Page 1


‫سور دومة اجلندل‬ ‫يقع في الطرف الغربي من دومة اجلندل‪ ,‬ويرتفع السور حوالي خمسة أمتار‪ ،‬وهو مبني من احلجر ‪،‬‬ ‫وله أبراج ‪ ،‬وكان يحيط بدومة اجلندل بالكامل ‪ ،‬وقد اكتشف اجلزء الغربي منه عام ‪1986‬م بعد أن كان‬ ‫مطمورا حتت الرمال ‪ ،‬ويتميز السور ببنائه الفريد من حجارة اجلندل الوردية الصلبة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫‪1‬‬


‫العدد ‪21‬‬ ‫خريف ‪1429‬هـ ‪2008 -‬م‬

‫ملف ثقافي ربع سنوي‬ ‫يصدر عن مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬ ‫‪The City in the Arab World‬‬

‫املدينة‬ ‫في‬ ‫الوطن‬ ‫العربي‬

‫‪in Light of Archaeological Discoveries:‬‬

‫في ضوء‬ ‫االكتشافات‬

‫‪Evolution and Development‬‬

‫اآلثارية‪:‬‬ ‫النشأة‬ ‫والتطور‬

‫‪ -‬العدد ‪ - 21‬خريف ‪1429‬هـ ‪2008 -‬م‬

‫صدر حديث ًا عن مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬

‫عن الشعر اإلسباني‬ ‫املعاصر‬ ‫التربية اجلمالية‬ ‫عند الطفل‬

‫املدينة في الوطن العربي‬

‫قصيدة النثر بني شرعية‬ ‫الهوية والتهميش‬

‫في ضوء االكتشافات اآلثارية‪ :‬النشأة والتطور‬

‫الزواج‬

‫املشرف العام‬

‫في عصر املماليك‬

‫احملررون‬

‫‪Editors‬‬

‫أ‪ .‬د‪ .‬عبدالرحمن الطيب األنصاري‬

‫‪Prof. A. R. Al-Ansary‬‬

‫‪Dr. Khaleel I. Al-Muaikel‬‬

‫د‪ .‬خ �ل �ي��ل ب� ��ن إب ��راه� �ي ��م املعيقل‬

‫‪Dr. Abdullah M. Alsharekh‬‬

‫قاسم حداد‪ :‬فتنة السؤال‬

‫د‪ .‬ع �ب��دال �ل��ه ب ��ن م �ح �م��د الشارخ‬

‫رسائل ريلكة‬

‫‪The City‬‬ ‫‪in the‬‬ ‫‪Arab‬‬ ‫‪World‬‬

‫إبراهيم احلميد‬ ‫‪Proceedings of the Symposiaum: The City in the Arab World: Beginnings and development‬‬ ‫‪5-7 December 2005 (3-5 Thu Al-Qe’da 1426H) Al-Jouf - Kingdom of Saudi Arabia‬‬

‫‪Abdul Rahman Al-sudairy‬‬ ‫‪Foundation‬‬

‫مواجهات مع‬ ‫فاروق شوشة‬ ‫وجمال املوساوي‬

‫أبحاث ندوة‪« :‬املدينة في الوطن العربي في ضوء االكتشافات اآلثارية‪ :‬النشأة والتطور»‬ ‫اجلوف ‪ -‬اململكة العربية السعودية ‪ 5-3 /‬ذو القعدة ‪1426‬ه� (‪ 7-5‬ديسمبر ‪2005‬م)‬

‫‪2008‬‬

‫ملف العدد‪:‬‬

‫األزمة املالية العاملية وتداعياتها على االقتصاد السعودي‬

‫املراسالت‬ ‫توجه باسم املشرف العام‬ ‫ّ‬

‫هاتف‪)+966( )4( 6245992 :‬‬ ‫فاكس‪)+966( )4( 6247780 :‬‬ ‫ص‪ .‬ب ‪ 458‬سكاكا‬ ‫اجلـ ــوف ‪ -‬اململكة العربية السعودية‬ ‫‪aljoubah@gmail. com‬‬ ‫ردمد ‪ISSN 1319 - 2566‬‬

‫سعر النسخة ‪ 8‬رياالت‬ ‫تطلب من الشركة الوطنية للتوزيع‬

‫‪21‬‬

‫‪21‬‬

‫قواعد النشر‬

‫‪ - 1‬أن تكون املادة أصيلة‪.‬‬ ‫‪ - 2‬لم يسبق نشرها‪.‬‬ ‫‪ - 3‬تراعي اجلدية واملوضوعية‪.‬‬ ‫‪ - 4‬تخضع املواد للمراجعة والتحكيم قبل نشرها‪.‬‬ ‫‪ - 5‬ترتيب املواد في العدد يخضع العتبارات فنية‪.‬‬ ‫‪ - 6‬ترحب اجلوبة بإسهامات املبدعني والباحثني والكتّاب‪،‬‬ ‫على أن تكون املادة باللغة العربية‪.‬‬ ‫اجلوبة من األسماء التي كانت تطلق على منطقة اجلوف سابق ًا‬

‫الناش ـ ـ ـ ــر‪ :‬مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬ ‫أسسها األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري (أمير منطقة اجلوف من ‪1362/9/5‬هـ‬ ‫ ‪1410/7/1‬هـ املوافق ‪1943/9/4‬م ‪1990/1/27 -‬م) بهدف إدارة ومتويل املكتبة العامة‬‫التي أنشأها عام ‪1383‬هـ املعروفة باسم دار اجلوف للعلوم‪ .‬وتتضمن برامج املؤسسة‬ ‫نشر الدراسات واإلبداعات األدبية‪ ،‬ودعم البحوث والرسائل العلمية‪ ،‬وإصدار مجلة‬ ‫دورية‪ ،‬وجائزة األمير عبدالرحمن السديري للتفوق العلمي‪ ،‬كما أنشأت روضة ومدارس‬ ‫الرحمانية األهلية للبنني والبنات‪ ،‬وجامع الرحمانية‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫الـمحتويــــات‬

‫> ندوة‪ :‬األزمة املالية العاملية ‪6 ..‬‬

‫اجلوف حتتضن دورة منتدى األمير‬ ‫عبدالرحمن السديري الثانية‬

‫>‪92....................‬‬ ‫الشاعر الكبير فاروق شوشة‬ ‫اللغة القرآنية قادتني إلى الشعر‬ ‫والشعر قادني إلى حب اللغة‬

‫>‪113.................‬‬ ‫خط الثلث‪:‬‬ ‫عبقرية ّأم ٍة وإعجاز قلم‬

‫لوحة الغالف‪:‬‬

‫الفنان معجب احلواس أحد فناني منطقة‬ ‫اجل ��وف‪ ،‬اس��م ال�ع�م��ل‪ :‬ال �ع��روس‪ ،‬اخل��ام��ه‪:‬‬ ‫الوان اكريليك‪ ،‬املقاس‪60* 90:‬سم‪.‬‬

‫االفتتاحية ‪4.........................................................‬‬ ‫م��ل��ف ال���ع���دد‪ :‬م�ن�ت��دى األم �ي��ر ع�ب��دال��رح�م��ن ال �س��دي��ري ل�ل��دراس��ات‬ ‫السعودية يعقد ن��دوة األزم��ة المالية وتداعياتها على االقتصاد‬ ‫السعودي ‪ -‬محمود الرمحي ‪6.......................................‬‬ ‫دراسات‪ :‬التربية الجمالية عند الطفل‪ :‬سامي دقاقي ‪46.............‬‬ ‫قصيدة النثر‪ :‬بين شرعية الهوية والتهميش‪ -‬د‪ .‬وجدان الصائغ ‪52.‬‬ ‫قصص قصيرة‪ :‬الظـاهر والبـاطن ‪ -‬سعيد سالم ‪61................‬‬ ‫حلول ‪ -‬إيمان مرزوق ‪62...............................................‬‬ ‫اختفاء الزهور ‪ -‬بشاير فارس‪63......................................‬‬ ‫بيـــتُ ال ُّدمـــى ‪ -‬فاطمة المزروعي ‪64..................................‬‬ ‫امرأة خلف النجوم‪ -‬شمس علي ‪65...................................‬‬ ‫عندما تهز العرش‪ ..‬وردة ‪ -‬حنان الرويلي ‪67.........................‬‬ ‫قلوب وأياد قصة أو‪ .‬هنري‪ -‬ت‪ .‬خلف سرحان القرشي‪69...........‬‬ ‫قصص قصيرة ج��داً ‪ -‬محمد ص � ��وان � ��ه‪71 ........................‬‬ ‫شعر‪ :‬سناء ‪ -‬فهد الخليوي ‪72........................................‬‬ ‫حب عذري ‪ -‬د‪ .‬عثمان مكانسي ‪73...................................‬‬ ‫الشوارع أيضاً تعشق الغناء ‪ -‬طارق فراج ‪73..........................‬‬ ‫حسن ‪ -‬فيصل أكرم ‪74................................................‬‬ ‫لشبابنا كلمة ‪ -‬مالك الخالدي ‪75.....................................‬‬ ‫خدش ‪ -‬السمّاح عبدالله ‪77...........................................‬‬ ‫أرخبيل‪ ..‬النجذاب الذات ‪ -‬التجاني بولعوالي‪78.....................‬‬ ‫نقد‪ :‬االستقراء الناقص وأثره في بناء قواعد العربية ‪ -‬د‪ .‬عبدالناصر‬ ‫محمود عيسى ‪79....................................................‬‬ ‫الشعر اإلسباني المعاصر عبور إلى الماوراء‪ -‬عبدالحق ميفراني ‪81‬‬ ‫لميعة‪ ‬عباس عمارة ‪ -‬غر بة واغتراب ‪ -‬دجلة السماوي‪87..........‬‬ ‫تفيض ب��ال� َه� ِّم الشعري ف��ي ن�ص��وص هدى‬ ‫ُ‬ ‫حساسية أرستقراطية‬ ‫الدغفق ‪ -‬محمد الفوز ‪89...........................................‬‬ ‫م���واج���ه���ات‪ :‬ح ��وار م��ع ال �ش��اع��ر ال�ك�ب�ي��ر ف� ��اروق ش��وش��ة ‪ -‬محمد‬ ‫الحمامصي ‪92 ......................................................‬‬ ‫حوار مع الشاعر المغربي جمال الموساوي ‪ -‬الكنتاوي لبكم‪97......‬‬ ‫نوافذ‪ :‬الزواج في عصر المماليك ‪ -‬د‪ .‬محمد حسن محمد‪102 ...‬‬ ‫تكاملية السلوك اإلبداعي ‪ -‬ليلى جوهر سالم ‪109....................‬‬ ‫خط الثلث‪ :‬عبقرية أم ٍّة وإعجاز قلم ‪ -‬معصوم محمد خلف ‪113.....‬‬ ‫مسرح‪ :‬الستينيات في مصر سعد الدين وهبة ‪ -‬سعيد نوح ‪119.....‬‬ ‫قراءات‪ :‬فتنة السؤال‪ ،‬تأليف سيد محمود ‪ -‬عصام أبو زيد‪122.....‬‬ ‫رسائل (ريلكه‪-‬يوسا)‪ ،‬تأليف ريلكة ‪ -‬عبدالله العقيبي ‪125...........‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫‪3‬‬


‫على هام�ش الأزمة المالية العالمية‬ ‫> إبراهيم احلميد‬

‫في الوقت ال��ذي كان فيه العالم يعاني من مشكلة التضخم ال��ذي أطل‬ ‫برأسه خالل السنتين الماضيتين‪ ،‬وأدى إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات‬ ‫لمستويات غير مسبوقة‪ ،‬فاجأتنا األزمة المالية العالمية بكل تداعياتها‪،‬‬ ‫والتي بدأت مقدماتها منذ بضعة أشهر‪ ،‬لتكشف عن وجهها في نهاية شهر‬ ‫رمضان الماضي‪ ،‬ولتنعكس بشكل مريع على وضع السوق المالية السعودية‬ ‫في شكل انحدار‪ ,‬ثم انهيار أدى إلى فقدان السوق المالية لكل مكاسبها التي‬ ‫جنتها خالل عشر سنوات‪ ،‬عَ مِ َل القائمون على منتدى األمير عبدالرحمن‬ ‫السديري للدراسات السعودية بالتخطيط‪ ،‬ودع��وة الخبراءاالقتصاديين‬ ‫للمشاركة في المنتدى بما يثري أروقته بطروحاتهم‪ ،‬ودراساتهم‪ ،‬وأبحاثهم‪،‬‬ ‫ومداخالتهم التي جعلت من المنتدى حدثا غير مسبوق على الرغم من تتالي‬ ‫المؤتمرات المشابهة في أماكن مختلفة من هذا العالم‪.‬‬ ‫لقد كانت أي��ام المنتدى ‪ -‬بمن ش��ارك فيها من شخصيات اقتصادية‬ ‫وثقافية بارزة‪ ،‬وعلى رأسها الشخصية المكرمة الدكتور فيصل بن صفوق‬ ‫البشير‪ ,‬وإن لم تمتلك تلك الشخصيات عصا سحرية إلعطاء الوصفة‬ ‫المناسبة لتقليل اثر األزمة العالمية على المملكة ‪ -‬فرصة مهمة لمعرفة‬ ‫رؤى تلك الشخصيات حول هذه األزمة وأثرها‪ ،‬فقد كان الدكتور البشير‬ ‫شفافا وواضحا إلى أبعد الحدود‪ ،‬وهو يتحدث عن مراحل عاشتها المملكة‪،‬‬ ‫عاصرها وشارك فيها‪ ،‬وكانت الفرص مواتية فيها لتحقيق إنجازات بدت‬ ‫كفيلة بحماية اقتصادنا‪ ،‬ومنها تحقيق التنمية المتوازنة‪ ،‬ل��وال أن بعض‬ ‫لبلد ذي «قدرات‬ ‫األصوات المؤثرة رجحت فكرة محددة‪ ،‬ما أدى إلى تحولنا ٍ‬ ‫هائلة» ولكن «بإنجازات اقتصادية متواضعة»‪.‬‬ ‫ويؤكد الدكتور البشير أن��ه على الرغم من أن قيادتنا وضعت التنمية‬ ‫‪4‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫لقد كان الدكتور البشير واضحا وهو يصف العالج لبعض أزماتنا االقتصادية‪ ،‬ومنها‬ ‫ضرورة التدخل لكبح بعض األزمات المفتعلة كأزمة سوق األسهم‪ ،‬وإن طالب بخريطة‬ ‫تنفيذية تحت مظلة سياسة اقتصادية واضحة لدفع عجلة التنمية إلى األمام‪ ،‬وكان‬ ‫صريحا أيضاعندما تحدث عن أصحاب الفكر االقتصادي الضال والمضلل الذين‬ ‫اعتبرهم سبباً رئيساً من أسباب تردي وضعنا االقتصادي‪ ،‬إن لم يكونوا السبب الوحيد‬ ‫في ذلك لتسببهم في كبح جماح التنمية االقتصادية والبشرية‪ ،‬برغبتهم تكديس األموال‬ ‫بدال من صرفها على هذه األوجه‪.‬‬

‫اف�����������ت�����������ت�����������اح�����������ي�����������ة‬

‫اإلنسانية الشاملة لمواطنيها‪ ،‬ورغم نجاحها في ذلك ‪ -‬من خالل التطور الذي قاد‬ ‫إلى التنمية الحقيقية‪ -‬إال انه أشار إلى أن مسيرة التنمية في المملكة أخذت تتباطأ‪،‬‬ ‫مقارنة بالقدرة المتاحة والكامنة لالقتصاد السعودي‪ ،‬وانعكس ذلك على مستوى حياة‬ ‫الفرد‪ ،‬والمجتمع والخدمات‪ ،‬إضافة إلى عدم القدرة على تنويع القاعدة االقتصادية‪.‬‬

‫وعلى الرغم من أهمية األوراق المقدمة في هذا المنتدى ‪-‬ال��ذي تقدم الجوبة‬ ‫ملفا خاصا به ‪ -‬نجد أن ورقة الدكتور البشير بشفافيتها و عمقها‪،‬تفرض احترامها‪،‬‬ ‫و المطالبة بأخذها بعين االعتبار‪ ،‬وقد خلص فيها إلى أن التنمية خيار استراتيجي‬ ‫مصيري تعتمد له األموال (حين الوفرة) لمشاريعه‪ ،‬لالستمرار في التنفيذ‪ ،‬وال توقف‬ ‫حين تقل‪.‬‬ ‫إن الدور الذي تضطلع به المؤسسات الثقافية مهم في توعية المجتمع‪ ،‬إلحداث‬ ‫الحراك‪ ،‬وأخذ الدروس والعبر‪ ،‬وما منتدى األمير عبدالرحمن السديري الذي جاء‬ ‫ليختار موضوعا يعتبره الجميع موضوع الساعة‪ ،‬إال دليل على أهمية الدور الذي تقوم‬ ‫به هذه المؤسسات ومنها هذه المؤسسة الخيرية التي رعت المنتدى‪ ،‬لتكون مظلة‬ ‫تنطوي تحتها تفاصيل نحن في أمس الحاجة إليها كتعميق ثقافة الحوار‪ ،‬والتفاهم‪،‬‬ ‫و البحث العلمي‪ ،‬واالنفتاح على العصر‪ ،‬وفق أسس من االعتزاز بالذات‪ ،‬وتحصينها‬ ‫بثقافة التسامح و القوة المستمدة من الحق‪.‬‬ ‫أن إقامة ندوة األزم��ة المالية العالمية وأثرها على المملكة في منطقة الجوف‪،‬‬ ‫ستكون لها أهمية كبرى على طريق التنمية في المملكة بشكل ع��ام‪ ،‬وف��ي منطقة‬ ‫الجوف على وجه الخصوص‪ ،‬والتي تنكبتها سنوات التنمية لعقود طويلة‪ ،‬لَتَتَطلَّ ُع إلى‬ ‫أن تنفيذ التنمية المتوازنة‪ ،‬سيؤدي إلى تحقق النمو المنشود الذي ينعكس إيجابا‬ ‫عليها‪ ،‬بسبب وجود هذا العدد من الخبراء االقتصاديين ومتخذي القرار في وطننا‪،‬‬ ‫وبسبب إيمانهم بما جاء في المنتدى من طروحات ورؤى المست ِجراحنا االقتصادية‬ ‫والتنموية الغائرة‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫‪5‬‬


‫الجوف تحتضن دورة منتدى األمير‬

‫عبدالرحمن السديري الثانية بعنوان‬

‫«األزمة المالية العالمية وتداعياتها على‬ ‫االقتصاد السعودي»‬

‫من ‪ 26‬إلى ‪28‬نوفمبر ‪2008‬م‬ ‫> كتب محمود الرمحي‬ ‫تصوير‪ :‬أحمد الضميري‬ ‫ضمن البرنامج السنوي لمنتدى األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري للدراسات‬ ‫السعودية‪ ،‬استضافت مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية بمقرها في مدينة سكاكا‬ ‫بمنطقة الجـوف دورة المنتدى الثانية‪ ،‬والتي كانت بعنوان «األزم��ة المالية العالمية‬ ‫وتداعياتها على االقتصاد السعودي» وذلك لمدة ثالثة أيام خالل الفترة من ‪ 26‬إلى ‪28‬‬ ‫نوفـمبر ‪2008‬م‪ .‬بمشاركة وحضور نحو (‪ )50‬شخصية اقتصادية من مختلف مناطق‬ ‫المملكة‪.‬‬

‫برنامج المنتدى‪:‬‬ ‫ ي��وم االفتتاح األرب�ع��اء ‪ 26‬نوفمبر ‪2008‬م‪ ،‬وق��د تضمن كلمات األس�ت��اذ فيصل بن‬‫عبدالرحمن السديري‪ ،‬والدكتور عبدالرحمن الشبيلي‪ ،‬والدكتور فيصل البشير‪،‬‬ ‫وشهادة معالي الدكتور عبدالواحد‬ ‫ال� �ح� �م� �ي ��د‪ ،‬وت� �ك ��ري ��م ش�خ�ص�ي��ة‬ ‫المنتدى الدكتور فيصل بن صفوق‬ ‫البشير‪.‬‬ ‫ جلسات المنتدى‪.‬‬‫ ال�ج�ل�س��ة األول � ��ى ي ��وم الخميس‬‫‪ 27‬نوفمبر ‪2008‬م‪ ،‬وقد أداره��ا‬ ‫الدكتور محمد القنيبط‪ ،‬وشارك‬ ‫ف �ي �ه��ا ال ��دك� �ت ��ور ف �ه��د ب ��ن خلف‬

‫‪6‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫المشاركون في حفل االفتتاح‬


‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫البادي‪ ،‬والدكتور ماجد بن عبدالله المنيف‪،‬‬ ‫والدكتور رجا بن مناحي المرزوقي‪ ،‬والدكتور‬ ‫سفر بن حسين القحطاني‪.‬‬ ‫ الجلسة الثانية ي��وم الخميس ‪ 27‬نوفمبر‬‫‪2008‬م‪ ،‬وقد أدارها معالي الدكتور عبدالواحد‬ ‫بن خالد الحميد نائب وزير العمل‪ ،‬وشارك‬ ‫فيها الدكتورة نورة اليوسف‪ ،‬والدكتور إحسان‬ ‫بن علي بو حليقة‪ ،‬والدكتور أحمد بن حبيب‬ ‫صالح‪.‬‬

‫رئيس مجلس اإلدارة يلقي كلمة االفتتاح‬

‫كلمة االفتتاح‬ ‫تتناول موضوعاً له أهميته البارزة والمؤثرة في‬ ‫وق��د ت��م اف�ت�ت��اح أع �م��ال المنتدى م�س��اء يوم المجتمع السعودي على وجه الخصوص‪ ،‬وما له‬ ‫األربعاء ‪ 26‬نوفمبر ‪2008‬م بكلمة رئيس مجلس من ام�ت��دادات وتأثيرات قد تتجاوز ح��دود هذا‬ ‫إدارة المؤسسة األستاذ فيصل بن عبدالرحمن المجتمع‪.‬‬ ‫ل��ذا ج��اء م��وض��وع ن��دوة المنتدى لهذا العام‬ ‫اب ��ن أح �م��د ال��س��دي��ري‪ ،‬ال� ��ذي رح ��ب بضيوف‬ ‫الندوة وحضورها الكرام‪ ،‬الذين جاءوا ليشهدوا «أسباب وتداعيات األزمة المالية العالمية على‬ ‫انطالقة فعاليات منتدى األمير عبدالرحمن بن االق �ت �ص��اد ال �س �ع��ودي»‪ ،‬وس ��وف ي�ت�ن��اول م�ح��اور‬ ‫أحمد السديري للدراسات السعودية‪ ،‬في دورته موضوع الندوة نخبة من المختصين وأهل الخبرة‬ ‫الثانية لهذا العام ‪1429‬هـ‪2008/‬م ‪ -‬حيث سبق والتجربة في هذا المجال‪ .‬كما دُعيت مجموعة‬ ‫أن أقيمت ال ��دورة األول ��ى للمنتدى ف��ي العام خيّرة من أبناء الوطن الذين يهمهم المشاركة في‬ ‫الماضي ف��ي مدينة ال�غ��اط ‪ -‬وذك��ر أن انعقاد نشاطات المؤسسة‪ ،‬والتفاعل مع ما يطرح في‬ ‫المنتدى لهذا العام يأتي والمملكة والعالم أجمع ندواتها من موضوعات‪.‬‬ ‫يشهدان أزمة مالية عالمية‪ ،‬آثارها وتداعياتها‬ ‫وألول م��رة تشمل فعاليات المنتدى تكريم‬ ‫واضحة وملموسة‪ ،‬وأن المنتدى يشمل فعاليات شخصية متميزة‪ ،‬لها إسهاماتها الواضحة في‬ ‫متنوعة على مدى ثالثة أيام‪ ،‬أبرزها الندوة التي القطاع الذي تتناول موضوعه الندوة‪ ،‬والشخصية‬ ‫المكرمة هي «المخطط واالقتصادي السعودي‬ ‫ال �ب��ارز وال �م �ع��روف ال��دك�ت��ور فيصل ب��ن صفوق‬ ‫البشير»‪.‬‬

‫د‪ .‬الشبيلي يلقي كلمته‬

‫ثم ألقى الدكتور عبدالرحمن الشبيلي كلمة‬ ‫هيئة المنتدى التي أثنى فيها على المؤسسة‬ ‫والقائمين على رعايتها‪ ،‬وإن هذه المؤسسة ‪-‬‬ ‫التي مضى على إنشاء نواتها نحو خمسة وأربعين‬ ‫عاماً ‪ -‬تعد بحق من أنشط المؤسسات الخيرية‪،‬‬ ‫وأكثرها تنوعاً وح �ض��وراً‪ .‬وه��ي التي ل��م تُترك‬ ‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫‪7‬‬


‫لآلخرين رغ��م كريم جهودهم‪ ،‬فأبناء مؤسسها‬ ‫وبناتُه يقومون بأنفسهم على نشاطها‪ ،‬ويشرفون‬ ‫إشرافاً مباشراً على برامجها‪ ،‬بل إن استشعارهم‬ ‫لمسئولية رعاية وصية وال��ده��م‪ ،‬قد تضاعفت‬ ‫بعد وفاته رحمه الله‪.‬‬ ‫وقال إن آخر تشكيالت هذه المؤسسة هذا‬ ‫المنتدى الذي يُعد امتداداً لفكرة أسبوع الجوف‬ ‫وم�ه��رج��ان��ه ال�ث�ق��اف��ي‪ ،‬ول��ه هيئة خ��اص��ة تقترح‬ ‫موضوعاته‪ ،‬وتسمّي من يشاركون فيه‪ ،‬يقام مرة‬ ‫في الجوف وأخرى في الغاط‪ ،‬وهو يبدأ في هذه‬ ‫األمسية وألول مرة تكري َم شخصية يكون لها إنتاج‬ ‫علمي متميّز‪ ،‬له عالقة بموضوع هذا المنتدى‪،‬‬ ‫وقد وضعت للفكرة الئحة تجريبية لتنظيم كيفية‬ ‫اختيار الشخصية‪ ،‬ومعايير الترشيح على أسس‬ ‫علمية أكاديمية تحكم هذا التوجّ ه‪ ،‬وكل أنشطة‬ ‫المؤسسة ومطبوعاتها‪.‬‬

‫معالي د‪ .‬عبدالواحد الحميد يقدم شهادته‬

‫قيمة علمية كبيرة‪ ،‬وسبب ذلك بالدرجة األولى‬ ‫ه��و كتابه ال��رائ��د المعنون‪« :‬ن �م��وذج اقتصادي‬ ‫قياسي القتصاد المملكة العربية السعودية من‬ ‫‪1970 – 1960‬م»‪ ،‬وه��و أط��روح �ت��ه للدكتوراه‬ ‫في علم االقتصاد من جامعة أريزونا بالواليات‬ ‫المتحدة األمريكية عام ‪1973‬م‪ .‬ولكن إسهامات‬ ‫الدكتور فيصل البشير ال تقتصر على هذا العمل‬ ‫شهادة معالي نائب وزي��ر العمل الدكتور البحثي ال��رائ��د‪ ،‬وإن�م��ا تضاف إليها إسهامات‬ ‫عبدالواحد بن خالد الحميد بمناسبة ميدانية عديدة‪.‬‬ ‫تكريم الدكتور فيصل بن صفوق البشير‬ ‫وبالنسبة لي‪ ،‬فأول ما عرفت الدكتور فيصل‬ ‫«أصحاب المعالي والسعادة‪ ..‬اإلخوة واألخوات‪ :‬البشير كان عام ‪1967‬م‪ ،‬وكانت المعرفة عن بعد‪،‬‬ ‫وكنت طالباً ف��ي المدرسة المتوسطة هنا في‬ ‫السالم عليكم ورحمة الله وبركاته‪,‬‬ ‫منطقة الجوف‪ ،‬أقرأ الصحف والمجالت أكثر‬ ‫ي �ش��رف �ن��ي أن أش� � ��ارك ف ��ي ه� ��ذا ال �م �ن �ت��دى‬ ‫من قراءتي لكتبي المدرسية‪ .‬وذات يوم من العام‬ ‫ال�م�ب��ارك‪ ،‬ويطيب ل��ي ب��داي� ًة أن أت�ق��دم بالشكر‬ ‫بعض الصحف التي تصدر‬ ‫نفسه‪ ،‬وقع تحت يدي ُ‬ ‫لمؤسسة األمير عبدالرحمن السديري الخيرية‪،‬‬ ‫في المنطقة الغربية‪ ،‬فقرأت مقابلة مع شاب‬ ‫على ما قدمته وتقدمه من جهود مشكورة‪ ،‬إلثراء‬ ‫بدوي شمالي‪ ،‬يتحدث عن تجربته الدراسية في‬ ‫الحياة الثقافية في هذه المنطقة‪ ،‬وفي المملكة‬ ‫أمريكا‪ ،‬وع��ن وال��ده ال��ذي يعيش في خيمة في‬ ‫عموماً‪ ،‬من خالل إصداراتها العديدة من الكتب‬ ‫الصحراء‪ ،‬وال يأكل الطعام المعلب (كما يقول)‪،‬‬ ‫والمجالت الرصينة‪ ،‬وم��ا تقيمه من منتديات‪،‬‬ ‫وال يهتم بمظاهر المدنية الحديثة‪ .‬كان اسم ذلك‬ ‫ولقاءات‪ ،‬وأنشطة منبرية‪.‬‬ ‫الشخص فيصل بن صفوق البشير‪ ،‬فبدا لي ذلك‬ ‫ويسعدني‪ ،‬بشكل خاص‪ ،‬أن أقدم الشخصية االسم شمالياً مألوفاً‪ ،‬والتهمت سطور المقابلة‬ ‫التي تحظى بتكريم المؤسسة لهذا العام الدكتور ح��رف �اً ح��رف��ا‪ .‬وظ�ل��ت ه��ذه المقابلة الصحفية‬ ‫فيصل بن صفوق البشير‪ .‬إذ يمثل د‪ .‬البشير عالقة في مخيلتي على مر سنوات طويلة‪ .‬وقبل‬ ‫للكثيرين من جيلي من االقتصاديين األكاديميين أي��ام من إقامة ه��ذا المنتدى‪ ،‬كنت أتحدث مع‬

‫‪8‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫والمرة الثالثة التي تعرفت فيها على الدكتور‬ ‫فيصل‪ ،‬كانت في أوائ��ل التسعينيات الميالدية‪،‬‬ ‫معالي د‪ .‬يوسف العثيمين ود‪ .‬زياد السديري وجانب من الحضور عندما التقيته في إحدى المناسبات في مدينة‬ ‫الدكتور فيصل بشأن ترتيبات المنتدى‪ ،‬فسألته ال��ري��اض‪ ،‬وتحدثت فيها معه ع��ن ق��رب‪ ،‬للمرة‬ ‫عن تلك المقابلة‪ ،‬فأكد لي أنها بالفعل نشرت في األولى‪.‬‬ ‫جريدة المدينة‪ ،‬وأن من أجراها معه هو األستاذ‬ ‫وعلى مدى تلك السنوات‪ ،‬قرأت له العديد من‬ ‫أح�م��د محمد محمود‪ ،‬ال��ذي أص�ب��ح فيما بعد المقاالت في الشأن االقتصادي‪ ،‬فتعرّفت على‬ ‫رئيساً لتحرير تلك الجريدة‪.‬‬ ‫فكره وآرائه في قضايا التنمية واالقتصاد‪.‬‬ ‫ن �ح��ن ن �ق��رأ ك��ل ي ��وم ال �ع��دي��د م��ن ال �م �ق��االت‬ ‫والمقابالت والتقارير التي تنشرها الصحف‪ ،‬ثم‬ ‫ننسى ما نقرأ‪ .‬لكنني أعتقد أن تلك المقابلة‬ ‫بقيت في ذهني ولم أنسها‪ ،‬ألنها ألهبت خيالي‬ ‫بما ورد فيها م��ن معلومات ب��دت غريبة وهي‬ ‫تجري على لسان ش��اب ب��دوي خ��رج م��ن خيمة‬ ‫في الصحراء‪ ،‬وذهب إلى أمريكا‪ ،‬ثم عاد بشهادة‬ ‫الماجستير في بيئة يُع ُّد فيها من يفك الحرف‬ ‫عالماً يشار إليه بالبنان‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫ال�س�ع��ودي»‪ ،‬ومنذ اللحظة األول��ى شعرتُ أنني‬ ‫عثرت على كنز‪ ،‬وبالفعل كان الكتاب كنزاً معرفياً‬ ‫كبيراًَ‪ ،‬كانت المفاجأة األولى هي عنوان الكتاب‬ ‫وم��وض��وع��ه‪ ،‬وأم ��ا ال�ث��ان�ي��ة أن دار ال�ن�ش��ر التي‬ ‫أصدرت الكتاب‪ ،‬هي واحدة من أشهر دور النشر‬ ‫األمريكية‪.‬‬

‫أع �ت��رف – أي �ه��ا اإلخ� ��وة واألخ � ��وات ‪ -‬أنني‬ ‫لم أستطع مقاومة إغ��راء أن يكون ه��ذا البُعد‬ ‫الشخصي‪ ،‬ه��و ب��داي��ة تقديمي للدكتور فيصل‬ ‫البشير ف��ي أمسية شمالية‪ ،‬يلتقي فيها هذا‬ ‫الحشد الكريم‪ ،‬في هذه البقعة من وطننا العزيز‪،‬‬ ‫وف��ي ه��ذا الصرح الثقافي ال��ذي وض��ع لمنطقة‬ ‫الجوف موقعاً على الساحة الثقافية السعودية‪.‬‬ ‫لكنني ل��ن أس�ت��رس��ل ف��ي ه��ذا ال �ح��دي��ث‪ ،‬ت��ارك�اً‬ ‫المجال للدكتور البشير أن يتحدث إليكم عن‬ ‫تجربته‪ ،‬وأن يجيب على أسئلتكم‪.‬‬

‫كانت تلك هي معرفتي األولى بالدكتور فيصل‬ ‫بن صفوق البشير‪ ،‬فهي في الواقع معرفة من‬ ‫قبل ذل��ك‪ ،‬س��أق��دم ملخصاً للسيرة الذاتية‬ ‫طرف واحد‪ ،‬ومنذ ذلك اليوم شعرت أنني قريب للضيف‪ ،‬وتعريفاً بالعمل البحثي الرئيسي الذي‬ ‫من هذا الرجل‪ ،‬على الرغم من أن معرفتي به – تم من أجله ترشيحه للتكريم في هذه األمسية‪.‬‬ ‫كما قلت ‪ -‬كانت عن بُعد‪.‬‬ ‫ الدكتور فيصل بن صفوق البشير‪ ،‬هو عضو‬‫أم��ا ال�م��رة الثانية فكانت ف��ي مكتبة جامعة‬ ‫اللجنة االس�ت�ش��اري��ة للمجلس االق�ت�ص��ادي‬ ‫ويسكانسون في مدينة ميلواكي األمريكية في‬ ‫األع��ل��ى م �ن��ذ أك �ت��وب��ر ‪1999‬م ح �ت��ى وق�ت�ن��ا‬ ‫أوائل الثمانينيات الميالدية‪ ،‬وكنت طالب دراسات‬ ‫ال� �ح ��اض ��ر‪ ،‬ورئ� �ي���س م ��رك ��ز االس� �ت� �ش ��ارات‬ ‫عليا في تلك الجامعة أدرس علم االقتصاد‪ ،‬في‬ ‫واألب�ح��اث بالرياض‪ ،‬وق��د تقلب في العديد‬ ‫تلك المكتبة‪ ،‬إذ عثرت على كتاب الدكتور فيصل‬ ‫من المناصب والمواقع اإلداري��ة في القطاع‬ ‫البشير «ن �م��وذج اق�ت�ص��ادي قياسي لالقتصاد‬ ‫الحكومي والقطاع الخاص‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫‪9‬‬


‫ ‬

‫ حصل على درجة البكالوريوس في االقتصاد‬‫م��ن ج��ام�ع��ة أوري� �ج ��ون ب��ال��والي��ات المتحدة‬ ‫األمريكية في مارس ‪1966‬م‪ ،‬ثم حصل على‬ ‫درج ��ة الماجستير ف��ي ع�ل��م االق �ت �ص��اد من‬ ‫الجامعة نفسها في سبتمبر من العام نفسه‪،‬‬ ‫و ُعيّن خبيراً اقتصادياً في الهيئة المركزية‬ ‫للتخطيط في شهر أكتوبر عام ‪1966‬م‪.‬‬

‫وعمل رئيساً لمجلس إدارة شركة الجبيل‬ ‫ل�ل�ب�ت��روك�ي�م��اوي��ات‪ ،‬ورئ �ي �س �اً لمجلس إدارة‬ ‫مصفاة الجبيل‪ ،‬ورئيساً لمجلس إدارة الشركة‬ ‫السعودية للفنادق والمناطق السياحية‪ ،‬ونائباً‬ ‫لرئيس الجمعية السعودية البريطانية‪ ،‬وعضواً‬ ‫في المجلس األعلى ألرامكو السعودية‪ ،‬وغير‬ ‫ذلك من المناصب الرفيعة‪.‬‬

‫ في نهاية عام ‪1969‬م‪ ،‬تم ابتعاثه إلى الواليات‬‫المتحدة األم��ري�ك�ي��ة‪ ،‬للحصول على درج��ة‬ ‫الدكتوراه في االقتصاد من جامعة أريزونا عام‬ ‫‪1973‬م‪ ،‬عاد بعدها إلى المملكة ليعمل خبيراً‬ ‫اقتصادياً ف��ي الهيئة المركزية للتخطيط‪،‬‬ ‫ح �ي��ث أس ��س وح� ��دة االق �ت �ص��اد ال �ك �م��ي في‬ ‫الهيئة‪ ،‬وتدرّج بعد ذلك في المواقع اإلدارية‬ ‫ال ل��وزارة التخطيط في‬ ‫حتى تم تعيينه وكي ً‬ ‫ال للوزارة‬ ‫يناير ‪1977‬م‪ ،‬واستمر في عمله وكي ً‬ ‫إلى أن قدم استقالته في مايو ‪1982‬م‪ ،‬ليعمل‬ ‫في القطاع الخاص‪ ،‬وفي نهاية عام ‪1984‬م‬ ‫أسس مركز االستشارات واألبحاث بالرياض‪،‬‬ ‫وما يزال يشغل منصب رئيس المركز‪.‬‬

‫وكما أش��رت‪ ،‬فإن للدكتور البشير إسهامات‬ ‫ف �ك��ري��ة وب�ح�ث�ي��ة ع ��دي ��دة‪ ،‬أم ��ا ال �ع �م��ل البحثي‬ ‫الرئيسي للدكتور فيصل البشير والذي تم على‬ ‫أساسه ترشيحه للتكريم في هذا المنتدى‪ ،‬فهو‬ ‫كتابه الذي صدر باللغة اإلنجليزية بعنوان‪A( :‬‬

‫وإضافة إلى كتابه‪« :‬نموذج اقتصادي قياسي‬ ‫لالقتصاد السعودي»‪ ،‬فقد نشر العديد من‬ ‫المقاالت باللغتين العربية واإلنجليزية‪ ،‬وألقى‬ ‫م�ح��اض��رات ع��ن النمو االق �ت �ص��ادي وف��رص‬ ‫األعمال في المملكة العربية السعودية في‬ ‫أنحاء كثيرة من العالم‪.‬‬

‫‪Structural Econometric Model of the Saudi‬‬

‫‪« )Arabian Economy: 1960 - 1970‬ن �م��وذج‬ ‫اقتصادي قياسي لالقتصاد السعودي من عام‬ ‫‪ 1960‬إلى عام ‪1970‬م»‪.‬‬ ‫ه��ذا ال�ك�ت��اب ه��و أط��روح��ة ال��دك �ت��وراه التي‬ ‫حصل عليها ‪ -‬كما أشرنا ‪ -‬عام ‪1973‬م‪ ،‬وقد‬ ‫صدر الكتاب عام ‪1977‬م في نيويورك عن دار‬ ‫جون ويلي‪ ،‬بعد أن حدّث المؤلف بعض البيانات‬ ‫اإلحصائية‪ ،‬وحذف أجزاء نظرية من األطروحة‪.‬‬ ‫وقد وصفته المجلة العلمية األمريكية الشهيرة‬ ‫«ذا أم��ري �ك��ان إي�ك��ون��وم�ي��ك ري�ف�ي��و» ف��ي ع��دده��ا‬ ‫ال��ص��ادر ف��ي ي��ون�ي��و ‪1977‬م‪ ،‬ب��أن��ه‪ :‬أول عمل‬ ‫رئيسي كمي عن االقتصاد السعودي‪ ،‬وأنه كتاب‬ ‫فريد يبين كيف يمكن التعامل بطريقة رياضية‬ ‫إحصائية م��ع اق�ت�ص��اد يتسم بشح المعلومات‬ ‫وال�ب�ي��ان��ات اإلح�ص��ائ�ي��ة ال��دق�ي�ق��ة‪ ،‬وك�ي��ف يمكن‬ ‫تكييف المصطلحات والتعريفات االقتصادية مع‬ ‫الواقع الميداني بهذه الخصائص‪.‬‬

‫ شارك في رئاسة وعضوية العديد من مجالس‬‫اإلدارات واللجان والهيئات مثل‪ :‬بترومين‪،‬‬ ‫والمؤسسة العامة لتحلية المياه‪ ،‬وصندوق‬ ‫معاشات التقاعد‪ ،‬واللجنة االستشارية الفنية‬ ‫لمجلس البترول األعلى‪ ،‬وسابك‪ ،‬والصندوق‬ ‫ريادية ه��ذا الكتاب‪ ،‬إذاً‪ ،‬تتمثل في أن��ه أول‬ ‫السعودي للتنمية الصناعية‪ ،‬ومعهد اإلدارة ك �ت��اب ي �ق��دم م��ا ي �ع��رف ب �ـ «ال �ن �م��وذج القياسي‬ ‫الدولي في جنيف‪ ،‬والخطوط الجوية العربية االقتصادي» أو ال�ـ (‪ )Econometric Model‬عن‬ ‫ال �س �ع��ودي��ة‪ ،‬وال �م��ؤس �س��ة ال �ع��ام��ة ل�ل�م��وان��ئ‪ ،‬االقتصاد السعودي‪ ،‬وقد تمكن المؤلف من خالل‬

‫‪10‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫‪ .1‬إن معظم تلك النماذج االقتصادية القياسية‬ ‫تعتمد على ال�م�ع��ادل��ة الشهرية ال�ت��ي تنص‬ ‫على أن ال��دخ��ل الكلي ي �س��اوي االستهالك‬ ‫واالستثمار واإلن�ف��اق الحكومي‪ ،‬وق��د تجنب‬ ‫ال �م��ؤل��ف اس��ت��خ��دام ه���ذه ال �ط��ري �ق��ة؛ ففي‬ ‫المملكة العربية السعودية‪ ،‬يمكن القول إن‬ ‫النفط‪ ،‬وليس الطلب الكلي‪ ،‬هو الذي يحقق‬ ‫النمو االق�ت�ص��ادي؛ وعليه ف��إن األف�ض��ل هو‬ ‫بناء النموذج االقتصادي القياسي لالقتصاد‬ ‫ال �س �ع��ودي‪ ،‬على أس��اس م�ع��ادل��ة تنص على‬ ‫أن الناتج المحلي اإلجمالي يساوي الناتج‬ ‫المحلي اإلجمالي لقطاع النفط‪ ،‬مضافاً إليه‬ ‫الناتج المحلي اإلجمالي للقطاعات األخرى‪.‬‬

‫لقد ت�ح�وّل كتاب الدكتور فيصل البشير ‪-‬‬ ‫ولفترة طويلة ‪ -‬إل��ى مرجع علمي ال غنى عنه‬ ‫لكل باحث اقتصادي مهتم باالقتصاد السعودي‪،‬‬ ‫وخ �ص��وص �اً المهتمين ب��ال �ن �م��اذج االق�ت�ص��ادي��ة‬ ‫القياسية‪ .‬وعلى الرغم من مضي مدة طويلة على‬ ‫نشر الكتاب‪ ،‬وتغير مالمح االقتصاد السعودي‪،‬‬ ‫وصدور العديد من الكتب واألبحاث العلمية عن‬ ‫االقتصاد السعودي منذ ذل��ك الوقت‪ ،‬فما زال‬ ‫االقتصاديون ينظرون إلى هذا الكتاب بوصفه‬ ‫إضافة رئيسة مهمة في مجاله‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫النموذج من تصوير االقتصاد السعودي على هيئة‬ ‫مجموعة من المعادالت الرياضية اإلحصائية‪،‬‬ ‫ال �ت��ي ت �ب � ّي��ن ت �ش��اب��ك ال �ع�لاق��ات ب �ي��ن ق�ط��اع��ات‬ ‫االقتصاد والتأثيرات المتبادلة بينها‪ .‬كما أن‬ ‫هذا النموذج يختلف عن النماذج التي صممت‬ ‫لبلدان أخرى بخصائص ثالث‪ ،‬أرجو أن يأذن لي‬ ‫الحضور الكرام بذكرها رغم تخصصاتها‪ ،‬وذلك‬ ‫توثيقاً للمناسبة‪ .‬وهذه الخصائص‪ ،‬كما ذكرها‬ ‫المؤلف‪ ،‬هي‪:‬‬

‫المملكة في ذلك الوقت‪ ،‬لذلك رأى الدكتور‬ ‫البشير أن األمر ال يتطلب بناء معادلة مستقلة‬ ‫للصادرات كي تقابل معادلة الواردات‪.‬‬

‫لن يسمح لي الوقت وال الطبعة الفنية المغرقة‬ ‫ف��ي التخصصية ب��اس �ت �ع��راض ال �ك �ت��اب‪ ،‬ولكنه‬ ‫ باختصار ‪ -‬ن�م��وذج ري��اض��ي إحصائي يمكن‬‫تقسيمه إلى أربع مجموعات رئيسة‪ ،‬تحتوي كل‬ ‫مجموعة على ع��دد من المعادالت على النحو‬ ‫اآلتي‪:‬‬ ‫‪ .1‬الدخل الكلي‪ :‬ويحتوي على ثماني معادالت‬ ‫رئيسة‪.‬‬ ‫‪ .2‬اإلنفاق الكلي‪ :‬ويحتوي على تسع معادالت‪.‬‬

‫‪ .2‬عادة ما تعامل النماذج االقتصادية القياسية‬ ‫اإلن �ف��اق ال�ح�ك��وم��ي ع�ل��ى أن��ه متغير يتحدد ‪ .3‬القطاع النقدي‪ :‬ويحتوي على معادلتين‪.‬‬ ‫م��ن خ ��ارج ال �ن �م��وذج ال��ري��اض��ي ‪ .4 Exogenous‬تعريفات‪ :‬وتحتوي على ست معادالت‪.‬‬ ‫‪ ،Variable‬بينما ف��ي النموذج ال��ذي صمّمه‬ ‫وت� �ت� �ف ��رع ع� ��ن ه � ��ذه ال � �م � �ع� ��ادالت ال �خ �م��س‬ ‫الدكتور البشير جرى اعتبار اإلنفاق الحكومي وال�ع�ش��ري��ن‪ ،‬ع �ش��رات ال �م �ع��ادالت ال�ف��رع�ي��ة‪ ،‬كل‬ ‫كمتغير يتحدد من داخ��ل النموذج الرياضي ذلك تم تقديره وقياسه رقمياً من قبل المؤلف‪،‬‬ ‫‪ ،Endogenous Variable‬وسبب ذلك أن تأثير على الرغم من عدم توافر البيانات اإلحصائية‬ ‫النفط على االقتصاد السعودي إنما يتحقق الدقيقة عن االقتصاد السعودي‪ ،‬وقد تكلل هذا‬ ‫بشكل أساسي عبر ميزانية الدولة‪.‬‬ ‫الجهد عن بناء نموذج رياضي إحصائي يصوّر‬ ‫‪ .3‬ال يتضمن هذا النموذج االقتصادي القياسي االقتصاد السعودي وفق معطيات علم االقتصاد‪،‬‬ ‫قطاعاً للصادرات‪ ،‬وذلك ألن القطاع النفطي وب��اس �ت �خ��دام التقنيات ال��ري��اض�ي��ة اإلحصائية‬ ‫ي�ش�ك��ل ن�ح��و ‪ %100‬م��ن إج �م��ال��ي ص���ادرات المتقدمة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪11‬‬


‫من أجل ذلك يتم تكريم الدكتور فيصل البشير‬ ‫في هذا المساء من قبل «منتدى األمير عبدالرحمن‬ ‫بن أحمد السديري للدراسات السعودية»؛ فشكراً‬ ‫للدكتور البشير على جهده المتميز وري��ادت��ه‪،‬‬ ‫وشكراً لمؤسسة األمير عبدالرحمن السديري‬ ‫الخيرية على مبادرتها الكريمة ‪ -‬كما هي دائماً‬ ‫ف��ي م�ب��ادرات�ه��ا وف��ي ري��ادت�ه��ا‪ -‬وع�ل��ى م��ا قدمته‬ ‫وتقدمه من جهود مشكورة إلثراء الحياة الثقافية‬ ‫ف��ي ه ��ذه ال�م�ن�ط�ق��ة (ال� �ج ��وف)‪ ،‬وف ��ي المملكة‬ ‫رئيس مجلس اإلدارة يكرم الدكتور البشير‬ ‫عموماً‪ ،‬من خالل إصداراتها العديدة من الكتب‬ ‫والمجالت الرصينة‪ ،‬وم��ا تقيمه م��ن منتديات من ساعدهم – رحمة الله عليه ‪ -‬ولك يا أخي‬ ‫ولقاءات وأنشطة منبرية»‪.‬‬ ‫فيصل ك��ل الشكر والتقدير‪ ،‬وإن�ن��ي مدين لكم‬ ‫وبعد انتهاء كلمة معالي د‪ .‬عبدالواحد الحميد دائماً‪ ،‬وكنت دائماً أقول‪ :‬أنني مدين لوطني الذي‬ ‫ال بسيطاً‬ ‫تفضل رئيس مجلس إدارة المؤسسة فيصل بن سمح لي وأعطاني الفرصة أن أكون ممث ً‬ ‫عبدالرحمن السديري بتكريم شخصية المنتدى على مسرح التنمية بالمملكة العربية السعودية‪.‬‬ ‫الدكتور فيصل بن صفوق البشير‪.‬‬ ‫فيا إخوتي أصحاب المعالي والسعادة‪ ،‬ويا‬

‫كلمة الشخصية المكرمة‬

‫الدكتور فيصل بن صفوق البشير‬ ‫«سعادة األخ فيصل بن عبدالرحمن السديري‬ ‫رئ��ي��س م �ج �ل��س إدارة م��ؤس �س��ة ع �ب��دال��رح �م��ن‬ ‫السديري الخيرية‪ ،‬التي تحمل اسم شخص أدين‬ ‫له – يرحمه الله ‪ -‬بكل عرفان وشكر وتقدير‪،‬‬ ‫وليرحمه الله؛ لقد ك��ان كريماً في حياته‪ ،‬وها‬ ‫هم أبناؤه ومؤسسته يكرّمونني اآلن بعد وفاته؛‬ ‫فلهم مني جزيل الشكر والعرفان‪ ،‬ويشهد الله‬ ‫أنني عاطفي‪ ،‬حين أخبرني األخ الدكتور زياد‬ ‫ابن عبدالرحمن السديري‪ ،‬قلت‪ :‬لقد أكرمتموني‬ ‫حين كنت طفالً‪ ،‬وتكرمونني اآلن بعد وفاة والدكم‬ ‫أبو فيصل يرحمه الله؛ حين أتيته هنا ومد يد‬ ‫العون المعنوي لي عندما ع� َّز العون من أقرب‬ ‫األقرباء‪ ،‬واستمر حين كبرت بالعمر‪ ،‬ومناصب‬ ‫الدنيا فانية‪.‬‬

‫أخواتي المستمعات في القسم النسائي‪ ،‬أرجو‬ ‫منكم المعذرة إن أخطأت‪ ،‬وإن كان في نظري‬ ‫شيء من التقصير في هذه األمسية‪ ،‬فال أجد‬ ‫أع� � َّز م�ن�ك��م‪ ،‬وأث ��ق إن ش��اء ال �ل��ه أن �ك��م تسترون‬ ‫العيب إن حدث في هذا المساء‪ .‬ولك يا أخي‬ ‫الدكتور عبدالواحد الحميد‪ ،‬وي��ا من عرفتني‬ ‫على صفحات الجرائد‪ ،‬وأن��ا والله عرفتك من‬ ‫كتاباتك‪ ،‬حين كنت في جامعة الملك فهد للبترول‬ ‫والمعادن‪ ،‬كنت أخ�اً عزيزاً‪ ،‬عرفتك عن طريق‬ ‫الجرائد‪ ،‬واآلن أعرفك مرة أخرى والحمد لله‪،‬‬ ‫فلك مني الشكر والعرفان على هذه المقدمة‪.‬‬

‫والحمد لله أنني ال أستطيع الليلة ‪ -‬ألسباب‬ ‫كثيرة ‪ -‬أن أت�ح��دث معكم ع��ن اإلكنوميتركس‬ ‫(‪( )Econometrics‬االقتصاد القياسي) ألسباب‬ ‫ع��دة؛ أول�ه��ا أن�ن��ي ‪ -‬شخصياً ‪ -‬أع�ت��رف أنني‬ ‫«صدّيت»‪ ،‬والعمل اإلداري في الحقيقة أوصلني‬ ‫إلى مرحلة كان من المفروض أن أكتب المجلد‬ ‫حد ما عن الرياضيات‪ ،‬بحيث‬ ‫لقد كان أباً رحيماً‪ ،‬ولم يفرق بيني وبين كل بلغة تختلف إلى ٍ‬

‫‪12‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫ت� �ك ��ون م �ف �ه��وم��ة م ��ا أم �ك��ن‬ ‫لجميع من يقرءون الكتاب‪.‬‬ ‫إذ أن أحد وجهاء المملكة‬ ‫وقادتها حين أهديته الكتاب‪،‬‬ ‫وب �ع��د ن�ح��و ش �ه��ر‪ ،‬حدثني‬ ‫ق ��ائ�ل�اً ‪ :‬م��ن أج ��ل أن أف�ه��م‬ ‫كتابك يجب أن تكون معي‬ ‫ط��وال الساعات‪ ،‬فهو كتاب‬ ‫ص �ع��ب‪ .‬وق��اب �ل��ت الشخص‬ ‫ال� ��ذي يُ �ع��د أب االق �ت �ص��اد‬ ‫القياسي البروفيسور جان‬ ‫تمبرجن (‪)Jan Tempergen‬‬ ‫الهولندي الشهير‪ ،‬حين زرته‬ ‫ف��ي بيته ف��ي الهيل (ت��وف��اه‬ ‫الله)‪ ،‬كنا نقرأ عنه‪ ،‬وقال ما يلي‪« :‬أذكرها لسبب‬ ‫من يرغبون أن يدرسون هذا االختصاص الجزئي‬ ‫في علم االقتصاد»‪ ،‬ألنه وصل إلى مرحلة الكفر‬ ‫في المعادالت الرياضية والكتابة عن االقتصاد‪،‬‬ ‫فكتب مقالة شهيرة‪« :‬من أراد أن يكون اكنموتريشن‬ ‫(‪ )Eknemotration‬يجب أن يكون اقتصادياً أوالً‬ ‫وقوياً في النظرية االقتصادية‪ ،‬فال يستطيع أن‬ ‫يتعذر وراء المعادالت الرياضية في معادالت‬ ‫ونماذج ال تفهم‪ ،‬وحقاً المهم تشخيص األمر قبل‬ ‫البدء في كتابة المعادالت‪ ،‬فإن لم تفهم البيئة‬ ‫التي تكتب عنها بمعادالت رياضية‪ ،‬فالسامع أو‬ ‫القاريء لن يستطيع فهمك‪ ،‬وهذا ما حدث في‬ ‫منتصف الستينيات إلى السبعينيات‪.‬‬ ‫كانت الكتابة في االقتصاد الرياضي بالذات‪،‬‬ ‫واالكنوميتركس (‪ )Econometrics‬عقيمة إلى‬ ‫درجة أن المباراة كانت في المعادالت الرياضية‪،‬‬ ‫ولحقه كذلك بروفيسور آخر (كفر بهذا الموضوع‬ ‫أيضاً) هو لينيتيف (‪ ،)Lenitive‬الذي يعد من عمل‬ ‫حد ما) ما يسمى بالمدخالت والمخرجات‪،‬‬ ‫(إلى ٍ‬ ‫كذلك ق��ال إن المعامالت الرياضية أو الكتابة‬

‫د‪ .‬البشير أثناء القاء كلمته‬

‫الرياضية ال تمثل علم االقتصاد‪.‬‬

‫ق�����درات ه��ائ��ل��ة‪ ..‬ان���ج���ازات اق��ت��ص��ادي��ة‬ ‫متواضعة‪ ..‬لماذا؟‬ ‫منذ أن بدأ اإلنسان الكد والكدح‪ ،‬كان هدفه‬ ‫رفع مستواه المعيشي من جميع النواحي‪ ،‬وأدركت‬ ‫ذلك الشعوب وقياداتها‪ ،‬واتخذت التطور كضرورة‬ ‫ملحة من أجل تنفيذ التنمية االقتصادية‪ ،‬والتي‬ ‫يجب أن تقود إلى ما يسمى بالتنمية اإلنسانية‬ ‫الشاملة‪ ،‬ويجب أن نتذكر بأن كل اإلحصاءات‬ ‫المعلنة ذات األرق ��ام العالية‪ ،‬وذات ال��زي��ادات‬ ‫المستمرة عاما بعد عام‪ ،‬مثل دخل الفرد‪ ،‬ونسبة‬ ‫نمو الدخل الوطني‪ ،‬تبقى مجرد أرقام يتغنى بها‬ ‫محاسبو الحسابات الوطنية‪ ،‬وهي ال تسمن وال‬ ‫تغني من جوع إن لم تترجم تلك الزيادات في رفع‬ ‫مستوى الفرد ورفاهيته على أرض الواقع‪.‬‬ ‫إذاً‪ ،‬نستطيع أن نقول‪ ،‬كما قال أحد حاملي‬ ‫جائزة نوبل في االقتصاد‪« :‬بئس التطور إن لم‬ ‫يقد إلى ذلك الهدف النبيل (التنمية اإلنسانية‬ ‫الشاملة)»‪ ،‬وأي شيء خالف ذلك ما هو إال تنمية‬ ‫غير حقيقية تتذكر وتنفع القلة‪ ،‬وتنسى وال تنفع‬ ‫الكثرة‪ .‬وتترك هيكل اقتصاد البلد غير متزن‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪13‬‬


‫وال يقوى على درء األخطار التي قد تحيط به أن التطور والتنمية رتابة في الحياة‪ ،‬ذو تغيرات‬ ‫مهما كانت ضعيفة‪ .‬فالتطور الزائف إذاً يقود تدريجية بطيئة‪.‬‬ ‫إلى تنمية زائفة‪.‬‬ ‫ينهار سوق األسهم‪ ،‬ويخسر الناس مدخراتهم‬

‫ال يُنكر أي فرد صادق مع الله ثم مع نفسه‪ ،‬أن‬ ‫قيادة المملكة ابتعدت عن التطور الملفت للنظر‬ ‫فقط من أجل االدعاء أمام العالم أنها متطورة؛ بل‬ ‫وضعت نصب أعينها التنمية اإلنسانية الشاملة‪،‬‬ ‫من خالل التطور الحقيقي الذي قاد إلى التنمية‬ ‫الحقيقية‪ .‬ونجحت هنا وهناك‪.‬‬ ‫وم��ع م ��رور ال��زم��ن ب��دأ اإلن �س��ان ي�لاح��ظ أن‬ ‫تنمية المملكة أخ��ذت تتباطأ نسبياً‪ ،‬مقارنة‬ ‫بالقدرة المتاحة والكامنة لالقتصاد السعودي‬ ‫ب��ال��ذات‪ .‬وه��ذا ك��ان وم��ا زال واض�ح�اً من خالل‬ ‫ع��دم ال�ق��درة على تقديم الخدمات الضرورية‬ ‫الكافية‪ ،‬وال�م��ؤث��رة مباشرة ف��ي ح�ي��اة اإلن�س��ان‬ ‫ومستوى معيشته‪ ،‬وكذلك عدم القدرة على تنويع‬ ‫قاعدة االقتصاد اإلنتاجية المتوخّ اة‪ .‬وعوضاً عن‬ ‫الرفاهية المستمدة من سعادة الفرد بمستواه‬ ‫المعيشي وأم��ان��ه على مستقبله‪ ،‬انتشر الهم‬ ‫والغم والتضجر‪ ،‬وب��دأ تأثير ذل��ك واض�ح�اً في‬ ‫سلوكيات الناس حيال بعضهم بعضاً‪ ،‬ومجتمعهم‬ ‫ككل‪ ،‬وخاصة التشكيك فيما تعلنه الدولة لخير‬ ‫الجميع‪.‬‬ ‫وح��ي��ن ت��ؤي��د ب �ك��ل ص� ��دق ب �ع��ض م ��ا ي�ق��ول��ه‬ ‫المتضجرون‪ ،‬ينبري فريق ويذكر السامعين بأين‬ ‫كنا وكيف أصبحنا‪ ،‬وأن ال نستعجل في اإللحاح‬ ‫باإلسراع في التنمية‪ .‬وحين تشكر الله الواحد‬ ‫األح��د وتُ� َذ ِّك��ر عديم أو قليل الطموح بإمكانات‬ ‫المملكة االقتصادية‪ ،‬وتسأله ما الذي يمنع أن‬ ‫أطمح أكثر إذا كان في مقدور اقتصاد المملكة‬ ‫العطاء إن زادت كفاءته؟ يدافع بأن في التأني‬ ‫السالمة‪ ،‬واحفظ قرشك األبيض ليومك األسود‬ ‫(ال ي��ؤم��ن ب��أن استثمار ال �ق��رش األب �ي��ض لليوم‬ ‫األسود أفضل)؛ فهو عقيم في التفكير والمنطق‪،‬‬ ‫ممزوج بطموح محدود‪ ،‬وإيمان ‪ -‬مطلق نسبياً‪-‬‬

‫‪14‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫إال القلة‪ ،‬وتزداد الفجوة لدرجة كبيرة في عدالة‬ ‫ت��وزي��ع ال��دخ��ل ف �ج��أة‪ ،‬وم��ا عليك إال ال��رض��ا‪..‬‬ ‫ألن هذا يحدث في جميع أنحاء العالم‪ .‬وحين‬ ‫تذكّره أن بعض دول العالم التي واجهت أقل مما‬ ‫ح��دث لنا من انهيار‪ ،‬قد واجهت األم��ر بحزم‪،‬‬ ‫وخففت عن المتضررين بإجراءات محددة نفذت‬ ‫فعلياً‪ ،‬يذكرك بقدسية االقتصاد الحر‪ ،‬وعدالة‬ ‫ميكانيكية السوق‪.‬‬

‫وح �ي��ن ت��ذ ّك��ره أن ال ق��دس�ي��ة إال ل�ل��ه العلي‬ ‫العظيم‪ ،‬وأن معاقل االقتصاد الحر لم تؤمن بما‬ ‫تؤمن به بعدالة ميكانيكية السوق‪ ،‬بحيث واجهت‬ ‫مشكلة االئتمان باإلسكان في الواليات المتحدة‬ ‫بحزم‪ ،‬لحماية ‪ -‬ما يقارب آن��ذاك ‪ -‬أربعمائة‬ ‫ألف أسرة من فقدان منازلها‪ ،‬وها هي بريطانيا‬ ‫تنقذ بنك نورثرن راك مباشرة عن طريق ضمان‬ ‫وزارة المالية ‪ -‬وال��ذي يقال إن��ه لم يحدث في‬ ‫تاريخها ‪ -‬لكنها وجدت أن ال فائدة من العناد‪،‬‬ ‫وإيمانا بقدسية االقتصاد الحر ويده السحرية‪،‬‬ ‫حين يتعلق األمر برفاهية وأمان الناس‪ ،‬صد ذلك‬ ‫الشخص عنك وتمسّ ك برأيه وق��ال إن وضعنا‬ ‫يختلف؛ وحين يفقد ولي األمر الصبر‪ ،‬ويبدأ في‬ ‫اتخاذ ال�ق��رارات االقتصادية مباشرة للتخفيف‬ ‫من عناء ال�ن��اس‪ ،‬س��واء تجاه انهيار األسهم أو‬ ‫التضخم‪ ،‬فإنه يتمنى لو أن ولي األمر ترك األمر‬ ‫كما كان‪.‬‬ ‫هذا هو التفكير الذي قادنا إلى هذا الوضع‬ ‫غير المريح اقتصادياً‪ .‬حقاً‪ ،‬إنه فك ٌر اقتصاديُ‬ ‫ض��ال ومضلل‪ ،‬ق��اد إل��ى ع��دم وض��وح الرؤية في‬ ‫مواضع اقتصادية كثيرة‪ ،‬قادت إلى عدم وجود‬ ‫سياسة اقتصادية واضحة في المملكة‪ ،‬مقارنة‬ ‫بسياسة الدولة في العالقات الدولية والسياسة‬ ‫البترولية‪ ،‬فالعالقات والسياسة الدولية للمملكة‬


‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫ت�ت�ص��ف ب��وض��وح �ه��ا‪ ،‬واع �ت �م��اده��ا ع �ل��ى ث��واب��ت‬ ‫واضحة ال تتطلب اإلفصاح عنها إال نادراً‪ .‬فنحن‬ ‫بل ٌد مسلم ع��رب��ي‪ ،‬يتفاعل م��ع محيطه األق��رب‬ ‫بكل رحمة وك��رم‪ ،‬وم��ع محيطه العالمي حسب‬ ‫المصالح المتبادلة النافعة له ومحيطه األقرب‪،‬‬ ‫وما على السياسي والدبلوماسي السعودي إال‬ ‫التحرك تحت مظلة هذه الثوابت‪.‬‬

‫م�ق��ارن��ة ب�م��ا ذك��رت��ه فيما يتعلق بالسياسة‬ ‫الدولية للمملكة‪ ،‬وكذلك السياسة البترولية‪ ،‬ماذا‬ ‫يجد الباحث م��ن ناحية السياسة االقتصادية‬ ‫في المملكة؟ هي سياسة ليست واضحة أوالً‪،‬‬ ‫فهي مبعثرة ال ترابط بين أجزائها‪ ،‬وتفتقد إلى‬ ‫االستمرارية‪ ،‬وتتصف بردات الفعل‪ ،‬وهي ليست‬ ‫م��رن��ه‪ ،‬ف��ال�ق��ول إن�ه��ا ل��دف��ع التنمية إل��ى األم��ام‬ ‫لرفاهية المجتمع ال يكفي‪ ،‬فنحن نحتاج إلى‬ ‫خريطة تنفيذية تحت مظلة سياسة اقتصادية‬ ‫واض �ح��ة األه� ��داف ل��دف��ع التنمية إل��ى األم ��ام‪.‬‬ ‫إذاً الكثير من الناس ي��رى أن سياسة المملكة‬ ‫االقتصادية غير واضحة‪ ،‬وغير مرنة‪ ،‬ونتساءل‬ ‫لماذا نحن هكذا؟!‬

‫كانت المملكة ال تذّكر بهذه الثوابت دائماً‪،‬‬ ‫ألنها في رأيها واضحة‪ ،‬وقاد هذا إلى سوء فهم‬ ‫بعضهم‪ ،‬وخبث متعمد من آخرين‪ .‬وأخيراً وصلت‬ ‫المملكة إلى تلك المرحلة من الشموخ والثقة‪،‬‬ ‫فأعلنت أنها ال تحتاج إل��ى ش�ه��ادة تزكية على‬ ‫عروبتها وإسالمها من أحد‪ ،‬مهما كان ذلك فرداً‬ ‫ظننا أننا أقنعنا منذ السبعينيات الميالدية‬ ‫أو مجموعة من الناس‪ ،‬أو دوالً كبرى أو صغرى؛‬ ‫بعض المجموعات السعودية‪ ،‬والتي كانت تجتهد‬ ‫فالسياسة الدولية للمملكة العربية السعودية إذاً‬ ‫وتؤمن بأن في التأني السالمة (ال تندفع أكثر‬ ‫واضحة وقادرة على التكيّف وفق الظروف‪.‬‬ ‫من ال�لازم‪ ،‬لكن ما هو ذلك ال�لازم؟ ال ن��دري)؛‬ ‫ومنذ الستينيات الميالدية والمملكة تحاول ف��ال�ل�ازم م�ت�غ� ّي��ر ح�س��ب ال� �ظ ��روف‪ ..‬ال ي��ؤم�ن��وا‬ ‫أن تجعل م��ن ال �ب �ت��رول ذل��ك ال�ع��ام��ل اإلن�ت��اج��ي باستثمار ال �م��وارد المالية المتاحة بالسرعة‬ ‫الكبير‪ ،‬والذي سيرفع من تنميتها لخير شعبها‪ .‬القصوى‪ ،‬فاالدّخار وتكديس سبائك الذهب هو‬ ‫فحافظت على مصدر رزق�ن��ا واس�ت�ف��ادت منه‪ ،‬األسلم‪ ،‬وهو الثروة الحقيقية بالنسبة لهم‪ .‬مع‬ ‫ورفعت المستوى المعيشي للشعب السعودي‪ ،‬أن العالم أجمع كفر بذلك القول منذ عشرات‬ ‫وأف���ادت ك��ل م��ن ت �ب��ادل المصالح معنا‪ .‬وحين ال�س�ن�ي��ن‪ .‬ف��ال �ث��روة الحقيقية ال��دائ �م��ة ليست‬ ‫استعمل كسالح إلحقاق الحق العربي‪ ،‬استعملته بتكديس الذهب والفضة‪ ،‬بل باستثمار العنصر‬ ‫بطريقة ذكية جلبت اح�ت��رام األص��دق��اء وحسد البشري لخلق تنمية حقيقية يعم نفعها الجميع‪،‬‬ ‫األعداء‪ ،‬وحين بدأ البعض من دول وأفراد لجر وبرهن ألولئك الناس أن المال السائل عرضة‬ ‫المملكة الستعماله كسالح ثانية‪ ،‬كانت سياستها للتهالك م��ن خ�لال التضخم العالمي بنقصان‬ ‫البترولية واضحة وضوح الشمس كذلك‪ .‬البترول القدرة الشرائية للعملة مع مرور الزمن‪ .‬وبرهن‬ ‫سلعة إستراتيجية يجب أن يستغل من أجل خير لهم أن ال �ث��روة الحقيقية المنتجة ه��ي مثالً‪:‬‬ ‫المملكة وال�ع��ال��م أج�م��ع‪ .‬وه��ذا م��ا أك��ده الملك سابك‪ ،‬ومصافي البترول‪ ،‬وأنابيب نقل المواد‬ ‫المحبوب عبدالله بن عبدالعزيز –حفظه الله ‪ -‬السائلة‪ ،‬وإنشاء الجامعات‪ ،‬وجميع التجهيزات‬ ‫في قمة أوب��ك الثالثة التي عقدت في الرياض األساسية التي تحتاج لها المملكة من أجل دفع‬ ‫تنميتها لرفع رفاهية شعبها‪.‬‬ ‫أخيراً‪ ،‬أن (البترول لن يستعمل لخراب العالم‬ ‫لكنهم هجعوا إلى حين‪ ،‬وهم يشككون سراً‬ ‫بل من أجل إعماره ونحن أوالً وأخ��راً ج��زءٌ من‬ ‫وعالنية بما وض��ح أن��ه إستراتيجية اقتصادية‬ ‫هذا العالم)‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪15‬‬


‫واضحة آن��ذاك‪ ،‬تدعو إل��ى االستثمار من أجل‬ ‫اإلنتاج المادي والمعنوي‪ .‬وحين نجحت المشاريع‬ ‫اإلنتاجية تقمصوا أبوتها‪ ،‬بل انتحلوا صفة الوالد‬ ‫الحنون ال��ذي رعاها منذ ال��والدة‪ ،‬وحقاً صدق‬ ‫من ق��ال‪ :‬ما أكثر من يدعي أب��وة النجاح؛ وفي‬ ‫هذه األيام عادت حليمة إلى عادتها القديمة بعد‬ ‫أن مررنا بالركود االقتصادي في الثمانينيات‬ ‫الميالدية‪ ،‬وارت�ف��اع أسعار البترول منذ حوالي‬ ‫‪ 4‬سنوات‪ ،‬وبدءوا يذكّرون بأن تلك الفترة كانت‬ ‫عصيبة‪ ،‬وما حمانا اقتصادياً إال تلك األرصدة‬ ‫المتوافرة آنذاك‪ ،‬مع أن االستثمار لتنويع قاعدة‬ ‫االق �ت �ص��اد ورف ��ع ط��اق�ت��ه اإلن�ت��اج�ي��ة ق��د توقفت‬ ‫ت�ق��ري�ب�اً‪ ،‬ول �ه��ذا ال أدري أي حماية اقتصادية‬ ‫يتكلمون عنها‪.‬‬

‫الثمن المادي من أجل اإلسراع في تنفيذ المشاريع‬ ‫التنموية التي أثمرت خيراً‪ ،‬مع أن الكثير منهم‬ ‫(أولئك المؤمنون بتكديس األرصدة) سموها في‬ ‫منتصف السبعينيات ‪ -‬على صفحات الجرائد‬ ‫ «تعرية» وليست تنمية! لكن القيادة الحكيمة‬‫رف�ض��ت نصائحهم‪ ،‬ألن�ه��ا ت��ؤم��ن بنبل التنمية‬ ‫الحقيقية لرفع رفاهية الشعب السعودي‪.‬‬

‫وفي هذه األيام بدءوا علنا أو سراً‪ ،‬مباشرة‬ ‫أو غير مباشرة بالدعوة إلى أو اإليحاء بفائدة‬ ‫تكديس األرص��دة‪ ،‬في حين أن مشاريع التنمية‬ ‫متأخرة‪ ،‬والتضخم يسري سريعاً في االقتصاد‪،‬‬ ‫والفرد السعودي ال ينتهي من كارثة‪ ،‬إال وتعصف‬ ‫به أخرى‪ .‬وهم ثابتون صامدون يرون بأن أنجع‬ ‫سياسة اقتصادية هي عدم التحرك السريع! مع‬ ‫هم جماعة العمل المحاسبي في الشركات‪ ،‬أن الظروف كلها تغيرت وأثبتت أن نظريتهم في‬ ‫يؤمنون بالتدفق النقدي ومستواه سنوياً‪ ،‬فإن لم إدارة االقتصاد ال فائدة منها في هذه الظروف‪.‬‬ ‫يتوافر المال ينتظرون حتى تُفرج‪ .‬يفرحون كثيراً‬ ‫لهذه األسباب نحن نعاني اقتصادياً بالذات‪،‬‬ ‫حين يكون عمود الدخل أكثر من المصروفات‪ ،‬نعاني ونتساءل ما هي القيمة الفعلية المفقودة‬ ‫فالمدة سنة والفرح سيعم‪ ،‬لكن سياسة االقتصاد إن لم يتعلم من يرغب من أبنائنا في المدارس‬ ‫من أجل التنمية ال تدار هكذا‪ ..‬وفترتها ليست والجامعات؟! وما هي القيمة الحقيقية المفقودة‪..‬‬ ‫سنة واحدة‪ .‬هم مساكو دفاتر الحساب السنوي حين ال يوجد السكن الصحي‪ ،‬والطريق السليم‪،‬‬ ‫الموظف‬ ‫ِ‬ ‫وه��ذا م��ا يميزهم ع��ن علماء المحاسبة الذين والماء‪ ،‬والصرف الصحي‪ ،‬والمصنع‬ ‫يؤمنون باالستثمار من أجل التنمية‪ ،‬ال يعرفون‪ ،‬للسعودي؟! وقارن مجموع هذه القيمة المفقودة‬ ‫أو يجهلون‪ ،‬أو يتجاهلون أن ث��روة الوطن أكبر ب��ال��ذات م��ن تنمية المملكة بمقادير األرص��دة‬ ‫م��ن أرق ��ام ال��دخ��ل ال�س�ن��وي‪ .‬ت��راه��م ال يفكرون النقدية المتجمعة في خزائننا وبنوك العالم‪.‬‬ ‫بشراء الوقت ال�لازم لتنفيذ المشروع التنموي إنني على يقين أن خسارتنا التنموية لن تعوضها‬ ‫ب��ال�م��ال‪ ،‬وه��م ف��اق��دو القيمة م��ع م��رور ال��زم��ن‪ - .‬قيم ًة وزمناً ‪ -‬كل األرص��دة المتكدسة اآلن‪،‬‬ ‫تنصحهم بأن صرف المال من أجل تقليل مدة والتي ستأتي في المدى القصير والمتوسط‪.‬‬ ‫تنفيذ المستشفى‪ ،‬والجامعة‪ ،‬والطرق‪ ،‬والصرف‬ ‫فالمرض ال ينتظر‪ ،‬والجهل لن يزول بالتأني‬ ‫الصحي‪ ،‬واإلس �ك��ان‪ ،‬والمصنع‪ ،‬ذو فائدة أكبر‬ ‫واالنتظار‪ ،‬وخسوف األرض والمساكن من جراء‬ ‫من تكدس األرصدة‪ ،‬فيشكّون بتوازنك الفكري‪.‬‬ ‫عدم إتمام الصرف الصحي لن يتوقف‪ ،‬والمصنع‬ ‫وك��أن��ك باقتراحك ه��ذا تدعو إل��ى قلب األم��ور‬ ‫الذي لم يقم لن يعوض الناتج المفقود من عدم‬ ‫االقتصادية رأساً على عقب؛ مع أن ما تقترحه‬ ‫ق�ي��ام��ة‪ ،‬وال��رف��اه�ي��ة ال�م�ف�ق��ودة لشعب المملكة‬ ‫قامت به دول أخرى‪ ..‬وجنت منه خيراً كثيراً‪ .‬ال‬ ‫العربية السعودية من خ�لال االستثمار األمثل‬ ‫بل إن السعودية في السبعينيات الميالدية دفعت‬

‫‪16‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫إذاً‪ ،‬هذا الفكر االقتصادي الضال والمضلل هو‬ ‫من أهم أسباب وضعنا االقتصادي غير المريح‪،‬‬ ‫إن لم أقل هو السبب الوحيد‪ ،‬ولدفع عجلة التنمية‬ ‫في المملكة باإلمكانات المتاحة والكافية‪ .‬يجب‬ ‫القضاء على هذا الفكر الضال في أسرع وقت‬ ‫ممكن‪ ،‬من أجل االستفادة القصوى من استثمار‬ ‫الجزء األكبر من هذه األرصدة المتكدسة‪ ،‬والتي‬ ‫تتكدس يوماً بعد يوم‪.‬‬

‫‪ .2‬ه��و ف�ك� ُر يترجم وي�ه��اج��م أي شخص يدعو‬ ‫لزيادة الصرف على االستثمار بالمبذر للمال‬ ‫العام‪ .‬وال يفتأ من التذكير بأيام الفقر‪ ،‬وأن‬ ‫توفير األموال هو الحامي ‪ -‬بعد الله سبحانه‬ ‫وتعالى ‪ -‬من العودة إلى تلك األي��ام‪ .‬وتجده‬ ‫في معظم األيام قلقاً وشكاكاً وخائفاً‪ ،‬وكثير‬ ‫التمحيص والتدقيق إل��ى درج��ة السذاجة‪،‬‬ ‫وهذا بطبعه يؤخّ ر تنفيذ المشاريع التنموية‪،‬‬ ‫ألنه ال نهاية للتمحيص والتدقيق‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫لن تعوض؛ ألن الفترة الزمنية والفرصة المتاحة‬ ‫قد ولت إلى األبد ولن تعود‪ .‬ومحاولة التعويض‬ ‫بعد التأخير ستكون مكلفة أك�ث��ر‪ ،‬مهما ح��اول‬ ‫المؤمنون بتكديس األرصدة المالية‪ ،‬إقناعنا أن‬ ‫موجوداتنا المالية نمت بنسبة عالية‪ ،‬وأن الزمن‬ ‫في صالحنا‪.‬‬

‫الكلية لالستثمار ف��ي االق�ت�ص��اد السعودي‬ ‫بالسرعة القصوى‪ .‬فاإليمان بهذه الفكرة هو‬ ‫ إذاً ‪ -‬إما وأد للتنمية المتوخاة‪ ،‬أو إبطاء‬‫لها‪ .‬ويقود في هذه الفترة بالذات إلى زيادة‬ ‫تكدس األرص ��دة المالية ف��اق��دة القيمة مع‬ ‫مرور الزمن‪.‬‬

‫وإليكم بعض صفات هذا الفكر االقتصادي‬ ‫ال �ض��ال (ب �ع��ض ص �ف��ات م��ن ي��ؤم��ن ب �ه��ذا الفكر ‪ .3‬ال يؤمن بأولويات الصرف‪ ،‬ونظرته المحاسبية‬ ‫البدائية توحي له بأن إدارة االقتصاد الكلي‬ ‫االقتصادي الضال والمضلل)‪ ،‬وقد يجد البعض‬ ‫ال تختلف كثيراً عن إدارة شركة ما‪ ،‬بالحكم‬ ‫أن بعض هذه الصفات تنطبق عليه‪ ،‬وأرج��و أن‬ ‫على نتائجها من األرق��ام المجردة‪ .‬ونتائج‬ ‫يعرف القارئ أنني ال أعني فرداً بعينه أو أفراداً‬ ‫نمو االقتصاد تقاس بكم من الناس‪ ،‬وليس‬ ‫على وج��ه التحديد‪ ،‬فتحليلي ه��ذا ينطلق من‬ ‫باألرقام المجردة وحدها‪ ،‬ألن األرقام ال تمثل‬ ‫فلسفة اقتصادية (اقتصادية الرفاهية ‪Welfare‬‬ ‫الحقيقة المبتغاة من أولوية االستثمار في‬ ‫‪)Comics‬؛ فالتطابق هو بالصدفة فقط‪ ،‬وليس‬ ‫العنصر البشري‪ ،‬وتكوين رأس المال المنتج‬ ‫لتصفية حسابات مع أحد‪ ،‬مهما كان هذا األحد‬ ‫لرفاهية المجتمع مهما كبرت تلك األرق��ام‪،‬‬ ‫فرداً أو جماعة‪:‬‬ ‫فر َُّب قليل أفاد أكثر من الكثير‪.‬‬ ‫‪ .1‬ت ��راه ��م ي ��دع ��ون إل���ى أن ال �ق �ط��اع ال �خ��اص‬ ‫السعودي‪ ،‬من الواجب عليه أن يكون مسئوال‬ ‫عن االستثمار‪ ،‬وإدارة األنشطة االقتصادية‬ ‫في المملكة؛ أي يجب أن تبتعد الدولة عن‬ ‫ه��ذه األن�ش�ط��ة تحت م �ب��ررات أك�ث��ره��ا غير‬ ‫منطقي‪ ،‬ويخالف طبيعة االقتصاد السعودي‪.‬‬ ‫ومع كل احترامي للقطاع الخاص السعودي‪،‬‬ ‫ونظراً لصغر حجمه مقارنة بحجم الدولة‪،‬‬ ‫وم��ع ك��ل الديناميكية التي يتصف بها هذا‬ ‫القطاع‪ ،‬فإنه ال يستطيع الوفاء بالمتطلبات‬ ‫جانب من الحضور‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪17‬‬


‫‪ .4‬هو فكر مَن يؤمن به ويستكثر أي إنجاز في‬ ‫االقتصاد مهما صغر‪ ،‬وألنه محدود الطموح‬ ‫متكلس الفكر وال��رؤي��ة‪ ،‬وه��و وه��م‪ ،‬كما ذكر‬ ‫أحد قادة هذه األمة‪« ،‬مثبّطو الهمة»‪ ،‬يرضون‬ ‫بالقليل‪ ،‬في حين أن االقتصاد وبإمكاناته‬ ‫الهائلة يستطيع أن ينجز الكثير والكثير‪ ،‬من‬ ‫المشاريع لخيرنا جميعاً‪ ،‬مما يسمونه دائماً‬ ‫مستحيالً‪.‬‬ ‫‪ .5‬هم يبحثون دائماً ‪ -‬نظراً لحرصهم المميت‬ ‫وإيمانهم بنبل تكدس سبائك الذهب والفضة‪-‬‬ ‫عن االستشارات المؤيدة لفلسفتهم‪ .‬وال أنسى‬ ‫تصرفهم أثناء السبعينيات الميالدية حين‬ ‫ارتفع سعر البترول إل��ى ‪ 34‬دوالراً‪ ،‬وب��دأت‬ ‫تتكدس األموال لعدم قدرة المملكة إدارياً على‬ ‫صرفها بالسرعة المقبولة‪ ،‬لجأوا إلى طلب‬ ‫االستشارات من الخارج‪ ،‬تلك االستشارات‬ ‫التي كانت تنصح المملكة العربية السعودية‬ ‫وقياداتها على أن تركز على إنتاج البترول‬ ‫الخام‪ ،‬وتترك االستثمارات في ذلك الوقت‪،‬‬ ‫ألن ربحية البرميل على سعر ‪ 34‬دوالراً لن‬ ‫يعادلها أي استثمار ف��ي المملكة العربية‬ ‫ال�س�ع��ودي��ة‪ ،‬ون �س��وا أن ال �ه��دف م��ن التنمية‬ ‫في المملكة العربية السعودية ليس تكدس‬ ‫األم��وال بل البشر المتعلم المتمتع بالصحة‬ ‫العالية وتتوافر له المساكن الصحية‪.‬‬

‫‪ .7‬ومن صفات من يؤمن بهذا الفكر االقتصادي‪،‬‬ ‫تحاشيهم النقاش إلي�ج��اد حلول للموضوع‬ ‫الرئيس‪ ،‬وتركيزهم على الجزئيات التي تبدد‬ ‫ع��ادة‪ -‬الجهد الفكري‪ ،‬وتأخذ التنمية في‬‫متاهات من النقاشات العقيمة المستهلكة‬ ‫للجهد والوقت‪ ،‬وهذا دلي ٌل قاط ًٌع على عدم‬ ‫تفهمهم لعملية االقتصاد الكلي‪ ،‬والتي هي‬ ‫القاعدة التي يجب أن تعتمد عليها التنمية‬ ‫اإلنسانية الشاملة‪.‬‬ ‫يحثنا ديننا على االستعداد المبكر (إعقلها‬ ‫وتوكل)‪ ،‬غير أن هذا الفكر االقتصادي الضال‬ ‫ال ي�س�ت�ع��د ل��ل��ط��وارئ‪ ،‬ف �ت��راه��م ي�ل�اق��ون األم��ر‬ ‫بعد أن تحدث أزم��ة ف��ي االق�ت�ص��اد السعودي‪،‬‬ ‫وأخيراً السرية العقيمة التي حرمت البالد حتى‬ ‫م��ن ال�ف��رح واالف�ت�خ��ار ب��االن �ج��ازات االقتصادية‬ ‫وغ�ي��ره��ا‪ ،‬وال أدلّ على ذل��ك م��ن ذك��ر تخفيض‬ ‫الدين العام على استحياء بعد مدة من الزمن‪،‬‬ ‫ال ب��ل التخفيض ب��دأ يذكر بين الحين واآلخ��ر‬ ‫في بعض إحدى دوريات الحكومة‪ ،‬ذكر في سنة‬ ‫واختفى في السنة التي بعدها‪ ،‬وكأننا نخجل من‬ ‫ذكر أن االقتصاد السعودي وقيادته استطاعت أن‬ ‫تخفض الدين‪ ،‬ولم تحّ رج على دَينها كما حّ رجت‬ ‫عليه بعض ال��دول في العالم‪ ،‬مع أن ذك��ر هذا‬ ‫علناً كان ذا فائدة كبيرة نفسياً واقتصادياً‪ ،‬لجلب‬ ‫االس�ت�ث�م��ارات ف��ي المملكة العربية السعودية‬ ‫فحرمنا‪ ..‬ألن ه��ذا الفكر االق�ت�ص��ادي الضال‬ ‫والمضلل ك��ان عقيماً‪ ،‬وسيبقى عقيماً إن لم‬ ‫يقض عليه‪ ،‬نتج عن هذه الصفات وغيرها ثقافة‬ ‫ثابتة شبه مستمرة‪ ،‬عن قصد أو غير قصد في‬ ‫القطاع العام‪ ،‬وحتى جزء من المجتمع السعودي‬ ‫ال يعطي الوقت قيمته الحقيقية‪ ،‬وال يستفيد من‬ ‫الفرص المتاحة‪.‬‬

‫‪ .6‬هو فكر ال يفتأ أن يذكّر بأننا اآلن في حال‬ ‫أحسن من ذي قبل (أيام الشح)‪ ..‬وهذا قو ٌل‬ ‫ال ن�ن�ك��ره‪ ،‬ون�ش�ك��ر ال�ل��ه ع�ل��ى ذل ��ك‪ ،‬ل�ك��ن ما‬ ‫الضرر في محاولة اإلس��راع بالتنمية حين‬ ‫تسمح ال�ظ��روف ب��ذل��ك‪ ،‬أليس زي��ادة الخير‬ ‫خيراً؟! ولنتذكر أن عمر التنمية في المملكة‬ ‫م��ا ه��و ال �ح��ل؟ م��ع ك��ل اح�ت��رام��ي لما يسمى‬ ‫يماثل ذلك في كوريا الجنوبية‪ ،‬والتي تتمتع‬ ‫باقتصاد ذي قاعدة اقتصادية منتجة ومتنوعة بالبيروقراطية في الدولة ‪ -‬وكنت جزءاً وما زلت‬ ‫إلى حد ما ج��زءاً منها‪ -‬علينا أن نؤمن اإليمان‬ ‫مقارنة بالمملكة‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫إن استمرينا في هذا النهج‪ ،‬فستزداد تكاليف‬ ‫المشاريع وغيرها من المصروفات‪ ،‬وسيزداد‬ ‫النزيف نظراً لتكلفة التأخير المادية المباشرة‬ ‫وغير المباشرة‪ ،‬خاصة فقدان الفرص المتاحة‬ ‫وتكلفة الضياع‪ .‬أي أن الزمن يجب أن يؤخذ في‬ ‫د‪ .‬سلمان السديري وعبدالله العثيم وعائض الردادي‬ ‫الحسبان‪ ،‬فتأخير أي مشروع وخاصة اإلنتاجي‬ ‫ود‪ .‬طارش الشمري يتابعون فعاليات الندوة‬ ‫م�ن�ه��ا‪ ،‬سيكلف االق �ت �ص��اد ل�ي��س ف�ق��ط تكلفته‬ ‫باهظة‪ ..‬إذاً ما هو الحل؟‬ ‫اإلنشائية المباشرة‪ ،‬ولكن إضافة لها فقدان أو‬ ‫تأخير الفائدة القصوى من اإلنتاج على مشاريع ‪ -‬لقد ثبت أن ان�ج��ازن��ا االق�ت�ص��ادي متواضع‬ ‫ب��ال�ن�س�ب��ة ل�لإم �ك��ان��ات ال �م �ت��اح��ة‪ ،‬وأن أه��م‬ ‫أخرى في االقتصاد‪ ..‬والتعريفات السابقة مَث ٌل‬ ‫سبب لذلك ه��و ع��دم ك�ف��اءة اإلدارة العامة‬ ‫في المدى القصير والمدى المتوسط والبعيد‪،‬‬ ‫وق��درت�ه��ا على تنفيذ ال�م�ش��اري��ع‪ ،‬مهما كان‬ ‫يجب أن ينظر لها نظرة دقيقة للتمحيص والتكيف‬ ‫نوعها‪ :‬إستراتيجياً أم ال‪ ،‬ولهذا يجب تغيير‬ ‫من أجل زي��ادة كفاءة التنفيذ‪ ،‬فمتوسط األمس‬ ‫إدارة تنفيذ مشاريع التنمية بالذات‪ ،‬ولسنا‬ ‫قد يكون طويل المدى في هذه المرحلة‪ ،‬ومقيد‬ ‫ب �ح��اج��ة الس �ت �ش��ارة أح� ��د‪ ،‬أو ال �ل �ج��وء إل��ى‬ ‫األمس قد يكون هو اآلتي في هذه األيام‪ ،‬ولقد‬ ‫صناديق المشورة الدولية‪ ،‬أو صناديق مثل‬ ‫تغيرت الظروف وازدادت سرعة التواصل ونقل‬ ‫صندوق النقد (اإلف�ل�اس) ال��دول��ي‪ ،‬والبنك‬ ‫وتصنيع الحاجات الضرورية‪ ،‬وكثرت البدائل في‬ ‫الدولي (والذي لم يكن هو للبناء وال التنمية‬ ‫قطاع الصناعة خاصة‪ ..‬ففترة االنتظار للحصول‬ ‫إال بمخيالت الذين ال يريدون سماع الرأي‬ ‫على ما نحتاجه من أدوات وآالت إلنتاج بضاعة‬ ‫اآلخر)‪.‬‬ ‫ما قصرت كثيراً‪ ..‬ولنذكر مثاالً‪ :‬المدة التي كان‬ ‫يستغرقها بناء بيت سكني في السابق‪ ،‬وكم من ‪ -‬علينا أن نستشير ونسترشد بطريقة تنفيذ‬ ‫وإدارة المشاريع من بلدنا‪ ..‬كيف نفذت وتنفذ‬ ‫الوقت نحتاج له اآلن‪ ..‬لوجدنا أن الفرق شاسع‬ ‫أرامكو مشاريعها ألبناء الوطن‪ ،‬وبسواعد أبناء‬ ‫ج��داً‪ ..‬ففي األم��س كانت المدة على األق��ل بما‬ ‫ال��وط��ن‪ ..‬ليس عندها سحر‪ ،‬ولكنها نفذت‬ ‫كان يسمى بالمتوسط (من سنة واحدة إلى ثالث‬ ‫وتستطيع أن تنفذ مشاريع عمالقة‪ ،‬فلماذا ال‬ ‫سنوات)‪ ،‬أما اآلن فهو فقط محتاج إلى تعريف‬ ‫يستطيع القطاع العام مجاراتها‪ ..‬ولقد نفذت‬ ‫ج��دي��د‪ ،‬فليس ه��و قصير األم ��س س�ن��ة واح��دة‬ ‫وما زالت تنفذ سابك مشاريع عمالقة على‬ ‫وليس هو المتوسط ثالث سنوات‪ ،‬إذاً التغيرات‬ ‫مستوى العالم‪ .‬فما هو سر نجاحها؟ السر‬ ‫ضرورية وسريعة‪ ،‬وهي مستمرة ليست جامدة‬ ‫يكمن فيما يلي‪:‬‬ ‫ال تتغير‪.‬‬ ‫مرة ثانية‪ ،‬إذا استمرينا على هذا المنوال فلن‬ ‫يبقى دخل الدولة مهما عظم‪ ،‬ألن التكلفة ستكون‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫المطلق بأن التنمية خيار استراتيجي مصيري‪،‬‬ ‫تعتمد ل��ه األم� ��وال (ح�ي��ن ال��وف��رة) لمشاريعه‪،‬‬ ‫ل�لاس�ت�م��رار ف��ي التنفيذ‪ ،‬وال ت��وق��ف حين تقل‬ ‫األموال‪.‬‬

‫ وضوح اإلستراتيجية ككل‪ ،‬والخطة التنفيذية‬‫لتنفيذ كل جزء من الخطة عن طريق مجموعة‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪19‬‬


‫تنفيذية متخصصة ‪ ،Ktask Farce‬تنشأ لهدف‬ ‫معين تعطي الصالحيات الضرورية‪ ،‬وتبدأ‬ ‫التنفيذ من أول المشروع إلى آخره‪ ،‬وتختص‬ ‫بمن ينفذ المشروع‪.‬‬ ‫ل�ق��د ب ��دأت ال�ه�ي�ئ��ة الملكية للجبيل بتنفيذ‬ ‫كل ش��يء في الجبيل وينبع‪ ،‬وبعد أن انتهت من‬ ‫بناء المساكن‪ ،‬وهيأت المواقع للمصانع‪ ،‬سلمت‬ ‫الكهرباء لشركات الكهرباء‪ ،‬واالتصاالت لشركات‬ ‫االتصال‪ ،‬وبعد أن نفذت كل ما يحتاجه المجمع‬ ‫الصناعي في الجبيل وينبع‪ ،‬بدأت تتخلى تدريجياً‬ ‫عن إدارة الكهرباء والمياه والمواصالت‪ ..‬الخ‪.‬‬ ‫مثلما فعلت أرامكو‪ )Out Sourcing( ..‬وبعد التخلي‬ ‫عن المسئوليات األخرى‪ ،‬البيروقراطية الحكومية‬ ‫وصلت إلى مرحلة خطرة تستطيع إيقاف أو تأخير‬ ‫أي مشروع مهما كان ضرورياً؛ وهو مرض منتشر‬ ‫في كل أج��زاء اإلدارة العامة‪ ،‬بصرف النظر عن‬ ‫مواقع المسئولية‪ .‬فالمسألة ليست شخصية‪ ،‬هو‬ ‫مرض منتشر منبثق ومؤمن بثقافة معينة ال تالئم‬ ‫هذه المرحلة من مراحل تنمية المملكة العربية‬ ‫السعودية‪ ،‬والذي يشكك بقدرة هذه البيروقراطية‬ ‫على تأخير المشاريع مهما كبرت‪.‬‬

‫هذا السؤال المنطقي قاد إلى تشكيل لجنة‬ ‫إلعطاء رأي سديد لولي األمر‪ .‬فمن فريق مؤيد‬ ‫للمشروع كله بشرط وضعه في المكان المجهز‪،‬‬ ‫وفريق آخ��ر مؤيد للمشروع بشرط تركيزه في‬ ‫الموقع الجديد الذي لم يجهز بعد‪ ،‬والذي يحتاج‬ ‫لكل شيء‪ ،‬وكل فريق مقتنع برأيه‪ ..‬وولي األمر‬ ‫ينتظر‪.‬‬ ‫وبعد مضي نحو ثالث سنوات غُض الطرف‬ ‫عن المشروع الحيوي كلية‪ ،‬وكانت الحجة أن‬ ‫المملكة ال تمتلك الموارد المالية ‪ -‬ومتى كان‬ ‫بلد مثل السعودية ال يستطيع الحصول على‬ ‫التمويل لالستثمار في مشروع إنتاجي كبير؟ ‪-‬‬ ‫لتنفيذه‪ ،‬سواء هنا أو هناك‪ ،‬كان ذلك في أوائل‬ ‫الثمانينيات الميالدية‪ .‬حتماً كانت فرحة عامرة‬ ‫وانتصاراً باهراً لذلك الفكر االقتصادي الضال‪.‬‬ ‫واآلن وبعد مضي ربع قرن تقريباً‪ ،‬وبعد فقدان‬ ‫الفرصة‪ ،‬وبعد تكلفة التأخير‪ ،‬ينفذ المشروع‬ ‫المذكور في هذه األيام‪ .‬عسى أن ينال االقتصاد‬ ‫ال�س�ع��ودي القيمة اإلنسانية الشاملة الخيرية‬ ‫بأسرع ما يمكن‪.‬‬ ‫إذاً‪ ،‬دعنا نبدأ بإنشاء مجموعات متخصصة‬ ‫لكل مشروع استراتيجي‪ ،‬أو مشروع في القطاعات‬ ‫الحكومية‪ ،‬ويناط بها تنفيذ وإدارة أي مشروع‬ ‫أو المشاريع كلها‪ ،‬حتى وجود (اإلنتاج الفعلي)‪،‬‬ ‫بعد أن يرصد لكل مشروع المقومات الضرورية‬ ‫كلها لتنفيذه‪ ،‬وبعدها تقيّم ه��ذه المجموعة أو‬ ‫المجموعات‪ ،‬بعد أن نفذت ما أنيط بها‪ ..‬إن‬ ‫هذا هو الحل األنسب واألس��رع لتنفيذ مشاريع‬ ‫البلد‪ ،‬وزيادة كفاءة القدرة على تنفيذها‪.‬‬

‫إليكم هذا الحادثة‪ :‬وجّ ه ولي األمر في خطاب‬ ‫يسأل بعض الجهات الحكومية بشأن مشروع ذكره‬ ‫في خطابه هل يعد مشروعاً تنموياً إستراتيجياً أم‬ ‫ال؟ وكان الجواب باإليجاب‪ ..‬غير أن موظفاً ليس‬ ‫من الصف األول وال الثاني في إح��دى الجهات‬ ‫الحكومية التي استشيرت‪ ،‬لفت نظره اقتراح‬ ‫الجهة التي طلبت اإلذن بتنفيذ المشروع من ولي‬ ‫األمر‪ ،‬أنها ترغب في توطين المشروع والموقع‬ ‫في مكان يبعد حوالي مائة وخمسون كيلو متراً‬ ‫عن مكان مجهز بكل التجهيزات‪ ،‬وعنده القدرة‬ ‫إن اس�ت�م��ر ال �ح��ال ع�ل��ى ه��ذا ال �م �ن��وال‪ ،‬فلن‬ ‫االستيعابية الستقبال ذلك المشروع‪ ،‬فلماذا ال تستطيع القيادة مهما أوتيت من قوة عن طريق‬ ‫ينشأ هذا المشروع التنموي الحساس في ذلك المؤسسات االقتصادية لتحسين ال��وض��ع‪ ،‬ألن‬ ‫المكان المجهز؟‬ ‫أب �ن��اء ال�ب�ي��روق��راط�ي��ة المتمكنين ل��ن يساعدوا‬ ‫الجدد‪ ،‬وهي أمور ليست شخصية‪ ،‬بل هي دفاعاً‬

‫‪20‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫أخ� �ي ��راً‪ ..‬أرج ��و منكم ال �س �م��اح إن أخ �ط��أت‪،‬‬ ‫واستروا على أخيكم فيصل؛ فهو عاطفي المنشأ‪،‬‬ ‫شاكراً‪ ،‬مرة أخرى‪ ،‬ذلك اإلنسان الخيّر الذي هو‬ ‫اآلن في دار الحق ‪ -‬رحمة الله عليه ‪ -‬وب��ورك‬ ‫في أبنائه ومؤسسته والقائمين عليها جميعاً‪ ،‬فإني‬ ‫والله مدين إلى األبد بشكل فردي‪ ،‬ومدين للوطن‬ ‫الشيخ عبدالمحسن الحكير أثناء مداخلته‬ ‫ال صغيراً‬ ‫مرة ثانية إلعطائي الفرصة أن أكون ممث ً‬ ‫على مسرح التنمية في المملكة العربية السعودية‪..‬‬ ‫دور المرأة في خيمة (طفولة د‪ .‬فيصل)‪.‬‬ ‫والسالم عليكم ورحمة الله وبركاته‪.‬‬ ‫الدكتور فيصل البشير‪ :‬أشاد بدور المرأة‪،‬‬ ‫مداخالت االفتتاح‬ ‫وخص بالذكر دور والدته التي كانت له بمثابة‬ ‫الشيخ عبدالمحسن الحكير‪ :‬أطالب بأن ال�م��درس��ة‪ ،‬والحضن الحنون‪ ،‬والمحرك ال��ذي‬ ‫تعطى كل مدينة نامية ميزة (نسبية) متناهية‪ ,‬دفعه إلى األمام‪.‬‬ ‫س� ��واء ف ��ي األي�� ��دي ال �ع��ام �ل��ة أو ال �ك �ه��رب��اء أو‬ ‫الدكتور عبدالعزيز المانع‪ :‬ف��ي ك��ل يوم‬ ‫التخفيضات الالزمة‪ ,‬وذلك لتحفيز التنمية في‬ ‫يطالعنا مسئولو المال من الوزير إلى هيئة سوق‬ ‫مناطق تلك المدن‪.‬‬ ‫المال أن اقتصادنا بخير‪ ،‬في حين ن��رى سوق‬ ‫ال��دك��ت��ور فيصل ال��ب��ش��ي��ر ‪ :‬أن ��ا م��ن أوائ ��ل األسهم ينهار بنسبة ‪ %65‬من أول العام‪.‬‬ ‫األع �ض��اء ال��ذي��ن ص � ّوت��وا على ه��ذا ال �ق��رار منذ‬ ‫أكثر من ثالث سنوات في المجلس االقتصادي‪ ،‬ال���دك���ت���ور ال��ب��ش��ي��ر‪ :‬اق��ت��ص��ادن��ا م ��ن أك �ب��ر‬ ‫إلع�ط��اء ال�ح��واف��ز لتنمية المناطق النائية في االقتصاديات انفتاحاً على العالم‪ ،‬وبعد توفيق‬ ‫ص��ودق عليه أخ �ي��راً‪ .‬إن الله‪ ،‬ودخل البترول يعتمد اعتماداً مباشرا على‬ ‫المملكة‪ .‬والحمد لله ُ‬ ‫االق�ت�ص��ادي الناجح ال ي��ؤم��ن ب��وض��ع ال�م��ال في ال��دخ��ل الوطني ف��ي ال�ع��ال��م‪ ..‬إن ارت�ف��ع الدخل‬ ‫الخزينة‪ ،‬بل يجب استثماره من أجل أن ينتفع به‪ ،‬الوطني ارتفع استهالك البترول‪ ،‬وعندما يزداد‬ ‫صلب االقتصاد (التوازن بين‬ ‫نصل إلى مرحلة ُ‬ ‫دورة بعد أخرى‪.‬‬ ‫العرض والطلب)‪ ،‬عند ذل��ك من ال�ض��روري أن‬ ‫أ‪ .‬د‪ .‬م�����رزوق ب���ن ص��ن��ي��ت��ان ب���ن ت��ن��ب��اك‪:‬‬ ‫تتغير األسعار‪.‬‬ ‫تحدث مطالباً ب��اإلف�ص��اح ع��ن أص�ح��اب الفكر‬ ‫وقال إن الدول التي تشترك في حدودها مع‬ ‫(االقتصادي) الضال والمضلل‪.‬‬ ‫المملكة العربية السعودية اآلن‪ ،‬ذك��روا من أول‬ ‫الدكتور فيصل البشير‪ :‬رأى أنه ال جدوى‬ ‫ي��وم ف��ي األزم ��ة االق�ت�ص��ادي��ة أن�ه��م ل��ن ي�ت��أث��روا‪،‬‬ ‫من ذكر األسماء‪ ،‬فبعضهم في دار الحق‪ ،‬وآخرون‬ ‫واآلن بدأوا يشعرون بذلك‪ ،‬وإن شاء الله اقتصاد‬ ‫لهم رأيهم ووجهات نظرهم‪.‬‬ ‫المملكة سوف يكون أقل االقتصادات العالمية‬ ‫الدكتورة عائشة نتو‪ :‬أش��ارت إلى تجاهل تضرراً‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫عن المصالح‪ ،‬والخوف من الجديد حامل لواء‬ ‫التنفيذ على نطاق العالم كله بدرجات متفاوتة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪21‬‬


‫ األزم� ��ات ال�م��ال�ي��ة األم��ري�ك�ي��ة ف��ي األع� ��وام‪:‬‬‫‪،1893 ،1884 ،187 ،1857 ،1837 ،1819‬‬ ‫‪1987 ،1929 ،1907‬م‪.‬‬ ‫ األزمة المالية المكسيكية ‪1995 – 1994‬م‪.‬‬‫ األزمة المالية اآلسيوية ‪1998 – 1997‬م‪.‬‬‫ األزمة المالية األرجنتينية ‪2002 – 2001‬م‪.‬‬‫المشاركون في الجلسة األولى‬

‫ف��ع��ال��ي��ات ال���ي���وم ال���ث���ان���ي‪ :‬م���ن م��ن��ت��دى‬ ‫ع��ب��دال��رح��م��ن ال���س���دي���ري‪ ،‬ال��خ��م��ي��س‬ ‫‪1429/11/29‬هـ‬

‫ك �م��ا ت��ح��دث ع ��ن م �ف �ه��وم ال��ن��ظ��ام ال �م��ال��ي‬ ‫(‪ )Financial System‬ألي دولة‪ ،‬وعرّفه بأنه جميع‬ ‫المنشآت والمؤسسات والتنظيمات المتعلقة‬ ‫بأنشطة االستثمار في األصول المالية‪ ،‬من نقود‬ ‫وسندات حكومية وأسهم‪ ،‬وأوراق مالية أخرى‪.‬‬ ‫وي��دخ��ل ف��ي ه��ذا ال�ن�ظ��ام ال�م�ص��ارف التجارية‬ ‫وشركات الوساطة المالية‪ ،‬وشركات التأمين‪،‬‬ ‫واألس��واق المالية‪ ،‬إضافة إل��ى الجهات العامة‬ ‫المشرفة عليها‪ ،‬كالبنك المركزي وهيئة السوق‬ ‫المالية‪.‬‬

‫وق � ��د ت ��واص� �ل ��ت أع � �م� ��ال م� �ن� �ت ��دى األم� �ي ��ر‬ ‫عبدالرحمن السديري «األزم��ة المالية العالمية‬ ‫وتداعياتها على االقتصاد السعودي» في يوم‬ ‫الخميس ‪1429/11/29‬ه� � � �ـ‪ ،‬إذ اشتملت على‬ ‫جلستين قدمت فيهما عدة أوراق عمل؛ الجلسة‬ ‫وأن ال �ن �ظ��ام ال �م��ال��ي ال �ع��ال �م��ي ي �ت �ك��ون من‬ ‫األولى أدار ها الدكتور محمد القنيبط‪ ،‬والجلسة مجموع األنظمة المالية ل��دول العالم‪ ،‬إضافة‬ ‫الثانية أداره ��ا معالي الدكتور عبدالواحد بن إلى المؤسسات المالية الدولية (البنك الدولي‪،‬‬ ‫خالد الحميد نائب وزير العمل‪.‬‬ ‫وص� �ن ��دوق ال �ن �ق��د ال���دول���ي‪ ،‬وب �ن��ك ال �ت �س��وي��ات‬ ‫الدولي)‪.‬‬

‫الجلسة األولى‬

‫ث��م ت�ع��رض للنظام النقدي العالمي وال��دور‬ ‫كانت ال��ورق��ة األول��ى للدكتور فهد ب��ن خلف‬ ‫األمريكي‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫البادي‪ ،‬أستاذ االقتصاد المساعد‪ ،‬معهد اإلدارة‬ ‫م َّر النظام العالمي في العصر الحديث بثالث‬ ‫العامة وموضوعها «كيف نشأت األزمة المالية»‪.‬‬ ‫مراحل عند تحديد سعر الصرف‪ ،‬وهي‪:‬‬ ‫وقد هدفت إلى توضيح‪ :‬كيفية نشأة األزمة‬ ‫‪ -1‬نظام قاعدة الذهب ‪.The gold standard‬‬ ‫المالية العالمية ال�ح��ال�ي��ة‪ ،‬م��ن خ�لال توضيح‬ ‫‪ -2‬نظام سعر الصرف الثابت ‪.Fixed exchange rate‬‬ ‫طبيعة النظام المالي العالمي‪ ،‬وتسليط الضوء‬ ‫‪ -3‬نظام سعر الصرف المعوّم ‪.Floating interest rate‬‬ ‫ع�ل��ى أس �ب��اب ن�ش��وء األزم� ��ات ال�م��ال�ي��ة وآلياتها‬ ‫وقد أسهب في شرح هذه المراحل إسهابا ال‬ ‫بشكل عام‪ ،‬ومناقشة أسباب نشوء األزمة المالية‬ ‫يتسع المجال لذكره‪.‬‬ ‫العالمية الحالية‪.‬‬ ‫ثم تحدث عن مفهوم األزمة المالية فقال‪:‬‬ ‫وقد أشار د‪ .‬البادي إلى أبرز األزمات المالية‬ ‫العالمية التي حدثت سابقاً‪ ،‬ومنها‪:‬‬

‫‪22‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫تعرف األزمة المالية بأنها «االنخفاض المفاجئ‬


‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫في أسعار نوع أو أكثر من أص��ول»‪ ،‬واألص��ول قد‬ ‫تكون رأس مال مادي يستخدم في العملية اإلنتاجية‬ ‫مثل‪ :‬اآلالت والمعدات والعقارات‪ ..‬الخ؛ وقد تكون‬ ‫أصوالً يطلق عليها األصول المالية‪ ،‬التي تعبر عن‬ ‫حقوق الملكية ل��رأس المال المادي‪ ،‬أو المخزون‬ ‫السلعي؛ ومن أمثلتها األسهم وحسابات االدخ��ار‪.‬‬ ‫وخلص إلى القول بأن األزم��ة المالية العالمية‬ ‫وه�ن��اك ن��وع آخ��ر م��ن األص ��ول تسمى المشتقات‬ ‫ال�ح��ال�ي��ة تعصف بالكثير م��ن دول ال �ع��ال��م‪ ،‬ولها‬ ‫المالية‪ ،‬وه��ي ح�ق��وق الملكية ل�لأص��ول المالية‪،‬‬ ‫ت��أث �ي��رات مختلفة ع�ل��ى اق�ت�ص��ادي��ات دول العالم‬ ‫ومنها على سبيل المثال العقود المستقبلية للنفط‬ ‫ب�ص��ورة متفاوتة‪ ،‬ول��م تعد األزم ��ة مقصورة على‬ ‫والعمالت األجنبية‪.‬‬ ‫األسواق المالية فحسب‪ ،‬بل امتدت إلى القطاعات‬ ‫وإذا ان �ه��ارت قيمة األص ��ول ‪ -‬أي انخفضت االقتصادية واإلن�ت��اج�ي��ة‪ ،‬حتى أن ص�ن��دوق النقد‬ ‫أسعارها فجأة بشكل كبير ‪ -‬ف��إن ذل��ك قد يعني الدولي خفض توقعاته لنمو االقتصاد العالمي من‬ ‫إف�لاس أو انهيار قيمة المؤسسات التي تملكها‪ %3.9 .‬إلى ‪ %2.7‬هذا العام‪ ،‬ومن ‪ %3‬إلى ‪%2.2‬‬ ‫وهنا تحدث األزمة‪ ،‬واألزمة قد تأخذ شكل انهيار لعام ‪2009‬م‪ ،‬وهو أدنى مستوى له منذ عام ‪2001‬م‪،‬‬ ‫مفاجئ في سوق األسهم‪ ،‬أو عملة دولة ما‪ ،‬أو في ويتوقع أن تنكمش اقتصاديات ال��دول الصناعية‬ ‫سوق العقارات كما هو الحال في الواليات المتحدة للمرة األولى منذ خمسين عاماً‪.‬‬ ‫األمريكية‪ ،‬أو مجموعة من المؤسسات المالية‪،‬‬ ‫كما أن أسباب األزمة ليست محصورة في عجز‬ ‫لتمتد بعد ذل��ك إل��ى باقي األنشطة االقتصادية المدينين عن سداد الديون العقارية‪ ،‬بل تكمن أيضاً‬ ‫بفعل التشابك االقتصادي بين األنشطة‪ ،‬وكذلك في أموال المضاربة غير المراقبة‪ ،‬وكذلك الديون‬ ‫القطاعات‪.‬‬ ‫المتراكمة على الخزينة األمريكية وتورطها في‬ ‫‪ -1‬زي� � ��ادة درج � ��ة ع� ��دم ال �ت��أك��د ح� ��ول ال��ظ��روف‬ ‫االقتصادية المستقبلية‪.‬‬ ‫‪ -2‬انهيار أسواق األسهم‪.‬‬ ‫‪ -3‬زيادة أسعار الفائدة‪.‬‬ ‫‪ -4‬تردي المركز المالي للبنوك‪.‬‬

‫ث��م ت �ع �رّض إل��ى ال�ن�ظ��ري��ات ال�م�ف��سّ ��رة ل�لأزم��ة العراق‪ ،‬أدى إلى ظهور قوى اقتصادية وسياسية‬ ‫المالية‪ ،‬وذك��ر أب��رز العوامل الرئيسة التي تفسر جديدة سلبت اإلدارة األمريكية بعض قدراتها على‬ ‫األزمات المالية والمصرفية‪ ،‬وهي‪:‬‬ ‫االعتماد على اقتصاديات دول أخرى‪ ،‬مما أضعف‬

‫كيف تحدث األزمة المالية (الواليات المتحدة األمريكية)‬ ‫زيادة درجة عدم الثقة‬ ‫والتأكد محول الظروف‬ ‫االقتصادية المستقبلية‬

‫انهيار أسواق األسهم‬

‫زيادة أسعار الفائدة‬

‫تردي المركز‬ ‫المالي للبنوك‬

‫مشكلة االختيار الخاطئ للعمالء والمخاطر األخالقية‬ ‫حدوث ركود في النشاط االقتصادي‬ ‫ازدياد مشكلة الذعر المالي في القطاع البنكي (حدوث أزمة بنكية)‬ ‫ازدياد مشكلة االختيار الخاطئ للعمالء وازدياد المخاطر األخالقية‬ ‫حدوث كساد اقتصادي‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪23‬‬


‫حيز المناورة المتاح ألمريكا في التعامل مع األزمة‪،‬‬ ‫ولذلك أعلنت دول عدة حاجتها إلى الدعم لمواجهة‬ ‫األزم��ة‪ ،‬كما أن مواجهتها تحتاج إلى تضافر قوى‬ ‫العالم االقتصادية‪ ،‬وإصالح النظام المالي العالمي‬ ‫لتجاوز هذه األزمة‪ ،‬والحد من تكرارها مستقبالً‪.‬‬

‫الورقة الثانية‬ ‫تحدث فيها الدكتور ماجد بن عبدالله المنيف‬ ‫عضو مجلس الشورى‪ ،‬عضو الهيئة االستشارية‬ ‫ل�ل�م�ج�ل��س االق� �ت� �ص ��ادي األع� �ل ��ى وم��وض��وع �ه��ا‪:‬‬ ‫«ت��داع�ي��ات األزم��ة المالية على أس��واق الطاقة‬ ‫العالمية»‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫تتأثر المشروعات األخرى المعتمدة في تمويلها‬ ‫على البنوك الخارجية؛ بسبب الحجم الكبير‬ ‫لتلك المشروعات‪ ،‬ومحدودية التمويل المحلية‬ ‫المتاحة لها‪ ،‬وقد ينخفض‪.‬‬ ‫وقد يتأثر القطاع غير النفطي بعوامل أخرى‪،‬‬ ‫منها‪ :‬انخفاض اإلنفاق االستثماري الخاص أيضاً‬ ‫نتيجة حالة عدم الثقة‪ ،‬أو عدم اليقين‪ ،‬وانخفاض‬ ‫االستهالك الخاص بسبب تآكل الثروات الناتج‬ ‫عن تدني سوق األسهم إلى أدنى مستوياته منذ‬ ‫سنوات‪ .‬وخالفاً لسنوات سابقة‪ ،‬كان فيها القطاع‬ ‫غير النفطي ينمو ويعوّض االنخفاض في الناتج‬ ‫النفطي‪ ،‬بسبب انخفاض إنتاج أو أسعار النفط‪،‬‬ ‫ف��إن ال��وض��ع الحالي ق��د ال يجعل القطاع غير‬ ‫النفطي ينمو للعام ‪2009‬م‪ ،‬بمعدالت أعلى بكثير‬ ‫من معدل انخفاض الناتج النفطي‪ ،‬ليس فقط‬ ‫بسبب األزم��ة‪ ،‬ولكن أيضاً ألن القطاع النفطي‬ ‫نما ف��ي ال�ع��ام ‪2008‬م بمعدالت عالية‪ ،‬بسبب‬ ‫زيادة اإلنتاج واألسعار بمستويات قياسية‪.‬‬

‫س��وف تؤثر التطورات المالية التي عصفت‬ ‫بالعالم أواخ��ر ع��ام ‪2008‬م‪ ،‬وب��درج��ات مختلفة‬ ‫على جميع دول العالم‪ .‬وسيكون تأثيرها على‬ ‫المملكة‪ ،‬من خالل انعكاس الركود االقتصادي‬ ‫في الدول الصناعية‪ ،‬وتباطؤ نمو الدول النامية‪،‬‬ ‫وخصوصاً الكبرى منها‪ ،‬على سوق النفط‪ ،‬بدءاً‬ ‫بتأثير األزم��ة والركود على الطلب على النفط‪،‬‬ ‫وفي مقابل التأثيرات السلبية السابقة‪ ،‬هناك‬ ‫أو إنتاجه‪ ،‬أو أسعاره‪ ،‬ما سيؤثر على حجم إنتاج‬ ‫مؤشرات عدة تشير إلى أن االقتصاد السعودي‬ ‫المملكة وصادراتها‪ ،‬ومن ثم على إيرادات المملكة‬ ‫س�ي�ك��ون أك �ث��ر ق���درة ع�ل��ى ال�ت�ع��ام��ل م��ع األزم ��ة‬ ‫وقيمة صادراتها النفطية‪ ،‬وحجم الفائض في‬ ‫وتجاوزها‪ .‬أولها أن الوضع المالي للدولة ما يزال‬ ‫الميزانية‪ ،‬وفي ميزان المدفوعات‪.‬‬ ‫مواتياً‪ ،‬ليس فقط بسبب الفوائض المالية التي‬ ‫وقد تتأخر أيضاً بعض مشاريع التكرير بسبب تراكمت خالل األع��وام القليلة الماضية‪ ،‬ولكن‪،‬‬ ‫أزم��ة االئتمان العالمي‪ .‬وسيؤثر كل ذلك أيضاً ألن األزمة لن تعكس وضع فائض الميزانية‪ ،‬أو‬ ‫على نمو الناتج المحلي النفطي‪ ،‬ما سينعكس فائض م�ي��زان ال�م��دف��وع��ات‪ ،‬ب��ل ستقلص حجم‬ ‫سلباً على نمو الناتج المحلي اإلجمالي‪.‬‬ ‫الفائض في كليهما؛ يضاف إلى ذلك أن العديد‬ ‫وإض��اف��ة إل��ى التأثير على القطاع النفطي‪ ،‬م��ن ال�م�ش��اري��ع قيد التنفيذ‪ ،‬س ��واء ف��ي البنية‬ ‫س ��وف ت �ت��أث��ر ق �ط��اع��ات ال� �ص���ادرات األخ� ��رى‪ ،‬األس��اس�ي��ة‪ ،‬أو المشاريع الصناعية والخدمية‬ ‫وخ �ص��وص �اً ال �ب �ت��روك �ي �م��اوي��ات‪ ،‬ب�س�ب��ب ال��رك��ود ف��ي مرحلة “الطفرة”‪ ،‬خ�لال األع ��وام القليلة‬ ‫والتباطؤ االقتصادي العالميين‪ ،‬وانعكاسهما على الماضية‪ ،‬س��وف تكتمل خ�لال العام ال�ق��ادم أو‬ ‫الطلب على تلك الصادرات‪ ،‬أو بسبب انكماش ال��ذي يليه‪ ،‬ما يسهم في تعويض أي انخفاض‬ ‫التمويل لمشروعات الصناعات البتروكيماوية محتمل في االستثمار في بعض القطاعات‪.‬‬ ‫للسبب السابق ذاته‪ ،‬وبسبب تغيّر درجة تنافس‬ ‫وقد أظهرت التجارب العديدة عالمياً ومحلياً‪،‬‬ ‫تلك المشروعات م��ع مثيالتها العالمية‪ .‬وقد‬

‫‪24‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫< ‬ ‫ <‬ ‫< ‬

‫< ‬

‫القطاع المصرفي بوصفه أح��د القطاعات‬ ‫االقتصادية المهمة‪.‬‬ ‫تأثره بنمو االقتصاد‪.‬‬ ‫أث ��ر ال��ع��ائ��دات ال�ن�ف�ط�ي��ة ع �ل��ى ن �م��و ع��رض‬ ‫النقود‪.‬‬ ‫ال��ع�ل�اق��ة ب �ي��ن ال��ق��ط��اع ال��م��ال��ي وال �ق �ط��اع‬ ‫الحقيقي‪.‬‬

‫االقتصاد السعودي‬

‫< اقتصاد نفطي‪.‬‬ ‫< تأثير الصادرات النفطية على الدخل المحلي‬ ‫اإلجمالي‪.‬‬ ‫< القطاع النفطي من أهم المحددات األساسية‬ ‫للدخل المحلي اإلجمالي‪.‬‬ ‫وعن ارتباط االقتصاد السعودي باالقتصاد‬ ‫العالمي تحدث عن‪:‬‬ ‫< أسعار النفط والبتروكيماويات‪.‬‬ ‫< االستثمارات السعودية (حكومية وخاصة)‬ ‫في الخارج‪.‬‬ ‫< الصناديق السيادية‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫أن م��رح �ل��ة ال ��رك ��ود وف� �ق ��دان أو ت��دن��ي ال�ث�ق��ة‪ < ،‬التدفقات النقدية لالستثمارات الخارجية‪.‬‬ ‫تستوجب التوسع النقدي من جهة‪ ،‬وزيادة اإلنفاق < الواردات والصادرات‪.‬‬ ‫االستثماري للحكومة لتعويض االنخفاض في‬ ‫وع��ن استثمارات القطاع المصرفي تحدث‬ ‫االستثمار واالستهالك الخاص واستعادة الثقة عن‬ ‫م �ج��دداً‪ ،‬م��ن جهة أخ ��رى‪ ،‬وي�ب��دو م��ن إج ��راءات < البنوك اإلسالمية والبنوك التقليدية‪.‬‬ ‫مؤسسة النقد‪ ،‬وما صدر عن المسئولين حديثاً < ق��روض القطاع المصرفي للقطاع الخاص‬ ‫ما يشير إلى ذلك التوجّ ه‪.‬‬ ‫التي بلغت نحو ‪ %90‬من إجمالي الودائع‪.‬‬ ‫< ‪ %62‬م��ن ق ��روض ال�ب�ن��وك للقطاع ال�خ��اص‬ ‫الورقة الثالثة‬ ‫قصيرة األجل‪.‬‬ ‫تحدث فيها الدكتور رجا بن مناحي المرزوقي‪،‬‬ ‫ال �م �ش��رف ع �ل��ى م��رك��ز ال� ��دراس� ��ات اآلس �ي��وي��ة < إجمالي م��وج��ودات القطاع البنكي ‪1.269‬‬ ‫مليار ريال‪.‬‬ ‫بالمعهد الدبلوماسي‪ ،‬وموضوعها‪« :‬تداعيات‬ ‫األزم��ة المالية العالمية على القطاع المصرفي < استثمارات في الخارج بلغت ‪ 67‬مليار ريال‬ ‫ال�س�ع��ودي»‪ .‬وق��د ت�ن��اول ف��ي حديثه ع��ن األزم��ة‬ ‫حتى سبتمبر ‪2008‬م‪ ،‬مقابل ‪ 84.4‬مليار‬ ‫المالية االقتصادية النقاط اآلتية‪:‬‬ ‫ريال في يناير ‪2008‬م (تمثل ‪ %5‬من إجمالي‬ ‫الموجودات ‪ %80 -‬من إجمالي رأس المال‬ ‫للقطاع البنكي ‪ %52 -‬م��ن رأس المالي ‪+‬‬ ‫االحتياطي النظامي للبنوك)‪.‬‬

‫< رأس مال البنوك نحو ‪ 85‬مليار ريال‪.‬‬ ‫وعن أثر األزمة العالمية على القطاع المالي‬ ‫العالمي تحث عن‪:‬‬ ‫< االندماجات‪.‬‬ ‫< اعتماد أق��ل من الشركات على البنوك في‬ ‫اإلقراض‪.‬‬ ‫< ت �ش��دي��د ال��رق��اب��ة ال�ح�ك��وم�ي��ة ع �ل��ى ال�ق�ط��اع‬ ‫المالي‪.‬‬ ‫< ن �م��وذج ال�ف�ص��ل ب�ي��ن ال �ب �ن��وك االس�ت�ث�م��اري��ة‬ ‫والتجارية‪.‬‬ ‫< دور للحكومات أكبر في االقتصاد‪.‬‬ ‫وعن مستقبل القطاع المالي في المملكة العربية‬ ‫السعودية‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫< ستنعكس التغيرات العالمية على القطاع‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪25‬‬


‫المصرفي في المملكة‪.‬‬ ‫< ت�ش��دي��د ال �ت �غ �ي��رات ال�ع��ال�م�ي��ة ع�ل��ى ال�ق�ط��اع‬ ‫المصرفي في المملكة‪.‬‬ ‫< انخفاض قيمة الرهونات (‪)Collaterals‬‬ ‫النخفاض قيمة األسهم وتوقعات بانخفاض‬ ‫قيمة العقار‪.‬‬ ‫< رجوع االستثمارات السعودية للمنطقة (أفراد‬ ‫وحكومات)‪.‬‬ ‫< طلب أعلى على خدمات البنوك اإلسالمية‪.‬‬ ‫< تشديد شروط اإلقراض‪.‬‬ ‫< السياسة النقدية التوسعية‪.‬‬ ‫< الدمج بين البنوك التجارية واالستثمارية‪.‬‬ ‫< التغير في آليات اإلق��راض (اتجاه الشركات‬ ‫لالعتماد على توفير السيولة داخلياً بدل‬ ‫االعتماد على القروض البنكية)‪.‬‬ ‫< انخفاض العائدات النفطية (انخفاض أسعار‬ ‫النفط ‪ -‬تقليص العرض (ق��رارات أوب��ك) ‪-‬‬ ‫انخفاض قيمة الدوالر)‪.‬‬

‫الورقة الرابعة‬ ‫ت� �ح ��دث ف �ي �ه��ا ال ��دك� �ت ��ور س��ف��ر ب���ن ح�س�ي��ن‬ ‫القحطاني‪ ،‬رئيس قسم االقتصاد الزراعي‪ ،‬في‬ ‫جامعة الملك س�ع��ود‪ ،‬وم��وض��وع�ه��ا‪« :‬تداعيات‬ ‫األزمة المالية العالمية على التضخم»‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫جانب آخر من الحضور‬

‫التضخم قبل األزمة المالية العالمية‪:‬‬ ‫ارتفع معدل التضخم العالمي ابتدا ًء من عام‬ ‫‪2004‬م تقريباً‪ ،‬وك��ان م��ن أه��م أس�ب��اب ارت�ف��اع‬ ‫م �ع��دالت ال�ت�ض�خ��م ال�ع��ال�م�ي��ة‪ ،‬ال�ن�م��و العالمي‬ ‫االستثنائي في الفترة ‪2007 – 2003‬م‪ ،‬الذي‬ ‫حفز الطلب على ارتفاع تكاليف عناصر اإلنتاج‪،‬‬ ‫وارت��ف��اع دخ ��ول األف� ��راد الحقيقية ف��ي ال��دول‬ ‫الصاعدة (الصين والهند)‪ ،‬وزي��ادة االستهالك‪،‬‬ ‫وانخفاض اإلن�ت��اج العالمي من ال�غ��ذاء‪ ،‬خاصة‬ ‫في الدول الصاعدة‪ ،‬ما أدى إلى اختالل التوازن‬ ‫ب�ي��ن ال �ع��رض وال �ط �ل��ب‪ ،‬وان �خ �ف��اض االحتياطي‬ ‫ال�ع��ال�م��ي م��ن ال�س�ل��ع ال��رئ�ي�س��ة نتيجة لتصاعد‬ ‫إنتاج الوقود الحيوي‪ ،‬والظروف المناخية غير‬ ‫المواتية‪ ،‬والمضاربات المالية العالمية‪ ،‬لتعويض‬ ‫خسائر األسهم والرهن العقاري‪ ،‬وانخفاض قيمة‬ ‫الدوالر‪.‬‬ ‫وتتأثر المملكة العربية السعودية بمعدالت‬ ‫ال�ت�ض�خ��م ال�ع��ال�م�ي��ة ب�س�ب��ب ن�ظ��ام�ه��ا ال �ت �ج��اري‬ ‫المنفتح‪ ،‬ومحدودية قاعدتها اإلنتاجية المحلية‪،‬‬ ‫وارتفاع مستويات الطلب على السلع االستهالكية‬ ‫المستوردة‪ .‬لذلك فإن معدل التضخم في المملكة‬ ‫يتأثر بعوامل خارجية وداخلية‪.‬‬

‫تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على‬ ‫التضخم ف��ي المملكة العربية السعودية قبل‬ ‫حدوث األزمة المالية العالمية وبعدها‪ ،‬ومحاولة‬ ‫دراسة اآلثار الناشئة من األزمة المالية العالمية‬ ‫ع�ل��ى االق �ت �ص��اد ال�م�ح�ل��ي ال �ك �ل��ي‪ ،‬وال�ق�ط��اع��ات‬ ‫االقتصادية الجزئية المحلية بشكل مباشر أو‬ ‫‪ .1‬العوامل الخارجية‬ ‫غير مباشر‪.‬‬ ‫< النمو العالمي االستثنائي ف��ي ال�ف�ت��رة من‬

‫‪26‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫< ‬ ‫< ‬

‫< ‬

‫< ‬

‫‪ .2‬العوامل الداخلية‪:‬‬

‫< انخفاض قيمة الدوالر‪.‬‬ ‫يرتبط االقتصاد المحلي باالقتصاد الدولي‬ ‫بعالقة عينية تتمثل ف��ي ال �ص��ادرات وال���واردات‪،‬‬ ‫وال�ت��ي ت��ؤث��ر مباشرة ف��ي ال�ع��رض والطلب الكلي‬ ‫للسلع والخدمات‪ ،‬وعالقة مالية تؤثر في السيولة‬ ‫المحلية‪ .‬ويوضح ال�ج��دول التالي قنوات انتقال‬ ‫التضخم العالمي إل��ى االقتصاد المحلي‪ ،‬حيث‬ ‫ينتقل عبر الميزان التجاري‪ ،‬ال��ذي يتأثر بسعر‬ ‫الصرف من خالل أثره على العرض والطلب الكلي‪،‬‬ ‫وقد تأثر االقتصاد المحلي بهذه القناة من خالل‬ ‫ربط الريال بالدوالر‪.‬‬ ‫قنوات انتقال التضخم العالمي إلى االقتصاد المحلي‬ ‫التضخم المستورد‬ ‫تكلفة السلع‬ ‫ميزان‬ ‫الميزان التجاري‬ ‫سعر الصرف‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫< ‬

‫‪2007 – 2003‬م‪ ،‬ال��ذي حفز الطلب على إن زي��ادة التغير في صافي األص��ول األجنبية‪،‬‬ ‫السلع األول�ي��ة ف��ي االق�ت�ص��ادي��ات الصاعدة ي��ؤدي إلى زي��ادة السيولة المحلية‪ ،‬ومن ثم إلى‬ ‫الضغط على السعر المحلي‪ .‬وبسبب التدفقات‬ ‫والنامية‪.‬‬ ‫ارتفاع أسعار النفط ال��ذي أدى إل��ى ارتفاع األجنبية المباشرة في االستثمارات المحلية‪،‬‬ ‫التي أدت إلى نمو االحتياطات األجنبية بشكل‬ ‫تكاليف عناصر اإلنتاج‪.‬‬ ‫كبير في المملكة‪ ،‬ارتفعت معدالت التضخم عبر‬ ‫ارت�ف��اع دخ��ول األف��راد الحقيقية في ال��دول هذه القناة‪ .‬والقناة الثالثة التي تنقل التضخم‬ ‫الصاعدة (الصين والهند)‪.‬‬ ‫العالمي إلى االقتصاد المحلي تتمثل في ارتفاع‬ ‫زيادة االستهالك وانخفاض اإلنتاج العالمي تكاليف الواردات‪ .‬وتعد المملكة من أكبر الدول‬ ‫الغذائي‪ ،‬خاصة في الدول الصناعية‪ ،‬ما أدى المستوردة‪ ،‬إذ ارتفعت ال��واردات من نحو ‪261‬‬ ‫مليار ريال عام ‪2006‬م إلى ‪ 338‬مليار ريال عام‬ ‫إلى اختالل التوازن بين العرض والطلب‪.‬‬ ‫ان�خ�ف��اض االح�ت�ي��اط��ي ال�ع��ال�م��ي م��ن السلع ‪2007‬م‪ ،‬أي بنسبة ‪ ،%29‬ويسهم في رفع معدل‬ ‫الرئيسة‪ ،‬نتيجة لتصاعد إنتاج الوقود الحيوي التضخم المحلي‪ ،‬وأن نحو ‪ %60‬م��ن استيراد‬ ‫المملكة من دول االتحاد األوروبي وأسيا ‪ -‬وهي‬ ‫والظروف المناخية غير المواتية‪.‬‬ ‫ال عن قيمة االستيراد‬ ‫تعاني من التضخم ‪ -‬فض ً‬ ‫المضاربات المالية العالمية لتعويض خسائر مقيّمة بغير الدوالر‪.‬‬ ‫األسهم والرهن العقاري‪.‬‬

‫المدفوعات‬

‫والخدمات‬

‫األصول األجنبية‬

‫الواردات‬

‫وت��رت�ب��ط ق�ن��اة م �ي��زان ال�م��دف��وع��ات بالنتائج‬ ‫ال�ن�ق��دي��ة ع�ل��ى ف��ائ��ض م �ي��زان ال �م��دف��وع��ات‪ ،‬إذ‬

‫ي��ع��د االرت�� �ف� ��اع ف���ي اإلي� � � � ��رادات ال�ن�ف�ط�ي��ة‬ ‫وانعكاسها على زيادة اإلنفاق الحكومي‪ ،‬وعرض‬ ‫النقود بالتعريف الشامل‪ ،‬واالخ�ت�لال الهيكلي‬ ‫في بعض القطاعات االقتصادية التي أدت إلى‬ ‫االختناقات في اإلسكان‪ ،‬وس��وق العمل‪ ،‬وإنتاج‬ ‫الغذاء‪ ،‬من أهم العوامل الداخلية المسببة في‬ ‫زيادة التضخم المحلي‪ .‬إن ارتفاع الناتج المحلي‬ ‫النفطي الجاري والثابت بمعدل نمو بلغ حوالي‬ ‫‪ ،%46‬و‪ %6.2‬عام ‪2005‬م على الترتيب‪ ،‬يعني‬ ‫أن القطاعات االقتصادية المكونة لهيكل الناتج‬ ‫المحلي اإلجمالي‪ ،‬تتطور في جزء منها تطوراً‬ ‫حقيقياً ف��ي زي���ادة ك�م�ي��ات اإلن �ت��اج م��ن السلع‬ ‫والخدمات‪ ،‬وج��زءاً آخر يمتصه الناتج المحلي‬ ‫ف��ي شكل ارت �ف��اع مستويات األس �ع��ار‪ ،‬المحلي‬ ‫ال�ج��اري‪ ،‬وال���واردات‪ ،‬ونمو ع��رض النقود‪ .‬وقد‬ ‫انعكست الضغوط التضخمية الحادة على ارتفاع‬ ‫ال�م�س�ت��وى ال �ع��ام لتكاليف المعيشة‪ ،‬إذ تحتل‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪27‬‬


‫األطعمة والمشروبات أعلى معدل للتضخم‪ ،‬يليها‬ ‫اإليجار والوقود‪ .‬بينما ينخفض معدل التضخم‬ ‫لألقمشة وال �م�لاب��س نتيجة زي� ��ادة المنافسة‬ ‫الدولية ف��ي صناعة المالبس خاصة م��ن قبل‬ ‫الصين‪.‬‬ ‫ويالحظ استمرار ارتفاع معدالت التضخم‬ ‫المستورد‪ ،‬والرقم القياسي لتكاليف المعيشة‬ ‫وال �ض �م �ن��ي‪ ،‬خ�ل�ال خ �ط��ط ال�ت�ن�م�ي��ة ال �س��ادس��ة‬ ‫والسابعة والثامنة للمملكة‪ ،‬حيث اتسعت الفجوة‬ ‫التضخمية‪ .‬وه��ذا يعني ع��دم ق��درة االقتصاد‬ ‫المحلي الستيعاب النمو السريع والكبير في‬ ‫الطلب‪ ،‬خالل سنوات خطط التنمية‪.‬‬ ‫ونظراً لقوة العالقة التشابكية بين االقتصاد‬ ‫السعودي واالقتصاد العالمي‪ ،‬إذ يعتمد األول‬ ‫ال‬ ‫بشكل كبير على ال �ص��ادرات النفطية‪ ،‬فض ً‬ ‫ع��ن ارت �ف��اع حجم الطلب على ال� ��واردات؛ فإنه‬ ‫من المتوقع أن يتأثر االقتصاد السعودي بشكل‬ ‫مباشر في تدني قيم بعض االستثمارات الخاصة‬ ‫في المصارف العالمية المتأثرة باألزمة المالية‪،‬‬ ‫وبشكل غير مباشر تتمثل في انخفاض أسعار‬ ‫النفط‪.‬‬

‫رياضي يعتمد على بعض المعلومات المتوافرة‬ ‫عن االقتصاد العالمي واالقتصاد المحلي‪ ،‬وكذلك‬ ‫بعض االف �ت��راض��ات اإلح�ص��ائ�ي��ة واالق�ت�ص��ادي��ة‬ ‫المهمة مثل‪:‬‬ ‫< انخفاض معدل النمو االقتصادي العالمي‬ ‫ومن ثم انخفاض التضخم المستورد‪.‬‬ ‫< انخفاض متوسط أسعار النفط‪.‬‬ ‫< عدم تغير السياسة المالية والنقدية‪ ،‬المتمثلة‬ ‫في استمرار اإلنفاق الحكومي ‪ -‬نظراً لتوافر‬ ‫االحتياطات المالية الكافية لمواجهة العجز‬ ‫الناتج من انخفاض إيرادات النفط ‪ -‬وسعر‬ ‫الصرف‪.‬‬ ‫< اف��ت��راض وج���ود ع�لاق��ة سببية م��ن ال��رق��م‬ ‫ال �ق �ي��اس��ي ال�ض�م�ن��ي إل ��ى ال��رق��م ال�ق�ي��اس��ي‬ ‫لتكاليف المعيشة‪.‬‬ ‫< اف �ت��راض م�ت�غ�ي��رات مستقلة ص��وري��ة تمثل‬ ‫ال��واق��ع التاريخي إلجمالي الناتج المحلي‬ ‫النفطي باألسعار الجارية والثابتة‪.‬‬ ‫< تقدير مصفوفة االرتباط لتحديد أهم مصادر‬ ‫التضخم الداخلي‪.‬‬

‫وتشير المؤشرات المتوافرة إل��ى انخفاض‬ ‫م�ع��دل النمو االق�ت�ص��ادي العالمي‪ ،‬وانخفاض‬ ‫ال التضخم المتوقع‬ ‫أسعار المواد األولية‪ ،‬وعلى رأسها النفط‪ ،‬فض ً‬ ‫عن توقع انخفاض نمو النفقات العامة‪ ،‬سيؤدي‬ ‫تعتمد هذه الدراسة في تقدير معدل التضخم‬ ‫إلى كبح جماح التضخم المستورد والمحلي‪.‬‬ ‫المتوقع‪ ،‬على استخدام الرقم القياسي الضمني‪،‬‬ ‫وت�ه��دف ه��ذه ال��دراس��ة إل��ى تقدير التضخم والفجوة التضخمية بالمقياس النقدي‪ .‬ويستخدم‬ ‫المتوقع في المملكة العربية السعودية بعد حدوث إج�م��ال��ي ال�ن��ات��ج المحلي ال �ج��اري وال�ث��اب��ت في‬ ‫األزمة المالية العالمية‪ ،‬إضافة إلى محاولة دراسة حساب الرقم القياسي الضمني؛ وم��ن ثم فإن‬ ‫اآلث��ار الناشئة من األزم��ة المالية العالمية على مصادر التضخم الدخلية يمكن تحديدها من‬ ‫االقتصاد المحلي الكلي‪ ،‬والقطاعات االقتصادية خالل مصفوفة االرتباط بين مؤشرات التضخم‬ ‫الجزئية المحلية‪.‬‬ ‫والمتغيرات االقتصادية‪ ،‬وذلك للتأكد من تأثير‬ ‫ولتحقيق هدف تقدير التضخم المتوقع بعد إج�م��ال��ي ال�ن��ات��ج المحلي على م�ع��دل التضخم‬ ‫األزم��ة المالية العالمية‪ ،‬ج��رى صياغة نموذج المتوقع‪.‬‬

‫‪28‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫يستخدم االقتصاديون نماذج ال�ت��وازن العام‬ ‫ل��دراس��ة ال�ع�لاق��ات التشابكية بين القطاعات‬ ‫االقتصادية‪ .‬وتعتمد نماذج ال�ت��وازن العام على‬ ‫ب �ي��ان��ات ال �م��دخ�لات وال �م �خ��رج��ات للقطاعات‬ ‫االق �ت �ص��ادي��ة‪ ،‬إض��اف��ة إل��ى مصفوفة حسابات‬ ‫الدخل القومي‪.‬‬

‫الزيت الخام‬ ‫والغاز الطبيعي‬

‫ونظراً لعدم توافر هذه البيانات‪ ،‬فقد اعتمد‬ ‫ال �ب �ح��ث ع �ل��ى م�ص�ف��وف��ة االرت� �ب ��اط ال �ج��زئ��ي بين‬ ‫القطاعات‪ ،‬لدراسة أثر األزمة المالية العالمية على‬ ‫الناتج المحلي للقطاعات االقتصادية السعودية‪،‬‬ ‫والمرونات الدخلية للواردات‪ ،‬لدراسة أثر األزمة‬ ‫المالية العالمية على حجم التجارة الخارجية‪.‬‬ ‫وف��ي أع�ل�اه ي��وض��ح ت��أث�ي��ر ان�خ�ف��اض الناتج‬ ‫المحلي لقطاع النفط على الناتج المحلي لكل‬ ‫ق �ط��اع اق �ت �ص��ادي‪ ،‬م��ع ث �ب��ات ب��اق��ي القطاعات‬ ‫االقتصادية األخرى‪،‬‬

‫آث�����ار األزم������ة ال��م��ال��ي��ة ع��ل��ى ال�������واردات‬ ‫السعودية‬ ‫العالقة بين الواردات والناتج المحلي اإلجمالي‬ ‫هي عالقة طردية‪ ،‬ومن ثم‪ ،‬كلما انخفض الناتج‬ ‫المحلي اإلجمالي انخفض حجم الطلب على‬ ‫الواردات‪ .‬ويالحظ من الجدول اآلتي‪:‬‬

‫القطاعات االقتصادية‬ ‫الزراعة والغابات‪ ،‬واألسماك‬

‫‪-0.04‬‬

‫الصناعـــــــات التحـــويليـــــة‬

‫‪0.14‬‬

‫الكهرباء والغاز‪ ،‬والماء‬

‫‪0.01‬‬

‫التشييد والبناء‬

‫‪0.04‬‬

‫تجارة الجملة والتجزئة‬ ‫والمطاعم والفنادق‬

‫‪-0.04‬‬

‫النقل والتخزين واالتصاالت‬

‫‪0.01‬‬

‫خدمـــات المــال والتأميــن‬ ‫والعــقــارات‬

‫‪-0.01‬‬

‫خدمات جماعية واجتماعية‬ ‫وشخصية‬

‫‪-0.01‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫آث����ار األزم����ة ال��م��ال��ي��ة ع��ل��ى ال��ق��ط��اع��ات‬ ‫االقتصادية السعودية‬

‫االرتباط الجزئي بين قطاع النفط‬ ‫وباقي القطاعات االقتصادية‬

‫زيادة المرونات الدخلية للواردات عند زيادة‬ ‫الناتج المحلي اإلجمالي‪ ،‬وتصبح أكثر مرونة‪.‬‬ ‫وتدل نتائج المرونات الدخلية إنه عند انخفاض‬ ‫الناتج المحلي اإلجمالي بنسبة مقدارها ‪،%10‬‬ ‫فسوف ينخفض إجمالي الطلب على ال��واردات‬ ‫بنسبة ‪ .%13‬ويحتل الطلب على واردات األجهزة‬ ‫والمعدات الكهربائية على أعلى مرونة ضمن‬ ‫بنود ال ��واردات‪ ،‬بينما يعد الطلب على واردات‬ ‫الحيوانات الحية والمنتجات الحيوانية قليل‬ ‫المرونة؛ فعند انخفاض الناتج المحلي اإلجمالي‬

‫المرونة الداخلية للواردات‬

‫‪2007-1984‬‬

‫‪2000-1984‬‬

‫‪2007-2000‬‬

‫المرونة الداخلية‬ ‫إجمالي الواردات‬

‫‪0.84‬‬

‫‪0.58‬‬

‫‪1.3‬‬

‫حيوانات حية ومنتجات حيوانية‬

‫‪0.71‬‬

‫‪0.25‬‬

‫‪0.98‬‬

‫منتجات نباتية‬

‫‪0.76‬‬

‫‪0.72‬‬

‫‪1.04‬‬

‫شحوم ودهون وزيوت حيوانية ونباتية‬

‫‪1.2‬‬

‫‪1.6‬‬

‫‪1.5‬‬

‫منتجات صناعة األغذية‪ ،‬مشروبات وسوائل كحولية وخل وتبغ‬

‫‪0.92‬‬

‫‪0.23‬‬

‫‪1.1‬‬

‫آالت وأجهزة‪ ،‬ومعدات كهربائية وأجزاؤها‬

‫‪1.04‬‬

‫‪0.73‬‬

‫‪1.7‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪29‬‬


‫بمقدار ‪ ،%10‬فسوف ينخفض الطلب على واردات وليس تضخم أسعار‪.‬‬ ‫األجهزة والمعدات الكهربائية والحيوانات الحية‬ ‫إن ان�خ�ف��اض أس �ع��ار ال�ن�ف��ط نتيجة األزم��ة‬ ‫والمنتجات الحيوانية بمقدار ‪ ،%17‬و‪ %9.8‬على المالية العالمية‪ ،‬سوف يؤدي إلى انخفاض إسهام‬ ‫التوالي‪ .‬وهذه النتيجة منطقية وتتفق مع المنطق اإلنفاق الحكومي في المدى الطويل وقدرته على‬ ‫االقتصادي‪ ،‬إذ أن األجهزة والمعدات الكهربائية إزال��ة االختناقات واالخ�ت�لاالت الهيكلية‪ ،‬لذلك‬ ‫تعد من السلع الكمالية التي تتأثر بشكل أكبر يصبح التضخم الهيكلي مزمناً وحبيساً ومؤثراً‪،‬‬ ‫ب��ان�خ�ف��اض ال��دخ��ل‪ ،‬بينما ال �ح �ي��وان��ات الحية طالما بقيت ه��ذه االخ �ت�لاالت‪ ،‬وضعف ترابط‬ ‫والمنتجات الحيوانية من السلع الضرورية التي القطاعات اإلنتاجية داخل االقتصاد المحلي‪.‬‬ ‫يكون تأثرها أقل‪.‬‬

‫آث�����ار األزم������ة ال��م��ال��ي��ة ال��ع��ال��م��ي��ة على‬ ‫التضخم الهيكلي‬

‫التوصيات‬

‫< االستفادة من األزمات االقتصادية في وضع‬ ‫الخطط قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى في‬ ‫توجيه الموارد االقتصادية‪ ،‬لزيادة إسهامها‬ ‫في المعروض الحقيقي من السلع والخدمات‪،‬‬ ‫وتخفيض مخاطر االستثمار الخارجي من‬ ‫خالل‪:‬‬

‫تعاني اقتصاديات الدول النامية من التضخم‬ ‫كظاهرة هيكلية‪ ،‬إذ يعود سبب التضخم إلى‬ ‫االخ �ت�لاالت ف��ي الهيكل االق �ت �ص��ادي‪ ،‬وضعف‬ ‫ال�ت�ش��اب��ك ب�ي��ن ال�ق�ط��اع��ات اإلن �ت��اج �ي��ة‪ .‬ول��ذل��ك‬ ‫ف��إن التحليالت الكنزية والنقدية ال تتفق مع‬ ‫اقتصاديات الدول النامية‪ ،‬إذ أن مشاكل الدول ‪ -‬زيادة نسبة إسهام قطاع النفط بشكل مباشر‬ ‫في توليد قيم مضافة في القطاعات اإلنتاجية‬ ‫المتقدمة تتمثل في جانب دال��ة الطلب الكلي‪،‬‬ ‫االقتصادية األخ ��رى‪ ،‬وبخاصة الصناعات‬ ‫بينما ال��دول النامية تتمثل ف��ي جانب العرض‬ ‫الكلي؛ ومن ثم‪ ،‬فإن العوامل النقدية تكون نتيجة‬ ‫التحويلية‪.‬‬ ‫وليست سبباً للتضخم‪.‬‬ ‫ إزال��ة االختناقات واالخ �ت�لاالت االقتصادية‬‫إن اعتماد االقتصاد السعودي بشكل رئيسي‬ ‫وب �خ��اص��ة ق �ط��اع��ات ال ��زراع ��ة‪ ،‬واإلس��ك��ان‪،‬‬ ‫على قطاع النفط‪ ،‬الذي يعد المصدر األساس‬ ‫والواردات‪ ،‬وسوق العمل‪.‬‬ ‫في توفير السيولة النقدية لإلنفاق الحكومي‬ ‫وم��ع انتهاء ال��ورق��ة الرابعة ش��ارك الحضور‬ ‫وع� ��رض ال��ن��ق��ود‪ ،‬وف���ي ال ��وق ��ت ن �ف �س��ه ضعف‬ ‫بمداخالت وطرحوا عدة أسئلة للنقاش‪ ،‬منها‪:‬‬ ‫إسهامه في توليد القيم المضافة في القطاعات‬ ‫اإلن�ت��اج�ي��ة األخ���رى بشكل م�ب��اش��ر‪ ،‬ق��د ساعد السائل‪ :‬د‪ .‬عبدالعزيز ناصر المانع‬ ‫في ح��دوث خلل في الهيكل اإلنتاجي؛ ولذلك‪،‬‬ ‫س‪ :‬ك �ي��ف ي �ق��ل ال �ط �ل��ب ع �ل��ى ال �ب �ت��رول إل��ى‬ ‫حتى وإن كان من اآلثار المتوقعة لألزمة المالية (‪ )1.200.000‬برميل‪ ،‬ويرتفع سعره هذا العام‬ ‫العالمية انخفاض معدل التضخم العالمي‪ ،‬ومن ليصل إلى ‪ 140‬دوالراً للبرميل؟‬ ‫ثم انخفاض التضخم المستورد‪ ،‬وال��ذي يسهم‬ ‫بشكل كبير في التضخم المحلي للمملكة‪ ،‬إال أن ج‪ :‬د‪ .‬ماجد المنيف‪:‬‬ ‫التضخم سوف يبقى كامناً‪ ،‬ما دام الخلل الهيكلي‬ ‫ال� �ج���زء ال��م��ه��م م���ن ال��ط��ل��ب ع � ��ام ‪2008‬م‬ ‫واالختناقات اإلنتاجية قائمة‪ ،‬ألنه تضخم هيكلي وخ �ص��وص �اً ف��ي ال ��والي ��ات ال�م�ت�ح��دة األم��ري�ك�ي��ة‬

‫‪30‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫السائل‪ :‬أ‪ .‬د محمد عبدالرحمن الهدلق‬ ‫تتكرر األزمات المالية بشكل دوري‪ ،‬والسؤال‪:‬‬ ‫هل من تشابه بين األزمات المالية في تكرارها‬ ‫والدورات المناخية الطبيعية‪ ،‬وإذا كانت الدورات‬ ‫المناخية ال ي � ّد ل�لإن�س��ان فيها‪ ،‬ف��إن األزم ��ات‬ ‫المالية هي من صنع اإلنسان؛ وبنا ًء عليه‪ ،‬هل‬ ‫يمكن التنبؤ ب��األزم��ات المالية العالمية مسبقا‬ ‫وفي وقت كاف‪ ،‬ليمكن الحد من أضرارها؟‬

‫ج‪ :‬د‪ .‬فهد خلف البادي‬ ‫األزمات المالية هي من صنع اإلنسان‪ ،‬بصرف‬ ‫النظر عما إذا كانت مقصودة أو غير مقصودة‪،‬‬ ‫والسؤال‪ :‬هل يمكن الحد منها؟ هل المؤسسات‬ ‫ال عن هذه األزمات؟ وعلى سبيل‬ ‫هي المسئولة فع ً‬ ‫المثال أزمة السوق المالية عام ‪2006‬م‪ ،‬هل كان‬ ‫لدى مؤسسة النقد القدرة على الحد منها‪ ،‬أنا‬ ‫شخصياً أقول (نعم)‪ ،‬مؤسسة النقد ال تمنع أزمة‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫انخفض ف��ي النصف ال�ث��ان��ي م��ن ال �ع��ام بمعدل‬ ‫تقريبي (‪ )1.200.000‬مليون ومائتا ألف برميل‬ ‫يومياً مقارنة بالعام السابق‪ ،‬ما جعل نمو الطلب‬ ‫العالمي ككل ‪ 200.000‬برميل في السنة‪ .‬النقطة‬ ‫الثانية‪ :‬الجزء المهم من ارتفاع األسعار إلى ‪147‬‬ ‫دوالر كان في النصف األول من العام‪ ،‬وكان الجزء‬ ‫األكبر منه ألسباب نعزوها إلى المضاربة‪ ،‬وذكرت‬ ‫بعض األرقام عن انسحاب الصناديق التي كانت‬ ‫تستثمر في البراميل الورقية من ‪ 270‬بليون إلى‬ ‫‪ 152‬بليون‪ .‬البيع وال �ش��راء ف��ي س��وق نيويورك‬ ‫انخفض بشكل حاد بعد األزمة‪ ،‬وأصبح هناك شح‬ ‫باالئتمان من قبل البنوك للمضاربين‪ .‬فانسحب‬ ‫المضاربون من السوق فتأثرت األسعار‪ .‬والجزء‬ ‫األكبر من االنخفاض في الطلب كان في النصف‬ ‫الثاني من العام‪ ،‬والمضاربة التي اشتدت حدتها‬ ‫كانت خالل عام ‪2007‬م‪ ،‬والنصف األول من عام‬ ‫‪2008‬م انخفضت بحدة مثلما انخفضت كل أسواق‬ ‫األسهم في النصف الثاني من العام نفسه‪.‬‬

‫أ‪ .‬د‪ .‬عبدالله القويز أثناء مداخلته‬

‫من هذه األزم��ات‪ ،‬أيضاً لدى الواليات المتحدة‬ ‫األمريكية القدرة‪ ،‬لكن تعارض المصالح أحياناً‬ ‫ودور السياسيين‪ ،‬كلها عوامل تمنع من اتخاذ‬ ‫اإلجراءات والقرارات‪ ،‬وأنا أرى أن هناك حدودا‬ ‫لمؤسسة النقد في إدارة السياسة النقدية‪.‬‬

‫أ‪ .‬د عبدالله القويز‬ ‫الحديث موجّ ه للدكتور سفر القحطاني‪ ،‬نتيجة‬ ‫لحساباته أظهر أن التضخم سينخفض مستواه‬ ‫الحالي من ‪ %10‬إلى ‪ ،%6‬وفي العام القادم بنحو‬ ‫‪ ،%5‬وج��اء استنتاجه من حسابه ألسعار المواد‬ ‫للمستهلك؛ فهل يمكن االستنتاج م��ن ذل��ك أن‬ ‫التضخم سينخفض نتيجة أنه في األساس يعد‬ ‫نتاج عوامل خارجية‪ ،‬ألن األسعار ارتفعت‪ ،‬ثم‬ ‫الحظنا انخفاضها فيما يخص المواد الالزمة‬ ‫للصناعة ومواد البناء وفيما يخص المستهلك‪،‬‬ ‫يمكن أن نستنتج أن التضخم أساساً هو عامل‬ ‫خارجي‪ ،‬وليس زي��ادة في مصروفات الحكومة‪،‬‬ ‫ألن ال�ح�ك��وم��ة ق��ال��ت أن�ه��ا ستستمر ف��ي معدل‬ ‫مصروفاتها الحالي‪.‬‬ ‫النقطة ال�ث��ان�ي��ة‪ :‬ه��ي م��داخ�ل��ة فيما يخص‬ ‫أسباب األزم��ة المالية العالمية‪ ،‬وانتقالها إلى‬ ‫بقية دول ال �ع��ال��م‪ ،‬فللمعلومية‪ ..‬انتقلت إل��ى‬ ‫الخارج نتيجة أنَّ الرهون العقارية تحولت إلى‬ ‫سندات‪ ،‬وهذه السندات أعطيت تصنيفاً جيداً‬ ‫من قبل مؤسسات التصنيف الدولية‪ ،‬وشجعت‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪31‬‬


‫البنوك الدولية شراءها؛ لذا‪ ،‬ونتيجة لهذه األزمة‬ ‫انخفضت أص��ول البنوك العالمية فأثرت بها‪،‬‬ ‫على الرغم من أن األزمة في أساسها أمريكية‪.‬‬

‫يتمركز عمل البنوك اإلسالمية ‪-‬غالباً‪ -‬على‬ ‫اإلقراض بالطريقة اإلسالمية‪ ،‬والعمل األساسي‬ ‫للبنوك اإلسالمية هو المشاركة وليس اإلقراض‪.‬‬ ‫والمفترض أن يكون اإلق��راض ج��زءاً يسيراً من‬ ‫عمل البنوك اإلس�لام�ي��ة‪ ،‬لكن ال�ج��زء األك�ب��ر ‪-‬‬ ‫ومن أهم دواف��ع التنمية ‪ -‬هو أن تكون البنوك‬ ‫اإلسالمية أداة فاعلة في مشاركة رجال األعمال‬ ‫في التنمية‪ ،‬واالستثمارات الحقيقية؛ وهنا يأتي‬ ‫أثرها اإليجابي‪.‬‬

‫النقطة الثالثة‪ :‬فيما يخص موضوع النظام‬ ‫البنكي‪ :‬المشكلة أن الدولة حالياً تضخ أألموال‪،‬‬ ‫والنظام البنكي ومؤسسة النقد خفضا أسعار‬ ‫الفائدة‪ ،‬وأيضاً متطلبات الودائع لدى المؤسسة‬ ‫من مجموع الودائع‪ ،‬ولكن البنوك ال تقرض‪ ،‬وإذا‬ ‫لم تقرض فإن النمو سيتوقف؛ إذاً لدينا مشكلة‪..‬‬ ‫كيف نستطيع أن نخرج منها‪ ،‬وأن نقنع البنوك‬ ‫المتوقع بالنموذج الموجود اآلن‪ ،‬والطلب العالمي‬ ‫بأن تقوم باإلقراض؟‬ ‫على خدمات البنوك اإلسالمية ‪ -‬وكما تعلمون ‪-‬‬ ‫أما موضوع البنوك اإلسالمية‪ :‬فهي ليست يوجد حالياً تنافس عالمي (لندن أعلنت أنها مركز‬ ‫بمأمن من األزمة المالية‪ .‬نعرف أن معظم أصول للصرافة اإلس�لام�ي��ة‪ ،‬وك��ذل��ك جاكرتا‪ ،‬وماليزيا‪،‬‬ ‫البنوك اإلسالمية من العقار ‪ -‬كما ذكر ‪ -‬وسوف والبحرين‪ ،‬ودب��ي)‪ ،‬وكلها تتنافس على استقطاب‬ ‫تنخفض على الرغم من زيادة الودائع‪ ،‬والبنك له هذه الصناعة التي تعد جزءاً من صناعة التمويل‬ ‫نشاطان (نشاط استالم الودائع‪ ،‬ونشاط توظيف العالمي‪ ،‬ومن المتوقع أن تحظى باهتمام أكبر في‬ ‫تلك الودائع)‪ ،‬فإذا لم نستطع توظيف الودائع فإن المرحلة ال�ق��ادم��ة‪ .‬وهنا يأتي ال��دور على ال��دول‬ ‫اإلسالمية الموجودة في مجموعة العشرين‪ ،‬ونائب‬ ‫أرباحها ستنخفض‪.‬‬ ‫محافظ البنك المركزي خالل زيارته للسعودية في‬ ‫والسؤال موجه للدكتور رجا المرزوقي أحد لقاءاته الصحفية قال‪ :‬إننا نتوقع من السعودية‬ ‫ذك��رت ف��ي مجمل حديثك (م��ا أوض��ح لدي وأندونيسيا وتركيا ‪ -‬كممثلين لمجموعة العشرين‬ ‫على األقل كثيراً من األسئلة)‪ .‬في رأيك يا دكتور ‪ -‬أن يقدموا بعض األفكار عن كيفية االستفادة من‬ ‫هل البنوك اإلسالمية تعد ح ً‬ ‫ال مناسباً لألزمة النظام المصرفي اإلسالمي‪ ،‬وذكر أننا نبحث عن‬ ‫المالية‪ ،‬خصوصاً أن المسئولين الغربيين ينادون كل البدائل‪ ،‬ونستفيد من كل التجارب الموجودة‪،‬‬ ‫بتطبيق النظام اإلسالمي عالمياً؟‬ ‫ومن ضمنها تجربة النظام المصرفي اإلسالمي‪.‬‬

‫ونحن نتوقع أن نأخذ منه بالشكل المناسب ما‬ ‫ج‪ :‬د‪ .‬رجا مناحي المرزوقي‬ ‫نستطيع أن نبرزه للعالم‪ ،‬وأن يكون في جزء مهم‬ ‫الفكر األساسي في البنوك اإلسالمية‪ ،‬إذا من التمويل اإلسالمي بشكل أكبر‪ ،‬ويعتمد عليه في‬ ‫قسمنا االقتصاد إلى قطاع حقيقي وقطاع مالي‪،‬‬ ‫الخطط القادمة‪ ،‬ويتأثر به االئتمان المستقبلي‪.‬‬ ‫فالمفترض أن القطاع المالي ب��وج��ود البنوك‬ ‫اإلسالمية (بالضوابط الشرعية) ل��ن يتضخم الجلسة الثانية‬ ‫كثيراً مقارنة بالقطاع الحقيقي‪ ،‬ومن أهم أسباب‬ ‫وأدارها الدكتور عبدالواحد بن خالد الحميد‪:‬‬ ‫األزمات المالية أن القطاع المالي تضخم بشكل‬ ‫كبير جداً مقابل القطاع الحقيقي األقل‪ ،‬ما أدى الورقة األولى‬ ‫إلى انفجار البالونة‪.‬‬ ‫تحدثت فيها الدكتورة نورة اليوسف‪ ،‬أستاذ‬

‫‪32‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫المشاركون في الجلسة الثانية‬

‫االق �ت �ص��اد ال �م �ش��ارك ب �ج��ام �ع��ة ال �م �ل��ك س�ع��ود‬ ‫وموضوعها‪« :‬تداعيات األزم��ة المالية العالمية‬ ‫ع �ل��ى ال� �ص���ادرات ال �س �ع��ودي��ة غ �ي��ر ال�ن�ف�ط�ي��ة»‪،‬‬ ‫فقالت‪:‬‬

‫وهي صناعات خصبة وواعدة‪ ،‬وهناك الجديد‬ ‫منها باستمرار‪ ،‬وتعد آليات البحث والتطوير‬ ‫في ه��ذا المجال نشطة‪ ،‬وتصرف عليها مبالغ‬ ‫طائلة‪ ،‬حتى أصبح عدد المركبات والمنتجات‬ ‫البتروكيماوية النهائية والمتخصصة‪ ،‬يزيد على‬ ‫أربعة آالف منتج‪ .‬ولكن تبقى المواد األولية أو‬ ‫األساسية ثابتة‪ ،‬وه��ي‪( :‬اإليثيلين‪ ،‬البروبيلين‪،‬‬ ‫البيوتاداين‪ ،‬البنزين العطري‪ ،‬الزايلين‪ ،‬األمونيا‪،‬‬ ‫والميثانول)‪ ،‬ومعظم المنتجات البتروكيماوية‬ ‫الموجودة حالياً تتفرع من هذه المواد األساسية‪،‬‬ ‫التي يمكن استخراجها وإنتاجها‪ ،‬سواء من النافثا‬ ‫(كما هي الحال في أوروبا وآسيا)‪ ،‬أو من الغاز‬ ‫المصاحب (كما في المملكة وبعض دول الخليج)‪،‬‬ ‫أو من المشتقات النفطية األخرى‪ ،‬في المشاريع‬ ‫البتروكيماوية المتكاملة مع المصافي‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫باتت ركيزة رئيسة في كل الصناعات تقريباً‪،‬‬ ‫من صناعة البناء والصناعات الطبية‪ ،‬إلى إنتاج‬ ‫المفروضات‪ ،‬وحتى إنتاج وسائل النقل‪ ،‬وكلها‬ ‫تعتمد المواد البتروكيماوية كمواد أولية فيها‪.‬‬

‫تسعى المملكة في تنويع القاعدة االقتصادية‬ ‫إل��ى تقليل االع�ت�م��اد على ال �ص��ادرات النفطية‬ ‫كمصدر دخل أساسي لها‪ .‬ومن تلك المجاالت‬ ‫التي تهدف المملكة إلى تطويرها الصادرات غير‬ ‫النفطية‪ ،‬فقد بدأت العمل على تطوير الصناعات‬ ‫التحويلية والبتروكيمائية‪ ،‬وأنشأت سابك عام‬ ‫‪1976‬م‪ ،‬ال�ت��ي ب ��دأت ص��ادرات �ه��ا ع��ام ‪1984‬م‪.‬‬ ‫إن ارتفاع أسعار النفط أدى إلى ارتفاع أسعار‬ ‫وتزايد إنتاج البتروكيمائيات حتى مثلت نسبة اللقيم (وبحسب بعض التقديرات أن نحو ‪ %25‬من‬ ‫‪ %51‬من الصناعات غير النفطية عام ‪2007‬م‪.‬‬ ‫النفط يستعمل لقيما للصناعات البتروكيماوية)‬ ‫ويمثل قطاع البتروكيمائيات واحداً من دعائم ف��ي بعض األح �ي��ان‪ ،‬وبأكثر م��ن ‪ ،%200‬م��ا أثر‬ ‫اق�ت�ص��اد ال�س�ع��ودي��ة‪ .‬إذ تتصدر دول المجلس ف��ي أرب ��اح ال�ش��رك��ات ال�ب�ت��روك�ي�م��اوي��ة‪ ،‬ال سيما‬ ‫في حجم االستثمارات في هذا القطاع بنسبة وأن أسعار الطاقة قد زادت أيضاً بنحو ‪%60‬‬ ‫‪ ،%63‬ت�ل�ي�ه��ا ق �ط��ر ب�ن�س�ب��ة ‪ .%14‬وت��وف��ر تلك إلى ‪ ،%100‬األمر الذي عقّد الكثير من أوضاع‬ ‫الصناعات فرص عمل‪ ،‬وقد بلغ عدد العاملين الشركات البتروكيماوية وزادها صعوبة‪ ،‬ألن هذه‬ ‫ال عام ‪2006‬م‪ ،‬مرتفعاً من الشركات اضطرت إلى رفع أسعار منتجاتها‪ ،‬كما‬ ‫فيها ‪ 163.134‬عام ً‬ ‫ال ع��ام ‪2000‬م‪ ،‬أي بنسبة نمو فعلت «داو كيميكال» قبل فترة‪.‬‬ ‫‪ 122.735‬عام ً‬ ‫بلغت ‪ 32.5‬في المائة خالل تلك الفترة‪.‬‬ ‫ولكن‪ ،‬تكمن المعضلة في أن��ه كلما ارتفعت‬ ‫وتحدثت عن الصناعات البتروكيماوية والنفط‬ ‫وال�غ��از‪ ،‬وأسهبت في حديثها‪ .‬وع��ن الصناعات‬ ‫البتروكيماوية قالت‪ :‬إنها تعد من الصناعات‬ ‫األك�ث��ر ن�م��واً وت �ط��وراً ف��ي العالم‪ ،‬ألن منتجاتها‬

‫خف الطلب عليها‪ ،‬واتجه‬ ‫أسعار البتروكيماويات ّ‬ ‫الناس إلى البدائل المتوافرة التي قد تكون أقل‬ ‫س�ع��راً‪ .‬وعلى سبيل المثال إذا ارتفعت أسعار‬ ‫المواد االستهالكية البالستيكية المنزلية‪ ،‬فإن‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪33‬‬


‫الكثير من الناس س��وف يقلل من استخدامها‪ ،‬الدورة االقتصادية‬

‫ويتجه أكثر إل��ى المواد المصنوعة من الزجاج‬ ‫والفخار‪ ،‬أو حتى ال��ورق‪ .‬وعليه ي��رى كثير من‬ ‫المختصين أن أول من يتأثر بارتفاعات أسعار‬ ‫النفط هي الصناعات البتروكيماوية‪ ،‬حيث يخف‬ ‫الطلب عليها‪ ،‬ألن أك�ث��ره��ا منتجات تكميلية‪،‬‬ ‫ويمكن االستغناء عنها بمواد أخ��رى‪ .‬وبعد أن‬ ‫يخف الطلب عليها‪ ،‬يبدأ الطلب على الوقود < مرحلة االنتعاش ‪ :Recovery‬التوسع أو االستعادة‬ ‫‪“ ،Expansion of Recovery‬وفيها يميل المستوى‬ ‫بالتناقص الرتفاع سعره‪ ،‬فيبدأ الطلب العالمي‬ ‫ال�ع��ام ل�لأس�ع��ار إل��ى ال�ث�ب��ات‪ ،‬وي�ت��زاي��د النشاط‬ ‫على النفط أيضاً باالنخفاض‪ ،‬ويبدأ ما يعرف‬ ‫االقتصادي وينخفض سعر الفائدة‪ ،‬ويتضاءل‬ ‫باالنكماش‪ ،‬أو بطء نمو االقتصاد العالمي‪.‬‬ ‫ال �م �خ��زون ال �س �ل �ع��ي‪ ،‬وت �ت��زاي��د ال �ط �ل �ب��ات على‬ ‫وم� � ��ن ه� �ن ��ا ي��ت��ض��ح أن وض� � ��ع ال� �ش ��رك ��ات‬ ‫المنتجين لتعويض ما استنفد من هذا المخزون”‪،‬‬ ‫البتروكيماوية العالمية ليس سهالً‪ ،‬فهو مرتبط‬ ‫يصاحبها “توسع ملحوظ في االئتمان المصرفي‬ ‫مباشرة بأسعار النفط‪ ،‬وبنمو االقتصاد العالمي‪،‬‬ ‫مع توسع في التسويات واإليداعات”‪.‬‬ ‫والدورات البتروكيماوية‪ ،‬إذ يخف ويزيد الطلب‬ ‫ع�ل��ى ال �ب �ت��روك �ي �م��اوي��ات ب�ح�س��ب وق ��ت ال� ��دورة‪ < ،‬مرحلة ال��رواج ‪ :Boom‬ويطلق عليها القمة‬ ‫‪ .”Peak‬وتتميز بارتفاع مطرد في األسعار‪،‬‬ ‫وبحسب ظ��روف االقتصاد العالمي؛ ل��ذا‪ ،‬فإن‬ ‫وت��زاي��د حجم اإلن �ت��اج الكلي بمعدل سريع‪،‬‬ ‫معظم ال�ش��رك��ات البتروكيماوية بحاجة دائماً‬ ‫وت��زاي��د ح�ج��م ال��دخ��ل وم�س�ت��وى التوظيف‪،‬‬ ‫ل��ت��دارس أوض��اع �ه��ا‪ ،‬لتتأقلم م��ع االرت �ف��اع��ات‬ ‫وتستغل الطاقة بالكامل‪ ،‬ويبدأ ظهور النقص‬ ‫الكبيرة في أسعار اللقيم‪ ،‬ويبدو أن االتجاه إلى‬ ‫في العمال‪ ،‬وبعض المواد الخام األساسية‪.‬‬ ‫إنتاج المواد المعتمدة على التقنيات المتطورة‬ ‫ول��و بكميات أق��ل‪ ،‬ه��و ه��دف معظم الشركات < مرحلة األزمة ‪ :Crisis‬ركود ‪ Recession‬يصاحبها‬ ‫البتروكيماوية لتحسين أرباحها‪ ،‬ألن إنتاج المواد‬ ‫هبوط في األس�ع��ار‪ ،‬وينتشر الذعر التجاري‪،‬‬ ‫المتخصصة والمتطورة ال يحتاج إل��ى كميات‬ ‫وتطلب البنوك قروضها من العمالء‪ ،‬وترتفع‬ ‫كبيرة من اللقيم‪ ،‬وفي الوقت ذات��ه‪ ،‬تمتاز هذه‬ ‫أسعار الفائدة‪ ،‬وينخفض حجم اإلنتاج والدخل‪،‬‬ ‫المواد بارتفاع أسعارها وعلو ربحيتها‪.‬‬ ‫وتتزايد البطالة‪ ،‬كما يتزايد المخزون السلعي‪.‬‬ ‫تمر صناعة البتروكيماويات ب ��دورة اقتصادية‬ ‫تتضمن تقلبات في النشاط االقتصادي الكلي‪ ،‬مثل‬ ‫مستويات اإلنتاج واألسعار‪ .‬وتمر الصناعة بمراحل‬ ‫ال��دورات االقتصادية المعروفة‪ ،‬والتي تتضمن أربع‬ ‫مراحل‪ ،‬مع وجود اختالف في مسمياتها‪ ،‬وهي‪:‬‬

‫األزمة المالية العالمية‬

‫وتمر المرحلة بانخفاض التسهيالت المصرفية‪،‬‬ ‫وارتفاع نسبة االحتياطي النقدي لدى البنوك‪،‬‬ ‫وضعف التسويات واإليداعات المصرفية‪.‬‬

‫م��ع ح���دوث األزم� ��ة ال �م��ال �ي��ة وان�ع�ك��اس��ات�ه��ا‬ ‫العالمية‪ ،‬حدث تراجع في أسعار البتروكيماويات‬ ‫ل�م�ع��دالت تصل إل��ى ‪ ،%45‬وح�ت��ى ‪ %65‬خالل < مرحلة الكساد ‪ :Depression‬وتتسم بانخفاض‬ ‫األس�ع��ار‪ ،‬وانتشار البطالة‪ ،‬وكساد التجارة‬ ‫األشهر الثالثة سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر من‬ ‫وال �ن �ش��اط االق��ت��ص��ادي‪ ،‬وي�م�ك��ن اس�ت�خ��دام‬ ‫عام ‪2008‬م‪ ،‬وسط استمرار غياب شبه كامل‬ ‫مصطلح القاع ‪ Trough‬وه��و الجزء األسفل‬ ‫للمشترين‪ ،‬وم�ح��اول��ة المنتجين التخلص من‬ ‫مخزونهم بأي سعر كان‪.‬‬ ‫من النشاط االقتصادي‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫البتروكيماويات‬ ‫إن االستثمارات في ال��دول الخليجية وشرق‬ ‫آسيا ستضيف ماليين األط�ن��ان من المنتجات‬ ‫تمر صناعة البتروكيماويات بفترة من‪:‬‬ ‫البالستيكية والكيميائية في األسواق في غضون‬ ‫< األرب� � ��اح ال �م��رت �ف �ع��ة (ع �ل��ى ال ��رغ ��م م ��ن ارت �ف��اع‬ ‫السنوات القليلة القادمة؛ األمر الذي سيؤدي إلى‬ ‫التكاليف)‪.‬‬ ‫فائض في أسواق البتروكيماويات‪.‬‬ ‫< حرص المنتجين على الحفاظ على مستوى عال‬ ‫وعن النمو المتوقع في السعة اإلنتاجية في‬ ‫من األرباح‪.‬‬ ‫السعودية للمنتجات البتروكيميائية‪ ،‬فسترتفع‬ ‫< دخول منتجين جدد للسوق مع سعة إنتاج مرتفعة‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫ال�������������دورة االق�����ت�����ص�����ادي�����ة ف������ي ق���ط���اع في هذا القطاع بنسبة ‪ ،%63‬تليها قطر ‪.%14‬‬

‫من ‪ 8.2‬عام ‪2007‬م إلى ‪ 17.8‬مليون طن متري‬ ‫عام ‪2013‬م‪.‬‬

‫< تدخل الصناعة في مرحلة فائض في العرض‬ ‫وتتميز صناعة البتروكيمائيات باقتصاديات‬ ‫واالنخفاض في الفرص التنافسية‪.‬‬ ‫ال�ح�ج��م ال�ك�ب�ي��ر‪ ،‬وال� ��ذي ي�ع��ظِّ ��م ف �ج��وة ال���دورة‬ ‫< انخفاض هوامش الربحية‪.‬‬ ‫االقتصادية؛ فالمشاريع تتزايد بآالف األطنان‪،‬‬ ‫وق��د انعكست ه��ذه ال� ��دورات االق�ت�ص��ادي��ة على خمسة مشاريع في العالم تضيف سعة إنتاجية‬ ‫ص��ادرات الصناعات النفطية السعودية منذ بداية ضخمة‪ .‬كما أن الشركات المحلية تعتمد بشكل‬ ‫التصدير عام ‪1984‬م‪.‬‬ ‫كبير في مبيعاتها على ال�ص��ادرات ل��دول أسيا‪،‬‬ ‫ال �ت��ي ت��أث��رت ب �ت��راج��ع ال�ط�ل��ب األم��ري �ك��ي على‬ ‫مرحلة التوسع في اإلنتاج‬ ‫المنتجات اآلس�ي��وي��ة (كالصينية م�ث�لا) بسبب‬ ‫أقامت السعودية والكويت وقطر واإلم��ارات األزمة أيضاً‪.‬‬ ‫مصانع ضخمة إلن�ت��اج ال �م��واد الكيماوية التي‬ ‫وي�ش�ي��ر ت�ق��ري��ر ه�ي��رم��س إل��ى أن��ه ي�ت��وق��ع أن‬ ‫أساسها الميثان واإليثان والغاز المسال‪ ،‬وحققت‬ ‫يكون لتراجع أسعار البتروكيماويات أثر سلبي‬ ‫االستثمارات الخليجية في صناعة الكيماويات ع�ل��ى ه��وام��ش رب ��ح ش��رك��ة س��اب��ك‪ ،‬أك �ب��ر منتج‬ ‫والبتروكيماويات نمواً نسبته ‪ %5‬خ�لال الفترة للبتروكيماويات األساسية واألسمدة في منطقة‬ ‫من ‪2006 - 2000‬م‪ ،‬مرتفعاً من ‪ 52‬مليار دوالر الشرق األوسط‪ ،‬وأكبر منتج للحديد الصلب في‬ ‫إلى ‪ 70‬مليار دوالر‪ ،‬والتي كانت تشكل ‪ %59‬من منطقة الخليج‪.‬‬ ‫إجمالي االستثمارات الخليجية في الصناعات‬ ‫التحويلية البالغة ‪ 118.3‬مليار دوالر‪ .‬وتتصدر أسعار المواد األساسية (آسيا)‬ ‫مع حدوث األزم��ة‪ ،‬يعتقد أن التأثيرات على‬ ‫السعودية دول المجلس في حجم االستثمارات‬ ‫توقعات هيرمس ألرباح «سابك» المستقبلية»‬ ‫البند‬

‫‪2008‬م‬

‫‪2009‬م‬

‫‪2010‬م‬

‫‪2011‬م‬

‫اإليرادات (مليار ر س)‬

‫‪150.7‬‬

‫‪122.1‬‬

‫‪147.5‬‬

‫‪172.5‬‬

‫الربح الصافي (مليون ريال سعودي‪ .‬س)‬

‫‪22.95‬‬

‫‪13.86‬‬

‫‪20.33‬‬

‫‪26.07‬‬

‫ربح السهم (ر يال سعودي للسهم)‬

‫‪7.65‬‬

‫‪4.62‬‬

‫‪6.78‬‬

‫‪8.69‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪35‬‬


‫قطاع البتروكيماويات ال�س�ع��ودي‪ ،‬ستتركز في‬ ‫ح��دوث ت��راج��ع ف��ي الربحية وال �ع��وائ��د المالية‬ ‫بشكل عام‪ ،‬وربما يقتصر لدى بعض الشركات‬ ‫في تراجع معدالت نموها‪ .‬إال أن التأثيرات على‬ ‫شركات البتروكيماويات في الخارج قد تصل إلى‬ ‫تكبدها خسائر‪ ،‬ومن ثم قد يضطر بعضها إلى‬ ‫تقليص نشاطه وإغالق عدد من مصانعه‪ .‬وسينتج‬ ‫عن األزمة إغالق للطاقات اإلنتاجية في مواقع‬ ‫كثيرة من العالم‪ ،‬ما سيساعد الشركات المحلية‬ ‫على ملء هذا النقص في األسواق العالمية؛ وفي‬ ‫هذه الحالة قد تعمل بكامل طاقتها اإلنتاجية‪.‬‬

‫للنمو االق�ت�ص��ادي‪ .‬وسيستمر االت�ج��اه الحالي‬ ‫ل �ع��دة س��ن��وات‪ ،‬ح�ي��ث س�ي�ت�ح��رك ت� ��وازن ال�ق��وى‬ ‫االق�ت�ص��ادي��ة م��ن االق�ت�ص��ادي��ات المتقدمة إلى‬ ‫االقتصاديات الناشئة في العالم‪ .‬وق��د أوردت‬ ‫عدداً من اإلحصائيات التي تم نشرها في مجلة‬ ‫ال �ـ (‪ ،)ECONOMIST‬وال �ت��ي ت��وض��ح مثل هذا‬ ‫التغير في الموقف منها‪:‬‬ ‫< ابتدا ًء من عام ‪2005‬م‪ ،‬غطت االقتصاديات‬ ‫الناشئة‪ ،‬أكثر من ‪ %80‬من عدد السكان في‬ ‫العالم‪.‬‬ ‫< تحتفظ االق�ت�ص��ادي��ات الناشئة ب�ـ ‪ %70‬من‬ ‫االحتياطيات العالمية للعمالت األجنبية‪.‬‬

‫وانعكست ت�ط��ورات األزم��ة المالية العالمية‬ ‫وال��رك��ود المتوقع ف��ي االق�ت�ص��اد العالمي على < ارتفعت حصة الصادرات العالمية من الدول‬ ‫ت �ص��رف��ات ال �م �ت �ع��ام �ل �ي��ن‪ ،‬س� ��واء ال�م�ن�ت�ج�ي��ن أو‬ ‫الناشئة‪ ،‬من ‪ %20‬عام ‪1970‬م‪ ،‬إلى ‪ %43‬عام‬ ‫المستهلكين‪ ،‬وق��ام بعض المنتجين ف��ي شرق‬ ‫‪2005‬م‪.‬‬ ‫آس�ي��ا بتخفيض طاقتهم اإلنتاجية لمستويات‬ ‫< غطت االقتصاديات الناشئة‪ %80 ،‬من الزيادة‬ ‫وصلت إلى ‪ ،%50‬غير أن ذلك لم يمنع المزيد‬ ‫في الطلب على البترول وذلك خالل السنوات‬ ‫من تدهور األسعار‪.‬‬ ‫الخمسة األخيرة‪.‬‬ ‫وأرى أن صناعة البتروكيميائيات العالمية‬ ‫< ف��ي ع ��ام ‪2005‬م‪ ،‬خ �س��رت االق �ت �ص��ادي��ات‬ ‫س�ت��واج��ه الكثير م��ن القلق خ�لال األع� ��وام من‬ ‫ال�ن��اش�ئ��ة‪ ،‬أك�ث��ر م��ن ن�ص��ف اإلن �ت��اج المحلي‬ ‫‪ 2008‬إل��ى ‪2010‬م‪ ،‬والتي يصاحبها بناء كبير‬ ‫العالمي (‪.)GDP‬‬ ‫للقدرة اإلنتاجية الجديدة في الصناعة األساسية‬ ‫< بحلول ع��ام ‪2009‬م‪ ،‬تشير ال�ت��وق�ع��ات إلى‬ ‫للبتروكيميائيات؛ أم��ا بالنسبة لألمد األبعد‪،‬‬ ‫أن االقتصاديات الناشئة ستغطي ‪ %16‬من‬ ‫فإنني أرى أن مستقبل صناعة البتروكيميائيات‬ ‫المنتج المحلي العالمي (‪.)CDP‬‬ ‫إيجابي‪.‬‬ ‫وم��ن ال��واض��ح أن يحدث تدخل بين صناعة‬ ‫إن تطوير االق�ت�ص��ادي��ات الناشئة ل��ه تأثير‬ ‫البتروكيميائيات العالمية‪ ،‬وبين االقتصاديات‬ ‫ك �ب �ي��ر ع �ل��ى األس � � ��واق ال�م�س�ت�ق�ب�ل�ي��ة ل�ص�ن��اع��ة‬ ‫الناشئة في العالم‪.‬‬ ‫البتروكيميائيات‪ ،‬وسيدخل السوق العالمي نحو‬ ‫ويمكن تلخيص التحديات‪ :‬باالنكماش في‬ ‫بليون شخص من العمالء الذين ارتفع مستوى‬ ‫االق�ت�ص��اد‪ ،‬وارت �ف��اع التكاليف لعمليات البناء‪،‬‬ ‫معيشتهم إلى فوق مستوى الفقر‪.‬‬ ‫والنقص الموجود في العمالة‪ ،‬إذ ارتفعت بمقدار‬ ‫لقد ت �ط��ورت ال �ق��وى االق�ت�ص��ادي��ة ال�ج��دي��دة‪،‬‬ ‫‪ %70‬خالل السنوات الخمس األخيرة‪ .‬ولكن عام‬ ‫كالصين‪ ،‬والهند‪ ،‬وروسيا‪ ،‬والبرازيل‪ ،‬والمكسيك‪،‬‬ ‫‪2013/2012‬م ستشهد الصناعة في السعودية‬ ‫حيث تملك جميع ه��ذه ال ��دول محركات قوية‬

‫‪36‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫ت��زاي��داً ف��ي اإلن �ت��اج‪ ،‬وف��ي الطلب على سلعها‪،‬‬ ‫مقارنة ب��ال��دول األخ��رى خ��ارج الخليج العربي‪،‬‬ ‫والتي وصلت إلى حد إغالق كثير من مشاريعها‬ ‫نتيجة ان�خ�ف��اض ال�ط�ل��ب‪ ،‬وارت��ف��اع التكاليف‪،‬‬ ‫مقارنة مع دول الخليج‪ .‬وخالل المدى المتوسط‪،‬‬ ‫ستصبح كلٌّ من (الجبيل‪ ،‬وينبع) مركزين لتطوير‬ ‫‪ .2‬برامج اإلنقاذ‬ ‫الصناعة البتروكيميائية‪.‬‬ ‫أدى تفاقم األزمة لدفع حكومات االقتصاديات‬ ‫الورقة الثانية‬ ‫الرئيسة ف��ي العالم للتدخل‪ ،‬ولتخفيض سعر‬ ‫تحدث فيها الدكتور إحسان بن علي بو حليقة‪ ،‬الفائدة‪.‬‬ ‫ع�ض��و مجلس ال �ش��ورى ورئ �ي��س لجنة الشئون‬ ‫ويمكن تلخيص ذلك كما يلي‪:‬‬ ‫المالية‪ ،‬وموضوعها‪“ :‬تداعيات األزم��ة المالية‬ ‫مليار دوالر ال �ت �خ �ف �ي��ض في‬ ‫العالمية على القطاع المالي السعودي باستثناء‬ ‫سعر الفائدة‬ ‫البلد‬ ‫القطاع المصرفي»‪.‬‬ ‫وقد تناول فيها محاور عدة شملت‪:‬‬ ‫ <‬ ‫< ‬ ‫< ‬ ‫< ‬ ‫< ‬

‫األزمة العالمية‪.‬‬ ‫برامج اإلنقاذ‪.‬‬ ‫األسواق العالمية‪.‬‬ ‫أسواق دول مجلس التعاون‪.‬‬ ‫سوق السعودية‪.‬‬

‫‪ .1‬األزمة العالمية‬ ‫شهد ال�ع��ال��م ن �م��واً اق�ت�ص��ادي�اً بمعدل ‪%5.1‬‬ ‫و‪ %5‬على التوالي في العامين ‪ 2006‬و‪2007‬م‪،‬‬ ‫ومن المتوقع أن يتراجع إلى ‪ %3.7‬عام ‪2008‬م؛‬ ‫وان�ت�ش��رت األزم ��ة المالية ال��راه�ن��ة بسرعة في‬ ‫طول العالم وعرضه مسببة شطب البنوك لمبالغ‬ ‫طائلة‪ .‬إذ تقدر م��ا شطبته البنوك حتى نهاية‬ ‫أكتوبر ‪2008‬م نحو ‪ 685‬مليار دوالر أمريكي‪.‬‬ ‫ودف ��ع ذل ��ك‪ ،‬ب� ��دوره‪ ،‬ال�ع��دي��د م��ن الحكومات‬ ‫إل��ى ال�ت��دخ��ل عبر ح��زم إن �ق��اذ للقطاع المالي‪،‬‬ ‫وتخفيضات في سعر الفائدة‪.‬‬ ‫وم��ع ذل��ك‪ ،‬فمن المتوقع أن تكون تداعيات‬ ‫األزمة أكثر حدة عام ‪2009‬م‪ ،‬بحيث يتراجع نمو‬

‫‪850‬‬

‫‪%2‬‬

‫بريطانيا‬

‫ال� � ��والي� � ��ات ال��م��ت��ح��دة ‪700‬‬

‫‪%1‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫االقتصاد العالمي إل��ى ‪ ،%2.2‬وتنكمش جميع‬ ‫االقتصاديات المتقدمة دونما استثناء‪ ،‬وتحقق‬ ‫األس� ��واق الناشئة ن �م��واً ق ��دره ‪ ،%5.1‬وتتصدر‬ ‫الصين بمعدل نمو ق��دره ‪ ،%8.5‬تتبعها الهند‬ ‫‪ ،%6.3‬ثم منطقة الشرق األوسط ‪.%5.3‬‬

‫األمريكية‬ ‫ألمانيا‬

‫‪650‬‬

‫‪%1‬‬

‫الصين‬

‫‪586‬‬

‫‪%0.81‬‬

‫فرنسا‬

‫‪468‬‬

‫‪%1‬‬

‫هولندا‬

‫‪260‬‬

‫‪%1‬‬

‫السويد‬

‫‪205‬‬

‫‪%1‬‬

‫اليابان‬

‫‪170‬‬

‫‪%0.20‬‬

‫أسبانيا‬

‫‪130‬‬

‫‪%1‬‬

‫كوريا‬

‫‪130‬‬

‫‪%1‬‬

‫إيطاليا‬

‫‪52‬‬

‫‪%1‬‬

‫‪ .3‬األسواق العالمية‬ ‫أدت األزمة إلى تراجع مؤشرات جميع األسواق‬ ‫المالية دون استثناء‪ ،‬بما في ذلك األسواق العربية‪،‬‬ ‫ومنها دول مجلس التعاون؛ إذ فقدت كل من أسواق‬ ‫اإلمارات العربية المتحدة ومصر والسعودية أكثر‬ ‫من ‪ %50‬من قيمة مؤشرها‪ ،‬منذ بداية عام ‪2008‬م‬ ‫وحتى نهاية شهر أكتوبر من العام نفسه‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪37‬‬


‫األوسط بطرحها (‪ )13‬إصداراً أولياً بقيمة ‪9.7‬‬ ‫‪ .4‬أسواق دول مجلس التعاون‬ ‫أدت حركة العولمة واالس�ت�ث�م��ارات العابرة مليار دوالر‪ ،‬أي ما يمثل ‪ %75‬من قيمة ما جُ مع‬ ‫ل �ل �ح��دود‪ ،‬ألن ت�ص�ب��ح األس � ��واق أك �ث��ر ات �س��اق �اً؛ في المنطقة‪.‬‬ ‫وتجدر اإلشارة إلى أن مؤشر السوق السعودية‬ ‫وأسواق دول المجلس ليست استثناءاً‪ ،‬بل يمكن‬ ‫ال�ق��ول إن االرت �ب��اط بين أس ��واق دول المجلس كان يتسم بالتؤدة واالستقرار حتى عام ‪2003‬م‪،‬‬ ‫واألس��واق العالمية قد زاد بصورة أكثر وضوحاً عندما صعد م��ن مستوى ال �ـ ‪ 2000‬نقطة عام‬ ‫عام ‪2008‬م‪ ،‬مقارنة باألعوام السابقة‪ .‬وبالمقابل ‪2002‬م‪ ،‬وإل��ى م��ا يتجاوز ال �ـ ‪ 4000‬نقطة عام‬ ‫يتضح ت �ض��اؤل االرت��ب��اط ب�ي��ن قيمة م��ؤش��رات ‪2003‬م‪ ،‬وإل��ى م��ا يتجاوز ال �ـ ‪ 8000‬نقطة عام‬ ‫‪2004‬م‪ ،‬وإلى ‪ 16000‬نقطة عام ‪2005‬م‪ ،‬ليهوى‬ ‫األسواق الخليجية وسعر النفط الخام‪.‬‬ ‫عام ‪2006‬م إلى ما كان عليه عام ‪2004‬م‪ ،‬وليعاود‬ ‫‪ .5‬السوق السعودية‬ ‫الصعود إلى مستوى ‪ 11000‬نقطة عام ‪2007‬م‪،‬‬ ‫من المتوقع أن يحقق االقتصاد السعودي نمواً ث��م يتراجع إل��ى مستوى ال �ـ ‪ 4000‬نقطة حالياً‬ ‫حقيقياً في العام ‪2008‬م قدره ‪ ،%4.9‬وأن يتراجع (نوفمبر ‪2008‬م)‪.‬‬ ‫هذا النمو إلى ‪ %4.3‬عام ‪2009‬م‪ ،‬ليكون األقل‬ ‫كما أن خسائر المؤشر تضاعفت تقريباً على‬ ‫بين دول مجلس التعاون التي سيتراوح نموها هذا‬ ‫م��دى ستة أسابيع‪ ،‬فقد كانت خسارة المؤشر‬ ‫العام بين ‪ %5.9‬في الكويت‪ ،‬و‪ %21.4‬في قطر‪.‬‬ ‫‪ %37‬في سبتمبر‪ ،‬وارتفعت إلى ‪ %52‬في أكتوبر‪،‬‬ ‫ومن حيث تراجع قيمة مؤشر السوق‪ ،‬تحتل وإلى ‪ %59.32‬في ‪ 25‬نوفمبر‪ .‬وال يوجد ما يمنع‬ ‫السعودية المرتبة الثانية بعد س��وق اإلم��ارات المؤشر م��ن مواصلة خسائره خ�لال األسابيع‬ ‫العربية المتحدة‪ .‬وتجدر اإلشارة إلى أن السوق القادمة‪ ،‬إال في حال التدخل الحكومي المباشر‬ ‫ال �س �ع��ودي��ة م��ا زال ��ت األع �ل��ى ب�ي��ن دول مجلس أو غير المباشر أو كليهما‪.‬‬ ‫التعاون بمعيار مكرر األرباح الذي قدر متوسطه‬ ‫واختتم حديثه بقوله‪:‬‬ ‫بـ ‪ %11.6‬مكرراً‪ ،‬وهو بذلك يقع في نقطة وسط‬ ‫ومع عدم اإلخالل بأن العالم يكابد أزمة مالية‬ ‫بين مكررات األرباح في الهند (‪ ،)%10.3‬والصين‬ ‫عميقة قد تتفاقم لتصبح أزمة اقتصادية‪ ،‬وترتقي‬ ‫(‪.)%12.5‬‬ ‫لتضرب االستقرار االقتصادي – االجتماعي في‬ ‫وت �ج��در اإلش � ��ارة إل ��ى أن ��ه ع �ل��ى ال��رغ��م من‬ ‫أنحاء من العالم‪ ..‬إذا لم تعالج‪ .‬فإن أساسيات‬ ‫الخسائر المتالحقة للمؤشر خالل عام ‪2008‬م‪،‬‬ ‫االق�ت�ص��اد ال�س�ع��ودي ق��وي��ة‪ ،‬تمكننا م��ن اق�ت��راح‬ ‫إال أن ال �س��وق ال �س �ع��ودي��ة تمكنت م��ن تحقيق‬ ‫حلول وقائية وع�لاج�ي��ة‪ .‬كما أن منظور النمو‬ ‫المركز الثاني عالمياً‪ ،‬من حيث قيمة األم��وال‬ ‫االقتصادي مشجع لالنطالق من ضيق األزم��ة‬ ‫المجمعة من السوق‪ ،‬بمبلغ وقدره ثالثة مليارات‬ ‫إلى آفاق الفرص المصاحبة‪ ،‬خصوصاً بعد أن‬ ‫دوالر‪ ،‬أي ما ي��وازي ‪ ،%23‬ما جمع عالمياً في‬ ‫أعلن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله‬ ‫سوق الطروحات األولية‪ ،‬في الربع الثالث من‬ ‫ابن عبدالعزيز – سلّمه الله ‪ -‬أن المملكة ستنفق‬ ‫العام ‪2008‬م‪ .‬كما أنه خالل فترة التسعة أشهر‬ ‫‪ 400‬مليار دوالر خالل السنوات الخمس القادمة‪،‬‬ ‫األولى من العام‪ ،‬تصدرت المملكة منطقة الشرق‬ ‫وما أكده معالي وزير المالية أن مستوى اإلنفاق‬

‫‪38‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫وفيما يتعلق بمعالجة المنحنى االن�ح��داري‬ ‫للسوق المالية المحلية‪ ،‬فقد اقترح المحاضر‪:‬‬ ‫‪ .1‬العمل على محورين متالزمين‪ :‬محور الحفز‬ ‫االقتصادي‪ ،‬ويتحقق من خالل إصدار حزمة‬ ‫متكاملة لحفز االقتصاد المحلي‪ ،‬ليس فقط‬ ‫استهدافاً ل��زي��ادة الطلب‪ ،‬بل لحقن السوق‬ ‫بمشاعر إيجابية (‪.)Positive Sentiment‬‬ ‫ ‬

‫محور إع��ادة هيكلة منظومة الرقابة على‬ ‫ال��خ��دم��ات ال��م��ال��ي��ة‪ ،‬ل���ي���ؤدي إل���ى تكامل‬ ‫حقيقي للفصل بين المؤسسات المانحة‬ ‫لالئتمان لتمويل االلتزامات‪ ،‬وتلك المانحة‬ ‫لالئتمان لتمويل االستثمار‪ .‬وتحديداً‪..‬‬ ‫ال مفر من درج��ة أعلى من التنسيق بين‬ ‫مؤسسة النقد العربي السعودي‪ ،‬وهيئة‬ ‫ال��س��وق المالية لتنظيم س��وق الخدمات‬ ‫المالية في المملكة‪ ،‬إذ يمكن القول أن‬ ‫المؤسسات المالية القابلة للودائع (البنوك‬ ‫التجارية) ما زال��ت تمارس كال الدورين‪،‬‬ ‫ال على‬ ‫وتطبق إطباقاً يكاد أن يكون كام ً‬ ‫نشاط المصرفية االستثمارية‪.‬‬

‫‪ .2‬إن��ش��اء ص��ن��دوق ل� �ت ��وازن ال��س��وق ال �م��ال �ي��ة‪،‬‬ ‫بهدف الحفاظ على سيولته‪ ،‬وتعزيز آلية‬ ‫بيع ال�م�ع��روض وش ��راء المطلوب‪ ،‬م��ا ي��ؤدي‬ ‫إل��ى منع التهاوي المربك لألسعار‪ .‬وتجدر‬ ‫اإلشارة إلى أن هناك تجارب إيجابية في هذا‬ ‫السياق‪ ،‬منها تجربة هونج كونج إبان األزمة‬ ‫اآلسيوية لعام ‪1990‬م‪ ،‬وكذلك ما أعلنت عنه‬ ‫سلطنة عُمان مؤخراً تأسيس صندوق بقيمة‬ ‫‪ 150‬مليون ري��ال عُماني (‪ 1.5‬مليون ريال‬ ‫سعودي)‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫الحكومي ع��ام ‪2009‬م ليس م�ش��روط�اً بعوائد‬ ‫المملكة من النفط بل سيتجاوز مستوى اإلنفاق‬ ‫عام ‪2008‬م بنحو ‪.%19‬‬

‫‪ .3‬انطالقا من أن السوق السعودية سوق أفراد‪،‬‬ ‫إذ شكلت ت��داوالت األف��راد السعوديين أكثر‬ ‫من ‪ %88‬من قيمة التداوالت في شهر أكتوبر‪،‬‬ ‫وفي حين أن حركة بيع وشراء األفراد كانت‬ ‫متوازنة تقريباً في حدود ‪ 106‬مليار ريال في‬ ‫ذلك الشهر‪ ،‬نجد أن حركة الشراء من قبل‬ ‫الشركات فاقت البيع بمعدل ‪ 1-2.5‬مقارنة بـ‬ ‫‪ 1.1:4‬في يناير‪ ،‬وإن تواصل تبخر مدخرات‬ ‫األف � ��راد ال ي�خ�ل��و م��ن ت�ب�ع��ات اق �ت �ص��ادي��ة ‪-‬‬ ‫اجتماعية‪ ،‬وهذا أمر يتعارض مع إستراتيجية‬ ‫تحسين مستوى الدخل والمعيشة للمواطن‪.‬‬ ‫لذا‪ ،‬ال بد أن تجد الجهات المعنية آلية مقننة‬ ‫ال إنقاذياً‪،‬‬ ‫للتعامل مع ه��ذه الشريحة تعام ً‬ ‫هذه األسباب التي دفعت بلدان العالم لضخ‬ ‫األم��وال إلنقاذ ما يمكن إنقاذه من شركات‬ ‫وأفراد ومناخ استثماري‪ ،‬مراعاة لالستقرار‬ ‫االقتصادي وتعزيزاً للرضا االجتماعي‪.‬‬

‫الورقة الثالثة‬ ‫ت�ح��دث فيها ال��دك�ت��ور أح�م��د حبيب ص�لاح‪،‬‬ ‫وه��و مستشار اق�ت�ص��ادي ف��ي وزارة التخطيط‬ ‫وموضوعها‪« :‬تداعيات األزم��ة المالية العالمية‬ ‫من منظور االقتصاد الكلي السعودي»‪ .‬فقال‪:‬‬ ‫إن األزم ��ة المالية العالمية ه��ذه ت��أت��ي في‬ ‫وقت يتساءل فيه الناس‪ ،‬هل هي‪ :‬أزمة ائتمان‪،‬‬ ‫أم أزم��ة أسهم متعثرة‪ ،‬أم أزم��ة ره��ن عقاري؟!‬ ‫ما هي هذه األزمة التي نتحدث عنها؟! ومن ثم‬ ‫فإن كل األنواع التي ذكرناها تشمل هذه األزمة‪،‬‬ ‫فهي معنية بالقطاع البنكي‪ ،‬وق�ط��اع األس�ه��م‪،‬‬ ‫ونخشى أن تصبح هذه األزم��ة أزمة اقتصادية‪،‬‬ ‫وأن تنتقل من هذين القطاعين إلى بقية قطاعات‬ ‫االقتصاد‪.‬‬ ‫في الواليات المتحدة األمريكية وغيرها‪ ،‬حاول‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪39‬‬


‫القطاع المصرفي أن يقلد القطاع اإلنتاجي‪،‬‬ ‫والقطاع اإلنتاجي كلما يزيد الطلب يحاول أن يزيد‬ ‫اإلنتاج‪ ،‬ومن ثم فإن العرض أو اإلنتاج يحاول أن‬ ‫يواكب زيادة الطلب‪ ،‬لكن القطاع المصرفي كلما‬ ‫زاد الطلب على القروض واالئتمان‪ ،‬حاول تقليد‬ ‫القطاع السلعي أو اإلن�ت��اج��ي‪ ،‬وح��اول أن يزيد‬ ‫هذه القروض‪ ،‬لكن لديه حد معين (‪ )Limit‬وهو‬ ‫االحتياطي‪ ،‬أو الودائع الموجودة لديه‪ ،‬فحاول أن‬ ‫يتخطى هذه الودائع وأصدر المشتقات المالية‪،‬‬ ‫ما أدى إلى االنهيار وظهور األزمة المالية‪.‬‬ ‫تريد الواليات المتحدة األمريكية اآلن أن تضع‬ ‫حاجزاً بين القطاع المالي والقطاع االقتصادي‪،‬‬ ‫حتى ال تصبح أزمة اقتصاد‪ ،‬ألنه إذا لم يستطع‬ ‫المستثمرون أن يحصلوا على قروض للتوسع في‬ ‫االستثمار‪ ،‬لذا سوف تصبح هناك بطالة ويحدث‬ ‫انخفاض في معدالت النمو وغيرها‪.‬‬ ‫ولذلك ‪ -‬نحن في المملكة العربية السعودية‬ ‫ نأمل أن ال تتحول األزمة المالية هذه إلى أزمة‬‫اقتصادية‪.‬‬ ‫وذك� ��ر أن األزم � ��ة ال �م��ال �ي��ة ال �ع��ال �م �ي��ة تحل‬ ‫واالقتصاد السعودي في أحسن أوضاعه المالية‪،‬‬ ‫والجدول اآلتي يوضح واقع االقتصاد السعودي‬ ‫عام ‪2007‬م‪.‬‬

‫واقع االقتصاد السعودي (‪)2007‬‬ ‫المؤشر‬

‫مليون ريال‬

‫معدل‬ ‫النمو‬

‫‪40‬‬

‫الناتج المحلي اإلجمالي‬

‫‪813006‬‬

‫‪٪3.4‬‬

‫القطاعات غير النفطية‬

‫‪587002‬‬

‫‪٪4.6‬‬

‫قطاع التعدين‬

‫‪2885‬‬

‫‪٪3.1‬‬

‫قطاع الصناعة‬

‫‪98389‬‬

‫‪٪6.5‬‬

‫قطاع الخدمات‬

‫‪374933‬‬

‫‪٪4.2‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫النقل واالتصاالت‬

‫‪49930‬‬

‫‪٪10.6‬‬

‫التمويل والتأمين‬

‫‪86592‬‬

‫‪٪4.1‬‬

‫النفط والغاز‬

‫‪216576‬‬

‫‪٪0.2‬‬

‫اإليرادات العامة للدولة‬ ‫ب��دأت تتزايد اإلي� ��رادات‪ ،‬وك��ان أع�ل��ى نسبة‬ ‫م �ع��دل ن�م��و ع ��ام ‪2006‬م‪ ،‬ع�ن��دم��ا ق �ف��زت ه��ذه‬ ‫اإليرادات إلى ‪ 680‬مليار ريال سعودي‪.‬‬

‫المصروفات واإليرادات في المملكة‬ ‫المصروفات ف��ي المملكة حتى م��ا قبل عام‬ ‫‪2001‬م أكبر من اإليرادات‪ ،‬بينما بعد عام ‪2001‬م‬ ‫نجد أن اإلي��رادات أكبر من المصروفات؛ وهذا‬ ‫يعني أن هناك فائضاً كبيراً جداً‪ ،‬وهو يعني كذلك‬ ‫أن المملكة كانت في أحسن أوضاعها المالية‬ ‫عندما ظهرت األزمة‪.‬‬

‫متطلبات خطة التنمية الثامنة‬ ‫يفترض أن االقتصاد السعودي يستثمر في‬ ‫هذه المتطلبات االستثمارية نحو ‪ 614‬مليار ريال‪،‬‬ ‫(تنمية الموارد البشرية تحظى بـ ‪ ،%56‬والتنمية‬ ‫االجتماعية والصحية ‪ .)%19‬أغلب إنفاقنا تنمية‬ ‫بشرية‪ ،‬ويجب أن ال نغفل قطاعات التجهيزات‬ ‫األساسية والقطاعات األخرى‪.‬‬ ‫ثم تحدث عن معدالت النمو والناتج اإلجمالي‬ ‫واالستهالك واالستثمار والتوزيع النسبي لصادرات‬ ‫المملكة وإنتاج النفط ومعدالت النمو‪ .‬ثم جاء‬ ‫أخ�ي��را على القضايا والتحديات التي تواجهها‬ ‫المملكة العربية السعودية ولخصها في‪:‬‬ ‫‪ -1‬رفع المستوى المعيشي وتحسين نوعية الحياة‬ ‫للمواطن‪.‬‬ ‫‪ -2‬تحقيق التنمية المستدامة‪:‬‬ ‫أ‪ -‬تنويع القاعدة االقتصادية‪.‬‬


‫‪ -3‬تعزيز القدرة التنافسية لالقتصاد السعودي‪.‬‬ ‫‪ -4‬التكامل اإلقليمي والعربي والعالمي‪.‬‬

‫‪ -3‬انخفاض االستثمار في بدائل الطاقة‪.‬‬ ‫‪ -4‬اإلس� � ��راع ن �ح��و إص � ��دار ال �ع �م �ل��ة الخليجية‬ ‫الموحدة‪.‬‬ ‫‪ -5‬انخفاض أجور العمالة األجنبية‪.‬‬

‫ثم تحدث عن اآلث��ار السلبية لألزمة المالية ‪ -6‬انخفاض أسعار أسهم الشركات العالمية‪.‬‬ ‫العالمية ولخصها في‪:‬‬ ‫ث��م ت�ط��رق إل��ى ال���دور ال�ع��اج��ل ل�ل��دول��ة لدعم‬ ‫‪ -1‬انخفاض اإليرادات النفطية‪.‬‬ ‫االقتصاد ولخصه في‪:‬‬ ‫‪ -2‬انخفاض الصادرات غير البترولية‪.‬‬ ‫‪ -1‬دخ� ��ول ال ��دول ��ة ك �ش��ري��ك لتنفيذ ال�م�ش��اري��ع‬ ‫‪ -3‬انخفاض غاز اللقيم المصاحب‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫ب‪ -‬ترشيد دور العائدات النفطية‪.‬‬ ‫ج‪ -‬تحقيق التنمية المتوازنة بين المناطق‪.‬‬ ‫د‪ -‬استدامة الموارد البشرية‪.‬‬ ‫هـ‪ -‬تطوير الموارد البشرية وتوظيفها‪.‬‬

‫‪ -2‬ان�خ�ف��اض االس�ت�ث�م��ار النفطي ع�ل��ى مستوى‬ ‫العالم‪.‬‬

‫اإلستراتجية والمدن االقتصادية‪.‬‬

‫‪ -4‬ان �خ �ف��اض ال �ت �م��وي��ل (ال �م �ش��اري��ع ال �ج��دي��دة ‪ -2‬إن�ش��اء صناديق حكومية ج��دي��دة متخصصة‬ ‫والتخصيص)‪.‬‬ ‫(تعليم – تدريب – تقنية‪ ..‬الخ)‬ ‫‪ -5‬السياسات الحمائية والمضادة لإلغراق‪.‬‬

‫‪ -3‬إع��ادة النظر في سياسة سعر صرف الريال‬ ‫الحالية وربطه بسلة من العمالت‪.‬‬

‫‪ -7‬انخفاض سعر صرف الدوالر‪.‬‬

‫‪ -4‬اإلس��راع في إنشاء مشروع مساكن أصحاب‬ ‫الدخل المحدود‪.‬‬

‫‪ -6‬انخفاض المستوى المعيشي لألفراد‪.‬‬ ‫‪ -8‬انخفاض االستثمار األجنبي‪.‬‬ ‫‪ -9‬انخفاض فائض الميزان التجاري‪.‬‬ ‫‪ -10‬تباطؤ النمو االقتصادي‪.‬‬ ‫‪ -11‬تعجيل اتفاقيات التجارة الحرة‪.‬‬ ‫وق��ال إن المملكة العربية السعودية مثل أي‬ ‫دول��ة في العالم س��وف تتأثر‪ ،‬فانخفاض أسعار‬ ‫البترول بأكثر من ‪ %50‬دليل كبير على أننا من‬ ‫أكثر ال��دول المتأثرين من ه��ذه األزم��ة المالية‪.‬‬ ‫اإلي� ��رادات النفطية انخفضت وأس �ع��ار البترول‬ ‫انخفضت لكنها لن تنهار‪ ،‬يجب أن نقيس االنهيار‬ ‫على الثمانينيات حين وصلت األسعار إلى ‪ 50‬و‪60‬‬ ‫دوالراً‪ ،‬وهذا يعد انخفاضاً وليس انهياراً‪.‬‬ ‫ثم انتقل إلى اآلثار االيجابية لألزمة ومنها‪:‬‬ ‫‪ -1‬انخفاض معدالت التضخم وتكلفة المشاريع‪.‬‬

‫ث��م ت �ط��رق إل ��ى ال �م �ش��اري��ع االس �ت �ث �م��اري��ة في‬ ‫المملكة‪ ،‬وأن��ه م��ن ال �ض��روري اس�ت�م��رار العجلة‬ ‫االقتصادية بالدوران‪ ،‬وأن يستمر اإلنفاق الحكومي‬ ‫االستثماري وعدم تخفيضه‪ ،‬مثلما حصل خالل‬ ‫فترة الثمانينيات من القرن الماضي‪ .‬ثم أشاد‬ ‫بمبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز – سلمه‬ ‫الله ‪ -‬بمجموعة العشرين‪ ،‬متضمنة أن المملكة‬ ‫ستستمر ب��االن�ف��اق على المشاريع االستثمارية‬ ‫للبنية التحتية لالقتصاد السعودي بمبلغ (‪)400‬‬ ‫مليار دوالر خالل الخمس سنوات القادمة‪ .‬وانتهى‬ ‫بقوله أن النمو االقتصادي والتنمية يجب أن ال‬ ‫تتباطأ؛ ألن النمو السكاني لن ينتظر أو يتوقف‪.‬‬ ‫وفي نهاية الجلسة الثانية طرح الحضور عدداً‬ ‫من األسئلة وشاركوا بعدد من المداخالت منها‪:‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪41‬‬


‫احتياطيات صندوق االستثمارات العامة وغيرها‪،‬‬ ‫س‪ :‬د‪ .‬عبدالعزيز المانع‪:‬‬ ‫الكويت أوقفت سوق األسهم خوفاً من االنهيار وال تحضرني الذاكرة اآلن عن هذا الرقم‪.‬‬ ‫الكامل‪ ،‬فلماذا ال يتم هذا؟‬ ‫س‪ : :‬د‪ .‬حامد الشراري‬ ‫هل هناك خطة الستثمار هذه األزمة لمصلحة‬ ‫ج‪ :‬د‪ .‬إحسان بو حليقة‬ ‫االقتصاد الوطني‪ ،‬ونحن نتحدث عن كيفية تالفي‬ ‫الحكمة ليست ح�ك��راً على أح��د‪ ،‬فقد عقد‬ ‫هذه األزمة وتوابعها؟‬ ‫ في الشهر الماضي ‪ -‬اجتماع للمسئولين عن‬‫البورصات العالمية في ميالن‪ ،‬لمناقشة إيقاف ج‪ :‬في المملكة حالياً مشاريع تحلية كبيرة‪ ،‬وكل‬ ‫التعامل في س��وق األسهم في روس�ي��ا‪ ،‬والحكمة التقنيات نشتريها من الشركات األجنبية‪ ،‬وهذه‬ ‫العامة ت�ق��ول‪« :‬إي �ق��اف س��وق بسبب ال�خ��وف من الشركات انخفضت أسهمها‪ ،‬فلماذا لم نشتر هذه‬ ‫تدني القيمة لن يجدي شيئا‪ ،‬بل سيضيف عنصراً التقنيات أو نسهم فيها‪ .‬توجد فرص كبيرة جداً‪.،‬‬ ‫يغذي المخاوف‪ .‬وعند م�ع��اودة السوق لنشاطه فهل تبادر الدولة بها أو القطاع الخاص؟ أعتقد‬ ‫سينحدر ويعوض ما فاته من انحدار»‪ .‬إذاً ليس االثنين معاً‪.‬‬ ‫من الحكمة إغالق أي سوق خوفاً من الخسائر‪،‬‬ ‫ومشكلة القطاع الخاص أنه يحتاج إلى تمويل‪،‬‬ ‫بل يجب أن يكون ألسباب فنية‪ ،‬كعدم إمكانية ف��إذا كانت ال��دول��ة عندها صناديق‪ ..‬فال بد أن‬ ‫تنفيذ الصفقات‪ ..‬الخ‪.‬‬ ‫تمول القطاع ال�خ��اص‪ ،‬ألن��ي أعتقد أن التكامل‬ ‫صادف وقف السوق بالكويت‪ ،‬أنني كنت هناك م��وج��ود‪ ،‬وال ب��د م��ن استثمار ه��ذه األزم ��ة‪ ،‬فهي‬ ‫مع مجموعة من رجال األعمال (‪ 12‬ف��رداً)‪ ،‬كان موجوده في العالم وقد انعكست علينا‪ ،‬وعلينا أن‬ ‫بعضهم راب �ح �اً ف��ي ال�س��وق والبعض اآلخ��ر كان نكون العبين محترفين‪.‬‬ ‫خ��اس��راً‪ ،‬وك��ان��وا مستائين ج��داً م��ن ق��رار وقف س‪ :‬مفلح عبدالله الكايد‪:‬‬ ‫السوق‪ .‬فليست هذه هي الطريقة إلغالق السوق‪.‬‬ ‫السؤال األول موجه للدكتور إحسان بو حليقة‪..‬‬ ‫ولكن بادرت الكويت ‪ -‬من خالل هيئة االستثمار‪-‬‬ ‫البنوك السعودية تحديداً تعمل وفق آلية خاصة‬ ‫بالتدخل المقنن‪ ،‬إال أن طغيان الشعور السياسي‬ ‫بها‪ ،‬وغير مرتبطة بمتطلبات القطاع الخاص‬ ‫والجدل هناك أوقف ذلك التدخل‪.‬‬ ‫ت �ح��دي��داً‪ .‬وه��ي ف��ي األص ��ل متحفظة ل�ي��س لها‬ ‫س‪ :‬أ‪ .‬عبدالله عبدالعزيز ال��ح��ص��ان ‪ -‬مرجعية واحدة‪ ،‬ما نعلمه هو أن مرجعية مؤسسة‬ ‫النقد بشكل غير مباشر فيما يتعلق بالعالقة بين‬ ‫صحيفة الجزيرة‪:‬‬ ‫البنوك والقطاع الخاص‪ ،‬وال يوجد جهة تفرض‬ ‫فيما سبق ك��ان ال�ح��دي��ث ع��ن أن احتياطات‬ ‫عليها نسبة إق��راض من رأس مالها‪ ،‬األمر الذي‬ ‫الدولة تبلغ مليار وستمائة مليون ريال‪ ،‬وقيل اآلن‬ ‫سينعكس سلباً على التنمية في الفترة القادمة‪.‬‬ ‫مليار وثالثمائة مليون ريال فأيهما أدق؟‬ ‫أال يوجد توجه إلل��زام هذه البنوك باإلسهام في‬ ‫اإلق���راض ف��ي م�ج��ال التنمية‪ ..‬ول��و م��ن ف��ات��ورة‬ ‫ج‪ :‬د‪ .‬أحمد حبيب صالح‬ ‫مؤسسة النقد هي أعرف بهذه األرقام‪ ،‬وال أعلم أرباحها من األسهم خالل الفترة الماضية؟‬ ‫حجم احتياطيات البنوك التجارية المنشورة‪ ،‬أو‬

‫‪42‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫البنوك مراقبة من قبل مؤسسة النقد العربي‬ ‫السعودي‪ ،‬وي��د مؤسسة النقد على ه��ذه البنوك‬ ‫قوية وتسيطر على الكثير من القرارات‪ .‬والبنوك‬ ‫التجارية ليست تنموية وعليها أخذ موافقة مؤسسة‬ ‫النقد السعودي المتالك عقار‪ ،‬حتى وإن كان له‬ ‫عالقة بمبنى إداري لها‪ ،‬والسبب في ذلك‪ ..‬الرغبة‬ ‫في المحافظة على أعلى مستوى من السيولة لدى‬ ‫هذه البنوك‪.‬‬ ‫الوظيفة التنموية متروكة للدولة‪ ،‬قد تستطيع‬ ‫البنوك أن تساعد‪ ،‬ولكن هناك تخوف اآلن‪ ،‬ما‬ ‫الذي سيحدث في تمويل المشاريع التنموية؟ هذه‬ ‫قضية يجب أن تعالج‪ ،‬ولكن‪ ..‬من خالل الدولة‪.‬‬ ‫ال �س��ؤال ال�ث��ان��ي م��وج��ه ل�ل��دك�ت��ورأح�م��د حبيب‬

‫ وع��ن ال�ف��وائ��ض ال�م��وج��ودة ف��ي األس ��واق عند‬‫القطاع الخاص‪ :‬أق��ول إن السيولة انخفضت‬ ‫ألن مؤسسة النقد جعلت السيولة عن طريق‬ ‫ارتفاع االحتياطي القانوني للبنوك من ‪13 :7‬‬ ‫وهذا سحب نحو ‪ 100‬مليون‪ ،‬كما أن التوسع‬ ‫في السوق المالية في اإلص ��دارات الجديدة‬ ‫لألسهم زادت رؤوس أموالها العام الماضي‪،‬‬ ‫وأدى إلى سحب السيولة‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫ج‪ :‬د‪ .‬إحسان بو حليقة‬

‫ أما فيما ذكر أن هناك بعض المشاريع تعثرت‬‫بسبب ع��دم وج��ود أراض��ي أو مقاولين‪ :‬فهذا‬ ‫ص �ح �ي��ح‪ ..‬ول �ك �ن �ه��ا س �ت��دخ��ل ض �م��ن ال�خ�ط��ة‬ ‫القادمة‪ ،‬وأعتقد أن المشاريع سوف تنتقل إلى‬ ‫(الباب الرابع) اإلنفاق االستثماري في السنوات‬ ‫القادمة‪.‬‬

‫ص�لاح‪ ..‬بلغت عائدات المملكة – نظرا الرتفاع مداخلة الشيخ عبدالمحسن الحكير‪:‬‬

‫أسعار البترول خالل العامين المنصرمين ‪ -‬حداً‬ ‫لم تبلغه من قبل‪ ،‬وف��ي المقابل أعلنت الحكومة‬ ‫ميزانيات طموحة لم تتمكن من صرفها‪ ..‬ألسباب‬ ‫أشار إليها البارحة ضيف الندوة د‪ .‬فيصل صفوق‬ ‫البشير ‪ -‬م��ن وج ��ود ال�ف�ك��ر المضلل وال��روت�ي��ن‬ ‫والبيروقراطية ‪ -‬أليس من المفروض أن تنعكس‬ ‫هذه الفوائض الكبيرة على احتياطيات المملكة؛‬ ‫فأين تم توجيه تلك الفوائض؟‬

‫ج‪ :‬د‪ .‬أحمد حبيب صالح‬ ‫ بالنسبة للفوائض المالية‪ :‬ك��ان ه�ن��اك عدة‬‫سيناريوهات‪ ..‬فيما لو كانت أسعار البترول‬ ‫‪ 50‬دوالراً ما هي المشاريع التي يجب أن ينفق‬ ‫عليها؟ ولو ارتفعت هذه األسعار إلى حد معين‬ ‫فما هي المشاريع التي يجب اإلنفاق عليها؟‬ ‫وبالتالي عندما صار سعر البترول أكثر من ‪50‬‬ ‫دوالراً ذهبنا للمشاريع المذكورة أوالً‪ ،‬وأصبح‬ ‫ه�ن��اك م��ا يسمى ب�م�ش��اري��ع خ ��ارج الميزانية‬ ‫ورصدت لها مبالغ ضخمة‪.‬‬

‫ م��ن ل��م ي��دخ��ل س��وق األس�ه��م فعليه أن يدخل‬‫هذه األيام ألنها فرصة عظيمة‪ ،‬ومن ال يعرفه‬ ‫سوف يربح منه في هذه الفترة‪ ،‬ألنه رب ضارة‬ ‫نافعة‪.‬‬ ‫ سمعنا من الدكتور فيصل البشير‪ ،‬أن اقتصادنا‬‫ال يقتصر ع�ل��ى ال �ب �ت��رول وم�ش�ت�ق��ات��ه‪ ،‬لدينا‬ ‫الخدمات وهي من الفرص المتاحة لالستثمار‬ ‫والمهمة في اقتصادنا‪ ..‬لدينا ما هو غير موجود‬ ‫في العالم كله‪ ،‬عندنا (الحرمان الشريفان)‪..‬‬ ‫علينا أن نستفيد من هذه النعمة التي أنعم الله‬ ‫بها على هذا البلد‪ ،‬والتي ستكون لنا فقط دون‬ ‫غيرنا‪ ،‬وتعد أهم من البترول ألنها ال تنضب‬ ‫أبداً‪ ،‬وعلينا أن نستفيد منها االستفادة الكاملة‪،‬‬ ‫وقد علمنا أن الحجاج سيبلغ عددهم هذا العام‬ ‫نحو ثالثة ماليين حاج‪ ،‬وإذا سمح لهم لزادوا‬ ‫إلى ‪ 30‬مليوناً‪ ،‬ولدينا التسوق والزيارات والعمرة‬ ‫وهي أمور تهم تداعيات االقتصاد السعودي‪..‬‬ ‫أقترح أن يضاف لهذه الندوة «الفرص المتاحة‬ ‫لالستثمار في المملكة»‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪43‬‬


‫عبدالرحمن الشبيلي (ليلة البارحة) عن هذه‬ ‫المؤسسة‪ ،‬وم��ا تسعى ألدائ��ه في سبيل تحقيق‬ ‫وصية مؤسسها – يرحمه الله ‪ -‬ما لم يقله د‪.‬‬ ‫عبدالرحمن‪ ،‬هو أن الفضل ‪ -‬بعد الله في أهم‬ ‫ما حققته المؤسسة ‪ -‬يعود للمخلصين أمثاله‪،‬‬ ‫المتطوعين ف��ي هيئات المؤسسة ومجالسها‬ ‫الثقافية ال�م�ت�ع��ددة‪ ،‬وال��دك�ت��ور عبدالرحمن –‬ ‫على وج��ه التحديد ‪ -‬يصعب علي إي�ف��اؤه حقه‬ ‫الدكتور زياد السديري يلقي كلمته‬ ‫من الشكر والتقدير‪ ،‬فمنذ أن جمعتني به زمالة‬ ‫العضوية في مجلس الشورى‪ ،‬وإذا به يصبح أحد‬ ‫كلمة الختام‬ ‫كلمة المدير العام‬ ‫أه��م عناصر العطاء ف��ي ه��ذه المؤسسة‪ ،‬ت��ارة‬ ‫الدكتور زياد بن عبدالرحمن السديري باقتراحاته‪ ،‬وأخرى بمالحظاته‪ ،‬ودائماً بتطوعه‬ ‫اسمحوا لي أن نختتم هذا المنتدى بالعودة واستعداده لما أطلبه منه‪.‬‬ ‫إلى حيث بدأنا‪ .‬فالتكريم ذو أوجه وفوائد عدة‪،‬‬ ‫بعد هذا لَ َعلِّي أبين أن من بين أعضاء الهيئة‬ ‫أولها وأقربها إلى اإلدراك‪ ،‬هو اإلشادة بالمكّرم المنظمة لهذا المنتدى مسئوالن ف��ي ال��دول��ة‪:‬‬ ‫واالعتراف بفضله‪ ،‬والوجه اآلخر وهو األهم‪ ،‬هو معالي وزير الشئون االجتماعية الدكتور يوسف‬ ‫ما يفضي إليه هذا التكريم من إبراز للقيم التي العثيمين‪ ،‬وم�ع��ال��ي ن��ائ��ب وزي��ر العمل الدكتور‬ ‫يصبو إليها المجتمع‪ ،‬فتكون نبراساً لألجيال عبدالواحد خالد الحميد‪.‬‬ ‫الناشئة‪ ،‬والمثل األعلى لهم‪.‬‬ ‫عالقة الدكتور عبدالواحد بهذه المؤسسة‬ ‫الدكتور فيصل‪ ،‬ال يقتصر فضله على كتابه‬ ‫المنوّه عنه‪ ،‬وال ينحصر مثله بنبوغه العلمي‪ ،‬بل‬ ‫يعود إلى ما قبل ذلك بكثير‪ ،‬ففيصل لم ينشأ‬ ‫كما نشأ أكثرنا في محيط تتوافر فيه المدرسة‬ ‫لطالبها‪ ،‬ويلح فيه اآلباء على أبنائهم لطلب العلم‪.‬‬ ‫المحيط الذي عرفه فيصل غير هذا المحيط‪،‬‬ ‫واإللحاح الذي عاشه غير ذلك اإللحاح‪ ،‬ومع هذا‬ ‫فقد شق طريقه وصار مضرباً للمثل بالعصامية‪،‬‬ ‫وصالبة العود‪ ،‬وصدق ال��رأي‪ ،‬هذه هي القيمة‬ ‫الحقيقة واأله��م من تكريم فيصل‪ ،‬وهي العبرة‬ ‫التي نفيد جميعاً من نقلها ألبنائنا‪.‬‬

‫ليست بجديدة‪ ،‬ولمساته على أعمالها معروفة‬ ‫للكثيرين‪ ،‬ومعالي الدكتور يوسف كان مع الدكتور‬ ‫عبدالواحد‪ ،‬من المؤسسين لفكرة هذا المنتدى‪،‬‬ ‫وص��ار بعد ذلك عضواً في الهيئة المنظمة له‪،‬‬ ‫والعبرة ليست في ذل��ك‪ ،‬وإنما بالتزام الدكتور‬ ‫يوسف بهذه العضوية حتى بعد تعيينه وزي��راً‪،‬‬ ‫فاستمر ف��ي حضور اجتماعات الهيئة‪ ،‬وعمل‬ ‫على حضور فعاليات هذا المنتدى‪ ،‬التزاما بهذا‬ ‫المشروع الثقافي الحيوي‪ ،‬وإي�م��ان�اً بأهميته‪.‬‬ ‫فالمنصب لم يغير منه شيئا‪ ،‬وال��وزارة لم تغير‬ ‫في أولوياته‪.‬‬

‫واألمر اآلخر الذي أود اإلشارة إليه‪ ،‬هو الهيئة‬ ‫ه��ؤالء كلهم‪ ،‬إض��اف��ة إل��ى ال��زم�لاء اآلخ��ري��ن‬ ‫المنظمة لهذا المنتدى‪ ،‬فقد تحدث الدكتور ‪ -‬أع�ض��اء الهيئة المنظمة للمنتدى ‪ -‬يمثلون‬

‫‪44‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫وشركة الجوف الزراعية التي سوف تستضيفنا‬ ‫غداً إن شاء الله‪ ،‬كما أشكر األخ ثامر المحيسن‬ ‫وحرمه اللذين استضافا ضيفات المؤسسة على‬ ‫عشاء البارحة‪ ،‬واألخ الدكتور دخيل الله الشمدين‬ ‫وحرمه اللذين سوف يستضيفوهن صباح الغد‪،‬‬ ‫واألخ هالل الحيزان وحرمه اللذين سيستضيفون‬ ‫الضيفات على الغداء غداً‪.‬‬ ‫ختاماً‪ ..‬أق��دم حبي الكبير وتقديري األكبر‬ ‫ضيوف الندوة في مكتبة دار الجوف للعلوم‬ ‫إلخواني رئيس وأعضاء مجلس إدارة مؤسسة‬ ‫ال يحتذى به‪،‬‬ ‫بعطائهم وأريحيتهم وتواضعهم مث ً‬ ‫عبدالرحمن السديري الخيرية‪ ،‬الذين يضربون‬ ‫وقيمة كبيرة يجب التنويه عنها‪ ،‬واإلشادة بها‪.‬‬ ‫ال �م �ث��ل األع �ل��ى ع �ل��ى أك �ث��ر م��ن م �س �ت��وى‪ ،‬وال �ل��ه‬ ‫كذلك اسمحوا ل��ي أن أق��دم الشكر للشيخ يحفظكم جميعاً‪.‬‬ ‫عبدالله باحمدان‪ ،‬والمهندس عبدالله باقشان‪،‬‬ ‫وفي أول أيام المنتدى وقبيل االفتتاح‪ ،‬تجول‬ ‫والدكتور عمر بامحسون‪ ،‬الذين استضافوني مع‬ ‫ضيوف المنتدى في مكتبة دار الجوف للعلوم‪،‬‬ ‫مجموعة من اإلخوان لزيارة حضرموت‪ ،‬واطالعنا‬ ‫ب��دأت ب��زي��ارة معرض إص ��دارات المؤسسة‪ ،‬ثم‬ ‫على تاريخها العريق ومستقبلها الواعد‪ ،‬وهم بما‬ ‫قسم الدوريات فصالة المكتبة العامة فالمجموعة‬ ‫يقومون به هنا وهناك مثل يحتذى في العطاء‪،‬‬ ‫الخاصة في الدار‪.‬‬ ‫وعمل البر‪ ،‬وحفظ العهد‪.‬‬ ‫وخ�ل�ال إق��ام�ت�ه��م بالمنطقة ق ��ام ال�ض�ي��وف‬ ‫ك�م��ا أق ��دم ال�ش�ك��ر ال �ب��ال��غ ل�ك��ل المشاركين‬ ‫ب �ج��والت سياحية ف��ي آث ��ار م��دي�ن��ة س�ك��اك��ا وم��ا‬ ‫والمشاركات في ه��ذا المنتدى‪ ،‬والمستجيبين‬ ‫جاورها شملت قلعة زعبل وبئر سيسرا وأعمدة‬ ‫والمستجيبات لدعوة المؤسسة لحضور فعالياته‪،‬‬ ‫الرجاجيل‪ ،‬ثم قاموا بجولة مماثلة آلثار مدينة‬ ‫وأشكر إخواني الحضور من أبناء وبنات الجوف‪،‬‬ ‫دومة الجندل شملت متحفها وقلعة مارد ومسجد‬ ‫ال��ذي��ن أث�ب�ت��وا بحضورهم ومشاركتهم مستوى‬ ‫عمر بن الخطاب‪ ،‬بعد ذلك توجهوا إلى منطقة‬ ‫ال��وع��ي ال�م��وج��ود ف��ي ه��ذه المنطقة‪ ،‬وال�ف��ائ��دة‬ ‫بسيطا الزراعية‪.‬‬ ‫المتحققة ‪ -‬إن شاء الله ‪ -‬من هذه األنشطة‪.‬‬ ‫ك��ذل��ك أش �ك��ر مضيّفنا ف��ي ع �ش��اء ال�ب��ارح��ة‬ ‫مساعد مدير عام مؤسسة عبدالرحمن السديري‬ ‫الخيرية السابق األخ الصديق سالم حمود الظاهر‪،‬‬ ‫واإلخوان من أسرة الكايد‪ ،‬وأسرة الشالل الذين‬ ‫استضافونا جميعاً بعد العشاء‪ ،‬وسعادة وكيل إمارة‬ ‫منطقة الجوف أخي أحمد بن عبدالله آل الشيخ‬ ‫الذي سوف يستضيفنا على غداء اليوم‪ ،‬والشيخ‬ ‫سليمان الراجحي الذي سيستضيفنا هذه الليلة‪،‬‬

‫الضيوف أمام قلعة زعبل‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪45‬‬


‫التربية اجلمالية عند الطفل‬ ‫النص األدبي منوذجاً)‬ ‫(تذوق‬ ‫ّ‬

‫> سامي دقاقي*‬ ‫هل يمكن الحديث عن تذوق عمل فني اعتباراً لكونه ‪ -‬أي التذوق ‪ -‬عملية تتم خارج‬ ‫الذات؛ بمعنى أنها ترتكن للشروط الصرفة‪ ،‬المتعلقة بهذا العمل أو ذاك؟ أم يتعلق األمر‬ ‫بعملية تتم بحضور الذات وتأثيرها‪ ،‬باعتبارها جمّاع للمشاعر والمعارف‪ ،‬واالعتماالت‬ ‫الوجدانية والنفسية‪ ،‬التي تجعل المتلقي غير بريء تماماً من تأطير هذا العمل أو ذاك‪،‬‬ ‫وفقاً لكل ما سبق‪ ،‬وتناغماً مع رؤيته الخاصة بالضرورة وليس ما يراه غيره؟‬ ‫يكاد يكون هذا الموضوع إشكالياً‪ ،‬حتى عالقة تفاعلية بين موضوع العمل الفني‬ ‫أنه يجعل من الصعوبة بمكان‪ ،‬االنتصار ألي وذات ال�م�ت�ل�ق��ي‪ ،‬وض � ��رورة ص �ه��ر ك��ل من‬ ‫تصوّر من التصورين السابقين‪ ،‬هذا إن لم المبدع والمتلقي في البوتقة نفسها‪.‬‬ ‫نزعم بحضورهما معا‪ ،‬بشكل يفعّل كيميائية‬ ‫وال��ح��ال ه� ��ذه‪ ..‬ف���إنّ م�س��أل��ة ت�ل�ق��ي أو‬ ‫التذوق أوال‪ ،‬وحرارة المتعة تاليا‪ .‬إ ّال أنّ ما‬ ‫ت��ذوق اإلب ��داع‪ ،‬ل��م تبق عالقة بالمزاجية‪،‬‬ ‫يهمّنا هنا بالذات‪ ،‬هو مسألة تربية الذائقة‬ ‫أو الحدسية‪ ،‬أو التأملية‪ ،‬إذ أسهم علم‬ ‫خاص‪ ،‬بوصف‬ ‫ّ‬ ‫الجمالية عند الطفل بشكل‬ ‫النفس بمدارسه المختلفة في الكشف عن‬ ‫الطفولة مرحلة ذهبية وأولية للتعلم‪ ،‬وتربية‬ ‫ميكانيزمات اإلبداع من جهة‪ ،‬وأوليات التلقي‬ ‫الحس التذوقي والجمالي أوال‪ ،‬وأرضية‬ ‫من جهة أخرى‪ ،‬كما اجتهد في البحث عن‬ ‫خ�ص�ب��ة وم�لائ �م��ة‪ ،‬ل �ل �ب��زوغ اإلب ��داع ��ي في‬ ‫طرائق‪ ،‬وتوفير أدوات من شأنها أن تنمي‬ ‫مراحل عمرية الحقة‪.‬‬ ‫مهارات استقبال العمل الفني‪ ،‬وهي أدوات‬ ‫لم يعد العمل الفني‪ ،‬ذل��ك األث��ر الذي‬ ‫أضحت ضرورة ملحة‪ ،‬كي ال نظلم العمل أو‬ ‫يخضع ك�ل�ي�اً للمنهج ال�ع�ل�م��ي‪ ،‬ال ��ذي س��اد‬ ‫الذات‪ ،‬أو هما معا في نهاية المطاف‪.‬‬ ‫ف��ي ال�ق��رن التاسع عشر‪ ،‬وب��داي��ات القرن‬ ‫وإذا كانت التربية الجمالية تنطلق من‬ ‫العشرين‪ ،‬والذي جعل شروط التذوق ترتهن‬ ‫إل��ى كل عمل ب��ذات��ه‪ ،‬كما أنّ العمل الفنّي كون االنتماء إلى الجمال والبحث عنه‪ ،‬هو‬ ‫بالمقابل‪ ،‬ال يتحدد فقط بما يتماوج داخل من جملة االنتماءات الفطرية لدى اإلنسان‬ ‫المتلقي‪ ،‬وفقاً لحاالته النفسية والوجدانية‪ - .‬االن �ت �م��اء ل�ل�ج�م��اع��ة‪/‬االن�ت�م��اء للمكان‪/‬‬ ‫األمر إذاً ال يسلم من ضرورة القول بوجود االن �ت �م��اء ل�ل�ث�ق��اف��ة‪ ..‬إل ��خ ‪ -‬ف�ق��د أضحت‬

‫‪46‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫ض��رورة ملحة‪ ،‬وحجر أس��اس في بناء شخصية‬ ‫اإلنسان‪ ،‬بنا ًء سويا ومستمرا ومتفاعال‪ .‬فالجمال‬ ‫ هذا البعد العميق في شخصية اإلنسان ‪ -‬برز‬‫منذ وجود اإلنسان على وجه البسيطة‪ ،‬ولع ّل في‬ ‫تفاعله مع الطبيعة ومحاكاتها‪ ،‬واهتمامه بتطوير‬ ‫وتجديد مسكنه‪ ،‬وملبسه‪ ،‬وأدوات ��ه ‪ -‬كما تشي‬ ‫بذلك رسومات وتماثيل الحضارات القديمة ‪-‬‬ ‫الحس الجمالي عند اإلنسان‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫الدليل على فطرية‬ ‫وق��د ظ� ّل اإلن�س��ان إ ّم��ا منتجا للجمال (مبدعا)‪،‬‬ ‫أو باحثا عنه (متلقيا‪ /‬متذوقا)‪ ،‬وإن بشكل غير‬ ‫واع أحياناً‪ ,‬بحكم تواجده في نطاقات‪ ،‬أو إتيانه‬ ‫ألف �ع��ال وم �م��ارس��ات ي��وم�ي��ة تتسم بجمالية م��ا‪.‬‬ ‫ولم يلبث الجمال أن اختار لنفسه علماً قائما‪،‬‬ ‫اصطلح عليه بـ «علم الجمال» أو «الجماليات»‪،‬‬ ‫(المشتقات اإلغريقية)؛ وقد ظ ّل هذا العلم تابعاً‬ ‫للفلسفة ردحاً من الزمن‪ ،‬قبل أن يستق ّل بمباحثه‬ ‫ومفاهيمه‪.‬‬

‫يرتقي به مرحليا عن طريق الثقافة والمعرفة‬ ‫إجماال‪ ،‬فال خالف على أنّ تربية الذوق وتنميته‪،‬‬ ‫واالرت �ق��اء به هي عملية ممكنة‪ ،‬كما تؤكد ذلك‬ ‫مختلف فروع علم النفس‪ ,‬التي تلج هذا الحقل‬ ‫م��ن منحى أو آخ��ر؛ إذ رأى أدي�س��ون أنّ «ال��ذوق‬ ‫على الرغم من أ ّن��ه فطري في جانب منه‪ ،‬فإنّه‬ ‫قابل للتثقيف والتهذيب من خالل القراءة والحوار‬ ‫واالطّ الع ‪.»)3(...‬‬ ‫إنّ تربية الذائقة الجمالية عند الطفل‪ ،‬تقتضي‬ ‫معرفة وثقافة غنيتين ومتنوعتين‪ ،‬سواء من لدن‬ ‫األس��رة‪ ،‬أو المربين في المدرسة‪ ،‬أو مؤسسات‬ ‫التعليم األ ّول��ي‪ .‬ويأتي في قائمة هذه المعارف‪،‬‬ ‫دراس � ��ة ال �ط �ف��ول��ة‪ ،‬وم �ع��رف��ة م� �ي ��والت ال �ط �ف��ل‪،‬‬ ‫واهتماماته‪ ،‬ودوافعه الشخصية‪ ،‬وما إلى ذلك‪..‬‬ ‫ثم تأتي بعد ذلك خطوات يمكن أن نجملها على‬ ‫سبيل المثال ال الحصر في ما يلي‪:‬‬

‫< إثراء بيئة الطفل بالمفردات الجميلة والمالئمة‬ ‫وعلى الرغم من هذا التأطير العلمي لمفهوم‬ ‫لمداركه ومستوى نضجه‪.‬‬ ‫الجمال‪ ،‬إ ّال أنّ «اإلحساس بالجمال أفضل من‬ ‫معرفة الطريقة التي نحسّ ه بها «على ح ّد تعبير < تحقيق الجمال عمليّا بمحيط تفاعل الطّ فل‬ ‫م��ع ذات ��ه‪ ،‬وم��ع غيره ‪ -‬الترتيب‪/‬التنسيق‪/‬‬ ‫ج��ورج س��ان�ت�ي��ان��ا(‪ ،)1‬ذل��ك أنّ اللحظة الجمالية‬ ‫التنظيم ‪ -‬وفق اإلمكانات المتاحة‪.‬‬ ‫بوصفها «خبرة مشتركة بين المبدع والمتلقي»(‪،)2‬‬ ‫هي لحظة عصيّة على القبض والتحليل المعرفيين‪ < ،‬العناية بالمظهر الخارجي لإلنسان (الهندام‪/‬‬ ‫المأكل‪/‬الحركة‪.)...‬‬ ‫وال يفضل منها غير تلك االنفعاالت‪ ،‬واألحاسيس‬ ‫العائمة في مناطق الوجدان‪ ،‬وكل دراسة لها‪ ،‬إنّما < ت �ع��وي��د ال �ط �ف��ل ع �ل��ى االه �ت �م��ام ب��ال�ت�ف��اص�ي��ل‬ ‫هي دراس��ة لنتائجها ارتباطا بموضوع ما (عمل‬ ‫واألجزاء‪.‬‬ ‫فني)‪.‬‬ ‫< تنبيه الطفل إلى أنّ الجمال يكمن أحيانا كثيرة‬ ‫وقبل الحديث عن التذوق الفني ‪ -‬محور وقفتنا‬ ‫في العالقات القائمة بين األشياء‪ ،‬والتنويع‬ ‫هذه ‪ -‬ال ب ّد من الحديث عن تذوق الجمال بشكل‬ ‫المستمر في هذه العالقات‪.‬‬ ‫عام عند الطفل‪ .‬والتذوق يعني أن يقع الشيء أو‬ ‫الفعل أو القول في النفس موقعاً حسناً يبعث على < التأكيد على أنّ الجمال ينبع من الداخل أساسا‪،‬‬ ‫بمعنى أنّ الجمال هو حالة داخلية مثل الفرح‬ ‫االستمتاع والعشق‪ ،‬والتفاعل مع القيم الكامنة في‬ ‫والحزن وغيرهما‪ ،‬وهو أيضا استعداد قبل أيّ‬ ‫الموضوع (شيء‪/‬فعل‪/‬قول)‪ ،‬وتذوق الجمال ميزة‬ ‫شيء آخر‪.‬‬ ‫فارقة‪ ،‬تحقق لإلنسان مشهداً مهماً من إنسانيته‪،‬‬ ‫بحس جمالي < تعويد الطفل على بعض الصفات المهمة في‬ ‫ّ‬ ‫يرفعه عن درك الحيوان‪ ،‬إ ْذ تزوده‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪47‬‬


‫تربية الذائقة الجمالية‪ ،‬من قبيل‪ :‬الصبر‪،‬‬ ‫واألناة‪ ،‬الصفاء الذهني والنفسي‪ ،‬عدم التأثر‬ ‫أو االنسياق مع تقييمات اآلخ��ري��ن‪ ،‬اكتساب‬ ‫ثقافة غنية ومتنوعة تبعا لنضج الطفل‪.‬‬ ‫ ‬

‫إنّ الحديث عن تربية الذائقة الجمالية‪ ،‬يت ّم‬ ‫داخ �ل��ه ال�ح��دي��ث ع��ن تربية ال��ذائ�ق��ة الفنية‪،‬‬ ‫بوصف هذه األخيرة لحظة جمالية تنبجس‬ ‫من أعمال فنية بذاتها (المسرح‪/‬السينما‪/‬‬ ‫التشكيل‪ /‬األدب بصنوفه)‪ .‬وال ��ذوق الفني‬ ‫ه��و «ق ��درة األش �ي��اء على التفاعل م��ع القيم‬ ‫الجمالية في األشياء‪ ،‬وبخاصة في األعمال‬ ‫الفنية»(‪.)4‬‬

‫ذاتها‪ ،‬أي الخيال‪ ،‬وهو هنا خيال ابتكاري‪ /‬مبدع‪/‬‬ ‫وخ��ال��ق‪ ،‬أكثر م��ن أيّ ش��يء آخ��ر‪ .‬فالعمل الفني‬ ‫ينبجس من اإلنسان إبداعا‪ ،‬ويعود إليه تذوقا‪.‬‬ ‫والخيال ذاته يعمل في الجانبين (أي عند المبدع‬ ‫والمتلقي)؛ فاألول يبني ويؤلف بين ما هو مفكك‪،‬‬ ‫كي يقدم صورة عن العالم أو الذات؛ والثاني يفكّك‬ ‫ليعيد البناء ثانية بمعية الخيال أيضا‪ ،‬واستنادا‬ ‫لذاكرته المعرفية واللغوية والثقافية عموما‪ .‬وهو‬ ‫م��ن ث��م ي�ش��ارك ف��ي بناء المتعة وال��رض��ا اللذين‬ ‫يستشعرهما بعد الخلوص من العمل‪ ،‬واللذين كانا‬ ‫يُعدَّ ان فيما قبل نتاجا يمنحه المنجز اإلبداعي؛‬ ‫فإذاً لذات المتلقي الدور الكبير في اشتعالهما‪.‬‬

‫ ‬

‫نص أدبي‬ ‫إنّ عملية استقبال عمل فني ما ‪ّ -‬‬ ‫مثال ‪ -‬تجري عبر مستويين‪:‬‬

‫وإع��ادة اإلنتاج هذه ‪ -‬التي يمارسها المتلقي‬ ‫بتفاعل مع العمل اإلبداعي عموما‪ ،‬والنص األدبي‬ ‫على سبيل التمثيل ‪ -‬قد تفسر على ضوء التواشج‬ ‫النفسي وال��وج��دان��ي ال ��ذي ينبرم بين المتلقي‬ ‫�ص‪ ،‬وال�م�س�ت�ن��د ك�م��ا ق�ل�ن��ا ع�ل��ى مرجعيات‬ ‫وال� �ن � ّ‬ ‫(معرفية‪/‬ثقافية‪/‬سيكولوجية‪ ،)...‬إضافة إلى‬ ‫جملة من التجارب والممارسات الحياتية‪ .‬وهذا‬ ‫التعاطي مع العمل الفني يختلف من متلق آلخر‪،‬‬ ‫تبعا للظروف سالفة الذكر‪ ،‬بل قد يختلف عند‬ ‫المتلقي نفسه على مراحل‪.‬‬

‫< مستوى ال �ق��راءة األول �ي��ة‪ /‬االسترجاعية‪ :‬أي‬ ‫إدراك المعنى‪ ،‬واإلحاطة باألفكار واألساليب‬ ‫اللغوية‪ ،‬والقاموس المفرداتي؛ وهو مستوى‬ ‫يمكّن فقط من الحديث عن البنية الفوقية‪/‬‬ ‫السطحية‪ ،‬بتنويع في اللغة‪ ،‬وإع��ادة ترتيب‬ ‫األفكار بشكل آخر‪ .‬وهنا نكون أمام متلق سلبي‬ ‫نسبيا‪ ،‬بحكم تكراره لما هو كائن ومعطى‪.‬‬ ‫< مستوى القراءة العميقة‪ /‬المبدعة‪ :‬ويمكن أن‬ ‫نطلق عليها ال �ق��راءة الجمالية؛ وهنا يمكن‬ ‫الحديث ‪ -‬بشكل خ��اص‪ -‬ع��ن فعل ت��ذوق��يّ ‪،‬‬ ‫يتجاوز إدراك المعنى إل��ى أع�م��ال الخيال‪،‬‬ ‫وتبني استراتيجية التأويل بشكل مبدع‪ ،‬أي‬ ‫المشاركة في إعادة إنتاج العمل بصيغة أخرى؛‬ ‫وه��و األم��ر ال��ذي يجعل المتلقي داخ��ل دائ��رة‬ ‫اإلبداع‪ ،‬وليس خارجها‪ ،‬أي أنه الحلقة األخيرة‬ ‫لـ «ناجزيّة» العمل واكتماله بمعنى من المعاني‪.‬‬ ‫وعلى هذا المستوى يمكن أن نتحدث عن متلقّ‬ ‫إيجابي وفاعل‪ ،‬يخلق أكثر ممّا يستهلك‪.‬‬

‫ونظراً لكون الظروف السابقة والمؤطرة لعملية‬ ‫التذوق الفني‪ ،‬مهمة في تنشيط الدورة الدموية‪/‬‬ ‫التفاعلية بين اإلبداع والمتلقي‪ ،‬فإنّ الحديث عن‬ ‫تربية للذائقة الفنية عند الطفل‪ ،‬خصوصا‪ ،‬تصبح‬ ‫غير ذات جدوى خارجها‪ ،‬أو بمنأى عنها‪ ،‬ذلك أنّ‬ ‫توجيه الطفل إلى االحتكاك‪ ،‬وتكوين ذاك��رة من‬ ‫الخبرات والتجارب‪ ،‬ث ّم إثرائها‪ ،‬وإنماء المستوى‬ ‫المعرفي والثقافي والوجداني‪ ،‬كفيل بتمكينه من‬ ‫الكفايات المناسبة للتواصل مع األعمال الفنية‬ ‫خاص‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫عموما‪ ،‬والنصوص األدبية بوجه‬

‫وتربية الذائقة الفنية عند الطفل‪ ،‬تعني إيصاله‬ ‫إنّ التذوق الجمالي قد يكون وجها آخر للعمل‬ ‫إل��ى مرحلة المتلقي اإلي�ج��اب��ي‪/‬ال�م�ب��دع؛ بمعنى‬ ‫الفني المنصبّ عليه‪ ،‬بوصفهما يتحدّران من التربة‬

‫‪48‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫�ص على ‪ -‬خططا استعجالية ومستدامة للتنمية الثقافية‪،‬‬ ‫ق��درت��ه على ال�ت��أوي��ل‪ ،‬وفتح العمل‪ /‬ال�ن� ّ‬ ‫مصاريعه‪ ،‬ومن ث ّم إثراؤه‏‪ ،‬وإنتاج معان أخرى على تنطلق من نقاط حدد الدكتور عبدالله أبو هيف‬ ‫«النص الموازي»‪ .‬أهمها في ما يلي(‪:)5‬‬ ‫ّ‬ ‫هامشه‪ ،‬أي خلق ما يسمّى ب‬ ‫وق ��د ت �ت��أس��س ه ��ذه ال �ت��رب �ي��ة ب�ج�ع��ل ال �ط �ف��ل في < العناية بالمصادر الشعبية للثقافة‪ ،‬السيما‬ ‫وضعيات تح ّد عن طريق تعريضه ألعمال‪ ،‬تختلف‬ ‫ال�ح�ك��اي��ات واألس��اط �ي��ر وال�ق�ص��ص وال�ف�ن��ون‬ ‫مستويات ق��راءت�ه��ا م��ن حيث العمق والغموض‬ ‫الشفهيّة‪.‬‬ ‫النسبي‪ ،‬وم��ن حيث الغنى المعرفي والثقافي‬ ‫< العناية بالتقاليد القويمة لالتّصال الثقافي‪،‬‬ ‫أيضا‪ .‬وقد أكد علم النفس في هذا الباب ‪ -‬من‬ ‫ألنها ينبوع ث��ري ال غنى عنه في رف��ع سوية‬ ‫خالل تجارب معينة ‪ -‬أنّ العمل الفني يكون أكثر‬ ‫الذوق الفني لدى الناشئة‪ ،‬كما هو الحال في‬ ‫إث��ارة لالنطباعات الجمالية‪ ،‬حين يكون غامضا‬ ‫الشعر والسرد والغناء‪.‬‬ ‫وغير مباشر‪ ،‬ومركّبا‪ .‬فهذه الخصائص هي التي‬ ‫تشكل منبهات إليقاد الخيال‪ ،‬وتنشيط الوجدان < توفير وس��ائ��ل االن�ت�ش��ار الثقافي والممارسة‬ ‫الثقافية بين الناشئة عن طريق تعزيز قنوات‬ ‫والعاطفة‪ ،‬وشحذ ال �ق��درات الذهنية (ال��ذك��اء‪/‬‬ ‫االتصال بهذه الناشئة‪.‬‬ ‫الذاكرة) في مستوياتها التحليلية والتركيبية‪.‬‬ ‫ولع ّل من أسباب تخلف نظامنا التربوي فيما < ت��دع�ي��م ال �م��ؤس �س��ات ال �ت��رب��وي��ة فيما يجعلها‬ ‫أق��در على تحقيق خطط التنمية الثقافية‬ ‫يتعلق بتربية الذائقة الفنية‪ ،‬هو االكتفاء بأعمال‬ ‫وبرامجها‪.‬‬ ‫تنتفي فيها الخصائص اآلنفة الذكر‪ ،‬وتنحو منحى‬ ‫من السطحية والمباشرة‪ ،‬وما يزيد الطين بلة‪،‬‬ ‫إنّ تربية الذائقة الفنية‪ ،‬خصوصا تذوق النص‬ ‫ه��و أنّ القائمين على وض��ع ال�ب��رام��ج م��ن جهة‪ ،‬األدب��ي بوصفه فنّا‪ ،‬يجب أن ال تت ّم بمعزل عن‬ ‫والمدرسين من جهة أخ��رى‪ ،‬لم يسلموا بدورهم األعمال الفنية المختلفة‪ .‬فقد أبانت تجارب علم‬ ‫ال في عملية تذوق‬ ‫من هذا التسطيح‪ ،‬بحيث ينساقون إثر الجاهز النفس أنّ هناك ترابطا وتكام ً‬ ‫والمنمط والسطحي‪ ،‬ات�ق��اء لكثير أو قليل من األعمال الفنية‪ ،‬وهي فكرة يجب أن تولى أهمية‬ ‫االجتهاد والقراءة والمتابعة‪ ،‬األمر الذي ينعكس كبرى من لدن المدرسين والمربين‪ ،‬فقوة الذائقة‬ ‫سلبا على الطفل‪ /‬التلميذ‪ ،‬فتمسي طريقة واحدة بالنسبة للفن التشكيلي‪ ،‬أو المسرح‪ ،‬أو غيره من‬ ‫النص األدبي وتذوقه أمرا‬ ‫ّ‬ ‫سارية في التعامل مع جميع األعمال‪/‬النصوص‪ .‬الفنون‪ ،‬تجعل استقبال‬ ‫وال �ح��ال‪ ..‬أنّ ه��ذه الطريقة تغدو قاتلة للحس يسيرا‪ ،‬بل أكثر من ذلك تغنيه وتكمله‪ ،‬والعكس‬ ‫والذهن في اآلن نفسه‪ ،‬بحيث تصبح كل النصوص صحيح طبعا‪.‬‬ ‫فاقدة لمعناها الحقيقي‪ ،‬وقيمتها األصيلة‪ ،‬إذ‬ ‫وه �ك��ذا يمكننا ال�ح��دي��ث ع��ن تربية الذائقة‬ ‫�واب‬ ‫ممانعة تُ�ص��ارَع‪ ،‬وأب� ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫النص ب��دون‬ ‫ّ‬ ‫ما ج��دوى‬ ‫الفنية عند الطفل من خالل الخطوات التالية‪:‬‬ ‫تُعارَك!!‬ ‫< اح �ت��رام شخصية ال�ط�ف��ل ورأي� ��ه‪ ،‬واستنساج‬ ‫إنّ تربية ال��ذوق الفني عند الطفل‪ ،‬واالرتقاء عالقة أفقية معه تجنح نحو اإلشراك‪ ،‬واإلنصات‬ ‫به يسبقه ويوازيه إنتاج «ثقافة الطفل» انطالقا العميق‪ ،‬وتجاوز فكرة كونه وعاء للحشو‪ ،‬والتكرار‪،‬‬ ‫من األسرة والمنزل إلى المدرسة‪ ،‬مرورا بوسائل واالستهالك السلبي‪.‬‬ ‫االتصال والتواصل من إعالم وجمعيات وغيرها‪،‬‬ ‫الصارم المنبني على التواصل‬ ‫< تفادي التقويم ّ‬ ‫وهذه العمليات تستدعي ‪ -‬في مستوى آخر أعلى‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪49‬‬


‫اآللي‪ ،‬والمعرفة الجاهزة والمحددة سلفا‪.‬‬

‫صداقية‪ ،‬وغيرها من النماذج التي الب ّد وينعكس‬ ‫مفهومها على العالقة أوال‪ ،‬وبناء المعرفة‪ ،‬ث ّم‬ ‫تربية ال��ذوق تاليا؛ لذلك فالمدرّس مطالب بأن‬ ‫يتحلى بنوع من «القابليّة» و«االمتصاصيّة» اللتين‬ ‫تؤهاله الحترام جميع اآلراء واألفكار وتشجيعها‪،‬‬ ‫ث ّم تثمينها‪ ،‬وحتى في حال عدم صوابيّتها‪ ،‬يتعيّن‬ ‫عليه إش��راك الطفل‪ ،‬وإيصاله إل��ى ط��رق نفيها‪،‬‬ ‫والبحث عن بدائل أخرى‪ ،‬وهكذا دواليك‪.‬‬

‫(ف �ي��زي��ول��وج �ي��ا‪ /‬م �ع��رف �ي��ا‪ /‬ع �ق �ل � ّي��ا‪ /‬وج��دان �ي��ا‪/‬‬ ‫اجتماعيا‪ /‬لغويا)‪ ،‬وه��ي عملية مهمّة وجسيمة‬ ‫في اآلن ذاته‪ ،‬إ ْذ تتطلّب تكوينا ومعرفة من لدن‬ ‫المدرس‪ ،‬فكيف ن��روم منه تربية الذائقة الفنية‬ ‫ع�ن��د ال�ط�ف��ل‪ ،‬ف��ي ح�ي��ن يفتقدها ه��و؛ وه ��ذا ‪-‬‬ ‫لعمري‪ -‬أساس تخلف نظامنا التربوي والتعليمي‪.‬‬ ‫أذكر هنا مرحلة تكويننا في مركز المعلمين‪ ،‬والتي‬ ‫دام��ت سنتين لم يتم الحديث فيهما عن مفهوم‬ ‫ال��ذوق الفني‪ ،‬أو منهجية تربيته وتنميته‪ ،‬ال في‬ ‫اللغة العربية ‪ -‬بوصفها قريبة من اإلبداع األدبي‬ ‫ وال في غيرها من المواد(التربية التشكيلية على‬‫سبيل المثال)؛ بل ما زلت أذكر أنه لم يتم حتى‬ ‫مجرد التطرق ألح��د النصوص األدبية بالقراءة‬ ‫والتحليل‪ ،‬وك��أن ما يهم من التكوين هو حشونا‬ ‫بالقواعد والظواهر الصرفية والنحوية المقولبة‬ ‫والجاهزة‪ ،‬مرة على لسان الكوفيين‪ ،‬وأخرى على‬ ‫لسان البصريين‪ ،‬لنسقطها بدورنا ‪ -‬على مضض‪،‬‬ ‫ودون كثير فهم ‪ -‬على رؤوس األطفال الغضة‪.‬‬

‫< خلق وضعيّات من التحدي بقصد تنشيط خيال‬ ‫الطفل ‪ -‬كما قلنا آنفا ‪ -‬ك��أن ندفعه إل��ى خلق‬ ‫بدايات‪ ،‬أو نهايات‪ ،‬أو أحداث‪ ،‬عكس ما جاء في‬ ‫العمل الفني (ال�ن��ص األدب���ي)‪ ،‬وذل��ك م��ن خالل‬ ‫أسئلة وتمارين تهدف إلى تذوق النصوص تذوقا‬ ‫صحيحا وسليما‪ ،‬وتعيد إنتاج المعنى بأساليب‬ ‫مختلفة‪ .‬وه��ذا م��ا الحظنا غيابه على مستوى‬ ‫مقررات المستويات العليا من التعليم االبتدائي‬ ‫ الرابع‪/‬الخامس‪/‬السادس ‪ -‬بالمغرب‪ ،‬بوصفه‬‫ب�ل��داً ال يشذ ع��ن ال�ب�ل��دان العربية األخ ��رى‪ ،‬من‬ ‫حيث مناهج التعليم وطرائقه؛ وه�ك��ذا‪ ،‬إضافة‬ ‫إلى الحضور الباهت والمخجل للنصوص األدبية‬ ‫(ثمانية نصوص خ�لال السنة)‪ ،‬الحظنا ابتعاد‬ ‫األسئلة ع��ن ال �ت��ذوق الحقيقي لهذه النصوص‪،‬‬ ‫وتحويمها ح��ول المستوى السطحي ع��ن طريق‬ ‫أسئلة ضحلة‪ ،‬ت�ه��دف إل��ى ت �ك��رار ال�ن��ص فقط‪،‬‬ ‫ول�ي��س إع ��ادة إن�ت��اج��ه‪ ،‬وه��ذه التمارين ال ت��راوح‬ ‫ملفوظات من قبيل‪( :‬استخرج من النص‪ /..‬بيّن‬ ‫النص‪ ..‬إلخ)‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫في النص‪ /..‬ما هي‪ ...‬في‬

‫< التدرج في تقديم النصوص للطفل اطّ ��رادا مع‬ ‫ال�ن�ج��اح��ات ال�ت��ي يحققها (ت�ق��دي��م ن�ص��وص أكثر‬ ‫ممانعة ك�� ّل م � �رّة)‪ ،‬ق�ص��د تنشيط خ �ي��ال الطفل‬ ‫وتعويده على العمليات الذهنية المركبة‪ ،‬وتنمية‬ ‫ملكات من قبيل‪ :‬التحليل‪ ،‬واالستنتاج‪ ،‬والتركيب‪،‬‬ ‫واالستثمار‪ ..‬إلخ‪ ،‬فال وجود لمعطى مجّ اني‪ ،‬حتى‬ ‫ول��و تعلق األم��ر ب��ال�ق��راءة وال �ت��ذوق‪ ،‬ب��ل إن هاتين‬ ‫العمليتين بشكل خاص يتوجبان الكثير من الجهد < إدارة النقاش والحوار بشكل شفاف‪ ،‬وديمقراطي‪،‬‬ ‫واالج �ت �ه��اد بوصفهما عشقا تتولد عنه متعة ال وأخالقي‪ ،‬كما أنّ التحفيز والتشجيع والتجديد‪،‬‬ ‫هي عوامل تبدّد الملل والقنوط‪ ،‬وصرف النظر‬ ‫تضاهى‪.‬‬ ‫< ان�ت�ق��اء ال�ن�ص��وص بشكل ي�س��اي��ر ن �م � ّو الطفل عن التعلم تالياً‪.‬‬

‫< تجاوز مفهوم مركزية المدرس في بناء المعنى‪،‬‬ ‫النص‪ ،‬وهذا يحيلنا على نوع العالقة < تعويد الطفل على ال�ق��راءة الموازية‪ ،‬وتدوين‬ ‫ّ‬ ‫وإعادة إنتاج‬ ‫التي تتأسس بين ال�م��درس والطفل‪ ،‬من عالقة األف �ك��ار واآلراء وال �م�لاح �ظ��ات‪ ،‬وك��ذل��ك حفظ‬ ‫ديكتاتورية‪ ،‬وأخرى عنفيه‪ ،‬وثالثة سالبة‪ ،‬ورابعة مقاطع وأج ��زاء م��ن النصوص التي تعالق معها‬

‫‪50‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫ *‬ ‫(‪) 1‬‬ ‫(‪ )2‬‬ ‫(‪ )3‬‬

‫(‪) 4‬‬ ‫(‪ )5‬‬ ‫(‪ )6‬‬ ‫(‪ )7‬‬ ‫(‪ )8‬‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫الفنية‪ ،‬بل وحتى في االرتقاء بها؛ ألن الذوق يحتاج‬ ‫وعشقها عشقا تفاعليا‪.‬‬ ‫< خلق أجواء من التباري والتنافس الشريف بين إلى التنمية والتهذيب المستمرين‪ ،‬ومن ث ّم «يصعب‬ ‫المتعلمين‪/‬األطفال‪ ،‬يشعل ويضاعف الرغبة في الحديث عن ارتقاء األدب (إنتاجا وتفضيال) لدى‬ ‫األطفال بمعزل عن ارتقاء اللغة لديهم‪ ،‬أو حتى‬ ‫التعلم‪ ،‬كما يحفّز على البحث واالجتهاد‪.‬‬ ‫بمعزل عن ارتقائهم السيكولوجي االجتماعي»(‪.)6‬‬ ‫< توجيه اهتمام الطفل نحو أشكال أخ��رى من‬ ‫نافل ال�ق��ول‪ ،‬تبقى الذائقة الجمالية عموما‪،‬‬ ‫المعرفة والتذوق‪ ،‬كالفنون التعبيرية من مسرح‪،‬‬ ‫وموسيقى‪ ،‬وسينما‪ ،‬وتوجيههم إل��ى اإلف��ادة من والذوق الفني خصوصا‪ ،‬أهم تركيب في شخصية‬ ‫اإلن �س��ان‪ ،‬منذ ال���والدة وح�ت��ى ال �م��وت‪ ،‬ذل��ك أنها‬ ‫التقنية‪( :‬األنترنيت نموذجا)‪.‬‬ ‫تحقق في شطر كبير وجود هذا اإلنسان (الوجود‬ ‫< استحضار الفنون المذكورة في تربية الذائقة‬ ‫ال��وج��دان��ي وال�م�ع��رف��ي والسيكولوجي على وجه‬ ‫األدبية عند الطفل‪ ،‬كأن تقدّم لوحة تشكيليّة‪ ،‬أو‬ ‫التحديد)‪ ،‬كما أنها تقوم في شطر آخر على هذا‬ ‫مقطوعة موسيقيّة‪ ،‬أو فيلما‪ ،‬أو لوحة مسرحيّة‪،‬‬ ‫الوجود كي تتمظهر‪ ،‬وتتطوّر‪ ،‬وتتهذب؛ يقول فرويد‪:‬‬ ‫ونطالبه بالتعبير أدبيا (كتابة أو شفهيا) عن هذا‬ ‫«االنفعال الفني هو أعمق شيء في أعماقنا وهو‬ ‫المعطى‪ ،‬أو العكس؛ كل هذا يجري تبعا لمستوى‬ ‫أحد أشكال االندماج االجتماعي بل أقواها»(‪.)7‬‬ ‫الطفل العمري والمعرفي‪.‬‬ ‫أليس اإلنسان كائنا اجتماعيا؟ إذاً فهو بالضرورة‬ ‫< تشجيع الطفل على التعبير الشفوي من أجل‬ ‫كائن تفاعلي‪ /‬انفعالي‪ ،‬يقوم وجوده كله على ثنائية‬ ‫اس�ت�ث�م��ار ث��روت��ه ال�ل�غ��وي��ة‪ ،‬وال�م�ع��رف�ي��ة‪ ،‬والفكرية‬ ‫القبول والرفض؛ الفعل واالنفعال؛ التأثير والتأثر‪.‬‬ ‫السائرة في درب النمو‪.‬‬ ‫وهي ثنائيات تخدم الذوق‪ ،‬ويخدمها الذوق أيضا‬ ‫< االهتمام ب��إث��راء اللغة عند الطفل‪ ،‬م��ن خالل عبر مستويات من االستقبال والتلقي‪ .‬فــ «الذوق‬ ‫الوقوف على معاني المفردة الواحدة‪ ،‬تبعا للسياقات يعتمد على الحواس أوّال‪ ،‬لكنه يتطوّر من مجرد‬ ‫التداولية لهذه المفردة‪ ،‬سواء في معناها المباشر‪ ،‬ان �ف �ع��ال ي �ق��وم ع�ل��ى اإلع �ج��اب وال��ده �ش��ة اللذين‬ ‫أو المجازي‪ ،‬وه��و األم��ر ال��ذي يدفع المتعلم إلى يسترعيان االنتباه إل��ى تقدير شخصي للعوامل‬ ‫اكتشاف مفهوم ال�ص��ورة‪ ،‬والتشبيه‪ ،‬واالستعارة‪ ،‬المعنوية الدفينة ف��ي ال �ع �م��ل»(‪)8‬؛ أي أن ال��ذوق‬ ‫وال�م�ج��از ف��ي العمل األدب ��ي‪ ،‬ول��و ف��ي مستوياتها ينتقل من مستوى االنفعال الوجداني والعاطفي‪،‬‬ ‫البسيطة على األقل‪.‬‬ ‫إل��ى مستوى االكتساب المعرفي‪ ،‬أو بتعبير آخر‬ ‫واللغة بشكل خاص‪ ،‬إضافة إلى العوامل النفس من مستوى القراءة والتلقي المنفعلين إلى مستوى‬ ‫‪ -‬اجتماعية‪ ،‬تشكل حجر الزاوية في تربية الذائقة اإلنتاج وإعادة اإلنتاج الفاعلين‪.‬‬

‫كاتب وأستاذ باحث في مجال التربية والتعليم بالمغرب‪.‬‬ ‫اللحظة الجمالية‪ :‬محاولة فهم نقدية‪ ،‬د‪.‬جمال مقابلة‪ ،‬مجلة عالم الفكر‪ ،‬العدد ‪ ،35‬ص ‪.7‬‬ ‫المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص ‪.8‬‬ ‫التفضيل الجمالي‪ :‬دراسة في سيكولوجية التذوق الفني‪ ،‬د‪.‬شاكر عبدالحميد‪ ،‬عالم المعرفة‪ ،‬العدد ‪ ،267‬مارس‬ ‫‪ ،2006‬ص ‪.30‬‬ ‫التنمية الثقافية للطفل العربي‪ ،‬د‪.‬عبد الله أبو هيف‪ ،‬منشورات اتحاد كتاب العرب ‪2001‬م‪.‬‬ ‫المصدر نفسه‪.‬‬ ‫التفضيل الجمالي‪ :‬دراسة في سيكولوجية التذوق الفني‪ ،‬د‪.‬شاكر عبدالحميد‪ ،‬ص ‪.244‬‬ ‫التجربة اإلبداعية‪ :‬دراسة في سيكولوجية االتصال واإلبداع‪ ،‬اسماعيل الملحم‪ ،‬منشورات اتحاد كتاب العرب‪.‬‬ ‫المصدر نفسه‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪51‬‬


‫قصيدة النثر‬

‫بني شرعية الهوية والتهميش‬ ‫> الدكتورة وجدان الصائغ*‬ ‫لم يُثر بزوغ جنس أدبي قدر ما أثارته قصيدة النثر من إشكاليات في مشهدنا الثقافي‬ ‫المعاصر‪ ،‬إذ أسهم ذلك الحضور السافر في خرق النسقية التقليدية لمفهوم القصيدة‬ ‫العربية التي تحررت من أعمدة العروض‪ ،‬واستأثرت بشعرية الصورة والتكثيف الواعي‬ ‫للمفردة الموحية المشفّرة‪.‬‬ ‫وما من شك في أن الجانب التنظيري‬ ‫لقصيدة النثر يشكو من ندرة الفتة‪ ،‬قياسا‬ ‫بالقصيدة ذات الشطرين والتفعيلة‪ ،‬وهو‬ ‫غ�ي��اب ي�س� ّوغ��ه ه��ذا االن �ق �س��ام ال �ح��اد في‬ ‫أركان واقعنا الفكري‪ ،‬بين متحمس لشرعية‬ ‫هويتها‪ ،‬وض� ��رورة ح�ض��وره��ا المتسق مع‬ ‫طبيعة العصر وآلياته الجبارة التي تكاد‬ ‫ت�س�ح��ق ت�ح��ت م�ع��اول�ه��ا إي �ق��اع��ات النبض‬ ‫ال �ش �ع��ري‪ ،‬ل�ت�ك��ون ق�ص�ي��دة ال�ن�ث��ر ‪ -‬بلغتها‬ ‫الرشيقة المصفاة م��ن ال��زوائ��د اللفظية‬ ‫واألورام الهيكلية ‪ -‬م��راي��ا صقيلة تعكس‬ ‫ل�غ��ة ال �ح �ي��اة ال�ي��وم�ي��ة المتخمة بالتشتت‬ ‫والتشظي حد الترميد وتراجيديا اإلنسان‬ ‫المعاصر‪ ،‬وإلى ذلك ألمح الشاعر الدكتور‬ ‫علي جعفر ال�ع�لاق ف��ي مقدمة مجموعته‬ ‫الشعرية الكاملة قائال‪« :‬وكثيرا ما يحدث‬ ‫ه��ذا ال�م�ش�ه��د‪ ،‬ح�ي��ث يتكسر ف�ي��ه ش�ع��راء‬ ‫ع���دي���دون م ��ع أن��ه��م ‪ -‬ح �س��ب األع � ��راف‬ ‫السائدة – شعراء مغمورون بالوزن والقافية‬ ‫كليا أو جزئيا‪ :‬نجلس أمام المنصة‪ ،‬ينطفئ‬ ‫الشعراء‪ ,‬شاعرا بعد آخر‪ .‬دون أن يرتجف‬

‫‪52‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫أي منا لفجيعتهم أو سوء تقديرهم‪ .‬ثم ينادى‬ ‫فجأة على شاعر يأتي من خارج األعراف‬ ‫الشعرية الراسخة‪ .‬من خارج القواعد التي‬ ‫تميز الشعر عما س ��واه‪ .‬ش��اع��ر ل��م يحظ‬ ‫بمباركة القبيلة بعد‪ ،‬أو االنتساب إلى دمها‬ ‫الموزون المقفى‪ :‬يأتي هذا الشاعر ليقرأ‬ ‫قصيدة نثر وس��ط إع��راض خفي عن هذا‬ ‫الطارئ على القبيلة‪ ،‬واعتراض عام مكتوم‬ ‫على جرأته‪ .‬وما أن يبدأ قراءته حتى تهدأ‬ ‫القاعة‪ ،‬يهب عليها نسيم جديد‪ ،‬ينبعث من‬ ‫لغة مغايرة‪ ،‬ننحني تحت خضرتها‪ ،‬وتغتسل‬ ‫فيها أجسادنا وأحالمنا وضمائرنا الوجلة‪،‬‬ ‫عند ذلك تنقسم القاعة على نفسها‪ ،‬تنقسم‬ ‫الهمهمة‪ ،‬ويربح هذا الشاعر الجولة حين‬ ‫نعينه على أنفسنا‪ ،‬نعينه على ركام العادة‬ ‫فينا‪ .‬وتتنامى نشوتنا ح��رة‪ ،‬ف �وّارة طليقة‪،‬‬ ‫خارج األعراف الشعرية وتحديدات القول‬ ‫الشعري‪ .‬وحين نتفقد بقايا النشوة التي ما‬ ‫تزال عالقة بالروح والجسد‪ ،‬حين نتفحص‬ ‫بواعثها؛ فإننا ال نجد للوزن أو القافية دورا‬ ‫جوهريا فيها‪ .‬من أين يجيء ذلك االنتشاء‬


‫إيديولوجي عقائدي خاص‪ ،‬أو جهل‬ ‫بحقيقة الشعر العربي‪ ،‬وليس مجرد‬ ‫رغبة في أن يتزيَّ ببزة الشعراء‪ ،‬وهو‬ ‫ليس منهم‪ .‬وفي جميع األحوال‪ ،‬فال‬ ‫أحد يحجر على تأدب المتأدبين بالنثر‬ ‫األدبي الرفيع‪ ،‬ولكننا نتربص بالقضاء‬ ‫على الشعر العربي بقبول هذه الموجة‬ ‫اإلعالمية المدخولة في التسويغ للمولود غير‬ ‫الشرعي المسمى «قصيدة النثر»‪ ،‬واألمل معقود‬ ‫على المثقفين الكبار من النقاد واألدباء والشعراء‪،‬‬ ‫وليس من الحجج المقبولة في مشروعية قصيدة‬ ‫النثر هذا التمحك بالشعر األجنبي‪ ،‬فالثقافات‬ ‫وال�ف�ن��ون تختلف وت�ت�ب��اي��ن‪ ،‬ول�ه��ا أوط��ان �ه��ا‪ ،‬على‬ ‫عكس الحقائق العلمية فال وطن لها‪ ،‬وال يبقى‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫كله إذاًً؟ كيف استطاع هذا الشاعر الخارج على لنا إال أن نقول مع األستاذ الدكتور عبدالقادر‬ ‫القبيلة‪ ،‬أو الداخل عليها عنوة‪ ،‬أن ينتزعنا من القط في آخر مهرجان للشعر بالقاهرة نوفمبر‬ ‫أرض صارت أقدامنا جزءاً من ترابها‪ ،‬وتقاليدها ‪1993‬م‪« :‬إذا كان هذا هو الشعر فأنا منه براء»‪.‬‬ ‫ونعاسها القديم؟ لقد تسلل إلى قالعنا القديمة ويمكن القول اآلن إن العالقة التراثية الوحيدة‬ ‫مع قصيدة النثر المعاصرة تبقى في‬ ‫ع��اري��ا م��ن ال ��وزن وال�ق��اف�ي��ة‪ ،‬مكسوا‬ ‫(‪)2‬‬ ‫ب �غ �ي��وم ال �ل �غ��ة وأم �ط��اره��ا المنهمرة‬ ‫رفض األصوات النقدية لها ‪ .‬‬ ‫ك��ال�ل�ي��ل‪ ،‬والنظيفة ك��أن�ي��ن الينابيع‪،‬‬ ‫وبعيدا عن أجواء التضاد الساخن‬ ‫فإن أفضل وسيلة للغوص في خضم‬ ‫وه��ا ه��و ي��وق��ظ فينا ق�ط�ع��ان ال��روح‬ ‫هذه اإلشكالية هو وضعها أمام نخبة‬ ‫وال��ج��س��د‪ ،‬وي �ه��ش ع�ل�ي�ه��ا ال بعصا‬ ‫م��ن وزن أو قافية‪ ،‬ب��ل بسحر اللغة‬ ‫من مفكرينا ومبدعينا ونقادنا على‬ ‫اختالف مشاربهم ورؤاهم وأصقاعهم‪،‬‬ ‫وح��ده��ا‪ ،‬بضوئها الغامض وكثافتها‬ ‫ولإلجابة على أكثر من تساؤل يصب‬ ‫الموجعة)(‪.)1‬‬ ‫د‪ .‬وجدان الصائغ‬ ‫في حاضر قصيدة النثر ومستقبلها‪.‬‬ ‫في حين قد يسم بعضهم قصيدة‬ ‫ومن ضمن هذه التساؤالت‪ :‬هل نجح‬ ‫ال�ن�ث��ر ب��أق�س��ى ال �س �م��ات‪ ،‬ح�ت��ى أنهم‬ ‫مصطلح قصيدة النثر في أن يحمل‬ ‫يقرنون بينها وبين التغريب من أجل‬ ‫هويته الشرعية بعيدا عن فضاءات‬ ‫تهشيم التراث واإلط��اح��ة باألصالة‪،‬‬ ‫التهميش والمصادرة؟ وهل استطاعت‬ ‫فها هو د‪ .‬محمود أب��و األن��وار يؤكد‬ ‫قصيدة النثر ‪ -‬هذه القصيدة الوليدة‬ ‫بقوله‪( :‬إن ك��ل أدب ينم ع��ن وطنه‪،‬‬ ‫ أن تحفر لها مكانا ف��ي مشهدنا‬‫وليس قبول قصيدة النثر في اآلداب‬ ‫األوربية بمسوغ مشروعيتها في ديوان أ‪ .‬د‪ .‬عبدالعزيز المقالح ال �ث �ق��اف��ي ال �م �ع��اص��ر؟ وق� ��د ج ��اءت‬ ‫إجاباتهم متباينة حد التضاد أحيانا‪.‬‬ ‫الشعر العربي إال لمن يداخله سعي‬

‫وكان أول من تصدى لإلجابة عن‬ ‫هذه اإلشكالية شاعر اليمن األستاذ‬ ‫الدكتور عبدالعزيز المقالح‪ ،‬إذ أشار‬ ‫ق��ائ�لا‪« :‬ال�ش�ع��ر ال �ح��ر ه��و التسمية‬ ‫الالئقة بهذا النوع من البناء الفني‬ ‫ال �ل �غ��وي‪ .‬ف�ه��و ش�ع��ر ح��ر م��ن ال ��وزن‬ ‫وح��ر م��ن ال�ق��اف�ي��ة‪ ،‬وح��ر م��ن الشكل‬ ‫ال��ذي ت�ك��ون ف��ي أذه ��ان ال�ن��اس ع��ن الشعر على‬ ‫مدى عصور‪ .‬وهذه الحرية تعطي الشاعر القدرة‬ ‫على مصارعة اللغة والخروج من هذا الصراع‪،‬‬ ‫بمستوى تركيب يليق باإلبداع المتحرر من القيود‬ ‫وااللتزامات المسبقة‪ .‬ومهما حاولنا القول إن تلك‬ ‫االلتزامات المسبقة ليست قيوداً على الشاعر‬ ‫الكبير الموهوب‪ ،‬فإن واقع الممارسة يكذّب هذا‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪53‬‬


‫القول‪ .‬فضال عن أن الغنائية العالية في الشعر‬ ‫أصبحت غير ذات معنى‪ ،‬وأن اإلنسان المدني لم‬ ‫يعد بحاجة إلى الصراخ ليسمعه اآلخرون‪ ،‬كما كان‬ ‫الحال مع سكان البادية والصحراء‪ ،‬إذ يكفي أن‬ ‫يهمس اإلنسان – هنا ‪ -‬عبر آلة صغيرة ليسمعه‬ ‫وي �ت��أم��ل ال �ش��اع��ر وال�م�ت��رج��م ال�ي�م�ن��ي محمد‬ ‫اآلخرون في نهاية الكرة األرضية»‪.‬‬ ‫عبدالسالم منصور هذه اإلشكالية ليقول‪« :‬ما زال‬ ‫«ولهذا فإن األوزان الصاخبة التي احتفل بها كثير من الشعراء والنقاد يعترضون إلى اآلن على‬ ‫الشعر العربي في األزمنة العربية القديمة في تسمية الشعر المنثور «قصيدة النثر»‪ ،‬انطالقا من‬ ‫طريقها إلى التراجع ليصبح الوزن إيقاعا خافتا أن «القصيد» هو «الشعر «وأن الشعر هو الكالم‬ ‫هادئا‪ ،‬وهذا ما تتولى القيام به على نحو أفضل المنظوم؛ ولهذه المجافاة نجد بعضهم يفصلون‬ ‫القصيدة الحرة‪ ،‬التي ال أرغب على اإلطالق في ب��ال�ق��ول إن��ه ال م��ان��ع م��ن أن يطلق عليه «النثر‬ ‫تسميتها بقصيدة النثر‪ ،‬لما تحمله هذه التسمية الفني» مثالً‪ ،‬أنا أرى ‪ -‬كما يرى النظر الدقيق‬ ‫من تناقض يحاول الجمع بين الشعر والنثر‪ ،‬إنها ‪ -‬أن «قصيدة النثر» هي التسمية المثلى للشعر‬ ‫شعر وكفى‪ ،‬شعر مطلق أو منطلق كما كان يقال المنثور‪ ،‬هذا الصبي الذي بدأ يشق طريقه إلى‬ ‫عنه في بداية ظهوره»‪.‬‬ ‫الذائقة العربية السليمة غلبة وقهرا‪ ،‬فقد جاء‬ ‫«أم��ا عن شرعية ه��ذا النوع من الشعر‪ ،‬فإن في لسان العرب‪« :‬سمي الشعر التام قصيداً‪ ،‬الن‬ ‫اآلداب وال �ف �ن��ون ت�س�ت�م��د ش��رع�ي�ت�ه��ا م��ن تقبل قائله جعله من باله فقصد به قصداً‪ ،‬ولم يحتسه‬ ‫الجمهور‪ ،‬وم��ن قدرتها على التعبير عن أش��واق حسياً على ما خطر بباله وجرى على لسانه‪ ،‬بل‬ ‫هذا الجمهور في الخروج على المألوف والمكرر روى فيه خاطره‪ ،‬واجتهد في تجويده‪ ،‬ولم يقتضبه‬ ‫من الفنون واآلداب‪ .‬وأكبر حجة يقدمها كتاب هذا اقتضاباً»‪ ،‬وهذا يعني بوضوح‪ ،‬أن الشعر‪ ،‬قبل أن‬ ‫النوع من الشعر األج��د‪ ،‬أن القصيدة في الشعر يصير ق��وال لصاحبه‪ ،‬ك��ان هماً في قلبه ممتنعا‬ ‫الموزون المقفى قد استنفدت أغراضها الفنية على منطق العقل‪ ،‬وتلقائية ال�ق��ول؛ فاتجه إلى‬ ‫عبر القرون الطويلة‪ ،‬وأنها أصبحت تفرض نفسها التعبير عنه بقول مخصوص ال يتأتى إال لروية‬ ‫على الشاعر قبل أن يكتبها‪ ،‬أي أنها تفرض شكلها الخاطر = (القلب أو الوهم)‪ ،‬وجهد التجويد =‬ ‫ووزنها وقافيتها ومن ثم معانيها على الشاعر رغم (الصناعة)‪ ،‬فالقصدية إلى روية الخيال‪ ،‬وجهد‬ ‫أنفه‪ .‬والشعراء العظماء هم الذين كانوا يقاومون الصنعة‪ ،‬هي السبب في تسمية الشعر قصيداً‪،‬‬ ‫بصعوبة آث��ار الصيغة المسبقة والجاهزة‪ ،‬وهم وقطعة منه قصيدة‪ ،‬ومفهوم أن ه��ذا المعنى ال‬ ‫قلة قليلة في كل العصور‪ ،‬وما يزال بعض هؤالء يتضمن نظماً وال يستبعد نثراً‪ ،‬فالنظم‪ ،‬شأنه في‬ ‫العظام يقاومون ويحاولون االبتعاد عن التكرار ذلك شأن النثر‪ ،‬ليس عنصراً من عناصر الشعر‬ ‫الجوهرية‪ ،‬وال يشكل صورة من الصور اللصيقة‬ ‫واالستسالم لمتطلبات القافية»‪.‬‬ ‫بطبيعته‪ ،‬وما الواحد منها إال الوسيلة التي اتخذ‬ ‫«وف��ي ه��ذا ال�ص��دد ال أنسى اإلش ��ارة إل��ى أن‬ ‫منها الشعر هيئته للمثول أمام المتلقي‪ ،‬وهي هيئة‬ ‫تسعين بالمائة م��ن النثر ال ��رديء ال��ذي تنشره‬ ‫عارضة ت��زول‪ ،‬ويبقى الشعر في هيئته الجديدة‬ ‫الصحف والمجالت تحت اسم قصيدة النثر‪ ،‬ال‬ ‫محتفظا بمستوى الجمال والكمال ذات��ه؛ فالدر‬ ‫عالقة له بالشعر وال بالقصيدة‪ ،‬وهو ال يعبر من‬ ‫المنثور يحتفظ بجوهره الدري مكتمال‪ ،‬كما كان‬ ‫قريب أو بعيد‪ ،‬عن الشكل الخاص إلبداع جديد‬ ‫مشحون بالمعاني والصور الشعرية الناهضة من‬ ‫استبطان اللغة‪ ،‬واالتكاء على نموذج غير مسبوق‬ ‫وال منظور»‪.‬‬

‫‪54‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫«ولو أننا قد نظرنا إلى قول ابن خلدون عن فن‬ ‫الشعر (الفصل السادس واألربعون من المقدمة)‪،‬‬ ‫لوجدنا فيه م��ا يمكن أن يحسم ال�ج��دل‪ ،‬ويقنع‬ ‫ال�ن��اس بما ن��ذه��ب إل�ي��ه‪ ،‬فلنتأمل ف��ي ق��ول��ه عن‬ ‫الشعر تأمال دقيقا «ولصعوبة منحاه‪ ،‬وغرابة فنه‪،‬‬ ‫كان محكا للقرائح في استجادة أساليبه‪ ،‬وتزيل‬ ‫الكالم في قوالبه (ال يقصد أوزانه كما سيتضح‬ ‫بعد قليل)‪ ،‬وال يكفي فيه ملكة ال�ك�لام العربي‬ ‫على اإلط�ل�اق‪ ،‬بل يحتاج بخصوصه إل��ى تلطف‬ ‫ومحاولة في رعاية األساليب التي اختصته العرب‬ ‫بها واستعمالها‪ ،‬ولنذكر هنا سلوك األسلوب عند‬ ‫أهل هذه الصناعة‪ ،‬وما يريدون بها في إطالقهم‪،‬‬ ‫فاعلم أنها ‪ -‬عندهم ‪ -‬المنوال الذي ينسج فيه‬ ‫التراكيب‪ ،‬أو القالب ال��ذي يفرغ فيه‪ ،‬وال يرجع‬ ‫إلى الكالم باعتبار إفادته أصل المعنى‪ ،‬الذي هو‬ ‫وظيفة اإلعراب‪ ،‬وال اعتبار إفادته كمال المعنى من‬ ‫خواص التراكيب‪ ،‬الذي هو وظيفة البالغة والبيان‪،‬‬ ‫وال باعتبار الوزن كما استعمله العرب فيه‪ ،‬الذي‬ ‫هو وظيفة العروض؛ فهذه العلوم الثالثة خارجة‬ ‫عن هذه الصناعة الشعرية‪ ،‬وإنما يرجع إلى صورة‬ ‫ذهنية‪ ،‬للتراكيب المنتظمة‪ ،‬كلية باعتبار انطباقها‬ ‫على تركيب خ��اص‪ ،‬وتلك الصورة التي ينتزعها‬ ‫الذهن من أعيان التراكيب وأشخاصها‪ ،‬ويصيرها‬ ‫في الخيال كالقالب أو المنوال»‬ ‫واعتماداً على هذه الخلفية األصولية‪ ،‬يصح‬ ‫أن يأتي الشعر منثورا كما ج��اء منظوما‪ ،‬دون‬ ‫أن يخرج من كينونته الشعرية إلى أي نوع آخر‬ ‫من أن��واع األدب‪ ،‬أو القول المختلف؛ وانطالقا‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫في هيئته المنظومة؛ حتى ول��و ب��دا لبعضنا أنه‬ ‫أح�س��ن منظرا بهيئته المنظومة منه ف��ي هيئة‬ ‫منثورة‪ ،‬وهكذا هو حال الشعر سواء بسواء؛ فال‬ ‫نستغرب بعد ذلك‪ ،‬أن يصف العرب القرآن الكريم‬ ‫بأنه «قول شاعر» وهم يعلمون أنه ليس منظوما‬ ‫كحال الشعر على عهدهم»‪.‬‬

‫م��ن الخلفية ذات �ه��ا‪ ،‬يمكن أن نتجاوز ذل��ك إلى‬ ‫القول إن الشعر‪ ،‬دائما ما يكون تعبيرا عن شعور‬ ‫اإلنسان الوجداني‪ ،‬في حين ما ع��داه من أنواع‬ ‫الكالم المختلفة‪ ،‬يكون ‪ -‬في الغالب – تعبيرا‬ ‫عن اإلدراك العقلي‪ ،‬الذي يحرص على استخدام‬ ‫داللة القول الحقيقية‪ ،‬ويعمد إلى ترتيبه ترتيبا‬ ‫منطقيا‪ ،‬يتناسب مع احتياجات الحقيقة والواقع‪،‬‬ ‫وهو أسلوب ال يناسب التعبير عن الشعور الذي‬ ‫ينبثق في الوجدان انبثاقا مشعا‪ ،‬فينبث في الروح‬ ‫بكثافة ووض��وح وتناقض يمتنع على لغة العقل‬ ‫والبرهان‪ ،‬ويستعصي على تلقائية القول واندفاق‬ ‫الحديث‪ ،‬فيقذف الشاعر بروحه لتحترق بلهيب‬ ‫ال�خ�ي��ال‪ ،‬لتخرج ش�ع��را يتوهج بوميض ال��دالل��ة‬ ‫وجمر الحروف‪ ،‬سواء في ذلك عليه‪ ،‬أكان منظوما‬ ‫أم صار منثورا‪.‬‬ ‫أم��ا وق��د ت��أك��دت لقصيدة النثر هويتها‪ ،‬ولو‬ ‫من الناحية النظرية على األقل‪ ،‬فعليها أن تقتحم‬ ‫علينا حياتنا الراكدة‪ ،‬فشرعية األدب لدى العرب‬ ‫يجب أن تؤخذ كما السياسة غلبة وقهراً‪ ،‬وهي لن‬ ‫ترقى إلى هذا المستوى من التسلط إال باكتمالها‬ ‫وجمالها‪.‬‬ ‫وي �ب��ادرن��ا ال �ش��اع��ر ال�ب�ح��ري�ن��ي ع�ل��ي عبدالله‬ ‫خليفة قائال‪« :‬إن إشكالية قصيدة النثر تكمن في‬ ‫أنها ولدت في مرحلة حاسمة من مراحل تطور‬ ‫القصيدة العربية الحديثة‪ ،‬وقد أتاحت الجرائد‬ ‫والمجالت والصفحات الثقافية ودور النشر لها‬ ‫سانحة الحضور الدامغ‪ ،‬حين فتحت الباب على‬ ‫مصراعيه لكل المحاوالت المتأرجحة بين أقصى‬ ‫الجدة وأقصى ال��رداءة‪ ،‬فسرت النماذج الهزيلة‬ ‫في عتمة التخبط حاملة مشعل المبادرة‪ ،‬ومتخذة‬ ‫من الحداثة والغموض األعمى شعارا فضفاضا‬ ‫لسطحية ثقافتها‪ ،‬وت�ه��اف��ت موهبتها‪ ،‬وأصبح‬ ‫القارئ العادي يحس أنه قادر على أن ينتسب إلى‬ ‫قبيلة الشعر‪ ،‬من باب قصيدة النثر‪ ،‬بمجرد أن‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪55‬‬


‫يلغز ويغرب ويضرب بالحائط قدرة النص‪ ،‬على‬ ‫أن يتحرك برشاقة بين فضاء المبدع (المرسل)‪،‬‬ ‫والمتلقي (المرسل إليه)‪ ،‬لتكون نصوصه أشبه ما‬ ‫تكون بطالسم المشعوذين‪ ،‬مدعيا انه قد صار‬ ‫بهذا النهج صاحب طريقة وله مريدون»‪.‬‬ ‫«إن مشكلة قصيدة النثر تكمن في حاجتها‬ ‫الماسة إل��ى تنظير نقدي عربي يتقصى ميالد‬ ‫هذا الجنس األدبي‪ ،‬وينظر للحدود الفاصلة بين‬ ‫هذا الجنس وسواه‪ ،‬ويغربل هذا الكم الهائل من‬ ‫النتاج المنتسب إلى قصيدة النثر‪ .‬فال يمكن بأي‬ ‫شكل من األشكال أن تكون قصيدة النثر– التي‬ ‫ه��ي عمل ذه�ن��ي خ ��ارج على التقاليد الهيكلية‬ ‫واإليقاعية الموروثة موئله القلب‪ ،‬ويعتمد على‬ ‫الصدمة الشعرية التي تبدأ بالسريان في مخيال‬ ‫التلقي‪ ،‬بعد إتمام آخر حرف في النص (بصرف‬ ‫النظر ع��ن مسمياته) – نتاجا عبثيا ينأى عن‬ ‫األص��ول وال �ج��ذور وال�ض��واب��ط‪ .‬فهل يمكنني أن‬ ‫أمسك إزميل النحات وأضرب في حجر ضربات‬ ‫عشوائية‪ ..‬وأقول هذا إب��داع؟! بل وأفرضه على‬ ‫اآلخر شاهرا في وجهه القول المأثور‪« :‬لم ال تفهم‬ ‫ما ي�ق��ال؟»‪ .‬وأن��ت تسألين عن شرعية مصطلح‬ ‫قصيدة النثر‪ ،‬فأنا أرى أنه مصطلح يجمع بين‬ ‫نقيضين‪ :‬الشعر وال�ن�ث��ر؛ وأن��ا دائ�م��ا أن�ظ��ر إلى‬ ‫الشعر على أساس موسيقي‪ ،‬أي أن الشعر شعر‬ ‫بتسميته وارتباطه المصيري باإليقاع‪ ،‬والفرق‬ ‫بين الشعر والنثر كالفرق بين الرقص والمشي‪.‬‬ ‫وعلى العموم فإن ذلك ال يعني تهميش األعمال‬ ‫اإلبداعية التي كتبها شعراء متمكنون‪ ،‬كان هدفهم‬ ‫حين ارتادوا فضاءات قصيدة النثر توخيا ألقصى‬ ‫التجديد والشعرية‪ ،‬وليس عجزا عن كتابة عمل‬ ‫شعري موقع‪ .‬وأنا هنا أقول لنشرع األب��واب لكل‬ ‫المحاوالت التحديثية والتجديدية‪ ،‬كما ندع جميع‬ ‫الزهور تتفتح لكي نختار منها زهرتنا المفضلة‪.‬‬ ‫ألن كل نتاج فكري يمتلك بالضرورة بذور إندثاره‬ ‫أو استمراره»‪.‬‬

‫‪56‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫ويرى المترجم العراقي األستاذ الدكتور زهير‬ ‫مغامس بأنه قد «كثر الحديث مؤخرا عن قصيدة‬ ‫النثر بين أوساط المثقفين عموما‪ ،‬والشعراء على‬ ‫وج��ه الخصوص‪ .‬وانقسم الشعراء بين مناصر‬ ‫لها‪ ،‬على أنها الشكل الجديد للشعر الذي ال بديل‬ ‫عنه‪ ،‬وبين رافض ومستنكر لهذا الشكل (الطارئ‬ ‫الغريب)»‪.‬‬ ‫«وما زال أوار المعركة مستعرا‪ ،‬ويتأجج في كل‬ ‫مناسبة وحين بين المحدثين والمحافظين‪ .‬وإني‬ ‫وان نقلت إلى العربية كتاب سوزان بيرنار (قصيدة‬ ‫النثر من بودلير إلى أيامنا) الذي يعد واحدا من‬ ‫أب��رز المراجع الغربية في ميدان قصيدة النثر‪،‬‬ ‫لكني س��أت�ح��دث ب�م��وض��وع�ي��ة‪ ،‬ف�ك��ون��ي ن��اق�لا ال‬ ‫يعني بالضرورة أن أكون مناصرا‪ .‬وإذا ما عدنا‬ ‫بذاكرتنا إلى الخلف‪ ،‬وتصفحنا كتب تاريخ األدب‪،‬‬ ‫فإننا سنجد أن��ه ق��د حفل على ال ��دوام بمعارك‬ ‫مصيرية‪ ،‬كالمعركة الشهيرة التي دار أوارها بين‬ ‫القدامى والمحدثين في فرنسا‪ ،‬والتي وضعت‬ ‫أنصار التقليد وجها لوجه مع أعدائه‪ ،‬أو معركة‬ ‫«صيرناني» التي سجل فيها الرومانسيون بقيادة‬ ‫فكتور هيجو نصرا حاسما على الكالسيكين من‬ ‫جماعة بوالو‪ .‬وعليه فالصراع الحالي بين قصيدة‬ ‫النثر من ناحية‪ ،‬وقصيدة الشعر من ناحية أخرى‪،‬‬ ‫يندرج في سجل الصراعات الفكرية والثقافية‬ ‫والفنية‪ ،‬التي تحتمها مرحلة من مراحل النضج‬ ‫اإلنساني؛ أي أنها عالمة صحية‪ ،‬يعيشها الواقع‬ ‫األدب��ي والشعري على وج��ه التحديد‪ .‬ورب�م��ا ال‬ ‫ن�ك��ون موفقين ف��ي اس�ت�خ��دام م �ف��ردات تنم عن‬ ‫ال�ص��راع وال�م�ع��ارك‪ ،‬أو االنتصار والهزيمة‪ ،‬في‬ ‫الحديث عن مجرى الحركة الشعرية المعاصرة‪،‬‬ ‫وتطورها عربيا وعالميا؛ إذ أننا نتحدث في الشعر‬ ‫ع��ن مضمون وش�ك��ل‪ ،‬أو قلب وق��ال��ب؛ ف��إذا كان‬ ‫المضمون هو ذاته لدى الطرفين‪ ،‬فما جدوى أن‬ ‫يتغير الشكل؟ هَ بوا أن مصنعا ما ينتج هذه المادة‬ ‫أو تلك‪ ،‬فما أهمية شكل العبوة التي تحويها كانت‬


‫هناك وصف لقصيدة النثر على أنها زهرة بال‬ ‫عطر‪ ،‬أو كائن بال قدمين‪ ،‬أو طائر بال جناحين‪.‬‬ ‫وهناك من فسر اللجوء إلى قصيدة النثر بالعجز‬ ‫عن نظم الشعر التقليدي‪ .‬وهناك من ي��رى في‬ ‫قصيدة النثر تهديدا مباشرا للشعر؛ بل هناك من‬ ‫يتطرف فيعدها حركة استعمارية تهدف لإلطاحة‬ ‫بصرح الشعر الكالسيكي الجميل‪ .‬وأنا أرى أنها‬ ‫آراء متطرفة تعبر عن مخاوف ال مبرر لها؛ فإذا‬ ‫كانت قصيدة النثر شكال مستوردا وطارئا على‬ ‫الشعر‪ ،‬فلن تلبث أن تزول بزوال المؤثر والحاجة‬ ‫إليه؛ أما إذا كانت هي الشكل المرن‪ ،‬الذي يهب‬ ‫الشاعر مزيدا من الحرية‪ ،‬كي يعبر عن مكنوناته‬ ‫وأح��اس�ي�س��ه‪ ،‬بعيدا ع��ن ق�ي��ود الشعر وسالسل‬ ‫البحور‪ ،‬فما الضير في أن يتبناها الشاعر الذي‬ ‫مثلوه بنافورة تنثر ما بحوزتها من ال�م��اء؟ فهل‬ ‫ينبغي الحديث عن الماء أم عن شكل النافورة؟‬ ‫وحسبنا أخيرا أن نستعيد فكرة التيار الكهربائي‬ ‫الذي تمثل به سوزان بيرنار الشعر‪ ،‬والذي يعرفنا‬ ‫بالنور فجأة‪ ،‬دون أن نكترث لشكل السلك الذي‬ ‫ينقله لنا»‪.‬‬ ‫ويصحح الشاعر العماني سعيد الصقالوي‬ ‫هذه اإلشكالية بقوله‪ :‬إنها «إشكالية قصيدة النثر‬ ‫بين المسخ الشعري والحلول النثري»‪ ،‬ثم يسترسل‬ ‫مشيرا إلى‪« :‬أن تركيب هذا المصطلح غير سوي‪،‬‬ ‫ذل��ك أن��ه م��رك��ب م��ن كلمتين متغايرتين تمثالن‬ ‫إبداعين متغايرين شكال‪ ،‬وبناء‪ ،‬وأسلوبا‪ ،‬وصياغة‪،‬‬ ‫وط��رح��ا؛ فمظلة الشكل النثري واس�ع��ة‪ ،‬وتعبير‬ ‫أغلبها فضفاض‪ ،‬وأشكاله السردية تشي بذلك‪.‬‬ ‫ولكن الشعر غير ذلك‪ ،‬إذ يقتضي االتساق‪ ،‬واللغة‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫صغيرة أو كبيرة‪ ،‬مربعة أو مستطيلة أو مدورة‪،‬‬ ‫طويلة أو قصيرة؟! وكم مرة يعلن مصنع ما عزمه‬ ‫طرح مادته المصنّعة في عبوة جديدة‪ ،‬ألسباب‬ ‫عديدة‪ ،‬لعل أهمها جمالية الشكل الجديد‪ ،‬وما‬ ‫ينطوي عليه من تأثير وجذب للمستهلك‪.‬‬

‫الشعرية المكثفة‪ ،‬واإليقاع‪ ،‬والموسيقى‪ ،‬وتوقيعاته‬ ‫منسجمة في توافق غير مسموح اإلخالل به‪ ،‬ولكن‬ ‫يسمح بإعادة تركيبه وبنائه في أشكال جديدة‪،‬‬ ‫وتنويعات عديدة متوافقة ومنسجمة‪ .‬أما اإليقاع‬ ‫في الجمل النثرية فمشتت‪ ،‬والموسيقى في جسده‬ ‫غير نابضة‪ ،‬والنثر كطريقة تعبير عن تفاصيل‬ ‫أغلب المناحي‪ ،‬ينطوي على طاقة متفجرة؛ ولذا‬ ‫فإن إلصاق النثر بالشعر تعسف‪ ،‬وإلصاق الشعر‬ ‫بالنثر تهميش لهذا العمل اإلبداعي‪ ،‬والذي يتحرى‬ ‫التحويل الداللي في مراجع البالغة وفقه اللغة‬ ‫للفظة (قصيدة) أو (قصيد)‪ ،‬سيمسكك باإليحاء‬ ‫والتصريح المقصود منها‪ ،‬فالنثر وإن كان حسنا‪،‬‬ ‫شريفا‪ ،‬دريّ المعاني‪ ،‬إال أنه ال يشترك مع الشعر‬ ‫إال في استخدام األلفاظ وال�ح��روف والكلمات‪،‬‬ ‫ولكنه ينأى عنه في خصائصه‪ .‬واألمم والحضارات‬ ‫تفرق بينهما‪ .‬لقد هيأ تركيب ه��ذا المصطلح‬ ‫المشوش والملتبس مجاال فسيحا للمتوهمين‪،‬‬ ‫وجهز شركا أوق��ع بالموهوبين‪ ،‬فضاعت أصالة‬ ‫اإلب��داع الشعري‪ ،‬وغامت تجليات القول النثري‪.‬‬ ‫ومن بين هذا الزحام‪ ،‬تظهر أعمال جميلة تنسب‬ ‫إل��ى مالمح الشعر‪ ،‬وتنتمي أكثر قسماتها إلى‬ ‫النثر‪ .‬ولذلك فمن األول��ى أن يمتلك ه��ذا الفن‬ ‫القولي مصطلحه الخاص‪ ،‬يحدد شكل مالمحه‬ ‫وهيكل بنائه‪ ،‬ونمط خصوصيته‪ ،‬ويعطيه إمكانية‬ ‫الديمومة‪ ،‬إل��ى جانب األش�ك��ال القولية األخ��رى‬ ‫كالقصة‪ ،‬وال��رواي��ة‪ ،‬والشعر‪ ،‬والمقالة وغيرها؛‬ ‫فيتحرر م��ن التعلق ب��أه��داب األش �ك��ال األخ��رى‪،‬‬ ‫ويصبح جنسا له مبدعوه وعشاقه‪ .‬ووصوال إلى‬ ‫الغاية في هذا الصدد فإني أرى أن ينضوي تحت‬ ‫مصطلح النثيرة‪ ،‬فهو مصطلح غير مضاف إلى‬ ‫فن قولي آخ��ر‪ ،‬وبوصفه أكثر جنوحا إلى النثر‪،‬‬ ‫ومن حيث الداللة فانه يشير إلى قول رفيع‪ ،‬إذ أن‬ ‫نثار الذهب‪ ،‬ونثير الدر‪ ،‬يدالن عليهما؛ كذلك فإن‬ ‫مصطلح النثيرة يدل على مستوى رفيع من النثر‪،‬‬ ‫يستثمر الشعر واس�ت�ع��ارات��ه وم�ج��ازات��ه‪ ،‬دون أن‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪57‬‬


‫يكون مسخا عنه‪ ،‬فيمتلك هويته األدبية‪ ،‬والقولية‪.‬‬ ‫ومهما تقمّص أحدهما اآلخر‪ ،‬وح ّل في مالمحه‪،‬‬ ‫يبقى الشعر مشعا في جوهره‪ ،‬ويبقى النثر مشرقا‬ ‫في فضائه‪ .‬ومن الصعب القول بالنثر بديال عن‬ ‫الشعر‪ ،‬أو االكتفاء بالشعر بديال عن النثر‪ ،‬فلكل‬ ‫منهما دوره الفاعل في انتفاضة الثقافة‪ ،‬وفي فكر‬ ‫اإلنسان وحركته وتطوره»‪.‬‬ ‫ويؤكد الناقد العراقي األستاذ الدكتور صبري‬ ‫مسلم «أن مصطلح قصيدة النثر يحمل تناقضاته‬ ‫منذ عنوانه‪ ،‬إذ يجمع بين جنسين أدبيين أحدهما‪:‬‬ ‫القصيدة التي تتطلب شكال منظما له مرجعيته‬ ‫العريقة في تاريخ الفن اإلنساني‪ ،‬واآلخ��ر النثر‬ ‫الذي ال يشترط فيه أن يخضع لتقاليد عروضية‬ ‫أو أسلوبية معينة‪ ،‬وه��و ت�ض��اد تنبّه إل�ي��ه رواد‬ ‫قصيدة النثر الفرنسية فقسموا قصيدة النثر من‬ ‫خالله إلى نمطين‪ ،‬أولهما‪ :‬القصيدة الشكلية التي‬ ‫كتبها شعراء مولعون بخلق شكل منظم لقصيدة‬ ‫النثر‪ ،‬في حين أن شعراء التمرد الساعين إلى‬ ‫تحطيم أي شكل ش�ع��ري تتموضع فيه قصيدة‬ ‫النثر‪ ،‬توصلوا إل��ى (القصيدة‪ /‬اإلش ��راق) التي‬ ‫تمحو حدود الزمان والمكان‪ .‬وال يخفى غموض‬ ‫مصطلح (القصيدة‪ /‬اإلش���راق)‪ ،‬وت�ع��ذر تحديد‬ ‫أبعاده‪ ،‬وهو يذكرنا بألفاظ المتصوفة وتهويماتهم‬ ‫ف��ي ت��اري��خ ال�ق�ص�ي��دة ال�ع��رب�ي��ة‪ .‬ول �ك��ي تستوعب‬ ‫قصيدة النثر هذين النمطين المتضادين‪ ،‬فإن‬ ‫رواد قصيدة النثر برروا اجتماعهما‪ ،‬بأن الشعراء‬ ‫الذين يتجهون صوب قطب النظام أو إلى قطب‬ ‫الالنظام‪ ،‬سوف ينتهون بالشكل الدائري‪ ،‬أو بشكل‬ ‫اإلشراق‪ ،‬أو يتجمعون في عائلتين روحيتين‪ .‬وهذا‬ ‫تبرير طريف‪ ،‬إال أنه ال ينطبق على قصيدة النثر‬ ‫العربية‪ ،‬مع انه يضيء جذرها األوربي‪ ،‬بيد أن من‬ ‫المؤكد أن ثمة هموما مشتركة وسمات متقاربة‪،‬‬ ‫فقد وصفت قصيدة النثر األوربية بأنها من أكثر‬ ‫أش �ك��ال الشكل المعاصر ح��داث��ة وغ��راب��ة‪ ،‬وقد‬ ‫تعرض الدارسون هناك إلى حاالت شبيهة‪ ،‬بما‬

‫‪58‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫نشهده في الساحة األدبية العربية اآلن‪ ،‬والسيما‬ ‫ف�ي�م��ا ي�خ��ص ال��س��ؤال ال�م�ه��م ال ��ذي ي �ت �ب��ادر إل��ى‬ ‫األذهان كثيرا وهو‪ :‬لماذا يلجأ شاعر متميز من‬ ‫شعراء هذا العصر مثل أدونيس‪ ،‬أو نزار قباني‪،‬‬ ‫أو محمود دروي��ش‪ ،‬أو عبدالعزيز المقالح‪ ،‬إلى‬ ‫تقنية قصيدة النثر وهيكليتها الفنية‪ ،‬في حين‬ ‫أن أي ش��اع��ر م��ن ه��ؤالء مقتدر تماما على أن‬ ‫يكتب قصيدة التفعيلة‪ ،‬أو حتى قصيدة الشطرين‬ ‫بمهارة عالية‪ .‬وهنا يحق لنا أن نستنتج أن في‬ ‫النثر قدرا من الجاذبية الشعرية التي ال يحققها‬ ‫الشكل الشعري المألوف‪ ،‬وتنطوي قصيدة النثر‬ ‫على ت�م��رد م��ن نمط خ��اص‪ ،‬وإال ل �م��اذا يقتحم‬ ‫عالمها شعراء عُرفوا بإتقان القصيدة الموقعة‪،‬‬ ‫ك�ب��ودل�ي��ر ورام �ب��و وم��االرم �ي��ه واي��ل��وار وس��واه��م‪.‬‬ ‫وي�ت�س��اءل لودانتيك ع��ن ه��ذه اإلشكالية قائال‪:‬‬ ‫ت��رى هل شعراء القصيدة الموقعة الكبار فقط‬ ‫هم القادرون على أن يكتشفوا في النثر السحر‬ ‫واالئتالفات التي ال يوحي بها مقياس تعسفي؟‬ ‫صحيح إن شاعرا مثل محمد الماغوط أو قاسم‬ ‫ح��داد قد ع��رف من خ�لال قصيدة النثر بدرجة‬ ‫أساس‪ ،‬بيد إن لقاسم حداد على سبيل االستدالل‬ ‫تجارب في قصيدة التفعيلة تشهد بقدرته في‬ ‫هذا المجال‪ ،‬ما يدل على أن اتخاذه هذا الشكل‬ ‫الشعري أساسا في بناء قصائده‪ ،‬ال يدل على أنه‬ ‫ينتقي الدرب السهل‪ ،‬ويذر محنة نظم القصيدة‬ ‫الموقعة بنمطيها الشائعين (أعني ذات الشطرين‬ ‫وقصيدة التفعيلة)‪ ،‬بل إن ذلك مبعثه هاجس آخر‪،‬‬ ‫وهو البحث عن كون شعري خاص‪ .‬وألن قصيدة‬ ‫النثر تتخذ من الالشكل شكال لها‪ ،‬ف��إن أفضل‬ ‫ط��ري�ق��ة ل�ل��وق��وف ع�ن��د خصائصها‪ ،‬ه��ي دراس��ة‬ ‫النماذج الجيدة‪ ،‬والوقوف عند صلتها بالصورة‬ ‫الشعرية الطريفة‪ ،‬ومحاولتها التعويض عن غياب‬ ‫اإليقاع فيها‪ ،‬وإن كانت ال تعاني من اإلحساس‬ ‫بالنقص في تكوينها الجديد‪ ،‬بل تحاول االكتمال‬ ‫عبر تقنيات أخرى‪ ،‬لها صلة بطبيعة ريادتها أكوانا‬


‫ويشير الشاعر المسرحي والناقد السوري‬ ‫هيثم يحيى الخواجة إلى أن «قصيدة النثر لم تنبثق‬ ‫من فراغ‪ ،‬ألنها نتاج لمخاضات عصور سابقة لها‪،‬‬ ‫وألنها صورة من صور إبداع هذا العصر‪ ،‬طالما‬ ‫عبرت وتعبر عن مكنونات ومشاعر اإلنسان الحي‪.‬‬ ‫وحتى تكتسب هويتها وتميزها ومالءمتها للحياة‬ ‫المعاصرة زين أهابها الغموض‪ ،‬وطرزت أهدابها‬ ‫الرموز وال ��دالالت‪ ،‬فاشرأب عنقها نحو الفكرة‬ ‫فأوغلت في الخطاب الفلسفي دون أن تنسى أثر‬ ‫الوجدان‪ ،‬وبذلك اكتسبت شرعية الوجود‪ .‬جاد‬ ‫فيها شعراء معروفون‪ ،‬وعمقوا مجراها ونهضوا‬ ‫بمفاتنها لتدخل نسيج الشعر معنى ودفئا وصدقا‬ ‫ومنحى‪ .‬كل ما تقدم أعطى قصيدة النثر جواز‬ ‫سفر ممهور باإلبداع الحقيقي‪ ،‬وفسح لها المجال‬ ‫لتكون جنسا إبداعيا راقيا»‪.‬‬ ‫«إن ق �ص �ي��دة ال �ن �ث��ر ذات ال �ق �ل��ب ال �خ��اف��ق‬ ‫تألقت على يد مبدعين‪ ،‬كان منجزهم الشعري‬ ‫راقيا‪ ،‬فشاعرها يتحد بالمحب‪ ،‬ويكبر الفاعل‬ ‫المقدام‪ ،‬ويعرف قيمة الغموض والرمز والداللة‬ ‫واألسطورة‪ ..‬يتطلع ألن يكون اإلنسان جوهرا في‬ ‫صراعات الحياة‪ ،‬وتناقضاتها وجمالها وصفائها‪.‬‬ ‫إنه يسعى وراء النبض‪ ،‬ويكره التكلف والمباشرة‬ ‫واالف�ت�ع��ال‪ ..‬ينأى باللغة عن التكلس والجمود‪،‬‬ ‫ويفلسف األح��داث‪ ،‬ويميل إل��ى ال��درام��ا‪ ،‬يرفض‬ ‫ما يريد ويقبل ما يريد‪ ..‬يعنى بالزمان‪ ،‬ويتماهى‬ ‫بالمكان‪ ،‬ويحمل في جعبته التراث واآلثار والتاريخ‬ ‫والتضاريس اإلنسانية والطبيعة واأللق والسحر‬ ‫والجمال‪ ..‬يغوص في مسامات ذلك كله؛ ليبدع‬ ‫نصه‪ ،‬ويثري بنيته الشعرية والشاعرية‪ ،‬ليظل‬ ‫نصه حيا مضيئا ومشتعال ومتوهجا‪ ،‬ال من أجل‬ ‫األنا فحسب‪ ،‬بل من اجل أل (أنا ‪ +‬نحن)‪ ..‬من‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫شعرية ب��اه��رة‪ ،‬فضال ع��ن لجوئها إل��ى أقصى‬ ‫الطرافة والغرائبية في تشكيل أجوائها الشعرية‪،‬‬ ‫بعيدة التأثير في الذائقة الشعرية المعاصرة»‪.‬‬

‫أج��ل الحلم والحياة والجمال والحقيقة والعدل‬ ‫وال� �ق ��وة‪ ..‬ي��رب��ط ش �ع��ره ب��ال�ع�ل��م‪ ،‬وي�ج�ع�ل��ه زاه�ي��ا‬ ‫بالعاطفة‪ ،‬وال يتخلى عن فضاء المخيلة والبؤر‬ ‫المركزية األول��ى للفكرة‪ ..‬ينقد الموقف‪ ،‬ويميل‬ ‫إلى الومضة الروحية‪ ،‬لتكون مادة القصيدة التي‬ ‫يدعمها التخصيب بالحكمة والعقل‪ ،‬بعيدة عن‬ ‫الهشاشة والمباشرة مكتنزة بالتناص‪ ..‬ومفعمة‬ ‫باشراقات الذات»‪.‬‬ ‫وي��رى الصحفي اليمني ج�م��ال أن �ع��م(‪« :)3‬أن‬ ‫قصيدة النثر ‪ -‬وبعد أربعين عاما من التنظير‬ ‫والشعر وال�ن�ض��ال ‪ -‬م��ا زال��ت مطعونة النسب‪،‬‬ ‫تعاني من قلق التجنيس واضطراب المصطلح‪،‬‬ ‫وتبحث عن ناقدها وقارئها وشاعرها أيضا»‪.‬‬ ‫«وه ��ي ف��ي ب�لادن��ا ف��ي م��رح�ل��ة تخلف طويلة‬ ‫األم��د‪ ،‬والمولود منها س��واء في الثمانينيات أو‬ ‫التسعينيات لم يتخط عقبات المحاولة‪ .‬والملفت‬ ‫في األمر تراجع المجددين‪ ،‬فمن بشر بها باألمس‪،‬‬ ‫يعلن اليوم وفاتها بالسكتة الشعرية‪ .‬والخارجون‬ ‫األوائ��ل منهم من ع��اد إل��ى كنف الخليل‪ ،‬ومنهم‬ ‫م��ن وق��ف عند ال �ح��ر‪ ،‬وبعضهم ط�لّ��ق القصيدة‬ ‫عمودها وحرها ونثرها طالقا بائنا ال رجعة فيه‪.‬‬ ‫أنا لست مع الناعين‪ ،‬وال مع المتعصبين الغالة‪،‬‬ ‫فثمة ش�ع��راء كبار كتبوها ع��ن موهبة واق �ت��دار‪،‬‬ ‫ففرضوها على ذائقتي العتيقة‪ ،‬وعلى يدهم آمنت‬ ‫بها قصيدة النثر على ال��رغ��م م��ن أن��ف الخليل‬ ‫وأتباعه العموديين والتفعيليين‪ ،‬وصارت القصيدة‬ ‫المدللة وص��اح�ب��ة ح�ظ��وة ف��ي ساحتنا األدب �ي��ة‪،‬‬ ‫يحسدها عليها فحول العمود‪ ،‬ومخضرمو الحر‪،‬‬ ‫وثمة مشعوذون ومهرطقون حولّوها إلى طالسم‬ ‫ال تصلح حتى لحفالت (الزار)‪ .‬واألمر باختصار‬ ‫أن قصيدة النثر بحاجة إل��ى مبدعين موهوبين‬ ‫يفرضون عطاءاتهم ب�ق��وة وب�م��ا فيها م��ن إب��داع‬ ‫وفنية»‪.‬‬ ‫ونختتم ه��ذه ال���رؤى وال �ش �ه��ادات‪ ،‬ب�م��ا أك��ده‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪59‬‬


‫الشاعر والناقد والصحفي العراقي عبدالرزاق‬ ‫الربيعي‪ ،‬حين أشار قائال‪« :‬لست مياال للدخول‬ ‫بمثل ه��ذه المناقشات‪ ،‬ألنني كثيرا م��ا ك��ررت‪:‬‬ ‫إن القصيدة هي التي تفرض شروطها وشكلها‪،‬‬ ‫وفق قانون اللحظة الزمنية لصيرورتها ووالدتها‬ ‫وتحولها من رؤى تتزاحم في المخيلة‪ ،‬إلى كلمات‬ ‫ملغومة بطاقة جبارة على أرضية القصيدة‪...‬‬ ‫خ�ص��وص��ا ب�ع��د أن ت��دع��م ب��رغ�ب��ة م�ل�ح��ة بتغيير‬ ‫األداء التعبيري‪ ...‬ورب�م��ا يشاركني العديد من‬ ‫الشعراء هذه الرغبة‪ ...‬ويوما بعد آخر‪ ،‬تتحول‬ ‫الرغبة إلى حاجة ذاتية متأصلة بالنفس‪ ،‬عندما‬ ‫يكتسح الشاعر إحساس بأن هذا الشكل يجعله‬ ‫يسبح ف��ي ف�ض��اءات ال متناهية‪ ...‬حينها فقط‬ ‫تكتسب (قصيدة النثر) شرعيتها كتجربة كانت‬ ‫وليدة حاجة ذاتية أملتها قوانين ال�ض��رورة‪ ...‬ال‬ ‫مجاراة لما يكتب وينشر وفق قانون (االستسهال)‪،‬‬ ‫لكن الذائقة العامة سرعان ما (تهمشها)‪ ،‬ألنها‬ ‫خرقت قوانينها التي تربت عليها‪ ..‬ومن هنا تنشأ‬ ‫اإلشكالية‪ ...‬إن الشاعر الحقيقي هو الذي يقيم‬ ‫في المستقبل –كما يتفق الجميع – وهو الذي‬ ‫يصنع الذائقة‪ ،‬لذلك وجب عليه تحطيم حدودها‬ ‫التقليدية وأط��ره��ا البالية كشرط أول للنهوض‬ ‫بها‪ ،‬لكي يكتسب نصه (شرعيته) مقاوما عوامل‬ ‫(التهميش)‪ ..‬وتبقى هذه اإلشكالية قائمة حتى‬ ‫تصبح قراءة (قصيدة النثر) ضرورة وحاجة مثلما‬ ‫هي لدى الشاعر‪ ..‬وه��ذا يحتاج تنظيم تظاهرة‬ ‫حضارية وصوال إلى عتبة بوابة المستقبل»‪.‬‬

‫هذه الرؤى االنفتاح على قصيدة النثر‪ ،‬بوصفها‬ ‫شكال طريفا‪ ،‬ول��د ج��راء الرغبة الجامحة في‬ ‫التحرر‪ ،‬واالنعتاق من سالسل العروض وأعراف‬ ‫اللغة وتقاليد المكرور‪ ،‬وعبر مخاضات متوالية‬ ‫رفدتها المواهب الحقيقية مثل‪( :‬أدونيس ومحمد‬ ‫ال�م��اغ��وط وأُن �س��ي ال �ح��اج وعبدالعزيز المقالح‬ ‫وقاسم حداد)‪ ،‬عصارة نتاجها الباحث عن الشكل‬ ‫األج��د والقولبة الطريفة الالفتة؛ فحفرت لها‬ ‫نقوشا مميزة في أفقنا الثقافي المعاصر‪ ،‬وهو ما‬ ‫جعلنا نردد ما أوردته سوزان بيرنار‪ ،‬وهي تنظر‬ ‫لقصيدة النثر على لسان فكتور هيغو‪« :‬ليذهب‬ ‫الشاعر اذاً حيثما شاء‪ ،‬ويعمل ما يحلو له‪ ،‬هذا هو‬ ‫قانونه‪ ...‬وسواء كتب نثرا أم شعرا‪ ،‬سواء نحت في‬ ‫المرمر أم صب تماثيله من البرونز‪ ...‬فهذا رائع‪،‬‬ ‫والشاعر ح��ر»(‪ .)4‬ويأتي ف��وز الشاعر البحريني‬ ‫قاسم حداد بجائزة العويس عام ‪2001‬م – هذا‬ ‫الشاعرالمولود ع��ام ‪1948‬م‪ ،‬وال��ذي أخ��ذ ولعه‬ ‫بقصيدة النثر مساحة الفتة في نتاجه الشعري‬ ‫ ليؤكد حقيقة مفادها أن الومضة اإلبداعية‬‫التي تفلح في أن تخترق الحواجز الفاصلة بين‬ ‫المرسل (المبدع)‪ ،‬والمرسل إليه (القارئ)‪ ،‬تسمو‬ ‫على قولبتها الشكلية وقوانينها البِنائية‪ .‬وهو ما‬ ‫يعكس ضمنا مباركة المشهد الثقافي العربي‬

‫وفي خاتمة هذه الحوارية‪ ،‬يُستقى من عموم لواقع قصيدة النثر ومستقبلها‪.‬‬ ‫* رئيسة قسم اللغة العربية والدراسات اإلسالمية في جامعة ذمار ‪ -‬اليمن‪.‬‬ ‫(‪ )1‬علي جعفر العالق‪ ،‬األعمال الشعرية الكاملة‪ ،‬المؤسسة العربية للدراسات والنشر‪ ،‬بيروت ‪ ،1998‬المقدمة (الشاعر‬ ‫مكسوا بغيوم اللغة)‪ ،‬ص‪.15‬‬ ‫(‪ )2‬محمود أبو األنوار‪ ،‬التراث الشعري ودوره في مراحل تطور الشعر العربي‪ ،‬مجلة عالمات في النقد‪ ،‬ج‪ 5‬مج‪ ،3‬مارس‬ ‫‪2001‬م‪ ،‬ص‪ 340‬وما بعدها‪.‬‬ ‫(‪ )3‬ثقافية (تعز)‪ ،‬العدد‪ ،115‬الخميس ‪2001/10/25‬م‪.‬‬ ‫(‪ )4‬سوزان بيرنار‪ ،‬قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا‪ ،‬ترجمة‪ :‬أ‪0‬د‪0‬زهير مغامس‪ ،‬دار المأمون‪ ،‬بغداد ‪ ،1993‬ص‪161‬‬ ‫وما بعدها‪.‬‬

‫‪60‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫المحروم‬ ‫ك��ان يسكن ف��ي الشقة المالصقة لشقتي‪،‬‬ ‫ويعمل موظفاً في بنك شهير‪ .‬ال يتورع أن يطرق‬ ‫بابي في ساعة متأخرة من الليل‪ ،‬متعلال بنفاد‬ ‫سجائره‪ .‬أعطيه سيجارة‪ .‬يعاود الكرة في يوم‬ ‫آخر‪ ،‬ليقترض عشرة جنيهات ثـم ال يردها أبدا‪.‬‬ ‫كثير الثرثرة فيما ال يفيد‪ .‬بمقدوره أن يتحاور مع‬ ‫البواب لنصف ساعة حول أمر يتعـلق بمساهمة‬ ‫رمزية في نفقات صيانة المنزل‪ .‬أتحاشى ماللته‬ ‫القاتلة قدر إمكاني مراعيا حق الجيرة‪.‬‬ ‫وأسمع صوت زوجته في المساء‪ ،‬وهى تصيح‬ ‫معترضة على محاسبته إياها فيم أنفقت مصروف‬ ‫البيت بالتفصيل الدقيق‪ .‬بعد وفاته بأشهر قليلة‪،‬‬ ‫فوجئت بعربتين ‪ -‬من أحدث الطرز ‪ -‬تنضمان‬ ‫إلى جراج المنزل‪ .‬األولى يقودها ابنه‪ ،‬والثانية‬ ‫تقودها ابنته‪ .‬أما الزوجة ففضلت إيداع ميراثها‬ ‫في البنك‪ ،‬وتزوجت من رجل عرف بالسخاء‪.‬‬

‫الوزير‬ ‫ك��ان يعمل س��ائ�ق�اً لعربة موظفي الشركة‪.‬‬ ‫شهد له الجميع بحسن الخلق والطبع الهادئ‬ ‫وح�ل�اوة المعشر‪ ،‬حتى اخ �ت��اره رئ�ي��س الشركة‬ ‫ليقود له عربته‪ .‬ويذاع خبر بقرب زيارة الوزير‪،‬‬ ‫حين ينصب اهتمام رئيس الشركة على نظافتها‪،‬‬ ‫وتجميل مدخلها‪ ،‬بعمل حديقة ف��ي الواجهة‪.‬‬ ‫تفرغ السائق خالل النهار لإلشراف على إنشاء‬ ‫الحديقة‪ .‬لم يعرف أحد هل كان ذلك بتكليف من‬

‫> سعيد س ــالم*‬

‫رئيس الشركة أم انطالقاً من تلقاء نفسه‪.‬‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫الظـاهر والبـاطن‬

‫انقلب إل��ى كائن آخ��ر يشخط فى العمال‪،‬‬ ‫وي�ه��دده��م بتوقيع ال �ج��زاءات عليهم‪ .‬سخروا‬ ‫منه وأطلقوا عليه لقب وزير الزراعة‪ .‬تصاعد‬ ‫تعطشه للسلطة دون امتالك مقوماتها‪ ،‬فازداد‬ ‫اس �ت �ب��داده وتسلطه وك��ره��ه للجميع م��ن بعد‬ ‫حب‪ ،‬وذات صباح أصابه مغص مفاجئ فمات‬ ‫ودفن‪.‬‬

‫الشفاء‬ ‫ارتكب ما استطاع من الفواحش فى حياته‪،‬‬ ‫لكنه لم ينس في كل مرة أن هناك يوماً للحساب‪،‬‬ ‫ولقد صدق توقعه حين صدر قرار بإعفائه من‬ ‫منصبه الكبير‪ ،‬وتعيين مساعده بدالً منه‪ .‬أيقن‬ ‫أن الله سريع الحساب‪ ،‬لكنه لم ينج من أزمة‬ ‫قلبية عنيفة شلت سرعته المجنونة في الحياة‪.‬‬ ‫ها هو الحساب الدنيوي قد ج��اء مبكراً‪ ،‬ربما‬ ‫ليكفر عن ذنوبه في اآلخرة‪ ،‬وربما ألن الله يحبه‬ ‫حتى أنه عجل بعقوبته بهذه الكيفية‪.‬‬ ‫استعان بالصبر وال�ص�لاة‪ ،‬لكن هزيمته في‬ ‫الدنيا أره�ق�ت��ه‪ ،‬فلم يستطع تحملها‪ .‬وعندما‬ ‫استرد قسطاً ال ب��أس به من صحته‪ ،‬استبدل‬ ‫بالجري‪ ،‬الهرولة إلى الدنيا قدر استطاعته‪ .‬بذل‬ ‫الغالي والرخيص حتى تحققت أمنيته‪ ،‬وعاد إلى‬ ‫منصبه وسط أشالء الضحايا والمقهورين‪ .‬شعر‬ ‫أنه ملك الدنيا‪ ،‬وأنها تدين له بالطاعة والوالء‪.‬‬ ‫صلى لله شكراً ومات على سجادة الصالة‪.‬‬

‫* قاص من مصر‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪61‬‬


‫حلول‬ ‫لم أعد قادرة على استكمال ذاك الحوار الثقافي الذي دار‬ ‫بيني وبين معتز‪ ،‬صاحب دار النشر؛ لقد جمَد صوتها تفكيري‬ ‫واستنفر م�ش��اع��ري‪ .‬قمت ع��ن الكرسي واتجهت إل��ى المحل‬ ‫المقابل‪ ،‬حيث مصدر الصوت‪ ،‬وكذلك فعل معتز وضيفه الوقور‪,‬‬ ‫ومن خالل واجهة المحل الزجاجية استطعت رؤيتها‪ .‬كان صوت‬ ‫استغاثتها عميقا‪ ،‬وصدى موائها يخترق جدران المحل الخاوي‬ ‫إال من نافذة صغيرة أعلى الجدار‪.‬‬ ‫كانت عيناها المستديرتان تدوران في محجريهما‪ ,‬وهي تذرع‬ ‫المحل جيئة وذهابا تارةً‪ ,‬وتحاول القفز تجاه النافذة تار ًة أخرى‪,‬‬ ‫لكن سرعان ما يرتطم جسدها الصغير بالحائط‪ ،‬فتسقط‪،‬‬ ‫لتعاود محاوالتها البائسة من جديد‪ ،‬ولكن‪ ،‬بجنون أكبر‪..‬‬ ‫يا حرام‪!..‬‬ ‫كيف دخلت هذه القطة الصغيرة إلى المحل؟!‬ ‫ربما عبر نافذة التهوية‪..‬‬ ‫ولكن كيف السبيل إلخراجها؟‬ ‫ات�ص�ل�ن��ا ب�ص��اح��ب ال�م�ح��ل وأخ �ب��رن��اه‪ ,‬س �ي �ح��اول ال�م�ج��يء‬ ‫إلخراجها‪.‬‬ ‫وإذا لم يأت‪ ..‬ما هو الحل‪..‬؟!‬ ‫تجّ مع المارة عند الواجهة الزجاجية وكل منهم يدلي دلوه‬ ‫رحمة وشفقة على هذا المخلوق الضعيف‪ ،‬ينظر إليها بعينين‬ ‫حزينتين‪ ،‬وسرعان ما ينصرف‪..‬‬ ‫عدنا إلى دار النشر‪ ..‬وحاول معتز استئناف الحديث ‪ -‬وفي‬ ‫ه��ذه األثناء وص��ل المراسل حامال أك��واب القهوة البالستيكية‬ ‫الصغيرة‪ ،‬ووضعها على المكتب‪ ،‬ثم غادر‪.‬‬ ‫اتصلنا بصاحب المحل‪ ...‬ال تقلقي!!‬ ‫لكن كلماته لم تجد عندي أي أذن صاغية‪.‬‬ ‫علينا أن نجد حال‪..‬‬ ‫قمت من مكاني‪ ،‬وخرجت من المبنى‪ ،‬ودرت حوله حتى‬ ‫وجدت نافذة المحل‪ ..‬يا إلهي! كيف دخلت هذه القطة الشقية‬ ‫إلى هناك عبر هذه النافذة الصغيرة! ومن هذا العلو الشاهق!‬ ‫ب��دأت أفكر بطريقة بوليسية تشبه إل��ى ح��د كبير طريقة‬ ‫* قاصة من األردن‪.‬‬

‫‪62‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫> إميان مرزوق*‬

‫شارلوك هولمز‪ ،‬أو ربما المحقق كونان!‬ ‫ال بد أن القطة قد قفزت إل��ى النافذة عبر درج الطوارئ‬ ‫الحديدي‪ ،‬المعلق على جسد المبنى بمحاذاة المحل‪ ..‬نعم لقد‬ ‫قفزت‪ ،‬ولكنها ال تتمكن من الخروج!‬ ‫معتز‪ ،‬كان إلى جانبي يستمع إلى تحليلي دون تعليق‪.‬‬ ‫عندي فكرة إلن�ق��اذه��ا‪ ..‬س��وف أصعد ال��درج ال�ح��دي��دي‪..‬‬ ‫وأرم��ي ش��اال داخ��ل النافذة‪ ،‬وأثبته من ال�خ��ارج‪ ،‬وهكذا تتسلق‬ ‫القطة الشال المتدلي حتى تصل حافة النافذة‪ ،‬ثم تقفز إلى‬ ‫الدرج‪ ..‬تماما كما دخلت‪ ..‬والله إنها فكرة!‬ ‫ولكن من أين لي بالشال؟! آه‪ ..‬يمكننا استعارته من محل‬ ‫النوفوتيه المجاور‪.‬‬ ‫لكن صاحب المحل خرج منذ زمن‪.‬‬ ‫ما الحل؟ ربما تموت القطة إذا بقيت على هذا الحال حتى‬ ‫الغد‪ ,‬وإن لم تمت‪ ..‬حتما ستصاب بالجنون!! ما العمل وقد‬ ‫قاربت الشمس على المغيب!!‬ ‫وبدأ الدم يغلي في عروقي وأصبحت عاجزة عن التفكير‪.‬‬ ‫عدنا إلى داخل المبنى‪ ,‬ووقفت قبالة الواجهة الزجاجية للمحل‪..‬‬ ‫لكني لم أعد أسمع صوت القطة!‬ ‫جُ �ل��ت بعيني ال�م�ح��ل ال�ص�غ�ي��ر‪ ,‬ن�ظ��رت إل��ى معتز وسألته‬ ‫بذهول‪:‬‬ ‫أين القطة! أين اختفت؟‬ ‫لقد خرجت‪( ..‬أجاب الضيف بهدوء)‬ ‫حتماً تمزح‪ ،‬وهذا ليس وقت مزاح‪..‬‬ ‫بدأت انزعج من برودة أعصابه‪..‬‬ ‫لقد خرجت‪.‬‬ ‫كيف خرجت؟!‬ ‫أنا أخرجتها‪..‬‬ ‫أنت!!‪ ..‬كيف؟‬ ‫باب المحل كان مغلقا ولكنه ليس مقفال‪ ...‬أدرت المقبض‬ ‫فانفتح الباب وخرجت‪...‬‬


‫أمسكت بإبرتي وقماشي‪ ،‬وأمامي نموذج من الزهور‪،‬‬ ‫ب��دأت بتطريز القماش‪ ،‬وعندما انتهيت‪ ..‬دهشت لما‬ ‫فعلته يداي!! ال توجد زهور أمامي‪ ..‬ولكن كلمة واحدة‬ ‫فقط (حرية) وضعتها جانبا‪ ..‬وبدأت من جديد بتصميم‬ ‫الزهور وبقطعة قماش أخرى‪..‬‬

‫لقد صعقت عندما رأيت شبه الجزيرة العربية أمامي‪،‬‬ ‫واخ �ت �ف��اء ال ��زه ��ور‪ ..‬م��ا ب��ال عقلي وي� � �دَيَّ ‪ ..‬أي�ع�ق��ل ما‬ ‫أفعله‪..‬؟‬ ‫سأبدأ من جديد‪ ..‬فأنا قوية العزيمة‪..‬‬

‫رميت قطعه القماش‪ ،‬وبداخلي رهبة مما فعلت!!‬

‫من هذا الرجل ‪ -‬البشع الوجه ‪ -‬الذي طرزته يداي على‬ ‫القطعه الثالثة‪..‬‬ ‫ياااه ماذا يصنع عقلي!؟ ما الذي يريد إيصاله؟!‬

‫وقبل البدء بالقطعة الرابعة‪ ،‬وج��دت س��ؤاال يتردد في‬ ‫داخلي‪ ..‬نعم يتردد‪ ..‬دون إجابه‪..‬‬

‫حاولت أن أتجاهله‪ ،‬وأكمل عملي‪ ..‬لكنه ألح بالسؤال‬ ‫والتردد‪..‬‬ ‫حرية العرب بيد من؟!‬

‫ال اعتقد يا معلمتي أنني سأنجز عملي لسنين طويلة‪..‬‬

‫صرخة أنثى‪..‬‬ ‫سأصرخ بأعلى صوتي‪..‬‬

‫قف‪ !..‬ال تتمادى أكثر‪ ..‬فها أنا أقف بكل قوة وكبرياء‪،‬‬ ‫ألمنع تلك المسرحية الهزلية‪..‬‬

‫اليوم سأمنع طأطأة الرأس واذالله‪ ..‬إنك تجهل عصرنا‪..‬‬ ‫فلسنا في عهد السلطان والجاريه‪..‬‬ ‫في عصرنا حرية األفكار واألقوال في كل ما يجول في‬ ‫عالمنا‪ ..‬فأنا أدرك تماما ما يطلب مني ديننا‪..‬‬ ‫لست في عصر أرفع فيه يدي ألستأذنك الحديث‪...‬‬

‫كفاك سلطة وجبروتا‪ ..‬فأنا أعلم أنك رجل!‬

‫> بشاير فارس*‬

‫هنالك حدود‪ ..‬فهل سمعت بها؟!‪ ..‬أم أنك الرجل الذي‬ ‫ال يعترف بتلك الحدود!! وال تعرف إال حدود دولتك‪!!..‬‬ ‫أتمنى أن يكون لعالمي حدوده‪..‬‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫اختفاء الزهور‪..‬‬

‫تشبث األلم‪..‬‬ ‫أناجي األل��م في داخ�ل��ي‪ ..‬ففي داخلي أل��م‪ ..‬أناجيه‪..‬‬ ‫أسأل عن مكوثه‪ ..‬عن رحيله‪!!..‬‬ ‫ويرد ساخرا‪..‬‬ ‫مهال سيدتي‪ ..‬فالوداع قريب‪ ..‬ال تتعجلي فراقي‪..‬‬ ‫عندما تلفظين أنفاسك‪ ..‬أرحل‪..‬‬ ‫ولك مني السالم‪..‬‬ ‫أيعقل أن تقذف بي إلى الجحيم؟‬ ‫ال بأس‪ ..‬افعل ما يحلو لك!!‬ ‫فسأظل تلك الشجرة التي تذبل وت�م��وت وه��ي واقفة‬ ‫صامدة‪..‬‬

‫براءة تلطخت بالسواد‪..‬‬ ‫تنظر براءة للوحوش على أنها دمى تبتسم لها!! تبادلها‬ ‫االبتسامة‪ ..‬فتسقط تلك االبتسامة شهية داخل وحوش‬ ‫خفية‪ ..‬لكن‪ ..‬بمجرد االقتراب منها تتكشف أنيابها‪..‬‬ ‫لتفر هاربة تبحث عن األمان‪..‬‬ ‫تدخل الكهف ظان ًة فيه األمان والسالم‪ ..‬لكنها صرخت‬ ‫وصرخت‪ ..‬حيث أدركت أنها في مأوى الوحوش‪..‬‬ ‫صمـت قاتل‪ ..‬تخرج بال وعي‪ ..‬وقد مزقت ثيابها‪ ،‬ونزف‬ ‫قلبها دما ممزوجا باآله والندم‪.‬‬ ‫تنظر إل��ى ال�ح�ي��اة‪ ..‬نظره خالية م��ن ال�م��اء والشجر‪..‬‬ ‫خالية من طعم الحلوى‪..‬‬ ‫كان ذك أول جراحها‪ ..‬وأصعبها‪..‬‬ ‫خطيئتها فقط‪ ..‬أنها ابتسمت‪..‬‬

‫* قاصة من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪63‬‬


‫دمـــى»‬ ‫ُ‬ ‫«بيـــت ال ُّ‬

‫> فاطمة املزروعي*‬

‫بيتنا صغير‪ ،‬فيه حديقة‪ ،‬ولدينا أرجوحة‪ ،‬أنا و«دانة» نحب اللعب فيها‪.‬‬

‫والدي يتعب كثيرا‪ ،‬منذ الصباح الباكر وحتى المساء في عمل شاق‪ ،‬أمي تحيك لنا مالبسنا‪ ،‬تطبخ‪ ،‬وترسم لي‬ ‫على لوحاتي أشياء أحبها‪ :‬بطة تسبح في بركة‪ ،‬سمكة تغني مع صديقاتها‪ .‬جميلة هذه السمكة‪ ،‬أحبها‪ ،‬وتلك األلوان‬ ‫المبعثرة على وجهها تضحكني‪ ،‬ها‪ ..‬ها‪ ..‬ها‪ ..‬ها‪ ..‬تمسك «عبير» القلم بين أسنانها الصغيرة‪ ،‬تنظر بعينين بريئتين‬ ‫جالس على طاولة‬ ‫إلى الكراسة التي بين يديها‪ ،‬تعود‪ ،‬تقلبها‪ ،‬تنظر إلى غالفها بحيرة‪ ،‬ترمق وجه دبٍّ مقطب الجبين‪ٍ ،‬‬ ‫الطعام‪..‬‬ ‫‪ -‬أمي‪ ،‬ألم ينته إعداد الغداء بعد؟ أنا جائعة‪.‬‬

‫ انتظري قليال يا «عبير»‪ ،‬لم ال تلعبين مع شقيقتك‬‫«دانة»؟‬

‫ نصف وجه «دانة» يطل من خلف الباب‪ ،‬تلوح بيديها‬‫بمرح‪ ،‬ثم تندفع بين األوراق المتناثرة على األرض لتنام‬ ‫بجوار أختها‪ ،‬ترفع عيناً واحدة ناحية أوراق «عبير»‪ ،‬تزيحها‬ ‫«عبير» بيديها‪ ،‬ابتعدي لن أجعلك تقرئين مذكراتي!‬ ‫تتقافز مالمح الغضب في وجهها؛ فتتكوم في طرف‬ ‫الغرفة‪ ،‬محملقة بين أكوام الورق على السرير‪..‬‬ ‫ ح�س�ن��ا‪ ،‬ل��ن ت��ذه�ب��ي م�ع��ي إل��ى حفلة ع�ي��د ميالد‬‫«سارة»؟‬

‫تترك دفترها جانبا‪ ،‬ويقترب وجهها من وجه «دانة»‪،‬‬ ‫مهالً‪ ..‬لم نتفق على ذلك! تخرج «دانة» من الغرفة غاضبة‪،‬‬ ‫أنا ال أحب فضولها‪ ،‬تريد أن تقرأ ما أكتبه‪« .‬سارة» فتاة‬ ‫ثرية‪ ،‬وبها شيء من الغرور في سلوكها‪ ،‬لديها منزل كبير‪،‬‬ ‫وخ��ادم��ة‪ ،‬ومالبس ج��دي��دة‪ ،‬وال��ده��ا ليس ك��وال��دي‪ ،‬لديه‬ ‫أموال كثيرة‪ ،‬وسيارة فاخرة‪ ،‬وسائق‪ ..‬ولكنني أحب والدي‬ ‫ألنه يتعب من أجلنا‪..‬‬ ‫في حفلة عيد ميالد «س��ارة» وقفت األختان تنظران‬ ‫بدهشة إل��ى ما حولهما‪ ..‬كانت حقا حفلة هائلة‪ ،‬فيها‬ ‫الكثير من الكعك والبالونات والهدايا‪ ،‬ولكن كعك أمي‬ ‫أفضل كعك في العالم‪ ،‬وفستان «سارة» جميل جدا‪...‬‬ ‫يرمقها الدُّب بنظرة بلهاء‪..‬‬

‫تلتف الصغيرات حول «س��ارة» ‪ -‬وهن سعيدات بها‪،‬‬ ‫فرحات بعيد ميالدها ‪ -‬يقدمن لها الهدايا‪ ...‬أحسست‬ ‫* قاصة من اإلمارات‪.‬‬

‫‪64‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫بقدميّ ترتجفان وأنا أقدم الهدية أمام الجميع لها‪ ،‬لم‬ ‫يكن معي شيء أهديه لها‪ ،‬سوى دميتي التي أهدتني إياها‬ ‫خالتي في عيد ميالدي‪ ..‬نظرة الالمباالة التي ظهرت في‬ ‫عيني «سارة» لهديتي جلبت لي اإلحباط‪ ،‬خاصة عندما‬ ‫دخلت الخادمة‪ ،‬وفي يديها صندوق كبير‪ .‬وقفت «سارة»‬ ‫أمام صديقاتها‪ ،‬وقالت بلهجة آمرة‪ ،‬أكثر ما فيها هو الثقة‬ ‫بوجودها األكيد على الكرة األرضية‪« :‬سوف أريكم هدية‬ ‫والدي»‪ .‬يبدو أنها غالية الثمن‪ ،‬ترى ما هي؟ دمية كبيرة‬ ‫تتحرك وتغني وترقص‪ !..‬ترتفع أصوات االنبهار من أفواه‬ ‫الصغيرات‪ ،‬والخادمة ترفع الصندوق‪ ،‬ومالمح الهدية‬ ‫تتضح‪ ،‬إنه بيت‪ ،‬منزل صغير جميل‪ ..‬به مقاعد وغرف‬ ‫وصالة‪..،‬‬ ‫«دانة» تقف إلى جواري تحملق في بيت الدمى‪ ،‬بينما‬ ‫«سارة» والباقيات يضحكن وهن يتناولن الكعك‪ ..‬ونظراتنا‬ ‫أنا وأختي ما تزال تتجه ناحية بيت الدمى‪..‬‬ ‫يدي تحتضن يد شقيقتي ونحن نغادر منزل «سارة»‪.‬‬ ‫رأيت ما رأيته؟‬ ‫إنه رائع‪ ،‬جميل‪ .‬هل ِ‬ ‫ما رأيك بييت الدمى يا دانة؟‬ ‫نعم‪.‬‬ ‫وانطلقنا إلى المنزل فرحتين‪..‬‬ ‫أمي‪ ،‬هيا أنا جائعة؟ أريد أن آكل؟‬ ‫تحتضن الدفتر‪ ،‬وتضع رأسها عليه‪ ،‬وط��رف عينيها‬ ‫يتجه ناحية الدب على صورة الغالف‪ ،‬وهو يلتهم الطعام‬ ‫بنهم ووالدته تقف بجواره سعيدة به‪.‬‬ ‫ٍ‬


‫> شمس علي*‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫امرأة خلف النجوم!‬

‫لطالما حدثنا عن مآثرها بزهو‪ ،‬ونبرة صوت تفيض حباً ملك عليه حواسه‪ ،‬وها هو‬ ‫يغادرنا‪ ،‬لتحل هي عوضاً عنه‪.‬‬ ‫تركتْ قريتها النائية وجاءت لإلقامة معنا‪ ،‬كنتُ أتحرق شوقاً للقياها‪ ،‬ومعايشتها عن كثب‪،‬‬ ‫لكني صدمت بها!؟ إنها حبيسة غرفتها‪ ،‬صامتة صمت القبور‪ ،‬تتعامل معنا بجفاء‪ ،‬وكأننا ال‬ ‫نعنيها شيئاً‪.‬‬ ‫ذات ي��وم‪ ..‬حملتُ إليها طعامها‪ ،‬دلفتُ‬

‫فواجهتُ به أمي ذات ظهيرة‪ :‬ترى هل أحبتْ‬

‫إلى غرفتها المكتظة بمتاعها الذي صحبته‬

‫جدتي أب��ي كما أحببناه‪..‬؟ لكنها لم تلتفتْ‬

‫معها‪ ،‬وأص��رتْ على إبقائه قربها‪ ،‬رغ��م أن‬

‫إليَّ ‪ ،‬وكانت تقلب الطعام بملعقتها الخشبية‬

‫ُجله من سقط المتاع؛ مكَنة خياطة يدوية الطويلة‪ ،‬واكتفت بالقول‪:‬‬ ‫عبثت ب�ه��ا األي� ��ام‪ ،‬حصير طُ ��وي ب��إح�ك��ام‪،‬‬ ‫وُأس �ن��د ل�ل�ج��دار‪ ،‬ج��رت��ان م��ن ف�خ��ار وضعتا‬ ‫بعناية تامة ف��وق المنضدة‪ ،‬بعض األوان��ي‬ ‫النحاسية المخضرّة‪ ،‬وصندوق خشبي عتيق‪،‬‬ ‫نُقشتْ عليه بعض الزخارف البسيطة‪.‬‬

‫ ول َم ال؟! وهو ولدها الوحيد الذي رزقت‬‫به بعد خمس فتيات!‬ ‫إجابة غير مقنعة‪ ..‬فلو كانت قد أحبته‪،‬‬ ‫ل َم ال تبكيه!؟ ِل َم تتعامل معنا بهذا الجفاء!؟‬ ‫وهو ال��ذي حكى عنها األساطير‪ ،‬وما يزال‬

‫وضعتُ الطعام قريبا منها‪ ،‬إلى جانبها‪،‬‬

‫صوته الحاني ي��داع��ب سمعي‪ ،‬وص��ورت��ه ال‬

‫تنبهتْ لوجودي لحظة حركتْ يدها ليلسعها‬

‫عنها‪ ،‬دون أن يثنيه ع��ن ذل��ك غير صوت‬

‫وهي المستلقية على سريرها‪ ،‬شاردة الذهن‪ .‬ت�ف��ارق مخيلتي‪ ،‬وه��و يستطرد ف��ي حديثه‬

‫طبق الحساء الساخن‪ ،‬أدارتْ وجهها نحوي‪،‬‬

‫األذان المحبب إليه‪ ،‬لكأنه آخ ٌذ في الحديث‬

‫ورمقتني بنظرات متفحصة أربكتني بها‪ ،‬ثم عن قديسة وهو يقول‪:‬‬ ‫أشاحت به عني!‬

‫‪ -‬جدتكم تقيّة إلى أبعد الحدود‪ ،‬فحينما‬

‫ث�م��ة س ��ؤال ب��ات ي��ؤرق�ن��ي م�ن��ذ ق��دوم�ه��ا‪ ،‬كانت تمتهن الحياكة‪ ،‬ويسألها أحدهم عن‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪65‬‬


‫صاحبة القماش‪ ..‬تقطع عليه الطريق لتلجمه‬

‫وب� �م ��رور األي� � ��ام‪ ..‬ت �ض��اع��ف وج� ��وم ج��دت��ي‪،‬‬

‫بقولها‪ :‬هو للباب‪ ،‬أو قد تقول للنافذة‪ ،‬لترسم وتكدست الهموم على كاهلها الستيني‪ ،‬وانحنت‬ ‫بعدها على شفتيها ابتسامتها الساحرة؛ وكثيراً قامتها‪ ،‬وغزت بشرتها البيضاء المزهرة جحافل‬ ‫م��ا غ��دت مقولتها تلك م��دع��اة لتندر اآلخ��ري��ن‬

‫ال��زم��ن ال�م��ري��ر‪ ،‬حتى ب��دت ل��ي ف�ج��أة ف��ي أرذل‬

‫ع�ل�ي�ه��ا‪ ،‬متهمينها ب��ال �س��ذاج��ة‪ ،‬وذل���ك م��ا ك��ان العمر!‬ ‫يضاعف شغفي بها وإكباري لها ‪ -‬هذا ما كان‬

‫لم نعد نحظى منها بتلك الجلسات النادرة‪،‬‬

‫ب�ش��راً‪ ،‬وزدن��ا منه التصاقاً‪ ..‬لم تكن إمكاناتها‬

‫حذرت أمي إخوتي الصغار ذات مساء مكفهر‬

‫يردده في أمسياتنا الجميلة ‪ -‬ليسترسل بعدها التي كانت تحتسي فيها معنا الشاي‪ ،‬ونتبادل‬ ‫في حديثه الشيق عنها‪ ،‬وق��د فاضت مالمحه معها بعض األحاديث المقتضبه‪.‬‬ ‫المادية المتواضعة جداً حجر عثرة في طريقها من إح��داث صخب أثناء لهوهم‪ ،‬مخافة إزعاج‬ ‫لفعل الخيرات‪ ،‬فدائماً كانت السبَّاقة إليها‪ ،‬رغم جدتي‪ ،‬فأبرموا لها مواثيقهم الزجاجية التي‬ ‫ما كابدته في تربية ستة أيتام‪ ،‬كانت أكبرهم فتاة سرعان ما تطايرت شظاياها مع أولى صرخاتهم‬ ‫في الرابعة عشرة من عمرها‪ ،‬وأصغرهم رضيعاً العابثة‪ .‬أما أنا فقد أخرجتُ جدتي من دائرة‬ ‫ل��م يكمل ع��ام��ه ال�ث��ان��ي ب�ع��د‪ .‬ك��ان��ت تهفو لفعل‬

‫اهتمامي‪ ،‬وتناسيت أمجادها الغابرة‪ ،‬واكتفيت‬

‫الشديدة القيظ ‪ -‬إلى المسجد البعيد عن دارنا‪،‬‬

‫إلى أن أيقظني ذات ليلة موحشة بكاؤها‪ ،‬وأنينها‬

‫المستحب‪ ،‬كما لو كان واجباً مقدساً‪ ،‬كإصرارها بحمل الطعام إليها كل ي��وم على مضض‪ ،‬فقد‬ ‫على الذهاب يومياً ‪ -‬حتى في األيام الممطرة‪ ،‬أو سئمت صمتها المطبق‪ ،‬وانتابني منه الضجر‪،‬‬

‫بغية أداء الصالة جماعة‪..‬‬ ‫تلف قدميها بقطعة قماش بالية ‪ -‬ما‬ ‫كانت ُ‬ ‫زال لونها الكالح عالقاً في ذاكرتي ‪ -‬في زمن‬

‫ال�خ��اف��ت ال ��ذي تسلل إل��ى غ��رف�ت��ي المالصقة‬ ‫لغرفتها‪ ،‬وألول مرة منذ أن سكنت دارنا‪ ،‬ذهبت‬ ‫إليها متلهفة بعد أن تعالى نشيجها‪ ،‬ألجدها‬

‫لم تعرف األحذية طريقها إليهم حينذاك‪ ،‬اتقاء أم��ام��ي قابعة ف��ي رك��ن قصي‪ ،‬محتضنه ص��ورة‬ ‫للشمس ال �ح��ارق��ة‪ ..‬ك��ان لها قلب ع �ط��وف‪ ،‬ال أبي‪ ،‬تتحسس أطرافها بأناملها كما األم الرؤوم‪،‬‬ ‫يعرف الشر طريقا إليه‪ ،‬يغد ُق على الجميع حباً وعيناها تسحان دموعاً بللت حافتها‪ ،‬تملكتني‬ ‫وحناناً‪.‬‬ ‫عندها الدهشة وأنا أنشدها‪:‬‬ ‫ترى هل ما قاله أبي عنها مبالغ فيه؟! أم أن‬ ‫ضوءها خفت بوفاته؟‬

‫ل � َم البكاء ي��ا ج��دت��ي؟ وألول م��رة أب�ص��ر في‬ ‫عينيها ‪ -‬التائهتين على ال��دوام ‪ -‬بريقاً أخاذاً‪،‬‬

‫سؤال أورثني الغصة طويالً‪ ،‬ووددتُ لو أجد سلب لبي‪ ،‬وهي تشرع ذراعيها وتضمني متمتمة‬ ‫له إجاب ًة شافية‪.‬‬ ‫* قاصة من السعودية‬

‫‪66‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫أنت تجيئين‪ ..‬حيث موعدي معه كل ليلة»‪.‬‬ ‫«ها ِ‬


‫> حنان الرويلي*‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫عندما تهز العرش‪ ..‬وردة!!‬

‫أوجست خيفة في نفسي‪ ،‬عندما أغلقت األبواب‪ ،‬وجلست على كرسيها تداعب قلمها بأناملها‪،‬‬ ‫وقد بدت عليها الحيرة جلية‪ ،‬وهي تختار الوقت الذي ستقتحم فيه أسوار نفسي الهشة‪.‬‬ ‫استجمعت قواي‪ ،‬واستطعت النظر إلى عينيها المحدقتين جيدا‪ ،‬لكأنهما جندي أوكل إليه‬ ‫إعدامي رمياً بالرصاص‪.‬‬ ‫أغمضت عيني‪ ،‬مفضلة أن أؤخذ على حين غرة‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫تنحنحت‪ ،‬ثم قالت لي‪ :‬هل‬ ‫فضلت طريقة السنين؟‬ ‫النعام في مواجهة مشاكلك! يجدر بك أيضا أن‬ ‫لماذا ال يرونني إال تلك الطفلة الساذجة؟!‬ ‫تغلقي أذنيك جيدا عن كالم الناس!‬ ‫وبعد صمت‪ ..‬قالت‪:‬‬

‫حصارها بعث في داخلي قوة لم أُعَد لها‪،‬‬ ‫ إع�لان اسمك في حفل التكريم‪ ،‬هو ما‬‫فرفعت رأس��ي وقلت لها بحرقه‪ :‬كانت وردة ذكّر الناس بتلك القصة‪ :‬فقد قالت لي إحدى‬ ‫صغيرة من طفلة حديثة عهد بالحجاب‪ ،‬إلتقت المسئوالت‪:‬‬ ‫بصديقة سوء ‪ -‬في حديقة عامة ‪ -‬وَسْ وَسَ ت‬ ‫«إذا كانت بائعة الورد هي معلمتكم المثالية‪،‬‬ ‫لصباها وطفولتها أن ترمي ب��ورده في طريق‬ ‫فال بد أن تكون بقية المعلمات بائعات هوى»!!‬ ‫شاب مار‪ ،‬وذهبت تركض ألسرتها إلى جانب‬ ‫ترددت أصداء كلماتها على مسمعي‪ ،‬لكأنها‬ ‫ن��اف��ورة ال�ح��دي�ق��ة‪ ،‬وه��ي م �س��رورة بمغامرتها‬ ‫صفعات استجمع فيها الزمن ق��واه ألكثر من‬ ‫البريئة تلك‪.‬‬ ‫أرب�ع��ة عشر ع��ام��ا‪ ،‬لتأتي أش��د إي�لام �اً‪ ،‬وأنكأ‬ ‫ل��م تجعلها طفولتها ت��درك أن ال�ش��اب قد‬ ‫جرحا‪.‬‬ ‫يلحق بها‪ ،‬ويعرف عائلتها‪ ،‬ويجعل من كل ورقة‬ ‫خ��رج��ت م��ن مكتب ال �م��دي��رة‪ ،‬وق��د وقعت‬ ‫في تلك ال��وردة حكاية سيئة‪ ،‬تنخر مستقبلها‪،‬‬ ‫حتى أصبحت علكة ‪ -‬منتهية الصالحية ألكثر بالعلم على قرار أنهى حياتي‪.‬‬ ‫خرجت مردد ًة دون وعي‪..‬‬ ‫من أربعة عشر عاما ‪ -‬في أف��واه الناس‪ ،‬وأنا‬ ‫المعلمة المثالية على مستوى المحافظة‪.‬‬ ‫كنت طفله‪..‬‬ ‫كيف لم تشفع لي حياتي الشريفة كل هذه‬

‫كنت طفله‪..‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪67‬‬


‫والله كنت طفله‪..‬‬ ‫ولم تخرج مني دمعة واحدة‪.‬‬

‫كـانبالج النور‪..‬‬

‫وكأن أشد األلم يأتي جـ ااااافاً‪..‬‬

‫كـبرق الوسم‪..‬‬

‫ال تبلله الدموع!‬

‫ينظر إلى ساعته‪ ..‬ليجدها الثالثة عصرا‪..‬‬

‫(عفواً‪ ..‬خارج التغطية)‬

‫لم يبق إال أن تدخل اآلن‪ ..‬وهي ترمي بخمارها‪،‬‬ ‫وتنثر شعرها‪..‬‬

‫وعبير أنفاسها تجعل منها أجمل ورده‪ ،‬فقط‪..‬‬ ‫ألنها ‪ ..‬يحتضنها قبل النوم‪ ،‬ويستنشقها حتى الشهقة‪،‬‬ ‫ليقسم بالله أنها اسم على مسمى!!‬

‫لتأتيه مسرعه كـآصل األم�ه��ار ف��ى م��راب��ط خيل‬ ‫(ربيعة)‪.‬‬

‫جمالها‪ ..‬نعومتها‪..‬‬

‫اع �ت��ادت (ه��ي) حينما يلملم الفجر خيوطه‪ ،‬أن‬ ‫تتسلل إل��ى حديقة أزه��اره الصغيرة ‪ -‬كـقطة مدللة‬ ‫ لتقطف له وردة‪ ،‬وتضعها مكانها قربه‪ ،‬وتغطيها‬‫بمنديل أبيض‪.‬‬ ‫هذه المرة‪ ،‬وخزتها الشوكة‪ ..‬وحاولت أن ترسم‬ ‫قلباً من دمها على المنديل‪.‬‬ ‫ل�ك��ن‪ ..‬ل��م يكن ذل��ك كافياً إال لتلطيخه‪ ،‬لتذهب‬ ‫بعدها لمدرستها البعيدة‪،‬‬ ‫ويبقى هو مع وردتها تلك حتى عودتها‪ ..‬يحملها‬ ‫بين أصابعه‪..‬‬ ‫يداعبها‪..‬‬ ‫يتنفسها‪..‬‬ ‫يضعها أمامه‪..‬‬ ‫وال ينسى أن يأخذها معه قبل أن يخرج لعمله‪،‬‬ ‫ليضعها على مكتبه‪،‬‬ ‫وع �ن��دم��ا ت �ش��رف ع �ل��ى ال� ��ذب� ��ول‪ ..‬ت��أت��ي وردت ��ه‬ ‫الحقيقية‪ ..‬ال �ت��ي وه�ب�ه��ا ال �ل��ه لقلبه‪ ،‬م��ن ح�ي��ث لم‬ ‫يحتسب!‬ ‫فى الصالون‪ ..‬وضع كرسيه كالعادة‪ ،‬قبالة الباب‬ ‫* قاصة من السعودية‬

‫‪68‬‬

‫ينتظرها‪..‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫ليحتضنها وكأنه يبلل روحه العطشى بقطرات ندى‬ ‫الورد‪.‬‬ ‫لكن‪ ..‬لم يحدث ما ينبئ بقدومها!‬ ‫صوت منبه الباص الذي ينقلها‪..‬‬ ‫َو ْق ُع حذائها على رخام الممر‪..‬‬ ‫خرخشة أساورها‪ ..‬وهي تبحث في حقيبتها عن‬ ‫مفتاح الباب‪ ..‬وكأن حاجزا من الصمت ضرب دونها!‬ ‫ان �ت��اب��ه ت��وت��ر ش��دي��د‪ ،‬وح��ام��ت ف ��وق رأس ��ه طيور‬ ‫القلق‪..‬‬ ‫أخرج جواله واتصل بـ (وردة عمري)‪،‬‬ ‫لكن جوالها‪ ..‬كان خارج التغطية‪..‬‬ ‫اتصل بجوال سائق النقل‪ ..‬فوجده كذلك‪..‬‬ ‫من المفترض أنهم تجاوزوا تلك المنطقة قبل أكثر‬ ‫من ساعتين!‬ ‫قاربت الساعة الخامسة عصراً‪..‬‬ ‫ولم تأت بعد!!‬ ‫ووردت� � � ��ه ت ��ذب ��ل وت��ت��س��اق��ط م���ن ب��ي��ن أص��اب �ع��ه‬ ‫المرتجفة‪..‬‬ ‫ورقة‪ ..‬ورقة‪ ..‬و ر ق ة ‪..‬‬


‫قصة قصيرة لألديب األمريكي‪ :‬أو‪ .‬هنري‬

‫(‪)1‬‬

‫> ترجمة‪ :‬خلف سرحان القرشي*‬

‫في (دنفر)‪ ،‬تتدفق أعداد كبيرة من المسافرين‪ ،‬لتلتحق بعربات القطار المتجه إلى (بوسطن)‬ ‫و (ماين)‪ ،‬في إحدى تلك العربات‪ ،‬جلست امرأة شابة حسناء‪ ،‬ترتدي مالبس أنيقة وغالية‪،‬‬ ‫ومحاطة بكل وسائل الرفاهية لمسافر خبير‪ .‬ومن بين القادمين الجدد للعربة‪ ،‬أتى رجالن‪،‬‬ ‫أصغرهما ذو طلعة بهية‪ ،‬تبدو عليه سمات األمانة والخلق‪ .‬أما اآلخر فكان ضخم الجثة‪ ،‬حزين‬ ‫الوجه‪ ،‬رث المالبس‪ ،‬وقد قيدت يد كل منهما إلى اآلخر من المعصم‪.‬‬ ‫عبرا الممر بين مقاعد العربة‪ .،‬لم يجدا عندما أوقفه الرجل اآلخر ذو الوجه الحزين‪،‬‬ ‫م�ك��ان��ا ش��اغ��را س��وى ذل��ك ال �م��واج��ه للفتاة‪ ،‬الذي ظل يراقب وجه المرأة بعينين فاحصتين‬ ‫حادتين‪..‬‬ ‫فجلسا عليه‪.‬‬ ‫ عذرا للمقاطعة سيدتي‪ ،‬لكني أرى أنك‬‫وب �س��رع��ة‪ ..‬أل �ق��ت عليهما ال �ف �ت��اة نظرة‬ ‫دون اه �ت �م��ام‪ .‬وم ��ن ث ��م‪ ،‬وب��اب �ت �س��ام��ة فاتنة تعرفين (المارشال)‪ ،‬لو طلبت منه أن يقول‬ ‫أض��اءت محياها‪ ،‬وزادت م��ن ت��ورد وجنتيها كلمة من أجلي عندما نصل إلى السجن‪ ،‬لو‬ ‫المستديرتين‪ ،‬رفعت يدها الشهباء الصغيرة‪ ،‬فعل ذلك فسوف تُسَ هَل لي األمور هناك‪ .‬إنه‬ ‫المغطاة ب�ج��ورب‪ .‬شرعت ف��ي ال�ك�لام‪ ،‬وب��دا يأخذني اآلن إلى سجن (ليفنورث)‪ ،‬إنها سبع‬ ‫سنين‪ !..‬قضية تزوير!‬ ‫عليها أنها متحدثة جيدة‪ ،‬ومسموعة أيضا‪.‬‬ ‫وهنا قالت المرأة – آخذ ًة نفسا عميقا ‪-‬‬ ‫ ح �س �ن��ا س �ي��د إي� �س� �ت ��ون‪ .‬أت �س �م��ح لي‬‫بالحديث أوال‪ .‬ل َم ال تقل (أهال) ألصدقائك وقد عاد إليها وهجها‪:‬‬ ‫القدامى عندما تقابلهم في الغرب؟‬ ‫ آه‪ .‬إذاً ه��ذا ه��و م��ا تفعله ه�ن��ا أيها‬‫التفت الرجل الشاب برشاقة تجاه صوتها‪( ،‬المارشال)؟‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫قلوب وأياد ٍ‬

‫أجابها بهدوء‪:‬‬

‫بدا وكأنه مندهش بعض الشيء‪ ،‬لكن‪ ..‬ما لبث‬ ‫أن تخلص من ذلك سريعا‪ ،‬فأمسك أصابعها‬ ‫ عزيزتي اآلنسة (فيرشيلد)‪ ،‬تَوجَّ ب علي‬‫بيده اليسرى‪ ،‬وقال مبتسما‪:‬‬ ‫أن أعمل شيئا ما‪ .‬فالمال يتبخر سريعا! وهو‬ ‫ السيدة (فيرشيلد)‪ ،‬أرج��و المعذرة‪ - ،‬كما تعلمين ‪ -‬ضروري ليتعايش اإلنسان مع‬‫من حوله‪ ،‬وم��ع‪ ...‬في واشنطن‪ ،‬وجدت هذه‬ ‫فيدي األخرى ال أستطيع استخدامها اآلن‪.‬‬ ‫رف��ع ي��ده اليمنى ‪ -‬المقيدة من المعصم الوظيفة شاغرة في ال�غ��رب‪ ،‬نعم إن وظيفة‬ ‫بسوار المع إلى يد شريكه اليسرى ‪ -‬قليال‪( ،‬مارشال) ليست على درجة من الرفعة مثل‬ ‫وببطء تحولت النظرة السارة في عيني المرأة وظيفة سفير ولكن‪..‬‬ ‫إلى رعب محيِّر‪ ،‬وغادر الوهج وجنتيها‪ ،‬وكما‬ ‫لو كان إيستون يرفّه عن نفسه‪ ،‬أطلق ضحكة‬ ‫صغيرة‪ ،‬وهو على وشك استئناف الحديث‪،‬‬

‫قاطعته المرأة قائلة بحرارة‪:‬‬

‫ السفير! لم يعد يتصل‪ .‬ليس في حاجة‬‫ألن يفعل ذلك‪ .‬ال بد أن تعلم ذلك‪ .‬أنت اآلن‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪69‬‬


‫واح ��د م��ن األب �ط��ال الغربيين ال�ش�ب��ان‪ ،‬المفعمين بما فيه الكفاية‪ ،‬خذني إلى مقصورة التدخين اآلن‪.‬‬ ‫ب��ال�ح�ي��اة‪ ،‬ت��رك��ب وت�ط�ل��ق وت �خ��وض غ�م��ار ك��ل أن��واع هال فعلت؟ أكاد أموت من أجل قليل من الدخان!‬ ‫المخاطر‪ .‬هذه حياة مختلفة عن حياة واشنطن‪ ،‬لقد‬ ‫نهض ال��رج�لان على قدميهما‪ ،‬وظ��ل إيستون‬ ‫افتقدك الناس القدامى‪.‬‬ ‫محتفظا على محياه باالبتسامة الخفيفة ذاتها‪ ،‬وقال‬

‫نظرت المرأة باهتمام إلى الخلف‪ ،‬فتحت عينيها‬ ‫أكثر‪ ،‬لتلقي بنظرها على السوار الالمع‪ ،‬وهنا قال‬ ‫لها الرجل اآلخر‪:‬‬

‫ ال تقلقي بشأنهم يا آنسة‪ ،‬كل (المارشاالت)‬‫يربطون أنفسهم مع سجنائهم لمنعهم من الهرب‪.‬‬ ‫السيد إيستون يعرف عمله!‬ ‫سألت المرأة المارشال‪:‬‬

‫‪ -‬هل نراك ثانية في واشنطن؟‬

‫ ليس قريبا على ما أعتقد‪ ،‬أخشى أن أيامي‬‫السعيدة قد انتهت!‬

‫قالت المرأة وعيناها تتوهج بنعومة‪ ،‬وهي تنظر‬ ‫عبر نافذة القطار‪:‬‬ ‫‪ -‬إنني أحب الغرب‪.‬‬

‫مرحا‪:‬‬

‫ ال يسعني أن أقول (ال) لشخص يريد أن يدخن‪،‬‬‫إنه الصديق الوحيد لسوء الحظ للسجين المنبوذ‪.‬‬ ‫إلى اللقاء آنسة (فيرشيلد)‪ ،‬الواجب يناديني كما‬ ‫تعلمين‪.‬‬ ‫رف��ع يديه مودعا‪ ،‬وهنا قالت له السيدة‪ ،‬وهي‬ ‫تتذكر ثانية طريقتها وأسلوبها‪:‬‬ ‫ كم هو سيء أنك لست ذاهبا إلى الشرق‪ ،‬إنك‬‫ذاهب إلى (ليفنورث)‪ ،‬أليس كذلك؟‬ ‫ نعم‪ .‬عليّ أن أذهب إلى هناك‪.‬‬‫شق الرجالن طريقهما عبر الممر إلى مقصورة‬ ‫التدخين‪.‬‬

‫الراكبان الجالسان على المقعد المجاور لهما‬ ‫واص�ل��ت حديثها بتلقائية وبساطة غير عابئة‬ ‫سمعا معظم المحادثة‪ ،‬وقال أحدهما لآلخر‪:‬‬ ‫باألسلوب والطريقة‪:‬‬ ‫ إن هذا (المارشال) صنف جيد من الشباب‪.‬‬‫ قضيت وأم ��ي الصيف ف��ي (دن �ف��ر)‪ ،‬ذهبت‬‫إل��ى بلدها منذ أس �ب��وع‪ ،‬ألن وال ��دي ك��ان مريضا‪ .‬إن بعض هؤالء الغربيين طيبون‪.‬‬ ‫ك��ان بإمكاني أن أعيش وأبقى سعيدة في الغرب‪.‬‬ ‫سأله اآلخر‪:‬‬ ‫أعتقد أن الجو هنا يالئمني‪ .‬المال ليس كل شيء‪،‬‬ ‫ إنه صغير جدا ليصبح ضابطا‪ .‬أليس كذلك؟‬‫لكن الناس دائما تسيء فهم األشياء‪ ،‬ويبقون على‬ ‫رد عليه األول متعجبا‪:‬‬ ‫غبائهم‪..‬‬ ‫ صغير!‬‫زمجر الرجل ذو الوجه الحزين‪:‬‬ ‫ أقول أيها السيد المارشال‪ ..‬هذا ليس عدال‪.‬‬‫أريد ماء‪ ،‬ثم أني لم أدخن طوال اليوم‪ ،‬ألم تتحدثا‬

‫ ألم تلحظ!! هل رأيت ضابطا يقيد السجين‬‫إلى يده اليمنى؟!‬

‫(‪ )1‬نبذة عن كاتب القصة‪:‬‬ ‫ أو‪ .‬هنري هو االسم المستعار لألديب األمريكي (ويليام سيدني بورتر)‪ ،‬والذي يعد من رواد القصة القصيرة‪ ،‬ولد‬ ‫عام ‪1862‬م‪ ،‬وتوفي عام ‪1910‬م‪ .‬انتقل إلى النمسا‪ ،‬وعاش فيها فترة من حياته‪ .‬زاول مهنا عديدة‪ ،‬ومنها الصيدلة‪،‬‬ ‫والعمل بالبنك‪ ،‬والتحرير الصحفي‪.‬‬ ‫ كتب أكثر من ‪ 300‬قصة قصيرة‪ .‬أتهم في فترة من حياته باالختالس من خالل عمله بالبنك‪ ،‬وحكم عليه بالسجن‬ ‫وقضى به خمس سنوات‪ .‬توفي مفلسا بفعل إدمانه على الكحول‪.‬‬ ‫* كاتب ومترجم من السعودية‪.‬‬

‫‪70‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫> محمد صوانه*‬

‫(‪)1‬‬

‫أمنية‬

‫كما خيوط الفجر‪،‬‬ ‫أنفاس الصباح!‬ ‫ُ‬ ‫عندما تغشاها‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫قصص قصيرة جدا ً‬

‫(‪)4‬‬ ‫ال تذهبي بعيد ًا‬

‫يمتد الطريق أمامي طويالً؛‬ ‫لكنني كلما نظرت إلى آثار قدميَّ ‪ ،‬اللتين تحثاني‬ ‫تنطلق خيوط البصر بعيداً‪..‬‬ ‫الخُ طى‪..‬‬ ‫تمتد خارج األفق‪ ..‬حيث مدارات الالنهاية؛‬ ‫تمنيت لو مكثتُ أكثر‪!..‬‬ ‫لكن يدي ال تلبث أن تمسك بأطرافها وتشدّ ها‪.‬‬ ‫(‪)2‬‬ ‫‪ -‬أيا عين‪ ،‬ال تذهبي بعيداً!!‬

‫مشروع خاص‬

‫(‪)5‬‬ ‫ليته يحمل مرآته!‬

‫في ساعة من زَهْ ٍو‬ ‫أحسست أنني أستطيع أن أصنع شيئاً ما؛‬ ‫أحس بشيء ينقصني‬ ‫ُ‬ ‫منذ أيام الصبا كان رفيقي‪،‬‬ ‫فهل أملك األدوات؟!‬ ‫إن تأخّ ر عن رفقتي‪ ،‬أو غبت عنه عنوة! رقي ٌق ‪..‬‬ ‫شاغلت فكري ساعةً‪ ،‬ونظرت حولي‪..‬‬ ‫ف��ي ال �س��احِ الع �ب��ون ي�ت�ح��رك��ون؛ ث�م��ة م��ا يشغل لكنه عنيد‪ ،‬وال يسير من تلقاء نفسه‪.‬‬ ‫إذا دفعته‪ ،‬يسير مُذعناً‪..‬‬ ‫تفكيرهم ويرسم أحالمهم‪ ..‬يروحون ويجيئون‪،‬‬ ‫يحث الخطى حيناً ويبطئها أح�ي��ان�اً؛ يتركني‪،‬‬ ‫وال يبدو على وجوههم أي تركيز خارج ذواتهم‪،‬‬ ‫ليتوقف قليالً؛‪ ،‬ثم ينطلق كجواد أصيل يتقدم‬ ‫تيقنت عندها أنهم ال يأبهون‬ ‫حلبة سباق‪.‬‬ ‫بما في خاطري‪!..‬‬ ‫يتابع سيره‪ ..‬يرفع هامته عالياً!‬ ‫(‪)3‬‬ ‫ويلتفت إليَّ بكبرياء!‬ ‫ذكريات‬ ‫أتساءل‪:‬‬ ‫ثمة لوحة في داخلي‪..‬‬ ‫ هل يُخَ َّي ُل إليه أنه يقود يدي؟‬‫رسمتُها بخيوط الذكريات‪..‬‬ ‫‪...‬‬‫تتجم ُل رويداً رويداً‪..‬‬ ‫أتأمله‪ ..‬أكاد أسمع صوته‪ ..‬أنهره؛‬ ‫لكنها ما أن استقر طيفها في مخيلتي‪،‬‬ ‫لكنه ال يلتفت‪ ،‬وال يجزع من لسع يدي!‬ ‫وأخذت تعيد بريقَها القديم‪،‬‬ ‫أ ُشفق عليه؛‬ ‫ليته يحمل مرآته‪ ..‬ليته يملك مِ محاته!‬ ‫حتى انسلت خيوطها‪،‬‬ ‫* قاص وكاتب من األردن‪.‬‬ ‫ ‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪71‬‬


‫سناء‬ ‫سناء‪..‬‬ ‫أنت للروح‬

‫وبحراً ومدينة‬

‫مرسى‬

‫كوني لهول تشردي‬

‫ومسرى‬

‫وطناً للغرام‪.‬‬

‫وسماء‬ ‫أنت موج راقص في شغاف القلب‬ ‫وعشب ندي تنامى بشتى كياني‬ ‫أنت بركان األنوثة‬ ‫وينابيع الخصوبة‬ ‫سناء‪...‬‬ ‫دلفت بأشجاني إلى نهرك العذب‬ ‫قادم من غبار الوقت‬ ‫ومن عطش الصحاري‬ ‫رشحتك جراحي األليمة‬ ‫لفاتنة‪..‬‬ ‫تجلسين على رملي اللؤلؤي‬ ‫لملمي ما تبقى من فتات الرمل‬ ‫واهطلي مطراً على سفح قحطي وجوعي‬ ‫سناء‪..‬‬ ‫ضمي تفاصيلي‬ ‫كل أحالمي‬ ‫ضجي بأصقاع دمي‬ ‫أغنية شجية‬ ‫معلقة على وجه المساء‬ ‫* شاعر من السعودية‪.‬‬

‫‪72‬‬

‫> فهد اخلليوي*‬ ‫كوني لبوح مشاعري منفى‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫تفاصيل من عينيك‬

‫أناديك‪00‬‬ ‫يا جولة األبد الغريقة في لوحة العشق‬ ‫وأدخلك في ردهات اختالجي‬ ‫تذوب المسافات في المستحيل‬ ‫وعبر دمي تعبرين المواني‬ ‫تصيرين في كل حرف قصيدة‬ ‫وفي كل قلب عشيقة‬ ‫ومن بين سرب الجميالت‬ ‫تصيرين نهراً من الشجن العذب‬ ‫زمان يجول بعينيك أحلى من الشهد‬ ‫وأجمل من كل وقت ووعد‬ ‫بعينيك ‪ ,‬ال يذبل ورد الصباح‬ ‫وال يعطش حلم المساء‬ ‫أناديك‬ ‫رنينك في عروق المحبين يجري‬ ‫ويغسل وجه الزمان المقيت‬ ‫تعالي‪..‬‬ ‫كقاطرة الموج‬ ‫وتشكيلة العشب في هاجسي‪.‬‬


‫> د‪ .‬عثمان قدري مكانسي*‬ ‫منذ أزمان سحيقة‬ ‫قال ذئبٌ لرفاق ِـهْ‪:‬‬ ‫إنني أشتا ُق لحم السخلة البيضاءِ يذوي‬ ‫بين أنيابي الرفيقـهْ!‬ ‫هي تسعى إن رأتـني‬ ‫نحو أحضاني طليقـهْ!‬ ‫فهي تدري ما بنـفـسي‬ ‫نحوها من جل أشواقي الرقيقـهْ!‬ ‫إن أ ُِشـرْ‪ :‬هيّـا إليّ ‪ ،‬تبعـَتـ ْني‬ ‫أو أقـُلْ‪ :‬إني حبيبٌ ر َِضيـَتـ ْني‬ ‫بعصيان ألمري‪ ،‬إ ْن أ َمرْتُ‬ ‫ٍ‬ ‫ال تباديني‬ ‫فهي‪ ...‬يا ِنعْـ َم الصديقـهْ‪!..‬‬ ‫ترتجف‪ ..‬إذ ما تجدني‬ ‫ْ‬ ‫فجأة من غير إذنِ‬ ‫واقـفـاً أرنـو إليهـا‬ ‫خائفـاً منّي عليهـا‬ ‫أن تظنَّ الحبّ يَضوي في فـؤادي‬ ‫فأُبادرْ‪ ..‬نحو حُ بّي غارسـاً فيها حناني!!‬ ‫فالـلِـقـا أجـدى وثيقـهْ!‬ ‫* شاعر من األردن‪.‬‬

‫تعشق الغناء‬

‫> طارق فراج*‬

‫خلف ستائر هذا المساء‬ ‫تقف وردة وحيدة‬ ‫تعصف بها الريح‪..‬‬ ‫يستأثر بها الخوف‪،‬‬ ‫ويغسلها المطر‬ ‫‪...........‬‬ ‫نجمة مضيئة‬ ‫تسقط اآلن‬ ‫في عتمة الليل الجريح‪.‬‬

‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫عذري‬ ‫حب‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫الشوارع أيضا‬

‫***‬ ‫طرقت بابه مرّات‬ ‫وال مجيب‪..‬‬ ‫كان البابُ مقفال‪،‬‬ ‫عادت خالية الوفاض‬ ‫تاركة نظراتها هناك‬ ‫معلّقة على الباب‪.‬‬

‫***‬ ‫يرفع الهواء طرف ثوبها‬ ‫الفضفاض‬ ‫ويضحك‪،‬‬ ‫ينظر العاشق إلى ساقيها‬ ‫ويبكي‪.‬‬

‫***‬ ‫المصابيح الخافتة‬ ‫في الشارع الهاديء‬ ‫تعرف وقع خطاه إذ يمرّ‪..‬‬ ‫تنتظره كل ليلة‬ ‫لتسمع غناء قلبه‬ ‫الشجي‪.‬‬

‫* شاعر من مصر‪.‬‬ ‫ ‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪73‬‬


‫ـن*‬ ‫ـس ْ‬ ‫ح َ‬ ‫َ‬

‫> فيصل أكرم‬ ‫خرو ٌج من اللحظةِ الصفرِ‬

‫برزخ فسح ًة‬ ‫وتفت ُح في ٍ‬

‫الحروف‪..‬‬ ‫ْ‬ ‫حتى اصفرار‬

‫ماض وآتْ‬ ‫بين ٍ‬

‫الدعدعات الغِ شاءِ‬ ‫ِ‬ ‫خرو ٌج من‬

‫ال‬ ‫كأنكَ ما عشتَ إ ّال رحي ً‬

‫من االصطفاءِ‬

‫يشاب ُه في ُكنْههِ المعجزاتْ‬

‫خرو ٌج من المترفات الرخاءِ‬ ‫من العيِّ‬ ‫الوقوف‪..‬‬ ‫ْ‬ ‫حتى انتشاء‬ ‫وكانت حياةٌ ورا َء حياةٍ‬ ‫مستنفرات‬ ‫ٍ‬ ‫وكانت أمانيُّ‬ ‫وأنتَ حواليّ جُ ّل البالدِ‬ ‫ونصف البالدِ‬ ‫وبعض البالدِ‬ ‫تطوف‪..‬؟‬ ‫ْ‬ ‫وأيّ البالدِ‬ ‫سعى بكَ همٌّ‬ ‫وأمضى بكَ الوقتُ وقتاً طويال‬ ‫ال فجيال‬ ‫جي ً‬

‫لهذا سأبقى أسائلُ‪ :‬كنتَ لمن‪..‬؟‬ ‫‪.....‬‬ ‫وآهٍ حَ سَ ْن‬ ‫كان ممتلئاً بالحياةْ‬ ‫مكان قصيٍّ‬ ‫عمر‪ ،‬يوقّعها في ٍ‬ ‫كتابات ٍ‬ ‫ل �ت �ش �ه �دَ‪ ،‬ف��ي ص �م��ت أث �ق��ال �ه��ا‪ ..‬أنّ ه��ذا‬ ‫الرّفاتْ‬ ‫كان أنموذجاً للعناوين‪:‬‬ ‫أستاذنا‪ ،‬سيّد الحيّ ‪ ،‬رائ ُد علمِ الطبيعةِ‬ ‫واألمسياتْ ‪..‬‬ ‫ولكنه‪،‬‬

‫وأنتَ المكبُّ على سوْرةٍ من شعا ْع‬

‫ويا حسرتي لهف ًة للرجوعْ‪..‬‬

‫الحظ منه الضيا ْع‬ ‫َّ‬ ‫حالف‬ ‫َ‬ ‫أنتَ الدلي ُل لمن‬

‫غاب من دون أن يستد َّر الدمو ْع‬

‫عظيم‬ ‫ٍ‬ ‫سديم‬ ‫ٍ‬ ‫تم ُّد يداً في‬

‫غابَ حتى الممات‪ ..‬وحتى الصالةْ!‬

‫* القصيدة تتحدث عن أوّل أديب عربي سعودي لم يظهر شيءٌ من إنجازه الفكريّ ‪ -‬منشوراً ‪ -‬إ ّال بعد‬ ‫وفاته (يرحمه الله) وسوف تصدر كتبٌ –عنه وله ‪ -‬خالل الفترة القريبة المقبلة‪..‬‬ ‫* شاعر وروائي من السعودية‪.‬‬

‫‪74‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫> مالك اخلالدي*‬ ‫أيقنت أن الشعـ َر ي ـجــري ف��ي دمـ ـ ــي‬ ‫ُ‬

‫فوهبت للــدين الحنيـف ق ـصــائ ــدي‬ ‫ُ‬

‫ومضيت أنظــمُ م��ن ق ــريضي بيرق ـ ـ ـ ًا‬ ‫ُ‬

‫يزهــو ويخ ـ ــفقُ وال��ش��ري��ع��ـ��ةُ مـ ــوردي‬

‫ألزي���ـ���ـ���حَ زي��ـ��ف��ـ��ـ�� ًا أو ُأف��ـ��ـ��ـ�� ّت��ـ��ـ��ـ��ـ��قَ ف��ـ��ـ��ـ��ك��ـ��ـ��ر ًة‬

‫وألف ـض ــح اآلت����ي لنـصـ ــب مكائ ـ ـ ِـد‬

‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫لــشـــبـــابـــنــــا‬

‫كــلــمـــة*‬

‫***‬ ‫م��ا ق ـلـ ُـت شعــرا للـتـفـلـس ـ ِـف إنم ـ ــا‬

‫أزجـي ــه ل��ل��ـ��ـ��ـ��ذك��رى‪ ..‬وذل���ك مقــصدي‬

‫���دت ع��ن نهــج ال��ش��ري��ع��ةِ والهـدى‬ ‫م��ا ِح ُ‬

‫���ان محمدي‬ ‫أم��ض��ي ونهجــي ف��ي ال���زم ِ‬

‫��ان مسـالك ًا‬ ‫فلكم رأيـن ــا ف��ي ال��ـ��ـ��زم��ـ��ـ��ـ��ـ ِ‬

‫أرْدتْ ب��ت��اب��ع��ه��ا ل��ـ��ـ��ق��ـ��ـ��ع��ـ��ـ��ـ��رٍ أس��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ودِ‬

‫ك��ن��ـ��ـ��ـ��ا وك��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ان ال��ـ��ـ��ع��ـ��ـ��ـ��ـ��زُ ب��ي��ـ��ـ��رقَ أم��ـ��ـ��ـ��ـ��ةٍ‬

‫خ��ـ��ض��ـ��ـ��ع��ـ��ـ��ت ل��ه��ا األق����ـ����ـ����وامُ دون ت����رددِ‬

‫ه��رع��ت م�لاي��ي��ن ال��ن��ف��ـ��ـ��ـ��ـ��وس تعطـش ـ ًا‬

‫للديــن ح��ي��ن رأوا ض��ـ��ي��ـ��اء المُ ـنـجـ ِـد‬

‫ف���ي أرض م��ك��ـ��ـ�� َة ش��ع��ش��ـ��ـ��ع��ت أن��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��وار ُه‬

‫فمضــوا لديــن ال��ل��ه ه��ـ�� ّ َب��ـ�� َة مـه ـتــدي‬

‫ُس��ـ��ـ��ـ��ـ��دن��ا فـ ـقــام ال���ك���ونُ ك��ـ�� ّب��ـ��ر ش��اه��د ًا‬

‫ب��ال��ل��ه خ��ـ��ـ��ـ�لاق ال��ع��ـ��ـ��ب��ـ��ـ��ـ��ادِ األوح��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ ِ��د‬

‫ُس ـ ـ ــدنــا وق��ـ��ـ��د كــنا ك��رام��ـ��ـ�� ًا عصبــةً‬

‫ل��ل��ح��ق ل��ل��ن��ه��ج ال��مُ ��ـ��س��ـ��ـ��ـ��ددِ نـرت ـ ـ ــدي‬

‫***‬ ‫وال��ـ��ي��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��وم مُ ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ�� ّزق��ن��ا ف��م��ال��ي ال أرى‬

‫إال الـتـشـتـتَ بعـ ــد ع ـ ــزٍ أم��ج��ـ ِ��د؟!‬

‫وأرى دي��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ار ال��م��س��ل��م��ـ��ي��ن ت��ب��ع��ث��رت‬

‫��ب ل��ع��ن�� َة ح��اق��ـ ِ��د‬ ‫وأرى ال��ـ��ع��ـ��ـ��د َو ي��ص��ـ��ـ ُ‬

‫�����دك م��ـ��ـ��ـ��ـ��دائ��ن�� ًا‬ ‫ف��ـ��ه��ـ��ـ��ـ��ن��ـ��ـ��ا ص��واري��ـ��ـ��ـ��ـ ٌ��خ ت ُ‬

‫وه���ن���ا دع������اوى ك���ي تُ��ه��ي��ن ع��ـ��ـ��ق��ـ��ـ��ـ��ائ��دي‬

‫ف���ي ك���ل ش���اش���ات ال��ف��ض��اء تشدقـ ـ ــوا‬

‫��ض تجمـ ـ ِـد‬ ‫ص��رخ��وا ب���أن ال��دي��ن م��ح َ‬

‫��اب تماش ـيـ ًا‬ ‫ودع�����وا إل���ى خ��ل ِ��ع ال��ح��ج ِ‬

‫مــع عصرنا ‪ ..‬فالعصرُ عصر ت��ج��ددِ !!‬

‫وق��ـ��ـ��ـ��د ام��ت��ط��وا إع�لام��ن��ا واس���ت���أس���دوا‬

‫ك���ي ي��غ��ـ��ـ��رق��ـ��ـ��ـ��ون��ا ب��ارت��ـ��ـ��ي��ـ��ـ��ـ��ادِ م��ف��اس��ـ��ـ ِ��د‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪75‬‬


‫ف��ال��ـ��ف��ـ��س��ـ��قُ يُ ��ـ��س��رجُ ‪ ،‬وال���ت���ح���ر ُر غ��ـ��ن��ـ��وةٌ‬

‫ف���وق ال��ش��ـ��ـ��ـ��ف��ـ��ـ��ـ��اهِ ب���دع���وةٍ م���ن ملحـ ـ ِـد‬

‫وال��� َلّ���ه���وُ ي��م��ض��ي ه���ا ه���ن���اك وه��ـ��ـ��ا هنا‬

‫ب��اس��م ال��ف��ن��ون يُ ��ـ��ـ��ـ��ـ��دا ُر ن��خ ُ��ب مُ ـعــانـ ِـد‬

‫***‬ ‫��ات ت��ح��م��لُ ك���ل ما‬ ‫ه���ذي ه���ي ال��ش��ـ��ـ��ـ��اش��ـ ُ‬

‫ص��ن��ع��و ُه م���ن ب��غ��ـ��ـ��ـ ِ ّ��ي ل��ص��ـ��ـ ِ��د م��ـ��ـ��ـ��ـ��وح ِ��د‬

‫ن���ش���روا ال��ف��ـ��ج��ـ��ـ��ـ��ور و ُزل��زل��ـ��ـ��ـ��ت أف��ك��ا ُرن��ا‬

‫ح��ت��ى ش��ـ��ـ��ك��ى اإلس��ـ��ـ��ـ�لامُ ش��ـ��ك��وى ف��اق ِ��د‬

‫واه���ت��� َز وج���هُ الصـبـ ِـح ف��ي قســماتـ ــهِ‬

‫المسجد‬ ‫ِ‬ ‫وب��ك��ى ال��م��س��اءُ وف����اض دم����عُ‬ ‫***‬

‫رب��ـ��ـ��ـ��ـ��ا ُه إن الظ ــالم ـي ــن تـكـالـبـ ــوا‬

‫��اض ف���ي س ـ ــبات ال��ـ��ـ��ه��ام��ـ ِ��د‬ ‫���ي م��ـ��ـ��ـ ٍ‬ ‫وب���ن ّ َ‬

‫ف��ـ��ـ��ارح��ـ��ـ��ـ��م إل��ه��ـ��ـ��ـ��ي أم��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ةً مك ــلوم ــةً‬

‫��ال ودم���ع���ةِ س��اج��ـ��ـ ِ��د‬ ‫م���ن أج���ـ ِ���ل أط��ـ��ـ��ف��ـ��ـ ٍ‬

‫رب أب��ـ��ـ��ن��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��اءً ب ـهـم‬ ‫ق��ـ�� َي��ـ��ض ل��ه��ـ��ـ��ـ��ا ي���ا ِ‬

‫تـعـ ـلـو وت��ق��ص��ـ��م م��ارق��ـ��ـ��ـ��ـ�� ًا أو معتدي‬

‫ف��ال��خ��ي��رُ ف ـيـ ــها أم��ت��ي وإن انكفـ ـ ــت‬

‫ح��ي��ن�� ًا س��ت��ـ��ب��ـ��زغُ ك��ال��ض��ح��ـ��ى ال��م��ت��وق��ـ ِ��د‬

‫ف��ه��ي ال��ك��ري��ـ��ـ��ـ��م��ـ��ةُ وال��ع��زي��ـ��ـ��ـ��ـ��ز ُة وال��ت��ي‬

‫������وس م��ـ��اج��ـ ِ��د‬ ‫����ل أش ِ‬ ‫ج���ـ���ادت ل��ن��ا م���ن ك ِ‬

‫س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��اوت ب��ل��ا ًال ب��ال��ـ��زب��ي��ر ول��ـ��ـ��ـ��م يكن‬

‫ف��ـ��خ��ـ��ـ��رُ ال���ك���ـ���رامِ ب��ج��ده��م أو محت ـ ِـد‬

‫ب���ل ب��ال��ش��ـ��ـ��ري��ع��ةِ ي��ع��ـ��ـ��م��ل��ون وفخـ ــرهم‬

‫ـ�لال ال��مُ ��وج ِ��د‬ ‫دي���ن ال��م��ه��ي��م ِ��ن ذو ال��ج�� ِ‬

‫ال��ص��ـ��ـ��ائ��م��ون ال���س���اج���دون ذوو ال��تُ ��ق��ى‬

‫ال��ت��ائ��ـ��ـ��ق��ـ��ون إل�����ى ن��ع��ـ��ـ��ي��ـ��ـ��ـ��ـ ٍ��م مُ ���وع���ـ ِ���د‬

‫ه���م ه ـكـ ــذا ك��ان��ـ��ـ��ـ��وا ف��ـ��ـ��ش��ادوا أم ـ ــةً‬

‫ش���م���اء ت��رف��ـ��ـ��ـ��ـ��لُ ب���ال���ذرى ال��م��ـ��ـ��ت��ـ��ـ��ف��ـ��ـ��ردِ‬

‫***‬ ‫أن����ا زه��ـ��ـ��ـ��ـ��ر ُة اإلس��ـ��ـ��ـ��ـ�لامِ أم��ض��ي دائ��م�� ًا‬

‫ب���هُ ���دى اإلل��ـ��ـ��ـ��ـ��هِ وب���ال���م���ك���ارم أق��ـ��ـ��ت��دي‬

‫����ان ت��ح��دي��ـ��ـ��ـ��ـ�� ًا‬ ‫������ط ف���ي وج�����هِ ال����زم ِ‬ ‫وأخ ُ‬

‫ب���ال���دي ِ���ن أس��ـ��م��و ال ب���دع���وى ح��اس��ـ��ـ��ـ��ـ ِ��د‬

‫ي����ا أم���ت���ي ه��ـ��ـ��ي��ـ��ـ��ـ��ا ن��ـ��ـ��ع��ـ��ـ��ـ��ود ل��دي��ـ��ـ��ن��ـ��ن��ـ��ا‬

‫ح��ق�� ًا لـنـفــني س��ـ��ط��ـ��ـ��و َة ال��م��س��ت��أس��ـ��ـ ِ��د‬

‫ف��ال��ع��زُ يُ ��ب��ن��ى ب��ال��ع��ق��ي��دةِ وال��ـ��ـ��ـ��ف��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��دا‬

‫���ان خ��ي��ر س��ـ��ـ��ـ��ـ��واع��ـ��د‬ ‫ب���س���واع ِ���د ال���ف���رس ِ‬

‫وال��ـ��ف��ـ��ـ��ـ��ك��رُ يُ ��ب��ن��ى أو ًال ك���ي ُت��ـ��ب��ـ��ت��ـ��ن��ـ��ـ��ى‬

‫���اح األس���ع ِ���د‬ ‫س���م���ةُ ال���ح���ض���ارةِ وال���ص���ب ِ‬

‫ب��ش��ـ��ب��ـ��ـ��اب��ن��ا رم����ز ال��ـ��ت��ـ��ـ��ـ��ح��ـ��ـ��دي ن��رت��ق��ي‬

‫وس���ت���زه���ر األغ����ص����ان ح���ت���م��� ًا ف����ي غ��ـ ِ��د‬

‫* شاعرة من السعودية‬

‫‪76‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫خَ ْ‬ ‫دش‬ ‫السماح عبدالله*‬ ‫>‬ ‫ّ‬ ‫للقلب اليتيم‪..‬‬ ‫ِ‬ ‫عامانِ‬ ‫بعدهما‬ ‫صدفتَه‬ ‫يخون الوقتُ ُ‬ ‫ويبتدىءُ الهواءُ صفي َرهُ‬ ‫قد تكبر السيدةُ الصغرى‬ ‫سمات المتعبين‬ ‫ِ‬ ‫وتعطيها مالمحُ ها‬ ‫أكو ُن أنا هنا‪..‬‬ ‫نفق‬ ‫وي�ك��و ُن ه��ذا ال��دربُ م��أخ��وذا إل��ى ٍ‬ ‫يضي ُق‬

‫ويقول واحدُهم‪:‬‬ ‫المستريب‬ ‫ِ‬ ‫أنا نبتُ السؤالِ‬ ‫تقو ُل عاشقةٌ‪:‬‬

‫خوالجي أ َر ٌق‬

‫الخدش القدي ُم يدلّني‬ ‫ُ‬ ‫هو‬

‫تخدش ما تبقى‬ ‫ُ‬

‫وابتدى ْء شجْ وًا يلي ُق بحزنكَ العالي‬

‫من غبارِ األربعاء‬

‫وَسَ ِ ّي ْج ما استطعتَ تصيدُه‬

‫يحدثُ – ربما ‪ -‬أ ْن يأتيَ العشّ ا ُق‬

‫في‬

‫يختصمو َن في أحوالهم‬

‫عنكبوت األربعاء‪.‬‬ ‫ِ‬

‫�ض حوائجي بَ� � َر ٌد يصي ُد خُ �ط��ايَ من‬ ‫وب�ع� ُ‬ ‫فانفض إذاً‬ ‫ْ‬ ‫خلل الطريقِ‬ ‫يا أيها القلبُ اليتي ُم‬ ‫القلب‬ ‫ِ‬ ‫وثَ ّم نبوءةٌ تجتا ُح ُعرْيَ‬ ‫العاشقِ ي َن الحيارى‬ ‫ِ‬ ‫غبا َر ما اعتركتْ ُه أقدا ُم‬

‫* شاعر من مصر‪.‬‬ ‫ ‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪77‬‬


‫أرخبيل‪ ..‬الجنذاب الذات‬

‫«من املوت جئت‪ ،‬واحلياة متحوك بطيئا» غونار أكلف‬

‫> التجاني بولعوالي*‬

‫‪-1-‬‬

‫حين يغشاك همس الضياع‬ ‫وتنسجك النار أدخنة للعرى‬ ‫حين يصلبك الوقت عمدا‬ ‫تكن‪،‬‬ ‫في دمي نشوة كالكرى‬ ‫حين جاء األصيل قتيال‬ ‫فقدت سطوري‬ ‫نسيت بحوري على النار‪..‬‬ ‫والماء يرنو إلى قبوري‬ ‫بحثت طويال‪ ،‬فكان األصيل قتيال‬ ‫وما فوق صرخته‪..‬‬ ‫أغنيات مالك‪ ،‬ولحن عبوري‬ ‫متى أزرع الصوت صمتا‪? ..‬‬ ‫متى ينزع الشوك‪ ،‬يجلو سؤالي‬ ‫متى‪..‬؟‬ ‫ويموت القريض‪ ،‬فيبقى الكالم عليال‬ ‫وتطفو الليالي التي ما تزال أصيال‬

‫‪-2-‬‬

‫يا طفوح األسى‪ ..‬يا بريق النهايات‬ ‫من ينسج الذات أجنحة?‬ ‫من يطوح معي‪ ،‬جزري يعتريها العبابْ‬ ‫من يصوغ الشذوذ حياء‬ ‫وينظم يأسي ترانيم (لوركا)?‬ ‫يبيح األنوثة بين قوافي الخلي ْل‬ ‫ويرج نهود الغواني لينشرها فوق‬ ‫شوك السدور‪ ،‬فينهب منها الغراب‬ ‫المرابط في صومعات الوط ْن‬ ‫* شاعر وكاتب مغربي مقيم بهولندا‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫‪..............‬‬ ‫م��ن ن ��زوح ال�ع�ن��اك��ب ص��وب اخ �ض��رار‬ ‫الدجى‬ ‫يتدلى نثار اللحون العتيقة‪..‬‬ ‫أس�م��و م�ج��اذي��ف أن�ث��ى تشق محيطي‬ ‫المغطى‬ ‫بشمس خريفية‪..‬‬ ‫أقتفي شطحات (تموز) الذي انتابني‬ ‫خلسة‬ ‫ف� ��أوي ن �ح��و (ل��ون �ج��ا) ي �ه��ز ع��رائ��ش‬ ‫أريافها‬ ‫أين نخل القبيلة‪..‬‬ ‫أين طيوري القتيلة‪..‬‬ ‫أين نقوشي الجميلة‪..‬‬ ‫أيــــن‪..‬؟‬

‫كيف نطفو على ثبج الكلماتْ‬ ‫وجنازتنا تشتهي عورة الثكناتْ‬ ‫وغرور األسى يجتثي نبعنا اآلسن‬ ‫غبش‬ ‫يتسلقنا نطفا من ْ‬

‫‪-4-‬‬

‫تولد العاهة‬ ‫رحم بلدتي‪ ،‬ورذاذ سمائي‬ ‫يحين ربيع احتفائي‬ ‫فيرنو الفراش لناري الظميئة‬ ‫يصبو الوليد إلى برحائي‬ ‫أرومته من أنيني تكون‬ ‫سلوا فرقدا عشق الصمت في منتأى‬ ‫تولد العاهة‬ ‫رعشاتي كفى القلب من ورق‬ ‫والضمير على أرق‬ ‫‪-3‬‬‫‪..............‬‬ ‫في طقوسي‪ ..‬لمحت غموضا يئز‬ ‫وبين خالياي أنت عصافير غزة‬ ‫حين ينساك ركب الهجوع‬ ‫وإذا الليل نار تلظى‪ ،‬تشوب نهاري‬ ‫ويضرمك الهجس عفوا‬ ‫وكل الثرى يتلون‬ ‫تمزق نرجستي المني ْه‬ ‫يتلو انتحاري‬ ‫تتعرى جنان الصدى‬ ‫يهيىء نعشا لصمتي‬ ‫يتهادى إلي أنين صبي‬ ‫لشعري اليتيم يعد ملفا إداريا‬ ‫يمد صراخه جسر تأل ْم‬ ‫‪..............‬‬ ‫تولد العاهة‬ ‫غسق في الكيان الملطخ بالشيح‪..‬‬ ‫من مروجي التي اغتالها بجع مثخن‬ ‫ه� ��ذي س �ف��وح ت ��راق ��ب م��وك��ب ي��اج��وج‬ ‫بالنعيق‬ ‫ماجوج‬ ‫إذ يجنح الكل‪ ،‬تتلو العنادل آخر شدوي‪ .‬فأخطو إلى عرصتي الخفي ْه‬


‫> د‪ .‬عبدالناصر محمود عيسى*‬

‫يُعدُّ االستقراء إحدى طرق الوصف في دراسة اللغة‪ ،‬وهو يتطلب عددا هائال من المفردات التي يتناولها‪ ،‬وهذه‬ ‫المفردات قد تكون أصواتا عند دراسة األصوات‪ ،‬أو صيغا عند دراسة الصرف‪ ،‬أو أبوابا عند دراسة النحو‪ ،‬وهكذا‪.‬‬ ‫وعن طريق االستقراء‪ ،‬يقوم الباحث باستنتاج افتراضات معينة‪ ،‬من خالل تجارب معينة تقوده إلى التعميمات‪.‬‬ ‫وينقسم االستقراء إلى تام وناقص‪.‬‬ ‫ويقود االستقراء الناقص غالبا إلى االحتماالت ال‬ ‫إلى اليقين‪ ،‬وقد اعتمد النحاة عليه في جمع مادتهم‬ ‫التي استقوا من خاللها قواعدهم النحوية‪ .‬فقد انطلق‬ ‫علماء اللغة والنحو إلى البوادي العربية‪ ،‬لجمع اللغة من‬ ‫األع��راب الفصحاء؛ فسجلوا ما وعته آذانهم وعقولهم‬ ‫من أف��واه العرب‪ ،‬واختاروا من القبائل أفصحها ‪ -‬من‬ ‫وجهة نظرهم‪ -‬حتى تكون حصيلة ما يجمعونه خالصة‬ ‫من العجمة والشوائب‪ .‬فجمعوا ما استطاعوا‪ ،‬ثم ضموا‬ ‫هذه الحصيلة اللغوية إلى المصدر األول وهو القرآن‬ ‫الكريم‪ ،‬وما صح عندهم من الحديث الشريف‪ .‬غير أن‬ ‫هذا االستقراء الذي قام به النحاة كان ناقصا في كثير‬ ‫من األحيان؛ فالرواة لم يحصوا على كل ما نطقت به‬ ‫العرب‪ ،‬منذ العصر ال��ذي استقام فيه أم��ر اللغة حتى‬ ‫عصر التدوين‪ ،‬بل جمعوا من أفواه العرب على قدر ما‬ ‫استطاعوا جمعه‪ ،‬إضافة إلى ما كان مدونا على ندرته‬ ‫إذا استثنينا كتاب الله عز وجل‪.‬‬ ‫ثم وضع النحاة قواعدهم في ضوء ما توافر لديهم‬ ‫من مادة لغوية‪ ،‬وبين الحين واآلخر‪ ،‬كان منهم من يعثر‬ ‫على مواد لغوية لم تقع عليها عيون من سبقوه‪ ،‬مما كان‬ ‫يؤدي إلى التغيير أو االعتراض على تلك القواعد التي‬ ‫وضعها السابقون‪ .‬ومن هنا نشأ الخالف بينهم‪ ،‬سواء‬ ‫على مستوى األفراد‪ ،‬أو على مستوى المدارس النحوية‪،‬‬ ‫ألن اللغة ال تخضع للقياس دائما؛ فالمتكلمون ‪ -‬كما‬ ‫يذكر ابن جني ‪ -‬ليست لهم أصول يراجعونها‪ ،‬وال قوانين‬ ‫يعتصمون بها‪ ،‬وإنما تهجم بهم طباعهم على ما ينطقون‬ ‫به‪ ،‬فلربما استهواهم الشيء‪ ،‬فزاغوا به عن القصد(‪.)1‬‬ ‫ومن هنا‪ ،‬أدى اجتهاد النحاة في المواقف اللغوية‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫االستقراء الناقص وأثره في بناء قواعد العربية‬

‫المختلفة‪ ،‬إلى اضطراب القياس عندهم في كثير من‬ ‫األح �ي��ان‪ ،‬فقد يطول ب��اع الباحث ف��ي جمع النصوص‬ ‫فيثبت القياس‪ ،‬وقد يقصر باعه فال يثبته‪ .‬كما اختلفوا‬ ‫في الثقة بالشواهد النحوية والناطقين بها‪ ،‬ما كان سببا‬ ‫من أسباب هذا االض�ط��راب؛ ألن القياس عندهم كان‬ ‫يُبنى في مجمله على الكثرة النسبية في كل موضوع على‬ ‫حده‪ ،‬والذي ال تتحقق فيه هذه الصفة بالنسبة لغيره‪،‬‬ ‫يحكم عليه بالقلة والشذوذ والقصر على السماع دون‬ ‫القياس؛ بل إنهم قد خرجوا عن إط��ار االستقراء في‬ ‫بعض األحيان‪ ،‬فأثبتوا أقيسة لم ترد لها نصوص‪ ،‬كما‬ ‫أنهم لم يلتزموا الكمية بمعناها النسبي‪ ،‬وبمعنى آخر‪ ..‬لم‬ ‫تستق َر فيها اللغة استقراء صحيحا‪ .‬وإثبات القياس بهذه‬ ‫الطريقة يأباه المنهج االستقرائي في دراسة اللغة(‪.)2‬‬ ‫ول�ه��ذا كانت أقيسة النحاة ‪ -‬كما يذكر د‪ .‬محمد‬ ‫عيد ‪ -‬جامدة في كثير من األح�ي��ان‪ ،‬فلم تعترف بما‬ ‫يطرأ على اللغة من تطور‪ ،‬وخاصة أن الفترة المستشهد‬ ‫بها على تلك القواعد كانت تحتل م��دى زمنيا طويال‪،‬‬ ‫يمتد من الجاهلية إلى منتصف القرن الثاني الهجري‬ ‫في الحواضر‪ ،‬ونهاية القرن الرابع الهجري في البوادي؛‬ ‫كما إنهم اعتبروا كل اللهجات حُ جَّ ة‪ ،‬ما أدى إلى تعدد‬ ‫األقيسة واضطرابها‪ ،‬والحكم بالشذوذ على كثير من‬ ‫األم�ث�ل��ة‪ ،‬وبخاصة أن�ه��م درس ��وا ه��ذه الفترة على أنها‬ ‫مرحلة واحدة‪ ،‬ولم يأخذوا في اعتبارهم أن اللغة ظاهرة‬ ‫اجتماعية تتطور باستمرار‪ ،‬وأن لكل مرحلة خصائصها‬ ‫المتجددة‪ ،‬ما ترتب عليه هذه التركة المثقلة باألقيسة‬ ‫المضطربة والمتضاربة أحيانا‪ .‬والبحث ال��ذي يتخذ‬ ‫االستقراء منهجا له‪ ،‬ال بد أن يقر هذه الظواهر المتفردة‪،‬‬ ‫فتأخذ حظها في القياس دون أن توصف بالشذوذ‪ ،‬أو‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪79‬‬


‫تخضع للتأويل‪ ،‬وخاصة عند المدرسة البصرية(‪.)3‬‬ ‫ول��ذا‪ ،‬وجدنا بعض الباحثين يذهبون إل��ى أن هذه‬ ‫القواعد التي وضعها النحاة لم تصدر عن نظرة شاملة‬ ‫تحيط بكافة الحقائق الجزئية‪ ،‬فهذه القواعد وما تنتهي‬ ‫إل�ي��ه م��ن أح �ك��ام‪ ،‬ليست ش��دي��دة االل�ت�ص��اق بالظواهر‬ ‫اللغوية‪ ،‬ألنها ال تعكس هذه الظواهر‪ ،‬وال تطرد معها في‬ ‫كثير من األحيان‪ ،‬بل إنهما قد يختلفان(‪.)4‬‬ ‫ويعود هذا االختالف في جوهره ‪ -‬كما يرى د‪ .‬علي‬ ‫أبو المكارم ‪ -‬إلى أن االنتقال من الظاهرة إلى القاعدة‪،‬‬ ‫لم يتم بشكل علمي يراعي ع��دم االنتقال بالحكم من‬ ‫الكليات إلى الجزئيات‪ ،‬بل باالنتقال من الجزئيات إلى‬ ‫الكليات‪ ،‬مع مراعاة أن يتم هذا االنتقال بعد استقراء‬ ‫ال�ج��زئ�ي��ات كلها؛ أي بعد ن�ظ��رة شاملة تحيط بكافة‬ ‫الحقائق الجزئية‪ ،‬وتلم بخصائصها‪ ،‬وت��درك طبيعة‬ ‫العالقات التي تربط بعضها بعضاً‪ ،‬ون��وع القوى التي‬ ‫تشدها إلى سواها‪ .‬ولم يتم شيء من ذلك في كثير من‬ ‫جزئيات البحث النحوي‪ ،‬فإنه في كثير من األحيان‪ ،‬كان‬ ‫يتم فيه االنتقال من الظواهر الجزئية إلى األحكام الكلية‬ ‫دون استقراء الظواهر ذاتها‪ ،‬أو صياغة خصائصها قبل‬ ‫إصدار األحكام بشأنها من لدن النحاة(‪.)5‬‬ ‫كما ي��رى د‪ .‬عبدالرحمن أي��وب أن ما فعله النحاة‬ ‫بعد سيبويه‪ ،‬لم يتجاوز وصف الجزئيات المتناثرة‪ ،‬دون‬ ‫السعي إلى نظرة شاملة؛ فتراثنا النحوي يزدحم بطوفان‬ ‫من الجزئيات المتناثرة‪ ،‬وتقل فيه العناية باألسس العامة‬ ‫التي تدور في إطار الجزئيات؛ فالنحو العربي من وجهة‬ ‫نظره ‪ -‬شأنه في ذلك شأن ثقافتنا التقليدية في عمومها‬ ‫ يقوم على نوع من التفكير الجزئي(‪.)6‬‬‫وقد كان من نتائج هذا االستقراء الناقص‪ ،‬أن ظهرت‬ ‫ث �غ��رات وف �ج��وات ف��ي مناطق كثيرة م��ن مناطق وضع‬ ‫القواعد‪ ،‬وحد الحدود‪ ،‬وبناء األبواب‪ ،‬وصوغ الشروط‪،‬‬ ‫* أستاذ مساعد بقسم اللغة العربية‪-‬كلية التربية –جامعة الجوف‪.‬‬ ‫(‪ )1‬الخصائص البن جني ‪.276/3‬‬ ‫(‪ )2‬أصول النحو العربي ‪.105‬‬ ‫(‪ )3‬المصدر السابق ‪.106‬‬ ‫(‪ )4‬نظرية النحو العربي القديم ‪.168‬‬ ‫(‪ )5‬تقويم الفكر النحوي ‪.192‬‬

‫‪80‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫وم��ن ذل��ك م��ا ذك��ره د‪ .‬أنيس م��ن اض�ط��راب ال��رواة في‬ ‫تعريف المقصود بالعنعنة مثال‪ ،‬وكذا نسبتها إلى قوم‬ ‫بعينهم‪ ،‬حيث يقول‪ »:‬ومثل هذا االضطراب في الرواية‪،‬‬ ‫ليس له من سبب سوى أن استقراء ال��رواة ألمثلة هذه‬ ‫الظاهرة الصوتية كان ناقصا‪ ،‬وأن األمر في كل رواية‬ ‫ال يعدو أن يكون حكما خاصا مبنيا على مثال خاص‪،‬‬ ‫سمعه ال��راوي دون استقراء لباقي ال �ح��االت(‪ .)7‬ويقول‬ ‫في موضع آخر‪« :‬ولذلك يرجح أن يكون كثير من تلك‬ ‫الروايات الغريبة‪ ،‬التي رواها اللغويون القدماء عن صبي‬ ‫في البادية‪ ،‬أو امرأة في قبيلة من القبائل‪ ،‬أو التي لم‬ ‫يكن استقراؤهم لها استقراء كافيا‪ ،‬نرجح في كل هذا‪،‬‬ ‫أن ما سمعوه لم يكن إال من ذلك القياس الخاطئ»(‪.)8‬‬ ‫وفي حديثه عن ظاهر الكسكسة والكشكشة وتقييد‬ ‫القدماء لهما بكاف المؤنثة‪ .‬يقول د‪ .‬رمضان عبدالتواب‪:‬‬ ‫«أما تقييد القدماء ذلك بكاف المؤنثة‪ ،‬فهو مبنىٌّ فيما‬ ‫يظهر على استقراء ناقص‪ ،‬وعندما عثروا على مثال‬ ‫يعارض قواعدهم وهو «ال��دي��ش»‪ ...‬لجئوا في تفسيره‬ ‫إلى نظرية القياس‪ ،‬فقالوا‪ :‬شبه كاف الديك لكسرتها‬ ‫بكاف ضمير المؤنث(‪.)9‬‬ ‫ولهذا كله‪ ،‬فنحن نق ُّر بما دعا إليه د‪ .‬إبراهيم أنيس‪،‬‬ ‫وهو العودة إلى إع��ادة االستقراء م��رات وم��رات‪ ،‬وعدم‬ ‫االعتماد على أق��وال القدماء من علمائنا وحدهم‪ ،‬بل‬ ‫ال بد أن ندلي بدالئنا‪ ،‬ونعيد االستقراء بأنفسنا‪ ،‬وال‬ ‫يصرفنا عن هذا ما قاله أبو عمرو بن العالء‪« :‬ما انتهى‬ ‫إليكم مما قالته ال�ع��رب إال أق�ل��ه‪ ،‬ول��و ق��د ج��اءك��م كلُّه‬ ‫لجاءكم علم وأدب كثير(‪ )10‬أي أن الباب ال يزال مفتوحا‬ ‫إلعادة النظر في أقوال علمائنا القدامى‪ ،‬وبخاصة فيما‬ ‫اختلفوا حوله من قضايا لغوية‪.‬‬ ‫(‪ )6‬دراسات نقدية في النحو العربي ‪.43‬‬ ‫(‪ )7‬في اللهجات العربية ‪110‬‬ ‫(‪ )8‬من أسرار اللغة ‪.45‬‬ ‫(‪ )9‬فصول في فقه العربية ‪.147‬‬ ‫(‪ )10‬من أسرار اللغة ‪.30‬‬


‫«عبور إلى املاوراء»‬

‫«كل ترجمة تقوم على االختالف‪..‬حتى وإن بدت ترمي إلى حذفه وإلغائه» بالنشو‬

‫توطئة‬

‫> عبداحلق ميفراني*‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫الشعر اإلسباني املعاصر‪:‬‬

‫يؤكد موريس بالنشو(‪ )1‬أن النص المترجم «يضاهي مجهود اإلب��داع‪ ،‬ذلك اإلب��داع ال��ذي يسعى‬ ‫تشل بالنسبة‬ ‫انطالقا من اللغة المتداولة‪ ..‬إلى توليد لغة أخرى تحاكي األولى في المظهر‪ ،‬لكنها ّ‬ ‫لتلك اللغة غيابها‪ ،‬واختالفها الذي ما يفتأ يحقق وما يفتأ يختفي»(‪ .)2‬إن النص الشعري المقدم هنا‪،‬‬ ‫من جغرافية أدبية للجارة الشمالية‪ ،‬جزء من هذه المعادلة‪ ،‬لكنها معادلة محفوفة بدينامية التأويل‪،‬‬ ‫فهذا النص ينمو في لغة ثانية‪ ،‬ويولد عناصر تخييلية‪ ،‬وال يخفي فاعليته األدبية‪.‬‬ ‫لقد أسهمت اإلثنولوجيا باعترافها بجغرافيات‬ ‫ثقافية ظلت مهمشة ومنسية‪ ،‬في االنفتاح على‬ ‫ثقافات لها خصوصيتها‪ .‬ولقد أمكن للترجمة‬ ‫أن تجعل الحوار بين الثقافات فعال ممكنا‪ .‬وما‬ ‫النصوص المقدمة في المثن الشعري اإلسباني‬ ‫إال أرخبيال غنيا من ثقافة تنتمي لبعد متوسطي‬ ‫إيبيري‪.‬‬

‫إن «كل ترجمة تقوم على االختالف‪..‬حتى وإن‬ ‫بدت ترمي إلى حذفه وإلغائه»(‪ ،)3‬لكن النهوض‬ ‫بمهمة تقريب بين لغتين‪ ،‬هو جزء من مهمة أكبر‬ ‫ترمي إخفاء هذا االختالف‪ ،‬بفرض االنتباه إلى‬ ‫النص المترجم ككيان جديد‪ ،‬إنه رهان «معلمي‬ ‫الخفاء الثقافي» –بتعبير بالنشو‪ -‬وف��ي ق��درة‬ ‫المترجم على تخصيب النص المترجم (بفتح‬ ‫الجيم) واالبتعاد على تقنية العبور اآلل�ي��ة‪ ،‬قوة‬ ‫الترجمة‪ ،‬إذاً‪ ،‬بتعبير المفكر إدريس كثير حوار‬ ‫للنص وحياته‪ ،‬كلما ازدادات الترجمة تحررا‪ ،‬كلما هادئ بين الثقافات‪ ،‬من منظور أن الجرد المقدم‬ ‫استطاعت اللغتان‪ ،‬إرس��اء عالمات تالقحهما‪ ،‬هنا في انفتاحه على تجارب شعرية متعددة‪ ،‬في‬ ‫وخلق فتح جديد لمعنى آخر يتشكل في األفق‪.‬‬ ‫عدم تقيده وانتصاره لمدرسة شعرية دون غيرها‪..‬‬ ‫يشير المفكر إدريس كثير(‪ )4‬إلى أن الترجمة اس �ت �ط��اع أن ي �ق��دم ش�ك�لا راق �ي��ا لتفاعل منجز‬ ‫ف��ي تفسيرها ون�ق�ل�ه��ا للغة أخ� ��رى‪ ،‬خ�ي��ان��ة في النصوص الشعرية‪ ،‬مع تجربة تنفتح عليها في‬ ‫المنوال البليغ للقول اإليطالي الالتيني‪ ،‬إال أن جنوب المتوسط‪ ،‬هي التجربة الشعرية المغربية‪،‬‬ ‫هذا الفعل ليس إراديا وال واعيا‪ .‬إنما يعود األمر والممثلة ف��ي القصيدة المغربية الحديثة‪ .‬مع‬ ‫إلى عمل اللغة (واللغات)‪ ،‬فبنيات اللغات وتركيبها االعتراف في النهاية‪ ،‬أن فعل الترجمة يظل فعال‬ ‫مختلفة‪ ،‬ولكل لغة سلطتها (روالن ب ��ارت)‪ ،‬وال متحققا وبليغا ف��ي ق��درت��ه على االف�ص��اح «على‬ ‫االختالف» (بالنشو)‪ ،‬وال ينحو النص المترجم‬ ‫وعيها (ستراوس)‪ ،‬والمسكوت عنه (أركون)‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪81‬‬


‫حينها إل��ى ن��وع من «االستقامة»‪ ،‬بقدر ما يفعل‬ ‫شكال من الديمومة واالنفتاح على الحياة‪..‬‬

‫‪ -1‬الشاعر خايمي ألخاندريو الحائز على جائزة‬ ‫بسيال‪ ،‬عن دي��وان��ه ص��ورة ذاتية بعد الموت‬ ‫سنة ‪2000‬م‪ ،‬وقد أصدر ديوانين سنة ‪1998‬م‪،‬‬ ‫«األب�ط��ال الحتميون» و «الكلمات المهملة»‪،‬‬ ‫وك��ذا كتابه «متفرج على نفسه» الحائز على‬ ‫جائزة خورخي مانريكي سنة ‪1996‬م‪.‬‬

‫إن هذا المثن الشعري اإلسباني المقدم في‬ ‫سلسلة إص���دارات‪ ،‬ال يستطيع إال أن يحيا من‬ ‫جديد‪ ،‬حينها تضيق الجغرافية األدبية‪ ،‬كي تتحول‬ ‫لجغرافية مركبة مفتوحة على مطلق متخيلها‪ ،‬ومن‬ ‫خالل هذه السلسلة من اإلصدارات التي أشرف ‪ -2‬الشاعرة بالنكا أندريو‪ ،‬وهي أحد األصوات‬ ‫عليها اتحاد كتاب المغرب‪ ،‬نقرأ ح��وارا شعريا‬ ‫الشعرية المتميزة في الحقبة المعاصرة‪.‬‬ ‫يمكننا م��ن االط�ل�اع ع�ل��ى ال�ق�ص�ي��دة اإلسبانية ‪ -3‬ال �ش��اع��ر أدول �ف��و أل�ف��ون�س��و‪ ،‬أرص ال �م��زداد‬ ‫ال�ح��دي�ث��ة‪ ،‬عبر م �س��ارات تشكلها‪ .‬اإلص� ��دارات‬ ‫بأستوركا‪ ،‬المدينة التي أصبح عمدتها سنة‬ ‫المقدمة ص��درت بتعاون م��ع معهد سرفانتيس‬ ‫‪1956‬م‪ .‬ي�ع�م��ل أرص ك�ث�ي��را م��ن أج ��ل نشر‬ ‫وال�م�س�ت�ش��ارة ال�ث�ق��اف�ي��ة اإلس�ب��ان�ي��ة ف��ي ال��رب��اط‬ ‫الفنون التشكيلية‪ ،‬نظم الكثير من التظاهرات‬ ‫المغربية‪ ،‬وقد أشرف على هذه السلسلة المبدع‬ ‫التشكيلية في منطقة قشتالية ول�ي��ون‪ ،‬ومن‬ ‫والمترجم العربي الحارثي‪.‬‬ ‫بين أع�م��ال��ه‪« :‬ال�خ��ط النهائي» الحائز على‬ ‫جائزة رافائيل ألبريتي ‪1996‬م‪ ،‬و «الغثيان‬ ‫‪ .1‬أن���ط���ول���وج���ي���ا ال���ش���ع���ر اإلس���ب���ان���ي‬ ‫ال�م�ق��دس» ج��ائ��زة م�ع��رض الكتاب اإلسباني‬ ‫المعاصر‪:‬‬ ‫‪1996‬م‪ ،‬بتعاون مع الفنان التشكيلي ألفارود‬ ‫الشعر اإلسباني المعاصر(‪ )5‬دي��وان جماعي‪،‬‬ ‫يلغادو‪ ،‬نشر يوميات الشتاء ‪ .1998‬ثم «ظالل‬ ‫ضم مجموعة من الشعراء اإلسبان المعاصرين‪،‬‬ ‫فصل الشتاء» الذي حصل على جائزة إقليم‬ ‫وقد خطط ببداهة شعرية‪ ،‬وبترجمة تعي كينونة‬ ‫كواداالخرا ‪1998‬م‪.‬‬ ‫النص الشعري للجار الشمالي للمغرب‪ ،‬طاقم من‬

‫‪ -4‬الشاعر وال��روائ��ي دافييد كاستييو‪ ،‬ول��د في‬ ‫األساتذة يتكون من‪:‬‬ ‫برشلونة‪ ،‬المدينة التي أط��رت الفضاء العام‬ ‫توفيق لعلج‪ ،‬وعبدالمجيد بنغاللي‪ ،‬واسماعيل‬ ‫إلبداعاته وكتاباته‪.‬‬ ‫العثماني‪ ،‬وجالل الحكماوي‪ ،‬وعبدالرحيم حزال‬ ‫وال �ع��رب��ي ال �ح��ارث��ي م�س�ئ��وال ع��ن السلسلة التي ‪ -5‬الشاعر خوان أنطونيو كونزاليس فوينتيس‪،‬‬ ‫مدير شعبة اآلداب بجامعة كانتاربريا‪ ،‬صدرت‬ ‫ت��وال��ت إص��دارات �ه��ا‪ ،‬م��ن خ�لال م�ن�ش��ورات اتحاد‬ ‫له أربعة دواوين‪« :‬عن العبور وضياعه» ‪1991‬م‪،‬‬ ‫ك�ت��اب ال�م�غ��رب‪ ،‬وب��دع��م م��ن معهد سرفانتيس‪،‬‬ ‫و «الثقة األخيرة» ‪1993‬م‪ ،‬و «الغضب الغائب»‬ ‫والمستشارة الثقافية اإلسبانية في المغرب‪.‬‬ ‫‪1995‬م‪ ،‬إضافة إلى «النهاية» ‪1998‬م‪.‬‬ ‫كتاب الشعر اإلسباني المعاصر‪ ،‬أنطولوجيا‬ ‫تحاول أن تعطي القارئ رؤي��ة نسبية من الشعر‬ ‫اإلسباني المعاصر‪ ،‬كل الشعراء الممثلين فيها‪،‬‬ ‫ينتمون إلى الحركة الشعرية للعقد األخير‪ ،‬وهم‬ ‫على التوالي‪:‬‬

‫‪82‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫‪ -6‬الشاعر خافيير م��ارك��وس رودري�ك�ي��س‪ ،‬نشر‬ ‫ثالثة دواوين‪« :‬بينما يحترقان»‪ ،‬و «الغارقون»‪،‬‬ ‫و «نحن العزل»‪ .‬وشعره يعد األكثر خصوصية‬ ‫في إسبانيا العقود األخيرة‪.‬‬


‫«ت��وس �ل��ت ه ��ذه ال��دي �ن��ام �ي��ة ب�� ��أدوات إج��رائ �ي��ة‬ ‫ج��دي��دة‪ ،‬وخ�ص��ائ��ص لغوية ف��ري��دة‪ ،‬ت�ت��داخ��ل فيها‬ ‫اللغة بالموضوع والتصور‪ ،‬من ذلك استعمال اللغة‬ ‫المتداولة‪ ،‬واليومية‪ ،‬والشعور بالحميمية والفردانية‪،‬‬ ‫والحرص على تغيير النظام المرجعي‪ ،‬واالهتمام‬ ‫بالمأساة ألسباب وأحداث تاريخية‪ ..‬وهذا ما يفسر‬ ‫‪ -8‬الشاعر والمترجم خوسي رمون تروخيو‪ ،‬وهو إدخال الفكاهة كنمط‪ ،‬وكوسيلة للنقد الذاتي‪ ،‬من‬ ‫مختص في األدب المقارن‪ ،‬أنجز العديد من أجل أنسنة الشاعر واإلبداع الشعري»‪.‬‬ ‫الدراسان النقدية‪ ،‬نشر ثالثة دواوين شعرية‬ ‫كتاب الشعر اإلسباني المعاصر‪ ،‬الذي يقدمه‬ ‫«خ�م��س قصائد ف��ي ال�ق�ي��م» ‪ ،1995‬و «فن لنا المبدع والمترجم العربي الحارثي‪ ،‬كمسئول عن‬ ‫النسيان» ‪1997‬م‪ ،‬و «المملكة» ‪2001‬م‪.‬‬ ‫السلسلة‪ ،‬هو تقديم لتجربة غنية برؤاها‪ ،‬وبأساليب‬

‫جميع قصائد ه��ؤالء زينت دف��ة كتاب الشعر‬ ‫اإلسباني المعاصر‪ ،‬وال��ذي يعد ديوانا جماعيا‪.‬‬ ‫وق ��د ك��ان��ت للترجمة إل ��ى ال�ل�غ��ة ال�ع��رب�ي��ة إرادة‬ ‫المثاقفة المطلوبة‪ ،‬ون��اف��ذة مشرعة على ق��ارة‬ ‫شعرية‪ ،‬اح�ت��اج المشهد الشعري الجنوبي هنا‬ ‫إليها‪ ،‬ك��ي تتالقح ه��ذه النصوص المتوسطية‪،‬‬ ‫والتي تنتمي إلى اإلرث الحضاري ذاته‪ ،‬باختالف‬ ‫الخصوصية بطبيعة الحال‪ .‬ولعل الطاقم المشرف‬ ‫على الترجمة‪ ،‬والمعروف بحركيته المعهودة في‬ ‫هذا المجال‪ ،‬يعيد س��ؤال دينامية فعل الترجمة‬ ‫في المغرب والعالم العربي‪ ،‬خصوصا أن العقود‬ ‫األخيرة قد زكت هذا الحضور‪ ،‬بانفتاح أكثر على‬ ‫ق��ارات إبداعية مجهولة‪ ،‬نشير هنا إل��ى الشعر‬ ‫المقدوني نموذجا‪.‬‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫‪ -7‬الشاعر باسيليو رودري�ك�ي��س ك��ان�ي��ادا‪ ،‬نشر‬ ‫إضافة إلى مجموعة من الدواوين «المراهقات»‬ ‫‪1986‬م‪ ،‬و «م��دي �ن��ة ال �خ��ال��دات» ‪1996‬م‪ ،‬و‬ ‫«روافد الذاكرة» ‪1997‬م‪ ،‬و«أنطولوجيا الشعر‬ ‫اإلسباني المعاصر» أطلق عليها اسم الشعر‬ ‫األخير‪ ،‬وفي سنة ‪1999‬م‪ ،‬أنجز كتابا نقديا‬ ‫حلل فيه وض��ع الشعر اإلس�ب��ان��ي المعاصر‪،‬‬ ‫ويعد من أضخم األنطولوجيات المنجزة‪ ،‬ألنه‬ ‫يضم بين دفتيه جميع التيارات واالتجاهات‬ ‫الشعرية المعاصرة‪.‬‬

‫م��ن ح�ي��اة وت��اري��خ أس��اس��ي ف��ي الشعر اإلسباني‬ ‫ال�م�ع��اص��ر‪ .‬وللحديث ع��ن م�لام��ح ه��ذه العوالم‬ ‫الشعرية‪ ،‬يشير تقديم الكتاب في قراءته لهذه‬ ‫الدينامية‪:‬‬

‫اشتغالها‪ ،‬وإذا كانت القصائد المترجمة إلى اللغة‬ ‫العربية يميزها حس االختالف اإلبداعي‪ ،‬بحكم‬ ‫أن كل تجربة شعرية فيها هي قائمة بذاتها‪ ،‬إال‬ ‫أن تقاطع الخصائص والمكونات‪ ،‬المشكلة لهذا‬ ‫المتن المصغر‪ ،‬تثير لما اعتبرته األنطولوجية‬ ‫نفسها‪ ،‬حركة صداقة تكتب بحس حميمي‪.‬‬

‫قصيدة أجنحة للشاعرة بالنكا أندريو‬ ‫أجنحة سفينتي‬ ‫كانت تبدو‬ ‫أجنحة مالك من خشب‬ ‫ينحني ليشرب المحيطات‬ ‫ثمل بنبيذ أزرق‬ ‫وسموات مبللة ‪/‬ص‪.26‬‬

‫قصائد كتاب الشعر اإلسباني المعاصر‪ ،‬هي ‪ .2‬منتخبات شعرية ألندريس سانشيس‬ ‫نافذة ارتكاز إلع��ادة تمثل هذا المشهد الشعري روبانيا‬ ‫الغني‪ ،‬ومحطة أساسية لقراءة دينامية شعرية‪،‬‬

‫ديوان «فوق أقصى صخرة»(‪ )6‬للشاعر اإلسباني‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪83‬‬


‫أن ��دري ��س س��ان �ش �ي��س روب ��ان� �ي ��ا‪ ،‬وال � ��ذي ت��رج�م��ه تفتح األعين على عمق وأصالة هذه التجربة‪.‬‬ ‫إل��ى العربية ك��ل م��ن العربي ال�ح��ارث��ي واألس�ت��اذ‬ ‫قصــــائد الشاعر روبانيا تحفل بالصور‪ ،‬إذ‬ ‫عبدالمجيد بنجاللي‪ ،‬يضم تسع قصائد‪:‬‬ ‫ي��درك الشاعر أن ال مهنة له إال االحتفاء بمادة‬ ‫‪ - 1‬الغيوم‪.‬‬ ‫‪ - 2‬ما وراء األشجار‪.‬‬ ‫‪ - 3‬رغبة الصيف‪.‬‬ ‫‪ - 4‬مرثية‪.‬‬ ‫‪ - 5‬االمتثال البركان‪.‬‬ ‫‪ - 6‬هنا واآلن في نفس اللحظة‪.‬‬ ‫‪ - 7‬مساء الصيف‪.‬‬ ‫‪ - 8‬شجرة التين‪.‬‬ ‫‪ - 9‬فوق أقصى صخرة‪.‬‬

‫الكون‪ ،‬وبكثافة العالم‪ ،‬ومن ثمة احترف ‪ -‬كما‬ ‫يؤكد الشاعر حسن نجمي‪ -‬الوشاية بالموجودات‪..‬‬ ‫بالمرئي والالمرئي‪..‬‬

‫على ال��رغ��م م��ن ك��ون الشاعر يحتفي شعريا‬ ‫بقيمة الجهل‪ ،‬حيث كل المعرفة ليست إال عتبة‬ ‫لجهل آخ��ر‪ ،‬الجهل الخالق ال��ذي ال يجهز على‬ ‫دهشة الشعر والشعراء‪:‬‬ ‫الكتابة ربما شهادة‬ ‫للمرئي السائر حتى نهايته‬ ‫حتى الموت‪ ،‬كل‬ ‫خدش الحجر‪ ،‬كل اسم‬ ‫كل حرف‪ ،‬شهادة العوالم‪/ ..‬ص ‪.66‬‬

‫وتعد تجربة نقل متن شعري من لغة إلى أخرى‬ ‫ كما يؤكد المترجمان ‪ -‬أمرا بالغ الصعوبة‪ ،‬إذا‬‫افترضنا أن هذا المتن الشعري بسيط وواضح‬ ‫ال �م �ع��ال��م‪ ،‬ف�ك�ي��ف ب �ن��ص ي�ت�ش�ك��ل م��ن ت�ض��اري��س‬ ‫هكذا يبدو العالم الشعري لروبانيا‪ ،‬إذ تبدو‬ ‫وع��رة‪ ،‬وم��ن خيال ملتو‪ ،‬وم��ن ص��ور مركبة‪ ،‬ولغة‬ ‫القصيدة حفراً أنطولوجياً مسكونا بالديمومة‪،‬‬ ‫متحجرة؟‬ ‫وأبعد من ذلك‪ ،‬يرتبط الشاعر روبانيا وقصائده‬ ‫أمام هذه الصعوبات يعترف العربي الحارثي‪ ،‬بالطبيعة في جل تجلياتها‪ ،‬حتى تبدو النصوص‬ ‫وعبدالمجيد بنغاللي‪ ،‬بحفاظهما على روح المعنى‪ ،‬صدى لهذا السكن الترابي‪ ،‬لكن في جميع حاالته‪،‬‬ ‫والبحث في دالالت ال�م�ف��ردات‪ ،‬وانتقاء أكثرها وثمة تفاعل بين الجسد والمكان في حفل وقداس‬ ‫استجابة للسياق الجزئي والكلي‪ ،‬مع الحفاظ على غير مسمى‪ ،‬إذ ال يفصل الشاعر المسافات‪ ،‬وال‬ ‫خصائص اللغة العربية‪ ،‬مبنىً ومعنىً ‪ ،‬إن األمانة ينحت في تفاصيل األشجار والحجر واألرض‪ ،‬إال‬ ‫العلمية فرضت أن يبقى المترجمان وفيين للنص ص��دى م��ا ه��و م��وش��وم ف��ي الجسد‪ ..‬لذلك بدت‬ ‫األصلي‪ ،‬مهما كان متحجرا ومشكال في لغته‪.‬‬ ‫تركيبة تجربة الشاعر روبانيا أشد غموضا في‬ ‫ديوان «فوق أقصى صخرة» للشاعر اإلسباني فعلها الحفري‪ ،‬وفي خرقها الذي يسكن القصيدة‪،‬‬ ‫روبانيا‪ ،‬شعر في خيال عميق‪ ،‬ولغة تضرب في وفي لعبة المرئي والالمرئي‪ ،‬يتناوب هذا الطيران‬ ‫أعماق الرمز واإلش��ارة واإليحاء‪ .‬ومن المؤكد ‪ -‬المنحوت أساسا فوق مساءات هذا السكن الذي‬ ‫كما يشير الشاعر حسن نجمي ‪ -‬أن ما توفره يخطه الشاعر‪ ،‬كخدش متناه في عالم ال متناهٍ ‪،‬‬ ‫لنا هذه المختارات إلى اللغة العربية‪ ،‬من شعر لكنه ناطق كما األوراق‪ ،‬واللغة هنا‪ ،‬لغة جسد‬ ‫اإلسباني أندريس سانشيس روبانيا‪ ،‬لن يوصلنا الكون ألنها تتفاعل مع رؤاها الالمتناهية‪.‬‬ ‫إلى رحابة وامتداد تجربة شعرية أساسية‪ ،‬لكنها‬ ‫عموما يشكل دي��وان الشاعر روبانيا إضافة‬

‫‪84‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫‪ . 3‬قصائد خوسي رمون تروخيو أو‬ ‫قصائد الماوراء‬

‫دي��وان «المملكة»(‪ )7‬يتابع م��ن خالله الكاتب‬ ‫والمترجم المغربي محمد الحارثي‪ ،‬ومعه العديد‬ ‫من األسماء المغربية‪ ،‬رهانهم الجماعي في ترجمة‬ ‫نصوص من الجسد الشعري اإلسباني‪ ،‬وإذا كان‬ ‫ال�م�ع��رض األخ�ي��ر (‪2006‬م) للكتاب ال��ذي نظم‬ ‫بمدينة الدارالبيضاء‪ ،‬قد توج الثقافة اإلسبانية‬ ‫مدينة ال�ق�ل��ب‪ ،‬ال�ط��ري��ق‪ ،‬ال �س��راب‪ ،‬الصعود‪.‬‬ ‫من خالل حمل شعار المعرض‪ ،‬ومحور العديد من‬ ‫ه��ي أرب �ع��ة مفاصل شعرية اح �ت��وت على أربعة‬ ‫الندوات‪ ،‬فقد كان مناسبة أيضا لتقديم العديد‬ ‫عشر مقطعا شعريا قصيرا‪ ،‬منها‪ :‬الساعات هنا‬ ‫من الترجمات‪ ،‬لنصوص إبداعية إسبانية‪.‬‬ ‫ك��األم��واج‪ ،‬خ�لال العشاء‪ ،‬أحيانا‪ ،‬ب��دون أن يفوه‬ ‫دي ��وان المملكة ‪ El reino‬للشاعر اإلسباني‬ ‫بكلمة‪ ،‬كآثار الذئب الحمراء ف��وق الثلج‪ ،‬كانت‬ ‫خوسي رم��ون تروخيو ‪،Jos ramon TRUJILLO‬‬ ‫هناك نائمة‪ ،‬في األشياء الصغيرة‪ ،‬مر اليوم كله‬ ‫خطوة في إطار صيرورة التعريف بهذا المشهد‬ ‫في التأمل‪ ،‬بينما الظل ال يزال‪ ،‬وراء الجدران‪...‬‬ ‫الغني‪ .‬الديوان صدر عن منشورات اتحاد كتاب‬ ‫في قصيدة الساعات هنا كاألمواج نقرأ‪:‬‬ ‫ال �م �غ��رب‪ ،‬وب��دع��م م��ن معهد س��رف��ان�ت�ي��س‪ ،‬وق��ام‬ ‫تنخر خفية الصخر‬ ‫ب�ت��رج�م��ة ق �ص��ائ��ده ال �م �ب��دع وال �م �ت��رج��م ال�ع��رب��ي‬ ‫تفسد السقف الخشبي‪ ،‬وتلعق‬ ‫الحارثي‪ ،‬والقاصة والمترجمة رجاء الطالبي‪ ،‬وقد‬ ‫رخامها‪ ،‬تفك أصابعها‬ ‫صدر عن مطبعة الكرامة في ‪ 72‬صفحة‪.‬‬ ‫الظالمية الحرير‪ ،‬والتخاريم ‪/‬ص ‪.8‬‬ ‫ولد الشاعر المدريدي تروخيو سنة ‪1966‬م‪،‬‬ ‫يقدم الشاعر تروخيو تجربة شعرية تحاور‬ ‫وإض��اف��ة إل��ى كتابته للشعر يقوم بالتدريس في‬ ‫األشياء من خالل التقاط دقيق لتفاصيل الالمرئي‪،‬‬ ‫الجامعة والترجمة‪ ،‬نشرت له من األعمال‪:‬‬ ‫وهو هنا يقدم توليفا سحريا لقدرة اللغة الشعرية‬ ‫ خمس قصائد أخالقية‪ ،‬مدريد ‪1995‬م‪.‬‬‫على السفر في وشائج المعنى‪ ،‬بسيالن تركيبي‬ ‫ فن النسيان ‪1997‬م‪.‬‬‫يتوزع فسيفساء القصائد بعناية فائقة‪ ،‬ال تخلق‬ ‫ المملكة ‪2001‬م‪.‬‬‫مفارقاتها إال من خالل استعارة الرؤية‪:‬‬ ‫وسط شساعة البحر‪ ،‬فهمت آنذاك‬ ‫ف ��ي ت�ق��دي�م�ه�م��ا ل ��دي ��وان ال �م �م �ل �ك��ة ل�ل�ش��اع��ر‬ ‫أن الشفافية وليس الوضوح هي التي تقرب‬ ‫اإلس �ب��ان��ي ت��روخ �ي��و‪ ،‬ي��ؤك��د ال�م�ت��رج�م��ان العربي‬ ‫الحارثي مسئوال عن السلسلة‪ ،‬ورج��اء الطالبي‪،‬‬ ‫الى قلوبنا وجيب األشياء ‪/‬ص ‪.18‬‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫نوعية ل�ه��دا األف��ق ال�ش�ع��ري‪ ،‬ال��ذي ينفتح أم��ام‬ ‫قراءات‪ ،‬لعلها هي أيضا تتجه إلى أفق القصيدة‬ ‫الكوني‪.‬‬

‫أن قصائد تروخيو تجسد تأمال ما ورائيا‪ ،‬يدور‬ ‫حول مفهوم الزمان‪ ،‬ألنها تتضمن فكرة الوجود‬ ‫والعدم‪ ،‬الثبات والحركة‪ ،‬الحضور والغياب‪ ،‬الروح‬ ‫والجسد‪ ،‬تحتفي قصائده بقيمة السفر والترحال‪.‬‬ ‫إن ال�ش��اع��ر ت��روخ�ي��و م��ول��ع بالسفر‪ ،‬فحتى في‬ ‫اإلقامة هنالك ممارسة للسفر إلى قلب الذات‪،‬‬ ‫واألع �م��اق‪ ،‬ورك ��وب مغامرة البحث ع��ن المعنى‬ ‫المنفلت والمحجوب وراء قشرة الوجود المموهة‪.‬‬ ‫إن الحس الفجائعي ال��ذي تعبر عنه القصائد‪،‬‬ ‫يعبر عن عبور آخر أكثر رمزية‪ ،‬عبور نحو اللغة‪،‬‬ ‫في كشوفاتها التي تتجاوز الصدفة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪85‬‬


‫وألن للقصيدة عوالمها الشاسعة‪ ،‬وألن للكتابة‬ ‫خرقا مموها دائما‪ ،‬تخلق عبره عالمها‪ ،‬فالشاعر‬ ‫تروخيو يمأسس لحظته الشعرية الشفافة‪ ،‬عبر‬ ‫عبوره الدائم التأملي في الماوراء‪ .‬هذا األخير‬ ‫يعتبره نص تروخيو سكنه ال��روح��ي والمجازي‪،‬‬ ‫وهو سكن مسكون بقلق اعتباري مزدوج‪:‬‬ ‫والقلق غافيا بالرغم من أن عطشه ال يري‪ /‬ص‪22‬‬

‫ولعلها لحظة رم��زي��ة يؤكد م��ن خاللها الشاعر‬ ‫ت��روخ�ي��و م��ا س�ب��ق أن أش ��ار ل��ه ال�م�ت��رج�م��ان في‬ ‫تقديمها‪ .‬فحالة السفر تتحول هنا إلى ما نسميه‬ ‫باستغوار دالل��ي‪ ،‬يعبر من خالله الشاعر لهذا‬ ‫الوضوح الغامض ص ‪ ،36‬الذي يعتم كل شيء لكن‬ ‫في النهاية‪:‬‬ ‫يجلس الشاعر على حافة الطريق‬ ‫وقد هجره سفره‬ ‫يصدح صوته البرونزي الجميل مرنا‬ ‫كطنين جرس فارغ‪ /‬ص‪.34‬‬

‫شاعر وناقد من المغرب‪.‬‬ ‫موريس بالنشو «أسئلة الكتابة»‪ ،‬ت‪/‬نعيمة بنعبدالعالي‬ ‫وعبدالسالم بنعيدالعالي‪ ،‬دار توبقال للنشر‪-‬المغرب‪-‬‬ ‫ط‪.2004/1‬‬ ‫المرجع نفسه‪ ،‬ص‪.80‬‬ ‫المرجع نفسه‪ ،‬ص‪.85‬‬ ‫ملحق فكر وإبداع عدد ‪ /8819‬ورقة المفكر إدريس‬ ‫كثير ألقيت في ن��دوة ح��وار الثقافات المنظمة في‬ ‫مدينة الحاجب‪.‬‬

‫(‪« ) 5‬الشعر اإلسباني المعاصر» ترجمة العربي الحارثي‪،‬‬ ‫منشورات اتحاد كتاب المغرب‪ ،‬ط‪.2002/1‬‬ ‫(‪« )6‬ف��وق أق�ص��ى ص�خ��رة» أن��دري��س سانشيس روبانيا‪،‬‬ ‫ترجمة ال�ع��رب��ي ال�ح��ارث��ي وعبدالمجيد الجياللي‪،‬‬ ‫منشورات اتحاد كتاب المغرب‪ ،‬ط‪.2002/1‬‬ ‫(‪« )7‬المملكة» خ��وس��ي رم��ون ت��روخ�ي��و‪ ،‬ترجمة العربي‬ ‫ال�ح��ارث��ي ورج ��اء ال�ط��ال�ب��ي‪ ،‬م�ن�ش��ورات ات �ح��اد كتاب‬ ‫المغرب‪ ،‬ط‪.2004/1‬‬

‫قلق يحمل رؤاه ت�ج��اه ام�ت�لاك لحظة القول‬ ‫الشعري‪ ،‬أم��ام أشياء ال تتشبه إال بالالمعقول‪،‬‬ ‫خصوصا أن امتالك الشاعر للحظته‪ ،‬هو امتالك‬ ‫لشفافية تتلكأ ع��ن ال��وض��وح‪ .‬وه��و قلق المعنى‬ ‫ديوان المملكة للشاعر اإلسباني خوسي رمون‬ ‫الذي تجوبه القصائد طوال وعرضا‪ ،‬حيث عالم‬ ‫تروخيو تجسيد للسير تجاه العدم‪ ،‬في سفر ال‬ ‫الالمعنى والالمعقول‪ ،‬أمام الشاعر كريات صغيرة‬ ‫نهائي لهذا الماوراء‪ ،‬حيث ال ثبات‪ ،‬حيث الغياب‬ ‫تمتد بين‪:‬‬ ‫حضور في الغياب‪ ،‬وقد أمكن لهذا العبور للنص‬ ‫بين نوفمبر وفصل الشتاء‬ ‫المترجم أن يتحقق وف��ق ت��داول شعري خ�لاق‪.‬‬ ‫يمتد فصل‬ ‫خصوصا عندما يكشف المترجم ‪-‬وهو المشتغل‬ ‫يسمى الخيبة ‪/‬ص‪.30‬‬ ‫أس��اس��ا ع�ل��ى ن�ص��ه ال �ش �ع��ري‪ -‬ع�ل��ى ن�ي��ة ال�ح��وار‬ ‫فصل الخيبة هي الزمن والصدأ الذي تحلق‬ ‫المجازي الداخلي للنصوص‪ ،‬من خالل أوليات‬ ‫كريتهما الصغيرة‪ ،‬وتسقط م�ط��را حين يشعر‬ ‫فعل الترجمة‪.‬‬ ‫بالعطش ص‪ ،32‬وحين يشعر المطر بالعطش‪،‬‬ ‫وق ��د أت�ح�ف�ت�ن��ا ال�ت��رج�م��ة ف��ي ال��وص��ول لهذه‬ ‫يذهلنا الشاعر بهذه الثنائية التي يخلق تفاصيلها‪،‬‬ ‫ويزيد من سبر أغوار القصيدة بحثا في المعقوله‪ ،‬ال��وس��ائ��ط م�م��ا يعيد ال�ت��أك�ي��د ع�ل��ى خصوصية‬ ‫إذ حينما يشعر الشاعر بالعطش تسقط القصيدة‪ ،‬االشتغال المعرفي ف��ي عبورنا نحن تجاه هذه‬ ‫وفي حاالت السقوط هاته‪ ،‬مرآوية لحالة العطش‪ ،‬القارات الشعرية‪ ،‬وكم نحتاج لعبورنا وعبور اآلخر‬ ‫حيث اللغة تمارس طقس االستنبات والتحول‪ ،‬فينا‪.‬‬ ‫ *‬

‫(‪ )1‬‬

‫(‪) 2‬‬ ‫(‪ )3‬‬ ‫(‪ )4‬‬

‫‪86‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫مليعة‪ ‬عباس عمارة‪:‬‬ ‫غر بة واغتراب‬

‫> دجلة احمد السماوي*‬

‫هل اآلخر هو جحيم‪ ‬األنا‪  ‬أم فردوسها ؟ (سارتر)‬ ‫لميعة عباس ع �م��ارة‪ ،‬ظ��اه��رة أدب�ي��ة متميزة ف��ي أدب�ن��ا ‪ ‬العربي‪ .‬هي التي رأت‪.. ‬‬ ‫فمزجت ال �ت��اري��خ ال �ع��ام ب��ال�ت��اري��خ ال �خ��اص‪ ،‬س��اع��ة ح��مَّ �ل��تْ أش�ع��اره��ا إح �س��اس الحب‬ ‫الخارق الشفاف والالذع معاً! هي الشاعرة الشرقية التي رأت‪ ..‬فباتت ‪ ‬المتوحدة‪ ‬مع‬ ‫الطبيعة‪ ..‬حين ‪ ‬خلطت ‪ ‬العشق بالرغيف والوطن! ما الذي رأته هذه العراقية‪ ،‬فيكون‬ ‫طائرها ‪ ‬المسجون المتفرد‪  ،‬ضمن دوامة ‪ ‬العتمة التي تترقب الفتاة المبدعة‪  ،‬لكي‬ ‫تزدر أحالمها! هل لزمان ميالد لميعة في العام ‪1929‬م‪ ،‬صلة بكينونتها التي علمتها‬ ‫الرؤية ؟! فتقول‪:‬‬ ‫عاد الربيع‬

‫‪ ‬متش ــوق لطرائف جدد‬

‫وأنت لم تعد‬

‫فلكَم سهرنا والحديث ند‬

‫يا حرقة تقتات من كبدي‬

‫وعلى ذراعك كم غفا ولدي؟‬

‫عاد الربيع فألف وا أسفي‬

‫وتهب أمي شبه غاضبة‬

‫أال تحس به‪ .. ‬إلى األبد‬

‫برد الهواء‪ ,‬فاكملوا بغد‬

‫أنساك! كيف ؟ وألف تذكرة‬

‫تخشى عليك وكلها وله‬

‫في بيتنا تترى على خلد‬

‫أن تستمر وأن تقول زد‬

‫هذا مكانــك ف ـ ـ ــي حديقتنا‬

‫وهنا مكانك حين يجمعنا‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪87‬‬


‫وقت الطعام ويداك قرب يدي‬ ‫وهنا كتابك في هوامشه‬ ‫رأي وتعليل لمنتقد‬ ‫ورسائل وردت وأعوزها‬ ‫رد عليها بعد لم يرد‬ ‫يا وجهه الريان من أمل‬ ‫كيف احتملت تجهم اللحد‬

‫السردي للقصيدة القصصية‪ ،‬من حيث أن البنية‬ ‫االستهاللية لإلحساس وشركته بالربيع‪ ‬أال تحس‬ ‫ب��ه‪...‬إل��ى األب��د! واشتغال النص الشعري على‬ ‫الحواس مع إقترانه بالزمان‪ .‬والربيع والحب بما‬ ‫ينسحب على عودة‪  ‬الربيع بمباهجه الطبيعية‪،‬‬ ‫وتوهجه‪ ،‬وانتظاره في الشعور والالشعور‪ ،‬وأنت‬ ‫ل��م ت�ع��د! وال�ح�ض��ور وال�غ�ي��اب ي��رم��ز إل��ى تقنية‬

‫يشكل ع �ن��وان ال�ق�ص�ي��دة ل�ل�ش��اع��رة مغامرة‬ ‫اغترابية دامية! حتى كأن العنوان كينونة ال تقل التصاق الربيع بالحب والتوتر الزمني‪ ، ‬زد على‬ ‫أهمية ‪ ‬عن كينونة القصيدة! «عاد الربيع»‪ ،‬تتألف ذلك أن التراصف االستفهامي يحيل إلى رغبة‬ ‫من أربعة وعشرين بيتا ضمن موسيقى ‪ ‬البحر الحوار الذاتي‪(  ‬األنا)‪ ،‬وإثارة التساؤالت‪( ،‬أنساك‬ ‫الكامل‪ ،‬ولم تكتنز القصيدة بالغموض والمباشرة كيف)‪ ،‬إذ يتنامى التوتر السردي باستدعاء‪  ‬تقنية‬ ‫كما ه��و التوقع! فاتخذت ‪ ‬الصورة التشبيهية االسقاط الفني‪ ،‬فتكون ‪ ‬الجملة الرامزة‪  ‬معادلة‬ ‫للربيع‪(  ‬مستعار منه) والمستعار له‪ ،‬ألنه تأنسن‬ ‫لرحلة حياة كاملة‪ ،‬وإضاءة باهرة‪ ،‬تسقط عليها‬ ‫ك��أداة فنية ترميزية تسقط عليها إحساسات‬ ‫(األنا) الساردة إحساساتها مرمدة إزاء الذكرى‪،‬‬ ‫الذات األنثوية‪ ،‬وحاجتها األزلية إلى اآلخر‪.‬‬ ‫فتكون (‪  ‬البيت – الحديقة – السهر – الرسائل‬ ‫ويستثمر المتن الشعري ذاكرة الربيع‪ ،‬لتكون‬ ‫– إغ�ف��اءة ال��ول��د – وق��ت الطعام ‪ -‬ي��داك قرب‬ ‫مرجعيتها المترعة‪  ‬بطقوس الخصب والنماء‬ ‫بؤرة مشفرة تتأرجح بين أقصى الغبطة والنشوة‪ ،‬يدي – الكتاب – الهوامش – الرسائل – لم يرد‬ ‫ف��ي ات�ج��اه�ي��ن أح��ده�م��ا االس �ق��اط وان��زي��اح��ات��ه ‪ -‬اللحد)‪.‬‬ ‫المتوالية على الفعل (ع ��اد)‪ ، ‬م��ع أداة الجزم‬ ‫هذه المناخات المتخمة بالمحموالت اللفظية‪،‬‬ ‫والفعل المضارع ‪( ‬لم تعد)‪ ،‬تعكس حركة العاشق‬ ‫وجملة الذكريات ضمن حركة دائرية تتبلور في‬ ‫تجاه‪(  ‬أناه)‪  ‬المعشوقة‪  ‬إزاء ان�ف�لات الزمن‪،‬‬ ‫إحساس الشاعرة المرهف‪ ،‬تعكس احتراقات‬ ‫األي ��ام وحركتها المتراخية ص��وب أف��ق مثخن‬ ‫(األنا) المسكونة بالتغيير‪ ،‬والتوق إلى االنعتاق من‬ ‫بصور من الماضي الذي يحمل في طياته الحب‬ ‫دوامة االنتظار‪ ،‬واستمرارية الحياة بكل عنفوانها‬ ‫والحلم‪ ،‬لكنه أصبح سرابا ال وجود له‪.‬‬ ‫وشجونها! لتكون خالصة الفعل الشعري لهذه‬ ‫وال �م �ف �ص��ل ال �ث��ان��ي م �خ �ي��ال ال �ت �ل �ق��ي ص��وب‬ ‫اآلخ���ر‪ ،‬ي�ن��أى ع��ن ال�ح�ي��رة وال �خ��وف واش �ت��راك القصيدة البانوراما هي أن االغتراب هو الباب‬ ‫اإلحساس والمشاعر‪ ،‬بما يعكس حرقة الكبد األوسع للغربة‪ ،‬باعتداد االغتراب حالة روحية‪،‬‬ ‫واألس��ى المعنون عن الفراق‪ .‬ومالمح الخطاب والغربة حالة مادية‪.‬‬ ‫* كاتبة عربية في أمريكا‪.‬‬

‫‪88‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫في نصوص هدى الدغفق‬

‫> محمد الفوز*‬

‫‪-1‬‬‫على افتراض أن األنثى أكثر حساسية باللغة‪،‬‬ ‫بمفهومها االيكولوجي ال��ذي ينحاز للطبيعةِ‬ ‫كأثر نفسي وبنائي‪ .‬تتواطأ هدى الدغفق مع‬ ‫ٍ‬ ‫مفرداتها المتوترة غالبا‪ ،‬حتى تُسوِّغ لذاتها أن‬ ‫مقموعة من حولها؛ فال يمكن‬ ‫ٍ‬ ‫حرية‬ ‫ٍ‬ ‫تتمرد على‬ ‫أن تتنصل عنها بوصفها قالبا أنثويا متمرحال‬ ‫في غائيته من منطلق النزعة االيغوسنترية التي‬ ‫تعني االستقطاب حول الذات‪ .‬ومهما انفرطت‬ ‫عُقدة المصير النسوي‪ ،‬إال أن تجليات النص‬ ‫وباختزال‬ ‫ٍ‬ ‫تستقطب كل المفارق والتناقضات؛‬ ‫بسيط لنصوص – هدى‪ -‬ندرك أننا أمام نص‬ ‫يتشظى على الهامش‪ ،‬بحسب الرؤية الفرويدية‬ ‫التي تستقصي أبعاد النص ثم تعيد تحليله بعد‬ ‫كشف لمدى حساسيته‪ ،‬ففي نصها (خيـــــال‬ ‫يجف) تقول‪:‬‬ ‫«أنتقي ظلي‬ ‫فيجهل‬ ‫أنني من لحمهِ »‬ ‫وفي نص (فجـأة) تقول‪:‬‬ ‫مهل‬ ‫«على ٍ‬ ‫تهشمت ظلمتُ ها بأحجار الشمس‪».....‬‬ ‫ْ‬ ‫أما في نص (دائـرة) فتقول‪:‬‬ ‫«وردة قاسمتها خوفي‬ ‫ألوانُها‪...‬‬ ‫اختلطت عليّ »‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫ُ‬ ‫م الشعري‬ ‫تفيض‬ ‫حساسي ٌة أرستقراطية‬ ‫َ‬ ‫باله ِّ‬

‫بهذا التمرين الرومانسي على حلم وشيك‪،‬‬ ‫تبدو أرستقراطية اللغة وعذوبتها المنسابة‬ ‫�ات دون أخ��رى م��ن النص ذات��ه‪ .‬ففي‬ ‫ف��ي ج�ه� ٍ‬ ‫األمثلة األولى نماذج شعرية تكاد تلع ُن جرسها‬ ‫الموسيقي‪ ،‬وتتحرر بأفق ٍ نثري تسرده ثيمة ٌ‬ ‫معرفية غير متواصلة في ظاهر النص‪ ،‬ولكنها‬ ‫آخذ في استمراريته للحيلولة دون‬ ‫تهمس بوعي ٍ‬ ‫إرب��اك المتلقي بحسب نظرية ه��ارول��د بلوم؛‬ ‫فالشعر ح��ال��ة واس�ت�ل�ه��ام‪ ،‬وال ب��أس بفواص َل‬ ‫جمالية تزركش هيكل القصيدة النثرية التي تقبل‬ ‫الجنوسة والتالقح مع أجناس إبداعية أخرى‪،‬‬ ‫إذا كانت تُضيف للنص وعيا دالليــــا يتسع لدى‬ ‫المتلقي المغروس في قلب الحدث الشعري‪،‬‬ ‫مهما استُنْزِ فَتْ نثريته‪ ،‬إذا كانت الصورة نهرية‪،‬‬ ‫والمخيال اللغوي أس القيمة البنيوية للقصيدة‪.‬‬ ‫وهذا المعيار اإلبداعي يبدو بمعاودة النصوص‬ ‫السابقة‪ ،‬وفحص مقاطع أخرى لتتبعها‪ ،‬وأد ُّل‬ ‫ذلك قصيدة (خيال يجف) لـــو أعدنا قراءتها‬ ‫وتفكيكها على انفراد‪ ،‬حيث تقول‪:‬‬ ‫«العيد يخرج للشوارع‬ ‫أدخل البيت الخلي‬ ‫أول األعياد بعد‬ ‫أشرب األزهار‪ /‬ترفضني‪..‬‬ ‫أنتقي ظلي‬ ‫فيجهل‬ ‫أنني من لحمه‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪89‬‬


‫وغزال أحالمي تواتر‬ ‫لالختالف حوله‪ ،‬لذلك اتخذته عتبة ماثلة لقراءة‬ ‫في التراجع‬ ‫نص (الجذر)‪:‬‬ ‫حيث الااا‬ ‫«ال تعتزل أعمارك األخرى‬ ‫للشوارع‪..‬‬ ‫ستمنحهم جدائل يصعدون بها إليك‬ ‫أدخل‬ ‫يجاوزونك‪..‬‬ ‫للبيت الخليِّ‬ ‫هيتَ لك‬ ‫أعووود»‬ ‫ال ترتكب فرح البداية‬ ‫قاوم األطفال فيك»‬ ‫مستويات‬ ‫ِ‬ ‫ككتلة‪ ..‬سنالحظ‬ ‫ٍ‬ ‫إذا تناولنا النص‬ ‫ال �ق��و ِة والتباعد ف��ي المعنى ودالالت� ��هِ ‪ ،‬وإ ْن ق � ًَّل‬ ‫إذا ات �ج �ه �ن��ا إل� ��ى غ��ائ �ي��ة ال �ش �ع��ر ب� �م ��داركَ‬ ‫حشو الكلمات باعتبار قِ صر النص‪ ،‬فإن زوائد‬ ‫أفالطونية‪ ..‬سنخلص إلى تجريد اللغة من فتونها‬ ‫ٍ‬ ‫المعنى أو تشتتهِ كبيرة‪ ،‬بحجم المسافةِ بين وجمالها السيميائي‪ ،‬ثم نضطر لعزل الشاعرة‬ ‫ٍ‬ ‫الجمل االسمية التي تتداخل في صورةٍ‬ ‫ناقصة أو خارج النص؛ بمعنى طردِ النرجسية عنه والثناء‬ ‫مبهمة‪ ،‬وبين الجمل الفعلية الممتد ِة في الحدوث‪ ،‬عليه‪ ،‬واإلدعاء أن الشعر خارج الكلمات ولكن « ال‬ ‫ومحاولة إسباغ النص تحوالت شعرية مستمرة تعتزل أعمارك األخرى»‪ ،‬كما تشي هدى الدغفق‬ ‫تجعله مكتنزا بالصيرورة والدهشة‪ ،‬مهما كان في خطابها الشعري الذي يتصاعد في وتيرةٍ دو َن‬ ‫عمقه أو هالميته‪.‬‬ ‫أخرى‪ ،‬فال بد من التساؤل حول الوعي الشعري‬

‫‪-2‬‬‫تأتي صدمة التلقي لبعض المقاطع‪ ،‬والتي‬ ‫تمثل عالمة فارقة في النسيج الشعري لتكوينات‬ ‫القصيدة لدى الشاعرة‪ ،‬بصرف النظر عن الترهل‬ ‫�دود بالممارسة‬ ‫ال�ن��اش��ئ م��ن ت�ج��ري� ٍ�ب ل�غ��وي م �ك� ٍ‬ ‫وال��وج��ع ف��ي ق�ص�ي��دةٍ تعيد اخ�ت�ب��ار ذات �ه��ا على‬ ‫األرجح ‪ -‬كما يرى هيدجر في تعددية المضامين‬ ‫ح��ول س��ر الكينونة ومدلولها الغائم نسبيا في‬ ‫جدل مؤبد ‪ -‬إذ كيف يمكن لإلنسان أن يخترع‬ ‫القوة التي تدعم في وجوده‪ ،‬وتمكّنه من أن يكون‬ ‫حرا بال وصاية أبوية؟‬ ‫ف �ك��ل خ �ط��اب إن �س��ان��ي – ب��ال��ض��رورة ‪ -‬هو‬ ‫استجابة لوجود الكاتئات والتماهي معها في زمن‬ ‫مشترك‪ ،‬وتاريخ متراكم يُلبي دواع��ي القيام في‬ ‫حضرة الحقيقةِ ‪ .‬وهذا تعريف مؤدلج للشعر وفق‬ ‫أطروحات الصوفيين‪ ،‬وهو تعريف صادم وجيد‬

‫‪90‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫لديها‪..‬‬

‫بهيئة م��ا‪ ،‬ح�ي� َن ت�ت��زاح��م أسماء‬ ‫ٍ‬ ‫ه��ل يحضر‬ ‫ش�ع��ري��ة ك�ب�ي��رة ذات ق��وى م��ؤث��رة ف��ي تجربتها‪،‬‬ ‫كأنسي الحاج والبياتي ومحمود درويش والمعري‬ ‫مثال‪ ،‬ومن ثم تقع في فخ االنسجام الروحي الذي‬ ‫يُ�ف�رِّخ نصوصا هجينة‪ ،‬أم أن الحالة الشعرية‬ ‫ت�ت�م��اي��ل ف��ي ان �ح �ن��اءات واض �ط��راب��ات م�ت�ع��ددة‪،‬‬ ‫ما يجعلنا أق��رب إل��ى التحليل النفسي منه إلى‬ ‫الحفر االبستمولوجي المعرفي لسياق القصيدة‬ ‫لدى الشاعرة‪ ،‬ولكن الحيرة تكمن في النصوص‬ ‫الشعرية القصيرة جدا‪ ،‬حيث تتكرر هذه الحالة‪،‬‬ ‫بل تكاد تكون سمة نسقية في مجمل اشتغاالتها‬ ‫الشعرية‪.‬‬

‫‪-3‬‬‫لسنا بصدد تجريح النصوص وإلغائها‪ ،‬فك ُّل‬ ‫نص مشروط بالتجربةِ ‪ ،‬له حقُّ الصوت واالحتجاج‬ ‫ٍ‬


‫وبرأي الغذامي في كتابه (المرأة واللغة) يقول‪:‬‬ ‫«المرأة التي كانت خارج اللغة سعت للدخول إليها‬ ‫والتلبس بها واالنغراس في داخل الوجود اللغوي‪،‬‬ ‫ل�ي��س ب��واس�ط��ة ال�ح�ك��ي ك�م��ا ك��ان��ت ال �ح��ال فيما‬ ‫مضى‪ ،‬وإنما عبر الكتابة‪ ،»...‬هكذا تكبر مهمة‬ ‫الشعر ويتجاوز أعباء المرجعية التي تعطل الفكر‬ ‫وتخذل سموه دائما‪ ،‬ويعد التعبير النسوي عن‬ ‫القيمة ونبذ التشيؤ تآلفا اعتياديا ضمن فلسفة‬ ‫المتغير الثقافي التي تطال الثوابت أحيانا‪ ،‬كما‬ ‫نص (الباب العاشر لإلجابة الثابتة)‪:‬‬ ‫«سأموت من الجهل في أمةٍ‬ ‫خانها الوعي بالنازلة!‬ ‫القلوب مغلفة‪/‬والعقول مقيدة‪..‬‬ ‫أبيض يا غد؟»‬ ‫ُ‬ ‫كيف لي أن أقول‪:‬‬ ‫رغم كمية الوعي التي تكبح الصورة الشعرية‬ ‫–هنا‪ -‬إال أن ت�ع��دد األف �ك��ار وت��دوي��ر الهواجس‬ ‫بالجدة والحلم‬ ‫ُخصب الشعر ِ‬ ‫بقوالب متباينة ؛ ت ِّ‬ ‫معا‪ .‬وإن صح مفهوم شخصنة النص‪ ،‬فإن هدى‬ ‫الدغفق كائن شفهي بالدرجة األولى‪ ..‬وما تقوم به‬ ‫من تحويل الكالم إلى الورق هو تنصيص للذات‪،‬‬ ‫واستئمان للذاكرة‪ ،‬حتى ال تخضع لمازوخية قاتلة‬ ‫تأويل‬ ‫ٍ‬ ‫«لست سوى ام��رأةٍ تأكلها النوايا» حسب‬ ‫ِ‬ ‫معرفي من نص (الزوجة)‪.‬‬

‫‪-4‬‬‫ال يقل الهم في سياق النصوص عن غيره من‬

‫«وحين ألتقي بها مبادئي‪.‬‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫على النبرات الخافتة‪ /‬المهادنة أو الفوضاويةِ‬ ‫على ح ِّد سواء‪ ،‬أو المكابرة أيضا في داخل النص‬ ‫وخارجه‪ ،‬ولنا أن نُسائل المنجز ككل‪ ،‬ومجابهة‬ ‫ظنونه‪ ،‬وح�ت��ى ه��دم ن��واي��اه؛ ألن الكائن اللغوي‬ ‫مأخوذ بناصية القول في نقد متصالح مع اللغة‬ ‫واإلبداع كثنائية تخطو بالشعر في رقصة تانغو‪.‬‬

‫رف متسارع‪ ،‬ولذلك –كما‬ ‫التداعيات ؛ إنه كجُ ٍ‬ ‫أسلفت‪ -‬تأتي الحموالت االستعارية واألصوات‬ ‫المشتتة في الهامش ب��ارزة‪ ،‬مما يوحي أنها في‬ ‫تزامن خفي مع نص عصيِّ على الكتابة‪ ،‬لعله‬ ‫كمشجب أزلي‬ ‫ٍ‬ ‫محفور‪ -‬منذ القدم‪ -‬في الوجدان‬ ‫يبلغ أوجه في نص (العبء)‪:‬‬ ‫يقتص شعبي كل خيط بيننا‬ ‫ُّ‬ ‫ألـفـظ األنفاس‬ ‫أُشعِ لُ الفتيلَ من جديد‬ ‫وحين ألتقي به‬ ‫شعبي الذي نسيت في جحيمه مطامحي‬ ‫أقتص سرب أجنحة‬ ‫ُّ‬ ‫كانت تطير‬ ‫وأستعدُّ‬ ‫أستعدُّ‬ ‫للهبوط‬ ‫لألبد»‬ ‫كصوت‬ ‫ٍ‬ ‫لعل ه��ذا ال�ن��ص‪ ،‬بانفالته وانعتاقهِ‬ ‫خارج الصوت‪ ،‬يُحيلني إلى مجازفة العناوين في‬ ‫نصوص هدى الدغفق‪ ،‬للتعبير عن مكموناتها من‬ ‫إيحاءات معبرةٍ تكتمل بعد ختامِ القراءة‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫خالل‬ ‫وال تكتمل حينما نتوقف عند عناوينها مباشرة‪،‬‬ ‫وكأني بها تتقمص قوال شعريا محايثا لما أريد‬ ‫حيث تقول « قبل أن ألبس العباءة‪/‬نسجتُ روحي‬ ‫عباءة لدفتري» وهذه مجرد توطئة لمحو المكتوب‪،‬‬ ‫ومشافهة الشاعرة التي تمتطي حريتها خارج‬ ‫األق��واس‪ ،‬لتظ ّل واقفة مهما انعرجت دروبها‪..‬‬ ‫نحن إذاً مجبولون على خيبة النسيان والحضور‬ ‫المفترض حتى مع ذواتنا المشبوهة‪.‬‬

‫* كاتب وناقد من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪91‬‬


‫الشاعر الكبير فاروق شوشة‪:‬‬

‫اللغة القرآنية قادتني إلى الشعر والشعر‬ ‫قادني إلى حب اللغة‬

‫> حاوره‪ :‬محمد احلمامصي*‬

‫يحتل الشاعر الكبير فاروق شوشة موقعا بارزا في الوجدان المصري والعربي‪ ،‬منذ انطلق‬ ‫صوته شاعرا وإذاعيا عاشقا للغة العربية وجمالياتها‪ ،‬وهو عبر رحلته الممتدة منذ ما يزيد عن‬ ‫أربعين عاما‪ ،‬قدم من األعمال الشعرية واألدبية والنقدية‪ ،‬ما يمثل كنزا للمكتبة العربية‪ .‬من‬ ‫دواوينه الشعرية‪ :‬إلى مسافرة؛ العيون المحترقة؛ لؤلؤة في القلب؛ األعمال الشعرية؛ لغة من دم‬ ‫العاشقين؛ حبيبة والقمر (شعر لألطفال)‪.‬‬ ‫ول��د شاعرنا ع��ام ‪1936‬م بقرية الشعراء ف��ي ال�م�ج�ل��س األع �ل��ى‬ ‫بمحافظة دمياط‪ .‬حفظ القرآن‪ ,‬وأتم دراسته للثقافة‪ ,‬ورئيس لجنة‬ ‫فيها‪ .‬وتخرج من كلية دارالعلوم عام ‪1956‬م‪ ,‬المؤلفين والملحنين‪.‬‬ ‫وم��ن كلية التربية بجامعة عين شمس عام‬ ‫‪1957‬م‪ .‬عمل مدرساً في العام نفسه‪ ،‬والتحق‬ ‫باإلذاعة عام ‪1958‬م‪ ,‬وتدرج في وظائفها حتى‬ ‫أصبح رئيساً لها ع��ام ‪1994‬م‪ .‬يعمل أستاذاً‬ ‫لألدب العربي بالجامعة األميركية بالقاهرة‪.‬‬ ‫من أهم برامجه اإلذاعية‪ :‬لغتنا الجميلة‪ ,‬منذ‬ ‫عام ‪1967‬م‪ ,‬والتلفزيونية‪( :‬أمسية ثقافية) منذ‬ ‫عام ‪1977‬م‪.‬‬ ‫يحتل اآلن منصب أمين ع��ام مجمع اللغة‬ ‫العربية‪ ،‬كما أنه رئيس لجنتي النصوص في‬ ‫اإلذاع � ��ة وال �ت �ل �ف��زي��ون‪ ,‬وع �ض��و ل�ج�ن��ة الشعر‬

‫‪92‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫ش�� � � � � � � � � � � ��ارك ف � ��ي‬ ‫م� �ه ��رج ��ان ��ات ال �ش �ع��ر‬ ‫العربية والدولية‪ .‬وقد‬ ‫حصل على عدة جوائز منها جائزة الدولة في‬ ‫الشعر‪ ,‬وجائزة محمد حسن الفقي‪ ,‬وجائزة‬ ‫الدولة التقديرية في اآلداب‪.‬‬ ‫وقد كان لنا معه هذا الحوار‪..‬‬ ‫< يتجلي ص���وت ال��ح��ب ع��ب��ر دواوي��ن��ك‪،‬‬ ‫مؤكدا عمق رؤيتك وتقديرك لجوهره‬ ‫ال��س��ام��ي‪ ،‬وأي��ض��ا للمرأة ف��ي تجلياتها‬ ‫المختلفة‪ ،‬ه��ل ل��ن��ا أن ن��ت��وق��ف عند‬


‫ال��ح��ف��ي��دة ‪ -‬ف���ي ح��ي��ات��ك وان��ع��ك��اس��ات��ه��ا‬ ‫الوجدانية على رؤيتك الشعرية؟‬ ‫> أوال‪ ..‬أنا تشكلت في رحم امرأة‪ ،‬ومعبري إلى‬ ‫الحياة هو هذا الرحم ‪ -‬رحم األم – وبالتالي‬ ‫فإن العالقة مع المرأة عالقة جينات وتكوين‬

‫ووراثة وأمومة‪ ،‬آزرتها عالقتي بجدتي كشأن‬

‫كثير م��ن األط��ف��ال‪ ،‬خ�ص��وص��ا ف��ي ال��ري��ف‪،‬‬ ‫وتصادف أني كنت أسكن بيتاً آثر أبي اإلقامة‬

‫فيه مع أمه‪ ،‬وكان االبن الوحيد لها‪ ،‬فكانت‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫ال��م��رأة ‪ -‬ال��ج��دة‪ ،‬األم‪ ،‬ال��زوج��ة‪ ،‬االبنة‪،‬‬

‫بأني لم أغادر رحم األمومة الذي تكونت فيه‬ ‫من البداية‪ .‬أيضا أنا من المؤمنين بأن الحياة‬ ‫بدون اهتزاز عاطفي‪ ،‬وبدون عالقة عاطفية‪،‬‬ ‫وبدون امرأة‪ ،‬تكون عالقة شديدة الخشونة‬ ‫والجفاف‪ .‬والعالقة العاطفية ‪ -‬خصوصا في‬ ‫مستهل العمر ‪ -‬هي العامل الرئيسي الذي‬ ‫يشجع اإلنسان على الكتابة‪ ،‬وعلى االنفعال‪،‬‬ ‫وعلى الممارسات األول��ى‪ .‬وأعتقد أن وراء‬ ‫شعري األول ‪ -‬وأنا ما زلت في القرية ‪ -‬لون‬ ‫من هذه العالقة العاطفية‪.‬‬

‫النتيجة أني حظيت بهذه األمومة األخ��رى‪ < ،‬م��اذا ع��ن مالمح المكونات األول���ى التي‬ ‫شكلت وعيك الثقافي واإلبداعي؟‬ ‫أمومة أكبر من الجدة‪ ،‬وعادة الجدة ‪ -‬في مثل‬ ‫هذه التوازنات األسرية ‪ -‬تكون أكثر تحررا‬

‫في التعامل من ضوابط األب واألم‪ ،‬فكانت‬

‫> المكونات األول��ى تعبير صعب تتبعه؛ ألنه‬ ‫يبدأ من الكتّاب‪ ،‬عندما ذهبت لحفظ القرآن‬ ‫الكريم‪ ،‬ام�ت��دادا إل��ى مكتبة أب��ي في البيت‪،‬‬ ‫ألج��د فيها دواوي ��ن أحمد ش��وق��ي‪ ،‬ومحمود‬ ‫سامي البارودي‪ ،‬وحافظ إبراهيم‪ ،‬ومختارات‬ ‫م��ن النثر وال�ن�ظ��م‪ ،‬ث��م ي ��زداد األم��ر اتساعا‬ ‫باالنتقال إل��ى المدينة‪ ،‬فأجد هناك مكتبة‬ ‫البلدية في دم�ي��اط‪ ،‬التي كنت أذه��ب إليها‬ ‫طيلة اليوم‪ ،‬في غير مواعيد الدراسة‪.‬‬

‫بمثابة ال�م�لاذ ال��ذي أل�ج��أ إل�ي��ه باستمرار‪،‬‬ ‫وأجد فيه رحابة أكثر‪ .‬بعد ذلك‪ ..‬كانت األم‬

‫وراء اإلحساس ببواكير الهاجس الشعري في‬ ‫حياتي‪ ،‬فكانت تشجعني‪ ،‬على عكس أبي‬ ‫الذي كان معلما‪ ،‬ويخشى عليّ انصرافي عن‬ ‫ال��دراس��ة‪ ،‬لو أن��ي اهتممت بالشعر‪ ،‬وكانت‬ ‫األم ‪ -‬نصف المتعلمة ‪ -‬هي التي تشجعني‬

‫على الشعر‪ ،‬وتطرب له‪ ،‬وتحس بأني محتاج ‬ ‫دائ �م��ا إل ��ى ل�ح�ظ��ة ه� ��دوء‪ ،‬وإل���ى م �ك��ان في‬ ‫البيت أمارس فيه عالقتي مع الشعر‪ ،‬بعيدا‬

‫ع��ن س��ائ��ر اإلخ���وة‪ ،‬أو س��ائ��ر أب �ن��اء األس��رة‪.‬‬ ‫ث��م ت�ج�س��دت ال�ع�لاق��ة ب�ع��د ذل��ك ف��ي ص��ورة‬

‫أخوات شقيقات‪ ،‬ثم في صورة زوجة‪ ،‬ثم في‬ ‫صورة بناتي‪ ،‬فأنا أب لبنتين‪ ،‬ثم في صورة‬ ‫حفيداتي‪ ،‬عندي حفيدتان؛ لذا فإن عالقتي‬ ‫مع المرأة بدأت من الجدة‪ ،‬واستمرت حتى‬

‫الحفيدة‪ .‬وخالل هذا الممر الطويل‪ ،‬أحس‬

‫وع�ن��دم��ا ج�ئ��ت إل��ى ال �ق��اه��رة تغير مستوى‬ ‫قراءاتي وعالقاتي واهتماماتي‪ ،‬وب��دأت في‬ ‫ال �خ��روج م��ن ال��دائ��رة الشعرية أو األدب �ي��ة‪،‬‬ ‫ألق ��رأ ف��ي السياسة واالق �ت �ص��اد والفلسفة‬ ‫وعلم النفس‪ ،‬وفي مجاالت لم أكن أقرأ فيها‬ ‫من قبل؛ وهكذا‪ ،‬فإن حياتي فيها اهتمامات‬ ‫مركزية‪ :‬الشعر واللغة واألدب‪ ،‬وعلى هامش‬ ‫ه��ذه االهتمامات‪ ،‬هناك أشياء أخ��رى مثل‬ ‫النقد األدب ��ي وت��اري��خ األدب وس�ي��ر األدب��اء‬ ‫والشعراء‪ ..‬إلى آخره‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪93‬‬


‫< ه���ل ل���ك أن ت��ح��دث��ن��ا ع���ن م��ح��اوالت��ك‬ ‫اإلبداعية األولى؟‬ ‫> المحاولة األول��ى في اإلب��داع الشعري كانت‬ ‫مسرحية (ه �ك��ذا م��رة واح � ��دة)‪ ،‬وق��د كلف‬ ‫عرضها ف��ي ال�م��درس��ة م��ا ي�ق��رب م��ن (‪)17‬‬ ‫جنيها‪ ،‬وه��و مبلغ ب��اه��ظ ف��ي ذل��ك ال��وق��ت‪،‬‬ ‫وك �ن��ت أول م��ن ي��وق��ف اإلم���ام ع�ل��ي ب��ن أب��ي‬ ‫طالب‪ ،‬والخليفة عثمان‪ ،‬على خشبة المسرح‪،‬‬ ‫وتجسيدهما‪ ،‬كما كانت قصائد الغزل خطوة‬ ‫تالية لفتاة القرية‪ ،‬التي كان لها الفضل في‬ ‫إش�ع��ال الجمرة األول ��ى‪ .‬ث��م ك��ان��ت المرحلة‬ ‫ال�ت��ال�ي��ة ف��ي ال �ج��ام �ع��ة‪ ،‬وات �ج �ه��ت ف�ي�ه��ا إل��ى‬ ‫القصائد الوطنية واالجتماعية‪ ،‬ومحاوالت‬ ‫أن تكون لي قصيدتي‪ ،‬وبصمتي الخاصة‪.‬‬

‫للكتاب في أي عاصمة عربية‪ ،‬يكون العنصر‬ ‫ال��رئ�ي��س ال ��ذي ي�ب��اع فيه دائ �م��ا ه��و دواوي ��ن‬ ‫الشعر‪ ،‬والكثير م��ن ال�ش�ع��راء على مستوى‬ ‫الوطن العربي يطبعون دواوينهم أكثر من مرة‪،‬‬ ‫وبعضهم طبعوا ماليين النسخ منها‪ ،‬وهذا‬ ‫ي��دل على أن هناك حالة شعرية مستمرة‪،‬‬ ‫ونحن أم��ة‪ ،‬الشعر وثيق الصلة بوجدانها؛‬ ‫بمعنى أن ال�ش�ع��ر ن�غ��م وم��وس�ي�ق��ى وإي �ق��اع‪،‬‬ ‫واإلي�ق��اع في دمنا‪ ،‬حتى إيقاع البائعين في‬ ‫الشوارع واألسواق‪ ،‬عندما يعلنون عن بضاعة‬ ‫أو شيء يحملونه ليسوقونه‪ ،‬ينادون على هذه‬ ‫البضائع بكلمات منغمة‪ ،‬األم عندما تهدهد‬ ‫طفلها لينام‪ ،‬تهدهده بكلمات منغمة‪ ،‬فالشعر‬ ‫واإليقاع والموسيقى شيء رئيس في حياتنا‪،‬‬ ‫إنني أرى أن الشعر يتجدد وينطلق وينفتح في‬ ‫كل يوم‪ ،‬أمام الحاضر الشعري مغامرات من‬ ‫شعراء‪ ،‬وتجارب لم تكن تخطر لنا على بال‪.‬‬

‫ < ه��ذا الشغف والعمل المخلص ال��دؤوب‬ ‫على جواهر اللغة العربية‪ ،‬هل كان وراءه‬ ‫الموهبة الشعرية وح��ده��ا‪ ،‬أم أن هذا‬ ‫الشغف باللغة سبق الشعر‪ ،‬أم أنهما برزا < ب��ص��ف��ت��ك أم���ي���ن���ا ع���ام���ا ل��م��ج��م��ع ال��ل��غ��ة‬ ‫العربية‪ ،‬وعاشقا كبيرا للغة نفسها‪..‬‬ ‫معا؟‬ ‫كيف ترى حال اللغة العربية اآلن؟‬ ‫> اللغة القرآنية قادتني إل��ى الشعر‪ ،‬والشعر‬ ‫ق��ادن��ي إل��ى ح��ب اللغة‪ ،‬ل��ذا ل��وال الشعر لما > حالها طبعا ال يسر ع��دوا وال حبيبا‪ ،‬ال في‬ ‫التعليم وال في أجهزة اإلعالم‪ ،‬وال على ألسنة‬ ‫كانت عالقتي مع اللغة بهذه الحميمية‪ ،‬وقد‬ ‫الناس وأقالمهم‪ .‬والسبب في هذا أن الدولة‬ ‫ظهر هذا في مستهل مراحلي الدراسية‪.‬‬ ‫ال تعامل موضوع اللغة العربية بوصفه مشكلة‬ ‫< ه���ل ت��ع��ت��ق��د أن ال��ش��ع��ر ال��ع��رب��ي ع��ام��ة‪،‬‬ ‫قومية‪ .‬ومعنى أنها مشكلة قومية‪ ..‬أنها ال‬ ‫والتجربة الشعرية المصرية خاصة في‬ ‫تختص بها فقط وزارة التعليم‪ ،‬وإنما تختص‬ ‫مأزق؟‬ ‫بها عدة وزارات‪ ،‬التعليم‪ ،‬الثقافة‪ ،‬اإلعالم‪،‬‬ ‫> ال‪ ،‬لست مع الذين ينظرون إلى هذه األمور‬ ‫الشباب‪ ،‬األوق��اف‪ ،‬وجميع المؤسسات التي‬ ‫من منظور هناك أزم��ة‪ ،‬هناك م��أزق‪ .‬هناك‬ ‫تتعامل باللغة العربية في المجتمع مسئولة‬ ‫بالفعل شعر جميل يكتب في كل يوم‪ ،‬دواوين‬ ‫عن وضع اللغة العربية ال��ذي آ َل إليه‪ .‬نحن‬ ‫جيدة تصدر يوميا‪ ،‬ودليلي هو أن أي معرض‬ ‫نتعامل مع نظام تعليمي نجح في أن يفسد‬

‫‪94‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫< ف���ي رأي ال���ن���اق���د د‪ .‬م��ح��م��د ف���ت���وح أن‬ ‫التصوف ضرورة في شعرك‪ ،‬ما عالقتك‬ ‫بالتراث الصوفي خاصة‪ ،‬والتراث العربي‬ ‫عامة؟‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫العالقة بين ال�ن��شء واللغة‪ ،‬وف��ي أن يجعل‬ ‫األط�ف��ال أو المتعلمين يكرهون ه��ذه اللغة‪،‬‬ ‫ومن ثم لم تنجح حصة اللغة العربية في أن‬ ‫تحبب الناشئة ف��ي لغتها القومية‪ .‬الكتاب‬ ‫ال �م��درس��ي ك �ت��اب ال ي�ش�ج��ع ع�ل��ى ال��ق��راءة‪،‬‬ ‫الموضوعات المختارة والمناهج المدرسية‪،‬‬ ‫إذا ما قورنت بالكتب والمناهج الموجودة‬ ‫في المناهج األخرى‪ ،‬نجد أنها مختلفة جدا‪،‬‬ ‫والطفل يحب حصة اللغة الفرنسية‪ ،‬أو اللغة‬ ‫اإلنجليزية‪ ،‬أو حصة التاريخ‪ ،‬وتجيء حصة‬ ‫اللغة العربية‪ ..‬فيحس أن مشكلة المشاكل قد‬ ‫بدأت في حياته‪ ،‬طبعا هذا الوضع ناتج عن‬ ‫مستوى المعلم‪ ،‬وعن الكتاب‪ ،‬وعن المنهج‪،‬‬ ‫وعن طريقة التدريس‪ ،‬وعن عدم وجود مناخ‬ ‫لغوي في المدرسة‪ .‬نحن لم نكن نتعلم اللغة‬ ‫العربية في حصة اللغة العربية فقط‪ ،‬كنا‬ ‫نتعلمها في حصة الصحافة‪ ،‬ونصنع مجلة‬ ‫للمدرسة في حصة الخطابة والمناظرات‪،‬‬ ‫وفي حصة التمثيل‪ ،‬وفي حصة المكتبة ونحن‬ ‫نقرأ‪ ،‬فكانت عالقتنا مع اللغة تبدأ وتتكامل‪،‬‬ ‫ليس في حصة اللغة العربية فحسب‪ ،‬ولكن‬ ‫في حصص الهواية‪ ،‬وهذا غير حاصل اآلن‪.‬‬ ‫والمدرسون ال ي��درس��ون‪ ،‬ل��ذا أق��ول‪ :‬يتخرج‬ ‫الطالب الجامعي وال يجيد استخدام لغته‪،‬‬ ‫ال في الكالم وال في الكتابة‪ ،‬وهذه هي اآلفة‬ ‫الكبرى‪ .‬ال بد أن يقف المجتمع كله وقفة‬ ‫واح��دة‪ ،‬ويعتبر أن هذه قضية هوية‪ ،‬قضية‬ ‫انتماء‪ ،‬نحن لدينا اآلن شباب بدأ يستخدم‬ ‫ما يسمى بقاموس الروشنة‪ ،‬ولغة عامية هي‬ ‫عامية سوقية‪ ،‬وك�لام خليط يجمع العربية‬ ‫واألجنبية‪ ،‬صفة المواطنة اللغوية ستختفي‬ ‫عن ألسنة الناس‪ ،‬وسنجد مجتمعا ال يستطيع‬

‫التفاهم بلغة موحدة‪ ،‬وال يقرأ تراثه وثقافته‬ ‫الحقيقية‪ ،‬وفي هذا تكمن المشكلة‪.‬‬

‫> التراث الصوفي مجال رحب لتجربة شعرية‬ ‫عميقة وحميمة؛ ألنه يمثل المستوى األرقى‬ ‫ف��ي ع�لاق��ة اإلن �س��ان ب��ال�ك��ون‪ ،‬يعني اإلن�س��ان‬ ‫عادة يبدأ بمشاغله اليومية‪ ،‬ما يحيط بدائرة‬ ‫العمل واألس��رة‪ ،‬ثم يتسع أفقه أكثر‪ ،‬فيحمل‬ ‫الهم الوطني أو القومي‪ .‬يحس كأنه مسئول‬ ‫عن وطن‪ ،‬ثم تتسع اهتماماته أكثر‪ ،‬فيجد أن‬ ‫هذا الوطن جزء من العالم‪ ،‬جزء من اإلنسانية‪،‬‬ ‫فيبدأ في اتساع الدائرة‪ ،‬تتسع أكثر من أفق‬ ‫اإلنسانية لتشمل الكون‪ ،‬في هذه الحالة هو‬ ‫يتصل بما وراء ال��وج��ود‪ ،‬وبما وراء الحياة‪،‬‬ ‫وك��أن التجربة الصوفية تصبح بالنسبة له‬ ‫مجاال يتطهر فيه من أوزار هذه الحياة‪ ،‬تصفو‬ ‫نفسه وتشف ويصبح هناك اتصال حميم بينه‬ ‫وبين الوجود ينعكس على شعره‪.‬‬ ‫ ‬

‫أق��رأ التراث الصوفي وأعجب به‪ ،‬أق��رأ ابن‬ ‫الفارض وابن عربي والحالج ورابعة العدوية‬ ‫وال�س�ه��روردي‪ ،‬وأن��ا لي كتاب بعنوان (أحلى‬ ‫عشرين قصيدة في الحب اإللهي) يقدم أرقى‬ ‫نماذج هذا الحب عند كبار المتصوفة‪.‬‬

‫< كيف ترى النقد والنقاد اآلن‪ ..‬وموقفهم‬ ‫من التدفق اإلبداعي خاصة الشعري؟‬ ‫> مسئولية نقاد هذا الزمان في إث��ارة الجدل‬ ‫ال �خ�لاق م��ن ح��ول اإلب� ��داع‪,‬‏ وف�ض��ح ال��زائ��ف‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪95‬‬


‫وال��دع��ي‪ ،‬واإلس �ه��ام ف��ي تكوين ذائ�ق��ة أدبية‬ ‫ول�غ��وي��ة ج��دي��دة تحسن اس�ت�ق�ب��ال ال�ج��دي��د‪،‬‬ ‫وتضعه ف��ي س�ي��اق ح��رك��ة اإلب� ��داع العربي‏‪.‬‬ ‫‏ لكن بعض نقادنا األصيلين مشغولون بما‬ ‫يعتبرونه مهمتهم الحقيقية‪ ،‬وه��و التأصيل‬ ‫وال�ت��أس�ي��س للمفاهيم ال�ن�ق��دي��ة الحداثية‏‪,‬‏‬ ‫ومشغولون بوضعهم على الخريطة النقدية‬ ‫العربية والعالمية‪,‬‏ أكثر من انشغالهم بهذا‬ ‫ال��ذي يتصورونه م��ن ورائ �ه��م‪ ،‬أو بعيدا عن‬ ‫م�خ��اط�ب��ة اهتماماتهم‏‪,‬‏ وه ��و ه ��ذا ال��واق��ع‬ ‫المتدني بسلبياته وتجاوزاته‏‪,‬‏ والذين يرونه‬ ‫أحق بأن يكون تحت أقدامهم‏‏! ثم إن الرأي‬ ‫النقدي المسئول له اآلن أخطاره وعواقبه‏‪.‬‬ ‫‏ لذا‏‪,‬‏ فإن البعض ال يحتمل الوقوع في مثل ‬ ‫هذه المواجهة التي سيترتب عليها سخط أو‬ ‫رضا‏‪,‬‏ قطيعة أو وصل جسور قائمة‏‪,‬‏ حرمان‬ ‫أو م�غ��ان��م ق��د ي �ك��ون بعضها خ��ائ�ب��ا وتافها‬ ‫وعابرا‪ ..‬لكنها مغانم على أي حال‏‪.‬‏‬ ‫ ‬

‫وعلى الناقد الجاد أن يكون اآلن مستعدا‬ ‫لدفع الثمن من صحته وراحته وهدوئه وأمنه‪،‬‬ ‫وربما من رزقه وعالقاته‪ ،‬وحركته االجتماعية‬ ‫والثقافية‪,‬‏ وعليه أن يؤثر‏‏ الصمت‏‪ ،‬وإذا كتب‪..‬‬ ‫فليهرب إلى الماضي‪ ،‬حيث عالم الذكريات‬ ‫والتذكرات‏‪,‬‏ ونبش األوراق القديمة‪ ،‬وإعادة‬ ‫القراءة لما سبق قراءته مرات ومرات‏‪,‬‏ الذاكرة ‬ ‫هنا م�لاذ آم��ن يقي ش��ر م��واج�ه��ة الحاضر‬ ‫بتبعاته وأعبائه‏‪,‬‏ وهو ما يؤثره الكثيرون‏!‬

‫ ‏لكن هذا الكالم الذي يبدو في معظمه عابسا‬ ‫وموحشا‪ ،‬ال يشمل لحسن الحظ كل مبدعينا‬ ‫ونقادنا‏‪.‬‏ فما زال هناك التيار الرئيس لحركه‬ ‫* كاتب وشاعر من مصر‪.‬‬

‫‪96‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫اإلب�� ��داع‪,‬‏ ال �ع �م��ود ال �ف �ق��ري ل�ح�ي��ات�ن��ا األدب �ي��ة‬ ‫والثقافية‪,‬‏ والتيار الرئيس للحركة النقدية‪,‬‏‬ ‫يتحاوران ويتفاعالن‏‪,‬‏ ويمنح كل منهما لآلخر‬ ‫شرعية وجوده ودالئل حيويته وتجدده‏‪ .‬‏ حتى‬ ‫عندما ي��رى بعض النقاد ‪ -‬وه��م على حق ‪-‬‬ ‫أنهم ليسوا ظال تابعا للمبدعين‏‪,‬‏ مهمتهم أن‬ ‫يتلقفوا كتابات المبدعين ليكتبوا عنها‏‪,‬‏ وإنما‬ ‫وظيفتهم الجوهرية هي كتابة النص النقدي‬ ‫ال� �م ��وازي ل�ل�ن��ص اإلب ��داع� �ي‏‪,‬‏ وال �م �ج��اوز له‏‪,‬‏‬ ‫والمنطلق إلى آفاق أبعد وأرحب‏‪,‬‏ وليست مجرد‬ ‫الكتابة العاكفة عليه‏‪,‬‏ الدائرة في فلك تفسيره‬ ‫وتأويله‪ .‬ولقد أصبحت الكتابة النقدية لديهم‬ ‫نصا نقديا مستقال‪ ،‬له شروطه ومتطلباته‏‪.‬‏‬ ‫غير أن هذا ال يلغي حاجتنا إلى نقد تفسيري‏‪,‬‏‬ ‫تنويري‏‪,‬‏ يضيء العمل األدبي اإلبداعي ويثريه‏‪,‬‏‬ ‫ويقربه من قارئه‏‪,‬‏ ويفتح أب��واب الحوار معه‬ ‫اتفاقا واختالفا‏‪.‬‏ ولسوف تظل هذه الوظيفة‬ ‫النقدية مهما اختلف البعض من حولها‪ ،‬دورا‬ ‫أس��اس�ي��ا ل��ه أهميته وج� ��دواه‏‪,‬‏ خ��اص��ة عند‬ ‫اختالط المعايير‏‪,‬‏ وس�ي��ادة العملة الزائفة‪،‬‬ ‫وتحكم بعض السوقة واألدعياء‪,‬‏ وانتشار‬ ‫األم�ي��ة اللغوية والثقافية‏‪,‬‏ وف�س��اد الذائقة‬ ‫بإدمان العزف الناشز‪ ،‬واألص��وات القبيحة‪،‬‬ ‫واإليقاعات الهمجية‏‪.‬‏‬ ‫وإنه لخلل شامل‏‪,‬‏ يتسلل إلى الشعر والقصة‬ ‫والرواية والمسرحية والنقد‪ ،‬لكنه في الشعر‬ ‫أجلى وأوضح‪,‬‏ وأكثر افتضاحا وانكشافا‏‪,‬‏‬ ‫وي��درك��ون بعمق أن ال��وع��ي الصحيح ‪ -‬وإن‬ ‫تأخر بعض الوقت ‪ -‬حتمية تاريخية‏‪,‬‏ وأن‬ ‫الخلل الراهن إلى انحسار وزوال‏‪.‬‬


‫جدوى الكتابة هي خلخلة احلياة باألسئلة‪،‬‬

‫وجعل اإلنسان يعيش دائما ً في قلق مستمر‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫الشاعر املغربي جمال املوساوي‪:‬‬

‫> حاوره‪ :‬الكنتاوي لبكم*‬ ‫تنقّل شاعرنا من كتاب الظل إلى مدين للصدفة‪ ،‬وهي مجموعات شعرية ينحت من خاللها‬ ‫مجرى صوته الشعري مغربيا وعربيا‪ .‬ممارسته لمهنة الصحافة ومتابعاته الثقافية لألدب‬ ‫تمنحه آفاقاً أخرى ليظل قيد الفعل اإلبداعي‪ .‬حصل على جائزة بيت الشعر المغربي في‬ ‫مارس ‪ 2002‬م‪ .‬يتحدث بكل جرأة عن األمراض الثقافية وحاالت الوصاية‪ ،‬ويحتفل بكل جمال‬ ‫باألصوات الشعرية هنا وهناك‪ ،‬تأكيدا منه على أن األدب درس محبة‪.‬‬ ‫مع جمال الموساوي كان هذا الحوار‬ ‫< الشاعر جمال ال��م��وس��اوي ب��م��اذا يقدم‬ ‫نفسه؟‬

‫بدأت الكلمة تكبر في داخلي‪ ،‬وتعلن انتماءها‬ ‫إلى االستمرارية‪ ،‬وبدأت الكتابة تتشكل كه ٍّم‬ ‫في حد ذاتها؛ خاصة مع نشر المحاوالت‬ ‫األولى ابتداء من عام ‪1987‬م‪ .‬كلما نشرت‬ ‫محاولة ‪ ..‬أشعر برغبة ملحة في تجديد‬ ‫ذلك مرة أخرى‪ ،‬وربما من طريف ما يمكن‬ ‫أن أذكره هنا‪ ،‬أنني بعثت مرة في مظروف‬ ‫ب��ري��دي واح���د (‪ )32‬م �ح��اول��ة‪ ،‬وك �ن��ت في‬ ‫ذل��ك الوقت ‪-‬أي ع��ام ‪1987‬م‪ -‬أنشر تلك‬ ‫المحاوالت في صفحة للشباب ‪ ،‬كان يشرف‬ ‫عليها الشاعر العراقي خالد الحلي‪ ،‬وفيما‬ ‫ب�ع��د‪ ..‬الشاعر والتشكيلي العراقي أيضا‬ ‫فراس عبدالمجيد‪.‬‬

‫> إنسان اختلطت عليه الحياة‪ ،‬فارتبط بالشعر‬ ‫ليعيش االمتداد‪ ،‬وكتب عليه أن يخوض بفعل‬ ‫دراسته وعمله في شجون االقتصاد‪ ،‬وأعتقد‬ ‫أن األزمة العالمية ستؤثر علي قريبا‪ .‬أكتب‬ ‫شعرا ألتخلص من التعب اليومي البغيض‪،‬‬ ‫وأع ��ود إل��ى نفسي ف��ي صفائها الفطري‪.‬‬ ‫نزولي إلى األرض كان في قرية بعيدة في‬ ‫نواحي مدينة الحسيمة شمالي المغرب‪،‬‬ ‫بينما كانت مدينة تطوان محطة نزولي إلى‬ ‫أرض الكلمات وسحر الكالم‪ .‬وأذكر أن أولى‬ ‫مقتنياتي م��ن دواوي ��ن الشعر ك��ان «ادف�ن��وا‬ ‫أمواتكم وانهضوا» للراحل توفيق زي��اد‪ .‬ما < من أين تسللت إليك روح الكتابة؟‬ ‫كتبته في البداية كان بريئا‪ .‬خلجات وحذلقة > ال أستطيع تحديد المكان الذي تسللت منه‬ ‫لغوية وشعور بالتفوق على األقران والخالن‪.‬‬ ‫الكتابة إل��يّ ‪ .‬ولكن م��ن ال �ض��روري أن ثمة‬ ‫وفيما بعد‪ ،‬وم��ع االغ�ت��راف من ال�ق��راءات‪،‬‬ ‫أم��ور جعلتني أكتب وأستمر‪ .‬أت��ذك��ر مثال‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪97‬‬


‫أنني كتبت موضوعا في مادة اإلنشاء في سنة‬ ‫‪1987‬م حول التقدم العلمي‪ ،‬كتبته بشكل جيد‬ ‫ومليء بالمعلومات‪ ،‬إضافة إلى طوله المفرط‪،‬‬ ‫على غير ما يفعله التالميذ عادة‪ .‬استحققت‬ ‫علية أعلى درجة‪ ،‬وتنويها شفويا من األستاذ‪،‬‬ ‫م �ف��اده أن�ن��ي أص�ل��ح م��راس�لا ل�ج��ري��دة الشرق‬ ‫األوسط‪.‬‬ ‫ ‬

‫أتذكر أيضا أنني وبعض األصدقاء في القسم‬ ‫الدراسي‪ -‬لسبب ما ‪ -‬بدأنا «نتناوش» بكالم‬ ‫ح��ول م��ن يكون ق��ادرا منا على كتابة الشعر‪،‬‬ ‫فشرع كثيرون منا في المحاولة‪ ،‬ولصدفة ما‪،‬‬ ‫أنا مدين لها‪ ،‬واصلت في الكتابة حتى اآلن‪.‬‬ ‫< ه��ل م��ا زال ه��ن��اك مَ ���ن يستنكر قصيدة‬ ‫النثر؟‬

‫ك��ل م�س�ت�ه�ل��ك ق � ��ادرا وراغ� �ب ��ا ف��ي اس�ت�ه�لاك‬ ‫م��ادة ما‪ ،‬وكذلك الشعر‪ ،‬ليس كل متلق قادرا‬ ‫وراغبا ومؤهال لتلقي قصيدة ما أو شاعر ما؛‬ ‫لذلك فنحن ال نقرأ القصائد ذاتها والشعراء‬ ‫أنفسهم‪ ،‬وحتى إذا فعلنا‪ ،‬فإننا في النهاية ال‬ ‫نتفاعل بالقدر نفسه مع القصائد ذاتها‪ ،‬ومع‬ ‫الشعراء أنفسهم؛ إن القصيدة التي أتلقاها‬ ‫بطريقة ج�ي��دة‪ ،‬ه��ي تلك التي تستجيب لي‪،‬‬ ‫ل�ش��يء ف��ي داخ �ل��ي؛ ه��ي تلك ال�ت��ي أج��د فيها‬ ‫نفسي‪ ،‬أعني ما يمكنني من التجاوب معها؛‬ ‫تلك التي تجعلني أشعر أنها كتبت من أجلي‪.‬‬ ‫هذا األمر ليس قاصرا على الشعر فقط‪ ،‬بل‬ ‫على كل األجناس األدبية والفنية األخرى‪.‬‬

‫> ولماذا يستنكرها؟ في وقت كل األشياء تتداخل‬ ‫فيما بينها‪ ،‬فأصبحت للشعر إقامة في النثر‪،‬‬ ‫أي ف��ي ال��رواي��ة وال�ق�ص��ة وح�ت��ى ف��ي المقال‬ ‫ال�ن�ق��دي‪ ،‬وأح�ي��ان��ا الصحفي‪ ،‬ث��م ف��ي التجلي‬ ‫األكبر للنثر‪ ،‬أي قصيدة النثر؛ وكذلك صارت‬ ‫للنثر مثل تلك اإلق��ام��ة ف��ي الشعر‪ ،‬فيحضر‬ ‫ ‬ ‫السرد في القصيدة‪ ،‬وتحضر القصة والحكي‬ ‫والحوار‪ ،‬وربما تحضر أشكال أخرى للنثر‪.‬‬ ‫ ‬

‫يتعلق األم��ر في النهاية باختيار شكل للكتابة‬ ‫يستجيب لالنفعال ال��داخ�ل��ي للشاعر‪ ،‬وه��ذا‬ ‫االختيار متعدد بتعدد الشعراء‪.‬‬ ‫< وهل ما زال تلقي الشعر عائقا أمام تواصل‬ ‫الشاعر العربي بجمهوره؟‬

‫ ‬

‫‪98‬‬

‫ربما كان سؤال تلقي الشعر سؤاال «مغرضا»‪،‬‬ ‫سواء طرحه الشاعر أو المتلقي‪ .‬وسأتعسف‬ ‫قليال ف��ي ال�م�ق��ارن��ة‪ ،‬ألق ��ول إن تلقي الشعر‬ ‫شبيه باستهالك م��ادة من م��واد السوق‪ .‬ليس‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫إن التلقي في شقه البسيط يرتبط بالذوق‪،‬‬ ‫واألذواق تختلف‪ ،‬ويرتبط ف��ي شقه النقدي‬ ‫باألدوات ولسنا نملك األدوات ذاتها‪.‬‬ ‫< بالنسبة ل��ك ه��ل ال��ح��ي��اة م��ش��روع س��ؤال‬ ‫كتابة؟‬ ‫> ال�ح�ي��اة ه��ي م�ش��روع ح�ي��اة أوالً‪ .‬والكتابة في‬ ‫ال��واق��ع تسائل الحياة‪ ،‬وتبحث لها عن صيغة‬ ‫مثلى‪ .‬الكتابة تطرح األسئلة‪ ،‬ويجب على الحياة‬ ‫أن تقدم األجوبة الممكنة؛ بهذا يكون مشروع‬ ‫الكتابة هو مساءلة الحياة‪ .‬أي نوع من عكس‬ ‫صيغة سؤالك‪ .‬وعندما تكف الكتابة عن طرح‬ ‫األسئلة‪ ،‬سينزوي اإلنسان إلى ركن قصي مليء‬


‫ ‬

‫أع�ت�ق��د أن ال �م �ج�لات ال�ث�ق��اف�ي��ة ف��ي المغرب‬ ‫انحسرت بسبب غياب مشروع ثقافي واضح‬ ‫تتبناه‪ ،‬خ�لاف��ا لما ك��ان عليه األم ��ر بالنسبة‬ ‫ل�م�ج�لات ك��ان��ت رائ� ��دة‪ ،‬وت �ص��در ع��ن م�ش��روع‬ ‫ثقافي قبل أن يتم منعها‪ ،‬ويمكن ذكر الثقافة‬ ‫الجديدة والجسور على سبيل التمثيل‪ .‬وهكذا‪،‬‬ ‫ف��إن العديد من المجالت ص��درت ثم توقفت‬ ‫سريعا‪ ،‬أو تذبذبت في الصدور‪ .‬وغياب مشروع‬ ‫ثقافي هو في صميم مأساة الثقافة المغربية‪،‬‬ ‫وحتى إذا وجد هذا المشروع‪ ،‬فهو ال يجد ما‬ ‫يكفي من الدعم والمساندة‪.‬‬

‫ ‬

‫وم��ا ينطبق على المجالت‪ ،‬ينطبق كذلك على‬ ‫المالحق الثقافية إلى حد بعيد‪ ،‬ذلك أن العديد‬ ‫من المالحق توقفت أو تذبذبت هي األخ��رى في‬ ‫الصدور‪ ،‬فباستثناء ملحقي جريدتي العلم واالتحاد‬ ‫االشتراكي‪ ،‬لم يستطع الكثير من المالحق الثقافية‬ ‫الصمود ف��ي واق��ع يهمش الفعل الثقافي ويقزم‬ ‫دوره‪ .‬واآلن هناك ملحق آخر هو الملحق الثقافي‬ ‫لجريدة المنعطف‪ ،‬كما ال يغيب عنا ال��دور الذي‬ ‫لعبه في وقت ما ملحق أنوال الثقافي‪.‬‬

‫ ‬

‫وم��ن األسباب األخ��رى لهذا االنحسار‪ ،‬تدنّي‬ ‫معدالت القراءة ال��ذي ي��ؤدي إلى ضآلة حجم‬ ‫ال �ت��وزي��ع ال���ذي ي�ح�ك��م ع�ل��ى ه ��ذه ال �م �ب��ادرات‬

‫ما رأيك في تطور القصيدة المغربية ؟‬ ‫ل�س��ت أه�ل�ا للحكم ال �ن �ق��دي ع�ل��ى القصيدة‬ ‫المغربية وتطورها‪ ،‬ولكن أق��ول بكل تجرد إن‬ ‫هذه القصيدة قطعت حتى اآلن مراحل مهمة‪،‬‬ ‫وتطورت مع التحوالت التي عرفها المجتمع‬ ‫ال�م�غ��رب��ي م�ن��ذ خمسينيات ال �ق��رن ال�م��اض��ي‪،‬‬ ‫فعايشت أحداثا سياسية واجتماعية‪ ،‬وأسهمت‬ ‫ه��ي أي�ض��ا فيها بشكل م��ن األش �ك��ال‪ ،‬فأثرت‬ ‫وت��أث��رت‪ .‬إال أن االن�ش�غ��ال باله ّم االجتماعي‬ ‫وال �س �ي��اس��ي ل��م ي� ��ؤد ب��ال �ش �ع��راء إل ��ى إغ �ف��ال‬ ‫الجوانب الجمالية واألسلوبية واللغوية‪ .‬هذا‬ ‫االنشغال ال�م��زدوج خلّص القصيدة المغربية‬ ‫من االرتكان إلى الجمود‪ ،‬وأخرجها في وقت‬ ‫من األوقات من الخطاب التبشيري والمحرض‪،‬‬ ‫المشبع بالسياسي واإلي��دي��ول��وج��ي‪ ،‬ليعيدها‬ ‫إل ��ى االن �ش �غ��ال ب��ال��داخ��ل؛ ف �ظ �ه��رت قصائد‬ ‫تكتب ال� ��ذات‪ ،‬وتستلهم ال�خ�ط��اب ال�ص��وف��ي‪،‬‬ ‫وتكتب اليومي والتفاصيل والقلق ال��وج��ودي‬ ‫وال� �م ��وت‪ ،‬وت��ط��رح األس �ئ �ل��ة ال �م �ت �ن��وع��ة ح��ول‬ ‫الكائن وصيرورته‪ ،‬والكثير الكثير من القضايا‬ ‫المرتبطة باإلنسان في عالقاته بالعالم‪ .‬لقد‬ ‫ك��ان��ت ال�ق�ص�ي��دة المغربية ك��ائ�ن��ا ح�ي��ا‪ ،‬كانت‬ ‫ص��دى للقصيدة في الشرق‪ ،‬ثم انغمست في‬ ‫ال�م�ع�ت��رك االج�ت�م��اع��ي وال�س�ي��اس��ي المغربي‪،‬‬ ‫ثم اغتسلت من كل ذل��ك لتخرج بهوية أخرى‬ ‫معلنة والءها لكل ما هو كوني‪ .‬والجميل في كل‬ ‫ذلك أن كل الشعراء المغاربة انخرطوا في هذا‬ ‫األف��ق الكوني‪ ،‬بمن فيهم أولئك الذين شكلت‬ ‫قصائدهم زخم المراحل السابقة‪.‬‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫ ‬

‫بالجمود واالستكانة للجاهز وال�س��ائ��د‪ .‬وهنا‬ ‫ي��أت��ي ذل��ك ال �س��ؤال المتعلق ب�ج��دوى الكتابة‪،‬‬ ‫وأعتقد أن ج��دواه��ا ينبغي أن يصب في هذا‬ ‫االتجاه تحديدا‪ ،‬أي خلخلة الحياة باألسئلة‪،‬‬ ‫وجعل الكائن يعيش دائما على قلق مستمر تجاه < ‬ ‫الحياة‪ ،‬ألنه بغير هذا القلق يصبح كائنا ميتا‪.‬‬ ‫> ‬ ‫< لِ ���مَ ان��ح��س��رت تجربة النشر بالمغرب‬ ‫س��واء تعلق األم��ر بالمالحق الثقافية أو‬ ‫إصدار المجالت؟‬

‫باالنطفاء واإلف�لاس‪ ،‬خاصة أنها ال تستكتب‬ ‫أق�ل�ام��ا ق � ��ادرة ع �ل��ى خ �ل��ق ال��ح��دث ال�ث�ق��اف��ي‬ ‫بكتاباتها‪ ،‬ن�ظ��راً لغياب إم�ك��ان��ات م��ادي��ة تفي‬ ‫بمتطلبات هذا االستكتاب‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪99‬‬


‫< ب��ع��د ك��ت��اب ال��ظ��ل ص����درت ل��ك مجموعة‬ ‫مدين للصدفة ‪..‬أين تضع تجربتك اآلن؟‬

‫ونيكوس ك��ازان�ت��ازاك��ي‪ ،‬وأس�ت��وري��اس وإيزابيل‬ ‫ال�ل�ي�ن��دي وم �ي�لان ك��ون��دي��را‪ ،‬إض��اف��ة إل��ى تلك‬ ‫الفراشة التي كتبها هنري شاريير‪ ،‬وغيرها‪.‬‬

‫ > أكتب شعرا منذ أكثر قليال من عشرين عاما‪ .‬وهو‬ ‫عمر إبداعي قصير على كل حال‪ .‬ومجموعتي هل من أفق للحياة الثقافية بالمغرب؟‬ ‫األول��ى التي ص��درت ع��ام ‪2001‬م‪ ،‬كتبت بين > لألسف‪ ،‬عندما نتحدث عن الحياة الثقافية في‬ ‫عامي ‪1990‬و ‪1994‬م‪ ،‬وهي تمثل عصارة نحو‬ ‫المغرب‪ ،‬نتحدث ب�س��وداوي��ة قاتمة‪ .‬ولألسف‬ ‫سبع سنوات من الكتابة‪ .‬أما المجموعة الثانية‬ ‫المضاعف أن ه��ذه ال��رؤي��ة مشروعة وواردة‪،‬‬ ‫فامتدادها الزمني أطول قليال‪ ،‬ففيها نصوص‬ ‫وتشي بانسداد األفق‪ .‬األسباب كثيرة‪ ،‬ويمكن‬ ‫كتبت بين ‪ 1994‬و‪2006‬م‪ ،‬وهناك مجموعة‬ ‫اإلشارة إلى بعضها‪ ،‬ومن ذلك أن العمل الثقافي‬ ‫أخرى قد تصدر قريبا‪ ،‬تتضمن نصوصا كتبت‬ ‫ال ت�ت��واف��ر ل��ه اإلم�ك��ان��ات ال�م��ادي��ة ال�ت��ي تسمح‬ ‫بين ‪ 1995‬و‪2001‬م‪ .‬إضافة إلى نصوص ما‬ ‫بإنجازه‪ ،‬إذ تظل كل المبادرات رهينة اآلمرين‬ ‫تزال متفرقة‪ .‬وكما ترى ليس هذا بالحصيلة‬ ‫ب�ص��رف ال�م�ي��زان�ي��ات ف��ي اإلدارات المركزية‬ ‫الوافرة‪ ،‬وهذا يجعلني أقول إنني ما زلت في‬ ‫والجماعات المحلية؛ بمعنى أن الهيئات الثقافية‬ ‫مرحلة البحث عن تراكم محترم‪ ،‬ليس فقط‬ ‫ليست لها ميزانية سنوية تسمح لها بإعداد‬ ‫على مستوى الكم‪ ،‬بل أيضا على مستوى العمل‬ ‫برنامج ثقافي على طول السنة واحترامه‪.‬‬ ‫في العمق‪ ،‬أي العمل على تطوير وتنويع طرائق‬ ‫الكتابة‪ ،‬وه��و ره��ان أس��اس��ي بالنسبة ل��ي ما كذلك ليست هناك مجالت متخصصة تطرح‬ ‫السؤال الثقافي بعمق‪ ،‬وتسائل المشهد الثقافي‬ ‫دامت الحصيلة على مستوى الكم قليلة‪ ،‬كما‬ ‫في المغرب‪ ،‬بما يليق به من روح نقدية تروم‬ ‫أسلفت؛ لهذا‪ ،‬إذا كانت نصوص مجموعتي‬ ‫تعميق النقاش حول القضايا الثقافية والفكرية‬ ‫األولى تنتمي إلى التفعيلة‪ ،‬فإن الثانية تنمي‬ ‫التي تشغل الناس‪ .‬هناك فقط مالحق ثقافية‬ ‫إلى قصيدة النثر‪ ،‬وإلى اآلن أتأرجح بين هذا‬ ‫في بعض الجرائد اليومية‪ ،‬لكن ما عليها يبدو‬ ‫الشكل وذاك‪ ،‬وأجعلهما يتعايشان في داخلي‪.‬‬ ‫أنه أكبر مما يمكن أن يكون لها‪.‬‬ ‫هل من مشروع روائي لديك؟‬ ‫ وس��واء تعلق األم��ر بالمجلة أو الملحق‪ ،‬هناك‬ ‫> ال أتذكر أن فكرة من هذا القبيل راودتني يوما‪.‬‬ ‫إشكالية هي مرتبطة بضعف التصور العام للعمل‬ ‫بل لم ت��راودن��ي فكرة كتابة أي جنس إبداعي‬ ‫الثقافي‪ ،‬وفي الوقت نفسه تعمل على إضعاف‬ ‫آخر‪ .‬إنني أحاول كتابة قصيدة تستحق القراءة‪،‬‬ ‫إسهامات الكتّاب والمثقفين عموما في الحياة‬ ‫وم��وازاة مع ذل��ك أح��ب ق��راءة ال��رواي��ة‪ ،‬خاصة‬ ‫الثقافية من خالل كتاباتهم‪ .‬هذه اإلشكالية هي‬ ‫تلك التي أجد فيها زخما حياتيا كبيرا ينم عن‬ ‫أن الكاتب ما يزال ينشر ما يكتبه مجانا‪ ،‬وهو ما‬ ‫تجربة حياتية ثرية‪ ،‬تغني رصيدي الداخلي‬ ‫يفسر‪ ،‬في جانب مهم‪ ،‬وجود العديد من الكتاب‬ ‫وتشحنه بالحيوات التي لم أعشها‪ ،‬لكني أتفاعل‬ ‫المغاربة في المجالت المشرقية وفي الخليج‪،‬‬ ‫معها‪ .‬ومن الروايات التي أحببتها‪ ،‬وقرأتها بكل‬ ‫وه��و ما يفسر أيضا فقر الكثير من الكتابات‬ ‫الشغف الذي يليق بها رواي��ات لجرجي أمادو‬ ‫التي تنشر في مجالتنا وجرائدنا‪.‬‬ ‫‪ 100‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫ ‬

‫وع�ن��دم��ا ت�ح��دث��ت ع��ن ال �ن��اس‪ ،‬ب�ه��ذا اإلط�ل�اق‪،‬‬ ‫فينبغي أن نضيف سببا آخر لما يبدو من انسداد‬ ‫األفق‪ ،‬هو عدم إقبالهم على العمل الثقافي سواء‬ ‫عبر حضور األنشطة التي تنجز‪ ،‬أو عبر اإلقبال‬ ‫على الكتاب‪ ،‬إذ أننا غالبا ما نقيم أنشطة في‬ ‫ق��اع��ات شبه ف��ارغ��ة‪ ،‬وأن�ن��ا نملك نسبة ق��راءة‬ ‫متدنية مقارنة مع عدد سكان المغرب‪ ،‬وال أريد‬ ‫هنا الخوض في أسباب العزوف عن القراءة‪.‬‬

‫إال في إنقاذ اإلنسان الذي في داخلي‪ .‬أنقذه‬ ‫من التيه والضياع واالنجراف‪ .‬أحاول أن أجعله‬ ‫يفكر‪ ،‬وأال يسقط في التنميط الذي يسير إليه‬ ‫العالم‪ .‬إن التنميط هو ما تسعى إليه العولمة‬ ‫الزاحفة‪ ،‬التي تأتي على كل شيء‪ ،‬على القيم‬ ‫وعلى األفكار وعلى تعدد هذه األفكار‪ .‬بقدر ما‬ ‫يتحدث العالم المتقدم عن الديمقراطية وعن‬ ‫حرية االختيار‪ ،‬فهو يزكي التنميط وأحادية‬ ‫التفكير‪ ،‬ويقوم بالتوجيه نحو نمط معين من‬ ‫العيش‪ ،‬ويسعى البتالع أي فكرة مخالفة‪ ،‬وهذا‬ ‫ال يتم بالضرورة بواسطة الطائرات ورادارات‬ ‫توجيه الصواريخ‪ ،‬وإنما عبر التالعب بالعقول‪،‬‬ ‫وتلك الحرب األكثر خطورة‪.‬‬

‫ ومن األسباب األخرى التي تؤيد اسوداد األفق‬ ‫ إذا لم يتم العمل على تبييضه ‪ -‬أن مختلف‬‫الكتاب والشعراء والمثقفين بشكل عام ال يمثل‬ ‫العمل الثقافي إال ج��زء يسير من اهتمامهم‪،‬‬ ‫بسبب ض��رورات الحياة‪ ،‬فهم إما موظفون أو‬ ‫أجراء أو صحافيون‪ ،‬ويستنزف العمل والحياة‬ ‫ولعله لهذا السبب‪ ،‬إذا ألقينا نظرة على‬ ‫ ‬ ‫اليومية منهم الكثير من الجهد‪ ،‬وما يفضل عن‬ ‫الشعر ال��ذي يكتب حاليا ‪ -‬ليس في المغرب‬ ‫ذلك فهو للعمل الثقافي‪.‬‬ ‫فحسب‪ ،‬بل في كل الجهات من العالم ‪ -‬نجده‬ ‫< تشتغل في عالم الصحافة مما يفترض‬ ‫مغرقا في الهموم اإلنسانية الصغيرة‪ ،‬يحاول‬ ‫تماسا مع اليومي‪ ،‬هل يؤثر هذا المعطى‬ ‫مواجهة الضآلة التي آل إليها اإلنسان في هذا‬ ‫على اشتغالك األدبي؟‬ ‫الزمن‪ ،‬ويحاول إنقاذه من التآكل والتالشي‪.‬‬ ‫> جواب هذا السؤال مضمن في الجواب السابق‪،‬‬ ‫< كتاب ال تنصحنا بقراءته؟‬ ‫بمعنى أنني أيضا أحاول إيجاد الفجوات التي‬ ‫تتيح لي ممارسة «هوايتي» في الكتابة األدبية > الواقع أن ثمة الكثير من الكتب التي تستحق‬ ‫ال�ق��راءة‪ ،‬وال أعتقد أنني في موقع يسمح لي‬ ‫سواء الشعرية‪ ،‬أو تلك القراءات التي أنجزها‬ ‫بتقديم مثل تلك النصيحة‪.‬‬ ‫للكتب التي تروقني‪ .‬وكما أش��رت إل��ى ذل��ك‪،‬‬ ‫فاليومي ال يرتبط فقط بالعمل‪ ،‬بل بالحياة < شذرة أشعلت رؤاك؟‬ ‫بشكل عام‪ ،‬وهذا بال شك يؤثر كثيرا في التراكم‬ ‫ال��ذي يمكن أن أن�ج��زه على مستوى رصيدي > ع�ب��ارة جميلة للكاتب الفرنسي أن��دري مالرو‬ ‫ت� �ق ��ول‪ « :‬ه �ن��اك ش���يء م ��ن خ �ل��ود ي�ب�ق��ى في‬ ‫الشعري‪ ،‬كما يؤثر على أي مبدع آخر‪.‬‬ ‫اإلن �س��ان‪ ،‬اإلن �س��ان ال��ذي يفكر‪ .‬ش��يء أسميه‬ ‫< ب��م��اذا ي��ف��ك��ر ج��م��ال ال��م��وس��اوي ف��ي زم��ن‬ ‫نصيبه اإللهي‪ ،‬هو قدرته في أن يجعل الدنيا‬ ‫الحروب و انحسار القيم؟‬ ‫موضع سؤال»‪ .‬أتمنى أنني تذكرتها على ما هي‬ ‫> في زمن مثل الزمن الذي نعيش فيه‪ ،‬ال أفكر‬ ‫في كتاب «المذكرات المضادة»‪.‬‬ ‫* كاتب من المغرب‪.‬‬ ‫ ‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪101‬‬


‫الزواج في عصر سالطني املماليك‬ ‫(‪923-648‬هـ‪1517-1250/‬م)‬

‫> د‪ .‬محمد حسن محمد حسن*‬ ‫ال��زواج من أهم النظم االجتماعية‪ ،‬ألنه الرابطة المشروعة بين الجنسين‪ ،‬إذ قال‬ ‫الله تعالى‪{ :‬ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواج ًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة‬ ‫ورحمة}(‪ ،)1‬وقال أيضا‪{ :‬وانكحوا األيامى منكم}(‪ ،)2‬وهذا أمر من الله تعالى بالزواج‪ ،‬ومن‬ ‫ثم نستطيع القول إن الزواج قد وضعه الله تعالى أساس ًا لسالمة األوضاع االجتماعية‪،‬‬ ‫وبقاء النوع‪ ،‬والسمو بالعالقات بين الرجال والنساء إلى مستوى المشروعية‪ ،‬من حيث‬ ‫تنظيم الغريزة الفطرية في اإلنسان‪ ،‬بصورة تحفظ األنساب وتصون األعراض‪.‬‬ ‫ل��ذل��ك ك� ��ان م ��ن ال �ط �ب �ي �ع��ي أن ي �ك��ون‬

‫أن أهمية ال ��زواج عندهم كانت تنبع من‬

‫ال� ��زواج ه��و األس ��اس ال �ق��وي‪ ،‬ال ��ذي تبنى‬

‫كونه سبباً في إنجاب «ال��ول��د وخصوصاً‬

‫عليه حياة أي أس��رة تريد أن تعيش حياة‬

‫إذا ك��ان ص��ال�ح��ا‪ ...‬وإن ت��وف��ي ك��ان ألبيه‬

‫مستقرة‪ ،‬خاصة إذا ما روعيت فيه األحكام‬

‫شفيعاً ي��وم ال �ق �ي��ام��ة‪ ...‬وك �س��ر ال�ش�ه��وة‪،‬‬

‫وال �ش��رائ��ع ال�س�م��اوي��ة‪ ،‬وم��ن ث��م ف�ق��د ك��ان وتدبير ال�م�ن��زل‪ ،‬وك�ث��رة العشيرة‪ ،‬وث��واب‬ ‫ال��زواج في التشريع اإلسالمي‪ ،‬هو حجر المجاهدة بنفقة العيال في يوم القيامة‪،‬‬ ‫األساس والدعامة الكبرى التي يقوم عليها وإحياء السنة«(‪ ،)3‬هذا ما يقوله السيوطي‪،‬‬ ‫بناء األسرة‪.‬‬

‫وي��ؤك��د عليه اب��ن دان �ي��ال ف��ي موضع آخر‬

‫ومن المهم‪ ،‬ونحن بصدد الحديث عن فيقول‪« :‬وهو العاصم من األوزار والدخول‬ ‫ال� ��زواج ف��ي ع�ص��ر س�لاط�ي��ن المماليك‪ ،‬إلى النار‪ ،‬نتاجه األوالد والسادة األنجاد‪،‬‬

‫أن نتعرف على نظرة المصريين للزواج يعمرون الديار وينصرون باإلكثار‪ ،‬ويدرك‬ ‫ح�ي�ن�ئ��ذ‪ ،‬ب��وص�ف��ه ال�ل�ب�ن��ة األول� ��ى ف��ي بناء بهم الثار‪ ،‬ويقال بهم العثار»(‪)4‬؛ ويضيف‬ ‫ال «‪ ..‬إن��ه ينشط الكسالن‬ ‫األس��رة التي هى أس��اس المجتمع‪ ،‬فنجد الشعراني قائ ً‬

‫‪ 102‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫بكل حال ألجل النسل والعفاف»(‪.)5‬‬

‫البعض يريدها «درية اللون‪ ،‬حسنة الكون‪ ،‬ملفوفة‬

‫وهكذا نرى أن أهمية الزواج عند المصريين‬

‫البدن‪ ،‬ال رقيقة وال مفرطة السمن‪ ،‬أسيلة الخد‪،‬‬

‫حينذاك‪ ،‬كانت تنبع من كونها سبباً في إنجاب قائمة النهد»‬ ‫األوالد‪ ،‬ال��ذي��ن ي�ك��ون��ون ع��ون �اً ل�ه��م ع�ل��ى أع�ب��اء بيضاء مصقولة الخدين ناعمة‬ ‫الحياة وتقلباتها الحادة‪ ،‬كما أنه يساعدهم على‬ ‫دفع غائلة الشهوة‪ ،‬ع�لاوة على ذل��ك‪ ..‬فإنه قد‬ ‫يكون سبباً في السعي وراء المكسب الحالل‪،‬‬ ‫بنشاط وحماسة‪ ،‬وه��و في الوقت نفسه إحياء‬ ‫للسنة‪ ،‬ويبدو أن المصريين في غالب األحوال‪،‬‬

‫ك��أن��ه��ا ل��ؤل��ؤ ف��ي ال��خ��در مكنون‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫للمكسب الحالل»‪ ،‬وإنه «أولى من صفة العزوبة‬

‫تعكس رؤية الرجل لجمال المرأة آن��ذاك‪ ،‬فكان‬

‫حسن جرى قلم الباري فأبدعه‬ ‫خ��ط��ا ت���ح���ار ل���م���رآه ال����دواوي����ن‬ ‫وف��ي ب�ع��ض األح��ي��ان‪ ،‬ك��ان ال �م��ال وال�ج�م��ال‬ ‫يجعالن للعروس دالال أكثر عند بعض المصريين‬

‫قد أقبلوا على الزواج في سن مبكرة‪ ،‬بحيث إذا «ف�ت��رى أح��ده��م ي�س��أل ع��ن حسنها وع��ن مالها‬ ‫بلغ أحدهم‪ ،‬يصبح ال��زواج بالنسبة له طّ بَعِ ياً‪ ،‬فقط‪ ،‬وما عليه من دينها»(‪ )9‬بما يتنافى مع القيم‬ ‫وله ما يبرره‪ ،‬ونستطيع أن نؤكد أن سن الزواج‬ ‫عند الرجال‪ ،‬كان تحت سن العشرين في معظم‬ ‫األحوال(‪.)6‬‬ ‫وقد كانت هناك صفات معينة يتمنى معظم‬ ‫المصريين وجودها في زوجاتهم بصفة عامة‪،‬‬ ‫وهى صفات نابعة من معايير أخالقية‪ ،‬تعكس‬ ‫ال كان بعضهم‬ ‫بوضوح قيم المجتمع ومثله؛ فمث ً‬

‫اإلسالمية الغراء‪.‬‬

‫ولقد لعبت الخاطبة دوراً كبيراً في اختيار‬ ‫ال��ع��روس‪ ،‬وإت �م��ام ال�خ�ط�ب��ة‪ ،‬ن �ظ��راً ألن تقاليد‬ ‫المجتمع المصري حينذاك كانت تفصل بين‬ ‫الرجل والمرأة‪ ،‬ولم يكن متاحاً أن يرى العريس‬ ‫عروسه إال بعد زفافها إليه‪ ،‬عالوة على تحجب‬ ‫النساء‪ ،‬لذلك فقد كان من الطّ بَعِ ي أن يقصد‬

‫يتمنى أن تكون الزوجة «ودود ول��ود ق��ادرة على راغب الزواج الخاطبة‪ ،‬ألنها كانت تتظاهر ببيع‬ ‫إنجاب األوالد»(‪ ،)7‬وأن تكون محافظة على مال لوازم النساء‪ ،‬فيتاح لها دخول البيوت واإلطالع‬ ‫زوج�ه��ا‪ ،‬وتجيد إع��داد الطعام‪ ،‬وتكون مشتكى على أس��رار الحريم‪ ،‬لذا فإنها «تعرف كل حرة‬ ‫الهم والحزن‪ ،‬والحافظة ألس��رار زوجها‪ ،‬والتي وع ��اه ��رة وك ��ل م�ل�ي�ح��ة ب�م�ص��ر وال� �ق ��اه ��رة»(‪،)10‬‬ ‫تقف بجانبه وقت مرضه‪ .‬ويبدو أن المصريين‬ ‫قد اتفقوا في معظم األحوال‪ ،‬على أن أفضل تلك‬

‫فتستطيع بذلك أن تأتي للعريس بالعروس التي‬

‫تتفق مع رغباته‪.‬‬

‫الزوجات من تكون «المطية المطيعة» (‪ ،)8‬التي‬

‫إال إن��ه ف��ي بعض ال �ح��االت‪ ،‬يتضح للعريس‬

‫تخضع ألوامر زوجها وال تخالفه في الرأي‪ ،‬ولم‬

‫غ��ش ه��ؤالء الخاطبات‪ ،‬فيكتشف أن العروس‬

‫يكن ذلك يمنع أن يكون لتلك الزوجة مواصفات‬

‫قبيحة الشكل‪ ،‬وال يكتشف ذلك إال بعد الدخول‬

‫خاصة عند البعض‪ ،‬نابعة من مقاييس جمالية‪،‬‬

‫عليها‪ ،‬فيقول ابن دانيال عن ذلك ساخراً «فإذا‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪103‬‬


‫لا م�ع��ه ب�ع��ض ال �ه��داي��ا ال�م�ت��اح��ة لعروسه‬ ‫كشف عن وجهها الخمار شهقت شهيق الحمار‪ ..‬ح��ام� ً‬ ‫بأنف كالجبل‪ ،‬ومشافر كمشافر الجمل‪ ،‬ولون مثل «‪ ..‬خرقة على صينية مع أطباق الحلوى‬ ‫كلون الجعل‪ ،‬وأجفان مكحولة بالعمش ‪.)11(»00‬‬

‫وغيرها»(‪ ،)15‬وبعد انتهاء مرحلة الخطبة‪ ،‬تأتي‬

‫ويبدو أن هذه المهنة قد مارسها كذلك بعض المرحلة الخاصة بعقد القران‪ ،‬ودفع المهر أو‬ ‫الرجال‪ ،‬وكان يطلق على من يمارسها من الرجال ال�ص��داق‪ ،‬ويتضح لنا أن العريس ك��ان غالبا ما‬

‫«ال ��دالل» فيحدثنا المعمار عن «ال ��دالل» الذي يئن من المبالغة في الصداق المطلوب‪ ،‬وحسبناً‬ ‫ال على ذلك ما رواه ابن دانيال في كتابه طيف‬ ‫غشه‪ ،‬وزوجه بعروس غير جميلة‪ ،‬فيقول شاكياً‪ :‬دلي ً‬ ‫الخيال‪ ،‬بصدد زواج األمير وصال‪ ،‬ومعاناته من‬

‫ل���م���ا ج���ل���وا ع���رس���ي وع��اي��ن��ت��ه��ا‬

‫وج������دت ف��ي��ه��ا ك����ل ع���ي���ب ي��ق��ال الصداق المطلوب‪ ،‬إذ يقول على لسانه‪ ،‬البد من‬ ‫تدبير الحال وتجهيز المال‪ ،‬وأنشد ساخراً‪:‬‬ ‫ف���ق���ل���ت ل������ل������دالل م���������اذا ت����رى‬ ‫فقال م��ا أضمن إال ال��ح�لال‬

‫(‪)12‬‬

‫وربما يلجأ الرجل إلى طريق آخر في اختيار‬ ‫زوج��ه فيخبرنا األدف��وي بخبر مهم عن اختيار‬ ‫االب��ن لشريكة حياته‪ ،‬بطريقة م��ا‪ ..‬بعيداً عن‬ ‫الخاطبة‪ ،‬واع�ت��راض أسرته على ذل��ك‪ ،‬فيقول‬ ‫عن ذلك االبن إنه «‪ ...‬قصد أن يتزوج بامرأة‪،‬‬

‫أمسيت أفقر من ي��روح ويغتدي‬

‫ما في ي��دي من فاقتي إال يدي‬ ‫ف��ي منزل ل��م يبق غيري قاعدا‬ ‫ف�����������إذا رق�����������دت غ�����ي�����ر م����م����دد‬ ‫لم يبق فيه سوى رسوم حصيرة‬ ‫وم��خ��دة ك��ان��ت ألم ال��م��ه��ت��دي‬

‫(‪)16‬‬

‫وكما يفهم من أغلب عقود الزواج التي وصلتنا‬

‫فلم يرض أهله بذلك وقاموا عليه‪ ،‬فنظم قصيدة‬ ‫في ذلك وامتدح بها نجم الدين عمر البهنسي من ه��ذا العصر‪ ،‬أن��ه ك��ان من المعتاد أن يدفع‬ ‫ قاضي إسنا ‪ -‬وطلب منه مساعدته فساعده العريس جزءاً من المهر مقدماً قبل عقد القران‪،‬‬‫وتزوج بها»(‪.)13‬‬ ‫وهكذا يتضح لنا أن أه��ل العريس ك��ان لهم‬ ‫دور مهم في اختيار العروس‪ ،‬وقد كان ال بد من‬ ‫موافقتهم‪ ،‬وعلى االبن أن يحترم رأيهم‪ ،‬ويخضع‬

‫أم��ا ال�ب��اق��ي ال ��ذي ات �ف��ق ع�ل��ى تسميته بمؤخر‬ ‫الصداق‪ ،‬فكان يسدد على أقساط مؤجلة‪ ،‬تدفع‬ ‫في نهاية كل سنة(‪.)17‬‬ ‫وعلى الجانب األخ��ر‪ ،‬نجد أن أف��راد طبقة‬

‫لمشورتهم‪ ،‬ويبدو أيضاً أن الفتاة لم يكن لها رأي المماليك قد عمدوا إلى المبالغة بشدة في تقدير‬ ‫في اختيار زوجها‪ ،‬بل أن ال��رأي األول واألخير قيمة المهر أو الصداق – مقارنة بأبناء الشعب –‬

‫ظل لوالدها‪ ،‬وإن كانت األم في بعض األحيان بصورة جعلت مؤرخي تلك الفترة حريصين على‬ ‫إثبات ذلك في مؤلفاتهم التاريخية‪ ،‬ففي حين‬ ‫تشارك زوجها الرأي»(‪.)14‬‬ ‫نجد أن الصداق عندهم قد وصل أحياناً (‪)12‬‬ ‫وفي فترة الخطبة كان العريس يقوم بزيارة‬ ‫ألف دينار‪ ،‬كان المعجل منها (‪ )10‬آالف دينار‪،‬‬ ‫ب�ي��ت ع��روس��ه الس�ي�م��ا ف��ي ال �م��واس��م واألع �ي��اد‪،‬‬ ‫‪ 104‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫محــمد ب��ن ق �ل�اوون‪ ،‬ع�ل��ى ب�ن��ت األم �ي��ر بكتمر فتشجعها أحياناً– لألسف – على اإلفطار في‬ ‫الساقي‪ ،‬نجد أن أعلى صداق وصل عن طــــريق رمضان‪ ،‬خشية أن يتغير جسمها «عن الحسن‬ ‫عقود الزواج المحفوظة بمتحف الفن اإلسالمي‪ ،‬والسمن»‪ ،‬حيث كانت معايير الجمال آنذاك‪ ،‬أن‬ ‫لطبقة أفراد الشعب (‪ )500‬درهم المــعجـــل منها تكون العروس سمينة (ناصحة)‪ ،‬أما إذا كانت‬ ‫نحيفة‪ ،‬فهذا يعني أنها عروس تفتقد أحد أهم‬

‫‪100‬درهم (وليس ديناراً)(‪.)18‬‬

‫وبعد االنتهاء من عقد القران‪ ،‬تأتي الخطوة معايير الجمال عند ال��رج��ال ف��ي تلك الفترة‪،‬‬ ‫التالية‪ ،‬وهى إع��داد وتجهيز الشوار‪ ،‬ويبدو أن فنالحظ أن المرأة بعد الزواج كانت تحرص على‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫كما حدث في زواج آنوك ابن السلطان النـــــاصر أن تحافظ ابنتها دائماً على حسنها و«سمنتها»‪،‬‬

‫والد العروس كان يتحمل مسئولية إعداد شوار العناية بزيادة وزنها‪ ،‬ليعجب بها زوجها‪ ،‬فتلجأ‬ ‫(جهاز) ابنته وتجهيزها‪ ،‬ما كان يشكل عبئاً عليه‪ ،‬إلى تفتيت الخبز وبلعه قبل أن تأوي إلى فراشها‪،‬‬ ‫وربما كررت ذلك في الليل(‪.)21‬‬

‫ونجد البوصيري يؤكد لنا ذلك‪ ،‬قائالً‪:‬‬

‫وبعد أن يتم إعداد الشوار‪ ،‬تأتي مرحلة نقله‬

‫وف��ت��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��اة م���ا ج��ه��زت بجه ـ ـ ــاز‬

‫خ��ط��ب��ت ل���ل���دخ���ول ب��ع��د ش��ه��ور إلى منزل العريس على رؤوس الحمالين والبغال‪،‬‬ ‫في حفل يشترك فيه األقارب والمعارف كما هي‬

‫واقتضتني الشوار بغي ًا على من‬ ‫بيته ليس فيه غير ح��ص��ي��ر‬

‫(‪)19‬‬

‫ع��ادة المصريين‪ ،‬حينذاك‪ ،‬أما إذا كان الجهاز‬

‫ولقد تخصصت بعض األماكن في مصر لبيع خ��اص �اً ب��أب�ن��اء ال�س�لاط�ي��ن واألم � ��راء‪ ،‬ف�ق��د ك��ان‬ ‫ج�ه��از النساء وش��واره��ن‪ ،‬وف��ي بعض األح�ي��ان‪ ،‬يحمله م��ا يزيد على ثالثمائة ح�م��ال‪ ،‬وأحياناً‬

‫ك��ان المصريون يكتبون ف��ي عقود ال ��زواج على تستمر البغال في حمله ثالثة أيام‪ ،‬ويكن ذلك في‬ ‫أن الجهاز ليس باسم العروس‪ ،‬وإنما هو باسم موكب يسير فيه األمراء في أفخر ثيابهم ومعهم‬ ‫أمها أو جدتها أو والدها‪ ،‬بقصد حرمان الزوج الشموع(‪.)22‬‬ ‫أو أوالدها منه إذا ماتت‪ ،‬وطلبوا إرث أمهم(‪.)20‬‬

‫بعد ذلك‪ ،‬تكون ليلة الزفاف حيث تقام وليمة‬

‫وه��ذه تجاوزات سلوكية وقف كثير من الفقهاء كبيرة للمدعوين‪ ،‬وقد تكون في بيت العروس‪،‬‬ ‫والعلماء ضدها وبحزم‪.‬‬

‫أو في بيت العريس‪ ،‬أو البيتين معاً‪ ،‬وقد جرت‬

‫وينبغي أن نشير إل��ى أن أم ال �ع��روس كانت العادة على أن يتم تزيين منزل العروس بالبسط‬ ‫تمارس دورها التقليدي «كحماة»‪ ،‬وكانت في كثير والمقاعد والدكك والقناديل‪ ،‬استعداداً لقدوم‬

‫من األحيان تقرر على العريس نفقات زائدة كما العريس وإتمام الزفاف‪ ،‬وكان يتم أحياناً استعارة‬ ‫يقول الشعراني «وكذلك ننهي أم العروس عن القناديل م��ن المساجد إلح�ي��اء ال�ف��رح بنورها‪،‬‬ ‫التعنت على الزوج في مصطلح النساء»‪ ،‬ويبدو أن هذا في الوقت الذي يكون قد تم فيه االستعانة‬ ‫أم العروس كانت حريصة في بعض األحيان على بالماشطة‪ ،‬لتجميل ال�ع��روس لتظهر ف��ي أبهى‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪105‬‬


‫صورة‪ ،‬وفي أحيان كثيرة‪ ،‬تحضر الماشطة من في الوجه المشوم؟» أو يقولون‪« :‬إيش قام على‬ ‫عندها الثياب والحلي على سبيل االستعارة‪ ،‬الحزينة بالنقش وال��زي �ن��ة؟»(‪ .)25‬ويبدو أن هذه‬ ‫مقابل أجرة جيدة(‪.)23‬‬

‫العادة السيئة لم تتغير كثيراً حتى اآلن‪.‬‬

‫ث��م بعد أن تستكمل ال�ع��روس زينتها‪ ،‬تظهر‬

‫وس ��رع ��ان م ��ا ي�ح�ض��ر ال �ع��ري��س إل���ى م�ن��زل‬

‫من وراء ستارة‪« ،‬في هيئة مدهشة‪ ،‬عليها حلة العروس «وقدامه المغاني والشمع منصفة‪ ،‬ومن‬ ‫مزركشة‪ ،‬وعلى رأسها تاج يأخذ األبصار‪ ،‬وقد خلفه البوقات والطبول‪« ،‬ثم يدخل العريس إلى‬ ‫علتها السكينة وال��وق��ار‪ ،‬وهى تخطر في الجال اإلي��وان‪ ،‬وقد تعلق بصره وخاطره بعروسه التي‬ ‫والحلل‪ ،‬وتمشى الهوينا دون العجل‪ ،‬بقامة مياسة تجلس في القاعة‪ ،‬وسرعان ما تأتي إليه العروس‬ ‫ومقلة نعاسة»‪ ،‬ثم تتجه إلى القاعة التي أعدت وهي «مستورة الوجه بمنديل مذهب منقوش»‪،‬‬ ‫ألن تجلس فيها‪ ،‬وسرعان ما نجد أن المدعوين فيقوم العريس إليها‪ ،‬ويقبّلها بين عينيها‪ ،‬ثم ينثر‬ ‫من األهل واألقارب‪ ،‬ينشدون من حولها األغاني عليها الدنانير من جيبه‪ ،‬ويفعل ذلك أيضاً أقاربه‬ ‫قائلين‪ ،‬والعيون متعلقة ب��ال�ع��روس‪ ،‬والتصفيق ممن ح��ول��ه‪ ،‬وي�ص��ف لنا العريس تلك اللحظة‬ ‫الجميلة‪ ،‬فيقول بأسلوب ساخر‪:‬‬ ‫يطرب اآلذان‪:‬‬ ‫وبقت أمي تزغرط‬ ‫ي��������ا ع��������روس��������ة ف��������ي ال����������دالل‬ ‫والمغاني لي بتغرط‬ ‫ان��������ج��������ل��������ي وال ت������ب������ال������ي‬ ‫وأنا انشكع ونقط‬ ‫ان������ج������ل������ي س��������ت ال������ع������راي������س‬ ‫حين أراه ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــم يوصفونـ ـ ــي‬ ‫ي�������ا ع�������زي�������زة ف�������ي األه������ال������ي‬ ‫رقصوا في النور عروسي فبقيت انتر فلوس‬ ‫ك�������م ل�������ك أوص�������������اف ج���م���ي���ل���ة‬ ‫ثم حين فرغت كيسي‬ ‫ي�����اب�����دي�����ع�����ة ف��������ي ال�����ج�����م�����ال‬ ‫في الظـ ـ ـ ـ ـ ـ ــالم رفصونــي‬ ‫أو ينشدون من حولها قائلين‪:‬‬

‫ثم بعد ذلك تتراجع العروس «وتأخرت تمشي‬

‫ش���������ع���������رك أس������������������ود م������دل������ي‬

‫إل��ى ورا‪ ،‬والزغاريط صاعدة‪ ،‬واألف��راح زائ��دة‪،‬‬

‫أظ������ل������م������ت م������ن������و ال����ل����ي����ال����ي ولم تزل كذلك حتى انتهت إلى الستارة‪ ،‬فأرخيت‬ ‫ق�������د ظ�����ه�����ر ت����ح����ت����و ج���ب���ي���ن���ك‬ ‫عليها ساعة‪ ،‬ثم رفعت‪ ،‬وإذ بها قد ظهرت في‬

‫ق��������د ظ������ه������ر ش������ب������ه ال������ه���ل��ال حلة أبهى من األول‪ ،‬وأسنى منها وأجمل وصاروا‬ ‫ل������ك ح������واج������ب ق��������وس رام������ي‬ ‫يفعلون بها ذلك مرة بعد أخرى»(‪.)26‬‬ ‫ق����د رم������ت م����ن غ���ي���ر ن�����ب�����ال‬

‫(‪)24‬‬

‫وف��ي بعض األح �ي��ان ك��ان��ت ال �ع��روس ترتدي‬

‫وق��د يتهامس بعض المدعوين فيما بينهم‪ ،‬لباس ال��رج��ال م��ن جندي وق��اض‪ ،‬وم��ن أمامها‬ ‫إذا م��ا ك��ان��ت ال �ع��روس قبيحة ال�ش�ك��ل‪ ،‬أو غير «المخبطون (المهرجون) الذين يحاولون بشتى‬ ‫جميلة‪ ،‬قائلين في همس‪« :‬إيش تعمل الماشطة الطرق إضحاك المدعوين في الفرح»‬

‫(‪)27‬‬

‫‪ 106‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫وإثارة‬


‫جو من المرح والسعادة بين الناس‪.‬‬

‫بعد ذل��ك يقوم العريس ويأخذ عروسه إلى والجدعان تمشي بالمصابيح»‪ .‬ويرشون عليها‬ ‫بيت الزوجية‪ ،‬تصاحبه زفة صاخبة شدت انتباه الملح خوفاً من الحسد‪ ،‬ثم بعد ذلك يجلسونها‬

‫أحد المشاهدين‪ ،‬وأخ��ذت بلباب قلبه‪ ،‬فأنشد على ش��يء مرتفع‪ ،‬وي��أت��ي م��ن تحتها الطبال‬ ‫وينشدها األشعار مثل «يا عروسة يا أم غالي‪،‬‬ ‫يقول في وصفها‪:‬‬ ‫انجلي وال تبالي»‪ ،‬وأي�ض�اً «ي��ا عريس قم خد‬ ‫ع����اي����ن����ت ف������ي ب�����ارح�����ت�����ي زف����ة‬ ‫ق���ض���ي���ت ف���ي���ه���ا ك�����ل أوط��������اري‬ ‫وش��م��ع��ه��ا م��ث��ل ن���ج���وم ال��دج��ى‬

‫عروستك واط�ل��ع بها ف��وق العاللي‪ ،‬واف��رش��وا‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫ال�ع��روس «خلفها الصبايا بالزغاريط تصيح‪،‬‬

‫القبة وناموا فوقها جنح الليالي»؛ ثم يلتفون‬

‫م���ح���ي���ط���ة ب���ال���ق���م���ر ال����س����اري حول العروس‪ ،‬وينادي رجل يمسك بيده شعلة‬ ‫من قماش «هاتوا النقوط صاحب العرس بقى‬ ‫���ائ�ل�ا‬ ‫م����ا زل�����ت ق����د ع��اي��ن��ت��ه��ا ق ً‬ ‫ي���ا ل��ي��ت��ه��ا ك���ان���ت إل����ى داري‬

‫(‪)28‬‬

‫ومن العادات السيئة التي تكشف لنا عن تفشي‬ ‫الجهل بتعاليم الدين اإلسالمي الصحيحة‪ ،‬أن‬ ‫العريس في تلك الليلة‪ ،‬قد يكون في جيبه بعض‬ ‫األحجبة التي يكتبها له بعض الشيوخ والمؤدبين‪.‬‬ ‫وجدير بالذكر‪ ،‬أنه على الرغم من كل مظاهر‬ ‫ذلك االحتفال‪ ،‬فإن العريس ال يرى زوجته غالباً‬ ‫إال بعد ال��دخ��ول عليها‪ ،‬واألم ��ر بالطبع كذلك‬ ‫بالنسبة لعروسه التي ق��د تكون أول م��رة ترى‬ ‫زوجها أمامها‪ ،‬فهي ترصد – كالعادة ‪ -‬بعض‬ ‫المدعوين يتخاصمون ويكثرون النقاش في أن‬ ‫ه��ذه ال��زف��ة ربما أكبر م��ن زف��ة ف�لان‪ ،‬أو يقول‬ ‫بعضهم إنها أقل من زفة فالن(‪.)29‬‬ ‫وعن أف��راح الفالحين‪ ،‬تشير المصادر إلى‬ ‫أنهم اع �ت��ادوا أن ي��زف��وا العريس ف��ي القرية‪،‬‬ ‫وس��ط م��دح المنشدين‪ ،‬وص��وت الطبول‪ ،‬ومن‬ ‫حوله « الجدعان تخبط بالنبابيت»‪ ،‬ويستمرون‬ ‫في ذلك حتى يصلوا إلى بيت العروس‪ ،‬حيث‬ ‫يقام حفل كبير يحييه الشاعر بالرباب‪ ،‬وتأتي‬

‫ف��ي أم��ان‪ ،‬ه��ات��وا يانسنا ي��ا ج��دع��ان‪ ،‬فيعطيه‬

‫الشخص منها ال��دره��م والدرهمين‪ ،‬والبعض‬ ‫يرمي له النصف أو النصفين»؛ ثم بعد ذلك‬ ‫يدخلونهما إلى البيت «ويغلقون عليهما الباب‪،‬‬ ‫وي��دق��ون ل�ه��م ب��ال�ح�ج��ارة ع�ل��ى األع��ت��اب‪ ،‬ف��إن‬ ‫أخذ وجهها هنوه وإال جرسوه وهتكوه‪ ،‬وقالوا‬ ‫ل��ه‪« :‬ش��رق��ت ال�ب�لاد وهتكتنا بين ال�ع�ب��اد»‪ ،‬ثم‬ ‫يقومون بزيارة العريس يوم الصباحية‪ ،‬وبعد‬ ‫ثالثة أيام يخرجون العروس‪ ،‬ويكشفون وجهها‬ ‫للمرة الثانية «ويجعلونها للناس شهرة ويأخذون‬ ‫النقوط»(‪.)30‬‬ ‫أما عن أفراح أهل الذمة‪ ،‬فيبدو أنها كانت تمر‬ ‫بالمراحل نفسها التي تمر بها أفراح المسلمين‪،‬‬ ‫فيما عدا كتابة عقود الزواج التي كانت تخضع‬ ‫لمراسيم خاصة يقوم بها رجال الدين‪ ،‬ويبدو لنا‬ ‫ذلك من حديث ابن إياس عن أفراح أهل الذمة‪،‬‬ ‫إذ يؤكد على أن طائفة من النصارى‪ ،‬قد احتفلوا‬ ‫ب��زواج أحدهم وس��ط مظاهر الطرب والسرور‬ ‫«وجمعوا فيه من أرباب المالهي كمغاني العرب‬ ‫وغ�ي��ر ذل � ��ك»(‪ ،)31‬ويشير اب��ن حجر ف��ي موضع‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪107‬‬


‫آخر «أنه سمح لهم في عصر المماليك‪ ،‬بإقامة‬

‫بها المسلمون أثناء احتفاالتهم الزوجية‪ ،‬ولو‬

‫أفراحهم بالمالهي والمغاني على عاداتهم»‪ .‬ومن كانت تلك العادات تختلف عن عادات المسلمين‪،‬‬ ‫المرجح أن تلك العادات التي لم يشر إليها ابن‬

‫ل��وج��دن��ا ص���دى ه���ذا االخ� �ت�ل�اف ف ��ي ك �ت��اب��ات‬

‫حجر‪ ،‬ال تختلف كثيراً عن ال�ع��ادات التي يقوم المؤرخين المعاصرين حينذاك‪.‬‬ ‫* كلية التربية للبنات‪ /‬جامعة الجوف ‪.‬‬ ‫(‪ )1‬الروم‪ :‬آية ‪.2‬‬ ‫(‪ )2‬النور‪ :‬آية ‪.23‬‬ ‫(‪ )3‬السيوطي‪ :‬الكنز المدفون والفلك المشحون (طبعة‬ ‫بوالق ب‪1288 ،‬هـ) ص‪.51‬‬ ‫(‪ )4‬ابن دانيال‪ :‬خيال الظل وتمثيليات ابن دانيال‪( ،‬دراسة‬ ‫وتحقيق إبراهيم حمادة‪ ،‬المؤسسة المصرية العامة‬ ‫للتأليف وال�ت��رج�م��ة وال�ط�ب��اع��ة وال �ن �ش��ر‪ ،‬ال�ق��اه��رة‪،‬‬ ‫‪1963‬م) ص‪.162‬‬ ‫(‪ )5‬الشعراني‪ :‬لواقح األن��وار القدسية في بيان العهود‬ ‫ال�م�ح�م��دي��ة‪( ،‬ط �ب��ع بالمطبعة ال�م�ي�م�ن�ي��ة‪ ،‬ال�ق��اه��رة‬ ‫‪1321‬هـ) ص‪.134‬‬ ‫(‪ )6‬اب��ن تغري ب��ردي‪ :‬النجوم ال��زاه��رة ف��ي ملوك مصر‬ ‫وال �ق��اه��رة‪( ،‬ط�ب�ع��ة م �ص��ورة ع��ن طبعة دار الكتب‪،‬‬ ‫ال �م��ؤس �س��ة ال �م �ص��ري��ة ال �ع��ام��ة ل�ل�ت��أل�ي��ف وال�ت��رج�م��ة‬ ‫وال �ط �ب��اع��ة وال �ن �ش��ر)‪ ،‬ج‪ ،15‬ص‪148‬؛ ال�م�ق��ري��زي‪:‬‬ ‫السلوك لمعرفة دول الملوك‪( ،‬ج‪ ،1‬ج‪ ،2‬نشرهما د‪/‬‬ ‫محمد مصطفى زي��ادة‪ ،‬ج‪ ،3‬ج‪ ،4‬نشرهما د‪ /‬سعيد‬ ‫عاشور‪ ،‬القاهرة‪1970 ،‬م)‪ ،‬ج‪4‬ق‪ ،3‬ص‪.175‬‬ ‫(‪ )7‬الشعراني‪ :‬المصدر السابق‪ ،‬ص‪.153‬‬ ‫(‪ )8‬ابن دانيال‪ :‬المصدر السابق‪ ،‬ص‪.164‬‬ ‫(‪ )9‬الشعراني‪ :‬المصدر السابق‪ ،‬ص‪.162‬‬ ‫(‪ )10‬ابن دانيال‪ :‬المصدر السابق‪ ،‬ص ص ‪.162 ،161‬‬ ‫(‪ )11‬نفس المصدر السابق‪ ،‬ص‪.174‬‬ ‫(‪ )12‬اب��ن ش��اك��ر الكتبي‪ :‬ف��وات ال��وف�ي��ات وال��ذي��ل عليها‬ ‫(تحقيق د‪ /‬إح �س��ان ع �ب��اس‪ ،‬دار ال�ث�ق��اف��ة‪ ،‬ب�ي��روت‬ ‫‪1973‬م) ج‪ ،1‬ص‪.52‬‬ ‫(‪ )13‬األدف� ��وي‪ :‬ال�ط��ال��ع السعيد ال�ج��ام��ع أس �م��اء نجباء‬ ‫الصعيد‪( ،‬تحقيق سعد محمد حسن‪ ،‬مراجعة د‪ /‬طه‬ ‫الحاجري‪ ،‬الدار المصرية للتأليف والنشر‪1966 ،‬م)‪،‬‬ ‫ص‪.242‬‬ ‫(‪ )14‬السخاوي‪ :‬التبر المسبوك في ذيل السلوك‪( ،‬بوالق‪،‬‬ ‫‪1896‬م)‪ ،‬ص‪.391‬‬ ‫(‪ )15‬اب��ن ال �ح��اج‪ :‬ال�م��دخ��ل إل��ى ال �ش��رع ال �ش��ري��ف‪ ،‬ج‪،1‬‬

‫‪ 108‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

‫ص‪.291‬‬ ‫(‪ )16‬ابن دانيال‪ :‬المصدر السابق‪ ،‬ص‪.164‬‬ ‫(‪ )17‬اب��ن طلحة ال��وزي��ر‪ :‬العقد الفريد للملك السعيد‪،‬‬ ‫(ال�ق��اه��رة‪1283 ،‬ه � �ـ)‪ ،‬ص‪189‬؛ سعاد م��اه��ر‪ :‬عقود‬ ‫الزواج على المنسوجات‪( ،‬القاهرة‪1960 ،‬م)‪ ،‬ص‪12‬‬ ‫(‪ )18‬ابن حجر‪ :‬الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة‪،‬‬ ‫(تحقيق محمد سيد جاد الحق‪ ،‬القاهرة‪ ،‬دار الكتب‪،‬‬ ‫‪1966‬م) ج‪ ،2‬ص‪.324‬‬ ‫(‪ )19‬البوصيري‪ :‬الديوان‪( ،‬تحقيق محمد سيد كيالني‪،‬‬ ‫القاهرة‪ ،‬ط‪1955 ،1‬م)‪ ،‬ص‪.108‬‬ ‫(‪ )20‬ال �م �ق��ري��زي‪ :‬ال �م��واع��ظ واالع �ت �ب��ار ب��ذك��ر الخطط‬ ‫واآلثار(دار صادر بيروت ب د) ج‪.89 ،2‬‬ ‫(‪ )21‬ابن الحاج‪ :‬المدخل‪ ،‬ج‪ ،2‬ص‪. 60‬‬ ‫(‪ )22‬ابن الصيرفي‪ :‬نزهة النفوس واألب��دان في تواريخ‬ ‫الزمان‪( ،‬تحقيق د‪ /‬حسن حبشي‪ ،‬القاهرة‪1973 ،‬م)‪،‬‬ ‫ج‪ ،1‬ص‪94‬؛ المقريزي‪ :‬الخطط‪ ،‬ج‪ ،2‬ص ‪.134‬‬ ‫(‪ )23‬اب��ن س� ��ودون‪ :‬ن��زه��ة ال�ن�ف��وس وم�ض�ح��ك ال�ع�ب��وس‪،‬‬ ‫(القاهرة‪1280 ،‬هـ)‪ ،‬ص‪.84‬‬ ‫(‪ )24‬المصدر السابق‪ ،‬ص ‪.85‬‬ ‫(‪ )25‬األب�ش�ي�ه��ي‪ :‬المستطرف م��ن ك��ل ف��ن مستطرف‪،‬‬ ‫(القاهرة‪1306 ،‬هـ) ج‪ ،1‬ص ‪.36‬‬ ‫(‪ )26‬ابن سودون‪ :‬المصدر السابق‪ ،‬ص ‪.85‬‬ ‫(‪ )27‬الشعراني‪ :‬لواقح األنوار‪ ،‬ص ‪.314‬‬ ‫(‪ )28‬ابن شاكر الكتبي‪ :‬فوات الوفيات‪ ،‬ج‪ ،2‬ص ‪.302‬‬ ‫(‪ )29‬الشعراني‪ :‬البحر المورود‪ ،‬ص‪95‬؛ لطائف المنن‪،‬‬ ‫(القاهرة‪1311 ،‬هـ) ص ‪.239‬‬ ‫(‪ )30‬ال�ش��رب�ي�ن��ى‪ :‬ه��ز ال �ق �ح��وف ف��ي ش ��رح ق�ص�ي��د أب��ي‬ ‫شادوف‪( ،‬بوالق‪1274 ،‬هـ) ص‪ ،11-9‬وهناك المزيد‬ ‫من التفاصيل الممتعة عن حياة الفالحين في تلك‬ ‫الفترة‪.‬‬ ‫(‪ )31‬ابن إياس‪ :‬بدائع الزهور في وقائع الدهور‪( ،‬تحقيق‬ ‫د‪ /‬محمد مصطفى زيادة‪ ،‬القاهرة‪ ،‬الهيئة المصرية‬ ‫ال�ع��ام��ة ل�ل�ك�ت��اب‪ ،‬ط‪1984 ،3‬م) ج‪1‬ق‪ ،2‬ص ‪320‬؛‬ ‫المقريزي‪ :‬السلوك‪ ،‬ج‪ ،3‬ص ‪.492‬‬


‫> ليلى جوهر سالم*‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫تكاملية السلوك اإلبداعي‬

‫الفن ظاهرة اجتماعية يمارسها ويعيشها وينهض بها أفراد يعيشون في جماعات‪ ،‬سواء‬ ‫منشئين لألعمال الفنية‪ ،‬أم متلقين ومستهلكين‪ .‬والفنان ال يستطيع العيش وحيدا أو منعزال‬ ‫عن الناس‪ ،‬وهو يكافح من أجل االرتقاء بنفسه وبجماعته من أجل التحكم في مفردات بيئته‬ ‫ثقافيا وتضاريسيا وفكريا‪ .‬والمجتمع الذي يحدث فيه اإلبداع‪ ،‬مسئول عن توفير الظروف‬ ‫التي تدفع بهذا المجتمع إلى تحقيق االستقرار‪ ،‬والنمو واالرتقاء‪.‬إذ أن السياق االجتماعي‬ ‫هو المحفز في الحركة اإلبداعية التي تؤدي إلى االزدهار‪.‬‬ ‫إل��ى الكلمة الالتينية (‪ )Kere‬ال ��ذي يعني‬ ‫كيف يتم ذلك ؟‬ ‫السلوك اإلب��داع��ي ليس ترفا يتزين به (النمو)‪ ،‬والفعل االنجليزي (‪ )Create‬يعني‬ ‫اس ��م ص��اح��ب اإلب � ��داع ال �ف �ن��ي‪ ،‬أو تتباهى (يسبب المجيء إلى الوجود)‪.‬‬ ‫وأشار الباحثون إلى أن كلمة إبداع تتجاوز‬ ‫به الجماعة‪ ،‬أو يفخر به المجتمع‪ ،‬بل هو‬ ‫ض ��رورة ملحة لتوثيق ن�ت��اج اإلب� ��داع الفني المئات من التفاسير‪ ،‬لكن المتفق عليه هو‬ ‫لذلك العصر؛ فالتوافق االجتماعي ي��ؤدي ال�ح�ي��اة إل��ى خلق ج��دي��د وم�س�ت�ح��دث‪ ،‬وفي‬ ‫إل��ى مقاومة التآكل والتخلف ع��ن النهضة االستخدام الفني‪ ،‬هو (نوع من التصرف أو‬ ‫بالحضارة ف��ي المجتمع‪ ،‬ه��ذا إض��اف��ة إلى السلوك المغاير غير المتوقع النافع والمالئم‬ ‫الصحة النفسية للفرد‪ ،‬وتحرر روح الجمال لمقتضى ال �ح��ال‪ ،‬واالق �ت �ص��ادي ف��ي الوقت‬ ‫نفسه)‪ ،‬وال يكون المبدع مبدعا فنيا حينما ال‬ ‫لتنطلق محتوية الكون بأسره‪.‬‬ ‫تعريف اإلب ��داع لغة كما ج��اء ف��ي لسان يأت بالجديد وغير المقلد‪.‬‬ ‫العرب (هو اإلتيان بأمر على شيء لم يكن‬ ‫ابتداء)‪ ،‬أبدعت الشيء (أي اخترعته)‪ ،‬كأن‬ ‫نقول أب��دع ال�ش��اع��ر؛ أي ج��اء بالبديع وهو‬ ‫(المحدث العجيب)‪.‬‬ ‫وأما في اللغة اإلنجليزية يقرر ((جوخاتينا))‬ ‫أن لفظ اإلبداع (‪ )Creativity‬يرتد في األصل‬

‫وم��ن تكاملية السلوك اإلب��داع��ي الجهد‬ ‫العقلي بقدرات عقلية من طراز معين‪ ،‬حيث‬ ‫أش��ار (جيلفورد) أن المبدع ال يكون مبدعا‬ ‫إال حين يملك ق��درات عقلية إضافية مثل‬ ‫االس��ت��دالل وال �ف �ه��م وال �ت��ذك��ر واالس�ت�ب�ص��ار‬ ‫ال ��خ‪ ..‬وإل��ى س�م��ات شخصية منها ال�ج��رأة‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪109‬‬


‫والمغامرة‪ ،‬والرغبة في التفوق واإلن�ج��از‪ ،‬والثقة‬ ‫بالنفس والجاذبية الشخصية واالجتماعية‪ ..‬كما ‪ -4‬مرحلة التنفيذ والتحقيق‪ :‬وه��ي مرحلة يقوم‬ ‫وج��د (ج�ل�ي�ف��ورد) أن��ه يجب أن يصب المبدع كل‬ ‫فيها المبدع بالعديد م��ن العمليات الفرعية‬ ‫هذه المفردات في قوالب جمالية مناسبة للسياق‪،‬‬ ‫ال�ت��ي ي�ه��دف م��ن ورائ �ه��ا إل��ى تهذيب ال��زوائ��د‬ ‫ومقبولة ممن يتلقى عنه جهده ونتاجه اإلبداعي‪.‬‬ ‫والتفاصيل‪.‬‬ ‫وم��ن ث��م ال ب��د أن ي�ك��ون ال�م�ب��دع م�ت��واص�لا مع‬ ‫ومن ثم يستقيم الموضوع متبلوراً ومكثفا في‬ ‫جماعته‪ ،‬مقبوال منها‪ ،‬ق��ادرا على التفاعل معها أجمل صورة يرضى عنها المبدع‪ ،‬وتجد قبوال من‬ ‫والتأثير فيها‪.‬‬ ‫جمهور المتذوقين أو المتلقين على وجه العموم‪.‬‬ ‫رؤيته اإلبداعية‪.‬‬

‫عملية اإلبداع في الفن‬ ‫سنتوقف عند ال�م�ص��ور بيكاسو للكشف عن‬ ‫عمليته اإلبداعية‪ ،‬كمثال‪..‬‬ ‫اكتشف (رودولف أرنهيم) أن بيكاسو وهو يمهد‬ ‫لرسم لوحته العبقرية الشهيرة (الجير نكيا) ‪ -‬التي‬ ‫ذاع صيتها كواحدة من أبرز اللوحات الفنية التي‬ ‫أب��دع��ت ف��ي ف��ن التصوير‪ -‬ق��د قطع رح�ل��ة شاقة‬ ‫خ�لال قيامه ب��إب��داع�ه��ا‪ .‬ف��اإلب��داع ظ��اه��رة تعتمد‬ ‫على جهد إنساني له طبيعة خاصة‪ .‬وكل مبدع له‬ ‫طقوسه وأج ��واؤه الخاصة‪ ،‬إل��ى أن يسلس األداء‬ ‫وتستقيم األفكار‪..‬‬

‫وم ��ا ه ��ذه ال �م��راح��ل إال أب �ع��اد ك�لاس�ي�ك�ي��ة أو‬ ‫تقليدية‪ ،‬أخ��ذ بها كثير من المفكرين في دراس��ة‬ ‫عملية اإلبداع‪ .‬وهناك من الحظ أن هذه المراحل‬ ‫ليست بالضرورة موجودة عند جميع المبدعين‪ ،‬وال‬ ‫عند المبدع الواحد في مسيرة انجازاته اإلبداعية‪.‬‬ ‫فقد ظهر من خالل الدراسات وجود استعدادات‬ ‫مستمرة على مدار رحلة العمل‪ ..‬وهناك اختيارات‬ ‫متنوعة وكثيرة‪ ،‬كما أنه يوجد مجهود ضخم مبذول‬ ‫من قبل المبدع‪ ..‬وهناك إش��راق��ات شتى‪ ،‬وليس‬ ‫إشراق واحد خالل رحلة العملية اإلبداعية للرسم‬ ‫والتصوير أو النحت‪..‬‬

‫أما المرحلة األخيرة «التنفيذ والمراجعة « فهي‬ ‫مراحل عملية اإلبداع‬ ‫ال تحدث في نهاية العمل فقط‪ ،‬حيث المبدع دائما‬ ‫‪ -1‬مرحلة االستعداد‪ :‬وفيها يبذل الكثير من الجهد ما يقوم بعمليات تحسين وتهذيب منذ بداية عمله‪.‬‬ ‫بعد أن تأتيه الشرارة األولى‪ ،‬من أجل تخصيب‬ ‫عملية اإلبداع ومواصلة االتجاه‬ ‫رؤيته اإلبداعية‪ ،‬بتفاصيل متنوعة تخص الفكرة‬ ‫إن العملية اإلبداعية بعد دراس��ة وب�ح��ث‪ ..‬ما‬ ‫والعمل‪.‬‬ ‫هي إ ّال جهد متصل محكوم بما أطلق عليه اسم‬ ‫‪ -2‬مرحلة االختمار‪ :‬وهي مرحلة هدوء وانصراف‬ ‫((مواصلة االت �ج��اه))‪ ،‬وه��و ذل��ك الخيط المتصل‬ ‫ظ��اه��ري ع��ن م��وض��وع اإلب ��داع‪ ،‬وإن ك��ان بعض‬ ‫ال��ذي يحمل م�ي��اه العملية اإلب��داع �ي��ة منذ بداية‬ ‫الباحثين ال يعتقدون بانصراف عقل المبدع‪.‬‬ ‫تدفقها وإلى نهاية العمل‪ ..‬يجتاز الصعاب ويحافظ‬ ‫‪ -3‬مرحلة اإلشراق‪ :‬وهي مرحلة اإللهام أو سطوع على أداء المبدع من التشتت والذوبان في متاهات‬ ‫الحل أو االنفتاح الفجائي بنور ساطع‪ ،‬وكأنه ال حصر لها‪ ..‬وعلى مدى التقدم عند إنجاز العمل‬ ‫سيل منهمر بالحجل السعيد‪ ،‬وبالتفاصيل للمبدع‪ .‬هناك العديد من العمليات الجزئية التي‬ ‫الحقيقية‪ ،‬حيث يستثمرها المبدع لتشكيل‬

‫‪ 110‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫من هو (جيلوفرد)‬

‫عالم أمريكي معروف قدم العديد من الدراسات‬ ‫التي راح يجربها وينشرها منذ عام ‪1950‬م‪ ،‬حيث‬ ‫أكد على أن اإلنسان المبدع ال يعمل في فراغ‪ ،‬وال‬ ‫يتعامل مع الصدفة‪ ،‬ولكنه غالبا ما يعمل من خالل‬ ‫نسق وخطة يمدانه بخطوط النسيج‪ ،‬تمضي إلى‬ ‫األم��ام ليحقق واقعا جديدا‪ .‬ولكن مع التقدم في‬ ‫العمل‪ ،‬تتبلور العناصر والمعطيات‪ .‬ومع التراكمات‬ ‫المتحققة تكتسب العناصر ومعطيات ودالالت‬ ‫مستقبلية تدفع بالمبدع إلى المزيد من العمل في‬ ‫اتجاه بناء العناصر في أطر جديدة‪ ،‬وتكتسب مالمح‬ ‫جديدة‪ ،‬وما يزال المبدع عاكفا عليها‪ ،‬مجودا لها‪،‬‬ ‫إل��ى أن يصل البناء إل��ى أقصى م��ا تمكنه طاقته‬ ‫من تقديمه في إنجازاته الفنية اإلبداعية‪ ..‬وهي‬ ‫الحركة لواقع المبدع اإلنسان‪ ،‬للرحيل مع األيام‬ ‫إلى األمام‪ ،‬مستبشرا بالقادم لألفضل‪.‬‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫يضمها جميعها إطار متكامل متماسك متفاعل من‬ ‫البصيرة الواعية المخططة المستندة على (أربعة‬ ‫أب�ع��اد) وارت �ق��اءات شتى‪ ،‬وه��و ما أطلق عليه اسم‬ ‫(األساس النفسي الفعال)‪ ،‬وفي إطار وحدة السلوك‬ ‫وتكامله‪ ،‬بما يحقق في النهاية إفراز ذلك المقطع‬ ‫وسيكولوجية التذوق الفني تنحصر فيها عدة‬ ‫السلوكي الفريد ال��ذي ينتج في لحظة ن��ادرة من نقاط أهمها‪:‬‬ ‫لحظات االنهماك والذوبان في العمل‪ ..‬إنها بحق‬ ‫‪ -1‬أبعاد عملية التذوق الفني‪.‬‬ ‫لحظة سحرية‪..‬وهي بؤرة فعل اإلبداع‪.‬‬ ‫‪ -2‬خصائص المتذوق (المتلقي)‪.‬‬ ‫مجرد خاطر لنفسية المبدع‪ ،‬إلى عاصفة متحركة‬ ‫ومحركة أيضا في وسيط أو وسائط بعضها مؤثر‬ ‫في نفس اللحظة‪ ،‬وبعضها غير مباشر تأتي أثاره‬ ‫الحقة في الزمن العاجل القريب أو البعيد‪.‬‬

‫‪ -3‬خصائص العمل الفني من جهة نظر (المتلقي)‪،‬‬ ‫وس �ي �ك��ول��وج �ي��ة ال� �ت ��ذوق ال �ف �ن��ي ه��ي ال�س�ل��وك‬ ‫ال� �م ��رك ��زي‪ ،‬وه� ��و م ��ا ي �ط �ل��ق ع �ل �ي��ه ال �ب��اح �ث��ون‬ ‫(االستاطيقا التجريبية)‪ .‬وهي تتم على أسس‬ ‫يمكن تفصيلها في أربعة أبعاد هي‪:‬‬ ‫ال �ب �ع��د ال �م �ع��رف��ي‪ /‬ال �ب �ع��د ال��وج��دان��ي‪ /‬البعد‬ ‫االج�ت�م��اع��ي‪ /‬ال�ب�ع��د ال�ج�م��ال��ي التشكيلي‪ .‬وه��ذا‬ ‫األخير يحوي الخصائص الجمالية‪ ،‬بعضها كامن‬ ‫داخل مكونات العمل للمبدع والمعروض للمتلقي‪،‬‬ ‫وبعضها كامن داخ��ل السلوك الشخصي ؛ حيث‬ ‫القدرة على التشكيل والتقويم‪ ،‬وتحمل الغموض‬ ‫والشك والتحوير واالستمتاع‪.‬‬

‫‪ -4‬الجمال منبعه األساسي ذاتي وليس ظاهري‪،‬‬ ‫ونحن نتلمس الجمال كمتلقين من رؤية شمولية‬ ‫للعمل المنجز‪ ،‬ويختلف الجمهور في قبولهم‬ ‫وتقويمهم للعمل م��ن م�ن�ظ��ور ج�م��ال��ي حسب‬ ‫الفن وسيط بين طرفين هما المبدع والمتلقي‪،‬‬ ‫الثقافة والفكر والبيئة‪.‬‬ ‫حيث أنه لولم يوجد الفن لما وجد المبدع‪ ،‬ولولم يكن‬ ‫هناك أناس يتلقون العمل الفني‪ ،‬ماكان لهذا العمل ‪( -5‬جمالية الفن اإلسالمي) قائمة على المنظور‬ ‫اللولبي‪ ،‬وهو متماشي مع المفهوم التصاعدي‬ ‫أن يوجد‪ ..‬فاإلبداع والتذوق عمليتان متالزمتان‪،‬‬ ‫ال��روح��ان��ي للمنظور اإلس�لام��ي‪ ،‬وخير مثال‪/‬‬ ‫والفن وسيط شرعي بين المبدع والمتلقي‪ .‬لذا‬ ‫الطواف على الكعبة‪ ..‬كما أن الفنان العربي‬ ‫ي�ت��وج��ب علينا أن ن�ع�ت��رف أن ال �ف��ن رس��ال��ة ذات‬ ‫المسلم يمأل ال �ف��راغ‪ ،‬وي�ف��زع منه ف��ي اللوحة‬ ‫مضمون اجتماعي‪ ،‬لذا يفترض وجود العديد من‬ ‫العناصر واألط� ��راف‪ ،‬حيث تتحول ال��رس��ال��ة من‬ ‫كمسطح‪ ،‬وذل��ك ألنه ينافي نزعاته الوجدانية‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪111‬‬


‫نظريات الجمال‬

‫المشحونة باإليمان واالستقرار النفسي‪.‬‬

‫‪ -5‬االستشهاد بأعمال فنانين عظماء تحوي أعمالهم‬ ‫االنسجام والجمال‪ ،‬حيث تطلق كلمة االنسجام‬ ‫التصويرية قيمة وفكراً وفلسفة جمالية‪.‬‬ ‫‪ harmony‬على توافق األجزاء المختلفة في أدائها‬ ‫‪ -6‬إن خيال الفنان هو ما يضفي الجمال اإلبداعي لوظيفة واحدة‪ ،‬أيضا تطلق على اإلحساس الصوتي‬ ‫للعمل‪ ،‬والجمال (اإلستيطيقا) هو علم يبحث الصادر من النغمات‪.‬‬ ‫تضم نظرية الجمال الفني ف��ي بحثها للعمل‬ ‫في قضايا الجمال والقبح من الناحية اإلبداعية‬ ‫والنقدية والنظرية‪ ،‬ويدرس سبل اإلبداع الفني‪ ،‬الفني كل أوجه العمل‪ :‬الموضوع والشكل والتعبير‪،‬‬ ‫والغاية منه الجمال في الفن؛ وهو ما دعت إليه وهي تعنى باحترام تكامل العمل الفني‪ ،‬وتنظر إليه‬ ‫مدرسة (الفن للفن) التي اتبعها (فلوبير)‪ ،‬وقد بوصفه موضوعا استطيقيا تكمن فيه وحدة دالالته‬ ‫ت�ط�رّق إليها ف��ي الماضي (ك��ان��ط) وأك��د عليه وقيمته‪.‬‬ ‫(هيجا) (في علم مقياس الجمال)‪.‬‬ ‫ولقد كان الهدف من كل النظريات االستطاقية‬ ‫تحديد السمات التي تميز أعمال الفن الجميل عن‬ ‫الموضوعات األخ��رى‪ .‬والتوصل إلى تجربة فنية‪،‬‬ ‫والتي هي نشاط إنساني سواء في عملية اإلبداع‪،‬‬ ‫أو في عملية االستمتاع (التذوق)؛ فهو نشاط محمّل‬ ‫بالقيم ومشبع بالجمال‪.‬‬

‫ليس هناك مثال نموذجي يُفرض على أعمال‬ ‫الفن‪ ،‬وليس هناك مجال يعيش في ذاته ولذاته عند‬ ‫إنتاج الموضوعات الجميلة‪ ،‬إذ أن وضع معايير للفن‪،‬‬ ‫أو تحديد تعريف يصف طبيعته أو ماهيته يُعد مسألة‬ ‫صعبة‪ ،‬والنظريات التي بحثت في قضايا الجمال‬ ‫الفني متباينة‪ ،‬خاصة أن العمل الفني ال ينتهي تأثيره‬ ‫وفي نهاية المطاف نستطيع أن نؤكد على أن‬ ‫ب��زوال الغرض من إنتاجه‪ ،‬وال بالعصر ال��ذي أنتج الفلسفة الجمالية ينبغي أن تكون نابعة عن اقتفاء‬ ‫فيه‪ .‬غير أن النظريات الجمالية باختالفها وتنوّع أثر الفن‪ ،‬وإال بقيت حبيسة األفكار التأملية دون‬ ‫المفاهيم‪ ،‬تعمل على توسيع نطاق معرفتنا‪ ،‬وتزيد مادة فنية تدور حولها‪.‬‬ ‫من استمتاعنا بأعمال الفن تنوّعا وثراء‪.‬‬ ‫وف��ي جميع م��راح��ل ت��اري��خ الفن ف��ي المذاهب‬ ‫الكالسيكية وال��روم��ان �س �ي��ة‪ ،‬وف��ي م��ذاه��ب الفن‬ ‫أراء حول وظيفة الفن‬ ‫ال�ح��دي��ث‪ ،‬ه�ن��اك دالئ��ل على أن ال�ف��ن التجريدي‬ ‫رأى أرسطو أن إيجابية الفن تنحصر في قيامه‬ ‫كانت له أراء تمهيدية في العهد اإلغريقي‪ ،‬وعند‬ ‫بدوره في تخليص النفس وتحصينها أخالقيا‪.‬‬ ‫أفالطون‪ ،‬وعند جماعة الفيثاغورسيين‪ .‬وفي القرن‬ ‫رأى كل من شللر وسبنسر أن مفهوم الفن شكل الثامن عشر يعد اندريه بزيتون من الواضعين لحجر‬ ‫سام من أشكال اللعب‪ ،‬لكنه يتخذ شكل النظام‪.‬‬ ‫أس��اس المذهب السريالي؛ وهكذا‪ ،‬كان للفلسفة‬ ‫أما روسو الذي ينكر فكرة أرسطو «التطهير»‪ ،‬الجمالية أن تكون صدى للوعي الجمالي واألساليب‬ ‫فإنه يؤكد في مفهومه على وظيفة الفن في تقوية واتجاهات الفنون القائمة على هذا الوعي الجمالي‬ ‫الحياة الواقعية‪.‬‬ ‫واإلبداعي‪.‬‬ ‫* فنانة تشكيلية سعودية وكاتبة وسكرتيرة تحرير جريدة دنيا سابقا‪.‬‬

‫‪ 112‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫ف�����������������������������������ن�����������������������������������ون‬

‫خط الثلث‬

‫عبقرية أ ّم ٍ‬ ‫ة وإعجاز قلم‬ ‫> معصوم محمد خلف*‬

‫أخاذ‪ ،‬وذوق رفيع في شكله‪ ،‬ورسمه‪ ،‬وزخرفته‪ ،‬والتفنن‬ ‫للحرف العربي جمال ّ‬ ‫في وضعه على الصفحات الناصعة البياض‪ ،‬أو اللوحات التشكيلية‪ .‬وقد أجادت‬ ‫األنامل المبدعة في رسمه وخطه‪ .‬ل��ذا‪ ،‬ب��رزت لنا منذ القرون األول��ى لمولده‬ ‫أن��واع متعددة األسماء واألش��ك��ال‪ ،‬ما رغّ ��ب وح ّ��ث على تكوين دراس��ات ومناهج‬ ‫وبحوث حول الحرف العربي‪ ،‬وكيفية خطه ورسمه‪ ،‬وضبط شكله‪ ،‬وفق القواعد‬ ‫المخصصة لها‪.‬‬ ‫يعد الخط العربي من أجمل فنون‬

‫أمام اإلنسان والمجتمع‪ ،‬وهو الشاهد‬

‫فالكتابة العربية التي تتميز بحروف‬

‫وال �ت �ق��دم ال� ��ذي واك� ��ب ت �ل��ك النهضة‬

‫ال �ع��رب والمسلمين على ح� ٍ�د س��واء؛‬ ‫طيّعة وليّنة في تعاملها مع الخطاط‪،‬‬

‫ه��ي بالطبع طبيعية ف��ي تعاملها مع‬

‫ال �ش �ع��وب‪ ،‬ال �ت��ي ات �خ��ذت م��ن أش�ك��ال‬

‫ع �ل��ى ع��ص��ور ال �ن �ه �ض��ة اإلس�ل�ام�� ّي��ة‪،‬‬

‫في كل المجاالت‪ ،‬وعلى مر السنين‬ ‫والعهود‪.‬‬

‫وه��و أح��د صيغ الفنون اإلسالميّة‬

‫الكتابة العربية منهجاً ثقافياً لها‪،‬‬

‫المهمّة؛ أثرى حياة المسلمين‪ ،‬بتوكيده‬

‫ف��ال �خ��ط ال �ع��رب��ي ك ��ان وم ��ا ي ��زال‪،‬‬

‫بفنون التشكيل والزخرفة‪ ،‬ما منحه‬

‫وال ��ذي ع��زز ذل��ك دخ��ول�ه��ا ف��ي الدين الصلة الوثيقة بين العقيدة والتعبير‬ ‫اإلسالمي‪.‬‬ ‫الفني ال�م�ل�ت��زم‪ ،‬ول�م��ا ل��ه م��ن ارت�ب��اط‬ ‫وسيظل دائماً فياضاً بكل ما يضيء‪ ،‬القدرة على التأثير العميق في فنون‬

‫ويفيد‪ ،‬ويبهج ال�ح�ي��اة‪ ،‬ويفتح اآلف��اق ال �ح �ض��ارات األخ� ��رى‪ .‬وه��و الوسيلة‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪113‬‬


‫التي حملت آيات كتاب الله الكريم‪ ،‬إلى كل بقاع‬ ‫األرض‪ ،‬والتي جاءت من خاللها إبداعات اآلالف‬ ‫م��ن ال �خ �ط��اط �ي��ن‪ ،‬آلالف م��ن ن �س��خ المصحف‬ ‫الشريف‪ ،‬بدافع التقرب إلى الله‪ ،‬والرغبة في‬ ‫نشر كتابه الفصل بين العالمين‪.‬‬ ‫كما يؤكد الخطاط المسلم تفوقه في هذا‬ ‫المجال‪ ،‬لدرجة جعلت كل دارسي الخط العربي‬ ‫يجمعون على أن الفنان المسلم جعل للكلمة وظيفة‬ ‫التي تتفاعل مع الخطاط أثناء الكتابة‪ ،‬ال توازيها‬ ‫جمالية مرئية‪ ،‬إلى جانب وظيفتها السمعية‪.‬‬ ‫متعة على وجه األرض‪ ،‬وهذه المتعة هي مزيج‬ ‫وقد حظي الخط العربي في اإلسالم بعناية‬ ‫متآلف بين اإلب ��داع وال�ح��رك��ات التي يسطرها‬ ‫خاصة‪ ،‬وال غرو في ذلك‪ ،‬فهو ترجمان القرآن‬ ‫ّ‬ ‫القلم‪ ،‬من خ�لال الكم الهائل ال��ذي يحوم حول‬ ‫الكريم‪ ،‬ووسيلته التي حفظ بها على مر العصور‪،‬‬ ‫تلك المائدة المنبسطة‪ ،‬ألن��واع شتى لحركات‬ ‫إذ حرص الفنان المسلم على مدى أربعة عشر‬ ‫الحرف الواحد‪.‬‬ ‫ق��رن �اً‪ ،‬ع�ل��ى ت�ج��وي��د ال �خ��ط ال�ع��رب��ي وتحسينه‪،‬‬ ‫وه���ي ح�ص�ي�ل��ة م� � ��دارس‪ ،‬وخ� �ب ��رات ن��واب��غ‪،‬‬ ‫ووضع أقصى ما يمكن أن يضعه العقل البشري‬ ‫م��ن القواعد والمعايير ف��ي سبيل تجويد هذا وعبقريات أشخاص متميزين‪ ،‬تجلّت بين أناملهم‬ ‫الفن وأحكامه‪ ،‬لتكون بمنـزلة قوانين ونظريات جماليات ال حصر لها من الكتابة العربية‪.‬‬ ‫هندسية غاية في الدقة‪ ،‬وال يجوز الزيادة عليها‬ ‫كذلك فإنها تبعث في النفس المتعطشة بوادر‬ ‫أو النقصان منها‪ ،‬يرجع إليها كل من أراد حذق االطمئنان والبحث بلهفة وشوق عن مكامن السر‬ ‫الكتابة‪.‬‬ ‫الدفين لبوح الحرف‪ ،‬واإليحاءات التي تنشدها‬ ‫وإن ج��ول��ة واح� ��دة ب �ي��ن م �ق��ام��ات ال �ح��روف بصمت وعبقرية وكمال‪.‬‬ ‫المتنوعة واللوحات التي تمتاز بخط الثلث‪ ،‬لهي‬ ‫ويروي لنا التاريخ أن الخليفة العباسي الواثق‬ ‫أجمل من حديقة غنّاء؛ كما إن المتعة الروحية بالله‪ ،‬أنفذ ابن الترجمان بهدايا إلى ملك الروم‪،‬‬

‫فرآهم قد علّقوا على باب الكنيسة كتباً بالعربية‪،‬‬ ‫ف �س��أل ع �ن �ه��ا‪ ،‬ف�ق�ي��ل ل ��ه‪ :‬ه ��ذه ك �ت��ب ال �م��أم��ون‬ ‫بخط أحمد بن أبي خالد‪ ،‬استحسنوا صورتها‬ ‫فعلقوها‪ .‬هذا ما حكاه الصولي‪ .‬وقد أورد أيضاً‬ ‫أن سليمان بن وهب‪ ،‬كتب كتاباً إلى ملك الروم‬ ‫في أيام الخليفة المعتمد‪ ،‬فقال ملك الروم‪ :‬ما‬ ‫رأي��ت للعرب شيئاً أحسن من هذا الشكل‪ ،‬وما‬ ‫أحسدهم على شيء حسدي على جمال حروفهم؛‬ ‫وملك ال��روم ال يقرأ الخط العربي‪ ،‬وإنما راقه‬

‫‪ 114‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫وسنتطرق ف��ي ه��ذا السياق إل��ى قلم الثلث‬ ‫الذي يعد ‪ -‬بحق ‪ -‬جوهرة األقالم العربية‪.‬‬ ‫أم الخطوط‬ ‫يعد خط الثلث‪ ،‬أو قلم الثلث‪ ،‬من الخطوط‬ ‫الكالسيكية‪ .‬وه��و سيد ال�خ�ط��وط عند جميع‬ ‫الخطاطين‪ ،‬لصعوبة تعلمه واحتياجه إلى مدة‬ ‫طويلة‪ .‬وه��و من أروع الخطوط العربية جماالً‬ ‫وكماالً‪ ،‬وأكثرها صعوبة من الخطوط األخرى‪،‬‬ ‫من حيث القواعد والموازين والحبكة‪ .‬وعندما‬ ‫يقال عن خطاط معيّن‪ ،‬إنه مجي ٌد لخط الثلث‪،‬‬ ‫فمعنى ذلك أنه قد أتقن قواعد وأص��ول الخط‬ ‫العربي‪.‬‬

‫ف�����������������������������������ن�����������������������������������ون‬

‫شخصه الخطاط الناجح والمبدع ال��ذي يعطي‬ ‫رصيداً جديداً لهذا الفن الخالد‬

‫باعتداله وهندسته‪ .‬ويقول الخليفة المأمون‪ :‬لو‬ ‫وفيه تتجلى عبقرية الخطاط في حُ سن تطبيق‬ ‫فاخرتنا الملوك األعاجم بأمثالها لفاخرناها بما‬ ‫لنا من أنواع الخط‪ ،‬يقرأ في كل مكان‪ ،‬ويترجم القاعدة مع جمال التركيب‪ ،‬وقد استعمل هذا‬ ‫الخط بكثرة للكتابة على جدران المساجد‪ ،‬وفي‬ ‫بكل لسان‪ ،‬ويوجد في كل زمان‪.‬‬ ‫التكوينات الخطية المعقدة‪ ،‬وذلك بسبب مرونته‪،‬‬ ‫ك �م��ا أن ال �خ��ط ال �ع��رب��ي يُ��رس��م ب ��أي شكل‬ ‫وإمكانية سكب حروفه في كل االتجاهات‪ ،‬إذ‬ ‫هندسي‪ ،‬وبأي صورة زخرفيه فنية‪ ،‬فهو طوع يد‬ ‫تبدو الكتابة كأنها سبيكة واحدة‪ ،‬يملؤها التشكيل‬ ‫الفنان الماهر والمبتكر‪ ،‬والنابغ المبدع؛ ولذلك‬ ‫لترتيب الحروف‪ ،‬بغية إيجاد أنغام مرئية تتخللها‬ ‫نجد له منذ بدء اإلسالم إلى اليوم أكثر من مائة‬ ‫فراغات صامتة أو ممتلئة بزخارف دقيقة‪ ،‬فتراه‬ ‫ن��وع‪ ،‬وليس له حد يقف عنده‪ ،‬مع العلم أن��ه ال‬ ‫يتحرك وهو جامد‪ ،‬فيجعل من اللوحة ضرباً من‬ ‫يطرأ على معالمه األصلية أي تغيير‪ ،‬أو تبديل‪،‬‬ ‫اإلع �ج��از؛ كما أن ات�ص��االت ال�ح��روف ببعضها‪،‬‬ ‫مهما تشعبت أقسامه وتعددت أقالمه‪.‬‬ ‫والخطاط الناجح هو ذلك الذي يمتلك تلك‬ ‫الشفافية العذبة للخوض في ميدان هذا الفن‬ ‫الرفيع‪،‬‬ ‫ف��ال�م��وه�ب��ة واإلي� �م ��ان‪ ،‬وال �ص �ب��ر وال �ت��واض��ع‪،‬‬ ‫والخلق الحسن‪ ،‬ويضاف إليها التدريب المستمر‪،‬‬ ‫والعناية الدقيقة بشكل الحرف‪ ،‬وطريقة أدائه‬ ‫السليمة؛ فمن يمتلك تلك المحاسن‪ ،‬يتكوّن في‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪115‬‬


‫فيها ش��يء م��ن ال�ق��وة‪ ،‬تتناسب م��ع عظمة هذا‬ ‫النوع القوي من الخط ومرونتة‪.‬‬ ‫وت �خ �ت �ل��ف أس��ال �ي��ب ال �خ �ط��اط �ي��ن ف ��ي ك�ت��اب��ة‬ ‫ه��ذا ال�ن��وع‪ ،‬كما يختلفون ف��ي طريقة التشكيل‬ ‫وال�ت�ج�م�ي��ل‪ .‬وي�م�ك��ن ك�ت��اب��ة ه��ذا ال �ن��وع بطريقة‬ ‫التركيب الخفيف‪ ،‬أو بالطريقة المرسلة‪ .‬ويمكن‬ ‫أيضاً كتابته بطريقة التركيب الثقيل‪ ،‬أو إدخال‬ ‫الكتابة في أشكال هندسية‪ ،‬وتكوينات زخرفيه؛‬ ‫ال في الكتابة‪ ،‬فهو‬ ‫ونظراً ألنه يأخذ وقتاً طوي ً‬ ‫يقل في كتابة المصاحف‪ ،‬وتقتصر كتابته على‬ ‫العناوين وبعض اآليات والجمل‪.‬‬ ‫مميزات خط الثلث‬ ‫< أنه إذا لم يكتب وفق شروط القاعدة ال يكون‬ ‫ال وباهراً‪.‬‬ ‫جمي ً‬

‫اللوحة‪.‬‬

‫< يمتاز عن غيره من الخطوط في التركيب؛‬ ‫الخاصة‬ ‫ّ‬ ‫< الحركات اإلع��راب�ي��ة‪ ،‬والتشكيالت‬ ‫فالجملة ال ��واح ��دة‪ ،‬يمكن أن تكتب ب�ع�دّة‬ ‫بخط الثلث‪ ،‬تُكتب بقلم آخ��ر‪ ،‬عرضه ربع‬ ‫أشكال‪ ،‬باختالف تركيب الحروف‪.‬‬ ‫ع��رض ال�ق�ل��م األص �ل��ي‪ ،‬ع��دا ال�ب�ع��ض منها‪،‬‬ ‫�اص��ة في‬ ‫< ك�م��ا أن ل�ك��ل خ�ط��اط طريقته ال �خ� ّ‬ ‫فإنها ت��رس��م ب�ع��رض القلم األص �ل��ي‪ .‬وعلى‬ ‫الكتابة‪ ،‬تميّزه عمّن سواه من الخطاطين‪.‬‬ ‫الخطاط أن يتقن كيفية توزيع هذه الحركات‬ ‫والتشكيالت‪ ،‬توزيعاً فن ّياً سليماً في اللوحة‪.‬‬ ‫< االهتمام الكامل برسم أي حرف من حروف‬ ‫خط الثلث‪ ،‬وإن أي إهمال بسيط يشوّه جمال < تمتاز قاعدة خط الثلث بأنها ثابتة‪ ،‬إال أن‬ ‫هناك فرقاً يسيراً في بعض الحروف لدى‬ ‫المدرستين البغدادية والتركيّة‪.‬‬

‫< كما أنه ال بد من أستاذ ماهر‪ ،‬يُعتمد عليه في‬ ‫خط الثلث‪ ،‬للتعلم منه‪ ،‬وتقليده‪ ،‬واستشارته‬ ‫في الخط‪.‬‬ ‫وم��ن خ�لال سير الخطاطين ال�ع�ظ��ام‪ ،‬نرى‬ ‫أن الخطاط يعتمد في تدريبه على ه��ذا النوع‬ ‫إلى أكثر من خطاط‪ ،‬لتزداد في خبرته العملية‬ ‫تجارب عديدة‪ ،‬وابتكارات متنوعة‪ ،‬ليسلك بعد‬ ‫ذلك النهج الذي يالئمه ويتفاعل معه‪.‬‬ ‫‪ 116‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫وي�ق��ول ص��اح��ب ك�ت��اب (إع��ان��ة المنشئ) عن‬ ‫خط الثلث‪ :‬إنه أول خط ظهر منبثقاً عن الخط‬ ‫الكوفي‪ ،‬منذ بدء نشأة األق�لام المستعملة في‬ ‫أواخ���ر خ�لاف��ة ب�ن��ي أم �ي��ة‪ ،‬وأوائ� ��ل خ�لاف��ة بني‬ ‫العباس‪.‬‬

‫ف�����������������������������������ن�����������������������������������ون‬

‫وسمي بخط‬ ‫ال�� �ث�� �ل� ��ث‪ ،‬ألن� ��ه‬ ‫يكتب بقلم يبرى‬ ‫رأس� � ��ه ب �ع��رض‬ ‫ي� � �س�� ��اوي ث �ل��ث‬ ‫ع� � ��رض ال �ق �ل��م‬ ‫ال ��ذي يكتب به‬ ‫ال�خ��ط الجليل‪،‬‬ ‫ك �م��ا أن ��ه أص�غ��ر‬ ‫أيضاً من الطومار‪ ،‬ويعد أم الخطوط العربية‬ ‫بجماله وسيطرته على باقي أنواع الخطوط؛ فقد‬ ‫كان المنهل األس��اس ألن��واع كثيرة من الخطوط‬ ‫العربية‪ ،‬وال يعد اإلنسان خطاطاً إال إذا أتقن‬ ‫قواعده‪.‬‬

‫وب �ع��ده تسابق ال�خ�ط��اط��ون ف��ي إج ��ادة رسم‬ ‫حروفه وتكويناته‪ ،‬حتى أصبح في أجمل شكل‬ ‫وأبهى حلة‪ .‬وأصبحت حروفه الموزونة بالنقط‪،‬‬ ‫موضع اهتمام الدّارسين والباحثين‪ ،‬في مختلف‬ ‫أقطار العالم العربي واإلسالمي‪.‬‬

‫وق ��ال ص��اح��ب األب �ح��اث الجميلة ف��ي ش��رح‬ ‫الفضيلة‪ :‬إن األقالم الموجودة اآلن مستنبطة كلها‬ ‫من الخط الكوفي‪ .‬وفي كتاب (صفوة الصفوة)‬ ‫ما معناه أن التابعي الجليل‪ ،‬الحسن البصري‬ ‫أبو الثلث‬ ‫رضي الله عنه‪ ،‬الذي عاش ثمانية وثمانين عاماً‪،‬‬ ‫اخترعه الخطاط قطبة المحرر عام ‪136‬هـ‪ /‬هو الذي قلّب القلم الكوفي إلى النسخ والثلث‪.‬‬ ‫‪753‬م‪ ،‬أول خطاط في عهد بني أ ُميّة‪ ،‬واستخرج وقد جاء بهذه الرواية المهندس ناجي زين الدين‬ ‫أربعة خطوط من األقالم الكوفية الموجودة‪ ،‬وقد المصرف في كتابه (مصور الخط العربي) ص‬ ‫اشتق بعضها من بعضها اآلخر‪ .‬وتجمع المصادر‬ ‫على أن الخطاط اب��ن مقلة‪ ،‬هو أول من وضع‬ ‫قواعده‪ ،‬وأجاد فيه‪ ،‬وكان له الفضل الكبير في‬ ‫إيجاد الصيغة الفنية ل��ه‪ ،‬وبعد اب��ن مقلة‪ ،‬جاء‬ ‫ال�خ�ط��اط اب��ن ال �ب �وّاب‪ ،‬فتفنن فيه واخ �ت��رع له‬ ‫أنواعا جميلة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪117‬‬


‫‪ 1980 / 308‬ط بغداد‪.‬‬ ‫الجمالية الكثير‪ ،‬ويتميّز بآفاق جمالية واسعة‪،‬‬ ‫وقد اعتمد هذا الرأي بدافع مكانة هذا الرجل تعطي تكوينات فنية ال ح ��دود ل�ه��ا؛ فالحرف‬ ‫االجتماعية والدينية‪ ،‬فقد ذاع صيته لمتانة خُ ل ُقه العربي تراث متجدد‪ ،‬أينما يقف يسمو‪ ،‬وأينما‬ ‫ت �ح��رك‪ ..‬يعطي للعين موسيقى ت�س�ح��ره إل��ى‬ ‫وعل ّو مكانته‪،‬‬ ‫شواطئ اإلبداع والخيال الخصيب‪.‬‬ ‫وكان ورعاً فصيحاً‪ ،‬أ ُعجب به الناس فنسبوا‬ ‫له هذا الحدث الهام‪.‬‬ ‫وللكتابة بخط الثلث‪ ،‬يقول األس�ت��اذ محمد‬ ‫عبدالقادر ‪ -‬المدرس بمدرسة تحسين الخطوط‬ ‫العربية في القاهرة ‪ -‬بخصوص الكتابة‪ :‬نقطع‬ ‫م�ن�ق��ار ال�ق�ل��م ب��ان �ح��راف ي �س��اوي ث�ل��ث المنقار‪،‬‬ ‫فنحصل على قلم مالئم لخطي الثلث العادي‬ ‫والثلث الجلي‪.‬‬ ‫أنواع عديدة‬ ‫ينقسم خط الثلث إل��ى أن��واع عديدة حسب‬ ‫شكلها‪ ،‬وطريقة اإلبداع فيها‪ .‬وأنواعه هي‪:‬‬ ‫خط الثلث الجلي‪ ،‬خط الثلث المحبوك‪ ،‬الخط‬ ‫الثلثي الزخرفي‪ ،‬الخط الثلثي المتأثر بالرسم‪،‬‬ ‫خط الثلث المختزل‪ ،‬الخط الثلثي المتناظر‪.‬‬ ‫ف��ال �خ��ط ال �ع��رب��ي ي�م�ت�ل��ك م ��ن ال�خ�ص��ائ��ص‬

‫المراجع‬

‫ ‪-‬‬ ‫ ‬‫ ‬‫ ‬‫ ‬‫ ‬‫ ‬‫ ‬‫ ‬‫‪ -‬‬

‫فن الخط‪ ،‬مصطفى أغور درمان‪ ،‬مركز األبحاث للتاريخ والفنون والثقافة اإلسالميّة‪ ،‬استانبول‪.‬‬ ‫الخط العربي‪ ،‬حسن المسعود‪ .‬دار فالماريون‪ ،‬باريس‪ .‬فرنســا‪.‬‬ ‫أطلس الخط والخطوط‪ .‬حبيب الله فضائلي‪ .‬ترجمة‪ ،‬محمد التونجي‪ .‬دار طالس‪ .‬دمشق‪.‬‬ ‫الخط الزاهر الجلي‪ .‬للخطاط جواد سبتي النجفي‪ ،‬مطبعة الشهيد‪ ،‬طهران‪ ،‬جمهورية إيران اإلسالميّة‪.‬‬ ‫موسوعة الخطوط العربية وزخارفها‪ ،‬معروف زريق‪ ،‬دار المعرفة‪ .‬دمشق‪.‬‬ ‫الخط العربي‪ .‬الدكتور عفيف البهنسي‪ .‬دار الفكر‪ ،‬دمشق‪.‬‬ ‫الخط العربي من خالل المخطوطات‪ ،‬مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات اإلسالمية‪ ،‬الرياض‪،‬‬ ‫تاريخ الخط العربي وآدابه‪ ،‬محمد طاهر الكردي المكي‪ ،‬ج ‪ ،2‬مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات اإلسالمية‪.‬‬ ‫خط الثلث‪ ،‬رحلة مع الخط العربي‪ ،‬مجلة الفيصل‪ ،‬العدد ‪( 3‬ذو الحجة ‪1399‬هـ ‪1979‬م‪.‬‬ ‫قصة الكتابة العربية‪ ،‬إبراهيم جمعة ط‪ ،2‬دار المعارف‪ 1967 .‬سلسلة إقرأ‪ ،‬القاهرة‪.‬‬ ‫ّ‬

‫* خطاط من سوريا‪.‬‬

‫‪ 118‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫سعد الدين وهبة‬

‫م�������س�������ـ�������ـ�������ـ�������ـ�������ـ�������ـ�������ـ�������رح‬

‫مسرح الستينيات في مصر‬

‫> سعيد نوح*‬ ‫شهدت فترة الستينيات ازده��ارا حقيقيا لكل أشكال الثقافة وتجلياتها‪ ،‬فقد كانت فترة‬ ‫شديدة الزخم والثراء‪ ،‬سواء على مستوي اإلبداع‪ ،‬أو حتى على مستوى الحراك الثقافي العام‪،‬‬ ‫وعالقته باألحداث السياسية الكبرى‪.‬‬ ‫وقد تميز كتاب المسرح في تلك الفترة‬

‫للحريات واستبدال الطبقة أألرستقراطية‬

‫بذكاء مكّنهم من اإلفالت من شرك أن يتحولوا‬

‫المتمثلة بأسرة محمد علي واإلقطاع‪ ،‬بأخرى‬

‫إل��ى أب��واق للسلطة‪ ،‬ب��ل ك��ان المسرح وقتها م��ن الشعب‪ ،‬ولكنها استغلت السلطة التي‬ ‫مزدهرا متنوع األداء؛ وأبرز ما ميزه ظاهرتان‪:‬‬

‫نالتها بفضل الثورة‪ ،‬وظلمت الشعب ومنه فئة‬

‫األول ��ى‪ ،‬إقامته لجسور قوية م��ع الجمهور‪ ،‬المثقفين‪.‬‬ ‫فقد كان له قاعدة عريضة من المشاهدين؛‬ ‫والثانية‪ ،‬وج��ود الكم الهائل م��ن المبدعين‬ ‫والمخرجين المؤمنين بقيمة المسرح‪ ،‬ودوره‬ ‫في الحراك الثقافي والسياسي‪.‬‬ ‫تميز أيضا بوجود حوار دائم مع السلطة‪،‬‬

‫ل��ذا عمد كتاب المسرح في تلك الفترة‬ ‫إل��ى كشف الصراعات وأوج��ه الفساد التي‬ ‫ظهرت خاللها ‪ -‬رغم إيمانهم الشديد بالثورة‬ ‫ فانتقدوها م��ن ال��داخ��ل‪ ،‬وح��اول��وا كشف‬‫الممارسات غير الجيدة من رجالها‪ ،‬والطبقة‬

‫وجدل ال ينتهي‪ ،‬وذلك لحب المثقفين الشديد الجديدة التي صاحبت وجودها‪ .‬فنجد سعد‬ ‫لشخص عبدالناصر‪ ،‬وكرههم كذلك لبعض الدين وهبة يعرض لصراع الطبقات‪ ،‬وينتصر‬ ‫السلبيات التي وقعت فيها الثورة‪ ،‬من كبت للطبقة الكادحة من المهمشين والفقراء‪ ،‬في‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪119‬‬


‫مسرحيته (السبنسة)‪ ،‬وال�ت��ي قسم فيها طبقات الوصول بأقصر الطرق‪ ،‬إلى عقل ووجدان جمهور‬ ‫ال�م�ج�ت�م��ع إل ��ى ط �ب �ق��ات أول� ��ى ف ��اخ ��رة‪ ،‬وسبنسة المشاهدين‪ ،‬ليناسب أدبا مسرحيا واقعيا معاصرا‪،‬‬ ‫متدنية‪.‬‬ ‫وفي مسرحيته (كوبري الناموس) يعرض أيضا‬ ‫لحال المهمشين من المجتمع المصري الذين ال‬ ‫يسكنون المدينة أو ال�ق��ري��ة‪ ،‬وإن�م��ا يعيشون على‬ ‫هامش الحياة فوق كوبري‪ ،‬ونسيهم التاريخ‪.‬‬ ‫كما يعرض نعمان عاشور من خالل مسرحيته‬ ‫(ال �ن��اس ال�ل��ي ت�ح��ت) لما يمكن تسميته بالصراع‬ ‫الوجودي في المجتمع المصري‪ ..‬يبدأ الصراع ‪-‬‬

‫يذيب ال�ف��وارق بين الطبقات‪ ،‬ويبدو منسجما مع‬ ‫الفكر االشتراكي السائد‪.‬‬ ‫كذلك‪ ،‬من المالمح الفنية لمسرح الستينيات‪ ،‬أن‬ ‫معظم األعمال لم تستطع اإلفالت تماما من تأثير‬ ‫إع�لام المسرح الغربي أمثال بريشت‪ ،‬وصموئيل‬ ‫بيكيت‪ ،‬ويونسكو‪ ،‬إال أنها جميعا قد اشتركت في‬ ‫االهتمام بعنصر االلتزام‪.‬‬ ‫ك�م��ا ع�م��د ال�م�س��رح إل��ى ت��رس�ي��خ دور المخرج‬

‫ف��ي أضيق نطاق ‪ -‬ف��ي المنزل ال��واح��د بين األب وتقويتة في إخ��راج العمل الفني‪ ،‬كما رسخ مفهوم‬ ‫واالب��ن‪ ..‬ثم يتمدد هذا الصراع على نطاق أوسع‪ ،‬العالقة بين مؤلف المسرحية ومخرجها‪.‬‬ ‫ليجسد ص��راع��ا بين جيل بأكمله يتصف بنظرة‬ ‫جامدة لألمور‪.‬‬ ‫ثم يأتي لطفي الخولي‪ ،‬فيناقش في مسرحيته‬

‫وقد ظهر ما عرف بالمسرح الواقعي الرمزي‪،‬‬ ‫وك��ان��ت ب��داي�ت��ه ب��داي��ة ن�ق��دي��ة‪ ،‬فرضتها ال �ظ��روف‬ ‫السياسية واالجتماعية المتغيرة بقيام ث��ورة عام‬

‫(القضية) مسألة تغير القوانين التي كانت سائدة ‪1952‬م‪.‬‬ ‫في مجتمع الملكية‪ ،‬وإح�لال القوانين االشتراكية‬ ‫في بداية المسرح في مصر‪ ،‬عني بالكوميديا‬ ‫محلها‪ ..‬يناقش مدى ما حققته تلك القوانين من‬ ‫أو الملهاة‪ ،‬ولم يكن الواقع السياسي متجليا بقوة‬ ‫نجاحات‪ ،‬وهل أفلحت في القضاء على الخلل الذي‬ ‫فيه‪ ،‬بل نستطيع القول إن المسرح في بدايته اعتنى‬ ‫ك��ان عليه المجتمع قبلها! أم أن الفئة االنتهازية‬ ‫عناية خاصة بالواقع االجتماعي‪ ،‬أما الصراعات‬ ‫وجدت لنفسها طريقا يحقق وجودها‪ ،‬وتستغل فيه‬ ‫السياسية‪ ،‬فلم تنعكس فيه بقوة؛ إلى أن جاءت في‬ ‫الطبقات الكادحة؟‬ ‫بداية الخمسينيات مجموعة من الرواد المجددين‪،‬‬ ‫إذاً‪ ،‬عنى المسرح في تلك الفترة بتناول القضايا الذين أرس��وا قواعد ما سمي بالمسرح السياسي‬ ‫السياسية‪ ،‬والمشكالت الوطنية‪ ،‬من خالل وجهة ال��رم��زي‪ ،‬ومنهم‪ :‬نعمان ع��اش��ور‪ ،‬ومحمود دي��اب‪،‬‬ ‫نظر معاصرة‪ ،‬تعبر عنها مشاعر ونماذج إنسانية وع�ل��ي س��ال��م‪ ،‬وس�ع��د ال��دي��ن وه�ب��ة‪ ،‬وأل�ف��ري��د ف��رج‪.‬‬

‫بسيطة‪ ،‬ولكنها ‪ -‬في الوقت ذاته ‪ -‬بالغة العمق‪.‬‬

‫وأصبح هناك مسرح يعنى بالصراعات السياسية‪،‬‬

‫وم��ن ال�م�لام��ح الفنية ف��ي م�س��رح الستينيات‪ ،‬وانعكاساتها على المجتمع ف��ي ص��ورة صراعات‬ ‫أن��ه استخدم اللهجة العامية العادية كلغة للحوار‬

‫إنسانية ال تقل عنها خطورة‪ ..‬إال أن المسرح الجديد‬

‫ال �م �س��رح��ي‪ ،‬وك � ��ان ال� �ه ��دف م ��ن ذل � ��ك‪ ،‬م �ح��اول��ة‬

‫(الواقعي) ‪ -‬بطبيعة الحال ‪ -‬لم يجد تسامحا من‬

‫‪ 120‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫كتابنا ال��واق�ع�ي��ون إل��ى ال��رم��ز‪ ،‬ليحملوه أفكارهم‬ ‫وأي��دل��وج�ي��ات�ه��م ال�ت��ي ت�ت�ع��ارض ب�ح��ال م��ع السلطة‬ ‫السياسية‪.‬‬ ‫حرص سعد الدين وهبة على اختيار موضوعات‬

‫الحياة السياسية في تلك الفترة‪.‬‬ ‫ولد سعد الدين وهبة في ‪ 4‬فبراير عام ‪1952‬م‬ ‫بمدينة طلخا في محافظة الدقهلية‪ ،‬وحصل على‬ ‫ليسانس الحقوق من كلية الشرطة ع��ام ‪1949‬م‪،‬‬

‫جادة لمسرحياته‪ ،‬مثل صراع الطبقات االجتماعية‪،‬‬ ‫وم��ا ح��دث في نكسة ع��ام ‪1967‬م‪ ،‬وفساد الحياة وليسانس ف��ي اآلداب قسم الفلسفة‪ ،‬م��ن جامعة‬ ‫السياسية في مصر‪ ،‬ورفض التطبيع مع إسرائيل‪ .‬اإلسكندرية عام ‪1956‬م‪.‬‬ ‫ومع ذلك قدمها في قالب كوميدي‪ ،‬حرص فيه على‬ ‫التشويق واإلث ��ارة‪ ،‬واستخدم في ح��واره��ا العامية‬ ‫المصرية‪ .‬وهو يعد أحد المثقفين البارزين‪ ،‬وواحداً‬ ‫من أعظم كتاب المسرح العربي‪ ،‬وأول رئيس للثقافة‬ ‫الجماهيرية في مصر‪ ،‬كما أنه ظل رئيساً لمهرجان‬ ‫القاهرة السينمائي لمدة اثني عشر عاماً متصلة‪،‬‬ ‫كما كان رئيسا التحاد كتاب مصر‪ ،‬وكتب الكثير من‬ ‫األفالم للسينما المصرية‪.‬‬ ‫ل��ق��د ع��ن��ى ف� ��ي م��س��رح��ه ب� �ت� �ن ��اول ال �ق �ض��اي��ا‬

‫ف�����������������������������������ن�����������������������������������ون‬

‫السلطة‪ ،‬التي كانت معنية أساسا بالنقد‪ ،‬لذا لجأ وسلبياتها‪ ،‬وبخاصة هزيمة ع��ام ‪1967‬م وفساد‬

‫ع�م��ل ف��ي ال�ص�ح��اف��ة م�ن��ذ ت�خ��رج��ه‪ ،‬ح�ت��ى عُين‬ ‫م��دي��را لتحرير ج��ري��دة الجمهورية ف��ي الفترة من‬ ‫ال �ع��ام ‪1958‬م وح �ت��ى ع ��ام ‪1964‬م‪ ،‬وك��ات �ب �اً غير‬ ‫متفرغ بجريدة األه ��رام‪ ،‬منذ ال�ع��ام ‪1992‬م‪ ،‬كما‬ ‫أصبح رئيسا لمجلس إدارة الشركة العامة لإلنتاج‬ ‫السينمائي العربي‪ ،‬ثم رئيسا لمجلس إدارة هيئة‬ ‫الفنون‪ ،‬فوكيال لوزارة الثقافة للثقافة الجماهيرية‪،‬‬ ‫ثم سكرتيرا للمجلس األعلى لرعاية الفنون واآلداب‪،‬‬

‫السياسية‪ ،‬والمشكالت الوطنية‪ ،‬من خالل وجهة والوكيل األول لوزارة الثقافة‪ ،‬ونائب الوزير في الفترة‬ ‫نظر معاصرة‪ ،‬تعبر عنها مشاعر ونماذج إنسانية ‪1975‬م ‪1980 -‬م‪ ،‬ثم رئيسا لمجلس إدارة صندوق‬

‫بسيطة‪ ،‬ولكنها ‪ -‬في الوقت ذات��ه ‪ -‬بالغة العمق‪،‬‬ ‫فكانت تلك المسرحيات تمثل بداية جديدة‪ ،‬لمرحلة‬ ‫تطور مهمة‪ ،‬من مراحل تطور المسرح المصري‬ ‫المعاصر‪.‬‬

‫رعاية األدب��اء والفنانين‪ .‬وق��د اختير سعد الدين‬ ‫وهبة نقيباً للسينمائيين في الفترة ‪1988 - 1979‬م‪،‬‬ ‫ورئيساً التحاد النقابات الفنية مرتين‪ ،‬ورئيس اتحاد‬ ‫كتاب مصر‪ ،‬ثم رئيساً لمهرجان القاهرة السينمائي‬

‫إذاً‪ ،‬يمكن ع ّد سعد الدين وهبة واحدا من رموز‬ ‫النهضة المسرحية في الستينيات‪ ،‬وهو بذلك ابن الدولي عام ‪1985‬م‪ ،‬ثم رئيساً لالتحاد العام للفنانين‬ ‫ش��رع��ي ل �ث��ورة ي��ول�ي��و‪ ،‬وم�ش��روع�ه��ا النهضوي فنياً العرب عام ‪1986‬م‪ .‬وقد توفي في الحادي عشر من‬ ‫وثقافياً‪ ،‬وم��ع ذل��ك ل��م يمنعه ه��ذا م��ن نقد الثورة نوفمبر عام ‪1997‬م‪.‬‬ ‫* كاتب من مصر‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪121‬‬


‫الكتاب ‪ :‬فتنة السؤال‪.‬‬ ‫الكاتب ‪ :‬سيد محمود‪.‬‬ ‫الناشر ‪ :‬املؤسسة العربية للدراسات والنشر‬ ‫ ‪ -‬بيروت‪.‬‬

‫> كتب – عصام أبو زيد*‬ ‫ألن سيد محمود يحرر (فتنة السؤال)‪ :‬شجرة حياة قاسم حداد تنمو باستمرار‪.‬‬

‫مزيج فريد وصنعةٍ جديدة أنجز الشاعر والصحافي المصري سيد محمود كتابه‬ ‫في ٍ‬ ‫(فتنة السؤال) من مجموعة حوارات أجريت مع الشاعر البحريني قاسم حداد على مدى‬ ‫عقود أربعة‪ ،‬وص��د َر أخيراً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر (بيروت) في ‪245‬‬ ‫صفحة‪.‬‬ ‫يقول سيد محمود‪ :‬أقبلتُ على تحقيق فكرة هذا الكتاب ألسباب عدة‪ ،‬في مقدمتها‬ ‫رغبتي في اقتران اسمي باسم قاسم حداد‪ ،‬كشاعر له تجربته اإلنسانية والجمالية التي تستحق غواية اإلبحار‬ ‫فيها واكتشاف أسرارها عبر رواية صاحبها‪ .‬وأذكر أن قاسماً قال لي بصراحته المعهودة‪ ،‬يوم أن فاتحني بمشروع‬ ‫الكتاب‪ ،‬أن صديقه األستاذ أحمد المناعي كان صاحب فكرة الكتاب منذ سنوات‪ ،‬لكن األمر كان يتأخر ألسباب‬ ‫مختلفة‪ ،‬أهمها أن قاسم لن يحسن إنجاز الكتاب بمفرده‪ ،‬فجاء لي قاسم حداد بأوراقه‪ ،‬وهي حصيلة كبيرة‬ ‫وغنية من الحوارات لكي أنتخب منها ما أريد‪ .‬لقد ألقى عليّ بمسئولية كبيرة اتضحت لي وأنا أقلّب أوراق هذه‬ ‫الحوارات في مادتها األولية قبل أن أعمل في تحريرها لتنتهي إلى وضعها الحالي‪.‬‬ ‫وأضاف محمود‪ :‬على الرغم من أن العمل على إنجاز هذا الكتاب جرى في زحام االنشغال اليومي بأمور العمل‬ ‫والحياة الشخصية‪ ،‬إال أنني تفاديت خسارته وواصلت العمل فيه كلما تيسر لي الوقت وتدريجياً‪ ،‬كنت أستشعر‬ ‫لذة االستمرار والمغامرة في تقليب أوراق من حياة قاسم حداد‪ ،‬بدت لي أشبه بأوراق الشجر‪ ،‬القابلة للنمو‬ ‫باستمرار‪ ،‬والسيما أنها كانت تدفعني إلى قراءة أعمال الشاعر وكتبه كلها والتي لم تكن متاحة لي من قبل‪ .‬ورغم‬ ‫أن حزناً ما أصابني حين انتهيتُ من تحرير المسودة األولى للكتاب ‪ -‬بسبب وصولي إلى نقطة النهاية ‪ -‬إال أن‬ ‫السعادة التي نقلها لي قاسم حداد قضتْ على هذا اإلحساس‪ ،‬بعد أن أبلغني ارتياحه للصيغة التي اقترحتها‪ .‬كما‬ ‫سعدت بالمالحظات التي دونها األستاذ أحمد المناعي على المسودة‪ ،‬وكانت مليئة باإلشارات والتصويبات القيمة‬ ‫التي حرصتُ على االستفادة منها بأقصى ما أستطيع‪ ،‬ال سيما أننا اتفقنا من دون قصد على تقييم الكثير من‬ ‫الحوارات التي شكلت اللبنة الحقيقية للكتاب‪ ،‬كما اتفقنا على ضرورة تفادي الكثير من المادة األصلية‪ ،‬إلى جانب‬ ‫ضرورة نشر فقرات مطولة من بعض الحوارات‪ .‬وكان األستاذ المناعي هو صاحب فكرة نشر أسماء المحاورين‬ ‫إلى جوار أسئلتهم وعدم االكتفاء بنشر أسمائهم في ترويسة الكتاب‪ ،‬حفاظا على حقوقهم المهنية‪ .‬وتدريجياً‪..‬‬ ‫تولدتْ فكرة الكتاب في صيغته المنشور بها‪ ،‬والتي تبدو أقرب إلى «ورشة عمل» أو «مائدة مستديرة» مقامة حول‬ ‫‪ 122‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫ق�������������������������������������������������������������راءات‬

‫تجربة الشاعر‪ ،‬حيث قدم إجاباته على أسئلة الزمالء معظمها تساؤالت تدور حول تجربته النضالية وتجربة‬ ‫أصحاب الحوارات األصلية‪ ،‬والذين أصبحوا في هذه االعتقال والسجن‪ ،‬ورفضه فكرة كتابة مذكراته حتى‬ ‫اآلن‪ ،‬إلى جانب تساؤالت أخرى تتناول عمله السياسي‪،‬‬ ‫التجربة مشاركين حقيقيين في إعداد المائدة‪.‬‬ ‫وال�م�ش��ارك��ة ف��ي تأسيس أس��رة ال�ك�ت��اب واألدب� ��اء في‬ ‫إيقاع السرد‬ ‫البحرين‪ ،‬ورئاسة تحرير مجلة «كلمات» التي صدرتْ‬ ‫وأوضح محمود أنه لما كانت طبيعة العمل الصحافي عن األسرة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي‪.‬‬ ‫تقتضي طرح تساؤالت عن أم��ور عامة وقضايا آنية‪،‬‬ ‫هذه كلها مسائل بدتْ لي الزمة لكي تكتمل معرفة‬ ‫فقد سمح لنفسه باستبعاد ه��ذا ال�ن��وع م��ن األسئلة‬ ‫القارئ بقاسم حداد‪ ،‬الشاعر الذي أرى أن هذا الكتاب‬ ‫وإجاباتها‪ ،‬إلى جانب تجنب كل ما هو عابر أو يتضمن‬ ‫ليس إال شرفة صغيرة تط ّل على حدائقه‪.‬‬ ‫تعليقات للشاعر حول أسماء معينة وردت في معرض‬ ‫اإلشادة بتجربته أو النيل منها‪ .‬ويضيف‪ :‬لما كان من‬ ‫نصوص جديدة‬ ‫الطبيعي أي�ض�اً أن تكرر على الشاعر أسئلة بعينها‬ ‫ويحتوي الكتاب أي�ض�اً على نصوص يتم نشرها‬ ‫ترتبط بتجارب نالت شهرة كبيرة‪ ،‬وال سيما تجاربه في ألول مرة لقاسم حداد‪ ،‬وتتجاور معها مقوالت لشعراء‬ ‫تأسيس موقع «جهة الشعر»‪ ،‬أو أعماله المشتركة مع ومفكرين تنير المشهد وتجعل م��ن الكتاب نموذجاً‬ ‫أدباء وفنانين عديدين‪ ،‬فقد كان من الضروري تجنب فريداً يدفع الناقد صبحي الحديدي في المقدمة التي‬ ‫التكرار‪ ،‬والتركيز على اإلج��اب��ة األعمق التي تضمن اختص بها (فتنة السؤال) إلى التأكيد على أننا أمام‬ ‫للقارئ حقه في اإللمام الكامل بظروف التجربة قدر كتاب حوارات فريد في تركيبه‪ ،‬ألربعة أسباب جوهرية‪،‬‬ ‫اإلمكان‪ .‬كذلك حرصتُ على أن أضمن للقارئ فرصة بين أخرى ليست أق ّل أهمية‪:‬‬ ‫االسترسال مع إجابات الشاعر وتساؤالت المحاورين‬ ‫‪ -1‬أ ّن صيغة الكتاب ال تقوم على تجميع ع��دد من‬ ‫حفاظا على إيقاع السرد قدر المستطاع‪ .‬وقد آثرتُ‬ ‫ال �ح��وارات م��ع ال�م��ؤل��ف‪ ،‬أج��راه��ا م �ح��اوِ ر واح��د؛‬ ‫التدخل بشكل محدود ج��داً‪ ،‬لكي أحافظ على الروح‬ ‫أو على سلسلة ح���وارات م�ع��ه‪ ،‬بتوقيع ع��دد من‬ ‫التي تميز حواراً عن آخر‪ ،‬بما يضمن انتماء كل فقرة‬ ‫المحاورين؛ بل هو ببساطة أقرب إلى حوار داخل‬ ‫لصاحبها‪ .‬وكان هدفي من ذلك تفادي ثغرات في كتب‬ ‫الحوار‪ ،‬يضيء مفهوم الحوار في ح ّد ذاته‪ ،‬بقدر‬ ‫مماثلة حررها زمالء عن شعراء آخرين‪ ،‬وكان نصها‬ ‫ما يدير حوارات (متبادلة‪ ،‬وليست البتة في صيغة‬ ‫الكامل يقوم على ح��وارات صحفية‪ ،‬بدت في القراءة‬ ‫سائل‪/‬مجيب فقط) بين قاسم حداد ومحاوريه‪.‬‬ ‫األخيرة تنتمي إليهم أكثر من انتمائها إلى أصحابها‬ ‫‪ -2‬أن م��ادّة الكتاب تعتمد على انتخاب بالغ الدقة‪،‬‬ ‫األصليين‪.‬‬ ‫وعالي الحساسية‪ ،‬لعدد من األسئلة التي جاءت‬ ‫وفي آخر مراحل إنجاز الكتاب‪ ،‬قررتُ إجراء عملية‬ ‫في ح��وارات متغايرة السياقات متباينة األمكنة‬ ‫ترميم شاملة‪ ،‬والتدخل بإضافة أسئلة جديدة أجاب‬ ‫واألزمنة‪ ،‬جرى انتقاؤها وتبويبها في فصول مرنة‬ ‫عنها صاحب «ورش��ة األم��ل» بقلب مفتوح‪ .‬وال أزعم‬ ‫ال�م��وض��وع��ات‪ ،‬عريضة ال�ن�ط��اق‪ ،‬ضمن منهجية‬ ‫أنها كانت أسئلة جديدة تماماً أو مبتكرة‪ ،‬لكنها كانت‬ ‫ت�ك��ام�ل�ي��ة‪ ،‬ت�ض�ف��ي ع�ل��ى ت �ع �دّد أص��وات �ه��ا تناغماً‬ ‫ثغرات أكدت لي أن الكتاب لن يكتمل دون‬ ‫ضرورية لس ّد ٍ‬ ‫أوركسترالياً رفيعاً‪.‬‬ ‫مقاربتها‪ ،‬السيما أن الحوارات التي شكلت بذرة الكتاب‬ ‫ولبنته األولى لم تطرحها‪ .‬ولع ّل السبب في ذلك يعود ‪ -3‬هذه التعددية في أصوات محاوِ ري قاسم حدّاد ال‬ ‫تقتصر على تباينهم في الرأي وتغاير اهتماماتهم‬ ‫إلى عدم حماسة الشاعر لإلجابة عنها دائماً‪ ،‬وهي في‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪123‬‬


‫وأول��وي��ات ما يبحثون عنه عند الشاعر فحسب‪ ،‬بسيطة‪ ،‬بل أصبح فضاء لألداء اإلبداعي والنقدي على‬ ‫ّ‬ ‫بل هم يتعددون أيضاً على أسس وظيفية‬ ‫تخص ح ّد س��واء‪ ،‬وميداناً يتيح للمؤلف خالل زمن الحوار‪،‬‬ ‫موقع ك ّل منهم في سيرورة التأليف والكتابة؛ منهم على األق ّل أن يكون قائد أوركسترا لذاته بذاته‪ .‬وهذا ‪-‬‬ ‫الشاعر والروائي‪ ،‬وبينهم الباحث‪ ،‬وفيهم المفكّر‪ ،‬في يقيني ‪ -‬ما يؤديه قاسم حداد على امتداد حوارات‬ ‫ال عن الصحافي‪ .‬وليس هذا بالتفصيل العابر‬ ‫فض ً‬ ‫صفحات الكتاب‪ ،‬ب َعوْن من محاورين ذوي مراس في‬ ‫إذا تفحّ ص المرء ‪ -‬بانتباه أكبر ‪ -‬مدى ما يدخله‬ ‫معرفة األورك�س�ت��را‪ ،‬وأفضل طرائق اإلن�ص��ات إليها؛‬ ‫موقع السائل من خصوصية على ال�س��ؤال‪ ،‬وفي‬ ‫وتحرير ذك��يّ من سيّد محمود‪ ،‬أح��د أفضل محرّري‬ ‫خاص‪.‬‬ ‫متابعة تفريعات السؤال على نحو ّ‬ ‫الصحافة الثقافية في العالم العربي‪.‬‬ ‫‪ -4‬قد تبدو الفصول وكأنها‪ ،‬للوهلة األولى‪ ،‬تفصل بين‬ ‫ويؤكد حديدي أن ما أنجزه هذا الكتاب كثير وغنيّ‬ ‫موضوع وآخر وتصنّف األسئلة في نوع من التقسيم‬ ‫أو األقسام‪ .‬لك ّن الحال ليست هكذا؛ أل ّن الفصل حول مفهوم الحوار بين طرفين عموماً‪ ،‬وما ينطوي عليه‬ ‫األوّل مثالً‪ ،‬المعنون «موسيقى الحديد الحزين»‪ ،‬ذلك من ديناميات التقاء السائل بالمجيب‪ ،‬والذات باآلخر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫يضم أسئلة حول القضايا التالية‪:‬‬ ‫(النص‪ ،‬الكتابة والحوار األدبي بوصفه ممارسة من جانب الكاتب لمهنة‬ ‫ال لمسئولياتها وألعبائها‪ .‬وال تكاد فقرة‬ ‫والحياة‪ ،‬الشكّ ‪ ،‬والدة القصيدة‪ ،‬البحث عن الوثوق‪ ،‬الكتابة‪ ،‬وتح ّم ً‬ ‫العمر‪ ،‬تجربة السجن‪ ،‬اليوميّ وأس�ط��رة الواقع‪،‬‬ ‫في هذه الحوارات تخلو من مواجهة قاسم حدّاد لهذه أو‬ ‫حضور ال��وع��ي‪ ،‬العاطفة‪ ،‬العقل‪ ،‬لحظة الكتابة‪،‬‬ ‫تلك من القضايا التي تتطلّب رفع الصوت‪ ،‬واضحاً عالياً‬ ‫الغموض في القصيدة‪ ،‬الحدس والحلم‪ ،‬ضمائر‬ ‫وصريحاً من جهة أولى‪ ،‬وصادقاً نزيهاً مبدئياً من جهة‬ ‫النص‪ ،‬الموت‪ ،‬السيرة الذاتية‪ ،‬الدور االجتماعي‬ ‫ّ‬ ‫ال ما يقوله حول مفهوم «خلجنة الثقافة»‪،‬‬ ‫للكاتب‪ ،‬الشاعر والصحافة‪ ،‬عالقات النثر والشعر ثانية‪ .‬خذوا مث ً‬ ‫في الكتابة‪ ،‬التنظير للشعر‪ ،‬الهاجس القصصي‪ ،‬إذ يقول بوجود مالمح خاصة للثقافة واألدب في الخليج‪:‬‬ ‫«أنا لستُ ض ّد المحلية أو الخصوصية‪ ،‬أو ض ّد أن تكون‬ ‫القلق والقلق المطمئن‪ ،‬العزلة‪.)...‬‬ ‫ويضيف ح��دي��دي‪ :‬على ام �ت��داد ه��ذه المنتخبات لك ّل منطقة وبيئة جغرافية مالمحها الخاصة‪ .‬هذا شيءٌ‬ ‫الحوارية‪ ،‬يظ ّل قاسم حدّاد شاعراً أ ّوالً وثانياً وعاشراً‪ ،‬متاحٌ‪ ،‬وليس مذموماً باإلطالق‪ ،‬لكنني ض ّد توظيف هذه‬ ‫قبل أن يبرهن على سويّة عالية من اليقظة والوعي األشياء توظيفاً سياسياً‪ ،‬وتكريسها ألسباب ومصالح‬ ‫ّ‬ ‫والشجاعة‬ ‫وحس االنشقاق والصراحة والوضوح‪ ،‬كما سياسية‪ ،‬خصوصاً بعد إط�لاق فكرة مجلس التعاون‬ ‫يظ ّل في ممارسة ه��ذه السجايا كلّها‪ :‬متماسكاً في الخليجي‪ ،‬ون �ه��وض األوه� ��ام السياسية واإلق�ت�ص��ادي��ة‬ ‫اليقين‪ ،‬عازفاً عن اإلطالق‪ ،‬متواضعاً في الجزم‪ ،‬بليغاً لمشاريع أعتقد أنها تهمل الجانب اإلنساني والحقوق‬ ‫في اإلفصاح‪ ،‬ونزيهاً في الكشف عن خبايا الكيمياء‬ ‫اإلنسانية المشروعة في المنطقة‪ ،‬وتركّز على صفات‬ ‫الشعرية التي يعتمدها في كتابة قصيدته‪.‬‬ ‫وخصائص تعزل منطقة الخليج عن غيرها من المناطق‬

‫خلجنة الثقافة‬

‫العربية‪ .‬وأكثر من ذلك فإن البعض يبالغ ليس بوجود‬

‫وي��رى ح��دي��دي أن م��ا يقوله األدي��ب ع��ن نصوصه األدب الخليجي‪ ،‬وإنما بوجود األدب اإلماراتي والبحريني‬ ‫وك�ت��اب��ات��ه وم �ق��اص��ده ل��م ي�ع��د م�ج��رد م�ح��ض محادثة والكويتي‪ ...‬إلى آخره»‪.‬‬ ‫* كاتب وناقد من مصر‬

‫‪ 124‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫ق�������������������������������������������������������������راءات‬

‫الكتاب ‪ :‬رسائل (راينر ريلكه ‪ -‬ماريو يوسا)‪.‬‬ ‫ترجمة ‪ :‬أحمد املديني‪.‬‬ ‫الناشر ‪ :‬دار أزمنة ‪ -‬عمان ‪ -‬اإلردن‪.‬‬

‫> عبدالله العقيبي*‬

‫إلى شاعر ناشئ (ريلكة)‪ ...‬إلى روائي ناشئ (يوسا)‬ ‫صدر في حزيران‪ /‬يونيو ‪2005‬م عن دار أزمنة‪ ،‬كتابان في طبعة واحدة‪ ،‬تحمل الطبعة على غالفها‬ ‫صورتين متوازيتين‪ ،‬األولى لـ (ريلكه)‪ ،‬الشاعر الذي تقاسم هو و (غوته) عرش الشعر األلماني في‬ ‫القرن العشرين‪ ،‬أما الصورة الثانية فكانت للروائي البيروفي (ماريو فرغاس يوسا) وهو من أهم‬ ‫روائيي أمريكا الالتينية‪ ،‬وصاحب روايات رائعة كـ (وليمة التيس) و(مديح زوجة األب) وغيرها‪.‬‬ ‫الكتاب معنون بـ (رسائل‪ ...‬راينر ماريا ريلكه إلى شاعر ناشئ‪ ،‬ماريو فرغاس يوسا إلى روائي‬ ‫ناشئ) ترجمة الشاعر والقاص المغربي أحمد المديني‪.‬‬ ‫احتلت رسائل ريلكه إلى شاعر ناشئ الجزء األول من الكتاب‪ ،‬وكان قد بدأها مع شاب ألماني‬ ‫عسكري اسمه (فرانز كرافر كابوس) في ‪ 17‬فبراير ‪1903‬م‪ ،‬بعد رسالة أرسلها الشاب ‪ -‬الشاعر‬ ‫الناشئ – إلى ريلكه‪ ،‬يطلب فيها من ريلكه رأيه في محاوالته الشعرية‪ ،‬والتي أرفقها مع الرسالة‪،‬‬ ‫وهكذا بدأت مراسالت الشاب والشاعر‪ ،‬لكن الكتاب ال يعرض إال رسائل ريلكه‪ ،‬عشر رسائل متقطعة‬ ‫على مدى أربع سنوات‪ ،‬كما هو واضح عبر رسالة ريلكه األخيرة‪ ،‬والمؤرخة بـ (عيد الميالد ‪1908‬م)‪،‬‬ ‫نشرت الطبعة األلمانية لرسائل ريلكه في عام ‪1929‬م‪ ،‬أي بعد رحيل الشاعر بـثالث سنوات فقط‪.‬‬ ‫ومن السطور األولى ألول رسالة من رسائل ريلكه‪ ،‬نجده يبتعد بالشاب وبالقارئ عن تفاصيل‬ ‫أبيات وشكل قصيدة الشاب‪ .‬يقول بعد أن يشكر الشاب على ثقته‪« :‬إنني ال استطيع وال أرغب في‬ ‫الدخول إلى تفاصيل الشكل في أبياتك‪ ،‬إذ ليس االهتمام النقدي ديدني‪ ،‬ثم إنه ليس أزعج من‬ ‫كلمات النقد لفهم عمل فني‪ ،‬إنها ال تؤدي سوى إلى ضروب من سوء التفاهم»‪ ..‬هكذا يحلق ريلكه‬ ‫بعيداً‪ ،‬ولكن باالتجاه العكسي‪ ..‬سيكون التحليق من اآلن وإلى آخر رسالة تحليقاً إلى الداخل‪،‬‬ ‫وستبدأ األسئلة‪.‬‬ ‫إن ريلكه في رسائلة يسأل الشاب أكثر من أن يجيب على أسئلته‪ ،‬يسأله عن كل شيء‪ ،‬أسئلة‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪125‬‬


‫من قبيل «اسأل نفسك هل ستموت لو منعت من ريلكه األمر الذي يؤرق المبدع على ال��دوام‪ ،‬وال‬ ‫الكتابة؟»‪« ،‬هل أنا مرغم حقاً على أن أكتب؟»‪ .‬سيما ال�ش��اع��ر؛ سيحدث الشاعر الناشئ عن‬

‫وهكذا يشير في مجمل رسائله إل��ى ش��يء في ال��وح��دة واإلح �س��اس بالبعد‪ ،‬وال��رغ�ب��ة ب��ه لدى‬ ‫الداخل‪ ،‬ويأخذ بيد الشاب نحو ذاته‪ ،‬يأخذه نحو المبدع‪ ..‬يقول‪« :‬أيها السيد العزيز‪ ،‬أحب وحدتك‬

‫النمو وفق قوانينه‪ ،‬يطلب منه أن ينمو كشجرة‪ ..‬وتحمل وزرها‪ :‬ولتكن الشكوى التي تلحقك منها‬

‫وأال يهتم بالزمن‪ .‬يقول‪« :‬إن الزمن هنا ليس ب��رداً وس�لام�اً عليك‪ ،‬ت�ق��ول‪ :‬إن األقربين إليك‬ ‫مقياساً‪ .‬إن سنة واحدة ال تحسب‪ ،‬وعشر سنوات بعيدون عنك؛ اعلم أن فضاء يتكون حولك‪ .‬وإذا‬

‫ليست ذات بال»‪.‬‬

‫ما بدا لك كل قريب بعيداً‪ ،‬فألن هذا الفضاء‬

‫وبين رسالة وأخرى‪ ،‬يعتذر ريلكه للشاب عن يقارب النجوم‪ ،‬إنه جد فسيح‪ ،‬فاستمتع بمشيتك‬ ‫عدم قدرته على الكتابة بشكل مستمر‪ ،‬ويأسف إلى األمام‪ ،‬فال أحد قادر أن يتبعك‪ ،‬وكن طيباً مع‬ ‫على تأخره في ال��رد – أحياناً لشهور – ويعلل من هم وراءك‪ ،‬واثقاً من نفسك‪ ،‬هادئاً أمامهم‪،‬‬ ‫ذل��ك ب��أن��ه يجهد ك�ث�ي��راً م��ن ال�ك�ت��اب��ة‪ ،‬فهو لكي وال ت��دوخ�ه��م بشكوكك‪ ،‬وال ترعبهم بإيمانك‪،‬‬

‫يكتب – يقول ‪ -‬يجب أن يكون في حالة تماهٍ أو بحماسك‪ ،‬إنهم ل��ن يستطيعوا فهمك‪ ،‬وح��اول‬ ‫غياب‪ ،‬وهذه الحالة تصور مستوى الكتابة لدى التواصل معهم فيما هو بسيط وصادق»‪.‬‬ ‫الشاعر‪ ،‬وترسل رسالة ضمنية بمدى صعوبة‬ ‫األمر (الكتابة)‪.‬‬

‫لكن األمر المفاجئ لقارئ رسائل ريلكه‪ ،‬هو‬

‫مالحظة المترجم في نهاية الرسالة العاشرة‬

‫يتحدث ريلكه عن اللحظة اإلبداعية‪ ،‬ومدى واألخيرة‪ :‬إن الســــــيد (كابوس) رغم محاوالته‬ ‫صعوبة انتظارها «انتظر بأناة ساعة والدة بريق الشعرية‪ ،‬لم يصبح شاعراً‪ ،‬إنما بقي في مهنته‬ ‫جديد‪ ،‬فالفن يتطلب من المخلصين إليه قدر ما العسكرية وارتاح لذلك‪.‬‬ ‫يبتغيه المبدعون»‪.‬‬

‫وهكذا على م��دى أرب��ع س�ن��وات‪ ،‬وم��ن أماكن‬

‫وعن النقد يكتب له‪« :‬اقرأ أقل ما يمكن من كثيرة في أوروبا (باريس‪/‬السويد‪/‬روما‪ )...‬والتي‬ ‫الكتب النقدية‪ ...‬إن األعمال الفنية ذات وحدة أرسل منها ريلكه رسائله لكل الشعراء الناشئين‪،‬‬ ‫متناهية‪ ،‬ول�ي��س أن�ك��ى م��ن ال�ن�ق��د لمعالجتها‪ ،‬اجتمع لدينا ك�ت��اب ليس باستطاعته صناعة‬ ‫المستحيل – بأن يصنع شاعراً – لكن باستطاعته‬ ‫والمحبة وحدها ما يسمح باستيعابها»‪.‬‬ ‫وكذلك عن الضرورة والحزن واألمل‪ ،‬يتحدث‬

‫ريلكه عبر رسائله لـ (كابوس) عن اليأس‪ /‬الله‪/‬‬ ‫اليقين‪ /‬الطفولة‪ /‬الشك‪« :‬أفضل ما يمكن أن‬

‫أن يأخذ بيد الشاعر الناشئ‪ ،‬ويرشده إلى منابت‬

‫الشعر بداخله‪.‬‬

‫أما الجزء الثاني من هذه الطبعة الرائعة فهو‬

‫نفعل ه��و أن نكف ع��ن مقاومته‪ ،‬كما ال تقاوم ال��ذي يخص ال��روائ��ي ال�ن��اش��ئ‪ ،‬وواض ��ح م��ن أن‬ ‫ماريوفرغاس يوسا لم يراسل روائياً ناشئاً؛ بل إن‬ ‫األرض الربيع عند قدومه»‪.‬‬ ‫المرسل إليه في هذا الجزء‪ ،‬هو قارئ افتراضي‪،‬‬ ‫وفي نهاية الجزء األول لهذه الطبعة‪ ،‬سيطرق‬ ‫‪ 126‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬


‫لعرض رؤاه حول فن الرواية‪ .‬وبجمع الكتابين في ذلك يقول‪ :‬كنَّ يبتلعن ال��دودة الوحيدة (التبنيا)‬

‫طبعة واح��دة إيحاء من الناشر بأن يوسا ‪ -‬بما ويعانين جراء ذلك‪ ،‬يأكلن من أجل الدودة؛ لكي ال‬ ‫أن��ه هو المتأخر ‪ -‬قد استحسن طريقة ريلكة تبدأ في أكل أحشائهن‪ ،‬بذلك يصف حال المبدع‬ ‫العفوية‪ ،‬أو البسيطة في الطرح‪ .‬وبنظرة ماسحة الذي «ال يكتب ليعيش بل يعيش ليكتب»‪.‬‬

‫لعناوين هذا الجزء‪ ،‬يالحظ أن يوسا قد وضع‬ ‫لكل رسالة عنواناً خاصاً‪ ،‬ما يؤكد أنه ليس ثمة‬

‫مرسل إليه حقيقي‪ ،‬بل هي التقنية المتبعة‪ ،‬كما‬

‫(الغول)‬

‫ق�������������������������������������������������������������راءات‬

‫أي أن يوسا استخدم أسلوب المراسلة‪ ،‬كتقنية ورغبتهن ف��ي ال�ت�ح��ول إل��ى رش�ي�ق��ات‪ ،‬م��ن أجل‬

‫ويتعرض يوسا في الفصل المعنون بـ (الغول)‪،‬‬

‫أن الرسائل بال تاريخ وال مكان إرسال‪ ،‬وستكون لإلجابة عن س��ؤال بالغ األهمية‪ ،‬وهو «من أين‬ ‫كلها مفتتحة ب �ـ «إل ��ى ص��دي�ق��ي ال �ع��زي��ز»‪« ،‬أي ت��أت��ي القصص ال�ت��ي ترويها ال ��رواي ��ات؟»‪ ،‬ومن‬ ‫صديقي»‪« ،‬أيها الصديق العزيز» وهكذا‪ .‬وفيما خ�لال ه��ذا ال�س��ؤال يدلف إل��ى أهمية التجربة‬ ‫– الخبرة ‪ -‬وي�ع��رض ف��ي ه��ذه ال��رس��ال��ة لرواية‬ ‫يلي سأعرض ألهم هذه الرسائل‪:‬‬ ‫(فلوبير) «غ��واي��ة القديس أن �ط��وان «– وس��وف‬

‫(حكمة الدودة الوحيدة)‬

‫يفعل ذلك كثيراً في رسائله الالحقة‪ ،‬سيتعرض‬

‫ف��ي ب��داي��ة ال��رس��ال��ة األول ��ى (ح�ك�م��ة ال ��دودة ل�ن�م��اذج كثيرة م��ن ال��رواي��ات العالمية ‪ -‬حيث‬

‫ال��وح��ي��دة)‪ ،‬ي �ح��اول ي��وس��ا ت �ب��ري��ر ال ��داع ��ي من ال�غ��ول ذل��ك المخلوق األس �ط��وري‪ ،‬ال��ذي يلتهم‬ ‫وراء رسائله‪ ،‬موجها حديثه إل��ى المرسل إليه نفسه بنفسه بدءاً بقدميه‪ .‬ويخبرنا بأن التراكم‬ ‫(ال��روائ��ي الناشئ) «الصديق العزيز»‪ ،‬وم��ن ثم الالنهائي لحياة الكاتب مع ذلك الجذر الذي هو‬

‫ينطلق إلى السؤال األهم (الكتابة)‪ ،‬لماذا الكتابة أساس موهبة الروائي‪ ،‬هما السبب السري وراء‬

‫«التخييل؟ «لماذا المبدع – الروائي هنا – في القصص التي يخترعها الروائي‪.‬‬ ‫مواز‬ ‫حاجة إلى الخيال‪ ،‬ما حاجته لصنع عالم ٍ‬ ‫للعالم الحقيقي؟ ما ج��دوى ذل��ك؟ ثم يجيب بـ‬

‫«إن التخييل وه��م ينطوي على حقيقة عميقة‪،‬‬

‫(سلطة اإلقناع)‬ ‫يقول في (سلطة اإلقناع)‪« :‬إن سلطة اإلقناع‬

‫إنها الحياة التي لم تتم لرجال ونساء في حقبة للرواية تخضع تماماً للنقيض من هذه الفكرة‪:‬‬ ‫معينة‪ ،‬رغبوا فيها دون الحصول عليها‪ ،‬ومن هنا إنها تقوم على تقليص المسافة بين التخييل‬ ‫إحساسهم بضرورة ابتداعها‪ .‬إنها ليست صورة والواقع‪ ،‬ومحو هذا الحد‪ ،‬وجعل القارئ يعيش‬ ‫التاريخ‪ ،‬بل باألحرى قفاه‪ ،‬ظهر العملة‪« ..‬نحو هذا الوهم‪ ،‬كما لو أنه الحقيقة التي ال تتبدل»‪.‬‬ ‫ذلك يتحدث يوسا‪ ،‬وأكثر من ذلك يقول إنه ال‬

‫يمكن حدوث ذلك للمبدع ما لم يعتنق األدب‪ ،‬ثم‬ ‫يستشهد بقصة دالة عن مدى اعتناق المبادئ؛‬

‫وه��ي قصة بعض بدينات القرن التاسع عشر‪،‬‬

‫(األسلوب)‬ ‫ي��دخ��ل ف��ي ال��رس��ال��ة ال �ت��ال �ي��ة م �ب��اش��رة إل��ى‬

‫(األس �ل��وب)‪« :‬المقوم األس��اس للشكل ال��روائ��ي‬

‫«كما يقول‪ ،‬ويبحر يوسا نحو عدة تجارب روائية‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ ‪127‬‬


‫ويالحظ أن هذه التجارب أقنعت القارئ بأنها‬ ‫ال يمكن أن تروى إال بهذه الطريقة (األسلوب)‪،‬‬

‫وه��ذا مالحظ ف��ي ال��رواي��ات العالمية الكبيرة‬ ‫بشكل كبير‪ ،‬ثم يضع قاعدة مهمة‪« :‬ال روائ��ي‬

‫بدون أسلوب منسجم وض��روري‪ ،‬وأنت تريد أن‬

‫تصبح روائياً‪ ،‬فعليك أن تبحث وتجد أسلوبك»‪.‬‬

‫(السرد والفضاء)‬

‫ذا قيمة عظيمة‪ ،‬لينفذ إل��ى العالم وإل��ى صنع‬ ‫مؤلف‪ ...‬يقول‪ :‬إن النقد تمرين للعقل والذكاء‪،‬‬ ‫أما اإلبداع األدبي‪ ،‬فعالوة على هذه العوامل‪ ،‬فإنه‬ ‫يدخل بكيفية حاسمة أحياناً عناصر‪ :‬الحدس‪/‬‬ ‫الحساسية‪ /‬التخمين‪ ،‬بل والصدفة التي تفلت‬ ‫دائماً من الشباك األكثر رفاعة للبحث النقدي؛‬ ‫لهذا من المستحيل أن نعلم أح��داً كيف يبدع‪،‬‬

‫وفي رسالة (السرد والفضاء) يعدد‪:‬‬

‫وأقوى ما نستطيع هو تعليمه القراءة والكتابة‪،‬‬

‫‪ -1‬سارد – شخصية‪ -2 .‬سارد – عليم‪.‬‬

‫أما الباقي فكل واحد يتعلمه بنفسه‪ ،‬وهو يتعثر‬

‫‪ -3‬سارد – ملتبس‪.‬‬ ‫وف��ي ه��ذا الفصل سيستشهد كثيراً بالتجارب‬ ‫ال��روائ�ي��ة‪ ،‬وستتضح عبقرية هائلة ل��دى ماريو‬

‫ويسقط وينهض من جـــــــديد بال انقطاع»‪.‬‬ ‫وأخيراً يختم بطلبه من الصديق العزيز أن‬ ‫ينسى كل ما قرأه عن الشكل الروائي‪ ،‬وأن يعكف‬

‫ف��رغ��اس ي��وس��ا‪ ،‬ف��ي ال �ق��درة على كشف خ��داع مرة واحدة على كتابة الروايات‪.‬‬ ‫السارد في رواي��ات كثيرة مثل‪( :‬موبي دي��ك) –‬

‫(دون كيخوته) – (ال �ب��ؤس��اء)‪ ...‬وغ�ي��ره��ا‪ ،‬كما‬

‫سيكشف في هذه الرسالة عن لعبة الزمن‪ .‬ثم‬ ‫سيخص رس��ال��ة أخ��رى خاصة بالزمن‪ ،‬ويتكلم‬

‫فيها عن المماثلة الغريبة بين الزمن الحقيقي‬

‫وزم��ن التخييل‪ .‬وس�ت�ك��ون رس��ال��ة (ال��زم��ن) من‬ ‫أطول رسائله‪.‬‬

‫وبعد عرض هذه الطبعة الرائعة من دار أزمنة‪،‬‬ ‫والتي تحمل في صفحاتها الـ (‪ )154‬الكثير مما‬ ‫يحتاجه المبدع‪ ،‬بل ما هو في أمس الحاجة إليه‪،‬‬ ‫بقي اإلشارة إلى أن أهمية هذا الطبعة ال تكمن في‬ ‫روعة الفكرة‪ ،‬أو سهولة الطرح لموضوع من أعقد‬ ‫الموضوعات – لماذا يكتب الشاعر أو الروائي؟!‬ ‫فقط‪ ،‬بل أهميتها تعود ألهمية الكاتبين كل في‬

‫أم��ا الرسائل التالية فستكون على التوالي‪:‬‬ ‫(مستوى الحقيقة‪ /‬التحوالت والقفزة النوعية‪ /‬مضماره؛ وع�لاوة على ِذل��ك مرحلة النضج لدى‬ ‫الصندوق الصيني‪ /‬العنصر الخفي‪ /‬األوعية االثنين‪ ،‬فريلكه ويوسا‪ ،‬كالهما كتب رسائله في‬ ‫المتواصلة)‬

‫ومن ثم سيختم برسالة قصيرة بالغة األهمية‪،‬‬

‫يودع يوسا فيها الروائي االفتراضي‪ ،‬ويخبره بأنه‬

‫أه��م مراحله؛ إنها مرحلة النضج‪ .‬وه��ذا ال يعني‬ ‫طبعاً أنهما قاال كل ما يمكن قوله‪ .‬إنما هي دعوة‬ ‫مفتوحة ل�ق��راءة رأيين مهمين‪ ،‬األول ك��ان لراينر‬

‫ال يريد القول بأن النقد عبث وبال جدوى «كال‪ ،‬ماريا ريلكه (‪1926 - 1875‬م) في الشعر‪ ،‬والثاني‬

‫أبداً‪ ،‬على العكس‪ ..‬فالنقد يمكن أن يكون مرشداً لماريو فرغاس يوسا (‪1936‬م ‪ )...-‬في الرواية‪.‬‬ ‫* كاتب وناقد من السعودية‬

‫‪ 128‬اجلوبة ‪ -‬خريف ‪1429‬هـ‬

Joba-21  

1 ‫9241هـ‬ ‫خريف‬ - ‫اجلوبة‬ ‫سنوي‬ ‫ربع‬ ‫ثقافي‬ ‫ملف‬ ‫اخليرية‬ ‫السديري‬ ‫عبدالرحمن‬ ‫مؤسسة‬ ‫عن‬ ‫يصدر‬ ‫9241هـ‬ ‫خريف‬ - ‫اجلوبة‬ ً‫ساب...

Advertisement