Issuu on Google+

‫ملف العدد‪:‬‬

‫رحيل رجل العلم واإلدارة‪ ..‬الدكتور عارف بن مفضي المسعر‬

‫د‪ .‬زياد د‪ .‬عبدالواحد‬ ‫الحميد‬ ‫السديري‬

‫معاشي‬ ‫ذوقان‬

‫أ‪ .‬د‪ .‬أحمد‬ ‫السالم‬

‫د‪ .‬نايف‬ ‫المعيقل‬

‫فــواز صــالح عبدالرحمن د‪ .‬محمود‬ ‫خلف الله‬ ‫الدرعان‬ ‫الجــعفر‬

‫فارس أ‪ .‬د‪ .‬سلطان‬ ‫العويضة‬ ‫الروضان‬

‫‪30‬‬


‫برنامـج نشر الدراسات واإلبداعـات األدبية ودعم البحوث والرسائل العلمية‬ ‫في مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬ ‫‪ -1‬نشر الدراسات واإلبداعات األدبية‬ ‫يهتم بالدراسات‪ ،‬واإلبداعات األدبية‪ ،‬ويهدف إلى إخ��راج أعمال متميزة‪ ،‬وتشجيع حركة اإلب��داع األدبي‬ ‫واإلنتاج الفكري وإثرائها بكل ما هو أصيل ومميز‪.‬‬ ‫ويشمل النشر أعمال التأليف والترجمة والتحقيق والتحرير‪.‬‬ ‫مجاالت النشر‪:‬‬ ‫أ ‪ -‬الدراسات التي تتناول منطقة اجلوف في أي مجال من املجاالت‪.‬‬ ‫مبي في البند «‪ »٨‬من شروط النشر)‪.‬‬ ‫ب‪ -‬اإلبداعات األدبية بأجناسها املختلفة (وفقاً ملا هو نّ‬ ‫مبي في البند «‪ »٨‬من شروط النشر)‪.‬‬ ‫ج‪ -‬الدراسات األخرى غير املتعلقة مبنطقة اجلوف (وفقاً ملا هو نّ‬ ‫شروطه‪:‬‬ ‫‪ -١‬أن تتسم الدراسات والبحوث باملوضوعية واألصالة والعمق‪ ،‬وأن تكون موثقة طبقاً للمنهجية العلمية‪.‬‬ ‫‪ -٢‬أن تُكتب املادة بلغة سليمة‪.‬‬ ‫‪ -٣‬أن يُرفق أصل العمل إذا كان مترجماً‪ ،‬وأن يتم احلصول على موافقة صاحب احلق‪.‬‬ ‫‪ -٤‬أن تُق ّدم املادة مطبوعة باستخدام احلاسوب على ورق (‪ )A4‬ويرفق بها قرص ممغنط‪.‬‬ ‫‪ -٥‬أن تكون الصور الفوتوغرافية واللوحات واألشكال التوضيحية املرفقة باملادة جيدة ومناسبة للنشر‪.‬‬ ‫‪ -٦‬إذا كان العمل إبداعاً أدبياً فيجب أن يتّسم بالتم ّيز الفني وأن يكون مكتوباً بلغة عربية فصيحة‪.‬‬ ‫‪ -٧‬أن يكون حجم املادة ‪ -‬وفقاً للشكل الذي ستصدر فيه ‪ -‬على النحو اآلتي‪:‬‬ ‫ الكتب‪ :‬ال تقل عن مئة صفحة باملقاس املذكور‪.‬‬‫ البحوث التي تنشر ضمن مجالت محكمة تصدرها املؤسسة‪ :‬تخضع لقواعد النشر في تلك املجالت‪.‬‬‫ الكتيبات‪ :‬ال تزيد على مئة صفحة‪( .‬حتتوي الصفحة على «‪ »250‬كلمة تقريباً)‪.‬‬‫‪ -٨‬فيما يتعلق بالبند (ب) من مجاالت النشر‪ ،‬فيشمل األعمال املقدمة من أبناء وبنات منطقة اجلوف‪ ،‬إضافة‬ ‫إلى املقيمني فيها ملدة ال تقل عن عام‪ ،‬أما ما يتعلق بالبند (ج) فيشترط أن يكون الكاتب من أبناء أو بنات‬ ‫املنطقة فقط‪.‬‬ ‫‪ -٩‬متنح املؤسسة صاحب العمل الفكري نسخاً مجانية من العمل بعد إص��داره‪ ،‬إضافة إلى مكافأة مالية‬ ‫مناسبة‪.‬‬ ‫‪ -١٠‬تخضع املواد املقدمة للتحكيم‪.‬‬


‫‪ -2‬دعم البحوث والرسائل العلمية‬ ‫يهتم بدعم مشاريع البحوث والرسائل العلمية والدراسات املتعلقة مبنطقة اجلوف‪ ،‬ويهدف إلى تشجيع‬ ‫الباحثني على طرق أبواب علمية بحثية جديدة في معاجلاتها وأفكارها‪.‬‬ ‫( أ ) الشروط العامة‪:‬‬ ‫‪ -١‬يشمل الدعم املالي البحوث األكادميية والرسائل العلمية املقدمة إلى اجلامعات واملراكز البحثية والعلمية‪،‬‬ ‫كما يشمل البحوث الفردية‪ ،‬وتلك املرتبطة مبؤسسات غير أكادميية‪.‬‬

‫‪ -٢‬يجب أن يكون موضوع البحث أو الرسالة متعلقاً مبنطقة اجلوف‪.‬‬

‫‪ -٣‬يجب أن يكون موضوع البحث أو الرسالة جديداً في فكرته ومعاجلته‪.‬‬ ‫‪ -٤‬أن ال يتقدم الباحث أو الدارس مبشروع بحث قد فرغ منه‪.‬‬

‫‪ -٥‬يقدم الباحث طلباً للدعم مرفقاً به خطة البحث‪.‬‬ ‫‪ -٦‬تخضع مقترحات املشاريع إلى تقومي علمي‪.‬‬

‫‪ -٧‬للمؤسسة حق حتديد السقف األدنى واألعلى للتمويل‪.‬‬ ‫‪ -٨‬ال يحق للباحث بعد املوافقة على التمويل إجراء تعديالت جذرية تؤدي إلى تغيير وجهة املوضوع إال بعد‬ ‫الرجوع للمؤسسة‪.‬‬ ‫‪ -٩‬يقدم الباحث نسخة من السيرة الذاتية‪.‬‬ ‫(ب) الشروط الخاصة بالبحوث‪:‬‬ ‫‪ -١‬يلتزم الباحث بكل ما جاء في الشروط العامة (البند «أ»)‪.‬‬ ‫‪ -٢‬يشمل املقترح ما يلي‪:‬‬ ‫ توصيف مشروع البحث‪ ،‬ويشمل موضوع البحث وأهدافه‪ ،‬خطة العمل ومراحله‪ ،‬وامل��دة املطلوبة‬‫إلجناز العمل‪.‬‬ ‫ ميزانية تفصيلية متوافقة مع متطلبات املشروع‪ ،‬تشمل األجهزة واملستلزمات املطلوبة‪ ،‬مصاريف‬‫السفر والتنقل والسكن واإلعاشة‪ ،‬املشاركني في البحث من طالب ومساعدين وفنيني‪ ،‬مصاريف‬ ‫إدخال البيانات ومعاجلة املعلومات والطباعة‪.‬‬

‫ حتديد ما إذا كان البحث مدعوماً كذلك من جهة أخرى‪.‬‬‫(ج) الشروط الخاصة بالرسائل العلمية‪:‬‬

‫إضافة لكل ما ورد في الشروط اخلاصة بالبحوث (البند «ب») يلتزم الباحث مبا يلي‪:‬‬ ‫‪ -١‬أن يكون موضوع الرسالة وخطتها قد أق ّرا من اجلهة األكادميية‪ ،‬ويرفق ما يثبت ذلك‪.‬‬ ‫قدم توصية من املشرف على الرسالة عن مدى مالءمة خطة العمل‪.‬‬ ‫‪ -٢‬أن يُ ّ‬

‫اجلوف‪ :‬هاتف ‪ - 04 624 5992‬فاكس ‪ - 04 426 7780‬ص‪ .‬ب ‪ 458‬سكاكا ‪ -‬اجلوف‬ ‫الرياض‪ :‬هاتف ‪ - 01 412 5277 - 01 412 5266‬فاكس ‪ - 01 402 2545‬ص‪ .‬ب ‪ 10071‬الرياض ‪11433‬‬ ‫‪nshr@abdulrahmanalsudairyfoundation.org‬‬


‫العدد ‪30‬‬ ‫شتاء ‪1432‬هـ ‪2011 -‬م‬

‫ملف ثقافي ربع سنوي‬ ‫يصدر عن مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬

‫املشرف العام‬ ‫إبراهيم احلميد‬ ‫املراسالت‬ ‫توجه باسم املشرف العام‬ ‫ّ‬

‫هاتف‪)+966( )4( 6245992 :‬‬ ‫فاكس‪)+966( )4( 6247780 :‬‬ ‫ص‪ .‬ب ‪ 458‬سكاكا‬ ‫اجلـ ــوف ‪ -‬اململكة العربية السعودية‬ ‫‪aljoubah@gmail.com‬‬ ‫‪www. aljoubah. com‬‬

‫ردمد ‪ISSN 1319 - 2566‬‬

‫سعر النسخة ‪ 8‬رياالت‬ ‫تطلب من الشركة الوطنية للتوزيع‬

‫قواعد النشر‬

‫‪ - 1‬أن تكون املادة أصيلة‪.‬‬ ‫‪ - 2‬لم يسبق نشرها‪.‬‬ ‫‪ - 3‬تراعي اجلدية واملوضوعية‪.‬‬ ‫‪ - 4‬تخضع املواد للمراجعة والتحكيم قبل نشرها‪.‬‬ ‫‪ - 5‬ترتيب املواد في العدد يخضع العتبارات فنية‪.‬‬ ‫‪ - 6‬ترحب اجلوبة بإسهامات املبدعني والباحثني والكتّاب‪،‬‬ ‫على أن تكون املادة باللغة العربية‪.‬‬ ‫«اجلوبة» من األسماء التي كانت تُطلق على منطقة اجلوف سابق ًا‪.‬‬

‫الناش ـ ـ ـ ــر‪ :‬مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬ ‫أسسها األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري (أمير منطقة اجلوف من ‪1362/9/5‬هـ‬ ‫ ‪1410/7/1‬هـ املوافق ‪1943/9/4‬م ‪1990/1/27 -‬م) بهدف إدارة ومتويل املكتبة العامة‬‫التي أنشأها عام ‪1383‬هـ املعروفة باسم دار اجلوف للعلوم‪ .‬وتتضمن برامج املؤسسة‬ ‫نشر الدراسات واإلبداعات األدبية‪ ،‬ودعم البحوث والرسائل العلمية‪ ،‬وإصدار مجلة‬ ‫دورية‪ ،‬وجائزة األمير عبدالرحمن السديري للتفوق العلمي‪ ،‬كما أنشأت روضة ومدارس‬ ‫الرحمانية األهلية للبنني والبنات‪ ،‬وجامع الرحمانية‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫الـمحتويــــات‬

‫‪6.......................‬‬ ‫رحيل رجل العلم واإلدارة‬ ‫والتسامح ‪ ..‬د‪ .‬عارف املسعر‬

‫‪73.....................‬‬ ‫رحلة البدء واملنتهى‬ ‫د‪ .‬عبدالعزيز خوجة‬

‫‪83.....................‬‬ ‫املفكر التونسي د‪ .‬كمال عمران‬

‫‪94.....................‬‬ ‫حوار مع الشاعر بسام السالمة‬ ‫الغالف‪ :‬لوحة بريشة الفنان عمر‬ ‫البدور‪.‬‬

‫االفتتاحية‪4.............................................................‬‬ ‫ملف العدد‪ :‬رحيل رجل العلم واإلدارة والتسامح الدكتور عارف بن‬ ‫مفضي المسعر ‪6.....................................................‬‬ ‫دراسات‪ :‬الخيال األدبي واأليديولوجية العرقية ‪ -‬محمد مشبال ‪33....‬‬ ‫حول أصول التحقيق والنشر ‪ -‬رامي أبو شهاب ‪41.................‬‬ ‫اإلعجاز التاريخي في سورة «يوسف» ‪ -‬علي عفيفي ‪46............‬‬ ‫قصص قصيرة‪ :‬أشياء تشبه الحياة ‪ -‬صالح الحسيني‪51...........‬‬ ‫قصص قصيرة ‪ -‬مريم الحسن‪53...................................‬‬ ‫عندما تنتحر «جوف» ‪ -‬إلهام عقال البراهيم ‪54....................‬‬ ‫المِ َعلّم ‪ -‬طاهر البهي‪56.............................................‬‬ ‫ويمضي الخوف ‪ -‬محمد صباح الحواصلي‪57......................‬‬ ‫شعر‪ :‬أغنية في وجه الخناجر ‪ -‬شتيوي الغيثي ‪60...................‬‬ ‫بكائية آلخر الليل ‪ -‬د‪ .‬يوسف العارف ‪61...........................‬‬ ‫دائرة البوح ‪ -‬حمدي هاشم حسانين‪62.............................‬‬ ‫في حرائق ِالجراح ِ تـتـفجَّ ـ ُر األسئلة ‪ -‬عبدالله األقزم ‪63............‬‬ ‫ميالد حب ‪ -‬نجاة الماجد‪64........................................‬‬ ‫أرحلت‪..‬؟! ‪ -‬نسرين الحميد ‪65.....................................‬‬ ‫ِ‬ ‫إلى عمر الخيام ‪ ..‬أغنية ورسالة ‪ -‬سليمان العتيق ‪66..............‬‬ ‫نقد‪« :‬عندما تطمح المرأة» للروائي الزعابي ‪ -‬هيثم حسين‪68......‬‬ ‫لذة االكتشاف في مجموعة «نصف رجل» ‪ -‬سمير الشريف‪71.....‬‬ ‫مرافئ‪ ..‬من ديوان (رحلة البدء والمنتهى) ‪ -‬فريال الحوار ‪73......‬‬ ‫قراءة‪ ..‬ألعمال الفنان السعودي‪ -‬فهد خليف ‪ -‬ليلى جوهر‪75.....‬‬ ‫مواجهات‪ :‬الشاعر وديع سعادة ‪ -‬حاوره محمد بنيس ‪80............‬‬ ‫المفكر التونسي د‪ .‬كمال عمران ‪ -‬حاوره‪ :‬عبدالدائم السالمي‪83...‬‬ ‫الشاعر بسام السالمة ‪ -‬حاوره ضاري الحميد ‪94..................‬‬ ‫نوافذ‪ :‬قصيدة المرأة في السعودية ‪ -‬هيا صالح ‪102................‬‬ ‫ابن شهيد الالئذ بعالم الجن ‪ -‬محمد البشير ‪106..................‬‬ ‫مأساة العقل العربي برحيل مفكريه ‪ -‬ناصر العُمري ‪110...........‬‬ ‫صور‪ ..‬ولعلها رسائل ‪ -‬أيمن السطام ‪114...........................‬‬ ‫األدب‪ :‬هل يؤثر فعال على اآلخرين؟ ‪ -‬عبدالرحيم الخصار‪116....‬‬ ‫مال واقتصاد‪ :‬الفقر بين اإلسالم والرأسمالية ‪ -‬نشأت الحوري‪120...‬‬ ‫قراءات‪126............................................................‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫‪3‬‬


‫الدكتور عارف‪ ..‬رائحة الشمس‬ ‫> إبراهيم احلميد‬

‫ال نكتشف مقدار الحب الذي نكنه لبعض أحبابنا حتى نفارقهم‪ ،‬وننسى‬ ‫الحديث «أحبب من شئت فإنك مفارقه»‪ ،‬وهكذا وجدنا أنفسنا فجأة من‬ ‫دون الدكتور عارف؛ ذلك الرجل الذي ال يحل أو ينزل في مكان إال وحلت‬ ‫السكينة والسالم معه‪ .‬وكنا نعتقد خاطئين أن الرجل الطيب‪ ،‬والمعلم‬ ‫الفاضل‪ ..‬سيبقى طويال بين أناس هم أيضا ال يعلمون متى تنقضي آجالهم‪،‬‬ ‫لكنهم لم يأبهوا كثيرا لوجوده واعتيادهم عليه‪ ،‬حتى أنه عندما يغيب لبعض‬ ‫الوقت في القاهرة‪ ،‬أو الرياض‪ ،‬أو عمان‪ ،‬فإن الجميع يسأل عن موعد‬ ‫عودته وافتقادهم له‪ ..‬وكأنه أب رحيم‪ ،‬أو أخ عزيز‪.‬‬ ‫كيف نرثي رجال ال يمكنه أن يغيب عن مشهدنا ألعوام طويلة لمن كتب له‬ ‫العيش لبعض الزمن اآلتي! وكيف لنا أن ننسى قمرا طالما أضاء ليلنا البهيم‬ ‫بلطفه و حسن معشره‪ ..‬ورقة لغته ورصانة كتابته؟! وكيف نرثي فيه رائحة‬ ‫الشمس تتقاطر من ابتسامته لتعانق أفق الصحراء والنفود والبساتين؟!‬ ‫وكيف ننساه وقد تعب القلب‪ ،‬ولم يعد يقوى على حمل األس��ى‪ ..���فآثر أن‬ ‫ينطفئ في محيطنا‪ ،‬ليشتعل نورا بروحه التي ارتفعت‪ ،‬لتضيء للسائرين‬ ‫دروبهم في الدياجي‪ ،‬لتعلم الناس الصفاء والتسامح واالبتسام‪ ،‬وهكذا فقد‬ ‫نقش اسمه في لغة الصبح‪ ،‬وموج الزرقة‪ ،‬وفي دعاء المحبين‪.‬‬ ‫عندما نعود إليه في سيرته اإلدارية‪ ،‬نتذكر مراحل هذه السيرة بدءاً من‬ ‫تعيينه مديرا للتعليم‪ ،‬وكان التعليم في وقت إدارته يعيش عصرا ذهبيا من‬ ‫التسامح والقوة‪ ،‬وقد كان المدير القريب من معلميه ومن طالبه‪ ،‬وحتى‬ ‫تعيينه في منصب أمين عام مجلس منطقة الجوف‪ ،‬حيث بقي الرجل أمينا‬ ‫ألهله ومنطقته‪ ..‬وك��ان شفافا في ع��رض مشاكل المنطقة على اللجان‬ ‫المتعاقبة التي أرسلها ولي األمر لتفقد أح��وال المنطقة‪ ،‬ومنها التقرير‬

‫‪4‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫اف�����������ت�����������ت�����������اح�����������ي�����������ة‬

‫الشهير الذي قدمته أمانة مجلس المنطقة إلى هذه اللجان‪ ..‬حيث قام‬ ‫الدكتور عارف بكتابته بنفسه‪.‬‬ ‫في سيرته العلمية‪ ،‬نجد أن الراحل أنجز عددا من األعمال الثقافية في‬ ‫ربع قرن‪ ،‬منها كتبه حول الفلسفة والتوجيه اإلسالمي للنشء‪ ،‬وكتابه عن‬ ‫الجوف في سلسلة هذه بالدنا‪ ،‬ومشاركته في كتاب الجوف وادي النفاخ‬ ‫لألمير عبدالرحمن السديري‪ ،‬و كتابه األخير عن الشيخ فيصل المبارك‪.‬‬ ‫ولعل في هذه الكتب والفسحة الزمنية لكتابة الراحل ما يمنح الباحثين‬ ‫والراغبين في دراسة فكره‪ ،‬ومدى تأثيره في طالبه ومريديه و في المنطقة‬ ‫بشكل عام‪.‬‬ ‫لقد كان الدكتور عارف رحمه الله رجل إدارة وعلم‪ ،‬خدم وطنه بكل تفان‬ ‫وإخالص‪ ،‬كما كان يسير في حاجة الناس‪ ،‬ويقضي حوائجهم‪ ،‬وكان صاحب‬ ‫بصيرة ورؤية تتميز بالحلم والصبر واألناة‪ ،‬ممتثال التسامح والحب للجميع‪،‬‬ ‫ولذلك فإنك تجد أن الله قد زرع له الحب في جميع أنحاء المنطقة‪ ،‬من‬ ‫القريات إلى صوير‪ ،‬ومن سكاكا إلى دومة الجندل‪ .‬وقد كنا نتمنى أن يتمكن‬ ‫الدكتور عارف من كتابة مذكراته مثلما أنجز كتبه السابقة‪ ،‬خاصة بداياته‬ ‫التعليمية التي جعلت منه شاهدا على فترة زمنية غير مكتوبة‪ ..‬إال أن األجل‬ ‫كان أسرع‪ ،‬وأملنا في تالميذه وأصدقائه أن يكملوا مسيرته‪.‬‬ ‫والجوبة ال يسعها إال أن تقدم هذا الملف كوقفة ذكرى ودعاء للدكتور‬ ‫عارف رحمه الله‪ ،‬حيث نعتز فيه بمشاركة بعض ممن أحبو الراحل الكبير‪،‬‬ ‫متيقنين من أن عدد المحبين الذين يودون الكتابة عنه أكبر من أن تسعهم‬ ‫صفحات الملف‪ ،‬بمساحتها المحدودة‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫‪5‬‬


‫رحيل رجل العلم واإلدارة والتسامح‬

‫الدكتور عارف بن مفضي المسعر‬ ‫> إعداد‪ :‬محمود الرمحي‬ ‫قبل أسابيع‪ ..‬وتحديدا يوم الثالثاء ‪1431/11/25‬هـ‪ ،‬الموافق ‪2010/11/2‬م‪ ،‬رحل عنا علم من‬ ‫أعالم منطقة الجوف‪ ،‬ورمز تعليمي قلَّ نظيره‪ ..‬رمز خالدة ذكراه ما بقي الجوف خالدا‪ .‬نُقِ ش اسمه‬ ‫معلم من معالمها تقديرا لمشواره المحفور في ذاكرة الجوف وأهلها‪« ..‬مدرسة عارف مفضي‬ ‫على ٍ‬ ‫المسعر المتوسطة»‪.‬‬

‫سيرته الذاتية‬ ‫من مواليد سكاكا عام ‪1358‬هـ‪ ،‬حصل على‪:‬‬ ‫ •بكالوريوس في اآلداب – قسم اللغة العربية من جامعة الرياض عام ‪1390/89‬هـ‪.‬‬ ‫ •ماجستير في اللغة العربية وآدابها من جامعة عين شمس بالقاهرة عام ‪1980‬م‪.‬‬ ‫ •دكتوراه في اللغة العربية وآدابها من جامعة عين شمس بالقاهرة عام ‪1984‬م‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫المناصب التي تقلدها‬ ‫ •مدرس في المرحلة االبتدائية عام ‪1374‬هـ‪.‬‬ ‫ •رئيس قسم األرشيف في إدارة النشر والشئون العامة‬ ‫بوزارة المعارف عام ‪1385‬هـ‪.‬‬ ‫ •مفتش إداري في إدارة التعليم بالجوف عام ‪1390‬هـ‪.‬‬ ‫ •مدير التعليم بالجوف عام ‪1393‬هـ‪.‬‬ ‫ •مدير عام التعليم بمنطقة الجوف عام ‪1398‬هـ‪.‬‬ ‫ •أمين عام مجلس منطقة الجوف عام ‪1417‬هـ‪.‬‬ ‫ •عضو ن��ادي الجوف األدب��ي‪ ،‬ومؤسسة عبدالرحمن‬ ‫السديري الخيرية‪ ،‬وعدد من الجمعيات الخيرية في‬ ‫المنطقة‪.‬‬

‫مؤلفاته‬ ‫كانت ل��ه –يرحمه ال��ل��ه‪ -‬إس��ه��ام��ات وم��ش��ارك��ات كثيرة‬ ‫في الندوات والفعاليات الثقافية‪ ،‬أثمرت عن تأسيس دار‬ ‫معارف العصر للنشر والتوزيع بالجوف‪ ،‬التي ضمت في‬ ‫ركن من أركانها مكتبة خاصة‪ ،‬هيأها المؤسس لمن أراد‬ ‫البحث واالستزادة من الباحثين والمثقفين‪ .‬ومن مؤلفاته‪:‬‬ ‫ التوجيه اإلسالمي للنشء في فلسفة الغزالي (رسالة‬‫ماجستير)‪.‬‬ ‫ المنقول والمعقول في التفسير الكبير لفخر الدين‬‫الرازي (رسالة دكتوراه)‪.‬‬ ‫ الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك «مدرسة ذات‬‫منهج»‬ ‫ بحث في التوجيه التربوي‪ :‬أهميته‪ ،‬مفهومه‪ ،‬أهدافه‪.‬‬‫ منطقة الجوف (ضمن سلسلة‪ :‬هذه بالدنا)‪.‬‬‫ شارك في تأليف كتاب (الجوف وادي النفاخ) لألمير‬‫عبدالرحمن بن أحمد السديري‪.‬‬ ‫ شارك في كتاب «فصل من تاريخ وطن وسيرة رجال‪،‬‬‫عبدالرحمن بن أحمد السديري أمير منطقة الجوف‪.‬‬ ‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫‪7‬‬


‫هكذا عرفته‬ ‫> د‪ .‬زياد بن عبدالرحمن السديري‬

‫مدير عام مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية‬

‫عرفته ‪ -‬يرحمه ال��ل��ه ‪ -‬منذ ت��م تأسيس مؤسسة‬ ‫عبدالرحمن السديري الخيرية‪ ،‬وم��ن خ�لال مشاركته‬ ‫بإعداد كتاب الجوف ‪ -‬وادي النفاخ‪ ،‬ومن ثم من خالل‬ ‫زمالتي له في المجلس الثقافي للمؤسسة‪ ،‬وإسهاماته في‬ ‫اقتراح المناشط الثقافية‪ ،‬ومتابعة بعضها حتى مراحل‬ ‫التنفيذ‪ ،‬وعنايته بضيوف المؤسسة م��ن الشخصيات‬ ‫األدبية والثقافية ومشاركته في استقبالهم‪ ،‬ومرافقتهم‪،‬‬ ‫واستضافتهم أثناء وجودهم في الجوف‪.‬‬ ‫ال وإيجابياً في كل‬ ‫لقد كان ‪ -‬يرحمه الله ‪ -‬دائماً الرجل ذات��ه‪ :‬رصيناً ومتأم ً‬ ‫أحواله‪ .‬إذا طرح موضوع للنقاش‪ ..‬أسهم برأيه بصدق واقتضاب ووض��وح‪ ،‬فإذا‬ ‫انتهى النقاش رضي برأي الجماعة أياً كان‪ .‬ال يستأثر النقاش‪ ،‬وال يلحِّ بالرأي‪ .‬وكان‬ ‫في عنايته بضيوف المؤسسة كما هو في نقاشه لمواضيع المجلس‪ ،‬فيكسب و ّد‬ ‫الجميع بهدوئه‪ ،‬وطيب معشره وكرم أخالقه ودماثته‪.‬‬ ‫رحم الله أبا عبدالسالم‪ ،‬وأسكنه فسيح جناته‪.‬‬

‫د‪ .‬عارف المسعر أثناء إلقاء كلمته في أحد أسابيع الجوف‬

‫‪8‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫> د‪ .‬عبدالواحد بن خالد احلميد‬ ‫نائب وزير العمل‬

‫حين أح���اول أن أك��ت��ب ع��ن ال��دك��ت��ور ع���ارف المسعر بمناسبة رحيله‬ ‫ال��م��ؤل��م‪ ،‬ال ب��د أن يختلط ال��ذات��ي بالموضوعي؛ فهناك‪ ،‬الجانب العام‬ ‫لشخصية الدكتور عارف‪ ،‬بوصفه شخصية عامة عرفها المجتمع من خالل‬ ‫مواقعه الوظيفية وعطاءاته العامة؛ ولكن هناك أيضا الجانب الخاص‪،‬‬ ‫بحكم العالقة الشخصية التي ربطتني وربطت آخرين ب��ه‪ .‬وم��ع ذل��ك ال‬ ‫يمكن للعالقة الشخصية أن تؤثر على حيادية الحديث عن الجانب العام‬ ‫لشخصية الدكتور عارف‪ ،‬إذ أن هذا الجانب معروف من الناس‪ ،‬وال يمكن‬ ‫للعاطفة الشخصية أن تغير فيه شيئاً؛ فهو نتاج‬ ‫عالقة طويلة مع المجتمع‪ ،‬وهو مسجل ومحفوظ‬

‫في الذاكرة االجتماعية‪ .‬وأذكر أنني كتبت مقاالً‬ ‫ق��ب��ل س��ن��وات بمناسبة ت��ق��اع��د ال��دك��ت��ور عارف‬ ‫المسعر‪ ،‬وقلت إن ال��ن��اس ف��ي منطقة الجوف‬ ‫عندما يتحدثون ع��ن ه��ذا ال��رج��ل‪ ،‬ال يشعرون‬ ‫بالحاجة لذكر اسمه بالكامل‪ ،‬وإنما يكتفون بلقبه‬

‫العلمي واسمه األول‪ ..‬فيقولون "الدكتور عارف"؛‬ ‫ألن الجميع يعرف في الحال من هو المقصود‪،‬‬

‫باعتبار الدكتور عارف شخصية عامة معروفة‪.‬‬

‫ال��ج��وف‪ ،‬لتقديم ال��ع��زاء ألس��رة الفقيد العزيز‪،‬‬ ‫فإذا بي أتلقى مكالمة من أحد أشقائي بالجوف‬ ‫ليخبرني بوفاة شقيقتي أم أحمد‪ ،‬وبقرار العائلة‬ ‫بأن يتم اإلسراع بالدفن‪ ،‬وأن تكون الصالة عليها‬ ‫مع الدكتور عارف في مسجد واحد بعد صالة‬ ‫العصر من يوم ‪1431/11/25‬ه���ـ‪ .‬وفي المساء‬ ‫كنت ق��د وص��ل��ت إل��ى ال��ج��وف بعد أن ت��م دفن‬ ‫الفقيدين في المقبرة نفسها‪ ،‬بعد أن انطلقت‬ ‫الجنازتان من المسجد نفسه‪ ،‬وفي الوقت ذاته‪،‬‬ ‫فكانت المصيبة مصيبتين والفاجعة فاجعتين‪.‬‬

‫الموافق ‪2010/11/2‬م‪ ،‬تضمنت خبراً مفجعاً‬

‫هكذا‪ ،‬إذاً‪ ،‬كان رحيل الدكتور ع��ارف‪ ..‬لقد‬ ‫جاء صاعقاً ومفاجئاً‪ ،‬وفي أجواء مثقلة بالحزن‬ ‫الشديد ال��ذي أح��اط بي من كل مكان‪ .‬فحزني‬ ‫الكبير على رحيل الدكتور عارف وعلى شقيقتي‬ ‫التي رحلت هي األخ��رى بشكل مفاجئ‪ ،‬تاركة‬ ‫وراءه��ا أيتاماً صغارا لم يبلغ بعضهم العاشرة‬ ‫من العمر‪ ،‬كان أقوى من االحتمال لوال التسليم‬ ‫بالقضاء والقدر‪.‬‬

‫لكي أس��اف��ر ف��ي ال��ي��وم التالي م��ن ال��ري��اض إلى‬

‫ل��م أك��ن أعلم أن الدكتور ع��ارف قبل وفاته‬

‫رح��ي��ل ال��دك��ت��ور ع���ارف فاجأني عبر رسالة‬

‫ب��ال��ه��ات��ف ال���ج���وال‪ ،‬وصلتني ال��س��اع��ة الواحدة‬

‫والنصف ظهر ي��وم ال��ث�لاث��اء ‪1431/11/25‬ه�����ـ‬

‫من سطر ونصف‪" :‬وفاة الدكتور عارف المسعر‬ ‫رح��م��ه ال���ل���ه"‪ ..‬ث��م ت��وال��ت ب��ع��د ذل���ك الرسائل‬

‫والمكالمات‪ .‬ووس��ط صدمتي وذه��ول��ي‪ ..‬كنت‬

‫أح��اول أن أتدبر االنتهاء من التزاماتي العملية‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫الدكتور عارف املسعر‪ ..‬أستاذ األجيال‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫‪9‬‬


‫بأيام ك��ان قد أدخ��ل المستشفى بالجوف‪ ،‬ولم‬ ‫أك��ن أع��رف أن��ه مريض‪ ،‬وكنت قبل نحو أسبوع‬ ‫من وفاته قد تلقيت منه مكالمة هاتفية امتدت‬ ‫طويالً‪ ،‬وكان موضوعها الكتب األخيرة للدكتور‬ ‫غازي القصيبي‪ ،‬وقد تشعب الحديث عن اإلنتاج‬ ‫األدب���ي وال��ف��ك��ري للدكتور القصيبي‪ ،‬فوعدت‬ ‫الدكتور عارف أن أرسل له بعض كتب القصيبي‬ ‫التي طلبها‪.‬‬ ‫كانت تلك المكالمة عن أدب القصيبي آخر ما‬ ‫جرى بيننا من تواصل‪ ،‬وقد بعثت بالكتب للدكتور‬ ‫عارف‪ ،‬لكن إرادة الله فوق كل شيء‪ ،‬فقد رحل‬ ‫إل��ى ال��رف��ي��ق األع��ل��ى قبل أن ي��ق��رأ الكتب التي‬ ‫أرسلتها إليه‪ ،‬في الوقت ال��ذي كنت أتطلع إلى‬ ‫مكالمة منه لمعرفة انطباعاته عنها‪.‬‬ ‫ومثلما أن آخ��ر م����ا يتبقى ف��ي ال��ذاك��رة عن‬ ‫عالقتي الطويلة والبعيدة مع الدكتور عارف‪،‬‬ ‫ه��و تلك المكالمة التي ق��ال عنها ف��ي ختامها‬ ‫إنها بمثابة ندوة ثقافية عن أدب القصيبي‪ ،‬فإن‬ ‫أول ما تستدعيه ال��ذاك��رة من تلك العالقة هو‬ ‫ما ذكرته في مقال سابق‪ ،‬بأنني عرفت الدكتور‬ ‫ع���ارف ف��ي فصل دراس���ي‪ ،‬عندما كنت تلميذا‬ ‫صغيرا في المدرسة االبتدائية‪ ،‬وكان هو معلماً‪،‬‬ ‫وجاء ليشرح لنا مادة دراسية‪ ،‬كانت هي بداية‬ ‫معرفتي لمسرحيات توفيق الحكيم‪ ..‬وسلسلة‬ ‫روايات الهالل المصرية!‬

‫الشعر والجغرافيا‪ ،‬تفاعل معها‪ ..‬وناقشني في‬ ‫بعض ما جاء فيها‪ ،‬فكان لتشجيعه أجمل األثر‬ ‫في النفس‪ .‬وبين خيوط البداية لعالقة طويلة‬ ‫م��ع الدكتور ع���ارف‪ ،‬وحتى استمرارها (وليس‬ ‫انتهائها) برحيله‪ ،‬ك��ان هناك ما ال يحصى من‬ ‫اللقاءات‪ ،‬وكان الحديث دائماً في قضايا ثقافية‬ ‫وفكرية‪ ،‬ونادراً ما كان عن أمور شخصية‪.‬‬ ‫يمكن أن نختار ما نشاء من األوص��اف التي‬ ‫تنطبق على شخصية الدكتور عارف‪ ،‬لكن أقرب‬ ‫م��ا يتبادر إل��ى ذهني ه��و صفة أج��د أنها تليق‬ ‫بهذا الرجل‪ ،‬وتعبر عنه‪ ..‬وهي صفة "اإلنسان‬ ‫ال��م��ح��ت��رم"؛ ك��ان ال��دك��ت��ور ع���ارف يحترم نفسه‬ ‫ويحترم اآلخرين‪ ،‬ولهذا كان شديد األدب‪ ،‬وأقرب‬ ‫إلى الحياء المحمود‪ ..‬ال يؤذي أحداً‪ ،‬وال يدخل‬ ‫مع اآلخرين في مهاترات أو مشادات‪ .‬كانت له‬ ‫مواقفه التي يعبر عنها بوضوح وبالغة‪ ،‬ولكنه لم‬ ‫يكن يتشنج أو يزايد‪ .‬ال أذكر أنني رأيته صاخباً‬ ‫أو غاضباً‪.‬‬ ‫وعلى امتداد حياته‪ ..‬حقق نجاحات كبيرة‬ ‫وك��ث��ي��رة‪ ،‬فقد عُ���رف بالنباهة والفصاحة منذ‬ ‫صغره‪ ..‬عندما كان يتلقى العلم الشرعي على‬ ‫يد الشيخ فيصل المبارك‪ ،‬ودخل معترك الحياة‬ ‫الوظيفية بتأهيل بسيط‪ ..‬في ظ��روف لم يكن‬ ‫التعليم الحديث متاحاً‪ ،‬فعمل في حقل التدريس‬ ‫معلماً في مدرسة ابتدائية‪ ،‬وشق طريقه يمارس‬ ‫العمل والتحصيل الدراسي في آن واح��د‪ ،‬حتى‬ ‫حصل على أعلى المؤهالت العلمية‪.‬‬

‫وت��ت��ق��اط��ع ه���ذه ال��ذك��ري��ات أي��ض��ا م��ع ذكرى‬ ‫ثقافية أخرى أشرت إليها في مكان آخر‪ ،‬عندما‬ ‫ويعدّ الدكتور ع��ارف أستاذا ومعلما ألجيال‬ ‫قلت إن الدكتور عارف قد لبى دعوة مدرسة ابن‬ ‫القيم الثانوية في سكاكا‪ ..‬عندما كان في موقع متعاقبة‪ ،‬تتلمذت على ي��دي��ه‪ ،‬وانطلقت تخدم‬ ‫قيادي في إدارة التعليم بالجوف‪ ،‬لحضور فعالية ال��وط��ن ف��ي م��واق��ع م��ؤث��رة ف��ي منطقة الجوف‬ ‫ثقافية شاركت فيها مع زمالئي الطلبة‪ ،‬وكان وخارجها‪ ،‬منذ أن بدأ التدريس في عام ‪1374‬هـ‪،.‬‬ ‫نصيبي من تلك المشاركة‪ ،‬كلمة عن العالقة بين فقد عمل في الحقل التربوي على مدى عقود من‬

‫‪10‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫تم تكريم الدكتور بإطالق اسمه على مدرسة في الجوف‬

‫ال من موقع إلى آخر‪ ،‬إلى أن أصبح‬ ‫الزمن‪ ،‬متنق ً‬ ‫مديراً عاماً للتعليم في منطقة الجوف‪ ،‬قبل أن‬ ‫ينتقل إلى مجال آخر في خدمة منطقته‪ ،‬حيث‬ ‫عمل أميناً عاماً لمجلس المنطقة‪ ..‬كآخر محطة‬ ‫في العمل الحكومي الرسمي‪ ،‬قبل أن يتقاعد‬ ‫ويتفرغ لمشروعه الثقافي الخاص‪ ،‬وهو إنشاء‬ ‫«دار معارف العصر للنشر والتوزيع بالجوف»‪.‬‬

‫منها‪ :‬كتابه عن منطقة الجوف في سلسلة هذه‬ ‫بالدنا‪ ،‬و«المنقول والمعقول في التفسير الكبير‬ ‫للفخر الرازي»‪ ،‬و«التوجيه اإلسالمي للنشء في‬ ‫فلسفة ال��غ��زال��ي»‪ ،‬و«التوجيه التربوي‪ :‬أهميته‬ ‫ومفهومه وأه��داف��ه»‪ ،‬وكتابه عن الشيخ فيصل‬ ‫بن عبدالعزيز آل مبارك "مدرسة ذات منهج"‪.‬‬ ‫إضافة إلى تعاونه في تأليف وتحرير فصول من‬ ‫كتب أخرى بالمشاركة مع مؤلفين آخرين‪.‬‬

‫ولم تقتصر عطاءاته على المجال الحكومي‬ ‫ال��رس��م��ي‪ ،‬ف��ق��د أس��ه��م ف��ي ال��م��ج��ال التطوعي‬ ‫لقد ترك الدكتور عارف المسعر رحمه الله‬ ‫الخيري؛ فعمل أميناً عاماً لجمعية البر الخيرية برحيله ال��ذي أوج��ع القلوب‪ ،‬ف��راغ��اً كبيراً في‬ ‫بالجوف‪ ،‬ونائباً لرئيس لجنة رعاية المعاقين محيط محبيه‪ ،‬وعارفيه‪ ،‬وأهل منطقته؛ وسوف‬ ‫بالجوف‪ ،‬ورئيساً للجنة رعاية السجناء والمفرج نفتقد أبا عبد السالم كثيراً في مجالس الفكر‬ ‫عنهم وأس��ره��م بالجوف‪ .‬كما أسهم ف��ي إثراء والثقافة‪ ،‬وفي المنتديات والفعاليات االجتماعية‪.‬‬ ‫الحياة الثقافية من خالل عضويته في مجلس إن عزاءنا هو ما تركه هذا الرجل الفاضل من‬ ‫إدارة جمعية الناشرين السعوديين‪ ،‬وعضوية ع��ط��اءات ث��رة لمجتمعه‪ ..‬تلك ال��ع��ط��اءات التي‬ ‫المجلس الثقافي بدار الجوف للعلوم‪ ،‬ومشاركاته نلمسها في كل مكان‪ ،‬ونراها على وجوه أجيال‬ ‫ال��ع��دي��دة ف��ي ال���ن���دوات والملتقيات الثقافية‪ ،‬ع��دي��دة م��ن تالمذته وم��ري��دي��ه ال��ذي��ن يخدمون‬ ‫والنشاطات المنبرية المختلفة‪.‬‬ ‫وط��ن��ه��م ال��ي��وم ف��ي ش��ت��ى ال��م��ج��االت‪ .‬رح���م الله‬ ‫أم���ا ن��ش��اط��ه ال��ت��أل��ي��ف��ي‪ ،‬فيشمل ع���دة كتب الدكتور عارف المسعر‪ ،‬وأسكنه فسيح جناته‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪11‬‬


‫قضى عمره في البخور‬ ‫> عبدالرحمن الدرعان‬ ‫أديب وقاص من الجوف‬

‫بني أن تصدق خبر موت عاهل ومر املذاق كهذا املوت‪ ..‬أنه لم يكن حلما‬ ‫َمنامِ َّيا‪ ،‬وال شائعة أو احتماال قابال للتكذيب‪ ،‬وبني أن تضعك احلقيقة على‬ ‫ح ِّد مراياها القاسية‪ ..‬أحتاج إلى وقت ألفيق من حالة االرتباك التي وطدت‬ ‫صلتي بالرعد وال��ب��رق‪ ،‬بحيث حتولت إل��ى شخص ممتلئ بالهشاشة‪ ،‬أَ ْش َب ُه‬ ‫ٍ‬ ‫بقصبة ال حتسن إال البكاء‪ ..‬وتتناثر األسئلة الذاهلة ألجدني أقف إزاء املرآة‪..‬‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫أتكلم مع شخص كنته قبل قليل‪ ..‬م��ح��اوال العثور على ش��رف ٍ��ة ال تطل على‬ ‫السواد بدون جدوى‪ :‬ضباب يغطي الكلمات واجلهات جتمعت وانكسرت بداخلي دفعة واحدة‪.‬‬

‫بيني وبني أحد األصدقاء رسائل هاتفية‪ ،‬نتبادل‬ ‫من خاللها هواجسنا كتعويض عن حالة القطيعة‬ ‫التي ال طاقة لنا بقبولها‪ .‬في ذل��ك الصباح (وال‬ ‫عينان تغيمان ف��ي ال��ت��أم��ل‪ ..‬شموس تصاهر‬ ‫أع��رف أي سبب لذلك) كتبت رسالة قصيرة هذا جفنيه وعلى يديه سيماء الكتب‪..‬‬ ‫نصها‪(( :‬اليوم لم يخطر ببالي املوت))‪ ..‬وقبل ثوان‬ ‫ال تكاد جت��ده إال بجوار ابتسامته اخلضراء‪..‬‬ ‫من إرسالها وجدتني (ول��م أع��رف أي سبب لذلك‬ ‫كما لو أن كل احلدائق تلوذ بأكمامه‪..‬‬ ‫أيضا) أمحوها‪ ..‬كما لو أن صوتا طالعا من جهة‬ ‫سأقول للموت ال��ذي انقض كالطائر األعمل‪،‬‬ ‫غامضة دفعني مرة للكتابة‪ ،‬ومرة للمحو‪ .‬ولم تكد‬ ‫متضي بضع دقائق حتى جاءت رسالته مثل سهم وأطبق براثنه على قلبك‪ :‬يكفي أن تنتدب فراشة‬ ‫أخ��ف من رشقة األق��ح��وان‪ ،‬لترفرف ف��وق صدره‪،‬‬ ‫مراش بزفير طائر مختنق‪.‬‬ ‫وتقطف نبضه العاري حتت أي ذريعة‪.‬‬ ‫وش��ه��ق��ت م���ع ال��ش��اع��ر مب���لء م���ا أس��ت��ط��ي��ع وال‬ ‫كان ميكن أن متهله حتى نعد عزاء الئقاً مببخرته‬ ‫لكأن كتيبة من الغربان هوت‬ ‫أستطيع من الفجيعة‪َّ ،‬‬ ‫التي أصبحت فجأة أرملة ووحيدة‪..‬‬ ‫فوق رأسي‪..‬‬ ‫هادئا يحدق في أفق يتناءى كأمنا يصغي لنداء‬ ‫خفي‪..‬‬

‫وكي نواسي نخلة شاهقة تنتظر حفيف خطواته‬ ‫((ه��ل م��ت حقا؟ أم غفت سهوا على جفنيك‬ ‫قبل املغيب كالعروس‪ ،‬ونشاطرها وحشتها‪..‬‬ ‫نايات الزمان!!))‪.‬‬ ‫وحتى جتد الربابة قوسها الباكي‪..‬‬ ‫كيف ميوت ال��ذي ترعرع في بياض األقحوان‪،‬‬

‫وأقول إني رأيت عيون احلصى تترقب أجفانه‬ ‫وقضى عمره في البخور‪..‬؟!‬ ‫ه��ل نبكي امل��وت��ى؟ أم ن��رى امل��وت ف��ي اجلثمان وهو ينعس في األعالي‪..‬‬ ‫وأن سنبلة سهرت تناجيه‪ ..‬حتى أه��ال عليها‬ ‫األخير ونخشى مباغتاته احملتملة؟ أم نبكي بساتني‬ ‫اخلريف ذبولها‪..‬‬ ‫أرواحنا التي أودى الذبول بها مع من نُ ِحب؟‬ ‫صامتا ذلك الصمت الذي يعلو فوق الكالم‪..‬‬ ‫أنيقا كما لو انه يتأهب للسفر في أية حلظة‪..‬‬

‫‪12‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫ولكنه لم ميت‪!!..‬‬

‫لقد أخطأته احلياة‪ ..‬ولكنه لم ميت‪!!..‬‬


‫> د‪ .‬محمود عبداحلافظ خلف الله‬ ‫كلية التربية جامعة الجوف‬

‫من أشد المواقف صعوبة أن يكتب اإلنسان عمن يحب‪ ..‬ألن الكتابة‬

‫حينها ستكون محفوفة بالمنزلقات والمهاوي التي ستوجدها حتمًا العاطفة؛‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫عارف املسعر‪ ..‬اإلنسان املعلم‪ ،‬الرائد‬

‫إال إنني في ه��ذه الحالة أكتب وأن��ا في مأمن حقيقي‪ ،‬فلست وح��دي من‬

‫أحببت هذا الرجل‪ ،‬فأنا واحد من جم أولئك الذين أحبوه‪.‬‬

‫فرغم قصر المدة التي عايشتها في معرفة أوالً ‪ :‬عارف المسعر‪ ..‬النشأة والتعليم‬

‫ع��ارف المسعر (ب�لا ل��ق��ب)‪ ،‬فقد ك��ان أكبر من‬ ‫اللقب في منطقة ال��ج��وف‪ ،‬وغيرها في أنحاء‬ ‫المملكة‪ ،‬ممن عرفوا هذا الرجل وعاملوه عن‬ ‫ق��رب أو بعد‪ ..‬إال أنني قد رأي��ت منه ما يجلو‬ ‫شخصيته وق��ي��م��ه‪ ،‬وم��ا ي��ب��رر مكانته وموقعه‪،‬‬ ‫ويوضح ريادته وفضله‪ ،‬ليس في مجال التعليم‬ ‫فحسب‪ ..‬بل في شتى مجاالت الحياة بمفهومها‬ ‫الواسع في منطقة الجوف؛ وربما ذلك من أهم‬ ‫األسباب التي تشكل صعوبة لمن يكتب عن هذا‬ ‫الرجل؛ فما ترك مجاالً إنسانيًا إال وريّش إليه‬ ‫سهامه‪.‬‬

‫حين ت��ن��زل ب��ال��زم��ن إل��ى ع��ام ‪1358‬ه����ـ‪ ،‬تجد‬ ‫مدينة سكاكا تبتهج بمولد ع���ارف ب��ن مفضي‬ ‫المسعر‪ ..‬ويسعى بعد أن يشب عن الطوق إلى‬ ‫حفظ القرآن الكريم‪ ،‬إذ تتلمذ على يد العالمة‬ ‫الشيخ فيصل اب��ن ال��م��ب��ارك‪ ،‬وق��د أظ��ه��ر نبوغاً‬ ‫وتميزًا منقطع النظير؛ ما أهَّ له ألن يصبح معلِّماً‬ ‫بعد االنتهاء من دراسة الصف السادس االبتدائي‪.‬‬ ‫وألن��ه مجبول على محبة العلم‪ ،‬مؤمن برسالته‬ ‫تجاه وطنه‪ ..‬فقد واصل دراسته حتى حصل على‬ ‫بكالوريوس اآلداب في قسم اللغة العربية‪ ،‬بجامعة‬ ‫الرياض عام ‪1390‬ه��ـ‪ ،‬ثم واص��ل مسيرة البحث‬ ‫العلمي في مصر‪ ،‬فحصل على درجة الماجستير‬ ‫في اللغة العربية وآدابها من جامعة عين شمس‬ ‫عام ‪1980‬م‪ ،‬وفي الج��معة نفسها واصل مسيرة‬ ‫الدراسة‪ ،‬فحصل على درجة الدكتوراه في اللغة‬ ‫العربية وآدابها عام ‪1984‬م‪.‬‬

‫إنه كقطعة البلور المتعددة الجوانب‪ ،‬تسحرك‬ ‫من أي ناحية تنظر إليها‪ ،‬فحتماً سوف ترى في‬ ‫كل زاوية من زواياها لوناً من ألوان الطيف؛ فهو‬ ‫اإلن��س��ان اإلن��س��ان‪ ،‬والمعلم الفاضل‪ ،‬واإلداري‬ ‫المتميز‪ ،‬والمتحدث الحكيم‪ ،‬والصامت البليغ‪،‬‬ ‫والقدوة الحسنة‪ ،‬والرائد بال منازع‪..‬‬ ‫ثانيً ا‪ :‬عارف المسعر‪ ..‬اإلنسان والقيم‬

‫لذا‪ ،‬سوف يدور حديثي في إطار ثالثة محاور‬ ‫ات��ف��ق علماء النفس على أن لكل شخصية‬ ‫فقط‪ ،‬بما يتسع له المقام هنا؛ فمآثره أكبر من مفتاحاً‪ ،‬ومفتاح شخصية هذا الرجل هو القوة‬ ‫أن تحظى بها مثل هذه الصفحات؛ فهي تحتاج والبساطة‪ ..‬كان في كل ما يسند إليه من مهام‬ ‫أن يخصص لها كتاب أو أكثر‪.‬‬ ‫قويًا أمينًا؛ قويًا في شخصيته‪ ..‬في قراراته‪ ،‬في‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪13‬‬


‫عمله‪ ،‬في حجته‪ ،‬في كالمه‪ ..‬بل حتى في مشيته‪ ،‬عُ��رف عن ه��ذا الرجل أن��ه وض��ع شيئًا في غير‬ ‫يتريث في حركاته‪ ..‬يتهادى في خطواته‪ ..‬ويتكلم موضعه‪ ،‬وما ضيع شيئًا يمكن أن تجمع من ورائه‬ ‫بثقة العالم المتمكن مما يقول‪..‬‬ ‫أشياء‪ ..‬وقد كان مع هذا‪ ،‬كريم الضيافة؛ فبيته‬ ‫لكثر من داخل المملكة‪ ،‬وخارجها‪.‬‬ ‫وإل��ى جانب ه��ذا تميزت شخصيته بصفات كان قبلة ٍ‬ ‫أخرى‪ ،‬أهمها‪:‬‬ ‫منظومة القيم‪ :‬هناك منظومة من القيم‬ ‫التواضع‪ :‬فعلى كثرة ما حباه الله به من نعم‪،‬‬ ‫فقد ك��ان شديد التواضع‪ ،‬ليّن الجانب‪ ..‬يقدّر‬ ‫الضعف اإلنساني ويستجيب لمطالبه‪ ،‬ويؤمن‬ ‫بأن من يستطيع التسامح وجب عليه أن يكونه‪.‬‬ ‫كان شديد اإلصغاء لمن يسمع له حتى يتملك‬ ‫م��ح��اوره شعور الصدق في المحبة واالهتمام‪،‬‬ ‫وبعدها يقدم له النصيحة في موضعها بمدى‬ ‫الصدق واألمانة؛ لذا‪ ،‬كان بيته مالذًا للضعفاء‪،‬‬ ‫ووجهة للوجهاء‪ ،‬فكلٌّ يجد ضالته عند من صدق‬ ‫فعله اسمه‪ ،‬عند من تمثلت فيه مقولة‪« :‬كل له‬ ‫من اسمه نصيب»‪ .‬ومما يضاف إلى ذلك إنكاره‬ ‫لذاته‪ ،‬وعدم نسب أي نجاح لنفسه؛ فما عُرف‬ ‫عنه رغم نجاحاته المتكررة أنه قال فعلت‪ ،‬بل‬ ‫يسند النجاح لفضل ال��ل��ه سبحانه وتعالى ثم‬ ‫تعاون من يعملون معه‪.‬‬

‫التي كانت توجه فكر ع��ارف المسعر وسلوكه‪،‬‬ ‫فمنها م��ا ك��ان ي���ردده ف��ي بعض ال��م��واق��ف التي‬ ‫استوجبت منه تبرير وجهة نظره بذكر الحكمة‬ ‫م��ن ذل���ك‪ ،‬وبعضها اآلخ���ر استنبط م��ن أفعاله‬ ‫ولباقته في إدارة بعض المواقف‪ ..‬حتى صارت‬ ‫هذه القيم المتمثلة في إدارت��ه للمواقف حكمًا‬ ‫يتمثلها اآلخرون في حياتهم‪ .‬ومن هذه الحكم‪:‬‬ ‫ •من السهل أن تخدع الناس‪ ،‬ومن الصعب أن‬ ‫تخدع نفسك‪ ،‬ومن المستحيل أن تخدع الله‪.‬‬ ‫ •من الممكن االستغناء عن ف��رد من البشر‪،‬‬ ‫وسيظل الكون يسير‪.‬‬ ‫ •من شُ كر الله على نعمة العقل استخدامه‪.‬‬ ‫ •التعليم رسالة‪ ،‬وإن كان وظيفة يتقاضى عليها‬ ‫أجراً‪.‬‬

‫حسن اخللق‪ :‬تميز عارف المسعر بالخلق‬ ‫الجمّ؛ فلم يذكر أنه ذكر أحدًا قط بسوء‪ ،‬إذ كان‬ ‫يفصل بحكمة بالغة بين العالقات اإلنسانية‪• ،‬التريث في األحكام عصمة للمرء‪.‬‬ ‫واخ��ت�لاف وج��ه��ات النظر ف��ي العمل؛ فقد كان •توجيه النصح س��رًا نصيحة‪ ،‬وتقديمه علنًا‬ ‫يحسن الظن في نية كل من يخطئ‪ ،‬ويلتمس له‬ ‫فضيحة‪.‬‬ ‫األع��ذار‪ .‬كان في عمله اإلداري يفصل بين نقد‬ ‫ •م��ن األف��ض��ل أن ينتقم الله ل��ك ب��دالً م��ن أن‬ ‫الفكرة الخطأ‪ ،‬ومقارعة الباطل وإيضاح حجة‬ ‫تنتقم لنفسك‪.‬‬ ‫الحق‪ ،‬وبين إساءة الظن بالمخالف؛ فكان همّه‬ ‫الدائم البحث عن الحقيقة‪ ،‬بعيدًا عن الخوض •الطالب الجيد انعكاس لمعلم ج��ي��د‪ ،‬ودور‬ ‫المعلم أهم من المنهج‪.‬‬ ‫في قضايا شخصية أو النيل من اآلخرين‪.‬‬ ‫ •الضعيف أولى بالرعاية حتى يقوى‪.‬‬

‫ترشيد اإلنفاق‪ :‬يقولون في بعض تعريفات •صنفان من الموظفين ال يتقدمان‪ :‬من ال يعمل‬ ‫ما يكلف به‪ ،‬ومن يعمل ما يكلف به فقط‪.‬‬ ‫الظلم أن��ه وض��ع الشيء في غير موضعه‪ ،‬وما‬

‫‪14‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫ •س��ل��وك��ك ف��ي ب��ل��دك شخصي ينتسب إليك‪،‬‬ ‫ •المتعلم الجيد قد يُ َعلِّم المعلم كيف يُعلم‪.‬‬ ‫وسلوكك خارج بلدك وطنية ينتسب إليها‪.‬‬ ‫ •الفضل في التعامل مع المخطئين أول��ى من‬ ‫ •م��ن يقبل مهنة التعليم‪ ،‬ف�لا ب��د أن يضحي‬ ‫العدل أحيانًا‪.‬‬ ‫بجزء من حريته‪.‬‬ ‫ •الكفاءة في تمثل الثقافة التي تعجبنا ال مجرد‬ ‫ •ليست األصالة أن تتمسك بالماضي فقط‪،‬‬ ‫معرفتها‪.‬‬ ‫ولكن أن تكون نفسك أيضاً‪.‬‬ ‫ •ينبغي احترام ثقافة اآلخرين‪ ،‬وإن لم نقبلها‪.‬‬

‫منطقُه ليس نُطقه‪.‬‬ ‫ •التعصب بغير ح��ق دليل قاطع على ضعف •ما يزين اإلنسان ِ‬ ‫الشخص‪.‬‬ ‫ثالثً ا‪ :‬عارف المسعر القدوة والمثل‬ ‫ •حظ المتهم بقاضيه خير من حقه بمحاميه‪.‬‬

‫يقصد بالقدوة والمثل هنا توافر الصفات‬ ‫التي تجعل من عارف المسعر قدوة ومثالً‪ ،‬فقد‬ ‫ك��ان رحمه الله مدرسة متحركة‪ ،‬ولعل أه��م ما‬ ‫ميزه كقدوة ومثل يحتذى به‪ ،‬ما يأتي‪:‬‬ ‫ال��وف��اء والعرفان ألساتذته‪ :‬فقد كان‬ ‫في كثير من جلساته يسبح في ذكرياته‪ ،‬ويتحدث‬ ‫عن أساتذته‪ ،‬ويذكر أنهم أصحاب فضل عليه‪.‬‬ ‫ل��ق��د ك���ان ألس��ات��ذت��ه م��وق��ع متميز ف��ي وجدانه‬ ‫وعقله‪ ،‬وعلى رأس��ه��م الشيخ فيصل المبارك‪،‬‬ ‫والدكتور عز الدين إسماعيل‪ ،‬أستاذ الدراسات‬ ‫األدبية بجامعة عين شمس‪ ،‬رحم الله الجميع‪.‬‬ ‫ولم يقتصر عرفانه بالجميل على أساتذته فقط‪،‬‬ ‫بل تعدى إلى كل معارفه في الماضي والحاضر‪،‬‬ ‫ف��دائ��م��اً ك��ان ي���ردد أن��ه��م أص��ح��اب فضل عليه‪،‬‬ ‫وأكبر دليل على وفائه ألساتذته كتابه عن الشيخ‬ ‫فيصل المبارك‪ ،‬إنه وفاء فريد في زمن قلَّ فيه‬ ‫التفرد؛ لقد كان يُعزي الفضل بعد الله سبحانه‬ ‫وتعالى إلى أساتذته‪ ،‬وزمالئه في العمل‪ ..‬بل إلى‬ ‫تالميذه أيضاً‪ .‬رحمك الله يا من عرفته فعرفت‬ ‫فيه العلم والخلق والقيم والوفاء‪ ،‬فصرتَ قدوة‬ ‫ونموذجً ا يحتذى حيًا وميتًا‪.‬‬

‫صور تذكارية في مناسبات مختلفة‬

‫حرية الفكر والتنوير‪ :‬كان واسع األفق‪،‬‬ ‫م��رن التفكير‪ ،‬ال يقبل االن��غ�لاق ف��ي معالجته‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪15‬‬


‫لألمور والمواقف‪ ،‬يحكّم عقله في كل ما يتلقاه؛‬ ‫فكان من المستحيل أن يقبل فكرة ال تستقيم‬ ‫أركانها‪ ..‬أو تتعارض مكوناتها‪ ،‬وكان يكره الجنوح‬ ‫والتطرف في كل شيء‪.‬‬ ‫تقديسه للعمل‪ :‬كان رحمه الله إذا كلف‬ ‫بشيء ال يهدأ له بال حتى ينجزه‪ ،‬وأسر عنه أنه‬ ‫كان يقول في النجاح «كلما أدرك��ت أنك نجحت‬ ‫سابقك ال��زم��ن»؛ ف��ك��ان ي��ؤم��ن بالعمل الدءوب‬ ‫المستمر‪ ،‬وكان دائمًا يقدم من أفعاله أمثلة حية‬ ‫على ذلك‪.‬‬

‫مع مدير عام التعليم بمنطقة الجوف‬

‫شمولية ثقافته‪ :‬ك��ان رحمة الله عليه‬ ‫يأخذ من كل علم بطرف‪ ،‬ولعل ذل��ك ما أسبغ‬ ‫َمن ِْطقَه بالحكمة‪ ،‬وقوة التأثير في اآلخرين‪.‬‬ ‫منطقية الفكر‪ :‬لقد كان ع��ارف المسعر‬ ‫يُعمل فكره في كل ش��يء يعرض عليه‪ ،‬فيتأنى‬ ‫في دراسته قبل أن يصدر الحكم عليه‪ ،‬فتأتي‬ ‫أف��ك��اره مُحكمة البناء‪ ..‬منطقية ال��ع��رض؛ فقد‬ ‫امتلك منهجية في العرض ال يقل تأثيرها عن‬ ‫جودة األفكار‪ ،‬وقد تمثلت منهجية البحث العلمي‬ ‫في كل سلوكيات حياته التي كانت بمثابة مدرسة‬ ‫نموذجية في جده وهرجه‪.‬‬ ‫فن الدعابة‪ :‬تمتع رحمه الله بحس رفيع‬ ‫في الدعابة‪ ..‬فدائماً كانت تسعفه بديهته في‬ ‫خلق كوميديا الموقف التي تنم بكل تأكيد عن‬ ‫خفة الظل‪ ،‬والذكاء الحاد في الوقت نفسه؛ فمن‬ ‫السهل ابتذال نكته أو فكاهة‪ ..‬لكن من الصعب‬ ‫بمكان أن تسعف المرء بديهته في موقف معين‪،‬‬ ‫ووقت معين‪ ،‬في حالة نفسية معينة لمستمعيه‬ ‫أن ينسج فكاهة من خيوط أخالط‪ ،‬ويلقيها على‬ ‫الحضور فتكون مؤثرة‪.‬‬

‫في إحدى المناسبات المدرسية‬

‫أثناء تكريمه من النادي األدبي بالجوف‬

‫حاولت بجهدي المتواضع أن أتصدر للكتابة عن‬ ‫شخصية تحتاج في عد مآثرها إلى كتب‪ ،‬وفي‬ ‫فهم طبيعتها إلى دراسات‪ ،‬لكن لعل ما يغفر لي‬ ‫زلاّ تي هو حبي الشديد‪ ،‬وحماستي ألن أكتب عن‬ ‫هذا الرجل‪ ،‬الذي أسرني خلقه وطيبه وتواضعه‬ ‫وحبه لمصر‪.‬‬ ‫رحمك الله يا رائد العلم والتنوير في جوف‬

‫ه���ذا ق��ل��ي��ل م���ن ك��ث��ي��ر‪ ،‬وإج���م���ال لتفاصيل‪ ،‬المملكة الحبيبة‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫> أ‪ .‬د‪ .‬أحمد بن عبدالله السالم‬

‫قدر الله وما شاء فعل‬

‫جامعة اإلمام محمد بن سعود اإلسالمية‬

‫رحل عنَّا قبل أيام سعادة الدكتور عارف بن مفضي المسعر عليه رحمة‬ ‫ال��ل��ه‪ .‬وه��و األخ ال��ك��ري��م‪ ،‬واألس��ت��اذ ال��ق��دي��ر‪ ،‬واإلداري ال��ن��اج��ح‪ ،‬والمربي‬ ‫الفاضل‪ ..‬ولعلي أستشهد في هذا المقام ببيتين سابقين لي‪:‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫أبا عبدالسالم‪ :‬رحل جسمك ولم يرحل ذكرك‬

‫وأخيراً عمل مديراً عاماً للتعليم فيها‪ ،‬وك��ان مثاالً‬ ‫يحتذى في كل ما تصدى له من أعمال‪ .‬له بصمته‬ ‫فيها وتأثيره عليها إلى اليوم‪.‬‬ ‫ختم فقيد المنطقة رحمه الله أعماله اإلدارية‬ ‫أميناً لمجلس منطقة الجوف‪ ،‬وهذا يدل على نجاحه‬ ‫في أعماله اإلداري��ة التي سبقت تعيينه أميناً‪ ،‬وكان‬ ‫إب��ان ه��ذه الفترة من خ�لال ما نسمع مثاالً يحتذى‬ ‫في الحكمة وحسن إعداده لجداول أعمال المجلس‪،‬‬ ‫والمشاركة الفعالة في حواراته‪.‬‬ ‫وألنه كان قريباً من الثقافة والتعليم والتنوير‪ ،‬فقد‬ ‫اختار أن يكون عمله التجاري قريباً من هذا المجال‬ ‫إن لم يكن قنطر ًة تسير عليها عجلة الثقافة‪ -‬أال‬‫وهو المطبعة التي مارس من خاللها العمل التجاري‪،‬‬ ‫وكلنا يعلم ما للمطابع من دور مهم في نشر الثقافة‬ ‫والعلم‪.‬‬ ‫أم��ا ع��ن عالقتي ب��ه‪ ،‬فهي وإن ل��م تكن عالقة‬ ‫صداقة بالمعنى الدقيق للصداقة‪ ،‬وإنما هي أخوَّة‬ ‫دائمة‪ ،‬لقربنا من بعضنا وجداناً‪ ،‬وإن طال بنا المنتأى‬ ‫زماناً أو مكاناً؛ كنت وال زلت أحفظ له قدره‪ ،‬وقد كان‬ ‫رحمه الله كذلك‪ ،‬مع أنَّ أخوته تلك متحققة له مع‬ ‫جميع من يعرف‪.‬‬ ‫رحم الله الفقيد‪ ..‬وأسكنه فسيح جناته‪ ..‬وألهم‬ ‫أهله وذويه الصبر والسلوان‪..‬‬

‫عـ ـ ـ ــزاؤك أنَّ النـ ـ ـ ـ ــاس ٍآت وراح ـ ـ ـ ــلٌ‬ ‫وم���ن ط��ـ��ـ��ال مُ ــكث ـ ًا فهـو للمــوت صــائــر‬ ‫هــو ال��م��ـ��وت مـن ينجو غ��ـ��دا منـه مـا نجا‬ ‫فبـعـ ـ ــد غـ ـ ـ ٍـد تـحنــى علي ــه األظـ ــاف ــر‬ ‫أبو عبدالسالم ذرع األرض ذراعاً ذراعاً في طلب‬ ‫العلم والفضل واألدب‪ ..‬من الجوف إلى الرياض إلى‬ ‫مصر وغيرها من البالد‪.‬‬ ‫كما أ َّن��ه عمل ف��ي مناصب كثيرةٍ ‪ ،‬أكسبته حبَّ‬ ‫جد‬ ‫الناس؛ والناس ال يحبون إال من أحبهم‪ .‬عمل بكل ٍ‬ ‫وإخالص‪ ..‬فكانت نتيجة ذلك محبة الناس جميعاً‪.‬‬ ‫لم يكن رحمه الله على شاكلة كثير من سالفيه‬ ‫من المتقاعدين الذين يتركهم الناس‪ ،‬ويتوارون عنهم‬ ‫بمجرد تركهم للعمل‪.‬‬ ‫ك��ان ال��ن��اس متواصلين معه رحمه ال��ل��ه‪ ،‬بالقدر‬ ‫الذي كانوا عليه معه أثناء عمله‪ ،‬وذلك عائد بالدرجة‬ ‫األولى إلى طيب معشره‪ ،‬ودماثة خلقه‪.‬‬ ‫لقد ك��ان يرحمه ال��ل��ه وف��يّ��اً م��ن خ�لال أحاديثه‬ ‫عن شيخه فيصل المبارك رحمه الله‪ ،‬ال��ذي درس‬ ‫عليه ال��ق��رآن وع��ل��وم ال��دي��ن ف��ي حلقته‪ ،‬ف��ي المنزل‬ ‫والمسجد‪ .‬وقد درس معه وقبله وبعده خل ْق كثير من‬ ‫أهالي منطقة الجوف‪ ،‬لكنه من أكثرهم وفا ًء له‪ ،‬إذ‬ ‫كان كثير الثناء عليه‪ ،‬خصص وقتاً ثميناً من وقته‬ ‫لدراسة شخصية شيخه الذي ال ينفك عن الحديث‬ ‫عنه في ك َّل مجلس وحلقه‪.‬‬ ‫وعزاؤنا فيه قول الشاعر‪:‬‬ ‫بجهد‬ ‫ٍ‬ ‫الدكتور ع��ارف المسعر رحمه الله أسهم‬ ‫يذكر فيشكر في دف��ع مسيرة التعليم في منطقته ومـ ــا المــالُ واألهــلون إال ودائــعُ‬ ‫وال بــدَّ يــوم ـ ًا أن ت ـُ�� ��ـ�� َر َد الــودائــعُ‬ ‫«الجوف» من خالل تدريسه في مدارسها وإدارتها‪..‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪17‬‬


‫تأمالت نفسية في شخصية الدكتور عارف بن مفضي املسعر‬ ‫> أ‪ .‬د‪ .‬سلطان بن موسى العويضة‬ ‫أستاذ علم النفس في جامعة الملك سعود‬

‫لقد استدخل الراحل الدكتور عارف عشق المعالي منذ بواكير الصبا؛‬ ‫فطفولته كانت مختلفة‪ ،‬إذ أحيط بشكل مباشر برجلين عمال على تشكل‬ ‫مالمح شخصيته‪ ،‬والده مفضي الذي تنزع شخصيته إلى الغموض‪ ..‬وتلمح‬ ‫في تعابير وجهه الجدية والحزم والنزعة العملية؛ وعمه فياض ذو اللحية‬ ‫الكثيفة والشخصية المُتدينة والمرحة‪ ،‬التي كان لها حضور اجتماعي‬ ‫واض��ح‪ .‬فنشأ الصبي‪ ،‬إذاً‪ ،‬في مناخ نفسي ك��ان أب��رز معالمه ما لهاتين‬ ‫الشخصيتين من انعكاسات؛ فنجد «ال��ت��دي��ن»‪ ،‬و«ال��ح��زم»‪ ،‬و«الغموض»‪،‬‬ ‫و«الجدية»‪ ،‬و«المرح»‪ ،‬و«االجتماعية»‪ ،‬و«العمل»‪.‬‬ ‫وشبّ عن الطوق‪ ،‬فبرع في دراسته النظامية‪ ،‬يتعلق بسمة العمق‪ ،‬إذ أن لديه نزعة واضحة‬

‫وفي دراسته للقرآن الكريم على يد شخصية ثالثة لعدم التسطيح والغوص‪ِ ،‬لكُنهِ المسائل التي هو‬ ‫عملت على تشكُّل بنائه النفسي‪ ،‬وهي شخصية بصدد تناولها‪.‬‬ ‫معلمه الشيخ فيصل المبارك‪ ،‬الذي درّسه القرآن‬

‫أم��ا فيما يتصل ببنائه النفسي ال��ع��ام‪ ،‬فقد‬

‫الكريم حتى حفظه‪ ،‬وشجعه بطريقة تربوية ظل برزت للعيان سمات نفسية واضحة ظلت تالزمه‬ ‫وفياً لها‪ ،‬متمث ً‬ ‫ال لها سلوكا ونهجا آلخر يوم في إلى أن انتقلت روحه إلى بارئها‪ ،‬ومنها‪:‬‬

‫حياته‪.‬‬

‫احل��ل��م‪ :‬فقد عُ���رف بحلمه المتمثل ف��ي عدم‬

‫والمتأمل ف��ي شخصيته يلمح ف��ي قسمات رفع صوته‪ ،‬واإلنصات لمحدثه وعدم مقاطعته‪،‬‬ ‫وجهه «ال��ج��دي��ة»‪ ،‬و«ال��ع��م��ق»؛ إذ عُ��رف بجديته وقدرته على تجاوز هفوات مَن حوله بحلم وأناة‪.‬‬ ‫في تناول ما يُعرض عليه من أمور‪ ..‬سواء على املرونة‪ :‬فلم يكن متصلبا في رأي‪ ،‬وال متعصبا‬ ‫المستوى الرسمي‪ ،‬أو االجتماعي‪ .‬وكذلك فيما للفئوية أي��اً ك��ان شكلها‪ ،‬وك��ان لديه االستعداد‬ ‫لتغيير وج��ه��ة ن��ظ��ره إن اقتنع بغيرها‪ .‬وكذلك‬

‫نزعته للتعلم المستمر‪ ،‬واالنفتاح على اآلخر‪،‬‬ ‫واإلط��ل��اع ع��ل��ى م��ج��ري��ات األح�����داث المحلية‬

‫والوطنية والدولية‪.‬‬

‫النضج االنفعالي‪ :‬فقد كان متزنا انفعاليا‪،‬‬ ‫صورة تجمعه مع والده يرحمهما الله‬

‫‪18‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫يبتسم لسماع خبر حسن‪ ،‬يُقدم واج��ب العزاء‬

‫ب��ت��ؤدة‪ ،‬ل��م تكن ل��دي��ه ان��ف��ع��االت مفلتة ح��زن��ا أو‬


‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬ ‫أثناء زيارة معالي وزير الشؤون اإلسالمية السابق واألمين العام لرابطة العالم اإلسالمي حالياً د‪ .‬عبدالله التركي‬

‫كما لم يكن انطوائياً بالمعنى الحرفي للمصطلح‪،‬‬ ‫فرحا‪ ،‬فقد قّيدها تحت سلطان إرادته وعقله‪.‬‬ ‫التواضع‪ :‬عُرف بتواضعه الذي لم يُذب هيبته‪ ،‬وف��ي نفس ال��وق��ت ل��م يكن انبساطيا بالمطلق‬ ‫فكان تواضعه تواضعاً بشموخ ال تقزي َم للذات كذلك‪.‬‬ ‫فيه‪.‬‬ ‫العفاف‪ :‬وتجسدت واضحة في غضه لبصره‪،‬‬

‫وتجنبه للمعاصي‪ ،‬وعمله بشرف ونزاهة‪ ،‬كذلك‬ ‫مال أو ولد‪.‬‬ ‫عدم افتتانه بجاهٍ أو ٍ‬ ‫التفاؤل‪ :‬فلم ير َو عنه أنه كان نزّاعا للتشاؤم‬

‫إطالقا؛ فدائما كان يبث األمل واإلصرار فيمن‬ ‫حوله‪.‬‬

‫أثناء افتتاح المعسكر الكشفي في المنطقة على مستوى المملكة‬

‫االعتدال والوسطية‪ :‬كان من الشخصيات‬ ‫المعتدلة في مخبره‪ ،‬ومظهره‪ ،‬ومسكنه‪ ،‬ومكتبته‪،‬‬ ‫وفي كل أمور حياته‪ ..‬إذ لم يكن متقشفاً زاهداً‪،‬‬ ‫وال ب��اذخ��اً م��س��رف��اً‪ ،‬وه���ذا ي��ص��دق على مخبره‬ ‫كذلك‪ ..‬إذ لم يُر متعنتاً لرأي أو متصلباً لشيعة‪.‬‬

‫أثناء حضوره إحدى المناسبات بدار الجوف للعلوم‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪19‬‬


‫من الذاكرة عن املرحوم الدكتور عارف بن مفضي املسعر‬ ‫> د‪ .‬نايف بن صالح املعيقل‬

‫األستاذ المشارك بجامعة الجوف‬ ‫ورئيس المجلس البلدي ألمانة منطقة الجوف‬

‫انتقل إلى رحمة الله األخ الفاضل الدكتور عارف بن مفضي المسعر‬ ‫يوم الثالثاء ‪ 1431/11/25‬هـ الموافق ‪ 2010/11/2‬م عن عمر يناهز‬ ‫الثمانين عاماً‪ ،‬وهو في طائرة اإلخالء الطبي‪ ،‬متجهاً إلى الرياض‪ ..‬إثر‬ ‫تعرضه لنوبة قلبية حادة أدت إلى وفاته‪ ،‬وبرحيله فقدت الجوف واحداً‬ ‫من أبنائها المخلصين البررة‪ ،‬الذين أثروا مجتمعهم باألعمال التعليمية‬ ‫والثقافية واالجتماعية والخيرية واإلنسانية‪.‬‬ ‫وم���ا س��أك��ت��ب��ه ع��ن ذك��ري��ات��ي م��ع ال���راح���ل أبي‬ ‫عبدالسالم ما هو إال يسير من كثير‪ ..‬لعل الذاكرة‬ ‫تساعدني في نقله من خ�لال ه��ذه السطور‪ .‬فقد‬ ‫خسرت الجوف برحيله مربياً فاضالً‪ ،‬وأديباً ومثقفا ُ‬ ‫متميزاً‪ ،‬وإداري���ا ناجحاً‪ ،‬ورج��ل خير يعمل لجميع‬ ‫أبناء منطقته دون كلل أو ملل‪ .‬لقد كان يرحمه الله‬ ‫واح��داً من الرجال الذين عرفتهم‪ ..‬مخلصاً لدينه‬ ‫ووط��ن��ه م��ن خ�لال أعماله الكثيرة على المستوى‬ ‫بعد ذلك بأربع سنوات‪ ،‬طُ لب ترشيح عدد من‬ ‫ال��رس��م��ي واالج��ت��م��اع��ي واإلن��س��ان��ي‪ ،‬أع��م��ال��ه التي حملة البكالوريوس‪ ،‬لالبتعاث للحصول على درجة‬ ‫الماجستير‪ ،‬للعمل كمحاضرين بالكلية المتوسطة‬ ‫بالجوف‪ ،‬التي افتتحت في العام (‪ 1401‬هـ)‪ ،‬وكانت‬ ‫تتبع إدارة التعليم‪ ،‬فتم ترشيحي لبعثة الواليات‬ ‫المتحدة األمريكية للحصول على درجة الماجستير‬ ‫في الكيمياء خالل الفترة(‪ 1406 - 1403‬هـ)‪ .‬بعدها‬ ‫عملت محاضراً بالكلية المتوسطة التي كانت تتخذ‬ ‫من مدرسة ابن سينا االبتدائية مقراً لها‪ ،‬وأتذكر‬ ‫لقطه تجمع الفقيد د‪ .‬عارف المسعر واألمير سلطان أن��ه بعد ازدي����اد أع���داد ال��ط�لاب بالكلية‪ ،‬وأصبح‬ ‫السديري وأ‪ .‬حمود المشعل وكاتب المقال في‬ ‫المكان ال يتسع لهم‪ ،‬اتصل به األخ حمود المشعل‬ ‫حفل تخرج الدفعة األولى من الحاصلين على درجة‬ ‫ عميد الكلية آن���ذاك ‪ -‬للبحث ع��ن مكان آخر‪،‬‬‫البكالوريوس من كلية المعلمين بالجوف في العام‬ ‫فوجه رحمه الله بالسماح النتقال الكلية إلى مبنى‬ ‫ال يمكن حصرها عبر ه��ذه السطور‪ .‬لقد عرفته‬ ‫يرحمه الله منذ عام ‪1399‬هـ عندما تخرجت بدرجة‬ ‫البكالوريوس م��ن جامعة الملك س��ع��ود (الرياض‬ ‫سابقاً) عند توجيهي للعمل مدرساً لمادة العلوم في‬ ‫متوسطة ابن القيم في مدينة سكاكا‪ .‬فقد كان نعم‬ ‫الموجه والمدير والمشرف الذي يحب الخير لكافة‬ ‫أبناء منطقته‪.‬‬

‫الدراسي ‪1413 – 1412‬هـ في دار الجوف للعلوم‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫أثناء زيارة الدكتور زغلول النجار للنادي األدبي بالجوف‬

‫أوسع‪ ،‬من حيث عدد القاعات الدراسية والمعامل‪،‬‬ ‫وتم انتقالها إلى حي المحمدية‪ ،‬وقد تم استغالل‬ ‫مبنيين متجاورين لسد احتياج الكلية من القاعات‬ ‫الدراسية والمعامل والورش والمالعب‪ ،‬وقد تم ذلك‬ ‫بسالسة تامة‪ ،‬تؤكد إيمان الراحل بأهمية العمل‬ ‫على تكامل المؤسسات التربوية في المنطقة‪ .‬وكان‬ ‫حريصاً رحمه الله على تطوير تلك الكليات‪ ،‬والرفع‬ ‫من مستوى خريجيها‪ ،‬انطالقا من إدراك��ه ‪ -‬وهو‬ ‫المسئول األول عن التعليم في المنطقة في ذلك‬ ‫الوقت‪ -‬بأهمية تطوير برامج إعداد المعلمين الذين‬ ‫هم أساس نجاح العملية التعليمية‪.‬‬ ‫لقد تم اختياري عضواً بجائزة األمير عبدالرحمن‬ ‫بن أحمد السديري للتفوق العلمي للعام (‪1410‬هـ)‪،‬‬ ‫وك��ان رحمه الله أميناً ع��ام��اً للجائزة‪ ،‬وق��د كلفنا‬ ‫أنا وزميلي المشرف التربوي مبارك سليم الهذيل‬ ‫ب��ال��ذه��اب إل���ى ج���دة‪ ،‬إلع����داد وت��ن��ف��ي��ذ مطبوعات‬ ‫الجائزة التي كانت ناجحة بكل المقاييس‪ ،‬وبشهادة‬

‫كل من حضر تلك المناسبة‪ ،‬كل هذا النجاح ينسب‬ ‫إل��ى المرحوم الدكتور ع��ارف بن مفضي المسعر‪،‬‬ ‫ال��ذي كان يتابع معنا كل صغيرة وكبيرة حتى آخر‬ ‫لحظة‪.‬‬ ‫أتذكر أنه وأثناء عملي عميداً لكلية المعلمين‬ ‫سابقاً (التربية حالياً) ولمدة ثماني سنوات‪ ،‬كان‬ ‫رحمه الله على رأس وأول الحريصين على حضور‬ ‫اح��ت��ف��االت ال��ت��خ��رج ال��ت��ي أق��ي��م��ت ف��ي ال��ف��ت��رة من‬ ‫‪1428 – 1420‬هـ‪ ،‬كما كان حريصا ُ على حضور كل‬ ‫الفعاليات الثقافية واالجتماعية التي تقام بالكلية‬ ‫خالل تلك الفترة‪.‬‬ ‫ل��ق��د ع��م��ل��ت م��ع��ه ف���ي ل��ج��ن��ة ال��ت��ع��ل��ي��م المطور‬ ‫بالمنطقة‪ ،‬ولجنة اختيار أم��ي ٍ��ن للغرفة التجارية‬ ‫بالمنطقة وغيرها من اللجان‪ ،‬واستفدت كثيرا من‬ ‫حكمته وحنكته وخبرته اإلدارية‪ ،‬وحصيلته الثقافية‪،‬‬ ‫إض��اف��ة إل���ى س��ؤال��ه ال���دائ���م ع��ن األه���ل واألق����ارب‬ ‫والجماعة في كل لقاء معه‪ ،‬وهذا يدل على خصلةٍ ‪..‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪21‬‬


‫وصفةٍ طيبة كان يتصف بها رحمه الله‪ ،‬وهي الرأفة‬ ‫والرحمة والتسامح والتعاون مع الجميع‪.‬‬

‫د‪ .‬عارف مع معلمه في االبتدائية أ‪ .‬أحمد مصطفى بديوي‬ ‫الذي دعاه لحضور محاضرته في النادي األدبي بالجوف‬

‫آخ���ر مناسبة ع��ام��ة جمعتني بفقيدنا الغالي‬ ‫هي حضوره لندوة أقامها النادي األدب��ي بالجوف‬ ‫بمناسبة اليوم الوطني‪ ..‬مساء يوم الخميس الموافق‬ ‫‪ 14‬ش��وال ‪1431‬ه���ـ‪ ،‬وأتذكر أن��ه طلب مني وزميلي‬ ‫األستاذ الدكتور أحمد السالم الذي شارك معي في‬ ‫ال��ن��دوة‪ ..‬أن يعمل لقاء مع قناة الثقافية عن اليوم‬ ‫الوطني‪ ،‬فكان أح��د المتحدثين في تلك المقابلة‪،‬‬ ‫حيث ح��رص يرحمه الله على التأكيد على ثوابت‬ ‫هذا الوطن‪ ،‬والحفاظ على مكتسباته‪.‬‬ ‫لقد ك��ان نعم األخ الموجه‪ ،‬والمربي الحكيم‪،‬‬ ‫واإلداري الناجح‪ ،‬رجل األعمال اإلنسانية‪..‬المحب‬ ‫ل��ل��خ��ي��ر‪ ،‬ال��م��ت��واص��ل م���ع م��ج��ت��م��ع��ه ف���ي أفراحهم‬ ‫وأتراحهم‪.‬‬

‫أثناء إحتفالية النادي باليوم الوطني‬

‫أدعو الله له بالرحمة الواسعة وأن يسكنه جنات‬ ‫النعيم‪ ،‬ويلهمنا جميعاً بفقده الصبر والسلوان‪ ..‬إنه‬ ‫جواد كريم‪.‬‬

‫أثناء إحتفال النادي باليوم الوطني بالمملكة‬

‫‪22‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫> فــواز بن صــالح اجلــعفر‬

‫مساعد مدير عام التربية والتعليم بالجوف‬

‫يعد األثر التربوي والتعليمي للدكتور عارف –رحمه الله‪ -‬األب��رز في‬ ‫حياته المليئة بالعطاء‪ ،‬فقد تدّ رج في السلك التعليمي معلِّماً ثم مفتشاً ثم‬ ‫مديراً للمعارف (التربية والتعليم آن��ذاك) ألكثر من عقدين من الزمن‪،‬‬ ‫ك��أط��ول م��دة يقضيها مدير تعليم ف��ي منطقة ال��ج��وف‪ ،‬وه��ذا يعني أنه‬ ‫–بالتأكيد‪ -‬يتمتع بحنكة إدارية عالية‪ ،‬وسعة أفق‪ ،‬ورحابة صدر مكّنته من‬ ‫قيادة هذا المزيج االجتماعي بكفاءة‪ ،‬ونشر التوسع التعليمي في مدن‬ ‫المنطقة وقراها‪ ،‬في وقت لم تكن القناعة كافية‬ ‫بأن التعليم أولى من السعي خلف لقمة العيش‪.‬‬ ‫وه��ذا العمر المديد في التربية والتعليم يعني‬ ‫أيضاً –بالضرورة‪-‬أن له «أبوة تربوية» ‪-‬إذا صح‬ ‫التعبير‪-‬لكثير من أبناء المنطقة الذين شقوا‬ ‫طريقهم‪ ،‬فتسلموا مراكز قيادية وأكاديمية عالية‬ ‫داخ��ل المنطقة وخ��ارج��ه��ا‪ ،‬ب��ل أكثر م��ن ذلك‪..‬‬ ‫نستطيع القول إن له أبوة على التعليم بالمنطقة‬ ‫بأكمله‪ ،‬ويستحق لقب «األب الروحي للتعليم»‬ ‫بمنطقة ال��ج��وف‪ .‬ولقد أحسنت وزارة التربية‬ ‫والتعليم بتخليد اسمه على إح��دى المدارس‪،‬‬ ‫فهي ب��ذل��ك ال ت��ق��وم بحق التكريم فقط لهذه‬ ‫ال��ق��ام��ة ال��ت��رب��وي��ة‪ ..‬ب��ل ت��ب��رز أن��م��وذج��اً معطا ًء‬ ‫لألجيال القادمة‪ ،‬وتعلي من شأن أهل التعليم‬ ‫قاطبة‪.‬‬ ‫إن المآثر التربوية للدكتور عارف ‪-‬رحمه الله‪-‬‬ ‫ال تقف عند اإلط��ار النظري في نشر المعرفة‪،‬‬ ‫ودع���م ال��ث��ق��اف��ة أو اإلط����ار اإلداري ف��ي تنظيم‬ ‫التوسع التعليمي وتأسيسه فحسب؛ بل تتجاوزه‬ ‫(إل���ى األه����م)‪ ،‬وه��و تمثل ه��ذا ال��زخ��م التربوي‬ ‫والثقافي واقعاً ملموساً في رقي أخالقي واضح‪،‬‬ ‫وسمو نفسي بارز‪ ،‬وابتسامة يلقاها الصغير قبل‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫مآثره التربوية ال تندثر‬

‫الكبير‪ ،‬وحكمة تتلقى الجاهل قبل العالم‪ .‬هذا‬ ‫الدمج بين المدرسة المعرفية واألخالقية ‪-‬فيما‬ ‫يبدو ل��ي‪ -‬هي بعض سمات التعليم اإلسالمي‬ ‫األصيل والمتوارث عبر األجيال‪ ..‬والذي يبدأ من‬ ‫المسجد‪ ،‬ويمتد إلى جوانب الحياة المختلفة‪.‬‬ ‫ويخطئ مَ��ن يقصر ص��ورة ه��ذا التعليم على‬ ‫التلقين النمطي‪ ،‬وال يتطرق لمنهجية «النمذجة»‬ ‫التربوية ذات األثر النفسي والسلوكي الكبير‪.‬‬ ‫ول��ع��ل م��ا تلقاه د‪ .‬ع���ارف –رحمه الله‪-‬من‬ ‫سمت تربوي‪ ،‬في وقت مبكر من عمره‪ ،‬على يدي‬ ‫العالم الفاضل الشيخ فيصل المبارك‪ ،‬ذي األثر‬ ‫الواسع والممتد في منطقة الجوف‪ ،‬لدليل على‬ ‫أن هذا النوع من التربية والتعليم الذي تميزت به‬ ‫األمة منذ بداياتها‪ ،‬يتجاوز الجانب المعرفي إلى‬ ‫الناتج السلوكي‪ ،‬مع البدء بالعلوم المباركة ذات‬ ‫األثر المنهجي‪ .‬وقد أكد د‪ .‬عارف –رحمه الله‪-‬‬ ‫هذه المسألة‪ ،‬حين عنون كتابه عن حياة شيخه‬ ‫بقوله‪ :‬الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك‬ ‫«مدرسة ذات منهج»؛ فهو ينص على أن المعلم‬ ‫(الشيخ هنا) مدرسة سلوكية‪ ،‬وبطابع منهجي‬ ‫م��ت��وارث‪ .‬ويوصلنا في الوقت نفسه إل��ى نتيجة‬ ‫ج��دي��رة بالنظر م��ن قبل ال��دارس��ي��ن والباحثين‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪23‬‬


‫عند المقارنة بين المدارس اإلنسانية التي تنشد األخذ‪ ،‬وإن الزائفة هي األخذ دون العطاء‪ ،‬وذلك‬ ‫التقدم الحضاري‪.‬‬ ‫آخر ما انتهت إليه فلسفة األخالق»!‬ ‫إن التوهّ ج التربوي للفقيد‪-‬رحمه الله‪-‬ازداد‬ ‫ح��ت��ى ب��ع��د ت��ق��اع��ده م��ن ال��ع��م��ل ال��ح��ك��وم��ي‪ ،‬فهو‬ ‫يؤمن بالعطاء إلى آخر لحظة‪ ..‬ليموت واقفاً ال‬ ‫قاعداً! فقد شارك في أغلب اللجان على مستوى‬ ‫المنطقة‪ ،‬سواء كانت تأسيسية أو تطويرية‪ ،‬وأنشأ‬ ‫أول دار نشر وتوزيع في المنطقة‪ ،‬وألف وكتب‬ ‫وحاضر ونشر‪ .‬كان حضوره الثقافي واالجتماعي‬ ‫ملفتاً؛ حتى يخيل إليك أن العطاء أصبح منهجية‬ ‫لديه‪ ،‬فهو ال يكتفي بتمثله‪ ..‬بل يسارع بدعوة‬ ‫اآلخ���ري���ن ل���ه‪ ،‬ول��ق��د شعرت‬ ‫ب��ذل��ك حين كنت أحادثه‬ ‫ف���ي أح����د األي������ام –وأنا‬ ‫التلميذ بين يديه‪ -‬وأسأله‬ ‫ع��ن داره للنشر والتوزيع‬ ‫(م��ع��ارف ال��ع��ص��ر) وسير‬ ‫ال��ط��ب��اع��ة وال��ن��ش��ر فيها‪،‬‬ ‫فخرج عن الموضوع إلى‬ ‫األه���م‪ ،‬وحمّلني أم��ان��ة ال‬ ‫أنساها حين ق���ال‪ :‬وأنت‬ ‫أين نتاجك الفكري‪ِ ،‬ل َم ال‬ ‫نراه مطبوعا؟!‬ ‫ه��ك��ذا‪ ،‬ف��ي ح��ن��و أبوي‬ ‫يرفع من شأن تلميذه‪ ،‬ونظر‬ ‫م��س��ت��ق��ب��ل��ي ي���ح���رص على‬ ‫ب��ث ال��وع��ي ف��ي مجتمعه‪،‬‬ ‫وع���ط���اء ت���رب���وي تعليمي‬ ‫ال ي��ن��ق��ط��ع! وح����رص على‬ ‫إسعاد اآلخرين بما يجلب‬ ‫سعادتي الدنيا واآلخرة‪،‬‬ ‫وف��ق��اً لما أك���ده الرافعي‪:‬‬ ‫«إن ال��س��ع��ادة اإلنسانية‬ ‫الصحيحة في العطاء دون‬

‫‪24‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫ومضة‬ ‫يتمثل أه��� ُل ال��ج��وف قاطبة وأس���رة التربية‬ ‫والتعليم خاصة مرثية الزبيري‪:‬‬ ‫ج���زي���ت ج�����زاء ال��م��ح��س��ن��ي��ن مضاعف ًا‬ ‫ك��م��ا ك���ان ج����دواك ال��ن��دى المتضاعف‬ ‫ح���ب���ي���ب إل�����ى اإلخ���������وان ي��������رزون ماله‬ ‫وآت ل��م��ا ي���أت���ي ام�����رؤ ال���ص���دق ع���ارف‬ ‫ب����ك����ت داره م������ن ب���ع���ـ���ـ���ـ���ده وت���ن���ك���رت‬ ‫م��ع��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ال��م م����ن آف���اق���ه���ا ومعـ ـ ــارف‬

‫أثناء إلقاء محاضرته في النادي األدبي عن الشيخ فيصل بن مبارك يرحمهما الله‬


‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫الدكتور زغلول النجار يتوسط األخوين‬

‫الدكتور عارف املسعر‪ ‬‬

‫رحلة عطاء تتجاوز نصف قرن من الزمن‬ ‫معاشي بن ذوقان العطية‬ ‫لواء ركن متقاعد‬

‫عاش حياة حافلة بالعطاء الوطني المخلص‪ ،‬والتفاعل االجتماعي الحكيم‪،‬‬ ‫لم يكن رجال عاديا ليمر في حياتنا مروراً عابراً من دون أثر‪ ،‬كان واحداً من‬ ‫رواد التربية والتعليم في منطقة الجوف‪ ،‬استطاع أن يضع بصمة بالغة األهمية‬ ‫على خريطة منطقة الجوف كجزء عزيز من الخريطة العامة للمملكة‪ .‬بدأ‬ ‫م��ش��واره معلماً بالمرحلة االبتدائية ع��ام ‪1374‬ه���ـ‪ ،‬ف��ي المدرسة الشمالية‬ ‫االبتدائية التي أطلق عليها بعد ذلك اسم مدرسة فلسطين‪ ،‬وك��ان المسعر‬ ‫شغوفاً ب��دراس��ة العلوم الدينية‪ ،‬وم��ن المتميزين‬ ‫الذين درسوا القرآن الكريم وعلوم الدين على يد‬ ‫واح����د م���ن أب����رز رج����ال ال��ق��ض��اء ال���ذي���ن عرفهم‬ ‫المجتمع الجوفي‪ ،‬وه��و الشيخ فيصل المبارك‪،‬‬ ‫لكنه في ذلك الوقت لم يكن يحمل المؤهل العلمي‬ ‫الذي يرضي طموحه‪ ،‬وألنه كان يشعر برغبة كبيرة‬ ‫ف��ي استكمال رحلة المعرفة بصورتها النظامية‬

‫األكاديمية‪ ،‬فقد اتخذ القرار المصيري الذي غيّر‬ ‫ح��ي��ات��ه‪ ،‬ف��ق��د غ���ادر منطقة ال��ج��وف م��ت��ج��ه��اً إلى‬ ‫العاصمة ال��ري��اض ال��ت��ي ب��دأ منها ص��ع��ود السلم‬ ‫العلمي‪ ..‬من خ�لال االنتظام في صفوف التعليم‬ ‫ال��رس��م��ي ف��ي ال���م���دارس ال��ل��ي��ل��ي��ة‪ ،‬اج��ت��ه��د بدافع‬ ‫اإلنسان الذي يبحث عن موقع مميز في منظومة‬ ‫المجتمع‪ .‬وبعد سنوات من التحصيل المعرفي‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪25‬‬


‫والتأهيل العلمي‪ ،‬عاد إلى واجهة المجتمع الجوفي‬ ‫للعمل ف��ي م��ج��ال التربية والتعليم‪ ،‬وت���درج حتى‬ ‫أصبح م��دي��راً للتعليم بالمنطقة‪ .‬وألن��ه شخصية‬ ‫تتسم باإلصرار على تحقيق النجاح تلو النجاح‪ ،‬لم‬ ‫يكتف بما وصل إليه؛ فكان على يقين بأن مشوار‬ ‫ِ‬ ‫المعرفة ال يمكن أن يتوقف عند حدود معينة‪ ،‬وال‬ ‫يمكن أن يكون الموقع الوظيفي المرموق هو نهاية‬ ‫ال��م��ط��اف؛ ل��ذل��ك واص���ل رح��ل��ت��ه المعرفية بدأب‬ ‫شديد‪ ..‬واجتهاد مخلص‪ ،‬فحصل على البكالوريوس‬ ‫في اآلداب‪ ،‬من قسم اللغة العربية بجامعة الرياض‬ ‫عام ‪1390-89‬هـ‪ ،‬وعلى درجة الماجستير في اللغة‬ ‫ال��ع��رب��ي��ة وآداب���ه���ا‪ ..‬م��ن ج��ام��ع��ة ع��ي��ن ش��م��س عام‬ ‫‪1980‬م‪ ،‬وم��ن الجامعة نفسها حصل على درجة‬ ‫الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها عام ‪1984‬م‪.‬‬ ‫وخالل مشوار حياته العملية‪ ،‬تدرج في الكثير‬ ‫من المواقع الوظيفية‪ ،‬منها‪:‬‬ ‫رئيس قسم األرشيف ب��إدارة النشر والشؤون‬ ‫العامة بوزارة المعارف عام ‪1385‬هـ‪ ،‬ورئيس قسم‬ ‫ال��ع��ق��ود ب����وزارة ال��م��ع��ارف‪ ،‬ومفتش إداري بإدارة‬ ‫التعليم بالجوف عام ‪1390‬هـ‪ ،‬ومدير تعليم الجوف‬ ‫عام ‪1393‬ه��ـ‪ ،‬ثم مدير عام تعليم منطقة الجوف‬ ‫للفترة ‪1398‬ه��ـ‪1416-‬ه��ـ انتقل بعدها للعمل في‬ ‫إمارة منطقة الجوف‪ ،‬ليصبح أميناً عاماً لمجلس‬ ‫منطقة الجوف عام ‪1417‬هـ‪.‬‬ ‫وإذا كانت ه��ذه ه��ي ص��ورت��ه ف��ي مجال العلم‬ ‫والتربية والتعليم‪ ،‬فإنها تعد ج��زءاً من الكل‪ ،‬ألن‬ ‫صورته العامة فيها الكثير من األج��زاء والمالمح‬ ‫األخ��رى‪ ،‬فإلى جانب ريادته في المجال التربوي‬ ‫والتعليمي‪ ،‬استطاع أن يترك بصمات مميزة في‬ ‫المجاالت الثقافية واالجتماعية؛ ولعل حضوره‬ ‫المميز ف��ي واق���ع الحياة المجتمعية ف��ي منطقة‬ ‫الجوف‪ ،‬هو ال��ذي جعل المسئولين يتوسمون فيه‬ ‫عطا ًء أكبر وأشمل لخدمة المنطقة‪ ،‬بحكم خبرته‬ ‫وتمرسه وحكمته المعهودة في معالجة األمور؛ ومن‬

‫‪26‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫هنا‪ ،‬ج��اء ق��رار انتقاله للعمل ف��ي (إم���ارة منطقة‬ ‫ال��ج��وف)‪ ،‬وف��ي منصب أمين ع��ام مجلس منطقة‬ ‫الجوف ليضع بصمة مختلفة في مكان مختلف‪.‬‬ ‫وه��و المنصب ال��ذي ظ��ل مرتبطاً باسمه إل��ى أن‬ ‫وصل إلى مرحلة التقاعد‪ .‬‬ ‫وق��د أث���رى ال��دك��ت��ور المسعر ال��ح��ي��اة الثقافية‬ ‫والعلمية بمجموعة م��ن الكتب‪ ،‬ال��ت��ي وض��ع على‬ ‫صفحاتها خالصة تجاربه العلمية‪ ،‬وسجل فيها‬ ‫رؤاه وخبراته‪ ،‬إضافة إلى إسهاماته ومشاركاته في‬ ‫الندوات والفعاليات الثقافية‪ ،‬وتأسيس دار معارف‬ ‫العصر للنشر والتوزيع بالجوف‪.‬‬ ‫وتقديرا لمشواره الحافل بالعطاء‪ ،‬استحق كواحد‬ ‫من رجال التربية والتعليم أن تحمل إحدى مدارس‬ ‫المنطقة اس��م��ه‪ ،‬ف��ي ص���ورة م��ن ص��ور االعتراف‬ ‫الوطني من الدولة برجالها الذين يبذلون الغالي‬ ‫والنفيس في خدمة وطنهم من أي موقع يعملون‬ ‫فيه‪ ،‬وقد كانت مبادرة وزير التربية والتعليم بإطالق‬ ‫اسمه على إحدى المدارس المتوسطة في الجوف‬ ‫(مدرسة عارف المسعر المتوسطة) تحقيقاً لمطلب‬ ‫اجتماعي يدرك قيمة الرجل‪ ،‬ويؤمن بمدى تأثيره‬ ‫في مجال التربية والتعليم في المنطقة‪ ،‬منذ تكليفه‬ ‫بمهمة إدارة التعليم ع��ام ‪1393‬ه���ـ‪ ،‬أي قبل نحو‬ ‫ثمانية وثالثين عاماً من اآلن‪ ،‬بذل خاللها جهوداً‬ ‫كبيرة في تطوير العملية التعليمية‪ ،‬وتطوير مفاهيم‬ ‫العمل االجتماعي الذي يعود بمردود إيجابي على‬ ‫كل أبناء منطقة الجوف وسكانها‪ .‬‬

‫سيرة الدكتور عارف في المدخل الرئيسي للمدرسة‬


‫> فارس الروضان‬ ‫مدير مكتب جريدة الرياض بالجوف‬

‫ينتابني حزن عميق‪ ..‬وتنتابني غصة كلما تذكرت أن عارف المسعر لم‬ ‫يعد بيننا‪!!..‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫وداعا أبا عبدالسالم‬

‫ع��ارف المسعر‪ ..‬االس��م ال��ذي ارتبط بمعرفة الجوف‪ ..‬حباه الله من‬ ‫السمات االستثنائية التي يصعب أن تجتمع في رجل واحد‪..‬‬ ‫لم أشاهده في حياتي عابساً‪ ..‬أو شاكياً‪..‬‬ ‫ول��م أسمعه م��رة واح��دة يتحدث عن الناس إال‬ ‫بالخير‪ ..‬وبقدر معرفته العظيمة‪ ،‬إال أن��ه أقل‬ ‫الناس حديثاً‪ ..‬ودود ومتواضع لدرجة أنك تسأل‬ ‫نفسك وأنت في حضرته‪ ..‬هل حقاً أنا أجالس‬ ‫عارف المسعر العمالق؟!‬ ‫زرت��ه قبل وفاته بأيام‪ ..‬فكان كما هو‪ ،‬حتى‬ ‫وهو يتألم‪ ..‬بشوشاً‪ ،‬ضحوكاً‪ ،‬وفياً‪ .‬وألنه شام ٌخ‬ ‫في حياته‪ ،‬كان شامخاً كذلك حتى وهو يفارق‪،‬‬ ‫وتفيض روحه لبارئها في الفضاء‪ ..‬ال على أسرة‬ ‫المستشفيات!!‬

‫وأفتخر شخصياً أنني كتبت له في حياته ما‬ ‫يستحقه من ثناء‪ ،‬يليق به كمعلم وعمالق جوفي‬ ‫ن�����ادر‪ ..‬وح��ي��ن ك���ان ي��ق��رأ ح���روف���ي المتواضعة‪،‬‬ ‫يفاجئني باتصال أب��وي‪ ،‬يجعلني أشعر بالتقصير‬ ‫أمام ما أجده في شخصيته الخلوقة‪..‬‬ ‫وم���ن األش���ي���اء ال��ت��ي ت��س��ت��ح��ق ال��ت��ن��وي��ه أن أبا‬ ‫عبدالسالم رحمه الله كان كحلوة الجوف وزيتونه‬ ‫وآثاره الشامخة‪ ..‬فقد كُنا نُسأل عنه حين نلتقي‬ ‫بالناس خارج المنطقة‪ ،‬ويعلمون أننا من الجوف‪،‬‬ ‫كما نُ��س��أ ُل عن قلعة زع��ب��ل‪ ..‬وكنت أفخر وأتلذذ‬ ‫بالحديث عنه وأسعد‪ ..‬كون هذا الرجل بسمعته‬ ‫العطرة منحنا رفعة تحسب له‪..‬‬

‫أب���و ع��ب��دال��س�لام رح��م��ة ال��ل��ه ع��ل��ي��ه‪ ..‬يحمل‬ ‫رحل أبو عبدالسالم‪ ..‬وانطفأت شمعة حاربت‬ ‫أولويات عظيمة في المنطقة‪ ،‬وكلي أمل أن يتبنى‬ ‫أبناؤه الكرام كتاباً يُوثِّق انجازات الراحل التي الظالم عشرات السنين‪ .‬وليس لنا اآلن إال الدعاء‬ ‫تعد مفخرة لألجيال‪ ..‬وتعد ‪-‬وهذا هو المهم‪ -‬بأن يرحمه الله رحمة واسعة‪ ،‬وأن يجمعه مع النبيين‬ ‫والصديقين والشهداء وحَ سُ ن أولئك رفيقا‪..‬‬ ‫أسساً يتعلم منها من يريد أن يتعلم‪..‬‬ ‫أسأل الله أن يعينني على الوفاء له‪ ،‬ولكل مَن‬ ‫ويعد الفقيد الغالي من الناس القالئل الذين‬ ‫وجدوا االحتفاء المباشر بهم في حياتهم‪ ..‬فتسمية هُ��م مثله‪ ،‬ليعلم ك��ل م��ن ل��م يتشرف بمعرفته أن‬ ‫مدرسة باسمه كانت خطوة وفيّة من رجال أوفياء‪ ..‬الجوف أنبتت عارف المسعر‪ ..‬عارف المفخرة‪..‬‬ ‫رجل وفيٍّ بذ َل لجوفه كل ما يمكن أن يقوم به االسم الذي يصعب أن يتناوله النسيان‪..‬‬ ‫بحق ٍ‬ ‫رجل مخلص‪..‬‬

‫وداعا أبا عبدالسالم‪..‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪27‬‬


‫قراءة في كتاب التوجيه اإلسالمي للنشء في فلسفة الغزالي‬ ‫للدكتور عارف مفضي املسعر يرحمه الله‬

‫> احملرر الثقافي‬ ‫نظراً لما يحظى به اإلمام أبو حامد الغزالي من مكانة مرموقة بين‬ ‫مفكري اإلسالم‪ ،‬والداعين إلى التوجيه اإلسالمي للناشئين‪ ،‬على هدى‬ ‫الشريعة اإلسالمية‪ ،‬إذ يعد من أئمة اإلسالم البارزين‪ ،‬الذين كانت لهم‬ ‫ريادة موفقة في مجال التربية األخالقية على وجه الخصوص‪ ..‬ولما‬ ‫نعايشه في العصر الحاضر من دع��وة متزايدة إلى االهتمام بالرجوع‬ ‫إلى تراثنا اإلسالمي األصيل‪ ،‬فيما يتعلق بالتوجيه األخالقي للنشء‪،‬‬ ‫شعورا بالحاجة إلى االستهداء بذلك التراث‪ ..‬فقد وجد المؤلف في‬ ‫تحليل فكر أبي حامد الغزالي‪ ،‬فيما يختص بهذه الناحية‪ ،‬ما يمكن أن‬ ‫يصل به إل��ى ق��در مناسب من التوضيح ألساليب التوجيه اإلسالمي‬ ‫للنشء‪ ،‬وما تقوم عليه تلك األساليب من اعتبارات تختص بها النفس البشرية‪ ،‬حسبما يرى الغزالي‪،‬‬ ‫وما يمكن أن نلم به من معالم حددها كمنهج تعليمي‪ ،‬ووسائل عينها للتوجيه وتهذيب األخالق‪..‬‬ ‫األص���ول التاريخية لفلسفة تربية ال��ن��شء عند‬ ‫ال��غ��زال��ي‪ ..‬حيث ناقش ف��ي الفصل األول مدى‬ ‫اعتماد الغزالي على مصادر الشريعة اإلسالمية‬ ‫من القرآن الكريم واألحاديث النبوية الشريفة‪،‬‬ ‫وأثرها على األطر التي حددها كأساس للتوجيه‬ ‫اإلسالمي للنشء‪.‬‬

‫وقد أراد المؤلف بذلك أن يوفق في الوصول‬ ‫إلى توضيح مفهوم الغزالي لتربية النشء بكامل‬ ‫أبعاد ذلك المفهوم‪ ،.‬وأن يحدد معالم فلسفته في‬ ‫التوجيه اإلسالمي للنشء‪ ،‬من خالل أفكاره التي‬ ‫عالج بها ه��ذا الموضوع‪ ..‬لالستفادة منها بما‬ ‫يالئم األساليب التربوية لعصرنا الحاضر‪ ،‬مع‬ ‫بيان وجوه المقارنة في المواقف التي تستدعي‬ ‫وبحث في الفصل الثاني مدى استفادة الغزالي‬ ‫ذلك‪ ..‬بين ما نادى به الغزالي من أسس توجيهية م��ن ال��م��ص��ادر األج��ن��ب��ي��ة كالفلسفة اليونانية‪،‬‬ ‫إس�لام��ي��ة‪ ،‬وم��ا ت��دع��و إل��ي��ه ال��ن��ظ��ري��ات التربوية والثقافة الفارسية‪ ،‬ومصادر الدين المسيحي‪.‬‬ ‫المعاصرة‪.‬‬ ‫الباب الثالث‪ :‬وقد تضمن خمسة فصول‪ ..‬تعلق‬ ‫وق���د اش��ت��م��ل ال��ك��ت��اب ع��ل��ى م��ق��دم��ة وأربعة الفصل األول بمفهوم الغزالي للطفولة‪..‬وتناول‬ ‫أبواب‪..‬‬ ‫في الفصل الثاني فكرة الثواب والعقاب كأحد‬ ‫الباب األول‪ :‬ويتكون من ثالثة فصول‪ ،‬خصصها أساليب توجيه الطفل عند الغزالي‪ .‬وتعرض في‬ ‫المؤلف للحديث عن الغزالي ومكانته الفكرية في الفصل الثالث إلى دور المعلم كما يراه الغزالي‪،‬‬ ‫تاريخ الثقافة اإلسالمية‪.‬‬ ‫م��ن ح��ي��ث ن��ظ��رت��ه للمعلم ك��ق��دوة وم��رش��د‪ ،‬كما‬ ‫الباب الثاني‪ :‬ويتكون من فصلين‪ ،‬بحث فيهما تعرض لواجبات المعلم (وظائفه) التي حددها‬

‫‪28‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫في مزرعته بمدينة سكاكا‬

‫ال��غ��زال��ي بثماني وظ��ائ��ف‪ ،‬تمثل م��ؤه�لات يرى‬ ‫ضرورة توافرها في المعلم‪.‬‬ ‫وخصص الفصل الرابع لبحث أثر البيئة على‬ ‫الطفل م��ن وجهة نظر ال��غ��زال��ي‪ ،‬م��ن الناحيتين‬ ‫البدنية والمسلكية‪ .‬أما الفصل الخامس فقد تعلق‬ ‫باألهداف التربوية للتعليم في فلسفة الغزالي‪.‬‬

‫تبيان سمات نظرية المعرفة‪ ،‬وم��رات��ب اإليمان‬ ‫ع��ن��ده‪ ،‬م��ع ال��ت��ط��رق إل��ى تلك األس���س النفسية‪،‬‬ ‫كظروف عصره‪ ،‬وتعدد علومه‪ ،‬وإلمامه بمحتوى‬ ‫القرآن الكريم والسنة‪ ،‬وإيمانه بالغيب‪ ،‬ومحبته‬ ‫لله‪ ،‬ومغزى ذلك في التوجيه اإلسالمي للنشء‬ ‫في فلسفته‪.‬‬

‫أما الخاتمة فقد حرص فيها على أن تتضمن‬ ‫ال��ب��اب ال���راب���ع‪ :‬اخ��ت��ص ب���دراس���ة النظريات‬ ‫النفسية في تربية النشء عند الغزالي ويتكون أهم النتائج التي انتهى إليها البحث‪ ،‬مع اإلشارة‬ ‫إل��ى أث��ر فكر ال��غ��زال��ي األخ�لاق��ي وال��ت��رب��وي في‬ ‫من فصلين‪..‬‬ ‫الدارسين من بعده في مجال التوجيه اإلسالمي‬ ‫ناقش في الفصل األول مفهوم النفس عند للنشء‪.‬‬ ‫ال��غ��زال��ي‪ ..‬وم��ا أطلقه عليها م��ن أل��ف��اظ أربعة‬ ‫(قلب‪ ،‬وروح‪ ،‬وننفس‪ ،‬وعقل) مع ذكر معنى كل‬ ‫لفظ ع��ن��ده‪ ..‬وس��ر أهمية القلب عند الغزالي‬ ‫كأساس لمعرفة النفس‪ ،‬وف��وارق تعريف النفس‬ ‫عند اإلن��س��ان والحيوان والنبات‪ ،‬وكذلك تعدد‬ ‫قوى اإلدراك عند اإلنسان‪.‬‬ ‫وفي الفصل الثاني بحث ما يتعلق باألسس‬ ‫النفسية لنظرية المعرفة عند الغزالي‪ ،‬من حيث‬

‫صورة تذكارية في مدينة االسكندرية‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪29‬‬


‫د‪ .‬عارف في عيون الشعراء‬ ‫د‪ .‬عارف‪ ..‬لن ننساك‬ ‫> محمود الرمحي‬

‫من قلب يعتصر ألما على فراقك‪ ..‬ويفيض‬ ‫دعاء لك بالرحمة من رب العالمين أقول‪:‬‬

‫‪30‬‬

‫ب���م���اذا أب����دأ الش ـ ـ ـ ـ ــع َر بمــاذا؟!‬

‫رث��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��اءً أم م��دي��ح��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ�� ًا أم بماذا؟!‬

‫�������رت ي����ا ص���ح���ب���ي وح�����ارت‬ ‫ف����إن����ي ح ُ‬

‫���ط ٍ���ب كه ــذا‬ ‫ق��واف��ي الشـ ــعر ف��ي خَ ْ‬

‫ل��س��انُ الش ـ ـ ــعرِ ل��ن ي��وف��ي��ه حقـ ـ ًا‬

‫م��ع��اذ ال��ل��ه – ي���ا ع��ـ��ـ��ارف – معاذا‬

‫ل��ع��م��ـ��ـ��ـ��ـ��ري م���ا رأي��ـ��ـ��ـ��ت ل���ه مثيـ ـ ـ ـ ًال‬

‫����درب اجتذاذا‬ ‫َ��ج��ذُّ ال��ص��ع��بَ ف��ي ال ِ‬ ‫ي ُ‬

‫فبسـ ـ ـ ــمةُ ف��ي��ه��ـ��ـ��ـ ِ��ه دوم���� ًا علي ـ ـ ــهِ‬

‫ـول م��ا عن ـ ــهُ لِ ���واذا‬ ‫وص��ـ��ـ��دقُ القـ ـ ـ ِ‬

‫وأَ ْو َك��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��لَ أم��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ�� َر ُه ل��ل��ه دومـ ـ ـ ـ ًا‬

‫ـيطان ك���ان ق��د اسـ ـ ــتعاذا‬ ‫م��ن الشـ ِ‬

‫إذا ذُ كِ ������� َر ال����ك����رامُ غ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��دا مثا ًال‬

‫وك����ان بحلمـ ــهِ‬

‫الم ـ ــالذا‬

‫ب��ع��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ل ٍ��م ق���د ت��ح��ـ��ـ��ـ��ـ��ل��ى ث���م نهـ ـ ــج‬

‫��ب‪ ..‬ث���م مـ ــاذا‬ ‫وح��ـ��ـ��ـ��ـ ٍّ‬ ‫ـ�لاق ُ‬ ‫وأخ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ�� ٍ‬

‫وص����ار المن ـ ـ ـ ــهجَ ال��ب��ن��ا َء فينـ ــا‬

‫وم��رج��ـ��ـ��ـ�� َع ب��ح��ث��ن��ـ��ا‪ ..‬م��ط��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ر ًا رذاذا‬

‫��وف فيه‬ ‫��س ق��ب��لَ ال��ج��ـ��ـ ِ‬ ‫ُأع�����زِّي ال��ن��ف َ‬

‫����وف ن���ن���س���اهُ‪ ...‬مع ـ ـ ــاذا‬ ‫وه���ل ي��ا ج ُ‬

‫��س��كِ ��نُ��هُ جنانـ ـ ـ ـ ــا‬ ‫س��ـ��ـ��ـ��أل ُ��ت ال���ل��� َه يُ ْ‬

‫وي��ش��ـ��ـ��ـ��ـ��م��لُ ع��ف��ـ��ـ��وُ ُه ع��ب��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��د ًا كه ــذا‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫َله ـُ ـ ــمُ‬


‫م َ‬ ‫ف ّ‬ ‫عر‬ ‫س َ‬ ‫إلى روح أخي الدكتور عارف ُ‬ ‫ضي امل ِ ْ‬ ‫د‪ .‬عبدالبديع عراق‪ -‬القاهرة‬ ‫َ������ط������هْ ������رِ ال����نّ����ج����ـ����ومِ‬ ‫قَ�����ض����� ْي�����ـ�����تَ ن����ق���� ّي����ـ���� ًا ك ُ‬ ‫َرح������ـ������ي������لُ������ك أَدم���������ـ���������ى ق���������������را َر ال������ف������ـ������ؤادِ‬ ‫فَ�������م�������نْ ل����ل����ف����ق����ي����ـ����رِ ي�����زي�����ـ�����حُ ال�����هُ �����م�����ـ�����ومَ؟‬ ‫�����ك ال�����ق�����ي�����ـ�����ودَ؟‬ ‫ومَ ��������ـ��������نْ ل�����ل�����مُ �����عَ�����نّ�����ى يُ �����ف�����ـ ّ‬ ‫ومَ ��������������نْ ل�����ل�����ع�����ل�����ومِ يُ �����ب�����ي�����ـ�����نُ ال����م����ع����ان����ـ����ي؟‬ ‫ومَ ���������������نْ ل�����ل�����ص�����داق�����ة ي����س����ق����ي ف������روع������ـ������اً؟‬

‫��������ض��������وء ال�����قَ�����مَ �����ـ����� ْر‬ ‫����������ش����������ت رق������ي������ق������ ًا ك ُ‬ ‫و َِع ْ‬ ‫وش��������������لَّ ال���������ع���������ق���������ولَ ‪ ،‬وح�������������������ارتْ فِ ������ َك������ـ������ ْر‬ ‫����ف يُ ������ق������ي������لُ ال�����عَ����� َث�����ـ�����رْ؟‬ ‫ومَ ��������������نْ ل����ل����ض����ع����ي ِ‬ ‫وي�������� ْأس��������و ال����������ج����������راحَ‪ ،‬ي�������زي�������لُ ال�����خ�����طَ �����رْ؟‬ ‫�������ك ال����������رم����������وزَ‪ ،‬يُ �����ط�����ي�����ـ�����لُ ال����� ّنً�����ظَ �����ـ����� ْر‬ ‫ي�������فُ ُّ‬ ‫�����ص�����ح�����ـ�����اب ي��������������رُ ُّش ال���������زَّ ه���������رْ؟‬ ‫ومَ ��������������نْ ل�����ل ّ‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫أَ ٌ‬ ‫خ لم تَلِ ْده ُ أُمي‬

‫***‬ ‫حَ �����������فَ�����������رتَ ال�������ص�������خ�������و َر ب������ن������ي������تَ ال����ع����ـ��ل�ا ش������قَ������قْ ������تَ ط�����ري�����ق�����ـ����� ًا يُ ��������ـ��������دلُّ ال�����بَ�����شَ �����ـ����� ْر‬ ‫�����ع�����لْ�����م أِ ْح������ل������ى ال������������دُّ َر ْر‬ ‫������ص������لْ������تَ ف�����ي ال ِ‬ ‫وح����������������زْت ال����ف����خ����ار وحَ َّ‬ ‫���������ه���������رْتَ ال�����ل�����ي�����ال�����ي ُ‬ ‫س ِ‬ ‫������ظ������فَ������ ْر‬ ‫������اس ذُ خ����������ـ����������راً‪ ،‬وت��������ـ��������ا َج ال ّ‬ ‫�������ل ف������خ������ر ًا ول������ل������ن ِ‬ ‫وك�������ـ�������ان�������ت ح�������ي�������اتُ�������ك ل���ل���أه�������ـ ِ‬ ‫وك������������������انَ ج����������ه����������ادُ ك ح��������رب��������ا ض������ـ������روس������ ًا و َز َّي�������������ـ�������������نَ َد ْر ب���������ـَ���������ك‪َ :‬ك���������ـ���������رٌّ َوف���������ـَ��������� ّر‬ ‫�����اب وكُ ��������ن��������تَ ال�����ن�����ج�����يَ�����ب األص��������ي��������لَ األَغَ ��������ـ�������� ّر‬ ‫َ����������ت ل�����سَ �����عْ �����ي�����ك ك�����ـ�����ل ال�����ص�����ع�����ـ ِ‬ ‫ف����������دان ْ‬

‫***‬ ‫������س������يَ������ ْر‬ ‫أَخ������ان������ا ال����ح����ب����يَ����بَ ال�����ص�����دي�����قَ ال������ص������دوقَ رف�����ي�����ـ����� َع ال�����م�����ق�����ـ�����ام‪ ،‬حَ �����م�����ي�����ـ����� َد ال ّ َ‬ ‫ألث���������ـ��������� ْر‬ ‫������ص������ي������امِ ق�����ل�����ي�����ـ�����لَ ال��������ك��������ـ����ل���امِ ع�����م�����ي�����ـ�����ق ا َ‬ ‫������س������ج������ـ������ود ك�����ث�����ي����� َر ال ّ‬ ‫ط�������وي�������لَ ال ّ‬ ‫َ������ص������ ْر‬ ‫��������ض ال������ب َ‬ ‫�����ض ح�������ي�������ـ�������اءً ‪ ،‬ت��������غُ ُّ‬ ‫رح��������ي��������ـ�������� َم ال����������ف����������ـ����������ؤادِ ك����������ـ����������أ ّم ٍرؤومٍ ت�����ف�����ي�����ـ ُ‬ ‫������ان ع������ط������ـ������وف������ ًا َو َب��������ـ�������� ّر‬ ‫��������ف ال������ل������س������ـ ِ‬ ‫ن�������ق�������يَّ ال��������س��������ري��������رة ص������ـ������اف������ي ال����م����ح����ب����ة عَ ��������ـ َّ‬ ‫ْ������ف أوفِ ���������ـ���������ي؟ وأي��������ـ��������نَ ال�����م����� َف�����ـ�����رّ؟!‬ ‫����ث ف������كَ������ي َ‬ ‫أي��������ادي��������ـ��������ك كُ �����������ثْ�����������رٌ ‪ ،‬وخ���������ي���������رك غ����ي����ـ ٌ‬ ‫�����ف اص�����ط�����ـ�����ف�����اك ِط���������������والَ ال�����عُ �����مُ ����� ْر‬ ‫��������رف ق����ل����ب����ي وك�����ي�����ـ َ‬ ‫��������س��������ب��������ي ب�������أن�������ـ�������ك ت��������ع��������ـ ُ‬ ‫وح ْ‬ ‫�����ل عَ ������ َب������ـ������ ْر‬ ‫�����ف ج�����م�����ي�����ـ ٍ‬ ‫����ل���ا ب����ح����س����ـ����ب ال����س����ن����ي����ن وك�������ن�������ـ�������تَ ك�����ط�����ي�����ـ ٍ‬ ‫������ش������ن������ا ط��������وي ً‬ ‫وع ْ‬ ‫(‪)1‬‬ ‫�������ت نُ������������������ذُ ْر‬ ‫������ت خ�������وف������� ًا وشَ ������� َّب�������ـ ْ‬ ‫������س ُ‬ ‫وك���������ـ���������انَ ال��������������������وداعُ ح�����دي�����ث�����ـ����� ًا ق�����ص�����ي�����ر ًا ت������وج ْ‬ ‫���������������������ذت ب�����رب�����ي وص���������بَّ���������رت نَ��������فْ ��������س��������ي‪..‬وج��������اء ال������خَ ������بَ������ ْر‬ ‫ُ‬ ‫وغ���������ام���������ت ع�������ي�������ون�������ي‪ ،‬وعُ‬ ‫�������������������ت ال����������س����������ـ����������وا َد ب������ك������ـ������ل ات�������ج�������ـ�������اهٍ وهَ �������������������دَّ ك��������ي��������ان��������ي‪ ،‬وغ��������ام��������ـ��������ت ُص���������������� َو ْر‬ ‫ُ‬ ‫رأي‬ ‫�����ص�����ـ����� ْر‬ ‫أَح���������قّ ��������� ًا ف�����ق�����د ُت�����ـ�����ك؟ ي�����اوي�����ـ�����ح ن����ف����س����ي!! أح��������ق�������� ًا ي��������ك��������ونُ ال��������ف��������ـ��������راقُ ْان�����ت َ‬ ‫وح���������ـ���������مَّ ال���������قَ��������� َد ْر‬ ‫وم����������ا ك������������انَ ظَ ���������نّ���������ي‪ :‬ت�����غ�����ي�����ـُ�����ب وأَبْ��������ق��������ى ول�������ك�������نْ سَ �������ب�������ـ�������قْ �������تَ ‪ُ ..‬‬ ‫�����خ�����ض�����ـ�����رِ ال����م����ع����ان����ي ف������ح������ ّب������ـُ������ك ف����ي����ن����ـ����ا نَ������م������ـ������ا واس������تَ������ق������ـَ������ ّر‬ ‫س����ت����ب����ق����ى وت�����ح�����ي�����ا ب ُ‬ ‫����������رب أَمَ ����������ـ���������� ْر‬ ‫ّ‬ ‫ع�������������������زاءُ ف�������������������ؤادي وت���������ري���������ـ���������اق ح�����زن�����ي ب���������ـ���������أن ال�����������������ر ُّج�����������������و َع ل����������ـ‬ ‫��������د وف�����ي�����ه�����ـ�����ا نَ������ َه������ـ������ ْر‬ ‫������ات ُخ�������� ْل��������ـ ٍ‬ ‫����ب ب������ج������ن������ـ ِ‬ ‫وأنَ ال�����������ج�����������وا َر ج����������ـ����������وا َر ال����ح����ب����ي����ـ ِ‬ ‫�����س����� َف�����ـ����� ْر‬ ‫وأنّ����������������ا ج�����م�����ي�����ع�����ـ����� ًا س������ن������رحَ ������ـ������لُ ي�����وم�����ـ����� ًا ف������ه������ذا ال�����م�����ص�����ي�����رُ ط������ـ������ري������قُ ال َّ‬ ‫ْ������ع������ـ������ َم ال����م����قَ���� ّر‬ ‫س���������ـ����ل����ام ع������ل������ي������ـ������ك م�������ـ�������ع األن������ب������ي������ـ������اء م������ع ال�����ص�����ال�����ح�����ـ�����ي�����نَ ‪ ..‬ون ِ‬ ‫ال يوم األحد‪ ،‬وكان حديث الوداع!!‬ ‫(‪ )1‬هاتفني من المستشفي لي ً‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪31‬‬


‫َ‬ ‫سوف تغفو الشمس‬ ‫> مالك اخلالدي‬

‫ورحل والدنا وأديبنا الدكتور «عارف المسعر» بعد أن أفاضنا فكر ًا وعلم ًا وعطاءً ‪،‬‬ ‫له ن��زف حروفنا ودع��وات��ن��ا‪ ..‬فكم ده��قَ أرضنا بعطاءاته المتواترة‪ ،‬رحمك الله أبا‬ ‫عبدالسالم‪ ..‬ولروحك الطيبة قصيدتي هذه‪:‬‬ ‫أت��ي��ن��ا إل����ى ال���دن���ي���ا ع��ل��ى ح��زن��ن��ا ن َْحبوا‬

‫���ف أو نكبوا‬ ‫ن���ن���اج���ي أم���ان���ي���ن���ا ف���ن���ق���ط ُ‬

‫أت�����ي�����ن�����ا ي����غ����نّ����ي����ن����ا ال���������زم���������انُ ق����ص����ي����د ًة‬

‫ف���ن���ك���ب���رُ أزه������������ار ًا وف������ي ح���س���ن���ن���ا نصبوا‬

‫ل���ن���م�ل�أ ه�����ذي األرض م����ن ب���ع���د جدبها‬

‫ت����ران����ي���� َم ض�������وءٍ ث����م ف����ي دم���ع���ن���ا نخبوا‬

‫نعم س��وف تغفو الشمس م��ن بعد ضوئها‬

‫�����رب‬ ‫وي���ح���ض���ن���ه���ا ب����ع����د اس���ت���ط���ال���ت���ه���ا غ ُ‬

‫ب�������ذا ن����م����س����حُ ال����ن����ف����س ال���ك���ل���ي���م���ة كلما‬

‫القلب‬ ‫ُ‬ ‫ت������راوده������ا األح�����������زانُ أو ي����دم����عُ‬

‫ل��������ذك��������را ُه ت�����ن�����ث�����الُ ال����م����ع����ال����ي ح���ك���اي���ةً‬

‫���وف م���ن دم��ع��ه��ا ِس�����ر ُْب‬ ‫وف������وقَ م���آق���ي ال���ج ِ‬

‫وداع����������������� ًا أب����������ا ع������ب������دال������س���ل��امِ ف����إن����ن����ا‬

‫����ب‬ ‫����ش����هْ ُ‬ ‫س����ن����ذك����رُ أط����ي����اف���� ًا ت���ع���ان���ق���ه���ا ال ُ‬

‫وداع������������� ًا أب�������ا ع����ب����دال����س��ل�ام ف������أن������تَ في‬

‫�����رب‬ ‫������ك ال�����قُ ُ‬ ‫ت���ف���اص���ي���ل���ن���ا ت����ج����ري وي������ذرف َ‬

‫وداع�������������� ًا أب��������ا ع�����ب�����دال�����س��ل��ام وم��������ا خبا‬

‫ُس���م���ي���دع���ن���ا(‪ )1‬وال���ع���ل���م م���ن ف��ي��ض��هِ عقْ ُب‬

‫�����ك األي����������������امُ ف����ي����ن����ا م������ن������ار ًة‬ ‫س�����ت�����رس�����م َ‬

‫درب‬ ‫ف����أن����تَ ل���ب���اغ���ي ال���ف���ك���ر ي����ا وال��������دي ُ‬

‫أب��������ان��������ا أب����������ا ع������ب������دال������س���ل��ام ت����رك����ت����ن����ا‬

‫ف���غ���نّ���ى ل���ن���ا م����ن ب���ع���د م��ب��س��م��ك ال����ك����ر ُْب‬

‫������وض������اء ف���ي���ن���ا ول������م ي���زل‬ ‫���������ورك ال ّ‬ ‫َ‬ ‫ن���ع���م ن‬

‫���ب‬ ‫�������رف ل����ك����ن ف�����ق�����دُ وال�������دن�������ا ص���ع ُ‬ ‫ي�������رف ُ‬

‫����ارف‬ ‫����ن ك����ع ٍ‬ ‫وم������ن أي������ن ل���ل���ج���وف ال����ح����زي ِ‬

‫والشعب‬ ‫ُ‬ ‫ل�����ذا س�����وف ت��ب��ك��ي��ك ال����ح����ج����ار ُة‬

‫وداع��������� ًا ك����ري����م ال����ق����وم ي����ا ف���ي���ض جوفنا‬

‫����ب‬ ‫����خ ُ‬ ‫ف�����أن�����تَ ل����ك����ل ال���ع���اط���ش���ي���ن ه����ن����ا ن ْ‬

‫وداع������������� ًا ف����ق����د أت�������رع�������تَ أف�����ك�����ارن�����ا وك����م‬

‫����دب‬ ‫م���ح���ض���تَ ن���واح���ي���ن���ا ف����غ����ادرن����ا ال����ج ُ‬

‫���ك دائ���م��� ًا‬ ‫����وف ت���ه���ذي َ‬ ‫�������أرض ال����ج ِ‬ ‫ُ‬ ‫وداع�������� ًا ف‬

‫أرض ال�����ج�����زي�����رةِ وال������عُ ������ر ُْب‬ ‫وت���ت���ب���ع���ه���ا ُ‬

‫(‪ )1‬السميدع‪ :‬الكريم العزيز في قومه‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫اخليال األدبي واأليديولوجية العرقية‬ ‫> محمد مشبال *‬

‫ال شك أن إدراك النص األدبي بوصفه تجربة تحدث في‬ ‫العالم بعالقاته وصراعاته ورؤاه؛ أي النظر إليه بوصفه خطابا‬ ‫جماليا أيديولوجيا‪ ،‬أو تجربة جمالية تاريخية‪ ..‬يقتضي من‬ ‫الناقد األدب��ي أن يعيد النظر في مفهومي استقالل األدب‬ ‫واستقالل النقد األدبي‪ .‬لقد حملت دعوة الرومانسيين إلى‬ ‫أدب خال من الخطابة مدخال نحو تصور مثالي غير واقعي‬ ‫لمفهوم التجربة األدبية‪ ،‬ثم جاءت النظرية األدبية الحديثة‬ ‫مع الشكالنيين والبنيويين والنقاد الجدد وغيرهم‪ ،‬لترفع‬ ‫شعار «األدبية»‪ ..‬معلنة استقالل المقاربة األدبية عن بقية المقاربات «الخارجية»‪.‬‬ ‫كانت الغاية تحويل النقد األدب��ي إلى‬ ‫علم ذي موضوع مستقل؛ فالناقد مطالب‬

‫عن بالغة النص الروائي‬ ‫ربما كان من األنسب القول في سياق‬

‫ب��ال��ت��ح��ول إل���ى ع��ال��م ي��ك��ت��ش��ف القوانين‬

‫تأمل تصورات ما يسمى بالنقد الثقافي‪،‬‬

‫والنتيجة الطبيعية لذلك إسقاط الوظيفة‬

‫واإلثني‪-‬وهو اإلطار النقدي الواسع الذي‬

‫وال���ب���ن���ي���ات؛ وع��ل��ي��ه ف���ي ه����ذه ال���ح���ال أن ون���ق���اد م���ا ب��ع��د االس��ت��ع��م��ار وال���دراس���ات‬ ‫يتخلى ع��ن ذات���ه ال��وج��دان��ي��ة والتاريخية‪ ،‬األف��ري��ق��ي��ة األم��ري��ك��ي��ة‪ ،‬وال��ن��ق��د النسائي‬ ‫االجتماعية واأليديولوجية للناقد األدبي‬

‫يمكن أن نضع فيه مقاربة طوني موريسون‬

‫أو التقييم الجمالي للنص األدبي‪.‬‬

‫العصور الكالسية حتى اليوم‪ ،‬لم يقم‪-‬في‬

‫الذي سينحصر دوره في التوصيف التقني‪ ،‬للرواية األمريكية(‪ - )1‬إن تطور األدب منذ‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪33‬‬


‫ال��واق��ع الفعلي‪ -‬على االن��س�لاخ التدريجي عن‬ ‫األيديولوجيا‪ ،‬بقدر ما قام على حذق كتاب األدب‬ ‫في إخفائها‪ ،‬وإيهام القراء بأنهم غير مرتبطين‬ ‫بظروفهم المباشرة‪ ،‬أو بأنهم ال يحملون أهدافا‬ ‫عملية‪ ،‬وال يخدمون أغراضا معينة‪.‬‬

‫تأثير عملي في المتلقي‪ .‬باختصار تلتقي البالغة‬ ‫اليوم بمعظم األفكار التي يمكن أن نجدها عند‬ ‫باحث في األدب والثقافة‪ ..‬مثل إدوارد سعيد‬ ‫الذي يصنف اليوم بوصفه أحد رواد الدراسات‬ ‫الثقافية ونقد ما بعد االستعمار‪ ،‬على نحو ما‬ ‫تلتقي بنمط المقاربة التي تقترحها علينا طوني‬ ‫موريسون في كتابها المشار إليه‪.‬‬

‫ب��اخ��ت��ص��ار‪ ،‬ق���ام م��ف��ه��وم األدب م��ن��ذ صعود‬ ‫الرومانسيين حتى ال��ي��وم على وه��م استقالل‬ ‫(‪)1‬‬ ‫يمكننا اآلن تقديم أبرز هذه األفكار التي ال‬ ‫العمل األدبي عن ظروفه التاريخية واالجتماعية‬ ‫والسياسية‪ ،‬ثم ب��د ذلك استقالله عن صاحبه‪ ،‬نراها غريبة عن التصور البالغي للنص‪:‬‬ ‫وقد ترسخ هذا الوهم مع تصاعد حركات أدبية‬ ‫م��وض��وع النقد ليس ال��ن��ص األدب���ي بوصفه‬ ‫ال جماليا أو بنية شكلية‪ ،‬وليس أيضا النص‬ ‫ونقدية‪ ،‬ترفع شعار الفن للفن‪ ،‬أو االكتفاء في شك ً‬ ‫دراسة العمل األدبي بما يصنع أدبيته‪.‬‬ ‫األدبي بوصفه نسيجاً من النصوص المتداخلة‪،‬‬ ‫وال ش���ك أن ش��ي��وع م��ث��ل ه����ذه التصورات ولكنه النص األدب���ي بوصفه خطابا أو تمثيال‬ ‫واالتجاهات النقدية في النظرية األدبية الحديثة‪ ،‬ثقافيا‪.‬‬

‫ك���ان أح���د األس���ب���اب ال��ت��ي أس��ه��م��ت ف��ي تقلص‬ ‫البالغة بمفهومها الشامل للخطاب‪ ،‬وتحولها‬ ‫إل��ى مجال ضيق خ��اص بدراسة األس��ل��وب‪ .‬ولم‬ ‫تستعد البالغة حيويتها وقدرتها على النظر إلى‬ ‫النص بوصفه خطابا تواصليا فعاال وليس نظاما‬ ‫داخليا منغلقا على ذاته‪ ،‬إال مع إنجازات النظرية‬ ‫اللسانية التداولية‪ ،‬ونظرية الحجاج باتجاهاتها‬ ‫وظيفة الناقد تحليل الخطاب ونقده‪ ،‬وذلك‬ ‫المختلفة‪ ،‬وتراجع البنيوية أمام صعود ما بات‬ ‫ب��رب��ط��ه ب��ال��س��ي��اق��ات ال��ت��اري��خ��ي��ة والخطابات‬ ‫يعرف بما بعد البنيوية التي استفاد منها نقاد ما‬ ‫األيديولوجية واألنساق الثقافية؛ أي وضعه في‬ ‫بعد االستعمار‪ ..‬في صياغة أفكارهم عن النص‬ ‫العالم ال��دن��ي��وي ال��ذي ص��در عنه وتشكل فيه‪،‬‬ ‫األدبي‪.‬‬ ‫بدل االعتكاف على دراسة أدبيته التي قد توحي‬ ‫تملك البالغة اليوم كل ال��ظ��روف المالئمة بانعزاله أو باستقالله وربما بإنسانيته وبراءته‬ ‫ل�لإس��ه��ام ف��ي ب��ن��اء ت��ص��ور ع��ن ال��ن��ص األدب����ي‪ ،‬وروحانيته‪ .‬الناقد مطالب إذن بالتعامل مع النص‬ ‫ينسجم مع التصورات واالتجاهات النقدية التي األدب���ي على أس���اس وظيفيته؛ أي توجهه إلى‬ ‫نادت بضرورة إرجاع هذا النص إلى سياقه الذي المتلقي‪ ،‬للتأثير الفعلي فيه وتشكيل معتقداته‪،‬‬ ‫انبثق عنه‪ ،‬والنظر إليه بوصفه خطابا ال يكتفي وليس مجرد نظام أو بناء جمالي محكم‪ ،‬يعيد‬ ‫بوصف العالم وتصويره‪ ،‬ولكنه يروم أيضا إحداث تمثيل ال��ع��ال��م إلن��ت��اج دالالت غ��ي��ر م��ح��ددة وال‬ ‫ي��رت��ب��ط ال��ن��ص األدب����ي بمناسبته وبظروفه‬ ‫التاريخية والسياسية‪ ،‬وبالكاتب وبالثقافة‪ .‬إنه‬ ‫باختصار يحيل إلى الواقع وإلى العالم‪ ،‬وال يمكن‬ ‫تصوره مكتفيا بذاته مهما سلَّمنا بوجود سياق‬ ‫داخ��ل��ي يصطنعه األدب وي��م��ي��زه ع��ن الخطاب‬ ‫اليومي‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫لقد صغت هذه األفكار باختصار ألجل التنبيه‬ ‫إل��ى العالئق القائمة بين مثل ه��ذه التصورات‪،‬‬ ‫وب��ي��ن ال��م��ق��ارب��ة ال��ب�لاغ��ي��ة ع��ل��ى ن��ح��و م��ا أعيد‬ ‫صياغتها‪ ..‬في ظل إنجازات النقد األيديولوجي‪،‬‬ ‫والنظرية التداولية‪ ،‬ونظرية الحجاج وغيرها‬ ‫من االتجاهات اللسانية والنقدية والفلسفية‪.‬‬ ‫فالنظرية البالغية اليوم‪ ،‬تسمح بتصور للنص‬ ‫األدبي‪ ،‬يعيد له روابطه الحية مع السياق الذي‬ ‫أنشئ فيه‪( :‬في أي زمن كتب؟ وفي أي مكان؟ وما‬ ‫هي مناسبة القول وظروفه؟ وما هو النوع الذي‬ ‫ينتمي إليه النص؟)‪ ،‬ومع قائله‪( :‬من هو صاحب‬ ‫النص؟ ما هي صفاته ومواقفه وجنسه وجنسيته‬ ‫وأيديولوجيته‪ ..‬وغيرها من الخصائص المرتبطة‬ ‫بكاتب النص)‪ ،‬ومع المخاطَ ب الذي يتوجه إليه‬ ‫(من هو المتلقي المقصود في النص؟ وما هي‬ ‫خصائصه وصفاته والمقومات المحددة له؟ وما‬ ‫هي االنفعاالت واألهواء التي يراد استثارتها فيه؟‬ ‫وما هي المواقف والمعتقدات التي يسعى النص‬ ‫إلى تثبيتها أو تغييرها عنده؟)‪.‬‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫نهائية‪ .‬فهذا الفهم يلغي مبدأ ارت��ب��اط النص وتأثيره ف��ي المتلقي‪ .‬إنها غير معنية بوصف‬ ‫األدب���ي ب��ال��واق��ع‪ ،‬ويحيله إل��ى عالمه الداخلي الوسائل األسلوبية والسردية والشعرية للنص‪ ،‬أو‬ ‫المكتفي ب��ذات��ه‪ .‬إن ال��ن��ق��د م��ط��ال��ب ك��م��ا يقول بتأويل معانيه الجمالية واإلنسانية‪ ،‬ولكنها معنية‬ ‫إدوارد سعيد ب��أن يجعل م��وض��وع��ه النصوص في المقام األول بالكشف عن مقاصده أو معانيه‬ ‫في دنيويتها‪ ،‬أو في ارتباطها بمفهومات القوة التداولية‪ ..‬التي ي��روم بها إح��داث أث��ر خارجي‬ ‫والسلطة والتملك وفرض الهيمنة‪ ،‬وما تستدعيه وفعلي‪ .‬إن العمل الذي يقوم به البالغي ينبغي أن‬ ‫م��ن أش��ك��ال ال��ص��راع وال��م��ق��اوم��ة‪ .‬وباختصار‪ ..‬تتحكم فيه إستراتيجية مفادها أن كل ما يتقوم به‬ ‫فالنقد مطالب بالكشف عن الوظيفة الثقافية النص هو في خدمة أغراض تداولية وحجاجية؛‬ ‫واأليديولوجية للنصوص األدبية‪ ،‬بدل العكوف فالبالغة ليست في النهاية سوى تأويل قائم على‬ ‫على فحص قيمه الجمالية‪.‬‬ ‫(‪.)3‬‬ ‫مبدأ المقاصد‬ ‫تلتقي المقاربة البالغية‪ ،‬إذاً‪ ،‬في اتجاهها‬

‫الذي أشرت إليه‪ ،‬مع األفكار النقدية التي نادى‬ ‫بها إدوارد س��ع��ي��د‪ ..‬ألج��ل تشييد وع��ي نقدي‬

‫مغاير للخطاب النقدي الحداثي الذي قاد إلى‬ ‫عزل النص عن عالمه‪ ،‬وحوّله إلى مجموعة من‬ ‫البنيات واألساليب‪ ،‬على نحو ما تلتقي مع مقاربة‬

‫طوني موريسون التي سعت إلى الكشف عن تأثير‬ ‫األيديولوجية العرقية في خيال الكتّاب البيض‪.‬‬

‫لقد حدث هذا التالقي على الرغم من التباين‬ ‫القائم بين السياقين المعرفيين واأليديولوجيين‪..‬‬

‫لكل م��ن النظرية البالغية‪ ،‬ون��ظ��ري��ات م��ا بعد‬

‫االستعمار أو النقد النسوي أو اإلثني‪.‬‬

‫وإذا كان الغرض هنا ليس الخوض في أوجه‬

‫التشابه واالختالف بين هذه المقاربات‪ ،‬ولكن‬ ‫ال��غ��رض ال��ق��ول إن المقاربة البالغية تملك ما‬ ‫يمكنها أن تقدمه ف��ي م��ج��ال ت��أوي��ل النصوص‬

‫األدبية وإثبات محتواها األيديولوجي‪ ،‬بل والحوار‬

‫معها والكشف عن مغالطاتها أو ثغراتها‪ .‬وهي‬

‫ق��وام المقاربة البالغية التعامل م��ع النص تملك ذل��ك ليس بسبب إطارها النظري فقط‪،‬‬ ‫األدبي بوصفه حدثا تواصليا أو أيديولوجيا؛ أي ولكن بسبب ما يسمح به التفاعل مع النصوص‬ ‫إنها تدعونا إلى تحليل النص من زاوية فعاليته عادة من حرية وإبداع‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪35‬‬


‫بالغة الرواية أو تالزم التصوير‬ ‫واأليديولوجية‪.‬‬

‫وتجربة يتوجه إلى نص مرتبط بسياق تاريخي‬

‫وبمؤلف ذي رؤية وأيديولوجية‪ .‬فمن البدهي إذاً‬

‫ال تخفي طوني موريسون أن مقاربتها قامت أن تهتم ناقدة زنجية بتأمل صورتها‪ ،‬أو صورة‬ ‫على «رسم خريطة للجغرافية النقدية واستعمالها األف��ارق��ة األمريكيين ف��ي األدب ال���ذي صاغه‬ ‫لالكتشاف والمغامرة الفكرية والفحص الدقيق»؛ الكتّاب البيض‪ ،‬بدل أن تنصرف إلى دراسة أدبية‬ ‫فال يوجد في كتابها منهج نقدي محدد‪ ،‬بقدر خالصة تعيد فيها إنتاج أسئلة النقد والنظرية‬ ‫ما توجد مساحة من اإلبداع النقدي‪ .‬وتروي لنا األدبية‪ ،‬أو أن تقتصر على دراس��ة شكلية ذات‬ ‫الكاتبة في المقدمة قصة اهتدائها إلى الموضوع نزعة علمية موضوعية‪.‬‬ ‫النقدي الذي تعالجه في كتابها‪ ،‬وهو ما أثبتت‬ ‫لقد أظهرت مقاربة طوني موريسون أن الناقد‬ ‫به أن التفكير النقدي ال يتولد بالضرورة من ل��ي��س م��ج��رد ذخ��ي��رة م��ن ال��ن��ص��وص األدب��ي��ة أو‬ ‫أسئلة نظرية جاهزة‪ ،‬بقدر ما يمكن أن يتولد األدوات النقدية المكتسبة‪ ،‬ولكنه ذات‪ ،‬وتجربة‬ ‫م��ن معايشة ال��ن��ص��وص األدب��ي��ة وإدم����ان النظر تاريخية‪ .‬إن القارئ غير األوربي وغير األمريكي‬ ‫فيها‪ ،‬ومن معايشة قضية اجتماعية أو عرقية أو للرواية األوربية والرواية األمريكية‪ ،‬بما يمتلكه‬ ‫سياسية أو إنسانية‪.‬‬ ‫م��ن سياق مغاير مطبوع باالضطهاد والتمييز‬

‫وال ش��ك أن ت��واص�لا إن��س��ان��ي��ا م��ع األعمال واإلقصاء‪ ،‬يستطيع أن يرى في التراث الروائي‬ ‫األدبية‪ ،‬ال يمكنه إال أن يفضي إلى هذا النمط ما تجاهله القارئ األوربي أو األمريكي؛ يستطيع‬ ‫من المقاربة التي يمتزج فيها ما هو أدب��ي بما كما ق��ال إدوارد سعيد أن يستخلص «م��ا هو‬ ‫هو أيديولوجي أو ثقافي‪ .‬فالناقد بوصفه ذاتاً صامت أو موجود هامشيا أو مقموع عقائديا‪..‬‬

‫‪36‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫األمريكي‪ .‬وفي هذا السياق‪ ،‬وصف إدوارد سعيد‬ ‫كتاب موريسون بأنه تميز بالقدرة الرائعة والدقيقة‬ ‫على «إق��ام��ة تكامل بين ال��ت��ج��ارب والنقاشات‬ ‫األدبية التي لطالما تخلت عن تلك التجارب دون‬ ‫أن تعترف بها»‪ .‬وعلى الرغم من أن الباحث يؤكد‬ ‫ما أثبتته الكاتبة في قولها إن مشروعها هو «نتاج‬ ‫ما أعرفه عن طرق الكتاب في تحويل مظاهر‬ ‫خلفيتهم االجتماعية إلى مظاهر اللغة»‪ ،‬إال أنه‬ ‫يرى أن التركيز في كتابها ليس على مظاهر اللغة‬ ‫«بقدر ما هو على الخلفية االجتماعية التي تولد‬

‫على الرغم من إيمان الباحثة بأن األيديولوجية‬ ‫العرقية تؤثر سلبا في البناء ال��روائ��ي‪ ،‬وه��و ما‬ ‫كشفت عنه بدقة في تحليلها لرواية ويال كاثر‬ ‫«س��اف��ي��را واآلم�����ة»‪ ،‬إال أن اهتمامها األساس‬ ‫ف��ي ه��ذا الكتاب ل��م ينحصر ف��ي ه��ذا اإلشكال‬ ‫الجمالي‪ ،‬كما أن��ه لم ينحصر في الكشف عن‬ ‫دونية السود في الرواية األمريكية‪ ..‬وحضورهم‬ ‫النادر والثانوي‪ ،‬بل اتسع ليشمل االهتمام برؤية‬ ‫ما تحدثه األيديولوجية العرقية في ذهن األسياد‬ ‫وخيالهم وسلوكهم‪ ،‬وذلك بواسطة تأملها في صيغ‬

‫ولعل هذا ما اضطلعت به الكاتبة في مقاربتها‬ ‫للرواية األمريكية‪ .‬لم تقرأ الباحثة هذه الرواية‬ ‫معتمدة على كفايتها األدب��ي��ة بوصفها أستاذة‬ ‫لألدب‪ ..‬أو كاتبة روائية ذات خبرة بأسرار اإلبداع‬ ‫الروائي فقط‪ ،‬ولكنها قرأتها بوصفها ذاتاً أنثوية‬ ‫إفريقية أمريكية‪ .‬لقد فتح ه��ذا السياق أمام‬ ‫عينيها كنوزا في الرواية األمريكية لم يكتشفها‬ ‫النقاد من قبل‪ .‬تقول في خاتمة كتابها بشكل‬ ‫وال���ح���ق أن ت��ح��دي��ده��ا ل��م��وض��وع مقاربتها‬ ‫مجازي ال يخلو من سخرية‪« :‬إننا نحرم جميعا‪،‬‬ ‫قراء وكتابا‪ ،‬عندما يظل النقد في غاية التهذيب النقدية في التأويل األدبي للحضور األفريقانية‬ ‫والفزع بحيث ال يالحظ الظلمة الممزقة أمام ف���ي ال���رواي���ة األم��ري��ك��ي��ة‪ ،‬وض��ع��ه��ا ب��م��ع��زل عن‬ ‫الخطاب األيديولوجي المباشر‪ .‬تقول‪« :‬أعتقد‬ ‫عينيه»‪.‬‬ ‫إن م��زي��ة م��ق��ارب��ة ط��ون��ي م���وري���س���ون‪ ..‬هي أن الدراسات عن األفريقانية األمريكية ينبغي أن‬ ‫أنها لم تقتصر على وضع األعمال األدبية في تكون تحريات عن الطرق التي يُبنى بها ويبتدع‬ ‫سياق التجربة التاريخية لعالقة البيض بالسود الحضور األفريقاني والشخوص األفريقانية غير‬ ‫في المجتمع األمريكي‪ ،‬ولم تتوغل في مقاربة البيضاء في ال��والي��ات المتحدة‪ ،‬كما ينبغي أن‬ ‫جمالية تقنية تنسيها وظيفتها بوصفها زنجية تكون تحريات عن االستخدامات األدب��ي��ة التي‬ ‫وأنثى‪ .‬هذا التوازن بين مطالب المقاربة األدبية نهض عليها هذا الحضور المبتدع‪ .‬وال أقصد‬ ‫ومطالب ال���ذات الجنسية وال��ت��اري��خ��ي��ة‪ ،‬ه��و ما ب��أي شكل التحري عما يمكن أن يسمى األدب‬ ‫يميز طبيعة النقد الذي مارسته موريسون على العنصري واألدب الالعنصري‪ ،‬وال أتخذ موقفا‬ ‫أعمال قصصية وروائية معتمَدة في تاريخ األدب منهما»‪.‬‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫وتوسيعه وتأكيده‪ ،‬واإلفصاح عنه»‪.‬‬

‫التواءات وتشوهات في اللغة»‪ .‬وإذا كان إدوارد‬ ‫سعيد ي��ق��رأ ك��ت��اب م��وري��س��ون ف��ي س��ي��اق نقده‬ ‫لالتجاهات األدبية الشكلية‪ ،‬ودعوته إلى التخلي‬ ‫عنها ف��ي ال��م��م��ارس��ة ال��ن��ق��دي��ة؛ ف���إن موريسون‬ ‫نفسها أك��دت أنها ال تقتصر في مقاربتها على‬ ‫أدوات النقد األدبي‪ ،‬على الرغم من حديثها عما‬ ‫يبدو توجها جماليا في مقاربتها‪ ،‬عندما أشارت‬ ‫إلى انجذابها إلى «الطرق التي يسلكها الكتاب‬ ‫في التخييل» وفي تصوير شخصياتهم‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪37‬‬


‫هذا الحضور ودالالته التخييلية واأليديولوجية‪.‬‬ ‫هذا التأمل الذي أرادت به أن ترد على المباالة‬ ‫النقاد وتغافلهم عن حضور السود في األعمال‬ ‫الروائية التقليدية المعترف بها‪ .‬إن��ه الحضور‬ ‫ال���ذي ش��ك��ل أس��اس��ا لتحديد خ��ص��ائ��ص األدب‬ ‫األمريكي والشخصية األمريكية‪.‬‬

‫ل���ق���د ت�����ج�����اوزت م����وري����س����ون ف����ي قراءتها‬

‫إستراتيجية فحص ال��ح��ض��ور ال��ث��ان��وي للسود‬

‫والسواد في الرواية األمريكية‪ ،‬أو وصف صوره‬ ‫السلبية بمفهومها الجمالي أو األيديولوجي معا‪،‬‬

‫إلى الكشف عن وظيفته في بناء العمل الروائي‬ ‫وأيديولوجيته‪ ،‬أو الكشف عن اإلستراتيجيات‬

‫تقول الباحثة‪« :‬لقد كانت افتراضاتي المبكرة ال��ل��غ��وي��ة واألدب���ي���ة ال��ت��ي ي��ع��ده��ا ال��ك��ت��اب عندما‬ ‫بوصفي قارئة‪ ،‬تقوم على أن السود ال يعنون سوى يتخيلون اآلخر‪ ،‬األفريقاني؛ تقول‪« :‬لقد اعتنيت‬ ‫الشيء القليل‪ ،‬أو ال يعنون شيئا في خيال الكتاب منذ وقت طويل بالطريقة التي يلهب بها السود‬ ‫األمريكيين البيض‪ .‬ف���إذا استثنينا حضورهم اللحظات الحاسمة لالكتشاف والتحول والتأكيد‬ ‫بوصفهم هدفا لنوبة عارضة من حمى المالريا‪ ،‬ف��ي األدب ال��ذي ل��م يتولوا كتابته‪« .‬فقد شكَّل‬ ‫وكونهم يوفرون اللون المحلي‪ ،‬أو يضفون بعض هذا الحضور في عديد من النصوص الروائية‬ ‫ل��م��س��ات ال��ص��دق (أو االح��ت��م��ال)‪ ،‬أو يشبعون والقصصية التي وقفت عليها الباحثة وظيفة‬ ‫الحاجة إلى إيماءة أخالقية‪ ،‬وإلى الظرف‪ ،‬وإلى‬ ‫تخييلية حاسمة‪ ،‬بل ووظيفة أيديولوجية تمثلت‬ ‫شيء من الشفقة‪ ،‬فال حضور لهم عدا ذلك على‬ ‫في أن تحديد الرجل األمريكي األبيض لهويته كان‬ ‫وجه اإلطالق‪ .‬لقد اعتقدت أن هذا كان انعكاسا‬ ‫يتوقف على هذا الحضور األسود‪ .‬فهذا الرجل ال‬ ‫لتأثير السود الهامشي في حياة شخوص العمل‬ ‫يصبح ذاتاً حرة ومحبوبة وقوية وتاريخية وبريئة‪،‬‬ ‫األدبي‪ ،‬وفي الخيال اإلبداعي للكاتب أيضا‪.‬‬ ‫إال بافتراض وجود هذا الحضور األسود‪ .‬فهاري‬ ‫غير أنني توقفت بعد ذلك عن القراءة بوصفي‬ ‫ف��ي رواي����ة هيمنغواي «أن تملك أوال تملك»‪،‬‬ ‫قارئة‪ ،‬ألستأنفها بوصفي كاتبة‪ ..‬لقد بدأت أرى‬ ‫يكتسب ق��وت��ه وف��ح��ول��ت��ه وش��ج��اع��ت��ه وقانونيته‬ ‫كيف يتصرف األدب الذي حظي بتقديري واألدب‬ ‫وتفوقه وحريته وأخالقيته بالمقارنة مع الزنجي‪.‬‬ ‫الذي اشمأززت منه‪ ،‬في اصطدامه باأليديولوجية‬ ‫فقد كشفت الباحثة عن أهمية إقامة االختالف‪،‬‬ ‫العرقية‪ ،‬ولم يكن لألدب األمريكي سبيل لتحاشي‬ ‫وت��أم��ل ف��ق��دان��ه ف��ي تحديد س��م��ات الشخصية‬ ‫هذا الصدام الذي حدد شكله‪ .‬نعم‪ ،‬لقد توخيت‬ ‫ال��ب��ي��ض��اء ف��ي ه���ذه ال���رواي���ة؛ ف��ف��ي م��ش��ه��د من‬ ‫تشخيص تلك ال��ل��ح��ظ��ات‪ ..‬عندما ك��ان األدب‬ ‫األمريكي شريكا في جريمة صناعة العنصرية‪ ،‬الرواية‪ ،‬يصور الكاتب كيف أن الحضور األسود‬ ‫غير أنني توخيت بقدر مماثل من األهمية أن من خالل الكالم الذي أس َّر به زنجي إلى ماري‬ ‫أرى األدب عندما يتولى تسفيهها والنيل منها‪ .‬زوجة ه��اري‪ ..‬بينما كان يتمشيان في الحديقة‬ ‫والحق أن ه��ذه الشواغل لم تمثل شيئا ذا بال العامة بهافانا‪ ،‬شكَّل حضورا عدوانيا نتج عنه‬ ‫بالقياس إلى األهمية التي خصصناها لتأمل دور رغبة ماري في تبييض شعرها‪ ،‬وما أحدثه ذلك‬ ‫الشخوص األفريقانية والسرد واللغة في تحريك في نفسَ يِّ الزوجين من إثارة جنسية‪« .‬يرد ذكر‬ ‫النص وإغنائه بطرق واعية بذاتها»‪.‬‬ ‫هذه الرغبة الجنسية في أعقاب مشهد االقتحام‬

‫‪38‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫أن «األفريقانية تستخدم بوصفها تقنية روائية اآلتية‪:‬‬

‫جوهرية في بناء الشخصية»؛ فالشخص األبيض (أ) النقد عند طوني موريسون ذو وظيفة ثقافية‬ ‫المتفوق والقانوني والفحل سمات يدركها القارئ أو أيديولوجية بقدر ما هو ذو وظيفة جمالية‪.‬‬

‫بواسطة المقارنة التي يجريها النص مع شخص فهي لم تتص َد لنصوص الرواية األمريكية إلظهار‬ ‫أس��ود مشوه السمعة‪ ،‬وعلى ه��ذا النحو –كما قيمتها الجمالية‪ ،‬ولكنها تصدت لها للدفاع عن‬ ‫تقول الباحثة‪« -‬ل��م تصبح األفريقانية وسيلة ذاتها وتاريخها وإنسانيتها بوصفها أنثى وزنجية؛‬ ‫ل��ع��رض السلطة ف��ق��ط‪ ،‬ولكنها ف��ي واق���ع األمر فقد استطاعت أن تثبت أن حضور السود في‬

‫تشكل مصدرا لها»‪.‬‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫الجنسي من قبل الرجل األس��ود»‪ ،‬وهو ما يعني األم��ري��ك��ي��ة ب���اإلش���ارة إل���ى م��رت��ك��زات��ه��ا النقدية‬

‫نصوص هذه الرواية –على الرغم من أنه حضور‬

‫لقد انتهت الباحثة في تأملها وتحليلها لصور مقهور‪ -‬ض��روري وم�لازم لتحديد هوية الذات‬ ‫السواد أو ما تسميه باألفريقانية‪ ،‬إلى أن تصوير األمريكية وسماتها‪ .‬من هنا‪ ،‬جاز لنا القول إن‬

‫الشخصية األفريقانية لم يكن إال وسيلة لتأمل أدوات النقد األدب��ي الجمالي التي استخدمتها‬ ‫الشخصية األمريكية في ذاتها؛ فإذا كانت صور الباحثة سواء في الكشف عن عيوب البناء الفني‬

‫ال��س��واد «حاملة لكل صفات ال���ذات المناقضة في بعض ال��رواي��ات‪ ،‬أو في وصفها لجملة من‬ ‫اإلستراتيجيات اللغوية واألدب��ي��ة كاالستبدال‬ ‫لذاتها»؛ «شريرة ووقائية‪ ،‬متمردة ومتسامحة‪،‬‬ ‫الكنائي‪ ،‬والتمثيل المجازي‪ ،‬والقوالب الجاهزة‪،‬‬ ‫مخيفة ومرعبة»‪ ،‬فإن البياض في خيال الكتاب‬ ‫والتكثيف الميتافيزيقي‪ ،‬وال��ت��ق��دي��س األعمى‬ ‫األمريكيين ال يدل في ذاته وفي وضعه المنفرد‬ ‫لألشياء‪ ،‬وأنماط اللغة المتفجرة وغيرها‪ ،‬أو في‬ ‫أو المعزول إال «على الشيء الصامت ال��ذي ال‬ ‫تأويلها لبعض صور الرواية من مجازات وأفعال‬ ‫معنى ل��ه وال يمكن أن يسبر غ��وره وب�لا هدف‬ ‫وشخصيات وغيرها من مكونات العمل الروائي‪،‬‬ ‫ومتجمد ومحجب ومستور وم��ف��زوع وب�لا حس‬ ‫لم تكن مسخرة لغاية نقدية أو جمالية‪ ،‬بقدر‬ ‫وغير متسامح»‪.‬‬ ‫ما كانت وظيفتها إبراز الفكرة التي تدافع عنها‬ ‫ب��اخ��ت��ص��ار إن م��ف��ه��وم ال������ذات األمريكية الباحثة في كتابها‪ ،‬وهي أهمية حضور السود‬ ‫وخصائصها مرتبطان باألفريقانية؛ فبواسطتها في الخيال األدب��ي‪ .‬لقد كانت الوظيفة النقدية‬ ‫تدرك حريتها وقوتها وتاريخيتها وبراءتها‪ .‬ولم األدبية في مقاربة موريسون في خدمة الوظيفة‬ ‫تصبح موضوعات االستقاللية والسلطة والجدة الثقافية واأليديولوجية التي تشكل ج��زءا من‬ ‫واالختالف والقوة المطلقة ممكنة ومشكَّلة في ذاتها وهويتها األفريقية األمريكية‪.‬‬ ‫األدب األمريكي إال بواسطة أفريقانية توحي‬

‫بالعراء والوحشية؛ هذه األفريقانية التي كانت‬

‫ميدانا «لبناء الهوية األمريكية الجوهرية»‪.‬‬

‫(ب) األع��م��ال األدب��ي��ة ف��ي ض��وء ه��ذه المقاربة‬

‫مجال للتواصل اإلنساني بأوسع معانيه وأغناها‪.‬‬

‫ولما كانت األعمال الروائية التي قامت الكاتبة‬

‫يمكننا فهم مقاربة طوني موريسون للرواية بتأويلها‪ ،‬ميدانا لعرض السلطة والقوة والتملك‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪39‬‬


‫واإلقصاء؛ فإن وظيفة النقد في مثل هذه الحال‬ ‫التصدي لهذه األعمال والكشف عن أيديولوجيتها‬

‫ومقاومتها‪.‬‬

‫(ج) النص ال��روائ��ي عند طوني موريسون ليس‬

‫شكال منغلقا‪ ،‬أو بناء جماليا يمكن توصيفه في‬ ‫عالمه الداخلي‪ ،‬والكشف عن معانيه اإلنسانية‬

‫توضيح أن النقد األدبي في تعاطيه النصوص‬ ‫األدبية‪ ..‬بوصفها مجموعة من األساليب‪ ،‬أو‬ ‫سلسلة من الصور والتقنيات‪ ،‬أو باعتبار قيمتها‬ ‫الجمالية‪ ،‬دون ال��ت��س��اؤل ع��ن معناها‪ ،‬وعن‬ ‫وج��وده��ا في العالم‪ ،‬وع��ن عالقتها بالتجربة‬ ‫اإلنسانية والتاريخية‪ ،‬ال يمكن أن يفضي سوى‬

‫المحتملة‪ ،‬وعن أساليبه وتقنياته الغنية‪ ،‬ولكنه‬ ‫خطاب عن اإلن��س��ان في فضاء جغرافي معين إل��ى خطاب تقني يحتفي ب���األدوات‪ ..‬ويرسخ‬ ‫ومرحلة تاريخية؛ فقراءتها للرواية األمريكية المفاهيم النظرية المفيدة ف��ي م��ج��ال بناء‬ ‫بقدر ما قامت على فحص اإلمكانات التعبيرية‬ ‫للنصوص‪ ،‬قامت أيضا على استثمار التجربة‬

‫التاريخية للمجتمع األمريكي القائم على التمييز‬ ‫العرقي‪ .‬ألج��ل ذل��ك انصب تحليلها للنصوص���

‫المعرفة والعلم‪ .‬ولئن كان هذا النقد هو الذي‬ ‫ساد منذ صعود االتجاهات العلمية في النظرية‬ ‫األدبية المعاصرة؛ فإن صعود اتجاهات نقدية‬ ‫ونصية مخالفة في النظرية األدبية األوربية‬

‫ال��روائ��ي��ة بوصفها خ��ط��اب��ات م��ت��ورط��ة ف��ي هذه‬ ‫التجربة‪ ،‬غير أنها لم تحصر هذا التحليل في وغير األوربية‪ ،‬أعادت إلى الواجهة الحديث عن‬ ‫الكشف عن صور القهر والدونية التي أسبغها النص بوصفه تجربة إنسانية أو تاريخية‪ .‬من‬ ‫خيال الكتاب على السود أو األفارقة األمريكيين‪ ،‬هنا‪ ،‬أهمية كتاب طوني موريسون الذي يقترح‬ ‫بل اعتنت بتأويل هذه الصور واستجالء وظائفها علينا مقاربة أفلحت ف��ي أن تحقق التكامل‬ ‫التخييلية واأليديولوجية‪.‬‬

‫***‬ ‫لقد سعيت ف��ي الصفحات السابقة إلى‬ ‫* ‬

‫المنشود في الدراسات األدبية‪ ،‬وال��ذي تجلى‬ ‫في االستجابة لجوهر األعمال األدبية‪ ،‬بوصفها‬ ‫مجاال يتالزم فيه التخييل واأليديولوجية‪.‬‬

‫كاتب من المغرب‬

‫(‪Toni Morrison, Playing in the Dark - Whiteness and the Literary Imagination Vintage Books )1‬‬ ‫‪.Edition, New York,1993‬‬

‫(‪ ) 2‬اعتمدت في استخالص بعض هذه األفكار على كتابات إدوارد سعيد‪:‬‬ ‫ االستشراق‪ :‬المعرفة‪ ،‬السلطة‪ ،‬اإلنشاء‪ ،‬ترجمة كمال أبوديب‪ ،‬مؤسسة األبحاث العربية‪ ،‬الطبعة الثانية ‪.1984‬‬ ‫ الثقافة واإلمبريالية‪ ،‬ترجمة كمال أبو ديب‪ ،‬دار اآلداب‪-‬بيروت‪ ،‬الطبعة األولى ‪.1997‬‬ ‫ تأمالت حول المنفى ومقاالت أخرى‪ ،‬ترجمة ثائر ديب‪ ،‬دار األداب‪-‬بيروت‪ ،‬الطبعة األولى ‪.2004‬‬ ‫ العالم والنص والناقد‪ ،‬ترجمة عبدالكريم محفوض‪ ،‬منشورات اتحاد كتاب الغرب‪ ،‬دمشق ‪.2000‬‬ ‫ وينظر أيضا كتاب تودوروف‪ :‬األدب في خطر‪ ،‬ترجمة عبدالكبير الشرقاوي‪ ،‬دار توبقال‪ ،‬الطبعة األولى ‪.2007‬‬ ‫(‪A. Kibédi Varga, Rhétorique et production du texte, in Théorie Littéraire, Presses universitaires )3‬‬ ‫‪de France 1989‬‬

‫‪40‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫حول أصول التحقيق والنشر‬ ‫رؤية محمد مندور‬

‫> رامي أبو شهاب*‬

‫تعد عملية تحقيق النصوص بما تحتويه من منهجية وآلية‪،‬‬ ‫من األمور المهمة التي ينبغي للمحقق أن يكون على علم ودراية‬ ‫كبيرة بها؛ وبناء على ذل��ك‪ ،‬فقد ُوض��ع لهذه العملية العديد من‬ ‫التنظيرات‪ ،‬في محاولة إيجاد أسس وقواعد منهجية‪ ،‬تحكم هذه‬ ‫العملية بغية الوصول إلى هدف نبيل‪ ،‬أال وهو نشر التراث‪.‬‬ ‫ينظر هذا البحث في فصل يعرض له بتحقيق كتاب قوانين الدواوين‪.‬‬ ‫الدكتور محمد مندور؛ ضمن كتابه الميزان‬ ‫الجديد‪ ،‬ويندرج هذا الفصل تحت عنوان‬ ‫«حول أصول النشر»‪ .‬وفيه يدرس مندور‬ ‫تحقيق الدكتور عزيز سوريال عطية لكتاب‬ ‫«ق��وان��ي��ن ال���دواوي���ن» ل�لأس��ع��د ب��ن مماتي‬ ‫المتوفى سنة ‪606‬ه��ـ‪ .‬ويقدم لنا الدكتور‬ ‫م��ن��دور ع��ل��ى ه��ام��ش تعليقه ع��ل��ى عملية‬ ‫التحقيق بعض قواعد التحقيق والنشر عبر‬ ‫مناقشة وتحليل بعض الجوانب المتعلقة‬

‫يقوم ع��رض الدكتور مندور على عدة‬ ‫مستويات وم��ح��اور‪ ،‬تتداخل فيما بينها‪،‬‬ ‫والس��ي��م��ا ال��ج��ان��ب ال��ن��ظ��ري ال���ذي يخص‬ ‫ع��م��ل��ي��ة ال��ت��ح��ق��ي��ق‪ ،‬وال��ج��ان��ب التطبيقي‬ ‫الخاص بجهد الدكتور عطية‪ ،‬في محاولة‬ ‫منه للخروج ببعض القواعد العامة لعملية‬ ‫التحقيق والنشر‪.‬‬ ‫ينطلق ه���ذا ال��ب��ح��ث لتحقيق هدف‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪41‬‬


‫محدد‪ ،‬هو بيان أسس التحقيق التي نظّ ر لها خالل جمع المخطوطات المختلفة جمعا ماديا‬ ‫ال��دك��ت��ور م��ن��دور وت��ح��دي��ده��ا‪ ،‬ب��االع��ت��م��اد على‬

‫للمخطوط نفسه‪ ،‬أو تصويره‪ ،‬أو استنساخه‪،‬‬

‫دراسته لكتاب (قوانين الدواوين)‪ .‬وقد ارتأينا ومن ثم تصنيف المخطوطات حسب تسلسلها‬ ‫تقديم هذا البحث من خالل ثالثة محاور هي‪:‬‬ ‫ال��م��ح��ور األول‪ :‬ال��ج��ان��ب ال��ت��ن��ظ��ي��ري لعملية‬ ‫التحقيق والنشر‪.‬‬ ‫المحور الثاني‪ :‬الجانب التطبيقي (مالحظات‬ ‫مندور على تحقيق عزيز سوريال عطية)‪.‬‬ ‫المحور الثالث‪ :‬رؤية أخيرة‪.‬‬

‫وأهميتها‪ ،‬وقسمها إلى ثالثة أقسام‪:‬‬ ‫ •ت��ح��ري��رات ال��ك��ت��اب ال��م��خ��ت��ل��ف��ة‪ :‬وهي‬ ‫م���ا ي���ق���وم ب���ه ال���م���ؤل���ف���ون م���ن تعديل‬ ‫وتنقيح لنصوصهم‪ ،‬والتمييز بين هذه‬ ‫التعديالت من ناحية زمنية‪.‬‬ ‫ •مجموعات الكتاب المختلفة‪ ،‬ويقصد‬ ‫بها ال��ح��االت التي ال يصل إلينا فيها‬

‫المحور األول‬

‫الكتاب كما حرره مؤلفه كالمختصرات‬

‫نعرض في هذا المحور المبادئ العامة لعملية‬ ‫التحقيق والنشر‪ ،‬كما يراها الدكتور مندور‪،‬‬ ‫ونص عليها في كتابه الميزان الجديد(‪ .)1‬وتقوم‬ ‫هذه المبادئ على ثالثة أركان‪ ،‬إذ يرى محمد‬ ‫مندور أنّ على المحقق أو الناشر مراعاتها‪،‬‬ ‫وهذه األركان هي‪:‬‬

‫أوال‪ :‬دراسة أصول النصوص‪:‬‬ ‫أ‪ -‬التعريف ب��األص��ول‪ :‬وه��ي التي أسماها‬ ‫م��ن��دور ال��م��ص��ادر‪ ،‬وق��د قسمها إل��ى قسمين‪:‬‬

‫والمعلقات الشعرية‪.‬‬ ‫ •النسخ المختلفة‪ :‬ويقصد بها النسخ‬ ‫التي ج��اءت بخط المؤلف أو النساخ‪،‬‬ ‫وم�لاح��ظ��ة تسلسل ه��ذه النسخ التي‬ ‫نسخت عن نسخة واحدة‪.‬‬ ‫ج‪ -‬دراسة المصادر غير المباشرة‪ :‬وينص‬ ‫ال��دك��ت��ور م��ن��دور على دراس���ة ه��ذه المصادر‪،‬‬ ‫واس��ت��خ��دام��ه��ا ب��ط��ري��ق��ة ص��ح��ي��ح��ة م���ن خالل‬ ‫االعتماد عليها في عملية تصحيح النص‪.‬‬

‫المصادر المباشرة‪ ،‬والمصادر غير المباشرة‪ .‬ثانيا‪ :‬دراسة النص‪:‬‬ ‫وع��رف المصادر المباشرة بأنها مخطوطات‬ ‫الكتاب‪ ،‬والتي اصطلح عليها بأنها المخطوطة‬ ‫األم‪ ،‬وهي أعلى النصوص‬

‫(‪،)2‬‬

‫وعرف المصادر‬

‫غير المباشرة‪« :‬بأنها الفقرات التي أخذها‬ ‫ال��م��ؤل��ف��ون ال�لاح��ق��ون ع���ن ال��ن��س��خ��ة األم أو‬ ‫المخطوط األصلي»‬

‫(‪.)3‬‬

‫وهذه العملية أطلق عليها مندور مسمى قراءة‬ ‫النصوص(‪ ،)4‬ويعرفها آخرون بأنها‪« :‬تحقيق متن‬ ‫الكتاب»(‪ .)5‬وهنا يؤكد مندور على أهمية إخراج‬ ‫النص المحقق بطريقة تجعله مفهوما للقارئ؛‬ ‫وبناء على ذل��ك‪ ،‬فإنه يبيح للمحقق التصرف‬ ‫بالنص من حيث اإلص�لاح والتصويب للخطأ‪،‬‬

‫ب‪ -‬دراسة األصول‪ :‬وتقوم هذا العملية من وع���دم اع��ت��ب��ار ال��ن��ص ح��ال��ة م��ق��دس��ة‪ ،‬إال في‬

‫‪42‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫وبالتالي يكون دليال على درجة المؤلف وثقافتة‪ ،‬اآلخرين‬

‫(‪.)8‬‬

‫وم��ا دون ذل��ك ف��إن أي خطأ يقع على عاتق‬ ‫النسّ اخ‪ .‬وهكذا فإن من واجب المحقق تصويب‬ ‫ه��ذا الخطأ باالعتماد على ع��دد من النسخ‪،‬‬ ‫والمقابلة فيما بينها من خالل القراءة؛ لذلك‪،‬‬

‫المحور الثاني‪:‬‬ ‫الجانب التطبيقي (مالحظات مندور)‬ ‫لقد حاولنا في المحور السابق الوقوف على‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫حالة واحدة‪ ،‬هي وصول النص بخط المؤلف‪ ،‬إظ��ه��ار ج��ه��ده واالع���ت���راف ب��م��ج��ه��ودات العلماء‬

‫فإننا نجده يميز بين نوعين من القراءات للنص المبادئ العامة التي جاء بها مندور‪ ،‬فيما يخص‬ ‫المُحقق‪ ،‬األولى أسماها القراءة السهلة‪ ،‬ويدعو عملية التحقيق والنشر‪ ،‬وق��د توصلنا لها من‬

‫فيها المحقق إلى عدم قبولها اعتمادا على أن خالل التتبع لنقد الدكتور مندور لعمل الدكتور‬ ‫التحريف كان نتيجة النساخ‪ ،‬وعائ ُد ذلك عدم عزيز سوريال عطية؛ ومن هنا‪ ،‬كان واجبا علينا‬ ‫الفهم‪ .‬أما النوع الثاني من القراءة‪ ،‬فإن على اإلش��ارة إل��ى ه��ذه المالحظات من خ�لال ثالثة‬ ‫المحقق اللجوء فيها إلى التخمينات وإثباتها‪ ،‬مستويات‪:‬‬ ‫إم��ا بين قوسين في المتن‪ ،‬أو في الهوامش‪،‬‬ ‫وذلك بعد استقراء جميع القراءات‬

‫(‪.)6‬‬

‫حقق‪:‬‬ ‫بالم ِ‬ ‫ثالثا‪ :‬أمور تتعلق ُ‬ ‫إذا كنا ف��ي النقطتين السابقتين‪ ،‬ق��د تركز‬

‫المستوى األول‪ :‬منهجية التحقيق‬ ‫المستوى الثاني‪ :‬المادة العلمية للتحقيق‬ ‫المستوى الثالث‪ :‬الروح العلمية للمحقق‬

‫حديثنا عن قواعد عامة على المحقق اتباعها في المستوى األول (المنهجية)‪:‬‬ ‫عملية التحقيق‪ ،‬فإننا في هذه الجزئية ننظر فيما‬

‫تتمثل مآخذ الدكتور مندور على تحقيق عزيز‬

‫جاء به مندور فيما يخص المحقق‪ ،‬وقد اقترح سوريال عطية في عدة مظاهر منهجية هي‪:‬‬ ‫للمحقق أن يعتمد على نوعين من المعلومات‪،‬‬

‫أوال‪ :‬دراسته للمصادر‪ :‬فقد أخذ مندور على‬

‫األولى معرفة لغة الكتاب معرفة فقهية علمية‪ ،‬المحقق عدم دراسته للمصادر وتسلسلها‪ ،‬فقد‬ ‫والثانية معرفة م��ادة الكتاب معرفة تخصص‪ ،‬أش��ار إلى التسلسل الخاطئ ال��ذي اعتمد عليه‬ ‫وذلك لتالفي نشر النص بأخطائه‪ ،‬حفاظا على عطية‪ ،‬وعدم االنتباه لتحرير الكتاب مرتين‪ ،‬مرة‬ ‫(‪.)7‬‬ ‫أسلوبه األثري كما يقول‬ ‫في عهد ص�لاح الدين وم��رة في عهد خليفته‪،‬‬ ‫ومن األمور التي يجب أن يتحلى بها المحقق ولذلك‪ ،‬ف��إن من واج��ب المحقق االعتماد على‬ ‫كما يرى مندور الروح العلمية‪ ،‬والتي تنص على التحرير األخير الذي نقحه المؤلف‪ ،‬وبالتالي‪،‬‬ ‫التواضع‪ ،‬وإعطاء العلماء السابقين والمعاصرين فإن مقياس المفاضلة الذي اعتمده عزيز سوريال‬ ‫حقوقهم‪ .‬فالمحقق‪ ،‬كما يرى مندور‪ ،‬من الواجب عطية بناء على المخطوط األق��دم خاطئ؛ ألن‬ ‫أن يظهر تواضعه في عمله‪ ،‬وعدم المبالغة في النسخة م��وج��ودة ع��ن تحريرين مختلفين‪ ،‬ولو‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪43‬‬


‫كانت النسخ من تحرير واحد‪ ،‬لكانت مفاضلته المستوى الثاني‪ :‬المادة العلمية‪:‬‬ ‫صحيحة؛ ومن ثَمَّ‪ ،‬كان من الواجب عليه االعتماد‬

‫أخ��ذ ال��دك��ت��ور م��ن��دور على ال��دك��ت��ور عطية‪،‬‬

‫على النسخة األخيرة‪ ،‬أو الجمع بين النسختين افتقاره لعدد من المميزات التي يجب أن يمتاز‬ ‫المختلفتين‪ .‬وقدم لنا الدكتور مندور أمثلة تسبب بها المحقق‪ ،‬وه��ذه المميزات تمثلت بمعرفة‬

‫بها اعتماد المحقق على النسخة األق��دم‪ ،‬منها لغة الكتاب معرفة فقهية وعلمية‪ ،‬ومعرفة مادة‬ ‫ع��دد المستخدمين‪ ،‬إذ نجد فرقا في عددهم الموضوع معرفة متخصصة‪ ،‬وقد ساق لنا أمثلة‬

‫بين النسختين‪ .‬ومع أن االختالف قد وقع‪ ،‬لكن تسبب بها جهل المحقق ب��ه��ذه األش��ي��اء‪ ،‬ومن‬ ‫لم ينص عليه المحقق في الحاشية‪ ،‬ومنه أيضا األمثلة على عدم تمكنه في اللغة العربية‪ ،‬الخطأ‬ ‫حديث مندور عن حراج (بهنسة)‬

‫(‪.)9‬‬

‫ثانيا‪ :‬أخذ مندور على عزيز سوريال عطية‬ ‫عدم دراسته للمصادر غير المباشرة‪ ،‬وخاصة‬ ‫ف��ي م��ق��دم��ة ك��ت��اب��ه‪ ،‬وع���دم االس��ت��ف��ادة م��ن هذه‬ ‫المصادر في تصحيح النص‪ ،‬وقدم لنا مثاال على‬ ‫ذل��ك نصا تركه المحقق غير مفهوم‪ ،‬وك��ان من‬ ‫الممكن تالفي هذه المشكلة‪ ،‬لو أنه عاد ألحد‬

‫الذي وقع فيه عند ترجمته البن المماتي‪ ،‬إضافة‬

‫للنقل الخاطئ ألشعار ابن مماتي نفسه‪ ،‬وعدم‬ ‫استقامة ال��وزن‪ .‬ويبدو أن عدم معرفة المحقق‬ ‫م��وض��وع م��ادت��ه‪ ،‬ق��د ق��اده إل��ى إع��ف��اء نفسه من‬ ‫الشرح والتعليق على الموضوعات الفنية‪ ،‬وذلك‬ ‫واضح كما جاء في مقدمته(‪ ،)11‬ما أوجد عدداً‬ ‫من األخطاء‪ ،‬منها عدم معرفته لكلمة (مركوش)‪،‬‬ ‫و(خ��زان��ة ال��ب��ن��ود)‪ ،‬وع��دم المفاضلة بين بعض‬

‫المصادر غير المباشرة‪ ،‬وهو (صبح األعشى)‪ ،‬الكلمات ال��واردة في الفهرس‪ ،‬ومثال على ذلك‬ ‫ومن خالله يتمكن من تصحيح وتصويب النص‪ .‬لفظة (الشلندي)‪.‬‬

‫ث��ال��ث��ا‪ :‬أخ��ذ م��ن��دور على عطية ت��رك��ه للنص المستوى الثالث‪ :‬الروح العلمية للمحقق‪:‬‬

‫المحقَق دون تصحيح‪ ،‬بحجة المحافظة على‬ ‫النص األصلي‪ ،‬وقد كان رد مندور أن األخطاء‬ ‫ال تصحح في حالة وصول النص بخط مؤلفه‪،‬‬

‫ركز الدكتور مندور في هذا المستوى على ما‬ ‫يجب على المحقق أن يتحلى به من صفات‪ ،‬وروح‬ ‫علمية افتقر لها الدكتور عطية‪ ،‬وذلك من خالل‬

‫وع����دم اع��ت��ب��ار ال��ن��ص ح��ال��ة م��ق��دس��ة‪ ،‬إذا كان ع��دم تواضعه‪ ،‬والقيام بتضخيم ج��ه��وده‪ ،‬وقدم‬ ‫النص من نسخ النُسّ اخ‪ ،‬لذا‪ ،‬كان من المفترض لنا مندور أدلة على ذلك‪ ،‬حديث المؤلف نفسه‬

‫من المحقق‪ ،‬إصالح أخطاء النساخ‪ ،‬باالعتماد في مقدمته عن مجهوده في التنقيب والبحث‬ ‫ترجمة الب��ن مماتي‪ ،‬مع أنها واردة‪ ..‬وفي‬ ‫ٍ‬ ‫على المقابلة بين ال��ق��راءات والمفاضلة بينها‪ ،‬عن‬

‫واالعتماد على التخمينات‪ ،‬حين ال يكون النص متناول األيدي(‪ ،)12‬ودوره في شرح بعض األلفاظ‬

‫غير مفهوم‪ ،‬ووضع هذا التخمين بين قوسين في المستعصية‪ ،‬ووض��ع��ه��ا ف��ي ف��ه��رس‪ ،‬م��ع أنها‬

‫المتن‪ ،‬أو وضعه في الحاشية‬

‫(‪.)10‬‬

‫‪44‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫مشروحة وم��ذك��ورة‪ .‬وف��ي النهاية ع��دم اإلشارة‬


‫ومن أمثلة ذلك اعتماده الكبير على (رمزي بك وحاشية النص‪ ،‬وم��ن ثم عملية إخ��راج النص‪،‬‬ ‫الكبير)‪ ،‬وخاصة في الباب الثالث‪ ،‬والذي شكل‬

‫وف��ي النهاية ال��روح العلمية التي على المحقق‬

‫ثلث الكتاب‪ ،‬وعدم اإلشارة إلى جهد الرجل كما‬

‫أن يضعها أمامه‪ ..‬من خالل تعامله مع عملية‬

‫ينبغي‪ ،‬أو كما فعل سالفه (عمر طوسون)‪.‬‬

‫التحقيق بصورتها الكلية‪ ،‬بهدف إخ��راج النص‬

‫المحور الثالث‪:‬‬

‫بصورته ال��واض��ح��ة الشاملة‪ ،‬م��ع التأكيد على‬

‫المالحظات الخاصة – رؤية أخيرة‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫واالعتراف بجهود العلماء اآلخرين كما ينبغي‪ ،‬ت��ق��وم ب��دوره��ا على ج��زأي��ن‪ ،‬ه��م��ا‪ :‬متن النص‪،‬‬

‫أن ه��ذه المبادئ التي وضعها م��ن��دور ال تتسم‬ ‫بالشمولية الكاملة‪ ،‬أو االتفاق الكلي عند جمهور‬

‫ت��ق��وم ه���ذا ال��م�لاح��ظ��ات ع��ل��ى ب��ي��ان النقاط المحققين؛ فكما هو معلوم فإن مدارس التحقيق‬ ‫ال��م��ح��وري��ة ال��ب��ارزة ال��ت��ي وق��ف عليها التقرير‪،‬‬ ‫والتعليق عليها‪ ،‬فنحن كما بينا س��اب��ق��ا‪ ،‬فإن‬

‫متعددة‪ ،‬ولكل مدرسة أسلوب ومنهج يميزها عن‬ ‫المدارس األخرى‪ ،‬فنحن على سبيل المثال نجد‬

‫مالحظات م��ن��دور ق��د شكلت بيانا عاما حول‬

‫أن بعض المدارس تفضل عدم تصحيح الخطأ‬

‫ق��واع��د التحقيق والنشر‪ ،‬وق��د انطلق الدكتور‬

‫ال��وارد في النص مهما ك��ان‪ ،‬ونجد في المقابل‬

‫مندور في تنظيره لهذه المادة من خالل ثالث‬

‫بعض ال��م��دارس تتخفف م��ن ه��ذه المسؤولية‬

‫مرجعيات؛ شكلت صلب عملية التحقيق‪ ،‬وهذه‬

‫بالسماح بتصحيح بعض األخ��ط��اء‪ ،‬وك��م��ا قلنا‬

‫المرجعيات تأخذ شكل التسلسل الزمني‪ ،‬مع‬

‫فإن تناول مندور لهذه القضية هو بمثابة وضع‬

‫عدم نفي تداخلها‪ ،‬فالدكتور مندور ينطلق بداية خطوط عامة‪ ،‬وليست شاملة وثابتة‪ ،‬ولكنها قابلة‬ ‫م��ن المخطوط‪ ،‬أو النص المحقق‪ ..‬ودراسته للنقاش مع التأكيد على بعض األصول المهمة‪،‬‬ ‫من حيث األصل والمصادر وتسلسلها‪ ،‬ومن ثم والتي يمثلها التأكد من نسبة النص‪ ،‬ونسبة النص‬ ‫ينطلق إلى آلية التحقيق الواجب إتباعها‪ ،‬والتي للمؤلف وغيرها‪.‬‬ ‫(‪) 1‬‬ ‫(‪ )2‬‬ ‫(‪ )3‬‬ ‫(‪ )4‬‬ ‫(‪ )5‬‬ ‫(‪ )6‬‬ ‫(‪ )7‬‬ ‫(‪ )8‬‬ ‫(‪ )9‬‬ ‫(‪ )10‬‬ ‫(‪ )11‬‬ ‫(‪ )12‬‬

‫انظر محمد مندور في الميزان الجديد‪ ،‬دار نهضة مصر‪ ،‬القاهرة‪ ،‬ص ‪.206‬‬ ‫عبدالسالم هارون‪ ،‬تحقيق النصوص ونشرها‪ ،‬ط‪ ،1‬دار النهضة العربية‪ ،‬بيروت‪ ،‬ص‪.3‬‬ ‫محمد مندور‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.206‬‬ ‫المرجع نفسه‪ ،‬ص ‪.211‬‬ ‫عبدالسالم هارون‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.5‬‬ ‫محمد مندور‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.211‬‬ ‫المرجع نفسه‪.212 ،‬‬ ‫نفسه‪ ،‬ص ‪.216‬‬ ‫نفسه‪ ،‬ص ‪.209‬‬ ‫نفسه‪ ،‬ص ‪.212‬‬ ‫نفسه‪ ،‬ص ‪.213‬‬ ‫نفسه‪ ،‬ص ‪.216‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪45‬‬


‫اإلعجاز التاريخي في سورة «يوسف»‬ ‫> علي عفيفي علي غازي*‬

‫تؤكد اآليات القرآنية الواردة في نهايات القصص القرآني التاريخي مثل «فاعتبروا يا‬ ‫أولي األبصار» (الحشر‪ :‬اآلية ‪ ،)2‬و«لقد كان في قصصهم عبرة ألولى األلباب» (يوسف‪:‬‬ ‫اآلية ‪ ،)111‬على أن القصص لم يأت إال للعبرة والعظة‪ ،‬متضمنًا الدعوة للناس جميعً ا‬ ‫بالبحث والتأمل في األح��داث الماضية‪ ،‬ليجدوا لها تفسيرً ا في حاضرهم يبصرهم‬ ‫بمستقبلهم‪ .‬ويرشد لهذا المعنى قول الحق سبحانه وتعالى «قل سيروا في األرض‬ ‫فانظروا كيف ب��دأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة اآلخ��رة إن الله على كل ش��يء قدير»‬ ‫أشخاصا لهو خير دليل‬ ‫ً‬ ‫(العنكبوت‪ :‬اآلية ‪ .)20‬ولعل إبهام القصص مكانًا وزمانًا وأحيانًا‬ ‫على أن الهدف منه ليس إال تعلم ال��درس‪ .‬ولكن رغم ذلك لم يخل القرآن الكريم من‬ ‫اإلعجاز التاريخي‪ ،‬الذي يعد مصاحبًا لإلعجاز اللغوي واإلعجاز العلمي‪.‬‬ ‫وف��ي ه��ذا ال��م��ق��ال س��وف ن��ت��ن��اول هذا‬

‫األعجاز في سورة «يوسف» عليه السالم‪،‬‬

‫م���رة‪ ،‬م���رة ف��ي س���ورة األن���ع���ام‪ ،‬اآلي���ة ‪،84‬‬

‫وثانية في سورة غافر‪ ،‬اآلية ‪ ،34‬أما الـ‪25‬‬

‫الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم؛ مرة الباقية فقد وردت في سورة يوسف‪،‬‬ ‫يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم‪ .‬وهي سورة كاملة ال تتحدث إال عنه‪ ،‬وتبدأ‬ ‫وقبل أن نخوض في تفاصيل ذلك اإلعجاز‪ ،‬ب��ق��ول��ه ت��ع��ال��ى «ن��ح��ن ن��ق��ص عليك أحسن‬

‫نود أن نذكر أن اسم يوسف عليه السالم‪،‬‬

‫القصص بما أوح��ي��ن��ا إل��ي��ك ه��ذا القرآن‬

‫قد ورد في القرآن الكريم سبعًا وعشرين وإن كنت من قبله لمن الغافلين»‪ ,‬ويظهر‬

‫‪46‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫اللفظي‪ :‬االختصار أو اإليجاز‪ ،‬وتعدد المعاني‪ ،‬وقالوا اشتريناه من أصحاب الماء‪ ،‬مخافة أن‬ ‫بمعنى تضمين اللفظ الواحد عدة معاني‪ ،‬وعدة يشاركهم فيه أح��د‪ ،‬وبعد ذل��ك باعوه وه��م فيه‬ ‫احتماالت‪ .‬وهذان النوعان من اإلعجاز اللفظي من الزاهدين‪ ،‬يريدون التخلص منه بأي وسيلة‪،‬‬ ‫للقرآن يدفعان المرء إلى إعمال الفكر والتدبر وبأي ثمن‪ ،‬ألنهم التقطوه‪ ،‬ومن التقط شيئاً‪ ،‬فهو‬ ‫في اآليات‪ ،‬امتثاال لقوله عز وجل «كتاب أنزلناه متهاون فيه وال يبالي بكم سيبيعه‪ ،‬ألنه يخاف أن‬ ‫إليك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا األلباب» (ص‪ :‬يعرض له مستحقه فينزعه منه‪ ،‬ومن ثم عجلوا‬

‫اآلية ‪ ،)29‬أي ليتدبروا آياته‪.‬‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫بوضوح في السورة نوعين من اإلعجاز اللغوي مستبشرًا به‪ ،‬وأسره الواردون من بقية القافلة‪،‬‬

‫ببيعه‪ ،‬ب��دراه��م م��ع��دودة‪ ،‬كناية ع��ن القلة‪ ،‬ألن‬

‫وأول م��ا يطالعنا‪ ،‬ه��و ق��ول ال��ح��ق سبحانه الكثير كان يوزن في ذلك الزمن‪.‬‬

‫«وش��روه بثمن بخس دراه��م معدودة» وهي دليل‬

‫وج��اء يوسف إل��ى مصر‪ ،‬وك��ان عمره وقتها‬

‫على انتشار تجارة ال��رق انتشارًا واسعًا لدرجة ح��وال��ي خمسة عشر ع��امً��ا‪ ،‬وق��د اش��ت��راه عزيز‬ ‫انتشار سرقة الغلمان بهدف بيعهم‪ ،‬وهي تجارة مصر من تجار الرقيق‪ ،‬ثم ذه��ب به إل��ى بيته‪،‬‬ ‫كانت مربحة ج��دًا‪ ،‬وظلت قائمة إلى أن ألغيت وقال المرأته «أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو‬ ‫باتفاقية إلغاء تجارة الرقيق ‪1899‬م‪ .‬كما تحمل نتخذه ول��دًا» وذل��ك لما توسمه فيه من الخير‪.‬‬ ‫في ثناياها إيضاح أن العمالت المعدنية كانت ول���و ت��أم��ل��ن��ا ق���ول ال��ح��ق س��ب��ح��ان��ه «وق����ال الذي‬ ‫مستخدمة‪ ،‬وأن ال��دراه��م كانت تسك وتتم بها اش��ت��راه م��ن مصر» (ي��وس��ف‪ :‬اآلي��ة ‪ )21‬لوقفنا‬

‫عملية البيع والشراء في ذلك العصر‪ .‬ويتضح أمام إعجاز تاريخي للقرآن الكريم في قوله «من‬ ‫من السرد القصصي أن قوافل التجارة كانت تمر مصر» ولم يقل «المصري» الذي اشتراه‪ ،‬ألن من‬ ‫في منطقة بئر سبع ببادية الشام كثيرًا‪ ،‬ذلك أنه اشتراه في الحقيقة لم يكن مصرياً‪ ،‬ولم يكن من‬ ‫بعدما ألقوه في البئر‪ ،‬تشبث يوسف عليه السالم أصل مصري‪ ،‬بل إنه هبط مصر في وقت كان‬ ‫براعونة البئر حتى صعد فوقها‪ ،‬وه��ي صخرة يحكمها فيه الهكسوس نحو ‪ 725‬قبل الميالد‪،‬‬ ‫توجد في وسط قاع البئر‪ ،‬إذا قل الماء في البئر‪ ،‬والهكسوس من أصول آسيوية بدأوا يتسللون إلى‬

‫ً‬ ‫أنزلوا‬ ‫شخصا يقف فوقها‪ ،‬ليمأل الدا��ء‪ ،‬وبعد أن مصر فيما بين األسرة الثانية عشر التي بدأت‬ ‫يستقي الجميع يرفعونه ثانية‪.‬‬ ‫حكمها سنة ‪2000‬ق‪ .‬م بالملك أمنمحات األول‪،‬‬ ‫وفي ظل تلك الظلمة أوحى الله إليه «لتنبئنهم ثم سنوسرت الثاني ال��ذي حكم في الفترة من‬ ‫بأمرهم ه��ذا وه��م ال يشعرون» (ي��وس��ف‪ :‬اآلية ‪1888-1904‬ق‪ .‬م‪ ،‬وشهد عهده زي��ارة إبراهيم‬

‫‪ .)15‬فبقي ف��ي الجب ليلة‪ ،‬وقيل ثالثة أيام‪ ،‬عليه ال��س�لام إل��ى م��ص��ر‪ ،‬ع��ام ‪1898‬ق‪ .‬م‪ .‬ثم‬ ‫ثم م��رت قافلة‪ ،‬وكما سبق‪ ،‬كانت القوافل تمر تتابع بعده ملوك األسرة‪ ،‬وأعقبتها األسرة الثالثة‬ ‫في هذا المكان من أهل مدين في طريقها من عشر‪ ،‬فاستمر تدفق الهكسوس على مصر حتى‬

‫دمشق إل��ى مصر‪ ،‬عبر شمال سيناء‪ ،‬فأرسلوا نجحوا ف��ي السيطرة على ك��ل مصر فيما بين‬ ‫وارده���م يستقي لهم ال��م��اء‪ ،‬فأخرجه من البئر عامي (‪ 1570-1776‬ق‪ .‬م‪ ،).‬بفضل ما بأيديهم‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪47‬‬


‫من أدوات حربية‪ ،‬تطورت على ما بيد المصريين وه��ب��ه ال��ح��ق ج��ل وع�ل�ا ع��ل��م ت��أوي��ل األحاديث‪،‬‬ ‫من أسلحة كانت عتيقة‪.‬‬

‫وقد اختلف المؤرخون في موطن الهكسوس‬

‫ه���ؤالء‪ ،‬فمنهم م��ن يذهب إل��ى أنهم م��ن ساللة‬ ‫آرية كان موطنها وسط آسيا‪ ،‬وذهب آخرون إلى‬

‫أنهم من أعراب شبه الجزيرة العربية‪ ،‬بينما رأى‬ ‫فريق ثالث أنهم طائفة من اليهود‪ ،‬ورأى فريق‬

‫من أصحاب هذا ال��رأي أنهم ربما كانوا أقرباء‬ ‫لليهود‪ ،‬وليسوا يهودًا‪.‬‬

‫أي األح��ل�ام‪ ،‬فأحبه س��ي��ده ووث���ق ف��ي��ه‪ ،‬وجعله‬

‫المتصرف في بيته‪ ،‬وعاد حسن تصرفه بالنفع‬

‫على سيده‪ ،‬فزاد ثقة فيه‪ ،‬وتمر السنون‪ ،‬ويوسف‬ ‫يتوانى في خدمة سيده‪ ،‬فيزداد تقديره له‪ .‬وكان‬

‫ي��وس��ف عليه ال��س�لام ح��س��ن ال���ص���ورة‪ ،‬وحسن‬ ‫المنظر‪ ،‬وكلما كبر واكتمل شبابه‪ ،‬ازدادت امرأة‬ ‫ال��ع��زي��ز إع��ج��ا ًب��ا ب��ه‪ ،‬ول��م تعد تنظر إل��ي��ه نظرة‬

‫البراءة‪ ،‬نظرة األم لطفلها‪ ،‬بل أصبحت تنظر إليه‬ ‫كرجل‪ ،‬وهي كأنثى‪ ،‬وتسلل هذا الشعور الجديد‬

‫ويؤكد صدق األح��داث التاريخية هنا‪ ،‬تكرار إلى نفسها‪ ،‬ومع اكتمال رجولته‪ ،‬وشبابه وحيويته‪،‬‬ ‫لفظ «م��ل��ك» وليس «ف��رع��ون»‪ ،‬مثلما ف��ي قوله كان يزداد شيئًا فشيئًا‪ ،‬فبدأت تلمح له تلميحات‬ ‫تعالى «وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي» مستترة‪ ،‬ثم بالغت في الرقة‪ ،‬فظنت أنه يتعفف‬ ‫(يوسف‪ :‬اآلية ‪ ،)54‬وكان الوضع مختلفاً عندما عنها ألنها سيدته‪ ،‬وزوج��ة سيده‪ ،‬فدبرت أمرًا‬

‫كان الحديث عن كليم الله موسى عليه السالم‪ ،‬ليكونا في خلوة وحدهما‪ ،‬ولكن يوسف الصديق‬ ‫إذ دعاه ربه «اذهب إلى فرعون إنه طغى» (طه‪ :‬كان يعلم أن عين الله الساهرة ترقبه‪ ،‬وأنه مهما‬ ‫اآلية ‪ ،)24‬ألن فرعون موسى‪ ،‬إما هو رعمسيس كان متخفيًا عن أنظار البشر‪ ،‬فعين الله تنظر‬ ‫الثاني (‪1224–1290‬ق‪ .‬م)‪ ،‬أو مرنبتاح (‪ –1224‬إليه‪ ،‬وال تخفى عليه خافية «وراودت���ه التي هو‬

‫‪1214‬ق‪ .‬م)‪ ،‬وكالهما من أصول فرعونية خالصة في بيتها عن نفسه‪ ،‬وغلقت األبواب‪ ،‬وقالت هيت‬ ‫من طيبة في عهد اإلمبراطورية المصرية الثانية‪ .‬لك‪ ،‬قال معاذ الله إنه رب��ي‪ ،‬أحسن مثواي‪ ،‬إنه‬

‫أما ملك يوسف عليه السالم فهو «سوبك حتب ال يفلح الظالمون» (يوسف‪ :‬اآلية ‪ .)23‬أي تحثه‬ ‫(‪1730–1740‬ق‪ .‬م‪ »).‬من األسرة الثالثة عشر‪ ،‬على اإلقبال‪ ،‬ولكن خوفه من ربه‪ ،‬وأمانته لسيده‪،‬‬

‫وه��ن��اك اخ��ت�لاف ف��ي أن��ه ع��اص��ر ملكين‪ ،‬فكان يدفعانه إلى اإلدبار‪ ،‬ونجاه الله من هذا الموقف‬ ‫هناك من شهد نزوله مصر‪ ،‬وه��و «نفر حوتب ببرهان‪ ،‬ألن عباد الله المخلصين ال خوف عليهم‬ ‫األول»‪ ،‬وك��ان الملك «س��وب��ك حتب» ه��و الملك وال هم يحزنون‪.‬‬ ‫الذي جعله أمينًا على خزائن األرض‪ .‬وهذا يدل‬ ‫ونجاه الله بشهادة شاهد من أهلها‪ ،‬وقيلت‬ ‫على اختالف نوع الحكم في العهدين‪.‬‬ ‫فيه أق��اوي��ل كثيرة‪ :‬قيل رج��ل حكيم من أهلها‪،‬‬ ‫وب��دخ��ول ي��وس��ف بيت العزيز ب���دأت مرحلة وقيل ابن عمها‪ ،‬وقيل بعض أهلها الذين يسكنون‬ ‫ج��دي��دة ف��ي ح��ي��ات��ه‪ ،‬وه��ي ب��داي��ة لما ك��ان يعده معها‪ ،‬وقيل طفل صغير كان معهما في الغرفة‬

‫الله له من مكانة ومنزلة‪ ،‬وهذا هو التمكين في ول��م تشعر ب��ه‪ ،‬وتيقن العزيز م��ن حقيقة براءة‬ ‫األرض الذي أشار إليه القرآن الكريم‪ ،‬وكذلك يوسف‪ ،‬فطلب منهما «يوسف أعرض عن هذا‪،‬‬

‫‪48‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫ال متنقلين‪ ،‬فماذا‬ ‫(يوسف‪ :‬اآلية ‪ .)29‬غير أن نبأ الحادث سرعان إلى أنهم كانوا بدوا رعا ًة رح ً‬

‫ما انتشر إلى الباقين من أهل القصر‪ ،‬ثم إلى ك��ان األم��ر ل��دى المصريين الفراعين أنفسهم‪،‬‬ ‫عامة الناس‪ ،‬وخاصة النساء‪ ،‬فهن مولعات بمثل وه��م أرف��ع شأنًا وأكثر تمدنًا‪ ،‬وأص��ح��اب أقدم‬ ‫هذه األخبار واألح��ادي��ث‪ ..‬ويكثرن من ترديدها حكومة مركزية عرفها تاريخ البشرية‪ ،‬وكانوا‬

‫وإذاعتها‪ ،‬ف��رددوا أنها شغفت حباً بفتاها‪ ،‬أي أول من اكتشف ال��زراع��ة واستوطن بجوار نهر‬

‫مملوكها‪ ،‬فقد قيل إن زوجها قد وهبه لها‪ ،‬كنوع النيل‪ ،‬وحرثوا وزرعوا وحصدوا‪ ،‬وشادوا المقابر‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫واس��ت��غ��ف��ري ل��ذن��ب��ك إن���ك ك��ن��ت م��ن الخاطئين» حكام مصر الهكسوس‪ ،‬الذين تذهب بعض اآلراء‬

‫م��ن إظ��ه��ار ال��ف��رق الطبقي ال���ذي بينهما‪ ،‬فهي الضخمة‪ ،‬واأله���رام العظام‪ ،‬العجيبة الوحيدة‬ ‫سيدة البيت‪ ،‬وه��و خ��ادم بالبيت‪ ،‬ف���رددوا أنها الباقية م��ن عجائب ال��دن��ي��ا السبع ف��ي العالم‬ ‫تنازلت عن كبريائها‪ ،‬وبدأت بمغازلته‪ ،‬وأنه رفض القديم‪.‬‬

‫مسايرتها‪ ،‬وفي هذا جرح لكبريائها‪ ،‬وإهانة لها‪،‬‬

‫وي���ا ل��ي��ت ذل���ك أس��ك��ت ألسنتهن‪ ،‬ب��ل إنهن‬

‫��ض��ا ف��ي��م��ا ك��ان��ت ت��ط��م��ع ف��ي��ه امرأة‬ ‫وف��ي ترديدهم ه��ذا تشفي فيها‪ ،‬فقد قيل إنها ط��م��ع��ن أي ً‬ ‫كانت تتكبر عليهن بجمالها وسطوة زوجها‪ ،‬فكان العزيز‪ ،‬فلجأ إلى ربه «رب السجن أحب إلي‬ ‫تدبيرها أن أع��دت لهن المقاعد المريحة ذات مما يدعونني إليه‪ ،‬وإال تصرف عني كيدهن‬ ‫المساند وال��وس��ائ��د‪ ،‬وق��دم��ت لهن الطعام‪ ،‬في أصبُ إليهن وأكن من الجاهلين» (يوسف‪ :‬اآلية‬

‫اختبار لتأثير حسنه عليهن‪.‬‬

‫‪ .)33‬وانتشر خبر الوليمة‪ ،‬وتحوّل الهمس إلى‬

‫ه���ذا وت��ش��ي��ر اآلي����ة ال��ك��ري��م��ة «ف��ل��م��ا سمعت أق��وال صريحة علنية‪ ،‬ووصلت األق��اوي��ل إلى‬

‫بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت مسامع العزيز وأص��ح��اب��ه‪ ،‬ف���أراد أن يُخرس‬ ‫كل واحدة منهن سكينًا‪ ،‬وقالت أخرج عليهن فلما األل��س��ن��ة‪ ،‬ف��ق��رر وض��ع��ه ف��ي ال��س��ج��ن رغ���م أن‬ ‫رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلنا حاشا لله ما التحقيق قد أثبت براءته‪ ،‬فتموت اإلشاعات‪،‬‬

‫هذا بشرا إن هذا إال ملك كريم» (يوسف‪ :‬اآلية وبذلك تبرأ ساحة زوجته‪ ،‬ويبرأ شرفه‪ ،‬فقضى‬ ‫‪ )31‬إل��ى م��دى ال��ت��رف وال��ب��ذخ والرفاهية التي يوسف عليه السالم في السجن بضع سنين‪،‬‬

‫كان يعيش فيها أبناء الطبقة الراقية العليا في وصاحبه فيها غالمان أحدهما خباز الملك‪،‬‬ ‫مصر م��ن أب��ن��اء الملوك وال����وزراء والكهنة‪ ،‬من واآلخ��ر صاحب شرابه‪ ،‬حيث قيل إن جماعة‬ ‫إعداد المتكئات والوسائد والحشايا‪ ،‬واستعمال من األم��راء المصريين حكام المقاطعات قد‬

‫السكاكين في تقطيع الطعام‪ ،‬ويؤخذ من هذا استمالوهم ل��وض��ع ال��س��م للملك ف��ي طعامه‬ ‫أن ال��ح��ض��ارة ف��ي مصر ق��د بلغت درج��ة كبيرة وشرابه‪ ،‬فرأيا رؤيتين توضحان براءة الساقي‪،‬‬ ‫م��ن ال��رق��ي وال��ت��ق��دم‪ ،‬وأن ال��ت��رف ف��ي القصور وإعدام الخباز‪ ،‬وبالفعل تحققت تأويالت يوسف‬

‫كان عظيمًا‪ ،‬فإن استعمال السكاكين في تناول عليه السالم لهما‪ ،‬ومرت السنوات ونُسي أمر‬ ‫الطعام قبل هذه اآلالف من السنين له قيمته في ام��رأة العزيز‪ ،‬ورأى الملك رؤي��ا‪ ،‬عجز الكهنة‬

‫تصوير الترف بين أبناء الحضارة المصرية من والعلماء وغيرهم عن وضع توضيح لها‪ ،‬وقالوا‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪49‬‬


‫ما نحن بتأويل األحالم بعالمين‪ ،‬وهنا‪ ،‬تذكّره الطبيعية اكتساب المصريين التجربة وحسن‬

‫ساقي الملك‪.‬‬

‫التدبير‪ ،‬إذ كانوا يدخرون غلة األرض من أيام‬

‫وعندما ظهرت ب��راءة يوسف عليه السالم‪ ،‬الري أليام الجفاف‪ ،‬ومن رخائهم لشدتهم‪ ،‬وكانت‬ ‫ق��� ّرب���ه إل��ي��ه ال��م��ل��ك‪ ،‬ل��م��ا رآه ف��ي��ه م���ن األمانة حكمة الملوك وحكام األقاليم تقتضي حسن تدبر‬ ‫والحكمة والعلم‪ ،‬وحسن التصرف وعزة النفس منهم‪ ،‬وحسن اختيارهم ألمين مخازن األرض‪،‬‬ ‫وإم���ارات ال��س��ي��ادة‪ ،‬فتشاء إرادة الله تعالى أن ح��ت��ى يخفف ع��ن ال��رع��ي��ة أي���ام ال��ش��دة والفقر‬ ‫يصبح على خزائن األرض أمينًا‪ ،‬وهي ما تشبه والحاجة عند انخفاض منسوب فيضان النيل‪،‬‬ ‫وزارة التموين في عصرنا الحاضر‪ ،‬وبذلك مكنه وف��ي ذل��ك دالالت ومعجزات تاريخية نلتمسها‬

‫الله في األرض‪ ،‬تصديقًا لقوله تعالى «وكذلك م��ن فيض س���ورة ي��وس��ف الكريمة ال��ت��ي حملت‬ ‫م ّكنّا ليوسف في األرض يتبوأ منها حيث يشاء»‪ ،‬بين طياتها كافة صور اإلعجاز العلمي واللغوي‬ ‫أي أصبح سيدًا على كل األرض المزروعة في والقصصي التاريخي‪.‬‬

‫مصر‪ ..‬يأكل ويحمل ويمتلك منها أيها شاء‪ .‬وفي‬ ‫ذلك إعجاز تاريخي عظيم‪.‬‬

‫ول��م يكن اخ��ت��ي��ار ملك مصر ليوسف عليه‬

‫السالم ليصبح أمينًا على خزائن األرض‪ ،‬إال لما‬

‫كما أن مصر كانت عرضة دائمًا للمجاعات لمسه فيه من العلم‪ ،‬وما توسمه فيه من الحكمة‪،‬‬ ‫ولفترات التدهور في اإلنتاج الزراعي والحيواني وما رآه فيه من التبشير واإلعجاز‪ .‬فعندما رأى‬ ‫على مر العصور‪ ،‬وكان ذلك في أغلب األحيان الملك الرؤية «وقال الملك إني أرى سبع بقرات‬ ‫بسبب اضطرابات النيل وعدم انتظام فيضانه‪ ،‬سمان يأكلهن سبع عجاف‪ ،‬وسبع سنبالت خضر‬

‫وان��خ��ف��اض م��ائ��ه‪ ،‬م��ا ي���ؤدي إل��ى ن��ض��وب موارد وأخر يابسات يا أيها المأل أفتوني في رءياي إن‬ ‫الدولة‪ .‬ويقدم لنا التاريخ أمثلة كثيرة النخفاض كنتم للرؤيا تعبرون» (يوسف‪ :‬اآلية ‪ ،)43‬وعندما‬ ‫النيل قبل وب��ع��د عصر ال��ص��دي��ق ي��وس��ف عليه فسّ ر يوسف ال��رؤي��ة وأولّ��ه��ا حمل البشرى في‬ ‫ال���س�ل�ام‪ ،‬وم���ن أم��ث��ل��ة ذل���ك م��ا ح���دث ف��ي عهد معجزة كما يحكي القرآن الكريم «قال تزرعون‬

‫الفرعون زوسر صاحب الهرم المدرج بسقارة من سبع سنين دأب��ا فما حصدتم ف��ذروه في سنبله‬ ‫األسرة الثالثة (‪2680–2780‬ق‪ .‬م)‪ ،‬فقد شهدت إال قليال مما ت��أك��ل��ون‪ .‬ث��م ي��أت��ي م��ن بعد ذلك‬

‫مصر في عهده سنوات الجفاف السبع بسبب سبع ش��داد يأكلن ما قدمتم لهن إال قليال مما‬ ‫نقص فيضان النيل‪ ،‬دون أن يكون هناك أمل في تحصنون‪ .‬ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يُغاث‬ ‫زوال تلك الغمة وانكشاف تلك الكربة‪ ،‬ومثلما الناس وفيه يعصرون» (يوسف‪ :‬اآليات ‪.)49-47‬‬ ‫حدث كذلك في أيام الثورة االجتماعية (‪-2280‬‬

‫إنها محاولة للوقوف على بعض صور اإلعجاز‬

‫‪2052‬ق‪ .‬م) األسرات من السابعة إلى العاشرة‪ ،‬القرآني من خالل إيضاح اإلعجاز التاريخي في‬

‫وما نتج عن ذلك من كوارث كبيرة‪ ،‬فكانت النتيجة سورة يوسف‪.‬‬ ‫* باحث بمركز قطر الفني‬

‫‪50‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫أشياء تشبه احلياة‪..‬‬ ‫> صالح احلسيني*‬ ‫‪ ..‬من كل مكان يأتيني الماء‪..‬‬ ‫يأتي‪ ..‬بااارد القلب‪..‬‬ ‫من كل صوب وحدب‪..‬‬ ‫أح����او ُل دف��ع�� ُه ع��ن ف��م��ي‪ ..‬أب����دا‪ ..‬دون‬

‫جدوى!‬

‫عاجز حتى عن دفع ماء‪!!!..‬‬ ‫يتراءى لي اآلن وجه ابني الصغير‪..‬‬ ‫أ ُخبط بكلتي يدي‪..‬‬ ‫تزداد فوضاي في نفسي؛ حتى قدماي‬

‫عن التجديف إلى األعلى عاجزة‪..‬‬ ‫ضعف يعتريني؟!‬ ‫ٍ‬ ‫ياااااه‪ ..‬أيُ‬

‫عالقة بما يشب ُه شبك حديدي كثيف‪..‬‬

‫يموج‪ ..‬يُمسك به ربما حجر‪ ..‬هذا ما أشعر‬

‫به‪ !..‬ربما شعابٌ مرجانية‪ ..‬تتخطفني‪ ..‬ال‬

‫أعرف!‬

‫باتساع غريب‪ ..‬هذا الذي‬ ‫ٍ‬ ‫ينفتح فمي‬

‫ل��م أع��ه��ده ق��د تجلى ب��ه��ذه المساحة في‬ ‫حياتي‪..‬‬

‫ابتلع كمية كبيرة من المياه‪ ..‬دُوار ال قِ ب َل‬

‫لي به‪ ..‬يُقدِ م‪ ،‬أشياءٌ تشبه الحياة‪ ،‬تعبر‪..‬‬ ‫تمور بي المياه مورا‪..‬‬

‫تعلو من أعماقي القصيّة‪ ..‬صرخة‪..‬‬

‫ك��ف��ي��ل��ة ب��إي��ق��اظ ن���ائ���م ي���غ���طُ ف���ي أقصى‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪51‬‬


‫األرض‪..‬‬

‫يلهو مع آخرين‬

‫أشعر بالصرخة‪ ..‬تضج في المجرة‪،‬‬

‫تعود الدوامة‪..‬‬

‫ترتد‪..‬؛‬

‫أشهق‪..‬‬

‫فكأنها لم تخرج من كوني وحدي‪ ..‬حزينة ال‬

‫أحد يسمعها‪.‬‬

‫ي��ت��ك��ئ��ون ع��ل��ى ط���رف ال���ش���اط���ئ‪ ..‬يتبادلون‬

‫الضحكات الفارهة المبللة باألنس؛‬

‫عيناي ت��ح��اوالن سرقة ش��يء من الحياة من‬

‫بين لحظاتهم‪..‬‬

‫انخفض إلى األسفل رغما‪..‬‬ ‫وجه أمي يلوح لي كبيرا جدا في األفق‪...‬‬ ‫إن��ي أراه��ا اآلن بمعطفها الحريري اللؤلؤي‬

‫الالمع‪ ..‬يأتي وجهها ويختفي كوميض‪..‬‬ ‫يجلسون بعيداً‪ ..‬بعيداً جداً عني‪..‬‬ ‫ليتني الرصيف‪..‬‬

‫ال���س���ي���ارات م���ن خ��ل��ف��ه��م ت��م��ر ع��ل��ى الطريق‬

‫وتمضي‪..‬‬

‫تسحبني األعماق إليها‪ ..‬كوحش ليلي يجر‬ ‫برجل فريسة‪..‬‬ ‫شعري المبلل يغطي نصف الجزء العلوي من‬ ‫وجهي والعينين‪..‬‬ ‫أه����داب����ي‪ ..‬ب��ف��ع��ل ال���م���اء ملتصقة ببعضها‬ ‫بحميمية ن��ادرة‪ ،‬وبين المنفصالت منها غشاء‬ ‫ٍ‬ ‫مائي هالميٌ شفيف‪..‬‬ ‫شفتاي متوترتان كقلب رضيع حديث الوالدة‬ ‫أخ��افَ��ه ال��ج��وع‪ ،‬شفتاي بين شهيق أش��ب��ه بريح‬ ‫عاتية‪ ،‬وزفير أسخن من انبعاثات فوهة بركان‪..‬‬ ‫م ّل التثاؤب‪..‬‬ ‫خوف‬ ‫ٌ‬ ‫ال��ق��ل��بُ ف��ي ف��وض��ىً ع���ارم���ة‪ ..‬ي��ك��ب��ل�� ُه‬ ‫كارثيّ ‪..‬‬

‫الك ُل منشغ ٌل بمصافحة الحياة‪..‬‬

‫يا سعيد‪ ....‬سعي‪ ....‬س‪..‬‬

‫بيني وبينهم أآلف األميال من الشوق‪..‬‬

‫يمر سعيد‪ ..‬بجانب الساحل م��ع صديق‪..‬‬

‫بصوت‪..‬‬ ‫ٍ‬ ‫رفيقة العمر‪ :..‬اهدي لي بنظرة‪..‬‬

‫بأنّة‪..‬‬

‫ال��م��اءُ م��رة أخ���رى‪ ..‬ه��ا ه�� َو يقابلني بوجهه‬

‫الحجري‪..‬‬

‫ال تتضح لي الرؤية‪..‬‬

‫ي��رم��ي بنظرة ت��ج��اه��ي‪ ..‬واف��ق��ت النظرة لحظة‬ ‫انغماس رأسي في الماء‪ ..‬ظن أنني أتمتع‪..‬‬ ‫لحظة مدافعتي للمياه باحثا عن قفزة صوب‬ ‫السطح؛ توارى‪ ..‬لم ينتبه‪..‬‬ ‫مُنذ ذلك الحين وأن��ا ال أ ُصافح البحر‪ ..‬إال‬

‫كأني ألمح المنقذ بزِ يه البرتقالي المعهود‪ ..‬نظرا‪.‬‬ ‫* ‬

‫‪52‬‬

‫كاتب وقاص من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫> مرمي احلسن*‬

‫عقوق‬ ‫يتناول سكيناً كبيرة‪ ،‬يقطع بها لحماً‪..‬‬ ‫يناوله أخته‪:‬‬ ‫ أختاه‪ ..‬اطبخيه لنا‪..‬‬‫تتقاطر دموعها ألماً‬ ‫‪ -‬لماذا تقطع ساق والدي‪..‬؟!‬

‫داء العشق‬ ‫يناديها من خلفها‪ ..‬بدون مقدمات‪:‬‬ ‫أحبك‪..‬‬ ‫تنظر إليه بقلبها الذي عانق قلبه‪..‬‬ ‫تطفر دمعتها‪ ،‬تمسحها‪..‬‬ ‫فتجد كفها غارقة بالدماء‪..‬‬

‫خائن‬ ‫يدخل قاعته‪ ..‬يتقدم لألمام‪..‬‬ ‫ينظرون إليه في إجالل‪..‬‬ ‫نظراتهم رحيمة‪..‬‬ ‫لكن قلوبهم سوداء‪..‬‬ ‫يحملون كؤوس الشراب بأصابع مقطعة‪،‬‬ ‫يخدمهم‪..‬‬ ‫فيمتص دماءهم‪...‬‬

‫ذبول‬ ‫ينتظر طيفها عبر األثير‪..‬‬ ‫تسمو في السماء غيمة فرح‪..‬‬ ‫* ‬

‫تختلج نفسيته بمزيج من مشاعر‪..‬‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫قصص قصيرة‬

‫يهتف بأعلى صوته‪:‬‬

‫أحبك يا زهرتي الجميلة‪..‬‬ ‫تخيب آمالها‪:‬‬

‫الزهرة الجميلة مصيرها الذبول‪..‬‬

‫يمتنع عن الرد‪ ..‬فلم يشاهد يوماً‬ ‫زهوراً لها عمر مديد‪.‬‬

‫عجز‬ ‫ينادي بصوت عميق‪..‬‬

‫ال يسمعه أحد‪ ..‬يفقد األمل‪..‬‬

‫يغمض جفنيه ينتظر الخالص‪..‬‬

‫من كل صوب يأتيه الفرج‪..‬‬

‫ينعم بحياة رغيدة‪..‬‬

‫يخط الشيب راسماً عدد السنين‪..‬‬

‫يبدأ العد التنازلي‪..‬‬

‫فيبكي الطفل طالباً حنان األم‪.‬‬

‫تطهر‬ ‫تقف تحت شالل من مياه الجبال‬

‫تنحدر عليها بسهولة‪...‬‬

‫تتدفق بغزارة‪ ..‬باردة كالثلج‪..‬‬ ‫نقية كأمطار السماء‪..‬‬

‫علها تطهر نفساً أثقلتها الذنوب‪..‬‬ ‫فتغادرها بمالبس جافة‪..‬‬

‫قاصة من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪53‬‬


‫عندما تنتحر «جوف»‬ ‫> إلهام عقال البراهيم*‬

‫المجهول‪ ..‬كلمة نخاف منها ونخشاها‪ ..‬ما هو الغد؟ هل نخشاه؟! ول��م��اذا؟! قد يكون الغد‬ ‫مشرقا‪ ..‬فبالتأكيد‪ ..‬وقد يكون هنالك مجال للحب والعطاء والتضحيات الالمحدودة‪ ..‬ولكن لنبعث‬ ‫الفرصة ألنفسنا لنحيا‪..‬‬ ‫كان يقود سيارته بتوتر ملحوظ‪ ،‬يداه تتشبتان‬ ‫بالمقود بقوة كبيرة‪ ..‬كيف وص��ل إل��ى هنا؟ سأل‬ ‫نفسه هذا السؤال مرارا وتكرارا‪ ..‬إلى أي حد أراد‬ ‫أن يصل؟!‬

‫رحمة وبعدين‪.‬‬ ‫ع��اد ال��ص��وت وخفت م��ن ج��دي��د‪ ..‬رك��ز السمع‬ ‫جيدا‪..‬‬ ‫ ال‪ ..‬ال‪ ..‬ما أق��در‪ ..‬وش أستفيد؟ خايفة يا‬‫رحمة خايفة‪ ..‬ما أبيه‪ ..‬ما أبيه‪..‬‬

‫ينظر من النافذة‪ ..‬وكأن ال شيء أمامه سوى‬ ‫ابنته الوحيدة شموخ‪ ..‬يبدو أن الزمن حكم عليهم‬ ‫فكر فواز طويال‪ ..‬ما هو الشيء الذي ال تريده؟‬ ‫ب��ال��ض��ي��اع!! وق��ف على متجر صغير‪ ،‬أخ��ذ بعض‬ ‫سمع ص��وت بكائها من خلف الستارة‪ ..‬تمنى أن‬ ‫ال��ح��ل��وي��ات‪ ،‬وح��م��ل ب��ال��ون (ل��ول��وك��االت��ي)‪ ،‬وخرج‬ ‫يراها‪ ..‬وفي هذه األثناء استيقظت ابنته‪ ..‬فقال‬ ‫لسيارته‪ ..‬وصل إلى المستشفى‪ ،‬وسار في ممراته‬ ‫وهو يقبلها‪:‬‬ ‫الضيقة‪ ..‬نظر إل��ى ال��ب��اب‪ ..‬إن��ه��ا غ��رف��ة ابنته‪..‬‬ ‫أخيرا صحت األميرة!!‬ ‫أزاح الستارة ودخ��ل‪ ..‬كانت ابنته تغط في سبات‬ ‫قالت الطفلة بتملل‪..‬‬ ‫عميق‪..‬‬ ‫جلس يتأملها‪ ..‬لقد طالت مدة االنتداب‪ ،‬وهذه‬ ‫الطفلة المسكينه‪ ..‬ما ذنبها؟! ولكنه ساءل نفسه‪..‬‬ ‫ما ال��ذي تقولينه يا شموخ‪ ..‬هل أجبرك أحد‬ ‫م��ن لها بالقصيم أص�ل�ا؟؟ ل��م يستطع أن يدعها على القفز والشيطنة‪..‬؟؟‬ ‫ه��ن��اك‪ ..‬ف�لا أح��د يثق ب��ه‪ .‬ال ب���أس‪ ..‬فمدرستها‬ ‫فتحت شموخ كيس الحلوى وبدأت تلتهم منه‪..‬‬ ‫قريبة من مقر عمله‪ ..‬وشموخ ليست طفله‪ ..‬إنها‬ ‫فقال لها والدها مبتسما‪:‬‬ ‫بالسنة الثانية في المدرسة‪ ..‬هكذا قال‪ ..‬ما أقسى‬ ‫من التي معك في الغرفة؟‬ ‫الحياة‪ ،‬لقد أخذت منه كل جميل حتى زوجته التي‬ ‫قالت غير مبالية وه��ي تنزع ال��ورق من حلوى‬ ‫أحبها‪ ..‬لقد رحلت‪ ..‬لم يكن يعلم‪..‬‬ ‫قطع عليه حبل أفكاره صوت رقيق‪ ..‬من السرير حمراء بيدها‪:‬‬ ‫‪ -‬بابا‪ ..‬مللت‪ ..‬أرغب العودة للمدرسة‪..‬‬

‫ا لمجاور‪..‬‬

‫‪54‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫من؟ جوف!!‬


‫‪ -‬نعم‪ ..‬يا حرام‪ ..‬كل يوم تصرخ وتصيح‪.‬‬

‫لن يوافق أخوي‪..‬‬

‫لماذا؟‬

‫لماذا؟؟‬

‫ال أدري‪..‬‬

‫صمتت طويال ثم قالت‪:‬‬

‫بقيت الطفلة تعبث بحلواها وبالونها الوردي‬ ‫الزاهي‪ ..‬ع��اودت ف��واز أمنية رؤيتها‪ ..‬كان هناك‬ ‫قال وهو يمسح دمعة مجروحة تحاول الهروب‪:‬‬ ‫ثقب صغير في الستارة‪ ..‬ومنه لمح وجهها‪ ..‬كانت‬ ‫لماذا لم تفصحي بذلك ونحن على الخط؟؟‬ ‫تشرد بعيدا‪ ..‬وجهها أبيض صغير‪ ..‬فمها صغير‪..‬‬ ‫أنفها أخنس جميل‪ ..‬شعرها أسود كث إلى ذقنها لماذا تسليت بي؟! لماذا‪ ..‬أهذا جزائي «!! تمنيت‬ ‫أن يكون لي ول��د‪ ..‬ول��د منك أن��ت ب��س‪ ..‬منك يا‬ ‫تماما‪.‬‬ ‫«جوف»‪ ..‬لكن‪..‬‬ ‫بدأ يراقب تصرفاتها يوميا‪ ..‬وأراد أن يجرب‬ ‫بلع ريقه ثم قال‪:‬‬ ‫حظه‪ ،‬فبعث لها بورقة مع ابنته الصغيرة‪ ..‬فقبلت‬ ‫عرضه‪..‬‬ ‫مع السالمة‪..‬‬ ‫‪ -‬قبيلتنا يا فواز ال تتزوج من قبيلتكم‪..‬‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫اسمها جوف!!‬

‫قالت وهي تغمض عينيها‪..‬‬

‫ازدادت عالقتهما‪ ..‬فكان يجلس معها‪ ..‬وكأنها‬ ‫وصل إلى القصيم هو وابنته‪ ..‬وفي قلبه ألف‬ ‫فرد من أفراد أسرته‪ ..‬أحبت «جوف» فوازاً وتعلقت جرح وجرح‪ ..‬قالت له ابنته عندما دخال المنزل‪:‬‬ ‫به‪ ..‬لم تكن تريد أن تستفيق أبدا‪ ..‬جاءها ذات يوم‬ ‫أبي هذا المغلف لك‪..‬‬ ‫وهو متضايق فقالت له بحب‪:‬‬ ‫نظر إل��ى المغلف‪ ..‬وفتحه بأنامل مرتجفة‪..‬‬ ‫ما بك‪..‬؟؟‬ ‫وبدأ يقرأ‪:‬‬ ‫أجابها بغضب‪:‬‬ ‫(فواز‪..‬‬ ‫خالص‪ ..‬ما في شيء‪..‬‬ ‫أن���ا أح��ب��ك‪ ..‬أق��س��م ل��ك إن��ن��ي أح��ب��ك‪ ..‬ولكن‬ ‫طال صمتها‪ ..‬فقالت أخيرا بصوت قوي‪:‬‬ ‫األق��دار تقف دوما في وجهي‪ ..‬ها هي ظروفي‪..‬‬ ‫عادي‪..‬‬ ‫كنت تتمنى طفال مني‪ ..‬لقد كذبت عليك بشأن‬ ‫القبائل‪ ..‬فقبيلتك هي قبيلتي‪ ..‬ولكن أعلم أن في‬ ‫نظر إليها ثم قال متعجبا‪:‬‬ ‫جوفي ورم بشع ينمو في رحمي ويكبر‪ ..‬ال أستطيع‬ ‫ع��ادي‪ ..‬يا جوف؟ وأن��ا؟؟ وعالقتنا؟؟ وحبنا؟؟‬ ‫أن أمنحك أي شيء‪ ..‬أتمنى لك السعادة مع امرأة‬ ‫وأحالمنا؟؟ وشموخ؟؟ أين هذا كله؟؟!!‬ ‫تمنحك كل ما تحتاج إليه‪ ..‬ال تعد‪ ..‬العملية بعد‬ ‫قالت مبتسمة‪:‬‬ ‫يومين‪ ..‬فقد أكون في عداد األموات‪ ..‬أنت الشيء‬ ‫أعندك حل؟؟‬ ‫الوحيد في حياتي‪ ..‬أحبك‪ ..‬جوف)‪.‬‬ ‫أجابها وهو يحدق عينيه بعينيها مباشرة‪..‬‬ ‫أغ��م��ض ف���واز عينيه‪ ..‬ت��ارك��ا دمعهما ينسكب‬ ‫* ‬

‫نتزوج‪ ..‬وتذهبين معي للقصيم‪.‬‬

‫ليغسل جوفه الذي قتلته جوف‪..‬‬

‫قاصة من السعودية ‪-‬الجوف‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪55‬‬


‫ع ّلم‬ ‫امل ِ َ‬ ‫> طاهر البهي*‬ ‫انتابت (المِ علم) صاحب المقهى فرحة غير‬ ‫عادية‪ ،‬بزبائن غير عاديين من المشاهير‪ ،‬الذين ال‬ ‫يراهم إال على شاشات التليفزيون‪ ،‬وعلى صفحات‬ ‫الصحف التى يتباهى بأنه من قرائها‪.‬‬

‫مجرد أفكار‬

‫دخ���������ل ال�������رج�������ل على‬ ‫ال��ط��ب��ي��ب ال��ن��ف��س��ي ليحكي‬ ‫م��ش��ك��ل��ت��ه‪ ،‬ش��ي�� ًئ��ا (م����ا) كان‬ ‫أراد المعلم أن يكون احتفاؤه بزبائنه الجدد يجعل الطبيب يميل برأسه‬ ‫الالمعين‪ ،‬الئقًا بهم‪ ،‬فبدأ يهرول بجثته الضخمة‪ ،‬بعيدًا عن الشاب وهو يتكلم‪،‬‬ ‫وطولـه الفارع‪ ،‬وشاربه الكَثّ ؛ لتوضيب (القاعدة) وحركة ال شعورية جعلته يضع أصابع يده بالقرب‬ ‫بنفسه‪.‬‬ ‫من أنفه‪.‬‬ ‫بدأ يشخط وينطر في صبيانه وعمالـه من أجل‬ ‫سألـه الطبيب‪ :‬م َّم تشتكي؟‬ ‫سرعة تلبية أوامر البكوات‪.‬‬ ‫قال الشاب بكل ثقة‪:‬‬ ‫ور ّدًا للتحية المبالغ فيها‪ ،‬طلب منه المشاهير‬ ‫مجرد أفكار (خاطئة) يا دكتور‪ ،‬أحيانًا يتهيأ لي‬ ‫أن يشاركهم (القعدة)‪.‬‬ ‫بأن شكلي وحش‪ ..‬وأحيانًا يتهيأ لي بأن (رائحتي)‬ ‫من فرحته جلس على أق��رب مقعد‪ ،‬ولكنه لم‬ ‫كريهة‪....‬‬ ‫ينتبه إلى أن أحد صبيانه كان قد حرّكه قليالً‪..‬‬ ‫قاطعه الطبيب منفعالً‪:‬‬ ‫فسقط المِ علّم‪ ..‬وضاع (البريستيج)!‬

‫إال واحدة!‬ ‫دَخَ لت العيادة النفسية متوجسة‪..‬‬ ‫صاح الجميع فى وجهها‪:‬‬ ‫أخرجى برّه!‬ ‫إال واحدة‪..‬‬ ‫ألحّ ت فى أن تُفسح لـها مكانًا‪ ..‬بل أن تمنحها‬ ‫مكانها‪ ..‬اطمأنت لـها وجلست‪..‬‬ ‫فوجئت بالفتاة تجلس على ركبتيها وتحتضنها‬ ‫فى لطف وتغمرها بوابل من القبل!‬ ‫* ‬

‫‪56‬‬

‫قاص من مصر‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫ال يا بني‪ ..‬أؤكد لك‪ ،‬بأنك لست مريضاً‪!..‬‬

‫لمعــة‬ ‫قال المدير لسكرتيرته‪:‬‬ ‫هل تتزوجيني يا عسل؟‬ ‫ثم ق��ال ‪ -‬وه��و يصف عينيها لحظة سماعها‬ ‫للنبأ‪ :-‬إن عينيها كانتا تلمعان (فرحً ا)‪.‬‬ ‫وب��ع��د خ��م��س س��ن��وات م��ن ال����زواج اك��ت��ش��ف أن‬ ‫عينيها كانتا تلمعان (طمعًا)‪.‬‬ ‫وبعد عشر سنوات (دمعت) عيناه ندما‪!..‬‬


‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫وميضي اخلوف‬ ‫> محمد صباح احلواصلي*‬

‫ما إن غربت شمس القرى البعيدة‪ ،‬حتى اجتاحت الظلمة قرية «قلدون»‬ ‫التي تهجع نائية وراء المدى المنسي‪ ،‬بعيدا عن الطريق العام الذي يصل‬ ‫دمشق بالنبك‪ .‬ظلمة هادئة لم آلفها في مدينتي دمشق‪ .‬وهذا ما زاد من‬ ‫قلقي وخوفي على أخي ماجد الذي خرج مع إبراهيم ابن العم عطا إلى‬ ‫البرية من باكورة الصباح‪.‬‬ ‫قلت للعم عطا وكان قد وصل لتوه من الكرم‪:‬‬ ‫«ماجد وإبراهيم لم يعودا من البرية!»‬

‫أن يكون في كالمه الكثير من الصحة والصدق‪.‬‬ ‫تبعته وهو يُدخل حماره الحظيرة‪ ،‬وجعلت أرقبه‬

‫وه���و ي��ف��ك س��رج��ه ال��م��ه��ت��رئ‪ ،‬وق���د ام��ت�لأ أنفي‬

‫لم يب ُد عليه القلق‪ ،‬بل اكتفى بأن أشار بيده برائحة التبن وروث ال��دواب‪ .‬قال لي وهو يدفع‬ ‫بحركة متعبة قائال‪:‬‬ ‫السرج من على ظهر الحمار‪:‬‬ ‫«حيرجعوا‪ ..‬ما تنشغل»‪.‬‬ ‫«أنا خائف عليهما من الليل والذئاب»‪.‬‬ ‫«الليل ال يخيف‪ ..‬والدرب آمنة»‪.‬‬ ‫ن��ث��ر ك�ل�ام ال��ع��م ع��ط��ا ف��ي ن��ف��س��ي ش��ي��ئ��ا من‬ ‫االطمئنان‪ ،‬فهو فالح خبر قريته وليلها‪ ،‬وال بد‬

‫«ال��ل��ي��ل ال يخيف‪ .‬أن��ت��م فقط أه��ل المدينة‬

‫تجعلونه مخيفا‪ .‬نحن الفالحين ال نخاف من‬ ‫ال��ل��ي��ل؛ ألن��ن��ا ن��ع��رف��ه ج��ي��دا وأل��ف��ن��ا ظلمته‪ .‬أما‬

‫أنتم فتخافون من الليل؛ ألنكم ال تعرفونه‪ .‬لقد‬ ‫بددتموه ب��األن��وار‪ ..‬فأصبحتم ال تعرفونه على‬

‫حقيقته‪ ،‬وع��ن��دم��ا تلقونه ف��ي ال��ق��ري��ة بظلمته‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪57‬‬


‫«لننتظر مجيء ماجد وإبراهيم كي يتعشيا‬ ‫وهدوئه‪ ،‬تحسبونه وحشاً سيفترسكم‪.‬‬ ‫كنت ف��ي س��ن أس��م��ع فيه ك��ث��ي��را‪ ،‬وأت��ق��ب��ل ما معنا»‪.‬‬ ‫«سيعودان قبل أن تنتهي أم إبراهيم من إعداد‬ ‫أسمع‪ ،‬وما أقل ما أقول‪ .‬وأنا اآلن عندما أعود‬ ‫بذاكرتي إلى الطفولة أجد تلك الليلة القروية العشاء»‪.‬‬ ‫ماثلة أمامي بوضوح محرِّض‪ ..‬وكأنها تتباهى‬ ‫عجبت لوثوق العم عطا من عودتهما‪ .‬وثوق‬ ‫بسلطانها على طفولتي‪ ،‬وبتميزها عن كثير من يدل على أنه ال مكانة للقلق في صدره‪ ..‬فتمنيت‬ ‫الذكريات‪.‬‬ ‫أن أكون مثله‪ ،‬رجال ال يخاف الليل وال يقلقه‪.‬‬ ‫ُعرف‬ ‫جعلت أق��ل��ب ك�لام ال��ع��م ع��ط��ا‪ ،‬ال���ذي ي ُ‬ ‫بين أهلي بالبساطة والسذاجة أحيانا‪ ،‬فوجدته‬ ‫معلما نادر المثال‪ .‬لقد تعلمت منه كيف أتغلب‬ ‫على الخوف‪ ..‬وأن الليل جميل وآمن‪ .‬كنت أنصت‬ ‫إليه بامتثال‪ ،‬وهو يحدثني عن الظالم‪ .‬وعندما‬ ‫أسترج ُع كلماته اآلن أشعر بفرادتها‪ ،‬وأعجب‬ ‫كيف ت��ص��در ع��ن ق���روي بسيط‪ .‬ك��ان��ت تجربته‬ ‫الخالصة هي التي تنطق فيه‪ .‬فالعم عطا يقول‬ ‫ما يجرب ويرى ويحس‪ ..‬فالح خبر الليل ودروبه‪،‬‬ ‫واه��ت��دى بقمره ونجومه‪ ..‬وأدرك بأعماقه أنه‬ ‫أليف وآمن‪.‬‬ ‫«ولماذا نخاف الليل يا ولدي؟»‬ ‫قلت له وكان واضحا أنني ألتمس منه إجابة‬ ‫تبدد خوفي من الليل‪:‬‬ ‫ «ألن الجان تخرج في الليل»‪.‬‬‫ضحك ال��ع��م عطا م��لء ش��دق��ي��ه‪ ،‬وق���ال وهو‬ ‫ينظر إليَّ مستنكرا بعينين صقريتين‪ ..‬بيد أنهما‬ ‫مترعتان بالحب والبساطة‪:‬‬ ‫ « يا بني‪ ..‬وماذا ستفعل الجان بالفالحين‬‫البسطاء؟ إننا نتعب ونشقى طوال النهار لنحصل‬ ‫على لقمة العيش‪ ،‬فماذا تريد الجان منا؟ «ثم‬ ‫ضحك وأمسك بيدي ون��ادى‪ « :‬يا أم إبراهيم‪..‬‬ ‫أعدِّي العشاء‪ ،‬فضيفنا جائع»‪.‬‬

‫‪58‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫دخ���ل ال��ع��م ع��ط��ا ال��ح��ج��رة‪ ،‬ف��وج��دت نفسي‬ ‫وحيدا في عتمة حوش ال��دار الذي تسرب إليه‬ ‫نور مصباح الكاز من نافذة الحجرة‪ ،‬نور ضئيل‬ ‫يكاد ال يبين‪ ،‬بيد أنه يؤنس النفس ويشيع فيها‬ ‫االطمئنان‪ .‬بلغت باب الحوش الخارجي وجعلت‬ ‫أرم��ق��ه ب��ت��ردد‪ .‬بلعت ري��ق��ي ورف��ع��ت ن��ظ��ري إلى‬ ‫السماء‪ .‬كانت النجوم تبرق واضحة‪ ..‬وقد بدا‬ ‫القمر وكأنه يترقب مني أن أقوم بالخطوة التالية‪.‬‬ ‫ويشق صوت العم عطا سكون الليل‪:‬‬ ‫���ش ح����ول ال�����دار ري��ث��م��ا ينتهي‬ ‫«أخ�����رج وت���م َّ‬ ‫العشاء»‪.‬‬ ‫التفتُّ إلى مصدر الصوت وقلت بنبرة تتظاهر‬ ‫بالشجاعة‪:‬‬ ‫«حاضر يا عم عطا‪ ..‬سأفعل»‪.‬‬ ‫دفعت رتاج الباب الخشبي وخرجت‪ .‬صدمتني‬ ‫ظلمة حالكة‪ .‬أمعنت النظر في الديجور‪ ..‬فتملكني‬ ‫إحساس أن ال محيد عن الخوف‪ .‬عجبت كيف‬ ‫ٌ‬ ‫أن العم عطا ال يخاف الليل‪ .‬أت��راه ك��ان يهذي‬ ‫عندما حدثني عن أم��ن الليل وه��دوئ��ه؟ هدوؤه‬ ‫بالذات يضاعف إحساسي بالخوف‪ ،‬فلو كان ثمة‬ ‫حركة آدمية من حولي لما خفت خوفي هذا‪ .‬لكن‬ ‫هذا كله لم يمنعني من أن أقوم بالخطوة التالية‪..‬‬ ‫وقد أرهفت سمعي تأهبا ألي مباغتة تنشب في‬


‫الظالم‪ .‬ظللت أتقدم إلى أن غرقت في العتمة‪.‬‬ ‫كنت أسمع خطوات قدمي وهما تدوسان تراب‬ ‫األرض المحصاة‪ .‬كانت خطواتي أنيسي الوحيد‪.‬‬ ‫كل خطوة فيها من اإلقدام والشجاعة ما ال عهد‬ ‫لي به من قبل‪ .‬لم أكف عن التقدم‪ ،‬وكان خوفي‬ ‫ح��اول��ت أن أرف���ع ق��دم��ي ف��ل��م أس��ت��ط��ع‪ .‬لقد‬ ‫يتعاظم‪ ،‬وكنت أنتظر اللحظة التي سينعدم فيها أمسيت عاجزاً عن أن أتقدم خطوة واحدة‪ .‬ولكن‬ ‫الخوف في داخلي‪ ،‬لهذا كنت أردد كلمات العم عليَّ أ ّال أستسلم‪ .‬يجب أن أخطو بكل شجاعة‬ ‫عطا‪ ..‬أردده���ا ألنني آمنت بها‪ ،‬ول��و كنت غير ول��و ك��ان ه�لاك��ي‪ .‬ب��ل يجب أن أرك��ض ف��ي قلب‬ ‫مؤمن بها لما عرَّضت نفسي لهذه المجازفة‪.‬‬ ‫الليل‪ ،‬ولن أتنازل عن هذه التجربة العظيمة التي‬ ‫لقد تجاوزت قلقي على أخي وإبراهيم‪ .‬وكيف ستجعلني رجال‪.‬‬ ‫ال أتجاوزه وقد أصبحت بنفسي مطوقاً بالخوف‪.‬‬ ‫وفعال خَ ��طَ ��وت‪ ..‬بل هَ مَمت أن أرك��ض! وما‬ ‫شعرت وكأنني قد قضيت وقتا طويال في أعماق أروع تلك اللحظة التي بدا األمر فيها في غاية‬ ‫الليل‪ ،‬وأن��ن��ي ال ب��د أن أك��ون ق��د ابتعدت كثيرا السهولة‪ .‬ركضتُ وعانقتُ الليل بانتشاء! أحسستُ‬ ‫عن ال��دار‪ .‬التفت خلفي ألرى بوابة الحوش ال أنني فُ��زتُ بالرجولة‪ ..‬فغنيتُ ‪ ..‬غنيت بصوت‬ ‫تبتعد عني إال بضعة أمتار‪ .‬أخذت نفسا عميقاً‪ ،‬عال‪ .‬ثم جاءت اللحظة التي كنت منصرفاً عنها‬ ‫ووطدت العزم على أن أثابر على تحدي الخوف على الرغم من أنني كنت أنتظرها بفارغ الصبر‪..‬‬ ‫م��ن ال��ظ�لام‪ .‬ال��ل��ي��ل ك��م��ا ق���ال ل��ي ال��ع��م ع��ط��ا ال فقد تناهى إليَّ من بعيد صوت ماجد وإبراهيم‬ ‫يخيف‪ ..‬إنما نحن الذين نجعله مخيفاً‪.‬‬ ‫وهما يغنيان‪.‬‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي��������رة‬

‫وتسمرت قدماي في األرض من شدة الخوف‪.‬‬ ‫كادت تنهار خطواتي كلها التي بذلتها في شرخ‬ ‫الخوف‪ ،‬ومع ذلك كان ما يزال في أعماقي صوت‬ ‫غير هياب يحثني على أن أتجلد‪.‬‬

‫جعلت أتقدم خطوات أكثر جرأة‪ ،‬وال أخفيكم‬ ‫ركضت ص��وب ال��ص��وت وأن��ا أناديهما بفرح‬ ‫أنني كنت خائفاً حتى ال��م��وت‪ ،‬بيد أنني بدأت عامر‪:‬‬ ‫أمقت خوفي‪ ،‬وانتابتني رغبة صادقة بأن أتحرر‬ ‫«ماجد‪ ..‬إبراهيم‪.».‬‬ ‫منه‪ .‬كنت أشجع نفسي وأمنيها األماني العراض‪،‬‬ ‫وجعلت أردد معهما أغنية الصباح‪ ،‬واتحدت‬ ‫بأنني لو تغلبت على الخوف من الليل‪ ،‬فإنني ال‬ ‫أصواتنا النحيلة في عمق العتمة‪.‬‬ ‫محالة سأصبح أكثر صبيان الحارة شجاعة‪.‬‬ ‫ومن بعيد ‪ -‬من بعيد حقا ‪ -‬جاءنا نداء العم‬ ‫وصرف‬ ‫ٌ‬ ‫وجعلت أغني‪ ..‬ففي الغناء مؤانس ٌة‬ ‫للخوف‪ .‬وجدت نفسي أردد أغنية كنا أنا وماجد عطا‪:‬‬ ‫وإب��راه��ي��م نغنيها عند الصباح ال��ب��اك��ر‪ ..‬ونحن‬ ‫«يا أوالد‪ ..‬تعالوا للعشاء»‪.‬‬ ‫ممتطون ظهر حمار عطا قاصدين أشجار الجوز‬ ‫وبصوت واحد صرخنا ثالثتنا‪:‬‬ ‫عند م��ش��ارف ال��ق��ري��ة‪ .‬وبغتة تناهى إل���يَّ عواء‬ ‫«إننا قادمون»‪.‬‬ ‫ذئب تبعه نباح كالب‪ ،‬فانقطع الغناء في حلقي‪،‬‬ ‫* ‬

‫قاص من سوريا‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪59‬‬


‫أغنية في وجه اخلناجر‬ ‫> الشاعر شتيوي الغيثي*‬ ‫ح���دّ ث���ي���ن���ي ع�����ن ال�����ه�����وى حدثيني‬ ‫�������ع خ����دّ ي‬ ‫وازرع���������ي قُ ���ب���ل���ةً ع���ل���ى دم ِ‬ ‫وأع�����ي�����ري ال����م����س����اء ل����ون���� ًا ج����دي����د ًا‬ ‫جميل‬ ‫ٍ‬ ‫واج��ع��ل��ي��ن��ي أص���ح���و ك��ط��ف��ل‬ ‫����د) أن�����ا س���أح���ي���ا طوي ًال‬ ‫م���ث���ل (ن����ج ٍ‬ ‫������ت أح���ل���ى قِ ����دِّ ي����س����ةٍ ف����ي حياتي‬ ‫أن ِ‬ ‫����ك‬ ‫�������أي ش�����يء أن����ادي ِ‬ ‫����ت أدري ب ِّ‬ ‫ل����س ُ‬ ‫��������ت ف�����ي خ��ل�اي����ا ف�������ؤادي‬ ‫ق�����ط�����رةٌ أن ِ‬ ‫�������ت ف�����ي رم�������ال ضميري‬ ‫ن���خ���ل���ةٌ أن ِ‬ ‫أن������ت أن�������دى ق���ص���ي���دة ف����ي ح���روف���ي‬ ‫ب���ي���ن ع���ي���ن���ي���ك واح��������ة م�����ن ض���ي���اءٍ‬ ‫أب����ح����ر ال����ح����ب ن���ح���و م���ي���ن���اء قلبي‬ ‫ف���ي ص��خ��ور ال���ه���وى ن��ق��ش ُ��ت حروفي‬ ‫ك�����ل ع����ص����رٍ غ����نّ����ى ب���ح���ب���ك ش����ع����ر ًا‬ ‫ع��لّ��م��ي��ن��ي ك��ي��ف ال��ع��ص��اف��ي��ر تبكي؟!‬ ‫خ��ن��ق��وا ال��ب��ل��ب��ل ال�����ذي ف���ي لساني‬ ‫ذب����ح����ون����ي (رب�����ع�����ي) ب��ل�ا أي ُج������رمٍ‬ ‫�����ي ال�����ه�����وى أن����������ا‪ ..‬غ����ي����ر أنّ�����ي‬ ‫ع�����رب ُّ‬ ‫����ح‬ ‫��������ي أن����������ا ل�����س�����ان�����ي ف����ص����ي ٌ‬ ‫ع��������رب ٌّ‬ ‫َض���يّ���عَ���تْ���ن���ي ال���ح���ي���ا ُة ش����رق���� ًا وغ���رب��� ًا‬ ‫����د‬ ‫ح���ي���ن ت��ب��ق��ى ال���ح���ي���اة أح����ج����ار رن ٍ‬ ‫���ن‬ ‫(دَثّ ������رِ ي������ن������ي) ف��������إنّ ق���ل���ب���ي ح���زي ٌ‬ ‫���ض‬ ‫ك�����ت�����بَ ال�����ل�����ه أن ن�����ك�����ون ل���ب���ع ٍ‬ ‫* ‬

‫‪60‬‬

‫شاعر من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫السنين‬ ‫ِ‬ ‫ي����ا ح��ن��ي��ن��ي وي������ا ح���ن���ي���ن‬ ‫ازرع������ي������ه������ا ل����ي����س����ت����ري����ح ج���ن���ون���ي‬ ‫الجفون‬ ‫ِ‬ ‫ف��ال��م��س��اءُ ال��ج��م��ي��ل ف����وق‬ ‫غ����س����ل����وا وج�����ه�����ه ب�����م�����اء ال���ح���ن���ي ِ���ن‬ ‫ح��ي��ن ف���ي ال���ح���ب دائ���م��� ًا تمطريني‬ ‫ف���اس���ك���ن���ي ف����ي ق���ص���ي���دت���ي وعيوني‬ ‫���ون؟!‬ ‫ب����زه����ر ال����ح����ي����اة‪ ،‬أم ب���ال���غ���ص ِ‬ ‫������������������زال ي�����ح�����ت�����ل ك��������ل ع����ري����ن����ي‬ ‫ٌ‬ ‫وغ‬ ‫�����ون‬ ‫ف�����اس�����ت�����ق�����ري ك�����غ�����اب�����ة ال�����زي�����ت ِ‬ ‫���زون‬ ‫أن�����ت ل���ح���ن ف����ي ص���وت���ي ال���م���ح ِ‬ ‫����ون‬ ‫�������اك ع�����ط�����رٌ م������ن ال����ل����ي����م ِ‬ ‫وش�������ف ِ‬ ‫ف���ل���م���اذا ال ت��ص��ب��ح��ي��ن سفيني؟!‬ ‫ك�������لُّ ن����ق����ش ت���������ذوب ف����ي����ه سنيني‬ ‫����رون‬ ‫ه����و ع����ص����ري وع����ص����ر ك����ل ال����ق ِ‬ ‫���ن‬ ‫ف������أن������ا ب�����ي�����ن ن�����اس�����ن�����ا ك���س���ج���ي ِ‬ ‫وع�����ل�����ى ج�������ذع ح���ل���م���ن���ا صلبوني‬ ‫ف���ل���م���اذا ي�����ا(ع�����زوت�����ي) ذب���ح���ون���ي؟!‬ ‫ب�����ال�����رم�����اح ال����ت����ي م����ع����ي طعنوني‬ ‫ف����ل����م����اذا م�����ن أرض�����ن�����ا ط�����ردون�����ي؟!‬ ‫و َْح������������ َد ُه ق���ل���بُ���ك ال�������ذي يحتويني‬ ‫بالمجنون‬ ‫ِ‬ ‫ي���س���ت���وي ال����ع����اق����ل����ون‬ ‫وأن�����ا ال����ح����زنُ ف���ي ع���ي���ون ال���ح���زي���ن ِ‬ ‫ف���ت���ع���ال���ي ي������ا م���ن���ي���ت���ي عانقيني‬


‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫بكائية آلخر الليل‬ ‫> د‪ .‬يوسف العارف*‬ ‫(‪ ...)1‬وكم من الوقت يمضي‬

‫وأغصان قلب نمت باتجاه‬

‫ونحن نجدد أنفاسنا في الهزيع األخير‪..‬‬

‫المواجع‪،‬‬

‫قول‬ ‫من الليل‪ ،‬في النسق اآلفل ذاتَ ٍ‬ ‫وف��ي اللغة – إل –كانت بريدا بيننا‪ ،‬في‬ ‫آخر الليل‪،‬‬ ‫وأول هذا المساء المتفرد‪..‬‬ ‫بالوجع األليم!!‬ ‫(‪ ..)2‬‬

‫وكم من الوقت شاخ؟!‪.‬‬

‫حتى طواها األفول!!‬ ‫(‪ ..)3‬وكم ظل ينسجنا الوقت في غيِّهِ ‪..‬‬ ‫فاستحالت رؤانا بكاءً ‪..‬‬ ‫يدوزنه آخر الليل‪ ،‬تحكيه آالمنا‪..‬‬ ‫في الهزيع األخير‪..‬‬

‫وشاخت سنابله‪ ،‬ذلك الوقت‬

‫وتحمله أوجاعنا كي نغيب‪..‬‬

‫المتاح ألسئلة الوجع الليلكي!!‬

‫ولكننا ال نغيب!!‬

‫وشاخت بنا مفردات التأمل‪ ،‬حتى‬ ‫غدت هذه المفردات حطاما‪،‬‬ ‫وشاخت بالبل كانت تجيء صباحا‬ ‫فيورق منها الهديل‪...‬‬

‫(‪ ...)4‬هزيع أخير‪ ،‬ونحن نلملم أوجاعنا‪..‬‬ ‫نكتبها خلسة‪..‬‬ ‫علَّ فيض ًا من الله يحملنا‪..‬‬

‫ولكنها لم تعد تُموسقُ ذاك‪..‬‬

‫للفض ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــاء‬

‫الهديل على شجر الروح‪..‬‬

‫الرحيب!!‬

‫* ‬

‫شاعر من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪61‬‬


‫دائرة البوح‬ ‫> حمدي هاشم حسانني*‬ ‫ال أنت ريح وال‬

‫وشادية الحمام‬

‫عيناك مدخل بهجتي‬

‫في مزارات البنفسج‬

‫قدبُحت قبلك للبراح‬

‫أنت جالسة‬

‫جلست ممتلئا هوى‬

‫فهال تفتحين الباب‪..‬‬

‫وزفرت وجدا دافئا‬

‫كي يأتي المحب‬

‫وحكيت قصتنا معا‬ ‫فاخضر ريحان األسى‬ ‫وتبدل الغيم العقيم‬ ‫فصار يمطر في شعابي‬ ‫ما أشاء‪..‬‬ ‫أنا أحبك‪..‬‬ ‫لم يعد في العمر غير نُسيمة‬ ‫و ُبعَيض أنفاس ٍ‬ ‫أحبك‬

‫حتى أرى رقص العبير‬ ‫على الغدير‪..‬‬ ‫تبسمي‬ ‫ّ‬ ‫كي تضحك األشجار لي‪..‬‬ ‫أرجوك‪..‬‬ ‫ال‪ ..‬ال ترحلي‪..‬‬ ‫فمواكب الشمس استعدت‬

‫آخر الكلمات عندي‬

‫كي تبثك نبض لهفتها‬

‫فاشهدي ميالد بوحي‬

‫أجيبي‬

‫وارقبي لحظات فرحي‬

‫أنت ريح‬

‫وادخلي صرحي ونامي‬

‫أم نسيم‬

‫أنت مرفأ لهفتي الجذلى‬

‫غاب عني ثم عاد‬

‫* ‬

‫‪62‬‬

‫تحركي‪..‬‬

‫شاعر من مصر‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫في حرائق ِاجلراح ِ‬ ‫تـتـفجـر ُ األسئلة‬ ‫َّ‬ ‫> عبدالله األقزم*‬ ‫لماذا‬

‫فوقَ أسئلتي‬

‫صراخها الدَّ امي‬ ‫ِ‬ ‫وخلف‬ ‫َ‬

‫في حصار الجوع ِ‬

‫تفاصيلَ الشذا اآلتي‬

‫َـت‬ ‫قد ُخـن ِـق ْ‬

‫الغرس‬ ‫ِ‬ ‫لها في‬

‫عت‬ ‫تجمَّ ِ‬

‫فلسطينُ‬

‫تمكين‬ ‫ٌ‬

‫لماذا‬

‫وتوطينُ‬

‫كلُّ ما فيها‬

‫لها في كلِّ قافلةٍ‬

‫مساجينُ‬

‫منَ الينبوع ِ‬

‫لماذا‬

‫سواعد األبطال ِ‬ ‫ِ‬ ‫فوقَ‬

‫فلمْ تـُسحَ قْ‬

‫فوقَ كـفـَّيها‬

‫وتدوين‬ ‫ٌ‬ ‫تلوين‬ ‫ٌ‬

‫عت‬ ‫تـق َّـط ِ‬

‫وتلحينُ‬

‫بعاصفةٍ‬

‫الشرايينُ‬ ‫َّ‬

‫فلسطين‬ ‫ٌ‬

‫الصبرُ يزرعُ ها‬ ‫لماذا َّ‬

‫معي نهران ِ‬

‫الفقري‬ ‫ِّ‬ ‫وفوقَ عمودِ ها‬

‫قدْ ُج ِمعَا على قلبي‬

‫أما َم الخطوةِ األولى‬

‫عت‬ ‫قد زُرِ ْ‬

‫وما لهما‬

‫سـتـُشرقُ‬

‫سكاكينُ‬

‫العشاق ِ‬ ‫َّ‬ ‫بغير تالوةِ‬

‫لماذا‬

‫األحضان‬ ‫ِ‬ ‫في‬

‫سياط القمع ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِمنْ‬

‫سياط القمع ِ‬ ‫ِ‬ ‫في‬

‫تدريب‬ ‫ٌ‬

‫لمْ تـُطفأ لها قيمٌ‬

‫وتمرينُ‬

‫ولمْ يُ خمدْ‬

‫لقطات صولتِ ها‬ ‫ِ‬ ‫وفي‬

‫لها دينُ‬

‫َّحت‬ ‫تـفـتـ ِ‬

‫ستبقى‬

‫الرَّ ياحينُ‬

‫* ‬

‫الماليينُ‬ ‫عالمها‬ ‫وكلُّ جراح ِ‬ ‫نبضات قاحلةٍ‬ ‫ِ‬ ‫على‬ ‫بساتينُ‬

‫ـقت‬ ‫ومن ألوانِ ها انبث ْ‬ ‫ِ‬ ‫دواوينُ‬

‫أسئلة ٌ‬ ‫وفي األخرى‬ ‫إجابات‬ ‫ٌ‬ ‫وبـينهما‬ ‫فلسطينُ‬

‫شاعر من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪63‬‬


‫ميالد حب‬ ‫> جناة املاجد*‬ ‫م����ن ب���ع���د م����ا وج�����د ال�����ف�����ؤاد ال����ف����ارس أض���ح���ى ظ��ل�ام ال��ل��ي��ل ع���ن���دي مشمسا‬ ‫وغ�����������دوت أن�����ظ�����م ف������ي ه����������واه ق����ل���اد ًة ي���ن���س���اب م���ن���ه���ا ال����ح����ب زه�������را أملسا‬ ‫أن�������ا ي�����ا ح���ب���ي���ب���ي ك���ل���م���ا ه�����ب الصبا ول��م��ح��ت ط��ي��ف��ك ص����ار ق��ل��ب��ي أخرسا‬ ‫أرن���������و إل�����ي�����ك وأب����ت����غ����ي����ك لمهجتي ي�����ا م�����ن ه��������واه ك���س���ا ف���������ؤادي ملبسا‬ ‫أل���ج���م���ت ع���ق���ل���ي ب����ال����غ����رام وص���اب���ن���ي س���ه���م ال����ع����ي����ون ال������ذاب���ل��ات الناعسة‬ ‫ف���ت���ع���ط���ل���ت ل����غ����ة ال�����ك��ل��ام وأص���ب���ح���ت ع���ي���ن���اي ت��ن��ط��ق وال����ح����واج����ب هامسة‬ ‫دع�����ن�����ي ب����ق����رب����ك ل���ح���ظ���ة ي������ا آس������ري دع����ن����ي أرف��������رف ف����ي س���م���ائ���ك ن���ورس���ا‬ ‫دع����ن����ي أص�����وغ�����ك ب���ال���م���ع���ان���ي روض�����ة دع��ن��ي أح��ب��ك ف��ي ال��ص��ب��اح وف���ي المسا‬ ‫دع����ن����ي وخ�����ذن�����ي ف�����ي ي���م���ي���ن���ك زه�����رة ث����م اس���ق���ن���ي م����ن ن���ه���ر ح���ب���ك ملمسا‬ ‫ف���ي دفء ح��ض��ن��ك أس��ت��ط��ي��ب إقامتي ي�����ا م�����ن غ��������دوت ل���ن���ش���وت���ي متنفسا‬ ‫دع����ن����ي ح���ب���ي���ب���ي ف�����ي رح�����اب�����ك ساعة تُ��ج��ل��ي ال���ه���م���وم تُ��م��ي��ط أس������وار األس���ى‬ ‫إن ج���ئ���ت ن���ح���وي ص�����ار ق��ل��ب��ي مثمرا وإذا رح�����ل�����ت ي���ص���ي���ر ق���ل���ب���ي يابسا‬ ‫* ‬

‫‪64‬‬

‫شاعرة من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫ِ‬ ‫أرحلت‪..‬؟!‬ ‫> الدكتورة نسرين ثاني احلميد*‬ ‫ي�����ا «أم أح�������م�������د»(‪ )1‬ك���ل���م���ا م������رت بنا‬

‫ذك���������راك ف������اض ال���ق���ل���ب م�����ن ذك������راك‬

‫أرح������ل������ت؟! ح����اض����رة ه����ن����اك وأينما‬

‫ت����خ����ط����و خ�����ط�����ان�����ا ال ن���������رى إالك‬

‫م��ل�أ امل����ك����ان ح����ض����ور ف����ق����دك مثلما‬

‫م����ل���أت ع�����ي�����ون احل�����اض�����ري�����ن رؤاك‬

‫�����ر ِبح ِّينا‬ ‫ب����األم����س ع���ي���د ال���ف���ط���ر م َّ‬ ‫�����د م����رن����ا؟!‬ ‫ف����ال����ي����وم ال ن��������دري أع�����ي ٌ‬

‫وال������ي������وم ج�������اء ال����ع����ي����د ك�����ي ينعاك‬ ‫أم ش����ب����ه ع����ي����د ح���ي��ن ال ن����ل����ق����اك!‬

‫ن��س��ي��ت م���راك���ب���ن���ا ش�����واط�����يء عيدها‬

‫مب���������������رارة وال������ع������ي������د ل��������ن ي����ن����س����اك‬

‫آث������رت ذك�����ر ال���ل���ه ف����ي ج���ن���ح ال���دج���ى‬

‫وأج�������ب�������ت ب�������ارئ�������ك ال�����������ذي ن���������اداك‬

‫وف������راش������ك امل����ك����ل����وم ي���ن���ت���ظ���ر امل���س���ا‬

‫آي ال������ه������دى ت����ت����ل����و ب����ه����ا ش���ف���ت���اك‬

‫وح���ط���ام ط��ف��ل ل���م ي��ج��د م���ن موقظ‬

‫ل������ص���ل��اة ف�����ج�����ر ح���ي���ن غ���������اب ن�������داك‬

‫���ك ج����ارف‬ ‫ال����ي����وم ف�����اض ح���ن�ي�ن ط���ف���ل ِ‬

‫ي�����ب�����ك�����ي‪ ..‬مت�����ن�����ى خ����ل����س����ة ل���ق���ي���اك‬

‫خ���ل���ص���ت ب����ه األش���������واق ب���ع���د ت���ق���اذف‬

‫جل���������وار ق�����ب�����رك ي���ح���ت���م���ي ب���ح���م���اك‬

‫ورم�����ى ب��ه��ي��ك��ل��ه ال��ص��غ��ي��ر ع��ل��ى الثرى‬

‫أم�����ل����ا ب����������أن حت�����ي��ي��ن أو ي����ل����ق����اك‬

‫وت���ق���اس���م���ت ش�����ك�����واه ح����ب����ات ال���ث���رى‬

‫ف����ان����س����اب����ت ال����ك����ث����ب����ان دم�����ع�����ا ب���اك���ي‬

‫ورن���������ا ب�����ط�����رف دام���������ع ن����ح����و السما‬

‫ل�����ي�����راك ك���ال���ق���ن���دي���ل ف�����ي األف���ل���اك‬

‫وه����ن����اك م����ن س���ه���ر ال���ل���ي���ال���ي داع���ي���ا‬

‫ب�����ج�����ن�����ان ف���������������ردوس حل����ي���ن ل����ق����اك‬

‫�������س ح���م���ائ���م رحمة‬ ‫ط�������ارت ع���ل���ى رم ٍ‬

‫وس�����ق�����ى ال����غ����ف����ور ب���ف���ض���ل���ه م����ث����واك‬

‫وجت�����������اوز ال�����رح�����م�����ن ع����ن����ك ب���ع���ف���وه‬

‫ل����ت����ن����ال ب�����ي َ‬ ‫����ف يمُ����ن����اك‬ ‫�����ض ص����ح����ائ ٍ‬

‫* شاعرة من الجوف ‪ -‬أكاديمية في جامعة األميرة نورة بالرياض‪.‬‬ ‫(‪ ) 1‬القصيدة قيلت رثا ًء للمغفور لها بإذن الله بدرية بنت خالد الحميد (أم أحمد)‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪65‬‬


‫إلى عمر اخليام ‪ ..‬أغنية ورسالة‬ ‫> سليمان عبد العزيز العتيق*‬

‫‪1‬ـ ـ األغنية‬ ‫ل��و ف��ي س��م��اءِ العاشقينَ غمامة ٌ‬ ‫نثرتْ م��دام�� َع وج ِ��ده��ا ف��وقَ الزه ْر‬ ‫ل��و ف��ي ف����ؤادِ ك تستظلُ ح��م��ام��ة ٌ‬ ‫��ات من الشج ْر‬ ‫وتحط ف��وقَ ال��وارف ِ‬ ‫ُ‬ ‫ل���و أن ب��س��ت��ا َن ال���ت���وك ِ���ل والرضا‬ ‫قد عانقتْك غصونُه تحتَ المط ْر‬ ‫ل��و أن وه���جَ الشمس ِ ش��عْ ضياؤه‬ ‫��ات أن�����وارِ القم ْر‬ ‫���ت س��ب��ح ُ‬ ‫و َت���دف���ق ْ‬ ‫ل����و أن ق���ل���ب���ك رت����ل����ت خفقاتُه‬ ‫س��ب��ح��ان خ��ال��ق ك���ل ش���ئ ف���ي قد ْر‬ ‫��ات الرجا‬ ‫القلب دوح ُ‬ ‫ِ‬ ‫لنمت بذاك‬ ‫ْ‬ ‫���ت آم���ال���هُ ���ا أح���ل���ى الثم ْر‬ ‫وألي���ن���ع ْ‬

‫‪ 2‬ـ ـ الرسالة‬ ‫يا حاملَ المصباح ِ‬ ‫العواصف يا عم ْر‬ ‫ِ‬ ‫قلب‬ ‫في ِ‬ ‫هل في الرياح ِ ذبالة ٌ‬ ‫السرى‬ ‫درب ُ‬ ‫تهديك في ِ‬ ‫في كوةِ الليل ِ وفي ظلماتِ ه‬ ‫باب المُ نحد ْر‬ ‫أو عند ِ‬ ‫الريحُ واألمواج ‪...‬‬ ‫والليلُ البهيمُ متاهة ٌ‬ ‫وأراك يا خيامُ يُ ثقلك الضج ْر‬ ‫سكرا َن ال تبَغي من الدُ نيا ِسوى‬

‫‪66‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫كأس ِ الحميا والسهر‬ ‫ألقت بك األهواءُ في غَ مراتِ ها‬ ‫ْ‬ ‫آهات الغوايةِ والكد ْر‬ ‫مابين ِ‬ ‫الموت يقتُ لك الظمَ ى‬ ‫ِ‬ ‫بباب‬ ‫قمتَ ِ‬ ‫وسؤالُك الحيرانُ يُ ِلقمُ ك الحج ْر‬ ‫القلب‬ ‫ْ‬ ‫انظر بعين ِ‬ ‫وعين ِ العقلْ‬ ‫وانظ ْر وأمعن بالنظ ْر‬ ‫أوقف رحالَك عند واجهةِ البحر‬ ‫ْ‬ ‫كم تحتَ هذا الماءِ من غيب ٍ طوى‬ ‫وبرقصةِ األمواج ِ سرٌ مُ ستتر‬ ‫يلقاك القم ْر‬ ‫َ‬ ‫األفالك‬ ‫ِ‬ ‫وبدورةِ‬ ‫يسري كوجهِ مليحة ٍ‬ ‫عامت على سطح ِ النه ْر‬ ‫ْ‬ ‫وسط السكونْ‬ ‫أنصت لوقعْ خطا ُه في ِ‬ ‫ْ‬ ‫يضفي ردا َء النور ِ في سبحاته ِ‬ ‫السهوب‬ ‫ْ‬ ‫فوقَ‬ ‫فوقَ التاللْ‬ ‫فوقَ الجبالْ‬ ‫والحزُ ون‬ ‫فوقَ الروابي ُ‬ ‫بدايات الده ْر‬ ‫ِ‬ ‫متدفقا ً منذُ‬ ‫وانظ ْر وأمعنْ بالنظ ْر‬ ‫للشمس ِ تمَ ضي تجدلُ األيا َم في خطواتِ ها‬ ‫مداءات السنينْ‬ ‫ِ‬ ‫عب َر‬ ‫وبلُجةِ األزمان ِ تُمعن بالسف ْر‬ ‫وشاحها‬ ‫ِ‬ ‫َلف دُ نيانا بنورِ‬ ‫وت ُ‬


‫* شاعر من السعودية‬ ‫** سورة القمر‬

‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫وبحضنِ ها الدافي تضمُ العالمين‬ ‫ُ‬ ‫عشقا ً تدفقَ ضوؤها‬ ‫والتمنُ وال تخونْ‬ ‫وبجوفِ ها النائي جحيم ٌ يستع ْر‬ ‫وانظ ْر لذاتِ ك آية ً‬ ‫كل العب ْر‬ ‫تُغنيك عن ِ‬ ‫للقلب يخفقُ بالحنينْ‬ ‫ِ‬ ‫لسمعك والبص ْر‬ ‫ِ‬ ‫وانظ ْر‬ ‫وانظ ْر لناعسة ِ العيونْ‬ ‫والجيد ِ والخد ِ المورد ِ والنح ْر‬ ‫قد صاغها الخالقُ من ماءٍ مَ هين‬ ‫الترائب والظه ْر‬ ‫ِ‬ ‫بين‬ ‫خفقات طينْ‬ ‫ِ‬ ‫ثم بَراها اللهُ من‬ ‫فانظ ْر وأمعنْ بالنظر‬ ‫للماء ِ يجري حامال ً‬ ‫س َر الحياة إلى الشجر‬ ‫َراري‬ ‫للوحش ِ يرتعُ في الب ْ‬ ‫والطير ِ يَشدو بالسحر‬ ‫َض ْت‬ ‫للعاصفات تَراك َ‬ ‫ِ‬ ‫الحزونْ‬ ‫بين الفجاج ِ وفي ُ‬ ‫عانقت‬ ‫ْ‬ ‫وللفراشة ِ‬ ‫أزها َر وارفة ِ الغُ صون‬ ‫وانظر وأمعن بالنظر‬ ‫في كل ِ فج ٍ أنتَ سالِ كُ ه ُ‬ ‫وبكل ناحية ٍ وحين‬ ‫خاطرة ٍ تمر‬ ‫وبكل ِ‬ ‫تَلقاكَ يا خيامُ آية ُ حكمةٍ‬ ‫ُتنْبِ يك عن صدق ِ الخبر‬ ‫ما كنتَ حيرانَ ولكن الهوى‬ ‫اللذات دأبُك يا عمر‬ ‫ِ‬ ‫وتعجلَ‬

‫هل تَعتذر‬ ‫لك‬ ‫ال عذ َر ْ‬ ‫الفلك‬ ‫ْ‬ ‫دارات‬ ‫أألنَ عقلك قد تَسك َع في مَ ِ‬ ‫وأقمت دهرا ً تطرقُ البابَ الذي‬ ‫أذهلك‬ ‫ْ‬ ‫قد‬ ‫متاهات الغَوى‬ ‫ِ‬ ‫وأضعْ تَ صبرَك في‬ ‫َ‬ ‫أعجلك !‬ ‫ْ‬ ‫ما‬ ‫لك‬ ‫ال عذر ْ‬ ‫كأس مُ دامة ٍ‬ ‫هل كان َ‬ ‫لك النظ ْر‬ ‫كف غانية ٍ تُبادِ َ‬ ‫في ِ‬ ‫أشعَلك‬ ‫قد ْ‬ ‫في روضةِ العشاق قالت للهوى‬ ‫أجملك‬ ‫ْ‬ ‫يا صاحبي ما‬ ‫يا عاشقي ما أعذبك‬ ‫ّكت‬ ‫العشب قالت وات ْ‬ ‫ِ‬ ‫فوق فراش‬ ‫لك‬ ‫إني أحبُك َهيتَ ْ‬ ‫إليك بدلِ ها وداللِ ها‬ ‫َ‬ ‫أوحت‬ ‫ْ‬ ‫ذات المالحةِ والحو ْر‬ ‫ُ‬ ‫أن تعتذرْ؟‬ ‫ال تعتذ ْر‬ ‫ال عذ َر كونَ الس ِّر عن‬ ‫غلك‬ ‫أش ْ‬ ‫وجدك ْ‬ ‫خطرات ِ‬ ‫ِ‬ ‫انظر وأمعن بالنظر‬ ‫َعابث‬ ‫ما كان هذا الكونُ لعبة ٍ‬ ‫بساعات السمر‬ ‫ِ‬ ‫يلهو‬ ‫شرقت‬ ‫ْ‬ ‫بل آية ٌ قد أ‬ ‫أفحمت‬ ‫ْ‬ ‫قد ألهمت قد‬ ‫العقول بصنعها‬ ‫ِ‬ ‫أذهلت كلَ‬ ‫ْ‬ ‫قد‬ ‫(وكلُ أمر ٍ مستقرْ)**‬ ‫فل َتنْتظ ْر فل َت ْنتَظ ْر‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪67‬‬


‫«عندما تطمح املرأة»‬

‫اإلماراتي سلطان الزعابي‬ ‫للروائي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫> هيثم حسني*‬

‫تشهد الرواية الخليجيّة انتعاش ًا بيّناً‪ ،‬يتوافق مع انتعاش المجتمع‪ ،‬وتغيّر نمط‬ ‫المَعيشة‪ ،‬ي��ؤكّ��د ه��ذا ال��ت��ق��دّ م ظهور ع��دد م��ن ال��روائ��يّ��ي��ن الشباب ف��ي مختلف الدول‬ ‫الخليجيّة‪ .‬يبرز في اإلمارات الروائيّ الشابّ سلطان الزعابيّ الذي يتبدّ ى ملتزم ًا في‬ ‫طروحاته ورؤاه الروائيّة‪..‬‬ ‫ي���ح���اول ال����روائ����يّ اإلم����ارات����يّ سلطان عندما تطمح المرأة‪..‬؟ هل يمكن الحديث‬ ‫الزعابيّ في روايته «عندما تطمح المرأة»‪ ،‬عن أيّ تغيير منشود‪ ،‬من دون أن يكون هذا‬ ‫(م��ؤسّ��س��ة م��ح��مّ��د ب��ن راش����د آل مكتوم‪ ،‬التغيير مرفوقاً ومتوازياً بإفساح المجال‬ ‫ثقافة للنشر‪ ،‬اإلم���ارات)‪ ،‬مقاربة جوانب للمرأة كي تحقّق طموحاتها‪ ،‬ومساعدتها‬

‫من حياة المجتمع في اإلمارات‪ ،‬عبر عدّة على ذل��ك‪ ،‬والسيّما في المجتمعات التي‬

‫شخصيّات تتنقّل في أمكنة مختلفة؛ من تدأب في البحث عن تق ّدم مأمول‪..‬؟ هل‬ ‫يحط‬ ‫ّ‬ ‫هذه الشخصيّات الفاعلة‪« :‬حميد‪ ،‬دانة‪ ،‬يمكن للمرأة أن تطمح في مجتمع‬ ‫شذى‪ ،‬منى‪ ،‬سلطان‪ ،‬عبيد‪ ،‬محمّد‪ ،‬خالد‪،‬‬

‫شيخة‪ ،‬عبدالله‪ ،‬علياء‪ .»...‬يقدّم الزعابيّ‬ ‫مقترحات روائيّة على أسئلة كثيرة‪ ،‬تدور‬

‫‪68‬‬

‫من قيمتها وشأنها‪ ،‬وال يترك لها ح ّريّة‬

‫اختيار ما يتوافق مع إمكانيّاتها وطموحاتها‬ ‫وطاقاتها‪..‬؟‬

‫في أذهان الناس‪ ،‬من قبيل‪ :‬ما الذي يحدث‬

‫نقرأ في الفصل األوّل مساجلة بين خالد‬

‫عندما تطمح ال���م���رأة‪..‬؟ م��ا ال���ذي يتغيّر‬

‫ومحمّد؛ الزوجين اللذين ينتظران قدوم‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫وت�������دور ال���م���س���اج���ل���ة حول‬

‫ال��م��ج��ت��م��ع ب��ك��ام��ل��ه مسهماً‬

‫الرغبة ف��ي ق��دوم طفلة أم‬

‫ف��ي عملية ال��ب��ن��اء‪ ،‬أي أنّ‬

‫ال؛ تنتهي المساجلة لصالح‬

‫المجتمع بحاجة إلى طاقات‬

‫محمّد الذي يقنع خالداً أنّ‬

‫جميع أفراده‪ ،‬رجاالً ونساء‪،‬‬

‫المرأة هي العمود الفقريّ‬

‫إذ ي���دع���و ال����ك����ات����ب‪ ،‬عبر‬

‫ل��ل��م��ج��ت��م��ع‪ ،‬وي���ح���ثّ���ه على‬

‫القصص ال��م��ع��روض‪ ،‬وفي‬

‫التسليم ب��ال��م��ق��دَّ ر ل���ه‪ ،‬وأن‬

‫خلفيّة الحوارات التي تحمل‬

‫يكون قنوعاً بما هو نصيبه‪،‬‬

‫وتستبطن جوانب فكريّة في‬

‫يقنعه اعتماداً على النصوص‬

‫الكف عن‬ ‫ّ‬ ‫غاية األه ّميّة‪ ،‬إلى‬

‫المق ّدسة‪ ،‬يخلق عنده تفاؤالً‬

‫النظر إلى المرأة على أنّها‬

‫بالمستقبل‪ .‬بالفعل يقتنع‬

‫ضلع أعوج‪ ،‬أو كائن قاصر‪،‬‬

‫صديقه برأيه‪ ،‬ويتنازل عن بعض آرائه المتخلّفة‪،‬‬

‫أو مخلوق ضعيف‪ ...‬إلى آخر تلك األقاويل‪ ،‬التي‬

‫لكنّه يتفاجأ بعد دقائق بصديقه غير موجود حيث‬

‫للحط من أيّ عمل تقوم به‪ ،‬أو يمكن‬ ‫ّ‬ ‫تحاك حولها‪،‬‬

‫كان‪ ،‬وحين يسأل عنه‪ ،‬يكتشف أنّه قد خرج من‬

‫أن تقوم به‪ ،‬كما أنّ��ه ال يغفل التركيز والتذكير‬

‫المشفى من دون أن يُعلمه بذلك‪ ،‬ما خلق عنده‬

‫بسياسة الدولة القائمة على اإلع�لاء من شأن‬

‫التساؤالت حول مبادرته تلك‪ ،‬وظلّت التساؤالت‬

‫المرأة‪ ،‬نقرأ ما يصرّح به عبدالله بسخط حول‬

‫تعصف بعقله إلى أن أدرك عدم جدواها طالما‬

‫تعيين دانة رئيساً لوحدة تقنيات المعلومات‪ ،‬بناء‬

‫أنّه يجهل الظروف التي دفعته إلى أخذ زوجته‬

‫على تعليمات المدير العامّ‪« :‬هذا ما كان ينقصنا‪،‬‬

‫إلى مستشفى آخر‪ ،‬بحسب ما قيل له‪.‬‬

‫ام��رأة تلقي علينا محاضرة مطوّلة في التاريخ‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫مولوديهما في المستشفى‪،‬‬

‫أيّ ش��يء من دون أن يكون‬

‫العريق ألحوال المرأة‪ ،‬ومسئول شؤون موظّ فين‬

‫يركّز الكاتب على فعل ال��والدة‪ ،‬تكون الوالدة‬ ‫هي الدائرة الصغيرة التي تخلق دوائر تكبر شيئاً أبله يدعمها بحماسة‪ ..‬وكأنّها تحفة من هذا‬ ‫فشيئاً‪ ،‬ذلك أنّ فعل الخلق والتكوين هو األساس ال��زم��ان»‪ .‬ص ‪ .69‬حيث أنّ السخط الممزوج‬ ‫الذي يت ّم البناء عليه‪ .‬وال��والدة الفيزيقيّة تقابل‬ ‫وت���وازَى وتتشابك مع والدة رم��زيّ��ة لدولة تقرّر‬ ‫أن يكون لها شأنها الكبير في المنطقة والعالم‪.‬‬ ‫وه��ذا ال��ش��أن المشتهى ال يتأتّى م��ن ف���راغ‪ ،‬بل‬ ‫يحتاج إلى تكاتف وتعاون وعناد في سبيل إنجاز‬ ‫المراد إنجازه‪ ،‬والمخطّ ط له‪ .‬وال يمكن إنجاز‬

‫ب��ام��ت��ع��اض ي��ح��م��ل ال��ك��ث��ي��ر م���ن وج���ه���ات النظر‬ ‫الفحوليّة التي تحصر المرأة في جوانب بعينها‪،‬‬

‫لكنّ الدولة تقف في وجه معادي المرأة‪ ،‬وتنتصر‬ ‫للمرأة في معركة الحياة‪ ..‬وما استهالل الكاتب‬ ‫بمقولة للشيخ زايد حول حقوق المرأة‪ ،‬إ ّال إيماناً‬ ‫بما يدعو إليه‪ ،‬وتعزيزاً لما يؤمن به‪ ،‬إذ يقول‪« :‬إنّ‬ ‫المرأة هي نصف المجتمع‪ ،‬وهي ربّة البيت‪ ،‬وال‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪69‬‬


‫ينبغي لدولة تبني نفسها أن تبقي المرأة نصف‬

‫المتواتر إي��ق��ا ٌع بطيء م��وزون بتفصيل وتدقيق‬

‫مجتمعها غارقة في ظالم الجهل‪ ،‬أسيرة ألغالل‬

‫على ك ّل حركة أو فكرة‪ ،‬إذ أنّ الفصول الالحقة‬

‫القهر‪ ،‬مقيّدة مشلولة الحركة»‪.‬‬ ‫ف��ي رواي����ة «ع��ن��دم��ا تطمح ال���م���رأة» تتقاطع‬ ‫المصائر‪ ،‬تتطوّر األحداث‪ ،‬تتغيّر الذهنيّات‪ ،‬تبلغ‬ ‫المرأة مستويات رفيعة‪ ،‬تغيّر العالم المحيط بها‪،‬‬ ‫ذلك كلّه بفضل طموحها الكبير الساعي لتحقيق‬ ‫ذاتها وكينونتها‪ ،‬كي تكون منسجمة مع نفسها‪،‬‬ ‫مفيدة لمجتمعها‪ ،‬قادرة على القيام بواجباتها في‬ ‫مجتمع يكفل لها حقوقها وواجباتها‪ ،‬وال يتهاون‬ ‫مع مَن ينال منها‪ ،‬أو يسيء إليها‪.‬‬ ‫تنتهي ال��رواي��ة نهاية منشودة مشتهاة‪ ،‬وهي‬ ‫تدبير منحة دراسيّة لدانة كي تستكمل دراساتها‬

‫«مجموع الفصول تسعة وأربعون فصالً» تحمل‬ ‫رسائل الكاتب حول الواقع المعالَج المقدَّ م على‬ ‫المتماس مع‬ ‫ّ‬ ‫صفحات الرواية‪ ،‬الواقع الروائيّ‬ ‫الواقعيّ ‪ ،‬المتقاطع معه‪ ،‬ذلك أنّ الكاتب يسعى‬ ‫مفصلة عن تطوّر المكان عبر‬ ‫ّ‬ ‫إلى تقديم لقطات‬ ‫سيَر شخصيّات ول��دت وكبرت في هذا المكان‬ ‫الذي ينفتح على كثير من األمكنة‪ ،‬يحتويها كما‬ ‫يحتوي األشخاص المختلفين المتوجّ هين إليه‪،‬‬ ‫الراغبين في االلتذاذ بخيراته‪.‬‬ ‫ت��ح��ف��ل ال����رواي����ة ال��ض��خ��م��ة «‪ 344‬صفحة‬

‫العليا‪ ،‬نظراً لتميّزها وسجلّها الحافل‪ ،‬بعد سلسلة م��ن القطع الكبير» بالكثير م��ن الموضوعات‬ ‫من العراقيل التي كانت توضع في طريقها‪ .‬تنظر والوقائع حول جوانب من الحياة االجتماعيّة في‬ ‫دان��ة إل��ى حميد في ت��أثّ��ر‪ ،‬تشعر بسعادة كبرى اإلمارات‪ .‬وال يخفى أنّ الروائيّ سلطان الزعابيّ‬

‫خاصة‪ ،‬يهت ّم‬ ‫ّ‬ ‫عندما يطلق عليها «دك��ت��ورة»‪ ،‬تبتسم بعذوبة‪ ،‬يولي التفاصيل المدروسة عناية‬ ‫تمدحه بأجمل ما فيه‪ ،‬ألنّه يغدو كامل الرجولة‬ ‫بها إلى أبعد ح�� ّد‪ ،‬كأنّه بصدد التحضير لعمل‬ ‫حين إقراره بحقوق المرأة كاملة‪ ،‬لتكتمل الدائرة‪،‬‬ ‫دراميّ ‪ ،‬يخرجه بالمشاهد المكتوبة‪ ،‬يخلق عند‬ ‫وتحظى المرأة المتمثّلة بدانة المبدعة بفرصة‬ ‫القارئ صورة عمّا يصوّره في روايته‪ ،‬ما يضفي‬ ‫إلث��ب��ات ذات��ه��ا‪ ،‬واإلس��ه��ام ف��ي خدمة مجتمعها‪،‬‬ ‫على كتابته المصداقيّة والعفويّة‪ ،‬ويقدّمه روائ ّياً‬ ‫وتقوية نفسها بالعلم والمعرفة‪ ،‬دون أن يخدش‬ ‫تفوّقها األكاديميّ العلميّ كبرياء الرجل الذي ملتزماً ينه ّم للقضايا العامّة‪ ،‬بالتوازي مع الحاالت‬ ‫تتغيّر نظرته لألمور بالتقادم والتجارب‪..‬‬ ‫ي�لاح��ظ االن��ت��ق��ال ال��زم��ن��يّ ال��س��ري��ع م��ن قبل‬ ‫ال��ك��ات��ب ف��ي ال��ف��ص��ول األول����ى‪« ،‬ال��ف��ص��ل األوّل‬

‫‪1978‬م‪ ،‬الفصل الثاني ‪1986‬م‪ ،‬الفصل الثالث‬ ‫‪1998‬م»‪ ،‬ح��ي��ث ي��ق��اب��ل ه���ذا اإلي���ق���اع الزمنيّ‬ ‫* ‬

‫‪70‬‬

‫كاتب من سوريا‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫الفرديّة المتع ّددة التي يق ّدمها في روايته‪ ،‬هذا‬ ‫على الرغم من بعض المباشرة التي حرص على‬

‫تغليفها في ثنايا الحوارات ‪ -‬الحروب الدائرة‪،‬‬ ‫وعلى ألسنة شخصيّاته الباحثة عن ذاتها في‬ ‫خض ّم بحر من التغيّرات والتوازنات‪..‬‬


‫لـ «سارة األزوري»‬

‫> سمير أحمد الشريف*‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫لذة االكتشاف في مجموعة «نصف رجل»‬

‫تمتح كتابات القاصة «سارة األزوري» من نسغ الواقع‪،‬‬ ‫ف��ت��ت��ذوق خ�ل�ال رح��ل��ت��ك م���ع ن��ص��وص��ه��ا م���ذاق���ا خاصا‪،‬‬ ‫فاالكتشاف يتيح لك وجبة معرفية بالغوص في أعماق‬ ‫ال��ش��خ��ص��ي��ات‪ ،‬م��رت��ف��ع��ة ب���ك إل���ى ذرى ال���رم���ز واإليحاء‬ ‫والغرائبية‪.‬‬ ‫رحلتك مع نصوص مجموعة «نصف رجل»‪ ،‬تأخذ بيدك‬ ‫لمعرفة خباياك‪ ..‬ودقائق حنايا اآلخر‪ ،‬فترتقي بوعيك‪.‬‬ ‫ب��رش��اق��ة ت��أخ��ذك ح���روف ن��ص��وص «نصف زواي���ا تغيبها عتمة التجاهل‪ ،‬وتغطيها أتربة‬ ‫رجل» لدواخل المخبوء‪ ،‬وتضيء المسكوت عنه النسيان‪ ،‬وتساعده في بناء جسر تواصل مع‬ ‫بال افتعال‪ ،‬لتصل إلى جذور الوجع المدهون النص وكاتبه‪.‬‬ ‫بفرشاة الفلسفة التي ترصد الحراك البشري‬ ‫مع نصها «يا ليل طول شوية»‪ ,‬نجد الكاتبة‬ ‫دون��م��ا م��ب��اش��رة‪ ،‬ب��ل تترك ل��ك هامشا إلمعان تتفوق ف��ي توظيف ان��زي��اح المعنى المعروف‪،‬‬ ‫الفكر والمشاركة في التحليل‪ ..‬وإعطاء الرأي ب��اس��ت��خ��دام تقنية ال��ح��ل��م‪ ..‬وم����زج اللقطات‬ ‫وتقليبه ع��ل��ى أك��ث��ر م��ن وج���ه‪ .‬وب��ع��دس��ة فنية وتداخلها‪ ،‬وتقنية الفالش باك‪ ،‬ليصل بنا النص‬ ‫حساسة ترصد‪ ،‬ممسكة بمحطات التحول التي نهاية مفتوحة‪ ،‬بعد أن أوحى لنا عنوانه بأمر‬ ‫تالمس الواقع منعكسة على الذات التي يظهر عاطفي‪ ..‬نراه يالمس قضية اضطراب الطلب‪،‬‬ ‫إحساسها المتفرد بالعالم‪.‬‬ ‫وقلقه‪ ،‬وتشتته بين ال��دراس��ة وال��ح��ب‪ ،‬وخالل‬

‫ت��ت��ج��اوز ن��ص��وص «ن��ص��ف رج����ل» تقليدية‬ ‫ال��ط��رح ال��س��ردي إل��ى حركية الفعل وتناميه‪،‬‬ ‫عبر مشاهد أق��رب لتقنية السينما‪ ،‬موظفة‬ ‫عناوين النصوص لتعطي دالالت على فضاء‬ ‫النص الكامل‪ ..‬مع أنسنة األشياء‪ ،‬مانحة النص‬ ‫آفاقا تأويلية‪ ،‬وزوايا نظر متباينة‪ ،‬واتساع في‬ ‫إمكانات التفسير‪ ،‬وتضيء في أعماق المتلقي‬

‫فترة عمرية حرجة خطيرة ومهمة في تحديد‬ ‫مستقبل الطالب‪ ،‬ه��ذا الطالب ال��ذي يقضي‬ ‫وقته أسير أحالم اليقظة‪ ،‬واستذكار الحبيبة‪،‬‬ ‫ف��ي��ك��ت��ش��ف ت��ب��خ��ر ال���وق���ت‪ ،‬وع�����دم استعداده‬ ‫ل�لام��ت��ح��ان‪ ..‬فيتذكر أس��ت��اذه ال���ذي ال يكتب‬ ‫األسئلة إال ليلة االمتحان‪ ،‬ويرمي بمسودات ما‬ ‫كتب في حاوية القمامة‪ ،‬فينطلق مسابقا الريح‪..‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪71‬‬


‫يبعثر محتويات الحاوية‪ ،‬ويتوقف فجأة‬ ‫فاغرا فاه‪ :‬دهشة وحزنا على عدم وجود‬ ‫م��ا ت��م��ن��ى‪ ..‬أم ف��رح��ة ب��وج��ود االمتحان‬ ‫كامال؟ هذا ما يتركه النص ليمعن فيه‬ ‫المتلقي تفكيرا‪.‬‬

‫اإلط����ار ال��ك��اري��ك��ات��وري المضحك‬ ‫درجة الرثاء للمرأة بكل ما في النص‬ ‫من نقد وتهكم وسخرية‪ ،‬تلك المرأة‬ ‫ال��ت��ي ن��زل��ت ال���س���وق‪ ،‬واستوقفتها‬ ‫بشاعة صورة ام��رأة ظهرت أمامها‬ ‫فجأة‪ ،‬فغضبت لمالزمتها لها أينما‬ ‫ذهبت وتحركت‪ ،‬حتى صحت أخيرا‬ ‫ع��ل��ى ص����وت أح����د زب���ائ���ن المحل‬ ‫يلكمها قائال‪ :‬يا خالة‪ ،‬هذه صورتك‬ ‫في المرآة‪.‬‬

‫جدلية العالقة بين المرأة والرجل‪،‬‬ ‫نجدها مبسوطة في نص «نصف رجل»‪،‬‬ ‫ل��ن��س��م��ع ص��رخ��ة األن���ث���ى ال��ت��ي ل���م تجد‬ ‫مكافئا لها في ال��زواج‪ ،‬فتحترق بنيران‬ ‫نذالته وتفاهته‪« ..‬هذا النصف رجل‪ ..‬ال‬ ‫عالم الجن والغرائبية والكوابيس والمسخ‪ ،‬تتجسد‬ ‫يجيد التعامل مع النساء‪ ،‬ال مع الروح‪ ..‬وال مع الجسد‪،‬‬ ‫كأني مبولة يفرغ فيها نجاساته»‪ ،‬لكن الرجل الذي قرر في نص «المسكون» ونص «العيان»‪ ..‬وإن كان األخير‬ ‫أن يتخلص من زوجته بحرقها‪ ،‬وجدت جثته في اليوم أكثر رعبا لمالمسة آث��ار الحسد واإلص��اب��ة بالعين‬ ‫التالي خارج المدينة‪ ،‬وحوله خطوات هالمية شكلت بتوظيف تقنية االسترجاع‪.‬‬ ‫دائرة‪ ،‬في نهاية مفتوحة وسؤال ظل معلقا‪ :‬من الذي‬ ‫في قسم الكتاب الثاني‪ /‬القصة القصيرة جدا‪،‬‬ ‫قتل الرجل؟‬ ‫الفن الذي ما زال قابال لمزيد من المناقشة والتقعيد‪،‬‬ ‫التعريض بالسحر وال��ش��ع��وذة ونقد متعاطيهما‪ ،‬وأصبح يفرض نفسه على السرد اإلبداعي التجريبي‪،‬‬ ‫محور النص الثالث «كنز العرمجية» لينتهي النص هذا الفن ما زال محتاجا لرأي وخبرة كل من امتلك‬ ‫بمفارقة سوء فهم قاد لسوء فهم آخر‪ ..‬ولتأتي النهاية أدوات اإلبداع الفنية واللغوية ليضيف جديدا‪ ،‬حيث لم‬ ‫يقل النقد بعد كلمته النهائية‪ ،‬ولن يقول‪ ..‬ما دام هناك‬ ‫مضحكة للمتلقي‪ ،‬ومخيفة محزنة للخادمة‪.‬‬ ‫إبداع وتأليف وتجديد‪.‬‬ ‫يطرح نص «عزيز» ثيمة التفكك األسري وخالف‬ ‫في نصوص األس��ت��اذة «س���ارة» تتفاوت النصوص‬ ‫الزوجين بقوة‪ ،‬وانعكاسات ذلك على األبناء‪ ،‬موظفا‬ ‫أساليب االستباق واالسترجاع والمونولوج الداخلي‪ ،‬ط��وال‪ ،‬لكن عين المتلقي ل��ن تخطئ ذل��ك الغموض‬ ‫وتقنية القصة الدائرية والتشويق والصدمة‪ ،‬وانزياح الجميل ف��ي نصها «ف��ك��رة»‪ ،‬وال رم��زي��ة ال��ط��رح في‬ ‫المعنى للعالقة الغامضة‪ ..‬للعالقة بين حبيبين‪ ،‬لتكون نصها «تاج»‪ ،‬وال غرائبية التوظيف المتقن في نصها‬ ‫المفارقة أن اللقاء كان بين أم وابنها الذي ال يستطيع «تالشي»‪.‬‬ ‫زيارة أمه المتزوجة من غير والده إال في غياب زوج‬ ‫تقودنا هذه السياحة لعوالم كثيرة تستوقفنا في‬ ‫األم الذي ال يرحب بزيارة االبن ألمه في بيته‪.‬‬ ‫مجموعة «ن��ص��ف رج���ل»‪ ،‬وال��ص��ادرة حديثا ع��ن دار‬ ‫م��ع أن ال��ن��ه��اي��ة المفتوحة وال��م��ف��ارق��ة عنصران‬ ‫تشترك فيهما غالبية نصوص مجموعة الكاتبة «سارة‬ ‫األزوري» القصصية‪ ،‬إال أن السخرية والتهكم لهما‬ ‫نصيب كما يتبدى في نص «حظ المالح» الذي أظهر‬ ‫* ‬

‫‪72‬‬

‫كاتب من األردن‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫المفردات للنشر والتوزيع بالرياض ‪2010‬م‪ ،‬لكن ما‬ ‫يقف في المقدمة منها تلك اللذة اآلس��رة من متعة‬ ‫االك��ت��ش��اف ال��ت��ي تخصب وع��ي��ن��ا‪ ،‬وت��رت��ق��ي بذائقتنا‪،‬‬ ‫وتضيف لنا الكثير‪.‬‬


‫> فريال احلوار*‬

‫يقول محمد الفيتوري‪ :‬إن الشاعر عبدالعزيز محيي‬ ‫الدين خوجة أشبه بتلك الكائنات المالئكية التي نشاهدها‬ ‫في أحالمنا‪.‬‬ ‫من وحي الشعر‪ ،‬وألق الفكر‪ ،‬وشذى الورود‪ ..‬يخرج قنديل‬ ‫أخضر جميل يحمل عنوان (رحلة البدء والمنتهى)‪ ،‬ديوان‬ ‫جامع ألجمل م��ا كتبه الشاعر د‪ .‬عبدالعزيز خ��وج��ة‪ .‬وهو‬ ‫يحمل أسمى المشاعر‪ ،‬وأنبل ما يجيش بهِ فكر‪ ,‬وأرقُّ ما يحلم‬ ‫به وج��دان وخيال‪ ،‬إنه يستمد منابعه من أش��واق قلب حالم‬ ‫وثري بالعاطفة‪ ..‬جذوره ممتدة في الطبيعة الحالمة‬ ‫بالنور‪ّ ،‬‬ ‫الملهمة للشعر والشعراء‪.‬‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫مرافئ‪ ..‬من ديوان (رحلة البدء واملنتهى)‬

‫الشاعر عبدالعزيز خوجة‬

‫ف���ي م��رف��أ ال��ع��ش��ق م���ن (رح���ل���ة البدء‬ ‫والمنتهى)‪ ،‬ننصت ألنغام من الخلد كأنها‬ ‫أ ُِحب ُِك حب ًا فيثرى الوجودُ حنان ًا وسرا‬ ‫من مزامير داوود‪ ،‬للصورة فيها والكلمة‬ ‫وحرا‬ ‫رأيت الجمال بهي ًا أب ّي ًا ُ‬ ‫ففيك ُ‬ ‫ِ‬ ‫وال���ف���ك���رة وال��ش��ك��ل وال��ع��اط��ف��ة والخيال‬ ‫وعطرا‬ ‫وفيك نَشَ قْ ُت الحياة عبيرا زكي ًا ِ‬ ‫ِ‬ ‫وال��م��ض��م��ون ن��ص��ي��ب م��ن اح��ت��ف��اء ويقظة‬ ‫وشعْ را‬ ‫وفيك َن َهل ُْت الفنو َن لحون ًا ُت َغنّى‪ِ ..‬‬ ‫ِ‬ ‫الفنان المبدع‪ ،‬ال��ذي يتجلى في قصيدة‬ ‫ال من‬ ‫وعندما يعيش معاناة ما‪ ..‬يعود طف ً‬ ‫«قولي نعم»‪:‬‬ ‫َ‬ ‫ُك‪ ،‬تنبعُ األنها ُر في الصخرِ‬ ‫قولي‪ :‬أُحب َ‬ ‫األصم جديد‪ ،‬يرتمي بين أحضان من تحبه وتحنو‬ ‫دب ال َعدَم‬ ‫بك‪ ،‬تورق األزها ُر من حَ ِ‬ ‫قولي‪ :‬أ ُُّح َ‬ ‫عليه‪ ،‬وتبقي على ذكره‪ ،‬هي المرأة‪/‬المثال‪،‬‬ ‫العاشقة المنتظرةُ في مرفأ الوفاء دائماً‪،‬‬ ‫***‬ ‫ُعطيك باقي العمرِ ال أشكو ال َندَم هي من يلجأ إليها ويقف في محرابها يبث‬ ‫ِ‬ ‫قولي‪َ :‬نعَم‪ ،‬أ‬ ‫نجواه في «اعتراف طفل» يقول‪:‬‬ ‫ق��ص��ي��دة رائ���ع���ة ت��ج��ل��ى ف��ي��ه��ا تصوير‬ ‫أُعطي حياتي كي أُصالحها عِ شقاً‪ ،‬بال شَ ٍك وال ري َِب‬ ‫الشاعر‪ ،‬وج�لال إحساسه الفني‪ ،‬وروعة‬ ‫الهرب‬ ‫عبث األنواء‪ ،‬ال أقوى على ِ‬ ‫هذا أنا‪ ،‬كالغصن في ِ‬ ‫ت��ع��ب��ي��ره‪ ..‬ك��أن��ه وش����ي ال���ح���ري���ر‪ ،‬ونسيج‬ ‫الطرب‬ ‫ِطفل أنا‪ ،‬في خاطري اجتمعتْ كل المنى في أُفقِ ها ِ‬ ‫البحتري ب��ع��ذوب��ت��ه‪ .‬وق��د ت��وق��ف الشاعر‬ ‫أنت الوحيد ُة من ألو ُذ بها إن ضَ اقت األيا ُم بالكُ ر َِب‬ ‫ِ‬ ‫ف��ي م��راف��ئ ال��غ��زل ال��م��ت��ع��ددة ليمطرها‬ ‫إن شاعرنا من رجال الفن ال من رجال‬ ‫بذلك الطَّ ل اللطيف ال��ذي يغوي األذواق‬ ‫والمشاعر‪ ،‬يقول في قصيدة‪/‬أ ُحب ُِك‪:/‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪73‬‬


‫ال���م���رأة‪ ،‬ورب��م��ا كانت‬ ‫ال���م���رأة ع��ن��ده جماالً‬ ‫وفناً‪ ،‬ومعيناً للعبقرية‬ ‫ال إلى‬ ‫واإللهام‪ ،‬ال سبي ً‬ ‫العبث واللهو‪ ،‬وبمثل‬ ‫هذه اللذة ينعم رجال‬ ‫الفن‪ ،‬وبمثل هذا كان‬ ‫الشعراء فوق الناس‪.‬‬

‫ك��ي تعبر ال��م��رف��أ‪ .‬ف��ي قصيدة «س��ن��دب��اد» يبحر بنا‬ ‫الشاعر بشراع ال يُعرَفُ منتهاه‪ ،‬وقلق تعيشه الذات‬ ‫غربة روح‪ ،‬حيث يقول‪:‬‬ ‫تُ��هْ ��تَ ف��ي اإلب��ح��ار ي��ا قلبي طويال‬ ‫وش���راع���ي أخ���ط���أَ ا ُألف������قَ الجميال‬ ‫ك���ل���م���ا َض�������جَ اش���ت���ي���اق���ي ه�����زت ال���ـ‬ ‫ـ���غُ ���ر َب���ة وج���دان���ي ال��ت��ي��اع�� ًا وذه����وال‬ ‫����رب كَ���مْ‬ ‫خ���ب���روه���ا ع���ن ه����وى مُ ����غْ ���� َت ٍ‬ ‫َب����ع���� َث���� َر ال����عُ ����م���� َر ض���ي���اع��� ًا ورح���ي�ل�ا‬

‫***‬ ‫الصباح‬ ‫ل��و أنَّ���هُ ���مْ ج����اؤوكَ الن�� َب��ل��ج َّ‬ ‫��وج��هَ��ت��هِ ��مْ رياحْ‬ ‫فيهم‪ ،‬وم��ا ع��اثَ��تْ بِ ْ‬

‫وقد سألتُه يوماً عن الحزن الذي يغلب على شعره!‬ ‫ما دعا األدي��ب الغائب عبدالله الجفري يطلق عليه‬ ‫لقب (شاعر الصهيل الحزين)‪ .‬فأجاب ق��ائ�لاً‪ :‬لعل‬ ‫سبب ذلك أنني أتطلب الكمال في الحياة واألشياء‪،‬‬ ‫وأبحث عن جمال ال حدود له‪ .‬وحين ال أجد ما أريد‪..‬‬ ‫أشعر بالخيبةِ ‪ ،‬وأع ُد القضية قضيتي الشخصية‪ .‬إذاً‬ ‫فبواعث الحزن الذي يتسم به معظم نتاجه‪ ،‬ليس في‬ ‫الحرمان‪ ،‬أو الحب الضائع‪ ،‬وال في فكرة الموت‪ ،‬إنما‬ ‫هو حزن فكري‪ ..‬نشأ عن تأمل في أحوال اإلنسانية‪،‬‬ ‫ثم انتقل ه��ذا التأمل إل��ى صعيد الحس‪ ،‬فحفر في‬ ‫القلب جروحاً ال تندمل‪ ،‬أخذت من بعد ذلك تتدفق‬ ‫آه��ات وأح��زان��اً‪ ..‬وتلك هي رواي��ة إحساسه المرهف‬ ‫وشاعريته‪.‬‬

‫أم��ا ف��ي م��رف��أ القلق‬ ‫فتستقبلنا عناوين كبيرة‪ :‬ال��زوال والخوف والبقاء‪..‬‬ ‫وعلى ال��رغ��م م��ن أن الشاعر عبدالعزيز خوجة‬ ‫إنه الفضاء الكلي الذي تتفاعل فيه الذات اإلبداعية ال يستقر في مكان‪ ،‬إال أنه يطيل المكوث في مرفأ‬ ‫للشاعر‪ ،‬مع كل مظهر من الفضاء الكلي الذي تتفاعل الحزن‪ ،‬في قصيدته «أراد القدر» يقول‪:‬‬ ‫فيه الذات اإلبداعية للشاعر‪ ،‬مع كل مظهر من مظاهره‬ ‫قلب‪ ،‬حزناً‪..‬‬ ‫المجسدة والتجريدية‪ ،‬قلق يجعل من الذات المتفاعلة ويمضي بنا العُ مْ رُ يا ُ‬ ‫بمظاهر ا��كون ذاتاً تتس ُم بشساعة مجال التفاعل وال وقُ لنا أراد ال َق َد ْر‬ ‫«سفْرالخالص»‪:‬‬ ‫نهائيته‪ ،‬حيث يقول في ِ‬ ‫وفي قصيدة «الصهيل الحزين» يقول‪:‬‬ ‫ل�����و أ َن������هُ ������م ج������������اؤوُكَ م�����ا شَ ��������دّ وا‬ ‫�����خ�����ط�����ىَ‬ ‫���������ت م�������ه�������زوم ال ُ‬ ‫وه���������رب ُ‬ ‫���ض���ي���اع‬ ‫رح�����الَ�����هُ �����مُ إل������ى ج�����هَ�����ةِ ال َّ‬ ‫م��������ا ب�����ي�����ن شَ ��������كِّ ��������ي وال�����ي�����ق�����ي�����نْ‬ ‫ل����و أنّ������هُ ������مْ ‪ ...‬م����ا ت�����اه َربَّ���������انٌ لهم‬ ‫ل������������ك������������نَّ������������هُ ف���������������ي داخ����������ل����������ي‬ ‫أو ض���������ل ف���������ي يَ���������������مٍّ ِش���������������را ْع‬ ‫ن����������ا َح ال����ص����ه����ي����لُ م�������� َع األن�����ي�����نْ‬

‫وليس لربان (رحلة البدء والمنتهى) مرفأ يرسو فيه‬ ‫ليستقر‪ ،‬وال وجهة محددة يقصد إليها دون غيرها‪.‬‬ ‫فهو على إب��ح��ار دائ���م‪ ،‬ي��ط��وف ب��ات��ج��اه��ات متعددة‪،‬‬ ‫مدفوعاً بالرغبة المستمرة في البحث المتواصل عن‬ ‫اآلفاق البديلة‪ ،‬إنه حين يخرج من موطنه األصلي‪..‬‬ ‫يريد وطناً ال متناهياً‪ ،‬غير خاضع ألي حد أو حيز‪،‬‬ ‫وطناً إنسانياً وشمولياً قد يكون أرضاً أو ماء‪ ،‬ولكنه‬ ‫يظل في كل تحديد داللي خارج التحديد‪ .‬إنه الفضاء‬ ‫الكلي الذي تتفاعل فيه الذات اإلبداعية‪ ،‬فترحل إلى‬ ‫كل الجهات كي تتجاوز الجهة‪ ،‬وتستقر بكل المرافئ‬ ‫* ‬

‫‪74‬‬

‫كاتبة من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫قراءة نقدية‬

‫في أعمال الفنان السعودي‪ -‬فهد خليف‬ ‫(وجه وطائر)‬

‫> ليلى جوهر*‬

‫((تداعيات فهد خليف التصويرية))‪ ..‬جعل من الطائر ثنائي ًا مع ذات��ه‪ ..‬يجادله‬ ‫ويتغنى به‪ ،‬ويسرد له حكايته‪..‬‬ ‫يشكل اإلنسان جميال‪ ،‬يظهره مستكينا وديعا‪ ،‬ويصوره مزهرية وسمكة وتفاحة وأوراق‬ ‫شجر مجهولة االنتماء‪ ..‬وحينما يجمله يحيله إلى إطار لونيّ يحيط بأعماله‪ .‬بدأ‬ ‫بالواقعية وانتهى به المطاف عند التعبيرية ودالالتها تصويرا‪.‬‬ ‫م��ا يجعلني أت��رق��ب وج���وه ف��ه��د خليف‬

‫ه��و ذات���ه اإلن��س��ان ف��ي ك��ل ال��ع��ص��ور يتزين‬

‫تعبيرا مختلط الهواجس يخالج شعوري‪ ,‬ثمة ويتجمل‪ ..‬فهو خُ لق جميال‪ ،‬وال��ل��ه جمي ٌل‬ ‫ما يستدعيني لكي أصافح تلك األيادي في يحب الجمال!‬ ‫محاولة للكشف عن مغزاها‪ ,‬لكنها منشغلة‬

‫وج����وه ف���ي ال���زح���ام ت��ت��ق��اس��م المالمح‬

‫بالتوجّ س‪ ،‬تقترب لتتالمس‪ ..‬ومن ثم ترتخي والتعابير‪ ،‬ورؤوس مثقلة على هامتها سالل‬ ‫بينما ٍ‬ ‫أيد ترفض االرتخاء‪ ,‬مبسوطة أكفها تظهر محتواها بقليل من التفاح والبرتقال‬

‫لتصافح‪ ..‬وأي���اد منشغلة بالزينة‪ ،‬تتحلى واألج�����اص‪ .‬وأت���س���اءل دوم����ا ل��م��اذا سالل‬ ‫بالحلي ال��رائ��ع��ة‪ ،‬صنعتها ريشة الفنان‪..‬‬

‫خليف ال تحمل غير الفاكهة؟! يحط الطائر‬

‫وجسدت من خاللها جماليات لموروثات حيثما يحلو له على شخوصه‪ ،‬ون��راه تارة‬ ‫وأيد‪ ،‬فقط‪ ..‬يأخذ التلوين‬ ‫بيئته المحلية‪ ،‬وحضارة اإلنسان العريق‪ ،‬يحط على أذرع ٍ‬ ‫وبدائيته خليط من حاضر وم ٍ‬ ‫��اض فقط‪ ،‬مكانه‪ ،‬ويحدد مسارات التكوينات باألعمال‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪75‬‬


‫من خالل ترتيبات الفنان‪ ..‬فهو يحرص على أن والمشاهد عبر تلك األع��م��ال الفنية التي عبر‬ ‫تجود مسطحاته بما تستدعيه خياالته عبر ما يم ُّر فيها عن نفسه»‪ ..‬فارزا الفنان للصورة الفنية إلى‬ ‫بذهنه من صور واقعية‪ ،‬يحيلها إلى رموز ودالالت‪ ،‬حيز الوجود‪ ،‬إن تلك الصور التي أشعرته بالغبطة‬

‫راب���ط���اً ع��ن��اص��ره ب��ح��ق��ائ��ق م��ب��اش��رة‪ .‬ت��ن��اول في حين نجح في إنجازها‪ ,‬هي تلك الصورة نفسها‬ ‫معرضه السابق تصويراً تعبيريا مجردا‪ ..‬الكرسي التي اغتبط لرؤيتها اآلخرون‪ .‬وكأن غبطة اإلبداع‬ ‫والخيل والمرأة‪ ،‬إلى جانب تجريده للوجه‪ ،‬وبعض قد استحالت إلى غبطة تذوق‪ ،‬والحق أننا إذا كنا‬ ‫الرموز الخطية‪ ،‬والسمكة‪ ،‬ووريقات الشجر‪ ،‬وال نفهم عمل الفنان ونتذوقه‪ ،‬فألن ثمة وحدة أصيلة‬

‫يمكن أن يخلو من تصويره للكعبة المشرفة في في المشاعر تجمع بين البشر جميعا‪ .‬فمن رأي‬ ‫بعض أعماله‪ ..‬ما يؤكد على روحانيته‪ ،‬وارتباطه «كروتشة» أن المتأمل للعمل الفني يستطيع أن‬

‫المباشر بكونه ينتمي لعقيدته كمسلم‪ ..‬فالكعبة يستعيد في ذهنه الخياالت التي طافت بذهن‬ ‫المشرفة حاضرة بأجمل وأقدس مكانة تبرز من الفنان»‪( .‬والخالصة أن «كروتشة» ينفي وجود‬

‫خالل تصويرها معاني االنتماء الفطري للمعبود الجميل وج���ودا حقيقيا)‪ ،‬فالموضوع الجمالي‬ ‫ع���ن���ده ل��ي��س إال م���ج���رد م���وض���وع سيكلوجي‪..‬‬ ‫بخالقه عز وجل‪.‬‬ ‫يتوقف على نشاط وفاعلية ال��ذات إزاء األشياء‬ ‫نضجت تجربة فهد خليف في معرضه (وجه‬ ‫ووعينا الجمالي‪ ،‬أما سلوك المتذوق‪ ..‬فيوصف‬ ‫وطائر) نضوجا كان متوقعا‪ ،‬فكونه مثابراً وحريصاً‬ ‫بالطريقة نفسها التي يوصف بها سلوكه اإلدراكي‬ ‫على أن يتناول تجاربه الفنية من خالل انشغاله‬ ‫أو الخلقي‪ .‬وبالرجوع إلى رأي الفيلسوف «باش»‬ ‫بالفن تصوير (اكريليك) على خامة القماش‪..‬‬ ‫نقف عند اعتقاده إذ رأى (أن اإلدراك الجمالي أو‬ ‫وبألوان ترابية وبرتقالية وزرقاء وصفراء وسوداء‬ ‫التأمل‪ ،‬هو الموضوع الرئيس لعلم الجمال كله‪،‬‬ ‫للخطوط‪ .‬وبعرضه الدائم ضمن مجموعات أو‬ ‫ففي رأيه أن المهم في التجربة الفنية الجمالية‬ ‫م��ع��رض شخصي بسنواته المتتالية‪ ..‬م��ا يؤكد‬ ‫إنما هو «الذات» وليس «الموضوع» حيث إن الفعل‬ ‫لنا ذروة نشاطه المتوافقة م��ع بحثه وتجريبه‬ ‫الجمالي ع��ن��ده وال���ذي ينعكس أث��ن��اء استجابة‬ ‫المستمر‪ ،‬واطِّ �لاع��ه للتجديد‪ ،‬فهو ال يغفل عن‬ ‫المتذوق للموضوع الجمالي يستلزم توقف الذات‬ ‫اكتساب مهارات اآلخرين من زمالء الفن‪ ،‬كما أن‬ ‫من أجل االستغراق في التأمل‪ ,‬ولكون الفنان منح‬ ‫له رسامين موهوبين من الشباب يتبعون أسلوبه‬ ‫تجربته الفنية الحياة‪ ،‬فقد أكسبها جاذبية على‬ ‫رسما‪.‬‬ ‫نحو يجبر العين على التوقف من أجل المتعة في‬ ‫ي��ؤك��د ك��روت��ش��ه على ال��داف��ع ال��ذات��ي للنشاط الرؤية‪ ,‬أو يجبر اآلذان على االستماع‪ ,‬واالستغراق‬

‫الفني‪ ،‬ومن رأيه «أن كل من يتذوق الفن إنما يدير يعني االهتمام ف��ي التأمل (األستيطيقي) نحو‬ ‫بصره نحو تلك الجهة التي يدله عليها الفنان‪ ،‬إدراك ال���م���وض���وع‪ ..‬وم��م��ا ي��ج��ع��ل ع��م�لا يصور‬ ‫ولكي ينظر م��ن النافذة ألتي أع��ده��ا ل��ه الفنان موضوعا عاديا مثل كرسي (لفان جوخ) موضوعا‬

‫‪76‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫ال��م��ت��ذوق إل���ى االس��ت��غ��راق في‬

‫منعزل عن الطبيعة (الزمكانية)‬

‫الموضوع حين يعجب به لذاته‪.‬‬

‫ل�لأش��ي��اء ف��ف��ي رأي���ه إن الفنان‬

‫وق���د ذك���ر ال��دك��ت��ور محسن‬

‫بإمكانه أن يتوصل إلى تحقيق‬

‫عطية ف��ي مؤلفه (غ��اي��ة الفن)‬ ‫دراس��ة فلسفية ونقدية‪ ,‬تتميز‬ ‫لحظات االستمتاع ف��ي تجربة‬ ‫المتذوق في رب��ط اللحظة بين‬

‫ذلك عندما يتجاوز إحساسات‬ ‫ال���ف���رح واألل�����م وال���رع���ب لذلك‬ ‫تتبع أعمال كانديسكي المذهب‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫لالنتباه والتأمل‪ ..‬هو ما يجذب‬

‫ك��ان��دي��س��ك��ي يتطلع إل���ى جمال‬

‫التجريدي التعبيري للوحة‪.‬‬

‫الحاضر والماضي والمستقبل‪,‬‬

‫وب����رج����وع����ي إل������ى أع���م���ال‬

‫فيستبعد االستغراق في تأمل كل‬

‫ال��ف��ن��ان ف��ه��د خ��ل��ي��ف لمعرضه‬

‫شيء ما عدا الموضوع الجمالي‬

‫(وج��ه وطائر) تؤكد لي أعماله‬

‫من مجال اإلدراك‪ ،‬ولكونه يتمتع‬

‫المعروضة بصالة «أتيلية» جدة‬

‫بتكوين ظاهري لكي نستمتع به‪..‬‬

‫للفنون الجميلة مفهوم الطابع‬

‫ال بد أن نركز النظر نحو شكله‬

‫الجمالي‪ ،‬حيث أضفى برؤيته‬

‫ومظهره على أنه «ظاهرة» وليس‬

‫الفنية لمواضيعه ترجمة بصرية‬

‫وحينئذ سيصبح‬ ‫ٍ‬ ‫حقيقة واقعية‪,‬‬

‫عالية اإلحساس‪ ،‬مدركا ما يجعل‬

‫أي م��وض��وع ف��ي ع��م��ل ف��ن��ي ل��ي��س م��ج��رد إشارة من أعماله مميزة بالغرابة تجريده لألشكال في‬ ‫لرغبة عملية (أي الجلوس عليه كمقعد)‪ ..‬إنما لوحاته‪ :‬الطائر‪ ،‬الوجه‪ ،‬السمكة‪ ،‬المزهرية‪ ،‬بعض‬ ‫يصبح جزءاً ونقطة في تكوين‪ .‬وشكال ذا مغزى أعضاء الجسد‪ :‬األذرع‪ ،‬الكف‪ ،‬األصابع‪ ،‬الوجه‪,‬‬ ‫تصويري‪ ،‬فيتحول إلى شيء يستحق النظر إليه ما ساعدني كمتذوقة استعادة الصور واألشكال‬ ‫كموضوع تصويري‪ ،‬وليس حدثا فقط أو أداة أو تلك ممثلة قوى حية تشع منها الحياة‪ .‬إن تجربتة‬ ‫إشارة لحالة انفعالية‪ ،‬أو نزوة وربما لحظة مفعمة الجمالية م��ا ه��ي إال خليط م��ن المعرفة فنيا‬ ‫بالحيوية وممتلئة بالنظام‪ ،‬بهية والنظر إليها وبتصوف تم فيها االمتزاج بين الذات والموضوع‪،‬‬ ‫متعة‪ .‬ثمة عبارة (لموندريان) يقول فيها‪ :‬إن نقاء مع جزمي أن كل من شاهد المعرض لخليف ال بد‬ ‫التشكيل‪ ..‬ال يتفق مع األحاسيس الموضوعية وال أن يشعر عند تأمل اللوحات تمتعها بقوة الخط‬ ‫مع اإلدراك؛ فالتشكيل الخالص هو التأليف بين واإليقاع‪ ،‬ما يجعلنا نألف ونحس بالحركة أثناء‬ ‫عناصر البناء‪ ،‬وتنظيمها كهدف للفن ولتحديد ذل��ك‪ ،‬فنستغرق ذاتيا جماليا‪ ,‬بكل مدركنا من‬ ‫قيمته‪ .‬ويعني به (التنظيم الشكلي) ال��ذي يقوم خالل الصور كما في لوحته المتصدرة للمعرض‬ ‫ع��ل��ى ت��ج��ري��د ض���روب االن��س��ج��ام‪ .‬وك���ان فاسلي الجدارية كشاهد‪ ،‬مشبعة بالفرح واألحاسيس‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪77‬‬


‫اللوحة ومساحاتها‪ .‬ويؤطر أعماله حسب نظم‬ ‫جمالية العمل في تجربته الفنية المتضمنة لفكر‬ ‫الفنان خليف؛ فتلك التقسيمات للجداريات نلحظ‬ ‫أطرا متداخلة متراصة تُرصد بداخلها الوجوه‪،‬‬ ‫ويتصدر من خاللها الطير الحكايا مقتبسا من‬ ‫حيث نلمس القيمة ب��دالالت زخرفية مرجعيتها روحانيته برمزيته ألقاصيص تربط بين الفعل‬ ‫الجمالية بروز جماله الخطي مجردا التراث في والخيال كان وما زال يقرأها‪ ..‬حيث أن الطير هنا‬ ‫هندسية التشكيل مرجعية ثقافية للبناء المتوازن؛ ما هو إال وجه آخر من أوجه الحياة يتوق للغناء‬ ‫وهي تحصرها الوجوه والمنحشرة بجانب بعضها والمرح واأللفة‪ ،‬كما تتوق هذه األيادي الحتضان‬

‫بعضاً‪ ،‬وم��ن م�لاءم��ة تلك التكوينات المنقوشة الطبيعة وعناصرها الفارة من عالم خليف‪ ..‬إلى‬ ‫والمشتغلة ب��األي��دي وال��م��زه��ري��ات م��ن سياقه عناقيد من األن���وار في مصابيح كهربائية تشع‬

‫الحضاري لبيئته المثلثات والخطوط المتوازية من خاللها أل��وان بشرية بسحناتها األرجوانية‬ ‫المستقيمة‪ ،‬تقاطعها رموز للنقش على الحوائط الشفقية المستوحاة من ال��غ��روب‪ .‬إن االندماج‬ ‫أو بعض الملبوسات العريقة تعاطاها اإلنسان بين عناصر أع��م��ال خليف ي��ع��ززه ال��ت��وازن بين‬ ‫ال��ب��دائ��ي ف��ي ح��ض��ارت��ه كلغة تعبيرية‪ ،‬وتوارثها الثقل للشكل الدائري المتمظهر في إناء بداخله‬ ‫اإلنسان المعاصر بثقافته كموروث‪ ،‬مع وظيفتها شكل دائري أصغر حجما أثقل كتلة لفاكهة زهيدة‬

‫الطبيعية كعناصرمشتقة م��ن الطبيعة للشجر العدد على رأس شخوص الفنان‪ ،‬وأيضا نجده‬ ‫ورق���ا أو النبتة‪ ،‬وكأضلع السمكة ت���ارة متعرية في استدارة المزهرية من حافتها‪ ،‬يوازنها طائره‬ ‫سوى من هيكلها‪ ،‬وتارة كتصوير تجريدي‪ ،‬ولدى األبيض‪ ،‬يقف بهرمونيته ككفي ميزان‪ ،‬بالجزء‬ ‫خليف مع المزهرية حكايات وحكايات سابقة الوسطي للوحة الجدارية‪ ,‬بينما نشاهد طيورا‬ ‫عرضها تصويرا بأعماله منذ البدء مميزة أعماله تكرر تصويرها في أكثر من ج��زء للعمل‪ ,‬وثمة‬

‫وطرحه‪ ،‬تتميز فرشاة الفنان فهد خليف بالرسم يد تحمل بكفها طائراً يستحوذ بشكله حيزا من‬ ‫الدقيق المتأني وإنفعالته المستكينة‪ ،‬ال يستعجل التأمل ومن خالل خلفيته» رسم الوجوه ‪Portrait‬‬ ‫في الوصول للنهاية طالما هو في احتياج للترتيب متراجعا بعنصره اللوني‪ .‬نشاهد ذلك في الجزء‬ ‫بنظام معقول‪ ،‬يوازن من خالله تكويناته الشكلية السفلي للعمل حيث في أعماله تتوارى الحقائق‬ ‫ليحافظ على فكرته مقتنصا اللحظة األخيرة‪ ,‬خلف مظهرية العمل وتجلياته الجمالية بحشد‬

‫فحين يشتغل يحبذ الصمت واالستفراد بوجوهه تكرار المشهد وتكرار األل��وان‪ ،‬وتجزيء مساحة‬

‫وط��ي��وره وس��م��ك��ه ون��س��ائ��ه ول��ح��ظ��ات استشراق المسطح بنحو يؤطر الصورة داخليا كرسم على‬

‫ومواصلة للصعود بفكرته إل��ى أن تشع بمنجزه نحو مفتعل مقتصد بهدف مِ لء الفراغ‪ ،‬تحكمه‬ ‫جماليات التكوين التعبيري تغمر ك��ل تفاصيل م��س��ارات نظمها الفنان بنظامه غير المألوف؛‬

‫‪78‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫وم���ادت���ه���ا ت��ن��ص��ه��ر ك��ل��ي��ا حيال‬

‫بالمعطيات كما ف��ي مجموعة‬

‫ح��ق��ائ��ق ت��ج��رب��ت��ه م��ف��ص��ح��ا عن‬

‫أع����م����ال����ه‬

‫المقاسات‬

‫مهارته ف��ي نقل مظاهره تلك‪،‬‬

‫ال��ص��غ��ي��رة ن��س��ب��ة للجداريات‪،‬‬

‫وب��ن��ائ��ه ل��م��وض��وع��ات��ه المجردة‬

‫وأعمال أخرى متفاوتة المقاس‬

‫والمتشبعة بالخيال القصصي‬

‫والتي صور فيها وجوهاً أنيقة‬

‫لعالم أسطوري عريق‪ ،‬وبأجواء‬

‫ترتدي قبعات نترك للفنان سر‬

‫طبيعته المنطلقة نحو تفسير‬

‫مالزمتها لشخوصه‪ ،‬وإن كانت‬

‫ال����ظ����واه����ر؛ م��س��ت��خ��ل��ص��ا من‬

‫وج��وه��اً تعكس ص����وراً بشرية‬

‫فلسفته الذاتية غاية اإلنسان‬

‫تبحث لها عن مرايا في الحياة‬

‫وع�لاق��ت��ه ع��ل��ى وج����ه م����ا! وما‬

‫ت��م��رق م��ن��ه��ا ل��ل��ع��ال��م بنظراتها‬

‫مِ لء فراغ وج��وده من مخلوقات‬

‫ال��م��ب��ه��م��ة ال��س��اه��م��ة! يتقصد‬

‫م���ك���م���ل���ة ل������دورت������ه الحياتية‬

‫الفنان خليف المبالغة من حيث‬

‫«كسيكلوجية» روح��ان��ي��ة دافئة‬

‫ال��ن��س��ب ف��ي اس��ت��ط��ال��ة لألنف‬

‫الحنين فالخطوط واألبجديات‬

‫والعنق واس��ت��دارة أو استطالة‬

‫العربية وجمالية التكوين لعناصر‬

‫ت��ل��ك ال���وج���وه‪ ،‬وزم���ت���ه للشفاة‬

‫أشكال متماسكة بعمقها اللوني‬

‫الصامتة وتركيز فرشاته على‬

‫وإن كان نسقا لحرف وخطوط‬

‫نظرات أعين نسائه السارحة؛‬

‫قام عليها فنه «إستطيقا شكلية»‬

‫ي��س��رق��ن��ا ج���م���ال رس��م��ه��ا من‬

‫يخلقها الفنان أثناء التلوين بفرز‬

‫التفكير ف��ي ق���راءة معانيها‪..‬‬

‫ذات‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫فالمتضادات تتألف عناصرها‪،‬‬

‫ص����������ورا ت����ع����ب����ي����ري����ة زاخ��������رة‬

‫طاقته حين انجازه‪ ،‬ما أعطى الحركة؛ وأن حدته ب��م��ع��رض��ه (وج���ه وط���ائ���ر) وال��م��ح��ال��ة م��ع عمقه‬ ‫االنسيابية بأثر تلك التقاسيم والتجزء للمساحة‬

‫التجريبي إلى حقيقة تترجم لنا أن الفن ال يصنع‬

‫وتحكُم قسري للتوزيع الخطي ومساره المحكم باألفكار‪ ،‬ولكنه يجسد شكال منسجما وإيقاعا‬ ‫تعبيرا لمضمون األع��م��ال‪ ،‬ما له أث��ر على رؤية متناغما لوجوه وس��ط دوام��ة الحياة وجدليتها‪،‬‬ ‫المتلقي المتتبع بالمعرض في محاولته لحصر حيث اإلنسان يسرد حكايته لطائر فهد خليف‪.‬‬ ‫متعته الجمالية بصريا على الرغم من المباشرة‪ ،‬وغدا أسلوبه جسر عبوره وانطالقته إلى عوالم ال‬ ‫إال أن التكلف ف��ي ذل��ك الحشد ال��ص��وري بات نهاية لسردها؛ ألنها تسير اتجاه التحرر بمساره‬ ‫مقبوال ومريحا بعد أن خضع للطالقة الفنية‬

‫الذاتي بعد أن جاهد في الخالص على مسطحه‬

‫تسيرها نفسية الفنان‪ ،‬وات��خ��اذه م��ن الماديات فترة من الزمن سفيرا لمواصلة إبداعه‪.‬‬ ‫* ‬

‫فنانة تشكيلية من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪79‬‬


‫الشاعر اللبناني وديع سعادة‬ ‫��ي‪ ،‬وف��ي شعري‪،‬‬ ‫> مرحلة الطفولة التي عشتها ف��ي قريتي‪ ،‬صقلت ف َّ‬ ‫بشكل عام‪ ،‬تيمات الغربة والغياب والموت‪.‬‬ ‫> لكل شاعر صوته ال��خ��اص ال��ذي يميزه بصرف النظر ع��ن الشعراء‬ ‫الذين تأثر بهم‪ ..‬والجيل الشعري العربي الجديد له خصائصه أيضا‬ ‫مهما كان تأثير الشعراء اآلخرين عليه‪.‬‬ ‫> حاوره بالقاهرة‪ :‬محمد أحمد بنيس*‬

‫أحد الشعراء العرب الذين تحظى نصوصهم الشعرية بانتشار ملحوظ‪ ،‬خاصة بين‬ ‫أوساط الشعراء الجدد‪ .‬شاعر يجافي التنظير‪ ،‬ويتمسك بالشعر كمحاولة الستعادة‬ ‫الجمال الغائب على حد قوله‪ .‬بعد فترة عمل في الصحافة اللبنانية والعربية في بيروت‬ ‫ولندن وباريس ونيقوسيا‪ ،‬اختار اإلقامة منذ سنة ‪1988‬م في سيدني بأستراليا‪ .‬صدر له‬ ‫العديد من األعمال الشعرية‪ ،‬شكلت في مجملها إضافة مميزة والفتة لمنجز قصيدة‬ ‫النثر العربية‪ ،‬نذكر منها‪:‬‬ ‫«ليس للماء أخوة «‪1981‬م‪« ،‬الميـاه الميـاه « ‪1983‬م‪ « ،‬رجل في هواء مستعمل يقعد‬ ‫ويفكر في الحيوانات « ‪1985‬م‪« ،‬مقعد راكب غادر الباص ‪1987‬م‪« ،‬بسبب غيمة على األرجح»‬ ‫‪1992‬م‪ « ،‬نص الغياب» ‪1999‬م‪« ،‬رتق الهواء « ‪2006‬م‪ « ،‬تركيب آخر لحياة وديع سعادة»‪.‬‬ ‫‪2006‬م‪ .‬صدرت أعماله الشعرية الكاملة عام ‪2008‬م عن دار النهضة العربية ببيروت‪ .‬وتم‬ ‫تكريمه مؤخرا كضيف شرف في الملتقى العربي األخير لقصيدة النثر الذي انعقد في‬ ‫العاصمة المصرية القاهرة‪.‬‬

‫‪80‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫< أنا ابن قرية وادعة في شمالي لبنان تسمى‬ ‫«شبطين»‪ .‬وعيت منذ سنواتي األول��ى على‬

‫الشعر‪.‬‬

‫> لماذا هذا الحضور الدال للذات في شعرك؟‬

‫ب��راءة هذه القرية‪ ،‬وب��راءة سكانها الطيبين‪ < .‬أرى أنه حينما أتحدث عن ذاتي في نصوصي‬ ‫ك���ان ه��ن��اك وئ���ام دائ���م ب��ي��ن ه���ؤالء السكان‬ ‫الشعرية‪ ،‬أكون بذلك أتحدث عن اآلخرين‪.‬‬ ‫وبين الطبيعة بكل ما فيها‪ .‬ربما أتيت إلى‬

‫ف��ذات��ي وذوات اآلخ��ري��ن متشابهة إل��ى حد‬

‫عن طريق الحلم‪ .‬بعد مغادرتي لتلك القرية‪،‬‬

‫أتكلم به هو أيضا ضمير المخاطب والغائب‪.‬‬

‫متفرقة‪ .‬فمن بيروت انتقلت إلى سيدني ثم‬

‫خاصة فحسب‪ .‬إنه سيرة ذاتية عامة‪ .‬كما أن‬

‫أحط الرحال مرة أخرى في مدينة سيدني‬

‫في كتابتي الشعرية هو نتيجة للواقع العام‬

‫األول����ى‪ ،‬مرحلة الطفولة ال��ت��ي عشتها في‬

‫مكانا حقيقيا لذاته‪ .‬لقد تبدد المكان في‬

‫تيمات الغربة والغياب والموت‪.‬‬

‫حيز يمكن أن يكون مكانا له‪.‬‬

‫الكتابة لكي أحافظ على تلك ال��ب��راءة‪ ،‬ولو‬

‫كبير‪ .‬من هنا فضمير األنا‪ /‬المتكلم‪ ،‬الذي‬

‫عشت تجربة االغتراب والترحال بين أماكن‬

‫ل��ذل��ك أعتقد أن ش��ع��ري ليس س��ي��رة ذاتية‬

‫فرنسا وبريطانيا واليونان وقبرص‪ ،‬قبل أن‬

‫هناك مسألة أخرى‪ ،‬وهي أن حضور الذات‬

‫بأستراليا‪ .‬هذا االغتراب عن مرحلة البراءة‬

‫الذي نحياه‪ .‬إنه واقع أرى أنه لم يترك ألحد‬

‫قريتي‪ ،‬صقلت فيَ ‪ ،‬وفي شعري‪ ،‬بشكل عام‪،‬‬

‫الحياة المعاصرة‪ ،‬بشكل فقد الفرد معه كل‬

‫> لماذا الغياب؟‬ ‫< ال��واق��ع فجائعي ف��ع�لا‪ ،‬وال��ج��م��ال والسعادة‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫> كيف بدأت الكتابة؟‬

‫قبح‪ ..‬هو الذي يشكل الدافع الرئيس لكتابة‬

‫> هل يمكن أن نقول إن للشعر وظيفة ما في‬ ‫الحياة؟‬

‫والسالم هي أحالم غائبة باستمرار‪ .‬أعتقد أن < الشعر ال يغير العالم وال الواقع‪ .‬هذا أكيد‪.‬‬ ‫الحضور الدائم للغياب في نصوصي الشعرية‬ ‫إنه فقط يغير في الشاعر اللحظة التي يكتب‬ ‫هو محاولة الستيالد هذا الغائب أو استعادته‬

‫فيها‪ .‬إنه تغيير مؤقت لحظوي فقط‪ ،‬سواء‬

‫األوه��ام‪ .‬وربما يكون وهما كبيرا‪ .‬لكن كيف‬

‫بد من اإلش��ارة إليها‪ ،‬وهو أن الشعر بمثابة‬

‫األوه���ام؟ أظ��ن أن��ه سيصبح ظالما ال يمكن‬

‫االستدعاء وه��يا‪ ،‬وال يستند إلى أساس في‬

‫ذاهب إلى الغياب‪ ،‬إن لم يكن قد غاب فعال‬

‫ما كما قلت لك قبل قليل‪ .‬تصور مثال كيف‬

‫إن الشعر بهذا المعنى هو محاولة استعادة‬

‫ال بد من هذا الوهم للمحافظة على جمال‬

‫إلى حظيرة الواقع‪ .‬أعرف أن هذا وهم من‬

‫بالنسبة للشاعر أو القارئ‪ .‬مسألة أخرى ال‬

‫سيصبح هذا العالم إن لم نحافظ على هذه‬

‫استدعاء الجمال الغائب‪ .‬فحتى لو كان هذا‬

‫تحمّله على اإلطالق‪ .‬أنا أرى أن اإلنسان ذاته‬

‫الحياة الواقعية‪ ،‬يجب أن نحافظ عليه بشكل‬

‫بالمعنى اإلنساني العميق لكلمة «اإلنسان»‪.‬‬

‫يمكن أن يكون العالم في غياب هذا الوهم‪.‬‬

‫هذا الغياب‪ .‬أظن أن رفض ما في الواقع من‬

‫وهمي لهذا العالم ال��ذي أنهكته الخسارات‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪81‬‬


‫والخيبات المتواصلة‪.‬‬ ‫> في نظرك ما هي حدود العالقة بين الموهبة‬ ‫والمعرفة في الكتابة الشعرية؟‬ ‫< بما أن الشعر جزء من الحياة والواقع‪ ،‬فال‬ ‫بد للشاعر من أن يكون مدركا ومستوعبا لكل‬ ‫ما في هذه الحياة وهذا الواقع‪ .‬بمعنى يجب‬ ‫أن يكون مثقفا ومطلعا‪ .‬أرى أن كل الشعر‬

‫هو سياسة‪ .‬بمعنى السياسة ذات المغزى‬ ‫العميق‪ ،‬والتي تختزل نظرة وموقف الشاعر‬

‫م��ن الحياة والعالم واألش��ي��اء‪ .‬فكيف يمكن‬

‫أن تكون «سياسيا عميقا» بهذا المعنى إن‬

‫لم تكن مثقفا وم��درك��ا لما ي��دور حولك من‬ ‫أحداث ووقائع‪ ،‬وقادرا في الوقت نفسه على‬

‫فهمها‪.‬‬

‫> يتميز ش��ع��رك بصفاء ل��غ��وي واض���ح يجعل‬ ‫ال��دالل��ة ف��ي ح��رك��ة دائ��م��ة‪ .‬ك��ي��ف تعمل عل‬ ‫تدبير العالقة بين اللغة والمعنى؟‬ ‫< في رأيي‪ ،‬الشعر ليس مسألة لغوية بالدرجة‬ ‫األول�����ى‪ .‬ول��ي��س ب�لاغ��ة ب��ال��ت��أك��ي��د‪ .‬إن���ه‪ ،‬من‬

‫الناحية اللغوية‪ ،‬البساط ُة المحملة بما هو‬

‫أبعد وأعمق منها‪ .‬يمكن برأيي رس��م آفاق‬

‫بالمرة‪ .‬إنها في مجملها ال تتجاوز الشكليات‪.‬‬

‫فما يكتب اليوم من شعر هو تعبير عن رؤية‬

‫الشاعر لواقعه الذي يعيشه هو‪ ،‬وليس لواقع‬ ‫اآلخ��ري��ن‪ .‬ه��ن��اك حركية كبيرة ف��ي الكتابة‬

‫الشعرية العربية ح��ال��ي��ا‪ .‬وأع��ت��ق��د أن هذه‬

‫الكتابة تتجاوز اليوم كل الجدل الذي يظهر‬ ‫أحيانا بخصوص شرعية قصيدة النثر‪ .‬يجب‬

‫أن ننظر إل��ى المستقبل وأال نبقى حبيسي‬

‫ال��م��اض��ي‪ .‬ال��ي��وم ه��ن��اك ات��ج��اه ن��ح��و تجاوز‬ ‫ال��ح��دود م��ا بين األن���واع األدب��ي��ة‪ ،‬بمعنى أن‬

‫ال��ش��ع��ر ص���ار يستوعب أو يحمل الفلسفة‬

‫والسينما وال��ف��ن التشكيلي وفنونا أخرى‪.‬‬ ‫يجب على العرب أن يكونوا أكثر استيعابا‬

‫لمتغيرات العصر المختلفة‪.‬‬

‫> يحظى منجزك الشعري بانتشار الفت في‬ ‫أوساط التجارب الشعرية العربية الجديدة‪.‬‬ ‫ما رأيك؟‬ ‫< ربما يكون شعري قد أثر‪ ،‬بشكل ما‪ ،‬في بعض‬ ‫أصوات الجيل الشعري العربي الجديد‪ .‬لكن‬ ‫م��ع ذل���ك‪ ،‬أعتقد أن��ه علي دائ��م��ا أن أتعلم‬

‫وأستفيد من الشعراء الذين يأتون من بعدي‪،‬‬

‫ب��ع��ي��دة ول���و بقلم رص����اص‪ .‬ول��ذل��ك أرى أن‬

‫وال أكتفي بقولهم إنهم تأثروا بي‪ .‬فالمسألة‬

‫دائما متحركة ومتوثبة وقادرة على النفاذ إلى‬

‫األجيال والتجارب‪ .‬لكل شاعر صوته الخاص‬

‫وهواجسها المختلفة‪.‬‬

‫تأثر بهم هو‪ .‬والجيل الشعري العربي الجديد‬

‫ال��دالل��ة أق��وى ف��ي الشعر م��ن المعنى‪ .‬فهي‬

‫هي عالقة تفاعل حيوية ومستمرة بين كل‬

‫عمق األش��ي��اء‪ ،‬من خ�لال اإلن��ص��ات لنبضها‬

‫الذي يميزه بصرف النظر عن الشعراء الذين‬

‫> كيف تنظر إلى النقاشات التي تعرفها الساحة‬

‫له خصائصه أيضا مهما كان تأثير الشعراء‬

‫الثقافية العربية أحيانا حول قصيدة النثر؟‬ ‫* ‬

‫‪82‬‬

‫< برأيي إن هذه النقاشات عقيمة وغير مفيدة‬

‫شاعر وكاتب من المغرب‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫اآلخرين عليه‪.‬‬


‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫املفكر التونسي الدكتور كمال عمران‪:‬‬

‫ •كل دين إذا فُ هِ َم على غير مقصده أصبح عقال غير قادر على إنتاج المعرفة‪.‬‬ ‫ •الثقافة اإلسالمية إزاء اختيارين إما التطور والحياة وإما التحنّط والمعاناة‪.‬‬ ‫ •الرأي عندي أن تكون اليقظة ذاتية وأن يكون اإلصالح من الداخل‪.‬‬ ‫> حاوره‪ :‬عبدالدائم السالمي*‬

‫أحد األسماء الالّمعة في الجامعة التونسية من حيث‬ ‫ِج��دّ ُة ال��دّ روس التي يُلقي على طلبته‪ ،‬ومن حيث الحضور‬ ‫الساحة الثقافية‪ ،‬بل يكاد يكون من الجامعيين القالئل‬ ‫في ّ‬ ‫الذين لم يكتفوا بالحرم الجامعي إط��ارًا لنشر المعرفة‪،‬‬ ‫وإنّما انفتحت مشاركاتُه على جميع ميادين الثقافة في‬ ‫تونس نقدً ا ومتابعةً وإبداعً ا‪.‬‬ ‫وتدريسا‬ ‫ً‬ ‫الحضاري بحثًا ومُ عالجةً‬ ‫ّ‬ ‫ولعلّ اهتمامه بالشأن‬ ‫جعله َمر ِْجعً ا يعود إليه كلّ باحث في عناصر الحضارة العربية اإلسالمية‪ ..‬من شعر ودين‬ ‫ومذاهب فقهية ولغوية‪ ،‬ولم يمنعه درسه الجامعيّ من أن يسهم بفعالية في اإلشراف‬ ‫مؤسسات المجتمع‬ ‫يعض َد جهود بعض ّ‬ ‫المؤسسات اإلعالمية التونسية‪ ،‬وأن ُ‬ ‫ّ‬ ‫على بعض‬ ‫المدنيّ ‪.‬‬ ‫> اإلس�ل�ام مُ تّهم م��ن قبل غ�لاة مفكري‬ ‫الغرب بتفريخ اإلره��اب‪ ،‬هل يعود هذا‬ ‫إل��ى اعتماد الخطاب األص��ول��ي الذي‬ ‫ًي َروِّجً له اآلن بعض «المقاولين زعماء‬ ‫ال��ح��رك��ات األص���ول���ي���ة» ك��م��ا يسميهم‬

‫محمد أرك����ون ع��ل��ى ال��ق��وة اإللزامية‬ ‫ال��ت��خ��ي��ي��ل��ي��ة ل��ت��ق��دي��س م����ا ل����م يكن‬ ‫مقدسا‪ ،‬وتحويل الدّ نيا إلى دين‪ ،‬أو إلى‬ ‫ك َِّف المفكرين المسلمين عن التعامل‬ ‫م��ع اإلس�ل�ام بوصفه خطابا منفتحا‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪83‬‬


‫ع��ل��ى األح�����داث والسيرورة‬ ‫الزمنية؟‬ ‫< للظاهرة الدينية في تركيبة‬ ‫ال��ذه��ن ال��ب��ش��ري خصائص‬ ‫ي��ج��در ال��وق��وف عندها وإ ْن‬ ‫لمامًا‪ ،‬وأبرز خاصية هي ما‬ ‫يطلق عليه امتالك الحقيقة‪،‬‬ ‫وهي ذاتها راجعة إلى أنماط‬ ‫عليا تنحدر عنها األنساق ثم‬ ‫السلوكات الثقافية؛ وعلى هذا‬ ‫المعنى‪ ..‬فإن كل دين‪ ،‬على اإلطالق‪ ،‬قابل متى‬ ‫فُهِ َم على غي ــر مقصده األصيل وهو نشر الخير‬ ‫لينحرف إلى اإلرهاب‪ .‬اإلرهاب من‬ ‫َ‬ ‫وتجسيمه‬ ‫هذه الزاوية حالة مرضية تستوجب العالج‪.‬‬ ‫وليس اإلسالم مخصوصا بها‪ ..‬على أنه اليوم‬ ‫مناط تهمة ذائعة عند المفكرين وعامة الناس‬ ‫َ‬ ‫في الغرب‪ ،‬وليس الوجه كيل التهمة بالتهمة‬ ‫وإنها الغاية القادرة على االستفادة من نقد‬ ‫اآلخ��ر أو من انتقاده‪ .‬ه��ذه العقلية ضرورية‬ ‫ليمتلك الفكر اإلس�لام��ي ناصية المراجعة‬ ‫الذاتية بدل التمجيد والمفاخرة‪.‬‬ ‫> وال شك في أن الخطاب « األصولي « الراجع‬ ‫إلى ما يعبر عنه باإلسالم الحركي‪ ،‬هو نفسه‬ ‫وضع مَ رضي‪ ،‬وحالة من الجهل قامت على‬ ‫اإلفراط والتفـريط في آن واحد‪ .‬وأذهب إلى‬ ‫أن هذا التفكير ينطلق من مرجعية تحتاج‬ ‫إلى التدقيق ألنها تجسيم للنشاز الحضاري‪،‬‬ ‫وتعبير ع��ن ان��زي��اح فظيع ع��ن اإلس�ل�ام في‬ ‫منابته األصلية‪ ،‬وهل يمتلك الفكر األصولي‬ ‫اآلليات العقلية المؤدية إلى الفهم الصحيح ‬ ‫الضروري لإلسالم؟‬

‫‪84‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫< إن أبرز ما تتميز به الحركات‬ ‫األص��ول��ي��ة ال��ت��ق��ل��ي��د‪ ،‬وه���و في‬ ‫االص��ط�لاح األخ��ذ عن الرجال‬ ‫دون حُ جّ ة أو دليل من القرآن‬ ‫والسنة‪ ،‬وهذا يعني أن الحركات‬ ‫األصولية قد اصطنعت أصناما‬ ‫من ال ُم َقلِّ َد ِة (الرجال من نَ َقل َةِ‬ ‫ال���ع���ل���م ال����ش����رع����ي)‪ ،‬وفرضت‬

‫الفهم والتفسير على مقتضى‬ ‫اإلدراك البشري‪ ،‬وص��ادف أن‬ ‫البيئة الفكرية والثقافية لتلك المرجعيات‬ ‫متميزة بالتخلف المعرفي والديمغرافي‪.‬‬ ‫وك��ي��ف للفهم اإلن��س��ان��ي المقيد بالزمن أن‬ ‫يُ��� َو ّفْ��� َر ال���رؤى المالئمة للتطور العمراني؟‬ ‫إن مسألة المرجعية على درج��ة كبيرة من‬ ‫األهمية‪ ..‬ف��إن نهلت من الظاهرة القرآنية‬ ‫(وه����ي ت��ش��م��ل ال��س��ن��ة ال��ص��ح��ي��ح��ة)‪ ،‬فإنها‬ ‫تكتسب القدرة على التعامل الموضوعي مع‬ ‫الواقع التاريخي المتقلب‪ ..‬إذ إن مرتكز هذه‬ ‫الظاهرة االجتهاد وإعمال العقل‪ .‬والنتيجة‬ ‫من هذه الوضعية الغريبة قلب القيم‪ ،‬وليس‬ ‫غريبا أن تتراكم ال��م��ق��دس��ات‪ ..‬وأن تنغلق‬ ‫األب����واب‪ ..‬وأن يتغذى الته ُّي ُؤ للصراعات‪.‬‬ ‫وآية ذلك ما طرأ على الثقافة اإلسالمية من‬ ‫انسداد األف��ق إلى درج��ة أصبح فيها العقل‬ ‫اإلسالمي عقال مستعارا غير قادر على إنتاج‬ ‫المعرفة‪ .‬والجدير باالنتباه االستعدا ُد إلى‬ ‫المنهج النقدي إبطاال للمعيارية والتمجيد‬ ‫والمفاخرة‪.‬‬ ‫ال��خ�لاص��ة ل��ه��ذا ال��م��دخ��ل ض���رورة التصدي‬ ‫للتطرف على كل المستويات‪ ،‬وما يهمنا في‬


‫ألن مضارّها تُفسد على الثقافة اإلسالمية‬

‫االجتهاد‪ .‬فالكالم على االجتهاد ال يمكن أن‬

‫الفرصة للتشنيع‪ .‬وال يمكن أن يُثْمر االجتها ُد‬

‫الشاملة الحافة به‪ ،‬وال يمكن بداهة أن يثمر‬

‫> يتص ــف العقل الحديث بقدرته على تنويع‬

‫المسألة من تحت إل��ى ف��وق وليس العكس؛‬

‫في انتشال عامة الناس من داء األصولية؛‬

‫اعتراها الوهن‪ ..‬فآل األمر إلى جفاف مَعِ ين‬

‫اعتدالَها‪ ،‬وت�� َه��بُ لغالة المفكرين الغربيين‬

‫يقتصر على معالجة اآللية‪ ،‬بل على العناصر‬

‫في البيئة المنغلقة‪.‬‬

‫االجتهاد في البيئة المنغلقة‪ .‬ووُجِّ َه النّظ ُر في‬

‫التأويالت لكل الظاهرات اإلنسانية‪ ،‬ورفض‬ ‫أَح��ادي��ة الرؤية إليها بسعيه إل��ى ن��زع أغالل‬ ‫ال��س��ح��ر وال��ت��ق��دي��س ع��ن وج���ه ال��ع��ال��م‪ ،‬أال‬ ‫ت��رون أن ان��غ�لاق ب��اب االجتهاد ف��ي األصول‬ ‫التشريعية منذ القرن الثاني الهجري‪ ،‬ساعد‬ ‫على تعزيز مواقع المناوئين للدين اإلسالمي‬ ‫من مستشرقين وأصوليين سلفيين؟‬ ‫< مسألة انغالق باب االجتهاد محفوفة باللُّبْس؛‬ ‫ألنّ ل��ه��ا م��ن ال��م��داخ��ل م��ا يجعلها خطيرة‬

‫األبعاد‪ .‬وقد جرت األفكار تاريخيا في هذا‬

‫المجال على االنتقال من مرحلة االجتهاد‬

‫إل��ى مرحلة اال ِّت���� َب��اع‪( ،‬وق��د ا ُعْ ��تُ��بِ�� َر محمودا)‬ ‫إل��ى مرحلة التقليد (وق��د ا ُعْ تبر مذموما)‪،‬‬ ‫وقد ساد التقليد‪ ..‬ودل على أن خط تاريخ‬

‫األفكار في الثقافة اإلسالمية قد غلب عليه‬

‫التدحرج والتدهور؛ فبدل أن يؤسس المنهج‬ ‫االجتهادي نسقا يشت ّد عوده بتطور الزمن‪،‬‬ ‫تفاقم أم��ر التقليد‪ .‬وي��رى المتشائمون أن‬ ‫ب��داي��ة التقليد انطلقت م��ع ال��ق��رن الخامس‬

‫ال��ه��ج��ري‪ ،‬وي���رى المتفائلون أن��ه انطلق مع‬ ‫القرن السابع الهجري‪ ،‬وقد لخّ ص الشوكاني‬

‫في كتابه «البدر الطالع في محاسن القرن‬ ‫السابع» ه��ذه اإلشكالية‪ .‬والب��ن خلدون في‬

‫المقدمة لطيفة ملخصها أن االج��ت��ه��اد لم‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫التصدي المواجه ُة بالعلم والمعرفة واالجتهاد‬

‫يغلق‪ ،‬بل سُ دَّ وأحيل إلى البيئة الثقافية وقد‬

‫ال��تّ��ح��ت ه���و ال��ت��ف��ك��ي��ك ل�لأس��ب��اب الثقافية‬

‫والديمغرافية والسياسية واالجتماعية التي‬ ‫أدت إل��ى سد االجتهاد‪ ،‬وال��ف��وْق هو التعلق‬

‫بالنظري واإلس��راع إلى المواقف الجاهزة‪،‬‬ ‫وف��رض الحلول التي أوج��ده��ا السلف على‬ ‫المعضالت التي يتعرض لها الخلف‪ .‬وليس‬ ‫شأن العقل الحديث وحده أن يُنَ ِّو َع التأويالت‪،‬‬

‫إن المهمة منوطة بالعقل على وجه اإلطالق‪،‬‬

‫ألن العقل مجبول على هذه العملية‪ .‬فليس‬ ‫اإلش��ك��ال متصال باآللة بل بالمحيط‪ ،‬فإذا‬

‫ت��ل��وّث المحيط تعطّ لت اآلل���ة‪ .‬ول��ع��ل األمر‬

‫في الثقافة اإلسالمية أشّ��د‪ ..‬ألنه يصطدم‬

‫بمفارقة ُمبْتَنَاهَ ا على أن البدايات تميزت‬

‫بإعمال العقل‪ ،‬وهل من مزيد عن قول بعض‬

‫رموز الثقافة اإلسالمية القديمة «إنما األمر‬ ‫أنف»‪ ،‬والمعنى أن الحقيقة تصير وتستأنف‪..‬‬

‫وال يتسنى االكتفاء بالموروث على التوهُّ مِ أن‬

‫المعرف َة منوطة بفكر بشر مهما عال شأنه‪.‬‬ ‫وال وج��ه للتنكيب عن ال�� ّرم��وز المعرفية‪ ،‬أو‬ ‫عن الموروث على أن التقديس ال مجال له‬

‫البتة فوجب الكالم على المعادلة‪ ،‬طرف فيها‬ ‫معــرفة ال��م��وروث حق المعرفة دون ذوبان‪،‬‬

‫وطرف ثان معرفة الراهن واألخذ بأسبابه‪..‬‬

‫بل التفقه في علومه بكل فروعها‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪85‬‬


‫ ‬

‫قد يقال هذا الكالم كعفو البديهة معروف‪..‬‬

‫م َِحيد عن التواصل بين المجتمعات واألفراد‪.‬‬

‫ينبجس وم��ؤداه‪ :‬أل ْم يتسنَّ للفكر اإلسالمي‬

‫الهوية‪ .‬على أن اإلشكال كامن حول الهُوية‪.‬‬

‫وأن��ه أصبح كاالبتذال‪ ،‬على أن س��ؤاال آخــر‬

‫وأن الثقافة الذاتية لكل مجتمع حق يضمن‬

‫أن يصوب النظر إل��ى المنهج النقدي (وال‬

‫نقول جلد ال��ذات)‪ ،‬وقوامه على العقالنية‪،‬‬

‫معلوف) وقد تكون منفتحة‪ ،‬ومعنى االنفتاح‬

‫واللين‪ ،‬وكلها من مقومات جمالية السلوك‬

‫وب��ل��وغ درج���ة االم��ت�لاء ال��م��ؤه��ل للتعامل مع‬

‫وعلى القيم األصلية‪ ،‬وهي السماحة والعفو‬

‫االك��ت��م��ال ف��ي خصائص الهوية الداخلية‪..‬‬

‫عند النبي (ص)‪ .‬وال سبـيل إل��ى الموالفة‬

‫اآلخرين على قاعدة التكافؤ‪.‬‬

‫بين المسلمين والعصر إال باالجتهاد الشامل‪،‬‬

‫وهو ليس اآللية من أصول التشريع فحسب‪،‬‬ ‫ب��ل ه��و استنبات ألس��س ثقافية ت��ق��وم على‬

‫الفاعلية والنجاعة ونشر قيم الخير‪ ،‬بل إنه‬ ‫أيضا اعتياض عن ذهنية التوهم أن التقدم‬ ‫يكون نحو األسوأ بعقلية التقدم نحو األفضل‬

‫(وهو جوهر اإلسالم)‪.‬‬

‫ ‬

‫ف��ي ال��ق��رآن الكريم آي��ة ف��ي س��ورة الرحمان‬ ‫��ص��تْ ع��ل��ى ال��ح��رك��ة ال��ت��ي ال تنقطع وهي‬ ‫ن َّ‬ ‫َ��ان ويبقى وجه‬ ‫قوله تعالى {كل من عليها ف ٍ‬ ‫رب��ك ذو ال��ج�لال واإلك����رام}‪ ،‬وآل��ي��ة الحركة‬

‫تقتضي الصيرورة ال الثبات بالنسبة إلى كل‬

‫المخلوقات‪ .‬في القرآن الكريم الدعوة إلى‬ ‫الفعل وإلى العمل (بالمعنى الشامل)‪ ،‬وهذا‬

‫> أليس اإلسالم محتاجا اليوم أشد الحاجة إلى‬

‫يستوجب أن المفاهيم وال��م��ع��رف��ة والعلم‬

‫عالمة على شاكلة لوثر كينغ أو الفرنسي‬

‫وعلى التطور؛ فطبيعة الفكر – في األصل‬

‫ق���ادرة على االن��ت��ص��ار للحداثة وللتحديث‬

‫األنساق الثقافية المالئمة للظروف المتغيـرة‪،‬‬

‫< لكل ثقاف ــة ف��ي نظرنا خصوصيات وليس‬

‫ي��رع��ب ه��ذه األن��س��اق – أل��م ت��س��رع الثقافة‬

‫تثوير مفاهيمه الحضارية من قبل طليعة‬

‫ض��م��ن ال��ظ��واه��ر كلها ج��اري��ة ع��ل��ى التجدد‬

‫ألفريد ل��وازي حتى تصير منزوعة األغالل‬

‫– الحركة والتقدم نحو التراكم المؤدي إلى‬

‫المجتمعي؟‬

‫وليس من وَجْ ��ه أ ْن تحدُث التحوالت بشكل‬

‫من سبيل – موضوعيا – إلى نقل الحلول‪،‬‬ ‫وإال تحولت المسألة إلى األشباه والنظائر‪،‬‬

‫وهي في عمقها نوع من إق��رار التفاوت بين‬ ‫الحضارات والثقافات‪ .‬وال يعني هذا الموقف‬

‫رفض المثاقفة بل؛ يعني االزورار عن الهيمنة‬

‫أو عن رس��م المثال بالذوبان‪ .‬ال��وض��وح في‬ ‫ه��ذا ال��ش��أن ض���روري ألن ال��م��زال��ق كثيرة‪..‬‬

‫وقد تصبح األض��داد أن��دادا‪ .‬وال��رأي عندنا‬ ‫أن التعامل بين أهل الحضارات ضروري وال‬

‫‪86‬‬

‫فقد تكون الهُوِ يَّات قاتلة (على تعبير أمين‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫اإلسالمية إلى االنزياح نحو الجاهز والثابت‬

‫والمقدس غير األصيل؛ فاصطدمت بالواقع‬

‫التاريخي المختلف‪ ،‬وأزعجها االنتقال من‬ ‫المركزية اإلسالمية إلى المحورية الغربية‪..‬‬

‫إذ قبعت األولى في التقليد وازدهرت الثانية‬

‫بالحداثة‪ .‬وعلى هذا النحو نفهـم اإلصالح‬ ‫على ي��دي لوثر األلماني وكلفان الفرنسي؛‬

‫إذ كانت المسيحية عهدئذ ق��د اصطدمت‬ ‫بالتحنّط‪ ..‬فتمحّ ض اإلصالح؛ ألن المنظومة‬


‫اإلسالمية فهي ‪ -‬كمـا ذكرنا آنفا على سبيل‬

‫اإللماع ‪ -‬متضمنة ل��دالالت الحركة‪ .‬وإنما‬ ‫ال��ت��ح��نّ��ط ف��ي ث��ق��اف��ة المسلمين إل���ى درجة‬

‫يتسنى أن نقول إن الشفرة الثقافية‬

‫(‪A D‬‬

‫‪ )N‬عليلة‪ ،‬وليس الكالم من باب التمجيد؛ بل‬

‫ ‬

‫ثمة قراءته قراءة تاريخية تأخذ في االعتبار‬ ‫أس��ب��اب ال��ن��زول‪ ،‬ال ق���راءة إيمانية عجائزية‬ ‫تسعى إلى التأويالت األيديولوجية للنص‬ ‫القرآني‪ ،‬وتمنعه من أن يتماشى وضاغطات‬ ‫عصرنا المعولم؟‬

‫من قبيل الدعوة إلى المنهج النقدي وقوامه‬

‫< ثمة مسائل تاريخية عويصة ال يمكن فك‬

‫الطرق المناسبة لإلبداع (من أيّ جهة كانت‪،‬‬

‫في السؤال متعلقا بالقرآن الكريم وبالخطاب‬

‫هذا السياق)‪ .‬السبيل إلى التحديث ممكنة‬

‫ال��ح��اف��ة بالمشكلة‪ ،‬ف��إن ط��رق التعامل مع‬

‫مستجدات المعرفة والعلم والتكنلوجيات‬

‫الخط األول علمي يسعى إلى مساءلة التاريخ‬

‫األصلية التي تضمنها الثقافة اإلسالمية في‬

‫إلى توخي طريقة «الحياد المنهجي»‪ ،‬وهو‬

‫العصر‪ ،‬رغ��م العولمة والتطور التكنلوجي‪،‬‬

‫التأسيس للظواهر؛ ولهذا الخط العلمي دور‬

‫وكذا في االتصال اإلعالم (‪..)Infoethique‬‬

‫اإلس�لام��ي��ة‪ ،‬وال فكاك م��ن ه��ذا ال���دور؛ ألن‬

‫رف��ض المسلمات‪ ،‬ونبذ التقليد‪ ،‬واكتساب‬

‫التعقيد منها بيسر‪ .‬ومن هذه المسائل ما طرح‬

‫والعلوم اإلنسانية المعاصرة كلها مفيدة في‬

‫ال��ق��رآن��ي‪ .‬وب��ص��رف النظر ع��ن المالبسات‬

‫على ق��اع��دة المنهج النقـدي والتعامل مع‬

‫تاريخية اإلشكال يمكن أن توجز في خطين‪:‬‬

‫ال��م��ت��ط��ورة‪ ،‬تعامال نفعيا ي��رق��ى إل��ى القيم‬

‫بعقل منتج‪ ،‬وبمنهج نقدي صارم‪ ،‬قد يلتجئ‬

‫صورتها المنتجة المستنيرة‪ .‬وأحسب أن أزمة‬

‫افتعال التفكيك لتركيب العناصر الفاعلة في‬

‫أزمة قيم كذا في البـيولوجيا (‪)Bioethique‬‬

‫في إح��راج الطمأنينة السكونية في الثقافة‬

‫وخالصة القول إن الثقافة اإلسالمية إزاء‬

‫الفوائد المرجوّة منه تؤدي إلى التمكن في‬

‫اختيارين‪ ،‬إما التطور والحياة وإما التحنط‬

‫والمعاناة‪.‬‬

‫التجربة العلمية والقرآن الكريم‬

‫الثقافة ال إل��ى الهشاشة‪ ،‬وق��د تلوح النتائج‬ ‫العلمية ذات قسوة لمن يحمل زادا ثقافيا‬ ‫ع��اط��ف��ي��ا‪ ،‬أو ل��م��ن ي��ج��ت�� ّر رواس������بَ فكرية‬ ‫سطحية‪ ،‬إال أنها للمتأني‪ ..‬ولمن يرجو الخير‬

‫> أال يعد طمس حقيقة «الخطاب» القرآني‬

‫للثقافة اإلسالمية حيرة ال يمكن أن تفضي‬

‫مع المقام‪ ،‬منذ أن أعلنت السلطة الرسمية‬

‫وعلى اطمئنان موضوعي أن المرجعية في‬

‫واح���د‪ ،‬ه��و مصحف عثمان‪ ،‬وإع���دام النسخ‬

‫فإن المنزع العلمي يفهم وال ينتقد‪ ،‬ويفسر‬

‫بما تعنيه لفظة الخطاب من تالحم النص‬

‫إال إلى اليقين القائم على تجـدد المعرفــة‪،‬‬

‫مصحف ناجزٍ‬ ‫ٍ‬ ‫(مؤسسة الخالفة) اعتمـاد‬

‫الثقافة اإلسالمية َولُو ٌد – وعلى هذا المعنى‬

‫األخ���رى ل��ه (نسخة اب��ن مسعود م��ث�لا)‪ ،‬هو‬ ‫ال���ذي أب��ع��دن��ا ال��ي��وم ع��ن ال��ت��وص��ل إل��ى فهم‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫نفسها ع��اط��ل��ة أو تعطلت‪ .‬أم���ا المنظومة‬

‫أكثر أمانة للخطاب النبوي الشفوي‪ ،‬ومن‬

‫وال يسقط‪ ،‬وي��ؤول وال يتعسف‪ ،‬وه��و يدرك‬ ‫م��ا للتاريخ م��ن م��رت��ك��زات‪ ..‬ويتعامل معها‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪87‬‬


‫على أس��اس التفكيك والتأليف‪ ،‬وه��و يحيل‬

‫االي��دي��ول��وج��ي��ا‪ ..‬فهل ج��رب ال��م��ف��ك��رون في‬

‫ال��ش��أن م��ع��ادل��ة‪ .‬ال��ط��رف األول يستند إلى‬

‫مع القرآن الكريم؟‬

‫إل��ى النتائج بطريقة مخبرية ه��ي ف��ي هذا‬

‫الثقافة اإلسالمية التجربة العلمية الصرفة‬

‫فهم تاريخية المصحف بالتضاريس الحافة > يذهب بعض المفكرين إلى القول‪ :‬إن انتصار‬ ‫بها؛ وال��ط��رف الثاني التعامل م��ع الظاهرة‬ ‫بعض المفكرين (ك��اب��ن تيمية والغزالي)‪،‬‬

‫على قاعدة الفاعلية ومؤداها أن «المصحف‬ ‫المنجز» مقترن بعوامل منها ما هو نقلي {إنا‬ ‫نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}‪ ،‬ومنها‬ ‫ما هو عقلي‪ ،‬وهو خالصة التفكيك العلمي‪،‬‬

‫وال يجوز أن يخ ّل العلم ويوقع بمن يكتسب‬ ‫خصال العلم‪ .‬والخط الثاني أيديولوجي‪ ،‬وهو‬

‫يبيح لنفسه النسف وفرض الشك المذهبي‪،‬‬ ‫وك�����أن ال��ن��ظ��ر ع��ن��د أص���ح���اب ه����ذا الخط‬

‫الطعن في الثوابت واتهام الظاهرة الدينية‬

‫من جذورها‪ .‬وقد يصل هذا الخط إلى أن‬ ‫المصحف العثماني مختلف ع��ن األصل‪.‬‬

‫وال��س��ؤال المطروح‪ :‬ما الفائدة العملية من‬

‫هذه النتيجة؟ وهل هي الفاتحة على التقدم؟‬ ‫ ‬

‫على التيار الفكري التأويلي المنفت ــح (ابن‬ ‫رشد مثال) جعل أكثرية جمهور المسلمين‬ ‫ت��ع��ت��ب��ر ال���ن���ص ال��دي��ن��ي م��ح��ت��وي��ا ع��ل��ى كل‬ ‫الحقائق العلمية ما ظهر منها وم��ا سوف‬ ‫يظهر‪ ،‬ه��و ال��ذي جعل ث���ورات ال��غ��رب تنحو‬ ‫ص��وب المستقبل إلحاللها ِم ْخيالَ التقدم‬ ‫محلّ المخيال الديني‪ ..‬ذاك الذي صار اآلن‬ ‫ال يدعو إل��ى جنة وال يزجر عن ن��ار‪ ،‬وجعل‬ ‫ثوراتنا الفكرية العربية تنحدر عميقا إلى‬ ‫الماضي؟‬ ‫< الجواب عن السؤال يحوج إلى مداخل اخترنا‬ ‫منها عالمات نوجزها في مصطلح السنة‪ ،‬وهو‬

‫يوجد حديث يؤكد أن «ال��ق��رآن يحشر يوم‬

‫في هذا االستعمال غير األص��ل التشريعي‪،‬‬

‫النصوص القديمة‪ ،‬وهو أن القرآن ال تنقضي‬

‫مجموع ًة م��ن السُّ نن نريد أن نشير إليها‪.‬‬

‫(التونسي) في كتاب له موسوم بـ «الرسالة‬

‫عناصر جوهرية‪ ،‬وه��ي االنتصار للتصوف‬

‫– واقعيا وعمليا – مفتوح إلن��ت��اج المعرفة‬

‫رف��ض أصناف الطلب األخ��رى كعلم الكالم‬

‫ال تتصل بالنص القرآني‪ ..‬بل بنسيج الثقافة‬

‫أن الدنيا مزرعة لآلخرة وأن الحديث (؟)‬

‫أكيدة إلى معالجة األم��راض حتى ال نتوهم‬

‫َاص ٌل للمعرفة‪ ،‬فيصبح الذوق واالنكشاف‬ ‫ُمو ِ‬

‫القيامة بكرا»‪ ،‬وهو متصل بفكرة تتردد في‬

‫إن���ه ال��ط��ري��ق��ة وال��ت��م��ث��ل للثقافة اإلسالمية‬

‫عجائبه‪ ،‬وق��د وق��ف أب��و الحسن القابسي‬

‫َم َّث َل أبو حامد الغزالي سُ ّن ًة ثقافية مؤداها‬

‫المفصلة» إلى مثل هذه المعاني‪ ،‬فالمجال‬

‫بوصفه (ع��ن��ده) الطريق إل��ى الحقيقة (مع‬

‫على القرآن الكريم‪ .‬والمشكلة في تقديري‬

‫والفلسفة)‪ ،‬ومجال الحقيقة اعتبار الغزالي‬

‫اإلسالمية وقد أصابه المرض‪ ،‬وكأن الحاجة‬

‫«من عمل بما علم أورث��ه الله علم ما يعلم»‬

‫أنها كامنة في مواضع أخرى‪ .‬الخالصة‪ ،‬هي‬

‫المطية للنجاة‪ ،‬ولعل ه��ذه السُ نة هي التي‬

‫الحاجة إلى العلم واللجوء إلى درء مفاسد‬

‫‪88‬‬

‫ال��ذي��ن ي��ق��رؤون ال��ق��رآن الكريم ف��ي حرفيته‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫س���ادت‪ ،‬وه��ي ال��ت��ي نحتت جانبا كبيرا من‬


‫ ‬

‫منها استشراء الطرقية – فتآزر التقليد مع ‬ ‫الطرقية وانسدت األفق‪.‬‬

‫ال��خ�لاص��ة‪ ،‬أن تتحمل ال��ث��ق��اف��ة اإلسالمية‬

‫َو َم َّث َل ابن رشد سنة ثقافية أخرى ملخصها‬

‫مسؤولية إنتاج المعنى والمعرفة والعلم‪ ،‬وال‬

‫في رسالة معناها فصل المقال في ما بين‬

‫أن تحتمي بالشعارات كالتوهّ م أن القرآن‬

‫الشريعة والحكمة من االت��ص��ال؛ فهي سنة‬

‫الكريم ينطوي على الحقائق العلمية‪ ..‬وقد‬

‫سبق لطنطاوي جوهري أن زينت له النفس‬

‫بين الشريعة والفلسفة – ول��م تثمر هذه‬

‫العلمية‪.‬‬

‫استعادت موقفا توفيقيا بين الوحي والعقل‪،‬‬

‫السنة إال ق��ل��ي�لا‪ ..‬وأس��ب��اب الفشل راجعة‬

‫إلى الطريقة في السياسة وفي الثقافة وفي‬ ‫التعليم‪ ،‬وليس غريبا في ضوء هذه المعطيات‬

‫أن يتقرب أم��راء األندلس إل��ى العامة بقتل‬ ‫الفالسفة حسب الخبر الذي أورده المقري‬

‫في نفح الطيب‪.‬‬ ‫ ‬

‫ومثل ابن خلدون سنة ثقافية أخرى قوامها‬

‫على التمييز المرجعي بين العلوم الشرعية‬ ‫والعلوم العقلية‪ .‬فالوحي يقتضي التسليم (وهو‬

‫عنده منظومة ال تخلد إلى إبطال العقل‪ ،‬بل‬ ‫تنطق عن درجات متفاوتة ليس للعقل طاقة‬

‫على استكمالها أو امتالك زمامها)‪ ،‬والعقل‬ ‫يستوجب الخبر والسؤال والتقصي‪ .‬وكأن ابن‬ ‫خلدون قد فتح بابًا وأغلقه‪ ..‬ألن الثقافة زمن‬

‫ابن خلدون (توفي ‪ 808‬هـ) قد أترعت تقليدا‪.‬‬

‫نحن بحاجة إلى دراسة هذا االختالف على‬ ‫أن���ه ت��اري��خ أف��ك��ار ال سلطة م��ف��روض��ة على‬

‫المخيال اإلسالمي بصفة مطلقة‪ .‬ونحن–‬ ‫المنتمون إل��ى الثقافة اإلس�لام��ي��ة الراهنة‬

‫– بحاجة إل��ى ص��ون ال��م��وروث إضافة إليه‪،‬‬ ‫وإلى المحافظة على الهوية باكتساب آليات‬

‫التفكير الحداثي‪ ،‬وإل��ى اإلخ�لاص لألجداد‬ ‫بالتأسيس للطرق الكفيلة برسوخ األقدام في‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫المخيال اإلسالمي أدى إلى منعرجات وعرة‬

‫الحاضر‪ ..‬وباإلعداد العقالني للمستقبل‪.‬‬

‫ذلك‪ ،‬فأصبح تفسيره عاريا من المصداقية‬

‫الراضي بالسكون يتحول إلى طعم من‬ ‫جنس غثاء السيل‬ ‫> العقل ال��ح��داث��ي والعقل السلفي يعيشان‬ ‫أزم��ة عامة‪ ..‬ولكن أسبابها مختلفة‪ ،‬فأزمة‬ ‫األول س��ب��ب��ه��ا ح��ي��وي��ت��ه ال���دائ���م���ة‪ ،‬وسعيه‬ ‫المتجدد إلى تفكيك كل ال ُبنَى التقليدية‪،‬‬ ‫الشك في كل يقينياته‪ ..‬مانعا عنها‬ ‫ّ‬ ‫وإل��ى‬ ‫التصــلب والدوغمائية‪ .‬وأزمة الثاني ناجمة‬ ‫وتحجره وانغالقه على معانيه‬ ‫ّ‬ ‫عن جموده‬ ‫في هالة من القداسة والتهويل‪ .‬هل تعدون‬ ‫هذه المفارقة سببا مُ حَ دِّ دً ا لنمط التواصل‬ ‫الفكري والسياسي الحاصل اآلن بين الشرق‬ ‫والغرب؟‬ ‫< األزمة – على األغلب – نوعان‪ :‬نوع هيكلي‬ ‫بنيوي‪ ..‬ون��وع إشكالي منهجي‪ .‬أم��ا العقل‬

‫الحداثي‪ ،‬فاألزمة فيه – إن جاز الكالم على‬ ‫األزم��ة – منهجيـة؛ ألنَّ من أع��وان الحداثة‬ ‫(‪ )Les agents de la modernité‬العقالني َة وهي‬

‫ال تقبل المسلمات‪ ..‬فالحركة والصيرورة‬

‫من الشّ يم المالزمة لها‪ .‬فالعقل الحداثي‬ ‫فاع ٌل بداهةً‪ .‬وأما العقل السلفي (وإذ كانت‬

‫المفاهيم تحتاج إل��ى التدقيق)‪ ،‬فهو مناط‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪89‬‬


‫أزم��ة هيكلية تنفذ إل��ى أع��م��اق بنيته‪ .‬ومن‬

‫ولعل المفارقة تطرح بشكل مختلف‪ ،‬جانب‬

‫ثابتة مطلقة‪ .‬ومن عالمات األزم��ة التسليم‬

‫المعلوماتي؛ ألن التكنلوجيا متوافرة ضمن‬

‫عالمات األزمة اإلقرار بأن الحقيقة واحدة‬ ‫بسلطة الرجال (العلماء بأصنافهم)‪ ..‬لتمثل‬ ‫الثقافة‪ ،‬وك��أن فهم ال��ق��رآن الكريم والسنة‬

‫توقف عند أفهام القدامى‪ ..‬وتلك من الطريق‬ ‫إل���ى االن���غ�ل�اق‪ .‬ل��ق��د س��ب��ق ل��ب��اح��ث فرنسي‬ ‫األب لويس ق��اردي‬

‫(‪Gardet‬‬

‫‪ )Louis‬أن بين‬

‫في كتاب له عنوانه رج��االت اإلس�لام‬ ‫‪de l’islam‬‬

‫«‪Les‬‬

‫‪ »Hommes‬أن تاريخ المسلمين‬

‫وتاريخ األوروبيين معكوس‪ ،‬بدأ األوروبيون‬ ‫بالتوحش ثم بالقرون الوسيطة ثم النهضة‪..‬‬

‫وصوال إلى الحضارة الغربية المتطورة‪ ،‬وكان‬

‫فيها أول ه��و سهولة ال��وص��ول إل��ى اإلجراء‬ ‫ما يعبر عنه اقتصاد العالم‪ ،‬وجانب ثان هو‬

‫أن الراضي بالسكون سيتحول إلى طعم من‬

‫جنس غثاء السيل الذي أشار إليه الحديث‬ ‫النبوي‪ .‬تتمثل الخالصة في تجنب الحلول‬ ‫الجزئية والطرق المحدودة واالل��ت��زام بروح‬

‫التأليف والنظر الشامل والمنهج النقدي‪.‬‬

‫الخطوة الصعبة أن يمثل العرب كيانا‬ ‫متكامال يمكن له أن يكون مخاطبا‬ ‫كفئ ًا للغرب‬

‫المسلمون ق��د ع��رف��وا النهضة ث��م السكون > ثمة حرب أيديولوجية قائمة خالل العقود‬ ‫األخ���ي���رة‪ ،‬ب��ي��ن ال���ع���رب ب��وص��ف��ه��م أصحاب‬ ‫فالتخلف‪ .‬فمسألة ال��م��ق��ارن��ة ب��ي��ن الشرق‬ ‫دي��ن يمثل ف��زاع��ةً مُ خيفةً ‪ ،‬وال��غ��رب بوصفه‬ ‫وال��غ��رب م��ع��ق��دة‪ ..‬وه��ي أح���وج إل��ى التأني‪.‬‬ ‫ول��ي��س ال��وج��ه ف��ي ن��ظ��رن��ا االك��ت��ف��اء بعنصر‬ ‫واح���د إلق��ام��ة ال��دل��ي��ل ع��ل��ى ال��ف��روق��ات بين‬

‫الشرق والغرب‪ ،‬إن المنهج العلمي يقتضي‬ ‫استحضار ك��ل العناصر ال�لازم��ة للمقارنة‪،‬‬

‫ومنها السياسي واالجتماعي واالقتصادي‬

‫التوسعية‪ ،‬هل تعتقدون أنه ما يزال باإلمكان‬ ‫إيجاد مجال للتفاهم بين الغرب والعرب‪ ،‬وما‬ ‫هي اآلليات التي ترونها تمثل قناة صالحة‬ ‫للتحاور في هذا المناخ العدائي؟‬

‫والثقافي والمعرفي والفني‪ .‬وهي تستدعي‬

‫< ال�����رأي أن ال��م��ع��ض��ل��ة ال��ك��ب��رى راج���ع���ة إلى‬

‫العلمية‪ .‬وقد تشعبت األح��وال بشكل فظيع‬

‫م��رج��ع��ي��ت��ي��ن‪ ،‬ال��م��رج��ع��ي��ة االنثروبولوجية‬

‫فرضت منظومة اتصالية متطورة‪ ،‬والظاهرة‬

‫هي كل النشاط المادي والذهني لدى الفرد‬

‫األع���م���ال ال��م��خ��ب��ري��ة ل��ل��وص��ول إل���ى النتائج‬

‫اإلش��ك��ـ��ال ال��ث��ق��اف��ي‪ .‬ون��ف��ه��م ال��ث��ق��اف��ة على‬

‫في السنوات األخيرة‪ ،‬ألن الثورة المعلوماتية‬

‫والمرجعية البيولوجية‪ .‬الثقافة انثروبولوجيا‬

‫السيبرنيتية (‪ )Cybernitique‬جعلت من‬

‫االف��ت��راض��ي (‪ )Virtuel‬سبيال إل��ى اختراق‬ ‫ال��ح��واج��ز دون المعرفة ال��م��ت��ط��ورة‪ .‬وليس‬

‫م��ن سبيل إل��ى استثناء الثقافة اإلسالمية‬

‫إال إذا رام��ت القبوع في حضيض الجهالة‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫الشيطانَ األكبر بآالته العسكرية وبسياساته‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫وال��ج��م��اع��ات‪ .‬ال��س��ؤال هنا ه��ل إن السلوك‬ ‫الثقافي العربي (إجماال وال تعميما) فاعل‪،‬‬

‫وما هي نسبة اإلنتاجية ونسبة األمية على‬ ‫سبيل المثال بين العرب والغرب‪ ،‬فإذا قارنَّا‬

‫وجب اعتبار الممكن والملموس ال النظري‬


‫التحت ستكون االستنتاجات مغلوطة‪ .‬أما‬

‫إلى معالجة اإلشكال من زاوية أخرى‪ ..‬وهي‬

‫ف��ي بيئة‪ ..‬ف��إذا أسرعنا إل��ى ال��ف��وق وتركنا‬

‫بيولوج ّيًا فأكتفي باإلشارة إلى أن الهندسة‬

‫الوراثية بيّنت أنه ال صون للنواة في الخلية‬

‫ ‬

‫ط��رح ال��س��ؤال‪ :‬لماذا يتدرج الوضع العربي‬ ‫إل��ى الوهن واالس��ت�لاب (عموما دون النظر‬

‫إال بفاعلية المحيط أو السيتوبالزم‪ ،‬والتوازي‬

‫في االستثناءات وهي قليلة)؟ هل الدين هو‬

‫فرضية جارية في البحوث والتطبيقات في‬

‫هو العلة أم المحتوى الثقافي هو الدافع إلى‬

‫والسؤال‪ :‬هل النواة وهي الموروث في الثقافة‬

‫األكبر» بل إن القيم مالزمة عنده للحضارة‪،‬‬

‫المتالحقة) ف��اع����ل أو س��اك��ن؟ ن��رى الغرب‬

‫لتوهّ م العداء‪ ،‬بل األجدر التعامل مع الغـ ــرب‬

‫المكتشفات المذهلة‪ ،‬وموطن التقدم المبين‪،‬‬

‫ال��ت��واص��ل م��ع العقالء الغربيين ذوي القيم‬

‫قطع عنه التأثير في الراهن وفي المستقبل‬

‫اليهود كانوا شتاتا وقد اضطهدوا في الغرب‬

‫أم���ا ال���ع���رب‪ ،‬ف��ال��س��ؤال م��ط��روح ب��ح��دة عن‬

‫وبين الغرب على أكمل ص��ورة والبحث عن‬

‫ب��ي��ن ال��س��ن��ن ال��ب��ي��ول��وج��ي وال��س��ن��ن الثقافي‬

‫السبب؟ أو صفة التدين هي الداء؟ هل النص‬

‫المؤسسات العلمية في البلدان المتقدمة‪.‬‬

‫الوضع الراهن؟ وليس كل الغرب «الشيطان‬

‫العربيـة محفوفة بمحيط (ثقافة األجيال‬

‫وإ ْن ه��ي ذات مرجعية مختلفة‪ ،‬ف�لا وجه‬

‫يعمل ويكد وينتج بنسق متسارع‪ ..‬فهو قبلة‬

‫بمنطق النجاعة والمصلحة المشتركة‪ ،‬وربط‬

‫وهو يحافظ على موروثه بأن وضع له إطارا‬

‫األصلية‪ ،‬وقد بين لنا التاريخ المعاصر أن‬

‫على أنه احترمه احتراما عظيما‪.‬‬

‫أبشع اضطهاد؛ واليوم أصبحت العالقة بينهم‬

‫عالقتهم بالموروث وبالدين بصفة خاصة‪.‬‬ ‫ف��ه��ل يحيطون ب��ه ع��ل��ى ق��اع��دة الفاعلية‪..‬‬

‫ومعناها أن صون حقيقة الدين ال تكون إال‬

‫بالثقافة المنتجة (االجتهاد – العقالنية –‬

‫اإلبداع)‪.‬‬ ‫ ‬

‫وه��ذا ال يعني الرضى بما ن��رى؛ بل يقصد‬

‫وإذا نظرنا ف��ي النتائج‪ ،‬فطبيعي أن يغزو‬

‫الغرب العالم‪ ،‬ألن المصلحة تابعة لمصادر‬ ‫القوة‪ ،‬وقد فعلت نظرية التطور الالمتكافئ‬

‫(ان��ظ��ر سمير أم��ي��ن ف��ي ه��ذا ال��ص��ـ��دد) في‬ ‫وق���ت غ��ي��ر ب��ع��ي��د‪ ،‬وت��ف��ع��ل ال��ع��ول��م��ة م��ا تريد‬

‫اليوم‪ ،‬والغرب جا ّد في جلب المصالح إليه‪.‬‬

‫ومنطق التاريخ يدل على التالزم بين القوة ‬

‫والمصلحة‪ .‬فالسياسات التوسعية نتيجة‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫وااليديولوجي‪ ،‬ألن هذين المظهرين يولدان‬

‫حتمية ل��ك��س��ب األس���ب���اب ال��م��ؤدي��ة إليها‪..‬‬

‫األسباب مزدوج الفائدة‪ ،‬إنه يوفر المسالك‬

‫ل��ن��ح��ت ال��ع�لاق��ات ال��م��ت��ده��ورة استصالحا‬ ‫ل��ه��ا ن��ح��و األف��ض��ل‪ ،‬وي��ؤك��د أن ال��ت��ك��اف��ؤ في‬

‫التعامل ممكن على شرط توفير المقومات‪،‬‬ ‫ومنها االرتقاء إلى مستوى الحضارة ال في‬

‫المظاهر بل في عمق الكيان‪ .‬وه��ل يتسنى‬

‫هذا للعرب وهم متفرقون؟ أليست الخطوة‬ ‫(الصعبة) أن يمثل العرب كيانا متكامال (ال‬

‫نذهب إلى الكالم على الوحدة وقد أصبحت‬ ‫كالحلم العصي) يمكن له متى تحقق أن يكون‬

‫العرب مخاطبا كفئاً إزاء الغرب؟‬

‫ال��ح��ري��ة ال��ي��وم أق��ن��وم م��ن األق��ان��ي��م الالزمة‬

‫لإلنسان بموجب ح ــقوق أممية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪91‬‬


‫> ه��ل اإلص�ل�اح���ات ال��ت��ي ت��دع��و إل��ي��ه��ا أمريكا‬ ‫وتنافخ من أجل فرضها على سكان مشرقنا‬

‫اللزوميات تعبير عن وعي حاد أن العقل قد‬

‫العربي في شتى مجاالت حياتهم‪ ..‬ستدفعهم‬

‫غار وأ ُهْ مِ َل يقول‪:‬‬

‫إلى عبادة الحرية‪ ،‬أو هي ستزيد من إصرارهم ‬ ‫على االلتزام بالشريعة؟‬

‫وإذا الرئاسة لم ُتعَنْ بسياسة‬ ‫السائس‬ ‫ُ‬ ‫الصوابَ‬ ‫عقلية خَ ِطئَ َّ‬

‫< ه��ل التضاد ك��ام��ن بين الحرية والشريعة؟ ‬ ‫أل����م ي����أت اإلس���ل��ام ل��ت��ح��ري��ر اإلن���س���ان من‬

‫والشريعة‪ ..‬بل األجدى المقارنة بين الحرية‬

‫الحقيقين عباد الرحمان‪ ،‬أي البشر المنوط‬

‫األبواب دون العقل المنتج تحت إطار الشريعة‪.‬‬

‫مظاهرها الحرية؟ وليس الكالم تمجيدا‪ ،‬إنه‬

‫الشريعة‪ ..‬ألن االصطالح قد يبدو واضحا‪،‬‬

‫المسلمين ب��أح��داث جسيمة غيرت مجرى‬

‫النقدي كفيل بذلك؛ إذ في الشريعة جانبان‪:‬‬

‫أن نصطفي مظهرين يفسران ذل��ك ولهما‬

‫ل��م ي��ت��ح��رك ال��ت��ل��ق��ي ف���ان ال��ج��ان��ب األول قد‬

‫الخالفة منصبا دينيا‪ ..‬والبن خلدون موقف‬

‫وسوء التطبيق‪ .‬ولشيخ تونسي من نهاية القرن‬

‫الراشدين استثناء‪ ،‬وأن الخالفة اإلسالمية‬

‫وه��و محمد بيرم األول موسومة بالسياسة‬

‫���ك‪ .‬فالتسمية خ�لاف��ـ��ـ��ة والمسمى‬ ‫إل���ى مُ���ل ْ ٍ‬

‫مجاالت االجتهاد الكبيرة‪ .‬الموضوع يحتـاج‬

‫األحكام السلطانية المالئمة لذلك؛ فوجب‬

‫حال نفسية متوازنة حتى تصغي إلى المواقف‬

‫الثاني‪ ،‬هو تبنّي فكرة ساسانية انتشرت مع‬

‫أصبحت الحرية ال��ي��وم أقنوما م��ن األقانيم‬

‫اإللهي»‪ ،‬فتغيرت الخالفة من خالفة رسول‬

‫ومهما كانت الممارسات قريبة من التجسيم أو‬

‫عن إرادة الله‪ ،‬ومن يرجع إلى كتب التاريخ‬

‫حقوق اإلن��س��ان‪ .‬وال محيص عن تحقق هذه‬

‫ال ن����رى وج���ه���ا ف���ي ال��م��ق��اب��ل��ة ب��ي��ن الحرية‬

‫أشكال االستعباد فسمى القرآن المسلمين‬

‫واالس��ت��ب��داد ال���ذي وص��ل ب��ه ال��ج��ور إل��ى سد‬

‫بهم نشر الرحمة ف��وق األرض‪ ،‬وم��ن أبسط‬

‫ومن الملفات المهمة التي يجب فتحها ملف‬

‫اإلحالة إلى النص بالضرورة‪ .‬لقد تأثر تاريخ‬

‫أما المفهوم فهو أحوج إلى المراجعة‪ ،‬والمنهج‬

‫النسق األصيل إلى انحرافات فظيعة‪ ،‬ويمكن‬

‫الجانب اإللهي وجانب التلقي البشري‪ ..‬وإذا‬

‫عالقة بالسياسة؛ المظهر األول توهّ م منصب‬

‫تطمس حقائقه‪ ..‬وقد يؤدي إلى سوء الفهم‪،‬‬

‫جليل في ه��ذا السياق‪ ،‬ملخصه أن خالفة‬

‫السابع عشر الميالدي رسالة في هذا الشأن‪،‬‬

‫ب��دأت مع األمويين عندما انقلبت الخالفة‬

‫ال��ش��رع��ي��ة‪ ،‬وال��ن��اظ��ر ف��ي��ه��ا يتمكن م��ن فهم‬

‫ملك عضوض‪ ..‬وقد أسس فقهاء السياسة‬

‫إلى األناة واألريحية‪ ،‬وإلـى عقلية نقدية‪ ،‬وإلى‬

‫االعتبار بالتاريخ بمنهج نقدي دقيق‪ .‬المظهر‬

‫ما توافق عليه وما ترده على حد السواء‪ .‬لقد‬

‫دول��ة البرامكة وملخصـها في «ح��ق الملوك‬

‫ال�لازم��ة ل�لإن��س��ان ب��م��وج��ب ح ــقوق أممية‪.‬‬

‫الله إل��ى خالفة الله وأصبح الحاكم صورة‬

‫بعيدة‪ ..‬فإن الشعوب تجنح إلى الحرية وإلى‬

‫يفهم هذا التغير‪ .‬والمظهران تكريس للجور‬

‫المعاني في كل العالم مهما نأت المدة الزمنية‬

‫واالستبداد سياسيا واجتماعيا واقتصاديا‬

‫‪92‬‬

‫وثقافيا‪ .‬ولعل صرخة أبي العالء المعري في‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫وتعقد الوصول إليها‪ .‬وال نرى سبيال إلى أن‬


‫أو التعصب المريض‪ ..‬وك��ل ذل��ك في نظرنا‬

‫بالرقيّ ؟ الوجه في نظري أن نبصر في حال‬

‫أبرز العوامل المغذّية للحرية الظاهرة الدينية‬

‫اآلخرين‪ .‬غير المتمكن يمتلك أسباب فرض‬

‫الحرية من اختيار عقيدته‪ ..‬على أنه ال مجال‬

‫أم��ا األن���ا‪ /‬النحن ف��ي المشرق العربي فما‬

‫هي ح��االت مرضية‪ ..‬وأب��رز مقاومة لها هي‬

‫اإلنسانية‪ .‬هل تكفي المواد الخام والخيرات‬

‫اإلنسانية إال ف��ي إط���ار الذهنية الماضوية‬

‫هل يُ ْمل َى اإلصالح على واقع حضاري متميز‬

‫ممارسة غالطة وخ��ي��ارات سخيفة‪ .‬وإنّ من‬

‫المشرق قبل أن نصوّب النظر أو التهم إلى‬

‫ع��ن��دم��ا تُ��ؤخ��ذ م��أخ��ذا عقليا؛ ألن لإلنسان‬

‫الذات والهيمنة بها وهذا ال يحتاج إلى دليل‪.‬‬

‫لعقائد تؤدي إلى القتل واإلجرام واإلرهاب‪ ،‬إذ‬

‫هي المنجزات المؤدية إل��ى إث��راء الحضارة‬

‫السبيل المعرفية‪ ،‬ولن تستطيع األطروحات‬

‫المادية لتكتسب المجتمعات المنزلة الرفيعة؟‬

‫المتعصبة أن ت��ق��ف أم���ام ال��ع��ل��م والمعرفة‪،‬‬

‫ونقصد بالعلـم المنهجية العلمية في الدرجة‬

‫ ‬

‫األولى وقوامها على العقالنية‪ .‬وإنّ من أبرز‬ ‫ثمار تح ّمــل اإلنسان مسؤولية وجوده أن يختار‬ ‫بعقله‪ ،‬وأن يريد بعقله‪ ..‬والثقافة اإلسالمية‬

‫ف��ي جوهرها استصالح ل��ه��ذه المسؤولية‪..‬‬ ‫فكان اإلسالم هاديا إلى هذه المعاني؛ ولعل‬

‫هذا ما يفسر أن أعظم معجزة للنبي (صلى‬ ‫الله عليه وسلم) هي القرآن الكريم‪ ،‬ولم نجد‬ ‫ال لها من خوارق من كان قبله‪ .‬فالنصوص‬ ‫مثي ً‬ ‫القديمة بحاجة إلى االستثمار الواعي‪.‬‬

‫ ‬

‫وألمريكا أن تقترح وأن تفرض اإلصالحات‪ ..‬‬

‫ألن المناخ مالئم‪ ،‬والفراغ الثقافي يستدعي‬

‫مثل ه��ذه اإلج�����راءات‪ ،‬ونقصد بالثقافة ما‬ ‫أشرنا إليه آنفا‪ ..‬فالسياسة ثقافة‪ ،‬وكذلك‬

‫االج��ت��م��اع واالق��ت��ص��اد‪ .‬ط���رح ال��س��ؤال يمكن‬ ‫أن يتخذ مسلكا آخر مختلفا وهو الذي أراه‬ ‫من صلب النهج النقدي‪ .‬الواقع اليوم يبوئ‬

‫أم��ري��ك��ا درج���ة السلطان على األرض‪ ،‬فهل‬

‫وج��دت أمريكا في المشرق العربي من قوة‬ ‫األفكار‪ ،‬وقوة المناهج‪ ،‬وقوة المقاربات‪ ،‬وقوة‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫ي��ت��ص��دى ال��ف��ك��ر ال��دي��ن��ي اإلس�لام��ي للحقوق‬

‫ال��م��ع��ارف‪ ،‬وق��وة ال��ع��ل��وم؛ م��ا يجعلها تتساءل‬

‫ال���رأي ع��ن��دي‪ ،‬أن ت��ك��ون اليقظة ذات��ي��ة‪ ،‬وأن‬

‫يكون اإلصالح من الداخل‪ ،‬وال ينقص العرب‬ ‫والمسلمين األدم��غ��ة المفكرة ال��ق��ادرة على‬ ‫اإلبداع‪ .‬ألم تبرهن األدمغة العربية على كفاءات‬

‫عالية عندما هاجرت إلى الغرب وأسهمت في‬

‫االرتقاء بعلومه ومعارفه ومناهجه؟! إن أمريكا‬ ‫والغرب يستوجبان المخاطب الكفءَ‪ ،‬القادر‬

‫في دياره على أن يحقق التقدم‪ ،‬وعلى أن يزرع‬ ‫الثقافة المتحركة وأدن��اه��ا اس��ت��رج��اع قيمة‬

‫الوقت وقيمة العمل‪.‬‬

‫الجواب عن السؤال في الخالصة كامن في‬ ‫تحريك السواكن واإلب��ان��ة ع��ن النضج‪ ،‬وقد‬

‫يقال إن ال��غ��رب يعرقل التكامل بين العرب‬

‫والمسلمين‪ ،‬وال��س��ؤال وجيه على أن��ه يحط‬ ‫الرحل في سؤال آخر‪ :‬أليست للعرقلة أسباب‪،‬‬

‫أهمها المناخ المالئم وقبول الهيمنة؟ وليس‬ ‫األم��ر كالحلقة المفرغة‪ ..‬إنه ينتظر اإلدارة‬

‫القوية‪ ،‬ولنا في التاريخ المعاصر مجتمعات‬ ‫كانت مقهورة أو مستضعفة‪ ،‬ثم حظيت بالتمكن‬

‫بإنجاز من الذات ال بالمنة من اآلخر‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪93‬‬


‫الشاعر بسام السالمة‬ ‫> حاوره ضاري بن حمود احلميد*‬

‫يقدر المرء أن يكون عظيم ًا في الحزن‪ ،‬بل قل بطالً‪ ،‬ولكنه في السعادة وحدها يكون‬ ‫المنتهى؛ هكذا يقول الشاعر بسام السالمة‪ ،‬الذي يؤكد أنه حتى النبيل اإلغريقي الذي‬ ‫كان يعرف جيد ًا كيف يصور الشخصيات البطولية‪ ..‬لم يتردد في جعل أبطاله يبكون عند‬ ‫مقاساتهم األلم؛ فكان يقول‪ :‬كرام هم الرجال الذين يستطيعون البكاء‪ ..‬دعوني وشأني‪.‬‬ ‫يع ـّرف بسام الشعر بهذه الطريقه‪:‬‬ ‫« إنما الشعر لسان القلب مذ‬ ‫كان به فيض مشاعر‪،‬‬ ‫ورسول لبنات الفكر صداح‬ ‫متى جالت خواطر‪،‬‬ ‫بلسم تسمو به الروح‬ ‫إذا اجتاز الحناجر»‬

‫الشاعر بسام السالمة‬

‫يهتم بسام بالكيف وليس بالكم‪ ،‬يميل إلى شعر التفعيلة‪..‬‬ ‫وال يتوقف عنده‪ ،‬يبحث عن المعنى وجمالية المفردة وخصوصية األسلوب‪..‬‬ ‫يقول‪:‬‬ ‫وحللت اليوم ضيفا‬ ‫عند ينبوع الجمال‬ ‫ها هنا بين الروابي‬ ‫في ذرى سحر التالل‬ ‫في سكاكا زهرة الجوف‬ ‫وبستان الشمال‪..‬‬ ‫ويقول‪ :‬أنتم يا ذوي القلوب اليابسة والعيون‪ ،‬إنني ألعن السعيد الذي ال يكون الشقي‬ ‫له سوى مشهد‪.‬‬ ‫يجمع المشهد الشعري عند بسام السالمة بين الدراما والغناء‪ ،‬بين المأساة والتفاؤل‪،‬‬ ‫وقد حاورناه عقب أمسية شعرية أحياها في النادي األدبي بمنطقة الجوف‪ ،‬فتحدث بعفوية‬ ‫عن بداياته‪ ،‬وعن الذين شجعوه‪ ،‬وعن المزج بين الشعري والغنائي لديه‪ ..‬وعن أمور أخرى‪.‬‬

‫‪94‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫< رغبتي في ظهور أعمالي من خالل جهة ذات‬ ‫اختصاص تهتم في ع��رض ن��واجت املوهوبني‬ ‫كفعل ثقافي في املقام األول‪ ..‬وليس ألجل‬ ‫الربح املادي‪ ،‬هو ما جعلني ال استسلم‪ ،‬وبوادر‬ ‫هذه اجلهات هو نادي اجلوف األدب��ي الذي‬ ‫أرى بأنه سيكون مالذاً أمناً جلميع املواهب ‬ ‫واألسماء في املنطقة‪.‬‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫> ذك��رت في أمسية لك في النادي األدب��ي في‬ ‫الجوف أن لديك خمس مجموعات شعرية‪:‬‬ ‫لماذا لم تطبع أي منها حتى اآلن؟‬

‫< بدأ اهتمامي بالشعر من سن عشر سنوات‬ ‫ح�ين أنهيت ق���راءة مجلد عنتره ب��ن شداد‬ ‫والذي لفت مخيلتي إلى الصورة الشعرية‪-‬‬‫وك��ذل��ك ق��ص��ة ال��زي��ر س��ال��م‪ ،‬ك���ان ذل���ك في‬ ‫الصف الرابع االبتدائي‪ ،‬وأذك��ر أنني بدأت‬ ‫بالكتابة ال��ت��ي حت��اك��ي أش��ع��اره��م منذ ذلك‬ ‫الوقت‪ ،‬غير أن هذا أصبح واقعاً صحيحاً في‬ ‫عام ‪1403‬هــ‪.‬‬ ‫وبدون شك ما يستهويني ومتيل إليه نفسي‬ ‫هو الشعر الفصيح‪ ،‬وحتديداً شعر التفعيلة‪.‬‬

‫> كيف كانت تحوالت القصيدة لديك‪ ،‬ومتى > كيف ترى الذائقة الشعرية اليوم‪ ،‬وما الذي‬ ‫أدى إل���ى ش��ي��وع ال��ذائ��ق��ة ال��ع��ام��ي��ة ونكوص‬ ‫تكتب القصيدة‪ ،‬وكيف يتحدد شكلها؟‬ ‫الذائقة الفصيحة؟‬ ‫< ال��ق��ص��ي��دة ق��ب��ل تمَ�� ُّك��ن��ي م��ن أدوات���ه���ا كانت‬ ‫تكتبني‪ ..‬وتختار هي زمنها وحالتها‪ ،‬أما اآلن < ي��ا س��ي��دي ك��ل ش���يء ت��غ��ي��ر ال���ي���وم‪ ،‬واحلياة‬ ‫أصبحت أكثر ازدحاماً‪ ،‬ولهذا فاإلنسان اليوم‬ ‫فأنا اكتبها بشكل احترافي‪ ،‬وأسعى ملستوى‬ ‫ي��واج��ه خصومة ال��وق��ت‪ ،‬ل��م يعد الشعر هو‬ ‫اإلبداع في التعبير‪ ،‬لهذا استطيع القول إنني‬ ‫املستحوذ على الذائقة‪ ،‬ولهذا على الشعراء‬ ‫ال أنتظر وفقط‪ ،‬ولكنني أملك ناصية اخليار‬ ‫بذل جهد اكبر ليستعيدوها من سواها‪ ،‬وذيوع‬ ‫في تطويعها‪.‬‬ ‫الذائقة النبطية هي لسهولة هذا النوع من‬ ‫> تتنقل في الشعر ما بين العمودي والتفعيلة‬ ‫مستعص‪ ،‬وبالتالي‬ ‫الشعر الذي قد يبدو غير‬ ‫ٍ‬ ‫وصوال إلى القصيدة الغنائية النبطية‪ :‬هل‬ ‫فالفصحى ستصبح للنخبة‪ ،‬وه���ذا برأيي‬ ‫أدى هذا التعدد إلى تشتت تجربتك الشعرية‪،‬‬ ‫أفضل‪.‬‬ ‫أم إلى إثرائها؟‬ ‫ < إلى إثرائها وإثراء جتربتي أيضا‪ ،‬جتربة صيغ > هل ت��رى أن الشعر النبطي أكثر ق��درة على‬ ‫اح���ت���واء ال���ص���ور ال��ش��ع��ري��ة م���ن القصيدة‬ ‫مختلفة ه��و إض��اف��ة‪ ،‬إذا م��ا جت��اوزن��ا مأزق‬ ‫الفصيحة تفعيلة أو عمودية؟‬ ‫املقارنات وأفعال التفضيل‪ ،‬ولكن حتماً هو‬ ‫يخلق نوعا من التشتت بالنسبة للمتلقي‪ ،‬ولك < الشعر النبطي ه��و ب��األس��اس خليلي‪ ،‬ولكن‬ ‫ملحون‪ ،‬هكذا بدأ‪ ،‬ولهذا هو ال ميلك القدرة‬ ‫أن تتخيل أن قصيدة غنائية واحده مت تداولها‬ ‫بشكل اك��ب��ر م��ن الفصيح‪ ،‬فالفصيح أوسع‬ ‫بشغف من الكويت إلى املغرب العربي‪ ،‬هذا‬ ‫وأك��ث��ر ق��درة على التعبير ف��ي ك��ل األحوال‪،‬‬ ‫يشكل إضافه محببة‪.‬‬ ‫ولهذا هو األبقى‪.‬‬ ‫> متى بدأت كتابة الشعر‪ ،‬وما هو اللون األقرب‬ ‫> أن��ت فنان تشكيلي وشاعر‪ ،‬وع��ازف وملحن‪،‬‬ ‫منه إلى نفسك؟‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪95‬‬


‫ك��ي��ف أث����رت ه����ذه ال���م���واه���ب ف���ي تجربتك‬ ‫اإلبداعية‪ ،‬وه��ل انتقلت ه��ذه المواهب إلى‬ ‫أبنائك؟‬

‫هي اجلهة التي قامت بترشيحي للمشاركة‬ ‫في أمسيات الشعر ملهرجان اجلنادرية‪ ،‬وبعد‬ ‫افتتاح النادي األدبي وجمعية الثقافة والفنون‬ ‫اعتقد أن دوره��ا األدب��ي والفني يتكامل مع‬ ‫هذه املؤسسات‪ ،‬إضافة إلى جامعة اجلوف‬ ‫ودورها اخليري العظيم‪.‬‬

‫< م��ن��ذ ال���ب���داي���ات ك��ن��ت م���درك���اً أن��ن��ي موهبة‬ ‫متكاملة‪ ،‬وهذا تاريخ‪ ،‬وبدون شك فإن هذه‬ ‫التجربة املتكاملة والشمولية ساعدتني في‬ ‫الوصول إلى صيغ إبداعية للتعبير في مختلف > مَ ن ِمن مثقفي الجوف أثّ ��ر فيك‪ ..‬وك��ان له‬ ‫مجاالته‪ ،‬وتداخل هذه املجاالت ساعد إلى‬ ‫دور في تشجيعك وإعطائك الثقة في نفسك‬ ‫حد ما في اكتمال التعبير املنشود سواء في‬ ‫أثناء عنفوانك؟‬ ‫النص أو اللون أو النغم‪ ،‬مخاطبة أكبر قدر < احلركة الكشفية وليس املثقفون‪ ..‬هي من‬ ‫من احلواس أفضل بكثير من مخاطبة حاسة‬ ‫رعت مواهبي كاملة وقدمتها‪ ،‬اساتذتي منذ‬ ‫واح��ده فقط‪ .‬جميع أبنائي وه��م صغار من‬ ‫الصغر ك��ان لهم الفضل الكبير ف��ي تنمية‬ ‫امل��وه��وب�ين ف��ي القصة‬ ‫م��واه��ب��ي ال���ظ���اه���ره‪ ،‬فقد‬ ‫والشعر والرسم‪ ..‬وفي ول��������������دت ش�����������اع�����������راً‪ ،‬وه��������ذا حظيت منذ الصغر برعاية‬ ‫املدرسة هم في فصول ي�����رج�����ع إل�������ى األرض ال���ت���ي واه��ت��م��ام ودالل‪ -‬إذا جاز‬ ‫امل���وه���وب�ي�ن‪ ،‬ويدرسون ول����������دت ع���ل���ي���ه���ا «ال������ج������وف» ال��ت��ع��ب��ي��ر‪ -‬امل��س��ئ��ول�ين في‬ ‫ضمن منهج خاص‪ ،‬وأنأ‬ ‫امل��ن��ط��ق��ة‪ .‬رح���م ال��ل��ه فقيد‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫اب���ذل ج��ه��دا ك��ب��ي��را في دور ال���م���ث���ق���ف���ي���ن وال�����ن�����ادي امل��ن��ط��ق��ة ال���دك���ت���ور عارف‬ ‫التوجيه‪ ،‬ونقل خالصة األدب���������ي ب��م��ن��ط��ق��ة ال���ج���وف ب��ن م��ف��ض��ي امل��س��ع��ر الذي‬ ‫جت���رب���ت���ي وجوانبها‬ ‫ك�����ان ال ي���رع���ى وف���ق���ط‪..‬‬ ‫زاد ف���ي اآلون������ة األخ���ي���رة بل‬ ‫اإليجابية لهم‪.‬‬ ‫ب��ل يتابع وي��وص��ي اجلميع‬

‫وت������ف������رد ع������ن س�����اب�����ق ع���ه���دة‬

‫> ك��ي��ف ت���رى دور مكتبة‬ ‫دار ال����ج����وف للعلوم‬ ‫ومؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية؟‬

‫< دار اجلوف للعلوم مؤسسة أدت أدواراً عظيمة‬ ‫في زمنها فيما يخص الندوات واألمسيات‬ ‫واإلصدارات‪ ،‬وكانت تسهم بكل األدوار‪ ،‬وأنا‬ ‫تعاونت معها لفترات طويلة من الزمن‪ ،‬وأقمت‬ ‫من خاللها أول أمسية جماعية للشباب في‬ ‫املنطقة‪ ،‬وكذلك في ن��دوات خاصة بالطلبة‬ ‫وق��دم��ت م��ن خاللها قصائد ف��ي احتفاالت‬ ‫ع��دي��دة أهمها اجل��ائ��زة ال��زراع��ي��ة‪ ،‬كما أنها‬

‫‪96‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫ب�����االه�����ت�����م�����ام بشخصي‬ ‫وم��وه��ب��ت��ي ب��ش��ك��ل الف���ت‪،‬‬ ‫وتشجيعه كان من أهم عوامل جناحي‪ ،‬كما ال‬ ‫أنسى أيضا األستاذ ممدوح السلطان ‪ -‬في‬ ‫رعاية الشباب‪ -‬وال��ذي كان له ال��دور نفسه‬ ‫وبالقدر ذاته‪ ..‬وفي النادي ال ميكن أن أنسى‬ ‫دور امل��رب��ي الفاضل األس��ت��اذ سلمان جمعه‬ ‫العرسان‪ ،‬الذي قدمني للمسرح بجرأة كبيرة‪،‬‬ ‫ورعى موهبتي في الرسم‪ ،‬وأدرج لوحاتي منذ‬ ‫الصف الرابع االبتدائي في معارض النادي‬ ‫آنذاك‪.‬‬


‫< بالتأكيد أنا متابع حلركة النقد‪ ..‬فهي مهمه‪.‬‬ ‫ولكنني في اآلونة األخيرة اكتفيت بدراسات‬ ‫الناقد األستاذ حمد العيسى‪ ..‬نظراً لشمولية‬ ‫كتاباته عن الشعر حول العالم‪ ،‬وهو يخصني‬ ‫باستمرار بهذه الكتابات‪.‬‬ ‫ ‬

‫> ‬ ‫< ‬

‫> ‬

‫< ‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫> ه��ل تتابع ح��رك��ة نقد ال��ش��ع��ر‪ ..‬وك��ي��ف يرى‬ ‫النقاد تجربتك؟‬

‫والشرف‪ ،‬أول ما سمعت من القصائد كان‬ ‫للمتنبي‪ ،‬ثم قرأت لعبدالله البردّوني وأحمد‬ ‫شوقي وحافظ إبراهيم وبدر شاكر السياب‬ ‫وسعد الحميدين وغازي القصيبي‪ .‬كل هذه‬ ‫ال��ق��راءات شكلت جملتي الشعرية الغزلية‬ ‫والمأساوية‪ ،‬فأنا أجمع بين السعادة والشقاء‪،‬‬ ‫بين اليأس والرجاء‪ ،‬بين التفاؤل والتشاؤم‪،‬‬ ‫بين ثنائيات الحياة‪.‬‬

‫أما جتربتي‪ ،‬فنقدها يعتمد على النشر‪ ،‬وأنا‬ ‫> م���اذا ت��ق��ول ف��ي قضية االل��ت��زام ف��ي األدب‪..‬‬ ‫مقل في هذا لدواعي عدم التعرض للسرقات‬ ‫خاصة في الشعر والقصة وال��رواي��ة‪ ..‬أقصد‬ ‫األدب��ي��ة‪ ..‬وف��ي بداياتي حني كنت انشر في‬ ‫االلتزام بالمعنى األخالقي لألدب؟‬ ‫الصحف‪ ،‬كنت استمتع بقراءة صياد الفوارس‬ ‫في اجلزيرة‪ ،‬وال��ذي ق َّيم بداياتي على أنها < يجب أن نفصل بين األخالق كعلم واألخالق‬ ‫ك��س��ل��وك‪ .‬أن���ا ل��س��ت ض��د األخ��ل�اق كعلم أو‬ ‫م��ن أه���م امل���واه���ب ال��ش��ع��ري��ة ال��ق��ادم��ة‪ ،‬وال‬ ‫سلوك‪ ..‬لكن األدب يعتمد على الكلمة‪ ،‬وحرية‬ ‫تفوتني اشادة األمير بدر بن عبداحملسن عن‬ ‫الكلمة يجب أن تعطى للمبدع حتى يبدع‪ ،‬فال‬ ‫جتربتي في شعر النبط واألغنية‪ ،‬وكذلك آراء‬ ‫قيود على الكلمة‪ ،‬وما دامت األلفاظ مطروحة‬ ‫أصدقائي الناقدة‪ .‬ويبقى الناقد له منطلقاته‬ ‫على الطريق يعرفها العجمي والعربي‪ ،‬فلم‬ ‫في الرؤية والتناول‪ ..‬والتي قد تختلف عن ما‬ ‫التقيد بالقوالب الجاهزة‪ ،‬والحكم على داللة‬ ‫ينطلق منه الشاعر‪ ،‬وهذا مهم‪.‬‬ ‫األلفاظ مسبقاً‪.‬‬ ‫هناك من يرى أن َنفَس أحمد مطر موجود‬ ‫ أع��ط األدي��ب الحرية فهو ي��رى العالم بغير‬ ‫في قصائدك‪ ..‬هل يزعجك ذلك؟‬ ‫عين اآلخرين‪.‬‬ ‫ه���ذا ص��ح��ي��ح ف���ي ش��ع��ر ال��ت��ف��ع��ي��ل��ة‪ ،‬وه���و ال‬ ‫> يا أهل الكالم – وأنت منهم‪ -‬أقصد الشعراء‬ ‫يضايقني‪ ،‬ولكن م��ن المهم معرفة أن هذا‬ ‫والقاصين وال���رواة‪ ..‬هل منكم من يظن أن‬ ‫النفس ل��ه جانب غير م��ت��داول للمتلقي من‬ ‫الكلمة فخ؟ وهذا مؤذٍ للمتلقي‪ .‬فهل هناك‬ ‫أش���ع���اري‪ ،‬وم���ت���داول بالنسبه لشعر أحمد‬ ‫خوف على عقلية السامع والقارئ؟‬ ‫مطر‪.‬‬ ‫< ال خ���وف م��ا دم��ن��ا ن��ؤم��ن ب����دور ال��ك��ل��م��ة في‬ ‫أن��ت شاعر غنائي‪ ..‬قصائدك تقرأ وتغنى‪،‬‬ ‫االختيار للداللة‪ ،‬فإذا كانت الكلمة صادقة‪،‬‬ ‫فكيف السبيل إل��ى م��واج��ه��ة شافية تخرج‬ ‫ستصل صادقة وتؤدي دوره��ا‪ .‬أما إذا كانت‬ ‫منها بعافية بين القراءة والغناء؟‬ ‫الكلمة ك��اذب��ة‪ ،‬فإنها تفسد ذوق المتلقي‪.‬‬ ‫حقيقة أنا ول��دت ش��اع��راً‪ ..‬وه��ذا يرجع إلى‬ ‫وحسب ظني أن ال��ص��دق يكون ف��ي السياق‬ ‫األرض التي ول��دت عليها –الجوف‪ -‬حيث‬ ‫وكيفية مالءمة الكلمة للسياق الداللي لها‪،‬‬ ‫ال��ه��دوء والسكينة وال��ك��رم والنجدة واألصل‬ ‫ومعرفة أسرارها البعيدة والقريبة‪ ،‬وما تؤديه؛‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪97‬‬


‫فالكلمة التزام وتفعل ماال يفعله السيف‪.‬‬ ‫> أنت تجمع دائم ًا رؤية ثنائية «الحياة والموت»‪،‬‬ ‫«الظالم والنور»‪« ،‬الحرية والعبودية»‪« ،‬المرأة‬ ‫والرجل» فلم هذا الجمع؟‬ ‫< أن��ا دائ��م��اً ه��ك��ذا‪ ..‬حتى ف��ي األل���وان‪ ،‬أختار‬ ‫ال بين الكلمة‬ ‫الثاني دائ��م��اً‪ ،‬فأنا أجمع مث ً‬ ‫واللحن‪ ،‬بين الشعر والموسيقى‪ ،‬بين الوظيفة‬ ‫والحرية‪ .‬أنا دائما هكذا‪ ..‬فاألشياء تعرف‬ ‫بالتضاد والتناقض‪ .‬فما معنى الحرية إذا لم‬ ‫يعرف اإلنسان معنى العبودية والتسلط‪ .‬وما‬ ‫معنى الجمال إن لم يعرف اإلنسان القبح في‬ ‫األشياء‪ .‬فأنت ال تحس باألشياء من حولك‬ ‫إال إذا عرفت نقيضها‪.‬‬ ‫> غنت قصائدك الفنانة أسماء المنور وراشد‬ ‫الماجد وغيرهما‪ ..‬فهل أض��اف لك الغناء‬ ‫ش��ي��ئ��اً‪..‬خ��اص��ة إذا أج��ت��م��ع ال��ل��ح��ن والشعر‬ ‫والوجه الحسن؟‬ ‫< أش���ك���رك ع��ل��ى ه����ذا ال����س����ؤال‪ ..‬أن����ا دائماً‬ ‫أتمتع لكلمة الرضا‪ .‬فالرضا فلسفة جميلة‬ ‫ومريحة‪ ،‬فأنا أحس أن داخلي ناقداً‪ ،‬فأول‬ ‫ما أعرض عليه القصيدة إذا رضي «شيطاني‬ ‫الشعري»‪ .‬رضيت أنا‪ .‬فالقصيدة عندي تولد‬ ‫بالموسيقى أوالً‪ ،‬ثم تأتي الكلمة بالحروف‬ ‫واألوزان‪.‬‬

‫ل���ذا‪ ،‬يشرفني دائ��م��اً أن��ن��ي س��ع��ودي أحمل‬ ‫من التاريخ اإليماني والبطولي ما يجعلني‬ ‫أف��ت��خ��ر دائ���م���اً ب���ذل���ك‪ .‬وه����ذا واج����ب ديني‬ ‫ووطني واجتماعي‪.‬الوطن وخطه األمني من‬ ‫ال��م��ق��دس��ات وال��م��ح��رم��ات ال��ت��ي يجب أن ال‬ ‫يفرط فيها اإلنسان‪.‬‬

‫> الوطن‪ .‬األم‪ .‬الحبيبة المعشوقة‪ ،‬ما داللة > ما تقييمك لدور المثقفين في المنطقة؟‬ ‫هذه األشياء عندك؟‬ ‫< أنا جوفي المولد‪ ..‬جوفي اإلقامة‪ ..‬جوفي‬ ‫< ربما في اعتقادي يجمع هذه األشياء شيء‬ ‫واحد هو مجموع كلمة «ال مـ مـ لـ كـ ـة – الـ ‬ ‫عـ ـر بـ يـ ـة الـ سـ عـ ـوديـة»‪.‬‬ ‫ ‬

‫‪98‬‬

‫ه����ذا ال��ت�لاش��ي ف���ي ال����ح����روف‪ ,‬أق���ص���د أن‬ ‫السعودية هي األم والوطن والمعشوقة لدي‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫الحياة‪ ..‬حتى لو عشت خارج المنطقة‪.‬‬

‫وحقاً‪ ،‬يقال إن دور المثقفين والنادي األدبي‬ ‫بمنطقة الجوف زاد في اآلون��ة األخيرة‪ ،‬بل‬ ‫وت��ف��رد ع��ن س��اب��ق ع��ه��ده‪ ،‬فالمنطقة تشهد‬ ‫حراكا ثقافيا غير عادي من أمسيات ومعارض‬


‫في سيرة ذاتية‬ ‫للشاعر‪:‬‬

‫ت��داول��ه��ا ب��ش��غ��ف م��ن الكويت‬ ‫إل�����������ى ال�������م�������غ�������رب ال�����ع�����رب�����ي‬ ‫ال��ش��ع��ر ال��ف��ص��ي��ح أوس����ع وأكثر‬ ‫ق���������درة ع����ل����ى ال���ت���ع���ب���ي���ر من‬ ‫ال��ن��ب��ط��ي‪ ،‬ول���ه���ذا ه���و الباقي‬

‫م��ن ق��ص��ي��دة «أج��م��ل العمر»‬ ‫يقول‪:‬‬ ‫تجلت غيوم فذابت هموم‬ ‫وغابت شجون وجاءت أخر‬ ‫وطاحت نجوم على مبسمين‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫وندوات ومحاضرات‪،‬‬ ‫وك��ت��ب ت��ط��ب��ع‪ ،‬وغير‬ ‫ذل���ك ف��ال��ن��ادي يقوم‬ ‫ب��دورة خير قيام من‬ ‫دون مجاملة‪.‬‬

‫ق����ص����ائ����دي ال���غ���ن���ائ���ي���ة يتم‬

‫نماذج من شعره‬

‫تضاحك من فعلهن القمر‬

‫بسام حمد السالمه من‬ ‫مواليد سكاكا الجوف‪،‬‬ ‫مشاعر الحت بشتى الصور‬ ‫يحمل الماجستير ف��ي ال��ت��رب��ي��ة‪ ،‬ويعمل معلما‬ ‫خيال يداعب محض خيال‬ ‫للتربيه الفنية‪.‬‬ ‫ونحمل منه بقايا أثر‬ ‫ش��اع��ر وف���ن���ان م��ت��ع��دد ال���م���واه���ب‪ ،‬ش����ارك في زمان تولى أما نشتهيه؟‬ ‫العديد من األنشطة الفنية واألدبية والرياضية‬ ‫بلى‪ ،‬أجمل العمر ما قد عبر!!‬ ‫والكشفية‪.‬‬ ‫وفي قصيدة «مبغض وحبيب» قال‪:‬‬ ‫حاصل على‪ :‬جائزة التصوير الفوتوغرافي على‬ ‫عدمت غياث الناس مذ كان سلعة‬ ‫مستوى المملكة‪ ،‬وج��ائ��زة التمثيل المسرحي‬ ‫بعيدٌ يمنّ عليّ بها وقريب؟‬ ‫كذلك‪.‬‬ ‫فما كنت أرجوها وقد كان لي صبا‬ ‫م��ثّ��ل منتخب ال��ج��ام��ع��ة ف��ي م��ه��رج��ان جامعات‬ ‫مشيب؟‬ ‫ُ‬ ‫فكيف بحالي والجديد‬ ‫الخليج المسرحي‪ ،‬وحصل على أحسن العب‬ ‫ففي الناس أجناس تميل مع الهوى‬ ‫لصغار السلة‪.‬‬ ‫وحبيب‪..‬‬ ‫ُ‬ ‫وما الناس اال مبغض‬ ‫والعضو المثالي لبيوت الشباب في المملكة‪ ،‬ومثل‬ ‫وقال للعيد‪:‬‬ ‫المملكة في العديد من المناسبات الخارجية‪.‬‬ ‫وجاء العيد يحمل كل بشرى‬ ‫شارك في أمسيات شعرية أقامتها دار الجوف‬ ‫البعيد‬ ‫ِ‬ ‫وأمنية من الزمن‬ ‫للعلوم ون���ادي القلعة ومهرجان ال��ج��ن��ادري��ة‪ .‬له‬ ‫وقلبي فيه طفل راح يلهو‬ ‫اهتمام بالموسيقى والتلحين‪ ،‬وتغنى بأشعاره‬ ‫جديد‬ ‫ِ‬ ‫ثوب‬ ‫عديد من المطربين في السعودية والوطن العربي مع األفراح في ٍ‬ ‫منهم‪ :‬أسماء المنور من المغرب‪ ،‬وعبدالمحسن فهذا القلب باألشواق يدنو‬ ‫السعيد‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫المهنا من الكويت‪ ..‬يكتب الشعر بأنواعه الفصيح لذكرى بهجة العيد‬ ‫والنبطي والغنائي‪ .‬لديه مجموعات شعرية تحت‬ ‫وفي قصيدة «شاعر» قال‪:‬‬ ‫الطبع‪.‬‬ ‫شاعرٌ يرمي بدنياه‪،‬‬ ‫وأذكى هوانا النقي القديم‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪99‬‬


‫فإن شئت خذيها‬ ‫وارتحال‬ ‫ِ‬ ‫حل‬ ‫واذرعيها بين ٍ‬ ‫إن يجد‬ ‫غيث من الصدق تهامى‬ ‫ونسامى‬ ‫وفعال‬ ‫ِ‬ ‫سحر فكر‬ ‫ال تبالي‬ ‫أنت في حضرة من‬ ‫ربما‬ ‫ال تدركيه‬ ‫الرجال‪..‬‬ ‫ِ‬ ‫بين آالف‬ ‫وفي قصائد مختلفه قال‪:‬‬ ‫وضـّـاءة القسمات‬ ‫من بالله يسعده قلبي المروّع‬ ‫إذ دهته مفاتنك اللطاف؟‬ ‫يا أم صبح ما دنت‬ ‫إال ويبعده‬ ‫عنها ومنها‬ ‫حسن‬ ‫ٍ‬ ‫قتلها إياه من‬ ‫حسن مضاف؟!‬ ‫ٌ‬ ‫وال‬ ‫لست أكذب‬ ‫غير أن العمر أجدبَ‬

‫مذ المس ظهري‬ ‫يحاول بكل قوه أال تعبق!؟‬ ‫لكن شهيقي‬ ‫الهامس بشده‪،‬‬ ‫صادق المسامات‬ ‫فتضمخت زفراتي‬ ‫آهــةً آه ـ ــه!‬

‫‪-4-‬‬

‫لم يعد ذاك المهذب‬ ‫لم تعد أوقاته‬

‫كتب أول قصيده في رثاء القصيبي‪:‬‬

‫بالصدق أعذب!؟‬

‫ما غاب بد ٌر إذ تغ ـيـّب نوره‪،‬‬

‫كل ما حولي‬

‫تغيب‪..‬‬ ‫ُ‬ ‫باق والبدو ُر‬ ‫النور ٍ‬

‫وكذاب وأكذب!!؟‬ ‫ٌ‬ ‫كذاب‬ ‫ُ‬ ‫اتكأت‬ ‫ورائحةٌ إنسانية تسللت‪،‬‬ ‫كان الجدا ُر‬ ‫‪ 100‬اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫‪-5‬‬‫أنشودتي‬ ‫أنغامها تاهت‬


‫هنا‬ ‫في زحمة األوجاع‬

‫يذوي المدى‬

‫لم أسمع لها صوت ًا‬

‫في عين‬

‫وال ذكرى‬

‫من كانت شجاعتهُ ‪:‬‬

‫ترانيم ابتهال؟!‬

‫أن ال يبالي مر ًة‬

‫وإذا بعمري‬

‫هول الدروب القاحل ـ ـ ــه‪،‬‬

‫ضائعٌ‬

‫من قصيدة «بياض الحياة»‪:‬‬ ‫ب����ي����اض ال����ح����ي����اة ول������ي أم����ن����ي����ات ك���ذا‬ ‫مسرفات يجدن في هذا الزمان البخيل‬ ‫وي������أخ������ذن������ن������ي ن�����ح�����و م��������ا أش����ت����ه����ي‬ ‫إذا ان����ف����ل����ق ال����ص����ب����ح أو ج������ن ليل‬ ‫رداء ال�����م�����س�����اء ووج�����������ه ال����ص����ب����اح‬ ‫ن��������واف��������ذ ل����ل����ص����ب����ر وال����م����س����ت����ح����ي����ل‬ ‫أم�����������د ل������ه������ا ك��������ف ه�����������ذا ال�����خ�����ي�����ال‬ ‫وأرح�������������ل م����ن����ه����ا ب������ع������ذب ال����رح����ي����ل‬ ‫إل���������ى واح�����������ة ال������ح������ب وال����م����ل����ت����ق����ى‬ ‫ب����������ج����������دول م�������������اء وظ�������������ل ظ����ل����ي����ل‬ ‫ون���������اص���������ي���������ة رح������������ب������������ةً ال ت����م����ل‬ ‫أمّ ���������������ر ب������ه������ا ع�����������اب�����������ر ًا ل���ل���س���ب���ي���ل‬ ‫ف�����إن ض�����اق م���ن���ه���ا ال���م���ك���ان الفسيح‬ ‫أغ��������������ادر م����ن����ه����ا ل�������درب�������ي ال����ط����وي����ل‬ ‫ه������ن������اك ع�����ل�����ى ض�����ف�����ة م�������ن س���������راب‬ ‫م������ع������ط������رة ب�����ال�����ن�����س�����ي�����م ال����ع����ل����ي����ل‬ ‫ت�����ه�����ب ع�����ل�����ى ب�����������������اردات ال�����س�����ح�����اب‬ ‫وت�����رس�����ل�����ن�����ي م�������زن�������ه ال���س���ل���س���ب���ي���ل‬ ‫ف���ي���ن���ت���ع���ش ال����ع����ش����ب م������ن طلعتك‬ ‫وي�������ن�������دا ال�����ق�����رن�����ف�����ل وال����زن����ج����ب����ي����ل‬ ‫ف�����ه�����ذي ال�����ح�����ي�����اة أن������������ا‪ ..‬وه��������ي بي‬ ‫ول��������و أن�����ن�����ي ك����ن����ت ف����ي����ه����ا ال���ض���ئ���ي���ل‬ ‫ف�������إن�������ي م�����ل�����ك�����ت ب�������ي�������اض ال�����ح�����ي�����اة‬ ‫ف��������م��������اذا م�����ل�����ك�����ت ب�������ه�������ذا ال����ق����ل����ي����ل‬ ‫أم���������ان���������ي ب������ي������ض������ ًا ح��������ب��������اال ث�����ق�����اال‬ ‫ت�������ج�������ود وه�������������ذا ال���������زم���������ان ب���خ���ي���ل‬

‫من فقدها‬ ‫كإجابةً‬ ‫طويت بمطلعها‬ ‫ولم تجد السؤال!؟‬

‫‪-6‬‬‫هل ترى الكون؟‬ ‫وأغمضت عيوني!‬ ‫هل شعرت؟‬ ‫سمعت؟‬ ‫هل حوتك المشكالت؟؟‬ ‫وتراجفت قلي ًال‬ ‫فرط إحساسي‬ ‫وفعل المضحكات المبكيات!؟‬ ‫كنت وحدي‬ ‫لم تضللني الغمامُ‬ ‫تسربلت لهاث ًا‬ ‫ُ‬ ‫في تجاعيد فالة!؟‬ ‫فأعاد الضجة الكبرى = صديقي =‬ ‫ما ترانا اآلن؟‬ ‫تنهدت قلي ًال بل كثير ًا‬ ‫ورمقت‪،‬‬ ‫قلت شيئ ًا‬ ‫ع ـلـ ّــه‪:‬‬ ‫ما أرى إال شتات ًا في شتات!؟‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫‪-7-‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪101‬‬


‫قصيدة املرأة في اململكة العربية السعودية‬ ‫> هيا صالح*‬

‫شهدت العقود األخيرة في المملكة العربية السعودية‪،‬‬ ‫حضور ًا واضح ًا لشعر المرأة‪ ،‬جاء ضمن سياق تطلعاتها‬ ‫الثقافية واالج��ت��م��اع��ي��ة‪ ،‬وفاعليتها ف��ي م��س��ارات الوعي‬ ‫الكتابي النسوي‪ ،‬بعد أن كان وجودها األدبي ضئي ًال وشبه‬ ‫هامشي‪ ،‬من ثَمَّ ظل نتاجها األدبي محدود االنتشار‪ ،‬حتى‬ ‫تمكنت من تجاوز العرف االجتماعي الذي ينظر إلى ما‬ ‫تنتجه على أنه شكل من أشكال ثقافة العيب‪.‬‬ ‫ف��ي كتابه «ق��ص��ي��دة امل���رأة ف��ي اململكة‬

‫العربية السعودية»‪ ،‬يقارب الشاعر والناقد‬ ‫واألك���ادمي���ي األردن�����ي د‪ .‬راش����د عيسى‪،‬‬

‫مجموعة من التجارب الشعرية النسوية‬

‫����اس م��ع م��ب��دع��ي��ه��ا‪ ..‬خ��اص��ة في‬ ‫ع��ل��ى مت ّ‬ ‫مجال الشعر‪ ،‬ما ك ّون لديه خلفية خصبة‬ ‫ثرية‪ ،‬استفاد منها في إجناز هذا الكتاب‬ ‫النوعي‪.‬‬

‫في اململكة خالل الفترة (‪2006 – 1960‬م)‪،‬‬ ‫في تقدميه لشعر املرأة في السعودية‪،‬‬ ‫متحركاً ضمن منطقة كثيراً ما اختبرها يقترح عيسى رؤى تنحو نحو االجتهاد في‬ ‫على أرض الواقع‪ ،‬إذ عمل في السعودية‪ ،‬تغطية الشعر النسوي في اململكة (مساراً‬ ‫وكتب في صحافتها الثقافية‪ ،‬وشارك في ومالم َح فنية)‪ ،‬مستنداً‪ ،‬غالباً‪ ،‬إلى املنهج‬ ‫أمسيات شعرية وندوات أدبية فيها‪ ،‬وكان التحليلي الفني‪ ،‬واملنهج التاريخي الذي‬ ‫‪ 102‬اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫وق���د وسّ����ع ع��ي��س��ى ف���ي ك��ت��اب��ه ال���ص���ادر عن‬ ‫مؤسسة االنتشار العربي‪ ،‬بيروت ‪2010‬م‪ ،‬مفهوم‬ ‫«الشعرية»‪ ،‬وح ّمله مرونة أكبر ليستوعب سائر‬ ‫أمن���اط ال��ش��ك�لان��ي��ة ف��ي ال��ن��ص‪ ،‬س���واء املعايير‬ ‫ال��ك�لاس��ي��ك��ي��ة ال��ث��اب��ت��ة ل��ل��ق��ص��ي��دة‪ ،‬أو املظاهر‬ ‫احلداثية اجلديدة لقصيدة النثر‪ ،‬وهي مظاهر‪-‬‬ ‫كما يرى الباحث‪ -‬منزلقة وغير محسومة‪ ،‬إال‬ ‫أنها سائدة ضمنياً‪ ،‬ولعل أبرزها‪ :‬جودة التصوير‬ ‫الفني‪ ،‬ونباهة االنفعال اللغوي‪ ،‬وهما معياران‬ ‫ميكنهما تعويض خ��س��ارة املوسيقى الشعرية‪،‬‬ ‫ومنح قصيدة النثر صفة (الشعرية)‪ ،‬خاصة في‬ ‫ظل انتشار قصيدة النثر على نطاق واسع‪ ،‬حتت‬ ‫دعاوى حرية التجريب اإلبداعي‪.‬‬ ‫ي��ق��ول عيسى ف��ي ه���ذا ال��س��ي��اق‪« :‬إن��ن��ي من‬ ‫املعتقدين بأن رهان النجاح والتميز في قصيدة‬ ‫النثر هو الرهان نفسه على القصيدة الكالسيكية‪،‬‬ ‫ويعود إلى مقدار الصدق الفني فيها‪ ،‬وهو صدق‬ ‫ال يتأتى إال إلى املوهبة املتميزة ذات اخلصوصية‬ ‫النابعة من مفهوم األصالة اإلبداعية في التجربة»‪،‬‬ ‫وهذا االعتقاد هو ما قاد الباحث إلى أن تتجاوز‬ ‫رؤاه ما يسمى «الشعرية األنثوية»‪ ..‬على اعتبار‬ ‫أن اخلصوصية في الشعر كنسق ثقافي إبداعي‬ ‫تكمن ف��ي «األن��وث��ة»‪ ،‬إل��ى تبني معيار التشكيل‬ ‫الفني وجتلياته اجلمالية‪ ،‬ويوضح عيسى منهجه‬ ‫ه��ذا بقوله‪« :‬ال خصوصية لقصيدة ال��رج��ل أو‬ ‫امل��رأة إال مبا توحي به القصيدة من جماليات‬ ‫ومالمح فنية تقع ضمن معيار (الشعرية)‪ ،‬وبغير‬ ‫تلك الشعرية س��ت��زداد قصيدة النثر انفالشاً‪،‬‬

‫حملت اسما مستعاراً هو «اخلنساء»‪ ،‬ما يؤشر‬ ‫على حجم «املغامرة» واإلجناز اجلريء حينذاك‬ ‫لتلك ال��ش��اع��رة‪ ..‬ال��ذي تعزز بنشأتها ف��ي بيت‬ ‫ثقافة وع��ل��م‪ ،‬وإل��ى مكانة أسرتها االجتماعية‬ ‫ويسرها امل��ادي‪ ،‬وهو األم��ر ال��ذي يشير إلى أن‬ ‫شاعرات أخريات كتنب في تلك الفترة‪ ،‬غير أن‬ ‫ظروفهن االجتماعية وسيادة ثقافة العيب وقتها‪،‬‬ ‫أم��ور حالت دون نشر كتاباتهن‪ ،‬فبقيت حبيسة‬ ‫األوراق‪ ،‬أو جرى نشرها حتت أسماء مستعارة‪ ،‬إذ‬ ‫كتبت هيا العريني بأسماء منها‪« :‬سمراء البدائع»‬ ‫و«غجرية الريف» و«غيداء املنفى»‪ ،‬فيما قدمت‬ ‫فاطمة القرني منجزها باسم «وفاء السعودية»‪.‬‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫ب���رز بشكل واض���ح ف��ي ال��ص��ف��ح��ات األول����ى من وتتالشى قضية التجنيس النصي»‪.‬‬ ‫الكتاب‪ ،‬بهدف التعريف بأبرز األصوات الشعرية‬ ‫يقرأ عيسى ضمن السياق التاريخي لشعر‬ ‫ال��ن��س��ائ��ي��ة ال��ت��ي ح��اول��ت االش��ت��ب��اك باخلطاب امل�����رأة ف���ي ال��س��ع��ودي��ة‪ ،‬أول م��ج��م��وع��ة شعرية‬ ‫ال��ش��ع��ري امل��ع��اص��ر‪ ،‬التقليدي منه والرمزي‪ ..‬مطبوعة ل��ش��اع��رة س��ع��ودي��ة ف��ي ال��ع��ام ‪1956‬م‪،‬‬ ‫املجدد والتجريدي أيضاً‪.‬‬ ‫وهي «عبير الصحراء» لسلطانة السديري‪ ،‬التي‬

‫وح���ت���ى ال���ع���ام ‪1990‬م ‪-‬وف�����ق إحصائيات‬ ‫ال��ب��اح��ث‪ -‬ل��م ي��ك��ن ع���دد اإلص�����دارات الشعرية‬ ‫النسوية‪ ،‬يزيد على عشر مجموعات‪ ،‬وه��و ما‬ ‫أبعد شعر املرأة السعودية عن أقالم النقاد‪ ،‬ودليل‬ ‫ذلك أن أول كتاب تناول شعر املرأة العربية كان‬ ‫للناقد د‪ .‬رجا سمرين‪ ،‬وهو أطروحته للدكتوراه‬ ‫التي حملت عنوان «شعر املرأة العربية املعاصرة‬ ‫‪1970 – 1945‬م»‪ ،‬ول��م يلتفت فيه ألي شاعرة‬ ‫سعودية‪ ،‬وكذلك الباحث أحمد الدوسري الذي‬ ‫قدم أطروحة باللغة الفرنسية حول «اجتاهات‬ ‫الشعر العربي احلديث في اجلزيرة العربية»‪ ،‬ولم‬ ‫يتناول فيه أي شاعرة سعودية‪ ،‬فيما تناولت ليلى‬ ‫صالح في كتابها «أدب املرأة في اخلليج العربي»‬ ‫شاعرة واحدة هي فوزية أبو خالد التي كانت قد‬ ‫سجلت حضوراً جيداً لها في لبنان‪ ،‬وفي بعض‬ ‫دول اخلليج العربي‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪103‬‬


‫ض��� ّم ك��ت��اب د‪ .‬راشد‬ ‫عيسى الذي قدم له الناقد‬ ‫د‪ .‬محمد صالح الشنطي‪،‬‬ ‫م�����ق�����ارب�����ات شكالنية‬ ‫ت���ت���وخ���ى االل���ت���ف���ات إلى‬ ‫أمن��اط البنية الفنية في‬ ‫قصيدة امل��رأة السعودية‪،‬‬ ‫وم��ن��ه��ا‪ :‬ال��ب��ن��ي��ة الغنائية‬ ‫ال��ت��ق��ل��ي��دي��ة‪ ،‬ال��ت��ي تناول‬ ‫فيها عيسى الشاعرات‪:‬‬ ‫سلطانة السديري‪ ،‬ومرمي‬ ‫ال��ب��غ��دادي‪ ،‬ورق��ي��ة ناظر‪،‬‬ ‫وإن��ص��اف ب��خ��اري‪ ،‬وهيام‬ ‫ح���م���اد‪ ،‬وم��ن��ت��ه��ى قريش‬ ‫ون����ورة اخل��اط��ر‪ ،‬خالصاً‬ ‫إل���ى أن ال��ق��ي��م اجلمالية‬ ‫عند شاعرات القصيدة الرومانسية التقليدية‬ ‫كانت قليلة‪ ،‬وجاءت جل القصائد صدى لقصائد‬ ‫أخ��رى ومحاكاة للمالمح الرومانسية السائدة‪،‬‬ ‫إلى جانب تغليب الغنائية املفرطة عليها‪ ،‬والبوح‬ ‫األح����ادي ال��ذات��ي‪ ،‬وط���رح امل��ض��ام�ين املطروقة‪،‬‬ ‫مشيراً أن شاعرات البنية الغنائية التقليدية‪،‬‬ ‫أس��س بعضهن للقفزة الشعرية عند شاعرات‬ ‫الرمزية امل��ج��ددة‪ ،‬وحت ّملن مكابدات التجريب‬ ‫مطرداً‬ ‫كما يرى الباحث أن ثمة تنامياً فنياً ّ‬ ‫ومعاناة حضورهن األدبي في املجتمع‪.‬‬ ‫في شعر هندي وثقافتها التراثية التي توظفها‬ ‫كما سلط الباحث الضوء على البنية الرمزية بنجاح في قصائدها املوزونة‪ ،‬كذلك جتربة قاري‪،‬‬ ‫املتجددة في أعمال الشاعرات‪ :‬ثريا العر ّيض‪ ،‬فشعريتها خصبة حتى إنها جربت في إصدارها‬ ‫وخديجة العمري‪ ،‬وغيداء املنفى‪ ،‬ولطيفة قاري‪« ،‬هديل العشب واملطر» كتابة قصيدة النثر وفق‬ ‫وأشجان هندي‪ ،‬وفاطمة القرني‪ ،‬وبديعة كشغري‪ ،‬بناء فني جميل‪ ،‬أما كشغري فيرى الباحث أنها‬ ‫وآم��ال بيومي‪ .‬وي��رى عيسى أن أغلب شاعرات كان من املمكن أن تقدم قصيدة التفعيلة بشكل‬ ‫الرمزية املجددة حققن نسبة جيدة من مالمح ناجح لوال أنها انصرفت في أغلب نتاجها األخير‬ ‫التطور الفني في القصيدة احلديثة‪ ،‬واستطعن نحو قصيدة النثر‪ ،‬فيما حققت القرني حضوراً‬ ‫أن يكتنب نصوصاً ناجحة من شعر التفعيلة جنباً مميزاً في الشعر العمودي‪.‬‬ ‫إل��ى جنب م��ع الشعراء‪،‬‬ ‫وبخاصة في الثمانينيات‬ ‫م��ن ال��ق��رن امل��ن��ص��رم‪ ،‬إذ‬ ‫اه��ت��م��ت امل����رأة الشاعرة‬ ‫بطرح موضوعات ترتبط‬ ‫باملكان واجل��رح ا��عربي‪،‬‬ ‫وعالقتها باآلخر والوطن‪،‬‬ ‫وامل����ع����ان����اة م����ن أمن����اط‬ ‫االس����ت��ل�اب واحل����ص����ار‪،‬‬ ‫وك��ذل��ك عالقة الشاعرة‬ ‫ب���ذات���ه���ا‪ ..‬ح��ي��ث صورت‬ ‫العريض في شعرها آماالً‬ ‫وآالم����اً وط��ن��ي��ة‪ ،‬وأبرزت‬ ‫صوت املرأة اجلديدة في‬ ‫رحلة بحثها عن كينونتها‬ ‫االجتماعية واإلنسانية‪،‬‬ ‫ض��م��ن أب��ن��ي��ة فنية متسقة م��ع طبيعة قصيدة‬ ‫التفعيلة‪ ،‬فيما أكدت العمري متيزها بالتشكيل‬ ‫الفني ف��ي ال��ق��ص��ي��دة‪ ،‬فلغتها الشعرية حافلة‬ ‫بأساليب البيان العربي اجلديد‪ ،‬وصورها الفنية‬ ‫متقدمة‪ ،‬ودرايتها بالنظام املوسيقي التفعيلي‬ ‫كبيرة‪ ،‬وهي تقدم إلى ذلك رؤيا جريئة بترميز‬ ‫مدروس‪ ..‬وفضاء وجداني حميم‪.‬‬

‫‪ 104‬اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫مسجوعة‪ ،‬لكنه نص فقير إلى التجليات اجلمالية‬ ‫التي تلزم القصيدة‪ ،‬فال هو نثر محض وال شعر‬ ‫خالص‪ ،‬إمن��ا تداعيات عاطفية وب��وح وجداني‬ ‫غ��ي��ر مستند إل���ى ل��غ��ة ش��ع��ري��ة ف��ات��ن��ة أو صورة‬ ‫فنية متجاوزة‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن فقره إل��ى املوسيقى‬ ‫الشعرية‪.‬‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫وفي اجل��زء اخل��اص بالبنية التجريدية يقرأ‬ ‫امل��ت��ل��ق��ي ال���ش���اع���رات‪ :‬ف��وزي��ة أب���و خ��ال��د‪ ،‬هدى‬ ‫الدغفق‪ ،‬لولو بقشان‪ ،‬س��ارة اخل��ث�لان‪ ،‬وهيلدا‬ ‫إسماعيل‪ .‬ويشير عيسى إلى أن فوزيةأبو خالد‬ ‫وال��دغ��ف��ق متيزتا مب��ق��درة فنية لكتابة قصيدة‬ ‫التفعيلة‪ ،‬وذلك وفق ما تؤكده نصوصهن األولى‬ ‫املنشورة في مجلة «اليمامة»‪ ،‬مشيراً إلى أنهما‬ ‫مع بقشان آثرن قصيدة النثر‪ ،‬كما انحازت إليهن‬ ‫بديعة كشغري ولطيفة ق���اري بعد مجموعتها‬ ‫األولى‪ ،‬وانضمت لهن كوكبة أخرى من الشاعرات‬ ‫مثل سارة اخلثالن وصاحلة السفياني‪ ،‬لكن هيلدا‬ ‫إسماعيل حققت شهرة أوسع بسبب قصائدها‬ ‫التفعيلية األولى‪ ..‬ولغتها الشعرية اخلارجة على‬ ‫التراكيب العربية النمطية في نصوصها النثرية‬ ‫التي نحت نحو الفكرة أو املعنى‪ ،‬فيما متيزت‬ ‫نصوص الدغفق وبعض نصوص بقشان مبالمح‬ ‫الشعرية الالزمة لقصيدة النثر‪.‬‬

‫خمائر شعرية من بعض تشبيهات وصور وقواف‬

‫ويصنف عيسى منجز ع��زة شاكر على أنه‬ ‫«خواطر شعرية» وليس قصائد‪ ،‬موضحاً وجهة‬ ‫نظره بقوله‪« :‬إن مجمل املقطوعات نثائر أدبية‬ ‫حتمل اخلميرة الشعرية‪ ،‬أو هي قطع من البوح‬ ‫الوجداني الشفيف املصوغ في قوالب خواطرية‪..‬‬ ‫واملعطر برذاذ الشعر‪ ،‬فقد افتقدت هذه النثائر‬ ‫إلى عنصر املوسيقى‪ ،‬فال هي مبتناة على نسق‬ ‫الشعر العمودي‪ ..‬وال على مداميك التفعيلة‪ ،‬وال‬

‫ويوضح عيسى وجهة نظره حول األسباب التي على وحدات إيقاعية مدروسة»‪ .‬ويواصل عيسى‬ ‫جعلت «النمطية» سمة معظم نصوص كاتبات توضيح موقفه من اختيار مثل هذه التسمية إلى‬ ‫قصيدة النثر‪ ،‬مع غياب الفرادة اإلبداعية‪ ،‬وهي أن بعض هذه «املقطوعات» احتوت جم ً‬ ‫ال قصيرة‬ ‫أن العديد من الكاتبات وجدن الباب مفتوحاً لكل متناثرة ذات إيقاع داخلي متواضع في مفرداتها‪،‬‬ ‫جتريب‪ ،‬ووجدن من يشجعهن بال قيود من قبيل وكأنها قطع أدبية مترجمة تتدانى من التنغيم‬ ‫االعتقاد بحرية الكتابة والقفز على مسؤولية اخلافت‪ ،‬كما أن الوقفات اجلزئية داخل القطعة‬ ‫«التجنيس» والزعم بالنص األدبي املفتوح‪ ،‬خاصة الواحدة اعتمدت على سجع الكلمات‪.‬‬ ‫أن مصطلح «قصيدة النثر» ما يزال إشكالياً ومن‬ ‫يُ َع ّد هذا الكتاب‪ ،‬إضافة نوعية في مجاله‪،‬‬ ‫دون معايير حاسمة‪.‬‬ ‫نظراً لقلة الدراسات التي تناولت شعر املرأة في‬ ‫ف���ي اجل�����زء ال�����ذي أف������رده ع��ي��س��ى ملوضوع‬ ‫السعودية‪ ،‬دراس��ة وحتلي ً‬ ‫ال‪ ،‬من جهة‪ ،‬وللقيمة‬ ‫«اخل���واط���ري���ة ال��ش��ع��ري��ة» ث��م��ة دراس����ة ح���ول ما‬ ‫قدمته الشاعرتان‪ :‬عزة شاكر‪ ،‬وهدى الرفاعي‪ .‬البحثية االستقصائية‪ ،‬والقراءة املتأنية للنصوص‬ ‫وهنا‪ ،‬ي��رى الباحث‪ ،‬أن ثمة كاتبات سعوديات ال��ش��ع��ري��ة‪ ،‬وال��ق��ض��اي��ا املفصلية ال��ت��ي احتواها‬ ‫يكتنب اخلاطرة الشعرية‪ ،‬وهي نص يحتوي على الكتاب‪.‬‬ ‫* ‬

‫كاتبة من األردن‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪105‬‬


‫ابن شهيد الالئذ بعالم اجلن‬ ‫> محمد البشير*‬

‫لطالما ضيقت الحقيقة على بنيها الخناق‪ ،‬فوجد قلة منهم في الخيال فكاك ًا‬ ‫من نير الحقيقة‪ ،‬أو وسيلة لِ لَعْ نِ ها دون التنصيص‪ ،‬خوف ًا وهرب ًا من أرساف أكبر وأكثر‪،‬‬ ‫فوجدوا ضالتهم في الهروب إلى عوالم الغاب والماورائيات‪ ،‬فلهم في ذلك مالذ ومهرب‪.‬‬ ‫ومن هؤالء أبو عامر بن شهيد األندلسي (‪426 – 382‬هـ)‪ ،‬سليل ذي الوزارتين في عهد‬ ‫الخليفة األموي الناصر عبدالرحمن الثالث‪ ،‬فابن شهيد لم يحقق منصب ًا كجد أبيه‪،‬‬ ‫ولم يُعترف بقدرته وبراعته الشعرية والنثرية‪ ،‬وعاش وهو يرى أنه جدير بالكثير دون أن‬ ‫ينصفه مجتمعه‪ ،‬ففر إلى عالم الجن في رسالته «التوابع والزوابع»‪ ،‬وقد سوّل له صديقه‬ ‫أبو بكر بن حزم ذلك‪ ،‬ففي مقدمته يتقول على لسان صديقه‪( :‬كيف أوتي الحكم صبي‬ ‫فاساقط عليه رطب ًا جنياً؛ أما إن به شيطان ًا يهديه‪،‬‬ ‫(يعني نفسه) وهز بجذع نخلة الكالم ّ‬ ‫وأقسمُ أنَّ له تابعة تنجدُ ه‪ ،‬وزابعة تؤيده) استهوته تلك الفكرة‪ ،‬سير ًا‬ ‫وشيصبان ًا يأتيه! ِ‬ ‫في درب سابقيه من الشعراء الذين اتخذ كل واحد منهم شيطاناً‪ ،‬فأبو النجم العجلي‬ ‫على سبيل المثال يقول‪:‬‬ ‫������اع������رٍ ِم��������نَ ال����بَ����شَ ���� ْر‬ ‫إِ نّ���������ي وَكُ �����������لُّ ش ِ‬

‫‪ 106‬اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫شَ ���ي���ط���انُ���هُ ُأن����ثَ����ى وَشَ ���ي���ط���ان���ي َذكَ������ ْر‬


‫بغيته‪ ،‬وق��د وج��ده��ا؛ ففي رسالته حتقيق ذاته عيينة عتبة بن أرقم صاحب اجلاحظ‪ ،‬فأخبره‬ ‫فض ً‬ ‫ال على حفظ شعره ومقطوعاته النثرية‪ ،‬بالطاعنني عليه تلميحا‪ ،‬وأت��ى التصريح على‬ ‫فال يكاد يذكر اب��ن شهيد إال وذك��رت «التوابع لسان أبي عيينة وأبي هبيرة صاحب عبداحلميد‬ ‫وال���زواب���ع»‪ ،‬فما ظنك مبصير ش��ع��ره لوالها؟ الكاتب بقولهما‪( :‬إل��ى أبي محمد تشير‪ ،‬وأبي‬ ‫فهل حتولت رواية الشعر من حفظه ونقله راوية القاسم وأبي بكر)‪ ،‬وتخصيص ابن شهيد ألبي‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫الذ ابن شهيد بعالم اجلن كأسالفه؛ لعله يجد األندلسي عندما قابل في رحلته اخليالية أبا‬

‫عن آخر واحتمال حتريف ذلك الشعر وتبديله‪ ،‬محمد بن حزم بقوله (أما أبو محمد فانتضى‬ ‫فلجأ من وصل إلى عصر التدوين وما بعده إلى ع��ل َّ��ي ل��س��ان��ه ع��ن��د امل��س��ت��ع�ين‪ ،‬وس��اع��دت��ه زرافة‬

‫وسيلة أخرى مبتكرة حلفظ الشعر غير تلك التي استهواها من احلاسدين)‪.‬‬ ‫ورثوها عن أسالفهم؟‬

‫حظي ابن شهيد بعداوات أهل زمانه‪ ،‬فكان‬

‫ال��ن��ث��ر وع����اء ال��ش��ع��ر احل��ص�ين‪ ،‬ف��م��ا تدونه هروبه فض ً‬ ‫ال عن ما أماله عليه الزمان واملكان‪،‬‬ ‫األق�لام أثبت وأوث��ق مما تعيه القلوب‪ ،‬فيموت بغية التعريض بهؤالء إما تصريحاً كفعلته في‬

‫مبوتها‪ ،‬أو تأتي عليه ع��وادي النسيان في زمن أبي محمد بن حزم وأبي القاسم اإلفليلي الذي‬ ‫لم يتخذ احلفظ وسيلته للرواية‪ ،‬وإمن��ا سلك سلح ابن شهيد في هجائه نثراً‪ ..‬ابتداء بتعريضه‬ ‫طرقاً أخرى تناسب الزمان واملكان‪ ،‬وبإيعاز كبير بعظم أن��ف��ه‪ ،‬وتسمية صاحبه بأنف الناقة بن‬ ‫منهما‪ ،‬فالقالقل السياسية إ ّبان حياة ابن شهيد معمر‪ ،‬ووصفه (جني أشمط ربعة وارم األنف‬

‫كفيلة بتحرزه الشديد من سلك درب التلميح يتظالع في مشيته‪ ،‬كاسراً لطرفه وزاوياً ألنفه)‪،‬‬ ‫دون التصريح‪ ،‬فمنذ زوال الدولة العامرية مبوت وتلميحاً كفعله ف��ي بغلة أب��ي عيسى واإلوزة‬ ‫عبدالرحمن الناصر عام ‪399‬هـ‪ ،‬وحتى موت ابن األدي��ب��ة أم خفيف تابعة شيخ في اللغة‪ ،‬فتلك‬ ‫شهيد عام ‪426‬هـ‪ ،‬وتوالي دول وحكام من شأنه البغلة تعرفه ويعرفها‪ ،‬ول��ذا تسأله عن األحبة‬

‫ع��دم استقرار ح��ال مبدع كابن شهيد‪ ،‬وتقدمي بعدها‪ ،‬فيجيب‪( :‬شب الغلمان‪ ،‬وشاخ الفتيان‪،‬‬ ‫والئه ألحدهم دون نقمة من بعده‪ ،‬ال سيما وأن وتنكرت اخل�لال‪ ،‬ومن إخوانك من بلغ اإلمارة‪،‬‬

‫الدسائس لعبت لعبتها؛ فألقت به في غياهب وانتهى إلى ال��وزارة)‪ ،‬وحسبك بتلك اإلجابة من‬ ‫السجون في عصر اب��ن حمود‪ ،‬وق��د ص��رح ابن تصريح بتنكر أهل زمانه له‪ ،‬وتقليله من شأنهم‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫شهيد بأمنوذج من تلك الدسائس في رسالته‪ ..‬بنسبتهم إخوانا لتلك البغلة مع ما وصلوا إليه‬ ‫معرضاً بحادثة لدى اخلليفة األم��وي املستعني من إمارة ووزارة!‬

‫سليمان بن احلكم‪ ،‬ودسيسة أبي محمد بن حزم‬

‫هذا ما فرضه الزمان وأهله‪ ،‬فما دور املكان‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪107‬‬


‫في هروبه إلى ذلك العالم؟‬

‫كل شخصية وما يقال على لسانها‪ ،‬فهو مطبق‬

‫متيز ابن شهيد بتعلقه بقرطبة مسقط رأسه‪ ،‬بفطرته اإلبداعية ما يقوله عبدالفتاح كليطو في‬ ‫فلم يؤثر فراقها رغم ما فعلته به‪ ،‬ومع يقينه بأن كتابه «الكتابة والتناسخ» من اختيار األسلوب‬

‫ال وتوقفه على ص���ورة الشخصية ال��ت��ي ي��ري��د أن‬ ‫فراقه لها سبب سعده لم يلحق باملؤمتن مث ً‬ ‫حني غادر قرطبة إلى بلنسية‪ ،‬فكاتبه ابن شهيد يسند إليها ال��ك�لام‪ ،‬وحتقيق مسألة املالءمة‪،‬‬ ‫يريد منه العودة الستعادة ملكه‪ .‬دون أن يرخص فابن شهيد مبدع ناقد في آن كما سنعرف‪.‬‬

‫هو بقرطبة ليلحق به فيلقى حظوته لديه؛ فابن‬

‫وف��ي ه��روب��ه إل��ى عالم اجل��ن ‪ -‬وه��و الناقد‬

‫شهيد هام بقرطبة العجوز ‪-‬على حد تعبيره‪ -‬فض ً‬ ‫ال عن قدرته اإلبداعية النثرية والشعرية ‪-‬‬ ‫وه��و ي��ع��رف أن��ه��ا معضلته ال��ك��ب��رى‪ ،‬فمن قوله سبيل إلى قراءة ذاتية لشعره ونثره بعني الناقد‪،‬‬ ‫فيها‪:‬‬

‫ومتريرها كأفضل منجز مقارن بأعمدة الشعر‬

‫ع����ج����وزٌ ‪ ،‬ل��ع��م��ر ال���ص���ب���ا فانيه‬

‫من أمثال‪( :‬ام��رئ القيس – طرفة بن ��لعبد –‬

‫ل����ه����ا ف�����ي ال����ح����ش����ا ص����������ور ُة ال���غ���ان���ي���ه قيس بن اخلطيم – أبي متام – البحتري – أبي‬ ‫����ال ع���ل���ى سنِّها‬ ‫زن������ت ب����ال����رج ِ‬

‫نواس – أبي الطيب)‪ ،‬ومن أرباب النثر وسادته‬

‫ف������ي������ا ح�������ب�������ذا ه���������ي ِم��������������نْ زان������ي������ه كاجلاحظ وعبداحلميد الكاتب وبديع الزمان‪،‬‬ ‫فهذه العجوز التي قتلته ش��اب��اً ف��ي األربعة ف��إن ض َّ��ن عليه نقاد زمانه بنقد يليق مبقامه‪،‬‬

‫واألرب��ع�ين من عمره‪ ،‬لم يستطع أن يتفلت من فحسبه إج����ازة عتبة ب��ن ن��وف��ل ص��اح��ب امرئ‬ ‫أيديها حقيقة‪ ،‬ففر مبخياله إل��ى أرض اجلن القيس‪ ،‬وإجازة عنتر بن العجالن صاحب طرفة‬ ‫لعله يسلى حني خارت قواه عن فراقها‪ ،‬فقاربها مسبوقة بقوله‪( :‬لله أنت!)‪ ،‬وإجازة أبي اخلطار‬ ‫مبخيال لم يبتعد عن واقعه إال اسماً ال رسماً‪ .‬صاحب قيس بن اخلطيم‪ ،‬وتوصيف عتاب بن‬ ‫فمتتبع املكان في رسالة ابن شهيد يجده جتسيداً حبناء صاحب أبي متام حلاله بقوله‪( :‬ما أنت‬ ‫ألماكن شخصياته‪ ،‬بعيداً عن شطحات الفنتازية إال محسن على إساءة زمانك)‪ ،‬أو ما أخذه من‬ ‫وامل��اورائ��ي��ة‪ ،‬ف��ص��ور أمكنة ال��رس��ال��ة ت��واف��ق مع إجازة قسراً‪ ..‬كتلك التي أخذها من أبي الطبع‬

‫مخزونه الثقافي عن تلك األماكن التي عرفها عن صاحب البحتري حني ص��اح به زهير بن منير‬ ‫شخصياته في أشعارهم‪ ..‬كسقط اللوى وحومل صاحب ابن شهيد‪( :‬أأجزته؟) فقال أبو الطبع‪:‬‬ ‫لجل المرئ القيس‪ ،‬وجبل دير حنة ألبي (أجزته‪ ،‬ال بورك فيك من زائر‪ ،‬وال في صاحبك‬ ‫ودارة ُج ُ‬ ‫ن��واس‪ ،‬فرسم أماكن شخصياته كما رسم تلك أبي عامر!)‪ ،‬أو شهادة تفوقه على لسان حسني‬ ‫الشخصيات رسماً موافقاً ملا يعرفه‪ ،‬والءم بني ال��دن��ان صاحب أب��ي ن��واس قبل إج��ازت��ه بقوله‪:‬‬ ‫‪ 108‬اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫ب��ن املغلس ص��اح��ب أب��ي مت��ام بقوله (إن امتد‬

‫النثر ت��ع�� ُّد س��ب��ق��اً‪ ،‬فهو م��ن ط��رق خلق توابع‬

‫به العمر‪ ،‬فال بد أن ينفث ب��درر‪ ،‬وم��ا أراه إال للكتاب قياساً على ال��ش��ع��راء‪ ،‬فاختلق توابع‬ ‫سيحتضر ب�ين ق��ري��ح��ة ك��اجل��م��ر‪ ،‬وه��م��ة تضع ألشهر الكتاب‪ ،‬ومنهم أخ��ذ إج��ازت��ه معتمدة‬ ‫أخمصه على مفرق البدر) وتلطف اب��ن شهيد‬

‫باستحسان أب��ي عيينة تابع اجل��اح��ظ‪ ،‬وأبي‬

‫بإجازة املتنبي له لدعابته وهو يعلم قدر املتنبي‪.‬‬

‫هبيرة تابع عبداحلميد‪ ،‬واندحار زبدة احلقب‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫(هذا والله شيء لم نلهمه نحن)‪ ،‬أو تنبؤ حارثة‬

‫وإن ك��ان أجيز ف��ي الشعر‪ ..‬فإجازته في‬

‫ولم يكتف بتلك التنقالت بني الشعراء‪ ،‬فواصل صاحب بديع الزمان أمام نثر ابن شهيد وجودة‬ ‫مسيرته إل��ى مجلس م��ن مجالس ن��ق��اد اجلن‪ ،‬وصفه‪ ،‬فما كان منه إال أن ف َّر من أمامه دون‬

‫وأظهر ابن شهيد آراءه النقدية في شعر غيره‪ ،‬أن يعلق ح�ين (ض���رب زب���دة احل��ق��ب األرض‬ ‫مبناقشة نقدية اختلق فيها شمردل السحابي برجله‪ ،‬فانفرجت له مثل ب��ره��وت‪ ،‬وتدهدى‬ ‫إلظهار بعض اآلراء من خالل الرد عليه‪ ،‬وشاعر إليها‪ ،‬واجتمعت عليه‪ ،‬وغابت عينه‪ ،‬وانقطع‬ ‫آخر أسماه فاتك بن الصقعب يبز احلاضرين‪ ،‬أثره)‪ ،‬ويريد ابن شهيد ترسيخ مفهوم اندحار‬

‫ويظهر للباحث بعدها أن ما يستشهد به فاتك معارضيه وحاسديه‪ ،‬فإن لم يصرح بإجازته‬

‫وينسبه لنفسه ما هو إال شعر ابن شهيد‪ ،‬وفي بديع الزمان‪ ،‬فحسبه باندحاره إج��ازة‪ ،‬ومثل‬ ‫في أبي الطبع قسراً‪ ،‬وما‬ ‫ذلك مزية سبق فيها ابن شهيد من قبله‪ ،‬فإن كان ذلك ما استله من ِّ‬

‫كل شاعر يدعي تابعاً له من اجلن‪ ،‬فابن شهيد عرفناه من اعتراف فرعون بن اجل��ون قب ً‬ ‫ال‪،‬‬ ‫يجعل له تابعاً يسميه زهير بن منير كما علمنا‪ ،‬ويضيف ابن شهيد في حادثة فرعون مدل ً‬ ‫ال‬ ‫وآخ��ر ال يجعله تابعاً ل��ه‪ ،‬وإمن��ا يتمثله شاعراً على قلة شأن من ينتقده أو يباريه ومياريه‪،‬‬ ‫ناقداً من اجلن ال يقل عن زهير إطالقاً‪ ،‬ومن فيقول بعد مقولة فرعون بن اجلون واعترافه‬ ‫خالله ال يكتفي بأن يتفوق على شعراء اإلنس‪ ،‬بعراقة ك�لام اب��ن شهيد‪ ،‬فيصف اب��ن شهيد‬ ‫وإمن���ا ي��ت��ج��اوز ذل��ك إل��ى األخ���ذ ب��إج��ازة شعراء اندحار فرعون قائ ً‬ ‫ال‪( :‬ثم َّ‬ ‫قل واضمحل‪ ،‬حتى‬

‫اجلن‪ ،‬وتثبيت مكانته األدبية التي لها جذورها إن اخلنفساء لتدوسه‪ ،‬فال يشغل رجليها) وهو‬ ‫الضاربة في الزمن باستشهاد جني اسمه فرعون من هو من مكانة حتى إن زهير يقول عنه (تابعة‬ ‫بن اجلون بأبيات لوالد ابن شهيد وأخيه وعمه رجل كبير منكم)‪ .‬وهنا نعود ثانية للتلميح دون‬ ‫وج��ده وج��د أب��ي��ه‪ ،‬واع��ت��راف ف��رع��ون ب��ن اجلون التصريح الذي يخشاه ابن شهيد‪ ،‬ومن أجله‬ ‫بتفوقه حني قال‪( :‬والذي نفس فرعون بيده‪ ،‬ال فر إلى هذه العوالم ليقول قولته‪ ،‬وليفهمها من‬ ‫عرضت لك أبداً‪ ،‬إني أراك عريقاً في الكالم)‪.‬‬

‫بعده من يفهمها‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪109‬‬


‫مأساة العقل العربي برحيل مفكريه‬ ‫العمري*‬ ‫> ناصر محمد ُ‬

‫األنهار التي تغذي الفكر العربي تبدو قليلة ج��داً‪ ،‬وه��ا هو أح��د األنهار المعرفية‬ ‫الكبرى يجف برحيل الجزائري ((محمد أركون)) على بُعد مسافة قصيرة جد ًا من رحيل‬ ‫عدد من المفكرين العرب الذين تساقطوا كحبات الكرز؛ ويأتي رحيله عن دنيانا الفانية‬ ‫بعد رحلة عامرة بالعطاء اإلنساني المثير للكثير من الجدل‪ ..‬ليكمل مسلسل جفاف‬ ‫األنهار المعرفية المتدفقة‪ ،‬بعد أن رحل قبله المغربي محمد عابد الجابري‪ ،‬والمصري‬ ‫نصر حامد أبو زيد‪ ،‬والدكتور غازي القصيبي‪ ..‬وبوفاتهم فقدت الثقافة العربية أعالمها‬ ‫الكبار واحدا تلو اآلخر‪.‬‬ ‫ال��ك��ث��ي��ر م��ن��ا ي��ت��خ��ذ م���وق���ف الضد‪ ..‬التعاطي مع هذا االختالف‪.‬‬ ‫أو يختلف على أق��ل تقدير م��ع أركون‪،‬‬ ‫وال����ج����اب����ري‪ ،‬وال����ب����غ����دادي‪ ،‬وأب�����و زي���د‪،‬‬ ‫وال��ق��ص��ي��ب��ي‪ ..‬وم����ن ق��ب��ل��ه��م اب����ن حزم‪،‬‬

‫وتحضرني هنا مقولة جميلة للشيخ علي‬ ‫الطنطاوي سمعتها منه ‪-‬يرحمه الله‪ -‬في‬ ‫موقفه من كتاب ((طوق الحمامة))‪ ،‬عندما‬

‫واب����ن رش����د‪ ،‬واب����ن ع���رب���ي‪ ،‬والكواكبي‪،‬‬

‫قال‪ :‬من أراد أن يقرأه كقطعة أدبية‪ ،‬فعليه‬

‫والتوحيدي‪ ..‬بل حتى مصطفى محمود‪،‬‬

‫به‪ ..‬فهو في هذا المجال ((مرجعية أدبية‬

‫وأبو حامد الغزالي‪ ،‬الذين شهد طرحهم‬

‫يرتهن إل��ي��ه��ا))‪ ...‬وه��و ذات ال��رأي الذي‬

‫كثيراً م��ن الشد وال��ج��ذب واالختالف‪ ..‬أطلقه المفكر الكبير سلمان العودة عندما‬ ‫ونحن هنا‪ ،‬سنستعير مقوالت متزنة في‬ ‫‪ 110‬اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫قال بعد وفاة الجابري‪ :‬إن اإلنسان ليس‬


‫والفكر أي فكر يتمرحل وينمو‪ ،‬ويمر بمنعرجات حقيقة تقول‪:‬‬ ‫عدة‪ ،‬وليس من الحكمة أن نتخذ موقف الضد‬

‫إن أركون أرتكز على إرث معرفي هائل‪ ،‬كان‬

‫لمجرد م��وق��ف أو ن��ت��اج بعينه‪ ،‬أو ف��ي مرحلة نتاجا النفتاحه الفكري والمعرفي على مختلف‬ ‫عمرية معينة‪.‬‬ ‫النتاجات المعرفية في مختلف حقول المعرفة‬ ‫وبعيداً عن موافقة ((أرك���ون وغ��ي��ره)) فيما اإلنسانية‪ ،‬حتى وإن أتاحت له الحياة في الغرب‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫جمادا وال حجراً ينشأ ويفنى بتغيرات طفيفة‪ ،‬فترة ما‪ ،‬فذلك شأنه‪ .‬لكننا سنجد أنفسنا أمام‬

‫خلصوا إل��ي��ه م��ن ن��ت��ائ��ج‪ ،‬وم��ا أف����اءوا ب��ه علينا فرصة المعايشة لكثير من المعارف والنظريات‬ ‫من نتاج‪ ،‬فإنه من المهم أن نركز على أثر باق والمناهج النقدية‪ ،‬وشروطها وظروف نشأتها‪،‬‬ ‫لهؤالء‪ ..‬ألنهم أسسوا لطرائق تفكير‪ ،‬ومسافات وهذا ما أتاح له فرصة االنفتاح المعرفي غير‬ ‫حضارية‪ ،‬ومساقات ومساريب فكرية عميقة‪ ،‬المشروط على مختلف المعارف‪.‬‬ ‫ورس��م��وا خطوطا عريضة لما يمكن فعله من‬ ‫أجل الغد الذي نترقبه‪.‬‬

‫هذا اإلرث الهائل من المعرفة أهّ ل أركون‬ ‫وبجدارة‪ ،‬أن يكون اسما حاضرا على المستوى‬

‫على أرض ال��واق��ع يظل أرك���ون واح���داً من العالمي‪ ،‬وأستاذا للفكر اإلسالمي بالسوربون؛‬ ‫أبرز المفكرين اإلسالميين في العصر الحديث‪ ،‬بل ذهب إلى أبعد من ذل��ك‪ ،‬وط��ور اختصاصاً‬ ‫الذين كانوا عالمات كبرى ‪-‬حتى وإن أختلفنا يدرِّسه هو «اإلسالميات التطبيقية»‪.‬‬ ‫معهم في بعض أو كثير من الجزئيات‪ -‬ويكفي أنه‬

‫ويُ��ح��س��ب ألرك����ون أن���ه م��ن ال��ق�لائ��ل الذين‬

‫أحد أبرز رواد الدعوة إلى الحوار بين األديان‪ .‬تشعر أنهم حاولوا جادين أن يجعلوا الصرامة‬

‫وقد نصب نفسه واحداً من ألمع أساتذة تاريخ المنهجية والبحث العلمي مرتهناً‪ ،‬وفصال في‬ ‫الفكر اإلسالمي‪ ،‬وأحد رواد التنوير اإلسالمي الخطاب المختلف عليه‪ ،‬ورغم هذا شعرت ‪-‬وأنا‬ ‫في العصر الحديث‪.‬‬

‫أتابعه في إضاءات‪ -‬مع تركي الدخيل‪ ،‬وكذلك‬

‫وب��ت��أم��ل س��ي��رت��ه ال��ت��ي تمثل أن��م��وذج��اً في في إحدى محاضراته في الكويت أنه واحد من‬ ‫م��ج��االت ال���دأب وال��ع��م��ل ال��ج��اد‪ ،‬وال��ج��رأة في القالئل الذين يحاولون جهدهم ((جعل المعرفة‬

‫الطرح واالستنجاد بكل منجز إنساني في سبيل شأنا شعبياً ومفهوماً من الجميع‪ ،‬رغم الوجبات‬ ‫الوصول للغاية‪ ،‬سنجد أنه لم يبلغ هذا الشأو المعرفية الثقيلة التي يشتغلون عليها))‪ ،‬ونلحظ‬ ‫الكبير لمجرد أنه ((كان ضد الدين اإلسالمي هذا بعمق وهو يتحدث عن المعرفة اإلنسانية‪،‬‬ ‫ف��ق��ط – ك���ان داع��ي��ة ل��ك��ل م��ا ه��و غ��رب��ي ‪-‬كما‬

‫وعن أهمية إعالء شأنها‪ ،‬بأن يتم النظر لنتاج‬

‫يُ����روج‪ ..))-‬وحتى وإن فعل شيئاً من ذل��ك في ك��ل البشر دون استثناء‪ ،‬وأن ن��ح��اول جاهدين‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪111‬‬


‫جعل التأمل والتفكير مشترك لكل الناس وعادة وتأمالته الفكرية‪ ،‬ومكّنت�� من الحفر عميقا في‬ ‫حياتية يمارسها الجميع‪ .‬وأن نوسع المعرفة‪ ،‬بنية الفكر اإلس�لام��ي‪ ،‬األم��ر ال��ذي جعل آراءه‬ ‫ونعمق العلمية‪ ،‬لتضييق المساحات أمام نشوء وأط��روح��ات��ه ومحاضراته‪ ،‬تغوص ف��ي بحر من‬ ‫الخرافات واألساطير‪ .‬وأن ال تقتصر المراجعات المعارف‪ ،‬وتحظى بكثير من الجدل‪ .‬وهو بهذه‬

‫والتأمالت والحوارات الناضجة على النخبة‪ ،‬مع الممارسة يرسم منهجاً وطريقة تصلح مرتكزاً‬ ‫ضرورة التركيز على أهمية ممارسات المساءلة‪ ،‬لكل باحث‪.‬‬ ‫ونشر وإشاعة ثقافة إثارة األسئلة‪ ..‬كمدخل نحو‬

‫الفهم الواعي‪ ،‬وهذه مناهج منطقية جداً وبدهية‪،‬‬ ‫بل هي غايات معرفية ودينية ال تعارضها األديان‪،‬‬ ‫بل تدعو إليها‪ ،‬وتجعل منها عبادة متى تأدبت مع‬ ‫الخالق‪.‬‬ ‫أركون وحامد نصر والجابري كانوا يحفرون‬ ‫بعمق في التراث العربي‪ ،‬ويسائلونه‪ ،‬كما كانوا‬ ‫يحفرون في بنية العقل اإلسالمي‪ ..‬لكنه كان حفراً‬ ‫بأزميل حاد‪ ،‬وبصرامة ال تعترف سوى بالعلمية‬ ‫والمنهجية‪ ..‬وقد يكون هذا مأخذاً عليهم‪ .‬وإن‬

‫أركون في مختلف أطروحاته ال يغفل أي علم‪،‬‬ ‫أو دين‪ ،‬أو معرفة إنسانية‪ ..‬فهو ممن يحترمون‬ ‫المعرفة اإلن��س��ان��ي��ة على اخ��ت�لاف مصادرها‪.‬‬ ‫كما يستحضر الشروط المختلفة سيسولوجيا‬ ‫وأن��ث��روب��ول��وج��ي��ا بمختلف أدوات��ه��ا ف��ي تأمالته‬ ‫ومراجعاته النقدية‪ ،‬وه��ذا األم��ر غير متعارف‬ ‫عليه في مراحل سابقة قبل أركون‪ ،‬األمر الذي‬ ‫جعل من فكره يبدو غريباً‪ ،‬وش��روط��ه النقدية‬ ‫تبدو شديدة الجرأة‪.‬‬ ‫ُع��ـ��ـ��رف ع��ن أرك����ون ن��ق��ده للعقل اإلسالمي‬

‫بدا ((أركون)) في لقاءاته ومحاضراته في الخليج‬ ‫على وجه التحديد‪ ،‬أقل صرامة‪ ..‬وكان ظهوره القائم حاليا‪ ،‬وك��ان يدعو إلى بناء منظومة من‬ ‫يراعي كثيرا الرؤية السائدة رغم موقفه النقدي المراجعات الفكرية لكل ما هو قائم‪ .‬وكان هذا‬ ‫الذي يرفع فيه القدسية عن كل ما حولنا‪.‬‬ ‫ه����ؤالء ال��م��ف��ك��رون ف��ي ن��ق��ده��م المعرفي‪..‬‬ ‫اعتمدوا على أدوات متعددة تستحضر الشرط‬ ‫التاريخي‪ ،‬وتستعين ب��أدوات التحليل والتفكيك‬ ‫والتأويل‪ ،‬وتسخير المعارف الغنية بعلوم حديثة‪،‬‬ ‫كاللسانيات واألن��س��ن��ة واإلن��ث��روب��ول��وج��ي��ا وعلم‬ ‫النفس ومناهجه واستفادته من العلوم الحديثة‬

‫من أجل الوصول إلى معرفة صحيحة ال تتأثر‬ ‫بمؤثرات قد تكون مضللة من وجهة نظره‪ ..‬ومثل‬

‫هذا الطرح مدعاة للتأمل والمراجعة‪ ،‬حاله حال‬ ‫أي منتج آخر د ُِعيَ لمراجعته ومطارحته فكريا‪،‬‬ ‫ب��ش��رط أن ت��ك��ون ال��م��راج��ع��ة مبنية على أسس‬ ‫منهجية‪ ،‬ووفق معايير علمية وعقلية وأخالقيه‪.‬‬ ‫والحال نفسه ينطبق على تأكيد أرك��ون على‬

‫ومنتجاتها وأدوات���ه���ا‪ .‬وأع��ان��ت ه��ذه التوجهات أن القدسية للنصوص التأويلية خطأ تاريخي‬ ‫أرك���ون ‪-‬ت��ح��دي��داً ‪-‬ع��ل��ى ب��ن��اء مناهجه النقدية ومنهجي‪ ..‬ودع��وت��ه إل��ى مراجعة كل التأويالت‬ ‫‪ 112‬اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫ظنية التأويل‪ ،‬وقابلة للمراجعة الفكرية باستخدام أخالقية ومعرفية ورؤيوية يؤمن بها أركون تقوم‬ ‫أدوات تتسم بكونها تجمع بين المنهجية والحداثة‪ ،‬على احترام شديد للعامل المعرفي وتؤكد على‬ ‫وتفيد من الفكر اإلنساني والمعرفة اإلنسانية إسهام جميع الناس في إثرائها‪ ..‬فهذا التوجه‬ ‫بوجه عام‪ ،‬فكل هذه األطروحات ليست أقواال‬ ‫تحتم علينا قبولها كما قال بها أركون‪.‬‬ ‫والمراجعات الفكرية التي طرقها ال تمثل‬ ‫سوى لبنة لممارسة أعمق‪ ،‬تنطلق من االشتغال‬ ‫المنهجي على الطرح ال��ذي ق��ال ب��ه‪ ،‬والمعرفة‬

‫هو ‪-‬م��ن وجهة نظري‪ -‬أه��م ما تركه لنا‪ ،‬وما‬ ‫خلفه من إرث معرفي وفكري تكون األمة اليوم‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫تنطلق من رؤية يعتنقها‪ ،‬تقول بأن كل النصوص‬

‫معينة م��ن ال��ن��اس منطلقاً ي��ؤك��د رس���وخ قيمة‬

‫في أمس الحاجة إليه‪.‬‬ ‫وتأتي دع��وات أرك��ون المتكررة إلى تدريس‬

‫التي أنتجها‪ ،‬والرؤية التي خل ُص إليها‪ ،‬وبهذا‪ ..‬ع��ل��وم األنسنة والفلسفة واللسانيات‪ ،‬وعلوم‬

‫فهو ي��ق��دم للعقل العربي خ��دم��ة عظيمة‪ .‬فهو‬

‫األن��ث��روب��ول��وج��ي وم��ن��اه��ج ال��ت��ح��ل��ي��ل النفسي‪،‬‬

‫يؤسس النفتاح معرفي‪ ،‬واإلعالء من شأن النقد وإسقاطات الالوعي وتفسيراته‪ ..‬انطالقا من‬ ‫العقالني المكتمل الشروط‪ ،‬وبناء مفاهيم تُعين قناعات مترسخة لديه‪ ،‬تهدف إلى بناء معرفة‬ ‫على الفهم وتوصل إليه‪ ،‬وحياته الفكرية تبدو أكثر ثراء‪ ،‬وبناء عقلية موسوعية منفتحة‪ ،‬قادرة‬ ‫لبنة صلبة لممارسة تدعو إل��ى الشغف بالنقد على الفهم والتأويل والتعاطي مع الحياة‪ ..‬وهذه‬ ‫والمراجعة والتأمالت المنفتحة على كل العلوم‬ ‫وال��ب��ي��ئ��ات واألس���م���اء ال��ف��ك��ري��ة والفلسفية من‬ ‫مختلف العصور واألديان والحضارات اإلنسانية‪،‬‬ ‫وهذه الفلسفات التي ينتجها بممارساته هي أهم‬ ‫مما أنتجه فعلياً‪.‬‬ ‫ورغ��م أن ألرك��ون م��ح��اوالت كثيرة لتأسيس‬ ‫منظومة معرفية وثقافية تستلهم رؤاه ومناهجه‬ ‫النقدية ف��ي بعض ال���دول‪ ،‬وإل��ق��اؤه كما كبيرا‬

‫المنعطفات والمحطات التي عاشها أركون هي‬ ‫(مرتكزات صلبة) لبناء الغد المعرفي العربي‪.‬‬ ‫وهذه المنعرجات ال تقل أهمية ‪-‬بأي حال من‬ ‫األح��وال ‪ -‬عما تركه من نتاج معرفي مختل َف‬ ‫عليه‪ ،‬ومن إرث معرفي م��دوّن قابل للمراجعة‬ ‫وال��ت��أمّ��ل‪ ..‬ب��ل إن األه���م‪ ،‬والمعترك الحقيقي‬ ‫ل�لأم��ة‪ ..‬ه��و كيفية العمل على ب��ن��اء منظومة‬

‫م��ن ال��م��ح��اض��رات‪ ،‬وط��رح��ه ع���ددا ك��ب��ي��را من فكرية تفيُد من رؤي��ة وممارسات هذا الجيل‪،‬‬

‫المراجعات الفكرية‪ ،‬ودعوته إلى شيوع ثقافة حتى وإن اختلفنا مع الطرح والنتاج والنتيجة‬ ‫المراجعة الفكرية‪ ،‬وع���دم قصرها على فئة التي خلصوا إليها‪.‬‬ ‫* ‬

‫كاتب من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪113‬‬


‫صور‪ ..‬ولعلها رسائل‬ ‫> أمين السطام*‬ ‫بالعودة إل��ى القامات األنيقة (‪Braun – Nadar‬‬

‫‪ )- Demachy‬الذين يعدّ ون أوائ��ل من نقلوا التصوير‬ ‫من شكله الذي بدىء به كأداة توثيق لواقع ما‪ ،‬أو مهنة‬ ‫للتكسب المادي إلى وسيلة إلظهار الحياة بشكل أكثر‬ ‫عمقاً؛ لعله على األقل كما نراه في عصرنا الحاضر‪..‬‬ ‫فكيف بتلك الفترة من الزمن‪ ،‬حيث يظهر كل شيء‬ ‫ب��دائ��ي�� ًا أو بسيطا‪ -‬إن ص��ح التعبير‪ -‬فمن البديهي‬ ‫ج���دا‪ ،‬ب��ل ولعلي ال أج��د م��ع��ارض��ة ب��أن خلف الصورة‬ ‫الفوتوغرافية تكمن رسالةٌ ما؛ أي ًا كان فحواها ووجهتها؛‬ ‫بـيد أني سأجد من يخالفني في ذلك ويسأل‪ :‬هل ندع‬ ‫قراءة الرسالة للمتلقي دون فك رموزها؟ أم على المصور أن يتعاون في وضع النقاط‬ ‫على الحروف؟‬ ‫ال أج���زم ب��أن ك��ل م��رت��ادي المعارض‬

‫ب��ال��م��غ��ي��ب؛ إذا بعينيه ت��ق��ع��ان ع��ل��ى تلك‬

‫التشكيلية بأنواعها قد تصلهم الرسائل السوداء الصغيرة المدرعة‪ ..‬تتسلق وبكل‬ ‫�لا رملياً أنهكه المطر؛ فبدا غير‬ ‫نفسها‪ ،‬التي أراد الفنان إيصالها‪ ،‬فهي همّة ت ً‬ ‫ك��ل��م��ة م����رور ذات ح��ج��م ع��ائ��ل��ي؛ تتباين‬ ‫متعاون لدفعها للوصول إلى أعاله؛ فهاله‬ ‫ٍ‬ ‫شواردها وخواطرها من متلق آلخر‪.‬‬ ‫وأبهره ذل��ك الجهد المضني ال��ذي بذلته‬ ‫ذات ي����وم؛ وع��ن��دم��ا ب����دأت الشمس لتلحق بركب صويحباتها أعلى التل قبل‬ ‫‪ 114‬اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫ال��م��غ��ي��ب‪ .‬ي���ا ل��ه��ا من‬ ‫خ���ن���ف���س���اء ‪ -‬ح�����ادث‬ ‫نـفسه ‪ -‬من أين يتأتى‬ ‫لها ه��ذا اإلص����رار إال‬ ‫فطرة من الله سبحانه‬ ‫وتعالى؟ وكأنها رسالة‬ ‫ل��ه ب���أ ْن ت��ل��ك الحشرة‬ ‫ال���ص���غ���ي���رة ال���ت���ي قد‬ ‫تطؤها بقدمك تبذل‬ ‫كل ما في وسعها لتنال‬ ‫م���ا ت���ري���د‪ ..‬ف��م��ا أنت‬ ‫ف��اع�� ٌل أيها اإلنسان؟!‬ ‫حتى قابلته؛ ال يعرف‬ ‫ل��ـِ�� َم ل��� ْم ت���رق الرسالة‬ ‫ألح����ده����م ح���ي���ن ب����ادر‬ ‫بعدسة أيمن السطام‬ ‫ب��س��ؤال��ه ع��مّ��ا إذا كان‬ ‫إض����اف���� ًة إل�����ى أن‬ ‫فهم ما يريد‪ ،‬فقد حالفه الحظ‪ ،‬بأن وقف تلك العقبة التي كثيراً ما تواجه بعضهم هي العراك‬ ‫اللحظة وأخرجها من سياق الزمن‪.‬‬ ‫ال��داخ��ل��ي ح��ول م��ا إذا ك��ان��ت ال��ص��ورة تتناسب‬ ‫قال‪ :‬ال أرى بهذه الصورة أي معنى أو رسالة‪..‬‬ ‫(خنفسا وناطـّـة الطعس) ماذا تعني؟‬

‫ولم يجتهد كثيراً صديقه الواقف بجانبه كي‬ ‫يشم رائحة السخرية تغلّف االبتسامة التي أبانها‬ ‫صاحبه!!‬ ‫بعد ذل���ك‪ ،‬ل��م ي��ت��ردد‪ ..‬ب��ل عقد ال��ع��زم على‬ ‫المشاركة بهذا العمل في أقرب معرض؛ وحصل‬ ‫ما أراد‪ ،‬والقت استحسان الجمهور الستيعابهم‬ ‫الرسالة كاملة‪ .‬ولسان حاله قول الجواهري‪:‬‬ ‫����ت‬ ‫أق����ول ل��ه��ا وق����د خ�����درتْ والن ْ‬ ‫تحدَّ ْي من يريدك أن تُعاقي ‪.‬‬ ‫(‪)1‬‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫م�����ن ذل������ك كله‪،‬‬ ‫أردت إلخ�����وت�����ي‬ ‫وأخ���������وات���������ي ممن‬ ‫ي��خ��ط��ون خطواتهم‬ ‫األول����������ى ف�����ي ه����ذا‬ ‫ال��ف��ن‪ ،‬ب��أن ال يكبـ ّل‬ ‫ان���ط�ل�اق���ت���ه���م نق ٌد‬ ‫ل������م ي����ك����ن ل����ي����ق����وّم‬ ‫ال��ع��م��ل‪ .‬ب��ل السعي‬ ‫ال���ح���ث���ي���ث للتعرف‬ ‫ع���ل���ى المختصين‬ ‫وال������ض������ال������ع������ي������ن‬ ‫«ال��ص��ادق��ي��ن» فيه‪..‬‬ ‫ل��ل��اس�����ت�����ف�����ادة من‬ ‫تجاربهم‪.‬‬

‫وال��ه��دف ال��ذي التقطت ل��ه‪ ،‬وه��ل ستجد قبوالً‬ ‫ل���دى ال��م��ت��ل��ق��ي��ن؟ وأي��ه��م��ا أج�����در‪ ..‬المخاطرة‬ ‫باسمك الفني واإلص��رار على عرض العمل‪ ،‬أم‬ ‫قتل�� بوضعه على الرف؟ وال أنسى اإلشارة إلى‬ ‫توجس بعض الموهوبين خيفة من سماع كلمات‬ ‫التهميش أو النقد غير البنـّـاء؛ وه��ؤالء أحيلهم‬ ‫إلى أنفسهم بأن تعرفوا على الناقد بداخلكم؛‬ ‫فالمـُـحبطون حولنا أكثر من غيرهم‪.‬‬ ‫ولإلجابة أو اإلفادة عن األفضل‪ ..‬أرى أن ذلك‬ ‫يعود للمصور نفسه‪ ،‬وكيفية تعامله مع شخصية‬ ‫العمل الذي ينتجه‪.‬‬

‫* كاتب من السعودية‪.‬‬ ‫(‪ ) 1‬من قصيدة له في المنفى مطلعها‪:‬‬ ‫ سهرتُ وطال شوقي للعراقِ وهل يدنو بعي ٌد باشتياقِ‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪115‬‬


‫األدب‪ :‬هل يؤثر فعال على اآلخرين؟‬ ‫> عبدالرحيم اخلصار*‬

‫كان فرانتس كافكا يردد هذه الجملة الشهيرة‪« :‬كل ما ليس أدبا يقلق راحتي‪ ،‬وأشعر‬ ‫تجاهه بالكراهية»‪ ،‬هل ك��ان كافكا مهووسا ب��األدب إل��ى ه��ذه ال��درج��ة؟ هل ك��ان إيمانه‬ ‫ترسخ لديه أن األدب قد يكون معادال موضوعيا للحياة‬ ‫بالكتابة أعلى من الجميع؟ هل ّ‬ ‫أو بديال عنها؟ بعبارة أكثر عمقا‪ :‬هل كانت الحياة عند كافكا هي األدب؟‬ ‫إن الجواب عن سؤال كهذا يبدو أكثر وضوحا كلما تذكرنا أن كافكا لم يترك رفّ ا من‬ ‫الكتب‪ ،‬لم يغن خزانة العالم بمؤلفات كثيرة‪ ،‬وإنما بصفحات ال تتجاوز الثالثمائة‪ ،‬صار‬ ‫كافكا أسطورة القرن الماضي والحاضر‪.‬‬ ‫وإذا كان كافكا عميق اإليمان باألدب‪ ،‬فهل والقصائد؟ وهل كانت الحياة ستغدو مستحيلة‬ ‫ك��ان يؤمن أيضا بتأثير ه��ذا األدب؟ م��ا كتبه بدون أدب؟»‬ ‫هو وما كتبه كبار وصغار الكتّاب في الجهات‬ ‫سنعود إلى الماضي القريب لنجد تعريفا‬ ‫األرب��ع لهذا العالم هل أث��ر في الكائنات التي للكاتب المصري أحمد هيكل األكاديمي الذي‬ ‫تتلقاه؟ هذا الحشد من الروايات والمسرحيات سبق له أن شغل منصب وزير الثقافة في مصر‪،‬‬ ‫واألش��ع��ار‪ ،‬ه��ل غ��ي��رت شيئا ف��ي عالمنا؟ هل يقول مؤلف (تطور األدب الحديث في مصر)‪:‬‬ ‫غيرت مشاعر الناس وأفكارهم؟ ما تأثير األدب «ليس األدب مجرد كالم جميل‪ ،‬مختار اللفظ‪،‬‬ ‫في حياة من يتلقى األدب؟‬ ‫محكم ال��ع��ب��ارة بليغ ال��ص��ي��اغ��ة‪ ،‬وإن��م��ا األدب‬

‫لعل الكثيرين سيطرحون هذا السؤال‪« :‬ماذا تعبير جميل بالكلمات ع��ن ت��ج��رب��ة صادقة‪،‬‬ ‫كان سيقع للعالم لو لم تكتب كل هذه القصص ق�����ادرة ع��ل��ى ال��ت��ج��اوز إل���ى اآلخ����ري����ن»‪ .‬طبعا‬ ‫‪ 116‬اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫ال ي��م��ك��ن إج���م���اال أن ن��ن��ف��ي عن‬ ‫األدب وظيفته التأثيرية‪ ،‬فمنذ عهد‬ ‫ه��وم��ي��روس وال��ش��ع��ر‪ -‬أع���رق أشكال‬ ‫األدب‪ -‬يمارس هذا السحر‪ ،‬إن قصائد‬ ‫صاحب اإللياذة واألوديسة كانت تركز‬ ‫على البعد الدرامي للكتابة؛ وبالتالي‬ ‫فهي كانت تحرك المناطق الهادئة في‬ ‫الوجدان اإلنساني‪ ،‬فلطالما رأى كل‬ ‫واح��د ممن ق��رأ ملحمتي هوميروس‬ ‫أن��ه ص��ار عليه ل��زام��ا أن يصير أحد‬ ‫أبطالهما‪.‬‬ ‫وف��ي األدب الحديث ال يستطيع‬ ‫قارئ زوربا لنيكوس كازانتزاكيس أن‬ ‫يمر على الرواية دون أن تخلف فيه‬ ‫تأثيرا واض��ح��ا‪ ،‬لكن درج��ات التأثير‬ ‫–طبعا‪ -‬ستختلف حسب سياق التلقي‪،‬‬ ‫وحسب المكونات النفسية لكل قارئ‪،‬‬

‫بابلو نيرودا‬

‫الكسندر بوشكين‬

‫غارسيا لوركا‬

‫ميشيل فوكو‬

‫إن أعماال أدبية كثيرة حوّلت وعي‬ ‫الناس وغيرت قناعاتهم‪ ،‬ويكفي أن‬ ‫نقف مثال عند األدب ال��روس��ي في‬ ‫فترته األكثر توهجا‪ ،‬إن تأثير هذا‬ ‫األدب امتد إلى العالم برمته‪ ،‬وأسهم‬ ‫في تحريك عجلة تقدم هذا العالم‬ ‫عبر تحفيزه نحو اإلع�لاء من قيمة‬ ‫اإلنسان‪ ،‬وجعله يطرح أسئلة جديدة‬ ‫ل��م ي��ك��ن ي��ط��رح��ه��ا م��ن ق��ب��ل‪ ،‬تتعلق‬ ‫بمصيره وب��ج��دوى حياته وبوظيفته‬ ‫داخل هذه الحياة‪.‬‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫تعريف كهذا ال يخلو من ذلك الطابع‬ ‫الكالسيكي ال��ذي يجعل هذه النظرة‬ ‫ل�لأدب نظرة متجاوزة‪ ،‬ف��األدب ليس‬ ‫بالضرورة كالما جميال؛ فعدد هائل‬ ‫من الروايات الحديثة تحاول التملص‬ ‫من الوقوع في (الكالم الجميل مختار‬ ‫اللفظ)‪ ،‬وبالتالي سيصعب حسب هذا‬ ‫التعريف تصنيف رواية جاك كيرواك‬ ‫«على الطريق» في خانة األدب‪ ،‬لكن‬ ‫عبارة دقيقة توجد في هذا التحديد‬ ‫لمفهوم األدب (التجاوز إلى اآلخرين)‪.‬‬ ‫إن رواية «على الطريق» ‪-‬التي لم يكن‬ ‫كاتبها يختار األلفاظ التي يكتب بها‪-‬‬ ‫ستؤثر بشكل كبير في الحياة الواقعية‬ ‫ب��أم��ري��ك��ا‪ ،‬إن��ه��ا س��ت��رف��ع م��ن مبيعات‬ ‫م�لاب��س ال��ج��ي��ن��ز‪ ،‬وس��ت��ج��ع��ل ماليين‬ ‫األمريكيين يتخلون عن كل السراويل‬ ‫التي ليست جينزا‪.‬‬

‫فقد تذكي في نفس أحدنا قيم الخير‬ ‫والتعمق في فهم ال��ذات‪ ،‬وقد تدفع‬ ‫آخر إلى اعتزال العالم والتوحد في‬ ‫خلوة تشبه خلوة كاتب زوربا في جبل‬ ‫أثيوس باليونان‪.‬‬

‫ن���ص���وص ك���ث���ي���رة أث������رت بشكل‬ ‫مباشر ف��ي م��ن يتلقاها‪ ،‬نستحضر‬ ‫مثال الكتابات ذات الطابع النضالي‬ ‫والتحريضي وما يندرج ضمن مسمّى‬ ‫«أدب ال��م��ق��اوم��ة»‪ ،‬ك��ق��ص��ائ��د بابلو‬ ‫ن��ي��رودا‪ ،‬وكاميليو‪ ،‬ول��وي��س أراغون‪،‬‬ ‫ومحمود دروي���ش‪ ،‬ومظفر النواب‪،‬‬ ‫وناظم حكمت‪ ،‬وأرنستو كاردينال‪،‬‬ ‫وفريديريكو غارسيا لوركا‪ ،‬وغيرهم‪.‬‬ ‫ستركض سلطات ميتاكاس في‬ ‫اليونان سنة ‪1936‬م‪ ،‬وراء قصيدة‬ ‫«ال��م��رث��ي��ة» ل��ي��ان��ي��س ري��ت��س��وس من‬ ‫أج��ل إحراقها ومنعها م��ن الوصول‬ ‫إل��ى ال��ن��اس‪ ،‬لقد كانت تعرف مدى‬ ‫تأثيرها فيهم‪ ،‬فقصيدته جاءت كر ّد‬ ‫على النيران التي أطلقها الفاشيون‬ ‫ع��ل��ى ع��م��ال ال��ت��ب��غ ال��م��ض��رب��ي��ن في‬ ‫تيسالونيكا‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪117‬‬


‫إن قصائد ألكسندر بوشكين مثال‬ ‫ومسرحياته كانت تصل إلى قلوب الناس‬ ‫قبل كلمات القيصر‪ ،‬وكانت تفعل فيهم‬ ‫م��ا ال يفعله ط��اب��ور ط��وي��ل م��ن الجنود‪،‬‬ ‫إن روايته «دوبرفسكي» التي ال تتجاوز‬ ‫مئة صفحة‪ ،‬والتي تصنف ك��واح��دة من‬ ‫أهم التحف في خزانة األدب الروسي‪،‬‬ ‫أسهمت بشكل واسع في تحويل الهادئ‬ ‫والراكد في النفس البشرية إلى جَ يَشان؛‬ ‫لقد جعلت شباب روسيا يعيد النظر إلى‬ ‫عالقته بالطبقة اإلقطاعية‪ ،‬وإلى التفكير‬ ‫في إعادة ترتيب أثاث الغرفة الروسية‪..‬‬ ‫وتغيير بنية هذا المجتمع المغلف بالظلم‬ ‫واالستبداد‪.‬‬ ‫ول��ذل��ك‪ ،‬ح��ي��ن ب���دا ل�لإم��ب��راط��ور أن‬ ‫بوشكين سيجعل الشعب يثور ضد نظامه‬ ‫القمعي‪ ..‬فكر ف��ي نفيه إل��ى سيبيريا‪،‬‬ ‫وتدخل وسطاء ومقربون ليحولوا دون‬ ‫هذا النفي‪ ،‬غير أنه سيتم التخلص من‬ ‫بوشكين عبر ال��م��ؤام��رة الشهيرة التي‬ ‫دُبرت له سنة ‪1838‬م‪.‬‬ ‫ثمة أمثلة كثيرة لشعراء وكتاب كان‬ ‫مصيرهم ال��م��وت أو السجن أو النفي‬ ‫بسبب الخوف من كلماتهم‪ ،‬والخوف أكثر‬ ‫من تأثير هذه الكلمات‪.‬‬ ‫دع��ون��ا ن��ع��ود إل���ى ك��اف��ك��ا‪ ،‬ب��ع��ي��دا عن‬ ‫األدب ال����ذي ك���ان ي��وج��د ف���ي مواجهة‬ ‫السياسة‪ ..‬ثمة أدب مهمته هي مواجهة‬ ‫اآلخ��ر‪« ،‬رس��ال��ة إل��ى ال��وال��د» هي واحدة‬ ‫م��ن رواي�����ات ك��اف��ك��ا ينتقد فيها تسلط‬ ‫األب‪ ،‬وي��ح��اك��م��ه ل��ك��ون��ه س��ب��ب��ا ف���ي ما‬ ‫يحمله من عقد وأم���راض داخلية‪ ،‬فهو‬ ‫الذي جعله يشعر دائما بالفشل والعجز‬ ‫والضعف والدونية‪ ،‬إن قارئ هذا العمل‬ ‫‪ 118‬اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬

‫سيستحضر ب���ال���ض���رورة تاريخ‬ ‫ع�ل�اق���ت���ه ب��ال��م��ؤس��س��ة األب����وي����ة‪،‬‬ ‫وس��ت��ك��ون ب��ال��ت��ال��ي «رس���ال���ة إلى‬ ‫ال��وال��د» سببا في ث��ورة الكثيرين‬ ‫على آبائهم وأفكارهم الميتة‪.‬‬

‫إدوارد سعيد‬

‫محمود درويش‬

‫أرنستو كاردينال‬

‫أنييس نن‬

‫هذه الرواية ستساعدنا على‬ ‫ف��ه��م رواي����ة أخ���رى للكاتب أكثر‬ ‫ش��ه��رة منها‪-‬أقصد طبعا عمله‬ ‫الرهيب «مسخ»‪ -‬التي كتبها في‬ ‫ع��ام��ه ال��ث��ال��ث وال��ع��ش��ري��ن‪ ،‬والتي‬ ‫ي���ري���د ف��ي��ه��ا ال��ب��ط��ل غريغوري‬ ‫س��ام��س��ا أن ي��ت��ح��ول إل���ى حشرة‪،‬‬ ‫لقد ص��ارت الرغبة ف��ي التحول‬ ‫إل���ى ح��ش��رة م��وض��ة ورغ���ب���ة فئة‬ ‫كبيرة من شباب العالم في القرن‬ ‫ال����م����اض����ي‪ ،‬ب��س��ب��ب اإلح���س���اس‬ ‫بالالجدوى جرّاء ما يعانيه الفرد‬ ‫من إهمال وتخ ّل وتهميش ونكران‬ ‫من طرف الجماعة‪.‬‬ ‫إن رواي�����ة «ال��م��ط��ر األس����ود»‬ ‫للكاتب الياباني ماسوجي إيبوزي‬ ‫ع���ن ه��ي��روش��ي��م��ا س��ت��ك��ون أكثر‬ ‫ت��أث��ي��را ف��ي النفس البشرية من‬ ‫كل التقارير الصحفية التي كتبت‬ ‫ع��ن ه��ذه الكارثة اإلنسانية‪ ،‬إذا‬ ‫استثنينا طبعا ما كتبه الصحافي‬ ‫األم��ري��ك��ي ج���ون ه��ي��رس��ي الذي‬ ‫اس��ت��ف��اد ف��ي ك��ت��اب��ة تحقيقه من‬ ‫تقنيات السرد‪.‬‬ ‫تحكي رواية «المطر األسود»‬ ‫قصة الفتاة «ياسوكو» التي اعتقد‬ ‫أهلها أنها نجت من إشعاع القنبلة‬ ‫بسبب وج��وده��ا بعيدا ع��ن مكان‬ ‫الحدث‪ ،‬غير أن أمطارا مسمومة‬


‫إن وظيفة األدب حسب أنطونيو‬ ‫غرامشي هي التأثير في اآلخر‪ ،‬وحين‬ ‫يتوقف ه��ذا األدب ع��ن مهمة التأثير‬ ‫يتوقف عن كونه أدبا‪ ،‬وسيتبنى النظرية‬ ‫الغرامشية مفكرون ج��اءوا بعده أمثال‬ ‫ديفيد هارفي‪ ،‬وإدوارد سعيد‪ ،‬وميشيل‬ ‫فوكو‪ ،‬ونعوم تشومسكي‪.‬‬ ‫م��ه��م��ة ال��م��ث��ق��ف ح��س��ب النظرية‬ ‫الغرامشية هي االلتحام ب «الجماهير»‬ ‫وت��ب��نّ��ي قضاياها‪ ،‬غير أن ه��ذا األمر‬ ‫سيجعل الكاتب يرتدي لباسا فضفاضا‬ ‫عليه‪ ،‬ذل��ك أن مهمة المثقف ل��م تعد‬ ‫بالضرورة هي التكلم باسم الجماعة‪،‬‬ ‫لقد ص��ار الكاتب ف��ي األدب الجديد‬ ‫ص��وت��ا ي��م��ث��ل ن��ف��س��ه ف��ح��س��ب ويمتلك‬ ‫مشروعيته من فردانيته‪ ،‬ويعمل جاهدا‬ ‫ع��ل��ى أن يمحو ع��ن��ه ك��ل ط��اب��ع جمعي‬ ‫أو مهمة تنويرية‪ ،‬لكن يوكيو ميشيما‬ ‫بالمقابل ك��ان ي��ق��ول «لنؤثر قليال في‬ ‫التاريخ»‪ ،‬إنه هنا يتجاوز عتبة التأثير‬ ‫في اآلخر‪ ،‬ويدرك أن األدب قادر أحيانا‬ ‫على التأثير في مجرى نهر العالم‪ ،‬ربما‬ ‫تكون نظرة طوباوية‪ ،‬لكنّ العيون التي‬ ‫كانت تصدر منها هذه النظرة لم تكن‬ ‫عينا كاتب ع���ادٍ ‪ ،‬ف��ـ «ميشيما» ك��ان له‬ ‫دور كبير في تعميق إيمان اليابانيين‬ ‫ب��ض��رورة ال��ع��ودة إل��ى ال��ج��ذور اليابانية‬ ‫وعدم الذوبان في النموذج الغربي الراهن‪.‬‬ ‫* ‬

‫نيكوس كازنتزاكيس‬

‫فرانز كافكا‬

‫ناظم حكمت‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫ستنزل على القرية بعد فترة م��ن سقوط القنبلة‪..‬‬ ‫ستحول حياة ياسوكو وعائلتها إلى جحيم‪ ،‬ثمة أحداث‬ ‫موجعة وأسلوب مؤثر ال يبيح لقارئ الرواية أن ينتهي‬ ‫منها دون تعميق روح الكراهية والرفض لكل القوى‬ ‫التدميرية في هذا العالم‪.‬‬

‫وتعود بنا الكاتبة األمريكية «أناييس ناين» إلى‬ ‫ه��واء كافكا األول «ك��ل م��ا ليس أدب��ا يقلق راحتي»‪،‬‬ ‫حيث سنجدها تقول‪« :‬يحتاج اآلخ���رون إل��ى الثياب‬ ‫والموسيقى واللعب على القيثارات والرسم بأقالم‬ ‫الفحم أو األلوان المائية‪ ،‬يحتاجون إلى اللعب بالكلمات‬ ‫وممارسة أل��ع��اب ال��ف��ن‪ ،‬يحتاجون‬ ‫إلى الخبز‪ ،‬ولكنني في الواقع أريد‬ ‫التخلي عن كل المتع التي نلتها في‬ ‫ح��ي��اة ال��ت��رف‪ ،‬أري���د ال��ت��ن��ازل عنها‬ ‫مقابل المتع الرائعة التي توفرها‬ ‫لي حياة اإلبداع والمنجزات الفنية‬ ‫التي تؤطر حياتي»‪.‬‬ ‫إن األدب ه����و ال������ذي يصنع‬ ‫إطارا لهذه الكاتبة ويحدد مسالك‬ ‫حياتها‪ ،‬إن الكتابة هي التي تعطيها‬ ‫مشروعية الوجود وج��دواه‪ ،‬وعليه‬ ‫ف��ال��ت��أث��ي��ر ه��ن��ا ف�����ردي‪ ،‬إن حياة‬ ‫ال��ع��دي��د م��ن ال��ك��تّ��اب ت��غ��ي��رت فور‬ ‫وصولهم إل��ى أرض الكتابة‪ ،‬وإن‬ ‫هذه الكلمة الساحرة «أدب» جعلت‬ ‫من كل كائن ابتلي به «سد هارتا»‬ ‫مستقال‪ ،‬ودرويشا زاهدا ال يتطلب‬ ‫م��ن ال��خ��ارج أكثر مما يتطلب من‬ ‫ذات��ه‪ ،‬ج��ددت ل��دى بعضهم إيمانه‬ ‫ب��ال��ح��ي��اة‪ ،‬وم��ل�أت غ����رف آخرين‬ ‫بالمتع‪ ،‬وجعلت الكثيرين يكتشفون‬ ‫كنوزهم الداخلية‪ ،‬وقادت الكثيرين‬ ‫أيضا إلى االنتحار‪.‬‬ ‫إن األدب إن لم يغير العالمَ‪ ،‬وإن‬ ‫لم يؤثر في اآلخ��ري��ن‪ ،‬إن لم يؤثر‬ ‫في قارئه فهو على األقل يؤثر في‬ ‫كاتبه‪.‬‬

‫كاتب وشاعر من المغرب‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪119‬‬


‫الفقر ومحاربته بني اإلسالم والرأسمالية‬ ‫(أمنوذجاً)‬

‫> نشأت نايف احلوري*‬

‫يعيش العالم اليوم في خضم الفيضان الهائل‪ ,‬الذي‬ ‫أغ��رق جميع األس��واق العالمية من شتى أن��واع الصناعات‬ ‫والسلع والخدمات التي ال تحصى‪ ,‬بصرف النظر عن الكم‬ ‫البشري من الجياع والعطشى العراة‪.‬‬ ‫انتهت االشتراكية‪ ،‬وت��ه��اوت صروحها‪ ،‬وتفتت كيانها‪،‬‬ ‫وانمحى نظامها‪ ,‬وتعرت هذه األسطورة‪ ،‬التي كانت تدغدغ‬ ‫عواطف المستضعفين‪ ،‬وال��ذي انخدع ببريقها الماليين‬ ‫من البشر‪ ,‬فكانت وبا ًال عليهم‪ ،‬فقاموا بهدمها بعد أن لم تغنهم من فقر‪ ،‬ولم تشبعهم‬ ‫من جوع‪.‬‬ ‫ث����م ع�����اد ع���ل���ى أن���ق���اض���ه���ا (النظام حفنة م��ن رج���ال ال��دي��ن‪ ,‬وح��ص��روا هذه‬

‫ال��رأس��م��ال��ي)‪ ،‬بعد غ��ي��اب ط��وي��ل‪ ,‬بسبب العقيدة الروحية في سراديب الكنائس‪,‬‬ ‫انتشار االشتراكية وقوتها وزحفها على وت��ف��رغ��وا للحياة ال��دن��ي��ا وان��س��اق��وا وراء‬ ‫العالم‪ ,‬وفرضية تطبيق نظامها الغاشم ملذاتها وشهواتها‪.‬‬ ‫الظالم‪ .‬وترتكز فكرة (الرأسمالية) على‬

‫ف���ب���رز م��ن��ه��م ع��ل��م��اء ك���ث���ر‪ ،‬ووضعوا‬

‫لقيادتها‪ ،‬وزجوا بعقيدة الماليين منهم‪-‬‬

‫ودراس�����ات عميقة ل��ح��ل مشكلة الفقر‪،‬‬

‫فصل الدين عن الحياة‪ ،‬فآمنوا واستسلموا‬

‫ال��ن��ظ��ري��ات ال��م��ت��ع��ددة‪ ،‬وق��ام��وا بأبحاث‬

‫العقيدة النصرانية‪ -‬ووضعوها في أيدي وإع���ادة االق��ت��ص��اد إل��ى أق���وى ق��وت��ه على‬ ‫‪ 120‬اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫ومن أشهر منظري هذا النظام (آدم سميث) التناسل أكبر من ق��درة األرض على إنتاج ما‬ ‫يلزم لبقائه)‪.‬‬ ‫و(ريكاردو) و(مارشال) و(مالتوس) وآخرون‪.‬‬ ‫إذاً‪ ،‬هم يرون اللجوء إلى اتخاذ اإلجراءات‬

‫تناولوا اإلنسان من ظاهرة المادية فقط‪،‬‬ ‫فحصروا حاجاته في تحقيق القيمة المالية‪ ,‬السلبية مشاركة في عالج المشكلة االقتصادية‪,‬‬ ‫وأهملوا القيم الروحية والخلقية واإلنسانية‪ .‬ب��خ��وض ال���ح���روب‪ ،‬وال�����زواج ال��م��ت��أخ��ر لتقليل‬

‫م����������������ال واق��������ت��������ص��������اد‬

‫الساحة‪ ,‬ليتفشى الغنى‪ ،‬ويتحقق م��ن خالله ثاني ًا‪ :‬ازدياد السكان‪ ,‬يقول (مالتوس) صاحب‬ ‫السعادة‪ ،‬ألن «المال عصب الحياة»‪.‬‬ ‫ال��ن��ظ��ري��ة ال��ش��ه��ي��رة‪( :‬إن ق���درة اإلن��س��ان على‬

‫وانصبت دراساتهم وأبحاثهم من خ�لال هذه النسل‪ ،‬وت��وزي��ع م��وان��ع الحمل وغ��ي��ره��ا‪ ،‬حتى‬ ‫الدراسات على أن مشكلة الفقر واقعة في عدة أنه يعد الكوارث الطبيعية‪ ،‬من زالزل وبراكين‬ ‫أسباب‪:‬‬

‫األولى‪ :‬أن الموارد االقتصادية المتوافرة لدى‬

‫مجتمع ال تفي بحاجاته المتعددة‪ ،‬وما تسمى‬ ‫(بالندرة النسبية) بسبب ع��دم كفاية الموارد‬

‫وفيضانات ع��وام��ل مساعدة ف��ي ح��ل مشكلة‬

‫الفقر‪ ،‬من خالل موت أعداد هائلة بسبب هذه‬ ‫الكوارث‪.‬‬

‫إذ يقول مالتوس‪ ،‬المتطرف‪ ،‬بلجوء اإلنسان‬

‫وال��ح��اج��ات‪ ،‬وي��ك��ون ذل��ك فيما يسمى بالسلع إلى إشباع غريزة الجنس من غير زواج‪ ،‬هروباً‬ ‫االقتصادية‪ ،‬ذل��ك أن حاجات اإلن��س��ان تزداد من التناسل‪ ،‬مع أنه تزوج وأنجب ابنتين وولدا‬ ‫في درج��ة ع��دم تحديدها‪ .‬والحاجة بالمعنى (‪1834 – 1766‬م) ولجأوا إل��ى حرية التملك‬

‫االقتصادي هي‪ :‬كل رغبة تجد ما يشبعها من فإنها تعني‪ :‬إزال��ة القيود التي تنظم التملك‪،‬‬ ‫وحرية التملك‪ ،‬وحرية العمل ال بالضوابط التي‬ ‫مورد من الموارد االقتصادية‪..‬‬ ‫تنظم كيفية التملك‪.‬‬ ‫والحاجات ليست فقط األولية (األساسية)‬ ‫إن بناء االق��ت��ص��اد على ه��ذه الحرية حتى‬ ‫من مأكل ومشرب ومسكن‪ ,‬بل تتعدى في أن‬

‫تتعدد في أنواع وأشكال حاجاته ورغباته غير أص��ب��ح��ت ال��خ��ط ال��ع��ري��ض‪ ،‬ورم����زاً لمعالمها‬ ‫األس��اس��ي��ة م��ن وس��ائ��ل ال��ت��رف وغ��ي��ره��ا‪ ,‬حتى وحضارتها وهي ما تسمى (بالحريات العامة)‪،‬‬ ‫تصبح حاجاته بال ح��دود‪ ,‬وبالتالي يجب أن أخ��ذت ه��ذه النظرية من مفكري ه��ذا النظام‬ ‫يزداد الدخل األهلي لحاجة اإلنسان ورغباته‪ ،‬اب���ت���داء م���ن (آدم س��م��ي��ث) و(ري�����ك�����اردو) إلى‬ ‫وتزداد الموارد لحل المشكلة االقتصادية‪ ،‬ألن عمالقة ال��م��ال ال��ذي��ن يمسكون ال��ي��وم بقبضة‬ ‫السكان يزدادون بسرعة البرق مقارنة باإلنتاج‪ ،‬حديدية أزمة مختلف القطاعات االستثمارية‪,‬‬ ‫وهنا‪ ،‬تبقى مشكلة الفقر قائمة وال حل لها‪ ,‬صناعية‪ ,‬وتجارية‪ ،‬ومشاريع عمرانية وزراعية‪,‬‬

‫ول��ذل��ك ان��ص��ب��ت ج��ه��وده��م ع��ل��ى تكثير السلع كما يتحكمون في أسواق المال‪ ,‬ويتغنون فنون‬ ‫وال��خ��دم��ات واإلن��ت��اج‪ ،‬لتكون متناول الجميع‪ ،‬المضاربات في أسواق البورصات‪ ،‬فهم صيادون‬

‫بغض النظر أن يتناولها الكل أو البعض‪.‬‬

‫مهرة‪ ،‬يجيدون مطاردة الفرائس‪ ,‬ثم اقتناصها‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪121‬‬


‫وامتصاص دمائها‪.‬‬

‫أم����ري م��ا اس��ت��دب��رت ألخ����ذت ف��ض��ول أموال‬

‫وأقول إن الرأسماليين حاولوا وبكل جهد أن األغ��ن��ي��اء فجعلتها ف��ي ف��ق��رائ��ه��م»‪ ،‬ي��ق��ول الله‬ ‫يوجدوا حلوالً اقتصادية ناجحة وناجعة‪ ,‬وذلك تعالى‪{ :‬كي ال يكون دولة بين األغنياء منكم}‬

‫بالتقليل من الفقر وتخفيف الفارق بين األغنياء الحشر‪ ،7‬ويقول العالم الكبير ابن حزم رحمه‬ ‫والفقراء‪ ,‬ولكن هذه الحلول كالمسكّنات تخدر الله في المحلى‪« :‬فرض على األغنياء في كل‬

‫المريض ولكنها ال تذهب بالمرض‪.‬‬

‫لقد وضعت الرأسمالية (أنموذجاً) ال أقول‬

‫هشا وضعيفا‪ ,‬بل هو من وضع البشر القاصر‪،‬‬ ‫ولكن الميزة بيننا وبينهم أننا استقينا حياتنا‬

‫وأوضاعنا وأحكامنا ودستورنا من خالق البشر‬ ‫{ال��ذي خلق فسوى وال��ذي قدر فهدى}‪ ،‬قال‬ ‫تعالى‪{ :‬صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة}‬ ‫البقرة ‪ ,138‬وق��ال تعالى‪{ :‬أال يعلم من خلق‬

‫وهو اللطيف الخبير} الملك‪.14‬‬

‫وه��ذا األن��م��وذج م��ث��ا ٌل يحتذى ب��ه‪ ..‬لندرك‬

‫بلد أن يقوموا بفقرائهم‪ ،‬وتجبرهم السلطات‬ ‫على ذلك»‪.‬‬

‫ه��ا ه��ي المسؤولية االجتماعية‪ ,‬والتكافل‬

‫االجتماعي في اإلسالم‪ ,‬مع وجود قواعده أيضاً‬

‫متينة ورصينة من أحكام الله تعالى‪ ,‬إلقامة‬

‫مجتمع بعيد عن الفقر‪ ،‬في الوقت نفسه بعيداً‬

‫ع��ن الظلم وال��ج��ور‪ ..‬وتتلخص ه��ذه القواعد‬ ‫بالنقاط اآلتية‪:‬‬

‫أوالً ‪ :‬تحريم الربا‬ ‫الربا في اصطالح الفقهاء ه��و‪ :‬أخ��ذ مال‬

‫معالم ديننا اإلسالمي ونعمته؛ فنظرة الخالق بمال من جنس واحد متفاضلين‪ ،‬وال يكون إال‬ ‫إلى البشر نظرة اجتماعية‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬إنما في بيع أو قرض أو سلم‪ ،‬وأكثر ما يذكر الربا‬

‫ال��م��ؤم��ن��ون إخ����وة} ال��ح��ج��رات ‪ ،10‬ف��ق��د أمر على األموال‪ ..‬وما يطلق عليه اليوم «بالفائدة»‪.‬‬ ‫اإلسالم الخلق إلى التآلف والتعارف‪ ,‬ونهاهم وق��د وردت النصوص القرآنية بتحريم الربا‬ ‫عن التناكر والتخالف‪ ,‬وبينت اآلي��ات القرآنية تحريماً قاطعاً‪ ,‬قال تعالى‪{ :‬الذين يأكلون الربا‬ ‫المسؤوليات العامة وال��خ��اص��ة تجاه األفراد ال يقومون إال كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان‬ ‫والمجتمع‪.‬‬

‫المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا‬ ‫ّ‬ ‫من‬

‫ق��ال الله مخاطباً األغنياء‪{ :‬وأنفقوا مما وأحل الله البيع وحرم الربا} البقرة ‪ .275‬وقال‬ ‫جعلكم مستخلفين فيه} الحديد‪ ,7‬وقال تعا��ى‪ :‬تعالى‪{ :‬يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما‬

‫{وآتوهم من مال الله ال��ذي آتاكم} النور‪ ،33‬بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا‬ ‫وأن السلطة أو الدولة هي المسئولة عن هذه فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم‬ ‫المسؤوليات‪ ,‬وتفرضها على المجتمع واألفراد رؤوس أموالكم ال تظلمون وال تظلمون} البقرة‬

‫إن ل��زم األم���ر‪ ،‬ك��ف��رض ال��ض��رائ��ب‪ ,‬ومصادرة ‪.279 – 278‬‬ ‫األم��وال وق��ت األزم���ات‪ ,‬يقول عمر رض��ي الله‬

‫ففي هذه اآلي��ات حرم الله الربا‪ ,‬ألنه أكل‬

‫عنه في قحط ع��ام ال��رم��اد‪« :‬ل��و استقبلت من أموال الناس وجهدهم بالباطل والزور والبهتان‪,‬‬ ‫‪ 122‬اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫ذلك إال لحاجة ماسة ال يجوز استغالله بهذه الفقير‪...‬‬

‫الصورة وهذا الشكل‪.‬‬

‫نعم إن بقاء األم��وال مكدسة تشكل خطراً‬

‫يقول سيد قطب رحمه الله عن أثر الربا‪ ،‬جسيماً على االقتصاد‪ ،‬فالمال يجلب المال‪,‬‬ ‫«وينشأ من الربا مرضان اجتماعيان‪ :‬تضخم وبالقضاء على االكتناز تندفع جميع األموال‬ ‫الثروات إلى غير حد‪ ,‬وتفريق الطبقات علواً إلى السوق‪ ,‬فيتجدد النشاط‪ ،‬وت��زداد الثروة‪,‬‬ ‫�لا بغير ق��ي��د؛ ث��م وج���ود طبقة متعطلة ويُقضي على البطالة‪.‬‬ ‫وس��ف ً‬

‫م����������������ال واق��������ت��������ص��������اد‬

‫وذل��ك ألن المرابي (المقترض) ال يقدم على ال���ت���داول‪ ،‬م��ع��وال ال��رأس��م��ال��ي��ة‪ ,‬وح����رب على‬

‫مترهلة مترفة ال تعمل شيئاً‪ ,‬وتحصل على كل ث��ال��ث�� ًا‪ :‬منع ال��غ��ش وال��غ��ب��ن واالح��ت��ك��ار بكافة‬ ‫شئ‪ ،‬وكأنما المال الذي في يديها فخاخ لصيد أشكاله وص���وره‪ .‬يقول النبي [‪« :‬م��ن غشنا‬

‫المال‪ ،‬دون أن تتكلف حتى الطعم لهذه الفخاخ‪ ،‬فليس منا» رواه مسلم‪ .‬وح��رم اإلس�لام الغبن‬ ‫إنما يقع فيها المحتاجون عفواً‪ ،‬ويساقون إليها واالحتكار‪ ..‬يقول [ «وال يحتكر إال خاطئ»‬ ‫بأقدامهم تدفعهم الضرورات‪.»...‬‬

‫رواه مسلم‪ ،‬وخاطئ هنا بمعنى آثم‪ ،‬وقد جعل‬

‫الربا بمثابة التضخم‪ ،‬واألزمات االقتصادية‪ ..‬الفقهاء للحاكم م��ص��ادرة أم���وال المحتكرين‬ ‫وال أدل على ذلك من األزمة الحالية التي وقع من باب السياسة الشرعية‪ ,‬ومنعهم من الربا‬

‫فيها العالم اليوم‪ ,‬وعزاها خبراء الغرب أساساً الفاحش واالس��ت��غ�لال‪ ,‬يقول [ «م��ن احتكر‬ ‫إلى الفوائد (الربا)‪ ،‬حتى إن بعضهم أشار إلى الطعام أربعين يوماً فقد برئت منه وبرئ الله‬ ‫تحريم الربا‪ ،‬أو على حد قولهم إن الفائدة يجب منه»‪.‬‬

‫أن تكون بنسبة صفر‪ .%‬وقد انعقد في السابق‬

‫راب��ع�� ًا‪ :‬منع الغصب وال��س��رق��ة والرشوة‪،‬‬

‫مؤتمر الكنائس العالمي في فينا الذي انتهى والغصب هو االستيالء على مال اآلخرين بغير‬ ‫بإصدار قراره بالتحريم القاطع للربا‪.‬‬ ‫حق‪ ،‬وقد أجمع المسلمون على تحريمه‪ ,‬لقوله‬

‫ثاني ًا‪ :‬منع اكتناز النقود‪ :‬قال تعالى‪{ :‬والذين تعالى‪{ :‬وال تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}‬ ‫يكنزون الذهب والفضة وال ينفقونها في سبيل البقرة ‪,88‬‬ ‫الله فبشرهم ب��ع��ذاب أل��ي��م‪ .‬ي��وم يحمى عليها‬

‫ويقول [‪« :‬من أخذ شبراً من األرض ظلماً‬

‫ف��ي ن��ار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم طوقه من سبع أرضين» وأما السرقة‪ :‬فهي أخذ‬ ‫وظهورهم هذا ما كنزتم ألنفسكم فذوقوا ما المال خفية من ح��رزه‪ ,‬ق��ال تعالى‪{ :‬السارق‬ ‫كنتم تكنزون} التوبة ‪.35 – 34‬‬

‫والسارقة فاقطعوا أيديهما ج��زا ًء بما كسبا}‬

‫والكنز في االص��ط�لاح‪ :‬جمع المال بعضه المائدة ‪.38‬‬

‫فوق بعض لحاجة يقرها الشرع‪ ،‬يقول أستاذنا‬

‫وأم����ا ال���رش���وة‪ :‬ف��ه��ي م��ا يعطيه الشخص‬

‫الكبير ال��دك��ت��ور عبدالعزيز الخياط ع��ن كنز للمسئول ليحكم ل��ه‪ ،‬أو يحمله على ما يريد‪,‬‬ ‫األم���وال‪ :‬ه��ذه األم���وال المكدسة‪ ،‬المحبوسة قال تعالى‪{ :‬ال تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪123‬‬


‫وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال القيم رحمه الله‪« :‬إن النبي [ عزر بحرمان‬ ‫الناس باإلثم وأنتم تعلمون} البقرة ‪ ,88‬ويقول النصيب م��ن السلب‪ ،‬وأخ��ب��ر ع��ن تعزير مانع‬ ‫[‪« :‬لعن رسول الله [ الراشي والمرتشي» الزكاة بأخذ شطر ماله»‪.‬‬ ‫رواه البزار‪.‬‬ ‫ي��ق��ول أس��ت��اذن��ا ال��خ��ي��اط‪ :‬ب��ل وج��ع��ل للدولة‬ ‫خامس ًا‪ :‬تحديد الملكيات‪ ..‬وتقسم الملكية حق إع�لان الحرب إذا منع المسلمون الزكاة‪،‬‬ ‫في اإلسالم إلى ثالثة أقسام‪:‬‬

‫ألم يعلنها أبو بكر من أجلها وقد آمن الناس‬

‫أ – الملكية الخاصة‪ :‬وهي ما تسمى بالملكية باإلسالم وصلوا وأدوا واجباتهم إال الزكاة؟ لقد‬ ‫ال��ف��ردي��ة ب��أح��ك��ام شرعيه ت��ح��دد للفرد ما صاح صيحة قوية في وجه عمر رضي الله عنه‬ ‫ي��م��ت��ل��ك وي��ن��ت��ف��ع ب��ه��ا دون أن ت��ط��غ��ى على «أجبّار في الجاهلية خ��وّار في اإلس�لام؟» إنه‬ ‫قد انقطع الوحي وتم الدين‪ ،‬أينقص وأنا حي‪،‬‬ ‫الملكيات األخرى‪.‬‬ ‫والله ألقتلن من فرق بين الصالة والزكاة‪ ,‬والله‬ ‫ب‪ -‬الملكية العامة‪ :‬وه��ي األح��ك��ام الشرعية‬ ‫لو منعوني عقاالً كانوا يؤدونه لرسول الله [‬ ‫المتعلقة بحق اشتراك الجماعة في االنتفاع‬ ‫لقاتلتهم عليه»‪ .‬ومن ثم عقد أبو بكر رضي الله‬ ‫باألشياء كالمرافق العامة والمعادن واألنهار‬ ‫عنه أحد عشر لوا ًء لحرب مانعي الزكاة دفاعاً‬ ‫والبحار‪.‬‬ ‫عن حق الفقير‪.‬‬ ‫ج‪ -‬ملكية الدولة‪ :‬وهي األحكام الشرعية التي‬ ‫فإذا أخذنا من أموال األمة اإلسالمية وأديت‬ ‫حددت األموال‪ ,‬والتي جعلت التصرف فيها‬ ‫موقوفاً على رأي اإلمام‪ ,‬كأموال الضرائب زكاتها ما نظن أن تبقى المجاعات في الدول‬ ‫والخراج والجزية والفئ وما شاكلها‪ .‬بخالف النامية والفقيرة‪!..‬‬ ‫الرأسمالية التي أطلقت العنان للفرد في سابع ًا‪ :‬أموال الغنائم والفيء‪ :‬يقول الله تعالى‪:‬‬ ‫تملكه ما يشاء‪ ،‬حتى ولو طغت إلى الملكية {واعلموا أن ما غنمتم من شئ فأن لله خمسة‬ ‫العامة والدولة‪.‬‬ ‫وللرسول ول��ذي القربى واليتامى والمساكين‬

‫سادس ًا‪ :‬وجوب الزكاة‪ ،‬قال تعالى‪( :‬وأقيموا وابن السبيل}‪ ،‬هذه الغنائم‪ .‬أما الفيء فيقول‬ ‫الصالة وآت��وا ال��زك��اة) ويقول عز وج��ل‪( :‬إنما الله تعالى‪{ :‬ما أفاء الله على رسوله من أهل‬ ‫الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها القرى فلله وللرسول ول��ذي القربي واليتامى‬ ‫والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي والمساكين وابن السبيل كي ال يكون دولة بين‬ ‫سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله األغنياء منكم} الحشر ‪ ,7‬هذه اآليات أشارت‬ ‫إلى أن األموال تقسم على الفقراء والمساكين‪.‬‬ ‫عليم حكيم) التوبة ‪.60‬‬ ‫والزكاة تؤخذ من الغني وتدفع للفقير‪ ،‬وإذا ثامن ًا‪ :‬الصدقات وال��ك��ف��ارات وغيرها‪ ،‬هي‬ ‫امتنع الغني يجبر في هذه الحالة ويعزر على إع��ان��ة للفقراء والمحتاجين م��ن وج��ه نظرة‬ ‫ه��ذا االمتناع بمصادرة نصف ماله‪ ,‬ق��ال ابن الدين الحنيف‪ ,‬منها صدقة الفطر لقول ابن‬ ‫‪ 124‬اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫زك��اة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برئت‬ ‫وطعمة للمساكين»‪ ،‬وأم��ا الصدقات األخرى منهم ذمة الله)‪ ،‬يقول ابن حزم رحمه الله‪ :‬وال‬

‫فتأتي من باب األجر والثواب قال تعالى‪{ :‬مثل يعتبر المسلم مضطراً ألكل لحم الميتة أو لحم‬ ‫الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة خنزير وهو يجد طعاماً فيه فضل عند صاحبه‬ ‫أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله المسلم أو ال��ذم��ي‪ ،‬ألن��ه ف��رض��اً على صاحب‬ ‫يضاعف لمن يشاء} ‪ 261‬البقرة‪.‬‬ ‫الطعام إط��ع��ام الجائع ف��إذا ك��ان ذل��ك كذلك‪،‬‬

‫م����������������ال واق��������ت��������ص��������اد‬

‫عباس رضي الله عنهما «فرض رسول الله [ والمحروم} ال��ذاري��ات ‪ ,19‬ويقول [‪( :‬أيما‬

‫وأما الكفارات ومنها كفارة اليمين‪ ..‬فيقول فليس بمضطر إلى الميتة وال إلى لحم الخنزير‪،‬‬ ‫عز وج��لَّ ‪{ :‬إطعام عشرة مساكين من أوسط وله أن يقاتل عن ذلك فإن قتل فعلى قاتله القود‬ ‫ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم} المائدة ‪( ،89‬الدية)‪ ،‬وإن قتل المانع فإلى لعنة الله‪ ،‬ألنه منع‬ ‫وك��ف��ارة قتل الصيد ف��ي اإلح���رام فيقول الله حقاً‪ ,‬وهو طائفة باغية‪ ,‬قال تعالى‪{ :‬فإن بغت‬ ‫تعالى‪{ :‬أو كفارة إطعام مساكين} المائدة ‪ ,95‬إحداهما على األخرى فقاتلوا التي تبغي حتى‬ ‫وكفارة من يفطر في رمضان لمرض أو شيوخة تفيء إلى أمر الله} الحجرات ‪ ،9‬ويقول ابن‬ ‫وال يستطيع القضاء {طعام مسكين} البقرة حزم أيضاً‪( :‬فرض على األغنياء من أهل بلدان‬

‫‪ ,184‬وهناك أحكام كثيرة قد دلت على إعانة يقوموا بفقرائهم‪ ،‬ويجبرهم السلطان على ذلك‬ ‫إن لم تقم الزكوات بهم‪ ،‬فيقام لهم مما يأكلون‬ ‫المحتاجين والفقراء‪.‬‬ ‫من القوت الذي ال بدَّ منه‪ ،‬ومن اللباس للصيف‬ ‫تاسع ًا‪ :‬الحث على العمل وعدم التسول‪ ،‬يقول‬ ‫والشتاء بمثل ذلك‪ ،‬وبمسكن يقيهم من المطر‬ ‫النبي [‪« :‬إن اش��رف الكسب كسب الرجل‬ ‫والصيف والشمس وعيون المارة)‪.‬‬ ‫من يده»‪ ،‬ويقول [‪« :‬إلن يأخذ أحدكم حبله‬ ‫وه���ذا (أن���م���وذج) م��ن ال��ق��واع��د اإلسالمية‬ ‫فيحتطب على ظهره فيبيعه خير له من أن يسأل‬

‫الناس اعطوه أو منعوه» أما منع التسول‪ ,‬فيقول للقضاء على الفقر‪ ,‬ناهيك عن القواعد العديدة‬ ‫فيه [‪« :‬ما فتح عبد باب مسألة إال فتح الله من نظام وتشريع اإلسالم‪ ،‬والكتب االقتصادية‬ ‫عليه باب الفقر‪ ،‬ومن يستضعف يضعفه الله‪ ،‬مليئة وفائضة من هذه القواعد وأس القواعد‬ ‫ومن يستغن يغنه الله»‪ ،‬وقد دعا عمر رضي الله (التكافل االجتماعي)‪.‬‬ ‫عنه الفقراء إلى العمل وعدم السؤال فقال‪« :‬يا‬

‫إذاً‪ ،‬هذا هو المبدأ الصحيح‪ ,‬فلنكن أنصاره‬

‫معشر الفقراء ارفعوا رؤوسكم واتجروا‪ ،‬فقد وأع��وان��ه‪ ,‬ون��دع دع��وى الرأسمالية وترهاتها‪،‬‬ ‫وضح الطريق‪ ،‬وال تكونوا عياالً على الناس»‪ ..‬يقول عز وجل‪{ :‬وأن هذا صراطي مستقيماً‬ ‫عاشراً‪ :‬الحث على إعانة المحتاجين والفقراء‪ .‬فاتبعوه وال تتبعوا السبل فتتفرق بكم عن سبيله‬ ‫يقول الله تعالى‪{ :‬وف��ي أموالهم حق للسائل ذلكم وصاكم ��ه لعلكم تتقون}‪..‬‬ ‫* ‬

‫كلية التربية ‪ -‬جامعة الجوف‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪125‬‬


‫تخطيط املدينة املنورة‬

‫في العهد النبوي واخلالفة‬

‫الراشدة‪ ,‬دراسة حضارية في‬ ‫ضوء املصادر التاريخية‬

‫املؤلف ‪ :‬د‪ .‬حصة بنت عبيد بن صويان الشمري‬ ‫الناشر ‪ :‬مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬ ‫السنة ‪1427 :‬هـ ‪2006 -‬م‬ ‫يقع الكتاب في (‪ 344‬صفحة)‪ ،‬ويتضمن خمسة فصول‪ ،‬ومقدمة‪ ،‬وتمهيداً للدراسة‬ ‫التي قُدمت استكماال لمتطلبات الحصول على درجة الدكتوراه في قسم اآلثار والمتاحف‬ ‫بكلية اآلداب بجامعة الملك سعود بالرياض‪ .‬وأجيزت بتاريخ ‪1425/2/17‬هـ‪..‬‬ ‫يناقش الكتاب الموضوعات المتعلقة بتخطيط المدينة المنورة في العهد النبوي‪ ،‬منذ‬ ‫هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة‪ ،‬والبدء في بناء المسجد النبوي‪،‬‬ ‫والحجرات الشريفة‪ ،‬وعالقتها بالمسجد النبوي‪ ،‬وخطط األنصار والمهاجرين‪.‬‬ ‫استعرضت المؤلفة نمو المدينة وتطورها في عهد الخلفاء الراشدين رضوان الله‬ ‫عليهم‪ ..‬كما تناولت مرافق المدينة المنورة العمرانية كالمنازل‪ ،‬ومساجد الخطط‪،‬‬ ‫والطرقات واألزق��ة‪ ،‬والمرافق العامة بأنواعها المتعددة‪ .‬كما استعرضت أثر تخطيط‬ ‫المدينة المنورة على المدن اإلسالمية المبكرة‪ :‬كالبصرة‪ ،‬والكوفة‪ ،‬والفسطاط‪ ،‬والقيروان‪،‬‬ ‫وواسط‪ .‬وقد احتوى الكتاب على ثبت بأهم المصطلحات الواردة في الدراسة‪ ،‬إضافة‬ ‫إلى ملحق للخرائط والرسوم التوضيحية‪.‬‬ ‫ومؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية إذ تقدم هذا الكتاب من تأليف باحثة من بنات‬ ‫الجوف لتأمل في أن يجد فيه الباحث والقارئ – على حد سواء ‪ -‬الفائدة المرجوة‪.‬‬ ‫‪ 126‬اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫ق�������������������������������������������������������������راءات‬

‫حماقات السلمون‪ :‬كتابة‬ ‫العصيان ولواء اجلنون‬

‫املؤلف ‪ :‬محمد تنفو‬ ‫الناشر ‪ :‬دار كيوان السورية للطباعة والنشر والتوزيع‬ ‫السنة ‪ :‬الطبعة األولى‪ ،‬دمشق‪2010 ،‬م‬ ‫> أحمد الدمناتي*‬ ‫ال��ك��ت��اب ال����ذي ي��ح��م��ل ع��ن��وان��ا داال «حـماقــات‬ ‫الـ ـ ـسـ ـل ـمـون‪ :‬كتابة العصيان ولواء الجنون»‪ ،‬ويصدر‬ ‫ف���ي ط��ب��ع��ة ج��م��ي��ل��ة ف���ي (‪ )120‬ص��ف��ح��ة م���ن القطع‬ ‫المتوسط‪ ،‬تتصدرها لوحة معبرة للفنان المغربي‬ ‫ال���راح���ل ع��ب��اس ص��ل�ادي‪ ،‬ي��ض��م ب��ي��ن دف��ت��ي��ه إهداء‬ ‫وتقديما أو استهالال للكاتب‪ ،‬وخمسة مباحث هي على‬ ‫التوالي‪ :‬في الحج إلى الينابيع‪/‬الحج إلى بيت الحكمة‪،‬‬ ‫عن تأليه المحبة‪/‬تأليه األم‪ ،‬بصدد إقامة الفوضى‬ ‫الجميلة والسخرية الالذعة‪/‬إقامة الحزن على الوطن‪،‬‬ ‫عن العري والشر‪/‬العمى والحلم (اليد الحالمة والعين‬ ‫الكاتبة)‪ ،‬في التحريض والسؤال‪ .‬وعلى سبيل الختم‬ ‫يكتب الشاعر أحمد بلحاج آية وارهام شهادة عميقة‬ ‫حول الكتاب بعنوان‪« :‬قراءة تفتح الحواس»‪ ،‬يقول فيها‬ ‫على الخصوص «ه��ذه ال��ق��راءة التي ق��ام بها األستاذ‬ ‫الباحث محمد تنفو لديوان «حماقات السلمون» تسير‬ ‫في اتجاه ال��ق��راءة الثقافية؛ فهي قد حلَّلت خطاب‬ ‫ال��ش��اع��ري��ن‪ :‬محمد بلمو وع��ب��دال��ع��اط��ي جميل من‬ ‫الوجهة الموضوعية‪ ،‬وجسدت خلفياته‪ ،‬وكشفت عن‬ ‫انهماماته المركزية‪ ،‬ووجهت مسار العالقة وطن‪ /‬قهر‬

‫إلى وجهة أخرى محلوم بها‪ ،‬يكون فيها أبناء الوطن‬ ‫البسطاء س��ع��داء غير مشبوهين ومثيرين للريبة‪.‬‬ ‫ومن خالل كل هذا ندرك حكمة الشعر‪ ،‬وأهميته في‬ ‫إشعارنا بالوجود الحي‪ ،‬فهو كالغيم محكوم بالتوالد‪،‬‬ ‫وما دام الغيم قائما‪ ،‬فإن األسئلة ستظل قائمة‪ ،‬ألن كل‬ ‫غيمة لها طفولتها التي تنكتب بها‪ ،‬وتقاوم بها خناجر‬ ‫السلطات‪ .‬ويبقى للمتلقي االختيار بين حكمة الشعر‬ ‫وبين لغة السلطات المقنعة»‪.‬‬ ‫ويختم شهادته بقوله‪« :‬عند انتهاء القارئ من هذا‬ ‫العمل سيشعر بالفعل أنه بدأ يهبط إلى وديان الصحو‬ ‫الثقافي‪ ،‬وبأن ذاته تتحول وتصعد إلى أعالي النور كما‬ ‫الفراش‪ .‬وسيتعلم منه أن قدر الشاعر هو قلب العالم‬ ‫رأسا على عقب‪ ،‬فهو مثل الحرية غير قابل للتنازالت‬ ‫والمفاوضات‪ .‬ونحن في األرض الثالثة نعاني نقصا‬ ‫مهلكا وفتاكا في الحرية والخيال‪ ،‬فمخيلتنا هي مخيلة‬ ‫قمعية إقصائية تحديدية كما مخيلة السلطة‪ .‬وال إنقاذ‬ ‫لنا من هذا إال بمثل هذه األعمال التي تفتح الحواس‬ ‫لتعي تعدد األشياء‪ ،‬وتعلم الفرق بين الحكمة والمعرفة‬ ‫وبين خطابات التقنيع في هذا الزمن المستبد»‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ ‪127‬‬


‫اإلشعاع الذري‪ ..‬ودراسة غاز‬

‫الرادون مبساكن منطقة اجلوف‬

‫املؤلف ‪ :‬أ‪ .‬د‪ .‬محمد بن إبراهيم اجلار الله‬ ‫الناشر ‪ :‬مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬ ‫السنة ‪1428 :‬هـ ‪2007 -‬م‬ ‫صدر الكتاب في (‪ )134‬صفحة من القطع المتوسط جاءت في بابين‪:‬‬ ‫تحدث في الباب األول عن اإلش��ع��اع ال��ذري ويشتمل على ستة فصول‪ :‬المقدمة‬ ‫تركيب المادة ‪ -‬اإلشعاع ال��ذري‪ ،‬اإلشعاع الذري الطبيعي ويتحدث فيه عن اإلشعاع‬‫الكوني وإشعاع المصادر األرضية واإلشعاع في الجسم‪..‬‬ ‫وتحدث الفصل الخامس عن اإلشعاع المصنع ويتعرض فيه إلى المصادر المصنعة‬ ‫لإلشعاع ثم المصادر الحالية لإلشعاع المصنع‪ .‬أم��ا الفصل السادس فيتحدث عن‬ ‫االستخدامات السلمية والعسكرية لإلشعاع الذري‪.‬‬ ‫وقد خصص الباب الثاني لدراسة غاز الرادون بمساكن منطقة الجوف‪ ،‬ويشمل ثمانية‬ ‫فصول هي المقدمة – األهداف – التعريف بغاز الرادون ‪ -‬طريقة القياس– الجدول‬ ‫الزمني ‪ -‬نتائج البحث ‪ -‬الخالصة ‪ -‬المصادر‪ ،‬ثم الترجمة االنجليزية للبحث‪.‬‬

‫‪ 128‬اجلوبة ‪ -‬شتاء ‪1432‬هـ‬


‫من إصدارات اجلوبة‬


‫من إصدارات مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬


30-Jobaforweb