a product message image
{' '} {' '}
Limited time offer
SAVE % on your upgrade

Page 1


‫الصحيح واملعتل‬ ‫من أحاديث توحيد املفضل‬

‫حمب الدين أنور غين املوسوي‬


‫املعتل من أحاديث توحيد املفضل‬ ‫ّ‬ ‫الصحيح و ّ‬ ‫حمب الدين أنور غين املوسوي‬ ‫دار أقواس للنشر‬ ‫العراق ‪1441‬‬


‫احملتوايت‬ ‫احملتوايت ‪1 ....................................................................‬‬ ‫املقدمة ‪3 ......................................................................‬‬ ‫االول ‪ :‬منهج العرض ‪4 ...................................................‬‬ ‫الثاين‪ :‬الشاهد الشرعي بصحة املضمون ‪4 .................................‬‬ ‫الثالث‪ :‬الرواية واملضمون ‪12 ..............................................‬‬ ‫الرابع‪ :‬آلية عرض املضامني على املعارف الشرعية الثابتة ‪15 ...............‬‬ ‫فصل‪ :‬مقدمة املفضل ‪22 .....................................................‬‬ ‫فصل‪ :‬اجمللس األول ‪27 .......................................................‬‬ ‫مضمون صحيح (‪27 ................................................ )1‬‬ ‫مضمون صحيح (‪28 ................................................ )2‬‬ ‫مضمون صحيح (‪30 ................................................. )3‬‬ ‫مضمون صحيح (‪30 ................................................ )4‬‬ ‫مضمون صحيح (‪39 ............................................... .)5‬‬ ‫مضمون صحيح (‪65 ................................................ )6‬‬ ‫مضمون صحيح (‪67 ................................................ )7‬‬

‫مضمون صحيح (‪71 ................................................ )8‬‬ ‫فصل اجمللس الثاين ‪80 ........................................................‬‬ ‫مضمون صحيح (‪88 ................................................ )9‬‬

‫مضمون صحيح (‪101 ............................................ )10‬‬ ‫فصل اجمللس الثالث ‪115 .....................................................‬‬ ‫جملس الرابع ‪160 .............................................................‬‬ ‫‪1‬‬


‫مضمون صحيح (‪162 ............................................ )11‬‬ ‫مضمون صحيح (‪166 ............................................ )12‬‬ ‫مضمون صحيح (‪176 ............................................ )13‬‬ ‫مضمون صحيح (‪177 ............................................ )14‬‬ ‫مضمون صحيح (‪179 ............................................ )15‬‬

‫خامتة يف خمتصر توحيد املفضل ابملضامني الصحيحة ‪186 ...................‬‬

‫‪2‬‬


‫املقدمة‬

‫بسم هللا الرمحن الرحيم‪ .‬احلمد هلل رب العاملني‪ .‬اللهم صل‬ ‫على حممد واله الطاهرين‪ .‬رب اغفر لنا وإلخواننا املؤمنني‪.‬‬ ‫هذا بيان للمضامني الصحيحة من املعتلة من مضامني‬ ‫كتاب " توحيد املفضل"‪ ،‬وهو تطبيق ملنهج العرض على‬ ‫مضامني الكتاب بعرض تلك املضامني على القران‬ ‫والسنّة‪ .‬وألن الكتاب هو رواية واحد فان هذا العمل هو‬ ‫عمل بطريقة تفكيك املضامني يف النص الواحد‪ ،‬اي‬ ‫معاملة كل مضمون خمتلف معاملة خمتلفة من حيث‬ ‫الصحة واالعتالل‪ .‬والن منهج العرض قائم على الرد اىل‬ ‫املعارف الشرعية وقبول احلديث الذي له شاهد منها وهو‬ ‫ما نصفه ابلصحيح وترك احلديث الذي ليس له شاهد‬ ‫منها ونصفه ابملعتل ولعدم شهرة هذا املنهج كان من‬ ‫املناسب الكالم يف امور‪.‬‬

‫‪3‬‬


‫االول ‪ :‬منهج العرض‬ ‫لتكوين فكرة كاملة عن منهج العرض يرجع مطالعة كتيب‬ ‫" منهج العرض" ‪ " ،‬مدخل اىل منهج العرض" و " رسالة‬ ‫يف حديث العرض"‪ .‬جتدها يف الرابط التايل‪:‬‬ ‫‪https://www.calameo.com/subscriptio‬‬ ‫‪ns/5169014‬‬ ‫الثاين‪ :‬الشاهد الشرعي بصحة املضمون‬ ‫الشيء يف جمال املعرفة له صورته معرفية يف الذهن وله‬ ‫دائرته من العالقة جبهات خمتلفة حسب طبيعة املعىن من‬ ‫اسباب ونتائج واستجابة وانفعال وتفاعل او ما ينتهي اىل‬ ‫ذلك وحنوه من كليات التأثري والتأثر‪ .‬فدائرة املعىن اعم‬ ‫من الدالالت مبا يشمل مجيع العالقات املعرفية بني‬ ‫املعاين‪ .‬ولذلك فانثيال املعاين وختاطرها امور حقيقية اثبتة‬ ‫واقعا ووجداان‪ ،‬وما سبب ذلك اال العالقات االتصالية‬ ‫الرابطة بني املعاين‪.‬‬

‫‪4‬‬


‫وهذا االتصال املعريف حيقق العلم بصدق املعرفة لذلك‬ ‫كان العرض على الثابت اي املعلوم من مضامني القران‬ ‫والسنة‪ ،‬وكلما كان املضمون او احلقيقة املعرفية حمورية يف‬ ‫الشرع كانت دائرته العالقاتية اكرب وكان الرد اليها اوضح‪،‬‬ ‫ولذلك كان الرد عند االختالف اىل حمكم القران ومتفق‬ ‫السنة النه السبيل الصحيح ملعرفة ما هو متصل من غريه‬ ‫يف ظل االختالف‪.‬‬ ‫احلقيقة املعرفة اخلاصة ابلشيء تتفاوت طبعا بني الناس‬ ‫اال ان معارف الناس خبصوص شيء كلما تقرتب من‬ ‫املركز اي جوهر الشيء وحقيقته تتوحد لذلك فان‬ ‫التفاوت بني الناس خبصوص االشياء ليس يف الدائرة‬ ‫اجلوهرية غالبا وامنا يف الدائرة الطرفية ومن هنا تربز امهية‬ ‫توحيد سبيل املعرفة يف الشرع الن احلقائق واملعرفة ما هي‬ ‫اال جمموعة معارف مكتسبة خبصوص االشياء تعتمد على‬ ‫التعليم أكثر منها على االكتشاف‪.‬‬ ‫هذا االتصال املعريف ليس اعتباطيا وامنا يرجع اىل تداخل‬ ‫معريف وترابط بني احلقائق جبوانب خمتلفة ختتلف ابختالف‬ ‫‪5‬‬


‫وجوه املعرفة الكلية من موضوعات وحمموالت ونسب‬ ‫ومن اشتقاق وقرائن وتفرعات وتوازي وتباعد وتقارب‪.‬‬ ‫وهذا كله ميكن ان نسميه القرابة املعرفية ومن امهها يف‬ ‫اخلطاب القرابة املعنوية بني املعاين‪.‬‬ ‫ان الدائرة املعرفية للمعىن تتداخل مع دوائر اخرى وهذا‬ ‫التداخل هلا اجتاهان؛ اجتاه اجيايب توافقي واجتاه تنافري‪،‬‬ ‫وكال االجتاهني حيقق اشارة معرفية متييزية هي الشاهد‬ ‫املعريف فيشهد للمعارف مبوافقة االجيابية التوافقية و يشهد‬ ‫خبالف املعارف التنافرية‪ ،‬كما ان القرب و البعد ايضا له‬ ‫اثر اشاري متييزي فتشهد املعرفة للمعارف القريبة وال‬ ‫تشهد للبعيدة وهذا ايضا شاهد معريف للمعارف القريبة‪،‬‬ ‫ومن هنا فاملعرفة املعنوية للمعىن تشهد للمعارف القريبة‬ ‫التوافقية بشهادة االتصال و القربة و التوافق ونسبتها‬ ‫تكون من الصدق والعلم‪ ،‬و ال تشهد بذلك للمعارف‬ ‫البعيدة او املعارف القريبة املخالفة‪ .‬فهذا معارف منفصلة‬ ‫ونسبتها تكون من الظن او الكذب ‪.‬‬

‫‪6‬‬


‫القرب املعريف هو مبعىن من املعاين االتصال عن طريق‬ ‫جهة من جهات املعىن ويكون هذا قواي وواضحا اىل حد‬ ‫العتبة االتصالية اليت حينها ختفت الصلة وتضعف وتكون‬ ‫ظنا ال علما‪ .‬من هنا كلما كانت املعرفة متصلة مباشرة‬ ‫أي ابلدائرة االصلية للشيء وليس بواسطة حلقة اخرى‬ ‫كانت اكثر وثوقا واكثر رسوخا وكلما ابتعدت حلقة‬ ‫االتصال كانت اقل رسوخا و وثقا‪ .‬وأكثر اشكال‬ ‫االتصال قوة هو االتصال االشتقاقي اي االتصال حبلقة‬ ‫املعىن مباشرة مث االتصال االقرتاين اي االرتباط بثالث مث‬ ‫االتصال البعيد وهو االتصال بواسطة اكثر من حلقة‬ ‫وهذا كله هو االتصال املعريف والوثوق املعريف‪ ،‬فاالتصال‬ ‫هو مطلق القرب من دائرة املعىن و اوثقه اقربه من الدائرة‬ ‫اجلوهرية وقوته أي تعدد جوانبه‪ .‬وان للعقل كفاءة عالية‬ ‫يف كشف درجة االتصال والقرب وحجمه لذلك فمن‬ ‫الكفاءة والسرعة الكبري ان حيكم الوجدان على كون‬ ‫املعرفة املعينة قريبة ومتوافقة مع ما يرد اليه ام ال‪ ،‬وهذا هو‬ ‫اساس مبدأ الرد وهو اساس منهج العرض أي عرض‬

‫‪7‬‬


‫املعارف على الثابت منها كعرض احلديث على القران‬ ‫والسنة‪.‬‬ ‫ان لكل معرفة ابعاد من حيث الصورة واملظهر ومن حيث‬ ‫املقدمات واالسباب ومن حيث االفعال و النتائج أي‬ ‫من حيث الوجود ومن حيث التأثر و التأثري‪ ،‬وهذا‬ ‫يتطلب تداخال مع معارف اخرى أي دوائر معرفية اخرى‬ ‫وهذا هو التداخل املعريف الذي هو اساس للشاهد املعريف‪.‬‬ ‫الشاهد املعريف يتعدد بتعدد تلك اجلهات اليت ميكن‬ ‫حصرها بعناوين كلية لكن ال ميكن حصرها أبفراد و‬ ‫مصاديق ألهنا تتكثر بتكثر طبيعة االشياء و تكثرها‪ ،‬اال‬ ‫ان كليتها مؤكدة وامهها االشتقاقات من اهليئة و التأثر و‬ ‫التأثر و الوجود واملقدمات و النتائج‪ ،‬و الذات و الالزم‬ ‫و امللزم وغريها من اشكال الدالالت الواضحة عرفا وهي‬ ‫اوثق الصالت وهناك االتصال االقرتاين و االتصال البعيد‬ ‫املناسبايت‪ .‬وحينما يكون الشاهد املعريف واضحا وقريبا‬ ‫جدا من املعرفة املردود اليها فانه يكون اكثر علمية وكلما‬ ‫كان ابعد و اضعف كان اقل علمية‪ ،‬اال انه دوما حيقق‬ ‫اتصاال مما حيقق ترابط املعرفة و تناسقها وتوافقها وعدم‬ ‫‪8‬‬


‫اختالفها وهذه هي عالمة احلقيقة‪ .‬وقوة الشاهد املعريف‬ ‫هو بتعدد اجلوانب اليت تتصل به املعرفة املعروضة على‬ ‫املعروض عليها‪ .‬فالشاهد املعريف ليس شاهد امكان‬ ‫وجواز وعدم خمالفة الن هذا حاصل يف كل معرفة ال‬ ‫تتداخل مع احملور وال تعارضه‪ ،‬و امنا الشاهد هو شاهد‬ ‫اتصال وانتماء وهو يشمل فقط املعرفة املتداخلة و‬ ‫املتوافقة واليت هلا نفس االجتاه املعريف واما ما يتداخل و‬ ‫خيالف فان الشاهد على خالفه و اما ما ال يتداخل فهو‬ ‫ما ليس له شاهد‪ .‬فالشاهد املعريف املوجب لالتصال‬ ‫املعريف واملوجب للعلم ابالنتماء املعريف هو تداخل معريف‬ ‫مع توافق يف االجتاه والغرض يف النظام املعريف الكلي وكلما‬ ‫تعددت جوانب االتصال قوي العلم والوثوق ابالنتماء‪.‬‬ ‫تبني مما سبق ان الرد يكون للمعارف الشرعية و ليس اىل‬ ‫املنطوق او النص اللفظي بل اىل املعرفة املتكونة خبصوص‬ ‫شيء او عالقة‪ ،‬أي احلكم وهو االهم‪ ،‬فان الشريعة هي‬ ‫جمموعة احكام ومعارفها االساسية عالقاتية حكمية وحىت‬ ‫اطرافها حينما تدرك فامنا تدرك مبا هي يف احكام وهذا‬ ‫ايضا يعطي لوان للشريعة متميز خيتلف عن االعتباط و‬ ‫‪9‬‬


‫االتفاق الذي يقصد الذوات‪ ،‬بل الشريعة هلا تناسق و‬ ‫حمورية ومقاصدية و اجتاه و متيز واضح يف ابعادها‬ ‫االنسانية و االخالقية واملعرفية عموما‪ .‬ولكل معرفة‬ ‫شرعية أي عالقة ابملعىن العام او حكم مبعناه العام فان‬ ‫له دائرة معنوية وهي الدائرة االنتمائية للعناصر املعرفية‬ ‫ومنها ما هو جوهري ذايت ومنا ما هو عرضي عالقايت‪،‬‬ ‫وهذا الدائرة مدركة بوضوح وبتميز وراسخة بقدر رسوخ‬ ‫وحمورية املعرفة اليت يرجع اليها‪ .‬ومن املعارف الشرعية ما‬ ‫هو حموري يف الشرع يرد اليها غريها‪ ،‬وتلك املعارف‬ ‫احملورية عادة ما تكون واضحة جلميع الناس وبينة جبميع‬ ‫تفاصيلها أي جبميع عناصرها املعرفية اجلوهرية والعرضية‬ ‫االساسية والعريضة الفرعية‪ .‬ويف الشرع الشاهد هو‬ ‫تداخل معريف مع توفق يف االجتاه فاذا مل يكن تداخل‬ ‫فهذا يعين عدم الشاهد واذا كان تداخل وابجتاه معاكس‬ ‫أي مع تعارض فهذا شاهد بعدم االنتماء ‪.‬‬ ‫وكما ان املعاين دوائر معرفية فيها املركز والذات و فيها‬ ‫العالقات املظهرية فان الشريعة ايضا هي بصورة دائرة‬ ‫معرفية فيها مركز معريف جوهري حموري و حوله املعارف‬ ‫‪10‬‬


‫االخرى العالقاتية‪ ،‬املظهرية الطرفية‪ .‬والرد الشرعي هو‬ ‫عملية عقلية سريعة يكون ابألساس اىل حمور الشريعة‬ ‫ومركزها املعريف اجلوهري مث اىل املعارف املظهرية الطرفية‬ ‫ومن خالل ما يدرك من تداخل معريف او ال ومن خالل‬ ‫توافق او تعارض حيكم ابلشاهد واملصدق فيحكم بعلمية‬ ‫املعرفة او ظنيته او كذهبا‪ .‬ومن البني جدا ان هذه العملية‬ ‫كفؤة جدا ويسرية جدا لكل من هو عاقل عارف ابللغة‬ ‫وال جمال الفرتاض املوانع النه ال واقعية هلا وهذا ما نراه‬ ‫من كلمات الناس وتعامله مع املعارف‪.‬‬ ‫ان املعارف ينظر اليها يف نفسها و مرة اخرة ينظر اليها‬ ‫ابعتبارها جزء من نظام‪ ،‬وهذا النظام له خصائص معرفية‬ ‫معينة‪ ،‬اذا حققهتا تلك املعرفة كانت منه واذا مل حتققها‬ ‫مل تكن منه‪ ،‬و بقدر حتقيق وظهور تلك اخلصائص و‬ ‫تكاملها يف املعرفة املنتسبة تتميز نسبتها و انتمائها‬ ‫للمعرف ابلضبط كحالة االنتماء االجتماعي البشري كما‬ ‫ان قوة عالقاهتا و كثرهتا و أتثريها ايضا حيد حمورتيها يف‬ ‫املعرفة‪ ،‬فالنظام املعريف كاجملتمع البشري و املعارف اجلزئية‬ ‫فيه كاالفراد‪ ،‬ومن هنا ميكننا ان نصف االنظمة املعرفة‬ ‫‪11‬‬


‫ابهنا جمتمعات معرفية وان املعارف املنتمية اىل نظام اهنا‬ ‫افراد معرفية و ان قوة وحمورية الفرد انتج من فاعليته يف‬ ‫اجملتمع واتثريه‪ .‬واتثر املعرفة فاعليتها تكون برسوخها و‬ ‫مقدار متثيلها للنظام و كثرة تداخلها وعالقاهتا‪ ،‬اذن‬ ‫فمحورية املعرفة يف نظام تعتمد غاليا على قوة متثيلها‬ ‫للنظام أي رسوخها فيه و كثرة عالقتها فيه وحكميتها‬ ‫على غريها حبسب العالقات احلكمية والعرفية يف‬ ‫التداخالت‪ .‬وهذه احملورية هي اليت تعطي للمعرفة املعينة‬ ‫صفة مرجعية يرد اليها غريها واملعارف تتفاوت يف ذلك‪.‬‬ ‫فاملعارف يف نظام ينظر يف قوة ثباهتا يف النظام مث ينظر‬ ‫اىل قوة حموريتها فيها‪.‬‬

‫الثالث‪ :‬الرواية واملضمون‬ ‫العرض هو عرض معرفة على معرفة‪ ،‬و املعرفة هي كل‬ ‫عبارة مستقلة يف معناه ولذلك فيمكن ان تكون يف النص‬ ‫الواحد اكثر من عبارة مستقلة املعىن هي املضمون‪ ،‬ومن‬ ‫الواضح انه حصول اكثر من مضمون يف نص واحد‪ ،‬كما‬ ‫‪12‬‬


‫ان هذه املضامني ميكن ان ختتلف يف قرهبا او بعدها عن‬ ‫املعارف الثابتة اليت يرد اليها غريها‪ .‬ومن هنا يكون من‬ ‫اجلائز جدا واملنطقي جدا تفكيك النص الروائي اىل‬ ‫جمموعة مضامني وعرض كل مضمون مستقال على‬ ‫املعارف الثابتة واالخذ مبا وفق القران والسنة ورد ما‬ ‫خالفهما ‪.‬‬ ‫وكما انه من اجلائز ان يكون النص كله موضوع على قائله‬ ‫ومكذوب عليه فانه ميكن ان يكون بعض مضامينه‬ ‫موضوعا مكذواب مع صحة أصل النص‪ .‬وكما انه ميكن‬ ‫ان يكون اخللل يف جمموع الرواية فانه ايضا ميكن ان يكون‬ ‫يف زايدة او نقصان لفظ‪ ،‬بل هو الغالب‪ ،‬وكما ميكن ان‬ ‫يكون التغيري املتعمد او غري املتعمد جلميع املضامني فانه‬ ‫ايضا ميكن ان يكون يف بعضها‪ ،‬هذا كله يعطي اساسا‬ ‫عرفيا لتفكيك الرواية و متييز مضامينها و عرض كل‬ ‫مضمون مستقال على املعارف الثابتة‪.‬‬ ‫من هنا يكون واضحا ان النص الواحد ميكن ان يتكون‬ ‫من أكثر من مضمون وانه يصح عرض كل مضمون منها‬ ‫‪13‬‬


‫على املعارف الثابتة فيؤخذ مبا له شاهد منها ويرتك ما‬ ‫ليس له شاهد‪ .‬وهذا ابلضبط ينطبق على الرواية وان‬ ‫كانت العادة بسبب االجتاه السندي اىل التعامل مع‬ ‫الرواية ككل واحد فإما ان تقبل او ترفض وهذا واضح‬ ‫اخلطأ على مجيع الوجوه ألنه حيتمل ان يكون أصل الرواية‬ ‫صحيحا وان التحريف حصل يف جزء وجزء صغري رمبا‬ ‫حرف او كلمة‪ ،‬بل هذا هو الغالب وقد جاءت نصوص‬ ‫كثرية تشري اىل ان حتريف الرواايت حصل يف جزء إبضافة‬ ‫كلمة او نقص اخرى وان كان الكذب برواية كاملة ايضا‬ ‫موجودا‪ .‬ومن هنا يكون من الواضح صحة تفكيك الرواية‬ ‫اىل مضامينها وعرض كل مضمون على حدة مستقال‬ ‫واخذ مبا له شاهد من القران والسنة وترك ما ليس له‬ ‫شاهد منها‪ .‬ان هذا التفكيك للرواية له اسسه العقالنية‬ ‫والعرفية كما ان ظاهر ادلة العرض مشوله ومن الواضح‬ ‫امكان دخول اخللل على جزء من الرواية وان كان أصلها‬ ‫صحيحا بل ان هذا يكثر واالختالفات يف االلفاظ‬ ‫للحديث الواحد شاهد‪ ،‬وحبث الزايدة الروائية واقع يف‬ ‫علم احلديث‪.‬‬ ‫‪14‬‬


‫الرابع‪ :‬آلية عرض املضامني على املعارف الشرعية الثابتة‬ ‫حينما يبلغ االنسان حديث اي مضمون فان هذا‬ ‫املضمون له معىن حكمي (عالقة) ختتص ابملوضوع‬ ‫واحملمول‪ ،‬ويالحظ فيه ثالثة أطراف احملمول واملوضوع‬ ‫والنسبة‪ ،‬وكل واحد من هذه االطراف سواء كان مفردا‬ ‫ام مركبا فان له دائرة معىن يف املعارف الثابتة تكون حاله‬ ‫يف هذه العالقة معروضة عليها‪ .‬طبعا هنا يعامل النص‬ ‫الشرعي من حيث املصدر معاملة واحدة ابعتبار وحدة‬ ‫‪15‬‬


‫املصدر‪ ،‬فيكون النظر اىل املنت بشكل خاص‪ ،‬نعم إذا‬ ‫كان يف املنت اخبار عن حالة تتعلق ابلقائل من االولياء‬ ‫صلوات هللا عليهم فانه ايضا هذا يكون موضوعا للرد‪.‬‬ ‫ان العقل البشري كفوء جدا يف الرد املعريف ككفاءته يف‬ ‫حتصيل املعىن من النص‪ ،‬رغم تعدد جوانب املالحظة‬ ‫واملعاين اليت حتضر عند الرد‪ ،‬وغالبا ما حيصل الرد مباشرة‬ ‫عند تلقي املعىن فيكون هناك قبول او ارتياب او عدم‬ ‫تبني احلال‪ .‬وهذا يعود لسببني اوال كفاءة العقل يف الرد‬ ‫واثنيا رسوخ املعارف الثابتة خبصوص املعارف وخصوصا‬ ‫املعارف الدينية‪.‬‬ ‫بعد سالمة الرتكيب ووضح املعىن وحتصيله بطريقة عرفية‬ ‫عقالنية واضحة حتصل عملية الرد واليت قد حتصل مبشرة‬ ‫ولو تعمد االنسان ورسخ فكرة الرد يف نفسه فان الرد‬ ‫املعريف سيكون مقرتان ابلفهم وسيكون جزء من عملية‬ ‫تقبل املعرفة احملمولة ابلنص‪.‬‬ ‫وال ريب ان هذه ممارسة عقلية فيختلف فيها املبتدئ عن‬ ‫املتمرس وكلما كثرة املمارسة صار االنسان أكثر مترسا‬ ‫‪16‬‬


‫ابلرد حىت يصال اىل قدرة عالية من الرد ال تتخلف اال‬ ‫قليال‪ .‬التخلف الردي حيتاج اىل حتليل ومراجعة وهو شيء‬ ‫وارد حىت عند أكثر املتمرسني ابلرد‪ .‬وعلى كل حال الرد‬ ‫عملية عفوية عرفية عقالئية بسيطة اال انه احياان يلتفت‬ ‫اليها وتعترب واحياان ال يلتفت اليها‪ .‬منهج العرض وتقييم‬ ‫النصوص ابلعرض يعين االلتفات اىل عملية الرد وليس‬ ‫القيام هبا يف الواقع‪.‬‬ ‫وكبيان شارح ملا هو عفوي وجداين فان العقل يدرك‬ ‫ويالحظ ما لديه من معارف خبصوص العالقة بني‬ ‫االطراف يف النص الذي بلغه مسعا او قراءة وهو النص‬ ‫املعروض اي املعرفة املعروضة‪ ،‬فهو نص متلقى ومعرفة‬ ‫متلقاة ونص معروض ومعرفة معروضة‪ .‬وبتعبري معهود هو‬ ‫ما بلغ القارئ او السامع من حديث‪ ،‬فهو حديث مقروء‬ ‫او حديث مسموع او حديث معروض وهو احلديث‬ ‫الذي بلغ القارئ او املستمع‪.‬‬ ‫قد بينت يف منساابت كثرية ان العرض يكون للمعرفة‬ ‫الظنية‪ ،‬وهنا امران االول الظنية للكالم املنقول هلا جهتان‬ ‫‪17‬‬


‫االول ظنية النقل وظنية الداللة‪ ،‬اما ظنية النقل فهي‬ ‫خمتصة ابحلديث ظين الصدور واما آايت القران والسنة‬ ‫املتفق عليها فليست موضوعا للعرض بل هي ما يعرض‬ ‫عليه‪ .‬والغرض هنا اخراج احلديث الظين اىل حالة العلم‬ ‫فيصبح حديثا معلوما ابلتصديق والشواهد‪.‬‬ ‫واما من جهة الفهم فاملعروض ايضا الفهم الظين‪ ،‬فالفهم‬ ‫فهمان فهم قطعي متفق عليه بني املسلمني له أصل عريف‬ ‫وعقالئي ومعريف وفهم ال يتصف بذلك‪ ،‬الفهم املتفق‬ ‫عليه ال يعرض بل هو ما يعرض عليه هو املعرفة املعروض‬ ‫عليها غريها‪ ،‬وامنا العرض للفهم الظين‪ .‬وهذا الفهم الظين‬ ‫قد يكون لنص قطعي كآية او حديث اثبت او لنص‬ ‫ظين كحديث ظين الصدور‪.‬‬ ‫واحلديث هنا عن احلديث اي املضمون الظين صدورا‪،‬‬ ‫واما ابقي االقسام فلها مواضع اخران‪ .‬حينما يبلغنا‬ ‫مضمون ظين الصدور‪ ،‬فإننا واثناء بناء الكالم واستفادة‬ ‫املعىن حيصل استحضار للمعىن و عالقاته و دوائره بشكل‬ ‫امجايل و ملا هو راسخ منه‪ ،‬ومباشرة بعد اكتمال املعىن و‬ ‫‪18‬‬


‫متام عملية الفهم حيصل رد ’يل اىل ما هو معلوم عنه‪ ،‬اي‬ ‫عن العالقة ‪ ،‬اي عن اطرافها من موضوع وحممول وما‬ ‫يتعلق بذلك و يتفرع منه من صفات او شروط او قيود‬ ‫حنو ذلك من اغراض و اساليب‪ ،‬و يف الشريعة يستحضر‬ ‫معرفتان مهمتان يف االعتقادات و االعمال‪ ،‬فإما يف‬ ‫االعتقادات فيستحضر غيبية املعرفة او ظاهريتها و يف‬ ‫االعمال يستحضر لزوم املعرفة ام عدم لزومها‪.‬‬ ‫حينما يبلغ العقل مضمون معني فانه يعرضه على ما‬ ‫يعرف‪ ،‬فان وجد له شاهدا ومصدقا من املعارف اليت‬ ‫عنده سابقا فانه يقر ويذعن ابلنقل والظاهر واال توقف‬ ‫او رفض املضمون‪ .‬ان االصل يف النقل عند العقل هو‬ ‫الظن مهما كان حال النقل اال ان يبلغ درجة االستقالل‬ ‫حبيث يتحقق علم اكيد نقلي واال فان االصل يف النقل‬ ‫الظن‪ ،‬فان وجد شاهدا ومصدقا صار علما واقر واال بقي‬ ‫ظنا‪ .‬واما إذا وجد قرينة خالف النقل فانه يصبح شكل‬ ‫وإذا ثبت عدم الصدور حكم ابنه كذب‪ ،‬فالكذب ال بد‬ ‫فيه من علم وال يكفي الظن‪ .‬فاحلديث اما ان يعلم انه‬ ‫صدق او يعلم انه كذب او يبقى ظنا سواء مشكوكا‬ ‫‪19‬‬


‫الصدق او مشكوك الكذب‪ .‬الشاهد واملصدق املتين‬ ‫املعريف هو الذي جيعل احلديث معلوم الصدق وهو‬ ‫املضمون الصحيح وحديثه احلديث الصحيح‪ ،‬واما غري‬ ‫ذلك فهو مضمون معتل وحديثه حديث معتل‪.‬‬ ‫اشارة‪:‬‬ ‫قال اجمللسي‪ :‬مع أن منت اخلربين شاهدا صدق على‬ ‫صحتهما‪ .‬وأيضا مها يشتمالن على براهني ال تتوقف‬ ‫إفادهتا العلم على صحة اخلرب‪ ) .‬اما قوله ان منت اخلربين‬ ‫شاهدا صدق من حيث تصديق ما فيهما من معارف‬ ‫ابملعارف العقالنية وخلومها مما فيه خمالفة واضحة للثابت‬ ‫من معارف‪ .‬ولكن عرفت انه ال بد من شاهد معريف من‬ ‫املعرفة الشرعية ليثبت االتصال والقرابة املعرفية‪ ،‬وعدم‬ ‫املخالفة والتعارض وكوهنما مصدقة ابملعارف العرفية ليس‬ ‫كافيا يف اخراجهما من الظن اىل العلم فهذا القرائن‬ ‫جتعلها ظن الصدور مع شك ابلصدق وهو ال حيقق‬ ‫العلم‪ .‬واما قوله اهنما يشتمالن على براهني ال تتوقف‬ ‫إفادهتا العلم على صحة فهو ما ذكرته من اشتماهلا على‬ ‫‪20‬‬


‫شروح عقالنية ومعارف عقالنية عرفية مصدقة وهذا وان‬ ‫افاد صدق املعرفة يف نفسها اال انه ال يثبت كوهنا معرفة‬ ‫شرعية وحنن نبحث يف صدق كوهنا معرفة شرعية‪ ،‬فليس‬ ‫كل معرفة صادقة هي معرفة شرعية‪ .‬فكثري يف حياتنا‬ ‫معارف نقلية صادقة اال ان حبثنا كون تلك املعرفة صادرة‬ ‫من الشرع‪ .‬ومن هنا فان كثري من املضامني هنا وان‬ ‫اتصفت مبا تقدم اال اهنا ال حتقق االنتماء الشرعي وال‬ ‫االتصال الشرعي وال شاهد هلا من الشرع كمعرفة صادرة‬ ‫وال يقال انه ما املانع ان يفصل الشرع خلقة كائنات‬ ‫تفصيال دقيقا فان ال مانع من ذلك اال انه ليس هناك‬ ‫شاهد على مثل ذلك من الثابت من الشريعة فانه يكتفي‬ ‫يف مثل ذلك وغري ذلك ابلتلميح واالشارة واالرتكاز‪.‬‬

‫‪21‬‬


‫فصل‪ :‬مقدمة املفضل‬ ‫‪ .1‬مفضل بن عمر جعفى كوىف) ت‪ :‬ذكره الربقي يف‬ ‫رجال الصادق صلوات هللا عليه‪ ،‬قال ‪:‬املفضل بن‬ ‫عمر اجلعفي‪ ،‬موىل كويف‪ .‬وعده املفيد من شيوخ‬ ‫اّلل (عليه السالم ) وخاصته‬ ‫أصحاب أيب عبد ّ‬ ‫اّلل عليهم) ‪.‬‬ ‫وبطانته وثقاته الفقهاء الصاحلني (رمحة ّ‬ ‫وذكر اجمللسي ان ظاهر االخبار الكثرية علو قدره‬ ‫وجاللته‪.‬‬ ‫‪ .2‬روى حممد بن سنان قال حدثين املفضل بن عمر‬ ‫قال كنت ذات يوم بعد العصر جالسا يف الروضة‬ ‫بني القرب و املنرب و أان مفكر فيما خص هللا تعاىل به‬ ‫سيدان حممدا ص من الشرف و الفضائل و ما منحه‬ ‫و أعطاه و شرفه و حباه مما ال يعرفه اجلمهور من‬ ‫األمة و ما جهلوه من فضله و عظيم منزلته و خطري‬ ‫مرتبته)‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫‪ .3‬فإين لكذلك إذ أقبل ابن أيب العوجاء فجلس حبيث‬ ‫أمسع كالمه فلما استقر به اجمللس إذ رجل من‬ ‫أصحابه قد جاء فجلس إليه فتكلم ابن أيب العوجاء‬ ‫‪22‬‬


‫فقال لقد بلغ صاحب هذا القرب العز بكماله و حاز‬ ‫الشرف جبميع خصاله و انل احلظوة يف كل أحواله‬ ‫فقال له صاحبه إنه كان فيلسوفا ادعى املرتبة‬ ‫العظمى و املنزلة الكربى و أتى على ذلك مبعجزات‬ ‫هبرت العقول و ضلت فيها األحالم و غاصت‬ ‫األلباب على طلب علمها يف حبار الفكر فرجعت‬ ‫خاسئات و هي حسر) ‪ .‬مضمون معتل ظن ال‬ ‫شاهد له‪.‬‬ ‫‪ .4‬فلما استجاب لدعوته العقالء و الفصحاء و‬ ‫اخلطباء دخل الناس يف دينه أفواجا فقرن امسه ابسم‬ ‫انموسه) مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫‪ .5‬فصار يهتف به على رءوس الصوامع يف مجيع‬ ‫البلدان واملواضع اليت انتهت إليها دعوته وعلتها‬ ‫كلمته وظهرت فيها حجته برا و حبرا سهال و جبال‬ ‫يف كل يوم و ليلة مخس مرات مرددا يف األذان و‬ ‫اإلقامة ليتجدد يف كل ساعة ذكره و لئال خيمل أمره)‬

‫ت‪ :‬هذا قول الدهري ‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال‬ ‫شاهد له‪.‬‬ ‫‪23‬‬


‫‪ .6‬فقال ابن أيب العوجاء دع ذكر حممد ص فقد حتري‬ ‫فيه عقلي و ضل يف أمره فكري و حدثنا يف ذكر‬ ‫األصل الذي منشي له مث ذكر ابتداء األشياء و زعم‬ ‫أن ذلك إبمهال ال صنعة فيه و ال تقدير و ال صانع‬ ‫و ال مدبر بل األشياء تتكون من ذاهتا بال مدبر و‬ ‫على هذا كانت الدنيا مل تزل و ال تزال) مضمون‬ ‫معتل ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫‪ .7‬قال املفضل فلم أملك نفسي غضبا و غيظا و حنقا‬ ‫فقلت اي عدو هللا أ حلدت يف دين هللا و أنكرت‬ ‫الباري جل قدسه الذي خلقك يف أحسن تقومي و‬ ‫صورك يف أمت صورة و نقلك يف أحوالك حىت بلغ‬ ‫إىل حيث انتهيت فلو تفكرت يف نفسك و صدقك‬ ‫لطيف حسك لوجدت دالئل الربوبية و آاثر الصنعة‬ ‫فيك قائمة و شواهده جل و تقدس يف خلقك‬ ‫واضحة و براهينه لك الئحة) مضمون معتل ظين‬ ‫ضعيف ال شاهد له‪.‬‬

‫‪ .8‬فقال اي هذا إن كنت من أهل الكالم كلمناك فإن‬ ‫ثبتت لك حجة تبعناك و إن مل تكن منهم فال كالم‬ ‫‪24‬‬


‫لك و إن كنت من أصحاب جعفر بن حممد‬ ‫الصادق فما هكذا ختاطبنا و ال مبثل دليلك جتادل‬ ‫فينا) مضمون معتل ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫‪ .9‬و لقد مسع من كالمنا أكثر مما مسعت فما أفحش‬ ‫يف خطابنا و ال تعدى يف جوابنا و إنه احلليم الرزين‬ ‫العاقل الرصني ال يعرتيه خرق و ال طيش و ال نزق‬ ‫يسمع كالمنا و يصغى إلينا و يتعرف حجتنا حىت‬ ‫إذا استفرغنا ما عندان و ظنننا إان قطعناه دحض‬ ‫حجتنا بكالم يسري و خطاب قصري يلزمنا به احلجة‬ ‫و يقطع العذر و ال نستطيع جلوابه ردا) ت‪ :‬هذا من‬ ‫قول الدهري ‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫فإن كنت من أصحابه فخاطبنا مبثل‬ ‫‪.10‬‬ ‫خطابه) مضمون معتل ظن ليس له شاهد‪.‬‬ ‫قال املفضل فخرجت من املسجد حمزوان‬ ‫‪.11‬‬ ‫مفكرا فيما بلي به اإلسالم و أهله من كفر هذه‬ ‫العصابة و تعطيلها فدخلت على موالي ع فرآين‬ ‫منكسرا فقال ما لك فأخربته مبا مسعت من الدهريني‬ ‫و مبا رددت عليهما) ت‪ :‬قوله على موالي اي ايب‬ ‫‪25‬‬


‫عبد هللا صلوات هللا عليخه مضمون معتل ظن ال‬ ‫شاهد له‪.‬‬

‫فقال اي مفضل أللقني عليك من حكمة‬ ‫‪.12‬‬ ‫الباري جل و عال و تقدس امسه يف خلق العامل و‬ ‫السباع و البهائم و الطري و اهلوام و كل ذي روح من‬ ‫األنعام و النبات و الشجرة املثمرة و غري ذات الثمر‬ ‫و احلبوب و البقول املأكول من ذلك و غري املأكول‬ ‫ما يعترب به املعتربون و يسكن إىل معرفته املؤمنون و‬ ‫يتحري فيه امللحدون فبكر علي غدا) مضمون معتل؛‬ ‫ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫‪26‬‬


‫فصل‪ :‬اجمللس األول‬ ‫قال املفضل فانصرفت من عنده فرحا‬ ‫‪.13‬‬ ‫مسرورا و طالت على تلك الليلة انتظارا ملا وعدين‬ ‫به فلما أصبحت غدوت فاستؤذن يل فدخلت و‬ ‫قمت بني يديه فأمرين ابجللوس فجلست مث هنض‬ ‫إىل حجرة كان خيلو فيها و هنضت بنهوضه فقال‬ ‫اتبعين فتبعته فدخل و دخلت خلفه فجلس و‬ ‫جلست بني يديه فقال اي مفضل كأين بك و قد‬ ‫طالت عليك هذه الليلة انتظارا ملا وعدتك فقلت‬

‫أجل اي موالي) مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫مضمون صحيح (‪)1‬‬

‫فقال اي مفضل إن هللا تعاىل كان وال شي‬ ‫‪.14‬‬ ‫ء قبله وهو ابق وال هناية له فله احلمد على ما‬ ‫أهلمنا والشكر على ما منحنا فقد خصنا من العلوم‬ ‫أبعالها ومن املعايل أبسناها واصطفاان على مجيع‬ ‫‪27‬‬


‫اخللق بعلمه وجعلنا مهيمنني عليهم حبكمه) ت‪:‬‬ ‫فقال اي االمام صلوات هللا عليه‪ .‬مضمون‬ ‫صحيح؛ علم له شاهد‪.‬‬ ‫فقلت اي موالي أ أتذن يل أن أكتب ما‬ ‫‪.15‬‬ ‫تشرحه و كنت أعددت معي ما أكتب فيه فقال يل‬

‫افعل) مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫‪.16‬‬

‫مضمون صحيح (‪)2‬‬ ‫‪.17‬‬

‫اي مفضل إن الشكاك جهلوا األسباب و‬

‫املعاين يف اخللقة و قصرت أفهامهم عن أتمل‬ ‫الصواب و احلكمة فيما ذرأ الباري جل قدسه و‬ ‫برأ من صنوف خلقه يف الرب و البحر و السهل و‬ ‫الوعر فخرجوا بقصر علومهم إىل اجلحود و‬ ‫بضعف بصائرهم إىل التكذيب و العنود حىت‬ ‫أنكروا خلق األشياء و ادعوا أن تكوهنا ابإلمهال‬ ‫ال صنعة فيها و ال تقدير و ال حكمة من مدبر و‬ ‫ال صانع) مضمون صحيح؛ علم له شاهد‪.‬‬ ‫‪28‬‬


‫تعاىل هللا عما يصفون و قاتلهم هللا أىن‬ ‫‪.18‬‬ ‫يؤفكون فهم يف ضالهلم و غيهم و جتربهم مبنزلة‬ ‫عميان دخلوا دارا قد بنيت أتقن بناء و أحسنه و‬ ‫فرشت أبحسن الفرش و أفخره و أعد فيها ضروب‬ ‫األطعمة و األشربة و املالبس و املآرب اليت حيتاج‬ ‫إليها و ال يستغىن عنها و وضع كل شي ء من ذلك‬ ‫موضعه على صواب من التقدير و حكمة من التدبري‬ ‫فجعلوا يرتددون فيها ميينا و مشاال و يطوفون بيوهتا‬ ‫إدابرا و إقباال حمجوبة أبصارهم عنها ال يبصرون بنية‬ ‫الدار و ما أعد فيها و رمبا عثر بعضهم ابلشي ء‬ ‫الذي قد وضع موضعه و أعد للحاجة إليه و هو‬ ‫جاهل للمعىن فيه و ملا أعد و ملا ذا جعل كذلك‬ ‫فتذمر و تسخط و ذم الدار و ابنيها فهذه حال هذا‬ ‫الصنف يف إنكارهم ما أنكروا من أمر اخللقة و ثبات‬ ‫الصنعة فإهنم ملا عزبت أذهاهنم عن معرفة األسباب‬ ‫و العلل يف األشياء صاروا جيولون يف هذا العامل‬ ‫حيارى فال يفهمون ما هو عليه من إتقان خلقته و‬ ‫حسن صنعته و صواب هيئته و رمبا وقف بعضهم‬ ‫‪29‬‬


‫على الشي ء جيهل سببه و األرب فيه فيسرع إىل‬ ‫ذمه و وصفه ابإلحالة و اخلط كالذي أقدمت عليه‬ ‫املنانية الكفرة و جاهرت به امللحدة املارقة الفجرة و‬ ‫أشباههم من أهل الضالل املعللني أنفسهم ابحملال )‬ ‫مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫مضمون صحيح (‪)3‬‬ ‫‪.19‬‬

‫فيحق على من أنعم هللا عليه مبعرفته و‬

‫هداه لدينه و وفقه لتأمل التدبري يف صنعة اخلالئق‬ ‫و الوقوف على ما خلقوا له من لطيف التدبري و‬ ‫صواب التقدير ابلداللة القائمة الدالة على‬ ‫صانعها أن يكثر محد هللا مواله على ذلك و يرغب‬ ‫إليه فيالثبات عليه و الزايدة منه فإنه جل امسه‬ ‫يقول لَئِ ْن َش َك ْرمُْت َألَ ِزي َدن مك ْم َو لَئِ ْن َك َف ْرمُْت إِن َع ِ‬ ‫ذاِب‬ ‫ش ِديد) مضمون صحيح له شاهد‪.‬‬ ‫لَ َ‬

‫مضمون صحيح (‪)4‬‬

‫‪30‬‬


‫اي مفضل أول العرب والداللة على الباري‬ ‫‪.20‬‬ ‫جل قدسه هتيئة هذا العامل و أتليف أجزائه و‬ ‫نظمها على ما هي عليه) مضمون صحيح له‬ ‫شاهد‪.‬‬ ‫فإنك إذا أتملت العامل بفكرك و خربته‬ ‫‪.21‬‬ ‫بعقلك وجدته كالبيت املبين املعد فيه مجيع ما حيتاج‬ ‫إليه عباده فالسماء مرفوعة كالسقف و األرض‬ ‫ممدودة كالبساط و النجوم مضيئة كاملصابيح و‬ ‫اجلواهر خمزونة كالذخائر و كل شي ء فيها لشأنه‬ ‫معد و اإلنسان كامللك ذلك البيت و املخول مجيع‬ ‫ما فيه و ضروب النبات مهيأة ملآربه و صنوف‬ ‫احليوان مصروفة يف مصاحله و منافعه ففي هذا داللة‬ ‫واضحة على أن العامل خملوق بتقدير و حكمة و‬ ‫نظام و مالئمة و أن اخلالق له واحد و هو الذي‬ ‫ألفه و نظمه بعضا إىل بعض جل قدسه و تعاىل‬ ‫جده و كرم وجهه و ال إله غريه تعاىل عما يقول‬ ‫اجلاحدون و جل و عظم عما ينتحله امللحدون)‬ ‫مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫‪31‬‬


‫نبدأ اي مفضل بذكر خلق اإلنسان فاعترب‬ ‫‪.22‬‬ ‫به فأول ذلك ما يدبر به اجلنني يف الرحم و هو‬ ‫حمجوب يف ظلمات ثالث ظلمة البطن و ظلمة‬ ‫الرحم و ظلمة املشيمة حيث ال حيلة عنده يف طلب‬ ‫غذاء و ال دفع أذى و ال استجالب منفعة و ال دفع‬ ‫مضرة فإنه جيرى إليه من دم احليض ما يغذوه املاء و‬ ‫غذاؤه‬ ‫ذلك‬ ‫يزال‬ ‫فال‬ ‫النبات‬ ‫كيفية والدة اجلنني و غذائه و طلوع أسنانه و بلوغه‬ ‫حىت إذا كمل خلقه و استحكم بدنه و قوى أدميه‬ ‫على مباشرة اهلواء و بصره على مالقاة الضياء هاج‬ ‫الطلق أبمه فأزعجه أشد إزعاج و أعنفه حىت يولد‬ ‫فإذا ولد صرف ذلك الدم الذي كان يغذوه من دم‬ ‫أمه إىل ثديها و انقلب الطعم و اللون إىل ضرب‬ ‫آخر من الغذاء و هو أشد موافقة للمولود من الدم‬ ‫فيوافيه يف وقت حاجته إليه فحني يولد قد تلمظ و‬ ‫حرك شفتيه طلبا للرضاع فهو جيد ثدي أمه‬ ‫كاإلداوتني املعلقتني حلاجته فال يزال يتغذى ابللنب‬ ‫ما دام رطب البدن رقيق األمعاء لني األعضاءحىت‬ ‫‪32‬‬


‫إذا حيرك و احتاج إىل غذاء فيه صالبة ليشتد و‬ ‫يقوى بدنه طلعت له الطواحن من األسنان و‬ ‫األضراس ليمضغ هبا الطعام فيلني عليه و يسهل له‬ ‫إساغته فال يزال كذلك حىت يدرك فإذا أدرك و كان‬ ‫ذكرا طلع الشعر يف وجهه فكان ذلك عالمة الذكر‬ ‫و عز الرجل الذي خيرج به من جد الصبا و شبه‬ ‫النساء و إن كانت أنثى يبقى وجهها نقيا من الشعر‬ ‫لتبقى هلا البهجة و النضارة اليت حترك الرجل ملا فيه‬ ‫دوام النسل و بقاؤه اعترب اي مفضل فيما يدبر به‬ ‫اإلنسان يف هذه األحوال املختلفة هل ترى مثله‬ ‫ميكن أن يكون ابإلمهال أ فرأيت لو مل جير إليه ذلك‬ ‫الدم و هو يف الرحم أ مل يكن سيذوي و جيف كما‬ ‫جيف النبات إذا فقد املاء و لو مل يزعجه املخاض‬ ‫عند استحكامه أ مل يكن سيبقى يف الرحم كاملوءود‬ ‫يف األرض و لو مل يوافقه اللنب مع والدته أ مل يكن‬ ‫سيموت جوعا أو يغتذي بغذاء ال يالئمه و ال‬ ‫يصلح عليه بدنه و لو مل تطلع له األسنان يف وقتها‬ ‫أ مل يكن سيمتنع عليه مضغ الطعام و إساغته أو‬ ‫‪33‬‬


‫يقيمه على الرضاع فال يشتد بدنه و ال يصلح لعمل‬ ‫مث كان يشغل أمه بنفسه عن تربية غريه من األوالد)‬ ‫مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫و لو مل خيرج الشعر يف وجهه يف وقته أ مل‬ ‫‪.23‬‬ ‫يكن سيبقى يف هيئة الصبيان و النساء فال ترى له‬ ‫جاللة و ال وقارا قال املفضل فقلت له اي موالي فقد‬ ‫رأيت من يبقى على حالته و ال ينبت الشعر يف‬ ‫وجهه و إن بلغ الكرب فقال ع ذلِ َ ِ‬ ‫ت‬ ‫َّم ْ‬ ‫ك مبا قَد َ‬ ‫اّلل لَيس بِظََّالٍم لِْلعبِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫َّ‬ ‫يد فمن هذا الذي‬ ‫َ‬ ‫أَيْدي ُك ْم َو أَن ََّ ْ َ‬ ‫يرصده حىت يوافيه بكل شي ء من هذه املآرب إال‬ ‫الذي أنشأه خلقا بعد أن مل يكن مث توكل له مبصلحته‬ ‫بعد أن كان فإن كان اإلمهال أييت مبثل هذا التدبري‬ ‫فقد جيب أن يكون العمد و التقدير أيتيان ابخلطأ و‬ ‫احملال ألهنما ضد اإلمهال و هذا فظيع من القول و‬ ‫جهل من قائله ألن اإلمهال ال أييت ابلصواب و‬ ‫التضاد ال أييت ابلنظام تعاىل هللا عما يقول امللحدون‬ ‫علوا كبريا‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫‪34‬‬


‫و لو كان املولود يولد فهما عاقال ألنكر‬ ‫‪.24‬‬ ‫العامل عند والدته و لبقي حريان اتئه العقل إذا رأى‬ ‫ما مل يعرف و ورد عليه ما مل ير مثله من اختالف‬ ‫صور العامل من البهائم و الطري إىل غري ذلك مما‬ ‫يشاهده ساعة بعد ساعة و يوما بعد يوم و اعترب‬ ‫ذلك أبن من سيب من بلد و هو عاقل يكون كالواله‬ ‫احلريان فال يسرع إىل تعلم الكالم و قبول األدب كما‬ ‫يسرع الذي سيب صغريا غري عاقل مث لو ولد عاقال‬ ‫كان جيد غضاضة إذا رأى نفسه حمموال مرضعا‬ ‫معصبا ابخلرق مسجى يف املهد ألنه ال يستغين عن‬ ‫هذا كله لرقة بدنه و رطوبته حني يولد مث كان ال‬ ‫يوجد له من احلالوة و الوقع من القلوب ما يوجد‬ ‫للطفل فصار خيرج إىل الدنيا غبيا غافال عما فيه أهله‬ ‫فيلقى األشياء بذهن ضعيف و معرفة انقصة مث ال‬ ‫يزال يتزايد يف املعرفة قليال قليال و شيئا بعد شي ء‬ ‫و حاال بعد حال حىت أيلف األشياء و يتمرن و‬ ‫يستمر عليها فيخرج من حد التأمل هلا و احلرية فيها‬ ‫إىل التصرف و االضطرار إىل املعاش بعقله و حيلته‬ ‫‪35‬‬


‫و إىل االعتبار و الطاعة و السهو و الغفلة و املعصية‬ ‫و يف هذا أيضا وجوه أخر فإنه لو كان يولد اتم العقل‬ ‫مستقال بنفسه لذهب موضع حالوة تربية األوالد و‬ ‫ما قدر أن يكون للوالدين يف االشتغال ابلولد من‬ ‫املصلحة و ما يوجب الرتبية لآلابء على األبناء من‬ ‫املكافأة ابلرب و العطف عليهم عند حاجتهم إىل‬ ‫ذلك منهم مث كان األوالد ال أيلفون آابءهم و ال‬ ‫أيلف اآلابء أبناءهم ألن األوالد كانوا يستغنون عن‬ ‫تربية اآلابء و حياطتهم فيتفرقون عنهم حني يولدون‬ ‫فال يعرف الرجل أابه و أمه و ال ميتنع من نكاح أمه‬ ‫و أخته و ذوات احملارم منه إذا كان ال يعرفهن و أقل‬ ‫ما يف ذلك من القباحة بل هو أشنع و أعظم و أفظع‬ ‫و أقبح و أبشع لو خرج املولود من بطن أمه و هو‬ ‫يعقل أن يرى منها ما ال حيل له و ال حيسن به أن‬ ‫يراه أ فال ترى كيف أقيم كل شي ء من اخللقة على‬ ‫غاية الصواب و خال من اخلطإ دقيقه و جليله‪.‬‬

‫مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫‪36‬‬


‫اعرف اي مفضل ما لألطفال يف البكاء من‬ ‫‪.25‬‬ ‫املنفعة و اعلم أن يف أدمغة األطفال رطوبة إن بقيت‬ ‫فيها أحدثت عليهم أحدااث جليلة و علال عظيمة‬ ‫من ذهاب البصر و غريه و البكاء يسيل تلك الرطوبة‬ ‫من رءوسهم فيعقبهم ذلك الصحة يف أبداهنم و‬ ‫السالمة يف أبصارهم أ فليس قد جاز أن يكون‬ ‫الطفل ينتفع ابلبكاء و والداه ال يعرفان ذلك فهما‬ ‫دائبان ليسكتانه و يتوخيان يف األمور مرضاته لئال‬ ‫يبكي و مها ال يعلمان أن البكاء أصلح له و أمجل‬ ‫عاقبة فهكذا جيوز أن يكون يف كثري من األشياء‬ ‫منافع ال يعرفها القائلون ابإلمهال و لو عرفوا ذلك مل‬ ‫يقضوا على الشي ء أنه ال منفعة فيه من أجل أهنم‬ ‫ال يعرفونه و ال يعلمون السبب فيه فإن كل ما ال‬ ‫يعرفه املنكرون يعلمه العارفون و كثريا ما يقصر عنه‬ ‫علم املخلوقني حميط به علم اخلالق جل قدسه و‬ ‫علت كلمته فأما ما يسيل من أفواه األطفال من‬ ‫الريق ففي ذلك خروج الرطوبة اليت لو بقيت يف‬ ‫أبداهنم ألحدثت عليهم األمور العظيمة كمن تراه قد‬ ‫‪37‬‬


‫غلبت عليه الرطوبة فأخرجته إىل حد البله و اجلنون‬ ‫و التخليط إىل غري ذلك من األمراض املتلفة كالفاجل‬ ‫و اللقوة و ما أشبههما فجعل هللا تلك الرطوبة تسيل‬ ‫من أفواههم يف صغرهم ملا هلم يف ذلك من الصحة‬ ‫يف كربهم فتفضل على خلقه مبا جهلوه و نظر هلم مبا‬ ‫مل يعرفوه و لو عرفوا نعمه عليهم لشغلهم ذلك من‬ ‫التمادي يف معصيته فسبحانه ما أجل نعمته و‬ ‫أسبغها على املستحقني و غريهم من خلقه تعاىل‬ ‫عما يقول املبطلون علوا كبريا‪ .‬مضمون معتل؛ ظن‬ ‫ال شاهد له‪.‬‬ ‫انظر اآلن اي مفضل كيف جعلت آالت‬ ‫‪.26‬‬ ‫اجلماع يف الذكر و األنثى مجيعا على ما يشاكل ذلك‬ ‫عليه فجعل للذكر آلة انشرة متتد حىت تصل النطفة‬ ‫إىل الرحم إذا كان حمتاجا إىل أن يقذف ماءه يف غريه‬ ‫و خلق لألنثى وعاء قعرا ليشتمل على املاءين مجيعا‬ ‫و حيتمل الولد و يتسع له و يصونه حىت يستحكم أ‬ ‫ليس ذلك من تدبري حكيم لطيف سبحانه و تعاىل‬ ‫عما يشركون أعضاء البدن و فوائد كل منها‬ ‫‪38‬‬


‫فكر اي مفضل يف أعضاء البدن أمجع و تدبري كل‬ ‫منها لألرب فاليدان للعالج و الرجالن للسعي و‬ ‫العينان لالهتداء و الفم لالغتذاء و املعدة للهضم و‬ ‫الكبد للتخليص و املنافذ لتنفيذ الفضول و األوعية‬ ‫حلملها و الفرج إلقامة النسل و كذلك مجيع‬ ‫األعضاء إذا ما أتملتها و أعملت فكرك فيها و نظرك‬ ‫وجدت كل شي ء منها قد قدر لشي ء على صواب‬ ‫حكمة‬ ‫و‬ ‫زعم الطبيعيني و جوابه‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال‬ ‫شاهد له‪.‬‬ ‫قال املفضل فقلت اي موالي إن قوما‬ ‫‪.27‬‬ ‫يزعمون أن هذا من فعل الطبيعة ) مضمون معتل ال‬ ‫شاهد له‪.‬‬

‫مضمون صحيح (‪.)5‬‬ ‫فقال ع سلهم عن هذه الطبيعة أ هي‬ ‫‪.28‬‬ ‫شي ء له علم و قدرة على مثل هذه األفعال أم‬ ‫ليست كذلك فإن أوجبوا هلا العلم و القدرة فما‬ ‫‪39‬‬


‫مينعهم من إثبات اخلالق فإن هذه صنعته و إن‬ ‫زعموا أهنا تفعل هذه األفعال بغري علم و ال عمد‬ ‫و كان يف أفعاهلا ما قد تراه من الصواب و احلكمة‬ ‫علم أن هذا الفعل للخالق احلكيم فإن الذي مسوه‬ ‫طبيعة هو سنته يف خلقه اجلارية على ما أجراها‬ ‫عليه) مضمون صحيح‪ .‬له شاهد‪.‬‬ ‫فكر اي مفضل يف وصول الغذاء إىل البدن‬ ‫‪.29‬‬ ‫و ما فيه من التدبري فإن الطعام يصري إىل املعدة‬ ‫فتطبخه و تبعث بصفوه إىل الكبد يف عروق دقاق‬ ‫واشجة بينهما قد جعلت كاملصفى للغذاء لكيال‬ ‫يصل إىل الكبد منه شي ء فينكاها و ذلك أن الكبد‬ ‫رقيقة ال حتتمل العنف مث إن الكبد تقبله فيستحيل‬ ‫بلطف التدبري دما و ينفذه إىل البدن كله يف جماري‬ ‫مهيئة لذلك مبنزلة اجملاري اليت هتيأ للماء ليطرد يف‬ ‫األرض كلها و ينفذ ما خيرج منه من اخلبث و‬ ‫الفضول إىل مفايض قد أعدت لذلك فما كان منه‬ ‫من جنس املرة الصفراء جرى إىل املرارة و ما كان من‬ ‫جنس السوداء جرى إىل الطحال و ما كان من البلة‬ ‫‪40‬‬


‫و الرطوبة جرى إىل املثانة فتأمل حكمة التدبري يف‬ ‫تركيب البدن و وضع هذه األعضاء منه مواضعها و‬ ‫أعداد هذه األوعية فيه لتحمل تلك الفضول لئال‬ ‫تنتشر يف البدن فتسقمه و تنهكه فتبارك من أحسن‬ ‫التقدير و أحكم التدبري و له احلمد كما هو أهله و‬ ‫مستحقه‬ ‫أول نشوء األبدان تصوير اجلنني يف الرحم‬ ‫قال املفضل فقلت صف نشوء األبدان و منوها حاال‬ ‫بعد حال حىت تبلغ التمام و الكمال قال ع أول‬ ‫ذلك تصوير اجلنني يف الرحم حيث ال تراه عني و ال‬ ‫تناله يد و يدبره حىت خيرج سواي مستوفيا مجيع ما‬ ‫فيه قوامه و صالحه من األحشاء و اجلوارح و‬ ‫العوامل إىل ما يف تركيب أعضائه من العظام و اللحم‬ ‫و الشحم و العصب و املخ و العروق و الغضاريف‬ ‫فإذا خرج إىل العامل تراه كيف ينمو جبميع أعضائه و‬ ‫هو اثبت على شكل و هيئة ال تتزايد و ال تنقص‬ ‫إىل أن يبلغ أشده إن مد يف عمره أو يستوىف مدته‬ ‫قبل ذلك هل هذا إال من لطيف التدبري و احلكمة‬ ‫‪41‬‬


‫اختصاص اإلنسان ابالنتصاب و اجللوس دون‬ ‫البهائم‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫انظر اي مفضل ما خص به اإلنسان يف‬ ‫‪.30‬‬ ‫خلقه تشرفا و تفضال على البهائم فإنه خلق ينتصب‬ ‫قائما و يستوي جالسا ليستقبل األشياء بيديه و‬ ‫جوارحه و ميكنه العالج و العمل هبما فلو كان‬ ‫مكبواب على وجهه كذوات األربع ملا استطاع أن‬ ‫األعمال‬ ‫من‬ ‫شيئا‬ ‫يعمل‬ ‫ختصص اإلنسان ابحلواس و تشرفه هبا دون غريه‬ ‫انظر اآلن اي مفضل إىل هذه احلواس اليت خص هبا‬ ‫اإلنسان يف خلقه و شرف هبا على غريه كيف‬ ‫جعلت العينان يف الرأس كاملصابيح فوق املنارة‬ ‫ليتمكن من مطالعة األشياء و مل جتعل يف األعضاء‬ ‫اليت حتتهن كاليدين و الرجلني فتعرتضها اآلفات و‬ ‫يصيبها من مباشرة العمل و احلركة ما يعللها و يؤثر‬ ‫فيها و ينقص منها و ال يف األعضاء اليت وسط البدن‬ ‫كالبطن و الظهر فيعسر تقلبها و اطالعها حنو‬ ‫األشياء‬ ‫‪42‬‬


‫احلواس اخلمس و أعماهلا و ما يف ذلك من األسرار‬ ‫فلما مل يكن هلا يف شي ء من هذه األعضاء موضع‬ ‫كان الرأس أسىن املواضع للحواس و هو مبنزلة‬ ‫الصومعة هلا فجعل احلواس مخسا تلقى مخسا لكي‬ ‫ال يفوهتا شي ء من احملسوسات فخلق البصر ليدرك‬ ‫األلوان فلو كانت األلوان و مل يكن بصر يدركها مل‬ ‫تكن فيها منفعة و خلق السمع ليدرك األصوات فلو‬ ‫كانت األصوات و مل يكن مسع يدركها مل يكن فيها‬ ‫أرب و كذلك سائر احلواس مث هذا يرجع متكافيا‬ ‫فلو كان بصر و مل تكن األلوان ملا كان للبصر معىن‬ ‫و لو كان مسع و مل تكن أصوات مل يكن للسمع‬ ‫موضع تقدير احلواس بعضها يلقى بعضا‪ .‬مضمون‬

‫معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫فانظر كيف قدر بعضها يلقى بعضا فجعل‬ ‫‪.31‬‬ ‫لكل حاسة حمسوسا يعمل فيه و لكل حمسوس‬ ‫حاسة تدركه و مع هذا فقد جعلت أشياء متوسطة‬ ‫بني احلواس و احملسوسات ال تتم احلواس إال هبا كمثل‬ ‫الضياء و اهلواء فإنه لو مل يكن ضياء يظهر اللون‬ ‫‪43‬‬


‫للبصر مل يكن البصر يدرك اللون و لو مل يكن هواء‬ ‫يؤدي الصوت إىل السمع مل يكن السمع يدرك‬ ‫الصوت فهل خيفي على من صح نظره و أعمل فكره‬ ‫إن مثل هذا الذي وصفت من هتيئة احلواس و‬ ‫احملسوسات بعضها يلقى بعضا و هتيئة أشياء أخر‬ ‫هبا تتم احلواس ال يكون إال بعمل و تقدير من لطيف‬ ‫خبري‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫فكر اي مفضل فيمن عدم البصر من الناس‬ ‫‪.32‬‬ ‫و ما يناله من اخللل يف أموره فإنه ال يعرف موضع‬ ‫قدميه و ال يبصر ما بني يديه فال يفرق بني األلوان‬ ‫و بني املنظر احلسن و القبيح و ال يرى حفرة إن‬ ‫هجم عليها و ال عدوا إن أهوى إليه بسيف و ال‬ ‫يكون له سبيل إىل أن يعمل شيئا من هذه الصناعات‬ ‫مثل الكتابة و التجارة و الصياغة حىت أنه لو ال نفاذ‬ ‫ذهنه لكان مبنزلة احلجر امللقى و كذلك من عدم‬ ‫السمع خيتل يف أمور كثرية فإنه يفقد روح املخاطبة‬ ‫و احملاورة و يعدم لذة األصوات و اللحون املشجية‬ ‫و املطربة و تعظم املئونة على الناس يف حماورته حىت‬ ‫‪44‬‬


‫يتربموا به و ال يسمع شيئا من أخبار الناس و‬ ‫أحاديثهم حىت يكون كالغائب و هو شاهد أو‬ ‫كامليت و هو حي فأما من عدم العقل فإنه يلحق‬ ‫مبنزلة البهائم بل جيهل كثريا مما هتتدي إليه البهائم أ‬ ‫فال ترى كيف صارت اجلوارح و العقل و سائر‬ ‫اخلالل اليت هبا صالح اإلنسان و اليت لو فقد منها‬ ‫شيئا لعظم ما يناله يف ذلك من اخللل يوايف خلقه‬ ‫على التمام حىت ال يفقد شيئا منها فلم كان كذلك‬ ‫إال أنه خلق بعلم و تقدير قال املفضل فقلت فلم‬ ‫صار بعض الناس يفقد شيئا من هذه اجلوارح فيناله‬ ‫من ذلك مثل ما وصفته اي موالي قال ع ذلك‬ ‫للتأديب و املوعظة ملن حيل ذلك به و لغريه بسببه‬ ‫كما يؤدب امللوك الناس للتنكيل و املوعظة فال ينكر‬ ‫ذلك عليهم بل حيمد من رأيهم و يتصوب من‬ ‫تدبريهم مث إن للذين تنزل هبم هذه البالاي من الثواب‬ ‫بعد املوت إن شكروا و أانبوا ما يستصغرون معه ما‬ ‫يناهلم منها حىت أهنم لو خريوا بعد املوت الختاروا‬ ‫أن يردوا إىل البالاي ليزدادوا من الثواب‬ ‫‪45‬‬


‫األعضاء املخلوقة أفرادا و أزواجا و كيفية ذلك‪.‬‬ ‫مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫فكر اي مفضل يف األعضاء اليت خلقت‬ ‫‪.33‬‬

‫أفرادا و أزواجا و ما يف ذلك من احلكمة و التقدير‬ ‫و الصواب يف التدبري فالرأس مما خلق فردا و مل يكن‬ ‫لإلنسان صالح يف أن يكون له أكثر من واحد أ ال‬

‫ترى أنه لو أضيف إىل رأس اإلنسان رأس آخر لكان‬ ‫ثقال عليه من غري حاجة إليه ألن احلواس اليت حيتاج‬ ‫إليها جمتمعة يف رأس واحد مث كان اإلنسان ينقسم‬ ‫قسمني لو كان له رأسان فإن تكلم من أحدمها كان‬ ‫اآلخر معطال ال أرب فيه و ال حاجة إليه و إن تكلم‬ ‫منهما مجيعا بكالم واحد كان أحدمها فضال ال‬ ‫حيتاج إليه و إن تكلم أبحدمها بغري الذي تكلم به‬ ‫من اآلخر مل يدر السامع أبي ذلك أيخذ و أشباه‬ ‫هذا من األخالط و اليدان مما خلق أزواجا و مل يكن‬ ‫لإلنسان خري يف أن يكون له يد واحدة ألن ذلك‬ ‫كان خيل به فيما حيتاج إىل معاجلته من األشياء أ ال‬ ‫ترى أن النجار و البناء لو شلت إحدى يديه ال‬ ‫‪46‬‬


‫يستطيع أن يعاجل صناعته و إن تكلف ذلك مل‬ ‫حيكمه و مل يبلغ منه ما يبلغه إذا كانت يداه تتعاوانن‬ ‫على العمل الصوت و الكالم و هتيئة آالته يف‬ ‫منها‬ ‫كل‬ ‫عمل‬ ‫و‬ ‫اإلنسان‬ ‫أطل الفكر اي مفضل يف الصوت و الكالم و هتيئة‬ ‫آالته يف اإلنسان فاحلنجرة كاألنبوبة خلروج الصوت‬ ‫و اللسان و الشفتان و األسنان لصياغة احلروف و‬ ‫النغم أ ال ترى أن من سقطت أسنانه مل يقم السني‬ ‫و من سقطت شفته مل يصحح الفاء و من ثقل‬ ‫لسانه مل يفصح الراء و أشبه شي ء بذلك املزمار‬ ‫األعظم فاحلنجرة تشبه قصبة املزمار و الرئة تشبه الزق‬ ‫الذي ينفخ فيه لتدخل الريح و العضالت اليت تقبض‬ ‫على الرئة ليخرج الصوت كاألصابع اليت تقبض على‬ ‫الزق حىت جتري الريح يف املزامري و الشفتان و األسنان‬ ‫اليت تصوغ الصوت حروفا و نغما كاألصابع اليت‬ ‫ختتلف يف فم املزمار فتصوغ صفريه أحلاان غري أنه و‬ ‫إن كان خمرج الصوت يشبه املزمار ابآللة و التعريف‬ ‫فإن املزمار يف احلقيقة هو املشبه مبخرج الصوت ما‬ ‫‪47‬‬


‫يف األعضاء من املآرب األخرى‪ .‬مضمون معتل؛ ظن‬ ‫ال شاهد له‪.‬‬ ‫قد أنبأتك مبا يف األعضاء من الغناء يف‬ ‫‪.34‬‬ ‫صنعة الكالم و إقامة احلروف و فيها مع الذي‬ ‫ذكرت لك مآرب أخرى فاحلنجرة ليسلك فيها هذا‬ ‫النسيم إىل الرئة فرتوح على الفؤاد ابلنفس الدائم‬

‫املتتابع الذي لو حبس شيئا يسريا هللك اإلنسان و‬ ‫ابللسان تذاق الطعوم فيميز بينها و يعرف كل واحد‬ ‫منها حلوها من مرها و حامضها من مرها و ماحلها‬ ‫من عذهبا و طيبها من خبيثها و فيه مع ذلك معونة‬ ‫على إساغة الطعام و الشراب و األسنان ملضغ‬ ‫الطعام حىت يلني و تسهل إساغته و هي مع ذلك‬ ‫كالسند للشفتني متسكهما و تدعمهما من داخل‬ ‫الفم و اعترب ذلك فإنك ترى من سقطت أسنانه‬ ‫مسرتخي الشفة و مضطرهبا و ابلشفتني يرتشف‬ ‫الشراب حىت يكون الذي يصل إىل اجلوف منه‬ ‫بقصد و قدر ال يثج ثجا فيغص به الشارب أو ينكي‬ ‫يف اجلوف مث مهى بعد ذلك كالباب املطبق على الفم‬ ‫‪48‬‬


‫يفتحها اإلنسان إذا شاء و يطبقها إذا شاء و فيما‬ ‫وصفنا من هذا بيان أن كل واحد من هذه األعضاء‬ ‫يتصرف و ينقسم إىل وجوه من املنافع كما تتصرف‬ ‫األداة الواحدة يف أعمال شىت و ذلك كالفأس‬ ‫تستعمل يف النجارة و احلفر و غريمها من األعمال‬ ‫الدماغ و أغشيته و اجلمجمة و فائدهتا‬ ‫و لو رأيت الدماغ إذا كشف عنه لرأيته قد لف‬ ‫حبجب بعضها فوق بعض لتصونه من األعراض و‬ ‫متسكه فال يضطرب و لرأيت عليه اجلمجمة مبنزلة‬ ‫البيضة كيما تقيه هد الصدمة و الصكة اليت رمبا‬ ‫وقعت يف الرأس مث قد جللت اجلمجمة ابلشعر حىت‬ ‫صارت مبنزلة الفرو للرأس يسرته من شدة احلر و الربد‬ ‫فمن حصن الدماغ هذا التحصني إال الذي خلقه و‬ ‫جعله ينبوع احلس و املستحق للحيطة و الصيانة‬ ‫بعلو منزلته من البدن و ارتفاع درجته و خطري مرتبته‬ ‫اجلفن و أشفاره أتمل اي مفضل اجلفن على العني‬ ‫كيف جعل كالغشاء و األشفار كاألشراح و أوجلها‬

‫‪49‬‬


‫يف هذا الغار و أظلها ابحلجاب و ما عليه من الشعر‬ ‫الفؤاد و مدرعته‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫اي مفضل من غيب الفؤاد يف جوف الصدر‬ ‫‪.35‬‬ ‫و كساه املدرعة اليت غشاؤه و حصنه ابجلوانح و ما‬ ‫عليها من اللحم و العصب لئال يصل إليه ما ينكيه‬ ‫ء‬ ‫املري‬ ‫و‬ ‫احللق‬ ‫من جعل يف احللق منفذين أحدمها ملخرج الصوت و‬ ‫هو احللقوم املتصل ابلرئة و اآلخر منفذا للغذاء و‬ ‫هو املري ء املتصل ابملعدة املوصل الغذاء إليها و‬ ‫جعل على احللقوم طبقا مينع الطعام أن يصل إىل‬ ‫الرئة فيقتل الرئة و عملها أشراج منافذ البول و الغائط‬ ‫من جعل الرئة مروحة الفؤاد ال تفرت و ال ختتل لكيال‬ ‫تتحري احلرارة يف الفؤاد فتؤدي إىل التلف من جعل‬ ‫ملنافذ البول و الغائط أشراجا تضبطهما لئال جيراي‬ ‫جرايان دائما فيفسد على اإلنسان عيشه فكم عسى‬ ‫أن حيصي احملصي من هذا بل الذي ال حيصى منه و‬ ‫ال يعلمه الناس أكثر املعدة عصبانية و الكبد من‬ ‫جعل املعدة عصبانية شديدة و قدرها هلضم الطعام‬ ‫‪50‬‬


‫الغليظ و من جعل الكبد رقيقة انعمة لقبول الصفو‬ ‫اللطيف من الغذاء و لتهضم و تعمل ما هو ألطف‬ ‫من عمل املعدة إال هللا القادر أ ترى اإلمهال أييت‬ ‫بشي ء من ذلك كال بل هو تدبري مدبر حكيم قادر‬ ‫عليم ابألشياء قبل خلقه إايها ال يعجزه شي ء و هو‬ ‫اللطيف اخلبري املخ و الدم و األظفار و األذن و حلم‬ ‫الفخذين‬ ‫و‬ ‫األليتني‬ ‫فكر اي مفضل مل صار املخ الرقيق حمصنا يف أانبيب‬ ‫العظام هل ذلك إال ليحفظه و يصونه مل صار الدم‬ ‫السائل حمصورا يف العروق مبنزلة املاء يف الظروف إال‬ ‫لتضبطه فال يفيض مل صارت األظفار على أطراف‬ ‫األصابع إال وقاية هلا و معونة على العمل مل صار‬ ‫داخل األذن ملتواي كهيأه اللولب إال ليطرد فيه‬ ‫الصوت حىت ينتهي إىل السمع و ليكسر محة الريح‬ ‫فال ينكي يف السمع مل محل اإلنسان على فخذيه و‬ ‫أليتيه هذا اللحم إال ليقيه من األرض فال يتأمل من‬ ‫اجللوس عليها كما أيمل من حنل جسمه و قل حلمه‬

‫‪51‬‬


‫إذا مل يكن بينه و بني األرض حائل يقيه صالبتها‪.‬‬ ‫مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫اإلنسان ذكر و أنثى و تناسله و آالت‬ ‫‪.36‬‬ ‫العمل و حاجته و حيلته و إلزامه ابحلجة من جعل‬ ‫اإلنسان ذكرا و أنثى إال من خلقه متناسال و من‬ ‫خلقه متناسال إال من خلقه مؤمال و من أعطاه‬ ‫آالت العمل إال من خلقه عامال و من خلقه عامال‬ ‫إال من جعله حمتاجا و من جعله حمتاجا إال من ضربه‬ ‫ابحلاجة و من ضربه ابحلاجة إال من توكل بتقوميه و‬ ‫من خصه ابلفهم إال من أوجب اجلزاء و من وهب‬ ‫له احليلة إال من ملكه احلول و من ملكه احلول إال‬ ‫من ألزمه احلجة من يكفيه ما ال تبلغه حيلته إال من‬ ‫مل يبلغ مدى شكره فكر و تدبر ما وصفته هل جتد‬ ‫اإلمهال أييت على مثل هذا النظام و الرتتيب تبارك‬ ‫هللا تعاىل عما يصفون الفؤاد و ثقبه املتصلة ابلرئة‬ ‫أصف لك اآلن اي مفضل الفؤاد اعلم أن فيه ثقبا‬ ‫موجهة حنو الثقب اليت يف الرئة تروح عن الفؤاد حىت‬ ‫لو اختلفت تلك الثقب و تزايل بعضها عن بعض‬ ‫‪52‬‬


‫ملا وصل الروح إىل الفؤاد و هللك اإلنسان أ فيستجيز‬ ‫ذو فكرة و روية أن يزعم أن مثل هذا يكون ابإلمهال‬ ‫و ال جيد شاهدا من نفسه يزعه عن هذا القول لو‬ ‫رأيت فردا من مصراعني فيه كلوب أ كنت تتوهم أنه‬ ‫جعل كذلك بال معىن بل كنت تعلم ضرورة أنه‬ ‫مصنوع يلقى فردا آخر فيربزه ليكون يف اجتماعهما‬ ‫ضرب من املصلحة و هكذا جتد الذكر من احليوان‬ ‫كأنه فرد م ن زوج مهيأ من فرد أنثى فيلتقيان ملا فيه‬ ‫من دوام النسل و بقائه فتبا و خيبة و تعسا ملنتحلي‬ ‫الفلسفة كيف عميت قلوهبم عن هذه اخللقة العجيبة‬ ‫حىت أنكروا التدبري و العمد فيها‬ ‫فرج الرجل و احلكمة فيه‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال‬

‫شاهد له‪.‬‬ ‫لو كان فرج الرجل مسرتخيا كيف كان‬ ‫‪.37‬‬ ‫يصل إىل قعر الرحم حىت يفرغ النطفة فيه و لو كان‬ ‫منعضا أبدا كيف كان الرجل يتقلب يف الفراش أو‬ ‫ميشي بني الناس و شي ء شاخص أمامه مث يكون‬ ‫يف ذلك مع قبح املنظر حتريك الشهوة يف كل وقت‬ ‫‪53‬‬


‫من الرجال و النساء مجيعا فقدر هللا جل امسه أن‬ ‫يكون أكثر ذلك ال يبدو للبصر يف كل وقت و ال‬ ‫يكون على الرجال منه مؤنة بل جعل فيه قوة‬ ‫االنتصاب وقت احلاجة إىل ذلك ملا قدر أن يكون‬ ‫فيه من دوام النسل و بقائه‬ ‫وصفه‬ ‫و‬ ‫الغائط‬ ‫منفذ‬ ‫اعترب اآلن اي مفضل بعظم النعمة على اإلنسان يف‬ ‫مطعمه و مشربه و تسهيل خروج األذى أ ليس من‬ ‫حسن التقدير يف بناء الدار أن يكون اخلالء يف أسرت‬ ‫موضع منها فكذا جعل هللا سبحانه املنفذ املهيأ‬ ‫للخالء من اإلنسان يف أسرت موضع منه فلم جيعله‬ ‫ابرزا من خلفه و ال انشزا من بني يديه بل هو مغيب‬ ‫يف موضع غامض من البدن مستور حمجوب يلتقي‬ ‫عليه الفخذان و حتجبه األليتان مبا عليهما من اللحم‬ ‫فتواراينه فإذا احتاج اإلنسان إىل اخلالء و جلس تلك‬ ‫اجللسة ألفى ذلك املنفذ منه منصبا مهيأ الحندار‬ ‫الثفل فتبارك من تظاهرت آالؤه و ال حتصى نعماؤه‬ ‫اإلنسان‬ ‫أسنان‬ ‫من‬ ‫الطواحن‬ ‫‪54‬‬


‫فكر اي مفضل يف هذه الطواحن اليت جعلت لإلنسان‬ ‫فبعضها حداد لقطع الطعام و قرضه و بعضها عراض‬ ‫ملضغه و رضه فلم ينقص واحد من الصفتني إذ كان‬ ‫مجيعا‬ ‫إليهما‬ ‫حمتاجا‬ ‫الشعر و األظفار و فائدة قصهما‪ .‬مضمون معتل؛‬

‫ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫أتمل و اعترب حبسن التدبري يف خلق الشعر‬ ‫‪.38‬‬ ‫و األظفار فإهنما ملا كاان مما يطول و يكثر حىت حيتاج‬ ‫إىل ختفيفه أوال فأوال جعال عدميا احلس لئال يؤمل‬

‫اإلنسان األخذ منهما و لو كان قص الشعر و تقليم‬ ‫األظفار مما يوجد له أمل وقع من ذلك بني مكروهني‬ ‫إما أن يدع كل واحد منهما حىت يطول فيثقل عليه‬ ‫و إما أن خيففه بوجع و أمل يتأمل منه قال املفضل‬ ‫فقلت فلم مل جيعل ذلك خلقة ال تزيد فيحتاج‬ ‫اإلنسان إىل النقصان منه فقال ع إن هلل تبارك امسه‬ ‫يف ذلك على العبد نعما ال يعرفها فيحمده عليها‬ ‫اعلم أن آالم البدن و أدواءه خترج خبروج الشعر يف‬ ‫مسامه و خبروج األظفار من أانملها و لذلك أمر‬ ‫‪55‬‬


‫اإلنسان ابلنورة و حلق الرأس و قص األظفار يف كل‬ ‫أسبوع ليسرع الشعر و األظفار يف النبات فتخرج‬ ‫اآلالم و األدواء خبروجهما و إذا طاال حتريا و قل‬ ‫خروجهما فاحتبست اآلالم و األدواء يف البدن‬ ‫فأحدثت علال و أوجاعا و منع مع ذلك الشعر من‬ ‫املواضع اليت تضر ابإلنسان و حتدث عليه الفساد و‬ ‫الضر لو نبت الشعر يف العني أ مل يكن سيعمى البصر‬ ‫و لو نبت يف الفم أ مل يكن سينغص على اإلنسان‬ ‫طعامه و شرابه و لو نبت يف ابطن الكف أ مل يكن‬ ‫سيعوقه عن صحة اللمس و بعض األعمال و لو‬ ‫نبت يف فرج املرأة و على ذكر الرجل أ مل يكن‬ ‫سيفسد عليهما لذة اجلماع فانظر كيف تنكب‬ ‫الشعر عن هذه املواضع ملا يف ذلك من املصلحة مث‬ ‫ليس هذا يف اإلنسان فقط بل جتده يف البهائم و‬ ‫السباع و سائر املتناسالت فإنك ترى أجسامها جمللة‬ ‫ابلشعر و ترى هذه املواضع خالية منه هلذا السبب‬ ‫بعينه فتأمل اخللقة كيف تتحرز وجوه اخلطإ و املضرة‬ ‫املنفعة‬ ‫و‬ ‫ابلصواب‬ ‫أتيت‬ ‫و‬ ‫‪56‬‬


‫شعر الركب و اإلبطني‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال‬ ‫شاهد له‪.‬‬ ‫إن املنانية و أشباههم حني أجهدوا يف عيب‬ ‫‪.39‬‬ ‫اخللقة و العمد عابوا الشعر النابت على الركب و‬ ‫اإلبطني و مل يعلموا أن ذلك من رطوبة تنصب إىل‬ ‫هذه املواضع فينبت فيها الشعر كما ينبت العشب‬

‫يف مستنفع املياه أ فال ترى إىل هذه املواضع أسرت و‬ ‫أهيأ لقبول تلك الفضلة من غريها مث إن هذه تعد‬ ‫مما حيمل اإلنسان من مؤنة هذا البدن و تكاليفه ملا‬ ‫له يف ذلك من املصلحة فإن اهتمامه بتنظيف بدنه‬ ‫و أخذ ما يعلوه من الشعر مما يكسر به شرته و‬ ‫يكف عاديته و يشغله عن بعض ما خيرجه إليه الفراغ‬ ‫البطالة‬ ‫و‬ ‫األشر‬ ‫من‬ ‫املنفعة‬ ‫من‬ ‫فيه‬ ‫ما‬ ‫و‬ ‫الريق‬ ‫أتمل الريق و ما فيه من املنفعة فإنه جعل جيري جرايان‬ ‫دائما إىل الفم ليبل احللق و اللهوات فال جيف فإن‬ ‫هذه املواضع لو جعلت كذلك كان فيه هالك‬ ‫األسنان مث كان ال يستطيع أن يسيغ طعاما إذا مل‬ ‫‪57‬‬


‫يكن يف الفم بلة تنفذه تشهد بذلك املشاهدة و اعلم‬ ‫أن الرطوبة مطية الغذاء و قد جتري من هذه البله إىل‬ ‫مواضع أخر من املرة فيكون يف ذلك صالح اتم‬ ‫لإلنسان و لو يبست املرة هللك اإلنسان‬ ‫حماذير كون بطن اإلنسان كهيئة القباء‪ .‬مضمون‬

‫معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫و لقد قال قوم من جهلة املتكلمني و ضعفة‬ ‫‪.40‬‬ ‫املتفلسفني بقلة التمييز و قصور العلم لو كان بطن‬ ‫اإلنسان كهيئة القباء يفتحه الطبيب إذا شاء فيعاين‬

‫ما فيه و يدخل يده فيعاجل ما أراد عالجه أ مل يكن‬ ‫أصلح من أن يكون مصمتا حمجواب عن البصر و‬ ‫اليد ال يعرف ما فيه إال بدالالت غامضة كمثل‬ ‫النظر إىل البول و جس العرق و ما أشبه ذلك مما‬ ‫يكثر فيه الغلط و الشبهة حىت رمبا كان ذلك سببا‬ ‫للموت فلو علم هؤالء اجلهلة أن هذا لو كان هكذا‬ ‫كان أول ما فيه أن كان يسقط عن اإلنسان الوجل‬ ‫من األمراض و املوت و كان يستشعر البقاء و يغرت‬ ‫ابلسالمة فيخرجه ذلك إىل العتو و األشر مث كانت‬ ‫‪58‬‬


‫الرطوابت اليت يف البطن ترتشح و تتحلب فيفسد‬ ‫على اإلنسان مقعده و مرقده و ثياب بدلته و زينته‬ ‫بل كان يفسد عليه عيشه مث إن املعدة و الكبد و‬ ‫الفؤاد إمنا تفعل أفعاهلا ابحلرارة الغريزية اليت جعلها هللا‬ ‫حمتبسة يف اجلوف فلو كان يف البطن فرج ينفتح حىت‬ ‫يصل البصر إىل رؤيته و اليد إىل عالجه لوصل برد‬ ‫اهلواء إىل اجلوف فمازج احلرارة الغريزية و بطل عمل‬ ‫األحشاء فكان يف ذلك هالك اإلنسان أ فال ترى‬ ‫أن كلما تذهب إليه األوهام سوى ما جاءت به‬

‫اخللقة خطأ و خطل‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد‬ ‫له‪.‬‬ ‫فكر اي مفضل يف األفعال اليت جعلت يف‬ ‫‪.41‬‬ ‫اإلنسان من الطعم و النوم و اجلماع و ما دبر فيها‬

‫فإنه جعل لكل واحد منها يف الطباع نفسه حمرك‬ ‫يقتضيه و يستحث به فاجلوع يقتضي الطعم الذي‬ ‫فيه راحة البدن و قوامه و الكرى يقتضي النوم الذي‬ ‫فيه راحة البدن و إمجام قواه و الشبق يقتضي اجلماع‬ ‫الذي فيه دوام النسل و بقاؤه و لو كان اإلنسان إمنا‬ ‫‪59‬‬


‫يصري إىل أكل الطعام ملعرفته حباجة بدنه إليه و مل‬ ‫جيد من طباعه شيئا يضطره إىل ذلك كان خليقا أن‬ ‫يتواىن عنه أحياان ابلثقل و الكسل حىت ينحل بدنه‬ ‫فيهلك كما حيتاج الواحد إىل الدواء لشي ء مما‬ ‫يصلح به بدنه فيدافع به حىت يؤديه ذلك إىل املرض‬ ‫و املوت و كذلك لو كان إمنا يصري إىل النوم ابلفكر‬ ‫يف حاجته إىل راحة البدن و إمجام قواه كان عسى‬ ‫أن يتثاقل عن ذلك فيدفعه حىت ينهك بدنه و لو‬ ‫كان إمنا يتحرك للجماع ابلرغبة يف الولد كان غري‬ ‫بعيد أن يفرت عنه حىت يقل النسل أو ينقطع فإن من‬ ‫الناس من ال يرغب يف الولد و ال حيفل به فانظر‬ ‫كيف جعل لكل واحد من هذه األفعال اليت هبا قوام‬ ‫اإلنسان و صالحه حمركا من نفس الطبع حيركه لذلك‬ ‫و حيدوه عليه و اعلم أن يف اإلنسان قوى أربعا قوة‬ ‫جاذبة تقبل الغذاء و تورده على املعدة و قوة ماسكة‬ ‫حتبس الطعام حىت تفعل فيه الطبيعة فعلها و قوة‬ ‫هاضمة و هي اليت تطبخه و تستخرج صفوه و تبثه‬ ‫يف البدن و قوة دافعة تدفعه و حتدر الثفل الفاضل‬ ‫‪60‬‬


‫بعد أخذ اهلاضمة حاجتها ففكر يف تقدير هذه‬ ‫القوى األربع اليت يف البدن و أفعاهلا و تقديرها‬ ‫للحاجة إليها و األرب فيها و ما يف ذلك من التدبري‬ ‫و احلكمة فلو ال اجلاذبة كيف كان يتحرك اإلنسان‬ ‫لطلب الغذاء الذي به قوام البدن و لو ال املاسكة‬ ‫كيف كان يلبث الطعام يف اجلوف حىت هتضمه‬ ‫املعدة و لو ال اهلاضمة كيف كان ينطبخ حىت خيلص‬ ‫منه الصفو الذي يغذو البدن و يسد خلله و لو ال‬ ‫الدافعة كيف كان الثفل الذي ختلفه اهلاضمة يندفع‬ ‫و خيرج أوال فأوال أ فال ترى كيف وكل هللا سبحانه‬ ‫بلطف صنعه و حسن تقديره هذه القوى ابلبدن و‬ ‫القيام مبا فيه صالحه و سأمثل لك يف ذلك مثاال‬ ‫إن البدن مبنزلة دار امللك له فيها حشم و صبية و‬ ‫قوام موكلون ابلدار فواحد لقضاء حوائج احلشم و‬ ‫إيرادها عليهم و آخر لقبض ما يرد و خزنة إىل أن‬ ‫يعاجل و يهيأ و آخر لعالج ذلك و هتيئته و تفريقه‬ ‫و آخر لتنظيف ما يف الدار من األقذار و إخراجه‬ ‫منها فامللك يف هذا هو اخلالق احلكيم ملك العاملني‬ ‫‪61‬‬


‫و الدار هي البدن و احلشم هم األعضاء و القوام‬ ‫هم هذه القوى األربع و لعلك ترى ذكران هذه القوى‬ ‫األربع و أفعاهلا بعد الذي وصفت فضال و تزدادا و‬ ‫ليس ما ذكرته من هذه القوى على اجلهة اليت ذكرت‬ ‫يف كتب األطباء و ال قولنا فيه كقوهلم ألهنم ذكروها‬ ‫على ما حيتاج إليه يف صناعة الطب و تصحيح‬ ‫األبدان و ذكرانها على ما حيتاج يف صالح الدين و‬ ‫شفاء النفوس من الغي كالذي أوضحته ابلوصف‬ ‫الشايف و املثل املضروب من التدبري و احلكمة فيها‬ ‫قوى النفس و موقعها من اإلنسان‬ ‫أتمل اي مفضل هذه القوى اليت يف النفس و موقعها‬ ‫من اإلنسان أعين الفكر و الوهم و العقل و احلفظ‬ ‫و غري ذلك أ فرأيت لو نقص اإلنسان من هذه‬ ‫اخلالل احلفظ وحده كيف كانت تكون حاله و كم‬ ‫من خلل كان يدخل عليه يف أموره و معاشه و جتاربه‬ ‫إذا مل حيفظ ما له و ما عليه و ما أخذه و ما أعطى‬ ‫و ما رأى و ما مسع و ما قال و ما قيل له و مل يذكر‬ ‫من أحسن إليه ممن أساء به و ما نفعه مما ضره مث‬ ‫‪62‬‬


‫كان ال يهتدي لطريق لو سلكه ما ال حيصى و ال‬ ‫حيفظ علما و لو درسه عمره و ال يعتقد دينا و ال‬ ‫ينتفع بتجربة و ال يستطيع أن يعترب شيئا على ما‬ ‫مضى بل كان حقيقا أن ينسلخ من اإلنسانية‬ ‫النعمة على اإلنسان يف احلفظ و النسيان فانظر إىل‬ ‫النعمة على اإلنسان يف هذه اخلالل و كيف موقع‬ ‫الواحدة منها دون اجلميع و أعظم من النعمة على‬ ‫اإلنسان يف احلفظ النعمة يف النسيان فإنه لو ال‬ ‫النسيان ملا سال أحد عن مصيبة و ال انقضت له‬ ‫حسرة و ال مات له حقد و ال استمتع بشي ء من‬ ‫متاع الدنيا مع تذكر اآلفات و ال رجاء غفلة من‬ ‫سلطان و ال فرتة من حاسد أ فال ترى كيف جعل‬ ‫يف اإلنسان احلفظ و النسيان و مها خمتلفان متضادان‬ ‫و جعل له يف كل منهما ضراب من املصلحة و ما‬ ‫عسى أن يقول الذين قسموا األشياء بني خالقني‬ ‫متضادين يف هذه األشياء املتضادة املتباينة و قد تراها‬ ‫جتتمع على ما فيه الصالح و املنفعة‬ ‫اختصاص اإلنسان ابحلياء دون بقية احليواانت‬ ‫‪63‬‬


‫انظر اي مفضل إىل ما خص به اإلنسان دون مجيع‬ ‫احليوان من هذا اخللق اجلليل قدره العظيم غناؤه أعين‬ ‫احلياء فلواله مل يقر ضيف و مل يوف ابلعداة و مل‬ ‫تقض احلوائج و مل يتحر اجلميل و مل يتنكب القبيح‬ ‫يف شي ء من األشياء حىت إن كثريا من األمور‬ ‫املفرتضة أيضا إمنا يفعل للحياء فإن من الناس من لو‬ ‫ال احلياء مل يرع حق والديه و مل يصل ذا رحم و مل‬ ‫يؤد أمانة و مل يعف عن فاحشة أ فال ترى كيف وىف‬ ‫اإلنسان مجيع اخلالل اليت فيها صالحه و متام أمره‬

‫اختصاص اإلنسان ابملنطق و الكتابة‪ .‬مضمون‬ ‫معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫أتمل اي مفضل ما أنعم هللا تقدست أمساؤه‬ ‫‪.42‬‬ ‫به على اإلنسان من هذا املنطق الذي يعرب به عما‬ ‫يف ضمريه و ما خيطر بقلبه و ينتجه فكره و به يفهم‬ ‫عن غريه ما يف نفسه و لو ال ذلك كان مبنزله البهائم‬ ‫املهملة اليت ال خترب عن نفسها بشي ء و ال تفهم‬ ‫عن خمرب شيئا و كذلك الكتابة اليت هبا تقيد أخبار‬ ‫املاضني للباقني و أخبار الباقني لآلتني و هبا ختلد‬ ‫‪64‬‬


‫الكتب يف العلوم و اآلداب و غريها و هبا حيفظ‬ ‫اإلنسان ذكر ما جيري بينه و بني غريه من املعامالت‬ ‫و احلساب و لواله النقطع أخبار بعض األزمنة عن‬ ‫بعض و أخبار الغائبني عن أوطاهنم و درست العلوم‬ ‫و ضاعت اآلداب و عظم ما يدخل على الناس من‬ ‫اخللل يف أمورهم و معامالهتم و ما حيتاجون إىل النظر‬ ‫فيه من أمر دينهم و ما روى هلم مما ال يسعهم جهله‬ ‫و لعلك تظن أهنا مما خيلص إليه ابحليلة و الفطنة و‬ ‫ليست مما أعطيه اإلنسان من خلقه و طباعه‪.‬‬ ‫مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫مضمون صحيح (‪)6‬‬ ‫و كذلك الكالم إمنا هو شي ء يصطلح‬ ‫‪.43‬‬ ‫عليه الناس فيجري بينهم و هلذا صار خيتلف يف‬ ‫األمم املختلفة و كذلك لكتابة العرِب و السرايين‬ ‫و العرباين و الرومي و غريها من سائر الكتابة اليت‬ ‫هي متفرقة يف األمم إمنا اصطلحوا عليها كما‬ ‫اصطلحوا على الكالم فيقال ملن ادعى ذلك أن‬ ‫‪65‬‬


‫اإلنسان و إن كان له يف األمرين مجيعا فعل أو‬ ‫حيلة فإن الشي ء الذي يبلغ به ذلك الفعل و‬ ‫احليلة عطية و هبة من هللا عز و جل له يف خلقه‬ ‫فإنه لو مل يكن له لسان مهيأ للكالم و ذهن‬ ‫يهتدي به لألمور مل يكن ليتكلم أبدا و لو مل تكن‬ ‫له كف مهيئة و أصابع للكتابة مل يكن ليكتب أبدا‬ ‫و اعترب ذلك من البهائم اليت ال كالم هلا و ال‬ ‫كتابة فأصل ذلك فطرة الباري جل و عز و ما‬ ‫تفضل به على خلقه فمن شكر أثيب و من كفر‬ ‫فإن هللا غين عن العاملني) مضمون صحيح له‬ ‫شاهد‪.‬‬

‫فكر اي مفضل فيما أعطي اإلنسان علمه‬ ‫‪.44‬‬ ‫و ما منع فإنه أعطي مجيع علم ما فيه صالح دينه‬ ‫و دنياه فمما فيه صالح دينه معرفة اخلالق تبارك و‬ ‫تعاىل ابلدالئل و الشواهد القائمة يف اخللق و معرفة‬ ‫الواجب عليه من العدل على الناس كافة و بر‬ ‫الوالدين و أداء األمانة و مواساة أهل اخللة و أشباه‬ ‫ذلك مما قد توجد معرفته و اإلقرار و االعرتاف به يف‬ ‫‪66‬‬


‫الطبع و الفطرة من كل أمة موافقة أو خمالفة و‬ ‫كذلك أعطي علم ما فيه صالح دنياه كالزراعة و‬ ‫الغراس و استخراج األرضني و اقتناء األغنام و‬ ‫األنعام و استنباط املياه و معرفة العقاقري اليت‬ ‫يستشفى هبا من ضروب األسقام و املعادن اليت‬ ‫يستخرج منها أنواع اجلواهر و ركوب السفن و‬ ‫الغوص يف البحر و ضروب احليل يف صيد الوحش‬ ‫و الطري و احليتان و التصرف يف الصناعات و وجوه‬ ‫املتاجر و املكاسب و غري ذلك مما يطول شرحه و‬ ‫يكثر تعداده مما فيه صالح أمره يف هذه الدار ‪.‬‬ ‫مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫مضمون صحيح (‪)7‬‬ ‫فأعطي علم ما يصلح به دينه و دنياه و‬ ‫‪.45‬‬ ‫منع ما سوى ذلك مما ليس يف شأنه و ال طاقته‬ ‫أن يعلم كعلم الغيب و ما هو كائن و بعض ما قد‬ ‫كان أيضا كعلم ما فوق السماء و ما حتت األرض‬ ‫و ما يف جلج البحار و أقطار العامل و ما يف قلوب‬ ‫‪67‬‬


‫الناس و ما يف األرحام و أشباه هذا مما حجب عن‬ ‫الناس علمه وقد ادعت طائفة من الناس هذه‬ ‫األمور فأبطل دعواهم ما يبني من خطئهم فيما‬ ‫يقضون عليه و حيكمون به فيما ادعوا عليه فانظر‬ ‫كيف أعطي اإلنسان علم مجيع ما حيتاج إليه لدينه‬ ‫و دنياه و حجب عنه ما سوى ذلك ليعرف قدره‬ ‫و نقصه و كال األمرين فيها صالحه‪ .‬مضمون‬ ‫صحيح له شاهد‪.‬‬

‫أتمل اآلن اي مفضل ما سرت عن اإلنسان‬ ‫‪.46‬‬ ‫علمه من مدة حياته فإنه لو عرف مقدار عمره و‬ ‫كان قصري العمر مل يتهنأ ابلعيش مع ترقب املوت و‬ ‫توقعه لوقت قد عرفه بل كان يكون مبنزلة من قد فىن‬ ‫ماله أو قارب الفناء فقد استشعر الفقر و الوجل من‬ ‫فناء ماله و خوف الفقر على أن الذي يدخل على‬ ‫اإلنسان من فناء العمر أعظم مما يدخل عليه من‬ ‫فناء املال ألن من يقل ماله أيمل أن يستخلف منه‬ ‫فيسكن إىل ذلك و من أيقن بفناء العمر استحكم‬ ‫عليه اليأس و إن كان طويل العمر مث عرف ذلك‬ ‫‪68‬‬


‫وثق ابلبقاء و اهنمك يف اللذات و املعاصي و عمل‬ ‫على أنه يبلغ من ذلك شهوته مث يتوب يف آخر عمره‬ ‫و هذا مذهب ال يرضاه هللا من عباده و ال يقبله أ‬ ‫ال ترى لو أن عبدا لك عمل على أنه يسخطك سنة‬ ‫و يرضيك يوما أو شهرا مل تقبل ذلك منه و مل حيل‬ ‫عندك حمل العبد الصاحل دون أن يضمر طاعتك و‬ ‫نصحك يف كل األمور و يف كل األوقات على‬ ‫تصرف احلاالت فإن قلت أ و ليس قد يقيم اإلنسان‬ ‫على املعصية حينا مث يتوب فتقبل توبته قلنا إن ذلك‬ ‫شي ء يكون من اإلنسان لغلبة الشهوات له و تركه‬ ‫خمالفتها من غري أن يقدرها يف نفسه و يبين عليه أمره‬ ‫فيصفح هللا عنه و يتفضل عليه ابملغفرة فأما من قدر‬ ‫أمره على أن يعصي ما بدا له مث يتوب آخر ذلك‬ ‫فإمنا حياول خديعة من ال خيادع أبن يتسلف التلذذ‬ ‫يف العاجل و يعد و ميين نفسه التوبة يف األجل و‬ ‫ألنه ال يفي مبا يعد من ذلك فإن النزوع من الرتفه و‬ ‫التلذذ و معاانة التوبة و ال سيما عند الكرب و ضعف‬ ‫البدن أمر صعب و ال يؤمن على اإلنسان مع‬ ‫‪69‬‬


‫مدافعته ابلتوبة أن يرهقه املوت فيخرج من الدنيا غري‬ ‫اتئب كما قد يكون على الواحد دين إىل أجل و قد‬ ‫يقدر على قضائه فال يزال يدافع بذلك حىت حيل‬ ‫األجل و قد نفذ املال فيبقى الدين قائما عليه فكان‬ ‫خري األشياء لإلنسان أن يسرت عنه مبلغ عمره فيكون‬ ‫طول عمره يرتقب املوت فيرتك املعاصي و يؤثر العمل‬ ‫الصاحل فإن قلت و ها هو اآلن قد سرت عنه مقدار‬ ‫حياته و صار يرتقب املوت يف كل ساعة يقارف‬ ‫الفواحش و ينتهك احملارم قلنا إن وجه التدبري يف هذا‬ ‫الباب هو الذي جرى عليه األمر فيه فإن كان‬ ‫اإلنسان مع ذلك ال يرعوى و ال ينصرف عن‬ ‫املساوئ فإمنا ذلك من مرحه و من قساوة قلبه ال‬ ‫من خطإ يف التدبري كما أن الطبيب قد يصف‬ ‫للمريض ما ينتفع به فإن كان املريض خمالفا لقول‬ ‫الطبيب ال يعمل مبا أيمره و ال ينتهي عما ينهاه عنه‬ ‫مل ينتفع بصفته و مل تكن اإلساءة يف ذلك للطبيب‬ ‫بل للمريض حيث مل يقبل منه و لئن كان اإلنسان‬ ‫مع ترقبه للموت كل ساعة ال ميتنع عن املعاصي فإنه‬ ‫‪70‬‬


‫لو وثق بطول البقاء كان أحرى أبن خيرج إىل الكبائر‬ ‫الفظيعة فرتقب املوت على كل حال خري له من الثقة‬ ‫ابلبقاء مث إن ترقب املوت و إن كان صنف من الناس‬ ‫يلهون عنه و ال يتعظون به فقد يتعظ به صنف آخر‬ ‫منهم و ينزعون عن املعاصي و يؤثرون العمل الصاحل‬ ‫و جيودون ابألموال و العقائل النفيسة يف الصدقة‬ ‫على الفقراء و املساكني فلم يكن من العدل أن حيرم‬ ‫هؤالء االنتفاع هبذه اخلصلة لتضييع أولئك حظهم‬ ‫منها‬ ‫األحالم و امتزاج صادقها بكاذهبا و سر ذلك‪.‬‬ ‫مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫مضمون صحيح (‪)8‬‬ ‫فكر اي مفضل يف األحالم كيف دبر‬ ‫‪.47‬‬ ‫األمر فيها فمزج صادقها بكاذهبا فإهنا لو كانت‬ ‫كلها تصدق لكان الناس كلهم أنبياء و لو كانت‬ ‫كلها تكذب مل يكن فيها منفعة بل كانت فضال‬ ‫ال معىن له فصارت تصدق أحياان فينتفع هبا الناس‬ ‫‪71‬‬


‫يف مصلحة يهتدي هلا أو مضرة يتحذر منها و‬ ‫تكذب كثريا لئال يعتمد عليها كل االعتماد‪).‬‬ ‫مضمون صحيح له شاهد‪.‬‬ ‫فكر اي مفضل يف هذه األشياء اليت تراها‬ ‫‪.48‬‬ ‫موجودة معدة يف العامل من مآرهبم فالرتاب للبناء و‬ ‫احلديد للصناعات و اخلشب للسفن و غريها و‬ ‫احلجارة لألرحاء و غريها و النحاس لألواين و‬ ‫الذهب و الفضة للمعاملة و الذخرية و احلبوب‬ ‫للغذاء و الثمار للتفكه و اللحم للمأكل و الطيب‬ ‫للتلذذ و األدوية للتصحح و الدواب للحمولة و‬ ‫احلطب للتوقد و الرماد للكلس و الرمل لألرض و‬ ‫كم عسى أن حيصي احملصي من هذا و شبهه أ رأيت‬ ‫لو أن داخال دخل دارا فنظر إىل خزائن مملوءة من‬ ‫كل ما حيتاج إليه الناس و رأى كلما فيها جمموعا‬ ‫معدا ألسباب معروفة أ كان يتوهم أن مثل هذا يكون‬ ‫ابإلمهال و من غري عمد فكيف يستجيز قائل أن‬ ‫يقول هذا من صنع الطبيعة يف العامل و ما أعد فيه‬ ‫من هذه األشياء اعترب اي مفضل أبشياء خلقت‬ ‫‪72‬‬


‫ملآرب اإلنسان و ما فيها من التدبري فإنه خلق له‬ ‫احلب لطعامه و كلف طحنه و عجنه و خبزة و خلق‬ ‫له الوبر لكسوته فكلف ندفه و غزله و نسجه و‬ ‫خلق له الشجر فكلف غرسها و سقيها و القيام‬ ‫عليها و خلقت له العقاقري ألدويته فكلف لقطها و‬ ‫خلطها و صنعها و كذلك جتد سائر األشياء على‬ ‫هذا املثال فانظر كيف كفى اخللقة اليت مل يكن عنده‬ ‫فيها حيلة و ترك عليه يف كل شي ء من األشياء‬ ‫موضع عمل و حركة ملا له يف ذلك من الصالح ألنه‬ ‫لو كفى هذا كله حىت ال يكون له يف األشياء موضع‬ ‫شغل و عمل ملا محلته األرض أشرا و بطرا و لبلغ به‬ ‫ذلك إىل أن يتعاطى أمورا فيها تلف نفسه و لو كفى‬ ‫الناس كلما حيتاجون إليه ملا هتنئوا ابلعيش و ال وجدوا‬ ‫له لذة أ ال ترى لو أن امرأ نزل بقوم فأقام حينا بلغ‬ ‫مجيع ما حيتاج إليه من مطعم و مشرب و خدمة لتربم‬ ‫ابلفراغ و انزعته نفسه إىل التشاغل بشي ء فكيف‬ ‫لو كان طول عمره مكفيا ال حيتاج إىل شي ء فكان‬ ‫من صواب التدبري يف هذه األشياء اليت خلقت‬ ‫‪73‬‬


‫لإلنسان أن جعل له فيها موضع شغل لكيال تربمه‬ ‫البطالة و لتكفه عن تعاطي ما ال يناله و ال خري فيه‬

‫إن انله ‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫و اعلم اي مفضل أن رأس معاش اإلنسان‬ ‫‪.49‬‬ ‫و حياته اخلبز و املاء فانظر كيف دبر األمر فيهما‬ ‫فإن حاجة اإلنسان إىل املاء أشد من حاجته إىل‬ ‫اخلبز و ذلك أن صربه على اجلوع أكثر من صربه‬ ‫على العطش و الذي حيتاج إليه من املاء أكثر مما‬ ‫حيتاج إليه من اخلبز ألنه حيتاج إليه لشربه و وضوئه‬ ‫و غسله و غسل ثيابه و سقي أنعامه و زرعه فجعل‬ ‫املاء مبذوال ال يشرتى لتسقط عن اإلنسان املئونة يف‬ ‫طلبه و تكلفه و جعل اخلبز متعذرا ال ينال إال ابحليلة‬ ‫و احلركة ليكون لإلنسان يف ذلك شغل يكفه عما‬ ‫خيرجه إليه الفراغ من األشر و العبث أ ال ترى أن‬ ‫الصيب يدفع إىل املؤدب و هو طفل مل تكمل ذاته‬ ‫للتعليم كل ذلك ليشتغل عن اللعب و العبث الذين‬ ‫رمبا جنيا عليه و على أهله املكروه العظيم و هكذا‬ ‫اإلنسان لو خال من الشغل خلرج من األشر و العبث‬ ‫‪74‬‬


‫و البطر إىل ما يعظم ضرره عليه و على من قرب منه‬ ‫و اعترب ذلك مبن نشأ يف اجلدة و رفاهية العيش و‬ ‫الرتفه و الكفاية و ما خيرجه ذلك إليه اختالف صور‬ ‫الناس و تشابه الوحوش و الطري و غريها من احلكمة‬ ‫يف ذلك‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫اعترب مل ال يتشابه الناس واحد ابآلخر كما‬ ‫‪.50‬‬ ‫تتشابه الوحوش و الطري و غري ذلك فإنك ترى‬ ‫السرب من الظباء و القطا تتشابه حىت ال يفرق بني‬ ‫واحد منها و بني األخرى و ترى الناس خمتلفة‬

‫صورهم و خلقهم حىت ال يكاد اثنان منهم جيتمعان‬ ‫يف صفة واحدة و العلة يف ذلك أن الناس حمتاجون‬ ‫إىل أن يتعارفوا أبعياهنم و حالهم ملا جيرى بينهم من‬ ‫املعامالت و ليس جيري بني البهائم مثل ذلك‬ ‫فيحتاج إىل معرفة كل واحد منها بعينه و حليته أ ال‬ ‫ترى أن التشابه يف الطري و الوحش ال يضرها شيئا‬ ‫و ليس كذلك اإلنسان فإنه رمبا تشابه التوأم تشاهبا‬ ‫شديدا فتعظم املئونة على الناس يف معاملتهما حىت‬ ‫يعطى أحدمها ابآلخر و يؤخذ أحدمها بذنب اآلخر‬ ‫‪75‬‬


‫و قد حيدث مثل هذا يف تشابه األشياء فضال عن‬ ‫تشابه الصور فمن لطف بعباده هبذه الدقائق اليت ال‬ ‫تكاد ختطر ابلبال حىت وقف هبا على الصواب إال‬ ‫من وسعت رمحته كل شي ء لو رأيت متثال اإلنسان‬ ‫مصورا على حائط و قال لك قائل إن هذا ظهر هنا‬ ‫من تلقاء نفسه مل يصنعه صانع أ كنت تقبل ذلك‬ ‫بل كنت تستهزئ به فكيف تنكر هذا يف متثال‬ ‫مصور مجاد و ال تنكر يف اإلنسان احلي الناطق ‪.‬‬ ‫مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫مل صارت أبدان احليوان و هي تغتذي أبدا‬ ‫‪.51‬‬ ‫ال تنمي بل تنتهي إىل غاية من النمو مث تقف و ال‬ ‫تتجاوزها لو ال التدبري يف ذلك فإن تدبري احلكيم‬ ‫فيها أن تكون أبدان كل صنف منها على مقدار‬ ‫معلوم غري متفاوت يف الكبري و الصغري و صارت‬ ‫تنمي حىت تصل إىل غايتها مث تقف مث ال تزيد و‬ ‫الغذاء مع ذلك دائم ال ينقطع و لو تنمي منوا دائما‬ ‫لعظمت أبداهنا و اشتبهت مقاديرها حىت ال يكون‬ ‫يعرف‬ ‫حد‬ ‫منها‬ ‫ء‬ ‫لشي‬ ‫‪76‬‬


‫ما يعرتي أجسام اإلنس من ثقل احلركة و املشي لو‬ ‫مل يصبها أمل‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫مل صارت أجسام اإلنس خاصة تثقل عن‬ ‫‪.52‬‬ ‫احلركة و املشي و جتفو عن الصناعات اللطيفة إال‬ ‫لتعظيم املئونة فيما حيتاج إليه الناس للملبس و‬ ‫املضجع و التكفني و غري ذلك لو كان اإلنسان ال‬ ‫يصيبه أمل و ال وجع مب كان يرتدع عن الفواحش و‬ ‫يتواضع هلل و يتعطف على الناس‪ .‬أ ما ترى اإلنسان‬ ‫إذا عرض له وجع خضع و استكان و رغب إىل ربه‬ ‫يف العافية و بسط يده ابلصدقة و لو كان ال أيمل من‬ ‫الضرب مب كان السلطان يعاقب الدعار و يذل‬ ‫العصاة املردة و مب كان الصبيان يتعلمون العلوم و‬ ‫الصناعات و مب كان العبيد يذلون ألرابهبم و يذعنون‬ ‫لطاعتهم أ فليس هذا توبيخ ابن أيب العوجاء و ذويه‬ ‫الذين جحدوا التدبري و املانوية الذين أنكروا الوجع‬ ‫األمل‬ ‫و‬ ‫انقراض احليوان لو مل يلد ذكورا و إاناث‬ ‫و لو مل يولد من احليوان إال ذكر فقط أو أنثى فقط‬ ‫‪77‬‬


‫أ مل يكن النسل منقطعا و ابد مع أجناس احليوان‬ ‫فصار بعض األوالد أييت ذكورا و بعضها أييت إاناث‬ ‫ينقطع‬ ‫ال‬ ‫و‬ ‫التناسل‬ ‫ليدوم‬ ‫ظهور شعر العانة عند البلوغ و نبات اللحية للرجل‬ ‫دون املرأة و ما يف ذلك من التدبري‪ .‬مضمون معتل؛‬

‫ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫مل صار الرجل و املرأة إذا أدركا تنبت هلما‬ ‫‪.53‬‬ ‫العانة مث تنبت اللحية للرجل و تتخلف عن املرأة لو‬ ‫ال التدبري يف ذلك فإنه ملا جعل هللا تبارك و تعاىل‬ ‫الرجل قيما و رقيبا على املرأة و جعل املرأة عرسا و‬ ‫خوال للرجل أعطى الرجل اللحية ملا له من العز و‬ ‫اجلاللة و اهليبة و منعها املرأة لتبقى هلا نضارة الوجه‬ ‫و البهجة اليت تشاكل املفاكهة و املضاجعة أ فال‬ ‫ترى اخللقة كيف أتيت ابلصواب يف األشياء و تتخلل‬ ‫مواضع اخلطإ فتعطي و متنع على قدر األرب و‬ ‫املصلحة بتدبري احلكيم عز و جل قال املفضل مث‬ ‫حان وقت الزوال فقام موالي إىل الصالة و قال بكر‬ ‫إىل غدا إن شاء هللا تعاىل فانصرفت من عنده مسرورا‬ ‫‪78‬‬


‫مبا عرفته مبتهجا مبا أوتيته حامدا هلل تعاىل عز و جل‬ ‫على ما أنعم به علي شاكرا ألنعمه على ما منحين‬ ‫مبا عرفنيه موالي و تفضل به علي فبت يف ليليت‬ ‫مسرورا مبا منحنيه حمبور مبا علمنيه‬ ‫مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫‪79‬‬


‫فصل اجمللس الثاين‬ ‫قال املفضل فلما كان اليوم الثاين بكرت‬ ‫‪.54‬‬ ‫إىل موالي فاستؤذن يل فدخلت فأمرين ابجللوس‬ ‫فجلست فقال احلمد هلل مدبر األدوار و معيد‬ ‫األكوار طبقا عن طبق و عاملا بعد عامل ليجزي الذين‬ ‫أساءوا مبا عملوا و جيزي الذين أحسنوا ابحلسىن عدال‬ ‫منه تقدست أمساؤه و جلت آالؤه ال يظلم الناس‬ ‫شيئا و لكن الناس أنفسهم يظلمون يشهد بذلك‬ ‫قال َذ َّرٍة َخ ْرياً يََرهُ َو َم ْن‬ ‫قوله جل قدسه فَ َم ْن يَ ْع َم ْل ِمثْ َ‬ ‫قال ذَ َّرةٍ َشًّرا يََرهُ يف نظائر هلا يف كتابه الذي‬ ‫يَ ْع َم ْل ِمثْ َ‬ ‫فيه تبيان كل شي ء و ال أيتيه الباطل من بني يديه‬ ‫و ال من خلفه تنزيل من حكيم محيد و لذلك قال‬ ‫سيدان حممد ص إمنا هي أعمالكم ترد إليكم )‬ ‫مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫مث أطرق اإلمام هنيئة و قال اي مفضل اخللق‬ ‫‪.55‬‬ ‫حيارى عمهون سكارى يف طغياهنم يرتددون و‬ ‫بشياطينهم و طواغيتهم يقتدون بصراء عمى ال‬ ‫يبصرون نطقاء بكم ال يعقلون مسعاء صم ال يسمعون‬ ‫‪80‬‬


‫رضوا ابلدون و حسبوا أهنم مهتدون حادوا عن‬ ‫مدرجة األكياس و رتعوا يف مرعى األرجاس األجناس‬ ‫كأهنم من مفاجأة املوت آمنون و عن اجملازات‬ ‫مزحزحون اي ويلهم ما أشقاهم و أطول عناءهم و‬ ‫أشد بالءهم يوم ال يغين موىل عن موىل شيئا و ال‬ ‫هم ينصرون إال من رحم هللا قال املفضل فبكيت ملا‬ ‫مسعت منه فقال ال تبك ختلصت إذ قبلت و جنوت‬ ‫إذ عرفت أبنية أبدان احليوان و هتيئتها و إيضاح‬ ‫ذلك‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫مث قال أبتدئ لك بذكر احليوان ليتضح لك‬ ‫‪.56‬‬ ‫من أمره ما وضح لك من غريه فكر يف أبنية أبدان‬ ‫احليوان و هتيئتها على ما هي عليه فال هي صالب‬ ‫كاحلجارة و لو كانت كذلك ال تنثين و ال تتصرف‬ ‫يف األعمال و ال هي على غاية اللني و الرخاوة‬ ‫فكانت ال تتحامل و ال تستقل أبنفسها فجعلت‬ ‫من حلم رخو ينثين تتداخله عظام صالب ميسكه‬ ‫عصب و عروق تشده و تضم بعضه إىل بعض و‬ ‫غلقت فوق ذلك جبلد يشتمل على البدن كله و‬ ‫‪81‬‬


‫أشباه ذلك هذه التماثيل اليت تعمل من العيدان و‬ ‫تلف ابخلرق و تشد ابخليوط و تطلي فوق ذلك‬ ‫ابلصمغ فتكون العيدان مبنزلة العظام و اخلرق مبنزلة‬ ‫اللحم و اخليوط مبنزلة العصب و العروق و الطالء‬ ‫مبنزلة اجللد فإن جاز أن يكون احليوان املتحرك حدث‬ ‫ابإلمهال من غري صانع جاز أن يكون ذلك يف هذه‬ ‫التماثيل امليتة فإن كان هذا غري جائز يف التماثيل‬ ‫فباحلري أن ال جيوز يف احليوان‬ ‫أجساد األنعام و ما أعطيت و ما منعت و سبب‬

‫ذلك‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫و فكر اي مفضل بعد هذا يف أجساد األنعام‬ ‫‪.57‬‬ ‫فإهنا حني خلقت على أبدان اإلنس من اللحم و‬ ‫العظم و العصب أعطيت أيضا السمع و البصر ليبلغ‬

‫اإلنسان حاجته فإهنا لو كانت عميا صما ملا انتفع‬ ‫هبا اإلنسان و ال تصرفت يف شي ء من مآربه مث‬ ‫منعت الذهن و العقل لتذل لإلنسان فال متتنع عليه‬ ‫إذا كدها الكد الشديد و محلها احلمل الثقيل فإن‬ ‫قال قائل إنه قد يكون لإلنسان عبيد من اإلنس‬ ‫‪82‬‬


‫يذلون و يذعنون ابلكد الشديد و هم مع ذلك غري‬ ‫عدميي العقل و الذهن فيقال يف جواب ذلك إن هذا‬ ‫الصنف من الناس قليل فأما أكثر الناس فال يذعنون‬ ‫مبا تذعن به الدواب من احلمل و الطحن و ما أشبه‬ ‫ذلك و ال يغرون مبا حيتاج إليه منه مث لو كان الناس‬ ‫يزاولون مثل هذه األعمال أببداهنم لشغلوا بذلك عن‬ ‫سائر األعمال ألنه كان حيتاج مكان اجلمل الواحد‬ ‫و البغل الواحد إىل عدة أانسي فكان هذا العمل‬ ‫يستفرغ الناس حىت ال يكون فيهم عنه فضل لشي ء‬ ‫من الصناعات مع ما يلحقه من التعب الفادح يف‬ ‫أبداهنم و الضيق و الكد يف معاشهم‬ ‫خلق األصناف الثالثة من احليوان‬ ‫فكر اي مفضل يف هذه األصناف الثالثة من احليوان‬ ‫و يف خلقها على ما هي عليه مما فيه صالح كل‬ ‫واحد منها فاإلنس ملا قدروا أن يكونوا ذوي ذهن و‬ ‫فطنة و عالج ملثل هذه الصناعات من البناء و‬ ‫التجارة و الصياغة و اخلياطة و غري ذلك خلقت هلم‬ ‫أكف كبار ذوات أصابع غالظ ليتمكنوا من القبض‬ ‫‪83‬‬


‫على األشياء و أوكدها هذه الصناعات‬ ‫آكالت اللحم من احليوان و التدبري يف خلقها‪.‬‬

‫مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫و آكالت اللحم ملا قدر أن تكون معايشها‬ ‫‪.58‬‬ ‫من الصيد خلقت هلم أكف لطاف مدجمة ذوات‬ ‫براثن و خمالب تصلح ألخذ الصيد و ال تصلح‬

‫للصناعات و آكالت النبات ملا قدر أن يكونوا ال‬ ‫ذوات صنعه و ال ذات صيد خلقت لبعضها أظالف‬ ‫تقيها خشونة األرض إذا حاولت طلب املرعى و‬ ‫لبعضها حوافر ململمة ذوات قعر كأمخص القدم‬ ‫تنطبق على األرض عند هتيئها للركوب و احلمولة‬ ‫أتمل التدبري يف خلق آكالت اللحم من احليوان حني‬ ‫خلقت ذوات أسنان حداد و براثن شداد و أشداق‬ ‫و أفواه واسعة فإنه ملا قدر أن يكون طعمها اللحم‬ ‫خلقت خلقه تشاكل ذلك و أعينت بسالح و‬ ‫أدوات تصلح للصيد و كذلك جتد سباع الطري ذوات‬ ‫مناقري و خمالب مهيئة لفعلها و لو كانت الوحوش‬ ‫ذوات خمالب كانت قد أعطيت ما ال حتتاج إليه ألهنا‬ ‫‪84‬‬


‫ال تصيد و ال أتكل اللحم و لو كانت السباع ذوات‬ ‫أظالف كانت قد منعت ما حتتاج إليه أعين السالح‬ ‫الذي تصيد به و تتعيش أ فال ترى كيف أعطي كل‬ ‫واحد من الصنفني ما يشاكل صنفه و طبقته بل ما‬ ‫صالحه‬ ‫و‬ ‫بقاؤه‬ ‫فيه‬ ‫ذوات األربع و استقالل أوالدها‬ ‫انظر اآلن إىل ذوات األربع كيف تراها تتبع أماهتا‬ ‫مستقلة أبنفسها ال حتتاج إىل احلمل و الرتبية كما‬ ‫حتتاج أوالد اإلنس فمن أجل أنه ليس عند أماهتا ما‬ ‫عند أمهات البشر من الرفق و العلم ابلرتبية و القوة‬ ‫عليها ابألكف و األصابع املهيأة لذلك أعطيت‬ ‫النهوض و االستقالل أبنفسها و كذلك ترى كثريا‬ ‫من الطري كمثل الدجاج و الدراج و القبج تدرج و‬ ‫تلقط حني تنقاب عنها البيضة فأما ما كان منها‬ ‫ضعيفا ال هنوض فيه كمثل فراخ احلمام و اليمام و‬ ‫احلمر فقد جعل يف األمهات فضل عطف عليها‬ ‫فصارت متج الطعام يف أفواهها بعد ما توعيه‬ ‫حواصلها فال تزال تغذوها حىت تستقل أبنفسها و‬ ‫‪85‬‬


‫لذلك مل ترزق احلمام فراخا كثرية مثل ما ترزق‬ ‫الدجاج لتقوى األم على تربية فراخها فال تفسد و‬ ‫ال متوت فكال أعطي بقسط من تدبري احلكيم‬ ‫اللطيف اخلبري‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫انظر إىل قوائم احليوان كيف أتيت أزواجا‬ ‫‪.59‬‬ ‫لتتهيأ للمشي و لو كانت أفرادا مل تصلح لذلك ألن‬ ‫املاشي ينقل قوائمه يعتمد على بعض فذو القائمتني‬ ‫ينقل واحدة و يعتمد على واحدة و ذو األربع ينقل‬ ‫اثنتني و يعتمد على اثنتني و ذلك من خالف ألن‬ ‫ذا األربع لو كان ينقل قائمتني من أحد جانبيه و‬ ‫يعتمد على قائمتني من اجلانب اآلخر مل يثبت على‬ ‫األرض كما يثبت السرير و ما أشبهه فصار ينقل‬ ‫اليمىن من مقادميه مع اليسرى من مآخريه و ينقل‬ ‫األخريني أيضا من خالف فيثبت على األرض و ال‬ ‫مشى‬ ‫إذا‬ ‫يسقط‬ ‫انقياد احليواانت املسخرة لإلنسان و سببه‬ ‫أ ما ترى احلمار كيف يذل للطحن و احلمولة و هو‬ ‫يرى الفرس مودعا منعما و البعري ال يطيقه عدة رجال‬ ‫‪86‬‬


‫لو استعصى كيف كان ينقاد للصيب و الثور الشديد‬ ‫كيف كان يذعن لصاحبه حىت يضع النري على عنقه‬ ‫و حيرث به و الفرس الكرمي يركب السيوف و األسنة‬ ‫ابملوااتة لفارسه و القطيع من الغنم يرعاه واحد و لو‬ ‫تفرقت الغنم فأخذ كل واحد منها يف انحية مل‬ ‫يلحقها و كذلك مجيع األصناف املسخرة لإلنسان‬ ‫كانت كذلك إال أبهنا عدمت العقل و الروية فإهنا‬ ‫لو كانت تعقل و ترتوى يف األمور كانت خليقة أن‬ ‫تلتوي على اإلنسان يف كثري من مآربه حىت ميتنع‬ ‫اجلمل على قائده و الثور على صاحبه و تتفرق الغنم‬ ‫عن راعيها و أشباه هذا من األمور‬ ‫افتقاد السباع للعقل و الروية و فائدة ذلك‬ ‫و كذلك هذه السباع لو كانت ذات عقل و رويه‬ ‫فتوازرت على الناس كانت خليقة أن جتتاحهم فمن‬ ‫كان يقوم لألسد و الذائب و النمور و الدببة لو‬ ‫تعاونت و تظاهرت على الناس أ فال ترى كيف‬ ‫حجر ذلك عليها و صارت مكان ما كان خياف من‬ ‫إقدامها و نكايتها هتاب مساكن الناس و حتجم عنها‬ ‫‪87‬‬


‫مث ال تظهر و ال تنتشر لطلب قوهتا إال ابلليل فهي‬ ‫مع صولتها كاخلائف من اإلنس بل مقموعة ممنوعة‬ ‫منهم و لو كان ذلك لساورهتم يف مساكنهم و‬

‫ضيقت عليهم‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫مضمون صحيح (‪)9‬‬ ‫جعل يف الكلب من بني هذه السباع‬ ‫‪.60‬‬ ‫عطف على مالكه و حماماة عنه و حافظ له ينتقل‬ ‫على احليطان و السطوح يف ظلمة الليل حلراسة‬ ‫منزل صاحبه و ذب الذعار عنه و يبلغ من حمبته‬ ‫لصاحبه أن يبذل نفسه للموت دونه و دون‬ ‫ماشيته و ماله و أيلفه غاية األلف حىت يصرب معه‬ ‫على اجلوع و اجلفوة فلم طبع الكلب على هذه‬ ‫األلفة و احملبة إال ليكون حارسا لإلنسان) مضمون‬ ‫صحيح له شاهد‪.‬‬

‫‪88‬‬


‫له عني أبنياب و خمالب و نباح هائل ليذعر‬ ‫‪.61‬‬ ‫منه السارق و يتجنب املواضع اليت حيميها و خيفرها‬

‫وجه الدابة و فمها و ذنبها و شرح ذلك ) مضمون‬ ‫معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫اي مفضل أتمل وجه الدابة كيف هو فإنك‬ ‫‪.62‬‬ ‫ترى العينني شاخصتني أمامها لتبصر ما بني يديها‬

‫لئال تصدم حائطا أو ترتدى يف حفرة و ترى الفم‬ ‫مشقوقا شقا يف أسفل اخلطم و لو شق كمكان الفم‬ ‫من اإلنسان يف مقدم الذقن ملا استطاع أن يتناول به‬ ‫شيئا من األرض أ ال ترى أن اإلنسان ال يتناول‬ ‫الطعام بفيه و لكن بيده تكرمه له على سائر‬ ‫األكالت فلما مل يكن للدابة يد تتناول هبا العلف‬ ‫جعل خرطومها مشقوقا من أسفله لتقبض على‬ ‫العلف مث تقضمه و أعينت ابجلحفلة لتتناول هبا ما‬ ‫قرب و ما بعد اعترب بذنبها و املنفعة هلا فيه فإنه‬ ‫مبنزلة الطبق على الدبر و احلياء مجيعا يواريهما و‬ ‫يسرتمها و من منافعها فيه أن ما بني الدبر و مراقي‬ ‫البطن منها وضر جيتمع عليها الذابب و البعوض‬ ‫‪89‬‬


‫فجعل هلا الذنب كاملذبة تذب هبا عن تلك املواضع‬ ‫و منها أن الدابة تسرتيح إىل حتريكه و تصريفه مينة‬ ‫و يسرة فإنه ملا كان قيامها على األربع أبسرها و‬ ‫شغلت املقدمتان حبمل البدن عن التصرف و التقلب‬ ‫كان هلا يف حتريك الذنب راحة و فيه منافع أخرى‬ ‫يقصر عنها الوهم فيعرف موقعها يف وقت احلاجة‬ ‫إليها فمن ذلك أن الدابة ترتطم يف الوحل فال يكون‬ ‫شي ء أعون على هنوضها من األخذ بذنبها و يف‬ ‫شعر الذنب منافع للناس كثرية يستعملوهنا يف مآرهبم‬ ‫مث جعل ظهرها مسطحا مبطوحا على قوائم أربع‬ ‫ليتمكن من ركوهبا و جعل حياها ابرزا من ورائها‬ ‫ليتمكن الفحل من ضرهبا و لو كان أسفل البطن‬ ‫كما كان الفرج من املرأة مل يتمكن الفحل منها أ ال‬ ‫ترى أنه ال يستطيع أن أيتيها كفاحا كما أييت الرجل‬ ‫املرأة‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫أتمل مشفر الفيل و ما فيه من لطيف‬ ‫‪.63‬‬ ‫التدبري فإنه يقوم مقام اليد يف تناول العلف و املاء و‬ ‫‪90‬‬


‫ازدرادمها إىل جوفه و لو ال ذلك ملا استطاع أن يتناول‬ ‫شيئا من األرض ألنه ليست له رقبة ميدها كسائر‬ ‫األنعام فلما عدم العنق أعني مكان ذلك ابخلرطوم‬ ‫الطويل ليسد له فيتناول به حاجته فمن ذا الذي‬ ‫عوضه مكان العضو الذي عدم ما يقوم مقامه إال‬ ‫الرءوف خبلقه و كيف يكون هذا ابإلمهال كما قالت‬ ‫الظلمة فإن قال قائل فما ابله مل خيلق ذا عنق كسائر‬ ‫األنعام قيل إن رأس الفيل و أذنيه أمر عظيم و ثقل‬ ‫ثقيل فلو كان ذلك على عنق عظيم هلدها و أوهنها‬ ‫فجعل رأسه ملصقا جبسمه لكيال يناله منه ما‬ ‫وصفناه و خلق له مكان العنق هذا املشفر ليتناول‬ ‫به غذاءه فصار مع عدم العنق مستوفيا ما فيه بلوغ‬ ‫حاجته‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫انظر اآلن كيف جعل حياء األنثى من‬ ‫‪.64‬‬ ‫الفيلة يف أسفل بطنها فإذا هاجت للضراب ارتفع و‬ ‫برز حىت يتمكن الفحل من ضرهبا فاعترب كيف جعل‬ ‫حياء األنثى من الفيلة على خالف ما عليه يف غريها‬ ‫من األ نعام مث جعلت فيه هذه اخللة ليتهيأ لألمر‬ ‫‪91‬‬


‫الذي فيه قوام النسل و دوامه‪ .‬مضمون معتل؛ ظن‬ ‫له‪.‬‬ ‫شاهد‬ ‫ال‬ ‫فكر يف خلق الزرافة و اختالف أعضائها و شبهها‬ ‫أبعضاء أصناف من احليوان فرأسها رأس فرس و‬ ‫عنقها عنق مجل و أظالفها أظالف بقرة و جلدها‬ ‫جلد منر و زعم انس من اجلهال ابهلل عز و جل أن‬ ‫نتاجها من فحول شىت قالوا و سبب ذلك أن أصنافا‬ ‫من حيوان الرب إذا وردت املاء تنزو على بعض‬ ‫السائمة و ينتج مثل هذا الشخص الذي هو‬ ‫كامللتقط من أصناف شىت و هذا جهل من قائله و‬ ‫قله معرفة ابلبارئ جل قدسه و ليس كل صنف من‬ ‫احليوان يلقح كل صنف فال الفرس يلقح اجلمل و ال‬ ‫اجلمل يلقح البقر و إمنا يكون التلقيح من بعض‬ ‫احليوان فيما يشاكله و يقرب من خلقه كما يلقح‬ ‫الفرس احلمار فيخرج بينهما البغل و يلقح الذئب‬ ‫الضبع فيخرج من بينهما السمع على أنه ليس يكون‬ ‫يف الذي خيرج من بينهما عضو كل واحد منهما كما‬ ‫يف الزرافة عضو من الفرس و عضو من اجلمل و‬ ‫‪92‬‬


‫أظالف من البقرة بل يكون كاملتوسط بينهما املمتزج‬ ‫منهما كالذي تراه يف البغل فإنك ترى رأسه و أذنيه‬ ‫و كفله و ذنبه و حوافره وسطا بني هذه األعضاء‬ ‫من الفرس و احلمار و شحيجه كاملمتزج من صهيل‬ ‫الفرس و هنيق احلمار فهذا دليل على أنه ليست‬ ‫الزرافة من لقاح أصناف شىت من احليوان كما زعم‬ ‫اجلاهلون بل هي خلق عجيب من خلق هللا للداللة‬ ‫على قدرته اليت ال يعجزها شي ء و ليعلم أنه خالق‬ ‫أصناف احليوان كلها جيمع بني ما يشاء من أعضائها‬ ‫يف أيها شاء و يفرق ما شاء منها يف أيها شاء و‬ ‫يزيد يف اخللقة ما شاء و ينقص منها ما شاء داللة‬ ‫على قدرته على األشياء و أنه ال يعجزه شي ء أراده‬ ‫جل و تعاىل فأما طول عنقها و املنفعة هلا يف ذلك‬ ‫فإن منشأها و مرعاها يف غياطل ذوات أشجار‬ ‫شاهقة ذاهبة طوال يف اهلواء فهي حتتاج إىل طول‬ ‫العنق لتتناول بفيها أطراف تلك األشجار فتقوت‬ ‫من مثارها‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫‪93‬‬


‫أتمل خلقة القرد و شبهه ابإلنسان يف كثري‬ ‫‪.65‬‬ ‫من أعضائه أعين الرأس و الوجه و املنكبني و الصدر‬ ‫و كذلك أحشاؤه شبيهة أيضا أبحشاء اإلنسان و‬ ‫خص مع ذلك ابلذهن و الفطنة اليت هبا يفهم عن‬ ‫سائسه ما يومئ إليه و حيكى كثريا مما يرى اإلنسان‬ ‫يفعله حىت إنه يقرب من خلق اإلنسان و مشائله يف‬ ‫التدبري يف خلقته على ما هي عليه أن يكون عربة‬ ‫لإلنسان يف نفسه فيعلم أنه من طينة البهائم و‬ ‫سنخها إذ كان يقرب من خلقها هذا القرب و أنه‬ ‫لو ال فضيلة فضله هبا يف الذهن و العقل و النطق‬ ‫كان كبعض البهائم على أن يف جسم القرد فضوال‬ ‫أخرى تفرق بينه و بني اإلنسان كاخلطم و الذنب‬ ‫املسدل و الشعر اجمللل للجسم كله و هذا مل يكن‬ ‫مانعا للقرد أن يلحق ابإلنسان لو أعطي مثل ذهن‬ ‫اإلنسان و عقله و نطقه و الفصل الفاصل بينه و‬ ‫بني اإلنسان يف احلقيقة هو النقص يف العقل و الذهن‬ ‫النطق‬ ‫و‬ ‫إكساء أجسام احليواانت و خلقة أقدامها بعكس‬ ‫‪94‬‬


‫اإلنسان و أسباب ذلك‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال‬ ‫شاهد له‪.‬‬ ‫انظر اي مفضل إىل لطف هللا جل امسه‬ ‫‪.66‬‬ ‫ابلبهائم كيف كسيت أجسامها هذه الكسوة من‬ ‫الشعر و الوبر و الصوف لتقيها من الربد و كثرة‬ ‫اآلفات ألبست األظالف و احلافر و األخفاف‬ ‫لتقيها من احلفاء إذ كانت ال أيدي هلا و ال أكف‬ ‫و ال أصابع مهيأة للغزل و النسج فكفوا أبن جعل‬ ‫كسوهتم يف خلقهم ابقية عليهم ما بقوا ال حيتاجون‬ ‫إىل جتديدها و استبدال هبا فأما اإلنسان فإنه ذو‬ ‫حيلة و كف مهيأة للعمل فهو ينسج و يغزل و يتخذ‬ ‫لنفسه الكسوة و يستبدل هبا حاال بعد حال و له‬ ‫يف ذلك صالح من جهات من ذلك أنه يشتغل‬ ‫بصنعة اللباس عن العبث و ما خترجه إليه الكفاية و‬ ‫منها أنه يسرتيح إىل خلع كسوته إذا شاء و لبسها‬ ‫إذا شاء و منها أن يتخذ لنفسه من الكسوة ضرواب‬ ‫هلا مجال و روعة فيتلذذ بلبسها و تبديلها و كذلك‬ ‫يتخذ ابلرفق من الصنعة ضرواب من اخلفاف و النعال‬ ‫‪95‬‬


‫يقي هبا قدميه و يف ذلك معايش ملن يعمله من الناس‬ ‫و مكاسب يكون فيها معايشهم و منها أقواهتم و‬ ‫أقوات عياهلم فصار الشعر و الوبر و الصوف يقوم‬ ‫للبهائم مقام الكسوة و األظالف و احلوافر و‬ ‫األخفاف مقام احلذاء مواراة البهائم عند إحساسها‬ ‫ابملوت‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫فكر اي مفضل يف خلقة عجيبة جعلت يف‬ ‫‪.67‬‬ ‫البهائم فإهنم يوارون أنفسهم إذا ماتوا كما يواري‬ ‫الناس مواتهم و إال فأين جيف هذه الوحوش و‬ ‫السباع و غريها ال يرى منها شي ء و ليست قليلة‬ ‫فتخفى لقلتها بل لو قال قائل أهنا أكثر من الناس‬ ‫لصدق فاعترب يف ذلك مبا تراه يف الصحاري و اجلبال‬ ‫من أسراب الظباء و املها و احلمري الوحش و الوعول‬ ‫و األايئل و غري ذلك من الوحوش و أصناف السباع‬ ‫من األسد و الضباع و الذائب و النمور و غريها و‬ ‫ضروب اهلوام و احلشرات و دواب األرض و كذلك‬ ‫أسراب الطري من الغرابن و القطاة و اإلوز و الكراكي‬ ‫و احلمام و سباع الطري مجيعا و كلها ال يرى منها‬ ‫‪96‬‬


‫إذا ماتت إال الواحد بعد الواحد يصيده قانص أو‬ ‫يفرتسه سبع فإذا أحسوا ابملوت كمنوا يف مواضع‬ ‫خفية فيموتون فيها و لو ال ذلك المتألت الصحاري‬ ‫منها حىت تفسد رائحة اهلواء و حتدث األمراض و‬ ‫الوابء فانظر إىل هذا ابلذي خيلص إليه الناس و‬ ‫عملوه ابلتمثيل األول الذي مثل هلم كيف جعل طبعا‬ ‫و أذكارا يف البهائم و غريها ليسلم الناس من معرة ما‬ ‫حيدث عليهم من األمراض و الفساد‪ .‬مضمون‬ ‫معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫فكر اي مفضل يف الفطن اليت جعلت يف‬ ‫‪.68‬‬ ‫البهائم ملصلحتها ابلطبع و اخللقة لطفا من هللا عز‬ ‫و جل هلم لئال خيلو من نعمه جل و عز أحد من‬ ‫خلقه ال بعقل و روية فإن األيل أيكل احليات‬ ‫فيعطش عطشا شديدا فيمتنع من شرب املاء خوفا‬ ‫من أن يدب السم يف جسمه فيقتله و يقف على‬ ‫الغدير و هو جمهود عطشا فيعج عجيجا عاليا و ال‬ ‫يشرب منه و لو شرب ملات من ساعته فانظر إىل ما‬ ‫جعل من طباع هذه البهيمة من حتمل الظمأ الغالب‬ ‫‪97‬‬


‫الشديد خوفا من املضرة يف الشرب و ذلك مما ال‬ ‫يكاد اإلنسان العاقل املميز يضبطه من نفسه و‬ ‫الثعلب إذا أعوزه الطعم متاوت و نفخ بطنه حىت‬ ‫حيسبه الطري ميتا فإذا وقعت عليه لتنهشه وثب عليها‬ ‫فأخذها فمن أعان الثعلب العدمي النطق و الروية‬ ‫هبذه احليلة إال من توكل بتوجيه الرزق له من هذا و‬ ‫شبهه فإنه ملا كان الثعلب يضعف عن كثري مما تقوى‬ ‫عليه السباع من مساورة الصيد أعني ابلدهاء و‬ ‫الفطنة و االحتيال ملعاشه و الدلفني يلتمس صيد‬ ‫الطري فيكون حيلته يف ذلك أن أيخذ السمك فيقتله‬ ‫و يسرحه حىت يطفو على املاء مث يكمن حتته و يثور‬ ‫املاء الذي عليه حىت ال يتبني شخصه فإذا وقع الطري‬ ‫على السمك الطايف وثب إليها فاصطادها فانظر إىل‬ ‫هذه احليلة كيف جعلت طبعا يف هذه البهيمة لبعض‬ ‫املصلحة‬ ‫التنني و السحاب‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد‬

‫له‪.‬‬

‫‪98‬‬


‫قال املفضل فقلت أخربين اي موالي عن‬ ‫‪.69‬‬ ‫التنني و السحاب فقال ع إن السحاب كاملوكل به‬ ‫خيتطفه حيثما ثقفه كما خيتطف حجر املغناطيس‬ ‫احلديد فهو ال يطلع رأسه يف األرض خوفا من‬ ‫السحاب و ال خيرج إال يف القيظ مرة إذا صحت‬ ‫السماء فلم يكن فيها نكتة من غيمة قلت فلم وكل‬ ‫السحاب ابلتنني يرصده و خيتطفه إذا وجده قال‬ ‫ليدفع عن الناس مضرته‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال‬

‫شاهد له‪.‬‬ ‫قال املفضل فقلت قد وصفت يل اي موالي‬ ‫‪.70‬‬ ‫من أمر البهائم ما فيه معترب ملن اعترب فصف يل الذرة‬ ‫و النملة و الطري فقال ع اي مفضل أتمل وجه الذرة‬ ‫احلقرية الصغرية هل جتد فيها نقصا عما فيه صالحها‬ ‫فمن أين هذا التقدير و الصواب يف خلق الذرة إال‬ ‫من التدبري القائم يف صغري اخللق و كبريه انظر إىل‬ ‫النمل و احتشاده يف مجع القوت و أعداده فإنك‬ ‫ترى اجلماعة منها إذا نقلت احلب إىل زبيتها مبنزلة‬ ‫مجاعة من الناس ينقلون الطعام أو غريه بل للنمل يف‬ ‫‪99‬‬


‫ذلك من اجلد و التشمري ما ليس للناس مثله أ ما‬ ‫تراهم يتعاونون على النقل كما يتعاون الناس على‬ ‫العمل مث يعمدون إىل احلب فيقطعونه قطعا لكيال‬ ‫ينبت فيفسد عليهم فإن أصابه ندي أخرجوه فنشروه‬ ‫حىت جيف مث ال يتخذ النمل الزبية إال يف نشز من‬ ‫األرض كيال يفيض السيل فيغرقها و كل هذا منه بال‬ ‫عقل و ال روية بل خلقة خلق عليها ملصلحة من هللا‬ ‫جل و عز انظر إىل هذا الذي يقال له الليث و‬ ‫تسميه العامة أسد الذابب و ما أعطي من احليلة و‬ ‫الرفق يف معاشه فإنك تراه حني حيس ابلذابب قد‬ ‫وقع قريبا منه تركه مليا حىت كأنه موات ال حراك به‬ ‫فإذا رأى الذابب قد اطمأن و غفل عنه دب دبيبا‬ ‫دقيقا حىت يكون منه حبيث تناله وثبته مث يثب عليه‬ ‫فيأخذه فإذا أخذه اشتمل عليه جبسمه كله خمافة أن‬ ‫ينجو منه فال يزال قابضا عليه حىت حيس أبنه قد‬ ‫ضعف و اسرتخى مث يقبل عليه فيفرتسه و حيىي‬ ‫بذلك منه فأما العنكبوت فإنه ينسج ذلك النسج‬ ‫فيتخذه شركا و مصيدة للذابب مث يكمن يف جوفه‬ ‫‪100‬‬


‫فإذا نشب فيه الذابب أحال عليه يلدغه ساعة بعد‬ ‫ساعة فيعيش بذلك منه فذلك حيكي صيد الكالب‬ ‫و الفهود و هذا حيكي صيد اإلشراك و احلبائل فانظر‬ ‫إىل هذه الدويبة الضعيفة كيف جعل يف طبعها ما ال‬ ‫يبلغه اإلنسان إال ابحليلة و استعمال اآلالت فيها )‬

‫مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫مضمون صحيح (‪)10‬‬

‫فال تزدرى ابلشي ء إذا كانت العربة فيه‬ ‫‪.71‬‬ ‫واضحة كالذرة و النملة و ما أشبه ذلك فإن املعىن‬ ‫النفيس قد ميثل ابلشي ء احلقري فال يضع منه)‬ ‫مضمون صحيح له شاهد‪.‬‬ ‫ذلك كما ال يضع من الدينار و هو من‬ ‫‪.72‬‬ ‫ذهب أن يوزن مبثقال من حديد جسم الطائر و‬ ‫خلقته أتمل اي مفضل جسم الطائر و خلقته فإنه‬ ‫حني قدر أن يكون طائرا يف اجلو خفف جسمه و‬ ‫أدمج خلقه و اقتصر به من القوائم األربع على اثنتني‬ ‫و من األصابع اخلمس على أربع و من منفذين للزبل‬ ‫‪101‬‬


‫و البول على واحد جيمعهما مث خلق ذا جؤجؤ حمدد‬ ‫ليسهل عليه أن خيرق اهلواء كيف ما أخذ فيه كما‬ ‫جعلت السفينة هبذه اهليئة لتشق املاء و تنفذ فيه و‬ ‫جعل يف جناحيه و ذنبه ريشات طوال متان لينهض‬ ‫هبا للطريان و كسا كله الريش ليتداخله اهلواء فيقله‬ ‫و ملا قدر أن يكون طعمه احلب و اللحم يبلعه بلعا‬ ‫بال مضغ نقص من خلقة اإلنسان و خلق له منقار‬ ‫صلب جاسي يتناول به طعمه فال ينسحج من لقط‬ ‫احلب و ال يتقصف من هنش اللحم و ملا عدم‬ ‫األسنان و صار يزدرد احلب صحيحا و اللحم غريضا‬ ‫أعني بفضل حرارة يف اجلوف تطحن له الطعم طحنا‬ ‫يستغين به عن املضغ و اعترب ذلك أبن عجم العنب‬ ‫و غريه خيرج من أجواف اإلنس صحيحا و يطحن‬ ‫يف أجواف الطري ال يرى له أثر مث جعل مما يبيض‬ ‫بيضا و ال يلد والدة لكيال يثقل عن الطريان فإنه لو‬ ‫كانت الفراخ يف جوفه متكث حىت تستحكم ألثقلته‬ ‫و عاقته عن النهوض و الطريان فجعل كل شي ء‬ ‫من خلقه مشاكال لألمر الذي قدر أن يكون عليه‬ ‫‪102‬‬


‫مث صار الطائر السائح يف هذا اجلو يقعد على بيضه‬ ‫فيحضنه أسبوعا و بعضها أسبوعني و بعضها ثالثة‬ ‫أسابيع حىت خيرج الفرخ من البيضة مث يقبل عليه فيزقه‬ ‫الريح لتتسع حوصلته للغذاء مث يربيه و يغذيه مبا‬ ‫يعيش به فمن كلفه أن يلقط الطعم و احلب‬ ‫يستخرجه بعد أن يستقر يف حوصلته و يغذو به‬ ‫فراخه و ألي معىن حيتمل هذه املشقة و ليس بذي‬ ‫روية و ال تفكر و ال أيمل يف فراخه ما يؤمل اإلنسان‬ ‫يف ولده من العز و الرفد و بقاء الذكر فهذا من فعله‬ ‫يشهد أنه معطوف على فراخه لعله ال يعرفها و ال‬ ‫يفكر فيها و هي دوام النسل و بقاؤه لطفا من هللا‬ ‫ذكره‬ ‫تعاىل‬ ‫الدجاجة و هتيجها حلضن البيض و التفريخ‬ ‫انظر إىل الدجاجة كيف هتيج حلضن البيض و‬ ‫التفريخ و ليس هلا بيض جمتمع و ال وكر موطأ بل‬ ‫تنبعث و تنتفخ و تقوى و متتنع من الطعم حىت جيمع‬ ‫هلا البيض فتحضنه و تفرخ فلم كان ذلك منها إال‬ ‫إلقامة النسل و من أخذها إبقامة النسل و ال روية‬ ‫‪103‬‬


‫هلا و ال تفكري لو ال أهنا جمبولة على ذلك خلق‬ ‫ذلك‬ ‫يف‬ ‫التدبري‬ ‫و‬ ‫البيضة‬ ‫اعترب خبلق البيضة و ما فيها من أملح األصفر اخلاثر‬ ‫و املاء األبيض الرقيق فبعضه ينشو منه الفرخ و بعضه‬ ‫ليغتذى به إىل أن تنقاب عنه البيضة و ما يف ذلك‬ ‫من التدبري فإنه لو كان نشوء الفرخ يف تلك القشرة‬ ‫املستحفظة اليت ال مساغ لشي ء إليها جعل معه يف‬ ‫جوفها من الغذاء ما يكتفي به إىل وقت خروجه‬ ‫منها كمن حيبس يف حبس حصني ال يوصل إىل من‬ ‫فيه فيجعل معه من القوت ما يكتفي به إىل وقت‬ ‫خروجه منه‪ . .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫فكر اي مفضل يف حوصلة الطائر و ما قدر‬ ‫‪.73‬‬ ‫له فإن مسلك الطعم إىل القانصة ضيق ال ينفذ فيه‬ ‫الطعام إال قليال قليال فلو كان الطائر ال يلقط حبة‬ ‫اثنية حىت تصل األوىل إىل القانصة لطال عليه و مىت‬ ‫كان يستويف طعمه فإمنا خيتلسه اختالسا لشدة‬ ‫احلذر فجعلت له احلوصلة كاملخالة املعلقة أمامه‬ ‫ليوعي فيها ما أدرك من الطعم بسرعة مث تنفذه إىل‬ ‫‪104‬‬


‫القانصة على مهل و يف احلوصلة أيضا خلة أخرى‬ ‫فإن من الطائر ما حيتاج إىل أن يزق فراخه فيكون‬

‫رده للطعم من قرب أسهل عليه‪ .‬مضمون معتل؛ ظن‬ ‫ال شاهد له‪.‬‬ ‫قال املفضل فقلت إن قوما من املعطلة‬ ‫‪.74‬‬ ‫يزعمون أن اختالف األلوان و األشكال يف الطري‬

‫إمنا يكون من قبل امتزاج األخالط و اختالف‬ ‫مقاديرها املرج و اإلمهال قال اي مفضل هذا الوشي‬ ‫الذي تراه يف الطواويس و الدراج و التدارج على‬ ‫استواء و مقابلة كنحو ما خيط ابألقالم كيف أييت به‬ ‫االمتزاج املهمل على شكل واحد ال خيتلف و لو‬ ‫كان ابإلمهال لعدم االستواء و لكان خمتلفا‬ ‫وصفه‬ ‫و‬ ‫الطائر‬ ‫ريش‬ ‫أتمل ريش الطري كيف هو فإنك تراه منسوجا كنسج‬ ‫الثوب من سلوك دقاق قد ألف بعضه إىل بعض‬ ‫كتأليف اخليط إىل اخليط و الشعرة إىل الشعرة مث‬ ‫ترى ذلك النسج إذا مددته ينفتح قليال و ال ينشق‬ ‫لتداخله الريح فيقل الطائر إذا طار و ترى يف وسط‬ ‫‪105‬‬


‫الريشة عمودا غليظا متينا قد نسج عليه الذي هو‬ ‫مثل الشعر ليمسكه بصالبته و هو القصبة اليت يف‬ ‫وسط الريشة و هو مع ذلك أجوف ليخف على‬ ‫الطائر و ال يعوقه عن الطريان‬ ‫الطائر الطويل الساقني و التدبري يف ذلك‬ ‫هل رأيت اي مفضل هذا الطائر الطويل الساقني و‬ ‫عرفت ما له من املنفعة يف طول ساقيه فإنه أكثر‬ ‫ذلك يف ضحضاح من املاء فرتاه بساقني طويلني‬ ‫كأنه ربيئة فوق مرقب و هو يتأمل ما يدب يف املاء‬ ‫فإذا رأى شيئا مما يتقوت به خطا خطوات رقيقا حىت‬ ‫يتناوله و لو كان قصري الساقني و كان خيطو حنو‬ ‫الصيد ليأخذه يصيب بطنه املاء فيثور و يذعر منه‬ ‫فيفرق عنه فخلق له ذلك العمودان ليدرك هبما‬ ‫حاجته و ال يفسد عليه مطلبه أتمل ضروب التدبري‬ ‫يف خلق الطائر فإنك جتد كل طائر طويل الساقني‬ ‫طويل العنق و ذلك ليتمكن من تناول طعمه من‬ ‫األرض و لو كان طويل الساقني قصري العنق ملا‬ ‫استطاع أن يتناول شيئا من األرضو رمبا أعني مع‬ ‫‪106‬‬


‫العنق بطول املناقري ليزداد األمر عليه سهولة و إمكاان‬ ‫أ فال ترى أنك ال تفتش شيئا من اخللقة إال وجدته‬ ‫على غاية الصواب و احلكمة‪ .‬مضمون معتل؛ ظن‬ ‫ال شاهد له‪.‬‬ ‫انظر إىل العصافري كيف تطلب أكلها‬ ‫‪.75‬‬ ‫ابلنهار فهي ال تفقده و ال جتده جمموعا معدا بل‬ ‫تناله ابحلركة و الطلب و كذلك اخللق كله فسبحان‬ ‫من قدر الرزق كيف فرقه فلم جيعل مما ال يقدر عليه‬ ‫إذ جعل ابخللق حاجة إليه و مل جيعل مبذوال ينال‬ ‫ابهلوينا إذ كان ال صالح يف ذلك فإنه لو كان يوجد‬ ‫جمموعا معدا كانت البهائم تنقلب عليه و ال تنقلع‬ ‫عنه حىت تبشم فتهلك و كان الناس أيضا يصريون‬ ‫ابلفراغ إىل غاية األشر و البطر حىت يكثر الفساد و‬ ‫الفواحش‬ ‫تظهر‬ ‫معاش البوم و اهلام و اخلفاش‬ ‫أ علمت ما طعم هذه األصناف من الطري اليت ال‬ ‫خترج إال ابلليل كمثل البوم و اهلام و اخلفاش قلت‬ ‫ال اي موالي قال إن معاشها من ضروب تنتشر يف‬ ‫‪107‬‬


‫اجلو من البعوض و الفراش و أشباه اجلراد و‬ ‫اليعاسيب و ذلك أن هذه الضروب مبثوثه يف اجلو‬ ‫ال خيلو منها موضع و اعترب ذلك أبنك إذا وضعت‬ ‫سراجا ابلليل يف سطح أو عرصة دار اجتمع عليه‬ ‫من هذه الضروب شي ء كثري فمن أين أييت ذلك‬ ‫كله إال من القرب فإن قال قائل إنه أييت من‬ ‫الصحاري و الرباري قيل له كيف يوايف تلك الساعة‬ ‫من موضع بعيد و كيف يبصر من ذلك البعد سراجا‬ ‫يف دار حمفوفة ابلدور فيقصد إليه مع أن هذه عياان‬ ‫تتهافت على السراج من قرب فيدل ذلك على أهنا‬ ‫منتشرة يف كل موضع من اجلو فهذه األصناف من‬ ‫الطري تلتمسها إذا خرجت فتتقوت هبا فانظر كيف‬ ‫وجه الرزق هلذه الطيور اليت ال خترج إال ابلليل من‬ ‫هذه الضروب املنتشرة يف اجلو و اعرف ذلك املعىن‬ ‫يف خلق هذه الضروب املنتشرة اليت عسى أن يظن‬ ‫ظان أهنا فضل ال معىن له‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال‬

‫شاهد له‪.‬‬

‫‪108‬‬


‫خلق اخلفاش خلقة عجيبة بني خلقة الطري‬ ‫‪.76‬‬ ‫و ذوات األربع هو إىل ذوات األربع أقرب و ذلك‬ ‫أنه ذو أذنني انشزتني و أسنان و وبر هو يلد والدا‬ ‫و يرضع و يبول و ميشي إذا مشى على أربع و كل‬ ‫هذا خالف صفة الطري مث هو أيضا مما خيرج ابلليل‬ ‫و يتقوت مبا يسرى يف اجلو من الفراش و ما أشبهه‬ ‫و قد قال قائلون إنه ال طعم للخفاش و إن غذاءه‬ ‫من النسيم وحده و ذلك يفسد و يبطل من جهتني‬ ‫أحدمها خروج الثفل و البول منه فإن هذا ال يكون‬ ‫من غري طعم و األخرى أنه ذو أسنان و لو كان ال‬ ‫يطعم شيئا مل يكن لألسنان فيه معىن و ليس يف‬ ‫اخللقة شي ء ال معىن له و أما املآرب فيه فمعروفة‬ ‫حىت أن زبله يدخل يف بعض األعمال و من أعظم‬ ‫األرب فيه خلقته العجيبة الدالة على قدرة اخلالق‬ ‫جل ثناؤه و تصرفها فيما شاء كيف شاء لضرب من‬ ‫املصلحة‬ ‫حيلة الطائر أبو منرة ابحلسكة و منفعتها‬ ‫فأما الطائر الصغري الذي يقال له ابن منرة فقد عشش‬ ‫‪109‬‬


‫يف بعض األوقات يف بعض الشجر فنظر إىل حية‬ ‫عظيمة قد أقبلت حنو عشه فاغرة فاها تبغيه لتبتلعه‬ ‫فبينما هو يتقلب و يضطرب يف طلب حيلة منها إذ‬ ‫وجد حسكة فحملها فألقاها يف فم احلية فلم تزل‬ ‫احلية تلتوي و تتقلب حىت ماتت أ فرأيت لو مل أخربك‬ ‫بذلك كان خيطر ببالك أو ببال غريك أنه يكون من‬ ‫حسكة مثل هذه املنفعة أو يكون من طائر صغري أو‬ ‫كبري مثل هذه احليلة اعترب هبذا و كثري من األشياء‬ ‫يكون فيها منافع ال تعرف إال حبادث حيدث أو خرب‬ ‫به‬

‫يسمع‬ ‫النحل عسله و بيوته‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد‬

‫له‪.‬‬

‫انظر إىل النحل و احتشاده يف صنعة العسل‬ ‫‪.77‬‬ ‫و هتيئة البيوت املسدسة و ما ترى يف ذلك من دقائق‬ ‫الفطنة فإنك إذا أتملت العمل رأيته عجيبا لطيفا و‬ ‫إذا رأيت املعمول وجدته عظيما شريفا موقعه من‬ ‫‪110‬‬


‫الناس و إذا رجعت إىل الفاعل ألفيته غبيا جاهال‬ ‫بنفسه فضال عما سوى ذلك ففي هذا أوضح الداللة‬ ‫على أن الصواب و احلكمة يف هذه الصنعة ليس‬ ‫للنحل بل هي للذي طبعه عليها و سخره فيها‬ ‫ملصلحة الناس اجلراد و بالؤه انظر إىل هذا اجلراد ما‬ ‫أضعفه و أقواه فإنك إذا أتملت خلقه رأيته كأضعف‬ ‫األشياء و إن دلفت عساكره حنو بلد من بلدان مل‬ ‫يستطع أحد أن حيميه منه أ ال ترى أن ملكا من‬ ‫ملوك األرض لو مجع خيله و رجله ليحمي بالده من‬ ‫اجلراد مل يقدر على ذلك أ فليس من الدالئل على‬ ‫قدرة اخلالق أن يبعث أضعف خلقه إىل أقوى خلقه‬ ‫دفعه‬ ‫يستطيع‬ ‫فال‬ ‫كثرة اجلراد انظر إليه كيف ينساب على وجه األرض‬ ‫مثل السيل فيغشى السهل و اجلبل و البدو و احلضر‬ ‫حىت يسرت نور الشمس بكثرته فلو كان هذا مما يصنع‬ ‫ابأليدي مىت كان جتتمع منه هذه الكثرة و يف كم‬ ‫سنة كان يرتفع فأستدل بذلك على القدرة اليت ال‬

‫‪111‬‬


‫يؤدها شي ء و ال يكثر عليها‪ .‬مضمون معتل؛ ظن‬ ‫ال شاهد له‪.‬‬ ‫أمل خلق السمك و مشاكلته لألمر الذي‬ ‫‪.78‬‬ ‫قدر أن يكون عليه فإنه خلق غري ذي قوائم ألنه ال‬ ‫حيتاج إىل املشي إذ كان مسكنه املاء و خلق غري‬ ‫ذي رية ألنه ال يستطيع أن يتنفس و هو منغمس يف‬ ‫اللجة و جعلت له مكان القوائم أجنحة شداد‬ ‫يضرب هبا يف جانبيه كما يضرب املالح ابجملاذيف‬ ‫من جانيب السفينة و كسا جسمه قشورا متاان‬ ‫متداخلة كتداخل الدروع و اجلواشن لتقيه من‬ ‫اآلفات فأعني بفضل حس يف الشم ألن بصره‬ ‫ضعيف و املاء حيجبه فصار يشم الطعم من البعد‬ ‫البعيد فينتجعه فيتبعه و إال فكيف يعلم به و مبوضعه‬ ‫و اعلم أن من فيه إىل صماخه منافذ فهو يعب املاء‬ ‫بفيه و يرسله من صماخيه فيرتوح إىل ذلك كما‬ ‫يرتوح غريه من احليوان إىل تنسم هذا النسيم‪.‬‬

‫مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫‪112‬‬


‫كثرة نسل السمك و علة ذلك‬ ‫‪.79‬‬ ‫فكر اآلن يف كثرة نسله و ما خص به من ذلك فإنك‬ ‫ترى يف جوف السمكة الواحدة من البيض ما ال‬ ‫حيصى كثرة و العلة يف ذلك أن يتسع ملا يغتذي به‬ ‫من أصناف احليوان فإن أكثرها أيكل السمك حىت‬ ‫أن السباع أيضا يف حافات اآلجام عاكفة على املاء‬ ‫أيضا كي ترصد السمك فإذا مر هبا خطفته فلما‬ ‫كانت السباع أتكل السمك و الطري أيكل السمك‬ ‫و الناس أيكلون السمك و السمك أيكل السمك‬ ‫كان من التدبري فيه أن يكون على ما هو عليه من‬ ‫الكثرة‬ ‫سعة حكمة اخلالق و قصر علم املخلوقني‬ ‫فإذا أردت أن تعرف سعة حكمة اخلالق و قصر علم‬ ‫املخلوقني فانظر إىل ما يف البحار من ضروب‬ ‫السمك و دواب املاء و األصداف و األصناف اليت‬ ‫ال حتصى و ال تعرف منافعها إال الشي ء بعد الشي‬ ‫ء يدركه الناس أبسباب حتدث مثل القرمز فإنه ملا‬ ‫عرف الناس صبغه أبن كلبة جتول على شاطئ البحر‬ ‫‪113‬‬


‫فوجدت شيئا من الصنف الذي يسمى احللزون‬ ‫فأكلته فاختضب خطمها بدمه فنظر الناس إىل‬ ‫حسنه فاختذوه صبغا و أشباه هذا مما يقف الناس‬ ‫عليه حاال بعد حال و زماان بعد زمان قال املفضل‬ ‫و حان وقت الزوال فقام موالي ع إىل الصالة و‬ ‫قال بكر إىل غدا إن شاء هللا تعاىل فانصرفت و قد‬ ‫تضاعفت سروري مبا عرفنيه مبتهجا مبا منحنيه‬ ‫حامدا هلل على ما آاتنيه فبت ليليت مسرورا مبتهجا‪.‬‬ ‫مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫‪114‬‬


‫فصل اجمللس الثالث‬ ‫‪115‬‬


‫فلما كان اليوم الثالث بكرت إىل موالي‬ ‫‪.80‬‬ ‫فاستؤذن يل فدخلت فأذن يل ابجللوس فجلست‬ ‫فقال ع احلمد هلل الذي اصطفاان و مل يصطف علينا‬ ‫اصطفاان بعلمه و أيدان حبلمه من شذ عنا فالنار‬ ‫مأواه و من تفيأ بظل دوحتنا فاجلنة مثواه قد شرحت‬ ‫لك اي مفضل خلق اإلنسان و ما دبر به و تنقله يف‬ ‫أحواله و ما فيه من االعتبار و شرحت لك أمر‬ ‫احليوان و أان أبتدئ اآلن بذكر السماء و الشمس و‬ ‫القمر و النجوم و الفلك و الليل و النهار و احلر و‬ ‫الربد و الرايح و اجلواهر األربعة األرض و املاء و‬ ‫اهلواء و النار و املطر و الصخر و اجلبال و الطني و‬ ‫احلجارة و النخل و الشجر و ما يف ذلك من األدلة‬ ‫العرب‬ ‫و‬ ‫لون السماء و ما فيه من صواب التدبري‬ ‫فكر يف لون السماء و ما فيه من صواب التدبري فإن‬ ‫هذا اللون أشد األلوان موافقة و تقوية للبصر حىت‬ ‫أن من صفات األطباء ملن أصابه شي ء أضر ببصره‬ ‫‪116‬‬


‫إدمان النظر إىل اخلضرة و ما قرب منها إىل السواد‬ ‫و قد وصف احلذاق منهم ملن كل بصره االطالع يف‬ ‫إجانة خضراء مملوءة ماء فانظر كيف جعل هللا جل‬ ‫و تعاىل أدمي السماء هبذا اللون األخضر إىل السواد‬ ‫ليمسك األبصار املتقلبة عليه فال ينكي فيها بطول‬ ‫مباشرهتا له فصار هذا الذي أدركه الناس ابلفكر و‬ ‫الروية و التجارب يوجد مفروغا منه يف اخللقة حكمة‬ ‫ابلغة ليعترب هبا املعتربون و يفكر فيها امللحدون‬ ‫يؤفكون‬ ‫أىن‬ ‫هللا‬ ‫قاتلهم‬

‫طلوع الشمس و غروهبا و املنافع يف ذلك‪ .‬مضمون‬ ‫معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫فكر اي مفضل يف طلوع الشمس و غروهبا‬ ‫‪.81‬‬ ‫إلقامة دوليت النهار و الليل فلو ال طلوعها لبطل أمر‬ ‫العامل كله فلم يكن الناس يسعون يف معايشهم و‬ ‫يتصرفون يف أمورهم و الدنيا مظلمة عليهم و مل‬ ‫يكونوا يتهنون ابلعيش مع فقدهم لذة النور و روحه‬ ‫‪117‬‬


‫و األرب يف طلوعها ظاهر مستغىن بظهوره عن‬ ‫اإلطناب يف ذكره و الزايدة يف شرحه بل أتمل املنفعة‬ ‫يف غروهبا فلو ال غروهبا مل يكن للناس هدوء و ال‬ ‫قرار مع عظم حاجتهم إىل اهلدوء و الراحة لسكون‬ ‫أبداهنم و مجوم حواسهم و انبعاث القوة اهلاضمة‬ ‫هلضم الطعام و تنفيذ الغذاء إىل األعضاء مث كان‬ ‫احلرص يستحملهم من مداومة العمل و مطاولته‬ ‫على ما يعظم نكايته يف أبداهنم فإن كثريا من الناس‬ ‫لو ال جثوم هذا الليل بظلمته عليهم مل يكن هلم هدوء‬ ‫و ال قرار حرصا على الكسب و اجلمع و االدخار‬ ‫مث كانت األرض تستحمى بدوام الشمس بضيائها‬ ‫و حيمى كل ما عليها من حيوان و نبات فقدرها هللا‬ ‫حبكمته و تدبريه تطلع وقتا و تغرب وقتا مبنزلة سراج‬ ‫يرفع ألهل البيت اترة ليقضوا حوائجهم مث يغيب‬ ‫عنهم مثل ذلك ليهدءوا و يقروا فصار النور و الظلمة‬ ‫مع تضادمها منقادين متظاهرين على ما فيه صالح‬ ‫العامل و قوامه‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫‪118‬‬


‫مث فكر بعد هذا يف ارتفاع الشمس و‬ ‫‪.82‬‬ ‫احنطاطها إلقامة هذه األزمنة األربعة من السنة و ما‬ ‫يف ذلك من التدبري و املصلحة ففي الشتاء تعود‬ ‫احلرارة يف الشجر و النبات فيتولد فيهما مواد الثمار‬ ‫و يتكثف اهلواء فينشأ منه السحاب و املطر و تشتد‬ ‫أبدان احليوان و تقوى و يف الربيع تتحرك و تظهر‬ ‫املواد املتولدة يف الشتاء فيطلع النبات و تنور‬ ‫األشجار و يهيج احليوان للسفاد و يف الصيف حيتدم‬ ‫اهلواء فتنضج الثمار و تتحلل فضول األبدان و جيف‬ ‫وجه األرض فتهيأ للبناء و األعمال و يف اخلريف‬ ‫يصفو اهلواء و ترتفع األمراض و تصح األبدان و ميتد‬ ‫الليل فيمكن فيه بعض األعمال لطوله و يطيب اهلواء‬ ‫فيه إىل مصاحل أخرى لو تقصيت لذكرها لطال فيها‬ ‫الكالم‪.‬‬

‫فكر اآلن يف تنقل الشمس يف الربوج االثين‬ ‫‪.83‬‬ ‫عشر إلقامة دور السنة و ما يف ذلك من التدبري فهو‬ ‫‪119‬‬


‫الدور الذي تصح به األزمنة األربعة من السنة الشتاء‬ ‫و الربيع و الصيف و اخلريف تستوفيها على التمام‬ ‫و يف هذا املقدار من دوران الشمس تدرك الغالت‬ ‫و الثمار و تنتهي إىل غاايهتم مث تعود فيستأنف النشو‬ ‫و النمو أ ال ترى أن السنة مقدار مسري الشمس من‬ ‫احلمل إىل احلمل فبالسنة و أخواهتا يكال الزمان من‬ ‫لدن خلق هللا تعاىل العامل إىل كل وقت و عصر من‬ ‫غابر األايم و هبا حيسب الناس األعمار و األوقات‬ ‫املوقتة للديون و اإلجارات و املعامالت و غري ذلك‬ ‫من أمورهم و مبسري الشمس تكمل السنة و يقوم‬ ‫حساب الزمان على الصحة انظر إىل شروقها على‬ ‫العامل كيف دبر أن يكون فإهنا لو كانت تبزغ يف‬ ‫موضع من السماء فتقف ال تعدوه ملا وصل شعاعها‬ ‫و منفعتها إىل كثري من اجلهات ألن اجلبال و اجلدران‬ ‫كانت حتجبها عنها فجعلت تطلع أول النهار من‬ ‫املشرق فتشرق على ما قابلها من وجه املغرب مث ال‬ ‫تزال تدور و تغشى جهة بعد جهة حىت تنتهي إىل‬ ‫املغرب فتشرق على ما استرت عنها يف أول النهار فال‬ ‫‪120‬‬


‫يبقى موضع من املواضع إال أخذ بقسطه من املنفعة‬ ‫منها و األرب اليت قدرت له و لو ختلفت مقدار عام‬ ‫أو بعض عام كيف كان يكون حاهلم بل كيف كان‬ ‫يكون هلم مع ذلك بقاء أ فال ترى كيف كان يكون‬ ‫للناس هذه األمور اجلليلة اليت مل يكن عندهم فيها‬ ‫حيلة فصارت جتري على جماريها ال تفتل و ال‬ ‫تتخلف عن مواقيتها لصالح العامل و ما فيه بقاؤه‬ ‫االستدالل ابلقمر يف معرفة الشهور‪ .‬مضمون معتل؛‬ ‫ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫استدل ابلقمر ففيه داللة جليلة تستعملها‬ ‫‪.84‬‬ ‫العامة يف معرفة الشهور و ال يقوم عليه حساب‬ ‫السنة ألن دوره ال يستويف األزمنة األربعة و نشو‬ ‫الثمار و تصرمها و لذلك صارت شهور القمر و‬ ‫سنوه تتخلف عن شهور الشمس و سنيها و صار‬ ‫الشهر من شهور القمر ينتقل فيكون مرة ابلشتاء و‬ ‫مرة ابلصيف) مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫فكر يف إانرته يف ظلمة الليل و األرب يف‬ ‫‪.85‬‬ ‫ذلك فإنه مع احلاجة إىل الظلمة هلدوء احليوان و برد‬ ‫‪121‬‬


‫اهلواء على النبات مل يكن صالح يف أن يكون الليل‬ ‫ظلمة داجية ال ضياء فيها فال ميكن فيه شي ء من‬ ‫العمل ألنه رمبا احتاج الناس إىل العمل ابلليل لضيق‬ ‫الوقت عليهم يف بعض األعمال يف النهار و لشدة‬ ‫احلر و إفراطه فيعمل يف ضوء القمر أعماال شىت‬ ‫كحرث األرض و ضرب اللنب و قطع اخلشب و ما‬ ‫أشبه ذلك فجعل ضوء القمر معونة للناس على‬ ‫معايشهم إذا احتاجوا إىل ذلك و أنسا للسائرين و‬ ‫جعل طلوعه يف بعض الليل دون بعض و نقص مع‬ ‫ذلك عن نور الشمس و ضيائها لكيال ينبسط الناس‬ ‫يف العمل انبساطهم ابلنهار و ميتنعوا من اهلدوء و‬ ‫القرار فيهلكهم ذلك و يف تصرف القمر خاصة يف‬ ‫مهله و حماقه و زايدته و نقصانه و كسوفه من التنبيه‬ ‫على قدرة هللا تعاىل خالفه املصرف له هذا التصريف‬ ‫لصالح العامل ما يعترب به املعتربون‪ .‬مضمون معتل؛‬ ‫ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫فكر اي مفضل يف النجوم و اختالف‬ ‫‪.86‬‬ ‫مسريها فبعضها ال تفارق مراكزها من الفلك و ال‬ ‫‪122‬‬


‫تسري إال جمتمعة و بعضها مطلقة تنتقل يف الربوج و‬ ‫تفرتق يف مسريها فكل واحد منها يسري سريين‬ ‫خمتلفني أحدمها عام مع الفلك حنو املغرب و اآلخر‬ ‫خاص لنفسه حنو املشرق كالنملة اليت تدور على‬ ‫الرحى فالرحى تدور ذات اليمني و النملة تدور ذات‬ ‫الشمال و النملة يف ذلك تتحرك حركتني خمتلفني‬ ‫إحدامها بنفسها فتتوجه أمامها و األخرى مستكرهة‬ ‫مع الرحى جتذهبا إىل خلفها فاسأل الزاعمني أن‬ ‫النجوم صارت على ما هي عليه ابإلمهال من غري‬ ‫عمد و ال صانع هلا ما منعها أن تكون كلها راتبة أو‬ ‫تكون كلها منتقلة فإن اإلمهال معىن واحد فكيف‬ ‫صار أييت حبركتني خمتلفتني على وزن و تقدير ففي‬ ‫هذا بيان أن مسري الفريقني على ما يسريان عليه‬ ‫بعمد و تدبري و حكمة و تقدير و ليس إبمهال كما‬ ‫يزعم املعطلة فإن قال قائل و مل صار بعض النجوم‬ ‫راتبا و بعضها منتقال قلنا إهنا لو كانت كلها راتبة‬ ‫لبطلت الدالالت اليت يستدل هبا من تنقل املنتقلة و‬ ‫مسريها يف كل برج من الربوج كما يستدل هبا على‬ ‫‪123‬‬


‫أشياء مما حيدث يف العامل بتنقل الشمس و النجوم‬ ‫يف منازهلا و لو كانتكلها منتقلة مل يكن ملسريها منازل‬ ‫تعرف و ال رسم يوقف عليه ألنه إمنا يوقف عليه‬ ‫مبسري املنتقلة منها بتنقلها يف الربوج الراتبة كما‬ ‫يستدل على سري السائر على األرض ابملنازل اليت‬ ‫جيتاز عليها أو لو كان تنقلها حبال واحد الختلط‬ ‫نظامها و بطلت املآرب فيها و لساغ القائل يقول‬ ‫إن كينونتها على حال واحدة توجب عليها اإلمهال‬ ‫من اجلهة اليت وصفنا ففي اختالف سريها و تصرفها‬ ‫و ما يف ذلك من املآرب و املصلحة أبني دليل على‬ ‫فيها‬ ‫التدبري‬ ‫و‬ ‫العمد‬ ‫فوائد بعض النجوم‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد‬

‫له‪.‬‬

‫فكر يف هذه النجوم اليت تظهر يف بعض‬ ‫‪.87‬‬ ‫السنة و حتتجب يف بعضها كمثل الثراي و اجلوزاء و‬ ‫الشعريني و سهيل فإهنا لو كانت أبسرها تظهر يف‬ ‫وقت واحد مل يكن لواحد فيها على حياله دالالت‬ ‫يعرفها الناس و يهتدون هبا لبعض أمورهم كمعرفتهم‬ ‫‪124‬‬


‫اآلن مبا يكون من طلوع الثور و اجلوزاء إذا طلعت‬ ‫و احتجاهبا إذا احتجبت فصار ظهور كل واحد و‬ ‫احتجابه يف وقت غري الوقت اآلخر لينتفع الناس مبا‬ ‫يدل عليه كل واحد منها على حدته و ما جعلت‬ ‫الثراي و أشباهها تظهر حينا و حتتجب حينا إال‬ ‫لضرب من املصلحة و كذلك جعلت بنات نعش‬ ‫ظاهرة ال تغيب لضرب آخر من املصلحة فإهنا مبنزلة‬ ‫األعالم اليت يهتدي هبا الناس يف الرب و البحر للطرق‬ ‫اجملهولة و كذلك إهنا ال تغيب و ال تتوارى فهم‬ ‫ينظرون إليها مىت أرادوا أن يهتدوا هبا إىل حيث شاءوا‬ ‫و صار األمران مجيعا على اختالفهما موجهني حنو‬ ‫األرب و املصلحة و فيهما مآرب أخرى عالمات و‬ ‫دالالت على أوقات كثرية من األعمال كالزراعة و‬ ‫الغراس و السفر يف الرب و البحر و أشياء مما حيدث‬ ‫يف األزمنة من األمطار و الرايح و احلر و الربد و هبا‬ ‫يهتدي السائرون يف ظلمة الليل لقطع القفار‬ ‫املوحشة و اللجج اهلائلة مع ما يف ترددها يف كبد‬ ‫السماء مقبلة و مدبرة و مشرقة و مغربة من العرب‬ ‫‪125‬‬


‫فإهنا تسري أسرع السري و أحثه أ رأيت لو كانت‬ ‫الشمس و القمر و النجوم ابلقرب منا حىت يتبني لنا‬ ‫سرعة سريها بكنه ما هي عليه أ مل تكن تستخطف‬ ‫األبصار بوهجها و شعاعها كالذي حيدث أحياان‬ ‫من الربوق إذا توالت و اضطرمت يف اجلو و كذلك‬ ‫أيضا لو أن أانسا كانوا يف قبة مكللة مبصابيح تدور‬ ‫حوهلم دوراان حثيثا حلارت أبصارهم حىت خيروا‬ ‫لوجوههم فانظر كيف قدر أن يكون مسريها يف البعد‬ ‫البعيد لكيال تضر يف األبصار و تنكأ فيها و أبسرع‬ ‫السرعة لكيال تتخلف عن مقدار احلاجة يف مسريها‬ ‫و جعل فيها جزء يسريا من الضوء ليسد مسد‬ ‫األضواء إذا مل يكن قمر و ميكن فيه احلركة إذا حدثت‬ ‫ضرورة كما قد حيدث احلادث على املرء فيحتاج إىل‬ ‫التجايف يف جوف الليل فإن مل يكن شي ء من الضوء‬ ‫يهتدى به مل يستطع أن يربح مكانه فتأمل اللطف و‬ ‫احلكمة يف هذا التقدير حني جعل للظلمة دولة و‬ ‫مدة حلاجة إليها و جعل خالهلا شي ء من الضوء‬ ‫وصفنا‬ ‫اليت‬ ‫للمآرب‬ ‫‪126‬‬


‫الشمس و القمر و النجوم و الربوج تدل على‬ ‫اخلالق‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫فكر يف هذا الفلك بشمسه و قمره و جنومه‬ ‫‪.88‬‬ ‫و بروجه تدور على العامل هذا الدوران الدائم هبذا‬ ‫التقدير و الوزن ملا يف اختالف الليل و النهار و هذه‬ ‫األزمان األربعة املتوالية من التنبيه على األرض و ما‬ ‫عليها من أصناف احليوان و النبات من ضروب‬ ‫املصلحة كالذي بينت و شخصت لك آنفا و هل‬ ‫خيفى على ذي لب أن هذا تقدير مقدر و صواب‬ ‫و حكمة من مقدر حكيم) مضمون معتل؛ ظن ال‬ ‫شاهد له‪.‬‬ ‫فإن قال قائل إن هذا شي ء اتفق أن يكون‬ ‫‪.89‬‬ ‫هكذا فما منعه أن يقول مثل هذا يف دوالب يراه‬ ‫يدور و يسقي حديقة فيها شجر و نبات فريى كل‬ ‫شي ء من آالته مقدرا بعضه يلقى بعضا على ما فيه‬ ‫صالح تلك احلديقة و ما فيها و مب كان يثبت هذا‬ ‫القول لو قاله و ما ترى الناس كانوا قائلني له لو‬ ‫مسعوه منه أ فينكر أن يقول يف دوالب خشب‬ ‫‪127‬‬


‫مصنوع حبيلة قصرية ملصلحة قطعة من األرض أنه‬ ‫كان بال صانع و مقدر و يقدر أن يقول يف هذا‬ ‫الدوالب األعظم املخلوق حبكمة تقصر عنها أذهان‬ ‫البشر لصالح مجيع األرض و ما عليها أنه شي ء‬ ‫اتفق أن يكون بال صنعة و ال تقدير لو اعتل هذا‬ ‫الفلك كما تعتل اآلالت اليت تتخذ للصناعات و‬ ‫غريها أي شي ء كان عند الناس من احليلة يف‬ ‫إصالحه‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫فكر اي مفضل يف مقادير النهار و الليل‬ ‫‪.90‬‬ ‫كيف وقعت على ما فيه صالح هذا اخللق فصار‬ ‫منتهى كل واحد منهما إذا امتد إىل مخس عشرة‬ ‫ساعة ال جياوز ذلك أ فرأيت لو كان النهار يكون‬ ‫مقداره مائة ساعة أو مائيت ساعة أ مل يكن يف ذلك‬ ‫بوار كل ما يف األرض من حيوان و نبات أما احليوان‬ ‫فكان ال يهدأ و ال يقر طول هذه املدة و ال البهائم‬ ‫كانت متسك عن الرعي لو دام هلا ضوء النهار و ال‬ ‫اإلنسان كان يفرت عن العمل و احلركة و كان ذلك‬ ‫‪128‬‬


‫ينهكها أمجع و يؤديها إىل التلف و أما النبات فكان‬ ‫يطول عليه حر النهار و وهج الشمس حىت جيف و‬ ‫حيرتق كذلك الليل لو امتد مقدار هذه املدة كان‬ ‫يعوق أصناف احليوان عن احلركة و التصرف يف طلب‬ ‫املعاش حىت متوت جوعا و ختمد احلرارة الطبيعية عن‬ ‫النبات حىت يعفن و يفسد كالذي تراه حيدث على‬ ‫النبات إذا كان يف موضع ال تطلع عليه الشمس‬ ‫احلر و الربد و فوائدمها‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد‬

‫له‪.‬‬ ‫‪.91‬‬

‫اعترب هبذا احلر و الربد كيف يتعاوران العامل‬ ‫و يتصرفان هذا التصرف يف الزايدة و النقصان و‬ ‫االعتدال إلقامة هذه األزمنة األربعة من السنة و ما‬ ‫فيهما من املصاحل مث مها بعد دابغ األبدان اليت عليها‬

‫بقاؤها و فيهما صالحها فإنه لو ال احلر و الربد و‬ ‫تداوهلما األبدان لفسدت و أخوت و انتكثت فكر‬ ‫يف دخول أحدمها على اآلخر هبذا التدريج و الرتسل‬ ‫فإنك ترى أحدمها ينقص شيئا بعد شي ء و اآلخر‬ ‫يزيد مثل ذلك حىت ينتهي كل واحد منهما منتهاه‬ ‫‪129‬‬


‫يف الزايدة و النقصان و لو كان دخول أحدمها على‬ ‫اآلخر مفاجأة ألضر ذلك ابألبدان و أسقمها كما‬ ‫أن أحدكم لو خرج من محام حار إىل موضع الربودة‬ ‫لضره ذلك و أسقم بدنه فلم جيعل هللا عز و جل‬ ‫هذا الرتسل يف احلر و الربد إال للسالمة من ضرر‬ ‫املفاجأة و مل جرى األمر على ما فيه السالمة من‬ ‫ضرر املفاجأة لو ال التدبري يف ذلك فإن زعم زاعم‬ ‫أن هذا الرتسل يف دخول احلر و الربد إمنا يكون‬ ‫إلبطاء مسري الشمس يف ارتفاعها و احنطاطها سئل‬ ‫عن العلة يف إبطاء مسري الشمس يف ارتفاعها و‬ ‫احنطاطها فإن اعتل يف اإلبطاء ببعد ما بني املشرقني‬ ‫سئل عن العلة يف ذلك فال تزال هذه املسألة ترقي‬ ‫معه إىل حيث رقى من هذا القول حىت استقر على‬ ‫العمد و التدبري لو ال احلر ملا كانت الثمار ‪0‬اجلاسية‬ ‫املرة تنضج فتلني و تعذب حىت يتفكه هبا رطبة و‬ ‫ايبسة و لو ال الربد ملا كان الزرع يفرخ هكذا و يريع‬ ‫الريع الكثري الذي يتسع للقوت و ما يرد يف األرض‬ ‫للبذر أ فال ترى ما يف احلر و الربد من عظيم الغناء‬ ‫‪130‬‬


‫و املنفعة و كالمها مع غنائه و املنفعة فيه يؤمل األبدان‬ ‫و ميضها و يف ذلك عربة ملن فكر و داللة على أنه‬ ‫من تدبري احلكيم يف مصلحة العامل و ما فيه‪ .‬مضمون‬ ‫معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫و أنبهك اي مفضل على الريح و ما فيها أ‬ ‫‪.92‬‬ ‫لست ترى ركودها إذا ركدت كيف حيدث الكرب‬ ‫الذي يكاد أن أييت على النفوس و ميرض األصحاء‬ ‫و ينهك املرضى و يفسد الثمار و يعفن البقول و‬ ‫يعقب الوابء يف األبدان و اآلفة يف الغالت ففي هذا‬ ‫بيان أن هبوب الريح من تدبري احلكيم يف صالح‬ ‫األصوات‬ ‫و‬ ‫اخللقاهلواء‬ ‫و أنبئك عن اهلواء خبلة أخرى فإن الصوت أثر يؤثره‬ ‫اصطكاك األجسام يف اهلواء و اهلواء يؤديه إىل‬ ‫املسامع و الناس يتكلمون يف حوائجهم و معامالهتم‬ ‫طول هنارهم و بعض ليلهم فلو كان أثر هذا الكالم‬ ‫يبقى يف اهلواء كما يبقى الكتاب يف القرطاس المتأل‬ ‫العامل منه فكان يكرهبم و يفدحهم و كانوا حيتاجون‬ ‫يف جتديده و االستبدال به إىل أكثر مما حيتاج إليه يف‬ ‫‪131‬‬


‫جتديد القراطيس ألن ما يلفظ من الكالم أكثر مما‬ ‫يكتب فجعل اخلالق احلكيم جل قدسه هذا اهلواء‬ ‫قرطاسا خفيا حيمل الكالم ريثما يبلغ العامل حاجتهم‬ ‫مث ميحى فيعود جديدا نقيا و حيمل ما محل أبدا بال‬ ‫انقطاع و حسبك هبذا النسيم املسمى هواء عربة و‬ ‫ما فيه من املصاحل فإنه حياة هذه األبدان و املمسك‬ ‫هلا من داخل مبا يستنشق منه من خارج مبا يباشر‬ ‫من روحه و فيه تطرد هذه األصوات فيؤدي البعد‬ ‫البعيد و هو احلامل هلذه األرواح ينقلها من موضع‬ ‫إىل موضع أ ال ترى كيف أتتيك الرائحة من حيث‬ ‫هتب الريح فكذلك الصوت و هو القابل هلذا احلر‬ ‫و الربد اللذين يتعاقبان على العامل لصالحه و منه‬ ‫هذه الريح اهلابة فالريح تروح عن األجسام و تزجي‬ ‫السحاب من موضع إىل موضع ليعم نفعه حىت‬ ‫يستكشف فيمطر و تفضه حىت يستخف فيتفشى‬ ‫و تلقح الشجر و تسري السفن و ترخى األطعمة و‬ ‫تربد املاء و تشب النار و جتفف األشياء الندية و‬ ‫ابجلملة إهنا حتيي كل ما يف األرض فلو ال الريح‬ ‫‪132‬‬


‫لذوي النبات و ملات احليوان و محت األشياء و‬ ‫فسدت‬

‫هيئة األرض‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫فكر اي مفضل فيما خلق هللا عز و جل‬ ‫‪.93‬‬ ‫عليه هذه اجلواهر األربعة ليتسع ما حيتاج إليه منها‬ ‫فمن ذلك سعة هذه األرض و امتدادها فلو ال ذلك‬ ‫كيف كانت تتسع ملساكن الناس و مزارعهم و‬ ‫مراعيهم و منابت أخشاهبم و أحطاهبم و العقاقري‬ ‫العظيمة و املعادن اجلسيم غناؤها و لعل من ينكر‬ ‫هذه الفلوات اخلاوية و القفار املوحشة فيقول ما‬ ‫املنفعة فيها فهي مأوى هذه الوحوش و حماهلا و‬ ‫مراعيها مث فيها بعد تنفس و مضطرب للناس إذا‬ ‫احتاجوا إىل االستبدال أبوطاهنم فكم بيداء و كم‬ ‫فدفد حالت قصورا و جناان ابنتقال الناس إليها و‬ ‫حلوهلم فيها و لو ال سعة األرض و فسحتها لكان‬ ‫الناس كمن هو يف حصار ضيق ال جيد مندوحة عن‬ ‫وطنه إذا أحزنه أمر يضطره إىل االنتقال عنه مث فكر‬ ‫يف خلق هذه األرض على ما هي عليه حني خلقت‬ ‫‪133‬‬


‫راتبة راكنة فتكون موطنا مستقرا لألشياء فيتمكن‬ ‫الناس من السعي عليها يف مآرهبم و اجللوس عليها‬ ‫لراحتهم و النوم هلدوئهم و اإلتقان ألعماهلم فإهنا لو‬ ‫كانت رجراجة منكفئة مل يكونوا يستطيعون أن يتقنوا‬ ‫البناء و النجارة و الصناعة و ما أشبه ذلك بل كانوا‬ ‫ال يتهنون ابلعيش و األرض ترتج من حتتهم و اعترب‬ ‫ذلك مبا يصيب الناس حني الزالزل على قلة مكثها‬ ‫حىت يصريوا إىل ترك منازهلم و اهلرب عنها فإن قال‬ ‫قائل فلم صارت هذه األرض تزلزل قيل له إن الزلزلة‬ ‫و ما أشبهها موعظة و ترهيب يرهب هبا الناس لريعوا‬ ‫و ينزعوا عن املعاصي و كذلك ما ينزل هبم من البالء‬ ‫يف أبداهنم و أمواهلم جيري يف التدبري على ما فيه‬ ‫صالحهم و استقامتهم و يدخر هلم إن صلحوا من‬ ‫الثواب و العوض يف اآلخرة ما ال يعدله شي ء من‬ ‫أمور الدنيا و رمبا عجل ذلك يف الدنيا إذا كان ذلك‬ ‫يف الدنيا صالحا للعامة و اخلاصة مث إن األرض يف‬ ‫طباعها الذي طبعها هللا عليه ابردة ايبسة و كذلك‬ ‫احلجارة و إمنا الفرق بينها و بني احلجارة فضل يبس‬ ‫‪134‬‬


‫يف احلجارة أ فرأيت لو أن اليبس أفرط على األرض‬ ‫قليال حىت تكون حجرا صلدا أ كانت تنبت هذا‬ ‫النبات الذي به حياة احليوان و كان ميكن هبا حرث‬ ‫أو بناء أ فال ترى كيف نقصت من يبس احلجارة و‬ ‫جعلت على ما هي عليه من اللني و الرخاوة لتتهيأ‬ ‫لالعتماد‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫و من تدبري احلكيم جل و عال يف خلقة‬ ‫‪.94‬‬ ‫األرض أن مهب الشمال أرفع من مهب اجلنوب فلم‬ ‫جعل هللا عز و جل كذلك إال لتنحدر املياه على‬ ‫وجه األرض فتسقيها و ترويها مث تفيض آخر ذلك‬ ‫إىل البحر فكما يرفع أحد جانيب السطح و خيفض‬ ‫اآلخر لينحدر املاء عنه و ال يقوم عليه كذلك جعل‬ ‫مهب الشمال أرفع من مهب اجلنوب هلذه العلة‬ ‫بعينها و لو ال ذلك لبقي املاء متحريا على وجه‬ ‫األرض فكان مينع الناس من أعماهلا و يقطع الطرق‬ ‫و املسالك مث املاء لو ال كثرته و تدفقه يف العيون و‬ ‫األودية و األهنار لضاق عما حيتاج إليه الناس لشرهبم‬ ‫و شرب أنعامهم و مواشيهم و سقي زروعهم و‬ ‫‪135‬‬


‫أشجارهم و أصناف غالهتم و شرب ما يرده من‬ ‫الوحوش و الطري و السباع و تتقلب فيه احليتان و‬ ‫دواب املاء و فيه منافع أخر أنت هبا عارف و عن‬ ‫عظيم موقعها غافل فإنه سوى األمر اجلليل املعروف‬ ‫من عظيم غ نائه يف إحياء مجيع ما على األرض من‬ ‫احليوان و النبات ميزج األشربة فتلذ و تطيب لشارهبا‬ ‫و به تنظف األبدان و األمتعة من الدرن الذي‬ ‫يغشاها و به يبل الرتاب فيصلح لألعمال و به يكف‬ ‫عادية النار إذا اضطرمت و أشرف الناس على‬ ‫املكروه و به يستحم املتعب الكال فيجد الراحة من‬ ‫أوصابه إىل أشباه هذا من املآرب اليت تعرف عظم‬ ‫موقعها يف وقت احلاجة إليها فإن شككت يف منفعة‬ ‫هذا املاء الكثري املرتاكم يف البحار و قلت ما األرب‬ ‫فيه فعلم أنه مكتنف و مضطرب ما ال حيصى من‬ ‫أصناف السمك و دواب البحر و معدن اللؤلؤ و‬ ‫الياقوت و العنرب و أصناف شىت تستخرج من البحر‬ ‫و يف سواحله منابت العود اليلنجوج و ضروب من‬ ‫الطيب و العقاقري مث هو بعد مركب للناس و حممل‬ ‫‪136‬‬


‫هلذه التجارات اليت جتلب من البلدان البعيدة كمثل‬ ‫ما جيلب من الصني إىل العراق و من العراق إىل‬ ‫الصني فإن هذه التجارات لو مل يكن هلا حممل إال‬ ‫على الظهر لبارت و بقيت يف بلداهنا و أيدي أهلها‬ ‫ألن أجر محلها جياوز أمثاهنا فال يتعرض أحد حلملها‬ ‫و كان جيتمع يف ذلك أمران أحدمها فقد أشياء كثرية‬ ‫تعظم احلاجة إليها و اآلخر انقطاع معاش من حيملها‬ ‫و يتعيش بفضلها‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫و هكذا اهلواء لو ال كثرته و سعته الختنق‬ ‫‪.95‬‬ ‫هذا األانم من و البخار الذي يتحري فيه و يعجز‬ ‫عما حيول إىل السحاب و أوال أوال فقد تقدم من‬ ‫كفاية‬ ‫فيه‬ ‫ما‬ ‫صفته‬ ‫منافع النار و جعلها كاملخزونة يف األجسام و النار‬ ‫أيضا كذلك فإهنا لو كانت مبثوثة كالنسيم و املاء‬ ‫كانت حترق العامل و ما فيه و ملا مل يكن بد من‬ ‫ظهورها يف األحايني لغنائها يف كثري من املصاحل‬ ‫جعلت كاملخزونة يف األجسام فتلتمس عند احلاجة‬ ‫إليها و متسك ابملادة و احلطب ما احتيج إىل بقائها‬ ‫‪137‬‬


‫لئال ختبو فال هي متسك ابملادة و احلطب فتعظم‬ ‫املئونة يف ذلك و ال هي تظهر مبثوثة فتحرق كل ما‬ ‫هي فيه بل هي على هتيئة و تقدير اجتمع فيها‬ ‫االستمتاع مبنافعها و السالمة من ضررها مث فيها خلة‬ ‫أخرى و هي أهنا مما خص هبا اإلنسان دون مجيع‬ ‫احليوان ملا ل ه فيها من املصلحة فإنه لو فقد النار‬ ‫لعظم ما يدخل عليه من الضرر يف معاشه فأما‬ ‫البهائم فال تستعمل النار و ال تستمع هبا و ملا قدر‬ ‫هللا عز و جل أن يكون هذا هكذا خلق لإلنسان‬ ‫كفا و أصابع مهيئة لقدح النار و استعماهلا و مل‬ ‫يعط البهائم مثل ذلك لكنها أعينت ابلصرب على‬ ‫اجلفاء و اخللل يف املعاش لكيال يناهلا يف فقد النار‬ ‫ما ينال اإلنسان عند فقدها و أنبئك من منافع النار‬ ‫على خلقة صغرية عظيم موقعها و هي هذا املصباح‬ ‫الذي يتخذه الناس فيقضون به حوائجهم ما شاءوا‬ ‫يف ليلهم و لو ال هذه اخللة لكان الناس تصرف‬ ‫أعمارهم مبنزلة من يف القبور فمن كان يستطيع أن‬ ‫يكتب أو حيفظ أو ينسج يف ظلمة الليل و كيف‬ ‫‪138‬‬


‫كان حال من عرض له وجع يف وقت من أوقات‬ ‫الليل فاحتاج إىل أن يعاجل ضمادا أو سفوفا أو شيئا‬ ‫يستشفي به فأما منافعها يف نضج األطعمة و دفاء‬ ‫األبدان و جتفيف أشياء و حتليل أشياء و أشباه ذلك‬ ‫فأكثر من أن حتصى و أظهر من أن ختفى‬ ‫الصحو و املطر و تعاقبهما على العامل و فوائد ذلك‪.‬‬

‫مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫فكر اي مفضل يف الصحو و املطر كيف‬ ‫‪.96‬‬ ‫يتعاقبان على هذا العامل ملا فيه صالحه و لو دام‬ ‫واحد منهما عليه كان يف ذلك فساده أ ال ترى أن‬ ‫األمطار إذا توالت عفنت البقول و اخلضر و‬ ‫اسرتخت أبدان احليوان و حصر اهلواء فأحدث‬ ‫ضرواب من األمراض و فسدت الطرق و املسالك و‬ ‫أن الصحو إذا دام جفت األرض و احرتق النبات‬ ‫و غيض ماء العيون و األودية فأضر ذلك ابلناس و‬ ‫غلب اليبس على اهلواء فأحدث ضرواب أخرى من‬ ‫األمراض فإذا تعاقبا على العامل هذا التعاقب اعتدل‬ ‫اهلواء و دفع كل واحد منهما عادية اآلخر فصلحت‬ ‫‪139‬‬


‫األشياء و استقامت فإن قال قائل و مل ال يكون يف‬ ‫شي ء من ذلك مضرة البتة قيل له ليمض ذلك‬ ‫اإلنسان و يؤمله بعض األمل فريعوي عن املعاصي‬ ‫فكما أن اإلنسان إذا سقم بدنه احتاج إىل األدوية‬ ‫املرة البشعة ليقوم طباعه و يصلح ما فسد منه كذلك‬ ‫إذا طغى و اشتد احتاج إىل ما ميضه و يؤمله لريعوي‬ ‫و يقصر عن مساويه و يثبته على ما فيه حظه و‬ ‫رشده و لو أن ملكا من امللوك قسم يف أهل مملكته‬ ‫قناطريا من ذهب و فضة أ مل يكن سيعظم عندهم و‬ ‫يذهب له به الصوت فأين هذا من مطره رواء يعم به‬ ‫البالد و يزيد يف الغالت أكثر من قناطري الذهب و‬ ‫الفضة يف أقاليم األرض كلها أ فال ترى املطرة الواحدة‬ ‫ما أكرب قدرها و أعظم النعمة على الناس فيها و هم‬ ‫عنها ساهون و رمبا عاقت عن أحدهم حاجة ال قدر‬ ‫هلا فيتذمر و يسخط إيثارا للخسيس قدره على‬ ‫العظيم نفعه مجيال حممودا لعاقبته و قلة معرفته لعظيم‬ ‫الغناء‬

‫املنفعة‬

‫و‬

‫‪140‬‬

‫فيها‬


‫مصاحل نزول املطر على األرض و أثر التدبري فيه‪.‬‬ ‫مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫أتمل نزوله على األرض و التدبري يف ذلك‬ ‫‪.97‬‬ ‫فإنه جعل ينحدر عليها من علو ليغشى ما غلظ و‬ ‫ارتفع منها فريويه و لو كان إمنا أيتيها من بعض‬ ‫نواحيها ملا عال املواضع املشرفة منها و يقل ما يزرع‬

‫يف األرض أ ال ترى أن الذي يزرع سيحا أقل من‬ ‫ذلك فاألمطار هي اليت تطبق األرض و رمبا تزرع‬ ‫هذه الرباري الواسعة و سفوح اجلبال و ذراها فتغل‬ ‫الغلة الكثرية و هبا يسقط عن الناس يف كثري من‬ ‫البلدان مئونة سياق املاء من موضع إىل موضع و ما‬ ‫جيري يف ذلك بينهم من التشاجر و التظامل حىت‬ ‫يستأثر ابملاء ذو العز و القوة و حيرمه الضعفاء مث إنه‬ ‫حني قدر أن ينحدر على األرض احندارا جعل ذلك‬ ‫قطرا شبيها ابلرش ليغور يف قعر األرض فريويها و لو‬ ‫كان يسكبه انسكااب كان ينزل على وجه األرض فال‬ ‫يغور فيها مث كان حيطم الزروع القائمة إذا اندفق‬ ‫عليها فصار ينزل نزوال رقيقا فينبت احلب املزروع و‬ ‫‪141‬‬


‫حييي األرض و الزرع القائم و يف نزوله أيضا مصاحل‬ ‫أخرى فإنه يلني األبدان و جيلو كدر اهلواء فريتفع‬ ‫الوابء احلادث من ذلك و يغسل ما يسقط على‬ ‫الشجر و الزرع من الداء املسمى ابلريقان إىل أشباه‬ ‫هذا من املنافع فإن قال قائل أ و ليس قد يكون منه‬ ‫يف بعض السنني الضرر العظيم الكثري لشدة ما يقع‬ ‫منه أو برد يكون فيه حتطم الغالت و خبوره حيدثها‬ ‫يف اهلواء فيولد كثريا من األمراض يف األبدان و‬ ‫اآلفات يف الغالت قيل بلى قد يكون ذلك الفرط ملا‬ ‫فيه من صالح اإلنسان و كفه عن ركوب املعاصي‬ ‫و التمادي فيها فيكون املنفعة فيما يصلح له من دينه‬ ‫أرجح مما عسى أن يرزأ يف ماله‪ .‬مضمون معتل؛ ظن‬ ‫له‪.‬‬ ‫شاهد‬ ‫ال‬

‫انظر اي مفضل إىل هذه اجلبال املركومة من‬ ‫‪.98‬‬ ‫الطني و احلجارة اليت حيسبها الغافلون فضال ال‬ ‫‪142‬‬


‫حاجة إليها و املنافع فيها كثرية فمن ذلك أن تسقط‬ ‫عليها الثلوج فتبقى يف قالهلا ملن حيتاج إليه و يذوب‬ ‫ما ذاب منه فتجري منه العيون الغزيرة اليت جتتمع‬ ‫منها األهنار العظام و ينبت فيها ضروب من النبات‬ ‫و العقاقري اليت ال ينبت مثلها يف السهل و يكون‬ ‫فيها كهوف و معاقل للوحوش من السباع العادية و‬ ‫يتخذ منها احلصون و القالع املنيعة للتحرز من‬ ‫األعداء و ينحت منها احلجارة للبناء و األرحاء و‬ ‫يوجد فيها معادن لضرب من اجلواهر و فيها خالل‬ ‫أخر ال يعرفها إال املقدر هلا يف سابق علمه) مضمون‬ ‫معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫فكر اي مفضل يف هذه املعادن و ما خيرج‬ ‫‪.99‬‬ ‫منها من اجلواهر املختلفة مثل اجلص و الكلس و‬ ‫اجلبسني و الزرنيخ و املرتك و التوتياء و الزئبق و‬ ‫النحاس و الرصاص و الفضة و الذهب و الزبرجد و‬ ‫الياقوت و الزمرد و ضروب احلجارة و كذلك ما خيرج‬ ‫منها من القار و املوميا و الكربيت و النفط و غري‬ ‫ذلك مما يستعمله الناس يف مآرهبم فهل خيفى على‬ ‫‪143‬‬


‫ذي عقل أن هذه كلها ذخائر ذخرت لإلنسان يف‬ ‫هذه األرض ليستخرجها فيستعملها عند احلاجة‬ ‫إليها مث قصرت حيلة الناس عما حاولوا من صنعتها‬ ‫على حرصهم و اجتهادهم يف ذلك فإهنم لو ظفروا‬ ‫مبا حاولوا من هذا العلم كان ال حمالة سيظهر و‬ ‫يستفيض يف العامل حىت تكثر الفضة و الذهب و‬ ‫يسقطا عند الناس فال تكون هلما قيمة و يبطل‬ ‫االنتفاع هبما يف الشراء و البيع و املعامالت و ال‬ ‫كان جييب السلطان األموال و ال يدخرمها أحد‬ ‫لألعقاب و قد أعطي الناس مع هذا صنعة الشبه‬ ‫من النحاس و الزجاج من الرمل و الفضة من‬ ‫الرصاص و الذهب من الفضة و أشباه ذلك مما ال‬ ‫مضرة فيه فانظر كيف أعطوا إرادهتم يف ما ال ضرر‬ ‫فيه و منعوا ذلك فيما كان ضارا هلم لو انلوه و من‬ ‫أوغل يف املعادن انتهى إىل واد عظيم جيري منصلتا‬ ‫مباء غزير ال يدرك غوره و ال حيلة يف عبوره و من‬ ‫ورائه أمثال اجلبال من الفضة تفكر اآلن يف هذا من‬ ‫تدبري اخلالق احلكيم فإنه أراد جل ثناؤه أن يرى العباد‬ ‫‪144‬‬


‫قدرته و سعة خزائنه ليعلموا أنه لو شاء أن مينحهم‬ ‫كاجلبال من الفضة لفعل لكن ال صالح هلم يف ذلك‬ ‫ألنه لو كان فيكون فيها كما ذكران سقوط هذا‬ ‫اجلوهر عند الناس و قلة انتفاعهم به و اعترب ذلك‬ ‫أبنه قد يظهر الشي ء الظريف مما حيدثه الناس من‬ ‫األواين و األمتعة فما دام عزيزا قليال فهو نفيس جليل‬ ‫آخذ الثمن فإذا فشا و كثر يف أيدي الناس سقط‬ ‫عندهم و خست قيمته و نفاسة األشياء من عزهتا‬ ‫النبات و ما فيه من ضروب املآرب‪ .‬مضمون معتل؛‬

‫ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫فكر اي مفضل يف هذا النبات و ما فيه من‬ ‫‪.100‬‬ ‫ضروب املآرب فالثمار للغذاء و األتبان للعلف و‬ ‫احلطب للوقود و اخلشب لكل شي ء من أنواع‬

‫النجارة و غريها و اللحاء و الورق و األصول و‬ ‫العروق و الصموغ لضروب من املنافع أ رأيت لو كنا‬ ‫جند الثمار اليت نغتذي هبا جمموعة على وجه األرض‬ ‫و مل تكن تنبت على هذه األغصان احلاملة هلا كم‬ ‫كان يدخل علينا من اخللل يف معاشنا و إن كان‬ ‫‪145‬‬


‫الغذاء موجودا فإن املنافع ابخلشب و احلطب و‬ ‫األتبان و سائر ما عددانه كثرية عظيم قدرها جليل‬ ‫موقعها هذا مع ما يف النبات من التلذذ حبسن منظره‬ ‫و نضارته اليت ال يعدهلا شي ء من مناظر العامل و‬ ‫مالهيه‬ ‫سببه‬ ‫و‬ ‫النبات‬ ‫يف‬ ‫الريع‬ ‫فكر اي مفضل يف هذا الريع الذي جعل يف الزرع‬ ‫فصارت احلبة الواحدة ختلف مائة حبة و أكثر و أقل‬ ‫و كان جيوز للحبة أن أتيت مبثلها فلم صارت تريع‬ ‫هذا الريع إال ليكون يف الغلة متسع ملا يرد يف األرض‬ ‫من البذر و ما يتقوت الزراع إىل إدراك زرعها‬ ‫املستقبل أ ال ترى أن امللك لو أراد عمارة بلد من‬ ‫البلدان كان السبيل يف ذلك أن يعطي أهله ما‬ ‫يبذرونه يف أرضهم و ما يقوهتم إىل إدراك زرعهم‬ ‫فانظر كيف جتد هذا املثال قد تقدم يف تدبري احلكيم‬ ‫فصار الزرع يريع هذا الريع ليفي مبا حيتاج إليه للقوت‬ ‫و الزراعة و كذلك الشجر و النبت و النخل يريع‬ ‫الريع الكثري فإنك ترى األصل الواحد حوله من‬ ‫‪146‬‬


‫فراخه أمرا عظيما فلم كان كذلك إال ليكون فيه ما‬ ‫يقطعه الناس و يستعملونه يف مآرهبم و ما يرد فيغرس‬ ‫يف األرض و لو كان األصل منه يبقى منفردا ال يفرخ‬ ‫و ال يريع ملا أمكن أن يقطع منه شي ء لعمل و ال‬ ‫لغرس مث كان إن أصابته آفة انقطع أصله فلم يكن‬ ‫خلف‬ ‫منه‬

‫بعض النبااتت و كيف تصان‪ .‬مضمون معتل؛ ظن‬ ‫ال شاهد له‪.‬‬ ‫أتمل نبات هذه احلبوب من العدس و املاش‬ ‫‪.101‬‬ ‫و الباقالء و ما أشبه ذلك فإهنا خترج يف أوعية مثل‬ ‫اخلرائط لتصوهنا و حتجبها من اآلفات إىل أن تشتد‬ ‫و تستحكم كما قد تكون املشيمة على اجلنني هلذا‬ ‫املعىن بعينه و أما الرب و ما أشبهه فإنه خيرج مدرجا‬

‫يف قشور صالب على رءوسها أمثال األسنة من‬ ‫السنبل ليمنع الطري منه ليتوفر على الزراع فإن قال‬ ‫قائل أ و ليس قد ينال الطري من الرب و احلبوب قيل‬ ‫له بلى على هذا قدر األمر فيها ألن الطري خلق من‬ ‫خلق هللا تعاىل و قد جعل هللا تبارك و تعاىل له يف‬ ‫‪147‬‬


‫ما خترج األرض حظا و لكن حصنت احلبوب هبذه‬ ‫احلجب لئال يتمكن الطري منها كل التمكن فيعبث‬ ‫هبا و يفسد الفساد الفاحش فإن الطري لو صادف‬ ‫احلب ابرزا ليس عليه شي ء حيول دونه ألكب عليه‬ ‫حىت ينسفه أصال فكان يعرض من ذلك أن يبشم‬ ‫الطري فيموت و خيرج الزارع من زرعه صفرا فجعلت‬ ‫عليه هذه الوقاايت لتصونه فينال الطائر منه شيئا‬ ‫يسريا يتقوت به و يبقى أكثره لإلنسان فإنه أوىل به‬ ‫إذ كان ه و الذي كدح فيه و شقي به و كان الذي‬ ‫حيتاج إليه أكثر مما حيتاج إليه الطري‪ .‬مضمون معتل؛‬ ‫ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫أتمل احلكمة يف خلق الشجر و أصناف‬ ‫‪.102‬‬ ‫النبات فإهنا ملا كانت حتتاج إىل الغذاء الدائم‬ ‫كحاجة احليوان و مل يكن هلا أفواه كأفواه احليوان و‬ ‫ال حركة تنبعث هبا لتناول الغذاء جعلت أصوهلا‬ ‫مركوزة يف األرض لتنزع منها الغذاء فتؤديه إىل‬ ‫‪148‬‬


‫األغصان و ما عليها من الورق و الثمر فصارت‬ ‫األرض كاألم املربية هلا و صارت أصوهلا اليت هي‬ ‫كاألفواه ملتقمة لألرض لتنزع منها الغداء كما ترضع‬ ‫أصناف احليوان أمهاهتا أ مل تر إىل عمد الفساطيط‬ ‫و اخليم كيف متد ابألطناب من كل جانب لتثبت‬ ‫منتصبة فال تسقط و ال متيل فهكذا جتد النبات كله‬ ‫له عروق منتشرة يف األرض ممتدة إىل كل جانب‬ ‫لتمسكه و تقيمه و لو ال ذلك كيف كان يثبت هذا‬ ‫النخل الطوال و الدوح العظام يف الريح العاصف‬ ‫فانظر إىل حكمة اخلالق كيف سبقت حكمة‬ ‫الصناعة فصارت احليلة اليت تستعملها الصناع يف‬ ‫ثبات الفساطيط و اخليم متقدمة يف خلق الشجر‬ ‫لئن خلق الشجر قبل صنعه الفساطيط و اخليم أ ال‬ ‫ترى عمدها و عيداهنا من الشجر فالصناعة مأخوذة‬ ‫اخللقة‬ ‫من‬ ‫خلق الورق و وصفه‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد‬

‫له‪.‬‬

‫‪149‬‬


‫أتمل اي مفضل خلق الورق فإنك ترى يف‬ ‫‪.103‬‬ ‫الورقة شبه العروق مبثوثة فيها أمجع فمنها غالظ‬ ‫ممتدة يف طوهلا و عرضها و منها دقاق تتخلل تلك‬ ‫الغالظ منسوجة نسجا دقيقا معجما لو كان مما‬ ‫يصنع ابأليدي كصنعة البشر ملا فرغ من ورق شجره‬ ‫واحدة يف عام كامل و الحتيج إىل آالت و حركة و‬ ‫عالج و كالم فصار أييت منه يف أايم قالئل من الربيع‬ ‫ما ميأل اجلبال و السهل و بقاع األرض كلها بال‬ ‫حركة و ال كالم إال ابإلرادة النافذة يف كل شي ء و‬ ‫األمر املطاع و اعرف مع ذلك العلة يف تلك العروق‬ ‫الدقاق فإهنا جعلت تتخلل الورقة أبسرها لتسقيها و‬ ‫توصل املاء إليها مبنزلة العروق املبثوثة يف البدن لتوصل‬ ‫الغذاء إىل كل جزء منه الغالظ منها معىن آخر فإهنا‬ ‫متسك الورقة بصالبتها و متانتها لئال تنهتك و‬ ‫تتمزق فرتى الورقة شبيهة بورقة معمولة ابلصنعة من‬ ‫خرق قد جعلت فيها عيدان ممدودة يف طوهلا و‬ ‫عرضها لتتماسك فال تضطرب فالصناعة حتكي‬ ‫اخللقة و إن كانت ال تدركها على احلقيقة العجم و‬ ‫‪150‬‬


‫خلقه‬ ‫يف‬ ‫العلة‬ ‫و‬ ‫النوى‬ ‫فكر يف هذا العجم و النوى و العلة فيه فإنه جعل‬ ‫يف جوف الثمرة ليقوم مقام الغرس إن عاق دون‬ ‫الغرس عائق كما حيرز الشي ء النفيس الذي تعظم‬ ‫احلاجة إليه يف مواضع أخر فإن حدث على الذي‬ ‫يف بعض املواضع منه حادث وجد يف موضع آخر مث‬ ‫هو بعد ميسك بصالبته رخاوة الثمار و رقتها و لو‬ ‫ال ذلك لتشدخت و تفسخت و أسرع إليها الفساد‬ ‫و بعضه يؤكل و يستخرج دهنه فيستعمل منه ضروب‬ ‫من املصاحل و قد تبني لك موضع األرب يف العجم‬ ‫و النوى فكر اآلن يف هذا الذي جتده فوق النواة من‬ ‫الرطبة و فوق العجم من العنبة فما العلة فيه و ملا ذا‬ ‫خيرج يف هذه اهليئة و قد كان ميكن أن يكون مكان‬ ‫ذلك ما ليس فيه مأكل كمثل ما يكون يف السدرو‬ ‫الدلب و ما أشبه ذلك فلم صار خيرج فوقه هذه‬ ‫املطاعم اللذيذة إال ليستمتع هبا اإلنسان موت‬ ‫الشجر و جتدد حياته و ما يف ذلك من ضروب‬ ‫التدبري‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫‪151‬‬


‫فكر يف ضروب من التدبري يف الشجر فإنك‬ ‫‪.104‬‬ ‫تراه ميوت يف كل سنة موته فتحتبس احلرارة الغريزية‬ ‫يف عوده و يتولد فيه مواد الثمار مث حيىي و ينتشر‬ ‫فيأتيك هبذه الفواكه نوعا بعد نوع كما تقدم إليك‬ ‫أنواع األطبخة اليت تعاجل ابأليدي واحدا بعد واحد‬ ‫فرتى األغصان يف الشجر تتلقاك بثمارها حىت كأهنا‬ ‫تناولكها عن يد و ترى الرايحني تتلقاك يف أفناهنا‬ ‫كأهنا جتئك أبنفسها فلمن هذا التقدير إال ملقدر‬ ‫حكيم و ما العلة فيه إال تفكيه اإلنسان هبذه الثمار‬ ‫و األنوار و العجب من أانس جعلوا مكان الشكر‬ ‫هبا‬ ‫املنعم‬ ‫جحود‬ ‫النعمة‬ ‫على‬ ‫خلق الرمانة و أثر العمد فيه‬ ‫و اعترب خبلق الرمانة و ما ترى فيها من أثر العمد و‬ ‫التدبري فإنك ترى فيها كأمثال التالل من شحم‬ ‫مركوم يف نواحيها و حب مرصوف صفا كنحو ما‬ ‫ينضد ابأليدي و ترى احلب مقسوما أقساما و كل‬ ‫قسم منها ملفوفا بلفائف من حجب منسوجة‬ ‫أعجب النسج و ألطفه و قشره يضم ذلك كله فمن‬ ‫‪152‬‬


‫التدبري يف هذه الصنعة أنه مل يكن جيوز أن يكون‬ ‫حشو الرمانة من احلب وحده و ذلك أن احلب ال‬ ‫ميد بعضه بعضا فجعل ذلك الشحم خالل احلب‬ ‫ليمده ابلغذاء أ ال ترى أن أصول احلب مركوزة يف‬ ‫ذلك الشحم مث لف بتلك اللفائف لتضمه و متسكه‬ ‫فال يضطرب و غشي فوق ذلك ابلقشرة املستحصفة‬ ‫لتصونه و حتصنه من اآلفات فهذا قليل من كثري من‬ ‫وصف الرمانة و فيه أكثر من هذا ملن أراد اإلطناب‬ ‫و التذرع يف الكالم و لكن فيما ذكرت لك كفاية‬ ‫االعتبار‬

‫و‬ ‫الداللة‬ ‫يف‬ ‫محل اليقطني و ما فيه من التدبري و احلكمة‪ .‬مضمون‬

‫معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫فكر اي مفضل يف محل اليقطني الضعيف‬ ‫‪.105‬‬ ‫مثل هذه الثمار الثقيلة من الدابء و القثاء و البطيخ‬ ‫و ما يف ذلك من التدبري و احلكمة فإنه حني قدر‬ ‫أن حيمل مثل هذه الثمار جعل نباته منبسطا على‬ ‫األرض و لو كان ينتصب قائما كما ينتصب الزرع‬ ‫و الشجر ملا استطاع أن حيمل مثل هذه الثمار الثقيلة‬ ‫‪153‬‬


‫و لتقصف قبل إدراكها و انتهائها إىل غاايهتا فانظر‬ ‫كيف صار ميتد على وجه األرض ليلقي عليها مثاره‬ ‫فتحملها عنه فرتى األصل من القرع و البطيخ مفرتشا‬ ‫لألرض و مثاره مبثوثة عليها و حواليه كأنه هرة ممتدة‬ ‫و قد اكتنفتها جراؤها لرتضع منها‬ ‫موافاة أصناف النبات يف الوقت املشاكل هلا‬ ‫و انظر كيف صارت األصناف توايف يف الوقت‬ ‫املشاكل هلا من محارة الصيف و وقدة احلر فتلقاها‬ ‫النفوس ابنشراح و تشوق إليها و لو كانت توايف‬ ‫الشتاء لوافقت من الناس كراهة هلا و اقشعرارا منها‬ ‫مع ما يكون فيها من املضرة لألبدان أ ال ترى أنه‬ ‫رمبا أدرك شي ء من اخليار يف الشتاء فيمتنع الناس‬ ‫من أكله إال الشره الذي ال ميتنع من أكل ما يضره‬

‫و يسقم معدته‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫فكر اي مفضل يف النخل فإنه ملا صار فيه‬ ‫‪.106‬‬ ‫إانث حتتاج إىل التلقيح جعلت فيه ذكورة للقاح من‬

‫غري غراس فصار الذكر من النخل مبنزلة الذكر من‬ ‫احليوان الذي يلقح اإلانث لتحمل و هو ال حيمل‬ ‫‪154‬‬


‫أتمل خلقة اجلذع كيف هو فإنك تراه كاملنسوج‬ ‫نسجا من خيوط ممدودة كالسدى و أخرى معه‬ ‫معرتضة كاللحمة كنحو ما ينسج ابأليدي و ذلك‬ ‫ليشتد و يصلب و ال يتقصف من محل القنوات‬ ‫الثقيلة و هز الرايح العواصف إذا صار خنلة و ليتهيأ‬ ‫للسقوف و اجلسور و غري ذلك مما يتخذ منه إذا‬ ‫صار جذعا و كذلك ترى اخلشب مثل النسج فإنك‬ ‫ترى بعضه مداخال بعضه بعضا طوال و عرضا‬ ‫كتداخل أجزاء اللحم و فيه مع ذلك متانة ليصلح‬ ‫ملا يتخذ منه من اآلالت فإنه لو كان مستحصفا‬ ‫كاحلجارة مل ميكن أن يستعمل يف السقوف و غري‬ ‫ذلك مما يستعمل فيه اخلشبة كاألبواب و األسرة و‬ ‫التوابيت و ما أشبه ذلك و من جسيم املصاحل يف‬ ‫اخلشب أنه يطفو على املاء فكل الناس يعرف هذا‬ ‫منه و ليس كلهم يعرف جالله األمر فيه فلو ال هذه‬ ‫اخللة كيف كانت هذه السفن و األظراف حتمل‬ ‫أمثال اجلبال من احلمولة و أىن كان ينال الناس هذا‬ ‫الرفق و خفة املئونة يف محل التجارات من بلد إىل‬ ‫‪155‬‬


‫بلد و كانت تعظم املئونة عليهم يف محلها حىت يلقى‬ ‫كثري مما حيتاج إليه يف بعض البلدان مفقودا أصال أو‬ ‫وجوده‬

‫عسر‬ ‫العقاقري و اختصاص كل منها‪ .‬مضمون معتل؛ ظن‬

‫ال شاهد له‪.‬‬ ‫فكر يف هذه العقاقري و ما خص هبا كل‬ ‫‪.107‬‬ ‫واحد منها من العمل يف بعض األدواء فهذا يغور يف‬ ‫املفاصل فيستخرج الفضول الغليظة مثل الشيطرج و‬ ‫هذا ينزف املرة السوداء مثل األفتيمون و هذا ينفي‬

‫الرايح مثل السكبينج و هذا حيلل األورام و أشباه‬ ‫هذا من أفعاهلا فمن جعل هذه القوى فيها إال من‬ ‫خلقها للمنفعة و من فطن الناس هلا إال من جعل‬ ‫هذا فيها و مىت كان يوقف على هذا منها ابلعرض‬ ‫و االتفاق كما قال القائلون و هب اإلنسان فطن‬ ‫هلذه األشياء بذهنه و لطيف رويته و جتاربه فالبهائم‬ ‫كيف فطنت هلا حىت صار بعض السباع يتداوى من‬ ‫جراحة إن أصابته ببعض العقاقري فيربأ و بعض الطري‬ ‫حيتقن من احلصر يصيبه مباء البحر فيسلم و أشباه‬ ‫‪156‬‬


‫هذا كثري و لعلك تشكك يف هذا النبات النابت يف‬ ‫الصحاري و الرباري حيث ال أنس و ال أنيس فتظن‬ ‫أنه فضل ال حاجة إليه و ليس كذلك بل هو طعم‬ ‫هلذه الوحوش و حبه علف للطري و عوده و أفنانه‬ ‫حطب فيستعمله الناس و فيه بعد أشياء تعاجل هبا‬ ‫األبدان و أخرى تدبغ هبا اجللود و أخرى تصبغ‬ ‫األمتعة و أشباه هذا من املصاحل أ لست تعلم أن من‬ ‫أخس النبات و أحقره هذا الربدي و ما أشبهها ففيها‬ ‫مع هذا من ضروب املنافع فقد يتخذ من الربدي‬ ‫القراطيس اليت حيتاج إليها امللوك و السوقة و احلصر‬ ‫اليت يستعملها كل صنف من الناس و يعمل منه‬ ‫الغلف اليت يوقى هبا األواين و جيعل حشوا بني‬ ‫الظروف يف األسفاط لكيال تعيب و تنكسر و أشباه‬ ‫هذا من املنافع فاعترب مبا ترى من ضروب املآرب يف‬ ‫صغري اخللق و كبريه و مبا له قيمة و ما ال قيمة له و‬ ‫أخس من هذا و أحقره الزبل و العذرة اليت اجتمعت‬ ‫فيها اخلساسة و النجاسة معا و موقعها من الزروع‬ ‫و البقول و اخلضر أمجع املوقع الذي ال يعدله شي‬ ‫‪157‬‬


‫ء حىت أن كل شي ء من اخلضر ال يصلح و ال يزكو‬ ‫إال ابلزبل و السماد الذي يستقذره الناس و يكرهون‬ ‫الدنو منه و اعلم أنه ليس منزلة الشي ء على حسب‬ ‫قيمته بل مها قيمتان‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد‬

‫له‪.‬‬

‫‪.108‬‬

‫خمتلفتان بسوقني و رمبا كان اخلسيس يف‬

‫سوق املكتسب نفيسا يف سوق العلم فال تستصغر‬ ‫العربة يف الشي ء لصغر قيمته فلو فطن طالبوا‬ ‫الكيمياء ملا يف العذرة الشرتوها أبنفس األمثان و‬ ‫غالوا هبا قال املفضل و حان وقت الزوال فقام موالي‬ ‫إىل الصالة و قال بكر إىل غدا إن شاء هللا تعاىل‬ ‫فانصرفت و قد تضاعف سروري مبا عرفنيه مبتهجا‬ ‫مبا آاتنيه حامدا هلل على ما منحنيه فبت ليليت مسرورا‬

‫‪158‬‬


159


‫فصل جملس الرابع‬ ‫قال املفضل فلما كان اليوم الرابع بكرت إىل‬ ‫‪.109‬‬ ‫موالي فاستؤذن يل فأمرين ابجللوس فجلست فقال‬ ‫ع منا التحميد و التسبيح و التعظيم و التقديس‬ ‫لالسم األقدم و النور األعظم العلي العالم ذي‬ ‫اجلالل و اإلكرام و منشئ األانم و مفين العوامل و‬ ‫الدهور و صاحب السر املستور و الغيب احملظور و‬ ‫االسم املخزون و العلم املكنون و صلواته و بركاته‬ ‫على مبلغ وحيه و مؤدي رسالته الذي بعثه بشريا و‬ ‫نذيرا و داعيا إىل هللا إبذنه و سراجا منريا ليهلك من‬ ‫هلك عن بينة و حييا من حي عن بينة فعليه و على‬ ‫آله من ابرئه الصلوات الطيبات و التحيات الزاكيات‬ ‫الناميات و عليه و عليهم السالم و الرمحة و الربكات‬ ‫يف املاضني و الغابرين أبد اآلبدين و دهر الداهرين‬ ‫مستحقوه‬ ‫و‬ ‫أهله‬ ‫هم‬ ‫و‬ ‫املوت و الفناء و انتقاد اجلهال و جواب ذلك‬ ‫قد شرحت لك اي مفضل من األدلة على اخللق و‬ ‫الشواهد على صواب التدبري و العمد يف اإلنسان و‬ ‫‪160‬‬


‫احليوان و النبات و الشجر و غري ذلك ما فيه عربة‬ ‫ملن اعترب و أان أشرح لك اآلن اآلفات احلادثة يف‬ ‫بعض األزمان اليت اختذها أانس من اجلهال ذريعة إىل‬ ‫جحود اخللق و اخلالق و العمد و التدبري و ما أنكرت‬ ‫املعطلة و املنانية من املكاره و املصائب و ماأنكروه‬ ‫من املوت و الفناء و ما قاله أصحاب الطبائع و من‬ ‫زعم أن كون األشياء ابلعرض و االتفاق ليتسع ذلك‬ ‫القول يف الرد عليهم قاتلهم هللا أىن يؤفكون‬ ‫اآلفات و نظر اجلهال إليها و اجلواب على ذلك‪.‬‬

‫مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫‪161‬‬


‫مضمون صحيح (‪)11‬‬

‫‪.110‬‬

‫اختذ أانس من اجلهال هذه اآلفات‬

‫احلادثة يف بعض األزمان كمثل الوابء و الريقان و‬ ‫الربد و اجلراد ذريعة إىل جحود اخلالق و التدبري و‬ ‫اخللق ‪-‬اىل ان قال‪ -‬يلذع العامل أحياان هبذه‬ ‫اآلفات اليسرية لتأديب الناس و تقوميهم مث ال‬ ‫تدوم هذه اآلفات بل تكشف عنهم عند القنوط‬ ‫منهم فيكون وقوعها هبم موعظة و كشفها عنهم‬ ‫رمحة) مضمون صحيح له شاهد‪.‬‬

‫و قد أنكرت املنانية من املكاره و املصائب‬ ‫‪.111‬‬ ‫اليت تصيب الناس فكالمها يقول إن كان للعامل خالق‬ ‫رءوف رحيم فلم حتدث فيه هذه األمور املكروهة و‬ ‫القائل هبذا القول يذهب إىل أنه ينبغي أن يكون‬ ‫عيش اإلنسان يف هذه الدنيا صافيا من كل كدر و‬ ‫لو كان هكذا كان اإلنسان خيرج من األشر و العتو‬ ‫إىل ما ال يصلح يف دين و ال دنيا كالذي ترى كثريا‬ ‫‪162‬‬


‫من املرتفني و من نشأ يف اجلدة و األمن خيرجون إليه‬ ‫حىت أن أحدهم ينسى أنه بشر و أنه مربوب أو أن‬ ‫ضررا ميسه أو أن مكروها ينزل به أو أنه جيب عليه‬ ‫أن يرحم ضعيفا أو يواسي فقريا أو يرثي ملبتلى أو‬ ‫يتحنن على ضعيف أو يتعطف على مكروب فإذا‬ ‫عضته املكاره و وجد مضضها اتعظ و أبصر كثريا‬ ‫مما كان جهله و غفل عنه و رجع إىل كثري مما كان‬ ‫جيب عليه و املنكرون هلذه األمور املؤذية مبنزلة‬ ‫الصبيان الذين يذمون األدوية املرة البشعة و‬ ‫يتسخطون من املنع من األطعمة الضارة و يتكرهون‬ ‫األدب و العمل و حيبون أن يتفرغوا للهو و البطالة‬ ‫و ينالوا كل مطعم و مشرب و ال يعرفون ما تؤديهم‬ ‫إليه البطالة من سوء النشو و العادة و ما تعقبهم‬ ‫األطعمة اللذيذة الضارة من األدواء و األسقام و ما‬ ‫هلم يف األدب من الصالح و يف األدوية من املنفعة‬ ‫و إن شاب ذلك بعض الكراهة فإن قالوا فلم مل يكن‬ ‫اإلنسان معصوما من املساوئ حىت ال حيتاج إىل أن‬ ‫تلذعه هذه املكاره قيل إذا كان يكون غري حممود‬ ‫‪163‬‬


‫على حسنه أيتيها و ال مستحقا للثواب عليها فإن‬ ‫قالوا و ما كان يضره أن ال يكون حممودا على‬ ‫احلسنات مستحقا للثواب بعد أن يصري إىل غاية‬ ‫النعيم و اللذات قيل هلم اعرضوا على امرئ صحيح‬ ‫اجلسم و العقل أن جيلس منعما و يكفى كلما حيتاج‬ ‫إليه بال سعي و ال استحقاق فانظروا هل تقبل نفسه‬ ‫ذلك بل ستجدونه ابلقليل مما يناله ابلسعي و احلركة‬ ‫أشد اغتباطا و سرورا منه ابلكثري مما يناله بغري‬ ‫االستحقاق و كذلك نعيم اآلخرة أيضا يكمل ألهله‬ ‫أبن ينالوه ابلسعي فيه و االستحقاق له فالنعمة على‬ ‫اإلنسان يف هذا الباب مضاعفة فإن أعد له الثواب‬ ‫اجلزيل على سعيه يف هذه الدنيا و جعل له السبيل‬ ‫إىل أن ينال ذلك بسعي و استحقاق فيكمل له‬ ‫السرور و االغتباط مبا يناله منه فإن قالوا أ و ليس‬ ‫قد يكون من الناس من يركن إىل ما انل من خري و‬ ‫إن كان ال يستحقه فما احلجة يف منع من رضي أن‬ ‫ينال نعيم اآلخرة على هذه اجلملة قيل هلم إن هذا‬ ‫ابب لو صح للناس خلرجوا إىل غاية الكلب و‬ ‫‪164‬‬


‫الضراوة على الفواحش و انتهاك احملارم فمن كان‬ ‫يكف نفسه عن فاحشة أو يتحمل املشقة يف ابب‬ ‫من أبواب الرب لوثق أبنه صائر إىل النعيم ال حمالة أو‬ ‫من كان أيمن على نفسه و أهله و ماله من الناس‬ ‫لو مل خياف احلساب و العقاب فكان ضرر هذا‬ ‫الباب سينال الناس يف هذه الدنيا قبل اآلخرة فيكون‬ ‫يف ذلك تعطيل العدل و احلكمة معا و موضع للطعن‬ ‫على التدبري خبالف الصواب و وضع األمور يف غري‬

‫مواضعها‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫‪165‬‬


‫مضمون صحيح (‪)12‬‬

‫‪.112‬‬

‫و قد يتعلق هؤالء ابآلفات اليت تصيب‬

‫الناس فتعم الرب و الفاجر أو يبتلى هبا الرب و يسلم‬ ‫الفاجر منها فقالوا كيف جيوز هذا يف تدبري احلكيم‬ ‫و ما احلجة فيه فيقال هلم إن هذه اآلفات و إن‬ ‫كانت تنال الصاحل و الطاحل مجيعا فإن هللا عز و‬ ‫جل جعل ذلك صالحا للصنفني كليهما أما‬ ‫الصاحلون فإن الذي يصيبهم من هذا يزدهم نعم‬ ‫رهبم عندهم يف سالف أايمهم فيحدوهم ذلك على‬ ‫الشكر و الصرب و أما الطاحلون فإن مثل هذا إذا‬ ‫انهلم كسر شرهتم و ردعهم عن املعاصي و‬ ‫الفواحش و كذلك جيعل ملن سلم منهم من‬ ‫الصنفني صالحا يف ذلك أما األبرار فإهنم يغتبطون‬ ‫مبا هم عليه من الرب و الصالح و يزدادون فيه‬ ‫‪166‬‬


‫رغبة و بصرية و أما الفجار فإهنم يعرفون رأفة رهبم‬ ‫و تطوله عليهم ابلسالمة من غري استحقاق‬ ‫فيحضهم ذلك على الرأفة ابلناس و الصفح عمن‬ ‫أساء إليهم) مضمون صحيح له شاهد‪.‬‬

‫‪.113‬‬

‫( و لعل قائال يقول إن هذه اآلفات اليت‬

‫تصيب الناس يف أمواهلم فما قولك فيما يبتلون به يف‬ ‫أبداهنم فيكون فيه تلفهم كمثل احلرق و الغرق و‬ ‫السيل و اخلسف فيقال له إن هللا جعل يف هذا أيضا‬

‫صالحا للصنفني مجيعا أما األبرار فلما هلم يف مفارقة‬ ‫هذه الدنيا من الراحة من تكاليفها و النجاة من‬ ‫مكارهها و أما الفجار فلما هلم يف ذلك من متحيص‬ ‫أوزارهم و حبسهم عن االزدايد منها و مجلة القول‬ ‫إن اخلالق تعاىل ذكره حبكمته و قدرته قد يصرف‬ ‫هذه األمور كلها إىل اخلري و املنفعة فكما أنه إذا‬ ‫قطعت الريح شجره أو قطعت خنلة أخذها الصانع‬ ‫الرفيق و استعملها يف ضروب من املنافع فكذلك‬ ‫يفعل املدبر احلكيم يف اآلفات اليت تنزل ابلناس يف‬ ‫أبداهنم و أمواهلم فيصريها مجيعا إىل اخلري و املنفعة‬ ‫‪167‬‬


‫فإن قال و مل حتدث على الناس قيل له لكيال يركنوا‬ ‫إىل املعاصي من طول السالمة فيبالغ الفاجر يف‬ ‫ركوب املعاصي و يفرت الصاحل عن االجتهاد يف الرب‬ ‫فإن هذين األمرين مجيعا يغلبان على الناس يف حال‬ ‫اخلفض والدعة و هذه احلوادث اليت حتدث عليهم‬ ‫تردعهم و تنبههم على ما فيه رشدهم فلو خلوا منها‬ ‫لغلوا يف الطغيان و املعصية كما غال الناس يف أول‬ ‫الزمان حىت وجب عليهم البوار ابلطوفان و تطهري‬ ‫منهم‬ ‫األرض‬ ‫املوت و الفناء و انتقاد اجلهال و جواب ذلك‬ ‫و مما ينتقده اجلاحدون للعمد و التقدير املوت و‬ ‫الفناء فإهنم يذهبون إىل أنه ينبغي أن يكون الناس‬ ‫خملدين يف هذه الدنيا مربءين من هذه اآلفات فينبغي‬ ‫أن يساق هذا األمر إىل غايته فينظر ما حمصوله أ‬ ‫فرأيت لو كان كل من دخل العامل و يدخله يبقون و‬ ‫ال ميوت أحد منهم أ مل تكن األرض تضيق هبم حىت‬ ‫تعوزهم املساكن و املزارع و املعايش فإهنم و املوت‬ ‫يفنيهم أوال فأوال يتنافسون يف املساكن و املزارع حىت‬ ‫‪168‬‬


‫تنشب بينهم يف ذلك احلروب و تسفك فيهم الدماء‬ ‫فكيف كانت تكون حاهلم لو كانوا يولدون و ال‬ ‫ميوتون و كان يغلب عليهم احلرص و الشره و قساوة‬ ‫القلوب فلو وثقوا أبهنم ال ميوتون ملا قنع الواحد منهم‬ ‫بشي ء يناله و ال أفرج ألحد عن شي ء يسأله و ال‬ ‫سال عن شي ء مما حيدث عليه مث كانوا ميلون احلياة‬ ‫و كل شي ء من أمور الدنيا كما قد ميل احلياة من‬ ‫طال عمره حىت يتمىن املوت و الراحة من الدنيا فإن‬ ‫قالوا إنه كان ينبغي أنه يرفع عنهم املكاره و األوصاب‬ ‫حىت ال يتمنوا املوت و ال يشتاقوا إليه فقد وصفنا ما‬ ‫كان خيرجهم إليه من العتو و األشر احلامل هلم على‬ ‫ما فيه فساد الدنيا و الدين و إن قالوا إنه كان ينبغي‬ ‫أن ال يتوالدوا كيال تضيق عنهم املساكن و املعايش‬ ‫قيل هلم إذا كان حيرم أكثر هذا اخللق دخول العامل و‬ ‫االستمتاع بنعم هللا تعاىل و مواهبه يف الدارين مجيعا‬ ‫إذا مل يدخل العامل إال قرن واحد ال يتوالدون و ال‬ ‫يتناسلون فإن قالوا إنه كان ينبغي أن خيلق يف ذلك‬ ‫القرن الواحد من الناس مثل ما خلق و خيلق إىل‬ ‫‪169‬‬


‫انقضاء العامل يقال هلم رجع األمر إىل ما ذكران من‬ ‫ضيق املساكن و املعايش عنهم مث لو كانوا ال‬ ‫يتوالدون و ال يتناسلون لذهب موضع األنس‬ ‫ابلقراابت و ذوي األرحام و االنتصار هبم عند‬ ‫الشدائد و موضع تربية األوالد و السرور هبم ففي‬ ‫هذا دليل على أن كلما تذهب إليه األوهام سوى ما‬ ‫جرى به التدبري خطأ و سفه من الرأي و القول لطعن‬ ‫على التدبري من جهة أخرى و اجلواب عليه‬ ‫و لعل طاعنا يطعن على التدبري من جهة أخرى‬ ‫فيقول كيف يكون هاهنا تدبري و حنن نرى الناس يف‬ ‫هذه الدنيا من عزيز فالقوي يظلم و يغصب و‬ ‫الضعيف يظلم و يسامل اخلسف و الصاحل فقري مبتلى‬ ‫و الفاسق معاىف موسع عليه و من ركب فاحشة أو‬ ‫انتهك حمرما مل يعاجل ابلعقوبة فلو كان يف العامل‬ ‫تدبري جلرت األمور على القياس القائم فكان الصاحل‬ ‫هو املرزوق و الطاحل هو احملروم و كان القوي مينع‬ ‫من ظلم الضعيف و املنتهك للمحارم يعاجل‬ ‫ابلعقوبة فيقال يف جواب ذلك إن هذا لو كان هكذا‬ ‫‪170‬‬


‫لذهب موضع اإلحسان الذي فضل به اإلنسان على‬ ‫غريه من اخللق و محل النفس على الرب و العمل‬ ‫الصاحل احتسااب للثواب و ثقة مبا وعد هللا عنه و‬ ‫لصار الناس مبنزلة الدواب اليت تساس ابلعصا و‬ ‫العلف و يلمع هلا بكل واحد منهما ساعة فساعة‬ ‫فتستقيم على ذلك و مل يكن أحد يعمل على يقني‬ ‫بثواب أو عقاب حىت كان هذا خيرجهم عن حد‬ ‫اإلنسية إىل حد البهائم مث ال يعرف ما غاب و ال‬ ‫يعمل إال على احلاضر من نعيم الدنيا و كان حيدث‬ ‫من هذا أيضا أن يكون الصاحل إمنا يعمل للرزق و‬ ‫السعة يف هذه الدنيا و يكون املمتنع من الظلم و‬ ‫الفواحش إمنا يكف عن ذلك لرتقب عقوبة تنزل به‬ ‫من ساعته حىت تكون أفعال الناس كلها جتري على‬ ‫احلاضر ال يشوبه شي ء من اليقني مبا عند هللا و ال‬ ‫يستحقون ثواب اآلخرة و النعيم الدائم فيها مع أن‬ ‫هذه األمور اليت ذكرها الطاعن من الغىن و الفقر و‬ ‫العافية و البالء ليست جبارية على خالف قياسه بل‬ ‫قد جتري على ذلك أحياان و األمر املفهوم فقد ترى‬ ‫‪171‬‬


‫كثريا من الصاحلني يرزقون املال لضروب من التدبري‬ ‫و كيال يسبق إىل قلوب الناس أن الكفار هم‬ ‫املرزوقون و األبرار هم احملرومون فيؤثرون الفسق على‬ ‫الصالح و ترى كثريا من الفساق يعاجلون ابلعقوبة‬ ‫إذا تفاقم طغياهنم و عظم ضررهم على الناس و على‬ ‫أنفسهم كما عوجل فرعون ابلغرق و خبت نصر ابلتيه‬ ‫و بلبيس ابلقتل و إن أمهل بعض األشرار ابلعقوبة‬ ‫و أخر بعض األخيار ابلثواب إىل الدار اآلخرة‬ ‫ألسباب ختفى على العباد مل يكن هذا مما يبطل‬ ‫التدبري فإن مثل هذا قد يكون من ملوك األرض و‬ ‫ال يبطل تدبريهم بل يكون أتخريهم ما أخروه و‬ ‫تعجيلهم ما عجلوه داخال يف صواب الرأي و التدبري‬ ‫و إذا كانت الشواهد تشهد و قياسهم يوجب أن‬ ‫لألشياء خالقا حكيما قادرا فما مينعه أن يدبر خلقه‬ ‫فإنه ال يصلح يف قياسهم أن يكون الصانع يهمل‬ ‫صنعته إال إبحدى ثالث خالل إما عجز و إما جهل‬ ‫و إما شرارة و كل هذا حمال يف صنعته عز و جل و‬ ‫تعاىل ذكره و ذلك أن العاجز ال يستطيع أن أييت‬ ‫‪172‬‬


‫هبذه اخلالئق اجلليلة العجيبة و اجلاهل ال يهتدى ملا‬ ‫فيها من الصواب و احلكمة و الشرير ال يتطاول‬ ‫خللقها و إنشائها و إذا كان هذا هكذا وجب أن‬ ‫يكون اخلالق هلذه اخلالئق يدبرها ال حمالة و إن كان‬ ‫ال يدرك كنه ذلك التدبري و خمارجه فإن كثريا من‬ ‫تدبري امللوك ال تفهمه العامة و ال تعرف أسبابه ألهنا‬ ‫ال تعرف دخيلة أمر امللوك و أسرارهم فإذا عرف‬ ‫سببه وجد قائما على الصواب و الشاهد احملنة و لو‬ ‫شككت يف بعض األدوية و األطعمة فيتبني لك من‬ ‫جهتني أو ثالث أنه حار أو ابرد أ مل تكن ستقضي‬ ‫عليه بذلك و تنفي الشك فيه عن نفسك فما ابل‬ ‫هؤالء اجلهلة ال يقضون على العامل ابخللق و التدبري‬ ‫مع هذه الشواهد الكثرية و أكثر منها ما ال حيصى‬ ‫كثرة و لو كان نصف العامل و ما فيه مشكال صوابه‬ ‫ملا كان من حزم الرأي و مست األدب أن يقضى‬ ‫على العامل ابإلمهال ألنه كان يف النصف اآلخر و ما‬ ‫يظهر فيه من الصواب و إتقان ما يردع الوهم عن‬ ‫التسرع إىل هذه القضية فكيف و كلما فيه إذا فتش‬ ‫‪173‬‬


‫وجد على غاية الصواب حىت ال خيطر ابلبال شي ء‬ ‫إال وجد ما عليه اخللقة أصح و أصوب منه‪ .‬مضمون‬ ‫معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬ ‫و اعلم اي مفضل أن اسم هذا العامل بلسان‬ ‫‪.114‬‬ ‫اليواننية اجلاري املعروف عندهم قومسوس و تفسريه‬ ‫الزينة و كذلك مسته الفالسفة و من ادعى احلكمة أ‬ ‫فكانوا يسمونه هبذا االسم إال ملا رأوا فيه من التقدير‬ ‫و النظام فلم يرضوا أن يسموه تقديرا و نظاما حىت‬ ‫مسوه زينة ليخربوا أنه مع ما هو عليه من الصواب و‬ ‫اإلتقان على غاية احلسن و البهاء‬ ‫عمي ماين عن دالئل احلكمة و ادعاؤه علم األسرار‬ ‫أعجب اي مفضل من قوم ال يقضون على صناعة‬ ‫الطب ابخلطإ و هم يرون الطبيب خيطئ و يقضون‬ ‫على العامل ابإلمهال و ال يرون شيئا منه مهمال بل‬ ‫أعجب من أخالق من ادعى احلكمة حىت جهلوا‬ ‫مواضعها يف اخللق فأرسلوا ألسنتهم ابلذم للخالق‬ ‫جل و عال بل العجب من املخذول ماين حني ادعى‬ ‫علم األسرار و عمي عن دالئل احلكمة يف اخللق‬ ‫‪174‬‬


‫حىت نسبه إىل اخلطإ و نسب خالقه إىل اجلهل تبارك‬ ‫احلكيم الكرمي انتقاد املعطلة فيما راموا أن يدركوا‬ ‫ابلعقل‬ ‫يدرك‬ ‫ال‬ ‫ما‬ ‫ابحلس‬ ‫و أعجب منهم مجيعا املعطلة الذين راموا أن يدركوا‬ ‫ابحلس ما ال يدرك ابلعقل فلما أعوزهم ذلك خرجوا‬ ‫إىل اجلحود و التكذيب فقالوا و مل ال يدرك ابلعقل‬ ‫قيل ألنه فوق مرتبة العقل كما ال يدرك البصر ما هو‬ ‫فوق مرتبته فإنك لو رأيت حجرا يرتفع يف اهلواء‬ ‫علمت أن راميا رمى به فليس هذا العلم من قبل‬ ‫البصر بل من قبل العقل ألن العقل هو الذي مييزه‬ ‫فيعلم أن احلجر ال يذهب علوا من تلقاء نفسه ‪.‬‬ ‫مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫‪175‬‬


‫مضمون صحيح (‪)13‬‬ ‫‪ .115‬أ فال ترى كيف وقف البصر على حده‬ ‫فلم يتجاوزه فكذلك يقف العقل على حده من‬ ‫معرفة اخلالق فال يعدوه و لكن يعقله بعقل أقر أن‬ ‫فيه نفسا و مل يعاينها و مل يدركها حباسة من احلواس‬ ‫و على حسب هذا أيضا نقول إن العقل يعرف‬ ‫اخلالق من جهة توجب عليه اإلقرار و ال يعرفه مبا‬ ‫يوجب له اإلحاطة بصفته ) مضمون صحيح له‬ ‫شاهد‪.‬‬ ‫فإن قالوا فكيف يكلف العبد الضعيف‬ ‫‪.116‬‬ ‫معرفته ابلعقل اللطيف و ال حييط به قيل هلم إمنا‬ ‫كلف العباد من ذلك ما يف طاقتهم أن يبلغوه و هو‬ ‫أن يوقنوا به و يقفوا عند أمره و هنيه و مل يكلفوا‬ ‫اإلحاطة بصفته كما أن امللك ال يكلف رعيته أن‬ ‫‪176‬‬


‫يعلموا أ طويل هو أم قصري و أبيض هو أم أمسر و‬ ‫إمنا يكلفهم اإلذعان لسلطانه و االنتهاء إىل أمره أ‬ ‫ال ترى أن رجال لو أتى ابب امللك فقال أعرض علي‬ ‫نفسك حىت أتقصى معرفتك و إال مل أمسع لك كان‬ ‫قد أحل نفسه ابلعقوبة فكذا القائل إنه ال يقر‬ ‫ابخلالق سبحانه حىت حييط بكنهه متعرضا لسخطه‬ ‫‪ .‬ص مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫مضمون صحيح (‪)14‬‬ ‫‪( .117‬إن قالوا أو ليس قد نصفه فنقول هو‬ ‫العزيز احلكيم اجلواد الكرمي قيل هلم كل هذه‬ ‫صفات إقرار و ليست صفات إحاطة فإان نعلم‬ ‫أنه حكيم و ال نعلم بكنه ذلك منه و كذلك قدير‬ ‫و جواد و سائر صفاته ) مضمون صحيح له‬ ‫شاهد‪.‬‬ ‫كما قد نرى السماء فال ندري ما جوهرها‬ ‫‪.118‬‬ ‫و نرى البحر و ال ندري أين منتهاه بل فوق هذا‬ ‫املثال مبا ال هناية له و ألن األمثال كلها تقصر عنه‬ ‫‪177‬‬


‫و لكنها تقود العقل إىل معرفته فإن قالوا و مل خيتلف‬ ‫فيه قيل هلم لقصر األوهام عن مدى عظمته و تعديها‬ ‫أقدارها يف طلب معرفته و أهنا تروم اإلحاطة به و‬ ‫هي تعجز عن ذلك و ما دونه‪ .‬فمن ذلك هذه‬ ‫الشمس اليت تراها تطلع على العامل و ال يوقف على‬ ‫حقيقة أمرها و لذلك كثرت األقاويل فيها و اختلفت‬ ‫الفالسفة املذكورون يف وصفها فقال بعضهم هو‬ ‫فلك أجوف مملوء انرا له فم جييش هبذا الوهج و‬ ‫الشعاع و قال آخرون هو سحابة و قال آخرون هو‬ ‫جسم زجاجي يقل انرية يف العامل و يرسل عليه‬ ‫شعاعها و قال آخرون هو صفو لطيف ينعقد ماء‬ ‫البحر و قال آخرون هو أجزاء كثرية جمتمعة من النار‬ ‫و قال آخرون هو من جوهر خامس سوى اجلواهر‬ ‫األربعة مث اختلفوا يف شكلها فقال بعضهم هي مبنزلة‬ ‫صفيحة عريضة و قال آخرون هي كالكرة املدحرجة‬ ‫و كذلك اختلفوا يف مقدارها فزعم بعضهم أهنا مثل‬ ‫األرض سواء و قال آخرون بل هي أقل من ذلك و‬ ‫قال آخرون بل هي أعظم من اجلزيرة العظيمة و قال‬ ‫‪178‬‬


‫أصحاب اهلندسة هي أضعاف األرض مائة و سبعني‬ ‫مرة ففي اختالف هذه األقاويل منهم يف الشمس‬ ‫دليل على أهنم مل يقفوا على احلقيقة من أمرها فإذا‬ ‫كانت هذه الشمس اليت يقع عليها البصر و يدركها‬ ‫احلس قد عجزت العقول عن الوقوف على حقيقتها‬ ‫فكيف ما لطف عن احلس و استرت عن الوهم‪.‬‬ ‫مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫مضمون صحيح (‪)15‬‬ ‫‪ ( .119‬فإن قالوا و مل استرت قيل هلم مل يسترت‬ ‫حبيلة خيلص إليها كمن حيتجب من الناس ابألبواب‬ ‫و الستور و إمنا معىن قولنا استرت أنه لطف عن‬ ‫مدى ما تبلغه األوهام كما لطفت النفس و هي‬ ‫خلق من خلقه و ارتفعت عن إدراكها ابلنظر)‬ ‫مضمون صحيح له شاهد‪.‬‬

‫‪179‬‬


‫فإن قالوا و مل لطف تعاىل عن ذلك علوا‬ ‫‪.120‬‬ ‫كبريا كان ذلك خطأ من القول ألنه ال يليق ابلذي‬ ‫هو خالق كل شي ء إال أن يكون مباينا لكل شي‬ ‫ء متعاليا عن كل شي ء سبحانه و تعاىل‪ .‬فإن قالوا‬ ‫كيف يعقل أن يكون مباينا لكل شي ء متعاليا عن‬ ‫كل شي ء قيل هلم احلق الذي تطلب معرفته من‬ ‫األشياء هو أربعة أوجه فأوهلا أن ينظر أ موجود هو‬ ‫أم ليس مبوجود و الثاين أن يعرف ما هو يف ذاته و‬ ‫جوهرة و الثالث أن يعرف كيف هو و ما صفته و‬ ‫الرابع أن يعلم ملا ذا هو و ألي علة فليس من هذه‬ ‫الوجوه شي ء ميكن للمخلوق أن يعرفه من اخلالق‬ ‫حق معرفته غري أنه موجود فقط) فإذا قلنا و كيف‬ ‫و ما هو فممتنع علم كنهه و كمال املعرفة به و أما‬ ‫ملا ذا هو فساقط يف صفة اخلالق ألنه جل ثناؤه علة‬ ‫كل شي ء و ليس شي ء بعلة له مث ليس علم‬ ‫اإلنسان أبنه موجود يوجب له أن يعلم ما هو و‬ ‫كيف هو كما أن علمه بوجود النفس ال يوجب أن‬ ‫‪180‬‬


‫يعلم ما هي و كيف هي و كذلك األمور الروحانية‬ ‫اللطيفة فإن قالوا فأنتم اآلن تصفون من قصور العلم‬ ‫عنه وصفا حىت كأنه غري معلوم قيل هلم هو كذلك‬ ‫من جهة إذا رام العقل معرفة كنهه و اإلحاطة به و‬ ‫هو من جهة أخرى أقرب من كل قريب إذا استدل‬ ‫عليه ابلدالئل الشافية فهو من جهة كالواضح ال‬ ‫خيفى على أحد و هو من جهة كالغامض ال يدركه‬ ‫أحد و كذلك العقل أيضا ظاهر بشواهده و مستور‬ ‫بذاته‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد له‪.‬‬

‫أما أصحاب الطبائع فقالوا إن الطبيعة ال‬ ‫‪.121‬‬ ‫تفعل شيئا لغري معىن و ال تتجاوز عما فيه متام الشي‬ ‫ء يف طبيعته و زعموا أن احلكمة تشهد بذلك فقيل‬ ‫هلم فمن أعطي الطبيعة هذه احلكمة و الوقوف على‬ ‫حدود األشياء بال جماوزة هلا و هذا قد تعجز عنه‬ ‫العقول بعد طول التجارب فإن أوجبوا للطبيعة‬ ‫احلكمة و القدرة على مثل هذه األفعال فقد أقروا مبا‬ ‫أنكروا ألن هذه يف صفات اخلالق و إن أنكروا أن‬ ‫يكون هذا للطبيعة فهذا وجه اخللق يهتف أبن الفعل‬ ‫‪181‬‬


‫للخالق احلكيم و قد كان من القدماء طائفة أنكروا‬ ‫العمد و التدبري يف األشياء و زعموا أن كوهنا ابلعرض‬ ‫و االتفاق و كان مما احتجوا به هذه اآلايت اليت‬ ‫تكون على غري جمرى العرف و العادة كإنسان يولد‬ ‫انقصا أو زائدا إصبعا أو يكون املولود مشوها مبدل‬ ‫اخللق فجعلوا هذا دليال على أن كون األشياء ليس‬ ‫بعمد و تقدير بل ابلعرض كيف ما اتفق أن يكون‬ ‫و قد كان أرسطاطاليس رد عليهم فقال إن الذي‬ ‫يكون ابلعرض و االتفاق إمنا هو شي ء أييت يف‬ ‫الفرط مرة ألعراض تعرض للطبيعة فتزيلها عن سبيلها‬ ‫و ليس مبنزلة األمور الطبيعية اجلارية على شكل واحد‬ ‫جراي دائما متتابعا و أنت اي مفضل ترى أصناف‬ ‫احليوان أن جيري أكثر ذلك على مثال و منهاج واحد‬ ‫كاإلنسان يولد و له يدان و رجالن و مخس أصابع‬ ‫كما عليه اجلمهور من الناس فأما ما يولد على‬ ‫خالف ذلك فإنه لعلة تكون يف الرحم أو يف املادة‬ ‫اليت ينشأ منها اجلنني كما يعرض يف الصناعات حني‬ ‫يتعمد الصانع الصواب يف صنعته فيعوق دون ذلك‬ ‫‪182‬‬


‫عائق يف األداة أو يف اآللة اليت يعمل فيها الشي ء‬ ‫فقد حيدث مثل ذلك يف أوالد احليوان لألسباب اليت‬ ‫وصفنا فيأيت الولد زائدا أو انقصا أو مشوها و يسلم‬ ‫أكثرها فيأيت سواي ال علة فيه فكما أن الذي حيدث‬ ‫يف بعض أعمال األعراض لعلة فيه ال يوجب عليها‬ ‫مجيعا اإلمهال و عدم الصانع كذلك ما حيدث على‬ ‫بعض األفعال الطبيعية لعائق يدخل عليها ال يوجب‬ ‫أن يكون مجيعها ابلعرض و االتفاق فقول من قال‬ ‫يف األشياء إن كوهنا ابلعرض و االتفاق من قبيل أن‬ ‫شيئا منها أييت على خالف الطبيعة بعرض يعرض‬ ‫له خطأ و خطل فإن قالوا و مل صار مثل هذا حيدث‬ ‫يف األشياء قيل هلم ليعلم أنه ليس كون األشياء‬ ‫ابضطرار من الطبيعة و ال ميكن أن يكون سواه كما‬ ‫قال القائلون بل هو تقدير و عمد من خالق حكيم‬ ‫إذ جعل للطبيعة جتري أكثر ذلك على جمرى و‬ ‫منهاج معروف و تزول أحياان عن ذلك ألعراض‬ ‫تعرض هلا فيستدل بذلك على أهنا مصرفة مدبرة‬ ‫فقرية إىل إبداء اخلالق و قدرته يف بلوغ غايتها و إمتام‬ ‫‪183‬‬


‫عملها تبارك هللا أحسن اخلالقني اي مفضل خذ ما‬ ‫آتيتك و احفظ ما منحتك و كن لربك من‬ ‫الشاكرين و آلالئه من احلامدين و ألوليائه من‬ ‫املطيعني فقد شرحت لك من األدلة على اخللق و‬ ‫الشواهد على صواب التدبري و العمد قليال من كثري‬ ‫و جزء من كل فتدبره و فكر فيه و اعترب به فقلت‬ ‫مبعونتك اي موالي أقر على ذلك و أبلغه إن شاء هللا‬ ‫فوضع يده على صدري فقال احفظ مبشيئة هللا و ال‬ ‫تنس إن شاء هللا فخررت مغشيا علي فلما أفقت‬ ‫قال كيف ترى نفسك اي مفضل فقلت قد استغنيت‬ ‫مبعونة موالي و أتييده عن الكتاب الذي كتبته و‬ ‫صار ذلك بني يدي كأمنا أقرأه من كفي فلموالي‬ ‫احلمد و الشكر كما هو أهله و مستحقه فقال اي‬ ‫مفضل فرغ قلبك و امجع إليك ذهنك و عقلك و‬ ‫طمأنينتك فسألقي إليك من علم ملكوت‬ ‫السماوات و األرض و ما خلق هللا بينهما و فيهما‬ ‫من عجائب خلقه و أصناف املالئكة و صفوفهم و‬ ‫مقاماهتم و مراتبهم إىل سدرة املنتهى و سائر اخللق‬ ‫‪184‬‬


‫من اجلن و اإلنس إىل األرض السابعة السفلى و ما‬ ‫حتت الثرى حىت يكون ما وعيته جزء من أجزاء‬ ‫انصرف إذا شئت مصاحبا مكلوء فأنت منا ابملكان‬ ‫الرفيع و موضعك من قلوب املؤمنني موضع املاء من‬ ‫الصدى و ال تسألن عما وعدتك حىت أحدث لك‬ ‫منه ذكرا قال املفضل فانصرفت من عند موالي مبا‬

‫مل ينصرف أحد مبثله‪ .‬مضمون معتل؛ ظن ال شاهد‬ ‫له‪.‬‬

‫‪185‬‬


‫خامتة يف خمتصر توحيد املفضل ابملضامني الصحيحة‬ ‫املفضل عن اِب عبد هللا عليه السالم انه قال له‪:‬‬ ‫إن هللا تعاىل كان وال شي ء قبله وهو ابق و ال هناية له فله‬ ‫احلمد على ما أهلمنا و الشكر على ما منحنا فقد خصنا‬ ‫من العلوم أبعالها و من املعايل أبسناها و اصطفاان على‬ ‫مجيع اخللق بعلمه و جعلنا مهيمنني عليهم حبكمه‪.‬‬ ‫إن الشكاك جهلوا األسباب واملعاين يف اخللقة و قصرت‬ ‫أفهامهم عن أتمل الصواب و احلكمة فيما ذرأ الباري جل‬ ‫قدسه و برأ من صنوف خلقه يف الرب و البحر و السهل و‬ ‫الوعر فخرجوا بقصر علومهم إىل اجلحود و بضعف‬ ‫بصائرهم إىل التكذيب و العنود حىت أنكروا خلق األشياء‬ ‫و ادعوا أن تكوهنا ابإلمهال ال صنعة فيها و ال تقدير و ال‬ ‫حكمة من مدبر و ال صانع)‬

‫‪186‬‬


‫حيق على من أنعم هللا عليه مبعرفته و هداه لدينه و وفقه‬ ‫لتأمل التدب ري يف صنعة اخلالئق و الوقوف على ما خلقوا‬ ‫له من لطيف التدبري و صواب التقدير ابلداللة القائمة‬ ‫الدالة على صانعها أن يكثر محد هللا مواله على ذلك و‬ ‫يرغب إليه فيالثبات عليه و الزايدة منه فإنه جل امسه يقول‬ ‫لَئِ ْن َش َك ْرمُْت َألَ ِزي َدن مك ْم َو لَئِ ْن َك َف ْرمُْت إِن َع ِ‬ ‫ذاِب لَ َش ِديد)‬ ‫مضمون صحيح له شاهد‪..‬‬ ‫أول العرب و الداللة على الباري جل قدسه هتيئة هذا العامل‬ ‫و أتليف أجزائه و نظمها على ما هي عليه‪.‬‬ ‫سلهم عن هذه الطبيعة أ هي شي ء له علم و قدرة على‬ ‫مثل هذه األفعال أم ليست كذلك فإن أوجبوا هلا العلم و‬ ‫القدرة فما مينعهم من إثبات اخلالق فإن هذه صنعته و إن‬ ‫زعموا أهنا تفعل هذه األفعال بغري علم و ال عمد و كان‬ ‫يف أفعاهلا ما قد تراه من الصواب و احلكمة علم أن هذا‬ ‫الفعل للخالق احلكيم فإن الذي مسوه طبيعة هو سنته يف‬ ‫خلقه اجلارية على ما أجراها عليه‬

‫‪187‬‬


‫الكالم إمنا هو شي ء يصطلح عليه الناس فيجري بينهم و‬ ‫هلذا صار خيتلف يف األمم املختلفة و كذلك لكتابة العرِب‬ ‫و السرايين و العرباين و الرومي و غريها من سائر الكتابة‬ ‫اليت هي متفرقة يف األمم إمنا اصطلحوا عليها كما‬ ‫اصطلحوا على الكالم فيقال ملن ادعى ذلك أن اإلنسان‬ ‫و إن كان له يف األمرين مجيعا فعل أو حيلة فإن الشي ء‬ ‫الذي يبلغ به ذلك الفعل و احليلة عطية و هبة من هللا عز‬ ‫و جل له يف خلقه فإنه لو مل يكن له لسان مهيأ للكالم و‬ ‫ذهن يهتدي به لألمور مل يكن ليتكلم أبدا و لو مل تكن له‬ ‫كف مهيئة و أصابع للكتابة مل يكن ليكتب أبدا و اعترب‬ ‫ذلك من البهائم اليت ال كالم هلا و ال كتابة فأصل ذلك‬ ‫فطرة الباري جل و عز و ما تفضل به على خلقه فمن‬ ‫شكر أثيب و من كفر فإن هللا غين عن العاملني‬ ‫فأعطي علم ما يصلح به دينه و دنياه و منع ما سوى ذلك‬ ‫مما ليس يف شأنه و ال طاقته أن يعلم كعلم الغيب و ما هو‬ ‫كائن و بعض ما قد كان أيضا كعلم ما فوق السماء و ما‬ ‫حتت األرض و ما يف جلج البحار و أقطار العامل و ما يف‬ ‫قلوب الناس و ما يف األرحام و أشباه هذا مما حجب عن‬ ‫‪188‬‬


‫الناس علمه وقد ادعت طائفة من الناس هذه األمور فأبطل‬ ‫دعواهم ما يبني من خطئهم فيما يقضون عليه و حيكمون‬ ‫به فيما ادعوا عليه فانظر كيف أعطي اإلنسان علم مجيع‬ ‫ما حيتاج إليه لدينه و دنياه و حجب عنه ما سوى ذلك‬ ‫ليعرف قدره و نقصه و كال األمرين فيها صالحه ‪.‬‬ ‫فكر اي مفضل يف األحالم كيف دبر األمر فيها فمزج‬ ‫صادقها بكاذهبا فإهنا لو كانت كلها تصدق لكان الناس‬ ‫كلهم أنبياء و لو كانت كلها تكذب مل يكن فيها منفعة بل‬ ‫كانت فضال ال معىن له فصارت تصدق أحياان فينتفع هبا‬ ‫الناس يف مصلحة يهتدي هلا أو مضرة يتحذر منها و‬ ‫تكذب كثريا لئال يعتمد عليها كل االعتماد‬ ‫جعل يف الكلب من بني هذه السباع عطف على مالكه و‬ ‫حماماة عنه و حافظ له ينتقل على احليطان و السطوح يف‬ ‫ظلمة الليل حلراسة منزل صاحبه و ذب الذعار عنه و يبلغ‬ ‫من حمبته لصاحبه أن يبذل نفسه للموت دونه و دون‬ ‫ماشيته و ماله و أيلفه غاية األلف حىت يصرب معه على‬ ‫اجلوع و اجلفوة فلم طبع الكلب على هذه األلفة و احملبة‬ ‫إال ليكون حارسا لإلنسان‬ ‫‪189‬‬


‫فال تزدرى ابلشي ء إذا كانت العربة فيه واضحة كالذرة و‬ ‫النملة و ما أشبه ذلك فإن املعىن النفيس قد ميثل ابلشي‬ ‫ء احلقري فال يضع منه‬ ‫اختذ أانس من اجلهال هذه اآلفات احلادثة يف بعض األزمان‬ ‫كمثل الوابء و الريقان و الربد و اجلراد ذريعة إىل جحود‬ ‫اخلالق و التدبري و اخللق ‪-‬اىل ان قال‪ -‬يلذع العامل أحياان‬ ‫هبذه اآلفات اليسرية لتأديب الناس و تقوميهم مث ال تدوم‬ ‫هذه اآلفات بل تكشف عنهم عند القنوط منهم فيكون‬ ‫وقوعها هبم موعظة و كشفها عنهم رمحة‬ ‫قد يتعلق هؤالء ابآلفات اليت تصيب الناس فتعم الرب و‬ ‫الفاجر أو يبتلى هبا الرب و يسلم الفاجر منها فقالوا كيف‬ ‫جيوز هذا يف تدبري احلكيم و ما احلجة فيه فيقال هلم إن‬ ‫هذه اآلفات و إن كانت تنال الصاحل و الطاحل مجيعا فإن‬ ‫هللا عز و جل جعل ذلك صالحا للصنفني كليهما أما‬ ‫الصاحلون فإن الذي يصيبهم من هذا يزدهم نعم رهبم‬ ‫عندهم يف سالف أايمهم فيحدوهم ذلك على الشكر و‬ ‫‪190‬‬


‫الصرب و أما الطاحلون فإن مثل هذا إذا انهلم كسر شرهتم‬ ‫و ردعهم عن املعاصي و الفواحش و كذلك جيعل ملن سلم‬ ‫منهم من الصنفني صالحا يف ذلك أما األبرار فإهنم‬ ‫يغتبطون مبا هم عليه من الرب و الصالح و يزدادون فيه‬ ‫رغبة و بصرية و أما الفجار فإهنم يعرفون رأفة رهبم و تطوله‬ ‫عليهم ابلسالمة من غري استحقاق فيحضهم ذلك على‬ ‫الرأفة ابلناس و الصفح عمن أساء إليهم‬ ‫أ فال ترى كيف وقف البصر على حده فلم يتجاوزه‬ ‫فكذلك يقف العقل على حده من معرفة اخلالق فال يعدوه‬ ‫و لكن يعقله بعقل أقر أن فيه نفسا و مل يعاينها و مل يدركها‬ ‫حباسة من احلواس‬ ‫و على حسب هذا أيضا نقول إن العقل يعرف اخلالق من‬ ‫جهة توجب عليه اإلقرار و ال يعرفه مبا يوجب له اإلحاطة‬ ‫بصفته‬ ‫إن قالوا أو ليس قد نصفه فنقول هو العزيز احلكيم اجلواد‬ ‫الكرمي قيل هلم كل هذه صفات إقرار و ليست صفات‬

‫‪191‬‬


‫إحاطة فإان نعلم أنه حكيم و ال نعلم بكنه ذلك منه و‬ ‫كذلك قدير و جواد و سائر صفاته‬

‫‪192‬‬


193


194

Profile for دار أقواس

الصحيح والمعتل من احاديث توحيد المفضل  

تطبيقات منهج العرض انور غني الموسوي

الصحيح والمعتل من احاديث توحيد المفضل  

تطبيقات منهج العرض انور غني الموسوي

Advertisement