Issuu on Google+

‫درا�سات ونقد‬ ‫ن�صـــــو�ص‬ ‫مواجهـــــات‬ ‫نوافـــذ‬ ‫منتدى األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري‬ ‫في دورته السادسة‬

‫آثار‬

‫المملكة‪ :‬إنقاذ ما يمكن إنقاذه‬

‫‪38‬‬


‫برنامـج نشر الدراسات واإلبداعـات األدبية ودعم البحوث والرسائل العلمية‬ ‫في مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬ ‫‪ -1‬ن�شر الدرا�سات والإبداعات الأدبية‬

‫يهتم بالدرا�سات‪ ،‬والإبداعات الأدبية‪ ،‬ويهدف �إلى �إخراج �أعمال متميزة‪ ،‬وت�شجيع حركة الإبداع‬ ‫الأدبي والإنتاج الفكري و�إثرائها بكل ما هو �أ�صيل ومميز‪.‬‬ ‫وي�شمل الن�شر �أعمال الت�أليف والترجمة والتحقيق والتحرير‪.‬‬ ‫مجاالت الن�شر‪:‬‬ ‫�أ ‪ -‬الدرا�سات التي تتناول منطقة الجوف في �أي مجال من المجاالت‪.‬‬ ‫ب‪ -‬الإبداعات الأدبية ب�أجنا�سها المختلفة (وفق ًا لما هو مب ّين في البند «‪ »٨‬من �شروط الن�شر)‪.‬‬ ‫ج‪ -‬الدرا�سات الأخرى غير المتعلقة بمنطقة الجوف (وفق ًا لما هو مب ّين في البند «‪ »٨‬من �شروط الن�شر)‪.‬‬ ‫�شروطه‪:‬‬ ‫‪� -١‬أن تت�سم الدرا�سات والبحوث بالمو�ضوعية والأ�صالة والعمق‪ ،‬و�أن تكون موثقة طبق ًا للمنهجية العلمية‪.‬‬ ‫‪� -٢‬أن ُتكتب المادة بلغة �سليمة‪.‬‬ ‫‪� -٣‬أن ُيرفق �أ�صل العمل �إذا كان مترجم ًا‪ ،‬و�أن يتم الح�صول على موافقة �صاحب الحق‪.‬‬ ‫‪� -٤‬أن ُتقدّم المادة مطبوعة با�ستخدام الحا�سوب على ورق (‪ )A4‬ويرفق بها قر�ص ممغنط‪.‬‬ ‫‪� -٥‬أن تكون ال�صور الفوتوغرافية واللوحات والأ�شكال التو�ضيحية المرفقة بالمادة جيدة ومنا�سبة للن�شر‪.‬‬ ‫‪� -٦‬إذا كان العمل �إبداع ًا �أدبي ًا فيجب �أن ي ّت�سم بالتم ّيز الفني و�أن يكون مكتوب ًا بلغة عربية ف�صيحة‪.‬‬ ‫‪� -٧‬أن يكون حجم المادة ‪ -‬وفق ًا لل�شكل الذي �ست�صدر فيه ‪ -‬على النحو الآتي‪:‬‬ ‫ الكتب‪ :‬ال تقل عن مئة �صفحة بالمقا�س المذكور‪.‬‬‫ البحوث التي تن�شر �ضمن مجالت محكمة ت�صدرها الم�ؤ�س�سة‪ :‬تخ�ضع لقواعد الن�شر في تلك‬‫المجالت‪.‬‬ ‫ الكتيبات‪ :‬ال تزيد على مئة �صفحة‪( .‬تحتوي ال�صفحة على «‪ »250‬كلمة تقريب ًا)‪.‬‬‫‪ -٨‬فيما يتعلق بالبند (ب) من مجاالت الن�شر‪ ،‬في�شمل الأعمال المقدمة من �أبناء وبنات منطقة‬ ‫الجوف‪� ،‬إ�ضافة �إلى المقيمين فيها لمدة ال تقل عن عام‪� ،‬أما ما يتعلق بالبند (ج) في�شترط �أن‬ ‫يكون الكاتب من �أبناء �أو بنات المنطقة فقط‪.‬‬ ‫‪ -٩‬تمنح الم�ؤ�س�سة �صاحب العمل الفكري ن�سخ ًا مجانية من العمل بعد �إ�صداره‪� ،‬إ�ضافة �إلى مكاف�أة‬ ‫مالية منا�سبة‪.‬‬ ‫‪ -١٠‬تخ�ضع المواد المقدمة للتحكيم‪.‬‬

‫‪ -2‬دعم البحوث والر�سائل العلمية‬

‫يهتم بدعم م�شاريع البحوث والر�سائل العلمية والدرا�سات املتعلقة مبنطقة اجلوف‪ ،‬ويهدف‬ ‫�إلى ت�شجيع الباحثني على طرق �أبواب علمية بحثية جديدة يف معاجلاتها و�أفكارها‪.‬‬ ‫(�أ) ال�شروط العامة‪:‬‬ ‫‪ -١‬ي�شمل الدعم املايل البحوث الأكادميية والر�سائل العلمية املقدمة �إلى اجلامعات واملراكز‬ ‫البحثية والعلمية‪ ،‬كما ي�شمل البحوث الفردية‪ ،‬وتلك املرتبطة مب�ؤ�س�سات غري �أكادميية‪.‬‬ ‫‪ -٢‬يجب �أن يكون مو�ضوع البحث �أو الر�سالة متعلق ًا مبنطقة اجلوف‪.‬‬ ‫‪ -٣‬يجب �أن يكون مو�ضوع البحث �أو الر�سالة جديد ًا يف فكرته ومعاجلته‪.‬‬ ‫‪� -٤‬أن ال يتقدم الباحث �أو الدار�س مب�شروع بحث قد فرغ منه‪.‬‬ ‫‪ -٥‬يقدم الباحث طلب ًا للدعم مرفق ًا به خطة البحث‪.‬‬ ‫‪ -٦‬تخ�ضع مقرتحات امل�شاريع �إلى تقومي علمي‪.‬‬ ‫‪ -٧‬للم�ؤ�س�سة حق حتديد ال�سقف الأدنى والأعلى للتمويل‪.‬‬ ‫‪ -٨‬ال يحق للباحث بعد املوافقة على التمويل �إج��راء تعديالت جذرية ت��ؤدي �إلى تغيري وجهة‬ ‫املو�ضوع �إال بعد الرجوع للم�ؤ�س�سة‪.‬‬ ‫‪ -٩‬يقدم الباحث ن�سخة من ال�سرية الذاتية‪.‬‬ ‫(ب) ال�شروط الخا�صة بالبحوث‪:‬‬ ‫‪ -١‬يلتزم الباحث بكل ما جاء يف ال�شروط العامة(البند «�أ»)‪.‬‬ ‫‪ -٢‬ي�شمل املقرتح ما يلي‪:‬‬ ‫ تو�صيف م�شروع البحث‪ ،‬وي�شمل مو�ضوع البحث و�أهدافه‪ ،‬خطة العمل ومراحله‪ ،‬واملدة‬‫املطلوبة لإجناز العمل‪.‬‬ ‫ ميزانية تف�صيلية متوافقة مع متطلبات امل�شروع‪ ،‬ت�شمل الأجهزة وامل�ستلزمات املطلوبة‪،‬‬‫م�صاريف ال�سفر والتنقل وال�سكن والإعا�شة‪ ،‬امل�شاركني يف البحث من طالب وم�ساعدين‬ ‫وفنيني‪ ،‬م�صاريف �إدخال البيانات ومعاجلة املعلومات والطباعة‪.‬‬ ‫ حتديد ما �إذا كان البحث مدعوم ًا كذلك من جهة �أخرى‪.‬‬‫(ج) ال�شروط الخا�صة بالر�سائل العلمية‪:‬‬ ‫�إ�ضافة لكل ما ورد يف ال�شروط اخلا�صة بالبحوث(البند «بــ«) يلتزم الباحث مبا يلي‪:‬‬ ‫‪� -١‬أن يكون مو�ضوع الر�سالة وخطتها قد �أق ّرا من اجلهة الأكادميية‪ ،‬ويرفق ما يثبت ذلك‪.‬‬ ‫‪� -٢‬أن ُيق ّدم تو�صية من امل�شرف على الر�سالة عن مدى مالءمة خطة العمل‪.‬‬ ‫الجوف‪ :‬هاتف ‪ - 04 626 3455‬فاك�س ‪� - 04 624 7780‬ص‪ .‬ب ‪� 458‬سكاكا ‪ -‬الجوف‬ ‫الريا�ض‪ :‬هاتف ‪ - 01 201 5494‬فاك�س ‪� - 01 201 5498‬ص‪ .‬ب ‪ 10071‬الريا�ض ‪11433‬‬ ‫‪nashr@asfndn.com‬‬


‫الـمحتويــــات‬

‫العدد ‪38‬‬ ‫�شتاء ‪1434‬هـ ‪2013 -‬م‬ ‫منتدى األمير‬ ‫عبد الرحمن بن أحمد السديري للدراسات‬ ‫السعودية‬ ‫في دورته السادسة ‪ -‬الجوف‬ ‫‪ 8 – 7‬محرم‪1434‬هـ ( ‪ 22 -21‬نوفمبر ‪2012‬م)‬

‫‪6.........................‬‬

‫ملف ثقايف ربع �سنوي ي�صدر عن‬

‫الجوف تحت�ضن منتدى الأمير‬ ‫عبدالرحمن ال�سديري‬ ‫في دورته ال�ساد�سة‬

‫امل�شرف العام‬ ‫�إبراهيم احلميد‬ ‫�أ�سرة التحرير‬ ‫حممود الرحمي‪ ،‬حممد �صوانة‬ ‫�أمين ال�سطام‪ ،‬عماد املغربي‬ ‫الإخراج الفني‬ ‫خالد الدعا�س‬ ‫املرا�سالت‬ ‫توجه با�سم امل�شرف العام‬ ‫ّ‬

‫هاتف‪)+966()4(6263455 :‬‬ ‫فاك�س‪)+966()4(6247780 :‬‬ ‫�ص‪ .‬ب ‪� 458‬سكاكا اجلـوف ‪ -‬اململكة العربية ال�سعودية‬ ‫‪www.aljoubah.org‬‬ ‫‪aljoubah@gmail.com‬‬ ‫ردمد ‪ISSN 1319 - 2566‬‬

‫�سعر الن�سخة ‪ 8‬رياالت‬ ‫تطلب من ال�شركة الوطنية للتوزيع‬

‫ملف العدد‪� :‬آثار المملكة‪� ..‬إنقاذ ما يمكن �إنقاذه ‪6 ............................‬‬ ‫ّ�ص ال�شِّ عري ال�سّ عودي في بناء المواطنة‪ ..‬دي��وان‪:‬‬ ‫درا�سات ونقد‪� :‬أث��ر الن ّ‬ ‫(غواية بي�ضاء) لمالك الخالدي �أنموذج ًا ‪ -‬د‪� .‬إبراهيم الدهون‬ ‫ال�شعراء ال�سعوديون ن �ق��اداً‪« ..‬ق��راءة في مفهوم ال�شعر ل��دى ال�شعراء‬

‫‪42‬‬

‫ال�سعوديين» ‪ -‬د‪ .‬بدر بن علي المقبل ‪52 .....................................‬‬ ‫مالمح الخريطة الإبداعية فى المملكة العربية ال�سعودية ‪� -‬أ‪.‬د‪ .‬خالد‬ ‫فهمى ‪62 .....................................................................‬‬ ‫رواية “تراب الغريب” الموت على قيد الحياة‪� ،‬أو الحياة على ذمة الموت!‬ ‫ حنان بيروتي ‪69 ...........................................................‬‬‫ق�ص�ص ق�صيرة‪ :‬ن�صو�ص ‪ -‬عبداهلل ال�سفر ‪74 ...............................‬‬

‫قواعد الن�شر‬ ‫‪� - 1‬أن تكون املادة �أ�صيلة‪.‬‬ ‫‪ - 2‬مل ي�سبق ن�شرها‪.‬‬ ‫‪ - 3‬تراعي اجلدية واملو�ضوعية‪.‬‬ ‫‪ - 4‬تخ�ضع املواد للمراجعة والتحكيم قبل ن�شرها‪.‬‬ ‫‪ - 5‬ترتيب املواد يف العدد يخ�ضع العتبارات فنية‪.‬‬ ‫‪ - 6‬ترحب اجلوبة ب�إ�سهامات املبدعني والباحثني والك ّتاب‪،‬‬ ‫على �أن تكون املادة باللغة العربية‪.‬‬ ‫«اجلوبة» من الأ�سماء التي كانت ُتطلق على منطقة اجلوف �سابقاً‬

‫النا�شـــــــــر‪ :‬م�ؤ�س�سة عبدالرحمن ال�سديري اخلريية‬

‫‪53.......................‬‬ ‫د‪ .‬بدر المقبل‪:‬‬ ‫ال�شعراء ال�سعوديون نقاد ًا‬

‫لحن الغربة ‪ -‬ليلى الحربي ‪75 ...............................................‬‬ ‫تحية كرباجية ‪� -‬سمية البوغافرية‪76 ........................................‬‬ ‫ق�ص�ص ق�صيرة جد ًا ‪ -‬ح�سن علي البطران ‪78 ..............................‬‬ ‫ق�ص�ص ق�صيرة جد ًا ‪ -‬ح�سن برطال ‪79 .....................................‬‬ ‫ق�ص�ص ق�صيرة جد ًا ‪� -‬شيمة ال�شمري‪80 ....................................‬‬ ‫�شعر‪ :‬متى �أراك؟! ‪ -‬مالك الخالدي‪81 .....................................‬‬ ‫بائع اليا�سمين ‪� -‬سيد جودة ‪82 ..............................................‬‬ ‫ر�سال ٌة �إلى ن�سرٍ عجوز ‪� -‬أبو الفرج عبدالرحيم ع�سيالن ‪83 ..................‬‬ ‫كائنات تمار�س �شعيرة الفو�ضى ‪� -‬إبراهيم زولي‪84 ..........................‬‬

‫‪86.......................‬‬ ‫حوار مع ال�شاعر والمفكر‬ ‫زياد ال�سالم‬

‫المهاجر ‪� -‬سليمان عبدالعزيز العتيق‪85 .......................................‬‬ ‫مواجهات‪ :‬حوار مع ال�شاعر والمفكر زياد ال�سالم ‪ -‬عمر بو قا�سم ‪86 ........‬‬ ‫حوار مع الروائي �صالح القر�شي ‪ -‬عمر بو قا�سم‪93 .........................‬‬ ‫حوار مع الكاتب والروائي ال�سعودي فهد العتيق ‪� -‬أحمد الدمناتي ‪99 ........‬‬ ‫نوافذ‪ :‬قراءة �أخرى للم�شهد الأدبي في المغرب‪ :‬الجوائز الأدبية‪� ...‬أو�سمة‬

‫�أ�س�سها الأمري عبدالرحمن بن �أحمد ال�سديري (�أمري منطقة اجلوف من ‪1362/9/5‬هـ ‪1410/7/1 -‬هـ املوافق ‪1943/9/4‬م ‪-‬‬

‫�أم فخاخ �أم �شهادات وفاة؟ ‪ -‬ه�شام بن ال�شاوي ‪106 ..........................‬‬

‫‪1990/1/27‬م) بهدف �إدارة ومتويل املكتبة العامة التي �أن�ش�أها عام ‪1383‬هـ املعروفة با�سم دار اجلوف للعلوم‪ .‬وتت�ضمن برامج‬

‫القراءة الإلكترونية معركة القرن ‪ -‬مر�سي طاهر ‪113 ........................‬‬ ‫ق�صيدة النثر العربية بين �أزم ��ة الم�صطلح وف��و��ض��ى النقد العربي‬

‫امل�ؤ�س�سة ن�شر الدرا�سات والإبداعات الأدبية‪ ،‬ودعم البحوث والر�سائل العلمية‪ ،‬و�إ�صدار جملة دورية‪ ،‬وجائزة الأمري عبدالرحمن‬ ‫ال�سديري للتفوق العلمي‪ ،‬كما �أن�ش�أت رو�ضة ومدار�س الرحمانية الأهلية للبنني والبنات‪ ،‬وجامع الرحمانية‪ .‬ويف عام ‪1424‬هـ‬ ‫(‪2003‬م) �أن�ش�أت امل�ؤ�س�سة فرع ًا لها يف حمافظة الغاط (مركز الرحمانية الثقايف) له الربامج والفعاليات نف�سها التي تقوم بها‬ ‫امل�ؤ�س�سة يف مركزها الرئي�س يف اجلوف‪ ،‬بوقف م�ستقل‪ ،‬من �أ�سرة امل�ؤ�س�س‪ ،‬لل�صرف على هذا املركز ‪ -‬الفرع‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫االفتتاحية ‪4 ...................................................................‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫د‪ .‬عبدالنا�صر هالل‪117 ......................................................‬‬

‫‪106......................‬‬ ‫ه�شام بن ال�شاوي‬ ‫الجوائز الأدبية‪� :‬أو�سمة �أم فخاخ‪..‬؟‬

‫الكتاب بين التجويد والت�سليع ‪ -‬ماجد �سليمان‪120 ............................‬‬ ‫عين على الجوبة‪ :‬د‪ .‬فهاد بن معتاد الحمد‪123 ..............................‬‬ ‫قراءات‪124 .................................................................. :‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫‪3‬‬


‫■ �إبراهيم احلميد‬

‫جاء اختيار (الآثار في المملكة العربية ال�سعودية ‪� -‬إنقاذ ما يمكن �إنقاذه)‪ ،‬كعنوان لندوة‬ ‫منتدى الأمير عبدالرحمن بن �أحمد ال�سديري في دورته ال�ساد�سة‪ ..‬وعلى �أر�ض الجوف ‪-‬‬ ‫المقر الرئي�س للم�ؤ�س�سة‪ ،‬عنوانا بالغ الأهمية‪ ،‬ومو�ضوعا اقت�صاديا هاما‪� ،‬إذا ما �أخذنا في‬ ‫االعتبار ما لهذا المو�ضوع من �أهمية ع�صرية‪ ،‬وما تمثله الآثار من �إرث ح�ضاري وتاريخي‪،‬‬ ‫للمملكة ب�شكل عام‪ ..‬ولمنطقة الجوف ب�شكل خا�ص‪ ،‬والتي كانت ت�سمى ب «جوف الدنيا»‪،‬‬ ‫والذي ما �إن يتناهى �إلى �سمعنا حتى يتبادر �إلى الذهن عراقة التاريخ والجذور الممتدة �إلى‬ ‫�أعماق الأ�صالة‪ ،‬فالجوف هي جوف الدنيا التي يفاخر �سكانها بهذا الم�سمى كما يقول الرحالة‬ ‫«جورج اوج�ست» عام ‪1845‬م‪.‬‬ ‫�إن موقع الجوف على طرف الوطن ال�شمالي‪ ،‬قد منحه ح�سا�سية الأطراف حيث اكت�سب‬ ‫على مدى الزمن‪ ،‬ثقافة متميزة ت�ضاف �إلى ثقافة الوطن الأكبر المتنوعة‪ ..‬منطقة الجوف‬ ‫الحائرة بين الجزيرة العربية وال�شمال‪ ،‬كانت على ال��دوام ملتقىً للثقافات والح�ضارات‬ ‫ال�صعُد‪ ،‬حيث يذكرنا المنتج‬ ‫المتعاقبة‪ ،‬مما و�سم هذه المنطقة بطابع مختلف على كافة ُّ‬ ‫الثقافي بثقافاته ال�شعبية والفلكلورية واللغوية بثراء المنطقة وعظم تاريخها‪ ،‬كما يذكرنا‬ ‫المنتج الزراعي المتميز‪ ،‬والذي يجمع بين زراعات البحر المتو�سط والجزيرة العربية بثراء‬ ‫المنطقة الزراعي‪ ،‬وثراء موقعها على م�ستوى الطق�س وم�ستوى وفرة المياه‪.‬‬ ‫يقول الرحالة الفنلندي «ج��ورج �أوج�ست وال��ن» الذي زار الجوف عام ‪1845‬م �إن �سكان‬ ‫الجوف كانوا يفاخرون بت�سميتها «جوف الدنيا» لأنها تقع على بعد مت�ساو تقريب ًا من مختلف‬ ‫�أقطار الجزء ال�شمالي من الجزيرة العربية وجنوبها‪ ،‬وهي بغداد ودم�شق والقد�س وحائل‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫اف����������������ت����������������ت����������������اح����������������ي����������������ة‬

‫افتتاحية العدد‬

‫وتعتبر منطقة الجوف �أول موقع ا�ستوطنه الإن�سان في جزيرة العرب قبل �أكثر من‬ ‫(‪ )3٫1‬مليون �سنة‪ ،‬وذلك في موقع ال�شويحطية الأث��ري ح�سب �أراء الآثاريين الذين‬ ‫ي�ؤكدون عراقة تاريخ المنطقة‪ ،‬وفق ًا لما هو مدون في الن�صو�ص الأثرية والتاريخية‪،‬‬ ‫ووفق ًا لل�شواهد والقالع والح�صون والمكت�شفات الح�ضارية الموجودة في مدن المنطقة‪،‬‬ ‫مما ي�ؤكد �أن بداية الح�ضارة في الجزيرة العربية كانت هذه المنطقة‪ ،‬والتي انتقلت منها‬ ‫�إلى جنوب الجزيرة العربية‪ ،‬كما عرفت هذه المنطقة في تاريخها خم�س ملكات‪ ،‬كانت‬ ‫الملكة بلقي�س �إحداهن‪ ،‬والتي انتقلت بدورها �إلى جنوب الجزيرة العربية‪.‬‬ ‫ففي ه��ذه المنطقة ظهرت مملكة �أدوم��ات��و بدومة الجندل في القرن الثامن قبل‬ ‫الميالد‪ ،‬و�شهدت ب�أهميتها الدولة الأ�شورية التي جي�شت الجيو�ش لغزو بالد العرب في‬ ‫دومة الجندل‪ ،‬وفق ًا للجداريات المر�سومة حتى اليوم‪ ،‬والمحفوظة في متحف اللوفر‬ ‫بباري�س‪ ،‬كما �شهدت ب�أهميتها مملكة تدمر في القرن الثالث الميالدي عندما غزتها‬ ‫ملكتها زنوبيا‪ ،‬كما اتجهت �إليها الأنظار عندما غزاها الر�سول �صلى اهلل عليه و�سلم‪،‬‬ ‫وكتب �إلى �أهلها كتابا‪ ،‬ثم غزوة خالد بن الوليد لها‪ ،‬وفي ح�صول حادثة التحكيم ال�شهيرة‬ ‫بين على ومعاوية بها‪ ،‬وكان للمنطقة ال�سبق في مفاخرة �أهل مكة بالزهو‪ ،‬عندما علمتهم‬ ‫القراءة والكتابة على يد �أحد �أبنائها‪ ،‬وهو «ب�شر بن عبدالملك» �شقيق «الأكيدر» ملك‬ ‫دومة الجندل �أثناء الفتح الإ�سالمي لها‪ ،‬والذي �أبقى لنا ذلك في ق�صيدة خالدة‪ ،‬وها‬ ‫هي �شواهد التاريخ واقفة حتى اليوم تدل على عمق الح�ضارة الإن�سانية التي عا�شتها هذه‬ ‫المنطقة طوال تاريخها‪..‬‬ ‫�إن �أهمية هذه المنطقة بين المناطق المحيطة بها ال تقف عند حد‪ ،‬ك�أهم و�أو�سع‬ ‫باب رئي�س في �شمال الجزيرة العربية ولجته موجات متالحقة من الهجرات الب�شرية في‬ ‫�شمال الجزيرة العربية‪ ..‬مما ي�ؤكد البعد الح�ضاري لهذه البالد ‪.‬‬ ‫و�أهمية مثل هذا المنتدى ت�أتي في ت�سليط ال�ضوء على �آثار المملكة‪ ،‬و�أثار الجوف‬ ‫تحديدا‪ ،‬حيث تعاني هذه الآثار من مخاطر بات الوعي بها مطلبا وطنيا‪ ،‬وهذا ما خرجت‬ ‫به �أوراق العمل المقدمة في ندوة المنتدى (الآثار في المملكة العربية ال�سعودية ‪� -‬إنقاذ‬ ‫ما يمكن �إنقاذه)‪ ،‬حيث تحظى منطقة الجوف بمقومات �آثاريه و�سياحية ت�ؤهلها لتحقيق‬ ‫مركز متميز على خارطة الآثار وال�سياحة في المملكة‪ ،‬وتتطلع المنطقة �إلى ا�ستغالل‬ ‫هذه المقومات في �أن�شطة الجذب ال�سياحي‪ ،‬من خالل اهتمام وت�شجيع الدولة لإقامة‬ ‫الم�شاريع ال�سياحية‪ ،‬ودعم اال�ستثمار في هذا المجال من خالل الحفاظ على المواقع‬ ‫الأثرية‪ ،‬و�صيانتها‪ ،‬واالهتمام بها‪ ،‬و�إنقاذها من �أية مخاطر تتهددها‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫‪5‬‬


‫للدراسات السعودية‬ ‫في دورته السادسة ‪ -‬الجوف‬ ‫‪ 8 – 7‬محرم‪1434‬هـ ( ‪ 22 -21‬نوفمبر ‪2012‬م)‬

‫آثار‬

‫م������������������ل������������������ف ال������������������ع������������������دد‬

‫منتدى األمير‬ ‫عبد الرحمن بن أحمد السديري‬

‫الجوف تحت�ضن منتدى الأمير‬ ‫عبدالرحمن بن �أحمد ال�سديري‬ ‫في دورته ال�ساد�سة بعنوان‪:‬‬ ‫المملكة‪ :‬إنقاذ ما يمكن إنقاذه‬

‫‪ 8 – 7‬محرم ‪1434‬هـ ( ‪ 22 -21‬نوفمبر ‪2012‬م)‬ ‫■ �إعداد‪ :‬حممود الرحمي ‪ -‬عماد املغربي*‬

‫�ضمن ال��ب��رن��ام��ج ال�����س��ن��وي لمنتدى الأم��ي��ر ع��ب��دال��رح��م��ن ب��ن �أح��م��د ال�سديري‬ ‫للدرا�سات ال�سعودية‪ ،‬ا�ست�ضافت م�ؤ�س�سة عبدالرحمن ال�سديري الخيرية بمقرها‬ ‫في مدينة �سكاكا بمنطقة الجوف دورة المنتدى ال�ساد�سة‪ ،‬والتي كانت بعنوان (�آثار‬ ‫المملكة العربية ال�سعودية �إنقاذ ما يمكن �إنقاذه)‪ ،‬ولمدة يومين خالل الفترة من‬ ‫‪2012/11/22-21‬م‪ ،‬بم�شاركة عدد من ذوي االخت�صا�ص في المملكة العربية ال�سعودية‪.‬‬

‫آثار‬ ‫‪6‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫المملكة‪ :‬إنقاذ ما يمكن إنقاذه‬

‫وك��ان �شخ�صية المنتدى لهذا العام‬ ‫برنامج المنتدى‬ ‫اف� � ُت� � ِت ��ح ال��م��ن��ت��دى ي � ��وم الأرب � �ع� ��اء الأ� �س �ت��اذ ال��دك �ت��ور ع�ب��دال��رح�م��ن الطيب‬ ‫‪2012/11/21‬م‪ ،‬وت�ضمن كلمات‪ ،‬رئي�س الأن �� �ص��اري ع��ال��م الآث���ار ال�م�ع��روف على‬ ‫م�ج�ل����س �إدارة م��ؤ��س���س��ة ع�ب��دال��رح�م��ن الم�ستويين الداخلي والخارجي‪.‬‬ ‫افتتح �أع�م��ال المنتدى رئي�س مجل�س‬ ‫ال�سديري الخيرية‪ ،‬في�صل بن عبدالرحمن‬ ‫بن �أحمد ال�سديري‪ ،‬والدكتور عبدالرحمن �إدارة الم�ؤ�س�سة‪ ،‬في�صل بن عبدالرحمن بن‬ ‫ال�شبيلي‪ ،‬ع�ضو هيئة المنتدى‪ ،‬وقد �شملت �أحمد ال�سديري‪ ،‬بكلمة رحب فيها ب�ضيوف‬ ‫فعاليات المنتدى ‪-‬ول�ل�م��رة ال��راب�ع��ة – الندوة وح�ضورها ال�ك��رام‪ ،‬الذين ج��اءوا‬ ‫تكريم �شخ�صية متميزة لها �إ�سهام وا�ضح لي�شهدوا انطالقة فعاليات المنتدى في‬ ‫ف��ي مجال الآث ��ار تناولت مو�ضوعه ن��دوة دورته ال�ساد�سة الذي يعد �أحد المنا�شط‬ ‫المنبرية ال��دوري��ة التي تقيمها م�ؤ�س�سة‬ ‫المنتدى‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫‪7‬‬


‫م � � � � � � � � �ل � � � � � � � ��ف ال � � � � � � � � �ع � � � � � � � ��دد‬

‫منتدى األمير‬ ‫عبد الرحمن بن أحمد السديري‬ ‫للدراسات السعودية‬ ‫في دورته السادسة ‪ -‬الجوف‬ ‫‪ 8 – 7‬محرم‪1434‬هـ ( ‪ 22 -21‬نوفمبر ‪2012‬م)‬

‫عبدالرحمن ال�سديري الخيرية‪ ،‬وتحر�ص من‬ ‫خاللها على تناول بع�ض المو�ضوعات المعا�صرة‪،‬‬ ‫الجديرة باالهتمام على م�ستوى الوطن‪.‬‬ ‫و�أ� �ش��ار �إل��ى �أن المنتدى ت�ن��اول ف��ي دورات��ه‬ ‫الخم�س ال�سابقة مو�ضوعات �شملت‪:‬‬ ‫ •الهيئات الخيرية ال�سعودية بعد �أح��داث‬ ‫الحادي ع�شر من �سبتمبر‪ ،‬الآث��ار و�سبل‬ ‫تجاوزها‪.‬‬ ‫ •الأزم��ة المالية العالمية وتداعياتها على‬ ‫االقت�صاد ال�سعودي‪.‬‬ ‫ •النظام الق�ضائي ف��ي المملكة العربية‬ ‫ال�سعودية‪.‬‬ ‫ •ال��ن��ظ��ام ال�صحي ف��ي المملكة العربية‬ ‫ال�سعودية‪.‬‬ ‫ •الإدارة المحلية والتنمية‪.‬‬ ‫وف��ي ه��ذا العام‪ ،‬اختارت هيئة المنتدى �أن‬ ‫ي�ك��ون مو�ضوع المنتدى ل �ل��دورة ال�ساد�سة هو‬ ‫(الآث��ار في المملكة‪� :‬إنقاذ ما يمكن �إنقاذه)‪،‬‬ ‫ا�ست�شعارا منها لما لهذا المو�ضوع من �أهمية‬ ‫ع�صرية‪ ،‬وم��ا تمثله الآث ��ار م��ن �إرث ح�ضاري‬ ‫وتاريخي‪� .‬إذ يجري تناول هذا المو�ضوع بالبحث‬ ‫والطرح والنقا�ش في ن��دوة المنتدى التي تبد�أ‬ ‫جل�ساتها في اليوم التالي بم�شاركة مجموعة‬ ‫من العلماء والمتخ�ص�صين من الهيئة العامة‬ ‫لل�سياحة والآث��ار‪ ،‬ومن عدد من كليات ال�سياحة‬ ‫والآثار بالجامعات ال�سعودية‪ ،‬وبم�شاركة خبراء‬ ‫و�أ�ساتذة متخ�ص�صين في المجاالت االقت�صادية‬ ‫والعلمية واالجتماعية والإعالم‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫رئي�س مجل�س الإدارة في�صل بن عبدالرحمن ال�سديري‬

‫مكتباتها العامة‪ ،‬وتقدمه برامجها لدعم البحث‬ ‫والن�شر‪ ،‬وتحييه من منا�شطها المنبرية‪ ،‬لجدير‬ ‫بنا �أن ننوّه ب�أن هذه الم�ؤ�س�سة‪ ،‬ومثلها م�ؤ�س�سات‬ ‫وجمعيات ومبادرات �أُخر كثيرة في �أرج��اء هذا‬ ‫الوطن‪ ،‬ما كان لها �أن تعمل وتعطي وتثمر لوال اهلل‬ ‫جل وعال‪ ،‬ثم هذه الدولة الر�شيدة التي و�ضعت‬ ‫الأ�س�س‪ ،‬و�شرّعت الأبواب‪ ،‬وقدمت العون‪ ،‬لتمكن‬ ‫كل ذي همة من الإ�سهام بما يجود بخدمة وطنه‬ ‫والرقي به‪.‬‬ ‫وج��دي��ر ب��ي ك��ذل��ك �أن �أ��ش�ي��ر �إل ��ى �أن ه��ذه‬ ‫الم�ؤ�س�سة الثقافية غير الربحية ال�ت��ي تعود‬ ‫جذورها �إلى ن�صف قرن خال‪ ،‬هي من بنات فكر‬ ‫م�ؤ�س�سها –يرحمه اهلل‪ -‬الذي تحمل ا�سمه‪ ،‬رجل‬ ‫ال جدال في �أنه من �صميم ثقافة هذا المجتمع‪،‬‬ ‫ومن منبعه الأول الأ�صيل‪.‬‬ ‫نعم‪ ،‬هنا وجه م�شرق لدولت��ا‪ ،‬ح��ريٌّ بنا �أن‬ ‫ن�شيد ب��ه‪ ،‬ونحيط بما تمخ�ض ع�ن��ه‪ ،‬ونحفظ‬ ‫مكا�سبه‪ ،‬ون�ضيف �إليها‪.‬‬ ‫ونعم‪ ،‬هنا وج��ه �أ�صيل لثقافتنا‪ ،‬ي�سمو �إلى‬ ‫الريادة‪ ،‬وي�شع بالنور‪ ،‬ويبعث �إلى الأمل‪.‬‬

‫وقال رئي�س مجل�س الإدارة‪� ،‬إننا ونحن ن�سعد‬ ‫و�أ�شار في�صل ال�سديري �إلى �أنَّ هيئة المنتدى‬ ‫ب�أن يكون لهذه الم�ؤ�س�سة �شرف الإ�سهام بخدمة ل �ه��ذا ال �ع��ام اخ��ت��ارت ع��ال�م��ا � �س �ع��ودي��ا‪ ،‬ليكون‬ ‫الثقافة في وطننا العزيز من خ�لال ما توفره �شخ�صية المنتدى المكرمة في هذا الحفل‪ ،‬وهو‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫مثال للعالم الذي بذل الكثير من الجهد والوقت‬ ‫في �سبيل خدمة قطاع الآثار في المملكة‪� ..‬أ�ستاذا‬ ‫جامعيا وباحثا ميدانيا ُم َنقِّبا ومُكت�شفا و ُم َوثِّقاً‪..‬‬ ‫وم�ؤلف ًا للعديد من الكتب والمطبوعات في مجال‬ ‫الآث��ار والح�ضارة ال�سعودية‪ .‬هو �سعادة الأ�ستاذ‬ ‫الدكتور عبدالرحمن الطيب الأن�صاريً ‪� ،‬شخ�صية‬ ‫منتدى الأمير عبدالرحمن ال�سديري للدرا�سات‬ ‫ال�سعودية في دورته ال�سادة لهذا العام‪.‬‬ ‫وقدم رئي�س مجل�س الإدارة ال�شكر والتقدير‬ ‫�إلى جميع من �شارك الم�ؤ�س�سة برعاية المنتدى‪،‬‬ ‫و�إل��ى �أع�ضاء هيئته‪..‬كما �أ��ش��اد ب��الأخ الكريم‬ ‫خليفة مف�ضي الم�سعر‪ ،‬والأبناء �أنجال المغفور‬ ‫له �إن �شاء اهلل الدكتور عارف مف�ضي الم�سعر‪،‬‬ ‫على �إهدائهم مكتبته الخا�صة‪ ..‬وقوامها نحو‬ ‫كتاب ومرجعٍ علمي‪ ،‬وه��و �أم��ر ال ي�ستكثر‬ ‫�أل��ف ٍ‬ ‫من مثلهم‪ ،‬ودع ٌم لمكتب ِة �أقيمت من �أجل �أبناء‬ ‫الجوف‪.‬‬ ‫وفي الختام‪ ،‬دعا اهلل عز وجل �أن يحفظ لهذه‬ ‫البالد خ��ادم الحرمين ال�شريفين وول��ي عهده‬ ‫الأمين‪ ،‬و�أن يوفقهم اهلل لكل ما يحبه وير�ضاه‪..‬‬ ‫عر�ض لكلمة �صاحب ال�سمو الملكي‬ ‫تال ذلك ٌ‬ ‫الأمير �سلطان بن �سلمان بن عبدالعزيز رئي�س‬ ‫الهيئة العامة لل�سياحة والآثار‪ ،‬الذي عبر فيها عن‬ ‫�سعادته واعتزازه بم�ؤ�س�سة الوالد عبدالرحمن‬ ‫ابن �أحمد ال�سديري على هذه الأعمال الخيرة‬ ‫والطيبة والوطنية‪ ،‬وتمنى لو تمكن من الح�ضور‪،‬‬ ‫لكن ارتباطه بمنا�سبة في جدة مع مقام �سمو‬ ‫ولي العهد حال دون ذل��ك‪ ،‬وقد حيَّا الم�ؤ�س�سة‬ ‫على اختيار ه��ذا المو�ضوع‪ ،‬وه��ذا ال�ع�ن��وان‪..‬‬ ‫وتمنى على المنتدى الذي يجمع نخبة من العلماء‬ ‫الأفا�ضل �أن يخرج بمبادرات وتو�صيات ي�ستفيد‬ ‫الجميع منها‪..‬‬ ‫وقال �سموه‪� :‬أحب �أن �أب�شركم �أن الدولة بقيادة‬

‫�صاحب ال�سمو الملكي الأمير‬ ‫�سلطان بن �سلمان بن عبدالعزيز‬

‫�سيدي خ��ادم الحرمين ال�شريفين يحفظه اهلل‪،‬‬ ‫َتوَجُّ هها دائما على �أن نحيي االهتمام بالآثار ب�شكل‬ ‫كبير‪ ،‬وهذا ما تم – بحمد اهلل – بالآثار الوطنية‪،‬‬ ‫وتراثنا الوطني‪ .‬وقد �صدر وهلل الحمد كثير من‬ ‫الأوام��ر ال�سامية الكريمة‪ ،‬وكثير من المبادرات‬ ‫التي موَّلت‪ ،‬وفي الطريق �إن �شاء اهلل‪ ،‬م�شاريع‬ ‫منظورة‪ ،‬ومنها م�شاريع في منطقة الجوف‪.‬‬ ‫وتابع �سموه قائال‪ :‬الجوف منطقة عزيزة‬ ‫على قلوبنا جميعا‪ ،‬وهي منطقة ثرية وتاريخية‪،‬‬ ‫ولها �أهمية في بناء تاريخنا الوطني؛ �أوال‪ ،‬بد�أ‬ ‫تاريخها و�أعمال �أهلها الطيبة بتاريخ هذا البلد‪،‬‬ ‫والوحدة الوطنية‪� ،‬إن �شاء اهلل؛ ثم بما تحويه من‬ ‫تراث و�آثار لها عمق كبير جدا في تاريخ بالدنا‪،‬‬ ‫وت�شكل ج��زء ًا ال يتجز�أ من منظومة ما ن�سميه‪:‬‬ ‫«البعد الح�ضاري للمملكة»‪.‬‬ ‫بعد ذلك �ألقى الدكتور عبدالرحمن ال�شبيلي‬ ‫كلمة هيئة المنتدى‪ ،‬قال فيها‪ :‬من بين الندوات‬ ‫التي عقدها هذا المنتدى في �سنواته الما�ضية‪،‬‬ ‫ج��اء ه��ذا ال �ل �ق��اء �سهال م�ي���س��ورا ف��ي اختيار‬ ‫مو�ضوعه‪ ،‬وف��ي انتقاء ال�شخ�صية المكرمة‪،‬‬ ‫وزاد هذا الي�سر بها ًء �أنْ ي�أتي اقتراح المو�ضوع‬ ‫من �أحد �أبناء منطقة الجوف‪ ،‬فما كانت هيئة‬ ‫المنتدى لتتردد في اختيار المو�ضوع‪ ،‬وهي تدرك‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫‪9‬‬


‫م � � � � � � � � �ل � � � � � � � ��ف ال � � � � � � � � �ع � � � � � � � ��دد‬

‫منتدى األمير‬ ‫عبد الرحمن بن أحمد السديري‬ ‫للدراسات السعودية‬ ‫في دورته السادسة ‪ -‬الجوف‬ ‫‪ 8 – 7‬محرم‪1434‬هـ ( ‪ 22 -21‬نوفمبر ‪2012‬م)‬

‫�أن المنطقة وما حولها‪ ،‬ت�ؤكد البعد الح�ضاري‬ ‫لهذه البالد‪ ،‬وهي تختزن على ظهرها وفي جوفها‬ ‫�أعرق م�ستودع �أثري في الجزيرة العربية‪ ،‬يقدّره‬ ‫الدكتور عبدالرحمن الأن�صاري ب�آالف ال�سنين؛‬ ‫�إذ تدل الحفريات وال�شواهد على �أن دومة الجندل‬ ‫كانت �أحد مواطن ح�ضارة الأ�شوريين منذ القرن‬ ‫العا�شر قبل الميالد‪ ،‬وعهد البابليين منذ القرن‬ ‫ال�ساد�س قبل الميالد‪� ،‬أما ال�شويحطية فيعدها‬ ‫الباحثون �أق ��دم الم�ستوطنات الب�شرية على‬ ‫الإط�لاق في غربي �آ�سيا منذ الع�صر الحجري‬ ‫القديم؛ �إذ يقدر تاريخها بمليون عام على عُ هدة‬ ‫الرواة‪.‬‬ ‫وم��ا ك��ان لهيئة المنتدى �أن ت �ت��ردد �أي�ضا‬ ‫في �إق ��رار العنوان الفرعي للندوة (�إن �ق��اذ ما‬ ‫يمكن �إنقاذه)‪ ،‬وهي تعلم �أننا ت�أخرنا كثيرا في‬ ‫االكت�شاف والتنقيب والحفريات والدرا�سات‪ ،‬بل‬ ‫وفي حماية الآث��ار وا�سترداد ما نهب منها عبر‬ ‫القرون‪ ،‬و�أننا �سائرون كذلك ببطء في عر�ض‬ ‫ما تم اكت�شافه في متاحف المناطق‪ ،‬وفي تنظيم‬ ‫المحميات الأثرية و�صونها‪ ،‬وتوفير المرافق‪،‬‬ ‫وتي�سير و�صول المواطنين وال�سواح والدار�سين‬ ‫�إليها‪.‬‬

‫د‪ .‬عبدالرحمن ال�شبيلي‬

‫‪10‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫وا�ستطرد د‪ .‬ال�شبيلي قائال‪� :‬إننا في هذا‬ ‫المنتدى‪ ،‬ومع مجموعة من �أميَز المتحاورين‬ ‫والعلماء والمو�ضوعات‪ ،‬نتكا�شف ح��ول و�ضع‬ ‫الآث�� ��ار‪ ،‬وت �ب��ث ال���ش��وي�ح�ط�ي��ة ودوم� ��ة ال�ج�ن��دل‬ ‫ومدائن �صالح وجواثا والأخ��دود وال��ردة والفاو‬ ‫وغيرها �شكواها و�آمالها وتطلعاتها‪ ،‬من خالل‬ ‫كلمات �صريحة و�أفكار �صادقة‪ ،‬ينقلها المنتدى‬ ‫للم�سئولين‪ ،‬كعادته في كل دورة‪.‬‬ ‫وق��ال‪� :‬إن��ه في ه��ذه المنا�سبة يكون للجوف‬ ‫ولهذا المنتدى‪� ،‬سبق تكريم عالم وطني كرَّ�س‬ ‫حياته ال�ستكمال ما بد�أه علما�ؤنا الأوائل‪ ،‬و�أ�س�س‬ ‫في الجامعة �أكاديمية حديثة لعلم الآث��ار‪ ،‬وقاد‬ ‫�أول حمالت علمية وطنية منظمة للتنقيب؛ حتى‬ ‫اقترنت الفاو با�سمه‪ ،‬و�أ�سهم �إ�سهاما مميزا‬ ‫ومقدرا في خدمة �آثار الجوف من خالل بحوثه‪،‬‬ ‫وعبر رعاية ن��دوات �أدوماتو ومجلتها الدورية‪،‬‬ ‫و�أثرى المكتبة ال�سعودية والعربية بالع�شرات من‬ ‫الم�ؤلفات والأبحاث‪ ،‬لعل من �آخرها تلك ال�سل�سلة‬ ‫التي َت َت َّب َع فيها ق��رىً ظاهرة على طريق قوافل‬ ‫البخور المعروف بين جنوبي الجزيرة العربية‬ ‫و�شماليها‪� ،‬صدر منها �أحد ع�شر كتابا بمختلف‬ ‫اللغات‪ ..‬من بينها كتابه عن الجوف ال�صادر‬ ‫ع��ام ‪2008‬م (وال��ذي تم توزيع �أع��داد منه في‬ ‫هذا المنتدى)‪ ..‬وقد تتوجت تلك ال�سل�سلة بالآية‬ ‫الكريمة }وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا‬ ‫فيها قرىً ظاهر ًة وقدرنا فيها ال�سير‪� ،‬سيروا فيها‬ ‫لياليَ و�أيام ًا �آمنين{ �سورة �سب�أ‪ ،‬الآية ‪.18‬‬ ‫وق��ال‪� :‬إن للأن�صاري تفنيد م�ستقل للعديد‬ ‫م��ن ال��رواي��ات المتوارثة المت�صلة ب��الآث��ار في‬ ‫�شمالي الجزيرة العربية وجنوبيها‪ ،‬حتى �صار‬ ‫اليوم مرجعا معتمد ًا في علم الآثار‪ ،‬ي�ؤخذ بر�أيه‬ ‫بكثير من الت�سليم واالحترام‪ ،‬و�سندا علميا لهيئة‬ ‫ال�سياحة والآث��ار في عملها المعرفي والتوثيقي‬ ‫والثقافي‪.‬‬

‫وتابع قائال‪ :‬واليوم‪� ..‬إذ يكرِّمُ منتدانا هذا‬ ‫العلم العلمي البارز‪ ،‬فهو في الواقع �أه ٌل للتكريم‬ ‫في �أكثر من �صعيد‪ ،‬ويكفي �أن �أق��ول �إن �شيخ‬ ‫المتقاعدين لم يُلقِ ع�صا الترحال بتقاعده‪ ،‬بل‬ ‫ظل ي�سير في الأر�ض بهمّة يحمل ع�صاه ب�أف�ضل‬ ‫ما يكون عليه التقاعد من ن�شاط ذهني وبحثي‪،‬‬ ‫�إذ ي�شارك في العديد من المجال�س واللجان‬ ‫والن�شاط االجتماعي واال�ست�شاري والخيري‪،‬‬ ‫وبمجرد تفرغه م��ن ع�ضوية مجل�س ال�شورى‬ ‫عام ‪1999‬م‪� ،‬أ�س�س دار القوافل للبحث والن�شر‬ ‫ف��ي م�ي��دان ال��درا��س��ات التاريخية والح�ضارية‬ ‫والأثرية‪ ،‬التي �أ�صدرت حتى الآن ما يزيد على‬ ‫ع�شرين كتاب ًا وع�شرات المطويات التعريفية في‬ ‫مجال تخ�ص�صها‪.‬‬ ‫ثم قدم الدكتور �سعد بن عبدالعزيز الرا�شد‬ ‫�شخ�صية المنتدى فقال‪� :‬إن المطلع على ال�سيرة‬ ‫الذاتية للأ�ستاذ الدكتور الأن�صاري يجد �أنه لم‬ ‫ينقطع عن العلم والمعرفة‪ ،‬منذ �أن بد�أ مراحل‬ ‫درا�سته المبكرة في المدينة المنورة‪ ،‬في وقت‬ ‫ك��ان العالم يعي�ش الحرب العالمية وم�آ�سيها‪،‬‬ ‫وكانت بالدنا قد �شهدت اكتمال �إعادة وحدتها‬ ‫على يد الم�ؤ�س�س الملك عبدالعزيز‪ -‬يرحمه اهلل‬ ‫– وبداية التخطيط لم�سيرة البناء والعطاء‪ .‬وقد‬ ‫ارتبط التعليم في المدينة المنورة في الدرجة‬ ‫الأول��ى بالم�سجد النبوي ال�شريف‪ ..‬حيث تقام‬ ‫حلقات تعليم ال�ق��ر�آن الكريم وال�سنّة النبوية‬ ‫ال�شريفة‪ .‬وقد نال الأن�صاري في بواكير تح�صيله‬ ‫العلمي الن�صيب الأوفر في تلك المرحلة‪ ،‬وبنى‬ ‫تراكما معرفيا من وال��ده ال�شيخ محمد الطيب‬ ‫الأن�صاري ‪ -‬يرحمه اهلل – �أحد الرواد الأوائل‬ ‫الذين درَّ�سوا في الم�سجد النبوي‪ ،‬الفقه وعلومه‬ ‫على المذاهب الأربعة الم�شهورة‪ ،‬وقد اقتطف‬ ‫من والده القر�آن وعلومه‪ ،‬وتفقه في علم الحديث‬ ‫واللغة العربية و�آدابها‪ ،‬وانعك�س ذلك على حياة‬

‫د‪� .‬سعد الرا�شد‬

‫الدكتور الأن�صاري و�سيرته العلمية‪.‬‬ ‫�أكمل الأن�صاري تعليمه االبتدائي والمتو�سط‬ ‫تح�صل على‬ ‫والثانوي في المدينة المنورة‪ ..‬وقد ّ‬ ‫بعثة درا�سية �إلى م�صر‪ ،‬فنال �شهادة اللي�سان�س‬ ‫في اللغة العربية من ق�سم اللغة العربية بكلية‬ ‫الآداب – جامعة القاهرة عام ‪1380‬هـ‪1960/‬م‪،‬‬ ‫وبعد عودته �إل��ى المملكة ُق� ِب��لَ معيدا في كلية‬ ‫الآداب بجامعة الملك �سعود‪ ،‬ليتم ابتعاثه بعد‬ ‫ذل��ك �إل��ى بريطانيا لإك�م��ال درا�سته العليا في‬ ‫مجال تخ�ص�صه‪ .‬وق��د ع��اد �إل��ى �أر���ض الوطن‬ ‫عام ‪1386‬هـ‪1966/‬م حامال معه وثيقة تخرجه‬ ‫لدرجة الدكتوراه من ق�سم الدرا�سات ال�سامية‬ ‫بجامعة ليدز؛ ليكت�شف �أن العلم الذي در�سه ال‬ ‫يتوافق مع مواد ق�سم اللغة العربية‪ ،‬فتم تعيينه‬ ‫في ق�سم التاريخ‪ ،‬وقد دل هذا الإجراء على مدى‬ ‫الوعي وبعد النظر لدى الم�سئولين في الجامعة‪،‬‬ ‫وعلى ر�أ�سها معالي الأ�ستاذ الدكتور عبدالعزيز‬ ‫الخويطر‪ ،‬للقبول بعلم جديد يتوقع له التطور‬ ‫والفائدة العلمية في م�ستقبل الأيام‪.‬‬ ‫ق��دم الأن���ص��اري حتى الآن نحو مئة م�ؤلف‬ ‫وبحث ومقالة علمية‪ ،‬تميزت بو�ضوح ال��ر�ؤي��ة‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫‪11‬‬


‫للدراسات السعودية‬ ‫في دورته السادسة ‪ -‬الجوف‬ ‫‪ 8 – 7‬محرم‪1434‬هـ ( ‪ 22 -21‬نوفمبر ‪2012‬م)‬

‫ور�صانة الطرح‪ .‬وفي كل بحث �أو م�ؤلف نجد فيه المجتمع والتعليم الم�ستمر‪ ،‬ورئي�سا لق�سم الآثار‬ ‫الجديد من المعلومات والنظريات التي تحظى والمتاحف‪ ،‬وع�ضوا في مجل�س ال�شورى‪ ،‬وغير‬ ‫بالتقدير من العلماء والباحثين‪.‬‬ ‫ذلك من المهام التي توالها وما يزال‪.‬‬ ‫واختتم د‪ .‬الرا�شد تقديمه قائال‪� :‬إننا نقف‬ ‫وتقديرا ووف��اء للأ�ستاذ الدكتور الأن�صاري‬ ‫�أم���ام ع��ال��م جليل ل��ه ال�سبق ف��ي ال�ب�ح��ث عن‬ ‫من تالمذته الأوفياء في ق�سم الآثار والمتاحف‪،‬‬ ‫الآثار والأثر تحت الأر�ض وعلى واجهة الحجر‪،‬‬ ‫و�إنجازاته العلمية وا�ضحة وجلية‪ ،‬وعلى الرغم و�أ�صدقائه في التخ�ص�ص من عرب و�أوربيين‪،‬‬ ‫من همومه العلمية وعطائه المتوا�صل في مجال فقد تم �إ�صدار كتاب علمي ي�ضم بحوثا ودرا�سات‬ ‫اخت�صا�صه العلمي‪� ،‬إال �أن للأن�صاري ب�صمات علمية موثقة‪� ،‬أ�شرفت عليها لجنة علمية برئا�سة‬ ‫تذكر فت�شكر ف��ي جميع المنا�صب والمهمات الأ�ستاذ الدكتور �أحمد بن عمر الزيلعي وطبع‬ ‫التي ت��واله��ا داخ��ل الجامعة وخ��ارج�ه��ا؛ معيدا ه��ذا الكتاب ع��ام ‪1428‬ه�� �ـ‪2007/‬م على نفقة‬ ‫و�أ�ستاذا م�ساعدا وم�شاركا و�أ�ستاذا‪ ،‬ووكيال لكلية وزارة الثقافة والإعالم م�شاركة من الوزارة في‬ ‫الآداب وعميدا لها‪ ،‬وم�شرفا على مركز خدمة تكريم هذا العالم الجليل‪.‬‬ ‫وه��ا نحن ال �ي��وم‪ ،‬نجتمع ف��ي ه��ذا ال�صرح‬ ‫الثقافي الكبير‪ ،‬وفي منتدى الأمير عبدالرحمن‬ ‫ال���س��دي��ري ل �ل��درا� �س��ات ال���س�ع��ودي��ة ف��ي دور ته‬ ‫ال�ساد�سة‪ ..‬تكريما وتقديرا للأ�ستاذ الدكتور‬ ‫الأن �� �ص��اري‪ ،‬ومما ي�ضفي على المكان مزيدا‬ ‫م��ن البهجة �أن�ن��ا ف��ي منطقة �شهدت مخزونا‬ ‫من التراكم الح�ضاري عبر الع�صور‪ ،‬منطقة‬ ‫الجوف‪ ،‬بوابة ال�شمال‪ ،‬المنفتحة على ح�ضارات‬ ‫ال�شرق القديم‪ ،‬والتي عبر منها القادة الأوائل‬ ‫الذين حملوا ر�سالة الإ�سالم الخالدة �إلى العالم‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫وف ��ي ن�ه��اي��ة ح�ف��ل االف �ت �ت��اح ق ��ام الح�ضور‬ ‫ب�ج��ول��ة ع��ام��ة ف��ي ال�م��ؤ��س���س��ة �شملت معر�ض‬ ‫ال�صور والإ��ص��دارات التي �شاركت فيه م�ؤ�س�سة‬ ‫عبدالرحمن ال�سديري الخيرية‪ ،‬والهيئة العامة‬ ‫لل�سياحة والآث��ار‪،‬ك �م��ا زاروا المتحف الخا�ص‬ ‫بمقتنيات معالي الأمير عبدالرحمن بن �أحمد‬ ‫ال�سديري – يرحمه اهلل‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫فعاليات ندوة المنتدى‬ ‫(الخمي�س ‪2012/11/22‬م)‬ ‫جاء اختيار هيئة المنتدى لمو�ضوع الآث��ار في المملكة لهذه ال��دورة‪ ،‬نظراً لما تمثله الآث��ار‬ ‫في تاريخ الأم��م؛ فهي �أحد مرتكزات التراث الإن�ساني‪ ،‬وتمثل جزءا من ال�سجل الح�ضاري‪ ،‬كما‬ ‫تحمل فكراً ور�ؤى لح�ضارات وفترات تاريخية �سابقة لع�صرنا الحا�ضر‪ ،‬وما تت�ضمنه من دالالت‬ ‫تظهر م�ستوى التطور والتقدم االجتماعي واالقت�صادي والثقافي ال��ذي عا�شه ال�سابقون‪ ،‬وما‬ ‫يعك�سه للأجيال من دعوة لمزيد من التطلع نحو ا�ستمرار البناء والتطوير في مفردات الح�ضارة‬ ‫الإن�سانية‪ .‬كما �أن الآث��ار باتت ت�شكل دافعاً مهما في االقت�صاد ال�سياحي في البلدان المعا�صرة‪،‬‬ ‫وما يرافقها من تطور في عدد من ال�صناعات المرتبطة بال�سياحة و�صناعتها‪ ،‬وتطوير المتاحف‬ ‫الوطنية التي تعد معلما ح�ضاريا لأي بلد‪.‬‬

‫م � � � � � � � � �ل � � � � � � � ��ف ال � � � � � � � � �ع � � � � � � � ��دد‬

‫منتدى األمير‬ ‫عبد الرحمن بن أحمد السديري‬

‫وغني عن القول �إن الآث��ار بو�ضعها الحالي للأجيال الحالية والم�ستقبلية‪ ،‬لما يمثله من‬ ‫م��ا ت��زال بحاجة لمزيد م��ن االهتمام ال�شعبي مخزون تاريخي وثقافي وح�ضاري لفترات مهمة‬ ‫والر�سمي للعناية بها‪ ،‬وحمايتها م��ن مختلف من تاريخ المنطقة‪.‬‬ ‫�أ�شكال التعديات؛ �سواء بالإهمال �أو التخريب �أو‬ ‫هدف الندوة‬ ‫النهب؛ ف�ض ًال عن الحاجة الما�سة لحفز مراكز‬ ‫ت�سليط ال�ضوء على �آثار المملكة‪ ،‬وبيان و�ضعها‬ ‫البحث العلمي والجامعات الوطنية‪ ،‬لدفع م�سيرة‬ ‫البحث العلمي الميداني‪ ،‬للتنقيب والك�شف عن الحالي‪ ،‬و�إب ��راز �أهمية العناية بها وحمايتها‬ ‫الآث��ار وترميمها وتطوير مواقعها‪ ،‬لتكون مواقع م��ن مختلف �أن ��واع التعديات ��س��واء بالتخريب‬ ‫�أو النهب �أو التجارة �أو الإهمال‪ ،‬و�إب��راز الدور‬ ‫�سياحية جاذبة لل�سياحة‪ ،‬ومحفّزة للم�ستثمرين‪،‬‬ ‫ال��ذي يمكن �أن ت�سهم فيه في تنمية ال�سياحة‪،‬‬ ‫لإقامة م�شروعات �سياحية و�صناعات مرافقة‪،‬‬ ‫واقتراح ت�صور عام لإثارة االهتمام العام بالآثار‬ ‫توفر المزيد من فر�ص العمل للعديد من �أبناء الوطنية و�ضرورة المحافظة عليها‪ ،‬كونها تمثل‬ ‫ال��وط��ن؛ ما ي�سهم في دع��م االقت�صاد الوطني جزء ًا من التاريخ الإن�ساني والح�ضاري‪ ،‬وتمثل‬ ‫وبرامج الت�شغيل المحلية‪.‬‬ ‫�أبعاد ًا اقت�صادية في الدولة‪ ،‬والت�أكيد على الدور‬ ‫كما �أن االه�ت�م��ام ب��رع��اي��ة الآث� ��ار الوطنية الإعالمي في هذا المجال‪.‬‬ ‫وال �ت��راث المحلي ي�ل��زم �أن ينطلق اب �ت��داء من‬ ‫محاور الندوة‬ ‫ال��ن��ط��اق المحلي‪ ،‬تنظيما ورع��اي��ة‪ ،‬بم�شاركة‬ ‫مختلف ف�ئ��ات المجتمع ال�م��دن��ي‪ ،‬ف�ض ًال عن ‪ .1‬الواقع الحالي للمناطق الأثرية في المملكة‪.‬‬ ‫�إثارة االهتمام بحمايته و�صونه بحكم كونه ملك ًا ‪ .2‬االه �ت �م��ام ب ��الآث ��ار؛ الأب��ع��اد االج�ت�م��اع�ي��ة‪،‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫‪13‬‬


‫للدراسات السعودية‬ ‫في دورته السادسة ‪ -‬الجوف‬ ‫‪ 8 – 7‬محرم‪1434‬هـ ( ‪ 22 -21‬نوفمبر ‪2012‬م)‬

‫والثقافية‪ ،‬والح�ضارية‪ ،‬واالقت�صادية‪.‬‬ ‫‪ .3‬جهود الهيئة العامة لل�سياحة والآثار‪.‬‬ ‫‪ .4‬الر�ؤية الم�ستقبلية للعناية بالآثار‪.‬‬ ‫‪ .5‬الخطوات الم�أمولة من الدولة والمجتمع والمواطن‪.‬‬ ‫‪ .6‬نتائج ا�سترداد الآثار‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫كلمة االفتتاح‬ ‫اف�ت�ت��ح ال��دك �ت��ور ��س�ل�م��ان ب��ن عبدالرحمن‬ ‫ال�سديري ال�ن��دوة بكلمة رح��ب فيها بالح�ضور‬ ‫والم�شاركين‪ ،‬في انطالقة جديدة لمنتدى الأمير‬ ‫عبدالرحمن ب��ن �أح�م��د ال�سديري للدرا�سات‬ ‫ال�سعودية‪ ،‬ال��ذي يُعد �أح��د المنا�شط المنبرية‬ ‫التي تقيمها الم�ؤ�سـ�سة دورياً‪ ،‬وت�سعى من خالله‬ ‫�إل��ى ت�ن��اول مو�ضوعٍ ذي �أهمية على الم�ستوى‬ ‫ال��وط �ن��ي‪ ،‬و ُي��دع��ى ل��ه ال�م���س�ئ��ول��ون وال���ش��رك��اء‬ ‫الآخرون ذوو العالقة واالهتمام‪ ،‬لتداول وجهات‬ ‫النظر لتحقيق الأهداف الآتية‪:‬‬ ‫‪� -1‬إبراز �أهمية المو�ضوع وت�سليط ال�ضوء عليه‪.‬‬ ‫‪� -2‬إت��اح��ة الفر�صة ل�ط��رح الآراء ومناق�شتها‬ ‫ب�أ�سلوب علمي ومهني‪.‬‬ ‫‪ -3‬ب �ل��ورة ال �خ �ي��ارات وم�ن��اق���ش��ة الإي �ج��اب �ي��ات‬ ‫وال�سـلبيات‪ ،‬وربما الو�صول �إل��ى �سيا�سات‬ ‫تراعي الم�ستجدات المعا�صرة‪ ،‬تكون قابلة‬ ‫لكي تنفذ لخدمة المجتمع‪� ،‬سعيا نحو تحقيق‬ ‫الم�صلحة العامة‪.‬‬ ‫‪ -4‬و�أخ�ي��ر ًا ولي�س �آخ��راً‪� ،‬إتاحة الفر�صة لأكبر‬ ‫عـدد ممكن من ال�ضيوف من خارج منطقة‬ ‫الجـوف ل��زي��ارة ه��ذه المنطقة م��ن وطننا‬ ‫الغالي والتعّرف عليها‪.‬‬ ‫وقد �أ�شار د‪� .‬سلمان ال�سديري �إلى �أن مو�ضوع‬ ‫الندوة لي�س بجديد‪ ،‬فقد �سبق طرحه وتناوله‬ ‫م��رارا وت�ك��رارا‪ ..‬ولكن‪ ..‬ك��أن ذلك لم يحـدث‪،‬‬ ‫وهذا في حـد ذاته لي�س غريب ًا �أو م�ستغرب ًا في‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫الجل�سة الأولى‬ ‫�أدارها الدكتور عبداهلل الم�صري وا�شتملت على الأوراق التالية‪:‬‬ ‫الورقة الأولى‬ ‫للأ�ستاذ الدكتور عبدالرحمن الطيب الأن�صاري بعنوان‪:‬‬ ‫الواقع الحالي للآثار في المملكة العربية ال�سعودية‬

‫�أكد د‪ .‬الأن�صاري في ورقته �أ َّن المناطق الأثرية في المملكة ما تزال بحاجة لمزيد من الجهود واالهتمام‪،‬‬ ‫على الرغم من الجهود التي تبذلها مختلف الجهات الر�سمية ذات العالقة‪.‬‬

‫د‪� .‬سلمان بن عبدالرحمن ال�سديري‬

‫المجتمعات ع��ام��ة‪ .‬ولأهمية ال�م��و��ض��وع‪ ..‬ف��إن‬ ‫الهيئة ال�ت��ي ت�شرف على �أع �م��ال المنتدى لم‬ ‫تتردد �أبد ًا في اعتماده‪ ،‬لي�س فقط لأهميته على‬ ‫الم�ستوى الوطني‪ ،‬ولكن كذلك لأهميته البالغة‬ ‫لهذه المنطقة ب�شكل خا�ص‪ ،‬وه��ي التي ‪ -‬كما‬ ‫�أ�شار الدكتور عبدالرحمن ال�شبيلي‪ -‬تُخزِّ نُ على‬ ‫ظهرها وف��ي جوفها �آث ��ار ًا ثمين ًة تج�سّ د البعد‬ ‫الح�ضاري لهذه البالد‪ ،‬وتوفّر خيارات متاحـة‬ ‫يُمكننا ا�ستثمارها ا�ستثمار ًا م�ستدام ًا نافعاً‪،‬‬ ‫يتطور ويتفاعل مع �أولوياتنا كمجتمع‪ ،‬ومن �ش�أن‬ ‫مثل ه��ذه اال�ستثمارات �أن تعود بالفـائدة على‬ ‫المجتمع المحلي‪ ،‬وت�سهم في تنمية المناطق‬ ‫وال��م��دن وال� �ق ��رى‪ ،‬وت��وف��ر ك��ذل��ك م��زي��د ًا من‬ ‫فر�ص العمل‪ ،‬كما تطور ال�صناعات التقليدية‬ ‫وال�سياحية ذات العالقة‪.‬‬ ‫واختتم د‪ .‬ال�سديري كلمته بقوله‪ :‬لك�أنَّ ل�سان‬ ‫حالي يقول ويت�أمل �أن ر�سالة هذه النـدوة‪ ،‬وهذا‬ ‫المنتدى هي �أن الآثـار والموروث الوطـني حالته‬ ‫م�ستع�صـية‪ ،‬وتحـتاج �إلى لفـتة حانية وق��ية‪ ،‬لي�س‬ ‫فقط من جانب الدولة‪ ،‬بل الأه��م من ذلك ما‬ ‫نت�أمله من الوطن ومن المواطـن على ال�سواء‪.‬‬

‫م � � � � � � � � �ل � � � � � � � ��ف ال � � � � � � � � �ع � � � � � � � ��دد‬

‫منتدى األمير‬ ‫عبد الرحمن بن أحمد السديري‬

‫وقال �إن الآثار في المملكة على �أ�صناف‪ ،‬منها ما �أتيحت له خدمات ال�صيانة والتطوير والحماية‪ ،‬ومنها‬ ‫ما يتعر�ض للتخريب والتعديات من فئات ال تدرك �أهميته الح�ضارية والتاريخية‪ ،‬وبع�ضها ما يزال بانتظار‬ ‫الك�شف العلمي والتنقيب‪ ..‬ليقدم لنا وللأجيال المقبلة معلومات مهمة عن تاريخ هذه المنطقة المهمة من‬ ‫العالم؛ �إذ نكاد ال نجد مكاناً �إ ّال وقد نقب فيه‪ ،‬فهواة الآثار الذين ال يح�سُّ ون بالم�سئولية ينب�شون ويعبثون‬ ‫بكل موقع �أثري ي�صلون �إليه‪ ،‬وال �أدل على ذلك مما حدث في قرية الفاو؛ �إذ �أن ال�شاهد الأثري الوحيد على‬ ‫�أهمية المعبد اقتلع من مكانه‪ ،‬وال ندري �أين ذهب‪ ،‬وال ندري من فعل ذلك‪ .‬كما �أن طريق ال�سكك الحديدية‬ ‫المو�صلة �إلى المدينة المنورة ال تجـد محطة من محطاتها �إ ّال وقد حفرت‪ ،‬ذلك لأن و ْه َم الذهب هو ما‬ ‫يحرك �أولئك الهواة المخربين للآثار‪ ،‬ولعل المنقبين في تيماء لم يجدوا بغـيتهم‪ ،‬كما لو جاءوا للموقع‬ ‫قبل العبث فيه‪ ،‬وهكذا بالن�سبة لموقع «قـر ّيـة» والمواقع الأخرى المماثلـة‪.‬‬ ‫�إن هذا الواقع يحتاج منا جميع ًا �إلى تكاتف‬ ‫الجهود‪ ،‬وتطوير الو�سائل من �أجل �إ�شاعة �أهمية‬ ‫االهتمام ب�آثارنا‪ ،‬لما تحتله من �أبعاد تاريخية‬ ‫وثقافية وح�ضارية‪ .‬وما نطمح �أن تلعبه من �أدوار‬ ‫ثقافية واقت�صادية تعود بالخير على المجتمع‪.‬‬ ‫و ذك��ر د‪ .‬الأن���ص��اري ف��ي حديثه ع��ن دوم��ة‬ ‫الجندل �أن الح�ضارة النبطية بال �شك و�صلت �إلى‬ ‫دومة الجندل وو�صلت �إلى ما بعد دومة الجندل‪،‬‬

‫ووُجِ ��د كثي ٌر من النقو�ش والكتابات النبطية في‬ ‫هذه المنطقة‪ ،‬ومعنى ذلك �أن الح�ضارة النبطية‬ ‫و�صلت �إلى هذه المنطقة بكل قوة‪ ،‬وتمنى �أن تكون‬ ‫درا�سة النقو�ش النبطية لي�ست مجرد درا�سة من‬ ‫حيث هي نقو�ش وتف�سيرها‪ ،‬ولكن تحليل ومناق�شة‬ ‫ماذا تعني هذه النقو�ش؟ وما هي الح�ضارة التي‬ ‫و�صلت �إليها؟ وم��ا هي الأ�شياء التي يمكن �أن‬ ‫ن�ستفيد منها لغة وخطاب ًا وغير ذلك؟!‬

‫المتحدثون في الجل�سة الأولى‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫‪15‬‬


‫للدراسات السعودية‬ ‫في دورته السادسة ‪ -‬الجوف‬ ‫‪ 8 – 7‬محرم‪1434‬هـ ( ‪ 22 -21‬نوفمبر ‪2012‬م)‬

‫الورقة الثانية‬ ‫للدكتور زياد بن عبداهلل الدري�س (المندوب الدائم للمملكة لدى اليون�سكو)‬ ‫بعنوان‪« :‬واقع الآثار في المملكة من منظور المنظمات الدولية»‬ ‫(يعك�س وجهة نظر اليون�سكو على �آثار المملكة)‬

‫لكي �أتحدث عن عالقة �آث��ار المملكة العربية ال�سعودية مع‬ ‫اليون�سكو‪ ،‬ال ب��د �أن �أ���ض��ع مقدمة ع��ن اتفاقية حماية ال��ت��راث‬ ‫العالمي التي انطلقت في الأ�سا�س‪ ،‬كرد فعل لما حدث في موقف‬ ‫الحكومة الم�صرية عام ‪1954‬م‪ ،‬عندما قررت بناء ال�سد العالي‪،‬‬ ‫وك��ان ذل��ك ال��ق��رار تهديدا ل�ل�آث��ار الواقعة في ال���وادي‪ ،‬و�أب��رزه��ا‬ ‫معبد �أبو �سنبل‪ ،‬فتنادت الهيئات والجامعات والجمعيات المهتمة‬ ‫�أي�����ض��اً‪ ،‬وخ��ب��راء الآث����ار م��ن �أن��ح��اء ال��ع��ال��م لحماية ذل��ك ال��ت��راث‬ ‫د‪ .‬زياد بن عبداهلل الدري�س‬ ‫الموجود في ال���وادي‪ ،‬وبالفعل تعاونوا مع الحكومة الم�صرية‬ ‫و�أر�سلوا الخبراء وحُ لت الم�شكلة؛ كذلك حماية بحيرة مدينة‬ ‫البندقية في �إيطاليا‪ ،‬وما حدث في الباك�ستان و�أندون�سيا؛ كل تلك الأحداث في ذلك الحين جعلت‬ ‫اليون�سكو تلتفت �إل��ى �أهمية �إيجاد اتفاقية لحماية التراث العالمي‪ .‬وبالفعل و�ضعت المنظمة‬ ‫بالتن�سيق مع المجل�س الدولي للمعالم والمواقع الأثرية م�سودة هذه االتفاقية للدرا�سة‪ ،‬ثم �أُ ِقرَّت‬ ‫واعتُمدت عام ‪1972‬م‪ ،‬وبلغ عدد الدول الموقعة عليها حتى يومنا هذا (‪ )190‬دولة‪ ،‬ومنها المملكة‬ ‫العربية ال�سعودية التي اعتمدتها وان�ضمت �إليها عام ‪1978‬م‪.‬‬ ‫وت�شير االتفاقية في م�ضامينها �إلى �أن �أ�سباب‬ ‫م�سوغات هذه االتفاقية‪ ،‬هو �أن ال��دول �أحيان ًا قد‬ ‫ال تكون ق��ادرة على حماية ال�ت��راث الموجود على‬ ‫�أرا�ضيها لأ�سباب اقت�صادية �أو علمية �أو تقنية‪،‬‬ ‫لكني الحظت �أن االتفاقية ال تذكر �أ�سبابا دينية‬ ‫و�سيا�سية‪ ،‬و�أرى �أن ذلك لأحد �سببين‪� ..‬إما لتالفي‬ ‫الخو�ض في هذين ال�سببين �أو العائقين الحرجين‪،‬‬ ‫�أو لأن الأ�سباب الدينية وال�سيا�سية �آن��ذاك ‪-‬في‬ ‫ال�ستينيات‪ -‬لم تكن �ضاغطة وم�ؤثرة كما هي في‬ ‫الو�ضع الراهن‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫الأ�سد‪ ..‬ولي�س هذا غريباً‪ ،‬فالدول الغربية دائما في‬ ‫مقدمة الدول على الالئحة‪ ،‬وقد و�ضعت اليون�سكو‬ ‫قائمة بالدول التي لديها ع�شرة مواقع ف�أكثر‪ ،‬وهي‬ ‫(‪ )23‬دولة لي�س من بينها دولة عربية واحدة‪ ،‬مع �أن‬ ‫الواقع يقول �إن الدول العربية تقع في منطقة ربما‬ ‫تكون مليئة ب�آثار �أكثر مما هي في مناطق �أخرى‪،‬‬ ‫ولكن النظرة المتقدمة لأهمية الحفاظ على الآثار‬ ‫جعلت كفة الدول الغربية هي الراجحة‪ ،‬ف�إيطاليا‬ ‫تت�صدر القائمة ب �ـ(‪ )44‬موقعا م�سجال في الئحة‬ ‫التراث العالمي‪.‬‬

‫والمملكة العربية ال�سعودية التي ان�ضمت التفاقية‬ ‫و�أ�شار د‪ .‬الدري�س في ورقته �إلى �أنه في الئحة‬ ‫التراث العالمي حتى يومنا هذا (‪ )936‬موقعا في التراث العالمي عام ‪1978‬م لم تدخل الئحة التراث‬ ‫(‪ )153‬دولة‪ ،‬حظيت منها الدول الأوروبية بن�صيب العالمي �إال عام ‪2008‬م‪� ،‬أي بعد (‪� )30‬سنة‪ ،‬وكانت‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫البداية عام ‪2008‬م عندما �سجلت «مدائن �صالح»‬ ‫في اجتماع لجنة التراث العالمي في كندا‪ ،‬وفي عام‬ ‫‪2010‬م �سُ جلت «الدرعية» التاريخية في اجتماع‬ ‫البرازيل‪ ،‬وكانت المحاولة الثالثة لت�سجيل جدة‬ ‫التاريخية عام ‪2011‬م ‪-‬اجتماع اللجنة في باري�س‬ ‫العام الما�ضي‪ -‬ول�سوء الحظ كانت هناك تحفظات‬ ‫على الملف ب�أنه غير جاهز‪ ،‬وبالتالي قمنا ب�سحبه‬ ‫�إلى حين �إعادة تجهيزه مرة �أخرى‪.‬‬ ‫ربما يت�ساءل بع�ضنا‪ :‬ول�م��اذا الغياب ثالثين‬ ‫عاما؟ ولو كان خم�سة ع�شر عاما‪..‬لقلنا ب�أنها مرحلة‬ ‫تح�ضيرية بين توقيع االتفاقية ثم الدخول بمواقع‪،‬‬ ‫فما هي الأ�سباب؟‬ ‫عندها �سنعود �إل��ى م��ا قلته ف��ي ال�ب��داي��ة ب��أن‬ ‫االتفاقية ت��ذك��ر الأ��س�ب��اب االقت�صادية والعلمية‬ ‫والتقنية‪ ،‬لكنها لم تذكر �أ�سبابا �سيا�سية واقت�صادية‪،‬‬ ‫و�س�أغامر و�أذكر �أ�سبابا �سيا�سية و�أخرى دينية‪.‬‬ ‫�س�أعطي نموذجين لدولتين‪ ،‬تجلى الأول ب�شكل‬ ‫�ساخن في النزاع الذي حدث بين كمبوديا وتايالند‪،‬‬ ‫�إذ ت�ن��ازع��ت ال��دول �ت��ان على م��وق��ع معبد تاريخي‬ ‫يقع على الحدود بين البلدين‪ ،‬وتقدمت كمبوديا‬ ‫لت�سجيل الموقع‪ ،‬فكان هناك رف�ض من تايالند ب�أن‬ ‫هذا المعبد يقع على حدودها‪ ،‬ويبدو �أن الموقع يقع‬ ‫في منطقة و�سطية بين الدولتين‪ .‬كان النزاع �أو ًال‬ ‫ثقافيا ثم تحول �إلى �سيا�سي‪ ،‬ثم �أ�صبح �أمنيا بح�شد‬ ‫القوات‪ ،‬وب��د�أ العراك على الحدود بين الدولتين‪،‬‬ ‫ف�أحيل الملف من اليون�سكو �إلى مجل�س الأمن‪ ،‬وهذه‬ ‫�أي�ض ًا تعطي قيمة كبيرة للآثار‪ ،‬فلربما تقودنا �إلى‬ ‫�سالم �أو ح��روب ال ق��در اهلل‪ ،‬وكانت تايالند على‬ ‫و�شك االن�سحاب من لجنة التراث العالمي لظنها‬ ‫�أن اليون�سكو متحيزة �إلى جانب كمبوديا في ت�سجيل‬ ‫الموقع‪.‬‬

‫لدينا‪ ،‬وهو النموذج الفل�سطيني الإ�سرائيلي‪ ،‬كانت‬ ‫�إ�سرائيل ت�سجل مواقع في الأرا��ض��ي الفل�سطينية‬ ‫المحتلة من دون رقيب عليها‪ ،‬لعدم وج��ود دولة‬ ‫بم�سمى فل�سطين‪ .‬طبع ًا هذا با�ستثناء ما هو في‬ ‫ال�ضفة الغربية؛ لأن الأردن هو القائم على الأوقاف‬ ‫وال�م��واق��ع التراثية ف��ي القد�س‪ ،‬وم��ن ث��م ل��م تكن‬ ‫�إ�سرائيل قادرة على العبث بذلك‪ ،‬ف�سجلت القد�س‬ ‫في الئحة التراث العالمي ل�ل�أردن‪ ،‬لكن �إ�سرائيل‬ ‫كانت ت�سجل مواقع �أخ��رى‪ ،‬والآن تغير الو�ضع‪..‬‬ ‫ففل�سطين �أ�صبحت دولة ع�ضو ًا في منظمة اليون�سكو‬ ‫عام ‪2011‬م‪ ،‬وكانت االنعكا�سات �سيا�سية‪ ،‬وعلى‬ ‫جانب الآثار بد�أت تت�شكل �سخونة �أكبر في لقاءات‬ ‫لجنة التراث العالمي التي تنعقد ب�شكل �سنوي‪ ،‬ففي‬ ‫اللقاء الأخير‪ ..‬كنا في مدينة �سان بطر�س بورج في‬ ‫رو�سيا‪ ،‬وتقدمت فل�سطين ‪-‬لأنها منذ �أن �أ�صبحت‬ ‫ع�ضوا في اليون�سكو‪� ،‬صادقت بعد ثالثة �أ�شهر على‬ ‫اتفاقية التراث العالمي‪ -‬في يونيو ‪2012‬م بت�سجيل‬ ‫ملف كني�سة المهد في بيت لحم‪ ،‬وكان ال�صراع قويا‬ ‫جد ًا �أثناء انعقاد اللجنة‪ ،‬فهناك لوبي عربي و�آخر‬ ‫�إ�سرائيلي‪ ،‬وحاولنا قدر اال�ستطاعة �إنجاح ت�سجيل‬ ‫الموقع ل�صالح فل�سطين‪ ،‬وذل��ك م��ا ح��دث‪ ،‬فقد‬ ‫نجحت فل�سطين في ت�سجيل كني�سة المهد في الئحة‬ ‫التراث العالمي‪ ،‬وبالطبع ف�إن �إ�سرائيل تحفظت على‬ ‫هذا الت�سجيل‪ ،‬فطلب الكلمة الممثالن الإ�سرائيلي‬ ‫والأمريكي وقاال ب�أنه ال يوجد �شيء ا�سمه فل�سطين‪،‬‬ ‫وبالتالي هذا الت�سجيل زائف‪.‬‬

‫م � � � � � � � � �ل � � � � � � � ��ف ال � � � � � � � � �ع � � � � � � � ��دد‬

‫منتدى األمير‬ ‫عبد الرحمن بن أحمد السديري‬

‫�س�أعطيكم معلومة‪ ..‬ربما تكون طريفة ولكنها‬ ‫محزنة‪� ،‬سجلت �إ�سرائيل في الئحة التراث اليهودي‬ ‫(الالئحة المحلية الوطنية) م�سجد بالل بن رباح‬ ‫والحرم الإبراهيمي‪ ،‬وق��د تقدمنا في المجموعة‬ ‫العربية بمنظمة اليون�سكو بمذكرة احتجاج على ذلك‬ ‫الت�سجيل‪ ،‬وتحدثت بو�صفي نائب رئي�س المجل�س‬ ‫ال �ن �م��وذج الآخ� ��ر وه��و الأك �ث��ر دي�م��وم��ة وق��رب � ًا التنفيذي لمنظمة اليون�سكو عن المجموعة العربية‪،‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫‪17‬‬


‫منتدى األمير‬ ‫عبد الرحمن بن أحمد السديري‬ ‫للدراسات السعودية‬ ‫في دورته السادسة ‪ -‬الجوف‬ ‫‪ 8 – 7‬محرم‪1434‬هـ ( ‪ 22 -21‬نوفمبر ‪2012‬م)‬

‫فعبرت عن موقفنا كدول عربية راف�ضة لهذا��� ،‬وكانت‬ ‫�إ�سرائيل قد تقدمت بهذين الموقعين للت�سجيل في‬ ‫الئحة التراث العالمي‪ ،‬وبالفعل كان للتحرك العربي‬ ‫دوره‪ ،‬وبالتالي تم رف�ض طلب الجانب الإ�سرائيلي‬ ‫و�أعيدت الملفات �إليهم‪.‬‬ ‫وعن العائق الديني �س�أتطرق لنموذجين �أي�ضا‪:‬‬ ‫و�س�أبد�أ بالنموذج الثاني قبل الأول‪ ،‬وهو ما يحدث‬ ‫في مالي‪ ،‬ولْنقُل ما يحدث بعد ما ي�سمى «الربيع‬ ‫العربي»‪ ،‬فقد �أ�صبح هناك تحركات‪ ،‬و�أبرزها ما‬ ‫كان في تون�س وليبيا لهدم بع�ض المواقع الآثارية‬ ‫الم�سجلة في الئحة التراث العالمي‪ ،‬ويتم هدمها‬ ‫من منطلق �شرعي عند الذين قاموا بهذه الهجمات‬ ‫على تلك المواقع‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫ال�ضغط في الآون��ة الأخ�ي��رة‪ ،‬ما مكَّن من ت�سجيل‬ ‫مواقع (مدائن �صالح وال��درع�ي��ة)‪ ،‬لكنه ما يزال‬ ‫باقيا وم��ؤث��ر ًا وف��ارز ًا للمواقع الآث��اري��ة التي لي�ست‬ ‫مرتهنة للموقف الديني‪ ،‬وه��ذا ال يمنع من القول‬ ‫ب��أن الجزيرة العربية مليئة بالتراث ال��ذي خلّفته‬ ‫الح�ضارات عبر ق��رون طويلة‪ ،‬ه��ذا ال�ت��راث لي�س‬ ‫كله مرتهن لتحفظ ديني‪ ..‬لكنه ‪-‬وهذه هي النقطة‬ ‫الأخيرة ‪ -‬مرتهن بالبطء في الآلية البيروقراطية‬ ‫التي ت�ؤخر هذا الت�سجيل‪ ،‬والذين ح�ضروا و�شاهدوا‬ ‫االنطباعات الإيجابية �أثناء ت�سجيل مدائن �صالح‬ ‫والدرعية (وكان لي ال�شرف �أن �أكون مع ه�ؤالء ومعنا‬ ‫الدكتور علي الغبان) ر�أوا كيف كان الترحيب الفائق‬ ‫والت�صفيق في القاعة عندما اعتمد رئي�س اللجنة‬ ‫بمطرقته ت�سجيل مدائن �صالح في الئحة التراث‬ ‫العالمي‪ ،‬ودخول المملكة العربية ال�سعودية لأول مرة‬ ‫في الالئحة‪ ،‬وبالتالي ينبغي �أن نتنبه �إلى �أن العالم‬ ‫(لي�س نحن فقط) من خلفنا ينتظر بفارغ ال�صبر‬ ‫ت�سجيل هذه الكنوز الآثارية الموجودة في المملكة‬ ‫العربية ال�سعودية‪.‬‬

‫«م��ال��ي» ت ��أث��رت بالربيع ال�ع��رب��ي �أو ه��و «ربيع‬ ‫�إ�سالمي» �أحياناً‪ ،‬وكانت هناك هجمة قوية جد ًا‬ ‫على كثير من الأ�ضرحة والمواقع الآثارية الم�سجلة‬ ‫في الالئحة‪ ،‬وطبع ًا ح�صل تخريب لمواقع لي�ست‬ ‫م�سجلة بالالئحة‪ ،‬وبالتالي قد ال يعلم العالم عنها‪،‬‬ ‫فمن �إيجابيات الت�سجيل في الئحة التراث العالمي‬ ‫والحق �أقول ‪-‬ولي�ست مجاملة‪� -‬إن هيئة ال�سياحة‬ ‫�أن النا�س يعلمون عن ذلك‪ ،‬وبالتالي كانت هناك والآثار بقيادة �صاحب ال�سمو الملكي الأمير �سلطان‬ ‫وقفة دولية قوية جداً‪.‬‬ ‫ابن �سلمان بن عبدالعزيز –حفظه اهلل‪ ،‬وبجهود‬ ‫النموذج الآخر من العائق الديني‪ ،‬هو المملكة الدكتور علي الغبان وفريق العاملين معه يرك�ضون‬ ‫العربية ال�سعودية‪ ،‬وعندما �أقول نموذجا دينيا‪ ،‬ف�أنا �سريع ًا لتالفي الت�أخر ال��ذي ح�صل في ال�سنوات‬ ‫�أق�صد �أنه ل�سنوات طويلة‪ ،‬كان هناك ت�صور �أو فهم الما�ضية‪ ،‬ولكن قد ال تكون الم�ؤ�س�سات الأخ��رى‬ ‫(طبع ًا لن �أقول ب�أنه ت�صور خاطئ) ب�أن الم�ؤ�س�سة ‪-‬التي لها عالقة مع هيئة ال�سياحة‪ -‬تزاول ال�سرعة‬ ‫الدينية ال�سعودية تتحفظ على فكرة حماية التراث نف�سها التي تزاولها هيئة ال�سياحة‪.‬‬ ‫والآث ��ار‪ ،‬وبالتالي ف ��إن ال��دخ��ول في الئحة التراث‬ ‫و�أختم بعبارة واح��دة‪ ،‬علينا �أن نعترف �أو نقر‬ ‫العالمي يزيد هذا التحفظ ت�صلب ًا حين تحمل تلك ب�أن ال�سر الحقيقي للت�أخير في ت�سجيل كنوز التراث‬ ‫الآثار طابعا دينيا �سواء �إ�سالميا �أو ما قبل الإ�سالم‪ ،‬الموجود في المملكة العربية ال�سعودية‪ ،‬لي�س موقفا‬ ‫وي �ع��رف ال��دك �ت��ور ع�ل��ي ال�غ�ب��ان �أن ��ه ك��ان��ت هناك دينيا �أو �سيا�سيا‪ ..‬و�إنما هو موقف بيروقراطي ال‬ ‫تحفظات حتى على ت�سجيل مدائن �صالح‪ ،‬و�شيء يتفهم �أهمية مثل هذه المبادرات لإغناء الثقافة‬ ‫من القلق ما يزال موجودا حتى الآن‪ ،‬وقد خفَّ هذا العالمية‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫م�سجد عمر بن الخطاب في دومة‬

‫الرجاجيل‬

‫ق�صر �أكيدر في دومة الجندل‬

‫بئر �سي�سرا في �سكاكا‬

‫قلعة زعبل في �سكاكا‬


‫للدراسات السعودية‬ ‫في دورته السادسة ‪ -‬الجوف‬ ‫‪ 8 – 7‬محرم‪1434‬هـ ( ‪ 22 -21‬نوفمبر ‪2012‬م)‬

‫الورقة الثالثة‬ ‫بعنوان‪« :‬الأبعاد االقت�صادية لالهتمام بالآثار»‬ ‫للدكتور عبدالواحد بن خالد الحميد‬ ‫«نائب وزير العمل وع�ضو مجل�س ال�شورى» �سابقا‬

‫في طريقه من الريا�ض �إل��ى الجوف بال�سيارة‪� ،‬أبلغه من�سق المنتدى الأ�ستاذ محمد �صوانه باعتذار‬ ‫الدكتور عبداهلل دح�لان عن ع��دم الح�ضور للحديث عن «الأب��ع��اد االقت�صادية لالهتمام ب��الآث��ار»‪ ،‬وذلك‬ ‫لظروف قاهرة‪ ،‬وقال �إن الزمالء �أع�ضاء المنتدى يرون �أن ع�ضويته في هذا المنتدى وتخ�ص�صه في علم‬ ‫االقت�صاد يفر�ضان عليه تقديم ورقة بديلة‪ ..‬حتى ولو على عجل!‬

‫‪20‬‬

‫ويقول م�سته ًال ورقته‪ :‬في ظل ه��ذه الظروف‪،‬‬ ‫وعلى عجل‪� ،‬س�أكتفي الآن بتقديم �أف�ك��ار عامة‪،‬‬ ‫وبخا�صة �أن البعد االقت�صادي للآثار �شائك؛ بدء ًا‬ ‫من تعريف قطاع الآث��ار‪ ،‬وم��رور ًا بقيا�س العائدات‬ ‫والتكاليف ف��ي ذل��ك ال�ق�ط��اع؛ و�س�أعتمد على ما‬ ‫�أت��ذك��ره ف��ي ف��رع �أث�ي��ر �إل��ى نف�سي م��ن ف��روع علم‬ ‫االقت�صاد وهو “االقت�صاد الثقافي” �إذ تجري عادة‬ ‫درا�سة الأبعاد االقت�صادية المتعلقة ببع�ض الأن�شطة‬ ‫الثقافية‪ ،‬مثل المتاحف والآثار‪.‬‬ ‫ونحن‪ ،‬ك�إقت�صاديين‪ ،‬عندما نريد معرفة الأثر‬ ‫االقت�صادي لأي ن�شاط ف�إننا نفرق بين �أثرين‪:‬‬ ‫‪1‬ـ الأث ��ر م��ن المنظور ال��ج��زئ��ي‪� ،‬أو م��ا ي��ع��رف بالـ‬ ‫«مايكرو»‪ ،‬وهو الأثر على المن�ش�أة الم�ستثمرة في‬ ‫الن�شاط؛ بمعنى‪ :‬كيف ي�ؤثر ن�شاط اقت�صادي على‬ ‫من�ش�أة اقت�صادية معينة بالربح �أو الخ�سارة؟‬ ‫‪2‬ـ الأث� ��ر م��ن ال��م��ن��ظ��ور ال��ك��ل��ي‪� ،‬أو م��ا ي��ع��رف بـ‬ ‫“الماكرو”‪ ،‬وهو الأثر على االقت�صاد بمجمله‪.‬‬ ‫بمعنى‪� :‬أن �أي ن�شاط اقت�صادي يقوم في البلد‬ ‫�أو في المنطقة‪ ،‬تكون له ت�أثيرات على م�ستوى‬ ‫االقت�صاد القومي (االقت�صاد الوطني ككل)‪.‬‬ ‫وقد ركّز د‪ .‬الحميد على الأبعاد االقت�صادية �أو‬ ‫الت�أثيرات االقت�صادية من المنظور الكلي‪ ،‬فت�أثيرات‬ ‫المنظور الجزئي ‪ -‬و�إن كانت مهمة على �صعيد‬ ‫الم�ؤ�س�سة‪� -‬إال �أنها �أقل على الم�ستوى العام‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫وم��ن ه��ذا المنطلق‪ ،‬ف��إن الت�أثيرات �أو الأبعاد‬ ‫االقت�صادية لمو�ضوع الآثار عند �أي ن�شاط اقت�صادي‬ ‫في قطاع الآثار‪ ،‬مثالً‪� ،‬ستكون له ت�أثيرات مبا�شرة‬ ‫و�أخ��رى غير مبا�شرة‪ ،‬ون��رى الت�أثير الكلي لهذه‬ ‫العوامل المبا�شرة وغير المبا�شرة وانعكا�سها على‬ ‫�أمرين مهمين في مفاهيم ال�سيا�سات االقت�صادية‬ ‫لأي بلد‪ ..‬ومعرفة كيف يكون وقع هذه الت�أثيرات على‬ ‫م�ساهمة قطاع الآثار في الناتج المحلي الإجمالي‬ ‫وم�ساهمته في التوظيف (توظيف القوى العاملة في‬ ‫البلد)‪ ،‬فذلك من المنظور الكلي هو ما يهمنا في‬ ‫حقيقة الأمر‪.‬‬ ‫الآثار المبا�شرة‬ ‫عندما يقام م�شروع ا�ستثماري في هذا القطاع‪،‬‬ ‫ف ��إن الت�أثيرات االقت�صادية المبا�شرة التي تقع‬

‫ف��ور ًا ه��ي‪ :‬م��اذا يحدث للتوظيف؟ م��اذا يحدث‬ ‫للدخل؟ م��اذا يحدث ل�ل�إن�ت��اج ف��ي ذل��ك القطاع‬ ‫تحديداً؟ بمعنى �أن ن�أخذ مفردات ذلك القطاع‬ ‫(المتاحف ‪ -‬المواقع الآثارية ‪ -‬الفنادق الموجودة‬ ‫في منطقة الآثار ‪ -‬المطاعم ‪ -‬قطاع النقل الذي‬ ‫يخدم الزائرين وال�سياح في منطقة الآثار)‪ ،‬ونقوم‬ ‫باحت�ساب العوائد �أو الفوائد ممثلة بهذه الأن�شطة‪..‬‬ ‫كم �شخ�صا توظف؟ وك��م ت��در من قيمة م�ضافة‬ ‫ت�صب في الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة؟ هذا‬ ‫هو الت�أثير المبا�شر‪ ..‬ومفرداته كثيرة تتمثل في‬ ‫الآتي ‪:‬‬ ‫ ر�سوم زيارة الأماكن الأثرية‪.‬‬‫ ر�سوم دخول المتاحف‪.‬‬‫ دخل المطاعم‪.‬‬‫ دخل الفنادق‪.‬‬‫ النقل‪.‬‬‫ دخل محالت الهدايا في مناطق الآثار‪.‬‬‫ دخل المحالت التجارية في منطقة الآثار‪.‬‬‫ الم�شاريع اال�ستثمارية التي تقوم في منطقة‬‫الآثار‪.‬‬

‫دخل لها ي�صب في قطاع النقل‪ ،‬ولكنه انطلق من‬ ‫قطاع الآثار والقطاع ال�سياحي‪ ،‬وهكذا‪.‬‬ ‫وهناك مناطق رمادية كثيرة بين القطاعات‬ ‫المختلفة‪ ،‬ل�ك��ن ال �ت ��أث �ي��رات �أو ال �ع��ائ��دات غير‬ ‫المبا�شرة ‪ -‬مع الأ�سف ال�شديد �أحياناً‪ -‬ال ُت�ؤخذ في‬ ‫الح�سبان‪ ،‬وبالتالي ي�أتي العائد االقت�صادي لقطاع‬ ‫الآثار منقو�صاً‪.‬‬

‫م � � � � � � � � �ل � � � � � � � ��ف ال � � � � � � � � �ع � � � � � � � ��دد‬

‫منتدى األمير‬ ‫عبد الرحمن بن أحمد السديري‬

‫كيف يتم قيا�س الآث��ار المبا�شرة وغير‬ ‫المبا�شرة؟‬ ‫لقيا�س الآث��ار المبا�شرة وغير المبا�شرة‪ ،‬البد‬ ‫من معرفة مفهوم «الم�ضاعف» في االقت�صاد �أو ما‬ ‫ن�سميه بالـ(‪ .)multiplier‬ويتمثل هذا المفهوم ب�أن‬ ‫الريال الذي يتم �إنفاقه على �شراء �سلع ٍة �أو خدم ٍة‬ ‫م��ا‪� ،‬سيُعاد ا�ستخدامه من قبل ال�شخ�ص الذي‬ ‫ك�سبه‪ ،‬وذلك ل�شراء �سلعة �أو خدمة �أخرى‪ ..‬وهكذا‬ ‫ي�ستمر ا�ستخدام ال��ري��ال �أكثر من م��رة واح��دة‪.‬‬ ‫ف��إذا كانت قيمة الم�ضاعف‪ ،‬على �سبيل المثال‪،‬‬ ‫هي (‪ ،)3‬فهذا يعني �أن الريال الواحد يولد ثالث‬ ‫رياالت داخل االقت�صاد من خالل تنقله من يد �إلى‬ ‫�أخرى‪.‬‬ ‫�إذاً‪ ،‬يتم ح�ساب الأثر االقت�صادي للآثار على‬ ‫النحو الآتي‪:‬‬ ‫عدد الزوار × مقدار ما ينفقه كل زائر × معدل‬ ‫الم�ضاعف‬ ‫ولكن‪ ،‬في المقابل‪ ،‬يجب ح�ساب التكاليف ولي�س‬ ‫العوائد فقط‪ ،‬ومن �أهم التكاليف‪ :‬الآثار ال�سلبية‬ ‫على الآثار‪ ،‬وتكاليف �صيانة الآثار وحمايتها مما قد‬ ‫تتعر�ض له من الزوار‪.‬‬

‫الآثار غير المبا�شرة‬ ‫وه��ي مهمة للغاية‪ ،‬و�إن كانت كثير ًا ما تُغفل‬ ‫وت�سبِّب خط�أً في ح�سابات العائد االقت�صادي من‬ ‫الآثار‪ ،‬وهي تتمثل في الدخل والوظائف المتولدة‬ ‫في جميع الأن�شطة ذات العالقة بقطاع الآث��ار؛‬ ‫بمعنى �إذا ك��ان هناك فندق في منطقة الآث��ار‪،‬‬ ‫ف�إنه يحتاج �إل��ى م��واد خام كالمنتجات الزراعية‬ ‫مثال‪،‬والتي ي�شتريها من المزارعين في البلد‪،‬‬ ‫وبذلك يخلق عائدا اقت�صاديا للقطاع الزراعي‬ ‫الموجود فيها‪ ،‬ولو لم يكن هناك فع ٌل ا�ستثماريٌ‬ ‫ف��ي قطاع ال�ف�ن��ادق ف��ي منطقة الآث ��ار لما كانت تجارب دولية‬ ‫هناك فر�صة للمزارعين لت�سويق �إنتاجهم‪ ،،‬وقد‬ ‫ي�صعب ف�صل قطاع الآثار عن بع�ض القطاعات‬ ‫توجد محطات لبيع المحروقات لخدمة الحافالت الأخرى في االقت�صاد‪ ،‬وبخا�صة قطاع ال�سياحة‪� ،‬إذ‬ ‫وو�سائل النقل التي تنقل ال��زوار وال�سياح‪ ،‬فيتولد يمثل قطاع الآثار جزء ًا كبير ًا من قطاع ال�سياحة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫‪21‬‬


‫للدراسات السعودية‬ ‫في دورته السادسة ‪ -‬الجوف‬ ‫‪ 8 – 7‬محرم‪1434‬هـ ( ‪ 22 -21‬نوفمبر ‪2012‬م)‬

‫ويمكن التعامل مع قطاع ال�سياحة كم�ؤ�شر لأهمية‬ ‫قطاع الآثار‪ ،‬فنجد �أن الدول ذات الدخل ال�سياحي‬ ‫الكبير تتميز بوجود �آثار عظيمة لديها مثل م�صر‬ ‫واليونان‪ ،‬ومعلوم �أن الدولتين تعانيان في الوقت‬ ‫الحا�ضر من �أزمات اقت�صادية ومالية‪ ،‬ولهذا يمكن‬ ‫�أن ي�سهم قطاع الآثار في التخفيف من وط�أتها‪.‬‬ ‫م�صر‬ ‫ت�سهم �صناعة ال�سياحة في م�صر بـ ‪ %13‬من‬ ‫الدخل القومي الم�صري‪ ،‬وترتبط بـ (‪ )4‬ماليين‬ ‫م�صري ب�شكل مبا�شر و(‪ )16‬مليون م�صري‬ ‫ب�شكل غير مبا�شر‪ ،‬وف��ق بع�ض التقديرات‪ .‬وقد‬ ‫بلغت الإي ��رادات الم�ستهدفة لهذا القطاع خالل‬ ‫ع��ام ‪2012‬م نحو (‪ )12,5‬مليار دوالر‪ ،‬والعدد‬ ‫الم�ستهدف لل�سياح (‪ )11,6‬مليون �سائح ح�سب‬ ‫تقديرات وزير ال�سياحة الم�صري‪ ،‬وهو دخل قطاع‬ ‫ال�سياحة نف�سه في ع��ام ال��ذروة ‪2010‬م‪ ،‬ح�سب‬ ‫الدوائر الم�صرية الر�سمية‪.‬‬ ‫اليونان‬ ‫يُعد قطاع ال�سياحة هو القطاع الرئي�س في‬ ‫االقت�صاد اليوناني‪ ،‬وي�سهم بنحو (‪ )43‬مليار يورو‪،‬‬ ‫�أي ‪ %20‬من الناتج المحلي الإجمالي لليونان في‬ ‫عام ‪2011‬م وفق الإح�صائيات الر�سمية‪ .‬وتوظف‬ ‫ال�سياحة ف��ي ال�ي��ون��ان ح��وال��ي ‪ %18‬م��ن �إجمالي‬ ‫العمالة‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫الحالة ال�سعودية‬ ‫ت�ح�ت��وي المملكة ع�ل��ى م�ن��اط��ق ع��دي��دة غنية‬ ‫بالآثار‪ ،‬ويمكن �أن ي�سهم قطاع الآث��ار في توظيف‬ ‫عدد كبير من ال�سعوديين‪ ،‬وفي توليد دخل وقيمة‬ ‫م�ضافة لالقت�صاد ال�سعودي‪ .‬و�إذا �أخذنا قطاع‬ ‫ال�سياحة كم�ؤ�شر‪ ،‬نجد انه وفق ًا لما ذكرته الهيئة‬ ‫ال�ع��ام��ة لل�سياحة والآث � ��ار‪ ..‬ف� ��إن ال�سياحة تعد‬ ‫الم�صدر الثاني للدخل بعد النفط‪ ،‬وثالث م�صدر‬ ‫لفر�ص العمل‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫وهناك تقديرات متفاوتة عن �إي��رادات قطاع‬ ‫ال�سياحة في ال�سعودية ‪ .‬وقد توقعت درا�سة �صادرة‬ ‫عن مركز الدرا�سات والبحوث في الغرفة التجارية‬ ‫وال�صناعية في المنطقة ال�شرقية ال�سعودية ب�أن‬ ‫تكون الإي� ��رادات ق��د بلغت ف��ي ع��ام ‪2010‬م نحو‬ ‫(‪ )66‬مليار ري��ال‪ ،‬و�أن تبلغ بحلول ع��ام ‪2015‬م‬ ‫نحو (‪ )118‬مليار ريال ونحو (‪ )232‬مليار ريال‬ ‫بحلول عام ‪2020‬م‪ .‬وعن دور ال�سياحة في توطين‬ ‫الوظائف‪� ،‬أفادت الدرا�سة ب�أنها ت�سهم في �إيجاد‬ ‫نحو (‪� )493‬أل��ف فر�صة عمل مبا�شرة‪ ،‬ونحو‬ ‫(‪� )668‬أل��ف فر�صة عمل غير مبا�شرة‪ ،‬وذل��ك‬ ‫خالل عام ‪2009‬م‪.‬‬ ‫وهذه الأرقام يمكن �أخذها كم�ؤ�شرات للأهمية‬ ‫االقت�صادية المحتملة للآثار في المملكة بو�صفها‬ ‫مكون ًا �أ�سا�سي ًا من مكونات ال�سياحة في الكثير من‬ ‫ال��دول‪ .‬لكن تحقيق ا�ستفادة اقت�صادية ق�صوى‬ ‫من قطاع الآثار في المملكة‪ ،‬في تقديري‪ ،‬يتطلب‬ ‫�أن ننطلق من فهم طبيعة العائدات االقت�صادية‬ ‫من الآثار من حيث �أنها ال تقت�صر على العائدات‬ ‫المبا�شرة‪ ،‬و�إنما غير المبا�شرة �أي�ضا‪ ،‬وطبيعة عمل‬ ‫معدل الم�ضاعف‪ ،‬على النحو الذي تقدم �شرحه‪.‬‬ ‫�إن التركيز على ال�ع��ائ��دات المبا�شرة فقط‪،‬‬ ‫قد يعطي انطباعا خاطئ ًا ب ��أن العائدات لي�ست‬ ‫كبيرة‪ ،‬وقد ال تغطي تكاليف �صيانة و�إدارة المواقع‬ ‫الأثرية‪ .‬ولكن عندما ن�أخذ في الح�سبان العائدات‬ ‫غير المبا�شرة والروابط ‪ linkages‬بين قطاع الآثار‬ ‫والقطاع ال�سياحي على وجه الخ�صو�ص واالقت�صاد‬ ‫الوطني عموماً‪ ،‬ف�إن العائدات الكلية �ستكون كبيرة‪.‬‬ ‫ومنطقة كالجوف‪ ،‬تتمتع ب��وج��ود �آث��ار كثيرة‬ ‫فيها‪ ،‬ت�ستطيع �أن تحقق عائدات اقت�صادية تعود‬ ‫على اقت�صاد ال�ج��وف ب�إيجابيات كبيرة‪� ،‬سواء‬ ‫على �صعيد التوظيف �أو الناتج المحلي الإجمالي‪.‬‬ ‫ويتطلب ه��ذا ت�ضافر ج�ه��ود ال�ج�ه��ات الر�سمية‬ ‫المعنية وكذلك القطاع الخا�ص‪.‬‬

‫الورقة الرابعة‬ ‫للدكتور �سعد البازعي‬ ‫(ع�ضو مجل�س ال�شورى وع�ضو هيئة التدري�س في كلية الآداب بجامعة الملك �سعود)‬ ‫بعنوان‪« :‬الآثار‪� :‬شواهد ثقافية ومعاني انتماء»‬

‫تتناول الورقة الآثار من حيث هي �شواهد ثقافية‬ ‫وم�صادر لالنتماء �أو الهوية‪ ،‬وتدخل �إلى مو�ضوعها‬ ‫م��ن خ�لال ن�صو�ص �شعرية �أب���رزت قيمة الأث���ر من‬ ‫النواحي الم�شار �إليها‪.‬‬

‫م � � � � � � � � �ل � � � � � � � ��ف ال � � � � � � � � �ع � � � � � � � ��دد‬

‫منتدى األمير‬ ‫عبد الرحمن بن أحمد السديري‬

‫وال �شك �أن كلمة ال��دك��ت��ور زي���اد ال��دري�����س غطت‬ ‫الكثير مما ك��ان يمكن �أن �أق��ول��ه‪ ،‬فقد تعر�ض �إل��ى‬ ‫د‪� .‬سعد البازعي‬ ‫ال��ج��ان��ب ال��ث��ق��اف��ي ب��ح��ك��م ال��ح��دي��ث ع���ن اليون�سكو‬ ‫وجهوده ال�شخ�صية‪ ،‬و�أود �أن �أن��وه بجهوده في ت�سجيل المواقع الآث��اري��ة ال�سعودية‪ ،‬فهي جهود م�شكورة‬ ‫ومعروفة‪ .‬ما �أريد الحديث فيه من الجانب الثقافي واالجتماعي يتجه �إلى الموروث الثقافي‪ ،‬والحقيقة‬ ‫�أنني عندما تلقيت الدعوة للم�شاركة جاءني عنوان الندوة ككل‪ ..‬وت�ضمن كلمة االقت�صادية‪ ،‬فاحترت كيف‬ ‫�أداخل في مو�ضوع �أنا بعي ٌد عنه‪ ،‬خا�صة و�أنا بعي ٌد �أ�ص ًال عن الآثار كعلم وميدان بحث علمي‪ ،‬ثم ات�ضحت لي‬ ‫ال�صورة فيما بعد‪ ،‬ف�أبعدتُ االقت�صاد عن مجال بحثي وذهبت �إلى الت�أمل في الجوانب الثقافية‪.‬‬

‫ت�أملي ف��ي ه��ذا المو�ضوع ق��ادن��ي ‪-‬بطبيعة حِ ����لَ����لٌ َل�����م َت���ك���ن َك�������أَط���ل��الِ ���سُ ��ع��دى‬ ‫اهتماماتي ال�شخ�صية وم��ا ل��دي من ب�ضاعة‪-‬‬ ‫�����س‬ ‫�������س ُم��ل ِ‬ ‫ف����ي قِ����ف����ا ٍر مِ ������نَ ال��� َب�������س���ا ِب ِ‬

‫�أ�ص ًال �إلى التراث الثقافي وت�أمل الآثار من هذه‬ ‫الزاوية‪ ،‬فا�ستعدت لحظات تاريخية وثقافية‪،‬كان‬ ‫�أول�ه��ا موقف ًا ل�شاعر عربي قديم م��ن الع�صر‬ ‫العبا�سي‪ ،‬فالبحتري عندما ذه��ب �إل��ى �إي��وان‬ ‫ك�سرى‪ ،‬ف��ي ال�ق��رن الثالث الهجري ‪-‬التا�سع‬ ‫الميالدي‪ -‬ووقف داخل الإيوان وت�أمل �آثاره‪ ،‬عبر‬ ‫موقفه عن الده�شة‪ ،‬وو�صفه كما نعرف و�صف ًا‬ ‫�آث��ر ًا ال تن�ساه الثقافة العربية‪ ،‬ومع ده�شته في‬ ‫�آثار الفر�س وعظمتهم‪ ،‬لم ي�ستطع �إال �أن ينتقد‬ ‫الثقافة العربية التي ر�أى �أنها �أق��ل بكثير حين‬ ‫قال‪:‬‬

‫و�إن ا�ستدرك في نهاية الق�صيدة ليقول‪ :‬ذاك‬ ‫ما معناه (لي�ست ال��دار داري)‪ ،‬ك�أنه يعود �إلى‬ ‫الثقافة العربية في النهاية ليعتذر عما قد يكون‬ ‫قد �سببه كالمه من �إ�ساءة للثقافة العربية‪ ،‬وفي‬ ‫الحقيقة‪ ..‬في �سينية البحتري النموذج الأول‬ ‫والرئي�س للت�أمل في الآثار الثقافية واالجتماعية‬ ‫والح�ضارية ب�شكل ع��ام ل�ل��دالالت االجتماعية‬ ‫والثقافية والح�ضارية للآثار‪ .‬في الوقت نف�سه‬ ‫نجده �أي�ض ًا ينتقد ع�صره من خالل ت�أمله للآثار‪،‬‬ ‫ينظر �إلى الفر�س وهم يعي�شون في نعيمٍ انتهى ولم‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫‪23‬‬


‫للدراسات السعودية‬ ‫في دورته السادسة ‪ -‬الجوف‬ ‫‪ 8 – 7‬محرم‪1434‬هـ ( ‪ 22 -21‬نوفمبر ‪2012‬م)‬

‫يعد قائماً‪ ،‬وهو في الوقت نف�سه يتذكر �أو ي�ستعيد‬ ‫الواقع في الع�صر العبا�سي �آن��ذاك‪ -‬وهو الذي‬ ‫كان قريب ًا من الخلفاء‪ ،‬ومن «المتوكل» ب�شكل‬ ‫خا�ص‪ -‬وو�صفه لبركة المتوكل ينم عن النعيم‬ ‫ال��ذي عا�شه الخلفاء العبا�سيون �آن��ذاك‪ ،‬فك�أن‬ ‫و�صفه لـ «�إيوان ك�سرى» ي�شير �إلى ما كان حا�ص ًال‬ ‫في ذلك الوقت‪ ،‬فيقول لمعا�صريه‪ :‬انظروا ماذا‬ ‫ح�صل لأولئك‪ ،‬لكي ال يح�صل لكم ما ح�صل لهم‬ ‫عندما انتهت �آثارهم‪ ،‬وفقدوا ما كانوا فيه من‬ ‫نعيم‪� ،‬إنه‪ -‬في الحقيقة ‪ -‬يوظف الأثر توظيف ًا‬ ‫�سيا�سي ًا �شخ�صي ًا �إل��ى ح��دٍ بعيد‪� ،‬إذ كانت له‬ ‫م�شكلة �شخ�صية عندما ترك بغداد وذهب �إلى‬ ‫الإيوان‪ .‬توقُّف البحتري �أمام م�شهد الحرب في‬ ‫الق�صيدة‪ ،‬من �أ�شهر ما فيها من م�شاهد‪ ،‬وهو‬ ‫و�صفٌ يعرِّفه دار�سو الأدب وال�شعر ب�شكل خا�ص‬ ‫ب�أنه من �أجمل ما قيل في ال�شعر العربي‪ ،‬ولكن‬ ‫هناك تركيز على التوتر الحا�صل بين النعيم‬ ‫من ناحية‪ ..‬وم�شاهد الحرب من ناحية �أخرى‪،‬‬ ‫فنحن نرى م�شاهد الأن�س والنعيم وال�شراب وما‬ ‫�إلى ذلك‪ ،‬ثم نرى م�شهد الحرب التي حدثت بين‬ ‫الفر�س والروم (حرب �إنطاكيا)‪ ،‬والذي وُ�صف‬ ‫بالق�صيدة م�شهد �إنطاكيا‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫�إن ق��راءة البحتري وما يقوله في الق�صيدة‬ ‫لي�ست بالت�أكيد قراءة علمية‪ ،‬لي�ست مما يمكن‬ ‫�أن ي�صفه علماء الآث���ار‪ ..‬مما يتكئ عليه في‬ ‫ق��راءة الأث��ر‪ ،‬لكنها ق��راءة تظل مبدعة‪ ،‬و�أي�ض ًا‬ ‫م�ستبطنة للأبعاد النف�سية للإن�سان‪ ،‬والتاريخية‬ ‫�أي�ضا للح�ضارة‪� ..‬إل��ى جانب ما فيها من ت�أمل‬ ‫في الجماليات «جماليات الفن»‪ ،‬ونحن اليوم‬ ‫بعيدون بالت�أكيد عما قاله البحتري وما يمكن �أن‬ ‫يقوله �شعرا�ؤنا المعا�صرون عن الآثار‪ ،‬فنحن –‬ ‫الآن‪ -‬نعي�ش في ع�صر يتفتح فيه وعينا العلمي‬ ‫والثقافي على الآث��ار‪ ،‬ون��درك �أكثر من ذي قبل‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫�أكثر مما �أدرك��ه البحتري ومعا�صروه عن معنى‬ ‫الآثار وقيمتها التاريخية والثقافية والح�ضارية‬ ‫ب�شكل ع��ام‪ ،‬ولكننا عندما نعود �إل��ى مثل هذا‬ ‫الن�ص ال���ش�ع��ري‪ ،‬ف��إن�ن��ا ن �ق��ارب قيمة ثقا��ية‬ ‫ونقارنها �أي�ض ًا بما لدينا ال�ي��وم‪ ،‬والمعتاد في‬ ‫مثل هذه ال�ق��راءات �أنها تتوقف عند ما ي�سمى‬ ‫بالعبرة (االعتبار بالما�ضي)‪ ،‬وهو في الواقع‬ ‫مرتكز مهم في ق�صيدة البحتري‪ ،‬لكنني �أرى �أن‬ ‫مفهوم العبرة هذا ‪-‬وهو ال�شائع لدى كثير ممن‬ ‫ينظرون �إلى الآثار‪ -‬مفهوم يقلل من قيمة الأثر‪،‬‬ ‫لأنه يح�صرها في داللة جزئية‪ ،‬فنحن هنا نن�سى‬ ‫�أن تلك الآثار تت�صل بنا اليوم مثلما تت�صل بمن‬ ‫عا�صروها‪ .‬وهنا �أتوقف �أمام داللتين �أ�سا�سيتين‪:‬‬ ‫ال��دالل��ة الأول ��ى �أن الآث ��ار ت�ق��دم لنا فر�صة‬ ‫لقراءة التاريخ الإن�ساني بو�صفه �سج ًال لتحديات‬ ‫وم�ساعٍ ال تتوقف لتتجاوز تلك التحديات؛ فبع�ض‬ ‫الآثار ي�ستدعي منا نظرة يمتزج فيها الإعجاب‬ ‫بال�شفقة‪ ،‬ننظر �إل��ى بدائية الأدوات فن�شفق‬ ‫على من ا�ستعملها ومن اخترعها‪ ،‬لكننا �أي�ض ًا‬ ‫�أمام �آثار تده�شنا فن�شعر �أمامها بالعجز وعدم‬ ‫القدرة على المحاكاة؛ ومن هنا يرت�سم �أمامنا‬ ‫مفهوم للتاريخ غير المفهوم ال��ذي ي�شيع لدى‬ ‫العامة‪ ،‬وهو �أنه ي�سير في حركة تطورية من الأقل‬ ‫�إلى الأف�ضل‪� ،‬أو من الأ�سو�أ �إلى الأح�سن‪ ،‬بينما‬ ‫تعلمنا من فال�سفة التاريخ والم�ؤرخين الكبار‬ ‫�أن التاريخ لي�س بال�ضرورة �أفقي ًا بهذا ال�شكل‪..‬‬ ‫والآثار هي �شواه ٌد على ذلك‪ ،‬ت�ؤكد لنا الآثار �أن‬ ‫التاريخ ي�سير �أحيان ًا بحركة دائرية كالتي ر�سمها‬ ‫ابن خلدون‪� ،‬إنه في لحظات ذروة‪ ،‬وفي لحظات‬ ‫هبوط‪ ،‬و�إن هذه اللحظات قد ال تكون ما انتهت‬ ‫�إليه الب�شرية‪ ،‬و�إنما قد تكون لحظات �سابقة تلتها‬ ‫لحظات هبوط تتلوها لحظات ذروة وهكذا‪ ،‬وهذا‬ ‫‪ -‬في ت�صوري ‪ -‬معنى مهم من ت�أمل بع�ض الآثار‪.‬‬

‫الداللة الثانية التي �أود �أن �أطرحها هنا �أن �أيُّ�����ه�����ا ال���مُ���ن��� َت���ح���ي ب������أ������س�����وا َن داراً‬ ‫الآثار تطرح �أي�ض ًا م�س�ألة الموقف �أمام الآخر‪،‬‬ ‫ك�����ال�����ثُّ����� َر ّي�����ا ُت������ري������ ُد �أنْ َت���ن���قَ���� ّ���ض���ا‬ ‫وق�صيدة البحتري �أنموذج لذلك‪ ،‬فالأثر الفار�سي‬

‫كان في قلب المنطقة العربية‪ ،‬وهذا �شاعر عربي اخ����لَ����ع ال���� َن����ع���� َل واخ����فِ���������ض ال����طَّ ����رفَ‬ ‫َ�ضا‬ ‫واخ�شَ ع ال تُحاوِل مِ ن �آ َي ِة الدَّه ِر غ ّ‬ ‫ب��دوي ينظر �إل��ى ثقافة الآخ��ر ويقيمها‪ ..‬فكيف‬ ‫نظر �إليها؟ �أعتقد �أننا هنا �أم��ام فر�صة لت�أمل قِ��فْ ِبتِلكَ القُ�صو ِر ف��ي ال�� َي�� ِّم غَرقى‬ ‫الموقف من الآخ��ر في الثقافة العربية ب�شكل‬ ‫َع�ضها مِ ���ن ال���ذُّ ع��� ِر بَع�ضا‬ ‫ُم��م�����س��كٌ ب ُ‬

‫م � � � � � � � � �ل � � � � � � � ��ف ال � � � � � � � � �ع � � � � � � � ��دد‬

‫منتدى األمير‬ ‫عبد الرحمن بن أحمد السديري‬

‫عام‪ ،‬وهذا الموقف لم يتغير كثيراً‪ .‬ما زلنا ‪-‬حتى‬ ‫الآن‪ -‬نعاني من النظرة �إلى الآخر‪ ،‬و�أعتقد �أننا كَ���� َع����ذارى �أخ��� َف���ي���نَ ف���ي ال���م���ا ِء َب���ّ��ض��اً‬ ‫بحاجة �إلى اال�ستفادة من تلك الق�صيدة في تلك‬ ‫������س�����ا ِب�����ح�����اتٍ ِب��������� ِه و�أب��������� َدي���������نَ َب���� ّ���ض���ا‬ ‫اللحظة التاريخية؛ فالبحتري مث ًال يقول‪:‬‬

‫ذاكَ عِ ���ن���دي َو َل���ي�������سَ ���ت ال�������دا ُر داري‬ ‫�����س جِ ن�سي‬ ‫ب�� ِاق�� ِت��رابٍ مِ نها وَال ال��جِ ��ن ُ‬ ‫غَ����ي���� َر ُن���ع���م���ى ِلأَه���� ِل����ه����ا عِ ����ن���� َد �أَه���ل���ي‬ ‫َ���ر����س‬ ‫غَ��� َر����س���وا مِ ����ن َزك���ائِ���ه���ا خَ ���ي��� َر غ ِ‬ ‫�أي�ض ًا هناك اع�ت��راف ب��دور الآخ��ر في تطور‬ ‫الثقافة المحلية‪ ،‬و�أعتقد �أننا هنا مدعوون لت�أمل‬ ‫م��وق��ف ع��رب��ي مبكر ف��ي النظرة ل�ل�آخ��ر؛ نظرة‬ ‫تمتزج فيها دواع��ي الإع�ج��اب بدواعي االعتزاز‬ ‫ب��ال��ذات �أي���ض�اً‪ ،‬وف��ي تناولي �أت �ط��رق �إل��ى مثال‬ ‫معا�صر‪� ،‬أعتقد �أن��ه يرف�ض ه��ذا التناول بر�ؤيا‬ ‫حديثة ا�ستمدها من موقف �أحمد �شوقي من الآثار‬ ‫الم�صرية ‪ -‬وهي �آثار فرعونية في المقام الأول‬ ‫ ف��الآث��ار الفرعونية كانت تتعر�ض للدمار في‬‫بدايات القرن الع�شرين‪ ،‬ويقال �إن �أحد الر�ؤ�ساء‬ ‫الأمريكيين(تيودور روزفلت‪ ،‬وهو قريب للرئي�س‬ ‫روزفلت الذي جاء بعد ذلك) زار م�صر في �أوائل‬ ‫القرن‪ ،‬و�ألقى كلمة في جامعة القاهرة‪ ،‬وفي كلمته‬ ‫تلك �أه��ان م�صر وقلل من قيمتها الح�ضارية‪،‬‬ ‫ف�سمع �شوقي بذلك وكتب ق�صيدته الم�شهورة‬ ‫في �آث��ار �أ�سوان مدافع ًا عن تلك الآث��ار‪ ،‬وم�ؤكد ًا‬ ‫�أهميتها لهوية م�صر‪ .‬فقال من �ضمن ما قال‪:‬‬

‫َ���������ض ال�����ص��ا‬ ‫�������ش ك�����أ َّن����م����ا َن����ف َ‬ ‫رُبّ َن���ق ٍ‬ ‫�������س َن��ف�����ض��ا‬ ‫ِن����� ُع مِ ���ن��� ُه ال��� َي���دي���ن ب���الأم ِ‬ ‫� َ���ش���ابَ مِ ���ن حَ ��ول��ه��ا ال���زم���انُ و���ش��ا َب��ت‬ ‫َ�����ض��ا‬ ‫���و����س م����ا زا َل غ ّ‬ ‫و� َ����ش����ب����ابُ ال��� ُن���ف ِ‬

‫والحقيقة �أن التبجيل ال��ذي نجده في هذه‬ ‫الق�صيدة تبجيل لهوية م�صر نف�سها‪ ،‬ولي�س‬ ‫للآثار بقدر ما هو للح�ضارة وللمكان ولل�شعب‪،‬‬ ‫فلعلنا بذلك نقر�أ موقف ًا تكون فيه الآثار م�صدر ًا‬ ‫للهوية واالنتماء واالعتزاز‪ ،‬وهذا في اعتقادي ما‬ ‫نحتاجه كثير ًا في هذه المرحلة وفي هذا المكان‪.‬‬ ‫هذان الموقفان ي�شتركان في نواح ويختلفان في‬ ‫نواحٍ ‪ ،‬لكن �أهميتهما هي في �إبرازهما لموقع الآثار‬ ‫من الوجدان العربي الثقافي على مر التاريخ‪،‬‬ ‫وما يحمالن من ر�ؤية تجاه الآثار بو�صفها �شواهد‬ ‫ح�ضارية تتجاوز دالل��ة االعتبار �أو العبرة التي‬ ‫تكاد تهيمن على كيفية النظر �إل��ى الآث��ار لدى‬ ‫الكثيرين‪ .‬ذلك �أن الدرا�سة العلمية اليوم للآثار‬ ‫تبرز فهم ًا يتجاوز العبرة �إلى المعرفة بالتاريخ‪،‬‬ ‫وبمكونات الثقافة على النحو الذي يعمق المعرفة‬ ‫بالحا�ضر‪ ،‬وي�ؤكد ت�شابه التجارب الإن�سانية بما‬ ‫يتجاوز اختالفات الزمن ومتغيرات االجتماع‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫‪25‬‬


‫للدراسات السعودية‬

‫في دورته السادسة ‪ -‬الجوف‬ ‫‪ 8 – 7‬محرم‪1434‬هـ ( ‪ 22 -21‬نوفمبر ‪2012‬م)‬

‫الجل�سة الثانية‬ ‫�أدارها الدكتور �سعد البازعي وا�شتملت على الأوراق الآتية‪:‬‬ ‫الورقة الأولى‬ ‫للأ�ستاذ الدكتور علي �إبراهيم غبان (نائب رئي�س الهيئة العامةلل�سياحة والآثار)‬ ‫بعنوان‪« :‬دور الهيئة العامة لل�سياحة والآثار وجهودها فيما يتعلق بالآثار»‬

‫ق��دم د‪ .‬الغبان ب��داي�� ًة عظيم ال�شكر واالم��ت��ن��ان لم�ؤ�س�سة عبدالرحمن ال�سديري على اهتمامها غير‬ ‫الم�ستغرب في ق�ضايا الآثار منذ ت�أ�سي�سها‪ ،‬وذكر �أنها ت�أتي في المركز الثاني بعد جمعية التاريخ والآثار التي‬ ‫�أ�س�سها الدكتور عبدالرحمن الأن�صاري في جامعة الملك �سعود‪ ،‬من حيث �أقدمية الم�ؤ�س�سات غير الحكومية‬ ‫�أو �شبه الحكومية العاملة في هذا المجال‪.‬‬ ‫و�أكد في كلمته على �أن الهيئة العامة لل�سياحة‬ ‫والآث� ��ار ه��ي المرحلة المعا�صرة للتعامل مع‬ ‫الآث� ��ار ال��وط�ن�ي��ة‪ ،‬ول �ك��ن ه �ن��اك ج �ه��ات �أخ��رى‬ ‫بذلت المزيد من الجهد في هذا المجال‪ ،‬و�إن‬ ‫االهتمام والعناية بالآثار بد�أ مع ت�أ�سي�س المملكة‬ ‫العربية ال�سعودية‪ ،‬والكل يعلم كيف �أتاح الملك‬ ‫عبدالعزيز –طيّب اهلل ثراه‪ -‬لعدد من الباحثين‬ ‫المحليين والدوليين بزيارة المواقع والمناطق‬ ‫والكتابة عن �آثارها‪ ،‬ولعل من �أ�شهرهم «فيلبي»‪،‬‬ ‫ولي�س م�ستغربا‪ ،‬ولي�س المو�ضوع طارئا �أو جديدا‪،‬‬ ‫ون�ستطيع القول �إنه م�ضى ن�صف قرن في المملكة‬ ‫وقد ا�ستغرقت اليون�سكو ربع قرن من النقا�ش‬ ‫على العمل الأثري ب�أ�شكال مختلفة‪ ،‬وهناك جهود وال��ح��وار حتى �آم��ن المتحفظون من الآثاريين‬ ‫كبيرة بُذلت من كثير من الزمالء والعاملين في و�أ�صحاب التراث على م�ستوى العالم‪ ،‬ب�أهمية‬

‫ه��ذا الحقل‪ ،‬وم��ن ح�سن الحظ �أن د‪ .‬عبداهلل‬ ‫م�صري ود‪� .‬سعد الرا�شد – المتواجدين معنا‪-‬‬ ‫ممن تولوا م�سئولية الأعمال التنفيذية في الآثار‬ ‫لفترة طويلة جداً‪ .‬وقد �أوكلت للهيئة مهمة الآثار‬ ‫منذ فترة وجيزة ال تتجاوز (‪� )7 –6‬سنوات‪،‬‬ ‫لأ��س�ب��اب ر�ؤيَ �أن ي�ك��ون ه�ن��اك تحفيز لجانب‬ ‫اال�ستفادة االقت�صادية منها‪ ،‬فكانت هناك نظرة‬ ‫ب�أن العناية بالآثار والمحافظة عليها عملية مكلفة‬ ‫تنفق فيها من ميزانية الدولة‪ ،‬ولي�س لها مردود ال‬ ‫على الآثار نف�سها وال المناطق التي توجد فيها‪.‬‬

‫م�سجد قلعة مارد في دومة الجندل‬

‫‪ 26‬اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬ ‫نقو�ش قرب قلعة زعبل في �سكاكا‬

‫م � � � � � � � � �ل � � � � � � � ��ف ال � � � � � � � � �ع � � � � � � � ��دد‬

‫منتدى األمير‬ ‫عبد الرحمن بن أحمد السديري‬

‫قلعة زعبل في �سكاكا‬

‫المتحدثون في الجل�سة الثانية‬ ‫ممر في حي الدرع التاريخي في دومة الجندل‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫‪27‬‬


‫للدراسات السعودية‬ ‫في دورته السادسة ‪ -‬الجوف‬ ‫‪ 8 – 7‬محرم‪1434‬هـ ( ‪ 22 -21‬نوفمبر ‪2012‬م)‬

‫الجهود التي بذلت في الما�ضي لأكثر من خم�سين‬ ‫عاما‪ ،‬وال �شك �أن لتلك الجهود جوانب مهمة‪،‬‬ ‫وفيها انطالقة قوية جداً‪ ،‬نتمنى �أن ت�أتي ثمارها‬ ‫على �أر���ض ال��واق��ع‪ .‬و�أن��ا �سعيد م��ن مداخالت‬ ‫ال �� �س��ادة ال�ح���ض��ور؛ لأن ال �م��واط��ن ه��و ال��وق��ود‬ ‫الذي يدفع بنا �إلى الأم��ام‪ ،‬فمن حقه �أن ي�س�أل‬ ‫ويت�ساءل‪� ..‬أن يحا�سب وينتقد‪ ..‬وهذا ما نريده‪،‬‬ ‫�أن نجعل من المواطن الحامي الأول للآثار‪.‬‬ ‫د‪ .‬علي �إبراهيم غبان‬

‫ثم ا�ستعر�ض جهود الهيئة العامة لل�سياحة‬ ‫والآث� ��ار و�إن �ج��ازات �ه��ا ف��ي م�ج��ال الآث��ار‪.‬ف��ذك��ر‬ ‫ا��أهداف العامة للهيئة التي تتمثل في‪:‬‬

‫التنمية االقت�صادية للتراث الثقافي‪ ،‬و�أن هذا •المحافظة على الآث��ار والمتاحف وت�أهيلها‬ ‫�سبب من �أ�سباب حمايته والمحافظة عليه‪ ،‬وقد‬ ‫وتنميتها‪.‬‬ ‫و�صلنا بعد رب��ع ق��رن �إل��ى �أن التنمية هي خير‬ ‫و�سيلة للحماية‪ ،‬وهذا المو�ضوع يطرح الآن من •ال�ت��وع�ي��ة وال �ت �ع��ري��ف ب ��الآث ��ار وال�م�ت��اح��ف‬ ‫و�أهميتها الثقافية واالقت�صادية‪.‬‬ ‫جديد‪� ،‬أو ط��رح حتى في الما�ضي القريب في‬ ‫المملكة‪ ،‬وجميع الدول الآن تتوجه هذا التوّجه‪�• ..‬إن�شاء المتاحف في المناطق والمحافظات‬ ‫حتى دول الخليج الأخ���رى ب ��د�أت ت�ح��ذو حذو‬ ‫وتطويرها‪.‬‬ ‫المملكة‪ ،‬في الربط بين الجهات المعنية بالأثر‪• ،‬تحقيق م�شاركة المجتمعات المحلية في كل‬ ‫والجهات المعنية بالتنمية ال�سياحية ك�سبيل من‬ ‫ما له عالقة بالآثار والمتاحف‪ ،‬وتمكينهم‬ ‫�سبل التوفير‪.‬‬ ‫من القيام بالأدوار الرئي�سة‪.‬‬ ‫وال �شك �أن الآثار موارد اقت�صادية‪ ،‬واالهتمام •نقل المعرفة وبناء قدرات جميع ال�شركاء‬ ‫بها ق�ضية وطنية مهمة جد ًا تخدم �أكثر من بُعد‪..‬‬ ‫في مجاالت الحماية والمحافظة والت�أهيل‪.‬‬ ‫ولي�س فقط البُعد االقت�صادي‪ .‬والأبعاد الثالثة‬ ‫(الثقافي‪ -‬االجتماعي – االقت�صادي) يجب �أن •�إحداث نقلة �أ�سا�سية في الآثار والمتاحف‪،‬‬ ‫و�إبرازها كبعد ح�ضاري ي�ضاف �إلى الأبعاد‬ ‫ت�سير مع بع�ضها بع�ض ًا في خط متوازٍ ‪ ،‬والجانب‬ ‫الدينية وال�سيا�سية واالقت�صادية للمملكة‪.‬‬ ‫االقت�صادي �أ�صبح هو الدينمو المحرك‪ .‬ولننظر‬ ‫�إل��ى اليونان‪ ..‬لديها �أق��وى نظام لحماية الآث��ار •توفير �آف��اق رحبة لال�ستفادة من مكونات‬ ‫الآثار والمتاحف وا�ستثمارها وتحقيق دخل‬ ‫على م�ستوى العالم‪ ،‬لماذا؟! لأن الآث��ار تدخل‬ ‫يدعم االقت�صاديات المحلية‪.‬‬ ‫‪ %20‬من الدخل الوطني في اليونان‪.‬‬

‫‪28‬‬

‫وا�ستطرد د‪ .‬الغبان قائال‪� :‬إننا الآن ال نخترع •ت�أهيل وتدريب الكوادر والكفاءات الوطنية‬ ‫للمحافظة على الآثار وتنميتها‪.‬‬ ‫العجلة‪ ،‬وال نبد�أ من ال�صفر‪ ،‬نحن نبني على‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫�أما م�سئولية الهيئة في مجال الآثار والمتاحف •ت�أهيل (‪ )70‬موقع ًا �أث��ري � ًا وفتحها �أم��ام‬ ‫والتراث فتتمثل في‪:‬‬ ‫الزوار‪.‬‬ ‫ •الحماية‪.‬‬ ‫وفي مجال المتاحف‪:‬‬ ‫ •الت�سجيل‪.‬‬ ‫ •تطوير المتحف الوطني بالريا�ض‪.‬‬ ‫ •البحث العلمي‪.‬‬ ‫ •ت�أهيل المواقع وتنميتها‪.‬‬ ‫ •العمل على �إن�شاء متاحف في المناطق‪.‬‬ ‫ •�إن�شاء المتاحف التابعة للهيئة وت�شغيلها‪.‬‬ ‫ •تطوير المتاحف القائمة‪.‬‬ ‫ •دعم المتاحف الخا�صة والمتخ�ص�صة‪.‬‬ ‫ •�إن�شاء متاحف المحافظات ف��ي المباني‬ ‫ •التوعية والتعريف‪.‬‬ ‫التاريخية‪.‬‬ ‫كما تحدّث عن مبادرات و�إنجازات الهيئة في‬ ‫ •دعم المتاحف المتخ�ص�صة والتو�سع فيها‪.‬‬ ‫مجال الآثار و�أهمها‪:‬‬ ‫ •ت�سجيل مواقع في المملكة في قائمة التراث •�إقامة المعار�ض الم�ؤقتة والزائرة‪.‬‬ ‫العالمي (م��دائ��ن �صالح‪-‬الدرعية‪ -‬جدة •ن�شر الثقافة المتحفية‪.‬‬ ‫ال�ت��اري�خ�ي��ة‪ -‬م��واق��ع ال�ن�ق��و���ش ال�صخرية‬ ‫�أما عن التطلعات الم�ستقبلية فتتمثل في‪:‬‬ ‫بمنطقة حائل)‪.‬‬ ‫ •�إق ��ام ��ة م �ع��ار���ض ف��ي ال�م�ت�ح��ف ال��وط�ن��ي •تعزيز مفهوم البعد الح�ضاري‪ ،‬ورفع الوعي‬ ‫الأث��ري على م�ستوى الم�ؤ�س�سات والأف��راد‪،‬‬ ‫لمجموعات من المتاحف العالمية‪.‬‬ ‫وت�شجيع الم�سئولية ال�ف��ردي��ة ف��ي حماية‬ ‫ •�إقامة معر�ض روائ��ع من �آث��ار المملكة في‬ ‫تراثنا الثقافي من خالل العمل مع �شركاء‬ ‫المتاحف العالمية ومنها‪ :‬متحف اللوفر‬ ‫الهيئة في هذا المجال‪.‬‬ ‫بفرن�سا‪ ،‬م�ؤ�س�سة الكا�شيا ب�أ�سبانيا‪ ،‬متحف‬ ‫الأرميتاج برو�سيا‪ ،‬متحف البيرقمان في •التوا�صل م��ع العالم م��ن خ�لال التعريف‬ ‫بح�ضارة المملكة العربية ال�سعودية‪.‬‬ ‫�ألمانيا‪ ،‬متحف ال�سيمثونيان بالواليات‬ ‫ال�م�ت�ح��دة الأم��ري �ك �ي��ة وع���دد م��ن ال�م��دن •ت �ح��وي��ل ال� �ت ��راث ال �ح �� �ض��اري �إل� ��ى م��ورد‬ ‫الأمريكية الأخرى‪.‬‬ ‫اقت�صادي وم�صدر لفر�ص العمل‪ ،‬و�سبي ًال‬ ‫ •ن��زع ملكية (‪ )120‬موقع ًا �أث��ري � ًا مملوك ًا‬ ‫�إلى زيادة دخل المجتمعات المحلية‪.‬‬ ‫للمواطنين‪.‬‬ ‫ •ال�ع�م��ل ع�ل��ى تهيئة وت ��أه �ي��ل ال �م��زي��د من‬ ‫ •ا�ستعادة (‪� 14‬ألف) قطعة �أثرية من خارج‬ ‫المواقع الأثرية والتاريخية‪ ،‬ومواقع التراث‬ ‫المملكة‪.‬‬ ‫العمراني وال�صناعات ال�ي��دوي��ة‪ ،‬وكذلك‬ ‫�إج��راء المزيد من العمل الأث��ري الميداني‬ ‫ •العمل مع (‪ )25‬بعثة علمية محلية وعالمية‬ ‫ف��ي مجال التنقيب والم�سح بالتعاون مع‬ ‫لإجراء الم�سح والتنقيب في المواقع الأثرية‬ ‫مراكز البحث العالمية‪.‬‬ ‫بمناطق المملكة‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫م � � � � � � � � �ل � � � � � � � ��ف ال � � � � � � � � �ع � � � � � � � ��دد‬

‫منتدى األمير‬ ‫عبد الرحمن بن أحمد السديري‬

‫‪29‬‬


‫للدراسات السعودية‬ ‫في دورته السادسة ‪ -‬الجوف‬ ‫‪ 8 – 7‬محرم‪1434‬هـ ( ‪ 22 -21‬نوفمبر ‪2012‬م)‬

‫الورقة الثانية‬ ‫للدكتور عبداهلل ح�سن م�صري (المدير العام الأ�سبق لوكالة الآثار والمتاحف)‬ ‫بعنوان «نظرة على �آثار المملكة في مجال الأنظمة والأبعاد الإ�ستراتيجية الم�ستقبلية»‬

‫تحدث د‪ .‬عبداهلل م�صري عن الآثار في المملكة العربية ال�سعودية فقال �إنها �شهدت الوالدة‬ ‫المنظمة كت�أ�سي�س في عام ‪1382‬هـ‪1962-‬م‪� ،‬إثر مداخالت كانت من اليون�سكو مع المملكة العربية‬ ‫ال�سعودية بوجوب االهتمام بهذا الجانب؛ ف�صدرت توجيهات عليا ب�إن�شاء ق�سم الآثار‪ ،‬ف�أن�شئ في‬ ‫وزارة المعارف �آنذاك و�ألحق في �إدارة الثقافة‪ ..‬فكان ق�سماً في المديرية‪ ،‬وعندما بد�أنا العمل‬ ‫في عام ‪1973/72‬م‪1393/92 -‬هـ كان الموقع المكاني لق�سم الآثار موقعا مهم�شا في جانب مهم�ش‬ ‫من معهد العا�صمة النموذجي في الجزء الخا�ص بالتربية البدنية‪ ،‬عندما بد�أنا عام ‪1992‬م بد�أنا‬ ‫�أي�ضاً ب�إ�ستراتيجية‪ ،‬ولكن على مقدراتنا المحلية‪ ،‬و�أذكر هنا بالعرفان والجميل معالي الراحل‬ ‫ال�شيخ ح�سن �آل ال�شيخ الذي كان ارتباطي به ارتباطا وثيقا ومعرفتي فيه ب�أنه رجل التراث‪ ،‬ورجل‬ ‫محب وم�شجع لكل ما يحفظ ويحافظ على التراث‪ ،‬وللأ�سف �أخبرته بحال الق�سم ف�أعطاني‬ ‫ال لي “اذهب وا�صنع المعجزات �إن قدرت‪ ..‬و�أنا معك”‪.‬‬ ‫(‪ )Carte Blanche‬قائ ً‬ ‫بد�أنا بم�سح �شامل للمملكة في كل �أنحائها‪،‬‬ ‫فق�سمناها تق�سيما جغرافيا واقعيا‪ ،‬وا�ستعنّا‬ ‫بفرق بحثية من كل جامعات العالم‪ ،‬وبارتباطي‬ ‫بالجامعات الأمريكية‪ ..‬كنت �أكثر ميو ًال لهم‪،‬‬ ‫ولكن �أتينا بهم من �أ�ستراليا و�إنجلترا وفرن�سا‬ ‫ح�سب التخ�ص�صات‪ ،‬وبقينا ع�شر �سنوات نكدح‬ ‫ف��ي �سبيل جمع المعلومات‪ ،‬وتوثيق الخرائط‬ ‫والمخططات‪ ،‬وو�ضع �إحداثيات لكل موقع‪ ،‬حتى‬ ‫�أننا ا�ستعنّا بالر�صد الجوي‪.‬‬

‫د‪ .‬عبداهلل ح�سن م�صري‬

‫‪30‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫حظيت الآث��ار بعناية كبيرة ج��د ًا ب�سبب دعم‬ ‫معالي ال�شيخ ح�سن �آل ال�شيخ ‪-‬يرحمه اهلل‪ -‬وما‬ ‫كتبت خطابا لجهة ما �إال و��س��ارع �إل��ى توثيقه‪..‬‬ ‫وه ��ذا ي�ق��ال ‪-‬ل�ل�ح��ق ول�ل�ت��اري��خ‪ -‬وي�سجل لذلك‬

‫الرجل‪ ،‬وا�ستمر الحال في الم�سح الأث��ري طيلة‬ ‫تلك ال�سنوات‪ ،‬وبد�أنا ن�ضع المملكة في الخريطة‬ ‫ال�ع��ام��ة‪ ،‬لأن الم�سح الأث ��ري ال ي�ف��رز �شيئا في‬ ‫الآث ��ار‪ ،‬فالم�سح الأث ��ري فقط يقول هنا توجد‬ ‫مكامن للآثار مهمة‪ ،‬ومعروف �أن المملكة العربية‬ ‫ال�سعودية فيها مكامن للآثار مهمة منها‪( :‬دومة‬ ‫الجندل‪ ،‬العال‪ ،‬الخريباء‪ ،‬نجران) خ��ارج هذه‬ ‫الأطر للمدن التاريخية القديمة التي تواترت فيها‬ ‫ال�سُّ كنى منذ �آالف ال�سنين‪� ،‬أج��زم ب��أن الجوف‬ ‫من (‪� 4000‬أو ‪� )5000‬سنة تواترت فيها ال�سُّ كنى‪،‬‬ ‫لكن المعول الأثري لم يتطرق حتى الآن �إلى �سبر‬ ‫الأغوار‪ ،‬وينطبق ذلك على العال ونجران والأخدود‬ ‫وجيزان‪ ،‬مع عدم وجود �آثار ظاهرة وبيّنة‪ ،‬لكنها‬ ‫تخفي �آثارا مذهلة جداً‪ ،‬وكذا الهفوف وتاروت في‬ ‫�شرقي المملكة العربية ال�سعودية‪.‬‬

‫دون ذلك‪ ،‬بحيث نعتمد في الم�سح الأث��ري وكل‬ ‫تخ�ص�صات الآث��ار على البند الثالث (�إعانات‬ ‫لجهات مختلفة)‪ ،.‬فلج�أنا �إل��ى ه��ذا التنظيم‬ ‫وجعلنا كل عبئنا في تنظيم الآث��ار لمدة ع�شر‬ ‫�سنوات على البند الثالث (بند �إع��ان��ات)‪ ،‬كما‬ ‫حملنا بعثات الآث��ار �أي�ض ًا على البند الثالث‪،‬‬ ‫واعتمادا على البند الرابع �أن�ش�أنا المتاحف‪� .‬أما‬ ‫ت�سوير الآث��ار فكان المحور الثاني المهم جداً‪،‬‬ ‫وقد ا�ستغرق وقتا طويال لإنجازه‪ ،‬وهكذا �صار‬ ‫لدينا جيل كبير من الآثاريين‪ ،‬ومواقع موثقة‬ ‫وخرائط معتمدة‪،‬راجين �أن تكون هيئة الآثار قد‬ ‫حافظت على تلك المخططات المهمة جد ًا �أثناء‬ ‫الم�سح الأثري‪ ،‬الذي �شكل �أكثر من ع�شرة �آالف‬ ‫موقع �أثري‪ ،‬ور�صدت وو�ضعت في مركز الم�سح‬ ‫والأبحاث في وكالة الآثار‪،‬‬

‫وكانت مهمتنا ي�سيرة نوع ًا ما‪ ،‬فمنذ البداية‬ ‫يجب علينا ح�شد الإمكانات‪ ،‬ثم خلق الكوادر‬ ‫الب�شرية؛ فلج�أنا �إلى تدريب الكوادر مع البعثات‬ ‫الأجنبية‪ ،‬وتمويل البعثات الأجنبية تمويال ذاتيا‬ ‫من المملكة‪ ،‬وواجهتنا عقبات �إداري��ة مع وزارة‬ ‫المالية ومع الخدمة المدنية‪ ،‬كيف ن�ؤطر للآثار‬ ‫كحقل يمول باخت�صا�صاته؟ فما كان هناك بد‬ ‫�إال اخت�صار الزمن والوقت‪ ،‬وعدم الإ�صرار على‬ ‫�إ��ص��دار لوائح خا�صة ب��الآث��ار في ذل��ك الوقت‪،‬‬ ‫لأن نظام الآث��ار يعطي الحق لمجل�س الآث��ار �أن‬ ‫ي�صدر لوائح‪ .‬فلج�أنا �إلى �إخوة في وزارة المالية‬ ‫كانوا متعاونين ج��د ًا معنا‪ ،‬ف�أو�ضحوا لنا ب�أن‬ ‫اللوائح والتنظيمات المالية ت�أخذ وقتا طويال‪،‬‬ ‫و�أن ميزانية الدولة تتيح لنا العمل بمرونة من‬

‫واختتم حديثه بقوله‪ :‬نظرتي الإ�ستراتيجية‬ ‫�أن الآثار بالمملكة لن ينت�شي حالها �إال ب�إدخال‬ ‫عن�صر البعثات الأجنبية‪ ،‬و�أن��ا �أه�ن��ىء الهيئة‬ ‫ال�ع��ام��ة ل�ل�آث��ار على ال�م�ع��ار���ض ال�ت��ي تقيمها‪.‬‬ ‫فالمعار�ض لي�ست لإثارة الده�شة‪ ،‬ولكن لتحفيز‬ ‫الإم�ك��ان��ات المالية ل��دى الهيئات االجتماعية‬ ‫الراغبة في التمويل و�إن�شاء وقفيات؛ ففي م�صر‬ ‫وال�ع��راق و�سوريا مخ�ص�صات مالية وقفية لها‬ ‫مئة ع��ام‪ ،‬ون��ري��د �أن نلفت �أن��ظ��ار الأوروب��ي��ي��ن‬ ‫والأمريكان �إل��ى �إن�شاء وقفيات م�شابهة ل�شبه‬ ‫الجزيرة العربية‪ ،‬وبالذات في المملكة العربية‬ ‫ال�سعودية‪ ،‬وبالتالي يتم تمويل كثير من البعثات‬ ‫الأج �ن �ب �ي��ة ف��ي ال �ج��ام �ع��ات وغ �ي��ر ال�ج��ام�ع��ات‬ ‫والم�ؤ�س�سات الخا�صة‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫م � � � � � � � � �ل � � � � � � � ��ف ال � � � � � � � � �ع � � � � � � � ��دد‬

‫منتدى األمير‬ ‫عبد الرحمن بن أحمد السديري‬

‫‪31‬‬


‫م � � � � � � � � �ل � � � � � � � ��ف ال � � � � � � � � �ع � � � � � � � ��دد‬

‫منتدى األمير‬ ‫عبد الرحمن بن أحمد السديري‬ ‫للدراسات السعودية‬ ‫في دورته السادسة ‪ -‬الجوف‬ ‫‪ 8 – 7‬محرم‪1434‬هـ ( ‪ 22 -21‬نوفمبر ‪2012‬م)‬

‫الورقة الثالثة‬ ‫لمعالي الأ�ستاذ الدكتور خليل بن �إبراهيم المعيقل (مدير جامعة حائل)‬ ‫بعنوان «الأبعاد االقت�صادية لالهتمام بالآثار»‬

‫تحدث في البداية عن ال�سوق ال�سوداء وهي م�صطلح يطلق على كل تجارة غير م�شروعة‪ ،‬تمار�س في‬ ‫الظالم وتنطوي على مخالفات نظامية‪ .‬وقد عرفت تجارة الآثار وال�سوق ال�سوداء لها منذ ع�صور موغلة‬ ‫في القدم‪ .‬وارتبطت هذه التجارة بمعرفة الإن�سان واهتمامه بالمقتنيات القديمة‪ ،‬وجمعها منذ الع�صور‬ ‫ال�سومرية والبابلية في بالد ما بين النهرين‪ ،‬والع�صر الفرعوني في وادي النيل‪ ،‬والع�صر الإغريقي في‬ ‫الجزر الإغريقية‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫منذ تلك الع�صور‪ ،‬ن�شط الإن�سان في جمع كل تجارة �سوداء في دول كانت تخ�ضع لال�ستعمار‬ ‫قديم ثمين‪ ،‬حتى راجت عمليات نب�ش المقابر الغربي‪ ،‬وبخا�صة ف��ي م�صر وال �ع��راق وال�شام‬ ‫القديمة‪ ،‬بحثا عن القطع الذهبية والفنية ذات وبع�ض مناطق الجزيرة العربية‪.‬‬ ‫القيمة المادية لبيعها على الأثرياء‪ .‬وا�ستمرت‬ ‫وخ�لال تلك المرحلة‪ ،‬كان االهتمام بالآثار‬ ‫هذه التجارة تمار�س في مختلف الع�صور‪ ،‬وقد في المملكة العربية ال�سعودية مغيباً‪ ،‬وبخا�صة‬ ‫ت�أكد ذلك للمنقبين في المواقع الأثرية ‪-‬التي في المرحلة التي �سبقت ن�شوء الدولة ال�سعودية‬ ‫تعود لكل الع�صور‪� -‬أن جانب ًا من تلك المواقع‬ ‫الثالثة‪ ،‬وك��ذل��ك ف��ي م��راح��ل توحيد المملكة‪.‬‬ ‫ق��د تعرّ�ض للنهب ف��ي ف�ت��رات قديمة وحديثة‪.‬‬ ‫وبد�أ اهتمام الدولة بالآثار عام ‪1382‬هـ‪ ،‬عندما‬ ‫ومع بداية ن�شوء مدار�س علم الآث��ار في �أورب��ا‪،‬‬ ‫�أ�س�ست �أول �إدارة للآثار تابعة لوزارة المعارف‪،‬‬ ‫و�ضعت القوانين والأنظمة التي تنظم العمل في‬ ‫تالها في عام ‪1392‬هـ �سنُّ �أول نظام للآثار في‬ ‫مجال الآثار‪ ،‬كما �سُ نت قوانين مماثلة في مناطق‬ ‫المملكة‪.‬‬ ‫مختلفة من ال�شرق القديم في كل من العراق‬ ‫وق��د ت�ح��دث ال��دك�ت��ور ع�ب��داهلل م�صري عن‬ ‫وم�صر وب�ل�اد ال���ش��ام‪ ،‬وتلتها ب�لاد �أخ ��رى في‬ ‫�أوقات مت�أخرة‪� ،‬إال �أن تلك القوانين التي و�ضعت ال�ب��داي��ات الفعلية لت�أطير العمل الأث ��ري عام‬ ‫من قبل الغربيين �أو ت�أثرت بهم �أطّ رت ب�صورة ‪1392‬ه��ـ من خالل �صدور نظام الآث��ار كمنطلق‬ ‫�أو ب�أخرى ل�سيا�سة تجارة الآثار‪ ،‬و�سمحت بهام�ش للعمل الأث��ري في المملكة‪� ،‬إال �أن نظام الآث��ار‬ ‫من حرية التجارة التي �أدت �إلى خروج كميات الذي �صدر في تلك الفترة جاء �ضمن منظومة‬ ‫كبيرة من الآثار المنقولة من بالد ال�شرق القديم الأنظمة التي كانت موجودة‪ ،‬وربما مرجعيات‬ ‫تجاه �أ�سواق �أوربا والواليات المتحدة الأمريكية‪ .‬النظام التي ا�ستند عليها هي مرجعيات الأنظمة‬ ‫وال �شك �أن ذل��ك �أ�سهم ب�شكل كبير ف��ي رواج العربية في م�صر وبالد ال�شام‪ ،‬ولذلك نجد �أن‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫نظام الآثار ال�صادر عام ‪1392‬ه�ـ‪ ،‬يحتوي على‬ ‫ف�صلين من ف�صول هذا النظام‪ ،‬الف�صل الرابع‬ ‫ويتحدث عن تجارة الآث��ار‪ ،‬وتحت هذا الف�صل‬ ‫مجموعة من المواد التي ت�ؤطر لهذه التجارة‪،‬‬ ‫والف�صل الخام�س يتحدث عن ت�صدير الآث��ار‪،‬‬ ‫وبالتالي نحن �أمام تجارة وت�صدير‪ ،‬وهذه ربما‬ ‫تكون مدخلي للحديث عن ال�سوق ال�سوداء في‬ ‫المملكة في المرحلة الحالية‪ ،‬وق�ضية الحماية‬ ‫ال �ت��ي ت��وق��ف ع�ن��ده��ا ال��دك �ت��ور ع��ب��داهلل‪ ،‬وه��ي‬ ‫منطلقي �إلى الحديث‪.‬‬ ‫والآث��ار‪� ..‬سواء الثابتة منها �أو المنقولة‪ ،‬هي‬ ‫الأ�صول التراثية والأث��ري��ة وبالتالي المحافظة‬ ‫على الأ�صول يفتر�ض �أن تكون انطالقة لأي عمل المقدّرة التي قامت بها الهيئة العامة لل�سياحة‪،‬‬ ‫�آخر‪.‬‬ ‫�إال �أنها �أخفقت ب�شكل كبير ج��د ًا في مو�ضوع‬ ‫�أم��ا عن ن�ش�أة ال�سوق ال�سوداء في المملكة‪ ،‬ال�ح�م��اي��ة‪،‬ف�ق��د ت��راج �ع��ت ال�ح�م��اي��ة وت��راج�ع��ت‬ ‫فقال �إنها ن�ش�أت لعدة �أ�سباب �أبرزها تنامي الوعي الحرا�سات‪ ،‬ففي ظل وزارة المعارف ك��ان كل‬ ‫الأثري ‪ -‬الحراك الذي حدث في العمل الأثري‪،‬‬ ‫موقع �أث��ري ال يخلو من وج��ود حار�س‪ ،‬وعندما‬ ‫وبخا�صة مع ن�شاط الهيئة العامة لل�سياحة الذي‬ ‫لم يتزامن معه حماية �صارمة للمواقع الأثرية‪ ،‬انتقل قطاع الآثار �إلى ال�سياحة تخلت ال�سياحة‬ ‫وبالتالي �أدى ازدي��اد البطالة لدى ال�شباب �إلى عن حرا�س الآثار‪ ،‬و�أعيدوا �إلى المعارف‪ ،‬وبقيت‬ ‫توجه �أع��داد كبيرة ج��د ًا منهم �إل��ى البحث عن المناطق الأثرية دون حرا�س‪ ،‬فالجوف مث ًال يوجد‬ ‫الكنوز في هذه المواقع الأثرية بطريقة جاهلة فيها الآن حار�س واحد في دومة الجندل‪ ،‬وموقع‬ ‫في بع�ض الأحيان‪� ،‬أدت �إلى تخريب الكثير من ال�شويحطية الذي يعد من �أهم المواقع الأثرية‬ ‫المواقع الأثرية التي –ربما‪ -‬ال تنطوي على ذهب‬ ‫ال توجد فيه حرا�سة‪ ،‬وكذلك موقع الرجاجيل‪.‬‬ ‫�أو ف�ضة كما يبحث الكثير منهم‪.‬‬ ‫والتحديات والتعديات التي حدثت للآثار في‬ ‫وق��ال �إن التجارة البي�ضاء غذيت من خالل‬ ‫المرحلة الأخيرة كانت ب�سبب هذا الواقع‪ ،‬وقد‬ ‫التجارة ال�سوداء‪ ،‬فالمحالت المرخ�صة لبيع‬ ‫و�شراء هذه القطع غذيت من خالل �سوق �سوداء حان الوقت �إلى �أن تقف ال�سياحة وقفة جادة مع‬ ‫تغذي تلك المحالت بقطع �أثرية وقطع ذات قيمة وزارة المالية لإع��ادة الهيبة لهذه المواقع من‬ ‫وطنية عالية ج��داً‪ ،‬وبالتالي فالق�ضية الرقابية خالل توفير الحرا�سة لها‪ .‬هل تتوقعون �أن يقف‬ ‫مفقودة‪ ،‬وتحتاج �إلى تفعيل الحماية‪.‬‬ ‫النا�س على باب بنك م�شرع‪ ..‬وال يتعر�ض هذا‬ ‫ف��ي ال�سنوات الأخ �ي��رة‪ ،‬ورغ��م ك��ل الجهود البنك لل�سرقة؟!! فالحماية �أو ًال ثم الدرا�سات‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫‪33‬‬


‫للدراسات السعودية‬ ‫في دورته السادسة ‪ -‬الجوف‬ ‫‪ 8 – 7‬محرم‪1434‬هـ ( ‪ 22 -21‬نوفمبر ‪2012‬م)‬

‫الورقة الرابعة‬ ‫للأ�ستاذ الدكتور �سعد بن عبدالعزيز الرا�شد (المدير العام ال�سابق لوكالة الآثار والمتاحف)‬ ‫بعنوان‪« :‬نتائج ا�سترداد الآثار»‬

‫تحدث د‪� .‬سعد الرا�شد فقال‪� :‬إن الخطة الإ�ستراتيجية للهيئة العامة‬ ‫لل�سياحة والآثار للمحافظة على الآثار الوطنية الثابتة منها والمنقولة‪ ،‬تبنّت‬ ‫برنامجاً مهماً ال�ستعادة الآثار الوطنية في الداخل والخارج‪ ،‬وكانت البداية‬ ‫في �إقامة �أول معر�ض للآثار الوطنية الم�ستعادة برعاية كريمة من خادم‬ ‫الحرمين الحرمين ال�شريفين ‪-‬حفظه اهلل‪ -‬خالل الفترة من ‪1433/03/16‬هـ‬ ‫د‪� .‬سعد الرا�شد‬ ‫الموافق ‪2012/03/08-02/08‬م) بالتزامن مع المهرجان الوطني للتراث‬ ‫والثقافة (الجنادرية ‪ ،)27‬وقد واكب المعر�ض عدداً من الفعاليات الم�شتملة على زيارات طالبية‬ ‫وعامة للمعالم التراثية والتاريخية في مناطق المملكة‪ ،‬وتنفيذ ور�ش عمل في عدد من المتاحف‬ ‫المحلية والإقليمية‪ ،‬والجامعات ال�سعودية‪ ،‬وتوّجت ب�إقامة الندوة العالمية ال�ستعادة الآثار‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫م � � � � � � � � �ل � � � � � � � ��ف ال � � � � � � � � �ع � � � � � � � ��دد‬

‫منتدى األمير‬ ‫عبد الرحمن بن أحمد السديري‬

‫�صورة منظر عام لآثار دومة الجندل‬

‫ا�شتمل المعر�ض على �آالف القطع الأثرية الم�ستعادة‬ ‫من داخل المملكة وخارجها‪ ،‬والتي تم ا�ستعادتها خالل‬ ‫�سنوات ع��دي��دة‪ ،‬منها م��ا ت��م ا�ستعادته وف��ق�� ًا للأنظمة‬ ‫والقوانين الدولية‪ ،‬ومنها ا�ستعادة طوعية‪ ،‬ومبادرات‬ ‫من الأ�شخا�ص الذين ح��ازوا قطع ًا �أثرية وتراثية‪ .‬غير‬ ‫�أن جهود الهيئة كانت م�ضاعفة منذ �صدور �ضم وكالة‬ ‫الآثار‪ ،‬و�أ�صبحت قطاع ًا مهم ًا في الهيئة يحظى بالرعاية‬ ‫والتطوير‪ .‬ونتيجة لمبادرات الهيئة وانفتاحها على المجتمع‬ ‫في ال��داخ��ل‪ ،‬وتوا�صلها وح�ضورها دول�ي�اً‪ ،‬ب��د�أت الهيئة‬ ‫وال تزال ت�ستقبل �أع��داد ًا من المواطنين الغيورين الذين‬ ‫قدموا تطوعي ًا ما يحتفظون به من قطع �أثرية وتراثية‪،‬‬ ‫وف��ي الوقت نف�سه تتلقى الهيئة يوم ًا بعد ي��وم خطابات‬ ‫ور�سائل من �أف��راد �أجانب يعر�ضون ما لديهم من قطع‬ ‫�أثرية احتفظوا بها عندما كانوا يعملون في المملكة‪ .‬وهذه‬ ‫الجهود م�ستمرة في هذا الإطار الذي �أ�صبح يمثل ركيزة‬ ‫�أ�سا�سية �ضمن برنامج الملك عبداهلل بن عبدالعزيز للبعد‬ ‫الح�ضاري للمملكة‪.‬‬ ‫وتناولت هذه الورقة �إ�ضافة �إلى المرجعية الإداري��ة‬ ‫والتنظيمية التي قام على �أ�سا�سها تنفيذ المعر�ض والندوة‬ ‫العالمية الأول��ى للآثار الم�ستعادة‪ ،‬التطلع لما بعد هذه‬ ‫الخطوة المباركة والتي تتركز على عدد من النقاط منها‪:‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫‪ -1‬ماذا يعني ا�سترداد الآثار بمفهومها ال�شامل؟‬ ‫‪ -2‬ما هي الخطوات الم�ستقبلية للآثار الم�ستعادة؟‬ ‫‪ -3‬ما هو دور المواطن في الداخل؟‬ ‫‪ -4‬ما هو دور المواطن في الخارج؟‬ ‫‪ -5‬ما هو الدور الذي �ست�ضطلع به وزارة الخارجية في‬ ‫دعم الهيئة العامة لل�سياحة والآث��ار لر�صد الآثار‬ ‫الوطنية في الخارج؟‬ ‫‪ -6‬دور وزارة الداخلية (الإن�ت��رب��ول ال�سعودي) في‬ ‫المتابعة والتن�سيق‪.‬‬ ‫‪� -7‬أهمية �إبراز الآثار الوطنية الم�ستعادة والتعريف بها‬ ‫على م�ستوى الوطن‪.‬‬ ‫‪ -8‬ما هي الو�سيلة الأف�ضل للتعريف ب�آثارنا الم�ستعادة‪،‬‬ ‫وتعزيز الح�س الوطني والبعد التاريخي والح�ضاري‬ ‫لتلك الآثار‪.‬‬ ‫‪ -9‬تكثيف البحوث وال��درا��س��ات العلمية والتوثيقية‬ ‫وتقديمها للمجتمع �أو ًال والتعريف بها عالمياً‪.‬‬ ‫‪ -10‬تكثيف الجهود مع وزارة التربية والتعليم ووزارة‬ ‫التعليم ال�ع��ال��ي لت�ضمين ال �ت��راث ال��وط�ن��ي في‬ ‫المناهج‪ ،‬و�إدخال مادة عامة عن التراث الح�ضاري‬ ‫للمملكة في الخطة التدري�سية للجامعات ال�سعودية‬ ‫(الحكومية والأهلية)‪.‬‬

‫مجل�س الحي في حارة الدرع التاريخية المميزة بالعقود‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪35‬‬


‫للدراسات السعودية‬ ‫في دورته السادسة ‪ -‬الجوف‬ ‫‪ 8 – 7‬محرم‪1434‬هـ ( ‪ 22 -21‬نوفمبر ‪2012‬م)‬

‫الجل�سة الثالثة‬ ‫�أدار الجل�سة �أ‪.‬د عبدالرحمن العناد‬ ‫الورقة الأولى‬ ‫للأ�ستاذ الدكتور عبدالعزيز لعرج (ق�سم الآثار ‪ -‬جامعة حائل)‬ ‫بعنوان‪« :‬الخطوات الم�أمولة من المجتمع تجاه االهتمام ب�ألآثار وحمايتها»»‬

‫ويقول فيها �إن الآراء ووجهات النظر عند جميع الأمم والأقوام �أجمعت على �أن‬ ‫الآثار لعبت في ن�ش�أتها وتطورها وما تزال تلعب‪ ،‬دورا �سيا�سيا وتاريخيا كبيرا من‬ ‫حيث الك�شف عن قدرات و�إمكانات الأجيال ال�سابقة في البناء الح�ضاري للمجتمع‪،‬‬ ‫و�أ�سهمت في الحفاظ على الذاكرة الجمعية و�إعادة بناء ما�ضيها وا�ستذكار تاريخها‪.‬‬ ‫من هنا‪� ،‬أخذ علم الآثار مكانته‪ ،‬ودفع بالدول والمجتمعات �إلى رعاية �آثارها‬ ‫د‪ .‬عبدالعزيز لعرج‬ ‫والمحافظة عليها‪ .‬ولكن ال�س�ؤال المطروح دوما‪ ،‬هو‪ :‬كيف تم ويتم ذلك؟ بع�ض‬ ‫ال��دول ك�إيطاليا وفرن�سا وبولونيا فيما بعد‪ ،‬بلغت مبلغا كبيرا في خو�ض غمار تجارب الحماية والحفاظ‪،‬‬ ‫وحققت نتائج مهمة‪� ،‬أ�صبحت نموذجا يُقتدى من بلدان ما يزال �سبيل الحماية والمحافظة عندها في بدايته‪،‬‬ ‫لأ�سباب وعوامل عديدة؛ ثقافية وب�شرية واقت�صادية وعلمية و�إعالمية‪ ،‬و�أمتنا العربية �ضمن هذا ال�صنف‪.‬‬

‫والحقيقة �أن هناك طرقا و�أ�ساليب ومناهج كثيرة‪ ،‬كل‬ ‫منها يتكامل مع الآخ��ر‪ ،‬لتحقيق غر�ض االهتمام بالآثار‬ ‫وحمايتها والمحافظة عليها‪ ،‬وهو الم�أمول من المجتمع‪.‬‬ ‫ولعل الإ�شكالية الكبرى في هذه الق�ضية هي‪� :‬أن النجاح‬ ‫فيها مرهون ب�إ�سهام المجتمع �أفرادا وجماعات و�إ�شراكه‬ ‫في العملية‪ ،‬وقد �أثبتت مختلف التجارب هذا المنحى‪ .‬ولكن‬ ‫كيف تتم م�ساهمة المجتمع وم�شاركته في االهتمام بالآثار‬ ‫وحمايتها والحفاظ عليها؟ بمعنى �آخر القيام بما هو م�أمول‬ ‫منه تجاه الآثار‪ :‬يتطلب ذلك ر�ؤية وا�ضحة و�سيا�سة ثابتة‬ ‫و�أدوات قادرة‪ ،‬ولعل �أهم ر�ؤية و�أعظم �أداة لتحقيق ذلك‪،‬‬ ‫هو ن�شر الوعي الفردي والجماعي في �أو�ساط المجتمع‪ ،‬ثم‬ ‫الإيحاء له �أو تكليفه بذلك‪ ،‬وهي عملية طويلة وتدريجية‪،‬‬ ‫ونتائجها م�ؤكدة‪ ،‬وت�صير تلقائية متى بلغ المجتمع م�ستوى‬ ‫معينا من هذا الوعي‪ ،‬فيتولد عنده حب التراث الأث��ري‪،‬‬ ‫ويندفع ذاتيا لحمايته والمحافظة عليه‪ .‬ون�شر الوعي‬

‫‪36‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫بذلك يتم من خالل العديد من الجوانب‪ ،‬وقد عالج د‪.‬‬ ‫لعرج في ورقته بع�ضا منها كت�أ�سي�س وت�شجيع وتمويل‬ ‫الجمعيات ومراكز ودور الثقافة وال�شباب على الم�ستويين‬ ‫المحلي والوطني‪ ،‬و�إط�لاق الن�شاطات الثقافية والفنية‬ ‫من محا�ضرات وملتقيات وندوات‪ ،‬و�أيام درا�سية ين�شطها‬ ‫باحثون و�أ�ساتذة الجامعات‪ ،‬مع االمتداد في التوعية �إلى‬ ‫الم�سئولين في الإدارة المحلية والإقليمية‪ .‬و�سوف يدعم‬ ‫هذا الجانب ا�ضطالع المنظومة التربوية بهذه المهمة‬ ‫في برامجها ون�شاطاتها؛ كالرحالت والزيارات المدر�سية‬ ‫للمواقع والمناطق والمتاحف الأثرية والمعار�ض الفنية‪،‬‬ ‫ومتى ما �أ�سهمت التغطية الإعالمية وتحديد �أ�سبوع �أو �شهر‬ ‫�سنويا لمختلف الن�شاطات الثقافية والعلمية واالجتماعية‬ ‫المرتبطة بالآثار‪� ،‬سواء تحقق ذلك جزئيا �أو كليا‪ ،‬ف�سوف‬ ‫يبادر المجتمع تلقائيا وبالإيحاء �إلى تقديم الم�أمول منه‬ ‫في حب التراث الأثري وحمايته والمحافظة عليه‪.‬‬

‫المتحدثون في الجل�سة الثالثة‬

‫الورقة الثانية‬ ‫للدكتور علي دبكل العنزي (ق�سم الإعالم – جامعة الملك �سعود)‬ ‫بعنوان‪« :‬دور و�سائل الإعالم في التوعية باالهتمام بالآثار»‬

‫وتتلخ�ص ورقة د‪ .‬علي العنزي في الآتي‪:‬‬ ‫ال �شك �أن و�سائل الإعالم لها دور م�ؤثر في خلق التوعية‬ ‫واالهتمام بمو�ضوع معين‪ ،‬ويحدث هذا االهتمام من خالل‬ ‫ت��ب�� ّن��ي القائمين ع��ل��ى و���س��ائ��ل الإع��ل�ام لخطة م��ح��ددة من‬ ‫�أج��ل الو�صول �إل��ى الجمهور والت�أثير فيه لالهتمام بذلك‬ ‫ال��م��و���ض��وع‪ .‬م��ا يتعلق ب���دور و���س��ائ��ل الإع��ل�ام ف��ي التوعية‬ ‫باالهتمام بالآثار هو دور حيوي ومهم‪ ،‬لذلك‪ ،‬من المفرو�ض‬ ‫�أن تكون هناك حملة منظمة لخلق الوعي باالهتمام بالآثار‬ ‫من قبل و�سائل الإع�لام‪ ،‬ومن قبل الجمهور كذلك‪ ،‬وهي‬ ‫تبد�أ على ثالث مراحل‪:‬‬ ‫‪ -1‬االهتمام ‪ :awareness‬وه��ذه المرحلة يقوم‬ ‫القائمون على الحملة ببعث االهتمام بالآثار‬ ‫م��ن خ�لال ع��دد م��ن ال��ر��س��ائ��ل الإع�لام�ي��ة‪،‬‬ ‫وك ��ذل ��ك ع� ��دد م ��ن ال� �ب ��رام ��ج ال �م��وج �ه��ة‬ ‫للإعالميين‪.‬‬

‫م � � � � � � � � �ل � � � � � � � ��ف ال � � � � � � � � �ع � � � � � � � ��دد‬

‫منتدى األمير‬ ‫عبد الرحمن بن أحمد السديري‬

‫د‪ .‬علي دبكل العنزي‬

‫ح��ول بع�ض المقترحات ال�ت��ي ت�ساعد العامة‬ ‫على االهتمام ب��الآث��ار‪ ..‬كو�ضع ال�صور الأثرية‬ ‫في �صاالت المطار‪ ،‬وغيرها من الأماكن التي‬ ‫يرتادها النا�س في �أعمالهم‪ ،‬كذلك �إب��راز �آثار‬ ‫المنطقة في المهرجانات التي تقام في المنطقة‬ ‫كمهرجان الزيتون‪ ،‬وكذلك المهرجانات الأخرى‬ ‫التي تقام في المناطق الأخرى‪.‬‬

‫‪ -2‬التكثيف‪ :‬تكثيف التغطية الإع�لام�ي��ة‪ ،‬من‬ ‫خالل ا�ستغالل العديد من المنا�سبات في‬ ‫هذه المرحلة لإبراز �أهمية الآثار في و�سائل‬ ‫كما �إن تفعيل دور ق��ادة ال��ر�أي في المنطقة‬ ‫الإعالم‪.‬‬ ‫باالهتمام بالآثار من خالل تنفيذ برنامج زيارات‬ ‫‪ -3‬التقييم‪ :‬تقييم م�ستمر للتغطية الإعالمية لهم لهذه الآث��ار وتغطيتها في و�سائل الإع�لام‪،‬‬ ‫وحملة االهتمام بو�سائل الإعالم‪.‬‬ ‫�سوف يكون له �أثر كبير في االهتمام بالآثار من‬ ‫وق��د ت�ط��رق ف��ي ورق�ت��ه �إل��ى الو�ضع الحالي قبل و�سائل الإعالم‪ .‬وكذلك دعوة رجال الإعالم‬ ‫للتغطية الإعالمية للآثار‪ ،‬من خالل ما تتناوله لزيارة المناطق الأثرية في المنا�سبات الوطنية‬ ‫و�سائل الإعالم من تغطيتها‪� ،‬إ�ضافة �إلى ت�صور والعامة‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫‪37‬‬


‫م � � � � � � � � �ل � � � � � � � ��ف ال � � � � � � � � �ع � � � � � � � ��دد‬

‫منتدى األمير‬ ‫عبد الرحمن بن أحمد السديري‬ ‫للدراسات السعودية‬ ‫في دورته السادسة ‪ -‬الجوف‬ ‫‪ 8 – 7‬محرم‪1434‬هـ ( ‪ 22 -21‬نوفمبر ‪2012‬م)‬

‫الورقة الثالثة‬ ‫للأ�ستاذ الدكتور العبا�س �سيد �أحمد (ق�سم الآثار‪ -‬جامعة حائل)‬ ‫بعنوان‪ :‬الآثار والتراث والعولمة‬

‫قال د‪ .‬العبا�س في تقديمه لورقته‪� :‬إن ال�س�ؤال الخا�ص بجدوى التراث نف�سه قد طُ رح على‬ ‫�أروقة البحث في عدد من مجاالت فروع المعرفة‪ ،‬وال يزال‪ ..‬ولعل الحديث عن جدوى التراث‪-‬‬ ‫�إن كان له ج��دوى‪ -‬وعما �إن كان له دور ي�صب في معين �آلية النمو والتطور الح�ضاري يفر�ض‬ ‫االلتفات �إلى �ضرورة درا�سته‪.‬‬ ‫�إزاء هذا الموقف‪ ،‬ذهب الحوار في اتجاهين‪ :‬اتجاه يرى فيه حنيناً نو�ستالجياً �إلى الما�ضي‪ ،‬وممار�س ٍة‬ ‫قد تبلغ مرتبة الترف الأكاديمي‪ .‬واتجاه �آخر يرى فيه �سفينة النجاة لمجابهة تحديات الحا�ضر‪.‬‬ ‫وق�ب��ل �أن يُح�سم ه��ذا ال �ج��دل‪ ،‬تهب علينا ‪4.4‬ا� �س �ت��دع��اء ت��ج��ارب ال �م��ا� �ض��ي وم �خ��زون��ه‬ ‫ل�ل�إ� �س �ه��ام ول�ي����س ال�ح���س��م‪ ،‬ف��ي م��واج�ه��ة‬ ‫رياح العولمة العاتية وبحرها الهائج‪ ،‬بح�سبانها‬ ‫تحديات الحا�ضر‪.‬‬ ‫م�ع��ادل��ة �آح��ادي��ة كونية ت��زي��ل ح��واج��ز التاريخ‬ ‫والجغرافيا عبر �إلغاء �أو ال�صدام مع الآخ��ر‪5.5 ،‬توجيه الإعالم نحو �إ�شاعة مفهوم ع�صري‬ ‫للتراث‪.‬‬ ‫لتمحو ث�ق��اف��ات الما�ضي وال�ح��ا��ض��ر ولت�سجل‬ ‫نهاية التاريخ‪ ،‬رغم ما تطرحه من �شعارات من ‪�6.6‬إنتاج منهج علمي وتنمية مقدرات الإبداع‬ ‫واالبتكار‪.‬‬ ‫كونها �أداة لرفع الإنتاج‪ ،‬وتطور الخدمات‪ ،‬ونمو‬ ‫االقت�صاد واال�ستثمار‪.‬‬ ‫وا�ستطرد قائال‪ :‬وهنا �أتوقف عند كلمتين‪:‬‬ ‫وقد طرحت الورقة هذه الجدلية‪ ،‬في محاولة قديم ًا حذرنا «المهاتما غ��ان��دي» من ح�ضارة‬ ‫البحث عن معادلة للت�صالح بين التراث والعولمة‪ .‬تقودنا �إل��ى «�سيا�سة ب�لا م�ب��ادئ‪ ،‬وت�ج��ارة بال‬ ‫�أخالق‪ ،‬وثروة بال عمل‪ ،‬وتعليم بال تربية‪ ،‬وعلم‬ ‫وفي الختام �أ�شار المحا�ضر �إلى �ضرورة‪ :‬بال �ضمير»‪.‬‬ ‫‪1.1‬تحرير �شرائح التراث من ال�شوائب التي‬ ‫�إزاء ذل��ك ال ب��د ل�ن��ا �أن نتح�صن بمواقع‬ ‫�أل�ح�ق�ه��ا ب�ه��ا ال�ف�ه��م ال�خ��اط��ئ وال�خ��راف��ة الف�ضيلة في تراثنا بكل ف�صائله‪ ،‬في وقت يتهاوى‬ ‫والدجل‪.‬‬ ‫فيه العالم الثالث من حولنا‪.‬‬

‫‪38‬‬

‫‪2.2‬االب �ت �ع��اد ع��ن النو�ستالجية وال�شوفونية‬ ‫م�ستلهمين مقولة للزعيم الأفريقي «نيل�سون‬ ‫واالتكاء الكامل على الما�ضي‪.‬‬ ‫م��ان��دي�لا»‪ ،‬مخاطبين بها زم�لاءن��ا على �ضفة‬ ‫‪3.3‬الإ�صالح التربوي في كل المراحل التعليمية العولمة «ليتنا نتعلم كيف نحارب �أعداءنا دون �أن‬ ‫ن�سيء �إليهم‪ ..‬حاربونا دون الإ�ساءة �إلينا»‪.‬‬ ‫و�إثرائها بمقررات تراثية‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫الورقة الرابعة‬ ‫للدكتور �أحمد �أبو القا�سم (ق�سم الآثار‪ -‬جامعة حائل)‬ ‫بعنوان‪« :‬التراث والآثار نحو ر�ؤية م�ستقبلية»‬

‫تتناول هذه الورقة مفهوم التراث وفروعه و�أنماطه‪ ،‬كما تعر�ض‬ ‫مفهوم علم الآث��ار‪ ،‬ك�أحد فروع المعرفة التي تعالج �أحد مرتكزات‬ ‫التراث الإن�ساني‪.‬‬ ‫وت��ع��ال��ج ال��ورق��ة �أه��م��ي��ة ال���ت���راث‪ ،‬وق��ي��م��ه‪ ،‬وم��ه��ددات��ه‪ ،‬وو���س��ائ��ل‬ ‫ح��م��اي��ت��ه‪ ،‬و����ض���رورة ���ص��ون��ه‪ ،‬بحكم ك��ون��ه م��ل��ك��اً ل�ل�أج��ي��ال الحالية‬ ‫والقادمة‪.‬‬ ‫ك��م��ا تناق�ش ال��ورق��ة م��ف��ه��وم �إدارة ال��ت��راث ال��ث��ق��اف��ي‪ ،‬وم��راح��ل‬ ‫ن�ش�أتها وتطورها ومبادئها العامة الأ�سا�سية؛ كالحماية‪ ،‬والبحث‪،‬‬ ‫والعر�ض‪ ،‬والتهيئة‪ ،‬واال�ستثمار‪.‬‬

‫د‪� .‬أحمد �أبو القا�سم‬

‫ك��ذل��ك ت �ت �ن��اول ال��ورق��ة �إت �ج��اه��ات ال �ت��راث التعامل معه وفق ما تتطلبه مقت�ضيات الع�صر‪،‬‬ ‫الإيجابية وال�سلبية‪:‬‬ ‫مع الإبقاء على الثوابت وعدم الم�سا�س بها‪.‬‬ ‫فالإيجابية هي التي تحقق نمو الفرد وتقدم‬ ‫�أما ال�سلبي‪ :‬في�ستهين بالتراث ويعدّه مظهر ًا‬ ‫المجتمع‪� .‬أم��ا االتجاه ال�سلبي فهو ال��ذي يعوّق من مظاهر الما�ضي وحنين ًا له‪ ،‬وترف ًا �أكاديمي ًا‬ ‫تقدم الفرد ونمو م�ؤ�س�سات المجتمع وتطوره‪.‬‬ ‫ال فائدة منه‪ .‬ويرى هذا االتجاه بعدم العودة �إلى‬ ‫ويرى االتجاه الإيجابي �ضرورة فهم التراث التراث والأخذ منه داعي ًا �إلى بناء ثقافة جديدة‬ ‫الثقافي و�إدراك طبيعته‪ ،‬وت�ج��دي��د �أ�ساليب تواكب الع�صر وال ترتكز على ثوابت قديمة‪.‬‬

‫�أثناء زيارة ال�ضيوف لآثار منطقة الجوف‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫‪39‬‬


‫م � � � � � � � � �ل � � � � � � � ��ف ال � � � � � � � � �ع � � � � � � � ��دد‬

‫منتدى األمير‬ ‫عبد الرحمن بن أحمد السديري‬ ‫للدراسات السعودية‬ ‫في دورته السادسة ‪ -‬الجوف‬ ‫‪ 8 – 7‬محرم‪1434‬هـ ( ‪ 22 -21‬نوفمبر ‪2012‬م)‬

‫تو�صيات المنتدى‬

‫م�سجد عمر بن الخطاب من الداخل‬

‫وفي نهاية فعاليات المنتدى‪� ،‬أدل��ى الدكتور �سلمان بن عبدالرحمن ال�سديري بالت�صريح الآت��ي ب�ش�أن‬ ‫التو�صيات التي انبثقت عنه‪ :‬وق��ال �إن الم�شاركين بهذا المنتدى يقدرون عالياً اهتمام خ��ادم الحرمين‬ ‫ال�شريفين وتوجيهاته ال�سامية باالهتمام بما يعود بالفائدة على الوطن والمواطن‪ ،‬وه��ذا لي�س بغريبٍ‬ ‫على هذه القيادة الحكيمة‪ .‬وقد �أكد الم�شاركون بالمنتدى من خالل �أوراق العمل والمناق�شات على �أهمية‬ ‫الآثار كجزء �أ�صيل من تراثنا الوطني‪ ،‬لي�س فقط كموروث ثقافي‪ ..‬ولكن كذلك لأهميته الق�صوى كخيار‬ ‫اقت�صادي يمثل �أحد البدائل الإ�ستراتيجية المتاحة وبخا�صة في المناطق النائية‪ .‬ومن هذا المنطلق يقدم‬ ‫الم�شاركون بالمنتدى التو�صيات الآتية‪:‬‬

‫‪40‬‬

‫‪� .1‬أهمية م�شروع خ��ادم الحرمين ال�شريفين‬ ‫ال��رام��ي �إل��ى النهو�ض بالعمل الأث ��ري في‬ ‫المملكة العربية ال�سعودية‪ ،‬وتعزيز البعد‬ ‫الح�ضاري للمملكة‪.‬‬ ‫‪� .2‬أهمية العمل على �سرعة ت�سجيل المواقع‬ ‫الآث��اري��ة ف��ي �سجل ال�ت��راث العالمي‪ ،‬وحث‬ ‫الجهات الحكومية الأخرى للتعاون مع هيئة‬ ‫ال�سياحة والآثار في هذا الجانب‪.‬‬ ‫‪ .3‬التعامل مع الآثار كموروث ثقافي‪ ،‬واالهتمام‬ ‫ب��الآث��ار بو�صفها م�صدر ًا للهوية التاريخية‬ ‫والح�ضارية واالعتزاز بالتاريخ الوطني‪.‬‬ ‫‪ .4‬تفعيل ب��رام��ج ح�م��اي��ة الآث� ��ار م��ن التعدي‬ ‫وال���س��رق��ة م��ن خ�لال ب��رام��ج حماية فاعلة‬ ‫و�إيجاد �آليات لحماية التراث الوطني‪.‬‬ ‫‪ .5‬ال�سرعة في �إق���رار نظام الآث���ار والمتاحف‬ ‫الجديد‪.‬‬ ‫‪ .6‬تفعيل ودع��م ف��روع الهيئة العامة لل�سياحة‬ ‫والآثار في مناطق المملكة العربية ال�سعودية‪،‬‬ ‫و�إيجاد مراكز �أبحاث في تلك المناطق‪.‬‬ ‫‪ .7‬ت�شجيع الم�ؤ�س�سات والأف ��راد على ت�سجيل‬ ‫القطع الآثارية التي يمتلكونها �ضمن ال�سجل‬ ‫الوطني للآثار والتراث‪.‬‬ ‫‪ .8‬تفعيل ال��دور المجتمعي من خ�لال ت�أ�سي�س‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫الجمعيات العلمية ولجان �أ�صدقاء الآثار في‬ ‫المناطق والمحافظات والمدن‪.‬‬ ‫‪� .9‬إي �ج��اد معجم ت��اري�خ��ي ع��رب��ي ي�ستند �إل��ى‬ ‫الدرا�سات الآثارية ودرا�سات اللغات العربية‬ ‫القديمة‪.‬‬ ‫‪ .10‬االهتمام بالأبعاد االقت�صادية للآثار ودورها‬ ‫في التنمية‪.‬‬ ‫‪� .11‬إن�شاء �أوق��اف خا�صة للت�شجيع على العمل‬ ‫الأثري‪.‬‬ ‫‪ .12‬االه�ت�م��ام ب�سوق دوم��ة ال�ج�ن��دل التاريخي‬ ‫وال�ع�م��ل ع�ل��ى �إع� ��ادة ال���س��وق ع�ل��ى �أ�س�سها‬ ‫القديمة �إن وجدت‪.‬‬ ‫‪ .13‬االه�ت�م��ام بجمع وت�سجيل الآث� ��ار‪ ،‬و�إج ��راء‬ ‫م�سوحات للأمكنة التاريخية التي لم يجرِ‬ ‫م�سحها‪.‬‬ ‫‪ .14‬العناية ببرامج التوعية الموجهة للمواطنين‬ ‫ولجيل ال�شباب ب�شكل خ��ا���ص‪ ،‬للعمل على‬ ‫حماية التراث الوطني و�صيانته وحفظه‪.‬‬ ‫‪ .15‬االه�ت�م��ام ب��ال��درا� �س��ات االث�ن��و�أرك�ي��ول��وج�ي��ة‬ ‫والإن�ث��روب��ول��وج�ي��ة كمجاالت م�ساندة لعلم‬ ‫الآثار‪.‬‬ ‫‪� .16‬إيجاد �سبل فعالة لم�شاركة القطاع الخا�ص‬ ‫في خدمة قطاع الآثار والتنمية ال�سياحية‪.‬‬

‫قلعة زعبل‬ ‫�سور دومة الجندل الأثري‬ ‫المبني من حجارة الجندل ال�صلبة منذ �أكثر من �ألفي عام‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫‪41‬‬


‫ديوان‪( :‬غواية بي�ضاء) لمالك الخالدي �أنموذج ًا‬

‫■ د‪� .‬إبراهيم الدهون*‬

‫�إِ َّن ح�ضور ال��م��واط��ن��ة ال���ّ��ص��ال��ح��ة‪ ،‬وف��ه��م الإ���س�لام فهماً‬ ‫�صحيحاً‪ ،‬وتزويد الأجيال الالحقة بالمثل العليا‪ ،‬وتطوير‬ ‫المجتمع فكر ّياً وثقاف ّياً في الأدب ال�سّ عودي عموماً وال�شّ عر‬ ‫على وجه الخ�صو�ص‪ ،‬الف��تٌ لالنتباه‪ ،‬ومثي ٌر للجدل؛ فهو‬ ‫ح��ال جدير باالهتمام وال��دِّرا���س��ة؛ لأ ّن المواطنة ال�صّ الحة‬ ‫معينة للمواطن‪ ،‬ال��ذي هو لبنة �أ�سا�سيّة في بناء الوطن‪.‬‬ ‫وعليه ف����إ ّن ال�شّ اعر �سعى ج��اه��داً �إل��ى المثاقفة والتوا�صل‬ ‫مع �أبناء المجتمع‪ ،‬من حيث �إنّه ينه�ض بوظيفة اجتماعيّة م�ؤداها مِ را�س الكالم مع‬ ‫الجمهور والت�أثير فيه‪.‬‬ ‫ّ�ص الفنون والآداب والثقافة؛ فالمواطنة تتطلب‬ ‫لهذا‪ ،‬تك�شف هذه الدرا�سة �أثر الن ّ‬ ‫ال�شّ عري في �شعر ال�شّ اعرة ال�سّ عوديّة – �صدق ًا خال�ص ًا نابع ًا من داخل الإن�سان تجاه‬ ‫مالك الخالدي‪ -‬من خالل ديوانها‪(:‬غواية وطنه دون مواربة �أو تغيير‪.‬‬ ‫ال�صادر عن نادي الجوف الأدبي‪،‬‬ ‫بي�ضاء)‪ّ ،‬‬ ‫وعند قراءتنا لديوان الخالدي –غواية‬ ‫ّ‬ ‫�سنة ‪2010‬م‪ ،‬ف��ي تنمية‬ ‫الح�س الوطني بي�ضاء‪ -‬نج ُد فيه اتّجاه ًا فن ّي ًا عظيماً‪،‬‬ ‫والوازع االنتمائي بين �أفراد المجتمع‪.‬‬ ‫ف�ض ًال عن تبنّيه منهج ًا يظهر فيه تطوير‬

‫‪42‬‬

‫كما ت�ؤكد على واجب الأدب في ن�شر ثقافة‬ ‫التقارب والتوا�صل؛ لأننا ال ن�ستطيع �أن ن� ّؤ�صلَ‬ ‫ال�صالحة‪ ،‬ونبذ العنف‬ ‫لمفاهيم المواطنة ّ‬ ‫بمعزل عن الثقافة والأدب‪ ،‬فهذه المفاهيم‬ ‫ت�ستهدف �أ�سا�س ًا الإن�سان‪ ،‬والأداة لذلك هي‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫الإن�سان‪ ،‬بحيث ينخرط بمجتمعه‪ ،‬ويعي�ش‬ ‫فيه �آمن ًا مطمئناً‪� ،‬شاعر ًا بالرعاية وتحقيق‬ ‫الذات‪ ،‬ي�شارك ب�شكل فعّال وبنّاء‪ ،‬ويفخر‬ ‫به ويدافع عنه‪ ،‬ويمار�س حقوقه بتوازنٍ‬ ‫وعدل‪.‬‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫ّ�ص ِّ‬ ‫ال�سعودي في بناء المواطنة‬ ‫�أثر الن ّ‬ ‫ال�شعري ّ‬

‫وعلى هذا الأ�سا�س‪� ،‬سيكون منطلق البحث‬ ‫ر���ص��د منظومة ال��م��واط��ن��ة ف��ي �شعر الخالدي‬ ‫و�أثرها في التوا�صل ال��دِّ الل��ي‪ ،‬وت�شديد اللُّحمة‬ ‫بين المجتمع والإن�سان‪ ،‬في ظ ّل ما ي�شهده من‬ ‫تغيرات‪ ،‬والتي من �أبرزها طوفان المعرفة وثورة‬ ‫التكنولوجيا‪.‬‬ ‫ويحاول البحث الإطاللة على معالم المواطنة‬ ‫ّ�ص ال�شّ عري‪ ،‬و�أث��ر �أطروحات ال�شّ اعرة‬ ‫في الن ّ‬ ‫في �صياغتها منتج ًا �إبداع ّياً‪ ،‬ومن�شط ًا ثقاف ّياً‪،‬‬ ‫و�إبراز معالمها‪ ،‬التي بدت وا�ضحة في خطابها‬ ‫ال�شّ عري الذي يتطلب منهج ًا قرائي ًا واعي ًا جدير ًا‬ ‫بالتقدير‪.‬‬ ‫لع ّل المت�أمّل لم�سيرة ال�شّ عر ال�سّ عودي �أن‬ ‫يلحظ دقة في التفاعل مع الوطن والتعامل معه‬ ‫على �أ�سا�س عنا�صره ومكوناته‪ ،‬التي تنطلق من‬ ‫الفرد الذي يبلور المكان وي�ؤ�س�س المنهج‪.‬‬

‫وال �شكّ �أنّ للوطن �سحر ًا يتمثل في تم�سك المواطنة»‪ .‬وقد ا�ستدعى ذلك الأمر اال�ستعانة‬ ‫ال�شُّ عراء وحديثهم ف��ي ق�ضايا وم�سائل �أكثر بديوان ال�شّ اعرة‪« :‬غواية بي�ضاء»‪ ،‬والإفادة منه‬ ‫ع �م��وم �ي �ةً‪ ،‬ت��رت�ب��ط ارت �ب��اط � ًا وث �ي �ق � ًا بمفاهيم لتحليل مظاهر المواطنة والكلمة الطيبة‪ ،‬وتفتيت‬ ‫الدعوات المنحرفة وتفكيكها‪.‬‬ ‫واتّجاهات المواطنة‪.‬‬ ‫كما �أنَّ ال�شِّ عر يعبّر عن قيمة جمالية‪ ،‬تتجلّى �إ�شكاالت المفهوم‬ ‫من خالل الت�أكيد على دوره في المواجهة وت�أ�صيلٍ‬ ‫المواطنة‪ :‬مفهوم ا�شتقّ من كلمة الوطن‪،‬‬ ‫للكلمة الطيبة؛ ف ��إِنَّ ال�شَّ اعر المنتمي يرف�ض ت�شترك فيه جميع الأم��م‪ .‬وكيان يفر�ض وجود ًا‬ ‫التجاوزات‪ ،‬والفكر المنحرف‪ ،‬ويحمل م�شروع ًا را�سخ ًا على ال�ف��رد المنتمي‪ ،‬ال��ذي ي�شعر �أنَّ‬ ‫في معاي�شته الحقيقيّة لوقائع �أمته وع�صره‪ ،‬ال م�شكالته ال تتجز�أ‪ ،‬وال تنف�صل عن م�شاكل �أفراد‬ ‫يتن�صل عن وظيفته؛ بل كان واعي ًا ح ّياً‪ ،‬لق�ضايا‬ ‫المجتمع الآخرين‪.‬‬ ‫المجتمع‪ ،‬م�ستلهم ًا حوار ًا فعّا ًال ي�شيعه بين �أبناء‬ ‫لكنَّ الكلم َة الطيب َة ‪ -‬ب�سبب خ�ضوعها لأنظمة‬ ‫وطنه‪.‬‬ ‫متباينة ومعقدة ‪� -‬أ�صبحت متعدد َة الأب�ع��اد‪،‬‬ ‫ولبيان ه��ذه الجهود ب�شكل دقيق وملحوظ‪،‬‬ ‫ع�صيّة عن الفهم؛ وهو ما يُفقدها في الغالب‬ ‫والخروج بدرا�سة متكاملة في جوانب المواطنة‬ ‫والروح الوطنيّة‪ ،‬ظهرت فكرة هذه الورقة البحثية �صفة التما�سك واالنتماء‪.‬‬ ‫ّ�ص ال�شِّ عري ال�سّ عودي في بناء‬ ‫وعنوانها‪�« :‬أثر الن ّ‬

‫و�إذا �أراد الباحث �أنْ يلمّ �شتات ومتفرقات‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪43‬‬


‫�أمّا الوطنية‪ ،‬ف�إِنّها ت�أتي �إطار ًا فكر ّي ًا محيط ًا‬ ‫للمواطنة؛ بمعنى �أنَّ الوطنيّة عمليّة فكريّة‪� ،‬أمّا‬ ‫المواطنة فهي ممار�سة‪ ،‬وقد يكون الفرد مواطن ًا‬ ‫لكنّه قد ال يكون وطن ّياً‪ .‬والوطنيّة مفهوم متعدد‬ ‫الأبعاد يحتوي على دالالت �سيا�سيّة واجتماعيّة‬ ‫و�أخالقيّة وثقافيّة‪ ،‬وهي مفهوم �إن�ساني �شامل‪.‬‬ ‫يح�س بها الفرد تجاه‬ ‫فالوطنيّة عاطفة جيّا�شة ّ‬ ‫وطنه(‪.)1‬‬ ‫بقي �أنْ ن�شير �إلى �أنَّ مفهومَ المواطنة رباطٌ‬ ‫وثيقٌ‪ ،‬وو�شيجٌ‪ ،‬وتفاعل‪ ،‬وتمازج في بوتقة واحدة‬ ‫هي الوطن‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫فحينما نقر�أ �شعر ال�خ��ال��دي‪ ..‬نلحظ جل ّي ًا‬ ‫الروح الوطنيّة‪ ،‬فقد عك�ستها مقطوعات �شعريّة‪،‬‬ ‫وق�صائد جميلة نحو‪ :‬وطن البيا�ض‪ ،‬حيث جعلت‬ ‫ال�شّ اعرة �أر�ض الوطن مبعث ًا للنور والأمل‪ ،‬ال�سيما‬ ‫في �أ�سطرها ال�شّ عريّة في م��دح ح��راك الملك‬ ‫عبدالعزيز – رحمه اهلل‪ -‬ال��ذي محا �أدران‬ ‫الما�ضي من جهل ومعتقدات �ضالة‪ ،‬و�سكب على‬ ‫الوطن معاني الحبّ والحبور‪ ،‬فانت�شر الأم��ن‬ ‫والإيمان في �أرجائه؛ لأنَّ الأمنَ مطلبٌ �ضروري‪،‬‬ ‫والإن �� �س��ان �أح� ��وج م��ا ي �ك��ون �إل �ي��ه م��ن الطعام‬ ‫وال�شراب‪ ،‬لذا قدّمه �إبراهيم ‪ -‬عليه ال�سّ الم‪-‬‬ ‫على الرزق في دعائه في القر�آن الكريم‪ « :‬و�إذ‬ ‫قال �إبراهيم ربّ اجعلْ هذا البلدَ �آمن ًا واجنبني‬ ‫وبنيّ �أن نعبدَ الأ�صنامَ »(‪.)3‬‬

‫وت�أ�سي�س ًا على ذلك‪ ،‬ف��إِنّ للمواطنة بو�صفها‬ ‫منظومة قيم ومبادئ وظيف ٍة ح�ضاري ًة تف�ضي‬ ‫بالإن�سان �إل��ى �صعود م��راق��ي التَّطور والتقدّم‬ ‫واالزده ��ار‪ ،‬وتنجز �أه��داف � ًا في تحفيز م�سيرة‬ ‫ال��رق��ي الإن���س��ان��ي‪ ،‬وف��ي ب�ن��اء ح�ضارة الب�شر‪،‬‬ ‫ولقد حَ َ�صرْتُ الدِّ را�سة في دي��وان ال�شّ اعرة‬ ‫على نحو يمكّن الإن �� �س��ان م��ن اال��س�ت�م��رار في‬ ‫رحلة وجودية تحمله من كمال مُحقَّق �إلى كمال «غ��واي��ة بي�ضاء»‪ ،‬متبع ًا منهج ًا �أدب � ّي � ًا تحليلي ًا‬ ‫تناولت فيه المباحث الآتية‪:‬‬ ‫مُحتمل(‪.)2‬‬ ‫ّ�ص ال�شّ عري ومفردات المواطنة‪.‬‬ ‫‪1.1‬الن ّ‬ ‫وال ب � ّد �أنْ يعي م��ن ي�ح��اول ط��رح المواطنة‬ ‫ّ�ص ال�شّ عري ومفردات القوميّة‪.‬‬ ‫‪2.2‬الن ّ‬ ‫والوطن �أو التمتع بهما �أو يمار�سهما‪ ،‬الأبعاد‬ ‫الأخالقيّة وال�سّ لوكيّة والمفاهيم التي ترتبط‬ ‫ّ�ص ال�شّ عري والوحدة المو�ضوعيّة‪.‬‬ ‫‪3.3‬الن ّ‬ ‫بهما ارتباط ًا قو ّياً‪ .‬فالمواطنة لي�ست مفردات‬ ‫�أو علم ًا مح�ضاً‪ ،‬ينح�صر اهتمام الممار�سين �أوال‪:‬النّ�ص ال�شّ عري ومفردات المواطنة‬ ‫لها ب�ت��ردي��د ��ش�ع��ارات �أو ه�ت��اف��ات �أو تراكيب‬ ‫يبقى ال�شِّ عر اللّغة الأق��رب‪ ،‬والموئل لل�شّ اعر‬ ‫لغويّة فح�سب‪ ،‬بل هي توا�صل وتقارب وتماهي والأفكار؛ فال�شِّ عر �سيّد الآداب والمعارف‪ ،‬ويظ ّل‬ ‫ال �ف��رد والمجتمع داخ��ل ال��وط��ن‪ ،‬وال�ب�ح��ث في �شعرا�ؤنا منارات م�ضيئة لحا�ضرنا وم�ستقبلنا‪،‬‬ ‫ّ�ص ال�شّ عري يفي�ض لغة �شعريّة توحي‬ ‫طبيعة العالقة بين الأق��وال الحقيقية والأفعال كما �أنَّ الن ّ‬ ‫بالتجربة المحمّلة ب�صور ودالالت مختلفة‪،‬‬ ‫االجتماعيّة وال�سّ لوكيّة‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫ومن هنا‪ ،‬ف ��إنّ ال�شَّ اعر المبدع ي�ؤمن بذاته‬ ‫وبفكره‪ ،‬وي�ؤمن ب��أنَّ تقوقعه �ضمن دائ��رة يعني‬ ‫موته‪ ،‬لذا ف�إنّ ال�شَّ اعر يكرّ�س الإبداع‪ ،‬والتفاعل‬ ‫مع الحياة‪ ،‬و��ص��و ًال �إل��ى تفكير منهجي‪ ،‬ور�ؤى‬ ‫ا�ست�شراقية متميزة‪.‬‬ ‫وال�شّ اعرة ‪� -‬صاحبة الديوان ‪ -‬ت�شكّل بحق‬ ‫�إ�ضاءة جديدة في ال�شِّ عر ال�سّ عودي‪ ،‬و�شرفة مطلة‬ ‫على الم�ستقبل من خالل �إبداعاتها ذات الأبعاد‬ ‫والم�ضامين الوطنيّة والقوميّة‪ ،‬والإن�سانيّة‪ .‬ف�ض ًال‬ ‫ّ�ص ال�شّ عري من دون‬ ‫عن �إ�سهامها في بنائية الن ّ‬ ‫الم�سا�س في �أحد �أركانه الأ�سا�سيّة؛ فالمو�سيقى‬ ‫العرو�ضيّة ظهرت كحالة كتابة �شعريّة جديدة‪.‬‬ ‫كما ت�صوّر ق�صائد الخالدي نحو ق�صيدة‪:‬‬ ‫(وط��ن البيا�ض) مو�ضوع ًا ظاهر ال��دِّ الل��ة على‬ ‫تكوينها الثقافيّ ‪ ،‬وانتمائها الفكري‪ ،‬الرا�صد‬ ‫لأم��را���ض مجتمعها ال��ذي �صبغ بوجوه خائنة‪..‬‬ ‫انحرفت عن وطنيتها الحقيقية‪ ،‬وغدت �أبواق ًا‬ ‫مجلّلة تنعق بالدمار والخراب‪.‬‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫المواطنة ومفاهيمها وتحديداتها؛ ف�إنه ي�صل �إلى‬ ‫تحديد دقيق لمفهومها‪ ،‬وهو حبّ الوطن والوفاء‬ ‫له‪ ،‬والت�ضحية بالغالي والنفي�س في �سبيله‪.‬‬

‫وم��ن هنا‪ ،‬ت�أتي �أهمية بحثنا‪ ،‬ملخ�صة في‬ ‫ّ�ص ال�شّ عريّ في‬ ‫�أ ّن��ه درا�سة في تق�صي �أث��ر الن ّ‬ ‫بناء المواطنة‪ ،‬ومعرفة �صلة ال�شّ اعر بالوطن‬ ‫والوطنيّة والمواطنة تطبيق ًا على ديوان‪( :‬غواية‬ ‫بي�ضاء)‪.‬‬

‫بو�صفها �أداة لالبتكار والإب���داع‪ ،‬يج�سّ د فيها‬ ‫ال�شّ اعر م�ضامين الحالة ال�شُّ عوريّة التي تعي�ش‬ ‫داخل وجدانه‪.‬‬

‫��زف دمي‬ ‫�س�أر�س ُل ال��حُ ��بَّ منقو�شاً ب��ن ِ‬ ‫ل�� ُي�����ش��ر َق ال���ك���ونُ ن�����ش��وان��اً ب���أل��ح��ان��ي‬ ‫ف��ح��ي��ن ي��ن��ث��الُ ب��وح��ي م��ن ُرب����ا �أم��ل��ي‬ ‫���س��ي�����س��ت��ط��ي�� ُر ع��ل��ى الأرج��������ا ِء ت��ب��ي��ان��ي‬ ‫ي��ا ق��ل��بُ قا�سيتَ ط��ع�� َم ال�� َّدم��ع �أزم��ن�� ًة‬ ‫�����ض �إن�����س��انِ‬ ‫وك���ن���تَ ف���ي ك��� ِّل ح��ي��نٍ ب��ع َ‬ ‫ف��م��ذ ���س��ل��وتَ ع���ن الأح����ب����ابِ ق��اط��ب�� ًة‬ ‫وعِ �����ش��تَ ���ص�� ّب��اً ُت��ن��اج��ي خ��ي�� َر �أوط�����انِ‬ ‫وتم�ضي ال�خ��ال��دي ف��ي الإع �ل�ان ع��ن حبّها‬ ‫المنتزع من ذاتها‪ ،‬م�صوّرة �إ�شفاقها على وطنها‬ ‫الذي كتبت من �أجله �شعرها‪ ،‬و�سكبت فيه الحبّ‬ ‫وال�شَّ وق‪ ،‬ا�ستكما ًال للدور المهم الذي نه�ضت به‬ ‫ال�شّ اعرة‪ ،‬و�سعي ًا م�ستمر ًا �صوب الو�صول بهذا‬ ‫ال��وط��ن والأر�� ��ض �إل��ى �أع�ل��ى درج ��ات الر�شاقة‬ ‫والكمال الإن�ساني الممكن‪.‬‬ ‫�إنّها تر�سم �صورة مثيرة ومحفّزة‪ ،‬لعلّها تعبي ٌر‬ ‫عن �شدّة تعلّقها و�شغفها بالوطن‪� ،‬إذ تحوّل حبّ‬ ‫الأ�صحاب والرفاق عندها �إل��ى مناجاة وهيام‬ ‫بالوطن‪.‬‬ ‫و�إذا دلفنا �إلى الأ�سطر ال�شّ عريّة التالية في‬ ‫الق�صيدة ذاتها‪ ،‬وجدنا �صورة الوطن الم�شرقة‬ ‫تلحّ �إلحاح ًا كبير ًا على ال� ّن��ور والهداية‪ ،‬وهنا‬ ‫تعمّق الدِّ اللة‪ ،‬وتنبّه �أبناء مجتمعها على الت�شبث‬ ‫الحقيقي ب��الأر���ض‪ ،‬وم��واج�ه��ة ال��وط��ن؛ فجنحَ‬ ‫الخطابُ ال�شّ عريّ �إل��ى ال�ح��وار والتركيز على‬ ‫القيم والف�ضائل العليا‪ ،‬والت�سامي لخدمة الوطن‬ ‫وترابه‪ .‬وهذا م�ؤ�شر وا�ضح‪ ،‬وحجة دامغة على‬ ‫انتقال ال��ذات ال�شّ اعرة في مواجهة ال��ذات �إلى‬ ‫مواجهة المجتمع وعنا�صره‪� ،‬إذ تقول(‪:)5‬‬

‫لقد ر�أت الخالدي في الكلمة �أم��ان��ة‪ ،‬و�أث��ر ًا‬ ‫قو ّي ًا في الإن�سان‪ ،‬فكان العنوان لون ًا من االلتزام‬ ‫وال�صدق تجاه وطنها‪ :‬وطن النّور‪ ،‬وطن ًا‬ ‫والوفاء ِّ‬ ‫عظيم ًا ر�سمته ال�شَّ اعرة‪ ،‬بجمل �إبداعيّة‪ ،‬طافحة‬ ‫ال��دِّ الل��ة؛ لتجد ال��ذات ال�شّ اعرة �أم��ل �سعادتها‬ ‫وف��رح�ت�ه��ا ف�ي��ه؛ ل�غ��ة ام �ت�ل�أت ح �ن��ان �اً‪ ،‬وم�سحة‬ ‫م��ن عاطفة م�ت��وق��دة‪ ،‬تفي�ض ن�ضا ًال وان�ت�م��اءً‪،‬‬ ‫تحتفل ب�إنجازات المنا�ضلين ما�ضي ًا وحا�ضراً‪،‬‬ ‫فتقول(‪:)4‬‬ ‫�أر����ض ت��ف��وقُ المعاني كيف �أنظِ مُها‬

‫�س�أ�صرفُ ال��ب��و َح عن ميقاتِ �أحزاني‬ ‫و�أر������س����� ُل ال����ح����بَّ م�����زه����� ّواً ب�����أوزان����ي‬

‫وك���ي���ف �أت����ل����و ب����ه����ا ًء �����ص����ا َر وج���دان���ي‬ ‫‪...............‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪45‬‬


‫أر������ض وح���ي ال��ح��قّ منبثقاً‬ ‫و�أل���ه��� َم ال َ‬ ‫لآخ�����ر ال���� ّده���� ِر ي��ب��ق��ى خ���ي��� َر ع���ن���وانِ‬ ‫وممّا ال �شك فيه �أنَّ لل�شّ عر كلم ًة و�أث��ر ًا فعّا ًال‬ ‫ف��ي تج�سيد عنا�صر المواطنة‪ ،‬وتعرية ه ��ؤالء‬ ‫الخائنين وف�ضحهم على الملأ؛ فالمواطنة في‬ ‫�شعر الخالدي موقف �أخ�لاق��ي‪ ،‬ولي�س �سالح ًا‬ ‫عن�صرياً‪� ،‬أو �أداة تمرّد على الواقع الإن�ساني‪ ،‬كما‬ ‫هو حال المفرطين دعاة ال�ضاللة‪ ،‬وجهالة ميثاق‬ ‫الإ�سالم ور�سالته‪.‬‬ ‫ومن يت�أمّل الأ�سطر ال�شّ عريّة –ال�سّ ابقة‪ -‬يجد‬ ‫�أنَّ ال� ّن��ور ي�شع من جوهرة ه��ذا ال��وط��ن‪ ،‬الذي‬ ‫يمتلىء ترابه �أمن ًا و�إيماناً‪ ،‬ف�ض ًال عن �أنَّ هذه‬ ‫الأر�ض مهوى �أفئدة النّا�س‪ ،‬لما فيها من �إح�سا�س‬ ‫يجبر الأرواح الك�سيرة‪ ،‬وفيها بيت اهلل العتيق‪،‬‬ ‫ملج�أ العابدين من جموع الم�سلمين الغفيرة‪ .‬كما‬ ‫�أنها �أر���ض اهلل التي اكتملت فيها دائ��رة الوحي‬ ‫الأخ �ي��رة‪� ،‬إذ بعث فيها �سيّد الب�شرية قاطبة‪،‬‬ ‫ومتمم م�ك��ارم الأخ�ل�اق �سيدنا م�ح� ّم��د‪ ،‬عليه‬ ‫ال�صالة وال�سّ الم‪.‬‬ ‫ّ‬

‫‪46‬‬

‫من ها هُ نا ينت�شي من ها هُ نا يم�ضي‬ ‫ع��ل��ى ي���د ال���ق���ائ���دِ ال���م���غ���وا ِر وال��ب��ان��ي‬ ‫ع��ب�� ُد ال��ع��زي��ز �أزال ال��ق��ي�� َد م��ن ي��دِ ه��ا‬ ‫����ف و�أدرانٍ‬ ‫�إذ �أُث�����قِ�����ل�����ت ب����ت����خ����اري ٍ‬ ‫ال�ضحى من بعد غفوت ِه‬ ‫في�ض ُّ‬ ‫فانهال ُ‬ ‫و�أ��������ش�������ر َق ال�����ح�����قُّ ي���ت���ل���و �آي ق������ر�آن‬ ‫م�����ض��تْ م�����س��ي��ر ُة ح����قٍّ ت���رت���دي �أل���ق���اً‬ ‫�������ض ع����ل����مٍ و�أف�������ك�������ا ٍر وع�����م�����رانِ‬ ‫ب���ف���ي ِ‬ ‫ح�� ّت��ى ت���ن���ادتْ ن��ج��وم ال�� ّل��ي��لِ تغبطُ ها‬ ‫هيهات ي��ا نجم واح���ذر ���ض��وء ُر ّب��ان��ي‬ ‫ت �ح��اول ال�خ��ال��دي �أن ت�ؤ�س�س على ثوابتها‬ ‫الوطنيّة ر�ؤي��ة دينامكية‪ ،‬تحرّ�ض على �إنعا�ش‬ ‫الكرامة با�ستح�ضار الرموز العربيّة من الذاكرة‬ ‫الجمعية‪ ،‬وجعلها تتحرك بفاعليتها من خالل‬ ‫ال�صور والدِّ الالت‪.‬‬ ‫ّ‬

‫وهذا يرجعنا �إِلى �أنْ ال�شّ اعرة ت�ست�شهد بما‬ ‫كان قد فعله الملك عبدالعزيز –رحمه اهلل‪-‬‬ ‫�إبان حكمه‪� ،‬إذ ا�ستطاع �أنَّ يق�ضي على كلِّ الفتن‬ ‫والخالدي‪ ،‬كما اتّ�ضح من �شعرها الم�أزوم‪ ،‬والمواقف الحرجة بكلِّ عزيمة‪� ،‬سواء بالمناظرة‬ ‫فهو ال يحمل م�شروع ًا ذاتياً‪ ،‬و�إنما اتّ�سعت دائرته الفعلية‪� ،‬أم بالجدل الديني‪ ،‬م�ستعين ًا ب��ر�أي‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫�أن يخلدوا �إلى الراحة والطم�أنينة‪ ،‬و�إنني �أحذّر‬ ‫الجميع من نزعات ال�شيطان واال�ستر�سال وراء‬ ‫الأه��واء التي ينتج عنها ف�ساد للأمن في هذه‬ ‫الديار»(‪.)8‬‬

‫لقد اتّ�سمت مواقف الخالدي تجاه الوطن‬ ‫بالرف�ض والإي �ج��اب‪ ،‬فهي ترف�ض الممار�سات‬ ‫ال�سّ يا�سيّة واالجتماعيّة التي �شوّهت �أ�صالة‬ ‫وط�ن�ه��ا‪ ،‬وب � ّث��ت ف�ي��ه ب ��ذور ال�ت�خ��اري��ف و�أدران‬ ‫الجاهليّة‪ ،‬في محاولة تهدف �إلى �إبراز الب�شاعة‪،‬‬ ‫وما يتولّد عنها من نتائج ت�شا�ؤمية‪ ،‬وانحطاط‬ ‫اجتماعي؛ وهي في الوقت نف�سه تتوثّب وتحفّز‬ ‫�أب �ن��اء ال��وط��ن �إل��ى الم�سير ق��دم� ًا �صوب العلم‬ ‫والفكر والمعرفة‪ ،‬وتنبّه �إل��ى �أهمية التم�سك‬ ‫بهوي ٍة توحدنا‪ ،‬فهي ت�أمل في �إيجاد م�ستقبل له‬ ‫قيمة كليّة جوهريّة‪� ،‬أ�سا�سه فكر �أ�صيل‪ ،‬ينزع �إلى‬ ‫حرية حقيقية تبزغ من رحم الرف�ض والخروج‬ ‫على قرارات القوى الخارجية(‪.)9‬‬

‫يتجلّى تعلّق الخالدي بالوطن‪� ،‬إذ ت�ضفي عليه‬ ‫مظهر ًا م�شرقاً‪ ،‬حيث رف�ض الخنوع واال�ستكانة‪،‬‬ ‫و�ألب�سته عباءة ال�سُّ موق والعلو والكبرياء‪ ،‬لذلك‬ ‫َّ�ص ال�شّ عري بالدوال المرتبطة بالبقاء‬ ‫يحفل الن ّ‬ ‫وقوة التغيير‪ ،‬وتثبيت القيم وانبعاث اللحظات‬ ‫الإ�شراقية‪ ،‬كتكرار فعل الأمر(عِ ْ�ش) �أربع مرات‪،‬‬ ‫لت�صوغه ان�ساق ًا تتناغم فيها الأبعاد الدِّ الليّة‬ ‫والمو�سيقى ال�شّ عريّة‪ ،‬ف�ض ًال عن انعكا�س عمق‬ ‫االنتماء المكاني لتراب هذا الوطن‪.‬‬

‫هكذا عبّرت الخالدي عن المواطنة‪ ،‬ال �سيما‬ ‫وال�صورة ال�شِّ عريّة‪،‬‬ ‫توظيفها للمفردة اللّغويّة ّ‬ ‫التي ر�سّ خت انتماءها و�شوقها وحنينها للوطن‪،‬‬ ‫التوظيف من�سجم ًا مع ال�سّ ياق ال�شِّ عري‬ ‫ُ‬ ‫فجاء‬ ‫ومترابط ًا مع عنا�صره الأدبيّة‪ ،‬وف�ضائه الكلي‪.‬‬ ‫ّ�ص ال�شّ عري‬ ‫فا�ستح�ضار الوطن ومتعلقاته في الن ّ‬ ‫داللة �أكيدة‪ ،‬و�إ�شارة وا�ضحة �إلى �إبراز دور الأدب‬ ‫ّ�ص ال�شّ عري في الك�شف عن تجربة ال�شّ اعر‬ ‫والن ّ‬ ‫لذا‪ ،‬انغم�ست ال�شّ اعرة في انتمائها الوطني‪ ،‬وموقفه الفكري‪.‬‬ ‫و�أث�م��ر ارتباطها بوطنها قيم ًا ب ��ارزة‪� ،‬أنتجت‬ ‫ّ�ص ال�شّ عري ومفردات القوميّة‬ ‫دالالت ال�ع�ط��اء وال�خ�ي��ر‪ ،‬على نحو م��ا ت��راءت ثانيا‪:‬الن ّ‬ ‫�إِنَّ ال�ق��ارئ لمنجز ال�خ��ال��دي‪� ..‬سيجد �أنّها‬ ‫�صورته في قولها(‪:)10‬‬ ‫تج�سّ د الم�ضمون العام لل�شعور القومي وت�ضمر‬ ‫ي���ا م��وط��ن��ي ي���ا رب��ي��ع��اً ج����ا َد م��ن��ه��م��راً‬ ‫لإخ���و ٍة ق��د م�ضوا ف��ي ب��� ِؤ���س حرمانِ �أ��ش�ك��ال الفعل الحركي الن�شيط‪ ،‬الناتج عن‬ ‫اح �ت �ك��اك ال� ��ذات ال�م�ب��دع��ة ب �م ��ؤث��رات ال�ع��ال��م‬ ‫ح�� ّت��ى ع��رف��تْ م��ن��ار ال��خ��ي�� ِر ي��ا وطني‬ ‫الخارجي‪ .‬كما �أنّها انتقلت من �إطارها الذاتي‬ ‫ج�������زاكَ رب������يِّ ع����ط����ا ًء ف������و َق �إح�������س���انِ وعالمها االنفرادي �إل��ى نطاق �أ�شمل؛ ليكت�سب‬ ‫�أبعاد ًا قوميّة و�إن�سانيّة‪ .‬وعلى هذا الأ�سا�س ف�إنَّ‬ ‫عِ ْ�ش موطن الخير ال حيفٌ وال رهقٌ‬ ‫عِ ْ�ش خ��ال��داً �سامقاً من دون �أ�شجانِ الربط بين (�أنا) و(نحن) ينقل اللّغة من كونها‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫لي�صبح مدافع ًا عن قيم �إن�سانيّة واجتماعيّة‪،‬‬ ‫ب����ي����اد ُر ال����حُ ����بّ ت��غ��ري��ن��ي ف����أل��� ِث���مُ��� َه���ا‬ ‫و�أن����ح����ن����ي ل����ل����ب����وادي �����ش����و َق ل��ه��ف��انِ ووط�ن� ّي��ة ف��ي ع�صر ان�ح��رف��ت فيه ثلة م��ارق��ة‪،‬‬ ‫ا�ستندت على دع��اوى و�أه��واء التهور والتطاول‬ ‫�أن����تِ الأم������انُ �إذا م��ا ال�� ّل��ي��ل ب��اع��دن��ي‬ ‫عن نب�ض ِة الحبِّ في �أهلي وخُ النِي على قيم جمال الأوطان و�شرفات الأمان‪.‬‬ ‫�إذ كانت ال�شّ اعرة تقف موقف ًا عدائي ًا من‬ ‫�أن��تِ ال��م��داءاتُ �إذ �ضاقتْ على وتري‬ ‫ت��رن��ي��م�� ُة ال���ح���بِّ �إِذ ت��م�����ض��ي ك��ه�� ّت��انِ الحركات الهدّامة‪ ،‬والزمر المكتوبة بهمجية‬ ‫التخريب والتدمير والإرهاب‪ ،‬فلقد كان موقفها‬ ‫مُ��ذ �أ���ش��ر َق ال��نُّ��و ُر �أم�����س��ي��تِ ب�لا وج��لٍ‬ ‫من الملك عبدالعزيز – رحمه اهلل‪� -‬أكثر ثبوت ًا‬ ‫م����ن����ار َة ال����ح���� ِّق ل��ل��ق��ا���ص��ي ول���ل���دَّانِ���ي وب��روزاً‪ ،‬و�أن�صع �صورة‪ ،‬و�أبهى �أث��ر ًا من خالل‬ ‫تبنيه الق�ضايا القوميّة‪ ،‬وتم�سكه بثوابته الوطنيّة‪،‬‬ ‫�آث��������ا ُر �أح����م���� َد ف����ي �أرج���������اكِ ُت��ل��هِ��مُ��ن��ا‬ ‫(‪)6‬‬ ‫م��ج��داً وع����� ّزاً ت��ن��ام��ى ف��ي�����ض رح��م��ان �إذ تقول ‪:‬‬

‫�����ش ف��وق ه��ام ال��دُّ ن��ا رم���زاً �أه��ي�� ُم ب ِه‬ ‫العلماء وحججهم لمحاربة الع�صاة والمتمردين‪ ،‬عِ ْ‬ ‫والق�ضاء على ر�ؤو�س الفتنة(‪.)7‬‬ ‫ت�������أت������ ُم ف�����خ�����راً ب�����ه �أف�������������وا ُج ب����ل����دانِ‬ ‫�ضفاف ال��حُ ��بِّ �أغني ًة‬ ‫ِ‬ ‫لذلك‪ ،‬قال رحمه اهلل‪� « :‬إنّ البالد ال ي�صلحها عِ ْ�ش �أن��تَ ف��و َق‬ ‫غير الأم��ن وال�سكون‪ ،‬لذلك �أطلب من الجميع‬ ‫�������ض �أن���������دا ٍء و�إي����م����انٍ‬ ‫ال ت��ن��ت��ه��ي‪ ،‬ف���ي ُ‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪47‬‬


‫وف��ي م�سعى ‪-‬م��ن جانبنا‪ -‬لل�شروع في بيت‬ ‫الق�صيد‪ ،‬بعد �أن تثني ال�شَّ اعرة على هذه البالد‬ ‫المباركة التي انتظمت كالعقد وغ��دت لوحة‪،‬‬ ‫كان تغريد الع�صافير لونها‪ ،‬و�أكف المخل�صين‬ ‫خيوطها‪ ،‬دعونا ندقّق النّظر مل ّي ًا في ق�صيدة‪:‬‬ ‫(غزة الفخر)(‪:)11‬‬

‫ج����ودي م��ن ال��ع�� ّز �أر����ض���ا ُه و�أ���س��ق��ي��ن��ي‬ ‫ي����ا غ������زّة ال���ف���خ��� ِر ي����ا �أ ّم ال���ق���راب���ي���نِ‬ ‫ج��ودي على الأر���ض من تاريخ �أمتنا‬ ‫و�أي��ق��ظ��ي ه���ا ه��ن��ا ���ص��م��ت ال��م�لاي��ي��ن‬ ‫جُ ������ودي ع��ل��ي��ن��ا ف�������إ َّن ال���� ّن����و َم �أل��ب�����س��ن��ا‬ ‫م���ن ال���م���ه���ان��� ِة م���ا ي��ك��ف��ي ل��ت���أب��ي��ن��ي!‬ ‫ي���ا غ������ ّز َة ال���ف���خ��� ِر ي���ا ن������وراً ُي����راودن����ا‬ ‫عند احلكاك ال��دُّ ج��ى رغ��م الثَّعابينِ‬

‫تتخذ الخالدي من �أ�سلوبيّة‪( :‬التكرار) للفعل‪:‬‬ ‫(�سلوا) نقطة انطالق منها لعالم �أو�سع داللةً‪،‬‬ ‫و�أرح��ب �أف�ق�اً‪ ،‬فال تبرح �أنْ تعلنَ عن فل�سفتها‬ ‫تجاه غ �زّة‪ ،‬وهي فل�سفة تقوم على رف�ضها لما‬ ‫حدث لها‪ ،‬من تخريب وتدمير‪ ،‬وتقتيل وت�شريد‬ ‫لأبنائها و�أهلها على �أيدي عدوان همجي‪ ،‬يخلو‬ ‫من م�شاعر �إن�سانيّة‪ ،‬وف�ضائل �إ�سالميّة‪.‬‬ ‫ل�ق��د ع � ّب��رت ال �خ��ال��دي ع��ن �أزم �ت �ه��ا وعمق‬ ‫معاناتها التي ع�صفت بغزّة العظيمة؛ من خالل‬ ‫الت�أكيد على دور ال�شِّ عر والكلمة الرقيقة على‬ ‫ال�شّ عوب؛ ت�أثير ًا وتحريك ًا لم�شاعرهم الدفينة‪،‬‬ ‫و�أحا�سي�سهم الرقيقة‪ .‬فال�شّ عر �أداة �سحريّة‪،‬‬ ‫وطاقة قوميّة‪ ،‬يمكن ا�ستخدامه �سالح ًا في وجه‬ ‫تعاليم �أباحت القتل والتخريب والتدمير‪ ،‬وكانت‬ ‫�سبب ًا في تقوي�ض الإطار الكلي للقيم والأعراف‪.‬‬ ‫وع �ل��ى ه ��ذا ال � َّن �ح��و‪ ،‬تم�ضي ال �خ��ال��دي في‬ ‫ا�ستدعاء مرجعياتها الثقافيّة؛ لتج�سّ د همجية‬ ‫�أ�صحاب العقول المري�ضة‪ ،‬التي �أنتجت فكر ًا‬ ‫�ضاالً‪ ،‬وتركت �آالم ًا عظيمة‪ ،‬فتقول(‪:)13‬‬

‫ي����ا غ�����زة ال���ف���خ���ر ي����ا ن������ورا ي����راودن����ا‬ ‫عند احلكاك ال��دج��ى رغ��م الثعابين‬

‫ع��ل��ى ال����رَّواب����ي ع��ل��ى كُ���� ِّل ال��ب�����س��ات��ي��نِ‬

‫ا�ستثمرت ال�شّ اعرة مدينة غزّة العربيّة‪ ،‬متكئة‬ ‫على مرجعياتها الثقافيّة‪ ،‬ومعجمها اللّغوي‪،‬‬ ‫و�صورها البالغيّة المتما�سكة؛ لتك�شف عمّا‬ ‫يموج بمكنونها الداخلي‪ ،‬فالذات ال�شّ اعرة ترتفع‬ ‫فخر ًا بعروبتها‪ ،‬عروبة ترف�ض الركوع واالنقياد‬ ‫للم�ستهزئين والمدمرين لطاقات �شعبنا الفكريّة‬ ‫والثقافيّة وال�شبابيّة‪ ،‬والمفاهيم والقيم التي‬ ‫كرّ�سها فكر عربي �إ�سالمي‪.‬‬

‫وتتابع الخالدي �إف�صاحها عن قوميتها‪ ،‬التي‬ ‫�أخذت تحتل مكان ًة وا�ضح ًة من م�ساحة الخطاب‬ ‫ال�شّ عري‪ ،‬مف�صحة عن �صدمتها بما تخلفه �أيدي ي������أت�����ي ب����ل���الٌ ي�����ن�����ادي كُ�������� َّل �أم���ت���ن���ا‬ ‫الغا�شمين وت�سلط الجبارين‪ ،‬من �أطفال يتامى‪،‬‬ ‫�أنْ هُ ����ن����ا ����س��� ُن�������ص��� ِّل���ي �إخ��������وة ال����دي����نِ‬ ‫ون�ساء ثكلى‪ ،‬لقولها(‪:)12‬‬ ‫ال ت���أب��ه��ي ���س��ي��ن��ادي ف��ي ال��ب�لاد غ��داً‬ ‫‪48‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫‪..........................‬‬

‫و�إذا �أمعنا النَّظر في ال�سّ ياق ال�شّ عري‪ ،‬نلحظ‬ ‫�أنَّ الخالدي قد وج��دت في �شخ�صية (ب�لال)‬ ‫رمز ًا مالئماً‪ ،‬تعبّر من خالله عن �أبناء الوطن‬ ‫الغيورين والحري�صين على مواجهة الإرهابيين‬ ‫بالحجة والبرهان والعقل ال�سليم‪ ،‬متخذين من‬ ‫الكلمة الطيبة‪ ،‬والدليل القاطع و�سيلة لن�شر‬ ‫�أفكارهم ال�سّ ديدة‪ ،‬و�أبعادهم اال�ست�شراقية‪.‬‬

‫�إنَّ معاي�شة ال�شَّ اعر لأمّته وع�صره‪ ،‬وان�صهاره‬ ‫واندماجه في بوتقة الوطن‪ ،‬لم يمنعه من ا�ستثمار‬ ‫وت�أ�سي�س ًا على هذا التو�صيف‪ ،‬عندما نقر�أ‬ ‫تراثه العربيّ والإ�سالميّ ‪ ،‬وتوظيفه �أدب ّياً‪ ،‬بو�صفه‬ ‫(‪)16‬‬ ‫حق ًال دالل ّي ًا �أ�صل ّياً‪ ،‬يتيح ا�ستيعاب حقب زمانية ق�صيدة‪( :‬وطن من حبّ ) التي تقول فيها ‪:‬‬ ‫عدّة‪ ،‬وت�ؤهله ب�أنْ ي�صوّر خواطره و�آراءه ت�صوير ًا تر�سم ُه الع�صافي ُر حروفاً خالدة‬ ‫فن ّي ًا(‪.)14‬‬ ‫و�ألقاً يتب ّر ُج للكون ُك َّل �صباح‬ ‫ومهما يكن م��ن �أم��ر‪ ،‬ف���إنَّ الخالدي تفجّ ر تعزف ُه القلوب العا�شقة‬ ‫�أق���ص��ى دالالت الإ���ش��راق والأم� ��ل والإ���ض��اءة‪� ،‬أنا�شيد �أمل‬ ‫با�ستدعاء �شخ�صية ال�صحابي ب�لال ‪-‬ر�ضي و�ألحان بقاء!‬ ‫اهلل عنه‪ -‬لتزيل بها بعد ذلك مظاهر الظلمة‪ ،‬تورق على كفيه �أحالم المخل�صين‪..‬‬ ‫وال�سّ حب ال�سّ وداوية‪ ،‬المتلفعة بها �أر�ض العروبة‪ .‬وعلَّمنا �أن نكون �أكبر من الخِ ذالن‬ ‫نلحظ �أنّها تحتمل داللة الت�ضافر بين مفردات‬ ‫ّ�ص ال�شّ عري والوحدة‬ ‫ثالثا‪ :‬الن ّ‬ ‫الق�صيدة من مبتداها �إلى منتهاها‪ ،‬في نظام‬ ‫المو�ضوعيّة‬ ‫فنّي خا�ص‪ ،‬قائم على لغة الوعي ب�أهمية التعاي�ش‬ ‫يتكئ ّ‬ ‫الن�ص ال�شّ عري عند الخالدي على وحدة مع الوطن و�أوجاعه‪ ،‬واالتّ�صال مع الحياة والأن�س‬ ‫مو�ضوعيّة‪ ،‬تقوم الق�صيدة كلّها على �أ�سا�س فكرة والبهجة ب�أنغام رائعة‪ ،‬في وطن ابتهج الع�صفور‬ ‫واح��دة‪ّ ،‬م��ا يجعلها تت�سم ب�أهم �سمات ال�شِّ عر فيه ط��رب�� ًا و�أم��ان��ا‪ ،‬باعتزاز عظيم يتمازج مع‬ ‫الحديث‪ ،‬وهي الوحدة المو�ضوعيّة‪.‬‬ ‫م�شاعر االنتماء وال��والء للوطن‪ ،‬والدفاع عنه‪،‬‬ ‫�أ�ضف �إلى ذلك �أنْ يعبّر ال�شَّ اعر عن منجزه وتجاوز عنا�صر الخذالن والحقد الدفين‪.‬‬ ‫الإبداعي بلغة مفعمة متما�سكة‪ ،‬ت�ستند �إلى فكرة‬ ‫َّار�س لهذه الق�صيدة ليدرك �أنّها‬ ‫وبعد‪ ،‬ف�إنَّ الد َ‬ ‫�أ�صيلة ت�شكّل روح الق�صيدة؛ ذاك هو العبور لوحة فنيّة‪ ،‬ر�سمت بري�شة فنّان؛ لتج�سّ د فكرة‬ ‫الأجمل والأعمق للتما�سك الدِّ اللي وال�شكلي معاً‪ .‬واحدة‪ ،‬تمثّلت بكلِّ ب�ساطة بالوطن وحبّه‪ ،‬وهذا‬ ‫وبعد‪ ،‬ف�إنَّ المت�صفح ّ‬ ‫يخ�ص مالك الخالدي وحدها فح�سب‪ ،‬بل يعمّ‬ ‫لن�ص الخالدي ال�شِّ عري ال ّ‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫�شيئ ًا ثابت ًا وجامداً‪� ،‬إلى و�صفها طاقة �إيحائية‬ ‫وال�صور البالغيّة‪.‬‬ ‫غنيّة بالمعاني ّ‬

‫رح���� ُم ال�����ش��ه��ادة �أن����ت ي���ا ���ش��م��وخ دم��ي‬ ‫�سلوا اليتامى‪� ،‬سلوا قيد الم�ساجين‬ ‫�سلوا الدُّ موع التي من فوقها �سُ كبتْ‬ ‫�سلوا المنافي �سلو ن��زف ال�شرايين‬ ‫�سلوا الحروف التي باتت على �شفتي‬ ‫من يا حروفي التي بالعزم ترويني؟!‬ ‫ي��ا (غ�� ّزت��ي) م��ا ر�أي���تُ القت َل م��ج��زر ًة‬ ‫ر�أي����ت���� ُه ف���ي ال���عُ�ل�ا �أ�����ص����دا َء ت��م��ك��ي��ن!‬

‫أر�ض الفدا ِء غداً‬ ‫م�س يا � ُ‬ ‫�ست�شرقُ ال�شَّ ُ‬ ‫فلنم�سح ال��ح��زنَ‪ ،‬وع��د اهلل يكفيني‬

‫يلحظ �أنّه تبدّت من خالله قدرة �شعريّة مُعزّزة‬ ‫بالقدرة على تطويع اللّغة‪ ،‬تثبت ذلك �أكثر من‬ ‫ق�صيدة تواجدت بمائز فني �إيقاعي‪ ..‬يت�ضح‬ ‫من خالله وجود دقّة اقتنا�ص ا�ستعاري‪ ،‬وجودة‬ ‫اختيار تركيبية‪ ،‬وح�سن توظيف تراكمي‪ ،‬اكتمل‬ ‫اكتما ًال ن�سبي ًا مع �إيغال معنوي �إن�ساني ت�ضيئه‬ ‫م�ساحة ال�ب��وح ال�ع��ام��رة ب��ال�م�ف��ردات المعززة‬ ‫لل�صورة الإب��داع � ّي��ة؛ غير ذل��ك هيكلة �شعريّة‬ ‫خليليّة ممو�سقة‪ ،‬توازنت مع رمزيّة ع�صريّة‪،‬‬ ‫غنائيّة ت�ستوعب �أحا�سي�س المتلقي الناهم‬ ‫لل�شعر(‪.)15‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪49‬‬


‫ات�خ��ذت ال�خ��ال��دي الق�صيدة ر��س��ال��ة‪ ،‬تبرز‬ ‫من خاللها �أنَّ تطوير المواطن الح�ضاري ذي‬ ‫ال�شَّ خ�صية ال�م�ت��وازن��ة‪ ،‬ه��و م��ن ي�سهم ب�شكّل‬ ‫ف� ّع��ال ف��ي بناء ه��ذا ال��وط��ن‪ ،‬وي��داف��ع عنه �ضد‬ ‫الجاحدين‪ ،‬الخارجين على ق��واع��د المجتمع‬ ‫وقوانينه‪ ،‬لقولها(‪:)17‬‬

‫لن يكفر به �إ ّال الجاحدون‬ ‫�أولئك �ستلعنهم زهور اللّوت�س‬ ‫و�أ�شجار النَّخيل‬ ‫�سيلفظهم البيا�ض‬ ‫وتتب ّر�أ منهم الأر�ض‬ ‫لأنّهم خانوا ترابه الطّ اهر‪..‬‬

‫وه��و الغ�صون الدانيات هو الأ�صيل‬ ‫وطني الجبال ال�شّ مُّ والبيدا ُء حيناً‬ ‫وهو الكرو ُم الخ�ض ُر والظِّ لُّ الظِّ ليلْ‬ ‫وط��ن��ي ان��ب��ع��اث��اتُ ال���ح���ي���ا ِة بجعبتي‬ ‫وه���و ال�����شِّ ��ف��ا ُء ل��م��ق��ل��ت��يَّ ه���و ال�� َّدل��ي��لْ‬ ‫وطني وهل لي بعد ح�ضنك محتوى؟‬ ‫ال ي���ا ف�������ؤادي ي���ا رح��ي��ق ال�����سّ ��ل�����س��ب��ي��لْ‬

‫�إنَّ الخالدي في �شعرها ال تعي�ش ب�ضميرين‬ ‫(�أن��ا) و(النحن)‪ ،‬و�إنما تندغم مع (النحن)؛‬ ‫لأنّها ال تنف�صل عن الوطن وم�شكالته وهمومه‪،‬‬ ‫فهي ترى �أنَّ الوطن يماثل الزينة والحياة‪ ،‬ومالذ ًا‬ ‫�إذا كانت افتتاحية الق�صيدة ت�أكيد ًا �سار ًا لكلِّ �إن�سان؛ لأنّه انبعاث الحياة‪ ،‬و�شفاء الكليم‪،‬‬ ‫وفرحا ًللوطن ومفرداته الم�شرقة التي ر�سمتها ودليل التائه‪ ،‬ومحتوى وهناء البائ�س الفقير‪.‬‬ ‫ع�صافير الطبيعة‪ ،‬ف���إنّ ختامها ت�أكيد ه��ادر‬ ‫وهنا‪ ،‬نلحظ �أنَّ الذات ال�شَّ اعرة خرجت من‬ ‫وعا�صف لنبذ الخِ ذالن‪ ،‬والمنافقين والجاحدين دائرة الأنا �إلى �أبعاد �إن�سانيّة عظيمة‪ ،‬م�ستغلة‬ ‫الذين �ستلعنهم زهور اللّوت�س و�أ�شجار النخيل‪� ،‬إمكاناتها اللّغويّة‪ ،‬و�صورها ال�شِّ عريّة‪ ،‬ومدلوالت‬ ‫و�سيبتعد عنهم البيا�ض‪ ،‬وتتبر�أ منهم الأر���ض؛ ال �ك �ل �م��ات‪ ،‬م��ن خ�ل�ال ت��وظ�ي�ف�ه��ا ف��ي مكانها‬ ‫لأنّهم لوّثوا هذه البالد المباركة‪ ،‬وحرقوا م�شاعر‬ ‫المنا�سب‪ ،‬ومن الطبيعي �أنَّ ال�شَّ اعر لم يق�صد‬ ‫�أهلها الدافئة‪ ،‬ف�ض ًال عن ت�أجيجهم نار الفتنة‪،‬‬ ‫فقط �إث��ارة �شعور المتلقي و�أحا�سي�سه بقدر ما‬ ‫ون�شرهم بذور الخيانة والغدر في دروب الأمّة‪.‬‬ ‫يريد؛ لأن يظهر الواقع والوطن من خالل هذه‬ ‫�إنَّها لوحة قاتمة في �ضمير ال�شّ عوب المتخاذلة‬ ‫التركيبات العميقة(‪.)19‬‬ ‫وال��زائ��غ��ة‪ ،‬وال��ت��ي ات��خ��ذت تعرية الظهور مهد ًا‬ ‫وانطالق ًا من توجّ ه الخالدي �إلى تبنّي معنى‬ ‫لأهدافها وم�شاريعها المادية‪.‬‬ ‫وتلحّ الخالدي في ق�صيدة �أخ��رى بعنوان‪ :‬الوطنيّة واالنتماء للوطن؛ ف�إنها ت�ص ّر بالتم�سك‬ ‫(�أن�شودة الم�شتاق) على المو�ضوع عينه الكامن ب��ه واالح��ت��م��اء بظالله ال��وارف��ة لحظة مفارقة‬ ‫في دخيلتها‪ ،‬المتمثل بالوطن وثيمات الع�شق الآخرين له‪ ،‬وتخليهم عنه؛ لذا‪ ،‬تقول (‪:)20‬‬

‫‪50‬‬

‫والوله له‪ ،‬ف�ض ًال عن تحفيز و�إثارة حفيظة �أبنائه �إن ف����ارق����وكَ ���س���أرت�����ض��ي��ك لخافقي‬ ‫لاللتفاف حوله �أمام الدعوات الهدّامة‪ ،‬والأفكار‬ ‫�إن فارقوكَ �س�أحتمي ب��ذرى النَّخيل‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫م���ا �أ���س��ت��ط��ي�� ُع ول���و ب�����ش��ي ٍء م���ن قليل‬

‫تناولت ال�شَّ اعرة كما نرى معطيات الوطنيّة‬ ‫بال�صور‬ ‫كوحدة واحدة في الق�صيدة‪،‬؛ فا�ستعانت ّ‬ ‫لتو�ضيح هذه المعطيات‪ ،‬مع تنوع في �أ�ساليب‬ ‫التكرار‪ ،‬التي توحي في ذاتها بالقرب من الوطن‬ ‫واالتّ�صال به‪.‬‬ ‫كما يتطور ح��بّ ال��وط��ن ل��دى الخالدي �إل��ى‬ ‫موتيفة الت�شبث الم�صحوبة بالن�ضوج والوعي‬

‫ختاماً‪ ،‬يتّ�ضح ممّا �سبق �أنَّ �شعر الخالدي ذو‬ ‫عالقة وطيدة بالبعد الوطني ومفردات المواطنة‪،‬‬ ‫وانتمائية الإن�سان لوطنه‪ ،‬لذا كان ي�شكّل االنتماء‬ ‫هاج�ساً‪ ،‬والوطنيّة م�صدر ًا �أ�سا�س ًا ومعين ًا في‬ ‫�إنتاج خياالتها ال�شِّ عرية‪ ،‬و�إبراز الدِّ اللة المعنويّة‪،‬‬ ‫ف�ض ًال عن كونه عام ًال ب��ارز ًا في اتّ�ساع �أفقها‪،‬‬ ‫و�إغناء معجمها ال�شّ عري‪.‬‬

‫* ناقد و�أكاديمي بجامعة الجوف‪.‬‬ ‫(‪ )1‬ال�شريدة‪ ،‬خالد عبدالعزيز‪� :‬صناعة المواطنة في عالم متغير؛ ر�ؤية في ال�سّ يا�سة االجتماعيّة‪ ،‬بحث مقدّم للقاء الثالث‬ ‫ع�شر لقادة العمل التربوي الباحة‪1426 ،‬هـ‪� ،‬ص‪.5‬‬ ‫(‪ )2‬ب�سي�سو‪ ،‬عبدالرحمن‪ :‬الإ�ستراتيجية للثقافة الوطنية؛ ور�شة عمل خا�صة بمناق�شة م�سوَّدة الخطة‪ ،‬غزة‪ ،16 ،‬ني�سان‪،‬‬ ‫‪2005‬م‪� ،‬ص‪.7+6‬‬ ‫(‪� )3‬سورة �إبراهيم‪ :‬الآية ‪.35‬‬ ‫(‪ )4‬الخالدي‪ ،‬مالك‪ :‬غواية بي�ضاء‪ ،‬نادي الجوف الأدبيّ ‪ ،‬الجوف‪2010،‬م‪ ،‬ط‪� ،1‬ص‪.52+51‬‬ ‫(‪ )5‬الخالدي‪ :‬غواية بي�ضاء‪ ،‬مرجع �سابق‪� ،‬ص‪.52+51‬‬ ‫(‪ )6‬الخالدي‪ :‬غواية بي�ضاء‪ ،‬مرجع �سابق‪� ،‬ص‪.53+52‬‬ ‫(‪ )7‬الحقيل‪� ،‬سليمان عبدالرحمن‪ :‬في �آفاق التربية الوطنية في المملكة العربيّة ال�سّ عوديّة‪ ،‬جامعة الإمام محمد بن �سعود‪،‬‬ ‫‪1993‬م‪ ،‬ط‪� ،2‬ص‪.51‬‬ ‫(‪ )8‬دارة الملك عبدالعزيز‪ ،‬الوثيقة رقم (‪1344/5/8 ،)277‬هـ‪.‬‬ ‫(‪ )9‬نا�صر‪ ،‬مها خير بك‪ :‬مركزية االنتماء الوطني في �شعر نزار قباني‪ ،‬مجلّة الموقف الأدب��يّ ‪ ،‬دم�شق‪ ،‬ع��دد‪� ،431‬آذار‬ ‫‪2007‬م‪� ،‬ص‪.14‬‬ ‫(‪ )10‬الخالدي‪ :‬غواية بي�ضاء‪ ،‬مرجع �سابق‪� ،‬ص‪.53‬‬ ‫(‪ )11‬الخالدي‪ :‬غواية بي�ضاء‪ ،‬مرجع �سابق‪� ،‬ص ‪.71_69‬‬ ‫(‪ )12‬الخالدي‪ :‬غواية بي�ضاء‪ ،‬مرجع �سابق‪� ،‬ص ‪.70‬‬ ‫(‪ )13‬الخالدي‪ :‬غواية بي�ضاء‪ ،‬مرجع �سابق‪� ،‬ص ‪.70‬‬ ‫ّنا�ص في �شعر �أبي العالء المعري‪ ،‬عالم الكتب الحديث‪� ،‬إربد‪2011 ،‬م‪ ،‬ط‪� ،1‬ص‪.262‬‬ ‫(‪ )14‬الدّهون‪� ،‬إبراهيم م�صطفى‪ :‬الت ّ‬ ‫ال�صورة الفنيّة ولغة ال�شّ جن في ديوان غواية بي�ضاء‪ ،‬مجلّة �سي�سرا‪ ،‬نادي الجوف الأدبيّ ‪ ،‬الجوف‪،‬‬ ‫(‪ )15‬الح�سيني‪� ،‬صالح‪ّ :‬‬ ‫يناير ‪2011‬م‪ ،‬ع‪� ،6‬ص‪.31+30‬‬ ‫(‪ )16‬الخالدي‪ :‬الديوان‪ ،‬مرجع �سابق‪� ،‬ص‪.59‬‬ ‫(‪ )17‬الخالدي‪ :‬غواية بي�ضاء‪ ،‬مرجع �سابق‪� ،‬ص‪.60‬‬ ‫(‪ )18‬المرجع ال�سّ ابق نف�سه‪� ،‬ص‪.57‬‬ ‫(‪ )19‬الآغا‪ ،‬يحيى زكريا‪� :‬إ�ضاءات في ال�شِّ عر الفل�سطيني المعا�صر‪ ،‬دار الحكمة‪ ،‬غزّة‪ ،‬د‪.‬ت‪ ،‬ج ‪� ،2‬ص ‪.13‬‬ ‫(‪ )20‬الخالدي‪ :‬غواية بي�ضاء‪ ،‬مرجع �سابق‪� ،‬ص‪.58‬‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫�أبناءه جميعاً؛ فالق�صيدة تر�سيخ لقيم تهذيب الزائغة؛ لأنّه المرف�أ‪ ،‬والغ�صون‪ ،‬و�شاطئ الأمان‬ ‫النف�س والتكافل والترابط االجتماعي‪ ،‬واالعتزاز لكلِّ �شخ�ص‪ ،‬لج�أ واقترب منه‪ ،‬فتقول(‪:)18‬‬ ‫بالوطن ومنجزاته‪ ،‬ودوره على ال�سّ احة العالميّة‪ .‬وط��ن��ي ه��و ال��م��رف���أ �إذا ب���ان الرحيل‬

‫الجمعي؛ فت�ؤكد على ما بد�أت به الق�صيدة من‬ ‫لحنُ الع�صافير الوديع ِة في ال�سَّ ما ِء‬ ‫�أُن�������ش���ود ُة ال��م�����ش��ت��اقِ ي���ا ط���بّ العليل تالحم وانتماء �إل��ى عروبة ووطنيّة �سليمة من‬ ‫����س����أظ���ل �أروي دوح������كَ ال��ف��ي��ن��ا َن ما‬ ‫الأمرا�ض والأدران الثقافيّة واالجتماعيّة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪51‬‬


‫ال�شعراء ال�سعوديون نقاد ًا‬

‫«قراءة في مفهوم ال�شعر لدى ال�شعراء ال�سعوديين»‬ ‫■ د‪ .‬بدر بن علي املقبل*‬

‫مدخل‬

‫اهتم النقاد بمنجز ال�شاعر الإب��داع��ي‪ ,‬فتناولوه بالدر�س‪,‬‬ ‫والتحليل‪ ,‬وال�س�ؤال ال��ذي يتبادر للذهن‪ :‬ما موقف ال�شاعر‬ ‫نف�سه من هذا المنجز‪ ,‬وما دار حوله من خالف وانق�سامات؟‬ ‫من هنا‪ ،‬جاءت هذه القراءة؛ لتلتفت �إلى زاوي��ة م�سكوت عنها‬ ‫في درا�سة نتاج ال�شعراء ال�سعوديين‪ ,‬حيث االهتمام المطلق‬ ‫بدرا�سة تجاربهم ال�شعرية‪ ,‬في مقابل غياب االهتمام بتنظيرهم‬ ‫النقدي‪ ,‬و�إهماله بطريقة تقترب من درجة التهمي�ش‪ .‬والمت�أمل‬ ‫في تعريف ال�شعر لدى ال�شعراء ال�سعوديين‪ ،‬يجد �أن منهم من نظر في تنظيره النقدي‬ ‫لمفهوم ال�شعر �إل��ى العنا�صر التي ت�شكل البنية الخارجية؛ كالوزن والقافية‪ ,‬واللغة‬ ‫والأ�سلوب‪ ,‬وال�صورة والخيال‪ .‬ومنهم من نظر �إلى بواعث ال�شعر الداخلية؛ كالعاطفة‪,‬‬ ‫وال�شعور المرهف بالأ�شياء‪ ,‬والت�أثر النف�سي‪ .‬ورب��ط بع�ضهم مفهوم ال�شعر بغاياته‬ ‫االجتماعية‪ ,‬والنف�سية‪ ,‬والمعرفية‪ .‬وبناء على ما �سبق ر�أيت تناول تعريف ال�شعر من‬ ‫خالل ثالثة اتجاهات‪ ,‬هي‪:‬‬ ‫‪ -1‬المو�سيقى ال�شعرية‬ ‫�أوالً‪ :‬االتجاه الفني (ال�شكلي)‬ ‫من الذين �أعلوا من قيمة المو�سيقى في‬ ‫يميل بع�ض ال�شعراء عند تعريفه لل�شعر‬ ‫تحديد ال�شعر محمد ال�سنو�سي‪� ،‬إذ ت�ساءل‬ ‫�إلى االتجاه الفني‪ ,‬حيث االهتمام بالعنا�صر عن مفهوم ال�شعر‪ ,‬وق�دّم ر�ؤيته حول هذا‬ ‫الخارجية المُ�شكّلة لبنية الق�صيدة‪ ,‬وهي‪ :‬الت�سا�ؤل في �أبيات يقول فيها‪:‬‬ ‫‪52‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫واللفظ من ُه رُو َح ُفرْجَ ا ِر ال�����������������ش��������ع�������� ُر قَ�������������فْ������������� ُز َل���������حْ ���������ظَ ��������� ٍة‬ ‫ِ‬ ‫في الن�سجِ‬ ‫(‪)5‬‬ ‫م������������نَ ال��������ح��������ي��������ا ِة ف���������ي َن������������ َغ������������ ْم‬ ‫وال���وزنُ لل�شع ِر رو ٌح وهْ ���يَ �إنْ فُ��قِ��دَتْ‬ ‫(‪)1‬‬

‫�أ َْ�ضحَ ى ج��مَ��ادًا بال حِ ٍّ�س َك���أَحْ ��جَ ��ا ِر‬

‫فلل�شعر لديه قوانين ثابتة ال يمكن تجاوزها �أو‬ ‫القبول بما جاء على ن�سق مخالف لها – كق�صيدة‬ ‫النثر التي جاء حديثه عنها هنا ‪ -‬ليقرر �أن ال�شعر‬ ‫هو ال�م��وزون المقفّى‪ ,‬وبقطعية تتنافى مع روح‬ ‫الإب��داع المرنة؛ لي�ؤكد �أن الوزن هو روح ال�شعر؛‬ ‫ف�إذا ما تنازل ال�شعر عن هذا ال�ضابط‪ ,‬فهو جامد‬ ‫ال روح فيه ت�ستحق الحياة والتلقّي‪ .‬ولعل ال�سنو�سي‬ ‫ال يريد حَ ��جْ � َر ال�شعر في هذين العن�صرين –‬ ‫الألفاظ والأوزان ‪ -‬دون غيرهما‪ ،‬غير �أن��ه كان‬ ‫حري�صا على االنت�صار لل�شعر الموزون؛ فعك�ست‬ ‫ً‬ ‫�أب�ي��ات��ه موقفه التقليدي االت�ب��اع��ي م��ن ال�شكل؛‬ ‫ف��أراد فقط �أن يعلي من �ش�أن الأوزان حين جعل‬ ‫روح ال�شعر تكمن في تما�سك ن�سيجه اللغوي مع‬ ‫مو�سيقاه‪.‬‬

‫‪ -2‬اللغة‪:‬‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫�سورًا منيعًا بُني عمدًا ليمنع النثر من الت�سلل �إلى‬ ‫���اظ ُم�سَ َّي َب ٌة‬ ‫م��ا ال�شعرُ؟ هَ���لْ ه�� َو أَ� ْل��� َف ٌ‬ ‫(‪)4‬‬ ‫ب�ل�ا ق���ي���و ٍد رُدي ل��ل��م��ن��ط��قِ ال���ه���ارِي قلعة ال�شعر ‪ .‬ودليل حر�صه على مو�سيقى ال�شعر‬ ‫�أنه عندما حاول تعريف ال�شعر �شعرًا‪ ,‬قال‪:‬‬ ‫ال�����ش��ع�� ُر هَ�� ْن�� َد���سَ �� ٌة كُ��� ْب���رَى َت��� َك���ا ُد َت���رَى‬

‫يعد حمزة �شحاتة من �أوائ��ل ال�شعراء الذين‬ ‫اهتموا ف��ي نظرتهم لل�شعر بالجانب اللغوي؛‬ ‫فال�شعر عنده «كالم و�صناعة وفن‪ ،‬ولكنه في كل‬ ‫�صورة من هذه ال�صور‪ ,‬الترف الحافل بمعاني‬ ‫ال�ق��درة المعبرة وذخ��ائ��ره��ا النفي�سة ف��ي �أبهى‬ ‫الحلل والأثواب‪ ,‬حتى ب�ساطته – وهي من �أ�سمى‬ ‫�صفاته وغاياته – �إنما تكون ترف الب�ساطة الفنية‬ ‫بالمذخورات‪ ,‬ال فقرها العاري المتكلف»(‪.)6‬‬ ‫فيلحظ على ه��ذا الن�ص اهتمامه بالت�شكيل‬ ‫الجمالي ال�ل�غ��وي م��ن دون غ�ي��ره م��ن العنا�صر‬ ‫المكونة لل�شعر‪ .‬وق��راءة ه��ذا الن�ص في �سياقه‬ ‫ال�ت��اري�خ��ي ال ��ذي قيل فيه تك�شف ع��ن �أ�سباب‬ ‫اهتمامه بالجانب اللغوي ف��ي تعريف ال�شعر؛‬ ‫فخطاب �شحاتة النقدي جاء في �سياقٍ تاريخيٍّ‬ ‫كانت الدولة فيه للمد الرومانتيكي‪ .‬وغني عن‬ ‫القول �أن النمط الم�ألوف من التعريفات ال�شعرية‬ ‫في زمن المد الرومانتيكي هو الإغراق في االتجاه‬ ‫الوجداني‪ ,‬والإعالء من �ش�أن العاطفة‪ ,‬وت�صوير‬ ‫الم�شاعر‪.‬‬

‫ويقرِّر غ��ازي الق�صيبي – �شعرًا ونثرًا ‪� -‬أن‬ ‫�أح��دًا لم ي�ستطع تعريف ال�شعر‪ ,‬ب�سبب وقوف‬ ‫التعريفات جميعها على الأو�صاف الخارجية من‬ ‫دون �أن تنفذ للداخل(‪ ,)2‬واتخذ من عجزه عن‬ ‫معرفة كنه ال�شعر م�سوِّغً ا ليع َّد نف�سه من �أن�صار‬ ‫التعريف القديم(‪ )3‬الذي توقف عند ال�شكل دون‬ ‫غيره من عنا�صر ال�شعر الأخ��رى؛ فا�ستقر ر�أيه ال�صورة ال�شعرية‪:‬‬ ‫ممن اهتم ب�ش�أن ال�صورة والخيال في تعريفه‬ ‫على �أن هذا التعريف يعد �أف�ضل تعريف‪ ،‬مهما‬ ‫ح��اول ال�شعراء والنقاد ال�سخرية منه؛ لأن��ه يعد لل�شعر �سعد ال �غ��ام��دي‪� ,‬إذ اعتنى بالت�صوير‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪53‬‬


‫ثانياً‪ :‬االتجاه الوجداني‪:‬‬ ‫ويمثله ال�شعراء ال��ذي��ن اهتموا ب ��إب��راز دور‬ ‫العاطفة‪ ,‬وال�شعور الداخلي‪ ,‬وت�أثير ال�شعر على‬ ‫المتلقي‪ ,‬ف�ـ«�إب��راه�ي��م ف�لال��ي» ي��رى �أن «ال�شعر‬ ‫ال�صادق هو ال�صورة ال�صادقة لفورات ال�شعور‬ ‫وه��زات النف�س ت�ستحيل �إل��ى ق��واف و�أوزان»(‪,)8‬‬ ‫و�أكد هذا المعنى في مقدمة ديوانه (�ألحاني)‪,‬‬ ‫�إذ قال‪�« :‬إن ال�شعر ال�صحيح لي�س هو وليد العقل‬ ‫ال��واع��ي‪ ،‬ولكنه ول�ي��د ه��زة نف�سية لها توقيعها‬ ‫ومو�سيقاها»(‪ ,)9‬وكثّف هذا المعنى �شعرًا في قوله‪:‬‬

‫ويرى محمد ال�شامخ �أن العواد هنا قد عجز‬ ‫عن تو�ضيح جوهر ال�شعر‪ ,‬واكتفى بالتعبير عن‬ ‫انطباعاته الوجدانية حول عالم ال�شعر(‪ .)12‬ويبدو‬ ‫�أن غمو�ض تعريفه يعود �إلى غلبة اللغة ال�شعرية‬ ‫على ن�صه‪ ,‬كما �أن اهتمامه ب�سرد الت�شبيهات‬ ‫لتج�سيد روح ال�شعر �شغله عن تحديد جوهره؛ ومع‬ ‫ذل��ك‪ ،‬ف��إن الن�ص ي�شي ب�إعالء �ش�أن العواطف‪,‬‬ ‫ويظهر ذلك في ت�شبيهه ال�شعر بـ (حنين الإبل �إلى‬ ‫معاطنها)‪ ,‬و(ت��أوه��ات العا�شقين)‪ ,‬و(تنف�سات‬ ‫م������ا ال������ ِّ�����ش�����ع����� ُر �������ش������ي ٌء ك����ال����ت����ـُّ����حَ ����فْ‬ ‫َف�����������ـ����������� َد ِع ال�����ل������آل����������� َئ وال�����������خَ �����������زَفْ المحزونين)‪ .‬ومن الوا�ضح �أي�ض ًا �أن العواد هو‬ ‫الآخ��ر مت�أثر بنظرة الرومان�سيين لل�شعر وعلى‬ ‫أ��������س ال�����زم�����ـ�����ا‬ ‫ال�������������ش������ع������ ُر ف��������ي ك�������ـ�������� ِ‬ ‫ر�أ�سهم العقاد وجماعته‪.‬‬

‫نِ ف�����������ـ������������ؤا ُد حُ �������������� ٍّر قَ�������������� ْد َن��������������زَفْ‬

‫‪54‬‬

‫وقدّم ح�سين �سرحان بين يدي مفهومه لل�شعر‬ ‫�������������س َف����������ـ���������� َّذ ٌة‬ ‫وال���������������ش�������ع�������ـ������� ُر ن������ف������ـ ٌ‬ ‫جملة من الأ�سئلة ت�شعر ال�ق��ارئ بحيرته حيال‬ ‫عَ������� ِ������ش������قَ������تْ مُ���������طَ ���������ا َو َل��������� َة ال�����قِ�����مَ����� ْم‬ ‫تحديده(‪)13‬؛ ومع ذلك‪ ،‬قدّم تعريفًا وجدانيًّا اتك�أ‬ ‫فَ�����مَ������ َ�����ض�����تْ ت������������ذوبُ م��������نَ ال����ج����وى‬ ‫فيه على العالقة اللغوية بين ال�شعر وال�شعور(‪)14‬؛‬ ‫وغ�����������������دَت م�������������������دادًا ل������ل������ق������ـ������ل������ ْم(‪ )10‬وبناء على ذلك جاء مفهومه لل�شعر معبرًا عن ر�ؤية‬ ‫ووا�ضح �أنَّ الفاللي يرى �أن جوهر ال�شعر كامن الرومان�سيين التي تهتم بعالم ال�شاعر الداخلي‪,‬‬ ‫في الإح�سا�س المرهف بالأ�شياء‪ ,‬فجاء مفهوم وهذا ما �أف�صحت عنه ر�ؤيته النظرية والتطبيقية‪.‬‬ ‫ال�شعر لديه متمث ًال ر�ؤية جماعة الديوان‪ ,‬والر�ؤية‬ ‫�أم ��ا ح�سن ال�ق��ر��ش��ي‪ ،‬ف �ب��رزت ل��دي��ه ظاهرة‬ ‫التقديم لدواوينه نثرًا‪ ,‬ووظ��ف هذه المقدمات‬ ‫الرومانتيكية الإنجليزية‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫�إ ّن��������������������ي �������س������م������ع������ ُت������كَ ف����������ي �أن�������ي�������ـ‬ ‫نِ ال����ط����ف����لِ ‪َ ,‬ت����حْ ����� ُ����ض���� ُن���� ُه ال�����جُ �����رو ُح‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫والخيال �إلى جانب اللغة والوزن والقافية‪ ,‬ويلحظ‬ ‫�أن الأدوات التي اعتمد عليها ف��ي ت�صوّره عن‬ ‫ال�شعر تنتمي للجانب ال�شكلي‪ ,‬غير �أنه لم يجعلها‬ ‫الحد الفا�صل بين ال�شعر وغيره‪ ,‬بل ا�شترط وجود‬ ‫(الروح) ت�سري بين هذه الأدوات‪ ,‬و�إن لم يو�ضح‬ ‫مراده من هذه الروح(‪.)7‬‬

‫كما دعا العواد �إلى هذا المفهوم في مقدمة‬ ‫دي��وان��ه المخطوط (روح ال�شعر العربي) حين‬ ‫ع �رَّف ال�شعر ب ��أن��ه‪« :‬روح منطبعة ف��ي الأنف�س‬ ‫الحية‪ ,‬كامنة فيها كمون النار في ال��زن��اد‪ ,‬بل‬ ‫معنى �سل�سال تظهره العواطف في �أ�شكال متباينة‪,‬‬ ‫وقوالب متغايرة؛ كالألفاظ والنغمات‪ ,‬والأن��وار‬ ‫والظلمات‪ ,‬و�سكون الطبيعة الهادئ‪ ,‬وحنين الإبل‬ ‫�إل��ى معاطنها‪ ,‬وت ��أوه��ات العا�شقين‪ ,‬وتنف�سات‬ ‫المحزونين‪.)11(»...‬‬

‫لبيان ر�ؤيته تجاه ال�شعر‪ ,‬وه��ي ر�ؤي��ة ال تنف�صل‬ ‫عن نظرات الرومان�سيين لل�شعر‪ ,‬وقبل �أن يقدّم‬ ‫ر�ؤيته حول مفهوم ال�شعر‪� ..‬سجل اعترافًا ب�أنه‬ ‫اجتهد في تعريف ال�شعر وعجز عن ذلك‪ ,‬ومن ثم‬ ‫قرر �أن ال�شعر ال يمكن �أن يلم به‪� ,‬أو يفك طل�سمه‬ ‫تعريف(‪ ,)15‬وعلى هذا الأ�سا�س عبر القر�شي عن‬ ‫نظرته لل�شعر من ناحية �شعورية ال من ناحية‬ ‫�شكلية(‪ ،)16‬فطغت الأنا ال�شاعرة ب�شكل كبير على‬ ‫الوعي النقدي لديه‪ ,‬ويغلب على الظن �أن مفهوم‬ ‫القر�شي لل�شعر لي�س �سوى م�سوغ لتجربته ال�شعرية‬ ‫التي جاءت من�سجمة مع ر�ؤيته الرومان�سية‪ ,‬بدليل‬ ‫تقديمه لر�ؤيته بلغة �شعرية تغلب عليها االنفعاالت‬ ‫الوجدانية‪ ,‬مع مجيء �شعره ب�صبغة تغلب عليها‬ ‫النزعة الرومان�سية‪ .‬كما �أن اهتمامه بالناحية‬ ‫ال���ش�ع��وري��ة ف��ي ت�ع��ري��ف ال���ش�ع��ر‪ ,‬وع ��دم التقيد‬ ‫باال�شتراطات ال�شكلية‪� ,‬ساعده على التحرر –‬ ‫نقدًا و�إبداعً ا – من تقييد نظرته لل�شكل ال�شعري‬ ‫بال�شعر التقليدي؛ وهذا ما دعم موقفه في قبول‬ ‫ال�شعر التفعيلي على م�ستوى التنظير النقدي‬ ‫والممار�سة الإبداعية‪.‬‬

‫وم��ع �إق���راره ب�صعوبة تحديد ال�شعر ب�شكل‬ ‫عام‪� ،‬إال �أن حديثه عن تجربته ال�شعرية �شعرًا‪،‬‬ ‫ي�شي بمفهومه الخا�ص لل�شعر من خالل تجربته‬ ‫ال�شعرية‪ ,‬فقال مخاطبًا ال�شعر‪:‬‬

‫وق����������������������������ر�أْتُ ������������س�����������رَّكَ ف����������ي ع����ي����و‬ ‫نٍ ‪� ,‬أَ ْل���������هَ��������� َب��������� ْت���������هُ���������نَّ ال����������قُ����������رو ُح‬ ‫و�������س������م������عْ������تُ �������س������ح������رًا ق�������������ا َم ُي����� ْن�����ـ‬ ‫� ِ�����ش����� ُد ُه – ول������� ْم َي��������� ْد ِر – ال���جَ ���ري��� ُح‬ ‫���������������ض م���������ش����اع���� ٍر‬ ‫ق����������� ْد ك�������ن�������تَ فَ������� ْي َ‬ ‫(‪)21‬‬ ‫ل��������ل��������رو ِح َت�������بْ������� ُذ ُل�������هُ�������نَّ رُو ُح‬ ‫و�صدّر ديوانه (حروف من لغة ال�شم�س) بعتبة‬ ‫ن�صية في بيت مفرد قال فيه‪:‬‬

‫�أرا َد ِن���ط���ا� ِ���س���يٌّ ل����ي�����أخُ ���� َذ مِ ������نْ دَمِ �����ي‬ ‫فلمَّا �أَمَ�� َّر المِ �شْ ر ََط انبث َق ال�شع ُر‬

‫(‪)22‬‬

‫فك�أنه بهذا الت�صدير يقدم ر�ؤي��ة لما �سيكون‬ ‫عليه �شعره في ديوانه‪ ,‬ثم جاءت المقطوعة الأولى‬ ‫ويعلل �صالح الزهراني العجز عن التو�صل �إلى بمثابة الحا�شية والإي�ضاح لهذا الت�صدير حيث‬ ‫تعريف محدد لل�شعر‪ ،‬بارتباط جماليته بالغمو�ض‪ ،‬قال فيها‪:‬‬ ‫(‪)17‬‬ ‫وا�ستع�صائها على التحديد ‪ ,‬وعرّفه ب�أنه ر�ؤيا � ِ��������ش��������عْ��������رِيْ � َ������ص������هِ������ي������ ُل ال������ َب������قَ������ا َي������ا‬ ‫جديدة للعالم‪ ,‬وه��ذه ال��ر�ؤي��ا نابعة من ال�شعور‬ ‫مِ �������������نْ مُ������������هْ������������ َر ٍة ف��������ي ال������حَ ������ َن������ا َي������ا‬ ‫الخا�ص بكل م��ا ح��ول ال���ش��اع��ر(‪ .)18‬وتتفق ر�ؤي��ة‬ ‫�������������روف‬ ‫ٍ‬ ‫عبداهلل الر�شيد مع ما ذهب �إليه الزهراني‪ ,‬فيعزو مَ�������������ا ك����������������ا َن مَ��������ح��������� َ��������ض ح‬ ‫(‪)23‬‬ ‫ب��������لْ م������ن ُف���������������������ؤَاديْ � َ������ش������ظَ ������اي������ا‬ ‫جمال ال�شعر �إل��ى جهلنا بكنهه(‪ ,)19‬وكثّف هذا‬ ‫فوا�ضح �أن��ه من �أ�صحاب االتجاه الوجداني‪,‬‬ ‫المعنى في بيت مفرد بعنوان (ال�شعر) يقول فيه‪:‬‬ ‫وقد �أكد ذلك بقوله‪:‬‬ ‫َ���ض��رْبٌ م��نَ ال�سح ِر ال ُت���� ْدرَى َم���آ ِت��ي�� ِه‬ ‫(‪)20‬‬

‫م��نْ را َم َي�� ْن�� َع��تُ ل�� ْم َي��ظْ �� َف�� ْر بتَ�شْ بِي ِه‬

‫�إنْ ل���������� ْم ي����������كُ ال�����������ش�����ع����� ُر ن���ب���� ً���ض���ا‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪55‬‬


‫�أ ْو ل����������� ْم ي�����������كُ ال�������������ش������ع������ ُر ط����ي����فً����ا‬ ‫ف��������������و َق ال��������م��������دى ال��������مُ��������رْجَ ��������حِ ��������نِّ وم��ا ال�شع ُر �إال م��ا ِب��� ِه ال�����شَّ �� ْع��بُ هاتفٌ‬ ‫و�إال ق���ل���وبٌ � َ���ش���فَّ ع�� ْن��ه��ا َ���ض��مِ�� ْي�� ُره��ا‬ ‫�أ ْو ل����������� ْم ي�����������كُ ال�������������ش������ع������ ُر حُ ������مَّ������ى‬ ‫�ض البرقِ في الدُّ جى‬ ‫ك��������������ال�������������� َّن��������������ا ِر ت�����������������أك���������������� ُل م������� ِّن�������ي وما ال�شع ُر �إال وامِ ُ‬ ‫و�إال (ال��ق��واف��يْ ) مُ��حْ �� َك��مَ��اتٌ �شُ طُ ورُها‬ ‫فَ�����������ا ْن����������� َع�����������وْا حُ ��������������رُوفِ�������������� َي �إِ ِّن�����������������يْ‬ ‫ب�����ال�����������ص�����م�����تِ كَ�������فَّ������� ْن�������تُ فَ���������� ِّن����������ي(‪ )24‬وما ال�شع ُر �إال ما ا ْب َتنَى المج َد واعْ تَلى‬ ‫(‪)28‬‬ ‫ِب���� ِه ال�����شَّ ��عْ��بُ �آف���اقً���ا َي���عِ��� ُّز عُ��� ُب���و ُره���ا‬ ‫ويلحظ هنا حر�ص ال�شاعر على ر�صد ر�ؤاه‬ ‫تجاه �شعره �شعرًا‪ ,‬فما يجب ت�أكيده هو �أن حديثه‬ ‫عن مفهوم ال�شعر كان متدثرًا بحديثه عن تجربته‬ ‫الخا�صة مع ال�شعر‪.‬‬

‫ونظر الخطراوي �إلى مفهوم ال�شعر من خالل‬ ‫م��دى ق��درت��ه على �إث ��ارة الم�شاعر؛ وب�ن��اء على‬ ‫ذل��ك رف�ض تعريف ال�شعر ب��أن��ه‪« :‬ك�لام م��وزون‬ ‫م �ق �ف��ى»(‪)25‬؛ لأن��ه تعريف ج��ام��ع غير م��ان��ع من‬ ‫دخول غيره فيه‪ ,‬كالمنظومات العلمية مع �أنها ال‬ ‫تخاطب الوجدان(‪ .)26‬وا�ستدل ب�أثر تلقي العرب‬ ‫للقر�آن الكريم لإثبات �صحة ر�أيه(‪ ,)27‬فالخطراوي‬ ‫يرى �أن قدرة القر�آن الكريم على �إثارة الم�شاعر‬ ‫والعواطف لدى المتلقي هي التي جعلت الكفار‬ ‫ين�سبونه لل�شعر‪ ,‬وفي ذلك داللة على �أن ال�شعر‬ ‫الحقيقي هو ال��ذي يمتلك ال�ق��درة على تحريك‬ ‫وجدان المتلقي‪ ,‬وهذه القوة ال تت�أتى �إال بمقدار ما‬ ‫في ال�شعر من عاطفة‪.‬‬ ‫ثالثًا‪ :‬االتجاه النفعي‪:‬‬ ‫ويمثله ال�شعراء الذين ربطوا مفهوم ال�شعر‬ ‫‪56‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫فال�شعر عنده هو ما ك��ان له دور حقيقي في‬ ‫علو �ش�أن وطنه و�شعبه‪ ,‬ووا�ضح تم�سك الغزاوي‬ ‫باال�شتراطات الخارجية في تعريف ال�شعر‪ ,‬فقد‬ ‫ن�ص على �إح�ك��ام ال��وزن والقافية‪ ,‬كما �أن��ه لم‬ ‫يهمل العاطفة والأث��ر النف�سي في تكوين ال�شعر‪.‬‬ ‫ويغلب على الظن �أن ر�ؤيته هذه تف�سر غلبة �شعر‬ ‫المنا�سبات على نتاجه ال�شعري‪.‬‬ ‫ويتجلى االهتمام باالتجاه النفعي ب�شكل وا�ضح‬ ‫عند �سعد البوا��دي‪ ,‬فقد حاول تعريف ال�شعر في‬ ‫ن�ص �إن�شائي ج��اء فيه‪ :‬ال�شعر «ت�صوير وتعبير‪,‬‬ ‫ت�صوير ل�ه��ذه ال�ح�ي��اة ال�ت��ي تمر ح��وال�ي��ك مغنية‬ ‫�ضاحكة الهية‪� ,‬أو مقطبة واجمة باكية‪ ..‬ولم يكن‬ ‫ال�شعر يا بنيتي وق��د ا�ست�ساغته الأذه ��ان �إال �أنه‬ ‫التج�سيد ل�ل��واق��ع‪ .)29(»...‬كما عبر عن ر�ؤيته هذه‬ ‫�شعرًا في ق�صيدة بعنوان (ال�شعر)‪ ,‬ومما جاء فيها‪:‬‬

‫مَ�������ا ال���������ش����ع���� ُر �أنْ ت���������ص����فَ ال����ه����وى‬ ‫�أ ْو �أنْ ُت�������������� َغ�������������� ِّر َد ل������ل������قُ������ َب������لْ !‬ ‫ال�������������ش������ع������ ُر �أنْ ت������ب������ن������يْ ال����ح����ي����ا‬

‫ال�����������������ش��������ع�������� ُر �إي����������������ق����������������ا ُع ال������ح������ي������ا‬ ‫ِة و�������ص������وتُ ع���� َّزتِ����ه����ا ا أَلجَ �������������������� ّْل!‬

‫(‪)30‬‬

‫وب�سبب هذه الر�ؤية تجاه ال�شعر جاء البواردي‬ ‫على ر�أ�س جماعة االتجاه االجتماعي في المملكة‬ ‫العربية ال�سعودية‪ ,‬وهي جماعة تهتم بالم�ضمون‬ ‫االجتماعي‪ ,‬وتن�صهر في ق�ضايا الأمة‪.‬‬ ‫ويت�ساءل الع�شماوي عن مفهوم ال�شعر‪ ,‬ويجيب‬ ‫عن ذلك �شعرًا بقوله‪:‬‬

‫مَ����ا ه���� َو ال�����ش��ع��رُ؟ �إ َّن������ ُه � َ���ص���رْخَ ��� ُة ال��ح��ـ‬ ‫ِّق ت�����ه����� ُّز ال������ق������ل������وبَ والأج���������������س�������ادَا‬ ‫وت����ق����و ُد ال�����زم�����ا َن ف����ي م����رك����بِ ال��خ��ي��ـ‬ ‫��و���س ال��� َّر����شَ ���ادا‬ ‫ِر و ُت����هْ����دِ ي �إل�����ى ال��ن��ف ِ‬ ‫ذاك������� ُم ال�������ش���ع��� ُر ���ص��ي��ح�� ٌة ت����م��ل��أُ ال��ح��ـ‬ ‫(‪)31‬‬ ‫َّر ا ِّت������زا ًن������ا‪ ,‬و َت���فْ���� َ���ض��� ُح الأوغ������������ادا‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫ع��������ل��������ي�������� ِه �أَحْ �������������� ُ�������������ض�������������نُ ُر ْدن������������������ي بغاياته االجتماعية‪ ,‬والنف�سية‪ ,‬والمعرفية‪ ,‬ومن‬ ‫�أوائل الذين ربطوا مفهوم ال�شعر بدوره في الحياة‬ ‫�أ ْو ل���������� ْم ي����������كُ ال�����������ش�����ع����� ُر جَ �������مْ�������رًا‬ ‫ُي�������� ْ�������ص������� ِل�������ي ������ش�����ت�����ائ�����ي و ُي������ ْ�����ض�����ن�����ي ال�شاعر �أحمد ال�غ��زاوي حين عبر عن ر�أي��ه في‬ ‫مفهوم ال�شعر في �أبيات يقول فيها‪:‬‬

‫َة و�أنْ َت�������������� ُر َّد � َ�������ص�������دَى الأَمَ��������������لْ‬

‫كما نجد �أن العواد قد �أهمل اال�شتراطات ال�شعرية‬ ‫الأخ��رى كالألفاظ‪ ,‬والأوزان‪ ,‬والقوافي‪ ,‬وذهب‬ ‫�إل��ى الغ�ض م��ن � �ش ��أن �ه��ا(‪ ,)33‬وث��ار على تعريف‬ ‫القدماء لل�شعر حين �أنحى بالالئمة على ال�شعراء‬ ‫الذين «ح�صروا معنى ال�شعر في ق�شور بعيدة‬ ‫عن الجوهر حين �صدَّقوا الخرافة القائلة‪� :‬إن‬ ‫ال�شعر كالم مقفى موزون»(‪ .)10‬ووجَّ ه ر�سالة (�إلى‬ ‫المت�شاعرين) في ق�صيدة تحمل هذا العنوان‪,‬‬ ‫يقول فيها‪:‬‬

‫�أيُّ���ه���ا ال�����سَّ ��ا ِب��ح��و َن ف���ي ���ش��اط��ئِ ال�� َّن ْ��ظ‬ ‫ِم ت�������ري�������دو َن ف�����ي ال������ظ���ل��ا ِم ����ض���ي���ا َء‬ ‫ت���ب���ع���ث���و َن ال������� َي�������رَا َع خ����ل����فَ ال���ق���واف���يْ‬ ‫� ِ�����ض����� َّل����� ًة ك�������يْ ت����م����اث���� ُل����وا ال���������ش����ع����را َء‬ ‫�إ َّن������م������ا ال�������ش���ع��� ُر �أيُّ������ه������ا ال������ق������و ُم رو ٌح‬ ‫ح������ي������ ٌة ت��������م����ل����أُ ال�������������ش������ع������و َر َب������ه������ا َء‬

‫وج������ل�����الٌ م��������نَ ال����ح����ق����ي����ق���� ِة ي����ب����د ْو‬ ‫فجاءت ر�ؤيته تجاه مفهوم ال�شعر من�سجمة مع‬ ‫لأول�������������ي ال���������������ذوقِ ح�����ك�����م����� ًة غَ�������������رَّا َء‬

‫ممار�سته ال�شعرية‪ ,‬حيث ربط بين تعريف ال�شعر‬ ‫ور�سالته في الحياة‪ ,‬وهو المبد�أ الذي التزم به ذاك�������� ُم ال�������ش���ع��� ُر ال ����س���ط���و ٌر ت�������س���اوَتْ‬ ‫(‪)34‬‬ ‫������������������واف م�����ن�����م�����ق�����اتٌ وِال َء‬ ‫ٍ‬ ‫وق‬ ‫الع�شماوي في �أعماله ال�شعرية‪.‬‬ ‫ويبدو �أن اهتمام ال�شاعر هنا بفكرة التجديد‬ ‫وفي مو�ضع �آخر اهتم العواد في بيانه لمفهوم‬ ‫ال�شعر ب�أثره على المتلقي‪ ,‬فجعل «مقيا�س ال�شعر جعله يحاول هدم المفهوم التقليدي لل�شعر‪ ،‬عن‬ ‫ال�صحيح وال�شعر ال�ح��ي ه��و �أن يغمر النف�س طريق �إ�سقاط قيمة �أب��رز عنا�صره المتمثلة في‬ ‫ب��الإع �ج��اب‪ ...‬وه��و ذل��ك ال��ذي يَ�سْ تَ�شِ فُّ الفك ُر الوزن والقافية‪ .‬وين�سجم ذلك مع دعوته المتكررة‬ ‫من وراء نغماته ومو�سيقاه �أجمل معابر النف�س �إل��ى كتابة (ق�صيدة النثر)‪ ,‬ودف��اع��ه عنها‪ ,‬بل‬ ‫�إنه كتبها وروج النت�شارها(‪ ,)35‬ويغلب على الظن‬ ‫الإن�سانية �إلى �آفاق الكمال الب�شري»(‪.)32‬‬ ‫ور�ؤية العواد هنا تقترب من الر�ؤية الوظيفية �أن العواد �أراد في تعريفه لل�شعر �أن يجعله قاب ًال‬ ‫لل�شعر‪ ,‬وه��ذا ما ين�سجم مع ممار�سته ال�شعرية لدخول جميع الأ�شكال ال�شعرية فيه‪.‬‬ ‫المت�سمة ب�إعالء �ش�أن الفكرة في العمل ال�شعري‪.‬‬

‫وبالغ علي زين العابدين في االهتمام بالوظيفة‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪57‬‬


‫��و���س ومَ���� ْر َت���� ٌع‬ ‫ال�����ش��ع�� ُر مُ��� ْن��� َت���جَ ��� ُع ال��ن��ف ِ‬ ‫ت���غ�������ش���ا ُه َت��� ْن���� ُ���ش��� ُد ف����ي ُر َب����������ا ُه � َ���ص���فَ���ا َء‬

‫ومما ي��دل على ابتعاد ال�شعراء ال�سعوديين‬ ‫عن التعريف الجامع المانع لل�شعر‪ ..‬اعترافهم‬ ‫با�ستع�صاء ال�شعر على التحديد‪ ,‬ومن هنا‪ ،‬جاء‬ ‫اهتمامهم بعن�صر دون �آخ��ر‪ ,‬واهتمام ال�شعراء‬ ‫بعن�صر دون �آخ��ر في تعريفهم ال يعني �إ�سقاط‬ ‫العنا�صر غير المذكورة في ال�شعر‪ ,‬و�إنما هو �إعالء‬ ‫من �ش�أن العن�صر المذكور‪ ,‬كما �أن بع�ض العنا�صر‬ ‫التي �أغفلها ال�شعراء قد تدرك من �سياق تجاربهم‬ ‫ال�شعرية‪ .‬ف ��إذا ما �أغفل �أح��د ال�شعراء عن�صر‬ ‫ال��وزن في تعريفه‪ ,‬وه��و متقيد به في ممار�سته‬ ‫ال�شعرية‪ ,‬فهذا يدل على اهتمامه به‪ ,‬و�أنه ال يعتد‬ ‫بال�شعر ما لم يكن موزونًا‪ ,‬و�إنما اعتنى بغيره في‬ ‫تخ�صي�صا له‪ ,‬و�إبرازًا ل�ش�أنه‪.‬‬ ‫ً‬ ‫تعريفه‬

‫ل����������وال ُه مَ�������ا َر�أَتِ ال�����ح�����ي�����ا ُة ه����� َن�����ا َء‬

‫ال�������ش���ع��� ُر رِيُّ ال���ظ���ام���ئ���ي���نَ َو َب��� ْل���� َ���س��� ٌم‬ ‫ل����ل����مُ����وجَ ����ع����ي����نَ ف����ك���� ْم ����ش���ف���ى �أدوا َء‬

‫�����س ال��ح��زي��ن�� ِة ُب���� ْر َءه����ا‬ ‫م����نْ را َم ل��ل��ن��ف ِ‬ ‫ف��ل��ي��ق���ِ��ص��دِ الأ����ش���ع���ا َر وال���� ُّ���ش���ع���راءَ!!‬

‫(‪)36‬‬

‫‪58‬‬

‫‪ -2‬يغلب على الظن �أن بع�ض ال�شعراء لم ي�ش�أْ‬ ‫و�ضع تعريف لل�شعر يميزه عن النثر‪ ،‬بو�صفه فنًّا‬ ‫�أدبيًّا ب�شكل عام‪ ,‬بل حاولوا تعريف ال�شعر الذي‬ ‫يعجبون به؛ لذلك نجدهم ي�صدِّ رون تعريفاتهم‬ ‫بقولهم‪( :‬وال�شعر الجميل)‪( ,‬وال�شعر الحي)‪,‬‬ ‫(وال���ش�ع��ر الحقيقي)‪( ,‬وال���ش�ع��ر ال�صحيح)‪,‬‬ ‫(وال�شعر الذي �أراه)‪( ,‬وال�شعر الخالد)‪ ,‬وغيرها‬ ‫من العبارات التي ت�شعر القارئ �أن كاتبها يميز‬ ‫بين نوعين من ال�شعر‪� ,‬شعر مُعتبَر وهو ما يقوم‬ ‫بتعريفه‪ ,‬و�شعر ال يُعتد به‪ ،‬وهو ما يخالف ما جاء‬ ‫في تعريفه‪.‬‬

‫فالملحوظ �أن ال�شاعر قد بالغ في بيان ر�سالة‬ ‫ال�شعر النف�سية؛ فهو م�صدر ال�سعادة والهناء‪,‬‬ ‫وه��و البل�سم وال��دواء‪ .‬بل تحول ال�شعراء �أطبا ًء‬ ‫يق�صدهم النا�س‪� ،‬إذا انتابهم الحزن والقلق!!‬ ‫‪ -3‬يلحظ على ال�شعراء �أنهم لم يتعمدوا مجيء‬ ‫ومع ذلك لم ين�س ال�شاعر ت�صوير ر�سالة ال�شعر‬ ‫تعريفاتهم جامعة مانعة‪ ,‬ووقعوا بذلك في الم�أخذ‬ ‫المعرفية‪ ,‬فقال‪:‬‬ ‫الذي رف�ضوا التعريف القديم من �أجله‪ .‬وهذا ما‬ ‫ال���������ش����ع���� ُر ف���ل�������س���ف��� ٌة وح����ك����م���� ُة ع����الِ����مٍ‬ ‫وقع فيه بع�ض ال�شعراء حين �أ�سقط الوزن‪ ,‬فجاء‬ ‫ُت���� ْذكِ����يْ ال���ع���ق���و َل و َت���خْ ��� ُل���قُ ال��ح��ك��م��ا َء تعريفه جامعًا غير مانع من حيث دخ��ول النثر‬ ‫الفني فيه‪ .‬وهنا‪ ،‬تح�سن الإ�شارة �إلى �أن رف�ض‬ ‫ال�������ش���ع��� ُر ج����ام����ع���� ٌة َت����� ُ����ض���� ُّم ف���روعُ���ه���ا‬ ‫�أل������ع������ل������ َم والأخ���������ل���������ا َق والإن���������م���������ا َء ال�شعراء تعريف قدامة بن جعفر ب�سبب �شموله‬ ‫لل�شعر الفني والمنظومات العلمية لي�س في محله؛‬ ‫ال�����ش��ع�� ُر ت����اري���� ُخ ال�����ش��ع��وبِ و� ِ���س���فْ��� ُرهَ���ا‬ ‫(‪ )37‬لأن و�ضع هذا التعريف في �سياقه التاريخي‪ ,‬يدل‬ ‫َّ�������س الأم�������ج�����ا َد والأخ�������ط�������ا َء‬ ‫َي��� َت���لَ���م ُ‬ ‫على �أن المنظومات العلمية لم تكن قد �شاعت في‬ ‫وبعد ه��ذا العر�ض ال�سريع لعينات من �آراء زمانه حتى يحتاج �إلى قيد يخرجها‪ .‬ومن المهم‬ ‫أي�ضا التنبيه على �أن الراف�ضين لتعريف قدامة قد‬ ‫بع�ض ال�شعراء ال�سعوديين حول تعريف ال�شعر‪ً � ,‬‬ ‫ف�إنه في الإمكان تلخي�ص �أبرز الملحوظات حول وقعوا في الخلط بين حد ال�شعر ال�شكلي‪ ,‬و�سماته‬ ‫التي تحدد م�ستواه من حيث الجودة وال��رداءة‪.‬‬ ‫مفهومهم لل�شعر في المحاور الآتية‪:‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫وهنا‪ ،‬يتبادر �إل��ى الذهن �س�ؤال يقول‪ :‬لماذا‬ ‫يختار ال�شاعر عن�صرًا دون �سواه من مكونات‬ ‫ال�شعر في تعريفه؟ ولعل ال�سبب يعود �إل��ى ت�أثر‬ ‫ال�شاعر في تنظيره النقدي بممار�سته ال�شعرية‪,‬‬ ‫فتتغلب الممار�سة ال�شعرية المتغلغلة في ن�سيج‬ ‫ال�شاعر الإبداعي على وعيه النقدي‪ ,‬فال�شاعر‬ ‫الكال�سيكي مثل‪ :‬محمد ال�سنو�سي �سيعلي من‬ ‫�ش�أن العنا�صر ال�شكلية‪ ,‬وال�شاعر الوجداني مثل‪:‬‬ ‫�إبراهيم فاللي‪ ,‬وح�سن القر�شي‪� ,‬سيرى �أن ال�شعر‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫النف�سية لل�شعر حين قال‪:‬‬ ‫‪ -1‬غلبة االتجاه الوجداني‪ .‬والعلة في ذلك‬ ‫تعود �إلى اتفاق التعريف الوجداني مع ما يتميز‬ ‫ال�������ش���ع��� ُر ت��ع��ب��ي�� ُر ال���ق���ل���وبِ ورَجْ ���عُ���ه���ا‬ ‫ُي���حْ ��� ِي���ي ال�����مَ�����واتَ و ُي���� ْ���س���عِ��� ُد الأح����ي����ا َء به ال�شعراء من ر�ؤي��ة ذاتية نحو الأ�شياء؛ بدليل‬ ‫مجيء بع�ض تعريفاتهم لل�شعر بلغة �شعرية مليئة‬ ‫ال�������ش���ع��� ُر ف����ي ه�����ذي ال���ح���ي���ا ِة رب��ي�� ُع��ه��ا‬ ‫بالت�شبيهات‪.‬‬

‫لذا‪� ،‬أميل �إلى �أن ال�شعراء ال�سعوديين قد وقعوا‬ ‫في هذا الخلط؛ لأن قدامة تعمد مجيء تعريفه‬ ‫جامعًا‪ ,‬ومانعًا للنثر الفني وغيره؛ لأنه �أراد في‬ ‫البداية تحديد العنا�صر المادية وال�شكلية فقط‪,‬‬ ‫لينتقل نقاد الأدب في مرحلة الحقة �إلى التمييز‬ ‫بين ال�شعر الحقيقي الجميل‪ ,‬والنظم القائم‬ ‫على الوزن وما يدخل في حكمه من المنظومات‬ ‫العلمية‪ ,‬وغيرها‪.‬‬

‫في�ض الم�شاعر‪� .‬أما ال�شاعر الواقعي مثل‪� :‬سعد‬ ‫البواردي‪ ,‬ف�سيربط ال�شعر بوظيفته في الحياة‪.‬‬ ‫وقد تكون الثقافة الأدبية ال�سائدة في مرحلة �إن�شاء‬ ‫التعريف هي الدافع وراء االهتمام بعن�صر ما دون‬ ‫�آخر‪ ,‬ولعل ذلك ات�ضح من مناق�شة تعريف حمزة‬ ‫�شحاتة الذي اهتم بعن�صر اللغة على الرغم من‬ ‫اتجاه �شحاتة الوجداني في ممار�سته ال�شعرية‪.‬‬ ‫‪ -4‬اق �ت��راب ت�ع��ري�ف��ات بع�ض ال���ش�ع��راء من‬ ‫التو�صيف �أك �ث��ر م��ن التعريف وال�ت�ح��دي��د؛ لذا‬ ‫تعدد تعريف ال�شعر بتعدد ال�شعراء‪ ،‬فكل �شاعر‬ ‫ي�ح��اول تحديده ان�ط�لا ًق��ا م��ن �شعوره الخا�ص‪,‬‬ ‫فهم �إلى الو�صف �أق��رب منهم �إلى التحديد‪� ،‬أي‬ ‫�إن تعريفاتهم �أق��رب �إلى االنطباع ال�شعوري من‬ ‫التعريف الدقيق القائم على التحديد والم�صطلح‬ ‫العلمي‪ ,‬و�ساعد على ذل��ك تعبير ال�شعراء بلغة‬ ‫�شعرية غارقة في الذاتية واالنطباعية‪.‬‬ ‫ويبدو �أن ابتعاد تعريفات ال�شعر عن التحديد‬ ‫يعود �إلى طبيعته الجمالية القائمة على الذاتية‬ ‫والن�سبية‪ ,‬ف�سمات ال�شعر الجمالية ت�ستنبط من‬ ‫ت�ج��ارب �شعرية مختلفة؛ ل��ذا ج��اء تلقي القراء‬ ‫لتقنياته الفنية – فهمًا وت��ذو ًق��ا ‪ -‬مختلفًا من‬ ‫قارئ �إلى �آخر‪ .‬على �أن القول باختالف التجارب‬ ‫ال�شعرية‪ ,‬وغلبة الذاتية على ال�شعر‪ ,‬وم��ن ثم‬ ‫�صعوبة وجود مقايي�س وقواعد ثابتة تحدد ال�شعر‪,‬‬ ‫ال يعني انتفاء وج��ود ح��د �أدن ��ى م��ن المقايي�س‬ ‫والقواعد التي يمكن تعريف ال�شعر بها‪ ,‬وبخا�صة‬ ‫ال�سمات المادية ال�شكلية الملمو�سة‪ ،‬كالوزن مثالً‪,‬‬ ‫مع �إ�ضافة بع�ض ال�ضوابط اح�ت��رازًا من دخول‬ ‫المنظومات العلمية‪ .‬كما �أن االتفاق على حد �أدنى‬ ‫من ال�سمات ال�شكلية ال يعني الو�صول �إلى الك�شف‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪59‬‬


‫‪ -5‬اختالف تعريف ال�شاعر الواحد �أحيانًا‪,‬‬ ‫ويعود ذل��ك �إل��ى اختالف �سياق ورود التعريف‪,‬‬ ‫ف��رب�م��ا ي�ك��ون ت�ع��ري��ف ال���ش��اع��ر خ��ا��ض� ًع��ا لت�أثير‬ ‫الظروف الأدبية التي �أن�ش�أ فيها تعريفه‪ ,‬ويت�ضح‬ ‫ذلك بالعودة �إلى ما �سبق ذكره عن تعريف حمزة‬ ‫�شحاتة‪.‬‬

‫‪ -6‬من الظواهر الالفتة لالنتباه �أن كثيرًا‬ ‫من تعريفات ال�شعراء جاءت في ن�صو�ص �شعرية‬ ‫ع�م��ودي��ة‪ ,‬وم�ق��دم��ات ال��دواوي��ن ال�شعرية‪ ,‬فقد‬ ‫�أ�صبحت الق�صيدة تت�أمل ذات �ه��ا‪ ,‬وتلتف على‬ ‫نف�سها‪ ,‬وب��د�أ المبدع في تدبر ماهية �إب��داع��ه؛‬ ‫فارتد ال�شعر على ال�شعر في نرج�سية من�سجمة‬ ‫مع خ�صو�صية ال�شعر‪ ,‬وذاتية المبدع التي تخفف‬ ‫من �أعباء االن�شغال بالعالم الخارجي وق�ضاياه‪.‬‬ ‫و�شيوع ا�ستعمال الن�صو�ص العمودية يعود �إلى‬ ‫ما تتمتع به من و�ضوح منا�سب للتعبير عن ر�ؤية‬ ‫ما‪� .‬أما ا�ستغالل مقدمات الدواوين ال�شعرية في‬ ‫الحديث عن مفهوم ال�شعر‪ ,‬ففيه داللة على �أهمية‬ ‫المقدمة‪ ,‬وما تقدمه من وظائف في �سياق قراءة‬ ‫التجربة ال�شعرية لل�شاعر؛ وهذا يعني �أن جزءًا‬ ‫من حر�ص ال�شعراء على التقديم لدواوينهم يعود‬ ‫�إلى رغبتهم في بيان مفهومهم لل�شعر‪ ,‬ور�ؤيتهم‬ ‫الفنية التي �سلكوها في �أعمالهم ال�شعرية؛ لذا‪،‬‬ ‫اكت�سبت هذه المقدمات �صفة التعليل والإي�ضاح‪.‬‬

‫وربما يعود ال�سبب �إلى تغير تجربة ال�شاعر‪,‬‬ ‫فال�شاعر يو�سف العارف ق�صر ال�شعر في مقدمة‬ ‫دي��وان��ه (وم ��ن المحبة تنبت الأ� �ش �ج��ار) على‬ ‫العاطفة‪ ,‬وال�شعور ال�صادق(‪)38‬؛ لأنه جاء في �سياق‬ ‫التقديم ل��دي��وان كتبت ن�صو�صه ف��ي منا�سبات‬ ‫مختلفة‪ ,‬ف�ك��أن��ه ب�ه��ذا التعريف ي �ح��اول �إق�ن��اع‬ ‫المتلقي ب�صدق عاطفته‪ ,‬و�أن ق�صائده لي�ست من‬ ‫نظم المنا�سبات‪ ,‬بل هي وقفات �شعورية �صادقة‬ ‫حتى و�إن قيلت في �إحدى المنا�سبات؛ لأن ال�شعر‬ ‫– من وجهة نظره هنا ‪ -‬لي�س �سوى دفقة �شعورية‬ ‫�صادقة في منا�سبة ما‪ .‬غير �أنه جاء في مو�ضع‬ ‫(‪) 1‬‬ ‫(‪ )2‬‬ ‫(‪) 3‬‬ ‫(‪ )4‬‬ ‫(‪ )5‬‬ ‫(‪ )6‬‬

‫‪60‬‬

‫الأعمال ال�شعرية الكاملة لمحمد ال�سنو�سي (الينابيع)‪ ,665 :‬النادي الأدبي‪ -‬جازان‪ ,‬ط‪1423 ,2‬هـ‪2002/‬م‬ ‫المجموعة ال�شعرية الكاملة لغازي الق�صيبي (�أ�شعار من جزائر الل�ؤل�ؤ)‪ ,52-51 :‬مطبوعات تهامة– جدة‪ ,‬ط‪,2‬‬ ‫‪1408‬هـ‪1987/‬م‪ .‬ومع ناجي ومعها لغازي الق�صيبي‪ ,7 :‬الم�ؤ�س�سة العربية– بيروت‪ ,‬ط‪1999 ,1‬م‪.‬‬ ‫يق�صد تعريف قدامة بن جعفر‪.‬‬ ‫الغزو الثقافي ومقاالت �أخرى لغازي الق�صيبي‪ ,29-28 :‬الم�ؤ�س�سة العربية– بيروت‪ ,‬ط‪2006 ,2‬م‪.‬‬ ‫المجموعة ال�شعرية الكاملة لغازي الق�صيبي (معركة بال راية)‪.336 :‬‬ ‫�شعراء الحجاز في الع�صر الحديث لعبد ال�سالم ال�سا�سي‪ ,6 :‬تقديم حمزة �شحاتة‪ ,‬راجعه و�صححه علي العبادي‪:‬‬ ‫النادي الأدبي – الطائف‪ ,‬ط‪1402 ,2‬هـ‪ .‬وتجدر الإ�شارة �إلى �أن بع�ض النقاد قد �ألمح �إلى الت�شكيك في ن�سبة مقدمة‬ ‫هذا الكتاب لحمزة �شحاتة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫(‪� )7‬إلى العرين �شامخً ا (�شعر) ل�سعد الغامدي‪ ,7-6 :‬مكتبة العبيكان– الريا�ض‪ ,‬ط‪1423 ,2‬هـ‪2003/‬م‪.‬‬ ‫(‪� )8‬صدى الألحان (�شعر) لإبراهيم ها�شم فاللي‪ /2 :‬المقدمة‪ ,‬د‪.‬ن‪ ،‬د‪.‬ط‪ ,‬د‪.‬ت‪.‬‬ ‫(‪� )9‬ألحاني (�شعر) لإبراهيم ها�شم فاللي‪ ,10 :‬دار المعارف – القاهرة‪ ,‬د‪.‬ط‪1369 ,‬هـ‪.‬‬ ‫(‪ )10‬الم�صدر ال�سابق‪.161 :‬‬ ‫(‪ )11‬نق ًال عن‪ :‬النثر الأدبي في المملكة العربية ال�سعودية للدكتور محمد ال�شامخ‪ ,88-87 :‬دار العلوم – الريا�ض‪ ,‬ط‪,3‬‬ ‫‪1408‬هـ‪1988/‬م‪.‬‬ ‫(‪ )12‬الم�صدر ال�سابق‪.88 :‬‬ ‫(‪� )13‬أجنحة بال ري�ش (�شعر) لح�سين �سرحان‪ ,13 :‬د‪.‬ن – بيروت‪ ,‬د‪.‬ط‪1388 ,‬هـ‪.‬‬ ‫(‪� )14‬أجنحة بال ري�ش‪.14 :‬‬ ‫(‪ )15‬تجربتي ال�شعرية لح�سن القر�شي‪ ,30 :‬دار القر�شي– جدة‪ ,‬ط‪1994 ,4‬م‪.‬‬ ‫(‪ )16‬ديوان ح�سن القر�شي (مواكب الذكريات)‪ ,278 /1 :‬دار العودة– بيروت‪ ,‬ط‪1979 ,2‬م‪.‬‬ ‫(‪ )17‬مجلة جامعة �أم القرى‪ :‬ع‪ ,24‬مج‪� ,14‬ص‪ ,1265‬ربيع الأول ‪1423‬هـ‪( ,‬الفل�سفة الجمالية عند حمزة �شحاتة للدكتور‬ ‫�صالح الزهراني)‪.‬‬ ‫(‪ )18‬الم�صباح وال�صولجان للدكتور �صالح بن �سعيد الزهراني‪ ,29 :‬جامعة �أم القرى – مكة المكرمة‪ ,‬ط‪1423 ,1‬هـ‪.‬‬ ‫(‪ )19‬المجلة العربية‪ :‬ع‪� ,316‬س‪� ,28‬ص‪ ,104‬جمادى الأولى ‪1424‬هـ‪( ,‬حوار مع ال�شاعر عبداهلل الر�شيد)‪.‬‬ ‫(‪ )20‬خاتمة البروق (�شعر) لعبد اهلل بن �سليم الر�شيد‪ ,176 :‬النادي الأدبي– الريا�ض‪ ,‬ط‪1413 ,1‬هـ‪1993/‬م‪.‬‬ ‫(‪ )21‬الم�صدر ال�سابق‪.19-18 :‬‬ ‫(‪ )22‬حروف من لغة ال�شم�س (�شعر) لعبد اهلل بن �سليم الر�شيد‪ ,3 :‬دار المعراج الدولية– الريا�ض‪ ,‬ط‪1421 ,1‬هـ‪2000/‬م‪.‬‬ ‫(‪ )23‬الم�صدر ال�سابق‪.4 :‬‬ ‫(‪� )24‬أوراد الع�شب النبيل(�شعر) لعبداهلل الر�شيد‪ ,11-10 :‬النادي الأدبي– الجوف‪ ,‬ط‪1427 ,1‬هـ‪2006/‬م‪.‬‬ ‫(‪ )25‬نقد ال�شعر لقدامة بن جعفر‪ ,17 :‬تحقيق كمال م�صطفى‪ :‬مكتبة الخانجي– القاهرة‪ ,‬ط‪1978 ,3‬م‪.‬‬ ‫(‪� )26‬شعراء من �أر�ض عبقر لمحمد الخطراوي‪ ,11-10 /1 :‬النادي الأدبي– المدينة المنورة‪ ,‬د‪.‬ط‪1398 ,‬هـ‪.‬‬ ‫(‪ )27‬الم�صدر ال�سابق‪.11 /1 :‬‬ ‫(‪� )28‬أحمد الغزاوي و�آثاره الأدبية للدكتور م�سعد العطوي‪ :‬ق‪/2‬ج‪ ,1428/2‬د‪.‬ن‪ ,‬ط‪1406 ,1‬هـ‪1986/‬م‪.‬‬ ‫(‪ )29‬ر�سائل �إلى نازك ل�سعد البواردي‪ ,61 :‬النادي الأدبي– الطائف‪ ,‬ط‪ ,1‬د‪.‬ت‪.‬‬ ‫(‪� )30‬أغنية العودة (�شعر) ل�سعد البواردي‪ ,104-103 :‬دار الإ�شعاع‪ ,‬د‪.‬ط‪1383 ,‬هـ‪.‬‬ ‫(‪� )31‬إلى �أمتي (�شعر) للدكتور عبدالرحمن الع�شماوي‪ ,100-99 :‬دار ثقيف– الطائف‪ ,‬د‪.‬ط‪1978 ,‬م‪.‬‬ ‫(‪ )32‬ديوان العواد (في الأفق الملتهب)‪ ,63-62/2 :‬مطبعة نه�ضة م�صر– القاهرة‪ ,‬ط‪1398 ,1‬هـ���1978/‬م‪.‬‬ ‫(‪ )33‬م�سائل اليوم لمحمد ح�سن عواد‪ ,125 :‬دار الجيل للطباعة– القاهرة‪ ,‬ط‪1402 ,1‬هـ‪1982/‬م‪.‬‬ ‫(‪ )34‬ديوان العواد (�آما�س و�أطال�س)‪.52/1:‬‬ ‫(‪ )35‬العواد قمة وموقف‪ .396-381 ,367 ,181 :‬والعواد وه�ؤالء لمحمد �سعيد الباع�شن‪ ,81-76 :‬دار الوزان– القاهرة‪,‬‬ ‫د‪.‬ط‪1987 ,‬م‪ .‬وم�سائل اليوم‪.552-551 ,220 :‬‬ ‫(‪ )36‬تغريد (�شعر) لعلي زين العابدين‪ ,121-120 :‬د‪.‬ن‪ ,‬ط‪1404 ,1‬هـ‪.‬‬ ‫(‪ )37‬الم�صدر ال�سابق‪.129-127 :‬‬ ‫(‪ )38‬ومن المحبة تنبت الأ�شجار (�شعر) ليو�سف العارف‪� ,39 ,9 :‬إدارة الثقافة والمكتبات‪ ,‬وزارة المعارف – جدة‪ ,‬د‪.‬ط‪,‬‬ ‫‪1421‬هـ‪.‬‬ ‫(‪� )39‬أوراق الربيع ليو�سف العارف‪ ,82-81 :‬النادي الأدبي– جازان‪ ,‬ط‪1422 ,1‬هـ‪2001/‬م‪.‬‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫ع��ن ج��وه��ر ال�شعر؛ لأن��ه �أم��ر ي�صعب تحقيقه‬ ‫الخ �ت�لاف الأم��زج��ة وال �ث �ق��اف��ات‪� ,‬أم ��ا الت�سليم‬ ‫ب�صعوبة وج��ود �سمات �شكلية ثابتة تميز ال�شعر‬ ‫عن غيره ف�سيحيل �إلى اال�ضطراب في المفاهيم‬ ‫واختالط الأجنا�س الأدبية‪.‬‬

‫�آخر لينفي ذلك ويقلل من �ش�أن العاطفة‪ ,‬ويعلي‬ ‫من �ش�أن العقل(‪ .)39‬وهذا الر�أي قاله بعد �أن �ألقى‬ ‫ق�صيدة نثرية؛ لذا جاء حديثه عن مفهوم ال�شعر‬ ‫متحم�سً ا للدفاع عن ال�شكل النثري وما يحمله من‬ ‫�سمات تعلي من �ش�أن الر�ؤية العقلية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪61‬‬


‫■ �أ‪.‬د‪ .‬خالد فهمى‪ :‬كلية الآداب‪ /‬جامعة املنوفية‪/‬م�صر*‬

‫(‪ )1‬مدخل‪:‬‬ ‫الحاجة �إلى تحليل الخرائط الإبداعية للمملكة‬ ‫العربية ال�سعودية‪ ،‬م�صادرها‬

‫يمثل تحليل الخرائط الإبداعية للأوطان العربية عموما‪،‬‬ ‫وللأوطان التي لها ح�ضور �إبداعي خا�ص‪� ،‬أمراً مهماً جداً من‬ ‫عدة جوانب؛ ذلك �أن هذا التحليل مقدمة الزمة للك�شف عن‬ ‫�أبنية الأفكار‪ ،‬والتوجهات‪ ،‬والت�صورات للحياة وم�شكالتها وق�ضاياها‪ ،‬وهو الأمر الذي‬ ‫تحتفي به بع�ض فروع علم االجتماع‪.‬‬

‫‪62‬‬

‫كما �أن ه��ذا التحليل يعد �أم��را الزم��ا الأمر الذي يقدم خدمات جليلة لما ي�سمى‬ ‫ل �ق �ي��ا���س ت �ط��ور ال�م�ج�ت�م�ع��ات ال �ع��رب �ي��ة‪ ،‬با�سم التخطيط الثقافي‪ ،‬وتوجيه مظاهره‬ ‫وا�ستنتاج العوامل الم�ؤثرة في تطويرها‪ ،‬وتجلياته المختلفة تعليميا و�إعالميا‪.‬‬ ‫وتغير �أن�ساق القيم فيها‪ ،‬واكت�شاف �أ�سباب‬ ‫غير �أن �أخطر ما ي�شتبك مع التحليل‬ ‫ذلك‪.‬‬ ‫العلمي للخرائط الإبداعية في المجتمعات‬ ‫ومن جانب �آخر‪ ،‬ف�إن تحليل الخرائط ال�ع��رب�ي��ة المختلفة‪ ،‬يكمن ف��ي نقطتين‬ ‫الإبداعية يعين على تلم�س نقاط التفاعل‬ ‫�أ�سا�سيتين هما‪:‬‬ ‫بين الثقافات‪ ،‬وال��وق��وف على المناطق‬ ‫التي تتهدد البنية الثقافية التي ت�شكل ‪ -1‬اال� �ش �ت �ب��اك م��ع ���س���ؤال ال �ه��وي��ة لهذه‬ ‫ثقافة كل مجتمع‪ ،‬وتبين من طبيعته‪ ،‬وهو‬ ‫المجتمعات العربية‪ ،‬وال �سيما بعد‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫مالمح الخريطة الإبداعية‬ ‫فى المملكة العربية ال�سعودية‬

‫قرنين من ال��زم��ان تعر�ضت فيهما هويتها‬ ‫لكثير من المعارك والمخاطر والتهديدات‪.‬‬ ‫‪ -2‬الك�شف عن عوامل التقارب واالتحاد الثقافي‬ ‫الجامع بين ال�شعوب العربية جميعا‪.‬‬ ‫وال���س�ع��ودي��ة ب�م��ا ه��ي م��ن ال �ب �ل��دان العربية‬ ‫ال�م��ؤث��رة ثقافيا‪ ،‬الع�ت�ب��ارات دينية وتاريخية‬ ‫وواقعية‪ ..‬تمثل خريطتها الإبداعية نقطة مهمة‬ ‫في الدر�س الثقافي والتخطيطي المعا�صر‪.‬‬ ‫وقد تنبّه عدد وافر من العلماء �إلى ما تمثله‬ ‫الخريطة الإبداعية للمملكة العربية ال�سعودية‪،‬‬ ‫وهو ما تجلى في عالمتين كبيرتين‪ ،‬هما‪:‬‬ ‫�أوال‪ :‬ا�ستقالل الت�صنيف في تتبع المنجز‬ ‫الإبداعي ال�سعودي في تنوعه زمنيا وجن�سيا‪ ،‬وهو‬ ‫ما يظهر في الم�صنفات الآتية‪:‬‬ ‫� �ش �ع��راء ن�ج��د ال �م �ع��ا� �ص��رون‪ ،‬ل �ع �ب��داهلل بن‬ ‫�إدري�س‪� ،‬صدر عام ‪1960‬م‪ ،‬وهو �أول م�صنف في‬ ‫مو�ضوعه في المملكة العربية ال�سعودية‪ ،‬يقول‬ ‫عنه‪( :‬قامو�س الأدب العربي الحديث‪ ،‬تحرير‬ ‫الدكتور حمدي ال�سكوت‪� ،‬ص ‪ ،270‬دار ال�شروق‬ ‫عام ‪2009‬م ) «كتاب ي�ؤرخ للحركة ال�شعرية في‬ ‫نجد بعد قيام المملكة العربية ال�سعودية»‪ ،‬ويقول‬ ‫عنه محرر المدخل في القامو�س عبداهلل بن‬ ‫�سليم الر�شيد هو‪« :‬كتاب ذو قيمة �أدبية وتاريخية‬ ‫وفنية»‪.‬‬ ‫ب‪ -‬مو�سوعة الأدب العربي ال�سعودي الحديث‪:‬‬ ‫ن�صو�ص مختارة ودرا�سات‪ ،‬في �أحد ع�شر مجلدا‪،‬‬ ‫وقد ق�سمت المنجز الأدبي ال�سعودي �إلى �أربعة‬ ‫�أق�سام وفق مراحل زمنية هي‪:‬‬ ‫ مرحلة البدايات وتغطي الم�ساحة الزمنية من‬‫‪1932-1902‬م‪.‬‬ ‫ مرحلة الت�أ�سي�س‪ ،‬وتمتد زمنيا من ‪-1924‬‬‫‪1953‬م‪.‬‬

‫ مرحلة التجديد‪ ،‬وتمتد زمنيا م��ن ‪-1954‬‬‫‪1970‬م‪.‬‬ ‫ مرحلة التحديث‪ ،‬وتمتد زمنيا من ‪-1971‬‬‫‪1999‬م‪.‬‬ ‫ج‪ -‬المو�سوعة الأدب�ي��ة‪ ،‬لعبدال�سالم طاهر‬ ‫ال�سا�سي‪ .‬وهو م�صنف للتعريف ب�أدباء المملكة‬ ‫ال�ع��رب�ي��ة ال���س�ع��ودي��ة م��ع ن �م��اذج م��ن �إنتاجهم‬ ‫الإبداعي‪ ،‬ويغطى �أجنا�سا �أدبية متنوعة‪� ،‬شعرا‬ ‫وق�صة ومقالة‪.‬‬ ‫ثانياً‪ :‬العناية بالمنجز الإبداعي ال�سعودي في‬ ‫م�صنفات مو�سوعية تعنى ب�أدباء الوطن العربي‬ ‫كله‪.‬‬ ‫اه �ت��م ع ��دد م��ن ال �ن �ق��اد وم� ��ؤرخ ��ي الأدب‬ ‫المعا�صرين ب�صناعة معاجم ومو�سوعات جامعة‬ ‫للأدباء العرب المعا�صرين‪ ،‬العتبارات متعددة‪،‬‬ ‫وم��ن �أه��م تلك الم�صنفات الجامعة ل�ل�أدب��اء‪،‬‬ ‫والمنوهة بمنجزهم ما ي�أتي‪:‬‬ ‫�أ‪ -‬م��و� �س��وع��ة ال �� �ش �ع��ر ال �ع��رب��ي ال �ح��دي��ث‬ ‫والمعا�صر‪ ،‬للدكتور يو�سف ح�سن نوفل‪ ،‬طبعة‬ ‫م�ؤ�س�سة المختار‪ ،‬بالقاهرة �سنة ‪2005‬م‪.‬‬ ‫ب‪ -‬قامو�س الأدب العربي الحديث‪ ،‬تحرير‬ ‫الدكتور حمدي ال�سكوت‪ ،‬طبعة دار ال�شروق‪،‬‬ ‫بالقاهرة ع��ام ‪2009‬م(وك��ان��ت طبعته الأول��ى‬ ‫�صدرت عام ‪2007‬م)‪.‬‬ ‫وقد عنى العمالن بالترجمة لعدد واف��ر من‬ ‫�شعراء المملكة العربية ال�سعودية‪ ،‬وروائييها‬ ‫وق�صا�صيها‪ ،‬و�أدبائها بمنهجين مختلفين؛ فقد‬ ‫�أفردت مو�سوعة ال�شعر العربي الحديث مدخال‬ ‫مو�ضوعيا ل�شعراء ال�سعودية ا�ستغرق ال�صفحات‬ ‫من (‪،)230 - 184‬و ُر ِّت��بَ ال�شعراء بداخله وفق‬ ‫الترتيب الهجائي الألفبائي‪ ،‬مع ذكر �أعمالهم‬ ‫ال�شعرية م�ؤرَّخة‪ ،‬ما �أمكنه ذلك‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪63‬‬


‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫ثالثا‪ :‬مرحلة التجديد‬ ‫وف��ى ه��ذه المرحلة �سنع ّد ك��ل م��ن ول��د بعد‬ ‫‪1952‬م �إلى ‪1970‬م‪� ،‬أو توفي �أثناءها داخال في‬ ‫�إطارها‪:‬‬ ‫جار اهلل الحميد ‪1954‬م‪ ،‬وحامد الدمنهورى‬ ‫‪1965‬م‪ ،‬وح� �م ��زة � � �ش � �ح� ��ادة‪1971‬م‪ ،‬و��س�ع��د‬ ‫الدو�سرى ‪1959‬م‪ ،‬وعبداهلل باخ�شوين‪1952‬م‪،‬‬ ‫وعبداهلل عبدالرحمن ال��زي��د‪1953‬م‪ ،‬وعبداهلل‬ ‫ال�صيخان‪1955‬م‪ ،‬وف��وزي��ة �أب��و خالد ‪1955‬م‪،‬‬ ‫وم�ح�م��د ال�ث�ب�ي�ت��ى ‪1952‬م‪ ،‬وم�ح�م��د ال�ح��رب��ي‬ ‫‪1957‬م‪ ،‬ومريم الغامدي ‪1949‬م‪ ،‬ونجاة خياط‬ ‫‪1945‬م‪.‬‬ ‫وف��ى ه��ذه ال�م��رح�ل��ة ن�لاح��ظ ت�ن��ام��ي ظهور‬ ‫المبدعات ال�سعوديات بعد ما ا�ضطلع جيلين‬ ‫م��ن المبدعين ال��ذك��ور ب�ع��بء تمهيد الطريق‬ ‫لظهورهن‪ ،‬وتقبل المجتمع للمنجز الإب��داع��ي‬ ‫والتعاطي معه ب�شكل عام‪.‬‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫‪64‬‬

‫وفح�ص قوائم المبدعين ال�سعوديين انطالقا‬ ‫�أما العمل الآخر‪ ،‬فقد جاء مرتبا بكامله وفق‬ ‫الترتيب الألفبائى‪ ،‬ومن ثم فقد توزعت �أ�سماء من بوابة تواريخ الميالد والوفاة معا‪ ،‬يقودنا �إلى‬ ‫�أدب��اء المملكة العربية ال�سعودية ح�سب �أوائ��ل توزيعهم على مراحل �أربعة‪ ،‬هي‪:‬‬ ‫�أ�سمائهم في معجم الأدب العربي الحديث‪.‬‬ ‫�أوال‪ :‬مرحلة ما قبل توحيد المملكة‬ ‫وم��ن هذين العملين المرجعيين‪� ،‬سنحاول العربية ال�سعودية‪ ،‬قبل عام ‪1932‬م‪:‬‬ ‫تحليل الخرائط الإب��داع�ي��ة لمبدعي المملكة‬ ‫و يمكن �أن يمثلها المبدعون التالية �أ�سما�ؤهم‪:‬‬ ‫العربية ال�سعودية‪ ،‬تحليال ي�ستهدف خدمة‬ ‫الأغ��را���ض ال�ت��ي تقدمت هنا ف��ي م��دخ��ل هذه و�سنذكر بجوار كل ا�سم تاريخ ميالده‪ ،‬لندلل‬ ‫المقالة‪ .‬و�إن كانت هناك �أعمال مرجعية �أخرى على �إم�ك��ان ظهور منجزه الإب��داع��ي قبل عام‬ ‫نوهت بالمنجز الإبداعي لل�سعوديين مثل معجم توحيد المملكة‪ ،‬و�سنعطي عقدين فر�صة لهذا‬ ‫الظهور‪� :‬إبراهيم الإ�سكوبى ‪1913-1848‬م‪،‬‬ ‫البابطين لل�شعراء العرب المعا�صرين وغيره‪.‬‬ ‫و�أح��م��د �إب��راه �ي��م ال� �غ ��زاوى ‪1900‬م‪،‬و�أح � �م� ��د‬ ‫(‪ )2‬حدود الخريطة الإبداعية للمملكة ال�سباعي ‪1905‬م‪ ،‬وح�سن ع �ب��داهلل القر�شي‬ ‫العربية ال�سعودية‬ ‫‪1904-1862‬م‪ ،‬وح�سن عبداهلل �سراج ‪1912‬م‪،‬‬ ‫وحمد الحا�سر ‪1909‬م‪ ،‬وحمزة �شحادة ‪1909‬م‪،‬‬ ‫الحدود الزمنية‬ ‫وعبدالقدو�س الأن�صاري ‪1906‬م‪.‬‬ ‫يعود تاريخ ت�أ�سي�س المملكة العربية ال�سعودية‪،‬‬ ‫ثانيا‪ :‬مرحلة الت�أ�سي�س واالنطالق‪:‬‬ ‫و�إعالن توحيدها �إلى ‪1351‬ه�ـ=(‪1932‬م)‪ ،‬و�إن‬ ‫من ‪1953-1932‬م‬ ‫ا�ستغرق العمل من �أجل هذا الإعالن مدة طويلة‬ ‫بد�أت مع عام ‪1319‬هـ=(‪1902‬م)‪ ،‬وهو ما يعني‬ ‫ويمكن �أن يمثلها المبدعون ال��ذي��ن ول��دوا‬ ‫�أن الت�أريخ للأدب ال�سعودي يمتد على مدى قرن �إب��ان�ه��ا وقبلها بنحو عقدين م��ن ال��زم��ن‪ ،‬وهو‬ ‫كامل م��ن ال��زم��ان‪ ،‬وفقا للمنهجية المنطلقة م��ا يعني اعتبار ����ل م��ن ول��د ع��ام ‪1912‬م وما‬ ‫من الت�أ�سي�س الجغرافي التاريخي من منظور بعدها مثل‪� :‬إبراهيم محمد �أمين فودة ‪1924‬م‪،‬‬ ‫�سيا�سي‪ .‬وعلى الرغم من �إدراك هذه المقالة و�إبراهيم النا�صر الحميدان ‪1933‬م‪ ،‬و�أحمد‬ ‫للعديد م��ن االن �ت �ق��ادات ال�ت��ي ُت��وجَّ ��ه �إل��ى هذه عبدالغفور عطار ‪1918‬م‪،‬و�أحمد قنديل ‪1913‬م‪،‬‬ ‫المنهجية التاريخية الجغرافية ذات المنحى وح��ام��د الدمنهوري ‪1922‬م‪ ،‬وح�سن عبداهلل‬ ‫ال�سيا�سي‪ ،‬بما هي منهجية تتعامل مع خارج �سراح ‪1912‬م‪،‬وح�سن �سرحان‪1914‬م‪ ،‬وح�سن‬ ‫الن�ص الأدب��ي؛ ف�إنها تلج�أ �إليها عن وع��ي‪ ،‬لأن ع�ل��ى ع��رب ‪1919‬م‪ ،‬وح �م��زة ب ��وق ��ري‪1932‬م‪،‬‬ ‫حدود �أهدافها الحاكمة محاطة ب�أ�سوار ال�سعي و�سعد الوبادي‪1930‬م‪،‬وطاهر زمخ�شري‪1914‬م‪،‬‬ ‫�إلى فح�ص الخريطة الإبداعية للمنجز الأدبي وعبدالحميد ال �خ �ط��ي‪1913‬م‪ ،‬وعبدالرحمن‬ ‫ال�سعودي‪ ،‬وفكرة الخريطة �أو مفهومها يركن �إلى م��ن��ي��ف‪1933‬م‪ ،‬وع�ب��دال���س�لام ه��ا��ش��م حافظ‬ ‫الخطوط التقريبية‪ ،‬رفع ًا للواقع ال مطابق ًة له‪1929 ،‬م‪ ،‬وع �ب��دال �ك��ري��م ال�ج�ه�ي�م��ان ‪1913‬م‪،‬‬ ‫مع الت�سليم ب�أن ثمة روا�سب لفكرة تحكيم الخارج وعبداهلل �إدري�س ‪1929‬م‪ ،‬وعبداهلل محمد خمي�س‬ ‫التاريخي من�سربة هنا ومعتبرة‪ ..‬لكنه تر�سب ‪1920‬م‪ ،‬وع �ب��داهلل �صالح ال�ع�ث�ي�م�ي��ن‪1936‬م‪،‬‬ ‫هام�شي‪ ،‬غير م�ؤثر في م�سيرة الر�ؤية التحليلية وع �ب��داهلل الفي�صل ب��ن عبدالعزيز �آل �سعود‬ ‫‪1923‬م‪،‬وعدنان ال�سيد العوامي ‪1937‬م‪ ،‬ومحمد‬ ‫الفاح�صة للخريطة الإبداعية ال�سعودية‪.‬‬

‫�أحمد العقيلي ‪1916‬م‪ ،‬ومحمد بن �سعد الخفيزي‬ ‫‪1925‬م‪ ،‬ومحمد ب��ن علي ال�سنو�سي ‪1923‬م‪،‬‬ ‫ومحمد ح�سن الفقي ‪1914‬م‪ ،‬ومحمد الكلى‬ ‫‪1932‬م‪ ،‬ومحمد فهد العي�سى ‪1925‬م‪ ،‬ومحمد‬ ‫ها�شم ر�شيد ‪1930‬م‪ ،‬ونا�صر �أبوحمد ‪1930‬م‪،‬‬ ‫ويو�سف عبداللطيف �أبو �سعد ‪1937‬م‪.‬‬ ‫ويالحظ ازدي��اد عدد المبدعين في مرحلة‬ ‫الت�أ�سي�س واالنطالق‪ ،‬وهو ما �سوف ي�ؤثر ت�أثيرا‬ ‫�إيجابيا على المرحلتين التاليتين‪.‬‬ ‫كما يالحظ كذلك خلو قوائم المبدعين في‬ ‫مرحلتي ما قبل التوحيد‪ ،‬والت�أ�سي�س من �أ�سماء‬ ‫المبدعات الن�ساء‪ ،‬وهى م�س�ألة يمكن تف�سيرها‬ ‫ف��ي ��ض��وء ا�ضطالع المبدعين ال��رج��ال بعبء‬ ‫الت�أ�سي�س‪ ،‬ومواجهة المجتمع‪ ..‬ال �سيما �أن الإبداع‬ ‫في النهاية يمثل حالة تحريرية بقدر ما يت�أخر‬ ‫لحاق المر�أة بقطارها‪ ،‬وهو الأمر الم�شاهد في‬ ‫التجارب العربية جميعا‪.‬‬

‫رابعاً‪ :‬مرحلة التحديث‬ ‫(�أو تنامي تجليات الحداثة)‬ ‫وهذه المرحلة ي�ؤرَّخ لها عند �أ�صحاب مو�سوعة‬ ‫الأدب العربي ال�سعودي الحديث في عام ‪1971‬م‬ ‫وما بعدها‪ ،‬ويمثلها في الم�صادر التي اعتمدتها‬ ‫مقالتنا (ما لي�س �أمامه تاريخ فهو حيٌّ )‪:‬‬ ‫�إبراهيم محمد �أمين فودة ‪1994-1924‬م‪،‬‬ ‫�إب��راه �ي��م نا�صر ال�ح�م�ي��دان‪� ،‬أح �م��د �إب��راه�ي��م‬ ‫الغزاوى ‪1981-1900‬م‪� ،‬أحمد ال�سباعي ‪-1905‬‬ ‫‪1984‬م‪� ،‬أح �م��د ال���ص��ال��ح‪� ،‬أح �م��د عبدالغفور‬ ‫ع�ط��ار ‪1991-1918‬م‪� ،‬أح �م��د يحيى بهكلى‪،‬‬ ‫تركي الحمد‪ ،‬جار اهلل الحميد‪ ،‬ح�سن العدل‪،‬‬ ‫ح�سين �سرحان ‪1993-1914‬م‪ ،‬ح�سين على‬ ‫ع��رب ‪1988-1919‬م‪ ،‬حمد الجا�سر ‪-1909‬‬ ‫‪2000‬م‪ ،‬خيرية ال�سقاف‪ ،‬رقية ال�شبيب‪ ،‬و�سعد‬ ‫الحميدين‪ ،‬و�سعد الدو�سرى‪ ،‬و�شريفة �شمالن‪،‬‬ ‫وطاهر زمخ�شرى ‪1987-1914‬م‪ ،‬وعبدالحميد‬ ‫ال �خ �ط��ى‪2001-1913‬م‪ ،‬وعبدالرحمن �صالح‬ ‫الع�شماوى‪ ،‬وعبدالرحمن منيف ‪2004-1933‬م‪،‬‬ ‫وعبدال�سالم ها�شم ح��اف��ظ ‪1995-1929‬م‪،‬‬ ‫وع �ب��داهلل باخ�شوين‪ ،‬وع �ب��داهلل عبدالرحمن‬ ‫ال��زي��د‪ ،‬وع�ب��داهلل ال�صيخان‪ ،‬وعلى الدمينى‪،‬‬ ‫وعلى محمد �صيقل‪ ،‬وغ��ازى الق�صيبى ‪-1940‬‬ ‫‪2010‬م‪ ،‬وفوزية �أبو خالد‪ ،‬ومحمد �أحمد العقيلى‬ ‫‪2002-1916‬م‪ ،‬ومحمد جبر الحربي‪ ،‬ومحمد‬ ‫علوان‪ ،‬ومريم الغامدى‪ ،‬ونجاة الخياط‪.‬‬ ‫ومما ينبغي التنبه �إليه من خالل هذا التق�سيم‬ ‫�أن ثمة مجموعة من المالحظات المهمة يمكن‬ ‫�إجمالها فيما ي�أتي‪:‬‬ ‫�أوال‪ :‬التداخل بين المراحل‪ ،‬بمعنى �أن��ه ال‬ ‫يمكن �إيجاد فا�صل زمني حا�سم �أو حاد بين كل‬ ‫مرحلة من هذه المراحل‪ ،‬يجعلها منف�صلة ب�شكل‬ ‫ظاهر عن �سوابقها‪� ،‬أو لواحقها؛ فطبيعة التق�سيم‬ ‫الزمني �سواء ك��ان تبعا للتق�سيم ال�سيا�سي‪�،‬أو‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪65‬‬


‫�أ‪ -‬االمتداد الزمني لهذه المرحلة الممتدة �إلى‬ ‫الآن‪.‬‬

‫‪ -2‬ال��رواي��ة‪ ،‬وظ �ه��رت مجموعة م��ن الأ��س�م��اء‬ ‫الإبداعية المتميزة �أبدعت عبر جن�س الرواية‬ ‫مثل‪ :‬عبدالرحمن منيف‪ ،‬وغازي الق�صيبي‪،‬‬ ‫وجار اهلل الحميد‪ ،‬وي���ؤرخ لظهور �أول رواية‬ ‫�سعودية بعام ‪1930‬م‪ ،‬برواية التو�أمين لعبد‬ ‫القدو�س الأن�صاري‪.‬‬

‫ب‪ -‬ظ�ه��وره��ا ب�ع��د تمهيد ال�ط��ري��ق ل �ه��ا‪ ،‬على‬ ‫الم�ستوى الإب��داع��ي‪ ،‬وعلى م�ستوى ظهور‬ ‫قنوات الن�شر من مجالت و�صحف �أدبية‪،‬‬ ‫وم�ؤ�س�سات معنية بدعم الحالة الإبداعية‬ ‫مثل �أندية الأدب المنت�شرة تقريبا في كل ‪ -3‬ال�ق���ص��ة (ال �ق �� �ص �ي��رة)‪ ،‬وق ��د ك�شفت ه��ذه‬ ‫مدن المملكة العربية ال�سعودية‪.‬‬ ‫ال�م���ص��ادر ع��ن وج��ود مجموعة كبيرة من‬ ‫المبدعين‪ ،‬عبروا عن �أنف�سهم ومجتمعهم‬ ‫ثالثاً‪ :‬زيادة ملحوظة في �أعداد المبدعات من‬ ‫من خالل جن�س الق�صة‪.‬‬ ‫الن�ساء‪ ،‬وهي زيادة م�سوغة �أي�ضا‪ ،‬بما �سبق ذكره‬ ‫هنا م�ضافا �إليه انت�شار تعليم البنات في المملكة ويلحظ في ه��ذا ال�سياق غلبة ه��ذا الجن�س‬ ‫ب�شكل ظاهر‪ ،‬وهو ما خلق بيئة معينة على �إدراك‬ ‫على منجز المبدعات ال�سعوديات‪ .‬وربما كان‬ ‫مفارقات الواقع االجتماعي‪.‬‬ ‫هذا الأمر منا�سبا �إلى حد ما لطبيعة المر�أة‬ ‫الميالة �إلى الحكي‪ ،‬وطلب الأن�س االجتماعي‪،‬‬ ‫(‪ )3‬حدود الخريطة الإبداعية‬ ‫للمملكة العربية ال�سعودية‪:‬‬ ‫وال �سيما في ظروف ما�ضية تاريخية للمجتمع‬ ‫ال�سعودي الحديث‪ ،‬وقد ظهرت �أ�سماء بارزة‬ ‫مقال في حدود الأجنا�س‬ ‫مثل‪� :‬شريفة ال�شمالن‪ ،‬وم��ري��م الغامدى‪،‬‬ ‫ومن جهة �أخرى‪ ،‬ف�إن فح�ص قوائم المبدعين‬ ‫ونجاة خياط وغيرهن‪.‬‬ ‫في الم�صادر المذكورة �سابقا يقود �إلى �إدراك‬ ‫التنوع في الأجنا�س‪ ،‬وظهور الأجنا�س الأدبية ‪ -4‬الم�سرحية‪ ،‬كما �أظهرت معاجم المبدعين‬ ‫معرفة المجتمع الإبداعي ال�سعودي لجن�س‬ ‫ال�شائعة في المجاالت الإبداعية ب�شكل عام‪.‬‬ ‫الم�سرحية‪ ،‬وظ�ه��رت �أ��س�م��اء كتبتها مثل‪:‬‬ ‫�صحيح �أن ال�شعر ‪ -‬العتبارات كثيرة تاريخية‬ ‫�أحمد عبدالغفور عطار‪ ،‬و�سعد الدو�سري‪.‬‬ ‫وفنية ‪ ،-‬كان الجن�س الأدبي الأكثر ظهورا‪ ،‬لكن‬ ‫ذلك لي�س معناه اختفاء بقية الأجنا�س الأدبية ‪ -5‬ق�ص�ص الأطفال‪ ،‬وقد ظهرت �أمثال مبدعين‬ ‫وظهور �أ�صوات متميزة �إبداعيا‪.‬‬ ‫كتبوا للأطفال مثل‪�:‬سعد الدو�سري‪.‬‬ ‫وفيما يلي ر�صد للأجنا�س الأدبية التي ك�شفت ‪ -6‬ال�سيرة الذاتية‪ ،‬وهو جن�س �أدبي له خ�صائ�صه‬ ‫عنها م�صادر المبدعين ال�سعوديين‪:‬‬ ‫الفنية التي تبتعد به عن جن�س ال��رواي��ة �أو‬ ‫الق�صة‪ ،‬وي ��ؤرخ لبداية ظهورها في الإب��داع‬ ‫‪ -1‬ال���ش�ع��ر‪ ،‬وك ��ان ال �ع��دد الأك �ب��ر م��ن �أ��س�م��اء‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫(‪ )4‬حدود الخريطة الإبداعية للمملكة �أ‪ -‬درا�سة الأعمال‪،‬ومناق�شتها وتقويمها في‬ ‫ور�ش �أدبية ونقدية‪.‬‬ ‫العربية ال�سعودية‬ ‫مقال في الم�ؤ�س�سات الداعمة للإبداع ب‪ -‬الن�شر الذي تتيحه عبر كتاب كل ناد �أدبي‪.‬‬ ‫والمبدعين‬ ‫ج‪ -‬ال��درا��س��ة النقدية المتراكمة ف��ي الكتاب‬ ‫النقدي‪.‬‬ ‫وم��ن ج�ه��ة �أخ���رى ك�شفت م�ع��اج��م الإب���داع‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫‪66‬‬

‫التق�سيم الفني – ت�سمح بهذا التداخل‪ ،‬وهو ما‬ ‫يف�سر لنا تكرار �أ�سماء في عدد من المراحل‪.‬‬ ‫ث��ان�ي�اً‪ :‬تنامي �أع ��داد المبدعين ف��ي مرحلة‬ ‫التحديث‪ ،‬وهو �أمر له ما ي�سوغه من جانبين‪ ،‬هما‪:‬‬

‫المبدعين ال�سعوديين ف��ي معجم حمدي‬ ‫ال �� �س �ك��وت‪ ،‬وم �ع �ج��م ي��و� �س��ف ن��وف��ل خا�صا‬ ‫بال�شعراء‪ ،‬وقد جاء منجزهم متنوعا وموزعا‬ ‫على ال�شعر التقليدي‪ ،‬وال�شعر الحر‪.‬‬

‫ال�سعودي ب�سيرة �أحمد ال�سباعي الذاتية‪ ،‬التي‬ ‫ن�شرها بعنوان‪�( :‬أي��ام��ي)‪ ،‬ثم عاد فن�شرها‬ ‫بعنوان‪�( :‬أبو زامل) عام ‪1970‬م‪.‬‬ ‫ويظهر جليا الت�أثير المبا�شر للحالة الإبداعية‬ ‫الم�صرية هنا‪ ،‬من خالل التماهي بين عنوان‬ ‫هذه ال�سيرة الذاتية في عنوان طبعتها الأولى‪،‬‬ ‫وبين واحدة من �أ�شهر ال�سير الذاتية الم�صرية‬ ‫(الأيام) للدكتور طه ح�سين‪.‬‬ ‫وفح�ص هذه الأجنا�س الأدبية التي كتب فيها‬ ‫المبدعون ال�سعوديون يقود �إلى �إدراك ما يلي‪:‬‬ ‫�أوال‪ :‬التنوع في الأجنا�س وامتداده‪� ،‬صحيح �أن‬ ‫هناك بع�ض الأجنا�س لم يظهر �أمثلة عليها مثل‬ ‫الرواية‪ ،‬لكن مثل هذا الجن�س قليل في الإبداع‬ ‫العربي بوجه ع��ام‪ ،‬وم��ا ظهر منه حتى الآن ال‬ ‫يعدو �أن يكون محاوالت تجريبية‪.‬‬ ‫ثانياً‪ :‬ت�أخر ظهور الأمثلة الرائدة المفتتحة‬ ‫للطريق الإبداعي في الأجنا�س المختلفة با�ستثناء‬ ‫ال�شعر‪� ،‬إذ ظهرت �أول رواية عام ‪1930‬م‪ ،‬و�أول‬ ‫�سيرة ذاتية عام ‪1954‬م‪.‬‬ ‫ثالثاً‪ :‬ن��درة الأ��ص��وات الحداثية في الإب��داع‬ ‫ال�سعودي‪ ،‬وفق النموذج الغربي‪ ،‬وهو �أمر مقدر‬ ‫ومفهوم للطبيعة المحافظة والإ�سالمية للمجتمع‬ ‫ال�سعودي‪ ،‬على الرغم من ظهور كتابات حداثية‬ ‫م �ب �ك��رة‪ ،‬م�ث��ل م��ا ي �ق��ال ع��ن ت�ج��رب��ة (خ��واط��ر‬ ‫م�صرحة)��� ..‬الذي يعد كتاب الحداثة الأول الذي‬ ‫يدعو �إلى التجديد على �شرط الغرب‪ ،‬وهو الذي‬ ‫�صدر عام ‪1927‬م لمحمد ح�سن عواد‪.‬‬

‫والمبدعين التي اعتنت بالترجمة للمبدعين‬ ‫ال�سعوديين‪ ،‬عن وجود م�ؤ�س�سات داعمة للحالة‬ ‫الإبداعية وللمبدعين ال�سعوديين بوجه عام‪ ،‬وقد‬ ‫توزعت هذه الم�ؤ�س�سات على الآتي‪:‬‬ ‫�أوال‪ :‬المجالت وال�صحف الأدبية‪.‬‬ ‫ثانياً‪ :‬الأندية الأدبية‪.‬‬ ‫ثالثاً‪ :‬المكتبات العامة‪.‬‬ ‫وفيما يتعلق بظهور ال��م��ج�لات وال�صحف‬ ‫الأدبية‪ ،‬فقد عرف المجتمع الإبداعي ال�سعودي‬ ‫نماذج رائ��دة ا�ضطلعت بعبء الن�شر والمتابعة‬ ‫النقدية للمبدعين ال�سعوديين؛ ما �أ�سهم في‬ ‫تعريف المجتمع بهم‪ ،‬وم�ساعدتهم على تطوير‬ ‫�أدائ �ه��م فنيا‪ .‬وف��ي ه��ذا ال�سياق تظهر مجلة‬ ‫المنهل التي �صدرت عام ‪1936‬م‪ ..‬قريبا جدا من‬ ‫بدايات توحيد المملكة‪ ،‬و�صحيفة الجزيرة التي‬ ‫�صدرت عام ‪1960‬م‪ ،‬وهى مجلة �أدبية اجتماعية‬ ‫�أ�صدرها عبداهلل بن محمد خمي�س في الريا�ض‪.‬‬ ‫وق��د ت�ن��وع��ت ال�م�ج�لات ال �ي��وم ف��ي عنايتها‬ ‫ب��الأ��ص��وات الإب��داع�ي��ة ن�شرا‪ ،‬ومتابعة نقدية‪،‬‬ ‫وقد برز في هذا المجال‪ :‬مجلة عبقر‪ ،‬ومجلة‬ ‫عالمات‪ ،‬ومجلة الجوبة‪ ،‬وهى مجالت �أخل�صت‬ ‫وتفرغت للمبدعين ن�شرا ونقدا‪.‬‬ ‫وفيما يتعلق بالأندية الأدبية‪ ،‬ف�إن المتابع لها‬ ‫يقرر �أنها ظاهرة �سعودية ت�ستحق الدرا�سة‪ ،‬لما‬ ‫تقوم به من دور رائد في خدمة الحالة الإبداعية‬ ‫ال�سعودية بما تهيئه من‪:‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪67‬‬


‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫‪68‬‬

‫وفي هذا المجال‪ ،‬تت�ألق مجموعة من الأندية ل�ق��راءة مالمح الخريطة الإب��داع�ي��ة في المملكة‬ ‫الأدب�ي��ة بتحكيم المنجز في الميادين الثالثة العربية ال�سعودية‪ ،‬يت�ضح لنا ع��دد م��ن النتائج‬ ‫المذكورة مثل‪ :‬نادي جدة الأدبي‪ ،‬ونادي المدينة نجملها فيما ي�أتي‪:‬‬ ‫المنورة الأدب��ي‪ ،‬ونادي مكة الأدب��ي‪ ،‬ونادي �أبها‬ ‫�أوال‪ :‬تبين �أهمية مثل هذه الخرائط الإبداعية‬ ‫الأدب��ي‪ ،‬ون��ادي الجوف الأدب��ي‪ ،‬ون��ادي الطائف‬ ‫لدرا�سة التخطيط الثقافي في المجتمعات العربية‪،‬‬ ‫الأدبي وغيرها‪.‬‬ ‫ودرا�سات التنمية الثقافية ب�أبعادها المختلفة‪.‬‬ ‫وفيما يتعلق بالمكتبات العامة‪ ،‬فقد عرفت‬ ‫ثانياً‪ :‬كذلك تبين �أهمية هذه الخرائط الإبداعية‬ ‫المملكة العربية ال�سعودية المكتبات العامة‪،‬‬ ‫ووج�ه��ت لها العناية منذ فترة مبكرة �سابقة للك�شف عن عوامل التقارب الثقافي بين ال�شعوب‬ ‫على �إعالن توحيدها‪ ،‬ثم ا�ستمرت تلك العناية العربية المختلفة للعمل على تعزيزه ودعمه‪.‬‬ ‫بما خ�ص�صته من عمادات للمكتبة والن�شر في‬ ‫ثالثاً‪ :‬ات�ضح ب�شكل وا�ضح الأهمية البالغة القيمة‬ ‫الجامعات ال�سعودية‪ .‬ومن �أ�شهر الأمثلة الرائدة‬ ‫ف��ي ه��ذا ال�م�ج��ال‪ :‬مكتبة ع��ارف حكمت التي التي تقدمها ه��ذه ال�ق��راءات للخرائط الإبداعية‬ ‫ت�أ�س�ست عام ‪1852‬م‪ ،‬ومكتبة الحرم المكي التي للتثاقف حول الآتي‪:‬‬ ‫كانت قائمة قبل ت�سميتها ع��ام ‪1844‬م با�سم �أ‪ -‬حدود الت�أثير والت�أثر بين الثقافات والأجنا�س‬ ‫الكتبخانة المجيدية �أو ال�سليمانية‪ ،‬ثم تغير‬ ‫الأدبية المختلفة‪.‬‬ ‫ا�سمها �إلى ما عرفت به عام ‪1938‬م‪ ،‬كما عرفت‬ ‫مكتبة الم�سجد النبوي ال�شريف منذ فترة مبكرة ب‪ -‬حدود اال�شتباك مع محددات الهوية العربية‪،‬‬ ‫ومخاطر العنا�صر الثقافية الداعمة لها‪� ،‬أو‬ ‫جدا‪ ،‬وي�ؤرخ لت�أ�سي�سها عام ‪1933‬م‪ ،‬ثم نقلت �إلى‬ ‫مكانها الحالي بجوار باب عمر عام ‪1978‬م‪.‬‬ ‫المهددة لأركانها‪.‬‬ ‫�إن قراءة مالمح الخريطة الإبداعية للأقطار ج‪ -‬حدود التجديد في �إطار القائم من الأجنا�س‬ ‫العربية‪ ،‬وال�سيما الأقطار العربية الملهمة ثقافيا‬ ‫الأدبية‪� ،‬أو تطويرها‪� ،‬أو �إمكان �إنتاج �أجنا�س‬ ‫وروح�ي��ا‪ ..‬يعد �أم��را بالغ الأهمية‪ ،‬وال�سيما في‬ ‫�أخ��رى �إقليمية تتنا�سب وتتناغم مع النف�س‬ ‫عمليات التخطيط الثقافي‪ ،‬والتفكير الم�ستمر‬ ‫العربية‪.‬‬ ‫في التنمية الثقافية التي يجب �أن يكون �أمرها‬ ‫دائم الح�ضور‪ ،‬ال�شتباكها مع كل عمليات التنمية د‪ -‬ح��دود المخاطر والآم ��ال الممكن فح�صها‬ ‫المختلفة‪.‬‬ ‫لغويا‪ ،‬لدعم كفاءة اللغة العربية �إبداعيا‪.‬‬ ‫�إن الإبداع بما هو م�سكون بعبقرية اال�ست�شراف‬ ‫ثالثاً‪ :‬كما تبين �أهمية الأعمال المرجعية في‬ ‫والتنب�ؤ‪ ،‬يلزم حياطته بكل الدرا�سات المحللة‬ ‫التاريخ الأدب ��ي ف��ي �أ�شكالها المتنوعة (معاجم‬ ‫لأبعاده المختلفة‪ ،‬وقد حاولت هذه المقالة �أن‬ ‫�أدب��اء‪� ،‬أو مو�سوعات �أدبية‪� ،‬أو قوامي�س للحركات‬ ‫تلمح �إلى هذه الأهمية‪.‬‬ ‫الأدب�ي��ة المعا�صرة �إل ��خ‪ )..‬لما تقدمه لدرا�سات‬ ‫خاتمة‬ ‫التنمية الثقافية‪ ،‬والتخطيط الثقافي من خدمات‬ ‫ومما �سبق ر�صده في هذه المحاولة الموجزة جليلة‪.‬‬

‫رواية “تراب الغريب”‬ ‫الموت على قيد الحياة‪،‬‬ ‫�أو الحياة على ذمة الموت!‬

‫■ حنان بريوتي*‬

‫الكتابة عند الم�سرحي والروائي “هزاع البراري” لي�ست حالة �إبداعية عادية؛ �إنها‬ ‫نزيف‪ ،‬وك�شف ا�ستك�شاف‪ ،‬وتلبُّ�س‪ ،‬وتورُّط‪ ،‬ومغامرة‪� ،‬إنها مكابدة ال يخو�ضها منفرداً؛‬ ‫بل يج ّر القارئ معه ليعي�ش المكابدة‪ ،‬ويجمع الخيوط ليغزل الحكاية‪.‬‬ ‫يكاد الموت يكون البطل في �أعماله‪ ..‬الموت بق�سوته وحتميته؛ يحاول الكاتب‬ ‫عبر ن�صو�صه الجارحة محاورته وفهمه وزرع قلبٍ له‪ ..‬الموت‪ ،‬البطل الحقيقي الذي‬ ‫ي�سيّر الن�صو�ص وير�سم الأحداث‪ ..‬وثمة ظل ل�سواده وح�ضوره الم ّر في ثنايا الن�ص‪.‬‬ ‫�إذا كانت ك ّل حياة تحمل ق�ص�صا وحكاياتٍ‬ ‫ق�ص�ص مخفي ٌة وراء‬ ‫ٌ‬ ‫لنهاياتٍ منظورة‪ ،‬فثمة‬ ‫الموت‪ ،‬ك� ّل م��وت‪ ،‬الموت واح��د‪ ,‬لكنه يتكرر‬ ‫بوجو ٍه و�أ�شكالٍ وتفا�صيلِ مختلف ِة لك ّل منا‪.‬‬ ‫لكل ميت ق�صة‪ ،‬تتنظر من ي�ضيئها ويك�شف‬ ‫تفا�صيلها ويعيد غزل خيوطها‪ ،‬لت�صبح ثوبا‬ ‫لحكاية مطمو�سة ب��ال�ت��راب وع�ب��ور ال��زم��ن‪،‬‬ ‫ومجللة بغمو�ض النهايات‪ .‬الموت لي�س نهاية‪.‬‬ ‫�إنه البدايات الموجعة لق�ص�ص تحيا وتنب�ض‬ ‫عبر ع��روق زم��ن ممتد ال يدركها الموت وال‬ ‫هي تخ�شاه؛ لأنها �ضد النهايات‪ ،‬ومتماهية مع‬ ‫الغياب؛ تتردد مثل ريح عنيدة تقرع النوافذ‬

‫المغلقة دونها‪ ،‬والأب��واب التي مهما ُ�صدت‪..‬‬ ‫ال ب�� َّد �أن تجد من ي�شرعها للحظة كما فعل‬ ‫البطل في الرواية‪ ،‬عندها تت�سرَّب �إلى وعيه‪،‬‬ ‫وتن�سرب في عروق حياته‪ ،‬فال يمكنه عندها‬ ‫�إعادة �إقفال الباب‪.‬‬ ‫ال �� �س ��ؤال ال ��ذي ت�ق��وم عليه رواي ��ة «ت��راب‬ ‫ال�غ��ري��ب» ل�ل�ب��راري‪« :‬ه��ل ت�ع��ود ال ��روح لتبني‬ ‫حكايتها م��ن ج��دي��د‪ ،‬فت�سكننا بهذا ال�شكل‬ ‫المزعج والغام�ض؟» (�ص ‪.)25‬‬ ‫تختلط ال�شخ�صيات في الرواية‪ ،‬منها من‬ ‫ما تزال على قيد الحياة‪ ،‬ومنها التي ماتت‪..‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪69‬‬


‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫‪70‬‬

‫لكنها تعي�ش موتها‪ .‬ويلعب الكاتب حيلة فنية بارعة في‬ ‫ر�سم تداخل الأحداث وال�شخ�صيات‪ ،‬والأهم تداخل‬ ‫الزمن؛ فيمزج الما�ضي البعيد بالحا�ضر المعا�ش‪،‬‬ ‫وير�سم مالمح ك ّل �شخ�صية بتدرُّج وتمهل فنانٍ يتقنُ‬ ‫الر�سم‪ ،‬ويعي ما يريد الو�صول �إليه و�إي�صاله‪ ،‬فيغزل‬ ‫خيوط الحكاية بحرفية وب�صبر‪.‬‬ ‫للمكان �أهميته في البناء الروائي‪ ،‬يبدو االرتباط‬ ‫بالمكان جلي ًا لدى الكاتب‪ ،‬ك�أنّ المكان ي�سكنه قبل‬ ‫�أن ي�سكن فيه‪� ..‬إن��ه ي�ؤثثه من جديد لي�ضفي عليه‬ ‫روح الحدث‪ .‬ثمة و�صف مبدع يتنا�سب مع الأحداث‬ ‫المروية‪:‬‬ ‫«هذا قبري‪...‬‬ ‫ح �ج��ارة متكومة‪ ،‬ت��رك ال�سحاب عليها بقايا‬ ‫بكائه الطويل‪ ،‬القطرات ترتج منزلقة الواحدة تلو‬ ‫الأخ��رى‪ ..‬الأع�شاب ال�شتائية تطل من بين ال�شقوق‬ ‫والحواف‪� ..‬أ�شواك من ال�صيف البائد �أالنَ حرباتِها‬ ‫كانون المتعافي‪ ..‬ر�أيت العتمة تت�سرب بين الرجوم‬ ‫المبعثرة وت�ستكين في �أعماقي» (�ص ‪.)1‬‬ ‫ثمة و�صف لتفا�صيل المكان الحميمة‪ ،‬نقل لقطعة‬ ‫من الحياة بنب�ضها و�ضجيجها‪« .‬ب��ار (�أب��و �أحمد)‬ ‫يم�سك بقاع المدينة من خا�صرته‪� ..‬شعبيته العالية‬ ‫تجعله قريبا من النف�س الم�سكونة بالعتاقة والحذر‪..‬‬ ‫نقطع ال�شارع الرئي�س‪ ،‬تاركين خلف ظهورنا �شرفة‬ ‫مقهى ال�سنترال المهجورة مثل ام��ر�أة ا�ستهلكها‬ ‫الإخ�لا���ص واالن��ت��ظ��ار‪ ..‬ام���ر�أة معلقة على م�شجب‬ ‫ذاك ��رة م��ا‪ ،‬تنزلق ف��ي زق��اق ي�شكو ت��زاح��م روائ��ح‬

‫محالت ال�سمك واللحوم المجمدة والمطاعم التي ال‬ ‫تت�سع لزبائنها الجوعى‪ ،‬فيتكفل بهم الزقاق واقفين»‪.‬‬ ‫ثمة الكثير من الجمل الخبرية التي تقدم تعريفا‬ ‫ب�شيء ما‪� ،‬أو تطرح خال�صة لفكرة‪� ،‬أو تحدد موقفا‪..‬‬ ‫تم غزلها بثوب ال��رواي��ة ب�إتقان وحرفية‪ ،‬ب�صورة‬ ‫تبدو ذاتية‪ ،‬ربما لأن ثمة �صدقا في الطرح والتناول‪،‬‬ ‫فيح�س القارئ �أنها تمثل الكاتب من الداخل‪ ..‬الكاتب‬ ‫الذي يطل من خالل ن�صو�صه وال يكتب بحياد �أبدا‪..‬‬ ‫وقد حُ بكت بمهارة فنية عالية في ثوب الرواية‪ ،‬لو‬ ‫جمعت ل�شكلت كتيِّبا بمعان عميقة تمثل خرب�شات‬ ‫الإن�سان على ج��دار القلق ال��وج��ودي‪« :‬الكتابة نوع‬ ‫من الحياة»‪« ،‬المطر ك�أول البكاء‪ ،‬يخنقنا بال�صمت‬ ‫وال �ك ��آب��ة»‪« ،‬الم�ساحات المعتمة ف��ي حياتنا‪ ،‬هي‬ ‫الأ�سرار الوحيدة التي نحملها معنا حين نغادر الدنيا»‬ ‫(�ص ‪.)164‬‬ ‫بطل الرواية كاتب امتهن ال�صحافة بالم�صادفة‪،‬‬ ‫يفكر بمكابدة كتابة رواي ��ة يتلم�س فيها ق�ص�ص‬ ‫ال�م��وت��ى‪ ..‬يختلط ال��واق��ع م��ع الخيال‪ ،‬والموتى مع��� ‫الأح��ي��اء‪ ،‬وت�ت��داخ��ل حيواتهم م��ع ح�ي��ات��ه‪ ..‬تتعدد‬ ‫ال�شخ�صيات في ال��رواي��ة وي�ضيئها الكاتب جزئيا‬ ‫بمهارة‪ ،‬حتى يجبر القارئ على ا�ستك�شاف مالمحها‬ ‫ك � ّل��ه��ا؛ ك���أن��ه ي��ر���س��م ل��وح��ة‪ ،‬وت��ظ��ل تت�ضح مالمح‬ ‫ال�شخ�صية و�أحداثها بالتدريج حتى ت�صبح وا�ضحة‬ ‫ومكتملة في نهاية الرواية‪� .‬إذ ين�سج الروائي ثوب‬ ‫الحكاية بحرفية‪ ،‬ومع انتهائها يجد القارئ الحكايات‬ ‫مكتملة حا�ضرة ناب�ضة في ذاكرته ووجدانه‪.‬‬ ‫«ليلى» تقف على الحافة الأخ�ي��رة من الثالثين‬ ‫من عمرها‪ ،‬لكنه عم ٌر قاح ٌل منقو�ص‪ ،‬وعطِ �ش مثل‬ ‫�صحراء معذبة لم تعتد العط�ش ول��م تُفطر عليه‪،‬‬ ‫عمرها بعمر امر�أة نا�ضجة‪ ،‬لكنها بحجم طفلة في‬ ‫ال�سابعة �أو الثامنة‪« .‬ب��د�أتُ �آ َل��فُ القبر ال��ذي �صار‬ ‫جزء ًا مني‪ ،‬و�أك��ره العالم الذي لم �أ�ستطع �أن �أكون‬ ‫جزء ًا منه» (�ص ‪.)54‬‬ ‫«ليلى»‪ ،‬الطفلة التي دفنها �أهلها حية على �إثر‬ ‫غام�ض‪ ،‬بعد �أن �أخ��ذوا بم�شورة‬ ‫ٍ‬ ‫بمر�ض‬ ‫ٍ‬ ‫�إ�صابتها‬

‫غريبة م��ن ام ��ر�أة غريبة ال�ت�ج��أتْ �إليهم و�سبقت‬ ‫�صحوهم وخرجتْ ‪� ،‬إذ �أ�شارت عليهم بو�ضع ال�صغيرة‬ ‫في قبر ليلة‪ ،‬ف�إما �أن تموت بعدها �أو تحيا‪.‬‬ ‫ي�صف الكاتب وجع الأب ورغبته �أن يطلع �ضوء‬ ‫الفجر ليتفقّد �صغيرته‪ ،‬فيجدها مفتوحة العينين‬ ‫ويظهر عليهما البكاء الطويل‪ ،‬فيقيم لها الأف��راح‬ ‫ث�لاث ليال‪ ،‬لكن الأم��ر يتك�شف بمرور الوقت‪ ،‬لأنّ‬ ‫«ليلى» ماتت جزئيا‪� ..‬إنها تموت ن�صف موت وتحيا‬ ‫ن�صف حياة‪ ،‬خيال الكاتب ي�صل �إلى �أماكن ق�صية‬ ‫ف��ي الخيال الإن���س��ان��ي‪ ،‬ويجترح مناطق خفية في‬ ‫�أعماق الإن�سان في مواجهته الخا�سرة مع الموت‪،‬‬ ‫حين يجترح الموت الجزئي للإن�سان؛ تماما كما‬ ‫ال�شلل الن�صفي مثال‪� .‬أَحقًّا ثمة �شلل ن�صفي للروح؟‬ ‫�أَحقًّا ثمة ن�صف حياة ون�صف موت؟ هل ي�أتي الموت‬ ‫مُجزّء ًا �أيهما �أقل �صعوبة ‪-‬كالهما �صعب‪ -‬الموت‬ ‫دفعة واحدة ونهائية‪� ،‬أم الموت مُجزّء ًا حين يكابد‬ ‫الإن�سان �شكال م�شوها للحياة؟ «ليلى» توقّف ج�سدُها‬ ‫ع��ن النمو عند �سن الطفولة‪� ،‬أم��ا عقلها وروحها‬ ‫فتابعا النمو‪ ،‬فعا�شت �شبه حياة‪ ،‬وت�شوَّهت �أنوثتها‪..‬‬ ‫لم ت�ستطع �أن تحيا حياة طبيعية‪ ،‬وحُ رمت من الحب‬ ‫وال��زواج‪ ..‬ثمة فكرة ي�ضيئها الكاتب‪ ،‬ثمة ما ي�شبه‬ ‫الموت‪� ،‬إذاً‪ ،‬لكنه يباغتنا في الحياة فنعي�ش �أو نموت‪،‬‬ ‫�أو نموت وال نعي�ش‪ .‬هل يعي�ش بع�ضنا �شبه حياة‪،‬‬ ‫ويموت �شبه موت؟ هل تمت�ص الحياة بق�سوة ظروفها‬ ‫ومرارتها وثقلها ال�شغف والرغبة بالحياة‪ ،‬فنتجرَّع‬ ‫العمر بطعم الموت؟ ثمة ما هو �أق�سى من الموت‪� ..‬إنه‬ ‫الموت على قيد الحياة‪� ،‬أو الحياة على ذمة الموت!‬ ‫ثمة را ٍو يق�ص ق�ص�ص الموتى نق ًال عنهم‪ ،‬يروي‬ ‫ما يروونه‪ ..‬با�ستثناء «الخوري» الذي لم ير ِو ميتته‬ ‫الم�ؤلمة المحملة بالغدر بل�سانه‪ ،‬لكن �صوت �صراخه‬ ‫ظ ّل يمزق ظلمة الليل قريبا من الكهف الذي قتُل فيه‬ ‫بال ذنب‪ ،‬ذات ليلة �شتائية باردة‪.‬‬ ‫ال��راوي يراهم ويحلم بهم‪ ،‬الحلم و�سيلة‪ ،‬وهو‬ ‫الذي جاءه حلم «الأبي�ض» في طفولته المبكرة‪ ،‬فكان‬ ‫بمثابة �إ�شارة �أو نبوءة ب�أن ثمة باب ًا يُفتح في نف�سه‬

‫وعقله‪ ،‬تت�سرَّب منه الحكايات الغافية والمدفونة في‬ ‫التراب‪ ،‬لكن الكاتب ج َّر القارئ �إلى لعبة فنية ذكية‪،‬‬ ‫حين �أتمَّ ن�سج الحكايات كلّها في ذهنه‪ ،‬وجعل «�صفاء»‬ ‫حبيبة البطل‪ -‬تزور قبر الراوي ليك�شف للقارئ �أنه‬‫ال يعي كم م�ضى من الزمن‪ ،‬و�أنّ جريان الزمن لديه‬ ‫امتداد ال يتوافق مع جريانه في الحياة‪ ..‬تتداخل لديه‬ ‫الأزمان كما تداخلتْ في مخيلته وذاكرته‪ ،‬وما يكتبه‬ ‫ويرويه حيوات الأحياء والأموات وحياته‪..‬‬ ‫يتداخل الموت والحياة في هذا الن�ص الروائي‬ ‫المُبهر في بنائه الفني‪ ،‬وفي �أفكاره وفي طرحه‪ ،‬وفي‬ ‫ما يثيره من ت�سا�ؤالت‪ ،‬وفي تحريكه عقاربَ الخوف‬ ‫المُتجذّر من ال�م��وت‪ ،‬ال�ساكنة في �أع�م��اق الب�شر‪،‬‬ ‫وفي وب�ساطته وبعده عن التعقيد‪ ،‬ومعالجته القلقَ‬ ‫ال��وج��ودي ال��ذي يجري في ع��روق الوعي والالوعي‬ ‫الب�شري على مر الع�صور‪.‬‬ ‫يعجز ال�م��رء ع��ن و�صف م��ا تحمله ال�صفحتان‬ ‫الأخ �ي��رت��ان م��ن ال��رواي��ة‪ ،‬وال�ل�ت��ان يمكن و�صفهما‬ ‫بالك�شف ال �م��وج��ع ع��ن م��وت ال � ��راوي‪ ،‬وان �� �س��راب‬ ‫الزمن الذي يفقد قيمته �أم��ام الموت‪� ..‬إنه الحزن‬ ‫والفجيعة ومكا�شفة ق�سوة الموت‪ ،‬واالنحناء �أمام‬ ‫جبروته وحتميته وبرودته‪ ..‬لقد تلونتا بالرمادي‪ ،‬لون‬ ‫الرحيل‪ ،‬لون القبور‪ ،‬لون الموت والحيرة والعجز‪،‬‬ ‫حيرة الإن���س��ان وع�ج��زه بين حياته التي ال تكتمل‬ ‫�إال بالموت‪ ،‬وبين موت ال يكون �إال بحياته‪ ..‬تحمل‬ ‫ال�صفحتان الأخيرتان موت الراوي الذي اتك�أ عليه‬ ‫القارئ في تجرُّع مرارة الرواية وق�سوتها وفجائعيتها‪:‬‬ ‫«ال�شم�س الخابية تتلوى كذابلة ال�شمعة ال�صغيرة‪..‬‬ ‫كانوا يقفون معي‪� ..‬أحاطوا بي‪ ..‬الأبي�ض ب�ضحكته‬ ‫المعهودة‪ ،‬الثعالبي والعجوز الكويتية‪ ،‬وفتنة في‬ ‫عز �صباها وع�شقها المميت‪ ..‬قلتُ لها �إنني �أراهم‬ ‫جميعا» (�ص‪.)218‬‬ ‫يبدع الكاتب في ت�صوير الموت‪ ،‬وتجلية ق�سوة‬ ‫الغياب الحا�ضر والح�ضور الغائب‪« :‬لم تلتفتْ ولم‬ ‫تجب‪� ..‬أظنها لم ت�سمع لأنها �أخذتْ تبكي‪ ..‬حاولت �أن‬ ‫�أحت�ضنها �أو حتى �أم�سك يدها فلم �أجد يدي‪ ..‬كنت‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪71‬‬


‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫درا���س��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ات ون��ق��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د‬

‫‪72‬‬

‫بال ذراعين» (�ص ‪.)218‬‬ ‫يك�شف الكاتب لقارئه ال��م��ت��ورِّط ف��ي ن�ص ُي َع ّد‬ ‫مكابدة �إبداعية‪ ،‬لعب َة الزمن التي �أداره��ا بمهارة‬ ‫ووظّ فها في الأح��داث في الرواية‪ ،‬حين يكت�شف �أنّ‬ ‫«�صفاء» لم تعد تلك الفتاة في �أوائل الثالثينيات من‬ ‫عمرها‪ ،‬بل �أ�صبحتْ في ال�ستين من العمر‪« :‬قلتُ لها‪:‬‬ ‫�أري��د �أن �أحت�ضنك و�أن��ت حبيبتي‪ ..‬ثم ر�أيتها ت�شيخ‬ ‫ب�سرعة‪ ،‬فلم �أ�س�ألها كم �سنة مرت علينا»‪.‬‬ ‫ك��أن ال��راوي يريد �إخبارنا �أنّ الزمن في الموت‬ ‫يختلف عنه في الحياة‪ ،‬وك�أنما هو �ساحر �أتمَّ حيله‬ ‫التي انطلتْ علينا قبل �أن يفتح الباب ويغادر بخفة‬ ‫وبراعة فنان‪ .‬لقد �أ�صبحت «�صفاء» في ال�ستين من‬ ‫عمرها الذي م�ضى فارغا �إال من ذكرى حبيب عا�ش‬ ‫حياة قلقة‪ ،‬اختلطتْ عليه الحياة بالموت والموت‬ ‫بالحياة‪ .‬هل ماتت فر�أته؟ �أم �إنها �أُ�صيبتْ بالعدوى‬ ‫ف�أ�صبحتْ تق�ص ق�ص�ص الموتى‪ ،‬وتر�سم بحياتها‬ ‫حكاياتاهم‪ ،‬وتروي تفا�صيل موتهم التي تتلوَّن بلون‬ ‫ال��وج��ع وطعم النهاية ال� ُم� ّر مهما اختلفت‪ .‬تقول‪:‬‬ ‫«بقيتُ ح��ائ��رة‪� ،‬أح�س به ك�أني �أراه‪ ..‬تنهدتُ وقد‬ ‫�أتعبتني الذكريات»‪�« ..‬صاروا ي�أتون �إلي‪ ..‬ي�أخذونني‬ ‫معهم‪ ،‬لكني �أخاف‪�( »..‬ص ‪)219‬‬ ‫يخبرها ال��راوي �أنه يرى موتاه‪� ،‬أبطال ق�ص�صه‬ ‫الذين �أ َّرق��وه حيًّا‪ ،‬وابُتلي بحكاياتهم على ظلمها‪..‬‬ ‫يراهم بعد موته‪ ،‬وهم يتجمعون حوله �إال «ن�سرين»‬ ‫التي �أحبته وع�شقته و�أعطته الج�سد وال��روح‪ ،‬لكنه‬ ‫لم يبادلها الحب‪ ،‬ولم ي�ستطع �أن يكون لها‪ ،‬وتركها‬ ‫تغادره ب�صمت وتخاذل‪..‬‬ ‫كان موتها في �أر���ض بعيدة‪ ،‬عارية من عائلتها‪:‬‬ ‫الأب الذي خطفته الحرب الأهلية في لبنان‪ ،‬والأم‬ ‫ال��ت��ي اخ��ت��ارت درب ال��عُ��ري وال�����س��ق��وط الأخ�لاق��ي‬ ‫وا�سترخ�صتْ نف�سها لت�سافر وت�ت��رك ابنتها نهب ًا‬ ‫للحياة‪..‬‬ ‫لقد كان الح�ضن الأخير الذي راهنتْ عليه‪ ،‬لكنه‬ ‫خذلها وتركها في مهب ال��وح��دة والغربة وجفاف‬ ‫العمر ون�ضوبه ال�سريع؛ لينه�ش المر�ض الخبيث‬

‫�أح�شاءها المهترئة بق�سوة الحياة المتكالبة عليها‪..‬‬ ‫وقد عرف الراوي بموتها بعد فترة عن طريق ر�سالة‬ ‫كتبتها �إليه وهي ت�صارع الموت وحيدة غريبة‪ ،‬وكلفت‬ ‫زميال لها ب�إر�سالها له بعد �أن �أعطته الرمز ال�سري‬ ‫لبريدها‪.‬‬ ‫ع �ن��وان ال��رواي��ة «ت ��راب ال�غ��ري��ب» ك��ان اختيارا‬ ‫م�صيبا‪ ،‬ولي�س من عنوان �آخر ير�صد الن�ص كما في‬ ‫هاتين الكلمتين‪.‬‬ ‫«تراب»‪ :‬القبر‪ ،‬الموت‪ ،‬النهاية والغبار الذي يثور‬ ‫مع الريح ويتم�سك بالأثاث وال�شجر والحواف ويطرق‬ ‫الأب��واب‪ ،‬معلنا عن وجوده و�أزليته وقلقه و�إقالقه‪..‬‬ ‫ك�أن الرواية كتبت بتراب‪ .‬و«الغريب»‪ :‬لك ّل �شخ�صية‬ ‫في ال��رواي��ة وج��ه و�شكل للغربة‪ .‬ال��راوي نف�سه كان‬ ‫غريبا لأن��ه لم يكن مع الأح�ي��اء في حياته‪� ،‬سرقته‬ ‫ق�ص�ص الموتى وق�ص�ص اغترابهم المزدوج بالظلم‬ ‫في الحياة‪ ،‬والغربة في الموت‪.‬‬ ‫ال�شخ�صيات جميعها في الرواية تعي�ش غربتها‪،‬‬ ‫ن�سرين‪:‬عا�شتْ �شك ًال م�ؤلما من الغربة بحب من‬ ‫ط��رف واحد‪،‬عا�شت غريبة في وطنها وبعيدة عن‬ ‫�أمها م�لاذ الإن�سان ومبعث �أم��ان��ه‪ ،‬عا�شتْ غريبة‬ ‫وماتتْ غريبة في �أر�ض غريبة غربتها لم تنته حتى‬ ‫بالموت‪ ،‬حتى في موتها ترقب حبيب عمرها من‬ ‫بعيد‪ ،‬لكنها ال تقترب غريبة بموت والدها وانحراف‬ ‫والدتها و�إهمال البطل لتفا�صيل �إح�سا�سها‪.‬‬ ‫ثريا‪:‬تجرَّعت غربتها بهجر زوجها لها وجرحه لها‬ ‫في �أنوثتها وهي في بيته‪ ،‬ثم ب�إق�صائها عن ع�شيقها‬ ‫وغربة �أمومتها الأق�سى ب�إق�صائها عن طفلها‪� ،‬أو‬ ‫�إق�صاء طفلها عنها ب�إخبارها بعد �أن �أف��اق��ت من‬ ‫�أوج��اع ال��والدة �أن��ه ول��د ميتا‪ ،‬و�إك�م��ال ما تبقى من‬ ‫حياتها في قبو هو �أقرب لجحرٍ لحيوان ولي�س لإن�سان‪،‬‬ ‫وف��ي وحدتها التي لم تجد من يك�سرها معها غير‬ ‫«فار» كانت تطعمه وتتحدث معه حتى موتها‪ ،‬عا�شته‬ ‫غريبة؛ لأنها دُفنت في �أر�ض غريبة عنها‪.‬‬ ‫�سليم «�أخ ث��ري��ا»‪ :‬غربته بتنكِّره لعاطفته تجاه‬ ‫�أخته‪ ،‬و�سعيه لقتلها حتى ب��د اختفائها والتجائها‬

‫لدير في نابل�س‪.‬‬ ‫وال��د ثريا‪:‬غريب بفقده رفيقة درب��ه‪ ،‬واغترابه‬ ‫وق�صيّ عن‬ ‫ع��ن ابنته ثريا التي ك��ان متعلقا بها‪ِ ،‬‬ ‫�صدقه؛ لأنه لم يتمكّن من الدفاع عن حق «ثريا» في‬ ‫حياتها المنزوية البعيدة التي ت�شبه الدفن والإق�صاء‬ ‫الق�سري‪ ،‬فتحمَّل وجعه مكرها �صامتا‪ ،‬و�أعطى الإذن‬ ‫لعمها ا�سكندر ب�إتباع الخديعة للو�صول �إليها والق�ضاء‬ ‫عليها واالحتفال بموتها باعتباره ن�صرا رجوليا‪.‬‬ ‫قا�سم علي‪ :‬غريب في جرحه الذي افقده �ساقه‪،‬‬ ‫وظ َّل غريبا في بيته مع زوجته الجاحدة والقا�سية‪،‬‬ ‫التي تعاملت معه بعد �إ�صابته وعجزه ك�أنه قطعة �أثاث‬ ‫م�ستهلكة ومتروكة‪ ،‬ال ت�صلح لال�ستفادة منها‪ ،‬لكن ال‬ ‫يمكن �إلقا�ؤها في الحاوية‪.‬‬ ‫اب�ن��ة قا�سم ع�ل��ي‪ :‬عا�شت تغريبا ق�سريًّا حين‬ ‫�أُجبرت على الزواج –رغم �صباها وجمالها‪-‬برجل‬ ‫ي�ق��ارب عمره عمر وال��ده��ا م��ن �أج��ل �أن تعي�ش هي‬ ‫وعائلتها‪ ،‬تعي�ش‪� ..‬أي تظل على قيد الحياة وتجد ما‬ ‫ت�أكله فقط‪.‬‬ ‫قا�س‪ ،‬غربة موت‬ ‫�أم عبداهلل‪:‬عا�شت غربة من نوع ٍ‬ ‫�أوالدها ورحيلهم المباغت بانفجار قنبلة عبثوا بها‬ ‫م�ستك�شفين حيث يجل�سون في حو�ش ال��دار‪ ،‬وظلت‬ ‫تمار�س غربة الألم واالنتظار وتتخيل رجوعهم‪.‬‬ ‫وعنوان «تراب الغريب» ي�صحّ عنوانا لكل ق�صة‬ ‫من الق�ص�ص المتداخلة �إن روي��ت منف�صلة‪ ،‬ربما‬ ‫عنى الكاتب بالغريب‪« :‬الراوي» في الرواية‪ ،‬لكن هذا‬ ‫لي�س الغريب الوحيد‪ ..‬كلهم‪ ،‬كلّنا �أغراب!‬ ‫ثمة مالحظة ع��ن الأم��وم��ة غير المتحقّقة في‬ ‫ال��رواي��ة‪� ،‬أو ه��ي الأم��وم��ة المنقو�صة والمجروحة‬ ‫والغائبة‪ .‬وهي تتكرر في ن�صو�ص البراري ب�أ�شكال‬ ‫متعددة‪ .‬ف «ثريا» �أمومتها منقو�صة بفقدها �أمها‬ ‫مبكرا‪ ،‬وب�ت��أخ��ر حملها واتهامها م��ن قبل زوجها‬ ‫والمحيطين ب�أنها عاقر‪� ..‬أر���ض ج��رداء‪ ،‬و�أمومتها‬

‫م�شوهة‪� ،‬إذ �سرقوا ابنها من تحتها‪ ،‬وظ َّل ابنها الذي‬ ‫�أ�صبح خوريا يبحث عن �أهله و�أمه التي قيل له �إنها‬ ‫ماتت بعد والدته مبا�شرة‪ ،‬كما �أُخبرت هي بموته بعد‬ ‫والدتها له‪ .‬حتى حين تم «الت�آمر» العائلي على قتلها‬ ‫والتخل�ص من عارها‪ ..‬ال نجد �أم ًا تبكيها‪ ،‬لكن يبدع‬ ‫الكاتب في و�صف حزن الأب و�ألمه الذي ال يجر�ؤ على‬ ‫الت�صريح به و�إعالنه‪.‬‬ ‫وهناك «ن�سرين»‪ ،‬المجروحة ب�أمها التي نهبها‬ ‫الليل‪ ،‬وفقدتها بما هو �أ�صعب بكثير من الموت‪ ،‬كما‬ ‫�أنها ماتت �شابة لم تحقق �أمومتها‪ .‬وهناك «�صفاء»‬ ‫التي لم تتحقق �أمومتها‪ ،‬وفقدت �أمها التي دفنت‬ ‫تحت الثلج‪ .‬وكذلك ال��راوي ال��ذي فقد �أم��ه‪« :‬حتى‬ ‫عندما عبرتْ بع�ض ال�سنوات وفتك بها المر�ض‪ ،‬لم‬ ‫تدمع عيناها كالعادة‪ ..‬منذ تم�سك بها الفرا�ش‪،‬‬ ‫طلبت مني �أن �أخرج لأ�صدقائي‪ ،‬لأن ك�آبتي تنغر�س‬ ‫في وجهي كالو�شم‪ ..‬عندما انت�صف النهار كنت‬ ‫�أنتحب قرب رجال يحفرون قبرا على �أطراف القرية»‬ ‫(�ص ‪.)27‬‬ ‫ث �م��ة ج�م�ل��ة ت��ك��ررت ف��ي ال ��رواي ��ة ع �ل��ى ل���س��ان‬ ‫�شخ�صيتين مختلفتين‪ ،‬لكنهما مرتبطتان برابطة‬ ‫وثيقة‪� .‬إنهما «ثريا» وابنها الخوري‪« :‬الم�سيح كان‬ ‫غريبا»‪ .‬ربما في ذلك دالل��ة على الترابط الروحي‬ ‫بين الأم وابنها حتى و�إن عا�شا غريبين ومنف�صلين‪.‬‬ ‫بعد �أن ينتهي المرء من قراءة «تراب الغريب»‪،‬‬ ‫�سيقف �أمام كل قبر‪ ،‬ويفكر في حكاية مخبوءة بين‬ ‫ال�ت��راب‪ ،‬يرويها له �أح��د الذين تحولوا �إل��ى ت��راب‪،‬‬ ‫ويحد�س �أن ثمة قبورا بعيدة مطمو�سة مخفية عن‬ ‫العيون‪ ،‬لكنها ال ت�صمت‪ ،‬تحاول ال�صراخ و�إي�صال‬ ‫�صوت حكايتها المطمو�سة التي ال تموت‪ ،‬لأنّ الموت‬ ‫ان�ف�لات م��ن ح�صار ال��زم��ان وال�م�ك��ان‪� ..‬إ ّن��ه تحرر‬ ‫قا�س وموجع وموح�ش‪ ،‬لكنه ي�شبه الن�صر‬ ‫بطريقة ما‪ٍ ،‬‬ ‫م�ضمخ ًا بالدماء‪.‬‬

‫* كاتبة من الأردن‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪73‬‬


‫ن�صو�ص‬ ‫■ عبداهلل ال�سفر*‬

‫بيا�ض‬

‫يحنو عليه ال �ن��وم‪ ،‬فيرخي عليه غالل َة‬ ‫الأحالم‪.‬‬ ‫�شم�س العزل ٍة لم تبقِ له بيا�ض ًا‬ ‫يعرف �أن َ‬ ‫يخط عليه ا�سمَها‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫انتظار‬

‫ال �أحد يمرّ‪،‬‬ ‫رغمَ ت�صاعدِ دخانِ حني ِن ِه‬ ‫واتّقا ِد �شعل ِة قلبه‬ ‫في‬ ‫االنتظار‪.‬‬ ‫�شراهة‬

‫ب�ساط وق ِت ِه وذاكرتِه‪.‬‬ ‫م َّد َ‬ ‫يا لَ�شراهة العزلة‪.‬‬ ‫غطاء‬

‫تغطّ ى بكثيرٍ من المرارة‪،‬‬ ‫لئال تخدعَ ُه الأحالم‪.‬‬ ‫�شيخوخة‬

‫لوّثتْ ال�شيخوخ ُة نب َعهُ‪.‬‬ ‫مَ ن �سَ يَرِ ُد علي ِه في حُ ْل َك ِة هذا الليل؟‬ ‫مَ ن �سيتب ُعهُ؟‬ ‫منفى‬

‫رائح ُة عمرِ ِه تثقلُ عليه‪.‬‬ ‫ي�ش ُّق النوافذَ ويكاتِبُ الأمل‪.‬‬ ‫الرائح ُة اللزج ُة منفاه‪.‬‬ ‫* قا�ص من ال�سعودية‪.‬‬

‫‪74‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫اتخذت من تلك ال�صخرة �سكناُ‪ ..‬فهاهي النوم‪..‬‬ ‫ت�أوي �إليها محمل ًة بالهموم‪ ،‬فت�سند ظهرها‪..‬‬ ‫ا�ست�سلمت‪. ..‬‬

‫�إغفاءة‬

‫في جرحِ ِه الحيّ‬ ‫�أطلقَ فرا�ش َة الن�سيان‬ ‫علّها‬ ‫تغفو في دمِ ه‪.‬‬ ‫ت�صويب‬

‫يخم�ش � �س �ت��ار ًة ت �ئ��نّ من‬ ‫ُ‬ ‫ب�ح�ن��انٍ م��وج��ع‬ ‫الن�سيان‪.‬‬ ‫الغياب بالدمع وي�صوّب على‬ ‫ِ‬ ‫يح�شو م�سد َّ�س‬ ‫«�ألبومٍ » فارغ‪.‬‬ ‫عبث‬

‫تخبّطتْ �أ�ضالعُ ُه في زرق ِة الحنين‪،‬‬ ‫�شهقَ ما ا�ستطا َع من الذكرى‪.‬‬ ‫لم ي�ستقم ل ُه وج ٌه‬ ‫وال حطّ تْ في يدِ ِه �صورة‪.‬‬ ‫نافذة‬

‫هل ت�صدّعتْ النافذ ُة من �ضربات الريح؟‬ ‫هل �صدّعتْها نهنه ُة الواقف خلفها‪ ،‬عمرا‪،‬‬ ‫ال يزيح ال�ستار؟‬

‫■ ليلى احلربي*‬

‫ق�����������������ص�����������������ص ق�����������������ص����ي���رة‬

‫لحن الغربة‬

‫ت�شعر ب�صالبتها‪ ،‬ولكنها تظل �ألين من‬ ‫�أ�صوات تقترب منها و�أخرى تناديها‪ ..‬وهي‬ ‫ذلك القلب‪..‬‬ ‫في هذا العالم ال�شفيف ال تريد العودة منه �إال‬ ‫تطلق لب�صرها ال�ع�ن��ان‪ ..‬ف�لا يتوقف �إال �أنهم ينت�شلون هذا الج�سد‪ ،‬ال�ساكنته روحها‪..‬‬ ‫عندما ي�صطدم بالأفق خلف البحر‪..‬‬ ‫مد وجزر بينهما‪..‬‬ ‫و�أم ��ام ال�سماء‪ ..‬لوحة �صامتة ل��وال تلك‬ ‫حتى تراءى لها ال�صبح ملفوفا بخوذته‪..‬‬ ‫الطيور التي تحلّق عبرها‪..‬‬ ‫وداعبها الكون مجموعا بكفيه‪..‬‬ ‫ينقلبْ �إليها الب�ص ُر خا�سئا‪ ..‬ال يدري �إلى‬ ‫واحتوتها عيناه م�ؤطرة بالدمع‪..‬‬ ‫�أين الم�سير‪..‬‬ ‫وان�سابت الكلمات ك�أنها ال�شعر الم�صفى‪.‬‬ ‫تحدّث البحر الذي �سكنت به �أهوا�ؤها‬ ‫‪ ..‬تقترب منه‪ ..‬تقترب‬ ‫تعانقه‪ ،‬فيغلّف ج�سدها بموجه الهادر‬ ‫بحنان‪..‬‬

‫�أتعانقين البحر؟!‬ ‫كدت �أكون حورية في جوفه‬ ‫بل كدت تغرقين‪..‬‬

‫يربت على كتفيها‪ ..‬تلقي �إليه �شال ًال من‬ ‫الليل‪ ..‬فيحتويه‪ ..‬ترتمي على و�سائده الوثيرة‬ ‫فيم�ضي بها بعيدا‪ ..‬يعلو الموج فيغدو مر�آة وها �أنتم تعيدونني لأعماق بركم‪ ،‬وتهيلون‬ ‫عليّ الحياة‪..‬‬ ‫يت�ضخم بها وجهها‪..‬‬ ‫كدت �أطفو‪..‬‬

‫عينان ترمقها مودّعة‪ ..‬و�أيد تمتد نحوها‪ ..‬ل��ح��ظ��ات‪ ..‬لتجد نف�سها ف��ي ق��ع��ر ال��ب��ر‪،‬‬ ‫و�شفاه تفتر عن ابت�سامة الخدر الذي ي�سبق تمار�س الموت وتتنف�س‪.‬‬ ‫* قا�صة من ال�سعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪75‬‬


‫■ �سمية البوغافرية*‬

‫تتالقى نظراتها بنظراته الطافحة حبا وهياما‪ ..‬تبت�سم له بخجل‪ ،‬وتعود تهيم‬ ‫ع�شقا ب�أكوان تنب�سط لعينيها خلف ال�شم�س‪..‬‬ ‫يظل ف��ي مكانه ف��ي ح�ضن �شجرة ال��ل��وز‪� ،‬أم��ام��ه��ا‪ ..‬عيناه ال تغفالن ح��رك��ة من‬ ‫حركاتها الر�شيقة التي تثمله‪ ..‬ينتظر ب�شوقٍ اللحظة التي �ستلتفت �إليه لتر�شقه‬ ‫بب�سمة من ب�سماتها الخجولة التي ت�ضيء �أعماق روح��ه‪� ...‬شعر بالحزن من �ضيق‬ ‫حيلته ال�ستدراجها �إلى حدائق قلبه الغ�ض‪ ..‬انزعج �أكثر من طريقة جده ال�سلطانية‬ ‫التي يدخن بها �شي�شته �أ�سفل ال�شجرة‪ ،‬ومن لجّ ة الدخان التي يغرقه فيها‪ ،‬فيحجب‬ ‫عنه فاتنته‪ ..‬ف��راح ينتقل �إل��ى مكان �آخ��ر �أق��رب من مع�شوقته‪ .‬ح��ذره ج��ده بنبرته‬ ‫الوعيدية الحادة‪:‬‬ ‫�إن �ه��ا م��ن �صنف ال�ن�م��رات المنت�شرة في‬ ‫لكن نظرة واح���دة م��ن نظراتها الفاتنة‪،‬‬ ‫ك��ل ب�ق��اع الأر�� ��ض‪ ..‬مخالبهن ط��وي�ل��ة‪ ،‬ح��ادة وب�سمة رقيقة من ب�سماتها العذبة تذيبه وتن�سيه‬ ‫كال�سيوف‪ ..‬يتناف�سن على ح�شو مخداتهن العالم حوله‪ ..‬وال يعود يرى غيرها‪..‬‬ ‫بما ينتفنه من �شوارب المخدوعين فيهن من‬ ‫وجد نف�سه بين خيارين �أحالهما ُم�رُّ‪� :‬إما‬ ‫ال�شبان �أمثالك‪ ..‬و�إن امتلأت و�سادة �إحداهن‪ ،‬ال�شنب و�إما ال�شهباء‪..‬‬ ‫�أنزلنها ملكة عليهن‪ ..‬فال تغتر‪ ،‬يا حفيدي‪،‬‬ ‫كفتان تت�أرجحان �أمام عينيه في ليله ونهاره‪،‬‬ ‫بمظهرها ورقتها الخادعة وتظنها مثل جدتك‪..‬‬ ‫ولم يقرر ب�أي �سي�ضحي ويح�سم به �أمره‪..‬‬ ‫م��رر ي��ده على �شاربه الخفيف وان�صرف‬ ‫‪76‬‬

‫ع��اد �إل��ى ج��ده نحيال هزيال ال يقوى حتى‬ ‫بعيدا عن جده‪ ،‬وهو عازم على �إ�سقاط ال�شهباء‬ ‫من م�شاريعه و�أحالمه‪..‬‬ ‫على الكالم‪ ..‬قال له ب�صوت مهزوز وعيناه على‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫ق�����������������ص�����������������ص ق�����������������ص����ي���رة‬

‫تحية كرباجية‬

‫ال�شهباء‪ ،‬وهي في كامل عنفوانها ور�شاقتها‪:‬‬ ‫عرقها وي�ستن�شقه بلذة عارمة‪ ،‬ثم يغيب في نوبة من‬ ‫�أال يمكن جدي �أن �أحافظ على �شنبي‪ ،‬و�أحظى بها البكاء حزنا على ما اقترفه في زوجته‪..‬‬ ‫في �آن واحد كما فعلت �أنتَ ؟‬ ‫قب�ض بيد على �شاربه ال��ذي ط��ال و�صار يتفاخر‬ ‫ •�أجل‪ ،‬ممكن ولكن في حالة واحدة فقط يا حفيدي‪ ،‬به �أمام �أقرانه المنتوفي ال�شوارب‪ ،‬وبيد �أخرى انهال‬ ‫بالكرباج على عرو�سه ال�شهباء بالجلدة الخم�سين‪..‬‬ ‫ •انتف�ض جال�سا بخفة �شبابية �سائال جده بف�ضول لدغه �صوتها ال��ذي تغيرت نبرته‪ ..‬من �أنين حزين‬ ‫جارف‪:‬‬ ‫�إل��ى �صوت مزمجر مخنوق �أ�شبه بـالــــ‪ ..‬ت�شوك له‬ ‫ •هيا جدي‪� ..‬أفت علي‪� ..‬أطال اهلل في عمرك‪ ،‬وفي جلده ووقف �شعره‪ ..‬ورائحتها القوية القار�صة �سرت‬ ‫�شنبك‪.‬‬ ‫كالتيار الكهربائي في ج�سده‪ ..‬ف�سقط الكرباج من‬ ‫ •عليك �أوال �أن ت�ستعيد قوتك و�شبابك‪ ،‬و�إال انقلب يده‪ ..‬وق�ضى ليلته يخمن فيما ا�ستجد من �أمرها‪ ،‬من‬ ‫دون �أن يتو�صل �إلى فك لغز تغير نبرة �صوتها ورائحة‬ ‫ال�سحر على ال�ساحر‪.‬‬ ‫ •�أت�أمرني بال�سحر حتى �أ�ضمن رقة زوجتي وليونتها ج�سدها‪..‬‬ ‫لعن جده في داخله ت�سعا وت�سعين لعنة‪ ..‬ا�ستجمع‬ ‫معي؟!‬ ‫ •ال�سحر‪ ،‬ال يجدي نفعا مع �أمتنا‪ ..‬ق�صدت �أن تكون ك��ل �شجاعته وق��وت��ه‪ ،‬و��س��رج الغرفة ل�ي��رى عرو�سه‬ ‫قويا لتم�سك بالكرباج فتحيي به زوجتك ت�سعا ال�شهباء الوديعة تتو�سل �إليه �أال ي�سوطها مرة �أخرى‪.‬‬ ‫وت�سعين تحية قبل �أن تمد ي��دك لتلم�سها‪ ..‬ثم فيفتح لها ذراعيه وي�سكنها �أعماق روح��ه‪ ..‬تراجعت‬ ‫اح�ضنها �إلى �صدرك‪ ..‬افر�ش لها الحرير وغطيها ال�شهباء خطوات �إل��ى الخلف بمجرد �أن ر�أت ظله‪..‬‬ ‫بالحرير فترة‪ ،‬لتظل لك حريرا طوال حياتك‪ ..‬تك�شر عن �أنيابها الحادة‪ ،‬وت�شهر مخالبها المعقوفة‬ ‫الطويلة‪..‬‬ ‫ •�أهذا ما فعلته مع جدتي الحنون حتى �صار �شنبك‬ ‫ارتفع جلده و�شعر به �سين�سلخ عن ج�سده من �شدة‬ ‫ي�ضرب به المثل في طوله؟‬ ‫الرعب‪ ،‬الذي غزا �شرايينه‪ ،‬و�سمره في مكانه يرتعد‪..‬‬ ‫فتل جده �شنبه العري�ض الطويل بزهو‪ ،‬وانهمك‬ ‫يحدق بذهول �إلى �آثار ال�سوط المرت�سمة على ظهرها‬ ‫يدخن �شي�شته بطريقته ال�سلطانية التي لم تغظ حفيده‬ ‫خطوطا �شبيهة بخطوط جلد النمر‪ ..‬تك�سوها من‬ ‫هذه المرة‪...‬‬ ‫ر�أ�سها حتى طرف ذيلها‪ ..‬حررت زئيرا مخنوقا من‬ ‫***‬ ‫بين �أنيابها الم�شدودة‪ ،‬وهمت باالنق�ضا�ض عليه‪..‬‬ ‫�أق�ف��ل الحفيد على عرو�سه ال�شهباء ف��ي غرفة‬ ‫تقهقر‪ ،‬و�سقط فاقد الوعي بعد ما �أطلق �صرخة‬ ‫مظلمة �صغيرة‪� ..‬سد عليها كل الأبواب والنوافذ‪ ،‬حتى مميتة ي�ستنجد بجده‪..‬‬ ‫ال تت�سرب �إل��ى �أنفها روائ��ح المتنمرات في الخارج‪،‬‬ ‫�صحا قطو�س من غيبوبته وج�سده عار من فروه‪..‬‬ ‫وت�صلها �أ�سطوانتهن الملعلعة �أ�صدا�ؤها في �أقا�صي‬ ‫الوجود‪ ..‬في كل ليلة‪ ،‬من خلف ق�ضبان النافذة‪ ،‬ينهال وجده بجانبه يبكي �شنبه الذي طار في �آخر عمره‪..‬‬ ‫***‬ ‫على ج�سدها الغ�ض بكرباج ج��ده‪ ،‬فتتطاير رائحة‬ ‫* قا�صة من المغرب‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪77‬‬


‫ق�ص�ص ق�صيرة جد ًا‬ ‫■ ح�سن علي البطران*‬

‫ر�سالة‬

‫تزاحم‬

‫■ ح�سن برطال*‬

‫�أل ��وان ��ا م �ت �ع��ددة ع�ل��ى ورق�ت��ه‪..‬وب�ي�ن�م��ا‬ ‫الجدار الرملي‬ ‫ط��اق‪..‬ط��اق‪..‬ط��اق‪�..‬أن��ام��ل المحقق الذين ا�ستعملوا (الأزرق) ي�ضحكون‪..‬‬ ‫ت�ضغط على الأزرار‪ ،‬والآل���ة الكاتبة ي�سخرون‪ ..‬كان قو�س قزح في الأفق‪..‬‬ ‫تكتب‪...‬ولما نطق القا�ضي ب��الإع��دام‬ ‫اليوم الأول يموت (القط)‬ ‫ت�أكدتْ �أن تلك (الطقطقات) �أخطر من النجار يطلب طول الباب وعر�ضه‪..‬‬ ‫(الطلقات)‪.‬‬ ‫الزوج يطلب اقتراح زوجته‪..‬‬ ‫ُخ�شُ ب م�سندة‬ ‫ال��زوج��ة ت �ق��ول‪� :‬أري � ��ده �أو���س��ع من‬ ‫�صنعتْ لأطفالها �أرجوحة من حبال كتفيك‪..‬‬ ‫وخ�شب‪..‬لكن الذي �ألف ركوب ظهرها‬ ‫الكارت – بو�سطال‬ ‫يتطلع �إل��ى عنقها ويتمنى لو كانت‬ ‫بقلب يخترقه �سهم وق �ط��رات دم‪،‬‬ ‫الحبال هناك‪..‬‬ ‫�صممتُ بطاقة حب وكتبتُ على ظهرها‪:‬‬

‫انْتظره‬ ‫عند مفترق طرق‪.‬‬ ‫ي�صرخ الطفل‪� :‬سُ رقت حفاظتي المبللة‪،‬‬ ‫لم ي�أتِ‬ ‫الكل يتفرج!!‬ ‫رح��ل‪ ،‬وت��رك ل��ه ر�سالة تحمل ق��ارورة‬ ‫تُ�سرق دولة بخيراتها‪..‬‬ ‫عطر‪.‬‬ ‫براءة‬ ‫�ضوء من بئر‬ ‫حكا ق�صتها �أمام ح�شدٍ من النا�س‪،‬‬ ‫تخفّى خلف مقاالته‪ ..‬ال يُرى �إال نزف‬ ‫اعتر�ض بع�ضهم‪..‬‬ ‫قلمه‪..‬‬ ‫وق��ال الآخ��ر‪ :‬من يركع ل�شهواته يجب‬ ‫حينما �سُ ئل‪..‬‬ ‫الت�شهير به‪.‬‬ ‫�أجاب‪� :‬شكلي قبيح ورائحتي كريهة!‬ ‫�صمت المتجمهرون حينما نطق طف ٌل‬ ‫�أما قلمي فهو �ضياء وفل�سفة‪.‬‬ ‫ببراءتها!‬ ‫�سفينة‬ ‫العطر‬ ‫حفروا القبر‬ ‫قر�أ رواية العطر لــ «باتريك زو�سكيند»‪،‬‬ ‫وجهزوه‪..‬‬ ‫�أ�صابته ع��دوى (غ��رن��وي)‪ ..‬كان ي�شم‬ ‫وح�ضروا لل�صالة على الجنازة‪،‬‬ ‫الأج�ساد عن بعد‪..‬‬ ‫و�صلت ال�سفينة وتفرقوا‪..‬‬ ‫علم النا�س فت�سارعوا‬ ‫تُركت الجنازة‪..‬‬ ‫قطيع من الكالب واراها الثرى‪.‬‬ ‫في تعطير �أج�سادهم‪!!..‬‬

‫�أب���ي م��ن ع �م��ال ال �م �ن��اج��م‪ ،‬البيت‬ ‫والمدر�سة تحت الأر�ض‪..‬‬ ‫(بالأزرق) كفناهم‬ ‫التالميذ ير�سمون ال�سماء‪�..‬ضعيف هكذا تعلمتُ الكتابة بـ(الفحم) على‬ ‫الب�صر اختلطتْ عليه الأق�ل�ام فو�ضع �سبورة (بي�ضاء)‪..‬‬

‫* قا�ص من ال�سعودية‪.‬‬

‫* قا�ص من المغرب‪.‬‬

‫زحام يغزو المكان‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫ق�����������������ص�����������������ص ق�����������������ص����ي���رة‬

‫ق�ص�ص ق�صيرة جد ًا‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫كتابة هيروغليفية‬

‫أحبك‪..‬ابنتي‬ ‫� ِ‬

‫ق�ل�ب��تَ وج �ه��ك‪ ..‬ف�م��ك و�أن �ف��ك �إل��ى‬ ‫الأع �ل��ى ث��م العينين والأذن��ي��ن‪ ..‬وقف و لما اخترق ال�سهم �صدري‪ ،‬كانت‬ ‫�أي�ضا تبحث في ظهري عن كلمة حب‪..‬‬ ‫�أمامك فرعون وقر�أ‪:‬‬ ‫ م��ن داخ ��ل ال �م �غ��ارة‪( ،‬ال�ك��وب��را)‬‫ت�شم‪ ...‬ترى‪ ..‬وت�سمع‪..‬‬

‫الذهب الأ�سود‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪79‬‬


‫ق�ص�ص ق�صيرة جــــدا‬ ‫■ �شيمة ال�شمري*‬

‫كانت ال�سماء كريمة‪..‬‬ ‫م�صير‬ ‫في المطار‪ ،‬في �صالة االنتظار‪ ،‬في الركن كانت الأر�ض رحيمة‪..‬‬ ‫الأيمن هناك‪ ،‬تعالى �صراخها‪..‬‬ ‫امتزجت ب�أ�صلي‪ ،‬وكل جزء مني اكتمل‪!..‬‬ ‫فتاة يافعة بدت كمن ال ي�شتكي من علة!‬ ‫وع��دت ف��ي ك��ل م��دي�ن��ة‪ ،‬وخ��رج��ت م��ن كل‬ ‫ال تتحدث‪ ،‬ت�صرخ فقط‪!..‬‬ ‫مدينة لأ�صب عليهم لعنة الحرية!!‬ ‫�أمها تحاول �أخذها خارج المكان‪ ،‬ومن هنا‬ ‫ال عودة‬ ‫بد�أ �صراخها‪..‬‬ ‫ا�ستمرت على هذه الحال‪ ،‬و�سط ذهولَ من ق��ال ل�ه��ا‪ :‬ه��ل ن�سيت ك��ل م��ا بيننا بهذه‬ ‫ال�سهولة؟ ن�سيتني!؟‬ ‫حولها‪..‬‬ ‫ت�صرخ وت�ضرب الأر�ض بيدها‪..‬‬ ‫ردت‪ :‬بل ب�صعوبة‪ ..‬والأ�شياء التي تغادرنا‬ ‫ا�ستماتت وال��دت �ه��ا م �ح��ا ِول � ًة �إخ��راج �ه��ا؛ ب�صعوبة ال تعود !!‬ ‫فرحلتهم حان موعدها‪...‬‬ ‫جبالن من حب‬ ‫لم تُجْ دِ تلك المحاوالت‪..‬‬ ‫عرفوا ب�أمرهما‪!..‬‬ ‫ح�ضر والدها‪ ..‬حملها‪...‬‬ ‫ا�ستنكروا اللقاء‪..‬‬ ‫�ساروا بعيدا‪..‬‬ ‫نددوا بالنظرات والنب�ضات‪..‬‬ ‫وما يزال �صراخها حا�ضرا‪..‬‬ ‫�أم�سكوا بهما‪..‬‬ ‫وما يزال �صوتها يزورني كل م�ساء !‬ ‫قال‪� :‬أحبها؛ فقطعوا ل�سانه!‬ ‫ويل‬ ‫هرعت �إليه‪� ..‬صوبوا �إلى قلبها ال�سهام‪!..‬‬ ‫قتلوني‪ ..‬قطعوني‪ ..‬مزقوني‪..‬‬ ‫ه�ؤالء الم�ساكين دفنوا �أ�شالئي كل جزءٍ في قتلوهما على مر�أى وم�سمع من هذا الكون‬ ‫ال�صامت‪...‬‬ ‫مدينة‪ ..‬غمروني بالتراب مفرقا‪..‬‬ ‫حتى �أك ��ون ع�ب��رة لعيون خ��ائ�ف��ة‪ ،‬وقلوب و�ضعوا جثة كل منهما على جبل �أبعد ما‬ ‫يكون عن الآخر‪ ..‬نكاية بهما‪ ..‬نكاية بالحب‪..‬‬ ‫ترف�ض الحياة‪!! ..‬‬ ‫ن�سوا �أمري‪..‬‬ ‫مازلنا ن�سمع �أنينا وغناء حزينا كل ليلة‪!..‬‬ ‫* قا�صة من ال�سعودية‪.‬‬

‫‪80‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫■ مالك اخلالدي*‬

‫متى �أراكَ ؟!‬ ‫تخيط ال�صب َح �أغني ًة‬ ‫ُ‬ ‫و تملأُ اللي َل �ألواناً من الفرحِ‪.‬‬ ‫متى �أراكَ ؟!‬ ‫أر�ض قافي ًة‬ ‫تبثُّ ال َ‬ ‫جذلى وتزر ُع في قلبِ الجوى �شغفي !‬ ‫متى �أراكَ ؟!‬ ‫فيم�ضي ال�صمتُ مرتدياً‬ ‫بع�ضي الذي كان بع�ضاً علّني �أغفي !‬ ‫متى �أراكَ ؟!‬ ‫مللتُ ال�صمتَ في لغتي‬ ‫وفي ف�ؤادي ف�أم�سى ق�ص ًة تُحكى‪..‬‬ ‫متى �أراكَ ؟!‬ ‫مللتُ الفج َر �إذ ي�أتي‬ ‫بهينمات الأ�سى وال�صمتِ والنجوى‪..‬‬ ‫متى �أراكَ ؟!‬ ‫كفجرٍ ال انق�ضا َء ل ُه‬ ‫يبعث ُر الدم َع يُزجي �صمتنا �شعرا‪..‬‬ ‫فكن لِيَ الفج َر بوحاً ال يفارقني‬ ‫�أو كنْ خيا ًال توارى علّني �أن�سى !‬

‫���������������������������������ش��������������������������������ع��������������������������������ر‬

‫متى �أراك؟!‬

‫* �شاعرة وقا�صة من الجوف‪ -‬ال�سعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪81‬‬


‫���������������������������������ش��������������������������������ع��������������������������������ر‬

‫بائع اليا�سمين‬ ‫■ �سيد جودة*‬

‫بائ ُع اليا�سمينِ �أنا‬ ‫في ال�صبا ِح �أقو ُم مع الطي ِر‬ ‫تح�ضنُ عيناي �ضو َء النها ِر‬ ‫وير�شفُ قلبيَ عط َر الحيا ِة‬ ‫أر�ض‬ ‫�أرى خطَّ نملٍ على ال ِ‬ ‫�ألقي �إليه بقطعة حلوى‬ ‫و�أتركُ كِ�سْ ر َة خب ٍز‬ ‫وحِ فن َة �أر ٍز‬ ‫على َد َر ِج البابِ‬ ‫رزقًا لطي ِر ال�صبا ِح‬ ‫و�أم�ضي بال جزعٍ‪...‬‬ ‫�آمنًا‬ ‫�أحم ُل اليا�سمينَ ب�أطواق ِه‬ ‫و�أدو ُر على العرباتِ‬ ‫ال‬ ‫�أبي ُع قلي ً‬ ‫و�أ�سعى �إلى �شاطئ البح ِر‬ ‫للعا�شقينَ ‪...‬‬ ‫�أم ُّر عليه ْم‬ ‫�أزيِّنُ �أعناقَه ْم‬ ‫ال‬ ‫و�أبي ُع قلي ً‬ ‫ر�صيف المدين ِة‬ ‫ِ‬ ‫أجل�س فوق‬ ‫و� ُ‬ ‫�أنتظ ُر العابرينَ‬

‫ال‬ ‫�أبي ُع قلي ً‬ ‫و�أم�ضي لحال �سبيلي‬ ‫ ‬ ‫�أعو ُد �إلى غرفتي في الم�سا ِء‬ ‫على �سطح بيتٍ قديمٍ‬ ‫ر�ضيًّا برزقي القليلِ‬ ‫�أنا ُم على جانبي‬ ‫أهم�س‪:‬‬ ‫�أتو�سَّ ُد كفِّي و� ُ‬ ‫«�أ�سلمتُ نف�سي �إليكَ ‪،‬‬ ‫وفو�ضتُ �أمري �إليكَ ‪،‬‬ ‫ووجَّ هتُ وجهي �إليكَ ‪،‬‬ ‫و�ألج�أت ظهري �إليكَ ‪..».‬‬ ‫ ‬ ‫�أنا ُم ونف�سيَ را�ضي ٌة‬ ‫بالقليلِ ومر�ضي ٌة‬ ‫و�أقو ُم مع الفج ِر �أ�سعى‬ ‫لقطع ِة حلوى‬ ‫وكِ�سْ ر ِة خب ٍز‬ ‫وحِ فن ِة �أر ٍز‬ ‫�أنا‪...‬‬ ‫بائ ُع اليا�سمينْ ‪.‬‬

‫* �شاعر م�صري وباحث �أكاديمي في جامعة �سيتي يونيفر�سيتي في هونج كونج‪.‬‬

‫‪82‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫ٌ‬ ‫ن�سر عجوز‬ ‫ر�سالة �إلى ٍ‬ ‫■ �أبو الفرج عبدالرحيم ع�سيالن*‬

‫اف���������رد ج����ن����اح����ي����ك ف�������وق ال����غ����ي����م وان���ط���ل���ق‬ ‫ي���ا ���س��ي��د ال��ط��ي��ر وا�����ض����رب ف���ي م����دى الأف����ق‬ ‫م�����ا ه�����ن�����تَ ل���ل�������س���ف���ح ي�����وم�����ا ك����ي����ف ت�����أل����ف����ه؟‬ ‫ه���ل م�������سَّ ���كَ ال���� ُ���ض��� ُّر ف��ا���س��ت�����س��ل��م��تَ ل��ل��ف��رقِ ؟‬ ‫�أ����������ض���������اق م�����ن�����ك ف�����������ض�����اء �أن������������ت �����س����ي����ده؟‬ ‫�أم ����ض���ق���ت ذرع�������ا ب������أح��ل��ام ال�������ص���ب���ا ال����ن����زقِ‬ ‫ه�����ذي ال�������ذرى ال�������ش���مُّ ه����ل �أن����ك����رت ل��ذت��ه��ا؟‬ ‫و�أن���������������ت ت�����م�����ل�����ي ع����ل����ي����ه����ا ق�����������ص�����ة الأل�������������قِ‬ ‫ت����ب����ث����ه����ا ب����ع���������ض �أ������������ش�����������واقٍ ه�����ن�����ا �����س�����أل����ت‬ ‫ع�������ن ال�������ظ���ل���ام ال������������ذي ي���������ش����ت����اق ل���ل���ف���ل���قِ‬ ‫ل���م���ن ت����رك����تَ ه������وى ال���ت���ح���ل���ي���ق م���ن���ك�������س���راً؟‬ ‫�أم����������ا �����ش����ع����رت ب���������ش����وق ال������زه������ر ل���ل���ع���ب���قِ ؟‬ ‫ال ت�������ت�������رك ال�������ج�������و ل������ل������غ������رب������ان ت������ذرع������ه‬ ‫و�أن����������ت ت���غ���ف���و ع����ل����ى ال����م����ج����ه����ول وال�����ح�����رقِ‬ ‫ق�����م ي�����ا ����ص���دي���ق���ي ف���ق���ل���بُ ال����غ����ي����مِ م��ن��ت��ظ�� ٌر‬ ‫اف���������رد ج���ن���اح���ي���ك ف�������وق ال����غ����ي����م وان����ط����ل����قِ‬ ‫* �شاعر من ال�سعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪83‬‬


‫كائنات تمار�س �شعيرة الفو�ضى‬ ‫■ �إبراهيم زويل*‬

‫نزوات‬

‫�سوف تندلق النزوات كثيراً‪ ,‬تظ ّل تراوغنا‪.‬‬ ‫هل �سنحفر قبراً لأ�سرارها؟‬ ‫ث ّم نختار من �أيّ نافذة يخرج الخائنون‬ ‫�سن�سهر‪ ,‬نرقب �أنفا�سها‬ ‫وهْي تخرج كال�سهم في �ساعة واحدةْ‪.‬‬ ‫كيف ن�ستقبل الغرباء؟‬ ‫كيف يمكننا النوم دون حبوب م�سكّنة؟‬ ‫الخطى تتراجع‪..‬‬ ‫ح���اول���ت �أن �أت���ب��� ّي���ن وج���ه���ي ال��م��ع�� ّل��ق ف���ي �أع��ي��ن‬ ‫الواقفين‪.‬‬ ‫دم كرفيف الجناح يالم�س �أكتافهم‬ ‫ي��ا ل��ه��ذا ال����دم ال��م��ت�����ص�� ّن��م ف��ي ه��ي��ب��ة ت��ح��ت قو�س‬ ‫ال�ضحى‪.‬‬ ‫�آه لو �أنني كنت �أجمل!!‬ ‫ل��ك��ن��ن��ي ل���م �أزل �أره�����ف ال�����س��م��ع ل��ل��ك��ل��م��ات‪ ,‬ت��ق��ود‬ ‫ال�ضرير �إلى بلدة نام �ساداتها‬ ‫ث ّم ت�ستدرج ال�شعراء �إلى غفوة‬ ‫في �سرير البيا�ض‪.‬‬ ‫الغواية‬

‫تعلّمنا �أن نروّ�ض وح�شتنا في الأقا�صي‬ ‫نجرّد �أمطارنا‪.‬‬ ‫كالنميمة تبتلّ‪� ,‬أو تتعالى �إلى نخلة الو�سو�سات‪.‬‬ ‫طفلة كال�شياطين‪..‬‬ ‫يهطل من ثديها كهرباء الحنين‪.‬‬ ‫* �شاعر من ال�سعودية‪.‬‬

‫‪84‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫ح�شد‬

‫تم ّهلْ‪...‬‬ ‫لكي يح�شد الليل �أ���س��م��اءه��ا‪ ,‬يقتفي زه��ره��ا في‬ ‫الحوا�س‪ ,‬يُع ّد لها قارباً في بحور الق�صيدة‪,‬‬ ‫ّ‬ ‫حقول‬ ‫ت�صعد لل�شهوات‪ ,‬ب�أجنحة من ذهبْ ‪.‬‬ ‫والن�شيد يرتّب �أ�شكاله كالبذور‪ ,‬يقا�سمها برتقال‬ ‫الخرافة‪.‬‬ ‫�سهْواً‪...‬‬ ‫�سندخل في ال�سل�سبيل الأليف‪.‬‬ ‫الجنون‬

‫�صاغه عا�شق من ثياب البحار‬ ‫ت�سلّقت الغيم �أع�شا�شه‪.‬‬ ‫كان محْ �ض عماء‪ ,‬تبدّد �أزمنة في �ضراوته‪.‬‬ ‫�شامخاً كالكفاف‪..‬‬ ‫�إلى �أين يذهب‪� ,‬أيّ الوجوه يطوفْ ؟‬ ‫يد ُه الآن تُخرج زهر الكوابي�س‬ ‫ال تتمنّى �سوى �شرفات الرفوف‪.‬‬ ‫الوردة‬

‫ُقدّتْ من الفو�ضى‪ ,‬ومن مطر الجنون‬ ‫ت�سير كالمعنى المعفّر بال�صباح‪.‬‬ ‫وحين تنك�شف ال�سواقي‪.‬‬ ‫في الطريق‬ ‫تخيط لي وجهاً من الكافور‪ ,‬وال�شجر البعيد‪,‬‬ ‫دماً تكدّ�س في مجازات ال�صّ با‪.‬‬ ‫هل ت�ستطيع تم ّد بع�ض الف�أل لي؟!‬

‫■ �سليمان عبدالعزيز العتيق*‬

‫واختالجاتِ الأ�سى‪ ...‬في العابرين‬ ‫يقول لي‪:‬‬ ‫فتدفقتْ �أنها ُر روحي‪ ..‬والتقتْ‬ ‫�إني خرجت مهاجراً‬ ‫من ربق ِة العد ِم المميتِ ‪� ،‬إلى الحياة الفائر ْة عند انبجا�سات ال�ضيـاء‬ ‫في غُ ـربة المتحيرين‪..‬‬ ‫وولدتُ حراً‪ ،‬ال تكبلني القيو ُد الجائر ْة‬ ‫ما بـين زهـ ِر العـ�شقْ‬ ‫وطرقت �أبوابَ الم�سافات التي‪:‬‬ ‫وبينَ �أ�شواكِ الرغائبْ‬ ‫تف�ضي �إلى كل الدروبْ‬ ‫في كل �سهلٍ فـدفـدٍ‬ ‫وت�شي ُر نحو المبهمات من الغيوبْ‬ ‫وفي انحناءات الم�ساربْ ‪.‬‬ ‫ون�صبتُ خيم َة غُ ـربتي‪..‬‬ ‫�أوقفتُ ركبي‪ ،‬بين وهجِ الوجد‪..‬‬ ‫بين الفجاج الحائر ْة‬ ‫تجتازُني‪ ،‬ك ُل الركابِ الدالفاتِ ‪� ،‬إلى الم�شارق وبين حمئاتٍ وطيـن‪.‬‬ ‫ا�ستعم ُل الرف َق الم�ضم َخ بالر�ضا‬ ‫والمغاربْ‬ ‫وبالوعود العاطرة ْ‬ ‫الما�ضيات �إلى‪ ..‬ال �أين �أين‬ ‫فاخترتُ تو َق الروحِ‪ ..‬حين َتو�شحتْ‬ ‫�إلى المتاهات الغياهب‬ ‫بالذكريات الناطرة ْ‪.‬‬ ‫تعوي ريا ُح فجاجِ ـها‬ ‫�إني على ال�شرفات �أرتقبُ الرجا‬ ‫من ُذ بدايات الدهو ْر‬ ‫و�أ�شي ُح وجهي‪ ،‬عن ك�آبات ال�سنين‬ ‫في كل وا ٍد �أعولت‬ ‫�إني يلملمُـني مغيبُ ال�شم�س‬ ‫في كل منعرج ٍ‪...‬تثور‬ ‫وينـثـ ُرني حِ ـدا ُء المُ�شْ ِرقِين‬ ‫هل غربتي قدرٌ‪ ،‬على �إن�سان هذا الع�صر؟‬ ‫�أم �إنها‪ ،‬هي غرب ُة الإن�سان في كل الع�صور؟! خيلي تقط ُع غـ ُربتي‬ ‫ما بين حمحمة الهوى‬ ‫ويقولُ لي‪:‬‬ ‫و�صهيلِ �أ�شواقي الدفين‪..‬‬ ‫لمعتْ بمنعرج اللوى‬ ‫ال‬ ‫�أتُرانيْ �أم�ضي مثق ً‬ ‫نا ُر الأحبةِ‪� ،‬أومـ ََ�ضتْ للعا�شقين‬ ‫بر�ضا التفاني‪..‬‬ ‫فمـ َ�ضيتُ �أم�شي‪ ،‬ثم �أم�شي‪ ،‬ثم �أم�شي‬ ‫وهَناء ِة اللقيا‪ ،‬و�أفرا ِح التداني‬ ‫متباطئاً في الدرب‪ ،‬يدفعـ ُني الحنين‬ ‫�أم هل تُرى روحي‪ ...‬تظ ُل مهاجرة ْ؟‬ ‫مت�أبطاً‪ ،‬ك َل ا�شتهاءات ِالأماني‬

‫���������������������������������ش��������������������������������ع��������������������������������ر‬

‫المهاجر‬

‫* �شاعر من ال�سعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪85‬‬


‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫ال�شاعر والمفكر زياد ال�سالم‪:‬‬

‫ال�شاعر النجم الذي يمتلك �أثر ًا و�صوت ًا‬ ‫ورائحة انتهى مع انتهاء ع�صر الوراقين‬ ‫و�أثر الفرا�شة يخلب لبي‬ ‫ينتهز حالته ال�شعرية بف�ضاء من اللغة‪ ،‬التي تنقل ال�ق��ارئ �إل��ى �أ�سطورة يجيد‬ ‫خلقها‪ ..‬زياد ال�سالم �شاعر يحتفي بالغرابة التي هي ديباجة «الحلم» ونهايته‪ ..‬يراوغ‬ ‫العالم ب�إ�سقاطاته التي قد تخد�ش من ال يجيد الغو�ص‪ ..‬ي�ؤمن بالتغيير‪� ،‬سواء على‬ ‫م�ستوى الن�ص �أم الإن�سان‪ ،..‬وبنرج�سية ال تناق�ض جمال ال�شاعر وب�ساطته يقول‪�« :‬أنا‬ ‫�أ�شتغل ذهنياً‪ ،‬ومنذ �سنوات‪ ،‬على عمل معين يملك الروح المقطرة لل�شعر من دون �أن‬ ‫يكون �شعراً‪ .‬بد�أت قبل �ستة �أ�شهر بو�ضع المخطط العام للكتاب وتوزيع ف�صوله وخطة‬ ‫البحث‪ .‬الكتاب نادر في مو�ضوعه‪ ،‬ولم يُقدم ما يناظره في المكتبة العربية»‪.‬‬ ‫لقد قمت با�ستق�صاء ومتابعة جادّين مني على م�ستوى ما يكتبه الجيل الهالمي‬ ‫الذي لم تت�ضح مالمحه بعد‪ .‬ولح�سن الحظ‪ ..‬العمل الذي �أنا ب�صدده �أ�ش ّد باطنية‬ ‫ون�أياً مما ت�صورت‪� ..‬أهج�س �أن يكون فاتح ًة لقرن جديد»‪ ...‬الجوبة وثقت هذا البوح‬ ‫الجريء في هذا الحوار‪...‬‬ ‫■ حاوره‪ :‬عمر بو قا�سم*‬

‫■ «ال��م�����ض��اف �إل���ى نف�سه»‪« ،‬ح�صة �آدم‬ ‫م���ن ال���ن���ار» م��ج��م��وع��ت��ان ���ش��ع��ري��ت��ان‪،‬‬ ‫�إ�ضافة لمجموعتك الق�ص�صية «وجوه‬ ‫تمحوها العزلة»‪ ،‬هذا ح�صاد م�شوارك‬ ‫الإبداعي‪ ،‬هل قر�أت علينا �أ�سطرا في‬ ‫هذا االتجاه؟‬

‫‪86‬‬

‫• «م�شبوهون في خلوة مع الآلهة‪ .‬يتوزعون‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫بين النار والريح‪ .‬الرما ُد في حدقاتهم‬ ‫و�إب ��ر م��ن ال���ض��وء تحت �شارتهم ترعى‬ ‫حرير ًا يبرق في الدار ال�صاعقة تتدحرج‬ ‫حتى م�ساقطهم‪ ،‬غير �أنها ترتد زهرة‬ ‫ت�سكن خ ��راب ال�ب�ح��ر‪ ..‬ه��م ال�شعراء‪،‬‬ ‫ي��رم��ون ج��واه��ره��م ف��ي ال�ن�ه��ر‪ ،‬فينزف‬ ‫ال�ح��دي� ُد بين �أي��دي�ه��م �ساللة م��ن ال��دم‬

‫المهول‪ ,‬يرتلون مزاميرهم في المرافئ والغابات • الكتاب لم يعد ممنوعاً‪ ,‬لقد فُ�سح قبل عامين‬ ‫تحت قرع النحا�س‪ .‬هم رفقاء الأباريق يت�شربون‬ ‫في الأردن‪ ،‬وكذلك في ال�سعودية‪ ،‬الأنطولوجيا‬ ‫اللون ليهطلوا في الورد‪ .‬يفلتون الغيمة في الليل‬ ‫ال�شعرية التي �أ��ش��رف��ت عليها وزارة الثقافة‬ ‫وال�ضحى غير مكترثين ب�أعطال الظهيرة‪ .‬ترتفع‬ ‫و�صدرت باللغتين الإنجليزية والعربية ت�ضمنت‬ ‫معهم يد النائم لتخبط ال�سماء‪ .‬عين الوح�ش‬ ‫ن�صو�ص ًا من كتاب «ح�صة �آدم من النار»‪� .‬أما‬ ‫ت�ستل نعا�سها من فتيان يافعين‪ ،‬يربّون �إناثهم‬ ‫�أ�سباب المنع فيبدو �أنها تعود لخالفات بين‬ ‫وطواوي�سهم في الظل‪.‬‬ ‫الرقابة والنا�شر و�إليا�س فركوح‪.‬‬ ‫ ه��م ل�ي���س��وا م��ن ه��ذا ال �م �ك��ان‪ ,‬وال م��ن مكان ■ «غرباء لم يتوقفوا عن الرمي والمطر‪/‬‬ ‫�آخ��ر‪� ،‬إنهم مجانين الجنة‪� ,‬سقطوا �سهو ًا في‬ ‫ي��ت���أ ّب��ط��ون خرائطهم الغام�ضة ويم�ضون‬ ‫الت�ضاري�س‪� ,‬إذ ك��ان��وا يلعبون على الأرائ ��ك‬ ‫م�����س��رع��ي��ن‪ /‬ع��ل��ى ����ص���دوره���م ي��ل��م��ع ح��ب�� ُر‬ ‫ويترا�شقون بالرمان‪� .‬أدخلوا ال�سراب الماكر‬ ‫البراري‪� /‬إنهم الح�شرات ال�سريّة للطريق»‪..‬‬ ‫للفرادي�س ال�سرية �شرق العر�ش‪� ,‬أدخلوه على‬ ‫«على ظاللنا حطّ تْ طيو ٌر �شر�سة ذات �أعراف‬ ‫هيئة �ضيف قليل ال�ش�أن‪ ,‬كي ي�سرق لهم الأ�سرار‬ ‫حمراء‪ /‬يطفح من رق�صها مر ٌح �أ�سود دف َعنَا‬ ‫واال�ستعارات‪.‬‬ ‫�إل��ى ال��دوّام��ة‪ /‬كنّا نتعثّر بال�شيبِ والخط�أ‬ ‫ ��س�ق�ط��وا ع �ل��ى ال �ط��ري��ق ممتحنين بالطمث‬ ‫وينزفُ منّا ال�صّ ديد»‪ ،‬هذا مقطع من ن�ص‬ ‫والمعنى‪ ،‬ال�شعراء ي�شعلون �أرواحهم ويخلعون‬ ‫�شعري لك‪ ،‬يمور بقلق ال�شاعر الذي يريد‬ ‫عنهم كمين الماء‪.‬‬ ‫خلق �أ�سطورته التي تنحاز �إلى عالمه‪ ،‬هل‬ ‫ت�شترط �أنت لكتابة الن�ص الجديد ح�ضور‬ ‫ �إنهم يهيئون المعدن القادم للهباء»‪.‬‬

‫هذا البعد؟‬

‫■ منعت دائرة الرقابة الأردنية للمطبوعات‬ ‫من ن�شر كتاب تحت عنوان «ح�صة �آدم من • ال�شاعر طفل وثني يحمل في داخله �شرارة‬ ‫الآلهة وروح الح�شرة‪ ,‬يتمتع بقدرة هائلة على‬ ‫ال��ن��ار» للكاتب وال�شاعر ال�سعودي زي��اد بن‬ ‫ابتكار مظهر طارئ وم�ؤقت‪ ،‬ثم ال يلبث �أن يولد‬ ‫عبدالكريم ال�سالم وذلك بعد �صدوره من‬ ‫ح�ضور ًا مغاير ًا يقوم على حركة توليد الفوارق‬ ‫دار �أزم��ن��ة للن�شر وال��ت��وزي��ع ف��ي العا�صمة‬ ‫واالنف�صال بجمال و�شرا�سة عن هي�أة را�سخة‬ ‫الأردنية عمان»‪ ..‬منذ زمن وبهذه ال�صيغة‬ ‫ذات طبيعة جبرية‪ ،‬فالكائن ال��ذي ال يختلف‬ ‫ك��ن��ت ق���د ق�����ر�أت ه���ذا ال��خ��ب��ر‪ ،‬م���ا ���س��ر ذل��ك‬ ‫المنع؟‬ ‫ع��ن نف�سه وال يقدر على �إن�ج��از قفزة باتجاه‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪87‬‬


‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫‪88‬‬

‫المجهول وكثرة الأ�شكال‪,‬‬ ‫تغريني ث ��ورات الجماهير‪,‬‬ ‫�شعراء النت �أكثر �شبها‬ ‫وال ي�ج��ذب انتباهي م�صير‬ ‫ه��ذا لي�س ك��ائ�ن� ًا و�إن �م��ا‬ ‫خاطفة‬ ‫ب�صورة‬ ‫تمر‬ ‫بال�شهب‬ ‫الت�أثر ال�سيا�سي‪ ،‬بل بالعك�س‬ ‫مجرد حجر! الأ�سطورة‬ ‫ا‬ ‫ً‬ ‫أثر‬ ‫�‬ ‫تترك‬ ‫أن‬ ‫�‬ ‫دون‬ ‫�أج ��د ج��اذب�ي��ة على م�ستوى‬ ‫ي��ا �صديقي ت�ح��رر كائن‬ ‫الت�أمل في م�سلك الجا�سو�س‬ ‫الأع �م��اق وت�ق��وم بتو�سيع‬ ‫على طريقة �أبي يزيدٍ‬ ‫م��ادة الكينونة‪� ,‬شريطة الب�سطامي �أنا ال �أزورها ولكن وازدواج� �ي� �ت���ة ف ��ي ال �ع �م��ق‪,‬‬ ‫الم�سالك الغريبة وال�م��آزق‬ ‫�أن تكون مترحلة �ضمن‬ ‫المواقع هي التي تزورني‬ ‫الأكثر حرج ًا هي التي تولد‬ ‫قانون الإزاح��ة والقابلية‬ ‫وتطوف حولي ثم تم�ضي!‬ ‫الأ�سئلة‪ ..‬حقل ال�سيا�سة هو‬ ‫ل�لان�ق�لاب‪� .‬أال ت��رى �أن‬ ‫حقل النقائ�ض والمفارقات‬ ‫المجاالت الجديدة للعلم‬ ‫بامتياز‪ ,‬والحدث ال�سيا�سي مفكك و�سائل ال‬ ‫تعمل فراغات وت�شظيات تت�صادى مع منحنيات‬ ‫ت�ستطيع القب�ض عليه‪.‬‬ ‫الأ� �س �ط��ورة؟ �إذا نزعنا ع��ن الإن �� �س��ان ا�سمه‬ ‫ووظيفته التاريخية‪� ,‬سيعود غريب ًا وملغز ًا مثل وب��ال �ع��ودة �إل��ى ��س��ؤال��ك ع��ن الأث ��ر على �شكل‬ ‫ثقب �أ�سود! هذا ما �أ�سعى �إلى مالم�سته‪� ،‬أو �أكاد‬ ‫وم�ضمون الخطاب الإبداعي‪ ,‬بو�سعي �أن �أقدم‬ ‫�أتلم�سه في ق�صيدة النثر والفنون الب�صرية‪.‬‬ ‫جواب ًا في �أفق انتظار القارئ وتوقعه‪ ,‬لكنني لن‬ ‫�أفعل! �إذ �أرى �أن المبدع الحقيقي يملك فائ�ض ًا‬ ‫ ■ ما الأثر الذي قد تتركه التغيرات ال�سيا�سية‬ ‫م��ن االن �ح��راف ال �ج��ذري ع�ب��ر ت��دم�ي��ر �ساللة‬ ‫واالقت�صادية في العالم العربي على �شكل‬ ‫الأ�سئلة المت�شابهة بغر�ض البحث عن مناطق‬ ‫الخطاب الإبداعي وم�ضمونه؟‬ ‫غير مطروقة‪ ,‬الأح ��داث ال�سيا�سية وال�ث��ورات‬ ‫• ال يعنيني هذا الأثر الآني والمبا�شر‪� ,‬أنا ل�ست‬ ‫ال ت�صنع بال�ضرورة �إب��داع � ًا مختلف ًا ف��ي علم‬ ‫مواطن ًا عربياً‪ ,‬بل �أحاول �أن �أكون مواطن ًا كونياً‪,‬‬ ‫الفو�ضى‪ ،‬ون��ظ��ري��ات الكايو�س خفقة خفيفة‬ ‫وم��ن ه�ن��ا‪� ،‬أع ��زز جدلية ال�ت�ق��ارب والتباعد‪,‬‬ ‫من جناح فرا�شة في ماليزيا تت�سبب ب�إحداث‬ ‫الب��د م��ن ع�ب��ور المحرق الجبري واالن��خ��راط‬ ‫عوا�صف مدمرة في الجزء البعيد من الكرة‬ ‫ف��ي م���س��ارات ال�ع��ال��م ك��ي ن �ك��ون! ب�صراحة ال‬ ‫الأر�ضية؛ وعليه‪ ،‬ف�إن �أثر الفرا�شة يخلب لبي‬ ‫�أكثر �ألف مرة من هياج �ألف ثوري‪� ,‬أود �أن �أقول‪:‬‬ ‫ثمة �أبعاد ال مرئية ت�ستحق التدبر واال�ستب�صار‪.‬‬ ‫ من جهة �أخ��رى‪ ،‬وف��ي ال�سياق نف�سه الثورة �أو‬ ‫التغيير ال�سيا�سي ال��ذي ت�شير �إل�ي��ه‪ ,‬يحققان‬ ‫مفهوم الحركة‪ ،‬ويقومان بتوطين تجارب ذات‬ ‫عنا�صر جديدة في الف�ضاء العربي‪ ,‬الحركة هي‬ ‫تحول نحو ف�سحة هائلة من الالمتناهي‪� ،‬إذ ًا ثمة‬ ‫مكونات تحمل طابع الحلم والمفاج�أة �آخذة في‬ ‫التحقق‪� .‬أي�ض ًا ثمة نقطة م�ضيئة على م�ستوى‬ ‫ال�ث��ورة ت�ستحق االنتباه �أال وه��ي‪ :‬الم�شهدية‪.‬‬ ‫وهي في انبثاقها اليومي تفجر نظام الكينونة‬

‫المفكر وال�شاعر زياد ال�سالم برفقة الأديب عبدالرحمن الدرعان بجولة في مكتبة الطفل ‪1431‬هـ‬

‫ال�ت�ق�ي�ي��دي��ة‪ ,‬وت�خ�ل��ق م �ج��ا ًال م �� �ض��اد ًا لل�ساكن‬ ‫بمعنى �أكثر و�ضوح ًا النخب والأ�سماء القديمة؛‬ ‫وال�م��أل��وف وال��راك��د‪ ,‬الم�شهدية تدمر منطق‬ ‫ال�سريحي‪ ,‬الغذامي والعلي والبازعي وعبده‬ ‫الواقعة‪.‬‬ ‫خال وال�صيخان ورج��اء عالم ومحمد العبا�س‬ ‫وجا�سم ال�صحيح‪ ,‬و�أحمد المال‪� ...‬إلخ‪.‬‬ ‫ هذه المفهومات والأط��ر الجديدة ال ريب �أنها‬ ‫�ستغير �شروط الن�ص الجمالي وكيفياته‪.‬‬ ‫ ه ��ؤالء باتوا يتامى م�شردين من �أه��ل الهام�ش‬ ‫■ هناك ت�صنيف يقيم ال�ساحات ال�شعرية من‬ ‫�أو على الأق��ل هم في طور ذل��ك‪ ,‬حين ت�شاهد‬ ‫بلد �إلى �آخر‪ ..‬فمثال هناك �شعراء ي�صنفون‬ ‫خفة الغذامي وتهافته‪ ،‬ومكر ال�سريحي و�أقنعته‬ ‫�ساحاتهم ب�أنها الأكثر ت�ألقا وجدية‪ .‬كيف‬ ‫على التويتر‪ ،‬ت�شعر بال�شفقة عليهما‪ ،‬ثمة نجوم‬ ‫تقيم �أنت ال�ساحة ال�شعرية ال�سعودية؟‬ ‫م�ضيئة وثمة نجوم منطفئة ميتة‪ ,‬حين يموت‬ ‫• لم يعد الحديث مجدي ًا عن ال�ساحة ال�شعرية‬ ‫النجم يتحول �إل��ى ه��وة ��س��وداء فارغة تمت�ص‬ ‫ال�سعودية �أو العراقية‪� ..‬إلخ‪� ،‬أو الم�شهد الثقافي؛‬ ‫ال�ضوء من دون �أن تقدر على توليده‪ .‬جميع رموز‬ ‫لقد تغيرت الموازنة في زمن الإعالم الجديد في‬ ‫العقود الما�ضية‪ ،‬كان بو�سعنا �أن ن�ضع خارطة‬ ‫لل�ساحة ال�شعرية �أو الم�شهد الثقافي من خالل‬ ‫�أ�سماء ورموز معينة‪ ،‬وكان بو�سعنا �أن نح�صي‬ ‫الالعبين الذين اختفوا والذين با�شروا اللعب‪.‬‬ ‫�أما الآن فنحن ال ن�ستطيع �أن نتحدث عن المتن‬ ‫والهام�ش في الم�شهد الثقافي‪� ,‬إذ من الممكن‬ ‫�أن يكون «المتن» هام�ش ًا م��ح��دوداً‪ ,‬وم��ا نظنه‬ ‫زياد مع د‪ .‬متروك الفالح‬ ‫هام�ش ًا هو المتن الأكثر ثرا ًء في ف�ضاء النت‪،‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪89‬‬


‫هناك درا�سات وقراءات تناولت‬ ‫«الم�ضاف �إلى نف�سه» و«ح�صة �آدم»‬ ‫وقاربت مواطن الجمال و�أ�سرار ال�شعر‬ ‫في كال العملين‬

‫■ متى تكتب الق�صيدة؟‬

‫لم يعد الحديث مجدي ًا عن ال�ساحات‬ ‫• منذ �سنوات لم �أكتب ن�ص ًا �شعري ًا واحداً‪ ,‬لكني‬ ‫ال�شعرية‪ ،‬لقد تغيرت الموازنة في‬ ‫�أ�صبحت «�أ�سكن العالم �شعرياً»‪ ،‬ه��ذه جملة‬ ‫زمن الإعالم الجديد‬ ‫ذهبية لأحد عمالقة العالم‪ ،‬ومن فرط �إجاللي‬ ‫وع�شقي له لن �أذكر ا�سمه‪ ..‬كنت �أكتب الق�صيدة‬ ‫الم�شهد في طريقهم �إلى المحرقة ال�صامتة‪،‬‬ ‫أج�س وجه ًا يرتجف بين ماء الأنثى‬ ‫�سابق ًا حينما � ُ‬ ‫وهم �أول من ي�ست�شعر ذلك!‬ ‫وحلم الحيوان‪� ,‬أكتبها في تلك ال�ساعة الغام�ضة‬ ‫■ كيف ترى قراءة النقاد لق�صيدتك؟‬ ‫لحظة �إذ �أختبر ال�ح�ي��وان ال�ن��ادر وه��و يطوي‬ ‫الم�سافة متوجه ًا نحو الفردو�س‪.‬‬ ‫• �أن� ��ا ال �أه� ��دي ك�ت�ب��ي ع �ل��ى ال �ن �ق��اد م��ا ع��دا‬ ‫الأ� �ص��دق��اء منهم‪ ,‬ه�ن��اك درا� �س��ات وق ��راءات ■ ف��ي ح���وار ل��ي م��ع ���س��ع��دي ي��و���س��ف �س�ألته‬ ‫تناولت «الم�ضاف �إل��ى نف�سه» و«ح�صة �آدم»‪،‬‬ ‫عن ظهور م�صطلح «�شعر و�شعراء النت»‪،‬‬ ‫وقاربت مواطن الجمال و�أ�سرار ال�شعر في كال‬ ‫وه��ل �سيكون م�لاذاً للق�صيدة وبخ�صائ�ص‬ ‫فنية مغايرة‪ ،‬قال‪« :‬الم�صطلح معقول‪� ،‬إنه‬ ‫العملين‪ ،‬مثل الناقدة فاطمة الوهيبي‪ ,‬ومحمد‬ ‫ينقلنا من الخيمة �إلى الف�ضاء»‪ ،‬ماذا تقول‬ ‫ال �ح��رز‪ ،‬وع �ب��داهلل ال���س�ف��ر‪ ،‬وال��رائ �ع��ة مليحة‬ ‫�أنت؟‬ ‫�شهاب‪ ,‬بالإ�ضافة �إل��ى مقاربات جمالية من‬ ‫المبدعين وال�شعراء المعنيين بق�صيدة النثر • ال�شاعر النجم الذي يمتلك �أثر ًا و�صوت ًا ورائحة‬ ‫انتهى مع انتهاء ع�صر الوراقين‪� ،‬أما �شعراء النت‬ ‫والن�ص الجديد‪ ..‬قبل �أ�شهر هاتفني ال�صديق‬

‫زياد �أثناء لقاء في يوم الكتاب العالمي بنادي الجوف الأدبي‬

‫‪90‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫ال �أهدي كتبي على النقاد ما عدا‬ ‫الأ�صدقاء منهم‬

‫المفكر اللبناني �سامي �أدهم معبر ًا عن ده�شته‬ ‫ومفاج�أته بـ«ح�صة �آدم من ال�ن��ار»‪ ،‬و�أخبرني‬ ‫�أنه ب�صدد درا�سته من ناحية فل�سفية‪ ،‬فرجوته‬ ‫�أال يفعل‪ ,‬بعد �أن �أ�شرت �إليه �أن الكتاب �أ�صبح‬ ‫بالن�سبة �إليّ جثة م�ضيئة لي�س �إال‪ ..‬ال �سيما مع‬ ‫تغير ح�سا�سيتي واهتماماتي ومزاجي في الآونة‬ ‫الأخيرة‪.‬‬

‫فهم �أكثر م�شابهة بال�شهب تمر ب�صورة خاطفة‬ ‫من دون �أن تترك �أثراً‪ ,‬الف�ضاء االفترا�ضي يعمل‬ ‫على �إ�ستراتيجية المحو اليومي للأثر‪ ،‬في هذا‬ ‫الع�صر لن يترك �أثر ًا �إال من لديه طاقة نوعية‬ ‫خا�صة قادرة على الإ�شارة‪� ،‬إ�شارة راجحة �إلى‬ ‫روح العالم‪� ،‬إنها طاقة كائن ا�ستثنائي‪ ،‬يعبر‬ ‫ج�سر �إين�شتاين الوردي بال وجل‪.‬‬ ‫ «الم�صطلح معقول �إنه ينقلنا من الخيمة �إلى‬ ‫الف�ضاء‪�..‬إلى مالعب العراء والعدم»‬

‫■ ما جديدك؟‬

‫• هذا �سر‪� ..‬أنا �أ�شتغل ذهني ًا ومنذ �سنوات على‬ ‫عمل معين يملك الروح المقطرة لل�شعر من دون‬ ‫ب�صدده �أ�ش ّد باطنية ون�أي ًا مما ت�صورت‪� ..‬أهج�س‬ ‫�أن يكون �شعراً‪ .‬ب��د�أت قبل �ستة �أ�شهر بو�ضع‬ ‫�أن يكون فاتح ًة لقرن جديد‪.‬‬ ‫المخطط العام للكتاب وتوزيع ف�صوله‪ ،‬وخطة‬ ‫البحث‪ .‬الكتاب نادر في مو�ضوعه ولم يُقدم ما ■ كيف ترى الواقع الثقافي في منطقة الجوف؟‬ ‫يناظره في المكتبة العربية‪.‬‬ ‫• للأ�سف المنطقة في غيبوبة‪ ،‬ولحظتها الراهنة‬ ‫ال ت�ل�ي��ق ب�ت��اري�خ�ه��ا ال �ع��ري��ق‪ ,‬م�ن��ذ ع���ش��ر ��س�ن��وات‬ ‫ لقد قمت با�ستق�صاء ومتابعة جادين مني على‬ ‫والمنطقة تمعن ف��ي ال�غ�ي��اب‪� ,‬إذ تفتقد للخطط‬ ‫م�ستوى ما يكتبه الجيل الهالمي الذي لم تت�ضح‬ ‫التنموية وال�سيا�سات الإ�ستراتيجية ما عدا ال�سيا�سة‬ ‫مالمحه بعد‪ .‬ولح�سن الحظ العمل ال��ذي �أنا‬ ‫مداخلة لل�سالم في �إحدى الأم�سيات‬

‫ال�سالم و�سط مجموعة من الأ�صدقاء في النادي الأدبي بالجوف‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪91‬‬


‫في مرحلة عمرية �سابقة‬

‫ال�سالم ومنيف وزوجته في منزلهما‬

‫ وعلى �صعيد الإب� ��داع‪ ..‬المنطقة فقيرة ج��داً‪ ،‬وي�ب��دو �أن‬ ‫الدرعان مثل �أنثى العنكبوت العمالقة التي تحمل ذريتها‬ ‫على ظهرها‪ ..‬لكنها تلتهم ب�شهية مفتوحة هذه الذرية! كل‬ ‫اليرقات المتكاثرة احترقت تحت �شم�س الدرعان‪� ...‬أحدهم‬ ‫�أن�ش�أ مدونة على النت (مدونة ملفقة متوا�ضعة �أدبياً) اطلعت‬ ‫عليها ف�صعقت من «�إمام» المختل�سين والل�صو�ص‪ .‬لم يترك‬ ‫مبدع ًا في العالم لم ي�سرق قطعة منه‪ .‬فكرت بك�شف هذه‬ ‫الف�ضيحة لكنني �أحجمت؛ نظر ًا لأنه نكرة وال يليق بي �أن‬ ‫�أنزلق نحو م�ستنقع الطفيليات‪.‬‬ ‫ زارني في العام الما�ضي زيارة خا�صة‪ :‬علي الدميني‪ ،‬نجيب‬ ‫الخينزي‪� ،‬صالح ال�صالح‪ ،‬عبداهلل الفاران‪ ،‬بعد �أن تجولوا‬ ‫برفقتي في دوم��ة الجندل‪ ,‬فوجئوا بالإمكانات الطبيعية‬ ‫للمنطقة وم��دى جمالها‪ ،‬وامتع�ضوا م��ن �إه�م��ال�ه��ا على‬ ‫الم�ستوى الر�سمي‪.‬‬ ‫ في �إحدى زياراتي للروائي العالمي عبدالرحمن منيف في‬ ‫�شقته بدم�شق قال لي‪« :‬لقد زرت في �شبابي دومة الجندل‬ ‫و�سكاكا وتبوك‪� ,‬أثناء �إقامتي في عمان‪ ,‬كنا نتردد كثير ًا على‬ ‫قريات الملح‪.‬‬ ‫ �أما دومة الجندل و�سكاكا فهما مدينتان تاريخيتان م�شبعتان‬ ‫بالح�ضارة وت�ستحقان م�صير ًا �أف�ضل»‪.‬‬

‫زياد ال�سالم مع الروائي العربي الكبير عبدالرحمن‬ ‫منيف‬

‫‪92‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫■ ما المواقع التي تزورها على الإنترنت؟‬ ‫• على طريقة �أب��ي ي��زي��دٍ الب�سطامي �أن��ا ال �أزوره ��ا‪ ،‬ولكن‬ ‫المواقع هي التي تزورني وتطوف حولي ثم تم�ضي!‬

‫الروائي �صالح القر�شي‪:‬‬

‫ت�أثير التغييرات ال�سيا�سية واالقت�صادية‬ ‫على الأعمال الأدبية يحتاج بع�ض الوقت‬ ‫ولي�س لدينا نقدٌ متفوق‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫المنهجية المتبعة ر�سمياً‪� :‬سيا�سة �إق�صاء الرموز؛ ون�صب‬ ‫الكمائن للمبدعين‪� .‬أما الم�ؤ�س�سات الثقافية فال حول لها‬ ‫وال قوة‪ ,‬ال �سيما بعد �أن �سيطر عليها الجهلة‪ ,‬المتخلفون‪،‬‬ ‫فحقول الثقافة لي�ست بازار ًا رخي�ص ًا لتعميم التبادالت تحت‬ ‫غر�ض القيمة النفعية‪.‬‬

‫■ �أجرى احلوار‪ :‬عمر بوقا�سم*‬

‫يملك ح�سا�سية خا�صة ���س��وا ًء ك��روائ��ي �أو كمثقف‪ ،‬فهو‬ ‫ينتخب لنف�سه الهدوء الذي يليق ب�صوته‪�« ..‬صالح القر�شي»‪،‬‬ ‫ي�ؤكد تميزه بو�صوله للقارئ بطريقة مغايرة‪ ،‬فهو يبتعد‬ ‫ع��ن النمطية ال�����س��ائ��دة‪ ..‬يبحث ع��ن الهم الحقيقي ال��ذي‬ ‫ي�شغله‪ ،‬وه��ذا ما توثقه �أعماله‪ .‬وب�س�ؤالي عن �أدوات��ه التي‬ ‫يرتكز عليها في كتابة �أعماله قال‪« :‬ال �أع��رف هل �أ�سميها‬ ‫م��غ��ام��رة‪� ..‬إال �إذا اعتبرنا كتابة ال��رواي��ة «�أي رواي����ة» هي‬ ‫مغامرة‪ ..‬في مقابل ذلك ربما يمكنني الحديث عن ر�ؤية‬ ‫تتعلق بالطريقة التي �أكتب بها ال��رواي��ة‪ ..‬الطريقة التي‬ ‫تعجبني والتي �أنا م�ؤمن بها‪ ،‬ولك �أن ت�سميها مغامرة‪ ..‬ال‬ ‫�أميل مطلقا لعملية �إغراق القارئ بالتفا�صيل‪ ..‬اعتقد دائما‬ ‫�أن هنالك ما يجب �أن يترك لخيال القارئ وذكائه‪.‬‬ ‫«واحتفاء بروايته الأخ��ي��رة «وادي �إب��راه��ي��م»‪ ..‬الجوبة»‬ ‫حاورته‪..‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪93‬‬


‫• �أعتقد �أنها مجتمعة ال ت�شكل �سوى م�ساحة‬ ‫�صغيرة جدا مما �أحلم بكتابته‪ ،‬وبالت�أكيد هناك‬ ‫دائما م�سافة كبيرة بين ما نحلم به‪ ..‬وبين ما‬ ‫نملك �أن نحققه‪ ..‬ت�س�ألني ما هي الم�ساحة‬ ‫التي اخت�صرتها تلك الإ�صدارات من م�شروعك‬ ‫الإبداعي‪ ..‬ما �أعرفه �أنني �أق�ضي وقتا جميال‬ ‫في مرحلة الكتابة‪ ،‬وفي كل ما �سبق كنت �أكتب‬ ‫للمتعة ال�شخ�صية قبل كل �شي‪..‬كما قلت‪� :‬أ�شعر‬ ‫بمتعة كبيرة �أث�ن��اء الكتابة‪ ،‬وعندما �أمتلك‬ ‫فكرة لق�صة �أو رواي��ة‪ ،‬تكون �سعادتي غامرة‪،‬‬ ‫وكل هذا بعيدا عن �أي ت�صورات لما يمكن �أن‬ ‫يحققه المكتوب من نجاح‪ ،‬وبعيدا عن مجرد‬ ‫الرغبة في الح�ضور الإعالمي والثقافي‪ ،‬لكن‬ ‫هل هناك ما يمكن ت�سميته بم�شروع �إبداعي؟‬ ‫ال �أع��رف �سوى �أن َل��ديَّ الكثير م��ن الأح�لام‬ ‫والأفكار‪ ،‬بع�ضها يتبخر �أثناء الكتابة ويختفي‪..‬‬ ‫لكنني لم �أزل �أحلم‪ ..‬وهذا �أمر مهم كثيرا‪.‬‬

‫ي�ك��ون م�ج��رد �إط ��ار ُي�غ� ِّل��ف ال���ص��راع المكاني‬ ‫والزماني‪ ..‬وكونك ترى �أن الرواية ا�ستطاعت‬ ‫االحتفاظ بطابع المكان‪ ،‬فهذا �أم��ر جيد في‬ ‫ن��ظ��ري‪� ..‬أم��ا م��ا يخ�ص فكرة ال��رواي��ة‪ ،‬فمن‬ ‫ال�صعب �أن �أتحدث عنها ب�شكل مختزل‪ ،‬لأنني‬ ‫�أرى �أن فكرة �أي رواية‪ ..‬ما هي الرواية نف�سها‪..‬‬ ‫بمعنى �أن الفكرة يح�صل عليها القارئ بمطالعة‬ ‫الرواية‪ ،‬لكن من جهة �أخ��رى‪ ،‬يمكن القول �أو‬ ‫الإدعاء �أن «وادي �إبراهيم» هي محاولة للغو�ص‬ ‫في حياة الإن�سان وعالقته بالمكان‪ ...‬وللقارئ‬ ‫بعد ذل��ك �أن يتماهى مع ال��رواي��ة كما ي��رى‪..‬‬ ‫�سواء بالبقاء في �إط��ار �سطحها الحكائي‪� ،‬أو‬ ‫بمحاولة �إ�سقاطها على واقع الإن�سان �أو واقع‬ ‫المكان‪..‬هذا �أمر يتعلق بالقارئ تحديدا‪..‬‬

‫■ ف��ي رواي��ت��ك الأخ���ي���رة «وادي �إب��راه��ي��م»‪،‬‬ ‫ق��م��ت بتحريك ال��زم��ن ب���أ���س��ل��وب ف��ن��ي مع ■ م��ا �أدوات ال��م��غ��ام��رة ال��ت��ي ت��رت��ك��ز عليها‬ ‫االحتفاظ بطابع المكان «م��ك��ة»‪ ،‬ك�أ�سماء‬ ‫لِكتابة �أعمالك؟‬ ‫ل�ل�أم��ك��ن��ة وال�����ش��خ�����ص��ي��ات داخ����ل ال���ذاك���رة • ال �أع ��رف ه��ل �أ�سميها م �غ��ام��رة‪� ..‬إال �إذا‬ ‫التاريخية‪ ،‬م��ن خ�لال حكاية ه��ي الرمز‬ ‫اعتبرنا كتابة الرواية «�أي رواية» هي مغامرة‪..‬‬ ‫الذي بنيت عليه روايتك‪ ،‬هل لنا �أن نقترب‬ ‫ف��ي مقابل ذل��ك‪ ،‬ربما يمكنني الحديث عن‬ ‫من فكرة بناء هذا العمل؟‬ ‫ر�ؤية تتعلق بالطريقة التي �أكتب بها الرواية‪..‬‬ ‫‪94‬‬

‫• ف��ي «وادي �إب��راه �ي��م»‪ ،‬ه�ن��ال��ك ت��داخ��ل بين‬ ‫التاريخي والمتخيل‪ ..‬لكن التاريخي هنا يكاد‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫الطريقة التي تعجبني والتي �أن��ا م�ؤمن بها‪،‬‬ ‫ول��ك �أن ت�سميها م �غ��ام��رة‪ ..‬ال �أم �ي��ل مطلقا‬

‫■ م��ن ال��وا���ض��ح َت��وجُّ ��ه الكثير م��ن الأ�سماء‬ ‫في ال�سعودية لكتابة الرواية في ال�سنوات‬ ‫الأخيرة‪ ،‬هل لهذا التوجه تف�سير لديك؟‬ ‫• الأمر له عالقة بالتطور االجتماعي‪ ..‬وجود‬ ‫ال��رواي��ة بكثرة هو عالمة جيدة ج��دا على �أن‬ ‫المجتمع �أ�صبح �أكثر قبوال لفكرة المراجعة‬ ‫ومطالعة النف�س ف��ي ال �م��ر�آة‪ ..‬قديما قالوا‬ ‫�إن ال��رواي��ة ال تنمو ف��ي المجتمعات �شديدة‬ ‫المحافظة‪ ..‬الب��د �أن نتذكر �أن المحاوالت‬ ‫الأولى لكتابة رواية �سعودية كانت �أحيانا تغادر‬

‫في وادي �إبراهيم‪ ،‬ثمة تداخل بين التاريخي‬ ‫والمتخيل‪ ..‬لكن التاريخي هنا يكاد يكون‬ ‫مجرد �إطار يغلِّف ال�صراع المكاني والزماني‬ ‫ال �أحب مطلقا الحديث عن �أي رواية ب�شكل‬ ‫عام‪ ..‬كالقول‪ :‬الرواية ال�سعودية �أو الرواية‬ ‫اللبنانية �أو الم�صرية‪..‬‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫■ «بنت الجبل ‪2007‬م»‪« ،‬تقاطع عام ‪2009‬م»‪،‬‬ ‫«وادي �إب����راه����ي����م‪2012‬م»‪ ،‬ث�ل�اث رواي�����ات‪،‬‬ ‫�إ�ضافة لمجموعتين ق�ص�صيتين «ثرثرة‬ ‫ف��وق الليل ‪2004‬م»‪�« ،‬أي��ام ع��ام ‪2010‬م»‪ ،‬ما‬ ‫الم�ساحة التي اخت�صرتها هذه الإ�صدارات‬ ‫من م�شروعك الإبداعي؟‬

‫لعملية �إغ ��راق ال �ق��ارئ بالتفا�صيل‪ ..‬اعتقد‬ ‫دائ�م��ا �أن هنالك م��ا يجب �أن ي�ت��رك لخيال‬ ‫القارئ وذكائه‪� ..‬أكثر �س�ؤال يطرح عليّ ممن‬ ‫طالعوا �أعمالي هو لماذا ال ت�سهب‪..‬؟ لماذا‬ ‫ال تتعمق في تفا�صيل حياة ال�شخ�صيات‪..‬؟‬ ‫لكنني �أرى �أن هذه الأ�سئلة هي ب�شكل �أو ب�آخر‬ ‫�إطراء للعمل‪� ..‬أن يبحث القارئ عن مزيد من‬ ‫التفا�صيل فهذا �أم ٌر جيد‪ ..‬لكن �أرى �أن هنالك‬ ‫م��ا يجب �أن يترك لخيال ال �ق��ارئ‪ ..‬ف��ي هذه‬ ‫الحالة ربما ي�صبح القارئ �شريكا في العمل‬ ‫ولي�س مجرد متلقٍّ ‪.‬‬

‫(التغيرات ال�سيا�سية واالقت�صادية) �أرى‬ ‫�أثرها كبير ًا جدا‪ ..‬لكنه وعلى م�ستوى ��لأعمال‬ ‫الأدبية لن يبرز مبا�شرة‪ ،‬وكردة فعل فقط‪..‬‬ ‫الم�س�ألة تحتاج بع�ض الوقت‪.‬‬ ‫نحتاج االبتعاد قليال عن الم�شهد لتحقيق ر�ؤية �أف�ضل‬

‫الكتابة هي �ش�أن فردي‬ ‫وجود الرواية بكثرة هو عالمة جيدة جدا على‬ ‫�أن المجتمع �أ�صبح �أكثر قبو ًال لفكرة المراجعة‬ ‫ومطالعة النف�س في المر�آة‪.‬‬ ‫ب�أبطالها �إلى خارج البلد‪ ،‬لكي يمكن للروائي‬ ‫�أن يخلق �صراعا‪ ..‬يجب �أي�ضا �أن ال نن�س �أن‬ ‫الروائيين الرواد كانوا يجدون حرجا في �أ�سماء‬ ‫ال�شخ�صيات‪ ،‬فيهربون من الأ�سماء الثالثية‬ ‫خوفا من الحرج االجتماعي‪ ..‬لكن رغم ذلك‬ ‫كله ف�إنني �أج��د مبالغ ًة كبير ًة ف��ي الحديث‬ ‫عن الزخم الروائي المحلي‪ ..‬فالم�س�ألة �إذا‬ ‫م��ا قي�ست بالعدد ال تختلف كثيرا عما لدى‬ ‫الآخرين‪ ..‬الم�س�ألة هي �أن قربنا من الم�شهد‬ ‫يجعلنا نالحظ الأمر ب�شكل مختلف‪.‬‬

‫■ هل لك �أن تحدد موقعاً للرواية ال�سعودية‬ ‫على الخارطة العربية؟‬ ‫• ال �أح��ب مطلقا الحديث عن �أي رواي��ة ب�شكل‬ ‫ع��ام‪ ..‬كالقول‪ :‬ال��رواي��ة ال�سعودية �أو الرواية‬ ‫اللبنانية �أو الم�صرية‪ ..‬الكتابة هي �ش�أن فردي‬ ‫في النهاية‪ ،‬و ُكتّاب بلد ما ال يعملون كفريق‪،‬‬ ‫وحتى م�س�ألة الت�أثير والت�أثر ال يمكن النظر‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪95‬‬


‫�إليها على م�ستوى �إقليمي‪ ..‬ولهذا �أعتقد �أن‬ ‫بع�ض التعميم ال��ذي يمار�س تجاه ال��رواي��ة‪،‬‬ ‫كالحديث عن رواي��ة في بلد ما ب�شكل مجمل‪،‬‬ ‫ه��و ا�ست�سهال كبير وبعيد ع��ن المو�ضوعية؛‬ ‫كما �أن��ه ي��دل �أي�ضا على غياب ال�ف��رز نتيجة‬ ‫غياب القراءة‪ ..‬المتابع الجيد للرواية المحلية‬ ‫والعربية �سي�صل �إل��ى نتيجة وا�ضحة‪ ،‬هي �أن‬ ‫لدينا ُك � ّت��ابَ رواي ��ة رائعين‪..‬ولدينا رواي��ات‬ ‫رائعة‪..‬ولدينا في المقابل كُتابُ رواية �سيِّئون‬ ‫وروايات �سيئة‪..‬والأمر لدى الآخرين ال يختلف ■ «هذا زمن الرواية»‪« ..‬هذا زمن ال�شعر»‪..‬‬ ‫كثيرا عما لدينا‪ ،‬فهنالك دائما روايات رائعة‬ ‫ع��ب��ارت��ان ت��ت��ك��رران على �أل�سنة الروائيين‬ ‫في كل بلد عربي و�أخرى غاية في ال�ضعف‪..‬‬ ‫وال�شعراء‪ ،‬و�أنت‪ ..‬ماذا تقول؟‬ ‫كبير حتى على الأعمال الروائية الأ�سا�سية‪..‬‬ ‫ال �أت�صور �أن يُقبل �إن�سان على كتابة الرواية‪،‬‬ ‫وهو لم يطالع �أهم الأعمال الروائية في العالم‪،‬‬ ‫بداية من ما ي�سمى بكال�سيكيات ال��رواي��ة‪..‬‬ ‫وانتهاء بالرواية الحديثة‪ ،‬في نهاية الأمر‪� ..‬إذا‬ ‫كان هنالك كاتبان موهوبان �أحدهما اطلع على‬ ‫الأدب الم�ؤ�س�س لفن الرواية‪ ،‬والآخر لم يفعل‪..‬‬ ‫ف�إنني اعتقد �أن الأول �سيبدو �أكثر ح�ضورا‬ ‫وا�ستمرارية فيما �سينطفئ الثاني‪.‬‬

‫‪96‬‬

‫ ■ و�أن � ��ت ق� ��ارئ ج �ي��د ل �ل �ت��راث م��ن الع�صر • هي عبارات �صحافية ا�ستهالكية‪..‬لأن الأدب‬ ‫الجاهلي والأم��وي والعبا�سي‪ ..‬ال��خ‪ ،‬كتَاب‬ ‫ت�ح��دي��د ًا ال يتعامل م��ع الآن ��ي وال��وق�ت��ي‪ ،‬بقدر‬ ‫اليوم منهم من لم يقر�أ ولي�س لديه �أدوات‬ ‫ما يتعامل مع م�س�ألة البقاء �أو حتى الخلود‪..‬‬ ‫لقراءة هذا الموروث‪ ،‬بقدر حر�صهم على‬ ‫ولهذا‪ ،‬فما �سيبقى هو الجيد‪� ,‬سواء كان رواية‬ ‫قراءة بع�ضهم وما هو مترجم‪ .‬ماذا تقول‬ ‫�أم �شعراً‪ ..‬وما دام الأمر يت�سع لمطالعة رواية‬ ‫في هذا؟‬ ‫ج�ي��دة‪ ،‬ومجموعة �شعرية ج�ي��دة‪ ،‬فلي�س ثمة‬ ‫مجال للحديث عن زمنٍ للرواية �أو زمنٍ لل�شعر‪..‬‬ ‫• �أعتقد �أن ثقافة الكاتب ه��ي ال��وق��ود ال��ذي‬ ‫يجعله يوا�صل وي�ستمر في الكتابة‪ ..‬و�أتفِقُ معك ■ ك��ي��ف ت����رى �أث�����ر ال���ت���غ���ي���رات ال�����س��ي��ا���س��ي��ة‬ ‫بخ�صو�ص �أن بع�ض الكتّاب غير مطلع ب�شكل‬ ‫واالقت�صادية التي ي�شهدها العالم العربي‪،‬‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫• �أرى �أثرها كبير ًا ج��داً‪ ..‬لكنه وعلى م�ستوى‬ ‫الأع �م��ال الأدب �ي��ة المهمة ل��ن ي�ب��رز مبا�شرة‬ ‫و َك� ��ر َّد ِة فعل ف �ق��ط‪ ..‬الم�س�ألة تحتاج بع�ض‬ ‫الوقت‪ ،‬كما نحتاج االبتعاد قليال عن الم�شهد‬ ‫لتحقيق ر�ؤية �أف�ضل‪ .‬ال تن�س �أننا ونتيجة لهذا‬ ‫التدفق الإع�لام��ي‪� ،‬أ�صبحنا ونحن في بيوتنا‬ ‫ج ��زء ًا م��ن تلك الم�شاهد‪ ،‬ب��ل نحن داخلها‬ ‫تماما‪ .‬الأم��ر الأخ��ر والمهم �أي���ض��ا‪ ..‬ه��و �أن‬ ‫التغيرات ال�سيا�سية �ست�سهم بطريقة �أو ب�أخرى‬ ‫في ارتفاع من�سوب الحرية‪ ،‬وعدم الخوف من‬ ‫مبا�شرة �أكثر المو�ضوعات ح�سا�سية‪� ،‬سوا ًء على‬ ‫الم�ستوى االجتماعي �أو ال�سيا�سي‪ ،‬وهذا له �أثره‬ ‫الحتمي على الإبداع بكل ت�أكيد‪.‬‬

‫■ «النقد ف��ي ال�سعودية ت��ف�� َّو َق على الن�ص‬ ‫الإبداعي»‪ ،‬هل هذا �صحيح؟‬ ‫• ال �أعتقد ذل ��ك‪ ..‬ربما ح��دث ف��ي مرحلة ما‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫على �شكل الخطاب الإبداعي وم�ضمونه؟‬

‫حدث في مرحلة ما �أن �أ�صبح لدينا نقا ٌد‬ ‫كالنجوم‪..‬لكن لم يحدث في �أي مرحلة �أن‬ ‫كان لدينا نق ٌد يمكن و�صفه بالمتفوق‬ ‫�أعتقد �أن الإنترنت قدم الكثير للإبداع‪..‬‬ ‫والمواقع الثقافية على النت هي بال �شك‬ ‫ظاهرة �صحية جدا‬ ‫ال �أميل مطلقا لعملية �إغراق القارئ‬ ‫بالتفا�صيل‪� ..‬أعتقد دائما �أن هنالك ما يجب‬ ‫�أن يترك لخيال القارئ وذكائه‬ ‫�أن �أ�صبح لدينا نقا ٌد نجوما‪ ..‬لكن لم يحدث‬ ‫في �أي مرحلة �أن كان لدينا نقد يمكن و�صفه‬ ‫بالمتفوق‪ ..‬ربما ي�صح القول �إن لدينا نقادا‬ ‫ب�لا ن�ق��د‪ ..‬وي�ب��دو ل��ي �أن �سبب ح�ضور بع�ض‬ ‫الأ�سماء وغياب الفعل النقدي‪ ،‬هو �أن النجومية‬ ‫التي ح�صلت عليها بع�ض الأ�سماء م�ستفيدة‬ ‫م��ن مرحلة ال���ص��راع المثير ح��ول الحداثة‬ ‫والمحافظة‪ ..‬هذه النجومية جعلت �أ�صحابها‬ ‫ينف�صلون عن الإبداع محليا وعربيا وعالميا‪..‬‬ ‫ت�ستطيع �أن تقول �إن�ه��م توقفوا ع��ن مطالعة‬ ‫الإب��داع‪ ..‬هل �سبق �أن وجدت اهتماما للناقد‬ ‫المحلي بقراءة �أي منجز �إبداعي؟ ال �أتحدث‬ ‫هنا عن الإبداع المحلي فقط‪ ..‬هل تتذكر قراءة‬ ‫نقدية محلية لعمل �أدبي عالمي �سواء كان �شعر ًا‬ ‫�أم نثراً‪ ..‬هل هناك تما�س بين الأدب في العالم‬ ‫كله وبين ما ي�سمى نقدا في م�شهدنا المحلي‪..‬‬ ‫الحقيقة �أن �أكثر المعنيين بقراءة الإبداع هم‬ ‫المبدعون �أنف�سهم‪� ،‬سواء كانوا كتاب ق�صة �أم‬ ‫رواية �أم كانوا �شعراء‪.‬‬

‫■ «ال�����ص��ح��اف��ة م��ق��ب��رة ال���م���ب���دع»‪ ،‬ه���ل ل��ه��ذه‬ ‫المقولة �أثر في عدم تعمق �صالح القر�شي‬ ‫في ال�صحافة؟‬ ‫• قد ال تكون هذه العبارة �صحيحة بالمطلق‪..‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪97‬‬


‫■ ان��ت�����ش��رت ع��ل��ى �أل��ن��ت م��واق��ع‪ ،‬ت��دع��ي �أن��ه��ا‬ ‫الحا�ضنة للتجارب الإب��داع��ي��ة ال�شبابية‪،‬‬ ‫وك�أنها تلزمهم بالح�ضور كبوابة لدخول‬ ‫عالم الأدب الموثق‪ ،‬هل تجد هذا االنت�شار‬ ‫ل��م��ث��ل ه�����ذه ال����م����واق����ع‪ ،‬ظ����اه����رة ���ص��ح��ي��ة‬ ‫للإبداع؟‬

‫‪98‬‬

‫الكاتب والروائي ال�سعودي فهد العتيق‪:‬‬

‫مكتبتي المتوا�ضعة هي �أعمال روائية‪ ..‬عالمية‬ ‫مترجمة وعربية ومحلية‪�..‬إ�ضافة �إلى مجموعات‬ ‫�شعرية‪ ..‬و�أي�ضا �أنا مولع بالتاريخ‪ ،‬ولهذا فلديَّ‬ ‫بع�ض الكتب المتعلقة بالتاريخ‪� ..‬إ�ضافة �إلى‬ ‫بع�ض الكتب ذات العالقة بالفكر والفل�سفة‬ ‫وال�سيا�سة والمو�سيقى‪ ..‬التوجه الغالب على‬ ‫المكتبة ه��و م��ن ك��ل ب�ح��ر ق �ط��رة‪ ..‬رب�م��ا لأن‬ ‫اهتماماتي القرائية تم ّر بما �أُ�سَ مّيه موجات‪..‬‬ ‫ت�أتيني �أحيانا رغبة في مطالعة كتب التاريخ‪،‬‬ ‫ف�أ�شتري ُك� ُت�ب� ًا ح��ول ه��ذا الأم���ر‪ ..‬بعد فترة‪،‬‬ ‫ي�أتيني اهتمام غريب بالفل�سفة‪ ،‬ف�أ�شتري بع�ض‬ ‫الكتب المهتمة بهذا ال�ش�أن‪ ..‬الفكر الإ�سالمي‬ ‫�أي�ضا‪ ..‬ال�سيا�سة والتاريخ ال�سيا�سي الحديث‪..‬‬ ‫لكن ال�شيء الثابت في مطالعتي هو الروايات‬ ‫والمجموعات الق�ص�صية ودواوين ال�شعر‪.‬‬

‫• �أعتقد �أن الإن�ت��رن��ت ق��دم الكثير ل�ل�إب��داع‪..‬‬ ‫والمواقع الثقافية على النت هي بال �شك ظاهرة‬ ‫�صحية ج��دا‪ ..‬و�شخ�صيا ا�ستفدت كثيرا من‬ ‫بع�ض هذه المواقع‪ ،‬و�أحمل لها الكثير من الحب‬ ‫والعرفان والتقدير‪ ..‬ومواقع الإنترنت الثقافية‬ ‫هي مثلها مثل ال�صفحات الثقافية في ال�صحف‬ ‫والمجالت‪..‬ال يمكن الحكم عليها ب�شكل عام‪،‬‬ ‫و�إنما يجب الحديث عن كل موقع ب�شكل خا�ص‪..‬‬ ‫�أع�ت�ق��د �أن الن�شر م��ن خ�ل�ال الإن �ت��رن��ت مهم‬ ‫وحيوي‪ ،‬وكذلك الن�شر من خالل ال�صحافة جيد‬ ‫ومفيد للو�صول �إلى نوعيات �أخرى من القراء‪،‬‬ ‫كما �أن الن�شر من خالل الكتب مهم جدا باعتبار‬ ‫التوثيق‪ ،‬وباعتبار �أن �أهمية الكتاب لن تزعزعها‬ ‫�أهمية �أخرى �أبدا‪ ..‬بل �إن تطور و�سائل االت�صال ■ ماذا عن جديدك؟‬ ‫�أ�سهم بقوة في انت�شار الكتب والترويج لها‪ ،‬وما‬ ‫ن��راه من تدافع ال�شباب في معار�ض الكتب‪ • ..‬ال جديد الآن ف��ي الأف��ق ال�ق��ري��ب‪ ..‬هنالك‬ ‫ج�م��رات �صغيرة ل��م تتحول بعد �إل��ى لهب‪..‬‬ ‫يعود الجزء الأكبر منه �إلى ت�أثير الإنترنت ودوره‬ ‫وه �ن��اك �أي �� �ض��ا م�ج�م��وع��ة خ��ا� �ص��ة بالق�صة‬ ‫الكبير في ترويج الكاتب والكتاب‪.‬‬ ‫الق�صيرة جدا جاهزة ومتكاملة‪ ،‬لكنني متردد‬ ‫■ هل لنا �أن نتعرف على محتوى مكتبتك؟‬ ‫في ن�شرها؛ ربما لأنني ن�شرت العام الما�ضي‬ ‫رواي��ة «وادي �إب��راه�ي��م»‪ ،‬وبالتالي فالبد من‬ ‫• ال �أ�ستطيع االدع ��اء �أن ل��دي مكتبة بمعنى‬ ‫مرور بع�ض الوقت لن�شر كتاب جديد‪.‬‬ ‫المكتبة المتكاملة‪� ..‬أغلب الكتب الموجودة في‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫الق�ص�ص والروايات المت�شابهة تعبر عن فقر‬ ‫�إبداعي‪ ،‬والق�صة الحديثة علمتنا كيف نجعل‬ ‫اللحظة ال�سردية م�شهد ًا ن�شعر به ونراه ونعاي�شه‬

‫م����������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫فهناك الكثير من المبدعين الذين عملوا في‬ ‫ال�صحافة‪ ،‬ولم تذهب ب�إبداعهم �إلى المقبرة‪..‬‬ ‫بالن�سبة ل��ي‪ ،‬فعملي ف��ي ال�صحافة ه��و عمل‬ ‫ب�سيط‪..‬ال ي�أخذ الكثير من وقتي‪ ..‬ولهذا ف�أنا‬ ‫في م�أمن من تلك العبارة لو �صحَّ ت‪.‬‬

‫مثل كائن �أ�سطوري �أنيق‪ ،‬ي�ؤجل مواعيده مع الق�ص والحكي وال�سرد‪ ،‬حتى تختمر‬ ‫عجينة الن�ص جيدا‪ ،‬ليمتع ال��ذات والآخ��ر في الوقت نف�سه‪ ،‬ال��روح التواقة للجمال‬ ‫الآ�سر في اللغة ال�سردية‪ ،‬والمتلقي المتلهف للتل�ص�ص على عوالم الكاتب والروائي‬ ‫ال�سعودي المبدع فهد العتيق‪ .‬الجامعة الأمريكية بالقاهرة تترجم روايته «كائن‬ ‫م�ؤجل»‪ .‬وهي الجهة الح�صرية لترجمة الرواية ون�شرها في جميع �أنحاء العالم وبكل‬ ‫اللغات ما عدا العربية‪.‬‬ ‫■ حاوره ‪� -‬أحمد الدمناتي*‬

‫ ■ ت���ن���ح���از ف����ي م���ق���ت���رح���ك ال�������س���ردي‬ ‫والجمالي ل�شخو�ص مهملة تعي�ش‬ ‫ف����ي ال���ه���ام�������ش‪ ،‬وي���ل���فّ���ه���ا ال��ن�����س��ي��ان‬ ‫والق�سوة والمرارة‪ ،‬هل هذا االنحياز‬ ‫ن��وع م��ن ت�سليط ال�����ض��وء على هذه‬ ‫ال��ف��ئ��ة ال��م��ح��روم��ة ف���ي ال��ح��ي��اة‪� ،‬أم‬ ‫اختيار فني �آمنت به وبقدرته على‬ ‫�إمتاع المتلقي وتثقيفه؟‬ ‫• من ال�صعب بالن�سبة لي �أن �أخترع‬ ‫حكاية لكتابة ق�صة �أو رواي ��ة‪ ،‬لكن‬ ‫�أحاول �أن �أكتب عن ما �أراه‪ ،‬وما �أ�شعر‬

‫به؛ ف�أنا ال ا�ستطيع الحديث عن الأدب‬ ‫والكتابة بمعزل عن الحياة اليومية‬ ‫وظ��روف ال��واق��ع ال��ذي نعي�شه‪ .‬هذه‬ ‫التفا�صيل اليومية الجميلة �أحياناً‪،‬‬ ‫والمتناق�ضة والم�ؤلمة �أحيان ًا �أخرى‪،‬‬ ‫ه��ي �أدب وف���ن م��ن وج��ه��ة ن��ظ��ري‪..‬‬ ‫لكنها تنتظر كتابة فنية على م�ستوى‬ ‫جمالها وعمقها وم�ستواها وقيمتها‬ ‫و�ألمها وتناق�ضاتها‪ ,‬ولأن �أغلب فئات‬ ‫ال�شعب العربي مهم�شة‪ ,‬ف�شخو�ص‬ ‫الن�صو�ص ال�سردية التي �أكتبها تعبّر‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪99‬‬


‫‪ 100‬اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫يعتبرون الكتابة ف��ن اخ �ت��راع الحكايات‬ ‫الوهمية والم�صادفات والق�ضايا الكبرى‪..‬‬ ‫التي هي نتيجة لتفا�صيل �صغيرة في الواقع‬ ‫المعا�ش‪ ..‬يوجد في ن�صو�صي �شخ�صيات‬ ‫عاي�شت ظروف ًا �أ�سرية واجتماعية و�سيا�سية‬ ‫متخلفة ومعقدة خ�سفت ب�أحالمها العفوية‬ ‫بحياة جميلة وعادلة وهادئة‪ ،‬ظروف حياة‬ ‫�أو�صلتهم �إلى درجة بيع قدراتهم ومواهبهم‬ ‫بالمجان‪ ..‬وه��م �أب�ط��ال ق�ص�ص «�إذع��ان‬ ‫�صغير» و«�أظ��اف��ر �صغيرة»‪ ،‬ورواي��ة «كائن‬ ‫م��ؤج��ل»‪ :‬حين كبروا‪ ..‬وهم �أي�ضا �أبطال‬ ‫الن�ص الجديد «��س��ارة قالت ه��ذا» وه��ذا‬ ‫الن�ص ال�سردي نموذج للق�صة التي كنت‬ ‫�أري��د �أن �أكتبها منذ �سنوات طويلة‪ ..‬فهو‬ ‫الن�ص الم�شهد الذي يتحرك �أمام القارئ‬ ‫بكل عفوية وب�ساطة وو�ضوح‪ ...‬وهذا الن�ص‬ ‫«�سارة قالت ه��ذا»‪ ،‬فيه �شخ�صيتي الفنية‬ ‫التي ات�ضحت في ق�ص�ص «�إذع��ان �صغير»‬ ‫و«�أظ��اف��ر �صغيرة» و«ك��ائ��ن م ��ؤج��ل»‪ ،‬فيه‬ ‫تتجدد روح ال�سرد المفتوح على الم�شهد‬ ‫الحكائي‪� ...‬أح ��اول فيه �أن ي��رى القارئ‬ ‫ال�صورة ال�سردية ويعاي�شها وي�شعر بها‬ ‫ويت�أثر بها‪.‬‬ ‫الق�صة كما الرواية لها كمين الجاذبية‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫ع��ن فئة كبيرة م��ن ال�ن��ا���س‪ ،‬وه��ي تعاني‬ ‫من واقع فو�ضوي و�إهمالٍ ‪ ،‬جعل �أحالمها‬ ‫وطموحاتها معلقة �أو م�ؤجلة‪ ..‬لكن الفن‬ ‫ممكن ان يتناول ك��ل ه��ذا بلغة وبطرائق‬ ‫فنية عالية ومبدعة وممتعة‪ ،‬وربما �أي�ضا‬ ‫فكاهية ��س��اخ��رة‪ ..‬و�أن��ا �أعتبر �أن الأدب‬ ‫والفن والثقافة هي �ضمائر الأمة‪ ..‬و�سوف‬ ‫يظل المواطن العربي كائن ًا م�ؤج ًال حتى‬ ‫يجد االهتمام ومناخات كاملة من حرية‬ ‫التعبير والم�شاركة في القرار‪ ،‬مثلما �ستظل‬ ‫المر�أة كائن ًا م�ؤج ًال حتى تتحرر من بع�ض‬ ‫الر�ؤى التقليدية المحيطة بحياتها‪ ،‬وتنطلق‬ ‫بروحها الأ�صيلة و�إيمانها و�شخ�صيتها‬ ‫الحرة‪ ..‬فالأدب هو الفن والمتعة والك�شف‬ ‫�أي�ضا‪ ..‬ك�شف تناق�ضات وهموم الواقع من‬ ‫خالل حكايات �سردية تعطي للحياة معنىً‬ ‫وقيمة‪ ،‬وت��رف��ع م�ستوى وع��ي ال�ق��ارئ �إل��ى‬ ‫م�ستوى �أحالمه وتطلعاته‪.‬‬ ‫ ■ تقول الكاتبة الأمريكية توني موري�سون‬ ‫الحائزة على جائزة نوبل للآداب في العام‬ ‫‪1993‬م‪�« :‬أب���دع النظام والجمال والحياة‬ ‫انطالقا مما يحيطني‪ ،‬على الرغم من‬ ‫�أن محيطي هذا لي�س �سوى �سديم وب�ؤ�س‬ ‫وم�������وت»‪ .‬ه���ل ت����ؤم���ن ب������أن ال��م��ح��ي��ط هو‬ ‫الذي ي�شكل متخيل الروائي‪ ،‬وي�ؤثر فيه‪،‬‬ ‫وي�صنع �شخ�صياته على الورق؟‬ ‫• طبعا‪ ..‬لكن بالن�سبة ل��ي‪ ..‬على طريقة‬ ‫التخييل ال��ذات��ي‪ ..‬الق�صة كلحظة �إيحاء‬ ‫ت��راق��ب وتعاي�ش حركة النا�س المحيطة‬ ‫وحواراتهم واهتماماتهم و�أحالمهم‪ ..‬والفن‬ ‫ي�شتغل على هذه الم�شاهدات والحوارات‬ ‫بكيفيته ال �خ��ا� �ص��ة م��ن خ�ل�ال التخييل‬ ‫ال��ذات��ي‪ ..‬ربما لأن��ي من الكتاب الذين ال ■ ‬

‫ع��ل��ى ال����ذات ال��م��ب��دع��ة‪ ،‬ك��ي��ف ت��ق��اوم ه��ذه‬ ‫الغواية الآ���س��رة؟ وكيف ت��رى الفرق بين‬ ‫الق�صة والرواية؟‬ ‫• رواي �ت��ي ق�صة حديثة ط��وي�ل��ة‪ ..‬وق�صتي‬ ‫مفتوحة على و��ش��ك ال ��رواي ��ة‪ ..‬ول �ه��ذا ال‬ ‫فرق عندي فنيا بين الق�صة والرواية‪ ..‬وال‬ ‫�أ�شعر �أن الرواية الحديثة تحتاج الى قدرات‬ ‫�أكبر‪ ..‬ربما العك�س هو ال�صحيح‪ ..‬الق�صة‬ ‫تحتاج الى دقة مالحظة وتركيز‪ ..‬والرواية‬ ‫تحتاج �إلى َنفَ�س �سردي‪ ،‬و�سعة �أفق‪ ،‬ومقدرة‬ ‫على �إدارة الحوار بين ال�شخ�صيات بطريقة‬ ‫من�سجمة بال تكلف �أو افتعال‪.‬‬ ‫ وفيما يتعلق بالفرق بين الق�صة والرواية‪،‬‬ ‫�أرى �أن فخ الت�صنيفات النقدية ال�ساذجة‬ ‫ال��ذي يعد ال��رواي��ة قمة الأدب‪ ،‬و�أن من‬ ‫يكتبها يعد ذا مقدرة عظيمة حتى لو كان‬ ‫م�ستواها �ضعيفا‪� ..‬أو حتى لو كانت تتكىء‬

‫على �أفكار روايات �سابقة لها‪ ..‬هو ال�سبب‬ ‫ال��ذي جعل كثير ًا م��ن الكتاب والكاتبات‬ ‫يركزون على كتابة الرواية و�إهمال الق�صة‪.‬‬ ‫فالق�صة ال�ق���ص�ي��رة ه��ي ج��وه��رة الفن‬ ‫الحديث‪ ..‬و�إذا كانت الرواية والق�صيدة‬ ‫تكتب منذ مئات ال�سنين بطريقة تقليدية‪..‬‬ ‫ف�إن الق�صة الق�صيرة هي التي علمتنا كيف‬ ‫ن�ستطيع �أن نقول في عبارة‪ ..‬ما كان يقال‬ ‫في �صفحات‪ ،‬وهي التي علمتنا كيف نجعل‬ ‫اللحظة الق�ص�صية م�شهدا كامال تح�سه‬ ‫وت�سمعه وتراه وتعاي�شه‪ ..‬ك�أنه �أمامك في‬ ‫الحارة �أو في البيت �أو في الحجرة‪ ..‬ومن‬ ‫وجهة نظري ال�شخ�صية‪ ،‬ف���إن ال��رواي��ات‬ ‫المكتوبة بروح الق�صة هي الروايات الأكثر‬ ‫تحققا و�أكثر تعبيرا عن ال�صدق الفني �أو‬ ‫العفوية الفنية والأدب�ي��ة‪ ..‬عك�س كثير من‬ ‫رواياتنا التي حين تقر�أها ت�شعر �أنها كانت‬ ‫تبحث عن مو�ضوع كبير من �أج��ل البناء‬ ‫فوقه ما ي�شبه الرواية‪ ..‬فوقعت في �إ�شكالية‬ ‫التكلف واالفتعال والمبالغة والت�شابه مع‬ ‫كتابات �أو روايات �سبقتها‪.‬‬ ‫ الإ�شكالية الثانية هي الر�سمية والتقليدية‬ ‫التي ينظر فيها كثير من الكتاب والكاتبات‬ ‫لدينا �إلى كتابة الن�ص ال�سردي الحديث‪..‬‬ ‫حيث يروْنَ �أن الق�صة عالم‪ ..‬ويروْنَ الرواية‬ ‫عالما �آخ��ر ال يجمعهما ��ش��يء‪ ..‬وي�ضعون‬ ‫بينهما ج��دار ًا �إ�سمنتي ًا كبيراً‪ ،‬وف��ي هذا‬ ‫�إعطاء لمو�ضوع الرواية �أكبر من حجمه‬ ‫الطبيعي‪ ،‬في حين �أنَّ ال��رواي��ة الحقيقية‬ ‫والمتميزة‪ ،‬لي�ست ��س��وى ق�صة ق�صيرة‬ ‫حديثة تطورت �أفكارها‪ ،‬و�أخذت م�سارات‬ ‫مختلفة لتتحول �إلى رواية �أو ق�صة طويلة‪،‬‬ ‫بطرائق فنية حديثة‪ ،‬ولي�ست تقليدية‪..‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪101‬‬


‫‪ 102‬اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫ف�أجمل الروايات العالمية المعروفة الحظنا‬ ‫كيف �أن ف�صولها كانت ق�ص�صا ق�صيرة‪..‬‬ ‫بينما لدينا‪ ،‬نالحظ �أن الف�صل في الرواية‬ ‫التقليدية تتمة حرفية للف�صل الذي يليه‪.‬‬ ‫فالرواية التقليدية التي تبحث عن مو�ضوع‬ ‫كبير انك�شف �ضعفها وتقليديتها‪ ،‬وعدم‬ ‫تقديمها كتابة متجددة وحديثة‪ ..‬وال يهمها‬ ‫مو�ضوع التجاوز الإبداعي‪ ..‬وربما �أن كتابها‬ ‫لديهم قدرات تعبيرية فقط‪ ،‬ولي�س مواهب‬ ‫عن القراءة يعود لهذا ال�سبب‪ ..‬وهو كثرة‬ ‫حقيقية‪ ..‬فهناك ف��رق بين ك��ات��ب لدية‬ ‫الكتب �أو ال��رواي��ات المت�شابهة‪ ..‬وبع�ض‬ ‫قدرات تعبيرية ي�ستغلها في كتابة روايات‬ ‫الكتاب المت�شابهين يدافعون عن كتاباتهم‬ ‫متو�سطة الم�ستوى‪ ،‬وب�ي��ن ف�ن��ان حقيقي‬ ‫التي تتطابق مع كتابات �سابقة لها بالقول‬ ‫ال ي �ف �رِّق بين الأج �ن��ا���س الأدب��ي��ة‪ ،‬ويهمه‬ ‫«�إن كل الق�ص�ص مت�شابهة» وه��ذا كالم‬ ‫كتابة ن�ص بكيفية متقدمة ومبدعة ور�ؤية‬ ‫غير �صحيح‪ ..‬وهو يبرر لظاهرة ال�سرقة‬ ‫جديدة‪ ..‬ال تتكىء على �أفكار وتجارب كتب‬ ‫في الأدب‪ ..‬ولو كان هذا �صحيحا‪� ..‬أن كل‬ ‫معروفة �سابقة‪ .‬وللأ�سف ق��ر�أت رواي��ات‬ ‫الق�ص�ص مت�شابهة‪ ..‬ف�إن هذا يعني �أن كل‬ ‫�سعودية وق�ص�ص ًا ق�صيرة ِل ُكتّاب ٍ لدينا‬ ‫الق�ص�ص فقيرة وغير مبدعة‪.‬‬ ‫تت�شابه مع ن�صو�ص �أخ��رى‪ ..‬ما يدل على‬ ‫فقر �إب��داع��ي‪ ..‬ن�صو�ص �ضعيفة ومفتعلة ■ ت���وظ���ف ف���ي ق�����ص�����ص��ك ال��ق�����ص��ي��رة وف��ي‬ ‫ب�سبب �أنها م�أخوذة من رواي��ات وق�ص�ص‬ ‫روايتك ما هو �شعري و�أ�سطوري وتاريخي‬ ‫�سابقة لهم‪ ..‬وعلى النقد الجاد �أن يواكب‬ ‫وي��وم����ي‪ ،‬ه��ل ه��ذه المرجعيات ت�سهم في‬ ‫المرحلة‪ ،‬ويك�شف مثل ه��ذه الم�شاكل �أو‬ ‫تخ�صيب الن�ص ال�سردي‪� ،‬أم تمتع المتلقي‬ ‫الت�شابه �أو التنا�ص �أو التال�ص الذي يقلل‬ ‫لحظة القراءة الواعية والمت�أنية؟‬ ‫�إمكانات التجديد والإبداع واالختالف‪.‬‬ ‫• حين �أكتب الن�ص ال�سردي تن�شغل الذاكرة‬ ‫ هذا يقربنا من م�صطلح التجاوز الإبداعي‬ ‫ب�أفكار كثيرة‪ ،‬يتداخل فيها االجتماعي مع‬ ‫�شرط الكتابة الأدبية الحديثة‪� ،‬إذ‬ ‫الذي يعد َ‬ ‫الحلمي مع الأ�سطوري مع ال�سيا�سي‪ ..‬مع‬ ‫�إن الكاتب الأ�صيل ال يقبل �أن يكتب رواية‬ ‫�أ�سئلة وهموم الذات‪ ..‬التي هي في الغالب‬ ‫�أو ق�صة �أو ق�صيدة تكون ن�سخة م�شابهة‬ ‫�أ�سئلة وهموم الجماعة‪ ..‬النا�س‪ ..‬وهذه‬ ‫لن�صو�ص �أخ��رى‪ ..‬ذل��ك �أن محاكاة ن�ص‬ ‫ال��ذاك��رة المفتوحة على ك��ل االحتماالت‬ ‫�سابق يك�شف عدم المقدرة على تقديم ما‬ ‫تختزن �أ�شياء كثيرة تاريخية و�أ�سطورية‬ ‫هو متفرد له ب�صمة خا�صة‪ ،‬وعالمة فارقة‬ ‫وحلمية‪ ،‬تكون ف��ي النهاية عفويا �ضمن‬ ‫ترفعه عن التطابق �أو الت�شابه مع ما �سواه‪..‬‬ ‫ن�سيج الن�ص‪ ،‬وت�ساعده رم��زي��ا ف��ي فهم‬ ‫المعنى الأدبي واال�ستمتاع به‪.‬‬ ‫و�أظن �أن عزوف كثير من القراء المتميزين‬

‫م���ط���ب���وع���ات ال���ج���ام���ع���ة الأم���ي���رك���ي���ة ف��ي‬ ‫■ كيف يت�شكل المكان في مقترحك ال�سردي‬ ‫ال��ق��اه��رة رواي��ت��ك «ك��ائ��ن م���ؤج��ل» م��ا هي‬ ‫بو�صفه مكوّنا فنيا مهماً في بناء الن�ص؟‬ ‫ال��ع��وال��م ال��م��ت��خ��ي��ل��ة ال��ت��ي ت��ت��ح��دث عنها‬ ‫• بالن�سبة لي المكان ال يت�شكل‪ ..‬لكنه حا�ضر‬ ‫الرواية‪ ،‬وهل الترجمة للغة �أخرى تف�سح‬ ‫با�ستمرار في ذاكرتي‪ ..‬وفي الغالب هذا‬ ‫المجال �أم��ام الروائي للتوا�صل مع قراء‬ ‫الح�ضور القوي للمكان في ذاكرتي هو �أحد‬ ‫ج��دداً‪� ،‬أم تفتح �أف��ق الرواية العربية على‬ ‫�أ�سباب متعة الكتابة بالن�سبة ل��ي‪ ..‬نظرا‬ ‫محيطها العالمي والكوني؟‬ ‫للعالقة الحميمة بيني وبين الأمكنة‪ ..‬لهذا‬ ‫ف�إن روح المكان ت�أتي من الذين مكثوا هنا‪ • ،‬ع��وال��م رواي ��ة «ك��ائ��ن م ��ؤج��ل» ه��ي عوالم‬ ‫الواقع المعا�ش في مدينة الريا�ض لحظة‬ ‫ومن الذين مرّوا من هنا �أي�ضاً‪ ،‬ومنحوه من‬ ‫تحوّلها من حال �إلى حال‪ ..‬لكن بخ�صو�ص‬ ‫�أرواحهم؛ و�إذا كان الإن�سان يمنح المكان‬ ‫الترجمة يهمني �أن يقر�أ كتابي �أهل وطني‬ ‫روح ًا حيَّة‪ ،‬ف�إن عالقة الإن�سان بهذا المكان‬ ‫العربي �أو ًال و�أ�سا�ساً‪ .‬ولهذا كنت �سعيد ًا‬ ‫مرتبطة بذاكرته‪ ،‬وبالمراحل والأح��داث‬ ‫ج��د ًا ب��الإق�ب��ال والمبيعات ال�ت��ي حققتها‬ ‫التي عا�شها في ظروف واقع المكان‪ ،‬لتظل‬ ‫رواية «كائن م�ؤجل» �سواء في بلدي �أو في‬ ‫ذاكرة فردية وجماعية ال تمحى ب�سهولة‪ .‬في‬ ‫ال��دول العربية حتى الآن‪ ،‬وكنت �سعيد ًا‬ ‫«رواية كائن م�ؤجل» مثال‪ ..‬محاولة للت�أكيد‬ ‫بهذه المبادرة الجميلة من هذه الم�ؤ�س�سة‬ ‫على روح المكان الذي �أعدّه هوية حقيقية‬ ‫العلمية الثقافية العالمية الم�شهورة‪ ،‬لكن‬ ‫للإن�سان‪ ..‬مقابل رغبات بتغريب المكان‬ ‫في كل الأح��وال يهمني القارئ في وطني‬ ‫وطم�س هويته بدعاوى التطوير والتحديث‪،‬‬ ‫العربي‪ ..‬لأن��ي م�ؤمن �أن الأدي��ب ال��ذي ال‬ ‫والت�أكيد �أي�ضا على الروح الإن�سانية العالية‬ ‫يتحقق في بلده ولي�س له قراء‪ ،‬ال يمكن �أن‬ ‫التي بد�أنا نفقدها �شيئا ف�شيئا و�سط هذا‬ ‫يحقق ذلك خارج بلده‪ ..‬الكاتب الذي لي�س‬ ‫العالم اال�ستهالكي الفا�سد‪ ،‬ال��ذي يقلد‬ ‫له قيمة حقيقية في �أمته‪ ،‬لن تكون له قيمة‬ ‫الغرب في جانبه ال�سلبي‪ ،‬ويهمل العمل‬ ‫حقيقية في مكان �آخر‪ ،‬هذه القيمة الثقافية‬ ‫والإنجاز الحقيقي‪ ،‬الذي هو جوهر الحياة‬ ‫العالية هي التي ‪-‬تلقائياً‪ -‬تو�صل همومك‬ ‫الإن�سانية‪ .‬لقد �أتلف الأديب الياباني الكبير‬ ‫وق�ضاياك و�صوتك الحقيقي المبدع �إلى‬ ‫«مي�شيما» نف�سه احتجاجا على الفجوة‬ ‫�أنحاء العالم‪ ..‬مثلما يهمني �أن يكون لأدبي‬ ‫الهائلة التي خلفها غياب القيم الأ�صيلة‬ ‫�صوته الخا�ص وب�صمته الخا�صة وق�ضاياه‬ ‫في اليابان‪ ،‬التي حلت محلها القيم الغربية‬ ‫المتجددة والحقيقية فنيا ومو�ضوعيا‪.‬‬ ‫الفا�سدة واالنحالل الأخالقي‪ ،‬معبر ًا عن‬ ‫وعيٍ حقيقي ب�أهمية �أن يكون الأديب �ضمير ■ كيف ر�أي���ت م��وج��ة ال���رواي���ات ال�سعودية‬ ‫�أمته‪ ..‬بمواجهة ومجابهة كل �أدوات تخريب‬ ‫والعربية في ال�سنوات الع�شر الما�ضية‪،‬‬ ‫ال�ح�ي��اة الحقيقية وا��س�ت�ب��دال�ه��ا ب ��أخ��رى‬ ‫فقد كان هناك ما ي�شبه ت�سونامي الرواية‬ ‫مزيفة‪.‬‬ ‫ال���ع���رب���ي���ة‪ ،‬وم����ا ر�أي������ك ف���ي ج���ائ���زة ب��وك��ر‬ ‫العربية؟‬ ‫ ■ ت�����ص��در ق��ري��ب��ا ب��ال��ل��غ��ة الإن��ك��ل��ي��زي��ة عن‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪103‬‬


‫‪ 104‬اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫ال��رواي��ة في كثير من نماذجها المعروفة‬ ‫تعاني من فقد ميزة اللغة ال�سل�سة‪ ..‬كما‬ ‫تعاني من م�شكلة البحث عن مو�ضوعات‬ ‫�ضخمة‪ ،‬وعن حيل مفتعلة تحيل الن�صو�ص‬ ‫وحكاياتها �إلى �شيء وا�ضح الت�صنع والتكلف‬ ‫لغة ومو�ضوعاً‪ ،‬مع �ضعف وا�ضح في القدرة‬ ‫على المعالجة ال���س��ردي��ة ال�ح��دي�ث��ة‪ ،‬ولم‬ ‫تن�شغل ه��ذه الن�صو�ص بمحاولة ك�شف‬ ‫�أم��را���ض و�أع �ط��اب المجتمع‪ ،‬وت�شخي�ص‬ ‫�أ�سبابها التي �أو�صلته �إلى هذه الحالة التي‬ ‫ال ت�سر‪ ،‬تجاه جوانب كثيرة مثل تناق�ضات‬ ‫الواقع بمختلف جوانبه‪ ،‬وحقوق المر�أة‪،‬‬ ‫وحقوق الإن�سان‪ ،‬و�أ�سباب ظواهر التطرف‬ ‫ف��ي ك��ل ج��وان��ب الحياة‪� .‬أ��ض��ف �إل��ى ذلك‬ ‫معاناة ن�صو�ص روائية كثيرة لكتاب �آخرين‬ ‫من لغة البالغة القامو�سية ال�صعبة التي‬ ‫تدعي �شعرية الن�ص‪ ،‬ما يعنى فقد هذه‬ ‫الن�صو�ص لتلك ال�سال�سة والعفوية والهدوء‬ ‫التي هي جوهر الن�ص الأدبي‪.‬‬

‫ وطبعا هناك كاتبات جديدات ومميزات‬ ‫حاولن ب��روح ثقافية عالية تعرية العنف‬ ‫الوا�ضح �ضد ال�م��ر�أة ومحاربته‪ ،‬وكذلك‬ ‫الظلم ال���ذي تتعر�ض ل��ه‪ ،‬و�إب����راز ق�ضية‬ ‫تجريم الحب في مجتمع ينظر �إل��ى هذه‬ ‫الم�شاعر نظرة تقليدية قا�صرة‪ .‬وهذا رائع‬ ‫لوال �أنه يتم ب��أدوات �أدبية �ضعيفة �أحيانا‪.‬‬ ‫وب�شكل عام‪ ..‬ما زالت رواياتنا بحاجة �إلى‬ ‫الكثير‪ ،‬لغة ومعالجة و�أفكارا‪ ،‬لكي تتحقق‬ ‫ب�شكل �أف�ضل‪ ،‬وهذا لن يحدث �إال في حال‬ ‫تكري�س الكاتبة والكاتب لوقته‪ ،‬واحت�شاده لهذا‪ ،‬يمكن القول �إن ت�سونامي الروايات‬ ‫الجاد يوميا بعيدا عن الح�ضور الإعالمي‬ ‫العربية ف��ي العقد الما�ضي ل��م ي ��أت من‬ ‫المبالغ فيه‪ ،‬وبقراءة الن�صو�ص الروائية‬ ‫ف��راغ‪ ..‬فمن فجر الثورة هم �أعظم جيل‬ ‫العربية والعالمية المتقدمة في هذا ال�شكل‬ ‫في العالم العربي الذي �أوجد واقعا جديدا‬ ‫الأدبي الهام‪.‬‬ ‫يفوق الخيال‪ ،‬بعد �أن راكم ال�شعب العربي‬ ‫ وبالن�سبة للرواية العربية ت�صدر المطابع‬ ‫بمختلف فئاته الكثير م��ن االحتجاجات‬ ‫العربية المئات من الكتب الروائية في كل‬ ‫ال�سلمية والكتابات الثقافية واالجتماعية‪،‬‬ ‫عام‪ ،‬وهي في الغالب متو�سطة الم�ستوى‪،‬‬ ‫ومن خالل م�سيرة عقود عربية طويلة بد�أت‬ ‫لكن ف��ي ال�سنوات الأخ �ي��رة �شهدنا مولد‬ ‫تحقق بع�ض ثمارها‪..‬‬ ‫الكثير م��ن ال �م��واه��ب ال��روائ �ي��ة العربية‬ ‫الحقيقية‪ ،‬فلدينا الآن �أ�سماء �أدبية عربية �أما جائزة البوكر العربية فم�شروع جميل‬ ‫جديدة متميزة بن�صو�ص غاية في الجمال‬ ‫للتعريف بالرواية العربية لل�شعوب العربية‬ ‫والإب��داع ال�سردي الروائي الخالق ومهملة‬ ‫خ�صو�صا ول�شعوب العالم عامة‪ ..‬ب�صرف‬ ‫�إعالميا‪� ،‬إذ ال يمكن تجاهل روايات عربية‬ ‫النظر عن من فاز �أو �سيفوز بها‪ ..‬والمهم �أن‬ ‫�شابة حققت لذاتها وللرواية العربية نقلة‬ ‫تكون لجان التحكيم من الأدباء المبدعين‪،‬‬ ‫رائعة في المفهوم الحديث للن�ص الروائي‬ ‫و�أن تبتعد عن المجامالت‪ ،‬والع�شوائية في‬ ‫ال�سهل والعميق في �آن واحد‪ ،‬وعلى �سبيل‬ ‫االختيار‪� ،‬إذ �أكد ذلك م�شاركون وم�شاركات‬ ‫ال �م �ث��ال رواي� ��ات ال�ي�م�ن��ي ع�ل��ي ال�م�ق��ري‪،‬‬ ‫في لجنة تحكيم العام ‪2011‬م‪ .‬كما الحظت‬ ‫والتون�سي الحبيب ال�سالمي‪ ،‬وال�سوداني‬ ‫�أن بع�ض الروايات الفائزة كانت �ضعيفة‬ ‫�أم �ي��ر ت ��اج ال �� �س��ر‪ ،‬وال �ع��راق��ي ع�ل��ي ب��در‪،‬‬ ‫الم�ستوى‪ ،‬وفيها �أخ �ط��اء وا� �ض �ح��ة‪ ..‬مع‬ ‫وال�سوري خالد خليفة‪ ،‬وال�سورية �أني�سة‬ ‫ال�شكر لكل القائمين على ه��ذه الجائزة‬ ‫عبود‪ ،‬والفل�سطينية رج��اء بكرية‪ ،‬و�سالم‬ ‫المهمة‪ ،‬والدعاء لهم بالتوفيق‪.‬‬ ‫حمي�ش من المغرب‪ ،‬والطيب الزبير من‬

‫م��������������������������واج��������������������������ه��������������������������ات‬

‫• ك��ان��ت عظيمة وحلمية ورائ���ع���ة‪ ..‬يكفي‬ ‫�أنها �أع��ادت ال�ق��ارئ والقارئة في العالم‬ ‫العربي �إلى المكتبة‪ ..‬وجعلتهم يتحاورون‬ ‫في مواقع النت عن هذه الروايات �سنوات‬ ‫طويلة‪ ،‬ما �ساعد في رفع م�ستوى الوعي‪..‬‬ ‫م��ع العلم �أن موجة ث��ورات ال�شعوب �أت��ت‬ ‫مبا�شرة بعد ت�سونامي الروايات‪ ،‬وهذا له‬ ‫دالل��ة كبيرة على ت�أثير الأدب في الحياة‬ ‫االجتماعية‪ .‬لكن المالحظات النقدية‬ ‫المو�ضوعية والجادة على رواياتنا ال تقلل‬ ‫من قيمة اجتهاداتنا الروائية الطموحة‪..‬‬ ‫ف�ن�ح��ن ج�م�ي�ع��ا ف��رح��ون ب �ه��ذا ال �ك��م من‬ ‫الروايات المتميزة فعال في بع�ض ف�صولها‪،‬‬ ‫والمتوا�ضعة في ف�صول �أخرى كثيرة‪ ،‬كما‬ ‫�أنني �أجد متعة وتمرينا ذهنيا في الكتابة‬ ‫عن الن�صو�ص التي تعجبني‪ ،‬والن�صو�ص‬ ‫ال��ت��ي ل��ي عليها م�لاح��ظ��ات ان��ط��ب��اع��ي��ة‪،‬‬ ‫وب���ص��راح��ة‪ ،‬فقد �أبهجني ج��دا‪ -‬ك�أنني��� ‫وج ��دت ��ض��ال�ت��ي‪ -‬ح�ي��ن ت�صاحب جمال‬ ‫ال���س��رد م��ع عفوية الأداء ال�ف�ن��ي‪ ،‬وع��دم‬ ‫تكلفة ف��ي ال�ع��دي��د م��ن ال ��رواي ��ات‪ ..‬رغم‬ ‫بع�ض المالحظات عليها‪ ،‬واب��ت��ع��اد كثير‬ ‫من ف�صولها عن هموم و�أم��را���ض الواقع‬ ‫المعا�ش التي تحتاج �إلى �ضوء �سردي فني‬ ‫كبير‪ .‬وحتى ال يبدو في الأمر مبالغة‪� ..‬أقول‬ ‫�إن �سر جمال هذه الن�صو�ص الروائية لي�س‬ ‫في قوتها وتجديدها‪ ،‬لكن في ب�ساطتها‬ ‫وتحررها من التمثيل‪ ،‬والتكلف‪ ،‬واالفتعال‪،‬‬ ‫والحيل‪ ،‬والم�صادفات‪ ،‬والمبالغات التي‬ ‫هي للأ�سف �سمة �أغلب رواياتنا‪ .‬لكن ب�شكل‬ ‫عام‪ ،‬حين تقر�أ الكثير من هذه الن�صو�ص‬ ‫ال�سردية التي �صدرت في ال�سنوات الع�شر‬ ‫الأخيرة بهدوء وت�أن‪� ،‬سوف تكت�شف �أن هذه‬

‫ال�سودان‪ ،‬و�أحمد مراد �سيد الوكيل‪ ،‬وحمدي‬ ‫�أبو جليل‪ ،‬ومحمد الفخراني‪ ,‬وهناء عطية‬ ‫وغيرهم من الأدباء والأديبات الذين قدموا‬ ‫في رواياتهم وعيا حديثا للرواية الجديدة‬ ‫بلغتها ال�م�ب��دع��ة ومعالجاتها ال�سردية‬ ‫المتقدمة غير المتكلفة‪ ،‬ليتوا�صلوا مع‬ ‫م�سيرة �سرديين عرب كبار مثل �إبراهيم‬ ‫�أ���ص�لان‪ ،‬وب��ه��اء ط��اه��ر‪ ،‬و�إدوار ال��خ��راط‬ ‫و�سلوى بكر وغيرهم‪..‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪105‬‬


‫الجوائز الأدبية‪:‬‬ ‫�أو�سمة �أم فخاخ �أم �شهادات وفاة؟‬ ‫■ ه�شام بن ال�شاوي – املغرب*‬

‫ثمة كتبة يتباهون بجوائزهم الكثيرة‪ ،‬ومن بينها جوائز‬ ‫مجالت الحائط المدر�سية‪ ،‬التي ي�ضيفونها �إل��ى �سيرهم‬ ‫الذاتية �أو جوائز بال ج��وائ��ز؛ �أي بال قيمة مادية ك�إحدى‬ ‫ال��ج��وائ��ز ال��ل��ب��ن��ان��ي��ة‪ ،‬ح��ي��ث ي��ت��ع��دى ع���دد الحا�صلين عليها‬ ‫الـ(‪ )40‬فائزًا‪...‬‬ ‫هل ت�صنع الجوائز مبدعا؟ وم��اذا عن تمويل بع�ض هذه‬ ‫الجوائز (منها ما ارتبط بحكّام طغاة �أو �أنظمة �شمولية)‪،‬‬ ‫والو�ضع االعتباري للكاتب في العالم العربي؟وماذا عن هرولة بع�ض الكتّاب ورك�ضهم‬ ‫خلف تلك الجوائز؟ �أال يبدو الأمر م�ضحكا �أحيانًا‪ ،‬كما يحدث‪ ،‬كل خريف‪ ،‬مع �أحد‬ ‫ال�شعراء قبيل �إعالن نتيجة جائزة نوبل للآداب؟‬

‫لم يتم تجاهل نتائج بع�ض الجوائز‪ ،‬من المبدعين والنقاد المغاربة‪:‬‬ ‫بالتغا�ضي عن عقليات لجان التحكيم‪ ،‬القا�ص والروائي م�صطفى لغتيري‬ ‫وال��ت��ي ق��د ت �خ��ون ��ض�م�ي��ره��ا المهني ي��رى «�أن الجوائز في ال��دول الغربية‪،‬‬ ‫لت�صفية الح�سابات مع خ�صومهم �أو والتي لها تقاليد في الأدب وازنة‪ ،‬ت�سهم‬ ‫�إق�صاء كتّاب الذائقة الأخرى؟‬ ‫ب�شكل كبير في رواج الكتاب المتوج بها‪،‬‬

‫ن�ف�ت��ح ه ��ذا ال�م�ل��ف ال �� �ش��ائ��ك‪ ،‬على وتخلق ل�صاحبه ا�سما رنانا‪ ،‬بل وتغنيه‬ ‫الرغم من ال�م��داد الكثير ال��ذي �سفح عن البحث عن �أ�سباب العي�ش ليتفرغ‬ ‫على �أعتابه‪ ...‬عبر ا�ستطالع �آراء ثلة للكتابة الأدبية‪ ،‬بينما في الوطن العربي‬ ‫‪ 106‬اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫ويتفق معه الكاتب والناقد ر�شيد يحياوي‬ ‫في �أن «الجوائز من حيث المبد�أ عمل محمود‪،‬‬ ‫مادام الكاتب والمثقف ب�صفة عامة مواطنا‬ ‫يتميز عن المواطن العادي ب�أن له قيمة تعب‬ ‫م�ضافة تتمثل في ما تتطلبه الكتابة من موارد‬ ‫لتغطية حاجياتها ولوازمها‪ ،‬وخا�صة �إذا كان‬ ‫الكاتب �أو المثقف لي�س له دخل قار من عمل‬ ‫�آخر»‪ ،‬ويعتبرها يحياوي في هذه الحالة عمال‬ ‫�إيجابيا من حيث القيمة المادية‪� ،‬إذ قد ت�ساعد‬ ‫الكاتب �أو المثقف على تخطي الإفال�سات‬ ‫الجيبية والديون واال�ستنزافات الذهنية التي‬ ‫ت�سببها‪ ،‬ليتفرغ نف�سيا لعمل جديد �أو م�شروع‬ ‫جديد «وحتى �إذا لم تكن الجائزة ذات قيمة‬ ‫مادية تذكر‪ ،‬فتكفي قيمتها الرمزية لتمنح‬ ‫الكاتب المدد المعنوي ليوا�صل دفع ال�صخرة‬ ‫ال�سيزيفية؛ فمن تعبه في ذلك الدفع تتولد‬

‫هل نرى مثال مبررا لأن يح�صل كاتب ما‬ ‫على جائزة خارج بلده‪ ،‬وبالبلد الذي منحه‬ ‫الجائزة ُكتّاب يتفوقون في العطاء والقيمة‬ ‫المعرفية على �صاحبهم ال�ضيف؟ ثم ما معنى‬ ‫�أن يح�صل الكاتب على ج��وائ��ز ع��دة خ��ارج‬

‫ن����������������������������������������������واف����������������������������������������������ذ‬

‫قراءة �أخرى للم�شهد الأدبي في المغرب‬

‫لم ت�ستطع الجوائز «اكت�ساب تلك ال�سمعة‬ ‫المتوخاة‪ ،‬لكي تفتح للفائز بها �أبوابا جديدة‬ ‫في الأدب والحياة وتك�سبه جمهورا �إ�ضافيا‪،‬‬ ‫يجعل كتابه متداوال على نطاق وا�سع‪ ،‬فرغم‬ ‫ال�م�ج�ه��ودات ال�ت��ي ت�ب��ذل ف��ي ه��ذا المجال؛‬ ‫غير �أنها تبقى غير كافية �إن لم تحت�ضن من‬ ‫ط��رف المجتمع وو�سائل الإع�ل�ام على وجه‬ ‫الخ�صو�ص‪ ،‬لتخلق الأثر المطلوب‪ ،‬وت�سهم في‬ ‫رفع المقروئية �إلى درجات مقبولة»‪ ،‬ويخل�ص‬ ‫لغتيري �إلى �أن «الجوائز عندنا ال ت�صنع �أديبا‪،‬‬ ‫ولكنها مع ذل��ك تبقى �ضرورية‪ ،‬لأنها على‬ ‫الأق��ل ت�شعر الكاتب بجدوى ما يقوم به من‬ ‫خالل االعتراف المعنوي ب�إنتاجياته»‪.‬‬

‫�أجمل �إبداعات الخيال الإن�ساني و�أنبل قيمه»‪،‬‬ ‫ويلمح �إلى �أنها عمل محفوف بالنوايا‪ ،‬وذلك‬ ‫م��ن ج�ه��ات مختلفة‪ :‬ن��واي��ا م��ان��ح ال�ج��ائ��زة‪،‬‬ ‫نوايا لجنة التحكيم‪ ،‬ونوايا من ح�صل على‬ ‫الجائزة‪ ،‬وكذلك نوايا ال�ق��راء والمتتبعين‬ ‫حين يعلمون بمن انتهت �إليه الجائزة‪« :‬فلكل‬ ‫طرف ما نواهُ‪ ..‬من كانت نيته من‬ ‫واحد ولكل ٍ‬ ‫الجائزة تحقيق م�آرب �شخ�صية �ضيقة فنيته‬ ‫�إل��ى ذل��ك‪ ،‬وم��ن كانت نيته اعتبار الجائزة‬ ‫لحظة تكريم و�إج�لال للعطاء الإن�ساني في‬ ‫هذا المجال‪ ،‬فنيته �إلى ذلك بدوره‪ .‬الم�شكلة‬ ‫�أن ت�ك��ون النية �ضعيفة �أو منعدمة‪� ،‬أو �أن‬ ‫يكون لديك �أ�شخا�ص قليلو النية كما نقول‬ ‫بالعامية‪ .‬وه��ؤالء قد يكونون �ضمن الراعين‬ ‫والمانحين للجائزة‪� ،‬أو �ضمن لجنة تحكيمها‪،‬‬ ‫وحتى �ضمن بع�ضهم ممن يتقدم للح�صول‬ ‫على جائزة كاتبا على مقا�س �شروطها وك�أنه‬ ‫الع��ب ره��ان‪ .‬لذلك‪ ،‬فقلما �سلمت الجوائز‬ ‫من النقد‪ :‬جوائز الم�سرح‪ ،‬جوائز ال�سينما‪،‬‬ ‫جوائز الأغنية‪ ،‬جوائز الكتاب‪ ،‬جوائز التقدير‬ ‫والتكريم‪�...‬إلخ‪ ،‬وهناك جوائز نزلت على‬ ‫�أ�صحابها كال�صاعقة لتعلن وفاتهم كتابيا‪،‬‬ ‫ولجان التحكيم تتحمل كثيرا من الم�سئولية‬ ‫في هذا‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪107‬‬


‫لي�ست لدينا تقاليد ع�صرية في ما يتعلق‬ ‫بالجوائز‪ ،‬ولذلك ت�شوبها المنازع ال�شخ�صية‪،‬‬ ‫�أي �إر�ضاء هذا ال�شخ�ص هذه ال�سنة و�إر�ضاء‬ ‫الآخ ��ر �سنة �أخ ��رى‪ ،‬وال �ت��ودد ل�ه��ذا الطرف‬ ‫مرة‪ ،‬وللآخر مرة �أخرى‪� ،‬أو اتقاء �شر هذا �أو‬ ‫ذلك‪� ...‬إلخ‪.‬‬ ‫والمهم‪� ،‬أن من ال�ضروري �أن تكثر الجوائز‬ ‫حتى تعبر عن طبيعة التعددية في االختيارات‬ ‫الكتابية والثقافية والفنية‪ ،‬فينال ك��ل من‬ ‫ي�ستحق التقدير والت�شجيع ما ي�ستحقه‪ .‬على‬ ‫�أن ت�ك��ون ه��ذه ال�ج��وائ��ز حقيقية ومن�صفة‬ ‫وم��و� �ض��وع �ي��ة‪ ،‬و�أال ي �ك��ون ت �ع��دده��ا �شبيها‬ ‫بالتعددية الحزبية في بع�ض بلداننا‪ ..‬متعددة‬ ‫على ال��ورق‪ ،‬لكنها في ال��واق��ع قريبة ال�شبه‬ ‫ببع�ضها»‪.‬‬ ‫�إن الحديث عن الجوائز الأدبية في عالمنا‬ ‫العربي (المغرب خا�صة)‪ -‬بالن�سبة للناقد‬ ‫والمترجم �سعيد بو عيطة‪ -‬يثير الكثير من‬ ‫الأ�سئلة المحرجة والم�ؤرقة في الوقت نف�سه‪،‬‬ ‫�أكثر مما يقدم �أجوبة وت�صورات كافية �شافية‪..‬‬ ‫نظرا لما يلفها من غمو�ض والتبا�س‪ ،‬يرتبط‬ ‫هذا بجل عنا�صرها (الجهة المانحة �سواء‬ ‫�أكانت �أف��رادا �أم م�ؤ�س�سات‪ ،‬لجان التحكيم‪،‬‬ ‫�إل� ��خ‪ ،)...‬وف��ي بع�ض الأح �ي��ان يدخل بع�ض‬ ‫ال ُكتّاب في ه��ذا االلتبا�س‪ ،‬وي��رى �أن��ه يتعذر‬ ‫الحديث عن م�صداقية �أغلب هذه الجوائز‬

‫‪ 108‬اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫من جانبه‪ ،‬ي�شير ال�شاعر والناقد فوزي‬ ‫عبدالغني �إل��ى �أهمية الجائزة ف��ي التنويه‬ ‫بالعمل الأدبي بمختلف �أ�شكاله‪ ،‬وي�ستغرب �أن‬ ‫تغمرنا الجوائز من كل �صوب‪ ،‬وب�شكل مت�سارع‬ ‫�إل��ى حد �أن البع�ض يعرف الآخ��ر بالجوائز‪،‬‬ ‫وف ��ي ال �م �ق��اب��ل‪ ،‬ق��د يبعث ذل ��ك ع�ل��ى ط��رح‬ ‫ال�س�ؤال حول م�صداقية هذه الجوائز و�سندها‬ ‫الخفي‪ ،‬ويتابع قائال‪« :‬وا�ضح �أن المعيارية‬ ‫والإ�سقاطات تمتد �أي�ضا للجائزة المخ�ص�صة‬ ‫للكتابة الأدبية‪ ،‬وهو ما يخلق تفا�ضال و�إق�صاء‬ ‫للخ�صو�صيات ولحقيقة الأدب التي ال تتقيد‬ ‫ب��الآن��ي والظرفيات والح�سابات الم�ؤدلجة‪.‬‬ ‫وبالتالي تكري�س للواحدية والبطولة غير‬ ‫ال��واردة في الكتابة �إط�لاق��ا»‪ ،‬وتبدو لفوزي‬ ‫بع�ض المعايير الكامنة وراء الجائزة م�صاب‬ ‫بم�سطرة الإط ��ارات والت�صورات الجاهزة‪،‬‬ ‫التي تريد خلق �أتباع وقطيع في الأدب �أي�ضا‪:‬‬ ‫«�أبعد من ذلك‪ ،‬الجائزة قتل لال�ستمرارية‪،‬‬ ‫�إذ يبدو �أن المبدع معلق بين جائزته وكتاباته‬ ‫الآت�ي��ة‪ .‬وق��د يخفف ذل��ك من حرقة الكتابة‬ ‫والتوا�صل مع الذات �أوال‪ .‬لكن هذا ال يمنع من‬ ‫الإق��رار بم�صداقية بع�ض الأ�صوات الأ�صيلة‬

‫ن����������������������������������������������واف����������������������������������������������ذ‬

‫وطنه‪ ،‬بينما لجان الجوائز بوطنه ال تعترف‬ ‫بعطائه؟‬

‫م�ؤكدا �أن الكاتب الحقيقي ال ت�صنعه الجوائز‪،‬‬ ‫بل ي�صنع نف�سه عن طريق العمل والجهد وطول‬ ‫المرا�س «بهذا الت�صور‪ ،‬فالجائزة ال تقدم وال‬ ‫ت�ؤخر بالن�سبة لتجربة كاتب معين‪� .‬صحيح �أن‬ ‫الجائزة قد تذيع �صيت الكاتب وت�ساعد على‬ ‫تو�سيع رقعة انت�شاره‪ ،‬لكنها ال ولن تعمل على‬ ‫�صنع ُكتّاب حقيقيين»‪.‬‬

‫والمت�أ�صلة ف��ي التربة‪ ،‬وت�ك��ون الجائزة اعترافا بالجميل‬ ‫والعميق �ضمن العطاء الإن�ساني»‪.‬‬ ‫�أم��ا الكاتبة والمترجمة الزهرة رميج‪ ،‬فت�ستهل حديثها‬ ‫بالإ�شارة �إلى �أن الإبداع الح��يقي زئبقي وع�صي عن الإدراك‪،‬‬ ‫لأنه رهين في جوهره‪ ،‬بالموهبة التي ال �أحد ي�ستطيع الإم�ساك‬ ‫بتالبيبها �أو تبيان مالمحها‪ .‬ولذلك‪ ،‬ال يمكن للجوائز �أن‬ ‫ت�صنع مبدعا‪ .‬فالذي ي�صنع المبدع هو موهبته المتفردة‪،‬‬ ‫و�أ�صالته‪ ،‬وخ�صو�صيته الإبداعية التي تميزه‪ ،‬وقدرته على‬ ‫النفاذ �إلى �أعماق النف�س الب�شرية في كل زمان ومكان‪.‬‬ ‫الجوائز ت�أتي بعد الإبداع ال قبله‪ .‬فهو ال�سابق وهي الالحق‪.‬‬ ‫ولذلك‪ ،‬ف�إن‪« :‬وظيفتها تنح�صر �أ�سا�سا‪ ،‬في مكاف�أة المبدع‬ ‫المتميز �أ�صال‪� .‬أما �إذا حادت الجوائز عن هدفها هذا‪ ،‬و�سعت‬ ‫عبر لجان ال تتوافر في �أع�ضائها �شروط الكفاءة والنزاهة‬ ‫والمو�ضوعية والحر�ص على الرفع من م�ستوى الثقافة‪� ،‬إلى‬ ‫منح ت�أ�شيرات م��زورة لدخول عديمي الموهبة �أو �أن�صاف‬ ‫الموهوبين �إل��ى عالم الإب��داع؛ ف��إن هذا العالم نف�سه كفيل‬ ‫بطرد ه���ؤالء م��ن رح��اب��ه ط��ال ال��زم��ن �أم ق�صر‪ ،‬لأن عالم‬ ‫الإبداع عالم يتوفر على ما يكفي من المناعة للق�ضاء على كل‬ ‫الطفيليات»‪ ،‬وتخل�ص �إلى �أنه في زمننا هذا‪ ،‬حيث ال ي�سمع‬ ‫�صوت المبدع المتم�سك بعزلته الملهمة‪ ،‬وببعده عن الأ�ضواء‬ ‫والأبواق والطبول‪« :‬تكت�سي الجوائز «النزيهة» �أهمية كبيرة‪،‬‬ ‫�إذ تقوي �إيمانه بجدوى الكتابة‪ ،‬وتحفزه على المزيد من‬ ‫الإبداع‪ .‬والمبدع الذي �أق�صده هنا‪ ،‬هو المبدع الأ�صيل الذي ال‬ ‫ين�صت لحظة الإبداع لأي �صوت عدا �صوت الموهبة المنبعث‬ ‫من �أعماق �أعماقه‪� .‬أما ذاك الذي ت�شبه �أعماقه بركة �آ�سنة‪،‬‬ ‫وال يرى �أو ي�سمع ‪ -‬وهو يجل�س �إلى طاولة الكتابة‪� -‬سوى �صورة‬ ‫الجائزة و�صوتها الرنان‪ ،‬فالأولى به �أن ي�سلك طريقا �آخر غير‬ ‫طريق الإبداع‪ ...‬ذلك �أن الإبداع ال يت�أتى �إال للنفو�س ال�سامية‪،‬‬

‫ر�شيد يحياوي‬

‫�صالح بو�سريف‬

‫�إبراهيم الحجري‬

‫�سعيد بوعيطة‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪109‬‬


‫الكاتب والناقد �إبراهيم الحجري يلمح في‬ ‫م�ستهل حديثه �إلى �أن «الجوائز �إذا كانت تقوم‬ ‫على معايير ثابتة ووا�ضحة‪ ،‬وتقف وراءه��ا‬ ‫م�ؤ�س�سات م�ستقلة همها الإب ��داع وت�شجيع‬ ‫االب�ت�ك��ار وتحفيز الأدب� ��اء على تقديم قيم‬ ‫م�ضافة للحركة الأدبية‪ ،‬وت�سهر على انتقاء‬ ‫لجان علمية محكمة لها م�صداقيتها عربياً‪..‬‬ ‫وتت�سم ب��ال�ن��زاه��ة وال�م�ع�ق��ول�ي��ة وال �ك �ف��اءة‪،‬‬ ‫وتكون منتظمة وق��ادرة ذات تواريخ محددة‬ ‫و�أه� ��داف م�ع��روف��ة؛ فهي م��دع��اة للتحفيز‪،‬‬ ‫وتعزيز المتحقق‪ ،‬ودعم الأديب على م�سايرة‬ ‫المحنة الأدب��ي��ة ف��ي ك��ل ال��ظ��روف‪ ،‬وارت��ق��اء‬ ‫بو�ضعه االعتباري الذي يرزح تحت التهمي�ش‬ ‫والإق�صاء‪ ،‬وبخا�صة �إذا كانت ترتبط بقيم‬ ‫م��ادي��ة تحفيزية م��ن �ش�أنها �أن تلبي بع�ض‬ ‫حاجات المبدعين الكثيرة كال�سفر والهاتف‬ ‫النقال والورق والحا�سوب وتكاليف الإنترنت‬ ‫والكتب والمعا�ش‪ ،‬بحكم �أن كثيرا منهم دون‬ ‫�شغل ويعي�ش و�ضعيات �صعبة في عالم عربي‬ ‫ال يعترف بالكتّاب وال يحت�ضنهم وال يخفف‬ ‫عنهم العناء وال يعو�ضهم عما �أنتجوه‪� ،‬إذا‬ ‫م��ا ا�ستثنينا بع�ض المتزلفين والمتملقين‬ ‫والمحظوظين من الكتبة الذين ت��روج لهم‬ ‫بع�ض الجهات والم�ؤ�س�سات لأغ��را���ض غير‬ ‫�أدبية»‪.‬‬

‫‪ 110‬اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫وبالرغم من ذلك‪ ،‬ال يجوز‬ ‫التعميم‪ ،‬فهناك ذوو نوايا‬ ‫م�صطفى لغتيري‬ ‫ف� ��ي ال � �م � �غ� ��رب‪ ،‬ت �ع��رف‬ ‫ح�سنة‪ ،‬يقا�سون من �أجل �أن‬ ‫الجوائز الأدبية �شحا كبيرا‪،‬‬ ‫تظل للإبداع قيمه الأ�صيلة؛‬ ‫وك��ل ال�شباب الذين ح�صلوا‬ ‫ل��ذل��ك‪� ،‬أتمنى �أن تكثر مثل‬ ‫ع �ل��ى ج ��ائ ��زة ات� �ح ��اد ك�ت��اب‬ ‫ه��ذه ال �م �ب��ادرات التقديرية‬ ‫المغرب �أفل�سوا‪ ،‬و�أ�صابتهم‬ ‫للعمل الأدب��ي وتنت�شر‪ ،‬حتى‬ ‫اللعنة‪ ،‬ولك �أن تت�صفح الئحة‬ ‫ت�صبح ت�ق�ل�ي��دا ع��رب �ي��ا‪� .‬أم��ا‬ ‫الفائزين‪ ،‬فمنذ تلك االلتفاتة‬ ‫المعايير‪ ،‬ف�ستتغير مع الوقت‪،‬‬ ‫اختفوا �إلى الأبد‪ .‬ويغلب على‬ ‫الزهرة رميج‬ ‫ويتح�سن الأداء بما فيه حق‬ ‫ه��ذه الجائزة ح�س الحزبية‬ ‫الكاتب والعمل الفني‪ .‬فمع‬ ‫ال�ضيقة‪� ،‬إذ ت ��أت��ي لإر� �ض��اء‬ ‫�أن ال �ج��ائ��زة لي�ست معيارا‬ ‫ح�سا�سيات حزبية معينة‪.‬‬ ‫للجودة بحكم �أن التف�ضيل‬ ‫لقد فزت ببع�ض الجوائز‬ ‫حا�صل قراءة من وجهة نظر‬ ‫ف���ي ال��خ��ل��ي��ج‪ ،‬وث� �ل��اث م��ن‬ ‫معينة تخ�ضع لمنطق وت�صور‬ ‫رواياتي ح�صلت على تنويه‪،‬‬ ‫وم��وق��ف‪ ،‬وه��ي لي�ست مدعاة‬ ‫وقد �أعادت اللجان ذلك �إلى‬ ‫فوزي عبدالغني‬ ‫ل�ل�إح �� �س��ا���س ب��ال �ن �ق ����ص �أو‬ ‫وج ��ود ال��دارج��ة المغربية‪،‬‬ ‫الفخر‪ ،‬بل مجرد الم�شاركة‬ ‫ف��ي ح�ي��ن �أن اط�لاع��ي على‬ ‫ال غير‪� ،‬أما الأعمال الأدبية في جوهرها فهي‬ ‫الأعمال الفائزة جعلني �أقف على حقيقة مرة‪ ،‬غير قابلة للتفا�ضل ما دامت �إبداعات مختلفة‬ ‫وهي كونها تمتلىء بالكالم العامي الم�صري من حيث القيم والت�صور‪ ،‬ولي�ست �إن�شاءات‬ ‫�أو الخليجي دون �أن ي�شكل ذاك عائقا‪ ،‬مما وكتابات تحت الطلب»‪.‬‬ ‫ي��دل ع�ل��ى وج ��ود منطق الإق �� �ص��اء لعوامل‬ ‫ب ��دوره‪ ،‬يت�أ�سف ال�شاعر والناقد �صالح‬ ‫�إقليمية‪ ،‬بالرغم من كون الكتابات المغربية‬ ‫بو�سريف لأن الكثير م��ن الجوائز انحرف‬

‫ن����������������������������������������������واف����������������������������������������������ذ‬

‫التي تغمر العالم بحبها الفيا�ض دون انتظار‬ ‫المقابل‪ .‬وتلك �صفة الأنبياء والمختارين‪ ،‬ال‬ ‫�صفة المهرولين الطامعين في الجاه �أو المال‬ ‫�أو ال�سلطة»‪.‬‬

‫وي�ضيف ال�ح�ج��ري ق��ائ�لا‪« :‬ف��ي عالمنا‬ ‫العربي‪ ،‬غالبا ما تندر مثل هذه المبادرات‪،‬‬ ‫و�إن وج� ��دت ق�ل�م��ا ت��راع��ي م �ث��ل ال�م�ع��اي�ي��ر‬ ‫المذكورة؛ لذلك‪ ،‬فهي ال ت�ستثير الكثير من‬ ‫الكتاب والم�شاركين وال تحرز �أية وهج عالمي‬ ‫بالرغم من عراقة بع�ضها‪ ،‬فف�ضال عن طبيعة‬ ‫الم�ؤ�س�سات المحت�ضنة‪ ،‬والتي في الغالب تكون‬ ‫تجارية �أو حكومية تروج ل�شخو�ص �أو �أنظمة �أو‬ ‫ت�شهر ل�سلع ما‪ ،‬ف�إن اللجان في الغالب تغلب‬ ‫منطق الخط الأدب ��ي ال��ذي تتبناه مق�صية‬ ‫بذلك المختلف والمتميز‪ ،‬وهي غالبا لجان‬ ‫دائمة وال تتغير بما ال ي�ضفي على العملية �أية‬ ‫بهار تجريبي �أو فني‪� .‬أغلب اللجان ما تزال‬ ‫تت�شكل من ال�سدنة‪ ،‬الذين تقادمت �أفكارهم‬ ‫وم��ا ع��اد خطهم يجيب ع��ن �أ�سئلة ال�ق��راء‬ ‫ب�صفة عامة‪ .‬لذلك ف�أغلب ال�شباب يعانون‬ ‫م��ن التهمي�ش والإق���ص��اء ب�سبب توجهاتهم‬ ‫الح�سا�سة تجاه الكال�سيكية والجاهزية‪ .‬بل‬ ‫�إن كثيرا من الأ�سماء الفائزة كثيرا ما تغلب‬ ‫عليها التو�صيات الم�سبقة‪ ،‬كما ح��دث في‬ ‫م�سابقة بيروت ‪ 39‬التي روج لأ�سمائها موقع‬ ‫م�شبوه ين�شر ال�صور العارية وي��روج للتفاهة‬ ‫�أك�ث��ر مما ي��روج للقيم الأدب �ي��ة‪� ،‬أم��ا جائزة‬ ‫البوكر فيتهافت عليها المفل�سون ال�سيا�سيون‬ ‫وذوو المنا�صب المحالون على المعا�ش‪� ،‬أولئك‬ ‫الذين فقدوا م�صداقيتهم مع �شعوبهم ومل‬ ‫من �ضخامة بطونهم الم�ست�ضعفون‪ ،‬وذلك‬ ‫بغر�ض تلميع �صورهم‪ ،‬وتح�سين وجوههم‬ ‫المبقعة بالف�ساد‪� .‬أنا ال �أتقبل �أن يتنكر المبدع‬

‫يوما لأ�صله‪ ،‬وال �أن يبيع �صوته‬ ‫مقابل قيمة‪ ،‬مادية رخي�صة‪.‬‬ ‫�أولى للمبدع الحق �أن ي�ضحي‬ ‫من �أجل قيمه و�أن يع�ض عليها‬ ‫بالنواجذ‪� ،‬إل��ى �أن تتحقق �أو‬ ‫يموت دونها‪.‬‬

‫متميزة �أداء وقيما و�صوغا‬ ‫فنيا‪ ،‬لكنها في الغالب يُجنى‬ ‫عليها لتوجهها التجريبي‬ ‫وح�سها اللغوي المتمرد‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪111‬‬


‫�أري��د �أن �أختم بجائزة المغرب للكتاب‪،‬‬ ‫التي �أ�صبحت ف�ضيحة بجميع المقايي�س‪.‬‬ ‫الذين �ساهموا في قتل الجائزة هم �أن�صاف‬ ‫ال���ش�ع��راء‪ ،‬ال��ذي��ن ك��ان��وا يحاكمون ال�شعر‪،‬‬ ‫بمقايي�س جاهلة بال�شعر‪ ،‬ما �أف�ضى �إلى منح‬ ‫هذه الجائزة لأعمال ال عالقة لها بال�شعر‪،‬‬ ‫ولي�س فيها ما يمكن �أن يكون قيمة م�ضافةً‪.‬‬ ‫ف��ال�ج��ائ��زة ال تمنح لكل م��ا ه��و مكتوب من‬ ‫�أع��م��ال‪ ،‬ف�شرط الإ�ضافة ���ض��روري في منح‬ ‫ال�ج��وائ��ز‪ ،‬وه��ذا م��ا ال يحدث ف��ي م��ا يجري‬ ‫كذلك‪ ،‬يمكن الإ�شارة �إلى ف�ضيحة جابر عندنا‪.‬‬ ‫ع�صفور في قبوله جائزة القذافي بعد �أن‬ ‫هذا ما يجعلني ‪� -‬شخ�صياً‪� -‬أراجع موقفي‬ ‫رف�ضها خوان غويت�صولو‪ ،‬فحتى حين ي�صرح‬ ‫ب�إعادة الجائزة �أو رف�ضها‪ ،‬بعد ما حدث في م��ن ك��ل ه��ذا‪ ،‬لأق��ول «�إن الجوائز �أ�صبحت‬ ‫ليبيا‪ ،‬فهذا ما يزيد الطين بلة‪� .‬ألم يكن جابر فخاخ ًا تُن�صب للمثقفين الكت�شاف تهافتهم‪،‬‬ ‫ع�صفور يعرف �أن القذافي قاتالً‪ ،‬وم�ستبداً‪ ،‬وما يعانونه من فقر في الخيال‪ ،‬وفي الموقف‬ ‫�إال حين حدث ما ح��دث؟»‪ ،‬ويبدي بو�سريف وال��ر�ؤي��ة‪ ،‬للأ�سف‪ ،‬وخ�صو�ص ًا اللجان التي‬ ‫�أ�سفه لأن المثقفين العرب تنازلوا عن كثير �أ�صبح فيها البع�ض يحترف البيع وال�شراء‪،‬‬ ‫من القيم التي دع��وا �إليها‪ ،‬في ما يكتبونه‪ ،‬بدل المراهنة على القيمة الإبداعية»‪.‬‬

‫‪ 112‬اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫ن����������������������������������������������واف����������������������������������������������ذ‬

‫م���س��اره��ا‪ ،‬و�أ��ص�ب�ح��ت ن��وع � ًا م��ن الم�ساومة‬ ‫المادية‪ ،‬التي لم يعد فيها الفكر وال الإبداع‪،‬‬ ‫هما م��و��ض��وع ال�ج��ائ��زة‪ ،‬وه��ذا ق��د ي�ع��ود في‬ ‫حقيقته لكثير من الأم��ور‪�« :‬أهمها‪ ،‬اللجان‬ ‫التي تعمل على «محاكمة» الأع �م��ال‪ ،‬ولي�س‬ ‫قراءتها‪ ،‬وهي غالب ًا ما تكون لجان ًا تتحكم‬ ‫في تركيبتها �شروط غير مو�ضوعية‪ ،���وربما‬ ‫يكون ه�ؤالء ينتمون لنوع من الأفكار والكتابات‬ ‫التي ت�ج��اوزه��ا ال��زم��ن‪ ،‬وه��ذا م��ا يجعل من‬ ‫تقديرهم لكثير من الأع�م��ال خاطئاً‪� ،‬أو ال‬ ‫يقي�س الن�ص �أو العمل بقيمته الإبداعية‪� ،‬أي‬ ‫بما فيه من �إ�ضافات نوعية»‪ ،‬وي�ست�شهد �صالح‬ ‫بو�سريف بـما �سمّاه «ف�ضيحة حجازي»‪ ،‬الذي‬ ‫مُنح جائزة‪« :‬هو من عيَّن �أفراد لجنتها‪ ،‬وهو‬ ‫الم�سئول عنها‪ ،‬وهو �شاعر توقف عن الكتابة‬ ‫والإ�ضافة منذ زمن بعيد‪ ،‬ما ي�شي بهذا النوع‬ ‫من الخلل في محاكمة الإب ��داع‪� ،‬أو �إق�صاء‬ ‫الن�ص �أو التجربة الحقيقية في مقابل �أعمال‬ ‫ال قيمة وال �إ�ضافة فيها»‪.‬‬

‫وي�ضيف ق��ائ�لا‪« :‬ف��ي ال�م�غ��رب‪ ،‬قبل محمد‬ ‫بني�س و�سام بنعلي‪ ،‬ولم يتنازل عنه‪ ،‬بما في‬ ‫ذل��ك المال ال��ذي ت�سلمه منه‪ ،‬رغ��م �أن هذا‬ ‫المال في نهاية المطاف هو مال م�سروق من‬ ‫ال�شعب‪ ،‬وال يدخل �ضمن قوانين منظمة لهذا‬ ‫الو�سام‪� ،‬أو الجائزة‪ ،‬التي ال نعرف معايير‬ ‫منحها‪ ،‬كما ت�سلَّم محمد مفتاح جائزة �صدام‬ ‫ح�سين‪ ،‬التي كان الجابري قد اعتذر عنها‪.‬‬

‫القراءة الإلكترونية‬ ‫معركة القرن‬ ‫■ مر�سي طاهر*‬

‫كان �أول تكليف تلقاه الر�سول �صلى اهلل عليه و�سلم من ربه‬ ‫هو القراءة‪ ،‬و�أول كلمة �ألقيت عليه هي }�إقر�أ{ في مطلع الآية‬ ‫الكريمة } اقر�أ با�سم ربك الذي خلق{ �سورة (العلق‪ .)1:‬كما‬ ‫�أق�سم اهلل عز وجل بالقلم‪ ،‬ونوه عنه فقال �سبحانه }ن والقلم‬ ‫وم��ا ي�سطرون{ (���س��ورة ال��ق��ل��م‪ ،)1:‬وق��ال �سبحانه «ي��ا يحيى‬ ‫خذ الكتاب بقوة» (�سورة مريم‪ .)12:‬فكانت العنا�صر الثالثة‬ ‫الكتاب‪ ،‬والقلم‪ ،‬وال��ق��راءة‪ ،‬هي منظومة الح�ضارة الب�شرية‬ ‫التي ر�سمها اهلل �سبحانه وتعالى للأمم كافة‪ ،‬تتوارثها عبر الع�صور والأجيال‪ ،‬و�أعظم‬ ‫عامل لحفظ الأفكار والقيم والمعاني‪.‬‬

‫وي���ش�ي��ر ال�ت�ع��ري��ف ال�ت�ق�ل�ي��دي ل�ل�ق��راءة‬ ‫ب�أنها ترجمة الرموز المكتوبة �إلى كلمات‬ ‫منطوقة‪� ..‬إل��ى تلك العملية المركبة التي‬ ‫�أراد اهلل بها �أن ت�شترك حوا�س الإن�سان‬ ‫في �صنع تلك المنظومة‪ ،‬فالعين هي و�سيلة‬ ‫التفرقة بين رمز مكتوب و�أخر‪ ،‬والل�سان هو‬ ‫�أداة النطق‪ ،‬والعقل هو �أداة �إدراك المعنى‪،‬‬ ‫وبالتالي �أ�صبحت ال�ق��راءة بهذا المفهوم‬ ‫مفتاح ًا للعلوم المختلفة ال�ت��ي يتعلمها‬ ‫الإن�سان وينقلها من جيل لأخر‪.‬‬ ‫ويزخر تراثنا العربي بكثير من الأمثلة‬

‫التي تبين مدى التعظيم والإجالل للقراءة‬ ‫والكتب‪ ،‬وكيف كانت القراءة منهاجَ حيا ٍة بل‬ ‫غاية الحياة ونهايتها‪� ،‬إذ يذكر لنا التاريخ‬ ‫�أ�سماء كثير م��ن الم�شاهير لقوا حتفهم‬ ‫ب�سبب ال �ق��راءة وال�ك�ت��ب‪ ،‬منهم الجاحظ‬ ‫وال ��رازي والفراهيدي‪ ،‬وكثير من ع�شاق‬ ‫الكتب ال��ذي��ن ارتبطت �أ�سما�ؤهم ببع�ض‬ ‫عناوين الكتب التي تناولوها بالقراءة حتى‬ ‫حفظوها و�أ�صبحت �ألقاب ًا لهم‪ ،‬فمث ًال بدر‬ ‫الدين الزرك�شي لقب بالمناهجي لأنه حفظ‬ ‫كتاب «منهج الطالبين»‪ ،‬ومحمد بن �سليمان‬ ‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪113‬‬


‫‪ 114‬اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫من مميزات ا�ستخدام الكتاب الإلكتروني‬

‫ن����������������������������������������������واف����������������������������������������������ذ‬

‫الرومي ال��ذي ع��رف بالكافيجي لكثرة ا�شتغاله‬ ‫بالكافية في النحو‪ ،‬وكذلك �أحمد الوا�سطي الذي‬ ‫عرف بالوجيزي لأنه حفظ الوجيز واعتنى به‪.‬‬ ‫وتعددت الم�ؤلفات في الإنتاج الفكري العربي‬ ‫ف��ي تو�ضيح ر�ؤى وم��زاي��ا ال�ق��راءة الورقية التي‬ ‫تتعامل م��ع ال�ك�ت��اب ب�شكل م�ب��ا��ش��ر‪ ،‬م��ن حيث‬ ‫�أق�سامها وم�ستوياتها ومراحلها ومهاراتها‪ ،‬وكلها‬ ‫حثت على تكوين اتجاهات مفيدة نحو الميل �إلى‬ ‫القراءة والإقبال عليها‪ ،‬وحب الكتابة ومالزمة‬ ‫الكتاب واقتنائه‪.‬‬ ‫وم ��ع ب� ��زوغ ف �ج��ر ال �ق��رن ال �ع �� �ش��ري��ن‪� ،‬شهد‬ ‫العالم تقدم ًا مطرد ًا في تكنولوجيا االت�صاالت‬ ‫وال�م�ع�ل��وم��ات‪ ،‬وداه �م��ت �شبكة الإن �ت��رن��ت كافة‬ ‫ال �م �ج��االت‪ ،‬وم�ن�ه��ا ع��ال��م ال�م�ك�ت�ب��ات وال�ك�ت��ب‪،‬‬ ‫و�أح��دث��ت ت�غ�ي��رات وا� �س �ع��ة‪ ،‬ح�ت��ى ب��د�أن��ا ن�سمع‬ ‫م�صطلحات عديدة منها ع�صر المعلومات‪ ،‬الن�شر‬ ‫الإلكتروني‪ ،‬الإبداع الرقمي‪ ،‬الكتاب الإلكتروني‪،‬‬ ‫و�أي�ض ًا القراءة الإلكترونية‪ ..‬والتي بدورها لم‬ ‫تكن متخيلة عند معظم النا�س حتى الآن‪ ،‬ولكنها‬ ‫�أ�صبحت خالل ال�سنوات الأخيرة واقع ًا نعي�شه‪،‬‬ ‫وم��ا ك��ان لأح��د �أن يت�صور �أن��ه بعد الكتابة على‬ ‫الأحجار‪ ،‬ولفائف البردي‪ ،‬ورقاع الجلود‪ ،‬و�أوراق‬ ‫الكتّان‪� ،‬سي�أتي ع�صر الورق‪ ،‬وحديثاً‪ ..‬لعلنا نتذكر‬ ‫�أن التليفون المحمول ال��ذي ظهر لأول م��رة في‬ ‫الواليات المتحدة الأمريكية عام ‪1983‬م‪ ،‬خرج‬ ‫وقتها من يقول �إن ن�صف الأم��ة �أ�صابها جنون‬ ‫التليفون المحمول‪ ،‬حتى �أ�صبحنا الآن ن�شهد ذلك‬ ‫الهو�س ب�إر�سال الر�سائل الن�صية‪ ،‬ور�سائل البريد‬ ‫الإلكتروني‪ .‬وت�أثر الم�سار الإبداعي العربي بذلك‬ ‫حتى �أ�صبحنا ن��رى كتابة ال��رواي��ات والق�ص�ص‬ ‫با�ستخدام ال «مالتي ميديا» وما �سمي ب «الهايبر‬ ‫تك�ست» (الن�ص المت�شعب) الذي ي�ستخدم ال�صور‬ ‫والمو�سيقى ول�ق�ط��ات الفيديو بجانب الن�ص‬ ‫الخطي‪ ،‬و�أ�صبحت هناك ن�صو�ص رقمية و�إبداع‬

‫رقمي‪ ،‬بل �أ�صبحت هناك مكتبات ب��دون مبانٍ‬ ‫�أطلق عليها المكتبات االفترا�ضية‪.‬‬ ‫وم��ن �أكثر التقنيات التي �شهدت تقدم ًا في‬ ‫ه��ذا الإط��ار «الكتاب الإلكتروني» ال��ذي يُعرف‬ ‫ب�أنه كتاب �أو كتيب �أو �أي مطبوع يوجد على هيئة‬ ‫�إلكترونية‪ ،‬ويمكن توزيعه �إلكتروني ًا عن طريق‬ ‫الإنترنت‪ ،‬والبريد الإلكتروني‪ ،‬والنقل المبا�شر‬ ‫للملفات‪� ،‬أو النقل على �أي من الو�سائط التخزينية‬ ‫المختلفة‪ ،‬وت��وج��د الآن ع��دة �أن ��واع م��ن �أجهزة‬ ‫الكتاب الإلكتروني‪ ،‬فهناك ما ي�سمى (‪ROCKET-‬‬ ‫‪ ،)E-BOOK‬وه��و بحجم ال�ك�ت��اب ذي ال�غ�لاف‬ ‫الورقي ال�صغير‪ ،‬ويبلغ ثمنه خم�س دوالرات‪ ،‬وتبلغ‬ ‫�سعته التخزينية (‪� )4000‬صفحة من الكلمات �أو‬ ‫ال�صور‪ ،‬وهناك �أي�ضا(‪،)SOFT-E-BOOK‬الذي‬ ‫تبلغ �سعته التخزينية ما يعادل �ست روايات‪ ،‬ويبلغ‬ ‫ثمنه (‪ )300‬دوالر‪.‬‬ ‫وبعد �شراء �أي من هذه الأجهزة الإلكترونية‪،‬‬ ‫يتم تحميل الكتب المطلوبة‪ ،‬من �أي موقع من‬ ‫ال�شركات المهتمة مثل‪� :‬شركة بارنز – الأمازون‬ ‫–الروكيت بوك‪� -‬سوني‪ ،‬وتتم عملية التحميل‬ ‫ب�سرعة كبيرة ت�صل �إلى مائة ورقة في الدقيقة‬ ‫الواحدة‪ ،‬وفور �أن تتم عملية التحميل‪ ،‬ي�ستطيع‬ ‫ال�شخ�ص ت�صفح الكتاب وفهر�سته وا�سترجاعه‬ ‫بكافة �صور اال�ستعرا�ض الممكنة‪ ،‬كما يمكن‬ ‫تقليب ال�صفحات �إم��ا ب��الأ��ص��اب��ع‪� ،‬أو ب��الأوام��ر‬ ‫ال�صوتية‪ ،‬ومن ثم ي�صبح تحميل �أي وثيقة على‬ ‫ال�شبكة متاح ًا عن طريق هذا الجهاز‪.‬‬ ‫ويمكن ق��راءة الكتاب الإلكتروني با�ستخدام‬ ‫كمبيوتر المكتب �أو المحمول �أو الجيب‪ ،‬غير �أن‬ ‫الجلو�س في و�ضع ثابت ل�ساعات �أمام الكمبيوتر‬ ‫قد ي�سبب �أرق ًا و�ألم ًا وعبئ ًا نف�سياً‪ ،‬لهذا �صنعت عدة‬ ‫�شركات �أجهزة �صغيرة ت�ستخدم لقراءة الكتاب‬ ‫الإل�ك�ت��رون��ي‪ ،‬للتخل�ص م��ن ال�صعوبات ال�سابق‬

‫ذكرها‪� ،‬إ�ضافة �إلى تقنيات لال�ستعرا�ض خا�صة‬ ‫بها ل�ضمان بيعها‪ ،‬و�أطلقت على هذه الأجهزة ا�سم‬ ‫ق��ارئ الكتاب الإلكتروني‪.)E-BOOK-Reader( :‬‬ ‫وه��و ف��ي ال�غ��ال��ب ج�ه��از محمول ي��زن ثالثمائة‬ ‫جرام �أو �أقل‪ ،‬ويمكن تحديث محتوياته من مواقع‬ ‫�إلكترونية على �شبكة الإنترنت‪ ،‬وتت�سع ذاكرته‬ ‫لتخزين المئات من الكتب‪ ،‬بل الآالف منها‪..‬‬ ‫وع � � ��ن ان � �ت � �� � �ش� ��ار ا� � �س � �ت � �خ� ��دام ال� �ك� �ت ��ب‬ ‫الإلكترونية‪،‬ك�شفت درا�سة �أخيرة �أجرتها م�ؤ�س�سة‬ ‫«بيو �إنترنت �أند �أمريكان اليف بروجكت البحثية»‬ ‫ون�شرتها على موقعها الإلكتروني �أن ‪ %21‬من‬ ‫ال�شعب الأمريكي الذين تزيد �أعمارهم عن ثمانية‬ ‫ع�شر عاماً‪ ،‬قد قر�ؤوا كتابا �إلكتروني ًا واحدا على‬ ‫الأق��ل خالل ال�شهور الإثنى ع�شر الما�ضية‪ ،‬كما‬ ‫�أو��ض�ح��ت ال��درا��س��ة �أن ع��دد الأ�شخا�ص الذين‬ ‫يمتلكون �أجهزة القارئ الإلكتروني مثل «كيندل‬ ‫�أو بارتز �أند نوبل»‪ ،‬قد ت�ضاعف خالل الفترة ما‬ ‫بين دي�سمبر ويناير ‪2012‬م‪ ،‬كما ت�ضاعف عدد‬ ‫الأ�شخا�ص ال��ذي��ن يمتلكون �أج�ه��زة الكمبيوتر‬ ‫اللوحي مثل «�آي باد» و«كيندل فاير» اللذَ يْنِ يمكن‬ ‫ا�ستخدامها �أي�ض ًا ك�أجهزة قارئ �إلكتروني خالل‬ ‫نف�س الفترة‪ ،‬كما �أف��ادت الدرا�سة ب�أن ‪ %42‬من‬ ‫ه��واة ال�ق��راءة الإلكترونية ي�ق��ر�ؤون الكتب على‬ ‫�أجهزة الكمبيوتر التقليدية‪ ،‬و�أن ‪ %41‬ي�ستخدمون‬ ‫�أجهزة القارئ الإلكتروني مثل «كيندل» وغيرها‪،‬‬ ‫و�أن ‪ %23‬ي�ستخدمون �أجهزة الكمبيوتر اللوحية‪،‬‬ ‫�أما الأمر المده�ش‪ ،‬فهو �أن ‪ %29‬من هواة القراءة‬ ‫الإلكترونية ي�ستخدمون هواتفهم المحمولة في‬ ‫هذا الغر�ض‪.‬‬

‫عر�ض الكتاب‪.‬‬

‫ �سهولة فهر�سته في المكتبات وعر�ضه في ‪ -‬ربطه بالمراجع العلمية التي ت�ؤخذ منه‬‫االقتبا�سات‪.‬‬ ‫حيز �صغير‪.‬‬ ‫‪� -‬إ�ضافة بع�ض التعليقات �إلكتروني ًا �أثناء ‪� -‬سهولة حمل ونقل عدة كتب في جهاز واحد‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪115‬‬


‫ن����������������������������������������������واف����������������������������������������������ذ‬

‫�أما عن عيوب ا�ستخدام الكتاب الإلكتروني‬ ‫فتتمثل في‪:‬‬

‫ �سهولة و�سرعة البحث داخ��ل �صفحات‬‫الكتب‪.‬‬ ‫ �إمكانية دمج ال�صوت وال�صورة والو�سائط‬‫المتعددة جنب ًا �إلى جنب مع المتن‪.‬‬ ‫ �إمكانية تكبير ال �ح��روف والمتن ح�سب‬‫درج�� الر�ؤية الخا�صة بكل فرد‪.‬‬ ‫ �سهولة ت�صحيح الأخطاء لحظة اكت�شافها‬‫بالكتاب الإلكتروني‪.‬‬ ‫وغير ذلك من مزايا الن�شر الإلكتروني المتعدد‬ ‫التي ي�ستفيد منها القارئ‪.‬‬

‫‪ 116‬اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫ يف�ضل الكثير من القراء ا�ستخدام الكتب‬‫ال�م�ط�ب��وع��ة والإح �� �س��ا���س بملم�س ال��ورق‬ ‫ورائحة الحبر‪.‬‬ ‫ �سهولة ق ��راءة الكتب المطبوعة ف��ي �أي‬‫م �ك��ان‪ ،‬وت�ح��ت ظ��روف مختلفة م��ن دون‬ ‫الحاجة �إل��ى ب��رام��ج ت�شغيلية �أو �أجهزة‬ ‫خا�صة بها‪.‬‬ ‫في �ضوء ما �سبق نالحظ �أن هناك تنا�سب ًا‬ ‫ع�ك���س�ي� ًا ب �ي��ن ال� �ق ��راءة ال�م�ط�ب��وع��ة وال� �ق ��راءة‬ ‫الإل�ك�ت��رون�ي��ة‪ ،‬وع�ل��ى �سبيل ال�م�ث��ال ف� ��إن عيوب‬ ‫�أحدهما‪ ،‬تمثل في الوقت نف�سه مزايا للآخر؛‬ ‫وبمعنى �أخ��ر يمكن ط��رح ال���س��ؤال ال�ت��ال��ي‪ :‬هل‬ ‫ت�ستطيع الكتب الإلكترونية تغيير عادات النا�س‬ ‫الذين اعتادوا قراءة المواد المطبوعة؟‬ ‫و�أرى �أن الإجابة على هذا ال�س�ؤال تمثل تحدي ًا‬ ‫كبيراً‪ ،‬وعنوان ًا �صريح ًا لمعركة القرن‪ ،‬في ظل‬ ‫وجود م�شهدين مختلفين يُظهر فيه الأول اعتزاز‬ ‫وفخر لكبار ال�سن بما تحويه مكتباتهم من روائع‬ ‫الكتب‪ ،‬بينما الم�شهد الأخر يظهر فيه �شابٌ يحمل‬ ‫جهاز ًا �إلكتروني ًا يحوي �أكثر مما تحمله �أرف��ف‬ ‫كاملة في مكتبة �شخ�ص �أخر‪.‬‬ ‫وبين هذا وذاك �أرى �أن المعركة القادمة يمكن‬ ‫�أن تنتهي بمعاهدة �سالم‪ ،‬تن�ص �أهم بنودها على‬ ‫التكامل والتن�سيق واال�ستفادة من مزايا كل نوع‪،‬‬ ‫فهل ت�ستطيع تكنولوجيا االت�صاالت والمعلومات‬ ‫ال �ت��زاوج م��ع ع ��ادات النا�س وميولهم القرائية‬ ‫لتحقيق تلك المعاهدة؟‬ ‫هذا ما �ست�سفر عنه ال�سنوات القادمة‪...‬‬

‫ق�صيدة النثر العربية‬ ‫بين �أزمة الم�صطلح وفو�ضى النقد العربي‬ ‫■ د‪ .‬عبدالنا�صر هالل*‬

‫هل تخلو «ق�صيدة النثر» من فو�ضى �أو عبث في الكتابة؛‬ ‫�أعني ال�شعرية؟ الإج��اب��ة بالنفي‪ ،‬فال�شعراء �أو من يكتبونها‬ ‫لي�سوا �شاعرا واح��دا‪ ,‬و«ق�صيدة النثر» لي�ست ق�صيده واح��دة‪,‬‬ ‫فال�شعراء كما ن��رى ف��ي �أي ع�صر م��ن الع�صور يتفاوتون في‬ ‫خبراتهم وعالقاتهم بالأ�شياء والعالم وقدراتهم الإبداعية‪,‬‬ ‫ومخزونهم الفكري والثقافي‪ ،‬وعالقاتهم بالتراث الإن�ساني‬ ‫عامة وتراثهم القومي ب�صفة خا�صة‪ ,‬كما �أن كل ع�صر تختلف‬ ‫فيه طبيعة الحياة وحركتها و�أدوات �إنتاج �شعريتها‪ ،‬فالم�ساواة‬ ‫بين الق�صائد �ضرب من الهلو�سة والجهل والهروب من مواجهة حركة تطمح �إلى‬ ‫التوجيه وف�صل الجيد من الرديء فيها‪.‬‬

‫يجب التعامل مع «ق�صيدة النثر» على‬ ‫�أنها حركة ت�ستجيب للم�ستقبل‪ ،‬وتنفتح‬ ‫على كل جماليات جاءت من داخل ال�شعر‬ ‫وم��ن خ��ارج��ه‪ .‬ه��ي حالة ت�صالحية بين‬ ‫�أن��واع الكتابة؛ هي �شكل يخترق الأ�شكال‬ ‫وي��رف����ض �أن يتقوقع ف��ي �شكل م��ا‪ .‬هذا‬ ‫االنفالت الجديد‪ ،‬ي�ستوجب وعي ًا نقدي ًا‬ ‫جديداً‪ ,‬مهيئ�أً لالنفالت‪ ،‬غير منغلق على‬ ‫�أدوات قرائية مقد�سة‪ ,‬ال يحاكم غير‬

‫الجاهز بالجاهز‪ ,‬والجمالي بالأخالقي‪،‬‬ ‫والديني واللغوي باالجتماعي‪.‬‬ ‫تخل�صت �شعرية الحداثة من منطق‬ ‫الكتابة ال�شعرية التي تك�شف تهويمات‬ ‫الرومان�سية وانطباعاتها ال�ساذجة‪،‬‬ ‫�أو ال�ت��ي تجعل الكتابة ال�شعرية وثيقة‬ ‫اجتماعية‪� ،‬أو م ��ر�آة للواقع‪/‬المجتمع‬ ‫وق�ضاياه وم�شكالته‪� ،‬إنها تجربة تندفع‬ ‫�إلى الداخل الجواني‪ ،‬وت�ستجيب لعالمه‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪117‬‬


‫‪ 118‬اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫ن����������������������������������������������واف����������������������������������������������ذ‬

‫ال�ت��راك�م��ي ال�غ��ام����ض ال ��ذي ي ��أب��ى �أن ي�سكن‬ ‫ال�سطحي المبا�شر‪� ،‬إنها ال تعرف اليقين‪ ،‬بل‬ ‫تتجلى في ال�شك‪ ،‬وتُحلِّق في ف�ضاءات الروح‪,‬‬ ‫في �آف��اق المجرد وال�ف��راغ‪« ,‬دخلت في دوائ��ر‬ ‫المطلق والمجهول والمحال‪ ,‬وهذه الممار�سات‬ ‫الإبداعية الطارئة فتحت �أمام ال�شعرية عوالم‬ ‫غير مطروقة‪ ،‬و�سلك ال�شعراء �سبيلهم �إليها‬ ‫على نحو �شبيه بم�سلك المت�صوفة‪ ،‬الذين‬ ‫�أدركوا �أن وراء العالم المعلوم عالما مجهوال‪� ,‬أو‬ ‫غائبا يجب �أن تقاربوه بالمالينة والتلطف حينا‪,‬‬ ‫وبالت�شدد والعنف حينا �آخ��ر‪ ،‬لإخ�ضاعه لغويا‬ ‫وتوظيفه ال�ستنتاج الن�صية‪ ,‬ولن يتحقق �شيء‬ ‫من ذل��ك �إال بتمزق الأقنعة‪ ,‬وهتك الحجب‪،‬‬ ‫وف�ضح البواطن»‪.‬‬ ‫�إذ ًا كيف تحاكم ه��ذه ال�شعرية المارقة؟‬ ‫وه��ي التي تع�شق االنتهاك وال�ت�ج��اوز ب ��أدوات‬ ‫ثابتة ي�ستجيب لها الن�ص الب�سيط المق�صود‬ ‫بالمعنى‪ ,‬المنتظم في ن�سقه التكويني‪ ،‬يبحث‬ ‫م��ن خاللها ال�ن��اق��د ف��ي الم�ضمون والمعنى‬ ‫والقيمة‪ ,‬ي�شرح ويف�سر في �إط��ار حدود معينة‬ ‫بين الن�ص �أو ما يذهب �إليه‪ ,‬وهذا الإجراء هو‬ ‫ما كر�س للنقد القيمي‪� ,‬أو �أحكام القيمة‪ ،‬وبقيت‬ ‫ال�شعرية الجديدة منبوذة مرفو�ضة‪ ،‬تعاني‬ ‫من الهجر وال�صد واالتهام من نقاد يقي�سون‬ ‫تجربة الحداثة‪« /‬ق�صيدة النثر» ب�أدوات نقدية‬ ‫�أنتجتها �شعرية كال�سيكية‪ /‬رومان�سية‪ ،‬وهي‬ ‫بطبيعة الحال غير منا�سبة لتجربة مختلفة‪ ،‬لأن‬ ‫الن�ص هو الذي يحدد طريقة قراءته و�أدوات��ه‬ ‫التراثية ولي�س العك�س‪ ،‬فالإبداع �سابق للنقد‪,‬‬ ‫يم�شي خلفه‪ ،‬وينظر فيه‪ ،‬ويتحرك خلف حركته‪،‬‬ ‫فالذوق الثابت‪ ،‬الراكد‪ ،‬الجاهز‪ ،‬يجعل مثل‬ ‫ه�ؤالء النقاد يقفون على ال�ضفة الأخرى ي�ؤثرون‬ ‫ال�سالمة‪ ،‬ويعلنون �أن ما يعر�ض عليهم خالف‬

‫قاعدة القيا�س‪ ،‬ف�أ�صحابه مخربون‪ ،‬مت�آمرون‬ ‫على اللغة العربية والعروبة وال �ق��ر�آن‪ ,‬لأنهم‬ ‫خرجوا على ال�شعر المقد�س الملتزم بالوزن‬ ‫والقافية‪ ،‬وهذا انتهاك �صريح للدين والعروبة‬ ‫واللغة والوطن‪ ,‬وفي هذا ال�صدد يرى د‪.‬محمد‬ ‫عبدالمطلب �أنه «ال يمكن مناق�شة �أ�صحاب هذا‬ ‫التيار في هذا الر�أي؛ لأنهم – في ر�أيه – غير‬ ‫قابلين للنقا�ش والحوار‪ ،‬وغير م�ستعدين له على‬ ‫نحو من الأنحاء»‪.‬‬ ‫كيف يناق�ش ‪-‬على �سبيل المثال‪� -‬صاحب‬ ‫هذه الر�ؤية في «ق�صيدة النثر» وموقفه منها‬ ‫وم�ف�ه��وم��ه لل�شعر ودوره ينح�صر ف��ي زاوي��ة‬ ‫خارج �أدوات القراءة‪ ،‬فيقول‪« :‬ق�صيدة النثر»‬ ‫م��ع ك��ل االح�ت�ف��اء والأ� �ض��واء تعي�ش غيابا عن‬ ‫الم�شهد وع��ن ال��ذاك��رة‪ ,‬والح�ضور ال�صاخب‬ ‫وقف على ال�صوت االحتفالي ال��ذي ي��روِّد لها‪,‬‬ ‫ويحمي �ساقتها‪ ,‬ف�أين الـ«ق�صيدة النثرية» من‬ ‫ال�شاهد والمتمثل؟ و�أي��ن هي من المختارات؟‬ ‫و�أين هي من المحفوظات؟ و�أين ح�ضورها في‬ ‫المجال�س والمنابر والمنتديات والأم�سيات؟‬ ‫و�أين دورها في مواجهة النوازل؟ و�أين تحفيزها‬ ‫الجماهيري؟ و�أي��ن �شيوعها؟ على الرغم من‬ ‫ت�ضافر الجهود لتكري�سها؟ و�أين هي من حاجة‬ ‫النف�س للمتعة والطرب»‪.‬‬ ‫ال يخفى على القارئ الب�سيط ما �أراده الهويمل‬ ‫من دور «ق�صيدة النثر» على قيا�س دور ال�شعر‬ ‫الكال�سيكي‪ ،‬ال��ذي يدفع بالموعظة الح�سنة‪،‬‬ ‫ويقوم ب��دور تعليمي (�أي��ن هي المحفوظات)‪،‬‬ ‫واالجتماعي (�أي��ن ح�ضورها في المجال�س)‪،‬‬ ‫والديني (وال�م�ن��اب��ر)‪ ،‬والترفيه(المنتديات‬ ‫والأم�سيات)‪،‬و�أن تقوم بدور ال�شئون المعنوية‬ ‫والبيانات الحربية والحزبية (و�أي��ن تحفيزها‬ ‫ال �ج �م��اه �ي��ري)‪،‬ودوره��ا النفعي ب�ي��ن الباعة‬

‫الجائلين والمت�سكعين في ال�شوارع وفي المقاهي‬ ‫(�أين �شيوعها)؟‬ ‫كما يرى الهويمل في «ق�صيدة النثر» �أنها‬ ‫ف��ق��دت �شرطا م��ن ���ش��روط ال��وج��ود ال�شعري‪،‬‬ ‫وهو القيام بدور المتعة والطرب (�أين هي من‬ ‫حاجة النف�س للمتعة والطرب) ون�سيَ الناقد‬ ‫الرق�ص!! ون�سي �أن يقول �أين هي من مالعب‬ ‫ك��رة القدم؟ و�سوق النخا�سة ومقابر الأم��راء‬ ‫وافتتاح النقابات والبنوك؟‬ ‫ن�ستطيع �أن نقول �إن بين «ق�صيدة النثر»‬ ‫وه ��ؤالء‪ ،‬ال بل بين ال�شعر الكال�سيكي وه��ؤالء‬ ‫م�سيرة الجمر ال�شهي‪ ،‬وبينهم وبين النظم‬ ‫��س��اح��ة ل�ل�ب�ق��اء‪ ،‬ك�ي��ف يناق�ش �أ� �ص �ح��اب ه��ذا‬ ‫الر�أي؟ كيف يناق�ش الخطباء و�أئمة الم�ساجد‬ ‫والم�صلحون و�أ�ساتذة الفقه في ال�شعر الذي‬ ‫يوجد حيث ال يوجدون ‪ ,‬كيف يناق�شون وهم‬ ‫يريدون من ال�شعر ما يريدون؟ يناق�شون في‬ ‫«�شعر» �أدمن المغامرة‪ ،‬حيث يعرف �أن الإبداع‬ ‫يكمن في المغامرة والتجريب ال في التقليد‬ ‫والقيا�س على ال�ح��دود والقوانين ال�صارمة‪،‬‬ ‫القوانين الع�سكرية والأح ��وال المدنية‪ .‬هذا‬ ‫حال من يدخل النقد من بوابة الدين �أو القيم‬ ‫�أو الأخ�ل�اق �أو الأيديولوجيا‪ ،‬حقا �إن��ه خارج‬ ‫ال�سياق!!‬ ‫هناك حكمة ب�سيطة �أولية في المعرفة وفي‬ ‫الحكم على الأ�شياء �أو تعويمها تقول‪( :‬لي�س‬ ‫لمن ال يتقن ال�شيء �أن يحكم له �أو عليه) ولذا‬ ‫يرى �أدوني�س �أن «ال�شعر والفن بعامة هما من‬ ‫بين الأ��ش�ي��اء الأك�ث��ر دق��ة و�صعوبة‪ .‬و�إذا كان‬ ‫«الذوق»نف�سه ثقافة في المقام الأول‪ ،‬ف�إن علينا‬

‫�أن ندرك �أن تقويم ال�شعر والفن يتجاوز جذريا‬ ‫عبارة «يعجبني» �أو «ال يعجبني»‪ ،‬و�أن��ه يتطلب‬ ‫ر�ؤية فنية غنية وثقافة وا�سعة»‪.‬‬ ‫�أما من يدخلون النقد من بوابة النقد‪ ،‬ولكن‬ ‫من بوابته الخلفية التي �أهملت منذ زمن بعيد‪,‬‬ ‫واعتالها ال�صد�أ‪ ,‬و�أ�صبحت ال تجلب االطمئنان‬ ‫للقابعين القانعين‪ ,‬ف�إنهم يحاكون «ق�صيدة‬ ‫النثر» ب�أدوات ال ت�صلح للتعامل معها‪ ,‬ف�أ�صبحت‬ ‫«ق�صيدة النثر»‪ ,‬ذات �شعرية واحدة‪ ،‬وما يوجه‬ ‫لق�صيدة تدمغ به «ق�صيدة النثر» في عمومها‪/‬‬ ‫ق�صائد النثر‪ ,‬وما تقر�أ به ق�صيدة ي�صلح �أن‬ ‫تقر�أ به ق�صائد �أخرى‪.‬‬ ‫ومن هنا‪ ،‬ات�سعت الهوة بين �شعرية الحداثة‬ ‫والحركة النقدية في م�صر‪ ,‬ف�أكثر النقاد ت�أقلموا‬ ‫مع حدود ق�صيدة التفعيلة‪ ،‬ور�أوا �أنها النموذج‬ ‫الأكثر تطور ًا في ال�شعرية العربية‪ ,‬وهي �أخر‬ ‫محطات التجريب‪ ,‬وتحتفظ بخيط رفيع يف�صل‬ ‫ال�شعر عن النثر وهو (التفعيلة)‪ .‬وعندما حدثت‬ ‫قفزة االنفالت من قب�ضة ال�شعرية التفعيلية �إلى‬ ‫�آفاق الت�سا�ؤل وال�شك والغمو�ض والفراغ‪� ..‬ساد‬ ‫ال�صمت ال�ساحة النقدية‪ ,‬ومن تطوع خير ًا �أن‬ ‫يقول �شيئا في هذا المارد الذي خرج من قمقمه‬ ‫قال (لو كان هذا �شعراً‪ ,‬فكالم العرب باطل)‪.‬‬ ‫في بداية ظهور «ق�صيدة النثر» ق��ال رواد‬ ‫حركة ال�شعر الحر ونقادها كلمتهم الأولى‪ ،‬وهم‬ ‫الذين �ضاقوا ذرع ًا بالتقليد والنموذج‪ ,‬وخا�ضوا‬ ‫م�ع��ارك �ضارية‪ ،‬لينتزعوا �شرعية مولودهم‬ ‫الجديد‪,‬يطلبون الحرية والحياة خارج الأ�سوار‬ ‫والأقفا�ص الحديدية‪ ,‬ويرف�ضون ما قبلهم وما‬ ‫بعدهم‪ ،‬وك�أنهم نهاية الأر�ض والإبداع الأبدي‪.‬‬

‫* �أ�ستاذ النقد الأدبي الحديث ‪ -‬جامعة الملك عبدالعزيز‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪119‬‬


‫الكتاب بين التجويد والت�سليع‪..‬‬ ‫■ ماجد �سليمان*‬

‫(ال يخلو كتاب من ف��ائ��دة)‪� ..‬أرف�����ض ه��ذا ال��ق��ول‪ ،‬عاجزاً‬ ‫عن الر�ضا عنه‪ ،‬لأ ّن هناك من الكتب ال ي�ساوي قيمة الحبر‬ ‫ال��مُ��راق على �صفحاتها‪ ،‬والتي تجل�س تحت مَظلّة (الكتاب‬ ‫التجاري) والمن�سوخة من ُك�� ّل فكر وف��ن‪ :‬الدين‪ ،‬المعرفة‪،‬‬ ‫التطوير‪ ،‬الأدب‪ ،‬وغيرها‪..‬‬ ‫فمجتمعنا ب�شكل عام �أق َّل ما يُقال عنه قارئ عادي‪ ،‬حيث ال‬ ‫تتجاوز قراءته ال�صحف والمواقع الإلكترونيّة للبحث عن ما يُ�سلّي ويُنع�ش العواطف؛‬ ‫ال كق�ضيّة رُويت في رواية �أو �سيقت في ق�صيدة‪ ،‬بل يُعامل على �أنّه‬ ‫فلم ُي�ؤخذ الأدب مث ً‬ ‫فنُّ يُطرب الروح ويُخدّرها �إلى �أجل م�سمّى‪.‬‬

‫ُم��ؤم��نٌ ب ��أنّ الكتابة ث��ورة بذاتها‪ ،‬ال نف�سه‪ ،‬ح�سبي �أ ّنه كتاب ٌ ُك ِت َب ل ُين�سى‪.‬‬ ‫تتد ّلى ثمرتها �إال بتغيير ال�ق��ارئ �إل��ى ا�ستطاع الكتاب التجاري �أن ُيخلخل‬ ‫�شخ�ص �آخر‪ُ ،‬يف ّكر جيد ًا َو َي َت َم ّعن مل ّيا‪ ،‬المكتبات ويجعل لنف�سه مكان ًا كبير ًا‬ ‫فالكتاب الذي ينزع القارئ عينيه من فيها‪ ،‬ويعود �سببه لب�ساطة مجتمعنا‪،‬‬ ‫بين �صفحاته دون �أن يترك �أدنى � ٍأثر في وعفو ّيته الوا�سعة‪ ،‬فنحن �إل��ى الآن لم‬

‫‪ 120‬اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫وبذلك �أغرقنا ال�سوق الورق ّية بما َر ُخ َ�ص‬ ‫َو َت ُفه من هذه الكتب التي تنعت باللغة الدارجة‬ ‫(الكتب الن�صائحج ّية)؛ لأنها ت�ؤثر على الفكر‬ ‫الك�سول المذهول حتّى باتت خداع ًا للجثوم‬ ‫على ال��رق��اب‪ :‬تجميع ديني‪ ،‬تجميع ثقافي‪،‬‬ ‫حتى ِ�صرتُ �أتح�س�س ج ّد ًا‬ ‫تطوير ذات‪ ،‬غيرها‪ّ ..‬‬ ‫من الكتاب الذي ُختم عليه «الأكثر مبيع ًا»‪� ،‬أو‬ ‫«بيع منه كذا وكذا» �إال ما َر ِح َم النا�شر َو َت َركه‬ ‫عفوي ًا‪ ،‬لأنني ُلدغت م َّرات م َّرات‪ ،‬حتّى ت�ش ّكل‬ ‫لدي مجموعة من النا�شرين الذين �أيقنت ب�أنّ‬ ‫ّ‬ ‫منتجهم تجاري (‪.)%100‬‬

‫ن����������������������������������������������واف����������������������������������������������ذ‬

‫ُنح ّقق في ثقافتنا المحل ّية �إال عدد ًا �أق ّل من بالرداءة‪ ،‬و�أ�سرفوا عليها باقتبا�سات من كتب‬ ‫القليل من الكتب التي ترفع العقل �إلى �أق�صى الآخرين‪.‬‬ ‫ً‬ ‫لبي جد ًا‪ ،‬لتط ّبعها‬ ‫م��دارك��ه‪ ،‬كم�ؤلفات غ��ازي الق�صيبي مثال‪ ،‬هذا النوع من ال ُكتب ِ�س ُّ‬ ‫ً‬ ‫فالأفكار الجاهزة‪ ،‬ال تحرث ثقاف ًة �إطالقا‪ ،‬بطابع (ال� ُ�ج�م��ود)‪ ،‬حيث ال �أث��ر فيها لطابع‬ ‫لأ ّن��ه عق ٌل ُي���ص� ّد ُر م��ا ُن�سخ فيه وال ي�ستقبل التنوير واالن �ف �ت��اح على ال�ث�ق��اف��ات‪ ،‬فباتت‬ ‫ً‬ ‫تعدي ًال �أو تجديدا‪ ،‬خ�لاف العقل المت�أ ّمل اتّجار ًا َع َلن ّي ًا بالدين‪ ،‬وال� ّذات والثقافة‪ ،‬فال‬ ‫والمنتج لأفكا ٍر ُمرتّبة م�ؤ�صلة‪.‬‬ ‫هي بحوث فنقر�أها كذلك لنخرج بخال�صة‬ ‫البحث ونتيجته‪ ،‬وال هي بنقد لم�شاريع فكر ّية‬ ‫�شاهقة البنيان‪ ،‬فنقر�أها على �أ ّنها كذلك‪ ،‬وال‬ ‫معان‪ ،‬وال هي‬ ‫ب�صر في ٍ‬ ‫هي ُتعالج �أحكام ًا �أو ُت ّ‬ ‫ت�أتي بجديد لأ ّنها ت�أخذ من الدين وال ت�ضيف‪،‬‬ ‫والدين ال ُي�ضاف عليه‪ ،‬كما �أ ّنها ال تفتح �أُفق ُا‬ ‫وال ُتحاكي ذهن ّية الإن�سان‪ ،‬فحقيقتها �أقوال‬ ‫وق�ص�ص وم���أث��وراتٌ ُم�ستن�سخة م��ن ثالثة‬ ‫�أو �أربعة من �أ ّمهات الكتب التراث ّية‪ ،‬ف�أق ّلها‬ ‫�اب ُمميت‪ ،‬وا�ستر�سا ٌل‬ ‫ت�ك��را ٌر طويل‪ ،‬و�إ��س�ه� ٌ‬ ‫ُم��ؤ��س��ف ف��ي �أ�صغر المنقول فيها‪ ،‬وك�أ ّنها‬ ‫ُت�ش ّو�ش على الكتب التي تعد �أُ�صو ًال ُيرجع �إليها‬ ‫كال�صحيحين و�ألف ليلة وليلة والأغاني مث ًال‪،‬‬ ‫قات تجار ّي ٍة‬ ‫فت�صبح هذه الكتب ُمج ّرد َ�ص َف ٍ‬ ‫با�سم الدين‪ ،‬وال ّذات والثقافة‪ ،‬لأنّ �أ�صحابها‬ ‫لم يتقنوا الكتابة فع ًال بقدر ما �أخرجوها‬ ‫انفعا ًال‪ ،‬توازيها خطبهم وكتاباتهم المنخورة‬ ‫والم�أخوذة منها والتي ُمه ّمتها �إ�شغال الر�أي‬ ‫العام وتوتيره‪.‬‬

‫والأده��ى هي الكتب التجميع ّية الظاهرة‬ ‫بلبا�س الدين‪ ،‬ذات الن�سخ ال ُمك ّررة‪ ،‬والتي‬ ‫َم ّجدها ال ُب�سطاء ال ُمتّبعين لمج ّرد �أنّ ر�سالتها‬ ‫الخارجية دين ّية‪ ،‬ناهيك �أنّ جامعيها من‬ ‫ال ُمت�س ّمين بالفقهاء مزجوا ال�شريعة بالفقه‪،‬‬ ‫فحقنوها ن�سخ ًا ول�صق ًا و�إ��ض��اف� ًة �سجع ّية‬ ‫ّ‬ ‫وت�ضخمت‪ ،‬لتَ�صد َُق‬ ‫طويلة‪ ،‬حتّى انتفخت‬ ‫مقولة «تَك ّلم الفقهاء �أكثر م ّما تك ّلم الوحي»‪ ،‬ه��ذا خ�لاف الأخ �ط��اء النقل ّية ال�ت��ي من‬ ‫كتب ر�سالتها دين ّية‬ ‫يقابلهم المتثيقفون حين م��زج��وا المقالة المفتر�ض �أن ال تكون في ٍ‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪121‬‬


‫لأنّ الإب��داع والإقناع في الأدب‪ ،‬ولأ ّنه نواة‬ ‫الفكر الب�شري‪ ،‬ولأنّ ُك ّل الفنون يغلب عليها‬ ‫(الناقل) و(الباحث) المعتمد على جهد غيره‪،‬‬ ‫�إال الأدب‪ ..‬فهو من خ�صوبة خيال �صاحبه دون‬ ‫الرجوع �أو الأخذ من �أحد‪ ،‬فهو الغائ�ص في ُل ّب‬ ‫الحياة وال ُمحاكي لجميع ما في الإن�سان‪ ،‬ولو‬ ‫�أ ّنه ال يملك ال�شرع ّية الثقاف ّية كما لل�شرع ّية‬ ‫الدين ّية وال�شرع ّية ال�سيا�س ّية هيمنتهما‪ ،‬وهذا‬ ‫ما جعله ال ُيق ّر ُر ن�شاطه‪ ،‬وال ُيح ّد ُد �أنظمته التي‬ ‫ولأ ّن��ن��ا حتّى اللحظة ل��م نحترم القرائح يبني فوقها م�شاريع ُمبدعيه‪.‬‬ ‫ال �ف � ّذة‪ ،‬والعقول الخ ّالقة المنتجة م��ن ُل� ّ�ب فقد � َ��س� ُه� َ�ل على المتط ّفلين على موائد‬ ‫تفكيرها‪ ،‬و�ضوء ب�صيرتها نتاجها‬ ‫ّ‬ ‫الفكري الأدب� ��اء �أن يح�شروا �أن��وف�ه��م ف��ي �أجنا�سه‬ ‫والأدبي‬ ‫ّ‬ ‫والمو�سوعي‪ ،‬حتّى لو ا�شت ّد اختالفنا و ُي �ق � ّرروا م��دى ت��واف��ره��ا ف��ي الأي���ادي لأ ّن�ه��م‬ ‫معها‪ ،‬فلم َيلقَ مث ًال‪ :‬نقد العقل العربي لمحمد يخ�شون الثقافة البديلة‪ ،‬والوعي الجديد‪ ،‬بل‬ ‫الجابري �أو‪ :‬خ��وارق الال�شعور لعلي ال��وردي َو َ�صل فيهم �أن ُي�س ّوقوا ب�أنّ الأدب ترفيه ولهو‬ ‫رواج � ًا كما راج��ت ه��ذه الكتب‪ ،‬وه��ذا برها ٌن عن ذكر اهلل‪ ،‬لتزييف الوعي العام وتجيي�شه‬ ‫دام ٌغ على �أن العقل‬ ‫المحلي ما َ‬ ‫حرب بال جبهة‬ ‫ّ‬ ‫برح عاجز ًا عن ِ�ض َّد الأدب و�أهله‪ ،‬وك�أ ّني بها ٌ‬ ‫التفكير لأ ّن��ه في المقابل قادر على التكفير‪ُ ،‬محدّدة‪ ،‬وما ي�ؤ�سف �أن هذا اللون القاتم من‬ ‫الطمئنانه لهذا النمط من كتب الجمود‪ ،‬لذا اال�ستعباد ب�سوط الدين وال�شعارات العاطف ّية‬ ‫الملحة الكاذبة‪ُ ،‬موغ ٌل في مجتمعنا ب ُك ّل ما �أُوتي من‬ ‫لم ُن ِ‬ ‫عط القو�س باريها‪ ،‬رغم حاجتنا ّ‬ ‫للمتن ّورين والأدب��اء والمف ّكرين والتربويين‪ ،‬نقمه‪ ،‬حتّى َخ� َر َج علينا نائحة ُم�ست�أجرة في‬ ‫إ�سالمي‪ ،‬تقتفيه �آالف العقول‬ ‫ل �ق��راءة المجتمع وت�م��ري��ر مبا�ضعهم على هيئة داع�ي� ٍة �‬ ‫ّ‬ ‫العاطف ّية‪.‬‬ ‫جراحه لتخلي�صها من �صديدها‪.‬‬

‫ح�ضور على‬ ‫امتداد الوطن‬ ‫العربي‬

‫ع������ي������ن ع���������ل���������ى اجل���������وب���������ة‬

‫بال ّذات‪ ،‬فقد ح�شوا العقول ب�أ�شياء مغلوطة‬ ‫عق ًال ومنطق ًا‪ ،‬كت�صدير التاريخ الإ�سالمي‬ ‫على �أ ّنه تاريخ ُم�ضيء من �شرقه �إلى غربه‪،‬‬ ‫جاهلين �أو متجاهلين �أن هناك جانب ًا ُمظلم ًا‬ ‫كقتل الخلفاء وال�صحابة والتابعين والعلماء‬ ‫م�ث� ً‬ ‫لا‪ ،‬و�صلب الأدب���اء وال���ش�ع��راء و�سجنهم‬ ‫�أي�ض ًا‪ ،‬والأده��ى منه ت�صدير (ثقافة الغزو)‬ ‫التي ما برحت تفكيرنا كذ ّم الم�سالمين من‬ ‫اليهود والن�صارى‪ ،‬وفكرة �أنّ كارثة غيرنا‬ ‫عقاب وكوارثنا امتحان مث ًال‪.‬‬

‫ولماذا الأدب؟!‬

‫■ بقلم‪ :‬د‪ .‬فهاد بن معتاد احلمد (م�ساعد رئي�س جمل�س ال�شورى)‬

‫�صدر العدد الأول من الجوبة في �شهر ربيع الثاني ‪1411‬ه��ـ الموافق �شهر نوفمبر‬ ‫‪1990‬م‪ ،‬ك�إ�صدار ثقافي ن�صف �سنوي‪ .‬وككل الكائنات الوليدة ك��ان الملف ب�سيطاً في‬ ‫ت�صميمه و�إخراجه‪ ,‬قلي ًال في عدد �صفحاته‪ ,‬ويفتقد �إلى الهويَّة في م�ضامينه‪ .‬بيد �أنه‬ ‫كان يمثَّل نقلة نوعيَّة في الف�ضاء البحثي والثقافي في منطقة الجوف‪ ,‬وال��ذي كانت‬ ‫ت��ع��وزه �آل��ي��ات التعبير ع��ن الأدب والثقافة بمختلف �أ�شكالها وو�سائلها‪ .‬كانت الجوبة‬ ‫في واقع الأم��ر ملفاً بحثياً يُعنى في الغالب بتوثيق ما يقدَّم من �أوراق عمل ومقاالت‬ ‫في مو�ضوع الندوة المختارة للعدد من قبل المجل�س الثقافي بم�ؤ�س�سة عبدالرحمن‬ ‫ال�سديري الخيرية التي ت�صدر عنها الجوبة‪ .‬غير �أن هذا الوليد نما وترعرع و�شد على‬ ‫الطوق‪ ,‬ف�صار الملف مجلة ثقافية ف�صلية ربع �سنوية ال تغطي م�ساحة الجوبة (منطقة‬ ‫الجوف) والمملكة العربية ال�سعودية فقط‪ ,‬و�إنما تمتد �إلى الف�ضاء العربي على ات�ساعه‬ ‫م�صدراً وم�آالً‪ُ ,‬كتّاباً وقرّاءاً‪.‬‬ ‫�أ�صبحت الجوبة حديقة غناء تتنوع ثمارها وتتعدد لت�شمل ال�شعر والق�صة الق�صيرة‬ ‫والمقاالت الأدبية والدرا�سات النقدية والمواجهات الثقافية‪ ،‬وفق �إطار وا�ضح ومحدد‪،‬‬ ‫يمنحها الهوية الم�ستقلة الخا�صة بو�صفها ��جلة تُعنى بدعم ون�شر التوجهات الحديثة‬ ‫في مجاالت الثقافة والأدب والفن على ات�ساع الوطن العربي‪.‬‬

‫* كاتب من ال�سعودية‪.‬‬ ‫ ‪ -‬نافذة للخروج‪:‬‬ ‫ التق�سيم العالمي للكتاب �أتى على ثالثة وجوه‪ -1 :‬ق ََ�ص�ص‪ -2 .‬المعارف والعلوم‪ -3 .‬كتب الطفل‪.‬‬ ‫‪ 122‬اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪123‬‬


‫ي� �ب ��دو ال��ك��ات��ب ال �� �س �ع��ودي ع��وا���ض‬ ‫الع�صيمي في روايته الجديدة «قن�ص»‬ ‫كمن ي�ستعيد عالم ًا من ع��دم‪ ،‬فلم تعد‬ ‫ال�صحراء‪ ،‬الف�ضاء المركزي للرواية‪ ،‬وال‬ ‫مخلوقاتها هي نف�سها‪ ،‬بعد ث��ورة النفط‬ ‫واكت�ساح مظاهر التمدن م�ساحات وا�سعة‬ ‫في ال�سعودية‪.‬‬ ‫لي�س من تقدي�س �أو طهرانية ي�ضفيها‬ ‫ال��روائ��ي على ال�صحراء‪ ،‬في مقابل ما‬ ‫تمثله المدينة ع��ادة م��ن م��ادي��ة ودن�س‪،‬‬ ‫وهو ما جعله يبني عالمه ال�صحراوي(في‬ ‫روايته) بعيد ًا من �أي نزوع نو�ستالجي‪.‬‬ ‫ت �ت��وزع ال ��رواي ��ة ع�ل��ى (‪ )20‬ف�ص ًال‬ ‫ي�سردها را ٍو ب�ضمير الغائب‪ ،‬يترك بين‬ ‫ف�صل و�آخر الكالم لل�شخ�صيات الرئي�سة‪،‬‬ ‫�أو ل�ل�أ� �ص��وات المتجولة‪ ،‬تلك التقنية‬ ‫ال�سردية التي يلج�أ �إليها الكاتب بغية‬ ‫�إث ��راء العمل و�إ��ض�ف��اء التعدد ف��ي زواي��ا‬ ‫النظر لك�سر �أحادية الراوي‪.‬‬ ‫‪ 124‬اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫يقدم الدكتور عماد عبداللطيف في هذا الكتاب تحلي ًال‬ ‫عميقًا للخطابات الثالثة الكبرى التى ا�ستحدثتها الثورة‬ ‫على �ساحة التوا�صل ال�سيا�سي؛ الأول هو «خطاب الميادين»‬ ‫االحتجاجي والثوري‪ .‬والثاني هو «خطاب ال�شا�شات»؛ الذي‬ ‫ح��اول �إجها�ض ال�ث��ورة وتحجيم ت�أثيرها‪� .‬أم��ا الثالث فهو‬ ‫«خطاب ال�صناديق» الدعائي الح�شدي‪ ،‬الذي كانت الغلبة‬ ‫فيه للقوى الإ�سالمية على ح�ساب العديد من القوى الثورية‪.‬‬ ‫يدر�س الم�ؤلِّف ع��ددًا كبيرًا من الن�صو�ص الم�ؤثرة في‬ ‫م�سار الثورة الم�صرية‪ ،‬ت�شمل الفتات الميدان وهتافاته‬ ‫ونكاته و�أغانيه وت�سمياته‪� .‬إ�ضافة �إلى خطب مبارك ومر�سي‬ ‫وبيانات المجل�س الع�سكري‪ .‬كما يحلل تغطية التلفزيون‬ ‫الم�صري لأح ��داث ال �ث��ورة على م��دار الفترة االنتقالية‪،‬‬ ‫ويخ�ص�ص ق�سمًا كام ًال من كتابه لدرا�سة خطاب الدعاية‬ ‫االنتخابية في االنتخابات النيابية والرئا�سية التي �شهدتها‬ ‫م�صر بعد الثورة‪ ،‬محل ًال بالتف�صيل �أ�ساليب الإقناع والت�أثير‬ ‫التي ا�ستخدمها المر�شحون لح�صد �أ�صوات الناخبين‪.‬‬ ‫الدكتور عماد عبداللطيف در�س تحليل الخطاب بجامعة‬ ‫القاهرة وجامعة النك�ستر الإنجليزية‪� .‬صدرت له من قبل‬ ‫ثالثة كتب هي‪« :‬لماذا ي�صفّق الم�صريون؟»‪ ،‬و«�إ�ستراتيجيات‬ ‫الإقناع والت�أثير في الخطاب ال�سيا�سي»‪ ،‬و«البالغة والتوا�صل‬ ‫عبر الثقافات»‪ .‬وله عدد من المداخالت المرئية والم�سموعة‬ ‫والمكتوبة ح��ول الخطاب ال�سيا�سي العربي عبر ع��دد من‬ ‫�أهم ال�شا�شات والمطبوعات العربية والأجنبية‪ .‬وقد حظيت‬ ‫كتاباته بتقدير عربي وا�سع‪ ،‬ويذكر الدكتور محمد م�شبال‪،‬‬ ‫�أ�ستاذ البالغة وتحليل الخطاب في المملكة المغربية‪� ،‬أن‬ ‫الدكتور عماد عبداللطيف جعل الدر�س البالغي في العالم‬ ‫العربي ج��زءًا م��ن ان�شغاالت الإن���س��ان العربي ف��ي حياته‬ ‫اليومية‪ ،‬والبد �أن التاريخ �سي�شهد له بذلك‪.‬‬

‫ق��������������������������������������������������������������������������������������راءات‬

‫الكتاب ‪ :‬ب�لاغ��ة ال��ح��ري��ة‪ :‬م��ع��ارك الخطاب‬ ‫الكتاب ‪ :‬قن�ص (رواية)‪.‬‬ ‫ال�سيا�سي في زمن الثورة‪.‬‬ ‫امل�ؤلف ‪ :‬عوا�ض الع�صيمي‪.‬‬ ‫الم�ؤلف ‪ :‬د‪.‬عماد عبداللطيف‪.‬‬ ‫النا�شر ‪ :‬دار اجلديد –بريوت ‪2012‬م‪ .‬النا�شر ‪ :‬دار التنوير (بيروت‪ ،‬القاهرة‪ ،‬تون�س)‪.‬‬

‫الإدارة المحلية‬ ‫والتنمية‬ ‫الكتاب ‪ :‬توثيق لأوراق العمل والحوارات في ندوة منتدى الأمير عبدالرحمن بن‬ ‫�أحمد ال�سديري للدرا�سات ال�سعودية في دورته الخام�سة‪.‬‬ ‫النا�شر ‪ :‬م�ؤ�س�سة عبدالرحمن ال�سديري الخيرية‪.‬‬ ‫ال�سنة ‪1434 :‬هـ‪2012/‬م‪.‬‬

‫يقع الكتاب في (‪� )210‬صفحات‪ ،‬وعنوانه‬ ‫هو المو�ضوع ال��ذي اختارته هيئة المنتدى‬ ‫في دور ته الخام�سة‪ ،‬ا�ست�شعارا منها لأهمية‬ ‫هذا المو�ضوع في المرحلة المعا�صرة من‬ ‫م�سيرة الوطن التنموية‪ .‬وقد تناول المو�ضوع‬ ‫بالبحث والطرح والنقا�ش في ندوة المنتدى‬ ‫مجموعة من المتخ�ص�صين في هذا المجال‪.‬‬ ‫وقد هدفت ندوة المنتدى التي �شملها هذا‬ ‫الكتاب �إلى التعريف بواقع الإدارة المحلية‪،‬‬ ‫وم��ا يكتنفه م��ن تحديات وف��ر���ص وتحديد‬ ‫مقومات نجاحها‪ ،‬وتقييم القدرات الحالية‬ ‫ع�ل��ى تفعيلها وب �ل��ورة ال �خ �ط��وات ال�لازم��ة‬ ‫لتطبيقها‪ ،‬وتعزيز التوجه نحو تطوير الإدارة‬ ‫المحلية لأداء دور �أكبر في تحقيق تنمية‬ ‫اقت�صادية واجتماعية متوازنة وم�ستدامة‪،‬‬ ‫والتعرف على التجارب واالتجاهات الحديثة‬ ‫في مجال الإدارة المحلية‪ ،‬واقتراح نموذج‬ ‫للإدارة المحلية ي�ستند على الثوابت‪ ،‬ويحقق‬

‫الكفاءة والفاعلية‪ ،‬وي�ستجيب للم�ستجدات‬ ‫و�أنماط اال�ستهالك الجديدة‪..‬وقد �شارك في‬ ‫هذه الندوة كل من‪ :‬الدكتورخالد بن عثمان‬ ‫اليحيى‪ ،‬والدكتور عبدالعزيز الخ�ضيري‪،‬‬ ‫والدكتور ثامر المطيري والدكتور عدنان بن‬ ‫عبداهلل ال�شيحة‪.‬‬ ‫وقد ا�شتمل الكتاب �أي�ضا على فعاليات‬ ‫تكريم ال�شخ�صية المكرمة في هذا المنتدى‬ ‫وه��و �صاحب ال�سمو الملكي الأمير �سلمان‬ ‫اب��ن عبدالعزيز لإ�سهاماته المتميزة في‬ ‫مجاالت الإدارة المحلية والتنموية‪ ،‬و�شملت‬ ‫كلمة ال�شخ�صية المكرمة �صاحب ال�سمو‬ ‫الملكي الأمير �سلمان بن عبدالعزيز‪ ،‬وكلمة‬ ‫رئي�س مجل�س الإدارة الأ�ستاذ في�صل بن‬ ‫عبدالرحمن ال�سديري‪ ،‬وكلمة هيئة ا لمنتدى‬ ‫�ألقاها الدكتور عبدالرحمن ال�شبيلي‪.‬‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪125‬‬


‫الم�ؤلف ‪ :‬ه�شام بن ال�شاوي‪.‬‬ ‫النا�شر ‪ :‬دار طوى ‪ -‬لندن‪.‬‬ ‫ال�سنة ‪1429 :‬هـ‪2008/‬م‪.‬‬

‫ع��ن دار ط ��وى ب �ل �ن��دن‪� � ،‬ص��درت للكاتب ومحمد عز الدين التازي»‪.‬‬ ‫المغربي ه�شام بن ال�شاوي روايته الثانية ‪:‬‬ ‫ووفقا للناقد والكاتب المغربي �إبراهيم‬ ‫«قيلولة �أح��د خريفي» ف��ي (‪� )105‬صفحات الحجري ترتبط رواية ه�شام بن ال�شاوي الثانية‬ ‫من القطع المتو�سط‪ ،‬وهي النوفيلال الفائزة «قيلولة �أح��د خريفي» في كثير من مناحيها‬ ‫بجائزة الطيب �صالح للإبداع العالمي‪ ،‬وقد ب�سابقتها‪� ،‬سواء من خالل التماهيات الداللية‬ ‫�صدر للكاتب من قبل‪« :‬بيت ال تفتح نوافذه» للأبطال �أو م��ن خ�لال التقاطعات النف�سية‬ ‫(‪2007‬م)‪« ،‬روتانا �سينما‪ ..‬وهلو�سات �أخرى» المركبة‪ ،‬التي تحبل بها عبر ملفوظات الفواعل‬ ‫(‪2008‬م)‪« ،‬كائنات من غبار» (‪2010‬م)‪ ،‬الن�صية‪ ،‬والتي للأ�سف تعري نمطا من الواقع‬ ‫«احتجاجا على �ساعي البريد» (‪2012‬م)‪ .‬ال�م��ري��ر ال ��ذي تعي�شه ال���ذات ف��ي عالقاتها‬ ‫و�سي�صدر ل��ه‪ ،‬قريبا‪ ،‬عن دار النايا ب�سوريا الم�شبوهة والمتعفنة م��ع ذوات �ه��ا المتعددة‬ ‫الطبعة الثانية من روايته البكر «كائنات من (الأقنعة) ومع الآخرين ومع المكان‪.‬‬ ‫غبار»‪ ،‬وكتابا حواريا مو�سوما بــ «نكاية في‬ ‫�إنها رواية الف�ضح والك�شف �أو ما ي�سميه د‪.‬‬ ‫الجغرافيا»‪ ،‬وي�ضم بين دفتيه الحوارات التي محمد برادة ب�أ�سلوب الت�شخي�ص �أو ال�شخ�صنة‪،‬‬ ‫�أج��راه��ا الكاتب المغربي مع نخبة من كبار حيث يعمد ال��رواة �إلى ك�شف الم�ستور وو�ضع‬ ‫الكتاب العرب ‪« :‬محمد الب�ساطي‪� ،‬أ�سامة �أنور العلب ال�سوداء للفرد على طاولة القارئ ليقلبها‬ ‫عكا�شة‪ ،‬وحيد حامد‪ ،‬يو�سف القعيد‪� ،‬إبراهيم على وجوهها مكت�شفا بع�ضا من ذاته هناك‪.‬‬ ‫عبدالمجيد‪ ،‬د‪ .‬محمد برادة‪ ،‬د‪� .‬سعيد يقطين‪ ،‬وق��د ك��ان الكاتب قا�سيا مع روات��ه و�شخو�صه‬

‫‪ 126‬اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫معا‪ ،‬وحا�صرهم في دوام��ة الع�صف ذاتها‪،‬‬ ‫لتت�شكل ن��واة الأل��م الخفي التي تبعثر �أوراق‬ ‫المروي لهم‪ ،‬من دون مهادنة �أو ت�سامح‪ .‬تلك‬ ‫الق�سوة التي تتمظهر على الورق لي�ست غريبة‬ ‫عن طبيعة ال�شخ�صيات وال عن طبيعة القراء‬ ‫وال حتى عن طبيعة الكاتب الفعلي نف�سه؛ �إنها‬ ‫مع�ضلة «ال�ت��داخ�لات» ل��دى ب��ن ال�شاوي على‬ ‫م�ستوى الت�شييد الخطابي‪ ،‬فل�ست ت��دري هل‬ ‫هو الذي يحكي �أم �شخو�صه �أم كائنات غريبة‬ ‫تقفز من الخارج لتقحم ف�ضولها‪ ،‬لذلك يمكن‬ ‫نعتها بالكتابة التي تتعقد تفا�صيلها كلما م�شت‪،‬‬ ‫دون �أن يكون هناك �أي افترا�ض لنهايتها‪� .‬إنها‬ ‫ت�ستمر في ذاكرة القراء وذاكرة الكاتب‪ ،‬وربما‬ ‫ت�سير نحو �صورة ت�شكل ثالثية �أو رباعية �أو من‬ ‫يدري‪ .‬فما يزال هناك مت�سع لل�سرد‪ ،‬وما تزال‬ ‫�شخو�ص بن ال�شاوي حيّة برغم الوعثاء‪ ،‬ت�سافر‬ ‫وتحيا وت�صمد في حياة ال �إن�سانية على هام�ش‬ ‫التاريخ‪ ،‬معلنة �أم��ام الملأ �سخطها ووعيدها‬ ‫على الورى‪ ،‬مهددة ب�أنها في م�ستقبل الن�صو�ص‬ ‫�ستتنامى مثل الفطر لتقو�ض ال��دوام��ة التي‬ ‫�أفرزتها»‪.‬‬

‫بالرواية ب�شكل ال يطاق‪ ،‬ب�شخ�صياتها التي‬ ‫تنمو وتتعملق بداخلي‪ ،‬وتت�صارع لكي تدافع‬ ‫عن حقها في الوجود‪� ...‬أبدو �شبه غائب عن‬ ‫الوعي‪� ،‬ألعن �ضجة هذا القطار‪ -‬الخردة‪ ،‬التي‬ ‫تجعلني غير ق��ادر على �أن �أرك��ز في القراءة‬ ‫والكتابة‪� .‬أفكر في طقو�س الكتابة‪ ،‬و�أ�ستغرب‬ ‫كيف ي�ستطيع بع�ض المبدعين �أن يكتبوا في‬ ‫المقهى و�سط دخان الرواد و�صخبهم‪� ..‬أر�سم‬ ‫�أ�شكاال هند�سية هالمية‪� ،‬أدوّن عبارات بال‬ ‫معنى‪� .‬أح�س �أن هناك من يختل�س النظر �إليَّ‬ ‫معتقدً ا �أنني معتوه‪ ..‬كالفتاة الجال�سة قبالتي‪،‬‬ ‫بمالمح �شبه بلهاء‪ ،‬و�أمها العجوز تتحدث �إلى‬ ‫ال�شاب المجاور لي‪.‬‬

‫�أ�سارع بتمزيق الورقة‪ ،‬وعلى �صفحة جديدة‬ ‫�أخ��ط �أ��س�م��اء �شخو�ص ال��رواي��ة‪ ،‬وكمن يحل‬ ‫معادالت ريا�ضية‪� ..‬أر���سم خطاطة للأحداث‬ ‫ب��اح � ًث��ا ع��ن راب���ط خ�ف��ي ب�ي��ن م��ا ح ��دث وم��ا‬ ‫�سيحدث‪� .‬أح����س ب�أنني �أم�ق��ت «ول��د �سالم»‪،‬‬ ‫الذي �أف�سد علي متعتي بالكتابة مدركًا ب�أن هذا‬ ‫الف�صل قد يكون �أ�سو�أ ما في الرواية‪ ،‬وعلي �أن‬ ‫�أتفادى �أي تنميط �ساذج‪� .‬أتذكر من �ألهمتني‬ ‫من �أجواء الرواية نقر�أ ‪:‬‬ ‫هذه الرواية‪ .‬لقد اختفت بعد �أن �أينعت براعم‬ ‫« في المق�صورة‪ ،‬وجدتني �أد�شن الكرا�سة محكياتها‪ ..‬لعلها على و�شك �أن ت�صبح �أمًّا‪ ،‬في‬ ‫الجديدة بخرب�شات كالأطفال‪ .‬كنت مهمومً ا حين مازلت �أكابد مخا�ض هذه (القيلولة)»‪.‬‬

‫ق��������������������������������������������������������������������������������������راءات‬

‫قيلولة �أحد خريفي‬

‫اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ ‪127‬‬


‫الجوف‬ ‫(قلعة ال�شمال الح�صينة)‬ ‫الم�ؤلف ‪� :‬أ‪ .‬د‪ .‬عبدالرحمن الطيب الأن�صاري‪.‬‬ ‫النا�شر ‪ :‬دار القوافل للن�شر والتوزيع ‪ -‬الريا�ض‪.‬‬ ‫ال�سنة ‪1429 :‬هـ‪2008/‬م‪.‬‬

‫�ضمن �سل�سلة دار قوافل (ق��رى ظاهرة‬ ‫على طريق البخور)‪ ،‬ي�أتي هذا الإ�صدار في‬ ‫(‪� )126‬صفحة‪ ،‬ليتحدث عن منطقة الجوف‬ ‫التي تمتد جذورها التاريخية �إل��ى ع�صور‬ ‫موغلة في القدم؛ فعلى �أر�ضها عا�ش الإن�سان‬ ‫منذ �أكثر من مليون �سنة؛ تدل على ذلك �آثاره‬ ‫التي خلفها في ال�شويحطية‪ .‬ومنذ القرن‬ ‫الثامن قبل الميالد ارتبطت منطقة الجوف‬ ‫بعالقات �سيا�سية وح�ضارية وا�سعة مع بالد‬ ‫ال��راف��دي��ن؛ �إذ ظ�ه��رت منذ ذل��ك التاريخ‬ ‫مملكة «�أدوماتو» التي دخلت في حروب عدة‬ ‫مع الآ�شوريين‪ ،‬وكانت بحق القلعة الح�صينة‬ ‫التي ت�صدت دائما لمحاوالت تو ُّغلِهم �إلى‬ ‫داخل الجزيرة العربية‪.‬‬ ‫وفي ع�صور الممالك العربية المختلفة‪،‬‬ ‫ظلت �أدوم��ات��و (دوم��ة الجندل) وح�صنها‬ ‫م���ارد ال �ح��ار���س الأم��ي��ن ل���ش�م��ال �شرقي‬ ‫الجزيرة العربية‪ ،‬وبعد �أن �أ�شرقت الأر�ض‬

‫‪ 128‬اجلوبة ‪� -‬شتاء ‪1434‬هـ‬

‫بنور الإ� �س�لام‪ ،‬كانت دوم��ة الجندل �أح��د‬ ‫المراكز التي انطلقت منها جيو�ش الفتح‬ ‫�إلى ال�شام والعراق وما وراءهما‪..‬‬ ‫وتتنوع المواقع الأثرية في الجوف بتنوع‬ ‫م��راح�ل�ه��ا ال�ت��اري�خ�ي��ة‪ ،‬فبينما ُي�ع��د موقع‬ ‫ال�شويحطية من �أق��دم المواقع الأثرية في‬ ‫غ��رب ق��ارة �آ��س�ي��ا؛ يقف موقع الرجاجيل‬ ‫�شاهدا على ح�ضارة المنطقة خالل الألف‬ ‫الرابعة قبل الميالد‪ ،‬ويتجلى ع�صر مملكة‬ ‫الأن��ب��اط ف��ي م��واق��ع ال�صنيميات‪ ،‬وقيال‪،‬‬ ‫و�إث� ��را‪ ،‬وق�ل�ع��ة ال���ص�ع�ي��دي‪ .‬وت �ب��رز الآث ��ار‬ ‫الإ�سالمية في �سور دومة الجندل‪ ،‬وم�سجد‬ ‫عمر‪ ،‬وحي الدرع‪.‬‬ ‫وتتمتع منطقة الجوف �إ�ضافة �إلى �آثارها‬ ‫المتنوعة بالكثير م��ن ال�م��واق��ع الطبيعية‬ ‫وال�سياحية التي ت�سهم في جعلها من مناطق‬ ‫الجذب ال�سياحي‪.‬‬

‫من إصدارات اجلوبة‬


‫�صدر حديثاً عن م�ؤ�س�سة عبدالرحمن ال�سديري اخلريية‬


38 Aljoubah Magazine مجلة الجوبة