Issuu on Google+

‫درا�سات ونقد‬ ‫ن�صو�ص �إبداعية‬ ‫�سرية و�إبداع‬ ‫مواجهـــــات‬ ‫نوافـــذ‬

‫ملف اللغة العربية بين تداعيات‬ ‫العدد‪ :‬الحاضر وتحديات المستقبل‬

‫‪44‬‬


‫برنامـج نشر الدراسات واإلبداعـات األدبية ودعم البحوث والرسائل العلمية‬ ‫في مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬ ‫‪ -1‬ن�شر الدرا�سات والإبداعات الأدبية‬

‫يهتم بالدرا�سات‪ ،‬والإبداعات الأدبية‪ ،‬ويهدف �إلى �إخراج �أعمال متميزة‪ ،‬وت�شجيع حركة الإبداع‬ ‫الأدبي والإنتاج الفكري و�إثرائها بكل ما هو �أ�صيل ومميز‪.‬‬ ‫وي�شمل الن�شر �أعمال الت�أليف والترجمة والتحقيق والتحرير‪.‬‬ ‫مجاالت الن�شر‪:‬‬ ‫�أ ‪ -‬الدرا�سات التي تتناول منطقة الجوف في �أي مجال من المجاالت‪.‬‬ ‫ب‪ -‬الإبداعات الأدبية ب�أجنا�سها المختلفة (وفق ًا لما هو مب ّين في البند «‪ »٨‬من �شروط الن�شر)‪.‬‬ ‫ج‪ -‬الدرا�سات الأخرى غير المتعلقة بمنطقة الجوف (وفق ًا لما هو مب ّين في البند «‪ »٨‬من �شروط الن�شر)‪.‬‬ ‫�شروطه‪:‬‬ ‫‪� -١‬أن تت�سم الدرا�سات والبحوث بالمو�ضوعية والأ�صالة والعمق‪ ،‬و�أن تكون موثقة طبق ًا للمنهجية العلمية‪.‬‬ ‫‪� -٢‬أن ُتكتب المادة بلغة �سليمة‪.‬‬ ‫‪� -٣‬أن ُيرفق �أ�صل العمل �إذا كان مترجم ًا‪ ،‬و�أن يتم الح�صول على موافقة �صاحب الحق‪.‬‬ ‫‪� -٤‬أن ُتقدّم المادة مطبوعة با�ستخدام الحا�سوب على ورق (‪ )A4‬ويرفق بها قر�ص ممغنط‪.‬‬ ‫‪� -٥‬أن تكون ال�صور الفوتوغرافية واللوحات والأ�شكال التو�ضيحية المرفقة بالمادة جيدة ومنا�سبة للن�شر‪.‬‬ ‫‪� -٦‬إذا كان العمل �إبداع ًا �أدبي ًا فيجب �أن ي ّت�سم بالتم ّيز الفني و�أن يكون مكتوب ًا بلغة عربية ف�صيحة‪.‬‬ ‫‪� -٧‬أن يكون حجم المادة ‪ -‬وفق ًا لل�شكل الذي �ست�صدر فيه ‪ -‬على النحو الآتي‪:‬‬ ‫ الكتب‪ :‬ال تقل عن مئة �صفحة بالمقا�س المذكور‪.‬‬‫ البحوث التي تن�شر �ضمن مجالت محكمة ت�صدرها الم�ؤ�س�سة‪ :‬تخ�ضع لقواعد الن�شر في تلك‬‫المجالت‪.‬‬ ‫ الكتيبات‪ :‬ال تزيد على مئة �صفحة‪( .‬تحتوي ال�صفحة على «‪ »250‬كلمة تقريب ًا)‪.‬‬‫‪ -٨‬فيما يتعلق بالبند (ب) من مجاالت الن�شر‪ ،‬في�شمل الأعمال المقدمة من �أبناء وبنات منطقة‬ ‫الجوف‪� ،‬إ�ضافة �إلى المقيمين فيها لمدة ال تقل عن عام‪� ،‬أما ما يتعلق بالبند (ج) في�شترط �أن‬ ‫يكون الكاتب من �أبناء �أو بنات المنطقة فقط‪.‬‬ ‫‪ -٩‬تمنح الم�ؤ�س�سة �صاحب العمل الفكري ن�سخ ًا مجانية من العمل بعد �إ�صداره‪� ،‬إ�ضافة �إلى مكاف�أة‬ ‫مالية منا�سبة‪.‬‬ ‫‪ -١٠‬تخ�ضع المواد المقدمة للتحكيم‪.‬‬

‫‪ -2‬دعم البحوث والر�سائل العلمية‬

‫يهتم بدعم م�شاريع البحوث والر�سائل العلمية والدرا�سات املتعلقة مبنطقة اجلوف‪ ،‬ويهدف‬ ‫�إلى ت�شجيع الباحثني على طرق �أبواب علمية بحثية جديدة يف معاجلاتها و�أفكارها‪.‬‬ ‫(�أ) ال�شروط العامة‪:‬‬ ‫‪ -١‬ي�شمل الدعم املايل البحوث الأكادميية والر�سائل العلمية املقدمة �إلى اجلامعات واملراكز‬ ‫البحثية والعلمية‪ ،‬كما ي�شمل البحوث الفردية‪ ،‬وتلك املرتبطة مب�ؤ�س�سات غري �أكادميية‪.‬‬ ‫‪ -٢‬يجب �أن يكون مو�ضوع البحث �أو الر�سالة متعلق ًا مبنطقة اجلوف‪.‬‬ ‫‪ -٣‬يجب �أن يكون مو�ضوع البحث �أو الر�سالة جديد ًا يف فكرته ومعاجلته‪.‬‬ ‫‪� -٤‬أن ال يتقدم الباحث �أو الدار�س مب�شروع بحث قد فرغ منه‪.‬‬ ‫‪ -٥‬يقدم الباحث طلب ًا للدعم مرفق ًا به خطة البحث‪.‬‬ ‫‪ -٦‬تخ�ضع مقرتحات امل�شاريع �إلى تقومي علمي‪.‬‬ ‫‪ -٧‬للم�ؤ�س�سة حق حتديد ال�سقف الأدنى والأعلى للتمويل‪.‬‬ ‫‪ -٨‬ال يحق للباحث بعد املوافقة على التمويل �إج��راء تعديالت جذرية ت��ؤدي �إلى تغيري وجهة‬ ‫املو�ضوع �إال بعد الرجوع للم�ؤ�س�سة‪.‬‬ ‫‪ -٩‬يقدم الباحث ن�سخة من ال�سرية الذاتية‪.‬‬ ‫(ب) ال�شروط اخلا�صة بالبحوث‪:‬‬ ‫‪ -١‬يلتزم الباحث بكل ما جاء يف ال�شروط العامة(البند «�أ»)‪.‬‬ ‫‪ -٢‬ي�شمل املقرتح ما يلي‪:‬‬ ‫ تو�صيف م�شروع البحث‪ ،‬وي�شمل مو�ضوع البحث و�أهدافه‪ ،‬خطة العمل ومراحله‪ ،‬واملدة‬‫املطلوبة لإجناز العمل‪.‬‬ ‫ ميزانية تف�صيلية متوافقة مع متطلبات امل�شروع‪ ،‬ت�شمل الأجهزة وامل�ستلزمات املطلوبة‪،‬‬‫م�صاريف ال�سفر والتنقل وال�سكن والإعا�شة‪ ،‬امل�شاركني يف البحث من طالب وم�ساعدين‬ ‫وفنيني‪ ،‬م�صاريف �إدخال البيانات ومعاجلة املعلومات والطباعة‪.‬‬ ‫ حتديد ما �إذا كان البحث مدعوم ًا كذلك من جهة �أخرى‪.‬‬‫(ج) ال�شروط اخلا�صة بالر�سائل العلمية‪:‬‬ ‫�إ�ضافة لكل ما ورد يف ال�شروط اخلا�صة بالبحوث (البند «بــ») يلتزم الباحث مبا يلي‪:‬‬ ‫‪� -١‬أن يكون مو�ضوع الر�سالة وخطتها قد �أق ّرا من اجلهة الأكادميية‪ ،‬ويرفق ما يثبت ذلك‪.‬‬ ‫‪� -٢‬أن ُيق ّدم تو�صية من امل�شرف على الر�سالة عن مدى مالءمة خطة العمل‪.‬‬ ‫الجوف‪ :‬هاتف ‪ - 014 626 3455‬فاك�س ‪� - 014 624 7780‬ص‪ .‬ب ‪� 458‬سكاكا ‪ -‬الجوف‬ ‫الريا�ض‪ :‬هاتف ‪ - 011 281 7094‬فاك�س ‪� - 011 281 1357‬ص‪ .‬ب ‪ 94781‬الريا�ض ‪11614‬‬ ‫‪sudairy-nashr@alsudairy.org.sa‬‬


‫العدد ‪� - 44‬صيف ‪1435‬هـ ‪2014 -‬م‬ ‫جمل�س �إدارة م�ؤ�س�سة عبدالرحمن ال�سديري‬

‫م�ؤ�س�سة عبدالرحمن ال�سديري‬ ‫هيئة الن�شر ودعم ا ألبحاث‬

‫د‪ .‬عبدالواحد بن خالد الحميد ‬ ‫د‪ .‬خليل بن �إبراهيم المعيقل ‬ ‫د‪ .‬ميجان بن ح�سين الرويلي ‬ ‫محمد بن �أحمد الرا�شد ‬

‫رئي�س ًا‬ ‫ع�ضو ًا‬ ‫ع�ضو ًا‬ ‫ع�ضو ًا‬

‫امل�شرف العام ‪� :‬إبراهيم بن مو�سى احلميد‬ ‫�سكرترياً‬ ‫�أ�سرة التحرير‪ :‬حممود الرحمي ‬ ‫حمرراً‬ ‫حممد �صوانة ‬ ‫ ‬ ‫حمرراً‬ ‫عماد املغربي ‬ ‫ ‬ ‫�إخـــراج فني ‪ :‬خالد الدعا�س‬ ‫املرا�ســــــالت‪ :‬هاتف‪)+966()14(6263455 :‬‬ ‫فاك�س‪)+966()14(6247780 :‬‬ ‫ ‬ ‫�ص‪ .‬ب ‪� 458‬سكاكا اجلـوف ‪ -‬اململكة العربية ال�سعودية‬ ‫‪www.aljoubah.org / aljoubah@gmail.com‬‬

‫ردمد‬

‫االفتتاحية ‪4 ............................................................‬‬

‫رئي�س ًا‬ ‫في�صل بن عبدالرحمن ال�سديري ‬ ‫ع�ضو ًا‬ ‫�سلطان بن عبدالرحمن ال�سديري ‬ ‫زياد بن عبدالرحمن ال�سديري الع�ضو المنتدب‬ ‫ع�ضو ًا‬ ‫عبدالعزيز بن عبدالرحمن ال�سديري ‬ ‫ع�ضو ًا‬ ‫�سلمان بن عبدالرحمن ال�سديري ‬

‫ملف ثقايف ربع �سنوي ت�صدره‬

‫‪ISSN 1319 - 2566‬‬

‫�سعر الن�سخة ‪ 8‬رياالت ‪ -‬تطلب من ال�شركة الوطنية للتوزيع‬

‫ملف العدد‪ :‬اللغة العربية بين تداعيات الحا�ضر وتحديات الم�ستقبل ‪6‬‬ ‫ د‪� .‬إبراهيم الدّهون‪� ،‬أ‪.‬د‪ .‬ها�شم العزام‪ ،‬الزبير مهداد‪� ،‬أ‪.‬د‪ .‬خالد‬‫فهمي‪� ،‬سعيد بودبوز‪� ،‬أ‪.‬د‪.‬محمد �صالح ال�شنطي‪ ،‬د‪ .‬عبدالنا�صر هالل‪،‬‬ ‫د‪ .‬هويدا �صالح‪ ،‬غازي خيران الملحم‪ ،‬محمد جميل �أحمد‪� ،‬صالح بن‬ ‫محمد المطيري‪ ،‬مر�سي طاهر �أبوعوف‪ ،‬عبداهلل ال�سفر ‪.............‬‬ ‫درا�سات ونقد‪ :‬ال�سخرية ال�سوداء في «�ألوان العار» لألبير ق�صيري ‪80‬‬ ‫‪ -‬ه�شام بن�شاوي‪......................................................‬‬

‫الإدارة العامة ‪ -‬الجوف‬ ‫المدير العام‪ :‬عقل بن مناور ال�ضميري‬ ‫م�ساعد المدير العام‪� :‬سلطان بن في�صل ال�سديري‬ ‫قواعد الن�شر‬ ‫‪� -1‬أن تكون املادة �أ�صيلة‪.‬‬ ‫‪ -2‬مل ي�سبق ن�شرها ورقياً �أو رقمياً‪.‬‬ ‫‪ -3‬تراعي اجلدية واملو�ضوعية‪.‬‬ ‫‪ -4‬تخ�ضع املواد للمراجعة والتحكيم قبل ن�شرها‪.‬‬ ‫‪ -5‬ترتيب املواد يف العدد يخ�ضع العتبارات فنية‪.‬‬ ‫‪ -6‬ترحب اجلوبة ب�إ�سهامات املبدعني والباحثني والك ّتاب‪،‬‬ ‫على �أن تكون املادة باللغة العربية‪.‬‬ ‫«اجلوبة» من الأ�سماء التي كانت ُتطلق على منطقة اجلوف �سابقاً‪.‬‬

‫املقاالت املن�شورة ال تعرب بال�ضرورة عن ر�أي املجلة والنا�شر‪.‬‬

‫الدّالالت الأنثربولوجية عند �شعراء الجوف ‪ -‬د‪� .‬إبراهيم الدّهون ‪83 ...‬‬ ‫ق�ص�ص ق�صيرة‪� :‬صو ٌر من ذاكر ٍة على جدار �أخر�س ‪ -‬مياده قداح‪88 ...‬‬ ‫غيبوبة ‪ -‬عبد الرحمن الدرعان‪90 ....................................‬‬ ‫ق�ص�ص ق�صيرة جدا ‪� -‬شيمة‪ ‬ال�شمري ‪91 .............................‬‬

‫‪6.........................‬‬ ‫اللغة العربية بين تداعيات‬ ‫الحا�ضر وتحديات الم�ستقبل‬

‫‪4‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫ق�صة ق�صيرة‪ :‬زوبعة في قعر الفنجان ‪ -‬عمار الجنيدي‪92 ............‬‬ ‫نق�ش على القلب ‪� -‬سليمان عبدالعزيز العتيق‪95 .................‬‬ ‫�شعر‪ٌ :‬‬ ‫و�أخير ًا ولي�س �آخر ًا ‪ -‬مو�سى بن عبداهلل البدري‪96 ..........................‬‬ ‫ال �شيء في غمراتها ‪� -‬أحمد الخطيب‪97 ..............................‬‬ ‫نهر قديم ‪ -‬جمال المو�ساوي‪98 .......................................‬‬

‫‪99.......................‬‬ ‫الفنانة الت�شكيلية تغريد الجدعاني‬

‫�أ�س�سها الأمري عبدالرحمن بن �أحمد ال�سديري (�أمري منطقة اجلوف من ‪1362/9/5‬هـ ‪1410/7/1 -‬هـ‬ ‫املوافق ‪1943/9/4‬م ‪1990/1/27 -‬م) بهدف �إدارة ومتويل املكتبة العامة التي �أن�ش�أها عام ‪1383‬هـ‬ ‫املعروفة با�سم دار اجلوف للعلوم‪ .‬وتت�ضمن برامج امل�ؤ�س�سة ن�شر الدرا�سات والإبداعات الأدبية‪ ،‬ودعم‬ ‫البحوث والر�سائل العلمية‪ ،‬و�إ�صدار جملة دورية‪ ،‬وجائزة الأمري عبدالرحمن ال�سديري للتفوق العلمي‪،‬‬ ‫كما �أن�ش�أت رو�ضة ومدار�س الرحمانية الأهلية للبنني والبنات‪ ،‬وجامع الرحمانية‪ .‬ويف عام ‪1424‬هـ‬ ‫(‪2003‬م) �أن�ش�أت امل�ؤ�س�سة فرع ًا لها يف حمافظة الغاط (مركز الرحمانية الثقايف)‪ ،‬له الربامج‬ ‫والفعاليات نف�سها التي تقوم بها امل�ؤ�س�سة يف مركزها الرئي�س يف اجلوف‪ ،‬بوقف م�ستقل‪ ،‬من �أ�سرة‬ ‫امل�ؤ�س�س‪ ،‬لل�صرف على هذا املركز ‪ -‬الفرع‪.‬‬

‫الـمحتويــــات‬

‫مواجهات‪ :‬حوار مع الفنانة الت�شكيلية تغريد الجدعاني ‪ -‬حاورها ‪99‬‬ ‫عمر بو قا�سم‪.......................................................‬‬ ‫حوار مع الناقد والأكاديمي الم�صري الدكتور م�صطفى ال�ضبع ‪106 -‬‬ ‫حاوره مح�سن ح�سن‪................................................‬‬ ‫ح��وار م��ع ال��روائ �ي��ة الم�صرية م��روة متولي ‪ -‬ح��اوره��ا �إب��راه�ي��م ‪112‬‬ ‫الحجري‪............................................................‬‬ ‫�سيرة و�إبداع‪ :‬عبدالرحمن الدرعان ‪ -‬المحرر الثقافي ‪117 .........‬‬ ‫نوافذ‪� :‬شِ عريّة العتبة كيف يلتقي الت�شكيل والكتابة في بوابة الكتاب؟ ‪121‬‬ ‫ عبدالغني فوزي ‪..................................................‬‬‫م�ؤهالت الناقد الأدبي ‪ -‬ماجد �سليمان‪123 ...................................‬‬

‫‪117......................‬‬

‫من �شيء يولد �شيء ‪ -‬محمد �صوانه ‪124 ......................................‬‬

‫عبد الرحمن الدرعان‬

‫قراءات ‪126 ..........................................................‬‬ ‫عين على الجوبة ‪127 ...............................................‬‬

‫الغالف‪ :‬من ت�صميم خالد دعا�س‬

‫الأن�شطة الثقافية ‪128 ..............................................‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫‪5‬‬


‫■ �إبراهيم احلميد‬

‫يجمع العديد من الباحثين على المخاطر الكبيرة التي باتت تهدد اللغة العربية‪،‬‬ ‫فال تكاد تقر�أ في كتاب �أو دورية �إال وتجد همَّ اللغة العربية‪ ،‬وانح�سار االهتمام بها‪،‬‬ ‫وبروز اللغات الأجنبية‪� ..‬أحد االهتمامات الوا�سعة التي ت�شغل حيّز ًا من الهموم التي‬ ‫يتم �سكبها على �صفحات الكتب والمطبوعات؛ بل �إن هذا ال�شعور كان ب��ارز ًا منذ‬ ‫بدايات القرن الما�ضي‪ ،‬حينما خلّد حافظ �إبراهيم هموم العربية في ق�صيدته‬ ‫ال�شهيرة‪ ،‬وال�سجاالت التي �شهدها ع�صره‪..‬‬ ‫وفي ملف الجوبة الجديد حول اللغة العربية‪ ،‬يتجدّد الحوار في م�ساقات هذا‬ ‫الملف باعتبار �أن اللغة العربية تج�سّ د منهجا فريداً‪ ،‬وم�سار ًا بارعاً‪ ،‬وملمح ًا بارز ًا‬ ‫لل�شخ�صية الإن�سانية؛ من كونها لغة القران الكريم‪ ،‬وامتالكها خ�صائ�ص عجيبة‬ ‫وميزات جميلة؛ م�ؤكدة �أن الف�صحى ق��ادرة على م�سايرة الزمن‪ ،‬وتلبية حاجات‬ ‫حياتنا اللغوية‪ ،‬ومواكبة الم�ستجدات المعا�صرة؛ فهي لي�ست �أداة توا�صل فقط‪ ..‬و�إنما‬ ‫غنيّة بذاتها‪ ،‬تختزن بين �أحرفها وكلماتها فكر ًا و ثقافة وتطور ًا �أبعد‪ ،‬وعمق ًا كبيراً‪.‬‬ ‫وم��ن مقارنة بين �أن اللغة منتج �إب��داع��ي‪ ،‬وا�ستخدامها الحالي بو�صفها لغة‬ ‫ا�ستهالكية دعائية‪ ،‬ومقارنة بين ر�ؤية هذه اللغة حا�ضر ًا وما�ضي ًا وامتداد ًا لذلك‪،‬‬ ‫ر�ؤية اللغة القوية والحيّة التي ت�أتي ن�صو�صها الإبداعية عاك�سة لهذه القوة‪ ،‬بموازاة‬ ‫االنحدار واالنحطاط للمنتج‪ ،‬كنتيجة مبا�شرة‪..‬‬ ‫�إال �أن ورقة �أخرى ترى �أن تقوية اللغة العربية وبثها و ن�شرها يكت�سب �أهمية دينية‬ ‫و�سيا�سية و اجتماعية‪ ،‬م�ؤكدة �أن دور الم�ؤ�س�سة التعليمية حا�سم في تنفيذ برنامج‬ ‫تعليمي يولي �أهمية بالغة لتقريب النا�شئة من التطورات التكنولوجية الحديثة في مجال‬ ‫‪6‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫اف����������������ت����������������ت����������������اح����������������ي����������������ة‬

‫اف �ت �ت��اح �ي��ة‬ ‫ال� � � � �ع � � � ��دد‬

‫التوا�صل والمعلومات‪ ،‬في ع�صر �أ�صبحت فيه الثقافة القوية تلتهم الثقافات ال�ضعيفة‬ ‫ما يهددها باال�ضمحالل‪ ،‬وهنا تبرز الحاجة لتعزيز الهوية المهددة وتعميقها‪..‬‬ ‫�إلى ورقة �أخ��رى ترى �أهمية و�سائل تعليم اللغة و تركيزها عن طريق الأن�شطة‬ ‫المختلفة؛ كالم�سرح‪ ،‬و ت�شجيع القراءة‪ ،‬وغر�س محبة الكتاب‪ ،‬وتنظيم م�سابقات‬ ‫القر�آن الكريم وتحفيز النا�شئة على ترتيله‪ ،‬وكذلك الحديث ال�شريف‪ ،‬ون�صو�ص‬ ‫ال�شعر العربي قديمه وحديثه‪ ،‬وتفعيل الإعالم المدر�سي الذي يجعل من الطفل كاتب ًا‬ ‫وقارئ ًا و ناقد ًا ذكي ًا وفاع ًال في بيئة ثقافية تربوية ن�شطة؛ ما ي�ؤ�س�س لمجتمع قارئ‬ ‫مع �أهمية التدريب على الخطابة وتقديم العرو�ض لتر�سيخ خطابة توا�صلية تحترم‬ ‫اللغة العربية و�أ�ساليبها‪ ،‬و�أن القر�آن هو المحور الذي ب�سببه �أ�صبحت لغة عالمية‬ ‫خالدة ال يمكن �إقامة الدين من دونها‪� ..‬إلى مَن ي�ؤكد في ورقته �أن المرونة التي تجعل‬ ‫التفكير بهذه اللغة �أو تلك يتخطى مختلف المفاهيم والنظريات المعقّدة؛ ومن هنا‬ ‫تجد الورقة �أن جان جاك رو�سو قد �أجاب على �س�ؤال‪ :‬لماذا ال تب�سط اللغة العربية‬ ‫�سيادتها في مختلف الأقطار العربية؟ «�إن االمة بقدر ما تقر�أ وتتعلم تذوب لهجاتها‬ ‫فال تبقى‪»...‬؛ ما ي�ؤكد �أن العزوف عن القراءة هو المغذّي الرئي�س لنمو العاميات‪.‬‬ ‫و�صوال �إلى �أن ال�شكوى من �إهمال الف�صحى‪ ،‬قديم ٌة ولي�ست حديثة‪ ،‬ومنها كتاب‬ ‫ابن قتيبة الدينوري (�أدب الكاتب) الذي و�ضع في القرن الثالث الهجري‪ ،‬وفيه ي�شكو‬ ‫الكاتب بمرارة من الجهل باللغة‪� ..‬إال �أن المخاطر التي تواجهها اللغة اليوم غير‬ ‫تلك التي �أ�شار �إليها ابن قتيبة وغيره من المتقدّمين مع تعاظم مناف�سة العاميات‬ ‫واللغات الأجنبية ب�سبب تق�صير العلماء العرب‪ ..‬حتى باتت التهديدات تواجه العربية‬ ‫بالإق�صاء مع ا�ستبدالها باللغة االنجليزية في التوا�صل والتح�صيل‪ ..‬على الرغم من‬ ‫ر�ؤية التقدي�س التي كانت ترى اللغة العربية مرادفة للإ�سالم‪ ،‬حينما �س�أل �أبو جعفر‬ ‫المن�صور مولى له�شام بن عبدالملك عن هويته فقال المولى ‪�« :‬إذا كانت العربية‬ ‫ل�سان ًا فقد نطقنا بها‪ ،‬و�إن كانت دين ًا فقد دخلنا فيه»‪.‬‬ ‫�إلى ورقة تقتفي عي�ش الثقافة العربية اليوم‪ ،‬واقع ًا م�أزوماً‪ ،‬وبلوغه مدى بعيد ًا‬ ‫في اغترابه وم�آزقه التي تراكمت‪ ،‬وانعك�ست على خطاب الأجـيـال الجديدة‪ ،‬ب�صورة‬ ‫جعلت من عـدم القدرة على االنتباه لذلك الم�أزق تعبير ًا طبيعياً‪ ،‬ت�شهد عليه �أخطاء‬ ‫اللغة‪ ،‬وركاكة التعابير؛ وغير ذلك من الخطايا‪ ،‬و مدلال على خيانة ال�شعراء ال�شباب‬ ‫للغة‪..‬‬

‫‪7‬‬


‫■ �إعداد وتقدمي‪ :‬حممود عبداهلل الرحمي‬

‫اللغة وعاء الفكر‪ ،‬ومر�آة الح�ضارة الإن�سانية التي تنعك�س عليها مفاهيم التخاطب بين الب�شر‪،‬‬ ‫وو�سيلة للتوا�صل ال�سهل‪ ،‬واللغة العربية من اللغات ال�سامية المتجذرة في التاريخ الإن�ساني‪،‬‬ ‫وهي لغة القر�آن الذي �شرفها اهلل بنزول كالمه المقد�س‪ ،‬فقال ع َّز وجلَّ‪:‬‬ ‫} �إِنَّا �أَن َز ْلنَا ُه ُق ْر�آناً َع َر ِب ّياً َّل َع َّل ُك ْم َت ْع ِقلُو َن {‬ ‫كما ق��ال عنها ر�سول اهلل �صلى اهلل عليه و�سلم‪� :‬أُحِ ���بُّ ال ُّل َغ َة ا ْل َع َر ِب َّي َة ِل�� َث�لاَثٍ ‪ :‬لأَ ِن��ي عربيٌّ ‪،‬‬ ‫وال ُق ْر�آن عربيٌّ ‪ ،‬وكالم �أَهْ ل الْجَ نَّة عربيٌّ ‪..‬‬ ‫هذا الت�شريف العظيم لهذه اللغة ي�ستوجب ال بيد عمرو»‪ ..‬ويكفينا فخر ًا �أنَّ لغتنا هي لغة‬ ‫منا نحن ال�ع��رب �أن نحافظ عليها ونقوِّيها‪ ،‬القر�آن‪ ،‬وبها �أُنزل على خاتم الأنبياء والمر�سلين‬ ‫�صلوات اهلل و�سالمه عليه‪.‬‬ ‫ونجعلها لغة معا�صرة بكل المقايي�س‪.‬‬ ‫�إنَّ ما يميز اللغة العربية عن اللغات العالمية‬ ‫حروف‬ ‫ٍ‬ ‫الأخرى هو قدرتها على التعبير بمخارج‬ ‫لي�ست م��وج��ودة ف��ي لغات عالمية �أخ��رى مثل‬ ‫ح��رف ال�ضاد‪ ،‬وه��ي التِي وحّ ��دتِ العرب عبر‬ ‫تاريْخهم الطويل‪ ،‬وكانت قديم ًا لغة الح�ضارة‬ ‫عبر الأزمانِ والآباد‪.‬‬ ‫وال�ل�غ��ة العربية م�سئولية ك��ل ن��اط��ق بها‪..‬‬ ‫وكل فرد ينت�سب �إليها‪ ،‬والتهاون في تعميمها‬ ‫وا�ستخدامها هو �إي ��ذان بانقرا�ضها وتال�شي‬ ‫هويتنا معها؛ ف�أهميّة اللغة ال تكمن فقط في‬ ‫كونها و�سيل َة تَخاطب‪ ،‬لكنها عنوانُ هوي ٍة ودليلُ‬ ‫وجود‪ .‬وتحمل في م�ضامينها ثقافة ال يجدر بنا‬ ‫التنازل عنها والتفريط فيها في وقت نحن �أحوج‬ ‫ما نكون فيه لأن نحافظ على هويتنا وثقافتنا‬ ‫ولغتنا التي تكاد تحت�ضر على �أيدينا‪ ،‬و«بيدنا‬ ‫‪ 8‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫يقولون �إن اللغة الإنجليزية لغة عالمية‪..‬‬ ‫ونحن نت�ساءل هنا‪ :‬لغتنا هي لغة القر�آن الكريم‬ ‫وقد حوت كتاب اهلل‪ ..‬فكيف ال ت�ستطيع �أن تكون‬ ‫هي اللغة العالمية؟!! وما علينا �إال الع�ض عليها‬ ‫بالنواجذ‪ ،‬والعمل على تعليمها �أبناءنا‪ ..‬و�أال‬ ‫يُغرينا بريق اللغات الأخرى‪ ..‬فلي�س كل ما يلمع‬ ‫ذهباً‪..‬‬ ‫ومن هذا المنطلق‪ ،‬ارت��أت الجوبه �أن يكون‬ ‫ملف هذا العدد عن لغتنا العربية‪ ..‬لغة ال�ضاد‪..‬‬ ‫لغة ال�ق��ر�آن الكريم‪ ..‬بين تداعيات الحا�ضر‬ ‫وتحديات الم�ستقبل‪� .‬شارك في الملف مجموعة‬ ‫م��ن المتخ�ص�صين ف��ي ه��ذا ال�م�ج��ال داخليا‬ ‫وخارجيا‪� ..‬آملين �أن نوفي لغتنا الجميلة حقها‪..‬‬ ‫فنراها يوم ًا ما لغة عالمية للتوا�صل في العالم‬ ‫كله‪..‬‬

‫ن�ش�أ ُة ال ّلغة العرب ّي ِة‬ ‫و�أهمي ُتها‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫اللغة العربية بين تداعيات‬ ‫الحاضر وتحديات المستقبل‬

‫■ د‪� .‬إبراهيم الدّ هون ‪ -‬جامعة اجلوف‬

‫�أنا البح ُر في �أح�شا ِئ ِه الد ُّر كَامِ نٌ‬

‫َّا�ص عَنْ �صَ َدفَاتي‬ ‫َفهَلْ �سَ �أَلُوا ال َغو َ‬ ‫(حافظ �إبراهيم)‬

‫تج�سّ ُد اللّغ ُة العربيّة منهجاً ف��ري��داً‪ ،‬وم�ساراً ب��ارع��اً‪ ،‬وملمحاً ب��ارزاً لل�شخ�صية الإن�سانيّة‪،‬‬ ‫ويتجلّى ذلك في كونها لغة القر�آن الكريم التي انتقاها اهلل ع ّز وجل لتغدو بوتقة حاملة لر�سالة‬ ‫نبيه محمّد –عليه ال�صالة وال�سّ الم‪� -‬إلى الب�شريّة المتالكها خ�صائ�ص عجيبة وميزات جميلة‪.‬‬ ‫لذا‪ ،‬قال عنها الثّعالبي‪« :‬من �أحبّ اهلل تعالى‬ ‫�أحبّ ر�سوله محمّد ًا ‪� -‬صلى اهلل عليه و�سلم‪ ،-‬ومن‬ ‫�أح��بّ الر�سول العربي ‪� -‬صلى اهلل عليه و�سلم ‪-‬‬ ‫�أحبّ العرب‪ ،‬ومن �أحبّ العرب �أحبّ العربيّة‪ ،‬ومن‬ ‫�أحبّ العربيّة عني بها‪ ،‬وثابر عليها‪ ،‬و�صرف همته‬ ‫�إليها»‪.‬‬ ‫‪ -1‬ت�أ�صيل اللّغة‬ ‫ي��ذه��ب ك�ث�ي��رون �إل ��ى �أنَّ ال� ّل�غ��ة �أخ ��ذت ثالثة‬ ‫اتّجاهات‪ ،‬تبدّت في الآتي‪:‬‬ ‫االتجاه الأوّل‪ :‬ي��رى �أ�صحاب ه��ذا االتجاه �أنَّ‬ ‫اللّغة توقيفيّة من ال�سّ ماء؛ بمعنى �أنَّ اهلل علّمها‬ ‫�آدم‪ ..‬فهي وحي من ال�سّ ماء‪.‬‬ ‫االت��ج��اه ال � ّث��ان��ي ي �ق��ول‪� :‬إنَّ ال � ّل �غ��ة ُو��ض�ع��ت‪،‬‬ ‫وا�صطلحها الإن�سان‪.‬‬ ‫االتجاه الثّالث‪ :‬يحاول �أن يوفق بين االتجاهين‬

‫الأوّل والثّاني‪.‬‬ ‫وق�سم �آخر يذهب �إلى �أنّ �أ�صل اللّغات كلّها‪� ،‬إنّما‬ ‫هو من الأ�صوات الم�سموعة‪ ،‬كدويّ الريح‪ ،‬وخرير‬ ‫الماء‪ ،‬ثمّ ولدت اللّغات عن ذلك فيما بعد(‪.)1‬‬ ‫ال�صاحبي‬ ‫وال غرابة‪� ،‬إذا ر�أينا من جهة �أخرى ّ‬ ‫يقول‪� :‬إنَّ لغة العرب توقيفيّة‪ ،‬وي�ست�شهد بقوله‬ ‫تعالى‪« :‬وَعَ َلّمَ �آدَمَ الأَ�سْ مَا َء ُك َّلهَا»(‪.)2‬‬ ‫وعقّب اب��ن عبّا�س على الآي��ة ال�سّ ابقة قائالً‪:‬‬ ‫علم الإن�سان الأ�سماء كلّها‪ ،‬وهي هذه الأ�سماء التي‬ ‫يتعارفها النّا�س‪ ،‬من دابة و�أر�ض وجمل و�أ�شباه ذلك‬ ‫من الأمم وغيرها(‪.)3‬‬ ‫وت�شير الدّرا�سات �إلى �أنَّ بداية اللّغة العربيّة‬ ‫ال�ضبابيّة‪ ،‬وع��دم ال� ّدق��ة‪ ،‬وذل��ك للجهل‬ ‫تعتريها ّ‬ ‫بمعالم تاريخ العرب وج��ذور القدامى‪ ،‬ونقو�شهم‬ ‫وك�ت��اب��ات�ه��م ال �م��وج��ودة ع�ل��ى ال ��ّ��ص �خ��ور‪ ،‬وج��ذوع‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪9‬‬


‫‪ 10‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫‪�-4‬أهمية اللّغة العربيّة‬ ‫تمثّل اللّغة �أ ّي � ًا كانت �أه��م مالمح ال�شّ خ�صية‬ ‫الإن�سانيّة‪ ،‬ف�ض ًال عن �أنّها ت�شكّل ركيزة �أ�سا�سيّة‬ ‫في فكر الإن�سان وتطوره؛ فاللّغة العربيّة غدت �أداة‬ ‫للتفكير‪ ،‬وم�ستودع ًا للتراث‪ ،‬وحاملة همَّ وثقافة‬ ‫ومنجزات العرب القديمة والحديثة‪.‬‬ ‫ومن هنا‪ ،‬ف�إن لغ ًة اختارها اهلل تعالى لتكون وعا ًء‬ ‫لكتابه الخالد‪ ،‬ال �شك �أنّها لغة تتربع على عر�ش‬ ‫الأل�سنة والمحافل واللّغات‪« ،‬فاللّغة العربيّة لغة‬ ‫كاملة عجيبة تكاد ت�صور �ألفاظها م�شاهد الطبيعة‪،‬‬ ‫وتمثّل كلماتها خ�ط��رات النّفو�س‪ ،‬وت�ك��اد تتجلّى‬ ‫معانيها في �أجرا�س الألفاظ‪ ،‬ك�أنّما كلماتها خطوات‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫النّخيل‪ ،‬وجلود الحيوانات‪.‬‬ ‫ال�ح��ال على ه��ذه ال�شّ اكلة‪� ،‬إل��ى �أن ن��زل ال�ق��ر�آن‬ ‫م��ن هنا‪ ،‬نلحظ �أنَّ هناك العديد م��ن الآراء الكريم‪ ،‬الذي �أطّ ر واثبت رقيّ لغة قري�ش؛ ف�سمّيت‬ ‫والروايات‪ ،‬والأقوال في �أ�صل العربيّة وموطنها عند اللّغة العربيّة الف�صحى؛ لقوله تعالى‪�} :‬إنَّا �أنزَلنَا ُه‬ ‫قران ًا عربي ًا لعلكم تعقلون{(‪ )4‬وقوله تعالى‪} :‬وَهَ ذَ ا‬ ‫القدامى اللّغويين‪ ،‬على النحو الآتي‪:‬‬ ‫لِ�سَ ا ٌن عَ َر ِب ٌّي ُمبِينٌ {(‪.)5‬‬ ‫الر�أي الأوّل‪ :‬ذهب �أ�صحابه �إلى �أنَّ يَعرب �أوّل‬ ‫‪ -2‬مفهوم اللّغة العربيّة‬ ‫من �أعرب في ل�سانه‪ ،‬وتكلم بهذا اللّ�سان العربي؛‬ ‫ف�سمّيت اللّغة با�سمه‪ .‬كما �أنَّ �أوّل من فتق اهلل ل�سانه‬ ‫تباينت �آراء الدّار�سين في تعريف اللّغة العربيّة‪،‬‬ ‫بالعربيّة المبينة هو �إ�سماعيل بن �إبراهيم‪ ،‬وهو ابن �إذ �أجمع م�ؤلفو المعاجم على �أنَّ كلمة‪( :‬لغة) كلمة‬ ‫�أربع ع�شرة �سنة‪.‬‬ ‫عربيّة �أ�صيلة ذات ج��ذور عربيّة تداولها العرب‪،‬‬ ‫الر�أي الثّاني‪ :‬يلحظ م�ؤيدوه �أنَّ العربيّة هي اللّغة وا�ستخدموها في كتاباتهم وكالمهم اليومي‪.‬‬ ‫التي تكلم فيها �آدم في الجنة‪� ،‬إ ّال �أنّه ال وجود لأدلة‬ ‫�أمّا الخليل بن �أحمد الفراهيدي‪ ،‬فقد �أ�شار �إلى‬ ‫علميّة دامغة‪� ،‬أو �أحاديث نبويّة �صحيحة تثبت تلك �أنَّ العرب ت�شتق في كثير من كالمها �أبنية الم�ضعف‬ ‫المقوالت �أو الأطروحات‪.‬‬ ‫في بناء الثّالثي المثقل بحرف التّ�ضعيف‪ ،‬وكالم‬ ‫وهكذا‪ ،‬لو عدنا �إل��ى التّاريخ القديم وما عُ ِث َر العرب مبني على �أربعة �أ�صناف الثّنائي‪ :‬والثّالثي‬ ‫عليه من نقو�ش قديمة‪� ،‬سنجد �أنَّ هناك لغتين والرباعي والخما�سي(‪.)6‬‬ ‫وق�سم ثالث �أكّد على �أنَّ اللّغة العربيّة مغرقة‬ ‫انبثقت منهما �سائر اللّهجات العربيّة‪ ،‬تمثلت بلغة‬ ‫في القدم‪ ،‬فهي لغة مكتملة النّمو‪ ،‬ا�ستطاعت �أن‬ ‫العرب الجنوبيين‪ ،‬ولغة العرب ال�شّ ماليين‪.‬‬ ‫وممّا ال �شك فيه‪� ،‬أنَّ اللّغة العربيّة ال�سّ ائدة في تعبّر عن دقائق الم�شاعر الإن�سانيّة‪ ،‬وال�دّالالت‬ ‫الجنوب قديم ًا كانت مختلفة عن اللّغة العربيّة والآراء والأحا�سي�س؛ وه��ي اللّغة التي ج�سّ دت‬ ‫ال�شّ ماليّة؛ ف�أهل الجنوب كانوا �أكثر اتّ�صا ًال باللّغة هوية ال�ع��رب��ي‪ ،‬بما تملكه م��ن ب��واع��ث �إن�سانيّة‬ ‫الحب�شيّة‪ ،‬والأكادية‪� .‬أ ّم��ا �أهل ال�شّ مال فقد كانوا و�آف ��اق عالميّة رح�ب��ة؛ وه��ذا م��ا ي ��ؤك��ده‪ ،‬عندما‬ ‫ا�صطفاها اهلل �أن �أ�صبحت لغة الوحي الإلهي ولغة‬ ‫�أقرب �إلى اللّغة العبريّة والنّبطيّة‪.‬‬ ‫التّنزيل‪ ،‬لقوله تعالى‪َ }:‬وكَذَ لِكَ �أَوْحَ ْينَا �إِ َليْك ُق ْر�آنًا‬ ‫و�أخذت اللّغة العربيّة تتطور‪ ،‬وت�ستوعب دالالت‪ ،‬عَ َر ِبيًّا{(‪.)7‬‬ ‫ومفردات‪ ،‬وم�شتقات جديدة؛ فبعد مرور �أكثر من‬ ‫‪ -3‬مزية اللّغة العربيّة وفرائدها‬ ‫�ألفي �سنة من داللتها غدت – قبل الإ�سالم‪ -‬يطلق‬ ‫عليها لغة‪( :‬م َُ�ضر)‪ ،‬وا�شتهرت في �شمالي الجزيرة‬ ‫تفرّدت العربيّة بمزايا وخ�صائ�ص جعلت منها‬ ‫العربيّة‪ ،‬وقد �سيطرت على اللّغة العربيّة ال�شّ ماليّة‪ ،‬لغة راقية مليئة بالثّراء‪ ،‬وكثرة الألفاظ‪ ،‬و�إمكانيّة‬ ‫وحلّت مكانها‪ .‬بينما �سُ مّيت اللّغة العربيّة الجنوبيّة الإب� ��داع الم�ستمر‪ ،‬وال� ّت�ج��دي��د المتوا�صل‪ .‬ومن‬ ‫القديمة لغة‪( :‬حِ ميَر) ن�سبة �إل��ى �أعظم ممالك الملحوظ على العربيّة الآتي‪:‬‬ ‫اليمن حينذاك‪ ،‬وما انتهى النّ�صف الأوّل للألفيّة ‪ -‬اال��ش�ت�ق��اق‪ ،‬وه��ي �سمة دف�ع��ت ال� ّل�غ��ة العربيّة‬ ‫الأولى للميالد حتّى ظهرت لغة قري�ش‪ ،‬ولغة ربيعة‪،‬‬ ‫ال�صراع الم�ستمر‬ ‫�إلى البقاء على الرغم من ّ‬ ‫ولغة ق�ضاعة‪.‬‬ ‫والتّحديات المتالطمة‪ ،‬والهجمات ال�شّ عواء‬ ‫عليها‪.‬‬ ‫وقد �أطلق عليها الدّار�سون م�سمّى لغات‪ ،‬وبقيت‬

‫ حركة الحرف الواحد‪ :‬فالعربيّة توظّ ف وتفيد‬‫من التّغيرات الطّ ارئة على الحرف في �إنتاج‬ ‫ال �دّالل��ة‪ ،‬وابتكار المعنى‪ ،‬ومثال ذل��ك كلمة‪:‬‬ ‫(البر) الثّالثيّة الباء‪.‬‬ ‫ دقة التّعبير واخت�صا�ص ك ّل مفردة بداللة �أو‬‫معنى معين وم �ح��دود‪ ،‬وهما م��ن ق��درة اللّغة‬ ‫ال�ع��رب� ّي��ة‪ ،‬و��ص�ف��اء منهجيتهما‪ ،‬نحو قولنا‪:‬‬ ‫م�شى بلفظه العام‪ ،‬وقولنا‪ :‬درج لل�صبي‪ ،‬وحبا‬ ‫للر�ضيع‪ ،‬وحجل للغالم �إذا رفع رج ًال وم�شى‬ ‫على �أخرى‪ ،‬وخطر لل�شاب‪ ،‬ودلف لل�شيخ‪ :‬م�شى‬ ‫روي ��د ًا بخطى متقاربة‪ ،‬وه��دج م�شى مثقالً‪،‬‬ ‫ور�سف للمقيد‪ ،‬والتّبختر للمتكبر‪ ،‬والقهقهرى‬ ‫لمن يرجع �إلى الخلف‪.‬‬

‫ال�ضمير‪ ،‬ونب�ضات القلوب‪ ،‬ونبرات الحياة»(‪.)8‬‬ ‫ّ‬ ‫وت�أ�سي�س ًا على ما �سبق‪ ،‬بقيت اللّغة العربيّة �أر�سخ‬ ‫اللّغات ثبات ًا وبياناً‪ ،‬لم تتغير بالغتها وف�صاحتها‬ ‫وقدرتها الإث��رائ� ّي��ة‪ ،‬و�أبعادها اال�ست�شراقيّة منذ‬ ‫القديم �إلى يومنا الحا�ضر‪.‬‬ ‫ولع ّل قيمة العربيّة‪ ،‬وعلو �ش�أنها دفع كثير ًا من‬ ‫ال�صحابة والعلماء والأدباء والمفكرين �إلى ت�شجيع‬ ‫ّ‬ ‫تعلّمها واالهتمام بها؛ فهذا عمر بن الخطّ اب يقول‪:‬‬ ‫« تعلموا العربيّة ف�إنّها تثبّت العقلَ‪ ،‬وتزيد المروءة»‪.‬‬ ‫كما نلحظ �أنَّ للعربيّة �أثر ًا ملحوظاً‪ ،‬وفاعلية جادة‬ ‫على كثير من اللّغات الأخرى في العالم‪ ،‬كالتركيّة‪،‬‬ ‫والفار�سيّة‪ ،‬والأرديّة‪ ،‬وغيرها‪.‬‬ ‫وخ�لا��ص��ة ال �ق��ول‪� :‬إنَّ ال� ّل�غ��ة العربيّة ه��ي لغة‬ ‫القر�آن الكريم‪ ،‬ولغة ر�سولنا الكريم �صلى اهلل عليه‬ ‫و�سلم‪� ،‬إ�ضافة �إلى �أنّها لغة الآباء والأجداد والعرب‬ ‫القدامى؛ فالعربيّة هي �أداة الولوج في الإ�سالم‪،‬‬ ‫ثمّ �أداء فرائ�ض اهلل الواجبة‪ ،‬ف�ض ًال عن �أنّها اللّغة‬ ‫الوحيدة التي ي�ستطيع �أبنا�ؤها قراءة ما كتب بها‬ ‫قبل �ألف وخم�سمائة �سنة‪.‬‬ ‫فالف�صحى ق��ادرة على م�سايرة الزمن وتلبية‬ ‫ح��اج��ات حياتنا ال � ّل �غ��و ّي��ة‪ ،‬وم��واك �ب��ة ال � ّت �ط��ورات‬ ‫والم�ستجدات المعا�صرة و�صالحية بقائها‪ ،‬فلقد‬ ‫بلغت ح��د الكمال ف��ي قلب ال� ّ���ص�ح��راء عند �أ ّم��ة‬ ‫ديدنها الح ّل والتّرحال؛ لذا‪ ،‬لم تكن �أداة توا�صل‬ ‫فح�سب‪ ،‬بل �إنّها تختزن بين �أحرفها وكلماتها فكر ًا‬ ‫وثقافة وتطور ًا وتاريخ ًا وحموالت ومعارف عديدة‪.‬‬

‫(‪ )1‬انظر‪� :‬أبو الفتح عثمان بن جنّي‪ ،‬الخ�صائ�ص‪ ،‬القاهرة‪1913 ،‬م‪� ،‬ص‪.47-46‬‬ ‫(‪� )2‬سورة البقرة‪ :‬الآية ‪.31‬‬ ‫(‪ )3‬انظر‪� :‬أبو الح�سن �أحمد بن فار�س‪ ،‬فقه اللّغة و�سنن العرب في كالمها‪ ،‬لبنان‪ ،‬بيروت‪� ،‬ص‪.33-31‬‬ ‫(‪� )4‬سورة يو�سف‪ :‬الآية ‪.2‬‬ ‫(‪� )5‬سورة النحل‪ :‬الآية ‪.103‬‬ ‫(‪ )6‬انظر‪ :‬الخليل بن �أحمد الفراهيدي‪ ،‬العين‪.42/1 ،‬‬ ‫(‪� )7‬سورة ال�شّ ورى‪ :‬الآية ‪.7‬‬ ‫(‪ )8‬عبد الرزاق عبدالرحمن ال�سّ عدي‪ ،‬مقوّمات العالميّة في اللّغة العربيّة وتحدياتها في ع�صر العولمة‪ ،‬مجلّة‬ ‫�آفاق الثّقافة والتّراث‪ ،‬مركز جمعة الماجد للثقافة والتّراث‪ ،‬دبي‪ ،‬ع‪� ،63‬شوال‪1429 ،‬هــ‪� ،‬ص‪.47‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪11‬‬


‫■ �أ‪.‬د‪ .‬ها�شم العزام‪ -‬جامعة اجلوف‬

‫هذا مو�ضوع يفر�ض نف�سه في ك ّل ع�صر من الع�صور؛ لأ َّن ما�ضي اللّغة العربيّة كلما ذهبنا‬ ‫�إلى الوراء يذّكرنا بحا�ضرها في الزمن الذي تال تلك الع�صور الذهبيّة‪ ,‬ال ل�شيء �إ ّال لأ ّن المنتَج‬ ‫الثّقافي في تلك الأزمان كان نموذجاً لك ّل علوم العربيّة في الع�صور التي تلته والذي فقدناه‪ .‬وما‬ ‫ترومه هذه الدّرا�سة من جراء طرح هذه الإ�شكالية البالغة التز�أبق والمفرطة الروغان في دائرة‬ ‫الإب��داع برمتها‪( :‬المبدع‪ ,‬المتلقي‪ ,‬الن ّّ�ص)‪ ,‬مبعثه الحنين والتوق �إلى اللّغة الرفيعة العابقة‪,‬‬ ‫والتي ظلّت محط نظر المدوّنة النّقديّة دائماً؛ طالما �شغلتها ردحاً من الزمن‪ ,‬والقواعد ال�صّ ارمة‬ ‫التي �سنتها الم�ؤ�س�سة النّقديّة حول المفردة‪ ,‬والتّركيب‪ ,‬والن ّّ�ص برمته بحثاً عن اللّياقة‪ ,‬فر�ضت‬ ‫م�س�ؤولية بالغة الأهمية على المبدع‪ ,‬بحثاً عن �أف�ضل الو�سائل الواجب اتباعها �إر�ضاء لذائقته‪،‬‬ ‫ومراعاة لمقامه الطبقي ورتبته االجتماعيّة‪ .‬وال نجانب الحقيقة �إذا قلنا‪� :‬إ َّن المتغيا من تجويد‬ ‫النّ�صو�ص هو المتلقي‪ ,‬لذلك تطفو عملية المقارنة على ال�سّ طح في اللّغة ذاتها بين زمنين في‬ ‫ال�ضعف واالنحدار الذي لحق بها‪.‬‬ ‫ك ِّل ع�صر‪ ,‬لمعالجة التّ�شوّهات وتالفي ّ‬ ‫لذلك‪ ،‬ت�سير هذه الورقة النّقا�شية‪ ،‬ابتداءً‪،‬‬ ‫م��ن التّدبر ف��ي االخ�ت�لاف بين اللّغة العربيّة‬ ‫ف��ي �أوج ازده��اره��ا‪ ،‬بو�صفها منتج ًا ثقافي ًا‬ ‫�إبداعياً‪ ،‬وبين حا�ضر هذه اللّغة بو�صفها لغة‬ ‫دعائيّة ا�ستهالكيّة‪ ,‬الأم��ر ال��ذي يعك�س ذائقة‬ ‫الأمّة في الع�صرين‪ .‬قلت التّدبر في االختالف‬ ‫ال��ذي ال يمكن معالجته �إال عبر التّفكير في‬ ‫ه��ذا االخ�ت�لاف‪ ,‬وال��ذي ت��رك ه �وّة وا�سعة بين‬ ‫�أق�صد �أ ّن ��ه كلما كانت اللّغة ح� ّي��ة‪ ،‬وقويّة‬ ‫الع�صرين‪ ,‬هذه الهوّة هي مح ّل لت�أمّل �صيغة‬ ‫معينة‪� ,‬سنك�شف عند تحليلها �أم� ��ور ًا يمكن ج ��اءت ال� ّن���ص��و���ص الإب��داع � ّي��ة عاك�سة لهذه‬ ‫للمقارنة ال�سّ لبيّة وح��ده��ا �أن ت�ك��ون مثمرة؛ القوة‪ ,‬ليك�شف هذا التّ�ضاد الحاد في طبيعة‬ ‫وخطاب التّقابل ه��ذا نحتاجه لعقد المقارنة‬ ‫كلما �ضعفت اللّغة �أو اعتراها ال��وه��ن‪ .‬ولكي‬ ‫ال تكون المقارنة مجانبة‪� ،‬سيكون للدرا�سة‬ ‫�أكثر من فر�صة‪ ،‬يطل من خاللها على تجليّات‬ ‫ال �ج��ودة وال �ق �وّة ف��ي المنتج الّثقافي قديماً‪،‬‬ ‫بموازاة االنحدار واالنحطاط للمنتج ذاته في‬ ‫الزمن الحا�ضر‪.‬‬

‫‪ 12‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫خ�صائ�ص العرب ّية بين القديم والحديث‬

‫المنتج الثّقافي‪ ،‬والعمل الإبداعيّ عن �سخرية‬ ‫تحرك المتلقي خ��ارج محيطه الم�ألوف بحث ًا‬ ‫عن الأ�سباب‪ ،‬ليك�شف �أنَّ عالقة اللّغة بالغائب‬ ‫المفقود‪ ,‬والنّ�صو�ص الإبداعيّة اللّغويّة تتفوق‬ ‫على عالقتها بالحا�ضر‪ ،‬و�إن كانت الثّانية �شرط ًا‬ ‫ال�ضعف‪.‬‬ ‫للعبور �إلى مناق�شة هذا ّ‬ ‫ول�ك��ي ال ت�ه��در تلك ال�ج�ه��ود ال�ت��ي �أحيطت‬ ‫ب��ال�ع�م��ل الإب���داع���ي ع �ب �ث �اً‪ ،‬ي �ح��اول ال� �دّار� ��س‬ ‫االنعطاف �إلى الزمن الما�ضي‪ ,‬انعطاف ًا ينعك�س‬ ‫من التّباكي عليه �إلى الت�أمّل‪ ,‬ومن التّح�سر �إلى‬ ‫النّظر؛ لندر�س هاج�س العالقة بين الخ�صائ�ص‬ ‫وال ���ّ�س �م��ات للغة ذات �ه��ا ف��ي ال��زم��ن الما�ضي‬ ‫والحا�ضر؛ لن�ستنتج �أنَّ الموروث الثّقافي الذي‬ ‫و�صلنا ب�صورته النّا�صعة ما كان له �أن يكون بهذه‬ ‫القوة والجمال‪ ،‬لوال �أنَّ م�ؤ�س�سة لغويّة نقديّة قويّة‬ ‫كانت تقف وراءه‪ .‬فللنّ�ص موا�صفات ومقايي�س‬ ‫ال يمكن تجاوزها‪ ،‬وعلى المبدع �شروط قا�سية‬ ‫تطالبه االلتزام بها‪ ,‬والمبدع والمتلقي مطالبان‬ ‫مع ًا بثقافة عالية‪� .‬أقول وبكل فخر بذلك الزمن‪:‬‬ ‫�إنَّ مكت�سبه العقلي �شكّل مخزوناً‪ ،‬ما تزال �أجيال‬ ‫و�أجيال تقتات منه وعليه‪.‬‬ ‫�إنَّ معايي َر م��ن م�ث��ل‪ :‬الفحولة‪ ،‬وال �ج��ودة‪,‬‬ ‫والف�صاحة‪ ،‬والبالغة؛ و�أ�ساليب من مثل‪ :‬ح�سن‬ ‫خا�صة‬ ‫التّخل�ص‪ ،‬وبراعة اال�ستهالل؛ و�شروط ّ‬ ‫و�ضعت للفظ الف�صيح البليغ‪ ,‬عملية تكرير‬ ‫و�إعادة تكرير للفظ قبل �أن يو�ضع في ال�سّ ياق؛‬ ‫ون�ق��د‪ ،‬و�إع ��ادة النّقد بعد دخ��ول الأل �ف��اظ في‬ ‫ال�سّ ياقات‪ ,‬ومواءمة الألفاظ للمعاني‪ ,‬ومراعاة‬ ‫ذائقة المتلقي‪ ,‬حر�ص ًا على ا�ستر�ضائه‪ ،‬وعدم‬ ‫خ��د���ش م���ش��اع��ره‪ ،‬وتحقيق م �ب��د�أ اللياقة في‬ ‫ال��خ��ط��اب‪ ..‬ك�� ّل ه��ذه ال��� ّ��ش��روط وغيرها كانت‬ ‫المولد الرئي�س وراء ك ّل �إبداع‪ ،‬ف�ض ًال عن �أنّها‬

‫ن�ص ًا قو ّي ًا جريئ ًا الئقاً‪ .‬والأديب في‬ ‫كانت ت�ضمن ّ‬ ‫ن�صه مرة‪ ,‬ويحا�سب‬ ‫الزمن الما�ضي كان يعدّل ّ‬ ‫عليه مرّة �أخ��رى‪ ,‬ويرف�ض مرّة ثالثة‪ .‬ما كانت‬ ‫لتمر النّ�صو�ص ب�سهولة دون �أن تحقق �شروط ًا‬ ‫و�ضعتها م�ؤ�س�سة النّقد لك ّل علوم العربيّة؛ لذلك‬ ‫ظهرت كتب لأط��راف العمليّة الإبداعيّة كافة‪,‬‬ ‫فهذا �س ّر الف�صاحة الب��ن �سنان في الألفاظ‪,‬‬ ‫وعيار ال�شّ عر البن طباطبا‪ ،‬ونقد ال�شّ عر لقدامة‬ ‫وال�صناعتين للع�سكري‪ ،‬كلّها و�ضعت‬ ‫بن جعفر‪ّ ,‬‬ ‫في متناول ال�شّ اعر ل�ضمان �ضبط النّ�صو�ص في‬ ‫قطبها الفنّيّ ‪ ،‬ولتحقيق مبد�أ الجودة‪.‬‬ ‫فالذي دخل وفي �شعره �إقواء‪ ،‬وهو عيب من‬ ‫عيوب القافية‪ ,‬ما عاد الإق��واء �إلى �شعره قط؛‬ ‫والذي مار�س �سوء االبتداء‪ ،‬كوفئ �أ�سو�أ مكاف�أة؛‬ ‫وال��ذي لم ي��را ِع قاعدة لك ّل مقام مقال‪ ،‬رف�ض‬ ‫طلبه بل �شتم‪ .‬وخير مثال على ذل��ك‪ ،‬عندما‬ ‫‏‪‎‎‬مدح جرير الخليفة عبدالملك بن مروان‪ ،‬فقال‪:‎‬‬

‫هذا ابن عمي في دم�شق خليفة‬ ‫ل����و ���ش��ئ��ت ���س��ـ��ـ��ـ��اق��ك��م �إ َل���������يَّ قطينا‪‎‬‬ ‫فلما �سمعه عبدالملك ق��ال‪ :‬م��ا زاد على‬ ‫�أن جعلني �شرطي ًا ‪ -‬واهلل لو ق��ال‪( :‬ل��و �شاء)‬ ‫ل�سقتهم �إليه قطينا‪ .‎‬وقد �أخط�أ جرير في قوله‪:‬‬ ‫(�شئت) ب�إ�سناد الفعل لنف�سه‪ ،‬وجعل الخليفة‬ ‫�شرطي ًا عنده ‪ -‬وهذا ال يليق بمقام‏الخليفة‪ ،‬ولو‬ ‫ا�ستبدل كلمة‪�( :‬شاء) �أي الخليفة مكان (�شئت)‬ ‫لحظي بما يريد‪‎.‎‬‏‬ ‫وم �ث��ال �آخ ��ر ع�ن��دم��ا دخ��ل ذو ال�� ُّر ّم��ة على‬ ‫عبدالملك بن م��روان فقال له‪� :‬أن�شدني �أجود‬ ‫�شعرك‪ ،‬ف�أن�شده‪:‬‬

‫مَا بَالُ َع ْينِكَ مِ ْنهَا ا ْلمَا ُء َينْ�سَ كِبُ‬ ‫َك�������أَ َّن������ ُه مِ ������نَ كُ����ل����ىً مَ����فْ���� ِر َّي���� ٍة � َ����س����رِبُ‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪13‬‬


‫مَا بَالُ َع ْينِي مِ ْنهَا ا ْلمَا ُء َينْ�سَ كِبُ‬ ‫َك�������أَ َّن������ ُه مِ ������نَ كُ����ل����ىً مَ����فْ���� ِر َّي���� ٍة � َ����س����رِبُ‬ ‫وه��ذا «ال�شّ اعر العراقي» علي بن الجهم‪،‬‬ ‫عندما قَدِ مَ على المتوكل ‪ -‬وكان بدويًّا جافي ًا ‪-‬‬ ‫ف�أن�شده ق�صيدة قال فيها‪:‬‬

‫�أن�������تَ ك���ال���ك���ل���بِ ف����ي ح���ف���اظ���ك ل��ل��ود‬ ‫وك���ال���ت���ي�������س ف�����ي ق��������راع ال���خ���ط���وب‬ ‫�أن��������تَ ك���ال���دل���و ال ع���دم���ن���اك دل������واً‬ ‫م�����ن ك����ب����ار ال���������دّال ك���ث���ي���ر ال����ذن����وب‬ ‫فعرف المتوكل قوته‪ ،‬ورقّة مق�صده وخ�شونة‬ ‫ل��ف��ظ��ه‪ ،‬وذل���ك لأ ّن���ه و��ص��ف ك�م��ا ر�أى‪ ،‬و‏لعدم‬ ‫المخالطة ومالزمة البادية‪ .‬ف�أمر له بدار ح�سنة‬ ‫على �شاطئ دجلة‪ ،‬فيها ب�ستان يتخلله ن�سيم‬ ‫‏لطيف والج�سر قريب منه‪ ،‬ف�أقام �ستة �أ�شهر‬ ‫على ذلك ثمّ ا�ستدعاه الخليفة لين�شد‪،‬‏ف�أخرجه‬ ‫و�أ�سكنه بين دجلة والرّ�صافة وكان �أعرابي ًا جلف‬ ‫الطباع‪ ,‬ثمّ �أعيد �إلى الوالي فقال له‪� :‬صفني‪،‬‬ ‫فقال ال�شّ اعر‪:‬‬

‫و َق َّيدْتُ نف�سي في ذراك محب ًة‬ ‫وم����ن وج����د الإح�������س���ان ق���ي���داً ت��ق��ي��دا‬ ‫فهذا �أدب جم‪ ،‬وتوا�ضع وعرفان بالجميل‪.‬‬ ‫واقر�أ لأبي تمام في حب الأوطان‪� ،‬إذ يقول‪:‬‬

‫عُيونُ المَها بَينَ الرُ�صا َف ِة وَالجِ �س ِر‬ ‫َنقِّلْ ُف�ؤادَكَ حَ يثُ �شِ ئتَ مِ ن الهَوى‬ ‫جَ لَبنَ الهَوى مِ ن حَ يثُ �أَدري وَال �أَدري‬ ‫م����ا ال�����حُ �����بُّ �إ ّال ل���ل���حَ ���ب���ي���بِ الأوَّلِ‬ ‫أر����ض ي�أل ُف ُه الفَتى‬ ‫وت�أ�سي�س ًا على م��ا �سبق‪ ،‬ف� ��إنَّ الكتابة في َك�� ْم مَ��ن��زِلٍ في ال ِ‬ ‫الما�ضي كانت فع ًال والكتابة اليوم انعكا�ساً؛‬ ‫وحَ �����ن�����ي����� ُن����� ُه �أب������������داً لأوَّلِ مَ�����ن�����زِلِ‬

‫ف��ال�خ�ط��اب ال � ّن �ق��دي ك��ان يتجه �إل ��ى مكونات‬ ‫ولتقر أ� في مجال العواطف الإن�سانية قول‬ ‫العمليّة الإب��داع� ّي��ة برمتها �شك ًال وم�ضموناً‪,‬‬ ‫و�إلى �أطرافها مبدع ًا ومتلقٍ ‪� .‬أمّا الكتابة اليوم‪ ،‬البحتري‪:‬‬ ‫فهي �أم��ر في غاية ال�سّ هولة؛ لأ ّن��ه ال م�ؤ�س�سة َو َر َّق َن�����س��ي�� ُم ال��ري��حِ حَ �� ّت��ى حَ �سِ ب َتـ ـ ُه‬ ‫��ا���س الأَحِ َّبـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ِة ُنعَّما‬ ‫َي��ج��ي ُء ِب َ���أن��ف ِ‬ ‫لغويّة رقابية تفر�ض �شروطهاً‪ ،‬لذلك تراها‬ ‫‪ 14‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫وت�أمّل كرم ال�شنفرى واحترامه ل�ضيوفه‪� ،‬إذ‬ ‫يقول‪:‬‬

‫و�إنْ ُم��دَّت الأي��دِ ي �إلى ال��زا ِد ل ْم �أكُنْ‬ ‫ب���أع��جَ �� ِل��هِ��م‪� ،‬إ ْذ �أج�����ش�� ُع ال��ق��و ُم �أعْ ��جَ �� ُل‬ ‫وانظر لب�شار بن بُرد في التّ�سامح‪� ،‬إذ قال‪:‬‬

‫�إِذَا كُ��� ْن���تَ فِ���ي كُ���� ِّل الأُ ُم�������و ِر مُ�� َع��ا ِت�� ًب��ا‬ ‫خَ �� ِل��ي��لَ��كَ َل���� ْم َت��� ْل��� َق ا َّل�����ذِ ي َال ُت�� َع��ا ِت�� ُب�� ْه‬ ‫ِ�����ش وَاحِ �����دًا �أَ ْو �ِ��ص��لْ �أَخَ �����اكَ َف���إِ ِّن�� ُه‬ ‫َف��ع ْ‬ ‫مُ������قَ������ارِفُ َذ ْن��������بٍ مَ�������� َّر ًة َومُ����جَ ����ا ِن���� ُب���� ْه‬ ‫�إِذَا �أنْتَ َل ْم تَ�شْ رَبْ مِ رَارًا َعلَى ا ْل َقذَى‬ ‫َّا�س ت َْ�صفُو مَ�شَ ا ِر ُب ْه‬ ‫ظَ مِ ئْتَ ‪َ ،‬و�أَيُّ الن ِ‬ ‫َومَ��نْ ذَا ا َّل��ذِ ي ُترْ�ضَ ى �سَ جَ ايَا ُه ُك ُّلهَا‬ ‫�لا �أَنْ ُت�� َع�� َّد مَ�� َع��ا ِي�� ُب�� ْه‬ ‫َك�� َف��ى ال���مَ��� ْر َء ُن�� ْب ً‬ ‫وا�سمع لجرير في الرثاء‪ ،‬قائالً‪:‬‬

‫ل����وال ال���ح���ي���ا ُء ل��ه��اج��ن��ي ا���س��ت��ـ��ـ��ع��ب��ا ُر‬ ‫ول��������زرت ق����ب����ركِ وال���ح���ـ���ب���ي���بُ ي�����زا ُر‬ ‫وقف عند امرئ القي�س في حديثه عن الإرادة‬ ‫والطموح‪ ،‬فيقول‪:‬‬

‫بكى �صاحبي لما ر�أى ال���درب دون��ه‬ ‫و�أي������ق������ن �أ ّن����������ا الح�����ق�����ان ب��ق��ي�����ص��را‬ ‫ف���ق���ل���ت ل�����ه ال ت���ب���ك ع���ي���ن���ك �إ ّن����م����ا‬ ‫ن�����ح�����اول م���ل���ك���ا �أو ن����م����وت ف���ع���ذرا‬

‫م��������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫وكانت عينا عبدالملك ت�سيالن م��اء‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫فغ�ضب عليه و�أمر به‪ ،‬ف�أخرج مهان ًا وقد عرف‬ ‫مو�ضع خطئه‪ .‬فلمّا كان من الغد دخل في زمرّة‬ ‫النّا�س و�أن�شد‪:‬‬

‫تتكاثر وتتنا�سل في الأخ�ط��اء؛ لأنَّ الكتُّاب لم‬ ‫يدركوا حجم المغامرة �أو المخاطر التي تكتنف‬ ‫م�سعاها‪ ,‬في�ؤدي بهم �إلى االنزالق في متاهات‬ ‫لجيّة‪ .‬لذلك‪ ،‬يجب �أن تت�ضافر الجهود ل�ضبط‬ ‫فو�ضى الكتابة الإبداعيّة َوفْقَ قواعد اللّغة وف ّنيّة‬ ‫الألفاظ‪ ,‬و�إيجاد م�ؤ�س�سات رقابيّة لغويّة بو�صفها‬ ‫�ضامن ًا �أ�سا�س ًا لإنتاج ن�ص متما�سك‪.‬‬ ‫ف��ي الما�ضي ل��م يكن ال����شُّ �ع��راء‪ ،‬وال�ك� ّت��اب‬ ‫ال�ضرورات ال�شّ عريّة‪ ,‬وال الرخ�ص‬ ‫ي�ست�سهلون ّ‬ ‫ال� ّل�غ��و ّي��ة‪ ,‬و�إن وج��دت فبقلة؛ فكانت الأل�ف��اظ‬ ‫ّ�ص‬ ‫والمعاني تنتظم في تراكيب قويّة تعطي الن ّ‬ ‫ّ�ص مولد ًا لاللتذاذ‪.‬‬ ‫الأدب��يّ معنى‪ ,‬وي�صبح الن ّ‬ ‫ه��ذه ال�����شّ ��روط ه��ي التي �أف ��رزت المتنبي و�أب��ا‬ ‫تمام‪ ,‬والمعريّ ‪ ,‬وابن الرومي‪ ,‬وب�شّ ار بن برد‪,‬‬ ‫و�أبا نوا�س‪ ,‬والبحتري‪ ,‬وه��ؤالء �أحفاد وتالميذ‬ ‫ام��رئ القي�س‪ ,‬والأع���ش��ى‪ ,‬وزه�ي��ر‪ ,‬وطرفة بن‬ ‫العبد‪ ,‬والنّابغة الذّبياني‪...‬‬ ‫فنت�أمّل كالم المتنبي‪� ،‬سيد الإن�شاد على كبر‬ ‫قامته ال�شّ عريّة‪ ،‬وهو يخاطب �سيف الدّولة‪ ،‬فيقول‪:‬‬

‫� َ���س�ل�امٌ‪َ ،‬و�إنْ كَ�����ا َن ال�������سّ �ل�ا ُم َت���حِ ��� َّي���ةً‪،‬‬ ‫ف��وَجْ ��هُ��كَ دو َن ال��� ّر ّد يكفي المُ�سَ ِّلمَا‬

‫يتربعون على عر�ش �سلم القيم في ك ّل مجاالت‬ ‫الحياة �آتية فخراً؛ لأنَّ المكت�سب العقلي كان‬ ‫م�شغوف ًا في مختلف �صنوف المعرفة‪ ،‬بدء ًا من‬ ‫اللّغة وانتها ًء بالمعرفة والعلم‪ .‬كواكب منيرة‬ ‫مل�ؤها بالهيبة وال��وق��ار ال��ذي يلفك بح�ضرة‬ ‫المتنبي وام��رئ القي�س‪ ,‬رج�لان مَ َلكَا نا�صية‬ ‫اللّغة‪ ,‬عندما تقف �أمامهما ذات الهيبة والوقار‬ ‫ينتابك �أمام الخوارزمي في الريا�ضيات‪ ،‬وجابر‬ ‫بن حيان في الكيمياء‪ ،‬وابن ر�شد في الفل�سفة‪،‬‬ ‫واب��ن �سيناء ال�شّ يخ الرئي�س في الطب‪ ,‬وابن‬ ‫خلدون في االجتماع‪ ,‬وال��رازي وابن الهيثم في‬ ‫الب�صريات‪ ,‬رجال عولموا العالم قبل ‪1400‬عام‬ ‫قبل �أن ت�صلنا العلوم‪ ,‬فهموا العربيّة في القديم‪,‬‬ ‫ورجالها كانوا �أ ّم��ة ذات حظ �أوف��ر من الثّقافة‬ ‫ف�أثّروا في ثقافات الأمم المجاورة و�أجبروهم‬ ‫على تعلم العربيّة‪ ،‬وترجمتها ونقل ما فيها من‬ ‫علوم �إلى بالدهم‪.‬‬ ‫�أمّا اليوم‪ ،‬والتّذكر يبعث على الأ�سى ال�شّ فيف‬ ‫يلف المنتج الثّقافي في ذات اللّغة‪ ،‬فلم‬ ‫الذي ّ‬ ‫ن � َر �إال الطال�سم والأل �غ��از‪ ,‬و�سف�سطة‪ ,‬و�شعر‬ ‫منا�سبات‪ ,‬تمحل ومماحكة‪ ,‬وك ��أَنَّ النّ�صو�ص‬ ‫تولد والدة قي�صرية غير مكتملة‪� ,‬أنزّه العربيّة‬ ‫من �أن �أورد �أمثلة لنماذج �شعريّة تزكم الأنوف‪,‬‬ ‫وما دمنا نذكر �أ�شعار ًا على �شاكلة قول المتنبي‪:‬‬

‫�أَنـا ُم مِ ـل َء جُ فُـوفـي عــن �شَ ـوا ِر ِدهـا‬ ‫ويَ�سْ ـهَـ ُر الخَ ـ ْلـقُ جَ ـ َرّاهــا و َيخـ َت ِـ�صـ ُم‬

‫�أي ث�ق��ة ت �م�ل�أ المتنبي ح � ّت��ى ي��دخ��ل ه��ذا‬ ‫�أم � ُّر على �ساحل اللّغة في الزمن الما�ضي التّحدي‪ ,‬و�أيُّ جعبة ملئت بالنحو‪ ,‬وثقافة ملئت‬ ‫عندما تطوف بي الذاكرة‪ ،‬ف�أ�سمع �صدى �صوت باللّغة‪ ،‬و�أيُّ ب�صيرة يرى بها ب�شّ ار بن برد عندما‬ ‫عظماء ال�شّ عراء و�أقطف من ريا�ض �شعرهم‪ ,‬قال‪:‬‬ ‫�أق��ر�أ �سياقات جزلة‪ ،‬وتراكيب قويّة‪ ،‬في �أوج َك��������أَ َّن مُ���� َث����ا َر ال��� َّن���قْ��� ِع فَ������ ْو َق ُر�ؤو� ِ���س��� َن���ا‬ ‫ت�ألقها‪ ،‬و�صور ًا ف ّنيّة‪� ،‬أتذكر قمم ال�شُّ عراء وهم‬ ‫َو�أَ� ْ���س��� َي���افَ��� َن���ا َل��� ْي���لٌ َت����هَ����اوَى َك���وَاكِ��� ُب���ه‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪15‬‬


‫حقاً‪ ،‬ينتابني الخجل‪ ،‬عندما �أ�س�أل‪� :‬أين فحولة‬ ‫وجزالة وقوة المعلّقات‪ ,‬والمذهبّات‪ ,‬والم�سمطات‪,‬‬ ‫وال �م �ف �� �ض �ل �ي��ات‪ ,‬وال��م��خ��ت��ارات‪ ,‬وال �ح��ول �ي��ات‪,‬‬ ‫والمن�صفات‪ ,‬والأ��ص�م�ع�ي��ات؟ ه��ذه المجاميع‬ ‫ال�شّ عريّة التي ان�ضبطت وَفق عرو�ض الخليل‪ ,‬ونحو‬ ‫�سيبويه‪ ،‬والك�سائي وقليل مَن يعرفهم‪.‬‬ ‫و�صفوة القول‪� :‬إنَّ هذه الورقة �أو المقالة الأدبيّة‬ ‫التي عنيت بالخ�صائ�ص بين القديم والحديث‪،‬‬ ‫ف�إنّها لتود ال ّت�أكيد على هذه الخ�صائ�ص المتمثلة‬ ‫في جزالة التّراكيب‪ ،‬وف�صاحة الألفاظ‪ ،‬وبالغة‬ ‫ال�سّ ياقات؛ ناهيك عن الأ�ساليب التي عك�ست‬ ‫امتالك الأدب ��اء للمعرفة اللّغويّة العميقة بما‬ ‫ت�ضمّنته من معانٍ وقيمٍ �إن�سانيّة‪ ,‬و�صور ف ّنيّة‬ ‫و�أدبيّة‪� ،‬أ�شبه ما تكون بلوحة ف ّنيّة متكاملة‪ ,‬ك ّل‬ ‫‪ 16‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫ومن �أجل تحقيق هذا‪� ،‬صنع النّقاد كتب ًا تدل‬ ‫عناوينها الجميلة على م�ضامينها الأجمل‪ .‬وتذكر‬ ‫الورقة �أمثلة للتدليل على هذا من عناوين كتبهم‪،‬‬ ‫نحو‪ :‬قرا�ضة الذهب في نقد �أ�شعار العرب البن‬ ‫ال�صدى الب��ن ه�شام‬ ‫ر�شيق‪ ,‬وقطر ال� ّن��دى وب � ّل ّ‬ ‫الأن���ص��اري‪ ,‬ونفخ الطيب م��ن غ�صن الأندل�س‬ ‫الرطيب للتلم�ساني‪ ,‬والذّخيرة في محا�سن �أهل‬ ‫الجزيرة الب��ن ب�سّ ام ال�شّ نتريني‪ .‬ن��رى �أ�سماء‬ ‫م�ؤلفات ك�شفت عن ارتفاع الذّوق ورقيه؛ �إذ كان‬ ‫الغذاء للعقل والنّف�س والروح‪ ،‬بحق تهفو القلوب‬ ‫�إلى تلك الثّقافة العربيّة‪ ،‬وال�شّ وق يغمر عقولنا �إلى‬ ‫�أن نرى ن�صو�ص ًا �إبداعيّة تحاكي تلك المرحلة‪.‬‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫�صورة لمعركة وو�صف دقيق‪ ,‬والرجل كفيف م�شهد فيها غاية في الدّقة والجمال والتّنا�سق‪،‬‬ ‫الب�صر‪ ،‬وعندما ُي���س��أل‪ :‬م��ن �أي��ن �أت�ي��ت بهذه الذي ما عدنا ر�أيناها‪.‬‬ ‫ال�صورة ال�شّ عريّة و�أنت �أعمى؟ الجواب‪ :‬الأذن‬ ‫ّ‬ ‫ولقد �أ ّك��د الأوائ��ل الذين عملوا في الم�ؤ�س�سة‬ ‫تع�شق قبل العين �أحياناً؛ �إنه تفعيل كامل لحوا�س‬ ‫اللّغويّة والأدب� ّي��ة والنّقديّة على ت�ضافر الجهود‪،‬‬ ‫الإدراك‪.‬‬ ‫ه� ��ؤالء‪ ،‬ه��م ف��ر��س��ان ال �ك�لام وع�ل�م��اء ذلك ليبعدوا النّ�صو�ص الإبداعيّة عن الركاكة‪ ،‬وينقذوها‬ ‫الع�صر‪ .‬هذه هي عربيّة الم�شرق العربي‪ ..‬و�إذا من االبتذال‪ ,‬فلن تجد ن�ص ًا �إبداعي ًا يحوي لفظ ًا‬ ‫ما يمّمت وجهك للمغرب �آنذاك‪ ,‬فلن تجد �أقل حو�شي ًا �أو عامي ًا �ساقطاً‪ ,‬وال غريب ًا م�ستهجن ًا �أو‬ ‫منه‪ ،‬مثل‪ :‬ابن �شهيد‪ ،‬والأعمى التطيلي‪ ،‬و�أبي‬ ‫نادراً‪ ,‬ف�إنَّه حق المعنى ال�شّ ريف واللّفظ ال�شّ ريف‪.‬‬ ‫البقاء الرندي‪ ,‬وابن زيدون‪.‬‬ ‫ولقد راعت العربيّة خ�صو�صية المخاطب ورتبته‬ ‫ومهما قلت ف��ي العربيّة ومكت�سبها الثّقافي‬ ‫فن�صوا على قاعدة لك ّل مقام مقال‪,‬‬ ‫والعقلي‪ ,‬لن تفيها حقها‪ ,‬لأني كلما طرقت باب ًا من االجتماعيّة؛ ّ‬ ‫�أبوابها‪� ،‬أو دخلت محراب ًا من محاريب العلم والأدب ولك ّل مقال مقام؛ فال مجال ل�سماع مَن لم ي�صطنع‬ ‫فيها‪� ,‬أ�ست�شعر قدا�سة غاية في الطهر والنّقاء‪ ,‬عبارة مهذبة‪ ,‬وال فر�صة لمن لم يح�سن التّخل�ص‬ ‫تلفُّ الزمان والمكان؛ لأنّها لغة تفرق بين المُقدّ�س �أو ال يعرف البدايات ال�شّ عريّة الجميلة في مفتتح‬ ‫والمُدنّ�س في الألفاظ والمعاني‪ ،‬كما في ك ّل حقل‬ ‫خطابه ال�شّ عري‪ ,‬وال مكان لمن ال يعرف كيف‬ ‫م��ن حقول المعرفة‪ ,‬وتملك ال �ق��درة‪ ،‬ف��ي الوقت‬ ‫ّ�ص ال�شّ عري‪.‬‬ ‫نف�سه‪ ،‬على الف�صل والو�صل بين الأ�صل والمقلد‪ .‬يحقق مبد�أ اللّياقة في الن ّ‬

‫لغ ُتنا هوي ُتنا‪:‬‬ ‫َ‬ ‫كيف ن�صو ُنها؟‬ ‫■ الزبري مهداد ‪ -‬املغرب‬

‫�إن م�شكل اللغة العربية مو�ضوع ال�ساعة‪ ،‬وك��ل ال�ساعات‪ ،‬و�سيظل ه��ذا الم�شكل مطروحا‬ ‫للنقا�ش الحيوي‪ ،‬ما دمنا لم نفلح في ت�شخي�ص �أ�سباب التردي اللغوي و�ضعف ا�ستيعابنا لهذا‬ ‫الوعاء العلمي والح�ضاري‪ ،‬والتراجع في م�سيرة ن�شره وبث محبته داخل الن�سيج االجتماعي‬ ‫العربي وبين الأمم‪ ،‬في الوقت الذي نقف �شاهدين مكتوفي الأيدي �أمام الغزو ال�شنيع القوي‬ ‫للهجات غير الف�صيحة واللغات الأخرى‪.‬‬ ‫فف�ضال عما تمثله اللغة العربية من �أهمية في التوا�صل االجتماعي‪ ،‬وتعبيرها عن حاجات‬ ‫النا�س و�أفكارهم‪ ،‬ودورها في نموهم العقلي والوجداني واالجتماعي‪ ،‬ف�إن تقويتها ودعمها وبثها‬ ‫ون�شرها يكت�سب �أهمية دينية و�سيا�سية وح�ضارية واجتماعية‪ ،‬وبخا�صة في هذا الظرف الدقيق‬ ‫ال��ذي تعي�ش فيه دول العالم العربي الإ�سالمي ت��ح��وّالت اجتماعية خانقة بت�أثير العولمة؛‬ ‫فالأخطار المحدقة بها تهددها بالتفكك و�ضياع هويتها‪ ،‬والنا�شئة ت�سعى لم�سايرة الأح��داث‬ ‫والتغيرات الطارئة‪ ،‬وتتخلى في المقابل عن �أ�صالتها وهويتها الثقافية‪ .‬والم�ؤ�س�سات التعليمية‬ ‫مطالبة بتنفيذ برنامج تعليمي يولي �أهمية ق�صوى لتقريب النا�شئة من التطورات التكنولوجية‬ ‫الحديثة في مجال التوا�صل والمعلومات‪ ،‬التي ال تخلو من حمولة ثقافية غربية تزيد من‬ ‫تعميق الأزمة وت�ستعجل التحوالت‪.‬‬ ‫الثقافة ذاكرة �أمة واللغة �أهم م�صادرها‬ ‫ف��ي ه��ذا ال�ع���ص��ر‪ ،‬ع�صر ال�ع��ول�م��ة‪ ،‬ال��ذي‬ ‫�أ�صبحت فيه الثقافات القوية تلتهم الثقافات‬ ‫ال�ضعيفة‪ ،‬م��ا ي�ه��دد ال�ه��وي��ات باال�ضمحالل‪،‬‬

‫برزت الحاجة الملحة �إلى تعزيز الهوية المهددة‬ ‫وتعميقها‪ ،‬وك��ذا الذاتية الثقافية المخترقة‪،‬‬ ‫لأج��ل �إق��داره��ا على ال�صمود ومواجهة الغزو‬ ‫و�آث ��ار العولمة الكا�سحة‪ ،‬الم�سلّحة بالثورة‬ ‫التكنولوجية وو�سائل االت�صال الحديثة‪ ،‬التي‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪17‬‬


‫‪ 18‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫المماليك‪ :‬الهوية لغوية ولي�ست عرقية‬ ‫اللغة �أه��م العنا�صر ال�ت��ي ت�شكّل الهوية‪،‬‬ ‫والهوية اللغوية �أقوى ت�أثيرا ور�سوخا في النف�س‬ ‫م��ن ال�ه��وي��ة ال�ع��رق�ي��ة‪ ،‬وخ �ي��ر م �ث��ال ل��ذل��ك هو‬ ‫المماليك‪ ،‬فتاريخهم و�سيرتهم و�آثارهم تقدم‬ ‫لنا حجة قوية على �أهمية الهوية اللغوية‪.‬‬ ‫فالمماليك تم ا�ستقدامهم وجلبهم �صغارا‬ ‫�أو مراهقين من قوميات غير عربية كالتركمان‬ ‫والفر�س والروم وغيرهم‪ ،‬ومع ذلك فقد �أبانوا‬ ‫عن ت�شبث قوي بالهوية العربية الإ�سالمية‪ ،‬برز‬ ‫في �سيا�ستهم وتعاملهم وكل خططهم‪.‬‬ ‫والف�ضل في ذلك يحوزه ال�سالطين الذين‬ ‫عنوا بتر�سيخ الهوية العربية الإ�سالمية في نفو�س‬ ‫المماليك الذين ا�ستقدموهم �صغارا في مرحلة‬ ‫الطفولة القابلة لت�شكيل الهوية وتحديدها‪ .‬ولما‬ ‫ك��ان التعليم هو المدخل المهم لغر�س القيم‬ ‫والتقاليد وتر�سيخ الهوية؛ فقد اهتم ال�سالطين‬ ‫بنظام التربية‪ ،‬ف�أخ�ضعوا المماليك لتكوين‬ ‫دقيق‪ ،‬قوامه نظام درا�سي يبد�أ بحفظ القر�آن‬ ‫الكريم‪ ،‬ومبادئ العربية والكتابة‪ ،‬ثم درو�سا‬ ‫في علوم الدين الإ�سالمي و�آداب اللغة العربية‪،‬‬ ‫وذلك كان ال يقل �أهمية عمّا يتلقونه من تدريبات‬ ‫ع�سكرية وريا�ضية‪ ،‬ليكون بداية �أمرهم على‬ ‫الإ�سالم والثقافة العربية(‪ .)3‬وكان ي�شرف على‬ ‫تعليمهم الفقهاء والم�ؤدبون والمدربون‪ ،‬فت�شربوا‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫تعتمد لغات وتقاليد وقواعد غريبة ودخيلة على‬ ‫ثقافات مجتمعاتنا‪ ،‬تهدد ثقافاتنا بال�ضمور‬ ‫والتفكك‪� ،‬أو الذوبان في ثقافات �أخرى مناف�سة‪.‬‬ ‫وعندما نتحدث عن الثقافة‪ ،‬ف�أهم م�صادرها‬ ‫وعنا�صرها هي اللغة العربية والتراث‪ .‬ولي�ست‬ ‫اللغة مجرد �أداة للتعبير ونقل الأفكار‪ ،‬ولكنها‬ ‫لغة فكر �أي�ضا وق��واع��د تفكير و�سلوك وقيم؛‬ ‫فالقر�آن الكريم حمّل اللغة العربية �شحنة وا�سعة‬ ‫من القيم والمبادئ‪ ،‬وجعلها الإ�سالم لغة عقيدة‬ ‫وثقافة وخطاب وتوا�صل؛ ولذلك‪ ،‬ف�إن االهتمام‬ ‫باللغة العربية ي�أتي من جانبين‪� :‬أولهما ديني‪،‬‬ ‫بو�صفها لغة ال�ق��ر�آن الكريم وال�سنة النبوية؛‬ ‫وثانيهما قومي في المحافظة عليها حفاظا على‬ ‫التراث القومي العربي الثقافي والفكري‪.‬‬ ‫يقول هيجل‪« :‬اللغة وعاء الفكر»‪ .‬فلوال اللغة‬ ‫التي تحفظ الفكر لتبعثر ه��ذا الفكر‪ ،‬وحتى‬ ‫التفكير داخ��ل ذوات �ن��ا يتم م��ن خ�لال اللغة‪،‬‬ ‫لذلك قيل‪�« :‬إن التفكير ال�صامت الذي يوحي‬ ‫لنا بوجود حياة باطنية هو – في الحقيقة –‬ ‫مونولوج داخلي يتم بين الذات ونف�سها»‪ .‬فاللغة‬ ‫ت�سيطر على كامل تفكيرنا‪�� ،‬س��واء ك��ان هذا‬ ‫التفكير داخليا بيننا وبين ذواتنا‪� ،‬أو خارجيا‬ ‫بيننا وبين الآخرين‪ .‬ويقول الأديب يحيى حقي‪:‬‬ ‫«�إن اللغة قالب الفكر‪ ،‬ف ��إذا كان هذا القالب‬ ‫مك�سورا‪ ،‬فالفكر يكون مك�سورا‪ ،‬ف�أنت ال ت�ستطيع‬ ‫�أن تفكر تفكيرا �صحيحا �إال بلغة �صحيحة»(‪.)1‬‬ ‫فتعلّم اللغة و�إتقانها وامتالك نا�صيتها ي�ؤدي‬ ‫�إلى تقديرها والتم�سّ ك بها‪ ،‬ويي�سر ا�ستعمالها‬ ‫ا�ستعماال �صحيحا ف��ي االت���ص��ال ب��الآخ��ري��ن‪،‬‬ ‫تحدثا وكتابة وا�ستماعا وقراءة‪ ،‬وتكوين عادات‬ ‫لغوية �سليمة‪ ،‬الأمر الذي يتيح تحقيق الم�صالح‬ ‫الم�شتركة وال�ت�ف��اه��م وال �ت �ع��اون والإح���س��ا���س‬

‫باالنتماء للجماعة‪ .‬فاللغة العربية �أهم �أوعية‬ ‫الثقافة العربية وتراثها الغني المتنوّع‪( .‬ويكفي‬ ‫لال�ستدالل على �أهمية اللغة �أن نعرف قدرتها‬ ‫على �أن تكون رابطا اجتماعيا محكما‪ ،‬باعتبارها‬ ‫و�سيلة توا�صل ثقافي فعال‪ ،‬ومن هنا‪ ،‬تعد �إجادة‬ ‫اللغة تنمية ل�ل��والء الثقافي ل�ل�أم��ة‪ ،‬وال��وط��ن‪،‬‬ ‫والمجتمع‪ ،‬والأ�سرة)(‪.)2‬‬

‫الثقافة العربية الإ�سالمية‪ ،‬ون�ش�أوا على التم�سُّ ك‬ ‫بالدين والتقاليد الإ�سالمية والعربية(‪.)4‬‬ ‫فا�ستوعب المماليك هذه الثقافة وت�شرّبوها‪،‬‬ ‫و�أج��اد كثي ٌر منهم اللغ َة العربية و�آداب �ه��ا‪ ،‬بل‬ ‫وا�شتغل بع�ضهم بالعلم والأدب فكان منهم‬ ‫�شعراء وم�ؤلفون‪ ،‬قال ابن �إيا�س عن ال�سلطان‬ ‫الم�ؤيد �شيخ‪�« :‬إنه كان عارفًا بالمو�سيقى وال�شعر»‬ ‫وقال عن الظاهر جقمق‪« :‬كان ف�صيحً ا بالعربية‬ ‫متف ِّقهًا‪ ،‬له م�سائل في الفقه عوي�صة يُرجع �إليه‬ ‫فيها»‪ .‬وق��ال عن ال�سلطان الأ��ش��رف قايتباي‪:‬‬ ‫«كان له ا�شتغال بالعلم‪ ،‬كثير المطالعة‪ ،‬وكان‬ ‫متق�شِّ فًا فيه نزعة �صوفيَّة»(‪.)5‬‬ ‫وه���ؤالء المماليك الذين ت�شبعوا بالثقافة‬ ‫ال�ع��رب�ي��ة بف�ضل ال�ت�ك��وي��ن ال ��ذي خ�ضعوا ل��ه‪،‬‬ ‫ا�ستبدلوا هويتهم العرقية بالهوية اللغوية‪ ،‬فغدا‬ ‫الإ� �س�لام وال�ع��روب��ة هوية ج��دي��دة لهم‪ ،‬تجلّت‬ ‫خالل توليهم الحكم �آثار هويتهم في منجزات‬ ‫عملية مهمة‪ ،‬منها عنايتهم بالدين وم�ؤ�س�ساته‪،‬‬ ‫ون�شرهم التعليم العربي وت�شجيعهم ودعمهم‬ ‫للثقافة ال�ع��رب�ي��ة و�آداب��ه��ا ف��ي ب �ل��دان ال�شرق‬ ‫الأو�سط التي كانت تخ�ضع لحكمهم وهي م�صر‬ ‫وبالد ال�شام ومناطق من العراق‪.‬‬ ‫ك�م��ا ظ� َه��ر م��ن �أب �ن��اء المماليك ع ��د ٌد من‬ ‫العلماء والم�ؤرِّخين‪ ،‬منهم‪ :‬اب��ن تغري بردي‬ ‫وابن دقماق (ت ‪809‬هـ‪1407/‬م)‪ ،‬وابن �إيا�س‪،‬‬ ‫على الرغم من �أن ه��ؤالء لم يكونوا من �أ�صول‬ ‫عربية �إ�سالمية‪ ،‬و�إنما تن�شئتهم في �صباهم هي‬ ‫التي �أك�سبتهم الهوية العربية الإ�سالمية وجعلهم‬ ‫يت�شبثون بها وينافحون عنها‪.‬‬ ‫وما يقال عن المماليك ك�أفراد يقال �أي�ضا‬ ‫ع��ن ب�ل�اد الأن��دل ����س وم���ص��ر و��ش�ع��وب �شمالي‬ ‫�إفريقيا وغيرها‪ .‬فبف�ضل التعليم ا�ستبدل النا�س‬

‫هويتهم العرقية بالهوية اللغوية‪ ،‬وتولّدت الهوية‬ ‫من خالل التفاعل اللغوي االجتماعي للذوات‪،‬‬ ‫وانتقلت اللغة بالتالي من الوظيفة التوا�صلية �إلى‬ ‫الوظيفة الوجودية‪ .‬وهذا ما يبرهن على العالقة‬ ‫الجدلية بين اللغة والهوية‪ ،‬فاللغة العربية التي‬ ‫دخلت بحمولتها �إلى البلدان الم�سلمة �أ�س�ست‬ ‫�صرح هويتها الثقافية والح�ضارية(‪.)6‬‬ ‫التعليم محقن العقول‬ ‫�إن العمل التربوي بكل �أ�شكاله من تن�شئة‬ ‫اجتماعية وتعليم �أو تدريب‪� ،‬سواء في المدار�س‬ ‫�أو الم�ساجد �أو المنازل والزوايا �أو غيرها من‬ ‫الم�ؤ�س�سات‪ ،‬هو و�سيلة المعرفة والتكوين‪ ،‬وهو‬ ‫�أي���ض� ًا المحقن ال��ذي يحقن ع�ق��ول وع��واط��ف‬ ‫النا�شئة بقيم المواطنة وم �ح��ددات هويتهم‬ ‫الدينية والثقافة التي �ستطبع �شخ�صياتهم‬ ‫وتر�سم طريقهم وت�ؤطر ا�ستجاباتهم و�سلوكهم‪.‬‬ ‫وق��د تبين لنا من در���س المماليك‪� ،‬أهمية‬ ‫وقيمة الدور الذي قام به الم�ؤدبون والمعلمون‬ ‫وال���ش�ي��وخ ال��ذي��ن ت�ع�ه��دوا ال�م�م��ال�ي��ك �صغارا‬ ‫بالتربية والتدريب والتعليم والتكوين‪ .‬والوعي‬ ‫الذكي الذي تمتّع به الملوك الذين �أدركوا �أهمية‬ ‫التعليم في الطفولة‪ ،‬وهي الفترة الذهبية من‬ ‫عمر الن�شء‪ ،‬فا�ستثمروا فيها ما وجهوه للمماليك‬ ‫من عناية ب�أخالقهم ودينهم وتعليمهم‪ ،‬ما �أثمر‬ ‫نخبا ع�سكرية و�سيا�سية مت�شبّعة بالهوية العربية‬ ‫الإ�سالمية ومكوناتها الدينية واللغوية والثقافية‪،‬‬ ‫مندمجة ف��ي مجتمعها؛ فعظّ مت الإ���س�لام‪،‬‬ ‫ودافعت عن العروبة‪ ،‬وحمت ا�ستقالل ال�شعوب‬ ‫ال�ع��رب�ي��ة‪ ،‬وح��ر��ص��ت ع�ل��ى نه�ضتها وتقدمها‬ ‫و�إ�سهامها بحظها في م�سيرة التقدم الإن�ساني‬ ‫ب�إنتاج غزير‪ ،‬مادي ومعنوي‪.‬‬ ‫�إن التعليم يجب �أن يحر�ص على ت�أ�صيل‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪19‬‬


‫�صرخة ابن خلدون‬ ‫يعد ابن خلدون (ت ‪808‬ه �ـ) من بين �أهم‬ ‫الذين لفتوا النظر �إل��ى م�ساوئ ط��رق التعليم‬ ‫وف�شلها في تمكين المتعلم من ا�ست�ضمار الن�سق‬ ‫اللغوي و�إتقان التوا�صل باللغة العربية؛ ف�أ�شار‬ ‫بو�ضوح �إلى �أن التمكّن من نا�صية اللغة ال يتم‬ ‫م��ن خ�لال حفظ الن�ص �أو فهم م��ا يلقى �إل��ى‬ ‫المتعلم‪ ،‬بل ال بد من ط��رق توا�صلية تفاعلية‬ ‫متجددة‪ .‬ويقترح ابن خلدون �أن يتم التفاعل من‬ ‫خالل در�س يعتمد الجدل والحوار بين المعلم‬ ‫والمتعلم‪ ،‬باعتبار ذلك من �أهم و�سائل تمكين‬ ‫المتعلم من امتالك مهارات التعبير والتوا�صل‬ ‫والتعاي�ش وتدريبه على فنون ال�ح��وار وقبول‬ ‫االختالف في الم�سائل العلمية‪ ،‬فهو الذي يقرب‬ ‫‪ 20‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫عيوب التعليم التلقيني‬ ‫�إن �إتقان هذه المهارات اللغوية (اال�ستماع‪،‬‬ ‫التحدث‪ ،‬القراءة وفهم المقروء) يعتمد �أ�سا�سا‬ ‫على قابلية الطفل على ال�شعور بعمق‪� ،‬إال �أن‬ ‫ذل��ك غير متاح لمتعلمينا؛ لأن ط��رق التعليم‬ ‫التلقينية تحرمهم م��ن ذل��ك‪ .‬ونتيجة غياب‬ ‫فر�صة هذا ال�شعور في مدار�سنا‪ ،‬فقد ظل تعليم‬ ‫اللغة العربية في مدار�سنا متدهورا‪ ،‬وخريجو‬ ‫هذه المدار�س‪ ،‬و�إن كانوا يتقنون بع�ض مهارات‬ ‫القراءة والكتابة‪ ،‬ف�إنهم ال يتقنون ا�ستعمال اللغة‬ ‫الف�صيحة بالتلقائية المطلوبة‪( ،‬وال يتقنون‬ ‫ال�ت�ح��دث ب�ط�لاق��ة ف��ي واق ��ع اال��س�ت�ع�م��ال‪ ،‬لأن‬ ‫مناهج التعليم وطرقه �أهملت مهارات اال�ستماع‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫عنا�صر الهوية في وج��دان الن�شء‪ ،‬من خالل‬ ‫تعليم اللغة والثقافة القوميتين اللتين تعدان‬ ‫من �أهم مكوناتها‪ ،‬حتى ي�ستطيع الن�شء مقاومة‬ ‫الت�أثيرات ال�سلبية للعولمة؛ فالتم�سك بالهوية‬ ‫الأ�صيلة واللغة القومية �شرط �ضروري للحيلولة‬ ‫دون ا�ضمحالل الهوية �أو ذوبانها‪� ،‬إال �أن تعليم‬ ‫اللغة‪ ،‬لم يكن دوما يتم ب�شكل يبعث على الر�ضا‬ ‫واالرت�ي��اح‪� ،‬إذ ك��ان مو�ضوع مالحظات كثيرة‪.‬‬ ‫وجهت �سهام النقد لهذا التعليم واتهمته بالف�شل‬ ‫في النهو�ض باللغة العربية وتمكين المتعلمين‬ ‫من امتالك نا�صيتها و��طويعها‪.‬‬ ‫وه��ذه االن �ت �ق��ادات لي�ست ول �ي��دة ع�صرنا؛‬ ‫فمنذ قرون عديدة‪ ،‬جهر كتاب ومثقفون بهذه‬ ‫االنتقادات‪ ،‬منهم الجاحظ (ت ‪255‬هـ) م�ؤلف‬ ‫البيان والتبيين‪ ،‬وابن العربي (ت ‪543‬هـ) في‬ ‫كتاب رحلته‪ ،‬وابن خلدون وا�ضع المقدمة‪ ،‬وابن‬ ‫الأزرق (ت ‪896‬ه� �ـ) م�صنف رو��ض��ة الإع�لام‬ ‫بمنزلة العربية من علوم الإ�سالم‪.‬‬

‫�ش�أنها ويح�صل مرامها‪.‬‬ ‫ي�ؤكد ابن خلدون «�أن التعليم التلقيني يجعل‬ ‫المتعلم ع��اج��زا ع��ن الت�صرف بالعلم ال��ذي‬ ‫حفظه‪ ،‬فتجد طالب العلم منهم‪ ،‬بعد ذهاب‬ ‫الكثير م��ن �أع�م��اره��م ف��ي م�لازم��ة المجال�س‬ ‫العلمية‪�� ،‬س�ك��وت� ًا ال ينطقون وال ي�ف��او��ض��ون؛‬ ‫وعنايتهم بالحفظ �أك�ث��ر م��ن الحاجة»‪،‬‏ «فال‬ ‫يح�صلون على طائل م��ن ملكة الت�صرف في‬ ‫العلم والتعليم؛ ثم بعد تح�صيل مَ ن يرى منهم‬ ‫�أنه قد ح�صل‪ ،‬تجد ملكته قا�صرة في علمه‪� ،‬إن‬ ‫فاو�ض �أو ناظر �أو علَّم‪ .‬وما �أتاهم الق�صور �إال‬ ‫من قبل التعليم وانقطاع �سنده‪ ،‬و�إال فحفظهم‬ ‫�أب�ل��غ م��ن حفظ ��س��واه��م‪ ،‬ل�شدة عنايتهم به‪،‬‬ ‫وظنهم �أنه المق�صود من الملكة العلمية؛ ولي�س‬ ‫كذلك»‪.‬‏ ويقترح �أن يعتمد التعليم طرقا جديدة‬ ‫تقوم على التوا�صل الحر بين المعلم والمتعلم‪،‬‬ ‫الذي يتيح لقدرات المتعلم ومهاراته التوا�صلية‬ ‫البروز‪ ،‬ويمكنها من الن�ضج والتطور‪ ،‬يقول ابن‬ ‫خلدون �شارح ًا فكرته‪« :‬و�أي�سر طرق هذه الملكة‪،‬‬ ‫فتق الل�سان بالمحاورة والمناظرة في الم�سائل‬ ‫ويح�صل‬ ‫ّ‬ ‫العلمية‪ :‬فهو الذي يقرّب من �ش�أنها‪،‬‬ ‫مرامها»‪.‬‬ ‫التعليم لرت�سيخ الهوية ملواجهة العوملة‬ ‫�إن تطوير �أ�ساليب تعليم اللغة العربية وطرقه‬ ‫ك��ان مطلبا قديما‪ ،‬وال�ي��وم �أ�صبح ملحّ ا �أكثر‬ ‫من �أي وقت م�ضى‪ ،‬لأن��ه �سالحنا في مواجهة‬ ‫ت��أث�ي��ر العولمة ال�ك��ا��س��ح‪ ،‬ال ��ذي ي�ه��دد الهوية‬ ‫العربية الإ�سالمية ومكوناتها باال�ضمحالل‬ ‫والذوبان‪ ،‬في ظل �سيادة وهيمنة الثقافة الغربية‬ ‫الم�سلحة بالتكنولوجيا الحديثة واالقت�صاد‬ ‫القوي والتر�سانة الع�سكرية والنظم ال�سيا�سية‬ ‫واالجتماعية الليبرالية‪ ،‬والتي ت�سعى لتوحيد‬

‫الكرة الأر�ضية تحت قيادتها‪.‬‬ ‫وق��د ب��د�أن��ا نلم�س نتائج ه��ذا التهديد‪ ،‬في‬ ‫حياتنا اليومية و�أن��م��اط عي�شنا وتوا�صلنا‪،‬‬ ‫وم�ضامين �إعالمنا‪ ،‬نتيجة �إح�لال قيم ثقافية‬ ‫جديدة تت�صل بالح�ضارة الغربية وال ترتكز‬ ‫�إط�لاق� ًا على جذورنا الثقافية‪ ،‬حتى �أ�ضحينا‬ ‫ن�ت��وا��ص��ل ع�ب��ر ال�ه��ات��ف ون �ق��ر�أ ف��ي الو�سائط‬ ‫الإعالمية كالما عربيا بحروف التينية �أو عامية‬ ‫محلية يمجّ ها ال��ذوق ال�سليم؛ َف َت َن َّكرْنا لهويتنا‬ ‫وتقاليدنا وح�ضارتنا وثقافتنا الأ�صيلة‪.‬‬ ‫فمن وظائف المدر�سة تعليم اللغة وتلقينها‬ ‫للمتعلمين حتى تكون و�سيلتهم لإب��راز هويتهم‬ ‫و�صونها‪ ،‬واكت�شاف القيم الح�ضارية الإ�سالمية‬ ‫وال��وط �ن �ي��ة‪ ،‬وال�ت�ف�ت��ح ع�ل��ى ال�ب�ي�ئ��ة الطبيعية‬ ‫والمحيط االجتماعي والحقل الثقافي‪ ،‬ولإك�ساب‬ ‫�شخ�صياتهم التوازن الوجداني والفكري وتذوق‬ ‫جمال الأ�شياء وجمال الفعل الإن�ساني وجمال‬ ‫الكلمة واللغة‪� ،‬إل��ى جانب �إك�سابهم مهارات‬ ‫التوا�صل عن طريق اللغة كتابة وقراءة ومحادثة‪.‬‬

‫والتعبير ال�شفهي‪ ،‬بل �أهملت اللغة كلها بو�صفها‬ ‫�أداة تبليغ «توا�صل» في الحياة عموما)(‪.)7‬‬ ‫ال �ط��رق التعليمية ال���س��ائ��دة ف��ي مدار�سنا‬ ‫وداخل ف�صولنا الدرا�سية‪� ،‬إنما هي مجرد طرق‬ ‫تبليغ تقليدية تلقينية متوارثة‪ ،‬ومقومات هذه‬ ‫الطرق تك�شف عن الت�صور المعطى لمكونات‬ ‫العملية التعليمية ولأ�شكال العالقات القائمة‬ ‫بينها‪ ،‬وهذه المقومات هي‪:‬‬ ‫‪ .1‬محورية المعلم ال��ذي يلقّن ويقرر ويحدد‬ ‫وينظم‪.‬‬ ‫‪ .2‬ت�ج��زئ��ة ال �م��واد ال��درا��س�ي��ة وترتيبها وف��ق‬ ‫اعتبارات منطقية‪.‬‬ ‫‪ .3‬ق�صور المتعلم و�سلبيته في مواقف الن�شاط‬ ‫والتعلم‪ ،‬بو�صفه عن�صرا منفعال فقط(‪.)8‬‬ ‫وق��د ك��ان ال��دك�ت��ور ن�ه��اد المو�سى �شجاعا‬ ‫جريئا حين �صارحنا بالحقيقة المرة (لي�ست‬ ‫لممار�سات المعلمين �أي نهج علمي وا�ضح‬ ‫منظم‪ ،...‬فال�صورة ال�سائدة عن معلم اللغة‬ ‫العربية هو �أنه معلم غير متخ�ص�ص‪ ،‬وال يتميز‬ ‫ب��أن��ه ي�ت�ن��اول م��ادة من�ضبطة ب��أ��ص��ول يتطلب‬ ‫تعليمها وعي علم ذلك كله‪.)9()..‬‬ ‫وم��ن م�ساوئ الطرق التعليمية القائمة في‬ ‫مدار�سنا �أنها تركز على تحفيظ التلميذ بع�ض‬ ‫ال �ع �ب��ارات وال�ت��راك�ي��ب وق��واع��د ال�ل�غ��ة‪ ،‬وي�سود‬ ‫االع�ت�ق��اد ب� ��أن ال�سبيل ال��وح�ي��د لتعليم اللغة‬ ‫هو تلقين قواعدها المجردة للتلميذ؛ فتبذل‬ ‫المدر�سة ق���ص��ارى جهدها لتعريف التلميذ‬ ‫�أجزاء الكالم‪ ،‬وت�صريف الفعل‪ ،‬وغير ذلك من‬ ‫القواعد التي ال تمكن من اال�ستعمال الفعلي للغة‬ ‫في واقع الخطاب(‪.)10‬‬ ‫يقول هايمز (‪« )Hymes‬اللغة لي�ست �أنماط ًا‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪21‬‬


‫اللغة ممار�سة حيّة‬ ‫قال هنري كوك‪ ،‬وهو �أحد �أهم الباحثين في‬ ‫تعليم اللغة‪�« :‬إن تعليم الطفل اللغة والتمكن منها‬ ‫ال يت�أتيان من القراءة واال�ستماع التقليديين‪ ،‬بل‬ ‫من الحركة والفعل والتجربة»(‪.)13‬‬ ‫فال بد‪� ،‬إذاً‪ ،‬من ن�شاط لغويّ فعليّ يمار�س‬ ‫خالله المتعلم ح�صيلته اللغوية من مفردات‬ ‫وت��راك �ي��ب و�أ� �س��ال �ي��ب ت�ع�ب�ي��ري��ة ف��ي مختلف‬ ‫الو�ضعيات وال��وظ��ائ��ف؛ فهذا اال�ستخدام هو‬ ‫ال ��ذي ي�ه��ب ال �ح �ي��اة للكلمات ال�م�خ�ت��زن��ة في‬ ‫الذاكرة‪� ،‬إذ (�إن كل كلمة تبدو في حد ذاتها كما‬ ‫لو كانت �شيئا ميتا‪ ،‬وما الذي يعطيها الحياة؟‬ ‫�إنها تكون �شيئا حيا �أثناء ا�ستخدامها‪ ،‬فهل دبت‬ ‫فيها الحياة بهذا ال�شكل �أو �أن اال�ستخدام نف�سه‬ ‫هو حياتها؟)(‪.)14‬‬ ‫‪ 22‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫الأن�شطة �أداة التمهير‬ ‫�إن تنمية ال �م �ه��ارات اللغوية يتوقف على‬ ‫ممار�سة اللغة ممار�سة حيويّة فعّالة ومخططة‬ ‫وموجهة �إلى تحقيق هذه الأهداف؛ بدل االكتفاء‬ ‫بما يلقى في الدرو�س ال�صفية التي تعتمد على‬ ‫التلقين وتتو�سل بتمارين الكتاب المدر�سي‪.‬‬ ‫وعلى ذل��ك‪ ،‬ينبغي على المدر�سة �أن تعمل‬ ‫على توفير كافة الو�سائل الممكنة التي ت�شعر‬ ‫بحيوية اللغة وفاعليتها‪ ،‬وكذلك توفير كافة‬ ‫الفر�ص لممار�ستها وتج�سيدها تج�سيد ًا يرتبط‬ ‫فيه اللفظ بالمدلول واللفظ بالمعنى‪ ،‬لتمكين‬ ‫المتعلمين م��ن �إح �ي��اء م��ا ي�ت��واف��ر لديهم من‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫و�صيغ ًا وتراكيب جامدة؛ بل و�سيلة للتعبير عن‬ ‫وظائف مختلفة‪ ،‬كالطلب‪ ،‬والترجّ ي‪ ،‬والأم��ر‪،‬‬ ‫وال �ن �ه��ي‪ ،‬واال� �س �ت �ف �ه��ام‪ ،‬وال �ت �ق��ري��ر‪ ،‬وال�ن�ف��ي‪،‬‬ ‫والإث�ب��ات‪ ،‬وغيرها من الوظائف التي ي�صعب‬ ‫ح�صرها»(‪.)11‬‬ ‫ف��ال�ل�غ��ة‪ ،‬ل�ه��ا وظ�ي�ف��ة ت��وا��ص�ل�ي��ة وه ��ي �أه��م‬ ‫وظائفها؛ لذلك يظل تطوير تعليم اللغة العربية‬ ‫و�إ�ضفاء طابع الحيوية على تعليمها‪ ،‬وتحريرها‬ ‫من الجمود �أم��را �ضروريا‪ ،‬والجمود يكمن في‬ ‫�أنماط التعليم التقليدية القائمة في مدار�سنا‬ ‫التي تعلّم اللغة ب�شكل ممل ومرهق(‪.)12‬‬ ‫فاللغة العربية مرتبطة بمادتين درا�سيتين‬ ‫تقليديتين اثنتين‪ ،‬وهما م��ادة اللغة العربية‪،‬‬ ‫ومادة الدين‪� .‬أما المواد الدرا�سية الأخرى ف�إنها‬ ‫ال تدعم تعليم اللغة العربية في �شيء‪ ،‬بل ت�سيء‬ ‫�إليها؛ لأنها تقدم بلغات هجينة‪ ،‬هي خليط لغوي‬ ‫من عربية ولهجة محلية وم�صطلحات �أعجمية‪.‬‬

‫�إن النمو اللغوي يكون نتيجة تفاعل‪ ،‬لذلك‬ ‫ف�إننا ال ن�ستطيع تنمية لغة الطفل بالتكلم معه‬ ‫فقط‪ ،‬بل يجب �أن نتيح له الفر�صة ليقوم بتعلم‬ ‫ذاتي‪ ،‬يمار�س اللغة ويجرب فر�ضياتها ويتحقق‬ ‫من �صدقها �أو خطئها‪ ،‬ويركب ويفكك ويعبر‬ ‫ويفهم ويف�سر ويت�ساءل وي�ستح�ضر �إج��اب��ات‬ ‫ويبدع ويتخيل‪.‬‬ ‫يقول الأ�ستاذ نعيم عطية في كتابه التقييم‬ ‫التربوي الهادف «�إن المهارات اللغوية جميعها‬ ‫التي تنطبق على �أية لغة تنطبق �أي�ضا على اللغة‬ ‫العربية الف�صيحة‪ ،‬والتي يمكن �أن نجملها في‪:‬‬ ‫(‪ )1‬الفهم ال�سماعي (‪ )2‬الكالم والخطاب‬ ‫(‪ )3‬القراءة (‪ )4‬التعبير الكتابي»(‪.)15‬‬ ‫واالت �ج��اه ف��ي التربية الحديثة ي��رم��ي �إل��ى‬ ‫التمهير ال �إلى التحفيظ والت�سميع‪ ،‬والتمهير هو‬ ‫الأداء المتقن في الوقت والجهد والقائم على‬ ‫الفهم‪ ،‬و�سبيل ذلك الممار�سة والتكرار‪ ،‬على‬ ‫�أن تتم الممار�سة في مواقف حيوية ومتنوعة‬ ‫وب�صورة طبيعية وقائمة على الفهم و�إدراك‬ ‫العالقات والنتائج‪.‬‬

‫تراكيبها و�ألفاظها ومعانيها‪ ،‬وتنميتها من خالل‬ ‫الأن�شطة التربوية اللغوية التي تتيح ممار�سة‬ ‫اللغة‪ ،‬ممار�سة واقعية حيوية باعثة على المتعة‪.‬‬ ‫ويُق�صد بالأن�شطة التربوية اللغوية الأل��وان‬ ‫المتنوعة من الممار�سة العملية للغة التي ت�ستغرق‬ ‫فنونها الأربعة‪( :‬الحديث‪ ،‬والكتابة‪ ،‬والقراءة‪،‬‬ ‫واال�ستماع)‪ ،‬يقوم بها التالميذ برغبتهم داخل‬ ‫ح �ج��رات ال��درا� �س��ة ب�شكل م�صاحب للدر�س‬ ‫وخارجها كن�شاط حر م��واز للمنهج الدرا�سي‪،‬‬ ‫وي�ستخدمون فيها اللغة ا�ستخدام ًا موجها في‬ ‫المواقف الحيوية والطبيعية‪.‬‬ ‫فالأن�شطة اللغوية من الو�سائل الفعالة لتعليم‬ ‫اللغة‪ ،‬لذلك ت�ستعين بها المدر�سة الحديثة في‬ ‫الأنظمة التعليمية المتقدمة لبلوغ �أهداف تعليم‬ ‫اللغة‪ ،‬لأنها تتيح تعلّم اللغة بالتقليد والمحاكاة‬ ‫والممار�سة ال�سليمة ف��ي م��واق��ف ح� ّي��ة ت�شبه‬ ‫مواقف الحياة الطبيعية التلقائية‪.‬‬ ‫وتعد الأن�شطة الم�سرحية من �أهم الأن�شطة‬ ‫اللغوية التي تحقق ذلك‪ ،‬فالم�سرح يمنح فر�صا‬ ‫مهمة لممار�سة اللغة‪ ،‬لأنه حركة وفعل وحياة‪،‬‬ ‫وبخ���صة �إذا كانت الم�سرحية تت�ضمن فنونا‬ ‫�أخرى كالغناء والرق�ص التعبيري‪ ،‬فالطفل يعي�ش‬ ‫اللغة ويمار�سها معبرا عن مختلف المواقف‬ ‫والم�شاعر ال�ت��ي تفر�ضها الأل �ع��اب التمثيلية‬ ‫الم�سرحية‪ ،‬فتنمو لغته وتتطور‪ ،‬وبخا�صة �أن‬ ‫تلميذنا يعي�ش تمزقا لغويا نتيجة البون ال�شا�سع‬ ‫بين لغته الأم واللغة التعليمية ولغة ال�شارع(‪.)16‬‬ ‫والم�سرح بحواره و�آداب��ه وتقنياته وحركاته‬ ‫وم��ا يثيره ف��ي المتتبع والممثل م��ن م�شاعر‬ ‫و�أحا�سي�س‪ ،‬وما يتطلبه من قدرات وتدريبات‪،‬‬ ‫كفيل �إذا �أح���س��ن ا�ستثماره وا�ستغالله ب ��أن‬ ‫ينمّي في المتعلم كثيرا من المهارات اللغوية‪،‬‬

‫كمهارات اال�ستماع‪ ،‬و�إلقاء الكالم‪ ،‬والقراءة‪،‬‬ ‫والتعبير الكتابي‪.‬‬ ‫كما ينبغي ت�شجيع المتعلمين على القراءة‬ ‫ال �ح �رّة‪ ،‬وغ��ر���س محبة الكتاب ف��ي نفو�سهم‪،‬‬ ‫وتكري�س تعلقهم بالثقافة المكتوبة‪ ،‬لمواجهة‬ ‫ال�ع��زوف عن ال�ق��راءة �أم��ام االنت�شار الطاغي‬ ‫للثقافة ال�شفوية وثقافة ال�صورة في ع�صرنا‪،‬‬ ‫بفعل الت�أثير المدمّر لو�سائل الإعالم الترفيهي‬ ‫على حياتنا االجتماعية والثقافية‪ .‬فالتعامل‬ ‫م��ع ال�ث�ق��اف��ة المكتوبة يتطلب ج �ه��دا عقليا‪،‬‬ ‫وينمي ال��ذوق الأدب��ي والجمالي‪ ،‬وي��درب على‬ ‫ترتيب الأفكار‪ ،‬وفهم المقروء‪ ،‬ويك�سب ر�صيدا‬ ‫معجميا‪� ،‬إلى جانب غايات كثيرة تتحقق بف�ضل‬ ‫القراءة الحرة للكتب والمجالت‪ ،‬والتي ي�ضيق‬ ‫المجال ب�إح�صائها‪.‬‬ ‫الأطفال والنا�شئة في الأو�ساط الريفية �أولى‬ ‫بالعناية‪ ،‬لقلة �إمكانات الح�صول على الكتاب‬ ‫المطبوع‪ ،‬وينبغي التفكير في �إقامة موزعات‬ ‫�آلية للكتب في الم�ؤ�س�سات التعليمية وال�ساحات‬ ‫والأم��اك��ن العامة ومحطات الم�سافرين‪ .‬هذه‬ ‫الموزعات الآلية التي تفرج عن الكتاب مقابل‬ ‫قطعة نقدية معدنية‪ ،‬مثل ال�م��وزع��ات الآلية‬ ‫للم�شروبات والحلويات‪ ،‬كفيلة بت�سهيل الو�صول‬ ‫�إلى الكتاب وترويجه على �أو�سع نطاق‪ .‬وحبذا لو‬ ‫تنظم الم�ؤ�س�سات التعليمية حفالت توقيع كتب‬ ‫ومعار�ض �ضمن فعاليات �أن�شطتها المو�سمية‬ ‫وغير المو�سمية‪.‬‬ ‫�إلى جانب تنظيم مناف�سات في حفظ القر�آن‬ ‫الكريم وترتيله‪ ،‬والحديث ال�شريف‪ ،‬ون�صو�ص‬ ‫ال�شعر ال�ع��رب��ي القديمة وال�ح��دي�ث��ة‪ ،‬وتفعيل‬ ‫الإعالم الثقافي المدر�سي‪ ،‬يجعل من كل طفل‬ ‫كاتبا وقارئا وناقدا ذكيا‪ ،‬وفاعال في بيئة ثقافية‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪23‬‬


‫هذه مجرد �أمثلة مقت�ضبة للأن�شطة التربوية‬ ‫اللغوية ال�ت��ي يمكن �إقامتها ف��ي الم�ؤ�س�سات‬ ‫التعليمية‪ ،‬ون�ج��د ف��ي ال��درا� �س��ات الأكاديمية‬ ‫وكتب التربية واللغة‪� ،‬أمثلة �أخرى كثيرة لأن�شطة‬ ‫متنوعة ومختلفة تنمّي المهارات اللغوية لدى‬ ‫الأطفال والنا�شئة‪.‬‬ ‫وع��دم االل�ت�ف��ات �إل��ى �أهمية ه��ذه الأن�شطة‬

‫(‪ )1‬حداد‪ ،‬محمد‪ :‬الخطر على العربية خطر على ثقافة العرب العلمية‪ ،‬مجلة العربي (الكويت) العدد ‪،663‬‬ ‫يناير ‪2014‬م‪� ،‬ص‪.19 :‬‬ ‫(‪ )2‬ال�سبعان‪ ،‬ليلى خلف‪ :‬المواطنة اللغوية‪ ،‬مجلة العربي (الكويت) العدد ‪ ،663‬يناير ‪2014‬م‪� ،‬ص‪.14 :‬‬ ‫(‪� )3‬أبو علي‪ ،‬نبيل خالد‪ :‬المعطى الداللي ل�شعر المديح وطابعه الديني في ع�صر �سالطين المماليك والعثماني؛‬ ‫مجلة الجامعة الإ�سالمية‪ ،‬المجلد ‪ 15‬العدد ‪( 2‬يونيو ‪2007‬م)‪� ،‬ص ‪.141‬‬ ‫(‪ )4‬ماجد‪ ،‬عبدالمنعم‪ :‬نظم دولة �سالطين المماليك ور�سومهم‪ ،‬القاهرة‪ :‬مكتبة الأنجلو‪1979 ،‬م‪� ،‬ص ‪.19-15‬‬ ‫(‪ )5‬ابن �إيا�س‪ :‬بدائع الزهور في وقائع الدهور ‪./http://www.alukah.net/Culture/1042/34934‬‬ ‫(‪� )6‬أخ العرب‪ ،‬عبدالرحيم‪ :‬اللغة العربية بالمغرب‪ ،‬بين لغة الهوية وهوية اللغة‪ ،‬مجلة علوم التربية‪ ،‬العدد ‪،58‬‬ ‫يناير ‪2014‬م‪� ،‬ص ‪105‬‬ ‫(‪ )7‬بو�شحدان‪ ،‬ال�شريف‪ ،‬طرائق تعليم اللغة لغير الناظقين بها‪ ،‬الفي�صل العدد ‪( 250‬ربيع ‪1418‬هـ) �ص‪.31‬‬ ‫(‪ )8‬بيدادة‪ ،‬محمد‪ :‬ت�صلب الطريقة ومحاوالت التجديد‪ :‬مجلة التربية والتعليم العدد ‪1984( 10 – 9‬م) �ص ‪.41‬‬ ‫(‪ )9‬المو�سى‪ ،‬نهاد‪ :‬مقدمة في علم تعليم اللغة العربية‪ .‬الريا�ض‪ ،‬دار العلوم‪1405 ،‬هـ‪� ،‬ص ‪.12 - 11‬‬ ‫(‪ )10‬بو�شحدان‪ ،‬مرجع �سابق‪� ،‬ص ‪.31‬‬ ‫(‪ )11‬بو�شحدان‪ ،‬المرجع ال�سابق نف�سه‪.‬‬ ‫(‪ )12‬ح�سن �سعاد‪ ،‬م�سرح الطفل والتربية‪ :‬مقال بجريدة االتحاد اال�شتراكي‪1989/3/12 ،‬م‪� ،‬ص ‪.2‬‬ ‫(‪ )13‬ح�سن �سعاد‪ ،‬المرجع نف�سه‪.‬‬ ‫(‪ )14‬المعتوق‪� ،‬أحمد محمد‪ :‬الح�صيلة اللغوية‪ ،‬الكويت‪ :‬المجل�س الوطني للثقافة والفنون‪� .‬سل�سلة عالم المعرفة‪،‬‬ ‫‪1996( 212‬م)‪� ،‬ص‪.263‬‬ ‫(‪ )15‬عطية‪ ،‬نعيم‪ :‬التقويم التربوي الهادف‪ :‬بيروت‪ ،‬دار الكتاب اللبناني‪1970 ،‬م‪� ،‬ص ‪.269‬‬ ‫(‪ )16‬ح�سن �سعاد‪ ،‬مرجع �سابق‪.‬‬ ‫‪ 24‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫في الطريق �إلى النور!‬ ‫�أهمية اللغة العربية لفهم‬ ‫القر�آن وال�سنة‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫تربوية ن�شطة‪ ،‬الأم��ر ال��ذي ي�ؤ�س�س للمجتمع‬ ‫القارئ ومجتمع المعرفة‪ .‬كما �أن �أن�شطة الإذاعة‬ ‫المدر�سية والتدريب على الخطابة ت�سهم في‬ ‫تر�سيخ ع��ادات توا�صلية تحترم اللغة العربية‬ ‫و�أ�ساليبها الجميلة والهوية القويمة‪ .‬كما يمكن‬ ‫تنظيم مع�سكرات �صيفية لغوية لممار�سة اللغة‬ ‫خارج حجرة الدر�س وب�شكل طبيعي متحرر من‬ ‫قيود النظام التعليمي الم�صطنعة‪.‬‬

‫وقيمتها التربوية والتعليمية‪ ،‬وعدم ا�ستثمارها‬ ‫بال�شكل المفيد ي َُ�ضيّع �أم��ام مدر�ستنا فر�صا‬ ‫ع��دي��دة وثمينة ل�ت��دري��ب �أب�ن��ائ�ن��ا ع�ل��ى �إت �ق��ان‬ ‫ال �م �ه��ارات ال�ل�غ��وي��ة‪ ،‬وي�ع��د خ�ط��أ ينتق�ص من‬ ‫قيمة مناهج تعليم اللغة العربية وفعاليتها في‬ ‫مدار�سنا‪.‬‬ ‫ونعوّل على الأن�شطة التربوية اللغوية‪ ،‬لإتاحة‬ ‫�أح�سن الظروف �أمام التالميذ لتعلمٍ جيدٍ للغات‬ ‫تكيف‬ ‫و�إتقان مهاراتها‪ ،‬وم�ساعدتهم على تحقيق ٍ‬ ‫ذات��ي ومدر�سي واجتماعي ي�سهم ف��ي �إقبالهم‬ ‫على الدرا�سة‪ ..‬ويحد قدر الإمكان من ت�سربهم‬ ‫وتخلفهم الدرا�سي‪ ،‬ويطور �أ�ساليب تعليم اللغة‬ ‫العربية‪ ،‬وين�شرها داخ��ل الن�سيج االجتماعي‬ ‫ويثبّت مكانتها‪ ،‬ويغر�س حبها في نفو�س �أبنائنا‪،‬‬ ‫وي�ؤ�س�س المجتمع القارىء‪ ،‬مجتمع المعرفة ليحتل‬ ‫المكانة التي هو جدير بها بين الأمم المتقدمة‪.‬‬

‫■ �أ‪.‬د‪ .‬خالد فهمي ‪ -‬م�صر‬

‫‪ -1‬عندما يفر�ض الأمرَ منطق الأ�شياء‬

‫لقد كان مما انت�شر وا�ستقر حقيقة علمية في تاريخ العلم عند الم�سلمين‪� ،‬أ َّن نزول القر�آن‬ ‫الكريم كان بالل�سان العربي‪ .‬وهو الأمر الذي �أعلنه الذكر الحكيم في ملمح مهم من مالمح‬ ‫التعريف بنف�سه‪ ،‬يقول تعالى }وهذا ل�سان عربي مبين{ [النحل ‪ ،]103‬ويقول عز وجل }نزل‬ ‫به الروح الأمين‪ .‬على قلبك لتكون من المنذرين‪ .‬بل�سان عربي مبين { [ال�شعراء ‪،]195-193‬‬ ‫ويقول عز من قائل‪�} :‬إنا �أنزلناه قر�آنا عربيا لعلكم تعقلون{ [يو�سف ‪ ،]2‬ويقول ‪} :‬وكذلك‬ ‫�أوحينا �إليك قر�آنا عربيا { [ال�شورى ‪ ،}7‬ويقول تبارك ا�سمه‪�} :‬إنا جعلناه قر�آنا عربيا لعلكم‬ ‫تعقلون { [الزخرف ‪.]3‬‬ ‫وك � ��ان م �م��ا ت ��رت ��ب ع �ل��ى ه� ��ذا الإع �ل��ان‬ ‫الم�ستفي�ض �أنْ فهم العلما ُء �أن منطق الأ�شياء‬ ‫يفر�ض �أن يُعتَنى بالعربية وقوانينها وعلومها‬ ‫جميعا‪ .‬ول��م يفت�أ العلماء على م��رِّ الع�صور‬ ‫يبنون ذلك ويك�شفون عنه حتى �صارت ق�ضية‬ ‫منطقية من الزم عمل العقل عند النظر في‬ ‫مقدماتها؛ فترى ال�شافعي يقول في ر�سالته‪:‬‬ ‫(�ص ‪ 40‬بتحقيق العالمة �أحمد �شاكر)‪« :‬ومن‬ ‫جماع علم كتاب اهلل العلم ب�أن جميع كتاب اهلل‬ ‫�إنما نزل بل�سان العرب»‪.‬‬

‫وتطور الأم��ر عند المعا�صرين‪ ،‬فكان من‬ ‫نتائجه القول ب�أنه لوال القر�آن ما كانت العربية‬ ‫على حد تعبير العالمة رم�ضان عبدالتواب‬‫في كتابه (ف�صول في فقه العربية)‪ -‬قا�صدً ا‬ ‫بها‪�( :‬ص ‪�« :)108‬أن القر�آن هو المحور» الذي‬ ‫فجر العلوم الل�سانية والعربية وغيرها‪ .‬ولم‬ ‫يزل هذا الناتج قائما ي��زداد مع مرور الأيام‬ ‫�أن�صارا‪ ،‬حتى �صح �أن نقرر �أن اللغة العربية لم‬ ‫يكن لها �أن ت�صير ل�سانا عالميا �إال بف�ضل نزول‬ ‫الكتاب العزيز بها‪ .‬وم��ن هنا‪ ،‬فَر�ض منطق‬ ‫الأ�شياء �أن تتقدم المعرفة بالل�سان العربي‪،‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪25‬‬


‫‪ 26‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫وتتحول �إلى منظومة من علوم ل�سانية ت�ستهدف‬ ‫جميعا خدمة ق�ضية فهم الكتاب العزيز وما‬ ‫معه مما هو من مثله‪ ،‬وه��و الحديث النبوي‬ ‫ال�شريف‪ ،‬حتى �صار الزم��ا عقليا القولُ ب�أن‬ ‫تح�صيل فهم هذين الأ�صلين العظيمين غير‬ ‫محقق �إال بالت�ضلع والغو�ص ال�شديد وال�صبر‬ ‫الأكيد على تح�صيل العلوم اللغوية‪ ،‬والتو�سع‬ ‫فيها وفي مقرراتها من ال�صوت �إلى الن�ص‪� ،‬أ‪ .‬ال�صعقة الغ�ضبية للطوفي المتوفى ‪716‬هـ‪:‬‬ ‫و�أن كل تو�سّ ع في هذا الباب عائده �شهيّ �إلى‬ ‫حر�ص الطوفي على االنطالق من �أن �إرادة‬ ‫�أب�ع��د ال �ح��دود‪ ،‬ال ي�ج��ادل ف��ي ذل��ك �أح��د على‬ ‫�صيانة الل�سان من دواع��ي الف�ساد‪ ،‬والتي‬ ‫الإطالق‪.‬‬ ‫بدت مالمحها بت�أثير مُ �سلِمة الفتح ممن‬ ‫�سماهم (هذه الحمراء)‪ ،‬وهو مق�صد مهم‬ ‫‪ -2‬الوعي بق�ضية �أهمية اللغة العربية‬ ‫جدا يمنع عند ت�أمله من تطرُّق مادة الف�ساد‬ ‫لفهم الكتاب وال�سنة في التراث‬ ‫�إل��ى الذكر الحكيم وال�سنة ال�شريفة‪ .‬ثم‬ ‫قراءة في الأدبيات‬ ‫جمع �أدلة ف�ضل العربية ووزعها على �أنواع‬ ‫ثالثة ه��ي‪� :‬أدل��ة ف�ضلها من الكتاب ومن‬ ‫وقد كان من �أثر منطقية العالقة وع�ضويتها‬ ‫ال�سنة وم��ن �صريح العقل‪ ،‬ثم ع �رَّج على‬ ‫بين نزول الوحي بالل�سان العربي المبين وترقّي‬ ‫ح�صل علوم هذه اللغة وبيان‬ ‫ذكر ف�ضل مَ ن َّ‬ ‫العلوم اللغوية العربية‪ ،‬ظهور م�ؤلفات م�ستقلة‬ ‫عيوب من �أخط�أ فيها وخال منها‪ .‬على �أمر‬ ‫تفرغت لمناق�شة هذا الم�شكل العلمي‪ ،‬المتعلّق‬ ‫�أهم ما ي�ستفاد من الكتاب في مو�ضوعنا‬ ‫ببيان �أهمية اللغة العربية لفهم القر�آن وال�سنة‬ ‫هو ما �أورده في الباب الرابع من بيان كون‬ ‫في التراث‪ .‬وقد و�صل �إلينا من �أدبيات هذا‬ ‫العلم بهذه اللغة �أ�صال من �أ�صول الدين‪،‬‬ ‫الوعي ما ي�أتي‪:‬‬ ‫ومعتمدا من معتمدات ال�شريعة‪ ،‬وك�شف‬ ‫�أ‪ .‬ال�صعقة الغ�ضبية في ال��رد على منكري‬ ‫في هذا الباب على امتداد ف�صول ثالثة‪..‬‬ ‫ال �ع��رب �ي��ة‪ ،‬الب� ��ن ع �ب��دال �ك��ري��م ال �ط��وف��ي‬ ‫ت�أثير العلم باللغة في تح�صيل مراد القر�آن‬ ‫ال�صر�صري الحنبلي‪ ،‬المتوفى ‪716‬هـ‪.‬‬ ‫وال�سنة‪ ،‬وتخريج الأحكام بناء على قواعد‬ ‫ب‪ .‬رو�ضة الإع�لان بمنزلة العربية من علوم‬ ‫العلم بها للدرجة التي قرر معها (�ص‪)631‬‬ ‫الإ�سالم‪ ،‬البن الأزرق الحميري الأ�صبجي‬ ‫قائال‪« :‬لو ا�ستق�صينا الم�سائل ال�شرعية‬ ‫الغرناطي‪ ،‬المتوفى ‪ 896‬هـ‪.‬‬ ‫المعتمدة على ال�ق��واع��د العربية لكانت‬ ‫لقد اجتهد هذان العالمان في جمع الأ�سباب‬ ‫الموجبة للعناية باللغة العربية‪ ،‬وجمعا ب�سبب‬ ‫ت�أخرهما الزمني �أدل��ة كثيرة تثبت الحاجة‬ ‫الما�سّ ة لترقية علوم ه��ذه اللغة من جوانب‬ ‫كثيرة‪ ،‬كان �أهمها ما يتعلق بالكتاب العزيز‬ ‫وال�سُّ نَّة المطهرة‪ ،‬وفيما يلي محاولة موجزة‬ ‫لقراءة �أهم ما ورد من حقائق في كل منهما‪:‬‬

‫مقدار ثلث الفقة على ما ت�ق��رر»! و�سواء و�أهميتها لتحقيق الإي�م��ان وت�أ�سي�سه‪ ،‬وفهم‬ ‫�صح هذا التقدير �أو لم ي�صح‪ ،‬ف�إنه كا�شف الكتاب وال�سنة جميعًا!‬ ‫ع��ن م��دى الأهمية التي ك��ان ي�ست�شعرها‬ ‫(‪� )3‬أهمية اللغة العربية لفهم القر�آن‬ ‫الوعي اللغوي في تراث درا�سات هذه اللغة‪،‬‬ ‫وال�سنة جميعًا‪ :‬مقال في التجليات‬ ‫وعبرت عنه �أمثال كتاب ال�صعقة الغ�ضبية‬ ‫�إن م��ن �أك �ث��ر الأ� �ش �ي��اء ��ص�ع��وب��ة م�ح��اول��ة‬ ‫في كثير جدً ا من الموا�ضع‪.‬‬ ‫ا�ستيعاب القول في �أهمية اللغة العربية لفهم‬ ‫ب‪ .‬رو�ضة الإع�لام بمنزلة العربية من علوم‬ ‫الكتاب العزيز وال�سنة الم�شرفة‪ ،‬لت�شعّب‬ ‫الإ�سالم‪ ،‬البن الأزرق الحميري الأ�صبحي‬ ‫المو�ضوع‪ ،‬وات�ساع م�سائله‪ .‬ولكن ربما كان‬ ‫الغرناطي‪ ،‬المتوفى �سنة ‪ 896‬هـ‪.‬‬ ‫كافيا في ه��ذا ال�سياق �أن ن�شير �إل��ى مجمل‬ ‫و�إذا كان الوعي الم�شرقي‪ ،‬كما تجلى في مالمح هذه الأهمية فيما ي�أتي‪:‬‬ ‫كتاب «ال�صعقة الغ�ضبية»‪ ،‬ظهر وك�شف عن‬ ‫حقيقة تقدير �أهمية اللغة العربية لمن رام �أوال‪ :‬ت�أ�سي�س الإيمان وفق الدليل اللغوي‬ ‫التعامل مع الكتاب وال�سنة وال�شريعة؛ ف�إن‬ ‫�إن �أول المالمح التي تتجلى في �سياق قراءة‬ ‫ال��وع��ي المغربي ل��م يكن ب�ع�ي��دا‪ ،‬و�إن ت�أخر �أهمية اللغة العربية في فهم الكتاب وال�سنة‬ ‫بطبيعة الحال ن�سبيًا‪ ،‬وجاء م�ستفيدً ا ومواكبا يكمن في �أن ت�أ�سي�س الإيمان ال يكون من دون‬ ‫�اك)‬ ‫منجز الم�شارقة في هذا الباب‪ ،‬وهو ما نلم�سه ا�ست�صحاب الدليل اللغوي‪ ،‬فقراءة (�إِ َّي� َ‬ ‫م��ن حجم ك��ت��اب اب��ن الأزرق‪ ،‬وم��ن تنظيمه بك�سر حركة الكاف مثال يف�ضي �إلى م�شكالت‬ ‫الدقيق‪ ،‬فقد تو�سع في ذكر الف�ضائل العقلية عقدية مرعبة تدخلنا �إل��ى جر الت�أنيث عليه‬ ‫والنقلية‪ ،‬والمركبّة منهما‪ ،‬ثم قرر �أن االحتياج �سبحانه مثال‪ ،‬وهو ما يعني �أن تح�صيل قواعد‬ ‫�إليه في ملّة الإ�سالم �ضروري‪ ،‬وهو ما يعني اللغة ابتدا ًء من ال�صوتيات فما فوقها �أمر الزم‬ ‫احتياج االعتقاد وال�شريعة �إلى اللغة العربية‪ ،‬لبناء اعتقاد �صحيح مدعوم بالدليل‪ ،‬ومانع من‬ ‫حتى تقرر عنده بالدليل �أن��ه «يلزم الخو�ض الوقوع في م�صائد الخلل االعتقادي الذي قد‬ ‫فيهما (�أي اللغة والنحو) ب�سبب ال�شرع؛ �إذ‬ ‫يخرج الإن�سان من الملّة‪� ،‬أو يجره �إلى م�ستنقع‬ ‫جاءت ال�شريعة بلغة العرب‪ .‬وكل �شريعة فال‬ ‫عدم تنزيه اهلل تعالى‪� ،‬أو تقدير ما ي�صدر عنه‪،‬‬ ‫تظهر �إال بلغة �أهلها»‪.‬‬ ‫مما هو داخل في �أ�صول االعتقاد �أو فروعه‪.‬‬ ‫�إن هذين الكتابين الم�ستقلين ف��ي بيان‬ ‫ف�ضائل العربية‪ ،‬و�أهمية تح�صيل قواعدها‪ ..‬ثانيًا‪ :‬تحقيق حق التالوة للذكر الحكيم‬ ‫ل�ق��د ج��اء الأم���ر ال���ش��رع��ي ب �ت�لاوة ال��ذك��ر‬ ‫يك�شفان ع��ن وع��ي حقيقي م��دع��وم ب��الأدل��ة‬ ‫وال�ن�م��اذج التطبيقية بقيمة اللغة العربية‪ ،‬الحكيم ح��ق ت�لاوت��ه ف��ي �سياق ام �ت��داح فعل‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪27‬‬


‫�أ‪ .‬يقر�أونه حق القراءة‪ ،‬وال تكون �إال بتح�صيل‬ ‫علوم لغة العرب �أ�صوات ًا و�أبني ًة و�إع��راب� ًا‬ ‫ونحواً‪.‬‬ ‫ب‪ .‬يتّبعونه حق اتّباعه‪ ،‬وال يكون �إال بعد فهمه‪،‬‬ ‫وتح�صيل معناه‪ ،‬واال�ستنباط منه‪ ،‬وقد‬ ‫ت�ق��دم �أن ذل��ك ال يتم م��ن دون فهم لغة‬ ‫الن�ص الكريم‪ ،‬مجموع ًا �إليه ما ورد من‬ ‫�شروح في ال�سُّ نة الم�شرَّفة‪.‬‬ ‫ثالثًا‪ :‬القيام بواجب تدبر الذكر‬ ‫الحكيم‬

‫وق��د تو�سّ ع اب��ن الأزرق –عن ح��ق‪ -‬فقرر‬ ‫«�أن حفظ ال���ض��رورات الخم�س وه��ي الدين‬ ‫والنف�س والعقل والن�سل وال�م��ال م��ن �أعظم‬ ‫مقا�صد ال�شرع‪( ...‬و) �أنها واجبة الحفظ في‬ ‫كل ملة‪ ،‬وحا�صل حفظها يرجع �إلى كل ما يقيم‬ ‫وجودها»‪ ،‬وقد خل�ص من هذا �إلى �أن العناية‬ ‫باللغة العربية واالهتمام بها من موجبات هذا‬ ‫الحفظ‪.‬‬ ‫وق��د ن�ش�أ م��ن �أج��ل ذل��ك تفريع للأحكام‬ ‫الفقهية المختلفة‪ ،‬تبعا الختالف الفهوم للأدلة‬ ‫ال�شرعية من قر�آن و�سنة من جهة قواعد اللغة‪،‬‬ ‫ومما يدُ لك على بع�ض هذا‪ ،‬خالفهم في معنى‬ ‫(من) في قوله تعالى في �آية التيمم (ام�سحوا‬ ‫بوجوهكم و�أيديكم منه) �إذ حملها بع�ضهم على‬ ‫ابتداء الغاية‪ ،‬وحملها �آخرون على التبعي�ض‪،‬‬ ‫مما كان منه اختالف الحكم الفقهي المتعلق‬ ‫بالتيمم على ر�أيين هما‪:‬‬

‫لقد �أمر اهلل تعالى بتدبر كتابه في �أكثر من‬ ‫�آية‪ ،‬يقول تعالى (كتاب �أنزلناه �إليك مبارك‬ ‫ليدبروا �آياته) [�سورة �ص ‪ ،]28‬والتدبر مرتبة‬ ‫ال تكون �إال بعد الفهم‪ ،‬المبنيّ على تطبيق‬ ‫قواعد اللغة العربية وا�ستثمارها‪ .‬و�إذا كان‬ ‫التدبر م��ن الأ��س�ب��اب الحاكمة للتنزيل على‬ ‫ما قرره المف�سرون ف�إن تح�صيل قواعد اللغة‬ ‫�أ‪ .‬ح�صول التيمم من دون النظر �إل��ى علوق‬ ‫تبعًا لذلك يعد من الأ�سباب الحاكمة ل�صناعة‬ ‫التراب الطاهر باليد لمن فهم من (من)‬ ‫التدبر‪ ،‬وبناء ملكته‪.‬‬ ‫معنى ابتداء الغاية‪.‬‬ ‫رابعًا‪� :‬إقامة التكاليف ال�شرعية‬ ‫ب‪ .‬ح�صول التيمم ب�شرط علوق التراب الطاهر‬ ‫�إن �أه�م�ي��ة اللغة العربية ف��ي ه��ذا الباب‬ ‫ظاهرة جدا‪ ،‬والعمل فيما نقلناه عن الطوفي‬ ‫الحنبلي ي�ؤكد ذلك‪� ،‬إذ �إنه قرر �أن ثلث الفقه‬ ‫–في تقديره‪ -‬معتمد على قواعد اللغة‪ .‬وهذا‬ ‫‪ 28‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫باليد لمن فهم منها معنى التبعي�ض‪.‬‬ ‫وب�سبب م��ن ذل��ك‪ ،‬ات�سعت م��د ّون��ة الفقه‬ ‫وغنيت وتمتعت ب�ث��راء عري�ض دالٍّ على‬ ‫ف�ضل العربية و�أهميتها في تحليل الأ�صلين‬

‫خام�سا‪� :‬أهمية اللغة العربية في رد‬ ‫�شبهات المنحرفين‬

‫�ساد�سً ا‪� :‬أهمية اللغة العربية لفهم الكتاب‬ ‫وال�سنة في بناء �أجيال الدعاة وتكوينهم‬ ‫وق��د ظ�ه��رت �أه�م�ي��ة كبيرة للغة العربية‬ ‫للقيام بواجب البالغ �إلى اهلل تعالى‬ ‫في فهم الكتاب وال�سُّ نَّة في مجال الرد على‬ ‫�إن �أهم م�صدر لتكوين الدعاة �إلى اهلل تعالى‬ ‫�شبهات المنحرفين و�أ�صحاب الأه ��واء من‬ ‫و�إمدادهم بمراده يتمثل في مداومة االت�صال‬ ‫�أهل الفرق والملل؛ �إذ اعتمد كثير منهم على‬ ‫بالكتاب العزيز وال�سُّ نَّة الم�شرفة‪ ،‬وعلى هذا‬ ‫ن�صو�ص �شرعية حرفوها لت�سويغ مقاالتهم‬ ‫انعقد �إج�م��اع من �أ�َّ��ص��ل لثقافة الداعية من‬ ‫في االعتقاد وغيره‪ ،‬من مثل احتجاج القدرية‬ ‫العلماء المعا�صرين‪ ،‬ذلك �أن القر�آن وال�سُّ نَّة‬ ‫بالحديث المتفق عليه الذي رواه �أبو هريرة‬ ‫ال ي�ج��ودان بكنوزهما �إال لمن ملك مفاتيح‬ ‫عن ر�سول اهلل –�صلى اهلل عليه و�سلم‪ -‬قال‪:‬‬ ‫التعامل معهما‪ ،‬وهي تلك المفاتيح المتمثلة‬ ‫«احتج �آدمُ مو�سى فقال‪ :‬يا �آدم �أن��ت �أبونا‪،‬‬ ‫في قواعد الل�سان و�أ�سراره‪ .‬وتبرز �أهمية اللغة‬ ‫خيبتنا و�أخرجتنا من الجنة‪ .‬فقال �آدم‪� :‬أنت‬ ‫في هذا المقام في مالمح بعينها‪ ،‬من مثل‪:‬‬ ‫ال��ذي ا�صطفاك بكالمه‪ ...‬تلومني على �أمر‬ ‫ق��دره اهلل ع �ل��يَّ ‪ ...‬ف�ح��جَّ �آدمُ مو�سى» برفع �أ‪ .‬ترقية ملكة البيان ل��دى الدعاة مع دوام‬ ‫االت�صال بلغة الذكر الحكيم و�سمت كالم‬ ‫(�آدم) على �أنه فاعل (حج) ون�صب (مو�سى)‬ ‫النبي �صلى اهلل عليه و�سلم القائم على‬ ‫على �أنه (محجوج)‪ ،‬يقول الطوفي (ت ‪358‬‬ ‫الخلو�ص �إلى الق�صد من �أقرب طريق‪.‬‬ ‫هـ)‪« :‬وبيان ذلك �أن اهلل تعالى تقدم في �سابق‬ ‫علمه �إخ��راج �آدم من الجنة ب�سبب الأك��ل من ب‪ .‬تح�صيل م��راد اهلل تعالى بدليله اللغوي‬ ‫ال�شجرة بدليل (�إني جاعل في الأر�ض خليفة)‬ ‫تمهيدا لبذله للنا�س‪.‬‬ ‫وما علمه اهلل �أن �سيكون فهو كائن ال محالة‪ ،‬ج‪ .‬ترقية م��روءة الدعاة؛ �إذ تح�سين الل�سان‬ ‫�إذ خالف معلوم اهلل تعالى محال‪ ،‬وحين �إذٍ ‪،‬‬ ‫يزيد في مروءة الإن�سان ويُعلي من ت�أثيره‬ ‫ع��دم ع�صيان �آدم م�ح��ال‪ ،‬وه��ذا �أك�ب��ر دليل‬ ‫في المدعوين‪.‬‬ ‫يُحتج به لأه��ل ال�سنة على �إثبات القدر»‪ .‬ثم‬ ‫�سابعًا‪� :‬أهمية اللغة العربية في‬ ‫يقرر �أن القدرية حرفوا الرواية ون�صبوا �آدم‪.‬‬ ‫تح�صيل قوانين ترقية العمران من‬ ‫وهو دليل حا�سم على التفطن لأث��ر اللغة في‬ ‫القر�آن وال�سنة‬ ‫توجيه الآراء واالنت�صار لالعتقادات‪ .‬و�أهل‬ ‫لقد ا�ستقر في درا�سات الح�ضارة المعا�صرة‬ ‫الأ�صلين (القر�آن وال�سنة) يلزمهما الت�ضلع‬

‫م������������������ل��������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫مَ ن يفعل ذلك‪ ،‬يقول تعالى‪( :‬الذين �آتيناهم الباب مت�سع جدً ا �إلى درجة �أن مبحث حروف‬ ‫الكتاب يتلونه حق تالوته) [البقرة ‪ ،]121‬وقد الجر �أو حروف المعاني م�ؤثر جدا في كثير من‬ ‫م�سائل الفقه الموزعة على الأبواب جميعًا‪.‬‬ ‫جاء في تف�سير (حق تالوته) ر�أيان هما‪:‬‬

‫العظيمين وفهمهما واال�ستنباط منهما‪.‬‬

‫من علوم اللغة لخطرها على ما ي�ستنبط من‬ ‫هذين الأ�صلين في كل مجاالت الدين والحياة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪29‬‬


‫‪� .1‬أن الظلم معيار وقانون مُ �سقِ ط للعمران‪.‬‬ ‫‪� .2‬أن العدل قانون يرقى بالعمران‪.‬‬

‫تمتدح ال�صبر وال�صدق والعفّة والأمانة‬ ‫والم�سئولية الفردية في ال�سياقات جميعا‪.‬‬

‫‪� .3‬أن ال� ُف�ح����ش و� �س��وء ال�خ�ل��ق وال���س�ف��ه في ‪� .2‬إث�ب��ات مركزية ب��ذل ح�سن الخلق للنا�س‬ ‫جميعا‪ ،‬م�ؤمنين وغير م�ؤمنين �إح�سانا وبرا‬ ‫ا�ستعمال الموارد مدمّر للح�ضارة‪.‬‬ ‫في الت�صور الإ�سالمي‪.‬‬ ‫‪� .4‬أن العمل ال �ي��دويّ �أ��ص��ل ث��اب��ت ف��ي ترقي‬ ‫الحياة‪ ،‬فقد ك�شف التحليل اللغوي للقر�آن ‪� .3‬إث �ب��ات م��رك��زي��ة رع��اي��ة ال��وج��ود ك�ل��ه في‬ ‫محيطه الإن�ساني والحيواني والبيئي‪ ،‬فقد‬ ‫وال�سُّ نَّة امتداح العمل‪ ،‬والإخبار عن كثير‬ ‫تقرر من فهم الكتاب وال�سُّ نَّة وفق قواعد‬ ‫من الأنبياء �أنهم عملوا �أعماال يدوية من‬ ‫اللغة ال��رف��ق بالحيوان‪ ،‬وتحريم فجيعة‬ ‫حِ دادة ونجِ ارة وبِناء وت�شييد‪�...‬إلخ‪.‬‬ ‫الطير بولده والحفاظ على البيئة وح�سن‬ ‫‪ .5‬لزوم الأخالق الفا�ضلة لتقدم العمران‪.‬‬ ‫ا�ستثمار مواردها‪.‬‬ ‫‪ .6‬العناية بالإن�سان �أ�صل كل عناية بالعمران‪.‬‬ ‫‪ .4‬الإعالء من القيم الأخالقية التي ت�صب في‬ ‫�إن فهم القر�آن وال�سُّ نَّة وفق مقررات اللغة‬ ‫حفظ بدن الإن�سان وتهذيب روحه وت�أمين‬ ‫وق��واع��ده��ا كا�شف ع��ن �أهميتها المركزية‬ ‫نف�سه‪.‬‬ ‫في ا�ست�صدار قوانين العمران وفق الت�صور‬ ‫�إن اللغة العربية ف��ي ق�ضية ت��وق��ف فهم‬ ‫الح�ضاري في الإ�سالم‪.‬‬ ‫الكتاب وال�سُّ نَّة عليها ثم تفعيلهما في الوجود‬ ‫ثامنًا‪� :‬أهمية اللغة العربية لفهم‬ ‫ت�صل �إل��ى �أن تكون محور ًا وعماد ًا �أ�سا�س ًا ال‬ ‫القر�آن وال�سُّ نَّة في الك�شف عن‬ ‫يمكن من دون��ه ت�صور �إقامة الدين‪ .‬وه��و ما‬ ‫المنظومة الأخالقية الإ�سالمية‬ ‫يعني �أننا في طريقنا نحو النور القادم من اهلل‬ ‫ومما ُي َعبِّر عن �أهمية اللغة العربية في �سياق تعالى يلزمنا �أن نمتلئ بما تقرره �أحكام اللغة‬ ‫فهم الكتاب وال�سُّ نَّة �أنها طريق للك�شف عن العربية وقواعدها و�أ�سرارها في م�ستوياتها‬ ‫المنظومة الأخالقية التي �أر�ساها و�أ�س�سها جميعا‪.‬‬ ‫‪ 30‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫اللغة العربية‬ ‫بين العالمية والعلمية‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫ال�م��رت�ب�ط��ة ب��ال�م��رج�ع�ي��ة الإ� �س�لام �ي��ة تقرير الت�صور الإ�سالمي‪ .‬ومما يمكن بيانه في هذا‬ ‫�أن ال �ق��ر�آن وال�سنة م�صدر لترقية العمران ال�صدد ما ي�أتي‪:‬‬ ‫الإن�ساني‪ ،‬وفق قوانين هذا الدين الثابتة في ‪ .1‬ال��ك�����ش��ف ع���ن ث��ب��ات م��ن��ظ��وم��ة الأخ��ل�اق‬ ‫الأ�صلين العظيمين‪ .‬ومما �أ�سهمت به تطبيقات‬ ‫الإ�سالمية التي جاءت ن�صو�صها في الكتاب‬ ‫اللغة العربية في الك�شف عنه في هذا الباب‪:‬‬ ‫وال�سُّ نَّة مطلقة غير مقيّدة بقيود لغوية‬

‫■ �سعيد بودبوز‪ -‬املغرب‬

‫لماذا ال تكون اللغة العربية عالمية؟‬ ‫لـكي تجيب «اللغة» على هذا ال�س�ؤال‪ ،‬ينبغي �أن تكون لغ ًة لل�شاعر وال�شارع معاً؛ �أن تكون ذات‬ ‫مرونة عالية‪ ،‬وقدرة كبيرة على المناورات في كل االتجاهات؛ �أن تكون قادرة على ال�صعود �إلى‬ ‫ال�صعيد العالمي‪ ،‬بما ي�ساوي قدرتها على النزول �إلى م�ستوى العامي‪ .‬ينبغي �أن تنت�صر على‬ ‫بع�ض اللغات التي تناف�سها على م�ستوى العالم‪ ،‬وتنت�صر على اللهجات العامية التي ت�سحب‬ ‫الأيام والأزقة من تحت قدميها‪ .‬وقد يكون بلوغ قمة العالم �أ�سهل من بلوغ �أعماق الزقاق‪ ،‬بقدر‬ ‫ما ي�صعب على العامية �أن ترقى من قاع ال�شارع �إلى قمة ال�شاعر‪.‬‬ ‫�إن المرونة التي تجعل اللغة قادرة على تخطّ ي‬ ‫الحدود الجغرافية والتاريخية واالجتماعية‪ ،‬هي‬ ‫المرونة نف�سها التي تجعل «التفكير»‪ ،‬بهذه اللغة‬ ‫�أو تلك‪ ،‬يتحدى (ويتخطى) مختلف المفاهيم‬ ‫والنظريات والظواهر المعقّدة‪ .‬ولكي نغو�ص‬ ‫في ه��ذا المو�ضوع ب�شيء من الدقة‪ ،‬ال بد �أن‬ ‫نقرر بداية �أن اللغة العربية (الف�صحى) هي‬ ‫لغة «التوحيد»‪ .‬ويمكننا �أن نتابع �سل�سلة طويلة‬ ‫م��ن ال �م �ف��ردات ال�ت��ي تنحدر م��ن �ساللة هذه‬ ‫المقولة‪� ،‬أي مقولة «التوحيد»؛ توحيد الخالق‬ ‫تبارك وتعالى‪ ،‬والأم��ة‪ ،‬والكلمات‪ .‬بهذا نكون‬ ‫قد �أ�شرنا �إلى ثالثة مباحث‪ ،‬وهي‪ :‬الثيولوجيا‬ ‫والأنثروبولوجيا‪ ،‬والفيلولوجيا‪.‬‬

‫و�إذا كانت العربية الف�صحى لغة التوحيد‬ ‫بهذا المفهوم‪ ،‬فالبد �أن تكون في �صراع مع‬ ‫«االنف�صال»‪� ،‬أي «الإلحاد» بو�صفه «انف�صاال» عن‬ ‫الخالق‪ ،‬واال�ستقالل ال�سيا�سي بو�صفه انف�صاال‬ ‫لجزء م��ن الأم ��ة ع��ن ال�ك��ل‪ ،‬ون�شوء العاميات‬ ‫بو�صفه ا��س�ت�ق�لاال ل���س��ان�ي�اً‪ ،‬وه �ك��ذا‪ .‬كباحث‬ ‫�سيميائي‪� ،‬أرى �أن فعل التحدث باللغة العربية هو‬ ‫فعل حكائي قبل �أن يكون خطابيا؛ و�إذا ا�ستعرنا‬ ‫تعبيرا ل�سانيا قد نقول �أن هذه اللغة «�إخبارية»‬ ‫�أكثر منها «�إن�شائية»‪ ،‬بمعنى �أن المتحدث باللغة‬ ‫العربية الف�صحى‪ ،‬يقوم بفعل مزدوج في الآن‬ ‫ذاته؛ يخاطبـ(ك)‪ ،‬ويحكي عنـ(ها) �أ�سطورة‬ ‫ب�إمكاننا �أن نطلق عليها «العودة»‪ ،‬كعنوان داللي‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪31‬‬


‫وال �ل �غ��ة ه�ن��ا بمعنى م�ج�م��وع��ة م��ن ق��واع��د‬ ‫التوا�صل الأكثر يومية بين الأف��راد وال�شعوب‬ ‫انطالقا من حاجياتها الأك�ث��ر يومية والأكثر‬ ‫�أ�سا�سية ك��ذل��ك‪� .‬أن تتحدث باللغة العربية‬ ‫الف�صحى‪ ،‬يعني �أن ت�ستح�ضر �أرواحا لكي تطرد‬ ‫بها �أخ��رى م�ؤقتا‪ .‬فدائما يتم ا�ستح�ضار هذه‬ ‫اللغة كتراث في مقابل اليومي‪ ،‬وكدين في مقابل‬ ‫ال��دن�ي��ا‪ ،‬وكخطاب �أدب ��ي ف��ي مقابل الخطاب‬ ‫ال �ع��ام��ي‪ .‬ل��م ي�ع��د (ون� ��ادرا م��ا ك ��ان) ب��إم�ك��ان‬ ‫الإن�سان �أن يتحدث باللغة العربية من دون �أن‬ ‫يترك عالمة ا�ستفهام وراءه؛ فهل هو ب�صدد‬ ‫محا�ضرة‪� ،‬أم خطبة جمعة‪� ،‬أم ن�شرة �أخبار‪� ،‬أم‬ ‫�إن الجواب المتواري خلفـ(ية) المتحدث ق�صيدة �شعر‪� ..‬إلخ؟‬ ‫الم�س�ؤول (افترا�ضا) عن �سبب تحدثه بهذه‬ ‫�إن اللغة (الل�سانية) ال ت�صبح عالمية اعتمادا‬ ‫اللغة‪ ،‬هو‪�« :‬إنني �أعود �إلى الأ�صل»‪ .‬نعم‪ ،‬ففي على جودتها الذاتية فح�سب‪ ،‬فال نن�سى ب�أن اللغة‬ ‫الأ�صل (الزمان الما�ضي فقط) كنا �أمة واحدة‪ .‬العربية لم تحقق هذا االنت�شار حتى وقد بلغت‬ ‫وهنا يكمن جزء كبير من الإ�شكال‪ ،‬لأن مركز ذروة الجودة الذاتية �إ ّب��ان الع�صر الجاهلي‪،‬‬ ‫الثقل الجاذبي للغتنا العربية يقبع في الما�ضي ول�ك�ن�ه��ا ان �ت �� �ش��رت (وف� �ق ��ط) ح �ي��ن �أ��ص�ب�ح��ت‬ ‫المثالي وحده‪ ،‬بو�صفه مجد ًا وانت�صاراً‪ .‬و�سوف لغة ال �ق��ر�آن‪ ،‬ونحن جميعا نعرف �أن ال�ق��ر�آن‬ ‫نرى �أن بع�ض اللغات (الحيّة) التي انتقلت فيها الكريم ن�شر العربية بين جميع مَ ��ن يفهمون‬ ‫مراكز الثقل الجاذبي �إل��ى الحا�ضر‪� ،‬شهدت‪ ،‬لغته الثيولوجية قبل الل�سانية! والدليل على‬ ‫في الواقع‪ ،‬انتقاال ح�ضاريا ملمو�سا من الزمن ذلك �أن هناك العديد من ال�شعوب ال يتحدثون‬ ‫المثالي �إل��ى الزمن العلمي‪� .‬إذا كنا �سنختلف اللغة العربية �أ�صال‪ ،‬ولكنهم قر�آنيون‪ ،‬بمعنى؛‬ ‫ح��ول ع��دد ال�ف�ئ��ات الب�شرية ال�ت��ي ي�ستهويها «م�سلمون»‪ .‬وهنا نالحظ بو�ضوح �أن «اللغة‬ ‫المثالي‪ ،‬فلن نختلف ح��ول ع��دد الفئات التي الل�سانية» تنت�شر اعتمادا على «لغة �إن�سانية»‬ ‫ي�ستهويها العلمي‪ .‬فقبل �أن نقول �إن لغة كذا بالمعنى ال�ب��راغ�م��ات��ي للكلمة (ال ��ذي ي�شكل‬ ‫�أ�صبحت عالمية (في الظاهر)‪ ،‬ينبغي �أن ندرك المتح ّد الب�شري)‪ ،‬حتى و�إن تعلق الأمر بالدين‪.‬‬ ‫ب ��أن العلم لغة عالمية (ف��ي الباطن) بمعنى �أ�شير �إلى �أن تعبير (اللغة الإن�سانية) ال �أعني‬ ‫�أنه لغة ذات النحو وال�صرف والمعاني التي ال به الأدبيات الأخالقية المعروفة عند الجميع‪،‬‬

‫‪ 32‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫من ال�ضرائب التي دفعتها اللغة العربية‪،‬‬ ‫�أنها بقدر ما تبدو مرتبطة بالمقد�س‪ ،‬بقدر ما‬ ‫تبدو بعيدة عن الإن�سان (العربي نف�سه)‪ .‬ولي�س‬ ‫غريبا �أن تبدو لغة للما�ضي‪ ،‬لأن جوهر الوعي‬ ‫القد�سي‪ ،‬بطبيعته الدينية‪ ،‬ينجذب �إلى ما قبل‬ ‫التاريخ‪ ،‬فال نن�سى �أن «الجنة»‪ ،‬بو�صفها جوهرا‬ ‫للميتافيزيقا‪ ،‬توجد فيما قبل التاريخ‪ .‬مثال‪ :‬متى‬ ‫كان �آدم في الجنة؟ الجواب‪ :‬قبل التاريخ‪ .‬و�أين‬ ‫�آل م�صيره بعد اقتراف الخطيئة؟ الجواب‪ :‬هبط‬ ‫�إلى التاريخ‪� .‬إذاً‪ ،‬بقدر ما ينفتح وعي ال�شعوب‬ ‫على «ال �ت��اري��خ»‪ ،‬ب�ق��در م��ا ي�صبحون بعيدين‬ ‫عن لغة المقد�س عموما‪ ،‬واللغة العربية على‬ ‫وجه الخ�صو�ص‪ .‬فما قمة الم�ستقبل‪ ،‬بالن�سبة‬ ‫للإن�سان العامي‪� ،‬إال ذروة للعلوم والخبرات‬ ‫المتراكمة عبر «ال�ت��اري��خ»‪ .‬وم��ا ق��اع الما�ضي‪،‬‬ ‫بالن�سبة للإن�سان الديني النموذجي‪� ،‬إال ذروة‬ ‫للميتافيزيقا المتمثلة في «الجنة»‪ .‬وهكذا‪ ،‬ف�إن‬ ‫ابتعاد الإن�سان العامي‪ ،‬في حياته اليومية‪ ،‬عن‬ ‫اللغة الف�صحى ال يعني �أنها رخي�صة‪ ،‬بل يعني‬ ‫�أنها مكلفة‪ ،‬لدرجة �أن ما يجنيه من ثقافته‬ ‫اليومية ال يكفي لدفع فاتورتها‪ .‬ومن هنا‪ ،‬ندخل‬ ‫في م�شكلة التعليم باللغة العربية‪.‬‬ ‫�إن العامل ال��ذي ارتقى باللغة العربية �إلى‬ ‫الم�ستوى ال��ذي نعرفه الآن‪ ،‬هو العامل نف�سه‬ ‫الذي �أبعدها عن العامي‪ .‬وكانت النتيجة �أنها‪،‬‬ ‫بقدر م��ا ارتفعت ع��ن ال�سوقي �إل��ى الر�سمي‪،‬‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫�إن ه��ذا الفعل «ال�ح�ك��ائ��ي» يتم �إدغ��ام��ه ال‬ ‫�شعوري ًا في الفعل «الخطابي»‪ .‬وينبغي �أن نميز‬ ‫هنا بدقة بين المتحدث والكاتب؛ لأن الأول‬ ‫ي�ستطيع (وف ��ي ك��ل ب�ل��د ع��رب��ي) �أن يتحدث‬ ‫بعاميته‪ ،‬لكن الثاني ن��ادرا ج��دا ما يتي�سر له‬ ‫ذل��ك‪ .‬وبهذا ت�صبح منا�سبة «التحدث» �أكثر‬ ‫�إثارة لال�ستفهام‪ ،‬من وجهة النظر العلمية‪� .‬إذا‬ ‫�سمعتك تتحدث بالعامية المغربية مثال‪ ،‬فقد‬ ‫�أ��س��أل��ك‪« :‬م��اذا تق�صد؟»‪ ،‬لكن من العبث �أن‬ ‫�أ�س�ألك‪« :‬لماذا تتحدث بهذه اللغة؟»‪ .‬والعك�س‬ ‫قد يكون �صحيحا‪� ،‬أي �إذا قر�أت لك ن�صا باللغة‬ ‫العربية الف�صيحة‪ ،‬فمن العبث �أن �أ�س�ألك‪:‬‬ ‫«لماذا تكتب بالف�صحى؟»‪ ،‬بل ومن ال��وارد �أن‬ ‫�أ�س�ألك‪« :‬لماذا تكتب بالعامية؟»‪� .‬إذاً‪ ،‬ال بد من‬ ‫التمييز �أوال بين «التحدث» و«الكتابة» لكي ن�صل‬ ‫بالقارئ �إلى عمق الفكرة‪.‬‬

‫يختلف حولها اثنان من الب�شر‪ .‬و�إذا كان الأمر‬ ‫كذلك‪ ،‬فقبل �أن نت�ساءل‪ :‬لماذا ال تكون اللغة‬ ‫العربية (عالمية)‪ ،‬يجب �أن نت�ساءل‪ :‬هل تحمل‬ ‫هذه (العربية) لغة عالمية؟‬

‫بل �أعني بب�ساطة مجموعة من القيم والقواعد‬ ‫والم�صالح (دينية �أو دنيوية)‪ ،‬التي ت�شكل قطبا‬ ‫قادرا على جذب عدة نماذج ب�شرية‪ .‬ولقد ر�أينا‬ ‫�أن لغة العلم قادرة على ا�ستقطاب كل النماذج‬ ‫الب�شرية‪� ،‬أو معظمها على الأقل‪ ،‬با�ستثناء بع�ض‬ ‫ال�شعوب البدائية التي غادرت التاريخ �إلى غير‬ ‫رجعة‪.‬‬

‫وارتفعت عن العامي �إلى العالم (بك�سر الالم)‪،‬‬ ‫بقدر ما تجاوزتها الحياة اليومية‪ ،‬وتركتها في‬ ‫قالع الطقو�س والمنا�سبات؛ لأن العامي �أكثر‬ ‫التقاطا لتفا�صيل الزمان من العالم �أو الر�سمي‪،‬‬ ‫وهذا يعني �أن العامية �أكثر مواكبة للتاريخ من‬ ‫الف�صحى �شئنا �أم �أبينا‪ .‬وبنا ًء على ذلك‪ ،‬ف�إن‬ ‫التمثيل الثقافي ال��ذي �أخ��ذت��ه الف�صحى على‬ ‫عاتقها ي��واج��ه بع�ض ال�صعوبات ف��ي التقاط‬ ‫عنا�صر الإرتباط بين الإن�سان العربي وبيئته‪،‬‬ ‫لأن بيئة الناطق بهذه اللغة ال يمكن �إال �أن تكون‬ ‫محلية‪ ،‬واللغة العربية الف�صحى بطبيعتها ال‬ ‫يمكن �إال �أن تكون لغة لجميع العرب ب�صرف‬ ‫النظر عن اختالف بيئاتهم؛ ولهذا‪ ،‬ف�إن الإن�سان‬ ‫الناطق بهذه اللغة ال بد �أن يدفع �ضريبة تما�سكها‬ ‫وعبقريتها من خالل بع�ض تنازالته‪ -‬كلما �أراد‬ ‫�أن يكتب �أو يتحدث بها‪ -‬عن �أدق التفا�صيل التي‬ ‫تميز طبيعة تجاوبه مع بيئته المختلفة‪ ،‬ب�شكل �أو‬ ‫ب�آخر‪ ،‬عن غيرها‪.‬‬ ‫يح�س دائما‬ ‫�إن طالب العلم‪ ،‬في هذه الحالة‪ّ ،‬‬ ‫ب ��أن هناك م�ساف ًة م��ا بينه وبين م��ا يدر�سه‪،‬‬ ‫وال�سبب ف��ي ذل��ك �أن��ه يقطع بالفعل م�سافة‬ ‫ذهنية �سيكولوجية لكي ي�ستعمل ه��ذه اللغة‬ ‫(الف�صيحة)‪ .‬لذلك‪� ،‬أعتقد ب�أنه لو كان يدر�س‬ ‫بلغته اليومية (�أو بعبارة �أخرى)‪ ،‬لو كانت اللغة‬ ‫العربية لغة يومية‪ ،‬لأ�صبحت هذه «الم�سافة»‬ ‫ق�صيرة ج��دا ح � ّد التال�شي‪ ،‬ولأ��ص�ب��ح هناك‬ ‫�سرعة ملحوظة في ا�ستدعاء ملفاته الثقافية‬ ‫(�سرعة التفكير‪/‬دقة التحليل)‪ .‬فلعلنا نالحظ‪،‬‬ ‫بخ�صو�ص اللغات الحية‪ ،‬تال�شي هذه «الم�سافة»‬ ‫بين الطالب وبين ثقافتهم‪� ،‬سواء الأكاديمية‪� ،‬أم‬ ‫الدينية‪� ،‬أم التقنية‪� ،‬أم غيرها؛ فكل �شيء ي�صبح‬ ‫ب�سيطا‪ ،‬ويتم عر�ضه ب�سهولة وب�ساطة‪ .‬و�أعتقد‬ ‫�أنه بمجرد المقارنة بين كتابين؛ واحد غربي‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪33‬‬


‫لكي يدر�س الطالب العربي باللغة العربية‬ ‫الف�صحى‪ ،‬عليه �أن «يعود» ذهنيا‪ ،‬في كل در�س‪،‬‬ ‫�إلى «الأ�صل»‪ .‬عليه �أن يجمع �شظايا انت�شاره عبر‬ ‫زمان الحا�ضر ومكان الح�ضور‪ ،‬ويعود �إلى زمن‬ ‫كثافته‪� ،‬إذ يتعين عليه �أن يلعب دور ع�ضو في‬ ‫ج�سد الكل‪ .‬ولكن هذا ال يعني �ضرورة التخل�ص‬ ‫من اللغة الف�صحى �أبدا؛ فهي �صاحبة دور كبير‬ ‫في هذه الح�ضارة العربية والإ�سالمية‪ ،‬و�أنها‬ ‫تحتاج فقط �إلى مجهودات جبّارة لكي تم�سك‬ ‫بزمام الحياة المعا�صرة‪ ،‬رغم ما يذهب �إليه‬ ‫(‪)1‬‬ ‫بع�ض الباحثين‪� ،‬أذك��ر منهم زكريا �أوزون‬ ‫الذي هاجم كل �شيء في هذه اللغة‪ ،‬وقد كتبت‬ ‫ردا �أو تعليقا على بع�ض ما جاء ب��ه(‪ .)2‬و�أي�ضا‬ ‫قولنا بابتعاد العامّي عن لغة المقد�س ال يعني‬ ‫اب�ت�ع��اده ع��ن ال��دي��ن! ه��ذا ون�ضيف �أن��ه بحكم‬ ‫عمومية العامي ووفرته‪ ،‬في مقابل خ�صو�صية‬ ‫الف�صيح وندرته‪ ،‬ال يمكن للكائن الف�صيح �إال‬ ‫�أن ين�شغل بمقاومة االن�ق��را���ض ال��ذي يهدده‬ ‫على يد الكائن العامي‪ .‬فلم يعد (وقلما كان)‬ ‫�إن الإن���س��ان العربي الآن ال يتحدث اللغة‬ ‫الف�صيح يقاوم العامي خارج �أ�سوار الطقو�س ال �ع��رب �ي��ة ب���ش�ك��ل م �ب��ا� �ش��ر‪ ،‬ول �ك��ن م��ن خ�لال‬ ‫الدينية وغيرها من المنا�سبات التي يظهر فيها «م�ؤ�س�سة»‪ .‬قد تكون هذه الم�ؤ�س�سة �أكاديمية‪� ،‬أو‬ ‫با�ستحياء ويختفي �أمام المارد العامي‪.‬‬ ‫�إعالمية‪� ،‬أو حكومية‪ ،‬المهم �أنها لم تعد (وقلما‬ ‫�إذاً‪ ،‬ف�إن التحدث بهذه اللغة نوع من العودة كانت) لغة الفرد والمجتمع‪� .‬إنه لمن ال�صعب �أن‬ ‫�إلى �أن��واع من الوحدات‪ ،‬منها الظاهرة للعين �أت�صور يوما يتحدث فيه النا�س باللغة العربية‬ ‫المجردة‪ ،‬ومنها ما يحتاج �إلى تحليل دقيق‪ .‬لكي الف�صحى ف��ي ال �� �ش��وارع وال �م �ن��ازل‪ .‬لأن هذا‬ ‫ي�سهل علينا فهم طبيعة «العودة» التي تن�شدها «ال�ي��وم» ال يمكن �إال �أن يكون �ضيف ًا واف��دا من‬ ‫‪ 34‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫و�إذا كان لنا �أن نتعمق في المو�ضوع قليال‪،‬‬ ‫ف�إن الإح�سا�س الوحدوي لدى الإن�سان العربي‬ ‫لي�س �إح�سا�سا ي��وم�ي��ا‪ ،‬وال مقبوال تف�صيليا‪،‬‬ ‫و�إنما هو �إح�سا�س بالواجب ال��ذي ال وج��ود له‬ ‫�إال في ثقافة الت�أجيل؛ فهو مرتبط بالدين؛ وما‬ ‫االنف�صال‪ ،‬في ال�شعور العربي‪� ،‬إال «خطيئة»‬ ‫تنحدر من �ساللة الخطيئة الأولى‪ ،‬وهي خطيئة‬ ‫�آدم وحواء‪ .‬فال تتوقع من العربي �أن ي�صرح ب�أنه‬ ‫�ضد الوحدة العربية‪ ،‬وال تتوقع من الم�سلم �أن‬ ‫ي�صرح ب�أنه �ضد الوحدة الإ�سالمية‪ ،‬حتى و�إن‬ ‫كانت جميع �أفعاله �ضد هذه الوحدة بالذات‪.‬‬ ‫وعلى غ��رار ذل��ك‪ ،‬يندر �أن تجد عربيا يف�ضل‬ ‫العامية على الف�صحى بالقول‪ ،‬ولكنه ال يملك �إال‬ ‫�أن يكر�س العامية على ح�ساب الف�صحى بالفعل‪،‬‬ ‫تماما كما يعي�ش «ال�شهادة» في الدنيا‪ ،‬وين�شد‬ ‫«الغيب» في الآخرة‪.‬‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫و�آخر عربي �سيتبين للقارئ الفرق؛ فكثيرا ما‬ ‫يعر�ض الأول فكرة معقدة بلغة ب�سيطة‪ ،‬بينما‬ ‫نرى الثاني متعبا في ت�سلق لغة معقدة من �أجل‬ ‫�أن يعر�ض فكرة ب�سيطة‪ ،‬هذه مالحظة عامة‪،‬‬ ‫وطبعا هناك ا�ستثناءات‪ .‬كل هذا له دور فعال‬ ‫في االرتقاء‪� ،‬أو النزول‪ ،‬باللغة من قمة العلم‬ ‫والعالم و�إليهما‪.‬‬

‫اللغة الف�صحى؛ فمن الجدير �أن نجري ا�ستقراء‬ ‫�سريعا لن�شوء ال�ع��ام�ي��ات‪� .‬إن ن�شوء العامية‬ ‫ي��دل على «التفرع»؛ �إذاً‪ ،‬ف ��إن الف�صحى التي‬ ‫خرجت منها العامية تدل على «الت�أ�صل»‪ .‬فال‬ ‫يمكن للتفرّع �إال �أن ينت�شر في ف�ضاء «الحا�ضر‬ ‫والح�ضور»‪ ،‬كج�سر �إلى «الم�ستقبل»‪ .‬وال يمكن‬ ‫للت�أ�صل �إال �أن يت�ضمن (يحافظ) على عملية‬ ‫معكو�سة‪ ،‬فهو «ج�سر �إلى الما�ضي»‪ .‬و�إذا كان‬ ‫الواقع الح�ضاري للأمة العربية ي�سير‪ ،‬بطبيعة‬ ‫الحال‪ ،‬نحو «التفرّع» كغيرهم من الأم��م؛ ف�إن‬ ‫الخبر الم�ؤ�سف عندي �أن حظ اللغة العربية‪ ،‬في‬ ‫�أن ت�صبح لغة عالمية يوما‪� ،‬ضعيف جدا‪ .‬فنحن‬ ‫نرى حتى بع�ض الح�ضارات المتقدمة حاليا لم‬ ‫ت�ستطع اللغة الالتينية مثال �أن تواكبها وت�شهد‬ ‫نموها �إل��ى ه��ذا الحد‪ ،‬و�إذا �أخ��ذن��ا الالتينية‬ ‫ك�م�ث��ال‪ ،‬ن��رى �أن �ه��ا خ��رج��ت منها ع��دة لغات‬ ‫مثل الفرن�سية التي لم ت�صبح عالمية‪ ،‬لكنها‬ ‫اقتربت كثيرا‪� .‬أم��ا الإنجليزية‪ ،‬ف ��إن ظروفها‬ ‫بر�أيي تختلف كليا عن ظ��روف العربية‪ .‬وبلغة‬ ‫دقيقة �أقول‪ :‬لم ت�صل الإنجليزية �إلى الم�ستوى‬ ‫العالمي �إال بعد �أن تغلب فيها الخطاب العلمي‬ ‫على «العمق المثالي»‪ .‬وتغلب فيها العامي على‬ ‫الر�سمي ب�شكل مواز‪ ،‬ولذلك ا�ستطاعت �أن تظل‬ ‫قريبة من الفرد والمجتمع والثقافة اليومية‪� .‬أما‬ ‫لغتنا العربية‪ ،‬فما زالت تحكي نف�سها‪.‬‬

‫الما�ضي‪ ،‬وفي مقولة «الما�ضي» هذه تندرج عدة‬ ‫مفاهيم‪� ،‬أولها «الوحدة العربية»‪ ،‬ثانيها «توحيد‬ ‫اهلل تعالى» وثالثها» توحيد «ال�سلطة الأدبية» من‬ ‫خ�لال ف�صل رقبة الأدي��ب عن ج�سد المجتمع‬ ‫ال��ذي ال يمكن �إال �أن يكون عاميا‪� .‬أم��ا الوحدة‬ ‫العربية‪ ،‬فهي قابلة للتحقيق على الم�ستوى‬ ‫االقت�صادي‪� ،‬أما على الم�ستوى الثقافي‪ ،‬فال بد‬ ‫لنا من التمييز بين «الثقافة العربية الف�صيحة»‬ ‫و»الثقافات العربية العامية»‪� ،‬أي حين نقول‬ ‫«الثقافة العربية» بالمطلق‪ ،‬ال ي�صح كالمنا‬ ‫�إال بالمعنى المجازي‪ ،‬فالواقع يقول �إن هناك‬ ‫«ثقافات عربية» ولي�س ثقافة واحدة‪.‬‬

‫تلتقط مخت�صرات عامة وملخ�صات وخال�صات‬ ‫هذه الثقافات ال �أكثر‪� .‬إذاً‪ ،‬فهي لغة الإجمال‬ ‫ولم تعد لغ ًة للتف�صيل حين تتحدث عن الإن�سان‬ ‫العربي المعا�صر‪.‬‬

‫(ل��و تتبعنا ن��زع��ة ال�ت��وح�ي��د �إل ��ى ح��دوده��ا‬ ‫الق�صوى في �أعماق الما�ضي اللغوي العربي‪،‬‬ ‫�سنجد �أن�ه��ا‪ ،‬على �سبيل المثال‪ ،‬كانت تظهر‬ ‫وا��ض�ح��ة ح�ت��ى ف��ي ُب�ن�ي��ة ال�ك�ل�م��ة‪ ،‬وم���� جملة‬ ‫ذل��ك الأل �ف��اظ التي «تقع على ال�شيء و�ضده‬ ‫في المعنى»(‪ .)3‬فما هذا �إال توحيد‪ ،‬لي�س بين‬ ‫معنيين فح�سب‪ ،‬ب��ل بين «الأ���ض��داد» �أي�ضا‪،‬‬ ‫وطبعا هناك العديد من الم�ؤلفين تحدثوا عن‬ ‫هذه الم�س�ألة(‪ ،)4‬لكني ال �أ�سوقها الآن من �أجل‬ ‫بيد �أن��ه‪ ،‬بقليل م��ن ال��ت���أم��ل‪ ،‬يظهر لنا �أن‬ ‫تحليل دقيق لبنية اللغة العربية‪ ،‬و�إنما مجرد ال���س��ؤال ال�م�ط��روح‪ ،‬ف��ي م�ستهل ه��ذه ال��ورق��ة‪،‬‬ ‫�إ�شارة �سريعة �إلى ما ي�صب في هذا المو�ضوع)‪ .‬ي�ستمد معناه الكامل من بعده الأفقي فح�سب‪،‬‬ ‫�إن اللغات التي �أ�صبحت عالمية حققت ذلك لكن بالنظر �إل��ى بعده العمودي‪ ،‬ف��إن الن�سخة‬ ‫من خالل االكت�شافات واالختراعات العلمية التي المتوا�ضعة منه يمكن �أن ت�أتي على هذا النحو‪:‬‬ ‫�أ�صبحت جزءا من الفرد والمجتمع والحا�ضر؛ لماذا ال تكون هذه اللغة عربية؟ بمعنى ب�سط‬ ‫�إن �ه��ا ف��ي ك��ل م �ك��ان؛ ف��ي ال �م �ن��ازل وال �� �ش��وارع �سيادتها على مختلف الأقطار العربية‪ ،‬من قاع‬ ‫والم�ؤ�س�سات‪� .‬أما لغتنا العربية‪ ،‬فهي موجودة ال�شارع �إل��ى قمة ال�شاعر كما �أ�شرنا �سابقا‪.‬‬ ‫في القوامي�س والمنابر الإعالمية والمنا�سبات يجيبنا جان جاك رو�سو قائال‪�« :‬إن الأمة بقدر‬ ‫الدينية (و رفوف المكتبة)‪ ،‬فال يمكنها‪� ،‬إذاً‪� ،‬إال ما تقر�أ وتتعلم ت��ذوب لهجاتها‪ ،‬فال تبقى في‬ ‫�أن تكون لغة منا�سبات‪ .‬وهذه الحالة ال ت�ؤهلها الأخير �إال في �شكل رطانة لدى الجمهور الذي‬ ‫لمواكبة النمو االجتماعي‪ ،‬وال حتى تفا�صيل يقر�أ قليال وال يكتب �أ�صال»(‪)5‬؛ وبنا ًء على هذا‬ ‫الثقافة الدقيقة لهذا �أو ذاك المجتمع‪� ،‬إنما الجواب‪ ،‬نفتر�ض �أن العزوف عن القراءة هو‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪35‬‬


‫(‪ )1‬زكريا �أوزون‪ :‬جناية �سيبويه‪ ،‬الرف�ض التام لما في النحو من �أوهام‪ ،‬الطبعة الأولى‪ ،‬تموز ‪2002‬م‪.‬‬ ‫(‪� )2‬سعيد بودبوز‪ :‬زكريا �أوزون والنحو العربي‪ ،‬مخطوط من�شور رقميا على �شبكة الأنترنت‪.‬‬ ‫(‪� )3‬أبو الطيب عبدالواحد بن علي اللغوي‪ :‬الأ�ضداد في كالم العرب‪ ،‬تحقيق‪ :‬د‪.‬عزة ح�سن‪ .‬الطبعة الأولى ‪1963‬م‬ ‫ط ثانية ‪1996‬م‪.‬‬ ‫(‪� )4‬أبو الطيب عبدالواحد بن علي اللغوي‪ :‬المرجع ال�سابق‪ -‬مقدمة‪ ،‬وانظر‪ :‬فقه اللغة لل�صاحبي ‪66‬؛ و�أ�ضداد �أبي‬ ‫حاتم ال�سج�ستاني‪.‬‬ ‫(‪ )5‬جان جاك رو�سو‪ :‬محاولة في �أ�صل اللغات‪ ،‬ترجمة‪ :‬محمد محجوب‪ ،‬تقديم‪ :‬عبدال�سالم الم�سدي‪ .‬دار ال�ش�ؤون‬ ‫الثقافية العامة‪-‬بغداد‪� .‬ص‪.47‬‬ ‫‪ 36‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫اللغة العربية في ع�صر العولمة‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫المغذي الرئي�س لنمو العاميّات التي تق�ضم اللغة مجدداً! وللأ�سف‪ ،‬يكاد ي�سود هذا الإح�سا�س‪.‬‬ ‫من �أطرافها يوما بعد يوم‪ ،‬حتى �أ�صبحنا �أخيرا‬ ‫�إن �صدور الكتاب‪ ،‬في زمننا العربي هذا‪،‬‬ ‫ن�شاهد م�سل�سالت مدبّلجة باللجهات العامية‬ ‫�أ�صبح يدل �أوال على �أن �صاحبه مي�سورا‪ ،‬لأنه‬ ‫وغير ذل��ك‪ .‬ولكن ما ال��ذي يُغذّي العزوف عن‬ ‫بب�ساطة ا�ستطاع �أن يدفع ثمن الطبع‪ .‬ولكن‪ ،‬مع‬ ‫القراءة نف�سه؟‬ ‫ذلك‪ ،‬ليت معظمنا يملك وعيا مو�ضوعيا بحيث‬ ‫رب�م��ا ه�ن��اك م��ن يعد ه��ذا ال �� �س ��ؤال رهيب ًا ال ي�صدر �أحكاما جاهزة بهذا التعميم المخيف‪.‬‬ ‫و�صعبا ومعقداً‪ ،‬وقد يكون على جانب كبير من‬ ‫ورغم كل قوى الرداءة والن�شر التجاري‪ ،‬ما‬ ‫ال�صواب‪ ،‬ولكن‪ ،‬مع ذلك‪ ،‬فلي�س �أمام الإن�سان‬ ‫الواقعي والمو�ضوعي �إال �أن يعيد �صياغة هذا ن��زال نعتقد ب��أن هناك عباقرة في ه��ذه الأم��ة‬ ‫ال�س�ؤال على النحو الآتي‪ :‬هل هناك ما ي�ستحق قادرون على �إنجاز �أ�صعب ما يمكن �إنجازه في‬ ‫القراءة؟‬ ‫�سبيل النهو�ض بهذه اللغة وغيرها‪ ،‬لكن الم�شكلة‬ ‫ع �م��وم��ا ‪ -‬و�إذا م��ا ا��س�ت�ث�ن�ي�ن��ا ال�م�ج�لات �أن اكت�شافهم �صعب‪ ،‬لي�س �صعبا علينا كقراء‬ ‫المحترمة‪ ،‬وبخا�صة بع�ض المجالت الخليجية ومهتمين وباحثين فح�سب‪ ،‬بل ي�صعب عليهم‬ ‫ذات العيار الثقيل ‪ -‬يمكن القول �إن دور الن�شر �أن يظهروا �أي�ضا‪ .‬وبخا�صة ونحن في زمن ال‬ ‫العربية قد �أفل�ست‪ ،‬كم�ؤ�س�سات ثقافية‪ ،‬وتحوّلت ي�ستطيع �أحد �أن ين�شر فيه كتابا �إال �إذا كان من‬ ‫�إلى تجارة مح�ضة‪ ،‬ما زاد في انت�شار الرداءة‪ ،‬عائلة مي�سورة‪ ،‬فمَن ي�ضمن لنا ب�أن جميع العقول‬ ‫الأم��ر الخطير ال��ذي ال يقابله �سوى العزوف الكبيرة تنتمي �إلى عائالت مي�سورة؟ هذا من‬ ‫الأخطر عن القراءة‪ .‬لقد �أ�صبح في �إمكان دار ج�ه��ة‪ ،‬وم��ن جهة �أخ ��رى؛ مَ ��ن ي�ضمن لنا ب��أن‬ ‫الن�شر �أن تطبع وتن�شر �أي �شيء‪ ،‬ب�شرط �أن يدفع‬ ‫جميع الباحثين المي�سورين ي�ستحقون �أن تعر�ض‬ ‫�صاحبه ثمن الطبع‪ ،‬وه��ذا في الواقع ال يهدد‬ ‫كتبهم على رفوف المكتبات؟ هنا �أتذكر ما قاله‬ ‫اللغة والثقافة والأدب العربي فح�سب‪ ،‬بل يهدد‬ ‫هوية الأمة باالنقرا�ض من خالل الغرق الكارثي �أحد وزراء الثقافة المغربية ذات يوم‪« :‬يمكن‬ ‫في طوفان ال��رداءة‪ .‬ينبغي �أال تغيب عنا هذه �أن يكون هناك عباقرة رعاة في الجبال»‪ .‬و�أنا‬ ‫الحقيقة‪ ،‬فحين نرى �إعالنا عن �صدور كتاب بدوري �أ�ضيف‪« :‬يمكن �أن يكون هناك عباقرة‬ ‫عربي في هذا الزمان‪ ،‬كثيرا ما ن�شعر وك�أننا عراة يفتر�شون الرمال»‪ .‬ومن الم�ؤكد �أن عبقرية‬ ‫ق��ر�أن��اه م��رارا وت�ك��رارا‪ ،‬و�أن��ه ال داع��ي لقراءته الب�شر ال تجدي نفعا خلف قطيع من البقر‪.‬‬

‫بين �إق�صاء الأبناء وجحود العلماء‬ ‫■ �أ‪.‬د‪.‬حممد �صالح ال�شنطي‪-‬الأردن‬

‫لن �أبد�أ كما هو معتاد بتعريف العولمة باعتبارها الم�صطلح الرئي�س في هذه المقالة‪ ،‬ولكنني‬ ‫�س�أ�شير �إلى ظاهرة ذاعت ثم �شاعت وابتلينا بها بو�صفها عالمة على ما ح َّل باللغة العربية من‬ ‫�إق�صاء‪� ،‬إذ ا�ستبدلت بها اللغة الإنجليزية في التوا�صل وفي التح�صيل؛ الأمر الذي جعل الم�س�ألة‬ ‫في غاية الخطورة؛ ولعل ما يثير االهتمام �أن ثمة مَن تكتب له بالعربية‪ ،‬فيرد عليك باللغة‬ ‫الإنجليزية‪.‬‬ ‫و�إذا كنا ف��ي عالم تال�شت فيه ال��ح��دود وال��ق��ي��ود‪ ،‬وانفتح على م�صراعيه ف��ي ظ��ل م��ا عرف‬ ‫بالعولمة‪ ،‬بحيث بدت الثقافات وقد ان�صهرت في ثقافة واحدة‪ ،‬وفقدت خ�صو�صيتها؛ ف�إن ما ال‬ ‫ينبغي �أن يُن�سى �أن التعددية �أهم �سمات الوجود الإن�سانية‪ ،‬في مقابل الوحدانية للواحد الأحد‬ ‫الفرد ال�صمد؛ ولذلك جاء قول اهلل تعالى مخاطبا الب�شر ب�صيغة الجمع }يا �أيها النا�س �إنا‬ ‫خلقناكم من ذكر و�أنثى وجعلناكم �شعوبا وقبائل لتعارفوا �إن �أكرمكم عند اهلل �أتقاكم{‪.‬‬ ‫ومن المعروف‪� ،‬أن اللغة مادة الفكر‪ ،‬و�أننا‬ ‫نفكر باللغة وم��ن خاللها؛ ول�ه��ذا ف ��إن لغتنا‬ ‫تحمل ��س�م��ات تفكيرنا‪ .‬وم�ع�ج��زة الإ� �س�لام‬ ‫معجزة قولية‪ ،‬ل��ذا‪ ،‬كانت لغة اللغة العربية‬ ‫لغة ال �ق��ر�آن ال�ك��ري��م‪ ،‬وك��ان��ت تحديا للعرب؛‬ ‫لأنها حملت مالمح روحية وثروة تعبيرية �إلهية‬ ‫ال ي�ستطيع العرب �أن ي��أت��وا بمثلها؛ فهي في‬ ‫والعولمة �أ�سا�سا من�ش�ؤها اقت�صادي؛ �إذ‬ ‫�أن�ساقها و�صياغاتها تحمل مالمح هذا الإعجاز‬ ‫التعبيري الذي ينطوي على الر�سالة الإلهية؛ تمكنت ال�شركات المتعددة الجن�سيات من‬ ‫ول��ذل��ك‪ ،‬ف� ��إن ال�ل�غ��ات ال�ت��ي ق��ارب��ت المعاني‬ ‫القر�آنية بمحاولة نقلها �إليها لم تجر�ؤ على‬ ‫ت�سمية تلك المحاوالت بترجمة القر�آن الكريم‪،‬‬ ‫بل عمدت �إل��ى القول ب�أنها ترجمة لمعانيه‪،‬‬ ‫والمعاني جزء من المذخور الروحي والداللي‬ ‫الذي يزخر به كتاب اهلل العزيز‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪37‬‬


‫وقد كان من �أهم الأ�سلحة التي ا�ستخدمها‬ ‫الفرن�سيون �ضد الجزائر لإحباط مقاومتهم‬ ‫� �س�لاح ال �ل �غ��ة‪� ،‬إذ ع�م�ل��ت ع �ل��ى م �ح��و ال�ل�غ��ة‬ ‫العربية ومنع تعليمها باعتبارها لغة �أجنبية‪،‬‬ ‫ور ّوج��وا للهجات العامية‪ ،‬ودع��وا �إل��ى �ضرورة‬ ‫المحافظة على اللغة الأمازيغية زاعمين �أن‬ ‫الأم��ازي��غ م��ن �أ��ص��ل �أوروب ��ي‪ ،‬وطم�س الثقافة‬ ‫العربية الإ��س�لام�ي��ة‪ ،‬وك��ان لت�أ�سي�س جمعية‬ ‫العلماء الم�سلمين الجزائريين بزعامة ال�شيخ‬ ‫عبدالحميد بن بادي�س عام ‪1931‬م الأثر الأكبر‬ ‫في مواجهة اال�ستعمار الفرن�سي‪ ،‬وقد عمل على‬ ‫ت�أكيد الهوية العربية الإ�سالمية عبر تعليم اللغة‬ ‫العربية‪.‬‬

‫وفي زمن العولمة‪ ،‬عمد الغرب �إلى فر�ض‬ ‫لغاتهم وبخا�صة اللغة الإنجليزية‪ ،‬بكل ما‬ ‫تحمله من �سمات ثقافتهم و�أ�سلوب معا�شهم‬ ‫وطرائق �سلوكهم‪ ،‬لكي يعيدوا �صياغة ثقافة‬ ‫ال�شعوب على ه��واه��م وج � ّره��ا �إل��ى مربعات‬ ‫م�صالحهم‪ .‬ومعروف �أن الأمم الغالبة تفر�ض‬ ‫لغاتها على الأمم المغلوبة على نحو ما �أو�ضح‬ ‫ذلك ابن خلدون في مقدمته‪ ،‬ور�أينا كيف �أن‬ ‫فرن�سا ا�ستطاعت �أن ت�سيطر على الجزائر ما‬

‫من هنا‪ ،‬عُ دّت الكتابة الأدبية بغير العربية‬ ‫لونا من �أل��وان ال�سجن؛ لذا‪ ،‬قال مالك حداد‬ ‫قولته الم�شهورة «�إن اللغة الفرن�سية �أ�شبه‬ ‫بال�سجن»‪ ،‬وقد اعتبرت الروايات التي كتبها‬ ‫بع�ض الجزائريين بالفرن�سية مثل محمد ديب‬ ‫تعبيرا عن �أزمة‪ ،‬ب�سبب ا�ضطرابه في التعبير‬ ‫عن المجتمع الجزائري وا�ضطراره �إلى ترجمة‬ ‫ك�لام الفالحين والتعبير عنهم بلغة مثيرة‬ ‫لل�سخرية‪ ،‬فقد كتب رواي��ة (الحريق) بلغة ال‬

‫‪ 38‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫احتكار التجارة العالمية‪ ،‬وا�ستثمار الأي��دي‬ ‫العاملة الرخي�صة؛ ف�ضال عن المواد الخام‬ ‫المتوافرة في بلدان العالم الثالث؛ فانت�شرت‬ ‫تلك ال�شركات على م�ساحة الكرة الأر�ضية‪،‬‬ ‫وجعلت م��ن العالم ق��ري��ة �صغيرة‪ ،‬وفر�ضت‬ ‫�أنماطا من ال�سلوك اال�ستهالكي الذي يخدم‬ ‫م�صالحها ويُ�سخّ ر �شعوب هذا العالم لخدمتها‪.‬‬ ‫ومعروف �أن من يهيمن على و�سائل الإنتاج تكون‬ ‫ال�سيادة له‪ ،‬فهو الذي يتحكم بنمط العالقات‬ ‫في االقت�صاد‪ .‬وكان من نتيجة ثورة االت�صاالت‬ ‫�أن �ساعدت على هذه الهيمنة‪ ،‬و�أوجدت �شكال‬ ‫اقت�صاديا جديدا‪ ،‬هو اقت�صاد المعرفة؛ الأمر‬ ‫الذي مكّنها من ب�سط نفوذ ثقافتها على العالم‪،‬‬ ‫ف�صادرت الهويات الوطنية ل�صالح هويتها‬ ‫الثقافية‪ ،‬وم��ن َث��مَّ فر�ضت هيمنتها اللغوية‪.‬‬ ‫ولكن ال�شعوب العريقة التي تملك ر�صيدا ثقافيا‬ ‫هائال مثل الأم��ة العربية‪ ،‬ال يمكن �أن تر�ضخ‬ ‫لهذه الهيمنة العاتية‪ ،‬وبخا�صة �أن لغتها هي‬ ‫لغة القر�آن الكريم }�إنا نحن نزلنا الذكر و�إنا‬ ‫له لحافظون{‪ ،‬وراح فريق من �أبناء العربية‬ ‫يتنكّرون للغتهم فكانوا يمثلون تحديا �إ�ضافيا‪.‬‬

‫يقرب من مئة وثالثين �سنة‪ ،‬وفر�ضت لغتها‪،‬‬ ‫ومن خالل هذه اللغة ت�سللت بثقافتها و�أ�سلوب‬ ‫حياتها �إل��ى عمق المجتمع ال�ج��زائ��ري‪ ،‬ولم‬ ‫ي�ستطع الجزائريون �أن يهزموا فرن�سا ويخلّ�صوا‬ ‫بالدهم من نير اال�ستعمار الفرن�سي �إال بعد �أن‬ ‫�أ�شرعوا في وجهها �سيف المقاومة الثقافية من‬ ‫خالل رابطة العلماء‪.‬‬

‫ي�ستطيع الفرن�سي وال الجزائري فهمها كما‬ ‫ينبغي‪ ،‬فهو كالغراب الذي �ضيّع م�شيته؛ لذا‪،‬‬ ‫ظهر ما ي�سمى باللغة الرابعة التي ا�ستخدمها‬ ‫ال��روائ��ي ال �ج��زائ��ري ك��ات��ب يا�سين �صاحب‬ ‫رواي��ة (النجمة)‪ ،‬ملخ�ص هذه اللغة الرابعة‬ ‫الطرفة التي ت��روي �أن �شرطيا ق��ال ل�صاحب‬ ‫�سيارة «�أعطني رخ�صة ال�سيارة فلم يفهم‪،‬‬ ‫فقال له �أطني (البيرمي) فقال الرجل هكذا‬ ‫نفهمك‪ ،‬تكلم يا خويا بالعربية»‪ ،‬فهذا لون من‬ ‫�أل��وان ال�ضياع اللغوي نجده عند محمد ديب‪،‬‬ ‫المتما�سة مع العربية وتراثها ال�شعبي الف�صيح‪،‬‬ ‫وي ُِ�ص ُّر محمود قا�سم على �أن الأدب المكتوب‬ ‫وكذلك ال�شعور بالغربة عند مالك حداد وكذلك بالفرن�سية �أدب عربي‪ ،‬على الرغم من �أنه‬ ‫عند كاتب يا�سين(‪.)1‬‬ ‫يعترف �أن الفرن�سيين �شجعوا هذه الظاهرة‬ ‫وهذه ق�ضية مهمة‪ ،‬وبخا�صة في ظل الفكر الع�ت�ق��اده��م �أن ال�ل�غ��ة ب��اع�ت�ب��اره��ا المنطوق‬ ‫العولمي ال�سائد؛ و�إذا كان ثمة مَ ن يقلل من الأ� �س��ا���س للب�شر يمكن �أن ت��زي��د م��ن انتماء‬ ‫�أهميتها باتخاذ موقف و�سطي (بين‪ ،‬بين)‪ ،‬المتحدث بها �إلى ثقافة هذه الدولة(‪.)4‬‬ ‫على النحو الذي فعله الكاتب الناقد المغربي‬ ‫والحقيقة‪� ،‬أن��ه ال م��راء ف��ي ارت��ب��اط اللغة‬ ‫�أحمد المديني في حوار �أجرته معه الد�ستور بتراثها وهوية الناطقين بها‪ ،‬ولكن ثمة تحديات‬ ‫الثقافي الأردنية‪ ،‬حول الأدباء المغاربة الذين تفر�ضها طبيعة الع�صر ال��ذي نعي�ش‪ ،‬على‬ ‫يكتبون بالفرن�سية باعتبار ه��ذا الأدب تراثا نحو ما ر�أينا من تحديّات فر�ضها اال�ستعمار‬ ‫�إن�سانيا معترفا به‪ ،‬و�إن اعترف �أن هذا الأدب الفرن�سي في المغرب العربي؛ الأمر‪ ،‬الذي دفع‬ ‫يتحرك في مدار «اللغة والثقافة الفرن�سيتين»‪ ،‬بكثير من الأدب��اء �إلى ا�صطناع الفرن�سية لغة‬ ‫و�أن الأدب ال�م�ع�ت��رف ب��ه ح�ق��ا ه��و المكتوب للكتابة؛ فالعولمة بما �أ�سفرت عنه من تحكّم‬ ‫بالعربية‪ ،‬ولكن ثمة ما ي�شبه الإجماع على �أن في االقت�صاد العالمي‪ ،‬وهيمنة على مقدرات‬ ‫«اللغة جذر انتماء في مكونات الهوية القومية ال�شعوب‪ ،‬و�سيطرة على �إنتاج المعرفة‪ ،‬و�إم�ساك‬ ‫والثقافية‪ ،‬و�أن �أدب كل لغة يحمل روحية من بزمام التقدم التكنولوجي‪ ،‬كل ذلك جعل اللغة‬ ‫روحيتها‪ ،‬كما يحمل خ�صائ�صها الأ�سلوبية الإنجليزية و�سيلة التوا�صل العلمي والح�ضاري‪،‬‬ ‫والتعبيرية‪ ،‬وحاملة لثقافة الأمة الناطقة بها م��ا �أوق�ع�ن��ا ف��ي ��ش�رَك اال��س�ت�ب��داد اللغوي لها‬ ‫وتاريخها ور�ؤيتها للوجود والحياة»(‪.)2‬‬ ‫و�إيالئها االهتمام الأكبر على ح�ساب لغتنا؛ بل‬

‫وثمة مَ ن يرى �أن هناك تراثا ثريا كتبه كتّاب‬ ‫بالفرن�سية‪ ،‬مثل الذين ذكرناهم �سابقا‪� ،‬إ�ضافة‬ ‫�إل��ى ر�شيد ب��وج��درة‪ ،‬وم��راد ب��ورب��ون‪ ،‬و�أندريه‬ ‫�شديد‪ ،‬ور�شيد ميموني‪ ،‬و�آ�سيا جبار‪ ،‬و�أمين‬ ‫معلوف‪ ،‬و�أن عزله عن عربية كتابه يجعل من‬ ‫البنية القومية العربية بنية تكوينية وزاهية‪،‬‬ ‫و�أن المهم هو م�ضامين هذه الكتابات‪ ،‬ولي�س‬ ‫لغتها‪ ،‬ويتبنى ه��ذا ال ��ر�أي الناقد الم�صري‬ ‫محمود قا�سم في كتابه «الأدب العربي المكتوب‬ ‫بالفرن�سية»(‪.)3‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪39‬‬


‫ر�أينا �أن هناك من يُعلي من �ش�أنها في مختلف‬ ‫المجاالت‪ ،‬ولي�س في ميدان العلم فح�سب؛ ف�إذا‬ ‫دخلت قاعة المحا�ضرات وجدت خليطا عجيبا‬ ‫من الكتابة بالإنجليزية ت��ارة‪ ..‬والعربية تارة‬ ‫�أخ��رى؛ و�إذا دخلت الأ�سواق وجدت الالفتات‬ ‫المعلقة على واجهات المحالت مكتوبة بغير‬ ‫العربية‪ ،‬تحمل �أ��س�م��اء ال�ع�لام��ات التجارية‬ ‫ومهما يكن من �أمر‪ ،‬ف�إن مثل هذا التحدي‬ ‫باللغة الإنجليزية؛ و�إذا دار ح��وار بين اثنين قد واج��ه العرب حينما ات�صلوا بالح�ضارات‬ ‫من المثقفين‪ ..‬ت�سمع �إلى خليط من الرطانة الأخ���رى عبر ال�ف�ت��وح��ات‪ ،‬فلم ينغلقوا على‬ ‫الأجنبية!‬ ‫�أنف�سهم‪ ،‬وواج �ه��وا ه��ذا التحدي الح�ضاري‬ ‫وقد �ساد وه� ٌم مفاده �أن اللغة الإنجليزية بحركة ترجمة ن�شطة �إلى اللغة العربية‪ ،‬ولم‬ ‫لغة عالمية يتفاهم عبرها النا�س في مختلف يفعلوا كما نفعل الآن بهجرة لغتنا �إلى خريطة‬ ‫�أنحاء العالم‪ ،‬ف ��إذا دخلت �إل��ى فندق في �أي لغوية جديدة‪ ،‬بل �أفرغنا ت�ضاري�س الخرائط‬ ‫بلد عربي عليك �أن تتحدث بالإنجليزية‪ ،‬وقد اللغوية الأخ��رى في لغتنا التي �أ�صبحت �أكثر‬ ‫ا�ستمر�أنا هذه اللعبة‪ ،‬ورحنا ن�ستعر�ض معرفتنا ثراء؛ بل �أجبر العلماء والفال�سفة والأدباء على‬ ‫بها‪ ،‬فكرّ�سنا وجودها لغة للتوا�صل و�أهملنا �إتقان لغتنا والإبداع فيها‪ ،‬وقد حدث مثل هذا‬ ‫لغتنا؛ بل ذهبنا �إلى �أبعد من ذلك حين ر�ضخنا في بدايات ع�صر النه�ضة‪ ،‬حين وجدنا عددا‬ ‫للتحريف الهائل في لغتنا وما �ألحقته العمالة من ال�شعراء الذين ينتمون �إل��ى �أ��ص��ول غير‬ ‫الأجنبية م��ن ت�شوهات بنيوية ف��ي التراكيب عربية يبدعون بالعربية مثل محمود �سامي‬ ‫اللغوية‪ ،‬فجاريناهم في لكنتهم ورطانتهم‪ ،‬البارودي و�أحمد �شوقي‪.‬‬ ‫ف�أ�صبح ذلك هو الأ�صل في التعاطي مع اللغة‬ ‫ثمة تحديات كثيرة ع��ر���ض لها كثير من‬ ‫في التداول اليومي ل�ش�ؤون الحياة مع ه�ؤالء‪ ،‬الباحثين في هذا االتجاه غير العمالة والتحدي‬ ‫ول��م ُنعْنَ بت�صحيح كالمهم‪ ،‬بل ان�سقنا �إلى التكنولوجي واالقت�صادي؛ فاالزدواجية اللغوية‬ ‫عُ جمتهم!‬ ‫بين العامية والف�صحى‪ ،‬والخلل في الميزان‬ ‫ي�شير الدكتور �أحمد ال�ضبيب �إلى �أن ما هو‬ ‫�شائع عن اللغة الإنجليزية من �أنها لغة عالمية‬ ‫ادّعاء لي�س له ن�صيب من ال�صحة‪ ،‬م�ست�شهدا‬ ‫بما ورد في كتاب �صموئيل هنتنجتون (�صدام‬ ‫ال�ح���ض��ارات)‪� ،‬إذ ي�شير �إل��ى �أن ع��دد الذين‬ ‫‪ 40‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫التعليمي والتربوي ال��ذي فر�ضه بع�ض الذين‬ ‫ت َلقّوا تعليمهم في الخارج‪ ،‬فحاولوا �أن يُطبِّقوا‬ ‫المناهج الغربية حتى في مجال تعليم اللغة‪،‬‬ ‫وعملوا على تكري�س تعليم الإنجليزية في مرحلة‬ ‫مبكرة؛ الأمر الذي �أثّر على م�ستوى ا�ستيعاب‬

‫وقد ثبت عبر التاريخ �أن اللغة العربية قادرة‬ ‫ُق�صها‬ ‫على ال�صمود �أم��ام التحديات �إذا لم ي ِ‬ ‫�أبنا�ؤها‪ ،‬ولم يتنكّر لها �أهلها‪ .‬ولعلنا نتذكر تلك‬ ‫الحقبة المريرة التي مرت بها اللغة العربية‪،‬‬ ‫حين ت�صاعدت نبرة التتريك بعد �أن هيمنت‬ ‫جماعة االتحاد والترقّي على الدولة العثمانية‬ ‫وت�صاعدت النزعة الطورانية التي �أ�سفرت عن‬ ‫قيود بالغة كبّلت بها اللغة العربية‪ ،‬وا�ستبدلت‬ ‫الحروف الالتينية بالحروف العربية في كتابة‬ ‫اللغة التركية‪ ،‬و�شنّت ال�سلطات التركية �آنذاك‬ ‫حملة �شر�سة على كل ما هو عربي‪ ،‬وبخا�صة في‬ ‫ظل بروز التوجه العربي بو�صفه رد فعل للتوجه‬ ‫الطوراني‪ ،‬وعلق مدحت با�شا ال�سفاح رجاالت‬ ‫العرب على �أع��واد الم�شانق‪ .‬وعلى الرغم من‬ ‫ذلك‪ ،‬ظلت العربية �شامخة في وجه التحديات‬ ‫ال�سافرة‪ ،‬وقد كانت �صحيفة الوقائع الم�صرية‬ ‫الر�سمية تحرّر بالتركية ثم تترجم �إلى عربية‬ ‫ركيكة‪ ،‬ولكن رفاعة رافع الطهطاوي قلب الآية‬ ‫ف�أ�صبحت العربية هي اللغة الأولى التي تكتب‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫يتحدثون باللغة الإنجليزية بو�صفها لغة �أولى‬ ‫كان ال يتجاوز �سبعا و�ستة �أع�شار بالمئة‪ ،‬متدنيا‬ ‫عما كان عليه الحال عام ‪1958‬م‪ ،‬م�ستنتجا‬ ‫�أن «لغة �أجنبية لدى اثنين وت�سعين بالمئة من‬ ‫�سكان الأر�ض ال يمكن �أن تكون لغة عالمية؛ فهي‬ ‫لغة ات�صال بين الثقافات‪ ،‬ولي�س لغة عالمية(‪.)5‬‬

‫الطالب للغتهم العربية‪ ،‬ولعل تجربة الدكتور بها ال�صحيفة ثم تترجم �إلى التركية‪ ،‬ولم تفلح‬ ‫عبداهلل الدنان التي طبقها في مدار�سه تثبت حركة العلمنة التركية في تغريب العرب عن‬ ‫�صحة ذلك؛ فقد ثبت �أن ا�ستنها�ض ال�سليقة لغتهم �أو في �إق�صائهم عنها‪.‬‬ ‫والفطرة في تعلم اللغة العربية منذ المراحل‬ ‫وف��ي مرحلة تالية حين تعالت ال��دع��وات‬ ‫الأول��ى في التعليم‪� ،‬إذ يتم تدريب المعلمين �إل��ى ا�ستخدام العامية ب��دال م��ن الف�صحى‪،‬‬ ‫على النطق بالعربية الف�صحى‪ ،‬والحديث وو�صل ال�شطط ببع�ضهم‪ ..‬وبخا�صة وزير الري‬ ‫مع الأطفال في الرو�ضة بها‪ ،‬الأمر الذي �أدى البريطاني‪� ،‬إلى حد ا�ستبدال الحرف الالتيني‬ ‫�إل��ى �إتقانهم لها تدوين تعليم قواعدها؛ بل بالحرف العربي تحت دعاوى مختلفة‪ ،‬فف�شل‬ ‫�إنهم كانوا ي�صححون �أخ�ط��اء معلميهم بعد نتيجة النحياز العرب �إلى لغتهم‪ ،‬على الرغم‬ ‫حين‪ ،‬فالمهم �أن تتحول اللغة �إلى لغة حياة في من ولوغ بع�ض المثقفين من الم�ستغربين في‬ ‫الدرجة الأولى‪.‬‬ ‫هذا الم�ستنقع؛ �إذ تنادى بع�ض �أ�صحاب الهوى‬ ‫�إلى الت�أليف بالعامية؛ الأمر الذي �أثار حفيظة‬ ‫العروبيين فقاوموه بكل ما �أوتوا من قوة‪ .‬ولعل‬ ‫من �أب��رز ال�شواهد على ذل��ك‪ ،‬ما فعله لوي�س‬ ‫عو�ض حين �أل��ف كتابا كامال بالعامية تحت‬ ‫عنوان (مذكرات طالب بعثة)‪ ،‬وديوانا �شعريا‬ ‫هو (بلوتالند)‪ ،‬وقد تنامت هذه الحركة في‬ ‫ال�ستينيات‪ ،‬ع�صر ازدهار الم�سرح في م�صر‪،‬‬ ‫�إذ ك��ان م�شاهير ال�ك� ّت��اب ي ��ؤل�ف��ون للم�سرح‬ ‫بالعامية‪ ،‬مثل‪ :‬نعمان عا�شور‪ ،‬وعلي �سالم‪،‬‬ ‫ولطفي الخولي‪ ،‬ونجيب �سرور وغيرهم؛ و�إلى‬ ‫جانبهم مَ ��ن تم�سك بالف�صحى مثل توفيق‬ ‫الحكيم ف��ي م�سرحه الذهني واالجتماعي‪،‬‬ ‫وهو الذي دعا �إلى ا�ستعمال اللغة الثالثة في‬ ‫بيان �أ�صدره في مقدمة م�سرحيته (ال�صفقة)‬ ‫التي ي�ستخدم المتحاورون فيها لغة �إن �ضبطت‬ ‫بالحركات بدت ف�صيحة‪ ،‬و�إذا �سكنت �أواخرها‬ ‫ت�صبح عامية‪ ،‬وكان هناك م�سرح الجيب الذي‬ ‫كان ي�شرف عليه الدكتور ر�شاد ر�شدي‪ ،‬وكانت‬ ‫تعر�ض عليه م�سرحيات �أجنبية تمثل االتجاهات‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪41‬‬


‫ومن مظاهر �إق�صاء اللغة العربية‪ ،‬االهتمام‬ ‫المفرط بما ي�سمى بالمدار�س العالمية التي‬ ‫�أ�صبحت مظهرا من مظاهر الرقيّ االجتماعي‪،‬‬ ‫�إذ يتفاخر النا�س ب��إدخ��ال �أبنائهم �إل��ى هذه‬ ‫ال �م��دار���س ل �ي �ح��وزوا ع�ل��ى م�ك��ان��ة اجتماعية‬ ‫م �ت �ق��دم��ة‪ ،‬زاع �م �ي��ن �أن��ه��م ح��ري �� �ص��ون على‬ ‫�ضمان م�ستقبل �أبنائهم من خ�لال �إتقانهم‬ ‫للإنجليزية‪ ،‬وفي هذه المدار�س ت�صبح اللغة‬ ‫العربية هام�شية تحتل مرتبة مت�أخرة‪ ،‬حتى‬ ‫�إن �أ�صحابها ال يهتمون باختيار مدر�سيّ اللغة‬ ‫العربية وفق معايير الجودة المطلوبة‪ ،‬فيتخرج‬ ‫الأبناء وهم يعانون �ضعفا ملحوظا في م�ستوى‬ ‫�إتقانهم للغة العربية‪ ،‬وفي الوقت ذاته ال يتقنون‬ ‫الإنجليزية‪.‬‬ ‫ولعل من �أب��رز مظاهر الإق�صاء‪ ،‬الإ�صرار‬ ‫على تعليم التخ�ص�صات العلمية في الجامعات‬ ‫باللغة الإنجليزية‪ ،‬حتى بلغ الأم��ر ببع�ضهم‬ ‫�إل��ى العزوف عن الجامعات التي تدر�س هذه‬ ‫‪ 42‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫و�إذا كانت اللغة �صانعة الثقافة‪ ،‬ف�إن �أخطر‬ ‫ما تواجهه ثقافتنا تلك الحرب ال�شعواء التي‬ ‫تتبدى في �آف��اق العولمة �ضد الثقافة العربية‬ ‫الإ�سالمية‪ ،‬ومن ثَمَّ ف�إنها تنال من لغتها وتقتحم‬ ‫عليها خ�صو�صيتها‪ .‬فنحن �أم��ام م�شهد ثقافي‬ ‫منحاز‪ ،‬ولعل من �أ��ص��دق ال�شواهد على ذلك‬ ‫كتاب نهاية التاريخ لفوكو ياما ال��ذي يكر�س‬ ‫الثقافة الغربية الديمقراطية �سيدة للثقافة‬ ‫العالمية ونهاية للتاريخ‪ ،‬ويعد العدو الرئي�س لها‬ ‫الثقافة الإ�سالمية‪ ،‬بعد هزيمة الثقافة ال�شيوعية‬ ‫وان �ح�لال الحا�ضنة الرئي�سة ل�ه��ا‪ ،‬ممثلة في‬ ‫االتحاد ال�سوفييتي‪ ،‬و�سقوط جدار برلين‪ ،‬ف�ض ًال‬ ‫عما �آل �إليه �صراع الح�ضارات طبقا لهنتنجتون؛‬ ‫الأمر الذي �أدّى �إلى ما ي�شبه الخواء الروحي‪ ،‬ما‬ ‫�أدى كذلك �إلى �شيوع ثقافة الي�أ�س في تجليات‬

‫�إنَّ ال�شكوى م��ن �إه�م��ال الف�صحى وع��دم‬ ‫العناية بها لي�ست حديثة؛ بل قديمة؛ �إذ و�ضعت‬ ‫بع�ض الكتب القديمة‪ ،‬مثل كتاب اب��ن قتيبة‬ ‫الدينوري (�أدب الكاتب) في القرن الثالث‬ ‫الهجري‪ ،‬وفيه ي�شكو الكاتب بمرارة من الجهل‬ ‫باللغة‪ ..‬ت�لاه بعد ذل��ك ك�ث�ي��رون؛ منهم �أب��و‬ ‫من�صور الأزه��ري في القرن الرابع الهجري‪،‬‬ ‫ال��ذي �أ ّل ��ف ك�ت��اب (درة ال�غ��وا���ص ف��ي �أوه��ام‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫الحديثة في الم�سرح‪ ،‬وكلها كانت مترجمة‬ ‫�إلى الف�صحى‪ .‬ونتيجة للمواجهة العنيفة بين‬ ‫�أن�صار العامية والف�صحى ك��ان منح جائزة‬ ‫الدولة التقديرية لتوفيق الحكيم عام ‪1966‬م‪،‬‬ ‫انت�صارا حا�سما للمتم�سكين بلغتهم‪ ،‬في حين‬ ‫اندحر دعاة العامية وخ�سروا المعركة‪ ،‬و�أذكر‬ ‫في ذلك الوقت �أن محمود تيمور �أع��اد كتابة‬ ‫ح ��وارات �أع�م��ال��ه ال�سردية بالف�صحى‪ ،‬وتم‬ ‫االحتفال بانت�صار الف�صحى في حفل مهيب‬ ‫تحدث فيه محمود تيمور م�ستدعيا �إلى الأذهان‬ ‫�سوق عكاظ‪.‬‬

‫العلوم باللغة العربية‪ ،‬في حين �أثبتت التجربة‬ ‫�أن تعلم العلوم باللغة الأم �أي�سر و�أج��دى‪ .‬وقد‬ ‫�أجريت تجارب في الفليبين وفي غيرها ثبت‬ ‫من خاللها �أن التعلم باللغة الوطنية يعطي‬ ‫نتائج مبهرة‪ ،‬في حين يزداد الأمر �صعوبة �إذا‬ ‫كان التعليم بلغة �أجنبية‪ ،‬وقد دلت نتائج بع�ض‬ ‫الدرا�سات التي قام بها �أ�ساتذة مار�سوا تعليم‬ ‫العلوم باللغة العربية على �أن ثمة توفيرا في‬ ‫الوقت ملحوظا ينجم عن ا�ستعمال العربية في‬ ‫هذا المجال؛ ففي درا�سة ا�ستطالعية نه�ض بها‬ ‫الدكتور زهير ال�سباعي‪ ،‬ف�أجراها على طلبة‬ ‫الملك عبدالعزيز‪� ،‬أجاب �أغلب الم�شاركين في‬ ‫اال�ستطالع ب�أنهم يوفرون ‪ %50‬من وقتهم حين‬ ‫يدر�سون باللغة العربية‪.‬‬

‫�سلوكية تتزيّا ب��زيٍ �شعائريّ فل�سفيّ في �شكل‬ ‫نحل متعددة الأ�شكال‪ ،‬مثل مَ ن عُ رفوا ب�أتباع‬ ‫�شريعة معبد ال�شم�س‪ ،‬الذين ه�ي��أوا �أنف�سهم‬ ‫ليوم ال�سفر الأك�ب��ر‪ ،‬كما ي�سمونه‪ ،‬وانتهوا به‬ ‫�إلى االنتحار الجماعي الذي �أودى بحياة ثمانية‬ ‫و�أربعين في الدفعة الأول��ى‪� ،‬إذ حرقوا �أنف�سهم‬ ‫عام ‪1994‬م في �سوي�سرا‪ ،‬و�أربعة و�سبعين في‬ ‫عام ‪1997‬م في كندا؛ ثم ما لبث عبدة ال�شيطان‬ ‫�أن انت�شروا في م�صر والأردن وغيرها من �أقطار‬ ‫العرب‪ ،‬ممن انحازوا �إلى تلك الثقافة‪ ،‬بعيدا‬ ‫عن ثقافتهم ولغتهم‪ ،‬وكان ذلك ب�سبب تكري�س‬ ‫الفكر ال�صراعي الغربي الذي انتقل عبر الثقافة‬ ‫الغربية ولغتها(‪.)7‬‬

‫الخوا�ص)‪ ،‬من �أجل ت�صحيح الأخطاء ال�شائعة‬ ‫بين المثقفين في ع�صره‪ ،‬وظهرت كتب عديدة‬ ‫بعد ذلك؛ ولكن التحديات التي كانت تواجه‬ ‫اللغة في تلك الحقبة لم تكن على النحو الذي‬ ‫ن��راه الآن؛ �إذ‪ ،‬تعاظمت ه��ذه التحديات من‬ ‫خالل العاميات العديدة المنت�شرة‪ ،‬واللغات‬ ‫الأجنبية المناف�سة للغة العربية‪ ،‬وا�ستخدام‬ ‫الأجهزة الحديثة في التوا�صل‪ ،‬وقد ثبت علميا‬ ‫�أن اللغة العربية من �أو�ضح اللغات �صوتا في‬ ‫�أجهزة الحا�سوب؛ ولكن التق�صير ي�أتي من‬ ‫العلماء العرب الذين لم يكرّ�سوا جهدهم في‬ ‫هذا االتجاه خدمة للغتهم‪.‬‬ ‫�إن لغتنا العربية التي مرت بفترات تاريخية‪،‬‬ ‫ع��ان��ت خاللها م��ن الإه �م��ال المتعمد ب�سبب‬ ‫�سيطرة الحكام غير العرب على مُقدّرات الأمة‬ ‫في ع�صر ال��دول المتتابعة‪ ،‬ثم واجهت حربا‬ ‫�شعواء من الذين حاولوا �أن ي�صادروا هويتها‬ ‫�إبّان �سيطرة القوميين الطورانييين في �أواخر‬ ‫العهد العثماني‪ ،‬وت�صدت لأ�صحاب الم�شاريع‬ ‫االنف�صالية الم�شبوهة م��ن دع��اة الفينيقية‬ ‫والفرعونية‪ ،‬ومن دعاة العامية‪.‬‬

‫(‪ )1‬بغورة محمد ال�صديق‪ ،‬عن الأدب الجزائري المكتوب بالفرن�سية‪� ،‬أنهار‪2008 ،‬م‪.‬‬ ‫(‪ )2‬ه�شام عودة‪ ،‬من حوار �أجراه مع الدكتور �أحمد المديني‪ ،‬جريدة الد�ستور الأردنية‪ ،‬الملحق الثقافي ‪/7/ 17‬‬ ‫‪2009‬م‪.‬‬ ‫(‪ )3‬الم�صدر ال�سابق‪.‬‬ ‫كايد ها�شم‪ ،‬الأدب العربي المكتوب بالفرن�سية ق�ضية لغة �أو م�ضمون‪ ،‬جريدة الد�ستور‪ ،‬الملحق الثقافي‪ ،‬الجمعة‬ ‫‪2009/7/24‬م‪.‬‬ ‫(‪ )4‬محمود قا�سم‪ ،‬الأدب العربي المكتوب باللغة الفرن�سية‪ ،‬وزارة الثقافة‪ ،‬م�صر‪2010 ،‬م‪.‬‬ ‫(‪ )5‬د‪� .‬أحمد ال�ضبيب‪ ،‬اللغة العربية في ع�صر العولمة‪ ،‬مكتبة العبيكان‪ ،‬الريا�ض‪1422 ،‬هـ‪� .‬ص‪.15‬‬ ‫هنتنجتون‪� ،‬صدام الح�ضارات (بالإنجليزية) نيويورك ‪1997‬م �ص‪.59‬‬ ‫(‪ )6‬ال�ضبيب (مرجع �سابق) �ص‪43‬‬ ‫(‪ )7‬فوكو ياما‪ ،‬نهاية التاريخ وخاتم الب�شر‪ ،‬ترجمة ح�سين �أحمد �أمين‪ ،‬مركز الأهرام‪1993 ،‬م‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪43‬‬


‫■ د‪ .‬عبدالنا�صر هالل ‪ -‬جامعة امللك عبدالعزيز‬

‫ال ـل ـ َغ ـ ُة حياة‪ ،‬وهي وعاء الفكر‪ ،‬فال فكر من دون لغة‪ ،‬وال لغة من دون معنى؛ وهي ُتـراثُ ُك ِّل‬ ‫�أُ َّم ٍة والم�شكّلة لح�ضارتها‪،‬هي الهوية الممتدة في باطن التاريخ‪ .‬واللغة العربية ي�سْ يرة‪ ،‬طيّعة‪،‬‬ ‫ال عُ�سْ َر فيها �إال على مَن تعنّت‪ ،‬والأجيال المعا�صرة تملكها كما كان القدما ُء يملكونها‪ .‬بذل‬ ‫العلماء الأول��ون جهدا كبيرا في �ضبطها وو�ضع قواعدها‪ ،‬وا�ستنباط القيا�س فيها؛ فانت�شرت‬ ‫المدار�س وتعددت المذاهب؛ حتى �أ�صبح اللحن �أو الخط�أ في اللغة نُطقا وكتابة �أمرا خطيرا‬ ‫تهتز له وتنفر منه العامة‪ ،‬ويحاربه المتخ�ص�صون‪ ،‬فكانت �ساحة القيا�س هي المهيمنة‪ ،‬ال مجال‬ ‫للخروج عليهِ؛ فاللحن �أو الخط�أ في اللغة كان جرما يهرب منه النا�س‪� ،‬أم��ا الآن فقد �أ�صبح‬ ‫الخط�أ في اللغة ال يكترث له العامة‪ ،‬وال ين�شغل به المتخ�ص�ص؛ فالغـيـرة على اللغة ته�شمت‪،‬‬ ‫وتال�شت‪ ،‬ولم تعد كما كانت من قبل!‬ ‫�أ�صبح الإن�سان محاطا ب�ضجيج من الأخطاء‬ ‫اللغوية؛ ففي كل ي��وم‪ ،‬بل في كل �ساعة‪ ،‬يرى‬ ‫وي�سمع وي���ش��اه��د ف��ي و� �س��ائ��ل الإع �ل�ام وف��ي‬ ‫ال�صحف وفي المتاجر وال�شوارع والإعالنات‪،‬‬ ‫وفي المدار�س الخط�أ تلو الآخر‪ ،‬نُطْ قـا وكتابة‬ ‫في المذياع والتلفاز وفي غيرهما من و�سائل‬ ‫ب���د�أت �إره��ا���ص��ات ه��ذه ال��ظ��اه��رة قديما‪،‬‬ ‫الإعالم والإعالن‪ ،‬وال نُـحَ ـرِّ كُ �ساكنا!!‬ ‫وتنبه علماء اللغة لخطورتها‪ ،‬فت�صدوا لها‬ ‫�أ�صبحنا نعي�ش ون�ت�ح��اور م��ع مَ ��ن ين�صب لما فيها من ج��رم على اللغة وعلى المعنى‪،‬‬ ‫الفاعلَ ويرف َع المفعولَ به والحال‪ ،‬وال يعرف فيروى عن العالم النحوي �أبي الأ�سود الد�ؤلي‬ ‫�إع� ��راب ال�صفة وال�م���ض��اف �إل �ي��ه والأ��س�م��اء �أن��ه �سمع ابنته ت�ق��ول‪(:‬م��ا �أج�م��لُ ال�سماءُ)‪،‬‬ ‫الخم�سة‪ ،‬وم ��اذا تفعل ح��روف ال�ج��ر وع�لام‬ ‫الو�صل وهمزة‬ ‫تدخُ ـل‪ ..‬وال يفـرِّ ق بين همزة ْ‬ ‫القطع‪ ،‬وال بين (�أل)ال�شم�سية و(�أل) القمرية‪،‬‬ ‫وال يعرف ��واعد الهمزات وال التنوين‪ ،‬ويُخطئ‬ ‫في الحركات فيتغيّر المعنى‪.‬‬

‫‪ 44‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫اللغة العربية بين الأخطاء‬ ‫ال�شائعة وظاهرة الهجين‬ ‫الأ�سباب والحلول‬

‫فقال لها (نجومها)‪ ،‬فقالت‪ :‬ال �أ�س�أل‪ ،‬ولكني‬ ‫�أتعجب‪ .‬فقال لها‪ :‬قولي‪( :‬ما �أجملَ ال�سماءَ)‬ ‫(بالفتح)‪ .‬وفي �أيام الدولة العبا�سية يُروى عن‬ ‫الخليل بن �أحمد الفراهيدي �أنه ثار على رجُ ـل‬ ‫كان جال�سا يتلو قول اهلل تعالى‪}:‬و�أذا ٌن منَ اهلل‬ ‫هلل‬ ‫ور�سولِه �إل��ى النا�س يوم الحج الأكبر �أنَّ ا َ‬ ‫بري ٌء من الم�شركين ور�سولُـه{ نطقها الرجُ ل‬ ‫«ور�سو ِلهِ» بك�سر الالم ولي�س ب�ضمها كما نزلت‬ ‫على الر�سول (�صلّى اهلل عليه و�سلّم)‪ ،‬فالمعنى‬ ‫يتغير بتغير حركة واح��دة على حرف واح��د‪..‬‬ ‫فما ك��ان م��ن الخليل �إال �أن ثـار على الرجل‬ ‫قائالً‪ :‬ماذا تقولُ يارجُ ل» ؟! قُـلْ «ور�سولُه» ب�ضم‬ ‫الالم‪ ،‬فـبـ َّر َر الرجلُ خط�أه ب�أنَّ الم�صحف في‬ ‫ذلك الوقت لم يكنْ به �أية و�سيلة تقيد القارئ‬ ‫بالنطق ال�سليم؛ ومن هنا كان اهتمام الخلفاء‬ ‫الرا�شدين بالغ ًا ب�ضبط اللغة وو�ضع قواعدها‪،‬‬ ‫كما ي��روى من قول الإم��ام علي بن �أب��ي طالب‬ ‫ر�ضي اهلل عنه لأب��ي الأ��س��ود ال��د�ؤل��ي‪ :‬ان��ح ما‬ ‫نحوت‪.‬‬

‫و�أ�صولها‪ ،‬وت�سهيلها في اال�ستخدام‪ ،‬فظهرت‬ ‫دع ��وة �إح �ل�ال ال�ل�غ��ة ال�لات�ي�ن�ي��ة م�ح��ل الخط‬ ‫العربي‪ ،‬ومع مطلع القرن الع�شرين الدعوة �إلى‬ ‫�إحالل العامية محل الف�صحى‪ ،‬وقد تبنّى هذه‬ ‫الدعوة بع�ض المفكرين العرب �آن��ذاك مثل‪:‬‬ ‫�سالمة مو�سى‪ ،‬وبعده لوي�س عو�ض‪ ،‬ونفو�سة‬ ‫�إبراهيم!‬ ‫ومنذ ه��ذه ال��دع��وات المبكرة وحتى الآن‬ ‫تعاني اللغة العربية من ت�آمر مق�صود وغير‬ ‫مق�صود‪ ،‬يكمن ف��ي ال �ت �ه��اون‪ ،‬وال�ل�ج��وء �إل��ى‬ ‫المهجور‪ ،‬واالعتماد على اللهجة في معامالتنا‬ ‫اليومية‪.‬‬ ‫�أ�سباب انت�شار الأخطاء ال�شائعة‬ ‫‪ -1‬ال�خ��وف م��ن تعلّم م�ب��ادئ اللغة‪ ،‬وال�شعور‬ ‫ب�صعوبة علومها‪ ،‬من نحو و�صرف وبالغة‪،‬‬ ‫و�أ��ص�ب��ح التخ�ص�ص �شماعة نعلق عليها‬ ‫�أخطاءنا‪ ،‬فترك النا�س االجتهاد والحفاظ‬ ‫على القواعد والأ�صول‪.‬‬ ‫‪ -2‬المناهج المدر�سية‪ ،‬وما تعانيه من غياب‬ ‫ال��رق��اب��ة ال���ص��ارم��ة‪ ،‬وبخا�صة على منهج‬ ‫اللغة العربية‪� ،‬إ�ضافة �إلى �سيا�سة العالقات‬ ‫ال�شخ�صية والمجامالت في اختيار المناهج‪.‬‬ ‫�أ�ضف �إل��ى ذل��ك �إخ��راج الكتاب وطباعته‪،‬‬ ‫وطريقة عر�ض المحتوى‪.‬‬

‫ثم توا�صلت جهود علماء اللغة في �ضبط‬ ‫ال �ق��واع��د وال �م �خ��ارج وال �ح��رك��ات‪(:‬ال �ف �ت �ح��ة‬ ‫والك�سرة وال�ضمة وال���س�ك��ون)‪ ،‬وذك��ر (اب��ن‬ ‫ج� ّن��ي) ف��ي الخ�صائ�ص �أنّ رجُ �لا لحَ ن عند‬ ‫ر��س��ول اهلل (�صلى اهلل عليه و�سلم) فقال‪:‬‬ ‫(�أر�شدوا �أخاكم ف�إنه قد �ضل)‪ .‬وقد كان (ابنُ‬ ‫عمر) (ر�ضي اهلل عنهما) ي�ضرب ابنه على ‪� -3‬ضعف خريجي �أق�سام اللغة العربية و�آدابها‪،‬‬ ‫اللحن في الكالم‪.‬‬ ‫و�ضحالة م�ستواهم الفكري والعلمي‪ ،‬وعدم‬ ‫وفي نهايات القرن التا�سع ع�شر تعر�ضت‬ ‫ت�أهيلهم تربويا وعلميا بال�شكل المنا�سب‬ ‫اللغة العربية للت�آمر على قانونها وقواعدها‬ ‫لمتطلبات الع�صر‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪45‬‬


‫نماذج من الأخطاء ال�شائعة وت�صويبها‬

‫‪ -7‬ت�ع��د و��س��ائ��ل الإع �ل�ام ال�ح��دي�ث��ة‪ ،‬المرئية‬ ‫والم�سموعة والمقروءة‪ ،‬و�شبكات التوا�صل ‪ -1‬ر�أي� ��تُ بع�ض ال�م�غ� ِ�رّدي��ن ي�ستنكر كلمة‬ ‫االجتماعي‪ ،‬م��ن �أك�ث��ر العوامل ت�أثيرا في‬ ‫(ج� ��وزي� ��ت)‪ ،‬وي� �ق ��ول � َّإن ال� ��� �ص ��وابَ ‪:‬‬ ‫انت�شار ظاهرة الأخ�ط��اء اللغوية بِمختلف‬ ‫(جُ ��زي��ت)‪ ..‬ق�ل��تُ ‪َّ � :‬إن كليهما ��ص��واب‪،‬‬ ‫�أن��واع �ه��ا؛ ح�ي��ث ت�ستخدم ه��ذه الو�سائل‬ ‫فـ(جوزيت) من (جازَى) و(جُ زيت) من‬ ‫مزيجا من اللغة واللهجة‪ ،‬يمكن ت�سميته‬ ‫(جَ زى)‪..‬‬ ‫بـ(الف�صعمية)! توهم ًا �أنها �أكثر فاعلية‬ ‫وت�أثيرا في فكر المتلقي و�شعوره؛ ما خلق ‪ - 2‬م��ن الأخ��ط��اء ال�شائعة ج ��دً ا ف��ي اللغة‬ ‫وال�صوابُ �أن يقالَ ‪:‬‬ ‫قولهم‪� :‬أمر رئي�سي‪َّ ..‬‬ ‫تَهجين المعْجم اللّغوي‪ ،‬وتغْليب الأ ْل�ف��اظ‬ ‫�أم��ر رئي�س‪ ..‬ل َّأن «رئي�س» �صفة‪ ..‬مثل‬ ‫الأجنبيَّة على العربيَّة‪ ،‬و�إل �غ��اء الإعْ ��راب‬ ‫«كبير» ال نقول‪� :‬أمر كبيري!‬ ‫تمامً ا‪� ،‬سوا ٌء في الإذاع��ة �أو التليفزيون �أو‬ ‫ال�سينما‪.‬‬ ‫‪ -3‬م � ّم��ا ي �ق��ع ال��وه��م ف �ي��ه ال�ت�ع�ب�ي��ر بلفظ‬ ‫‪ 46‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫النا�س في ‪ -10‬ر�أي ��تُ بع�ض ال�م�غ� ِ�رّدي��ن يكتب ( ُك � ْ�فء)‬ ‫ِ‬ ‫‪ -4‬ممّا يقع الخط�أ ف�ي��ه‪ ..‬ق��ولُ‬ ‫بهمزة على ال�سطر‪ ،‬و�آخرين ير�سمونها‬ ‫دعائهم‪( :‬اللهم �أرنا فيهم يومً ا �أ�سودًا)‪..‬‬ ‫بع�ضهم‪،‬‬ ‫( ُك ُف�ؤ)‪ ..‬ور�أيتهم ينكرون على ِ‬ ‫وال�صوابُ �أن يقالَ ‪( :‬يومً ا �أ�سودَ)‪ ،‬فكلمة‬ ‫َّ‬ ‫وال�صوابُ � َّأن كليهما �صحيح‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫�أ�سود غير م�صروفة‪.‬‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫‪ -4‬طريقة تدري�س اللغة العربية في المدار�س‪،‬‬ ‫�إذ تعتمد على التلقين ال��ذي يق�ضي بدوره‬ ‫علينا �أوال �أن ندرك �أنَّ اللحن والخط�أ في‬ ‫على ملكات التفكير والم�شاركة والإنتاج‪.‬‬ ‫اللغة �أم�� ٌر ل��ه خطورته م��ن الناحية الفكرية‬ ‫‪ -5‬طريقة تدري�س النحو العربي في المدار�س وال�ع�ل�م�ي��ة‪ ،‬و�أن���ه ي�ق�ل��بُ المعنى وي �غ � ّي��ره �إل��ى‬ ‫يدعو �إلى االن�صراف عنه‪ ،‬بل النفور منه‪ ،‬النقي�ض‪ ،‬فال بد من‪:‬‬ ‫�إذ يتبع المدر�سون تقديم المو�ضوعات عبر‬ ‫ مراجعة النظام التعليمي العربي من حيث‬‫الأمثلة‪ ،‬ثم �شرح القاعدة‪ ،‬والقواعد جافة‬ ‫المناهج‪ ،‬وطباعتها‪ ،‬و�إخراجها‪ ،‬وموادها‪،‬‬ ‫ومنفرة‪ ،‬وتفر�ض عزلة مع الإح�سا�س بحيوية‬ ‫وطرق تدري�سها‪ ،‬و�إ�صالحه في ظل ال�ضوابط‬ ‫اللغة ومفرداتها‪.‬‬ ‫العلمية والتربوية الحديثة التي تحافظ على‬ ‫‪ -6‬كثير من النخبة و�أ�صحاب ال��ر�أي يرون �أنَّ‬ ‫اللغة‪ ،‬وت�صنع جيال لغويا جديدا‪.‬‬ ‫اللّغة مجرَّد و�سيل ٍة للتَّعبير كيْفما اتَّفق‪ ،‬ال‬ ‫ التخل�ص من اللغة الهجين والعودة �إلى اللغة‬‫داع��يَ للحِ رْ�ص على نظامها وقواعدها ما‬ ‫الف�صحى‪ ،‬عبر قواعدها و�أن�ساقها‪.‬‬ ‫دام المقْ�صود يتحقَّق ب�أيّ �شكْلٍ من �أ�شْ كال‬ ‫التَّعبير‪ .‬وظهرت م�سميات منها‪« :‬البالغة ‪ -‬العمل بميثاق �شرف �إعالمي‪ ،‬لغوي‪ ،‬يبتعد‬ ‫عن الأخطاء ال�شائعة‪ ،‬ويلتزم ب�صواب اللغة‪،‬‬ ‫الع�صريَّة»‪ ،‬و�سمَّاها بع�ضهم‪« :‬اللّغة الثالثة»‪،‬‬ ‫كي تُ�صححَ و�سائلُ الإع�لام هذه الأخطا َء‬ ‫م��ا ��س��اع��د ع�ل��ى ت ��رك ال �� �ص��واب واع�ت�ن��اق‬ ‫ال�صارخة التي تتكرر كل يوم‪.‬‬ ‫المهجور‪� ،‬أو انت�شار الخط�أ‪..‬‬ ‫عالج الظاهرة‬

‫(الرومان) ظ ًنّا �أ َنّها جمع رومي‪ ،‬وما هي‬ ‫وال�صوابُ � َّأن جمع رومي‪« :‬روم»‪.‬‬ ‫بذاك‪َّ ..‬‬

‫وال�صوابُ �أن يقالَ ‪ :‬و�ضعتُ ال�شيء ن�صب‬ ‫َّ‬ ‫عيني(بالت�سكين)‪.‬‬

‫النا�س �إلى � َّأن معنى كلمة (الم�أتم)‬ ‫ُ‬ ‫‪ -11‬يذهبُ‬ ‫وال�صوابُ‬ ‫هو‪ :‬االجتماع على الم�صيبة‪َّ ..‬‬ ‫�أ َنّه لي�س كذلك‪ ..‬فالم�أتم‪ :‬الن�ساء يجتمعن‬ ‫في الخير وال�شرّ‪.‬‬

‫‪ - 5‬من التعبيرات الخاطئة التي ي�ستعملها‬ ‫النا�س كثرة قولهم‪ :‬ح�ضر فال ٌن االجتماع‬ ‫ُ‬ ‫على ال��رغ��م م��ن ك��و ِن��ه م��ري��ً��ض��ا‪ ..‬وه��ذا‬ ‫ي�صح لغةً‪ ..‬ل َّأن (على الرغم)‬ ‫التعبير ال ُّ‬ ‫�أو (بالرغم) ت�ستعمل �إذا فعلتَ �شيئًا ‪ -12‬هذه الأخطاء ال ب� َّ�د لـ «تويتر» �أن يرتاحَ‬ ‫وهناك من يكرهه‪ ..‬والتعبير ال�صحيح‬ ‫منها‪�« -1 ..‬شيء» ولي�س «�شئ»‪�»2 .‬س ِيّئ»‬ ‫في الجملة‪( :‬ح�ضر ف�لا ٌن االجتماع مع‬ ‫�صل على» ولي�س‬ ‫ولي�س «�سيء» ‪« -3‬اللهم ِّ‬ ‫مري�ضا)‪.‬‬ ‫كونِه ً‬ ‫«اللهم �صلّي على»‪.‬‬ ‫‪� -6‬أر�سل لي �صديقي ر�سالة ُث� َّ�م ق��ال‪ :‬هذه ‪ -13‬م��ن الأخ��ط��اء ال�شائعة ق��ول�ن��ا‪ :‬ذُ هِ � ْل��ت‬ ‫ف�ت��وت��ان ع��ن ك ��ذا‪ ..‬يق�صد تثنية كلمة‬ ‫ب�ضم ال��ذال وك�سر الهاء‪..‬‬ ‫عن ال�شيء؛ ِّ‬ ‫(ف�ت��وى)‪ ،‬وال� َّ���ص��وابُ في تثنية فتوى �أن‬ ‫وال�صوابُ �أن يقالَ ‪ :‬ذَ هَ لْت عن ال�شيء �أو‬ ‫َّ‬ ‫يقالَ ‪ :‬فتويان‪.‬‬ ‫ذَ هِ لْت عن ال�شيء‪..‬‬ ‫‪� -7‬أرى ‪-‬واهلل �أعلم‪َّ � -‬أن كلمة (ن َيّة) تُجمع ‪ -14‬نقول في دعائنا‪ :‬اللهم ف�أَ�شْ ِغ ْل ُه بنف�سه‪..‬‬ ‫�ول واح � ��دً ا‪ ..‬وال يجوز‬ ‫على (ن�� َّي��ات) ق � اً‬ ‫والأف�صحُ �أن يقالَ ‪ :‬اللهم فا�شْ َغ ْل ُه بنف�سه؛‬ ‫جمعها على (ن��واي��ا)؛ فهي ال ت�صح من‬ ‫بالهمزة المو�صولة ال المقطوعة وبفتح‬ ‫جهة ال�سماع وال القيا�س‪.‬‬ ‫الغين ال بك�سرها‪.‬‬ ‫‪ -8‬يخطئ النا�س ف��ي �ضبط ه��ذا الحديث ‪ -15‬ف��ي كثير م��ن اللهجات ي�ق��ول��ون‪ :‬عفطت‬ ‫(‪ ...‬و�أنت تجعل الحَ زْ نَ �إذا �شئت �سهالً)‬ ‫ال�شيء؛ بمعنى ثنيته‪ ..‬ولو �سَ مِ عَنا �أعرابيُ‬ ‫وال�صواب ت�سكين‬ ‫فيقولون (ال��حَ ��زَ ن)‪َّ ،‬‬ ‫لأفرط في ال�ضحك ل َّأن ال�صوابَ ‪ :‬عطفت‬ ‫الزاي ومعناها‪ :‬كل �أمر �شاقّ ‪.‬‬ ‫ال�شيء‪.‬‬ ‫‪ -9‬م � ّم��ا ي�شيع م��ن ال�خ�ط��أ �أي �� ً��ض��ا قولهم‪ -16 :‬م��ن ال �خ �ط ��أ ق��ول��ك‪ :‬ع �م��ل ل �ق��اء �أج ��ر‪،‬‬ ‫وال�صحيح = عمل ب�أجر‪.‬‬ ‫و�ضعتُ ال�شيء نَ�صب عيني؛ بفتح النون‪..‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪47‬‬


‫‪ - 18‬من الخط�أ قولك‪ :‬خا�صة و�أن �أكثرهم‪ -31 ،‬م ��ن ال �خ �ط ��أ ق ��ول ��ك‪ :‬ع�م�ل�ن��ا � �ش��راك��ة‪،‬‬ ‫وال�صحيح = عملنا �شركة‪.‬‬ ‫وال�صحيح = خا�صة �أن �أكثرهم (من دون‬ ‫واو)‪.‬‬ ‫‪ -32‬م ��ن ال��خ��ط���أ ق ��ول ��ك‪ :‬ت �ح �م��م ب��ال �م��اء‪،‬‬ ‫وال�صحيح = ا�ستحمَّ بالماء‪.‬‬ ‫‪ - 19‬من الخط�أ قولك‪ :‬يا �أبتي‪ ،‬وال�صحيح = يا‬ ‫�أبتِ ‪.‬‬ ‫‪ -33‬من الخط�أ قولك‪ :‬البرواز‪ ،‬وال�صحيح =‬ ‫الإطار‪.‬‬ ‫‪ -20‬م��ن ال �خ �ط ��أ ق��ول��ك‪ :‬ا� �س �ت ��أذن��ت م�ن��ك‪،‬‬ ‫وال�صحيح = ا�ست�أذنتك‪.‬‬ ‫‪ -34‬م��ن ال �خ �ط ��أ ق��ول��ك‪ :‬دوالب ال�م�لاب����س‪،‬‬ ‫وال�صحيح = خزانة المالب�س‪.‬‬ ‫‪ -21‬من الخط�أ قولك‪ :‬كان معهم بنادق (جمع‬ ‫‪ -22‬‬ ‫‪ -23‬‬ ‫‪ -24‬‬ ‫‪ -25‬‬ ‫‪ -26‬‬ ‫‪ -27‬‬ ‫‪ -28‬‬

‫‪ -35‬من الخط�أ قولك‪ :‬مو�ضوعك قا�صر على‬ ‫بندقية)‪ ،‬وال�صحيح = بندقيات‪.‬‬ ‫ك��ذا‪ ،‬وال�صحيح = مو�ضوعك مق�صور‬ ‫من الخط�أ قولك‪ :‬لديه ثالث �أرا�ض (جمع‬ ‫على كذا‪.‬‬ ‫�أر�ض)‪ ،‬وال�صحيح = لديه ثالث �أر�ضين‪.‬‬ ‫‪ -36‬م��ن ال�خ�ط��أ ق��ول��ك‪ :‬ق��ال �أث �ن��اء حديثه‪،‬‬ ‫من الخط�أ قولك‪ :‬قدم ال�سواح‪ ،‬وال�صحيح‬ ‫وال�صحيح = قال في �أثناء حديثه‪.‬‬ ‫= قدم ال�سياح‪.‬‬ ‫‪- -37‬م��ن الخط�أ ق��ول��ك‪ :‬ذك��ر ب��أن��ك �شاعر‪،‬‬ ‫م��ن ال�خ�ط��أ ق��ول��ك‪ :‬ه��و ن��اك��ر الجميل‪،‬‬ ‫وال�صحيح = ذكر �أنك �شاعر‪.‬‬ ‫وال�صحيح = هو منكر الجميل‪.‬‬ ‫‪ -38‬من الخط�أ قولك‪ :‬حيث �أن‪ ،‬وال�صحيح =‬ ‫م��ن الخط�أ ق��ول��ك‪ :‬تعرفت على �أحمد‪،‬‬ ‫حيث �إن‪.‬‬ ‫وال�صحيح = تعرفت �أحمد‪.‬‬ ‫‪ -39‬من الخط�أ قولك‪ :‬ه��ذا المو�ضوع عديم‬ ‫من الخط�أ قولك‪ :‬بكى من �شدة الت�أثر‪،‬‬ ‫ال�ف��ائ��دة‪ ،‬وال�صحيح = ه��ذا المو�ضوع‬ ‫وال�صحيح = بكى من �شدة الت�أثير‪.‬‬ ‫معدوم الفائدة‪.‬‬ ‫م��ن ال �خ �ط ��أ ق��ول��ك‪ :‬دق ع �ل��ى ال �ب��اب‪ -40 ،‬من الخط�أ قولك‪ :‬الما�س‪ ،‬وال�صحيح =‬ ‫وال�صحيح = دق الباب‪.‬‬ ‫الألما�س‪.‬‬ ‫م��ن ال�خ�ط��أ ق��ول��ك‪ :‬ال�م�ك��ان بعيد عنا‪ -41 ،‬من الخط�أ قولك‪ :‬ا�ستبيان‪ ،‬وال�صحيح =‬ ‫وال�صحيح = المكان بعيد منا‪.‬‬ ‫ا�ستبانة‪.‬‬

‫‪ -29‬م��ن ال �خ �ط ��أ ق��ول��ك‪� :‬أك���د ع�ل��ى ك�لام��ه‪ -42 ،‬من الخط�أ قولك‪ :‬نوعيات من ال�صور‪،‬‬ ‫وال�صحيح = �أنواع من ال�صور‪.‬‬ ‫وال�صحيح = �أكد كالمه‪.‬‬ ‫‪ 48‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫والخط�أ خط�أ‪ ،‬حتى تبقى لغتنا الف�صحى لغة‬ ‫حيّة‪ ،‬متحركة‪ ،‬طيّعة‪ ،‬تفي بكل احتياجاتنا وال�� َوظ��ي��ف��اتُ وال���مُ���واظِ ���ـ���بُ وال��ـ�� ِك��ـ��ظّ ��ـ‬ ‫الفكرية والنف�سية‪.‬‬ ‫����اظ‬ ‫ُة والإن����ـ���� ِت����ـ����ظ����ـ����ا ُر والإ ْل����ـ����ظ����ـ����ـ ُ‬ ‫التفرقة بين ال�ضاد والظاء‬ ‫و َوظ������ـ������ي������فٌ وظ�����ـ�����ا ِل�����ـ����� ٌع وع���ـ���ظ���ـ���ـ���ي��� ٌم‬ ‫لي�س هناك قاعدة معينة‪ ،‬فالعرب ب�سليقتهم‬ ‫ـ��ل��اظ‬ ‫����ظ والإغْ ����� ُ‬ ‫وظَ ���ـ���ه���ـ���ي��� ٌر وال����ـ���� َف����ـ ُّ‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫‪ -17‬م��ن ال �خ �ط ��أ ق��ول��ك‪�� :‬س�ب��ق و�أن ق�ل�ن��ا‪ -30 ،‬م��ن ال �خ �ط ��أ ق��ول��ك‪ :‬يتحا�شى ال��وق��وع‪،‬‬ ‫وال�صحيح = يتحا�شى من الوقوع‪.‬‬ ‫وال�صحيح = �سبق �أن قلنا‪.‬‬

‫�آن �أن نتخل�ص من قاعدة‪ :‬خط�أ �شائع خير وال���حَ ���ظ���ي���راتُ وال���مَ���ظِ ���ـ��� ّن��� ُة وال��ـ ِّ��ظ��ـ�� ّن��ـ‬ ‫م��ن ��ص��واب م�ه�ج��ور‪ ،‬يبقى ال���ص��واب �صوابا‬ ‫���اظ‬ ‫ُة وال����ك����اظِ ����م����ـ����و َن وال���ـ��� ُم���ـ��� ْغ���ـ���ت���ـ ُ‬

‫الف�صحى ك��ان��وا ي�ف� ّرق��ون بينهما ع��ن طريق‬ ‫���ظ���رْفُ وال��ظّ ��لَ��فُ الـظّ ـا‬ ‫النطق من دون لحن‪ .‬و�إليكم الكلمات التي و َن��ظ��ي��فٌ وال َّ‬ ‫تكتب بحرف الظاء‪ ،‬وما عداها يكتب بحرف‬ ‫����اظ‬ ‫هِ ������� ُر ث����� ّم ال���ـ��� َف���ـ���ظ���ـ���ي��� ُع وال����ـ���� ُو ّع����ـ ُ‬ ‫ال�ضاد كما ذكرها الحريري في منظومته‪:‬‬

‫�أي��ه��ا ال�����س��ائ��ل ع���نِ ال���ّ��ض��ـ��ا ِد وال��ـ��ظّ ��ـ��اء‬ ‫�����اظ‬ ‫ل���� َك����ـ����يْ��ل�ا ُت����ـ����� ِ����ض����ـ���� ّل����ـ���� ُه الأ ْل�����ـ�����ف�����ـ ُ‬

‫َ���ظ والـحـ ْنـ‬ ‫���اظ وال َّ���ظ���عْ���نُ وال���م ُّ‬ ‫وعُ���ك ٌ‬ ‫����اظ‬ ‫ظَ ������ ُل وال���ـ���ق���ـ���ا ِرظ���ـ���انِ والأ ْو�����ش����ـ ُ‬

‫����ظ����رّانِ وال�����شّ ��ظَ ��فُ الـبـا‬ ‫وظِ ������رابُ ال ِّ‬ ‫�إنّ حِ ��ف َ��ظ ال��ظّ ��اءات يُغنيكَ فا�سـمـعـ‬ ‫ّاظ‬ ‫هِ �����ظُ �����وا ل���ج��� ْع���ـ���ظَ ���ـ���ر ُّي���و ال���ـ���جَ ���ـ���و ُ‬ ‫ـاظ‬ ‫ه��ا ا���س�� ِت��م��ا َع ام�����رِئٍ ل��� ُه ا�سـتـيق ُ‬ ‫ه����يَ ظَ ���مْ���ي���ا ُء وال��ـ��م��ـ��ظ��ـ��ا ِل��ـ�� ُم والإظْ ������ـ‬ ‫���ظ���راب���ي���نُ وال��حَ ��ن��اظِ ��ـ��بُ وال��ـ�� ُع��ـ�� ْن��ـ‬ ‫وال َّ‬ ‫��اظ‬ ‫ال ُم وال َّ���ظ��� ْل��� ُم وال ُّ��ظ�� َب��ى وال��ـ�� ّلَ��ـ��ح��ـ ُ‬ ‫������اظ‬ ‫ظُ ������بُ ث���ـ��� ّم ال���ـ���ظّ ���ـ��� ّي���انُ والأ ْرع������ـ ُ‬ ‫وال�� َع��ظ��ا وال��ظّ ��ل��ي�� ُم وال��ظ��ب��يُ والـ�شّ ـيْ‬ ‫الظبْـ‬ ‫وال�شناظِ يو ال�� َّد ْل��ظُ ��و ال��ظّ ���أ ُب��و َّ‬ ‫َّ‬ ‫��واظ‬ ‫ظَ ���� ُم وال���ظّ ��� ُّل وال�� ّل��ظ��ـ��ى وال��ـ�����شّ ��ـ ُ‬ ‫��اظ‬ ‫ظ���ا ُب���و ال���عُ���ن���ظُ ���وانُ وال��ـ��جِ ��ـ�� ْن��ـ��ع��ـ ُ‬ ‫ْ��ظ وال�� ّن��ظ��ـ�� ُم والـتـقـ‬ ‫وال�� ّت��ظَ �� ّن��ي وال�� ّل��ف ُ‬ ‫���ظ وال�� َق��ي ُ��ظ وال��ظّ ��م��ا والـ ّلَـم ُ‬ ‫ري ُ‬ ‫ـاظ وال�����شّ ��ن��اظ��ي��رُوال�� ّت��ع��ـ��اظُ ��ـ�� ُل وال��ـ�� ِع��ـ��ظْ ��ـ‬ ‫وال��حِ ��ظ��ا وال�� ّن��ظ��ي�� ُر وال��ظّ ��ئ�� ُر والـجـا‬ ‫���اظ‬ ‫لِ������ ُم وال��� َب���ظْ ���ـ��� ُر ب���ـ��� ْع���ـ��� ُد والإ ْن���ـ���ع���ـ ُ‬ ‫���اظ‬ ‫�����ظ وال���ـ��� ّن���ـ���اظِ ���ـ���رو َن والأ ْي���ق���ـ���ـ ُ‬ ‫حِ ُ‬ ‫ه���يَ ه���ذي � ِ��س��وى ال���� ّن����وا ِد ِر فاحـفَـظْ ـ‬ ‫والظلفُ والعظ ُم والظّ ـنـ‬ ‫والتّ�شظّ ي ِّ‬ ‫��اظ‬ ‫ه����ا ل�� َت�� ْق��ـ��ف��ـ��و �آث������ـ������ارَكَ ال��ـ��حُ ��ـ�� ّف��ـ ُ‬ ‫ـاظ‬ ‫وال�شظ ُ‬ ‫ب��وبُ وال َّ��ظ��هْ�� ُر وال�شّ ظا ِّ‬ ‫واق�ض في ما �صرّفتَ منها كما تقـ‬ ‫ِ‬ ‫والأظ����اف����ي���� ُر وال���م���ظَ ���ـ��� َّف���ـ��� ُر وال��ـ��م��ـ��حْ ��ـ‬ ‫���ض��ي�� ِه ف��ي �أ� ْ���ص��� ِل��� ِه ك��قَ�� ْي ٍ��ظ وق��ـ��اظ��ـ��وا‬ ‫���اظ‬ ‫ظ�����و ُر وال���ح���افِ���ظ���ـ���و َن والإحْ ���ـ���ف���ـ ُ‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪49‬‬


‫■ د‪ .‬هويدا �صالح ‪ -‬جامعة الطائف‬

‫‪ρ ρ‬اللغات المحك ّية هل تم ّثل تهديد ًا للف�صحى‬ ‫قد�س وحماية اللغة العربية‬ ‫الم ّ‬ ‫‪ρ ρ‬الن�ص ُ‬ ‫ث��ار الجدل طويال ح��ول اللغة العربية‪ ،‬و�أقيمت الفعاليات والم�ؤتمرات لدعوة‬ ‫العرب �إلى الحفاظ عليها‪ ،‬وتعالت الأ�صوات بدق ناقو�س الخطر والتحذير من �إعالن‬ ‫«وفاة اللغة العربية»‪ ،‬وخطر العاميات واللغات المحكية في البلدان العربية المختلفة‬ ‫عليها‪.‬‬ ‫والمتابع لهذا الملف ال�شائك يطرح على نف�سه ه��ذه الأ�سئلة‪ :‬هل العرب فعال‬ ‫مهددون ب�ضياع لغتهم رغم ارتباطها بالن�ص المقد�س؟ هل اللغة ترتبط بالهوية‬ ‫الثقافية لل�شعوب؟ هل العاميات المحلية خطر حقيقي يهدد اللغة الف�صحى؟ هل‬ ‫للأفكار الكولونيالية دور في �إع�لاء �ش�أن العاميات المحلية على ح�ساب الف�صحى‪،‬‬ ‫وبعد �سقوط الأفكار الكولونيالية‪ ،‬وظهور �أفكار ما بعد الكولونيالية؟‬ ‫�إن اللغة ف��ي �أي �أم��ة م��ن الأم��م تمثل‬ ‫بنيان وحدتها القومية‪ ،‬وو�سيلة للتجان�س‬ ‫القومي؛ لأن ا�ستخدام لغة واحدة ي�ؤدي �إلى‬ ‫وحدة ال��ر�أي وال�شعور‪ ،‬وانعكا�س �أنماطها‬ ‫على نمط تفكير �أ�صحابها‪ ،‬وا�شتمالها على‬ ‫ثمة بديهية ال تحتاج منا �إل ��ى جهد‬ ‫تاريخ الأم��ة‪ ،‬وثقافتها‪ ،‬و�أدب�ه��ا‪ ،‬وتراثها لإثباتها‪ ،‬وهي �أن اللغة العربية لغة القر�آن‬ ‫الفكري‪ .‬فكيف تتحقق ك��ل ه��ذه الأب�ع��اد الكريم‪ ،‬ولغة العقيدة ال�صحيحة‪ ،‬وهي‬ ‫�أو يحافظ عليها في ظل عمليات العولمة‬ ‫الثقافية واللغوية التي تتجاهل التنوعات‪،‬‬ ‫وت�سعى ج��اه��دة للتقريب بين الثقافات‬ ‫بتغليب النمط العربي للحياة؟‬

‫‪ 50‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫� �ص��ارت العربية لغة دي��ن وح���ض��ارة وكتب‬ ‫لها القبول وال� ��رواج‪ ،‬بحيث ب��د�أ يتناف�س في‬ ‫القيام على ن�شرها‪ ،‬والت�أليف بها علماء لي�سوا‬ ‫بال�ضرورة من �أ�صول عربية‪ ،‬بل هم من �أمم‬ ‫�شتى ولغات �شتى دخلوا في الإ�سالم‪ ،‬و�أوقفوا‬ ‫حيواتهم على خدمة العربية‪ ،‬وقد بذل علماء‬ ‫الأمة عبر القرون جهود ًا جبارة في خدمة هذه‬ ‫اللغة‪ ،‬وتركوا من بعدهم تراث ًا هائالً‪ ،‬يتمثل في‬ ‫�آالف الم�ؤلفات‪ ،‬تخدم القر�آن الكريم وال�سُّ نَّة‬ ‫النبوية في �شتى علومها وفنونها‪ ،‬ومنهم من‬ ‫كان في الأ�صل عجم ًا فعرّبه الإ�سالم حين عرّب‬ ‫ل�سانه‪ ..‬فتكلم وكتب و�صنف بلغة القر�آن من‬ ‫�أمثال الح�سن الب�صري‪ ،‬وابن �سيرين وعطاء‬ ‫و�سعيد ب��ن ج�ب�ي��ر‪ ،‬و�أب���ي حنيفة وال �ب �خ��اري‪،‬‬ ‫وم�سلم‪ ،‬و�أب��ي داود والترمذي والن�سائي وابن‬ ‫ماجة‪ ،‬و�سيبويه وغيرهم من الأئمة الأع�لام‪،‬‬ ‫وعباقرة الإ�سالم‪.‬‬ ‫�إن اللغة العربية وع��اء ثقافتنا‪ ،‬وع�ن��وان‬ ‫هويتنـا‪ ،‬والمحافظة عليها تع ّد محافظة على‬ ‫الذات والوجود‪ .‬وكان علماء الأمة في �صدرها‬ ‫الأول على وعي كامل ب�أثر اللغة في تكوين الأمة‪،‬‬ ‫وخطرها في بناء �شخ�صية الم�سلم؛ لذا حر�صوا‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫اللغة العربية‬ ‫وتحديات الع�صر‬

‫لغة فكر الأمة‪ ،‬وقد اختارها اهلل �سبحانه لهذا‬ ‫الدين لما فيها من طابع في التعبير والبيان‬ ‫والمرونة واالت�ساع‪ ،‬بحيث ا�ستطاعت �أن تحمل‬ ‫الر�سالة ال�سماوية‪ ،‬وتو�صيلها للنا�س في �أرجاء‬ ‫المعمورة‪« :‬م�أخذ الأحكام ال�شرعية كلّها من‬ ‫ال�صحابة‬ ‫الكتاب وال�سُّ نّة‪ ،‬وهي بلغة العرب من ّ‬ ‫والتابعين و�شرح م�شكالتها من لغاتهم‪ ،‬فال ب ّد‬ ‫من معرفة العلوم المتعلقة بهذا الل�سان لمن �أراد‬ ‫علم ال�شريعة»(‪.)1‬‬

‫حر�ص ًا �شديد ًا على المحافظة على لغة القر�آن‬ ‫وال�سُّ نّة‪« :‬تكمن الثورة في الدرا�سات اللغوية‬ ‫في القرن الع�شرين في الإقرار ب�أن اللغة لي�ست‬ ‫مجرد و�سيلة لتو�صيل الأفكار عن العالم‪ ،‬بل‬ ‫�أداة لجعل العالم موجود ًا في المقام الأول‪ ،‬لي�س‬ ‫الواقع بب�ساطة «معا�شاً» �أو «معكو�ساً» في اللغة‪،‬‬ ‫بل هو بالفعل محدَ ث بوا�سطة اللغة»(‪.)2‬‬ ‫واللغة �صورة حيّة لوجود الأمة في �أفكارها‬ ‫ومعانيها وحقائق نفو�سها‪ .‬ودقة التعبير اللغوي‬ ‫دليل على ق��وة ملكات الأم��ة ومواهبها‪ ،‬وعمق‬ ‫اللغة دليل على عمق روح الأم ��ة‪ ،‬وميلها �إل��ى‬ ‫التفكير والبحث في الأ�سباب والعلل‪ .‬و�إذا ما‬ ‫ا�ستعملت الأمة اللغة ا�ستعماال قويا‪ ،‬ف�أكثرت من‬ ‫الم�شتقات‪ ،‬وت�صرفت في المترادفات‪ ،‬ف�إن ذلك‬ ‫دليل حيّ على نزعة الحرية لديها وطموحها �إلى‬ ‫اال�ستقالل‪.‬‬ ‫وف��ي ال�ع���ص��ور الأول� ��ى ك ��ادت ال�ع��رب�ي��ة �أن‬ ‫تكون م��رادف� ًة للإ�سالم؛ فقد �س�أل �أب��و جعفر‬ ‫المن�صور –يوماً– مولىً له�شام بن عبدالملك‬ ‫(ت ‪132‬هـ) عن هويته؛ فقال المولى‪�« :‬إن كانت‬ ‫العربية ل�سان ًا فقد نطقنا بها‪ ،‬و�إن كانت دين ًا‬ ‫فقد دخلنا فيه»‪.‬‬ ‫وقد فر�ضت اللغة العربية ب�شكل عملي على‬ ‫ال�ب�لاد التي فتحها ال�ع��رب‪ ،‬حينما وج��د غير‬ ‫العربي نف�سه م�ضطرا لتعلم العربية للتعبد بها‬ ‫�أوال؛ لأنها لغة الن�ص المقد�س‪ ،‬ثم للتعامل مع‬ ‫ال�سلطة التي تحكمه‪ ،‬ولنا فيما حدث في م�صر‬ ‫م�ث�لٌ‪ ،‬فقد ق��اوم الم�صريون ‪ -‬رغ��م دخولهم‬ ‫الإ�سالم طواعية‪ ،‬لأنهم وجدوا فيه دينا �سمحا‬ ‫حقق لهم ال�ع��دال��ة و�أن�ق��ذه��م م��ن ظلم ال��روم‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪51‬‬


‫ظلت اللغة العربية في ق��وة وازده��ار طوال‬ ‫حكم الأم��وي��ي��ن والعبا�سيين‪ ،‬ول��ك��ن ب�سقوط‬ ‫بغداد على يد التتار‪ ،‬و�ضعف الواليات العربية‬ ‫وتفتتها‪ ،‬وتعاقب حكام غير عرب على حكمها‬ ‫و�صوال للعثمانيين‪ ،‬انحدر م�ستوى اللغة العربية‪،‬‬ ‫وبخا�صة �أن ال��دول��ة العثمانية حاولت تتريك‬ ‫الدواوين والتعليم‪ ،‬ون�شر التركية على ح�ساب‬ ‫العربية‪ ،‬وظلت اللغة العربية تعاني حتى جاء‬ ‫علماء و�أدب��اء نه�ضوا بها في �شتى المجاالت‪،‬‬ ‫و�أحيوها بعد �أن �أ�صابها الموات‪ ،‬ومن ه�ؤالء‬ ‫العلماء‪ :‬جمال الدين الأفغاني‪ ،‬ومحمد عبده‪،‬‬ ‫ورفاعة الطهطاوي‪ ،‬ومحمود �سامي البارودي‪،‬‬ ‫و�أحمد �شوقي‪ ،‬وغيرهم‪.‬‬

‫والأم��ة الحري�صة على لغتها الناه�ضة بها‬ ‫المت�سعة فيها‪ ..‬ه��ي الأم��ة التي لديها نزعة‬ ‫المقاومة والغلبة‪ ،‬و�أن �شعبها هو �سيد �أم��ره‪،‬‬ ‫يحقق وجوده‪ ،‬و�إذا �أهمل �شعب لغته‪ ،‬وتراخى في‬ ‫ا�ستعمالها‪ ،‬وترك اللغة العامية ت�سيطر عليها‪،‬‬ ‫و�آثر غيرها عليها‪ ..‬فهو �شعب ال يطيق �أن يحمل‬ ‫عظمة ميراثه‪ .‬وتعددت و�سائل الم�ستعمر الأوربي‬ ‫لتنفيذ مخططاته؛ فوجدنا في المغرب العربي‬ ‫محاوالت فرن�سا في الجزائر مثال �إلى محو هوية‬ ‫الجزائر الثقافية العربية‪ ،‬وفرن�سة التعليم لكي‬ ‫ت�صير الجزائر مجرد والية فرن�سية‪ ،‬ولن ين�سى‬ ‫التاريخ دور م�صر في م�ساعدة الجزائر ع�سكريا‬ ‫على مقاومة الم�ستعمر‪ ،‬وم�ساعدتها ثقافيا على‬ ‫مقاومة الفرن�سة ب�إر�سال المعلمين الم�صريين‬ ‫الذين �أ�سهموا في المحافظة على اللغة العربية‪،‬‬ ‫ومن ثم الهوية العربية للجزائر‪.‬‬

‫لكن ثمة خطب جديد تربّ�ص باللغة العربية‪،‬‬ ‫وه ��و اب �ت�لاء ال��وط��ن ال �ع��رب��ي بالم�ستعمرين‬ ‫الأوربيين الذي تقا�سموا البلدان العربية فيما‬ ‫بينهم؛ فجاء لهذا الوطن المحتل الإنجليزي‬ ‫والفرن�سي والإيطالي‪ ،‬و�صارت البلدان العربية‬ ‫مفتت ًة �إل ��ى �أق �ط��ار ودوي �ل�ات‪ ،‬و�أدرك الفكر‬ ‫الكولونيالي اال�ستعماري �أن الق�ضاء على هوية‬ ‫العرب‪ ،‬وتمزيقهم‪ ،‬والق�ضاء على مقاومتهم‬ ‫لهذا الفكر يكمن في الق�ضاء على لغتهم التي‬ ‫تمثل ع�صب الهوية الثقافية‪ .‬فحاول �أن يبعد‬ ‫‪ 52‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫والأم ��ر ك��ان مختلفا بالن�سبة لإنجلترا في‬ ‫م�صر‪ ،‬فا�ستعمارها لها لم يكن ا�ستعمارا ثقافيا‪،‬‬ ‫�صحيح �أن�ه��ا ح��اول��ت فر�ض اللغة الإنجليزية‬ ‫والتعليم بها‪ ،‬لكن مقاومة ال�شعب الم�صري‬ ‫المحتمي بالأزهر ال�شريف‪ ،‬جعل الم�صريين‬ ‫يرف�ضون ب�شكل قاطع كل خطوات الإنجليز �إلى‬ ‫تغييب الهوية العربية لم�صر‪ ،‬ومن ثم تغييب‬

‫ول�م��ا ف�شلت دع ��اوى كتابة اللغة بحروف‬ ‫التينية تبنّى اال�ستعمار دعوة �أخرى ال تقل عنها‬ ‫خطورة على اللغة العربية‪ ،‬وه��ي ال��دع��وة �إلى‬ ‫ا�ستخدام العامية بديال عن الف�صحى‪ ،‬وح�شد‬ ‫لها رج��ال��ه المدافعين ع��ن ال�ف�ك��رة‪ ،‬و��ص��ارت‬ ‫دعاوى الم�ست�شرقين فخا جديدا يحاك من �أجل‬ ‫النيل من اللغة العربية الف�صحى‪.‬‬ ‫و�� �ص ��ارت ال ��دع ��وة �إل� ��ى ال �ع��ام �ي��ة مرتبطة‬ ‫ب��اال� �س �ت �� �ش��راق‪� ،‬إذ‪�« :‬أ� �ص �ب �ح��ت م��ن �أه���داف‬ ‫الم�ست�شرقين الذين يريدون �ضرورة معار�ضة‬ ‫اللغة الف�صحى لغة القر�آن‪ ،‬وتقدم جماعة من‬ ‫الغربيين ما بين مهند�سين وق�ضاة للت�أليف‬ ‫بالعامية‪ ،‬وجمع ال�ت��راث المزيف حتى تنتقل‬ ‫الدعوة من الكالم عن اللهجة �إلى ما يطلق عليه‬ ‫لغة عامية في هذه المناطق قبل الإ�سالم» (‪.)3‬‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫ال��ذي��ن ك��ان��وا يحتلون م�صر ف��ي ع�صر دخ��ول‬ ‫العرب �إليها‪ -‬تعلُّمَ اللغة العربية ثالثمائة عام‪،‬‬ ‫وتم�سّ كوا بلغتهم القبطية التي كانت خليطا ما من‬ ‫اللغات الم�صرية القديمة واليونانية والرومانية‪،‬‬ ‫واعتبروا المحافظة على لغتهم القبطية نوعا‬ ‫من الحفاظ على هويتهم الم�صرية‪ ،‬لكنهم في‬ ‫النهاية ا�ضطروا �إلى تعلم العربية؛ لأنها كانت‬ ‫لغة الوالية الجديدة ولغة دواوينها‪.‬‬

‫ال�شعوب العربية عن لغتها العربية التي تمثل‬ ‫خ�صو�صيتها ال�ث�ق��اف�ي��ة‪ ،‬ف �ب��د�أ ب��ات�ه��ام اللغة‬ ‫بالق�صور والجمود‪ ،‬وعجزها عن مجاراة العلوم‬ ‫الحديثة وم�سايرة ركب الح�ضارة‪ .‬وللأ�سف‪،‬‬ ‫هناك من خدع ووق��ع بهذا الفخ عن جهالة �أو‬ ‫�سوء ق�صد‪ ،‬ف��ي االنتقا�ص م��ن ��ش��أن العربية‬ ‫والقول ب�صعوبتها وع�سر قواعدها و�أنّها م�ؤدّية‬ ‫�إلى التخلّف‪.‬‬

‫اللغة العربية‪ .‬عندها عمد الإنجليز �إلى الدعوة‬ ‫�إل��ى لغة �أخ��رى في م�صر‪ ،‬بغية تعميمها على‬ ‫البالد العربية الم�ستعمرة من قبلهم‪ ،‬تكتب هذه‬ ‫اللغة بحروف التينية‪ ،‬لكن الأمر وجد مقاومة‬ ‫�شر�سة من المفكرين الم�صريين �ضد الإدّعاء‬ ‫الملفّق ب�أف�ضلية ا�ستعمال الحرف الالتيني في‬ ‫كتابة اللغة العربية‪ ،‬على غ��رار ما ح�صل في‬ ‫كتابة اللغة التركية‪� ،‬إذ ال وجه لمقارنة اللغة‬ ‫التركية بلغة القر�آن التي هي لغة ت�سعمائة مليون‬ ‫م�سلم‪ .‬ثم �إنّ االحتجاج بتي�سير الحرف الالتيني‬ ‫الن�ص العربي مناق�ض للحقيقة‪..‬‬ ‫في ق��راءة ّ‬ ‫لعدم احتواء الحروف الالتينية على الكثير من‬ ‫�أ�صوات الحروف العربية‪.‬‬

‫الأم��م �إال بال�سيطرة على لغتها‪ ،‬ف�أ�ضحت لغة‬ ‫الأمم هي الهدف الأول للم�ستعمرين‪ ،‬فلن يتحول‬ ‫ال�شعب �إال بتحوّل لغته‪ ،‬فمن�ش�أ التحول من �أفكاره‬ ‫وعواطفه و�آماله‪ ،‬ف�إذا انقطع ال�شعب من ن�سب‬ ‫لغته انقطع من ن�سب ما�ضيه‪ ،‬ورجعت قوميته‬ ‫�صورة محفوظة في التاريخ ال �صورة محققة في‬ ‫وج��وده‪ .‬وذلة الأمة في تركها لغتها‪ ،‬ومن هنا‪،‬‬ ‫يفر�ض الأجنبي الم�ستعمر لغته فر�ضا على الأمة‬ ‫الم�ستعمرة‪ ،‬فهو ‪ -‬كما يقول م�صطفى �صادق‬ ‫الرافعي ‪ -‬يحكم عليهم �أحكاما ثالثة في عمل‬ ‫واحد‪ ،‬الأول حب�س لغتهم في لغته �سجنا م�ؤبدا‪،‬‬ ‫والثاني الحكم على ما�ضيهم بالقتل محوا‪،‬‬ ‫ون�سيانا‪ ،‬والثالث تقييد م�ستقبلهم في الأغالل‬ ‫التي ي�صنعها‪ ،‬ف�أمرهم من بعدها لأمره‪.‬‬ ‫والغريب �أننا وجدنا مَ ن انخدع بهذه الأفكار‪،‬‬ ‫و�أع �ج��ب بلغة الم�ستعمر‪ ،‬وم��ن الطبيعي �أن‬ ‫ينحازوا �إلى �أهل اللغة التي �أعجبتهم‪ ،‬و�شعروا‬ ‫بالدونية والنق�ص تجاه هويتهم الثقافية التي‬ ‫تمثلها لغتهم العربية‪ ،‬بل وخجلوا من قوميتهم‪،‬‬ ‫وت�ب��ر�ؤوا من �سلفهم‪ ،‬وان�سلخوا من تاريخهم‪،‬‬ ‫وزُرعت في نفو�سهم الكراهية للغتهم و�آدابها‪،‬‬ ‫ولقومهم و�أ�شياء قومهم‪.‬‬

‫وا�ست�شرت هذه الدعوات المغر�ضة ا�ست�شراء‬ ‫ال �ن��ار ف��ي اله�شيم‪ ،‬و� �ص��ار بع�ضهم ي ��ردّد �أن‬ ‫العامية هي اللغة الحيّة الم�شهورة بين النا�س‪،‬‬ ‫و�أن الف�صحى لغة ميّتة مهجورة‪ ،‬و�أنّ حروفها ال‬ ‫تكفي‪ ،‬ما �أدى �إلى غربة ه�ؤالء لي�س عن وطنهم‬ ‫وقوميتهم فقط‪ ،‬بل عن ذواتهم؛ فاللغة كما هي‬ ‫وعاء التفكير‪ ،‬كذلك لها قوة ال�سحر الذي يجعل‬ ‫�إذاً‪ ،‬لغة الأمم الم�ستعمرة تكون الهدف له�ؤالء الإن�سان يتماهى في وج��وده الموجود بالفعل‬ ‫الم�ستعمرين‪ ،‬ليقينهم �أنه ال بقاء لهم بين هذه ولي�س بالقوة‪� .‬إذاً‪ ،‬مَ ن يدعو لهجران لغته �سوف‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪53‬‬


‫وق��د ق��دم حافظ �إبراهيم لديوانه بمقدمة‬ ‫تحدّث فيها عن �أهمية الحفاظ على العربية‪،‬‬ ‫ويف�ضح فيها دعاة هدمها‪� ،‬إذ يقول‪« :‬وما �أحرى‬ ‫�أه��ل ب�لادن��ا �أن ين�شطوا م��ن عقالهم طالبين‬ ‫التحرر من رقّ لغة �صعبة المرا�س قد ا�ستنزفت‬ ‫�أوقاتهم‪ ،‬وقُوى عقولهم الثمينة‪ ،‬وهي مع ذلك‬ ‫ال تواليهم نفعا‪ ،‬بل �أ�صبحت ثقال ي�ؤخرهم عن‬ ‫الجري في م�ضمار التمدّن وحاجزا ي�صدهم‬ ‫عن النجاح‪ .‬ولي �أمل �أن �أرى الجرائد العربية‬ ‫ق��د غ� ّي��رت لغتها‪ ،‬وب��الأخ����ص ج��ري��دة الهالل‬ ‫الغراء التي هي في مقدمتها‪ ،‬وهذا �أعده �أعظم‬ ‫خطوة نحو النجاح‪ ،‬وه��و غاية �أملي‪ ،‬ومنتهى‬ ‫رجائي» (‪.)5‬‬ ‫وت�صدى الرافعي لهذه الحملة‪ ،‬وبيَّن للنا�س‬ ‫جميعا في مختلف البالد العربية والإ�سالمية‬ ‫�أن‪ « :‬تلك الخدعة ال ينبغي �أن تنطلي عليهم‪ ،‬لأن‬ ‫اال�ستعمار و�أذنابه يحاولون هدم اللغة العربية‪،‬‬ ‫وتقوي�ض �أركانها‪ ،‬و�إحداث هوّة �سحيقة بين الأمة‬ ‫العربية والقر�آن الكريم الذي نزل بل�سان عربي‬ ‫مبين «هو الكاتب الإ�سالمي العظيم م�صطفى‬ ‫�صادق الرافعي»‪ ،‬الذي لم ي�أل جهدا في بيان ما‬ ‫تنطوي عليه هذه الدعوة‪ ،‬ولم يقت�صر جهده في‬ ‫ذلك على النثر‪ ،‬بل قال في ذلك �شعرا» (‪.)6‬‬ ‫و�أمّا الدعوة �إلى �إحالل اللهجات العامية مح ّل‬ ‫‪ 54‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫اللغة العربية وتحديات ع�صر ما بعد‬ ‫اال�ستعمار‬ ‫ول��م ي ��أت عقد ال�ستينيات �إال وق��د تخل�ص‬ ‫معظم البالد العربية من اال�ستعمار‪ ،‬با�ستثناء‬ ‫الجزائر التي ت�أخر رحيل اال�ستعمار عنها عن‬ ‫بقية الدول العربية‪ .‬وبرحيله انتبه العرب �إلى‬ ‫فكرة �أن اللغة العربية التي قاوموها من �أجل‬ ‫الحفاظ عليها هي هويتهم الثقافية‪ ،‬ومعادل‬ ‫وجودهم‪ ،‬ووع��اء تفكيرهم‪ ،‬لذا بذلت الجهود‬ ‫في �شتى المجاالت التي تتعامل مع اللغة‪ ،‬والتي‬ ‫ت�شكل وعي المواطن وانتمائه من �أجل النهو�ض‬ ‫باللغة العربية‪.‬‬ ‫ك��ان لو�سائل الإع�ل�ام الحديثة م��ن �إذاع��ة‬ ‫م�سموعة ومرئية ب��داي��ة م��ن ال�ستينيات‪� -‬إذ‬ ‫دخ��ل �أول تلفزيون لبلد عربي ف��ي م�صر في‬ ‫هذه الفترة‪� -‬أكبر الأثر في ن�شر اللغة العربية‬ ‫الف�صحى‪ ،‬واالرتفاع بم�ستويات اللهجات العامية‬ ‫وتقريبها من م�ستواها‪ ،‬ما زاد من توثيق الو�شائج‬ ‫بين �أب�ن��اء الأم��ة؛ �إذ �صارت لهم لغة واح��دة‪،‬‬ ‫وق� ّرب��ت الم�سافات بين ه��ذه اللغة واللهجات‬ ‫المحلية‪ ،‬ما �ساعد على تقوية لغة التفاهم بين‬ ‫�شعوبها‪ .‬ولم يقت�صر الأمر على الو�سائل المرئية‬ ‫�أو الم�سموعة‪ ،‬فقد كان لل�صحف دور في دعم‬

‫كذلك بعد تحرر البالد العربية من هيمنة‬ ‫اال��س�ت�ع�م��ار الق��ت ح��رك��ة الن�شر ال �ت��ي تتبنى‬ ‫م�شاريع الت�أليف �أو الترجمة اهتماما كبيرا‪ ،‬ما‬ ‫�ساعد بال�ضرورة على االهتمام بالف�صحى التي‬ ‫�أ�صبحت من �أه��مّ الو�سائل التي دعمت ن�شر‬ ‫الثقافة العامة وال��وع��ي ب�ضرورة �إي�ج��اد �إط��ار‬ ‫ثقافي واحد �سمّي بـ«الثقافة العربية»‪ ،‬وكانت‬ ‫الف�صحى و�سيلته الأولى‪ ،‬ما �ساعد على توحيد‬ ‫�شعوب هذه الأمة‪.‬‬ ‫�إنّ ال�شعب ال�ع��رب��ي وال�شعوب الإ�سالمية‬ ‫�أجمع تتعرّ�ض اليوم �إل��ى ا�ستعمار جديد‪ ،‬هو‬ ‫في كثير من جوانبه �أب�شع و�أفظع من اال�ستعمار‬ ‫الراديكالي القديم‪� ،‬إن��ه اال�ستعمار الثقافي‬ ‫ال��ذي تقف خلفه �أف�ك��ار ال�صهيونية العالمية‬ ‫التي ترى في قوة العرب واتحادهم‪ ،‬وما تمثله‬ ‫لغتهم من م�شترك ثقافي قوي وموحد للأمة‪،‬‬ ‫ت��رى في ه��ذه القوة وه��ذا التوحّ د خطرا على‬ ‫الكيان ال�صهيوني؛ فنحن �أمام غزو ثقافي وبيل‪،‬‬ ‫وهجمة ا�ستعمارية �شر�سة ت�شنّها ال�صهيونية‬ ‫على ك ّل ما هو عربي وك ّل ما هو �إ�سالمي‪ .‬ولي�س‬ ‫في يد ال�صهيونية اليوم �سالح �أم�ضى من تفتيت‬ ‫عرى اللغة العربية‪ ،‬لغة القر�آن‪ ،‬وجامعة كلمة‬ ‫العرب والم�سلمين وموحّ دة فكرهم وثقافتهم؛‬ ‫فما �أحرانا باليقظة وتوحيد الكلمة لدحر هذه‬ ‫الحملة العدوانية ال�شرّيرة‪ ،‬ودرء هذا الخطر‬ ‫الجاثم‪.‬‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫يبتعد عن وطنه وهو مقيم فيه‪ .‬وقد و�صل الأمر‬ ‫�إل��ى �أن‪�« :‬أ َّل��ف �أح��د ق�ضاة محكمة اال�ستئناف‬ ‫في م�صر من الإنجليز‪ ،‬وهو (القا�ضي ولمور)‪،‬‬ ‫كتابا �أ�سماه (لغة ال�ق��اه��رة)‪ ،‬وو�ضع لها فيه‬ ‫قواعد‪ ،‬واقترح اتخاذها لغة للعمل والأدب‪ ،‬كما‬ ‫اقترح كتابتها بالحروف الالتينية» (‪.)4‬‬

‫العربية الف�صيحة فهي ال تختلف عن الدعوة �إلى‬ ‫اللغات الأجنبية في �أنها ال تتوخّ ى �سوى النيل من‬ ‫لغة القر�آن‪ ،‬وتفتيت الروابط وقطع العالئق بين‬ ‫�أقطار هذه الأمة‪ ،‬واجتثاث ال�صلة بين حا�ضرها‬ ‫وما�ضيها؛ فاللهجات العامية تختلف‪ ،‬ال من قطر‬ ‫لآخر فح�سب‪ ،‬بل حتى في �أجزاء القطر الواحد‪،‬‬ ‫وفي �أرجاء المدينة الواحدة في بع�ض الأحيان‪.‬‬

‫ت ��داول الف�صحى‪ ،‬م��ا �ساعدها على مقاومة‬ ‫الل�سان المحكي �أو اللغات المحلية‪.‬‬

‫بع�ضهم �أن اللغة العربية لي�ست لغة �صالحة للعلم؟‬ ‫ويمكن لنا �أن ننظر بنظرة مو�ضوعية تجاه هذه‬ ‫الق�ضية‪ ،‬فال ت�أخذنا ال�شوفينية‪ ،‬وعبادة الذات‬ ‫ون�شعر ب�أن العالم ي�ضطهدنا ويت�آمر �ضدنا طوال‬ ‫الوقت‪ .‬الحقيقة هناك جزء من هذا الإخفاق‬ ‫الكبير ال��ذي يعانيه ال��وط��ن العربي ف��ي �شتى‬ ‫المجاالت‪ ،‬يعود للعرب �أنف�سهم الذين توقّفوا‬ ‫من زمن بعيد عن �إنتاج العلم‪ ،‬و�سنظل في ذيل‬ ‫الأم��م طالما ن�ستمر ف��ي ا�ستهالك م��ا ينتجه‬ ‫العالم من معارف وعلوم‪ ،‬وطالما ال ن�سهم في‬ ‫م�سيرة الإن�سانية ب�إنتاج العلم‪ .‬اللغة الإنجليزية‬ ‫هي لغة العلم‪ ،‬لأن علماءها ينتجون العلوم وال‬ ‫يعي�شون عالة على المجتمع الإن�ساني‪ .‬والعيب‬ ‫لي�س في اللغة العربية‪ ،‬كما �أن الميزة لي�ست‬ ‫في اللغة الإنجليزية‪� .‬أنتجوا العلم و�أ�سهموا في‬ ‫م�سيرة الإن�سانية بمعارف‪ ،‬ت�سيّدون لغتكم على‬ ‫بقية اللغات‪ ،‬فاللغة تقوى بقوة �أهلها وريادتهم‬ ‫وفرادتهم‪ ،‬وت�ضعف ب�ضعفهم‪.‬‬ ‫ازدواجية اللغة‪ ،‬ازدواجية الوعي‬

‫لعل من معوقات دور العربية في تعزيز الذات‬ ‫االزدواج �ي � َة اللغوية التي نحياها‪ ،‬والمفارقة‬ ‫العجيبة �أننا نتكلم ما ال نتعلم‪ ،‬ونتعلم ما ال‬ ‫نتكلم؛ فالطفل العربي يتحدث العامية‪ ،‬ويفكر‬ ‫بها‪ ،‬لكنه يتعلم العربية‪ .‬لن نتخل�ص من هذه‬ ‫االزدواجية اللغوية التي ت�سبب ازدواجية الوعي‬ ‫والفكر �إال �إذا تخل�صنا من هذه الم�شكلة‪� .‬إن‬ ‫الف�صحى هي اللغة المتعلَّمة‪ ،‬وثمّ فرق بين ما‬ ‫هو مكت�سب ومتعلم؛ ومن هنا‪ ،‬تتخلق االزدواجية‬ ‫ولي�س �أقوى من �أمة تلتفت �إلى العلم ليكون التي هي حالة لغوية تتمثل في وج��ود لهجات‬ ‫�سبيلها للنهو�ض‪ .‬ويت�ساءل بع�ضهم‪ :‬لماذا يعد محكية �إل��ى جانب م�ستوى رفيع‪ ،‬تنحرف عنه‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪55‬‬


‫لكن ما الذي يقوّي هذه االزدواجية اللغوية‬ ‫ويعزّزها؟‬

‫و�أخيرا �أ�ستطيع القول ب�أن‬

‫‪1‬ـ ال م�صداقية لمقولة �أن العربية ال ت�صلح‬ ‫�إن �أ���س��ال��ي��ب التعليم العربية ونظمه هي‬ ‫للغة العلم‪.‬‬ ‫التي تت�سبب ف��ي ه��ذه الم�شكلة‪ ،‬فالمعلم في‬ ‫قاعة الدر�س يتحدث بالعاميّة حين يفرغ من ‪2‬ـ ا�ستخدام اللغات الأجنبية المتعددة في‬ ‫در�سه‪ ،‬هذا �إن تحدث بها �أثناء التدري�س؛ ما‬ ‫مجاالت التعليم يمثل عائقا �أمام �إجادة‬ ‫يجعل طالبه ال يقدّرون كثيرا الف�صحى التي‬ ‫العربية في بالدها‪.‬‬ ‫يدر�سونها‪ .‬لذا فالتعليم هو المرحلة الأول��ى‪،‬‬ ‫‪3‬ـ ت��ع��ري��ب ال��ع��ل��وم‪ ،‬ك��م��ا ف��ع��ل��ت ���س��وري��ة في‬ ‫وبخا�صة التعليم االبتدائي‪.‬‬

‫تعريب الريا�ضيات والفيزياء والطب‬ ‫وغ��ي��ره��ا م���ن ال��ع��ل��وم‪ ،‬ق����وّى م���ن اللغة‬ ‫العربية‪ ،‬وعلى الدول العربية �أن تحذو‬ ‫حذوها‪.‬‬

‫كذلك يمثل ا�ستعمال المفردات الأجنبية في‬ ‫ت�سمية المحالت وال�شوارع وال�شركات تكري�سا‬ ‫لهذه االزدواج�ي��ة‪ ،‬بل وال�سماح لوجود العمالة‬ ‫الأجنبية في بيوت بع�ض الدول العربية و�شركاتها‬ ‫ومحالتها تكري�س لالزدواجية �أي�ضاً‪ ،‬بل وي�صل‬ ‫الأم��ر �إل��ى �أن العرب في تلك البلدان يجدون ‪4‬ـ ال��ح�� ّد م��ن التعليم ال��خ��ا���ص ف��ي بلداننا‬ ‫ال��ع��رب��ي��ة لأن�����ه ي���ح���دث ان��ق�����س��ام��ات في‬ ‫�أنف�سهم �إما مطالبين بالحديث �إلى هذه العمالة‬ ‫الأجنبية باللغة الإنجليزية �أو بلغة تلك العمالة‪،‬‬ ‫ال��ه��وي��ة ال��ث��ق��اف��ي��ة لأب���ن���اء المجتمعات‬ ‫فالعربي حين يذهب �إلى فندق داخل بلد عربي‪،‬‬ ‫العربية‪.‬‬ ‫وي�ص ُّر عمال وموظفو الفندق �أن يتحدث �إليهم‬ ‫العربي �إما بالإنجليزية �أو الهندية مثال‪ ..‬ف�إالم ‪ .5‬ا���س��ت��خ��دام الأ����س���ات���ذة وال����ط��ل�اب للغة‬ ‫الف�صحى في قاعات الدر�س يُعد ركيزة‬ ‫ي�شير هذا الإ�صرار؟ هل يكون العربي في بلده‬ ‫م�ضطرا �إلى تعلم لغة عمالته الوافدة؟ وال يلزم‬ ‫�أ�سا�سية في تقويتها‪.‬‬

‫(‪ )1‬ابن خلدون‪.‬‬ ‫(‪ )3‬انظر‪ R. Lewin: In the Age of Mankind. New York: Smithsonian Institution, 1988, p. 80 :‬عن‪ :‬تيرني�س‬ ‫ماكينا‪ :‬طعام الآلهة (البحث عن �شجرة المعرفة الحقيقية)‪ ،‬ترجمة‪� :‬سمية فلو عبود‪ .‬د‪ .‬م‪ ،.‬تالة للطباعة‬ ‫والن�شر‪2005 ،‬م‪� ،‬ص ‪.22‬‬ ‫(‪� )3‬أنور الجندي الف�صحى لغة القر�آن‪� ،.‬ص ‪.127 – 126‬‬ ‫(‪ )4‬محمد محمد ح�سين‪ ،‬االتجاهات الوطنية في الأدب المعا�صر‪ ،،‬مكتبة م�صر ومطبعتها‪1980 ،‬م �ص ‪.343‬‬ ‫(‪ )5‬حافظ �إبراهيم‪ ،‬ديوان حافظ �إبراهيم‪.‬‬ ‫(‪ )6‬محمد كامل الرافعي �شرح ديوان الرافعي‪ ،‬مكتبة الإيمان بالمن�صورة‪ ،‬م�صر‪.‬‬ ‫‪ 56‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫حرف ال�ضاد‪..‬‬ ‫بين الخلط والتغيير‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫بدرجات ومقادير‪.‬‬

‫العربي العمالة الوافدة على تعلم العربية؟!‬

‫■ غازي خريان امللحم ‪� -‬سوريا‬

‫ي�أتي ال�ضاد في المرتبة الخام�سة ع�شر في منظومة ح��روف الهجاء العربية‪ ،‬وهو حرف‬ ‫ال ال بد ًال وال زائداً ح�سب �آراء الكثيرين من علماء اللغة‪ ،‬وهو للعرب‬ ‫م�شهور يحل في الكلمة �أ�ص ً‬ ‫من دون �سواهم من الأمم‪ ،‬العتقادهم �أن العربية هي الوحيدة التي تحتوي على هذا ال�صوت‬ ‫في �أبجديتها‪ ،‬ويبدو �أن ال�ضاد كان ع َِ�صيَّ النطق على �أهل البالد التي فتحت من قبل العرب‪،‬‬ ‫وكذلك الحال بالن�سبة لقلة من القبائل العربية في �شبه الجزيرة العربية؛ وهذا يف�سر لنا تلك‬ ‫الت�سمية القديمة‪«:‬لغة ال�ضاد»‪.‬‬

‫ويبدو �أن هذه اللفظة ترجع �إلى القرن الرابع ب�����������اع�����������ث ال���������ن���������ب���������ي ال�����������ه�����������ادي‬ ‫الهجري‪ ،‬فقد �شاعت وذاع��ت حينئذ للتمييز‬ ‫م�����ف�����ح�����م�����اً ب�����ال�����ل�����������س�����ان ال�����������ض�����اد‬

‫بين العرب وغيرهم من الأعاجم‪ .‬وكان هذا في‬

‫بغداد‪ ،‬ثم انتقلت �إلى البالد العربية الأخرى‪ .‬ك��������������ل م�����������������������������ض��������������ادّي‪ ،‬م�����ح�����م�����د‬ ‫خ������ي������ر م���������ن ح�����������ض�����ر ال���������ن���������وادي‬ ‫ومع مرور الأيام‪� ،‬أ�صبحت من البدهيات الم�سلّم‬

‫بها‪ ،‬من غير التفكير في �أ�صلها وف�صلها‪ ،‬ومن‬ ‫دون االهتداء لمعرفة مَ ن �أطلق هذه ال�صفة على‬ ‫اللغة العربية �أول مرة‪.‬‬ ‫وي �ج��زم ال �ف �ي��روز�آب��ادي ف��ي م�ق��دم��ة كتابه‬ ‫«القامو�س المحيط» بقوله‪� :‬إن ال�ضاد حرف‬ ‫العرب خا�صة‪ ،‬وال يمكن لأي ل�سان �أن ي�ضارعهم‬ ‫في لفظه‪ ،‬و�أن�شد‪:‬‬

‫وف��ي الع�صر ال�ح��دي��ث‪ ،‬ت �ع �زّز ه��ذا االعتقاد‬ ‫بالن�سبة للناطقين بالعربية‪� ،‬إذ نجد الكثير من‬ ‫�شعرائهم يدبج المقطوعات التي ت�شيد بلغة ال�ضاد‬ ‫وت�ج� ّل �أ�صحابها‪ ،‬وم��ن ه ��ؤالء ال�شاعر ال�سوري‪:‬‬ ‫فخري البارودي‪ ,‬الذي نظم ق�صيدة بهذا المو�ضوع‬ ‫لطالما رددن��ا مفرداتها ونحن لم ن��زل في ميعة‬ ‫ال�صبا وزهوة العمر‪� ،‬إبان المرحلة االبتدائية‪:‬‬

‫ب��������ل��������اد ال�������������ع�������������رب �أوط�������������ان�������������ي‬ ‫ال�����ح�����م�����د هلل م����ن����ط����ق ال����ب����ل����غ����اء‬ ‫ب��������ال��������ل��������غ��������ى ف�������������ي ال�������������ب�������������وادي‬ ‫م��������������ن ال�����������������������ش�����������ام ل����������ب����������غ����������دانِ‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪57‬‬


‫وم�������������������ن ن����������ج����������د �إل�����������������������ى ي�����م�����ن‬ ‫�إل�����������������������ى م�����������������ص��������ر ف���������ت���������ط���������وانِ ‪ -‬خلو جذر اللغات الأخ��رى من غير العربية‪،‬‬ ‫على �صوت ال�ضاد‪.‬‬ ‫ل���������������س�������ان ال�������������������ض���������اد ي����ج����م����ع����ن����ا‬ ‫ب�������������غ���������������������������س�������������ان وع������������������دن������������������ان ‪ -‬عجز الناطقين بغير العربية ع��ن �إي�ج��اد‬ ‫وك��ان العالمة اللبناني بطر�س الب�ستاني‬ ‫ي �ق��ول‪« :‬ف���ص��وت ال���ض��اد بفخامته ون�ضارته‬ ‫وغنته‪� ،‬إنما هو �أوحى �أ�صوات الحروف الهجائية‬ ‫قاطبة‪ ،‬فتح�س معه بم�شاعر ال�شهامة‪ ،‬والمروءة‬ ‫وال�شمم‪ ،‬وال �أدل على ذل��ك من �أن الأ��ص��وات‬ ‫الغنائية التي تعتمد في غنتها على التجويف‬ ‫الأنفي‪ ،‬والتي ينفرد بها حرف ال�ضاد دون �سواه‬ ‫من ال�ح��روف‪� ,‬إنما هي �أ�شد �أ��ص��وات الطرب‬ ‫�إثارة لم�شاعر النخوة والرجولة وتنبيه العواطف‬ ‫النبيلة و�إيقاظ الهمم الجليلة»‪.‬‬ ‫��رف هذه حاله‪ ،‬ي�ستحق في نظر العربي‬ ‫وح ٌ‬ ‫�أن يحمل ل�سانه م�شقة لفظه‪ ،‬وتو�سم العربية‬ ‫بو�سمه‪ ،‬وقديما قال المتنبي مفتخراً‪:‬‬

‫ال���ص��وت ال�ب��دي��ل ال��ذي يغنيهم ع��ن �صوت‬ ‫ال�ضاد في لغتهم‪.‬‬ ‫وت�ف�ي��د بع�ض ال��درا� �س��ات ال�ل�غ��وي��ة �أن ه��ذا‬ ‫اال�صطالح لم يكن قديم ًا ق��دم اللغة العربية‬ ‫ذات �ه��ا‪ ،‬ول��م ي�ك��ن م �ع��روف � ًا ت�م��ام ال�م�ع��رف��ة في‬ ‫الجاهلية وال في �صدر الإ� �س�لام‪ ،‬على الرغم‬ ‫من ت��داول��ه الم�ضمر في �سياق كالمهم‪ ،‬فهم‬ ‫يمار�سونه في ال�سليقة وال يح�سّ ون به العتيادهم‬ ‫عفوي ًا على نطقه‪� ،‬إال �أن التنبيه �إلى قيمته لم‬ ‫تبرز وتت�ضح �إال عندما ت�ع�رَّب بع�ض العجم‪،‬‬ ‫وعج ُز ل�سان ه��ذه الأف ��واج الجديدة والطارئة‬ ‫على اللغة العربية التلفظ به‪ ،‬وك�أن ال�شاعر كان‬ ‫يق�صد هذه الحالة تحديداً‪ ،‬حينما قال‪:‬‬

‫������ض�����دان ل����م����ا ا����س���ت���ج���م���ع���ا ح�������س���ن���اً‬ ‫ال بعمومتي �شرفت ب��ل ���ش��رف��وا بي‬ ‫وال���������ض����د ي���ظ���ه���ر ح�������س���ن���ه ال�������ض���د‬ ‫وب���ن���ف�������س���ي ف�����خ�����رت ال ب�����ج�����دودي‬ ‫وب��ه��م ف��خ��ر ك���ل م���ن ن��ط��ق ب��ال�����ض��اد‬ ‫وغ�������ل ال����ج����ان����ي وغ��������وث ال���ط���ري���د‬ ‫والمتنبي ال يق�صد هنا بال�ضاد اللغة العربية‬ ‫ب�شكل عام‪ ،‬و�إنما حرف ال�ضاد بالذات بو�صفه‬ ‫فخر لكل عربي‪ ،‬لأن ال�ضاد كما يقول لم ينطق‬ ‫بها �أحد ال من قبل وال من بعد‪� ،‬إال العرب‪ .‬وي�ؤيد‬ ‫هذا الر�أي ال�شيخ نا�صيف اليازجي‪ ،‬بقوله‪ :‬لم‬ ‫يثبت �أن ال�ضاد نطق بها غير العرب‪ ،‬وذلك لعدة‬ ‫�أ�سباب �أهمها‪:‬‬ ‫ �صعوبة نطق حرف ال�ضاد لدى غير العرب‪،‬‬‫بل وبالن�سبة لبع�ض الفئات العربية كالح�ضر‪،‬‬ ‫‪ 58‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫وانطالقا م��ن هنا ب��د�أ علماء اللغة يولون‬ ‫هذا الحرف االهتمام الذي ي�ستحقه‪ ،‬كحرف‬ ‫متفرّد بخ�صو�صية لفظه وع�ن��وه بالدرا�سات‬ ‫الم�ستفي�ضة‪ ،‬التي يحفل بحملها العديد من‬ ‫المجلدات العربية‪ .‬ولعل �أقدم الن�صو�ص التي‬ ‫و�صلتنا بهذا ال�صدد‪ ،‬ما روي عن النبي �صلى‬ ‫اهلل عليه و�سلم‪�« :‬أنا �أف�صح من نطق بال�ضاد‪،‬‬ ‫بيد �أني من قري�ش»‪.‬‬ ‫و�إذا �صح ه��ذا الحديث القت�ضى ذل��ك �أن‬ ‫النطق بال�ضاد القديمة �صفة تميز بها الل�سان‬ ‫العربي �أيام النبي �صلى اهلل عليه و�سلم‪ ،‬ومنذ‬ ‫ذلك الحين �أو قبله بقليل �أ�صبح من المعهود‬

‫ح��������������رف ال�������������������ض���������اد ل�����������ه ع������ي������ون‬ ‫ح�����������������ارت ب������و�������ص������ف������ه ال������ظ������ن������ون‬ ‫ع��������ج��������زت ال������ع������ج������م ع���������ن ن���ط���ق���ه‬ ‫ب������غ������ي������ر ال�������ع�������رب�������ي�������ة ال ي�����ك�����ون‬ ‫لغة ال�ضاد �أم الظاء؟‬ ‫لقد �شاع كما قدمنا نعت الل�سان العربي ب�أنه لغة‬ ‫ال�ضاد‪ ،‬فهل هذه ال�سمة �صحيحة؟ وهل العربية‬ ‫لغة ال�ضاد حق ًا وفعالً؟ �أم �أن ثمة �صوت �أخر‬ ‫يزاحم ال�ضاد على هذه المكانة التي تبو�أها منذ‬ ‫عرفت العربية طريقها �إلى الأل�سن‪� ،‬أم ماذا؟‬ ‫�أثناء بحثي عن عالقة ال�ضاد ببع�ض حروف‬ ‫الأبجدية الأخ��رى‪ ،‬وج��دت �أن ه��ذه اللغة تعود‬ ‫بجذرها الأول �إلى اللغة ال�سامية‪ ،‬التي معظم‬ ‫فروعها اللغوية ت�شتمل على اثنين وع�شرين حرف ًا‬ ‫�صامت ًا ممثلة كتابياً‪ ،‬جمعت بالكلمات التالية‪:‬‬ ‫«�أب�ج��د ه��وز حطي كلمن �سعف�ص قر�شت»‪،‬‬ ‫وب�إ�ضافة الروافد ال�ستة التي هي‪« :‬ثخذ �ضظغ»‪.‬‬ ‫ت�صبح ثمانية وع�شرين حرفا‪ ،‬وهو ما اتفق عليه‬ ‫العرب‪ .‬ومعناها ن�سق الحروف العربية ومعاني‬ ‫الأبجدية‪ ،‬ثم �أع��اد العرب ترتيبها �إذ �أعجموا‬ ‫بع�ضها‪� ،‬أي و�ضعوا فوقها النقاط‪ ،‬وجعلوها على‬ ‫الوجه التالي وهو الترتيب الهجائي‪� ،‬أو الألف‬ ‫بائي المتداول حالياً‪�« :‬أ ب ت ث‪� ...‬إلخ»‪.‬‬ ‫وه��ذا التو�ضيب هو الم�أخوذ به في ترتيب‬ ‫المواد اللغوية في المعاجم العربية‪ ،‬عدا تلك‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫وهم �سكان المدن والقرى والأرياف‪.‬‬

‫والمقبول �أن تحمل اللغة العربية لقب ًا يطلق عليها‬ ‫هو «لغة ال�ضاد»‪ .‬ذلك �أن العجم وثل ًة من العرب‬ ‫كما �أ�سلفنا في �سياق هذا البحث‪ ،‬يخلطون بين‬ ‫ال�ضاد والظاء في النطق‪ ،‬ما حدا بالأ�صمعي �إلى‬ ‫القول‪ :‬لي�س للروم والفر�س والترك �ضاد‪ .‬و�أن�شد‬ ‫غيره‪:‬‬

‫التي ت�أخذ بو�ضع المواد اللغوية بح�سب مخارج‬ ‫ال�ح��روف الأبجدية التي تمثل ح��روف الهجاء‬ ‫العربية الـثمانية والع�شرين �أو الأل��ف ب ت‪،‬‬ ‫واخت�صرت بمعنى �شعري واحد هو‪:‬‬ ‫«�أبجد بمعنى �أخذ‪ ،‬هوز بمعنى ركب‪ ،‬حطي‬ ‫بمعنى وقف‪ ،‬كلمن بمعنى �أ�صبح متعلماً‪� ،‬سعف�ص‬ ‫بمعنى �أ�سرع في التعليم‪ ،‬قر�شت بمعنى �أخذه‬ ‫بالقلب‪ ،‬ثخذ بمعنى حفظ‪� ،‬ضظغ بمعنى �أتم»‪.‬‬ ‫وعليه ت�ك��ون اللغة العربية �أوف ��ر �أخ��وات�ه��ا‬ ‫ال�ساميات حظ ًا من الإرث ال�صوتي لل�سامية الأم‪،‬‬ ‫والتي عدت حروفها ت�سعة وع�شرون حرفا‪.‬‬ ‫وغياب الر�سم الكتابي لهذه ال ��روادف في‬ ‫الكثير من ال�ساميات‪ ،‬ال يرجع لكونها مفقودة‬ ‫في نظمها ال�صوتية‪ ،‬و�إنما لندرة ا�ستعمالها‪،‬‬ ‫فلم يحتاجوا �إل��ى و�ضع رم��وز كتابية لها‪ ،‬ثم‬ ‫ف �ق��دت ب��ال�ت��دري��ج ل �ع��دم ا��س�ت�ع�م��ال�ه��ا‪ ،‬وبقيت‬ ‫ال��ل��غ��ة ال��ع��رب��ي��ة م��ح��اف��ظ��ة عليها ف��ي نظامها‬ ‫ال�صوتي وال�ك�ت��اب��ي‪ ،‬وال��ظ��اء واح���دة م��ن تلك‬ ‫ال��روادف التي ا�شتركت فيها اللغات ال�سامية‬ ‫في الأ�صل‪ ،‬وتلفظت بها في يوم ما‪ ،‬كما تبين‬ ‫من مقارنة بع�ضها ببع�ض‪ ،‬وق��د ك��ان موجودا‬ ‫في لهجات جنوبي الجزيرة العربية وغيرها‪.‬‬ ‫ويعد الفراهيدي اللغوي العربي الم�شهور من‬ ‫�أوائ��ل الذين �صرحوا ب�أن �صوت الظاء مخت�ص‬ ‫بالعربية واقت�صر عليها‪� ،‬إذ ذك��ر في مقدمة‬ ‫كتابه «العين» قائالً‪« :‬ولي�س في �شيء من الأل�سن‬ ‫ظاء غير العربية‪ ،‬وكرر هذا المعنى في �أكثر من‬ ‫مو�ضع في الكتاب عينه‪ ،‬بقوله‪ :‬والظاء عربية لم‬ ‫تعط �أحدا من العجم‪ ،‬و�سائر الحروف ا�شتركوا‬ ‫فيها‪ ،‬بما فيها ال�ضاد»‪.‬‬ ‫و�أجمع البع�ض من علماء اللغة العربية على‬ ‫�أن العرب خ�صت بحرف الظاء دون �سائر الأمم‪،‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪59‬‬


‫الخلط بين ال�ضاد والظاء‬ ‫وهنا يحق لنا �أن نت�ساءل‪ :‬ماذا كان موقف‬ ‫العرب �أيام ظهور الإ�سالم من ال�صوتين ال�ضاد‬ ‫والظاء‪ ،‬وهما اللذان اخت�صتهما اللغة العربية‬ ‫من دون �سائر ال�ساميات بالرمز لهما في �أن‬ ‫ال�ع��رب القدماء ك��ان��وا يميزون �ضمن ًا بينهما‬ ‫بو�ضوح‪ ،‬لكن فيما يبدو هناك فئة قليلة منهم‪،‬‬ ‫يخلط �أفرادها بين ال�صوتين‪ ،‬كقولهم «عظت‬ ‫الحرب بني تميم»‪ ،‬بد ًال من ع�ضت‪ ،‬ومن العرب‬ ‫من يعك�س فيبدل الظاء �ضاد ًا فيقول الظهر بد ًال‬ ‫من ال�ضهر‪ .‬ويذكر الأ�صمعي‪« :‬تتبعت لهجات‬ ‫ال�ع��رب كلها فلم �أج��د فيها �أ�شكل م��ن الفرق‬ ‫بين ال�ضاد والظاء»‪ ،‬ويروي ق�صة طريفة بهذا‬ ‫ال�صدد يقول فيها‪ :‬قال رجل لعمر ر�ضي اهلل‬ ‫عنه م�ستفتياً‪�« :‬أيظحى ب�ضبي؟» فرد الخليفة‪:‬‬ ‫وما عليك لو قلت‪� :‬أي�ضحى بظبي؟ قال الرجل‪:‬‬ ‫�إنها لغتي‪ ،‬قال الخليفة‪ :‬انقطع العتاب‪ ،‬وحق‬ ‫الجواب‪ ،‬وال ي�ضحى ب�شيء من الوح�ش»‪.‬‬ ‫وه��ذا الخلط في بع�ض اللهجات المغمورة‬ ‫�إن�م��ا ك��ان �سببه هذين ال�صوتين على ح�سب‬ ‫و��ص��ف �سيبويه لهما‪ ،‬ال�شتراكهما ف��ي بع�ض‬ ‫ال�صفات ال�صوتية‪� ،‬أو بعبارة �أخرى لإيقاعهما‬ ‫المت�شابه في الأذن‪ ،‬فكال الحرفين يخرجان من‬ ‫‪ 60‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫�أي���ه���ا ال�����س��ائ��ل ع���ن ال�������ض���اد وال���ظ���اء‬ ‫ل����ئ��ل�ا ت�������ض���ل���ه ف���ي���ه���م���ا الأل������ف������اظ‬ ‫�إن ح�����ف�����ظ ال����������ظ����������اءات ي���غ���ن���ي���ك‬ ‫ف����أح�������س���ن اال�����س����ت����م����اع والإي������ق������اظ‬ ‫ف�����������إذا ح���ف���ظ���ت ال�������ظ�������اءات ب���ع���ده���ا‬ ‫ت�������ق�������ف�������و �أث��������������������������ارك ال�������ح�������ف�������اظ‬ ‫الفرق بين ال�ضاد والظاء‬ ‫ل �ق��د اج �ت �ه��د ع �ل �م��اء ال �ل �غ��ة ال �ع��رب �ي��ة في‬ ‫تبيان ال�ف��روق بين هذين الحرفين؛ ف� ��أوردوا‬ ‫بخ�صو�صهما الأمثلة الكثيرة التي تبين �أن وجود‬ ‫�أحدهما في كلمة �أو جملة ربما عك�سها ر�أ�سا على‬ ‫عقب وغيَّر معناها كلياً‪ ،‬ومن تلك الأمثلة قولهم‪:‬‬ ‫ نظر �إليه بعينه ينظر‪ ،‬بالظاء وكذلك ينظر‬‫بقلبه‪� ،‬إذا تبدر ال�شيء‪ ،‬ونظره ينظره بمعنى‪:‬‬ ‫انتظره‪.‬‬

‫ الظنين بالظاء المتهم ب�صدقه‪� ،‬أو في دينه �أو‬‫ن�سبه �أو نحو ذلك من �أمور‪:‬‬

‫ف��ل��ا وي���م���ي���ن اهلل م�����ا ع�����ن ج��ن��اي��ة‬ ‫ه����ج����رت‪ ،‬ول���ك���ن ال���ظ���ن���ي���ن ظ��ن��ي��ن ٌ‬ ‫ ال�ضنين بال�ضاد‪ :‬البخيل الذي ي�ضن بماله‬‫ع�ل��ى ال �ن��ا���س‪� ,‬أو ال�م�ق� ِّت��ر ال�ح��ري����ص‪ ,‬ق��ال‬ ‫ال�شاعر‪:‬‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫ولم يتكلم بها غيرهم‪ ،‬وعلى هذا تكون العربية‬ ‫لغة الظاء ال ال�ضاد‪.‬‬ ‫ومما تقدم يمكن القول‪� :‬إن نعت العربية ب�أنها‬ ‫لغة الظاء �أول��ى من نعتها بكونها لغة ال�ضاد‪،‬‬ ‫وهناك �إ�شارات متناثرة في هذا المجال ت�شير‬ ‫بل تكاد تجزم على �أن �صوت الظاء ال ال�ضاد هو‬ ‫الخا�ص بالعربية‪ ،‬ما �أدى �إلى بروز مع�ضلة لغوية‬ ‫خطيرة‪� ..‬أال وه��ي الخلط بين الظاء وال�ضاد‬ ‫�أثناء الكتابة �أو الكالم‪.‬‬

‫الل�سان ومخرجاهما متقاربان‪ ،‬فال�ضاد تخرج‬ ‫من �إح��دى حافتي الل�سان مع �أط��راف الثنايا‬ ‫العليا‪ ،‬وخروجها مع الجهة الي�سرى �أ�سهل و�أكثر‬ ‫ا�ستعماالً‪ ،‬ومن اليمنى �أ�صعب و�أق��ل ا�ستعماالً‪،‬‬ ‫ومن الجانبين مع ًا �أعز و�أع�سر‪ ،‬و�صفاته الجهر‬ ‫وال��رخ��اوة واال��س�ت�ع�لاء والإط �ب��اق والإ��ص�م��ات‬ ‫واال�ستطالة‪.‬‬ ‫اما الظاء فتخرج من ظهر طرف الل�سان مع‬ ‫�أ�صول الثنايا العليا‪ ،‬وله نف�س �صفات ال�ضاد ما‬ ‫عدا اال�ستطالة‪ .‬فهما �أ�صعب الحروف و�أ�شدها‬ ‫على النطق‪ ،‬وقد قام الل�سان العربي بما حباه‬ ‫اهلل من مرونة بتطويع هذه الأ��ص��وات الخ�شنة‬ ‫و�إخ�ضاعها لقانون الخفة والي�سر التي تت�سم‬ ‫بهما اللغة العربية‪ ،‬بوجه عام‪.‬‬ ‫هذه ال�سرعة العجيبة في ا�ضطراب الأل�سنة‬ ‫بالنطق بال�ضاد العربية‪ ،‬وظهور الخلط بينها‬ ‫وبين الظاء في ال�شرق ب�صفة خا�صة‪ ،‬جاء بعد‬ ‫تغلغل الفر�س والأت���راك ف��ي الو�سط العربي‪،‬‬ ‫وكلنا نعرف موقف ه�ؤالء الأقوام من ال�ضاد‪� ،‬إذ‬ ‫ن�سمعها منهم ظاء عامية‪� ،‬أي تلك التي يلتقي‬ ‫فيها ط��رف الل�سان ب�أ�صول الثنايا العليا كما‬ ‫هو ال�ش�أن في نطق العامية في كلمة م�ضبوط‪..‬‬ ‫يلفظونها مظبوط‪ ،‬و�ضابط ظابط‪ ،‬وح�ضرتنا‬ ‫حظرتنا‪ ،‬الخ‪..‬‬ ‫يبدو �أن هذا الإ�شكال اللفظي بين الحرفين‬ ‫ق��د ب��دا ي�سترعي انتباه علماء اللغة‪ ،‬عندما‬ ‫ا�ست�شعروا تبلبل الأل�سن في هذين ال�صوتين‬ ‫ال�ضاد وال��ظ��اء‪ ،‬فظهرت في كل ع�صور اللغة‬ ‫رغبة التمييز بينهما من حيث الكتابة ال من حيث‬ ‫النطق‪ ،‬كبادرة �أولى ثم تطبيقها ما �أمكن على‬ ‫النطق في الثانية‪.‬‬ ‫و�إزاء هذه المع�ضلة اللغوية التي ا�صطلح على‬

‫ت�سميتها الخلط بين ال�ضاد والظاء �ألف بع�ض‬ ‫اللغويين ر�سائل للتمييز بينهما‪ ،‬وذك��روا فيها‬ ‫الألفاظ التي ت�أخذ بالظاء‪ ،‬و�أخرى التي تعتمد‬ ‫ال�ضاد‪ ،‬وقد �أوردوا �شروح ًا لهذه المفردات‪ ،‬ما‬ ‫قد يفيد القارئ ويح�سّ ن من اعوجاج ل�سانه �إذا‬ ‫ما وجد‪ ،‬ومنها الكتيب الذي و�ضعه ال�صاحب بن‬ ‫عباد و�سماه «الفرق بين ال�ضاد والظاء»‪ ،‬وجاء‬ ‫في نحو الثمانين من مواد اللغة التي كانت مظنة‬ ‫الخلط بين ال�ضاد والظاء‪..‬‬ ‫كما كتب ابن قتيبة �أرجوزة في تو�ضيح ذلك‪،‬‬ ‫ومقامة للحريري مكونة من ت�سعة ع�شر بيت ًا جمع‬ ‫فيها قدر ًا كبير ًا من الألفاظ الظائية‪ ،‬ومنها على‬ ‫�سبيل المثال ال الح�صر قوله‪:‬‬

‫تنعمت �أوراقه‪.‬‬

‫��ض�ن�ن��ت ب �م��ال��ي م��ن ف ��رط ح��ر��ص��ي‬ ‫وق������������ول ال������ن������ا�������س �إن������������ي ����ض���ن���ي���نُ‬ ‫�������ش‬ ‫�أخ���������ش����ى ال����ف����ق����ر و�����ش����ظ����ف ع���ي ٍ‬ ‫وت���ع���ر����ض م���ال���ي ل��ن�����ض��ب ال��م��ع��ي��نٍ‬ ‫يقال ظل فالن يفعل كذا وك��ذا بالظاء‪� ،‬إذا‬ ‫فعله نهاراً‪ ،‬وبات يفعل كذا وكذا‪� ،‬إذا فعله ليالً‪..‬‬ ‫وهذا هو الم�شهور‪ ،‬وقد ا�ستعمل ظل في جميع‬ ‫الأوق���ات‪ :‬ق��ال اهلل تعال }فظلت �أعناقهم لها‬ ‫خا�ضعين{ [ال�شعراء‪ ]٤ :‬وقال تعالى‪} :‬فظلتم‬ ‫تفكهون{ [الواقعة‪.]65 :‬‬ ‫و�أما �ضل بال�ضاد فتكون بمعنى تحيّر‪ ،‬وتكون‬ ‫بمعنى �أخط�أ �أو تاه عن طريقه‪ ،‬كقوله تعالى‪} :‬ال‬ ‫ي�ضل ربي وال ين�سى{ [طه‪.]٥٢ :‬‬ ‫ومنه قول طرفه بن العبد‪:‬‬

‫وك��ي��ف ت�ضل الق�صد وال��ح��ق وا�ضح‬ ‫ول���ل���ح���ق ب���ي���ن ال�����ص��ال��ح��ي��ن ���س��ب��ي��ل‬

‫وتكون �ضل �أي�ض ًا بمعنى غاب وتلف‪ ،‬يقال‬ ‫�ضل الماء في اللبن‪ ،‬و�ضل الرجل في الأر�ض‪.‬‬ ‫وقال اهلل عز وجل‪�} :‬أئ��ذا �ضللنا في الأر�ض{‬ ‫ ون�ضر وج �ه��ه‪ ،‬بال�ضاد ي�ن���ض��ر‪�،‬إذا ح�سن‪[ .‬ال�سجدة‪.]١٠ :‬‬‫ون�ضر ُه اهلل �أي ح�سّ نه‪ ،‬ون�ضر ال�شجر �إذا‬ ‫َّ‬ ‫والغيظ بالظاء‪� ،‬صورة الغ�ضب‪ ،‬وقيل الغيظ‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪61‬‬


‫‪ 62‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫ال�شعراء ال�شباب‬ ‫وخيانة اللغة‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫لمن ال يقدر على االنت�صار‪ ،‬والغ�ضب لمن يقدر ليتعلموا الف�صاحة من مناهلها؛ لأن مطلبها على‬ ‫على االن�ت���ص��ار‪ ،‬ول�ه��ذا ُو��ص��ف ال �ب��اري تعالى الكبر ع�سير وبالغ الم�شقة‪.‬‬ ‫بالغ�ضب ولم يو�صف بالغيظ‪.‬‬ ‫�إال �أن �إ�شكالية الخلط بين ال�ضاد والظاء‪ ،‬لم‬ ‫والغي�ض بال�ضاد النق�صان ومنه قوله تعالى‪ :‬تتوقف عند هذين الحرفين فح�سب‪ ،‬بل تعدتهما‬ ‫}وغي�ض الماء{ [هود‪ .]٤٤ :‬والفعل من واحد �إلى �صوتين �آخرين هما حرفي الذال والثاء‪� ،‬إذ‬ ‫منهما غاظه يغيظه‪ ،‬وغا�ضه يغي�ضه‪ ،‬وا�سم‬ ‫يلفظ بع�ضهم الثاء �سينا‪ ،‬فيلفظون الثرى �سرى‪،‬‬ ‫فاعلهما غائظ وغائ�ض‪ ،‬وقال البرج بن م�سهر‬ ‫والثوب �سوبا‪ ،‬واالختالف وا�ضح بين المعنيين‪.‬‬ ‫الطائي‪:‬‬ ‫ويلفظون ال��ذال داال �أو زاء مثل قولهم زهب �أو‬ ‫�إل������ى اهلل �أ����ش���ك���و م����ن خ��ل��ي��ل �أودّه‬ ‫متف�ش بكثرة‬ ‫دهب بدال من ذهب‪ ،‬وهذا الخلط ٍّ‬ ‫ث��ل�اث����ة خ���ل��ال ك���ل���ه���ا ل�����ي غ��ائ�����ض‬ ‫في مجتمعات بالد ال�شام‪.‬‬ ‫خاتمة‬ ‫و�إن دلّ هذا على �شيء ف�إنما يدل على غنى‬ ‫لقد تعددت البحوث وت�شعبت الآراء‪ ،‬حول اللغة العربية بمفرداتها المتنوّعة‪ ،‬القادر ة على‬ ‫ماهية ال�ضاد و�شقيقه ال��ت��و�أم ال��ظ��اء‪ ،‬وم��دى ا�ستيعاب كافة الأل�سن وجميع العلوم الحديثة‬ ‫ت�أثيرها في ن�سيج المفردات اللغوية‪ ،‬وبينت وجوه منها والقديمة بكل �سال�سة وي�سر‪� .‬ألي�ست هي‬ ‫االختالف �أو الت�شابه بينهما‪ ،‬من حيث المبنى‬ ‫لغة القر�آن الكريم؟!‬ ‫والمعنى واللفظ‪.‬‬ ‫وربما ب��دا للوهلة الأول��ى �أن هناك تناق�ضا الم�صادر‪:‬‬ ‫بين تلك الأق��وال‪ ،‬ال �سيما فيما يخ�ص ال�ضاد‪ - ،‬ابن مالك ‪ -‬االعتماد في نظائر الظاء وال�ضاد ‪ -‬دار‬ ‫لكنها عند التحقيق ال تخرج البتة عن كونها‬ ‫الب�شائر ‪ -‬دم�شق ‪٢٠٠٣‬م‪.‬‬ ‫درا�سات جادة‪ ،‬ب�أقالم مجتهدة توا�صل ال�سعي‬ ‫لخدمة اللغة العربية‪ -‬لغة ال �ق��ر�آن الكريم‪ - ،‬مكي درار ‪ -‬ال�ضاد العربية �إلى �أين؟ ‪ -‬مجلة القلم –‬ ‫العدد ‪ - ١‬وهران – ‪٢٠٠١‬م‪.‬‬ ‫ومحتوى �آداب الحديث ال�شريف‪ ،‬وعلوم الأولين‬ ‫والآخ��ري��ن‪ ،‬بما في ذلك فعل ال�ضاد‪ ،‬و�أ�سميته ‪ -‬عبدالعزيز مطر ‪ -‬تثقيف الل�سان وتلقيح الجنان ‪-‬‬ ‫الفعل؛ لأن فيه تعرف حقيقة الف�صاحة من‬ ‫جـ‪ -٢‬القاهرة ‪١٩٦٦‬م‪.‬‬ ‫عدمها ل��دى الناطقين ب��ه؛ فقد �أط�ل��ق العرب‬ ‫م�سمى ال �ج��زء و�أرادوا ب��ه ال �ك��ل‪ ،‬ف�ق��ال��وا عن ‪ -‬رم�ضان عبدالتواب ‪ -‬م�شكلة ال�ضاد العربية والظاء ‪-‬‬ ‫مجلة المجمع العلمي العراقي ‪ -‬بغداد – ‪١٩٧١‬م‪.‬‬ ‫العربية‪( :‬لغة ال�ضاد)‪ .‬ولم يفعلوا ذلك �إال بعد‬ ‫درا�سة م�ستفي�ضة وتح ٍّر دقيق عن خ�صائ�ص ‪� -‬أحمد الفراهيدي ‪ -‬مقدمة كتاب العين ‪ -‬مطبعة‬ ‫هذا الحرف الذي حيَّر الباحثين قديم ًا وحديثاً‪،‬‬ ‫بوالق ‪ -‬القاهرة – ‪١٩٤٥‬م‪.‬‬ ‫بل واجتهد المتعلمون الذين حاولوا �إتقانه على‬ ‫الكبر‪ ،‬فما �أفلحوا كل الفالح؛ فال غرابة �إذ ًا �أن ‪� -‬أبو بكر بن حماد ‪� -‬إتحاف العباد في معرفة النطق‬ ‫بال�ضاد ‪ -‬مطبعة بوالق القاهرة – ‪١٩٤٠‬م‪.‬‬ ‫يعمد العرب قديم ًا �إلى �إلحاق �أبنائهم بالبادية‬

‫■ حممد جميل �أحمد ‪ -‬ال�سودان‬

‫تعي�ش الثقافة العربية اليوم‪ ،‬واقعا م�أزوما‪ ،‬بلغ مدىً بعيدا في اغترابه وم�آزقه التي تراكمت‪،‬‬ ‫وانعك�ست على خطاب الأج��ي��ال الجديدة‪ ،‬ب�صورة جعلت من ع��دم القدرة على االنتباه لذلك‬ ‫الم�أزق تعبيرا طبيعيا‪ ،‬ت�شهد عليه �أخطاء اللغة‪ ،‬وركاكة التعابير؛ وغير ذلك من الخطايا‪.‬‬ ‫بيد �أن كل تلك التعبيرات الركيكة في الحديث باللغة العربية التي �أ�صبحت اليوم بمثابة‬ ‫حالة عادية جداً؛ �شوّ�شت عليها االنعكا�سات الم�ضللة لخطاب �إعالمي عربي مغترب عن ذاته‪،‬‬ ‫جعل من خطاب الحداثة الأداتية و�سياقاتها الم�ؤثرة في الوعي الجمعي عبر الكثير من ال�صور‬ ‫والتمثالت المتماهية مع خطابها؛ �أنموذجاً �ضاغطا لالحتذاء والتقليد الذي ال يكاد ينجو �أحد‬ ‫اليوم من التعر�ض له‪.‬‬ ‫و�إذا جاز لنا �أن ندرج تلك العاهة المقلدة‬ ‫ف��ي خطاب الأج �ي��ال الجديدة حيال احترام‬ ‫اللغة الإنجليزية مثال‪ ،‬واالكتراث المو�سو�س‬ ‫بدقتها بما يجعل من الرطانة الإنجليزية في‬ ‫ل�سان تلك الأجيال الجديدة قيمة م�ضافة للثقة‬ ‫بالذات‪ ،‬ف�إن العك�س من ذلك تماما �أ�صبح هو‬ ‫حال العربية في كونها في ظن الكثيرين معرة‬ ‫مُعيقة للتوا�صل مع الع�صر الحديث!‬

‫لغتها‪� ،‬إال �أن الأخ�ط��ر من ذل��ك هو االنطباع‬ ‫ال�سائد لدى كثيرين من ال�شعراء في التعامل‬ ‫م��ع اللغة ال�ع��رب�ي��ة‪ ،‬بو�صفها � �ض��رورة تقنية‬ ‫ل�شكل الكتابة ال�شعرية ور�سمها‪ ،‬بطريقة يمكن‬ ‫لل�شاعر �أن ي�ستغني عنها عبر �إيكالها �إلى مدقق‬ ‫لغوي مثال‪.‬‬

‫لقد �أ�صبح ذلك طبيعيا وبال غرابة في وعي‬ ‫وعلى الرغم من �أن هذا ال�شعور المر�ضي كثرة وافرة من ال�شعراء العرب ال�شباب؛ الأمر‬ ‫في ذاك��رة الأجيال العربية الحديثة‪ ،‬ال يكاد ال��ذي ي�ستدعي �إع��ادة ��س��ؤال اللغة وعالقتها‬ ‫يوجد في �أي �أم��ة من الأم��م المعا�صرة حيال بال�شاعر وال�شعر‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪63‬‬


‫فاللغة العربية‪ ،‬بطبيعتها ونحوها و�صرفها‪،‬‬ ‫و�إيقاعاتها ال�صوتية‪ ..‬تكاد تغيب تماما عن‬ ‫تمثّل ال�شعراء ال�شباب لها‪ ،‬وذل��ك �إح�سا�سا‬ ‫بتوّهم منهم‪ ،‬رب�م��ا‪ ،‬ف��ي �أن �أنماطها تلك ال‬ ‫عالقة لها بالحداثة المفتر�ضة في كتابتهم‪،‬‬ ‫ه��ذا ف�ضال عن �إه��دار العالقة التاريخية‬ ‫كما لو �أنهم يكتبون بلغة �أخرى غير العربية؟ ل�ل���ش��اع��ر ب�ل�غ�ت��ه‪ .‬ف�ت�ل��ك ال �ع�لاق��ة ال �ت��ي تكاد‬ ‫�إن اغ�ت��راب ال�شعراء العرب ال�شباب عن تكون مقطوعة في ذهنية ال�شعراء ال�شباب‬ ‫لغتهم العربية‪ ،‬تحت �ضغوط الأوهام الحداثوية المعا�صرين وتجاربهم‪ ،‬ربما كانت ه��ي في‬ ‫ف��ي التعبير‪ ،‬ه��و ف��ي حقيقته م� ��أزق مت�صل �صورة ما �سببا لغياب الهوية العربية في مدوّنة‬ ‫بالثقافة‪ ،‬ولي�س ب��الإب��داع‪ .‬وه��ذا ما غاب عن ال�شعراء ال�شباب مثال‪.‬‬ ‫كثيرين منهم‪.‬‬ ‫فالهوية ال�شعرية هنا‪ ،‬ال عالقة لها بما‬ ‫ول �ع��ل �أب���رز ع�لام��ات ذل��ك االغ��ت��راب هو يتوهّ مه �أول�ئ��ك ال�شعراء �أي�ضا من الخ�ضوع‬ ‫اللجوء المجّ اني �إلى �شكل ق�صيدة النثر‪ ،‬من �أو التمثل لبع�ض النماذج ال�شعرية التراثية‬ ‫حيث الحريّة التي تتيحها تلك الق�صيدة في عبر تقليد م��ا‪ ،‬و�إن�م��ا تكمن الهوية ال�شعرية‬ ‫�شكلها المر�سوم‪ ،‬من دون �أن يدرك ه�ؤالء �أن في ا�ستبطان طبيعة اللغة العربية‪ ،‬وتجديد‬ ‫ذلك ال عالقة له بمو�ضعة اللغة داخل ال�شعر؛ ال�ت���ش�ك�ي�لات ال�ل�غ��وي��ة بمختلف �صيغها في‬ ‫الق�صيدة عبر توظيف �شعري حديث؛ �أي في‬ ‫كونها من �أهم ثيماته الجمالية والتعبيرية‪.‬‬ ‫فالعجز عن اجتراح �صياغة الكتابة ال�شعرية التكوين الإيحائي لروح العربية داخل النمط‬ ‫بنمط ال��وزن �أو حتى التفعيلة‪ ،‬ول��و كتجريب ال�شعري‪� ،‬سوا ًء �أكان ذلك النمط‪ :‬عموديا‪� ،‬أم‬ ‫مثال‪� ،‬سي�ضع ال�شعراء �أمام تحدٍّ لغويٍّ ‪ ،‬يتمثل تفعيلةً‪� ،‬أم ق�صيدة نثر‪.‬‬ ‫لكن ذلك اال�ستبطان المت�صل بهوية اللغة‬ ‫ف��ي ال�ح��دِّ الأدن ��ى م��ن معرفة النحو ل�سالمة‬ ‫التحريك الذي يقت�ضيه قول ال�شعر‪� ،‬أو ل�ضرورة في الن�ص ال�شعري ي�ضع ال�شاعر ال�شاب �أمام‬ ‫حركة الإعراب الموحَّ دة في نهاية القافية مثال‪ .‬اال�ستحقاق الذي ذكرناه �آنفا في عالقته باللغة‪.‬‬ ‫‪ 64‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫ف ��إذا ما �أمكننا بقيا�س بديهي القول‪� :‬إن‬ ‫اللغة بما ه��ي م��ادة ال�شاعر التي ي�شكل بها‬ ‫عالمه ال�شعري‪ ،‬وو�سيلته التعبيرية المرقومة؛‬ ‫ف�إننا بال�ضرورة �سنجد طبيعة تلك العالقة‪ ،‬من‬ ‫الناحية ال�شكلية‪ ،‬كطبيعة عالقة الحدّاد مع‬ ‫الحديد مثال!‬

‫ف�ه��ذه ال �ح��دود ال��دن�ي��ا والميكانيكية للغة‬ ‫حين تبدو كما لو �أنها عقبة في كتابة ال�شعراء‬ ‫ال���ش�ب��اب‪ ،‬تجعلنا ن ��درك م��دى ال�ف�ق��ر ال��ذي‬ ‫�سيلحق ب�شعرهم حين يعجزون عن ا�ستثمار‬ ‫مو�سيقى التفاعيل مثال‪ ،‬وامتداداتها التي تجعل‬ ‫من ج�سد الق�صيدة منظومة �إيقاعية ت�أخذ‬ ‫فيها اللغة نطاقا يتجاوز ال�صورة الميكانيكية‬ ‫والتقنية التي يتوهمها �أول�ئ��ك ال�شعراء �إلى‬ ‫االندراج في جماليات الق�صيدة ذاتها (�سعدي‬ ‫يو�سف‪� ،‬أنموذجا)‪.‬‬

‫وبطبيعة الحال‪ ،‬ف�إن �صيرورة تلك العالقة بين‬ ‫ال�شاعر ولغته ينبغي �أن تكون مت�صلة بالمعرفة‬ ‫والحرية ك��ي تولد الإب���داع‪ .‬هكذا �سنجد �أن‬ ‫التذمر من نحو اللغة و�صيغها‪ ،‬وال�شكوى من‬ ‫�صعوبتها لدى ال�شعراء ال�شباب (ولي�س لدى‬ ‫الأف� ��راد ال�ع��ادي�ي��ن)‪ ،‬ه��و ��ض��رب م��ن الك�سل‬ ‫والعطالة الناتجين عن وعي م�شوّ�ش لطبيعة‬ ‫العالقة الع�ضوية الحميمة بين ال�شاعر واللغة‪.‬‬

‫غرابتها‪ ،‬و�إنما ككلمة م�ضيئة‪ ،‬وكما لو �أنها‬ ‫ال��دالل��ة المركزية ف��ي ال�سياق ذات ��ه؛ بحيث‬ ‫يت�صل مبناها الم�ضيء بمعناها الدقيق‪،‬‬ ‫ليمنح القارئ متعة جمالية مكتملة‪ .‬فكلمات‬ ‫مثل (الحداثة‪ ،‬ال��ره��ام‪ ،‬الأف��اوي��ق) وغيرها‬ ‫جاءت في �شعره لت�شكل فيه فرادة‪ ،‬ولتحيا حياة‬ ‫جديدة داخل التجربة ال�شعرية‪.‬‬ ‫لقد كانت �إح��دى العادات اللغوية اليومية‬ ‫لل�شاعر الكبير محمود دروي�ش رحمه اهلل فتح‬ ‫المعجم اللغوي يوميا ب�صورة ع�شوائية‪ ،‬ليتعرف‬ ‫على روح الكلمات التي تقع عليها عينه‪ ،‬وهي‬ ‫عادة تدل على العالقة القوية لل�شاعر باللغة‪.‬‬

‫�إن ال�شاعر في الأ�صل مبدع‪ ،‬تقوم �صياغته‬ ‫لل�شعر عبر تكوين عوالم مختلفة بمعجم �شعري‬ ‫ال بدَّ �أن يكون داال على فرادته‪ .‬ومن هنا‪ ،‬ف�إن‬ ‫معمار الق�صيدة ال��ذي هو في حقيقته تكوين‬ ‫من اللغة والعالم‪� ،‬أو من الرموز والأ�شياء‪ ،‬ال‬ ‫�إن ال���ش�ع��راء ه��م �صانعو م �ج��ازات اللغة‬ ‫ب ّد �أن يف�ضي �إلى اختيارات لغوية حيال طبيعة‬ ‫المفردات مثال‪� ،‬أو ا�ستخدام �صيغ لغوية من الكبرى‪ ،‬وه��م بناة العالم ال��رم��زي في اللغة‬ ‫دون �صيغ �أخ��رى‪� ،‬أو ا�ستثمار خا�صية لغوية ب� �م ��وازاة ع��ال��م ال ��واق ��ع‪ ،‬ك�م��ا �أن �ه��م (�أم� ��راء‬ ‫ما في دالل��ة اال�ستعارة ال�شعرية‪ ،‬وغير ذلك الكالم)‪ ،‬كما قال الأ�صمعي‪.‬‬ ‫من اال�ستخدامات التي تعطي ال�شاعر معجمه‬ ‫�إنَّ ال �ك�لام ‪-‬بو�صفه ل�غ��ة‪ -‬ال يتجلى في‬ ‫الخا�ص‪ ،‬وفرادته ال�شعرية المتميزة‪.‬‬ ‫�أ�صفى �صوره و�أعمقها و�أجملها �إال من خالل‬ ‫ولن�ضرب مثال بال�شاعر ��ل�سوداني التيجاني ال�شعر؛ فال�شعراء هم المعنيون بت�سخين اللغة‬ ‫يو�سف ب�شير (�أحد �أكبر المجددين في ال�شعر �إل��ى ال�ح��دود التي تجعلها مطيعة لأخيلتهم‪،‬‬ ‫ال�سوداني الحديث)‪ ،‬الذي ج�سّ د في تجربته‬ ‫ومندمجة في هويتهم الإبداعية �أثناء الخلق‬ ‫ال�شعرية اخ�ت�ي��ارات لغوية ج��دي��دة عبر �ضخِّ‬ ‫ال�شعري‪.‬‬ ‫م�ف��ردات مهملة من القامو�س اللغوي‪� ،‬أع��اد‬ ‫لكل تلك الحيثيات‪ ،‬قد ال نعجب اليوم من‬ ‫�إن�ت��اج�ه��ا ك��دالل��ة جمالية خا�صة ف��ي تعبيره‬ ‫ال���ش�ع��ري‪ .‬ل�ق��د ك��ان ه��ذا ال�ت�ج��ري��ب البديع عطالة ال�ساحة ال�شعرية‪ ،‬وندرة الإبداع العميق‬ ‫للتيجاني يو�سف في اختياراته المعجمية للغة في الكتابة ال�شعرية ل�شعراء اليوم‪ ،‬فيما هم‬ ‫قائما على تطبيع جماليّ و�سياقيّ عميق‪ ،‬ال يجعلون من اللغة مح�ض توظيف تقنيّ يقوم به‬ ‫تظهر معه الكلمة المعجمية ككلمة �شاذة رغم الآخرون نيابة عنهم؟!‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪65‬‬


‫■ �صالح بن حممد املطريي ‪ -‬ال�سعودية‬

‫تُرى لو كان يعي�ش في ع�صرنا َعلَ ٌم قديم ك�إمريء القي�س بن حجر الكندي‪� ،‬أو عمرو بن بحر‬ ‫الجاحظ‪� ،‬أو �أحمد بن الح�سين المتنبي‪ ،‬فكيف لأيٍّ منهم �أن يتوا�صل مع جمهوره العري�ض في‬ ‫هذه الأيام؟ بالت�أكيد لن يجد الجاحظ الع�صري منا�صا من �أن ي�ستخدم �إحدى و�سائل التوا�صل‬ ‫الع�صرية‪� ،‬أو حتى جميعها‪ ،‬مثل الـ(في�سبوك)‪ ،‬و(تويتر)‪ ،‬والـ (وات�س �أب)‪ ،‬للتوا�صل مع قرائه‬ ‫وجمهوره على ال��دوام؛ و�سنجده �أي�ضا حري�صا على �أن ير�سل لنا ن�صو�صه طازجة من لوحة‬ ‫المفاتيح‪ ،‬ولربما �شفعها ببع�ض ما تلتقطه واعيته اللماحة (ولربما كاميرته �أي�ضا) من �صور‬ ‫�ساخرة لبخالء الع�صر‪ ،‬ولفال�سفته ومتكلميه‪ ،‬وللعوام وال�سوقة‪ ،‬بل وللحيوان و�أنواعه و�أحواله‪،‬‬ ‫َولأتحفنا على الفور ب�شي ٍء من قوّة المالحظة ودقتها التي �شُ هر بها الجاحظ من بين كتّاب‬ ‫العربية على الإطالق‪.‬‬ ‫لقد �أ�صبحت و�سائل االت�صال الع�صرية تلك‬ ‫هي التي ت�صنع حدث التوا�صل بين النا�س‪ ،‬وهي‬ ‫التي تربط بينهم على اختالف الم�شارب‪ ،‬وهي‬ ‫القناة التي تُبثّ عبرها الأفكار‪ ،‬وتُن�شر الدعوات‬ ‫وااله �ت �م��ام��ات وال�ت�ف���ض�ي�لات واالق �ت��راح��ات‬ ‫والت�سا�ؤالت؛ لقد �أ�صبحت حقا �شبكات التوا�صل‬ ‫هذه ف�ضا ًء مفتوحا للحوار‪ ،‬ت�سبح فيه الأفكار‬ ‫وال ��ر�ؤى بين جميع �أط�ي��اف المجتمع؛ بل لقد‬ ‫ونظرا لما تنطوي عليه ال�شبكات االجتماعية‬ ‫�أ��ض�ح��ت (مطبخا) كبيرا لإع���داد الحمالت من قوة في الت�أثير‪ ،‬و�سرعة في الو�صول‪ ،‬وكثافة‬ ‫الفكرية للترويج ل�صالح فكرة معينة �أو �ضدها‪ .‬في االنت�شار؛ فال �ضير �أن نقول �إنّها �أ�صبحت‬ ‫فهاهنا تختمر الأف �ك��ار‪ ،‬وت�ستح�صد‪ ،‬وتبلغ لغة الع�صر‪ ،‬وقد اكت�سحت هذه اللغة التقنية‬ ‫�أق�صى قواها‪ ،‬وه��ي في �أثناء ذل��ك ت�سبح في‬ ‫ف�ضاء الإنترنت‪ ،‬وتنتقل من ق��ارئ �إل��ى قارئ‪،‬‬ ‫ومن م�شاهد �إلى م�شاهد‪ ،‬ومن �سامع �إلى �سامع‪،‬‬ ‫وربما خرجت هذه الأفكار ‪ -‬ب�صرف النظر عن‬ ‫نوعها‪� -‬إلى حيّز الفعل‪ ،‬ف�أ�صبحت حدثا حقيقيا‬ ‫تتناقله الأخ �ب��ار وي�ت�ح��دث عنه المرا�سلون‪،‬‬ ‫وتزدحم به ال�شوارع!‬

‫‪ 66‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫لقد كانت بداية هذه ال�شبكات االجتماعية في‬ ‫العالم العربي تقريبا منذ العام ‪2007‬م‪ ،‬ومنذ‬ ‫ذلك الحين �أ�صبح كثير من النا�س ي�سجلون في‬ ‫هذه ال�شبكات ويتوا�صلون ويتناق�شون ويتحاورون؛‬ ‫ثم انتبه ذوو ال�ش�أن من ال�شخ�صيات‪ ،‬ف�أ�س�سوا‬ ‫لهم ح�سابات يتوا�صلون عبرها مع جمهورهم‪،‬‬ ‫ويبثون �أفكارهم ور�ؤاهم في كل �ش�أن يرونه مهماً‪،‬‬ ‫ثم يرقبون كيف يتفاعل النا�س تجاه ما يقولون‪،‬‬ ‫ويرون كل ما يثيرون من ت�سا�ؤالت ومالحظات‬ ‫وانتقادات �أو تحفظات‪ .‬وبهذا‪� ،‬أ�صبح الجميع‬ ‫ي�ستخدم ال�شبكات االجتماعية ق�ن��ا ًة للحوار‬ ‫والتوا�صل باالتجاهين‪ ،‬لأن المرء يطرح الفكرة‪،‬‬ ‫�أو لنقل ير�سل(التغريدة) في تويتر مثال‪ ،‬ثم‬ ‫يتلقّى حيالها الع�شرات وربما الآالف من الردود‬ ‫والتغريدات من متابعيه‪ ،‬وربما ظلّت الفكرة‬ ‫ت��دور في �أروق��ة تويتر والفي�س بوك المت�شابكة‬ ‫كالمتاهة �أياما وليالٍ ‪ ،‬بل وربما �شهورا ما وجدتْ‬ ‫لها تن�شيطا �أو �إعادة تغريد من هذا الم�ستخدم‬ ‫�أو ذاك‪ ،‬وح�سبك �أن تعلم –عزيزي القارئ‪-‬‬ ‫�أن م�ستخدمي ال�شبكات االجتماعية في العالم‬ ‫العربي فقط قد �أربوا على ال�سبعين مليون ًا من‬ ‫كال الجن�سين(‪.)1‬‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫العربية في‬ ‫�شبكات التوا�صل االجتماعي‬

‫الجديدة جميع لغات العالم وطوتها في �سجلها‪،‬‬ ‫و�أثّرت في ا�ستعمالها وربما نظامها ت�أثيرا بيّنا‪.‬‬ ‫من هنا‪ ،‬تبزغ �أمامنا الحاج ُة ما�سّ ًة للنظر في‬ ‫واقع اللغة العربية في هذه ال�شبكات االجتماعية‬ ‫مثل تويتر‪ ،‬والـ(في�سوك)‪ ،‬ور�سائل الجوال مثل‬ ‫(الوات�س �أب) والر�سائل الن�صية‪ ،‬وال نن�سى‬ ‫�أي�ض ًا مواقع الدرد�شة على الإنترنت التي �سبقت‬ ‫هذه ال�شبكات بزمن‪.‬‬

‫المهتمون باللغة خيف ًة من و�ضع اللغة العربية في‬ ‫هذه ال�شبكات‪ ،‬وقد �أ�شرت �سلفا �أن اللغات جميعا‬ ‫تت�أثر بو�سائل التوا�صل الحديثة‪ ،‬و�أن العربية‬ ‫لي�ست بِدْ عا من اللغات في هذا ال�صدد‪ ،‬ومن‬ ‫المعروف في كل لغة �أن ثمة فريق ًا من الغيورين‬ ‫�أو المحافظين‪ ،‬وه�ؤالء عادة ما ينظرون بريبة‬ ‫ووجل �إلى كل و�سيلة حديثة (تبتذل) اللغة وتنزل‬ ‫بها عن الم�ستوى �أو (النموذج) الف�صيح الذي‬ ‫يرت�ضونه‪ .‬والحق يقال �إن اللغة كائنٌ حي كما‬ ‫يقول العلماء‪ ،‬والكائن الحي يت�أثر بمعطيات‬ ‫البيئة‪ ،‬ويت�أثر بالو�سائل التي تظهر �أو تنجم في‬ ‫بيئته؛ �إذاً‪ ،‬فت�أثير و�سائل االت�صال الحديثة في‬ ‫العربية هو �أمر متوقع‪ ،‬لكن يجب علينا �أن ن�أخذ‬ ‫في االعتبار �أن فعل الت�أثير لي�س بال�ضرورة �أن‬ ‫يكون دوما ت�أثيرا �سلبيا ينق�ض من بنيان العربية‬ ‫وي��دكّ ح�صونها‪� ،‬إذ ربما يكون �أي�ضا ت�أثيرا‬ ‫�إيجابيا ي�ؤتي ثمارا جيدة ويزيد من قوة النموذج‬ ‫الأم�ث��ل وي�شد من �أزره‪( ،‬و�أع�ن��ي هنا العربية‬ ‫الف�صحى) التي يلتئم حولها الجميع‪.‬‬

‫ول�ع�ل�ن��ا ن �ب��د�أ ب��ال �ج��وان��ب الإي �ج��اب �ي��ة لهذه‬ ‫ال�شبكات االجتماعية على اللغة العربية‪ .‬طبعا‬ ‫يتنوع محتوى هذه ال�شبكات ‪-‬كما �ألمحت‪ -‬بين‬ ‫مادة مقروءة (ن�ص)‪ ،‬ومادة م�سموعة‪ ،‬و�أخرى‬ ‫مرئية‪ ،‬والتي غالبا ما تكون �صورة �أو مقطع‬ ‫فيديو‪ ،‬لكن لعل النمط ال�سائد في التغريدات‬ ‫وال�ح��وارات والنقا�شات هو الن�ص‪� ،‬أي المادة‬ ‫المقروءة‪� .‬إن انت�شار الن�صو�ص ‪�-‬أي المادة‬ ‫المقروءة‪ -‬في هذه ال�شبكات قد زاد بال �شك من‬ ‫ر�صيد القراءة لدى النا�س‪ ،‬و�شجّ ع �إلى حد ما‬ ‫في تر�سيخ هذه الملكة لدى الكثيرين‪ ،‬وبخا�صة‬ ‫�إزاء ه��ذا (ال��زخ��م) ال�ه��ائ��ل م��ن محتوى �أولئك النفر ممن يعد من ح�سنات الدهر لو قر�أوا‬ ‫ال�شبكات االجتماعية وقوة ت�أثيرها‪ ،‬ربما توجّ �س �شيئاً‪ ،‬لأنهم يعتمدون دائما على الم�شاهدة �أو‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪67‬‬


‫ويرتبط بهذا فائدة لل�شبكات االجتماعية‬ ‫قد لم�سها بع�ضنا وال ريب‪� ،‬أال وهي التقليل من‬ ‫الأمّية الثقافية بين الم�ستخدمين‪ ،‬والأمر الذي‬ ‫ال �شك فيه �أن جمهور ال�ط�لاب ال�ع��رب قلّما‬ ‫ي �ق��ر�أون كتابا غير مقرراتهم المدر�سية‪ ،‬بل‬ ‫ليتهم يقر�أون مقرراتهم هذه قراءة واعية حقا؛‬ ‫فنتج عن محدودية القراءة هذه نوعا مخيفا‬ ‫من الأمية الثقافية بين ال�شباب‪ ،‬فقد تجد �شابا‬ ‫خرّيجا يخطئ في ع��دد الخلفاء الرا�شدين‪،‬‬ ‫�أو ال ي��دري متى احتلت فل�سطين‪ ،‬بل تجد مَ ن‬ ‫يجهل �أهم �أعالم ح�ضارته من القادة والعلماء‬ ‫الأركان‪ ،‬كالذين ت�سمى بهم المدار�س والقاعات‬ ‫والأم��اك��ن العامة والميادين‪ ،‬ول��و ا�ستعر�ضت‬ ‫�إح�صاءات القراءة في العالم العربي لر�أيت ما‬ ‫يندى له الجبين‪� ،‬إذ وُجد �أن ع�شرين �شخ�صا‬ ‫م��ن ال�ع��رب ي �ق��ر�أون م��ا مجموعه كتابا واح��دا‬ ‫في ال�سنة‪ ،‬في حين �أن المواطن الألماني مثال‬ ‫‪ 68‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫ولكن لن ن�سرف في المثالية والخيال هنا‪،‬‬ ‫لأن ال �ق��ارئ ف��ي الإن�ت��رن��ت تعتر�ضه كثير من‬ ‫الملهيات المت�شعبة التي ت�أخذه من وادٍ �إلى واد‪،‬‬ ‫ومن �صيدٍ �إل��ى �صيد‪ ،‬وه��ذه الت�شعّبات تجعلنا‬ ‫نعود �إلى الأ�صل فنقول �إن كل ال�صيد في جوف‬ ‫الفراء –و�أعني هنا الكتاب‪ .-‬ولكن لعل في هذه‬ ‫ال�شبكات قدرا جيدا من القراءة مثال لحوارات‬ ‫ونقا�شات تتعلق بالثقافة العامة‪� ،‬أو بالتاريخ‪،‬‬ ‫�أو بعلوم الدين‪� ،‬أو تلك التي تحيل الم�ستخدم‬ ‫�إلى مقاالت مثيرة للجدل‪� ،‬أو مداخالت فكرية‬ ‫جديرة باالطالع‪� ،‬أو طروحات متنوعة تجذب‬ ‫القارئ المهتم بال�ش�أن العام‪ .‬كل ذلك المحتوى‬ ‫الثقافي ي�أتي غالبا ‪-‬ولي�س دائ�م��ا‪ -‬في هيئة‬ ‫ن�ص مقروء‪ ،‬كما يغلب �أن تكون لغتُه العربي َة‬ ‫الف�صحى بالطبع‪ ،‬لأن النقا�شات الفكرية التي‬ ‫تت�سم بالجدية وال �م �ق��االت ال�صحفية تكتب‬ ‫ع ��ادة بالف�صحى‪� ،‬إن ف��ي ه��ذا ال �ت��داول بين‬ ‫الم�ستخدمين للتغريدات الفكرية والمقاالت‬ ‫والنقا�شات لتعزيز للف�صحى بال ريب‪.‬‬ ‫تلك كانت بع�ض المميزات التي انتفعت بها‬ ‫العربية من خ�لال ال�شبكات االجتماعية على‬ ‫الإنترنت‪ ،‬ولكن نجد لزاما هنا �أن ننظر في‬ ‫الجهة الأخ��رى �أي�ضا‪ ،‬فنتناول الآث��ار ال�سلبية‬ ‫التي تعاني منها العربية في الإنترنت عموما‪،‬‬ ‫وف��ي ه��ذه ال�شبكات االجتماعية بوجه خا�ص‪،‬‬

‫‪ -1‬مزاحمة اللغات الأجنبية للعربية‪:‬‬

‫وع �ل��ى ر�أ�� ��س ه ��ذه ال �ل �غ��ات ت ��أت��ي ط�ب�ع��ا اللغة‬ ‫الإنجليزية‪� ،‬إذ وج��دوا في بع�ض الإح�صاءات‬ ‫�أن نحو ن�صف الم�ستخدمين لمواقع التوا�صل‬ ‫االج�ت�م��اع��ي ف��ي ال��وط��ن ال�ع��رب��ي ي�ستخدمون‬ ‫الإنجليزية‪ ،‬وه��ي حقا �إح�صائية مهولة �إذا‬ ‫�أخذت حرفيا‪ ،‬لكن لعل المتفائل يقول �إن ه�ؤالء‬ ‫ي�ستخدمون الإنجليزية �إلى جوار العربية‪ ،‬وهذا‬ ‫على �أي حال و�ضع �أهون خطرا من �سابقه‪ ،‬وال‬ ‫�شك �أن �سيطرة الإنجليزية على ف�ضاء الإنترنت‬ ‫هي ج��زء من الهيمنة اللغوية‪� ،‬إذ الإنجليزية‬ ‫هي الذراع الطولي الم�سيطر على لغة التجارة‬ ‫وال���ص�ن��اع��ة والتعليم والإع �ل��ام وال�صحافة‬ ‫والإنترنت‪.‬‬ ‫وكان �أن ن�ش�أت ‪ -‬من ج�رّاء هذه المزاحمة‬ ‫الإنجليزية ‪ -‬بين الم�ستخدمين‪ ،‬وبخا�صة من‬ ‫ال�شباب العربي المتعلم في مواقع الدرد�شة‪،‬‬ ‫لغ ٌة هجين‪ ،‬ي�سميها بع�ضهم (العربيزي)‪ ،‬وهي‬ ‫لغة تقع في المنزلة بين المنزلتين‪ ،‬فال هي‬ ‫�إنجليزية �صرف وال هي عربية �صرف‪ ،‬و�إنما‬ ‫ه��ي م��زي��ج غ��ري��ب منهما! وق��د �أ�صبحت هذه‬ ‫محط �إ�شكال ودر�س بين الجهات المعنية‬ ‫اللغة ّ‬ ‫بم�ستقبل العربية‪ ،‬مثل مركز الملك عبداهلل‬ ‫الدولي للغة العربية‪« ،‬وتٌنطق ه��ذه اللغة مثل‬ ‫العربية‪� ،‬إال �أن الحروف الم�ستخدمة في كتابتها‬ ‫هي الحروف والأرق��ام الالتينية بطريقة ت�شبه‬ ‫ال�شيفرة‪ ،‬وتكتب عادة باللهجة الدارجة ولي�س‬ ‫باللغة العربية الف�صحى‪ ،‬وي�ضاف لهذه الطريقة‬

‫ف�أنت ترى �أي خطر ت�شكّله مزاحمة اللغات‬ ‫الأخ ��رى للعربية بين �أبنائها‪� ،‬إل��ى درج��ة �أن‬ ‫نتج عنها مثل تلك الطرق ال�سخيفة في كتابة‬ ‫العربية الدارجة بالأحرف الالتينية‪ ،‬ومعلوم �أن‬ ‫الأحرف الالتينية قا�صرة ق�صورا وا�ضحا لكل‬ ‫ذي عينين عن تمثيل �أ�صوات العربية وغيرها‬ ‫م��ن اللغات ال�سامية‪ ،‬وبخا�صة ف��ي الأ��ص��وات‬ ‫الحلقية وال�ل�ه��وي��ة ك��ال�ه�م��زة وال �ح��اء وال�خ��اء‬ ‫نن�س ال�صاد وال�ضاد‬ ‫والعين والغين والقاف‪ ،‬وال َ‬ ‫والظاء‪ ،‬ف�ضال عن ق�صورها في تمثيل الحركات‬ ‫الق�صيرة والحركات الطويلة‪ ،‬وق��د وق��ع كثير‬ ‫من الم�ست�شرقين في �أخطاء فادحة في كتابة‬ ‫الأ��س�م��اء العربية ب�سبب اعتمادهم الأح��رف‬ ‫الالتينية في ر�سمها‪ ،‬فالبلخي يمكن �أن يقر�أ في‬ ‫كتب الم�ست�شرقين (البلكي) لعدم وجود �صوت‬ ‫الخاء لديهم‪ ،‬كما �أن ترميز الحروف العربية في‬ ‫�أوروبا (�أي ر�سمها بالالتيني) كان يختلف من‬ ‫مطبعة �إلى مطبعة‪ ،‬ومن م�ست�شرق �إلى �آخر‪ .‬وكل‬ ‫ذلك ي�ؤيد عدم كفاية الرموز والحروف الأجنبية‬ ‫في تمثيل العربية‪�« ،‬إذ �إن نظام الكتابة العربية‬ ‫لي�ست وظيفته مق�صورة على تمثيل المنطوق‪،‬‬ ‫بل تتعدى هذه الحدود وتعمل عملها في البنية‬ ‫ال�صرفية‪-‬النحوية للغة‪ ،‬و�أن نظام الكتابة‬ ‫العربية‪-‬على ما فيه من هنات ي�سيرة‪ -‬يفوق‬ ‫غيره من نظم لغات �أخ��رى‪ ،‬وهو لح�سن الحظ‬ ‫متوافق مع المبد�أ ال�صوتي الم�شهور‪ :‬رم ٌز واحد‬ ‫ٍ‬ ‫ل�صوت واحد»(‪ ،)4‬بمعنى �أن حرف الفاء مثال له‬ ‫رمز واحد في العربية (فـ) وال يمكن �أن ي�أتي في‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫اال�ستماع في تلقّي المعلومة‪ ،‬وقلّما يلتفتون �إلى‬ ‫القراءة؛ كما �أن هذه ال�شبكات في ذات الوقت‬ ‫ع �زّزت من دواف��ع الكتابة لدى الم�ستخدمين‪،‬‬ ‫لأن ال��ردود والتغريدات ال بد �أن تكون مكتوبة‬ ‫(�أي في هيئة ن�ص)‪ ،‬والن�ص بطبيعة الحال ال‬ ‫بد �أن يكون مفهوما‪� ،‬أي جُ مال مفيدة مترابطة‬ ‫معنويا وبم�ستوى لغوي يفهمه المتلقي‪ ،‬كل هذه‬ ‫االعتبارات ت��رد في ح�سبان الكثيرين عندما‬ ‫يكتبون ردوده� ��م‪ ،‬وك��ل ه��ذه ال�شبكات تتيح‬ ‫للم�ستخدم مراجعة الرد وتنقيحه‪ ،‬كما يمكن‬ ‫حذفه عند الحاجة‪� .‬إنّ فعل «المراجعة» في‬ ‫حد ذاته هو ممار�سة «واعية» للغة؛ �إذاً‪ ،‬بهذه‬ ‫الطريقة ا�ستفدنا من هذه ال�شبكات في تنمية‬ ‫مهارتين رئي�ستين من مهارات اللغة‪� ،‬أال وهي‬ ‫ملكة القراءة‪ ،‬وملكة الكتابة‪.‬‬

‫يقر�أ لوحده �سبعة كتب في ال�سنة! كما وجدت‬ ‫الإح�صاءات �أنه ي�صدر في الوطن العربي كتابٌ‬ ‫لكل (‪� )350‬أل��ف �شخ�ص‪ ،‬بينما ي�صدر في‬ ‫�أوروب��ا كتابٌ لكل خم�سة ع�شر �ألف �شخ�ص(‪،)2‬‬ ‫فجاءت هذه ال�شبكات الحديثة ‪-‬والحق يقال‪-‬‬ ‫لتردم �شيئا من الفجوة‪ ،‬وت�أخذ بيد المواطن من‬ ‫�أمة (اقر�أ) فتعيده �إلى حوزة القراءة من جديد‪.‬‬

‫ومعها �أي���ض��ا �شبكات ر��س��ائ��ل ال �ج��وال؛ فثمة الكثير من الكلمات الب�سيطة واالخت�صارات‬ ‫جمهرة من الم�شكالت التي تئنّ منها العربية المتعارف عليها في الإنجليزية‪ ،‬كما ي�ستخدمها‬ ‫وتظهر جلي ًة لكل غيور‪ ،‬ولعلي �أجمل بع�ضا منها ال�ب�ع����ض ف��ي ال �ك �ت��اب��ة ع �ب��ر م��واق��ع ال�ت��وا��ص��ل‬ ‫هنا‪ ،‬فمن ذلك‪:‬‬ ‫االجتماعي �أو ر�سائل الجوال»(‪.)2‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪69‬‬


‫كما ال نن�سى الإ� �ش��ارة �إل��ى ا�ستعمال فئات‬ ‫كثيرة من ال�شباب العربي لعبارات �إنجليزية‬ ‫�أو فرن�سية في ر�سائلهم العربية‪ ،‬وهي منت�شرة‬ ‫وم��ن مظاهر مزاحمة العامية للف�صحى‬ ‫بينهم انت�شار النار في اله�شيم‪ ،‬فتجد الر�سالة‬ ‫خليطا عجيبا م��ن ه��ذه وت�ل��ك‪ ،‬وت��ذ ّك��رن��ا هذه تغلغلها في ر�سائل الجوال‪ ،‬ووجه الخطورة هنا‬ ‫الحال العربية الم�ستعجمة والمختلطة بقول �أبي ‪-‬كما تقول �إحدى الباحثات‪�« -‬أننا نقلنا اللهجة‬ ‫العامية المحكية من حيّز المنطوق �إل��ى حيّز‬ ‫العالء‪:‬‬ ‫المكتوب في ر�سائل الجوال‪ .‬وال تزال العربية‬ ‫�أي��������ن ام���������ر�ؤ ال���ق���ي�������س وال������ع������ذارى‬ ‫����ط الف�صحى بخيرٍ م��ا ل��م ننقل لغاتنا العامية‬ ‫�إذ م���������ال م�������ن ت����ح����ت����ه ال����غ����ب����ي ُ‬ ‫من مجال (المحكي = المنطوق) �إل��ى مجال‬ ‫ا���س��ت��ن��ب��ط ال������عُ������رْبُ ف����ي ال���م���وام���ي‬ ‫(المكتوب)‪ ,‬وهذا ما تفعله ر�سائل الجوال»(‪.)5‬‬

‫����ط‬ ‫ب�������ع�������دك وا�������س������ت������ع������رب ال����ن����ب����ي ُ‬

‫������و�������ض‬ ‫ك������������������أنّ دن���������ي���������اك م��������������ا ُء ح ٍ‬ ‫������ط‬ ‫�آخ�����������������������������رُه �آجِ �����������������������������نٌ خ������ب������ي ُ‬ ‫وه �ك��ذا‪ ،‬ال يعتّم ال �ق��ارئ المبحر ف��ي هذه‬ ‫ال�شبكات �أن يجد بقعا �آجنة تختلط فيها �أم�شاج‬ ‫غريبة من اللغات واللهجات والرطانات‪ ،‬واهلل‬ ‫الم�ستعان‪.‬‬ ‫‪ 70‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫طبعا لعل مو�ضوع ه��ذه الر�سائل الن�صية‬ ‫ي�شجّ ع في ه��ذا ال�شيوع‪ ،‬ففي ر�سائل الجوال‬ ‫بين الأهل والأ�صدقاء ت�سود العامية بال �شك‪،‬‬ ‫وبخا�صة في مو�ضوعات البيت والأ�سرة والأمور‬ ‫ّ‬ ‫ال�شخ�صية بين المعارف والأ�صدقاء‪ .‬وفي الحق‬ ‫�إنّ ر�سائل الجوال في �أ�صلها ذات طبيعة برقية‪،‬‬ ‫�أع�ن��ي م��ن ناحية االخت�صار والق�صر‪ ،‬فتجد‬

‫ بروح الع�صر لل�سوق‪ ،‬تخاويني؟ فير ّد هذا‪:‬‬‫مقدر �أخاويك‪ ،‬مرتبط‪ ،‬على فكرة و�ش �سويت‬ ‫ف مو�ضوع ال�شايب؟ (�أي الوالد)!!‬ ‫ذل��ك مثال ب�سيط من �آالف الر�سائل التي‬ ‫ت��دور ف��ي المحيط العائلي ف��ي المملكة‪ ،‬وفي‬ ‫�سياق م�شابه‪� ،‬سجلت الباحثة فاطمة الزعبي‬ ‫بع�ض النماذج من ر�سائل الجوال العائلية في‬ ‫بالد ال�شام في �سوريا‪ ،‬وذُ كرت منها هذه الأمثلة‬ ‫كما وردت في �سجلها‪:‬‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫�شكل �آخر‪ ،‬بينما �صوت الفاء في الإنجليزية مثال‬ ‫يمكن �أن ي�أتي على عدة رموز (‪ )f، ph, ough‬وكذا‬ ‫�صوت الكاف ي�أتي في �صور عدة (‪،)k. c. ch.‬‬ ‫ناهيك عن الأح��رف التي تكتب وال تنطق وما‬ ‫�أكثرها! وهي بقايا من النطق القديم للكلمة في‬ ‫القرون ال�سالفة‪� ،‬إذ تطوّر نطقُ الكلمة بينما بقي‬ ‫الر�سم على حاله‪ ،‬وكل هذه الم�شكالت الكتابية‬ ‫في الإنجليزية واللغات الأوروبية تُثبت لنا حقا‬ ‫مدى محافظة القوم على نظامهم الكتابي على‬ ‫علته‪ ،‬لأن النظام الكتابي‪-‬و�إن كان في �أ�صله‬ ‫اّ‬ ‫مجرد تمثيل للغة‪� -‬إال �أنه يظل ركنا ركينا في‬ ‫المنظومة الثقافية لأي لغة‪.‬‬

‫‪ -2‬مزاحمة العام ّية للف�صحى‪ :‬وه��ذه‬ ‫م�شكلة عوي�صة تعاني منها العربية في الإعالم‬ ‫ع��ام��ة‪ ،‬وف��ي و�سائل االت�صال الحديثة ب�شكل‬ ‫خا�ص‪ ،‬ونحن ابتدا ًء ال نجادل في وجود العامية‬ ‫�إلى جوار الف�صحى؛ لأن من طبيعة كل لغة �أن‬ ‫يكون لها م�ستوى عامي �أو دارج �إلى جوار الم�ستوى‬ ‫(الر�سمي) الف�صيح‪ ،‬ولكن وجه الإ�شكال هنا‬ ‫�أن الكتابة بالعاميّة في و�سائل التوا�صل الحديثة‬ ‫تكرّ�س من نفوذ العامية وتعزّزه‪ ،‬وتقلّ�ص نفوذ‬ ‫الف�صحى‪� .‬إنّ الو�ضع الطبيعي للعامية �أن يظل‬ ‫�سلطانها ف��ي المجال الكتابي م �ح��دودا دون‬ ‫�سلطان الف�صحى بكثير‪� ،‬ألي�ست الف�صحى هي‬ ‫و�سيلة التوا�صل بين كل العرب على اختالف‬ ‫�أوطانهم ولهجاتهم وعامياتهم؟ �إذاً‪ ،‬فال بد �أن‬ ‫تعلو دائما على كل العاميات‪.‬‬

‫�أحدهم عندنا �إذا �أراد �أن يقول لأخيه مثال‪:‬‬ ‫�س�أذهب بعد الع�صر �إل��ى ال�سوق فهل تذهب‬ ‫معي؟ تجده يكتب بالعامية‪:‬‬

‫بينما نتخاطب على ال�صعيد الر�سمي باللغة‬ ‫الف�صحى؛ فمن هنا‪ ،‬يختلف م�ستوى الخطاب‬ ‫ح�سب طبيعة المتلقي‪ .‬ولنا �أن نت�أمل مثال حال‬ ‫البنت التي تريد من والدها �أال ين�سى �شراء ما‬ ‫تريده‪ ،‬فكيف �ستكتب يا تُرى؟ هل �ستقول بكل‬ ‫وقار‪�« :‬آليتُ عليك يا والدي �إال �أح�ضرت معك‬ ‫ال�ه��دي��ة»‪ ،‬ب�لا ري��ب �ستتخيل �أن�ه��ا ف��ي م�سل�سل‬ ‫تاريخي هنا‪� ،‬أم �أنها �ستكتب مبا�شرة‪« :‬باهلل‬ ‫عليك يا بابا التن�س تجيب لي هدية»‪� .‬إنّ هذا‬ ‫الطرح لي�س ت�سويغا للأمر وال تهوينا من �ش�أنه‪،‬‬ ‫و�إنما في حقيقته و�ضع الأمر في حجمه الطبيعي‪،‬‬ ‫و�أن��ه �سيظل محتمال ما دام ���أن��ه مح�صور في‬ ‫خطاب البيت والأ�سرة والأ�صدقاء‪.‬‬

‫‪� -1‬أناببيتخاليورحنامهونلأنو�أمخلدونبال�شام�ش‬ ‫‪ -3‬تراجع الكتابة واخل��ط‪ :‬وه��ذه �آخر‬ ‫وبدك‪.‬‬ ‫م�س�ألة نتوقف عندها في الت�أثيرات ال�سلبية‬ ‫‪�-2‬سالمالجامعةبدن�شهادةالتا�سعالأ�صليةو�صور ل�شبكات التوا�صل الحديثة واالعتماد على ثمار‬ ‫التقنية الحديثة‪� ،‬إذ �إنّ كثافة ا�ستخدام الأجهزة‬ ‫تينم�صدقات‪.‬‬ ‫في الكتابة وفي التوا�صل مع الآخرين قد �سببت‬ ‫‪-3‬كيفكعمبتت�صلعليبكون�سايقاوبلمحكمة�شوفيما‬ ‫تراجعا ملحوظا في مهارة الكتابة اليدوية‪� ،‬أعني‬ ‫(‪)6‬‬ ‫فيولي�شماعمبتم�سج؟‬ ‫الخط‪ ،‬ففي ال�سابق كان المر�سل يكتب ر�سالته‬ ‫هذا وقد يحقّ للغيورين �إب��داء تخوفهم من �أو خطابه باليد‪ ،‬وكذلك يكتب الطالب واجباته‬ ‫�شيوع العامية في ر�سائل الجوال كما تتخوّف هذه وبحوثه باليد‪� .‬أما الآن فال ت�سل عن الو�ضع الذي‬ ‫الباحثة‪ ،‬لكنّ بع�ض ال�شر �أه��ون من بع�ض كما و�صلنا �إليه؛ �إذ ك ّل �شيء يتمّ عبر لوحة المفاتيح‪،‬‬ ‫يقال‪ ،‬فلع ّل الأمر يكون محتمال مادام لم يبرح ف�أ�صبحت لوحة المفاتيح هي القلم بعد �أن َك ّل‬ ‫مجاله في �سياق البيت والأ��س��رة والأ�صدقاء‪ ،‬القلم ون�ضب معينه من قلة اال�ستخدام‪ ،‬وهذه‬ ‫فنحن‪� -‬إال من رحم ربك‪ -‬نتكلم في بيتنا ومع ال �ح��ال �أن�ت�ج��ت ل�ن��ا ج�ي�لا تتعجب م��ن رداءة‬ ‫�أ�صدقائنا بالعامية‪ ،‬وم��ا ر�سائل ال�ج��وال في خطوطهم وكتاباتهم‪ ،‬في�أتيك الطالب ليدخل‬ ‫حقيقتها �إال نقال لر�سالة منطوقة بالعامية‪ ،‬الجامعة‪ ..‬فتنظر ف���إذا هو يكتب في خ ٍّ��ط قد‬ ‫�ألي�س من الطبيعي‪� ،‬إذاً‪� ،‬أن تنقل الر�سالة على اعْ �ت��ورت��ه ال�م�ح��ن وال �خ �ط��وب م��ن االل��ت��واءات‬ ‫هيئتها ح�سب الم�ستوى اللغوي الذي �صيغت فيه؟ والتعرّجات‪ ،‬فال تدري �أهو طالب في الجامعة �أم‬ ‫�إننا نتخاطب في محيطنا ال�شخ�صي بالعامية‪� ،‬أنه لم يبرح الإعدادية بعد؟! �إنّه لخطب جلل من‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪71‬‬


‫م����اذاج����ن����ي����تَ ع���ل���ي���ه���م‪�،‬أّي���ه���اال���ق���ل��� ُم‬

‫و�إذا ن����ط����ق����تُ ف�����إن����ن����ي ال������ج������وزا ُء‬

‫تلك هي الف�صحى‪ ،‬و�ستبقى هذه الف�صحى‬ ‫واهلل م��ا ف��ي��ك �إ ّال ال�� ّن�����ص�� ُح وال��حِ ��ك�� ُم‬ ‫�سيدة الم�شهد اللغوي العربي ما بقي هناك‬ ‫�إ ّن����ي َل��ي��ح��زن��ن��ي �أن ي�����س��ج��ن��وك وه��م‬ ‫عربي‪ ،‬وهي �ستبقى ما بقي القر�آن‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬ ‫لوالك في الأر�ض لم تثبت لهم قد ُم‬ ‫(�إنّا نحن نزلنا الذِّ كر و�إنّا له لحافظون) �صدق‬ ‫خُ ��ل��ق��تَ ح���� ّراً ك��م��وج ال��ب��ح��ر مندفعاً‬ ‫اهلل العظيم‪.‬‬

‫فما القيو ُد وم��ا الأ���ص��ف��ا ُد واللُجمُ؟‬

‫وختاما‪ ،‬ن�س�أل اهلل �أن يلهمنا العون وال�سداد‬ ‫قف�ص‬ ‫�إن يحب�سوا الطائرَالمحكيَّ في ٍ‬ ‫ف��ي الحفاظ على ه��ذه العربية‪ ،‬لغة ال�ق��ر�آن‪،‬‬ ‫نف�س‬ ‫فلي�س يُحب�س منه ال�صوتُ والنّغ ُم تلك اللغة العزيزة التي «�سكنت في كل ٍ‬ ‫تلك ه��ي �أه ��م المع�ضالت ال�ت��ي ت�ن��وء بها وتم�شت في دماها»‪ ،‬كما كنا نردد حبها منذ �أيام‬ ‫العربية الف�صحى اليوم في ف�ضاء الإنترنت‪ ،‬المدر�سة‪ ،‬ويا لها من �أيام!‬ ‫(‪ )1‬موقع العربية نت الإخباري‪:‬‬ ‫(‪ )2‬الإح�صاءات مقتب�سة من‪ :‬عبداهلل خلف الع�ساف‪ ،‬ال�صلة بالكتاب ودعوة للقراءة‪� ،‬ص ‪� ،13‬أبحاث الم�ؤتمر‬ ‫الدولي الثاني للغة العربية‪ ،‬دبي – مايو ‪،alarabiyah.org ،2013‬‬ ‫(‪� )3‬صحيفة االقت�صادية‪ ،‬عدد الثالثاء ‪ 24‬ذو الحجة ‪ 1434‬هـ‪« :.‬العربيزي»‪ ..‬تهدد «العربية» في �شبكات التوا�صل‬ ‫(‪ )4‬كمال ب�شر‪ ،‬اللغة العربية بين الوهم و�سوء الفهم‪ ،‬دار غريب‪ ،‬القاهرة‪1999 ،‬م‪� ،‬ص ‪215‬‬ ‫(‪ )5‬فاطمة الزعبي‪� ،‬أثراللهجات العامية ولغة الجوال على الف�صحى والعامية‪� ،‬ص ‪� ،8‬أبحاث الم�ؤتمر الدولي‬ ‫الثاني للغة العربية‪ ،‬دبي‪ -‬مايو ‪3013‬م‪.alarabiah.org ،‬‬ ‫(‪ )6‬المرجع الآنف‪.‬‬ ‫‪.http://www.alarabiya.net/ar/technology/2013/08/20/70‬‬

‫‪ 72‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫ُ‬ ‫الطـفـــل‬ ‫لـغـــــة‬ ‫ِ‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫الناحية التعليمية‪ ،‬لأن طبيعة الخط تعك�س في‬ ‫العادة الم�ستوى التعليمي للطالب‪ ،‬وما �أُتينا من‬ ‫هذه الناحية �إال ب�سبب قلة الكتابة وعدم تركيز‬ ‫المعلمين على كتابة طالبهم‪ ،‬واالكتفاء بتقديم‬ ‫واجباتهم وبحوثهم مطبوعة بالحا�سوب‪ .‬من‬ ‫�أجل ذلك علينا �أن نعيد دولة القلم‪ ،‬و ُنرْجعه �إلى‬ ‫عر�ش الكتابة‪ ،‬و�أال ننتظر حتى يُ�سحب الب�ساط‬ ‫م��ن تحته بالكلية‪ ،‬ولعل الن�صاب الأك�ب��ر من‬ ‫هذا العبء يقع على الم�ؤ�س�سات التعليمية من‬ ‫مدار�س ومعاهد وجامعات‪ ،‬لقد �أ�صبح القلم‬ ‫حقا ي�شكو ويج�أر لمّا �أزحناه عن �سدة الكتابة‪،‬‬ ‫وك�أني بال�شاعر �أبي ما�ضي ينظر �إلى حال القلم‬ ‫�أن���ا ���ص��خ��رة ال����وادي �إذا م��ا زوح��م��تْ‬ ‫الحبي�س في يوم النا�س هذا‪ ،‬عندما قال‪:‬‬

‫ذلك الف�ضاء الذي تهيمن عليه �شبكات الدرد�شة‬ ‫والتوا�صل االجتماعي‪ ،‬وت�ستحوذ على جمهوره‬ ‫الر�سائل الفورية من المغردين والمغردات‪،‬‬ ‫ولكن ‪-‬رغم ذلك‪ -‬ليطمئن القراء‪ ،‬فما تزال‬ ‫العربية بخير والحمد هلل‪ ،‬وم��ا ت��زال دولتها‬ ‫قائم ًة قوي ًة في الإع�لام العربي‪ ،‬والم�ؤ�س�سات‬ ‫الحكومية‪ ،‬والنظام التعليمي‪ ،‬وهي ما�ضي ٌة �إن‬ ‫�شاء اهلل في علوّها على الرغم مما يزاحمها‬ ‫من لغات ومن عاميات ومن لهجات؛ �إنها ح ّق ًا‬ ‫�صخرة الوادي التي تثبت �أمام التيار المتالطم‬ ‫من حولها‪� ،‬ألم يقل المتنبي ذات مرة‪:‬‬

‫بين البيت والمدر�سة‬ ‫■ مر�سي طاهر �أبوعوف ‪ -‬اجلوف‬

‫اهتم العلماء العرب والغربيون قديماً باكت�ساب اللغة وتوليدها عند الطفل بوجه عام‪ ،‬وكان‬ ‫لعلماء العربية �إ�شعاعات نيّرة على الفكر اللغوي‪ ،‬حتى ال نبالغ �إذا قلنا �إن القدماء �أتوا بكل �شئ‪،‬‬ ‫و�إن في تراثهم ما يغنينا عن الإط�لاع على الثقافات اللغوية المعا�صرة‪ ،‬وع��رف عن اللغويين‬ ‫الأوائ��ل �أمثال الخليل بن �أحمد �إلمامهم بعلم المنطق والريا�ضيات‪ ،‬ما �أ�ضفى على منهجيتهم‬ ‫في تناول المو�ضوع دق��ة ومو�ضوعية‪ ،‬و�صو ًال �إل��ى الم�شاركة في ت�أ�سي�س علم قائم بذاته �سمي‬ ‫«علم اللغة» م�شتم ًال على العديد من الدرا�سات والنظريات التي تناولها علماء قدامى ومحدثون‬ ‫عرب وغربيون‪ ،‬وكانت من بين �أهم النظريات ق�ضية اكت�ساب اللغة عند الأطفال؛ فظهرت نظرية‬ ‫ت�شوم�سكي �أو ما يطلق عليها «النظرية الفطرية» �أو «تحليل المعلومات»‪ ،‬والتي تنظر للغة على �أنها‬ ‫عبارة عن ملكة �أو مهارة مفتوحة النهايات‪ ،‬وهذه النظرية تقوم على ثالثة �أ�س�س رئي�سة‪:‬‬ ‫وتمييزه من بين �سائر الأنظمة اللغوية‪� ,‬أو ما‬ ‫الأ�سا�س الأول‬ ‫�إن كل طفل في هذا العالم ي�ستطيع بما حباه يطلق عليه اللغة الكلية‪.‬‬ ‫اهلل م��ن ق��درة فطرية �أن ي�ك�وِّن مجموعة من‬ ‫الأ�سا�س الثالث‬ ‫االفترا�ضات متزايدة في التعقيد‪ ،‬كما �أن لديه‬ ‫يتمثل ف��ي �أن ك��ل ط�ف��ل ي�ستطيع ب�صورة‬ ‫جهاز ًا عقليًّا خا�ص ًا يميز بالفطرة الأمور العامة‬ ‫التي تحكم �أنظمة اللغات‪� ,‬أي �أن��ه يتمكن من طبيعية �أن يميز بين بنيتين مختلفين للغة‬ ‫معرفة ما هو داخل في لغته‪ ,‬وما هو خارج عنها‪ .‬هما‪« :‬البنية العميقة» ‪ Deep Structure‬و«البنية‬ ‫ال�سطحية» ‪ ،Surface Structure‬كما �أن��ه يلمّ‬ ‫الأ�سا�س الثاني‬ ‫بالقواعد التي تحوّل البنية العميقة المخزونة‬ ‫يقت�صر ع�م��ل ال�ط�ف��ل ف��ي م��راح��ل توليده ذهني ًا �إل��ى تج�سيد �أدن��ى‪� ،‬أي تركيب �سطحي‬ ‫المبكرة للغة على تحديد الإط��ار العام للغته «‪ .»Performance‬وهذا ي�ساعد الطفل على تكوين‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪73‬‬


‫‪ 74‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫فر�ضيات عقلية‪� ,‬أو ذهنية‪ ،‬ي�ستخل�صها من �أوالً‪ :‬ي�سمع الطفل مجموعة متجددة من تراكيب‬ ‫الكالم الذي ي�سمعه‪ ,‬وال��ذي يت�ألف«عادة» من‬ ‫اللغة‪.‬‬ ‫خليط غير مفهوم من الأ�صوات‪ ,‬ويبد�أ بتعديل ثانياً‪ :‬يحاول �أن يتكلم على نحو �إبداعي‪.‬‬ ‫هذه الفر�ضيات تدريجيا‪.‬‬ ‫ثالثاً‪ :‬يمار�س هذا التكلم‪.‬‬ ‫وقد ا�ستفاد ت�شوم�سكي من �أفكار فال�سفة‬ ‫القرنين ال�سابع ع�شر وال�ث��ام��ن ع�شر �أم�ث��ال رابعاً‪ :‬تتكرر عملية الممار�سة والتكرار‪ ،‬في�ؤدي‬ ‫ذل��ك بالتالي �إل��ى ملكة اكت�ساب اللغة‬ ‫«ديكارت» الذي ر�أى �أن للإن�سان قدرات فريدة ال‬ ‫وتوليد �أنماطها المختلفة‪.‬‬ ‫يمكن تف�سيرها‪ ،‬و�أظهر هذه القدرات و�أعظمها‬ ‫في نظره هي اللغة الإن�سانية التي ال تحدها‬ ‫وهكذا‪ ،‬يت�ضح لنا كيفية مقدرة الطفل على‬ ‫�أي ارتباطات �أو قوالب تعبيرية ثابتة‪ ,‬نتيجة توليد لغة بيئته التي يترعرع فيها باال�سـتناد‬ ‫لم�ؤثرات خارجية �أو حاالت ف�سيولوجية؛ ومن �إلى مقدراته الفطريـة‪ ،‬و�أن ابن خلدون قد مهّد‬ ‫ثم فهي �صورة للعقل الب�شري بو�صفه �أداة عامة الطريق �أم��ام المفاهـيم اللغوية التي �أكدتها‬ ‫�صالحة لكي تالئم كل الحوادث واالحتماالت‪ ،‬الدرا�سات اللغويـة النف�سية الحديثة‪.‬‬ ‫وم��ن ث��م �أ� �ض��اف ت�شوم�سكي على نظريته ما‬ ‫وعلى الرغم من ذلك �أثبتت الأبحاث العلمية‬ ‫�أ�سماه بــ«نظرية الإبداع واالبتكار»‪.‬‬ ‫�أن الأ��س��رة هي المكان الأم�ث��ل لتربية الطفل‬ ‫وعلى جانب الفكر اللغوي العربي في هذا وتكوينه لغوياً‪ ،‬ففي �أح�ضان البيت‪ ..‬يكت�سب‬ ‫ال�سياق يرى كثير من اللغويين المحدثين �أن الطفل �أولى خبراته ال�صوتية من خالل البكاء‬ ‫علماء العربية القدامى قد �ألمحوا لكثير من وال�صراخ والمناغاة‪ ،‬فالطفل يبد�أ بالمحاكاة‬ ‫الم�سائل اللغوية التي ا�شتملتها �آراء ت�شوم�سكي‪ ،‬ثم بالتكلم‪ ،���ثم بعد ذل��ك ي�ستطيع فهم معنى‬ ‫فيما يخ�ص توليد اللغة؛ وبخا�صة فيما يتعلق بع�ض الكلمات‪ ،‬ثم بعد ذل��ك ي�ستطيع و�صف‬ ‫بالتمييز بين البنيتين العميقة وال�سطحية من الأ�شياء‪ ،‬وت�صنيفها بح�سب اللون‪ ،‬وا�ستعمال‬ ‫ناحية‪ ،‬والفرق بين القدرة والآراء من ناحية بع�ض الكلمات مثل ناعم‪ ،‬وخ�شن‪ ،‬وينطق ن�سبة‬ ‫�أخ��رى؛ فنجد اب��ن خلدون في مقدمته يقول‪ :‬كبيرة من كلماته نطق ًا �صحيحاً؛ ويدرك مفهوم‬ ‫«ي�سمع ال�صبي ا�ستعمال المفردات في معانيها المكان بدقة‪ ،‬فيعرف القريب والبعيد فيقول‪:‬‬ ‫فيُل َّقنُها �أوالً‪ ،‬ثم ي�سمع التراكيب بعدها فيل ّقنُها هنا‪ ،‬هناك‪ ،‬هذه‪ ،‬قريب‪ ،‬بعيد‪ ،‬ويدرك مفهوم‬ ‫كذلك‪ ,‬ثم ال ي��زال �سماعُ هُم لذلك يتجدد في ال��زم��ن‪ ،‬وق��د تقترن معرفة وق��ت النهار لديه‬ ‫كل لحظ ٍة وم��ن كل متكلمٍ ‪ ،‬وا�ستعمالُه يتكرر بطعام الإفطار‪ ،‬ومعرفة وقت الليل بالنوم‪� ،‬أما‬ ‫�إلى �أن ي�صير ذلك ملك ًة و�صفة را�سخةً‪ ,‬ويكون خياله فيت�صف بالغزارة والمبالغة واالبتكار‬ ‫ك�أحدهم‪ ،‬هكذا ت�صيَّرت الأل�سُ ـنُ واللغات من وعدم التقيّد بالواقع المح�سو�س؛ ومن ثَمَّ ف�إن‬ ‫جيل �إلى جيل‪ ،‬وتعلَّمها العَجَ مُ والأطفال»‪.‬‬ ‫ا�ستعمال المحادثة في الحياة العامة �أو حكاية‬ ‫ويمكن تلخي�ص عملية اكت�ساب وتوليد الطفل الق�ص�ص بكافة �أنواعها‪ ،‬والإك �ث��ار من تالوة‬ ‫للغة عند ابن خلدون على النحو الآتي‪:‬‬ ‫القر�آن الكريم‪ ،‬و�سماع الأنا�شيد وتكرارها كل‬

‫ذلك له دور فعال في اكت�ساب الطفل للغة في‬ ‫المواقف الحياتية المختلفة‪.‬‬ ‫كما �أن هناك �إجماعا على اعتبار الأم المعلمة‬ ‫الأولى للغة الطفل‪� ،‬سواء من ناحية الزمن �أو من‬ ‫ناحية الأهمية؛ فبع�ضهم يرجع مرحلة اكت�ساب‬ ‫اللغة عند الطفل �إلى المرحلة الجنينية‪ ،‬حينما‬ ‫يتفاعل مع لغة الأم ومع نغمات �صوتها؛ فالطفل‬ ‫قبل �أن يكون مر�سل لغة‪ ..‬فهو متلقي لغة‪ ،‬فالأم‬ ‫�سرعان ما تدخل في حوار مع مولودها الجديد‪،‬‬ ‫ذلك الحوار من نوع خا�ص ينتقل بعد ذلك �إلى‬ ‫حوار بالحركات مع الكالم‪ ،‬فالأم تراقب �سلوك‬ ‫طفلها للت�أكد من ع��دم وج��ود ق�صور في �أحد‬ ‫الأجهزة‪ ،‬ومنها الأجهزة الم�سئولة عن اللغة‪..‬‬ ‫وهي �أجهزة ال�صوت وال�سمع؛ ومن هنا‪ ،‬تحوز‬ ‫الأم ق�صب ال�سبق في التربية اللغوية للطفل‪،‬‬ ‫ولكنها ال تحتكر ه��ذا ال ��دور‪� ..‬إذ �سرعان ما‬ ‫ين�ضم �إليها الأب‪ ،‬والأج��داد‪ ،‬و�أق��ارب �آخرون‪،‬‬ ‫والمجتمع المحيط‪.‬‬ ‫وع �ل��ى ال�ع�ك����س م��ن ذل���ك‪ ،‬ف�ف��ي ك�ث�ي��ر من‬

‫الأح �ي��ان‪ ،‬نجد الأط�ف��ال الر�ضع الذين تربّوا‬ ‫ف��ي دور الح�ضانة عندما ي�ن��اغ��ون‪ ،‬ن ��ادر ًا ما‬ ‫ي�ضحكون‪ ،‬ولهم وج��ه غير معبّر تقريباً؛ لأن‬ ‫ال�ع�لاق��ات الأول� ��ى بين �أ��ش�ك��ال اللغة ل��م تلق‬ ‫ت�شجيع ًا من قبل المربي �أو مَ ن يقوم بدور الأم‪،‬‬ ‫كما ن�لاح��ظ ت�ك�وّن اللغة ل��دى الطفل م��ن فم‬ ‫العامالت الأجنبيات‪ ،‬والتي تعطيه اللغة م�شوّهة‬ ‫وفقيرة وناق�صة‪ ،‬ما ي�ؤثر �سلب ًا على نموه اللغوي‪.‬‬ ‫ومن هنا‪ ،‬يبرز دور الوالدين في تلقين الطفل‬ ‫وتعليمه والتكلم �إل�ي��ه‪ ،‬كما �أن وج��ود �أطفال‬ ‫�آخرين مع الطفل في الأ�سرة ي�سهل نمو �سلوكه‬ ‫اللغوي‪ ،‬كذلك فالوالدان والأجداد وغيرهم من‬ ‫الأ�شخا�ص يعلّمون الطفل اللغة بكفاءة �أكثر من‬ ‫التليفزيون‪ ..‬ال��ذي ي�ساء ا�ستخدامه الآن في‬ ‫كثير من البيوت‪ ،‬ف�أحداثه و�صوره تكون �أ�سرع‬ ‫م��ن ال�ل�ازم؛ ف�لا ي�ستطيع ال�صغير متابعتها‬ ‫وفهمها‪ ،‬وكذلك عدم ترابط برامجه‪ ..‬ف�أ�صبح‬ ‫من ال�سهل جد ًا االنتقال من قناة لأخرى‪ .‬كما‬ ‫يالحظ �أن البرامج التليفزيونية تفر�ض ات�صا ًال‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪75‬‬


‫من جانب واحد �إلى حد �أن عدد ًا من الحاالت‬ ‫بين �أطفال �شمالي �أمريكا –كما يعلق بع�ض‬ ‫الخبراء‪ -‬ولكونهم متروكين تمام ًا للتليفزيون ‪ -‬ب�إمكان �أف��راد العائلة �أن ي�ساعدوا وينمّوا‬ ‫كمرب لهم‪ ،‬يفهمون الإنجليزية تماماً‪ ،‬ولكنهم‬ ‫ملكات الطفل اللفظية بت�شجيعه على تقليد‬ ‫ال ي�ستطيعون التحدث بها‪ ،‬وقد يكون من المفيد‬ ‫�أ��ص��وات الحيوانات المعروفة لديه‪ ،‬وعلى‬ ‫في �سن الخم�س �أو ال�ست �سنوات م�شاهدة بع�ض‬ ‫�إ��ص��دار الأ��ص��وات الم�ألوفة عنده‪ ،‬وكذلك‬ ‫البرامج التليفزيونية الق�صيرة المخ�ص�صة‬ ‫م�ساعدته على التعبير عن الأ�شياء الرئي�سة‬ ‫للأطفال‪ ،‬ب�شرط �أن يقوم الكبار بال�شرح الدقيق‬ ‫التي يالحظها‪ ،‬وذل��ك عن طريق الكلمة‪..‬‬ ‫والتعليق عليها �أثناء العر�ض �أو بعده‪.‬‬ ‫مثل التعبير عن �سقوط �شيء بكلمة(بم)‪،‬‬ ‫وكالتعبير عن �ضرب الأ�شياء باليد �أو بالع�صا‬ ‫�أ�س�س التربية اللغوية وو�سائلها داخل الأ�سرة‬ ‫�أو نحو ذلك بكلمة (بم بم)‪ ،‬وللتعبير عن‬ ‫ من ال�ضروري �أن تتكلم الأم با�ستمرار وبود‬‫الجهد المبذول للنهو�ض(�أوبا)‪ ،‬ومن المهم‬ ‫ولطف مع �صغيرها‪ ،‬وي��ا حبذا لو �أ�سمعته‬ ‫كذلك والماتع �أي�ض ًا التعليق اللفظي الذي‬ ‫بالطريقة المالئمة وف��ي الوقت المنا�سب‬ ‫يقوم به الوالدان وبقية �أف��راد العائلة حول‬ ‫�أ�صوات ًا مختلفة‪ ،‬ومن الأف�ضل �أن ت�صحب‬ ‫الخبرات التي يكت�سبها الطفل‪ ،‬ب��أن يكون‬ ‫ذلك بابت�سامة ونظرة تجذب انتباه الطفل‪،‬‬ ‫م�شاهد ًا لها‪ ،‬ويكون طرف ًا فيها‪« :‬ال�شربة‬ ‫ومن الأف�ضل كذلك �أن تقود الأم �صغيرها‬ ‫ج��اه��زة الآن»‪�« ،‬أم�سك �أن�ف��ك بالمنديل»‪،‬‬ ‫ع��ن ط��ري��ق الكلمة �إل ��ى �إدراك ال��ظ��واه��ر‬ ‫«خذ العرو�سة اللعبة»‪« ،‬الب�س حذاءك لأننا‬ ‫ال�سمعية وال�صوتية المختلفة والتمييز بينها‪.‬‬ ‫�سنخرج»‪ .‬وب�سماع الطفل لترجمة الألفاظ‬ ‫ وال نغفل هنا دور ال�لُّ� َع��ب ال�ت��ي لها �صوت‬‫وال�م�ف��ردات اللغوية للأ�شياء التي يعي�ش‬ ‫�إيقاعي‪ ،‬والأ�صوات والنغمات المتباينة في‬ ‫بينها‪ ..‬ف�إنه يكت�شف بهذا ال�شكل العالقة‬ ‫�أغاني الأطفال‪ ،‬و�أدوات الطعام‪ ،‬والعبارات‬ ‫ال�م��وج��ودة بين الكلمة والحقيقة‪ ،‬ويتعلم‬ ‫ذات النبرة المختلفة‪ ،‬في زيادة قدرة الطفل‬ ‫كيف يميز بين الأ�شياء المختلفة والتمييز‬ ‫ال�سمعية‪ ،‬بل �إن الطفل الأ�صم في ال�شهور‬ ‫بين دالالت الكلمات على �أ�سا�س نغمتها‪،‬‬ ‫الأولى من حياته ي�سلي نف�سه ب�إ�صدار �أ�صوات‬ ‫ويتم ت�شجيع الطفل ودفعه �إلى تمييز �أجزاء‬ ‫غير محددة‪ ،‬ولكنه �شيئ ًا ف�شيئ ًا يتخلّى عن‬ ‫ج�سمه وم�لاب���س��ه‪ ،‬وك��ذل��ك ال�ت�ع��رف على‬ ‫ذل��ك لأن��ه يفتقد ال�ح��اف��ز ال��ذي يكمن في‬ ‫محتويات المنزل‪ ،‬ويو�ضح هذا الكالم �أحد‬ ‫�إدراك��ه المبا�شر للأ�صوات التي ي�صدرها‪،‬‬ ‫الخبراء في هذا المجال بقوله‪ :‬تكلموا مع‬ ‫وكذلك ال يلقى ت�شجيع ًا بالكالم ممن هم‬ ‫�أطفالكم ب�صوت مرتفع ع��ن ك��ل الأ�شياء‬ ‫مثله؛ وعلى العك�س تماماً‪ ،‬ف�إن الطفل ي�ستمتع‬ ‫التي ترونها �أو تفعلونها‪ ،‬علموهم �أن كل‬ ‫ب�سماع نف�سه و�سماع الكبار الذين يقلدون‬ ‫ن�شاط وكل �شيء له م�سمى‪ ،‬و�إذا حاولتم �أن‬ ‫مناغاته وي�شجعونه على الكالم‪ ،‬ومن ثم فهو‬ ‫تكلموهم بتمهل وو�ضوح ف��إن الفائدة التي‬ ‫يم�ضي في المناغاة محاو ًال �أن يقلّد الأ�صوات‬ ‫يح�صل عليها الطفل �ستكون �أكثر نفعاً‪ ،‬وها‬ ‫‪ 76‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫الب�سيطة وبع�ض المقاطع‪ ،‬وك��ذل��ك بع�ض‬ ‫الأ�صوات ال�صادرة عن البيئة حوله‪0‬‬

‫هو مثال يبين �أن ال�شيء الذي تفعلونه كل يوم‬ ‫يمكن �أن يكون فر�صة جيدة لمخاطبة الطفل‬ ‫و�إثراء لغته؛ فمث ًال عند �إعادة ترتيب حجرة‬ ‫م��ا‪ ،‬ا��ش��رح��وا ل��ه ب��و��ض��وح ك��ل م��ا تفعلونه‪،‬‬ ‫وت�أكدوا �أن الطفل يهتم بما تقولون‪ ..‬ف�إذا ما‬ ‫تحدثتم �إلى الطفل‪ ،‬ف�إنه �سيهتم ‪-‬بال �شك‪-‬‬ ‫بكم وبكلماتكم‪ ،‬ف ��رددوا ع �ب��ارات كهذه‪:‬‬ ‫(انظر يا �صغيري‪� ،‬إنني �أ�ضع قطعة الخ�شب‬ ‫ف��ي ال �� �ص �ن��دوق)‪ ،‬و�إذا رغ��ب ال�ط�ف��ل في‬ ‫ظ��روف مواتية للحوار‪ ،‬يكون من الأف�ضل‬ ‫م�ساعدتكم في العمل يكون �أف�ضل‪ ،‬وفي هذه‬ ‫اللجوء �إلى ال�صور والر�سومات؛ ف�إن ال�صور‬ ‫الحالة يمكنكم �أن تكلموه عما يفعله بمثل‬ ‫تخلق في الطفل وتوقظ فيه خبراته المبا�شرة‬ ‫قولنا له‪�( :‬أنت الآن تجمع الكتب)‪ ،‬و�سيجد‬ ‫وتو�سّ ع �أفقه؛ كما �أنها توقظ في الطفل ملكة‬ ‫الطفل �سعادة في ذلك‪ ،‬و�سيبد�أ في التجاوب‬ ‫التعليق على الأ�شياء‪ ،‬وت�ساعده على القراءة‪،‬‬ ‫والتعليق‪ ،‬فيحاول �أن ي�صف الموقف بعبارات‬ ‫وين�صح ب�أن تكون و�سيلة الحكاية في فترة‬ ‫موجزة خالية من �أدوات التعريف وحروف‬ ‫الطفولة الثانية‪ ،‬ونظر ًا لأن الحكاية تتطلب‬ ‫الجر‪ ،‬ومن المنا�سب هنا �أن يكرر الوالد �أو‬ ‫ا�ستعداد ًا وق��درة ل��دى الكبار‪ ،‬ع�لاوة على‬ ‫فرد العائلة العبارة مع �إكمالها �أو ت�صحيحها‪،‬‬ ‫المهارة الروائية في الإلقاء‪� ،‬أ�صبح االتجاه‬ ‫فمثال عندما ينطق الطفل الكلمات ب�صورة‬ ‫القوي اليوم هو اللجوء �إل��ى اال�سطوانات‬ ‫خاطئة مثل(مك�سول) بد ًال من (مك�سور)‪،‬‬ ‫والكتب الم�صورة الم�صاحبة لها‪.‬‬ ‫�أو (�أ�شلب) بد ًال من(�أ�شرب)‪ ،‬عندئذ من‬ ‫ال���ض��روري �أن ي�ب��ادر الكبار بالت�صحيح‪ - ،‬ك��ل ه ��ذه ال��و� �س��ائ��ل ��ص��ال�ح��ة م��ن الناحية‬ ‫وغالب ًا ما يكون الت�صويب وت�صحيح الكلمة‬ ‫التربوية‪� ،‬شريطة �أال تكون بدي ًال عن الكلمة‬ ‫م�ؤدي ًا بالطفل �إلى تعديل وتح�سين لغته‪.‬‬ ‫وال �ح��وار م��ع الطفل داخ��ل الأ� �س��رة‪ ،‬والتي‬ ‫تهدف �إل��ى تنمية لغة الطفل‪ .‬وهنا يت�ضح‬ ‫ �إن �أغ��ان��ي الأط �ف��ال التقليدية والأنا�شيد‬‫دور الأج ��داد ف��ي حياة الأط �ف��ال؛ �إذ �أنهم‬ ‫الق�صيرة والأغاني التي ي�صحبها لحن‪ ،‬ال‬ ‫محدثون بارعون‪ ،‬يتميزون بالخبرة والإلمام‬ ‫ت�ساعد فقط على تقوية حبه للكلمة المنغّمة‪،‬‬ ‫باللغة(العامية والف�صحى)‪.‬‬ ‫ولكن ت�ساعد كذلك وب�صورة تدريجية على‬ ‫ت�صحيح عيوب النطق عنده‪ ،‬وعلى تخفيف ‪ -‬يمثل اال�ستماع �إلى القر�آن الكريم وتالوته‬ ‫حدّة ظاهرة التلعثم لديه‪.‬‬ ‫من �أهم الو�سائل التي تنمّي الطفل لغوياً‪،‬‬ ‫ويمثل الحر�ص من جانب الوالدين على ذلك‬ ‫ م �� �س��اع��دة ال �ط �ف��ل ع �ل��ى ت�م�ي�ي��ز الأ� �ش �ي��اء‬‫القدوة التي يتمثل بها الطفل‪ ،‬ويحاول �أن‬ ‫والم�سميات وزي��ادة ثروته اللغوية وت�سهيل‬ ‫ا�ستخدامه للألفاظ ب�صورة مالئمة‪ ،‬ولخلق‬ ‫يقلّدها ويكت�سب ما تقوم به‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪77‬‬


‫ �إذا كانت الأ� �س��رة تحتفظ بال�صدارة في‬‫مجال تربية الطفل اللغوية‪ ،‬ف�إنه يتعين على‬ ‫مدر�سّ ة الرو�ضة �أن تجعل من نف�سها امتدادا‬ ‫طبيعي ًا لدور الأ�سرة‪ ،‬ومن الأف�ضل �أن يكون‬ ‫ما ي�سمعه الطفل ويتكلمه في الرو�ضة مرتبط ًا ‪ -‬دور المعلم �أو المعلمة محوري في تطوير‬ ‫ب�ألعابه الفردية �أو الجماعية‪ ،‬والأن�شطة التي‬ ‫القدرات اللغوية لدى كل تلميذ‪ ..‬من خالل‬ ‫ي��ؤدي�ه��ا‪ ،‬وك��ذل��ك بحياته العملية‪ ..‬ليكون‬ ‫بناء عالقة ثقة واحترام عن طريق الحوار‬ ‫هناك مماثلة بين ما كان عليه في �أ�سرته وما‬ ‫وال�م�ح��ادث��ة ال�ت��ي ت��راع��ي ال �ف��روق الفردية‬ ‫هو عليه في الرو�ضة‪.‬‬ ‫للطالب‪ ،‬و�إث��راء مفرداتهم اللغوية وتكوين‬ ‫ ينبغي �أن يُنظر بحب وود �إلى طريقة كالم‬‫جمل وع �ب��ارات بطريقة �صحيحة تراعي‬ ‫الطفل‪ ،‬وتحترم طريقته للتعبير و�إن كانت‬ ‫تطبيق قواعد ال�صرف‪ ،‬وكذلك ا�ستثمار‬ ‫م�ضحكة وبدائية؛ كذلك ينبغي النزول �إلى‬ ‫ك��اف��ة الأن �� �ش �ط��ة التعليمية والم�سرحية‬ ‫م�ستوى اهتماماته ال�شخ�صية‪ ،‬وو�ضع تفاوت‬ ‫والإذاعية في تكوين بنية لغوية �سليمة‪.‬‬ ‫نموه اللغوي مو�ضع االعتبار‪.‬‬ ‫بعد ه��ذا العر�ض‪ ،‬يت�ضح لنا �أن القدرات‬ ‫ تتيح المدر�سة مجا ًال وا�سع ًا من الخبرات‬‫المتنوّعة والمتعددة للطفل‪ ،‬فت�ضع بين يديه اللغوية واكت�سابها ه��ي ف��ي الأ��س��ا���س ق��درات‬ ‫�صور ًا من الن�شاطات التي تغر�س فيه الحافز فطرية‪ ،‬و�ضعها اهلل �سبحانه وتعالى في الطفل‪،‬‬ ‫االجتماعي‪ ،‬كما تعطيه جرعة ثقافية عن ومرتبطة بحا�سة ال�سمع لديه‪ ،‬وتتطور معه وفق‬ ‫طريق المناظر الم�صورة‪ ،‬عالوة على ذلك مجموعة من المتغيرات والبيئة المحيطة به‪،‬‬ ‫تقدم و�سائل تعليمية فعّالة ت�ساعد على وبخا�صة البيت والمدر�سة؛ كما ال يمكن �أن نُغفل‬ ‫ن�ضجهم اللغوي‪.‬‬ ‫دور الآب��اء والأم �ه��ات في تقويم �أداء �أبنائهم‬ ‫ ت��واف��ر ت�ن�وّع وزي ��ادة ال�خ�ب��رات وال�ك�ف��اءات و�صقل مقدرتهم اللغوية؛ ي�ساعدهم على ذلك‬‫التعليمية‪ ،‬وك��ذل��ك ال��و� �س��ائ��ل التعليمية تعاون مثمر بينهم وبين المعلمين في ا�ستكمال‬ ‫المتطورة واال�ستخدام المنظم والمدرو�س وب��ن��اء المنظومة اللغوية ال�صحيحة للطفل‪،‬‬ ‫للطرق التعليمية المالئمة لتربية لغوية كما �أن على وزارات التربية والتعليم والإعالم‬ ‫�سليمة‪.‬‬ ‫وال�صحة والخدمة االجتماعية العمل �سوي ًا على‬ ‫ ت �ب��ادل ال�خ�ب��رات والأف��ك��ار النافعة للنمو و�ضع برامج للطفل العربي‪ ،‬تظهر قدرته على‬‫الذهني من خالل المحادثة مع المعلمين اكت�ساب اللغة والتعلم كم ًا وكيفاً‪ ،‬مع الأخ��ذ‬ ‫و�أقرانهم‪ ،‬والتي تعمل على �إث��راء قامو�س في االعتبار ن�سب الذكاء عند الأطفال والواقع‬ ‫الطفل اللغوي‪ ،‬وت�ضع بين يديه نماذج لغوية الثقافي والح�ضاري في الوطن العربي‪.‬‬ ‫‪ 78‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫مع ّلمون را�سخون في الذاكرة‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫�أ�س�س التربية اللغوية وو�سائلها في المدر�سة‬

‫من �ش�أنها �أن تعجّ ل ن�ضجه حرفي ًا وداللياً‪،‬‬ ‫كما �أنها تعمل على نمو الطفل االجتماعي‪،‬‬ ‫�إذ تُطلعه على لذة الحياة داخ��ل الجماعة‬ ‫وتدربه على انتظار دوره في الحديث ب�أدب‬ ‫و�صبر‪.‬‬

‫■ عبداهلل ال�سفر‪ -‬ال�سعودية‬

‫للمع ّل ِم دو ٌر كبير في تحبيب اللغة العربية عند طالبه‪ ،‬وقبل هذا الدور يُتو ّق ُع من ُه �أن يكون‬ ‫متمكّناً من لغ ِت ِه ومن طرق التو�صيل المالئمة للمرحلة العمريّة والدرا�سيّة‪.‬‬ ‫جميعنا م�� َّر عليه‪� ،‬أثناء �سنوات الدرا�سة في مراحلها المتعدّدة‪ ،‬ح�ش ٌد من معلّمي اللغة‬ ‫العربية الذين يتفاوتون في الم�ستوى والأداء والت�أثير‪ ،‬وذلك تبعاً لما ينطوون عليه من مقدرة‬ ‫علمية وكيفيّة خا�صة قادرة على ن�سج العالقة مع الطالب؛ ت�ؤ�سّ �س للتلقي المنا�سب‪ ،‬بعيداً عن‬ ‫النفور من المعلّم ومادّته‪.‬‬ ‫‪ ..‬ولح�سن حظي‪ ،‬فقد تي�سّ َر لي عبر محطّ ات‬ ‫أحفظ لهم‬ ‫الدرا�سة معلّمون �أكفاء ما �أزال � ُ‬ ‫جميلهم بكثيرٍ من ال�شكر والعرفان والتقدير‪.‬‬ ‫ما �أذك �رُه جيّداً‪ ،‬وما لن �أن�ساه لي�س المقرّر‬ ‫الدرا�سي المعلوم والمطلوب تدري�سه لنا‪ ،‬لكن‬ ‫تلك الإ�ضافات واال�ستطاالت وال�شوارد النحوية‬ ‫والق�ص�صية وال�شعرية التي ت�سري بالن�سبة لي‬ ‫م�سرَى اللذة‪ ،‬قبل �أن تكون تح�صي ًال �أ�شمل‬ ‫ونوافذَ �أو�س َع م�شرع ًة على «لغتنا الجميلة»‪.‬‬ ‫وكم هي الإ�شارات التي بثّوها عن �أعالم اللغة‬ ‫العربية وكتبهم؛ فكانت مر�شد ًا وفنار ًا وملج�أً ال‬ ‫غنى عنه في م�سيرتي المهنيّة والأدبيّة‪.‬‬ ‫ف��ي المرحلة االبتدائية بمدر�سة الج�شة‬

‫بالأح�ساء‪ ،‬وفي ال�صفين الخام�س وال�ساد�س‪،‬‬ ‫ك��ان مدر�سّ نا الأردن� ��ي الفل�سطيني «�سالم‬ ‫الزعاترة» الذي تعوّدنا منه في م�ستهلِّ العام‬ ‫ح�صة‪� ،‬أ�سمّيها الآن‬ ‫يخ�ص�ص ّ‬ ‫الدرا�سي �أن ّ‬ ‫ب�ع��د ال�ع�م��ر وال�ت�ج��رب��ة‪ ،‬تحفيزيّة ت�ستدعي‬ ‫بنظرة �شاملة ال�سنة ال�سابقة تختبرنا وت�ؤكّد‬ ‫معلوماتنا وتعمل على تثبيتها‪ ،‬ومعها كان در�سه‬ ‫الأثير عن الرجولة في الحياة وعن الم�ستقبل‬ ‫وع��ن االهتمام ال��ذي ينبغي �أن نوليه للمواد‬ ‫الدرا�سيّة‪ ،‬وبخا�صة اللغة العربية التي لن تكون‬ ‫مقررا ونم�ضي عنه مثل �سائر المواد الأخرى‪،‬‬ ‫لكنها ح�صيلة م��ن التراكم يلزم تر�سيخها‬ ‫لأننا نحتاجُ ها‪ ،‬وما �سوف ي�أتي من مقررات‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪79‬‬


‫في المرحلة المتو�سطة‪� ،‬أوائل ال�سبعينيات‬ ‫ال �ت��ي � �ش �ه��دت ع� ��ودة ال �ع�لاق��ات الم�صرية‬ ‫ال�سعودية بعد وفاة جمال عبدالنا�صر وت�سلّم‬ ‫�أنور ال�سادات �سدّة الرئا�سة في ذلك العقد‪،‬‬ ‫انهم َر المعلمون الم�صريون على حقل التعليم‬ ‫�شخ�ص‬ ‫ٍ‬ ‫ب�إ�سهامٍ ال يُن�سَ ى‪ ،‬ويختلف تقديره من‬ ‫�إل��ى �آخ��ر‪ ،‬وم��ن ه ��ؤالء معلّمي «�شهدي» الذي‬ ‫ف��ات على ال��ذاك��رة االحتفاظ با�سم عائلته‪،‬‬ ‫غير �أنّها يانعة وتندى بجميل ف�ضلِه؛ معلّم ًا للغة‬ ‫العربية في ال�صفين الثاني والثالث متو�سط‬ ‫‪ 80‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫في المرحلة الثانوية وما بعدها من التعليم‬ ‫الجامعي‪ ،‬م َّر �أكثر من معلّم للغة العربية مثل‬ ‫الأ�ستاذ �أحمد عبدالغفار (�أ�صبح دكتور ًا فيما‬ ‫بعد) في المرحلة الثانوية بمدر�سة الملك‬ ‫خالد بمدينة الهفوف؛ حا�ضرة الإح�ساء‪..‬‬ ‫والدكتور محمدين محمدين بالكلية المتو�سطة‬ ‫في الدمام‪� ،‬أذك ُر هذين المعلمَين بتقديرٍ بالغ‪،‬‬ ‫رغم �أنّ �أثر القدوة لي�س بحا ِل ِه الذي كان عليه‬ ‫في مرحلتَيْ الإبتدائية والمتو�سطة؛ �أ�ستعيدُ هما‬ ‫لما كانا عليه من م�ستوى علميّ باهر‪ ،‬ودقّة‬ ‫بالغة‪ ،‬ومهار ٍة عالية في ا�ستظهار المرويّات‬ ‫اللغوية وال�شواهد المتناثرة في بطون الكتب؛‬

‫المعلّق الريا�ضي الفل�سطيني �أك��رم �صالح‬ ‫(‪1986 - 1929‬م) ال��ذي تعلّقتُ ب�سماعه‬ ‫و�شريكه في التعليق مو�سى ب�شوتي‪ ،‬لكنّ لأكرم‬ ‫نبر ًة ومذاق ًا يجعلني ملت�صق ًا بالمذياع‪� ،‬أتابع‬ ‫�أن���ص��اف الأ���ش��واط �أو �أرب��اع��ه��ا (المقطوعة‬ ‫بالن�شرات الإخبارية من �إذاعة البي بي �سي)‬ ‫ومنتبه ًا لأدائه ال�سل�س والمتدفّق باللغة العربية‬ ‫الف�صحى‪ ،‬والمطعّمة بين �آون ٍة و�أخرى بعاميّة‬ ‫فل�سطينية يل ُّذ وقعُها في الأذن‪ .‬ومما �أدي��ن‬ ‫به لهذا الراحل الكبير �أنّي عرفت من خالله‬ ‫�أ�سلوب التعجّ ب ال��ذي وقتَها ل��م �أتعلّمه في‬ ‫المدر�سة بعد‪.‬‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫اللغة في المراحل القادمة ينبني عليها‪ .‬كان‬ ‫الأ�ستاذ «�سالم الزعاترة» من ط��راز معلّمي‬ ‫تلك الفترة التي تق ُع في �أواخ��ر ال�ستينيات‬ ‫و�أوائل ال�سبعينيات من القرن الما�ضي؛ مُ �شرَب ًا‬ ‫بالجديّة وال�صرامة‪ ،‬لئال �أق��ول الق�سوة‪ .‬ال‬ ‫يتهاون في در�سه وال ي�ؤجّ ل العقاب بمرارته‪،‬‬ ‫وفي الوقت نف�سه ال يبخل بالت�شجيع «�صفقوا‬ ‫له يا �أوالد»‪« ..‬ع�ف��ارم»‪ ..‬و�سواها من كلمات‬ ‫الت�شجيع �أو التربيت على الكتف بقوّة!! عندما‬ ‫ي�ستح�سن الإجابة �أو �إنجاز الواجب ب�صورة‬ ‫�صحيحة و«نظيفة»‪ .‬من �صور الت�شجيع التي‬ ‫تظ ّل محفورة في الذاكرة �أنّ��ه كان ي�ستدعي‬ ‫طالب ًا متميّز ًا من ال�صف الخام�س �إلى ال�صف‬ ‫ال�ساد�س ليح ّل م�س�ألة تعثّر فيها طالب ذلك‬ ‫الف�صل‪ ،‬وغالب ًا م��ا تكون ف��ي الإع���راب‪� .‬أيّ‬ ‫�أجنح ٍة ي�سّ رها لنا «�سالم ال��زع��ات��رة» �أردّد‬ ‫ا�س َم ُه الآن ب�إعزازٍ ال حدَّ له‪ .‬فقد كان الأول‬ ‫الذي �أوقفني على النبع‪ ،‬وز ّي��نَ لي االغتراف‬ ‫منه بمح ّب ٍة وثقة‪.‬‬

‫بمدر�سة الجفر بالأح�ساء الذي اكت�شفنا معه‬ ‫�أن م��ادّة التعبير لي�ست نافلة ولي�ست خفيفة‬ ‫في ميزان التقدير‪ .‬فقد كان في هذه المادة‬ ‫�شديد الحر�ص على �سالمة اللغة‪ ،‬وي�ست ّل من‬ ‫ال��در���س المكتوب في الدفتر بع�ض القواعد‬ ‫التي در�سناها‪ ،‬ويعلّمنا طريقة اال�ستعمال‬ ‫ال�صحيحة في �أداءٍ مذهل‪ ..‬مذهل‪ ..‬نعم‪ ،‬كان‬ ‫الأ�ستاذ «�شهدي» يذهلُنا في �إي�صال المعلومة‬ ‫يكف عن ربط‬ ‫وتر�سيخها؛ ا�ستخدام ًا وتذوّقاً‪ .‬ال ّ‬ ‫در�سَ ُه بالأمثال‪ ،‬وللطرافة لم تكن من اللغة‬ ‫العربية‪ ،‬بل من «العاميّة الم�صريّة»‪� .‬أذك ُر منها‬ ‫«�إن دِ ْبلِتْ الوردة تبقَى ريحتها فيها» وكان يعني‬ ‫�أث َر الت�صريف وعوامل الإعراب التي تغيّر في‬ ‫�شكل الكلمة‪ ،‬لكنّ ثمّة ما ينبئ عن المحذوف‬ ‫وينوب بالإخبار عنه و�أن��ه لم يذهب تماماً‪.‬‬ ‫جعلَ الأ�ستاذ «�شهدي» طالبه يتذوّقون الكلمة‬ ‫ويت�سابقون في ا�ستظهار ح�صيلتِهم في در�س‬ ‫التعبير‪ ،‬و�إلى الآن بعد �أكثر من �أربعين عام ًا‬ ‫�أحتفظ بدفتر مذكرات �أزرق للعام ‪1973‬م‪،‬‬ ‫ح�صلتُ عليه غبَّ زيارة للخفجي «المحايدة»‪،‬‬ ‫وف �ي��ه ك �ن��تُ �أك �ت��ب م��و��ض��وع��ات التعبير قبل‬ ‫ت�سويدها في دفتر المدر�سة‪ ،‬ومنها مو�ضوع‬ ‫عن «ح��رب �أكتوبر ‪1973‬م رم�ضان ‪1993‬ه�ـ»‬ ‫الذي نالَ ا�ستح�سان الأ�ستاذ «�شهدي» (ومعي‬ ‫كان في اال�ستح�سان‪ ،‬المهند�س العزيز‪� :‬صالح‬ ‫ال�صندوق) وطلبَ �أن �أق ��ر�أَ ُه �أم��ام الطالب‪،‬‬ ‫وهو يقاطع بكلمات الت�شجيع‪ ،‬وال يتخلّى في‬ ‫الوقت نف�سِ ِه عن تذكيرِ نا بالقواعد وبما يف ّر‬ ‫هنات �إمالئيّة‪� .‬إن الدر�س الكبير الذي‬ ‫منّا من ٍ‬

‫قدّمَ ُه لي معلّمي «�شهدي» كيف تو�صل مادتك يلمّان بها ويب�سطانها �أمام الطالب �ش�أن �ساحرٍ‬ ‫الدرا�سية؟ وكيف تحبّب الطالب فيها بطريقة في ر�شاق ٍة وخفّة وجمال‪.‬‬ ‫عمادها التمكّن من المادة و�أ�سلوب الطرفة‬ ‫‪ ..‬هناك معلّم لم �أجل�س �أمامه في مدر�سة‪،‬‬ ‫واالبت�سامة‪ ..‬وبقليلٍ من ال�سخريّة ت�ش ّع في وال تلقيتُ منه عن كتاب‪ ،‬غير �أ ّن��ي في هذا‬ ‫�سماء الف�صل وتغنيه عن ا�ستخدام الع�صا‪.‬‬ ‫المقام من الذاكر ِة واللغة ال يغيب عنّي ا�سمُ‬

‫على وقع هذا التذكّر ب�شعلة الحنين المتّقدة‪،‬‬ ‫وتزداد اتّقاد ًا كلّما التفتُّ وكلّما ابتعدت العينُ‬ ‫�إل��ى ال��داخ��ل في غائر الأي��ام الأول ��ى‪ ،‬والأث��ر‬ ‫العميق الطالع منها والباقي ي�صمد في مرتقى‬ ‫العمر ويعين‪ ..‬على هذا الوقع‪ ،‬ال �أ�ستطيع �أن‬ ‫�أك��ون محايد ًا في تقييم معلّمي اللغة العربية‬ ‫في الوقت الحا�ضر‪ ،‬و�أخ�شى �أن �أك��ون مغالي ًا‬ ‫ف��ي تظهير ال��وج��ه ال�سلبي والنقي�ض؛ لهذا‬ ‫أف�ضل الإم�ساك مبرّر ًا لنف�سي بهذه الحكمة‬ ‫� ّ‬ ‫الذهبية«!!»‪:‬‬ ‫«عندما يجهز الطالب؛ يظهر المعلّم»‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪81‬‬


‫■ ه�شام بن�شاوي*‬

‫ير�سم الكاتب الم�صري الفرنكفوني �ألبير ق�صيري (ال��ق��اه��رة ‪1913‬م‪ -‬باري�س‬ ‫‪2008‬م) في روايته الأخيرة‪�« :‬أل��وان العار»‪ -‬ال�صادرة بلغة موليير عام ‪1999‬م‪ ،‬والتي‬ ‫�صدرت في ترجمتين عربيتين (القاهرة ‪2011‬م‪ ،‬دم�شق ‪2013‬م)‪ -‬لوحة بانورامية‬ ‫�ساخرة مده�شة للقاهرة ال�سبعينية‪.‬‬ ‫ت��ب��د�أ ال���رواي���ة ب��و���ص��ف ال��ح�����ش��ود ال��ب�����ش��ري��ة‪ ،‬ال��ت��ي �أ���ص��اب��ت��ه��ا ال��ب��ط��ال��ة بال�سكينة‪،‬‬ ‫والمت�سكعة تحت ال�شم�س الالهبة في �شوارع القاهرة‪ ،‬التي �أ�ضحت �أ�شبه ببيت للنمل؛‬ ‫ب�سبب النازحين القادمين من كل المحافظات والم�شبعين ب�أوهام حمقاء عن ازدهار‬ ‫العا�صمة‪ ،‬والمباني �آيلة ال�سقوط‪� ..‬إزاء هذا الم�شهد القاهري المثير للرثاء‪ ،‬يتعجب‬ ‫�أ�سامة كيف يعي�ش �أهالي هذه المدينة و�سط �أبواق ال�سيارات والغبار والقمامة والوحل‬ ‫«دون �إبداء ولو �أدنى بادرة عدوانية �أو �إ�شارة احتجاج؟! فمجرد �شعورهم ب�أنهم ال زالوا‬ ‫�أحياء قد �أعدم فيهم الرغبة في �أن ي�أخذوا �أي �شيء �آخر في اعتبارهم» �ص‪.7‬‬

‫‪82‬‬

‫ورغم تدهور المدينة‪ ،‬فال �شيء ينال من‬ ‫طالقتهم ومرحهم‪ ،‬وه��ذا الموقف الكريم‬ ‫والمترّفع ب�إباء يثير ده�شته؛ لأنه يعبر عن‬ ‫عجز المواطنين عن �إدراك الم�أ�ساة‪ .‬وت�أمّل‬ ‫هذه الفو�ضى من فوق الج�سر يثير �سعادة‬ ‫�أ�سامة‪ ،‬الل�ص �أنيق المظهر‪ ،‬ال��ذي يرتاد‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫الأماكن الفخمة؛ �إذ ي�سترخي �أ�ساتذته في‬ ‫الن�صب (الل�صو�ص ال�ك�ب��ار)‪ ،‬وي�سرقهم‬ ‫في �أم��ان ت��ام‪ ،‬من دون �أن يطمح �أن يكون‬ ‫�صاحب ح�ساب م�صرفي؛ لأن ه��ذا ذروة‬ ‫الفعل الم�شين في نظره‪ .‬و�سرقاته ا�سترداد‬ ‫هزيل للمبالغ الطائلة‪ ،‬التي يكتنزها ه�ؤالء‬

‫يزور �أ�سامة والده ال�ضرير ال�شيخ معاذ في حي‬ ‫ال�سيدة زينب‪ ،‬وال��ذي َفقَدَ ب�صره ب�سبب �ضربة‬ ‫ع�صا �شرطي في ثورة ‪1952‬م‪ ،‬ف�أهملته ال�سلطة‬ ‫ولم تعوّ�ضه ب�أي �شكل‪ ،‬وت�شرّد االبن الوحيد وت�سوّل‬ ‫لي�ؤمن لقمة عي�شه و�أبيه‪ .‬وكانت تجربة قا�سية‬ ‫بالن�سبة �إليه‪ ،‬لأن ج�سده معافى‪ ،‬وكان يغار من‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫ال�سخرية ال�سوداء في‬ ‫«�ألوان العار» لألبير ق�صيري‬

‫المجرمون‪ ،‬الذين �ضربوا عر�ض الحائط بب�ؤ�س �أ�صحاب العاهات‪ ،‬الذين يمار�سون بفخر هذه‬ ‫المهنة الملكية‪ ،‬وفكّر في لحظة ي�أ�س �أن يقطع‬ ‫ال�شعب‪.‬‬ ‫يرتاد �أ�سامة مبنى «ن��ادي الأع �ي��ان»‪ ،‬وال��ذي يده �أو قدمه‪ ،‬لكي ينال �إعجاب المُح�سنين الذين‬ ‫ت�شي الفتته ب�أنه ال يقبل الرعاع من بين �أع�ضائه‪ ،‬تجذبهم الجروح الغائرة والأج�ساد النحيلة‪.‬‬ ‫في غياب الخادمة التي ترعاه‪ ،‬يجد �أ�سامة‬ ‫ويعد ال�سارد �أ�سامة ل�صا تافها؛ لأن �شغله ال�شاغل‬ ‫هو الجانب الطريف والغام�ض للمغامرة‪ ،‬لكن �أب ��اه‪ ،‬جال�سا كعادته �أم ��ام ال�ن��اف��ذة المفتوحة‬ ‫مفهومه ال�ساخر لل�سرقة يجعله في معزل عن م�شرئبا بعنقه نحو �ضو�ضاء ال�شارع في تلذذ‪،‬‬ ‫ويخبره الأب ب�أنه كان «منهمكا في التفكير في‬ ‫الموقف المت�شائم والقلق لل�سارق العادي‪.‬‬ ‫وهو ينتظر طريدته الموعودة‪ ،‬تقتحم عزلته م�آثر الثورة‪ .‬لديَّ االنطباع ب�أن هناك مزيدا من‬ ‫«�سفيرة»‪ ،‬المراهقة ال�شقية‪ ،‬التي تطمح �أن يكون الحركة والن�شاط في الحي‪� .‬أ�سمع النا�س ي�ضحكون‬ ‫ارتباطها به نهاية لمعاناتها‪ ،‬حتى لو كان ل�صا‪ ،‬ويتنادون فكهين كما لو كانت الدنيا قد �أ�صبحت‬ ‫ويندم لأنه ك�شف لها عن مهنته بدافع من يقينه �شيئا رائعا بالن�سبة �إليهم» �ص‪ .38‬ويتحا�شى االبن‬ ‫ب�أن ذلك الإ�سرار �سي�صرفها عنه؛ لكن ذلك �أعلى الحديث عن م�آثر ثورة ال وجود لها �إال في خيال‬ ‫م��ن �ش�أنه ف��ي نظرها‪ ،‬وه��ي التي ت��و ّل��دت لديها �أبيه ال�ضرير‪ ،‬الذي يرف�ض مغادرة البيت الآيل‬ ‫قناعة‪ ،‬م��ن خ�لال ن��م��اذج بالغة ال��ث��راء تحظى لل�سقوط رغم �إلحاحات ابنه المتكررة‪ .‬ويذهب‬ ‫لمقابلة معلمه نمر‪ ،‬الذي يتهمه بخيانته وخيانة‬ ‫ب�شعبية كبيرة في ال�صحف‪� ،‬أن مهنة ال�سارق‬ ‫ك��ل �أع���ض��اء ال�ح��رف��ة‪ ،‬وبالتنكر لطبقته ب�سبب‬ ‫مرادفة للمركز االجتماعي المرموق‪.‬‬ ‫مظهره الأنيق‪« .‬ال �شيء �أكثر انعداما للأخالق‬ ‫بعد مغادرتها‪ ،‬ينت�شل حافظة نقود رجل وهو من ال�سرقة بدون مخاطر؛ فالخطر هو ما يفرّق‬ ‫يتجه نحو �سيارته‪ ،‬و�سيعثر على ر�سالة قطيعة من‬ ‫�شقيق وزير الأ�شغال العامة المتورط مع مقاول‬ ‫البناء‪ ،‬ب�سبب م�صرع خم�سين �شخ�صا في حادث‬ ‫ان��ه��ي��ار ع��م��ارات �صاحب المحفظة‪ ،‬بعد وقت‬ ‫ق�صير من افتتاحها في احتفال فخم من طرف‬ ‫وفد حكومي‪ .‬ويفكر �أ�سامة في بيع الر�سالة لإحدى‬ ‫ال�صحف‪ ،‬لكن �سرعان ما يتراجع عن الفكرة‬ ‫ب�سبب تواط�ؤ ر�ؤ�ساء التحرير مع النظام الفا�سد‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪83‬‬


‫تبدو رواية �ألبير ق�صيري ك�أنها ن�سخة فرن�سية‬ ‫من �أج��واء نجيب محفوظ‪ ،‬و«لكن بنبرة �إيقاعية‬ ‫�أكثر �سخرية في هجاء �أنماط العبودية الم�ستترة»‪،‬‬ ‫فهو ح��ال��ة م�ت�ف�رّدة مثل كتاباته؛ ع��ا���ش وحيدا‬ ‫وم�ع��زوال وك�سوال في �أح��د فنادق باري�س‪ ،‬يكتب‬ ‫باللغة الفرن�سية عن مقاهي وح��واري القاهرة‬ ‫وهوام�شها الب�شرية‪ ،‬التي لم تفارق مخيلته وال‬ ‫�إب��داع��ه‪ ،‬ول��م ي�سع �إل��ى الح�صول على الجن�سية‬ ‫الفرن�سية‪� ،‬إذ كان ي�ؤكد �أن��ه لي�س في حاجة لأن‬ ‫يعي�ش في م�صر وال للكتابة بالعربية‪ ،‬لأن م�صر في‬ ‫داخله‪ ،‬وهي ذاكرته‪.‬‬ ‫‪84‬‬

‫* كاتب من المغرب‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫بيننا وبين الم�صرفيين و�أقرانهم الذين يمار�سون وينبغي البناء لفترات محدودة‪ ،‬و�إال وقعت الكارثة‬ ‫ال�سرقة القانونية تحت رعاية الحكومة‪� .‬أن��ا لم وان�ه��ارت �سوق العقارات �إل��ى الأب��د‪�« ،‬إذا بنيت‬ ‫�أر�سّ خ فني في ذهنك؛ لت�صبح ل�ص �سينما يتمثل عمارات بغر�ض الدوام �سوف ي�أتي اليوم الذي ال‬ ‫أرا�ض �شاغرة ت�شيد عليها غيرها‪.‬‬ ‫همّه الأكبر في عدم �إثارة نفور جمهوره» �ص ‪ .52‬تجد فيه � ٍ‬ ‫ي�ست�شير معلمه في �أم��ر الر�سالة‪ ،‬فين�صحه‬ ‫انظر �إلى الأهرامات‪ .‬لن يجول بخاطر �أي �إن�سان‬ ‫بزميله ال�صحافي المغ�ضوب عليه‪ ،‬والذي �سجن في هذا البلد فكرة بناء ولو هرم واح��د؛ فالمكان‬ ‫ب�سبب هجاء رئي�س دولة مجاورة‪ ،‬كرم اهلل «ر�سول م�شغول منذ �أربعة �آالف عام «�ص ‪.»107-106‬‬ ‫ال�سخرية ال��ذي يقطن �أح��د المدافن»‪ ،‬ال�سعيد‬ ‫وال ي�ستعيد �سليمان الر�سالة‪ ،‬لأن �أ�سامة جعلها‬ ‫بعي�شه و�سط الأموات‪ ،‬تاركا خلفه كل �ألوان العار‬ ‫المتف�شية ف��ي المجتمع‪ .‬ويخطط ال�صحافي تعويذة تحميه من المخاطر‪ ،‬وي�شير �إل��ى قالدة‬ ‫لمقابلة مقاول البناء �سليمان ب�صحبة �أ�سامة تتدلى من عنقه‪ ،‬وينفجر �سليمان غا�ضباً‪:‬‬ ‫ومعلمه‪ ،‬فيح�ضر �إل��ى �أح��د المقاهي ال�شعبية‪« - ،‬قل لي يا �أمير‪� ،‬أل�ست ل�صا؟‬ ‫ال�سترجاع الر�سالة‪ ،‬وتبد�أ جل�سة ا�ستجواب له‪ ،‬انت�صب �أ�سامة واقفا وانحنى ب�شكل ر�سمي‬ ‫�إذ يدعي كرم اهلل �أن المعلم نمر عالم اجتماع‪،‬‬ ‫متحدثا ب�صوت متوا�ضع ومت�شنج‪:‬‬ ‫و�أ�سامة �أمير من بقايا العائلة المالكة‪ ،‬وي�ستدرجه‬ ‫�إلى البوح ب�أفكاره ال�شيطانية وفل�سفته في العمارة ‪ -‬ل�ص �صغير للغاية مقارنة بمعاليك!‬ ‫الم�ؤقتة‪« :‬كنت �أق��ول‪� ،‬إذاً‪� ،‬إن بع�ض العمارات‬ ‫ان�ف�ج��ر ن�م��ر �ضاحكا وق��د �أط �ل��ق �ضحكة ال‬ ‫يجب �أن تختفي لتترك مكانها للبنايات الجديدة» ت�ضاهيها ما عداها من ال�ضحكات‪� ،‬ضحكة ثورية‪،‬‬ ‫�ص ‪ ،108‬وي��رى �أنهم لي�سوا في زم��ن الفراعنة �ضحكة من اكت�شف لتوّه الوجه البغي�ض والهزلي‬ ‫لأقوياء هذا العالم» �ص ‪.111‬‬

‫الدالالت الأنثربولوجية عند �شعراء الجوف‬ ‫ّ‬ ‫درا�سة في الم�ضامين االجتماع ّية والثقاف ّية‬ ‫■ د‪� .‬إبراهيم الدّ هون*‬

‫�صدر عن م�ؤ�س�سة عبدالرحمن ال�سّ ديري كتاب بعنوان‪( :‬الدّالالت الأنثروبولولجية‬ ‫عند �شعراء من الجوف)‪ ،‬للباحث عماد الخطيب‪ ،‬وجاء الكتاب في (‪� )206‬صفحات من‬ ‫القطع المتو�سط‪.‬‬ ‫توثق الدّرا�سة لتجربة ال�شّ عر النبطي في منطقة الجوف‪ ،‬من خالل الرحلة مع‬ ‫ع�شرين �شاعراً من �أبناء المنطقة‪.‬‬ ‫والقارئ للكتاب يلم�س �أ ّن الباحث قد جعل كتابه في ثالثة ف�صول‪ ،‬ومهاد‪ ،‬ومقدمة‪،‬‬ ‫وخاتمة‪ .‬كما يلحظ �أ ّن الخطيب يعلن في مقدمة الدّرا�سة الدافع وراء ت�أليف الكتاب‪.‬‬ ‫وبناء على ما �سبق‪ ،‬فقد عر�ض الخطيب في المهاد تفريقاً بين ال�شّ عر النبطي‬ ‫وال�شّ عر ال�شّ عبي‪� .‬إذ يرى �أ ّن ال�شّ عر ال�شّ عبي هو ما يعود لل�شعب‪ ،‬وهم عامّة النا�س‪� ،‬أمّا‬ ‫النبطي فيرجع للأنباط‪ ،‬والنبطي يوحّ د لهجات عدة تحت لفظة‪( :‬نبطي)‪.‬‬ ‫‪ -1‬المرحلة الهاللية ال�ت��ي تن�سب �إل��ى بني‬ ‫ه�لال‪ ،‬و�سُ مّي ما �أن�شده بالبيت الهاللي‬ ‫والق�صيدة الهاللية‪ ،‬وهو البحر المعروف‬ ‫بالطويل‪.‬‬

‫كما ي�ؤكد على �أنَّ ال�شّ عر ال�شّ عبي �أو النبطي‬ ‫وال�صور‪،‬‬ ‫عربي الألفاظ والعبارات والتّراكيب ّ‬ ‫و�إن تخلّى ع��ن بع�ض ال��ظ��واه��ر �أو المظاهر‬ ‫التي تعرف بها اللّغة العربية الف�صحى‪ .‬ويعلن‬ ‫الخطيب �أنَّ ال�شّ عر النبطي م ّر بثالث مراحل‪ -2 ،‬المرحلة المتداركة‪ ،‬وا�ستخدم فيها البحر‬ ‫المتدارك والرجز‪.‬‬ ‫هي‪:‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪85‬‬


‫ويثبت الخطيب �أنَّ تدوين هذا ال�شّ عر تمّ في القرن‬ ‫الثالث ع�شر الهجري‪ ،‬و�أنَّ �أوّل من د ّون��ه هو خالد‬ ‫الفرج في كتابه‪( :‬ديوان النبط) عام ‪1953‬م‪.‬‬

‫وتناول ال�شّ عراء الجوفيون في �شعرهم مفهوم‬ ‫ري���������م���������ي���������ة ط���������ال���������ع���������ت ل��������������ه زول‬ ‫ه����������ذي����������ك ح��������ل��������ي��������اه وا��������ش�������ب�������اه�������ه الوحدة‪ ،‬ونبذ الفرقة‪� ،‬إذ وعى ال�شّ اعر الجوفي �أهمية‬ ‫الوحدة الوطنيّة بين العرب‪� ،‬إ�ضافة �إلى الوحدة بين‬ ‫�أغ������ل������ي������ك وارج��������ي��������ك �أن������������ا ي�������ا ح�����ول‬ ‫ي������������ا ق����������������رة ال��������ع��������ي��������ن وام��������ن��������اه��������ه قبائل الجوف‪ ،‬وفي هذا يقول ال�شّ اعر خالد الحميد‪:‬‬

‫وي�ؤكد الخطيب �أنَّ كثير ًا من الدّرا�سات عن هذا‬ ‫ال�شّ عر �أ��ش��ارت �إل��ى �أ ّن��ه يُع ّد االب��ن ال�شّ رعي لل�شعر‬ ‫الف�صيح‪ ،‬كما ي�ضيف �أنَّ معظم ال�شّ عراء النبطيين‬ ‫يعتمدون ر�أي الأخف�ش الأو�سط في م�س�ألة القافية‪،‬‬ ‫وهي الكلمة الأخيرة في �أبيات ال�شعر‪.‬‬ ‫وي�ق��ف الخطيب عند ال�شّ عر ال �ح��واري؛ �أو ما‬ ‫ي�سمّى بال�شّ عر الق�صيد‪ ،‬وهو فن جماعي يتكون من‬ ‫و�صفّينِ من الرجال؛ يقوم ال�شّ اعر الأوّل‬ ‫�شاعرين‪َ ،‬‬ ‫ب�إلقاء البيت الأوّل ِبلَحْ نِه‪ ،‬ف ��إذا انتهى يُغنّيه �أحد‬ ‫ال�صفين بغناء ال�شّ طر الثّاني من البيت‪ ،‬ث��مّ ير ّد‬ ‫ّ‬ ‫ال�صفان‬ ‫ال�صف الآخر بال�شطر الأوّل‪ ،‬وهكذا‪ ،‬يتداول ّ‬ ‫ّ‬ ‫ال�شّ طرين حتى يوقفهما بالبيت الثاني‪.‬‬

‫ولم يقف ال�شّ عراء الجوفيون عند �صور المر�أة �����ش����ب����اب����ن����ا داع ال������وط������ن ي�����س��ت��ح��ث��ك��م‬ ‫�أن�����ت�����م �أم����ل����ن����ا ف�����ي ح�����ق�����وقٍ غ������دي ب��ه��ا‬ ‫ال�سّ ابقة‪ ،‬بل نلحظ ا�ستح�ضار �صور المر�أة المجهولة‪،‬‬

‫المتح�ضرة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫والمر�أة المتلونة‪� ،‬صاحبة الحلية‪ ،‬والمر�أة‬ ‫الذكوريّة في ال�شّ عر النبطي‪ ،‬وتفنّنوا في تج�سيدها‪،‬‬ ‫وتمركزها ح��ول مو�ضوع‪( :‬ال��رج��ل) وحديثها عن‬ ‫ال�ك��رام��ة وكبريائه‪ ،‬ف�ض ًال ع��ن م�ستويات حياته‪:‬‬ ‫االقت�صاديّة والتّعليميّة والثقافيّة‪.‬‬

‫وتباينت �صورة الرجل عند الجوفيين بين القدوة‬ ‫والقائد المرغوب فيه‪ ،‬و�صورة الرجل المذموم‪ ،‬غير‬ ‫وينهي الخطيب مهاده ب��الأه��داف المرجوة من المرغوب فيه‪ ،‬نحو‪ :‬الغ�شّ ا�ش‪ ،‬والمحتال‪ ،‬والخبيث‪.‬‬ ‫درا�سته لل�شعر النبطي الجوفي بالآتي‪:‬‬ ‫وي�ع�ق��د الخطيب م�ق��ارن��ة ب�ي��ن ال�م��رغ��وب فيه‪،‬‬ ‫‪ -1‬الأن�ث��رب��ول��وج�ي��ا ال�ج��وف� ّي��ة و�سيلة لفهم ما�ضي وال�م��رغ��وب عنه‪ ،‬ف ��الأوّل �أح��بّ ال��رج��ال‪ ،‬وتت�شرف‬ ‫الجوفيين‪ ،‬و�أثر ذلك على �شعرهم‪.‬‬ ‫ف�ع��ول��ه‪ ،‬وي�ل�ت��زم ال ��ّ��ص��دق‪� ،‬أ ّم ��ا ال � ّث��ان��ي‪ ،‬فهو ناكر‬ ‫ال�صالت االجتماعيّة التي يدعمها المعروف‪� ،‬شين العرق‪ ،‬يرتدي ذل القناع‪.‬‬ ‫‪ -2‬البحث في ّ‬ ‫المفهوم الأنثربولوجي من خ�لال االت�ك��اء على‬ ‫ويعرّج الخطيب على الحالة االقت�صاديّة للجوفيين‬ ‫م�ق��ول��ة‪( :‬ه��ل م��ن وظ��ائ��ف ال����شّ ��اع��ر �أن ي�صور من خالل ال�شّ عر الجوفي‪ ،‬فتطرق ال�شّ عراء الجوفيون‬ ‫مجتمعه)‪.‬‬ ‫�إلى �صور الغربة عند �أبناء الجوف؛ بحث ًا عن الرقي‬

‫وج � ��اء ال �ف �� �ص��ل الأوّل ب� �ع� �ن ��وان‪( :‬ال� �ج ��وف في ال�شّ هادة‪ ،‬باحثين عن العي�ش الكريم‪.‬‬ ‫والأنثروبولوجيا مو�ضوع ًا �إن�سانياً)‪ ،‬ويخل�ص الخطيب‬ ‫وا�شتمل الف�صل الأوّل الحديث عن �صورة المر�أة‪،‬‬ ‫فيه �إلى �أنَّ ال�شّ عر النبطي مغلّف بالقيم الإن�سانيّة فطمحوا �إلى الرمز الحلم‪ ،‬والتي يحلم بها ك ّل رجل‪،‬‬ ‫ذات الجناحين الذكوري والأنثوي‪.‬‬ ‫كما عبّروا عنها ب�صور عديدة‪ ،‬منها المر�أة‪ ،‬والأم‪،‬‬

‫‪86‬‬

‫فقد �أكثر ال�شّ عراء الجوفيون من المو�ضوعات واالبنة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫‪ -3‬المرحلة الثالثة‪ ،‬وارت�ب��ط ه��ذا ال�شّ عر ونمطه‬ ‫بالغناء‪ ،‬في �أغلب مواقع وجود العرب؛ لقابليته‬ ‫الغناء‪.‬‬

‫ونقر�أ في هذا المجال غز ًال يفي�ض بطهر المعاني و�أ�شكالها‪ ،‬نحو‪ :‬الحنين �إلى م�سقط الر�أ�س‪ ،‬واالنتماء‬ ‫ال�م�ت��داول��ة‪ ،‬وال ي�خ��رج ع��ن م�ضامين م��ا ت�غ��زل به والذكريات واالعتزاز بالوطن‪ ،‬فالمواطنة تقت�ضي‬ ‫الفخر بالوالء والفخر بالع�شيرة‪.‬‬ ‫ال�شّ عراء العرب القدماء‪ ،‬كقول ال�شّ اعر‪:‬‬

‫وع� � ْن ��ونَ ال �م ��ؤل��ف ف�صله ال � ّث��ان��ي م��ن ال�ك�ت��اب‬ ‫بالأنثروبولوجيا م�ضمون ًا فكرياً‪ ،‬متطرق ًا �إلى العادات‬ ‫والمواطنة‪ ،‬والع�شيرة والوالء والوحدة‪.‬‬ ‫�إذ اهتمّ ال�شّ عراء الجوفيون بالعادات والتّقاليد‪،‬‬ ‫حاثين ال�شّ باب والمجتمع على التم�سك بعادات‬ ‫العرب؛ ومن �أهمّها منهج الدّين‪ ،‬و�سلوكيات �أفراد‬ ‫المجتمع ال�سّ محة‪.‬‬

‫وانتقل الم�ؤلف في الف�صل الثّالث �إل��ى الثّقافة‬ ‫الإب��داع� ّي��ة الم�شكّلة لحموالت ال�شّ عراء الجوفيين‬ ‫ومعارفهم‪ ،‬فعرّج على لغتهم‪ ،‬و�صور التّنا�ص في‬ ‫وال�صور والأخيلة المنتجة ل�شعرهم‪ .‬كما‬ ‫�شعرهم‪ّ ،‬‬ ‫عالج فكرة التّ�ضاد‪ ،‬وق��ال عنها‪� :‬إنّ التّ�ضاد ي�شكّل‬ ‫العمود الفقري للفكر الأنثروبولوجي‪ ،‬وهو �أ�سلوب‬ ‫ال�صورة والمعنى‪.‬‬ ‫لتو�صيل ّ‬

‫ومن هنا‪ ،‬ولجت درا�سة الخطيب �إلى المفاهيم‬ ‫الإبداعيّة‪ ،‬مثل‪ :‬المعجم اللّغوي‪ ،‬و�سمات التّكرار‬ ‫ف �م��دح ال ��� ّ�ش �ع��راء ال �ج��وف �ي��ون ع� ��ادات ملوكهم الإب��داع��ي للنّ�ص ال�شّ عري عندهم‪� ،‬إذ نلم�س تنوع‬ ‫و�أمرائهم‪ ،‬وربطوا تلك العادات بتاريخهم المحفوظ‪ ،‬التكرار �أ�سلوب ًا �أنثروبولوجياً؛ فمنه ما جاء في بيت‬ ‫كقول ال�شّ اعر عبدالهادي الن�صيري‪:‬‬ ‫واحد‪ ،‬ومنه ما جاء في بيتين‪ ،‬ومنه ما جاء في �أكثر‬ ‫ع����ادات����ك����م ي����ا م���ي���ر �����ض����رب ال��ن��ي��ا���ش��ي��ن‬ ‫من ن�ص‪.‬‬

‫ل����ل����خ����ي����ر ب�������ذال�������ه وب�����ال�����������ض�����ر ف����ت����اك‬ ‫و�إت �م��ام � ًا ل �ل �دّرا� �س��ة الإب��داع � ّي��ة ع�ن��د ال����شّ �ع��راء‬ ‫ت���اري���خ���ك���م م���ح���ف���وظ ب���ي���ن ال�����دواوي�����ن‬ ‫الجوفيين‪ ،‬فقد وقف الخطيب عند التنا�ص ب�أ�شكاله‬ ‫ام���ت���رج���م ل���ل�������ش���رق ول����غ����رب الأت��������راك المتعددة في �شعر الجوفيين‪ ،‬نحو‪ :‬التّنا�ص الدينيّ ‪،‬‬ ‫ويذكر الم�ؤلف �أنَّ من �أكثر العادات ظهور ًا عند والأدبيّ ‪ ،‬والتّاريخي‪ ،‬والفلكلوري‪.‬‬ ‫ال�شّ عراء الجوفيين عادة التّرحيب بال�ضيف وما يرافق‬ ‫ف��ات�خ��ذ م��ن ال�ت�ن��ا���ص ال��دي �ن��ي ع�ن��د الجوفيين‬ ‫ذل��ك م��ن ح��بّ القهوة م��ن ال� �دّالل‪ ،‬وع ��ادات الكرم طريقتين‪ :‬الأولى التّنا�ص مع ق�ص�ص و�أحداث القر�آن‬ ‫العربي الأ�صيل‪ ،‬وحماية الجار‪ ،‬والعر�ض وال�شّ رف‪ ،‬الكريم‪ ،‬والثّانية التّنا�ص مع رموز و�شخ�صيات دينيّة‬ ‫وال�صفح عن الجاهل‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫لها �أحداث م�شهورة‪.‬‬ ‫�أمّا المواطنة عند الجوفيين فقد تعددت �صورها‬

‫بينما التّنا�ص الأدب ��يّ ‪ ،‬ي�شير �إل��ى �أنَّ ال�شّ عراء‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪87‬‬


‫ال�������ج�����ه�����اد ال����و�����س����ي����ل����ة ا�����ش����ع����ل����و ن������اره‬ ‫ي������ا ح�����ي�����اة �����س����ع����ي����دة ي������ا ع����م����ر ف���ان���ي‬ ‫وهو تنا�ص لقول ال�شّ اعر الفل�سطيني عبدالرحيم‬ ‫محمود‪:‬‬

‫ف����������إم���������ا ح��������ي��������اة ت�����������س�����ر ال�����������ص�����دي�����ق‬ ‫و�إم��������������������ا م���������م���������ات ي������غ������ي������ظ ال���������عِ���������دا‬ ‫وي�ت�ك��رر الأم ��ر م��ع ال� ّت�ن��ا���ص الأدب� ��يّ ‪� ،‬إذ تنا�ص‬ ‫الجوفيون مع ثمود‪ ،‬وعاد‪ ،‬فهذا خالد الحميد يقول‪:‬‬

‫ال������م������واق������ف ب�������ه ب�����ي�����ا������ض و��������س�������وادي‬ ‫ال����������� ّن�����������ا������������س ت����������رك����������ب ت�����ن�����اب�����ي�����ل�����ي‬ ‫وال�������م�������راج�������ل م�������ن ب�����غ�����اه�����ا ع���م���ده���ا‬ ‫و�أن������������������������تِ ع�������ل�������ى ح���������م���������ار م����������د اهلل‬

‫‪� ....‬إلى قوله‪:‬‬ ‫وال�صورة‬ ‫ولع ّل الخطيب لم يغفل جانب الخيال ّ‬ ‫وارث���������ي���������ن���������ه م����������ن ث��������م��������ود وع�������������ادي‬ ‫في �شعر الجوفيين‪ ،‬وذكر �أنماطها البيانيّة والبديعيّة‬ ‫م�������ن ج�����������دود ت����ف����ع����ل ال�����خ�����ي�����ر ي����ده����ا والكنائيّة؛ وي��دل��ل على ذل��ك بقول عيد الخمعلي‪،‬‬ ‫تنا�صت قوة رجال عرب اليوم مع رجال عرب عندما لدغته ع�ق��رب وه��رب��ت‪ ،‬ولكنه بحث عنها‬ ‫وقد ّ‬ ‫الأم�س‪ ،‬ثمود وعاد‪ ،‬واالبن على دين �أجداده ي�سير‪ .‬ووجدها وقتلها‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫وارتبط التّنا�ص برابط مع ا�ستدعاء ال�شّ خ�صيات ي�������ا ك�����ث�����ره�����م ي�������ا ق����ل����ه����م ال ب���غ���ي���ت���ه���م‬ ‫م����ث����ل ال����ق����ب����ي���������س �إل����������ى ت������م������زّق ط����ار‬ ‫التّراثيّة التي ا�ستدعاها ال�شّ عراء الجوفيون من زاوية‬

‫‪88‬‬

‫واح��دة‪ ،‬وهي زاوي��ة الحديث عن ال�شّ خ�صية‪ ،‬ولي�س‬ ‫ف�شبّه ك�ث��رة الأ� �ص��دق��اء ع ��دداً‪ ،‬وق�ل��ة وج��وده��م‬ ‫الحديث من خالل ال�شّ خ�صية‪.‬‬ ‫�إل��ى جانبه وق��ت الحاجة لهم بالغيم ال��ذي ال ماء‬ ‫ولم يقت�صر تنا�ص الجوفيين مع ال�سّ ابق فح�سب‪ ،‬فيه(القبي�س)؛ فهم يطيرون وق��ت حاجتهم من‬ ‫بل نلحظ �أنَّ للجانب الفلكلوري �أثر ًا جلي ًا في �شعرهم؛ حولك‪ ،‬كما تطير الغيم الفارغة‪.‬‬ ‫فق�صة‪( :‬حمار م��داهلل) كانت من �أ�شهر الق�ص�ص‬ ‫وي�صرّح الخطيب ع��ن �أث��ر ال� ّ���ص��ورة الكنائية‪،‬‬ ‫الواردة في �أ�شعارهم؛ �إذ ت�صدى �أحد �شعراء الجوف ف��ي �شعر ال�ج��وف�ي�ي��ن‪ ،‬وي �م � ّث��ل ع�ل��ى ذل ��ك بكناية‪:‬‬ ‫لتلك الق�صة‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫(�صقر الجزيرة) كناية عن �صفة ال�شّ جاعة للملك‬ ‫عبدالعزيز يرحمه اهلل‪ ،‬ومن ذكرها ال�شّ اعر خالد‬ ‫ي����������ا �أم ال��������ع��������ي��������ون ال�����م�����ظ�����ال�����ي�����ل�����ي‬ ‫و����������������ش ج�������������������اكِ دون خ��������ل��������ق اهلل الحميد‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫وكذلك نقر�أ من �أ�شهر الكنايات �أي�ض ًا (وادي‬ ‫النفاخ) ن�سبة لمو�صوف الجوف‪.‬‬

‫ونقف قبل �أن نختم هذه القراءة عند نظرات لي�س‬ ‫غر�ضها م�صادرة حق الآخرين في الكتابة �أو التحليل‪،‬‬ ‫ب�ق��در م��ا ي�ك��ون هدفها �أول��وي��ات الإب� ��داع والجمال‬ ‫للدرا�سة‪ ،‬ف�ض ًال عن �شمولها وخروجها �إلى م�صاف‬ ‫التكامليّة‪ ،‬ويمكن �إجمال تلك النّظرات فيما ي�أتي‪:‬‬

‫ال�صورة الجنا�سيّة فنلحظ �أنَّ الم�ؤلف يقول‪:‬‬ ‫�أما ّ‬ ‫«يكثر ت�شكّل الجنا�س عند ال�شّ عراء الجوفيين‪ ،‬فقد‬ ‫ورد الجنا�س عندهم ب�أنماط غالبة الورود في ال�شّ عر‬ ‫العربي القديم عند العرب»‪ ،‬ومنه قول ال�شّ اعر خالد ‪ -1‬يقول الباحث في المقدمة‪� :‬إنّه ق�سّ م الدّرا�سة �إلى‬ ‫البلهيد‪ ،‬يرثي والدته‪:‬‬ ‫�أربعة ف�صول‪ ،‬ولم ن َر �إ ّال ثالثة ف�صول‪.‬‬

‫ه��� ّز ال��خ��ب��ر ق��ل��ب��ي م���ن �أق�����ص��ى روا���س��ي��ه‬ ‫و���ش�� ّب��ت ع��ل��ي و���س��ط ال�����ض��م��اي��ر حريقه‬ ‫ويختم الخطيب بقوله‪� :‬إنَّ هناك �صور ًا ورم��وز ًا‬ ‫ومو�سيقى بديعة كثيرة في �شعر الجوفيين‪ ،‬ا�ستثمروها‬ ‫من المحيط والبيئة المعي�شة‪.‬‬ ‫و�أخ �ي��راً‪ :‬تو�صل الم�ؤلف من ه��ذه الدّرا�سة �إلى‬ ‫جملة من النتائج‪ ،‬تمثّلت بالآتي‪:‬‬ ‫‪ -1‬انت�شار ق�صائد الحكمة‪ ،‬والو�صايا في �أ�شعار‬ ‫الجوفيين‪.‬‬ ‫‪ -2‬بروز �صور المواالة في �شعرهم وق�صائدهم‪.‬‬ ‫‪ -3‬غلب �شعر المديح و�شعر الو�صايا على باقي‬ ‫المو�ضوعات؛ كالغزل والرثاء وغيرهما‪.‬‬ ‫‪ -4‬اتكاء �شعراء الجوف على �أ�ساليب ال�شّ عر العربي‬ ‫القديم‪ ،‬وقدّموا �صور ًا وكنايات وجنا�سات قريبة‬ ‫للقارئ‪ ،‬روح ًا ومعنى‪.‬‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫الجوفيين ا�ستثمروا انتماءهم لتاريخ �أدب��يّ �ضخم‪،‬‬ ‫وا�ستدعوا من ذاكرتهم الحيّة �أ�شهر معاني �أبيات‬ ‫�شعرائنا الكبار‪� ،‬أو �ألفاظها ومن ذلك قول ال�شّ اعر‬ ‫خلف العي�سى‪:‬‬

‫واث �ب��ت ف��ي ن�ه��اي��ة ال �ك �ت��اب ق��ائ�م��ة ب��ال�م���ص��ادر‬ ‫وحّ �����������ده ����ص���ق���ر ال�����ج�����زي�����رة ب���ال���ك���ف���اح‬ ‫وا����س���ت���ت���ب الأم��������ن ب�������أط������راف ال���� ّرم����اح والمراجع التي عاد �إليها في درا�سته الفنيّة‪.‬‬

‫‪ -2‬تجاهل الباحث –�أحياناً‪ -‬التّوثيق العلمي‪ ،‬على‬ ‫نحو ما نلحظ في �صفحة (‪� )24‬إذ يقول‪ « :‬ولقد‬ ‫�سمّاه العالمة ابن خلدون (ت ‪808‬هــ) بال�شّ عر‬ ‫الأ�صمعي»‪ ،‬فكان الأجدر به �أن يُرجع هذا الكالم‬ ‫�إلى �صاحبه من خالل ذكر الم�صدر‪ ،‬وهذا يتكرر‬ ‫في مواطن عديدة في الكتاب‪ ،‬انظر‪� :‬صفحة‬ ‫(‪ )37‬عندما يقول‪« :‬فال�شّ عر كما يقول «مدخلي»‪:‬‬ ‫«حكمة وقول و�إح�سا�س»‪.‬‬ ‫‪ -3‬لو ت�أملنا في الف�صل الثّالث‪�( :‬شعراء الجوف‬ ‫الأنثروبولوجية ثقافة �إب��داع � ّي��ة) ووقفنا عند‬ ‫درا�سته للتنا�ص في �شعر الجوفيين‪ ,‬لر�أينا �أنّه‬ ‫�أخفق �إلى درجة �أنّ همّه كان موجه ًا �إلى ذكر ا�سم‬ ‫التّنا�ص دون �أن ي�شير �إلى الهدف المق�صود من‬ ‫التنا�ص �أو الوظيفة الدالليّة �أو حتى نوعه الدقيق‬ ‫نحو التنا�ص المبا�شر �أو غير المبا�شر‪� ،‬أو التلميح‬ ‫�إلى الدور الحقيقي الذي �أ�ضافه التنا�ص للن�ص‬ ‫ال�شعري الجديد‪.‬‬

‫و�أنهى الدّار�س – الخطيب ‪ -‬م�ؤلَّفه بملحقين‪:‬‬ ‫وخال�صة ال�ق��ول‪ُ :‬ي�ع� ّد ه��ذا التّوليف ‪-‬حقيقة‪-‬‬ ‫الأوّل كان مقابلة �شخ�صية مع ال�شّ اعر خالد الحميد‪،‬‬ ‫�أم��ا ال�ث��ان��ي فقد اح�ت��وى على ف�ه��ر�� ٍ�س ف�ن��يٍّ ل�ل�دّوال �إ��ض��اف��ة �أدب�ي��ة قيّمة للمكتبة ال�سّ عوديّة ف��ي مجال‬ ‫الأنثروبولوجيّة التي وردت في الدّرا�سة‪.‬‬ ‫الدّرا�سات النّقديّة لل�شّ عر النبطي ال�سّ عودي‪.‬‬ ‫* كاتب من الأردن‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪89‬‬


‫■ مياده �إبراهيم قداح*‬

‫يكفي‪..‬‬ ‫�أراده ��ا ال�ق��در �أن تبقى معي‪ ,‬يقين ًا‬ ‫مخ�ص�صة �سي�أتي‪� ..‬صدقوني‪.‬‬ ‫�إذا لم يكن للوقت �ساعة ّ‬ ‫ل�ل�ف��رح‪ ,‬اخ�ت��ر ��س��اع��ة ال�غ���س��ق‪ ..‬مثل‬ ‫ك��ان��ت ت�ضم �إ�صبعها بين دفتي‬ ‫عينين �أرّقهما النّعا�س؛ فغدا الحلم هو �صدرها وتنام‪ ,‬تتحدث للعابرين في‬ ‫الو�سيلة‪ ..‬افعل كيمامة التقت به ذات حياتها‪� ..‬إن��ه ي�أتيها ك� ّل ليلة‪ ,‬وحين‬ ‫يوم على كر�سي لمنبر كان‪ ،‬وكان ما ت���ش��رق ال���ّ�ش�م����س ي��رح��ل م��ن ج��دي��د‪,‬‬ ‫كان‪ ..‬ا�سمع معي‪ :‬بعد منت�صف الليل فتنه�ض لعملها كوردة بعد ذبول‪.‬‬ ‫ب�ساعتين‪ ،‬من كلِّ ليلة‪ ,‬تم�سك طرف‬ ‫ف��ي ليلة م��ن الليالي‪ ,‬نه�ضت من‬ ‫لقلب كان ي�شبه‬ ‫الخيط بيدٍ من حرير‪ٍ ,‬‬ ‫طائرة ورقية‪ ,‬تترك له حرية الحركة على حافة االنتظار الذي طال‪ ,‬جل�ست‬ ‫ليطير‪ ,‬يبتعد �أح�ي��ان� ًا وي��دن��و �أحيان ًا بالقرب من جدار غرفتها‪ ،‬حيث راحت‬ ‫�أخرى‪ ،‬ملوّح ًا لها مثل ظل فا ٍ ّر من ظله! تتراءى لها �صور على الجدار ب�أ�شكال‬ ‫مختلفة‪ ،‬تغدو وتجيء‪ ,‬تهم�س �أحياناً‪،‬‬ ‫كطائر الفينيق‪ ،‬ه��اج��ر �صاحب‬ ‫�أو ت�صرخ‪ ،‬وت�صمت �أحيان ًا �أخرى‪.‬‬ ‫القلب الكبير في ليلة من ليالي الرحيل‬ ‫كانت ت�أمل �أن يتفجر من الجدار‬ ‫خلف جبال الأل��ب‪ ,‬حتى لم يبق معها‬ ‫م��ن �أث��ره �إال بقايا خيط‪ ,‬ظ��ل معلّق ًا نبع ماءٍ ‪ ،‬فتدهن منه �أطراف �أناملها‬ ‫ب�إ�صبعها‪ .‬كانت تنظر له وتقول‪ :‬هذا لتتحول �إل ��ى ط��ائ��ر يلحق ب��ه �أينما‬ ‫ال��خ��ي��ط م��ا ه��و �إال ع�لام��ة ارت��ب��اط‪ ،‬ح��ل م��ن دون �أن يهبط‪ .‬ول�م��ا كانت‬

‫ق�����������������ص�����������������ص ق�����������������ص����ي���رة‬

‫ذاكرة على جدار �أخر�س‬ ‫�صو ٌر من‬ ‫ٍ‬

‫الخطوط م�شوّ�شة المالمح؛ نه�ضت م�سرعة‪,‬‬ ‫�أح�ضرت قلم ًا وري�شة‪ ,‬راحت تر�سم من دون �أن‬ ‫تكل �أو تمل‪ .‬وحين ت�سربت ال�شم�س �إلى الغرفة‬ ‫كانت ال�صورة على الجدار الأول قد اكتملت‪..‬‬ ‫وكانت �صورته بهيئة مالك‪� ،‬صورة ال ت�شبه �إاله‪.‬‬ ‫�أ��م�ضت عينيها وعلى ثغرها ابت�سامة‪ ،‬ومثل‬ ‫طفل نامت‪ .‬عند الثانية ظهر ًا من اليوم نف�سه‬ ‫ا�ستيقظت لتجد نف�سها �أم���ام ف��راغ فو�ضوي‬ ‫قاتل‪ ,‬بيد �أنَّ ما ر�سمته كان ما يزال يلوح على‬ ‫الجدار‪� ،‬أو ربّما يلوح في فراغ‪ .‬مار�ست طقو�س‬ ‫يومها ب�شكل اعتيادي‪ ,‬منتظرة فرح ًا قد ي�أتيها‬ ‫�أ�صابها هلع‪ ,‬ارتجفت‪ ..‬كان يلّوح لها مودع ًا‬ ‫ليالً‪ ,‬فهي تكِ ُّد في �ساعات النهار كما لو كانت‬ ‫في حرب �ضرو�س‪ ,‬كلما ت�صرمت �ساعة انزاح من على �أط��راف غيمة خريفية اللون‪ ،‬كمارد‬ ‫ه ٌّم يجثم على �صدرها حتى تغيب ال�شم�س فتغلق خ��رج للتو م��ن عنق زج��اج��ة‪ ،‬بيدين تعانقان‬ ‫ال�سماء‪ ،‬وقدمين تالم�سان الأر���ض‪ ,‬ث��مّ ‪ ..‬راح‬ ‫بابها منتظرة الثانية ليالً‪.‬‬ ‫يتال�شى �شيئ ًا ف�شيئاً‪ .‬هاجت وماجت‪� ,‬صارت‬ ‫كان ك ّل �شيء مختلف ًا ذلك اليوم‪ ,‬والوقت‬ ‫م َّر �سريعاً‪� ,‬أم�سكت ري�شتها من جديد‪ ،‬وبد�أت تتمدد وتتقل�ص كزبد البحر‪ ،‬لكن‪ ..‬من دون‬ ‫تر�سم على الجهة الثانية من جدار الغرفة ما فائدة ترجى‪.‬‬

‫�أو ال�شياطين ال فرق بينهما‪ ،‬وما يزال الخيط‬ ‫معقود ًا في �إ�صبعها‪ .‬ربّما عقدته الريح‪ ..‬وربّما‬ ‫هي من عقده في لحظة من لحظات الالوعي‪,‬‬ ‫ما نزال ال ندري‪ .‬حين �أح�ضرت عدتها في الليلة‬ ‫الثالثة مقرّرة ر�سم بداية لطريق وا�ضح على‬ ‫الجدار الثالث؛ جفت الأل��وان‪ ،‬وقامت تر�سم‬ ‫لوحتها بلون واح��د‪� ,‬إال �أن��ه ب��انَ بلونه و�شكله‬ ‫الحقيقيين «رم��ادي» ال �أبي�ض لونه وال �أ�سود‪,‬‬ ‫كخريف قلق ومقلق‪ ،‬على حد‬ ‫ٍ‬ ‫مكفهر الوجه؛‬ ‫�سواء‪.‬‬

‫يوحي لها من خطوط تلتقي تارة‪ ..‬وتتقاطع تارة‬ ‫ك�سرت قلمها‪ ،‬نتّفت ري�شتها نتفاً‪ ،‬وب��د�أت‬ ‫�أخرى‪ ,‬حتى اختلط الأمر عليها؛ فما كانت تجد ت�شهق ببكاء وعويل مريرين‪ ..‬وكمغمية عليها‬ ‫بداية من نهاية‪!..‬‬ ‫غفت بالقرب من ذاك الجدار‪.‬‬ ‫راح ��ت ت�صلّي �أم��ام��ه ع��لَّ م��ن ي�ستجيب‪,‬‬ ‫اللوحة الرابعة انتهت‪ .‬وال�شم�س �أ�شرقت من‬ ‫لكن ال�صمم �أ�صابها و�أ��ص��اب ك� ّل ما حولها‪ ,‬جديد‪.‬‬ ‫فانفجرت ببكاءٍ لم تعتده من قبل‪ ,‬و�إذ بيدٍ‬ ‫وحين ا�ستيقظت‪ ،‬كانت ج��دران الغرفة ما‬ ‫تخترق الجدار لتر�سم نهر ًا و�أ�شجاراً‪� ,‬شم�س ًا‬ ‫تزال تبكي على فراق ذكريات عامين‪ ،‬ان�صرما‬ ‫وقمراً‪ ،‬راح ي�ضحك لها‪ ،‬وهي �صارت ت�ضحك‬ ‫معه‪ ,‬تحادثه‪ ،‬يحادثها‪ ،‬ويغيبان معاً‪ ،‬حتى تلوِّح كوم�ضة من عمر الزمان‪.‬‬ ‫لكن الرجل الم�س�ؤول عن عملية طالء الغرفة‬ ‫ال�شم�س بابت�سامتها على �أط��راف تلة؛ في�أوي‬ ‫ك ّل منهما �إلى �سريره‪ ،‬فينامان كنوم المالئكة كان قد بد�أ عمله كما طلبت منه �أمها‪.‬‬ ‫* قا�صة من �سوريا‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪91‬‬


‫غيبوبة‬

‫■ �شيمة‪ ‬ال�شمري*‬ ‫■ عبد الرحمن الدرعان*‬

‫كان يا مكان‬

‫ق�����������������ص�����������������ص ق�����������������ص����ي���رة‬

‫ق�ص�ص ق�صيرة جدا‬ ‫ما يفعلون‬

‫ف��ي البلدة ال�صغيرة‪ ،‬ف��ي العالم‬ ‫الكبير‪ ..‬الحاكم ن��ائ��م‪ ،‬والل�صو�ص‬ ‫وعندما نحاول �أن نحيا مجددا‪..‬‬ ‫الكبار يُ�سرق لهم ! والل�صو�ص ال�صغار‬ ‫يمرحون‪ ..‬على �ضياء ينبعث من تلك نحن ل�سنا على قيد الحلم !‪ ‬‬ ‫الأعين الحمراء التي ي�أكلها الظالم !‬ ‫هل حقا ؟‬ ‫غيبوبة‬ ‫عندما �أموت حتما �س�أكون مبت�سمة‪..‬‬ ‫ل��م ت�ستقر الر�صا�صة ف��ي ر�أ��س��ي‬ ‫الحياة والحزن وحتى الفرح‪،‬‬ ‫تماما‪ ،‬وعندما ا�ستقرت‪..‬‬ ‫يت�سللون �إلى �أحالمنا‪ ،‬ويئدونها‪..‬‬

‫يقولون‪� :‬إنك تفتح عينيك الرائبتين بدمعهما حتى بعد �أن لوّحت لك بيدها‪،‬‬ ‫و�أ�سدلت الحجاب على وجهها باليد الأخرى واختفت؛ و�أنك كنت تغمغم‪ :‬كيف‬ ‫�أتيت؟ ومَ ن الذي �أر�شدك �إلى �أنني الآن في حالة احت�ضار؟! و�أنك في �أحيان‬ ‫�أخرى َت ِف ُّز من �سباتك على نحو مباغت‪ ،‬وتجدّف على �أنا�س غائبين‪ ،‬وت�ستدعي‬ ‫�أ�سماء معينة تبدو لأ�شخا�ص مهمين‪ ،‬وحين ت�س�أم من �صمت المتحلقين حولك‪،‬‬ ‫تطلب ال�سجائر بلغة الإ�شارة‪ ،‬و�إذ يرديك الي�أ�س تتو�سّ ل الممر�ضات ب�صوت‬ ‫واهن‪:‬‬ ‫«�إذا لم ت�ستطيعوا �أن تحيوني‪ ،‬فاذبحوني لئال �أ�شارك في ت�شييع جثماني»‪.‬‬ ‫وحاولت �أن تنزل عن ظهر ال�سرير �أكثر من مرة‪ ،‬غير �أن الأربطة خذلت‬ ‫كل محاوالتك‪ ،‬و�أنك �آنئذ ثقبت هدوء الغرفة بن�أمة مدبّبة و�صغيرة‪� ..‬أ�سندت‬ ‫ر�أ�سك �إلى �صداها‪ ،‬ودخلت في نفق الغيبوبة‪.‬‬ ‫وفي الحلم‪ ،‬كان ا�سمها يتكرر كثيراً‪� ،‬شيء من �أ�سرارك العاطفية يعتبره‬ ‫بع�ضهم ف�ضائح‪ ،‬بد�أ المرافق يطلع عليها‪.‬‬

‫* قا�ص من ال�سعودية‪.‬‬

‫‪92‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫‪ ‬لم �أختر �أي��ا منها‪ ..‬لذا لن �أ�شغل‬ ‫لم �أع��د �أ�سمع‪ ..‬لم �أع��د �أرى‪ ..‬لم‬ ‫�أع��د �أتكلم‪ ..‬لم �أع��د �إليهم ؛ لكنني بتوديعها‪!..‬‬ ‫عدت !‬ ‫ال مباالة‬ ‫موناليزا‬ ‫و�سط الأحداث �أفقد �أذني ول�ساني‪،‬‬ ‫ت �ج �ل ����س م��ت���أم��ل��ة م�لام �ح �ه��م‪..‬‬ ‫و�أب �ق��ى بعين واح ��دة وق �ل��ب‪ ..‬منهما‬ ‫وحركاتهم‪..‬‬ ‫في عينيها حزن وغمو�ض‪ ..‬وعلى ينهمر نهران بلونين‪ ..‬ي�أتون على مر�أى‬ ‫من وجعي‪ ،‬ويغرفون من كل نهر حتى‬ ‫�شفتيها ابت�سامة مغت�صبة‪...‬‬ ‫ك�أنها تت�أهب لعمل جنوني‪ ..‬ربما تمتلئ ك�ؤو�سهم؛ فيقهقهون وي�شربون‬ ‫تقفز خارج �أ�سوار اللوحة !‬ ‫نخب عجزي !‬ ‫* قا�صة من ال�سعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪93‬‬


‫زوبعة في قعر الفنجان‬ ‫■ عمار اجلنيدي*‬

‫ و�أنت‪ ،‬هل ت�ؤمن بهذه الخزعبالت؟‬‫قال حازم‪ ،‬م�ست�أنف ًا حديث ًا انقطع �أغلبه‪،‬‬ ‫بعد �أن اجتازت �سيارتهما ال�صغيرة �شارع ًا‬ ‫�ضيّق ًا ي ��ؤدي �إلـى القرية‪� ،‬إذ عقدا العزم‬ ‫على الذهاب �إلـى �أم بدوي‪ ،‬لكي تقر�أ لهما‬ ‫الطالع‪.‬‬ ‫وتمهّل زياد قلي ًال قبل �أن يجاوب‪� :‬إنها‬ ‫لي�ست كما تدّعي‪ ،‬لقد قر�أت لي الطالع غير‬ ‫مرّة‪ ،‬وما خابت نبوءاتها �أبداً‪� .‬أنت ال تعرف‬ ‫�أن قراءة الطالع تعتمد على العلم والكثير‬ ‫من الفرا�سة‪ ،‬لمعرفة الر�سومات والأحرف‬ ‫المتكوّنة في قعر الفنجان‪ ،‬وعلى �أطرافه‬ ‫وحوافه‪ ،‬لم تخب نبواتها مرّة واحدة‪ ،‬فقد‬ ‫ك�شفت لي الكثير من رتو�ش م�ستقبلي‪ ،‬قالت‬ ‫لي �ستنجب زوجتك طف ُال ذك��ر ًا و�ستكون‬ ‫لك مع �أح��د �أ�صدقائك م�صلحة عمل تد ّر‬ ‫عليكما �أم ��وا ًال ومكانة اجتماعيه‪ ،‬وقالت‬ ‫�أ�شياء �أخرى كثيرة‪ ،‬وكما ترى يا �صديقي‬ ‫فقد �صدقت جميع نبوءاتها؛ �أو على الأقل‬ ‫�أغلبها‪ ،‬فكيف تقول عنها خزعبالت؟‬

‫‪94‬‬

‫خ��راف��ات تتكئ ع�ل��ى الأك ��اذي ��ب وت�ستند‬ ‫على ال�خ��داع‪ ،‬وبالتحديد خ��داع المغفّلين‬ ‫�أمثالك‪� ،‬إن��ك ت�سيء �إلـى الحقيقة وتهين‬ ‫العلم عندما تقول �أن هذه الخرافات التي‬ ‫ت�سميها قراءة الطالع تعتمـد على العلم‪� ،‬أيّ‬ ‫علم هذا الذي يك�شف م�ستقبلك من خالل‬ ‫ر�سومات ع�شوائية تكونت في قعر فنجان‬ ‫�أنـت �أج�ه��زت على ما فيه من قهوة‪ ،‬هذه‬ ‫الر�سومات والت�شكيالت الع�شوائية التي‬ ‫لي�س لها نهاية وال حتى بداية‪.‬‬ ‫كانا �صديقين ف��ي ال�ب��داي��ة‪ ،‬جمعتهما‬ ‫ظ��روف العمل في م�صنع واح��د‪ ،‬وبعد �أن‬ ‫توثقت عرى ال�صداقة بينهما كوّنا �شركة‬ ‫م��ق��اوالت ��ص�غ�ي��ره ب�ح�ج��م الأم � ��وال التي‬ ‫جمعاها خالل ال�سنوات الطويلة من العمل‬ ‫ال�شاق الم�ضني‪ ،‬و�أخ��ذ النجاح يحالفهما‬ ‫منذ الم�شروع الأول‪.‬‬

‫ك��ان��ت ال �م �� �ش��اري��ع ال �� �ص �غ �ي��رة محط‬ ‫�أن��ظ��اره��م��ا ف���ي ب ��داي ��ة ال �م �� �ش��وار‪ ،‬لكن‬ ‫الطموحات بالح�صول على م�شاريع �أكبر‬ ‫�ضحك ح��ازم ب�صوت ينمّ ع��ن امتالء تنا�سب ح�ج��م ال��ن��ج��اح ال���ذي حظيت به‬ ‫ال�صحة وق���ال‪� :‬إن �ه��ا ال ت �ع��دو ع��ن كونها ال�شركة‪� ،‬أخذت تتو�سع وتنمو مع مرور الزمن‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫الممكن عن الحجارة وال�صخور التي تزدحم بها‬ ‫الطريق حر�صا منه على ال�سيارة الفتيه‪.‬‬

‫ق�����������������ص�����������������ص ق�����������������ص����ي���رة‬

‫ق�صة ق�صيرة‪:‬‬

‫زاهدين بن�صيبهما من الم�شاريع ال�صغيرة‪ ،‬بعد نب�ضات الرموز والأرقام‪ ،‬دعك من هذا التخوّف‪.‬‬ ‫�أن ظفرت ال�شركة بالحظوة واالح��ت��رام‪ ،‬لكن ها قد و�صلنا‪.‬‬ ‫التخوّف من �أول م�شروع �ضخم �سيواجهانه جعل‬ ‫ت��رجّ �لا م��ن ال���س�ي��ارة‪ .‬نظر النا�س �إليهما‪،‬‬ ‫حازم يت�أرجح بين تردد و�إحجام‪ ،‬فانتهز زياد �أعجبوا بالمهابة والوقار اللذين يتحليان بهما‪ .‬بُحَّ‬ ‫الفر�صة وخبّـره عن ق�صة �أم ب��دوي التي تقر�أ �صوت الجر�س وهو يزعق على �أهل البيت‪.‬و�أخير ًا‬ ‫الفنجان وتك�شف خفايا الم�ستقبل م��ن خالل جاء الفرج‪:‬‬ ‫الر�سومات والأ�شكال المتبقية في الفنجان مبدي ُا‬ ‫تف�ضال‪.‬‬ ‫ �أهالً‪� ،‬أه ًال عم زياد‪ّ .‬‬‫رغبته في الذهاب �إليها‪ ،‬ومعرفة ما �ستئول �إليه‬ ‫ق��ال �ه��ا ط �ف��ل �أ� �ش �ع��ث؛ ع �ي �ن��اه ت� � ��دوران في‬ ‫الأمور‪.‬‬ ‫ل�ص متمرّ�س في الل�صو�صية‪،‬‬ ‫كانت ال�سيارة تنا�ضل من �أجل ال�صعود �إلـى محجريها‪ ،‬كعيني ّ‬ ‫القرية‪ ،‬ويبذل حازم ق�صارى جهده باالبتعاد قدر وقد بدا وا�ضحا جد ًا �أنه لم يغت�سل منذ �أيام‪.‬‬ ‫ هل �أمك في البيت يا بدوي؟‬‫‪ -‬نعم �إنها هنا‪.‬‬

‫نظر حازم �إلـى ال�ساعة الإلكترونية المثبتة‬ ‫تف�ضل حازم وزياد بالدخول بعد �أن دفع حازم‬ ‫على لوحه القيادة وقال‪:‬‬ ‫بدينار �إلـى بدوي‪ ،‬وقفز هذا الأخيـر فرحا وطار‬ ‫ �أال ت��رى �أن��ه من العبث بوقتنا الثمين �أن �إلى الدكان �صافقا الباب خلفه‪.‬‬‫نجل�س مع تلك العرّافة ونبدده باال�ستماع �إلـى‬ ‫ا�ستقبلتهما �أم ب��دوي بالترحاب والتهاليل‬ ‫بدعها‪ ،‬مدعية �أنها تقر�أ حظوظنا؟‬ ‫وجل�سا بمحاذاة �شاب في مقتبل �شبابه‪.‬‬ ‫قال زي��اد مدافعا عن �أم ب��دوي‪� :‬إنها ماهرة‬ ‫ «معدلك ��وق ال�سبعين �إن �شاء اهلل»‪.‬‬‫جدا في قراءة الخافي من �أمور الم�ستقبل‪ ،‬وتتقـن‬ ‫تهلّل وج��ه ال���ش��اب ف��رح �اُ‪ ،‬و�شكرها كثير ًا‬ ‫ببراعة تحليل الرموز والأ�شكال‪ ،‬و�أنا �أعرف ذلك‬ ‫و�أنقدها ب�ضعة دنانير ال يتجاوز عددها �أ�صابع‬ ‫بحكم تجاربي معها‪.‬‬ ‫اليد الواحدة‪� .‬أم�سكت الدنانير ود�ستها في جيب‬ ‫تثاءب حازم بهدوء وقال مبدي ُا عدم ارتياحه د�شدا�شها الطويل وهي تقول‪:‬‬ ‫للفكرة‪ :‬ومع �إيماني المطلق ب�أن قراءة الفنجان‬ ‫ «الهدية الكبيرة يوم النتائج»‪..‬‬‫ماهي �إ ّال مح�ض خرافة وا�ستغالل لجهل النا�س‬ ‫ غد ًا �ستظهر النتائج يا �أم بدوي‪ ،‬اد ِع لنا‪.‬‬‫وب�ساطتهم‪� ،‬إ ّال �أن�ن��ي �س�أ�سايرك ه��ذه ال�م�رّة‪،‬‬ ‫و�سنرى ما تحذفه علينا تلك العرافة من خيالها‬ ‫و�شيّـعته �إلـى الباب وهي تدعو له بالنجاحات‪.‬‬ ‫الرحب في ابتداع الخرافات على �أنها حظوظ‪.‬‬ ‫�أح���ض��رت �أم ب��دوي القهوة ل�ضيفيها‪ ،‬ولم‬ ‫ق��ال زي��اد بلهجة المحتج‪ :‬ول�م��اذا تحاملك يترك لها زياد مجا ُال للثرثرة فبد�أ حديثه قائالً‪:‬‬ ‫عليها وقد �أثبتت التجارب الكثيرة �أنها متمر�سة ه��ذا الأ��س�ت��اذ ح��ازم‪� ،‬شريكي‪� ،‬سنذهب اليوم‬ ‫في هذا العمل؟ �إن لها عينان ثاقبتان تجو�سان لال�شتراك في مناق�صة كبيرة‪ ،‬ولكن قبل �أن‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪95‬‬


‫زياد ودفع �إليها يده المم�سكة بع�شرين دينارا‪،‬‬

‫* قا�ص من الأردن‪.‬‬

‫‪96‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫‪ -‬لماذا! لأنني ر�سبت!!!‬

‫���������������������������������ش��������������������������������ع��������������������������������ر‬

‫نذهب نريد الت�أكد‪ :‬هل �سير�سو العطاء علينا �أو كذلك فعل حازم ووعدها بالمثل عندما يح�صال‬ ‫ربما ال يكون لنا في الطيّبات ن�صيب‪.‬‬ ‫على المناق�صة‪.‬‬ ‫ ا�شربا القهوة �إذاً‪.‬‬‫عبر ممر �ضيّق وغير معبّد كانت ال�سيارة‬ ‫و�شربا حتى الر�شفة الأخيرة‪ .‬وقلبت الفنجان ترف�س الأتربة وهي تدخل �إلى القرية في �صبيحة‬ ‫الأول كما هو متّبع وعلى الطريقة ال�سائدة‪ .‬نظرت ال �ي��وم ال�ت��ال��ي‪ ،‬وك ��ان ح ��ازم يتميّز م��ن الغيظ‬ ‫في الطال�سم‪ .‬جال ب�صرها في قعر الفنجان‪ .‬والغ�ضب‪ ،‬والنفور وا�ضح على ت�صرّفاته وهو‬ ‫تدحرج الفنجان ككرة في يدها‪ ،‬ثم قالت‪ :‬الخير يكظم غيظه بحدّه‪.‬‬ ‫من عند اهلل يا �سيد ح��ازم‪ ،‬و�أن��ا �أرى زوبعة في‬ ‫وقبل �أن يقف ب�سيارته �أم��ام منزل �أم بدوي‬ ‫فنجانك‪ ،‬وهنا �أي�ضا حمامة بي�ضاء‪� ،‬أنظر �إليها‪.‬‬ ‫ن��ظ��ر ح����ازم �إذ �أ����ش���ارت ف���أب�����ص��ر م��ن بين �أط ّل بر�أ�سه من نافذة ال�سيارة فر�أى ال�شاب الذي‬ ‫الطال�سم �شيئ ُا ما ي�شبه الحمامة �إلـى حد بعيد‪ .‬قر�أتْ بالأم�س �أم بدوي طالعه‪.‬‬ ‫ه ّز ر�أ�سه عالمة �أنه ر�أى ما �أ�شارت �إليه‪ ،‬وتابعت‬ ‫ناداه حازم‪ ،‬وقبل �أن يتفوّه بكلمة واحدة بادره‬ ‫قولها‪ :‬وهنا �أي�ضا مظروف كبير تقب�ض عليه يد ال�شاب بالقول‪:‬‬ ‫بقوة‪ ،‬لعلها يدك يا �سيد حازم‪.‬‬ ‫ �أهال‪ .‬لقد ر�أيتك بالأم�س مع رجل �آخر عند �أم‬‫وهنا تح�سّ �س ح��ازم ي��ده وتناثرت عالمات‬ ‫بدوي‪ ،‬ترى �أي ريح �أتت بك �إلى هذا المكان المقفر؟!‬ ‫الر�ضا واالقتناع على وجهه‪.‬‬ ‫ �إنه مقفر حقا‪ .‬ففي هذا المنزل ا�ستوطنت‬‫ت�ن��اول��ت �أم ب ��دوي ف�ن�ج��ان زي ��اد وف�ع�ل��ت به‬ ‫الأعاجيب‪� :‬أخ��ذت ت�شقلبه وتبعده عن م�ستوى امر�أة خبيث‪� .‬أريد �أن �أ�سترد منها الأربعين دينار ًا‬ ‫ب���ص��ره��ا‪ .‬ت�ق��رب��ه ث��م ت�شقلبه ول���س��ان�ه��ا يلهج التي ا�ستولت عليها بالأم�س منّي ومن �شريكي‪.‬‬ ‫بالب�سمالت والتحميدات‪ ،‬ث��م لعقت �إبهامها‬ ‫ لماذا؟‬‫ودا� �س��ت ب��ه ق�ع��ر ال�ف�ن�ج��ان وق��ال��ت‪ :‬خ�ب��ر ه��ام‬ ‫�سي�صلك قريب ًا �أو ر�سالة‪.‬‬ ‫ لماذا!! لأنها قالت لنا �أن المناق�صة �ستر�سو‬‫�صمتت برهة ثم �أ�ضافت‪ :‬مبلغ من النقود في علينا‪ ،‬وف��ي ال��واق��ع ف��ازت بها �شركة مناف�سة‪.‬‬ ‫كانت تتحدث عن زوبعة في فنجاني وعن حمامة‬ ‫طريقه �إليك‪.‬‬ ‫نظرت �إليه بطرف عينيها لترى وقع كلماتها‪ ،‬و�أ�شياء �أخرى ونحن ن�سمع لها كالأبلهين‪ .‬ولكن‬ ‫ف� ��ر�أت ع�لام��ات ال��ر� �ض��ا وال �� �س��رور م��ن خ�لال �أنت‪� ،‬أتريد منها �شيئ ًا في هذا ال�صباح الباكر؟‬ ‫ابت�سامة عري�ضة تكوّنت على وجهه ال�صغير‪،‬‬ ‫ نعم‪� .‬أري��د �أن �أ�سترد الأربعة دنانير التي‬‫و�أردف��ت وك�أنها لت�ؤكّد‪ :‬طبع ًا لن تن�س �أم بدوي‬ ‫�أعطيتها بالأم�س‪.‬‬ ‫عندما تملك النقود‪.‬‬ ‫ لماذا؟‬‫�ضحك ح��ازم �ضحكته المعهودة‪ ،‬بينما قام‬

‫ٌ‬ ‫نق�ش على القلب‬ ‫■ �سليمان عبدالعزيز العتيق*‬

‫�أنـَقـ ٌْ�ش على القلب‪ ..‬هذا الأ�سى؟‬ ‫وحَ ـفـ ْ ٌر بتجويف ِة الروح‪..‬‬ ‫هذا الحنينْ ؟‬ ‫�أفي كل يو ٍم تنادمُك العـَبـَرَاتُ ‪..‬‬ ‫وتـ ُلهمُك الخـَطـ َراتُ ‪..‬‬ ‫لتكتبَ ذكراكَ‬ ‫للراحلينْ ؟‬ ‫ُيـذكـّرُك ال�شج ُر الذي في البراري‬ ‫وتـ ُ�شْ جـ ِيكَ الحمائ ُم فوق الغ�صونْ‬ ‫ويجرحـ ُك اللي ُل في خدر ِه‬ ‫ال�سوق‬ ‫ِ‬ ‫وفي زحم ِة‬ ‫والعابرين‬ ‫ووحدَكَ ‪ ،‬تقتاتُ حز َن الأما�سي‬ ‫ُتجـ ّر ُع كا�ساتِ وجدٍ دفين‬ ‫�أنـَقـ ٌْ�ش على القلب‪ ..‬هذا الأ�سى؟‬ ‫وحَ ـفـ ْ ٌر بتجويفة الروحِ‪..‬‬ ‫هذا الهُـيامْ؟‬ ‫وح�ش ٌد من ال�شوق مرّتْ به‬ ‫* �شاعر من ال�سعودية‪.‬‬

‫طيوفٌ عليكَ ‪ ..‬تدي ُر ال�سال ْم‬ ‫تـ ُجَ افيـ ْكَ بالليل طع َم الكرى‬ ‫ّ�ض عينيكَ �ألاّ تنا ْم‬ ‫تـ ُحر ُ‬ ‫تـ ُ�ساقيكَ ‪ ..‬والك� ُأ�س بعد الع�شياتِ‬ ‫تالفيفُ ع�شقٍ وطع ُم نـ َوى‬ ‫ورج ُع جَ ـوى‬ ‫لتـَنـ ْزفَ �آهاتِ �شع ٍر حـزينْ‬ ‫ال�ضـنَى؟‬ ‫�أقلبـ ُكَ يلتـذ ُطع َم َ‬ ‫وتـ ُ�سكِـ ُر ُه خفقاتُ الأنينْ‬ ‫وتجمعُه الذكرياتُ الغـ َوالي‬ ‫وتنثرُه وح�شة ُ‬ ‫الغائـ ِبين‬ ‫وي�سف ُح دمعـ َكَ هذا الهوى‪..‬‬ ‫و�صوتُ غنائِكَ ‪:‬‬ ‫هل تذكرين؟‬ ‫�أما ترعوي �أما ت�ستحي‪،‬‬ ‫�أما يخجِ لـ ُك ال�شيب ُ‬ ‫عب َر ال�سنين؟‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪97‬‬


‫���������������������������������ش��������������������������������ع��������������������������������ر‬

‫و�أخير ًا ولي�س �آخر ًا‬ ‫■ مو�سى بن عبداهلل البدري*‬

‫ ‬ ‫ال‬ ‫ه ّ‬ ‫حبيبي!‬ ‫ ‬ ‫و قد �أثم َر �إح�ساناً‬ ‫ ‬ ‫جئتنا �أهال!‬ ‫و ُقدْماً‬ ‫ ‬ ‫ف�أتر ْع ك�أ�سنا‬ ‫�صنتُه‪ِ ..‬فعْال‬ ‫ ‬ ‫و�صال!‬ ‫و ُقدْماً كان في قلبي حبي�س ال�صوْن‬ ‫ �أحقاً‬ ‫ال يبلى‬ ‫ ‬ ‫�أنتَ في القرْب؟!‬ ‫و �أ�سقيه عناء الآه‬ ‫و �صارت مهجتي جذْلى! ‬ ‫في �صغْره نبْال‬ ‫لقد �أفعمتَ نف�سي‬ ‫ ‬ ‫�إلى �أنْ‬ ‫بالهناء الح ْل ِو‬ ‫ك ُب َر الحبُّ‬ ‫ ‬ ‫يا �أحلى‬ ‫ال‬ ‫بماء ال�ص ْب ِر مبت ّ‬ ‫فمن دهْ رٍ‬ ‫ ‬ ‫نداه الأم ُل الفذُّ‬ ‫و نف�سي ترْتجي �إح�سانكَ الأغلى‬ ‫�أيا ح ْل ُو �إذا ما �شئتُ �شيئاً ال تقلْ ‪ :‬كالّ! و لو غيري‬ ‫ ‬ ‫�إذن‪..‬‬ ‫ف�إنّ الليلة الح�سناء �إن تنع ْم‬ ‫ال‬ ‫م ّ‬ ‫تكنْ �أجْ لى ‬ ‫�إلى �أنْ برع َم الحُ بُّ ‬ ‫و من ُذ الآن‬ ‫ ‬ ‫وراح الحُ بُّ‬ ‫�أب�صرتُ عذاب ال�ص ْر ِم‬ ‫للأعلى‬ ‫ق ْد ولّى‬ ‫ ‬ ‫و م ّد الف ْر َع فرحا َن‬ ‫و من ُذ الآن‬ ‫ ‬ ‫ال‬ ‫و ق ْد �أ�صبح لي ظِ ّ‬ ‫�أب�صرتُ جميل ال�سعْد‬ ‫و ق ْد �أ ّر َج‬ ‫ ‬ ‫ال‬ ‫ق ْد ح ّ‬ ‫ ‬ ‫�أ�شواقي وروداً‬ ‫و من ُذ الآن‬ ‫ ‬ ‫ال‬ ‫تزدري ال ُف ّ‬ ‫ال‬ ‫�أب�صرتُ ب�أنّ الح�سْ ن قد ج ّ‬ ‫و ه��ا ن��ح��نُ حبيبي نقطف الأث���م���ا َر ال‬ ‫و من ُذ الآن‪� ..‬أب�صرتُ‬ ‫مهْال‪!..‬‬ ‫عطاء الحبِّ ق ْ د‬ ‫‪98‬‬

‫* �شاعر من ال�سعودية‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫ال �شيء في غمراتها‬ ‫■ �أحمد اخلطيب*‬

‫هالك‪،‬‬ ‫أقب�ض الأ���ش��ي��ا َء وه��يَ َت�� ُغ ّ��ط في �صبّارتان على جدا ٍر ٍ‬ ‫خِ ل�س ًة � ُ‬ ‫وق�صيد ٌة ف ّع الحنينُ على يديها‪ ،‬واختفتْ‬ ‫�أحالمها‬ ‫دون �أنْ تدري ب�أنّي ال �أذو ُد عن الغيو ِم فمكثتُ �أ�شربُها‬ ‫على َمهَلٍ‬ ‫�شرار َة الإيقا ِع‬ ‫ولي �أ�شيا�ؤها‪،‬‬ ‫خل�س ًة �أهوي �إلى و�أد الم�سا ِء‬ ‫وال����ن����ايُ ح���ن��� َو ال���ن���اي ي���ب���ري ���ص��ورت��ي‬ ‫أر�ض عن جنبي‬ ‫�أريقُ هذي ال َ‬ ‫ويراعي‬ ‫و�أ�سطع بالذي ما ردّني‬ ‫ال �شي َء يُغ�ضبني �أنا ال�ضوئيُّ‬ ‫لجريرتي وبقاعي‬ ‫مزالجي وقو ُع النه ِر في بح ٍر هالميِّ‬ ‫تل�ص�صي و�شراعي‬ ‫خل�س ًة ال �أ�ستر ّد ُّ‬ ‫لأركبَ ما �أرى من �صور ِة الينبو ِع‬ ‫لكنّني‬ ‫هذا ال�س ْي ُل ي�شب ُه‬ ‫في قاع هذا الو�أ ِد‬ ‫ُّ���س الأ���س��م��ا ِء وه��ي‬ ‫ ه��ل ت��ري��نَ ‪ -‬ت��ق��و َ‬‫�أقر�أُ حيرتي و�ضياعي‬ ‫تحط في غمراتها‬ ‫ُّ‬ ‫ْ���س ال����ذي ع�� ّل��م�� ُت�� ُه �أنْ‬ ‫�أن����ا � ُ���ص��� ّر ٌة ال��ح��د ِ‬ ‫وت�صدُّ عن بابي قناعي؟‬ ‫يهتدي بر�ؤى �أبي‬ ‫ال �شي َء‬ ‫وركن ُت ُه في �آخر المعنى‬ ‫في غمراتها‬ ‫لأ�شطبَ هام�شي ومتاعي‬ ‫غي ُر الأفاعي!!‬ ‫هو هكذا‬ ‫* �شاعر من الأردن‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪99‬‬


‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫نهر قديم‬ ‫■ جمال املو�ساوي*‬

‫نهر قديم يتبعني‪.‬‬ ‫ل�ست‬ ‫�صاحب فلك‪،‬‬ ‫وال‬ ‫بطال من الأ�ساطير‪.‬‬ ‫فقط‬ ‫ثمة ما ي�سّ اقط من علٍ‬ ‫ال هو منُّ‬ ‫وال هو �سلوى‪.‬‬ ‫نهر قديم يتبعني‬ ‫و�صفير‪.‬‬ ‫ك�أنني خارج الن�سق المفتر�ض‪.‬‬ ‫�أو ك�أنني الهارب الفعليُّ‬ ‫من جزيرة البنف�سجْ‪.‬‬ ‫لكنني ل�ست �صاحب فلك‬ ‫وال يد لي في كل ما يحدثُ ‪.‬‬ ‫فكرة في �أعلى ال�سلَّم‪،‬‬ ‫في �شرفة‪،‬‬ ‫في �سحابة‪،‬‬ ‫مطري‪.‬‬ ‫إليك‬ ‫عجلت ُ � ِ‬ ‫ك�أن براقاً ما‬ ‫كانَ‪.‬‬ ‫واحت�شدتُ في اللغة‬ ‫وحيدا مثل جملة اعترا�ضية‪.‬‬ ‫«�أحبك كثيرا‪،‬‬ ‫لنعد �إلى الديار»‪،‬‬ ‫�آخر كلمات البطل في فيلم الليلة‪.‬‬ ‫ *‬

‫قلب متوتر‬ ‫ونهر قديم يتبعني‪.‬‬ ‫ثمة �شامة على وجه الماء‬ ‫مفقودة‪،‬‬ ‫ووقع �أقدام ب�أثر قليل‪.‬‬ ‫الورد في �أق�صى الخطوة‬ ‫بينما ت�شرد واح��ة في ال�صحراء التي‬ ‫تهب في لهاث التعب‪.‬‬ ‫�إلى ال�صخرة‪،‬‬ ‫لما �أ�صاب القلبَ ن�صبٌ ‪،‬‬ ‫�آوت فتنة الوقت‪.‬‬ ‫لم يكن‬ ‫ثمة ما يدلني‪...‬‬ ‫لم يكن ثمة عبد�صالح‬ ‫يعلمني مما يعلمُ‪.‬‬ ‫لكنني على هدى‬ ‫�أو على الأرجح‪ ،‬مددت يداً‬ ‫في لُجج ال�ضالل‬ ‫وك�أنني انك�شفتُ ‪:‬‬ ‫يهرب العا�شق من زلة القلب‪,‬‬ ‫نهر قديم يتبعني‬ ‫بينما �أختل�س الخطوة فالخطوة‪،‬‬ ‫ثمة حياة �أ�سفل الهاوية‬ ‫بكعب عال‪،‬‬ ‫و�أنا �ألفت الخ�سارة‪:‬‬ ‫قلب متوت ٌر‬ ‫وغيم ٌة مثقل ٌة‬ ‫من غبارْ‪.‬‬

‫حوار مع الفنانة الت�شكيلية‬ ‫تغريد الجدعاني‬

‫الفنانة تغريد الجدعاني‪ ،‬توثّق لنف�سها ح�ضورا متميزا‪ ،‬في ف�ضاء الفن الت�شكيلي‪،‬‬ ‫وه��ي ت���ؤم��ن �أن ال��ف��ن م���ر�آة لحياة ال��ف��ن��ان؛ ل���ذا‪ ،‬ف����إن التجريب يليق ب��ـ «قلقها» الفني‬ ‫الجريء‪ ..‬وب�س�ؤالي عن تجربتها المعنونة بخواطر‪ ،‬قالت‪« :‬تبلورت تجربة «خواطر»‬ ‫الفنية الت�شكيلية ف��ي ���ص��ور ال��ع�لاق��ة الجمالية والخيالية بين ان�ف�ع��االت الخطوط‬ ‫في الفراغ‪ ،‬و�إ�سقاطات المعنى النف�سي والفكري لل�شخ�صية‪ ،‬في مجموعة خا�صة من‬ ‫اللوحات الفنية التي ت�شكلت بروح الحبر الأ�سود‪ ،‬على م�ساحات الورق البي�ضاء‪ ،‬في نظم‬ ‫متنا�سق‪ ،‬تمثل ق�صائد ت�شكيلية‪ ،‬ت�ضمنت المحتوى النف�سي والفكري للتجربة الإن�سانية‬ ‫التي ع�شتها في فترات زمنية متعاقبة؛ لتعيد �صياغة الواقع بكل جمالياته ومفارقاته‬ ‫الزمنية والمكانية»‪.‬‬ ‫الفنانة تغريد لها م�شاركات في المعار�ض المحلية والدولية‪ ،‬كما ح�صدت الكثير من‬ ‫الجوائز‪ ،‬ومنها جائزة اقتناء لمكتب الأمير عبدالعزيز بن نواف بن عبدالعزيز �آل �سعود‪،‬‬ ‫وجائزة اقتناء لوكالة وزارة الثقافة والإعالم لل�ش�ؤون الثقافية (المعر�ض الرابع للفنانات‬ ‫الت�شكيليات)‪ ،‬لوحة (ر�ؤية) اقتناء من �سمو الأميرة نوف بنت مقرن بن عبدالعزيز �آل‬ ‫�سعود‪ .‬وهي ت�شغل من�صب محا�ضرة بدرجة دكتوراه بكلية الت�صاميم والفنون بجامعة‬ ‫الملك عبدالعزيز‪ ..‬هذه �إ�ضاءة قد تقودنا لعالمها‪ ،‬وكبوابة لهذا الحوار‪...‬‬ ‫■ حاورها عمر بوقا�سم ‪ -‬ال�سعودية‬

‫�شاعر من المغرب‪.‬‬

‫‪ 100‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪101‬‬


‫�سوف ت�شهد ال�ساحة الفنية العربية‬ ‫والعالمية نقلة حديثة �ستغير معايير‬ ‫الفن‪ ،‬وت�ضع مفاهيم جديدة للفنان‬ ‫والمنتج الفني‬ ‫�أ�صبح الح�ضور الفني الت�شكيلي‬ ‫ال�سعودي يتجاوز الح�ضور العربي في‬ ‫كثير من المحافل الفنية العالمية‪،‬‬ ‫لما له من تميز وخ�صو�صية‬ ‫مهتمة حالي ًا بعمل �شراكات فنية‬ ‫بهدف تطوير ال�ساحة الت�شكيلية‬ ‫و�إعادة �صياغتها فكري ًا وثقافي ًا‬ ‫لالرتقاء بالفنان الت�شكيلي‬

‫ال�ساحة ما يميزها الروح ال�شابة الغنية!‬ ‫«الفن»‪ ..‬يت�أثر وي�ؤثر‬ ‫● ● لديك الكثير من الم�شاركات المتميزة في‬ ‫ال��م��ع��ار���ض المحلية‪ ،‬ق�����ص��دتُ م��ن الإ���ش��ارة‬ ‫● ●«الفن الت�شكيلي عاجز على �أن ي�أتي بجديد»‪،‬‬ ‫ل��ه��ذه ال��م�����ش��ارك��ات‪ ،‬اق��ت��راب��ك م��ن ال�ساحة‬ ‫الفنية‪ ،‬ما تقييمك ل�ساحة الفن الت�شكيلي‬ ‫م�ضمون ه���ذه ال��ع��ب��ارة ت��ك��رر ف��ي ع���دد من‬

‫‪ 102‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫بين �ألواني وري�شتي وم�ساحات‬ ‫اللوحة الحرّ ة‪� ،‬أجدني �أملك �إمكانية‬ ‫�صياغة فكري بالطريقة التي‬ ‫تنا�سبني‪ ،‬و�أ�شكّل بفني واقع الآخر!‬

‫القراءات النقدية‪ ،‬الفنانة الدكتورة تغريد‬ ‫الجدعاني‪ ،‬ماذا تقول في هذا االتجاه؟‬ ‫‪ρ ρ‬اعتقد �أن الفن هو نتاج حراك اجتماعي فكري‬ ‫�إن�ساني‪ ،‬يتفاعل مع التغيرات والتطورات التي‬ ‫ت�ؤثر وتت�أثر به عبر التاريخ‪ ،‬والمجتمعات‬ ‫الإن�سانية في الفترة الحالية تواجه رك��ودا‬ ‫وج �م��ودا‪ ،‬وت �ك��اد ت�ك��ون ال�ح��رك��ات الفكرية‬ ‫واالجتماعية ف��ي حالة نكو�ص �إل��ى فترات‬ ‫زمنية �سابقة‪ ،‬ت�ستند عليها وت�ستقي منها‬ ‫فكرها ونتاجها‪ ،‬في ظل الفقر الكلي الذي‬ ‫يعي�شه عالمنا اليوم‪ ،‬لتحقيق اال�ستمرارية‬ ‫ولو في حالة �ضعف بدال من الموت والتوقف‬ ‫تماماً؛ ولكن مثل هذه االنتكا�سات غالب ًا ما‬ ‫تتزامن م��ع ب��داي��ات ث��وري��ة قوية تن�ضج في‬ ‫العمق ببطء‪ ،‬و�سرعان ما �سيتغير حال الفن‬ ‫الت�شكيلي خالل ال�سنوات القادمة‪ ،‬وتنطلق‬ ‫حركات جديدة تعيد للفن الحيوية والقوة‬ ‫لإنتاج الجديد والمختلف‪.‬‬

‫ال�سعودية مقارنة بال�ساحات العربية؟‬ ‫‪ρ ρ‬ال���س��اح��ة ال���س�ع��ودي��ة ت�شكل �أر� �ض��ا خ�صبة‬ ‫م�ت�ج��ددة وم�ت�ن� ّوع��ة‪ ،‬ت��واك��ب ال �ت �ط��ورات في‬ ‫ال�ساحات الفنية الت�شكيلية على الم�ستويين‬ ‫ال�ع��رب��ي وال��دول��ي‪ ،‬تميزها ال ��روح ال�شابة‬ ‫الغنية علم ًا وفناً‪ ،‬والتي ق��ادت حركة الفن‬ ‫الت�شكيلي ال�سعودي لتخترق ب��ه ال�ساحات‬ ‫الفنية ف��ي ال�ع��ال��م ب �ج��ر�أة وف� ��رادة‪ ،‬جعلت‬ ‫الفنان ال�سعودي جزءا من الر�ؤية العالمية‬ ‫المعا�صرة بثقافته وفنه و�أ�صالته‪ .‬و�أ�صبحت‬ ‫اللوحة الت�شكيلية ال�سعودية تحتل مكانتها �إلى‬ ‫جانب �أ�شهر اللوحات للفنانين العالميين في‬ ‫�صاالت �أوروبا و�أمريكا و�أ�سيا‪ ،‬وبذلك �أ�صبح‬ ‫الح�ضور الفني الت�شكيلي ال�سعودي يتجاوز‬ ‫ت��غ��ري��د‪ ،‬م����اذا ت��ب��وح ل��ن��ا ت��ح��ت م��ظ��ل��ة ه��ذه‬ ‫الح�ضور العربي في كثير من المحافل الفنية‬ ‫التفا�صيل؟‬ ‫العالمية‪،‬؛لما له من تميز وخ�صو�صية جعلته‬ ‫يتجاوز مرحلة المقارنة العربية‪� ،‬إلى تحقيق ‪ρ ρ‬عالقتي بالفن ن�ضجت مع تطوري ال�شخ�صي‬ ‫عبر �سنوات ترافقت فيها ممار�سة الفن‬ ‫الهوية الفنية الخا�صة التي جمعت الأ�صالة‬ ‫م��ع ت �ج��ارب �شخ�صية متنوعة وم�ت�ع��ددة‪،‬‬ ‫العربية ذات الطابع الخا�ص‪ ،‬والمعا�صرة‬ ‫وت�م��رح�ل��ت ف��ي ع ��دة ان �ت �ق��االت ��ش� ّك�ل��ت كل‬ ‫الغربية المتجددة‪.‬‬ ‫مرحلة الوعي الفني ال��ذي ت�صوّره لوحاتي‬ ‫ن�ضجت مع تطوري ال�شخ�صي‬ ‫ب�ألوانها وعنا�صرها وفراغها الناطق‪� ،‬إذ �إن‬ ‫�شخ�صيتي الفنية تجد مكانها في م�ساحات‬ ‫● ●لكل فنان موعد وطق�س خا�ص مع ري�شته‬ ‫و�ألوانه؛ �أي عالقة الفنان بلوحته‪ .‬الفنانة‬ ‫الفكر والعمق الذاتي‪ .‬هناك �أحقق الإح�سا�س‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪103‬‬


‫«خواطر»‪..‬لوحات فنية ت�شكلت بروح‬ ‫الحبر الأ�سود على م�ساحات الورق‬ ‫البي�ضاء وتمثل ق�صائد ت�شكيلية‬ ‫ت�ضمنت المحتوى النف�سي والفكري‬ ‫للتجربة الإن�سانية التي ع�شتها‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫بالحرية والجمال‪ ،‬و�أت �ج��اوز المحدود �إلى‬ ‫الالمحدود‪ ،‬وبين �ألواني وري�شتي وم�ساحات‬ ‫اللوحة الحرّة �أجدني �أملك �إمكانية �صياغة‬ ‫فكري بالطريقة التي تنا�سبني‪ ،‬و�أ�شكّل بفني‬ ‫واقع الآخر الذي يبحث عني في لوحاتي‪.‬‬ ‫● ●ب����ر�أي����ك‪ ،‬ه���ل الإع���ل��ام ي���ق���وم ب�����دوره ت��ج��اه‬ ‫ال���ف���ن ال��ت�����ش��ك��ي��ل��ي ب��ال�����ش��كّ��ل ال������ذي ي��ث��ق��ف‬ ‫العين و�إك�سابها الأدوات ل��ق��راءة الأع��م��ال‬ ‫الت�شكيلية؟‬ ‫‪ρ ρ‬ي� ��ؤدي الإع�ل�ام ال���س�ع��ودي ح��ال�ي� ًا م �ب��ادرات‬ ‫عديدة لتغطية المجال الفني الت�شكيلي‪ ،‬من‬ ‫خالل البرامج الثقافية التي تقدم للفنانين‬ ‫ال�سعوديين والمعار�ض الت�شكيلية‪ ،‬ب�صورة‬ ‫اعتقد �أنها ت�سهم في تثقيف المجتمع حول‬ ‫الفن ودوره ف��ي خدمة المجتمع واالرت�ق��اء‬ ‫بالذوق العام والتطور الح�ضاري والإن�ساني‪.‬‬ ‫وهناك برامج ت�ست�ضيف نخبة من النقاد‬ ‫الفنيين ال�سعوديين والعالميين الذي لهم باع‬ ‫في مجال النقد الفني واتجاهاته المختلفة‪.‬‬

‫مواقع التوا�صل في المرتبة الأولى‪..‬‬ ‫● ●م��ا ال��م��واق��ع ال��ت��ي تهتمين ب��زي��ارت��ه��ا على‬ ‫ال�شبكة العنكبوتية؟‬ ‫‪ρ ρ‬بالطبع تحتل م��واق��ع التوا�صل االلكتروني‬ ‫المرتبة الأول��ى في �أولويات زياراتي لل�شبكة‬ ‫العنكبوتيه (الفي�س ب��وك‪ ،‬التويتر)‪� ،‬إذ �أن‬ ‫ن�شاطي ال�شخ�صي متركز غالب ًا ف��ي ن�شر‬ ‫محتويات ثقافية وفنية وعلمية في مجاالت‬ ‫متنوعة ت�سهم في خدمة الفكر وتطوير الفرد‬ ‫وتنمية الإم�ك��ان��ات لجميع فئات المجتمع‪،‬‬ ‫وبخا�صة ال���ش�ب��اب‪� ،‬إ��ض��اف��ة �إل��ى التوا�صل‬ ‫والإطالع على المواقع العالمية المهتمة بالفن‬ ‫الت�شكيلي والمواقع الثقافية ب�شكل ع��ام‪..‬‬ ‫�سواء العربية �أم العالمية‪.‬‬ ‫«خواطر»‪ ..‬ت�شكلت بروح الحبر الأ�سود‪!..‬‬ ‫● ●م��ن خ�ل�ال تجربتك ال��م��ت��م��ي��زة‪ ،‬المتميزة‬ ‫والمعنونة بـ «خواطر»‪ ،‬و�أنا �أت�صفح ر�سومات‬ ‫ه��ذه التجربة‪ ،‬وكذلك من خ�لال تعليقك‬ ‫ال�سريع على هذه التجربة‪� ،‬شعرت على �أنك‬ ‫تراهنين بما تحويه هذه التجربة من عمق‪،‬‬ ‫ع��ل��ى ع���دة م�����س��ت��وي��ات؛ ���س��وا ًء ع��ل��ى م�ستوى‬ ‫الأفكار �أم الأ�سلوب‪ ،‬ما �أبعاد هذه التجربة؟‬ ‫‪ρ ρ‬تبلورت تجربة «خ��واط��ر» الفنية الت�شكيلية‬

‫معيار الحكم على �أ�صالة الفنان وفنه‪،‬‬ ‫يتوقف على م�ستوى تقييم الجوائز‬ ‫والقائمين على الإعداد للم�سابقات‬ ‫والمعار�ض الت�شكيلية!‬

‫ال�ساحة الت�شكيلية ال�سعودية ما تزال‬ ‫قا�صرة ونخبوية وربما غير عادلة في‬ ‫حق الفنان الت�شكيلي و�إنتاجه الفني‬ ‫ف��ي �صور العالقة الجمالية والخيالية بين‬ ‫انفعاالت الخطوط ف��ي ال��ف��راغ و�إ�سقاطات‬ ‫المعنى النف�سي والفكري لل�شخ�صية‪ ،‬في‬ ‫مجموعة خا�صة م��ن ال�ل����وح��ات الفنية التي‬ ‫ت�شكّلت ب��روح الحبر الأ��س��ود على م�ساحات‬ ‫ال��ورق البي�ضاء‪ ،‬في نظم متنا�سق‪ ،‬تمثّل في‬ ‫ق�صائد ت�شكيلية ت�ضمنت المحتوى النف�سي‬ ‫والفكري للتجربة الإن�سانية التي ع�شتها في‬ ‫فترات زمنية متعاقبة‪ ،‬لتعيد �صياغة الواقع‬ ‫بكل جمالياته ومفارقاته الزمنية والمكانية‪،‬‬ ‫وحددت تقنيات العمل الفني بطريقة خرجت‬ ‫ع��ن ال�م��أل��وف ف��ي ال�ط��رح الفني الت�شكيلي‬ ‫ال�سائد ف��ي ال�ساحة الت�شكيلية ال�سعودية؛‬ ‫ِلتُحَ دِّ َد م�سار ًا فني ًا خا�ص ًا يعك�س هوي ًة فني ًة‬ ‫ت�شكيلي ًة ذات تميز يجعل لها وج��ود ًا مختلف ًا‬ ‫وطابع ًا م�ؤثراً‪.‬‬ ‫ثقافة االقتناء ما تزال قا�صرة ونخبوية!‬

‫‪ 104‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫● ●ه��ل كمية اق��ت��ن��اء ال��ل��وح��ات للفنان وح�صد‬ ‫الجوائز‪ ،‬دليل �أو معيار لنجاحه؟‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪105‬‬


‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫‪ρ ρ‬يتوقف معيار الحكم على �أ�صالة الفنان وفنه على‬ ‫م�ستوى تقييم الجوائز والقائمين على الإعداد‬ ‫للم�سابقات والمعار�ض الت�شكيلية‪ ،‬كذلك اقتناء‬ ‫اللوحات الفنية يت�أثر بطريقة الت�سويق التي يقدم‬ ‫بها الفنان في ال�ساحة الفنية والفر�ص التي تتاح‬ ‫ب�صرف النظر عن جودة المنتج الفني و�أف�ضليته‪.‬‬ ‫�إذ �أن ثقافة االق�ت�ن��اء ف��ي ال�ساحة الت�شكيلية‬ ‫ال�سعودية ما تزال قا�صرة ونخبوية‪ ،‬وربما غير‬ ‫عادلة في حق الفنان الت�شكيلي و�إنتاجه الفني‪.‬‬ ‫مكتبتي متنوعة‪!..‬‬ ‫● ●وهل لنا �أن نتعرف على ما تحتويه مكتبتك؟‬ ‫‪ρ ρ‬بحكم التنوع في المجاالت العلمية والثقافية‬ ‫وااله�ت�م��ام��ات ال�شخ�صية‪� ،‬إ�ضافة �إل��ى مجال‬ ‫الدرا�سة والأبحاث العلمية‪ ،‬ف�إن مكتبتي ت�ضم‬ ‫مجموعة من الكتب في مجاالت الفن الت�شكيلي‪،‬‬ ‫وعلوم الإ�سكان والعمارة والت�صميم الداخلي‪،‬‬ ‫وع�ل��وم تطوير ال��ذات وتنمية الإن���س��ان وتحليل‬ ‫ال�شخ�صية‪ ،‬وعلوم الإدارة والتخطيط‪ ،‬والعلوم‬ ‫الإن�سانية ب�صفة عامة والأدب وال�شعر‪.‬‬ ‫الفن الت�شكيلي المعا�صر يرافق التغيرات‪!..‬‬ ‫● ●في ظل التغيرات التي ي�شهدها العالم العربي‬ ‫�سيا�سيا واقت�صاديا‪ ،‬هل ب��ر�أي��ك �سينعك�س �أثر‬ ‫ه��ذه التغيرات على الإب����داع الفني والخطاب‬ ‫الإبداعي ب�صفة عامة؟‬ ‫‪ρ ρ‬بما �أن الفن ه��و الحياة وانعكا�س جميل لكل‬ ‫ت���ص��ورات�ه��ا ال�م�خ�ت�ل�ف��ة‪ ،‬وم � ��ر�آة للمجتمعات‬ ‫الإن�سانية وتاريخها عبر الع�صور‪ ،‬ف ��إن الفن‬ ‫الت�شكيلي المعا�صر ي��راف��ق رح�ل��ة التغيرات‬ ‫ال�سيا�سية واالقت�صادية واالجتماعية‪ ،‬ينمو معها‬ ‫ويقوى بقوتها وي�ضعف ب�ضعفها‪ ،‬و�سوف ت�شهد‬ ‫ال�ساحة الفنية العربية والعالمية نقلة حديثة‬ ‫�ستغير معايير ال�ف��ن‪ ،‬وت�ضع مفاهيم جديدة‬ ‫للفنان والمنتج الفني‪ ،‬قد تختلف كليا عما كان‬

‫‪ 106‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫عليه الفن في الفترات الما�ضية‪ ،‬ل�صياغة عالم‬ ‫جديد بفكر جديد‪.‬‬

‫الموارد الأ�سرية والفردية‪ .‬و�أ�سعى ب ��إذن اهلل‬ ‫�إلى ربط برامج التطوير الذاتي بالفن الت�شكيلي‬ ‫وتطوير ال�ساحة الت�شكيلية وتنميتها فكري ًا‬ ‫وثقافيا‪.‬‬

‫تنمية ال�شخ�صية وتطوير الذات‬ ‫● ●م��ا الف�ضاء الآخ���ر ال���ذي تح�ضرين فيه غير‬ ‫جمعية لتنمية الوعي‪!..‬‬ ‫ف�ضاء الفن الت�شكيلي؟‬ ‫‪ρ ρ‬منذ فترة اتخذت توجهاتي م�سار ًا جديد ًا ركزت ● ●وماذا عن خطواتك الجديدة؟‬ ‫فيه على االهتمام بعلوم تنمية ال�شخ�صية وتطوير ‪ρ ρ‬خطواتي الجديدة تهدف �إل��ى ت�أ�سي�س جمعية‬ ‫لتنمية الوعي الفكري في المجتمع‪ ،‬كما �أنني‬ ‫ال��ذات‪ ،‬وتح�سين المجتمع‪ ،‬من خ�لال �إع��داد‬ ‫مهتمة حالي ًا بعمل �شراكات فنية بهدف تطوير‬ ‫ب��رام��ج تطويرية تحفيزية‪ ،‬وتقديم مجموعة‬ ‫ال�ساحة الت�شكيلية و�إع ��ادة �صياغتها فكري ًا‬ ‫من ال��دورات التدريبية المتنوعة في مجاالت‬ ‫وثقافي ًا لالرتقاء بالفنان الت�شكيلي و�إنتاجه‬ ‫اكت�شاف ال��ذات الإن�سانية وتح�سين تكيّفها مع‬ ‫ليواكب التطور العالمي‪.‬‬ ‫الحياة‪� ،‬إ�ضافة �إلى برامج في التخطيط و�إدارة‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪107‬‬


‫د‪ .‬م�صطفى ال�ضبع‬ ‫يظل واحداً من �أهم النقاد على ال�ساحة الم�صرية والعربية‪ ،‬ممن ارتبطت با�سمهم‬ ‫�سجالت الإبداع النقدي وم�ساجالت الدرا�سات الأدبية والبالغية؛ وهو رغم ان�شغاالته‬ ‫الأكاديمية كمحا�ضر و�أ�ستاذ للأدب العربي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة‪ ،‬ورئي�س‬ ‫لق�سم البالغة والنقد والأدب المقارن بكلية دار العلوم بجامعة الفيوم في م�صر‪� ،‬إال‬ ‫�أنه فريد متميز فيما يقدمه لمهنة النقد من جهد حثيث متوا�صل‪ ،‬يتطلع من خالله‬ ‫لتر�سيخ كيان نقدي متكامل على الم�ستوى العربي‪� .‬سيرته الوظيفية ال تخلو من‬ ‫منا�صب الرفعة وال�سمو‪ ،‬كما ال تخلو �سيرته الإبداعية من جوائز التكريم واالعتراف‬ ‫بالف�ضل‪� .‬إن��ه الأ�ستاذ الدكتور م�صطفى ال�ضبع‪ ،‬ال��ذي يرى في مهنة النقد فر�صة‬ ‫م�شرعة الآفاق لكل مَن يرغب مخل�صاً في �إعادة هيكلة الوعي العربي و�صياغته‪ ،‬وفق‬ ‫معطيات الذوق الرفيع والتذوق الراقي البديع‪« .‬الجوبة» التقته بالقاهرة وحاورته‬ ‫في �شئون الثقافة والنقد والأدب‪.‬‬ ‫■ حاوره‪ :‬حم�سن ح�سن ‪ -‬القاهرة‬ ‫● ●بداية‪ ،‬ما �سر تراجع الحركة النقدية‬ ‫ف���ي ال��ع��ال��م ال��ع��رب��ي‪ ،‬ق��ي��ا���س��اً بحركة‬ ‫الطباعة والن�شر؟‬ ‫‪ρ ρ‬لدينا مجموعة من العوامل ي�أتي في‬ ‫مقدمتها التعليم وم��ا يت�سم ب��ه من‬ ‫ج �م��ود‪ ،‬رغ��م م��ا ي�ت��اح م��ن �إم�ك��ان��ات؛‬

‫‪ 108‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫فيوم �أن كان في م�صر خم�س جامعات‬ ‫فقط‪� ،‬شهدنا حركة نقدية كبرى في‬ ‫م�صر وال�ساحة العربية‪� ،‬أما اليوم ففي‬ ‫م�صر والعالم العربي مئات الجامعات‬ ‫الحكومية والخا�صة‪ ،‬ومع ذلك تت�سم‬ ‫م�ساحة النقد بالت�ضا�ؤل وال�ضعف‪.‬‬

‫ث��م ي��أت��ي ت��راج��ع التربية‪ ،‬وغ�ي��اب ال�ق��راءة‬ ‫بو�صفها الو�سيلة الأهم في تن�شئة المواهب‬ ‫وتنمية الذائقة منذ ال�صغر‪ ،‬لتت�سع عوامل‬ ‫الق�صور؛ هذا �إ�ضافة �إلى افتقاد منظوماتنا‬ ‫الإعالمية بعامة و�صحافتنا الأدبية بخا�صة‪،‬‬ ‫�إل��ى م�شروع نقدي ينتج نقّادا‪ ،‬ويجمع بين‬ ‫الأجيال‪.‬‬ ‫● ●على ذك��ر النقد‪ ،‬ه��ل م��ن اق��ت��راح عملي ما‬ ‫ال�ستنها�ض ال��ح�����ض��ور ال��ن��ق��دي ومعالجة‬ ‫الأخطاء؟‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫حوار مع الناقد والأكاديمي الم�صري‬

‫‪ρρ‬يحلم بم�شروع نقدي يعيد ت�شكيـــــل خارطـــــة الأدب العربي على �أ�س�س علميـــــة ويقول‪ :‬الأدب‬ ‫ال�سعودي على الطريق ال�صحيح‪ ،‬وروائيو الخليج �إ�ضافة كبيرة لل�سرد العربي‪.‬‬ ‫‪ρ ρ‬النخبة م�س�ؤولة عن تغييب الجماهير‪ ،‬و�أزم��ة القاريء العربي في ه��واة التغريب با�سم‬ ‫الحداثة‪.‬‬ ‫‪ρ ρ‬يخطيء الكتّاب حين يقْ�صرون �أدوراهم في التنوير على مجرد الطبع والن�شر‪.‬‬ ‫‪ρ ρ‬لدينا �أ�ساتذة في النقد‪ ،‬لكن لدينا �أي�ض ًا جامعات لم تقدم ناقد ًا واحد ًا منذ ن�ش�أتها‪.‬‬ ‫‪ρ ρ‬في م�صر نقاد �أ�سهموا في ظهور دخالء على مهنة الأدب‪ ،‬ودعاة النقد �أ�ساءوا للم�شهد‬ ‫النقدي والإبداعي‪.‬‬ ‫‪ ρ ρ‬النقد الم�ؤ�س�سي ال يخدم الإبداع‪ ،‬ورقابة الناقد الفرد هي الأولى باالهتمام والرعاية‪.‬‬ ‫‪ρ ρ‬انبهارنا بمحفوظ الكاتب �شغلنا عن اال�ستغراق في محفوظ التجربة والإن�سان‪.‬‬ ‫‪ρ ρ‬ف��ي الحقيقة ت���ض��اف ه ��ذه ال �ع��وام��ل �إل��ى‬ ‫�سابقتها مما ذك��رت؛ فهناك غياب �شديد‬ ‫لقواعد البيانات؛ �إذ ال يجد الباحث في النقد‬ ‫وغيره �أي قاعدة بيانات �أو ببليوجرافيا‪،‬‬ ‫تمده بالمواد الأولية للبحث العلمي‪ ،‬وبخا�صة‬ ‫ما يتعلق بقوائم المبدعين و�أعمالهم‪ .‬ومما‬ ‫ي�صعب الأمور �أكثر و�أكثر �أن الكتاب �أنف�سهم‬ ‫يق�صرون في حق �أعمالهم‪ ،‬ويعتقدون �أن‬ ‫مجرد ن�شرها يعني انتهاء دوره��م‪ .‬وحتى‬ ‫دور الن�شر‪ ..‬هي الأخرى ال تهتم بخدمة ما‬ ‫بعد الن�شر‪ ،‬مكتفية بالح�صول على حقوقها‬ ‫المادية من الكاتب قبل الن�شر‪ ،‬ومن ثم ال‬ ‫يعنيها و�صول الكتاب للقارئ بعد الن�شر‪،‬‬ ‫وال تقديم العمل بما يليق به نقديا من عقد‬ ‫ندوات �أو ن�شر مراجعات‪.‬‬

‫‪ρ ρ‬نعم بالت�أكيد‪ ،‬ف�أنا �أقترح �أن تقوم �إح��دى‬ ‫الدوريات العربية بتبنّي م�شروع نقدي يقوم‬ ‫على ا�ستكتاب ع��دد من النقاد من �أجيال‬ ‫مختلفة‪ ،‬يعمل على �إع��ادة ت�شكيل الخارطة‬ ‫الإب��داع �ي��ة‪ ،‬وال�ك���ش��ف ع��ن ال�م�ن��اط��ق غير‬ ‫الم�أهولة؛ وللعلم الم�شروع خِ ططه حا�ضرة ● ●كيف تقيّم �أمانة النقد والناقد عربياً؟‬ ‫وجاهزة لمن يريد العمل‪.‬‬ ‫‪ρ ρ‬على الم�ستوى العربي تتباين العملية النقدية‬ ‫ف��ي م�ستواها ب�ي��ن ال�ضعف وال �ق��وة‪ ،‬بين‬ ‫● ●لكن ماذا عن عوامل الق�صور المعلوماتي‬ ‫على الم�ستوى النقدي؟‬ ‫الأمانة وما دونها؛ فم�شكلتنا النقدية تكمن‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪109‬‬


‫● ●م��ن وج��ه��ة ن��ظ��رك‪ ،‬م��ا المعايير النقدية‬ ‫را�����ض ع��ن ال��م��خ��رج��ات النقدية‬ ‫● ●ه��ل �أن����ت ٍ‬ ‫ال��ت��ي ت��ح��دد ال��خ��ط ال��ف��ا���ص��ل ب��ي��ن ت��ج��اوز‬ ‫حالياً؟‬ ‫المبدع وان�ضباطه؟‬ ‫‪ρ ρ‬بالطبع ل�ست را� �ض �ي��ا؛ فالتعليم م��ا قبل‬ ‫‪ρ ρ‬الذائقة �أوال والثقافة النقدية ثانيا‪ ،‬والتعامل‬ ‫الجامعي ثم الجامعي ثم و�سائل الإع�لام‬ ‫مع النقد بو�صفه علما‪ ،‬وم��ع الفن بو�صفه‬ ‫جميعها ت���ش��ارك��ت ف��ي ق�ت��ل ال��ذائ �ق��ة ل��دى‬ ‫عملية جمالية في المقام الأول‪ ،‬ثم ت�أتي‬ ‫المتعلمين‪ ،‬ورغ ��م ه��ذا ال�ك��م ال�ه��ائ��ل من‬ ‫عملية الخبرة التي ال تتحقق �إال بالممار�سة‬ ‫الجامعات‪ ،‬ومن كليات الآداب‪ ،‬ومن �أق�سام‬ ‫عبر قراءة التراث العربي والتراث الإن�ساني‬ ‫اللغة العربية و�أق�سام الآداب المختلفة‪� ،‬إال‬ ‫وق ��راءة الأدب العالمي‪ ،‬فكل ه��ذا ي�شكل‬ ‫�أنه توجد لدينا جامعات لم تقدم ناقدا واحدا‬ ‫خبرة الناقد ووعيه بالن�صو�ص في قمتها‬ ‫منذ ن�ش�أتها؛ نعم لدينا �أ�ساتذة في النقد‪،‬‬ ‫الفنية‪ .‬و�أح �ي��ان��ا يقابلني �أم���ران �أراه �م��ا‬ ‫ولكن لي�س لدينا نقاد من خريجي الم�ؤ�س�سة‬ ‫�شكال من �أ�شكال اال�ستحالة‪ ،‬ال تجدهما �إال‬ ‫الأك��ادي�م�ي��ة ب��ال�ق��در ال ��ذي يليق بتاريخنا‬ ‫في �أكاديمياتنا العربية‪ :‬باحث ي�شتغل في‬ ‫الأكاديمي �أو بعدد جامعاتنا‪ ،‬وقد كان من‬ ‫الرواية‪ ،‬فتكون �أول رواية يقر�أها في حياته‬ ‫المفتر�ض �أن تتكفل كل جامعة بتقديم ناقد‬ ‫هي الرواية التي �سي�شتغل عليها في البحث‬ ‫واحد كل خم�س �سنوات‪ ،‬ولكن لم يحدث‪..‬‬ ‫الأكاديمي‪ .‬ثم �أ�ستاذ يعمل بالنقد لم يقرب‬ ‫فقط نملك المميزات وال ن�ستثمرها!‬ ‫الأدب العالمي‪ ،‬و�آخ��ر يدر�س الم�سرح ولم‬ ‫● ●في ر�أي��ك هل �أ�سهم النقاد الم�صريون في‬ ‫يح�ضر عر�ضا م�سرحيا في حياته!!‬ ‫ظهور دخالء على مهنة الأدب؟‬

‫● ●ما تف�سيرك للبون ال�شا�سع بين الأدب وبين‬ ‫الجماهير رغم ح�ضور النخبة؟‬

‫‪ρ ρ‬بالت�أكيد؛ فقد كان لل�شللية واال ّدع��اء الدور ● ●في ر�أي��ك �أيهما �أكثر �إث��راء للإبداع‪ :‬رقابة‬ ‫الأكبر في وجود كثير من الدخالء‪ ،‬ال�شللية‬ ‫الناقد الفرد‪� ،‬أم رقابة الم�ؤ�س�سات الر�سمية؟‬

‫‪ρ ρ‬ال�ن�خ�ب��ة ح��ا� �ض��رة دون خ �ط��ة‪ ،‬ح�ضورها‬ ‫ع�شوائي‪ ،‬كثيرة لت�صدر الم�شهد �إعالميا‬

‫‪ 110‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫● ●ك��ي��ف ت���ؤث��ر �سيطرة ن��م��وذج �أدب����ي م��ا على‬ ‫باقي �أجنا�س الأدب في ر�أيك؟‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫ف��ي افتقادنا ‪ -‬ع��رب�ي� ًا ‪ -‬لأم��ري��ن �أراه �م��ا‬ ‫�أ�سا�سين في حياتنا‪ :‬الأول غياب الم�شروع‬ ‫ال�ن�ق��دي ال �ق��ادر على ال�ق�ي��ام ب ��دوره تجاه‬ ‫الإب ��داع‪ ،‬والثاني افتقادنا للوعي النقدي‬ ‫الذي يعمل على تو�سيع مفهوم النقد‪ ،‬لينجز‬ ‫مراجعة �شاملة على كل �أم��ور الحياة‪ ،‬وما‬ ‫�أح���وج ثقافتنا وت��اري�خ�ن��ا �إل ��ى المراجعة‬ ‫والتحليل واال�ستك�شاف؛ فال�شعوب ال تتقدم‬ ‫�إال بمراجعة دائ�م��ة عبر عملية نقد ذات��ي‬ ‫ت�ستثمر وعي النقد بالكثير من الأمور‪.‬‬

‫تدفع فواتيرها على ح�ساب الأدب؛ ما يعني‬ ‫�صعود �أعمال لي�ست جديرة بم�ستوى و�ضعت‬ ‫فيه؛ واال ّدع��اء هنا هو ادّعاء بع�ضهم للعمل‬ ‫النقدي‪ ..‬والذين ا ّدع��وا العمل بالنقد وهم‬ ‫يفتقدون الموهبة �أوال‪ ،‬و�أي مقومات ت�ؤهلهم‬ ‫للقيام بالنقد ثانيا وفي مقدمتها الذائقة‪،‬‬ ‫ه� ��ؤالء ك��ان لهم ال ��دور الأخ �ط��ر ف��ي �إق��رار‬ ‫�أعمال تفتقد القيمة‪ ،‬وتقر �أخطاء دور الن�شر‬ ‫التي ن�شرت �أعماال ال قيمة لها‪.‬‬

‫‪ρ ρ‬رقابة الناقد الفرد �أق��وى‪ ،‬وبخا�صة الناقد‬ ‫�صاحب ال�م���ش��روع؛ �أم ��ا الم�ؤ�س�سة‪ ،‬فهي‬ ‫تعمل على التنظير ال التطبيق‪ ،‬وهي فقط‬ ‫تقدم عوامل التثقيف للناقد‪ ،‬بينما ال تخدم‬ ‫الإبداع خدمة الناقد له؛ كما �أن الم�ؤ�س�سة في‬ ‫ممار�ستها للرقابة ت�ستهدف بقاء ال�شعوب‬ ‫ف��ي ط��ي الجهل ال التنوير‪ ،‬خ�لاف��ا لهدف‬ ‫الناقد ال�ت�ن��وي��ري‪ ،‬عمال بمقولة «الكاتب‬ ‫�ضمير المجتمع المتيقظ»‪� ،‬أو الذي يجب �أن‬ ‫يكون كذلك دائما‪.‬‬

‫ف�ق��ط‪ ،‬وقليله ل�صالح العمل ال �ع��ام‪ ،‬وقد‬ ‫ارتكبت النخبة في تاريخنا الطويل كثيرا‬ ‫من المغالطات وابتعدت عن الجمهور‪ ،‬وهي‬ ‫�إن تقدمت خطوة للجمهور‪ ..‬تتقدمها نحو‬ ‫الكبار ولي�س نحو ال�شباب في الجامعات‬ ‫والطالب في المدار�س‪ ،‬لقد انغلقت النخبة‬ ‫على نف�سها‪ ،‬وراح��ت ت�شكو غياب جمهور‬ ‫هي م�س�ؤولة عن غيابه قبل �أي عامل �آخر‪.‬‬ ‫َلكَم تمنيت لو ا�ستثمر اتحاد الكتاب جمهور‬ ‫الأدب��اء والنقاد في �إح��داث تنوير عبر عدد‬ ‫من الندوات يقومون بها في �أقرب مدر�سة‬ ‫لمقر �إقامة كل منهم‪.‬‬

‫‪ρ ρ‬يتدخل في ذل��ك عامالن‪ :‬الثقافة العربية ● ●كيف نفك الإ�شكالية القائمة بين التعاليم‬ ‫ال��دي��ن��ي��ة و�آف�������اق ال��ن�����ص��و���ص الإب���داع���ي���ة‬ ‫عامة في اعتقادها بفكرة ال�شخ�ص الواحد‪،‬‬ ‫والفنية؟‬ ‫�إذ ترفع راية الكاتب الواحد طوال الوقت‪،‬‬ ‫وو�سائل الإعالم التي تر�سّ خ للنموذج الواحد‪ρ ρ ،‬ب��إع��ادة االعتبار للقراءة الأدب �ي��ة‪ ،‬و�إع�لاء‬ ‫قيمة الفن‪ ،‬و�أن نتخل�ص من ادّعاء الخالف‬ ‫ما ي��ؤدي �إل��ى ت�سليط الأ�ضواء على منطقة‬ ‫بين الدين والجمال �أو الدين والفن‪ ،‬الذين‬ ‫واحدة طوال الوقت‪ ..‬وتغفل بقية الجوانب‬ ‫يكتفون (مدّعين) َفهْمَ الدين من دون معرفة‬ ‫ذات الت�أثير‪ .‬ومث ًال وج��ود نجيب محفوظ‬ ‫الأدب‪ ،‬ف�شلوا في َفهْمِ الحياة حين ر�سّ خوا‬ ‫في م�صر ال يعني انفراده بالرواية العربية‪،‬‬ ‫في الأذهان �أن الإبداع يخالف الدين‪.‬‬ ‫�صحيح �أن نجيب م�ح�ف��وظ ه��و ال�ن�م��وذج‬ ‫الأعظم‪ ،‬لكنه لي�س النموذج الوحيد‪ ،‬وهو ● ●في ر�أيك لماذا لم تظهر نوبل �أخرى عربية‬ ‫نف�سه �سمح لبراعم حوله �أن تنمو‪ ،‬ولم يمنع‬ ‫بعد نجيب محفوظ؟‬ ‫عنها �ضوء ال�شم�س مثلما يحدث الآن من ‪ρ ρ‬نجيب محفوظ نموذج لم ن�ستثمره تماما‪،‬‬ ‫بع�ض محتكري الأدب‪.‬‬ ‫تجربة الكاتب لها �شقان‪ :‬م�شروعه المكتوب‬ ‫الذي بين �أيدينا‪ ،‬وحياته و�أ�سلوبه في هذه‬ ‫الحياة؛ وال�شق الثاني لم نكت�شفه النبهارنا‬ ‫ب�م�ح�ف��وظ ال �ك��ات��ب ع�ل��ى ح���س��اب محفوظ‬ ‫التجربة الإن�سانية‪ ،‬محفوظ الإن�سان قدم‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪111‬‬


‫● ●على ذك��ر نجيب محفوظ ال��ق��اريء‪ ..‬كيف‬ ‫ت�صنف الكتّاب وفقاً لعالقتهم بالقراءة؟ ‪�ρ ρ‬أ�ضاف ر�ؤى جديدة للن�ص العربي‪ ،‬وفتح‬ ‫‪�ρ ρ‬أ�صنفهم كالتالي‪ :‬طبقة مَ ن يقر�أ �أكثر مما‬ ‫الأف��اق النقدية الجديدة‪ ،‬ولكنه لم ي�سلب‬ ‫يكتب‪ ،‬فتكون �أعماله ف��ي المقدمة‪ ،‬وهي‬ ‫متعمدا‪ ،‬و�إنما طرائق التعامل مع الحداثة‬ ‫طبقة نجيب وم��ن �سار على ه��ذا ال��درب‪،‬‬ ‫�أو ط��رائ��ق ت�شغيلها و�آل �ي��ات تفعيل بع�ض‬ ‫وطبقة مَ ��ن ي�ق��ر�أ بالت�ساوي م��ع م��ا يكتب‪،‬‬ ‫النقاد والم�شتغلين بالنقد لها‪ ..‬ت�سبّب في‬ ‫وه��ؤالء �أعمالهم مذبذبة الم�ستوى‪ ،‬وطبقة‬ ‫ابتعاد الكثيرين عن الن�ص الأدبي؛ فقد وجد‬ ‫مَ ��ن يكتب �أك�ث��ر مما ي�ق��ر�أ‪ ،‬وه��و ح��ال كثير‬ ‫القارئ نف�سه في م�أزق‪ ،‬يقر�أ الن�ص الأدبي‪،‬‬ ‫من الكتّاب الآن‪� ،‬أعمالهم قد تثير �ضجة‬ ‫فيتوا�صل معه‪ ،‬ويقر�أ ما يكتب عنه فيجد‬ ‫ولكنها ال تدوم‪ .‬لقد تعلّم محفوظ في زمن‬ ‫نقدا مغرقا في الغمو�ض؛ ي�ضاف �إلى ذلك‬ ‫غير الزمن‪ ،‬وهي�أ لنف�سه ظروفا كانت كفيلة‬ ‫�أن بع�ض المبدعين فهموا �أن الحداثة تعني‬ ‫وكافية لأن ت�صنع منه النموذج الذي ي�صعب‬ ‫التغريب والغمو�ض‪ ،‬ف�أ�شبعونا منهما ما �أ�ساء‬ ‫لم�شروعهم الإبداعي‪ ،‬جملة وتف�صيال‪.‬‬ ‫تكراره (ولكن ال ي�ستحيل بالطبع)‪.‬‬ ‫وماذا �سلب منه؟‬

‫‪ 112‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫‪ρ ρ‬بعين الت�أمل للنماذج ذات الت�أثير‪ ،‬التي �أ�سهم‬ ‫بها الأدب العربي في �سياق الأدب العالمي‬ ‫قديما‪ ،‬النموذج الأعلى «�أل��ف ليلة وليلة»‪● ● ،‬وم����اذا ع��ن معطيات الإن���ت���اج ال���روائ���ي في‬ ‫وحديثا نموذج نجيب محفوظ‪ ،‬والت�أمل هنا‪..‬‬ ‫منطقة الخليج العربي بعيداً عن المملكة؟‬ ‫�أننا لم نتخذ خطوة �إيجابية ال�ستثمار ما‬ ‫‪ρ ρ‬في الكويت‪ ،‬يفر�ض الجيل الجديد نف�سه‬ ‫حققه الأدب العربي على الم�ستوى العالمي‪،‬‬ ‫روائيا ب�أ�سماء تعرف طريقها‪� ،‬أتابع باهتمام‬ ‫وه��و دور الترجمة �إل��ى اللغات الحيّة؛ فلن‬ ‫منذ �سنوات‪ -‬تجربة بثينة العي�سى‪ ،‬وبعدها‬‫ي�ق��دم �أدب �ن��ا ��س��وى م���ش��روع ع��رب��ي خال�ص‬ ‫�سعود ال�سنعو�سي‪ ،‬حياة القلوب‪ ،‬عبدالوهاب‬ ‫يهدف �إلى م�شاركة �أكثر فاعلية مما هو عليه‬ ‫الحمادي‪ ،‬ا�ستبرق �أحمد – هديل الح�ساوي‪،‬‬ ‫الآن‪ ،‬فلي�س دورنا الترجمة من الغرب‪ ،‬ولكن‬ ‫وب�صفة عامة الرواية الخليجية ت�شق طريقها‬ ‫تقديم �أنف�سنا ب�أنف�سنا للعالم كله‪ ..‬ولدينا ما‬ ‫بثبات لت�أخذ مكانا يليق بها ف��ي ال��رواي��ة‬ ‫يليق بنا �أن نقدّمه‪.‬‬ ‫العربية‪ ،‬وتقدم �إنتاجا يليق بتقديمها لل�سرد‬ ‫ال�ع��رب��ي‪ ،‬فقط الأم ��ر يتطلب ال�م��زي��د من‬ ‫● ●كيف تقيم ال��ت��ط��ورات القائمة ف��ي الأدب‬ ‫الدرا�سات النقدية التي ال تنغلق على محلية‬ ‫ال�سعودي؟‬ ‫عربية واحدة‪ ،‬و�إنما تكون قادرة على �إعادة‬ ‫‪ρ ρ‬تطورات على الطريق ال�صحيح على م�ستويي‬ ‫ت�شكيل الخريطة العربية ب�إ�ضافة م�ساحات‬ ‫الكم والكيف‪ ،‬في البداية ومنذ �سنوات طويلة‬ ‫جديدة لهذه الخارطة‪ ،‬التي من الظلم‪ ،‬ومن‬ ‫ارتبطت بمقاالت عبداهلل الجفري قبل �أن‬ ‫غير الالئق بتاريخها �أن تظل على و�ضعها‬ ‫تتاح لي قراءة مجموعة الحفلة لباخ�شوين‪،‬‬ ‫الراهن‪.‬‬ ‫ورواي��ة �صالحة لعبدالعزيز م�شري‪ ،‬وغازي‬ ‫● ●في الختام‪ ،‬ماذا عن الحلم الخا�ص بعالم‬ ‫الق�صيبي؛ وف��ي جيل ال�سبعينيات تابعت‬ ‫الدكتور م�صطفى ال�ضبع؟‬ ‫فهد العتيق ويو�سف المحيميد‪ .‬بعدهما جيل‬ ‫جديد �أحدث ما ي�شبه االنفجار الأعظم في ‪�ρ ρ‬أحلم بم�شروع نقدي يعمل على �إعادة ت�شكيل‬ ‫خريطة الأدب العربي على �أ�س�س علمية‪،‬‬ ‫ال��رواي��ة ال�سعودية الحديثة‪ :‬ليلى الجهني‬ ‫و�أح �ل��م بجامعات عربية �أك�ث��ر فاعلية في‬ ‫ �أحمد دهمان – رج��اء ال�صانع – يحيي‬‫درا�سة الأدب العالمي‪ ،‬و�أحلم ب�أجيال قادرة‬ ‫�أمقا�سم – رجاء عالم – عوا�ض الع�صيمي‬ ‫على التعامل مع الن�ص العربي وفق ذائقتها‬ ‫– عائ�شة الدو�سري ‪ -‬هاني نق�شبندي‪،‬‬ ‫و�أ� �س �م��اء �أخ� ��رى ت�شكل خ��ارط��ة ال��رواي��ة‬ ‫الخا���ة المتميزة‪.‬‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫ن��م��وذج ال��رج��ل الأع��ظ��م ف��ي �إدارة الوقت ● ●م��ا ال���ذي ت��ف��وّق فيه نجيب محفوظ‪ ،‬من‬ ‫وجهة نظرك‪ ،‬ونحتاج ال�ستح�ضاره الآن؟‬ ‫في القرن الع�شرين‪ ،‬وفي �صرامة التعامل‬ ‫مع الزمن‪ ،‬وهو ما خدم محفوظ الكاتب‪�ρ ρ .‬أوال‪ :‬الفن ولي�س �شيئا غير الفن‪ .‬ي�ستطيع‬ ‫محفوظ �أخل�ص للرواية دون غيرها‪ ،‬فلم‬ ‫المبدع �أن يقول كل �شيء من دون �أن يجور‬ ‫ي�شغل نف�سه بال�سفر واالرتحال (راجع مرات‬ ‫على المبادئ �أو القيم االجتماعية‪ ..‬وهذا ما‬ ‫�سفره خ��ارج م�صر تجدها ن ��ادرة‪ ،‬وراج��ع‬ ‫فعله نجيب محفوظ؛ ثانيا‪ :‬الكتابة انطالقا‬ ‫حال ح�صوله على نوبل لم ي�سافر ال�ستالم‬ ‫من المعرفة‪ ،‬بمعنى �أن يكتب المبدع فيما‬ ‫ال �ج��ائ��زة)‪ ،‬لأن��ه ل��م ي�شغل نف�سه بغير ما‬ ‫يعرف (حتى على م�ستوى المو�ضوعات لم‬ ‫وطّ ��ن نف�سه على الإخ�لا���ص ل��ه‪ ،‬ول��م ي�شغل‬ ‫يكتب نجيب محفوظ ع��ن ال�ق��ري��ة مثال)‬ ‫نف�سه بالجوائز ح��ال الكتابة (راج��ع حالة‬ ‫محافظا على خ�صو�صيته‪ ،‬م�صداقا لمقولة‪:‬‬ ‫كتّاب الآن‪ ،‬يكتبون للجوائز‪ ،‬ويكتبون وفي‬ ‫كلما ا��ش�ت� َّد ح��ر���ص ال�ك��ات��ب على المحلية‬ ‫�أنف�سهم �شيء من الجوائز)‪ .‬نعم اللحظة‬ ‫انفتح �أمامه الطريق �إلى العالمية‪ ،‬ويمكنك‬ ‫التاريخية مختلفة‪ ،‬ولكن تجربة محفوظ في‬ ‫مراجعة الإجابة على ال�س�ؤال ال�سابق لت�ضيف‬ ‫هذا الجانب �صالحة لإثارة الده�شة والعمل‬ ‫ك��ل العوامل ال�سابقة‪ ،‬ت�أكيدا على منجز‬ ‫بها ط��وال الوقت‪ ،‬ثم ي�أتي نجيب محفوظ‬ ‫نجيب محفوظ‪.‬‬ ‫القارئ‪.‬‬ ‫● ●م��اذا �أ�ضاف تيار الحداثة ل�ل�أدب العربي‪،‬‬

‫● ●ب���أي عين تنظر لموقع الأدب العربي على‬ ‫خريطة الأدب العالمي؟‬

‫ال�سعودية؛ �إ�ضافة �إل��ى التجربة ال�شعرية‬ ‫ال�سعودية بما ت�ضم من م�ساحات لها تميزها‬ ‫ل��دى ال�ج�ي��ل المعا�صر وب�خ��ا��ص��ة‪ :‬محمد‬ ‫الثبيتي‪ ،‬عبدالوهاب فار�س‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪113‬‬


‫حوار مع الروائية الم�صرية‬ ‫مروة متولي‬ ‫ُعدّت رواية الكاتبة الم�صرية مروة متولي «الجوفار» ا�ستباقا حد�سيا لما حدث من‬ ‫ربيع م�صري‪� ،‬إذ و�صفت درجة مظاهر التجبّر والظلم والقهر التي عرفتها الجوفار‪،‬‬ ‫وتنب�أت ب�سقوط هذه الآل��ة الظالمة‪ ..‬ولو على يد �أنا�س هدتهم �أغ�لال القمع طيلة‬ ‫عقود من الزمن‪.‬‬ ‫■ حاورها‪� :‬إبراهيم احلجري‪ -‬املغرب‬ ‫● ●ب��ع��د ان��ت��ظ��ار ح���ل���و‪ ،‬ج�����اءت ب��اك��ورت��ك‬ ‫ال��روائ��ي��ة الأول���ى م�ضمّخة بالق�سوة‬ ‫والوعثاء؛ فماذا يعني لك هذا الخروج‬ ‫الإبداعي القا�سي؟‬ ‫‪«ρ ρ‬ال �ج��وف��ار» رواي �ت��ي الأول� � ��ى‪ ..‬كانت‬ ‫كتابتها تجربة قا�سية بالفعل‪ ،‬وقد‬ ‫ت�أجّ ل خو�ض هذه التجربة لمدة ثالث‬ ‫���س��ن��وات؛ ن��ظ��ر ًا لخوفي م��ن كتابتها‪،‬‬ ‫وك��ذل��ك ب�سبب ال�ت��ردد ال�شديد حول‬ ‫فكرة كتابة رواية‪� ،‬أ�سا�ساً؛ فكنت �أكتب‬ ‫بع�ض الفقرات ثم �أتخلى عن الفكرة‬ ‫تماماً‪ ،‬ثم �أع��ود �إل��ى الكتابة‪ .‬وهكذا‬ ‫ظللت لفترات طويلة ال �أعلم هل �س�أكمل‬

‫‪ 114‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫هذا العمل و�أتم كتابة الرواية بالفعل‬ ‫�أم ال؟!! ك��ان ه��ذا ف��ي خ�ضم العمل‬ ‫على �أطروحة الدكتوراه‪� ،‬إلى �أن قررت‬ ‫�أنني �إذا ا�ستطعت �أال �أكتبها فلن �أفعل‪،‬‬ ‫ولم �أ�ستطع‪ ..‬فالرواية فر�ضت نف�سها‬ ‫فر�ضاً‪ ،‬فا�ستغرقت في كتابتها‪ ،‬وكنت‬ ‫�أود االنتهاء �سريع ًا منها‪ ..‬وك�أنني كنت‬ ‫�أبحث �أنا �أي�ض ًا عن «خروج» من �أوجاع‬ ‫الجوفار و�آالمه وعذاباته‪.‬‬ ‫هذه الرواية �أحبها كثير ًا بكل ما تحمله‬ ‫من �ضعف و�أخطاء تجربة كتابة الرواية‬ ‫الأولى‪ ،‬لذا �أتجنب �أن �أطلع عليها بعين‬ ‫الناقدة‪.‬‬

‫● ●ع��رف��ت ال��م��ر�أة عموما برهافة الم�شاعر‪،‬‬ ‫لذلك تميل �إلى المو�ضوعات الرومان�سية‬ ‫الرقيقة التي تباعد نوعا ما العنف �ضد‬ ‫ال��ذات والعالم‪ ،‬عك�س ما ذهبت �إليه �أن��ت‪ρ ρ ،‬ال��رواي��ة �أت��ت ف��ي منت�صف الطريق �أثناء‬ ‫حيث العالم مقيت‪ ،‬جاف وقا�س‪ ...‬من �أين‬ ‫�سنوات العمل على �أطروحة الدكتوراه كما‬ ‫لك بهذه العوالم؟‬ ‫ذك��رت �سالفاً‪ ،‬لي�س من �شك في �أنني قد‬ ‫�أفدت من درا�ستي الأكاديمية ومن ممار�سة‬ ‫‪ρ ρ‬ل�ك��ل ك��ات��ب ه�م��وم��ه وم���ش��اغ�ل��ه وق���ض��اي��اه‬ ‫النقد‪� ،‬إال �أنني وبب�ساطة �شديدة �أفدت �أكثر‬ ‫و�أ�سئلته‪� .‬أم��ا ع��ن ال �م��ر�أة والمو�ضوعات‬ ‫من ذائقتي الخا�صة‪ ،‬فكنت �أكتب ما �أحب‬ ‫الرومان�سية فهذا يتوقف على كيفية فهم‬ ‫�أن �أق��ر�أ‪ ،‬و�أبتعد عن ما ال �أحبه في روايات‬ ‫الكاتبة للرومان�سية‪ ،‬فبالن�سبة لي ال تعني‬ ‫الآخرين‪.‬‬ ‫رهافة الم�شاعر �أن ننف�صل عن الواقع و�أن‬ ‫نحلّق في ال�سماء؛ نطارد الأقمار ونهرول ● ●عرف الم�شهد الروائي العربي م�ؤخرا غزو‬ ‫خلف النجوم؛ بل هي تعني �أن ن�شعر بكل ما‬ ‫ن���وع ج��دي��د م��ن ال��ك��ت��اب��ة ت����روّج ل��ه كاتبات‬ ‫نعي�شه ويحيط بنا‪ .‬هكذا ت�صبح الق�ضايا‬ ‫ج��ري��ئ��ات �أق��م��ن ال��دن��ي��ا و�أ���ش��غ��ل��ن ال��ن��ا���س‪.‬‬ ‫وه���و ال��ك��ت��اب��ة ع���ن ال��ج�����س��د ال����ذي ك���ان قد‬ ‫الحياتية ق�ضايا فنية وف�ك��ري��ة‪ ،‬وت�صبح‬ ‫تناوله كتاب رجال فيما �سبق لكن بطريقة‬ ‫المعاناة مجا ًال للت�أمل‪ .‬من هنا‪� ،‬أتيت بهذه‬ ‫مختلفة‪ .‬ت���رى م��ا ال����ذي �أ���ض��ف��ت��ه ال��م��ر�أة‬ ‫ال�ع��وال��م المقيتة ال�ج��اف��ة والقا�سية‪ ،‬من‬ ‫الكاتبة على ه��ذا ال��ن��وع م��ن المو�ضوعات‬ ‫عالمنا العربي‪ ،‬من �أوط��ان�ن��ا‪ ،‬من واقعنا‬ ‫ال�ساخنة في المحكي الروائي؟‬ ‫الذي نعرفه جيداً؛ لذا‪ ،‬جاءت الرواية تحمل‬ ‫الكثير من عنف اال�ستجابة للوقائع التي ‪ρ ρ‬ه��ذه الظاهرة ن��راه��ا �أن��م��وذج�� ًا ت�ستوحيه‬ ‫ال يتحملها الإدراك‪ ،‬كما �أنها ت�سعى �إلى‬ ‫الكاتبة تلو الأخرى‪ ،‬ت�سير على منواله وتكرره‬ ‫«الجوفار»‪ ،‬رواية �أحبها كثيراً بكل ما م��ن دون �أن تعار�ضه‬ ‫الخال�ص والنفاذ‬ ‫�إلى عالم الإمكان‪ ،‬تحمله م��ن �ضعف و�أخ��ط��اء تجربة كتابة �أو ت� �ت� �ج ��اوزه‪ ،‬ه�ك��ذا‬ ‫�إذ ي �م �ك��ن �إق��ام��ة ال��رواي��ة الأول����ى‪ ،‬و�أت��ج��ن��ب �أن �أط��ل��ع عليها نرى الأم��ر‪� ،‬إال �أننا ال‬ ‫ال�صلة بيننا وبين بعين الناقدة‪.‬‬ ‫ن�ستطيع ا�ستنفاد هذه‬ ‫بالن�سبة لي ال تعني رهافة الم�شاعر �أن ال���ظ���اه���رة و���ش��رح��ه��ا‬ ‫الحياة‪.‬‬ ‫● ●ت���م���ي���زت رواي����ت����ك ننف�صل ع��ن ال��واق��ع و�أن نحلق ف��ي ال�سماء في كليتها‪ ،‬وكذلك ال‬ ‫ب����ال����م����ت����ان����ة ع��ل��ى نطارد الأقمار‪ ،‬ونهرول خلف النجوم‪ ،‬بل هي نرغب في الدخول �إلى‬ ‫تعني �أن ن�شعر بكل ما نعي�شه ويحيط بنا‪.‬‬ ‫الكثير من التفا�صيل‪.‬‬ ‫م�ستويي الخطاب‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫واللغة وال��دالل��ة‪ .‬هل �أف��دت من تجربتك‬ ‫النقدية والأكاديمية‪� ،‬أم �أن ه��ذه الرواية‬ ‫كانت م�شروعا قبل مرا�سك النقدي؟‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪115‬‬


‫‪ 116‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫ل� � �ق�� ��د � � �ش � �ه� ��دت‬ ‫هناك نمو هائل للرواية العربية‪ ،‬وفي ع ��ن ذل� ��ك ال �ت��زاي��د‪،‬‬ ‫ال�سنوات الأخيرة توزيع جغرافي جديد‪ ،‬وهو ازده��ار يعك�س وع��ن ال��دخ��ول اليومي‬ ‫زي� � ��ادة م�ل�ح��وظ��ة درجة ما من درجات التطور في مجتمعات للمزيد من الكاتبات‬ ‫ف��ي ه��ذه الأ��ش�ك��ال لم تعرف مثل هذا الكم من الإنتاج الروائي �إل��ى تلك الحلقة التي‬ ‫م��ن ال�ك�ت��اب��ة‪ ،‬و�إذ من قبل‪.‬‬ ‫ت���س�ب�ب��ت ف ��ي ف��و��ض��ى‬ ‫يجب االع��ت��راف ب���أن الم�شهد ال��روائ��ي ك �ب �ي��رة‪ ،‬وف� ��ي ظ�ه��ور‬ ‫ب� �ه ��ذه الأ�� �ش� �ك ��ال‬ ‫ت�� ��زداد وت�ن�ت���ش��ر‪ ،‬الم�صري ال يعي�ش �أزه��ى ع�صوره‪ ،‬بل �إنه �أ� �ش �ك��ال م��ن الكتابة‬ ‫وع � �ل� ��ى ك� ��ل ح ��ال يعاني لعنة ال�شهرة و�صناعة الأ�سماء التي يدرجونها جهر ًا تحت‬ ‫ه��ي رواي���ات باتت خلقت ُكتّاباً بال كتابة!‬ ‫م�سمى ال��رواي��ة‪ ،‬على‬ ‫ال��رغ��م م��ن الإط��اح��ة‬ ‫م��وج��ودة بالفعل‪،‬‬ ‫بالتقاليد الأدبية برمّتها‪.‬‬ ‫تجد مَ ن يقوم بكتابتها ون�شرها وقراءتها‪،‬‬ ‫وه��ي ظاهرة ال نعتر�ض على وج��وده��ا من ● ●هل تعتقدين �أن كتابة الج�سد رهان جديد‬ ‫منطلق اعترا�ضنا على ف�ك��رة الإق���ص��اء‬ ‫ل�لارت��ق��اء ب�شكل ال���روائ���ي وت��ح��م��ي��ل��ه ه�� ّم‬ ‫بالأ�سا�س‪ ،‬ولإيماننا الكامل بالحرية؛ لكن‬ ‫�إن�ساني طالما بات يحجبه ال�ستر والعيب؟‬ ‫يظل ال�س�ؤال‪ :‬وهل تعك�س مثل هذه الكتابات‬ ‫‪�ρ ρ‬أرى �أن كتابة الج�سد وم��ا �إل��ى �آخ ��ره من‬ ‫الإح���س��ا���س ب��ال�ح��ري��ة؟ ك�م��ا �أن �ن��ا ف��ي ه��ذه‬ ‫م�سميات‪ ،‬هي �أبعد ما تكون عن الهمّ الإن�ساني‬ ‫المرحلة التاريخية البائ�سة ل�سنا بحاجة �إلى‬ ‫وعن االرتقاء بال�شكل الروائي‪ ،‬ف�أنا �أظن �أن‬ ‫مثل هذه الكتابات‪ ،‬وعلى العك�س تماماً‪..‬‬ ‫الهمّ الإن�ساني الأكبر يتركز في �أعلى الر�أ�س‬ ‫فنحن بحاجة �إل��ى الكتابة التي ب�إمكانها‬ ‫ولي�س في الج�سد‪ ،‬و�أرى �أنَّ العيب الذي يجب‬ ‫م��واج �ه��ة الأ� �ش �ي��اء ال �ف��ادح��ة وال�خ�ط�ي��رة‬ ‫تخطيه وك�سر ح��واج��زه ه����و الفقر والظلم‬ ‫الأهمية‪ ،‬ويمكننا القول �إن البروز المتزايد‬ ‫والقهر وال�خ��وف والمر�ض وال�ج��وع وال��ذلّ ‪،‬‬ ‫لهذه الأعمال قد انعك�س في التركيز على‬ ‫و�أرى �أنه يتوجب تحرير العقول والنفو�س قبل‬ ‫كاتباتها‪ ،‬ونحن حينما ن�أخذ بعين االعتبار‬ ‫تحرير الأج�ساد‪ ،‬ومن بعد فليقرر كل عقل ما‬ ‫حجم ن�شاط الإنتاج الذي ن�شهده‪ ،‬فال بد لنا‬ ‫ي�شاء ب�ش�أن ج�سد �صاحبه‪.‬‬ ‫�أن ن�ؤكد �أكثر ف�أكثر على الطبيعة التجارية‬ ‫لهذه الروايات‪ ،‬التي يظل هدفها الأ�سا�سي ● ●انتقلت من كتابة النقد �إلى كتابة الرواية‪.‬‬ ‫ك��ي��ف ت�����ص��وري��ن ���ص��ع��وب��ة ه����ذه ال��ت��ج��رب��ة‬ ‫هو �إثارة القارئ ب�شتى الأ�ساليب والموا�ضيع‬ ‫المزدوجة‪ .‬وما الذي وجدته في الرواية‬ ‫التي تتناولها‪ ،‬بهدف دفعه �إل��ى �شرائها‪،‬‬ ‫ولم تجديه في النقد؟‬ ‫حتى و�إن انتهى به الأمر �إلى عدم قراءتها‪،‬‬ ‫وهنا ت�صبح دور الن�شر م�س�ؤولة �إلى حد كبير ‪ρ ρ‬ال��رواي��ة �أ�صعب بكثير‪ ،‬وه��ي دائ�م� ًا مهمة‬

‫مرعبة وم ��ؤرق��ة وممتعة �أي���ض�اً‪� ،‬إل��ى �أبعد‬ ‫الحدود‪� ،‬إال �إنني وجدت في الرواية الحرية‬ ‫الكاملة بعيد ًا عن �إ�شكاالت النقد‪ ،‬و�أكثر‬ ‫ما �أحبه هو متعة مجهوالتها واحتماالتها‬ ‫المفتوحة �إلى ما ال نهاية �إذ ال حدود‪ ،‬بينما‬ ‫يتقلّب الن�ص بالكاتب �إلى �أن تكتمل الرواية‪.‬‬ ‫● ●كيف تقيّمين و�ضع الرواية العربية الآن‬ ‫ف��ي ظ��ل ال�سياقات الثقافية المتداخلة؟‬ ‫وبخا�صة لما دخلت ال��م��ر�أة حلبة الكتابة‬ ‫الج�سدية من بابها الوا�سع؟‬ ‫‪ρ ρ‬هناك نمو هائل للرواية العربية وفي توزيع‬ ‫جغرافي جديد‪ ،‬وهو ازده��ار يعك�س درجة‬ ‫م��ا م��ن درج ��ات التطور ف��ي مجتمعات لم‬ ‫ك��ل ه��ذا االزده ��ار ال��روائ��ي نتاج لكتابات‬ ‫تعرف مثل ه��ذا الكم من الإن�ت��اج الروائي‬ ‫حقيقية قيَمة ت�سعى نحو المعنى والحقيقة‬ ‫م��ن ق�ب��ل‪ ،‬وه��و يعك�س ح��اج��ة م��ا ف��ي هذه‬ ‫ولي�ست كتابات تروّج لل�سائد والم�ستهلك من‬ ‫المجتمعات �إلى كتابة الرواية و�إلى قراءتها‬ ‫الأفكار‪ ،‬ويبقى لهذا االزدهار على كل حال‬ ‫على حد �سواء؛ فالطاقة الأهم في الإن�سان‬ ‫فائدة �أ�سا�سية وهي �أنه �سوف يدفع ب�شكل‬ ‫هي المخيّلة الإبداعية‪ .‬لكن ال�س�ؤال هو هل‬ ‫كل ما يُكتب في خ�ضم ه��ذا النمو الهائل‬ ‫�أو ب�آخر �إلى �إعادة النظر في معايير تحديد‬ ‫ه��و رواي��ة ح�ق�اً؟ وه��ل ت��أت��ي ه��ذه ال��رواي��ات‬ ‫القيمة وفهمها ب�شكل مغاير في �ضوء جديد‪.‬‬ ‫مُر�ضية لنا من حيث القيمة التي نتوقعها؟‬ ‫● ●في قمة الح�صار‪ ،‬كتبت المر�أة الخليجية‬ ‫هنا �أتحدث كناقدة‪ ،‬و�أقول �إننا ال ن�صادف‬ ‫رواي�������ات رائ����ع����ة‪ .‬ف��ه��ل ال��ح�����ص��ار وال��م��ن��ع‬ ‫كثير ًا تلك الرواية التي تهزنا وتت�سبب في‬ ‫والرقابة �ضروري كي نكتب �أدبا جيدا؟‬ ‫متعتنا الذهنية‪ ،‬تلك التي تبهرنا بتراكيبها‬ ‫ومجازاتها ورم��وزه��ا‪ ،‬وذل��ك الن�ص الذي ‪ρ ρ‬الكاتب حر على الدوام؛ مهما ا�شت َّد الح�صار‬ ‫والمنع والرقابة‪ .‬دائم ًا و�أبد ًا �سيجد الكاتب‬ ‫يجد الناقد نف�سه م�ضطر ًا �إل��ى �أن يح�شد‬ ‫�سبيله ليقول ما ي�شاء؛ وف��ي المقابل ف�إن‬ ‫له �ضروب خبرته ومعرفته؛ لذا قليلة هي‬ ‫ال �ح��ري��ة الم�صطنعة وك���س��ر ال�ت��اب��وه��ات‬ ‫الروايات التي ت�ستحق �أن تحظى باهتمام‬ ‫مدرو�س ج��اد‪ ،‬ولك �أن تتخيل م��اذا لو كان‬ ‫الفارغة ال يمكنها �أن ت�صنع �أديباً‪ ،‬الحرية‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪117‬‬


‫● ●لم يعد النقد ق��ادرا على متابعة ما ين�شر‬ ‫من �إنجازات روائية‪ ،‬وال قادرا على توجيه‬ ‫المنتوج الإبداعي وتقويمه‪� .‬إال َم يعود ذلك‬ ‫في نظرك؟‬ ‫‪ρ ρ‬بات الناقد ال ي�شعر ب�أهمية دوره بكل ت�أكيد‪،‬‬ ‫ناهيك عن معاداة الكثير من الكتّاب للنقد‪،‬‬ ‫فهم ربما يعدونه عدوهم الأول وال يحبذون‬ ‫وجوده �أ�صالً‪ ،‬فبع�ضهم يهاجمه ب�شكل وا�ضح‬ ‫ي�صل �إلى ح ّد و�صفه بـ «الخزعبالت»!‬ ‫● ●يُحتفى اليوم كثيرا بالرواية والق�صة على‬ ‫م�ستوى ال��ج��وائ��ز والمنتديات وال��ن��دوات‬ ‫والحمالت الإعالمية على ح�ساب ال�شعر‬ ‫الذي ت�سلطن لقرون من الزمن‪ .‬هل يمكن‬ ‫القول ب�أننا في زمن الرواية؟‬ ‫‪ρ ρ‬الرواية اليوم هي الفن الأ�شيع والأقرب �إلى‬ ‫مجموع ال�ق��راء‪ ،‬من ه��ذا المنطلق يمكننا‬ ‫القول ب�أننا في زمن الرواية‪� ،‬إال �أن هذا ال‬ ‫يعني �أننا نعي�ش زمنها الذهبي‪ ،‬فمن كل‬ ‫مائة رواية ت�صدر‪ ،‬كم رواية �ستبقى مع مرور‬ ‫الزمن؟ �أظن �أنه من الواجب �أن يتم طرح‬ ‫هذا الت�سا�ؤل‪.‬‬

‫● ●م���ع ال���ف���ج���وة ال��رق��م��ي��ة‪ ،‬اخ��ت��ل��ط ال��ح��اب��ل‬ ‫بالنابل‪ ،‬وتهدّمت �سلطة الم�ؤلف الرمزية‪،‬‬ ‫وان��ه��ارت �أب���راج ال��رق��اب��ة‪ ،‬وفا�ضت ال�شا�شة‬ ‫ب��ال��م��ن��ت��وج الأدب�������ي غ��ث��ه و���س��م��ي��ن��ه‪ .‬كيف‬ ‫تقيمين ه���ذا ال��و���ض��ع؟ وم���ا �آف����اق الو�ضع‬ ‫الأدبي في ما ي�ست�شرف من الزمن؟‬ ‫● ●كيف تجدين ال��رواي��ة الم�صرية مقارنة‬ ‫م��ع مثيالتها ف��ي ال��ع��ال��م ال��ع��رب��ي؟ و�أي���ن ‪ρ ρ‬ربما ي�شعر مَ ن يقر�أ �س�ؤالك ب�أن ما ذكرته‬ ‫تكمن مواطن القوة فيها‪ ،‬بو�صفك متابعة‬ ‫ي�ضيف ال�م��زي��د م��ن ال�ك��آب��ة �إل��ى الم�شهد‬ ‫وناقدة؟‬ ‫الروائي‪� ،‬إال �إنني �أرى كل ذلك �إيجابياً‪ ،‬و�أرى‬

‫‪ρ ρ‬لي�س من �شك في وجود روايات م�صرية ذات‬ ‫قيمة م�شرقة وخالقة‪� ،‬إال �أنه يجب االعتراف‬

‫‪ 118‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫�أنَّ مثل هذا الو�ضع �سوف ي�صحح �أخطاءه‬ ‫بنف�سه‪ ،‬مع مرور الوقت‪.‬‬

‫����������������س�������ي�������رة و�إب�����������������������������������داع‬

‫والكتابة �أكبر و�أعمق من كل ذلك‪.‬‬

‫ب ��أن الم�شهد ال��روائ��ي الم�صري ال يعي�ش‬ ‫�أزه��ى ع�صوره‪ ،‬بل �إن��ه يعاني لعنة ال�شهرة‬ ‫و�صناعة الأ��س�م��اء ال�ت��ي خلقت ُك�ت��اب� ًا بال‬ ‫كتابة‪ .‬كما �أن ثمة ف�ساد ًا يحكم كافة الأمور‪،‬‬ ‫وهناك المحيط الثقافي والم�ؤ�س�سات التي‬ ‫تمار�س النفي والإق�صاء على كل من يعتمد‬ ‫الكلمة الحقة الأ�صيلة؛ لذا‪� ،‬صار كل ما هو‬ ‫حقيقي و�صالح يقبع في غربة �شديدة ممتدة‬ ‫بينه وبين محيطه‪ ،‬الرواية الم�صرية وكل ما‬ ‫هو م�صري يخ�ضع لعملية التدهور الدائبة‬ ‫التي تعي�شها م�صر‪� ،‬إال �أنني �أتمنى �أن تندفع‬ ‫الرواية الم�صرية نحو المزيد من الت�أمل في‬ ‫الواقع بد ًال من نقله دون جدوى‪ ،‬كما �أتمنى‬ ‫�أن يتم التخفف من لغة ال�صحافة ال�سائدة‪،‬‬ ‫و�أن �ألم�س المزيد من الع�شق للغة بعيد ًا عن‬ ‫كل امتهان وتمييع وت�شويه‪ ،‬و�أتمنى �أن تبلغ‬ ‫الرواية الم�صرية درجة �أكبر من الحيوية‬ ‫والقوة والت�أثير‪.‬‬

‫عبدالرحمن الدرعان‬ ‫■ املحرر الثقايف‬

‫عبدالرحمن �إ�سماعيل ب�لال ال��درع��ان‪ ..‬من مواليد مدينة �سكاكا عام‬ ‫‪1382‬هـ‪ .‬قا�ص و�أديب و�شاعر من �أبناء منطقة الجوف (رئي�س النادي الأدبي‬ ‫بالجوف �سابقا)‪ .‬عُرف عنه �أنه كاتب مقلّ‪ ،‬وقلِق‪ :‬فهو حينما �أ�صدر كتابه‬ ‫ْ���ض عنه‪ ،‬فقام بحرقه!! له نكهة خا�صة‪،‬‬ ‫الأول (ن�صو�ص الطين) لم َي��ر َ‬ ‫ق�ص�صه محمّلة بال�شعر‪ ،‬وعذابات البدو‪ ،‬وبكاء الأمهات الحنونات‪ ،‬و�صقيع‬ ‫الليالي ال�شمالية‪ ،‬والأغاني ال�شعبية‪ ،‬وذاكرة الطفولة الم�صادرة‪ ..‬محمّلة‬ ‫بمطر العزلة‪ ،‬و�صمت المدن الحدودية‪ .‬ق�ص�ص تنتمي للإن�سان الب�سيط‪،‬‬ ‫للتجارب الح�سيّة البعيدة عن الت�صور الذهني �أو الر�سم الهند�سي الم�سبق‪،‬‬ ‫�أو اللعب بالكلمات المبهمة‪� ،‬صاحب لغة ر�شيقة و�شعرية وحادّة؛ وال عجب‬ ‫ال ‪« :‬كنت �أفز من‬ ‫في ذلك‪ ،‬لأنه ظهر لنا في البدايات ك�شاعر‪ ،‬فيقول مث ً‬ ‫النوم عدة مرات‪ ،‬ثم �أعود ف�أغفو من جديد‪ ،‬والآن فتحت عيني ك�أن �ضوء‬ ‫ال�صبح يدخل ك�شراع �أبي�ض‪ ،‬لكنني بقيت كامناً في فرا�شي مثل قطعة فحم‬ ‫تحت رماد الموقد‪� ،‬أدير ر�أ�سي ذات اليمين وذات ال�شمال‪ ،‬و�أحاول �أن �أف�سر‬ ‫مفردات الحلم‪ ،‬ثمة مطاردات ال �أتذكر تفا�صيلها‪ ،‬وه�ضاب مفتوحة على‬ ‫�أفق �أ�سود»‪..‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪119‬‬


‫����������������س�������ي�������رة و�إب�����������������������������������داع‬

‫وم ��ن خ�ل�ال غ�ل�اف م�ج�م��وع�ت��ه ال �ج��دي��دة‬ ‫ال�م��و��س��وم��ة ب �ـ (رائ �ح��ة ال�ط�ف��ول��ة) ال���ص��ادرة ‪ -‬كاتب عمود ف��ي �صحيفتي عكاظ والبالد‬ ‫عن برنامج الن�شر في م�ؤ�س�سة عبدالرحمن‬ ‫� �س��اب �ق��ا‪ ..‬ول ��ه م��ق��االت ع ��دة ف��ي �صحف‬ ‫ومجالت محلية وعربية‪.‬‬ ‫ال�سديري‪ ،‬نكت�شف موهبته الت�شكيلية‪ ،‬فلوحة‬ ‫الغالف الجميل جاءت بري�شة الم�ؤلف‪.‬‬ ‫ �أحيا العديد من الأم�سيات الق�ص�صية داخل‬‫المملكة وخارجها‪.‬‬ ‫م�ؤهله‬ ‫من �إ�صداراته‬ ‫البكالوريو�س في اللغة العربية‪.‬‬ ‫ ن�صو�ص الطين ‪ :‬عن دار ال�شروق عام ‪1989‬م‪.‬‬‫منا�صب تقلدها‬ ‫ رائحة الطفولة ‪ :‬مجموعة ق�ص�صية ‪ :‬دار‬‫ معلم ‪ -‬م���ش��رف ت��رب��وي ‪ -‬م��دي��ر م��دار���س‬‫الجوف للعلوم – ‪2000‬م‪ ،‬وهناك م�شروع‬ ‫لترجمتها �إلى اللغة الدانمركية‪ ..‬المترجم‬ ‫الرحمانية الأهلية – م�ساعدا لمدير عام‬ ‫الأ�ستاذ‪ :‬جمال جمعة‪.‬‬ ‫م�ؤ�س�سة عبدالرحمن ال�سديري للفترة من‬ ‫ �أعمال مخطوطة لم تن�شر بعد‪.‬‬‫‪�1428/ 1 /1‬إلى ‪1431/1/1‬هـ‪.‬‬ ‫�أن�شطة ثقافية‬

‫‪ 120‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫الدرعان مع وزير الإعالم‬

‫مع القا�ص والكاتب عبداهلل ال�سفر �أثناء زيارته لنادي‬ ‫الجوف الأدبي‬

‫مقتطفات‬ ‫ معر�ض الكتاب ب�صفته فر�صة لت�سويق الكتاب‪ ،‬و َّل� َد معادالت جديدة‪« ،‬لي�س على م�ستوى‬‫الكاتب بل على م�ستوى النا�شر والم�ستهلك �أي�ضاً‪ ،‬ولذلك ف�إن �أطراف هذه المعادلة ي�ضبطون‬ ‫�ساعاتهم على هذا الم��عد‪ ،‬فنلم�س �سباق ًا محموم ًا على �صناعة الن�شر‪ ،‬يتوازى مع �سباق‬ ‫المبدعين‪ .‬و�أدى هذا �إلى غياب عن�صر الجودة‪ ،‬وال تحتاج و�أنت تطالع �إح�صاءات المبيعات‬ ‫وال عدد الطبعات �إلى برهان‪ .‬ولئال نتحامل كثير ًا �أو نعمّم‪ ،‬فعلينا �أن نعترف �أن النا�شر ‪-‬وهو‬ ‫الطرف المعنيّ بالدرجة الأولى‪ -‬لم يتنازل عن �شروط الجودة اعتباطاً‪ ،‬بقدر ما ي�ستقرىء‬ ‫كم�ستثمر مزاج ال�سوق‪� .‬إن غياب المجايلة والتراكم والقراءات النوعية هي التي يتطلب على‬ ‫الكاتب �أن يمر بمحرقتها‪ ،‬و�صو ًال �إلى الحد الأدنى من الن�ضج الذي ي�ؤهله لخو�ض مغامرة‬ ‫الت�أليف»‪.‬‬ ‫ كان هاج�س كتابة الرواية ي�شغلني منذ فترة بعيدة‪ ،‬وال �أخفيكم �أنني كتبت ما يمكن �أن �أطلق‬‫عليه (تمرين ًا روائياً) في مطلع الألفية‪ ،‬و�س�أعترف لكم لأ�سبابي الخا�صة وبال ندم �أنني‬ ‫�صرفت النظر عن طباعتها‪ .‬هل �س�أعاود التجربة‪ ،‬ربما‪ ..‬فما تزال الفكرة تالحقني‪..‬‬ ‫(عبدالرحمن الدرعان)‬ ‫ كتابات القا�ص عبدالرحمن الدرعان في مجموعته رائحة الطفولة ت�أتي من الذاكرة من منطقة‬‫بعيدة‪ ،‬يثوي فيها كل ما هو طريّ ونديّ ‪ ،‬ومع هذه الطراوة والنداوة ثمة جروح غائرة بالوجع‪،‬‬ ‫ت�ستعاد بما فيها من لهب وملح؛ ك�أنها تتفتح الآن مع الألم وتقطع الطريق على الن�سيان‪.‬‬ ‫(عبداهلل ال�سفر)‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪121‬‬


‫تقول عنه ال�شاعرة والكاتبة هدال الق�صار‪:‬‬ ‫ تتجه �أبطال ق�ص�ص الكاتب دائما �إلى عدم‬‫القدرة على تحمّل الواقع الذي فر�ض نف�سه؛‬ ‫لذا‪ ،‬نراه يحوم ويدور حول ال�شخ�صية التي‬ ‫يريد �أن يثبت �صورة عليها في �سرده على‬ ‫ع��دم مقدرته ال�ستيعاب ال��واق��ع‪ .‬وه��و ما‬ ‫يزال يبحث عن قدرة وتكيّف الإن�سان فيه‪،‬‬ ‫محاوال �إقناع ال�شاهد على مجريات الوقائع‬ ‫بخ�صوبة �أبعاد الق�صة وقناعاته‪ ،‬والقيم‬ ‫الموروثة باليقين الذي يدخل في �سطوره‪،‬‬ ‫وهو يك�شف لنا تلك المحاوالت من خلف‬ ‫�أدوار �أبطاله التي يقول فيها الكاتب في‬ ‫النهاية وبالالوعي �إن الكاتب �أنا‪� ،‬أنا هنا‪،‬‬

‫�أنا هناك‪ ،‬و�أنا في كل زاوية من الق�صة‪،‬‬ ‫وفي تلك المدينة البعيدة‪ ،‬وبكل الحاالت‬ ‫التي حملتها ن�صو�صه وعناوين ق�ص�صه؛‬ ‫كما �أنه ي�سعى لإعادة بناء النف�س من جديد‬ ‫لتتنا�سب مع الواقع الزمني الحديث الذي‬ ‫يراه متناق�ضا للواقع الحالي‪.‬‬ ‫ بماذا يمكنني �أن �أ�سميه؟ غير �إنه «ادكار‬‫�أل��ن بو» ال��ذي �أزاح �شعره ور�سوماته وتبع‬ ‫الرواية‪ ،‬و�صنف �شفافية �سرده على �أوراقه‪.‬‬ ‫ �أريد �أن �أ�سال الدرعان كيف يمكن لخ�شونة‬‫ال�صحراء �أن تطلق مثل هذا الن�ص الذي‬ ‫تحول بين �أ�صابعه �إلى غزل �شعري رقيق‬ ‫في ق�صيدة «ديما» التي مطلعها‪:‬‬

‫ي�������ا ع�����������ازف ال�������ع�������ود غ�������ن ال�����ل�����ح�����ن ت���ن���غ���ي���م���ا‬ ‫و�أ��������ش�������ع�������ل ال��������وت��������ر ال�������غ�������اف�������ي ت����ق����ا�����س����ي����م����ا‬ ‫�إلى �أن يقول‪:‬‬ ‫ي����������اح����������ادي ال������غ������ي������م �أم�������ط�������ره�������ا م�������������رذرذة‬ ‫وح���������وم���������ي ي�������اط�������ي�������ور ال���������م���������اء ت����ح����وي����م����ا‬ ‫واغ������������زل ل����ه����ا م������ن و�������ش������اح ال������ب������رق �أردي����������ة‬ ‫وع�������ل�������م ال��������ب��������در ه����������ذا ال�����ح�����������س�����ن ت���ع���ل���ي���م���ا‬ ‫وام��������ل��������أ ع�������ي�������ون ذوي��������ه��������ا م��������ن ه����ن����اءت����ه����ا‬ ‫وام��������ل���������أ ل������ه������ا ق������������دح الأي��������������������ام ت�������س���ن���ي���م���ا‬ ‫ويختمها قائالً‪:‬‬ ‫�������ض������اق������ت ع������ل������ي ث�������ي�������اب ك������ن������ت �أل����ب���������س����ه����ا‬ ‫�أودى ب�����ه�����ا ال�����ع�����م�����ر ت����م����زي����ق����ا وت����ح����ري����م����ا‬ ‫ك������م ت���وه���ت���ن���ي ال�������س���ن���ي���ن ال���������س����ود م���رت���ح�ل�ا‬ ‫و�أ�������ش������ب������ع������ت������ن������ي ي���������د الأي���������������������ام ت���ح���ط���ي���م���ا‬ ‫ف���������������إن ر�أي����������������ت �����ص����ب����ي����ا ��������ض�������اع م��������ن زم������ن‬ ‫ف����������أق���������رئ���������ي���������ه �أم������������������������ان اهلل ي�������ادي�������م�������ا‬ ‫ط��������ف����ل���ا ت������������روع������������ه ن������������ي������������روز ي��������ا�أب��������ت��������ي‬ ‫ن��������ي��������رو ُز !! م�������ازل�������ت ط�����ف��ل��ا ع������م������ره دي����م����ا‬ ‫‪ 122‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫ِ�شعر ّية العتبة‬ ‫كيف يلتقي الت�شكيل والكتابة في بوابة الكتاب؟‬

‫ن����������������������������������������������واف����������������������������������������������ذ‬

‫مقتطفات‬

‫■ عبدالغني فوزي*‬

‫كلما ت�صفّحنا ك��ت��اب��ا‪� ،‬أو م��ررن��ا ع��ل��ى واج��ه��ة ك��ت��ب؛ �إال‬ ‫وح�ضرت بع�ض الأ�سئلة المتدافعة في الذهن و�أفق التلقّي‬ ‫حول غالف الكتاب الأدب��ي؛ ن�صوغ منها‪ :‬هل الكاتب يختار‬ ‫لوحة الغالف من دون نظر الفنان الت�شكيلي؟ لهذا ترى‬ ‫ب��ع�����ض ال��ل��وح��ات غ��ارق��ة ف��ي ت��ج��ري��دي��ت��ه��ا؛ ف��ي ح��ي��ن‪ ،‬تجد‬ ‫المحتوى واقعيا وت�سجيليا‪ .‬ه��ل الكاتب يهتم بالعتبات‪،‬‬ ‫ومنها لوحة الغالف‪ ،‬من خالل البحث عن منا�سبة و�شرط‬ ‫بين اللوحة ومحتوى الكتابة؟ و�إذا ا�ستح�ضرنا الع�صر وتحوالته المت�سارعة‪ ،‬من‬ ‫المالحظ هنا �أن بع�ض الكتّاب يبحث عن جاذبية للغالف‪ ،‬ق�صد ت�سويقه ولو من‬ ‫خالل اللوحة‪ ،‬دون محتوى‪ .‬ما نوع العالقة بين لوحات الأغلفة ومحتويات الكتابة؟‬ ‫هذه بع�ض الأ�سئلة الحارقة التي ن�ستح�ضرها هنا‪ ،‬لمناق�شة �أهمية اختيار اللوحة‬ ‫الفنية �ضمن ت�صاميم الكتب الأدبية العربية‪.‬‬ ‫في كتابه «ال�شاعر والتجربة» تراعى الن�سب‬ ‫المنطقية والمعرفية بين الأن��واع التعبيرية‬ ‫والفنية‪ .‬وه��و ما ي�ؤكد‪� ،‬أن ه��ذه التعبيرات‬ ‫المختلفة في جدل دائ��م‪ ،‬بو�صفها محكومة‬ ‫ب�سياقات واحدة‪ ،‬مع مراعاة خ�صو�صية كل‬ ‫ن��وع تعبيري‪ ،‬بو�صفه يتموقع في زاوي��ة ما‪،‬‬ ‫م�ستندا على م��ادة (خ��ام) تغتني بالتخييل‬ ‫والت�أمل الذاتي‪.‬‬

‫تعد العتبات في الأعمال الأدبية ملمحا‬ ‫�أ� �س��ا� �س��ا‪ ،‬يمكن اع �ت �م��اده ك�م��رت�ك��ز ل��ول��وج‬ ‫م�ح�ت��وي��ات الأث� ��ر الإب ��داع ��ي‪ .‬ون�ع�ن��ي بهذه‬ ‫ال�ع�ت�ب��ات‪ :‬ال �ع �ن��وان‪ ،‬الإه � ��داء‪ ،‬الن�صو�ص‬ ‫الموازية‪ ..‬اللوحة‪ .‬غير �أن هذه الأخيرة‪ ،‬من‬ ‫خالل ملئها لحيّز مهم من الغالف‪ ،‬تت�صف‬ ‫بالكثير من الجاذبية والجمالية الآتية من‬ ‫خطاب �آخ��ر (الت�شكيل)‪ ،‬ل��ه ميكانزماته‬ ‫و�آلياته في التعبير وتقطيع العالم‪ .‬وهذا ال‬ ‫يبدو ف��ي الثقافة العربية‪� ،‬أن العالقة‬ ‫يعني �أنَّ هناك ح��دودا فا�صلة وقاطعة بين‬ ‫الخطاب الت�شكيلي والخطاب الأدب ��ي؛ بل بين الكتابة والت�شكيل حديثة ج��دا؛ نظرا‬ ‫ينبغي قراءة ذلك �ضمن �أفق م�شترك‪ ،‬وبعين لت�صورات ظلت را�سخة في الأذه��ان‪ ،‬ترفع‬ ‫جديدة على حدِّ تعبير ال�شاعر ح�سن نجمي م��ن قيمة المكتوب وت��ؤط��ر الكتابة‪� .‬إال �أن‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪123‬‬


‫* �شاعر وكاتب من المغرب‪.‬‬

‫‪ 124‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫■ ماجد �سليمان*‬

‫لقد َر�أ ََ����س النابغة الذبياني �سوق عكاظ‪ ،‬وجل�س تحت قبّة حمراء ليُحكّم‬ ‫ق�صائد ال�شعراء‪ ،‬ويُ�شير �إلى م�آخذ في ق�صائدهم‪ ،‬ويُعلن مراتبهم‪ .‬وهنا ت�أ�صي ٌل‬ ‫ي�سير للحياة الأدبية؛ لذا ال يُحكّم ويُنظّ ر ال�شعر �إال �شاعر‪ ،‬كذلك بقية الأجنا�س‬ ‫الأدبية‪ .‬فم�ؤ�سفٌ جداً �أن ي�أتي مَن لم يكتب غير منهج المادة على �سبورة القاعة‬ ‫الجامعية‪� ،‬أو الف�صل المدر�سي‪ ،‬ليُحكّم كتاباً غن ّياً بالر�سم الأدب���ي والخيال‬ ‫الخال�ص‪ .‬النقد الأدبي ال يُنظّ ره �إال �أديب‪ ،‬يُح�سن ال�شعر‪ ،‬ويُبدع الق�صة‪ ،‬ويُجيد‬ ‫الرواية‪ ،‬و ُي�ؤ�صّ ل المقالة‪ ،‬و�أح�سبه كذلك؛ فال يُقنعني �أن يخو�ض في نقد الأدب‬ ‫المتخ�صّ �ص درا�سيّا‪ ً،‬لأنّه يدور في َفلَك المحا�ضرة‪� .‬أو المتذوّق �أدبيّا‪ ً،‬لأنّه يُحكّم ذوقه ال�شخ�صي؛ �أو المتعلّم‬ ‫ذات ّياً‪ ،‬لأنّه يُعوّل على مزاجه النف�سي؛ �أو المُحبّ للأدب بطبيعته‪ ،‬لأنّه باقٍ تحت ت�أثير الذوق العام‪.‬‬ ‫فك ّل ه��ؤالء يُقدّمون انطباع ًا وت��أ ّث��ر ًا فقط‪ ،‬وال‬ ‫يحرثون �أر�ض ًا للنقد‪ ،‬وب�شكل �أدقّ (النقد والإبداع‪،‬‬ ‫كالعربة والح�صان)‪ ،‬فال يمكن و�ضع الح�صان خلف‬ ‫العربة‪،‬؛ ل��ذا‪ ،‬يبقى النقد يتبع الإب��داع دائماً‪ .‬قد‬ ‫ي�س�ألني ه�ؤالء‪ :‬ما هي م�ؤهالت الناقد �إذاً؟ ف�أجيبهم‬ ‫بتوا�ضع‪� :‬أن يكون الناقد قد حَ َم َل مِ نجله في �أر�ض‬ ‫الإبداع بعد �أن كوّن حقله الأدبي؛ �إذ تتوالد الر�ؤية‬ ‫الذاتية من داخ��ل الن�ص‪ ،‬وتتمخّ �ض المالحظات‬ ‫في م�سارات نف�سية كثيرة‪ ،‬ال تملكها العين النقدية‬ ‫المجرّدة من روح الإبداع الأدبي‪ ،‬ويُدركها المبدع‬ ‫عبر الحا�سّ ة الأدبية الدقيقة الكامنة في نف�سه؛‬ ‫ف ��الأدوات المعرفية والطريقة الإجرائية تُ�صبح‬ ‫الح�س الأدب��ي والتملّك النف�سيّ‬ ‫مَ�سْ خ ًا في غياب ّ‬ ‫للحالة الإبداعية المبذورة في المبدع‪.‬‬ ‫لذا‪ ،‬فالناقد الحقيقي‪ :‬هو الخارج من رحم‬ ‫التجربة الإبداعية الأدبية المح�ضة‪ ،‬والمتمرّ�س‬ ‫ف��ي ن�سجها‪� ،‬شعر ًا ون �ث��راً‪ ،‬حتى ُي��ؤم��ن جانبه‬ ‫النقدي‪ ،‬ف��الأدب يُنتجه وينقدّه الأدب��اء‪ ،‬مَ ن ال‬ ‫ِ�صلة لهم به �شعر ًا ونثراً‪ ،‬وعم ًال و�صناعة هم‬ ‫الم�شكلة‪ ،‬كالمت�سمّين بالنقّاد والأكاديميين‬ ‫والمتطفّلين على مائدة الأدب‪ ،‬لأنّ التنظير‬

‫ن����������������������������������������������واف����������������������������������������������ذ‬

‫انفتاح الأعمال الأدبية‪ ،‬وبخا�صة ال�شعر‪ ..‬ك�سر من‬ ‫�صالبة تلك الت�صورات‪ .‬فانخراط بع�ض ال�شعراء‬ ‫من هنا وهناك عربيا‪ ،‬د�شّ ن لعالقة مختلفة مع‬ ‫الت�شكيل‪ ،‬في �إط��ار من البحث الم�شترك لطرق‬ ‫�آفاق تعبيرية وجمالية جديدة‪ .‬نذكر ‪-‬على �سبيل‬ ‫التمثيل ف�ق��ط‪ -‬تجربة ال�شاعر محمد بني�س‪،‬‬ ‫والفنان �ضياء العزاوي في «كتاب الحب»‪ ،‬وال�شاعر‬ ‫ح�سن نجمي‪ ،‬والفنان محمد القا�سمي في ديوان‬ ‫«الرياح البنية»‪ ،‬وكذا ال�شاعر عبدالمعطي حجازي‬ ‫في ديوانه «كائنات مملكة الليل»‪..‬‬ ‫ه��ذا ف�ضال ع��ن هند�سة ال�غ�لاف وال�صفحة‬ ‫ب�صريا م��ن خ�لال عالقة ال���س��واد والبيا�ض مع‬ ‫�أدوني�س والتجربة الكاليغرافية الم�أ�سوف على‬ ‫توقفها‪ .‬ويمكن القول �إن ال�شعر بذلك ومع �أ�سماء‬ ‫معينة‪ ،‬يبحث عن جماليات ت�شكيلية في باطن‬ ‫الق�صيدة؛ وهو ما جعل ال�شعراء م�ؤخرا يلتفتون‬ ‫�إلى �أغلفة كتبهم‪ ،‬في حوار مع الت�شكيليين‪ ،‬لخلق‬ ‫تنا�سق م�ست�ساغ جماليا‪.‬‬ ‫وامتد ذلك‪� ،‬إلى الغالف الأدب��ي (مع الرواية‬ ‫والق�صة)‪� ،‬إذ تكون اللوحة بوابة كبرى‪ ،‬قد ت�شكل‬ ‫�إ�ضاءة مهمة لمالم�سة مالحظات �أولية حول العمل‬ ‫الأدبي من الداخل‪ .‬وبم�شاهدتنا المتريثة للكثير من‬ ‫الأغلفة‪ ،‬على اختالف �أنواعها الأدبية‪ ،‬نالحظ �أن‬ ‫الكتاب العربي الإبداعي الحديث والمعا�صر منفتح‬ ‫على مختلف المدار�س الت�شكيلية (الكال�سيكية‪،‬‬ ‫الواقعية‪ ،‬ال�سريالية‪ ،‬التجريدية‪ .)...‬ف�إذا كانت‬ ‫ال��رواي��ة العربية من دون تعميم طبعاـ تميل �إلى‬ ‫لوحات مفتوحة ال��دالل��ة وت�شخي�صية �أك�ث��ر؛ ف�إن‬ ‫ال�شعر يجنح �إلى لوحات ت�ستند �إلى اللون المت�شكّل‬ ‫من الداخل كف�ضاءات وكوات مت�شظية عن لم�سات‬ ‫ذاتية‪ ،‬محكومة بجوهر باطني‪.‬‬ ‫كانت الأغلفة‪ ،‬فيما �سبق‪ ،‬تثبت لملء الفراغ‬ ‫وللتزيين والإثارة؛ وهي بذلك لوحات مفارقة لمتن‬

‫الكتب الأدبية‪ .‬لكننا اليوم �أ�صبحنا �أم��ام �أغلفة‬ ‫مهند�سة ب�شكل واع‪ ،‬تحمل ب�صمة الفنان والكاتب‬ ‫معا‪ ،‬ك�أن الأمر يتعلق بحوار داخلي بين الخطاب‬ ‫الت�شكيلي والأدبي «�ألي�س م�صدر الكائنين المكتوب‬ ‫والم�صور هو الج�سد؟» كما يت�ساءل ال�شاعر ح�سن‬ ‫نجمي في كتابه «ال�شاعر والتجربة»‪.‬‬ ‫ان�ط�لاق��ا م��ن ه��ذه ال��زاوي��ة‪ ،‬نتمنى �أن يمتد‬ ‫الحوار بين الخطاب الت�شكيلي والأدبي �إلى الواقع‪،‬‬ ‫حتى ال يبقى مختبر الفنان مغلقا على اللون ك�أنه‬ ‫�أ�صل وعلّة من دون ام �ت��دادات نف�سية وجمالية‬ ‫وتخييلية‪ .‬وف��ي المقابل‪ ،‬ينبغي على الأدي��ب �أن‬ ‫يفتح محبرته اليتيمة على الت�شكيل‪ ،‬ليكون العمل‬ ‫م�صحوبا بلوحات �ضمن �أف��ق م�شترك ي�سهم في‬ ‫تطوير الأذواق والجماليات المف�صولة ق�سرا‪.‬‬ ‫ودون �أن تمر ه��ذه ال��ورق��ة‪ ،‬ال بد من التنويه‬ ‫هنا بنوافذ �إلكترونية �سعت لهذا ال ��د�أب‪ .‬على‬ ‫العموم‪ ،‬فاللوحة المثبتة على غالف الكتاب الأدبي‬ ‫(الإبداعي منه)‪ ،‬تعد نافذته؛ لهذا‪ ،‬نتمناها �أن‬ ‫تكون جميلة بالمعنى الت�شكيلي‪ ،‬وبعيدة المدى �أو‬ ‫النظر بالمعنى الأدبي‪.‬‬ ‫خاف �أن دور الن�شر العربية في غالبيتها‬ ‫وغير ٍ‬ ‫ال تُخ�ضع العمل الأدبي لنظر الفنان الت�شكيلي وال‬ ‫للجان ال �ق��راءة‪ .‬فيكون االختيار �سريعا للوحة‪،‬‬ ‫و�أحيانا ارتجاليا؛ بل قد تجد الغالف غارقا في‬ ‫الألوان ك�أنه دمية للت�سلية وو�ضع غ�شاوة على عين‬ ‫الناظر‪ .‬وفي المقابل‪ ،‬هناك الأقلية التي تبحث‬ ‫عن مزاوجة طبيعية وخالقة بين لوحة الغالف‬ ‫ومحتويات الكتاب‪ ..‬حتى ال تبقى اللوحة مجرد‬ ‫ديكور �أو �شيئا متروكا للخلف ال�ساطع للأ�سف‪.‬‬ ‫فاللوحة نافذة حقيقية‪ ،‬لتقديم فكرة �أولية عن‬ ‫العمل الأدب��ي؛ ولو من خالل �إقامته مت�صلبا في‬ ‫مكانه‪ ،‬في ظل �أزمة القراءة‪.‬‬

‫م�ؤهالت الناقد الأدبي‪..‬‬

‫من دون ممار�سة للعمل نف�سه‪ ،‬برها ٌن على زجّ‬ ‫النف�س في ما لي�س من �صنيعها‪.‬‬ ‫المبدعون المدلجون تحت �سماء الإب ��داع هم‬ ‫�أعلم بما يط�أون‪ .‬ولننظر كيف �أن النقد الأدبي يوزّع‬ ‫مجان ًا وال يُباع‪ ،‬فخلف كل جدار‪ ،‬و�أمام كل متجر‪،‬‬ ‫وتحت ك ّل و�سادة‪ ،‬م�س ٌخ من النقّاد‪ ،‬مُهمتهم �إ�شغال‬ ‫الم�شهد الأدبي‪ ،‬واالتّجار ب�أعمال المبدعين‪.‬‬ ‫وقد قُلتُ رحمني اهلل‪� :‬إذا ر�أيتم المرء مُن�شغ ًال‬ ‫بالنقد والتنظير في فنّ لم يَخُ �ض م�ضماره‪ ،‬ولم‬ ‫يُ�سرج مع �أهله ح�صانه‪ ..‬فاعلموا �أنه مُت�س ّو ٌل جبان‪،‬‬ ‫فقبي ٌح �أن يُنظّ ر ف��ي الأدب مَ��ن ال نثر ل��ه فيه وال‬ ‫�شعر‪ ،‬كما �أنّ �أهمّ �صفة يجب �أن يتمتّع بها الأديب‬ ‫هي اال�ستقالليّة‪ ،‬ال �أن يكون تحت ت�أثير �آراء نقدية‬ ‫اعتباطية ال �أكثر‪ ،‬مُطمئن ًا لمبادئه‪.‬‬ ‫لذا‪ ،‬يُقال للمت�سمّي بالناقد المجرّد‪� :‬أرنا �إبداعك‬ ‫َب � َد ًال من �أن تُمطرنا بوابل ن�صائحك وهرطقاتك‬ ‫االرتجالية‪ ،‬فالعمل الإبداعي هو المحك‪ .‬فقد قيل‪:‬‬ ‫الناقد الأدب��ي‪ ،‬همّه الأول الحُ كم والق�ضاء على ما‬ ‫يقر�أ‪ ،‬لأن الحكم والق�ضاء يُ�ضيفان الجاه‪ ،‬ال �أن‬ ‫َي َت َفهّم وَي َت َعلّم‪.‬‬

‫ * كاتب وروائي من ال�سعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪125‬‬


‫■ حممد �صوانه‬

‫الت�صميم لي�س منحة تعطى للقالئل فقط منذ والدتهم‪ ،‬بل �إن في كل �إن�سان يولد على وجه‬ ‫الأر�ض �إبداعاً كامناً‪ ،‬يمكنه �أن ينمّيه ويطوّره‪ ،‬ليتمكن من تحقيق ثمرات �إبداعية‪ ،‬يفيد منها في‬ ‫حياته ويفيد مجتمعه؛ وقد تنطلق �إبداعاته ليكون منها منتج عالمي يفيد منه النا�س جميعا‪.‬‬ ‫كتاب (من �شيء يولد �شيء‪ :‬ملخ�ص لمنهجية الت�صميم) مترجم من اللغة الإيطالية‪ ،‬م�ؤلفه‬ ‫(برونو موناري ‪ )Bruno Munari‬وترجمة د‪ .‬جمال عليان‪ ،‬ع�ضو هيئة التدري�س بكلية العمارة‬ ‫والتخطيط بجامعة الملك �سعود بالريا�ض‪ .‬ج��اءت الترجمة ف��ي ‪� 390‬صفحة م��ن المقا�س‬ ‫التقليدي للكتب (‪� 24 X 17‬سم) �صادر عن الن�شر العلمي بجامعة الملك �سعود بالريا�ض‪.‬‬ ‫ينطلق ال�ك�ت��اب م��ن مفهوم �أن ك��ل ت�صميم‬ ‫جديد ينتج عن ت�صميم �آخ��ر �سبقه �إليه مبتكر‬ ‫�آخر‪ ..‬يبني عليه ويطوّره ويح�سّ نه بتفادي العقبات‬ ‫التي لوحظت �أثناء اال�ستخدام‪ ،‬فهو مثل البناء‬ ‫المتكامل؛ كي يمنحه فر�صا �أف�ضل ليقدم للب�شرية‬ ‫منتج ًا يتوافق مع الع�صر المت�سارع الباحث عن‬ ‫الجديد والمتطور دائماً‪.‬‬ ‫كما يعالج الكتاب منهجية عملية من خالل‬ ‫�أمثلة واقعية ممكنة‪ ،‬ويطلق العنان لخيال الم�صمم‬ ‫من خالل �شطحات فنية ابتكارية‪ ،‬يمكن الح�صول‬ ‫عليها من خ�لال �إعمال الفكر واتباع المنهجية‬ ‫العلمية ال�صحيحة في البناء والتطوير؛ فالإبداع ال‬ ‫يعتمد على االرتجال‪ ،‬بل يحتاج �إلى منهجية علمية‬ ‫وا�ضحة ف��ي ذه��ن المبدع المتحرر م��ن التقليد‬ ‫الباحث عن االبتكار‪ ،‬و�صناعة منتج مبتكر ومفيد‪.‬‬

‫‪ 126‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫ف��ي عتبة ال�ك�ت��اب‪ ،‬تطالعك ��ص��ورة �إبداعية‬ ‫الفتة؛ يتوقف القارئ �أمامها مت�أمالً‪ ،‬ولأول وهلة‬ ‫تبدو �أداة ب�سيطة الت�صنيع؛ لكن مع بع�ض الت�أمل‬ ‫تتك�شف �أمامك الأفكار الإبداعية التي ت�شكلت بها‬ ‫هذه الأداة غير المعقدة في مظهرها؛ �إذ �إن طريقة‬ ‫ت�شكيلها وتوظيف كل طرف فيها لعمل مختلف عن‬ ‫الآخر جعلها مجموعة من الأدوات جمعت في �أداة‬ ‫واحدة �صغيرة! (انظر �صورة الغالف)‪.‬‬ ‫جاء الكتاب في خم�سة ف�صول؛ خ�ص�ص الأول‬ ‫منها لتعريف الت�صميم وال �ف��رق بين توظيفه‬ ‫البتكار �أدوات نافعة وبين البذخ؛ وف��ي الف�صل‬ ‫الثاني يقدم الم�ؤلف منهجية الت�صميم المبنية‬ ‫على التفكير العلمي‪ ،‬ليعمم المنهجية ويجعل من‬ ‫الإبداع فنا ممكنا‪ ،‬وكيف يقوم الم�صمم بتجزئة‬ ‫الم�شكلة الكبيرة �إل��ى م�شكالت �صغيرة ليتمكن‬

‫من التغلّب عليها؛ وفي الف�صل الثالث ي�ستعر�ض‬ ‫مهارات الت�صميم الأ�سا�سية مثل الر�سم الحر‪،‬‬ ‫والعمل للو�صول �إل��ى التجان�س ال�شكلي وعمل‬ ‫ال�م�ج����سّ �م��ات‪ ،‬وك �ي��ف يمكن تحليل المنتجات‬ ‫وفهمها‪ ،‬تمهيدا للبدء بالت�صميم الإبداعي‪� .‬أما‬ ‫الف�صل الرابع‪ ،‬فيقدم تطبيقات عملية لمنهجية‬ ‫الت�صميم‪ ،‬من ال�صغير �إلى الكبير ومن الب�سيط‬ ‫�إلى المعقّد؛ وفي الف�صل ال�ساد�س يتحدث الم�ؤلف‬ ‫عن مو�ضوعات مت�صلة بالفكر الحديث في مجال‬ ‫الت�صميم‪ ،‬ومنها �إعادة تدوير المواد الم�صنعة‪،‬‬

‫ن����������������������������������������������واف����������������������������������������������ذ‬

‫من �شيء يولد �شيء‬ ‫ّ‬ ‫ملخ�ص لمنهجية الت�صميم‬

‫وا�ستخدام ال�صور المزدوجة ومراعاة الم�شهد‬ ‫الب�صري وتوظيف الفراغ وتح�سين ظروف العمل‪.‬‬ ‫الكتاب ب��وج��ه ع��ام‪ ،‬ينمّي الفكر االبتكاري‬ ‫ل��دى الم�صممين والمبدعين ومنتجي ال�م��واد‬ ‫اال�ستهالكية‪ ،‬وك��ذل��ك للمعماريين وم�صممي‬ ‫المباني ال�ضخمة والمتو�سطة �سواء كانت ق�صورا‬ ‫�أم م�ق��رات م�صانع �أم م�ب��انٍ ري��ادي��ة تقام فيها‬ ‫احتفاالت �أو ن�شاطات ثقافية �أو تجارية �أو معار�ض‬ ‫�ضخمة‪ .‬وهو مفيد لدار�سي العمارة والت�صميم‬ ‫والعاملين في مجال ت�صميم الأدوات والمنتجات‪،‬‬ ‫و�أدوات ال�صيانة ��غيرها‪ .‬وهو محفّز لكل مبدع‬ ‫�أو راغ��ب بتطوير مهاراته �أن يوظفها ويفيد من‬ ‫�أ�ساليب الم�صممين ال�سابقين والمعا�صرين‬ ‫ومهاراتهم في اجتراح �آليات جديدة و�إبداعية‬ ‫في ابتكار نماذج من الت�صاميم المعا�صرة لمزيد‬ ‫من الرفاهية وتحقيق �أف�ضل م�ستوى من الجودة‬ ‫في ا�ستخدام المواد والفر�ص المتاحة وتعظيم‬ ‫وظائفها و�أدوارها و�أدائها‪.‬‬ ‫ومن دون �شك‪ ،‬ف�إن الترجمة العلمية �أ�ضحت‬ ‫�ضرورة ملحّ ة؛ لأن التدري�س الجامعي في العالم‬ ‫العربي يعاني م��ن �سيادة التدري�س بغير اللغة‬ ‫العربية‪ ،‬ما يزيد من الفجوة بين خريجي الكليات‬ ‫العلمية وبين لغتهم الأم؛ وم��ن ث��م‪ ،‬ف ��إن تفاعل‬ ‫الخريجين – بوجه عام – مع متطلبات البحث‬ ‫العلمي المخبري والميداني يكون �أقل �إنتاجية‪.‬‬

‫�صورة الغالف‬ ‫�أداة لخزانة العر�ض ف��ي المحالت التجارية (الفترينا)‪� .‬إذ يحتاجها م�صمم‬ ‫الواجهة داخل الخزانة ال�ضيّقة؛ فتتيح له هذه �إمكانية الفك والتركيب وال�شد ونزع‬ ‫الم�سامير والبراغي‪ ،‬فهي تحتوي على‪( :‬مطرقة‪ ،‬ومفك‪ ،‬وكما�شة‪ ،‬وقطّ اعة‪ ،‬ونازع‬ ‫م�سامير)‪ .‬وت�صميمها يمكّن م�ستخدمها من �إنجاز �أعمال �أخرى �أي�ضا كما يظهر من‬ ‫ال�شكل العام لها‪ .‬الأداة ت�سهل عمل العار�ض‪ ،‬ويمكن تثبيتها في طرف حزام البنطال‪،‬‬ ‫فتكون دائما في متناول اليد‪ ،‬وتغني عن حمل عدة �أدوات‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪127‬‬


‫يقع الكتاب في (‪� )450‬صفحة‪ ،‬يكتب‬ ‫خاللها اللواء الطيار عبداهلل ال�سعدون‪-‬‬ ‫ب�أ�سلوب �أدبي ماتع ‪ -‬رحلته من القرية‪،‬‬ ‫�إذ لم يعرف �سوى الدراجة‪� ..‬إلى قيادة‬ ‫طائرة مقاتلة‪ .‬وهذه الرحلة تجتاز حقبة‬ ‫زمنية �شهدت فيها المملكة العربية‬ ‫ال�سعودية ت�غ�ي��رات ك�ب�ي��رة‪ ،‬كما تقدم‬ ‫و�ضعا لحياة القرية ال�ت��ي ع��ا���ش فيها‬ ‫طفال يافعا‪.‬‬

‫�صدر عن م�ؤ�س�سة عبدالرحمن ال�سديري كتاب‪:‬‬ ‫«الحجـــاز من بداية القرن الأول الهجري‪�  ‬إلى نهاية‬ ‫القرن الثالث الهجري (القرن ال�سابع �إلى التا�سع‬ ‫الميالدي)»‬

‫وهي ر�سالة تطرح �أمرا�ض المجتمع‬ ‫وم �ع��وق��ات ال �ت �ق��دم‪ ،‬وت �� �ش��رح �أ��س�ب��اب‬ ‫ال�سعادة وال�صحة في عالم مليء بالجهل‬ ‫والأوه�� ��ام والأم���را����ض‪ ،‬ع��ال��م مزّقته‬ ‫الحروب‪ ،‬وهّ ده الفقر‪.‬‬ ‫ل�ق��د �أراد ال �ك��ات��ب �أن ي �ق��دم تربة‬ ‫�إن�سانية ت�شجع على مواجهة م�صاعب‬ ‫الحياة وتمنح الأم��ل‪ ،‬لعلها ت�سهم في‬ ‫نجاح �إن�سان �أو م�ساعدة مري�ض‪� ،‬أو ر�سم‬ ‫ب�سمة على �شفتي يائ�س‪.‬‬ ‫‪ 128‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫■ عمار اجلنيدي*‬

‫للحجاز �أهمية متميزة في العالم الإ�سالمي؛ وقد‬ ‫م ّر خالل تاريخه ب�أحداث كثيرة‪ ،‬تناولها الباحثون؛‬ ‫لكنهم لم يتناولوا ال�ن��وازل والفتن كوحدة واح��دة‬ ‫م�ستقلة‪ ،‬رغ��م �أهميتها؛ ول��م تذكر في الم�صادر‬ ‫التاريخية �إال في حاالت قليلة وب�إ�شارات عابرة‪.‬‬ ‫يعر�ض الكتاب لأهم النوازل والفتن التي وقعت‬ ‫م��ن ب��داي��ة ال�ق��رن الأول �إل��ى نهاية ال�ق��رن الثالث‬ ‫الهجريين (من القرن ال�سابع �إلى التا�سع للميالد)‪،‬‬ ‫كما يتناول الآث��ار التي ترتبت على تلك الأح��داث‬ ‫ودوره��ا في �إع��ادة �صياغة الحجاز‪ ،‬عامة‪ ،‬وب�شكل‬ ‫خا�ص مكة المكرمة والمدينة المنورة‪ .‬‬ ‫ي���ص��در ال�ك�ت��اب �ضمن ب��رن��ام��ج الن�شر ودع��م‬ ‫الأب � �ح� ��اث‪ ،‬وه ��و ب��رن��ام��ج م �ح �ك��م‪ ،‬ف��ي م��ؤ��س���س��ة‬ ‫عبدالرحمن ال�سديري‪ ،‬ون�أمل �أن يمثل �إ�ضافة �إلى‬ ‫الدرا�سات التي تدر�س تاريخ الحجاز‪.‬‬

‫ل��م ت�ك��ن م�ج�ل��ة «ال �ج��وب��ة»‬ ‫مجرد مطبوعة عربية عادية‪،‬‬ ‫ت�ضاف �إلى �أرقام المطبوعات‬ ‫العربية ال�ت��ي يخبو �ضوءُها‬ ‫بعد �صدور عددها الأول؛ بل‬ ‫�أعلنت بقوة عن ا�ستمرارية‬ ‫وج��وده��ا‪ ،‬وق� �وّة ت�أثيرها‪،‬‬ ‫بانحيازها لكل ما هو �أ�صيلِ‬ ‫وج��ا ٍّد وراقٍ ومثابرٍ وم�ؤثّر على‬ ‫ال�ساحة الأدبية الإبداعية العربية‪.‬‬ ‫وقد حظي المبدعون العرب‪ ،‬على اختالف‬ ‫م�شاربهم الإبداعية‪ ،‬بمجلة «الجوبة» التي‬ ‫و�ضعت على �سُ لّم �أولوياتها تناول ملفّات في‬ ‫الإب��داع ومختلف الهموم الأدبية والإبداعية‬ ‫ال�ع��رب�ي��ة؛ فكانت رائ ��دة بانتقائها لملفات‬ ‫ذات �أَبعاد �إ�شكالية ومثيرة كملفي «الق�صة‬ ‫الق�صيرة جدا»‪ ،‬و «ق�صيدة النثر»‪ ،‬وتناولها‬ ‫لملفي «�أدب الأط��ف��ال»‪ ،‬و»ال �خ��ط العربي»‬ ‫وغيرها‪ ،‬وقريبا عن هموم الفن والت�صوير‪،‬‬ ‫وك��ان��ت رائ ��دة متميزة وجريئة ف��ي طرحها‬ ‫لمجمل هذه الملفات‪ ،‬و�أتاحت لمعظم مبدعي‬ ‫ف�ن��ون الأج �ن��ا���س الأدب �ي��ة ب�ت�ن��اول نتاجاتهم‬

‫الإب��داع �ي��ة ن�ق��دي��ا‪ ،‬وبن�شر‬ ‫�شهاداتهم على �صفحاتها‪،‬‬ ‫فكانت �صوتهم ومتنفّ�سا‬ ‫ل�ه��م لن�شرهم‪ ،‬واالح�ت�ف��اء‬ ‫بما هو مبدع وجديد ومناف ٍِ�س‬ ‫منم‪.‬‬

‫ع������ي������ن ع���������ل���������ى اجل���������وب���������ة‬

‫ب ‪ :‬ع�شتُ �سعيدا‬ ‫الكتا ‬ ‫امل�ؤلف ‪ :‬عبداهلل عبدالكرمي ال�سعدون‬ ‫النا�شر ‪ :‬املركز الثقايف العربي‪ -‬الدار‬ ‫البي�ضاء‪ -‬املغرب ‪1430‬هـ‬

‫ب ‪ :‬النوازل والفنت و�آثارها فـي بـالد احلجاز‬ ‫الكتا ‬ ‫امل�ؤلف ‪ :‬د‪ .‬جنالء حممد عوي�ض املطريي‬ ‫النا�شر ‪ :‬م�ؤ�س�سة عبدالرحمن ال�سديري‬

‫الجوبة‪ :‬ح�ضور متم ّيز‪..‬‬

‫وال � �ن � �ج� ��اح دوم � � ��ا ي�ج��ب‬ ‫الإ�شارة �إلى �أهله‪ ،‬فالم�شرف‬ ‫العام للمجلة‪ :‬الأ�ستاذ �إبراهيم الحميد كمبدع‬ ‫قا�ص معني بهموم الإبداع والمبدعين مثلهم‪،‬‬ ‫و�صحافي متمرّ�س‪ ،‬كذلك �سكرتير التحرير‬ ‫ال�شاعر محمود الرمحي‪ ،‬ذلك �أن �إثارة هكذا‬ ‫موا�ضيع �أدبية تتطلّب م�شاركة خا�صة مع من‬ ‫يحمل ويتنازع ويهج�س بالهمّ الإبداعي ح ّد‬ ‫القلق‪.‬‬ ‫هنيئا للمبدعين العرب بمجلة «الجوبة»‬ ‫ب�ت�م� ّي��زِ ه��ا وت��ف �رُّدِ ه��ا واح �ت��رام �ه��ا ل�ل�إب��داع‬ ‫الحقيقي‪ ،‬وره��ان�ه��ا على ال� ُم� َك� َّر���س لخدمة‬ ‫الأمة وق�ضاياها الم�صيرية المُلحّ ة من خالل‬ ‫ح�ضورها‪ ،‬وا�ستمرارية عطائها‪ ،‬ومكانتها‪،‬‬ ‫ووجودها على ال�ساحة الثقافية العربية‪.‬‬

‫* قا�ص و�شاعر من الأردن‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ ‪129‬‬


‫الأن�شـ ـ ـ ـ ـط ـ ـ ــة الثقـ ـ ـ ــافيـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــة‬

‫من �إ�صدارات اجلوبة‬ ‫■ �إعداد‪ :‬عماد املغربي‬

‫وزير التجارة‬ ‫وال�صناعة‬ ‫يلتقي رجال‬ ‫الأعمال‬ ‫بمنطقة الجوف‬

‫وز‬

‫ير التجارة وال�صناعة د‪.‬‬

‫ا‬

‫عُ قد لقا ٌء مفتو ٌح لمعالي وزير التجارة وال�صناعة‬ ‫الدكتور توفيق بن ف��وزان الربيعة مع رجال و�سيدات‬ ‫الأعمال‪ ،‬وجمع من المواطنين‪ ،‬بنا ًء على دعوة من‬ ‫الغرفة التجارية ال�صناعية بالجوف‪� .‬أقيم اللقاء في‬ ‫قاعة العر�ض والمحا�ضرات بدار الجوف للعلوم التابعة‬ ‫لم�ؤ�س�سة عبدالرحمن ال�سديري �صباح يوم الأربعاء‬ ‫‪2014/4/9‬م‪ ،‬بح�ضور الأ�ستاذ �أحمد بن عبداهلل �آل‬ ‫ال�شيخ‪ ،‬وكيل �إم��ارة منطقة الجوف‪ ،‬و�أداره الأ�ستاذ‬ ‫خالد بن عبدالرحمن العي�سى‪ ،‬وتم نقله �إلى الق�سم‬ ‫الن�سائي ع�ب��ر ال��دائ��رة‬ ‫التليفزيونية المغلقة‪.‬‬

‫توفيق بن فوزان الربيعة‬

‫لأ�ست‬ ‫اذ �أحمد بن عبداهلل �آل ا‬ ‫ل�ش‬ ‫يخ‬ ‫وك‬ ‫يل‬ ‫�‬ ‫إ‬ ‫ما‬ ‫رة‬ ‫ال‬ ‫جو‬ ‫ف وجم ٌع من‬ ‫رجال الأعمال‬

‫‪ 130‬اجلوبة ‪� -‬صيف ‪1435‬هـ‬

‫ي ��ذك ��ر �أن م ��ؤ� �س �� �س��ة‬ ‫ع�ب��دال��رح�م��ن ال���س��دي��ري‬ ‫د�أب��ت ومنذ ب��دء ن�شاطها‬ ‫ع� �ل ��ى ا� �س �ت �� �ض��اف��ة ك �ب��ار‬ ‫ال �م �� �س �ئ��ول �ي��ن وال �ع �ل �م��اء‬ ‫وال �م �ف �ك��ري��ن وال�م�ث�ق�ف�ي��ن‬ ‫و�إقامة العديد من الندوات‬ ‫والمحا�ضرات �ضمن خطة‬ ‫الن�شاط الثقافي بالم�ؤ�س�سة‬ ‫والتي ت�سهم ب�شكل كبير في‬ ‫التعريف بالمنطقة‪.‬‬


‫�صدر حديثاً عن برنامج الن�شر يف‬ ‫م�ؤ�س�سة عبدالرحمن ال�سديري‬


44 joba web مجلة الجوبة