Page 1

‫درا�سات ونقد‬ ‫�سرية و�إبداع‬ ‫مواجهـــــات‬ ‫نوافـــذ‬

‫ملف‬ ‫العدد‪:‬‬

‫علم القراءات القرآنية‬ ‫‪43‬‬


‫برنامـج نشر الدراسات واإلبداعـات األدبية ودعم البحوث والرسائل العلمية‬ ‫في مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬ ‫‪ -1‬ن�شر الدرا�سات والإبداعات الأدبية‬

‫يهتم بالدرا�سات‪ ،‬والإبداعات الأدبية‪ ،‬ويهدف �إلى �إخراج �أعمال متميزة‪ ،‬وت�شجيع حركة الإبداع‬ ‫الأدبي والإنتاج الفكري و�إثرائها بكل ما هو �أ�صيل ومميز‪.‬‬ ‫وي�شمل الن�شر �أعمال الت�أليف والترجمة والتحقيق والتحرير‪.‬‬ ‫مجاالت الن�شر‪:‬‬ ‫�أ ‪ -‬الدرا�سات التي تتناول منطقة الجوف في �أي مجال من المجاالت‪.‬‬ ‫ب‪ -‬الإبداعات الأدبية ب�أجنا�سها المختلفة (وفق ًا لما هو مب ّين في البند «‪ »٨‬من �شروط الن�شر)‪.‬‬ ‫ج‪ -‬الدرا�سات الأخرى غير المتعلقة بمنطقة الجوف (وفق ًا لما هو مب ّين في البند «‪ »٨‬من �شروط الن�شر)‪.‬‬ ‫�شروطه‪:‬‬ ‫‪� -١‬أن تت�سم الدرا�سات والبحوث بالمو�ضوعية والأ�صالة والعمق‪ ،‬و�أن تكون موثقة طبق ًا للمنهجية العلمية‪.‬‬ ‫‪� -٢‬أن ُتكتب المادة بلغة �سليمة‪.‬‬ ‫‪� -٣‬أن ُيرفق �أ�صل العمل �إذا كان مترجم ًا‪ ،‬و�أن يتم الح�صول على موافقة �صاحب الحق‪.‬‬ ‫‪� -٤‬أن ُتقدّم المادة مطبوعة با�ستخدام الحا�سوب على ورق (‪ )A4‬ويرفق بها قر�ص ممغنط‪.‬‬ ‫‪� -٥‬أن تكون ال�صور الفوتوغرافية واللوحات والأ�شكال التو�ضيحية المرفقة بالمادة جيدة ومنا�سبة للن�شر‪.‬‬ ‫‪� -٦‬إذا كان العمل �إبداع ًا �أدبي ًا فيجب �أن ي ّت�سم بالتم ّيز الفني و�أن يكون مكتوب ًا بلغة عربية ف�صيحة‪.‬‬ ‫‪� -٧‬أن يكون حجم المادة ‪ -‬وفق ًا لل�شكل الذي �ست�صدر فيه ‪ -‬على النحو الآتي‪:‬‬ ‫ الكتب‪ :‬ال تقل عن مئة �صفحة بالمقا�س المذكور‪.‬‬‫ البحوث التي تن�شر �ضمن مجالت محكمة ت�صدرها الم�ؤ�س�سة‪ :‬تخ�ضع لقواعد الن�شر في تلك‬‫المجالت‪.‬‬ ‫ الكتيبات‪ :‬ال تزيد على مئة �صفحة‪( .‬تحتوي ال�صفحة على «‪ »250‬كلمة تقريب ًا)‪.‬‬‫‪ -٨‬فيما يتعلق بالبند (ب) من مجاالت الن�شر‪ ،‬في�شمل الأعمال المقدمة من �أبناء وبنات منطقة‬ ‫الجوف‪� ،‬إ�ضافة �إلى المقيمين فيها لمدة ال تقل عن عام‪� ،‬أما ما يتعلق بالبند (ج) في�شترط �أن‬ ‫يكون الكاتب من �أبناء �أو بنات المنطقة فقط‪.‬‬ ‫‪ -٩‬تمنح الم�ؤ�س�سة �صاحب العمل الفكري ن�سخ ًا مجانية من العمل بعد �إ�صداره‪� ،‬إ�ضافة �إلى مكاف�أة‬ ‫مالية منا�سبة‪.‬‬ ‫‪ -١٠‬تخ�ضع المواد المقدمة للتحكيم‪.‬‬

‫‪ -2‬دعم البحوث والر�سائل العلمية‬

‫يهتم بدعم م�شاريع البحوث والر�سائل العلمية والدرا�سات املتعلقة مبنطقة اجلوف‪ ،‬ويهدف‬ ‫�إلى ت�شجيع الباحثني على طرق �أبواب علمية بحثية جديدة يف معاجلاتها و�أفكارها‪.‬‬ ‫(�أ) ال�شروط العامة‪:‬‬ ‫‪ -١‬ي�شمل الدعم املايل البحوث الأكادميية والر�سائل العلمية املقدمة �إلى اجلامعات واملراكز‬ ‫البحثية والعلمية‪ ،‬كما ي�شمل البحوث الفردية‪ ،‬وتلك املرتبطة مب�ؤ�س�سات غري �أكادميية‪.‬‬ ‫‪ -٢‬يجب �أن يكون مو�ضوع البحث �أو الر�سالة متعلق ًا مبنطقة اجلوف‪.‬‬ ‫‪ -٣‬يجب �أن يكون مو�ضوع البحث �أو الر�سالة جديد ًا يف فكرته ومعاجلته‪.‬‬ ‫‪� -٤‬أن ال يتقدم الباحث �أو الدار�س مب�شروع بحث قد فرغ منه‪.‬‬ ‫‪ -٥‬يقدم الباحث طلب ًا للدعم مرفق ًا به خطة البحث‪.‬‬ ‫‪ -٦‬تخ�ضع مقرتحات امل�شاريع �إلى تقومي علمي‪.‬‬ ‫‪ -٧‬للم�ؤ�س�سة حق حتديد ال�سقف الأدنى والأعلى للتمويل‪.‬‬ ‫‪ -٨‬ال يحق للباحث بعد املوافقة على التمويل �إج��راء تعديالت جذرية ت��ؤدي �إلى تغيري وجهة‬ ‫املو�ضوع �إال بعد الرجوع للم�ؤ�س�سة‪.‬‬ ‫‪ -٩‬يقدم الباحث ن�سخة من ال�سرية الذاتية‪.‬‬ ‫(ب) ال�شروط اخلا�صة بالبحوث‪:‬‬ ‫‪ -١‬يلتزم الباحث بكل ما جاء يف ال�شروط العامة(البند «�أ»)‪.‬‬ ‫‪ -٢‬ي�شمل املقرتح ما يلي‪:‬‬ ‫ تو�صيف م�شروع البحث‪ ،‬وي�شمل مو�ضوع البحث و�أهدافه‪ ،‬خطة العمل ومراحله‪ ،‬واملدة‬‫املطلوبة لإجناز العمل‪.‬‬ ‫ ميزانية تف�صيلية متوافقة مع متطلبات امل�شروع‪ ،‬ت�شمل الأجهزة وامل�ستلزمات املطلوبة‪،‬‬‫م�صاريف ال�سفر والتنقل وال�سكن والإعا�شة‪ ،‬امل�شاركني يف البحث من طالب وم�ساعدين‬ ‫وفنيني‪ ،‬م�صاريف �إدخال البيانات ومعاجلة املعلومات والطباعة‪.‬‬ ‫ حتديد ما �إذا كان البحث مدعوم ًا كذلك من جهة �أخرى‪.‬‬‫(ج) ال�شروط اخلا�صة بالر�سائل العلمية‪:‬‬ ‫�إ�ضافة لكل ما ورد يف ال�شروط اخلا�صة بالبحوث (البند «بــ») يلتزم الباحث مبا يلي‪:‬‬ ‫‪� -١‬أن يكون مو�ضوع الر�سالة وخطتها قد �أق ّرا من اجلهة الأكادميية‪ ،‬ويرفق ما يثبت ذلك‪.‬‬ ‫‪� -٢‬أن ُيق ّدم تو�صية من امل�شرف على الر�سالة عن مدى مالءمة خطة العمل‪.‬‬ ‫الجوف‪ :‬هاتف ‪ - 014 626 3455‬فاك�س ‪� - 014 624 7780‬ص‪ .‬ب ‪� 458‬سكاكا ‪ -‬الجوف‬ ‫الريا�ض‪ :‬هاتف ‪ - 011 281 7094‬فاك�س ‪� - 011 281 1357‬ص‪ .‬ب ‪ 94781‬الريا�ض ‪11614‬‬ ‫‪sudairy-nashr@alsudairy.org.sa‬‬


‫العدد ‪ - 43‬ربيع ‪1435‬هـ ‪2014 -‬م‬ ‫جمل�س �إدارة م�ؤ�س�سة عبدالرحمن ال�سديري‬

‫رئي�س ًا‬ ‫في�صل بن عبدالرحمن ال�سديري ‬ ‫ع�ضو ًا‬ ‫�سلطان بن عبدالرحمن ال�سديري ‬ ‫زياد بن عبدالرحمن ال�سديري الع�ضو المنتدب‬ ‫ع�ضو ًا‬ ‫عبدالعزيز بن عبدالرحمن ال�سديري ‬ ‫ع�ضو ًا‬ ‫�سلمان بن عبدالرحمن ال�سديري ‬

‫ملف ثقايف ربع �سنوي ي�صدر عن‬

‫هيئة الن�شر ودعم ا ألبحاث‬

‫د‪ .‬عبدالواحد بن خالد الحميد ‬ ‫د‪ .‬خليل بن �إبراهيم المعيقل ‬ ‫د‪ .‬ميجان بن ح�سين الرويلي ‬ ‫محمد بن �أحمد الرا�شد ‬

‫رئي�س ًا‬ ‫ع�ضو ًا‬ ‫ع�ضو ًا‬ ‫ع�ضو ًا‬

‫امل�شرف العام ‪� :‬إبراهيم بن مو�سى احلميد‪.‬‬ ‫�سكرترياً‬ ‫�أ�سرة التحرير‪ :‬حممود الرحمي ‬ ‫حمرراً‬ ‫حممد �صوانة ‬ ‫ ‬ ‫حمرراً‬ ‫عماد املغربي ‬ ‫ ‬ ‫�إخـــراج فني ‪ :‬خالد الدعا�س‪.‬‬ ‫املرا�سالت‪ :‬هاتف‪)+966()14(6263455 :‬‬ ‫فاك�س‪)+966()14(6247780 :‬‬ ‫ ‬ ‫�ص‪ .‬ب ‪� 458‬سكاكا اجلـوف ‪ -‬اململكة العربية ال�سعودية‬

‫الإدارة العامة ‪ -‬الجوف‬ ‫المدير العام‪ :‬عقل بن مناور ال�ضميري‬ ‫م�ساعد المدير العام‪� :‬سلطان بن في�صل ال�سديري‬ ‫قواعد الن�شر‬ ‫‪� -1‬أن تكون املادة �أ�صيلة‪.‬‬ ‫‪ -2‬مل ي�سبق ن�شرها‪.‬‬ ‫‪ -3‬تراعي اجلدية واملو�ضوعية‪.‬‬ ‫‪ -4‬تخ�ضع املواد للمراجعة والتحكيم قبل ن�شرها‪.‬‬ ‫‪ -5‬ترتيب املواد يف العدد يخ�ضع العتبارات فنية‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫‪ -6‬ترحب اجلوبة ب�إ�سهامات املبدعني والباحثني والكتاب‪،‬‬ ‫على �أن تكون املادة باللغة العربية‪.‬‬

‫‪www.aljoubah.org / aljoubah@gmail.com‬‬

‫ردمد‬

‫‪ISSN 1319 - 2566‬‬

‫�سعر الن�سخة ‪ 8‬رياالت ‪ -‬تطلب من ال�شركة الوطنية للتوزيع‬

‫«اجلوبة» من الأ�سماء التي كانت ُتطلق على منطقة اجلوف �سابقاً‪.‬‬

‫املقاالت املن�شورة ال تعرب بال�ضرورة عن ر�أي املجلة والنا�شر‪.‬‬

‫النا�شر‪ :‬م�ؤ�س�سة عبدالرحمن ال�سديري اخلريية‬ ‫�أ�س�سها الأمري عبدالرحمن بن �أحمد ال�سديري (�أمري منطقة اجلوف من ‪1362/9/5‬هـ ‪1410/7/1 -‬هـ‬ ‫املوافق ‪1943/9/4‬م ‪1990/1/27 -‬م) بهدف �إدارة ومتويل املكتبة العامة التي �أن�ش�أها عام ‪1383‬هـ‬ ‫املعروفة با�سم دار اجلوف للعلوم‪ .‬وتت�ضمن برامج امل�ؤ�س�سة ن�شر الدرا�سات والإبداعات الأدبية‪ ،‬ودعم‬ ‫البحوث والر�سائل العلمية‪ ،‬و�إ�صدار جملة دورية‪ ،‬وجائزة الأمري عبدالرحمن ال�سديري للتفوق العلمي‪،‬‬ ‫كما �أن�ش�أت رو�ضة ومدار�س الرحمانية الأهلية للبنني والبنات‪ ،‬وجامع الرحمانية‪ .‬ويف عام ‪1424‬هـ‬ ‫(‪2003‬م) �أن�ش�أت امل�ؤ�س�سة فرع ًا لها يف حمافظة الغاط (مركز الرحمانية الثقايف)‪ ،‬له الربامج‬ ‫والفعاليات نف�سها التي تقوم بها امل�ؤ�س�سة يف مركزها الرئي�س يف اجلوف‪ ،‬بوقف م�ستقل‪ ،‬من �أ�سرة‬ ‫امل�ؤ�س�س‪ ،‬لل�صرف على هذا املركز ‪ -‬الفرع‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫‪6.........................‬‬ ‫علم القراءات القر�آنية‬

‫‪89.......................‬‬ ‫الروائي طاهر الزهراني‬

‫‪112......................‬‬ ‫�سيرة و�إبداع‪:‬‬ ‫د‪�.‬صالح بن معاذ المعيوف المخلف‬ ‫الغالف‪ :‬من ت�صميم خالد دعا�س‬

‫الـمحتويــــات‬ ‫االفتتاحية ‪4 ............................................................‬‬ ‫ملف العدد‪ :‬علم القراءات القر�آنية ‪ -‬خالد عبداللطيف‪ ,‬د‪ .‬محمود ‪6‬‬ ‫عبدالحافظ‪ ،‬د‪� .‬إبراهيم الدّهون‪ ،‬غازي الملحم‪ ،‬رو�ضة المهايني‪،‬‬ ‫د‪.‬محمّد العيا�صرة‪ ,‬م�صطفى ربيعة‪� ،‬أ‪ .‬د‪ .‬خالد فهمي‪.............‬‬ ‫درا�سات ونقد‪ :‬رواي��ة «تحت �أق��دام الأمهات» ال�سرد العائلي ونقد ‪52‬‬ ‫القيم ‪� -‬إبراهيم الحجري‪..........................................‬‬ ‫الإيقاع في مجموعة �صالحة غاب�ش ال�شعرية «بانتظار ال�شم�س» ‪ -‬د‪56 .‬‬ ‫�صبري م�سلم حمادي‪.............................................‬‬ ‫الطبيعة واغتراب الذات في �شعر الثبيتي ‪� -‬شيمة ال�شمري‪63 .........‬‬ ‫في ديوانه الجديد «�أكلت ثالث �سمكات وغلبني النوم» �أبو زيد يتناول ‪70‬‬ ‫م�ضادات الرومان�سية ‪ -‬محمد عيد �إبراهيم ‪.....................‬‬ ‫قراءة في ق�صة «�أنهار الدمع» ‪ -‬د‪ .‬هويدا �صالح ‪74 ...................‬‬ ‫ق�ص�ص ق�صيرة‪ :‬جلد الثعبان ‪� -‬إبراهيم �شيخ‪76 .....................‬‬ ‫ق�ص�ص ق�صيرة جد ًا ‪ -‬ح�سن علي البطران ‪78 ........................‬‬ ‫ق�ص�ص ق�صيرة جد ًا ‪ -‬محمد �صوانه ‪79 ..............................‬‬ ‫م�سافات �إلى‪ :‬يا�سمين‪ - ...‬ه�شام بن�شاوي ‪80 .........................‬‬ ‫�شعر‪� :‬أطفئ ال�سراج ‪� -‬سليمان عبدالعزيز العتيق‪81 ...................‬‬ ‫�أن�شودة للقد�س ‪ -‬حمدي ها�شم ح�سانين ‪82 ...........................‬‬ ‫النغم ُة الأدهى ‪ -‬مالك الخالدي ‪84 ...................................‬‬ ‫عَ لَى حَ ا َّف ِة ال َقلْبِ ‪ -‬عالء الدين رم�ضان ‪86 ............................‬‬ ‫ليلة الطرب الأ�صيل ‪ -‬حامد �أبو طلعة ‪87 ..............................‬‬ ‫مقاطع من ق�صيدة عا�شـق الكمـان ‪ -‬خالد مزياني‪88 .................‬‬ ‫مواجهات‪ :‬الروائي طاهر الزهراني‪89 .....................................‬‬ ‫ال�شاعر الفل�سطيني مو�سى حوامده ‪ -‬عمار الجنيدي‪94 ...............‬‬ ‫حوار مع النحات‪� :‬أ‪ .‬د‪ .‬علي ال�صهبي ‪� -‬سمر زكي‪102 ..................‬‬ ‫�سيرة و�إبداع‪ :‬د‪�.‬صالح بن معاذ المعيوف المخلف ‪ -‬المحرر الثقافي ‪112 .‬‬ ‫نوافذ‪ :‬الأندية الأدبية‪ ..‬تاريخ نه�ضة الأدب ‪ -‬محمد قد�س‪115 ...............‬‬ ‫�ضجيج النقد الروائي وتراجع النقد ال�شعري ‪ -‬د‪ .‬عبدالنا�صر هالل ‪117‬‬ ‫اللغة وق�صيدة النثر ‪ -‬عبدالهادي �صالح ‪119 ...........................‬‬ ‫الهند�سة والمجتمع ‪ -‬مهند�س‪� :‬صالح الع�شي�ش‪121 .....................‬‬ ‫قراءات ‪125 ..................................................................‬‬ ‫�أن�شطة الم�ؤ�س�سة‪ :‬عماد المغربي ‪127 ....................................‬‬ ‫عين على الجوبة‪ :‬الجوبه‪ ..‬والم�ستقبل الواعد ‪� -‬أ‪.‬د‪ .‬خالد فهمي ‪128 ...‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫‪3‬‬


‫■ �إبراهيم احلميد‬

‫‪ ‬تبرز عظمة الإ�سالم وت�سامحه‪ ،‬منذ نزول الوحي على النبي �صلى اهلل عليه‬ ‫و�سلم‪ ،‬في �شتى الأمور التي تنظّ م حياة النا�س وتتوافق مع م�صالحهم‪ ،‬دون هيمن ٍة‬ ‫لفريق �أو �إلغا ٍء لفكرة؛ �إذ‪� ،‬أقر الإ�سالم كثير ًا من القيم التي كان النا�س عليها‬ ‫قبل وجوده‪ ،‬وكان «خياركم في الجاهلية خياركم في الإ�سالم»‪ ،‬وفي الممار�سة‬ ‫الرا�سخة ل�شعائر الإ�سالم الأ�صيلة الثابتة خير رد على الم�شككين والمغالطين‬ ‫الذين يرومون هدم ال�صورة المت�سامحة لهذا الدين‪ .‬ومن ذلك‪ ،‬مو�ضوع قراءات‬ ‫كتاب اهلل المنزل‪«  ‬القر�آن الكريم»‪ ،‬حيث تعددت هذه القراءات ب�صورة متغايرة‬ ‫ومختلفة باختالف اللهجات العربية (اللغات)‪  ‬ال�سائدة وق��ت ن��زول القر�آن‬ ‫الكريم‪   ،‬وقد كتب فيها العديد من الفقهاء والقراء‪ :‬من ال�سخاوي في جمال‬ ‫القراء‪ ،‬وابن الجزري في طيبة الن�شر‪� ،‬إلى عديد غيرهم من الف�ضالء‪ ،‬حتى‬ ‫�أن بع�ض ال�صحابة ر�ضي اهلل عنهم لم ي�ستوعبوا هذا االختالف الختالفه عما‬ ‫عهدوه من تالوة بلهجتهم المعتادة؛ ففي‪( ‬حديث مرفوع)‪�« :‬أَخْ َب َرنَا‪�  ‬أَبُو الْحَ �سَ نِ‬ ‫عَ ِل ُّي بْنُ ا ْلقَا�سِ مِ ا ْلب َْ�صرِ يُّ ‪ ،‬قَالَ ‪ :‬حَ َّد َثنَا‪  ‬عَ ِل ُّي بْنُ �إِ�سْ حَ اقَ ‪ ،‬قَالَ ‪ :‬حَ َّد َث َنا‪  ‬مُحَ َّم ُد بْنُ‬ ‫�أَحْ َم َد بْنِ حَ مَّادٍ‪ ،‬قَالَ ‪ :‬حَ َّد َثنَا‪�  ‬إِ�سْ مَاعِ ي ُل بْنُ �أَبِي خَ الِدٍ ‪ ،‬قَالَ ‪ :‬حَ َّد َثنَا‪  ‬عَ ْب ُد اللهَّ ِ بْنُ‬ ‫َم ْيمُونٍ ‪ ،‬قَالَ ‪ :‬حَ َّد َثنَا‪  ‬عُ َب ْي ُد اللهَّ ِ بْنُ عُ َمرَ‪ ،‬عَ نْ ‪  ‬نَا ِفعٍ‪ ،‬عَ نِ ‪  ‬ابْنِ عُ َمرَ‪� :‬سَ مِ َع عُ َم ُر رَجُ ال‬ ‫َي ْق َر�أُ ا ْل َق ْر�آنَ ‪َ ،‬ف َق َر�أَ �آ َي ًة عَ لَى غَ يْرِ مَا �سَ مِ َع مِ نَ ال َّنبِيِّ َ�صلَّى اللهَّ ُ عَ َل ْي ِه وَ�سَ لَّمَ ‪ ،‬فَجَ ا َء‬ ‫ِب ِه عُ َم ُر �إِلَى ال َّنبِيِّ َ�صلَّى اللهَّ ُ عَ َل ْي ِه وَ�سَ لَّمَ ‪َ ،‬فقَالَ ‪� :‬إِنَّ هَ ذَا َق َر�أَ �آ َي َة َكذَا َو َكذَا‪َ ،‬فقَالَ‬ ‫َاف»‪.‬‬ ‫اف ك ٍ‬ ‫ال َّن ِب ُّي َ�صلَّى اللهَّ ُ عَ َل ْي ِه وَ�سَ لَّمَ ‪َ «  :‬نزَلَ ا ْل ُق ْر�آنُ عَ لَى �سَ ْب َع ِة �أَحْ ر ٍُف ُكلُّهَا �شَ ٍ‬ ‫هلل عَ ْنهُ‪ :‬هَ ذَا الرَّجُ لُ‪ :‬هِ �شَ ا ُم بْنُ حَ كِيمِ‬ ‫قَالَ ال�شَّ يْخ الْ إِمَام الْحَ افِظُ �أَبُو َبكْر ر َِ�ضيَ ا ُ‬ ‫‪4‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫اف����������������ت����������������ت����������������اح����������������ي����������������ة‬

‫اف �ت �ت��اح �ي��ة‬ ‫ال� � � � �ع � � � ��دد‬

‫بْنِ حِ زَامِ بْنِ خُ َو ْيلِدٍ الأَ�سَ دِ يُّ ‪.‬‬ ‫�إن علم القراءات من �أجَ ِّل الموا�ضيع التي �أقرها الإ�سالم‪ ،‬وجاء بها في قراءة‬ ‫القر�آن‪  ‬بلهجات العرب الأ�سا�سية؛ ففي الحديث‪ :‬روى البخاري وم�سلم عن عبيدِ‬ ‫لل �صلى اهلل عليه‬ ‫َّا�س حَ َّد َثهُ‪� ،‬أَنَّ رَ�سُ ولَ ا ِ‬ ‫اللهَّ ِ بْن عبداللهَّ ِ بْنِ عُ ْتبَة‪� ،‬أَنَّ ابْنَ عَ ب ٍ‬ ‫و�سلم‪  ‬قَال‪�« :‬أَ ْق َر�أَنِي جِ بْرِ ي ُل عَ لَى حَ ر ٍْف‪َ ،‬فرَاجَ ْع ُت ُه َفلَمْ �أَزَلْ �أَ�سْ تَزِ ي ُد ُه َفيَزِ ي ُدنِي حَ تَّى‬ ‫ا ْن َتهَى �إِلَى �سَ ْب َع ِة �أَحْ �ر ٍُف»‪ .‬زاد م�سلم ‪ :‬قَالَ ابْنُ �شِ هَابٍ ‪َ « :‬ب َل َغنِي �أَنَّ ِتلْكَ ال�سَّ ْب َع َة‬ ‫الأَحْ ر َُف �إِ َّنمَا هِ يَ فِي الأمْرِ الَّذِ ي َيكُونُ وَاحِ دًا؛‪  ‬ال يَخْ َتلِفُ فِي حَ اللٍ وَالحَ رَامٍ »‪.‬‬ ‫وهذا ت�أكيد لر�ؤية النبي �صلى اهلل عليه و�سلم المت�سامحة‪ ،‬فقد راجع عليه‬ ‫ال�صالة وال�سالم جبريل في القراءة حتى �أو�صلها �إلى �سبع‪ .‬ورغم وجاهة الهدف‬ ‫الجليل الذي �أوجد من �أجله علم القراءات في ترتيل القر�آن الكريم وتجويده‪� ،‬إال‬ ‫�أننا نجد �أن فيها‪�  ‬أبلغ دليل على مفاهيم الحرية والديمقراطية وحقوق النا�س؛‬ ‫�إذ‪ ،‬لم يكتف النبي �صلى اهلل عليه و�سلم بقراءة القر�آن بلهجة واح��دة‪ ،‬و�إنما‬ ‫�أعطى لجميع اللهجات الأ�سا�سية ذات الحقوق في ق��راءة القر�آن بلهجاتهم‪،‬‬ ‫ولو نزل القر�آن بلهجة واحدة ل�صعب كثيرا على بع�ض القبائل قراءة القر�آن‪،‬‬ ‫ولألزمهم بنطقٍ لم يدرجوا عليه ‪ ،‬ففي �إحدى لغات العرب مثال �أنهم ال يهمزون‪،‬‬ ‫ما ي�صعب عليهم نطق بع�ض الكلمات كما في قراءة «ور�ش» ‪   ،‬وهو الأمر الذي‬ ‫وافقه القر�آن الكريم حينما نزل بالقراءات ال�سبع �أو الع�شر‪.‬‬ ‫‪ ‬وفي هذا ر�سالة وا�ضحة من الإ�سالم �أتت الحقا في ا�ستيعاب العديد من‬ ‫ال�شعوب‪ ،‬ومنع محاولة اختزال الإ�سالم في �صورة واحدة‪ ،‬بل ت�أكيد على مفاهيم‬ ‫التعددية والحرية والت�سامح‪ ،‬والتي و�صلت �إليها ال�شعوب المحِ بّة لل�سالم والعدل‬ ‫في العالم‪ ،‬كنتيجة لتجاربها المريرة طوال الع�صور‪ ،‬بعيدا عن الإ�سالم‪  .‬‬ ‫وفي محور ق��راءات القر�آن الكريم ال��ذي تطرحه الجوبة‪ ،‬محاولة ت�سليط‬ ‫ال�ضوء على هذا العلم الجليل الذي بات غريبا في بالد كثيرة‪ ،‬حيث غلب الحرف‬ ‫الواحد في تالوة القر�آن الكريم‪ ،‬كما هيمن ال�صوت الواحد في غيره من �أمور‬ ‫الحياة‪ ،‬رغم �سعة الإ�سالم ورحابته التي و�سعت الكثير‪ ،‬والتي تعني �أن الإ�سالم‬ ‫لي�س �شعائر فقط‪ ،‬بل عالما كامال من القيم والإبداع‪ ،‬ال ينتهي عند حد‪.‬‬

‫‪5‬‬


‫■ �إعداد وتقدمي‪ :‬حممود عبداهلل الرحمي*‬

‫الحمد هلل الذي منَّ علينا بالقر�آن العظيم‪ ،‬و�أكرمنا بر�سالة �سيد المر�سلين‪ ،‬الذي بعثه رحمة‬ ‫للعالمين‪ ،‬المنزل عليه‪�« :‬إنا نحن نزلنا الذكر و�إنا له لحافظون»‪.‬‬ ‫�أجمع �أهل العلم على �أن القر�آن الكريم نُقل �إلينا عن النبي �صلى اهلل عليه و�سلم بروايات‬ ‫متعددة متواترة‪ ،‬وو�ضع العلماء لذلك علماً �أ�سموه علم «القراءات القر�آنية»‪ ،‬بينوا فيه المق�صود‬ ‫من هذا العلم‪ ،‬و�أق�سام تلك القراءات و�أنواعها‪ ،‬و�أهم القراء الذين رووا تلك القراءات‪� ،‬إ�ضافة‬ ‫�إلى �أهم الم�ؤلفات التي دوَّنت في هذا المجال‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫وعلم ال �ق��راءات علم يعرف كيفية النطق‬ ‫ب��ال�ك�ل�م��ات ال �ق��ر�آن �ي��ة‪ ،‬وط ��رق �أدائ��ه��ا اتفاقا‬ ‫واخ�ت�لاف��ا‪ ،‬م��ع ع��زو ك��ل وج��ه لناقله‪ .‬وه��و من‬ ‫�أ�شرف العلوم ال�شرعية؛ لتعلّقه المبا�شر بكالم‬ ‫رب العالمين‪ .‬وغايته معرفة م��ا ي�ق��ر�أ ب��ه كل‬ ‫واحد من الأئمة والقرّاء‪ .‬وهو فر�ض كفاية تعلّما‬ ‫وتعليما‪.‬‬ ‫ويفيد علم القراءات القر�آنية في‪:‬‬ ‫‪1.1‬الع�صمة من الخط�أ في النطق بالكلمات‬ ‫القر�آنية‪.‬‬ ‫‪�2.2‬صيانة كلمات ال �ق��ر�آن ع��ن التحريف‬ ‫والتغيير‪.‬‬ ‫‪3.3‬العلم بما ي�ق��ر�أ ب��ه ك��ل �إم ��ام م��ن �أئمة‬ ‫القراءة‪.‬‬ ‫‪4.4‬التمييز بين ما يقر�أ به‪.‬‬ ‫‪5.5‬الت�سهيل والتخفيف على الأمة‪.‬‬ ‫‪6.6‬ا���س��ت��ن��ب��اط الأح���ك���ام ال��ف��ق��ه��ي��ة نتيجة‬ ‫الختالف القراءات‪.‬‬ ‫والقراءات التي و�صلت �إلينا بطريق متواتر‬ ‫ع�شر قراءات‪ ،‬نقلها �إلينا مجموعة من القراء‪،‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫امتازوا بدقة الرواية‪ ،‬و�سالمة ال�ضبط‪ ،‬وجودة‬ ‫الإتقان‪ ،‬وهم‪:‬‬ ‫نافع المدني‪ ،‬وابن كثير المكي‪ ،‬و�أبي عمرو‬ ‫ال�ب���ص��ري‪ ،‬واب��ن ع��ام��ر ال���ش��ام��ي‪ ،‬وعا�صم‬ ‫الكوفي‪ ،‬وحمزة الكوفي‪ ،‬والكِ �سائي الكوفي‪،‬‬ ‫و�أب ��ي جعفر ال�م��دن��ي‪ ،‬وي�ع�ق��وب الب�صري‪،‬‬ ‫وقراءة خَ لَف‪.‬‬ ‫وكل ما نُ�سب لإمام من ه�ؤالء الأئمة الع�شرة‪،‬‬ ‫ي�سمى (ق��راءة)‪ ،‬وك��ل ما نُ�سب للراوي عن‬ ‫الإم��ام ي�سمى (رواي��ة) فنقول مثالً‪ :‬قراءة‬ ‫عا�صم برواية حف�ص‪ ،‬وق��راءة نافع برواية‬ ‫ور�ش‪ ،‬وهكذا‪.‬‬ ‫ولأهمية هذا العلم‪ ،‬ارت ��أت الجوبه �أن يكون‬ ‫ملفها للعدد (‪ )43‬خا�صا ب�ـ «علم ال �ق��راءات‬ ‫ال �ق��ر�آن �ي��ة»‪ ،‬ل�ت�ع��ري��ف المتلقين ب �ه��ذا ال�ع�ل��م‪،‬‬ ‫و�إطالعهم عليه من خ�لال محاور متخ�ص�صة‬ ‫ت�ت�ن��اول �أه ��م ج��وان �ب��ه‪� � ،‬ش��ارك فيها نخبة من‬ ‫المخت�صين والمتخ�ص�صين في الداخل والخارج‪.‬‬ ‫ف�ط��وب��ى ل�م��ن ق ��ر�أ ك�ت��اب اهلل ح��قّ ت�لاوت��ه‪،‬‬ ‫وواظب على تالوته �آناء الليل و�أطراف النّهار‪.‬‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫علم القراءات القرآنية‬

‫علم القراءات القر�آنية‬ ‫و�أبرز علمائه‬ ‫■ خالد عبداللطيف ‪ -‬املغرب‬

‫يعد علم قراءات القر�آن الكريم دعامة جوهرية في ترتيل القر�آن وتجويده‪ ،‬وفق قواعد دقيقة‬ ‫وقوانين م�ضبوطة و�صارمة؛ ليتمكن �صاحبه من اكت�ساب الأجر من جهة‪ ،‬وتقريب ال�سامعين‬ ‫�إلى جمالية �صوت القارئ وح�سنه‪ ،‬الكت�ساب الخ�شوع وال�ضراعة‪ ،‬وت�سهيل حفظ القر�آن الكريم‪،‬‬ ‫من جهة �أخرى‪ .‬والدليل على �أهمية ال�صوت في القراءة‪�« ،‬أن عبداهلل بن م�سعود ر�ضي اهلل عنه‬ ‫كان قارئا نديَ ال�صوت‪ ،‬يجيد تالوة القر�آن»‪ .‬وللتالوة الجيدة �أثرها لدى القارئ والم�ستمع في‬ ‫فهم معاني القر�آن‪ ،‬و�إدراك �أ�سرار �إعجازه في خ�شوع و�ضراعة‪ ،‬وقد قال الر�سول �صلى اهلل عليه‬ ‫و�سلم فيه‪« :‬مَن �أحب �أن يقر�أ القر�آن غ�ضا كما �أنزل‪ ،‬فليقر�أه على قراءة ابن �أم عبد»‪ ،‬يعني «ابن‬ ‫م�سعود»(‪.)1‬‬ ‫ي �ق��ول ال �ع�لام��ة �أب���و ��ش��ام��ة «ظ ��ن ق ��وم �أن‬ ‫القراءات ال�سبع الموجودة الآن هي التي �أريدت‬ ‫في الحديث (�أنزل القر�آن على �سبعة �أحرف)‪،‬‬ ‫وهو خالف �إجماع �أهل العلم قاطبة‪ ،‬و�إنما يظن‬ ‫ذلك بع�ض �أهل الجهل»(‪.)2‬‬ ‫«والحقيقة التي يقرها العلماء �أن القراءات‬ ‫ال�سبع لي�ست ه��ي المعتمدة وح��ده��ا‪ .‬ولي�ست‬ ‫هي �أق��وى ال �ق��راءات‪ ،‬بل هناك ث�لاث ق��راءات‬ ‫ت�صل ب��ال�ق��راءات �إل��ى ع�شر‪ .‬وه��ي ال تقل قوة‬ ‫عن ال�سبع‪ ..‬بل قيل فيها ما هو �أقوى من بع�ض‬ ‫القراءات ال�سبع»(‪ )3‬ويذهب بع�ض الباحثين �إلى‬

‫وجود قراءات �أخرى مروية فوق الع�شر عددها‬ ‫�أرب��ع‪ ،‬وبذلك تكون جملة ال�ق��راءات المعروفة‬ ‫�أرب��ع ع�شرة‪ .‬و�إن ك��ان هناك م��ا ه��و �أك�ث��ر من‬ ‫ذل ��ك‪ .‬لكن ه��ذه ه��ي ال�ت��ي �ضبطت وجمعت‪.‬‬ ‫ويرجع العلماء �شهرة القراءات ال�سبع‪� ،‬إلى �أن‬ ‫بع�ض الم�ؤلفين في علم القراءات وقفوا في �سرد‬ ‫علماء ال�سرد عند �سبع‪ .‬ال لأنهم هم الموثوق‬ ‫بهم وحدهم‪ .‬وال لأن من عداهم �أ�ضعف منهم‪.‬‬ ‫ولكن هذا اختار حتى و�صل �إلى �سبع ووقف‪ .‬ثم‬ ‫ا�شتهر ت�أليفه وذاع‪ ،‬وا�شتهر تبعا لذلك م�صطلح‬ ‫القراءات ال�سبع‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫‪7‬‬


‫منهم �أب��و ه��ري��رة‪ ،‬واب��ن عبا�س‪ ،‬وع�ب��داهلل بن‬ ‫ال�سائب‪ ،‬و�أخذ ابن عبا�س عن زيد �أي�ضا‪.‬‬

‫و�أخ��ذ عن ه ��ؤالء ال�صحابة ع��دد كبير من‬ ‫التابعين في كل الأم�صار‪ .‬كان منهم في المدينة‬ ‫(ابن الم�سيب‪ ،‬وعروة �سالم‪ ،‬وعمر بن العزيز‪،‬‬ ‫و�سليمان وعطاء ابنا ي�سار‪ ،‬ومعاذ بن الحارث‬ ‫المعروف بمعاذ القارئ)‪.‬‬ ‫وفي مكة (عبيد بن عمير‪ ،‬وعطاء بن �أبي‬ ‫رباح‪ ،‬وطاوو�س‪ ،‬ومجاهد‪ ،‬وعكرمة‪ ،‬وابن �أبي‬ ‫علبكة)‪.‬‬ ‫ومن الكوفة نذكر (�أبو عبدالرحمن ال�سلمي‪،‬‬ ‫و�سعيد بن جبير‪ ،‬والحارث بن قي�س‪ ،‬وعلقمة‪،‬‬ ‫والأ�سود‪ ،‬وم�سروق)‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫ومن الب�صرة (�أبو عالية‪ ،‬و�أبو رجاء‪ ،‬ون�صر‬ ‫اب��ن عامر‪ ،‬ويحيى بن يعمر‪ ،‬والح�سن‪ ،‬وابن‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫ونقل عن الإمام الداني قوله �إن‪�« :‬أئمة القراء‬ ‫ال تعمل في �شيء من حروف القر�آن على الأف�شى‬ ‫في اللغة‪ ،‬والأقي�س في العربية‪ ،‬بل على الأثبت‬ ‫في الأثر‪ ،‬والأ�صح في النقل والرواية‪� ،‬إذا ثبتت‬ ‫عنهم لم يردها قيا�س عربية‪ ،‬وال ف�شو لغة‪،‬‬ ‫لأن القراءة �سُ نة متبعة يلزم قبولها والم�صير‬ ‫�إليها»(‪.)5‬‬ ‫«وي�م�ي��زال�ع��ارف��ون ب��ال �ق��راءات بين ال�ق��ارئ‬ ‫والمقرئ تمييزا دقيقا يقوم على �أ�سا�س التمكن‬ ‫الجزئي �أو الكلي من القراءات‪ ،‬فالقارئ عندهم‬ ‫هو المبتدئ الذي �شرع في الإفراد �إلى �أن يفرد‬ ‫ثالثا من القراءات‪ ،‬فهو على هذا الحد قارئ‪.‬‬ ‫والمقرئ فوق ذلك‪ ،‬فهو العالم بالقراءات �سبعا‬ ‫وع�شرا‪ ،‬ال��راوي لها م�شافهة‪ ،‬الناقل لأكثرها‬ ‫و�أ�شهرها»(‪.)6‬‬ ‫وق��د �أ��س�ه��م ال �م ��ؤل �ف��ون ف��ي ال� �ق ��راءات في‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫ما ينبغي التنبيه �إليه �أن ال�ق��راءات ال�سبع �سيرين‪ ،‬وقتادة)‪.‬‬ ‫المعروفة لي�ست هي الأحرف ال�سبعة التي وردت‬ ‫وم���ن ال �� �ش��ام(ال �م �غ �ي��رة ب ��ن �أب� ��ي ��ش�ه��اب‬ ‫في الحديث‪ .‬و�إن كانت القراءات �شيئا من هذه المخزومي �صاحب عثمان‪ ،‬وخليفة بن �سعد‬ ‫الأحرف‪� ،‬سواء �أكانت �سبعا �أو �أكثر‪ ،‬ولي�س كل �صاحب �أبي الدرداء)‪.‬‬ ‫الأح��رف؛ بعدما �أ�صبح الخط ال��ذي كتبت به‬ ‫قال ال�سيوطي‪�( :‬أول من �صنف في القراءات‬ ‫م�صاحف عثمان هو الفي�صل‪ ،‬مع تواتر الرواية‬ ‫�أبو عبيد القا�سم بن �سالم‪ ،‬ومبادئ ثم �أحمد‬ ‫وموافقتها للغة العربية‪.‬‬ ‫اب��ن جبير الكوفي‪ ،‬ث��م �إ�سماعيل ب��ن �إ�سحاق‬ ‫وترتبط ال�ق��راءات القر�آنية وقرائها بعهد المالكي �صاحب قالون‪ ،‬ثم �أبو جعفر بن جرير‬ ‫ال�صحابة الذين �أقاموا النا�س على طرائقهم الطبري‪ ،‬ثم �أبو بكر محمد بن �أحمد بن عمر‬ ‫في ال�ت�لاوة‪ .‬وم��ن �أ�شهر القراء (�أب��يّ ‪ ،‬وعليّ ‪ ،‬الدجوني‪ ،‬ثم �أبو بكر بن مجاهد‪ .‬ثم قام النا�س‬ ‫وزي ��د ب��ن ث��اب��ت‪ ،‬واب ��ن م���س�ع��ود‪ ،‬و�أب���و مو�سى في ع�صره وبعده في الت�أليف في �أنواعها جامعا‬ ‫الأ�شعري وغيرهم)‪ .‬وعنهم �أخ��ذ الكثير من ومفردا وموجزا وم�سهبا‪ .‬و�أئمة ال�ق��راءات ال‬ ‫ال�صحابة والتابعين في الأم�صار‪ ،‬وكلهم ي�سند يح�صون‪ .‬وقد �صنف طبقاتهم حافظ الإ�سالم‬ ‫�إلى الر�سول �صلى اهلل عليه و�سلم‪.‬‬ ‫�أب��و عبيداهلل الذهبي‪ ،‬ث��م حافظ ال�ق��راء �أب��و‬ ‫وق��د ق��ر�أ على «�أب��ي» جماعة من ال�صحابة الخير بن الجزري»)(‪.)4‬‬

‫االقت�صار على ع��دد معين‪ .‬لأنهم �إذ ي�ؤلفون‬ ‫مقت�صرين على عدد مخ�صو�ص من �أئمة القراء‬ ‫ميز العلماء بين ثالثة �أن��واع من القراءات‪:‬‬ ‫يكون ذلك من دواعي �شهرتهم‪ ،‬و�إن كان غيرهم م �ت��وات��رة‪ ،‬و�آح� ��اد‪ ،‬و� �ش��اذة‪ ،‬وج�ع�ل��وا المتواتر‬ ‫�أجلَّ منهم قدرا‪ ،‬فيتوهم النا�س بعد �أن ه�ؤالء‬ ‫ال�سبع‪ ،‬والآحاد الثالث المتممة لع�شرها‪ ،‬ثم ما‬ ‫الذين اقت�صرالت�أليف على قراءتهم هم الأئمة‬ ‫يكون من قراءات ال�صحابة‪ ،‬وما بقي فهو �شاذ‪،‬‬ ‫المعتبرون في القراءات‪.‬‬ ‫وقيل‪ :‬الع�شر متواترة‪ .‬وقيل‪ :‬المعتمد في ذلك‬ ‫«وق��د �صنّف اب��ن جبر ال�م�ك��يّ كتابا في ال�ضوابط‪� ..‬سواء �أكانت القراءة من القراءات‬ ‫ال �ق��راءات فاقت�صر على خم�س‪ ،‬اختار من ال�سبع‪� ،‬أو الع�شر �أو غيرها‪ .‬قال �أبو �شامة‪« :‬ال‬ ‫كل م�صر �إماما‪ ،‬و�إنما اقت�صر على ذلك لأن ينبغي �أن يغتر بكل قراءة تعزى �إلى �أحد ال�سبعة‬ ‫الم�صاحف التي �أر�سلها عثمان كانت خم�سة ويطلق عليها لفظ ال�صحة‪ ،‬و�أنها �أنزلت هكذا �إال‬ ‫�إلى هذه الأم�صار‪ .‬ويقال �إنه وجه �سبعة‪ ،‬هذه �إذا دخلت في ذلك ال�ضابط‪ ،‬وحينئذ ال ينفرد‬ ‫الخم�سة وم�صحفا لليمن و�آخر �إلى البحرين‪ .‬بنقلها م�صنف عن غيره‪ ،‬وال يخت�ص ذلك بنقلها‬ ‫لكن لما لم ي�سمع لهذين الم�صحفين خبر‪ ،‬عنهم‪ ،‬بل �إن نقلت عن غيرهم من ال�ق��راء‪..‬‬ ‫و�أراد اب ��ن م �ج��اه��د وغ �ي��ره م��راع��اة ع��دد فذلك ال يخرجها عن ال�صحة ف�إن الإعتماد على‬ ‫الم�صاحف‪ ..‬ا�ستبدلوا من م�صحف البحرين ا�ستجماع تلك الأو�صاف ال على من تن�سب �إليه‪،‬‬ ‫وم�صحف اليمن قارئين كمل بهما العدد‪ ،‬ف�إن القراءة المن�سوبة �إلى كل قارئ من ال�سبعة‬ ‫ولذلك قال العلماء‪� :‬إن التم�سك بقراءة �سبعة وغيرهم منق�سمة �إل��ى المجمع عليه وال�شاذ‪،‬‬ ‫من القراء دون غيرهم لي�س فيه �أثر وال �سنة‪ .‬غير �أن ه�ؤالء ال�سبعة ل�شهرتهم وكثرة ال�صحيح‬ ‫و�إنما هو من جمع بع�ض المت�أخرين فانت�شر‪ ،‬المجمع عليه في قراءتهم تركن النف�س �إلى ما‬ ‫فلو �أن ابن مجاهد مثال كتب عن غير ه�ؤالء نقل عنه فوق ما ينقل عن غيرهم»(‪.)9‬‬ ‫ال�سبعة بالإ�ضافة �إليهم ال�شتهروا» (‪.)7‬‬ ‫ول�ل�ق�ي��ا���س ع�ن��ده��م ف��ي � �ض��واب��ط ال �ق��رءاة‬ ‫وقال �أبوحيان‪« :‬لي�س في كتاب ابن مجاهد ال�صحيحة ما ي�أتي‪:‬‬ ‫ومن تبعه من القراءات الم�شهورة �إال النزر‬ ‫الي�سير‪ ،‬فهذا �أب��و عمرو ب��ن ال�ع�لاء ا�شتهر ‪ /1‬موافقة القراءة للعربية بوجه من الوجوه‪:‬‬ ‫�سواء �أكان �أف�صح �أم ف�صيحا‪ ،‬لأن القراءة‬ ‫عنه �سبعة ع�شر راوي��ا‪ ،‬ثم �ساق �أ�سماءهم‪،‬‬ ‫�سنة متبعة يلزم قبولها والم�صير �إليها‬ ‫واقت�صر في كتاب ابن مجاهد على اليزيدي‪،‬‬ ‫بالإ�سناد ال بالر�أي‪.‬‬ ‫وا�شتهر عن اليزيدي ع�شرة �أنف�س‪ ،‬فكيف‬ ‫يقت�صر على ال�سو�سي وال��دوري‪ ،‬ولي�س لهما ‪ /2‬موافقة القراءة لأحد الم�صاحف العثمانية‬ ‫ول ��و اح �ت �م��اال‪ :‬لأن ال���ص�ح��اب��ة ف��ي كتابة‬ ‫مزية على غيرهما‪ ،‬لأن الجميع م�شتركون في‬ ‫الم�صاحف العثمانية اجتهدوا في الر�سم‬ ‫ال�ضبط والإتقان واال�شتراك في الأخذ‪ .‬قال‪:‬‬ ‫على ح�سب م��ا ع��رف��وا م��ن لغات ال�ق��راءة‪،‬‬ ‫وال �أعرف لهذا �سببا �إال ما ق�ضى من نق�ص‬ ‫فكتبوا «ال�����ص��راط» مثال ف��ي قوله تعالى‪:‬‬ ‫العلم»(‪.)8‬‬ ‫�أنواع القراءات وحكمها و�ضوابطها‬

‫‪9‬‬


‫تلك هي �ضوابط القراءة ال�صحيحة‪ ،‬ف�إن‬ ‫اجتمعت الأركان الثالثة‪:‬‬

‫‪10‬‬

‫القراءات القر�آنية في المغرب و�أعالمها‬

‫لقرون طويلة ظل المغرب بلدا منفتحا على‬ ‫�أ‪ :‬موافقة العربية‪.‬‬ ‫الم�شرق‪ ،‬متم�سكا بالدين الإ�سالمي الحنيف‪،‬‬ ‫ب‪ :‬ر�سم الم�صحف‪.‬‬ ‫ن��اه�لا م��ن المنابع ال�شرعية‪ ،‬م�ستفيدا من‬ ‫ج‪� :‬صحة ال�سند‪.‬‬ ‫ذلك التدفق المعرفي الباهر لأئمته وعلمائه‬ ‫فهي القراءة ال�صحيحة‪ ،‬ومتى اخت ّل ركن ومذاهبه‪ ،‬راغبا في �صيانة الأ�صول‪ ،‬ومحافظا‬ ‫منها �أو �أكثر‪� ،‬أطلق عليها �أنها �ضعيفة‪� ،‬أو �شاذة‪ ،‬على مواكبة التطور الحا�صل في العلوم الدينية‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫وق��د اختار المغاربة الأق��دم��ون رواي��ة ور�ش‬ ‫ع��ن ن��اف��ع‪ ،‬مثلما اختارها جيرانهم م��ن �أه��ل‬ ‫الأندل�س منذ �أن �أدخل هذه الرواية ‪-‬عن طريق ‪ /2‬وف��رة المقرئين بينهم‪ :‬لقد ظ��ل ال�ق��ر�آن‬ ‫الرحلة �إلى الم�شرق‪ -‬محمد بن و�ضاح القرطبي‬ ‫الكريم مطلبا روحيا بالن�سبة لمجموعة من‬ ‫(ت ‪286‬ه �ـ) عن عبدال�صمد بن عبدالرحمن‬ ‫القراء ف�سعوا �إلى حفظه‪.‬‬ ‫العتقي‪ ،‬عن ور�ش الم�صري‪ ،‬عن نافع بن �أبي ‪� /3‬أثر الن�صو�ص الحديثة الواردة في الترغيب‬ ‫نعيم �إل��ى الأندل�س‪ ،‬وفي ذلك يقول �أب��و عمرو‬ ‫في حفظ القر�آن الكريم وتحفيظه‪ :‬من ذلك‬ ‫الداني‪« :‬زم��ن وقته اعتمد �أه��ل الأندل�س على‬ ‫قوله �صلى اهلل عليه و�سلم‪« :‬من قر�أ حرفا‬ ‫رواي��ة ور���ش‪ ،‬وكانوا قبل معتمدين على قراءة‬ ‫من كتاب اهلل فله به ح�سنة‪ ،‬والح�سنة بع�شر‬ ‫الغازي بن قي�س بن نافع»(‪.)14‬‬ ‫�أمثالها‪ ،‬ال �أقول (�ألم) حرف ولكن (�ألف)‬ ‫(‪)17‬‬ ‫وقد نقل ال�شيخ محمد الطاهر بن عا�شور عن‬ ‫ح��رف‪ .‬و(الم) ح��رف و(م�ي��م) ح��رف»‬ ‫ابن ر�شد‪� ،‬أن �سبب اختيارهم لهذه القراءة بهذه‬ ‫وقال �أي�ضا‪�« :‬إن الذي لي�س في جوفه �شيء‬ ‫الرواية يعود �إلى ما فيها من ت�سهيل الهمز‪ ،‬وكان‬ ‫من القر�آن كالبيت الخرب»(‪.)18‬‬ ‫مالك بن �أن�س يكره القراءة بالنبر‪� ،‬أي بتحقيق‬ ‫‪ /4‬ت�شجيعات المجتمع و�أولي الأمر‪ :‬لقد كانت‬ ‫الهمز في ال�صالة‪ ،‬لما جاء من �أن الر�سول �صلى‬ ‫نظرة المغاربة �إلى حفظة القر�آن والقراء‬ ‫اهلل عليه و�سلم لم تكن لغته الهمز‪� ،‬أي لم يكن‬ ‫المهتمين بالقراءات القر�آنية نظرة مل�ؤها‬ ‫يظهر الهمز في الكلمات المهموزة مثل‪ :‬ياجوج‬ ‫الت�شجيع واالح��ت��رام وال�ت�ق��دي��ر‪ ،‬ويتطوع‬ ‫وماجوج ومثل‪ :‬الذيب في الذئب ومثل‪ :‬مومن في‬ ‫المح�سنون من النا�س ب�أوقاف من ممتلكاتهم‬ ‫م�ؤمن‪.‬‬ ‫على الحزابين من القراء(‪� ،)19‬أو على مدر�سة‬ ‫وال يخفى �أن في اختيار المغاربة هذا حكمة‬ ‫قر�آنية(‪ ،)20‬ت�شجيعا على الم�ضي في العناية‬ ‫الجمع بين فقه عالم المدينة مالك بن �أن�س‬ ‫بالقراءات القر�آنية‪ ،‬ثم ما يخ�ص به بع�ض‬ ‫الأ�صبحي(‪ )15‬وقراءة مقرئها و�إمامها نافع بن‬ ‫�أول ��ي الأم ��ر ه�����ؤالء الحفظة م��ن الإك����رام‬ ‫�أبي نعيم المدني‪ ،‬مع العلم �أن نافعا �شيخ مالك‬ ‫والتوقير واالحترام‪.‬‬ ‫في الإقراء‪ ،‬ومالك �شيخ نافع في علم الحديث‪.‬‬ ‫فقد كان ال�سلطان الح�سن الأول كما تذكر‬ ‫لقد و�ضع الدكتور �إبراهيم ال��واف��ي ع�شرة كتب ال�ت��اري��خ «ي�ن��زل على �سيدي ال��زوي��ن في‬ ‫�أ�سباب الهتمام المغاربة بالقراءة القر�آنية مدر�سته بالحوز‪ ،‬ت�شجيعا منه لما يقوم به من‬ ‫نذكرها على ال�شكل الآتي‪:‬‬ ‫جهود في خدمة ال�ق��راءات ال�ق��ر�آن�ي��ة(‪ ،)21‬كما‬ ‫‪ /1‬مكانة كتاب اهلل في نفو�سهم‪ :‬باعتبار القر�آن كان يعفي كل من حفظ كتاب اهلل بالقراءات‬ ‫الكريم ظ��ل محط عناية و�إج�ل�ال وتقدير ال�سبع �أو الع�شر من الأعمال ال�شاقة(‪ .)22‬و�أكثر‬ ‫لديهم‪ .‬و�صار يمثل كل �شيء في حياتهم من ذل��ك ك��ان يخ�ص حفاظ «خليل» بمرتبات‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫«اه��دن��ا ال�����ص��راط الم�ستقيم» «بال�صاد» �أو باطلة‪.‬‬ ‫المبدلة بال�سين‪ ،‬وعدلوا عن «ال�سين» التي‬ ‫والغريب ف��ي الأم��ر �أن النحاة دخ�ل��وا على‬ ‫هي الأ�صل‪ ،‬لتكون قراءة «ال�سين» (ال�سراط) الخط‪ ،‬وذهبوا �إلى تخطئة القراءة ال�صحيحة‬ ‫و�إن خالفت الر�سم من وجه‪ .‬فقد �أتت على ال�ت��ي ت�ت��واف��ر فيها ت�ل��ك ال �� �ض��واب��ط‪ ..‬لمجرد‬ ‫الأ�صل اللغوي المعروف‪ .‬فيعتدالن وتكون مخالفتها لقواعدهم النحوية التي يقي�سون‬ ‫قراءة الإ�شمام محتملة ذلك‪.‬‬ ‫عليها �صحة اللغة؛ ف�إنه ينبغي �أن نجعل القراءة‬ ‫ والمراد بالموافقة االحتمالية ما يكون من ال�صحيحة حكما على القواعد النحوية واللغوية‪.‬‬ ‫نحو هذا‪ ،‬كقراءة‪( :‬مالك يوم الدين)(‪ ،)10‬ال �أن نجعل هذه القواعد حكما على القر�آن‪� .‬إذ‬ ‫ف�إن لفظة «مالك» كتبت في جميع الم�صاحف القر�آن هو الم�صدر الأول الأ�صيل القتبا�س قواعد‬ ‫ب�ح��ذف الأل ��ف‪ .‬ف�ت�ق��ر�أ «م�ل��ك» وه��ي توافق اللغة‪ .‬والقر�آن يعتمد على �صحة النقل والرواية‬ ‫الر�سم تحقيقا‪ ،‬وتقر�أ «مالك» وهي توافقه فيما ا�ستند �إليه القراء على �أي وجه من وجوه‬ ‫احتماال‪ .‬وهكذا‪ ،‬في غير ذلك من الأمثلة‪ .‬اللغة‪ .‬ولقد تنبّه �أحد النحويين والم�سمى �أحمد‬ ‫ابن يحيى ثعلبا �إلى خطئه في تخطئة القراءة‬ ‫ وال ي�شترط في القراءة ال�صحيحة �أن تكون‬ ‫ال�صحيحة فقال‪« :‬ا�شتغل �أهل القر�آن بالقر�آن‬ ‫موافقة لجميع الم�صاحف‪ ،‬ويكفي الموافقة‬ ‫ففازوا‪ ،‬وا�شتغل �أهل الحديث بالحديث ففازوا‪،‬‬ ‫لما ثبت في بع�ضها‪،‬‬ ‫وذلك كقراءة ابن عامر‪ :‬وا�شتغل �أهل الفقه بالفقه ففازوا‪ ،‬وا�شتغلت �أنا‬ ‫(‪)11‬‬ ‫«وبالزبر وبالكتاب» ب�إثبات الباء فيهما‪ ،‬بزيد وعمرو‪ ،‬فليت �شعري ماذا تكون حالي في‬ ‫ف�إن ذلك ثابت في الم�صحف ال�شامي‪.‬‬ ‫الآخرة»(‪.)12‬‬ ‫‪� /3‬أن تكون القراءة مع ذلك �صحيحة الإ�سناد‪:‬‬ ‫وع��ن زي��د ب��ن ث��اب��ت ق ��ال‪« :‬ال� �ق ��راءة �سنّة‬ ‫لأن ال �ق��راءة �سنّة متبعة يعتمد فيها على متبعة»(‪ )14‬ق��ال البيهقي‪�« :‬أراد �أن اتباع مَ ن‬ ‫�سالمة النقل و�صحة الرواية‪ ،‬وكثيرا ما ينكر قبلنا في الحروف �سنّة متبعة‪ ،‬ال يجوز مخالفة‬ ‫�أهل العربية قراءة من القراءات لخروجها الم�صحف الذي هو �إمام‪ ،‬وال مخالفة القراءات‬ ‫عن القيا�س‪� ،‬أو ل�ضعفها في اللغة‪ ،‬وال يحفل التي ه��ي م�شهورة‪ ،‬و�إن ك��ان ذل��ك �سائغا في‬ ‫�أئمة القراء ب�إنكارهم �شيئا‪.‬‬ ‫اللغة»(‪.)13‬‬

‫وال�شرعية والفقهية‪.‬‬

‫وثقافتهم وواقعهم الح�ضاري والعمراني(‪،)16‬‬ ‫ومن ثَمَّ فهم يعتزون به ويعتنون بحفظه في‬ ‫درجات �أعلى و�أدق‪.‬‬

‫‪11‬‬


‫كما �سعى ال�سلطان م��والي عبدالعزيز على‬ ‫اتباع �سنة �أبيه ونهجه‪ ،‬حيث ف�سح المجال لأ�شهر‬ ‫عالم ومقرئ مجود في المدينة المنورة‪ ،‬لي�ستقر‬ ‫ف��ي المغرب‪ ،‬وين�شر علم التجويد التطبيقي‬ ‫بين ط�لاب العلم ف��ي ف��ا���س‪ ،‬وي��ؤل��ف ف��ي ذلك‬ ‫م�ؤلفا يهديه �إلى ال�سلطان موالي عبدالعزيز‪،‬‬ ‫ويطلب منه �إقامة مدر�سة خا�صة بتدري�س هذا‬ ‫الفن»(‪.)25‬‬

‫‪12‬‬

‫تاريخ القراءات القر�آنية في المغرب‬ ‫و�أهم �شيوخها الم�ؤلفين‬

‫من المعلوم تاريخيا �أن مدر�سة القراءات‬ ‫ال �ق��ر�آن �ي��ة ف��ي ال �م �غ��رب‪ ،‬ل�ه��ا ع�لاق��ة وط�ي��دة‬ ‫ف��ي الن�ش�أة وال��ظ��ه��ور واال�ستقالل بالمدر�سة‬ ‫الأندل�سية(‪ ،)29‬وتعد من الوارثين ال�شرعيين‬ ‫لعلم ه��ذه ال�م��در��س��ة القديمة الأ��ص�ي�ل��ة التي‬ ‫�أنجبت علماء �أفذاذ في علم القراءات‪ ،‬ما يزال‬ ‫كما �أمر ال�سلطان المولى عبدالحفيظ بطبع ينتفع بعلمهم منذ القرن الخام�س الهجري �إلى‬ ‫«تف�سير» �أبي حيان الغرناطي‪ ..‬الذي اهتم فيه اليوم(‪.)30‬‬ ‫�صاحبه بتتبع القراءات القر�آنية والتحقيق فيها‬ ‫�أم ��ام التحفيزات والت�شجيعات ال�ت��ي قام‬ ‫مع مَ ن �سبقه من المف�سرين‪ ،‬مثل الزمخ�شري‪ ،‬بها �أول��ي الأم��ر في المغرب والعناية بالعلماء‬ ‫وابن عطية(‪ ،)26‬كما كان �شيخ هذا ال�سلطان في وتقديرهم‪� ،‬شد ال��رح��ال مجموعة من علماء‬ ‫القراءات القر�آنية ال يفارقه‪ ،‬وواله ق�ضاء فا�س الأندل�س �إل��ى المغرب على اختالف طبقاتهم‬ ‫الجديد من باب الإكرام والبر واالحترام(‪ .)27‬وتباين درجاتهم العلمية‪ ،‬و�شرعت مدار�س‬ ‫و�سعى ال�سلطان محمد الخام�س �إلى ت�شجيع ال �ق��راءات القر�آنية تت�شكل ف��ي المغرب منذ‬ ‫القرن ال�ساد�س الهجري(‪ ،)31‬ثم بد�أت تقف على‬ ‫المقرئين والمجودين والمف�سرين والباحثين في‬ ‫جهود قراء مغاربة‪ ،‬وبخا�صة في مجال الت�أليف‬ ‫علم القراءات القر�آنية‪ ،)28(.‬وحذا حذوه الملك‬ ‫الذي برعوا فيه وتفوّقوا‪ ،‬في حين اتجه العلماء‬ ‫الح�سن الثاني‪ ..‬فقد دعا العلماء �إلى طبع كتاب‬ ‫المهاجرون من الأندل�س �إل��ى ميدان تدري�س‬ ‫«المحرر الوجيز في تف�سير الكتاب العزيز»‬ ‫القراءات(‪ )32‬وتخريج �أفواج من الطلبة‪.‬‬ ‫لم�ؤلفه «العالمة الأندل�سي عبدالحق بن �أبي بكر‬ ‫وقد ر�صد الباحث المجراد ال�سالوي تنامي‬ ‫بن عبدالمالك الغرناطي المعروف بابن عطية»‪.‬‬ ‫ه��ذه الطفرة العلمية‪/‬القرائية ف��ي المغرب‬ ‫‪ /5‬ا�ست�ساغهم لنقلية القراءات‪.‬‬ ‫فقال‪« :‬ولما كانت قراءة نافع رحمه اهلل تعالى‬ ‫‪ /6‬دواعي المناف�سة والغيرة‪.‬‬ ‫�سُ نَّة �أهل المدينة‪� ،‬صارت لأهل المغرب �أعظم‬ ‫حلية و�أك ��رم زي�ن��ة‪ ،‬و�أك �ث � َر علما�ؤهم فيها من‬ ‫‪ /7‬التخوّف من �آفة الن�سيان‪.‬‬ ‫الت�صانيف‪ ،‬و�ألّفوا عليها جملة تواليف‪� ،‬سالكين‬ ‫‪ /8‬الت�أثر بالأقارب‪.‬‬ ‫ف��ي ذل��ك م��ذه��ب ال�ح��اف��ظ �أب��ي ع�م��رو ال��دان��ي‬ ‫وطريقه‪ ،‬وهدفهم تقريب مذهبه في م�صنفاتهم‬ ‫‪ /9‬دافع الرحلة‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫ومن بين �أ�شهر �أئمة القراءة القر�آنية في‬ ‫المغرب‪ ،‬نذكر‪:‬‬ ‫‪ -1‬ال�شيخ ال�ع�لام��ة �أب ��ي زي��د اب��ن القا�ضي‬ ‫الفا�سي (ت‪1082‬هـ) الذي تتلمذ على يديه‬ ‫مجموعة من الطالب المقرئين‪ .‬وقد قال‬ ‫فيه «�صاحب ال�سلوة»(‪� )37‬إمام القراء و�شيخ‬ ‫المغرب ال�شهير‪� ،‬أ�ستاذ الأ��س��ان�ي��د‪ .‬ومن‬ ‫م�ؤلفاته ال�شهيرة‪« :‬الفجر ال�ساطع وال�ضياء‬

‫‪ -2‬وفي القرن الثاني ع�شر الهجري كان رائد‬ ‫ال�ق��راءات القر�آنية في المغرب �أب��و العالء‬ ‫�إدري�����س ال�م�ن�ج��رة (ت ‪1137‬ه� � �ـ)‪ ،‬ال��ذي‬ ‫�أ�س�س مدر�سته على �أنقا�ض مدر�سة ابن‬ ‫القا�ضي‪ ،‬وو� ّ��س��ع دائرتها‪� ،‬سواء من حيث‬ ‫العلم �أو الإ�شعاع‪ .‬من �أهم م�ؤلفاته‪« :‬نزهة‬ ‫الناظر وال�سامع في �إتقان الأداء والإرداف‬ ‫للجامع»(‪.)38‬‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫�شهرية(‪ ،)23‬ويقوم بتقريب �شيوخه من العلماء ‪ /10‬الرغبة في الحفاظ على كتاب اهلل غ�ضا‬ ‫طريا كما و�صل �إلينا و�صيانته من ال�ضياع‪.‬‬ ‫ويوليهم الوظائف ال�سامية �إكراما لهم(‪.)24‬‬

‫وتحقيقه‪ ،‬فكان من �أج��ل ما فيها �صنف‪ ،‬وفي‬ ‫ط��ري��ق ق��راءت�ه��ا �أل��ف �أرج� ��وزة ال�شيخ الإم��ام‬ ‫الأكمل �أبي الح�سن علي بن محمد بن الح�سين‬ ‫الرباطي(‪ )33‬التازي (ت ‪731‬هـ)‪ ،‬والذي يمكن‬ ‫اعتباره من �أهم القراء المغاربة الذين د�شنوا‬ ‫هذه المرحلة‪ ،‬وذلك بمنظومته ال�شهيرة «الدرر‬ ‫اللوامع في �أ�صل مقرئ نافع»‪ ،‬التي نالت عناية‬ ‫كبيرة من القراء المغاربة ب�شكل خا�ص‪ ،‬ومن‬ ‫قراء �إفريقية الإ�سالمية عموما‪ ،‬وال �أدلّ على‬ ‫ذلك من �أن ال�شروح التي و�ضعت عليها تزيد على‬ ‫الثالثين �شرحا(‪ ،)34‬ثم توالت نخبة من جهابذة‬ ‫القراء الم�ؤلفين‪ ،‬يتوّج كل واحد منهم المائة‬ ‫�سنة التي وجد فيها �إلى م�شارف القرن الرابع‬ ‫الهجري‪ .‬فظهر في القرن العا�شر نجم الأ�ستاذ‬ ‫محمد بن �أحمد بن محمد العثماني المكنا�سي‪،‬‬ ‫نزيل فا�س‪ ..‬المعروف بابن غ ��ازي(‪ ،)35‬فقيه‬ ‫مف�سر مقرئ مجود‪� ،‬صدر في القراءات متقن‬ ‫لها‪ ،‬عارف بوجوهها وعللها‪� ،‬ألف فيها العديد‬ ‫من الكتب �أهمها‪�« :‬إن�شاد ال�شريد في �ضوال‬ ‫الق�صيد»‪ ،‬علق فيه على منظومة «حرز الأماني»‬ ‫ف��ي ال��ق��راءات ل�ل�إم��ام ال���ش��اط�ب��ي‪ ،‬وال�م�ق��رئ‬ ‫محمد بن �أبي جمعة الهبطي تلميذ ابن الغازي‬ ‫المذكور‪ ،‬الذي ن�سب �إليه وقف القر�آن الكريم‬ ‫المعمول به في المغرب اليوم(‪.)36‬‬

‫الالمع في �شرح الدرر اللوامع»‪.‬‬

‫‪ -3‬وتوجّ ت مطالع الثالث ع�شر الهجري بوجود‬ ‫�شيخ ال �ق��راءات وال�ق��راء �سيدي محمد بن‬ ‫عبدال�سالم الفا�سي (ت‪1214‬ه��ـ)‪ .‬خاتمة‬ ‫المنفردين بتحقيق توجيه �أحكام القراءات‬ ‫ف��ي المغرب‪ ،‬وكتابه «ال�م�ح��اذي» ف��ي علم‬ ‫القراءات‪� ،‬أو�سع ما كتبه مَ ن ت�أخر في هذا‬ ‫العلم‪.‬‬ ‫كما �أن م��دار �إ��س�ن��اد المغاربة ال �ق��راء في‬ ‫المائتين الثالثة ع�شرة والرابعة ع�شرة ظل ينتهي‬ ‫�إلى هذا ال�شيخ الفا�شي‪ .‬وقد �شكّلت نخبة من‬ ‫تالمذة ابن عبدال�سالم الفا�سي‪ ،‬الذين ورثوا‬ ‫عنه ال��ول��وع بالت�أليف فيها‪ ،‬حلقة من حلقات‬ ‫الإ� �س �ن��اد؛ فعنهم وع��ن تالميذهم �أخ��ذ ق��راء‬ ‫المائة الرابعة ع�شرة للهجرة في المغرب»(‪.)39‬‬ ‫ولعل تتبعنا لالئحة �أعالم القراءات القر�آنية‬ ‫في المغرب يتطلب منا الكثير من المجلدات‪،‬‬ ‫ولعل تتبع �سيرتهم والترجمة لهم تقت�ضي �أي�ضا‬ ‫الكثير من ذكر تفا�صيل حياتهم وم�سيراتهم‬ ‫العلمية‪ ،‬وتتبع �آثارهم و�إنتاجاتهم وم�ؤلفاتهم‬ ‫وتعليقاتهم ف��ي �شكل تف�سيرات �أو تحليالت‬ ‫�أو ح��وا�� ٍ�ش‪ ..‬وتبيان علو كعب كل واح��د منهم‪.‬‬ ‫و��س�ن��ذك��ر الئ �ح��ة التابعين ل�ل�أول �ي��ن ف��ي علم‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫‪13‬‬


‫‪� /1‬أبو العالء �إدري�س بن عبداهلل الودغيري‬ ‫ال�ب��دراوي‪� .‬صاحب الم�ؤلفات الكثيرة‬ ‫في القراءات‪.‬‬ ‫بد�أت با�سم اهلل ذي الجالل‬ ‫‪ /2‬م�ح�م��د ال�ت�ه��ام��ي الأوب� �ي ��ري �صاحب �أحمده جل في كل حال‬ ‫الق�صيدة التهامية ف��ي ال��وق��ف على‬ ‫و�آخرها‪:‬‬ ‫الهمز لحمزة وه�شام‪.‬‬

‫فا�س�أل النفع بدون منتهى‬ ‫‪ /3‬ع� �ب ��داهلل ال �� �س �ك �ي��اط��ي ال��رج��راج��ي‬ ‫به لكل قارئ هنا انتهى‬ ‫ ‬ ‫ال�شياظمي‪.‬‬

‫‪ /4‬الأ�ستاذ �أحمد النجاري البعمراني‪،‬‬ ‫�أ�ستاذ مدر�سة �سيدي وكاك‪ ،‬ب�أكلو قرب‬ ‫ال�ساحل‪.‬‬ ‫‪ /5‬الأ��س�ت��اذ محمد ب��ن �إب��راه�ي��م �أعجلي‬ ‫البعقيلي‪.‬‬ ‫‪� /6‬أب ��و ح��ام��د محمد ال�م�ك��ي ال�ب�ط��اوري‬ ‫ال��رب��اط��ي‪� ،‬شيخ ج�م��اع��ة المقرئين‬ ‫بالرباط‪ ،‬ت�صدّر لتدري�س علوم العربية‬ ‫وال�ف�ق��ه وال �ح��دي��ث والتف�سير �سنين‬ ‫بالزاوية التهامية‪ .‬ومن م�ؤلفاته‪�« :‬شرح‬ ‫مورد الظم�آن للخراز»‪.‬‬ ‫‪ /7‬م �ح �م��د ال �ت �ه��ام��ي ال �غ��رف��ي ��ص��اح��ب‬ ‫م�ؤلف «ن�صرة الكتاب المبينة لمختار‬ ‫الأ�صحاب»‪ ،‬وهي منظومة رجزية في‬ ‫ال�ح��ذف ف��ي الم�صحف الكريم طبع‬ ‫على الحجر بفا�س‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫‪ /8‬م�ح�م��د ال �ع��رب��ي ب��ن ب �ه �ل��ول ب��ن عمر‬ ‫الرحالي‪ .‬له كتاب «انت�صار المجتهد‪»..‬‬ ‫وك�ت��اب «تحفة ال�ق��راء ف��ي بيان ر�سم‬ ‫القر�آن»‪ ،‬وهو ق�صيدة رجزية في بيان‬ ‫ر�سم القر�آن على رواية ور�ش‪ ،‬تقع في‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫‪� /9‬إبراهيم بن مبارك بن علي الهاللي‬ ‫المكنا�سي‪� ،‬أ�ستاذ القراءات القر�آنية‪،‬‬ ‫يحفظ الع�شرين‪ ،‬و�أجازه في ذلك عدة‬ ‫علماء كبار من مدينة مكنا�س وغيرها‪.‬‬ ‫اخ��ت��اره ال���س�ل�ط��ان م�ح�م��د الخام�س‬ ‫لع�ضوية المجل�س اال��س�ت���ش��اري في‬ ‫المغرب برئا�سة المهدي بن بركة لمدة‬ ‫ث�لاث �سنوات‪ .‬ان�ت��دب لع�ضوية لجنة‬ ‫ت�صحيح الم�صحف ال�شريف على رواية‬ ‫قالون في القطر الليبي �سنة ‪1980‬م‪،‬‬ ‫ولع�ضوية لجنة التحكيم في الم�ؤتمر‬ ‫ال�سنوي الدوري الثالث لحفظ القر�آن‬ ‫وتجويده وتف�سيره في المملكة العربية‬ ‫ال�سعودية (‪1401‬هـ)‪.‬‬ ‫‪ /10‬ال�شيخ �أب��و معاذ محمد ب��ن ال�شريف‬ ‫ال�سحابي‪ :‬ح��از على ال��رت�ب��ة الأول ��ى‬ ‫ف��ي ال��ق��راءات ال���س�ب��ع‪ ،‬ف��ي ال�م�ب��اراة‬ ‫التي نظمتها وزارة الأوق��اف وال�ش�ؤون‬ ‫الإ�سالمية في حفظ ال�ق��راءات‪ ،‬لنيل‬ ‫جائزة الح�سن الثاني بمنا�سبة عيد‬ ‫العر�ش �سنة ‪1971‬م‪ .‬بعد درا�سته بعدة‬ ‫معاهد ل�ل�ق��راءات ال�ق��ر�آن�ي��ة‪� ..‬أ�س�س‬

‫‪ /11‬الأ�ستاذ �إبراهيم بو�شعرة‪.‬‬

‫المدار�س القرائية في المغرب‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫القراءات القر�آنية في المغرب‪:‬‬

‫واحد وثمانمائة و�أل��ف بيت (‪،)1081‬‬ ‫نظمها في ع��ام‪1372‬ه �ـ‪ ،‬وطبعها في‬ ‫عام ‪1376‬هـ‪ ،‬مطلعها‪:‬‬

‫مدر�سة التوحيد القر�آنية م��ع بع�ض‬ ‫الم�شايخ و�أهل الف�ضل في مدينة �سال‬ ‫�سنة‪ 1400‬هـ ‪1980-‬م‪ .‬التي اتخذ منها‬ ‫مقرا‪ ،‬وكر�س كل جهده لإلقاء عدد من‬ ‫الدرو�س العلمية‪� ،‬إ�ضافة �إلى تحفيظ‬ ‫القر�آن الكريم وتدري�س القراءات‪.‬‬

‫الإ�شكاالت‪ .‬وتجديد تيمات القراءات القر�آنية‪،‬‬ ‫م��ن خ�لال م�ساءلتها وتفكيكها‪ ،‬وف��ق مناهج‬ ‫وميكانيزمات فاعلة وناجعة وعلمية‪ .‬وربطها‬ ‫بكل المرجعيات المعرفية التي من �ش�أنها �أن‬ ‫تفتح �آفاقا جديدة في تمثل القراءات القر�آنية‪،‬‬ ‫و�إعادة فهمها تقويما ونقدا‪.‬‬

‫‪ /12‬الأ�ستاذ بوعزة العيا�شي‪.‬‬ ‫ع ��رف ال �م �غ��رب ع ��دة م ��دار� ��س ا��ش�ت�ه��رت‬ ‫ول �ع��ل رغ �ب��ة ال �م �غ��رب وع �ل �م��ائ��ه وب��اح�ث�ي��ه بالقراءات القر�آنية �س�أقت�صر على التعريف‬ ‫ل��م ت�ت��وق��ف ع�ن��د �أ� �ص��ول ال� �ق ��راءات ال�ق��ر�آن�ي��ة ببع�ضها‪:‬‬ ‫وا�ستيعابها‪ ،‬بل يكفي المغرب فخرا �أنه لأول مرة ‪ /1‬المدر�سة التانكرفائية‪ :‬ا�شتهر مَ ن مر بها من‬ ‫ينظم الم�ؤتمر العالمي للقراءات في مو�ضوع‪:‬‬ ‫ال�شيوخ محمد بن عبداهلل ال�ضحاكي‪ ،‬الذي‬ ‫«القراءات القر�آنية في العالم الإ�سالمي �أو�ضاع‬ ‫تخرجت على يده فيها ع�شرات المقرئين في‬ ‫ومقا�صد»‪ ،‬خالل �شهر يونيو المن�صرم ‪2013‬م‪،‬‬ ‫الرواية‪.‬‬ ‫والتي غطت ثالثة �أيام في مدينة مراك�ش‪.‬‬ ‫‪ /2‬ال �م��در� �س��ة ال �ب��وج��رف��اوي��ة‪ :‬ا��ش�ت�ه��رت في‬ ‫وق��د �سعى الم�ؤتمر ف��ي دورت ��ه الأول ��ى �إل��ى‬ ‫مطالع القرن الرابع ع�شر الهجري بال�شيخ‬ ‫مدِّ ج�سور التعارف بين العلماء والباحثين في‬ ‫ال�ضحاكي المذكور‪ ،‬ومَ ن تلقّى عنه في هذه‬ ‫��ش��ؤون علم ال �ق��راءات القر�آنية‪ ،‬وا�ستك�شاف‬ ‫المدر�سة ال�سيد جامع البعمراني‪.‬‬ ‫الو�ضعية العلمية والمناحي الثقافية له‪ .‬وب�سط‬ ‫ما عرفه علم القراءات في تاريخه من تطورات ‪ /3‬ال�م��در��س��ة ال�ب��وب�ك��ري��ة‪ :‬وت �ع��رف بمدر�سة‬ ‫الخمي�س �أو �سيدي ح�ساين �أي�ضا(‪� ،)40‬أ�شهر‬ ‫واجتهادات‪ ،‬كما �سعى الم�ؤتمرون �إلى ا�ستك�شاف‬ ‫مَ ��ن م��ر فيها محمد ب��ن م��ول��ود الحمزاوي‬ ‫�أو�ضاع القراءات القر�آنية في العالم الإ�سالمي‬ ‫الروائي‪ .‬زاول فيها التدري�س �سنوات‪ ،‬وهو‬ ‫من خالل �صيرورتها التاريخية‪ ،‬و�أحوال تلقيها‬ ‫�أ�ستاذ عالي الكعب في الفن‪ ،‬مثابر على بثه‬ ‫عبر ا�ستعرا�ض الروايات ودراي��ة بتنوعها‪ ،‬وما‬ ‫في النا�س ب�صبر كبير‪ ،‬حتى كان كل الطلبة‬ ‫�أث��ارت��ه مقا�صد �أهلها من ق�ضايا واجتهادات‬ ‫في تلك الجهة من تالميذه‪.‬‬ ‫�أعربت عنها مكنونات المكتبة القرائية عبر‬ ‫القرون والأجيال‪ ،‬والتطرق �إلى ما تبلور فيها من ‪ /4‬مدر�سة �سيدي همو الح�سن االخت�صا�صية‪:‬‬ ‫ا�شتهرت بالروايات على يد المقرئ محمد‬ ‫�إ�سهامات ك�شفت عن جهود الأعالم من العلماء‬ ‫ابن الح�سن الما�سي الذي توفي فيها‪ ،‬وهو‬ ‫والقراء المغاربة وغير المغاربة‪.‬‬ ‫من تالميذ �أحمد النجاري‪.‬‬ ‫وقد �شكل هذا الم�ؤتمر العالمي الأول للقراءات‬

‫في مراك�ش‪ ،‬محطة مهمة في �إعادة �صياغة كافة ‪ /5‬المدر�سة الإغرمية الجرارية‪� :‬أ�شهر مَ ن در�س‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫‪15‬‬


‫ال�شيوخ ال �ح��اج محمد ال�م�ق��رئ ال�سبعي‪،‬‬ ‫�أخذها عن عبداهلل الركراكي �شيخ مدر�سة‬ ‫‪5.5‬جامع البيان للداني ���ص‪ ،42‬ومنجد المقرئين‬ ‫المزار بم�سكينة(‪.)41‬‬ ‫‪4.4‬ال�سيوطي «الإتقان في علوم القر�آن»‪ ،‬ج‪� 1‬ص‪.73‬‬

‫���ص‪ ،65‬والإتقان في علوم القر�آن لل�سيوطي‪1 ،‬‬ ‫�ص‪.75‬‬

‫‪ /7‬مدر�سة ال �م��زار‪ :‬ا�شتهرت ه��ذه المدر�سة‬ ‫الم�سكينية ب��ال�ق��راءات القر�آنية‪ ،‬على يد ‪6.6‬منجد المقرئين البن الجزري‪� ،‬ص‪.3‬‬ ‫ال�شيخ المقرئ �سيدي عبداهلل الركراكي‬ ‫‪7.7‬م �ن��اع ال �ق �ط��ان‪« ،‬م�ب��اح��ث ف��ي ع �ل��وم ال��ق��ر�آن»‪،‬‬ ‫الذي �أخذ القراءات في �سو�س(‪.)42‬‬ ‫مكتبة المعارف للن�شر والتوزيع‪ ،‬الطبعة الثالثة‪،‬‬ ‫‪/8‬مدر�سة �إم��ي لثنين‪ :‬ا�شتهرت في الن�صف‬ ‫الأول من القرن الرابع الهجري بالأ�ستاذ‬ ‫مبارك الملكي الحمزاوي‪� .‬أخذ عن عبداهلل‬ ‫الركراكي حتى تخرج‪ ،‬ثم تلقّى المعارف‬ ‫على يد �أعبو‪ ،‬المتوفى �سنة ‪1332‬هـ‪.‬‬

‫�ص‪.175‬‬

‫‪8.8‬ال�سيوطي «الإتقان في علوم القر�آن»‪ ،‬ج‪� 1‬ص‪.81-80‬‬ ‫‪9.9‬المرجع ال�سابق نف�سه‪ ،‬ج‪� 1‬ص ‪.75‬‬ ‫‪�1010‬سورة الفاتحة‪ ،‬الآية ‪.4‬‬ ‫‪�1111‬سورة �آل عمران‪ ،‬الآية ‪.184‬‬

‫خاتمة‬ ‫‪1212‬عبد الرحمن بودراع «الأ�سا�س المعرفي للغويات‬ ‫العربية»‪ ،‬من�شورات ن��ادي الكتاب لكلية الآداب‬ ‫لقد �سعت ه��ذه ال��درا��س��ة المتوا�ضعة �إل��ى‬ ‫بتطوان‪ .‬ط‪2000 ,1‬م‪.‬‬

‫تو�صيف ال��ق��راءات ال�ق��ر�آن�ي��ة ب�صفة ع��ام��ة‪،‬‬ ‫والقراءات القر�آنية في المغرب ب�صفة خا�صة؛‬ ‫م��ع الإ� �ش��ارة �إل��ى بع�ض �أع�لام�ه��ا ومدار�سها ‪1414‬القا�ضي ع�ي��ا���ض‪« ،‬ت��رت�ي��ب ال �م��دارك وتقريب‬ ‫الم�سالك لمعرفة �أع�لام مذهب مالك»‪ ،‬وزارة‬ ‫و�شيوخها‪ .‬وهي محاولة اعتمدت على مقاربة‬ ‫الأوق ��اف وال���ش��ؤون الإ�سالمية‪ ،‬مطبعة ف�ضالة‬ ‫�أكاديمية ت�ستهدف التعامل م��ع ك��ل المراجع‬ ‫المحمدية‪� 4 ،‬ص ‪.436‬‬ ‫وال �م �� �ص��ادر وال� ��دوري� ��ات ال �ت��ي ت �ن��اول��ت علم ‪1515‬ترتيب المدارك‪ ،‬نف�سه‪ ،‬ج‪� 1‬ص‪.32‬‬ ‫ال �ق��راءات ال�ق��ر�آن�ي��ة‪ ،‬وتوثيقها لما ت�ستوجبه‬ ‫‪1616‬عبدالقادر زمامة «العقلية القر�آنية ومظاهرها‬ ‫الأمانة المعرفية‪ .‬ونتمنى من العلي العظيم �أن‬ ‫االجتماعية الفكرية في المغرب»‪ ،‬دع��وة الحق‬ ‫نكون قد وفقنا ن�سبيا في التعريف بالقراءات‬ ‫ع‪� 4‬س ‪ 10‬ذو القعدة ‪1386‬ه �ـ‪/‬م��ار���س ‪1967‬م‬ ‫�صفحات ‪.117 110‬‬ ‫القر�آنية‪.‬‬ ‫‪1717‬الترمذي‪« ،‬ف�ضائل القر�آن»‪ ،‬الباب ‪ 16‬ح ‪.3075‬‬ ‫المراجع والم�صادر‬ ‫‪1.1‬مناع القطان‪« ،‬مباحث في علوم القر�آن» مكتبة ‪1818‬المرجع ال�سابق نف�سه‪ ،‬ح ‪.3080‬‬ ‫المعارف للن�شر والتوزيع الطبعة الثالثة �ص‪1919 .171‬قراءة الحزب بال�سبع �أو الع�شر بعد �صالة الع�صر‬ ‫‪�1313‬أخرجه �سعيد بن من�صور في �سننه‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫فيها القراءات المقرئ محمد بن علي الفور ‪2.2‬ابن حجر «فتح الباري في �شرح البخاري»‪ ،‬طبعة‬ ‫الحلبي �ص ‪ 1378 ،406‬هـ ـ‪1959‬م‪.‬‬ ‫كالئي الر�سموكي‪ ،‬وكان فيها نحو مائة طالب‪.‬‬ ‫‪3.3‬عبدالمنعم النمر «ع�ل��وم ال �ق��ر�آن الكريم» دار‬ ‫‪/6‬المدر�سة التزنيتية‪� :‬آخر مَ ن كان فيها من‬ ‫الكتب الإ�سالمية ط ‪� 2‬ص ‪1403 ،160‬هـ ـ‪1883‬م‪.‬‬

‫ا�شتهرت بالمغرب �إل��ى الفترة المعا�صرة‪� ،‬إذ ‪3131‬محمد حجي المرجع ال�سابق‪ .‬الجزء وال�صفحة‬ ‫كانت لها �أوقاف خا�صة ي�ستفيد منها المقرئون‪،‬‬ ‫نف�سهما‪.‬‬ ‫وقد عرف ذلك بالرباط وفا�س ومكنا�س‪( ...‬متعة‬ ‫المقرئين للأ�ستاذ ع�ب��داهلل ال�ج�ي��راري ���ص‪3232 92‬المرجع ال�سابق نف�سه‪.‬‬ ‫و«التبيان لمعركة م��اء �أب��ي ف �ك��ران»‪ ،‬للأ�ستاذ ‪�3333‬إي�ضاح الأ�سرار والبدائع وتهذيب الغرر والمنافع‬ ‫ال�شيخ �إبراهيم الهاللي‪� ،‬ص‪ 85‬و‪.)149‬‬ ‫و�شرح الدرر اللوامع‪ ،‬في �أ�صل مقرئ الإمام نافع‪.‬‬ ‫‪2020‬مثل �صنيع �سيدي ال��زوي��ن ال�ح��وزي ال��ذي وقف‬ ‫الخزانة الأزاريفية (مخطوط)‪.‬‬ ‫جميع ممتلكاته على مدر�سته ال�سبعية‪ ،‬و�أم�ضى‬ ‫له ذلك الوقف ال�سلطان الح�سن الأول‪( .‬الإعالم ‪3434‬د‪� .‬سعيد �أع ��راب‪« :‬بين ي��دي م�صحف الح�سن‬ ‫ال �ث��ان��ي» مجلة دع ��وة ال �ح��ق ع‪ 2‬ـ‪ 3‬رب �ي��ع الأول‬ ‫المراك�شي‪ 108 :7 ،‬ـ‪.)109‬‬ ‫والثاني ‪1398‬هـ فبراير مار�س ‪1978‬م‪ ،‬بل فاقت‬ ‫‪«2121‬الإعالم المراك�شي»‪ ،‬نف�سه (‪ 108 :7‬ـ‪.)109‬‬ ‫الخم�سين‪ ،‬ح�سب �أطروحة د‪ .‬عبدالهادي حميتو‪.‬‬ ‫‪2222‬عبداهلل الجيراري‪« :‬المحفظ الحافظ» �ص‪.17‬‬ ‫‪2323‬م��ن �أع�ل�ام الفكر المعا�صر وم��ا ي ��زال يحكي ‪3535‬فهر�س الفهار�س ‪�« 890 .2‬سلوة الأنفا�س» ‪73 :2‬‬ ‫«�إتحاف �أعالم النا�س» ‪ 4:2‬ـ‪ 11‬الفكر ال�سامي‪،‬‬ ‫عن رحلة الح�سن الأول ل�سو�س ع��ام‪1303‬ه�ـ �أن‬ ‫المقرئ كان ي�ستقبل ال�سلطان وهو يقر�أ حرف‬ ‫‪.4:266‬‬ ‫حمزة‪ ،‬ويقوم علماء الموكب ال�سلطاني حفظه‪.‬‬ ‫‪3636‬حقق تقييد وقف القر�آن الكريم للهبطي الأ�ستاذ‬ ‫‪2424‬محمد بوجندار «االغتباط بتراجم �أعالم الرباط»‬ ‫ح�سن وكاك‪ ،‬وقدمه ر�سالة لنيل دبلوم الدرا�سات‬ ‫�ص‪ 204‬الإعالم المراك�شي ‪� 9‬ص‪ 263:‬ـ‪ 7‬ـ‪.35‬‬ ‫العليا العليا من دار الحديث الح�سنية بالرباط‬ ‫‪2525‬ذاك ه��و ال�شيخ عبدالكريم ب��ن م��راد ال�شامي‬ ‫تحت �إ�شراف الدكتور التهامي الراجي الها�شمي‬ ‫الطرابل�سي ثم المدني الحنفي‪ ،‬مبعوث ال�شرق‬ ‫�سنة ‪1397‬هـ وطبع م�ؤخرا‪.‬‬ ‫�إلى المغرب‪ .‬ورد على فا�س عام ‪1324‬هـ (‪-1906‬‬ ‫‪1907‬م) (محمد المنوني‪« :‬الطابع الإ�سالمي ‪3737‬ال�سلوة‪.2:233 ،‬‬ ‫للوطنية المغربية في مطالع القرن الع�شرين»‬ ‫حوليات كلية الآداب عين ال�شق ‪ -‬الدار البي�ضاء ‪3838‬ال���س�ل��وة‪ ،2:272 ،‬ف�ه��ر���س ال �ف �ه��ار���س‪2:568 ،‬‬ ‫«االعالم للمراك�شي»‪.19 :3 ،‬‬ ‫ع‪1985- 2‬م �ص‪.)51‬‬ ‫‪2626‬د‪.‬ال�ت�ه��ام��ي ال��راج��ي‪ ...« :‬ازده� ��ار ال �ق��راءات ‪3939‬عبدالحي الكتاني‪« ،‬فهر�س الفهار�س» ‪.948 :2‬‬ ‫القر�آنية في المغرب» دعوة الحق ع ‪ 2 1‬ذو القعدة‬ ‫‪4040‬المق�صود به �سيدي ح�ساين ال�شرحبيلي الذي كان‬ ‫‪ 1390‬هـ �ص‪.14‬‬ ‫له الف�ضل في �إحياء المدار�س وبعثها وبعث �أ�سواق‬ ‫‪2727‬ابن زيدان «�إتحاف �أعالم النا�س» ‪ 2:107‬الإعالم‬ ‫�آيت باعمران بعد ثورة بوحالي�س (�إيليغ قديما‬ ‫المراك�شي ‪� 2‬ص‪.98‬‬ ‫وحديثا �ص ‪ 279‬الهام�ش ‪)559‬‬ ‫‪�2828‬إبراهيم الهاللي‪ :‬التبيان‪� ....‬ص‪.151‬‬ ‫‪4141‬مدار�س �سو�س العتيقة‪� ،‬ص ‪.95‬‬ ‫‪2929‬د‪.‬م �ح �م��د ح �ج��ي‪ :‬ال �ح��رك��ة ال �ف �ك��ري��ة ف��ي عهد‬ ‫ال�سعديين ‪.66/1‬‬ ‫‪4242‬ترجمته ف��ي المع�سول ‪ 132 ،14‬نعته المختار‬ ‫ال�سو�سي ب�أ�ستاذ الجيل في ال�ق��راءات (م�ؤلف‬ ‫‪3030‬مثل الداني‪ ،‬ومكي والمهدوي‪ ،‬واب��ن �شريح (ت‬ ‫‪ )476‬وغيرهم‪.‬‬ ‫�سو�س العالمة �ص‪.)164‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫‪17‬‬


‫قراءة ق�شدية في علم القراءات‬ ‫■ د‪ .‬حممود عبداحلافظ – جامعة اجلوف‬

‫ن��ظ��رًا ال�شتغال �أهلها بالتجارة‪ ،‬ووج��وده��م عند بيت اهلل ال��ح��رام‪ ،‬وقيامهم على ال�سدانة‬ ‫بع�ضا من اللهجات والكلمات التي تعجبهم من �أغيارهم؛ ذاع‬ ‫والرفادة‪ ،‬ف�ضلاً عن اقتبا�سهم ً‬ ‫�صيتهم‪ ،‬وتب ّو�أت لغة قري�ش ال�صدارة‪ ،‬مقارنة بغيرها من لهجات العرب‪.‬‬ ‫وكان من الطبيعي �أن ينزل اهلل قر�آنه الحكيم باللغة التي يفهمها العرب �أجمع لتي�سير فهمها‪،‬‬ ‫أي�ضا لتي�سير قراءته وحفظهم‬ ‫وللإعجاز والتحدي لأرباب الف�صاحة بالإتيان ب�سورة �أو ب�آية‪ .‬و� ً‬ ‫له‪ ،‬وبيانًا لإعجازه في ذاته‪ ،‬وتبيانًا لتعجيزه غيره‪ ،‬فهو معجزة النبي الخاتم – �صلى اهلل عليه‬ ‫و�سلم ‪� -‬إلى يوم القيامة‪ ،‬وهو مالذ الدين‪ ،‬ي�ستند �إليه في عقائده وعباداته ومعامالته و�آدابه‬ ‫و�أخالقه؛ فالقر�آن الكريم كنز العقائد الإيمانية‪ ،‬وم�صدر الأحكام ال�شرعية‪ ،‬ودليل الحقائق‬ ‫الكونية‪ ،‬وهو منهج اهلل تعالى الذي ال ت�صلح الحياة �إال به‪ ،‬وهو هادي النا�س �إلى الطريق القويم‪،‬‬ ‫قال تعالى‪�} :‬إِ َّن هَـذَا ا ْل ُق ْر�آ َن ِي ْهدِي ِل َّلتِي هِ َي �أَ ْق َومُ{ (الإ�سراء‪.)9 :‬‬ ‫يتعلق بدرا�سة القر�آن الكريم علوم كثيرة‬ ‫م��ن �أهمها‪ :‬علم ال �ق��راءات ال��ذي ي��ؤث��ر ‪-‬بال‬ ‫ا�ستثناء‪ -‬في كل علوم ال�ق��ر�آن الكريم؛ فهو‬ ‫ال��ذي يع�صم الإن�سان من الخط�أ في النطق‬ ‫بالكلمات القر�آنية‪ ،‬وي�صونها من التحريف‬ ‫والتبديل والتغيير‪ ،‬ويرتبط بعلم التجويد وعلم‬ ‫وال �ق��ر�آن الكريم يحتاج ف��ي درا��س�ت��ه �إل��ى‬ ‫التف�سير الذي يعد الطريق الوحيد لفهم كتاب �إظهار العالقة التي توجد بين علومه المختلفة‪،‬‬ ‫اهلل تعالى‪ ،‬و�إدراك ما فيه من معانٍ وف�صاحة لأن القر�آن الكريم لي�س كغيره من الكتب في‬ ‫وبالغة و�أ�سرار و�إعجاز؛ كذلك علم الفقه؛ �إذ الترتيب وال�ت�ب��وي��ب‪ ..‬فنجده ف��ي �آي��ة واح��دة‬ ‫�أنه ي�ستمد �أدلته الأولى من القر�آن الكريم بكل‬ ‫قراءاته‪ ،‬فالقر�آن ا�شتمل على كثير من الأحكام‬ ‫الفقهية‪ ،‬ك�أحكام العبادات والحدود والجنايات‬ ‫و�أحكام الأحوال ال�شخ�صية المتعلقة بالأ�سرة‬ ‫من نكاح وطالق ونفقة‪� ...‬إلخ‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫ول �م��ا ك��ان لعلم ال� �ق ��راءات ه��ذه الأه�م�ي��ة‬ ‫العظمى؛ �أفردت له العديد من المباحث اللغوية‬ ‫والبالغية‪� ،‬إال �أن القارئ غير المتخ�ص�ص قد‬ ‫يجد في ذلك عنا ًء كثيرًا‪.‬‬

‫ج‪ -‬العالقة بين القر�آن والقراءات‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫يجمع بين الو�سائل والمقا�صد‪ ،‬وبين الدليل‬ ‫وال�م��دل��ول‪ ،‬وبين الترغيب والترهيب‪ ،‬وبين‬ ‫العلوم الأ�صولية والفرعية‪ ،‬وبين العلوم الدينية‬ ‫والدنيوية والأخروية‪.‬‬

‫ومن المالحظ �أن التعريفين متقاربان‪� ،‬إال‬ ‫�أن الأول �أجمل في اللفظ‪ ،‬فقال‪� :‬إنه علم بكيفية‬ ‫الأداء‪ ،‬ون�سبة هذا الأداء لقائله‪ ،‬والثاني ف�صل‬ ‫في كيفية الأداء من حيث التحريك والت�سكين‬ ‫والحذف والإثبات‪...‬‬ ‫للعلماء في العالقة بين القر�آن والقراءات‬ ‫�أقوال عدة‪ ،‬كما ي�أتي‪:‬‬

‫وبنا ًء عليه ر�أيت �أن �أقدم ‪ -‬ب�شكل مخت�صر‬ ‫وعميق في الوقت نف�سه‪� -‬أه��م ال��دالالت التي (‪ )1‬القر�آن وال�ق��راءات حقيقتان متغايرتان‪،‬‬ ‫فالقر�آن هو الوحي المنزل على الر�سول‬ ‫تبرز �أهمية هذا العلم‪ ،‬من خالل �إبراز عالقته‬ ‫محمد ‪� -‬صلى اهلل عليه و�سلم ‪ -‬للبيان‬ ‫بعلوم القر�آن الأخرى‪..‬‬ ‫والإع�ج��از‪ ،‬وال�ق��راءات هي اختالف �ألفاظ‬ ‫�أ‪ -‬تعريف القراءات في اللغة‬ ‫الوحي المذكورة في الحروف وكيفيتها من‬ ‫ال �ق��راءات جمع ق���راءة‪ ،‬وه��ي ف��ي الأ��ص��ل‬ ‫تخفيف وتثقيل وغيرهما‪.‬‬ ‫م�صدر للفعل قر�أ‪ ،‬وقر�أ الكتاب قراءة وقر�آنا‪ :‬وت �ب��ع ال��زرك���ش��ي ف��ي ذل��ك بع�ض العلماء‬ ‫تتّبع كلماته نظرًا ونطق ًا بها‪ ...‬وق��ر�أ ال�شيء‬ ‫كالق�سطالني في لطائف الإ�شارات‪ ،‬و�شهاب‬ ‫قرءًا وقر�آنا جمعه و�ضم بع�ضه �إلى بع�ض‪.‬‬ ‫الدين الدمياطي في �إتحاف ف�ضالء الب�شر‪،‬‬ ‫وال� �ق ��ر�آن وال� �ق ��راءات ك�لاه�م��ا م��ن م��ادة‬ ‫واحدة‪ ،‬وهي مادة (قر�أ)‪ ،‬وهي تدور في كالم‬ ‫العرب حول الجمع وال�ضم‪.‬‬ ‫ب‪ -‬تعريف القراءات في اال�صطالح‬ ‫ع � ّرف �ه��ا اب���ن ال� �ج ��زري و�أب � ��و � �ش��ام��ة في‬ ‫اال�صطالح ب�أنها‪« :‬علم بكيفية �أداء كلمات‬ ‫القر�آن‪ ،‬واختالفها معز ٌو لناقلها»‪.‬‬

‫وذه��ب �إل��ى ه��ذا م��ن المعا�صرين �صبحي‬ ‫ال�صالح وغيره‪.‬‬

‫(‪ )2‬ر�أي محمد �سالم محي�سن‪� :‬أن ك�لا من‬ ‫القر�آن وال�ق��راءات حقيقتان بمعنى واحد‪،‬‬ ‫م�ستندا �إل ��ى �أن تعريف ال �ق��ر�آن م�صدر‬ ‫م��رادف للقراءة‪ ،‬وال �ق��راءات جمع ق��راءة‪،‬‬ ‫فهما عنده بمعنى واح��د‪ ،‬كما ا�ستند �إلى‬ ‫بع�ض الأح��ادي��ث التي ي��أم��ر فيها الر�سول‬ ‫�صلى اهلل عليه و�سلم ب ��أن يقر�أ �أمته على‬ ‫�سبعة �أحرف‪.‬‬

‫وعرّفها بع�ض الباحثين ب�أنها «علم يعلم منه‬ ‫اتفاق الناقلين لكتاب اهلل تعالى‪ ،‬واختالفهم‬ ‫ف��ي ال�ح��ذف والإث �ب��ات والتحريك والت�سكين‬ ‫والف�صل والو�صل‪ ،‬وغير ذلك من هيئة النطق (‪ )3‬ر�أي جمهور العلماء المقرئين‪ :‬التفرقة بين‬ ‫والإبدال وغيره من حيث ال�سماع»‪.‬‬ ‫ما توافرت فيه �شروط القراءة ال�صحيحة‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫‪19‬‬


‫(‪ )4‬اع�ت�ب��ار ك��ل ق ��راءة ق��ر�آن��ا حتى ال �ق��راءة‬ ‫ال�شاذة‪ ،‬وهو ر�أي بن دقيق العيد‪.‬‬ ‫د‪ .‬فوائد تعدد القراءات‬ ‫لتعدد القراءات فوائد جمة‪� ،‬أهمها‪:‬‬

‫‪1.1‬التي�سير على الأمة الإ�سالمية في قراءتها‬ ‫للقر�آن الكريم‪ ،‬فمن المعروف �أن القر�آن‬ ‫نزل على �أمة عربية‪ ،‬لها لهجات متعددة‪،‬‬ ‫لهجة قري�ش وتميم والأزد وربيعة وهوازن؛‬ ‫فلو �أل��زم اهلل ه��ذه الأم��ة ب�ق��راءة واح��دة‬ ‫ل�صعب عليها الأمر‪ ،‬ول�صار الأمر ع�سيرًا؛‬ ‫ف�ك��ان م��ن رح�م��ة اهلل ت�ع��ال��ى عليهم �أن��ه‬ ‫‪3.3‬بيان حكم م��ن الأح �ك��ام المجمع عليها‪،‬‬ ‫�أن��زل القر�آن الكريم على ح��روف كثيرة‪،‬‬ ‫كقراءة �سعد بن �أب��ى وقا�ص ‪-‬ر�ضي اهلل‬ ‫وق���راءات م�ت�ع��ددة‪ ،‬حتى ت�سهل ق��راءت��ه؛‬ ‫عنه‪ -‬في قوله تعالى‪َ « :‬و�إِنْ كَانَ رَجُ ٌل يُورَثُ‬ ‫والدليل على ه��ذا حديث �أب��يّ ب��ن كعب‪،‬‬ ‫كَلاَ َل ًة �أَ ِو امْ َر�أَ ٌة َو َل ُه �أَ ٌخ َ�أ ْو �أُخْ تٌ َف ِلكُلِّ وَاحِ دٍ‬ ‫قال‪ :‬كنت في الم�سجد فدخل رجل ي�صلي‪،‬‬ ‫مِ ْن ُهمَا ال�سُّ د ُُ�س» الن�ساء (‪.)12‬‬ ‫فقر�أ ق��راءة �أنكرتها عليه‪ ،‬ثم دخل رجل‬ ‫ق��ر�أ �سعد بن �أب��ي وقا�ص «ول��ه �أخ �أو �أخت‬ ‫�آخ��ر‪ ،‬فقر�أ ق��راءة �سوى ق��راءة �صاحبه‪،‬‬ ‫من �أم»‪ ،‬فتبين �أن المراد بالأخوة في هذا‬ ‫فلما ق�ضينا ال�صالة دخلنا على ر�سول‬ ‫الحكم الإخوة للأم دون الأ�شقاء ومن كانوا‬ ‫اهلل �صلى اهلل عليه و�سلم‪ ،‬فقلت‪� :‬إن هذا‬ ‫لأب‪ ،‬وهذا �أمر مجمع عليه‪.‬‬ ‫قر�أ قراءة �أنكرتها عليه‪ ،‬ودخل �آخر فقر�أ‬ ‫قراءة �سوى �صاحبه‪ ،‬ف�أمرهما ر�سول اهلل ‪4.4‬الداللة على حكمين �شرعيين مختلفين‪،‬‬ ‫كما في قوله تعالى «يَا �أَ ُّيهَا الَّذِ ينَ �آَمَ نُوا‬ ‫�صلى اهلل عليه و�سلم‪ ،‬فقر�آ‪ ،‬فح�سّ ن النبي‬ ‫ال�صلاَ ِة فَاغْ �سِ لُوا وُجُ وهَ كُمْ‬ ‫�إِذَ ا ُق ْمتُمْ �إِلَى َّ‬ ‫ �صلى اهلل عليه و�سلم ‪� -‬ش�أنهما‪ ،‬ف�سقط‬‫َو�أَيْدِ َيكُمْ �إِلَى ا ْل َمرَافِقِ وَامْ �سَ حُ وا ِب ُرءُو�سِ كُمْ‬ ‫في نف�سي من التكذيب‪ ،‬وال �إذ كنت في‬ ‫َو�أَرْجُ َلكُمْ �إِلَى ا ْل َك ْع َبيْنِ » (المائدة‪.)6:‬‬ ‫الجاهلية‪ ،‬فلما ر�أى ر��س��ول اهلل ‪� -‬صلى‬ ‫اهلل عليه و�سلم‪ -‬ما قد غ�شيني �ضرب في‬ ‫ق��ر�أ نافع واب��ن عامر ويعقوب والك�سائي‬ ‫�صدري‪ ،‬فف�ضت عرقا‪ ،‬وك�أنما �أنظر �إلى‬ ‫وح�ف����ص بالن�صب ف��ي �أرج �ل �ك��م‪ ،‬وق ��ر أ�‬ ‫الباقون بالجر‪.‬‬ ‫اهلل عز وجل فرقا‪ ،‬فقال لي‪ :‬يا �أبيّ �أر�سل‬ ‫‪2.2‬ال���دالل���ة ال��ع��ظ��م��ى ع��ل��ى ن��ه��اي��ة ال��ب�لاغ��ة‪،‬‬ ‫وكمال الإعجاز‪ ،‬وغاية االخت�صار‪ ،‬وجمال‬ ‫الإيجاز‪� ،‬إذ كل قراءة بمنزلة الآية‪� ،‬إذ كان‬ ‫تنوع اللفظ بكلمة تقوم مقام �آية‪ ،‬ولو جعلت‬ ‫يخف ما‬ ‫داللة كل لفظ �آية على حدة‪ ..‬لم َ‬ ‫كان في ذلك من التطويل‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫وق ��ر�أ اب��ن م�سعود «ف��اق�ط�ع��وا �أيمانهما»‬ ‫(المائدة‪ ،)38 :‬وه��ذه القراءة دلت على‬ ‫�أن الواجب قطع اليمين في ال�سرقة الأولى‪.‬‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫(�صحة ال�سند‪ ،‬موافقة العربية‪ ،‬مطابقة‬ ‫الر�سم) فيعد قر�آنا‪ ،‬وبين ما تختلف فيه ولو‬ ‫�شرط منها فيعد قراءة‪.‬‬

‫�إل��ىَّ �أنْ �أق��ر�أ القر�آن على ح��رف‪ ،‬فرددت‬ ‫�إليه �أن ه�وّن على �أمتي‪ ،‬فرد �إل��ى الثانية‬ ‫اق��ر�أه على حرفين‪ ،‬ف��رددت �إليه �أنْ هوٍّن‬ ‫على �أم�ت��ي‪ ،‬ف��رد �إل��ى الثالثة‪ ،‬اق��ر�أه على‬ ‫�سبعة �أحرف‪ ،‬فلك بكل ردة رددتها م�س�ألة‬ ‫ت�س�ألنيها‪ ،‬فقلت‪« :‬اللهم اغفر لأمتي‪ ،‬اللهم‬ ‫اغفر لأمتي‪ ،‬و�أخرت الثالثة ليوم يرغب �إليَّ‬ ‫الخلق كلهم‪ ،‬حتى �إبراهيم عليه ال�سالم»‬ ‫(م�سلم‪ ،‬د‪-‬ت‪.)561 : ،‬‬

‫فمن �أخ��ذ ب �ق��راءة الن�صب اعتبر غ�سل‬ ‫الرجل فر�ضا من فرائ�ض الو�ضوء‪ ،‬ومن‬ ‫�أخ ��ذ ب �ق��راءة ال�ج��ر اعتبر م�سح الرجل‬ ‫فر�ضا من فرائ�ض الو�ضوء‪.‬‬ ‫‪5.5‬في تنوع القراءات ما يدل داللة قاطعة على‬ ‫�أنه من عند اهلل تعالى‪� ،‬إذ هو مع كثرة هذا‬ ‫االختالف وتنوعه‪ ،‬لم يتطرق �إليه ت�ضاد وال‬ ‫تناق�ض وال تخالف؛ بل كله ي�صدق بع�ضه‬ ‫بع�ضا‪ ،‬وي�شهد بع�ضه‬ ‫بع�ضا‪ ،‬ويبين بع�ضه ً‬ ‫ً‬ ‫لبع�ض على نمط واحد‪ ،‬و�أ�سلوب واحد؛ وما‬ ‫ذاك �إال �آية بالغة وبرهان قاطع على �صدق‬ ‫ما جاء به (�صلى اهلل عليه و�سلم)‪.‬‬ ‫‪6.6‬البحث في مخارج ال�ح��روف‪ ،‬واالهتمام‬ ‫ب�ضبطها على وجوهها ال�صحيحة‪ ،‬لتي�سير‬ ‫ت�لاوة كلمات القر�آن الكريم على �أف�صح‬ ‫وج��ه و�أب�ي�ن��ه‪ ،‬ك��ان م��ن �أب�ل��غ ال�ع��وام��ل في‬ ‫عناية الأمة بدقائق اللغة العربية الف�صحى‬ ‫و�أ� �س��راره��ا‪ ،‬وك��ان��ت ثمرة ه��ذا االهتمام‬ ‫والجهد �أن ال�ق��راء ت�شربوا بمزايا اللغة‬ ‫العربية وقواعدها ودقائقها؛ ومما ي�ؤيد‬ ‫ذلك �أن كثيرًا من قدماء النحويين كالفراء‬ ‫ك��ان��وا م�ب��رزي��ن ف��ي علم ال��ق��راءات‪ ،‬كما‬ ‫كان الكثيرون من �أئمة القراء ك�أبي عمرو‬ ‫والك�سائي بارعين في علم النحو‪.‬‬ ‫‪�7.7‬أفاد علم القراءات علوما كثيرة‪ ،‬مثل‪ :‬علوم‬ ‫اللغة العربية‪ ،‬وعلم التف�سير‪ ،‬وعلم الفقه‪.‬‬ ‫‪8.8‬فتح �أبواب الخير لكل م�شتغل بهذا العلم؛‬ ‫لأن تعلم القراءات يحتاج �إلى قراءة القر�آن‬ ‫ب��أك�ث��ر م��ن رواي� ��ة‪ ،‬و�أك �ث��ر م��ن م��رة حتى‬ ‫يتقنها‪ ،‬وفي هذا نفع وثواب عظيم‪.‬‬ ‫‪9.9‬بيان ما هو مبهم �أو مجمل من الأحكام‪،‬‬ ‫ف�ق��د ق���ر�أ �أب���ي ب��ن ك�ع��ب واب���ن م�سعود‪:‬‬ ‫«ف َِ�صيَامُ ثَلاَ َث ِة �أَ َّي��امٍ متتابعات» (المائدة‪:‬‬

‫‪ )89‬بزيادة لفظ متتابعات‪ ،‬فهذه القراءة‬ ‫قد بينت �أن كفارة اليمين يجب �أن تكون‬ ‫ثالثة �أي��ام متوالية‪ ،‬ولي�ست متفرقة‪ ،‬ولم‬ ‫ي�خ��ال��ف ف��ي وج ��وب ال�ت�ت��اب��ع ��س��وى عطاء‬ ‫ومالك وال�شافعي والمحاملي‪.‬‬

‫‪1010‬دفع توهم ما لي�س مرادا‪ ،‬قال تعالى‪} :‬يَا‬ ‫ِل�ص اَل ِة مِ نْ َيوْمِ‬ ‫�أَ ُّيهَا الَّذِ ينَ �آَمَ نُوا �إِذَ ا نُودِيَ ل َّ‬ ‫الْجُ ُم َع ِة فَا�سْ َعوْا �إِلَى ذِ كْرِ اللهَّ ِ وَذَ رُوا ا ْل َب ْي َع‬ ‫ذَ ِلكُمْ خَ ْي ٌر َلكُمْ �إِنْ ُك ْنتُمْ َت ْع َلمُونَ { (الجمعة‪:‬‬ ‫‪ ،)9‬فقد يظن بع�ض النا�س �أن «فا�سعوا»‬ ‫تعني الإ� �س��راع في الم�شي �إل��ى ال�صالة‪،‬‬ ‫وهذا يخالف قول الر�سول �صلى اهلل عليه‬ ‫و�سلم‪�« :‬إذا ن��ودي لل�صالة ف�أتوها و�أنتم‬ ‫تم�شون‪ ،‬وعليكم ال�سكينة‪ ،‬فما �أدرك�ت��م‬ ‫ف�صلوا وما فاتكم ف�أتموا» (م�سلم‪ ،‬د‪-‬ت‪:‬‬ ‫‪( ،)421 ،420‬ابن ماجه‪ ،‬د‪-‬ت‪.)255 : ،‬‬ ‫ولكن ق��ر�أ عمر بن الخطاب «فام�ضوا �إلى‬ ‫ذكر اهلل» (الإمام مالك‪ )109 :1990 ،‬ف�أزالت‬ ‫هذا التوهم وبينت �أن المراد من قوله «فا�سعوا»‬ ‫هو الم�شي‪ ،‬ولي�س الإ�سراع‪.‬‬ ‫وق��ول��ه تعالى‪َ } :‬و َت � ُك��ونُ ا ْل��جِ � َب��الُ كَا ْل ِعهْنِ‬ ‫ُو�ش{ (القارعة‪ )5:‬قرئ «وتكون الجبال‬ ‫ا ْل َم ْنف ِ‬ ‫كال�صوف المنفو�ش» فهذه ال�ق��راءة بينت �أن‬ ‫المراد بالعهن هو ال�صوف‪.‬‬ ‫ما �سبق من فوائد لعلم القراءات يدل داللة‬ ‫قاطعة على ال�صلة الوثيقة بينها وبين التف�سير‬ ‫والفقه‪ ،‬وال�ت��ي ينبغي على دار���س ال�ق��راءات‬ ‫�أن يدر�سها حتى يقف على �أهمية هذا العلم‪،‬‬ ‫ويبينه للنا�س‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫‪21‬‬


‫■ د‪� .‬إبراهيم الدّ هون ‪ -‬جامعة اجلوف‬

‫لمّا كان القر�آن الكريم كالم اهلل ع ّز وجل‪ ،‬وخطابه الراقي‪ ،‬الذي �أُنز َل على �أ�شرف المر�سلين‬ ‫�سيدنا محمّد بن عبداهلل‪� ،‬صلى اهلل عليه و�سلم؛ فمن ال�ضروري �أن يهتم الباحثون ب�آياته‪،‬‬ ‫ويبيّنوا �إعجازاته‪ ،‬ويف�سّ روا معانيه‪ ،‬وي�شرحوا �صوره‪.‬‬ ‫ومن هنا‪� ،‬ستقف هذه الدّرا�سة عند علمٍ انفتق من رحم الخطاب الرباني‪ ،‬وبد�أ ينت�شر ويُعنى‬ ‫به‪ ،‬ما دام القر�آن الكريم يُقر�أ‪ ،‬ويُرتل‪ ،‬وهو علم القراءات القر�آنيّة‪.‬‬ ‫وانطالق ًا من منهجية الدّ را�سة ال�سّ ليمة‪ -1 ،‬الجمع وال�ضم‪ ،‬ومنه قول عمرو بن كلثوم في‬ ‫معلقته(‪:)1‬‬ ‫يتحتّم علينا قبل الخو�ض في علم القراءات‬ ‫ال ٍء‬ ‫الوقوف عند مفاهيم ذات �صلة وتقارب مع تُرِ يْكَ �إِذَا دَخَ لَتْ َعلَى خَ ـ َ‬ ‫علم القراءات‪ ،‬كالقر�آن الكريم‪ ،‬والأحرف‬ ‫َوقَدْ �أَمِ نْتَ عُ ُي ْو َن الكَا�شِ حِ ْي َنـا‬ ‫ال�سبعة‪ ،‬و ُت��ع� ُّد تعريفات �أ�سا�سية لإظهار ِذرَاعِ ��ـ��ي َعيْطَ لٍ أَ� َد َم��ـ��ا َء ِبكْـرٍ‬ ‫�صورة القراءات ومدلوالتها‪.‬‬ ‫هِ جَ ـانِ ال َّلوْنِ لَمْ َت ْق َر�أ جَ ِن ْي َنـا‬

‫‪22‬‬

‫�أوالً‪ :‬تعريف القر�آن‬ ‫وعليه؛ �أ�شار �أبو عبيدة معمّر بن المثنى‪،‬‬ ‫القر�آن في اللّغة‪ :‬لفظ القر�آن في اللغة في كتابه مجاز القر�آن» �إنّما �سمّي قر�آناً؛‬ ‫م�شتق من مادة‪(:‬قر�أ)‪ ،‬وهو م�صدر مرادف لأنّه يجمع ال�سور وي�ضمّها»(‪.)2‬‬ ‫للقراءة‪ ،‬على وزن‪(:‬فعالن)‪ ،‬وهذا اللّفظ ‪ -2‬التالوة‪ :‬يقوم على �ضم الألفاظ بع�ضها �إلى‬ ‫بع�ض في النطق‪.‬‬ ‫ي�ستعمل للمعاني التي ا�ستعمل لها لفظ‬ ‫قراءة وهي‪:‬‬ ‫�أمّ ���ا ال��ق��ر�آن ا�صطالحاً‪ :‬فقد نُقل لفظ‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫فالتّعريف ال�سّ ابق ي�شكل حقيقة الكتاب‪،‬‬ ‫ل��ك��ون��ه ك�ل�ام اهلل ت��ع��ال��ى‪ ،‬وه���و م�����ص��دره‪،‬‬ ‫�سبحانه تعالى‪ ،‬ث��مّ يظهر الو�ساطة بين‬ ‫المر�سل والمر�سَ ل �إليه ‪-‬وه��و محمّد‪ -‬ثمّ‬ ‫ِ‬ ‫يبيّن المخاطبين بهذه الر�سالة والهدف‬ ‫منها(‪.)4‬‬ ‫ثانياً‪ :‬مفهوم الأحرف ال�سّ بعة‬ ‫جاء في اللّغة �أنَّ الحرف في �أ�صل كالم‬ ‫ال��ع��رب معناه ال��ط��رف وال��ج��ان��ب؛ وح��رف‬ ‫ال�سّ فينة والجبل جانبهما(‪.)5‬‬ ‫�أمّ ��ا ا�صطالحاً‪ :‬فقد اتّفق العلماء على‬ ‫�أنَّ الأح��رف ال�سّ بعة‪� :‬سبعة �أوج��ه ف�صيحة‬ ‫من اللّغات‪ ،‬والقراءات �أُنزل عليها القر�آن‬ ‫الكريم‪.‬‬ ‫ثالثاً‪ :‬الأحرف ال�سّ بعة في الحديث‬ ‫النبوي‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫علم القراءات ‪ ..‬لغة وا�صطالح ًا‬

‫القر�آن الكريم من معناه اللّغوي �إلى معناه �أحرف»(‪.)6‬‬ ‫اال�صطالحي‪ ،‬وتباينت تعريفات الباحثين‬ ‫كما نلحظ ما رُوي عن عمر بن الخطاب‪،‬‬ ‫والدّ ار�سين له‪ ،‬لعلّ ما تمّ االتفاق عليه‪ ،‬ما ر�ضي اهلل عنه‪� ،‬إذ ق��ال‪�« :‬سمعت ه�شام‬ ‫عرّفه بع�ضهم‪ ،‬فقال‪« :‬هو كالم اهلل تعالى اب��ن حكيم ي��ق��ر�أ ���س��ورة الفرقان ف��ي حياة‬ ‫ف��ي ال���ّ��ص��دور‪ ،‬المكتوب ف��ي الم�صاحف‪ ،‬ر�سول اهلل �صلّى اهلل عليه و�سلم‪ ،‬فا�ستمعت‬ ‫المنقول بالتواتر‪ ،‬المتعبّد بتالوته‪ ،‬المبدوء لقراءته‪ ،‬ف�إذا هو يقر�أ على حروف كثيرة لم‬ ‫(‪)3‬‬ ‫ب�سورة الفاتحة‪ ،‬المختوم ب�سورة النّا�س» ‪ُ .‬يقْرِ ئنيها ر�سول اهلل �صلّى اهلل عليه و�سلم‪،‬‬ ‫فت�صبرت حتى‬ ‫ال�صالة‪َّ ،‬‬ ‫فكِ دت �أ�ساوِره في ّ‬ ‫�سلّم‪ ،‬ف َل َّب ْب ُت ُه بردائه‪ ،‬فقلت من �أقر�أك هذه‬ ‫ال�سّ ورة التي �سمعتك تقر�أ‪ ،‬قال‪� :‬أقر�أ ِنيْها‬ ‫ر���س��ول اهلل �صلّى اهلل عليه و�سلم‪ ،‬فقلت‬ ‫ل��ه‪ :‬ك��ذب��ت‪� ،‬أقرانيها على غير م��ا ق��ر�أت‪،‬‬ ‫فانطلقت ب��ه �أق���وده �إل��ى ر���س��ول اهلل �صلّى‬ ‫اهلل عليه و�سلم‪ ،‬فقلت‪� :‬إن��ي �سمعت هذا‬ ‫يقر�أ �سورة الفرقان على حروف لم تُقرئها‪،‬‬ ‫فقال‪�« :‬أر�سله‪ ،‬اقر�أ يا ه�شام»‪ ،‬فقر�أ القراءة‬ ‫التي �سمعته‪ ،‬فقال ر�سول اهلل �صلّى اهلل عليه‬ ‫و�سلم‪« :‬كذلك �أُن��زل��ت» ثمّ قال ر�سول اهلل‬ ‫�صلّى اهلل عليه و�سلم‪« :‬اقر�أ يا عمر»‪ ،‬فقر�أت‬ ‫التي �أقر�أني‪ .‬فقال‪« :‬كذلك �أُنزلت‪� ،‬إن هذا‬ ‫القر�آن �أُنزل على �سبعة �أحرف‪ ،‬فاقر�ؤوا ما‬ ‫تي�سر منه»(‪.)7‬‬ ‫رابعاً‪ :‬تعريف القراءات‬

‫ظ��ه��رت الأح����رف ال�سّ بعة ف��ي الحديث القراءات لغة‬

‫النبوي ال�شريف‪ ،‬فعن ابن عبا�س‪ ،‬ر�ضي اهلل‬ ‫عنهما‪� ،‬أنَّ ر�سول اهلل �صلّى اهلل عليه و�سلم‬ ‫قال‪�« :‬أقر�أني جبريل على حرف‪ ،‬فلم �أزل‬ ‫�أ�ستزيده‪ ،‬ويزيدني حتّى انتهى �إل��ى �سبعة‬

‫القراءات جمع ق��راءة‪ ،‬وهي م�صدر من‬ ‫قر�أ يقر�أ قراءة وقر�آناً‪ ،‬وا�سم الفاعل منه‬ ‫ق��ارئ‪ ،‬وجمعه ق���رّاء(‪ .)8‬وي�أتي الفعل غير‬ ‫مهموز كقرى‪ ،‬وال يختلف مع الأوّل في معناه‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫‪23‬‬


‫القراءات ا�صطالح ًا‬

‫ق��دّ م علماء ال��ق��راءات تعريفات كثيرة‪،‬‬ ‫يطول بنا الحديث �إذا ذكرناها جميعاً‪،‬‬ ‫ونكتفي ب�أ�شهرها‪.‬‬ ‫قال الزرك�شي‪ :‬القراءات اختالف �ألفاظ‬ ‫الوحي‪ ،‬المذكور في الحروف وكيفيتها‪ ،‬من‬ ‫تخفيف وت�شديد وغيرها‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫هذا‪ ،‬وقد ا�شتهر في كلّ طبقة من طبقات‬ ‫الأئمة جماعة تحفظ القر�آن وتقرئه النّا�س‪.‬‬ ‫ال�صحابة بالإقراء‪( :‬عثمان بن‬ ‫فا�شتهر من ّ‬ ‫عفّان‪ ،‬وعلي بن �أبي طالب‪ ،‬و�أبيّ بن كعب‪،‬‬ ‫وابن م�سعود‪ ،‬وزيد بن ثابت‪ ،‬و�أبو الدرداء‬ ‫و�أبو مو�سى الأ�شعري) ر�ضي اهلل عنهم‪.‬‬

‫و�إذا ت�أمّ لنا م��ا كتبه اب��ن ال��ج��زري عن‬ ‫القراءات‪ ،‬نلحظ قوله‪« :‬ب�أنّها علم بكيفية‬ ‫�أداء كلمات القر�آن الكريم‪ ،‬واختالفها بعزو‬ ‫كما ا�شتهر م��ن التابعين �أئ��م��ة �أع�لام‬ ‫الناقلة‪ ،‬وه��ذا التعريف اعتمده كثير من‬ ‫موزعون في الأم�صار‪ .‬فكان في مكة‪ :‬عطاء‪،‬‬ ‫الم�ؤلفين في علم القراءات(‪.)10‬‬ ‫ومجاهد‪ ،‬وط��اوو���س‪ ،‬وعكرمة‪ ،‬واب��ن �أب��ي‬ ‫بيدَ �أنَّ الدمياطي �أ�سهب في التعريف‪ ،‬مليكة‪ ،‬وعبيد بن عمير‪ ،‬وغيرهم؛ وكان في‬ ‫ف��ق��ال‪« :‬ال���ق���راءات ع��ل��م يعلم م��ن��ه ات��ف��اق المدينة‪� :‬سعيد بن الم�سيب‪ ،‬وعروة‪ ،‬و�سليمان‬ ‫الناقلين لكتاب اهلل‪ ،‬واختالفهم في الحذف بن ي�سار‪ ،‬وعطاء بن ي�سار‪ ،‬وزيد بن �أ�سلم‪،‬‬ ‫والإث��ب��ات‪ ،‬والتحريك والت�سكين‪ ،‬والف�صل وم�سلم بن جندب‪ ،‬وعمر بن عبدالعزيز‪،‬‬ ‫وال��و���ص��ل‪ ،‬وغ��ي��ر ذل���ك م��ن ه��ي��ئ��ة النطق واب��ن �شهاب ال��زه��ري‪ ،‬وعبدالرحمن بن‬ ‫هرمز‪ ،‬ومعاذ القارئ‪ ،‬وغيرهم؛ وكان في‬ ‫والإبدال وغيره من حيث ال�سّ ماع»(‪.)11‬‬ ‫الب�صرة‪� :‬أبو العالية‪ ،‬و�أبو رجاء‪ ،‬ون�صر بن‬ ‫خام�ساً‪:‬جذور علم القراءات‬ ‫عا�صم‪ ،‬ويحيى بن يعمر‪ ،‬والح�سن‪ ،‬وابن‬ ‫كان االعتماد الرّ�صين في قراءة القر�آن �سيرين وقتادة‪ ،‬وجابر بن زيد‪ ،‬وعامر بن‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫ق��ال اب��ن فار�س (ق��رى) القاف‪ ،‬وال��راء‬ ‫وال��ح��رف المعتل �أ���ص��ل �صحيح ي��دل على‬ ‫جمع واجتماع‪ ،‬و�إذا همز ه��ذا الباب كان‬ ‫هو والأول �سواء‪ ،‬ويطلق لفظ ق��ر�أ‪ ،‬وي��راد‬ ‫منه عدة معانٍ ‪ :‬ف��إذا قلت‪ :‬ق��ر�أت القر�آن‪،‬‬ ‫معناه لفظت به مجموعاً؛ �أي �ألقيته‪ ،‬و�أقر�أت‬ ‫حاجتك �إذا دنت‪ ،‬وقر�أت ال�شيء قر�آناً‪� ،‬إذا‬ ‫جمعته و�ضممت بع�ضه �إلى بع�ض(‪.)9‬‬

‫ال��ك��ري��م على التلقّي والأخ����ذ ع��ن الثقات‬ ‫والأئ��م��ة و���ص��و ًال �إل��ى النبي �صلّى اهلل عليه‬ ‫ال�صحابة‪ ،‬ر�ضي اهلل عنهم‪،‬‬ ‫و�سلم‪ ،‬ثمّ �إنَّ ّ‬ ‫ق��د اختلف �أخ��ذه��م ع��ن ر���س��ول اهلل �صلّى‬ ‫اهلل عليه و�سلم‪ ،‬فمنهم من �أخ��ذ القر�آن‬ ‫عنه بحرف واح��د‪ ،‬ومنهم من �أخ��ذه عنه‬ ‫بحرفين‪ ،‬ومنهم من زاد‪ ،‬ث��مّ تفرقوا في‬ ‫البالد‪ .‬و�أقر�أ كلّ منهم بح�سب ما �سمع من‬ ‫النبي �صلّى اهلل عليه و�سلم؛ فاختلف ب�سبب‬ ‫ذلك �أخذ التابعين عنهم‪ ،‬وكذلك �أخذ تابعو‬ ‫التّابعين �إلى �أن و�صل الأمر �إلى الأئمة القرّاء‬ ‫الم�شهورين الذين تخ�ص�صوا في القراءات‪.‬‬

‫عبدالقي�س‪ ،‬وغ��ي��ره��م؛ وك��ان ف��ي الكوفة‪:‬‬ ‫�سعيد بن جبير‪ ،‬والنخعي‪ ،‬وال�شعبي‪ ،‬و�أبو‬ ‫‪1‬ـ ال��ق��راءات ال�سّ بع‪ :‬وه��ي المن�سوبة �إل��ى‬ ‫زرعة بن عمرو‪ ،‬وزر بن جي�ش‪ ،‬وعمرو بن‬ ‫الأئمة ال�سّ بعة المعروفين‪ ،‬وهم‪( :‬نافع‬ ‫ميمون‪ ،‬و�أبو عبدالرحمن ال�سمي‪ ،‬وعبيد بن‬ ‫«المدينة»‪ ،‬وعا�صم‪ ،‬وحمزة‪ ،‬والك�سائي‬ ‫فقلة‪ ،‬وعلقمة والأ�سود‪ ،‬وم�سروق‪ ،‬وغيرهم؛‬ ‫«الكوفة»‪ ،‬وابن كثير «مكة»‪ ،‬و�أب��و عمرو‬ ‫وك��ان ف��ي ال�شام‪ :‬المغيرة ب��ن �أب��ي �شهاب‬ ‫«الب�صرة» وابن عامر «ال�شام»)‪.‬‬ ‫المخزومي‪ ،‬وخليد بن �سعيد‪ ،‬وغيرهما‪.‬‬ ‫ث��مّ اه��ت��م بعد التابعين ق��وم ب��ال��ق��راءة ‪2‬ـ القراءات الع�شر‪ :‬وهي ال�سّ بع المذكورة‬ ‫�آنفاً‪ ،‬وزيادة قراءة الأئمة الثالثة‪ ،‬وهم‪:‬‬ ‫وتخ�ص�صوا بها و�ضبطوها وعُ نوا بها عناية‬ ‫(�أبو جعفر‪ ،‬ويعقوب‪ ،‬وخلف)‪.‬‬ ‫فائقة؛ فكان ف��ي مكة‪ :‬ع��ب��داهلل ب��ن كثير‪،‬‬ ‫وحميد بن قي�س الأعرج‪ ،‬ومحمّد بن محي�ض‪3 ،‬ـ القراءات الأربع ع�شرة‪ :‬بزيادة �أربع على‬ ‫وكان في المدينة �أبو جعفر يزيد بن القعقاع‬ ‫القراءات الع�شر ال�سّ ابقة‪ ،‬وهي قراءات‪:‬‬ ‫ثم �شيبة بن ن�صاح ثم نافع بن �أب��ي نعيم؛‬ ‫(ال��ح�����س��ن ال��ب�����ص��ري‪ ،‬واب����ن محي�ض‪،‬‬ ‫وكان في الب�صرة‪ :‬عبداهلل بن �أبي �إ�سحاق‪،‬‬ ‫ويحيى اليزيدي‪ ،‬وال�شنبرذي) وبع�ضهم‬ ‫وعي�سى بن عمرو‪ ،‬و�أب��و عمرو بن العالء‪،‬‬ ‫يجعل الأعم�ش بد ًال من ال�شنبرذي‪.‬‬ ‫وعا�صم الحجدري ثم يعقوب الح�ضرمي؛‬ ‫ويتّ�ضح ممّا �سبق‪� ،‬أهمية ذل��ك العلم‪،‬‬ ‫وكان في الكوفة‪ :‬يحيى بن وثاب‪ ،‬و�سليمان‬ ‫الأعم�ش ثم حمزة ثم الك�سائي؛ وك��ان في وف��وائ��ده الجمّة ال��ت��ي ت��ع��ود على الإن�سان‬ ‫ال عن علو م�ستوى الخطاب‬ ‫ال�شَّ ام‪ :‬عبداهلل عامر‪ ،‬وعطية بن قي�س‪ ،‬الم�سلم‪ ،‬ف�ض ً‬ ‫و�إ�سماعيل بن عبداهلل‪ ،‬ثمّ يحيى الذماري‪ ،‬الرّباني‪ ،‬وقيمة البالغة‪ ،‬والف�صاحة التي‬ ‫ثم �شريح بن يزيد الح�ضرمي‪.‬‬ ‫يحملها كتاب اهلل‪.‬‬ ‫�ساد�ساً‪� :‬أعداد القراءات‬

‫(‪ )1‬انظر‪ :‬ل�سان العرب‪ ،‬ابن منظور‪ ،‬مادة‪( :‬قر�أ)‪.‬‬ ‫(‪ )2‬مجاز القر�آن‪ ،‬ابن قتيبة‪.1/1 ،‬‬ ‫ال�صابوني‪� ،‬ص‪.6‬‬ ‫(‪ )3‬انظر‪� :‬إر�شاد الفحول‪ :‬ال�شّ وكاني‪� ،‬ص‪ .29‬والتبيان‪ّ :‬‬ ‫(‪ )4‬علم القراءات‪ :‬نبيل �آل �إ�سماعيل‪� ،‬ص ‪.17‬‬ ‫(‪ )5‬ل�سان العرب‪ ،‬مادة‪( :‬حرف)‪.‬‬ ‫(‪� )6‬صحيح البخاري‪ ،‬في كتاب ف�ضائل القر�آن الكريم‪ ،‬باب �أُنزل القر�آن على �سبعة �أحرف‪.100/6 ،‬‬ ‫(‪� )7‬صحيح البخاري‪ ،‬في كتاب ف�ضائل القر�آن‪ ،‬باب �أُنزل القر�آن على �سبعة �أحرف‪ ،‬حديث رقم ‪.4706‬‬ ‫(‪ )8‬ل�سان العرب‪ ،‬مادة‪( :‬قر�أ)‪.‬‬ ‫(‪ )9‬معجم مقايي�س اللّغة‪ ،‬ابن فار�س‪ ،‬مادة‪( :‬قر�أ)‪.‬‬ ‫(‪ )10‬ابن الجزري‪ :‬غاية النهاية‪.616-610/1 :‬‬ ‫(‪ )11‬يُنظر‪ :‬البنا الدمياطي‪ :‬اتحاف ف�ضل‪ ،‬والب�شر‪.67-60/1 :‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫‪25‬‬


‫■ غازي خريان امللحم ‪� -‬سوريا‬

‫القر�آن الكريم‪ ,‬مفخرة العرب في لغتهم و�آدابهم‪ ,‬والحافظ الأمين للهجاتهم‪� ,‬أوح��اه اهلل‬ ‫لر�سوله الكريم بل�سان عربي مبين‪ ,‬ليب�شر به المتقين‪ ,‬وينذر به قوما ُلدّا؛ فخاطب فيه القلوب‬ ‫بالموعظة الوا�ضحة‪ ,‬والعقول بالدليل القاطع‪ ,‬ولفت الأنظار �إلى ما في الكون من عجائب‬ ‫وعبر؛ فانطلقت به الأفكار من عقالها‪ ,‬وتحرّكت بعد جمودها وخمودها‪ ,‬محلقة في ف�ضاءات‬ ‫الكون‪ ,‬تخترق الأقطار وتجوب الأم�صار‪ ,‬على �أجنحة �آيات محكمات من لدن عزيز عليم‪.‬‬

‫‪26‬‬

‫وما هي �إال هنيهة من زم��ان‪ ,‬حتى ا�ستبان‬ ‫الحق‪ ،‬وو�ضح النهج‪ ،‬وقامت الحجة‪ ،‬وانزاحت‬ ‫ال�شبهة وق��د ن��زل ت��أي�ي��دا ل��دع��وت��ه‪ ،‬و�شاهدا‬ ‫ل�صدق ر�سالته؛ فتحدى العرب �أجمعين في‬ ‫ف�صيح لغتهم‪ ،‬ول��م يخ�ص في ذل��ك فئة دون‬ ‫�أخرى‪� ،‬أو قبيلة دون غيرها‪.‬‬ ‫وكان الر�سول �صلى اهلل عليه و�سلم‪ ,‬ال يكاد‬ ‫يم�ضي في تالواته حتى يبهر �سامعيه‪ ,‬وي�أخذ‬ ‫بمجامع قلوبهم‪ ,‬فانحنى �أع� ��دا�ؤه لجزالته‬ ‫�صاغرين؛ لأن��ه ب��ز ف�صاحتهم‪ ,‬وظ�ه��ر فوق‬ ‫بالغتهم‪ ،‬حتى قال قائلهم وهم له ناكرون‪:‬‬ ‫(واهلل لقد �سمعت من محمد كالم ًا لي�س‬ ‫ب�ك�لام الإن ����س‪ ،‬وال م��ن ك�لام ال �ج��ن‪ ,‬و�إن له‬ ‫لحالوة‪ ،‬و�إن عليه لطالوة‪ ،‬و�إن �أعاله لمثمر‪،‬‬ ‫و�إن �أ�سفله لمغدق)‪.‬‬ ‫وفعال عجز العرب عن مجاراته‪ ،‬و�صمتوا‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫عن معار�ضته‪ ،‬وما لبث هذا النور الإلهي �أن‬ ‫ذاع وانت�شر؛ ما هي�أ النقالب وا�سع في �سفر‬ ‫اللغة العربية ولهجاتها المختلفة‪.‬‬ ‫وق ��د �أف � ��ادت ال��درا���س��ات ال�ق��دي�م��ة منها‬ ‫والحديثة‪� ،‬أن القر�آن الكريم كله وفي حد ذاته‪،‬‬ ‫ما هو �إال �أثر من هذه اللهجات العربية‪ ،‬وقد دلّ‬ ‫القر�آن نف�سه على ذلك �صراحة‪ ،‬بقوله‪:‬‬ ‫}وم��ا �أر�سلنا م��ن ر��س��ول �إال بل�سان قومه‬ ‫ليبين لهم في�ضل اهلل م��ن ي�شاء وي�ه��دي من‬ ‫ي�شاء وهو العزيز الحكيم{ (�إبراهيم‪.)4:‬‬ ‫وعند التحقيق‪ ،‬ما اللغة العربية �إال مجموع‬ ‫لغات �أو لهجات �أو لحون‪ ،‬كان يلوكها العرب‪.‬‬ ‫وما القر�آن الكريم �إال مزيج محكم من مجموع‬ ‫هذه اللهجات‪ ،‬وقد اختار اهلل �سبحانه �أبلغها‬ ‫و�أف�صحها و�أبيَنها و�أ�سل�سها‪ ،‬و�أنزل �آخر كتبه‬ ‫فيها‪ ،‬وجعله معجزة �آخر �أنبيائه‪ ،‬عليه ال�صالة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫القر�آن الكريم ‪ ..‬واللهجات العربية‬

‫وال�سالم‪.‬‬ ‫وه��ذه اللغة‪ ،‬هي لغة قري�ش‪ ،‬وه��ي �أف�صح‬ ‫لهجات العرب و�أ�صرحها‪ ،‬لبعدها عن بالد‬ ‫العجم‪ ،‬ف�صانها هذا البعد من الف�ساد والت�أثر‬ ‫ب�أ�ساليبهم ول�سانهم المعوج‪ ,‬حتى �إن �سائر‬ ‫ال�ع��رب على ن�سبة بعدهم م��ن قري�ش‪ ,‬كانوا‬ ‫ي�ست�شهدون بلغتهم ويجعلونها حكما في كل‬ ‫خالف لغوي يقع بينهم‪� .‬إال �أن هذا لم يمنع من‬ ‫ورود �ألفاظ كثيرة لقبائل عربية �أخرى‪ ,‬احتج‬ ‫بها القر�آن الكريم بم�سائل معينة‪.‬‬ ‫ومن المعروف �أن القر�آن الكريم‪ ,‬لم ينزل‬ ‫دفعة واحدة‪ ,‬وال في مكان واحد‪ ,‬بل نزل منجّ ما‬ ‫على مدار ثالث وع�شرين �سنة‪ ,‬بمكة المكرمة‬ ‫والمدينة ال�م�ن��ورة‪ ,‬وك��ان��ت الآي ��ات ينزل بها‬ ‫جبريل عليه ال�سالم‪ ,‬ويبلغها للر�سول �صل اهلل‬ ‫عليه و�سلم �أوال ب�أول‪ ,‬فيتلقاها الم�ؤمنون من فم‬ ‫النبي مبا�شرة‪ ,‬ويكتبها رجال عُ رفوا بـ(كتّاب‬ ‫الوحي)‪ ,‬تماما كما يمليها عليهم النبي الكريم‬ ‫�صلوات اهلل و�سالمه عليه‪.‬‬ ‫ومعلومٌ‪� ,‬أن الإ�سالم كان في مكة محدود‬ ‫االنت�شار‪ ,‬و�أت�ب��اع��ه قلة‪ ,‬فلما هاجر النبي‪،‬‬ ‫�صلى اهلل عليه و�سلم‪� ,‬إل��ى المدينة المنورة‪,‬‬ ‫ات�سعت رقعته‪ ،‬وازداد عدد �أف��راده‪ ,‬وهم من‬ ‫قبائل �شتى‪ ,‬لهم ع��ادات �صوتية تخ�ضع لها‬ ‫�أل�سنتهم‪ ,‬وتتحكم فيها �ألفاظهم؛ فكان من‬ ‫�سماحة الدين الحنيف‪� ,‬أن ترك الأل�سن على‬ ‫�سجيتها وحريتها‪ ,‬من �إمالة (ك�سر) وتفخيم‪,‬‬ ‫وترقيق‪ ,‬وما �شابه ذلك من طرائق في �إدار ٍة‬ ‫للفظ‪ ،‬بنغمة ت�ستجيب لها طبيعتهم اللغوية‪,‬‬ ‫ال�ت��ي ورث��وه��ا ع��ن �أهلهم الأول �ي��ن‪ ,‬وال يمكن‬ ‫التخلي عنها ب�سهولة‪ .‬وهذه الإباحة �أر�شد �إليها‬ ‫الحديث ال�شريف المرفوع عن النبي �صل اهلل‬ ‫عليه و�سلم‪ ,‬بقوله‪�( :‬إق ��ر�أوا ال�ق��ر�آن‪ ,‬بلحونِ‬ ‫العرب و�أ�صواتهم)‪.‬‬

‫ويروى �أن النبي �صلى اهلل عليه و�سلم قر�أ‪,‬‬ ‫ف�أمال (يحيى)‪ ,‬فلما �سُ ئل في ذلك‪ ,‬قال‪( :‬هي‬ ‫لغة الأخوال بني �سعد)‪.‬‬ ‫وف ��ي ر�أي� ��ي �أن ه ��ذا ال �ح��دي��ث ال ي ��راد به‬ ‫التخ�صي�ص‪ ,‬بل ي��راد به الترخي�ص لقبائل‬ ‫العرب‪ ,‬كي تقر�أ بلهجاتها المختلفة‪ ,‬من مدٍّ‬ ‫و�شدٍّ و�إمالة‪ ,‬وتحريك الحروف وت�سكينها‪ ،‬حتى‬ ‫ال يجدوا م�شق ًة وثق ًال في بع�ض �ألفاظها‪ .‬وذكر‬ ‫ال�سج�ستاني في كتابه‪( :‬الكبير في القر�آن)‪،‬‬ ‫قوله‪:‬‬ ‫ق��ر�أ عليّ �أع��راب��ي ونحن في الحرم المكي‬ ‫ال�شريف «ال��ذي��ن �آم �ن��وا وعملوا ال�صالحات‬ ‫طيبى لهم وح�سن م�آب»‪.‬‬ ‫فقلت‪ :‬طوبى‬ ‫فقال‪ :‬طيبى‪.‬‬ ‫فلم ي�ستطع �أن يثني طبعه؛ لأن لهجته‬ ‫القبلية تقلب حرف الواو �إلى ياء‪ ,‬ولم ينفع في‬ ‫الأعرابي لفت ال�سج�ستاني له‪ ,‬ولم ي�ستفد من‬ ‫تدريبه على نطق طوبى ب�شكلها ال�صحيح‪.‬‬ ‫ولمثل ذلك وغيره تعددت قراءات القر�آن‪,‬‬ ‫تخفيفا للم�شقة في تالوته‪ ،‬فجاء هذا الت�سهيل‬ ‫من�سجما مع طبيعة هذه اللهجات على الرغم‬ ‫من كثرتها‪ ,‬والأمثلة تطول في هذا المجال‪.‬‬ ‫والقر�آن‪ ,‬الذي نقر�أه الآن‪ ,‬هو القر�آن الذي‬ ‫تاله الر�سول �صلى اهلل عليه و�سلم على �أ�صحابه‪,‬‬ ‫و�أماله على كُتاب وحيه‪ ,‬ولم ي�ضع �أو ينق�ص منه‬ ‫�شيء‪ .‬م�صداقا لقوله تعالى‪�} :‬إِ َّن��ا نَحْ نُ َن َّز ْلنَا‬ ‫الذِّ ْك َر َو�إِنَّا َل ُه لَحَ افِظُ ونَ { (الحِ جْ ر ‪.)9 :‬‬ ‫�أم��ا ال�ق��راءات التي ُت�ق��ر�أ ويختلف بع�ضها‬ ‫عن بع�ض‪ ،‬ما هي �إال روايات نقلت عن الر�سول‬ ‫الكريم �صلى اهلل عليه و�سلم‪ ,‬وك��ل �صاحب‬ ‫قراءة انتهت �إليه رواية اطم�أن �إليها وتثبَّتَ من‬ ‫�صحتها ف�أخذ بها؛ وا�شتهرت منها روايات �سبع‪,‬‬

‫‪27‬‬


‫‪28‬‬

‫ما هي اللهجات؟‬ ‫اللهجة هي مجموعة ال�صفات الل�سانية‪ ،‬التي‬ ‫تنتمي �إلى بيئة اجتماعية معينة‪ ،‬ي�شترك فيها‬ ‫جميع �أف��راد هذه البيئة ومحيطها‪ ،‬وهي جزء‬ ‫من و�سط �أو�سع و�أ�شمل‪ ،‬وت�ضم عدة لهجات‪،‬‬ ‫ولكل واحدة منها خ�صائ�صها المنفردة‪� .‬أما‬ ‫قديما‪ ،‬فكان العرب يطلقون على اللهجة لغة‪،‬‬ ‫ولم ت�ستعمل اللهجة بمعناها اال�صطالحي‪� ،‬إال‬ ‫حديثا؛ فكان يقال لغة القبيلة‪ ،‬بدال من لهجة‬ ‫القبيلة كلغة قري�ش‪ ،‬ولغة تميم‪ ،‬وهكذا‪.‬‬ ‫والعالقة بين اللغة‪ ,‬واللهجة‪ ,‬كالعالقة بين‬ ‫الحكمة من تعدّ د اللهجات‬ ‫الأ�صل والفرع‪� ،‬إذ ت�شمل اللغة ع��ادة مجموع‬ ‫�أم��ا الحكمة ف��ي �إن ��زال ال �ق��ر�آن على هذه‬ ‫لهجات‪ ،‬لكل منها ما يميزها عن �شقيقاتها في‬ ‫اللهجات الأخ��رى‪� .‬إال �أنها جميعا لها �صفات اللهجات المختلفة‪ ,‬فهي �أن العرب الذين نزل‬ ‫القر�آن بل�سانهم يلوكون لغات ع��دة‪ ,‬ولهجات‬ ‫لغوية عامة م�شتركة‪.‬‬ ‫متباينة‪ ،‬ويتعذر على الواحد منهم �أن ينتقل‬ ‫القر�آن الكريم ومراعاة اللهجات‬ ‫من لغته الأم التي درج عليها‪ ,‬ومرَّنَ ل�سانه على‬ ‫وتخفيفا على القبائل وم��راع��اة لهجاتها التخاطب بها منذ نعومة �أظفاره‪ ,‬و�صارت جزء ًا‬ ‫المختلفة‪ ،‬كان الر�سول �صلى اهلل عليه و�سلم‪ ،‬من �سجاياه‪ ,‬واختلطت بلحمه ودمه‪ ,‬بحيث ال‬ ‫يتلو مفردات القر�آن الكريم‪ ،‬بلهجات متعددة‪ ،‬يمكن االبتعاد عنها ب�أي حال من الأحوال‪ .‬ولو‬ ‫تي�سيرا على �أهل تلك القبائل في تالوته‪ ،‬وكان عن طريق التعليم والتدريب‪ ,‬وبخا�صة الرجل‬ ‫يحدث �أن �أح��د ال�صحابة يقر�أ �آي��ات بلهجة الم�سنّ والمر�أة العجوز‪.‬‬ ‫�سمعها م��ن ال��ر��س��ول �صلى اهلل عليه و�سلم‬ ‫فلو كلفهم اهلل تعالى العدول عن لهجتهم‬ ‫�شِ فاهاً‪ ،‬في حين قد �سمع غيره الآيات نف�سها‪ ،‬التي فطروا عليها‪ ,‬واالنتقال عنها‪ ,‬و�إتباع لهجة‬ ‫�أو ال�سورة كاملة بلهجة �أخ��رى تغاير اللهجة �أخ��رى‪ ,‬ل�شقّ عليهم غاية الم�شقة‪ ,‬ولكان من‬ ‫الأولى‪ ،‬على نحو ما رُويَ عن عمر بن الخطاب قبيل التكليف بما ال تتحمله طبيعتهم النف�سية‬ ‫ر�ضي اهلل عنه‪� ،‬إذ �سمع ه�شام بن حكيم بن وطاقتهم الإن�سانية؛ فاقت�ضت رحمة اهلل بعباده‬ ‫حزام يتلو �سورة الفرقان في ال�صالة‪ ،‬على غير �أن يخفف عليهم‪ ,‬و�أن يي�سر لهم حفظ كتابهم‬ ‫ما حفظ‪ ،‬وكاد �أن ي�أخذ بتالبيبه‪ ،‬لكنه تريث العزيز‪ ,‬وت�لاوة د�ستورهم الإلهي‪ ,‬و�أن يحقق‬ ‫حتى فرغ من �صالته‪ ،‬وذه��ب به �إل��ى الر�سول لهم �أمنية نبيهم‪ ,‬وقد �أتاه جبريل عليه ال�سالم‪،‬‬ ‫�صلى اهلل عليه و�سلم‪ ،‬ثم قال لحكيم‪ :‬اق��ر�أ‪ ،‬فقال له‪:‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫قاعدة اللهجات �أو القراءات‬ ‫ك��ل ق ��راءه طابقت �أوج ��ه اللغة العربية‪,‬‬ ‫وواف �ق��ت ر� �س��م �أح ��د الم�صاحف المعتمدة‬ ‫مثل العثماني؛ �أي بمعنى �أن تكون ثابتة ولو‬ ‫في بع�ضها‪ ,‬كقراءة‪َ } :‬و� َ��س��ارِعُ ��و ْا �إِ َل��ى مَ ْغ ِف َر ٍة‬ ‫مِّ ن َّر ِّب� ُك��مْ { �آل ع�م��ران‪ ،133‬بحذف ‪/‬ال��واو‪/‬‬ ‫التي قبل‪/ ،‬ال�سين‪ ،/‬فهذه القراءة ثابتة في‬ ‫الم�صحف ال�شامي‪ ,‬وك �ق��راءة‪« :‬ت�ج��ري من‬ ‫تحتها الأنهار»‪ ,‬الواردة في المو�ضع الأخير من‬ ‫�سورة التوبة‪ ,‬بزيادة لفظ «م��ن» قبل تحتها‪,‬‬ ‫فهي ثابتة في الم�صحف المكي‪ ،‬وهكذا‪...‬‬ ‫�أو �أن ت�ك��ون ال �ق��راءة م��واف�ق��ة للم�صاحف‬ ‫العثمانية‪ ,‬وقد تكون تحقيقية كقراءة «ملك يوم‬ ‫الدين» في �سورة الفاتحة‪ ,‬بحذف ‪/‬الألف‪ /‬فيها‪.‬‬ ‫و�أن تكون ثابتة بطرق التواتر‪ ,‬وهذا �أهم �أركانها‪.‬‬ ‫وال �ت��وات��ر ه ��و‪ :‬م��ا ن�ق�ل��ه ج�م��اع��ة ال يمكن‬ ‫ت��واط��ؤه��م على ال �ك��ذب‪ ,‬وع��ن جماعة قبلهم‬ ‫كذلك‪ ,‬من �أول �سند نزل على الر�سول �صلى‬ ‫اهلل عليه و�سلم �إل��ى الر�سول �صلى اهلل عليه‬ ‫و�سلم‪� ،‬إلى منتهاه‪.‬‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫تلتها ثالث �أقل قوة‪ ,‬ثم �أربع �أقل من �سابقتها‪,‬‬ ‫فهي �أربع ع�شرة رواية‪ ,‬وما فوقها يعد �شاذا وال‬ ‫ي�ؤخذ به‪.‬‬

‫فقر�أ‪ ،‬فقال‪ :‬هكذا �أنزلت‪ ،‬ثم �أقر�أ عمر ر�ضي‬ ‫اهلل عنه‪ ،‬فقر�أ‪ ،‬فقال‪ :‬هكذا �أنزلت‪ .‬ثم قال‪:‬‬ ‫«�إن القر�آن نزل على �سبعة �أحرف‪ ،‬فاقرءوا ما‬ ‫تي�سر منه»‪ ،‬وهو ال يق�صد بال�سبعة �أحرف عددا‬ ‫معينا‪� ،‬إنما يريد كثرة الحروف واللهجات‪ ،‬التي‬ ‫نزل بها القر�آن الكريم؛ ت�سهيال على العرب‪،‬‬ ‫�أن ينطقوا من كلماته بلهجاتهم‪ ،‬ما لم يمكنهم‬ ‫�أن ينطقوه بلغة قري�ش‪ ،‬ولهجاتها الخا�صة؛‬ ‫و�أخذ هو نف�سه ي�صنع ذلك تي�سيرا وت�سهيال‪.‬‬ ‫وه�ك��ذا‪ ،‬نجد �أن ال �ق��ر�آن الكريم ق��د �ضم‬ ‫�ألفاظا من معظم لهجات القبائل العربية‪ ,‬تجد‬ ‫فيه كل قبيلة من مفرداتها وتراكيبها اللغوية‬ ‫ال�ت��ي ان �ف��ردت بها دون ��س��واه��ا م��ن القبائل‬ ‫الأخرى‪.‬‬

‫«�إن اهلل ي�أمرك �أن تُقرئ �أمتك القر�آن على‬ ‫حرف» �أي على ل�سان واحد‪ .‬فقال النبي �صلى‬ ‫اهلل عليه و�سلم‪�« :‬أ�س�أل اهلل معونته‪ ,‬ف�إن �أمتي‬ ‫ال تطيق ذل��ك»؛ وما زال ر�سول اهلل �صلى اهلل‬ ‫عليه و�سلم يردد الم�س�ألة ويلحّ في الرجاء‪ ,‬حتى‬ ‫�أذِ نَ اهلل له �أن يُقرئ �أمته على �سبعة �أحرف‪,‬‬ ‫بدال من حرف واحد‪� ،‬أي بجميع لهجات العرب‬ ‫الم�شهورة عندهم‪ ،‬والأكثر تداوال بينهم‪.‬‬ ‫ف�أخذ الر�سول �صلى اهلل عليه و�سلم‪ ،‬يقرئ‬ ‫كل قبيلة بما يتوافق بلغتها وينا�سب لهجتها‪.‬‬

‫ماهية الحروف ال�سبعة‪ ،‬وك��ان لهم في ذلك‬ ‫ت�آويل �شتى‪ .‬نختار منها ما خل�ص �إليه الإمام‬ ‫�أبو الف�ضل ال��رازي في كتابه (اللوائح)‪ ,‬وهو‬ ‫�أن المراد بهذه الأحرف التي وقع فيها الت�ضاد‬ ‫واالتفاق‪ ,‬ال تخرج عن كونها �سبع لغات‪ ,‬ميزت‬ ‫اللهجات العربية بع�ضها عن بع�ض‪.‬‬ ‫ون���ورد ه�ن��ا �أوج���ه االخ �ت�لاف ك�م��ا ج��اءت‬ ‫في �أكثر الأعمال التي تناولت هذا المو�ضوع‬ ‫بالبحث والإفا�ضة‪ ,‬وقد ا�ستوحت مادتها من‬ ‫الكتاب العزيز وال�سنة المطهرة‪ ,‬وه��ي في‬ ‫مجملها ال تخرج عن مجموع الأطر التالية‪:‬‬ ‫‪1‬ـ اختالف الأ�سماء‬

‫من �إفراد وتثنية وجمع وتذكير وت�أنيث‪ ,‬مثال‬ ‫قوله تعالى‪« :‬وال��ذي��ن هم لأمانتهم وعهدهم‬ ‫راعون» (المعارج ‪ ،)19‬قرئ لأمانتهم بالإفراد‬ ‫والجمع‪.‬‬ ‫‪ -2‬اختالف ت�صريف الأفعال‬

‫من ما�ض وم�ضارع و�أمر‪ ,‬ومثال ذلك قوله‬ ‫تعالى‪} :‬فقالوا ربنا باعد بين �أ�سفارنا{ (�سب�أ‬ ‫‪ ,)19‬قرئ‪/‬ربنا‪ /‬بفتح الباء على �أنه منادى‬ ‫و‪/‬باعد‪ /‬بك�سر العين و�إ�سكان الدال‪ ,‬على �أنه‬ ‫فعل �أمر‪� ,‬أو دعاء‪ ,‬وقرئ برفع باء ربنا على �أنه‬ ‫مبتدئ‪ ,‬وباعد بفتح العين والدال على �أنه فعل‬ ‫ما�ض‪.‬‬ ‫‪ -3‬اختالف وجوه الإعراب‪:‬‬

‫مثل قوله تعالى‪} :‬ال ت�ضار والدة بولدها{‬ ‫(البقرة ‪)233‬قرئ بن�صب الراء ورفعها‪.‬‬ ‫‪ -4‬االختالف بالنق�ص والزيادة‬

‫مثل قوله تعالى‪} :‬وما عملته �أيديهم{ (ي�س‬ ‫‪ ،)35‬قرئ عملته بحذف‪/‬الهاء‪ /‬و�إثباتها‪ ,‬وفي‬ ‫اللهجات �أو الحروف ال�سبعة‬ ‫قوله تعالى‪} :‬و�أعد لهم جنات تجري من تحتها‬ ‫وق��د وق��ع بع�ض ال�خ�لاف بين العلماء في الأن �ه��ار{ (التوبة �آي��ة ‪ ،)100‬ق��رئ بزيادة‪/‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫‪29‬‬


‫‪ -5‬االختالف في التقديم والت�أخير‬

‫مثل قوله تعالى‪} :‬وقاتلوا واقتلوا{ (البقرة‬ ‫‪ ،)19‬ق��رئ بتقديم قاتلوا على اقتلوا‪ ,‬وترى‬ ‫العك�س‪.‬‬ ‫‪ -6‬االختالف بالإبدال‬

‫م�ث��ل ق��ول��ه ت��ع��ال��ى‪} :‬وان��ظ��ر �إل���ى العظام‬ ‫كيف نن�شزها{ (البقرة ‪ ،)259‬قرئ بالزاي‬ ‫المعجمة وال� ��راء المهملة‪ ,‬وم�ث��ل }وجعلوا‬ ‫المالئكة ال��ذي��ن ه��م ع�ب��اد ال��رح�م��ن �إن��اث��ا{‬ ‫(الزخرف ‪ ,)19‬وقرئ }عند الرحمن{‪ ،‬ومثل‬ ‫قوله تعالى‪} :‬فتبينوا{ (الحجرات ‪ ،)6‬قرئ‬ ‫}فتثبتوا{‪.‬‬ ‫‪ -7‬اختالف اللهجات‬

‫كالفتح والإم��ال��ة (ال�ك���س��ر)‪� ،‬أو الإدغ ��ام‬ ‫والإظ� �ه ��ار والإخ� �ف ��اء‪ ,‬وال�ت�ف�خ�ي��م وال�ت��رق�ي��ق‬ ‫والت�سهيل والتحقيق‪ ,‬والإب��دال �إل��ى غير ذلك‬ ‫من اللهجات‪ ,‬التي اختلفت فيها �أل�سن قبائل‬ ‫العرب‪.‬‬ ‫وي���ؤخ��ذ م��ن ه ��ذه ال �� �ش��روح��ات �أن جميع‬ ‫ال �ق��راءات مت�ساوية ف��ي الأه�م�ي��ة‪ ,‬كونها حق‬ ‫و�صواب‪ ,‬فمن قر�أ ب�أي ق��راءة منها‪ ,‬فهو على‬ ‫الطريق ال�صحيح‪ ,‬وي�ؤخذ هذا من قول النبي‬ ‫�صلى اهلل عليه و�سلم‪« :‬ف�أيما حرف قرءوا عليه‬ ‫فقد �أ�صابوا»‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫ما معنى حرف؟‬ ‫يطلق لفظ حرف في اللغة على عدة �أوجه‪,‬‬ ‫منها ذروة ال�شيء �أو �أع�ل�اه‪� ,‬أو على �شفرة‬ ‫ال�سيف �أو ح��ده‪ ,‬ويطلق على ح��رف الهجاء‪,‬‬ ‫وعلى اللهجة‪ ,‬وهو المنا�سب لمو�ضوعنا‪ ,‬وقد‬ ‫وردت �آراء كثيرة حول هذا المو�ضوع‪ ,‬تف�سر‬ ‫وتفند معنى الحروف ال�سبع �أو ال�ق��راءات �أو‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫من نتائج اختالف القراءات‬ ‫الغاية من نزول القر�آن على هذه الهيئات‬ ‫من الحروف‪ ,‬بح�سب بع�ض الآراء هي التهوين‬ ‫والتي�سير على الأم���ة‪ ,‬والتو�سعة عليها في‬ ‫قراءاتها للقر�آن الكريم‪ ,‬كما تدل على ذلك‬ ‫الأح��ادي��ث النبوية ال ��واردة ف��ي ه��ذا المقام‪,‬‬ ‫ومنها‪:‬‬ ‫‪� -1‬إث��راء التف�سير والأح�ك��ام ال�شرعية بتعدد‬ ‫الأح� ��رف؛ لأن تعددها يترتب عليه تعدد‬ ‫المعاني وت��زاح�م�ه��ا على �سبيل الإث� ��راء‪,‬‬ ‫والت�أكيد على مدى التعار�ض �أو التناق�ض‪.‬‬ ‫‪� -2‬إظهار كمال الإعجاز بغاية الإيجاز؛ لأن كل‬ ‫حرف مع الآخ��ر بمنزلة الآي��ة مع الآي��ة‪ ,‬في‬ ‫داللتها وفيما �شملت عليه‪.‬‬ ‫‪ -3‬تفيد بع�ض اختالف القراءات في فهم معان‬ ‫فرعية كثيرة‪ ,‬وتوجيه بع�ض المعاني وجهة‬

‫ولما انتقل الر�سول �صلى اهلل عليه و�سلم �إلى‬

‫الم�صادر‬

‫م��ن ه�ن��ا‪ ،‬ن�ستنتج �أن ت �ن �وّع ال �ق��راءات �أو‬ ‫اللهجات �أو الحروف يقوم مقام تعدد الآيات‪،‬‬ ‫وذل ��ك ن��وع م��ن � �ض��روب ال�ب�لاغ��ة والإع �ج��از‪,‬‬ ‫ي�ضاف �إلى ما في ت�شكّل القراءات من براهين‬ ‫دامغة و�أدل��ة �صادقه‪ ،‬تفيد �أن ال�ق��ر�آن كالم‬ ‫اهلل المنزل على نبيه‪ ,‬و�أن االختالف في تنوع‬ ‫ال �ق��راءات م��ع كثرتها‪ ,‬ال ت���ؤدي �إل��ى تناق�ض‬ ‫وت���ض��ارب‪ ،‬وال �إل��ى تهافت �أو ت�خ��اذل؛ ب��ل �إن‬ ‫القر�آن كله وعلى تعدد لهجاته‪ ,‬ي�صدق بع�ضه‬ ‫بع�ضا‪ ,‬وي�شهد بع�ضه لبع�ض‪ ,‬على نمط واحد‬ ‫من الأ�سلوب والتعبير‪ ,‬وهدف واحد من �سمو‬ ‫الهداية والتعليم‪ ,‬وال �شك �إن ذلك يفيد تعدّد‬ ‫الإعجاز بتعدّد الأوجه واللهجات والقراءات‪.‬‬

‫الرفيق الأعلى‪ ,‬طلب �أبو بكر من زيد بن ثابت ‪ -‬‬

‫الأن�صاري �أن يكتب القر�آن كله‪ ،‬على الترتيب‬ ‫ال��ذي تلقاه ه��و وم��ن معه م��ن الحفظة‪ ,‬عن‬ ‫الر�سول �صلى اهلل عليه و�سلم‪ ،‬بالألفاظ ذاتها‬ ‫وال �ح��روف واللهجات نف�سها‪ ,‬وال���ص��ورة في‬ ‫العر�ضة الأخيرة التي تدار�س فيها القر�آن مع‬ ‫جبريل عليه ال�سالم بعد تمامه؛ فكتب زيد ومن‬ ‫�أ�سهموا معه هذا العمل الجليل في قِطع الأدم‬ ‫«الجلد» وغيرها‪ ,‬وحُ فظت �صحفه عند �أبي بكر‬ ‫حتى توفي‪ ,‬ثم عند عمر‪ ،‬حتى انتقل �إلى بارئه‪,‬‬ ‫ثم عند ابنته حف�صة �أم الم�ؤمنين ر�ضي اهلل‬ ‫عنهم جميعاً‪.‬‬

‫ ‬‫ ‬‫ ‬‫ ‬‫‪ -‬‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫من‪./‬‬

‫اللغات ال�سبع‪ ,‬وه��ي لهجات قبائل العرب‪,‬‬ ‫على معنى �أن القر�آن نزل بلغة قري�ش‪ ,‬وبع�ضه‬ ‫بلغة كنانة‪ ,‬و�أ�سد وهذيل وتميم وقي�س عيالن‪,‬‬ ‫وبع�ضه بلغة �أهل اليمن‪ ,‬و�أخذ بهذا الر�أي �أبو‬ ‫عبيدة بن �سالم‪ ،‬وابن عطية و�آخرون؛ ودليلهم‬ ‫على عدم معرفة بع�ض ال�صحابة لبع�ض �ألفاظ‬ ‫القر�آن �إال من بع�ض الأعراب؛ لذا يقال �إن كلمة‬ ‫فاطر الواردة في القر�آن‪ ,‬كما في قوله تعالى‪:‬‬ ‫}فاطر ال�سماوات والأر���ض{ لم يكن معناها‬ ‫معلوما محددا‪ ,‬حتى �سمع حديث �أعرابي يقول‬ ‫في بئر له ن��و ِز َع فيها‪« :‬بئري �أنا فطرتها»‪� ،‬أي‬ ‫�أنا حفرتها و�صنعتها‪ ,‬فكان هذا الكالم موحيا‬ ‫بمعنى كلمة }ف��اط��ر{ �أي خالق ال�سماوات‬ ‫والأر�ض و�صانعها هو اهلل �سبحانه وتعالى‪.‬‬ ‫وهناك لهجات كثيرة ن�سبت لبع�ض القبائل‪,‬‬ ‫فقد قالوا‪� :‬إن بني مازن كانوا يبدلون‪/‬الميم‪/‬‬ ‫با ًء نحو قولهم‪ :‬بكة بدال من مكة وهكذا‪.‬‬

‫جديدة‪ ,‬ومنها ا�ستناد الفقهاء المجتهدون‬ ‫في ا�ستنباط �أحكام فقهية مختلفة‪ ,‬وهذه‬ ‫الخالفات �أك�سبت الفقه الإ�سالمي مرونة‬ ‫و�سعة‪ ,‬وكل ذلك جائز وم�ست�ساغ ما دامت‬ ‫الرواية �صحيحة‪.‬‬

‫الخاتمة‬ ‫وه�ك��ذا‪ ،‬لم يعد ال�ق��ر�آن الكريم مو�ضوعا‬ ‫للدرا�سات ال�شرعية واللغوية التقليدية‪ ,‬والتي‬ ‫تناوله فيها العلماء من كل جانب فح�سب‪ ,‬بل‬ ‫�صار الآن مو�ضوع درا��س��ات ل�سانية و�صوتية‬ ‫حديثة‪ ,‬بما تمنحه قراءاته المختلفة من فر�ص‬ ‫لمعرفة لهجات العرب التي نطق بها القر�آن‬ ‫الكريم‪ ,‬و�ساير بها �أل�سنتهم المختلفة‪.‬‬ ‫وق��د ب ��ادت تلك اللهجات كلها �أو جلها‪،‬‬ ‫واندثرت وذهبت بذهاب الناطقين بها‪ ,‬ولوال‬ ‫ما �سجله العلماء قديما من مختلف القراءات‬ ‫واال�ستدالل عليها بلهجات القبائل‪� ,‬أو لغاتهم‬ ‫ولحونهم‪ ,‬لما �أمكننا ال�ي��وم معرفة الفروق‬ ‫ال��دق�ي�ق��ة‪ ,‬بين لهجات تلك ال�ق�ب��ائ��ل‪ ,‬والتي‬ ‫عا�صرت نزول الوحي‪� ,‬أو معرفة وجوه االختالف‬ ‫بين علماء اللغة‪ ,‬فيما يذهبون �إليه من �أقوال‬ ‫يعللون بها ما يثيرونه من م�سائل نحوية �أو‬ ‫�صرفية‪ ,‬و�شروح و�شواهد �أدبية و�شعرية‪ .‬وما‬ ‫�إلى ذلك من �ش�ؤون اللغة و�شجونها المتنوعة‪.‬‬ ‫د‪� .‬إبراهيم �أبو النجا – اللهجات العربية – مطبعة‬ ‫ال�سعادة – القاهرة – ‪1969‬م‪.‬‬ ‫د‪� .‬إبراهيم �أني�س – في اللهجات العربية – مطبعة‬ ‫بوالق ‪ -‬القاهرة – ‪1952‬م‪.‬‬ ‫مجموعة من الم�ؤلفين – اللهجات العربية في‬ ‫ال�ق��راءات القر�آنية – دار المعارف – القاهرة‬ ‫‪1968‬م‪.‬‬ ‫د‪ .‬زياد طالفحه – لهجات القبائل العربية الواردة‬ ‫في القر�آن الكريم – دائرة الآثار العامة – عمان‬ ‫‪1990‬م‪.‬‬ ‫جواد علي – اللهجات العربية – مكتبة النه�ضة –‬ ‫القاهرة ‪1963‬م‪.‬‬ ‫عبدال�ستار ف��راج – القبائل وال��ق��راءات مجلة‬ ‫الر�سالة – العدد ‪ 9 – 827‬مايو – ‪1949‬م‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫‪31‬‬


‫القراءات وعالقتها بالأحرف ال�سبعة‪ ‬‬ ‫■ رو�ضة ر�ضوان املهايني ‪ -‬دار اجلوف للعلوم‬

‫} َو َل َق ْد يَ�سَّ ْرنَا ا ْل ُق ْر�آن لِل ِّذ ْك ِر َف َه ْل مِ نْ ُم َّدكِر{القمر ‪15‬‬ ‫} َو�إِ َّن ُه َلتَنزِي ُل رَبِّ ا ْلعَا َلمِينَ ‪َ ،‬ن َز َل ِب ِه الرُّو ُح الأَمِ ينُ ‪َ ،‬علَى َق ْلبِكَ ِل َتكُو َن مِ نَ ا ْلمُن ِذرِينَ ‪ِ ،‬بلِ�سَ انٍ‬ ‫َع َربِيٍّ مُّ بِينٍ { ال�شعراء ‪195 -191‬‬ ‫الحمد هلل الذي �أنزل على نبيّه كتابا يهدي �إلى الح ّق و�إلى طريق م�ستقيم‪ ..‬وطوبى لمن تال‬ ‫كتاب اهلل ح ّق تالوته‪ ،‬وواظب عليها �آناء الليل و�أطراف النّهار‪..‬‬

‫‪32‬‬

‫َّا�س‪� ،‬أَنَّ َر��ُ�س��ولَ اللهَّ ِ َ�صلَّى اللهَّ ُ‬ ‫عَ ��نِ ا ْب��نِ عَ ب ٍ‬ ‫عَ َل ْي ِه وَ�سَ لَّمَ ‪ ،‬قَالَ ‪�« :‬أَ ْق� َر�أَ ِن��ي جِ بْرِ ي ُل عَ لَى حَ ر ٍْف‪,‬‬ ‫َفرَاجَ ْع ُتهُ‪َ ,‬فلَمْ �أَزَلْ �أَ�سْ تَزِ ي ُدهُ‪َ ,‬فيَزِ ي ُدنِي حَ تَّى‬ ‫ا ْن َتهَى �إِ َل��ى �سَ ْب َع ِة �أَحْ �ر ٍُف»‪ .‬قَالَ الزُّهْ رِ يُّ ‪َ :‬و إِ� َّنمَا‬ ‫هَ ذِ ِه الأَحْ ر ُُف فِي �أَمْرٍ وَاحِ دٍ ال يَخْ َتل ُِف فِي حَ اللٍ‬ ‫وَال حَرَامٍ‪ .‬رواه البخاري وم�سلم ‪0‬‬ ‫وعَ نْ �أُبَيِّ بْنِ َكع ٍْب‪� :‬أَنَّ ال َّنبِيَّ َ�صلَّى اللهَّ ُ عَ َل ْي ِه‬ ‫وَ�سَ لَّمَ كَانَ عِ نْدَ �أ ََ�ضا ِة َبنِي غِ فَارٍ‪َ ،‬ف�أَتَا ُه جِ بْرِ ي ُل عَ َل ْي ِه‬ ‫لل عَ َّز وَجَ َّل َي�أْ ُمرُكَ �أَنْ َت ْق َر�أَ‬ ‫ال�سَّ المُ َفقَالَ ‪�« :‬إِنَّ ا َ‬ ‫�أُ َّمتُكَ ا ْل ُق ْر�آنَ عَ لَى حَ ر ٍْف‪ ،‬قَالَ ‪� :‬أَ�سْ �أَلُ اللهَّ َ ُمعَافَا َت ُه‬ ‫وَمَ ْغ ِف َر َتهُ‪َ ،‬و�إِنَّ �أُ َّمتِي ال تُطِ يقُ ذَ لِكَ ‪ ،‬ثُمَّ �أَتَا ُه الثَّا ِن َي َة‬ ‫لل َي�أْ ُمرُكَ �أَنْ َت ْق َر�أَ �أُ َّمتُكَ ا ْل ُق ْر�آنَ عَ لَى‬ ‫َفقَال‪� :‬إِنَّ ا َ‬ ‫حَ ْر َفيْنِ ‪ ،‬قَالَ ‪� :‬أَ�سْ �أَلُ اللهَّ َ َتعَالَى ُمعَافَا َت ُه وَمَ ْغ ِف َر َتهُ‪،‬‬ ‫�إِنَّ �أُ َّمتِي ال تُطِ يقُ ذَ لِكَ ‪ ،‬ثُمَّ جَ ا َء ُه الثَّا ِل َثةَ‪َ ،‬فقَالَ ‪:‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫لل َي�أْ ُمرُكَ �أَنْ َت ْق َر�أَ �أُ َّمتُكَ ا ْل ُق ْر�آنَ عَ لَى ثَال َث ِة‬ ‫�إِنَّ ا َ‬ ‫�أَحْ ر ٍُف‪َ ،‬فقَالَ ‪� :‬أَ�سْ �أَلُ اللهَّ َ ُمعَافَا َت ُه وَمَ ْغ ِف َر َتهُ‪َ ،‬و�إِنَّ‬ ‫�أُ َّمتِي ال تُطِ يقُ ذَ لِكَ ‪ ،‬ثُمَّ جَ ا َء ُه الرَّا ِب َعةَ‪َ ،‬فقَالَ ‪� :‬إِنَّ‬ ‫لل َي��أْ ُم�رُكَ أَ�نْ َت ْق َر َ�أ �أُ َّمتُكَ ا ْل� ُق� ْر�آنَ عَ لَى �سَ ْب َع ِة‬ ‫ا َ‬ ‫�أَحْ �ر ٍُف‪َ ،‬ف�أَ ُّيمَا حَ �ر ٍْف َق � َرءُوا عَ َل ْي ِه َفقَدْ �أ ََ�صابُوا»‬ ‫رواه م�سلم‪.‬‬ ‫نزول القر�آن على �سَ ْبعَةِ أَ� ْحرُ ٍف‬ ‫َ�صرَّحَ البيان ال�سابق‪ ،‬في الأحاديث المذكورة‬ ‫�آنفًا �أَنَّ القر�آن الكريم قد نزل على �سبع ِة �أَحْ ر ٍُف‪،‬‬ ‫حرف واحدٍ ‪ ،‬وب�أيِّ هذه الحروف‬ ‫ولم ينزل على ٍ‬ ‫قر�أتِ الأم ُة �أ�صابت‪.‬‬ ‫و�أفادتِ الروايات �أَنَّ هذه الأحرف ُم َت َلقًّاة عن‬ ‫الوحي الإلهيِّ ‪ ،‬ولي�س اختيارًا وال مذهبًا ب�شريًّا في‬

‫فالخالف هنا من جن�س «الخالف اللفظي»‪،‬‬ ‫«اختالف التن ِّوعِ»‪ ..‬فلي�س‬ ‫َ‬ ‫�أو �سَ ِّم ِه ‪�-‬إِنْ �شئتَ ‪-‬‬ ‫اخ�ت�لا ًف��ا حقيقيًّا �أو اخ �ت�لاف ت �� �ض��ادٍّ‪ ..‬و�إن�م��ا‬ ‫��ت�لاف تَ��نَ��وُّعٍ ‪ .‬وهذه‬ ‫اختالفًا لفظيًّا �أو �سمِّه اخ َ‬ ‫الأحرف ال�سبعة هي المترادفات ال�سبعة للمعنى‬ ‫ال��واح��د‪ ،‬ولي�ست �سبعة اخ�ت�لاف��ات متباينة �أو‬ ‫مت�ضادة‪ ..‬فهي �سبعة �أوج ٍه متوافقة متوائمة من‬ ‫اللفظ‪ ،‬يُ�ستفاد‬ ‫ِ‬ ‫حيثُ المعنى‪ ،‬مختلف ًة من حيثُ‬ ‫منها تقرير المعجزة ب��أك�ث��رِ م��ن ل�ف� ٍ�ظ عربيٍّ‬ ‫�صحيحٍ ‪ ،‬كما ي�ستفاد منها التخفيف على قبائل‬ ‫العرب جميعًا بمخاطبتِها بل�سانها ال��ذي تقدر‬ ‫على النطق به‪ ،‬مع زيادة الإعجاز في المعجزة‬ ‫ال��واح��دة‪ ..‬فهي م�ع�ج��زاتٌ م�ت�ع��دِّ د ٌة ف��ي �صور ِة‬ ‫معجز ٍة واحد ٍة ا�سمها «القر�آن الكريم»‪.‬‬ ‫معنى الأ َْحرُ ِف ال�سَّ ْبعَة‬ ‫بن�ص وا�ضحٍ في الم�س�ألة‪ ،‬ثم نذهب‬ ‫ولنبد�أ ٍّ‬ ‫�إلى �أقوال العلماء لنرى الراجح منها في ذلك‪.‬‬ ‫َروَى البخاريُّ (‪ ،)4992‬وم�سل ٌم (‪ )818‬من‬ ‫اب قَالَ ‪� :‬سَ مِ عْتُ هِ �شَ امَ بْنَ‬ ‫رواي ِة عُ َم َر بْنَ الْخَ طَّ ِ‬ ‫حَ كِ يمِ بْنِ حِ زَ امٍ َي ْق َر�أُ �سُ و َر َة (ا ْل ُف ْرقَانِ ) فِي حَ يَا ِة‬ ‫َر� ُ��س��ولِ اللهَّ ِ َ�صلَّى اللهَّ ُ عَ َل ْي ِه وَ�سَ لَّمَ ‪ ،‬فَا�سْ َت َمعْتُ‬ ‫ُوف َكثِي َر ٍة لَمْ‬ ‫ِل ِقرَا َء ِتهِ‪َ ،‬ف ��إِذَ ا هُ َو َي ْق َر ُ�أ عَ لَى حُ �ر ٍ‬ ‫ُيقْرِ ْئنِيهَا رَ�سُ ولُ اللهَّ ِ َ�صلَّى اللهَّ ُ عَ َل ْي ِه وَ�سَ لَّمَ ‪ ،‬فَكِ دْتُ‬ ‫ال�صالةِ‪َ ،‬فت ََ�ص َّبرْتُ حَ تَّى �سَ لَّمَ ‪َ ،‬ف َل َّب ْب ُت ُه‬ ‫�أ�سَ ا ِو ُر ُه فِي َّ‬ ‫ِب��رِ دَا ِئ �هِ‪َ ،‬ف ُقلْتُ ‪ :‬مَ ��نْ أَ� ْق� � َر�أَكَ هَ ��ذِ ِه ال�سُّ و َر َة ا َّلتِي‬ ‫لل َ�صلَّى اللهَّ ُ‬ ‫�سَ مِ ْعتُكَ َت ْق َر�أُ؟ قَالَ ‪� :‬أَ ْق َر َ�أنِيهَا رَ�سُ ولُ ا ِ‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫القر�آن‪ ،‬و�إنما هي امتنا ٌن من اهلل عز وجل على‬ ‫هذه الأم��ة ال�ضعيفة بالتي�سير والتخفيف‪ ،‬كما‬ ‫لفظ الحديث المذكور �آنفًا في‬ ‫م�ضى �صريحً ا في ِ‬ ‫هذه الم�س�ألة‪.‬‬

‫عَ َل ْي ِه وَ�سَ لَّمَ ‪َ ،‬ف ُقلْتُ ‪ :‬كَذَ بْتَ ‪َ ،‬ف�إِنَّ رَ�سُ ولَ اللهَّ ِ َ�صلَّى‬ ‫اللهَّ ُ عَ َل ْي ِه وَ�سَ لَّمَ قَدْ �أَ ْق َر�أَنِيهَا عَ لَى غَ يْرِ مَ ا َق َر�أْتَ ‪،‬‬ ‫فَانْطَ َلقْتُ ِب� ِه َ�أ ُق ��و ُد ُه �إِ َل��ى َر� ُ��س��ولِ اللهَّ ِ َ�صلَّى اللهَّ ُ‬ ‫عَ َل ْي ِه وَ�سَ لَّمَ ‪َ ،‬ف ُقلْتُ ‪� :‬إِنِّي �سَ مِ عْتُ هَ ذَ ا َي ْق َر ُ�أ بِ�سُ و َر ِة‬ ‫ُوف َل��مْ ُتقْرِ ْئنِيهَا؟ َفقَالَ‬ ‫(ا ْل� ُف� ْر َق��انِ ) عَ لَى حُ �ر ٍ‬ ‫رَ�سُ ولُ اللهَّ ِ َ�صلَّى اللهَّ ُ عَ َل ْي ِه وَ�سَ لَّمَ ‪�« :‬أَرْ�سِ ْلهُ‪ ،‬ا ْق َر�أْ‬ ‫يَا هِ �شَ امُ »‪َ ،‬ف َق َر َ�أ عَ َل ْي ِه ا ْل ِقرَا َء َة ا َّلتِي �سَ مِ ْع ُت ُه َي ْق َر�أُ‪،‬‬ ‫لل عَ َل ْي ِه وَ�سَ لَّمَ ‪« :‬كَذَ لِكَ‬ ‫َفقَالَ رَ�سُ ولُ اللهَّ ِ َ�صلَّى ا ُ‬ ‫�أُنْزِ لَتْ »‪ ،‬ثُمَّ قَالَ ‪« :‬ا ْق َر�أْ يَا عُ َمرُ» َف َق َر�أْتُ ا ْل ِقرَا َء َة‬ ‫ا َّلتِي �أَ ْق� َر�أَ ِن��ي‪َ ،‬فقَالَ رَ�سُ ولُ اللهَّ ِ َ�صلَّى اللهَّ ُ عَ َل ْي ِه‬ ‫وَ�سَ لَّمَ ‪« :‬كَذَ لِكَ �أُنْزِ لَتْ ‪� ،‬إِنَّ هَ ذَ ا ا ْل ُق ْر�آنَ أُ�نْزِ لَ عَ لَى‬ ‫�سَ ْب َع ِة �أَحْ ر ٍُف‪ ،‬فَا ْق َرءُوا مَ ا َتيَ�سَّ َر مِ ْنهُ»‪.‬‬ ‫ول ُنلْقِ نظر ًة الآن على اختالف النا�س في‬ ‫ذلك‪ ،‬مع المعنى الراجح ب�أد َّلتِه‪� ،‬إن �شاء اهلل عز‬ ‫وجل‪.‬‬ ‫النا�س في بيان الأحرف ال�سبعة‬ ‫وقد اختلف ُ‬ ‫اختالفًا عظيمًا‪ :‬ف�أو�صلها بع�ضهم �إل��ى خم�س ٍة‬ ‫وثالثين قوالً‪ ،‬يقول ابن الجزري رحمه اهلل‪ :‬بقيت‬ ‫�أعمل فكري بهذا الحديث ع�شرين �سنة‪ ،‬ونقَّح ابنُ‬ ‫الجوزي الأق��وال فاختار منها �أربعة ع�شر قوالً‪،‬‬ ‫بينما اختار غيره ع�شرة‪� ،‬أو �سبعة‪� ،‬أو �ستةً‪� ..‬إلخ‪.‬‬ ‫و�أح� �ج ��مَ بع�ضهم ع��ن ال �ك�لام ف��ي ال�م���س��أل��ة‪،‬‬ ‫وزع � ��م �أن� �ه ��ا م ��ن ال �م �ت �� �ش��اب��ه �أو ال�م���ش�ك��ل‪.‬‬ ‫اختلف كثي ٌر من العلماء في معنى الأحرف ال�سبعة‬ ‫ولكن القول الذي يميل له القلب‪ ،‬و�أظنه القولَ‬ ‫الف�صلَ في هذا الأمر‪ ،‬وهو ما ذهب اليه الإمامُ‬ ‫�أب��و الف�ضل ال ��رازي‪� ،‬أن ال�م��راد بهذه الأح��رف‬ ‫ال�سبعة «الأوجه التي يقع بها التغاير واالختالف‬ ‫وهي ال تخرج عن �سبعة»‪:‬‬ ‫الأول‪ :‬اختالف الأ�سماء في الإف��راد والتثنية‬ ‫والجمع والتذكير والت�أنيث مثل ‪ -‬قوله‬

‫‪33‬‬


‫الثالث‪ :‬اخ �ت�لاف وج ��وه الإع � ��راب ن�ح��و قوله‬ ‫ت �ع��ال��ى‪} :‬وال ُت �� �س �ئ � ُل ع��ن �أ� �ص �ح��اب‬ ‫الجحيم{‪ ،‬قرئ ب�ضم التاء ورفع الالم‬ ‫على �أن (ال) نافية‪ ،‬وق��رئ بفتح التاء‬ ‫وجزم الالم هكذا (وال تَ�سئلْ )‪.‬‬

‫ال��راب��ع‪ :‬االخ �ت�لاف بالنق�ص وال��زي��ادة كقوله‬ ‫ت�ع��ال��ى‪} :‬و� �س��ارع��وا �إل ��ى م�غ�ف��رة من‬ ‫ربكم{‪ ،‬ب�إثبات الواو قبل ال�سين‪ ،‬وقرئ‬ ‫بحذفها (�سارعوا)‪.‬‬ ‫الخام�س‪ :‬االخ�ت�لاف بالتقديم والت�أخير كقوله‬ ‫ع��ز وج ��ل‪} :‬و َق��ا َت � ُل��وا و ُق � ِت � ُل��وا{ ق��رئ‬ ‫ه� �ك ��ذا‪ ،‬وق� ��رئ ب �ت �ق��دي��م (و ُق� � ِت� � ُل ��وا)‬ ‫وت�أخير(وقَا َتلُوا)‪.‬‬ ‫‪34‬‬

‫�رف هنا‬ ‫ومَ ��نْ معه‪ ،‬القائلين ب��أن المراد ب��الأح� ِ‬ ‫اللغات‪ ،‬والقول الثاني‪ :‬قول مَ نْ قال‪� :‬إِنَّ المراد‬ ‫�رف ال�سبعة ف��ي الحديث ت��أدي��ة المعنى‬ ‫ب��الأح� ِ‬ ‫باللفظ المرادف‪ ،‬ولو كان مِ نْ لغة واحدة‪.‬‬ ‫ِ‬

‫ل�ك��ن اخ�ت�ل��ف �أ� �ص �ح��اب ال �ق��ول ف��ي ال�ل�غ��ات‬ ‫لقري�ش‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫المق�صودة هنا على التعيين‪ ،‬فقيل‪ :‬لغة‬ ‫ول�غ��ة لليمن‪ ،‬ول�غ��ة لتميم‪ ،‬ول�غ��ة ل��جُ �رْهُ ��م و‪...‬‬ ‫وعلى هذا القول عِ �دَّة �إ�شكاالت‪ ،‬منها‪� :‬أَ َّن��ه لم‬ ‫يح�صر لغات العرب التي فوق ال�سبع؛ لأنَّ لغات‬ ‫العرب �أكثر مِ ن �سبع؛ ولكنهم �أجابوا ب�أَنَّ المراد‬ ‫هنا مِ ن لغات العرب �أف�صحها‪.‬‬ ‫�إِذاً‪ ،‬ما المراد بالحرف هنا؟‬

‫�رف هنا‪ :‬ال � ِق��راءة التي ُت�ق��ر�أُ‬ ‫ال �م��راد ب��ال�ح� ِ‬ ‫ال�ساد�س‪ :‬االخ�ت�لاف ب��الإب��دال‪� ،‬أي جعل حرف ع�ل��ى �أَوجُ � � ��ه‪ ،‬ه ��ذا م��ا ن �ج��ده ف��ي ل �غ � ِة ال �ع��رب‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫أي�ضا على‬ ‫مخت�صا بمو�ضوعنا‪ ،‬ويُطلق الحرف � ً‬ ‫ًّ‬ ‫الجه ِة والطَّ رَف‪ ،‬كما يطلق على حَ �ر ِْف الهجاء الخام�س‪� :‬أَنَّ الأح��رف ال�سبعة �شي ٌء والقراءات‬ ‫المعروف‪ ،‬وله �إطالقات �أخرى‪ ،‬لكن الذي يهمنا‬ ‫ال�سبع التي �صنَّفها بع�ض ال ُقرَّاء �شي ٌء‬ ‫هنا معناه الخا�ص بمو�ضوعنا ف��ي الأح ��رف‪.‬‬ ‫�آخ ��ر‪ ،‬ولي�سا واح�� �دًا‪ ،‬وق��د َن � َّب��ه على‬ ‫لكن ال بد من التنبيه هنا على �أمور‪:‬‬ ‫ذلك الجماعات من �أهل العلم قديمًا‬ ‫وح��دي � ًث��ا‪ ،‬ك��اب��ن عبدالبر واب��ن حجر‬ ‫الأول‪� :‬أنَّ هذه الوجوه هي بمثابة المترادفات‬ ‫وغيرهما‪..‬‬ ‫لمعنًى واحدٍ ‪ ،‬ولي�ست اختالفًا حقيقيًّا‬ ‫�أو اختالف ت�ضادّ‪ ،‬و�إنما هي اختالف‬ ‫قراءات الأئمة الع�شرة‬ ‫اللفظ للتعبيرِ عن َم ْعنًى واحدٍ ‪،‬‬ ‫تنوُّع في ِ‬ ‫و�صلتها بالأحرف ال�سبعة‬ ‫زي��اد ًة في البالغة والف�صاحة وتقرير‬ ‫�إن قراءات الأئمة الع�شرة التي يقر�أ بها النّا�س‬ ‫المعجزة القر�آنية‪..‬‬ ‫اليوم داخلة في الأح��رف ال�سّ بعة التي نزل بها‬ ‫الثاني‪� :‬أنها وحي‪ ،‬ولي�ست من اختيار الب�شر‪ ،‬القر�آن الكريم‪ ,‬وورد فيها حديث (�أُنزل القر�آن‬ ‫بل هي جز ٌء مِ ن الوحي‪ ،‬تلقَّاها النبي على �سبعة �أح ��رف)‪ .‬وه��ي كلّها ثابتة بطريق‬ ‫�صلى اهلل عليه و�سلم وح� ًي��ا‪ ،‬وعَ َّلمَها التواتر عن ر�سول اهلل ‪.‬‬ ‫�أ�صحابُه �صلى اهلل عليه و�سلم‪ ،‬فبلَّغوها‬ ‫وه��ذه ال �ق��راءات الع�شر موافقة لخط �أح��د‬ ‫مَ نْ بعدَ هم‪.‬‬ ‫الم�صاحف العثمانية على الأق��ل التي وجهها‬ ‫الثالث‪� :‬أنها متفرِّقة في القر�آن الكريم كله‪ ،‬وال عثمان �إلى الأم�صار ولو احتماال‪.‬‬ ‫�رف �أن كل‬ ‫يعني نزوله على �سبعة �أح� ٍ‬ ‫ال�صحابة عليها وعلى ط��رح ك��ل ما‬ ‫و�أج�م��ع ّ‬ ‫كلمة منه ُتقْر�أ على �سبع ِة �أوجهٍ‪ ،‬فهذا‬ ‫خالفها‪ ،‬فلو خالفت ق��راءة منها م�صحفا من‬ ‫مما لم يقل به �أح � ٌد ق��ط‪ ،‬وق��د �أنكره‬ ‫ه��ذه الم�صاحف وافقت غيره‪ ،‬فالمعتبر عدم‬ ‫العلماء ونبّهوا عليه‪ ،‬وقد م�ضى تنبيه‬ ‫مخالفتها جميع الم�صاحف‪.‬‬ ‫�أبي عبيد وابن عبدالبر وغيرهما على‬ ‫ا�ستنتاج‬ ‫هذا‪.‬‬ ‫�أوال‪� :‬إنّ القراءات التي نقر�أ بها اليوم‪� ,‬سواء‬ ‫الرابع‪ :‬ال ي�صح اعتقاد ال��زي��ادة في القراءة‬ ‫ع�ل��ى �سبع ِة �أوج � �هٍ؛ لأ َّن ��ه ل��م ي��زد في ك��ان��ت �سبعية �أم ع�شرية داخ �ل��ة ف��ي الأح��رف‬ ‫الحديث على �سبعةٍ‪ ،‬وم��ا ذك��روه في ال�سّ بعة كما ذكرنا‪.‬‬ ‫نحو }�أ ٍُّف{ زي��اد ًة على ثالثين وجهًا‬ ‫ثانيا‪�:‬إن القراءات كلّها على اختالفها منزَ لة‬ ‫كما حُ كِي عن الرماني فال ي�صح‪ ،‬ف�إما من عند اهلل تعالى‪ ,‬م�أخوذة بالتلقّي والم�شافهة‬ ‫�أنْ يعود �إلى �سبع ِة �أوجهٍ‪� ،‬أو ُي�ؤْخَ ذ منه من فيّ ر�سول اهلل ‪ .‬ال دخل لأحد من الب�شر‬ ‫الأوج��ه ال�سبعة الموافقة للم�صحف‪ ،‬فيها‪ ,‬ي �دّل على ذل��ك ق��ول��ه (ك��ذل��ك �أن��زل��ت)‪,‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫تعالى‪} :‬وَعَ لَى الَّذِ ينَ يُطِ يقُو َن ُه فِدْ َي ٌة‬ ‫}هنالك تبلو كل نف�س ما �أ�سلفت{‪،‬‬ ‫طَ � َع��امُ مِ ���ْ�س��كِ �ي��نٍ {‪ ..‬ه�ك��ذا ب��الإف��راد‪ ،‬‬ ‫وق��رئ «مَ �سَ اكِ ين» بالجمع‪ ،‬ومثل قوله‬ ‫قرئ هكذا بتاء مفتوحة فباء �ساكنة‪،‬‬ ‫}ف�أ�صلحوا بين �أخويكم{‪ ،‬قرئ هكذا‬ ‫وقرئ بتاءين‪ :‬الأولى مفتوحة والثانية‬ ‫بالتثنية‪ ،‬وق��رئ (�إخ��وت�ك��م) بالجمع‪،‬‬ ‫�ساكنة (تتلوا)‪.‬‬ ‫وم�ث��ل ق��ول��ه ت�ع��ال��ى‪} :‬وال يقبل منها‬ ‫ال�سابع‪ :‬االختالف في اللهجات كالفتح والإمالة‬ ‫�شفاعة{‪ ،‬ق��رئ هكذا بياء التذكير‪،‬‬ ‫والإظهار والإدغام والت�سهيل والتحقيق‬ ‫وقرئ (تقبل) بتاء الت�أنيث‪.‬‬ ‫والتفخيم والترقيق‪ ،‬وكذلك يدخل في‬ ‫الثاني‪ :‬اختالف ت�صريف الأف�ع��ال من ما�ض‬ ‫هذا النوع الكلمات التي اختلفت فيها‬ ‫وم�ضارع و�أمر نحو قوله تعالى }فمن‬ ‫لغة القبائل‪( .‬خُ طُ وات) تقر�أ بتحريك‬ ‫تطوَّع خيرًا{‪ ،‬قرئ هكذا على �أنه فعل‬ ‫ال �ط��اء ب��ال���ض��م �أو ت�سكينها‪ ،‬ونحو‬ ‫م��ا���ض‪ ،‬وق��رئ (ي��طَّ ��وعْ)ع�ل��ى �أن��ه فعل‬ ‫(البيوت) تقر�أ ب�ضم الباء وك�سرها‪.‬‬ ‫م�ضارع مجزوم‪ ،‬وكذلك قوله تعالى‪:‬‬ ‫فهذه �سبعة �أوجه‪ ،‬ال يخرج االختالف عنها‪.‬‬ ‫}ق ��ال رب��ي يعلم ال �ق��ول ف��ي ال�سماء و�سنقت�صر هنا على �أ�شهرِ الأقوال في الم�س�ألةِ‪.‬‬ ‫والأر����ض{‪ ،‬ق��رئ هكذا على �أن��ه فعل وبعد البحث والتمحي�ص ور ِّد النَّظير �إلى نظيره‪،‬‬ ‫ما�ض‪ ،‬وقرئ (قل) على �أنه فعل �أمر‪ .‬ر�أيتُ �أن �أ�شهر الأقوال في الم�س�ألة‪ :‬قول �أبي عبيد‬ ‫مكان حرف كقوله تعالى‪:‬‬

‫و ُي ْترَك ما �سواها‪.‬‬

‫‪35‬‬


‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫وقد �أ�صبح من المُ�سَ لّم به �أن باب االجتهاد‬ ‫منقطع تماما فيما يتعلق برواية القر�آن الكريم‬ ‫تالوته و�أدائ ��ه‪ ،‬ولي�س لعلماء ال�ق��راءة في هذا‬ ‫الباب �أدنى اجتهاد‪� ,‬إال في حدود �ضبط الّرواية‬ ‫عن المع�صوم �صلى اهلل عليه و�سلم‪.‬‬ ‫وبذلك‪ ،‬ف��إن �سائر القراءات المتواترة قر�أ‬ ‫و�أق��ر�أ بها‪ ،‬ويلزم الت�سليم هنا‬ ‫بها النّبيّ‬ ‫�أن النبيّ قر�أ بتحقيق الهمزات‪ ,‬وت�سهيلها‪,‬‬ ‫و�إ�سقاطها‪ ,‬وقر�أ بالفتح والتقليل والإمالة‪ ,‬وقر�أ‬ ‫بالإدغام ال�صغير والكبير‪.‬‬ ‫ذلك كله من ر�سول اهلل فلي�س لأحد كائنا‬ ‫من كان �أن يقر�أ ح�سب هواه‪ ،‬فيغير عبارة �أو ي�أتي‬ ‫باللفظ ال�م�ت��رادف‪ ،‬وق��د ق��ر�أ ر��س��ول اهلل‬ ‫ب�سائر الفر�شيات التي تن�سب �إلى الأئمة الع�شرة‪،‬‬ ‫وج��رى ك��ل وج��ه ج��اء م��ن النبي على �أن��ه‬ ‫وحي مع�صوم‪ ،‬له ما لأخيه من منزلة في الحجة‬ ‫والداللة وجواز التعبّد‪0‬‬ ‫ث��ال�ث�اً‪� :‬أن ��ه ال ي�ج��وز للم�سلمين �أن يجعلوا‬ ‫اختالف ال�ق��راءات مثار ن��زاع وج��دل‪ ,‬وال �سبب‬ ‫ت�شكيك وتكذيب‪ ,‬لأن ن��زول ال �ق��ر�آن على هذه‬ ‫الوجوه المختلفة لحكمة التهوين والتي�سير على‬ ‫الأمّة‪ ،‬فال ينبغي لها �أن تجعل من الي�سر ع�سرا‪،‬‬ ‫ومن ال�سعة �ضيقا‪ ،‬ومن المنحة محنة‪ ،‬وي�ؤخذ‬ ‫هذا من حديث ر�سول اهلل في حديث عمرو‬ ‫ابن العا�ص «وال تماروا فيه‪ ،‬ف�إنّ المراء فيه كفر‬ ‫�أو �آية من الكفر» م�سند الإمام �أحمد‪.‬‬

‫�إن اختيار كل �إمام من الأئمة الع�شرة لقراءة‬ ‫معينة ال يمنع من اختيار الإمام الآخر لقراءته وال‬ ‫ينكرها عليه‪ ،‬بل يعتقد �صحتها‪ .‬وتواترها ويجيز‬ ‫قراءتها والإق ��راء بها‪ ,‬بل يقر�أ هو بها ويُتعبّد‬ ‫بتالوتها �أي�ضا‪.‬‬ ‫ترى هل القراءات الع�شر التي نقلت �إلينا في‬ ‫القرن الع�شرين هي الحروف ال�سبعة �أم بع�ضها؟‬ ‫�أم �إنها حرف واحد من الأحرف ال�سبعة؟‬ ‫كل هذه الأ�سئلة خا�ض فيها العلماء‪ ،‬ومنهم‬ ‫مَ ن قال �إن القراءات المنقولة �إلينا هي الأحرف‬ ‫ال�سبعة‪ .‬ولكنّ كثير ًا من القراءات انقطع �إ�سنادها‬ ‫مع كونها مدونة في كتب ال�ق��راءات‪ ،‬فاعتبرت‬ ‫قراءات �شاذّة‪ ,‬وهي من الأحرف ال�سبعة‪� ,‬إال �أننا‬ ‫ال نقر�أ بها اليوم لعدم ات�صال �سندها‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫‪36‬‬

‫وق��ول��ه ال �م �خ��ال��ف ل���ص��اح�ب��ه‪� :‬أق��ر�أن �ي �ه��ا‬ ‫ر��س��ول اهلل‪ ,‬و�إق� ��رار ال� ّر��س��ول ل�ك� ّل على ذل��ك‪.‬‬ ‫حتى �شاعت القاعدة الم�شهورة لعلماء القراءة‪:‬‬ ‫تعدد القراءات ينزل منزلة تعدد الآيات‪ ,‬وذلك‬ ‫�ضرب من �ضروب البالغة يبتدئ من جمال هذا‬ ‫الإيجاز‪ ،‬وينتهي �إلى كمال الإعجاز‪.‬‬ ‫�أ�ضف �إل��ى ذل��ك ما في تنوّع ال �ق��راءات من‬ ‫البراهين ال�ساطعة‪ ،‬والأدل��ة القاطعة على �أن‬ ‫ال�ق��ر�آن من عند اهلل‪ ,‬وعلى �صدق مَ ��ن ج��اء به‬ ‫وهو ر�سول اهلل ؛ ف�إن هذه االختالفات في‬ ‫ال �ق��راءة على كثرتها ال ت ��ؤدي �إل��ى تناق�ض في‬ ‫المقروء وت�ضادّ؛ بل القر�آن كله على كثرة قراءاته‬ ‫ي�صدق بع�ضه بع�ضا‪ ،‬وي�شهد بع�ضه لبع�ض‪ ,‬وذلك‬ ‫من غير �شكّ يفيد تعدد الإعجاز بتعدد الحروف‬ ‫والقراءات‪ .‬فالقر�آن يعجز �إذا قرئ بهذه القراءة‪،‬‬ ‫ويعجز �أي�ضا �إذا قرئ بقراءة ثانية وثالثة وهلمّ‬ ‫ج�رّا‪ ...‬وال ريب �أن ذلك �أدلّ على �صدق محمّد‬ ‫‪ ,‬لأنه �أعظم في ا�شتمال القر�آن على مناح‬ ‫جمّة في الإعجاز والبيان على كل حرف ووجه‪,‬‬ ‫} ِل َي ْهلِكَ مَ نْ هَ لَكَ عَ نْ َب ِّي َن ٍة َويَحْ يَى مَ نْ حَ يَّ عَ نْ‬ ‫َب ِّي َنةٍ{ الأنفال ‪.42‬‬ ‫ثم �أ�ضف �إلى ذلك �أنه لو �صحّ لأحد �أن يغير‬ ‫من القر�آن ما �شاء بمرادف‪ ,‬لبطلت قر�آنية القر�آن‬ ‫و�أنه كالم اهلل‪ ،‬ولما تحققّ قوله تعالى‪�} :‬إِنَّا نَحْ نُ‬ ‫َن َّز ْلنَا الذِّ ْك َر َو�إِنَّا َل ُه لَحَ افِظُ ونَ { الحجر ‪.9‬‬ ‫ثم �إن التبديل والتغيير م��ردود من �أ�سا�سه‬ ‫َات‬ ‫لقوله �سبحانه } َو�إِذَ ا ُت ْت َلىٰ عَ َل ْيهِمْ �آيَا ُتنَا َب ِّين ٍ‬ ‫قالَ الَّذينَ ال َيرْجونَ لقاءَنا ائْتِ ِب ُق ْر�آنٍ غَ يْرِ هذا‬ ‫�أَ ْو بَدِّ ْلهُ‪ ،‬قُلْ ما يَكونُ لي �أَنْ �أُبَدِّ َل ُه مِ نْ ِت ْلقَا ِء َنفْ�سِ ي‬ ‫اف ِ �إنْ عَ َ�صيْتُ‬ ‫�إِنْ �أَ َّت ِب ُع �إ اَِّل مَ ا يُوحَ ى �إِلَيّ َ‪� ،‬إِنِّي �أَخَ ُ‬ ‫َربِّي عَ ذَ ابَ َيوْمٍ عَ ظِ يمٍ { يون�س ‪.15‬‬

‫ف�إذا كان �أف�ضل الخلق تحرّج من تغيير‬ ‫القر�آن وتبديله؛ فكيف ي�سوغ لأحد ‪-‬مهما كان‬ ‫�أمره ‪� -‬أنّ يبدّل فيه ويغير بمرادف �أو غير مرادف؟‬ ‫}�سُ بْحَ ان ََك هَ ذَ ا ُب ْهتَا ٌن عَ ظِ يمٌ{ النور ‪.16‬‬

‫راب�ع��ا‪� :‬أن��ه �إذا �أ�ضيفت �أي��ة ق��راءة �إل��ى �أي‬ ‫�صحابيّ فقيل هذه قراءة �أبيّ بن كعب‪� ,‬أو قراءة‬ ‫عبداهلل بن م�سعود‪� ,‬أو قراءة عليّ بن �أبي طالب‪,‬‬ ‫وهكذا‪ ..‬فلي�س معنى الإ�ضافة �أن ال�صحابي ال‬ ‫يعرف غير هذه القراءة‪� ,‬أو �أن القراءة لم ترو‬ ‫�إال عنه‪� ،‬أو �أنه ابتدعها من تلقاء نف�سه‪ ،‬بل يعني‬ ‫ال�صحابي كان �أ�ضبط لهذه القراءة و�أكثر‬ ‫�أن ّ‬ ‫قراءة بها و�إق��راء بها فا�شتهر بها و�أخذت عنه‪,‬‬ ‫وهذا ال يمنع �أن يعرف غيرها‪ ..‬ف�إن �أيّ قراءة‬ ‫ن�سبت �إلى �شخ�ص ما من القرّاء قد قر�أها غيره‬ ‫ممن ال يح�صون ع��ددا‪ ،‬و�إنما ن�سبت �إليه لأنه‬ ‫�أم�ضى حياته ب�إقرائها‪ ،‬فعرف بها وا�شتهرت‬ ‫عنه‪ ،‬و�أخ��ذت عنه فن�سبت �إليه‪ ..‬كما يقول ابن‬ ‫الجزري رحمه اهلل ن�سبة اختيار ولزوم ودوام‪ ,‬ال‬ ‫ن�سبة اختراع ور�أي واجتهاد وتتميما‪ .‬لكل ما تقدم‬ ‫نقول‪:‬‬

‫�إذ ًا القراءات الع�شرة التي بين �أيدينا لي�ست‬ ‫هي الأحرف الّ�سبعة كلّها بل هي منها‪ .‬فقد �أقر�أ‬ ‫كال «ح�سب لهجة قبيلته‪� ,‬أقر�أ‬ ‫ر�سول اهلل‬ ‫ال�صحابة التابعين بعدهم‪ ,‬والتابعون �أق��ر�ؤوا‬ ‫ّ‬ ‫تابعي التابعين وهكذا ك ّل واح��د ح�سبما تعلّم‪،‬‬ ‫حتى ظ�ه��رت طبقة م��ن ال � �رّواة �أ��ص�ح��اب همّة‬ ‫عالية‪ ،‬فلم يكتفوا بالقراءة والأخ��ذ عن �شيخ‬ ‫واحد‪ ،‬بل �صاروا يذهبون �إلى �أكثر من �شيخ حتى‬ ‫غدوا �أئمة الإقراء في زمانهم‪ ،‬وطالت �أعمارهم‪،‬‬ ‫وق�صدهم النا�س من �أقا�صي المعمورة ينقلون‬ ‫عنهم القراءة‪ .‬وقد قيّ�ض اهلل تعالى لهذا القر�آن‬ ‫ق���راء ع��ظ��م��اء‪ ،‬وك���ان ع��ن��ده��م ت�لام��ي��ذ نجباء‬ ‫الزموهم و�أخذوا منهم‪ ،‬حتى �إن قالون قر�أ على‬ ‫�شيخه نافع ع�شرين �سنة‪ ،‬حتى م ّل �سيدنا نافع‬ ‫وقال له في حرم ر�سول اهلل ‪� :‬إلى متى تقر�أ‬ ‫عليّ ؟؟ اذهب �إلى تلك الأ�سطوانة حتى �أر�سل لك‬ ‫مَ ن يقر�أ عليك فقد �أ�صبحت �شيخاً»‪.‬‬ ‫و�إن �أول م��ن �أ ّل��ف ف��ي ال �ق��راءات ال�سّ بع هو‬ ‫الإمام العظيم �أبو بكر بن مجاهد المتوفى عام‬ ‫‪ 325‬للهجرة‪ ،‬ويقول عنه القرّاء �إنه �أول مَ ن �سبع‬ ‫ال�سبعة‪� ،‬أي �أول من جمع القراءات ال�سّ بع‪.‬‬ ‫ف�ق��د ج�م��ع الإم� ��ام اب��ن م�ج��اه��د رح�م��ه اهلل‬ ‫القراءات ال�سبع من �أ�شهر القراء الذين و�صلت‬ ‫�أ�سانيدهم �إليه وو�ضعها في كتاب �سماه (ال�سّ بعة‬ ‫في القراءات)‪ ،‬ف�صار بع�ض العوام بعد وفاة ابن‬ ‫مجاهد يظنّون �أن الأح��رف ال�سّ بعة التي �أنزل‬ ‫عليها القر�آن هي القراءات ال�سبع التي ذكرها‬ ‫اب��ن مجاهد ف��ي كتابه‪ ,‬وه��ذا ال ��ر�أي بعيد عن‬ ‫ال�صواب ومخالف للإجماع‪ ،‬وذلك لأمرين‪:‬‬ ‫الأول‪� :‬أن الأئمة ال�سبعة لم يكونوا قد وجدوا‬ ‫على ظهر الدنيا �إبّان نزول الأحرف ال�سبعة‪.‬‬

‫‪37‬‬


‫‪38‬‬

‫�أن قراءات الأمة ال�سّ بعة بل الع�شرة التي يقر أ� ‪1.1‬قراءة نافع المدني براوييه‪� :‬إذ يقر�أ �أهل ليبيا‬ ‫وبع�ض تون�س وم�صر برواية قالون عن نافع‪.‬‬ ‫بها اليوم هي جزء من الأحرف ال�سّ بعة التي نزل‬ ‫بها القر�آن‪ ,‬وهي جميعها موافقة لخط م�صحف‬ ‫ويقر�أ �أهل المغرب كلها والجزائر كلها وبع�ض‬ ‫عثمان بن عفان ر�ضي اهلل عنه‪.‬‬ ‫م�صر وتون�س وال���س��ودان ب��رواي��ة ور���ش عن‬ ‫نافع‪.‬‬ ‫قال مكيّ بن �أب��ي طالب رحمه اهلل في بيان‬ ‫هذه الم�س�ألة‪ :‬ف�أما من ظنّ �أن قراءة ك ّل واحد ‪2.2‬رواي��ة حف�ص عن عا�صم‪ :‬انت�شر ت ب�شكل‬ ‫من ه ��ؤالء القراء كنافع‪ ,‬وعا�صم‪ ،‬و�أب��ي عمرو‬ ‫كبير ف��ي جميع الم�شرق (ال �ع��راق وال�شام‬ ‫التي ن�ص عليها النّبيّ ‪ ،‬فذلك خط�أ عظيم‬ ‫وم�صر وت��رك�ي��ا وال�ه�ن��د وباك�ستان والهند‬ ‫لأن فيه �إبطاال للعمل ب�شئ من الأحرف الّ�سبعة‪,‬‬ ‫و�أفغان�ستان)‪.‬‬ ‫و�أن يكون عثمان ما �أفاد فائدة بما �صنع من حمل ‪3.3‬ق ��راءة �أب��ي عمر وال�ب���ص��ري‪ :‬ف��ي ال�سودان‬ ‫النّا�س على م�صحف واحد وحرف واحد‪..‬‬ ‫ال �م �ج��اور لم�صر‪ ,‬وب�ع����ض �أري �ت��ري��ا وت�شاد‬ ‫والخرطوم‪.‬مع �أنها كانت القراءة التي عليها‬ ‫قال ابن تيمية‪ ،‬رحمه اهلل‪ :‬ال نزاع بين العلماء‬ ‫�أهل ال�شام واليمن وم�صر زمن ابن الجزري‪،‬‬ ‫المعتبرين �أن الأح��رف ال�سبعة التي ذكر النبيّ‬ ‫رحمه اهلل‪ ،‬لكنّها لم تكد تجد �أح��دا يتقن‬ ‫لي�ست هي قراءات القراء ال�سّ بعة‪.‬‬ ‫حرفها حتى تراجعت القراءة بها‪..‬‬ ‫ولنعلم �أن الأئمة قد �أودع��وا كتبهم ما و�صل‬ ‫المراجع‪:‬‬ ‫�إليهم من ال�ق��راءات ال�صحيحة ال�سّ ند‪ ,‬فابن‬ ‫مجاهد و�صلته �سبع قراءات ف�ألّف كتاب «ال�سبعة ‪ -‬كتاب الب�سط في القراءات الع�شر‪� ،‬سمر الع�شا‪.‬‬ ‫في القراءات»‪ ,‬وابن غلبون و�صلته ثماني قراءات ‪ -‬الوافي في �شرح ال�شاطبية‪ ،‬ال�شيخ عبدالفتاح القا�ضي‪.‬‬ ‫�أودعها كتابه «التذكرة»‪ ،‬وكذلك كتاب «المبهج» ‪ -‬محا�ضرات ال�شيخ �أيمن �سويد‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫الثاني‪� :‬أن الأحرف نزلت في �أول الأمر للتي�سير‬ ‫على الأمة‪ ،‬فكان ر�سول اهلل ي�سمح لل�صحابة‬ ‫بالقراءة بالمترادف من الكلمات؛ ت�سهيال على‬ ‫ال�ع��رب‪ ،‬حتى تتع�شق قلوبهم ال�ق��ر�آن‪.‬ف�ق��د �سمح‬ ‫بقراءة (وتكون الجبال كال�صوف المنفو�ش) بدال‬ ‫من }كالعهن المنفو�ش{‪ ،‬لأنه لي�س من عادة قبيلته‬ ‫�أن يقولوا العهن بل ال�صوف‪ ،‬ثم منع ذلك ون�سخ‬ ‫و�أخيراً‪ ،‬نود التنويه �أنه من النّاحية النّظرية‬ ‫منها بالعر�ضة الأخيرة من القر�آن؛ ما حدا بالخليفة هناك ع�شر قراءات �صحيحة متواترة‪.‬‬ ‫عثمان بن عفان �إلى كتابة الم�صاحف التي بعثت‬ ‫�أما من الّناحية العملية ف�إنه ال توجد �إال ثالث‬ ‫�إلى الأم�صار و�أحرق ما عداها من الم�صاحف‪.‬‬ ‫ق��راءات متواترة حيّة مقروءة ي�أخذها جيل عن‬ ‫وال�صواب‬ ‫جيل وهي‪:‬‬ ‫ل�سبط الخياط فيه �إحدى ع�شرة قراءة‪� ,‬أما كتاب‬ ‫«الكامل» لأبي القا�سم الهذلي فهو �أو�سع كتاب‬ ‫في القراءات فيه خم�سون قراءة‪ ,‬الع�شر قراءات‬ ‫المعروفة المتواترة‪ ,‬و�أربعون ق��راءة �شاذة مما‬ ‫انقطع �إ�سنادها؛ لأنها لم يتهي�أ لها مَ ن ينقلها �إلى‬ ‫الأجيال من بعدهم‪..‬‬

‫ال�سبعة‬ ‫التعريف بال ُق ّراء ّ‬ ‫■ د‪.‬حم ّمد العيا�صرة ‪ -‬جامعة اجلوف‬

‫الحمد هلل ربِّ العالمين‪ ،‬وال�صالة وال�سالم على �أ�شرف المر�سلين‪ ،‬وخاتم النبيين‪� ،‬سيدنا‬ ‫محمد‪ ،‬وعلى �آله و�صحبه �أجمعين‪.‬‬ ‫بعث اهلل �سبحانه وتعالى محمداّ ر�سو ًال خاتماً �إلى الب�شرية جمعاء‪ ،‬وابتد�أ نزول القر�آن‬ ‫عليه في ليلة القدر على مدى ثالث وع�شرين �سنة‪ .‬وكان �إذا نزل علية جبريل عليه‬ ‫ال�سالم بالآيات القر�آنية يُحرِّك ل�سانه و�شفتيه ليُ�سرِع في حفظها؛ في�شُّ ق عليه ذلك‪ ،‬فتعهّد ل ُه‬ ‫هلل �أنْ يُحفِّظَ ُه ما نزل‪ .‬فكان �إذا �أتاه جبريل علية ال�سالم ا�ستمع الآيات‪ ،‬ف�إذا ذهب عنه قر�أها‬ ‫ا ُ‬ ‫كما وعده اهلل تعالى؛ و�أمر بكتابتها‪ ،‬ويُخبر �صحابته ‪ -‬ر�ضوان اهلل عليهم ‪ -‬بمو�ضع الآيات من‬ ‫ال�سور‪ .‬وكان �صحابة ر�سول اهلل يحفظونه بعد نزوله فوراً؛ وفي كل عام من رم�ضان كان‬ ‫جبريل عليه ال�سالم يُعر�ض القر�آن مع النبيِّ مرة واحدة �إ ّال في ال�سّ نة التي تُوفي فيها ‪� ،‬إذ‬ ‫عر�ض عليه القر�آن مرتين(‪.)1‬‬ ‫ومن المعلوم‪� ،‬أنَّ المرتكز في نقل كتاب اهلل‬ ‫تعالى على الحفظ في ال�صدور �أوالً‪ ،‬ثُمَّ الحفظ‬ ‫في ال�سطور‪ .‬ولمَّا مات النبيّ خرج جماعة‬ ‫من ال�صحابة في �أيام �أبي بكر وعمر – ر�ضي‬ ‫اهلل عنهما – �إل��ى م��ا افتتح م��ن الأم���ص��ار‪،‬‬ ‫ليُعلِّموا النا�س القر�آن والدين؛ فعلَّم كل واحدٍ‬ ‫منهم مِ �صرَه على ما كان يقر�أ على عهد النبي‬ ‫؛ فاختلفت قراءة �أهل الأم�صار على نحو‬ ‫ما اختلفت قراءة ال�صحابة الذين علَّموهم»(‪.)2‬‬

‫وبعد �سنة واحدة من خالفة عثمان‪ ،‬ر�ضي‬ ‫اهلل عنه‪ ،‬ا�ست�شرى الخالف بين الم�سلمين في‬ ‫القراءات‪ ،‬فقال حذيفة(‪ )3‬لعثمان‪ ،‬ر�ضي اهلل‬ ‫عنهما‪« :‬يا �أمير الم�ؤمنين �أدرك هذه الأُ َّم��ة‬ ‫قبل �أن يختلفوا في الكتاب اختالف اليهود‬ ‫وال �ن �� �ص��ارى»(‪)4‬؛ ف�شكّل عثمان لجنة لكتابة‬ ‫القر�آن الكريم‪ ،‬وكانت اللجنة مكونة من‪ :‬زيد‬ ‫ب��ن ث��اب��ت‪ ،‬وع �ب��داهلل ب��ن ال��زب�ي��ر‪ ،‬و�سعيد بن‬ ‫العا�ص‪ ،‬وعبدالرحمن بن ال�ح��ارث؛ ف�أخذوا‬ ‫الم�صحف ون�سخوا منه �سبع نُ�سخ‪ ،‬و�أر�سلها �إلى‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫‪39‬‬


‫‪40‬‬

‫الإمام الأول‪ :‬نافع المدني (ت ‪169‬هـ)‪:‬‬ ‫ه��و الإم ��ام نافع ب��ن عبدالرحمن ب��ن �أب��ي‬ ‫نُعيم‪� ،‬أبو عبدالرحمن الليثي موالهم المدني‪،‬‬ ‫و�أحد القراء الع�شرة‪ ،‬و�إمام القراء في المدينة‬ ‫النبوية‪ ،‬ولد نحو ‪70‬هـ‪ ،‬وتوفي في المدنية عام‬ ‫‪169‬هـ؛ وهو من الطبقة الثالثة بعد ال�صحابة؛‬ ‫وكان �أ�سود اللون حالكاُ؛ عالم ًا خا�شع ًا مجاب ًا‬ ‫في دع��ائ��ه‪� ،‬إم��ام� ًا في علم ال�ق��ر�آن وف��ي علم‬ ‫العربية(‪.)8‬‬ ‫قال عنه مالك بن �أن�س‪« :‬نافع �إمام النا�س‬ ‫في ال�ق��راءة»؛ وق��ال �سعيد بن من�صور ‪ -‬وهو‬ ‫�أحد تالميذ الإمام نافع‪�« :-‬سمعت مالكا يقول‬ ‫ق��راءة نافع �سنّة»؛ قال عبداهلل بن �أحمد بن‬ ‫حنبل‪� :‬س�ألت �أبي‪� :‬أيّ القراءة �أحبّ �إليك‪ .‬قال‪:‬‬ ‫قراءة �أهل المدينة ‪� -‬أي قراءة الإمام نافع ‪-‬‬ ‫قلت ف��إن لم يكن‪ ،‬ق��ال‪ :‬ق��راءة الإم��ام عا�صم‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫الإمام الثاني‪ :‬ابن كثير المكي‬ ‫(ت‪197‬هـ)‪:‬‬ ‫ه��و ع �ب��داهلل ب��ن كثير ب��ن ع �م��رو ال ��داري‬ ‫المكيّ ‪ ،‬فار�سي الأ�صل‪ ،‬كان من �أبناء فار�س‬ ‫الذين بعثهم ك�سرى �إلى اليمن‪ ،‬فطُ رِ دوا عنها‬ ‫�إلى الحب�شة‪ ،‬ثُمَّ ا�ستوطن في مكة‪ ،‬وكان بها‬ ‫عطار ًا(‪.)13‬‬ ‫��ش�ه��د ل��ه �أق ��ران ��ه ب��ال�ع�ل��م وال �ف �� �ض��ل‪ ،‬ق��ال‬ ‫الأ�صمعي‪ :‬قلتُ لأب��ي عمرو الب�صري‪« :‬ق��ر�أت‬ ‫على ابن كثير‪ ،‬قال‪ :‬نعم‪ ،‬ختمتُ على ابن كثير‬ ‫بعد ما ختمت على اب��ن مجاهد‪ ،‬وك��ان �أعلم‬ ‫بالعربية من ابن مجاهد(‪.)14‬‬ ‫ف��اب��ن كثير �أح ��د الأئ �م��ة ال�سبعة‪ ،‬و�إم ��ام‬ ‫المكيين في القراءة‪� ،‬أخذ القراءة عر�ض ًا عن‬ ‫عبداهلل بن ال�سائب‪ ،‬وع��ن مجاهد بن جبير‬ ‫المكي‪ ،‬وعن دربا�س مولى ابن عبا�س(‪.)15‬‬ ‫والجدير ذك��ره �أنَّ اب��ن كثير ك��ان ف�صيح ًا‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫الأم�صار‪ ،‬و�أر�سل مع كل م�صحف رج ًال عالم ًا‬ ‫خبير ًا يُعلِّم النا�س ما في هذا الم�صحف من‬ ‫كالم؛ لأنَّ العُمدة فيه على التلقّي والم�شافهة(‪.)5‬‬ ‫ثُمّ تلقى التابعون القراءات عن ال�صحابة‪،‬‬ ‫وتلقى تابعو التابعين ذلك عن كبرائهم(‪ ،)6‬ولم‬ ‫يخلُ ع�صر من الأع�صار من فحولٍ مدققين‪،‬‬ ‫و�أئ�م��ة محققين‪ ،‬ه��م �أه��ل ال �ق��ر�آن العارفون‬ ‫العاملون المتفرغون لتعليم القر�آن الكريم‪،‬‬ ‫فارتحل �إليهم النا�س ليتعلّموا منهم القر�آن‪،‬‬ ‫و�أط�ب��ق �أه��ل بلدانهم على ق��راءت�ه��م‪ ،‬واهتم‬ ‫العلماء بها تدوين ًا وجمع ًا وتوجيهاً‪ ،‬وكان من‬ ‫�أب��رزه��م ال �ق��راء الع�شرة ال��ذي��ن رزق�ه��م اهلل‬ ‫�صبر ًا عجيب ًا على القراءة والإق��راء‪ ،‬فحفلت‬ ‫كتب الطبقات والتراجم(‪ )7‬ب�أخبارهم‪ ،‬وبيان‬ ‫�أحوالهم‪.‬‬

‫الكوفي(‪.)9‬‬ ‫وتجدر الإ�شارة �إلى �أنَّ الإمام نافع ًا كان �إذا‬ ‫تكلَّم يُ�ش ُّم من فِي ِه رائحة الم�سك؛ فقيل له‪:‬‬ ‫�أتتطيب كلما قعدتَ تُقرئُ النَّا�س؟ فقال‪� :‬إنِّي ال‬ ‫�أقرب الطيب وال �أم�سَّ هُ‪ ،‬ولكن ر�أيتُ فيما يرى‬ ‫النائم �أنَّ النبيّ يقر�أُ في فِيَّ ‪ ،‬فمن ذلك الوقت‬ ‫يُ�ش ُّم من فمي هذه الرائحة(‪.)10‬‬ ‫وممّا ذُ كر عن الإم��ام نافع �أ َّن��ه قر�أ القر�آن‬ ‫على �سبعين من التابعين‪ ،‬منهم‪� :‬أب��و جعفر‬ ‫يزيد ب��ن القعقاع‪ ،‬وعبدالرحمن ب��ن هرمز‬ ‫الأع� ��رج‪ ..‬كما روى ال �ق��راءة عنه ط��وائ��ف ال‬ ‫يح�صى عددهم‪ ،‬ومِ مَن تلقّوا عنه الإمام مالك‬ ‫ابن �أن�س‪ ،‬والليث بن �سعد ‪169‬هـ‪ ،‬ومن �أ�شهر‬ ‫رواته «قالون»(‪ ،)11‬و«ور�ش»(‪.)12‬‬

‫بليغ ًا مفوّها‪ ،‬عليه ال�سكينة وال��وق��ار‪ ،‬وك��ان عبدالعزيز ال���دوري(‪ ،)22‬و�صالح بن زي��اد بن‬ ‫قا�ضي الجماعة ف��ي مكة‪ ،‬و�إم ��ام النا�س في عبداهلل ال�سو�سي(‪.)23‬‬ ‫القراءة بها‪ ،‬لم ينازعه فيها منازع‪ ،‬ومن �أ�شهر‬ ‫الإمام الرابع‪ :‬ابن عامر ال�شامي (ت‬ ‫رواته‪� :‬أحمد بن محمد بن عبداهلل البزي «‪170‬‬ ‫‪118‬هـ)‪:‬‬ ‫‪250‬ه � � �ـ»(‪ ،)16‬ومحمد ب��ن عبدالرحمن بن‬‫هو عبداهلل بن عامر بن يزيد بن تميم بن‬ ‫محمد المكيّ ولد �سنة «‪291 – 195‬هـ» ولقبه‬ ‫ربيعة اليح�صبي‪ ،‬ن�سبه �إلى يح�صب بن دهمان‬ ‫قنبل(‪.)17‬‬ ‫ويُكنى ب�أبي عمران‪ُ ،‬ولِد في قرية (ارحاب) في‬ ‫قال ابن مجاهد‪ :‬ولم يزل عبداهلل بن كثير‬ ‫المفرق‪ ،‬ثُمَّ رحل �إلى دم�شق وعمره ت�سع �سنين‪،‬‬ ‫هو الإم��ام المجتمع عليه في القراءة في مكة‬ ‫�إمام �أهل ال�شام في القراءة‪ ،‬والذي �إليه انتهت‬ ‫حتى مات فيها �سنة ع�شرين ومائة رحمه اهلل‬ ‫م�شيخة الإقراء بها بعد وفاة �أبي الدرداء‪ ،‬و�أحد‬ ‫تعالى(‪.)18‬‬ ‫القراء ال�سبعة و�أعالهم �سنداً‪� ،‬أمَّ الم�سلمين‬ ‫في الجامع الأموي �سنين كثيرة زمن عمر بن‬ ‫الإمام الثالث‪� :‬أبو عمرو الب�صري‬ ‫(‪154‬هـ)‪:‬‬ ‫عبدالعزيز وقبله‪ ،‬ولجاللته في العلم والإتقان‬ ‫هو ز َّب��ان بن العالء بن عمَّار بن ال ُعرْيان جمع له الخليفة بين الق�ضاء والإمامة‪ ،‬وم�شيخة‬ ‫التميميّ المازنيّ ‪ ،‬المُقرئ النحوي الب�صري الإقراء في دار الخالفة «دم�شق» محط رحال‬ ‫الإم ��ام‪� ،‬أح��د ال�ق��راء ال�سبعة‪ ،‬وك��ان لجاللته العلماء والتابعين‪ ،‬ف�أجمع النا�س على قراءته‬ ‫ال ي�س�أل عن ا�سمه‪ ،‬وك��ان من �أ�شراف العرب وعلى تلقيها بالقبول‪ ،‬وهم ال�صدر الأول الذين‬ ‫ووجوهها‪ ،‬مدحه الفرزدق وغيره من ال�شّ عراء‪ ،‬هم �أفا�ضل الم�سلمين(‪.)24‬‬ ‫وك��ان �أعلم النا�س بالعربية وال �ق��ر�آن‪ ،‬و�أي��ام‬ ‫قر�أ ابن عامر على �أبي ها�شم المغيرة بن‬ ‫العرب وال�شعر مع ال�صدق والأمانة والثقة(‪� .)19‬أبي �شهاب‪ ،‬وعلى �أبي الدرداء ر�ضي اهلل عنه‪،‬‬ ‫وقال ابن كثير في البداية والنّهاية‪« :‬كان ومن �أ�شهر روات��ه‪ :‬ه�شام بن عمار الدم�شقي‬ ‫�أب��و عمرو عالّمة زمانه في القراءات والنحو �إمام �أهل دم�شق وعالمهم وقارئهم ومفتيهم‪،‬‬ ‫وعبداهلل بن �أحمد بن ب�شر بن ذكوان الدم�شقي‬ ‫والفقه ومن كبار العلماء العاملين»(‪.)20‬‬ ‫(‪)25‬‬ ‫المُقرئ‪� ،‬إمام الجامع الأموي ‪.‬‬ ‫�أخ ��ذ ال��ق��راءة ع��ن �أه ��ل ال �ح �ج��از‪ ،‬و�أه��ل‬ ‫الب�صرة‪ ،‬فعر�ض في مكة على مجاهد و�سعيد‬ ‫الإمام الخام�س‪ :‬عا�صم الكوفي‬ ‫(ت‪137‬هـ)‪:‬‬ ‫اب��ن جبير وع�ط��اء‪ ،‬واب��ن كثير‪ ..‬وع��ر���ض في‬ ‫الب�صرة على يحيى بن يعمر‪ ،‬ون�صر بن عا�صم‬ ‫هو عا�صم بن بهدلة �أب��ي النَّجود‪ ،‬الإم��ام‬ ‫والح�سن وغيرهم‪ ،‬وقر�أ عليه خلق كثير؛ منهم‪ :‬الكبير مقرئ الع�صر‪� ،‬شيخ القراء بالكوفة‪،‬‬ ‫ال�صمعي‪ ،‬وعبداهلل بن مبارك‪ ،‬تُوفي رحمه �أحد ال�سبعة‪ ،‬قر�أ القر�آن على �أبي عبدالرحمن‬ ‫اهلل �سنة �أربع وخم�سين ومائة(‪.)21‬‬ ‫ال�سُّ لمي‪ ،‬ووزر ب��ن حبي�ش الأ� �س��دي‪ ،‬وح��دَّ ث‬ ‫و�أ�شهر من روى قراءته‪ :‬حف�ص بن عمر بن عنهما‪ ،‬وع��دّه �أ�صحاب التراجم والطبقات‬

‫‪41‬‬


‫الإمام ال�ساد�س‪ :‬حمزة الكوفي‬ ‫(ت‪156‬هـ)‪:‬‬ ‫هو حمزة بن حبيب بن عمارة بن �إ�سماعيل‬ ‫الكوفي التميمي‪ ،‬ويُكنى ب�أبي عمارة‪� ،‬أحد الأئمة‬ ‫ال�سبعة‪ ،‬يُعرف بالزيات لأنه كان يجلب الزيت‬ ‫من العراق �إلى حلوان‪ ،‬ويجلب الجبن والجوز‬ ‫منها �إلى الكوفة‪ ،‬يُع ُّد �إمام النا�س في القراءة‬ ‫بالكوفة بعد عا�صم والأعم�ش‪ ،‬وكان ثقة حجة‪،‬‬ ‫قيم ًا بكتاب اهلل تعالى‪ ،‬ب�صير ًا بالفرائ�ض‪،‬‬ ‫عارف ًا بالعربية‪ ،‬حافظ ًا للحديث(‪.)27‬‬ ‫ق��ال ل��ه �أب��و حنيفة ي��وم �اً‪�« :‬شيئان غلبتنا‬ ‫فيهما ال ننازعك في واح��دٍ منهما‪ ،‬ال�ق��ر�آن‪،‬‬ ‫والفرائ�ض»‪ ،‬وكان �شيخه الأعم�ش �إذا ر�آه مقب ًال‬ ‫يقول‪« :‬ه��ذا حبر ال �ق��ر�آن»‪ ،‬ور�آه يوم ًا مقب ًال‬ ‫فقال‪« :‬وب�شر المح�سنين»‪ ،‬وقال �سفيان الثوري‪:‬‬ ‫«ما قر�أ حمزة حرف ًا من كتاب اهلل �إال ب�أثر»(‪.)28‬‬ ‫وروى عنه القراءة �أُنا�س كثيرون؛ �أ�شهرهم‪:‬‬ ‫خلف بن ه�شام بن ثعلب الأ��س��دي البغدادي‬ ‫البزاز‪ ،‬وخالد بن خالد ال�شيباني ال�صيرفي‬ ‫الكوفي»(‪.)29‬‬

‫هو الإم��ام علي بن حمزة بن عبداهلل بن‬ ‫عثمان الك�سائي‪ ،‬ويُكنى ب�أبي الح�سن‪ ،‬ويُلقب‬ ‫بالك�سائي لأنه �أحرم في ك�ساءٍ ‪ ،‬تُوفي الك�سائي‬ ‫�سنة ت�سع وثمانين ومائة على �أ�شهر الأق��وال‬ ‫عن �سبعين �سنة‪� ،‬أح��د القراء ال�سبعة‪ ،‬وكان‬ ‫�إم��ام النا�س في القراءة في زمانه‪ ،‬و�أعلمهم‬ ‫بالقراءة‪ ،‬و�أ�ضبطهم لها‪ ،‬وانتهت �إليه ريا�سة‬ ‫الإقراء بالكوفة بعد الإمام حمزة(‪.)30‬‬ ‫ق��ال �أب��و بكر ب��ن الأن �ب��اري‪« :‬اجتمعت في‬ ‫الك�سائي �أم���ور‪ :‬ك��ان �أع �ل��م ال�ن��ا���س بالنحو‪،‬‬ ‫و�أوح��ده��م ف��ي ال �غ��ري��ب‪ ،‬و�أوح� ��د ال�ن��ا���س في‬ ‫القر�آن‪ ،‬فكانوا يكثرون عنده فيجمعهم ويجل�س‬ ‫على كر�سي‪ ،‬ويتلو القر�آن من �أول��ه �إلى �آخره‬ ‫وه��م ي�سمعون وي�ضبطون عنه حتى المقاطع‬ ‫والمبادئ»(‪.)31‬‬ ‫وللك�سائي م�ؤلفات عدة في القراءات والنحو‬ ‫ذكر العلماء �أ�سماءها ولكن لم نرها‪ ،‬ولم نعرف‬ ‫�شيئ ًا عنها‪ ..‬و�أ�شهر من روى قراءته‪ :‬الليث بن‬ ‫خالد المروزي البغدادي‪ ،‬وحف�ص الدوري‪.‬‬

‫(‪ )1‬انظر الأحاديث الواردة في معار�ضة القر�آن في‪� :‬صحيح البخاري في «كتاب ف�ضائل القر�آن»‪ ،‬باب كان جبريل يعر�ض‬ ‫القر�آن على النبيّ �صلى اهلل عليه و�سلم ‪ ،102 ،101/6 :‬وابن �شامة‪ :‬المر�شد الوجيز‪.96 :‬‬ ‫(‪ )2‬مكي بن �أبي طالب‪ :‬الإبانة عن معاني القراءات‪.37 :‬‬ ‫(‪ )3‬حذيفة بن اليمان‪ ،‬المعروف باليماني‪� ،‬صحابي جليل‪ ،‬وهو �صاحب �س ِّر النبي‪ .‬انظر‪ :‬ابن حجر‪ :‬الإ�صابة‪– 332/1 :‬‬ ‫‪.333‬‬ ‫(‪ )4‬من حديث �أخرجه البخاري في �صحيحه « كتاب‪ :‬ف�ضائل القر�آن»‪ ،‬باب‪ :‬جمع القر�آن «‪.99/6 :‬‬ ‫(‪ )5‬يُنظر‪ :‬البنا الدمياطي‪ :‬اتحاف ف�ضالء الب�شر‪.67/1 :‬‬ ‫(‪ )6‬يُنظر‪ :‬مكي بن �أبي طالب‪ :‬الإبانة عن معاني القراءات‪ ،31 – 23 :‬و�أبو �شامة المقد�سي‪ :‬المر�شد الوجيز‪.155 :‬‬ ‫(‪ )7‬يُنظر‪ :‬تراجم القُراء في الذهبي‪ :‬معرفة القراء الكبار‪ ،‬وابن الجزري‪ :‬غاية النهاية‪ ،‬لترى كيف كانت همم القوم‪.‬‬ ‫(‪ )8‬يُنظر‪ :‬ابن مجاهد‪ :‬ال�سبعة‪ ،63 :‬وابن الجزري‪ :‬غاية النهاية‪.331/2 :‬‬

‫‪42‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫(‪ )9‬يُنظر‪ :‬الذهبي‪� :‬سير �أعالم النبالء‪ ،336/7 :‬وابن العماد‪� :‬شذرات الذهب‪.270/1 :‬‬ ‫(‪ )10‬يُنظر‪ :‬ابن خلكان‪ :‬وفيات الأعيان و�أنباء �أبناء الزمان‪.368/5 :‬‬ ‫(‪ )11‬لقبه نافع «قالون» لجودة قراءته‪ ،‬ومعناه جيد بالرومية‪ ،‬وهو عي�سى بن مينا بن وردان الزُّرقي «‪220 – 120‬هـ»‪ ،‬قارئ‬ ‫�أهل المدينة في زمانه ونحويُّهم‪� ،‬أجل �شيوخه نافع‪ ،‬وقر�أ عليه ب�شر كثير‪ ،‬منهم ولدي ِه �أحمد و�إبراهيم‪ .‬يُنظر‪ :‬معرفة‬ ‫القرَّاء الكبار‪ ،156-155/1 :‬وابن الجزري‪ :‬غاية النهاية‪.616-615/1 :‬‬ ‫(‪ )12‬هو عثمان بن �سعيد الم�صري « ‪197-110‬ه �ـ»‪ ،‬لقَّب ُه �شيخه نافع بور�ش ل�شدة بيا�ضه ت�شبيه ًا بالطائر المعروف‬ ‫بور�شان‪� ،‬شهد له العلماء ب�أنّه ح�سن ال�صوت‪ ،‬جيد القراءة ال يمله �سامع‪ ،‬مع براعته في العربية ومعرفته بالتجويد‪،‬‬ ‫ت�صدر للإقراء زمان ًا ف�أخذ عنه جماعة كثيرة منهم‪ :‬يون�س بن عبدالأعلى‪ ،‬ويو�سف بن عمرو الأزرق‪ .‬يُنظر‪ :‬ابن‬ ‫الجزري‪ :‬غاية النهاية‪ ،503-502/1 :‬والذهبي‪ :‬معرفة القراء الكبار‪.155-152/1 :‬‬ ‫(‪ )13‬يُنظر‪ :‬ابن �سعد‪ :‬الطبقات الكبرى‪ ،484/5 :‬والذهبي‪� :‬سير �أعالم النبالء‪.445-443/5 :‬‬ ‫(‪ )14‬يُنظر‪ :‬الذهبي‪� :‬سير �أعالم النبالء‪ ،318/5 :‬وابن خلكان‪ :‬وفيات الأعيان‪ )2( .41/3 :‬يُنظر‪ :‬ابن الجزري‪ :‬غاية‬ ‫النهاية‪.443/1 :‬‬ ‫(‪ )15‬الذهبي‪ :‬معرفة القراء الكبار‪.80-79/1 :‬‬ ‫(‪� )16‬أحمد بن محمد بن عبداهلل بن �أبي بزَّة المكي‪ ،‬مُقرئ مكة‪ ،‬وم�ؤذن الم�سجد الحرام‪� ،‬أخذ القراءة عن �أبيه‪ ،‬وعكرمة‬ ‫ابن �سليمان و�آخرين‪ ،‬يُنظر‪ :‬الذهبي‪ :‬معرفة القراء الكبار‪ ،178-173/1 :‬وابن الجزري‪ :‬غاية النهاية‪-119/1 :‬‬ ‫‪.120‬‬ ‫(‪� )17‬شيخ القراء في الحجاز بزمانه‪ُ ، ،‬لقِبَ بقنبُل؛ لأنه من بيت بمكة يُقال له‪ :‬القنابلة‪� ،‬أخذ القراءة عن البزي وغيره‪،‬‬ ‫وعنه خلق كثير‪ /‬منهم‪� :‬أبو بكر ابن مجاهد‪ ،‬وابن �شنبوذ‪ .‬يُنظر‪ :‬الذهبي‪ :‬معرفة القراء الكبار‪.230/1 :‬‬ ‫(‪ )18‬يُنظر‪ :‬الزركلي‪ :‬الأعالم‪ .115/4 :‬والذهبي‪� :‬سير �أعالم النبالء‪ ،320/5 :‬وابن العماد‪� :‬شذرات الذهب‪.157/1 :‬‬ ‫(‪ )19‬يُنظر‪ :‬الذهبي‪ :‬معرفة القراء الكبار‪.105 – 101/1 :‬‬ ‫(‪ )20‬ابن كثير‪ :‬البداية والنهاية‪120/10 :‬‬ ‫(‪ )21‬يُنظر‪ :‬الذهبي‪� :‬سير �أعالم النبالء‪ ،410- 407/6 :‬وابن الجزري‪ :‬غاية النهاية‪.292 – 288/1 :‬‬ ‫(‪� )22‬إمام القراء في ع�صره‪ ،‬ثقة مثبت كبير �ضابط‪� ،‬أول من جمع القراءات و�صنف فيها‪ ،‬قال الأهوازي‪�« :‬إنه رحل في‬ ‫طلب القراءات‪ ،‬وقر�أ ب�سائر الحروف متواترها و�صحيحها و�شاذها و�سمع من ذلك �شيئ ًا كثيراً‪ ،‬وق�صده النا�س من‬ ‫الآفاق لعلو �سنده و�سعة علمه»‪ ،‬من م�صنفاته‪�« :‬أحكام القر�آن وال�سنن»‪« ،‬ما اتفقت �ألفاظه ومعانيه من القر�آن»‪،‬‬ ‫«ف�ضائل القر�آن»‪ ،‬توفي في �شواال �سنة �ست و�أربعين ومائتين‪ .‬يُنظر‪ :‬ابن الجزري‪ :‬غاية النهاية‪،257 – 255/1 :‬‬ ‫والداودي‪ :‬طبقات المف�سرين‪.163 – 162/1 :‬‬ ‫(‪ )23‬هو �أبو �شعيب ال�سو�سي الرثي‪ ،‬توفي �سنة «‪261‬هـ»‪ ،‬مقرئ‪� ،‬ضابط‪ ،‬محرر‪ ،‬ثقة‪� ،‬أخذ القراءة عر�ض ًا و�سماع ًا على‬ ‫�أبي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي وهو من �أجلِّ �أ�صحابه و�أكبرهم‪ ،‬وروى عنه القراءة �أحمد بن �شعيب الن�سائي‬ ‫الحافظ‪ ،‬ومو�سى بن جرير‪ ،‬ومحمد بن �إ�سماعيل القر�شي‪ ،‬و�آخ��رون‪ .‬يُنظر‪ :‬الزركلي‪ :‬الأع�لام‪ ،191/3 :‬وابن‬ ‫الجزري‪ :‬غاية النهاية‪.332/1 :‬‬ ‫(‪ )24‬يُنظر‪ :‬ابن �سعد‪ :‬الطبقات الكبرى‪ ،449/7 :‬والذهبي‪ :‬معرفة القراء الكبار‪ ،86 – 82/1 :‬وابن الجزري‪ :‬غاية‬ ‫النهاية‪.425 – 423/1 :‬‬ ‫(‪ )25‬يُنظر‪ :‬الذهبي‪� :‬سير �أعالم النبالء‪.293 – 292/5 :‬‬ ‫(‪ )26‬يُنظر‪ :‬الذهبي‪ :‬معرفة القراء الكبار‪ ،4)- 88/1 :‬وابن الجزري‪ :‬غاية النهاية‪.349 – 346/1 :‬‬ ‫(‪ )27‬يُنظر‪ :‬ابن عماد الحنبلي‪� :‬شذرات الذهب في �أخبار من ذهب‪400/2 :‬‬ ‫(‪ )28‬يُنظر‪ :‬الذهبي‪ :‬معرفة القراء الكبار‪.140/1 :‬‬ ‫(‪ )29‬يُنظر‪ :‬ابن الجزري‪ :‬غاية النهاية‪..255 – 254/1 :‬‬ ‫(‪ )30‬يُنظر‪ :‬الذهبي‪ :‬معرفة القراء الكبار‪.128 – 120/1 :‬‬ ‫(‪ )31‬يُنظر‪ :‬ابن عماد الحنبلي‪� :‬شذرات الذهب في �أخبار من ذهب‪ ،321/1 :‬وابن الجزري‪ :‬غاية النهاية‪.540–535/1 :‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫من التابعين‪ ،‬وقر�أ عليه خل ٌق كثير؛ �أ�شهرهم‪:‬‬ ‫حف�ص بن �سليمان بن المغيرة البزار‪ ،‬و�شعبة‬ ‫ابن عيا�ش بن �سالم النه�شلي الكوفي(‪.)26‬‬

‫الإمام ال�سابع‪ :‬الك�سائي الكوفي‬ ‫(ت‪189‬هـ)‪:‬‬

‫‪...................‬‬

‫‪43‬‬


‫■ م�صطفى �سعد ربيعة ‪ -‬م�صر‬

‫الحـمد هلل الذي ا�صطفى من خـلقه جملة كتـابه‪ ،‬و�أوجـب عليهم تجوي ــده والعمل بما فيه‪،‬‬ ‫ووعدهم على ذلك جزيل ثوابه «ووفقهم للمداومة على قراءته و�إقرائه» و�سقاهم لذيذ �شرابه‪،‬‬ ‫وف�ضلهم على‬ ‫وخ�صهم بمزايا بين العباد وجعلهم من خوا�ص �أحبابه‪ ،‬ف�سبحانه من �إله اختارهم ّ‬ ‫من �سواهم لحفظ كتابه الكريم‪ ،‬و�صونه عن التبديل والتغيير والتحريف‪ ،‬فح ـ ــفظوه و�صانوه‬ ‫عن الزيادة والنق�ص والت�أخير والتقديم‪ ،‬وحرروا طرقه ورواياته‪ ،‬فطوبى لمن تاله حق تالوته‪،‬‬ ‫حتى �صار ممتزجا بلحمه ودمه‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫ج��دي��ر ب �ن��ا �إذا �أردن � ��ا ال �ح��دي��ث ع��ن علم‬ ‫ال �ق��راءات‪� ،‬أن ن�ستهل حديثنا ب�ه��ذا الحديث‬ ‫ال�شريف‪:‬‬ ‫عن عمر بن الخطاب‪ ،‬ر�ضي اهلل عنه‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫(�سَ مِ عْتُ هِ �شَ امَ بْنَ حَ كِ يمٍ َي ْق َر�أُ �سُ و َر َة ا ْل ُف ْرقَانِ فِي‬ ‫لل َ�صلَّى اللهَّ ُ عَ َل ْي ِه وَ�سَ لَّمَ ‪ ،‬فَا�سْ َت َمعْتُ‬ ‫حَ يَا ِة رَ�سُ ولِ ا ِ‬ ‫ُوف َكثِي َر ٍة لَمْ‬ ‫ِل ِقرَا َء ِت ِه َف ��إِذَ ا هُ � َو َي� ْق� َر ُ�أ عَ لَى حُ �ر ٍ‬ ‫ُيقْرِ ْئنِيهَا رَ�سُ ولُ اللهَّ ِ َ�صلَّى اللهَّ ُ عَ َل ْي ِه وَ�سَ لَّمَ ‪ ،‬فَكِ دْتُ‬ ‫ال�صلاَ ةِ‪َ ،‬فت ََ�ص َّبرْتُ حَ تَّى �سَ لَّمَ ‪َ ،‬ف َل َب ْب ُت ُه‬ ‫�أُ�سَ ا ِو ُر ُه فِي َّ‬ ‫بِرِ دَا ِئهِ(�أي‪� :‬أخذته بردائه وجمعته عند �صدره‪،‬‬ ‫ونحره‪ ،‬م�أخوذ من اللبة وهي المنحر)‪َ ،‬ف ُقلْتُ‬ ‫مَ نْ �أَ ْق َر�أَكَ هَ ذِ ِه ال�سُّ و َر َة ا َّلتِي �سَ مِ ْعتُكَ َت ْق َر�أ ُ؟ قَالَ‬ ‫�أَ ْق َر َ�أنِيهَا رَ�سُ ولُ اللهَّ ِ َ�صلَّى اللهَّ ُ عَ َل ْي ِه وَ�سَ لَّمَ ‪َ ،‬ف ُقلْتُ ‪:‬‬ ‫كَذَ بْتَ ‪� ،‬أَ ْق َر َ�أنِيهَا عَ لَى غَ يْرِ مَ ا َق َر�أْتَ ‪ .‬فَانْطَ َلقْتُ ِب ِه‬ ‫�أَقُو ُد ُه �إِلَى رَ�سُ ولِ اللهَّ ِ َ�صلَّى اللهَّ ُ عَ َل ْي ِه وَ�سَ لَّمَ ‪َ ،‬ف ُقلْتُ ‪:‬‬ ‫ُوف‬ ‫�إِنِّي �سَ مِ عْتُ هَ ذَ ا َي ْق َر ُ�أ �سُ و َر َة ا ْل ُف ْرقَانِ عَ لَى حُ ر ٍ‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫لَمْ ُتقْرِ ْئنِيهَا‪َ ،‬فقَالَ �أَرْ�سِ ْلهُ‪ ..‬ا ْق َر�أْ يَا هِ �شَ امُ ‪َ ،‬ف َق َر�أَ‬ ‫ا ْل ِقرَا َء َة ا َّلتِي �سَ مِ ْع ُتهُ‪َ ،‬فقَالَ رَ�سُ ولُ اللهَّ ِ َ�صلَّى اللهَّ ُ‬ ‫لل‬ ‫عَ َل ْي ِه وَ�سَ لَّمَ كَذَ لِكَ �أُ ْن��زِ َل��تْ ‪ُ ،‬ث��مَّ َق��الَ رَ�سُ ولُ ا ِ‬ ‫َ�صلَّى اللهَّ ُ عَ َل ْي ِه وَ�سَ لَّمَ ا ْق َر�أْ يَا عُ مَر‪َ ُ ،‬ف َق َر�أْتُ ا َّلتِي‬ ‫�أَ ْق� َر�أَ ِن��ي‪َ ،‬فقَالَ كَذَ لِكَ أُ� ْن��زِ َل��تْ ‪�(.‬إِنَّ هَ ��ذَ ا ا ْل ُق ْر�آنَ‬ ‫�أُنْزِ لَ عَ لَى �سَ ْب َع ِة �أَحْ ر ٍُف فَا ْق َرءُوا مَ ا َتيَ�سَّ َر مِ ْنهُ)‪.‬‬ ‫كانت القراءات في العهد النبوي نبعًا يلبي‬ ‫حاجة ما�سّ ة عند القبائل‪ ،‬ويقع منهم مواقع‬ ‫ح�سنة‪ ،‬ويوقفهم على �أ�ساليب القر�آن الكريم‪،‬‬ ‫ولكن تنوّع هذه القراءات خا�صة في عهد الخليفة‬ ‫الثالث‪� ..‬أخ��ذ ي�سير في منحىً يناق�ض م�سوغ‬ ‫وجودها الذي هو التي�سير على الأمة‪ .‬و�أ�صبح يثير‬ ‫من المخاوف على �ضياع �شئٍ من القر�آن بقراءاته‬ ‫المتعددة‪ ،‬وكذا الخوف على وحدة الم�سلمين‪،‬‬ ‫ما ا�ستنه�ض الخليفة عثمان لدرء هذه الفتنة‪،‬‬ ‫وذلك بتوحـيد الم�صاحف على القراءات المجمع‬

‫�أولها‪� :‬صحة ات�صال ال�سند (راوي القراءة) عن‬ ‫النبي �صلى اهلل عليه و�سلم من دون انقطاع‬ ‫�أو �ضعف في روايته‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬موافقة الر�سم العثماني‪.‬‬ ‫ثالثا‪ :‬موافقة اللغة العربية ولو بوجه واحد‪.‬‬ ‫قال العالمة ابن الجزري في �شروط القراءات‬ ‫المتواترة‪:‬‬

‫ف���ك���ل م����ا واف�������ق وج������ه ن��ح��ـ��و‬ ‫وك��ان للر�سم احتماال يحوي‬ ‫و����ص���ح �إ�����س����ن����ادا ه����و ال���ق���ـ���ران‬ ‫ف���ـ���ه���ذه ال���ث�ل�اث���ة الأرك���ـ���ـ���ـ���ان‬ ‫وح��ي��ث��م��ا ي��خ��ت��ل رك���ـ���ن اث��ب��ت‬ ‫���ش��ـ��ـ��ذوذه ل��و ان���ه ف��ي ال�سبعة‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫القراءات المقبولة والمردودة وال�شاذة‬

‫عليها‪ ،‬وه��و ما ي�سمى بالقراءات المتواترة �أو‬ ‫المقبولة‪.‬‬ ‫ومن هنا‪ ،‬بد�أت تتعدد القراءات بين العرب‪،‬‬ ‫م��ا بين ق���راءات مقبولة‪ ،‬وق� ��راءات م ��ردودة‪،‬‬ ‫وقراءات �شاذة وغيرها من القراءات المتعددة‪.‬‬ ‫�إل��ى �أن و�ضع ال�صحابة ر�ضوان اهلل عليهم‬ ‫في ذل��ك الوقت لجمع ال�ق��ران الكريم �شروطا‬ ‫للقراءات المتواترة �أو المقبولة‪:‬‬

‫عليها؛ فقد كره كثير من علماء الم�سلمين حَ َملَتها‬ ‫و�أطلقوا عليهم عبارات منفّرة‪ ،‬كقول ابن �أبي‬ ‫عبلة «من حمل �شاذ العلماء حمل �شرًا كبيرًا»‪،‬‬ ‫وتعرّ�ض بع�ضهم لل�ضرب من قبل والة الأم��ر‪،‬‬ ‫�إ�ضافة �إلى موتهم واحدًا تلو الآخر‪.‬‬ ‫وكان �أول من �أطلق عليها م�صطلح ال�شذوذ هو‬ ‫الإمام ابن جرير الطبري في تف�سيره في مطلع‬ ‫القرن الرابع‪ ،‬عندما تعرّ�ض لقراءة ابن م�سعود‬ ‫في �سورة �إبراهيم (و�إن كاد مكرهم) بالدال بد ًال‬ ‫من النون‪ ،‬والأ�صل في الآية الكريمة }وان كان‬ ‫مكرهم لتزول منه الجبال{ [الآية ‪( ،]46‬ب�أنها‬ ‫�شاذة ال تجوز ال�ق��راءة بها لخالفها م�صاحف‬ ‫الم�سلمين)‪.‬‬ ‫وهكذا‪ ،‬ن�ش�أت القراءات ال�شاذة وانح�سرت‬ ‫دائرتها م��ع م��رور ال��زم��ن‪ ،‬وت�ح��ددت معالمها‪،‬‬ ‫ف�أ�صبحت عِ لما م��ن العلوم التي لها �أهميتها‬ ‫و�أثرها الوا�ضح في �إثراء اللغة العربية والأحكام‬ ‫ال�شرعية‪ ،‬وكذلك �إثراء علم التف�سير‪.‬‬ ‫وقد عرفت القراءات ال�شاذّة من قبل بع�ض‬ ‫العلماء؛ فقال ابن الجزري عنها‪« :‬كل قراءة اختل‬ ‫فيها ركن �أو �أكثر من �أركان القراءة المقبولة»(‪.)1‬‬ ‫وقال ال�سيوطي‪« :‬هي ما لم ي�صح �سنده»(‪.)2‬‬ ‫ف��ال�ق��راءة ال���ش��اذّة بناء على ذل��ك ق��د تكون‬ ‫مرفوعة �إلى النبي �صلى اهلل عليه و�سلم من طرق‬ ‫قوية �أو �ضعيفة‪ ،‬وقد توافق خط الم�صحف وقد‬ ‫تخالفه‪ ،‬وقد يكون لها وجه �صحيح في اللغة‪ ،‬وقد‬ ‫تكون مردودة‪ ،‬وهي دون قراءة الجماعة؛ ويندرج‬ ‫تحتها نوعان من القراءات‪:‬‬

‫و�إذا اخ��ت�� َّل �شرط م��ن ه��ذه ال�����ش��روط كانت‬ ‫القراءة �شاذة‪.‬‬ ‫وم��ع � �ش��ذوذ ه��ذه ال �ق��راءات وخ��روج�ه��ا عن‬ ‫الإجماع في الوقت المبكر‪� ،‬إال �أن القراءة بها‬ ‫لم تتوقف عند عدد من القراء‪ ،‬بل تم�سكوا بها‬ ‫مقتنعين ب�أن ما �صحَّ عن النبي �صلى اهلل عليه ‪ -1‬الـقـراءة الآحـاد‪:‬‬ ‫وه��ي ال �ق��راءة التي �صحَّ �سندها‪ ،‬وخالفت‬ ‫و�سلم ال يمكن تجاهله‪.‬‬ ‫وهكذا ا�ستمر الو�ضع ثالثة قرون متتالية‪� ،‬إلى الر�سم �أو وجها من وجوه العربية �أو كليهما‪ ،‬ولم‬ ‫�أن جاءت عوامل قوية �أدت بها �إلى الف�صل التام ت�شتهر‪ .‬ومن �أمثلتها قوله تعالى‪:‬‬ ‫}ل �ق��د ج��اءك��م ر� �س��ول م��ن �أن�ف���س�ك��م عزيز‬ ‫عن المتواتر‪ ،‬وتحديد معالمها‪ ،‬و�إطالق ال�شذوذ‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫‪45‬‬


‫(‪ )1‬الن�شر‪ ،9/1 :‬بت�صرف ي�سير‪.‬‬ ‫(‪ )2‬الإتقان‪.216/1 :‬‬ ‫(‪ )3‬مخت�صر ف��ي � �ش��واذ ال��ق��ر�آن‪ ،‬اب��ن خ��ال��وي��ه‪،60:‬‬ ‫المحت�سب‪ ،‬ابن جني‪ ،426/1 :‬الكامل‪ ،‬الهذلي‪:‬‬ ‫‪� ،396‬إتحاف ف�ضالء الب�شر‪ ،‬الدمياطي‪،308 :‬‬ ‫القراءات ال�شاذة‪ ،‬القا�ضي‪.52:‬‬ ‫(‪ )4‬الإتقان‪ ،‬ال�سيوطي‪.216/1 :‬‬ ‫(‪ )5‬ف �� �ض��ائ��ل ال � �ق� ��ر�آن‪� ،‬أب� ��و ع� �ب� �ي ��د‪� ،195:‬صحيح‬

‫ال �ب �خ��اري‪ ،1012/2 :‬رق��م ال�ح��دي��ث (‪،)4519‬‬ ‫كتاب الم�صاحف‪ ،‬اب��ن �أب��ي داود‪ ،84:‬مخت�صر‬ ‫في �شواذ ال�ق��ر�آن‪ ،‬ابن خالويه‪ ،19:‬الم�ستدرك‪،‬‬ ‫ال �ح��اك��م‪ ،332/2:‬تف�سير ال �ق��ر�آن العظيم‪ ،‬ابن‬ ‫كثير‪ ،247/1:‬الثمرات اليانعة‪ ،‬الثالئي‪.439/1:‬‬ ‫(‪ )6‬البرهان‪ ،‬الجويني‪.667/1:‬‬ ‫(‪ )7‬المنخول‪ ،‬الغزالي‪.282 :‬‬ ‫(‪� )8‬شرح �صحيح م�سلم‪ ،‬للنووي‪.130/5 :‬‬

‫‪ -2‬الـقـراءة الـمـدرجـة‪:‬‬

‫وه� ��ي م ��ا زي� ��د ف ��ي ال � �ق� ��راءات ع �ل��ى وج��ه‬ ‫التف�سير(‪ .)3‬ومن �أمثلتها‪ :‬ق��راءة �سعد بن �أبي‬ ‫وقا�ص‪( :‬ول��ه �أخ �أو �أخ��ت) (من �أم) [الن�ساء‪:‬‬ ‫‪ ،]12‬وق��ر�أ ابن عبا�س ر�ضي اهلل عنهما‪« :‬لي�س‬ ‫عليكم جناح �أن تبتغوا ف�ضال من ربكم في موا�سم‬ ‫الحج»(‪ ،)4‬بزيادة‪( :‬في موا�سم الحج)‪ ،‬وقراءة‬ ‫الفريق الثاني‪:‬‬ ‫الجماعة بدونها‪.‬‬ ‫ي��رى �أن ال�ق��راءة ال�شاذة حجة في الأحكام‬ ‫ولكن هل يجوز اال�ست�شهاد بالقراءات ال�شاذة‬ ‫ال�شرعية‪ ،‬وينزلونها منـزلة خبر الآح��اد‪ ،‬وهو‬ ‫�أم ال؟‬ ‫انق�سم العلماء في االحتجاج بالقراءة ال�شاذة مذهب الحنفية‪ ،‬والحنابلة‪ ،‬والزيدية‪.‬‬ ‫ويظهر لنا �أنَّ القول الثاني هو الأق��رب �إلى‬ ‫في الأحكام ال�شرعية �إلى فريقين‪:‬‬ ‫ال�صواب؛ لأنَّ القراءة ال�شاذة �إمَّا �أن تكون مما‬ ‫الفريق الأول‪:‬‬ ‫نُ�سخت تالوته دون حكمه‪ ،‬و�إ َّم��ا �أنْ تكون مما‬ ‫ي��رى �أن ال �ق��راءة ال�شاذة لي�ست بحجة في نقله ال�صحابة ر�ضوان اهلل عليهم‪ ،‬وهم عدول‪،‬‬ ‫الأح�ك��ام ال�شرعية لعدم ثبوتها عندهم قر�آنا كما �أنَّهم حري�صون على نقل ال�شريعة وحفظها‪،‬‬ ‫وال خ�ب��راً‪ ،‬وه��و مذهب ال�شافعية‪ ،‬والمالكية‪ ،‬بعيدون عن التقوّل فيها ب��دون م�ستند �شرعي‪،‬‬ ‫وال��ظ��اه��ري��ة‪ .‬ق��ال ال��غ��زال��ي‪« :‬ال��ق��راءة ال�شاذة فتنـَزَّل منـزلة خبر ال��واح��د‪� ،‬إذا ُر ِوي��ت ب�سند‬ ‫المت�ضمنة لزيادة في القر�آن مردودة»‪ .‬و�أدلتهم‪� :‬صحيح‪ ،‬ب�شرط �أ َّال يعار�ضها ما هو �أقوى منها‪،‬‬ ‫‪� -1‬إنَّ الدواعي متوافرة على نقل القر�آن الكريم؛ �أو تكون من قبيل تف�سير ال�صحابي‪ ،‬و�أقوالهم لها‬ ‫لأنَّه قاعدة الإ�سالم‪ ،‬وقطب ال�شريعة‪ ،‬و�إليه مكانتها‪ ..‬واهلل �أعلم‪.‬‬

‫‪46‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫معاجم م�صطلحات القراءات المعا�صرة‬ ‫و ِق َي ِمها الح�ضارية‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫عليه ما عنتم حري�ص عليكم بالم�ؤمنين رءوف‬ ‫رحيم{ [التوبة‪ ،]128:‬فقد قر�أت عائ�شة وفاطمة‬ ‫ر�ضي اهلل عنهما‪« :‬من �أنفَ�سِ كم»(‪ )3‬بفتح الفاء‬ ‫وك�سر ال�سين‪ ،‬وه��ذه ال�ق��راءة �سندها �صحيح‪،‬‬ ‫ورويت �آحادا‪.‬‬

‫رج ��وع جميع الأ���ص��ول‪ ،‬ول��و ك��ان��ت ال �ق��راءة‬ ‫ال�شاذة منه ال�ستفا�ض نقلُها وتواتر(‪.)6‬‬ ‫‪� -2‬إنَّ �أ�صحاب النبي �صلى اهلل عليه و�سلم �أجمعوا‬ ‫في زمن �أمير الم�ؤمنين عثمان ر�ضي اهلل عنه‬ ‫على ما بين الدفتين وطَ ��رْح ما ع��داه؛ فكل‬ ‫زياد ٍة ال تحويها الدفتان فهي غير معدودة من‬ ‫القر�آن(‪.)7‬‬ ‫‪� -3‬إنَّ ال �ق��راءة ال���ش��اذة ال تنـزل منـزلة خبر‬ ‫ال��واح��د‪ ،‬لأنَّ ناقلها لم ينقلها �إال على �أنَّها‬ ‫قر�آن‪ ،‬والقر�آن ال يثبت �إال بالتواتر بالإجماع‪،‬‬ ‫و�إذا لم يثبت قر�آن ًا ال يثبت خبر ًا(‪.)8‬‬

‫■ �أ‪ .‬د‪ .‬خالد فهمي ‪ -‬م�صر‬

‫(‪ )0‬ال حدود للنور (مدخل)‬

‫لقد ا�ستق َّر يقيناً ومن �أَ�ص َر ِح طريق النظر �إلى الذكر الحكيم على �أنه نور‪ ،‬بكل ما تعنيه هذه‬ ‫المفردات من دالالت‪ ،‬وهو المعنى الم�صرح به في قوله تعالى‪} :‬و�أنزلنا �إليكم نورا مبينا{‪،‬‬ ‫[�سورة الن�ساء‪ ]174:‬ويعلق الماوردي في النكت والعيون (‪ 454 /1‬طبعة دار ال�صفوة‪ ،‬القاهرة‬ ‫�سنة ‪1993‬م) فيقول‪« :‬يعني القر�آن‪� ،‬سمي نورا‪ ،‬لأنه يظهر به الحق‪ ،‬كما تظهر المرئيات بالنور»‪.‬‬ ‫وفح�ص ال�سمات الداللية لهذه الكلمة يقود‬ ‫�إلى �إدراك قيمة ما يحققه ذلك الكتاب العزيز‬ ‫من �إ�ضاءة ل��دروب الحياة‪ ،‬وتمكن من التب�صر‬ ‫في م�سالكها‪ ،‬حتى و�صل �إلى �أن يفهم من الكمال‬ ‫المطلق؛ وهو ما يقرره مفيد كرماني في كتابه‬ ‫المهم‪ :‬بالغة النور‪ :‬جماليات الن�ص القر�آني‪:‬‬ ‫(�ص ‪ 484‬من�شورات الجمل‪ ،‬بغداد وبيروت �سنة‬ ‫‪ 2008‬م)‪ ،‬فيقول �إن «ال�ق��ر�آن هو العمل الفني‬ ‫المطلق لكافة الح�ضارات الإ�سالمية»‪ .‬وربما‬ ‫ف�سرت هذه الجملة المحورية التي تقرر حقيقة �أ‪� -‬إقامة تكليف �شرعي �أمر به ال�شارع �سبحانه‬ ‫الكتاب العزيز حجم الحراك والمنجز المعرفي‬ ‫في كثير من �آيات القر�آن الكريم‪ ،‬عندما �أمر‬ ‫الجبار الذي خرج للحياة ب�سبب من �إرادة خدمة‬ ‫بقراءته وتالوته وترتيله‪ ،‬يقول تعالى‪} :‬ورتل‬ ‫وتي�سير الكتاب‪.‬‬ ‫القر�آن ترتيال{ [�سورة المزمل‪ ،]4:‬ويقول‬ ‫جل وعز‪} :‬فاقرءوا ما تي�سر من القر�آن{‬ ‫علم القراءات‪ :‬مفهومه وغايته ومقا�صده‬ ‫[�سورة المزمل‪.]20:‬‬ ‫يعرف ه��ذا العلم ب�أنه «علم بكيفية النطق‬ ‫ب�ألفاظ القر�آن الكريم‪ ،‬اتفاقا واختالفا مع عزو ب‪ -‬الإع��ان��ة على تي�سير ت�لاوت��ه للنا�س ببيان‬

‫ك ّل لناقله»‪ .‬ومن هذا التعريف الذي �أورده الدكتور‬ ‫عبدالعلي الم�سئول في‪ :‬معجم م�صطلحات علم‬ ‫القراءات (�ص ‪ )508/256‬نكت�شف غايته الجليلة‬ ‫المتمثلة في �ضبط �أداء الذكر الحكيم ونطقه‪ ،‬مع‬ ‫ا�ست�صحاب التنوّعات و�إ�سنادها‪.‬‬ ‫وه��ذا العلم‪ ..‬بهذا المفهوم وبهذه الغاية‪،‬‬ ‫يهدف �إل��ى تحقيق ع��دد من المقا�صد الجليلة‬ ‫يمكن �إيجازها في النقاط الآتية‪:‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫‪47‬‬


‫‪48‬‬

‫م�صطلحية القراءات القر�آنية‪ :‬مقال‬ ‫في حدود الم�صادر‬ ‫وق��د ا�ستكمل ه��ذا ال�ع�ل��م ال���ش��ري��ف ج�ه��اوه‬ ‫اال�صطالحي‪� ،‬أو مجموعة م�صطلحاته منذ فترة‬ ‫مبكرة في تاريخ العلم عند الم�سلمين‪ ،‬ب�سببٍ من‬ ‫منزلة الكتاب العزيز المحورية في هذه الح�ضارة‬ ‫العريقة‪.‬‬ ‫وق��د ت��واف��رت م ��ادة ه��ذه الم�صطلحية من‬ ‫مجموعة من الم�صادر‪ ،‬يمكن ت�صورها �إجماال‬ ‫فيما ي�أتي‪:‬‬ ‫�أوال‪ :‬ال �ق��ر�آن ال�ك��ري��م‪ ،‬ذل��ك �أن��ه بحكم ما‬ ‫�أم��ر ب��ه م��ن ق��راءت��ه وت�لاوت��ه وترتيله‪،‬‬ ‫ا��س�ت�ع�م��ل ع� ��ددا م ��ن الأل� �ف���اظ ال�ت��ي‬ ‫��ص��ارت م�صطلحات ف��ي ج�ه��از العلم‬ ‫اال� �ص �ط�لاح��ي؛ ف��ال��ق��راءة وال��ت�ل�اوة‬ ‫والترتيل نماذج من هذه الم�صطلحات‬ ‫المركزية‪ ،‬ا�ستعملت م�شتقاتها بمعانيها‬ ‫العلمية �أوال في الذكر الحكيم‪ ،‬يقول‬ ‫تعالى‪} :‬الذين �آتيناهم الكتاب يتلونه‬ ‫حق تالوته{ [�سورة البقرة‪ ،]121:‬وما‬ ‫يلحق بهذا الم�صدر عظيم الموثوقية‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫رابعا‪ :‬‬

‫خام�سا‪ :‬‬

‫�ساد�سا‪ :‬‬

‫�سابعا‪ :‬‬

‫(‪)3‬‬ ‫معاجم م�صطلحات علم القراءات القر�آنية‬ ‫مقال في الأدبيات والت�صنيف‬ ‫وق��د عرفت الم�صطلحية العربية ع��ددا من‬ ‫معاجم م�صطلحات علم ال �ق��راءات القر�آنية‪،‬‬ ‫يمكن تق�سيمها �إلى ثالثة �أق�سام‪:‬‬ ‫�أوال‪ :‬م �ع��اج��م ج��زئ �ي��ة ج �م �ع��ت ع � ��ددا من‬ ‫م�صطلحات ه��ذا العلم‪ ،‬وه��ي معاجم‬ ‫م�صطلحات التجويد‪ ،‬ويمثلها‪« :‬التجريد‬ ‫لمعجم م�صطلحات التجويد»‪ ،‬للدكتور‬ ‫�إبراهيم بن �سعيد الدو�سري (طبعة دار‬ ‫الح�ضارة الريا�ض �سنة ‪1429‬هـ)‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬م� �ح���اوالت م�ع�ج�م�ي��ة ت��راث �ي��ة يمكن‬ ‫اع�ت�ب��اره��ا ب�ق��در م��ن التو�سع معاجم‬ ‫لم�صطلحات علم القراءات القر�آنية‪،‬‬ ‫ويمثلها‪:‬‬ ‫�أ‪« -‬مر�شد القارئ �إلى تحقيق معالم‬ ‫المقارئ»‪ ،‬البن الطحان ال�سحائي‬ ‫ال�م�ت��وف��ى �سنة ‪561‬ه� �ـ (بتحقيق‬ ‫ال��دك�ت��ور ح��ات��م �صالح ال�ضامن‪،‬‬ ‫ال�شارقة �سنة‪ 2007‬م)‪.‬‬ ‫ب‪« -‬ال�ق��واع��د والإ�� �ش ��ارات ف��ي �أ��ص��ول‬ ‫ال�� �ق� ��راءات»‪ ،‬الب ��ن �أب� ��ي ال��ر��ض��ا‬ ‫ال �ح �م��وي‪ ،‬ال�م�ت��وف��ى �سنة ‪791‬ه��ـ‬ ‫(بتحقيق الدكتور عبدالكريم بن‬ ‫محمد الح�سن ب�ك��ار‪ ،‬دار القلم‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫الكيفية‪ ،‬وا�ستيعاب طرقها‪.‬‬ ‫ج‪ -‬الإ�سهام في فهمه وتدبّره‪� ،‬إذ حُ �سن قراءته ثانيا‪ :‬‬ ‫�سبي ٌل الزم ٌة �إلى ح�سن فهمه‪.‬‬ ‫د‪ -‬تحقيق حفظ الدين بحفظ �أ�صله �صحيحا‬ ‫من�ضبطا متمثال في �ضبط الذكر الحكيم‪.‬‬ ‫هـ‪ -‬الإ�سهام في ترقية العقل الم�سلم بترقية‬ ‫بع�ض العلوم ال�شرعية الزمة التح�صيل‪.‬‬ ‫ ورف��ع الحرج ودف��ع الم�شقة بالقيام بواجب‬ ‫�ضبط كيفية الكتاب العزيز‪.‬‬ ‫ز‪� -‬صيانة �أداء الذكر الحكيم من �أي �صورة من ثالثا ‪:‬‬ ‫�صور تطرُّقِ الخط�أ �إليه‪.‬‬

‫من كتب التف�سير وكتب علوم القر�آن‪.‬‬ ‫ال�سنّة ال�شريفة‪ ،‬وذلك �أنه بحكم كون‬ ‫ال�سنّة الم�شرّفة بيانا للذكر الحكيم‪،‬‬ ‫ف ��إن �ه��ا ا��س�ت�ع�م�ل��ت ع� ��ددا �أك� �ب ��ر من‬ ‫الألفاظ التي �صارت جزءا �أ�صيال من‬ ‫م�صطلحات علم ال�ق��راءات القر�آنية‪،‬‬ ‫م�ث��ل‪ :‬الإق� ��راء واالق� �ت ��راء والتح�سين‬ ‫والتبيين‪ ،‬وه��ي جميعا م�صطلحات‬ ‫قرائية �أقرت بها ال�سنة عند التعامل مع‬ ‫كتاب اهلل عز وجل‪.‬‬ ‫كتب علم القراءات التي تعر�ض لم�سائله‬ ‫و�أ��ص��ول��ه وف��ر���ش ح��روف��ه‪ ،‬وه��ي كثيرة‬ ‫ج��دا‪ ،‬ومتنوعة المناهج ج��دا‪ ،‬مثل‪:‬‬ ‫كتاب ال�سبعة البن مجاهد‪ ،‬وغيره‪.‬‬ ‫كتب التجويد بما ه��و ج��زء م��ن علم‬ ‫القراءات‪ ،‬يق�صد �إلى الإتيان بالقر�آن‬ ‫بريئا من �أي �صور رديئة النطق‪ ،‬وهي‬ ‫كثيرة جدا ومتنوعة كذلك مثل‪ :‬جهد‬ ‫المقل ل�ساجقلي زاده وغيره‪.‬‬ ‫كتب الوقف واالبتداء‪ ،‬وهي فرع وفرع‬ ‫م��ن علم ال �ق��راءات‪ ،‬وه��ي كثيرة جدا‬ ‫مثل‪ :‬القطع واالئتناف للنحا�س‪ ،‬وكتب‬ ‫الر�سم وهجاء الم�صاحف ككتاب ابن‬ ‫نجاح وغ �ي��ره‪ ،‬وكتب طبقات ال�ق��راء‪،‬‬ ‫ككتابي الذهبي وابن الجزري وغيرهما‪.‬‬ ‫كتب اللغة‪ ..‬وال �سيما‪ :‬كتب ال�صوتيات‪،‬‬ ‫وكتب النحو التراثية التي ان�شغلت في‬ ‫جزء من بنائها وتكوينها المعرفي ببيان‬ ‫مخارج الأ�صوات و�صفاتها‪ ،‬مثل‪ :‬كتاب‬ ‫�سيبويه‪ ،‬وكتاب «�سر �صناعة الإعراب»‬ ‫البن جنّي وغيرهما‪.‬‬ ‫م�ع��اج��م الم�صطلحات ال �ت��ي جمعت‬ ‫م�صطلحات ال�ع�ل��وم المختلفة التي‬ ‫عرفتها الح�ضارة العربية الإ�سالمية‪،‬‬

‫وه��ي كثيرة ومتنوعة الترتيب مثل‪:‬‬ ‫«م��ف��ات��ي��ح ال� �ع� �ل ��وم» ل� �ل� �خ ��وارزم ��ي‪،‬‬ ‫و«ال�ت�ع��ري�ف��ات» للجرجاني‪ ،‬و«ك�شاف‬ ‫ا�صطالحات الفنون» للتهانوي وغيره‪.‬‬ ‫ثامنا‪ :‬م �ع��اج��م م���س�ت�ق�ل��ة ا� �س �ت �ق �ل��ت بجمع‬ ‫م�صطلحية هذا العلم قديما وحديثا‪،‬‬ ‫وهي م�شغلة ما بقي من هذه الورقة‪.‬‬

‫دم�شق �سنة ‪1986‬م)‪.‬‬ ‫ثالثا‪ :‬معاجم م�صطلحات علم ال �ق��راءات‬ ‫القر�آنية ف��ي الع�صر ال�ح��دي��ث‪ ،‬وهي‬ ‫�أو�سع هذه الم�صادر‪ ،‬و�أكثرها تنظيما‬ ‫ووف���اء ب�����ش��روط ال�صناعة المعجمية‬ ‫مقارنة بما �سبقها‪ ،‬ويمثلها‪:‬‬ ‫�أ‪�« -‬إ�سهام في و�ضع م�صطلحات علم‬ ‫القراءات»‪ ،‬للدكتور محمد المختار‬ ‫ولد �أباه (مجلة مجمع اللغة العربية‬ ‫بالقاهرة ع ‪ 85‬ق‪ ،‬ل�سنة ‪1420‬ه �ـ‬ ‫‪1999‬م)‪.‬‬ ‫ب‪�« -‬أ�شهر الم�صطلحات في فن الأداء‬ ‫وعلم ال �ق��راءات»‪ ،‬لأح�م��د محمود‬ ‫عبدال�سميع الحفيان‪( ،‬دار الكتب‬ ‫العلمية‪ ،‬ببيروت �سنة ‪2000‬م)‪.‬‬ ‫ج‪« -‬معجم م�صطلحات علم القراءات‬ ‫القر�آنية وم��ا يتعلق ب��ه»‪ ،‬للدكتور‬ ‫عبدالعلي الم�سئول (دار ال�سالم‪،‬‬ ‫القاهرة �سنة ‪2007‬م‪ /‬والطبقة‬ ‫الثانية ‪2011‬م)‪.‬‬ ‫د‪« -‬م �خ �ت �� �ص��ر ال� �ع� �ب ��ارات ل�م�ع�ج��م‬ ‫م�صطلحات ال �ق��راءات» للدكتور‬ ‫�إبراهيم بن �سعيد الدو�سري‪( ،‬دار‬ ‫الح�ضارة‪ ،‬الريا�ض �سنة ‪2008‬م)‪.‬‬ ‫وفح�ص منهجيات ترتيب المعاجم الحديثة‬ ‫في ه��ذا الباب يك�شف عن مجموعة مهمة من‬ ‫العالمات هي‪:‬‬ ‫�أوال‪ :‬ا��س�ت�ع�م��ال منهج ال�ت��رت�ي��ب الأل�ف�ب��ائ��ي‬ ‫وفق �شكل الكلمة النهائي‪� ،‬أي من دون‬ ‫تجريد‪ ..‬وهو �أمر مق�صود‪ ،‬اتجهت له‬ ‫تطبيقات ال�صناعة المعجمية الحديثة‬ ‫تلبية للتي�سير على الم�ستعملين‪.‬‬ ‫ثاني ًا‪ :‬ب �ي��ان ال�م�ع��ان��ي ال�ل�غ��وي��ة ل�ل�أل �ف��اظ‪ ،‬ثم‬

‫‪49‬‬


‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫(‪)4‬‬ ‫معاجم م�صطلحات علم القراءات‬ ‫القر�آنية في الع�صر الحديث‬ ‫وظائفها وقيمتها الح�ضارية‬ ‫�إن ت�أمّل هذه المعجمات‪ ،‬وما ت�ؤديه من �أدوار‬ ‫ووظ��ائ��ف‪ ،‬يك�شف عن مجموعة من العالمات‬ ‫ترقى بقيمتها الح�ضارية‪ ،‬وفيما يلي محاولة‬ ‫لر�صد �أهم هذه الوظائف الكا�شفة عن قيمتها‬ ‫و�أهميتها معا‪:‬‬ ‫�أوال‪ :‬الوظيفة االعتقادية‪ ،‬ذلك �أن هذه الكتب‬ ‫ب�سعيها نحو �ضبط كيفيات قراءة الذكر‬ ‫الحكيم‪ ،‬تحقّق �أدوات تنزيه اهلل تعالى‬ ‫بتنزيه كتابه المنزل من تطرق الأخطاء‬ ‫�إلى قراءته‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬الوظيفة الدينية (العبادية)‪ ،‬ذلك �أن‬ ‫اهلل تعالى �أم��ر ب�ت�لاوة كتابه‪ ،‬و�أم��رت‬ ‫وف�صلت الأمر في تحبير قراءته‪،‬‬ ‫ال�سنة َّ‬ ‫واالجتهاد في تح�سينها‪ ،‬وهو ما ال يمكن‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫‪50‬‬

‫المعاني الدائرة في ا�ستعمال القراء‪،‬‬ ‫وهى المعاني اال�صطالحية‪.‬‬ ‫ثالث ًا‪ :‬م�ح��اول��ة اال��س�ت�ي�ع��اب وال �� �ش �م��ول‪ ،‬ولها‬ ‫وجهان‪:‬‬ ‫‪ -1‬االج�ت�ه��اد ف��ي جمع الم�صطلحات‬ ‫ال �ق��رائ �ي��ة وا� �س �ت �ي �ع��اب �ه��ا ف ��ي ه��ذه‬ ‫المعجمات‪ ،‬و�إي� ��راد م��ا يتعلق بها‬ ‫وي��دور في فلكها من �أل�ف��اظ العلوم‬ ‫الأخرى الم�شتبكة معها‪.‬‬ ‫‪ -2‬االجتهاد في جمع دالالت الم�صطلح‬ ‫ال��واح��د‪ ،‬عند ت�ع�دّد معانيه؛ فمث ًال‬ ‫ي��ورد الدكتور الم�سئول (�ص ‪/122‬‬ ‫‪ )188‬معنيين لم�صطلح التحقيق‬ ‫عند القراء هما‪:‬‬ ‫�أ‪� -‬إع� �ط ��اء ال� �ح ��روف ح�ق��وق�ه��ا‪،‬‬ ‫وتنزيلها مراتبها‪ ،‬وه��و المعنى‬ ‫ال �م �ق �� �ص��ود ف ��ي ب� ��اب م��رات��ب‬ ‫القراءة‪.‬‬ ‫ب‪ -‬نطق الهمزة كاملة في �صفاتها‬ ‫م �ق �ط��وع � ًا ب �ه��ا ال �ن �ف ����س‪ :‬وه��ى‬ ‫بهذا المعنى �ضد التخفيف �أو‬ ‫الت�سهيل‪.‬‬ ‫رابع ًا‪ :‬العناية ببيان م�ستوى اال�ستعمال‪� ،‬أي‬ ‫ذكر العبارات التى تك�شف عن موا�ضع‬ ‫ا�ستعمال الم�صطلحات المختلفة في‬ ‫�أب��واب�ه��ا المختلفة‪� ،‬إع��ان��ة على �إدراك‬ ‫معانيها من�ضبطة �صحيحة‪.‬‬ ‫خام�س ًا‪ :‬ا�ستعمال ط��رق ��ش��رح ت�ستهدف بيان‬ ‫ال�سمات الداللية ال�ف��ارق��ة‪� ،‬سعي ًا �إل��ى‬ ‫تحرير مفاهيم الم�صطلحات مع �ضرب‬ ‫الأم�ث�ل��ة التو�ضيحية‪ ،‬وم��ن �أج��ل ذلك‬ ‫انت�شر فيها جميعا ا�ستعمال طريقين من‬ ‫طرق �شرح المعنى هما‪:‬‬

‫�أ‪ -‬ط��ري�ق��ة ال���ش��رح ب��ال�م�ح�ك��م‪ ،‬وه��ى‬ ‫ط ��ري� �ق ��ة ت� �ك ��ون ب �ج �م��ع � �ص �ف��ات‬ ‫الم�صطلح المعرّف‪.‬‬ ‫ب‪ -‬طريقة ال�شرح بالهجين‪ ،‬وهي جماع‬ ‫�أم��ري��ن م �ع��ا‪ ..‬ا�ستجماع �صفات‬ ‫الم�صطلح المعرّف مقرون ًا ب�أمثلة‬ ‫تو�ضيحية في الوقت نف�سه‪.‬‬ ‫�ساد�س ًا ‪ :‬ال�ع�ن��اي��ة ف��ي �أح��ي��ان ظ��اه��رة ببع�ض‬ ‫المعلومات المو�سوعية مثل‪� :‬أ�سماء‬ ‫بع�ض القراء الم�شهورين‪ ،‬و�أ�سماء بع�ض‬ ‫الكتب المخت�صة في هذا الباب‪.‬‬ ‫�سابعا ‪ :‬العناية ب�ضبط الم�صطلحات تي�سيرا‬ ‫لتح�صيل نطقها‪.‬‬ ‫ثامنا ‪ :‬العناية والتوثيق‪.‬‬

‫ت���ص�وّره م��ن غير ال�ق�ي��ام ب��واج��ب هذا‬ ‫المق�صد‪ ،‬وهو بع�ض ما ت�سهم به هذه‬ ‫الم�صطلحات عندما تحرّر مفاهيم هذا‬ ‫العلم وتبينها‪.‬‬ ‫ثالثا‪ :‬الوظيفة المعرفية‪ ،‬ونعني بها تح�صيل‬ ‫مفاهيم هذا العلم و�ضبطها وتحريرها‪،‬‬ ‫وتوثيقها‪ ،‬والك�شف عن مذاهب القوم‬ ‫وات �ف��اق��ات �ه��م واخ �ت�لاف��ات �ه��م ف��ي ه��ذا‬ ‫الميدان‪.‬‬ ‫وق�ضية تح�صيل المفاهيم التي يقوم بها‬ ‫ ‬ ‫�ضبط الجهاز اال�صطالحي �أمر م�ستقر‪،‬‬ ‫ذلك �أن الم�صطلحات مفاتيح العلوم‪،‬‬ ‫تمهد الطريق لفهم م�سائله‪.‬‬ ‫رابعا‪ :‬ال��وظ �ي �ف��ة ال �ل �� �س��ان �ي��ة‪ ،‬ذل ��ك �أن ه��ذه‬ ‫المعجمات بما تجمعه في داخلها بحكم‬ ‫بنائها ال�م�ع��رف��ي‪ ،‬ت��ر��ش��د �إل ��ى �سمات‬ ‫الأ�صوات العربية‪ ،‬وكيفيات نطقها على‬ ‫الوجه ال�صحيح‪ ،‬والمذاهب المختلفة‬ ‫لنطق بع�ضها‪ ،‬وما يجوز وما ال يجوز‪،‬‬ ‫وما الأف�صح؟ وما الف�صيح؟ �إل��ى غير‬ ‫ذلك مما يكون تح�صيله نافع ًا في خدمة‬ ‫المعرفة ال�ل�غ��وي��ة‪ ،‬ف�ضال عما تقدمه‬ ‫لميدان اكت�ساب اللغة بتدريب الأل�سن‬ ‫على النطق ال�صحيح‪.‬‬ ‫خام�سا‪ :‬الوظيفة التاريخية‪ ،‬ونعني بها الوقوف‬ ‫على تطور ه��ذا الجهاز اال�صطالحي‪،‬‬ ‫ومراحل ان�ضمام بع�ض الم�صطلحات‬ ‫�إلى هذا العلم‪ ،‬والوقوف على حجم ما‬ ‫�أن�ج��زه العلماء في ه��ذا ال�ب��اب‪ ،‬وتطور‬ ‫الت�أليف فيه مع مرور الزمان‪.‬‬ ‫�ساد�ساً‪ :‬الوظيفة الأخ�لاق�ي��ة‪ ،‬وذل��ك �أن ت�أمُّل‬ ‫منجز ع�ل�م��اء ال��ق��راءات يوقفنا على‬ ‫تقدير ما قاموا به‪ ،‬مما يلزم معه تقدير‬ ‫مجهودهم‪ ،‬والوفاء له بنوع وفاء عملي‬

‫�إيجابي‪ ،‬بتطويره‪ ،‬والبناء عليه‪.‬‬ ‫�سابع ًا‪ :‬الوظيفة الح�ضارية‪ ،‬ونعني بها ت�أكيد‬ ‫�أث��ر الكتاب العزيز ف��ي ترقية العلوم‬ ‫ف��ي ال �ح �� �ض��ارة ال �ع��رب �ي��ة والإن �� �س��ان �ي��ة‬ ‫ب��وج��ه ع� ��ام‪ ..‬ب�م��ا �أوج � ��ده م��ن ع�ل��وم‪،‬‬ ‫وت�ح��ري��ره للم�صطلحات ال�ت��ي ظهرت‬ ‫وهدفها المبا�شر خدمة الكتاب الكريم‬ ‫م��ن ج��وان�ب��ه المختلفة‪ ،‬ن�ط�ق� ًا و�أدا ًء‬ ‫وكيفية‪ ،‬وه��و م��ا ان�شغل ب��ه ه��ذا النوع‬ ‫من المعجمات‪� ،‬إمعانا في �أن الحكم‬ ‫الم�ستقر ب�أن القر�آن الكريم هو ال�سبب‬ ‫المبا�شر‪ ،‬ال��ذي انتقل بالحياة العربية‬ ‫النقلة الجبارة غير الم�سبوقة في التاريخ‬ ‫يت�أكد على الزمان‪.‬‬ ‫وتك�شف هذه الوظيفة �أي�ض ًا �أدل��ة مت�ضافرة‬ ‫على قدرة العقل العربي المعا�صر على ا�ستثمار‬ ‫منجز التطبيقات المعا�صرة‪ ،‬في مجاالت مختلفة‬ ‫لتحقيق خ��دم��ات جليلة للعلوم ال�شرعية؛ فقد‬ ‫ات�ضح �أن المعاجم المعا�صرة ف��ي ه��ذا الباب‬ ‫�أف��ادت نوع �إف��ادة من تطبيقات �صناعة المعجم‬ ‫الحديث‪.‬‬ ‫ك �م��ا ت �ك �� �ش��ف ه� ��ذه ال��وظ �ي �ف��ة �أي� ��� �ض� � ًا عن‬ ‫ق ��درة ال�ل���س��ان ال�ع��رب��ي (�أل �ف��اظ��ا‪ /‬وت��راك�ي��ب‪/‬‬ ‫واخ�ت���ص��ارات)‪ ،‬على ا�ستيعاب حقائق العلوم‬ ‫المختلفة‪ ،‬وال��وف��اء بواجباتها؛ فقد ر�أينا كيف‬ ‫تنوعت �أنماط الم�صطلحات القرائية‪ ،‬و�أب��دت‬ ‫اللغة مرونة وا�ضحة في هذا المجال‪.‬‬ ‫�إن الكتاب العزيز �سيظل نور ًا عامراً‪ ،‬يزداد‬ ‫عطا�ؤه مع ازدياد خدمته‪ ،‬والعكوف عليها‪ ،‬وتطوير‬ ‫م�سارات هذه الخدمة‪� .‬إن ال�صوت النهائى الذى‬ ‫�سيعلن عن نف�سه هنا‪ ..‬هو �أن النور الذى ي�ش ّع من‬ ‫الكتاب الكريم ال حدود له وال لطاقاته الفريدة‪..‬‬

‫‪51‬‬


‫رواية «تحت �أقدام الأمهات»‬ ‫ال�سرد العائلي ونقد ال ِق َيم‬ ‫■ �إبراهيم احلجري*‬

‫ت���ب���دو �أط����روح����ة ال�������س���رد ال��ع��ائ��ل��ي م��ه��ي��م��ن��ة في‬ ‫رواي��ة «تحت �أق��دام الأمهات» لبثينة العي�سى‪ ،‬بحكم‬ ‫ان�صرافها �إلى النب�ش في التاريخ العائلي لل�شخ�صية‬ ‫الرئي�سة‪ -‬ال��راوي‪ ،‬را�صدة العالقات المت�شابكة بين‬ ‫الأف����راد ونزوعاتهم العاطفية‪ .‬وق��د �أهَّ��� َل الروائية‬ ‫لذلك‪ ،‬خبرتها الكبيرة في ميدان ال�سو�سيولوجيا‬ ‫وتاريخ الأ�سرة العربية‪ ،‬و�شدة ارتهانها النو�ستالجي‬ ‫للذاكرة ال�شخ�صية؛ �إذ‪ ،‬ي�صعب على �أيٍّ كان �أن ي�ضع‬ ‫بين �أي��دي القراء �سيرة الأ�سرة‪ ،‬بكل ذلك التف�صيل‬ ‫والتدقيق‪.‬‬ ‫ال�سرد العائلي‬

‫‪52‬‬

‫الرواية ال ت�سرد عالقات بين �أ�شخا�ص‬ ‫افترا�ضيين �أو متخيلين‪ ،‬بل ت�سعى �إلى‬ ‫�سرد تاريخ العالقات الأ�سرية‪ ،‬بوعي نقدي‬ ‫يعيد اقتراح بناءات �أخرى بديلة عن تلك‬ ‫الأبنية والأَن�ساق‪ ،‬التي كانت تقوّ�ض مبد�أ‬ ‫ال�شخ�صية والكرامة والحياة والحق في‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫التعبير‪ ،‬واتخاذ القرارات في الم�صائر‬ ‫ال�شخ�صية لأي اعتبار مهما ك��ان‪ .‬و�إن‬ ‫كانت ال��ر�ؤي��ة ترتكز �أ�سا�سا على الثقب‬ ‫الأ� �س��ود ل �ل��ذات الأن �ث��وي��ة م��ن خ�لال هذا‬ ‫التفاعل‪ ،‬وك�أن الرواية ت�سلّط ال�ضوء على‬ ‫دواخل �شخو�صها؛ مبرزة ت�أثرها بمخا�ض‬ ‫ال�صراعات والت�شنجات‪ ،‬والإنكا�صات‬

‫تقول ال�ساردة‪« :‬كيف يمكن �أن �أكون حقيقة‪،‬‬ ‫فيم كل �شيء �أعرفه عني هو مح�ض كذب؟ منذ‬ ‫لحظة الميالد وحتى اال�سم الم�ستعار‪ ،‬والأبوين‬ ‫المجهولين وال�ت��اري��خ الفجيعة‪ ،‬ال داع��ي لأن‬ ‫يعرف ال�صغار مَ ن �أنا؛ تكون تلك هي اللحظة‬ ‫التي يفقد فيها العالم �أمامهم �سمعته الطيبة؛‬ ‫ف�ل�أ ْب��ق ه�ك��ذا �إذاً‪ ،‬ف��ي ال�غ��رف��ة الخلفية من‬ ‫الحو�ش‪� ،‬أ�شرّع لهم عالم ًا من الخواء والأدراج‬ ‫أق�ص عليهم ق�ص�ص ًا لم تحدث‪� ،‬أ�سمع‬ ‫الفارغة‪ّ � ،‬‬ ‫منهم ق�ص�ص ًا لم تحدث‪� ،‬أ�ساعد حيواتهم على‬ ‫في هذه الرواية‪ ،‬وهي (الرواية) بقدر ما تحكي‬ ‫الم�ضي؛ الحيوات التي تم�شي على عكازين‪.‬‬ ‫ك�ن��ت �أن� ��ا‪ ..‬ط ��وال وج� ��ودي ه �ن��ا‪ ،‬م��ع ه��ذه عن تاريخ ال��ذات العائلية وهي تتنا�سل وتكبر‬ ‫العائلة‪ ،‬مجرد عكاز مرمي في الغرفة الخلفية وت�شتبك عالقاتها بحميمية ونو�ستالجية‪ ،‬بقدر‬ ‫م��ن الحو�ش‪ ،‬الأم ال���س��وداء التي وج��دت قبل ما تن�صرف �إل��ى ت�ضمين ه��ذا ال�سرد الذاتي‬ ‫�أن يوجدوا‪ ،‬التي هي جزء من هذا العالم من ن��وع��ا م��ن النقد المبطن ال��ذي يعيد النظر‬ ‫دون �أن يفقهوا كيف و�صلت �إليه‪ ،‬و�إذا ما كنت فيما كان‪ ،‬وما �سبّبه للذات من كبوات وجروح‬ ‫قريبة �أو جارة �أو ابنة �أو �صديقة �أو عدوة‪ .‬ه�ؤالء تت�أبّى على االندمال‪� .‬أي �أنها ال تقر�أ التاريخ‬ ‫الأطفال‪ -‬وهلل الحمد‪ -‬ال يت�ساءلون بما يكفي؛‬ ‫ال�شخ�صي لتمجده �أو تفخر به‪ ،‬بل لتدعو من‬ ‫فلتبق الأمور هكذا �إذا‪ ،‬في الغرفة الخلفية من‬ ‫خالله وعبره‪� ،‬إلى �إعادة النظر في بناء تواريخ‬ ‫ذاكرة العائلة» (الرواية �ص ‪.)45‬‬ ‫�أجيال عائالتنا و�أ�سرنا المقبلة على �أ�سا�س‬ ‫�شكّل المزج بين المحكي الذاتي والغيري‬ ‫التعاقد االجتماعي‪ ،‬والنظر الديمقراطي �إلى‬ ‫مع التاريخ المن�سي للذات و�أ�سرتها‪ ،‬ومحكي‬ ‫التداعي الذي ي�ستلهم اللحظات الم�ستعادة من الجن�سين‪ ،‬ونبذ الخرافات والمعتقدات الخاطئة‬ ‫ج��وارب الذاكرة المليئة بالتجارب واللمحات التي ال تت�أ�س�س على تفهّم �شامل لر�سالة الكون‪،‬‬ ‫ال�صعبة التي ر�سمتها �إكراهات الأعراف وتقاليد واعتبار المقايي�س الإن�سانية في بناء العالقات‬ ‫المجتمع المتخلفة‪ ،‬لحمة ال�سرد الروائي هنا‪ ،‬الجديدة بين الأ�شخا�ص‪.‬‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫المتعلقة ب��ر�ؤي��ة ال�ن��ا���س ال��دون �ي��ة �إل ��ى بع�ض‬ ‫ال�سمات الفيزيولوجية والطبيعية التي ال ذنب‬ ‫للذات فيها‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪53‬‬


‫‪54‬‬

‫تعيد‪ ،‬بهكذا وق�ف��ة م��ع ال���ذات‪ ،‬م��ع البوح‬ ‫ال�شخ�صي‪ ،‬مع ال�سجل الذي ي�شتغل في الغياب؛‬ ‫ليوجه ال�سلوك قراءة عالقة المر�أة بعواطفها‪،‬‬ ‫بطبيعتها‪ ،‬بج�سدها‪ ،‬منتقدة كل الديبلوما�سيات‬ ‫ت �ق��ول ال �� �س��اردة م�ب��دي��ة ا��ش�م�ئ��زازه��ا مما‬ ‫التي �أ�صبح الج�سد يكت�سيها ا�صطناعيا ليعبر‬ ‫ع��ن لغة لغته الطبيعية‪ .‬تكتب ال��رواي��ة وهي يمار�س من �سلوكيات في المجتمع‪« :‬لم يكتفوا‬ ‫تت�أفف من حال الج�سد‪ ،‬ال��ذي �أنهكته حروب بالوقوف عند عتبة البيت‪ ،‬بل دخلوا ب�أحذيتهم‬ ‫واهمة ت�سعى �إلى جعله �إيقونة الإيقونات‪.‬‬ ‫الملوثة �إل��ى عقر الح�ضن‪ ،‬وو�سخوا ال�سجاد‬ ‫جرّبت الروائية تقنية التناوب على الحكي بالطين‪ ،‬وفعلوا كل ما احتاجوا �إلى فعله لكي‬ ‫كطريقة ل�سبر �أغ��وار ال�شخو�ص وال��رواة معا‪ .‬تذعر الن�ساء بح�ضورهم‪ ،‬النجوم على الأكتاف‬ ‫�إذ كل �شخ�صية تنتظر دوره��ا لتبوح بما في والأ�سلحة على الخوا�صر والغبار على الأحذية‪.‬‬ ‫دواخلها‪ ،‬وتخرج ما في ذخيرتها وجعبتها من دخلوا مملكة الأمومة الم�شيّدة وانتزعوا ال�صبي‬ ‫�آالم و�أحالم‪ ،‬وهي طريقة تن�سجم مع الغاية من من �سال�سل �أذرعنا‪ ،‬الأخالق و�آداب ال�ضيافة‬ ‫ال�سرد؛ �إذ يتيح هذا الأ�سلوب لكل فرد على حدة لم تكن تعني لنا �أو لهم �شيئا‪ .‬و�ضعوا ال�سال�سل‬ ‫التعبير عن لواعجه وعن عالقاته مع الآخرين‪ ،‬في يديه‪ ،‬والعبرات في عينيه‪ ،‬وال�صمت في‬ ‫كما يتيح للراوي الرئي�س فر�صة ك�شف خبايا �شفتيه‪ ،‬والخوف في قلبه‪�( »...‬ص ‪.)176‬‬ ‫�شخو�صه بطريقة فنية غير مبا�شرة‪ ،‬مما يرى‬ ‫تندرج ه��ذه ال��رواي��ة �ضمن الخطاب الذي‬ ‫العالم الروائي ويغني تفا�صيله الدقيقة‪ ،‬ويمنح يعمل على خلق حوارية ثقافية تروم طرح �أ�سئلة‬ ‫فر�صة �أكبر للقارئ ليعي�ش تجربة مكتملة حول ثقافية تدور حول ال�سياق العام الذي يعي�ش فيه‬ ‫حكاية متخيّلة‪.‬‬ ‫الفرد‪� ،‬ضمن �سيرورة مجتمعية تتحكم فيها‬ ‫يدخل ال�سرد العائلي ال �ق��ارئ �إل��ى دائ��رة منظومة من القيم ال�سلوكية والثقافية‪ ،‬التي‬ ‫البوح‪ ،‬بحيث �إن ال�شخ�صيات بما فيها الراوي تتحدد بو�صفها مرجعيات كبرى ت�شكلت عبر‬ ‫ال�ف��اع��ل ف��ي الحكاية وال���س��رد م�ع��ا؛ ال تحكي ال��زم��ن‪ ،‬وي�صعب اختراقها وتفتيت بنياتها‪،‬‬ ‫واقعا‪ ،‬بل تن�سج عالقات على مقا�س �أطروحة نظرا ل�صبغتها الهوياتية الملت�صقة بالفرد‬ ‫م�سبقة تعتمل فيها عوامل ذاتية ومو�ضوعية‪ ،‬والجماعة‪ .‬وي�سعى ه��ذا العمل ال��روائ��ي الذي‬ ‫تعك�س بالأ�سا�س‪ ،‬نظرة الكاتبة �إل��ى المجتمع كتب ب�أنامل مو�صولة بالمتخيل والفكر‪� ،‬إلى‬ ‫والتكوين الأ�سري‪ ،‬على اعتبار �أن الأ�سرة هي زع��زع��ة التنميطات الثقافية وال��دع��وة �إل��ى‬ ‫اللبنة الأولى‪ ،‬وهي ال�صورة الم�صغرة للمجتمع‪� ،‬إعادة النظر الكثير من بنياتها؛ لأنها ذات بعد‬ ‫وتر�سم ر�ؤاه��ا للعالم الذي انبثقت عنه‪ .‬وهي �إيديولوجي مف�صول عن منطق التفكير ال�سليم‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫ويحيل العنوان كما اختارته الكاتبة «تحت‬ ‫�أق��دام الأمهات» على هذا الوعي؛ فما تق�صد‬ ‫تلك مقولة العنوان الجنة التي تحدث عنها‬ ‫الخطاب الديني «الجنة تحت �أقدام الأمهات»‪،‬‬ ‫بل يق�صد الجحيم ال��ذي ت�سوق �إليه الطاعة‬ ‫العمياء ل�ل�أع��راف والتقاليد التي تر�ضع مع‬ ‫الحليب في قوالب جاهزة عفا عليها الزمنُ ‪،‬‬ ‫وتجاوزتها خطابات العولمة‪.‬‬ ‫ت�سعى الرواية‪ ،‬من خالل تبئير هذه العتبة‬ ‫العنوانية‪� ،‬إلى تقوي�ض الم�سبقات القيمية التي‬ ‫با�سم الهوية والأ�صول ت�سعى �إلى تكبيل الذات‬ ‫الفردية للإن�سان الميّالة �إلى المبادرة والتّمرد‬ ‫الع�صر الّتي تتجدّد‬ ‫على ال�سّ ائد‪ ،‬تما�شي ًا مع روح ْ‬ ‫دما�ؤها بتجدّد دوران الأفالك وتَدَ اوُل الأزْمنَة‪.‬‬ ‫ومع ذلك‪ ،‬ال تخلو هذه العتبة من �إ�شارة ف�ضل‬ ‫الأم على ال�ساردة البطلة التي‪ ،‬على ما يبدو‬ ‫تمار�س �أي�ضا فعل الكتابة‪ .‬وتعلن عن ذلك �سواء‬ ‫في الديمقراطية التي توزع بها الأم الحنان على‬ ‫�إخوتها‪� ،‬أو في الدور الذي تلعبه ت�شجيعا وتهييئا‬ ‫لها‪ ،‬لأن تكون ناجحة ف��ي م�سارها الحياتي‬ ‫والدرا�سي والإبداعي؛ تقول‪« :‬كانت �أمي مولعة‬ ‫بن�صو�صي‪ ،‬بما فيها من �أخطائي الإمالئية‬ ‫و�سرقاتي الأدبية‪ ،‬وكانت تعرف ب�أن معظم ما‬ ‫�أكتبه م�ستعار من كتب زودتني هي بها‪ ،‬ولكنها‬ ‫مع ذلك لم تكترث‪� ،‬أرادت لي �أن �أكتب‪ ،‬ر�أت‬ ‫فيّ ما لم �أره فيّ ‪ ،‬و�آمنت بي بما ال يدع مجاال‬ ‫لتخاذلي‪.‬‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫عالم ن�سائي‬

‫نظرة بقدر م��ا تتوق �إل��ى التغيير الإي�ج��اب��ي؛‬ ‫فهي ت�شرح نقديا العالقات والأن�ساق الذهنية‬ ‫القائمة‪ ،‬وف��ق قناعات �سو�سيولوجية‪ ،‬ووع��ي‬ ‫عميق ببنية المجتمع العربي وتحوالته‪ ،‬ودور كل‬ ‫عن�صر فيه‪.‬‬

‫جحيم الذات‬

‫ك��ان علي‪ -‬في تلك الأي��ام على الأق��ل‪� -‬أن‬ ‫�أجاريها‪� ،‬أن �أكتب لها‪� ،‬أن �أن�سخ �أي �شيء من �أي‬ ‫كتاب و�أقدمه لها‪�« ..‬شوفي يا ماما كتبت ق�صة»!‬ ‫وكان وجهها ي�شرق‪ ،‬وك�أن كل �شيء تفعله هو من‬ ‫�أجل هذه اللحظة‪ ،‬لحظة �أ�ضع ن�صا بين يديها‪،‬‬ ‫حيث ي�شرق وجهها» (�ص ‪� .)203 -202‬إذ تبدو‬ ‫الأم‪ ،‬عبر الن�ص‪ ،‬ق��وة رم��زي��ة غيبية ت�شحن‬ ‫ذات ال�ساردة البطلة على �صنع نف�سها خارج‬ ‫�إكراهات الزمن الفيزيقي وان�شغاالت الذات‬ ‫ال�صغرى‪ ،‬وال تتورع عن تقديم الدعم النف�سي‬ ‫والمادي لأن تكون البنت في م�ستوى تطلعاتها‪،‬‬ ‫و�أن تحقّق حلمها في االمتداد الرمزي خارج‬ ‫دائرة العمر المادي المحدود‪.‬‬ ‫ال��رواي��ة رواي��ة ن�ساء‪ ،‬تك�شف �أحا�سي�سهن‬ ‫ومعاناتهن وعالقاتهن بع�ضهن ببع�ض‪ ،‬و�إذا‬ ‫ح�ضر ال��رج��ل‪ ،‬فهو لي�س �إال �أداة ومَ �ع� َب��را؛‬ ‫والمفارق في هذا الن�ص �أن الرجل والمر�أة‬ ‫كليهما ي��رزح��ان تحت �سلطة م��ا‪ ،‬و�أن هذه‬ ‫ال�سلطة ال ت�صدر‪ ،‬بال�ضرورة عن الرجل‪ ،‬بل‬ ‫قد تكون �صادرة عن ذات امر�أة ما‪ .‬وقد تكون‬ ‫ال �م��ر�أة ف��ي الن�ص �ضد ذات �ه��ا؛ متميزة عن‬ ‫روايات الكاتبات العربيات اللواتي يُرجعن‪ ،‬في‬ ‫الغالب‪� ،‬سبب قهر المر�أة �إلى الرجل‪ ،‬متجاوزة‬ ‫بذلك‪ ،‬ال�صراع التقليدي بين الذكورة والأنوثة‪،‬‬ ‫مُرجعة الإ�شكال‪ ،‬في الأ�سا�س‪� ،‬إلى �سلطة ثقافة‬ ‫ما تتر�سخ في متخيّل كل من الرجل والمر�أة‬ ‫العربيين‪.‬‬

‫ * ناقد من المغرب‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪55‬‬


‫«بانتظار ال�شم�س»‬

‫■ د‪� .‬صربي م�سلم حمادي*‬

‫ي���ب���رز الإي����ق����اع ب��و���ص��ف��ه �أداة ف��ن��ي��ة م��ه��م��ة تنتظم‬ ‫الق�صيدة وتهبها كيانها ال�����ش��ع��ري‪ ،‬وه���و يت�سلّل �إل��ى‬ ‫قلوبنا قبل عنا�صر ال�شعر الأخ����رى‪ .‬وه���ذا م��ا يف�سر‬ ‫لنا ا�ستجابة الطفل لجمال الجر�س ف��ي ال�شعر قبل‬ ‫�إدراك��ه جمال معانيه و�أخيلته و�صوره الفنية(‪ .)1‬ومن‬ ‫الم�ؤكد �أن ارتباط الإيقاع بال�شعر هو ارتباط م�صيري‪،‬‬ ‫فالإيقاع هو «الروح التي ت�ضفي على الكلمات حياة فوق‬ ‫ح��ي��ات��ه��ا»(‪ .)2‬ويتالحم الإي��ق��اع م��ع العنا�صر ال�شعرية‬ ‫الأخ����رى ك��ي يمنح ال��ن�����ص ق��درت��ه ع��ل��ى ال��ت���أث��ي��ر‪ ،‬وه��و‬ ‫يتبادل مع ال�صورة ال�شعرية الت�أثير والت�أثر‪ ،‬بل �إنهما يجريان معاً في حلبة ال�شعر‪،‬‬ ‫كما تعبِّر �إليزابت درو(‪ .)3‬ومن الممكن القول – وح�سبما �أورد وردزورث – �إ ّن الأثر‬ ‫الممتع للإيقاع ثالثي‪ :‬عَقلي وجمالي ونف�سي؛ فهو عقلي لأنه ي�ؤكد �أن هناك نظاماً‬ ‫ودقة وهدفاً في العمل؛ وهو جمالي‪� ،‬إذ يخلق ج�� ّواً من حالة الت�أمل الخيالي الذي‬ ‫ي�ضفي نوعاً من الوجود الممتلئ في حالة �شبه واعية على المو�ضوع كله؛ وفوق كل‬ ‫ذلك‪ ،‬فهو نف�سي؛ لأن حياتنا في مجملها �إيقاعية‪ :‬الم�شي والنوم وال�شهيق والزفير‬ ‫وانقبا�ض القلب وانب�ساطه(‪.)4‬‬

‫‪56‬‬

‫وم�صطلح الإي �ق��اع م��ن الم�صطلحات م�شتركة بين الفنون جميعاً‪ ،‬تبرز وا�ضحة‬ ‫التي يقترب معناها اللغوي م��ن معناها في المو�سيقى وال�شعر والنثر الفني‪ ،‬بل �إنها‬ ‫اال�صطالحي‪ .‬فهو ف��ي المعاجم اللغوية تبدو في كل الفنون المرئية(‪.)6‬‬ ‫«�إيقاع �ألحان الغناء»(‪ .)5‬ولكن دائرة المعنى‬ ‫ويق�سّ م الدار�سون المعا�صرون الإيقاع‬ ‫اال�صطالحي ت�ب��دو �أك�ث��ر �سعة‪ ،‬فالإيقاع �إل��ى خ��ارج��ي وداخ �ل��ي‪ ،‬ويختلفون ب�ش�أن‬ ‫ه��و‪ :‬التواتر المتتابع بين حالتي ال�صوت حدّهما وحدودهما(‪ .)7‬بيد �أن ثمة ما ي�شبه‬ ‫وال�صمت‪� ..‬أو الحركة وال�سكون‪� ،‬أو الإ�سراع االتفاق على �أن الإيقاع الخارجي هو الوزن‬ ‫والإبطاء‪ ...‬الخ؛ وبهذا يكون الإيقاع �صفة ال�شعري ال��ذي ا�صطلح عليه القدامى بـ‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫الإيقاع في مجموعة �صالحة غاب�ش ال�شعرية‬

‫(البحر)‪� ،‬إ�شارة �إلى �أن معينه ال ينفد‪� ،‬إذ تمتد‬ ‫ح��دود ا�ستثماره �إل��ى م��ا ال نهاية‪ .‬ف�ض ًال عن‬ ‫القافية التي ينتهي بها البيت ال�شعري التقليدي‬ ‫ذو ال�شطرين‪ .‬وفي ق�صيدة التفعيلة التي تقع في‬ ‫دائرة ما ا�صطلح على ت�سميته بـ (ال�شعر الحر)‪،‬‬ ‫يعتمد الإي�ق��اع الخارجي على طبيعة التفعيلة‬ ‫المنتقاة‪ ،‬ف�ض ًال عن القافية المتنوعة في نهاية‬ ‫كل �سطر �شعري‪.‬‬ ‫و�أما الإيقاع الداخلي‪ ،‬ف�إنه ينتمي �إلى ظواهر‬ ‫ذات طابع له �صلة بجر�س الألفاظ التي ت�شكّل‬ ‫بنية الق�صيدة‪ ،‬وال�سيما التكرار الذي قد يكون‬ ‫تكرار ًا لمقطع �أو جملة �أو ا�سم �أو فعل‪ .‬وربما يكرر‬ ‫ال�شاعر حرف ًا معيناً‪ ،‬بهدف خلق تجمعات �صوتية‬ ‫ذات جر�س خا�ص‪ ،‬يعزز الت�أثير المو�سيقي للبيت‬ ‫ذي ال�شطرين �أو ال�سطر ال�شعري في ق�صيدة‬ ‫التفعيلة‪ .‬وقد يلج�أ ال�شاعر �إلى القوافي الداخلية‬ ‫والموازنة والجنا�س بنمطيه التام والناق�ص‪..‬‬ ‫ويلحظ القارئ لمجموعة (بانتظار ال�شم�س)‬ ‫و�سواها في �إطار ما يدعى بـ (الإيقاع الداخلي)‪ .‬ميل ال�شاعرة لبحر الرمل‪ ،‬بخا�صةً‪� ،‬أو لمجزوئه‬ ‫وتبدو تجربة ال�شاعرة �صالحة غاب�ش في �أو لتفعيلته (فاعالتن) ذات الإيقاع ال�سريع؛ �إذ‬ ‫مجموعتها ال�شعرية (بانتظار ال�شم�س) غنية ي�ست�أثر بحر الرمل بع�شر ق�صائد من مجموع‬ ‫من حيث �إيقاعها‪ ،‬ذلك �أنها ا�ستثمرت ال�شكل ق�صائد المجموعة ال�شعرية الثماني والع�شرين‪،‬‬ ‫التقليدي للق�صيدة العربية ذات ال�شطرين‪ ،‬وبواقع �أربع ق�صائد ذات �شطرين‪ ،‬و�ست ق�صائد‬ ‫كما نظمت على ال�شكل الجديد القائم على ح��رة‪ .‬و�أم��ا بحر الوافر وتفعيلته (مفاعلتن)‪،‬‬ ‫التفعيلة‪ .‬ب��ل �إن الكفّة ل��م تكن متعادلة‪� ..‬إذ ف ��إن �ست ق�صائد م��ن المجموعة ت�ست�أثر به‪،‬‬ ‫رجحت كفة الق�صيدة الحرة‪ ،‬ففي الوقت الذي �أرب��ع ق�صائد ح��رة في مقابل ق�صيدتين ذات‬ ‫تجد فيه ت�سع ع�شرة ق�صيدة حرة‪ ،‬ف�إننا نقر�أ �شطرين‪ .‬ويتطابق معه بحر الكامل وتفعيلته‬ ‫في هذه المجموعة ال�شعرية ت�سع ق�صائد ذات (متفاعلن)‪� ،‬إذ يرد بالقدر ذاته (�أربع ق�صائد‬ ‫��ش�ط��ري��ن(‪ ،)8‬وال تخفى الحرية ال�ت��ي تمنحها حرة وق�صيدتان من ذوات ال�شطرين)‪ .‬يليهما‬ ‫ق�صيدة التفعيلة‪� ،‬إذ تجوب ال�شاعرة من خاللها بحر المتقارب الذي يتكرر خم�س م��رات‪� ،‬أربع‬ ‫في مديات و�آف��اق �أف�سح‪ ،‬ذلك �أن قيد ق�صيدة م��رات منها في الق�صائد الحرة وم��رة واح��دة‬ ‫التفعيلة وقوافيها المتنوعة يبدو �أخف بكثير من في ق�صيدة ذات �شطرين‪ ،‬وي�أتي بحر الرجز‬ ‫قيود البحر والقافية الموحدة للق�صيدة ذات وتفعيلته (م�ستفعلن) في ذيل القائمة‪� ،‬إذ تنفرد‬ ‫ق�صيدة حرة واحدة به‪.‬‬ ‫ال�شطرين‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪57‬‬


‫ومما يلفت نظر القارئ �أن ال�شاعرة نظمت‬ ‫الإه��داء ال��ذي ا�ستهلّت به مجموعتها ال�شعرية‬ ‫على وفق بحر الطويل‪ ،‬في حين لم تنظم عليه‬ ‫�أية ق�صيدة من ق�صائدها في غ�ضون المجموعة‪.‬‬ ‫ومن الوا�ضح �أن التنويع في البحر ال�شعري مما‬ ‫ين�سجم مع الطبيعة الب�شرية‪� ،‬إذ تمل الإيقاع‬ ‫الرتيب المتكرر‪ .‬وهو مبد�أ يمكن تلم�سه في هذه‬ ‫المجموعة على وجه العموم‪.‬‬ ‫ولو تق�صينا �صلة البحر المنتقى لق�صيدة‬ ‫ال�شاعرة �صالحة غاب�ش بالمعنى ال��ذي تحمله‬ ‫تلك الق�صيدة‪ ،‬لوجدنا �أن بحر الرمل وقد ت�صدر‬ ‫قائمة البحور التي ا�ستثمرتها ال�شاعرة‪ ،‬قد يحمل‬ ‫معنى المناجاة والت�ضرع �أم��ام ح�ضرة البارى‬ ‫جل �ش�أنه في ق�صيدة (ال تغيب)(‪ .)9‬وق�صيدة‬ ‫(�أمنيات �صغيرة)(‪ .)10‬وقد يتجه �صوب ال�شكوى‬ ‫من ظلم العالم في ق�صيدة (�أدناها ثمن)(‪.)11‬‬ ‫وتقترب ق�صيدة (كلهم ط�ف��ل)(‪ - )12‬وه��ي من‬ ‫بحر الرمل �أي�ضاً‪ -‬من الق�صيدة ال�سابقة في‬ ‫مو�ضوعها‪ .‬بيد �أن الق�صائد‪( :‬بانتظار ال�شم�س)‬ ‫و(نحو ال�سحاب) و(�أ��ش��رع��ة)(‪ ،)13‬وقد نظمت‬ ‫جميع ًا على وفق بحر الرمل‪ ..‬تحمل طابع الأمل‬ ‫والثقة بالحياة‪.‬‬ ‫وتت�سم ق�صيدة (مديرة)(‪ )14‬المنظومة على‬ ‫تفعيلة الرمل �أي�ضاً‪ ،‬بكونها ذاتية وتعتمد على‬ ‫ا�سترجاع الما�ضي‪ .‬مما يدل على قدرة ال�شاعرة‬ ‫على �أن تكيف �إيقاع الرمل وتفعيلته (فاعالتن)‪،‬‬ ‫بحيث يتنا�سب م��ع الجو النف�سي للق�صيدة‪،‬‬ ‫وينطبق هذا على بقية البحور التي نظمت وفق ًا‬ ‫لها‪.‬‬

‫‪58‬‬

‫وق ��د ان�ت�ب��ه كثير م��ن ال�ب��اح�ث�ي��ن ال�ق��دام��ى‬ ‫والمحدثين �إلى م�س�ألة ال�صلة بين الوزن والمعنى‬ ‫منذُ كتاب (منهاج البلغاء) لحازم القرطاجني‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫وحتى ال��درا��س��ات المعا�صرة(‪ ،)15‬من دون ان‬ ‫يتفقوا على ر�ؤي��ة موحدة بهذا ال�ش�أن‪ ،‬ما يدل‬ ‫على �أن البحر يظل الأقرب �إلى الأداة �أو الوعاء‪،‬‬ ‫وتكمن مهارة ال�شاعر في قدرته على ملء ذلك‬ ‫الوعاء بعبير الم�شاعر الإن�سانية وال�صور الدالة‬ ‫واللغة الموحية‪� ،‬ش�أنه ف��ي ذل��ك ��ش��أن اللفظ‬ ‫المفرد ال��ذي يبدو م�ح��اي��د ًا وه��و ف��ي المعجم‬ ‫اللغوي‪ ،‬بيد �أنه ي�شحن بطاقات تعبيرية م�ضافة‬ ‫في �سياق الق�صيدة الحية‪ ،‬وح�سب متطلبات‬ ‫التجربة ال�شعرية الخا�صة‪.‬‬ ‫وف ��ي م��ا ي�خ����ص ق��واف��ي ه ��ذه ال�م�ج�م��وع��ة‬ ‫ال�شعرية‪ ،‬ف�إن ال�شاعرة ا�ستثمرت في ق�صائدها‬ ‫ذات ال�شطرين ح��روف ال��روي (ال�ب��اء‪ ،‬النون‪،‬‬ ‫ال��راء‪ ،‬الالم) مرتين لك ّل منها‪ .‬وختمت �أبيات‬ ‫�أربع ق�صائد من ذوات ال�شطرين بحروف الروي‬ ‫(الهاء‪ ،‬القاف‪ ،‬الهمزة‪ ،‬الجيم)‪ ،‬ولكل حرف‬ ‫من هذه الحروف طاقته الإيقاعية‪ .‬وما لجوء‬ ‫ال�شاعر �إلى التنويع �إال مما يدخل في باب توخّ ي‬ ‫ق��وة الت�أثير‪ ،‬م��ن خ�لال الإي �ق��اع المنتقى لكل‬ ‫تجربة �شعرية يعر�ضها الن�ص ال�شعري‪.‬‬ ‫وف��ي ق���ص��ائ��ده��ا ال �ح��رة‪ ،‬ي�لاح��ظ ال �ق��ارئ‬

‫ظاهرة التنويع التي تطغى على كل قوافيها‪،‬‬ ‫وربما تركت ال�شاعرة ال�سطر ال�شعري وقافيته‬ ‫من غير ان تجد �ضرورة لتكرارها‪ .‬ففي ق�صيدة‬ ‫(نحو ال�سحاب)(‪ ،)16‬تتكرر حرف الروي (الباء)‬ ‫�إح��دى وع�شرين مرة‪ .‬ولكن حرف (الياء) في‬ ‫مفردة (الباكيه)‪ ،‬ومثله (الهمزة) في مفردة‬ ‫(انحناءه)‪ ،‬والكاف في (ن�ضحك)‪ ،‬والتاء في‬ ‫(�صامتا)‪ ،‬والهمزة (في ال�شتاء)‪ ،‬وال�سين في‬ ‫(�شم�سا)‪ ،‬ال تتكرر �أبداً‪ ،‬و�إنما ترد جميع ًا �سائبة‪،‬‬ ‫في حين يتكرر حرف الروي (العين) في (�سعة) وري����م ال�����س��ع��د منطلق ب��ن��ا ع��ب��ـ��ـ‪.....‬‬ ‫ثالث مرات‪ ,‬وال يخ�ضع تكرار القافية لأي قاعدة‬ ‫(‪)20‬‬ ‫����ص����اف �أن������ي������ق‬ ‫ر ح���ل���م �أخ���������ض����ر � ٍ‬ ‫مفرو�ضة من الخارج‪ ،‬و�إنما ينبع التكرار من‬ ‫فيكون حرفا العين والباء من لفظة (عبر)‬ ‫�سياق الق�صيدة ذاتها‪.‬‬ ‫ف��ي ال�شطر الأول‪ ،‬وت �ك��ون ال ��راء ف��ي ال�شطر‬ ‫ورب �م��ا اق�ت��رب��ت ال���ش��اع��رة ك�ث�ي��ر ًا م��ن �شكل الثاني‪ .‬وفي كل النماذج ال�شعرية المدورة تهدف‬ ‫الق�صيدة ذات ال�شطرين في تكرار قوافيها‪ ،‬و�إن ال�شاعرة �إل��ى ك�سر رتابة البحر ال�شعري من‬ ‫اختارت ال�شكل الحر �إهابا لها‪ ،‬كما في ق�صيدتها خ�لال ظاهرة التدوير‪ ،‬ف�ض ًال عن رغبتها في‬ ‫(�أحرف الحب) التي تقول فيها‪:‬‬ ‫�إتمام المعنى الذي تتوخاه من البيت ال�شعري‪،‬‬ ‫وت�سبح في ف�ؤادي �أحرف الحب‬ ‫وال��ذي يحت�ضن ه��ذه الظاهرة‪ .‬ول��م تتكلّفها‪..‬‬ ‫ف�أنثرها ندى في كوننا الرحب‬ ‫بل اعتمدت على ال�سياق الذي يقت�ضيها‪ ،‬فت�أتي‬ ‫فت�سمو الروح في العلياء‬ ‫مكملة للإيقاع الخارجي في البيت ال�شعري ذي‬ ‫كمثل حمامة بي�ضاء‬ ‫ال�شطرين‪.‬‬

‫فت�صغر ت�صغر الأ�شياء‬ ‫و�ألقى اهلل رغم �ستائر الغيب‬ ‫(‪)17‬‬ ‫و�أهم�س �إنني �أهواك يا ربي‬

‫فيتكرر ح��رف ال��روي (ال�ب��اء) �أرب��ع م��رات‪،‬‬ ‫و(ال�ه�م��زة) ث�لاث م��رات‪� ،‬إذ �إن ت�ك��رار قافية‬ ‫واحدة �أو قافيتين بكثافة‪ ،‬يحيل �إلى الق�صيدة‬ ‫ذات ال�شطرين‪.‬‬ ‫وت�ستفيد ال�شاعرة من ظاهرة التدوير التي‬ ‫لها عالقة بالإيقاع الخارجي في البيت ال�شعري‪،‬‬ ‫وتكررها كثير ًا في بع�ض ق�صائدها وال�سيما‬ ‫ق�صيدة (كلهم طفل)(‪ – )18‬من مجزوء الرمل‬

‫وق� ّل�م��ا نجد ف��ي ال�شعر ال��ع��رب��ي مَ ��ن ينظم‬ ‫على بحر ال��واف��ر التام (مفاعلتن‪ ،‬مفاعلتن‪،‬‬ ‫مفاعلتن)‪� ،‬إذ �إن الق�صائد في هذا البحر‪ ،‬ومنذ‬ ‫معلقة عمرو بن كلثوم التغلبي‪ ..‬ت�أتي على زنة‬ ‫(مفاعلتن مفاعلتن فعولن)‪� ،‬أي بقطف عرو�ض‬ ‫البيت و�ضربه – كما يعبر العرو�ضيون(‪.- )21‬‬ ‫ولكن ال�شاعرة تختار الوافر التام‪ ،‬ما يدل على‬ ‫�أنها تنتقي �إيقاعها الخا�ص الذي تود �أن تتميز به‬ ‫ق�صيدتها (وجهك �أنت يا وطني)(‪ .)22‬وينطبق‬ ‫هذا على ق�صيدتها (رحيل زه��رة)(‪� ،)23‬إذ قلما‬ ‫نجد ق�صيدة من بحر الرمل ت�أتي عرو�ضها على‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫– وقد ا�شتملت على �سبعة وع�شرين بيتاً‪ ،‬بدت‬ ‫ظاهرة التدوير في واح��د وع�شرين بيت ًا منها‪.‬‬ ‫وتقل الظاهرة تدريجي ًا في ق�صائد �أخرى‪ .‬ففي‬ ‫ق�صيدة (�أمنيات �صغيرة)(‪ ،)19‬وهي من مجزوء‬ ‫الرمل �أي�ضاً‪ ،‬نجد فيها ثمانية �أبيات مدورة من‬ ‫�أ�صل �أبيات الق�صيدة الخم�سة والع�شرين‪ .‬وقد‬ ‫ينفرد بيت واح��د في ق�صيدة واح��دة بظاهرة‬ ‫التدوير‪ ،‬كما في ق�صيدة (�صداقة) من بحر‬ ‫الوافر‪:‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪59‬‬


‫‪60‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫وفق (فاعالتن فاعالتن فاعالتن)‪� ،‬إذ غالب ًا ما‬ ‫تكون عرو�ض الرمل محذوفة (فاعلن)(‪ .)24‬وما‬ ‫اختيار ال�شاعرة تفعيلة الرمل التام (مفاعلتن)‬ ‫في عرو�ض الرمل و�ضربه �إال مما يدخل في باب‬ ‫محاولة التميز واختيار الإيقاع الخا�ص للتجربة‬ ‫ومثل ذلك يقال عن تكرار مقطع (�أنت وحدك‬ ‫ال�شعورية‪.‬‬ ‫ال تغيب) في ق�صيدة (ال تغيب)(‪� ،)26‬إذ تتوجه‬ ‫وف��ي �إط��ار ظاهرة الإي�ق��اع الداخلي‪ ،‬ي�شيع ال�شاعرة �إل��ى اهلل – ج ّل �ش�أنه – بالمناجاة‪،‬‬ ‫ال�ت�ك��رار بكل �أن�م��اط��ه ف��ي ق�صائد المجموعة وبما �أن ب�ؤرة الق�صيدة هي ر�صد تغيّر الأ�شياء‬ ‫ال�شعرية (بانتظار ال�شم�س)؛ م�ضفي ًا جر�سا وانزوائها وغيابها وينطبق هذا على كل �شيء‬ ‫من �ش�أنه �أن ي�ؤازر الإيقاع الخارجي للق�صيدة‪ ،‬ما عدا الذات الإلهية‪ ،‬ف�إن المقطع ي�شي بطاقة‬ ‫وين�سجم معه م��ن ج��ان��ب‪ ..‬ف�ض ًال ع��ن دالل��ة �إيقاعية م�ستندة �إل��ى المعنى المق�صود من‬ ‫التكرار المعنوي التي ت�ستمد قوتها م��ن هذا الق�صيدة‪.‬‬ ‫(‪)27‬‬ ‫الجانب الإيقاعي‪ .‬ويتنوع التكرار بتنوع ال�سياق‬ ‫وت�ستهل ق���ص�ي��دة (دوام� ��ة ال �� �ش �ت��ات)‬ ‫ال�شعري ال��ذي ي��رد فيه‪ .‬فثمة ت�ك��رار المقطع �سطرها ال�شعري الأول بقولها‪:‬‬ ‫ف��ي ق�صيدة (ن�ح��و ال �� �س �ح��اب)(‪)25‬؛ �إذ يتكرر‬ ‫(�شتات غربة يدور في كل اتجاه)‬ ‫ ‬ ‫ال�سطر ال�شعري (لي�س في الوقت �سعه) ثالث‬ ‫مما يدل على �أهمية اال�سمين (�شتات‪ ،‬غربة)‬ ‫م ��رات‪ .‬وترتكز ال��دالل��ة الإي�ق��اع�ي��ة على دالل��ة‬ ‫معنوية يعك�سها تكرار هذا المقطع؛ فالق�صيدة الدالين على التمزق والإح�سا�س بالوح�شة‪ ،‬وي�أتي‬ ‫ج��اءت معب�أة بالحياة والأم��ل ونبذ الذكريات تكرارهما خم�س مرات‪ ..‬ما ي�شي بب�ؤرة الق�صيدة‬ ‫الباكية و�إح�سا�سات االغتراب والي�أ�س؛ ولذلك‪ ،‬القائمة على التعبير عن غربة الإن�سان و�ضياعه‪،‬‬ ‫ف�إن اغتنام عن�صر الزمن‪ ،‬ممّا يلحّ على ذهن وما تكرار اال�سمين‪� :‬شتات وغربة‪� ،‬إال مما يدل‬ ‫ال�شاعرة‪ ،‬فتكرره (لي�س في الوقت �سعه) �إ�شارة على ثبوت هذه الحالة في هذا العالم و�سكونيتها‪.‬‬ ‫�إل��ى نزوعها �صوب الحركة باتجاه ال�سّ حاب‪،‬‬ ‫كما تولع ال�شاعرة بحرف النداء (ي��ا)‪� ،‬إذ‬ ‫الذي هو رمز من رموز ال�سمو والخ�صب؛ ولذلك تكرره في موا�ضع من مجموعتها ال�شعرية‪ ..‬مما‬ ‫فقد تكرر لفظ ال�سحاب‪ ،‬في الق�صيدة �أرب��ع له داللته الإيقاعية والمعنوية على ح ّد �سواء‪.‬‬ ‫م��رات‪ ،‬ف�أفادت الق�صيدة منه �إيقاع ًا ومعنى‪ .‬ففي ق�صيدة (منطق الآالم فينا م�شهر) (‪)28‬‬ ‫وف��ي الق�صيدة ذات �ه��ا يتكرر الفعل (نغني) يتكرر ح��رف ال�ن��داء (ي��ا) �أرب��ع م��رات‪ ،‬اثنتان‬ ‫م�شكّال �سطر ًا �شعري ًا من خ�لال تكراره ثالث منها في ن��داء الدوحة (يا دوح��ة)‪ ،‬وثمّة نداء‬ ‫م��رات (ونغني ونغني ونغني)‪ ،‬في�ؤكد �أج��واء للطائر (ي��ا ط��ائ��ري)‪ ،‬ف�ض ًال ع��ن ت�ك��رار ن��داء‬ ‫ال�ت�ف��ا�ؤل ويكر�سها‪ ،‬وه��و ب ��دوره يخلق تجمع ًا الطائر ب�صيغة �أخ��رى (يا عا�شق النهر)‪ .‬وفي‬ ‫�صوتي ًا لحرف (ال�ن��ون)‪ ،‬وبخا�صة حين يتكرر تكرار النداء لغير العاقل �أكثر من هدف فني‬ ‫في هذا ال�سطر ال�شعري ت�سع مرات‪ ،‬ف�ض ًال عن ف�ض ًال عن الهدف الإيقاعي واالمتداد ال�صوتي‬ ‫تكرار حرف (العين) ثالث مرات‪ ،‬وحرف المد ال ��ذي ينطوي عليه ح��رف ال �ن��داء (ي ��ا)؛ لأن‬ ‫(الياء) ثالث مرات‪ ،‬ما ي�سمح بامتداد النف�س‪،‬‬ ‫وبما ي�شبه حركة التنف�س في ال�شهيق والزفير‪،‬‬ ‫م�سج ًال �أق�صى درج��ات االرتياح والر�ضا على‬ ‫الرغم من �أنف الجرح – كما عبّرت الق�صيدة‪.‬‬

‫النداء ي�ضفي الأن�سنة على الأ�شياء من حولنا �أنها ت�ؤكد هذه الم�ضاهاة بين ال�شاعرة والطائر‪،‬‬ ‫(ال��دوح��ة وال�ط��ائ��ر)‪ ،‬وب��ذل��ك يت�شخ�صان في معززة �أن�سنة الطائر و�إح�سا�سات ال�شاعرة التي‬ ‫�إطار ا�ستعارتين مكنّيتين تتكرران مرتين‪ ،‬يكون عك�ستها عليه‪.‬‬ ‫الم�ستعار له فيهما (الدوحة‪ ،‬والطائر)‪ ،‬ويكون‬ ‫وتمتزج نماذج �أخرى من الموازنة بالتقفية‬ ‫الم�ستعار منه (الإن�سان)؛ لأن النداء �أ�صيل في الداخلية‪ ،‬يرد في ق�صيدة (�أمنيات �صغيرة)‬ ‫الكائن العاقل الذي يعي العالم من حوله‪ ،‬وهو قول ال�شاعرة‪:‬‬ ‫م�ستعار فيما �سواه(‪.)29‬‬ ‫في ذراعيها ر�ضي ُع ‬

‫ي�ستقي قحل اليباب‬ ‫وال تكتفي ال�شاعرة بالقافية الخارجية التي ‬ ‫ينتهي بها البيت �أو ال�سطر ال�شعري‪ ،‬ولكنها وبعينيهـا دم ـ ـ ــو ُع‬ ‫(‪)31‬‬ ‫وتبـ ـ ــاريـ ـ ُح ع ـ ــذاب‬ ‫ت�أتي بالقافية الداخلية التي من �ش�أنها �أن ت�ؤازر ‬

‫الإيقاع ال��ذي تثيره القافية الخارجية في �أذن‬ ‫المتلقي‪ .‬فها هي ق�صيدة (منطق الآالم فينا‬ ‫م�شهر)(‪ )30‬تنطوي على هذا النمط من القافية‬ ‫في قول ال�شاعرة‪:‬‬

‫ومو�ضع ال�شاهد في البيتين يتبين من خالل‬ ‫خلق قافية داخلية عبر اللفظين (ذراعيها‪،‬‬ ‫بعينيها)‪ ،‬ف�ض ًال عن زنة اال�سمين التي تتطابق‬ ‫مُ�شكّلة م��وازن��ة ت��رف��د البيت ال�شعري بطاقة‬ ‫�إيقاعية م�ضافة من �ش�أنها �أن تعزز ال�صورة‬ ‫الم�ؤلمة‪ ،‬التي ر�سمتها ال�شاعرة للأم البائ�سة‪..‬‬ ‫�إف�صاح ًا عن ق�سوة هذا العالم وال مباالته‪.‬‬

‫فت�شكّل لفظتا (ابت�سامة‪ ،‬وغيمة) قافية‬ ‫لا ع��ن ال�ق��اف�ي��ة ال�خ��ارج�ي��ة في‬ ‫داخ �ل �ي��ة‪ ،‬ف���ض� ً‬ ‫اللفظين (ي��وم��ن��ا‪ ،‬همنا)‪ .‬وينطبق ه��ذا على‬ ‫�سطرين �آخرين في الق�صيدة ذاتها‪:‬‬

‫ونجد نماذج من الجنا�س الناق�ص وال�سيما في‬ ‫قوافي ق�صائد المجموعة‪ .‬ففي ق�صيدة (م�شاهد‬ ‫للوحدة)(‪ )32‬يرد لفظان هما (بعيدة‪� ،‬سعيدة)‪،‬‬ ‫حيث ي�شكالن جنا�س ًا ناق�ص ًا يعد م��ن ل��وازم‬ ‫الإٌيقاع الداخلي‪ ،‬ومثل ذلك يقال عن اللفظين‬ ‫(�سنة و�سو�سنة) في ق�صيدة (�سو�سنة)(‪،)33‬‬ ‫ينطوي اللفظان على جنا�س ناق�ص‪ ،‬ف�ض ًال عن‬ ‫جر�س حرف (ال�سين) الم�أنو�س في المفردتين‬ ‫كلتيهما‪.‬‬

‫في واحة الأمل المعطر �أحتوي غ�صن الفر ْح‬ ‫و�صدى ابت�سامة يومنا‬ ‫وجالء غيمة همّنا‬

‫حلّقتُ �إذ �أوقعته‬ ‫و�ضحكت �إذ �أبكيته‬ ‫يا طائري‬

‫في�شكل الفعالن (حلّقتُ ‪� ،‬ضحكتُ ) قافية‬ ‫داخ�ل�ي��ة ت��دع��م ت��أث�ي��ر ال�ق��اف�ي��ة ال�خ��ارج�ي��ة في‬ ‫ال�سطرين ال�شعريين‪ ،‬وف��ي التقفية الداخلية‬ ‫للنموذج ال�سابق‪ ،‬ثمة م��وازن��ة تتكرر نماذج‬ ‫منها في هذه المجموعة ال�شعرية‪ .‬وتبدو هنا‬ ‫من خالل الألفاظ (حلّقت‪� ،‬أوقعته‪� ،‬ضحكت‪،‬‬ ‫�أبكيته)‪ ،‬وهي مما يُعزز ت�أثير القوافي الداخلية‪،‬‬ ‫ويهب المقطع ال�شعري �إيقاع ًا م�ضافاً‪ ،‬ف�ض ًال عن‬

‫وب �ع��د‪ ،‬ف � ��إن ال �� �ش��اع��رة ��ص��ال�ح��ة غ��اب ����ش في‬ ‫مجموعتها ال�شعرية (ب��ان��ت��ظ��ار ال�شم�س)‪ ،‬قد‬ ‫توا�صلت مع الق�صيدة العربية في �شكلها الجديد‬ ‫القائم على التفعيلة‪ ،‬وفي �صيغتها التقليدية ذات‬ ‫ال�شطرين‪ ..‬ومالت �إلى ال�شكل الجديد‪ ،‬كما �أنها‬ ‫انتقت من البحور والتفعيالت ما ينا�سب تجاربها‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪61‬‬


‫* كاتب عراقي مقيم في الواليات المتحدة‪.‬‬ ‫‪1.1‬ينظر‪ :‬د‪� .‬إبراهيم �أني�س‪ ،‬مو�سيقى ال�شعر‪ ،‬مطبعة‬ ‫الأمانة‪ ،‬ط‪ ،5‬القاهرة ‪1978‬م‪� ،‬ص ‪.9‬‬ ‫‪2.2‬المرجع نف�سه‪� ،‬ص ‪.21‬‬ ‫‪3.3‬ينظر‪� :‬إليزابيت درو‪ ،‬ال�شعر كيف نفهمه ونتذوقه‪،‬‬ ‫ترجمة‪ :‬محمد �إبراهيم ال�شو�ش‪ ،‬مطبعة منيمنة‪،‬‬ ‫بيروت ‪1961‬م‪� ،‬ص ‪.60‬‬ ‫‪4.4‬د‪ .‬عزالدين �إ�سماعيل‪ ،‬الأ�س�س الجمالية في النقد‬ ‫العربي‪ ،‬دار ال�ش�ؤون الثقافية العامة‪ ،‬ط‪ ،3‬بغداد‬ ‫‪1986‬م‪� ،‬ص‪.361‬‬ ‫‪5.5‬ال�ف�ي��روز�أب��ادى‪ ،‬القامو�س المحيط‪ ،‬دار الفكر‪،‬‬ ‫بيروت‪( ،‬د‪.‬ت)‪ ،‬مادة (و ق ع)‪.‬‬ ‫‪6.6‬مجدي وهبة‪ ،‬معجم م�صطلحات الأدب‪ ،‬مكتبة‬ ‫لبنان‪ ،‬بيروت ‪1974‬م‪� ،‬ص ‪.42‬‬ ‫‪7.7‬ينظر‪ :‬د‪ .‬عبدالرحمن ياغي‪ ،‬مقدمة في درا�سة‬ ‫الأدب الحديث‪ ،‬المطبعة الأردنية‪ ،‬عمان ‪1975‬م‪،‬‬ ‫���ص‪ .94‬كما ينظر‪ :‬د‪ .‬خالد �سليمان‪ ،‬في الإيقاع‬ ‫الداخلي في الق�صيدة العربية المعا�صرة‪ ،‬من‬ ‫بحوث مهرجان المربد ال�شعري العا�شر‪ ،‬بغداد‬ ‫‪1989‬م‪� ،‬ص ‪.4‬‬ ‫‪�8.8‬صالحة غاب�ش‪ ،‬بانتظار ال�شم�س‪ ،‬من�شورات اتحاد‬ ‫كتاب و�أدباء الإمارات‪ ،‬ال�شارقة‪� ،‬ص ‪.90 – 89‬‬ ‫‪9.9‬المرجع نف�سه‪� ،‬ص ‪7‬‬ ‫‪1010‬المرجع نف�سه‪� ،‬ص ‪.11‬‬ ‫‪1111‬المرجع نف�سه‪� ،‬ص ‪.29‬‬ ‫‪1212‬المرجع نف�سه‪� ،‬ص ‪.32‬‬ ‫‪1313‬ال�م��رج��ع نف�سه‪��� ،‬ص ‪��� ،57‬ص ‪��� ،67‬ص ‪ 84‬على‬ ‫التوالي‪.‬‬ ‫‪1414‬المرجع نف�سه‪� ،‬ص ‪.60‬‬ ‫‪1515‬ينظر‪ :‬القرطاجني‪ ،‬منهاج البلغاء‪ ،‬تحقيق‪ :‬محمد‬ ‫الحبيب بن الخوجة‪ ،‬تون�س ‪1966‬م‪� ،‬ص ‪. ،266‬‬

‫كما ينظر‪ :‬د‪ .‬عزالدين �إ�سماعيل التف�سير النف�سي‬ ‫للأدب‪ ،‬دار العودة‪ ،‬بيروت (د‪.‬ت)‪� ،‬ص ‪ .59‬وينظر‬ ‫ك��ذل��ك‪ :‬د‪ .‬مح�سن اطيم�ش‪ ،‬دي��ر ال �م�لاك‪ ،‬دار‬ ‫الر�شيد للن�شر‪ ،‬بغداد ‪1982‬م‪� ،‬ص ‪.301‬‬ ‫‪�1616‬صالحة غاب�ش‪� ،‬ص ‪.68‬‬ ‫‪1717‬المرجع نف�سه‪� ،‬ص ‪.10‬‬ ‫‪1818‬المرجع نف�سه‪� ،‬ص ‪.32‬‬ ‫‪1919‬المرجع نف�سه‪� ،‬ص ‪.11‬‬ ‫‪2020‬المرجع نف�سه‪� ،‬ص ‪.74‬‬ ‫‪2121‬ينظر‪� :‬أحمد الها�شمي‪ ،‬ميزان الذهب في �صناعة‬ ‫�شعر العرب‪ ،‬المكتبة التجارية الكبرى (د‪.‬ت)‪،‬‬ ‫�ص‪ .48‬كما ينظر‪ :‬ال�شيخ جالل الحنفي‪ ،‬العرو�ض‬ ‫تهذيبه و�إع���ادة ت��دوي�ن��ه‪ ،‬دار ال���ش��ؤون الثقافية‬ ‫العامة‪ ،‬ط‪ ،3‬بغداد ‪1991‬م‪� ،‬ص‪.549‬‬ ‫‪�2222‬صالحة غاب�ش‪� ،‬ص ‪.15‬‬ ‫‪2323‬المرجع نف�سه‪� ،‬ص ‪.43‬‬ ‫‪2424‬ينظر‪� :‬أحمد الها�شمي‪� ،‬ص ‪.69‬‬ ‫‪�2525‬صالحة غاب�ش‪.67 ،‬‬ ‫‪2626‬المرجع نف�سه‪� ،‬ص ‪.7‬‬ ‫‪2727‬المرجع نف�سه‪� ،‬ص ‪.35‬‬ ‫‪2828‬المرجع نف�سه‪� ،‬ص ‪.48‬‬ ‫‪2929‬ينظر‪ :‬د‪ .‬وج���دان ع��ب��دالإل��ه ال�صائغ‪ ،‬ال�صورة‬ ‫اال�ستعارية ف��ي �شعر االخ�ط��ل ال�صغير‪ ،‬ر�سالة‬ ‫دكتوراه‪ ،‬مقدمة �إلى كلية الآداب‪ /‬جامعة المو�صل‬ ‫‪1995‬م‪� ،‬ص ‪.25‬‬ ‫‪�3030‬صالحة غاب�ش‪� ،‬ص ‪.48‬‬ ‫‪3131‬نف�سه‪� ،‬ص ‪.11‬‬ ‫‪3232‬نف�سه‪� ،‬ص ‪.71‬‬ ‫‪3333‬نف�سه‪� ،‬ص ‪.62‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫‪62‬‬

‫ال�شعورية‪ .‬وجاء ت�سل�سل البحور ال�شعرية وح�سب‬ ‫ا�ستثمارها لها هو‪ :‬الرمل ثم الوافر ثم الكامل‬ ‫فالمتقارب فالرجز‪ .‬ولل�شاعرة ق�صيدتان حاولت‬ ‫�أن تميزهما ب�إيقاع مختلف م�ستمد من بحري‬ ‫الرمل والوافر‪ ..‬وقد نوّعت ال�شاعرة في قوافيها‬ ‫عامة‪ ،‬وكان لحروف الرويّ (الباء‪ ،‬النون‪ ،‬الراء‪،‬‬ ‫الالم) ح�ضور في ق�صائدها ذات ال�شطرين‪ .‬وقد‬

‫تكررت ظاهرة التدوير في بع�ض ق�صائدها‪ .‬وكل‬ ‫ما ذكرناه يدخل في �إطار ظواهر الإيقاع الخارجي‪.‬‬ ‫في حين ي�شيع التكرار بكل �أنماطه (تكرار مقطع‪،‬‬ ‫وتكرار ا�سم‪ ،‬وتكرار فعل‪ ،‬وتكرار حرف)‪ ،‬م�شكال‬ ‫�إيقاع ًا داخلياً‪ .‬وت�أتي القوافي الداخلية والموازنة‬ ‫والجنا�س الناق�ص ك��ي ت�ع��زز مجتمعة ظاهرة‬ ‫الإيقاع الداخلي في هذه المجموعة ال�شعرية‪.‬‬

‫الطبيعة واغتراب الذات‬ ‫في �شعر الثبيتي‬ ‫■ �شيمة ال�شمري*‬

‫يعد و�صف الطبيعة من الأغرا�ض البارزة في ال�شعر العربي قديمه وحديثه‪ ،‬وقد‬ ‫حظي هذا اللون من ال�شعر في الع�صر الحديث بما لم يحظ به في الع�صور ال�سابقة‪.‬‬ ‫«وما تم له ذلك �إال لأنه �صورة انطباعات النفو�س ال�شاعرة حيال مدركاتها من �أحوال‬ ‫الكون والنا�س‪ ..‬ولأن الدافع �إلى الو�صف رغبة ملحّ ة في النف�س لم تدفعها رهبة‪،‬‬ ‫ولم تجتذبها منفعة‪ ،‬و�إنما قادها �شعور ذاتي بالقبح �أو الجمال �أو ال�ضعف �أو القوة �أو‬ ‫نحو ذلك»(‪ .)1‬ولقد �أقبل �شعراء هذا الع�صر على الو�صف �إقبا ًال منقطع النظير‪ ،‬وكان‬ ‫�إقبال �شعراء الع�صر الحديث على و�صف الطبيعة �أكثر من غيرها و�إن اختلفوا في‬ ‫و�صفهم‪ .‬وت�أتّيهم لها وانطباع ذاتيتهم في �أ�شعارهم‪ ،‬فهناك عالقة وثيقة بين الو�صف‬ ‫والطبيعة من ال�صعب �أن نف�صله‪ ،‬فالو�صف في غالب �إطالقه ال يتعدى الطبيعة بما‬ ‫فيها من متحرك و�ساكن (بر وبحر و�أر�ض و�سماء و�صحارى وريا�ض)‪.‬‬ ‫«وتعد الطبيعة والفن م�صدري الجمال‬ ‫في ال�ك��ون‪ ،‬ويق�صد بالطبيعة من وجهة‬ ‫مو�ضوعية مجموعة الكائنات من حيوان‬ ‫ونبات وجماد‪ ،‬ومن وجهة ذاتية الأخالق‬ ‫والطبائع‪ ،‬وقد �سادت منذ القدم النظرية‬ ‫القائلة �أن جمال الفن م�شتق من جمال‬ ‫الطبيعة و�أن الفن تقليد لها»(‪.)2‬‬ ‫وال��ذات الب�شرية معقّدة التكوين �أودع‬

‫الخالق عز وج��ل في جبلتها غريزة حب‬ ‫الحياة مع وع��ي الإن�سان بحتمية الفناء‬ ‫و�إدراك��ه لموته المحتم ووجوده العابر في‬ ‫الحياة المو�شك على االنتهاء‪.‬‬ ‫وق��د يت�ضخم الإح�سا�س ب��ال��ذات لدى‬ ‫ال�شاعر‪ ،‬فهو ي�شعر �أنه مجموع من الذوات‬ ‫ف��ي ذات واح� ��دة وذل ��ك ع��ائ��د الم�ت�لاك‬ ‫ال�شاعر �إح�سا�سً ا م��ره� ًف��ا ف��ائ� ًق��ا ق��ادرًا‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪63‬‬


‫وق��د �أكثر �شعرا�ؤنا ال�سعوديون من و�صف‬ ‫الطبيعة المحيطة بهم من جبال و�أنهار وحدائق‬ ‫وم�شاهد كونية عديدة‪ ،‬ما وقعت عليه �أب�صارهم‬ ‫وت�صوّرته مداركهم‪ .‬ومن خالل اقتفائي لأثر‬ ‫الثبيتي ال�شعري تبين �أنه ا�ستقى معظم �صوره‬ ‫و�أخيلته من رحم الطبيعة‪ ،‬وما بها من �سماء‬ ‫ونجوم و�أ�شجار وغ�صون ونباتات‪ ،‬كما �أث��رت‬ ‫الحياة اليومية التي كان يعاي�شها ال�شاعر في‬ ‫�أح�ضان الطبيعة على �أخيلته؛ فجاء �شعره زاخرًا‬ ‫بكثير من �ألفاظ الطبيعة كالنور وال�ضياء والبدر‬ ‫والقمر‪ ،‬لما لهذه الأ�شياء من مكانة رفيعة في‬ ‫حياة العرب‪.‬‬

‫وقد ارتبط الثبيتي ببيئته؛ فو�صف جبالها‬ ‫و�سهولها و�سواحلها و�شواطئها‪ ،‬وتغنى بمعالمها‪..‬‬ ‫بدافع الهرب من الحياة‪ ،‬والهيام بالطبيعة كما‬ ‫نجده عند �أدباء الرومان�سية‪ ،‬ويت�ضح ذلك في‬ ‫�أبيات متعددة في �شعره ومن ذلك قوله‪:‬‬

‫الطبيعة عندما يتقاطع معها (االغ �ت��راب)‬ ‫الطبيعة بمالمحها واالغتراب بمظاهره‪ -‬في‬‫�شعر دي��وان (موقف ال��رم��ال) لل�شاعر محمد‬ ‫الثبيتي‪ ،‬وهو رائ��د من رواد الحداثة ال�شعرية‬ ‫ال�سعودية‪ ،‬ع��ا���ش فيما بين ع��ام��ي (‪-1366‬‬ ‫‪1430‬هـ) وهو متنوّع الم�شارب‪ ,‬مختلف المنهج‪,‬‬ ‫مما م� ّك��ن ل��ه م��ن تكوين ��ص��وت �شعري مميز‬ ‫ل��ه ح���ض��وره ف��ي ال�ساحة ال�شعرية ال�سعودية‬ ‫ف��ال�ع��رب�ي��ة‪ ،‬وك�ت��ب ل�شعره ال���س�ي��رورة ل�ف��رادة‬ ‫ن�صو�صه ومفارقتها لغيرها‪.‬‬

‫ف�ق��د ع���ش��ق الثبيتي الطبيعة م��ن ح��ول��ه‪،‬‬ ‫فنجد االنغما�س واالمتزاج مع عنا�صر الطبيعة‬ ‫عنده مثلما نجد عند ال�شعراء «الرومان�سيين»‬ ‫الذين �أغرقوا في الذاتية‪ ،‬وجعلوا من الطبيعة‬ ‫وعنا�صرها مالذ ًا وملج�أ لهم‪ ،‬وكان من �سمات‬ ‫�أدبهم االنفراد والغربة‪ ،‬ما يدل على ال�شخ�صية‬ ‫الم�ؤرقة المهمومة والذهنيـة المفارقة لتقلبات‬ ‫الحياة‪ ،‬فتنطلق قريحته ال�شعرية المخ�ضوبة‬ ‫ب��ال�م�ن��زع ال��روم��ان���س��ي ال�م�ت�م��اه��ي ف��ي ن�سقه‬ ‫ال�شعري؛ لتغنّي لكل مفردات الطبيعة‪ ،‬وينعتق‬ ‫في رباها من حيز المكانية وغربتها �إلى رحابة‬ ‫الأفق ال�شعري الذي يحلق في عالمه‪ ،‬ب�أجنحة‬ ‫الإب ��داع ووق��ع �إيقاعها المتنامي عبر تمادي‬ ‫المعاي�شة لت�شكالت اللوحة المكانية الماثلة في‬ ‫تجليّات الطبيعة‪.‬‬

‫«للنخل للكثبان لل�شيح ال�شمالي‬ ‫وللنفحات من ريح ال�صبا‬ ‫للطير في خ�ضر الربى‬ ‫لل�شم�س‬ ‫للجبل‬ ‫الحجازي‬ ‫وللبحر‬ ‫(‪)3‬‬ ‫تحاول هذه الدرا�سة الموجزة �أن تبرز مفهوم التهامي»‬

‫‪64‬‬

‫ت�شكل ال�صحراء الجزء الأكبر من تكوين‬ ‫ال�ج��زي��رة العربية ال�ج�غ��راف��ي‪ ,‬وه��و و�إن كان‬ ‫ج ��زءا ق �ف��را م��اح�لا‪ ,‬ف�ق��د غ��ر��س��ت ال�ج��زي��رة‬ ‫العربية في �أبنائها �صفات يندر وجودها عند‬ ‫غيرهم‪ ,‬وتكوّنت مع الأي��ام عالقة و ّد ومحبة‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫على الت�أمّل وال�شعور بخلجات الحياة‪ ..‬ومن‬ ‫ثم التعبير الجمالي القائم على اللغة الموحية‬ ‫والخيال الخ�صب والعاطفة المت�أججة والر�ؤية‬ ‫المختلفة‪ ،‬فهو يقف عند مكابدات الحياة على‬ ‫نحو �أعمق يت�أثر بها ويلتقطها‪.‬‬

‫بين ال�صحراء و�ساكنيها‪ ،‬وظ��ل العربي في‬ ‫كل الأزم�ن��ة يدين ل�صحراء الجزيرة العربية‬ ‫بالحب‪ ،‬ويجد فيها بيته الأول الذي �إنْ �ضاق به‪،‬‬ ‫بقيت له في الف�ؤاد جملة من العواطف الفيا�ضة‬ ‫الرقيقة لعل من �أهمها ت�أكيد االنتماء والأ�صالة‪.‬‬

‫فقد كان ح�ضور ال�صحراء في ديوان (موقف‬ ‫الرمال) للثبيتي الفتا قويا‪ ،‬كما يالحظ كثرة‬ ‫ول��وج ال�شعر �إليها؛ ف��رارا م��ن واق�ع��ه و�شعوره‬ ‫باالغتراب الذي تعي�شه ذاته المرهقة‪ ،‬ما ي�شي‬ ‫بحيرة ال�شاعر وقلقه في �أخريات حياته‪ ،‬كون‬ ‫الديوان �آخر ما بثه ال�شاعر من �أ�شعار‪ ,‬يقول‪:‬‬

‫الرم�س نبكي‬ ‫ِ‬ ‫�سادرانِ على‬ ‫ونندبُ �شم�ساً تهاوت‬ ‫وبدراً هلك‬ ‫وكالنا تغ�شته حُ مى الرمال‬ ‫فلم يدر �أي ريا ٍح تلقى‬ ‫و�أيَّ طريقٍ �سلك(‪...)4‬‬

‫(‪)5‬‬

‫�إن��ه �شعور النف�س الداخلية‪� ،‬شعور القلق من لفّ حول حدائق روحك هذا ال�شرك؟‬

‫وال���ض�ي��اع ال��داخ �ل��ي ال ��ذي ينطلق م��ن خالله‬ ‫ال�شاعر �إلى تلمّ�س �صداه في الطبيعة التي تقف‬ ‫�أمامه‪ ،‬حيث تتغ�شى حمى الرمال ال�صديقين‪،‬‬ ‫فيذهب كل واحد منهما اتجاها ال يعرف مداه‬ ‫�أو �صوابه‪ ،‬وهي في الحقيقة �صورة روحه التي‬ ‫افتقدها‪ ،‬وطبيعته التي حولتها المدنية الحديثة‬ ‫�إلى �ضياع ما بعده �ضياع‪.‬‬ ‫�إن ال�صورة هنا لتظهر معتمدة على البيئة‬ ‫ال�صحراوية اعتمادا مبا�شرا‪ ،‬فمعاناة الفكرة‬ ‫وال�شعور بها لم يجد له الثبيتي �أف�ضل من �صورة‬ ‫ال�صحراء‪ ،‬حيث انقطاع ال�صديقين وابتعادهما‬ ‫لم يجد ال�شاعر للتعبير عنه �سوى من خالل‬ ‫ال �� �ص �ح��راء ال �ت��ي �أ� �ض��اع��ت ري��اح �ه��ا وت��راب�ه��ا‬ ‫ال�صديقين‪ ،‬وف�صلتهما ع��ن ب�ع����ض‪ ..‬فتاها‬ ‫طويال عن بع�ضهما‪ ،‬على الرغم من كل عالمات‬ ‫الت�شابه المبدئي بينهما‪.‬‬ ‫و�ضاحْ ‪:‬‬ ‫يقول في ق�صيدته‪َّ :‬‬

‫�صاحبي‪..‬‬ ‫ما الذي غيرك؟‬ ‫ما الذي خدر الحلم في �صحو عينيك؟‬

‫�إن ال�صحراء المعنوية تح�ضر �أي�ضا عبر‬ ‫ا�ستح�ضارها موازية لل�صحراء الحقيقية في‬ ‫الن�ص ال�سابق؛ فهي تح�ضر م�ضيعة «لل�صاحب»‬ ‫�أو ال�صديق كما في الأبيات ال�سابقة‪ ،‬بكل ما فيه‬ ‫من روع��ة‪ ،‬فحدائق الداخل (جمال الداخل)‬ ‫يقابلها ق�سوة ال�صحراء المعنوية التي تحا�صر‬ ‫ال ��ذات الخ�صبة‪ ،‬ال ��ذات الحديقة م��ن دون‬ ‫االنطالق في عالم يليق بها‪.‬‬ ‫ي ��ؤي��د ه��ذا المنطلق م��ا �أم�ل�ت��ه ال�م�ف��ردات‬ ‫ال�صحراوية الحا�ضرة بقوة‪ ،‬وهي ت�شكل مبعثا‬ ‫وم��آال لن�صو�ص الديوان ب��دء ًا الرمال‪ ,‬ويت�ضح‬ ‫ذلك في عدد من ق�صائد ال�شاعر التي تهيمن‬ ‫ال�صحراء على عناوينها منها ق�صيدة بعنوان‬ ‫(الأعراب‪� :‬ص‪ ،)33 :‬الأعراب �سكان ال�صحراء‬ ‫من العرب‪ ،‬وبين المفردة وال�صحراء تالزم‬ ‫مطرد‪.‬‬ ‫�إن ال �� �ص �ح��راء ارت �ب �ط��ت ك�ث�ي��را ب��وج��دان‬ ‫ال�شعراء المعا�صرين عامة‪ ،‬بمعانيها المختلفة‪:‬‬ ‫الجدب والن�ضوب والتال�شي والزوال واالنتهاء‪..‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪65‬‬


‫وتظهر لنا معاني ال�ي��أ���س وال�م�ع��ان��اة عند‬ ‫ال���ش��اع��ر بح�ضور ال�ل�ي��ل بمكوناته (ال �ه�لال‪،‬‬ ‫النجوم‪ ،)..‬وممار�ساته (ال�سرى‪ ،‬الإدالج) في‬ ‫تلك ال�صحراء الوا�سعة؛ فالليل ب�سواده وطوله‬ ‫وحلكته م��ع ال�صحراء بات�ساعها وام�ت��داده��ا‬ ‫وجدبها ومُحُ ولها‪ ،‬ووجودهما مع ًا ي�سوق ال�شاعر‬ ‫�إلى �صناعة �صوره من خالل مخزونه الثقافي‬ ‫والوجداني الحياتي قراءة ومعاي�شة‪:..‬‬

‫«ليتهم حين �أ�سرجوا خيلهم‬ ‫وتنادوا �إلى �ساحتي‬ ‫�أوقدوا نارهم تحت نافذتي‬ ‫وا�ستراحوا‬ ‫ليتهم حينما �أدلجوا في غياهب ظني‬ ‫بلوا حناجرهم بن�شيد ال�سرى‬ ‫وا�ستبانوا �صباحي‬ ‫(‪)6‬‬ ‫�إذ ي�ستبان �صباح»‬

‫كنا هناك قوافل‬ ‫في البيد يحدوها القمر‬ ‫وتغو�ص في جوف المدى المجهول‬ ‫والأفق الرحيب‬ ‫ت�ستف �أكوام الرمال �إذا‬ ‫ُّ‬ ‫�ساءت مواعيد الثمر‬ ‫وتعبُّ �ألوان ال�سراب‬ ‫�إن خانها ماء المطر‬ ‫فيهدُّ ها الليل الرهيب‬ ‫يغتال في �أحداقها �ضوء النهار‬ ‫وي�سومها خطط الهزيمة‬ ‫كالموج يفتك بال�سفينة‬ ‫ويهز �أعماق البحار (‪.)7‬‬

‫ول��م تكن ال�صحراء والثبيتي ابنها البار‬ ‫رمزا لل�ضالل وال�ضياع فقط‪ ،‬لقد ح�ضرت لديه‬ ‫في �صورة ا�ستعارية خيالية‪� ،‬أما ال�صحراء في‬ ‫جانبها الم�ضيء فقد كانت لل�شاعر كما كانت‬ ‫لأج���داده الأم ��ل وال�ح�ي��اة وال�سكينة والأغ��ان��ي‬ ‫العذبة الجميلة‪ ..‬يقول في ق�صيدته «�أح�ضان‬ ‫ال�سكون»‪:‬‬

‫�إن التمنّي عبر البالغة العربية الحا�ضرة في‬ ‫وعي الثبيتي هو تمنّي ح�صول الم�ستحيل؛ وت�أتي‬ ‫�أدات��ه ليت هنا مفعمة ب��الأل��م حين ت�ستح�ضر‬ ‫�صورة الراحلين الذين �أ�ساءُوا الظن والتقدير‪،‬‬ ‫فلم ي�ستمعوا لأم��ر الثبيتي تماما كما �ضيع‬ ‫�أ�صحاب دريد بن ال�صمّة �صرخاته‪ ،‬وهو يقول‪ :‬هنا �أنح ُر الليل‪� ،‬أغني الزما َن‬

‫�أم��رت��ه��م �أم���ري بمنعرج ال��ل��وى فلم‬ ‫ي�ستبينوا ال�����ص��ب��ح �إال �ضحى الغد‬

‫‪66‬‬

‫ف�أي ق�سوة �أ�شد عذابا من �صرخات التحذير‬ ‫تعلن وال ت �ج��اب �إال ب�م��زي��د م��ن ال���س�ي��ر نحو‬ ‫ال�ضالل‪ ،‬وما �أ�شبه الليلة بالبارحة! �إنها القرار‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫هنا �أتلقى حديث القم ْر‬ ‫هنا �أقتل ال�شعر عند الغروبِ‬ ‫و�أبعثه حين ي�أتي ال�سح ْر‬ ‫هنا �أ�صهر النور حتى يذوبَ‬ ‫و�ألقي به في عيون الزه ْر‬ ‫هنا يرقد الهمُّ في خاطري‬

‫وي�سلبني �أملي المنتظ ْر‬ ‫ه��ن��ا ي��وم�����ض ال��ل��ح��ن في‬ ‫�أ�ضلعي‬ ‫وينزع �أ�سراره من دمي‬ ‫وي�����ن�����ح�����ت م�������ن م���ق���ل���ت���ي‬ ‫الر�ؤى‬ ‫وتطرب �أوتاره �أنجمي‬ ‫وي���غ���رق���ن���ي ف����ي ال�����ش��ق��اء‬ ‫اللذيذ‬ ‫(‪)8‬‬ ‫وتملأ �أوهامه عالمي‪..‬‬ ‫�إن �ه��ا ال���ص�ح��راء ذات�ه��ا‬ ‫التي يتوه فيها الراف�ضون‬ ‫ل���ص��وت ال�ع�ق��ل وال�ح�ك�م��ة‪ ،‬وي �ت ��أل��م بق�سوتها‬ ‫الذاهبون في طريق ال�ضالل‪ ،‬تغدو هنا حديقة‬ ‫يجد ال�شاعر فيها روح��ه و�صوته وزوال همه‪،‬‬ ‫فال�شاعر يجد نف�سه المت�ألمة الحزينة ليال‬ ‫بمعية القمر‪ .‬ول��وال القمر وم�سامرته �إي��اه في‬ ‫ح�ضن مع�شوقته ال�صحراء‪ ..‬ما ا�ستطاع قول‬ ‫ال�شعر‪ ،‬وال خرجت تجربته ال�شعرية التي تظل‬ ‫في داخله تعت�صره وتذيقه مـ َّر الآالم‪ ،‬وت�أكل من‬ ‫وجدانه‪ ،‬وتنحت من عظامه‪ ،‬ليخرج هذا ال�شعر‬ ‫الرائق بعد المعاناة‪ ..‬وهو ما يدعوه بال�شقاء‬ ‫اللذيذ‪ ،‬في�سامر القمر بلغة العين الباحثة عن‬ ‫وثبات التجلي الإب��داع��ي‪ ،‬لين�سج من خيوطه‬ ‫الو�ضاءة ن�سق ًا �شعري ًا ينبعث لحظة ال�سحر‬ ‫المن�صهرة في وهج النور القمري‪ ،‬وليطرح في‬ ‫امتداده هم الخاطر‪ ،‬وا�ستالب الأمل‪ ،‬ومعه ت�أتي‬ ‫لوحته الفنية معب�أة بفيو�ض من ذلك التالقي‬ ‫المكاني وف��ق تداعيات ال�صحراء‪ ،‬والزماني‬ ‫وفق تجليات الليل و�أنا�سِ يِّه القمرية والكوكبية‪،‬‬ ‫فتتعانق جميع ًا لتوم�ض �أ�شعة الت�صوير ال�شعري‬ ‫في عالمه المركب‪ .‬فهو ينظر في الليل للقمر‬ ‫دون الليل‪ ،‬ويبعد الليل عن زاوية ر�ؤيته‪ ،‬مركزا‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫كما ارتبطت بهم خيرا وعطاء وانطالقا �أي�ضا‪،‬‬ ‫ومتى اقترنت مع الليل عند الثبيتي دلَّــت على‬ ‫معانٍ �أكثر �إي�لام��ا‪ ،‬ي�أ�سا و�ضياعا وحرمانا‪..‬‬ ‫وبخا�صة عند �أولئك ال�شعراء الذين يحملون بين‬ ‫جوانحهم هـمـ ًّا يعت�صرهم‪ ،‬و�ألما ي�ؤرقهم‪.‬‬

‫الخاطئ الذي تتحمله الذات �ضالال في الحياة‬ ‫المدنية وتفا�صيلها و�سيا�ستها كما كان �ضالال‬ ‫في ال�سابق‪ ،‬ال يجد ال�شاعر خيرا من ال�صحراء‬ ‫وخطورتها‪� ،‬ألي�ست هي الوهم الذي يبحث عنه‬ ‫الباحثون المغيبون ع��ن الحقائق ليقود �إل��ى‬ ‫الهالك‪..‬؟ يقول في ق�صيدته (الوهم)‪:‬‬

‫اهتمامه فقط بنور القمر‪،‬‬ ‫وبم�شاعره الداخلية‪ ،‬فك�أنه‬ ‫بذلك ينحر الليل‪.‬‬ ‫ويغدو التوظيف الرمزي‬ ‫ل��وح��ة م �ح��اي��دة ي �ح��اول من‬ ‫خ�لال�ه��ا ال���ش��اع��ر �أن يبعث‬ ‫الأ���س��ئ��ل��ة وال��م�لاح��ظ��ات من‬ ‫دون �أن ي �ج �ي��ب‪ ،‬ك �م��ا في‬ ‫ال�سابق‪ ،‬يظهر ذلك في قوله‪:‬‬

‫«و�أجوب بيداء الدجى‬ ‫ح��ت��ى ت��ب��اك��رن��ي ���ص��ب��اح��ات‬ ‫الحجا‬

‫�أرقا‬ ‫وظامي‬ ‫�إني ر�أيت �ألم تر؟‬ ‫عيناي خانهما الكرى‬ ‫و�سهيل �ألقى في يمين ال�شم�س‬ ‫مهجته وولى‪ ،‬والثريا حل في‬ ‫�أفالكها‬ ‫بدر‬ ‫(‪)9‬‬ ‫�ش�آمي»‬

‫ال �ح��وار هنا عبر «ال��دي��ال��وج»‪ ،‬ه��و متنف�س‬ ‫ال�شاعر كي يقول ما ي�شعر به دون قدرته على‬ ‫الإجابات‪ ،‬وال�صحراء ببدرها وثرياها و�سهيلها‬ ‫رم��وز كونية‪ ،‬يوظفها ال�شاعر ف��ي ا�ستجماع‬ ‫حواره المبا�شر‪:‬‬

‫�ألم تر!‬

‫ث��م ت��أت��ي ال��رم��وز التي ت�شي بعبقرية المكان‬ ‫و��س�ك��ون ال��زم��ن الليلي ال��داج��ي وال�صاخب‬ ‫بحركة �سهيل والثريا والبدر في مدارات العالم‬ ‫المتوازي بعالم ال�شاعر المغترب‪.‬‬ ‫فهل كان هذا الح�ضور لل�صحراء ذات ًا مغتربة‬ ‫عن مجتمعها المدني الحديث الذي تعي�ش فيه؟‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪67‬‬


‫�إن المت�أمل لديوان ال�شاعر يجد به ثالثة‬ ‫ن�صو�ص متوالية تبين مدى معاناة ال�شاعر مما‬ ‫حوله‪ ،‬و�ضيقه به‪ ،‬وارتمائه في تجليات الطبيعة‬ ‫من حوله وتوظيف م�شاهدها؛ لتعك�س حالته‪،‬‬ ‫بل والتوغل في الما�ضي وا�ستدعاء �شخ�صيات‬ ‫ق��دي�م��ة ل�ه��ا ح���ض��وره��ا ف��ي وج� ��دان المتلقي‬ ‫العربي‪ ،‬وهذه الن�صو�ص هي‪( :‬تعارف‪� :‬ص ‪)35‬‬ ‫و(قرين‪� :‬ص ‪ )37‬و(و�ضاح‪� :‬ص ‪.)41‬‬ ‫وه��و ح���ض��ور ل �ه��ذه ال���ص�ح��راء ف��ي ح��االت‬ ‫نف�سية �شتى! حيث الحكمة في الن�ص الأول‪،‬‬ ‫والغناء والمتعة وذهاب الهم في الن�ص الثاني‪،‬‬ ‫والت�أمل والحوار والت�سا�ؤل في الن�ص الثالث‪،‬‬ ‫وهي حاالت متعددة لذات واحدة‪ ،‬تتنوع حاالتها‬ ‫وتتباين خوفا وقلقا وا�ستمتاعا وغناء وت�أمال‬ ‫وت�سا�ؤال‪ ،‬وفي كل الحاالت تح�ضر هذه ال�صحراء‬ ‫بتفا�صيلها مع ال�شاعر!!‬

‫�أما عن الأنثى‪ /‬الأر�ض هي المعنية بخطاب‬ ‫ال�شاعر في ق�صيدته (يا امر�أة‪� :‬ص ‪ ,)43‬كما‬ ‫تظهر في ق�صيدة (�أغنية)‪:‬‬

‫�أ�أنت هنا قاب قو�سين من �أرقى العذب‬ ‫كي ال �أنام‬ ‫�أ�أنت هنا‬ ‫يا التي �أ�سكنتني حدائقها‬ ‫�إن �ه��ا ال���ص�ح��راء ال �ت��ي تح�ضر ع�ب��ر بع�ض‬ ‫وحبتني �شقائقها‬ ‫مفرداتها مع ال�شاعر وهو يبحث في معادلها‬ ‫(‪)11‬‬ ‫و�سقتني رحيق الغمام»‬

‫المو�ضوعي «المدينة»‪ ،‬تح�ضر هنا عبر الأراك‬ ‫ف�ف��ي ه��ذه اللقطة الت�صويرية تت�ضاعف‬ ‫الذي ال يرى ال�شاعر في مدينته �سوى �صاحبه‪،‬‬ ‫الذي كان! �صاحبه الذي ي�ستح�ضره عبر روعة لغة الخطاب ال�شعري‪ ،‬وتتكثف مفرداتها في‬ ‫ت�ضاعيف ال���ص��ورة الممتدة عبر المخزون‬ ‫�شجر الأراك‪:‬‬ ‫الإن���س��ان��ي‪ ،‬وال�ت��ي تت�شكل وف��ق ق��رائ��ن الأن��وث��ة‬ ‫يا طاعنًا في الن�أي‬ ‫المجازية والحقيقة الأر���ض‪/‬ال�م��ر�أة‪ ،‬لترت�سم‬ ‫ا�سلم‪،‬‬ ‫تداعياتها في الذاكرة المتلقية رموز ًا للخ�صوبة‬ ‫�إذا عثرت خُ طاك‬ ‫وال�سكنى وال�سكون‪ ،‬لتك�شف عن �صالت القربى‬ ‫وا�سلم‪،‬‬ ‫بين الأنوثة‪/‬المر�أة والذات ال�شاعرة من جانب‪،‬‬ ‫�إذا عثرت عيون الكاتبين على خَ طاك‬ ‫وبين النموذج المقابل‪/‬الأر�ض ال�صحراء في‬ ‫وما خَ طاك؟!‬ ‫احت�ضانها لتكوينه وتَ�شَ كُّلِ ذاتيته المبدعة من‬ ‫�أني �أحدق في المدينة كي �أراك‬ ‫جانب �آخر‪.‬‬ ‫فال �أراك‬ ‫(‪)10‬‬

‫‪68‬‬

‫�إال �شميما من �أراك»‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫وال غ��رو؛ فهي المر�أة ال��روح التي اعتاد �أن‬

‫�ألفيتها وطني‬ ‫وبهجة �صوتها �شجني‬ ‫ومجد ح�ضورها ال�ضافي منادي‬ ‫وريقها‬ ‫ال�صافي‬ ‫(‪)12‬‬ ‫مدامي»‬

‫كان يثوي بقربي حزيناً‬ ‫ويطوي على �ألم �ساعده‬ ‫قلت‪ :‬مَن؟‬ ‫لقد ر�أى ال�شاعر من نف�سه مخلّ�صا يتحدث قال‪ :‬حاتم طيء‪ ،‬و�أنت؟‬ ‫من خالل تجربته ومعرفته بال�صحراء التي ال فقلت‪:‬‬ ‫(‪)14‬‬ ‫�أنا معن بن زائدة‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫مرتحلة �إلى حيث ال�سكون!‬

‫�إن��ه الأراك ال�صاحب والحديقة المحبوبة‬ ‫التي يراها ال�شاعر عبر المدينة لونا من �ألوان‬ ‫ال�صحراء الجميلة‪ ،‬وهو ما ي�ؤكد للقارئ فحوى‬ ‫ال��دي��وان‪ ،‬حيث االغ �ت��راب وال�م�ف��ارق��ة‪ ،‬وحيث‬ ‫الرحيل والترك والفرار من المدينة ب�أوجاعها‪،‬‬ ‫وح�ي��ث اللغة الموحية م��ع الجنا�س الموظف‬ ‫توظيفا راقيا �صعد بفنية الن�ص‪ ،‬وحيث الطبيعة‬ ‫تتعانق والذات المنطلقة نحو البيداء من م�أزق‬ ‫المدينة‪ ،‬وتظهر معه جمالية ال�سبك ال�شعري‬ ‫وف��ق ه��ذا التعانق لوظائف الجنا�س الجمالية‬ ‫التي تمليها دفقاته اللغوية الرامزة‪.‬‬

‫تكون له الوطن‪:‬‬

‫ولكنهم ت��رك��وه يعانق �صحراءه وي�ب��ذل لها‬ ‫حبه‪ ،‬وي�شكو �إليها توجعه �أي�ضا‪ ،‬تركوه لكنهم‬ ‫تركوه مع الكرام البررة الذين بذلوا حياتهم‪،‬‬ ‫و�أنفقوا معي�شتهم في منح الآخرين دون مَ نِّ �أو‬ ‫�أذى‪:‬‬

‫تك�شف �سرها �إال له؛ ولذا‪ ،‬تتحول اللغة في مفتتح‬ ‫�أ َو لي�س البقاء مع الرموز في عالمه الغيبي‬ ‫الن�ص القادم �إلى �س�ؤال مبا�شر‪ ،‬ي�شير �إلى ح�س‬ ‫يقيني في ر�سم االنعتاق والخال�ص لقومه‪ .‬يقول خ �ي��ر ًا م��ن ال�ب�ق��اء م��ع الغافلين والمتغافلين‬ ‫والنفعيين وطالب المنفعة الذاتية على ح�ساب‬ ‫في ق�صيدة الأعراب‪:‬‬ ‫م�صلحة الإن�سان العربي الم�سلم‪..‬؟ لقد �صافح‬ ‫ليتهم �س�ألوني‬ ‫الثبيتي عبر �شعره حاتم ًا ومعناً‪ ،‬وك�أنه كان يطلق‬ ‫كيف مخرت لهم جانب الليل‬ ‫�صرخته في الغيب �أن �أوان الرحيل �إليهم قد‬ ‫حتى تدلت عناقيده‬ ‫حان‪ ،‬و�أن �أمنيته قد اقتربت‪ ،‬ف�شاء اهلل �أن يودع‬ ‫وا�ستوى تحت عر�ش غدائره‬ ‫عالمه راح�لا �إل��ى ال�سابقين من �صنّاع الكلمة‬ ‫قمر نا�صع‬ ‫ورجال المواقف والنبل‪ ،‬لتظل الأجيال تذكرهم‬ ‫(‪)13‬‬ ‫وغرام مباح‬ ‫حين يذكر الكرم الأ�صيل والكلمة ال�شاعرة‪.‬‬ ‫ *‬ ‫(‪) 1‬‬ ‫(‪ )2‬‬ ‫(‪ )3‬‬ ‫(‪ )4‬‬ ‫(‪ )5‬‬ ‫(‪ )6‬‬ ‫(‪ )7‬‬ ‫(‪ )8‬‬ ‫(‪ )9‬‬ ‫(‪ )10‬‬ ‫(‪ )11‬‬ ‫(‪ )12‬‬ ‫(‪ )13‬‬ ‫(‪ )14‬‬

‫كاتبة من ال�سعودية‪.‬‬ ‫د‪ .‬محمد بن �سعد بن ح�سين‪ :‬الأدب الحديث‪� ,‬ص‪ ,96 :‬ال�سعودية ‪ 1411‬هـ ‪1990‬م‪.‬‬ ‫روز غريب‪ :‬النقـد الجمالي و�أثره في النقد العربي‪� ,‬ص‪ ,31 :‬لبنـان ‪1983‬م‪.‬‬ ‫محمد الثبيتي‪ :‬الأعمال الكاملة �صــ ‪ ،30‬النادي الأدبي بحائل‪ ،‬دار االنت�شار‪ ،‬بيروت‪ ،‬ط‪2009 ,1‬م‪.‬‬ ‫محمد الثبيتي‪ :‬الأعمال الكاملة �صــ ‪.37‬‬ ‫محمد الثبيتي‪ :‬الأعمال الكاملة �صــ ‪.41‬‬ ‫الديوان‪� :‬صـ ‪.34 ،33‬‬ ‫الديوان‪� :‬صـ ‪.34 ،33‬‬ ‫ديوان‪ :‬عا�شقة الزمن الوردي‪.‬‬ ‫ديوان‪ :‬موقف الرمال �ص ‪.24‬‬ ‫ديوان‪ :‬موقف الرمال �ص‪.20‬‬ ‫ديوان‪ :‬موقف الرمال �ص ‪.31‬‬ ‫محمد الثبيتي‪ :‬الأعمال الكاملة �ص ‪.28‬‬ ‫محمد الثبيتي‪ :‬الأعمال الكاملة �ص‪.34‬‬ ‫ال�سابق �ص ‪.36‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪69‬‬


‫في ديوانه الجديد‬ ‫«�أكلت ثالث �سمكات وغلبني النوم»‬ ‫�أبو زيد يتناول م�ضادات الرومان�سية‬ ‫■ حممد عيد �إبراهيم*‬

‫«ذلك النزاع الأحمق على قطرة ماء لن تروي حتى �ضفدعاً»‪ ،‬هو تعريف ال�شاعر‬ ‫الم�صريّ ع�صام �أبو زيد للحبّ في ديوانه الجديد «�أكلت ثالث �سمكات وغلبني النوم»‪،‬‬ ‫فالحبّ عبثيّ ال جدوى منه وال �شروى نقير‪ ،‬لكننا نحاول معه لربما «ن�صعد الجبل»‪،‬‬ ‫مع �أننا ال نعرف �إلى �أين نذهب‪ ،‬فنحن «ال نفكّر طول الوقت �إال خارج ر�ؤو�سنا‪ .‬يقول‬ ‫ال�شاعر في ق�صيدته «�إح�سا�سي العميق»‪:‬‬

‫�إقامتي في نهاية ال�سباق و�إقامتك عند‬ ‫نقطة االنطالق‬ ‫ذلك النزاع الأحمق على قطرة ماء لن‬ ‫تروي حتى �ضفدعاً‬ ‫الإ�صرار على �ضرب النجوم بال�صواعق‬ ‫و�إتالف محطة البث الغنائيّ‬ ‫�أو يقول‪:‬‬

‫‪70‬‬

‫نحن جئنا من قلب مغارة مظلمة ولم‬ ‫يكن �ضرورياً �أن نخرج �إلى النور‬ ‫�أنا خرجت لأنني ولد طائ�ش ومجنون‬ ‫�إل��ى �أي��ن �أذه��ب في هذه الحياة‪� ...‬إلى‬ ‫�أين �أذهب؟!‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫ول��و قمنا بتفكيك م��ا ي�ق��دم��ه عالم‬ ‫«ع�صام �أبو زيد» ال�شعريّ الكت�شفنا �أنه‬ ‫ي�ستخدم عدة �أنماط في ق�صيدة النثر‪،‬‬ ‫كما �أعرفها‪ ،‬وال يقف عند نمط واحد‪،‬‬ ‫وقد تراه في ق�صيدته ال يفرّق �أحيان ًا بين‬ ‫الكالم العاديّ المُر�سَ ل(خا�صة بق�صائده‬ ‫الق�صيرة‪ ،‬في �أواخ��ر ال��دي��وان)‪ ،‬حيث‬ ‫يريد كتابة ق�صيدة من دون مُ ك�سبات‬ ‫طعم بالغية �أو مجازية‪ ،‬وبين الق�صيدة‬ ‫بالمعنى ال�م�ت�ع��ارف عليه‪ ،‬ف��ي العلوم‬ ‫ال�ن�ق��دي��ة لق�صيدة ال�ن�ث��ر المعا�صرة‪،‬‬ ‫بمحاورها المركّبة‪.‬‬

‫كيف تفعل كل ه��ذا يا �أج��م�� َل المجرمينَ‬ ‫في كل تواريخ المحبة؟!‬ ‫ت��ل��كَ ال���زه���ور ال��ت��ي ط����ارت ف����و َق ال�����س��و ِر‬ ‫تعيدني كل يوم �إليك‬ ‫ح��ت��ى م�لام��ح��ك ال���ل���ذي���ذ ُة ت��ت�����س��ربُ �إل���ى‬ ‫مالمحي وتك�سوني‬ ‫�أنا البي�ضاء التي تذوبُ في عا�شق �أ�سمر‬ ‫�أنا النعنا ُع في �شاي حبيبي‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫يقول ال�شاعر في ق�صيدته «م��ن يوميات‬ ‫حبيبتي»‪ ،‬وك�أنه يناظر «ن�شيد الإن�شاد الذي‬ ‫ل�سليمان» في العهد القديم‪:‬‬

‫ك��ن��تُ �أم��ت��ل��ك ف��ن��دق��اً ف��ي ال�����ش��ارع القريب‬ ‫م���ن ال�����ص��ح��راء‪� ،‬أو ه��ك��ذا ك��ن��تُ �أع��ت��ق��د‪.‬‬ ‫دخ��ل��ت غ��رف��ت��ي وف����وق ال�����س��ري��ر ارت��م��ي��تُ ‪.‬‬ ‫والخيط‬ ‫ُ‬ ‫ك��ان ال�سقفُ �أبي�ض كما ترك ُتهُ‪،‬‬ ‫الرفي ُع ال��ذي يطوّحه الهواء يتدلّى من‬ ‫ال�سقف‪ .‬هذا الخيط ال يراه �سواي‪ .‬لكنه‬ ‫حقيقيّ وواق���ع���يّ ‪ .‬و�أح��ي��ان��اً ك��ن��ت �أ�سحبه‬ ‫بيدي و�أه���زه ه��زاً عنيفاً فيترنّح الفندق‬ ‫بالكامل ويتناثر م��ع ال��ري��ح‪ .‬ك��ان م�شهد‬ ‫نزالء الفندق وهم يتطايرون الواحد تلو‬ ‫الآخر يجعلني �أموت‪� .‬أموت ب�سببِ جرع ٍة‬ ‫زائد ٍة من ال�ضحك‪.‬‬

‫ثم يقول في ق�صيدته «ليلة الأنفلونزا»‪،‬‬ ‫هكذا نرى ال�شاعر يجرب يده في طريقة‪،‬‬ ‫ينف�ض عنها �إلى طريقة �أخرى‪� ،‬إلخ‪.‬‬ ‫وك�أنه ي�صوّر م�شهد ًا �سينمائياً‪ ،‬مع �أنه يفعمه ثم ّ‬ ‫بال�شاعرية‪ ،‬في طريقة حديثة تنتهجها بع�ض‬ ‫يت�أرجح ع�صام �أبو زيد �إذن بين التقنيات‬ ‫�أنماط ق�صيدة النثر الجديدة‪:‬‬ ‫التي �شاعت في العالم ال�شعريّ القديم «فترتَي‬ ‫ال�ستينيات وال�سبعينيات»‪ ،‬وب�ي��ن ال�شائع‬ ‫والم�ألوف في ق�صيدة النثر اليوم‪ ،‬لكنه يميل‬ ‫�إل��ى ا�ستخدام حكاياته الو�صفية الب�سيطة‪،‬‬ ‫مطعّم ًا �إياها بقليل من ال�سوريالية‪ ،‬مع قليل‬ ‫من م�ضادات الرومان�سية‪ ،‬ليكتب ن�ص ًا لنف�سه‬ ‫في النهاية بمحاولة منه �أن يكون بريئ ًا �إلى‬ ‫�أق�صى درجة‪ ،‬ولو با�صطناع البراءة �أحياناً‪.‬‬ ‫يقول ال�شاعر في ق�صيدته «نظارتي»‪:‬‬

‫النظارة ال�سوداء تبقيني مع نف�سي‬ ‫مع بقايا النوم‬ ‫مع كلمة �صغيرة ك�أنها ح�شرة‬ ‫مع �أبي و�أمي يتناوالنِ �إفطاراً �شهياً‬ ‫تلم�س خدي‬ ‫م َع يدي ُ‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪71‬‬


‫وال �أكونُ �أفك ُر‬ ‫وال �أكونُ �شارداً ك�أنني قائ ٌد لهذ ِه ال�سفينة‬ ‫�سفينة تغويها الأطياف والأ�شباح‪.‬‬ ‫ي�ت�ك� ّل��م �أب ��و زي ��د ع��ن حبيبته ال�م��وه��وم��ة‬ ‫ف��ي معظم ال��دي��وان‪ ،‬ال��ذي يخلو تقريب ًا من‬ ‫الإ�شارات االجتماعية‪� ،‬أو حتى المكانية‪ ،‬في‬ ‫محاولة لكتابة ن�ص �إن�سانيّ بال�شكل الوا�سع‪،‬‬ ‫من دون �أن تبت ّل ي��داه بما يعجّ في المجتمع‬ ‫من �صراعات و�أعا�صير و�سفن هائجة ووحو�ش‬ ‫يغ�ض الطرف عنها جميعاً‪ ،‬في �سبيل‬ ‫كا�سرة‪ّ ،‬‬ ‫�أن يكتب ق�صيدة «نظيفة»‪ ،‬مغ�سولة من �أدران‬ ‫المجتمع و�شوائبه كا ّفةً‪� ،‬إذ يقول‪:‬‬

‫عط�شان و�أريد �أن �أ�شرب‬ ‫�سقتني من ماء عينيها حنا َن كل الأمهات‪.‬‬

‫لمثل هذه القيم‪ ،‬بل وي�سعى لتهديمها في �سبيل‬ ‫وفي ق�صيدته «دي�سكو» يقول‪:‬‬ ‫ق�صيدته الخا�صة الب�سيطة‪ ،‬يقول ع�صام في‬ ‫و�أح���بّ �أن ت��ك��ون ق���ربَ ال�سري ِر �ساقي ٌة‬ ‫بع�ض ق�صائده‪:‬‬

‫ح��م��را ُء تنث ُر ق��ط��راتِ ���ض��و ٍء على �شعري‬ ‫الأ����س���ود ال��ف��اح��م ال��غ��زي��ر‪ .‬الأف����ك����ا ُر كلها‬ ‫مرتبطة بخ�صيالت �شعري‪ .‬ال �شيء في‬ ‫ر�أ���س��ي‪ .‬ر�أ���س��ي ف��ارغ��ة ت��م��ام��اً‪� .‬أف��ك��ر ط��وال‬ ‫الوقت خارج ر�أ�سي‪.‬‬

‫‪72‬‬

‫«ال���ح���بّ ل��م ي��ع��د ينتج ���ش��ي��ئ��اً ي�ستحقّ �أن‬ ‫نحياه»‬ ‫«�أحدنا يبكي والآخر يبكي لأجله»‬ ‫«الحياة مخزن كبير‪ ،‬ونحن �سرقناه»‬ ‫«�أراد �أن يعبر ال�����ش��ارع ف�سقط ف��ي حفرة‬ ‫واختفى»‬ ‫«ه����و ����س���ك���ران ف���ي ط��ري��ق��ه �إل�����ى ق�����ص��ي��دة‬ ‫جديدة»‪� ..‬إلخ‪.‬‬

‫كما يحاول �أبو زيد �أن يتر�سّ م عالم الحبّ‬ ‫في �صوفيته الب�سيطة‪ ،‬من دون �أن يت�صوّف‪،‬‬ ‫من دون �أن ينخرط في ال�صراع الجدليّ مع‬ ‫الق�ضايا الكبرى‪� ،‬أو حتى ال�صغرى‪ ،‬لكتابة‬ ‫مع ذلك‪ ،‬ال �أرى ع�صام يجترح المقد�سات‬ ‫ن�صه ه��و‪ ،‬ن�صه ال ��ذي ي�ت�ب��ر�أ م��ن ال �ت��راث‪،‬‬ ‫بم�ضامينه ال�شعرية الكثيفة‪ ،‬وي�ت�ب��ر�أ من �أو يرتكب المحارم‪� ،‬أو يزيّن الواقع بما لي�س‬ ‫الحداثة التي تعرف �أهمية القيم الفنية في فيه؛ فعالقته مع ال�م��ر�أة في ال��دي��وان تدخل‬ ‫قواعدها المعروفة‪ ،‬فهو ال يقيم وزن � ًا كبير ًا ب��اب ال �ع��واط��ف ال�ب��ري�ئ��ة‪ ،‬و�إن خ��رج��ت منه‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫ف��إل��ى ال�سوريالية بمفهومها الإي�ج��اب��يّ ‪� ،‬أيّ‬ ‫المجاز المفتوح م��ن دون �أن يتخطّ اه �إل��ى‬ ‫المجاز العدميّ ‪� ،‬أو ا�ستحالة التحقّق بالمعنى‬ ‫البالغيّ ‪ ،‬ال الواقعيّ ‪ .‬كما يحاول ع�صام �أن‬ ‫ي�ستخدم ما يمكن �أن نطلق عليه «م�ضادات‬ ‫الرومان�سية»‪ ،‬من قبيل‪�« :‬أحبك لأنني كنتُ‬ ‫�أحبّ العقارب ال�سوداء في طفولتي»‪ ،‬فالحبّ‬ ‫هنا ب�سيط وا�ضح‪ ،‬لكنه ي�ستخدم المفارقة‬ ‫بح�س طفوليّ بريء‪.‬‬ ‫ال�سوداء‪ ،‬و�إن كانت ّ‬

‫وكن لطيفاً مع الح�صان‬ ‫لأن �ساقه تحطّ مت تحت عجالت عربة‬ ‫غادرة‪/‬‬ ‫و�أو�صاني �أن �أ�صن َع لك من الحلوى‬ ‫طائر ًة حربي ًة مع كامل ذخيرتها الحية‬ ‫مع الهواء الذي يتفتّت بعد رحيلها‬ ‫وال�ضحايا الذين ي�سقطون‪.‬‬

‫ب�شكل عام‪ ،‬نرى ع�صام �أبو زيد في ديوانه‬ ‫الرابع‪ ،‬بعد «�ضلوع ناق�صة»‪« /‬النبوءة»‪« /‬كيف‬ ‫يقول ال�شاعر في ق�صيدته» خذيني قليال ت�صنع كتاب ًا يحقّق �أعلى المبيعات»‪ ،‬يحرز تقدم ًا‬ ‫من يدي �إليك‪:‬‬ ‫نوعي ًا في بع�ض ق�صائده‪ ،‬الطوال ن�سبياً‪ ،‬مثل‬ ‫كلنا هناك نحبك ونهواك‬ ‫(ن��ان��ا‪� /‬إح�سا�سي العميق‪ /‬دي�سكو‪ /‬ال �أظنه‬ ‫تحبك جدتي وهي تغ�سل عينيها‬ ‫�سيدوم‪ /‬ليلة الأن�ف�ل��ون��زا)‪� ،‬إل��ى درج��ة عالية‬ ‫يحبك �أب��ي ال�صياد وهو ينظر في �أعماق‬ ‫من ال�شعرية‪ ،‬فهو يعا�صر ما يُكتب حالي ًا في‬ ‫عين ال�سمكة‪/‬‬ ‫�أح��دث تجليات ق�صيدة النثر‪ ،‬بينما ال يزال‬ ‫قلنا �أكيد هو الآن �سكران في طريقه �إلى‬ ‫في بع�ض ق�صائده ال�صغيرة (مك�سور‪ /‬فكرة‪/‬‬ ‫ق�صيدة جديدة‬ ‫م�سافرون‪ /‬بونجور) متما�شي ًا مع بع�ض تكرارات‬ ‫وغدا يفيق ويكون عندنا‬ ‫ق�صيدة النثر ال�شائعة التي �أراها �أق ّل �شاعرية‪.‬‬ ‫غداً يعود بي القطار يا حبيبي‬

‫خذني قليال من يدي �إليك‪.‬‬ ‫كما انظروا �إليه هنا‪ ،‬في ق�صيدته «�أو�صاني‬ ‫�أب��وك يا زبيدة»‪ ،‬كيف ي�سخر من ال�صوفية‪،‬‬ ‫كيف ي�سخر من و�صفات الغرام التقليدية‪،‬‬ ‫كيف يركب خياله من دون لجام قد يعيده‪:‬‬

‫وقال لي ال تعد �إلى البيتِ‬ ‫قبل �أن ت��ود َع ال�صخر َة وال�شجر َة والكلبَ‬ ‫الناع�س العجوز‬ ‫َ‬

‫والمميز في هذا الديوان‪ ،‬ولدى ع�صام �أبو‬ ‫زيد عموماً‪� ،‬أنه مع التجريب دائماً‪� ،‬شفّاف‬ ‫دائ�م�اً‪ ،‬رائ��ق البال �أب ��داً‪ ،‬ال يعنيه �أن يعتمد‬ ‫الن�ص �أو يزينها‪� ،‬أما «الق�صدية»‬ ‫ال�شعرية في ّ‬ ‫فتكاد �أن تنتفي من بنيان ق�صيدته‪ ،‬فهو ال‬ ‫يكتب �إال على هواه‪� ،‬سوا ًء كانت �سجيته توافق‬ ‫الم�ألوف �أو تت�أبّى عليه‪ ،‬من دون تثاقف �أو‬ ‫معرفية زائدة‪.‬‬

‫ * �شاعر ومترجم م�صريّ ‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪73‬‬


‫■ د‪ .‬هويدا �صالح*‬

‫د�أب الكثير من كتاب الق�صة الق�صيرة على اال�شتغال على‬ ‫اللغة‪ ،‬بم�ستوياتها المتعددة‪� ،‬سواء كانت لغة �شعرية �أو ذهنية‬ ‫ت�أملية‪ ،‬وغيّب ه�ؤالء الكتاب تفا�صيل الحياة االجتماعية من‬ ‫الف�ضاء الن�صي‪ ،‬وك�أ ّن الق�صة الق�صيرة هي مجرد ن�ص لغوي‬ ‫يخلو م��ن تفا�صيل الحياة وال��ن��ا���س‪ ،‬وال ت�صلح لك�شف الهم‬ ‫االجتماعي‪ ،‬مثل الرواية مثال؛ لكن بع�ض الكتاب ما يزالون‬ ‫ي�صرون على الق�صة الق�صيرة التي تكون م�شبعة ويمكن لها �أن‬ ‫تحمل عوالم �إن�سانية وهواج�س و�أحالم النا�س‪ ،‬تعا�ساتهم و�سعاداتهم ال�صغيرة‪.‬‬

‫‪74‬‬

‫وي�صير الف�ضاء الن�صي و�سيلة لالنت�صار‬ ‫للإن�سانية واالنحياز لأح�لام الب�سطاء‬ ‫والمهم�شين الذين تن�ساهم الن�صو�ص‬ ‫الفوقية التي تختزل العالم في مجرد‬ ‫ت�شكيل لغوي‪.‬‬ ‫بهذا الوعي‪ ،‬يعمد عبدالواحد الحميد في‬ ‫ن�صه ‪�« :‬أنهار الدمع» �إلى ك�شف الم�سكوت‬ ‫عنه في حياة �سارده الذي ينثال الن�ص‬ ‫منه ب�ضمير الراوي الكلي العلم‪.‬‬ ‫يفتتح الكاتب ال�سرد بفعل دينامي يوحي‬ ‫ب�أن �سارده رجل فاعل‪ ،‬ف�إخراج المحفظة‬ ‫ك��ان مفتتحا ديناميا داال‪ ،‬ثم �سرد لنا‬ ‫ال��راوي التفا�صيل ال�صغيرة الموجودة‬ ‫في هذه المحفظة‪ ،‬فيك�سر �أف��ق التلقّي‬ ‫لدى القارئ؛ فها هو رجل لي�س فاعال وال‬ ‫ديناميا‪� ،‬إنه رجل من المهمّ�شين الفقراء‪،‬‬ ‫�إذ ال تحتوي محفظته �إال على تلك الأ�شياء‬ ‫الرخي�صة‪ ،‬وب�ضع رياالت ال ت�سد رمقه ‪،‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫وال ت�أتي بالدواء لأمه القعيدة‪.‬‬ ‫يجيد الحميد الو�صف‪ ،‬وي�شتغل على اللغة‬ ‫الم�شهدية الب�صرية؛ فك�أننا �أمام كادرات‬ ‫�سينما ن��رى م��ن خاللها ف��رن التمي�س‬ ‫وال�ب���س�ط��اء ال��ذي��ن ي�ه�ف��ون �إل���ى وجبة‬ ‫�ساخنة من يد بائع التمي�س‪ ،‬لكن الكاتب‬ ‫يقوم بانحراف داللي‪ ،‬ويك�سر �أفق توقع‬ ‫القارئ؛ فال نجد من بائع الخبز الذي هو‬ ‫م�صدر الخير في الحياة االجتماعية �أي‬ ‫خير‪ ،‬فالخبز رمز للعدالة االجتماعية‪.‬‬ ‫ن�ج��د ال �ك��ات��ب ي �ق��وم ب��ذل��ك االن �ح��راف‬ ‫الداللي‪ ،‬فنكره نحن القراء الذين ك�سر‬ ‫�أف��ق توقعهم ذل��ك البائع للتمي�س‪� ،‬أن��ه‬ ‫م�صدر التعا�سة للبطل‪ ،‬وي�ب��د�أ ال��راوي‬ ‫العليم ي�سر�سب لنا تفا�صيل تلك العالقة‬ ‫المعقّدة بين البطل وبائع التمي�س والخال‬ ‫والمجتمع ال ��ذي ل��م يقبل ب��ه وي�ح��اول‬ ‫ط��رده‪ ،‬فيجد البطل نف�سه واقفا �أم��ام‬

‫ * كاتبة من م�صر‪.‬‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫قراءة في ق�صة «�أنهار الدمع»‬

‫بائع التمي�س الأفغاني يتجهز لقتله‪ ،‬ويترك لنا‬ ‫الكاتب �أن نكمل نحن الن�ص‪ ،‬فهل �سيح�سم‬ ‫البطل �أم��ره ويغلبه الغ�ضب وال�ث��أر لكرامته‬ ‫ويقتل الرجل‪� ،‬أم يقع فري�سة للتردد والتخاذل‪:‬‬ ‫«ا�ستند على جدار في فم ال�شارع الطويل الذي‬ ‫يف�ضي �إل��ى مخبز التمي�س ل�صاحبه افتخار‬ ‫�أن�صاري رغم �شهادة الملكية ال�شكلية المعلقة‬ ‫على الجدار لرجل يعتمر غترة وعقا ًال وي�ضع‬ ‫�صورته الواثقة على ال�شهادة‪ .‬تمنى لو تطاوعه‬ ‫قدماه المرتجفتان فينطلق �إلى الكلب الو�ضيع‬ ‫بائع التمي�س في فرنه الكائن في نهاية ال�شارع‪،‬‬ ‫وينظر �إليه في عينيه تماماً‪ ،‬ثم يب�صق على‬ ‫الوجه المتغ�ضن اللزج المت�صبب عرق ًا من‬ ‫لفح �أل�سنة اللهب المنبعثة من التنور‪ .‬تمنى لو‬ ‫�أنه يملك ال�شجاعة الآن في هذه اللحظة»‪.‬‬ ‫ي �ح��اول ال�ك��ات��ب ع�ب��ر ن�صه الق�ص�صي �أن‬ ‫يتلم�س الم�سكوت عنه في المجتمع‪ ،‬وينحاز‬ ‫للمهم�شين‪ ،‬يعري الثقافة العن�صرية‪ ،‬ويك�شف‬ ‫الم�سكوت عنه ف��ي العالقات المثلية‪ ،‬بلغة‬ ‫موحية ودالّة‪ ،‬وال يقع في الفجاجة والت�صريح‪.‬‬ ‫البطل ينتمي لقبيلة فقيرة معدمة‪ ،‬فيعاني من‬ ‫عن�صرية المجتمع �ضده و�ضد �أمه الكفيفة‪،‬‬ ‫ويمار�س الخال مزيدا من القهر والمذلة‪،‬‬ ‫فالجميع تَخلوا عنه حتى عائلته‪« :‬ق��ال لأمه‬ ‫�س�أقتل خالي ذات يوم! ل�ستُ طفالً‪ ،‬و�س�أك�سب‬ ‫لقمتي ب �ع��رق جبيني ول�ي��ذه��ب �أخ���وك �إل��ى‬ ‫الجحيم‪ ،‬ف�أنا �أعمل ب�شرف»‪.‬‬ ‫ثم يطرح ق�ضية المثلية الجن�سية حين ي�شير‬ ‫�إل��ى تلميح النا�س �إل��ى عالقة مرفو�ضة من‬ ‫المجتمع قد تجمعه وبائع التمي�س‪ ،‬ويرف�ض‬ ‫بائع التمي�س �أن يعيده للعمل خوفا من قهر‬ ‫المجتمع العن�صري‪« :‬يتناهى �إليه ما يهم�س‬

‫ب��ه النا�س ع��ن عالقته الغام�ضة الملتب�سة‬ ‫بهذا الرجل القادم من بالد الأفغان فيحزن‪.‬‬ ‫�ضربه خاله مرات كثيرة ومنعه من الذهاب‬ ‫�إلى فرن افتخار �أن�صاري والعمل حتى �ساعة‬ ‫مت�أخرة من الليل في المخبز‪ ،‬وحين توقف عن‬ ‫الذهاب �إلى الفرن وحب�س َنفْ�سه في البيت كاد‬ ‫يهلك و�أمه العمياء من الجوع‪ .‬ه�ؤالء ال�سفلة ال‬ ‫يعرفون معنى �أن تخطف لقمة عي�شك في هذه‬ ‫البلدة من براثن وغد‪ ،‬مثل �أن�صاري»‪.‬‬ ‫�إن ال�سرد هو الأولى بك�شف خبايا المجتمع من‬ ‫دون غيره من بقية الفنون‪ ،‬وهو الذي ي�ستطيع‬ ‫من خالله الكاتب �أن يكتب التاريخ ال�شخ�صي‬ ‫له�ؤالء المهم�شين‪ ،‬وينت�صر لهم‪ .‬وقد �أجاد‬ ‫الحميد ت�صوير هذه العوالم‪ ،‬لكنه كان يقع‬ ‫�أحيانا في فخ اللغة المجازية التي قلّلت من‬ ‫فنيّات الت�شكيل ال�سردي؛ فالمجاز القديم‬ ‫تم تجاوزه‪ ،‬حتى في ال�شعر ال��ذي يعتمد في‬ ‫المقام الأول على ال�صور المجازية‪ ،‬فما بالنا‬ ‫بال�سرد الق�ص�صي الذي يجب �أن يعتمد على‬ ‫الت�شكيل ال�سردي ال المجاز القديم‪ .‬ولم ي�سلم‬ ‫من هذا المجاز حتى العنوان‪ ،‬فرمزية النهر‬ ‫وهي ترتبط بالدمع ت�شير �إلى ذلك التوظيف‬ ‫البالغي للمجاز‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪75‬‬


‫جلد الثعبان‬ ‫■ �إبراهيم �شيخ*‬

‫م��رّت �سنوات طويلة‪ ،‬لم يرزقها اهلل ول��دا‪ ،‬تت�ضرع �إليه �سبحانه وتعالى �صباحا‬ ‫وم�ساء �أن يحقق لها رغبتها‪ ،‬حتى تمنّت �أن يرزقها اهلل بمولود ولو على هيئة ثعبان‪!..‬‬ ‫وي�شاء المولى لـ «رقيّة» �أن تحمل‪ ..‬ولكن ما ي�ؤرقها �أثناء الحمل‪ ،‬ويق�ض م�ضجعها‬ ‫ابتهالها ودعا�ؤها لربها �أن يرزقها مولودا ولو كان ثعبانا‪.‬‬ ‫ي�صيبها ذعر �شديد كلما تذكرت دعاءها‪ ،‬خ�شية �أن تتحقق �أمنيتها وتلد ثعبانا‪..‬‬ ‫فهي تخاف من الثعابين‪ ،‬فكيف �إذا كان مولودها ثعبانا؟! وهنا ت�ضرعت �إلى اهلل �أن ال‬ ‫ي�ستجيب لدعائها و�أن يرزقها‪ ،‬طفال جميال مثلها‪.‬‬

‫‪76‬‬

‫وج��اءت ال ��والدة‪ ،‬وتتذكر رق� ّي��ة �صورة تتراجع قليال‪..‬‬ ‫الثعبان‪ ،‬فتخاف‪ ،‬وتفزع‪ ،‬وتتف�صد عرقا‪،‬‬ ‫وي�أتي زوج رقية على �صياحها‪ ،‬ظانا �أن‬ ‫تم�سك بها القابلة‪ ،‬تحت�ضنها وتوا�سيها مكروها �أ�صاب زوجته‪.‬‬ ‫قائلة‪:‬‬ ‫ي�خ��رج ال �م��ول��ود‪ ،‬ي�خ��اف منه ��ض��رار‪،‬‬ ‫ال ت �خ� ِ‬ ‫�اف ي��ا رق �ي��ة‪�� ،‬س��وف ي�سهل اهلل فيخرج من الغرفة‪ ،‬وي�أتي بع�صا‪ ،‬فيرى ما‬ ‫والدتك‪..‬‬ ‫ال ت�صدقه عيناه‪.‬‬ ‫و كانت م�شيئة اهلل �أن يحقق لها ما‬ ‫زوجته تحت�ضن المولود المرعب‪ ،‬تقبله‬ ‫�أرادت‪ ...‬فيطل ال�م��ول��ود ب��ر�أ��س��ه‪ ،‬وتمد وتبت�سم في وجهه القبيح‪ ،‬والكل منده�ش‬ ‫القابلة يدها‪ ،‬فترى �شيئا �أفزعها‪ ،‬ت�صيح‪ ،‬لفعلها‪..‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫ق�����������������ص�����������������ص ق�����������������ص����ي���رة‬

‫�أده�شها‪ ،‬وقف الثعبان عند حو�ض الماء‪ ،‬تلفت‬ ‫يا اهلل‪..‬هل جُ نّت رقية؟!‬ ‫في كل اتجاه‪ .‬وبعدما ت�أكد �أن المكان خال من‬ ‫ما الذي يحدث؟!‬ ‫النا�س‪ ،‬خلع جلد الثعبان‪ ،‬فخرج منه �شاب‬ ‫رفعت رقية ب�صرها‪ ،‬وابت�سامتها الجميلة‬ ‫�أبي�ض و�سيم‪ ،‬لم تر عين باهرة �أجمل منه من‬ ‫تملأ وجهها‪ ،‬طم�أنت زوجها والقابلة قائلة‪:‬‬ ‫قبل‪ ،‬اغت�سل ال�شاب‪ ،‬ثم عاد مرة �أخرى في جلد‬ ‫ال تخافا‪� ،‬إنه ابني ثعيبين‪� ،‬إنه ال ي�ؤذي �أحدا‪ .‬الثعبان‪ ،‬ورجع �إلى البيت‪ .‬كتمت البنت �سره‪،‬‬ ‫خذه‪� ..‬إنه ابنك يا �ضرار‪ ،‬ال تخف منه‪ ..‬فلن و�س�ألت اهلل �أن يجعله من ن�صيبها‪.‬‬ ‫ي�ؤذيك‪.‬‬ ‫�أن� ��داده يبحثون ع��ن زوج ��ات‪ ،‬و�أم ��ه و�أب��وه‬ ‫خرجت القابلة م��ن بيت رق�ي��ة‪ ،‬ولحق بها يتمنيان زواج��ه مثل �أق��ران��ه‪ .‬ت��دور �أم��ه على‬ ‫�ضرار‪ ،‬طالبا منها �أال تخبر �أحدا بما ر�أت‪..‬‬ ‫البيوت باحثة عن زوجة البنها الثعبان‪ ،‬والنا�س‬ ‫كبر الطفل الثعبان ف��ي ح�ضن وال��دي��ه‪ ،‬ال ي�ستغربون‪ ،‬ثعبان يريد الزواج!!‬ ‫ي�ؤذي �أحدا كالثعابين‪ ،‬يتحرك في البيت‪ ،‬وعينا‬ ‫مَ ��ن تلك التي �ست�ضحي بنف�سها وتر�ضى‬ ‫والديه ترعاه‪..‬‬ ‫بالزواج منه؟!‬ ‫علم به جيرانه‪ ،‬وك��ل �أه��ل القرية‪� ،‬أ�صبح‬ ‫كل البنات رف�ضن االقتران به �إال باهرة‪!!..‬‬ ‫يخرج مع الأطفال‪ ،‬الكل يعرف �أنه ال ي�ؤذي‪� ،‬إنه‬ ‫با اهلل !! �أجمل بنات القرية ر�ضيت به زوجا‪.‬‬ ‫مخلوق غريب‪ ،‬هو ثعبان‪ ،‬ويعي�ش مع الآدميين‪.‬‬ ‫ال ي�شبههم‪ ،‬لكنه يت�صرف مثلهم‪ .‬ال يتكلم‪ ،‬وال‬ ‫حاول والداها وكل �أقاربها ثنيها عن قرارها‪،‬‬ ‫يطلب من �أح��د �شيئا‪ ،‬ف�أمه و�أب��وه يدركان ما فقالت‪:‬‬ ‫يريده من نظراته‪.‬‬ ‫�أنا متوكلة على اهلل‪ ،‬ولن ي�ضيعني ربي �أبدا‪.‬‬ ‫يلعب مع �أ�صحابه ويدافعون عنه‪ ،‬فقد �أحبهم‬ ‫تم زواج الثعبان في بيته‪ ،‬وتظاهرت باهرة‬ ‫و�أحبوه‪.‬‬ ‫بالنوم‪ ،‬فخلع الثعبان جلده‪ ،‬ونام بجوارها‪.‬‬ ‫كبر‪ ،‬و�أ�صبح يخرج كل يوم �إل��ى بئر الماء‬ ‫�سمعت باهرة له غطيطا‪ ،‬فقامت و�أخ��ذت‬ ‫القريب من القرية‪ ،‬يحر�ص �أال يراه �أحد هناك‪.‬‬ ‫جلده و�أ�شعلت به النار‪.‬‬ ‫ذات نهار جاء �إلى البئر‪ ،‬وعليه بنت تدعى‬ ‫�صحا من نومه قبل الفجر‪ ،‬وبحث عن جلده‬ ‫باهرة‪� ،‬أجمل بنات القرية‪ ،‬تملأ جرتها ماء‪،‬‬ ‫ر�أت الثعبان مقبال على البئر‪ ،‬هي مثل �أهل في كل مكان فلم يجده‪ ، ،‬عرف �أن باهرة �أخفته‪،‬‬ ‫القرية تعرف �أن الثعبان ي�أتي �إلى البئر بمفرده فغ�ضب وتلون وجهه غ�ضبا‪ ،‬نظر �إليها‪ ،‬فر�آها‬ ‫كل يوم‪ ،‬ف�أرادت �أن تعرف �سر مجيئه �إلى البئر في �أجمل �صورة‪ ،‬ابت�سم لها‪ ،‬وحمد اهلل على‬ ‫بمفرده‪ ،‬ابتعدت قليال‪ ،‬و�أخذت تراقبه‪ ،‬ر�أت ما نعمته‪ ،‬و�أقبل عليها يقبلها‪ ..‬ون�سي جلده‪!..‬‬ ‫ * قا�ص من ال�سعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪77‬‬


‫ق�ص�ص ق�صيرة جد ًا‬ ‫■ ح�سن علي البطران*‬

‫(‪ )1‬حيرة‬ ‫رف�ع��ت ي��ده��ا وت �ح��ررت م��ن حجابها‪..‬‬ ‫زف �إليها ورد ًا وبع�ض‬ ‫�صرخت من �ألمها‪ّ ..‬‬ ‫�أق�ل�ام وورق‪ ..‬ففارقت روح�ه��ا الحياة‪..‬‬ ‫واحتاروا من يواري ج�سدها‪!!..‬‬

‫(‪ )6‬اغتراب‬ ‫�سقط على الأر�ض‪ ..‬ابت�سم‪.‬‬ ‫ك�سر قلمه‪..‬‬ ‫في ظالم الليل باع مالب�سه الداخلية‪!!..‬‬

‫(‪ )7‬نهر دون ماء‬ ‫(‪ )2‬ثقوب ر�ؤية‬ ‫فتحت ذراعيها لكي تحت�ضنه‪..‬‬ ‫ت�أمل ال�سماء‪..‬‬ ‫ق��ال‪� :‬إن ال�شم�س ال تبدو م�شرقة هذا‬ ‫نظر �إليها نهاراً‪ ..‬ا�شتكى‪� :‬سماء الليل اليوم‪!.‬‬ ‫�أجمل من �سماء النهار‪.‬‬ ‫(‪ )8‬زوبعة‬ ‫(‪ )3‬دوران‬ ‫م َّد رجليه و�أعطي درهماً‪..‬‬ ‫طهر ثيابه من دن�س ال�سنين الما�ضية‪..‬‬ ‫طُ لب منه �أن يمد يده‪ ..‬مدها فقطعت‪!!..‬‬ ‫ارتاد الم�سجد‪ ،‬اتهموه في عقيدته‪ ..‬فكر‬ ‫(‪ )9‬تروية‬ ‫ف��ي ما�ضيه‪ ،‬ا�ستغفر رب��ه‪ ،‬واعتكف في‬ ‫بيته‪ ..‬در�س �أطفاله الألوان وفل�سفتها‪!.‬‬ ‫�أو�صدت الأبواب‪..‬‬ ‫(‪� )4‬سهو‬ ‫وقالت‪ :‬ها �أنا لك كما تتمنى‪.‬‬ ‫همَّ بالخروج‪..‬‬ ‫و�سط الزحام‪..‬‬ ‫�أوقفته وقالت له‪� :‬أن��ت في عيني �أكبر‬ ‫�أراد �أن يتكلم‪ ..‬تذكر �أنه �أخر�س‪!.‬‬ ‫من جبل �شاهق‪.‬‬ ‫(‪� )5‬صوت �أ�سود‬ ‫(‪ )10‬هوية‬ ‫غرد البلبل ذات �صباح‪..‬‬ ‫زاحم النا�س في كل مكان‪..‬‬ ‫خرجت �إلى ب�ستانها‪ ..‬تحررت لأول مرة‬ ‫�سئل‪ :‬لماذا �أنت تفعل هكذا‪..‬؟‬ ‫من قيودها في ذلك ال�صباح‪ ..‬عادت �إلى‬ ‫بيتها فوجدت �أفراخها منزوعة الري�ش‪.‬‬ ‫�أجاب‪� :‬أبحث عن نف�سي‪!..‬‬ ‫ * قا�ص من ال�سعودية‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫■ حممد �صوانه*‬

‫تعلّق‪..‬‬ ‫في كل �صباح‬ ‫تغادر الطيور �أع�شا�شها‬ ‫تنتظر القوارب على ال�شاطىء‬ ‫تنطلق عجلة يوم جديد‬ ‫�أما �أنا؛‬ ‫ف�أ�سابق الخطو؛‬ ‫مت�شبث ًا بخيوط ذِ كراك‪..‬‬ ‫�سباق محموم‪..‬‬ ‫يتخلّى عن ظله؛‬ ‫يجري خلف ال�شم�س‪ ،‬يطمع في الو�صول‪..‬‬ ‫لحظة انت�شائه بالتالقي؛‬ ‫يخيّم عليه الظالم!‬ ‫نرج�سية‬ ‫يرقبه‪..‬‬ ‫يتعثر بين خطوة و�أخرى‪ ..‬في�شتم ويلعن‪،‬‬ ‫يهم�س له‪:‬‬ ‫‪ -‬لو �أبعدت المر�آة عن وجهك‪!..‬‬

‫�أده�شتهم جُ ر�أته‪..‬‬ ‫رفعوه‪..‬‬ ‫�صار ينظ ُر �إليهم من فوق‪!...‬‬

‫ق�����������������ص�����������������ص ق�����������������ص����ي���رة‬

‫ق�ص�ص ق�صيرة جد ًا‬

‫ت�شابك‪..‬‬ ‫لوّحت له بيدها طويالً‪..‬‬ ‫ظلت تغازل الأمل‪ ،‬تراهن عليه‪..‬‬ ‫في لحظة اال�ستواء‪،‬‬ ‫�سدت الأيدي الأفق‪!..‬‬ ‫�أبو زرع‬ ‫قال لها‪� :‬أنتِ �أُم زرعي‪..‬‬ ‫من يومها ظلت تبذر «الحبَ » في طريقه‪..‬‬ ‫يجمعه وي�ضعه في كي�سه‪..‬‬ ‫ثم يم�ضي‪!..‬‬

‫نداء‬ ‫تتجاهل نداءات �أمها باال�ستعجال‪..‬‬ ‫تطور‪..‬‬ ‫تت�شاغل بنثر الحبَّ على �سطح البيت‪،‬‬ ‫يُ�لازم��ه ��ش�ع��و ٌر بـق�صر ال �ق��ام��ة‪ ..‬وع��دم‬ ‫ال يهمها تدافع الحمام‪..‬‬ ‫جَ هورية ال�صوت‪..‬‬ ‫ت�صيخ ال�سمع‪..‬‬ ‫راعَ ُه هديرهم في الميدان‪..‬‬ ‫اندفع يُدرب حنجرته‪..‬‬ ‫لنداء من الأعماق‪!..‬‬

‫ * قا�ص من الأردن‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪79‬‬


‫■ ه�شام بن�شاوي*‬

‫بنبرة تلقائية‪ ،‬تهم�س في �أذن جارك‪ :‬المقرّب‪ ،‬وفي قلبك �شالل دموع‪...‬‬ ‫«دخان ال�سجائر �سي�ؤذيه»‪ ،‬م�شيرا بب�صرك‬ ‫لم ت�ستمتع ب�سحر المكان منذ و�صولك‬ ‫ناحية ر�ضيع‪ ،‬ك��ان يلعب ب��أط��راف��ه‪ ،‬وهو �إليه؛ ففي �أعماقك ح�ضارة ح��زن تف�سد‬ ‫م�ستلق على ظهره‪ .‬كانت الأم وبقية �أفراد طعم كل الأ�شياء‪ ،‬وحتى ر�سائل زوجتك‬ ‫الأ�سرة ‪ -‬المجاورة طاولتهم لطاولتكم‪ -‬التي تبدد وح�شة هذا الح�ضور انقطعت‪.‬‬ ‫غير عابئين به‪ ،‬بينما يعلو ت�صايحهم �أثناء تذكرت �أولى ر�سائلها الق�صيرة‪ ،‬و�أنت تقف‬ ‫تناولهم الطعام‪ ،‬وي�أتيك �صوت �أحدهم‪ ،‬في طابور المطار في انتظار توقيع جواز‬ ‫وه��و يعنّف �أح��د ال�صغيرين‪ ،‬اللذين لم ال�سفر‪ ،‬وه��ي تعاتبك على ع��دم توديعك‬ ‫يتجاوزا ربيعهما الثالث‪..‬‬ ‫البنتك ذات ال�شهرين‪.‬‬

‫�أح�س�ست بال�ض�آلة‪ ،‬وقد بدا لمواطنك‪،‬‬ ‫وك� ��أن الأم ��ر ال يعني ل��ه �أي ��ش��يء‪ ،‬وع��اد‬ ‫ل �ل �ح��دي��ث م ��ع ج � ��اره‪ .‬ت�ن��ا��س�ي��ت نف�سك‬ ‫ووج��ودك‪ ،‬حيث وليمة الع�شاء في الهواء‬ ‫الطلق‪ ،‬تحت خيمة �صحرواية‪� .‬أح�س�ست‬ ‫ب��أن��ك تنغم�س ف��ي قوقعة وح��دت��ك �أكثر‪،‬‬ ‫وان��ت��ظ��رت على �أح��� ّر م��ن الجمر انتهاء‬ ‫الع�شاء‪ ،‬والعودة �إلى الغرفة بالفندق‪.‬‬ ‫رغم عدم حما�سك للدرد�شة من خالل‬ ‫مواقع التوا�صل االجتماعي‪ ،‬وجدت نف�سك‬ ‫مدفوعا �إلى فتح بابها ‪ -‬الذي تغلقه دوما‪-‬‬ ‫في هذه الأم�سية‪ ،‬غبّ نفاد ر�صيد هاتفك‬ ‫ال �ج��وال‪ ،‬لعلك تجد �أخ�ي��ك �أو �صديقك‬ ‫ * قا�ص من المغرب‪.‬‬

‫‪80‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫تفتح خريطة رقمية‪ ،‬وتخترق الم�سافة‬ ‫التي تقطعها الطائرة ف��ي �سبع �ساعات‬ ‫مرهقة‪ ،‬ب�سرعة و��ص��ول ر�سائل الهاتف‬ ‫الق�صيرة نف�سها‪ ..‬توقفت عند مدينتك‪،‬‬ ‫تمهّلت لحظة‪ -‬قبل �أن تقوم بعملية تكبير‬ ‫للخريطة‪ -‬وفي �أذنيك ترنّ مناغاة ابنتك‬ ‫و�ضحكتها البريئة كلحن م��رج��ع‪ ،‬وهي‬ ‫ت�ح��اول �أن تقلد �إح��دى كلماتك‪ ..‬فكرت‬ ‫في �أن تختل�س نظرة �إلى �شارعكم في هذه‬ ‫الأم�سية المخ�ضبة بحناء الوحدة‪ ،‬قبل �أن‬ ‫ت�ضغط على �أيقونة معلمة تاريخية‪ ،‬قريبة‬ ‫من بيتكم‪ ،‬تركت الحا�سوب‪ ،‬ورك�ضت في‬ ‫الالاتجاه‪...‬‬

‫■ �سليمان عبدالعزيز العتيق*‬

‫�سراجَ كَ �أطفئهُ‪ ،‬هذا الم�سا‬ ‫وفي الوجدِ نارٌ‪..‬‬ ‫ت�ضيء الظال ْم‬ ‫تعالوا ا�شْ َهدُوني �إذا ما التقى‬ ‫بطيف‪..‬‬ ‫ٍ‬ ‫حنيني‬ ‫لها في المنام‬ ‫�أغيبوبة ُالع�شق مرتْ بكَ ؟‬ ‫ونوبة ُ�شوق ٍ‪..‬‬ ‫�سقتك الهـ ُيامْ؟‬ ‫ولوعة فقدٍ ‪� ،‬سهرتَ لها‬ ‫عن الذكرياتِ ‪..‬‬ ‫تميط اللثا ْم‬ ‫�أراكَ تغنّي‪،‬‬ ‫وفي جانحيكَ‬ ‫لهيبُ الأ�ساةِ‪،‬‬ ‫ونا ٌر ِ�ضرام‬ ‫وتهوى �أنيناً‪..‬‬ ‫برجع التباكي‬ ‫على كل غ�صن ٍ‪،‬‬ ‫ينو ُح الحمام‬ ‫وقلبُك يخفـ ُقُ في كل طيف‬ ‫يمـ ُر عليكَ ‪..‬‬ ‫يـديـ ُر ال�سالم‬ ‫ونخلـ ُك هذا الذي قد �سقت ُه‬ ‫فـقـيدة قـلبـ ِكَ ‪..‬يا مُ�ستـ َهام‬ ‫ورحتَ تميلُ‪� ،‬إذا ما انحنى‬ ‫�إذا مال �شرقاً‪..‬‬

‫ * �شاعر من ال�سعودية‪.‬‬

‫جنوباً و�شا ْم‬ ‫و�سدرة ُبوح‪..‬‬ ‫نمت في ح�شاك‬ ‫على دفق دمع ٍ‪..‬‬ ‫رعا ُه الغـ َرام‬ ‫وظبي ُة رو�ض ٍ‪،‬‬ ‫تنام بعـ�شبٍ‬ ‫تحر�ض قـلبكَ ‪ ،‬الاّ يـنام‬ ‫وخيلـ ُكَ طافت‪،‬‬ ‫ب�صحراء فقدٍ ‪..‬‬ ‫تفت�ش في التيهِ‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫�أو في الزَحام‬ ‫فال الظبيُ عانقَ‪ ،‬ري َح ال�صَ با‬ ‫وال ال�صافناتُ ‪ ،‬رعت في الجِ مام‬ ‫وعذركَ وعدٌ‪ ..‬قطعتَ ب ِه‬ ‫على عهدِ قلبكَ ‪..‬‬ ‫�أال تـ ُالم‬ ‫متى �شع�شعتْ ‪ ،‬رونقاتُ ال�ضحى‬ ‫ورفرفَ فوق الفيا�ض‬ ‫الغمام‬ ‫ب�أنكَ تبقى‪� ..‬أ�سي َر الهوى‬ ‫تغني لـلـيالكَ ‪..‬‬ ‫�أحلى الكـالم‬ ‫�سراجَ كَ �أطفئهُ‪ ،‬هذا الم�سا‬ ‫وفي الوجدِ نارٌ‪..‬‬ ‫ت�ضيء الظالم‬

‫���������������������������������ش��������������������������������ع��������������������������������ر‬

‫م�سافات �إلى‪ :‬يا�سمين‪..‬‬ ‫حبة القلب ومهجة الروح‬

‫�أطفئ ال�سراج‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪81‬‬


‫■ حمدي ها�شم ح�سانني*‬

‫ف��ي ال��ق��د���س ت�سمو لل�سمــاء ق ـبــاب‬ ‫���س��ـ��ـ��ف��ـ��ـ��ر ت��ـ��ن��ـ��ـ��زل ب��ال�����س��ـ�لام وب��ال��م��ن��ى‬ ‫ت��غ��ف��و ع���ل���ى ����س���رر ال���ق���ل���وب ف��را���ش��ة‬ ‫ف��ي��ـ��ـ��ه��ا رح��ـ��ـ��ي��ق الأن���ـ���ب���ـ���ي���اء وح��ول��ه��ا‬ ‫ع���ـَ���ـ���ر َج ال��ن��ب��ي م��ح��ـ��ـ��م��د م��ـ��ـ��ن ب��ـ��ـ��اب��ه��ا‬ ‫غ��ـ��ـ��ي��داء تخطر ف��ي ال��ق��ل��وب كن�سمة‬ ‫ت��غ��ـ��ـ��ف��و ك������أي �أم��ـ��ـ��ـ��ي��رة ف���ي خ��ـ��ـ��ـ��دره��ا‬ ‫�إن ال��م�����س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ا َء ُم��ع��ـ��ـ��ـ��ـ��ط��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ر ل��ك��ن�� ُه‬ ‫ل��م ي��ب��ق م��ن �أه����ل ال��ه��ـ��ـ��ـ��ـ��وى �أح����د وال‬ ‫ك���ل ال�����ص��ب��اح��ات ال���ت���ي ق���د �أق��ل��ع��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ت‬

‫وال���ط���ي���ب ب��ي��ن رب��ـ��ـ��وع��ه��ا ي��ـ��ن��ـ��ـ�����س��اب ُ‬ ‫�آي���ـ���ـ���ات���ه ب��ـ��ـ��ع��ـ��ـ��د ال��ج��ـ��ـ��م��ـ��ـ��ال عِ ��ـ��ـ��ـ��ـ��ذابُ‬ ‫وو����س���ـ���ـ���اده���ا الأزه����ـ����ـ����ـ����ار والأع���������ش����ابُ‬ ‫ي��ـ��ـ��ن��ـ��ـ��م��و ه��ـ��ـ��وان��ا ال���ـ���ـ���رائ���ع ال��ـ��ـ��وث��ـ��ـّ��ابُ‬ ‫ف��ـ��ت��ـ��ف��ـ��ت��ح��ت ل��ع��ـ��ـ��ـ��روج��ـ��ه الأب���ـ���ـ���ـ���وابُ‬ ‫ف����ي ح�����س��ـ��ـ��ن��ه��ا ك����م ح���ـ���ـ���ارت الأل����ب����ابُ‬ ‫ح��ـ��ـ��را���س��ه��ا الأح���ـ���ـ���ـ���داق والأه����ـ����ـ����دابُ‬ ‫ع��ن��د ال��دج��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ى ت��ت�����ش��ت��ت الأط��ـ��ـ��ـ��ي��ـ��ـ��ابُ‬ ‫ق��ي��ـ��ـ��ـ��ـ�����س ه��ن��ـ��اك وال ه��ن��ـ��اك رب��ـ��ـ��ـ��ـ��ابُ‬ ‫ع��ن��ا ت�����س��اف��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ر م���ا ه��ن��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��اك �إي��ـ��ـ��ـ��ابُ‬

‫���������������������������������ش��������������������������������ع��������������������������������ر‬

‫�أن�شودة للقد�س‬

‫وال��ل��ح��ن �أ���ص��ب��ح م�����ض��ج��را م��ت��ك��ـ��ـ��ـ��ررا‬ ‫وال��ق��د���س ف���وق م������آذن م���ن دمعهـ ـ ــا‬ ‫وال���ن���ا����س ب��ي��ن مُ��خ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��دَّر ومُ��غ��ـ��ـ��ـ�� ّي��ب‬ ‫وال���ف���ار����س ال��ع��رب��ي �أف���ن���اه اله ـ ـ ــوى‬ ‫ي��ت��ق��ا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��م��ون ال��م��ـ��ـ��ـ��وت ك���ل ع�شية‬ ‫ه���ذا ت����راب ال��ق��د���س ي��دم��ع ح ــ�ســرة‬ ‫وال������روح ت��ح��ل��م �أن ت�����ض��م��كِ خلــ�سة‬ ‫ي��ا �أي��ه��ا ال��ف��ر���س��ان ي��ا �أم��ـ��ـ��ـ��ل ال��ـ��ـ��ـ��ورى‬ ‫وت��ف��ج��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��روا ك���ال���م���اء ال ت����ت����رددوا‬ ‫ه���ـ���ـ���ذى دم�����ا�ؤك�����م ال���زك���ـ���ـ���ي���ة ك��ـ��ـ��ـ��ـ��ل��ه��ـ��ا‬ ‫طبتم وط��اب��ت ف��ي ال�سماء عرو�شكم‬ ‫ت�ستن�شقون ال��ع��ط��ـ��ـ��ـ��ـ��ر ع��ط��ر ���ش��ه��ادة‬ ‫وت��ه��ـ��ـ��ـ��ـ��رول��ون ع��ل��ى ال��ل��ه��ي��ب بب�سمة‬ ‫�أن����ت����م ع��ب��ي��ر الأغ���ـ���ـ���ن���ي���ات ووه��ج��ـ��ـ��ه��ا‬ ‫�أن�������ش���ودة ل��ل��ق��ـ��ـ��ـ��د���س ت��رق��ـ��ـ��ـ�����ص ن�شــوة‬ ‫ي���ا �أي���ه���ا الأح���ب���اب ف���ي �أر������ض ال��ه��وى‬ ‫ف���ي مو�س ـ ـ ــم ال��م��ي�لاد �إذ تتفتحوا‬ ‫وي����رف����رف ال��ط��ي��ر ال��م�����س��اف��ر راج��ع��ا‬ ‫والأن��ب��ي��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��اء الأن��ق��ي��ـ��ـ��ـ��ـ��اء ت��ب�����سَّ ��م��وا‬ ‫وت��رى المالئك ح��ول �أق�صانا ال��ذي‬ ‫ح��ف��وا ���س��م��اء ال��ح��ل��م ل��م يتخاذلـ ـ ــوا‬ ‫وت��م��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ددوا ب���ي���ن ال��خ��ل��ي��ل وغ��ـ��ـ��ـ��ـ��زة‬ ‫وت����ه����رول الأق���������داح خ���ل���ف خ��ط��اه��ـ��م‬ ‫د���س��ـ��ـ��ـ��ـ��وا فل�سطين ال���ه���وى بعيونهم‬ ‫ه���م ف��ت��ي��ة وق����ت ال��م�����س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��اء تخالهم‬ ‫وه����م ال�����س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ���ؤال َل��� َك��� ْم ُي��ح��ي��ر كنهه‬

‫م��ـ��ـ��ت��ـ��ـ��ن��ا وم���ـ���ـ���ـ���ات ب����أذن���ـ���ـ���ن���ـ���ا زري���ـ���ـ���ابُ‬ ‫ت��ح��ن��و وي��ح��ن��و ال��م��ـ��ـ��ـ��ـ��وع�� ُد ال��ك��ـ��ـ��ـَّ��ـ��ذابُ‬ ‫���ص��ن��ف��ان ع���ن ك���ل ال��م��ع��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ام��ع غ��اب��وا‬ ‫َّ���س ِنــ�شـ ــاب ُ‬ ‫ي��رم��ى ن��ـ�����ش��اب��ا ك���ي ُي��ـ��ـ��د َ‬ ‫ك��ـ��ـ��ـ���أ���س ال��م��ن��ي��ة ف���ي ال���ف���داء ���ش��ـ��ـ��رابُ‬ ‫وي���ئ���ن ح���ـ���زن���ا ه��ـ��ـ��ل ي���ئ���ن ت��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��رابُ ؟‬ ‫ب��ـ��ي��ن��ي وب��ـ��ي��ن��ك ف���ي ال����غ����رام ح��ـ��ج��اب‬ ‫ق��وم��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��وا ف��ف��ي��ك��م ح��م��ـ��ـ��ـ��زة وح���ب���ابُ‬ ‫ق���د ُي��ه��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��زم ال��م��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��دام �إذ ي��رت��ابُ‬ ‫للق ــد�س ف��ي ع��ي��د ال��وف��اء خِ ــ�ضاب ُ‬ ‫�أن��ـ��ـ��ت��ـ��ـ��م ���ص��ـ��ـ��ن��وب��ر وال��خ��ـ��ـ��ن��ا ل��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ب�لابُ‬ ‫ولكـ ــم ُ ت��ف��ت��ح ف��ي ال�سـ ــما الأب��ـ��ـ��وابُ‬ ‫غ��ـ��ـ��ـ��ـ��راء ل��ي�����س م���ع ال��ح��ن��ي��ن َع��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ذابُ‬ ‫�أن��ـ��ـ��ت��م رح��ي��ـ��ـ��ق ال��ح��ـ��ـ��ب ح ــين ي��ـ��ذاب ُ‬ ‫ت��ـ��ـ�����س��ـ��ـ��ري ك���م���اء ال���م���زن �إذ ي��ن��ـ�����س��اب ُ‬ ‫�إنّ ال��ه��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��وى م���ن دون���ك���م غ��ـ��ـ��ـ��ـ ّ�لابُ‬ ‫ت��ت��ف��ت��ح الأزه���ـ���ـ���ـ���ـ���ـ���ـ���ار والأع���ـ���ـ�������ش���ـ���ـ���ـ���ابُ‬ ‫وي���ـ���ـ���ـ���ـ����ؤب �آه ك��ـ��ـ��ـ��ـ��م ط���ـ���ـ���ـ���واه غ��ـ��ـ��ـ��ي��ابُ‬ ‫وك��ـ��ـ��ـ���أن��ه��م ُب��ع��ث��ـ��ـ��ـ��وا ه��ن��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ال��ـ��ك �آب��ـ��ـ��ـ��وا‬ ‫ن���ـ���ـ���ادى ع��ـ��ـ��ل��ي��ن��ا ���ض��م��ه��ـ��ـ��م م��ح��ـ��ـ��ـ��ـ��رابُ‬ ‫ق��ط��ف��وا ال��ك��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��روم ف�����أورق����ت �أع���ن���ابُ‬ ‫ك��ال��م��ـ��ـ��ـ��وج ي�����س��رى ل��ي�����س ف��ي��ه ع��ـ��ـ��ب��ابُ‬ ‫ف��ب��ـ��ـ��ـ��دون��ه��م ال ُت��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��رع الأن��ـ��ـ��خ��ـ��ـ��ـ��ابُ‬ ‫ف��ت��راق�����ص��ـ��ـ��ت وت��غ��ـ��ـ��ن��ت الأه���ـ���ـ���ـ���ـ���ـ���دابُ‬ ‫ك��ال�����ش��ه��ب ك���م ط����ال ال���ع���دو �شه ـ ــابُ‬ ‫م��ه��م��ا ���س��ـ��ـ��ـ���أل��ت��م م���ا ه���ن���اك ج��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��واب‬

‫ * كاتب و�شاعر من م�صر‪.‬‬

‫‪82‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪83‬‬


‫■ مالك اخلالدي*‬

‫الق�صيدة ال��ف��ائ��زة بالمركز الأول ف��ي م�سابقة �أج��م��ل ق�صيدة ع��ن اللغة‬ ‫العربية‪ ،‬الم�سابقة التي �أطلقها نادي الف�صحى والنادي الأدبي بجامعة الملك‬ ‫�سعود‪ ،‬بالتعاون مع ق�سم اللغة العربية بكلية الآداب بمنا�سبة اليوم العالمي‬ ‫للغة العربية ‪٢٠١٣‬م‪ ..‬وقد خُ �صَّ تْ بها مجلة الجوبه‪:‬‬ ‫�أ������ض�����ي�����ئ�����ي ع������ي������ون ال�����ل�����ي�����ل وا������س�����ت�����م�����ط�����ري ال����� ّ����ش����ع����را‬ ‫وغ���������� ّن����������ي ف������������������إن ال��������ق��������ل��������بَ ي���������������ش�������ت�������اقُ ل������ل������ذك������رى‬ ‫ف��������ف��������ي ُل�������������جّ ������������� ِة الأي�����������������������������ا ِم ت�����������أت����������ي����������نَ ب�����ل�����������س�����م�����اً‬ ‫وت������م�������������ض������ي������نَ م����������ن ب�������ي�������ن ان�������ك���������������س�������ارات�������ه�������ا ن�����ه�����را‬ ‫�أري����������������������������دكِ �������ش������م�������������س������اً ال �أف����������������������������ارقُ حُ �����������س����� َن�����ه�����ا‬ ‫�أل�����������������������و ُذ ب�������ه�������ا ح�������ي�������ن�������اً و�أ����������������ش���������������رقُ ف����������ي �أخ��������������رى‬ ‫���������������������������ض ه�����ي�����ب����� ًة‬ ‫�أري���������������������������دكِ ن������ب�������������ض������اً ي���������م����ل�����أ الأر� َ‬ ‫����������������ك �أ�����������س����������رى‬ ‫ف����������ك����������لُّ ق������������ل������������وبِ ال�������ع�������ال�������م�������ي�������ن ل ِ‬ ‫�أري����������������������������دكِ ف�������ي���������������ض�������اً م�����������ن ت����������رات����������ي����������لِ ع������ا�������ش������قٍ‬ ‫ت��������������������داوي ج���������راح���������ات���������ي ف�������أ�������س������ت������ل������ه������ ُم ال������ف������خ������را‬ ‫�أع�������������ي������������� ُد ل������ق������ل������ب������ي ف���������ج��������� َر م���������ج���������دٍ �أرى ه����ن����ا‬ ‫�أزاه���������������ي���������������ر ُه ف���������اح���������تْ ف����ل���اح��������ت ل������ن������ا ال������ ُب�������������ش������رى‬ ‫ل������ق������د ك��������ن��������تِ ت������������اج ال������ع������ل������م وال��������ف��������ك�������� ِر وال��������ه��������وى‬ ‫وه�������������ا �أن��������������������تِ ل������ل������ع������ل������ي������ا ِء ي����������ا غ����������ادت����������ي م�����������س�����رى‬ ‫���������ك غ��������ف��������و ًة‬ ‫ف�������������������إن غ������ف������ل������ت �أب���������������������ص����������ا ُره����������م ع���������ن ِ‬ ‫�������ك ال ي�������غ�������ف�������و و�أن�������������������������������������دا�ؤك ت������ت������رى‬ ‫ف�������ن�������ب�������� ُ�������ض ِ‬ ‫�����������������������ض �أغ�����������������������رودة ال������عُ���ل��ا‬ ‫������������ك ف���������ي رح�����������������ابِ الأر� ِ‬ ‫ل ِ‬ ‫ُ�������ك عِ ������ط������را‬ ‫وف�����������ي ك��������ل �������ش������ب������رٍ ق��������د م�����������ض�����ى ر��������س�������م ِ‬ ‫��������ك خ����������ي���������� َر ح������ل������ ٍة‬ ‫ف�������ح�������ي�������ن ارت���������������������������دوا م��������ي��������ث��������اق ِ‬ ‫ت����ل����اق���������ف���������ه���������م ع�������������������� ٌز وزادوا ب���������������ك ق���������������درا‬ ‫ف�������������������س���������ادوا م��������ي��������ادي��������ن ال���������ح���������ي���������ا ِة و�أ����������س���������رج���������وا‬ ‫م�������������ص������اب������ي������ َح ����������ض���������و ٍء �أ����������ش���������رق���������تْ ل���������ل���������ورى فِ������ك������را‬ ‫‪84‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫���������������������������������ش��������������������������������ع��������������������������������ر‬

‫ُ‬ ‫النغمة الأدهى‬

‫وو ّدع���������������������������������تْ ال����������دن����������ي����������ا ُدج���������������اه���������������ا و�أي����������ن����������ع����������تْ‬ ‫ن�����������ه�����������اراتُ ه�����������ذي الأر���������������������ض م���������ن ج������دب������ه������ا زه���������را‬ ‫����ل���ا‬ ‫وم����������������ا زل��������������������تِ ك������������ن������������زاً ال ي�����������������������ض����������� ّر ُه خ��������ام ً‬ ‫وال ج�����������اه�����ل�����اً ل��������ك��������ن �إذا ن�������ه���������������ض�������وا �أث���������������رى‬ ‫�������������������ض م�������ن م������ج������دِ ن���ط���قِ���ه���ا‬ ‫ن�����������س�����وا �أن م�����ج�����د الأر� ِ‬ ‫و�أن ل�����������������س��������ا َن ال����������ق����������وم ي���������زج���������ي ل�������ه�������م ن�����������ص�����را‬ ‫وق�������������د ق���������ي��������� َل ن���������ط���������قُ ال������������م������������ر ِء ��������ص�������ن������� ُو ذك���������ائ��������� ِه‬ ‫ف���������������إن ��������ض������� ّل ف���������ي �إح���������داه���������م���������ا خ�����������اب ل���������ن ي�����ب�����رى‬ ‫ه����������ي ال�������ل�������غ�������ة ال�����ف�����������ص�����ح�����ى �إذا ق����������������ا َم �������ش�������أ ُن������ه������ا‬ ‫�������������ض ال������ف������ج������را‬ ‫ي����������ق����������و ُم ل�������ن�������ا ع���������ق���������لٌ ون�������������س������ت������ن������ه ُ‬ ‫ن������������ل������������وّنُ وج�������������ه ال��������ع��������م�������� ِر ب��������ال�����������������ض��������و ِء وال������ن������ه������ى‬ ‫وت�������ك������� ُت�������ب�������ن�������ا الأي�����������������������������ا ُم ف�����������ي وح��������ي��������ه��������ا � ِ�������س�������ف�������را‬ ‫ه����������ي ال�������ل�������غ�������ة ال������ف�������������ص������ح������ى �أن���������ا����������ش���������ي��������� ُد خ�������اف�������قٍ‬ ‫وم���������ي���������ن���������ا�ؤن���������ا ال��������ع��������ال��������ي وث����������روت����������ن����������ا ال������ك������ب������رى‬ ‫ه��������ي ال������ف������ت������ن������ ُة الأ��������ش�������ه�������ى ك������م������ا ال�����������ش�����ه�����د ح���ي���ن���م���ا‬ ‫ي�����������������ص��������اف�������� ُح �أرواح���������������������������������اً ف��������ت��������غ��������دو ب�����������ه ������س�����ك�����رى‬ ‫ه���������ي ال������ن������غ������م������ ُة الأده��������������������ى ل������ه������ا �أذع��������������������نَ ال����ح����ج����ا‬ ‫������و�������ش واع������ت������ل������ى ال������ع������ل������ ُم وا�����س����ت���������ش����رى‬ ‫وق�������ي�������دت ج������ي ٌ‬ ‫ه���������ي ال�������ل�������غ������� ُة ال�����ف�����������ض�����ل�����ى ب������ه������ا ي������ه������ت������دي ال�����������ورى‬ ‫و�أل�������ب���������������س�������ه�������ا الإ���������������س�������ل������ام م�����������ن ن���������������������ور ِه ِذك��������������را‬ ‫ف������������ذا ال����������خ����������ا ُء وال��������ع��������ي��������نُ ال������ج������م������ي������ ُل و��������ض�������ا ُده�������ا‬ ‫م����������خ����������ارجُ ����������ه����������ا ت�����������ب�����������دو ف��������خ��������ام�������� ُت��������ه��������ا ب�������ح�������را‬ ‫ف����������ي����������ا ل������������غ������������ ًة ال �أ�����������س����������ت����������ط����������ي����������بُ ب��������دي��������لَ��������ه��������ا‬ ‫ب��������ن��������ي��������تِ ل����������������كِ ف������������ي ك������������ل �أرواح�����������������ن�����������������ا ق�������������ص������را‬ ‫ل�����������كِ ال�������م�������ج������� ُد وال�������ع�������ل�������ي�������ا ُء وال����������ح����������بُ وال����������������ر�ؤى‬ ‫ُت�������ن�������ي�������ري�������ن ه��������������ذا ال�����������ك�����������ون ي�����������ا م������ق������ل������ت������ي ب�����������درا‬ ‫ * �شاعرة من ال�سعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪85‬‬


‫■ حامد �أبو طلعة*‬

‫■ عالء الدين رم�ضان*‬

‫تَحُ لِّينَ بين انْ�سِ دالِ الجُ فُونِ ‪..‬‬ ‫َورِعْ �شَ تِها العَا ِب َرةْ‪..‬‬ ‫َوت َْ�صطَ خِ بِينَ َعلَى حَ ا َّف ِة ال َقلْبِ ‪..‬‬ ‫حتَّى ُت َهدْهِ دُكِ ال ُهدْبُ في الذَّا ِك َرةْ‪..‬‬ ‫و َتنْ�سَ لُّ مني َفرَا�شَ اتُ هَذا ال ِودَاد‪..‬‬ ‫تَحُ ُّط على َه ْد�أَ ِة ال َغ ْف َو ِة الهَا ِد َرةْ‪..‬‬ ‫َفيَجْ ُف ُل منك الم�سا ُء قليالً‪..‬‬ ‫وتُ�شْ ِر ُع �أحْ ال َمنَا نح َو ُه َفرْحَ ًة غَامِ َرةْ‪..‬‬ ‫ُترَى‪..‬‬ ‫�أَيُّ �شَ يْ ٍء �سيطل ُع في ال ُم ْب َتدَى‪..‬‬ ‫ال�صدَى‪..‬‬ ‫ويَظَ لُّ ُيعِي ُد َّ‬ ‫في ال َمدَى‪� ..‬إِ ْذ ُيرَا ِو ُح بين التَّجَ لِّي‪..‬‬ ‫وبين الأُفُولْ ‪..‬‬ ‫ِلرُو ٍح َتلُوبُ على َدرَجَ اتِ ال َّت َذ ُّكرِ‪..‬‬ ‫في وَحْ �شَ ِة الخَ اطِ َرةْ‪..‬‬ ‫ُترَى‪..‬‬ ‫�أَيُّ �شي ٍء �سَ ينْبتُ في َهمْ�سَ ٍة حَ ائِرةْ‪..‬‬ ‫ُت َر ْق ِر ُقهَا في َليَالِي ال ِغنَاءْ‪.‬‬ ‫على ِ�ض َّف ٍة في ال ُف�ؤَا ِد ـ‬ ‫غُ الالتُ �شَ وْقٍ �إلى َر َبوَاتِ ال َبوَادِي‪..‬‬ ‫‪86‬‬

‫�أُنَادِي‪ ..‬فال تَ�سْ تَجِ يبُ ِل َق ْلبِي‪..‬‬ ‫وتَجْ رَحُ ُه َل ْف َت ٌة جَ ا ِئ َرةْ‪..‬‬ ‫َو َت ْت ُر ُك ُه �ضَ امِ راً‪..‬‬ ‫وَحَ �سِ يراً‪..‬‬ ‫َفمَا َب ْع َثرَتْ دَمْ َعهَا ال�سُّ حُ بُ ال�سَّ اهِ َرةْ‪..‬‬ ‫على جَ ْدوَلٍ من نَ�سِ يمٍ حَ زِين‪..‬‬ ‫ُيغَا ِد ُر ُه النَّايُ �سِ ّراً جَ هِيراً‪..‬‬ ‫فَن�سْ قي ِه خَ ْم َر ال ُعيُونْ ‪..‬‬ ‫ُي َر ْفرِفُ مِ نْ �أَوَّلِ ال ُع ْمرِ‪..‬‬ ‫حتَّى يَحُ ُّط على �آخِ ِر اللَّحْ نِ ‪..‬‬ ‫في الخَ ا ِت َمةْ‪..‬‬ ‫َف َيقْطِ فُ َو ْر َد الجُ فُونْ ‪..‬‬ ‫تُرى‪..‬‬ ‫�أيُّ �شي ٍء �سَ َتهْمِ ُ�س للرو ِح‬ ‫في خَ فَرٍ ـ‬ ‫ذَا ُت ُه الهَا ِئ َمةْ‪..‬‬ ‫‪« :‬هُ نا‪..‬‬ ‫�أنت في القَلبِ ‪..‬‬ ‫والذَّا ِك َرةْ‪»..‬‬ ‫‪.!! ....‬‬

‫* �أ�ستاذ م�ساعد اللغة العربية و�آدابها في كلية العلوم والدرا�سات الإن�سانية بال�سليل‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫يقتاتني ج��رح ال�صديق وخـاف ـق ــي‬ ‫لب�س ال��ف��ـ���ؤا ُد �ســوا َد ُه‬ ‫مِ ��ـ��نْ �أج��ل مَ��نْ َ‬ ‫يقـتـات رغ��ـ��م ال�ش ـ ـ ــامتـيـن ودا َد ُه‬ ‫و�أق���ـ���ام ف��ـ��ي ���س��ـ��ـ��اح ال��زم��ـ��ـ��ـ��ـ��ان ح����دا َد ُه‬ ‫�أواه م ــن ُو ٍّد ت��ـ��ـ�� َق��ـ��ـ�� ّلَ��ـ��ـ��بَ ط ـع ـ ُم ـ ـ ـ ُه‬ ‫ـ�سطــر ح��ز َن��ه ف��ي �صمت ِه‬ ‫وم�ضــى ُي ِّ‬ ‫مـ ـ ــا ع��ـ��ـ��دتُ �أق��ب�� ُل �ش ـ ــر َب ُه �أو زا َد ُه‬ ‫م��ـ��ن نب�ضه �سـكـبَ ال��ـ��وف��ـ��ـ��ـ ُّ��ي مِ ����دا َد ُه‬ ‫ح��ل�� ٌو �إذا �أرخ���ى الزم ـ ـ ـ ـ ــان حبال ــه‬ ‫�سلْ عنه �أوراق ال�سنين ُت��جِ �� ْب��كَ في‬ ‫مُ���� ٌّر �إذا �ض ـ ــرب الأ�سـ ـ ـ ـ ــى �أوت�����ا َد ُه‬ ‫ح��ـ��ـ��ال ال��مُ��حِ ِّ��ب �إذا ذك����رتَ �سُ ـ َع ـ ــا َد ُه‬ ‫ما كنتُ �أعلم م ـ ــا ال��دم��وع ونارهـ ــا‬ ‫�آ ٍه ع��ل��ـ��ـ��ـ��ـ��ى ذاك الإخ����������اء ب�����ذر ُت����� ُه‬ ‫حتـى ر�أي����تُ م ــن ال��ت��ق ِّ��ي ف�س ـ ـ ــا َد ُه‬ ‫و�أن��ـ��ـ��ا ال��م���ؤم��ـ��ـِّ�� ُل زر َع��ـ��ـ��ـ��ـ��ه وح�صـ ــا َد ُه دمـعـتْ مـ ـ ــن النكران عينٌ وانثنى‬

‫���������������������������������ش��������������������������������ع��������������������������������ر‬

‫َع َلى َحا َّف ِة ال َق ْل ِب‬

‫ليلة الطرب الأ�صيل‬

‫ق��ل��بٌ ينــادي فـي اللبيب ر�ش ـ ـ ــا َد ُه‬

‫حتــى وقـفـتُ علـ ــى الـتـالل ر�أي�� ُت�� ُه‬ ‫وال��ري��ح ت��ذرو ف ــي الطـريق رم��ـ��ـ��ا َد ُه �ضــاعت عل ــى وت��ر الغنــاء مـودتـي‬ ‫طـوبــى لمـن خطــم الغنـاء وقـ ــا َد ُه‬ ‫الن���تْ لـه ُز َب���� ُر الجف ـ ـ ـ ـ ــاء ف�ص َّبه ــا‬

‫ف��ـ��ـ���أق��ـ��ـ��ام للـنـدم ال��م��ق��ي��تِ عمـ ـ ـ ــا َد ُه ع�� ّلَ��ق��تُ ف��ي م�سمــار ع�����ش��ر ِت��هِ‪ ،‬الـذي‬ ‫ف ــي ليلـة الط ـ ـ ــرب الأ���ص��ي��ل �أب���ا َد ُه‬ ‫طـ ــارت ب��ه ري��ح الـمـاللة فامتط ــى‬ ‫�آن الأوان لكــي �أزم��ج��ر �س ـ ـ ـ ــاخراً‬ ‫ظَ ��هْ�� َر الخنا‪ ،‬والـ�سـ ــر ُج ب��ـ��اع ج���وا َد ُه‬ ‫مــن ط ـ ـ ــائ ٍر هج َر الن�س ـ ـيـ ُم ب�لا َد ُه‬ ‫�آوت �إلـيـه ال�سنبالتُ الخُ ْ�ض ُر ف ـ ــي‬ ‫ف ــي ليلة الطـ ــرب الأ�صيل بري�شـ ِه‬ ‫�أر���ض��ي ف�أطلق ف��ي الحقــول ج���را َد ُه‬ ‫عـ ــزف الـتنك ُر لل ــورى �إن�شـ ـ ـ ــا َد ُه‬ ‫ن��ب��ئ �صـح ـ ـ ـ ــابتَكَ ال��ـ��ك��ـ��ـ��را َم ب�أنـنـي‬ ‫ُي ْملـي عليـه الج ـ ـ ــال�س ــون مالمه ْم‬ ‫رج���لٌ �أزاح ع ــن ال ـعـ ـتــاب ف��ـ��ـ��ـ��ـ���ؤا ّد ُه‬ ‫ل ـكـ َنـ ُه ي ـخـ ـت ــار ف ـي ــكَ عِ ـن ـ ـ ــا َد ُه‬ ‫ * �شاعر من ال�سعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪87‬‬


‫■ خالد مزياين*‬

‫�أيها الكمان الغالي‬ ‫هناك على تلك الأر�ض البعيدة‬ ‫حيث ت�سكن الغيوم بال مطر‬ ‫وينام الليل بال قمـر‬ ‫وخلف ال�شباك الحديدي‬ ‫في غرفة تحت الأر�ض‬ ‫بال �ضوء وال قمـر‬ ‫تنام ق�صيدتي بال حريـر‬ ‫وال �أ�سـاور‬ ‫ت�أكل بال �شوكة وال �سكين‬ ‫وتر�سم على الجدران بالأظافـر‬ ‫هناك ق�صيدتي تنام‬ ‫وال�سياف خلف الباب‬ ‫يقتلها لو م�سها الهواء‬ ‫***‬

‫�أيها الكمان الغالي‬ ‫�أخبر ق�صيدتي‪ ..‬مات ال�شاعـر‬ ‫اغتيل ال�شاعـر‬ ‫و�ألف ق�صيدة بلون عينيك‬ ‫نمت فوق ج�سدي‬ ‫فوق الم�شاعـر‬ ‫واكتب في الدفاتـر‬ ‫�أن الوردة للعا�شقين‬ ‫تموت في يد ال�ساحر‬ ‫***‬

‫* �شاعر وقا�ص من المغرب‪.‬‬

‫‪88‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫�أيها الكمان الغالي‬ ‫�سي�س�ألك عني الأهالي‬ ‫ال تقل مات ال�شاعـر‬ ‫ال تقل اغتيل ال�شاعـر‬ ‫قل‪ :‬ال�شاعر يرقد هناك‬ ‫ومن كفيه تولد الزنابق‬ ‫ومن ماء عينيه‬ ‫تروى الحدائق‬ ‫�سي�س�ألونك عن ق�صيدتي‬ ‫وق�صيدة كل العرب‬ ‫ال تقل احترقت الق�صيدة‬ ‫ال تقل ماتت بموتي الق�صيدة‬ ‫بل �سقطت من بين �أ�صابعكم‬ ‫كما �سقطت البنـادق‬ ‫وقل لأمي التي تبكي‬ ‫تحت �شرفة القمـر‬ ‫وت�س�أل من غير لون ال�سماء؟‬ ‫من �سرق نجوم الم�ساء؟‬ ‫قل لأمي‬ ‫ابنك يقرئك ال�سالم‬ ‫ابنك العا�شق البطل‬ ‫ما يزال الهواء برئتيه‬ ‫ي�صفـر تبا �أبي لهب‬ ‫وما تزال الق�صيدة خنجرا‬ ‫تذبح‪ ..‬عنق �أبي لهـب‪..‬‬

‫الزهراني‬ ‫طاهر الزهراني‬ ‫الروائي طاهر‬ ‫الروائي‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫مقاطع من ق�صيدة عا�شـق الكمـان‬

‫حر�صت على �إج���راء ه��ذا ال��ح��وار مع �أب��رز الأ�سماء الروائية ال�شابة في ال�ساحة‬ ‫ال�سعودية‪ ،‬ط��اه��ر ال��زه��ران��ي‪ ،‬ال���ذي �أ���ص��در مجموعة م��ن ال��رواي��ات ال��ت��ي ت��دل على‬ ‫حر�صه المبكر لقراءة واقعه‪ ،‬وخلقِ ف�ضا ٍء حقيقي ل�صوته الذي رافقه منذ الطفولة‬ ‫�إلى مرحلة التكوين والإب��داع‪�« .. ،‬أطفال ال�سبيل»‪ ،‬هذا عنوان روايته الأخيرة‪ ،‬التي‬ ‫توثّق تميز طاهر الزهراني على عدة م�ستويات؛ ك�إن�سان‪ ،‬وروائي‪ ،‬و�شاهد‪ ،‬بكل �أعين‬ ‫�أبطال روايته و�أ�صواتهم‪ ،!..‬ومن خالل �إجابته على �س�ؤالي عن ما تحتويه مكتبته‪،‬‬ ‫اقتربت من عالمه‪�( :‬أنا والوالد «حفظه اهلل» ن�شترك في مكتبة واحدة‪ ،‬تحوي جميع‬ ‫الفنون‪ ،‬دين‪ ،‬وتراث‪ ،‬و�أدب‪ ،‬و�أن�ساب‪ ،‬وفن‪ ،‬وطب‪ ،‬وفلك‪ ،‬وحيوان‪ ،‬ونباتات‪ ،‬ومو�سوعات‬ ‫ووثائق‪ ،‬وحجج‪ ،‬ومجالت قديمة‪ :‬العرب‪ ،‬العربية‪ ،‬العربي‪ ،‬قافلة الزيت‪ ،‬جرائد منذ‬ ‫‪� 50‬سنة‪...‬الخ‪� ،‬أحاول قدر الإمكان �أن ال �أ�ضم �إلى مكتبتي كتابا رديئا!)‪ ..‬هذه الأ�سطر‬ ‫تقودنا �إلى حوار جريء‪..‬‬ ‫■ حاوره ‪ -‬عمر بوقا�سم‬

‫الم�س�ألة ال عالقة لها بتاريخ‬ ‫● ●«ال �أحد يمكن �أن يلغي عوامل الت�أثير‬ ‫الذي تركته الرواية العربية؛ ولكني‬ ‫�أرى �أن ه��ن��اك م��ا ه��و �أك��ب��ر و�أخ��ط��ر‪،‬‬ ‫وهو المغامرة غير المح�سوبة للكثير‬ ‫م��ن ال��ك�� ّت��اب‪ ..‬وبخا�صة جيل م��ا بعد‬ ‫عام ‪2000‬م‪ ،‬فهو جيل يكتب من دون‬ ‫م��رج��ع��ي��ة وا����ض���ح���ة‪ ،‬د َف���� َع���� ُه الإع��ل��ام‪،‬‬ ‫و�شجّ عته دور الن�شر العربية الربحية‬

‫�أك����ث����ر م����ن الإي�����م�����ان ب��ق��ي��م��ة ال��ن�����ص‬ ‫ال��روائ��ي‪ .‬فظهرت �أع��م��ال م�ستفزة‪..‬‬ ‫يبحث �أ�صحابها عن �شهرة �أكثر من‬ ‫ت�����س��ج��ي��ل ا����س���م �أدب������ي‪ ،‬والإ����س���ه���ام في‬ ‫ت��ح�����س��ي��ن ب��ي��ئ��ة ال��ن�����ص��و���ص ال��روائ��ي��ة‬ ‫جمالياً وفكرياً» هذا ما قاله الدكتور‬ ‫ال���ن���اق���د ح�����س��ن ال��ن��ع��م��ي ف���ي �إح����دى‬ ‫ح���وارات���ه‪ .. ،‬ط��اه��ر ال��زه��ران��ي‪ ،‬و�أن��ت‬ ‫�أح��د الروائيين ال�سعوديين ال�شباب‪،‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪89‬‬


‫‪90‬‬

‫هل تتفق مع ما ذهب �إليه الدكتور النعمي‬ ‫�أم لكلمتك اتجاه �آخر؟‬ ‫‪ρ ρ‬في البداية كنت مهوو�سا بقراءة هذا الفن‪،‬‬ ‫في المرحلة المتو�سطة بد�أت اقر�أ الروايات‬ ‫‪ρ ρ‬نعم؛ هناك بع�ض مَ ن كتب على هذه ال�شاكلة‪،‬‬ ‫الكال�سيكية‪� ،‬أحببت الأدب ال��رو��س��ي‪ ،‬ثم‬ ‫وهناك مَ ��ن كتب وت�ج��اوز الجيل القديم‪..‬‬ ‫الفرن�سي‪ ،‬ث��م الأورب� ��ي‪ ،‬ث��م �أدب �أمريكا‬ ‫تجاوزهم فني ًا وم�ضموناً؛ والدليل �أن هناك‬ ‫الجنوبية‪ ،‬ول��م اق ��ر�أ ال��رواي��ة العربية �إال‬ ‫�أع �م��اال روائ �ي��ة � �ص��درت بعد ع��ام ‪2000‬م‬ ‫م�ؤخراً‪.‬‬ ‫مميزة ونا�ضجة‪ ،‬وت�ستحق الإ�شادة‪ .‬وكما �أن‬ ‫هناك روايات �ضعيفة ومثيرة لل�شفقة كتبها‬ ‫ث��م كانت الكتابة؛ ك��ل م��ا كتبته ه��و مجرد‬ ‫الجيل القديم‪ ،‬فكذلك الأمر بالن�سبة للجيل‬ ‫محاوالت متفاوتة‪ ،‬و�أزعم �أني �أ�شعر بتطور‬ ‫الجديد‪ ..‬الم�س�ألة ال عالقة لها بتاريخ‪ ،‬وال‬ ‫م��ع ك��ل تجربة؛ فالكتابة موهبة و�صنعة‪،‬‬ ‫بجيل دون �آخر‪ ..‬الأمر يعود على مدى وعي‬ ‫ت�صقل بكثرة الكتابة والممار�سة‪ ،‬و�أتوقع �أن‬ ‫الكاتب بالفن‪ ،‬والتراكم المعرفي‪ ،‬وكذلك‬ ‫القارئ هو الوحيد ال��ذي ي�ستطيع �أن يقيّم‬ ‫التجارب الحياتية التي تلعب دور ًا بارز ًا في‬ ‫التجربة‪ ،‬ف�أنا دوري ينتهي بمجرد �إر�سال‬ ‫ن�ضج الكاتب‪.‬‬ ‫المخطوطة �إلى النا�شر‪.‬‬ ‫�أن يغامر الإن�سان ويكتب‪ ،‬هو �أم��ر �صحي ● ●هل لنا �أن نتعرف على محتوى مكتبتك؟‬ ‫مهما ك��ان مق�صده‪� ،‬أم��ا بالن�سبة للقيمة‬ ‫‪�ρ ρ‬أن���ا وال��وال��د حفظه اهلل ن�شترك ف��ي مكتبة‬ ‫والجودة فالزمن كفيل بالغربلة‪ ،‬و�سيبقى‬ ‫واح��دة‪ ،‬تحوي جميع الفنون‪ ،‬دي��ن‪ ،‬وت��راث‪،‬‬ ‫الجيد‪.‬‬ ‫و�أدب‪ ،‬و�أن�ساب‪ ،‬وفن‪ ،‬وطب‪،‬‬ ‫�أ�شعر بتطور مع كل‬ ‫وجود الناقد �ضروري جدا‪،‬‬ ‫وف�ل��ك‪ ،‬وح �ي��وان‪ ،‬ونباتات‪،‬‬ ‫تجربة‬ ‫و�صحي جداً‪ ،‬لكنه �شبه معدوم ومو�سوعات ووثائق‪ ،‬وحجج‪،‬‬ ‫● ●«ج������ان������ج������ي» رواي����������ة‪ ،‬عندنا‪ ،‬مقارنة بدول عربية وم �ج�لات ق��دي�م��ة‪ :‬ال�ع��رب‪،‬‬ ‫�أخرى‬ ‫العربية‪ ،‬العربي الكويتية‪،‬‬ ‫‪2007‬م‪« ،‬نحو الجنوب‬ ‫قافلة ال��زي��ت‪ ،‬ج��رائ��د منذ‬ ‫«رواية‪2010 ،‬م‪�« ،‬أطفال‬ ‫�أحببت الأدب الرو�سي‪ ،‬ثم‬ ‫ال���������س����ب����ي����ل»‪ ،‬رواي���������ة‪ ،‬الفرن�سي‪ ،‬ثم الأوربي‪ ،‬ثم �أدب خم�سين �سنة‪...‬الخ‪� ،‬أحاول‬ ‫قدر الإمكان �أن ال �أُدخل �إلى‬ ‫�أمريكا الجنوبية‪ ،‬ولم اقر�أ‬ ‫‪2013‬م‪« ،‬ال�����ص��ن��دق��ة»‬ ‫م���ج���م���وع���ة ق�����ص�����ص��ي��ة الرواية العربية �إال م�ؤخراً‪ .‬مكتبتي كتابا رديئا!‬ ‫« ‪2010‬م‪ .‬ه��ل ل��ك �أن‬ ‫ورغ � ��م � �ش �غ �ف��ي ال �� �ش��دي��د‬ ‫�أحب �أن �أجمع الروايات ثم‬ ‫تر�صد لنا �أ�سطرا عن �أوزعها على المقاهي‪ ،‬والأماكن ب ��ال ��رواي ��ات‪� ،‬إال �أن �ن��ي ال‬ ‫م�������ش���وارك م����ع ك��ت��اب��ة‬ ‫�أقتني �إال ذاك النوع الذي‬ ‫العامة‪ ،‬الروايات هي �أفكار‬ ‫الرواية‪ ،‬ن�ستطيع من‬ ‫يجعلني �أعيد قراءته‪ ،‬مثل‬ ‫وتجارب ينبغي تدويرها‬ ‫خاللها ال��ت��ع��رف على‬ ‫دون ك �ي �خ��وت��ه‪ ،‬ورواي� ��ات‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫د�ستويف�سكي‪ ،‬ومك�سيم غ��ورك��ي‪ ،‬وبع�ض‬ ‫ال��رواي��ات العربية التي �أح��ب‪ ..‬وه��ي قليلة‬ ‫الرواية ديوان الع�صر‬ ‫ج��دا‪� .‬أح��ب �أن �أجمع ال��رواي��ات ثم �أوزعها‬ ‫على المقاهي‪ ،‬والأماكن العامة‪ ،‬الروايات ● ●م��ن ال��وا���ض��ح ت��وج��ه ال��ك��ث��ي��ر م��ن الأ���س��م��اء‬ ‫في ال�سعودية لكتابة الرواية في ال�سنوات‬ ‫هي �أفكار وتجارب ينبغي تدويرها‪ ،‬فالرواية‬ ‫الأخيرة‪ ،‬هل لهذا التوجه تف�سير لديك؟‬ ‫التي ال تتوقع �أنك �ستقر�ؤها مرة �أخرى حتى‬ ‫و�إن كانت جميلة‪ ،‬ينبغي �أن تناولها لغيرك‪ρ ρ ،‬قبلها ك��ان ال�شعر‪ ،‬وق�ب��ل ال�شعر الق�صة‬ ‫ثم لآخرين‪ ،‬وهكذا‪.‬‬ ‫الق�صيرة‪ ،‬والآن ال��رواي��ة‪� ،‬إل��ى درج��ة �أن‬ ‫�أحدهم ذكر �أن الرواية ديوان الع�صر‪ ،‬في‬ ‫هناك �أن��ا���س متخ�ص�صون لهذا النوع من‬ ‫الكتابة!‬ ‫النهاية هي قوالب يختار‬ ‫● ●وم������اذا ع���ن ت��ج��رب��ت��ك كل الروايات التي تتحدث عن ال� �م� �ب ��دع ال� �ق ��ال ��ب ال���ذي‬ ‫ف��ي ك��ت��اب��ة ال�سيناريو الثورات وكانت محورها‪ ،‬كانت ينا�سبه‪ ،‬والعبرة بالجمال‪.‬‬ ‫ال�سينمائي‪� ،‬أذك��ر �أنك مجرد «�سلق بي�ض» ومحاوالت‬ ‫الم�شكلة هو ان�سياق هذه‬ ‫للتنمر وال�صراخ‬ ‫ذك����رت ���ش��ي��ئ��ا ف���ي ه��ذا‬ ‫الأ�سماء لمواقع التوا�صل‬ ‫االتجاه؟‬ ‫�أحب �أن �أتذوق ال�شعر‪ ،‬خا�صة االج� �ت� �م ��اع ��ي‪ ،‬وم � ��ن ث��م‬ ‫‪ρ ρ‬ل ��ي ث �ل�اث م� �ح ��اوالت ذلك النوع خفيف اللغة‪ ،‬عظيم ان�شغال المبدع �شاعر ًا كان‬ ‫المعنى‪ ،‬ي�سحرك بمو�سيقاه‬ ‫�أو ق��ا��ص� ًا ب�ه��ذا ال�ضجيج‬ ‫ف ��ا�� �ش� �ل ��ة‪ ،‬وال �أف� �ك ��ر‬ ‫المن�سابة دون تكلف‪!..‬‬ ‫ال��ذي يخبو �سريع ًا ويخبو‬ ‫�أن �أج�� � � � ��رب م� ��رة‬ ‫معه العمر من دون �أن ي�شعر‬ ‫�أخ� ��رى‪ ،‬ه�ن��اك �أن��ا���س‬ ‫هناك �أنا�س متخ�ص�صون‬ ‫متخ�ص�صون في هذا لكتابة ال�سيناريو ال�سينمائي‪ ،‬ال�شخ�ص ب �ه��ذه الأوق���ات‬ ‫ال� �ن ��وع م ��ن ال �ك �ت��اب��ة‪ ،‬المبدع ينبغي �أن يعمل على ما التي تهدر‪� ،‬إذا لم ينتبه لها‬ ‫المبدع �سوف ي�سرق �أعظم‬ ‫ال� �م� �ب ��دع ي �ن �ب �غ��ي �أن‬ ‫يح�سنه‬ ‫م��ا ي�م�ل�ك��ه‪� ،‬أه���م هاج�س‬ ‫يعمل على ما يح�سنه‪،‬‬ ‫وي �ن �ت �ه��ي دوره ع�ن��د‬ ‫في حياة المبدع �أن يكون‬ ‫اكتمال عمله‪ ،‬كون �أن الن�ص يعجب مخرج ًا‬ ‫م�شروعه الإبداعي ن�صب عينيه‪.‬‬ ‫ما �أو �شركة منتجة‪ ،‬ف�أت�صور �أن المبدع ال‬ ‫�ستكون لها ظالل وانعكا�سات على‬ ‫ب��د �أن يكون خ��ارج ال��دائ��رة‪ ،‬لأن ال�صورة‬ ‫الأعمال الإبداعية‬ ‫الن�صية لي�ست كال�صورة ال�سينمائية‪ ،‬كل‬ ‫عالم مختلف عن الآخ��ر تماماً‪ ،‬والمخرج ● ●ك���ي���ف ت�����رى �أث������ر ال���ت���غ���ي���رات ال�����س��ي��ا���س��ي��ة‬ ‫واالقت�صادية التي ي�شهدها العالم العربي‪،‬‬ ‫ربما يخرج عمله ب��ر�ؤي��ة مختلفة عن ر�ؤي��ة‬ ‫على �شكل وم�ضمون الخطاب الإبداعي؟‬ ‫الروائي والقا�ص‪ ،‬وهذا بالن�سبة لي �أمر رائع‬ ‫وثري جداً؛ الإبداع والفن عظمته في التجدد ‪ρ ρ‬نحن الآن ف��ي ح��ال��ة مخا�ض فظيعة‪ ،‬وال‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫عالَم الروائي طاهر الزهراني؟‬

‫والتفرد ولي�س في التكرار‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪91‬‬


‫�أت�صور �أنها �ستغير‪ ..‬و�إنما �ستكون لها ظالل‬ ‫وانعكا�سات على الأع�م��ال الإب��داع�ي��ة فيما‬ ‫بعد‪ ،‬هذا �إذا عرف الأدي��ب مهمته‪.‬المبدع‬ ‫ال يوثق وال ننتظر منه ت�صريحات ومواقف‬ ‫�سيا�سية وتحليالت اقت�صادية في ثنايا العمل‬ ‫الإبداعي‪ ،‬الأدب حالة �إن�سانية‪� ،‬إذا ابتعد‬ ‫الأديب عن هذه الحالة ت�شوّه‪.‬‬ ‫وال مانع �أن ي�صدح المثقف بموقفه‪ ..‬لكن خارج‬ ‫الن�ص الإبداعي‪ ،‬وبع�ض المبدعين الكبار يمرر‬ ‫موقفه بذكاء من دون �أن يجرح الن�ص‪.‬‬ ‫لهذا كل ال��رواي��ات التي تتحدث عن الثورات‬ ‫وك��ان��ت محورها‪ ،‬كانت مجرد «�سلق بي�ض»‬ ‫عالم الأدب الموثق‪ ،‬هل تجد هذا االنت�شار‬ ‫وم�ح��اوالت للتنمر وال�صراخ؛ لكن انظر �إلى‬ ‫ل��م��ث��ل ه�����ذه ال����م����واق����ع‪ ،‬ظ����اه����رة ���ص��ح��ي��ة‬ ‫ثالثية نجيب محفوظ كيف نجح هذا العمالق‪،‬‬ ‫للإبداع؟‬ ‫في جعل محورها الإن�سان‪ ،‬في وقت تمر فيه‬ ‫م�صر بثورات وق�ضايا م�صيرية‪� ،‬إال �أن هذا ‪«ρ ρ‬ج�سد الثقافة» وق�سم الق�صة الق�صيرة‬ ‫تحديد ًا هو الموقع الوحيد ال��ذي ا�ستفدت‬ ‫المبدع عرف كيف يتناول الفنان ق�ضاياه‪.‬‬ ‫م�ن��ه ف��ي ��ص�ق��ل ت�ج��رب�ت��ي ف��ي ف��ن الق�صة‬ ‫«ج�سد الثقافة»‪ ..‬هو الموقع الوحيد‬ ‫ال�ق���ص�ي��رة‪ ،‬وال�ق���ص�ي��رة ج� ��داً‪ ،‬و�أع �ت��رف‬ ‫الذي �أهتم به‬ ‫بهذا‪ ،‬ولقد ا�ستفدت منه ب�شكل كبير جداً‪،‬‬ ‫وبخا�صة من مالحظات الأ�صدقاء والزمالء‬ ‫● ●ان��ت�����ش��رت ع��ل��ى ال��ن��ت م���واق���ع‪ ،‬ت��دع��ي �أن��ه��ا‬ ‫ه�ن��اك‪ ،‬وق��د كانت ك��ل ق�ص�ص مجموعتي‬ ‫الحا�ضنة للتجارب الإب��داع��ي��ة ال�شبابية‪،‬‬ ‫الق�ص�صية «ال�صندقة» ن�صو�صا ن�شرتها في‬ ‫وك�أنها تلزمهم بالح�ضور كبوابة لدخول‬ ‫الج�سد قبل خروجها بين دفتي كتاب‪ ,‬وبال‬ ‫�شك كانت ظاهرة �صحية جداً‪ ،‬لم تعد الآن‬ ‫حا�ضرة بقوة‪.‬‬

‫وج��ود الناقد �ضروري ج��دا‪ ،‬و�صحي جداً‪،‬‬ ‫لكنه �شبه معدوم عندنا‪ ،‬مقارنة بدول عربية‬ ‫�أخرى؛ فعلى �سبيل المثال هناك ملتقى في‬ ‫عمان يقام �سنوي ًا لقراءة كل النتاج ال�سردي‬ ‫المحلي‪ ،‬لماذا ال نقيم مثل هذه الملتقيات‬ ‫ب��د ًال م��ن �إق��ام��ة ملتقيات م�شرقة ومغربة‬ ‫ومكررة ومدورة‪..‬‬ ‫● ●الغريب عندما ت�سمع مَ��ن يقول‪« :‬لي�ست‬ ‫وظيفة الناقد متابعة النتاج»؛ �إذاً‪ ،‬ما هي‬ ‫وظيفته؟!‬ ‫‪ρ ρ‬لنقل �أن الناقد لي�س ملزم ًا بمتابعة النتاج‪،‬‬ ‫ماذا عن الأعمال الجيدة والمميزة؟ حتى‬ ‫الأعمال الجيدة يهملها النقاد‪.‬‬

‫● ●�أي���ن ال�شعر م��ن اه��ت��م��ام��ات��ك‪ ،‬وه��ل ت�ؤمن‬ ‫بمبد�أ التخ�ص�ص؟‬ ‫قراءة ال�شعر محطة �إذا تعبت من المطوالت‪،‬‬ ‫�أح��ب �أن �أت��ذوق ال�شعر‪ ،‬خا�صة ذلك النوع‬ ‫خفيف ال�ل�غ��ة‪ ،‬عظيم ال��م��ع��ن��ى‪ ،‬ي�سحرك‬ ‫بمو�سيقاه المن�سابة دون تكلف‪..‬‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫‪ρ ρ‬ال�ن�ق��اد م��ع اح�ت��رام��ي ال�شديد ل��م يقوموا‬ ‫ب��دوره��م ف��ي ال�ساحة‪ ،‬وف��ي ال��وق��ت نف�سه‬ ‫يت�ضجرون م��ن �سوء النتاج‪ ،‬وه��ذا ال�سوء‬ ‫�سببه ع��دم ق��ي��ام ال��ن��اق��د ب��واج��ب��ه‪ ،‬فيظن‬ ‫الكاتب بنف�سه خيرا‪ ،‬فنبتلى بكمٍّ هائل من‬ ‫النتاج لم يتعر�ض للنقد!‬

‫�أحب �أن �أتذوق ال�شعر‬

‫ال �أ�ؤمن بالتخ�ص�ص‪ ،‬لكن ال�شاعر ال ينبغي‬ ‫له �إال �أن يكون �شاعراً‪.‬‬ ‫م�شغول بمر�ض والدي‬ ‫● ●وماذا عن جديدك؟‬ ‫‪ρ ρ‬ال جديد من حيث الكتابة‪ ،‬م�شغول بمر�ض‬ ‫ال��وال��د وم��راف�ق�ت��ه‪� ،‬أح ��اول �أن �أح ��رز حال‬ ‫ال���ص�ح��و ق�ص�صه وح�ك��اي��ات��ه وم��روي��ات��ه‪،‬‬ ‫وق�صائده التي ينقلها لنا بانت�شاء‪ ،‬ومخزونه‬ ‫الهائل من المواقف والأحداث والذكريات‪،‬‬ ‫وخا�صة المروي منها وغير ال�م��دون‪ ،‬و�إذا‬ ‫وجدت وقت ًا �أفزع للقراءة‪.‬‬

‫النقاد لم يقوموا بدورهم في ال�ساحة‬

‫والده في المكتبة‬

‫‪92‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫● ●حين ذهبنا �إلى �سوق جدة القديم �أنا و�أنت‪،‬‬ ‫طبعاً‪ ،‬تحدثنا كثيرا ‪� ..‬أذكر �أن لديك ر�أي‬ ‫ف��ي النقد على الم�ستوى العربي ‪ ..‬كيف‬ ‫تقيّم ال�ساحة النقدية ال�سعودية مقارنة‬ ‫بال�ساحات العربية؟‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪93‬‬


‫ال�شاعر الفل�سطيني‬

‫مو�سى حوامده‬ ‫عنوانه الريح و�ساللته المطر‪..‬‬ ‫■ حاوره يف عمان‪ :‬عمار اجلنيدي‬

‫يميل ال�شاعر الفل�سطيني مو�سى حوامده �إلى �أن‪« :‬ال�شاعر الذي يكتب الق�صيدة‪،‬‬ ‫وهو ينتظر اعترافا‪ ً،‬لن يحقق معنى ال�شعر‪ ،‬ولو �أني �أملك الإجابة عن �س�ؤال ال�شعر‬ ‫لتوقفت عن كتابة ال�شعر»‪ .‬ويرى مدير تحرير الدائرة الثقافية في جريدة الد�ستور‬ ‫الأردنية �أن ال�صحافة م�صدر رزقه‪ ،‬لكن ال�شعر يحميه من انحطاط الروح‪ ،‬وال يجب‬ ‫على ال�صحافة �أن تهيمن على ال�شعر‪..‬‬ ‫ال�شاعر مو�سى ح��وام��ده‪� ،‬صاحب ال��دواوي��ن ال�شعرية‪�« :‬شجري �أع��ل��ى»‪ ،‬و«�أ�سفار‬ ‫مو�سى العهد الأخير»‪ ،‬و«من جهة البحر»‪ ،‬و«�ساللتي الريح وعنواني المطر»‪ ،‬و«موتى‬ ‫يجرون ال�سماء»؛ وهي الق�صيدة التي ح�صلت على جائزتين فرن�سيتين عام ‪2006‬م‪،‬‬ ‫وهما جائزة م�ؤ�س�سة �أورياني الثقافية الفرن�سية في مدينة نان�سي‪ ،‬وجائزة البلوم من‬ ‫مهرجان تيرانوفا ال�شعري‪ ،‬كما ح�صل على جائزة المهاجر اال�سترالية لل�شعر عام‬ ‫‪2011‬م‪ .‬وترجمت بع�ض ق�صائده �إلى الفرن�سية‪ ،‬والإنجليزية‪ ،‬والألمانية‪ ،‬والكردية‪،‬‬ ‫والتركية‪ ،‬والرومانية‪ ،‬وال�سويدية‪ ،‬وغيرها‪.‬‬ ‫عن ال�شعر وهمومه‪ ،‬كان للجوبة مع ال�شاعر مو�سى حوامده هذا الحوار‪:‬‬

‫‪94‬‬

‫عن �س�ؤال ال�شعر لتوقفت عن كتابة ال�شعر‪،‬‬ ‫ال�شعر �ضرورة‪..‬‬ ‫�أعترف؛ ولو �أن كل �شاعر‪ ،‬طرح على نف�سه‬ ‫كل ما قيل محاوالت لتف�سير �سر غام�ض‪،‬‬ ‫�س�ؤال ال�شعر‪ ،‬الكت�شف �إن كان يميل �إلى‬ ‫يدفع ال��روح للق�صيدة‪ ،‬وي��وم��ئ للمعنى‪ ،‬جهة الحكيم العاقل �أفالطون‪ ،‬الذي طرد‬ ‫بعيد ًا عن الم�ألوف‪ ،‬ولو �أني �أملك الإجابة كثيرا من ال�شعراء من مدينته الفا�ضلة‪� ،‬أم‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫و�إذا تجاوزنا كل النقود والتحاليل والآراء‬ ‫القديمة والحديثة التي قيلت في تعريف ال�شعر‬ ‫وماهيته‪ ،‬ف�إن ال�شعر ال ينتظر ح�سن ًة من �أحد‬ ‫للتعريف �أو للإعتراف بوجوده و�ضرورته؛ هو‬ ‫موجود‪ ،‬كالوجود ذات��ه‪ ،‬وكل يوم يولد �شعراء‬ ‫جدد‪ .‬وال يتوقف ال�شاعر قبل التلعثم بق�صيدته‪،‬‬ ‫لي�س�أل نف�سه (لماذا ال�شعر؟)‪ ،‬كما �أن الع�صافير‬ ‫ال تتوقف عن التغريد‪ ،‬وال ت�س�أل نف�سها لماذا‬ ‫تغرد‪ ،‬وال ت�س�أل الأزهار نف�سها لماذا ينبعث منها‬ ‫ال�شذى للوجود‪ .‬وحين تتوقف ال�شم�س لتعرف‬ ‫معنى ال�ن�ه��ار‪ ،‬ق��د يجل�س (��ش��اع��ر) مهجو�س‬ ‫بالتحاليل وال�شروحات المدر�سية‪ ،‬ليف�سر هذا‬ ‫ال�س�ؤال القائم منذ �آالف ال�سنين‪.‬‬

‫لذا‪ ،‬فال�شعر لي�س �ضروريا للجماد‪ ،‬والموتى‪،‬‬ ‫لكنه ��ض��روري لكل زه��رة تتفتح‪ ،‬ولكل مولود‬ ‫يهبط‪ ،‬ول�ك��ل فل�سفة �أو فكر يبحث ف��ي رق��يّ‬ ‫الإن�سان‪ ،‬ويرفعه من الطين‪� ،‬إل��ى ال��ذرى‪ ،‬من‬ ‫الرماد �إل��ى ال�شرفات‪ ،‬ي�سمو ال�شعر بالحياة‪،‬‬ ‫ومن دونه يتحول الب�شر �إلى كائنات تبحث عن‬ ‫الغذاء‪ ،‬والتنا�سل البيولوجي‪.‬‬

‫ك��ل م��ن ي�ح��اول تبرير وج��ود ال�شعر؛ حتم ًا‬ ‫�سيف�شل؛ فال�شعر قائم وباق وم�ستمر‪ ،‬حتى لو‬ ‫ت�أثر وتراجع دوره‪ ،‬لأ�سباب اجتماعية‪� ،‬أو ب�سبب‬ ‫�شيوع ال��رواي��ة‪� ،‬أو العلم ال�ح��دي��ث‪� ،‬أو ب�سبب‬

‫لكن ال �إجابة �شافية توفي ال�شعر حقه‪ ،‬وال‬ ‫منطق ناجزاً‪ ،‬يفي �س�ؤال (لماذا ال�شعر؟) حقه‪،‬‬ ‫ول��و وج��د ه��ذا المنطق‪ ،‬لما ك��ان هناك �شعر‪،‬‬ ‫ولتحوّل «ال�شعراء» �إلى مهند�سيّ كلمات‪ ..‬كلمات‬ ‫بال روح‪ :‬مثل برامج الحا�سوب الجامدة‪.‬‬

‫�س�ؤال ال�شعر‪..‬‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫�إلى جهة الفيل�سوف المتمرد �أر�سطو الذي �أعطى‬ ‫ال�شعر حقه ومكانته‪.‬‬

‫و�سائل التكنولوجيا‪ ،‬فلن يتبخر من الوجود‪،‬‬ ‫ويك َُّف عن دوره المبهم‪ ،‬البتعاد كثير من النا�س‬ ‫عنه‪ .‬وال�شاعر الذي يكتب الق�صيدة‪ ،‬وهو ينتظر‬ ‫اعتراف ًا لن يحقق معنى ال�شعر‪ .‬ال��ذي يتوقف‬ ‫على الآخرين في تعريف نف�سه‪ ،‬لأن��ه بب�ساطة‬ ‫فوق العادية‪ ،‬وهو قبل الوجود‪ ،‬كما قال هيدغر‪..‬‬ ‫وقبل الكينونة‪ ،‬وقبل الكلمات‪ ،‬وف��ي ن�سغ كل‬ ‫خيال‪ ،‬وفي قلب كل بذرة وبحيرة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪95‬‬


‫‪96‬‬

‫ال حاجة لل�شاعر‬ ‫�إل��ى ف�ضيلة �أخ��رى‪،‬‬ ‫�أن تكون �شاعر ًا يعني‬ ‫�أن ت�ت�ج��رع وح ��دك‪،‬‬ ‫ح� ��� �س ��رة ال� ��وج� ��ود‪،‬‬ ‫خ��ط��اي��ا ال �م�لائ �ك��ة‬ ‫قبل الب�شر‪ ،‬ع�صيان‬ ‫ال � �م� ��اء ف� ��ي ق�ب���ض��ة‬ ‫لكل ق�صيدة طريقة والدة‪..‬‬ ‫البحر‪ ،‬ولك �أن تتحمل رع�شة الكون في ج�سد‬ ‫ال طقو�س للق�صيدة م�ح��ددة‪ ،‬ك��ل ق�صيدة‬ ‫الحروف والأنغام وال�صور‪.‬‬ ‫تفر�ض طق�سها‪ ،‬وط��ري�ق��ة والدت �ه��ا وت�أثيرها‬ ‫�أن تكون ��ش��اع��ر ًا يعني �أال تكون ع��ادي� ًا �أو و�أثرها‪ ،‬بع�ض الق�صائد تحب الفنادق الفخمة‪،‬‬ ‫ا�ستن�ساخ ًا �أو تكراراً‪� ،‬أو �صدى لغيرك‪ ،‬ال تابعا �أو بع�ضها تخرج من كوخ �شبه فارغ‪� ،‬أو من بيت �شبه‬ ‫ملحقاً‪ ،‬رديئ ًا ال تكون‪ ،‬حتى لو كنت بوم خراب‪ ،‬معدم‪ ،‬بع�ضها تحب �أن ي�سبقها‪ ،‬موكب �سلطاني‪،‬‬ ‫�أو غراب ًا ينعق لته�شيم الكون والحلم‪ ،‬فكن كما بع�ضها تحب الت�سلّل كل�ص خفيّ ‪ ،‬بع�ضها تهطل‬ ‫تريد الق�صيدة‪ ،‬ولكن �إياك �أال تكون نار ًا تتطاير كرذاذ ناعم‪ ،‬وبع�ضها تتفجر كبركان‪� ،‬أو زلزال‬ ‫من تلقاء ذاتك‪.‬‬ ‫ي�صيب عظام الروح‪ ،‬ويهزها من جذورها‪ ،‬ثم‬ ‫�أن تكون ��ش��اع��ر ًا يعني �أن ت��واك��ب �إطاللة يتركها ال كما كانت‪ ،‬بل ك�أنها ن�شء جديد!‬ ‫ال�شم�س‪ ،‬وت�سبح في ملكوت المجرات‪ ،‬وتباهي‬ ‫في كل م��رة �أكت�شف طق�س ًا ج��دي��داً‪ ،‬وحالة‬ ‫الالمرئي‪ ،‬بح�صة الكبريت الم�شتعل‪.‬‬ ‫جديدة‪ ،‬وطريقة تح�ضير‪ ،‬وتهيئة مختلفة‪ ،‬لي�س‬ ‫و�أن تكون �شاعر ًا يعني �أن تنال من زرقة لأني باحث عن اختالف‪� ،‬أو تغيير وفذلكة‪ ،‬بل‬ ‫ال�سماء‪ ،‬وخ�صوبة الحقول‪ ،‬و�ضحكات الأطفال‪ ،‬لأن الق�صيدة تفعل فعلها بي‪ ،‬قبل تكوُّن بذرتها‬ ‫ورجرجة الإ�سفنج الليّن‪ ،‬ورق�صة الأ�سماك‪ ،‬في الأول���ى‪ ،‬وقبل تخلقها‪ ،‬ولحظة ال���والدة‪ ،‬تحدد‬ ‫�أعماق العتمة‪ ،‬ونباهة النجوم في التقاط بريق ه��ي طريقة والدت �ه��ا‪ ،‬و�شكل جنينها‪ ،‬و�آث ��اره‪،‬‬ ‫ال�شم�س في و�ضح ال�شهوات‪ ..‬يعني �أن تحلق في ومالمحه‪ ،‬وقوة �سحره‪� ،‬أو بهوت وجهه‪.‬‬ ‫تعاويذ القبائل‪ ،‬وتمزق حجب البالدة‪ ،‬وال تتردد‬ ‫أترك كلماتي تمار�س حرّ يتها‪..‬‬ ‫� ُ‬ ‫في ت�سليم نف�سك‪ ،‬لالمرئي‪ ،‬والالمتوقع‪ ،‬ال‬ ‫تخف من جالدي الحياة‪ ،‬وبياعي المرارة‪.‬‬ ‫ك��ل م��ول��ود‪ ،‬ي�شق طريقه وح��ده‪ ،‬وال �أحب�س‬ ‫الق�صيدة وردة في ملكوت ال�شعر‪ ،‬حبة قمح �ساللتي في نمط محدد‪ ،‬ليخرج الوليد كما تخرج‬ ‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫�أهمية الثقل الح�ضاري للغة‪..‬‬ ‫حين ي�صل �شعره للعالم‪ ،‬قد ي�صبح ال�شاعر‬ ‫عالمياً‪ ،‬وال يعني ف��وز �شاعر ع��رب��ي بجائزة‬ ‫�أوروبية �أو غربية �أن��ه �أ�صبح عالمياً؛ العالمية‬ ‫مختلفة كثيرا عن ق�صة الجوائز‪ ،‬فربما يكون‬ ‫ال�شاعر عالمي ًا ولم يفز ب�أي جائزة‪ ،‬هذا الأمر‬ ‫لي�س له عالقة بالعالمية‪ ،‬لكن ال�شاعر الذي‬ ‫يفكر ب�أن ي�صبح عالمي ًا لي�س عالمياً‪ .‬الم�سار‬ ‫مختلف كلياً‪ ،‬هناك �شعراء عالميون مثل ر�سول‬ ‫ح�م��زات��وف‪ ،‬ك� َّر���س ك��ل كتاباته لبلده ال�صغير‬ ‫داغ�ستان‪ ،‬وباللغة الآف��اري��ة‪ ،‬التي ال يتحدث‬ ‫بها �سوى عدد قليل من الب�شر‪ ،‬ال يزيدون على‬ ‫المليون ن�سمة‪ ،‬و��ص��ار عالميا‪ ،‬ومثله لوركا‪،‬‬ ‫وناظم حكمت‪ ،‬وبابلو نيرودا‪ ،‬ال ينت�شر ال�شاعر‬ ‫برغبته في العالمية‪ ،‬هذا الأمر له عالقة بالثقل‬ ‫الح�ضاري للغة التي يمثلها ال�شاعر‪ ،‬وبالثقل‬ ‫ال�سيا�سي والثقافي الذي يمثله بلده �أو �أمته‪.‬‬

‫الجنيات‪ ،‬من ج�سد الم�سكون والموهوم‪ ،‬مالي‬ ‫�أنا بالعوار�ض والأ�سباب والنتائج‪ ،‬حر ًة �أتركُ‬ ‫الكلمات‪ ،‬وهي تنوح �أو ترق�ص‪ ،‬كما ت�شاء‪ ،‬تولد‬ ‫�أو تختفي كما تحب‪ ،‬وما على ال�شاعر �إال المثول‪،‬‬ ‫وما على الطقو�س �إال تو�ضيب نف�سها‪ ،‬كما يليق‬ ‫بمثول المريدين في ح�ضرة �صاحب الطق�س‪.‬‬

‫ال�شاعر العالمي يحمل �ألم ًا �أممياً‪،‬‬

‫�ساللتي الريح عنواني المطر‪..‬‬

‫ووجع ًا �إن�سانياً‪..‬‬

‫‪ρ ρ‬ف����ازت ق�����ص��ي��دة (���س�لال��ت��ي ال��ري��ح ع��ن��وان��ي‬ ‫ال��م��ط��ر) ب��ج��ائ��زة «الب���ل���وم» م��ن م��ه��رج��ان‬ ‫تيرانوفا الفرن�سي‪ ،‬والجائزة الكبرى من‬ ‫م�ؤ�س�سة �أوري���ان���ي الفرن�سية ع��ام ‪2006‬م‪،‬‬ ‫وف��ي ع��ام ‪2011‬م ف��ازت المجموعة نف�سها‬ ‫التي �صدرت عام ‪2007‬م عن دار ال�شروق في‬ ‫عمان‪ ،‬وعن الهيئة العامة لق�صور الثقافة‬ ‫ف��ي م�����ص��ر‪ ،‬وع���ن وزارة ال��ث��ق��اف��ة الأردن��ي��ة‬ ‫�ضمن م�شروع مكتبة الأ���س��رة لعام ‪2014‬م‬

‫نعم؛ وكلما ات�سعت الر�ؤيا وغمر الكونَ بنوره‬ ‫وكلماته وب�ساطته‪ ،‬ق��د يكون ال�شاعر عالميا‬ ‫وه��و في قرية منعزلة‪� ،‬أو لغة �شبه منقر�ضة؛‬ ‫هناك فرق بين العالمية واالنت�شار‪ ..‬العالمية؛‬ ‫�أن تح�س ب�آالم العالم والب�شر جميعاً‪� ،‬أن يكون‬ ‫�ألمك �أممياً‪ ،‬ووجعك �إن�سانيا‪� ،‬أال تكون �ضيق‬ ‫الأف ��ق‪� ،‬ضيق الحلم‪ ،‬متع�صب ًا لأي �شكل من‬ ‫�أ�شكال الع�صبية‪ .‬و�أن تخلق �أ�سلوب ًا جمالي ًا فريد ُا‬ ‫للتعبير والكتابة‪ ،‬والأدب عموماً‪ ،‬ال يجب �أن‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫�أن تكون �شاعر ًا‬ ‫يعني �أال تكون‬ ‫عادياً‪..‬‬

‫تنمو في �سهوب الغيب؛ تتكاثر حبات القمح‪،‬‬ ‫وتزداد الخ�ضرة‪ ،‬والحبات تتكاثر‪ ،‬وتتحول �إلى‬ ‫�سبع �سنوات من الخ�صب‪ ،‬وبيادر من ال�شغف‪..‬‬ ‫وحين تجف الق�صيدة‪ ،‬تجف ال�سهول‪ ،‬تفرغ‬ ‫ال�صوامع من قمحها‪ ،‬وتهزل �سنوات الحلم‪،‬‬ ‫فالق�صيدة ح�ل��م يمتد ح�ت��ى ي�شمل ال��وج��ود‬ ‫كله‪ ،‬منذ بدء الأه��زوج��ة‪ ،‬والترويدة والأمومة‬ ‫وال���ص�ب��اب��ة‪ ،‬وح�ت��ى م���ش��ارف ال�ط�ي��ب‪ ،‬و�شجر‬ ‫الخاطر الذي يثمر كلما منحته ال�شم�س دفئها‪،‬‬ ‫والماء ليونته و�شهوته‪.‬‬

‫بجائزة المهاجر لل�شعر في �أ�ستراليا‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪97‬‬


‫الق�صيدة بالتحديد‪ ،‬وال�شعر على وجه‬ ‫الخ�صو�ص‪ ،‬هو روح الطبيعة والكون‪ ،‬قبل �أن‬ ‫يكون روح الإن�سان نف�سه‪ .‬وال�شاعر قبل ال�شعر‬ ‫ويح�س‬ ‫ّ‬ ‫هو �إن�سان يت�ألم ويفرح ويت�أمل ويتخيّل‬ ‫وي���ش�ع��ر‪ ،‬وال���ش�ع��ر م��ن دون ال�ح����س الإن���س��ان��ي‬ ‫لي�س �شعراً؛ ول��ذا‪ ،‬من ال�سهل �أن تجد ال��ذات‬ ‫ف��ي الق�صيدة‪ ،‬وال�شعر ال��ذي يخلو م��ن ذات‬ ‫�صاحبه‪ ،‬ربما يكون مفتعالً‪ .‬من هنا‪ ،‬ال بد �أن‬ ‫تن�سكب �إن�سانية ال�شاعر ف��ي ق�صائده‪ ،‬قبل‬

‫حتى تكون الق�صيدة �أكثر �شاعرية‪..‬‬

‫الجوائز ‪ ،‬حتى لو هطلت على ال�شاعر‬ ‫كالمطر‬

‫ربما ي�ضيف الفوز بجائزة �أدبية عالمية ميزة‬ ‫�أو �سبب ًا ي�ساعد في التعريف بنتاجك الإبداعي‪،‬‬ ‫قد يلفت النظر �إلى هذا النتاج‪ ،‬و�إلى وجودك‪،‬‬ ‫وربما ال ي�شكل �شيئ ُا في الو�سط الثقافي العربي‪،‬‬ ‫لأن العرب ال يت�أثرون بالجوائز‪ ،‬وال يتحم�سون‬ ‫للكتب وال�ك�ت��اب‪ ،‬ف�لا يقومون بمتابعة �شاعر‬ ‫ال�شعر ال يحب النمطية‪..‬‬ ‫�أو روائ��ي ب�سبب خبر فوز هنا �أو هناك‪ ،‬بل قد‬ ‫تحدث ردة فعل عك�سية‪ ،‬فيقال �أنه يلبي �شروط‬ ‫ت�أخذك الق�صيدة �إل��ى ما بعد الواقع‪ ،‬و�إن‬ ‫الغرب‪ ،‬وال ي�ستحق القراءة‪� ،‬أو لأي �سبب �آخر‪ ،‬ت�شبثْتَ بالأر�ضي‪ ،‬وحِ ��دْ تَ عن مالحقة نب�ض‬ ‫ونحن نعي�ش في و�سط يمتلئ بالنميمة والإ�شاعة‪ ،‬ق�صيدتك وان �ط�لاق �ه��ا‪ ،‬ف �� �س �ت��راوح م�ك��ان��ك‪.‬‬ ‫وال ن�أخذ الأ�شياء على محمل الجد‪.‬‬ ‫وم�شكلتي دائماً‪ ،‬تكمن بين ال�شعري والواقعي‪،‬‬ ‫لكن ال �ف��وز و�إ��ش�ك��االت��ه وتبعاته ال ي�ضيف حتى في الحياة؛ فال�شعر ال يحب النمطية وال‬ ‫للق�صيدة �شيئاً‪ ،‬ق��د يُنبه لها‪� ،‬أو ي�شير على التقاليد؛ بينما المجتمع يريدك نمط ًا محدد ًا‬ ‫�صاحبها‪ ،‬ولكنه ال ي�ؤثر في ماهية الق�صيدة‪ ،‬وقالب ًا تقليدي ًا معروفاً‪ .‬ولذا‪ ،‬يتمزق ال�شاعر بين‬ ‫�أو �شاعرية ال�شاعر‪ ،‬ال��ذي �أراه بعيد ًا عن كل ال�شعر والمجتمع‪� ،‬إن هو ا�ست�سلم للواقع‪ ،‬ابتعد‬ ‫الجوائز‪ ،‬حتى لو هطلت عليه كالمطر‪.‬‬ ‫�شط معها ن�أى عن المعروف‬ ‫عن الق�صيدة‪ ،‬و�إن َّ‬ ‫وال�سهل وال ُمتّبع‪.‬‬ ‫ال�شعر؛ هو روح الطبيعة والكون‪..‬‬

‫‪98‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫�شخ�صي ًا �أعطي الق�صيدة حقها‪ ،‬لي�س وقت‬ ‫الكتابة‪ ،‬ولكن قبل الكتابة‪ ،‬وخاللها‪ ،‬ال �أزعم �أني‬ ‫�أعي�ش طيلة اليوم‪ ،‬من خاللها ومعها‪ ،‬و�إال �صرت‬ ‫مجنوناً‪ ،‬لكن هي مراوحة ومزاوجة‪ ،‬وكلما �أخذتني‬ ‫الق�صيدة بعيد ًا كان �أف�ضل‪ ،‬و�أمتع و�أكثر �شاعرية‪.‬‬ ‫الق�صيدة‪� :‬شقاوة ال�شاعر‪..‬‬ ‫الق�صيدة �شقاوتي نف�سها‪ ،‬وبدونهما‪ ،‬ال �أكون‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫يعرف الحدود‪ ،‬والأقاليم والع�صبية �أو الطائفية‬ ‫�أو حتى القومية ال�ضيقة‪.‬‬

‫ح�ضوره وانت�شاره؛ و�إن كان ال يهتم ب�أي �شكل من‬ ‫االنت�شار‪ ،‬فعليه �أن يكون نف�سه‪ ،‬قبل كل �شيء‪� ،‬أن‬ ‫يكتب ذاته وانفعاالته و�أحا�سي�سه وخياالته ور�ؤاه‪،‬‬ ‫و�أن يكون قادر ًا على بث روحه في �شعره‪ ،‬وربما‬ ‫هناك من يخفي هذه الروح‪ ،‬عن ق�صد وحرفة‪،‬‬ ‫وله في ذلك مق�صد‪ ،‬وهناك من يعجز عن بثها‬ ‫و�إبرازها في ن�صو�صه‪ .‬وهنا‪ ،‬يتوقف الأمر على‬ ‫�شكل �آخر من ال�شعر‪ ،‬ربما يكون ال�شعر الدرامي‬ ‫�أو الم�سرحي؛ ومع ذلك حتى �شك�سبير لم ي�ستطع‬ ‫�إغفال روحه بعيد ًا عن حواراته الم�سرحية‪.‬‬

‫�أن��ا‪ ،‬فالق�صيدة الرزينة ال تمثلني‪ ،‬بل تغريني‬ ‫الخفة والطي�ش‪ ،‬ومماحكة ال��وج��ود‪ ،‬والعبث‬ ‫بالثوابت والراكد؛ ول�ست ممن يبحثون عن جدية‬ ‫�شعرية‪ ،‬ت�شبه جدية �أب��ي العتاهية‪� ،‬أو محمود‬ ‫�سامي ال�ب��اردوي‪ ،‬و�إن كانت الق�صيدة نف�سها‬ ‫على �شقاوتها وطي�شها؛ تذهب عميق ًا في خد�ش‬ ‫الوجود‪ ،‬وقلب الثوابت والم�ستقرات‪ ،‬وال �أعمد‬ ‫�إل��ى ربطها‪ ،‬ب�أوتاد العقل‪ ،‬فالعقل والق�صيدة‬ ‫لي�سا رفيقين �أبداً‪.‬‬ ‫ال�شعر �أعطاني الكثير‪ ،‬ولم ي�أخذ حقه‬ ‫مني بعد‪..‬‬ ‫ال�شعر محيط وا�سع‪ ،‬وتراكماته التاريخية‬ ‫وال�ك��ون�ي��ة‪ ،‬لي�س لها ح ��دود‪ ،‬وم��ن الع�سير �أن‬ ‫ي�سكب �شاعر مهما ك��ان‪ ،‬نهر ًا �أو حتى ج��دوالً‪،‬‬ ‫في ه��ذا الأرخبيل المتالطم‪ ،‬ربما ير�ش وجه‬ ‫البحر ببع�ض ال��رذاذ‪ ،‬وهيهات �أن يكلف البحر‬ ‫نف�سه عناء الإحتفاء بقطرات من الرذاذ الذي‬ ‫ي�صيبه‪ ،‬ولكن ال�شعر هو من �أعطاني‪ ،‬ولم ي�أخذ‬ ‫حقه مني‪� ،‬أو بع�ض حقه‪ ،‬منحني ‪-‬قبل الكلمات‬ ‫والعرو�ض والأوزان والمو�سيقى وااليقاع‪ -‬روحه‪،‬‬ ‫فبتُّ �أفكر بطريقته‪ ،‬ات�أمل وفق نظريته التي ال‬ ‫تعتمد منهج ًا علمي ًا محدداً‪� ،‬أو طريقة للت�أمل‬ ‫وال�ت�ن��اول؛ �سكن ف��ي روح��ي‪ ،‬وح �رّك �أجنحتي‪،‬‬ ‫كما ي�شاء‪ ..‬ودائما �أطيع حرائقه‪ ،‬وال �أتلك�أ في‬ ‫تلبية ندائه‪ ،‬وال �أفكر لحظةً‪ ،‬فيما �سيمنحني‪،‬‬ ‫و�أمنحه‪ ،‬وال يعنيني‪� ،‬إن تركتُ على وجهه ندبة‪،‬‬ ‫�أو حفرت كو ًة في ج��داره‪� ،‬أو قب�ضت موجة من‬ ‫ما�ض هو‬ ‫مائه‪ ،‬ال اتفاق وال تواط�ؤ بيني وبينه‪ٍ ،‬‬ ‫في كبريائه‪ ،‬وما�ض �أنا في فلكه وع�شقه‪ ،‬ال �أدرك‬ ‫الم�ستقر‪ ،‬وال �أ�سعى لمعراج‪ ،‬بل �أورثني القلق‪،‬‬ ‫وعدم الركون‪ ،‬وعدم اليقين‪ ،‬وال �أن�صاع ل�سواه‪.‬‬

‫ال �أقبل العي�ش �صعلوكاً‪..‬‬ ‫حين كانت ال�صحافة م�صدر رزق �أخذتني‬ ‫من الكتابة‪ ،‬وحين �صارت الكتابة ج��زء ًا من‬ ‫وجودي‪� ،‬صرت �أعطيها ما �أ�ؤمن به‪ ،‬وما تعلمته‬ ‫من الق�صيدة‪ .‬حين �أخ�ضع ل�شروط المهنة‪،‬‬ ‫تت�ضرر الق�صيدة‪ ،‬وحين تعلو قامتها‪ ،‬تت�ضرر‬ ‫ال�صحافة؛ هما نقي�ضان‪ ،‬رب�م��ا يلتقيان في‬ ‫مرحلة مبكرة من العمر‪ ،‬ولكن النفور واجب‬ ‫ومطلوب‪ ،‬و�إال هيمنت الأول ��ى على الأخ�ي��رة‪،‬‬ ‫وفر�ضت عليها رداءت �ه��ا‪ ،‬ل��ذا دائ�م��ا �أح ��اول‪،‬‬ ‫حماية نف�سي من �آثارها ال�سلبية‪ ،‬ولكنني مدين‬ ‫لها‪� ،‬أعني لل�صحافة‪ ،‬بم�صدر الرزق‪ ،‬فال�شعر‬ ‫وحده ال ي�شتري خبز ًا ولبا�ساً‪ ،‬وال يدفع فواتير‬ ‫العي�ش‪ ،‬لكنه يحمي من انحطاط ال��روح‪ ،‬حين‬ ‫تتوافر البديهات ومقومات الحياة الكريمة‪،‬‬ ‫ويعلو ب�صاحبه �إل��ى ال�سمو‪ ،‬ويدفع كلماته �إلى‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪99‬‬


‫ يمكن القول بثقة؛ �إن هناك تجارب عربية‬‫و�صلت‪ ،‬لأ��س�ب��اب لي�ست �شعرية‪ ،‬ومنها هذا‬ ‫االفتعال الجهوي‪ ،‬الذي ي�ضخّ في بع�ض الأ�سماء‬ ‫لأ�سباب �إقليمية‪ ،‬ولكن هناك ت�ج��ارب ت�صل‬ ‫لأ�سباب �شعرية‪ ،‬وال عالقة لها بالإقليم‪ ،‬لكن هذه‬ ‫التق�سيمات‪ ،‬ال ي�أخذها ال�شعر بعين االعتبار‪ ،‬وال‬ ‫يعنيه موطن ال�شاعر‪� ،‬أو م�سقط ر�أ�سه‪ ،‬بل تعنيه‬ ‫ال�سويّة ال�شعرية التي تتحقق عند القراءة‪� ،‬أو‬ ‫«لذة الن�ص» كما ي�سميها (روالن بارت)‪ .‬وكي ال‬ ‫نتوا�ضع �أرى �أن هناك �أ�سماء‪ ،‬كر�ست في العالم‬ ‫العربي ب�سبب الجغرافيا والأح��زاب والأنظمة‪،‬‬ ‫ولكنها لم ت�ضف لل�شعر �شيئاً؛ من هنا ال �أبحث‬ ‫عن ب�صمة لتق�سيم‪ ،‬ال �أواف��ق عليه‪ ،‬و�أظ��ن �أن‬ ‫الق�صيدة التي ت�ستحق المتابعة‪ ،‬تلك التي ال‬ ‫تكتب‪ ،‬وفق �إقليم �أو م�ؤ�س�سة �أو رقعة جغرافية‪،‬‬ ‫�أو حقبة زمنية‪ ،‬كما يقول حميد �سعيد في كتابه‬ ‫ب��رزخ ��س��اح��ر‪ ،‬يقي العقل م��ن عطب الدنيا‪ ،‬الجديد عن ال�شعر‪.‬‬ ‫الح�س‪ .‬لكني ال �أتكىء عليه‬ ‫وخمول العقل وبالدة ّ‬ ‫حتى ال تهبط الق�صيدة بروح ال�شاعر‪..‬‬ ‫بدي ًال عن العمل‪ ،‬وال �أقبل العي�ش �صعلوكاً‪� ،‬أو‬ ‫ بال�ضرورة �أن يرتقي ال�شاعر �أوالً‪� ،‬إل��ى‬‫عال ًة عليه‪ ،‬مدعي�أ �إخال�صي له‪ .‬وبال�ضرورة �أن‬ ‫م�ستوى الق�صيدة الحديثة‪ ،‬وبال�ضرورة �أن يرتقي‬ ‫ي�ستفيد الطرفان من بع�ضهما‪ ،‬وتكمن المهارة‬ ‫الجمهور بذائقته‪ ،‬و�أن يحرر نف�سه و�أذنيه من‬ ‫هنا‪ ،‬في عدم ر�ضوخ الإبداع لمتطلبات العمل‪ ،‬رداءة الم�سموعات وال�شفاهية التي راكمت طبقات‬ ‫وتدنّي م�ستواه‪ ،‬بل في �ضخ روح المبدع في ج�سد من الت�شوّهات في ذائقة القراء والمهتمين؛ ومن‬ ‫ال�صحافة‪� ،‬إن ت�سنّى ذلك‪.‬‬ ‫ال�ضروري �أن تتحرّر اللغة المكتوبة والمقروءة‪،‬‬ ‫من ديكتاتورية المتلقي‪ ،‬ونفوذ المنابر و�سلطنة‬ ‫لغة ال�شعر‪..‬‬ ‫العرّابين‪ ،‬ولذا يجب �أن تتفجر الق�صيدة‪ ،‬في وجه‬ ‫ال�شعر في لغته له وطن واحد‪ ،‬هو اللغة التي متلقيها‪ ،‬كما تتفجر من قبل بين يدي من�شئها‪،‬‬ ‫يُكتب بها‪ ،‬ونحن نكتب باللغة العربية‪ ،‬وهي وحين ي�صبح التو�سّ ل م�سار ًا للعالقة بين ال�شاعر‬ ‫ب��دوره��ا ت�ستفيد حتى م��ن �آداب العالم كله‪ ،‬والجمهور‪ ،‬تتحول الق�صيدة �إلى بيان �شعبي �أو‬ ‫هناك من ّ‬ ‫يو�ضب نظريات نقدية على مقا�سات خطاب �سيا�سي‪� ،‬أو كتاب ا�ستدعاء ُم��ذل يهبط‬ ‫بروح ال�شاعر �إلى الح�ضي�ض‪.‬‬ ‫�سايك�س بيكو‪ ،‬لكني ال �أتقن ذلك‪.‬‬

‫‪ 100‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫ مرهون لخراب العالم‪ ،‬هو ال�شاعر‪ ،‬ولي�س‬‫مرهونا ال�صالح عطب ال��ري��ح‪ ،‬و��ص��د�أ الماء‪،‬‬ ‫على نوافذ البيت‪ ،‬وال�شاعر الذي ين�سى الكون‪،‬‬ ‫ويتوقف عند عتبات منزله‪� ،‬سيتحول �إلى مجرد‬

‫ج��دي��دة‪ ،‬لن �أعمل عليها �إال بعد الإنتهاء من‬ ‫(�سيرة �أب��ي)‪ ،‬والتي ب��د�أت العمل عليها منذ‬ ‫وفاته عام ‪2003‬م‪ ،‬وتهت فيها‪ ،‬لكني اهتديت‬ ‫هذا العام �إلى خطة عمل‪ ،‬لإكمالها‪.‬‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫ال�شعر الأردني وب�صماته‪..‬‬

‫كاتب مهنة‪ ،‬يريد تحويل الكتابة �إل��ى حرفة‬ ‫الجمهور لي�س �ضرورة مطلقة‪..‬‬ ‫ �صحيح �أن ال�ج�م�ه��ور � �ض��روري للكتابة اقت�صادية‪ ،‬تد ُّر عليه دخ ًال جيداً‪ ،‬يناف�س دخل‬‫الحرفيين‪.‬‬ ‫وللق�صيدة‪ ،‬ولكنه لي�س ال���ض��رورة المطلقة‬ ‫ال �أطلبُ �أن يترك ال�شاعر بيته لينهار‪ ،‬ب�إمكانه‬ ‫والأول��ى‪ ،‬لتكوّنها ونموها وفرادتها‪ ،‬وكثير من‬ ‫الجماهير تجافي ال�ح��داث��ة‪ ،‬فهل نر�ضخ لها �أن يدعم �سقفه بطاقته ال�شعرية‪ ،‬و�أن يحمي‬ ‫لننال �إعجابها؟ �أ�سا�سا عملية الت�صفيق التي جدرانه بالذهاب ال�صالح عطب الكون بطريقته‬ ‫ينتظرها ال�شاعر‪ ،‬وه��و يلقي ق�صيدته ت�شبه ال�شعرية‪ ،‬وحين يتراجع للنظر في داخل كفه‪،‬‬ ‫ذاك ال�شاعر المتك�سب الذي كان يقف مادح ًا لن يتخطى طاقة قراء الكف‪ ،‬وفناجين القهوة‪،‬‬ ‫�أحد الوالة والحكام بانتظار الأعطية‪ .‬كل �شاعر بينما طاقته على الر�ؤيا‪ ،‬تتجاوز قدرات ال�سحرة‬ ‫ينتظر الأعطية‪ ،‬لي�س جدير ًا ب�سماء الق�صيدة‪ ،‬والم�شعوذين؛ فلماذا يقلل من �ش�أن نف�سه‪� ،‬إال‬ ‫�إذا كان �أق��ل من ق�صيدته‪ ،‬و�أكثر حر�ص ًا على‬ ‫وال �أر�ضها وتربتها الحمراء‪.‬‬ ‫النمطية من جنون ال�شعر‪ ،‬و�شطط الق�صيدة‬ ‫مهمّة ال�شعر‪..‬‬ ‫و�شطحها‪.‬‬ ‫ال �� �ش �ع��ر ل�ي����س ��س�ج�لا ي��وم �ي��ا ل�ل��أح��داث‬‫�سيرة �أبي‪..‬‬ ‫واليوميات‪ ،‬و�إن كان بع�ضهم يريد �أن يحوله �إلى‬ ‫ ف��ي ب��داي��ة ه��ذا ال�ع��ام ‪2013‬م‪� ،‬أ��ص��درت‬‫دفتر مذكرات‪� ،‬أو �شعرنة تفا�صيل‪ ،‬بال�شكل الذي‬ ‫تكتب فيه اليوم‪ ،‬فال �أظن �أن مهمة ال�شعر �سرد الهيئة الم�صرية ال�ع��ام��ة للكتاب م�شكورة‪،‬‬ ‫الحياة ب�شكلها الواقعي‪ ،‬بل مهمة ال�شعر كما مجموعتي ال�شعرية «م��وت��ى ي�ج��رون ال�سماء»‬ ‫يرى �أر�سطو �أبعد من الواقع واليومي‪ ،‬و�أعمق �ضمن �سل�سلة �إب��داع عربي‪ ،‬وقد �أع��ادت وزارة‬ ‫و�أكثر ت�أثير ًا من التاريخ‪ ،‬وال�شاعر الذي يهتم الثقافة الأردنية طباعة «�ساللتي الريح عنواني‬ ‫بكتابة تفا�صيل حياته اليومية �شعراً‪ ،‬تحت مظلة ال�م�ط��ر»‪� ،‬ضمن م�شروع مكتبة الأ� �س��رة لعام‬ ‫اليومي والتفا�صيل بعيدا عن روح الق�صيدة‪2014 ،‬م‪ ،‬وكانت هذه المجموعة قد �صدرت عام‬ ‫‪2007‬م في عمان ورام اهلل‪ ،‬عن دار ال�شروق‪،‬‬ ‫�سيكت�شف �أنه يكتب يوميات‪ ،‬ال ق�صائد‪ ،‬وحتى‬ ‫و�أعادت هيئة ق�صور الثقافة الم�صرية طباعتها‬ ‫لو �صفق له بع�ضهم‪ ،‬وامتدح �إنجازه الذي ي�شبه‬ ‫عام ‪2010‬م‪ ،‬حينما كان ي�شرف عليها الروائي‬ ‫لَيَّ عنق الغيمة‪ ،‬لت�صبح نارجيلة تنفث الدخان‪.‬‬ ‫الراحل �إبراهيم �أ�صالن‪.‬‬ ‫ال�شاعر حينما يكون �أقل من ق�صيدته‪..‬‬ ‫حالي ًا تراكمت لديّ ق�صائد ت�شكل مجموعة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪101‬‬


‫■ حاورته‪� :‬سمر زكي من القاهرة‬

‫ل��ق��ا�ؤن��ا م��ع ال��ن��حّ ��ات و�أ���س��ت��اذ ال��ن��ح��ت‪�:‬أ‪.‬د‪ /‬علي ال�صهبي ك��ان ل��ق��اء ط��وي�لا ات�سم‬ ‫بالحيويّة‪ ،‬فحياته الفنية تتفرع �إلى فرعين؛ الأول �أكاديمي يت�صل بالحياة الجامعية‪،‬‬ ‫وعمل الأب��ح��اث‪ ،‬وح�ضور الم�ؤتمرات‪ ،‬والإ���ش��راف على الر�سائل الجامعية؛ والثاني‬ ‫ممار�سة النحت في مجال خا�ص‪ ..‬هو النحت الملون؛ ما جعل الحوار يتوزع بين‬ ‫محاولة تنظيرية �سهلة مب�سطة عن فن النحت‪ ،‬والنحت الملون‪ ،‬وتوظيف اللون في‬ ‫النحت ب�شكل خا�ص‪ ،‬ثم خ�صو�صية هذا التوظيف في �أعماله النحتية‪ ،‬وكذلك معالجة‬ ‫ق�ضايا تخ�ص الفن الت�شكيلي ب�صفة عامة‪ ،‬والنحت ب�صفة خا�صة‪ :‬ك��دور ال�صنعة‪،‬‬ ‫و�إ�شكاليات تلقي الفنون الت�شكيلية في الوطن العربي‪� ..‬إلخ‪.‬‬ ‫تت�ضمن �أعماله النحت الملون بنوعيه التمثيلي والالتمثيلي‪ ،‬وقد �أقام العديد‬ ‫من المعار�ض الخا�صة (الفردية)‪� ،‬إ�ضافة �إلى ا�شتراكه في بع�ض المعار�ض العامة‪،‬‬ ‫وع��دده��ا (‪ )27‬معر�ضً ا‪ .‬ل��ه العديد م��ن الأب��ح��اث العلمية المتعلقة بمجال النحت‬ ‫الحديث والنحت المعا�صر‪ ،‬ونال العديد من الجوائز‪.‬‬ ‫● ●ما مفهوم النحت الملون؟ وم��ا الفرق‬ ‫بين فن النحت وفن النحت الملون؟‬ ‫‪�ρ ρ‬أ�ستطيع �أن �أق��ول في البداية �إن��ه لي�س‬ ‫هناك ل��ون يفتر�ض‪-‬من حيث المبد�أ‪-‬‬ ‫ا�ستعماله في فن النحت ب�صفة عامة‪،‬‬ ‫ولكن يمكننا القول �إنه لي�س هناك �شكل‬ ‫من دون لون‪ ،‬ولي�س هناك لون من دون‬ ‫��ش�ك��ل‪ ..‬وق��د يمكننا تتبع ال�شكل حتى‬ ‫�أ��س��ا��س��ه‪ ،‬وه��و �أث��ر القوانين الطبيعية‬ ‫والملم�س ال�سطحي‪ ،‬لمثل هذه الأ�شكال‬ ‫النحتية الملونة‪.‬‬ ‫وقد عرف فن النحت منذ فجر التاريخ‬

‫‪ 102‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫ت��وظ�ي��ف ال �ل��ون‪� ،‬إم ��ا لأغ��را���ض رم��زي��ة‬ ‫�أو ل�م�ح��اك��اة ال ��واق ��ع‪ ،‬وه ��ذه الحقيقة‬ ‫تت�ضح دائمًا في بقايا الأعمال النحتية‬ ‫للح�ضارات ال�سابقة‪ .‬وبالرغم من �أن‬ ‫فن النحت في ع�صر النه�ضة قد قدم‬ ‫�إن �ج��ازات �إب��داع�ي��ة‪ ،‬لم تحقق من قبل‪،‬‬ ‫وه��ي التي ر�أى فيها كثير م��ن م�ؤرخي‬ ‫الفن �إن �ج��ازات ت�صل �إل��ى حد الإعجاز‬ ‫الإبداعي‪ ،‬ف�إن تلك الفترة لم يكن لها �أي‬ ‫دور يذكر في النحت الملون �إال في اتجاه‬ ‫بع�ض النحاتين �إلى الأعمال البرونزية‪.‬‬ ‫وب � ��إع� ��ادة درا�� �س ��ة ال �ف �ن��ون ال�ق��دي�م��ة‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫حوار مع النحات‪� :‬أ‪ .‬د‪ .‬علي ال�صهبي‬

‫والبدائية‪ ..‬اكت�شف النحاتون والفنانون �أن تلك الفنون‬ ‫امتلكت ق��درًا �أك�ث��ر على التعبير م��ن الفنون الأكاديمية‬ ‫الم�ستمدة من التقاليد الإغريقية الرومانية‪ ،‬والمعتمدة‬ ‫على تقاليد ع�صر النه�ضة الأوربية‪ ،‬الأمر الذي �أثمر عن‬ ‫اكت�شاف النحات الحديث كيفية توظيف اللون للتعبير عن‬ ‫م�شاعره وانفعاالته بطرق م�ستقلة ومبا�شرة‪.‬‬ ‫كما ارتبط التلوين في هذا الع�صر الحديث بالتقدم العلمي‬ ‫والتكنولوجي �سواء كان في خ�صائ�ص الألوان �أو فيما تعك�سه‬ ‫على ال�شكل من تعبير‪� ،‬أو في الخامات الم�صنوعة التي لم‬ ‫تكن موجودة من قبل مثل البال�ستيك واللدائن وغيرها‪،‬‬ ‫وهذا معناه ثورة فعالة في �إمكانات فن النحت‪.‬‬ ‫● ●ما توظيف اللون في النحت؟‬ ‫‪ρ ρ‬يظهر توظيف اللون في النحت الحديث والمعا�صر‪ ،‬ك�إحدى‬ ‫ظواهر التعبير العري�ضة‪� ،‬إذ ي�ستخدم النحات اللون كجانب‬ ‫تركيبي في ال�شكل النحتي‪ ..‬لما له من قدرة على �إحداث‬ ‫ت�أثيرات مختلفة على العنا�صر الت�شكيلية المتعددة لل�شكل‬ ‫النحتي‪ ،‬بغر�ض الو�صول �إلى قيم جمالية‪ ،‬وكنقظة حيوية‬ ‫للتجديد‪.‬‬ ‫وي�ستخدم النحات كذلك اللون كجانب تعبيري في ال�شكل‬ ‫النحتي‪ ،‬لما له من قدرة على �إ�ضفاء تعبيرات مختلفة‪ ،‬ذات‬ ‫معانٍ ودالالت على الت�شكيل النحتي وبنائه‪ ،‬وذل��ك ك�أحد‬ ‫الحلول الت�شكيلية والتعبيرية للأ�شكال النحتية الملونة‪.‬‬ ‫● ●ك��ي تت�ضح ال��ر�ؤي��ة ل��ل��ق��ارئ �أك��ث��ر‪ ،‬ن�س�ألك م��ا ع�لاق��ة فن‬ ‫النحت باللون؟‬ ‫‪ρ ρ‬في البداية‪� ،‬إذا نظرنا �إلى فن النحت‪ ،‬نجد �أنه يت�ضمن كل‬ ‫التمثيالت في النحت الثنائي الأبعاد والنحت الثالثي الأبعاد‬ ‫المج�سم‪ .‬وهناك طريقتان في فن النحت؛ الأولى‪ ،‬عن طريق‬ ‫الت�شكيل النحتي بمعنى الإ�ضافة �إل��ى ال�شكل من خامات‬ ‫لينة قابلة للت�شكيل‪ ،‬مثل‪ :‬الطين الأ�سواني �أو ال�صل�صال �أو‬ ‫البال�ست�سين‪ ،‬ثم يقوم النحات بعمل قالب لعمله النحتي‪،‬‬ ‫وبعد ذلك يقوم ب�صب مواد �صلبة داخل القالب النحتي‪ ،‬مثل‬ ‫الجب�س‪� .‬أما الطريقة الثانية‪ ،‬فتكون بقيام الفنان بالحذف‬ ‫من ال�شكل في الخامات ال�صلبة‪ ،‬مثل‪ :‬الخ�شب‪ ،‬والرخام‪،‬‬

‫�أمل ‪ -‬بول�ستر ملون‬

‫اعتزاز‪ -‬خامة البرونز‬

‫البحث عن طريق‪ -‬بول�ستر ملون‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪103‬‬


‫انتظار‪ -‬خامة البرونز‬

‫انزالق ‪ -‬بول�ستر ملون‬ ‫‪ 104‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫التواء‪ -‬بول�ستر ملون‬

‫والحجر‪� ..‬إلخ‪.‬‬ ‫وفي هاتين الطريقتين‪� ،‬إما �أن يتقبل النحات اللون الطبيعي‬ ‫للخامة؛ فيحافظ عليها وي�صقلها وين�شر عليها ال�صبغات‬ ‫لإبراز ال�شكل‪� ،‬أو ال يتقبل اللون الطبيعي للخامة؛ في�ستخدم‬ ‫اللون‪ ،‬الذي يغير من ال�صفات الظاهرية للخامة‪ ،‬ويجعلها‬ ‫متباينة عن الأ�صل الذي كانت عليه؛ �إذ‪ ،‬ي�صبح اللون هو‬ ‫الملم�س‪ ،‬ما يي�سر على النحات اتباع هذا الأ�سلوب التوظيفي‬ ‫للون �أن ي�صيغ ت�شكيالته المبتكرة بحرية تامة من دون‬ ‫التقيد بال�صفات الأ�صلية للخامة الم�ستخدمة؛ م�ستفيدًا من‬ ‫هذا الأ�سلوب في تجريد ال�شكل من �صفات الخامة‪ ،‬وتحريره‬ ‫منها ب�صفة تكاد تكون تامة؛ الأمر الذي لم يكن بمقدروه �أن‬ ‫يتحقق في تاريخ الفن كله لوال اكت�شاف �أثر ظاهرة توظيف‬ ‫اللون في الت�شكيالت النحتية المعا�صرة واال�ستفادة منها‪.‬‬ ‫● ●حدثنا عن ا�ستخدامك للون في �أعمالك النحتية الملونة؟‬ ‫‪ρ ρ‬وظفت في �أعمالي اللون‪ ،‬نظر ًا لقدرته على التحكم في‬ ‫ال�صفات الظاهرية للخامة‪ ،‬لي�صبح اللون هو الملم�س بدال‬ ‫من �سطح الخامة‪ ،‬ما يتيح �صياغة ت�شكيالت نحتية ملونة‪،‬‬ ‫وبحرية تامة ال تقيدها ال�صفات المعروفة م�سبقًا للخامة‬ ‫الم�ستخدمة‪.‬‬ ‫وفيما ي�ساعد توظيف اللون الواحد على �إ�ضفاء ال�شكل العام‬ ‫على العمل النحتي الملون‪ ،‬ومنحه وحدة في ال�شكل‪ ،‬ف�إن‬ ‫�إث��راء التكوين بدرجات مختلفة من اللون نف�سه يزيد من‬ ‫فاعلية هذا الربط الجمالي لعنا�صر الت�شكيل النحتي‪.‬‬ ‫�أما ا�ستخدام �أكثر من لون في �أعمالي النحتية الملونة في�ؤدي‬ ‫�إلى ف�صل العنا�صر التي يتكون منها التكوين‪ .‬وبو�سع اللون‪،‬‬ ‫أي�ضا‪ ،‬ف�صل تلك العنا�صر التي يتركب منها العمل �إلى الحد‬ ‫� ً‬ ‫الذي تبدو معه هذه العنا�صر وك�أنها وحدات م�ستقلة‪ ،‬وهو ما‬ ‫أي�ضا‪ ،‬الإفادة منه‪ ،‬وذلك بتعزيز تناق�ضات ال�شكل‬ ‫يمكن‪ً � ،‬‬ ‫بعمل تنافرات لونية متوازية من الألوان بدرجاتها المختلفة‪.‬‬ ‫كما يمكن الإفادة من الألوان لإبراز القيمة البعدية للألوان‬ ‫من حيث الت�أثير الأفقي للألوان المن�سوب �إلى الم�ؤثرات‬ ‫النظرية الب�صرية الم�ستخدمة في الت�صوير‪ ،‬فتبدو الأ�شياء‬ ‫البعيدة قريبة‪� ،‬أو العك�س‪.‬‬

‫كذلك ا�ستخدمت اللون في �أعمالي النحتية‬ ‫الملونة كقيمة تعبيرية ت�ساعد على �إبراز القوة‬ ‫التعبيرية للعمل النحتي الملون وت�أكيدها‪ ..‬من‬ ‫خالل ت�أثير اللون على كل من الكتلة والحجم‬ ‫أي�ضا على‬ ‫وال �ف��راغ النحتي؛ وه��و م��ا �ساعد � ً‬ ‫ا�ستخدامي ل�ل��ون ك��ام�ت��داد للقوة التعبيرية‬ ‫لل�شكل والحجم والفراغ‪.‬‬ ‫الفنان علي ال�صهبي وتكريمه في معر�ض بورتريه‬ ‫و�سعيت في �أعمالي النحتية الملونة �إلى توظيف‬ ‫بالإ�سماعلية ‪2013‬م‬ ‫اللون لعمل ت�أثيرات ملم�سية متنوعة‪ ،‬للت�أكيد‬ ‫�أعمالك النحتية؟ و�أث��ر ال�ضوء والظل على‬ ‫على ال�سطح‪ ،‬و�إبراز الإح�سا�س بالظل وال�ضوء‬ ‫ر�ؤيتها؟‬ ‫على العمل النحتي الملون‪ ،‬ول��زي��ادة امتداد‬ ‫القوة التعبيرية لل�شكل الناتج‪.‬‬ ‫‪ρ ρ‬كان لتعدد الخامات النحتية الم�ستخدمة في‬ ‫النحت الملون‪ ،‬مثل‪( :‬الخ�شب‪ ،‬والنحا�س‪،‬‬ ‫أي�ضا‪ ،‬في �أعمالي من‬ ‫وكان ا�ستخدام اللون‪ً � ،‬‬ ‫والبولي�ستر ال�م�ل��ون‪ ،‬والبولي�ستر الممزوج‬ ‫�أجل تدعيم الإح�سا�س بالغرابة والغمو�ض في‬ ‫ب��الأل��وان)‪� ،‬أث��ره في تنوّع �أ�شكال الفراغ من‬ ‫الت�شكيل النحتي الملون‪.‬‬ ‫ناحية‪ ،‬وفي معالجة �سطوح الخامات من ناحية‬ ‫كما ا�ستخدمت اللون كنظام ريا�ضي �صارم‬ ‫�أخرى‪ ،‬وذلك لأن لكل خامة �إمكاناتها ال�شكلية‬ ‫بالأ�شكال النحتية المت�سل�سلة والملونة‪ ،‬وقد‬ ‫والتعبيرية‪ .‬ومن هنا‪ ،‬فقد ظهرت معالجات‬ ‫اع��ت��م��د ه���ذا ال��ن��ظ��ام ال��ري��ا���ض��ي ع��ل��ى ت�ك��رار‬ ‫خا�صة‪ ،‬انت�شرت على �سطح الخ�شب لتعميق‬ ‫الأ�شكال والألوان بن�سب ثابتة على هيئة متوالية‬ ‫خ�صائ�ص اللون الطبيعي �أو �إبرازها؛ وكذلك‬ ‫ريا�ضية تنبع من التفكير العقلي الريا�ضي‪،‬‬ ‫ف��إن ا�ستخدام النحا�س �شديد اللمعان ينتج‬ ‫وذل��ك بو�ضع قانون �أو نظام ريا�ضي يح�سب‬ ‫عنه انعكا�س ال�ضوء على �سطح العمل النحتي‪،‬‬ ‫ويتحكم من خالله في عالقة الجزء بالكل‬ ‫فيظهر بريق اللون ال��ذي ي�ساعد على وجود‬ ‫من حيث ال�شكل واللون‪ ،‬ويكون هذا النظام‬ ‫ت�أثير مزدوج لل�شكل الحقيقي والعاك�س‪� ،‬أ�ضيف‬ ‫بمثابة ع��ام��ل �أ��س��ا���س ل��وح��دة ال�ع�لاق��ات في‬ ‫�إل��ى ذل��ك �أن ا�ستخدام ال�ل��ون ف��ي الأ�شكال‬ ‫التكوين‪ ،‬وال تحيد عنه؛ �إذ تكون بمثابة خطوط‬ ‫النحتية بخامة البولي�ستر �سواء كان ذلك عن‬ ‫عمل مح�سوبة ت�سهم في حل م�شاكل التكوين‬ ‫طريق التلوين �أو مزج الألوان‪ ،‬ما يوحد العمل‬ ‫ريا�ضيًّا‪.‬‬ ‫النحتي‪ ،‬كما ي�ؤكد على ال�سطح الداخلي لهذا‬ ‫العمل‪.‬‬ ‫وق��د ا�ستخدمت اللون لإظهار التناق�ض بين‬ ‫ال �ج��زءي��ن ال��داخ �ل��ي وال �خ��ارج��ي ع��ن طريق‬ ‫ي�م�ك��ن ت��وظ �ي��ف ال �ل��ون ال ��واح ��د ع �ل��ى �سطح‬ ‫التلوين‪ ،‬ما �أ�ضفى حيوية على ال�شكل النحتي‬ ‫البولي�ستر في الأع�م��ال النحتية الملونة في‬ ‫ال�م�ل��ون‪ ،‬الأم��ر ال��ذي �أدى �إل��ى الت�أكيد على‬ ‫توحيد العمل النحتي‪ ،‬وربط عنا�صره من �أجل‬ ‫ال�سطح الداخلي‪.‬‬ ‫ا�ستغالل االنعكا�سات ال�ضوئية ال�ساقطة على‬ ‫العمل ف��ي تكوين درج��ات لونية مختلفة من‬ ‫● ●م��ا عالقة ال��ل��ون بالخامة الم�ستخدمة في‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪105‬‬


‫انطواء ‪ -‬بول�ستر ملون‬

‫تالقي ‪ -‬بول�ستر ملون‬ ‫‪ 106‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫ان�سجام ‪ -‬خامة الخ�شب‬

‫اللون نف�سه نتيجة ل�سقوط ال�ضوء‪ ،‬وانعكا�سه على �سطح‬ ‫العمل النحتي‪ ،‬وكذلك الإح�سا�س الم�ستمر بالظل وال�ضوء‬ ‫الناتج عن اختالف لوني الخامة الفاتحة والداكنة‪ ،‬الأمر‬ ‫الذي �أثرى التكوين النحتي الملون بدرجات لونية من اللون‬ ‫نف�سه‪.‬‬ ‫يمكن توظيف اللون الواحد الممزوج بالبولي�ستر بعد �صقله‬ ‫لتوحيد العمل النحتي‪ ،‬والت�أكيد على �أهمية اللون في ال�شكل‬ ‫النحتي‪ ،‬من خالل �سقوط ال�ضوء وانعكا�سه بدرجات لونية‬ ‫مختلفة‪ ،‬ت�ساعد على �صياغة ال�شكل وت�شكيله من �أجل توحيد‬ ‫عنا�صره و�أجزائه وربطها‪ ،‬و�صياغة ال�شكل العام للكتل التي‬ ‫يت�ضمنها العمل النحتي و�سطوحها في وحدة واحدة‪ ،‬وكذلك‬ ‫زي��ادة عنا�صر ال�شكل النحتي فتزداد �أوا�صر الوحدة بين‬ ‫عنا�صره؛ وما ا�ستتبع ذلك من ثبات اللون من �أجل ا�ستغالل‬ ‫االنعكا�سات ال�ضوئية في تكوين درجات لونية مختلفة من‬ ‫اللون نف�سه‪ ،‬فيتحدد الظل بلون متدرج‪ ،‬الأمر الذي �أثرى‬ ‫القيمة اللونية لهذا الفن‪ ،‬وكذلك الإح�سا�س الم�ستمر بالظل‬ ‫وال�ضوء على �سطح العمل النحتي الناتج عن اختالف لوني‬ ‫الخامة الفاتحة والغامقة‪� ،‬إ�ضافة �إلى الإح�سا�س بالملم�س‪،‬‬ ‫وت�أكيده على �سطح العمل النحتي‪.‬‬ ‫ومن المعلوم‪� ،‬أن ال�ضوء في �أغلب الأعمال النحتية يكون‬ ‫�ساقطً ا على الأ�شكال النحتية و�سطوحها من الخارج‪ ..‬لإبراز‬ ‫الإح�سا�س بالظل وال�ضوء على العمل النحتي؛ في حين نجد‬ ‫�أن ال�ضوء في هذه التراكيب النحتية الملونة يكون ناتجً ا‬ ‫من داخل العمل النحتي �إلى خارجه‪ ،‬لإ�ضفاء «نورانية» على‬ ‫ال�شكل النحتي نتيجة للتلوين‪� ،‬إ�ضافة �إلى �سقوط ال�ضوء‬ ‫الطبيعي على ال�شكل النحتي من الخارج‪ ،‬الأمر الذي �أدى‬ ‫�إلى الإح�سا�س بالغرابة والغمو�ض في العمل النحتي الملون‪.‬‬ ‫الكثير من الخامات النحتية تحوي �ألوانًا طبيعية ت�صبح‬ ‫ج��زءًا مكمال من القطعة النحتية التي تم عملها من هذه‬ ‫الخامة‪ .‬وم��ن المحتمل �أن يختار النحات خامة طبيعية‬ ‫معينة ليحقق �أ�شكاال خا�صة منها‪ ،‬وهكذا ف�إنه من المحتمل‬ ‫�أن ي�ضطر �إلى قبول اللون الطبيعي لهذه الخامة‪.‬‬ ‫و�إذا ما اعترف الفنان و�سلم بهذه القيود التي تحدّه‪ ،‬فمن‬

‫الممكن �أن يوافق ويالئم بين الت�صميم واللون فينتفع به؛‬ ‫فالعديد من الخامات يمكن �أن ت�صنع من خالل العديد من‬ ‫المعالجات الخا�صة بها‪ ،‬لتتنوع الت�أثيرات اللونية؛ ف�سطح‬ ‫الخ�شب يمكن �أن ي��أخ��ذ �صبغات ومعالجات تن�شر على‬ ‫�سطحه لتعميق اللون الطبيعي و�إبرازه‪.‬‬ ‫�إن �سطح البرونز‪ ،‬كذلك‪ ،‬يمكن �أن ي�أخذ باتينه (�أثر الزمن‬ ‫على العمل النحتي) قاتمة عن طريق ت�سخينه ومعالجته‬ ‫بالكيماويات ليكت�سب قتامة ب�شكل دائم وم�ستمر‪ ،‬في حين‬ ‫يمكن �صقل �سطح البرونز ليعطي لمعانًا ذا ت�أثير مختلف‬ ‫عن ال�سطح غير الم�صقول للخامة نف�سها‪ ،‬الأمر الذي ي�ؤدي‬ ‫�إل��ى انعكا�سات ال�سطح الم�صقول التي ت�صبح ج��زءًا من‬ ‫اللون الطبيعي للخامة‪.‬‬ ‫ف�سطح البرونز الم�صقول له بريقه‪ ،‬ويمنحنا �شعورًا بمعدن‬ ‫جديد لم يفقده الرجوع �إلى �ألوان الآثار القديمة ببريقه‪،‬‬ ‫فمن الممكن �أن ينقل لنا البرونز الم�صقول ظواهر االنبثاق‬ ‫ال�ضوئي من �أج�سامنا‪� ،‬إذ �أن االنعكا�س يثري العمل النحتي‪،‬‬ ‫وبالتالي فالمعدن المطلي هو رم��ز حداثته‪ ،‬ويقترب من‬ ‫المعنى الحقيقي للأ�شياء‪.‬‬ ‫ونظرًا ل�صقل �سطح الخامة لإبراز اللون الطبيعي الواحد‬ ‫لها‪ ،‬فقد �ساعد ذلك على انعكا�س ال�ضوء على �سطح الخامة‬ ‫الم�صقولة انعكا�سً ا منتظمًا‪ ،‬فاكت�سب ال�شكل النحتي لمعانًا؛‬ ‫م��ا �ساعد على �إخ�ف��اء ال�ضوء على �سطح العمل النحتي‬ ‫الملون‪.‬‬ ‫● ●هل ن�ستطيع �أن نقول �إن اللون في �أعمالك الفنية له داللة‬ ‫خا�صة تظهر في كافة �أعمالك‪ ،‬تختلف عن داللته العامة‪،‬‬ ‫�أم �أ َّن كل عمل يلعب فيه اللون دورًا مختلفا؟ �آملين �إمدادنا‬ ‫ب�أمثلة مو�ضحة على ذلك؟‬ ‫‪ρ ρ‬ال �أرحب بفكرة �أن يكون اللون له داللة عامة في كافة �أعمالي‬ ‫النحتية‪ ،‬ولم �أ�س َع �إلى ا�ستخدام اللون كناحية �سيكولوجية؛‬ ‫ولكنني �أجد �أن كل عمل نحتي من �أعمالي يلعب فيه اللون‬ ‫دورًا مختلفًا‪ ،‬طبقًا لطبيعة العمل و�إح�سا�سي تجاهه ور�ؤيتي‬ ‫له؛ وعلى �سبيل المثال نجد �أن ال�شكل الم�سمى «التواء»‪،‬‬ ‫يظهر فيه اللون الأ�صفر الداخلي في ال�شكل الذي يختلف‬

‫�سل�سلة نحتية‬

‫�ضياع ‪ -‬بول�ستر ملون‬

‫عدالة ‪ -‬بول�ستر ملون‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪107‬‬


‫غالف مجلة ارت مولد�س‬

‫كبرياء بول�ستر ملون‬ ‫‪ 108‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫عناق بول�ستر ملون‬

‫عن اللون الأزرق المحيط بال�شكل‪� ،‬إذ كان هدف اللون فيه‬ ‫الت�أكيد على الجزء الداخلي في العمل‪ ،‬في حين �أن ا�ستخدام‬ ‫اللون الأ�صفر في البورتريه «�أمل» كان لتوحيد العمل النحتي‬ ‫وربط عنا�صره‪.‬‬ ‫● ●ف��ن النحت م��ن الفنون ال��ت��ي ترتبط بالمهارة وتقنيات‬ ‫ال�صنعة‪ ،‬فهل يكفي ذلك لعمل نحتي متميز؟‬ ‫يتطلب فن النحت �أوال �أن يكون لدى ال�شخ�ص الذي يمار�سه‬ ‫ا�ستعداد فني‪� ،‬إ�ضافة �إلى المهارة الفنية في مجال النحت‪،‬‬ ‫وكذلك الممار�سة‪ ،‬واالطالع على الفنون القديمة والحديثة‬ ‫والمعا�صرة؛ ف ��إذا ما توافرت تلك العوامل جميعًا بجوار‬ ‫الر�ؤية الفنية للنحات‪ ،‬ف�إننا ن�ستطيع �أن نقدم نحتًا متميزًا‪.‬‬ ‫● ●بالنظر �إلى �أ�سماء �أعمالك النحتية الملونة‪ ،‬نجد �أن كثيرًا‬ ‫منها يحمل معانٍ رومان�سية‪� ،‬أح�لام‪ ،‬عناق‪ ،‬تالقي‪� ،‬إلخ‪،‬‬ ‫وبع�ضها الآخ��ر يعك�س معانٍ �أو قيمًا اجتماعية‪ ،‬عدالة‪..‬‬ ‫�إلخ‪ ،‬وبع�ضها يتعلق بحيرة الإن�سان وموقفه من الحياة‪،‬‬ ‫كمفترق ط��رق‪ ،‬ازدواج‪ ،‬البحث عن طريق‪ ،‬ان��زالق‪� ..‬إلخ‪،‬‬ ‫فما ر�ؤيتك الفنية التي تعك�سها �أعمالك الفنية ككل‪� ،‬أو‬ ‫يمكن �أن يتميز بها كل معر�ض من معار�ضك الفنية؟‬ ‫‪�ρ ρ‬إن المجتمع الذي نعي�ش فيه يت�ضمن العديد من المعاني‬ ‫الإن�سانية‪ ،‬قد يكون بع�ضها رومان�سية‪ ،‬وبع�ضها يتعلق بحيرة‬ ‫الإن�سان‪ ،‬وموقفه واختياراته في الحياة‪ ،‬وبع�ضها يتعلق‬ ‫بقيم اجتماعية‪ .‬ونظرًا لطبيعة الفنان ومعاي�شته للبيئة من‬ ‫حوله وت�أثره بها‪ ،‬نجد �أن الفنان مندف ٌع �إل��ى التعبير عن‬ ‫ر�ؤيته الفنية تجاه كل هذه المعاني التي قد تتناق�ض فيما‬ ‫بينها �أحيانا‪ ،‬فالفنان ي�ؤثر في البيئة من حوله‪ ،‬ويت�أثر بها‪،‬‬ ‫ويتفاعل معها‪ ،‬وال يمكنه �أن ينعزل عنها؛ ومن هنا ت�شغله‬ ‫كافة الأ�سئلة والمحاور المتعلقة بالإن�سان وموقفه من الحياة‬ ‫والبيئة من حوله‪.‬‬ ‫و�إلى جانب تلك الر�ؤية العامة هناك ر�ؤى جزئية لكل معر�ض‬ ‫على ح��دة كفرع م��ن ال��ر�ؤي��ة الكلية‪ ،‬وعلى �سبيل المثال‬ ‫معر�ض‪ :‬تراكيب نحتية ملونة من وج��ه فتاة‪ ،‬ال��ذي القى‬ ‫رواجً ا و�إقباال جماهيريًّا‪� .‬إن التعبير الأ�سا�سي في التراكيب‬ ‫هو تحول من ر�ؤية «�شكل البورتريه» �إلى �إبداع العمل النحتي‬

‫«البورتريه»‪ ،‬والتي تج�سدت في التخلّي كلية عن المفاهيم‬ ‫التقليدية للبورتريه‪ ،‬وانح�صرت في �إب��داع نماذج جديدة‬ ‫م�ستمدة من الطبيعة‪ ،‬لي�ست بهدف نقلها �أو تقليدها‪� ،‬إنما‬ ‫تتخطى هذا بتجنبها للمدى الت�شكيلي التقليدي وا�ستخدام‬ ‫و�سائل ت�شكيلية جديدة‪ ،‬مثل‪ :‬الخطوط‪ ،‬والزوايا‪ ،‬وتراكم‬ ‫ال�سطوح‪ ،‬والفراغ واللون التي بف�ضلها جُ علت العالقة بين‬ ‫الأ�شكال قابلة ل�ل��إدراك من دون اال�ستعانة ب ��أي ظاهرة‬ ‫ت�شكيلية تقليدية؛ من �أج��ل تحقيق الأه��داف الفنية‪ ،‬عن‬ ‫طريق جعل ال�شكل الطبيعي «وجه فتاة» �شيئًا فنيًّا‪.‬‬ ‫وكمثال �آخ��ر‪ ،‬معر�ض‪ :‬ر�سومات نحتية في ال�ف��راغ‪ ،‬فهو‬ ‫محاولة لإنتاج �أعمال نحتية من الخط وال�ف��راغ‪ ،‬ترتبط‬ ‫بال�شكل النحتي المعبر عن االنفعاالت الذاتية التي ت�صل‬ ‫�إلى حد الب�ساطة واالكتمال‪ ،‬وتج�سد ر�ؤيتي الفنية وتلتقي مع‬ ‫المتلقي الواعي‪ ،‬ويظهر فيه دور الفراغ في �إنتاج الأعمال‬ ‫النحتية‪ ،‬ويبرز من خالل ال�شكل المغلق وال�شكل المفتوح‪.‬‬ ‫وهو الأمر ذاته في بقية المعار�ض‪ ،‬فال يمكن القول �إنني‬ ‫�أتبع اتجاه ًا فني ًا محدداً‪ ،‬ولكنني �أتعامل مع ال�شكل النحتي‬ ‫الملون‪ ،‬بنوعيه التمثيلي (مو�ضوعي �أو ت�شخي�صي)‪ ،‬وهو‬ ‫الفن ال��ذي يمثل �إن�سانا �أو طائرا �أو حيوانا �أو نباتا كما‬ ‫في معر�ض «جدليات اللون في الت�شكيل المج�سم – طيور‬ ‫م�صرية ملونة»‪ ،‬عر�ضت �إحدى محاوالتي ال�ستنباط المعاني‬ ‫الإن�سانية التي �أطمع في التو�صل �إليها من خالل الر�ؤية‬ ‫الفنية ل�شكل الطائر‪ ،‬والتي قد تكون م�ألوفة ب�صريًّا بالن�سبة‬ ‫للم�شاهد‪ ،‬ولكنها هنا تحمل معانٍ �إن�سانية متعددة‪� ،‬أترك‬ ‫لذاتية ر�ؤية الم�شاهد فر�صة �إثرائها حين تجتاحه فتحللها‬ ‫م��راي��اه الداخلية بقدر درج��ة �صفائها الإن�ساني العامر‬ ‫بالألوان في �شفافية تداخالتها الجدلية‪.‬‬ ‫وكذلك النحت الالتمثيلي (الالمو�ضوعي �أو الالت�شخي�صي)‬ ‫الذي ال يمثل �أ�شكاال تمثيلية �أو ت�شخي�صية �أو مو�ضوعية‪ ،‬كما‬ ‫في معر�ض‪« :‬ثقوب في النحت الملون»‪ ،‬و�أحيانًا كنت �أجمع‬ ‫بين النوعين في معر�ض واحد‪ ،‬كمعر�ض‪ :‬توازن الر�ؤى بين‬ ‫االنغالق واالنطالق فراغيًّا في النحت الملون‪ ،‬وغيرها مما‬ ‫ال يت�سع المجال للتحدث عنها با�ستفا�ضة‪.‬‬

‫لقاء ‪ -‬خامة الخ�شب‬

‫مفترق طق‪ -‬بول�ستر ملون‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪109‬‬


‫‪ 110‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫● ●والآن نعود �إلى البدايات‪ :‬هل اتجهت �إلى فن‬ ‫النحت منذ ال��ب��داي��ة‪� ،‬أم ل��ك ب��داي��ات م��ع فن‬ ‫الت�صوير الزيتي‪ ،‬وهل تمار�سه الآن؟‬ ‫‪ρ ρ‬في البداية‪ ،‬ك��ان اهتمامي بفن النحت وفن‬ ‫الت�صوير الزيتي معًا‪ ،‬وكنت دائمًا �أ�شارك في‬ ‫معار�ض فنية عديدة‪ ،‬في هذين المجالين‪،‬‬ ‫وذل��ك منذ ع��ام ‪1977‬م؛ غير �أن�ن��ي وج��دت‬ ‫�أن ال�ن�ح��ت ال �م �ل��ون‪ ،‬ه��و ع�لاق��ة ت��رب��ط بين‬ ‫فن الت�صوير الزيتي وف��ن النحت‪ ،‬من حيث‬ ‫ا��س�ت�خ��دام ال �ل��ون ف��ي الت�شكيالت النحتية‬ ‫الملونة‪ ،‬وم��ن هنا ك��ان اهتمامي الأكبر بفن‬ ‫النحت الملون‪ ،‬وقليال ما ا�ستخدم فن الت�صوير‬ ‫الزيتي‪.‬‬ ‫● ●من المعروف �أن ال�سنوات الأول���ى من حياة‬ ‫الفنان ت�ؤثر في عمله الفني‪ ،‬ما الم�ؤثرات‬ ‫الأول���ى ف��ي حياتك التي جعلتك تتجه لفن‬ ‫النحت دون غيره؟‬ ‫منذ طفولتي‪ ،‬كان وال��دي �شاعرًا رحمه اهلل‪،‬‬ ‫دائمًا كان ي�صحبني �إلى المتحف الم�صري‪،‬‬ ‫وكنت �أ�شاهد دائ� ًم��ا ف��ي المتحف الم�صري‬ ‫القديم تمثال «رع حتب»‪ ،‬وزوجته «نفرت»–‬ ‫الدولة القديمة‪ -‬وهو من خامة الحجر الجيري‪،‬‬ ‫وهو ملون‪ ،‬وكنت �أنبهر به و�أت�ساءل دائمًا لماذا‬ ‫ا�ستخدم الفنان �أو النحات الم�صري القديم‬ ‫اللون في بع�ض الأعمال النحتية؟ وفي ذلك‬ ‫الوقت لم �أكن �أجد �إجابة‪ ،‬وظل الت�سا�ؤل عن‬ ‫ا�ستخدام اللون في النحت ي�شغلني �إلى �أن قمت‬ ‫بعمل ر�سالة الماج�ستير ع��ام ‪1985‬م‪ ،‬وكان‬ ‫عنوانها‪ :‬توظيف اللون في النحت الحديث‪،‬‬ ‫و�أث�ن��اء بحثي في �إع��داد الر�سالة‪ ،‬وج��دت �أن‬ ‫الفنان الم�صري القديم كان ي�ستخدم اللون‬ ‫في محاكاة الواقع‪ .‬ومع ذلك ف�إنني لم �أت�أثر‬ ‫في �أعمالي النحتية بتوظيفات الفن الم�صري‬ ‫القديم للون‪� ..‬سواء �أك��ان ا�ستخدامه بهدف‬

‫محاكاة للواقع �أم بهدف رمزي‪.‬‬ ‫و�أع�ت�ق��د �أن ن�ش�أتي ف��ي �أ� �س��رة فنية تمار�س‬ ‫الإب��داع‪ ،‬كان من عوامل اتجاهي للفن عامة‪،‬‬ ‫فقد كان عمي رحمه اهلل خريج فنون جميلة‪،‬‬ ‫وك���ان ي��دف�ع�ن��ي �إل���ى ال �ف��ن ع��ن ط��ري��ق عمل‬ ‫م�سابقات بيني وبين �أخي الأكبر في ر�سم بع�ض‬ ‫ال�صور‪ ،‬ومنها �صور لميدان التحرير بالقاهرة‬ ‫وهو مكتظ بالنا�س والباعة‪ ،‬وكنت حين ذاك‬ ‫في المرحلة االبتدائية‪ ،‬وكان �أخي يتفوق عليّ‬ ‫لكبر �سنه‪ ،‬وحينما اتجه �أخي �إلى ال�شعر‪ ،‬لم‬ ‫يكن لي مناف�سً ا في تلك الم�سابقات الأ�سرية‪.‬‬ ‫وف��ي المرحلة التالية ك��ان يبهرني اب��ن عمي‬ ‫ب�أعماله في فن الت�صوير الزيتي‪ ،‬وحبه للفن‪،‬‬ ‫ولكنني فوجئت بدرا�سته للطب‪ ،‬وعمل درا�سات‬ ‫عليا به‪� ،‬إال �أنه عاد بعد ذلك �إلى ممار�سة الفن‬ ‫مرة �أخ��رى‪ ،‬وعمل معار�ض ت�شكيلية مميزة‪،‬‬ ‫وهو الفنان د‪� .‬أحمد الح�سيني‪.‬‬ ‫وحينما ح�صلت على الثانوية العامة‪ ،‬فوجئت‬ ‫ب�أ�سرتي تدفعني �إل��ى االلتحاق بكلية التربية‬ ‫الفنية نظرًا لموهبتي الفنية �إ�ضافة �إلى �أنه‬ ‫لم يكن �أحد في الأ�سرة قد در�س الفن درا�سة‬ ‫�أكاديمية‪ ،‬وقد كان ذلك حلمي الذي تحقق‪.‬‬ ‫● ●هل ي�ؤثر مكان العر�ض في تلقي العمل الفني‬ ‫ب�صورة عامة‪ ،‬والنحت خا�صة؟ وه��ل �شعرت‬ ‫يومًا ما �أن �صالة العر�ض امت�صت من قيمة‬ ‫�أعمالك النحتية؟‬ ‫‪ρ ρ‬بالت�أكيد مكان العر�ض ي�ؤثر على ر�ؤية العمل‬ ‫الفني‪ ..‬م��ن حيث الإ� �ض��اءة الم�سلطة على‬ ‫العمل النحتي التي ت�ساعد على �إبراز ال�شكل‪،‬‬ ‫ومن حيث مكان العر�ض نف�سه؛ فهو ي�ؤثر على‬ ‫ر�ؤية العمل النحتي‪ ،‬فال يمكن �أن نرى العمل‬ ‫النحتي �إال م��ن خ�لال البيئة المحيطة به‪،‬‬ ‫بحيث يجب �أن يُرى من جميع الزوايا‪ ،‬وكذلك‬

‫الأل��وان في مكان العر�ض‪ ،‬فماذا لو و�ضعنا‬ ‫تمثا ًال �أخ�ضر اللون و�سط حديقة؟!‬ ‫فعند و�ضع تمثال ملون و�سط �أعمال نحتية‬ ‫�أخ��رى ف�إنه ي�ش ّد انتباه الم�شاهد‪ ،‬ويلتفت‬ ‫�إليه منذ الوهلة الأولى‪ ،‬وعند اختياري لقاعة‬ ‫العر�ض‪� ،‬أحاول قدر الإمكان تنظيم الأعمال‬ ‫لتحقيق �سميفونية لونية تجذب الم�شاهد �إلى‬ ‫هذه الأعمال ور�ؤيتها من زوايا متعددة لتحقق‬ ‫الفل�سفة وال��ر�ؤي��ة التي �أ�سعى لإب��رازه��ا في‬ ‫الأعمال النحتية‪.‬‬ ‫● ●لماذا يعاني الفنانون الت�شكيليون في الوطن‬ ‫ال��ع��رب��ي وال��ن��ح��ات��ون بخا�صة م��ن انف�صال‬ ‫الجمهور عنهم؟ وم��ا اقتراحاتك لتخطى‬ ‫هذه المع�ضلة؟‬ ‫‪ρ ρ‬نـالحظ دائ � ًم��ا �أن جمهور معار�ض الفن‬ ‫الت�شكيلي‪ ،‬والنحت ب�صفة خا�صة‪ ،‬قليل‬ ‫ال��ع��دد‪ ،‬م��ا ي�ع�ن��ي ك�م��ا ت�ق��ول�ي��ن انف�صال‬ ‫الجمهور ف��ي ال��وط��ن ال�ع��رب��ي ع��ن الفنان‬ ‫الت�شكيلي ب�صفة عامة‪ ..‬والنحات ب�صفة‬ ‫خا�صة؛ وذلك على الرغم من جهود بع�ض‬ ‫الم�ؤ�س�سات في الوطن العربي في مجال‬ ‫الفن الت�شكيلي‪� ،‬إذ نجد �أن الفنان يقدم‬ ‫ر�ؤي �ت��ه الفنية ف��ي م�ج��ال ال�ن�ح��ت ليرتقي‬ ‫بالجمهور‪ ،‬ف��ي حين �أن الجمهور عندما‬ ‫ي��دخ��ل ال�ق��اع��ة‪ ..‬وف��ي ذه�ن��ه ر�ؤي ��ة متوقعة‬ ‫مختلفة عما يراه‪ ،‬ي�صطدم بالمعر�ض‪ ،‬ومن‬ ‫هنا ت�أتي الفجوة بين الجمهور والفنان‪ ،‬ف�إذا‬ ‫ما �أ�ضفنا �إلى ذلك �أن الدعاية الم�صاحبة‬ ‫للمعر�ض‪ ،‬قليلة و�سطحية في �أغلب الأحيان‪،‬‬ ‫وكذلك تغطيات و�سائل الإع�ل�ام الخا�صة‬ ‫بالفن الت�شكيلي قليلة‪ ،‬وغ��ال� ًب��ا ال تتعدى‬ ‫الأخ �ب��ار �أو العرو�ض الق�صيرة التي ترى‬ ‫الأعمال من ال�سطح فقط‪ ،‬وبالطبع هناك‬ ‫بع�ض ال�ن�ق��اد الت�شكيليين ولكنهم قليلو‬

‫العدد‪ ،‬وتت�ضح الفجوة خا�صة عندما ننظر‬ ‫بعين المتفح�ص �إلى المناهج التعليمية في‬ ‫المراحل الأول�ي��ة ما قبل الجامعة‪ ،‬فنجد‬ ‫�أنها ال تهتم بالفن الت�شكيلي‪ ،‬و�إذا وجدت‬ ‫تقت�صر على معلومات عن الفنان‪ ،‬ولي�س‬ ‫فيها �أي تفا�صيل عن المدار�س الفنية في‬ ‫الفن الت�شكيلي �أو النحت‪� ،‬أو ن�م��اذج من‬ ‫الأعمال الفنية والنحتية‪ ،‬و�أنها مناهج ال‬ ‫ت�سعى لتنمية التذوق الفني والر�ؤية الجمالية‬ ‫لدى الطالب‪.‬‬ ‫كل ذل��ك من عوامل انف�صال الجمهور عن‬ ‫الفن الت�شكيلي عامة‪ ،‬والنحت ب�شكل خا�ص‪.‬‬ ‫ولكي نتجاوز تلك المع�ضلة علينا �إعادة النظر‬ ‫�أوال في المناهج التعليمية‪ ،‬ما يجعلها مناهج‬ ‫تنمّي الر�ؤية الجمالية لدى الطالب‪ ،‬وعدم‬ ‫التعامل مع م��ادة التربية الفنية ك�أن�شطة‪،‬‬ ‫ولكن ك�م��ادة �أ�سا�سية تنمو عبر ال�سنوات‪،‬‬ ‫وت�ساعد الموهوبين من الطالب على االلتحاق‬ ‫ب��ال�ك�ل�ي��ات ال�ف�ن�ي��ة‪ ،‬وك��ذل��ك ال�ت��رك�ي��ز على‬ ‫الم�سابقات الفنية ب�أ�شكالها المختلفة‪.‬‬ ‫ه ��ذا م��ن ج��ان��ب‪ ،‬وم ��ن ج��ان��ب �آخ� ��ر يجب‬ ‫االه�ت�م��ام بعمل �أف�ل�ام ع��ن الفن الت�شكيلي‬ ‫والنحت‪ ،‬وزي��ادة البرامج الفنية في و�سائل‬ ‫الإع �ل�ام‪ ،‬تنمي ق ��درة المتلقي على ت��ذوق‬ ‫الفنون‪ .‬وتخ�صي�ص م�ساحة �أكبر للفنون في‬ ‫ال�صحف والمجالت بحيث تتجاوز العرو�ض‬ ‫ال�سطحية �إل��ى التعمق ف��ي �آل �ي��ات ال�ت��ذوق‪،‬‬ ‫فتكون مدخال يمكن �أن ينميه المتلقي عند‬ ‫م�شاهدته المعر�ض‪.‬‬ ‫وع �ل��ى دور ال �ع��ر���ض و� �ص��االت �ه��ا االه �ت �م��ام‬ ‫ب��ال��دع��اي��ة‪ ،‬وو��ص��ول�ه��ا للجماهير‪ ،‬بطريقة‬ ‫جذابة وماتعة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪111‬‬


‫د‪�.‬صالح بن معاذ المعيوف المخلف‬ ‫■ املحرر الثقايف‬

‫من مواليد منطقة الجوف‪ ,‬قرية الطوير (�سابقاً ) حي الطوير (حالياً)‪ ,‬وذلك في‬ ‫عام (‪1379‬ه��ـ)‪ .‬ح�صل على الثانوية العامة من ثانوية �سكاكا عام (‪1399‬ه��ـ)‪ ،‬والتحق‬ ‫بعدها بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة‪ ،‬وح�صل منها ع��ام (‪1403‬ه���ـ) على ال�شهادة‬ ‫الجامعية تخ�ص�ص علم االجتماع‪ .‬ثم التحق بمعهد الإدارة العامة في مدينة الريا�ض‪،‬‬ ‫و ُعيِّنَ في وظيفة معيد‪ ,‬وعمل في مختلف �إدارات المعهد لمدة عام‪ ،‬ولمدة عام الحق‬ ‫تفرغ لدرا�سة اللغة الإنجليزية في المعهد‪.‬‬ ‫ح��ظ��ي �أث��ن��اء درا���س��ت��ه ال��ل��غ��ة بالقبول‬ ‫في جامعة بن�سلفانيا الحكومية لدرا�سة‬ ‫الماج�ستير في حقل الإدارة العامة‪ .‬وفي‬ ‫ع��ام (‪1405‬ه� �ـ) ابتعثَه المعهد للجامعة‬ ‫نف�سها‪ ،‬ح�ي��ث ق�ضى ف�ت��رة ق�صيرة في‬ ‫‪ 112‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫درا�سة اللغة‪ ،‬وبعدها ح�صل على موافقة‬ ‫ال�ج��ام�ع��ة ل�لال�ت�ح��اق ب�ب��رن��ام��ج ال��درا��س��ة‬ ‫الأك��ادي�م�ي��ة ف��ي ب��رن��ام��ج الإدارة العامة‬ ‫ف��ي ع��ا��ص�م��ة والي���ة بن�سلفانيا (ه��ر���س‬ ‫ب��رق)‪ .‬وبحكم اخ�ت�لاف التخ�ص�ص في‬

‫البكالوريو�س عن الماج�ستير فقد ا�شترطت‬ ‫الجامعة �أن يدر�س ما يقارب (‪� )60‬ساعة ح�سب‬ ‫النظام الف�صلي‪ ،‬علم ًا �أن ما يُطلب في العادة‬ ‫للح�صول على ال�شهادة فقط (‪� )36‬ساعة‪ .‬وفي‬

‫عمل في المعهد في العديد من المجاالت‪..‬‬ ‫في البداية عمل خبير ًا في �أمانة اللجنة العليا‬ ‫للإ�صالح الإداري (الآن اللجنة العليا للتنظيم‬ ‫الإداري)‪ ،‬ثم عمل مدرب ًا متفرغاً‪ ،‬ثم مدير ًا‬ ‫لإدارة الندوات واللقاءات العلمية‪ ،‬ثم مدير ًا‬ ‫لإدارة البحوث‪ ،‬فمدير ًا عام ًا لمركز البحوث‪،‬‬ ‫ثم مدير ًا عام ًا للبرامج الإداري��ة والقانونية‪.‬‬ ‫وفي عام (‪1429‬هـ) �صدر قرار مجل�س الوزراء‬ ‫بتعيينه نائب ًا لمدير عام معهد الإدارة العامة‬

‫����������������س�������ي�������رة و�إب�����������������������������������داع‬

‫عام (‪1408‬هـ) تخرج من الجامعة وح�صل على‬ ‫�شهادة تفوق درا�سي‪ .‬عاد �إلى العمل في معهد‬ ‫الإدارة العامة بعد التخرج مبا�شرة‪ ،‬فعمل مدرب ًا‬ ‫في حقل الإدارة العامة‪ ،‬وكان مقتنع ًا باالكتفاء‬ ‫ب�شهادة الماج�ستير مثل العديد من الزمالء‬ ‫م��ن ح��ول��ه ف��ي المعهد‪ ،‬وع ��دم خ��و���ض تجربة‬ ‫جديدة للح�صول على �شهادة الدكتوراه نتيجة‬ ‫المعاناة التي واجهها خالل مرحلة الماج�ستير‪.‬‬ ‫وبعد ب�ضعة �أ�شهر بد�أ هاج�س الطموح ًي��راوده‬ ‫من جديد‪ ،‬ف�أعاد تقييم ق��راره ال�سابق بعدم‬ ‫التقدم لدرا�سة الدكتوراه‪ ،‬وبعد فترة وجيزة‬ ‫ق��رر مرا�سلة ع��دد قليل ج��دًّا م��ن الجامعات‬ ‫الأمريكية المعروفة للح�صول على قبول لدرا�سة‬ ‫الدكتوراه‪ ،‬وح�صل على قبول غير م�شروط من‬ ‫جامعة بيت�سبرج لاللتحاق ببرنامج الدكتوراه‪.‬‬ ‫وفي نهاية العام الذي با�شر فيه العمل وجد نف�سه‬ ‫يحزم �أمتعته مرة �أخرى للذهاب �إلى الواليات‬ ‫المتحدة الأمريكية‪ ،‬حيث بد�أ الدرا�سة في مطلع‬ ‫عام (‪1409‬هـ)‪ ،‬وخالل ثالث �سنوات انتهى من‬ ‫متطلبات الح�صول على �شهادة الدكتوراه‪ ،‬وعاد‬ ‫�إلى المملكة وبا�شر العمل في المعهد‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪113‬‬


‫‪ 114‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫ن����������������������������������������������واف����������������������������������������������ذ‬

‫ل�شئون التدريب‪.‬‬ ‫ ‪ -‬ت��رج�م��ة ك �ت��اب «ال��دل �ي��ل ال�ع�م�ل��ي لتطبيق‬ ‫الجودة»‪.‬‬ ‫وخالل ما يربو على الثالثين عاماً‪� ،‬أ�سهم في‬ ‫جوانب عديدة من �أن�شطة المعهد‪ ،‬منها ما هو ‪ -‬بحث ميداني «العوامل الم�ؤثرة على عدم‬ ‫االنتظام في الدوام الر�سمي»‪.‬‬ ‫مت�صل بن�شاط التدريب‪ ،‬مثل‪ :‬ت�صميم البرامج‪،‬‬ ‫و�إعداد الحقائب التدريبية‪ ،‬وتنفيذ العديد من ‪ -‬الوالء التنظيمي في الأجهزة الحكومية‪.‬‬ ‫البرامج والحلقات والندوات واللقاءات العلمية‪،‬‬ ‫ الأ�سئلة الكبرى في التعليم في مجال الإدارة‬‫و�إع��داد ا�ست�شارات �إداري��ة للعديد من الأجهزة‬ ‫العامة‪.‬‬ ‫الحكومية‪� ،‬إ� �ض��اف��ة �إل ��ى رئ��ا��س��ة ال�ع��دي��د من‬ ‫اللجان وفرق العمل‪ ،‬والم�شاركة في العديد من ‪ -‬العوامل المحددة الختيار العمالء ال�سعوديين‬ ‫للبنوك في المملكة‪.‬‬ ‫الم�ؤتمرات والمنتديات المحلية والدولية‪.‬‬ ‫و�إ�ضافة �إلى مهامه كنائب لمدير عام المعهد‬ ‫وفيما يتعلق بالإنتاج العلمي فقد حظي منه‬ ‫باهتمام وجهد خ��ا���ص‪� ،‬إذ �أن�ج��ز العديد من ل�شئون التدريب‪ ،‬فقد كلف كذلك بمهام نائب‬ ‫الأع�م��ال العلمية المحكّمة والمن�شورة‪ ،‬وتمت مدير ع��ام المعهد للبحوث والمعلومات لنحو‬ ‫ترقيته بنا ًء عليها �إل��ى درج��ة �أ�ستاذ م�شارك‪ .‬ثالث �سنوات‪ ،‬ورئي�س ًا للمجل�س العلمي‪ ،‬ورئي�س ًا‬ ‫ومن �أهم الأعمال العلمية التي �أنجزها‪ ،‬الآتي‪ :‬للجنة البحوث العلمية‪ ،‬وم�شرف ًا ع��ام� ًا على‬ ‫مجلة الإدارة العامة ومجلة التنمية الإداري��ة‪،‬‬ ‫ ترجمة كتاب «مجتمع ما بعد الر�أ�سمالية»‪ .‬ورئي�س ًا للجنة ا�ستقطاب ال�شهادات العليا في‬‫ ترجمة كتاب «القيادة الإداري���ة‪ :‬النظرية المعهد‪ ،‬وم�شرف ًا عام ًا على الندوات واللقاءات‬‫والتطبيق»‪.‬‬ ‫والم�ؤتمرات التي يقيمها المعهد‪.‬‬

‫الأندية الأدبية‪ ..‬تاريخ نه�ضة الأدب‬ ‫■ حممد علي قد�س*‬

‫ف��ي ال��وق��ت ال��ذي احتفل فيه الأدب���اء ب��م��رور �أربعين �سنة‬ ‫على ت�أ�سي�س ن��ادي جدة الأدب��ي‪� ،‬أول ن��ادي �أدب��ي في المملكة‬ ‫(‪1395‬ه��ـ‪1975/‬م)‪ .‬يكون قد م َّر على نه�ضة الحركة الأدبية‪،‬‬ ‫والتغيير ال��ت��ح��ول��ي ال���ذي ط���ر�أ ع��ل��ى الم�شهد ال��ث��ق��اف��ي في‬ ‫المملكة �أرب��ع��ون ع��ام��ا‪ .‬يبرز هنا ���س���ؤال‪ :‬كيف ظهرت فكرة‬ ‫الأن���دي���ة الأدب���ي���ة؟ وك��ي��ف تحقق ح��ل��م الأدب�����اء ف��ي المملكة‬ ‫ب�إنطالقة م�سيرة هذه الأندية التي �أ�صبحت بالفعل الكيان‬ ‫الم�ؤ�س�سي الذي تطلع لوجوده الأدباء‪.‬‬ ‫ي�ق��ول الأدي ��ب وال�شاعرالكبير محمد‬ ‫ح�سن عواد‪ ،‬وهو �أول مَ ن ترجم فكرة الأندية‬ ‫�إلى حقيقة مع زميله الأديب الرائد الأ�ستاذ‬ ‫عزيز �ضياء‪ ،‬في مذكراته‪ :‬في �ساعة م�شرقة‬ ‫�أواخ��ر ال�شتاء في مدينة الريا�ض‪ ،‬ولدت‬ ‫فكرة الأن��دي��ة الأدب�ي��ة‪ ،‬حين دار ح��وار في‬ ‫مكتب �سمو الأمير ال�شاب‪ ،‬في�صل بن فهد‪،‬‬ ‫الرئي�س العام لرعاية ال�شباب‪ ،‬وقد ح�ضر‬ ‫اللقاء ثلّة من �أدباء المملكة و�شعرائها الذين‬ ‫دُعوا للم�شاركة في �إحياء �سوق عكاظ‪ ،‬و�أخذ‬ ‫الأم�ي��ر الأدي��ب يطوف بنا بحديثه ال�شيّق‬ ‫و�إيمانه بر�سالة الأدب واهتمامه بال�شعر‪،‬‬ ‫و�أكد �أنه عقد العزم على فتح مجاالت �أدبية‬

‫وا�سعة في المملكة‪ ،‬و�أعلن �شوقه ال�صادق‬ ‫و�أمنيته الحقيقية في �أن تكون هناك �أندية‬ ‫�أدب�ي��ة كتلك الأن��دي��ة التي �أقامتها الدولة‬ ‫للريا�ضة‪ .‬وانبثاقا من هذه ال�صراحة التي‬ ‫تالقت فيها �أمنية الأمير الأدي��ب ورغبات‬ ‫الأدباء في ت�أ�سي�س �أندية �أدبية تحمل ر�سالة‬ ‫الأدب ال�سعودي وتنه�ض بم�سيرته‪�.‬أبدى لنا‬ ‫�سموه رغبته قائال‪« :‬ونحن ن�سعى لإحياء‬ ‫فكرة �سوق عكاظ التاريخية‪� ،‬أطرح عليكم‬ ‫الخطوة التالية في هذا االجتماع المبارك‪،‬‬ ‫وهي فكرة المنتديات الأدب�ي��ة‪ ،‬وثقوا �أننا‬ ‫�سن�سعى ب ��إذن اهلل لدعم ه��ذه المنتديات‬ ‫ماديا ومعنويا‪ ..‬و�أنا واثق من �أنَّ ما عزمنا‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪115‬‬


‫(ت�سلمت خطابكم الم�ؤرخ في ‪� 28‬صفر عام‬ ‫‪1395‬ه �ـ‪ ،‬الذي تطلبون فيه الترخي�ص للأدباء‬ ‫ورجال الفكر في جدة بت�أ�سي�س نادٍ با�سم (نادي‬ ‫جدة الأدب��ي) وقد �أ�سعدني هذا الإتجاه النبيل‪.‬‬ ‫وب�ه��ذه المنا�سبة ال ي�سعني �إال �أن �أب ��ارك لكم‬ ‫هذه الخطوة الطيبة‪ ،‬و�إنني �إذ �أ�شكر لكم هذه‬ ‫الجهود‪ ،‬ي�سرني �أن �أبلغكم موافقتنا على ت�سجيل‬ ‫ناديكم الأدبي)‪.‬‬ ‫وبذلك يعد ن��ادي ج��دة عميد �أن��دي��ة الأدب‪،‬‬ ‫حيث تال طلب الأ�ستاذين العواد و�ضياء كل من‬ ‫�أدباء مكة المكرمة‪ ،‬الريا�ض‪ ،‬المدينة المنورة‪،‬‬ ‫جيزان والطائف‪ ،‬وه��ي الأن��دي��ة الأدب�ي��ة ال�ستة‬ ‫الأُوائل التي �أن�شئت في عام ‪1395‬هـ‪.‬‬ ‫ي��ؤك��د الأدب ��اء ف��ي المملكة �أن��ه ل��وال حما�سة‬ ‫الأمير الأديب �أمير ال�شباب في�صل بن فهد رحمه‬ ‫اهلل‪ ،‬و�إرادته الحرة و�إيمانه القوي بر�سالة الأدب‪،‬‬ ‫وقدرته الفائقة في الت�أثير في المجتمع‪ ،‬لما كان‬ ‫ت�أ�سي�س الأندية الأدبية من الأح��داث الثقافية‬ ‫والأدب �ي��ة المهمة ف��ي ت��اري��خ �أدب �ن��ا ال�سعودي‪،‬‬ ‫ومن وجهة نظر الأديب الرائد عزيز �ضياء‪� ،‬أن‬ ‫ه��ذه الأن��دي��ة ك��ان يمكن �أن تظهر في �أي وقت‬ ‫قبل الآن‪ ،‬ولكن ظهورها في الوقت الذي �أعلن‬ ‫عن ت�أ�سي�سها فيه‪ ،‬كان له عدة وج��وه‪ ،‬الطفرة‬ ‫التي عا�شتها البالد في الت�سعينيات الهجرية‪،‬‬ ‫ * كاتب من ال�سعودية‪.‬‬ ‫‪ 116‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫�ضجيج النقد الروائي وتراجع النقد ال�شعري‬

‫�أزمة نقد �أم �أزمة �إبداع‬

‫ن����������������������������������������������واف����������������������������������������������ذ‬

‫عليه ونفكر فيه يتفق ويلتقي مع رغباتكم‪ ..‬و�أتمنى‬ ‫�أن يكون �ضمن م�س�ؤلياتكم للرقيّ والنهو�ض ب�أدب‬ ‫ه��ذه ال �ب�ل�اد‪ .»..‬وخ�ل�ال �أرب ��ع وع�شرين �ساعة‬ ‫ت�سلمنا الإذن الر�سمي من �سموه بت�أ�سي�س نادي‬ ‫جدة الأدبي في ‪� 28‬صفر ‪1395‬هـ‪ ،‬وكان �أول طلب‬ ‫يتلقاه �سموه من الأدباء الذين ح�ضروا االجتماع‪،‬‬ ‫لأول الأندية الأدبية ت�أ�سي�سا‪:‬‬

‫وتوافرالإمكانات للنهو�ض‪ ،‬وفق خطط التنمية‬ ‫في مختلف المجاالت الإقت�صادية واالجتماعية‬ ‫والتعليمية والثقافية‪ ،‬وبت�أ�سي�س الأندية الأدبية‬ ‫في �إطارها الم�ؤ�س�سي‪ ،‬وما تلقاه من دعم الدولة‪،‬‬ ‫والتقدير الكامل لدور الأدب والأدب��اء‪ ،‬ومنحهم‬ ‫ما ي�ستحقون من رعاية واهتمام‪ .‬والمملكة ووفق‬ ‫�سيا�ستها الحكيمة‪ ،‬ال تقبل في عطاءات م�سيرة‬ ‫تطورها وازدهارها‪ ،‬ب�أقل من �أرفع الم�ستويات‪.‬‬ ‫انتهج نادي جدة الأدبي في ر�سالته للنهو�ض‬ ‫بدوره‪ ،‬في تحقيق �أهدافه‪ ،‬م�ؤكدا �أن �أندية الأدب‬ ‫منابر للثقافة والمثاقفة‪ ،‬ت�أخذ في عطاءاتها‬ ‫وتوجّ هاتها ب�سياق التيارات الفكرية المتخلفة‪،‬‬ ‫وتتيح فر�ص الحوار فيها ب�شكل عادل ومتوازن‬ ‫بين ال��ر�أي وال��ر�أي الآخ��ر‪ .‬وقد د�أب ن��ادي جدة‬ ‫على �إعطاء الفر�صة لكل المتحاورين �أ�صحاب‬ ‫الأفكار المختلفة‪ ،‬والآراء المت�ضاربة‪ ،‬من خالل‬ ‫التعليق على المحا�ضرات والمداخالت المثيرة‬ ‫والمثمرة‪ ،‬ما �أوقعه في �إ�شكاالت وم�آخذ عدة‪.‬‬ ‫وهي �ضريبة كل عامل مجتهد ي�سعى‪ ،‬لفتح كل‬ ‫الأب��واب والنوافذ وع��دم الحجر على ر�أي دون‬ ‫�آخ��ر‪� ،‬أو تبنّي مبادئ و�أفكار بعينها دون �أُخ��ر‪.‬‬ ‫واالختالف ‪-‬كما ن�ؤمن ‪ -‬دائما �أمر من طبيعة‬ ‫الب�شر‪ ،‬يحدث بين �أ�صحاب الفرق المختلفة‪،‬‬ ‫والثقافات المت�ضادة‪ ،‬لكن ينبغي �أن ال ي�صل �إلى‬ ‫درجة الخالف �أو ال�صراع‪.‬‬ ‫حقاً‪ ،‬كان قدر النادي �أن يكن م�ؤ�س�سه رائدا‬ ‫للتجديد‪ ،‬وم�ضى في م�سيرته‪ ،‬يتبنى التحديث‬ ‫والتميز في العطاء‪ ،‬وه��ذا ما ا�شتهر به نادي‬ ‫ج��دة الأدب ��ي ال��ذي ك��ان ال�ق��دوة الحقيقية لكل‬ ‫الم�ؤ�س�سات الثقافية التي تتطلع‪ ،‬للقيام بدور‬ ‫ت�سهم من خالله في الت�أثير الإيجابي على ثقافة‬ ‫المجتمع‪ ،‬والنهو�ض بم�ستوى الثقافة عموماً‪.‬‬

‫■ د‪ .‬عبدالنا�صر هالل*‬

‫�شهدت حقبة ال�سبعينيات والثمانينيات من القرن المن�صرم تحوّالت عميقة في‬ ‫ال�شعرية العربية واكبت التغيرات ال�سيا�سية والثقافية التي �شهدها العالم العربي‪،‬‬ ‫حتى حدثت فجوة بين حركة الإب��داع ال�شعري وحركة التلقّي‪ ،‬وو�سم ال�شعر الطليعي‬ ‫بالغمو�ض من قبل القارئ الذي ا�ستكان زمنا طويال لآليات ر�سّ ختها �شعرية العمود‬ ‫التقليدي‪ ،‬لكن متابعة نقدية فعّالة حاولت ا�ستكناه �شعرية التجريب‪� ،‬أظهرت �أ�سماء‬ ‫المعة في معظم �أقطار الوطن العربي يالحقون كل جديد تطرحه الق�صيدة المعا�صرة‪.‬‬ ‫وفى ت�سعينيات القرن نف�سه‪ ،‬ح�صل نجيب‬ ‫م�ح�ف��وظ ع�ل��ى ج��ائ��زة ن��وب��ل‪ ،‬وت�غ�ي��رت حركة‬ ‫التلقي مع تغير �صعود ال�سرد �إلى واجهة الن�شر‬ ‫والإع�ل�ام‪� ،‬إذ ب��د�أت مرحلة ح�ضارية وثقافية‬ ‫جديدة‪ ..‬بد�أ يتحول معها الإبداع والتلقّي معا‪،‬‬ ‫ف�سيطر ال�سرد على الم�شهد‪ ،‬ف��ي حين ظل‬ ‫ال�شعر يتمدد ف��ي حركته الطامحة للتجديد‬ ‫والتجريب‪.‬‬ ‫ما الذي حدث؟‬

‫بالم�شكالت‪ ،‬وتفاقم الأو� �ض��اع االقت�صادية‬ ‫واالجتماعية‪ ،‬وتعدد �صور النماذج الب�شرية‬ ‫التي تزخر بها؛ ومن هنا‪ ،‬كان الأف��ق مفتوحا‬ ‫�أم��ام الروائي �أن يقدم هذه المدن ال�صاخبة‬ ‫بنماذجها المتنوعة‪ ،‬وهو ما جعلنا نطلق على‬ ‫ال�سرد �إبداع العامة والخا�صة‪.‬‬ ‫ومن خالل ال�صعود لعالم ال�سرد �إلى واجهة‬ ‫الإب���داع �أط�ل��ق بع�ضهم على �سنوات الإب ��داع‬ ‫الراهنة‪« :‬ع�صر الرواية»‪.‬‬

‫هل تم تغير في حالة التذوق والتلقي؟! �أم هو ه��ل ت��راج�� َع ال�شعر ف��ي ظ��ل �صعود‬ ‫تحوّل في ماهية النوع الذي يطرح قراءة الوجود الرواية؟‬ ‫من منظور يتفق وثقافة اللحظة والقارئ معا؟ الإجابة بالنفي؛ فقد �شهدت ال�شعرية العربية‬ ‫�سيطرت ال��رواي��ة على الم�شهد الإب��داع��ي تفاقما جماليا وتجريبا متحوال في �إطار ك�سر‬ ‫نتيجة ت �ف �وّق االت �ج��اه��ات العلمية والعملية‪ ،‬هيمنة النوع‪ ،‬ومحاولة خلق �أفق جمالي يت�سم‬ ‫ومعطيات التكنولوجيا‪ ،‬وازدياد رغبة الإن�سان بالتماهي وتراجع حدود النوع وظهور كتابات‬ ‫ف��ي ال�ت�ع�رّف على �أح ��وال النا�س والمجتمع‪ ،‬هجينة‪ ..‬كان من �أهم ق�ضاياها ظاهرة ق�صيدة‬ ‫وب �خ��ا� �ص��ة ف��ي ال��م��دن ال �ك �ب��رى ال�م��زدح�م��ة النثر بكل ق�ضاياها وجمالياتها و�أ�سئلتها‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪117‬‬


‫هل تراجع ال�شعر في نظر المتلقي �أم في‬ ‫نظر النقاد؟‬ ‫�إذا ك��ان التراجع ف��ي نظر المتلقي االعتيادي‬ ‫ال ��ذي ان �ح��از �إل��ى ال���س��رد‪ -‬ف�ه��ذا ��ش��يء طبيعي؛‬‫لأن ال�شعر ال يحتفل ب�شئون الحياة ونماذج الب�شر‬ ‫وتحوّالت المجتمع الظاهرة التي تحت�ضنها الرواية‪،‬‬ ‫لكنه يحتفل باللغة وجمالياتها‪ :‬الإي�ج��از‪ ،‬المجاز‪،‬‬ ‫الكثافة وال�ت��وت��ر‪ ،‬ور�ؤي �ت��ه الباطنية‪ ،‬وا�ست�شراف‬ ‫الم�ستقبل‪ ،‬واحت�ضان الم�ستحيل‪ ،‬و�إدم��ان الده�شة‬ ‫التي تنبع من عالقات التكوين الن�صي الخا�ص‪ ،‬الذي‬ ‫ال يجرى على �أن�ساق �سابقة يمكن القيا�س عليها؛ �إنه‬ ‫فن (الميتا لغة)‪ .‬لذا‪ ،‬يذهب القارئ ‪ -‬الذي ال يجد‬ ‫نف�سه مع ن�ص يعتمد على لغة ال�شك بو�صفها لغة‬ ‫�أكيدة – �إلى و�سم ال�شعر بالغمو�ض والتراجع‪ ،‬لأنه ال‬ ‫ير�ضي ذائقته االعتيادية‪.‬‬ ‫القراءة المتخ�ص�صة والمتابعة النقدية‬ ‫القراءة المتخ�ص�صة عبر �إجراءات منهجية‪،‬‬ ‫ال تقل كثيرا عن تلك القراءة االعتيادية‪ .‬و�إن‬ ‫نظرة �سريعة في ما يطرح من درا�سات نقدية‪ ،‬تك�شف‬ ‫�سيطرة النقد ال�سردي وتراجع النقد ال�شعري‪� ،‬سواء‬ ‫في ما تطرحه و�سائل الإعالم �أو الم�ؤ�س�سات العلمية‬ ‫والتعليمية‪ ،‬فالن�سبة تراوح من ‪� 3‬إلى ‪ ،1‬تقريبا‪ ،‬هذه‬ ‫الن�سبة الحظتها من خالل متابعتي وعملي الأكاديمي‬ ‫في الدرا�سات العليا في ق�سم اللغة العربية‪� ،‬إذ وجدت‬ ‫�أن معظم الطالب يقبلون على درا���س��ة ال�سرد في‬ ‫مقابل فئة قليلة تقبل على ال�شعر‪.‬‬ ‫وك��ذل��ك ال�م�ط�ب��وع��ات ال�ن�ق��دي��ة ال�ت��ي ت��دف��ع بها‬ ‫دور الن�شر ال�ع��رب�ي��ة‪� ،‬أو م��ا ي�ق��دم ف��ي المجالت‬ ‫* �أكاديمي وكاتب م�صري مقيم في ال�سعودية‪.‬‬ ‫‪ 118‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫ن����������������������������������������������واف����������������������������������������������ذ‬

‫وم�شكالتها التلقائية حينا‪ ،‬والمفتعلة حينا �آخر‪� ،‬إذ‬ ‫كانت هذه الظاهرة �سببا ال منهجيا علق عليه النقاد‬ ‫تراخيهم عن متابعة حركة ال�شعر‪.‬‬

‫المتخ�ص�صة‪ ،‬ي�سيطر عليها نقد ال�سرد‪ ..‬وذلك من‬ ‫خالل متابعتنا الإح�صائية عبر ببلوجرافية الن�شر‬ ‫النقدي‪ ،‬ف��ي ال��وق��ت ال��ذي ي��أت��ى فيه كثير م��ن هذه‬ ‫الدرا�سات يغلب عليها النقد ال�صحفي القائم على‬ ‫التف�سير‪ ،‬بعيدا عن النقد العلمي المو�ضوعي القائم‬ ‫على الإج����راءات المنهجية التي تحلّل الظاهرة‪،‬‬ ‫وتك�شف �أبعادها خارج �إطار الذوق ال�شخ�صي‪.‬‬ ‫�إن معظم القراءات النقدية لعالم ال�سرد يعتمد‬ ‫على طريقة �شرح ال��رواي��ة �أو تلخي�صها‪ ،‬ك ��أن تعاد‬ ‫الرواية بتمام ن�صو�صها في التناول النقدي‪� ،‬إ�ضافة‬ ‫�إل��ى الركاكة والتغريب ف��ي لغة التناول والأخ�ط��اء‬ ‫الفادحة والترهل والثرثرة‪.‬‬ ‫كما �أن االحتفال النقدي عبر الم�ؤتمرات الثقافية‬ ‫والنقدية التي تعقد في معظم �أرجاء الوطن العربي‪،‬‬ ‫ي�ؤكد هيمنة الم�شهد ال�سردي �إذا دققنا النظر في‬ ‫عدد الم�ؤتمرات‪ ..‬وما يتمخ�ض عنها من مطبوعات‬ ‫في مقابل تراجع النقد ال�شعري‪.‬‬ ‫كما �شهدت �سنوات �صعود الإبداع الروائي‪� ،‬صعودا‬ ‫نقديا �أ�سهم في ظهور �أ�سماء المعة في معظم �أقطار‬ ‫ال��وط��ن العربي م��ن ال�شيوخ وال�شباب‪ .‬ف��ي الوقت‬ ‫الذي تحوّل فيه بع�ض النقاد من نقد ال�شعر �إلى نقد‬ ‫الرواية‪.‬‬ ‫ون�ستطيع �أن ن ��ؤك��د �أن ه�ن��اك ع��وام��ل �أخ��رى‪-‬‬ ‫�إ�ضافة�إلى ما�سبق‪� -‬أدت �إلى �ضجيج نقد الرواية في‬ ‫مقابل هم�س في نقد ال�شعر‪ ..‬منها ما هو �إعالمي �أو‬ ‫اقت�صادي �أو نف�سي �أو �إدراكي �أو معرفي‪.‬‬ ‫و�أخ�ي��راً‪ ،‬هل �سينه�ض ج��واد النقد ال�شعري من‬ ‫كبوته وي��دخ��ل ف��ي حلبة ال�سباق م��ع ج ��واد النقد‬ ‫ال�سردي؛ حتى ن�ستطيع �أن نقر�أ الرغبات والنزاعات‬ ‫الفطرية والمكت�سبة‪ ،‬وحاجتنا الما�سّ ة للتجريب‬ ‫الدائم والم�ساءلة وجماليات اللحظة الراهنة؟!‬

‫اللغة وق�صيدة النثر‬ ‫■ عبدالهادي �صالح*‬

‫تمثّل اللغة ال�سالح الأه��م ال��ذي يمتلكه ال�شاعر في كتابة الق�صيدة‪ ،‬واالع��ت��داد‬ ‫بما يمتلكه من مهارات وق��درات‪ ،‬في �إيجاد القرابة اللغوية بين الكلمات وا�ستحداث‬ ‫عالقات جديدة بينها‪ ،‬و�إذا لم تكن هذه المهارة �أو القدرة في يد ال�شاعر؛ ف�أغلب الظن‬ ‫�أن الق�صيدة �ستخرج مقلَّدة وغير مبتكرة �أو محدثة‪.‬‬ ‫ال يمكن في الواقع �أن تح�ضر اللغة في �شكل �شعري كق�صيدة النثر من دون �أن‬ ‫تكون ابنة ع�صرها؛ �أي �أن تكون في كامل ر�شاقتها وحداثتها‪ ،‬مبتكرة في معانيها‪،‬‬ ‫غير مُخلّة ب�أي قاعدة من قواعد النحو وال�صرف العربي الأ�صيل‪ .‬وال�شاعر حينئذ ال‬ ‫ُب َّد و�أن يكون على وعي تام بالمهارة الم�شار �إليها �آنفاً‪ ،‬وا�ستخال�ص مفردات الق�صيدة‬ ‫مما هو م�ألوف في حياة النا�س؛ وكلما كانت اللغة �أكثر قرباً منهم كانت الق�صيدة �أكثر‬ ‫ا�ستئنا�ساً ومودة بينهم‪.‬‬ ‫�إن �إل�صاق مفردات المعاجم والقوامي�س ع��ن ع�صرها وزم��ان�ه��ا‪ ،‬ولربما �أ�شعرت‬ ‫بق�صيدة كق�صيدة ال�ن�ث��ر‪ ،‬ه��و ن��وع من القارئ بالنفور �أو الهروب من ال�شعر‪ ،‬ككل‪.‬‬ ‫المخاطرة‪ ..‬و�أعني �أي مفردة تُ�ستخرج‬ ‫من المفيد الإ��ش��ارة هنا �إل��ى ق�صيدة‬ ‫من القامو�س ا�ستخراج ًا و ُي��ز ُّج بها عنوة �شاعر حقق نبوغ ًا الفت ًا في لغة الق�صيدة‪،‬‬ ‫في ثنايا الق�صيدة؛ فت�سيطر على كيانها‪ ،‬وعدَّه النقاد �شفيعا لق�صيدة النثر العربية‪،‬‬ ‫وتكبَّل �صورها ال�شعرية‪ ،‬وتقلَّل من حيويتها لي�س لأنه �صانع لغة فح�سب؛ بل لأن محمد‬ ‫وحركة مو�سيقاها الداخلية؛ فتخرج غريبة ال��م��اغ��وط ا���س��ت��ط��اع �أن ي��ب��ره��ن ع��ل��ى �أن‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪119‬‬


‫ومثل هذه اللغة الراقية والفاتنة‪� ،‬سنجدها‬ ‫عند �شاعر م�صري �شاب‪ ،‬هو عماد �أبو �صالح‪،‬‬ ‫ويقول‪« :‬ح��اول في ال�صباح �أن ينه�ض قبل �أن‬ ‫يوقظه عامل الحديقة بخرطوم المياه‪ /‬لكن‬ ‫الع�شب كان قد نبت في ج�سده كله‪ /‬فرح لأنه‬ ‫لم ي�شعر بحرارة ال�شم�س‪ /‬ولأن��ه �سينام على‬ ‫راحته دون �أن ينهره �أحد‪ /‬م ّر يوم يومان �أيام‬ ‫كثيرة‪ /‬وهو لم يعد يرغب في النهو�ض‪ /‬و�شيئا‬ ‫ف�شيئا تحلَّل ج�سده تماماً‪ /‬لم يعد منه �سوى‬ ‫ابت�سامة خفيفة تحرك الن�سيم حين ينادي‬ ‫ب��ائ��ع ال�ب��ال��ون��ات‪ /‬ث�لاث ق�ب�لات قديمة كانت‬ ‫لبنت الجيران تحجّ رت حتى �أنها تدمى �أقدام‬ ‫الأطفال الذين يتقافزون فوقه‪/‬خوف يرع�ش‬ ‫الع�شب حين تغادر �آخ��ر �أ�سرة ويبقى وحيداً‪/‬‬ ‫ي� ٌأ�س يجعله �أحيان ًا ال ينبت للحياة في الربيع‬ ‫ويظل بقعة جرداء ب�شكل رجُ ل تتو�سط الحديقة»‪.‬‬ ‫* �شاعر و�إعالمي من ال�سعودية‪.‬‬ ‫‪ 120‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫ن����������������������������������������������واف����������������������������������������������ذ‬

‫الق�صيدة تولد من بيئتها‪ ،‬ولي�س بينها وبين‬ ‫النا�س قطيعة �أو غربة‪ ،‬يقول الماغوط‪« :‬يطيب‬ ‫لي كثير ًا يا حبيبة‪� /‬أن �أجذب يدك بعنف‪� /‬أن‬ ‫�أفقد ك�آبتي �أمام ثغرك الع�سلي‪ /‬ف�أنا جارح يا‬ ‫ليلى‪ /‬منذ بدء الخليقة و�أنا عاطل عن العمل‪/‬‬ ‫�أدخّ ن كثيراً‪ ،‬ولكَم طردوني من حارات كثيرة‪/‬‬ ‫�أنا و�أ�شعاري وقم�صاني الفاقعة اللون‪ /‬غد ًا يحنُّ‬ ‫�إليَّ الأقحوان‪ /‬والمطر المتراكم بين ال�صخور‪/‬‬ ‫وال�صنوبرة التي في دارنا‪� /‬ستفتقدني الغرافات‬ ‫الم�سنة‪ /‬وهي تئن في ال�صباح الباكر‪ /‬حيث‬ ‫القطعان الذاهبة �إل��ى المروج والتالل‪ /‬تحنُّ‬ ‫�إلى عينيَّ الزرقاوين‪ /‬ف�أنا رجل طويل القامة‪/‬‬ ‫وفي خطوتي المفعمة بالب�ؤ�س وال�شاعرية‪ /‬تكمن‬ ‫�أجيال �ساقطة بلهاء‪ /‬مكتنزة بالنعا�س والخيبة‬ ‫والتوتر»‪.‬‬

‫�إن �شعر ًا جميال كهذا ال يمكن �إال و�أن تقف‬ ‫خلفه لغة ط��ازج��ة ور�شيقة‪ ،‬ت�صنع ال�صورة‬ ‫ال�شعرية دون عناء �أو جهد‪ ،‬وتبتكر المعنى ب�أقل‬ ‫ما يمكن من الأحرف والجُ مل‪ ،‬لي�صل ال�شاعر‬ ‫بالقارئ في نهاية الن�ص والده�شة تعتلي محيّاه‪،‬‬ ‫وتبقى الق�صيدة في ذهنه حا�ضرة؛ اليوم وغداً‪.‬‬ ‫ال يجب في حقيقة الأمر�أن نتجاهل اللغة التي‬ ‫ي�ستخدمها �أي �شاعر عندما نتحدث عن �إ�شكالية‬ ‫تلقِّي ق�صيدة النثر لدى الجمهور؛ فاللغة قادرة‬ ‫على ا�ستقطاب القراء �أو ا�ستبعادهم‪ .‬وعلى‬ ‫�شعراء ق�صيدة النثر عدم تجاهل هذا القارئ‬ ‫�أو التعالي عليه بتعقيد اللغة وتعتيم المعنى‪،‬‬ ‫و�إ�شعاره بعدم القدرة على التعاي�ش معها‪.‬‬ ‫م��ا �سبق‪ ،‬ال يعني �أن�ن��ا نتنكر لتاريخ اللغة‬ ‫العربية‪ ،‬وجواهرها‪ ،‬وبالغتها من المفردات‬ ‫والمعاني‪� ،‬أو نفيها وع��دم االعتزاز بها؛ لكننا‬ ‫ن�شدّد على �أن اللغة تولد في ع�صرها‪ ،‬وتخرج من‬ ‫بيئتها‪ ،‬وت�ضاف �إلى معاجم اللغة وقوامي�سها‪،‬‬ ‫وال�شعراء �أ�شجع النا�س في المبادرة بتوظيفها‬ ‫وا�ستخدامها؛ �ألي�ست اللغة تنتقل بانتقال‬ ‫ال�شعوب وحياتها من خالل التجريب والممار�سة‬ ‫�إلى ما هو �أحدث و�أجدّ؟!‬

‫الهند�سة والمجتمع‬

‫ت�صميم الم�سكن �أنموذج ًا‬ ‫■ مهند�س‪� :‬صالح بن ظاهر الع�شي�ش*‬

‫الهند�سة كلمة معرّبة عن كلمة �إندازة الفار�سية‪،‬‬ ‫وت��ع��ن��ي ال���م���ق���ادي���ر (ت���ق���دي���ر م���ج���اري ق��ن��ى ال��م��ي��اه‬ ‫وم��وا���ض��ع��ه��ا)‪ ،‬وم��ن��ه��ا ا���ش��ت��ق��ت ال���ه���ن���دزة ف���ي ال��ل��غ��ة‬ ‫الفار�سية‪ ،‬ف�صيرت ال��زاي �سيناً في الإع����راب(‪� ،)1‬أما‬ ‫القامو�س المحيط فيقدم ثالثة تعاريف للهند�سة‬ ‫وهي‪:‬‬ ‫العلمية في بناء الأ�شياء وتنظيمها‪،‬‬ ‫وتقويمها‪ .‬وه��و ما يعرف بالهند�سة‬ ‫التطبيقية‪.‬‬

‫‪1.1‬ال�ع�ل��م ال��ري��ا� �ض��ي ال���ذي ي�ب�ح��ث في‬ ‫الخطوط والأبعاد وال�سطوح والزوايا‬ ‫والكميات والمقادير ال�م��ادي��ة؛ من‬ ‫حيث خوا�صها وقيا�سها‪� ،‬أو تقويمها‬ ‫ك �م��ا �أن ه �ن��اك ت �ع��اري��ف �أخ � ��رى في‬ ‫وعالقة بع�ضها ببع�ض‪.‬‬ ‫�أدب �ي��ات الهند�سة مثل‪ :‬ال�ق��درة على حل‬ ‫‪2.2‬المبادئ والأ��ص��ول العلمية المتعلقة الم�شكالت الفنية‪ ،‬و�أي�ض ًا تعني التطبيقات‬ ‫ب �خ��وا���ص ال��م��اده وم �� �ص��ادر ال�ق��وى التي تح�صل عليها من �أي ن��وع من �أن��واع‬ ‫الطبيعية وطرق ا�ستخدامها لتحقيق المعرفة‪ ،‬والتي تخوّلنا �إلى بناء �أو تعديل‬ ‫�أغ ��را� ��ض م ��ادي ��ة‪ .‬وه ��ي م��ا ي�ع��رف وحتى �صيانة جهاز �أو نظام‪.‬‬ ‫بالهند�سة النظرية‪.‬‬ ‫�أما تعريف الهند�سة عند �شيخ الإ�سالم‬ ‫‪3.3‬ف��ن الإف���ادة م��ن ال�م�ب��ادئ والأ� �ص��ول ابن تيمية رحمه اهلل في معر�ض رده على‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪121‬‬


‫ن����������������������������������������������واف����������������������������������������������ذ‬

‫ي�ؤديها‪ ،‬تبد�أُ بالإيواء‪ ،‬وتنتهي بتحقيق الذات‪،‬‬ ‫م��رور ًا بالخ�صو�صية والإنتاجية والن�شاطات‬ ‫الف�سيولوجية واالجتماعية والفكرية والتربوية؛‬ ‫ول�ك��ون ه��ذه الوظائف تت�أثر بهذه الن�شاطات‬ ‫المتكئة على العادات والتقاليد وال�سلوك‪ ،‬ومن‬ ‫ثَمَّ ال بُد للم�سكن من تلبيتها‪ ،‬وال بُد للت�صميم‬ ‫من تحقيق ذلك‪.‬‬ ‫�إن بناء الم�سكن يبد�أ من الت�صميم‪ ،‬ولهذا‬ ‫�أخذناه كنموذج للعالق ِة بين الهند�س ِة والمجتمع‪.‬‬

‫اب‬ ‫�أرباب العلوم الدنيوية فقال «ف�إنَّ عِ لْمَ الحِ �سَ ِ‬ ‫الَّذِ ي هُ َو عِ ْل ٌم بالكَمِّ ال ُم ْنف َِ�صلِ ‪ ،‬وال َهنْدَ �سَ ِة ا َّلتِي‬ ‫هِ يَ عِ ْل ٌم بالكَمِّ ال ُمت َِّ�صلِ عِ ْل ٌم َي ِق ْينِيٌّ ال يَحْ تَمِ لُ‬ ‫ال َّن ِقي َْ�ض ال َب َّتةَ»‪.‬‬

‫��ش��ؤون��ه‪ ،‬وم��ن �شبكة العالقات ه��ذه يتكون ما‬ ‫ي�سمى بالعرف والعادات والتقاليد‪ ،‬وهي التي‬ ‫ت�ؤطر �سلوك المجتمع‪ ،‬وت�شكل طبيعة تعامالت‬ ‫�أفراده‪ ،‬وهذا يقودنا �إلى تعريف كلٍّ من العادات‬ ‫والتقاليد وال�سلوك‪.‬‬

‫�أم��ا تعريف المجتمع ل��غ��ة‪ ً،‬فهو م�شت ٌق من‬ ‫ج�م��ع‪ ،‬وه��و �ضم الأ��ش�ي��اء المُتفقة‪ ،‬وه��و �ضد‬ ‫العادات‪ :‬هي جمع عادة‪ ،‬وهي من الفعل تعَّودَ‪،‬‬ ‫التفريق والإف ��راد‪ ،‬ويعني مو�ضع االجتماع �أو وه��و ما يح�صل بالتكرار حتى ي�صبح ديدناً‪،‬‬ ‫الجماعة من النا�س‪.‬‬ ‫وال�ع��ادات تعني بالمفهوم العام لدى النا�س‪..‬‬ ‫ويعرّفه علماء االجتماع على �أنه‪« :‬مجموعة هي تلك الأ�شياء التي درج �أفراد المجتمع على‬ ‫من النا�س ت�شكّل نظام ًا ن�صف مغلق‪ ،‬يت�شكل من عملها �أو القيام بها �أو االت�صاف بها‪� ،‬إذ ال يجد‬ ‫�شبكة عالقات بينها؛ �أو هي مجموعة من النا�س المرء غراب ًة في فعلها‪ ،‬بل يجد غراب ًة في عدم‬ ‫تعي�ش �سوية ً في �شكل ٍ منظم‪ ،‬و�ضمن جماع ٍة القيام بها �أو االت�صاف بها‪ ،‬وت�ستمد وجودها‬ ‫منظم ٍة تقطن في موقعٍ جغرافيٍ معينٍ ‪ ،‬ترتبط من الفطرة االجتماعية‪ ،‬وهي بذلك تُمار�س من‬ ‫فيما بينها بعالقات ثقافي ٍة واجتماعي ٍة ي�سعى كل خالل �سلطة المجتمع القائمة على قبول �أفراده‬ ‫واحدٍ منهم لتحقيق الم�صالح واالحتياجات»‪ .‬لها‪.‬‬ ‫�أم��ا التقاليد‪ :‬جمع لكلمة تقليد‪ ،‬وه��ي من‬ ‫ح�ي��ن ي �ك��ون مجتم ٌع م��ا‪ ،‬تن�ش�أ �شبكة من‬ ‫العالقات االجتماعية والثقافية كما ورد في الفعل قلَّدَ ‪ ،‬ومعناها �أن يقلد جي ٌل �أ�ساليب وطرق‬ ‫التعريف �آنفاً؛ هذه ال�شبكة من العالقات تنظم الجيل الذي قبله وي�سير عليها‪� ،‬أي يتبعه ويحاكيه‬ ‫عمليات التعامل بين �أفراد هذا المجتمع وت�سير من دون حج ٍة �أو دليلٍ ‪ .‬وفي كتاب المنجد يُعرَّف‬

‫‪ 122‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫يُع ُد الت�صميم المكون من وثائق تحتوي على‬ ‫المخططات المعمارية والهند�سية وموا�صفات‬ ‫وجداول كميات‪ ،‬هي المرحلة الأولى في �إيجاد‬ ‫الم�سكن‪ ،‬وه��ذه المرحلة ت�ؤ�س�س لمرحلة بناء‬ ‫الم�سكن وت�شييده؛ فمرحلة البناء تتم وفق ما‬ ‫التقليد ب�أنه ما انتقل �إلى الإن�سان ون�ش�أ عليه من ت�ضمنته وثائق الت�صميم الم�شار �إليها �آنفاً‪.‬‬ ‫�آبائه ومعلميه ومجتمعه من العادات وال�سلوك‬ ‫ف��الأع��راف والتقاليد وال�سلوك ت��ؤث��ر على‬ ‫وغيرها‪ .‬وعند علماء االجتماع‪ ..‬هي �سلوك �أو الت�صميم المعماري ومخرجاته للم�سكن‪ ،‬فما‬ ‫نمط من ال�سلوك يتغير بتغير الأزمنة وتعاقب هو م��وج��و ٌد في مجتمعٍ م��ا‪ ،‬يختلف عن ما هو‬ ‫الأج �ي��ال‪ ،‬يختلف ع��ن ال�ع��ادة بقبول المجتمع م��وج��ود ف��ي مجتمعٍ �آخ��ر‪ ،‬وم��ا ه��و مقبو ٌل من‬ ‫و�سلوك ل��دى مجتمعٍ م��ا‪ ،‬هي‬ ‫ٍ‬ ‫�راف وتقاليدٍ‬ ‫عموم ًا له من دون موانع‪ ،‬عدا التم�سك بما عليه �أع� ٍ‬ ‫الأ�سالف‪.‬‬ ‫مرفو�ض ٌة عند مجتمعٍ مغايرٍ ‪ ،‬وهكذا‪.‬‬ ‫و�أما ال�سلوك‪ :‬فيعرفه المخت�صون ب�أنه كل‬ ‫الأفعال والن�شاطات التي ت�صدر عن الفرد �سوا ًء‬ ‫كانت ظاهر ًة �أم م�ستترة‪ ،‬وال�سلوك لي�س �شيئ ًا‬ ‫ثابتاً‪ ،‬ولكنه يتغير وفق م�ؤثرات البيئة المحيطة‪.‬‬ ‫ما تقدم‪ ،‬كان تمهيد ًا ال بُد منه لتبيان مدى‬ ‫ت�أثير العادات والتقاليد وال�سلوك على العمل‬ ‫الهند�سي‪ ..‬وتحديد ًا ت�صميم الم�سكن‪ ،‬وهو‬ ‫مو�ضوع هذا المقال‪.‬‬ ‫ل�ك��ل م�ج�ت�م��عٍ ع��ادات��ه وت�ق��ال�ي��ده و��س�ل��وك��ه‪،‬‬ ‫ولكون الم�سكن له وظيف ٌة �أو وظائف ال بُد �أن‬

‫ولكون الم�سكن مت�أثر ًا بها‪ ،‬لهذا يجب على‬ ‫مخرجات الت�صميم المعماري للم�سكن مراعـاة‬ ‫المجتمع الإ�سـالمي المحافظ‪ ،‬ففي هذا المجتمع‬ ‫يف�صل ال��رج��ال والن�ساء الأج��ان��ب (بالمعنى‬ ‫ال�شرعي)‪ ،‬لذلك يلزم ت�صميم الم�سكن �أن يكون‬ ‫بمدخلين‪ ،‬مع وجود مجل�س ال�ستقبال الزوار من‬ ‫الرجال‪ ،‬و�آخر ال�ستقبال الزائرات من الن�ساء‪،‬‬ ‫على �أن ال يكونا متجاورين‪ ،‬وال ي�سمحا بانتقال‬ ‫ال�صوت‪ ،‬كذلك مراعاة خ�صو�صية الجيرة‪ ،‬فال‬ ‫يك�شف جا ٌر بيتَ جارهِ؛ �إذ على الم�صمم �أن ي�أتي‬ ‫بالحلول الهند�سية لتحقيق ذلك‪ ،‬وهي ممكن ٌة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪123‬‬


‫�شرط �أن نُعمِ ل ملكة الإبداع في الت�صميم‪ .‬ومن‬ ‫الأمثلة �أي�ض ًا لتلك المراعاة �أن تكون هناك‬ ‫حري ًة لحركة �أهل البيت في الو�صول �إلى مختلف‬ ‫عنا�صر المنزل‪ ،‬حتى مع وجود زوار وزائرات‪،‬‬ ‫فال ينبغي �أن يكون وجود ه�ؤالء الزوار �سبب ًا في‬ ‫�أن يح ّد من حركة �أه��ل البيت واالنتظار حتى‬ ‫ي �غ��ادروا‪ .‬كما تكثُر ف��ي مجتمعنا المنا�سبات‬ ‫الكبيرة‪ ،‬ما يتطلب معه وجود مجال�س ال�ستقبال‬ ‫ال�ضيوف تفي بالغر�ض‪ ،‬ومعها وج��ود �صاالت‬ ‫طعام منا�سبة‪ ،‬كذلك �سهولة تزويدها بالطعام‬ ‫من الخارج من دون �أن ي�شعر بذلك ال�ضيوف‪،‬‬ ‫وهذا �أي�ض ًا يتطلب وجود مغا�سل كافية عدداً‪،‬‬ ‫ك��ون ال�ضيوف ي�ستخدمون �أيديهم ف��ي الأك��ل‬ ‫بخالف مجتمعات �أخرى‪.‬‬ ‫ولكون هذا المجتمع مجتمع ًا �إ�سالمي ًا ‪ -‬بحمد‬ ‫اهلل‪ -‬كما �أ�سلفنا‪ ،‬عماده الترابط والرحمة‪،‬‬ ‫ل��ذا توجد �أحيان ًا في الآن نف�سه ثالثة �أجيال‬ ‫تقيم في المنزل ال��واح��د (الأج ��داد‪ ،‬الأب�ن��اء‪،‬‬

‫الأح��ف��اد)‪ ،‬ول��ذل��ك‪ ،‬ال بد من المحافظة على‬ ‫خ�صو�صية ك��لٍ منهم‪ ،‬فتكون هنالك فراغات‬ ‫ل�ل�أب��وي��ن (ال� �ج ��دان)‪ .‬كما �أن ه��ذا الترابط‬ ‫الأ�سري يفر�ض في �أحيان كثيرة بقاء الأبناء �أو‬ ‫بع�ضهم بعد �أن يكبروا ويتزوجوا‪ ،‬لذا ال بد �أن‬ ‫يكون ت�صميم الم�سكن قابال للتو�سعة الر�أ�سية‬ ‫�أو الأف�ق�ي��ة ال�ستيعاب ه��ذه الأ� �س��ر الجديدة‪.‬‬ ‫وبوجود عادة ال�ضيافة والكرم وهي من مكارم‬ ‫الأخالق‪ ،‬فال بُد من وجود فراغ بمنافعه لمبيت‬ ‫ال�ضيوف القادمين من خ��ارج المدينة‪� ،‬سوا ًء‬ ‫كانوا �أقارب �أم معارف‪ .‬ونظر ًا لوجود بحبوح ًة‬ ‫من العي�ش و�سع ًة في الرزق والحمد هلل‪ ،‬فوجود‬ ‫�سائق وخادمة �أ�صبحا من الظواهر االجتماعية‪،‬‬ ‫فال بُد للمنزل �أن يت�ضمن فراغ ًا معماري ًا لكلٍ‬ ‫منهما‪ ،‬م��ع م��ا يترتب على ذل��ك م��ن �سهولة‬ ‫الحركة وت�أدية الوظيفة المناطة بكلٍ منهما‪،‬‬ ‫بي�سر وفاعلية‪.‬‬

‫* مهند�س وكاتب من ال�سعودية‪.‬‬ ‫(‪ )1‬كتاب [مفاتيح العلوم] للخوارزمي‪ ،‬الباب‪ :‬الخام�س‪� ،‬صفحة‪. 85 :‬‬

‫‪ 124‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫� �ص��در ح��دي�ث��ا ع��ن ب��رن��ام��ج ال�ن���ش��ر بم�ؤ�س�سة‬ ‫عبدالرحمن ال�سديري الخيرية كتاب يدر�س القيم‬ ‫والعالقات االجتماعية‪ ،‬والعالقات بين النا�س في‬ ‫الحياة اليومية في منطقة الجوف‪ ،‬من خالل درا�سة‬ ‫نماذج ل�شعراء نبطيين فيها‪.‬‬ ‫ج��اء ال�ك�ت��اب ف��ي (‪� )206‬صفحات م��ن القطع‬ ‫ال �م �ت��و� �س��ط‪ ،‬در�� ��س ف �ي��ه ال �ب��اح��ث ت�ق�ي�ي��م ال �ح �ي��اة‬ ‫الأنثروبولوجية الثقافية واالجتماعية ب�ساكنيها‪،‬‬ ‫ومنها المو�ضوعات الذكورية عند ال�شعراء الجوفيين‪،‬‬ ‫والمو�ضوعات الأنثوية‪ ،‬وم�ضامين عامة‪ ,‬وخا�صة؛‬ ‫ومنها ما ك��ان حكايات �أو ع��ادات �أو غير ذل��ك‪ .‬ثم‬ ‫در�س الثقافة الإبداعية للعيّنة المختارة من �شعراء‬ ‫الجوف؛ بغر�ض البحث عن الوجه الذي يُكمل الحياة‬ ‫الأنثروبولوجية‪ ،‬وه��و الوجه الإب��داع��ي ال��ذي يخ�ص‬ ‫(�أنا) ال�شاعر ويكمل وجه (نحن) المجتمع‪.‬‬ ‫وت�ضمن الكتاب نماذج لع�شرين �شاعر ًا من الجوف‪،‬‬ ‫وهم‪ :‬خالد البليهد‪ ،‬خالد الحميد‪ ،‬خ�ضير ال�شمري‪،‬‬ ‫خلف ال�شراري‪ ،‬خلف العي�سى‪ ،‬داب�س المرخان‪ ،‬زايد‬ ‫الخلف‪� ،‬سهو ال�شمري‪� ،‬شهاب الجنيدي‪ ،‬عبدالرحمن‬ ‫البازعي‪ ،‬الأمير عبدالرحمن بن �أحمد ال�سديري‪،‬‬ ‫ع �ب��دال �ه��ادي ال�ن���ص�ي��ري‪ ،‬ع�ب�ي��داهلل القنيفد‪ ،‬عيد‬ ‫الخمعلي‪ ،‬عيد النعيم‪ ،‬غ�ضبان ال�سرحاني‪ ،‬محمد‬ ‫الطراد‪ ،‬محمد العطا‪ ،‬محمد العوي�ضة‪ ،‬هالل ال�سياط‪.‬‬

‫ق��������������������������������������������������������������������������������������راءات‬

‫الكتاب‪ :‬الدالالت الأنرثوبولوجية عند �شعراء‬ ‫من اجلوف‬ ‫امل�ؤلف‪ :‬د‪ .‬جمال علي اخلطيب‬ ‫النا�شر‪ :‬م�ؤ�س�سة عبدالرحمن ال�سديري‬ ‫�سنة الن�شر‪1435 :‬هـ (‪2014‬م)‬

‫الكتاب ‪ :‬هل كان قلبي معي‬ ‫امل�ؤلف‪ :‬عبدالكرمي النملة‬ ‫النا�شر‪ :‬دار �أزمنة للن�شر والتوزيع – عمان –‬ ‫الأردن ‪2013‬م‬

‫«ه��ل ك��ان قلبي معي» كتاب يت�ضمن العديد‬ ‫من الق�ص�ص الق�صيرة منها‪ :‬ن�شوة هاربة‪..‬‬ ‫و�إح�سا�سات �صغيرة‪ ..‬وحدثني �صاحبي‪ ..‬ونحو‬ ‫ال�شم�س‪ ..‬وك�ن��ا ي��وم � ًا ه �ن��اك‪ ..‬ول�ست �أن ��ت‪..‬‬ ‫وهموم‪ ..‬وامتطاء الزمن القديم‪ ..‬وقاع الألم‪..‬‬ ‫يقول في �إحدى ق�ص�صه‪:‬‬ ‫«فتح العلبة المغلفة تغليف ًا ف��اخ��راً‪ .‬كانت‬ ‫الهدية قلم ًا من الذهب الخال�ص‪ ،‬تتلألأ حبات‬ ‫الألما�س الحر في م�شبكه‪ .‬فرح‪ .‬قلّب القلم مرات‬ ‫�أمام عينيه‪ .‬بدا له القلم قيماً‪ .‬كان بحاجة فع ًال‬ ‫�إلى قلم ي�سري ناعم ًا على الورق‪� .‬إذ �إن �أفكاره‬ ‫القيمة و�أدبه الجميل ال يمكن �أن ين�سابا على ورق‬ ‫�أبي�ض نا�صع البيا�ض �إال بقلم مثل هذا القلم‪.‬‬ ‫�أعد طقو�س الكتابة بعناية‪ ،‬و�ضع الورق الأبي�ض‬ ‫النا�صع البيا�ض �أم��ام��ه على ال�ط��اول��ة‪ ،‬وع��دل‬ ‫الكر�سي في و�ضع مريح‪ ،‬تناول القلم الفاخر وبد�أ‬ ‫يكتب �أفكاره و�آراءه‪ .‬القلم كان ي�سير �سل�س ًا على‬ ‫الورق وبنعومة‪ .‬بعد �أن انتهى من الكتابة اكت�شف‬ ‫�أن الورقة �أمامه ما زالت بي�ضاء»‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪125‬‬


‫� �ص��درت ح��دي�ث��ا المجموعة‬ ‫الق�ص�صية ال �ث��ان �ي��ة للكاتبة‬ ‫ال�سعودية زكية نجم التي جاءت‬ ‫ب�ع�ن��وان (ظ�ل�ال ب�ي���ض��اء)‪� ،‬إذ‬ ‫�سبق لها �أن �أ�صدرت مجموعتها‬ ‫الق�ص�صية الأول��ى عام ‪1994‬م‬ ‫ب �ع �ن��وان «الآخ � � ��رون م��ا زال ��وا‬ ‫يمرون»‪.‬‬ ‫ج� � ��اءت ه � ��ذه ال �م �ج �م��وع��ة‬ ‫ف��ي (‪� )88‬صفحة م��ن القطع‬ ‫ال�صغير‪ ،‬كما جاءت المجموعة‬ ‫م��زدان��ة ب �ل��وح��ة غ�ل�اف �آث ��رت‬ ‫ال �ق��ا� �ص��ة زك� �ي ��ة �أن ت�ب��دع�ه��ا‬ ‫بنف�سها‪ ،‬فتكاملت ل�ه��ا ر�ؤي ��ة‬ ‫الم�ضمون والغالف‪.‬‬ ‫ومن �أج��واء هذه المجموعة‪:‬‬ ‫«ل���م �أدرك لحظتها �أن تلك‬ ‫الخفقة الخاطفة التي باغتت‬ ‫�� �ص ��دري � �س �ي �ك��ون ل �ه��ا � �ص��دق‬ ‫ال�ن�ب��وءات التي ي��ؤرخ�ه��ا الحب‬ ‫ع �ل��ى ج� ��دران ال �ق �ل��وب عندما‬ ‫ترتاد مزاراته»‪.‬‬ ‫‪ 126‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬

‫امل�ؤلف ‪ :‬د‪ .‬عبدالرحمن بن �أحمد اجلعفري‬ ‫النا�شر ‪ :‬امل�ؤلف نف�سه ‪1435 -‬هـ (‪2014‬م)‬

‫ي� �ق ��دم ال� �ك� �ت ��اب ق � ��راءات‬ ‫وت�أمالت للأحداث المحلية في‬ ‫المملكة والوطن العربي‪ ،‬يطرح‬ ‫ال �م ��ؤل��ف ر�أي�� � ًا ح ��ول م��رك��زي��ة‬ ‫المملكة ف��ي معادلة النه�ضة‬ ‫العربية‪ ،‬وي�ستقرئ مخا�ضات‬ ‫النهو�ض في الم�سيرة التنموية‪،‬‬ ‫وم�آالت الثورات التي مرت وتمر‬ ‫بها الأم ��ة العربية‪ .‬يقول عن‬ ‫جيل ع�صره «كان همّنا الأكبر‬ ‫في �أي��ام الدرا�سة‪ ،‬وف��ي عقود‬ ‫ال�ستينيات وال�سبعينيات من‬ ‫ال �ق��رن المن�صرم‪ ،‬ه��و وح��دة‬ ‫ال��وط��ن وت �ق��دم��ه وت �ط��وي��ره‪..‬‬ ‫ال ��وط ��ن ف ��ي ت �ل��ك الأي� � ��ام لم‬ ‫يكن يقف عند ح��دود المملكة‬ ‫ال�ع��رب�ي��ة ال���س�ع��ودي��ة‪ ،‬ب��ل ك��ان‬ ‫يتعداها �إل ��ى ال��وط��ن العربي‬ ‫الكبير‪ .‬كنا عروبيين من دون‬ ‫ت�ح�زّب‪ ،‬و�إ�سالميين م��ن دون‬ ‫ت �ع ��ّ��ص��ب‪ ،‬ج �ي�ل�اً ي �ط �م��ح �إل ��ى‬ ‫ال �ب �ن��اء‪ ،‬متطلعين �إل���ى ع��زة‬ ‫الوطن العربي ونه�ضة الأمة»‪.‬‬ ‫ي �ع��ر���ض ال �ك �ت��اب لأ� �س �ب��اب‬ ‫وم�سببات الأح� ��داث ال��دائ��رة‬

‫حولنا‪ ،‬ويعزو ذلك الف�شل �إلى‬ ‫ع��دم ب��ن��اء النظم ال�سيا�سية‬ ‫ال��د���س��ت��وري��ة ال �م �ب �ن �ي��ة على‬ ‫الم�شاركة ال�شعبية‪ ،‬والتداول‬ ‫ال�سلمي لل�سلطة‪ ،‬و�سلوكيات‬ ‫ال��والي��ات المتحدة الأمريكية‬ ‫ف��ي المنطقة‪ ،‬ون �ق��د �سيا�سة‬ ‫اال� �س �ت �ب��اق �ي��ة ال �ت��ي اب�ت��دع�ه��ا‬ ‫المحافظون ال��ج��دد‪ ،‬وي��ح��ذّر‬ ‫من الفتن المذهبية التي يجد‬ ‫الطامعون مدخال منها لتحقيق‬ ‫�أه��داف �ه��م ف��ي ت�ج��زئ��ة ال��وط��ن‬ ‫العربي‪ ،‬والحيلولة دون تحقيق‬ ‫�أهداف الأمة في الوحدة‪.‬‬ ‫ي �ق��ع ال �ك �ت��اب ف��ي (‪)192‬‬ ‫�صفحة من القطع المتو�سط‪،‬‬ ‫ويمتاز بقراءة مت�أنية و�شمولية‬ ‫ل �ك �ث �ي��ر م ��ن ال �ق �� �ض��اي��ا ال �ت��ي‬ ‫ا�ستعر�ضها الم�ؤلف‪ ،‬الذي كان‬ ‫ع�ضوا لثالث دورات متتالية‬ ‫ف��ي مجل�س ال �� �ش��ورى‪ ،‬و�شغل‬ ‫م��ن�����ص��ب �أم���ي���ن ع���ام منظمة‬ ‫الخليج لال�ست�شارات ال�صناعية‬ ‫ب��ال��دوح��ة‪ ،‬ث��م م�ح��اف��ظ هيئة‬ ‫االت�صاالت وتقنية المعلومات‪.‬‬

‫خط‬ ‫وا‬ ‫ت‬ ‫ف‬ ‫ي‬ ‫ط‬ ‫ر‬ ‫ي‬ ‫ق‬ ‫ال‬ ‫ن‬ ‫جا‬ ‫ح‬ ‫محا‬ ‫�ضرة للواء عبداهلل ال�سع‬ ‫�ضمن خطة الن�شاط‬

‫دون‬

‫الثقافي‬ ‫النجاح»‪� ،‬ألقاها اللواء طيار لم�ؤ�س�سة عبدالرحمن ال�سد‬ ‫ير‬ ‫ي‪،‬‬ ‫�‬ ‫أق‬ ‫يم‬ ‫ت‬ ‫م‬ ‫حا‬ ‫�ض‬ ‫رة‬ ‫بع‬ ‫متقاعد‬ ‫نوان‪« :‬خطوات في طريق‬ ‫العر�ض بدار الجوف للعلوم م�ساء ي عبداهلل بن عبدالكريم ال�سع‬ ‫دو‬ ‫ن‪،‬‬ ‫ع�‬ ‫ضو‬ ‫م‬ ‫جل‬ ‫�س‬ ‫ال‬ ‫�ش‬ ‫ور‬ ‫وم الأ‬ ‫ى‪ ،‬وذلك في قاعة‬ ‫ال�ضميري‪ .‬تحدث اللواء ال�سعدون عن‪ :‬حد ‪2014/3/9‬م‪� ،‬أدارها مد‬ ‫ير‬ ‫ع‬ ‫ام‬ ‫ا‬ ‫لم‬ ‫�‬ ‫ؤ�‬ ‫س�‬ ‫سة‬ ‫ا‬ ‫ل‬ ‫أ‬ ‫�ست‬ ‫اذ‬ ‫رحلته‬ ‫عقل بن مناور‬ ‫مكتبة �صغيرة وهو في المرحلة المتو�سطة‪ ،‬من القرية �إلى المدينة‪ ،‬وع�ش‬ ‫قه‬ ‫ل‬ ‫لق‬ ‫را‬ ‫ءة‬ ‫ال‬ ‫تي‬ ‫جعل‬ ‫ته‬ ‫يق‬ ‫فالقرا‬ ‫وم بت�أ�سي�س‬ ‫البيئة و�أهمية الوقت والريا�ضة‪ .‬ح�ضر اللقاء ءة �أف�ضل ما يت�سلح به الإن�س‬ ‫ان‬ ‫للت‬ ‫فو‬ ‫ق‪،‬‬ ‫ك‬ ‫ما‬ ‫ت‬ ‫حد‬ ‫ث‬ ‫عن‬ ‫احترام‬ ‫م�ساعد‬ ‫وعدد من �أع�ضاء المجل�س الثقافي منهم ال�شيخ عب المدير العام �سلطان بن في�‬ ‫صل‬ ‫بن‬ ‫عب‬ ‫دال‬ ‫رح‬ ‫من‬ ‫ال‬ ‫�س‬ ‫دي‬ ‫ري‬ ‫دال‬ ‫�إلى الق�سم الن�سائي عبر الدائرة التليفزيونية المغ رحمن الملحم وجمهور من ا‬ ‫لمهتمين‪ ،‬ونقلت المحا�ضرة‬ ‫لقة‪.‬‬ ‫كما نظمت الم�ؤ�س�سة‬ ‫ل‬ ‫قا‬ ‫ً‬ ‫ء‬ ‫لل‬ ‫�ضي‬ ‫ف‬ ‫ل‬ ‫ط‬ ‫ال‬ ‫ب‬ ‫ال‬ ‫مرحلة‬ ‫ال‬ ‫ثانوية‪ ،‬تحدث ال�ضيف فيه‬ ‫عن‬ ‫ق‬ ‫�‬ ‫صة‬ ‫ن‬ ‫جا‬ ‫حه‬ ‫وت‬ ‫ج‬ ‫رب‬ ‫ته‬ ‫في‬ ‫الحياة لتكون حافز ًا للطال‬ ‫عبر الدائرة التليفزيونية ال ب على النجاح ونقل اللقاء‬ ‫مغل‬ ‫المرحلة الثانوية بمدار�س ال قة للق�سم الن�سائي لطالبات‬ ‫رحمانية الأهلية للبنات‪.‬‬

‫الأن�شـ ـ ـ ـ ـط ـ ـ ــة الثقـ ـ ـ ــافيـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــة‬

‫الكتاب ‪ :‬ظالل بي�ضاء‬ ‫(جمموعة ق�ص�صية)‬ ‫امل�ؤلف‪ :‬زكية جنم‬ ‫النا�شر‪ :‬دار الفارابي للن�شر‬ ‫والتوزيع ‪2013‬م‬

‫الكتاب ‪ :‬مع نب�ض الوطن قراءات وت�أمالت يف الأحداث‬

‫■ �إعداد عماد املغربي ‪ -‬اجلوف‬

‫م�شاركة‬ ‫ال‬ ‫م‬ ‫�‬ ‫ؤ‬ ‫�س‬ ‫�س‬ ‫ة‬ ‫ف‬ ‫ي‬ ‫م‬ ‫ع‬ ‫ر‬ ‫�‬ ‫ض‬ ‫الريا�ض للكتاب‬ ‫�شاركت م�ؤ�س�سة عبدال‬

‫رحمن ال�سديري في معر�ض‬ ‫ال‬ ‫ريا‬ ‫�ض‬ ‫ال‬ ‫دو‬ ‫لي‬ ‫لل‬ ‫كتا‬ ‫ب‬ ‫الأول��ى ‪1435‬ه �ـ‪14-4 /‬‬ ‫م‬ ‫ار‬ ‫�س‬ ‫‪014‬‬ ‫‪2‬م‬ ‫)‪،‬‬ ‫و�‬ ‫لهذا العام (‪ 13-3‬جمادى‬ ‫ضم‬ ‫جناح الم�ؤ�س�سة جميع �إ�صدا‬ ‫ودعم الأبحاث‪ ,‬التي تجا‬ ‫وز‬ ‫ت‬ ‫ما‬ ‫ئة‬ ‫وخ‬ ‫م�‬ ‫سة‬ ‫و‬ ‫راتها �ضمن برنامج الن�شر‬ ‫ع�‬ ‫شر‬ ‫(المتخ�ص�صة بالدرا�سات الآثارية) والجوبة‪ .‬ين �إ�صدارا‪� ،‬ضمت الكتب‪ ،‬و‬ ‫جميع �أعداد مجلتي �أدوماتو‬ ‫ل‬ ‫وحظ اهتمام وا�ضح بالكتب ال‬ ‫ج‬ ‫دي‬ ‫دة‬ ‫ال‬ ‫�ص‬ ‫اد‬ ‫رة‬ ‫حد‬ ‫يثا‬ ‫وا‬ ‫وبخا�‬ ‫قتناء الأعداد ال�سابقة‬ ‫صة من قبل طلبة الدرا�سات ا‬ ‫لعل‬ ‫يا‪،‬‬ ‫وا‬ ‫لم‬ ‫ثق‬ ‫من مجلتي الجوبة و�أدوماتو‪،‬‬ ‫في‬ ‫ن‪.‬‬ ‫من‬ ‫ا‬ ‫ل‬ ‫إ‬ ‫عوامل‬ ‫�صدارات الجديدة ال‬ ‫الهجرات ال�سكانية �إلى م‬ ‫كة‬ ‫ال‬ ‫مك‬ ‫رم‬ ‫ة‪،‬‬ ‫تي طرحتها الم�ؤ�س�سة‪ :‬كتاب‬ ‫و‬ ‫كتا‬ ‫ب‬ ‫ند‬ ‫وة‬ ‫ال�ش‬ ‫ال�شعر النبطي (ال‬ ‫عر العربي (ط ‪ .)2‬ومن الكت‬ ‫ب‬ ‫ال‬ ‫تي‬ ‫الق‬ ‫ت‬ ‫�‬ ‫إ‬ ‫طبعة الثانية)‪ ،‬وكتاب ندوة‬ ‫قب‬ ‫اال‬ ‫من‬ ‫ال‬ ‫عبدال‬ ‫جمهور‪ :‬ف�صل من تار‬ ‫رحمن ال�سديري �أمير منطقة‬ ‫ال‬ ‫جو‬ ‫ف‪،‬‬ ‫و‬ ‫يخ وطن و�سيرة رجال الأمير‬ ‫كتا‬ ‫ب‬ ‫عوا‬ ‫مل‬ ‫ا‬ ‫له‬ ‫الع‬ ‫جرات ال�س‬ ‫�صر العثماني‪ ،‬وتخطيط الم‬ ‫كانية �إلى مكة المكرمة خالل‬ ‫دينة المنورة‪ ،‬والجوف وادي‬ ‫الن‬ ‫فاخ‪ ،‬و�آثار المملكة العربية‬ ‫ال�سعودية‪ .‬وبحوث في �آثار‬ ‫ال‬ ‫جوف‪� .‬شارك في العمل في‬ ‫مخلف‪ ,‬وعبداهلل الخ�ض جناح الم�ؤ�س�سة كل من �أحمد‬ ‫يري‪ .‬ك‬ ‫ان �شعار المعر�ض (الكتاب‬ ‫قنطرة ح�ضارة) و�إ�سبانيا‬ ‫هي �ضيف ال�شرف لهذا العام‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ ‪127‬‬


‫ع������ي������ن ع���������ل���������ى اجل���������وب���������ة‬

‫من �إ�صدارات اجلوبة‬

‫الجوبه‪ ..‬والم�ستقبل الواعد‬ ‫■ �أ‪.‬د‪ .‬خالد فهمي*‬

‫ع��رف��تُ مجلة الجوبة منذ‬ ‫�سبعة �أع��وام‪ ،‬وك��ان لها ف�ضل‬ ‫في دعم معرفة جمهور القراء‬ ‫ال��ع��رب ب �م��ا ن �� �ش��رت��ه ل��ي من‬ ‫م�ق��االت وب�ح��وث مخت�صرة‪،‬‬ ‫وهو ما يفتح الباب �أم��ام ما‬ ‫يمكن �أن تقدمه المجالت‬ ‫الثقافية للواقع العربي‪ ،‬من‬ ‫دون التفريط ف��ي التعبير عن‬ ‫الملمح الإقليمي المحلي الذي ت�صدر عنه‪.‬‬

‫ث��ان��ي��ا‪ :‬ت �ق��دي��ر ال �ح��ال��ة‬ ‫النقدية العربية المتنوعة‬ ‫الأ� �ص��وات‪ ،‬والمتعاطية مع‬ ‫المنجز المعا�صر نقديا‪.‬‬ ‫ثالثا‪ :‬العناية بالقراءات‬ ‫النقدية والجمالية التطبيقية‬ ‫لأع�م��ال ال�شعراء العرب على‬ ‫اخ�ت�لاف �أق�ط��اره��م‪ ،‬و�إن بدا‬ ‫اهتمام بالمبدعين ال�سعوديين‬ ‫فهو مفهوم ومقدّر‪.‬‬

‫�إن مجلة الجوبة برهان جيد على ما تملكه‬ ‫رابعا‪ :‬الإ�سهام في خلق التعارف والتوا�صل‬ ‫الأق�لام العربية من طاقات فكرية و�إبداعية بين المثقفين والمبدعين والنقاد العرب‪.‬‬ ‫رفيعة‪.‬‬ ‫خام�سا‪ :‬تقديم �أنموذج حيٍّ لما تتمتع به‬ ‫وهي من جانب �آخر تخدم مجاالت متنوعة منطقة الجوف من تاريخ ح�ضاري طويل وله‬ ‫ت�صب في النهاية في خدمة الثقافة العربية طوابعه ال�شعبية والثقافية المتميزة‪.‬‬ ‫المعا�صرة‪ ،‬ولعل �أهم عالمات تميزها يكمن‬ ‫�ساد�سا‪ :‬التعريف بعدد واف��ر من الأدب��اء‬ ‫فيما ي�أتي‪:‬‬ ‫ال���ش�ب��ان‪ ،‬و�صقل مواهبهم ون�ق��ل �أ�صواتهم‬ ‫�أوال‪ :‬ت�ق��دي��ر ال�ح��ال��ة الإب��داع �ي��ة العربية للقارئ العربي على امتداد العالم العربي‪.‬‬ ‫الم�شرقية والمغربية في فنون القول و�أجنا�س‬ ‫�إن هذه المالمح وغيرها �أ�سهم في �أن تكون‬ ‫الأدب المتنوعة‪ ،‬مع حفاوة ظاهرة بعالمات مجلة الجوبة واح ��دة م��ن المجالت الأدب�ي��ة‬ ‫المعا�صرة في هذه الأعمال التي تتبناها‪.‬‬ ‫والثقافية التي ينتظرها م�ستقبل واعد‪.‬‬ ‫* كلية الآداب ‪-‬جامعة المنوفية‪ -‬م�صر‪.‬‬ ‫‪ 128‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1435‬هـ‬


‫�صدر حديثاً عن برنامج الن�شر يف‬ ‫م�ؤ�س�سة عبدالرحمن ال�سديري‬

43 joba web  

ملف خاص عن علم القراءات القرآنية جديد الجوبه 43 وحوارات صدر العدد الثالث والأربعون من مجلة الجوبة الثقافية، حاملا معه العديد من الموا...