Page 1

‫أصوات‬ ‫السنة الرابعة‬ ‫العدد الرابع‬

‫تصوير‪ :‬محمد معاوية‬

‫تصوير‪ :‬روند عرقاوي‬


‫جدتي والنكبة‬

‫احملتويات‬ ‫جدتي والنكبة‬ ‫أمل وألم احلياة‬ ‫اجلدار العاري‬ ‫حياة ألم تتحول الى أمل‬ ‫جدتي والنكسة‬ ‫بالدي فلسطني‬ ‫الطريق إلى الهاوية‬ ‫أخبار مسرح احلرية‬ ‫االٔمل يولد من رحم املعاناة‬ ‫على مر الزمان‬

‫بانة هاشم عزموطي‬ ‫وئام أحمد خباص‬ ‫رزان عرفات عواد‬ ‫رغد رائد حسني أبو زينه‬ ‫إميان أحمد صالح‬ ‫آيات عالونه‬ ‫زينه كفاح أبو حماد‬ ‫رانيا وصفي‬ ‫عبد العزيز أبو علي‬ ‫أسيل أبو سالمة‬

‫بانة هاشم عزموطي‬

‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪4‬‬ ‫‪6‬‬ ‫‪8‬‬ ‫‪9‬‬ ‫‪10‬‬ ‫‪13‬‬ ‫‪14‬‬ ‫‪16‬‬

‫العمر ‪ 12‬عام ‪ -‬مدرسة االبراهيميين‬

‫تحرير وإشراف‪ :‬تيسير خطيب‬ ‫تصميم المجلة‪ :‬محمد معاويه‬ ‫بدعم من مؤسسة‪:‬‬

‫تصوير‪ :‬أسماء عبوشي‬

‫في عام ‪ 1948‬تعرض الفلسطينيون لإلهانة والتعذيب وشردوا‬ ‫من مساكنهم تاركين وراءهم كل شيء يمتلكونه‪ ،‬حتى أن بعض‬ ‫األسر الفلسطينية تركوا أبناءهم الصغار الرضع لعدم قدرتهم‬ ‫على حملهم في الطريق الطويلة التي سيقطعونها للتوجه إلى‬ ‫البلدان المجاورة‪ ،‬ومعظمهم رحلوا دون أن ينتعلوا أحذيتهم حتى‬ ‫ينجوا بحياتهم من العدو الصهيوني الذي اقتحم البيوت اآلمنة‬ ‫وطرد سكانها وقتل منهم كما فعل بدير ياسين‪.‬‬ ‫وجدتي هي من المشردين في النكبة وإحدى ضحاياها‪ .‬كانت‬ ‫تقطن في حيفا‪ ،‬وتحديداً في قرية عين حوض‪ ،‬وروت لي جدتي‬ ‫قصتها الطويلة في النكبة حيث كانت صغيرة عندما رحلوا من‬ ‫مدينتهم الجميلة المطلة على البحر‪ ،‬حيفا‪ .‬كانت في التاسعة من‬ ‫عمرها عندما دخل اليهود بيتهم من الباب الرئيسي‪ ،‬وعندما سمع‬ ‫أبوها صوتهم جمع أبناءه وزوجته وهربوا من الباب الخلفي‬ ‫دون أن ينتعلوا أحذيتهم‪ ،‬وتركوا كل شئ يمتلكونه وراءهم‪،‬‬ ‫وركضوا إلى مغارة صغيرة أعلى الجبل واحتموا بها في الليل‬ ‫حتى الصباح‪ .‬بعد ساعات قليلة شعروا بالجوع ولم يجدوا شيئا ً‬ ‫يأكلونه‪ ،‬فشرعوا بالتقاط ثمار الشجر المتناثرة على سفح الجبل‪،‬‬ ‫واستمروا هكذا أسبوعاً‪ ،‬ومن شدة الجوع راحوا يعملون معا ً‬ ‫من أجل لقمة العيش‪ ،‬فجمعوا أغصان األشجار وجعلوها كومة‬ ‫واحدة وغطوها بالتراب وشقوا حفرة صغيرة أسفل الكومة‬ ‫ووضعوا شرارة من النار لتبدأ األغصان باالشتعال‪ ،‬وعندما‬ ‫تشتعل كلها تخمد النار وتبقى خامدة تحت التراب مدة أسبوع أو‬ ‫أكثر‪ ،‬ومن ثم يقومون باستخراج القطع السوداء وهي “الفحم”‪،‬‬ ‫ومن ثم يقومون بتقطيعها الى قطع متوسطة الحجم وبيعها للناس‪.‬‬ ‫استمروا على هذه الحال أكثر من شهرين‪ ،‬وعندما جمعوا بعض‬ ‫المال انتقلوا للعيش في مخيم جنين‪ ،‬حيث بنوا هناك غرفة‬ ‫صغيرة تأويهم‪ ،‬وعندما كبرت جدتي تزوجت ثم انتقلت للعيش‬ ‫مع جدي في (السعودية)‪ ،‬فأنجبت منه خمسة أوالد وبنتاً‪ ،‬حيث‬ ‫عملت هناك هي وجدي في مجال التعليم مدة عشرين عاماً‪ ،‬ثم‬ ‫عادوا الى مدينة جنين حيث عاشوا هناك‪.‬‬ ‫عاشت جدتي أوقات عصيبة وصعبة لن تنساها طوال حياتها وال‬ ‫زلنا نأمل بالعودة بعد التهجير!‬ ‫‪.‬‬

‫‪1‬‬


‫أمل وألم احلياة‬ ‫وئام أحمد خباص‬

‫العمر ‪ 22‬عام ‪ -‬جلقموس‬

‫‪22‬‬

‫كبير عن نتيجة ريم‪ ،‬فعرفت أن معدلها خمسة وخمسون‪.‬‬ ‫فرحت سناء لريم فرحا ً شديداً‪ ،‬وقالت “صبرت ونالت”‪.‬‬ ‫توجهت سناء لبيت ريم وأخبرتها بذلك‪ :‬حصلت على معدل‬ ‫خمسة وخمسون افرحي يا ريم‪ ،‬افرحي هذا يوم الفرح‬ ‫بالنسبة لك‪.‬‬ ‫لم تفرح ريم‪ ،‬ألنها تشعر بالعجز قليالً‪ ،‬وقالت الحمد هلل‬ ‫الذي ال يحمد عل مكروه سواه‪ .‬وحاولت سناء اقناعها‬ ‫بمتابعة دراستها في الجامعة‪ ،‬فردت عليها‪:‬‬ ‫ريم‪ :‬ال أفكر في هذا الشئ أبد اً‪ .‬يكفيني الذي حصل لي‬ ‫في المدرسة‪.‬‬ ‫سناء‪ :‬ال تنظري إلى الماضي‪ ،‬فكري في المستقبل‪ ،‬الحياة‬ ‫ال تتوقف‪ ،‬الحياة مستمرة‪.‬‬ ‫لم ترغب ريم بمتابعة الدراسة ولم يكن لديها استعداد‬ ‫للحصول على شهادة جامعية‪ .‬راحت سناء تفكر في الحل‬ ‫من أجل إقناع ريم بالدخول إلى الجامعة‪ .‬وطلبت مساعدة‬ ‫أصدقائها بالجامعة فعرضوا عليها ان تلتقي ريم بشخص‬ ‫معاق يدرس في الجامعة‪ .‬وهكذا كان‪ .‬فقد حضر هذا‬ ‫الشخص المعاق إلى بيت ريم‪ ،‬واستقبلته بكل قلب مُحب‪،‬‬ ‫وبدأ يتحدث إليها عن الجامعة وعن الدراسة الجامعية‬ ‫بالرغم من أنه كان فاقد السمع‪ :‬كل بداية تكون صعبة‪،‬‬

‫خطوة‪ ..‬خطوة‪ ..‬ثم الطريق كله‪ ،‬ثم يسهل األمر عليك‪ .‬وقال‬ ‫لها جملة أثرت في نفسها كثيراً‪ :‬المعاق هو الشخص الذي‬ ‫يكون فاقداً العقل!‬ ‫فكرت ريم في كالمه كثيراً‪ ،‬واتصلت بسناء وقالت لها‪ :‬تعالي‬ ‫عندي‪ ،‬لك عندي خبر سيسرك كثيراً‪ .‬فهمت سناء أن ريم‬ ‫وافقت على الذهاب إلى الجامعة‪ .‬حيث دخلت ريم الجامعة‬ ‫وهي مفعمة بالتفاؤل ولم تدرك أن الحياة فيها الحلو‬ ‫وفيها المر‪.‬‬ ‫بدأت صحة ريم تتحسن يوما ً بعد يوم‪ ،‬وبدأت بتلقي العالج‬ ‫الطبي‪ ،‬حيث لم تتركها سناء لحظة واحدة‪ ،‬وفجأة بدأت ريم‬ ‫بالنهوض عن الكرسي المتحرك‪ ،‬مما أدخل الفرح الى نفسها‪.‬‬ ‫ثابرت ريم ودرس��ت‪ ،‬وصبرت وآمنت بكل معاني الحب‬ ‫والتفاؤل‪ ،‬فلم تقف في وجهها المصاعب وصنعت من حياة‬ ‫المرض واإلعاقة‪ ،‬حياة جديدة مليئة بالحب واألمل والتفاؤل‪،‬‬ ‫وما أعظم الصبر فهو نعمة من هللا عز وجل‪ ،‬ما أجمل الصبر‬ ‫في عيون الذي ينتظرون لحظة الفرج‪.‬‬ ‫كانت هذه قصة ريم إلى جميع المعاقين اليائسين الذين يئسوا‬ ‫من حياتهم‪ ،‬فبالصبر‪ ،‬وطاعة هللا وتقواه عز وجل‪ ،‬واألخذ‬ ‫بالعلم‪ ،‬هم السبل للنجاح والتغلب على الصعاب‪ .‬فالعلم شئ‬ ‫عظيم ومهم في حياتنا يجب المحافظة عليه‪.‬‬

‫تصوير‪ :‬أمير صبيحات‬

‫ألم وما أصعبه من ألم!‬ ‫الحياة طويلة والطريق صعب‪ .‬قصتنا تتحدث عن ألم وقسوة‬ ‫بسالح من الصبر واإليمان‬ ‫الحياة‪ ،‬لكن علينا أن نواجه الحياة‬ ‫ٍ‬ ‫الذي ال يُقهر‪.‬‬ ‫ريم فتاة جميلة بروحها وأخالقها‪ ،‬جميلة باألمل الذي تحمله بين‬ ‫ضلوعها رغم األلم الذي تعانيه‪ ،‬ولدت وهي مصابة بالشلل التام‪،‬‬ ‫وعرفت أن الحياة صعبة ومليئة بالهموم واألحزان والصعاب‪.‬‬ ‫دخلت الى المدرسة وهي في السنة السابعة من عمرها‪ ،‬ولم‬ ‫تجد أحداً يفهم أحاسيسها ومشاعرها وما يجول في خاطرها‬ ‫من أفكار‪ ،‬ولم يكن عندها أصدقاء فراحت تفكر في ترك مقاعد‬ ‫الدراسة‪ ،‬وامتنعت عن الدراسة‪ ،‬الى أن ظهرت فجأة في حياتها‬ ‫صديقة اسمها سناء‪ ،‬وعرضت عليها صداقتها‪ .‬لم ترغب ريم‬ ‫بهذه الصداقة في البداية ألنها شعرت أنها أقل من اآلخرين‬ ‫بكثير‪ .‬استغربت سناء األمر فقالت لها ريم‪ :‬أنا أقل منك بكثير‬ ‫ولم أرغب في الدراسة والحياة أبداً‪.‬‬ ‫ت فتاة جميلة وجذابة وأجمل من أي طالبة من‬ ‫ سناء‪ :‬لماذا؟ أن ِ‬‫طالبات المدرسة‪.‬‬ ‫ ريم‪ :‬ال أعرف ماذا أريد من هذه الحياة‪ ،‬يا سناء!‬‫بدأت ريم تتقبل صداقة سناء التي خففت عنها بعض الهموم‬ ‫واألح���زان وأشعرتها أنها ق��ادرة على العيش مع اآلخرين‬ ‫ومواجهتهم‪ .‬ومضت سنوات الدراسة األول��ى‪ ،‬كبرت ريم‬ ‫ووصلت إلى الصف الحادي عشر أدبي وشعرت أنها قادرة على‬ ‫مواصلة الدراسة والعيش مع الناس ومواجهتهم بوجود‬ ‫سناء معها‪.‬‬ ‫ذات يوم توجهت ريم إلى الطبيب ألنها شعرت بالتعب قليالً‬ ‫واصطحبت معها صديقتها لترفع من معنوياتها‪ .‬فحصها الطبيب‬ ‫وأخبرها أن صحتها جيدة وممتازة‪ .‬طلب الطبيب من سناء أن‬ ‫تبقى قليال‪ ،‬فقام بإخبارها أن ريم متعبة جداً وأنه لم يتحدث أمامها‬ ‫بشيء خوفا ً على معنوياتها ومشاعرها من أي صدمة نفسية‬ ‫قاسية‪ .‬قالت سناء لريم‪ :‬هيّا بنا إلى البيت وأصرت ريم على‬ ‫سناء أن تتناول الطعام معهم‪ .‬وبينما هم يتناولون الطعام أصيبت‬ ‫ريم بإغماء شديد‪ ،‬فصرخت سناء بأعلى صوتها‪ ،‬ريم‪ ...‬ريم‪...‬‬

‫ريم! لم تجب ريم‪ .‬أحضروا الطبيب مرة أخرى‪ ،‬فعاينها وخرج‬ ‫من البيت بعد أن طمأن والدتها‪ ،‬فنامت ريم ولم تستيقظ إال بعد‬ ‫مرور ساعتين‪ .‬تذكرت ريم ما حصل معها وراحت تتحدث‬ ‫عن إعاقتها وعن عدم قدرتها على مواجهة هذه الحياة الصعبة‬ ‫والقاسية! فقالت لها سناء‪ :‬لم هذا التشاؤم! هذا شي من عند هللا‬ ‫سبحانه وتعالى‪ .‬قولي الحمد هلل‪“ ،‬إن هللا مع الصابرين”‪.‬‬ ‫رفعت سناء من معنويات ريم واستعانت بالقرآن الكريم من أجل‬ ‫أن يخفف عنها بعض الهموم واألحزان‪ .‬أحضرت سناء لريم‬ ‫كتاب يتحدث عن األمل والتفاؤل بعنوان “ال تحزن”‪ .‬بعد فترة‬ ‫وجيزة شعرت سناء أن ريم بدأت تتفاءل في حياتها‪ .‬وصلت ريم‬ ‫إلى مرحلة الثانوية العامة وسناء في السنة األولى من الدراسة‪.‬‬ ‫كانت ريم تتعرض لمشكلة السخرية واإلستهزاء من الطالبات‬ ‫كونها مقعدة‪.‬‬ ‫سناء‪ :‬ال تفكري في الفرق ما بينك وبين الطالبات في أي شئ‪،‬‬ ‫فالفرق بينكم هو التقوى‪ ،‬حيث يقول هللا عز وجل‪“ :‬إن أكرمكم‬ ‫عند هللا أتقاكم”‪.‬‬ ‫ريم‪ :‬أنا أريد أن أكمل دراستي في البيت ألن هذا الشئ يشعرني‬ ‫بالراحة قليالً‪.‬‬ ‫سناء‪ :‬فكرة جيدة وأنا جاهزة ألي مساعدة تريدينها أ يّا‬ ‫كان نوعها‪.‬‬ ‫بقيت ريم في البيت وكانت تدرس‪ ،‬وكانت سناء تأتي عندها‬ ‫كل يوم تقريبا‪ .‬اقترب موعد االمتحانات وريم على استعداد تام‬ ‫لالمتحانات‪ ،‬جاء أول يوم في االمتحانات وهو إمتحان اللغة‬ ‫العربية‪ ،‬ذهبت ريم إلى قاعة االمتحانات وبها رغبة قوية في‬ ‫النجاح والتفوق‪.‬‬ ‫في آخر يوم في االمتحانات تعرضت ريم لصدمة من الطالبات‬ ‫حيث قالوا لها “من المستحيل أن تنجحي”‪ .‬أصيبت بحالة نفسية‬ ‫سيئه رغبت في عدم الخروج من البيت ألنها ال تريد أن تحمّل‬ ‫نفسها فوق طاقتها‪.‬‬ ‫جاء يوم نتائج الثانوية العامة‪ .‬ذهبت سناء إلى المدرسة من أجل‬ ‫إحضار نتيجة ريم‪ ،‬حيث قابلت سناء المديرة وسألتها بإهتمام‬

‫‪3‬‬


‫اجلدار العاري‬ ‫رزان عرفات عواد‬

‫العمر ‪ 19‬عام ‪ -‬مخيم جنين‬

‫‪4‬‬

‫تصوير‪ :‬عبير ياسين‬

‫راحت تزيل ما علق على جدران بيتها من غبار بقطعة قماش‬ ‫خشنة متينة‪ ،‬وتنثر الماء في زواياه‪ ،‬تزيل الحصى من حديقته‪.‬‬ ‫وهناك تحت ظل شجرة زيتون اتخذت مقعداً جلست عليه‪.‬‬ ‫أخذت تراقب غصنا ً يتراقص مع الرياح قبل أن تعلق نظرها‬ ‫على الطريق الذي يفصل بين حديقتها والشارع‪ .‬انسابت‬ ‫دمعات من عينيها‪ ،‬مسحتها بسرعة‪.‬‬ ‫اقتربت من الطريق وجلست هناك‪ .‬تلمست بأصابعها الخشنة‬ ‫ترابه‪ ،‬وحملت كومة من التراب ضمتها إلى صدرها‪ ،‬مبللة‬ ‫إياها بسيل من الدموع تساقط من عينيها الحمراوتين‪.‬‬ ‫كان قد اقترب منها شاب وحمل بدوره بعض التراب‪ ،‬وفرك‬ ‫يديه به‪ .‬أمسك بذراع العجوز وأدخلها للبيت‪ .‬أخذ ينظر في‬ ‫زوايا البيت ويحدق في جدرانه العارية‪ .‬ف ّكر في نفسه أنه لو‬ ‫كان هنا لقال أنه يجب تغطية جدران البيت بزينة جميلة‪ ،‬حتى‬ ‫ال تظهر الشقوق الممتدة من سطح البيت إلى أرضيته‪ ،‬ولكي ال‬ ‫يأتي أهل خطيبته‪ ،‬وتكون لهم حجة في أن يضعوا نقطة سوداء‬ ‫في كتابه األبيض‪ .‬فتنظر أمهما إليه عاقدة حاجبيها‪ ،‬لم يكن‬ ‫ينقصها إال أن تفعل كل شيء حسب إرادة تلك العائلة‪ .‬لكنه لم‬ ‫يقصد أبداً ذلك ولم يهمه رأي تلك العائلة‪.‬‬ ‫مشى نحو خزانة جلست أمه عندها‪ ،‬وقد أفرغت أمامها كل‬ ‫محتواها ما عدا صندوق وضعته في حضنها‪ ،‬وشرعت تفتح‬ ‫قفله الذهبيّ اللون الذي صقله أسيد ذات يوم بعناية‪ ،‬متباهيا‬ ‫بذلك أمام أخيه محمد وأهداه ألمه‪.‬‬ ‫اغتاظ محمد يومها فصنع الصندوق حافراً عليه اسمها واسم‬ ‫أخيه واسمه وخريطة فلسطين‪ ،‬ليحفظ صورهم داخله‪ .‬تحسست‬ ‫الصور ومكثت تحدق بكل صورة فينة من الزمن‪ ،‬بينما وقف‬ ‫هو وراءها‪ ،‬يراقب الصور ويبتسم إلى أن وصلت بتصفحها‬ ‫الصور إلى تلك الصورة‪ .‬حمل نفسه وخرج بعدما ارتطم‬ ‫بالباب عدة مرات‪ .‬خرجت على إثره تجلس تحت الزيتونة‬ ‫تطرز احدي لوحاتها‪ ،‬لتكون قطعة من رداء جدارها العاري‬ ‫المتشقق‪ .‬امتزجت الخيوط بدموع خرجت من عينيها‪ ،‬وتلوثت‬ ‫اإلبرة بدم سال من إصبعها الذي جرح وهي تقص‬ ‫خيوط الحرير‪.‬‬ ‫كان محمد يمشي في الشوارع المظلمة عندما أوقفه رجل‬ ‫مستفسرا منه إن كان هو أخو أسيد‪ ،‬أومأ برأسه أن أجل‪ ،‬ثم‬ ‫عاد يسير في طريقه ال يعلم أين ينتهي به‪ .‬لكنه عاد به إلى‬

‫المنزل‪ .‬ال زالت تطرز لوحة تارة وتارة أخرى تحدق في‬ ‫تلك البقعة من الطريق‪ .‬جلس بجانبها يفتح موضوعا ويغلقه‪،‬‬ ‫ويفتح آخر ويغلقه أيضا‪ .‬ابتسمت شفتاها المرتعشتان‪ ،‬قالت‬ ‫انه في الغد ستذهب لتزور ابنها‪ .‬ارتجفت يداها المجعدتان‬ ‫وأحنت قامتها‪ ،‬ضمت يديها إلى بعضهما ع ّل موجة من‬ ‫الدفء تدخل جسدها وتقضي على موجة البرد التي سبقتها‬ ‫وغزت ضلوعها‪ .‬قادها محمد إلى البيت وغطاها بغطاء‬ ‫رقيق كان في ما مضى سميكا‪.‬‬ ‫ناداها مرارا أمي‪ ،‬ولمّا لم تجبه قرع الباب مراراً يرجوها‬ ‫أن تفتحه‪ ،‬أراد أن يخلع الباب إال أنها خرجت تحمل في‬ ‫يدها اسوارة غزلتها بيديها وطرزت عليها بعض األحرف‪.‬‬ ‫تشبتت بذراعه وسارت مبتسمة‪ .‬مضى مدة لم تتفقده فيها‪.‬‬ ‫اشتاقت لتكلمه عن أحوالها وعن أحوال أخيه‪ ،‬أما محمد فقد‬ ‫اشتاق ليكلمه عن أخبار الدنيا‪ ،‬ويشكو له همومه‪ ،‬ويخفف‬ ‫عن نفسه عبء نظرة الناس إليه على أنه جبان لم يكمل‬ ‫مسيرة أخيه‪ .‬وصال هناك‪ .‬مشيا برفق فوق التربة الحمراء‪.‬‬ ‫وعندما وصلت األم جلست تبكي بصمت‪ ،‬كي ال يسمعها‬ ‫ويؤنبها‪ .‬وضعت االسوارة فوق التربة ودفنتها‪ ،‬أمّا محمد‬ ‫فطفق يزرع بعض األزهار بجانبه‪.‬‬ ‫أخبره بأن خطيبته السابقة تزوجت من رجل خارج البالد‬ ‫وارتحلت هناك‪ ،‬أن حماه السابق أقام زفافا مغال فيه داعيا ً‬ ‫جميع من يعرفهم من أصحاب األعمال والرتب العالية‪،‬‬ ‫وأردف معلقا ً على ما حدث أنه لطالما أراد البنته أن تتزوج‬ ‫من رجل خارج البلد‪ ،‬وتبتعد عن هذا المخيم القذر كما قال‬ ‫عندما أخبرته بأنها تريد أن ترتبط برجل من نفس المخيم‬ ‫الذي تعيش فيه‪.‬‬ ‫جلست األم بجانبه مشيرة إليه بأن يتوقف عن إزعاج أخيه‬ ‫بكالمه الفارغ‪ ،‬وبدأت تضع بعض الجبن الذي يحبه أسيد‬ ‫في التراب وتغطيه جيدا؛ العتقادها بأنه سيتذوقه‪ .‬لطالما‬ ‫اعترض محمد على دفن الطعام عنده‪ ،‬لكنها تصر دوما على‬ ‫إطعامه مما أعدته بيدها‪ ،‬فيسكت محمد و يدعها تفعل‬ ‫ما تريد‪.‬‬ ‫في الصباح الباكر هرعت كالمجنونة نحو تلك البقعة من‬ ‫الطريق‪ ،‬وجلست هناك تناديه ـ بعدما رأته في حلمها‬ ‫مضرجا بالدماء ـ وكأنه ال زال يصرخ مناديا إياها وهو‬

‫يلفظ أنفاسه األخيرة‪ .‬جاء يومها ال تحمله قدماه‪ ،‬واضعا ً يده‬ ‫على جرح خلفته آخر معركة خاضها وزمالؤه ضد جنود‬ ‫االحتالل‪ ،‬أصابته رصاصة مصقولة من رصاصات المحتل‬ ‫اتخذت مكانها في صدره‪ .‬لم يستطع التقدم أكثر ومناداة أمه أو‬ ‫أخيه‪ ،‬فتمدد هناك في تلك البقعة‪ ،‬وعندما رآه محمد ذي الثالثة‬ ‫عشر من عمره ركض نحوه وبكى‪ ،‬وناديا مراراً أمهما حتى‬ ‫قدمت ورأته‪ ،‬وضعت رأسه على حضنها وأخذت تمسح وجهها‬ ‫بدمائه‪ .‬حاول محمد أن يبعد السالح عن أسيد خائفاً‪ ،‬إال أنه‬ ‫تمسك به و نهره عنه‪ .‬التقط آخر أنفاسه وهو ينظر في عينيها‬ ‫ويقول لها أنه يجدر بها أن تغطي جدران البيت المتشققة‪.‬‬ ‫نشروا صورة شهيد البالد في كل مكان‪ ،‬كم خاف محمد من‬ ‫هذه الصورة ألن أسيد كان يحمل سالحا ً وهو يخاف األسلحة‪،‬‬ ‫لطالما قال له أسيد أن خوفه من األسلحة هو ما جعله يمتلك‬ ‫أقوى األسلحة‪ ،‬الذي لم يستطع أسيد أن يحصل عليه قط وهو‬ ‫تعليمه‪ .‬حاول مراراً حمل سالح بعد وفاة أسيد لكنه لم يستطع‪،‬‬ ‫ولم يقدر على أن يكمل طريق أخيه فطفق يكمل تعليمه في‬ ‫جامعة صغيرة‪.‬‬ ‫أيقظها محمد من ذكرى اقتلعت فؤادها من مكانه‪ .‬أمسكت‬ ‫بمطرزاتها و بدأت تطرز من جديد‪.‬‬ ‫لقد جاء الجنود بعد وفاة أسيد واقتادوا محمد مراراً إلى‬ ‫سجونهم‪ ،‬وفي كل مرة يتركوه‪ .‬قال جارهم لهما بأنه يجب‬ ‫أن يذهبا إلى مكان آخر كما فعلت بعض األسر‪ ،‬فان الجنود‬ ‫سيظلون يزعجونهم بمساءالتهم وتحقيقاتهم الروتينية‪ ،‬إال‬ ‫أنها رفضت‪ ،‬وقالت أنها لن تخرج من هنا إال إلى مكانين‪:‬‬ ‫إما قبرها أو بلدها األصلي‪ .‬وحذا محمد حذوها ولم يسأم من‬ ‫التحقيقات المستمرة معه وتنغيص عيشه‪.‬‬ ‫نظر محمد إلى المطرزات أمام أمه‪ ،‬لم يبق الكثير وينتهي رداء‬ ‫الجدار كما أراد أسيد‪ ،‬اذ أنه يعتقد بأنه بمجرد إنهاء الرداء‬ ‫سيعود إلى أرضه هو والجميع غيره‪.‬‬ ‫طفقت األم تناول مطرزاتها لمحمد الذي كان يعلقها على‬ ‫الحائط العاري‪ .‬وعندما انتهى كانت خريطة فلسطين المطرزة‬ ‫قد اكتملت نوعا ما‪ ،‬لم تكن تنقصه سوى قطعة واحدة ستنهيها‬ ‫عما قريب‪.‬‬

‫‪5‬‬


‫حياة ألم تتحول الى أمل‬ ‫رغد رائد حسين أبو زينة‬

‫العمر ‪ 16‬عام ‪ -‬مدرسة االبراهيميين‬ ‫كانوا ثالثة أخوة يتيمي األب واألم‪ ،‬يعيشون في بي ٍ‬ ‫ت صغير‬ ‫يتكون من غرفة واحدة وساحة صغيرة جداً‪ .‬كان األخ الكبير‬ ‫يذهب من ساعات الصباح للعمل لكسب المال من عرق جبينه‬ ‫وتعبه ويرجع الى البيت في ساعات متأخرة من الليل‪ .‬كان لديه‬ ‫أ ٌخ في السادسة من عمره واسمه علي‪ ،‬وأخته نادية في الحادية‬ ‫عشرة من عمرها وهو اسمه محمد‪ ،‬في الثامنة عشرة من عمره‪.‬‬ ‫كان حين يرجع للبيت وينظر الى إخته وأخيه بحزن خالل‬ ‫نومهما يشفق عليهما جداً فهما ال يستطيعان انتظار رجوعه‪،‬‬ ‫فتدمع عيناه ‪ ،‬أنهما قطعة من لحمه وهو المسؤول عن أي شيء‬ ‫يحدث لهما بعد وفاة والديهم‪.‬‬ ‫استلقى إلى جانبهما ونام‪ .‬عند شروق الشمس وصياح الديك‪ ،‬قام‬ ‫األخوة الثالثة ليتناولوا الفطور مع بعضهم البعض وفرحوا كثيراً‬ ‫في هذه الجلسة الطيبة‪ ،‬فتلك كانت أول مرة يجلس األخوة الثالثة‬ ‫مع بعضهم البعض منذ أن بدأ األخ الكبير بالعمل‪ .‬بعد اإلنتهاء‬ ‫من الفطور‪ ،‬سأل محمد أخته وأخيه ان كانا بحاجة لشيء ما‪.‬‬ ‫فأجابته نادية أنها ال تحتاج شيئا أما علي فطلب منه أن يحضر‬ ‫له القليل من الحليب‪.‬‬ ‫جهز محمد نفسه للخروج للعمل‪ ،‬وبدأ يشق طريقه ويمشي لكي‬ ‫يكسب المال ويحضِ ر الحليب ألخيه‪ .‬وصل محمد إلى المقهى‬ ‫الذي يعمل فيه في جلي الفناجين وكان يقضي النهار وهو واقفٌ‬ ‫على رجليه وكان دائما ً مشغول البال عليهما‪.‬‬ ‫وبينما كان محمد يعمل في المقهى كانت نادية تالعب أخيها علي‬ ‫بحنانها وعطفها عليه لم تشعره بوفاة الوالدين‪ .‬مضى النهار‬ ‫وبدأت الشمس بالغروب وحل الليل والقمر بجماله نوّ ر القرية‬ ‫بضوئه الساطع‪ .‬رجع محمد ومعه علبة الحليب ألخيه علي‪،‬‬ ‫وعند دخوله البيت لم يسمع أي صوت‪ .‬ثار القلق في داخله‬ ‫وأسرع الى الغرفة ليرى نادية وعلي‪ ،‬لكنه لم ير أي أثر لهما‪،‬‬ ‫فازداد خوفه وبدأ يرتجف من الخوف‪ .‬وقعت علبة الحليب من‬ ‫يديه وخرج مسرعا ً ليبحث عنهما‪ ،‬بدأ يبحث ويبحث وعيناه‬ ‫تذرف الدموع من الخوف عليهما‪ .‬بقي وقتا ً طويالً وهو يركض‬ ‫في أرجاء القرية ولم يجد بعد أي أثر لهما‪ ،‬وعندما كان قلبه‬ ‫ينبض بسرع ٍة كبيرة من التعب ورجاله لم تعد قادرتان على‬ ‫حمله خطر في باله أن ينزل الى المدينة ليبحث عنهما‪ ،‬رغم أنها‬ ‫أكبر من القرية بكثير‪ .‬لم يفقد األمل بعد وراح يركض باتجاه‬

‫‪6‬‬

‫المدينة واألسئلة تدور في رأسه‪ .‬عند وصوله بدأ يسأل هذا وذاك‬ ‫عنهما دون فائدة واعتقد أن الليل سيمرّ دون أن يجدهما‪ ،‬وفجأة‬ ‫رآهما بعينيه المليئتين بالدموع من بعيد‪ ،‬يجوالن في المدينة وكل‬ ‫واحد منهما يحمل بيديه الدافئتين علب سجائر ويبيعانها للناس‪.‬‬ ‫ليكسبا المال ويساعدا أخيهما الكبير في جمع المال لكي تتحسّن‬ ‫حالتهم المادية قليالً! عندما رآهما محمد بدأ يصرخ عليهما من‬ ‫بعيد ويركض مسرعا ً قبل أن تخطفهما زحمة المدينة‪ .‬سمعا‬ ‫صوت محمد فوقفا وهما خائفين جداً من أخيهما الكبير‪ ،‬فقال‬ ‫ألخته‪ :‬نادية ما هذا؟ ماذا تفعلين أنت وعليّ هنا؟‬ ‫نادية‪ :‬ما رأيك بأن نذهب الى البيت ونتحدث بهدوء؟‬ ‫محمد‪ :‬هذه العلب لن ترجع معنا الى البيت إرمها وال أريد أن‬ ‫أراها بين يديكما مرة أخرى‪.‬‬ ‫رمت نادية وعلي العلب من بين يديهما الصغيرتين‪ .‬أمسك محمد‬ ‫يديّ علي ونادية ورجعوا إلى البيت وثالثتهم منهكين من التعب‪.‬‬ ‫عند وصولهم البيت جلس الثالثة وبدأ محمد يسأل نادية سؤاال تلو‬ ‫اآلخر وعينا نادية لم ترتفع عن األرض‪ ،‬ألنها لم تكن قادرة على‬ ‫النظر الى عينيّ أخيها‪ ،‬واعترفت له بأنها تعمل في بيع السجائر‬ ‫منذ أشهر ولم تكن قادرة على أن تخبره بذلك ألنها تعرف أنه‬ ‫سيرفض رفضا قطعياً‪ ،‬ولن يسمح لهما بأن يخرجاخطوة واحدة‬ ‫خارج البيت‪.‬‬ ‫بعد صمت طويل‪ ،‬طلب محمد من نادية أن ترفع رأسها وتنظر‬ ‫بحذر شديد‪.‬‬ ‫إليه‪ .‬رفعت ناديا رأسها وهي تنظر الى أخيها الكبير‬ ‫ٍ‬ ‫فسألها لماذا فعلت هكذا‪ ،‬فردت عليه‪ :‬كنا نريد انا وعلي أن‬ ‫نساعدك في مصروف البيت‪.‬‬ ‫محمد‪ :‬وهل ينقصكم شيء في البيت؟‬ ‫ً‬ ‫مسرعة‪ :‬ال‪ ..‬ال يا أخي ال ينقصنا شيء!‬ ‫ردت نادية‬ ‫محمد‪ :‬ولهذا السبب أنا ال أريد أن تفعال هذا مر ًة ثانية‪.‬‬ ‫نادية‪ :‬حسناً‪ ،‬أعدك أننا لن نعيد الكرّ ة‪.‬‬ ‫نظر محمد ألخيه علي وطلب منه أن يتقدم منه‪ .‬حضن محمد‬ ‫علي بعد أن وعده عليّ أن ال يفعل ما فعله مرة ثانية‪ .‬وقام‬ ‫واحتضن أخته نادية‪ .‬ابتسم محمد ابتسامة خفيفة وسامحهما‪.‬‬ ‫ومضت األيام وكبر اإلخوة الثالثة وصاروا شبابا ً يعتمدون على‬ ‫أنفسهم وعاشوا مع بعضهم حيا ًة سعيدة ملؤها المحبة واإلخالص‪.‬‬

‫تصوير‪ :‬هيفاء أبو صالح‬ ‫‪7‬‬


‫‪8‬‬

‫جدتي والنكسة‬

‫بالدي فلسطني‬

‫ايمان أحمد صالح‬

‫آيات عالونة‬

‫العمر‪ 12‬عام ‪ -‬مدرسة االبراهيميين‬

‫العمر ‪ 14‬عام ‪ -‬جلقموس‬

‫في عام ‪ 1967‬حلت على الفلسطينيين النكسة بعد النكبة‪ ،‬فقد‬ ‫حدثتني جدتي عن المعاناة التي عاشتها في تلك الفترة‪ ،‬وكانت‬ ‫تبلغ من العمر ‪ 51‬عام‪ ،‬حيث كانت تعيش في قرية فقوعه‬ ‫الواقعة شمالي جنين‪ .‬كان الناس في تلك الفترة مشغولين بوقت‬ ‫الحصاد فكانت تذهب جدتي مع مجوعة من نساء القرية لحصاد‬ ‫القمح في أطراف القرية‪ .‬في ذلك اليوم المشؤوم بينما كان الناس‬ ‫مشغولين بالحصاد سمعوا أصوات نداء وصراخ من أهل القرية‬ ‫يقولون‪ :‬اليهود وصلوا الى القرى المجاورة لفقوعة‪ ،‬وأن عليهم‬ ‫العودة فورا الي بيوتهم وتأمين أنفسهم وأوالدهم‪ .‬دب الرعب في‬ ‫نفوس الجميع وأخذوا يتسارعون في العودة الى بيوتهم ومنهم‬ ‫من اختبأ في مغارات صغيرة قريبة من القرية‪ ،‬والبعض هرب‬ ‫الى القرى المجاورة‪ .‬ذهبت جدتي مع إخوتها الصغار الى إحدى‬ ‫المغارات القريبة لبيتهم‪ ،‬وبعد يومين دخل اليهود قرية فقوعه‬ ‫وراحوا ينادون بالسماعات على أهل القرية‪ ،‬وكانوا يريدون‬ ‫عمل إحصائيات عن عدد سكان القرية‪ .‬قالت جدتي أنهم شعروا‬ ‫بالخوف الشديد في ذلك الوقت وكانوا يخافون من تكرار مجزرة‬ ‫دير ياسين التي حدثت سابقا‪ ،‬ولكن مختار القرية كان برفقة‬ ‫الجنود الصهاينة وكان يقنع الناس بالخروج الى الساحة العامة‬ ‫للقرية حتى يتم إحصاؤهم‪ ،‬وبعد فترة من الخوف والقلق خرج‬ ‫الناس من بيوتهم وتم إحصاؤهم تحت تهديد السالح‪ .‬حدثتني‬ ‫جدتي أيضا‪ ،‬أنه في تلك األيام خرج بعض الشباب من القرية‬ ‫واتجهوا الى األردن مشيا على األقدام مع أطفالهم ونسائهم ومنهم‬ ‫من عاد بعد عدة أشهر الى القرية ومنهم من بقي هناك حتى اآلن‬ ‫ومن بينهم شقيق جدتي‪.‬‬ ‫وبعد مرور وقت تحت هذا االحتالل الظالم‪ ،‬بدأ الشباب ينظمون‬ ‫أنفسهم ويحاولون التخلص من هذا االحتالل البغيض‪ ،‬بتدبير‬ ‫عمليات مقاومة مختلفة ضد العدو‪ ،‬بالرغم من إمكانياتهم‬ ‫المحدودة‪ ،‬ومن بين هؤالء الشباب كان شقيق جدتي الصغير‬ ‫الذي استشهد في تلك الفترة‪.‬‬ ‫تقول جدتي أن أمها كانت تخاف جداً عليها وعلى إخوتها‪،‬‬ ‫بسبب ما سمعوه عن مجزرة دير ياسين وكفر قاسم التي تم‬ ‫فيها االعتداء على النساء واألطفال‪ ،‬وها هي جدتي تخبرني بما‬ ‫حصل معها وأنا ال زلت تحت هذا االحتالل رغم المقاومة التي‬ ‫بدأها شعبنا‪ .‬فمتى ينتهي هذا االحتالل وتعود إلينا بالدنا ويعود‬ ‫الآلجئون ويبدأ نهار الحرية؟‬

‫أنت أيتها األرض التي تملؤني بمشاعر الخوف واألمن والحب‬ ‫والكره واالشتياق‪...‬‬ ‫أنت أيتها األرض التي تملؤني بمشاعر الفخر‪ ،‬وعند ذكراك‬ ‫أشعر بان كل الدنيا ال تساوي ذرة االشتياق لترابك‪.‬‬ ‫أنت أيتها األرض‪ ،‬يا من تحاولين إسكات صرخات أآلهات‬ ‫والحزن‪ ،‬لترسمي بسمة بريئة على عيون أطفالك ولتعطي بعض‬ ‫الصبر واألمل ألمهات وأطفال فلسطين‪.‬‬ ‫أر سوى القضبان واألسالك‬ ‫أر كصمودك في حياتي‪ .‬لم َ‬ ‫لم َ‬ ‫تحوم حولك‪ ،‬وال أرى في عينيك سوى الغضب والظلم والبؤس‪،‬‬ ‫وعينيّ أم عجوز قد طال عليها غياب أبنائها! لم أر سوى الدموع‬ ‫التي تسقط طوال العمر من عينيك‪ ،‬دموعك تلك التي تعطي‬ ‫األمل والفرح‪.‬‬ ‫ترين حزني واشتياقي لسهولك‬ ‫فأنت أيتها األرض الحبيبة يا من‬ ‫َ‬ ‫الخضر وأشجار زيتونك ولوزك وبرتقالك الحزين‪ ،‬أنت‬ ‫أدرى بحالي!‬ ‫أنت أيتها األرض التي ترتدي الثوب البني واألخضر الممتد من‬ ‫السماء الى األرض‪ ،‬المجبول بدماء شهداء ودموع األمهات‪،‬‬ ‫وليلك المظلم بليل شتاء السجون‪ .‬أيتها أالم أيتها العظيمة‪ ،‬من‬ ‫يراك يسحر بجمالك ولكنه يتناسى المنظر الحزين في عينيك!‬ ‫أنت أيتها األرض الجميلة وعروسك األجمل‪ :‬القدس‪ ،‬القدس‬ ‫بمساجدها وكنائسها الحزينة‪ ،‬واشتياق المساجد والكنائس‬ ‫للمصلين‪ ،‬أفال يسمعون صرخات وآهات المؤذن والكنائس وهي‬ ‫تنادي‪ :‬أين العرب؟‬ ‫قال أعداؤنا سننساك بعد بعض السنوات! ولكننا نقول لهم أننا في‬ ‫كل ثانية نذكرك‪ .‬وأقول ألعدائنا ومغتصبي أرضنا باني كتبت‬ ‫بكل قطرة من دمي أني أعشق فلسطين‪ ،‬وأن كل نبض في قلبي‬ ‫ينبض باسم فلسطين‪.‬‬ ‫فأنت أيتها األرض مهما حاولوا أن يجعلوك أمهم‪ ،‬فلن تكوني لهم‬ ‫أما‪ ،‬فاني اعلم أنك ستقولين لهم إنك أ ّم لعرب فلسطين‪.‬‬ ‫فأنت أيتها األرض‪ ،‬أ ّم لفلسطين وأ ّم لجد فلسطين‪ ،‬وأ ّم ألمهات‬ ‫وأبناء فلسطين‪ ،‬وأمي أيضا‪...‬‬

‫تصوير‪ :‬محمد معاوية‬ ‫‪9‬‬


‫الطريق الى الهاوية‬ ‫زينة كفاح أبو حماد‬ ‫العمر ‪ 16‬عام ‪ -‬مدرسة االبراهيميين‬ ‫بدأت حياتها سعيدة مع زوجها الذي كان يعمل رئيسا ًفي شركة‬ ‫مغر‪ ،‬كانت تشعر بأنها أسعد زوجة في الدنيا‪،‬‬ ‫مرموقة براتب ٍ‬ ‫فهو يحبها ويدللها ويفيض العطف عليها وعلى أوالدها‪ .‬كانت‬ ‫ملكة بيتها‪ .‬وتمضي األيام وسرعان ما يتحول هذا النعيم‬ ‫إلى جحيم‪.‬‬ ‫بدأ مسلسل األحداث المرة بتغيير مفاجئ في حالة زوجها النفسية‪.‬‬ ‫مزاج حاد متقلب‪ ،‬عصبية ألتفه األسباب‪ ،‬إلى أن بلغ األمر إلى‬ ‫الضرب الذي ترك أثره على صفحات وجهها!‬ ‫هذا ليس زوجها الذي كانت تعرفه‪ ،‬بل هو إنسان آخر‪ ،‬الحياة‬ ‫معه ال تطاق‪ .‬فال حب‪ ،‬وال عطف‪ ،‬وال حنان‪ .‬كان يأتي إلي‬ ‫البيت ورائحته كريهة جداً‪ ،‬وفي يوم من األيام أخذت ثيابه‬ ‫كالعادة لتغسلها فوقعت يديها على مادة غريبة تبين لها فيما بعد‬ ‫أنها قطعة من الحشيش المخدر! اكتشفت الطامة المفجعة‪ ،‬وهي‬ ‫أن زوجها غدا مدمنا ً للمخدرات‪ .‬لم تنجح محاوالتها المتكررة في‬ ‫نصحه فقد كانت كما لو أنها تضرب في حديد بارد‪.‬‬ ‫لجأت إلى والديه واستنجدت بهما في نصحه وإرشاده للعالج‬ ‫فاستجابا لطلبها وحضرا وليتهما لم يحضرا‪ .‬فما أن تحدثوا عن‬ ‫الموضوع‪ ،‬بدأ بشتمهما‪ ،‬ثم طردهما من المنزل‪.‬‬ ‫ازدادت حالة زوجها سوء يوما ً بعد يوم إلى أن بلغ به الحال‬ ‫إلى سوء الظن وإثارة الشكوك بسلوكها‪ .‬كانت تصبر أمام هذه‬ ‫االتهامات‪ ،‬وتقبض على مستقبل هذه األسرة كما لو أنها تقبض‬ ‫على جمرة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫في أحد األيام طرق الباب غاضبا‪ ،‬فقامت المسكينة لتفتح له‬ ‫الباب‪ ،‬فقام وهو في قمة سكره وعربدته‪ ،‬يكيل لها الشتائم حيث‬ ‫وصل الظن به الى تخيلها برفقة رجال آخرين!‬ ‫انهال عليها بالضرب فهربت المسكينة‪ ،‬انطلق خلفها كالمسعور‬ ‫ليجدها مختبئة في غرفتها فضربها بزجاجات العطر وشوه‬ ‫جسمها وكسر يدها‪ .‬صرخت بأعلى صوتها من هول الموقف‪.‬‬ ‫اتصلت بأخيها فنقلها هي وابنتها إلى المستشفى وقد دخل الزجاج‬ ‫في عينيها البريئتين فأفقدها النظر ردحا ً من الزمن‪ .‬وفي يوم آخر‬ ‫من أيام عمرها البائسة دخل زوجها عليها كالثور الهائج وأخذ‬ ‫ولدها الصغير وألقى به في الشارع فتورم رأسه‪ ،‬ولكن لطف‬ ‫هللا أن حماتها كانت معها في المنزل فأخذت الطفل الصغير إلى‬ ‫المستشفى ليتم إسعافه‪.‬‬ ‫كان إدمان زوجها على المخدرات بمثابة إعالن لحالة الطوارئ‬

‫‪10‬‬

‫في المنزل فكل شيء محزن يمكن أن يقع‪ ،‬ما إن يتناول هذه‬ ‫السموم حتى يتحول إلى مخلوق آخر‪ ،‬قلب بال رحمة‪ ،‬جسم‬ ‫بال دماغ!‬ ‫دخل عليها يوما وقد احتد مزاجه بعد أن فقد عقله وألقى إبريق‬ ‫الشاي الساخن على رأس ابنتها الصغيرة فأصيبت بحروق‬ ‫وتشوهات ال تزال حتى اليوم تنطق على صفحات وجهها‬ ‫ببشاعة الموقف! وأما المصيبة الكبرى التي رميت بها فكانت‬ ‫في ابنها األكبر‪ ،‬وكان عمره حينئذ اثني عشر عاماً‪ .‬كان ابنها‬ ‫بصيص أملها الذي بقي لها في حياتها المظلمة فقد يئست من‬ ‫زوجها الذي قتل آمالها وحطم كل المعاني الجميلة في داخلها‪،‬‬ ‫أثاث البيت‪ ،‬وحتى األبواب لم تسلم من شراسته‪ .‬لم يبق لها في‬ ‫البيت سوى غرفة واحدة تتحصن فيها هي وأوالدها من شر‬ ‫الليل المرعب الذي يقضيه زوجها مع رفقة السوء‪.‬‬ ‫في ليلة بائسة اجتمع زوجها مع رفاقه في مجلس من مجالسهم‪،‬‬ ‫وكان من الطبيعي أن يحدث ما ال يحمد عقباه في نهاية هذا‬ ‫المشهد‪ .‬أخذت بناتها وولديها إلى الغرفة وأقفلت الباب‪ .‬مضت‬ ‫الساعات‪ .‬نام األوالد وبقيت وحدها‪ .‬مع هزيل الليل الدامس‬ ‫وعند الساعة الثالثة ارتج باب الغرفة وقد حال بينها وبين‬ ‫زوجها الذي يصرخ “افتحي الباب” فتجيبه “لن أفتح”!‬ ‫استيقظ األطفال‪ .‬لم يصمد الباب كثيراً فقد حطمته ثورة زوجها‬ ‫العارمة‪ .‬دخل الغرفة وفي عينيه الجاحظتين شعلة من الغضب‬ ‫فانهال عليها وعلى أوالدها بالضرب بكل ما تناولته يداه حتى‬ ‫تمزقت مالبسها‪ .‬وقعت العصا من يديه وانكسرت على رأس‬ ‫ولدها فالتفت يمينا ً ويساراً ولم يجد سوى الطاولة فهوى بها‬ ‫على رأس الصغيرة فإذا الدماء تنفجر من رأسها صرخت‬

‫وف����ي ي����وم من‬ ‫األيام أخذت ثيابه‬ ‫كالعادة لتغسلها‬

‫تصوير‪ :‬محمد معاوية‬ ‫‪11‬‬


‫بأعلى صوتها مستنجدة بمن قد يسمعها من الجيران الذين باتوا‬ ‫في بيوتهم هاجعين‪ ،‬لكن ال مجيب وال معين! أسرعت إلى‬ ‫الثالجة لتخرج قطعا ًمن الثلج لتضعها على رأس ابنتها وتربطه‬ ‫ولكن ال فائدة فال تزال الدماء تسيل من جرحها كسيل عارم‪.‬‬ ‫(هللا أكبر‪ .‬الصالة خير من النوم) تلك النداءات الروحانية التي‬ ‫كانت تتردد من المسجد المجاور في أجواء ذلك الموقف العصيب‪.‬‬ ‫خرجت من المنزل تجري من هول المصيبة بال شعور‪ .‬بال‬ ‫حذاء‪ .‬بل بال حجاب‪ ،‬طرقت باب الجيران فخرج جارها بثياب‬ ‫النوم وأخبرته بما جرى فجرى إلى المنزل وجرت وراءه‪ ،‬وإذ‬ ‫بفلذة كبدها يسبح في دمائه فحمل إلى المستشفى ليبقى تحت‬ ‫العناية لمدة ثالثة أسابيع‪ .‬وتأتي الفاجعة التي تجرعت مرارتها‬ ‫على مدى األيام إذ يقرر األطباء أن ابنها قد اختل عقله من جراء‬ ‫الضربة‪ .‬كان هذا الموقف بمثابة السهم الذي أصاب مهجة الفؤاد‪.‬‬ ‫بعد شهرين خرج ابنها من المستشفى عالة عليها في المنزل‪.‬‬ ‫فكيف عساه أن يكون لها رداء يعينها على مصائب الحياة؟ ماذا‬ ‫تفعل وقد ضاقت عليها الدنيا بما رحبت‪ ،‬لكنها مع هذا كله لم‬ ‫تزل تسلي نفسها بزوال المحنة وانكشاف الغمة فلكل هم فرج‪،‬‬ ‫ولكل ضيق مخرج‪...‬‬ ‫دعت هللا تعالى أن يقبض عليه ويسجن‪ .‬وبعد أسبوع من دعائها‬ ‫المتوسل قبض عليه رجال األمن ليقضي عقوبة السجن‬ ‫لمدة عامين‪.‬‬ ‫بدأت معاناة أخرى مع أوالدها الصغار وأسئلتهم المتكررة بال‬ ‫كلل وال ملل‪ :‬أين أبي؟ لماذا قبضوا عليه؟ لماذا دخل السجن؟‬ ‫فال تجد لتساؤالتهم جوابا ً إال أن تقول بكل سذاجة‪ :‬هذا جزاء‬ ‫الذي يطيع الشيطان!‬ ‫كانت تزوره في السجن‪ .‬وفي أحدى الزيارات طلب أن يرى‬ ‫ولده الصغير في الزيارة القادمة‪.‬‬ ‫لبت طلبه وليتها لم تفعل! فها هو ولدها الصغير يسألها بكل براءة‬ ‫وهم في طريق العودة إلى المنزل‪ :‬لماذا ال يأتينا أبي في المنزل‬

‫فتتردى أحوالهم‬ ‫المادية بفصله‬ ‫من وظيفته‬

‫‪12‬‬

‫مثل والد الجيران؟ لماذا يضعون أبي خلف الشباك الحديدية ؟‬ ‫كانت أسئلته تنزل على قلبها كالسكاكين فال تجد لها جوابا ً إال‬ ‫الصمت بكل ما يحويه من ألم وحزن!‬ ‫في السجن كان زوجها قد ابتعد عن رفاق السوء ومجالستهم‬ ‫وتغيرت أحواله وسبحان مغير األح��وال‪ ،‬كانت مسرورة‬ ‫برجوع زوجها إلى طريق الصواب‪ ،‬ورب ضارة نافعة‪.‬‬ ‫بعد انقضاء المدة خرج زوجها من السجن‪ ،‬محافظا ً على‬ ‫الصلوات متمسكا ً بالخلق والفضيلة ولما كان فقد وظيفته األولى‬ ‫بدأ بالبحث عن وظيفة أخرى‪ .‬وبعد جهد متواصل عثر على‬ ‫وظيفة مناسبة‪.‬‬ ‫كانت تظن أن زوجها عاد إلى رشده وأقلع عن المخدرات‪،‬‬ ‫لكن حدث ما لم يكن بالحسبان فقد تجمع حوله رفاقه السابقون‬ ‫ولم يبرحوا حتى استدرجوه بأالعيبهم إلى اإلدمان من جديد‪.‬‬ ‫وما هي إال أيام ويفصل زوجها من الوظيفة الجديدة فتتردى‬ ‫أحوالهم المادية بفصله من وظيفته الجديدة من جهة وإدمانه‬ ‫المخدرات من جهة أخرى‪ .‬وقام ببيع معظم أثاث المنزل بل‬ ‫وحتى أدوات المطبخ طمعا ً في الحصول على المخدرات التي‬ ‫اَنسته نفسه وأوالده ومع هذا كله لم تكن هذه األموال لتشبع‬ ‫شراهته في تعاطي المخدرات فكان البد من ثمن أغلى‪ .‬كان في‬ ‫الواقع في عداد األموات فيا ليته يموت فتستريح‪.‬‬ ‫فماذا كان الثمن يا ترى؟ كان الثمن ابنتها الصغيرة ذات األربعة‬ ‫عشر ربيعاً! إذ قام بتزويجها رجالً منبوذاً مصابا بانفصام في‬ ‫الشخصية‪ ،‬كي يحصل على المهر البالغ بضعة آالف الدنانير‪.‬‬ ‫تم له ما أراد فسلب ابنتها مهرها لينفقه على سمومه التي ملكت‬ ‫قلبه‪ ،‬وقام بتقسيم البيت واستقل بمفرده في قسم وترك لها القسم‬ ‫اآلخر‪ .‬لم يكن يعيرهم أدنى رعاية أو اهتمام إال إذا نفذ ما بيده‬ ‫فيدخل البيت ويأخذ ما وقعت عليه يده من قوتهم الذي كان‬ ‫يصلهم من المحسنين والجمعيات الخيرية ثم يمضي وقد يغيب‬ ‫أسبوعين مع شياطين اإلنس وهم ال يعلمون عنه شيئاً‪ ،‬ولم تكن‬ ‫المأساة لتقف عند هذا الحد بل تعدت آثارها إلى األوالد الذين‬ ‫تأثروا بسلوك والدهم السيئ فكان بعضهم يغيب عن المنزل‬ ‫أياما عديدة دون حسيب أو رقيب‪.‬‬ ‫هذه هي حياتها البائسة التي ستظل بائسة ألن أوالدها تأثروا‬ ‫بسلوك والدهم وهللا أعلم إذا ما لحق بهم أصدقاء السوء‬ ‫وأصبحوا مدمني مخدرات مثل أبيهم‪..‬‬

‫أخبارمسرح احلرية‬ ‫مسرحية نغمات سحرية‬ ‫عرض مسرح الحرية في ‪ 25‬كانون ثاني مسرحية نغمات سحرية والتي القت إقباال كثيفا على حضورها‬ ‫من قبل األطفال والعائالت‪ .‬تحكي المسرحية قصة مدينة جميلة يمضي كل شخص فيها وقته بعزف الموسيقى‬ ‫والرقص‪ .‬وفي كل سنة يقوم الملك بتنظيم مهرجان موسيقي يدعو فيه الموسيقيين من جميع أنحاء العالم‪ ،‬في هذه‬ ‫السنة حصل شيء غير متوقع‪ :‬الناس في هذه المدينة الذين عاشوا حياتهم مستمتعين بعزف الموسيقى والرقص لم‬ ‫يعد لديهم أي عمل للقيام به حتى األطفال لم يذهبوا الى المدارس والمزارعين لم يجنوا أي محصول‪.‬‬ ‫أحد وزراء الملك اقترح حال لهذه المشكلة بأن يعمل الرجال والنساء واألطفال في هذه المدينة ليال ونهارا لمدة‬ ‫أسبوع كي يستطيعوا جمع المال الالزم لشراء تذاكر المهرجان‪ .‬وافق سكان المدينة على هذا الحل النهم يحبون‬ ‫الموسيقى واعترض العازفون ألنه حل غير عادل وبدأوا بعزف نغمات مسرحية للثورة على الملك‪..‬‬

‫انضموا الى باص الحرية في آذار!‬ ‫سينضم من ‪ 17‬حتى ‪ 29‬آذار ‪ 2014‬طالب‪ ،‬فنانون‪ ،‬ناشطون‪ ،‬وممثلون من داخل فلسطين وخارجها الى‬ ‫المزارعين والرعاة الفلسطينيين الذين يتعرضون لخطر الطرد القسري في ارض أجدادهم‪ .‬سيتضمن ركب‬ ‫الحرية هذا أعمال إعادة البناء واإلعمار‪ ،‬نشاطات وفعاليات ثقافية‪ ،‬جوالت سيرا على األقدام‪ ،‬ورش عمل تفاعلية‬ ‫ونشاطات ثقافية‪ ،‬باستخدام المسرح التفاعلي (البالي باك)‪ ،‬حيث سيقوم أهالي غور األردن وجبال جنوب الخليل‬ ‫بالحديث عن قصصهم وتجاربهم الشخصية في ظل االحتالل والمعاناة والصراع بسبب االحتالل العسكري ونظام‬ ‫الفصل العنصري‪.‬‬

‫االنتهاء من ورشة التصوير مع األطفال‬ ‫هدفت هذه الورشات الى منح األطفال مساحة للتعبير عن أنفسهم من خالل التقاط الصور واللعب في نفس الوقت‪.‬‬ ‫بدأت ورش العمل في الوقت الذي أغلقت مدارس االونروا ولم يكن لألطفال أية أنشطة يقضون وقتهم بها سوى‬ ‫البقاء في المنزل أو الشارع‪ .‬وعملت الورشات على ملء الفراغ عند األطفال وتعليمهم بعض المعلومات األساسية‬ ‫حول التصوير‪.‬‬

‫‪1713‬‬


‫االٔمل يولد من رحم املعاناة‬ ‫عبد العزيز أبو علي‬ ‫العمر ‪ 17‬عام ‪ -‬فقوعه‬

‫استيقظت في ذلك الصباح كما في كل يوم ألعيش الواقع المرير‪،‬‬ ‫كوني الجئا ً فلسطينيا هجر من موطنه ويعيش في مخيم من‬ ‫مخيمات الالجئين المنتشرة في ربوع الوطن‪ .‬لكن ذلك اليوم كان‬ ‫أشد وطأة فقد كانت المعركة (االجتياح اإلسرائيلي لمخيم جنين)‬ ‫في أوجها‪ ،‬فقد اشتقت لنور الشمس الذي لم أره منذ أيام بل‬ ‫أسابيع‪ .‬استيقظت على صوت الطلقات النارية والمدافع بدال من‬ ‫أصوات العصافير‪ ،‬وبدال من نسيم الصباح‪ ،‬لم أشم سوى رائحة‬ ‫المنازل التي أحرقتها األيدي الصهيونية الغاصبة‪.‬‬ ‫الكهرباء مقطوعة منذ أيام‪ ،‬الماء والطعام على وشك النفاذ‪،‬‬ ‫والحصار ما زال مستمراً‪ ،‬ورغم كل ذلك لم أكن وأفراد عائلتي‬ ‫قد فقدنا األمل‪ ،‬فقد اكتفينا بالجلوس معا ً وسماع قصص أبي‬ ‫وأمي‪ ،‬حتى أننا كنا نضحك في بعض األحيان‪ ،‬محاولين إقناع‬ ‫أنفسنا بأنه ليس هناك ما يدعو للقلق ونسينا حقيقة أننا قد نقتل في‬ ‫هذا المنزل في أية لحظة‪.‬‬ ‫حلت الظهيرة‪ ،‬وكما تعودنا في كل يوم يفك الحصار لمدة ساعة‬ ‫يسمح بها للناس بالخروج من منازلهم ليشتروا قوت يومهم‪،‬‬ ‫وليتزودوا بما يستطيعون من الماء والطعام‪ ،‬ولكن ما فائدة هذه‬ ‫الساعة وأبي لم يكن قادراً على الذهاب إلى العمل منذ بداية‬ ‫المعركة‪ ،‬وال يملك من المال شيئاً‪ ،‬ولكننا دهشنا ألنهم لم يسمحوا‬ ‫ألحد بالخروج‪ ،‬حتى أنه بدالً من ذلك اشتد صوت نيران المعركة‬ ‫على نحو غريب‪ ،‬فشعرنا أن شيئا ما سيحصل‪ ،‬ومما زاد الطين‬ ‫بلة أننا سمعنا صوت النيران يقترب‪ ،‬فعلمنا أن جيش االحتالل‬

‫انضم أبي وأخوتي االثنين إلينا‪ ،‬وبدأنا بالدعاء‪ ،‬فإذا بأمي تدعو‬ ‫هللا بأن يهطل المطر‪ ،‬فقلت باكيا “لكننا في منتصف الصيف يا‬ ‫أمي”‪ ،‬تبسمت وقالت “ال تخف فاهلل على كل شيء قدير”‪.‬‬ ‫ألسنة اللهب تقترب‪ ،‬ونحن ننتظر الموت المحتوم‪ ،‬وإذ بمياه‬ ‫ندر ما مصدرها‪ ،‬فبدا أن هللا قد استجاب‬ ‫غزيرة تقتحم البيت‪ ،‬لم ِ‬ ‫لدعواتنا فبدأنا بالصراخ وحمد هللا على نعمته‪ .‬خمدت النيران‬ ‫التي بدت أنها لن تخمد أبدا‪ .‬كنا نبكي من شدة الخوف فأصبحنا‬ ‫نبكي من شدة الفرح‪ ،‬وبعد أن أرهقنا من شدة التعب‪ ،‬غلبنا‬ ‫النعاس جميعا ونمنا‪.‬‬ ‫استيقظنا في اليوم التالي على صوت الجيران ينادونا “إذا ما زلتم‬ ‫على قيد الحياة فاخرجوا‪ ،‬لقد انتهى الحصار”!‬ ‫“أخيراً” قلت في نفسي‪ .‬علمت أن معاناتنا قد انتهت وأن ذلك‬ ‫اليوم المرير قد انتهى‪ ،‬فقد خرجنا من بين براثن الموت المحتوم‪،‬‬ ‫شعرت بأن األمل في الحياة قد تجدد‪ ،‬وأنه هناك فرصة أخرى‪،‬‬ ‫فقد انجلى ذلك الليل‪ ،‬وانكسر الحصار‪ .‬خرجت ووالدي وإخوتي‪،‬‬ ‫لنجد جميع سكان الحي متجمعين حول المنزل وينظرون‬ ‫باستغراب إلينا‪ ،‬وكأنهم ال يصدقون أننا ما زلنا على قيد الحياة‪،‬‬ ‫وإذ برجل يقول “حمد هلل على سالمتكم‪ ،‬انتم محظوظون‪ ،‬أحدى‬ ‫الدبابات اإلسرائيلية قد مرت فوق أنبوبة المياه الرئيسية للمخيم‬ ‫فحطمتها عن طريق الخطأ وفاضت مياهها عليكم”!‬ ‫اليوم قد بلغت السادسة عشرة‪ ،‬مضى عشر سنوات على ذلك‬ ‫اليوم‪ ،‬وها أنا أعيش وسط عائلتي‪ ،‬يرسم ك ٌل منا مستقبال له‪ ،‬فقد‬ ‫كتب لنا عمر جديد وحظينا بفرصة أخرى‪ ،‬وأصبحت كل تلك‬ ‫اللحظات العصيبة ذكريات ال تنسى!‬

‫قد استدرج الفدائيين إلى الحي الذي نعيش فيه‪.‬‬ ‫شعرنا بالخوف والهلع‪ ،‬فقد أيقنا بأنه يمكن في أي لحظة أن‬ ‫تخترق الطلقات النارية جدران المنزل الضعيفة‪ ،‬أونصاب‬ ‫بإحدى القذائف النارية‪ ،‬أو أن يهدم المنزل على رؤوسنا‪ .‬استمر‬ ‫دوي المعركة حتى غروب الشمس وكان الكثير من الرصاص‬ ‫قد أصاب المنزل‪ ،‬وأتلف بعد قطع األثاث إال أنه لم يصب أيا ً‬ ‫منا‪ .‬كان أملنا أن تهدأ المعركة بحلول الليل ولكن حتى الظالم‬ ‫الدامس لم يوقف تلك المعركة‪.‬‬ ‫بينما كنا جالسين نفكر بما سيحل بنا‪ ،‬وإذ بالنافذة الخشبية تتحطم‪،‬‬ ‫وألسنة اللهب تلتهم الستائر‪ ،‬لقد كانت قذيفة نارية ملتهبة‪ ،‬بدأنا‬ ‫بالصراخ والبكاء‪ ،‬صرخ أبي قائال “أحضروا كل ما لدينا من‬ ‫مياه” لم يكن سهال علي كطفل في السادسة من العمر رؤية‬ ‫كل هذا‪ ،‬فجلست في زاوية المنزل محدقا ً بهم بينما يعملون‬ ‫بمحاوال ٍ‬ ‫ت بائسة إلخماد الحريق‪ ،‬علمت أمي بأن قوارير‬ ‫المياه غير كافية إلطفاء السنة اللهب فقامت بسرعة بإحضار‬ ‫مجموعة من البطانيات وغمرها بالمياه‪ ،‬ثم بسطتها على شكل‬ ‫دائرة فجلسنا داخلها آملين أن تمنع البطانيات المبللة النيران‬ ‫من الوصول إلينا‪ ،‬ورغم محاوالت أبي وإخوتي إال أن المياه‬ ‫نفذت والنار ما زالت مضرمة‪ ،‬سار أحد إخوتي باتجاه الباب‬ ‫يود الخروج‪ ،‬فصاح به أبي “إياك أن تخرج” فرد أخي باكيا‬ ‫“فليقتلوني برصاصهم فذلك أفضل من أن أحرق حياً” ذهب أبي‬ ‫وأحتضنه وقال “ال تخف سنعيش يا بني‪ ،‬فقط ال تخرج”‪.‬‬

‫تصوير‪ :‬براء شرقاوي‬ ‫‪14‬‬

‫‪15‬‬


‫على مر الزمان‬ ‫أسيل أبو سالمة‬ ‫العمر ‪ 16‬عام ‪ -‬فقوعه‬ ‫الشمس تبدأ بالغروب ثانية بعد ثانية‪ ،‬وتأخذ معها كل اليوم الذي‬ ‫مضى بمره وحلوه‪ ،‬وكأن شيئا ً لم يكن وها أنا أبدأ بالجلوس‬ ‫مع كتبي وأوراقي‪ ،‬التي أنشغل بها كل يوم في مثل هذا الوقت‬ ‫عندما يكون البيت ساكنا‪ ،‬وأستطيع أن أكتب كل ساعة قضيتها‬ ‫في يومي‪ .‬مع أنني لم أتجاوز الرابعة عشر من عمري إال أنني‬ ‫تعلمت أشيا َء كثيرة من جدي في الحياة‪ .‬ذهبت اليوم كما في كل‬ ‫يوم الى المدرسة‪ .‬ال يزال بعض الطالب يكرهونني في الصف‬ ‫ربما لتفوقي في الدراسة‪ ،‬ال أعرف السبب ولكن ال يوجد شيء‬ ‫آخر أحسد عليه غير ذلك‪ .‬فأنا من أسرة متوسطة الحال‪ ،‬نعيش‬ ‫كل يوم بيوم براتب شهري لعائلة مكونة من سبعة أفراد‪ ،‬لكن‬ ‫طموحي أكبر من هذا كله‪ ،‬واألهم أن جدي العجوز الذي بلغ‬ ‫السبعين من عمره يساندني في إكمال تعليمي واجتهادي‪ .‬لدى‬ ‫جدي منجرة صغيرة يعمل بها يستيقظ من السابعة صباحا ً للعمل‬ ‫وكسب الرزق‪ .‬في يوم من أيام العطلة المدرسية‪ ،‬طلبت من‬ ‫جدي أن أذهب معه الى المنجرة ألساعده وأجني فائدة ما‪ .‬وافق‬ ‫جدي وذهبنا في اليوم التالي صباحاً‪ ،‬فتحنا المنجرة سويا ً ونحن‬ ‫ندعي بالرزق من الصباح في هذا اليوم الفضيل‪ ،‬بدأ جدي في‬ ‫العمل وهو يعلمني على أنواع الخشب وعن المنجرة وعملها‪،‬‬ ‫ورحت أنظر من حولي الى كل األشياء وأميزها عن غيرها‪.‬‬ ‫لفت نظري صندوق خشبي قديم فاقتربت عليه وفتحته‪ .‬وجدت‬ ‫به أشيا َء قديمة قد لفها الغبار‪ ،‬وكأنها هناك منذ سنين طويلة‪،‬‬ ‫فتناولت طائرة كانت موجودة داخل الصندوق‪ ،‬ألوانها جميلة‬ ‫ولكنها متسخة‪ .‬أخذتها وذهبت لجدي فعندما نظر إليها‪ ،‬صمت‬ ‫قليالً وذهب خياله بعيداً فقلت له‪“ :‬لقد وجدت هذه الطائرة في‬ ‫هذا الصندوق‪ ،‬لمن هي؟” فضحك ضحكة خفية‪ ،‬وقال‪“ :‬يا مازن‬ ‫هذه الطائرة لي صنعها أبي عندما كنت في مثل عمرك‪ .‬أهداني‬ ‫إياها وقال لي حافظ عليها مثل أي شيء غال على قلبك‪ .‬يا مازن‬ ‫هذه الطائرة لها قيمة كبيرة عندي”‪ .‬بدأ وهو يتكلم عنها‪ ،‬يمسح‬ ‫الغبار الذي عليها ويضحك‪ ،‬وأنا أنظر اليه بتمعن وشعرت أنه‬ ‫رجع طفالً صغيراً مثلي‪ ،‬يكاد أن يلعب ويفرح كأنه لقي شيئا ً‬ ‫نادراً أن يلقى أحد مثله‪.‬‬ ‫حدثني جدي عن قصة هذه الطائرة وكيف صنعها مع أبيه‪،‬‬ ‫وعندما انتهى من حديثه عنها‪ ،‬مدها لي‪ ،‬وق��ال‪“ :‬هي اآلن‬ ‫لك فحافظ عليها كما حافظت عليها أنا‪ ،‬وأعطها ألوالدك في‬ ‫المستقبل‪ ،‬هي ليست مجرد طائرة من الورق‪ ،‬لكن لها في قلبي‬ ‫معزة كبيرة‪ ،‬فأرجوك أن تصونها”‪ .‬أخذتها منه‪ ،‬وعندما ذهبت‬ ‫الى البيت جلست في غرفتي وحضنتها وبدأت أتذكر كالم جدي‬

‫‪16‬‬

‫عنها‪ .‬دخل أبي على الغرفة ينادي علي ولكني لم أسمعه‪ ،‬كنت‬ ‫أضحك وكأن أحداً أهداني عمره فهذه المرة األولى التي يهديني‬ ‫أحداً هدية قيمة لهذه الدرجة وأفرح بها‪ ،‬فحالتنا ال تسمح بأن نقوم‬ ‫بإهداء بعضنا الهدايا فنحن نهدي البعض االبتسامات التي تجدد‬ ‫حياتنا وتجعلنا على قيد الحياة!‬ ‫أخبرت جدي في اليوم التالي أنني أريد أن أطير الطائرة في‬ ‫الهواء وألعب بها‪ ،‬وأريده أن يكون معي‪ ،‬فرفض في البداية‬ ‫قائال أنه عجوز وأن علي الذهاب مع أصدقائي لنلهو بها سوية‪.‬‬ ‫لم أوافق وأصررت حتى وافق وقال لي‪“ :‬في المساء سنذهب‬ ‫معا لجلب الماء من البئر مثل كل يوم يا طفلي العزيز‪ ،‬فأحضر‬ ‫الطائرة لنلعب بها هناك”‪ .‬ذهبنا في المساء الى البئر الذي كانت‬ ‫تجلب العائلة الماء منه‪ ،‬فقال جدي سنعبيء الماء في الدلو ثم‬ ‫تلعب بالطائرة‪ .‬ساعدته في وضع الماء في الدلو وسحبناه بالحبل‬ ‫المعلق به‪ ،‬فنحن اعتدنا على الحضور هنا لجلب الماء منه‪ ،‬ألن‬ ‫كل عائلة في هذه القرية لديها مثل هذا البئر الذي هبّت عليه ماء‬

‫ٌ‬ ‫ورزق من هللا‪ ،‬فيذهبون اليه كل يوم ويحضرون الماء‪.‬‬ ‫السماء‬ ‫أذهب مع جدي العجوز ألنه ال يستطيع أن يحمله لوحده وفي‬ ‫بعض األوقات يذهب معه أبي وأخي الصغير محمد‪.‬‬ ‫عندما انتهينا من احضار الماء قلت لجدي أني سألعب بالطائرة‬ ‫قليالً‪ ،‬فقال أنه سينتظرني ويجلس بجانب البئر حتى أنتهي‪،‬‬ ‫فذهبت أطير الطائرة وأركض‪ ،‬وأضحك‪ ،‬وأنادي على جدي‬ ‫لكي يشاهدني كيف أطيرها‪ ،‬وجدي يضحك‪ ،‬ففرحت كثيراً‬ ‫باللعب بها وفجأة وأنا أسحبها وأركض الحظت أنها لم تكن‬ ‫تسحب‪ ،‬فنظرت اليها من بعيد فكانت قد علقت بعامود الكهرباء‪.‬‬ ‫بدأت أسحبها بقوة دون فائدة حتى تمزقت‪ ،‬فأتى جدي ويقول‬ ‫كيف حدث هذا يا مازن‪ ،‬فقلت له ما حدث ورحت أبكي وأقول‪:‬‬ ‫“لم أحافظ عليها مثلما قلت لي‪ ،‬أنا طفل فاشل وال أفيد بشيء بهذه‬ ‫الحياة‪ ،‬فهذه كانت لها قيمة كبيرة عندك واآلن ذهبت وأنا السبب‬

‫في ذلك‪ ،‬سامحني يا جدي أرجوك أن تسامحني”! ضحك وكأنه‬ ‫يضحك من أجل أن ال يشعرني بالذنب‪ ،‬وقال‪“ :‬حسنا ً سنصنع‬ ‫أنا وأنت طائرة أخرى‪ ،‬تكون هدية مني لك بمناسبة تفوقك في‬ ‫الدراسة وحصولك على المرتبة األولى”‪.‬‬ ‫كيف لجدي أن ينسى طائرته؟ ال أعرف في الحقيقة‪ ،‬لكن أنا‬ ‫ال أنساها في حياتي وسأهدي هذه الطائرة التي قمنا بصنعها‬ ‫ألوالدي في المستقبل كما قال لي ج��دي‪ ،‬فأنا وعدته بذلك‬ ‫وسأحافظ على وعدي له‪ .‬بعد شهرين توفي جدي وحزنت عليه‬ ‫كثيراً‪ ،‬وبكيت ليال طويلة عليه‪ .‬أذهب أنا والطائرة الى بئر‬ ‫الماء‪ ،‬ونجلس ونتكلم مع بعضنا‪ ،‬وصرت أذهب في أيام عطلتي‬ ‫الى المنجرة وأساعد ابن عمي الكبير الذي أستلم المنجرة من بعد‬ ‫جدي‪ ،‬وأنا وعدت جدي أن أحافظ على دراستي وأن أكون دائما ً‬ ‫من المتفوقين وسأفعل ذلك‪ ،‬وأعدك يا جدي بالحفاظ على طائرتنا‬

‫تصوير‪ :‬براء شرقاوي‬ ‫‪17‬‬


المجلة  
Read more
Read more
Similar to
Popular now
Just for you