ورفاهيتهم وحياتهم إىل النساء القويات من حولهم‪ .‬وهناك أيضاً رجال‬ ‫أكرب سناً وآباء يستنكرون ما آلت إليه األمور يف السودان والخوف الذي‬ ‫يالزمهم عىل بناتهم ج َّراء أجواء الكراهية والعنف املؤسس ضد النساء‪.‬‬ ‫والرجال الحلفاء يُق ُّرون بأ َّن النظام األبوي السائد حالياً يف السودان هو‬ ‫نظام جائر كام أنهم يعون متاماً أ َّن املجتمع ال ميكن أن يزدهر‪َّ ،‬إل من‬ ‫خالل نظام يدعو إىل املساواة والعدالة بني الجنسني‪.‬‬

‫(كُره الرجال)‪ .‬نحن بحاجة إىل تح ِّدي السياسات واأليدولوجيات القدمية‬ ‫التي تسعى ألن تج ّرنا للوراء‪ ،‬وترتكنا يف الخلف‪ .‬ومن ناحية أخرى يجب‬ ‫أن ال نقيص الوكالء من الحوار‪ ،‬وأن نحاول قدر اإلمكان البحث عن‬ ‫األدوات الالزمة إلعادة الرتبية ونرش الوعي ومتكني النساء يف املجتمعات‬ ‫املحلية وإنشاء روابط اجتامعية وثقافية‪ .‬إ َّن مساهمة النساء أساسية‬ ‫للنمو املستدام يف املجتمعات السودانية واألفريقية واإلسالمية عىل َح ٍّد‬ ‫سواء‪.‬‬ ‫لقد تعلّمنا كمسلمني‪ ،‬منذ طفولتنا وىف سن ُمبكِّرة ج ّدا ً‪ ،‬أسامء الله الـ‬ ‫‪ .99‬ومن بني هذه األسامء (الحكم) أي القايض النزيه‪ ،‬و(العدل) لتجسيد‬ ‫العدالة‪ ،‬و(الحق) لتجسيد الحق‪ ،‬وهذا يُ َع ِّز ُز من إمياين بالله العادل‪ ،‬مام‬ ‫يؤكِّد ص َّحة هذا النضال من أجل العدالة واملساواة‪ .‬إ ّن إمياين بعدالة‬ ‫اإلسالم يؤطِّ ُر موقفي ضد البطريركية‪ ،‬وهو موقف ملتزم ومأخوذ بوعي‬ ‫وعن دراية‪ ،‬وليس مجرد موضة أو مقاومة طائشة‪.‬‬

‫وىف املقابل‪ ،‬من املهم االنتباه إىل أ َّن املساواة ليست مجرد عامل زائف‪،‬‬ ‫آمل أن أرى مالمح التحول خالل حيايت‪ .‬وآمل أن أرى مجتمعاً يُ َفك ُِّك‬ ‫ولكنها أساس لعامل أفضل‪ .‬تقول األمم املتحدة يف أهدافها اإلمنائية‬ ‫املستدامة‪ :‬إ َّن "املساواة بني الجنسني ليست مجرد حق أسايس من أوارص البطريركية بصدد خلق بيئة من االندماج والسالم والتنمية‪ .‬وحتى‬ ‫حقوق اإلنسان‪ ،‬بل هي أمر رضوري لعامل يسوده السالم واالزدهار يحدث ذلك سوف أواصل بذلك يف الهاشتاق ‪SmashThePatriarchy#‬‬ ‫واالستدامة"‪ .‬وتتحرك حركات مثل ‪ MoreWomenMorePeace#‬أي‪ :‬الذي ال يحظى حتّى اآلن بشعبية‪.‬‬ ‫(املزيد من النساء – املزيد من السالم) يف جميع أنحاء العامل كاعرتاف‬ ‫بدور املرأة يف بناء سالم دائم‪.‬‬ ‫وعىل الرغم من الدعم املتزايد من الرجال‪ ،‬هناك عدد من العقبات‬ ‫التي يجب التغلُّب عليها‪ .‬ففي السودان‪ ،‬غالباً ما يتم رفض الحركة‬ ‫النسوية واملساواة وأسس العلامنية‪ ،‬باعتبارها بُ ًنى غربية ُم َص َّم َمة‬ ‫الستعامر املجتمعات الساذجة ثقافياً‪ .‬كام يتم تضخيم وشخصنة‬ ‫االنتقادات الالذعة‪ ،‬بني النسوية اإلسالمية والنسوية الغربية‪ .‬ويف ِخضَ ِّم‬ ‫ذلك تحاول القوى األبوية بشدة إقناعنا بأ ّن الحركة النسوية واملساواة‬ ‫بني الجنسني (ليست لنا)‪ ،‬بينام يزدهر التعصب وكراهية النساء والقبلية‬ ‫دون رادع‪.‬‬ ‫إ ّن حركة (‪ #‬تهشيم البطريركية)‪ ،‬مطلوبة‪ ،‬ونحتاجها كمجتمع‪ ،‬من‬ ‫أجل التنمية والنمو واملساواة والعدالة‪ .‬ونحن بحاجة إىل أن يفهم‬ ‫الجميع أ َّن (النسوية) ليست كلمة سيئة‪ ،‬واملساواة بني الجنسني ال تعني‬

‫‪80‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬

‫بقلم‪ :‬تغريد شمس الدين عابدين‬ ‫من االنجليزية‪ :‬فيصل الباقر‬


‫وجهات نظر‬

‫الطريق إلى األمام‪:‬‬

‫ضرورة إحياء انخراط النساء‬ ‫في العلوم االسالمية‬ ‫فداء عبده‬

‫ومن منظور العلوم اإلسالمية املجردة فإ َّن الباحث والعامل باملجال‬ ‫هو الشخص الذي اكتسب املعرفة يف ذلك املجال‪ ،‬مبا يف ذلك امتالك‬ ‫مجموعة املهارات املتقدمة يف البحث واالستنتاج‪ .‬باإلضافة إىل ذلك‪،‬‬ ‫يسعى الباحثون والعلامء املختصون مبعرفة الدين اإلسالمي إىل التمسك‬ ‫بالقيم واألخالق األساسية إلميانهم‪ .‬وميكن القول أ َّن التعريف ال يحمل‬ ‫أي دالالت جندرية ‪.‬‬ ‫بشكل عام ّ‬

‫الرسم‪ :‬ابراهيم سيد ‪ -‬السودان‬

‫وإذا نظرنا إىل العلوم اإلسالمية من وجهة نظر غربية‪ ،‬فإ َّن فهم العلوم‬ ‫واملدارس اإلسالمية والوعي بها هو أمر أصبح رضورياً حيث أ َّن الدين‬ ‫اإلسالمي أصبح ضمن منظومة الثقافة العاملية بانتشار املسلمني يف‬ ‫مختلف بقاع العامل مبا يف ذلك الغرب‪ .‬ويتطلب هذا الوضع من املفكرين‬ ‫والباحثني يف مجال الدراسات اإلسالمية أخذ هذه العوامل يف االعتبار‬ ‫عند مقاربة تطور الدراسات اإلسالمية وتطبيقاتها‪ .‬ويتيح هذا املنحى‬ ‫للمسلمني إنهاء العزلة وتب ِّني التغيري اإليجايب‪ ،‬وذلك وفق الحكمة‬ ‫النبوية‪" :‬خريكم خريكم ألهله وأنا خريكم ألهيل"‪ ،1‬مبعنى أ َّن (أفضلكم‬ ‫أولئك الذين هم أفيد لبعضهم بعضاً)‪ .‬ومن املهم الوعي أ َّن الحديث‬ ‫لت نفسها عىل‬ ‫النبوي موجه لألمة كافة وليس ملجموعات بعينها فَضَّ ْ‬ ‫أساس العرق أو العمر أو الجندر‪.‬‬

‫فداء عبده‪ :‬هي‬ ‫معلمة يف العلوم‬ ‫اإلسالمية ملختلف‬ ‫املؤسسات يف سيدين‬ ‫ومديرة االتصاالت‬ ‫لجمعية النساء‬ ‫املسلامت‪ ،‬وهي‬ ‫منظمة أسرتالية غري‬ ‫ربحية‪.‬‬

‫فالعلوم هي وسيلة لتحقيق غاية‪ ،‬وهذه الغاية هي مجتمع متناغم‬ ‫يُنظَ ُر إىل الدراسات اإلسالمية باعتبارها مجاالً محصورا ً عىل الرجال‪.‬‬ ‫لكن املعرفة ‪-‬بالطبع‪ -‬ال تعرف العرق أو النوع االجتامعي‪ ،‬وهذا ليس مبني عىل االحرتام والثقة وليس التطابق والتشابه‪ .‬فالفروقات بني البرش‬ ‫ُم ْع َ َت ٌف ومحتفى بها يف التقاليد اإلسالمية والنص القرآين املقدس واملعرفة‬ ‫مفهوماً ثورياً‪.‬‬ ‫السليمة والوعي‪ .‬فاملعرفة من أدوات التحرر وليس العكس‪ .‬ولهذا‬ ‫فمن الرضوري أن تحيي النساء املسلامت إرث الدراسات اإلسالمية السبب‪ ،‬فإنّه من األهمية مبكان أن يُو َجد النساء والرجال معاً يف مختلف‬ ‫املجاالت العلمية مبا يف ذلك حقل العلوم اإلسالمية‪.‬‬ ‫النسوية‪ ،‬ال ِسيَّام يف السياق العاملي الحديث‪.‬‬ ‫فاملعرفة‪ ،‬واملعرفة وحدها هي مفتاح التب ُّحر يف العلوم‪ .‬وال يجب‬ ‫تعريف التمكُّن يف العلوم وفق الجندر مثلام ال يتم اكتساب املعرفة‬ ‫وفقاً لالنتامء ل ِعرقٍ أو ثقافة محددة‪ .‬إذ يتم تعريف التمكُّن يف العلم من‬ ‫خالل قياس املعرفة املكتسبة لدى الشخص ومهاراته وخرباته‪.‬‬

‫ومما ال شك فيه أن اإلسالم ظل عقوداً مطولة ديناً متمحور حول‬ ‫استعالء الذكور وتفضيلهم‪ .‬وبناء على ذلك فأ َّ‬ ‫ن الدراسات اإلسالمية‬ ‫ُ‬ ‫د إنتاج التقاليد اإلسالمية‬ ‫احت ُ ِك َرت من قبل الرجال قروناً عديدة وأعِ ي ْ َ‬ ‫والفقه وفق المنطق البطريركي‪.‬‬

‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪81‬‬


‫إال أ َّن هذا التصور ‪-‬إضافة إىل قصوره وفق معطيات الوقت الذى‬ ‫نعيشه‪ -‬يغفل عمدا ً أدوار النساء وتأثريهن يف صياغة ونقل التقاليد‬ ‫والعلوم اإلسالمية وىف الثقافة األمية بشكل عام‪ ،‬بدءا ً من السيدة خديجة‬ ‫والسيدة عائشة بنت أيب بكر‪ ،‬التي ت ُ ْعتَ َ ُب واحدة من أعظم السلطات‬ ‫املعرفية‪ ،‬وهى املعلمة لبعض أعظم العلامء الذين أنتجهم اإلسالم عىل‬ ‫اإلطالق من الذكور واإلناث‪.‬‬

‫وتقوم النساء حول العامل اليوم بحمالت من أجل املطالبة باملساواة‬ ‫يف التمثيل يف مختلف املجاالت العملية والعلمية‪ .‬وبالنسبة للمرأة‬ ‫املسلمة‪ ،‬لن يتحقق هذا إال إذا استطاعت النساء التداخل واالنخراط يف‬ ‫العلوم اإلسالمية وتوظيفها لنيل الحرية واملساواة‪ .‬فنحن النساء بحاجة‬ ‫ألن نعيد امتالك هويتنا اإلسالمية‪.‬‬ ‫وعندما متتلك النساء الثقة يف معارفهن حول عقيدتهن يصبحن‬ ‫قادرات عىل هدم سطوة البنية البطريركية التي اختطفت اإلسالم‬ ‫وامتلكته وطوعته ملصالحها‪ .‬وعندها فقط ميكن أن نأمل يف مجتمع‬ ‫يُتيح للجميع الفرص املتساوية‪ .‬إ َّن متكني املرأة املسلمة من تأكيد هويتها‬ ‫اإلسالمية يُع ِّز ُز من قدرتها عىل تحقيق ذاتها‪ ،‬وىف استلهام و إحياء إرث‬ ‫النساء العاملات يف التاريخ اإلسالمي‪.‬‬

‫إ ّن وجود النساء يف مناصب العلوم اإلسالمية ليس مفهوماً جديدا ً‪،‬‬ ‫إذ ميكننا ذكر العديد من األمثلة هنا‪ ،‬مثل عمرة بنت عبد الرحمن‬ ‫(األنصارية)‪ 2‬التي ا ُ ْعتُ ِ َبتْ من أعظم علامء عرصها‪ ،‬لدرجة أ َّن الخليفة‬ ‫يف تلك الفرتة ‪-‬عمر بن عبد العزيز‪ - 3‬نفسه كان ينصح الناس رجاالً‬ ‫ونساء بأنهم إذا أرادوا تعلُّم السرية النبوية فيجب عليهم الذهاب إىل‬ ‫الـ(عمرة)‪ .‬وال ميكن مناقشة العلوم الدراسية يف اإلسالم دون ذكر فاطمة‬ ‫ِ‬ ‫ُشتْ هذه املقالة يف األصل عىل اإلنرتنت يف ‪ 23‬فرباير ‪ 2018‬من‬ ‫بنت محمد الفهرية التي َّأس َس ْت ما يُ ْع َر ُف اآلن بجامعة فاس التي ت ُ ْعتَ َ ُب‬ ‫*ن َ‬ ‫من أعرق الجامعات يف العامل خالل القرن التاسع يف فاس باملغرب‪ .‬وهذا قِبل هيئة اإلذاعة األُسرتالية‪.‬‬ ‫بعض ما حققته النساء أسوة بالرجال يف الحقب املبكرة للدولة اإلسالمية؛‬ ‫فقد كانوا يبنون املؤسسات التي تضمن املساواة يف الوصول إىل التعليم‬ ‫بقلم ‪ :‬فداء عبده‬ ‫حيث تأسست تلك املنشآت عىل مبادئ الحرية واملساواة‪.‬‬ ‫ي إشكالية في التاريخ اإلسالمي تجاه تعليم الرجال من قِ بل‬ ‫لم تُر َْصد ْ أ ّ‬ ‫النساء أو العكس‪ .‬إذ يسعى الباحث عن المعرفة إلى تحقيقها من‬ ‫أفضل المصادر التي يمكنه الوصول إليها‪.‬‬

‫فقد عملت النساء بالتدريس يف املساجد‪ ،‬واملؤسسات التعليمية‪،‬‬ ‫ومن بيوتهن لنرش املعرفة‪ .‬وال ميكن إغفال القيمة الفريدة التي تجلبها‬ ‫النساء للعلوم اإلسالمية‪.‬‬ ‫والبُ َّد للنساء من خوض مجاالت العلوم اإلسالمية والتمسك بقول‬ ‫الرسول‪" :‬طلب العلم فريضة عىل كل ُمسلم"‪ 4‬أي "السعي وراء املعرفة‬ ‫واجب"‪ .‬إذ ال يوجد متييز عىل أساس العرق أو الجندر أو العمر أو‬ ‫املكانة االجتامعية‪.‬‬

‫‪82‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬

‫من االنجليزية‪ :‬فيصل الباقر‬

‫‪ 1‬املعجم الوسيط – ص‬ ‫‪5937‬‬ ‫‪ 2‬عمرة بنت عبد الرحمن‪:‬‬ ‫هي تلميذة عائشة بنت‬ ‫أيب بكر‪ ،‬زوجة النبي‪ ،‬وهى‬ ‫عاملة وخبرية ىف شؤون الفقه‬ ‫والحديث النبوى ‪.‬‬ ‫‪ 3‬ولد عمر بن عبد العزيز‬ ‫يف عام ‪ 63‬هجرية " ‪/682‬‬ ‫‪ 683‬م "‪ ،‬وتويف ىف العرشين‬ ‫من رجب عام ‪ 101‬هجرية‪،‬‬ ‫(فرباير ‪720‬م) يف املدينة‬ ‫املنورة‪( ،‬اآلن اململكة العربية‬ ‫السعودية)‪ ،‬بالقرب من‬ ‫حلب‪ ،‬سوريا‪.‬‬ ‫‪ 4‬سنن ابن ماجه – ص‬ ‫‪( 224‬من كُتب األحاديث‬ ‫النبوية) ‪.‬‬


‫ملف العدد‪:‬‬

‫جنسانية المرأة‬ ‫في المجتمعات‬ ‫اإلسالمية‬

‫ما بين الهوس‬ ‫والتحريم‬

‫الرسم‪ :‬سارة مكي احمد‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪83‬‬


‫النساء ومعاناة الهجران‬

‫نقيبة باراكزاي‬

‫نقيبة باراكزاي‪ :‬نالت‬ ‫استحساناً واسعاً‬ ‫لتقريرها التحلييل‬ ‫عن اإلحباط الجنيس‬ ‫للنساء اللوايت يتزوج‬ ‫أزواجهن أكرث من‬ ‫وقضت‬ ‫امرأة‪.‬‬ ‫ْ‬ ‫باراكزاي أكرث من‬ ‫عرشة أشهر يف أداء‬ ‫عمل مثري عن السالم‪،‬‬ ‫حيث ظل َّْت تواجه‬ ‫سوء املعاملة وحتى‬ ‫التهديد بالقتل أثناء‬ ‫عملها‪.‬‬

‫تقول (زارمينا) التي تبلغ من العمر ‪ 36‬سنة‪ ،‬وتعيش يف مدينة‬ ‫(هرات) العاصمة اإلقليمية لغرب أفغانستان مع زوجها (جمعة جول)‬ ‫تزوجت من جمعة منذ ‪17‬‬ ‫الذي يعمل (سائقاً)‪ -‬وزوجته الثانية‪" :‬لقد‬‫ُ‬ ‫سنة‪ ،‬ولكن بعد مرور ست سنوات عىل زواجنا ت َ َز َّو َج زوجي من فتاة‬ ‫أخرى"‪ .‬ومنذ ذلك الوقت رفض زوجها مامرسة الجنس معها‪ .‬وتسرتسل‬ ‫زارمينا قائلة‪" :‬إنه ألمر ٍ‬ ‫قاس أن تشعري وكأنك أرملة عىل الرغم من أ َّن‬ ‫زوجك ال يزال عىل قيد الحياة"‪ .‬وتضيف‪" :‬أجد صعوبة بالغة يف التعبري‬ ‫عام يجيش حقيقة بداخيل"‪.‬‬ ‫تقول زارمينا إنها ظَل َّْت أكرث من عرش سنوات تشعر بأنها غري محبوبة‬ ‫رغبت يف عالقة حميمة مع‬ ‫ومرفوضة و ُم ْحبَطَة‪ .‬وتضيف قائلة‪" :‬كلام‬ ‫ُ‬ ‫وحاولت االقرتاب منه كان يقابل رغبتي بالرفض‪ ،‬فأذهب وأُقَ ِّب ُل‬ ‫زوجي‬ ‫ُ‬ ‫القرآن الكريم وأطلب الصرب والغفران من الله؛ ألنَّه من غري املمكن أن‬ ‫أغادر منزيل وأُشبع رغبايت مع رجل آخر"‪.‬‬ ‫ومام زاد الطني بلة‪ ،‬أ َّن رازمينا تعيش يف منزل صغري مع جمعة‬ ‫وزوجته الثانية‪ ،‬وغرفهم مقابلة لبعضها البعض مبارشة‪ .‬ووفقاً لذلك‬ ‫قالت زارمينا إنه من الواضح أ َّن زوجها وزوجته الثانية كانا يتمتعان‬ ‫ْ‬ ‫عانيت منه خالل‬ ‫بحياة جنسية نشطة‪" .‬فالجزء األسوأ من حيايت الذي‬ ‫ُ‬ ‫السنوات اإلحدى عرشة املاضية هو أن أستيقظ يف الصباح وأرى الزوجة‬ ‫الثانية لزوجي تستحم بعد مامرسة الجنس يف الليلة السابقة مع زوجي"‪.‬‬ ‫ووفقاً لتشريعات الفقه التقليدي اإلسالمي‪ ،‬يحق‬ ‫للرجل أن يتزوج أربع زوجات كحد أقصى‪ .‬إال أ َّ‬ ‫ن‬ ‫القرآن الكريم ن َّ‬ ‫َص صراحة على شرط العدل‪ ،‬ثم‬ ‫ن َّ‬ ‫َص على استحالة تطبيق العدالة عند الزواج بأكثر‬ ‫من واحدة‪.‬‬

‫الرسم‪ :‬هانا بيرزوايك ‪ -‬الواليات المتحدة‬

‫الرشيعة يسمح للزوجة طلب الطالق إذا كان زوجها غري قادر عىل تلبية‬ ‫احتياجاتها‪ .‬ويقول عبد الواحد عاصمي‪ ،‬مدير مصلحة الحج والشئون‬ ‫الدينية يف مدينة هرات‪" :‬إ َّن إشباع الرغبة الجنسية يُ ْعتَ َ ُب إحدى غايات‬ ‫الزواج يف اإلسالم‪ .‬وعندما يحرم الزوج زوجته من املامرسة الجنسية فإنه‬ ‫سيكون ُم َح َاس َباً بسبب هذا الفعل أمام الله"‪ .‬وكذلك يُضيف‪" :‬عندما‬ ‫تشتيك املرأة من أ َّن زوجها يرفض مامرسة الجنس معها‪ ،‬يحق للمحكمة‬ ‫أن تأمر بطالقهام"‪ .‬إال أ َّن الضغط االجتامعي والخوف من العار وعدم‬ ‫تعاطف النظام القضايئ بشكل عام يجعل قلة من النساء فقط يلجأن‬ ‫إىل القانون‪.‬‬

‫إال أ َّن مدارس الفقه التقليدية قد تجاهلت ذلك عمدا ً‪ .‬ويصدق‬ ‫النص املقدس مبا ال شك فيه يف استحالة العدل بني أكرث من زوجة‪ ،‬حيث‬ ‫أنَّه وعىل أرض الواقع دامئاً ما تُ ْرف َُض الزوجة األُوىل عندما يتزوج زوجها‬ ‫بامرأة أخري‪ .‬وعىل الرغم من أ َّن مناقشة األمور الحميمية بشكل رصيح‬ ‫ت ُ ْعتَ َ ُب من امل ُ َح َّر َمات يف مجتمع أفغانستان املحافظ‪ ،‬فقد ت َ َح َّدثَ معهد‬ ‫تقارير الحرب والسالم (‪ )IWPR‬إىل عدد من النساء يف مدينة هرات‬ ‫الغربية من الاليئ ذكرن أ َّن الزواج الثاين للزوج قد َد َّم َر حياتهن‪ .‬وفضالً‬ ‫عن سخطهن املرير ج َّراء سنوات من الحرمان من الحميمية وعطف‬ ‫وتقول (نفيسة) ذات األربعني ربيعاً‪ ،‬التي تعيش يف حي (ناوأباد)‬ ‫"تزوجت‬ ‫الرشيك‪ ،‬ذكرتْ بعض النساء بأنهن قد ُح ِر ْم َن كذلك من فُ َر ِص إنجاب مبدينة هرات ‪-‬وهي متزوجة من عبد القيوم ملدة ‪ 25‬سنة‪:-‬‬ ‫ُ‬ ‫أنجبت طفيل الثالث‬ ‫كنت أبلغ من العمر ‪ 15‬عاماً‪ .‬ولكن عندما‬ ‫ُ‬ ‫املزيد من األطفال‪ .‬ويتفق معظم علامء اإلسالم عىل أنه من املحظور عندما ُ‬ ‫عىل األزواج التوقف عن مامرسة الجنس أكرث من أربعة أشهر‪ ،‬وأ َّن قانون تز َّو َج زوجي مرة أخرى‪ .‬ومل ميارس الجنس معي طيلة السنوات التسع‬

‫‪84‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫ملف العدد‪ :‬جنسانية المرأة في المجتمعات اإلسالمية‬ ‫ما بين الهوس والتحريم‬

‫عرشة املاضية"‪ .‬وتضيف قائلة‪" :‬يف بعض الليايل عندما أرغب يف أن أكون بالحق يف حرمانهن من الجنس"‪ .‬فالعديد من النساء يف هرات لديهن‬ ‫قريبة من زوجي‪ ،‬أقوم بإعداد رسيره يف غرفتي‪ ،‬لكنه مييض ُج َّل وقتة فكرة خاطئة مفادها أنه ما دام أ َّن اإلسالم قد سمح للرجال بالزواج من‬ ‫مع الزوجة الثانية‪ .‬وعندما ات َِّص ُل به من غرفتي أتلقى اإلهانة والرفض"‪ .‬العديد من النساء‪ ،‬فإ َّن الرجال لديهم الحق أيضاً يف حرمان الزوجة األوىل‬ ‫والثانية من املعارشة بعد زواجهم للمرة الثالثة والرابعة"‪.‬‬ ‫وتقول نفيسة أيضاً إ َّن زوجها ييسء معاملتها‪ ،‬وأحياناً يرضبها‪ .‬وبعد‬ ‫وتقول (سمية) ذات الثالثني ربيعاً والتي تزوجت من داؤود عندما‬ ‫خمس سنوات عىل هذا املنوال‪ ،‬أرسلها زوجها للعيش يف منزل أخيها يف‬ ‫كانت تبلغ من العمر ‪ 12‬عاماً‪" :،‬يوجد َمث ٌَل مشهور ىف هرات يقول‪:‬‬ ‫منطقة (آسفي أباد) يف هرات‪ .‬وتابعت قائلة‪:‬‬ ‫(الزوجة الصغرية دامئاً لها اليد العليا)‪ ،‬لذا ال أريد أن ميارس زوجي‬ ‫"خالل هذه السنوات الـ‪ ،15‬لم َي ُزر ْ عبد القيوم منزل الجنس مع زوجته األوىل"‪.‬‬ ‫أخي لرؤيتي ولم يحاول أن يكون حميماً معي"‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫وأضافت بأ َّ‬ ‫ن زوجها قد رفض أيضاً دعمها مالياً‪.‬‬

‫قالت سمية‪ ،‬التي تعيش يف الحي السادس يف هرات ‪ ،‬إنها كانت‬ ‫تشعر بالغرية والكره الشديد للزوجة األُوىل لزوجها‪ ،‬مضيف ًة أنه كان من‬ ‫وتعمل نفيسة اآلن يف غسل املالبس والخياطة‪ ،‬وتؤدي دواماً للعمل الشائع يف مجتمعها أن يكون للرجال ثالث أو أربع زوجات‪" .‬لقد مرت‬ ‫يل‪ ،‬ولكنني ال أعتقد أنني‬ ‫يف مصنع معالجة الفستق لكسب ما يكفي إلطعام أطفالها وكسائهم‪ 18 .‬سنة منذ أن تزوجت من داؤود ومل يتزوج ع َّ‬ ‫أجابت نفيسة قائلة‪ :‬قد سمحت له ق ُّط مبعارشة (نور بيبي)‪ ،‬زوجته األوىل"‪.‬‬ ‫ولدى سؤالها عن سبب بقائها متزوجة إىل اآلن‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫"مل أطالب بطالق زوجي ألنني امرأة مسلمة‪ ،‬وطالق الزوجة عن زوجها‬ ‫يُ ْعتَ َ ُب ُم ْن َك َرا ً ووصمة عار"‪.‬‬ ‫ووفقاً لعبد الباري‪ ،‬رئيس التحقيقات الجنائية مبركز رشطة هرات‪،‬‬ ‫إ َّن املشكلة واسعة االنتشار‪ .‬وقال‪" :‬إ َّن الكثري من الرجال الذين لديهم‬ ‫وتذكر محبوبة جامشيدي‪ ،‬مديرة قسم شئون املرأة يف هرات‪ ،‬أ َّن عدة زوجات ينتهكون حقوقهن برفضهم ملعارشتهن"‪ .‬وأشار عبد الباري‬ ‫امتناع الرجال عن معارشة زوجاتهم تُ َث ُِّل إحدى الشكاوى الشائعة‪" .‬تأيت إىل أنَّه من املستحيل الحصول عىل فهم واضح للقضية حيث أ َّن قلة‬ ‫النساء إىل مكتبي ويسألنني كيف يتثني لنا إشباع رغباتنا عندما ميتنع من النساء فقط تقدمن بشكاوى رسمية للرشطة‪ .‬وأضاف قائالً‪" :‬هرات‬ ‫هي مقاطعة تهيمن عليها عادات وثقافات عميقة الجذور‪ ،‬لذا نادرا ً‬ ‫أزواجنا عن مامرسة الجنس معنا؟"‪.‬‬ ‫ما يأيت الناس إىل الرشطة يف مثل هذه الحاالت"‪ .‬وأضاف قائالً "وعندما‬ ‫وقد أ َّم َن ْت معاري ميهانديار‪ ،‬املدعي العام التي تتعامل مع قضايا يتم تقديم مثل هذه الشكاوى يتم متريرها إىل املرشدين االجتامعيني‬ ‫العنف ضد املرأة يف مكتب النائب العام يف هرات‪ ،‬عىل أ َّن رفض الرجال للتحكيم"‪ .‬واستطرد قائالً‪" :‬تحرتم الرشطة العادات القبلية املحلية‪ ،‬لذلك‬ ‫مامرسة الجنس مع زوجاتهم ُ َيث ُِّل مشكلة حقيقية‪ ،‬وذلك عىل الرغم ال نطلب من السلطات القضائية التدخل يف مثل هذه الحاالت"‪.‬‬ ‫وقالت" أل َّن مجتمعنا تهيمن‬ ‫من أ َّن املرأة تجد صعوبة يف الحديث عنه‪.‬‬ ‫ْ‬ ‫عليه التقاليد املحافظة‪ ،‬متتنع النساء من املجاهرة بأحاسيسهن وتأثري‬ ‫ومع ذلك‪ ،‬فقد ت َ َح َّدثَ معهد تقارير الحرب والسالم إىل امرأة قررتْ‬ ‫ات ِّخاذ إجراءات قانونية يف محاولة منها للضغط عىل زوجها ليقيم عالقة‬ ‫الحرمان عليهن"‪.‬‬ ‫حميمية معها‪ .‬ويف حديثها ملعهد تقارير الحرب والسالم ذكرت املراة‬ ‫مت بشكواها إىل مركز الرشطة‪ ،‬طلبت املرأة البالغة‬ ‫س ِّج ُل النساء‬ ‫بأنها بعد أن تق َّد ْ‬ ‫وتتابع معاري مايهانديار القول‪" :‬ت ُ َ‬ ‫من العمر ‪ 30‬عاماً‪ ،‬وهي من سكان منطقة (بكر أباد) يف هرات‪ ،‬عدم‬ ‫قضاياهن على أنها عنف‪ ،‬ولكن عندما نجري‬ ‫التحقيقات األولية نجد في بعض األحيان أ َّن السبب الكشف عن شخصيتها‪.‬‬ ‫الحقيقي هو أ َّ‬ ‫ن أزواجهن يرفضون ممارسة الجنس‬ ‫معهن"‪.‬‬

‫ويقول عبد القادر رحيمي‪ ،‬رئيس املكتب اإلقليمي للجنة األفغانية‬ ‫املستقلة لحقوق اإلنسان‪" :‬من املؤسف أ َّن الكثري من النساء غري واعيات‬ ‫بحقوقهن الرشعية والقانونية؛ ولذلك يعتقدن أ َّن أزواجهن يتمتعون‬

‫ُ‬ ‫تزوجت من زوجي‪ ،‬ضابط‬ ‫حيث قالت المرأة‪" :‬منذ عشر سنوات‪،‬‬ ‫الشرطة‪ ،‬ومنذ عامين تزو َ​َّج زوجي للمرة الثانية‪ ،‬ومنذ ذلك الوقت‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫طلبت‬ ‫كتبت أنَّه لمدة عامين‬ ‫لم يعاشرني‪ .‬وفي خطاب الشكوى‪،‬‬ ‫من زوجي حقي في المعاشرة‪ ،‬لكنه لم يرفض طلبي فحسب‪ ،‬بل‬ ‫ضربني ً‬ ‫أيضا"‪.‬‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪85‬‬


‫وقالت إنَّه عىل الرغم من أ َّن اإلسالم قد منحها خيار إنهاء زواجها‪ ،‬زوجي يلومني ويعايرين بأنني كبرية يف السن وقد أوضح أنه يل يريد‬ ‫إال أنها تخىش أن يؤدي ذلك فقط إىل جعل حياتها أسوأ‪ ،‬وذلك "بسبب أن يعيش مع زوجته البالغة من العمر ‪ 24‬عاماً"‪ .‬وقالت صيد بيبي‬ ‫والدي ال يريدانني أن أقوم بذلك؛ لذا ال أستطيع أن أُطلق إنها تشعر بالخجل الشديد من طلب الطالق‪ ،‬وتخىش من جلب العار‬ ‫حقيقة أ َّن‬ ‫َّ‬ ‫عىل نفسها وعائلتها‪ .‬وأضافت‪" :‬لن أسامح زوجي أبدا ً لعدم اضطالعه‬ ‫زوجي‪".‬‬ ‫مبسؤولياته كزوج يل لسنوات عديدة"‪.‬‬ ‫وبعد هذه املقابلة مبارشة‪ ،‬شاهد مراسل معهد تقارير الحرب‬ ‫والسالم زوج املرأة وهو يواجهها ويه ِّددُها بإطالق النار عليها إذا عادت‬ ‫إىل منزله‪ .‬وأيضاً صاح يف وجهها قائالً‪" :‬لقد أهنتني وأحرجتني أمام‬ ‫زماليئ بالشكوى بأنني حرمتك من الجنس"‪.‬‬ ‫بقلم‪ :‬نقيبة باراكزاي‬ ‫والحقيقة أ َّن أغلب النساء يعانني يف صمت‪ ،‬ويشعرن بعدم قدرتهن‬ ‫عىل تغيري أوضاعهن‪.‬‬

‫من االنجليزية‪ :‬فيصل الباقر‬

‫أ ُ ِع ْي َد نرش هذا املقال بإذن من معهد تقارير الحرب والسالم‪ ،‬والذي‬ ‫تزوجت (صيد بيبي) ‪-‬وهي من سكان (غوزار بارامان) يف هرات‪ -‬كان قد نرش املقال عىل صفحته مبوقعه اإللكرتوين يف ‪ 23‬يناير ‪.2017‬‬ ‫ْ‬ ‫زوجها أحمد عندما كانت يف الثامنة عرشة من عمرها‪ .‬وهي اآلن تبلغ‬ ‫من العمر ‪ 44‬سنة‪ ،‬وقالت إ َّن زوجها ال تستهويه امرأة يف سنها‪ .‬وتقول‬ ‫صيد بيبي‪" :‬ذهب أحمد إىل إيران قبل ‪ 14‬عاماً وتز َّوج للمرة الثانية من‬ ‫فتاة إيرانية‪ .‬وبعد هذا الزواج الثاين‪ ،‬اعتاد املجيء إىل هرات مدة ‪ 10‬أو‬ ‫‪ 12‬يوماً فقط خالل موسم الصيف‪ .‬وعندما مكث أحمد يف هرات‪ ،‬مارس‬ ‫الجنس معي مرة أو مرتني فقط"‪ .‬وتابعت صيد بيبي القول‪" :‬كل عام‬ ‫كنت أطلب منه الحضور إىل هرات مرة واحدة عىل األقل كل شهرين‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫لكن ذلك مل يحدث قطُّ"‪.‬‬ ‫ويف العام املايض‪ ،‬طل َ​َّق أحمد زوجته اإليرانية وعامل صيد بيبي بلطف‬ ‫خالل زيارته السنوية الصيفية‪ .‬وقالت صيد بيبي‪" :‬إال أنه وبعد أيام‬ ‫قليلة من وصوله إىل هرات‪ ،‬عقد زواجه الثالث من فتاة تبلغ من العمر‬ ‫‪ 24‬عاماً كانت إحدى جاراتنا"‪ ،‬مضيف ًة أ َّن حياتها قد ازدادت سوءا ً بسبب‬ ‫هذا االتحاد األخري‪ .‬حيث كان الثالثة يتقاسمون منزالً‪ ،‬وكانت غرفة صيد‬ ‫بيبي تقع يف مقابل غرفة زوجها وزوجته الثالثة‪ .‬وقالت إنها ميكنها أن‬ ‫تسمع كل حديثهم الرومانيس وأ َّن ذلك كان ُم ِهيْ َناً ومؤملاً لها بشكل غري‬ ‫محتمل‪.‬‬ ‫وقالت صيد بيبي‪" :‬منذ زواجه الثالث مل ينظر زوجي إ َّيل‪ ،‬بل وظ ََّل‬

‫‪86‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫ملف العدد‪ :‬جنسانية المرأة في المجتمعات اإلسالمية‬ ‫ما بين الهوس والتحريم‬

‫قراءة في انعكاسات العقل‬ ‫السلفي على التشريعات السودانية‬

‫اعتماد الحمل وسيلة إلثبات الزنا‬ ‫عثمان مبارك‬

‫ارتبط تجريم الجنس يف الترشيعات السودانية الحديثة ارتباطا وثيقاً‬ ‫الكاتب‪ :‬عثامن‬ ‫مبارك‪ ،‬محامٍ وباحث بالعقلية السلفية ومساومات اإلسالم السيايس يف الوصول إىل دفة الحكم‪.‬‬ ‫قانوين‪ :‬درس القانون وقد بدأتْ أوىل خطوات تجريم الجنس لغري املتزوجني بعد تعديل قانون‬ ‫يف جامعة الخرطوم‪ ،‬عقوبات السودان يف العام ‪1983‬م‪ ،‬ذلك التعديل الذى صار يُ ْع َر ُف‬ ‫وحصل عىل املاجستري الحقاً بقوانني سبتمرب‪ ،‬وهي حزمة من التعديالت والقوانني أصدرت‬ ‫خالل السنوات األخرية من حكم الرئيس السوداين األسبق جعفر منريي‪،‬‬ ‫من جامعة أسيكس‬ ‫الذى أعلن حينذاك ما أسامه بالرشيعة اإلسالمية‪ ،‬ون ََّص َب نفسه إماماً‬ ‫يف بريطانيا ‪.‬وهو‬ ‫عىل املسلمني‪ .‬وقد ساعد يف صياغة تلك القوانني وتنفيذها مجموعة من‬ ‫مهتم بقضايا املرأة‬ ‫وقضايا حرية األديان الفاعلني يف نظام النمريى الذى كان متحالفاً يف ذلك الحني مع تنظيامت‪:‬‬ ‫األخوان املسلمني‪/‬الجبهة اإلسالمية وأحزاب األمه والحزب االتحادي‬ ‫ومنظور التقاليد‬ ‫الدميقراطي منذ العام ‪ 1 1977‬تحت مظلة اتفاقية املصالحة الوطنية‪.‬‬ ‫اإلسالمية‪ .‬قاد فريق‬ ‫وقد ُع ِّ َي يف أعقاب توقيع تلك االتفاقية الدكتور حسن الرتايب ‪-‬زعيم‬ ‫الدفاع يف عدد من‬ ‫جبهة امليثاق سابقاً‪ ،‬ورئيس الجبهة اإلسالمية القومية ال حقاً‪ -‬مستشارا ً‬ ‫قضايا الراي العام‬ ‫لديوان النائب العام‪.‬‬ ‫من ضمنها قضية‬ ‫مريم يحيى وقضية‬ ‫تول الجبهة اإلسالمية لسدة الحكم يف السودان يف العام‬ ‫ويف أعقاب ِّ‬ ‫القساوسة وقضيه‬ ‫‪ ،1989‬أصدر النظام السوداين القانون الجنايئ لسنة ‪1991‬م‪ ،‬الذي هو‬ ‫هدم الكنائس يف‬ ‫يف جوهره نسخة من قوانني سبتمرب ‪1983‬م‪ ،‬حيث ت َّم تقنينه بإضافة‬ ‫الخرطوم‪.‬‬ ‫آليات تنفيذية مثل ترشيعات النظام العام الوالئية التي مبوجبها ت َّم‬ ‫إصدار حزمة من القوانني املبهمة تنفذها دوائر رشطة النظام العام‬ ‫‪ 1‬اتفاقية املصالحة الوطنية وت ُ َركِّ ُز عىل تجريم السلوك الشخيص للمواطنني عرب مواد مثل الرشوع‬ ‫وقعت يف ‪1977/7/7‬م‬ ‫يف الزنا‪ ،‬ورقص النساء أمام الرجال‪ ،‬وغريها من املواد القانونية التي تُ َج ِّر ُم‬ ‫مبدينة بورتسودان بني‬ ‫وتنتهك خصوصية األفراد واألرس وعالقات النساء والرجال ‪.‬‬ ‫نظام منريي‪ ،‬االخوان‬

‫املسلمني والحزب االتحادي‬ ‫الدميقراطي التي نصت عىل‬ ‫رضورة إحداث إصالحات‬ ‫سياسية بالبالد‪،‬‬ ‫‪ ٢‬ذا رمى الرجل امرأته‬ ‫بالزنا ومل تعرتف بذلك ومل‬ ‫يرجع عن رميه فقد رشع‬ ‫لهام اللعان ويجب اللعان‬ ‫يف حالتني‪:‬‬ ‫أ‪ -‬الحالة األوىل‪ :‬إذا رمى‬ ‫امرأته بالزنا كأن يقول لها‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫زنيت أو رأيتك تزنني وليس‬ ‫عنده أربعة شهود يشهدون‬ ‫مبا رماها به‪ ،‬وإذا قال لها‪ :‬يا‬ ‫زانية‪ ،‬فالجمهور أنه يالعن‬ ‫خالفًا ملالك‪.‬‬ ‫ب‪ -‬الحالة الثانية‪ :‬أن ينفي‬ ‫حملها منه فيقول‪ :‬هذا‬ ‫الحمل ليس مني أو ينفي‬ ‫ولدًا له منها‪.‬‬

‫فيها فرص النساء يف الدفاع عن أنفسهن‪ .‬كام‬ ‫نُالحظ أ َّن وسيلتني من الوسائل األربع تخصان‬ ‫املرأة دون الرجل‪ ،‬وهام‪ :‬الحمل‪ ،‬ونكول الزوجة‬ ‫عن ميني اللعان إذا العنها زوجها‪.‬‬ ‫فبالنسبة للحمل فهو الوسيلة األيرس‬ ‫لشد الوثاق عىل املرأة‪ ،‬وأ َّما اللعان فهو سلطة مطلقة للرجل وسالح‬ ‫ُشع‬ ‫يشهره وقتام يشاء سوا ًء بادِّعاء الزنا أو نفي النسب‪ .‬وبتبني امل َ ِّ‬ ‫السوداين للحمل واللعان وسيلتني إلثبات الزنا تتجىل بوضوح التوجهات‬ ‫األيديولوجية التي كان مسعاها يف األساس وضع املرأة تحت وصاية‬ ‫أي من القرارات التي تخصها أو تخص‬ ‫الرجل‪ ،‬حيث يُ َح َّر ُم عليها اتخاذ ٍّ‬ ‫أرستها مبا يف ذلك الخروج من البيت بغري إذن وليها إن مل تكن متزوجة‪،‬‬ ‫أو إذن زوجها إن كانت متزوجة‪ .‬ويظل هذا اإلذن ‪-‬بعد الحصول عليه‪-‬‬ ‫مرشوطاً مبصاحبة املحرم يف حالة خروج النساء إىل األماكن العامة‪.‬‬ ‫ُشع فأ َّن حزمة‬ ‫إال أنه ورغم تضييق الخناق عىل النساء من قبل امل َ ِّ‬ ‫الترشيعات السودانية قد باءت بالفشل عىل مستوى املامرسة‪ ،‬حيث‬ ‫مل تفلح تلك الترشيعات يف الحد من حركة النساء أو من وجودهن‬ ‫يف الحياة العامة؛ فاملرأة يف السودان تعمل يف الحقل والسوق وتشغل‬ ‫الوظائف الرسمية مبختلف درجاتها‪ ،‬ولها الحق يف السفر خارج البالد‬ ‫وداخلها دون ُمحرم‪.‬‬

‫ويعود الفشل الذى صاحب الترشيعات السودانية ألسباب عديدة‬ ‫وموضوعية‪ :‬أولها أ َّن تلك الترشيعات ال عالقة لها بالواقع املعاش‬ ‫ومن يطالع الترشيعات السودانية الحالية املتعلقة بتجريم الجنسانية وتطورات الحياة أو متطلباتها؛ فاملرأة يف السودان سبق أن خطت‬ ‫يالمس بوضوح ال لبس فيه تجليات العقلية السلفية املنغلقة؛ وذلك خطوات متقدمة يف مجال الحقوق‪ ،‬بحيث أصبح من العسري وضعها يف‬ ‫ُشع إلثبات جرمية الزنا‪ ،‬التي تهدف بشكل قالب مامثل لثقافة مجتمعات عاشت يف حقب تاريخية بائدة‪.‬‬ ‫يف القواعد التي وضعها امل َ ِّ‬ ‫مبارش إىل تجريم املرأة دون الرجل ‪ .‬فقد ن ََّصت املادة (‪ )62‬من قانون‬ ‫اإلثبات لسنة ‪1994‬م عىل أربع وسائل إلثبات جرمية الزنا‪ ،‬وهي‪:‬‬ ‫ُشع السوداين‬ ‫ومن هذه الزاوية‪ ،‬يتبني الخطل واالزورار يف اعتامد امل َِّ‬ ‫للحمل وسيلة من وسائل إثبات جرمية الزنا‪ .‬وميكن تصور هذا اإلشكال‬ ‫‪ /1‬اإلقرار‪،‬‬ ‫يف حالة أن تسافر امرأة إىل إحدى الدول التي ال تعتمد الوالية عىل املرأة‬ ‫‪ /2‬شهادة أربعة رجال عدول‪،‬‬ ‫رشطاً لصحة الزواج مثل تونس ومرص وغريها‪ ،‬أو الدول التي ال تجعل‬ ‫‪ /3‬الحمل لغري املتزوجة إذا خال من شبهة‪،‬‬ ‫من الدين سبباً لسلب إرادة املرأة يف اختيار زوجها‪.‬‬ ‫‪ /4‬نكول الزوجة عن ميني اللعان بعد حلف زوجها ميني اللعان ‪.٢‬‬ ‫وأوضح مثال لهذه الواقعة‪ :‬سابقة حكومة السودان ‪//‬ضد‪ //‬مريم‬ ‫ونالحظ بشكل واضح أ َّن وسائل اإلثبات األربع هي وسائل تكاد تنعدم يحيى إبراهيم ودانيال واين بسينسو‪ ،‬حيث قُ ِّد َمت السيدة مريم‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪87‬‬


‫للمحاكمة التهامها مبخالفة املادة ‪ 125‬من القانون الجنايئ لسنة ‪1991‬م‬ ‫(ال ِّردَّة) واملادة ‪( 146‬الزنا)‪ .‬هذا وقد أدانتها محكمة املوضوع بارتكاب‬ ‫جرمية الزنا ألنها حبىل من زواج ال يَ ْعتَ ُّد به القانون‪ ،‬طبقاً ألحكام البند‬ ‫(‪ )3‬من املادة ‪ 145‬الذي يُ ْق َرأ عىل النحو التايل‪( :‬ال يُ ْعتَ َ ُب النكاح املجمع‬ ‫عىل بطالنه رباطاً رشعياً)‪ .‬وقد ألغي هذا الحكم يف مراحل أعىل ألسباب‬ ‫مختلفة‪ ،‬ولكنه يبقى مثاالً عىل أ َّن الحمل َس َب ٌب يف إدانة املرأة بارتكاب‬ ‫جرمية الزنا وإن كانت قد تزوجت زواجاً صحيحاً‪.‬‬

‫ُشع السوداين عندما تناول مسألة تجريم‬ ‫ونخلص مام ت َ َق َّد َم أ َّن امل َ ِّ‬ ‫الجنسانية يف الترشيعات السودانية مل يضع يف االعتبار تعقيدات الواقع‬ ‫السوداين التي تفرض سيناريوهات مل تخطر عىل بال الفقهاء التقليديني‬ ‫الذين عاشوا يف سياقات ثقافية وتاريخية مغايرة ونائية عن الوضع‬ ‫الحايل يف السودان‪ .‬وقد ات َّضح للعديد من الفاعلني داخل النظام القانوين‬ ‫السوادين الحايل عمق تلك اإلشكالية‪ .‬كام ذكر القايض عبد الرحمن رشيف‪،‬‬ ‫قايض املحكمة العليا سابقاً ورئيس املحكمة الدستورية حالياً‪ ،‬للقامئني‬ ‫عىل أمر الترشيع بالعدول عن قاعدة إثبات الزنا بالنكول عن ميني اللعان‬ ‫والحمل‪ ،‬وذلك عند نظره يف قضية حكومة السودان ‪/‬ضد‪ /‬خ ف ‪/‬‬ ‫إعدام‪2006/60/‬م ‪ ،‬وأشار إىل ما ملسه من مشاكل عملية يف تطبيق‬ ‫القانون‪.‬‬

‫وتظهر مشكلة اعتامد الحمل وسيلة إلثبات الزنا‪ ،‬من زاوية أخرى‪،‬‬ ‫ففي الحاالت التي تهاجر فيها املرأة إىل املدن بسبب الكوارث الطبيعية‬ ‫والحروب واملجاعات‪ ،‬وكذلك الظروف االقتصادية التي تجرب األزواج عىل‬ ‫الهجرة إىل املجهول بحثاً عن الرزق‪ ،‬ويرتكون خلفهم زوجات حوامل‬ ‫فمسألة تجريم الجنسانية كام ُو ِجدَتْ يف الترشيعات السودانية‬ ‫وأطفاالً‪ .‬وينطبق الحال ذاته عىل النساء املهاجرات والالجئات إىل‬ ‫تعتمد عىل الفقه اإلسالمي التقليدي يف حقبة التدوين ما بني القرن‬ ‫السودان من دول مجاورة بسبب الظروف ذاتها‪.‬‬ ‫الثامن والقرن الثاين عرش‪ ،‬وذلك دون مراعا ٍة للتباين الكبري بني الظرف‬ ‫و قد ظهرت هذه اإلشكالية جليَّاً يف قضية الفتاة اإلثيوبية التي ت َ َع َّرضَ ْت املوضوعي التاريخي واالجتامعي واالقتصادي والثقايف الذي ا ُن ِت َج فيه ذلك‬ ‫ُشتْ هذه الواقعة عىل وسائل الفقه والظرف املوضوعي للمجتمع السوداين وقت إصدار تلك القوانني‪.‬‬ ‫الغتصاب جامعي يف العام ‪2014‬م‪ ،‬ون ِ َ‬ ‫التواصل االجتامعي (واتساب وفيسبوك)‪ ،‬حيث ات ّضح أثناء املحاكمة حيث أدَّى هذا التكريس الدوغاميئ إىل اختالل كبري يف الترشيعات‬ ‫َت‬ ‫أنها حامل قبل واقعة االغتصاب الجامعي بعدة أشهر‪ .‬األمر الذي حدا السودانية مام أدَّى إىل اغرتابها عن املجتمع وقضاياه وبالتايل أُضْ ِعف ْ‬ ‫بالنيابة أن تفتح دعوى جنائية منفصلة يف مواجهتها ألنها حامل من غري بل وتالشت فعالية القوانني السودانية يف تكريس العدالة‪.‬‬ ‫زواج‪ ،‬وذلك عىل الرغم من أنها دافعت بأنها متزوجة يف إثيوبيا وجاءت‬ ‫كام أ َّن تلك الترشيعات قد وضعت النساء واملجتمع السوداين يف وضع‬ ‫إىل السودان بسبب الظروف االقتصادية املرتدية‪ ،‬وعىل الرغم من أ َّن‬ ‫قانون اإلجراءات الجنائية لسنة ‪1991‬م قد نص عىل أ َّن إجراءات سري متناقض ومتنافر مع بنية الدولة الحديثة والتزاماتها الدولية والتطور‬ ‫املحاكمة يجب أن تبدأ بقضية االتهام ثم الدفاع (املادة ‪ ،)136‬وعىل املطَّرِد للنساء وأدوارهن يف املجتمع‪ ،‬حيث ال تزال النساء ُم َوا َج َهات‬ ‫ُشع‬ ‫الرغم من أ َّن املادة ‪ )2( 141‬من القانون نفسه تنص عىل وجوب شطب بترشيعات تدعو ألحكام الجلد والرجم‪ ،‬كل ذلك بسبب اعتامد امل َ ِّ‬ ‫الدعوى الجنائية إذا مل يُ َق ِّدم االتهام بينة كافية يف مواجهة املتهم‪ ،‬إال أ َّن ملعايري ُم ْختَلَّة مثل الحمل إلثبات جرمية الزنا‪.‬‬ ‫نص املادة (‪ )62‬من قانون اإلثبات لسنة ‪1994‬م يقلب املشهد بحيث ال‬ ‫يحتاج االتهام إال إلثبات واقعة الحمل‪ ،‬ليقع بعدها العبء األثقل عىل‬ ‫املتهمة لتثبت واقعة زواجها من زوجها الذي قد ال تعلم له مكاناً‪ ،‬هذا‬ ‫مع العلم بأ َّن الزواج يف أرياف السودان وغريه من الدول األفريقية يف‬ ‫بقلم‪ :‬عثمان مبارك‬ ‫الغالب األعم ال يتم بوثائق رسمية صادرة من الدولة‪.‬‬ ‫يقتيض مبدأ التطور أن يكون الترشيع الالحق أفضل من السابق‪،‬‬ ‫غري أ َّن قانون اإلثبات الذي صدر بعد ثالث سنوات من صدور قانون‬ ‫اإلجراءات الجنائية ت َ َح َّر َك خطوة إىل الوراء عندما اعتمد مذهب اإلمام‬ ‫مالك يف اعتبار الحمل بينة عىل الزنا‪ ،‬ليلقي بعبء اإلثبات يف قضية الزنا‬ ‫عىل املرأة ‪.‬‬ ‫وعىل الرغم من أ َّن التقاليد اإلسالمية ‪-‬وىف مراحل تاريخية متعددة‪-‬‬ ‫قد أتاحت منافذ عديدة لتجنب تجريم النساء خشية الوقوع يف فخاخ‬ ‫ص عيل‬ ‫املظامل ولتعقيد قضايا الجنسانية‪ ،‬حيث نجد مثالً أ َّن ابن حزم يُ ِ ُّ‬ ‫وجوب التفريق بني ما إذا كان الزوجان غريبني أو معروفني‪ ،‬فإن كانا‬ ‫غريبني أو ال يُ ْع َرفَان فال يشء عليهام‪ ،‬وال يُ ْع َر ُض لهام ولو قامت البينة‬ ‫عىل الوطء‪ ،‬وال يُ َكلَّفَان إقامة البينة عىل النكاح‪ .‬ولكن اإلمام مالك‬ ‫ُشع السوداين قد‬ ‫يوجب عليهام أن يثبتا الزوجية‪ .‬ومن الواضح أ َّن امل َ ِّ‬ ‫تواطأ يف اختيار أكرث النصوص تَشَ ُّد َدا ً ومفارقة لتعقيدات الواقع‪.‬‬

‫‪88‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫رسالة مفتوحة‬

‫السباحة ضد التيار‬

‫رسالة مفتوحة حول تجربتي مع التحر ُّش‬ ‫الجنسي في السودان‬

‫إلى كل األسر في السودان‬ ‫وكل بقاع العالم‪:‬‬ ‫أكتب إليكم هنا ألرشككم يف قصتي ومعانايت كشابة من السودان وجدت نفسها يف مواجهة تعقيدات إشكالية التح ُّرش الجنيس‪،‬‬ ‫التي وضح يل عرب تجربتي الشائكة أنها إشكالية يف غاية التعقيد‪ ،‬وهي جزء من متثُّالت العنف السائد واملقبول ضد النساء والبنات‬ ‫يف السودان‪.‬‬ ‫أدرس القانون يف جامعة الخرطوم يف سنتي الثالثة‪ .‬وقد بدأت معانايت ومتاعبي يف هذا البلد‬ ‫اسمي بدور‪ ،‬وعمري ‪ 21‬عاماً‪ُ ،‬‬ ‫زلت يف طور الطفولة وعىل أعتاب املرحلة الثانوية عندما بدأت أستمع إىل حيك صديقايت و ُه َّن يرسدن ما يتعرضن له من‬ ‫وأنا ما ُ‬ ‫املضايقات والتح ُّرش اللفظي‪ ،‬ويف بعض األحيان محاوالت التع ِّدي الجسدي من الرجال يف األماكن العامة‪ .‬وعادة ما يحدث ذلك‬ ‫يف الطريق إىل املدرسة أو يف املوصالت العامة‪.‬‬ ‫كنت ورفيقايت دامئاً محاطني بخطر التح ُّرش‬ ‫فام حدث يل ليس أمرا ً فريدا ً أو مختلفاً‪ ،‬فهو شأن كل بنت تعيش يف السودان‪ .‬فقد ُ‬ ‫الجنيس املبني عىل أساس النوع‪.‬‬ ‫ورغم أ َّن النساء يف بلدي قد استطعن أن يحرزن بعض التق ُّدم‪ ،‬ومت َّك َّن من نيل العديد من الحقوق اإلنسانية‪ ،‬وأصبحن‬ ‫منخرطات بشكل متسا ٍو يف العمل والتعليم‪ ،‬إلَّ أ َّن ذلك مل يقلل من حجم االنتهاكات التي يتعرضن لها‪ ،‬بل يبدو أنه كلام ازداد‬ ‫عدد النساء يف الحياة العامة صار التح َّرش أعنف‪ ،‬واملتحرشني أكرث جرأة ‪ .‬كام أ َّن القوانني واألعراف يف بلدي ظلت متواطئة مع‬ ‫سلوكيات وتقاليد قهر النساء‪ ،‬وتصوير التح ُّرش بهن وكأنه أمر عادي‪ .‬وأكرث من ذلك يُنظَ ُر إىل جرائم التح ُّرش التي يرتكبها الرجال‬ ‫باعتبارها مسؤولية النساء والبنات وليس جرماً ارتُ ِك َب بحقهن‪.‬‬ ‫تعرفت عىل املواثيق الدولية الخاصة بالحقوق املدنية والسياسية واالجتامعية‪ ،‬وامليثاق‬ ‫عند دخويل كلية القانون يف العام ‪2014‬‬ ‫ُ‬ ‫األفريقي‪ ،‬ومواثيق حقوق النساء واألطفال‪ .‬وحينذاك رصتُ متفائلة وواثقة من نفيس‪ ،‬وتص َّورتُ بسذاجتي ‪-‬حينذاك‪ -‬أنني آمنة‬ ‫من مخاطر ومضايقات التح ُّرش يف ِظ ِّل مؤسسة أكادميية تحرتم وتُ َعلِّم القيم العليا‪ ،‬عىل األقل وأنا داخل أسوار الجامعة‪ .‬وهنا‬ ‫اكتشفت أ َّن الجامعة ما هي إال امتداد للشارع وأ َّن التح ُّرش الذي يحدث عىل املأل يف‬ ‫كانت املفاجأة التي مل أكن أتوقعها إذ‬ ‫ُ‬ ‫الشوارع ضد البنات والنساء يحدث يف الخفاء داخل أسوار الجامعة‪.‬‬ ‫القراء والقارئات األعزاء‪:‬‬ ‫أكتب إليكم هذه الرسالة ألخربكم عن املوقف الغريب الذى حدث يل مع أحد أساتذيت يف كلية القانون يف جامعة الخرطوم‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫فت ُض عىل مرتاديها‬ ‫والغريب يف القصة ‪-‬من وجهة نظري‪ -‬أنها حدثت داخل حرم الجامعة وىف مباين كلية القانون‪ ،‬الكلية التي يُ َ​َ‬ ‫عرفت الحقاً أنه يف ذات الرصح يتم االعتداء عىل‬ ‫من أساتذة وطالب حامية حقوق األفراد يف املجتمع‪ .‬ولكن مع األسف فقد‬ ‫ُ‬ ‫حقوق الكثريات من الطالبات حيث يتعرضن للتح ُّرش واالنتهاكات‪.‬‬ ‫كان األستاذ املذكور يُ َد ِّر ُس َنا مادة (مدخل القانون) يف السنة األوىل‪ ،‬وكان لديه منط سلويك غريب‪ ،‬فمنذ لحظة دخوله إىل قاعة‬ ‫املحارضات حتى يبدأ بطرد الطالبات (وليس الطالب) من القاعة بحجج سخيفة وغري موضوعية‪ ،‬وبنهاية املحارضة يكون األستاذ‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪89‬‬


‫قد طرد خمساً أو ستاً من الطالبات‪ ،‬وقبل مغادرته القاعة يعلن بالصوت العايل‪" :‬بلِّغوا أولئك الطالبات الاليت طُرِد َن أن يحرضن إ َّيل يف‬ ‫مكتبي‪ ،‬ويف حالة عدم حضورهن الرجاء إبالغهن عدم حضور املحارضة القادمة"‪.‬‬ ‫كنت أجلس‬ ‫وقد ظ ََّل هذا السلوك مالزماً لألستاذ املذكور يف كل محارضاته‪ .‬ويف أحد األيام ‪-‬وىف أثناء إحدى محارضاته‪ -‬أذكر أنني ُ‬ ‫منفردة يف نهاية القاعة وفجأة ودون سبب أشار إ َّيل قائالً‪" :‬اسكتي أيتها الجالسة يف الخلف"‪ ،‬فرددتُ عليه قائلة‪" :‬أنا ما قاعدة أتكلم يا‬ ‫فخرجت من املحارضة‪ .‬وبعد نهاية املحارضة قابلني زماليئ وأخربوين أ َّن األستاذ طلب أن أقابله يف مكتبه‪،‬‬ ‫أستاذ"‪ ،‬فقال يل‪" :‬اطلعي بره"‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫دخلت وكان هو بصدد الدخول خلفي مبارشة فقال يل‪" :‬أنت‪ ،‬اطلعي بره‬ ‫ذهبت مل أجده‪ .‬وعندما حان موعد املحارضة القادمة‬ ‫وعندما‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫وما تحرضي معي املحارضة ألنك مل ِ‬ ‫تأت إىل مقابلتي يف املكتب؛ لذا لن تحرضي معي أي محارضة"‪ .‬عندها ق َّررتُ من صميم قلبي أنني‬ ‫لن أذهب إليه يف املكتب أبدا ً‪ ،‬خاصة بعد أن أخربتني إحدى زمياليت قائلة‪" :‬إ َّن هذا الدكتور سيئ األخالق ويتع َّدى عىل البنات خاصة‬ ‫يف مكتبه"‪.‬‬ ‫أي طالب مل يحرض ثالث محارضات للامدة التي يُ َد ِّر ُسها سيُح َر ُم من‬ ‫وقبل امتحانات نهاية العام أصدر األستاذ إعالناً مكتوباً ي َن ُّص عىل أ َّن َّ‬ ‫وركضت خلفة ألعرتض‬ ‫لدي خيار سوى مقابلته‪ .‬انتظرت أمام الباب بعد إحدى محارضته حتي خرج‬ ‫ُ‬ ‫االمتحان"‪ ،‬ويف تلك اللحظة مل يكن َّ‬ ‫عىل حرماين من االمتحان وأ َذكِّ ُره أنه هو الذى منعني من حضور محارضاته‪ .‬التفت األستاذ إ َّيل ودون أي تحذير‪ ،‬وضع يده عىل كتفي‬ ‫دخلت‬ ‫ورشحت له موقفي‪ ،‬نظر إ َّيل األستاذ ومل يتح َّدث‪ ،‬ولكنني‬ ‫فقمت برسعة بإنزال يده من كتفي وقلت له‪" :‬أنت أستاذ وأنا طالبتك"‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫املحارضة التالية ومل مينعني‪.‬‬ ‫ويف السنة األوىل عند موعد تسليم األوراق البحثية املطلوبة يف املق َّرر الذي يُ َد ِّر ُسه رفض استالم ورقتي دون أن ينظر إليها‪ ،‬وقال يل‪" :‬إ َّن‬ ‫لت يف ورقتي وأعدتُ تسليمها له‪ ،‬نظر إليها وقلَّبها بني يديه‪ ،‬وقال يل‪" :‬أنا لن أستلم هذه الورقة منك"‪ .‬ويف‬ ‫عملك ناقص"‪ ،‬وكنت كلام ع َّد ُ‬ ‫ذهبت للمسجل الستكامل إجراءات الدفع ودخول االمتحان‪ .‬عندها أخربين امل َُس ِّجل أ َّن األستاذ املذكور ق َّر َر أنني لن‬ ‫يوم االمتحان النهايئ‬ ‫ُ‬ ‫أدخل االمتحان‪ .‬حينذاك أصابني التوتر والفزع‪ ،‬واتصلت عىل والدي ليحرض ملساعديت والحديث مع امل َُس ِّجل حول هذا األمر غري العادي‪.‬‬ ‫وبعد مرور ‪ 30‬دقيقة عىل بدء االمتحان وقبل حضور والدي سمحوا يل بدخول االمتحان بعد أن مىض نصف الزمن‪ .‬وعندما‬ ‫خرجت وجدتُ‬ ‫ُ‬ ‫فرويت له ما حدث‪ .‬تح َّدثَ والدي مع امل َُس ِّجل وطلب منهم توضيح موقفهم حول منعي من دخول االمتحان‪ .‬عندها‬ ‫والدي قد حرض‬ ‫ُ‬ ‫سمحوا يل بالجلوس لالمتحان مرة أخرى (امتحان بديل)‪.‬‬ ‫قبل ظهور النتيجة النهائية وجدتُ اسمي ومعي إحدى عرشة طالبة وطالب واحد من زماليئ ُم َعلَّ َقاً يف لوحة الكلية لحضور امتحان‬ ‫شفهي (هذا األمر مل يحدث يف الكلية من قبل وغري موجود بل هو بدعة ابتدعها هذا األستاذ)‪ ،‬وذلك تحت دعاوى أ َّن االمتحان الشفهي‬ ‫يعطينا فرصة لتحسني النتيجة النهائية‪ .‬وفعالً عقد األستاذ امتحاناً شفهياً‪ ،‬حيث َذكَ َرت بعض الطالبات أ َّن األستاذ تح َّر َش بهن لكنهن فضَّ لن‬ ‫الصمت خوفاً من أن يرسنب‪ ،‬وكان عدد الطالبات الاليئ امتح َّن قرابة العرشين طالبة‪.‬‬ ‫وتك َّر َر موضع عقد االمتحان الشفهي بالنسبة إ َّيل مع األستاذ نفسه يف السنة الثانية حيث كان يُ َد ِّر ُس َنا اإلجراءات الجنائية‪ .‬فعندما حان‬ ‫ُفتض أن يكون يف الساعة الثانية ظهرا ً حيث ذهبنا جميعنا أمام مكتب األستاذ ولكنه‬ ‫موعد االمتحان يوم ‪ 28‬يناير ‪ 2018‬الذي كان من امل َ َ‬ ‫وكنت أنا أول من قابله‪ .‬وعند دخويل من باب املكتب أمرين األستاذ أن أترك حقيبتي‬ ‫قام بتأجيل االمتحان إىل الساعة الرابعة تقريباً ُ‬ ‫دخلت طلب مني أن أغلق الباب‪ ،‬وبدأ يف طرح األسئلة وأنا جالسة يف مواجهته‪ .‬وقد جرى االمتحان‬ ‫وهاتفي يف الخارج ففعلت‪ .‬وعندما‬ ‫ُ‬ ‫وأجبت عن جميع األسئلة‪ .‬وعندما أتت جزئية تحليل القضايا طلب مني أن أحرض إىل الجهة األخرى‬ ‫حتى ذلك الوقت بصورة طبيعية‬ ‫ُ‬ ‫فوقفت كام طلب مني يف املكان الذى ح َّددَه يل‪ ،‬وبعد أقل من دقيقه بدأ‬ ‫من املكتب‪ ،‬وأن أقف يف مواجهته وهو يقوم بطرح االسئلة‬ ‫ُ‬ ‫كنت أقوم بدفع يده بعيدا ً وأحاول الرتكيز‪ .‬وأخريا ً فاض يب الكيل فحذَّرته بصوت عا ٍل أُ َذكِّ ُره‬ ‫مبضايقتي ووضع يده عىل جسدي ويف كل مرة ُ‬ ‫رصيف األول لن يتجرأ يف‬ ‫ت‬ ‫بعد‬ ‫َّه‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫ظننت‬ ‫وقد‬ ‫االمتحان‪.‬‬ ‫وواصل‬ ‫مساعديت‬ ‫يحاول‬ ‫إنه‬ ‫ال‬ ‫ً‬ ‫قائ‬ ‫بأنَّه أستاذ وأنني طالبته‪ .‬فقابل تحذيري بالتوبيخ‬ ‫ُ‬ ‫ُّ‬ ‫ِ‬ ‫هب واقفاً فجأة وذهب بات ِّجاه مكتبته وكأنَّه يبحث عن مرجع‬ ‫حتى‬ ‫دقائق‬ ‫عدة‬ ‫متض‬ ‫مل‬ ‫االستمرار يف محاوالته للتح ُّرش مرة أخرى‪ ،‬إال أنَّه‬ ‫َّ‬ ‫مت ألفسح‬ ‫أو كتاب (حسب تص ُّورِي)‪ ،‬وعندما عاد ليجلس يف مكانه فجأة ألصق جسده يب‪ ،‬ويف البداية حقيقة‬ ‫ارتبكت وبكل عفوية تق َّد ُ‬ ‫ُ‬ ‫ظننت أ َّن املساحة ضيقه وأنه مل يستطع الدخول‪ ،‬إال أنه حاول مرة أخرى االلتصاق يب‪.‬‬ ‫له الطريق ألننى‬ ‫ُ‬ ‫األعزاء القارئات والقراء‪:‬‬ ‫يف تلك اللحظة مل أمتالك نفيس وأصابني االشمئزاز فقمت بدفعه بقوة حتى كاد أن يسقط عىل األرض‪ .‬والغريب يف‬ ‫األمر أنه مل يُ ِ‬ ‫بد أي انفعال لدفعتي القوية‪ ،‬بل وبربود شديد ع َّد َل من هندامه وجلس عىل كرسيه وطلب مني أن أواصل يف‬ ‫االمتحان‪ ،‬أال أنني‬ ‫رفضت وأخربته أنني ال استطيع أن انظر إليه وأنني أريد الخروج فورا ً‪ .‬وعندها بدأ يتجادل معي ويُ َر ِّددُ‪ :‬أنَّ‬ ‫ُ‬ ‫درجتي ضعيفة وأنه ال يريدين أن أرسب وقال يل‪" :‬ملاذا تضعني بيننا حواجز‪ ،‬تعايل واجليس هنا" وهو يشري إىل ح ْجره‪ .‬ازداد‬ ‫احسايس باالشمئزاز وأخربته أنني ال أريد أن أنجح بتلك الطرق امل ُق ِّززة وأنني وأفضل الرسوب‪ .‬بعدها صمت ومل يضايقني‬ ‫إىل أن انتهى االمتحان‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫واخذت أبحث‬ ‫كنت يف حالة من الغضب واإلرهاق النفيس‪،‬‬ ‫استم َّر امتحاين قرابة الساعة وعرش دقائق‪ ،‬وعندما‬ ‫ُ‬ ‫خرجت ُ‬ ‫ُ‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫أحد‬ ‫أي من أساتذيت ألبلغهم مبا حدث يل فلم أجد‬ ‫وذهبت إىل مكتب عميد الكلية ألبلغه مبا حدث يل ومل أجده النَّ‬ ‫ُ‬ ‫عن ٍّ‬ ‫وقابلت أصدقايئ وصديقايت‬ ‫وكنت يف ضيق شديد جدا ً وحالة من الغضب حتى أنني مل أستطع البكاء‬ ‫الوقت كان قد تأ َّخ َر‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫وحكيت لهم ما حدث‪.‬‬ ‫من الطالب‬ ‫ُ‬ ‫وقررت أنه البُ َّد يل من رفع شكوى رسمية إىل السيد مدير الجامعة‬ ‫أمضيت لييل أف ِّك ُر وأتناقش مع أصدقايئ وزماليئ‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫عرفت من بعض طالبات املستوى األول صغريات السن أنَّ عددا ً منهن قد‬ ‫بواسطة عميد الكلية‪ .‬وقد ازداد غضبي عندما‬ ‫ُ‬ ‫تع َّرضن لتحرشات األستاذ املذكور مام زاد من إرصاري عىل أن أُقَ ِّد َم الشكوى واتفقنا حينذاك أن نُ َق ِّد َم شكوى جامعية تحوي‬ ‫كل الطالبات الاليت تعرضن للتح ُّرش من قبل األستاذ املذكور‪ ،‬إال أنَّ عددا ً من زمياليت خفن وتراجعن ألسباب مختلفة عن‬ ‫االنضامم إىل القضية ضد األستاذ‪ ،‬ومن ضمن تلك األسباب‪ :‬الخوف من سلطة األستاذ أو من إدارة الجامعة أو من أرسهن‬ ‫الذين ميكن أن يرفضوا ويستنكروا موقفهن‪ ،‬بل وقد يُتَّ َهمن باعتبارهن املسؤوالت عن جرمية األستاذ وهو أمر وارد وشائع‬ ‫الحدوث يف السودان‪ ،‬فانتهى األمر بأن قدمنا الشكوى أنا وأربع من طالبات املستوى األول يف يوم االثنني ‪ 29‬يناير ‪.2018‬‬ ‫ت َّم تشكيل مجلس محاسبة يف يوم ‪ 7‬فرباير وإيقاف األستاذ ملدة فصل درايس كامل إىل حني اكتامل التحقيق معه‪ ،‬و ُم ِن َع‬ ‫من دخول الكلية وما زالت اللجان ت ُ َحق ُِّق ما يقارب الخمسة أشهر منذ تاريخ رفع الشكوى‪ .‬كانت اللجنة األوىل تتكون من‬ ‫‪ 3‬اساتذة وكانت لجنة فاعلة وعادلة حيث استمعوا إلينا بشكل ُمتَ َف ِّهم وعادل‪ ،‬إال أنَّ األستاذ قام بالطعن فيها وقال إنها‬ ‫غري محايدة فشُ ِّكلَت لجنه ثانية‪ .‬وكانت اللجنة الثانية مخالفة منذ تكوينها حيث أنها تكونت من ‪ 6‬أشخاص يف حني أنَّه‬ ‫البُ َّد أن يكون عدد أفراد اللجنة عددا ً فرديا ً‪ ،‬كام أنَّها قد مارست معنا كل أشكال االبتزاز األخالقي ومحاوالت تصويرنا وكأننا‬ ‫كنت أخرج من منزل أرسيت دون إذن؟‬ ‫عم إذا ُ‬ ‫املسؤوالت عن جرم االستاذ‪ .‬أذكر أنَّ أحد األسئلة التي وجهتها يل تلك اللجنة‪َّ :‬‬ ‫فكان ردي بأنه سؤال ليست له عالقة بالتحقيق‪.‬‬ ‫أخربنا أرسنا بطرق اللجنة امللتوية وما نتعرض له من مزايدات أخالقية وتهديد خفي‪ ،‬فقامت األرس مبخاطبة اللجنة‬ ‫مبارشة وطالبوها بقرار واضح وعاجل‪ .‬وقد أخربت أرسنا ادارة الجامعة أنه ما مل يتم الوصول إىل قرار عادل و ُم ٍ‬ ‫رض فسوف‬ ‫نذهب إىل القضاء‪.‬‬ ‫القراء والقارئات‪:‬‬ ‫فت عىل أشياء مل تكن تخطر ببايل من ضمنها موقف املجتمع‬ ‫خالل الفرتة السابقة‬ ‫ُ‬ ‫شعرت أنني قد نضجت مائة عامٍ ‪ ،‬وتع َّر ُ‬ ‫عم حدث لنا من انتهاكات وطالبنا‬ ‫السالب تجاه حامية البنات والنساء ومحاوالت تجرمينا وإدانتنا ملجرد أننا أفصحنا َّ‬ ‫بإيقافها ومعاقبة املنتهكني‪ .‬واملؤسف يف األمر‪ ،‬أنَّ غالبية األرس تسلك املسلك نفسه‪ ،‬فهم يُف َِّضلون أال يعرفوا أنَّ بناتهم‬ ‫يتعرضن للتح ُّرش عىل أن يواجهوا حقيقة أنَّ العديد من البنات يتعرضن للتح ُّرش يف أماكن الدراسة والعمل‪.‬‬ ‫وأيضا ً يف الفرتة السابقة منا إىل علمنا أنَّ إدارة الجامعة كانت تعلم متاما ً بإشكاليات وسوابق هذا األستاذ منذ العام ‪2006‬‬ ‫حيث غادر الجامعة لألسباب نفسها‪ .‬أال أنَّه عاد مرة أخرى بعد سبع سنوات‪ .‬كل ذلك ينبئ عن تواطؤ املجتمع واملؤسسات‬ ‫يف حامية املتح ِّرشني ومحاولة تنميط التح ُّرش كفعل عادي ومقبول‪.‬‬ ‫األعزاء القارئات والقراء‪:‬‬ ‫أنا اآلن ال علم يل مبا سيحدث وماذا سيكون قرار اللجنة؟ وهل س ُيس َم ُح لألستاذ املذكور بالتدريس مرة أخرى أم ال؟ وهل‬ ‫ستتم إدانته أم ال؟ لكنني شخصياً ُمص ِّم َمة عىل امليض يف هذه القضية إىل آخر املشوار‪ ،‬وسأظل أثابر يف جهدي لتحقيق العدالة ومقاومه‬ ‫التح ُّرش الجنيس ضد النساء والبنات يف السودان خالل سنوات حيايت املقبلة قدر استطاعتي‪.‬‬

‫بدور فتح الرحمن أحمد‬ ‫الكاتبة‪ :‬بدور فتح الرحمن أحمد‪ ،‬طالبة باملستوى الثالث كلية القانون‪ ،‬جامعة الخرطوم‪ .‬ناشطة سياسية‪،‬‬ ‫وعضو يف جمعية (سودانيات)‪ ،‬وهي جمعية تهتم بقضايا الطالبات يف الجامعة واملرأة يف املجتمع‪.‬‬

‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪91‬‬


‫الرسم‪ :‬حنا بيرزوايك ‪ -‬الواليات المتحدة‬

‫عندما تُ َج َّر ُم الضحية‬ ‫ايان خليفة حمد‬

‫أيان خليف محمد‪:‬‬ ‫ُولِدَتْ و ترعرعت يف‬ ‫كينيا‪ ،‬وهي ُم َد ِّونَة‬ ‫وناشطة تعيش يف‬ ‫الصومال منذ ‪.2014‬‬ ‫ولـ(أيان) شغف‬ ‫بحقوق املرأة وتعليم‬ ‫األطفال ‪ ،‬وتعمل‬ ‫حالياً يف منظمة‬ ‫غري حكومية مقرها‬ ‫الصومال تدافع‬ ‫عن السالم وحقوق‬ ‫اإلنسان‪.‬‬

‫‪92‬‬

‫ماذا كُ ْن ِت ترتدين؟ وأين كُ ْن ِت؟ وكم كانت الساعة يف ذلك الوقت؟‬ ‫وما الذي دفعك إىل الخروج؟‬ ‫هذه هي بعض األسئلة العامة التي عادة ما ت ُ َو َّج ُه إىل املرأة ضحية‬ ‫االغتصاب عندما تجرؤ عىل الكشف عن ال ُجرم الذى ت َ َع َّرضَ ْت له‪ .‬وهي‬ ‫األسئلة ذاتها التي سمعتها (عناب‪ )1‬الصومالية‪ ،‬البالغة من العمر ‪17‬‬ ‫ربيعاً‪ ،‬عندما َعلِ َم والداها بخرب ت َ َع ُّر ِض َها لالغتصاب‪.‬‬ ‫ففي الصومال ‪-‬كما هو الحال في الكثير من بلدان‬ ‫أفريقيا والشرق األوسط‪ -‬عاد ًة ما ت ُ َل ُم الضحية‬ ‫وكأنها هي التي قامت ‪-‬بمحض إرادتها‪ -‬بوضع‬ ‫ْ‬ ‫تخاذلت عن حماية‬ ‫نفسها في موقع الخطر‪ ،‬وأنها‬ ‫نفسها من األذى‪.‬‬

‫"ثم بدأ بعد ذلك يف ت َ َح ُّس ِس جسدي‪ .‬ال أزال أذكر ذلك بوضوح تام‪.‬‬ ‫فقد ذكر يل بأننا بصدد فعل يشء ما معاً نظري املال الذى أعطاين إياه‪،‬‬ ‫يل أن ال أُخ ِ َْب احدا ً بذلك‪ ،‬وأن يكون ذلك رسا ً بيننا "‪ .‬وبالنسبة‬ ‫ولكن ع َّ‬ ‫لطفلة يف الثالثة عرشة من العمر فإ َّن امتالك مبلغ من املال تترصف فيه‬ ‫كيفام شاءت هو أمر مثري جدا ً‪ .‬وبالنسبة لعناب ال يوجد سبب يجعلها‬ ‫ترفض به العرض من رجل تعرفة منذ والدتها وتناديه بلقب (خايل)‪.‬‬ ‫"كيف كان يل أن أعلم بأنه كان ينوي إيذايئ؟ فقط لو كان هناك‬ ‫شخص أخربين وأعلمني أنه بقبويل لذلك املبلغ املايل‪ ،‬كُ ْن ُت بصدد التنازل‬ ‫وهربت بعيدا ً بأرسع ما‬ ‫رفضت‬ ‫لكنت ‪-‬يف ذلك الوقت‪-‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫عن مستقبيل‪ُ ،‬‬ ‫ميكن"‪ ،‬هكذا قالت بحرسة‪ ،‬ث ُ َّم أضافت‪" :‬يف تلك اللحظة كل ما أذكره هو‬ ‫أنني كلام حاولت أن أرصخ كان يضع يده عىل فمي‪ .‬وأخريا ً غادر لكنه‬ ‫ألي شخص"‪.‬‬ ‫ح َّذ َر ِن مرارا ً وتكرارا ً بعدم إفشاء ما حدث ِّ‬

‫لقد ت َ َع َّرضَ ْت عناب لالغتصاب وهي ال تزال طفلة يف الثالثة عرشة‬ ‫من عمرها ال تعي مبخاطر العنف الجنيس‪ .‬وقد كانت عناب تعيش مع‬ ‫أرستها يف إحدى قرى الصومال الجنويب‪ ،‬وحسب روايتها تقول عناب‪:‬‬ ‫"كنت معتادة عىل أخذ أغنام والدي للرعي بها يومياً‪ ،‬واللعب مع‬ ‫رفيقايت يف املساحات الظليلة التي ال تبعد كثريا ً عن قريتنا‪ .‬ولكن يف‬ ‫ذلك اليوم بالتحديد مل يكن هناك شخص غريي باملكان كام مل يكن هناك‬ ‫شخص كان بوسعه إيقافه عن استغالل براءيت وطفولتي"‪.‬‬

‫فالعنف الجنيس منترش بصورة كبرية يف الصومال‪ ،‬وال ت ُ ْعتَ َ ُب حالة‬ ‫عناب حدثاً شا َّذا ً أو ُم ْن َعزِلَ ً‪ .‬فعدم املساواة وغياب النظام العديل الفاعل‬ ‫واستحكام التقاليد املظلمة‪ ،‬إضافة إىل عرشات السنني من الرصاع‪ ،‬كلها‬ ‫عوامل تُ َع ِّر ُض النساء والفتيات بصفة خاصة للعنف الجنيس‪ .‬فالخوف‬ ‫من االغتصاب من قبل العصابات املسلحة أو قوات األمن أو األقرباء‬ ‫أصبح واقعاً يومياً بالنسبة للكثري من النساء والفتيات يف الصومال‪.‬‬ ‫وأصبح العنف الجنيس أمرا ً طبيعياً إىل حد كبري‪.‬‬

‫ففي ذلك اليوم‪ ،‬كانت عناب تقيض وقتها بالرسم عىل األرض عندما‬ ‫اقرتب منها ذلك الرجل‪ .‬وتقول عناب‪" :‬جلس بالقرب مني وناولني مبلغ‬ ‫ألفي شلن‪ 2‬صومايل حيث بدا يل يف ذلك الوقت وكأنه مبل ٌغ كب ٌري‪ .‬وقد‬ ‫أي يشء عن املال ومل أحصل يف حيايت عىل مبلغ‬ ‫ُ‬ ‫كنت طفلة ال أعرف َّ‬ ‫بذلك الحجم (هكذا تتذكر عناب املوقف بصوت ٍ‬ ‫باك)‪.‬‬

‫لقد تَ َح َّول َْت حياة عناب ‪-‬كام وصفتها هي‪ -‬بعد ذلك الحدث إىل‬ ‫(جحيم)‪ ،‬فمنذ اللحظة التي عرف فيها والداها بأنها حامل كانت تتعرض‬ ‫للرضب يومياً ويُطْل َُب منها كشف اسم والد طفلها (ابن الحرام)‪ .‬وكانت‬ ‫عناب بصفة خاصة غري ُم ْد ِركَ ٍة للسبب أو الكيفية التي أصبحت بها‬ ‫حامل‪ .‬و بعد أيام من الرضب والحرمان من الطعام‪ ،‬أجربها والدها عىل‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫ملف العدد‪ :‬جنسانية المرأة في المجتمعات اإلسالمية‬ ‫ما بين الهوس والتحريم‬

‫السم حتى تتخلص من الجنني الذي ‪-‬بحسب الوالد‪ -‬ال طائل منه زالت ت ُ َذكِّ ُرين بأ َّن األطفال أبرياء وهبة من الله ويجب أن ال يُ َعانُوا بسبب‬ ‫تناول ُّ‬ ‫أفعال اآلخرين"‪.‬‬ ‫سوى جلب العار للعائلة‪.‬‬ ‫انتهى األمر بعناب بالزواج من رجل كهل كان عىل ِعلْمٍ بكل إشكاالتها‪.‬‬ ‫وعىل الرغم من هذا التحول الرتاجيدي يف حياتها إال أ َّن عناب تعترب‬ ‫نفسها محظوظة‪ ،‬وتقول‪" :‬أنا عىل األقل محظوظة أل َّن معظم الفتيات‬ ‫الاليئ يَتَ َع َّرضْ َن لالغتصاب أو اإلنجاب خارج الزواج ال يحظني بالزواج‪،‬‬ ‫كام أنني سعيدة أل َّن ابني وجد شخصاً يناديه بـ(أيب)"‪.‬‬

‫إ َّن النساء الاليئ ينجنب خارج إطار الزواج الرشعي يتعرضن للعزلة يف‬ ‫املجتمع الصومايل التقليدي ويُ ْرفَضْ َن من قبل األرسة واألقارب؛ فالحمل‬ ‫الذي يحدث خارج إطار الزواج يُ ْعتَ َ ُب مصدرا ً للعار ليس لألرسة فقط بل‬ ‫وللعشرية كلها‪ .‬ويف أغلب األحوال ال يختلف َر ُّد الفعل إذا كان الحمل‬ ‫قد حدث بسبب عالقة تر ٍ‬ ‫اض أو بسبب االغتصاب‪ .‬ويف البالد التي ت ُ ْعتَ َ ُب‬ ‫ِ‬ ‫فيها األمهات غري املتزوجات ُم ْذنبَات أو يُ َص َّو ْر َن كبائعات هوى تضطر‬ ‫و كام يتضح من قصة عناب املأساوية‪ ،‬فداللة (املرأة املحظوظة) يف‬ ‫س ِّه َّن‪ ،‬وينتهي األمر بالبعض منهن إىل‬ ‫أغلب النساء إىل الهروب من أُ َ ِ‬ ‫رشد بينام يجنح البعض اآلخر إىل التخيل عن املواليد عن طريق الصومال تصبح ‪-‬لألسف‪ -‬مسألة يف غاية النسبية‪.‬‬ ‫حياة الت ُّ‬ ‫اإلجهاض عرب الطرائق التقليدية الخطرة مام يودي عادة بحياة الغالبية‬ ‫من النساء‪ ،‬أو إىل االنتحار تج ُّنباً للذل والوصم‪.‬‬ ‫السم‪.‬‬ ‫ويف حالة عناب‪ ،‬فقد آثرت الهروب بعد ان أُ ْج ِ َبتْ عىل تناول ُ‬ ‫حاولت الحصول عىل مكان‬ ‫وتقول‪" :‬مل أحتمل الوضع أبدا ً بعد ذلك؛ لقد‬ ‫ُ‬ ‫فذهبت إىل بيت عمتي التي كان تعيش يف مدينة قريبة‪.‬‬ ‫ألجأ إليه‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫وأصبحت عمتي حاميتي‪ ،‬وعن طريق مساعدتها بدأتُ أستوعب ما‬ ‫ْ‬ ‫حدث يل‪ ،‬وتذكَّرتُ ذلك اليوم املشؤوم الذي قاد إىل تغيري حيايت لألبد"‪.‬‬

‫بقلم‪ :‬أيان خليف محمد‬

‫من االنجليزية‪ :‬محمد الفكي‬

‫َّ‬ ‫تكشفَ ت الحقيقة وعرف الجميع أ َّ‬ ‫ن‬ ‫وحتى بعد أن‬ ‫عناب قد ت َ​َعر َ​َّض ْ‬ ‫ت لالغتصاب من قبل خالها شقيق‬ ‫تتلق الدعم الالزم من والديها‬ ‫والدتها‪ ،‬إال أنها لم‬ ‫َ‬ ‫اللذين قررا تجاهل الجُرم الذى ا ُ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ب في حق‬ ‫ك‬ ‫ْت‬ ‫ر‬ ‫َ‬ ‫ابنتهما تجنُّباً للعار‪.‬‬

‫"لقد كانا يودان تج ُّنب حالة الوصم املزدوجة‪ :‬اغتصايب وحقيقة أ َّن‬ ‫املغتصب كان هو خايل"‪َ ،‬ذكَ َرتْ ذلك بحرسة بادية‪.‬‬ ‫اَنْ َج َب ْت عناب طفلها يف بيت عمتها‪ ،‬حيث ُولِ َد مريضاً يعاين من آثار‬ ‫يتحسن‬ ‫السم الذي أُ ْج ِ َبتْ عىل تناوله أثناء فرتة الحمل‪ .‬وتقول ‪" :‬مل‬ ‫َّ‬ ‫ُّ‬ ‫كنت أشعر بالحرج كلام‬ ‫وضعي بعد الوالدة‪ ،‬بل ازداد تأزّماً ألنني ُ‬ ‫خرجت من املنزل‪ ،‬وكان الناس يشريون نحوي وينظرون إ َّيل بازدراء‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫كنت أف ِّك ُر يف التخيل عن طفيل ألنني شعرتُ‬ ‫فشَ َع ْرتُ بالعزلة‪ .‬وأحياناً ُ‬ ‫وكأنه هو السبب يف تعاستي‪ .‬لكن يرجع كل الفضل لعمتي التي ما‬

‫‪ 1‬تم استبدال اسم صاحبة‬ ‫القصة باسم مستعار‪ ،‬من‬ ‫أجل حجب هويتها الحقيقية‪.‬‬ ‫‪ 2‬يعادل املبلغ دوالرا ً أمريكياً‬ ‫واحدا ً‪.‬‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪93‬‬


‫زواج الطفالت في السودان‬

‫ما بين تعنت السلفية وآفاق اإلصالح‬ ‫ليف تونسون‬ ‫ليف تونيسني مديرة‬ ‫أبحاث ىف معهد‬ ‫كريستيان ميشلسن‪،‬‬ ‫بريغن‪ ،‬الرنويج‪.‬‬ ‫وهي عاملة يف مجال‬ ‫العلوم السياسة تهتم‬ ‫باألبحاث عن املرأة‬ ‫والسياسة واإلسالم‬ ‫يف مناطق الرشق‬ ‫األوسط وشامل‬ ‫أفريقيا‪ ،‬كام قامت‬ ‫بنرش مقاالت دولية‬ ‫مع دور نرش مثل‪ :‬دار‬ ‫نرش جامعة ديوك‪،‬‬ ‫وروتليدش‪ ،‬وبريل‪،‬‬ ‫ودار نرش جامعة‬ ‫أكسفورد‪ ،‬وبالقريف‬ ‫ماكميالن‪ ،‬وتايلر‬ ‫فرانسيس‪ .‬وتخصصت‬ ‫الكاتبة يف شئون‬ ‫السياسة السودانية‬ ‫منذ أكرث من عرش‬ ‫سنوات‪ ،‬حيث أجرت‬ ‫العديد من األبحاث‬ ‫امليدانية‪ ،‬باإلضافة‬ ‫إىل عملها محارضة يف‬ ‫جامعة األحفاد للبنات‬ ‫بأمدرمان‪ ،‬السودان‪.‬‬

‫‪94‬‬

‫هناك ‪ 15‬مليون فتاة ت ُ َز َّو ُج سنويّاً قبل بلوغ سن الـ ‪ 18‬سنة‪ ،‬ويحتل‬ ‫السودان صدارة الدول األفريقية يف زواج الطفالت‪ .1‬ففي السودان فإ َّن‬ ‫‪ %10.7‬من النساء يف الفئة العمرية ‪ 49-15‬يُ َز َّوج َن قبل بلوغ سن الـ ‪15‬‬ ‫سنة‪ ،‬يف حني ت ُ َز َّو ُج ‪ %38‬منهن قبل بلوغ سن الـ ‪ 18‬سنة‪.2‬‬

‫عند سن الثامنة عرشة‪ ،‬نجد أ َّن قانون األرسة لسنة ‪ 1991‬يسمح رصاحة‬ ‫للويص الذكر بعقد "زواج متييزي [للقارص]" يف حاالت "املصلحة الغالبة"‪،‬‬ ‫وبإذن من القايض‪ .‬وهنا يُ َح ِّد ُد القانون سناً محددة وينص عىل أ َّن‬ ‫ُش ُع لقانون‬ ‫"التمييز يتم تحقيقه يف سن العارشة"‪ ،‬وبالتايل جعل امل َ ِّ‬ ‫األرسة سن العارشة هي الحد األدىن الذي ميكن فيه التعاقد مع شخص‬ ‫عىل الزواج‪.8‬‬

‫نصت يف‬ ‫ويف الوقت الذي نجد فيه أ َّن ثلثي الدول األفريقية قد َّ‬ ‫ترشيعاتها عىل أن يكون الحد األدىن لسن الزواج هو سن الـ ‪ 18‬سنة‬ ‫أو ما فوق‪ ،‬أدرجت الجهات الحكومية املتنفذة يف السودان األمر يف‬ ‫آفاق اإلصالح الحكومي ‪ -‬الحد األدىن للزواج هو سن الثامنة عرشة‬ ‫جدول أعاملها الترشيعية‪ ،‬ولكن محاوالت الحكومة لتحديد الحد األدىن‬ ‫لسن الزواج بـ‪ 18‬سنة قُوبل باحتشاد ديني محافظ مناهض يعترب زواج‬ ‫يُ َع ُّد قانون الطفل لسنة ‪ 2010‬هو الخطوة األويل نحو رفع الحد‬ ‫األطفال أمرا ً أقرته الرشيعة‪ .‬وكذلك تعرضت محاوالت الحكومة للنقد األدىن لسن الزواج إىل ‪ 18‬سنة‪ .‬ويُ َع ِّر ُف القانون الطفولة بانها متتد حتي‬ ‫من قبل الحركة النسوية يف السودان التي رأت أ َّن اإلصالح الترشيعي غري سن الثامنة عرشة‪ ،‬ويُشَ ك ُِّل هذا عالمة فارقة وحدثاً مثريا ً للجدل بدرجة‬ ‫ٍ‬ ‫كاف لتوفري الحامية القانونية للطفالت‪.3‬‬ ‫كبرية‪ ،‬وذلك نظرا ً أل َّن الفقه اإلسالمي التقليدي يُ َح ِّد ُد الطفولة عاد ًة بسن‬ ‫البلوغ‪ .‬ويشري البلوغ يف التقاليد القانونية اإلسالمية إىل الشخص الذي‬ ‫بلغ مرحلة النضج أو البلوغ‪ .‬أ َّما بالنسبة للفتاة فتبلغ مبجرد بدء نزول‬ ‫قانون األرسة السوداين للمسلمني لسنة ‪:1991‬‬ ‫الدورة الشهرية أو يف سن مبكرة عندما تبلغ التاسعة من العمر‪.‬‬ ‫َع ِم َل قانون األرسة السوداين للمسلمني لسنة ‪ 1991‬عىل تقنني زواج‬ ‫وال يعتقد املصلحون اإلسالميون الذين دفعوا بسن البلوغ حتى سن‬ ‫األطفال وشَ َّج َع عىل مامرسته‪ .‬ويجادل اإلسالميون املحافظون والسلفيون‬ ‫وبعض علامء الدين بأن زواج األطفال من شأنه أن مينع العالقات الجنسية الثامنة عرشة أ َّن هذا املوقف يناقض اإلسالم أو دستور ‪ .2005‬بل عىل‬ ‫امل ُ َح َّر َمة‪ .4‬ونظرا ً أل َّن الطفالت ‪-‬حسب منظورهم‪ -‬تتطور لديهن الحوافز العكس من ذلك‪ ،‬فهم يعتمدون يف موقفهم هذا عىل تفسري إسالمي‬ ‫الجنسية عند البلوغ‪ ،‬لهذا السبب ي َّد ِعي هؤالء بأ َّن الزواج املُبَكِّر من لسن الرشد أكرث تقدمية ويجادلون وفقاً لذلك بأن اإلصالح اإلسالمي‬ ‫تفش الفتنة يتامىش مع مقاصد الرشيعة وقانون الحقوق املنصوص عليه يف دستور‬ ‫شأنه أن مينع وقوع الزنا‪ .‬ووفقاً لوجهة النظر االسالمية‪ ،‬فإ َّن ِّ‬ ‫الجنسية وسط املجتمعات الحديثة اليوم مرجعه إىل التخيل عن الزواج ‪ ،2005‬وكذلك مع اتفاقية حقوق الطفل‪ .‬وبحسب مدارس الفقه السنيّة‬ ‫امل ُ َبكِّر يف املجتمع الغريب‪ .‬ويعتقد هؤالء بأنه من شأن الزواج يف هذه كافة‪ ،‬فإنّه يتحتم عىل الشخص من أجل الحصول عىل األهلية القانونية‬ ‫الحالة أن يضمن عدم حدوث عالقات الجنسية خارج املؤسسة الزواجية‪ .‬والقدرة عىل إبرام التعاقدات بلوغ سن الرشد أو النضوج الفكري حتى‬ ‫ولذا يرى هؤالء أ َّن أنسب فرتة للزواج هي مبجرد الوصول إىل سن البلوغ‪ .‬يتمكن من التعامل مع ممتلكاته وشئونه الخاصة‪.9‬‬ ‫ٍ‬ ‫حديث‪ 5‬يُق ُّر بخطوبة الرسول‬ ‫ولدعم مثل هذا املوقف يشري هؤالء إىل‬ ‫وبالتايل فإنه وفقاً للمصلحني اإلسالميني فإ َّن مجرد الوصول إىل سن‬ ‫محمد من عائشة عندما كانت يف السادسة من عمرها‪ ،‬ولكن تؤكد بعض‬ ‫األدلة إىل أنه مل يقرتب منها إال بعد بلوغها التاسعة من عمرها ووصولها البلوغ (أو النضج الجنيس) بدون بلوغ رشط الرشد أو النضج الفكري ال‬ ‫يؤهل الشخص للدخول يف عقد الزواج‪ .‬وعالوة عىل ذلك فإنهم يدعون‬ ‫مرحلة البلوغ‪.‬‬ ‫إىل أ َّن الحد األدىن لسن الزواج ‪-‬مع أخذ كل من البلوغ والرشد يف االعتبار‪-‬‬ ‫التناقض بني قانون األرسة لسنة ‪ 1991‬والتزامات الدولة اإلقليمية ينبغي أن يُ َح َّد َد بسن ‪ 18‬سنة‪ .‬وترشح أمرية الفاضل (إحدى املدافعني‬ ‫عن اإلصالح ووزيرة الشئون االجتامعية السابقة وممثل السودان يف‬ ‫والدولية‪:‬‬ ‫االتحاد األفريقي) ترشح ‪-‬يف مقابلة معها‪ -‬موقف اإلصالحيني قائلة‪:‬‬ ‫هناك تناقضات جسيمة بني قانون األرسة السوداين وقانون الطفل "إ َّن سن الثامنة عرشة كحد أدىن للزواج ال يتناىف مع قوانني الرشيعة؛‬ ‫لسنة ‪ 2010‬من ناحية‪ ،‬وبني دستور السودان لسنة ‪ 6 2005‬واتفاقية فقد وافانا العلامء املسلمون بفتوى‪ 10‬تدعم الثامنة عرشة كحد أدين‬ ‫حقوق الطفل من ناحية أخرى‪ .7‬ففي حني ينص قانون الطفل ‪-‬وفقاً للزواج‪ ]...[ .‬ومفهوم البلوغ يف اإلسالم يشري إىل الشخص الذي بلغ‬ ‫التفاقية حقوق الطفل‪ -‬عىل انتهاء فرتة الطفولة وبداية مرحلة الرشد مرحلة النضج وتح ّمل املسؤوليات كاملة مبوجب القانون‪ ،‬لكن النضج‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫‪ 1‬يشتمل زواج االطفال عىل‬ ‫أي زواج رسمي أو غري رسمي‬ ‫يكون فيه الطرفان يف عمر‬ ‫أقل من ‪ 18‬سنة‪.‬‬

‫موضع جدل ونزاع‪ .‬وقد أدَّى ذلك إىل االحتشاد‬ ‫املضاد لعملية اإلصالح من قبل املحافظني‬ ‫داخل الحزب اإلسالمي الحاكم وخارجه‪ .‬ومن‬ ‫ناحية أخرى ت َ َع َّر َض مقرتح اإلصالح امل ُ َق َّدم‬ ‫من الحكوميني واملوالني للحزب الحاكم أيضاً‬ ‫النتقادات واسعة النطاق من قبل الحركة‬ ‫النسوية يف السودان‪.‬‬ ‫التعبئة املضادة من قبل املحافظني الدينيني‪:‬‬ ‫الرسم‪ :‬حسين ميرغني ‪ -‬السودان‬

‫يف اإلسالم يجب أال ينحرص فقط يف عالمات البلوغ (النضج الجنيس)‪ ،‬بل‬ ‫[البد أن يتضمن] النضج الفكري‪ .‬وليس هناك من سبب مينع تحديد‬ ‫النضج الفكري بسن ‪ 18‬سنة‪."11‬‬ ‫وبحسب إفادات بعض اإلصالحيني الحكوميني الذين أجريت معهم‬ ‫مقابالت‪ ،‬كانت االسرتاتيجية الرصيحة للدولة هي عدم إدراج الحد األدىن‬ ‫لسن الزواج ضمن قانون الطفل لسنة ‪2010‬؛ أل َّن ذلك من شأنه أن‬ ‫يكون مثريا ً للجدل بدرجة كبرية‪ .‬ومع ذلك ‪-‬ومبا أ َّن قانون الطفل أصبح‬ ‫يتضمن أحكاماً تحمي األطفال من جميع أشكال التمييز يف املادة ‪5‬‬ ‫(ج)‪ -‬يرى اإلصالحيون بأ َّن مامرسة زواج األطفال قد تم تقنينها بالقانون‪.‬‬ ‫وباإلضافة إىل ذلك‪ ،‬فإ َّن قانون الطفل يجب أن يكون له السيادة عىل‬ ‫جميع القوانني األخرى؛ فعىل سبيل املثال‪ ،‬تنص املادة ‪ 3‬من القانون‬ ‫أي‬ ‫أي حكم آخر يف ِّ‬ ‫سابق الذكر عىل أ َّن "أحكام هذا القانون تسود عىل ِّ‬ ‫قانون آخر‪ ،‬عند عدم اتساقه‪ ،‬إىل حد إزالة هذا التناقض"‪ .‬ووفقاً لوجهة‬ ‫نظر اإلصالحيني‪ ،‬فإ َّن هذا يعني حتمية إصالح قانون األرسة لسنة ‪1991‬‬ ‫كخطوة طبيعية‪ ،‬وجعل سن الثامنة عرشة مبثابة سن الرشد مبوجب‬ ‫قانون الطفل‪ ،‬باعتبارها الحد األدىن لسن الزواج‪ .‬وإذا كان زواج األطفال‬ ‫قد أُعترب شكالً من أشكال التمييز‪ ،‬فإنَّه بذلك يتناقض بوضوح مع قانون‬ ‫الطفل لسنة ‪ .2010‬وهكذا حاول اإلصالحيون إصالح زواج األطفال من‬ ‫خالل الباب الخلفي عىل أمل أال يالحظ ذلك الناشطون السلفيون‪.‬‬

‫بالطبع كان املحافظون الدينيون من أوائل‬ ‫ألي تعديل يف زواج األطفال عندما‬ ‫املعارضني ِّ‬ ‫تح َّدى مصلحو الحكومة تفسريهم للرشيعة‪ .‬وقد اشتملت مجهودات‬ ‫التعبئة املضادة عىل بيانات عامة يف وسائل اإلعالم ويف الربملان بواسطة‬ ‫كل من السياسيني املحافظني والسلفيني‪ ،‬باإلضافة إىل محاوالت التقايض‬ ‫بواسطة املجموعات السلفية‪ .‬و يرتكَّز املناهضون لإلصالح يف الكتلة‬ ‫املحافظة داخل الحزب الحاكم التي يقودها عضو الربملان السابق (دفع‬ ‫الله حسبو) الذي تربطه وشائج قوية مع الحركة السلفية‪ .12‬ففي رأي‬ ‫حسبو‪" :‬وفقاً لإلسالم ميكن للفتاة أن تعطي املوافقة عىل الزواج يف سن‬ ‫البلوغ"‪ .13‬ومن ضمن األشياء التي قام بها هي محاولته هو واتباعه‬ ‫االحتكاك باإلصالحيني الحكوميني خالل مداوالت جلسات الربملان ويف‬ ‫وسائل اإلعالم‪ ،‬وبصفة خاصة قاموا مبالحقة أمرية الفاضل واتهامها بأنها‬ ‫تتبع األجندة الغربية بشكل أعمى وأنها قد اصبحت بذلك علامنية‪،‬‬ ‫ذلك التعبري الذي يحمل مدلوالت سالبة بني أرباب الحركات اإلسالمية‬ ‫يف السودان ‪.‬‬ ‫وقد تحركت السلطات الدينية أيضاً ‪-‬مبا يف ذلك إحدى الهيئات‬ ‫الدينية البارزة يف السودان‪ -‬برسعة ضد عملية إصالح زواج األطفال‪.14‬‬ ‫فعىل سبيل املثال‪ ،‬قام رئيس هيئة علامء السودان شبة الحكومية السيد‬ ‫محمد عثامن صالح‪ ،‬مبباركة زواج الطفالت أمام املأل‪ ،‬وأفادت التقارير‬ ‫بأنه قد أشار قائالً‪" :‬بأن اإلسالم يشجع الشباب عىل الزواج حامية لهم‬ ‫من الشذوذ الجنيس ومخاطر العزوبية من أجل سعادتهم واملحافظة‬ ‫عىل التكاثر"‪.15‬‬

‫وعىل الرغم من مجهودات اإلصالحيني‪ ،‬إال أ َّن مناهضة رفع سن‬ ‫ومع ذلك‪ ،‬أصبحت سريورة اإلصالح أكرث إشكالية مام توقعه‬ ‫اإلصالحيون الحكوميون؛ فبمجرد إدراج بند اإلصالح يف سياق إصالح الزواج إىل سن الثامنة عرشة ال زالت قوية إىل الحد الذي بدأ فيه بعض‬ ‫قانون األرسة وحقوق املرأة بدالً من حقوق الطفل أصبح زواج الطفالت نشطاء املحافظني املطالبة بإلغاء قانون الطفل لسنة ‪.2010‬‬

‫‪ 2‬سامية النقر‪ ،‬ورشيف‬ ‫بامكار‪ ،‬وليف تونيسني‪،‬‬ ‫"الفتيات‪ ،‬زواج األطفال‬ ‫و التعليم يف والية البحر‬ ‫األحمر‪ ،‬السودان‪ :‬وجهات‬ ‫النظر حول حرية الفتاة‬ ‫لالختيار"‪ ،‬سودان ربورت‬ ‫‪.2017‬‬ ‫‪ 3‬يتأسس هذا املقال عىل‬ ‫معلومات منتقاة من حوارات‬ ‫أجريت خالل فرتات عمل‬ ‫بحث ميداين عديدة يف‬ ‫السودان من ‪.2017-2008‬‬ ‫‪ 4‬مقابلة مع الشيخ عبد‬ ‫الجليل الكاروري‪ ،‬إمام‬ ‫مسجد الشاهد وعضو هيئة‬ ‫علامء السودان (وهي الهيئة‬ ‫التي أصدرت فتوى تجيز‬ ‫زواج األطفال)‪ 21 ،‬نوفمرب‪،‬‬ ‫‪.2013‬‬ ‫‪ 5‬حديث يف صحيحي‬ ‫البخاري ومسلم‪.‬‬ ‫‪ 6‬للمزيد من املعلومات‪،‬‬ ‫يرجى االطالع عىل فقرات‬ ‫املساواة بني الجنسني املتعلقة‬ ‫بعدم التمييز‪ ،‬املادتني ‪31‬‬ ‫و‪.)1( 32‬‬ ‫‪ 7‬صدّق السودان عىل اتفاقية‬ ‫حقوق الطفل يف عام ‪1990‬‬ ‫وبروتوكوليها االختياريني‬ ‫يف عام ‪ ، 2005‬ولكنه أحد‬ ‫البلدان القليلة يف العامل‬ ‫التي مل توقع أو تصادق عىل‬ ‫اتفاقية القضاء عىل التمييز‬ ‫ضد املرأة ( ‪.)CEDAW‬‬ ‫‪ 8‬للمزيد من املعلومات‪،‬‬ ‫يرجى االطالع عىل القسم‬ ‫‪ )2( 40‬من قانون األحوال‬ ‫الشخصية اإلسالمي لسنة‬ ‫‪.1991‬‬ ‫‪ 9‬يس‪.‬جي آدمز‪" ،‬البلوغ"‪،‬‬ ‫املوسوعة القرآنية‪( .‬تحرير)‬ ‫جني دامني ماك أولفي (ليدن‪:‬‬ ‫بريل‪.)2017 ،‬‬ ‫‪ 10‬وهو الرأي القانوين أو‬ ‫التفسري املتخصص الذي ميكن‬ ‫أن يعطيه فقيه مؤهل يف‬ ‫القضايا املتعلقة بالرشيعة‬ ‫اإلسالمية‪.‬‬ ‫‪ 11‬مقابلة مع أمرية الفاضل‪،‬‬ ‫الوزيرة السابقة لوزارة‬ ‫الرعاية والضامن االجتامعي‪،‬‬ ‫‪ 25‬يوليو‪.2013 ،‬‬ ‫‪ 12‬مقابلة مع دفع الله‬ ‫حسبو‪ 20 ،‬نوفمرب‪.2013 ،‬‬

‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪95‬‬


‫مببدأ نقض الزواج عند بلوغ سن الرشد كام هو شائع ضمن الفقه‬ ‫الحنفي‪ .18‬ففي حال السامح بذلك يحق للفتاة التي تصل إىل سن‬ ‫البلوغ‪/‬الرشد رفض عقد الزواج الذي تم نيابة عنها عندما كانت قارص‪.‬‬ ‫وبحسب د‪ .‬عائشة الكارب‪ ،‬رئيسة املنظمة السودانية لألبحاث والتنمية‪:‬‬ ‫"إ َّن النقطة الحاسمة املتعلقة بزواج األطفال هي التخلص من الوالية‪."19‬‬

‫موقف الحركة النسوية السودانية خارج دائرة السلطة‪:‬‬ ‫يف حني تؤيد الناشطات السودانيات رفع الحد األدىن لسن الزواج إىل‬ ‫‪ 18‬سنة‪ ،‬إال أنهن يرين أن يكون ذلك جزءا ً من اإلصالح الشامل لقانون‬ ‫األرسة لسنة ‪.1991‬‬ ‫ومن منظامت املجتمع املدين الرائدة يف حملة اإلصالح القانوين هي‬ ‫(املنظمة السودانية لألبحاث والتنمية) التي ت ُشَ ك ُِّل جزءا ً من الحملة‬ ‫الدولية "فتيات ال عرائس"‪ .‬وبحسب وجهة نظر الناشطات النسويات‪،‬‬ ‫يُ َع ُّد زواج االطفال انتهاكاً ضد املرأة كام هو منصوص عليه يف إعالن‬ ‫القضاء عىل العنف ضد املرأة (‪ ،)1993‬وبالتايل‪ ،‬فإ َّن اإلصالح الشامل‬ ‫لقانون األرسة يُ َع ُّد الخطوة املفتاحية للقضاء عىل مثل هذا االنتهاك‪.‬‬ ‫وقد ابتدرت الناشطات النسويات حوارا ً حول الجوانب التمييزية يف‬ ‫قانون األرسة املسلمة يف مطلع العام ‪ .16 2000‬و قبل عدة سنوات قامت‬ ‫املنظمة السودانية لألبحاث والتنمية بصياغة قانون بديل لألرسة يُ ْع َر ُف‬ ‫باسم‪( :‬قانون عادلة)‪ ،‬يهدف إىل تعزيز املساواة بني الجنسني من أجل‬ ‫دعم الحقوق املدنية للمرأة‪.17‬‬

‫وعىل الرغم من أ َّن الناشطات النسويات قد رحنب بتحرك الحكومة‬ ‫لترشيع سن ‪ 18‬حدا ً أدىن لسن الزواج‪ ،‬إال أنهن ما زلن حذرات تجاه‬ ‫جهود اإلصالحيني من النظام الحاكم بدعوي أ َّن اإلصالح لن يكون له‬ ‫سوى تأثري ضئيل ما مل ت ُلغَى الوالية يف الزواج‪.‬‬ ‫بقلم‪ :‬ليف تونيسين‬

‫من االنجليزية‪ :‬محمد الفكي‬

‫‪ 13‬مقابلة مع دفع الله‬ ‫حسبو‪.‬‬ ‫‪ 14‬منظامت غري حكومية‬ ‫تعرتض عىل قبول زواج‬ ‫األطفال من قبل رجال‬ ‫الدين السودانيني التابعني‬ ‫للحكومة‪ ،‬سودان تربيون‪22 ،‬‬ ‫أكتوبر ‪http://www. .2012‬‬ ‫‪sudantribune.com/spip.‬‬ ‫‪php?article44301‬‬ ‫‪ 15‬ريم عباس‪" ،‬حان الوقت‬ ‫لتصبح الفتاة السودانية‬ ‫فتاة‪ ،‬و ليس عروساً" إنرتبرس‬ ‫سريفيس‪ 10 ،‬يوليو‪.2017 ،‬‬ ‫‪ 16‬بلقيس بدري‪ ،‬وأكولدا‬ ‫م‪ .‬تاير‪ ،‬اإلصالح القانوين يف‬ ‫السودان‪ :‬مجموعة أوراق‬ ‫عمل (أم درمان‪ ،‬السودان‪،‬‬ ‫جامعة األحفاد للبنات‪،‬‬ ‫‪.)2008‬‬ ‫‪" 17‬تقارير حول مؤمتر‬ ‫قانون األحوال الشخصية‬ ‫يف السودان"‪ ،‬و"نحو عدالة‬ ‫نوعية يف السودان‪ :‬قانون‬ ‫األرسة املقرتح"‪ ،‬املنظمة‬ ‫السودانية لألبحاث و التنمية‬ ‫(الخرطوم‪ :‬سورد ‪.)2012‬‬

‫وتعتقد العديد من الناشطات النسويات بأن الكثري من الجوانب‬ ‫املتعلقة بالزواج بحاجة إىل مراجعة وتعديل‪ .‬وتؤكد الناشطات‬ ‫النسويات أ َّن مجرد رفع الحد األدىن لسن الزواج ‪-‬كام يقرتح اإلصالحيون‬ ‫من الحزب الحاكم‪ -‬لن يكون له سوى تأثري ضئيل ما دام قانون األرسة‬ ‫املسلمة ينص عىل أن للويل الذكر سلطة التعاقد يف الزواج يف حالتي كل‬ ‫من النساء البالغات والفتيات الق َُّص‪ .‬وعليه‪ ،‬ما مل تكن املرأة قادرة عىل‬ ‫التعاقد بنفسها يف الزواج‪ ،‬فسوف تظل قوامة الرجل ووصايته جامثة عيل‬ ‫صدور النساء ومعيقة لقدرتهن عىل اتخاذ القرار‪.‬‬

‫‪ 18‬محمد مسعود‪" ،‬املساوة‬ ‫النوعية و فقه الوالية"‪ ،‬يف‪:‬‬ ‫النوع والعدالة يف قانون‬ ‫األحوال الشخصية اإلسالمي‪:‬‬ ‫العدالة و االخالق يف التقاليد‬ ‫القانونية االسالمية‘ (تحرير)‪.‬‬ ‫لريا الرسني‪ ،‬زيبا مري حسيني‪،‬‬ ‫كريستيان مو‪ ،‬كاري فوغت‬ ‫(تاوريست‪ :)2013،‬ص‪.130 .‬‬

‫وباإلضافة إىل ذلك‪ ،‬فإ َّن قانون األرسة الحايل لسنة ‪ ،1991‬ال يسمح‬

‫‪19‬مقابلة مع عائشة الكارب‪،‬‬ ‫‪ 25‬مايو‪.2011 ،‬‬

‫‪96‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫ملف العدد‪ :‬جنسانية المرأة في المجتمعات اإلسالمية‬ ‫ما بين الهوس والتحريم‬

‫المرأة والجنسانية في‬ ‫المجتمعات اإلسالمية‬

‫تحريم غير ُم َبر َّر ٍ‬

‫كيت كينغزفورد‬ ‫كيت كينغزفورد‪:‬‬ ‫كاتبة وباحثة يف‬ ‫قضايا النوع يف الرشق‬ ‫األوسط وشامل‬ ‫أفريقيا‪ .‬تناولت‬ ‫أطروحتها لنيل درجة‬ ‫الدكتوراه موضوع‬ ‫(انتامءات النساء‬ ‫والتغيري االجتامعي يف‬ ‫الحرض الزنجباري)‪.‬‬

‫"يف البلدان العرب‪-‬إسالمية‪ ،‬يُ َعدُّ الجنس نقيض الرياضة؛ فالكل يتحدث والروحية للجنس‪ .‬وترى شريين الفقي بأنه من وجهة نظر هؤالء الشيوخ‬ ‫عن الرياضة إال أنَّ القليل جداً منهم ميارسها‪ .‬ولكن بالنسبة للجنس‪ ،‬الكالسيكيني فإ َّن "الجنس الباهت ليس من اإلسالم يف يشء"‪.‬‬ ‫فإنَّ الكل ميارسه ولكن ال أحد يرغب يف الحديث عنه"‪.‬‬ ‫وعىل عكس الكثري من املواد اإلباحية (البورونغرافيا) املعارصة‪،‬‬ ‫لخ َ​َّص ْت طبيبة مرصية يف االقتباس السابق ‪-‬الذي نقلته عنها شريين احتفلت النصوص العربية يف العصور الوسطى باملتعة الجنسية املتبادلة‪،‬‬ ‫الفقي يف كتابها الرائد‪( :‬الجنس والقلعة)‪ -‬واحدة من أعظم املشاكل مع الرتكيز بقدر كبري عىل متعة اإلناث أُسوة مبتعة الذكر‪ .‬وكانت اللذة‬ ‫أمضت شريين الفقي الجنسية تُ َناق َُش من حيث الجوانب الصحية والرومانسية‪ ،‬مع فوائدها‬ ‫االجتامعية املسكوت عنها يف الرشق األوسط‪ .١‬وقد‬ ‫ْ‬ ‫سنوات عديدة يف البحث يف قضية الجنس يف الدول العرب‪-‬إسالمية العقلية والجسدية والروحية‪ .‬وكان ال ُق َّراء يُشَ َّج ُعو َن عىل مامرسة جنسية‬ ‫طارح ًة العديد من األسئلة التي ال يقدر عىل صياغتها إال القليل من متطورة وت َ َعلُّم كيفية إعطاء املحبوب االستمتاع كوسيلة لتعميق عالقة‬ ‫الناس‪ .‬وحتى مع ثورات الربيع العريب التي ساهمت يف فتح الحوار عن الحب بني األزواج‪ .‬وكان الحب والجنس يعامالن كظاهرتني متكاملتني‪.‬‬ ‫حقوق اإلنسان يف جميع البلدان‪ ،‬ظَل َّْت قضية الحقوق الجنسية ‪-‬وخاصة‬ ‫إذن ما السبب الذي جعل التعبير عن الحب أمراً‬ ‫تلك املتعلقة باملرأة‪ -‬من امل ُ َح َّر َمات‪.‬‬ ‫ُمخْجِ َل ً في المجتمعات العرب‪-‬إسالمية المعاصرة؟‬ ‫بالتأكيد لم تكن الكتابة عن الجنس في ذلك الوقت‬ ‫ي ُن ْ َظ ُر إليها على أنها شيء (قذر) أو ُم ِ‬ ‫سيء للدين‪.‬‬

‫ففي حني يُ ْس َم ُح للرجال بقدر من الحرية الجنسية وحرية التعبري‪ ،‬إال‬ ‫أ َّن الجنس بالنسبة للمرأة يُ ْعتَ َ ُب مسألة خطرية‪ ،‬وتتعرض املرأة ألشكال‬ ‫الضبط االجتامعي كافة‪ ،‬ابتدا ًء من الترشيعات واألحكام االجتامعية‬ ‫بل عىل العكس‪ ،‬فقد َع َّ َبت املخطوطات األيروسية يف العصور‬ ‫املتعلقة بالزي‪ ،‬إىل الرقابة اليومية لسلوك النساء بواسطة األرس واملجتمع‬ ‫الوسطى عن الجنس عىل اعتبار أنه هبة إالهية‪ ،‬ومصدر للفرح وليس‬ ‫بصفة عامة‪.‬‬ ‫الخجل‪.‬‬ ‫ويف بعض املناطق‪ ،‬ت ُ ْعتَ َ ُب مامرسة برت األعضاء الجنسية للمرأة وسيلة‬ ‫ِ‬ ‫وقد ا ْعتَ َ َب العلامء العرب الكالسيكيون الرغبة الجنسية للمرأة أمرا ً‬ ‫رضورية لضبط رغبات املرأة‪ .‬ومن ناحية أخرى نجد أنه عىل املستوى‬ ‫اليومي ال يجد الكثري من الناس جهات نافذة يتوجهون إليها بتساؤالتهم طبيعياً وجميالً وليس شيئاً يجب كَ ْبتُهُ‪ .‬فقد جاء يف موسوعة (جامع‬ ‫عن قضايا الجنس‪ ،‬وينحرص الحديث عن موضوع الجنس يف إطار العفة اللذة) املخطوطة يف بغداد يف أوخر القرن العارش بواسطة عيل بن‬ ‫واإلنجاب والتحذير من امل ُ َح َّر َمات‪ .‬وحتى يف إطار عالقات الزواج يشعر نرص الكاتب‪ ،‬أ َّن الرغبة الجنسية للمرأة لها دور مركزي‪ .٣‬فالجنس أكرب‬ ‫األزواج بالحرج والخجل الشديد الذي مينعهم من إجراء حوار مفتوح بكثري من كونه مجرد رضورة للتكاثر‪ ،‬ولكنه شكل من أشكال الفن يبدأ‬ ‫وصادق عن حياتهم الجنسية‪.‬‬ ‫باملغازلة‪ ،‬ورسائل الحب‪ ،‬واملحادثات العاطفية والرومانسية‪ ،‬ويتطور مع‬ ‫املداعبة الشاملة‪ .‬ووفقاً البن نرص‪ ،‬فإ َّن النشوة الجنسية املتزامنة هي‬ ‫والغريب أ َّن هذه النزعة التطهريية املزعومة ت ُ ْعتَ َ ُب ظاهرة حديثة أفضل طريقة "لضامن الحب واملودة املتبادلة"‪ ،‬لذا يجب عىل الرجال‬ ‫نسبياً‪ ،‬ومثلها فكرة أ َّن الدين يقوم عىل الجهل الجنيس والتَّ َز ُّمت‪ .‬ففي أن يتعلموا كيفية إرضاء رغبات املرأة من أجل ضامن السعادة الزوجية‪.‬‬ ‫حقيقة األمر نجد تاريخياً أ َّن الثقافة اإلسالمية قد احتفت بالجنسانية وكذلك بعد املجامعة يجب أن يستمر الزوج يف تقبيل زوجته ومحادثتها‬ ‫قروناً عديدةً‪ .‬وكذلك فقد َح ِفلَت املخطوطات العربية واإلسالمية للتأكُّد من أنها تشعر باالرتياح والتقدير‪.‬‬ ‫الكالسيكية باألوصاف املحتفية باإلثارة واملتعة الجنسية‪ .٢‬والعديد من‬ ‫وت ُ َع ُّد مخطوطة (الروض العاطر) للشيخ النفزاوي املكتوبة يف القرن‬ ‫هذه املخطوطات قد كتبها شيوخ دين من أمثال جالل الدين السيوطي‬ ‫وهو شيخ صويف عاش يف القرن الخامس عرش‪ ،‬وله كتابات غزيرة ىف الخامس عرش‪ ،‬خالصة وافية أخرى للنصائح والقصص الرصيحة وواسعة‬‫مسائل الجنسانية‪ ،-‬واحتوت العديد من املخطوطات الكالسيكية عىل النطاق مثل (كاماسوترا) الهندية‪ ،‬مع فصول كاملة تحتوي أوصافاً‬ ‫مناقشات رصيحة عن تقنيات مامرسة الجنس وعن األبعاد العاطفية ُملَطَّ َف ًة لألعضاء التناسلية الذكرية واألنثوية وغريها الكثري‪ .‬وبينام كان‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪97‬‬


‫الرسم‪ :‬صالح ابراهيم ‪ -‬السودان‬

‫األوروبيون يف ذلك الوقت سيشعرون بالفزع من ازدهار الحضارة‬ ‫اإلسالمية وانفتاحها‪ ،‬كانت املتعة الجنسية املتبادلة ت ُ َع ُّد واحدة من‬ ‫امتيازات الحضارة وليست مصدرا ً للعار‪.‬‬ ‫فام الذي تغري إذن؟ وملاذا ال يزال الحديث عن الجنس أمرا ً يف غاية‬ ‫الصعوبة؟ فبعد مرور قرون قليلة عىل ظهور كتاب النفزاوي (الروض‬ ‫العاطر)‪ ،‬بدأ النفوذ السيايس والثقايف للعرب يف التدهور‪ .‬ويف الوقت‬ ‫ذاته بدأت املجتمعات العربية واإلسالمية تتحول إىل مجتمعات ُم َحا ِفظَ ٍة‬ ‫و ُم ْن َغلِ َق ٍة‪ ،‬خاصة فيام يتعلق باملوقف من الجنس‪.‬‬

‫فعىل الرغم من املحاذير والتابوهات التي تحيط بالنقاشات الرصيحة‬ ‫عن الجنسانية إال أنه يف بعض املجتمعات اإلسالمية ت ُ ْد َم ُج مسائل‬ ‫الجنس يف األعراف االجتامعية‪ ،‬كام أ َّن الفكرة التي تنظر إىل الجنس عىل‬ ‫اعتباره شيئاً جديرا ً باالحتفاء واالستمتاع به ال تزال ح َّية إىل حد كبري‪.‬‬ ‫ومن األمثلة عىل ذلك مجتمعات املسلمني يف جزيرة (زنجبار) الواقعة يف‬ ‫املنطقة الساحلية لرشق أفريقيا‪ ،‬حيث تُ َث ُِّل مامرسة الـ(السينغو) ‪-‬وهي‬ ‫أمسية يتخللها التدليك واإلرشادات الجنسية والرتابط النسايئ‪ -‬جزءا ً من‬ ‫املامرسات الثقافية للمرأة تتزامن مع مراسم الزواج‪ .‬وعىل العكس من‬ ‫املخطوطات األيروسية التي كانت سائدة يف العرص العبايس والعصور‬ ‫الوسطي‪ ،‬تعود مامرسة الـ(السينغو) بجذورها إىل األعراف املحلية‬ ‫األفريقية والثقافة الشفاهية التي ت ُ َع ِّ ُب عن نفس التعايش ما بني الديني‬ ‫والجنيس واملتعة الحسية والحب والزواج‪.‬‬

‫لكن لرمبا قد حان الوقت اآلن لتغيري بعض من هذه التابوهات‪.‬‬ ‫وكام جاء يف طرح شريين الفقي يف سفرها (الجنس والقلعة)‪ ،‬فإ َّن العودة‬ ‫إىل النقاشات الرصيحة عن الجنس واالستمتاع بالحياة التي م ّيزت‬ ‫وتحظى شخصية (الكونغوي) ‪-‬وهي عبارة عن امرأة ُم ِس َّنة تؤدي دور‬ ‫املخطوطات الكالسيكية يجب أن تكون عنارص أساسية يف عملية التغيري‬ ‫ُم َعلِّ َمة الجنس‪ -‬باحرتام كبري‪ ،‬وتُ ْعتَ َ ُب خبرية يف فن الزواج الناجح‪ ،‬وبالتايل‬ ‫االجتامعي اإليجايب‪.‬‬ ‫‪٤‬‬ ‫تتمتع بسلطة دينية ‪ .‬ومن املتوقع أن تكون النساء غري املتزوجات‬ ‫وبما أ َّ‬ ‫عدميات الخربة الجنسية ويجهلن مثل هذه األمور‪ ،‬ولكن بعد الزواج‬ ‫ن العديد من األعراف االجتماعية التي‬ ‫تحد من حرية المرأة في التعبير تستند إلى أ َّ‬ ‫ت ُ ْعتَ َ ُب الزوجة مسؤولة ‪-‬إىل حد كبري‪ -‬عن الحياة الجنسية للزوجني‪ ،‬سوا ًء‬ ‫ن‬ ‫فيام يتعلق بإرضاء زوجها أو ت َ َف ُّهمِ متعتها‪ .‬فقبل أيام قليلة من الزواج‪،‬‬ ‫الجنسانية األنثوية هي خطر ماحق‪ ،‬يصبح النقاش‬ ‫الصريح في هذا المنحى خطوة أساسية نحو الدفاع تقيض (الكونغوي) ومجموعة من األقارب اإلناث أمسية مع العروس‬ ‫ويث ُِّل هذا اللقاء انتقاالً طقسياً من حالة إىل أخرى‪ ،‬حيث تُ َق َّد ُم العروس‬ ‫عن حقوق المرأة‪.‬‬ ‫َُ‬ ‫إىل عاملي‪ :‬الجنسانية وزمالة النساء الناضجات‪ ،‬وبذا ت ُؤكَّ ُد هويتها‬ ‫ويف املقابل ما تزال هناك بعض من املساحات تتمتع مبواقف إيجابية االجتامعية كزوجة وكمسلمة‪.‬‬ ‫حيال الجنسانية النسوية يف السياق اإلسالمي ضمن الثقافة املحلية‪.‬‬

‫‪98‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫ملف العدد‪ :‬جنسانية المرأة في المجتمعات اإلسالمية‬ ‫ما بين الهوس والتحريم‬

‫وت ُ َغل ُِّف (الكُونغوي) خطابها ‪-‬أثناء تعليمها للعروس عن الجنس‪-‬‬ ‫بلغة ُم ْستَ َم َّد ٍة من األعراف اإلسالمية‪ ،‬مع الرتكيز عىل الحديث النبوي‬ ‫الذي ينص عىل أ َّن "الزواج هو نصف الدين"‪ .٥‬وإ َّن العالقة الجنسية‬ ‫يجب االستمتاع بها يف الزواج‪ .‬ويف حديث آخر ُذكِ َر أ َّن الرسول قد قال‪:‬‬ ‫"ال يقعن أحدكم عىل امرأته كام تقع البهيمة وليكن بينكام رسول"‪ .٦‬و‬ ‫الرسول الوارد يف الحديث بحسب تفسريه هو‪" :‬القبلة والكالم الط ّيب"‪.‬‬ ‫وهكذا يتشابك الوالء الديني مع االحتفاء بالحسية واإلغراء واملتعة‬ ‫املتبادلة‪.‬‬ ‫وتتعلم العروس ‪-‬كجزء من تدريبها يك تصبح زوجة مسلمة صالحة‪-‬‬ ‫كيفية خلق َج ٍّو مثري عن طريق ارتداء األزياء األنيقة‪ ،‬ومسح بدنها‬ ‫بزيوت خاصة كـ(اليالنغ يالنغ)‪ ،‬وارتداء الخرز حول خرصها‪ ،‬ونرث‬ ‫العطور وأزهار الياسمني يف غرفة النوم‪ .‬وال تتعلم العروس فقط احرتام‬ ‫زوجها وكيفية منحه للمتعة‪ ،‬ولكن يك تحقق هي أيضاً املتعة لنفسها‪.‬‬ ‫ويتميّز طقس (السينغو) ب َج ٍّو من االحتفالية حيث تنخرط بقية الفتيات‬ ‫يف الغناء والرقص وإلقاء النكات املليئة باإليحاءات الجنسية‪ .‬فالجنس‬ ‫األنثوي ميثل مصدر فرح يجب االحتفاء به‪.‬‬ ‫وتعكس ممارسة (السينغو) روح النصوص العربية‬ ‫الكالسيكية عن الجنس‪ ،‬وت ُ ْ‬ ‫ضفِ ي إحساساً بالبهجة‬ ‫ومزيجاً من الغواية الرومانسية مع الفكاهة‬ ‫الدنيوية‪ ،‬والقبول بأن المرأة لها الحق في التعبير‬ ‫عن رغبتها‪.‬‬

‫بأي حال من االحوال أ َّن املجتمع السواحييل‬ ‫و لكن كل هذا ال يعني ِّ‬ ‫يُشَ ِّج ُع املرأة عىل التعبري اإليجايب للجنس األنثوي يف كل األجواء إن كان‬ ‫ذلك من جانب الزي أو السلوك أو الحديث الرصيح‪ ،‬بل هو بعيد عن‬ ‫هذا كل البعد‪ .‬و لكن مع ذلك‪ ،‬فإ َّن استمرار مثل هذا الطقس (السينغو)‬ ‫من شأنه أن يتيح للمرأة عىل األقل فرصة واحدة للتعبري عن وجودها‬ ‫عم إذا كان ذلك س ُي َ ْت َج ُم إيل واقعٍ يف غرفة‬ ‫كذات جنسية‪ ،‬بغض النظر َّ‬ ‫النوم بعد الزواج أم ال‪.‬‬ ‫فاملامرسات الثقافية التي تحتفي بالجنس األنثوي يف اإلطار االسالمي‪،‬‬ ‫مثل طقس سينغو العروس يف زنجبار‪ ،‬كانت و ال تزال جزءا ً من األعراف‬ ‫االجتامعية‪ .‬وال يُ َع ُّد قبول النشاط الجنيس للمرأة وخلق مساحة لألزواج‬ ‫لالستمتاع بحياة جنسية أفضل شيئاً جديدا ً يف الثقافات العرب‪-‬إسالمية‪،‬‬ ‫ولكنه ُ َيث ُِّل شيئاً ُمه َِّمً ميكن استعادته‪ .‬إ َّن فتح املجال واسعاً إلجراء‬ ‫مناقشة حرة ومفتوحة عن النشاط الجنيس يف العامل اإلسالمي يُ َع ُّد أمرا ً‬ ‫حيويَّاً لحرية التعبري‪ ،‬ولحقوق املرأة‪ ،‬ولعالقات شخصية صحية‪.‬‬

‫ولكن هذا ال يعني التخيل عن األخالق‪ ،‬أو رفض الثقافة أو الدين‪.‬‬ ‫وت ُ َق ِّد ُم مواقع مثل (الحب ثقافة)‪ ٧‬مساحات إلكرتونية للشباب ملناقشة‬ ‫القضايا املتعلقة بالجنس يف سياق يتضمن الحساسية الثقافية‪ ،‬حيث‬ ‫ميكنهم طرح األسئلة وإيجاد إجابات دقيقة من دون إصدار أحكام‬ ‫ضدهم‪ .‬إ َّن تحدي التابوهات الجنسية قد يساعد يف العودة إىل روح‬ ‫العلامء املسلمني الكالسيكيني الذين احتفلوا باللذة وتنوع التجربة‬ ‫الجنسية كام هو الحال يف ك ٍُّل من‪( :‬جامع اللذة)‪ ،‬و(الروض العاطر)‪.‬‬ ‫بقلم‪ :‬كيت كينغزفورد‬

‫من االنجليزية‪ :‬محمد الفكي‬ ‫‪1‬‬

‫شريين الفقي‪ ،‬الجنس‬ ‫والقلعة‪( ،‬لندن‪ :‬فينتتش‪،‬‬ ‫‪.)2013‬‬ ‫‪ ٢‬كُ ِت َب العديد من هذه‬ ‫املخطوطات إبَّان الخالفة‬ ‫العباسية (‪1258 – 750‬‬ ‫هـ) ‪ -‬العرص الذهبي لإلنتاج‬ ‫الفكري العريب الكالسييك‬ ‫– أو يف قرون بعد ذلك من‬ ‫العصور الوسطى وحتى نهاية‬ ‫القرن الخامس عرش‪.‬‬ ‫‪ ٣‬برينيال مايرين‪( ،‬إمتاع‬ ‫املحبوب‪ :‬الجنس والحب‬ ‫الحقيقي يف ملخص األيروسية‬ ‫العربية يف العصور الوسطى)‪،‬‬ ‫يف املحبوبة يف االدب الرشق‬ ‫أوسطي (تحرير)‪ .‬عيل رضا‬ ‫كورانقي‪ ،‬وهنادي السامن‪،‬‬ ‫ومايكل بريد (لندن‪ :‬توريس‪،‬‬ ‫‪.)2018‬‬ ‫‪ ٤‬كاترينا دايل مثبسون‪( ،‬كيف‬ ‫تكونني زوجة مسلمة صالحة‪:‬‬ ‫نساء ميارسن سلطة دينية‬ ‫خالل األعراس السواحيلية)‪،‬‬ ‫مجلة الدين يف أفريقيا ‪41‬‬ ‫(‪.448-427 :)2011‬‬ ‫‪ ٥‬الرتمزي‪ ،‬حديث ‪.3096‬‬ ‫‪ ٦‬شريين الفقي‪ ،‬الجنس‬ ‫والقلعة‪.‬‬ ‫‪٧‬‬

‫منرب (الحب ثقافة) يوفر‬ ‫مساحة إلكرتونية للشباب‬ ‫حيث يتناقشون يف قضايا‬ ‫الحب والجنس والعالقات‬ ‫والحصول عىل معلومات‬ ‫خالصة عن الصحة والحقوق‬ ‫الجنسية باللغة العربية‪.‬‬ ‫للمزيد ابحث يف‪www. :‬‬ ‫‪lmarabic.com‬‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪99‬‬


‫األمهات غير‬ ‫المتزوجات وتحديات‬ ‫المعاش‬ ‫الواقع ُ‬ ‫صفية الصديق‬

‫الكاتبة‪ :‬صفية‬ ‫الصديق‪ :‬صحفية‬ ‫وكاتبة سودانية‬ ‫تخ َّرجت من جامعة‬ ‫الخرطوم قسم‬ ‫اإلعالم وحصلت عىل‬ ‫املاجستري يف الصحافة‬ ‫من الجامعة نفسها‪.‬‬ ‫وهي متعاونة مع‬ ‫العديد من الصحف‬ ‫ومنظامت املجتمع‬ ‫املدين‪.‬‬

‫حكت صديقتي التي تعيش يف إحدى مدن الشامل النييل قصة مؤملة‬ ‫حدثت يف مدينتهم النائية‪َ .‬ص َد َر يف منتصف الليل من أحد املنازل‬ ‫املجاورة صوت وكأنه رضب عىل صخو ٍر عتية‪ ،‬مل يجد له أهل الحي‬ ‫تربيرا ً‪ .‬ويف الصباح أعلن الجريان أن ابنتهم ذات الثالثني ربيعاً قد ماتت‬ ‫أي عزاء كعادة أهل‬ ‫وقرروا تشييع جثامنها بال مراسم ومل يقيموا لها َّ‬ ‫البالد‪ .‬ومل ِ‬ ‫رس َب الرس الخفي حيث نبأ إىل أهل‬ ‫ميض وقت طويل حتى ت َّ‬ ‫الحي أ َّن الصوت الذي دوى يف منتصف الليل قبل وفاة الفتاة كان صوت‬ ‫رسب‬ ‫اصطدام جسدها حيث أُل ِق َيت ُع َّدة مرات عىل األرض بعد أن ت َّ‬ ‫خرب حملها بدون زواج إىل أهلها الذين قرورا وأدها كام يف العصور‬ ‫البالية وبالتاىل إنهاء حياتها وجنينها‪ .‬ورغم أمل الجريان وأهل البلدة إال أ َّن‬ ‫تواطؤهم مع جرم قتل الفتاة بدا واضحاً ال لبس فيه وكأنه أمر طبيعي‬ ‫وفعل البُ َّد منه‪.‬‬

‫الرسم‪ :‬نصر الدين الدومة ‪ -‬السودان‬

‫اإلجهاض املتكرر‪:‬‬ ‫حص‬ ‫تبلغ حواء اآلن من العمر خمسني عاماً‪ ،‬وقد خاضت عددا ً ال يُ َ‬ ‫من عمليات اإلجهاض ورمي األجنة يف قنوات مياه الزراعة أو يف أماكن‬ ‫النفايات أو دفنهم يف املساحات املهجورة‪ ،‬ألنها حبلت عددا ً من املرات‬ ‫من دون زواج كأم بدون زوج‪ ،‬قصة حواء كانت من القصص امل ُرعبة‬ ‫يف تلك القرية الصغرية من قرى الجزيرة يف وسط السودان‪ ،‬فالجميع‬ ‫يعلم مبوضوع عالقاتها مع عدد من الرجال إال أ َّن أحدهم مل يعرتف‬ ‫ألي من أبنائها‪ .‬وتقول حواء إنها كانت ترغب يف إنجاب‬ ‫يوماً ما بأبوته ٍّ‬ ‫األطفال لكن أيَّاً من الرجال الذين ارتبطت بهم كانوا يرفضون االعرتاف‬ ‫بالطفل ويرفضون مواجهة املجتمع أو تقنني عالقتهم بها‪ .‬وتروي حواء‪:‬‬ ‫لدي رغبة‬ ‫"ال علم يل وال إمكانيات بكيفية منع نفيس من الحمل وليس َّ‬ ‫يف أن أعيش دون عالقة وبوضعي هذا لن يقبلني املجتمع ولن يقبل أن‬ ‫يتزوجني أحد‪ .‬وكيف يل أن أواجه طفيل بأ َّن ليس لديه أب؟ وكيف يل أن‬ ‫أعطيه حقه يف الصحة والتعليم والرعاية وهو بال هوية؟!! والنتيجة أنني‬ ‫اآلن يف الخمسني من العمر وضاعت فرصتي يف أن أكون أ َّماً"‪.‬‬

‫هذه هي النظرة لألمهات غري املتزوجات يف مجتمعات وسط وشامل‬ ‫السودان‪ ،‬حيث يواجهن مصائر غري معروفة وقيودا ً كثرية منها الديني‬ ‫واالجتامعي والثقايف‪ ،‬ورغم أ َّن قضية األمهات غري املتزوجات هي‬ ‫واقع موجود ألسباب كثرية منها إشكاالت االغتصاب والعنف الجنيس‬ ‫املسكوت عنه يف مجتمعات السودان‪ .‬وإشكاليات االعتداء عىل الطفالت‬ ‫دون سن الثامنة عرشة‪ ،‬وكلها أمور وإشكاالت شائعة‪ ،‬أو الوعود الزائفة‬ ‫من الرجال بالزواج من الشابات الاليت طال انتظارهن وما زلن يَتُق َن إىل‬ ‫الحياة األرسية‪ .‬وىف السنوات األخرية صارت العديد من النساء الشابات‬ ‫يرغنب يف إنجاب أو تب ِّني األطفال دون الدخول يف التزامات الحياة‬ ‫الزوجية وهنالك مجموعة أخرى من األمهات غري املتزوجات من فئة‬ ‫رشدات الاليت يف الغالب يُن ِج َنب بدون وعي‪ .‬ويف كل هذه الظروف‬ ‫املت ِّ‬ ‫تواجه األمهات غري املتزوجات مصائر مظلمة وجائرة محكومة بتصورات‬ ‫املجتمع للدين‪ ،‬واألهم تصورات املجتمع لدونية وال إنسانية املرأة‪،‬‬ ‫األمهات العازبات وتعقيدات تبني األطفال‪:‬‬ ‫والنظرة القارصة لجنسانية النساء وحقوقهن اإلنجابية التي يتم التعامل‬ ‫معها باعتبارها ُو ِج َدت فقط لتلبية احتياجات الرجال وفق قيم املجتمع‬ ‫قصة أخرى ترويها إحدى األمهات الشابات‪" :‬كنت عائدة ليالً من‬ ‫التقليدي‪ .‬وليك توائم النساء ما بني واقعهن وتصورات املجتمع الجائرة‬ ‫تلجأ العديد من النساء إىل حلول قاسية وخطرة لتج ُّنب العار والتجريم إحدى املناسبات االجتامعية وإذا يب أتفاجأ بجمع غفري من الناس‬ ‫معهم مجموعة من القوات الرسمية ليتضح أنهم وجدوا طفالً رضيعاً‬ ‫القانوين واملجتمعي‪.‬‬

‫‪100‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫ملف العدد‪ :‬جنسانية المرأة في المجتمعات اإلسالمية‬ ‫ما بين الهوس والتحريم‬

‫كثريا ً من املشاكل والتساؤالت من ابني عندما بدأ يكرب وبدأ يسألني‬ ‫عمن هو أبوه‪ ،‬وأ َّن أصدقاءه بالروضة والحقاً املدرسة يطلقون عليه‬ ‫لدي إجابات‬ ‫(ود املرة) يقصدون أنه ابن امرأة وليس له أب‪ .‬مل يكن َّ‬ ‫كنت أقول له إ َّن والدك قد ت ِّ‬ ‫وواجهت‬ ‫ُوف‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫عىل تساؤالت ابني‪ .‬وكثريا ً ما ُ‬ ‫مشكلة حقيقية يف تسجيله يف السجل املدين للمواليد فهم ال يعرتفون‬ ‫بالتب ِّني ومل يوافقوا عىل إعطائه اسم عائلتي والتي هي باألساس رافضة‬ ‫متكنت من تسجيله باسم والد وهمي‬ ‫للفكرة‪ .‬وبعد الكثري من الجهد‬ ‫ُ‬ ‫حتى أضمن له حقَّه يف التعليم والرعاية الصحية‪.‬‬ ‫ملفوفاً بقطعة قامش ويف حالة صحية يُ َ‬ ‫تطوعت بحمل الطفل‬ ‫رث لها‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫مع الرشطة ألقرب مستشفى وكانت نتيجة الفحوصات أنه يعاين من‬ ‫التهاب حاد ونسبة شفائه قليلة‪ ،‬ويف هذه الحاالت فإ َّن الطفل يف الغالب‬ ‫يكون عرضة للموت أل َّن املستشفيات ال ت ُِول األطفال فاقدي الرعاية‬ ‫األبوية عناية كافية لعدم وجود أبوين‪ ،‬ولعدم وجود من يتكفل بالدفع‬ ‫للمستشفى‪ .‬مل أستطع ترك الطفل حديث الوالدة وحده يف املستشفى‪،‬‬ ‫وبعد ُع َّدة أيام من املكوث معه قررتُ أن أتبناه‪ .‬مكثت معه باملستشفى‬ ‫أي قريب طلبت من‬ ‫ألسابيع حتى استعاد صحته‪ ،‬وعندما مل يظهر للطفل ُّ‬ ‫أفراد الرشطة بأن أتبناه رسمياً‪ ،‬وفعالً تم منحي األوراق الرسمية بدون‬ ‫تلك اإلجراءات الروتينية لألرس البديلة (هي أرس تقوم برتبية األطفال‬ ‫فاقدي الرعاية األرسية بعد إجراءات من دور الرعاية)‪ ،‬أخذت الطفل‬ ‫معي إىل املنزل‪ ،‬وعندما أخربتُ أهيل بقصته خريوين بني البقاء معهم أو‬ ‫التخلُّص من الطفل‪ .‬كنت يف تلك األيام حديثة التخرج وأمتلك القليل من‬ ‫َّنت وبصعوبة من‬ ‫املال‪ ،‬ق َّررتُ ترك املنزل‪ ،‬ومبساعدة بعض األصدقاء متك ُ‬ ‫استئجار منزل يف األطراف القص ّية للمدينة يف منطقة معزولة ال تسكنها‬ ‫الكثري من األرس وذلك ألتجنب األسئلة ع َّمن هو والد الطفل‪ .‬ورغم ذلك‬ ‫ضت لكثري من التح ُّرشات؛ فالعديد من‬ ‫مل أسلم من املجتمع فقد تع َّر ُ‬ ‫الرجال مبا يف ذلك زماليئ يف العمل حيث كانوا يعتقدون أنني أنجبت‬ ‫الطفل من عالقة غري رشعية باعتباري أ َّماً غري متزوجة‪ .‬ومن املالحظ أنَّه‬ ‫كان من الصعب عىل الجميع تف ُّهم أنني قد تبنيت هذا الطفل طوعاً‬ ‫واختيارا ً باعتباري راشدة وواعية بخيارايت وأن يل مطلق الحرية يف تب ِّني‬ ‫أي عدد من األطفال ما دمت قادرة عىل تربيتهم مبفردي‪ .‬وقد واجهت‬

‫إشكاالت التبني واإلطار القانوين التمييزي السائد‪:‬‬ ‫وفق إفادة إحدى العامالت االجتامعيات يف دور رعاية األطفال‬ ‫فاقدي الرعاية األرسية أ َّن األمهات غري املتزوجات يواجهن تعقيدات‬ ‫عديدة‪ .‬فعىل الرغم من أ َّن املجتمع يتقبّل أن يعيش األطفال دون رعاية‬ ‫أمهاتهم لكن املجتمع نفسه ال يتق ّبل حتى اآلن فكرة وجود األطفال‬ ‫وسط األرس أو أن تربيهم األم الحقيقية‪ .‬ورغم أ َّن العديد من النساء‬ ‫الشابات يرغنب يف تبني األطفال دون زواج إال أ َّن املجتمع ال يزال يرفض‬ ‫أن تتبني امرأة شابة وغري متزوجة طفالً بينام يتقبل املجتمع فكرة تبني‬ ‫األطفال من قبل النساء غري املتزوجات كبريات السن والآليت هن يف‬ ‫العادة ليس لديهن القدرات الجسدية والصحية لرتبية األطفال ال ُّرضَّ ع‬ ‫وصغار السن وهو أمر موضوعي‪ .‬حيث ارتبطت فكرة التبني يف املجتمع‬ ‫السوداين بعدم القدرة عىل اإلنجاب دون النظر إىل الجوانب اإلنسانية‪.‬‬ ‫إ َّن موضوع األمهات غري املتزوجات أصبح أمرا ً واقعاً الرتباطه مبتغريات‬ ‫الحياة االجتامعية‪ .‬فالعديد من النساء والرجال صارت لهم أراء سلبية‬ ‫تجاه مؤسسة الزواج ويف الوقت نفسه ترغب النساء يف أن يك َّن أمهات‪.‬‬ ‫وبينام يتمتع الرجال بامتيازات قانونية واجتامعية متك ّنهم من تسجيل‬ ‫أكرب عدد من األطفال بأسامئهم وأسامء أرسهم‪ .‬تواجه جميع األمهات‬ ‫غري املتزوجات بأ َّن القانون ال يسمح له ّن بنسبهم إليه ّن حيث تعطيهم‬ ‫دار الرعاية أو األرسة البديلة اسامً ُمتَ َخ َّيالً‪ ،‬وعليه يواجه الطفل املُتَ َب َّني‬ ‫سلسلة من التعقيدات االجتامعية والرسمية‪ ،‬فإن شاءت األقدار وتزوج‬ ‫وأنجب الطفل امل ُت َب َّنى أبناء فإ َّن إثبات نسب أطفاله يتطلب شهادة‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪101‬‬


‫أحد أفراد األرسة من جهة األب تحديدا ً (العم) وأل َّن االبن باألساس ألم‬ ‫غري متزوجة وليس لديه أقارب مام يجعل حياة األطفال املتبنني من‬ ‫قبل نساء وهم غري قليلني غاية يف التعقيد‪ .‬حيث يظل هؤالء األطفال‬ ‫تالحقهم أزمة الهوية والوصمة االجتامعية (ود حرام‪ ،‬أو بت حرام) طوال‬ ‫حياتهم"‪.‬‬ ‫تواصل العاملة االجتامعية قائلة‪" :‬وفق تجربتي يف العمل بدور رعاية‬ ‫األطفال والطفالت فاقدي الرعاية األبوية فإ َّن أغلب األمهات ال يرغنب‬ ‫للتخل‬ ‫ِّ‬ ‫التخل عن أبنائه ّن إال أ َّن ضغط املجتمع واألرسة يضطره ّن‬ ‫يف ِّ‬ ‫عنهم‪ ،‬فإنني أتذكَّر أ َّن هنالك طفلة بإحدى دور الرعاية كانت تجد‬ ‫اهتامماً خاصاً من إحدى النساء التي كانت تزورها بانتظام‪ ،‬وتحرض لها‬ ‫املالبس والعطور‪ ،‬وتشرتي لها الذهب والفواكه‪ ،‬وتذهب معها باستمرار‬ ‫إىل الحدائق‪ ،‬وتأخذها إىل منزلها وعندما بلغت الفتاة سن الخامسة‬ ‫عرشة اكتشفت أنها تتواصل مع أمها الحقيقية إال أ َّن األم رفضت‬ ‫االعرتاف بها خوفاً من املجتمع‪.‬‬

‫بإجراء عمليات الوالدة الطبيعية والقيرصية لألمهات غري املتزوجات‬ ‫بدون (تخدير) أو إتباع أي إجراءات سالمة لألم والطفل كعقوبة منهم‬ ‫حتى ال تكرر ذلك الفعل (املعيب)‪ ،‬هذا غري أ َّن األطباء ال يجرون العملية‬ ‫إال بحضور قوة رسمية وإثبات أ َّن الفتاة (حامل بالحرام) يف محارضهم‪،‬‬ ‫وبعد ذلك يتابعونها حتى تكمل فرتة الوالدة ويعودون لتطبيق عقوبة‬ ‫الزنا عليها‪ ،‬وهذا يف رأيي نابع من هوس الرشف والعذرية املوجود يف‬ ‫املجتمع السوداين"‪.‬‬ ‫الوصمة االجتامعية والخوف من التجريم‪:‬‬

‫دكتور محمد يوسف أحمد املصطفى‪ ،‬أستاذ علم االجتامع بجامعة‬ ‫الخرطوم يرى أ َّن مشكلة األمهات غري املتزوجات يف السودان نابعة من‬ ‫تفسريات الدين اإلسالمي تحديدا ً يف مجتمعات وسط السودان‪ ،‬وأضاف‬ ‫أ َّن غري املسلمني ليس لديهم ذات اإلشكاالت وال تعترب هذه قضية معقدة‬ ‫ويضعون لها معالجات مختلفة‪ .‬وال يُنظَ ُر لألمهات باعتبارهن مجرمات‪.‬‬ ‫ويضيف د‪ .‬يوسف أ َّن األمهات غري املتزوجات أصبحن يشكلن ظاهرة‬ ‫متزايدة عىل مستوى العامل والبد لإلطار القانوين السوداين أن يتعامل مع‬ ‫آراء الشباب يف مواقع التواصل االجتامعي‪:‬‬ ‫تلك الظاهرة مبوضوعية يف اإلطار القانوين واالجتامعي‪ .‬إ َّن ما يحدث‬ ‫يف استطالع منشور يف مجموعة بالفيسبوك تضم نساء ناشطات يروين يف السودان هو نكران األب كامالً للمولود خارج إطار الزواج يف حني ال‬ ‫أي ُم َس َّمى‪.‬‬ ‫تجارب األمهات غري املتزوجات يف السودان وما يواجهن من تعقيدات يسمح القانون برغبة األم باالحتفاظ بالطفل تحت ِّ‬ ‫جاءت أغلب الردود أ َّن التجربة مناسبة يف ظل التعقيدات الذكورية‬ ‫وال ميكن لنا أن نرتك قضية األم غري املتزوجة دون أن نبحث يف قضية‬ ‫املوجودة باملجتمع السوداين‪ ،‬وجاءت إحدى الردود بأ َّن املجتمع ال‬ ‫يتسامح مع األمهات غري املتزوجات وال يتسامح مع الشابات الاليت يتبنني النشأة االجتامعية لألطفال والطفالت من هذه العالقة‪ ،‬ففي الغالب‬ ‫وه ّن قادرات عىل اإلنجاب وتزيد‪" :‬يف مجتمع مشوه كمجتمعنا ال أُشَ ِّج ُع سواء أكان قرار األم أن تنجب بدون زواج أو أنجبت دون قرار نتيجة‬ ‫النساء عىل اإلقدام عىل أن يصبحن أمهات‪ ،‬وحتى إن حدث حمل يجب لعالقة غري مخطط فيها لإلنجاب‪ ،‬ففي كل هذه األحوال ينكر اآلباء‬ ‫إجهاضه حتى ال يواجه الطفل بالوصمة االجتامعية وإهانة األم بالقانون أطفالهم وتبقى األم مواجهة بتلك اإلشكالية املعقدة‪ .‬وبالتأكيد ينعكس‬ ‫"لدي كل ذلك عىل التكوين النفيس للبنات واألبناء‪ ،‬وبهذا ينشأ جيل جديد‬ ‫الذي يعاقبها بح ِّد الزنا جلدا ً أو رجامً"‪ ،‬وتقول متداخلة أخرى‪َّ :‬‬ ‫إحدى املعارف أنجبت قبل الزواج من خطيبها إال أنها هي من تخلَّت نشأة ناقصة يغيب فيها دور األب ومن يقوم مقامه‪ ،‬ولذا وحتى تتوازن‬ ‫عن الطفلة وبعد أن تزوجت رفضت تربيتها‪ ،‬ويف رأيي هذا خضوع وتتفاعل األجيال القادمة مع بعضها ال بُ َّد أن يتقبل املجتمع سوى‬ ‫بالقانون مسالة األم غري املتزوجة وأن يُ َق ِّدم لألمهات غري املتزوجات دعامً‬ ‫لسطوه املجتمع"‪.‬‬ ‫مؤسسياً وتتم تسوية أوضاعهن وتحميل األباء املسؤولية عن األطفال‪.‬‬ ‫تعقيدات صحية وامتناع عن تقديم الخدمات‪:‬‬ ‫ليست كل شعوب السودان ت ُ َج ِّر ُم األمهات غري املتزوجات وأطفالهن‪:‬‬ ‫الربوفيسور جمعة كُندة كومي ‪-‬مهتم بقضايا النساء وناشط مدين‪-‬‬ ‫ويف مقابلة مع طبيبة أخصائية قالت‪" :‬إ َّن األمهات غري املتزوجات‬ ‫يواجهن واقعاً صحياً ُمعقَّدا ً‪ ،‬تحديدا ً يف حاالت الوالدة‪ ،‬فإ َّما أن تكذب يذهب لترشيح القضية من منظور الثقافة السودانية قائالً‪" :‬هي قضية‬ ‫وتقول أ َّن والد الطفل غري موجود وتُخر ُِج متثيلية ُمحكَمة لتفلت من ُمت َعلِّقَة بالحقوق وال ُح ِّريات الفردية وحق املرأة يف التحكُّم يف جسدها‪،‬‬ ‫عقاب األطباء والرشطة‪ ،‬أو أن تعرتف وتحتمل ما يرتتب عىل ذلك‪ ،‬حيث لكن ما مل يفتح السودان كمجتمع وحكومة الفرص لإلنسان لتفجري‬ ‫أ َّن هنالك ُعرفاً سائدا ً يف املستشفيات الحكومية وهو أ َّن األطباء يقومون طاقاته الذهنية والثقافية والجسدية ال ميكن لنا أن نسري خطوة يف‬

‫‪102‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫ملف العدد‪ :‬جنسانية المرأة في المجتمعات اإلسالمية‬ ‫ما بين الهوس والتحريم‬

‫طريق التنمية حتى يف حال حدوث استقرار سيايس‪ .‬وهذه القضايا ال‬ ‫تنفصل عن بعضها‪ ،‬فمسألة عقاب النساء ألنجابهن أطفاالً خارج إطار‬ ‫الزواج هي ضمن األيدلوجية السياسية واالجتامعية التي تؤسس لتحطيم‬ ‫املرأة وتحميلها مسئولية إنجاب األطفال وكأ َّن الرجل مل يكن رشيكاً يف‬ ‫إنجاب الطفل‪ .‬وتحمل النساء كامل املسئولية‪ .‬هذا التكتم والتكريس‬ ‫لتجريم األمهات غري املتزوجات يف السودان يحدث ال َّن هناك رفض‬ ‫وانغالق من مناقشة التعقيدات االجتامعية التي تحدث يف السودان‬ ‫بشكل عام‪ ،‬وهذا التكتُّم مينعنا من التوصل إىل حلول‪ .‬ويواصل د‪ .‬كندة‪:‬‬ ‫"إ َّن تعميم فكرة تجريم األمهات العازبات هو تعميم مخل؛ أل َّن الثقافة‬ ‫السودانية ليست كتلة واحدة‪ ،‬بل متع ِّددَة الثقافات واألفكار وهذه‬ ‫التعددية سمحت بدرجات متفاوتة بتق ُّبل فكرة األم املفردة‪ ،‬إذ نجد أ َّن‬ ‫هناك تفاوتاً ما بني ثقافات قبائل جبال النوبة وقبائل الوسط يف قصة‬ ‫تق ُّبل األمهات غري املتزوجات‪ ،‬حيث تتق َّبل العديد من مجتمعات جبال‬ ‫النوبة األمهات العازبات‪ .‬إال أ َّن هنالك قيودا ً يف النسب‪ ،‬حيث أ َّن الطفل‬ ‫غالباً ما يتم نسبه لجده أو خاله‪ ،‬أو ألبيه إن اعرتف به‪ .‬لكن مل يحدث‬ ‫أي من قبائل جبال النوبة مبا يف ذلك املجموعات املسلمة‬ ‫أن أقدمت ٌّ‬ ‫عىل إجهاض األطفال أو قتل األمهات غري املتزوجات‪ .‬فهذه األمناط من‬ ‫العادات موجودة يف مجتمعات شامل ووسط السودان‪ ،‬إذ تتواطأ األرسة‬ ‫للتخلص من الطفل‪ ،‬و َم َر ّد هذا إىل أ َّن املجتمع يتعامل بعنف مع األم‬ ‫غري املتزوجة بل ويرفضها متاماً ويحرمها من الحياة والزواج وهي عملية‬ ‫مباحة ومقبولة اجتامعياً أكرث من إعطاء األم الحق يف رعاية طفلها‪.‬‬ ‫وعملية التخلُّص من األبناء دامئاً تقوم بها النساء ألنه ّن املتهامت بخيانة‬ ‫رشف العائلة وعليه ّن معالجة األمر‪.‬‬

‫املتزوجة عقابها الرجم بالحجارة حتى املوت‪ ،‬وغري املتزوجة الجلد مائة‬ ‫جلدة‪ ،‬ويُفَضِّ ُل الدين التخلُّص من األبناء باعتبارهم ُمجاهرة بالخطأ‬ ‫وخطرا ً عىل املجتمع‪ .‬وتكمن اإلشكالية هنا يف أ َّن قتل املولود الربيء‬ ‫باسم اإلسالم يُ َع ُّد جرمية أكرب من جرمية الحمل خارج إطار الزواج‪.‬‬ ‫ويواصل الشيخ قائال‪ :‬إ َّن مامرسة الجنس قبل الزواج يعتربه الدين حراماً‬ ‫إال أنه غريزة إنسانية وكذلك اإلنجاب غريزة إنسانية فلامذا العقاب عىل‬ ‫الغريزة بالقتل الذي هو باألساس حرام وحرمته ال تهاون فيها من داخل‬ ‫النص القرآين‪.‬‬ ‫إن تجريم اإلنجاب لغري املتزوجات هو أمر يُفَضِّ ُل علامء الدين‬ ‫التقليديني واملهيمنني السكوت عليه ومعالجته بطرق غري إنسانية‬ ‫وأحياناً إجرامية أال وهي التخلّص من األطفال وإبعادهم عن األم‪ ،‬رغم‬ ‫أنها قضية موجودة بحكم تطور الحياة‪ ،‬وواجب علامء الدين املواءمة‬ ‫ما بني النصوص الدينية وواقع البرش املعاش‪ .‬مع العلم أ َّن النصوص‬ ‫اإلسالمية تتيح ذلك‪ .‬إال أ َّن هذه القضية هي إحدى القضايا املسكوت‬ ‫عنها يف الدين مثلها وقوم لوط الذين ذكرت النصوص أ َّن الله خسف‬ ‫بهم األرض وخلَّص البرشية منهم‪ ،‬وهذا يجعلنا نتساءل من أين أىت‬ ‫القوم ذوي امليول املثلية املوجودين اآلن؟ كل هذه املسائل املتعلِّقة‬ ‫بالجنسانية تتطلب البحث واملراجعة وعمق النظر يف داخل النصوص‬ ‫املق َّدسة التي ال تحظر علينا التفكري أو التجديد‪.‬‬ ‫مالحظة‪:‬‬

‫فَضَّ َل عدد من األشخاص الذين حاورهم هذا املوضوع عدم اإلفصاح‬ ‫وتتعامل القبائل السودانية ذات األصول األفريقية مع األم غري عن أسامئهم‪.‬‬ ‫املتزوجة بطريقة عملية ومختلفة حيث تعترب قضية اإلنجاب والحمل‬ ‫خارج الزواج هي قضية مجتمع وليست قضية أفراد‪ ،‬ويرجح االهتامم‬ ‫بوضع الطفل الوليد قبل أي يشء حيث يحرص املجتمع عىل رعاية الطفل‬ ‫وحاميته ويسمون مسألة الحمل خارج الزواج (كرس بيت)‪ ،‬ويطلبون‬ ‫بقلم‪ :‬صفية الصديق‬ ‫من األب االعرتاف بالطفل ودفع غرامة‪ ،‬ويف هذه الحالة يذهب املال‬ ‫لخال البنت وأهلها لجهة أمها‪ .‬ويف تقديري أ َّن هذه املعالجات هي‬ ‫معالجات منفتحة وأكرث واقعية مقارنة مبا يحدث لألمهات العازبات يف‬ ‫مجتمعات الوسط‪.‬‬ ‫موضوع يتطلب مراجعة النصوص الدينية‪:‬‬

‫يرى أحد شيوخ الصوفية وامل ُج ِّد ِدين يف قضايا الدين أ َّن الرأي اإلسالمي‬ ‫التقليدي فيام يخص األمهات غري املتزوجات هو التجريم‪ ،‬فالزانية‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٤‬‬

‫‪103‬‬


‫بريد‬ ‫القراء‬ ‫‪9 770231 104143‬‬

‫العدد ‪٢٠١٧ / ٣‬‬

‫"تتضمن مجلة (املرأة يف اإلسالم) إسهامات غنية يف مجال الفكر النسوي واإلسالم عىل نطاق واسع‪ .‬ومن أفضل ما مييز هذه‬ ‫املجلة هو أنَّها توفِّر منربا ً ومساح ًة للنساء املسلامت للتعبري بأصواته ّن عن حقوق املرأة يف اإلسالم‪ .‬إنَّها مجلة جيدة جدا ً‬ ‫لك ُِّل من يرغب يف االطِّالع عىل الشؤون النسوية وعالقتها بالدين والتقاليد من منظور عابر للقطاعات واملناهج"‪.‬‬ ‫سوغاندا بارمار‪ ،‬باحثة نسوية‪ ،‬بريطانيا‬

‫خيار النضال‬ ‫و ليس الهروب‬ ‫زيبا مري حسيني و املطالبة‬ ‫باملساواة من داخل التقاليد‬ ‫اإلسالمية‬

‫مواريث النساء‬ ‫في االسالم‬ ‫د‪ .‬زاهية بنت سامل جويرو‬ ‫تناقش مواريث النساء ما بني‬ ‫النص و التأويل‬

‫الترابي و النساء‬ ‫ملف العدد‪:‬‬ ‫النساء داخل‬ ‫المنظومة‬ ‫السلفية‬

‫"إ َّن املوضوعات التي عالجها العدد الثالث من مجلة (املرأة يف اإلسالم) كانت متنوعة ومفيدة للغاية‪ .‬وتأخذك‬ ‫املجلة من موضوع شيق إىل آخر‪ ،‬بطريقة سلسة للغاية‪ .‬ومن املوضوعات التي جذبتني املقابلة مع الروائية ليىل‬ ‫أبو العال‪ ،‬التي كانت ابنة َصفِّي يف جامعة الخرطوم‪ ،‬وكيفية إقدامها عىل تناول مسائل الدين والهوية يف كُتُ ِب َها‪.‬‬ ‫وتعكس مجلة (املرأة يف اإلسالم) الواقع املرير الذي تواجهه املرأة عىل ع َّدة أصعدة‪ ،‬واالستغالل الذي متارسه‬ ‫عليها بعض األطراف باسم الدين والثقافة‪ .‬وعىل الرغم من التَّح ِّديَّات العديدة‪ ،‬آمل أن تواصل (صيحة) جهودها‬ ‫يف تسليط الضوء عىل وجهة نظر وقضايا املرأة ذات العالقة باإلسالم"‪.‬‬ ‫منال عبد الحليم‪ ،‬ناشطة يف مجال حقوق املرأة‪ ،‬السودان‬ ‫وترعرعت يف َج ٍّو من ت َ َع ُّد ِد األديان والثقافات يف القرن اإلفريقي‪ ،‬شهدتُ التَّح ِّديَّات الجمة التي تواجهها‬ ‫"باعتباري ُولِدْتُ‬ ‫ُ‬ ‫النساء يف مجتمعاتنا الذكورية‪ .‬وأجز ُم أ َّن غالبية نساء منطقتنا ما زلن عىل هامش الهامش‪ ،‬عىل الرغم من عطائه ّن الكبري‬ ‫ودوره ّن الحيوي يف حضاراتنا التي تنحدر إىل مئات السنني‪ .‬وبالنسبة للنسويات املؤمنات بقضية املرأة مثيل يف إفريقيا‬ ‫وخارجها‪ ،‬ت ُ َع ُّد مجلة (املرأة يف اإلسالم) عنواناً تق ُّدمياً ومصدرا ً موثوقاً للمعلومات‪ .‬لذلك يعطيكم العافية يا فريق (صيحة)‬ ‫وإىل األمام!"‪.‬‬ ‫د‪ .‬زاري مريم فري ‪ ،‬ناشط ومؤسس الشبكة البيئية والرعوية يف القرن اإلفريقي‪ .‬شاعر ومحارض يف وحدة التخطيط‬ ‫التنموي‪ ،‬كلية لندن الجامعية (‪ ،)University College London‬اململكة املتحدة‪.‬‬ ‫"أصبح للحركات النسوية ص ًدى عميقاً يف املجتمعات اإلسالمية‪ ،‬بل باتت واقعاً ملموساً ال ميكن االستهانة به‪ .‬وت ُ َع ُّد مجلة‬ ‫(املرأة يف اإلسالم) الصادرة عن (صيحة)‪ ،‬مثاالً رائعاً عىل النقاش الحيوي حول مسائل النساء املسلامت‪ .‬حيث متنح جمهورها‬ ‫نهجاً إيجابياً للتفكري التجديدي حول اإلسالم واستعادة حقوق املرأة التي انتُ ِز َع ْت منها باسم الدين‪ .‬وتتميز مجلة (املرأة يف‬ ‫اإلسالم) مبعالجتها لشؤون املرأة‪ :‬االجتامعية واالقتصادية والدينية والقانونية والثقافية والفنية‪ .‬ومتنح املجلة مساحة للنساء‬ ‫ملشاركة تجاربه ّن الحياتية مع غريه ّن من النساء بحكمة وثقة‪ ،‬وبروح من التدعيم املتبادل"‪.‬‬ ‫حوا جيمس‪ ،‬ناشطة يف مجال حقوق املرأة‪ ،‬السودان‪.‬‬

‫"مجلة رائعة من حيث املحتوى والعرض‪ .‬تتناول أحد أكرث املوضوعات الشائكة والجدلية يف مجتمعاتنا‪ ،‬وتحديدا ً‬ ‫املرأة‪ ،‬بأسلوب تق ُّدمي‪ .‬حيث تفعل ذلك يف ِظ ِّل واقعٍ من الجهل والضبابية الذي أخذ يستهدف الدين ويش ِّوه‬ ‫معانيه‪ ،‬ويرجعنا عصورا ً إىل الوراء‪ .‬إ َّن السعي إىل التنوير هو مسرية مستمرة وصعبة‪ ،‬وتتطلب الصرب واإلرادة‬ ‫واإلرصار‪ .‬إ َّن املهام التي أخذتها هذه املجلة عىل عاتقها هي مهمة للغاية وينبغي دعمها ورعايتها لكونها متثّل‬ ‫إضافة نوعية يف الثقافة والتنوير"‪.‬‬ ‫نارص الرس‪ ،‬قارئ ُمطّلع عىل مجلة (املرأة يف اإلسالم)‪ ،‬السودان‪.‬‬

‫‪104‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬


‫إصدارات صيحة‬ ‫تجريم النساء في السودان‪ :‬بانتظار‬ ‫إصالحات جذرية‬

‫"تفتح مجلة (املرأة يف اإلسالم) املجال لآلراء واألصوات املتنوعة التي ال تنظر‬ ‫إىل الدين باعتباره يُ َ ِّب ُر عدم املساواة‪ ،‬وتكشف النقاب عن الكثري من التقاليد‬ ‫والطقوس الزائفة‪ .‬وأنا أق ِّدر مساعيها يف تسليط الضوء عىل إنجازات املرأة‬ ‫بشكل عابر للزمان واملكان‪ ،‬وفتح باب النقاش حول ع َّدة أمور كانت مخفية‬ ‫و ُمب َه َمة يف السابق‪ .‬كل ما أكتبه هنا يعكس آرايئ الشخصية‪ .‬بانتظار املزيد!"‪.‬‬ ‫هويدة عبد اللطيف محمد‪ ،‬قارئة ملجلة (املرأة يف اإلسالم)‪ ،‬السودان‪.‬‬

‫ُ‬ ‫نه َجة‬ ‫تتحد َّى المرأة السودانية جمل ًة من سياسات التمييز‬ ‫الم َم َ‬ ‫ار ُ‬ ‫س وفق القوانين الجائرة‪ .‬حيث أصبحت المرأة‬ ‫ضدها والتي ت ُ َم َ‬ ‫د َف ًة بشكل متزايد في حمالت االعتقال والتحقيق واألحكام‬ ‫ُمستَه َ‬ ‫الظالمة ُ‬ ‫ُس ِّل ُط‬ ‫الم َم َ‬ ‫سة ضدها‪ .‬واِنطالقاً من التجربة السودانية‪ ،‬ي َ‬ ‫ار َ‬ ‫هذا التقرير الضوء على التجارب الشخصية لنساء وقعن ضحي ًة‬ ‫لألحكام العشوائية‪ ،‬خاص ًة الطالبات‪ ،‬والمدافعات عن حقوق‬ ‫اإلنسان‪ ،‬والنساء المهاجرات‪ ،‬وبائعات وصانعات المشروبات‬ ‫واألطعمة‪.‬‬ ‫(التقرير صادر باللغة االنجليزية)‬

‫االتجار بالمرأة‪ :‬بين ظروف الفقر‬ ‫والصدمة النفسية‬

‫أشركونا في أرائكم عبر مواقع التواصل‬ ‫االجتماعي‬ ‫انضموا لقائمة المغردين‬ ‫@‪sihanet‬‬ ‫‪journal@suhanet.org‬‬ ‫‪womeninislamjournal.com‬‬

‫تهاجر مئات النساء والفتيات من إثيوبيا يومياً للعمل في دول‬ ‫الخليج العربي ودول الشرق األوسط بشكل شبه قانوني وتحت‬ ‫الستار أحياناً‪ .‬تتناول هذه الورقة انتهاكات حقوق اإلنسان التي‬ ‫تواجهها النساء عامالت المنازل في تلك الدول حيث يتم االتجار‬ ‫بهن واستغاللهن إلى أقصي درجة‪ .‬كما تتطرق الورقة إلى اآلثار‬ ‫النفسية والجسدية واالجتماعية الناجمة عن االنتهاكات التي تحدث‬ ‫لهن بعد عودتهن إلى ديارهن‪.‬‬ ‫(التقرير صادر باللغة االنجليزية)‬

‫المرأة ليس لها مكان تحت ظالل‬ ‫أشجار السنط‬

‫راسلونا‬ ‫ِ‬ ‫حول رأيكم في هذا العدد‬ ‫ولكل صاحبة وصاحب رأى مهتم بالكتابة والبحث والتوثيق‬ ‫في قضايا النساء والفتيات وقضايا الجندر في المجتمعات‬

‫المسلمة‪ ،‬يمكنكم مراسلتنا بما تودون نشرة ويخاطب‬

‫رؤية اإلصدارة من أبحاث وأوراق أكاديمية ومقاالت رأي او‬ ‫استعراض لتجارب شخصية للفائدة العامة وحوارات موثقة‬ ‫ولوحات فنية وكاريكاتير وشعر‪ .‬المجلة تستقبل الكتابات‬

‫باللغة العربية واللغة االنجليزية‪.‬‬

‫يتناول هذا التقرير الميل إلى الت َّ َمد ُّن والهجرة المتزايدة إلى‬ ‫المدن المركزية في المجتمع الصومالي‪ ،‬وعواقب ذلك على المرأة‬ ‫وعالقات النوع االجتماعي‪ .‬حيث أ َّ‬ ‫ن الهجرات إلى المدن لها آثا ٌر‬ ‫سلبية وإيجابية على المرأة الصومالية‪ .‬وي َُر ِّك ُز التقرير على البائعات‬ ‫ُ‬ ‫َج ِّو َلت في إقليم أرض الصومال (صوماليالند)‪ ،‬ويندرج البحث‬ ‫المت َ‬ ‫الوارد فيه ضمن سلسلة المبادرات التي تقوم بها (صيحة) لتمكين‬ ‫النساء العامالت في القطاع غير الرسمي في القرن اإلفريقي‪.‬‬ ‫(التقرير صادر باللغة االنجليزية)‬

‫‪journal@suhanet.org‬‬

‫‪womeninislamjournal.com‬‬

‫لالطالع علي مطبوعات صيحة زوروا موقعنا علي‬ ‫االنترنت‪www.sihanet.org :‬‬ ‫‪201٧‬‬ ‫املرأة يف اإلسالم العدد ‪٢٠١9 ٣٤‬‬

‫‪105‬‬


‫العدد ‪2019 - 4‬‬

‫صيحة‬

‫شبكة إقليمية تعمل‬

‫تقوم صيحة‬

‫بتنفيذ برامج بناء‬

‫في منطقة القرن اإلفريقي منذ‬

‫قدرات في داخل المجتمعات‬

‫بجد من اجل االرتقاء بواقع حال‬

‫أوائل تسعينيات القرن الماضي‪،‬‬

‫المحلية على مستوى القواعد‬

‫النساء والفتيات في منطقة‬

‫تضم في عضويتها أكثر من ‪80‬‬

‫الشعبية‪ ،‬وذلك بتوفير الدعم‬

‫من منظمات المجتمع المدني‬

‫المباشر للنساء والفتيات االتي‬

‫القرن اإلفريقي‪ ،‬ونؤمن بأن اِرادة‬ ‫النساء والفتيات والناشطين في‬

‫والمنظمات والمجموعات‬ ‫ُ‬

‫يعشن في ظروف الفقر والنزاعات‬

‫مجاالت حقوق المرأة ‪ ،‬تقف دوم ًا‬

‫النسائية‪.‬‬

‫المسلحة‪ .‬كما تعمل علي‬

‫صامدة في وجه القمع واالنغالق‬

‫تعزيز والدفاع عن حقوق النساء‬

‫السياسي والتقاليد التي تفرض‬

‫والفتيات من خالل انشطة‬

‫قيودها على النساء‪ .‬ونحن‬

‫جيبوتي‪ ،‬اريتريا ‪ ،‬أثيوبيا ‪ ،‬الصومال‬

‫المناصرة‪ ،‬واالنخراط في مشاريع‬

‫ندعوكم للتضامن معنا‪.‬‬

‫وارض الصومال وجنوب السودان‬

‫التأهيل ورفع المقدرات‪.‬‬

‫تعمل صيحة‬

‫في كل من‪:‬‬

‫والسودان و يوغندا وفي مدن‬

‫صيحة‬

‫الساحل الكيني‪ .‬رؤيتنا تقوم علي‬

‫تُشكل منشورات‬

‫ترسيخ حقوق النساء والفتيات‬

‫كتيبات إرشاد وتدريب ونشرات‬

‫في اِقليم القرن األفريقي في‬

‫وبحوث ومجالت‪ ،‬مصادر للمعرفة‬

‫سلمية وعادله و‬ ‫العيش في بيئة ِ‬

‫واالسهام في نشر الوعي ورفع‬

‫ممارسة حقوقهن كبشر على قدم‬

‫القدرات‪ ،‬ويستخدمها المهنيون‬

‫المساواة‪.‬‬

‫والناشطون والجهات المانحة‬

‫تعمل صيحة‬

‫في سبيل تحقيق‬

‫داخل المجتمعات المحلية في‬ ‫ترابط وثيق ما بين المعرفة‬ ‫األكاديمية والمناصرة‪.‬‬

‫العدد ‪ ٢٠١9 ٤‬املرأة يف اإلسالم‬

‫من‬

‫وصناع القرار في مختلف دول‬

‫هذه الرؤية من خالل شبكة راسخة‬

‫‪106‬‬

‫نحن نعمل في شبكة صيحة‬

‫العالم ومنطقة القرن االفريقي‪.‬‬


Issuu converts static files into: digital portfolios, online yearbooks, online catalogs, digital photo albums and more. Sign up and create your flipbook.