Page 1

‫ذاكرة الجسد‬ ‫أحل م مستغانمي‬

‫إهداء ‪...‬‬

‫إلى مالك حداد ‪..‬‬

‫ابن قسنطينة الذي أقس م بعد استقل لل الجزائر ألّ يكتب بلغة ليست لغته ‪..‬‬ ‫فاغتالته الصفحة البيضاء ‪ ..‬ومات متأث ار بسلطان صمته ليصبح شهيد اللغة العربية‪ ,‬وأو ل‬

‫كاتب قرر أن يموت صمتاً وقه ارً وعشقاً لها ‪.‬‬

‫إوالى أبي ‪...‬‬

‫عساه يجد "هناك" من يتقن العربية ‪ ,‬فيق أر له أخي ارً هذا الكتاب ‪ ...‬كتابه ‪.‬‬

‫أحلم‬

‫الفص ل الو ل‬


‫ما زلت أذكر قولك ذات يوم ‪:‬‬ ‫"الحب هو ما حدث بيننا‪ .‬والبدب هو كل ما لم يحدث"‪.‬‬ ‫يمكنني اليوم‪ ,‬بعد ما انتهى كل شيء أن أقول ‪:‬‬ ‫هنيئا للبدب على فجيعتنا إذن فما اكبر مساحة ما لم يحدث ‪ .‬إنها تصلح‬ ‫اليوم لكثر من كتاب ‪.‬‬ ‫وهنيئا للحب أيضا ‪...‬‬ ‫فما أجمل الذي حدث بيننا ‪ ...‬ما أجمل الذي لم يحدث‪ ...‬ما أجمل الذي لن‬ ‫يحدث ‪.‬‬ ‫قبل اليوم‪ ,‬كنت اعتقد أننا ل يمكن أن نكتب عن حياتنا إل عندما نشفى‬ ‫منها ‪.‬‬ ‫عندما يمكن أن نلمس جراحنا القديمة بقلم ‪ ,‬بدون أن نتألم مرة أخرى ‪.‬‬ ‫عندما نقدر على النظر خلفنا بدون حنين‪ ,‬بدون جنون‪ ,‬وبدون حقد أيضا ‪.‬‬ ‫أيمكن هذا حقاً ؟‬ ‫نحن ل نشفى من ذاكرتنا ‪.‬‬ ‫ولهذا نحن نكتب‪ ,‬ولهذا نحن نرسم‪ ,‬ولهذا يموت بعضنا أيضا ‪.‬‬ ‫ أتريد قهوه ؟‬‫يأتي صوت عتيقة غائبا‪ ,‬وكأنه يطرح السؤال على شخص غيري ‪.‬‬ ‫معتذرا بدون اعتذار‪ ,‬على وجه للحزن لم أخلعه منذ أيام ‪.‬‬ ‫يخذلني صوتي فجأة ‪...‬‬ ‫أجيب بإشارة من رأسي فقط ‪.‬‬ ‫فتنسحب لتعوبد بعد لحظات‪ ,‬بصينية قهوة نحاسيه كبيرة عليها إبريق‪،‬‬ ‫ش لماء الزهر‪ ,‬وصحن للحلويات ‪.‬‬ ‫وفناجين‪ ,‬وسكريه‪ ,‬ومر ّ‬ ‫في مدن أخرى تقدم القهوة جاهزة في فنجان‪ ,‬وضعت جواره مسبقاً‬ ‫معلقه وقطعة سكر ‪.‬‬ ‫ولكن قسنطينة مدينه تكره اليجاز في كل شيء ‪.‬‬ ‫إنها تفربد ما عندها بدائما ‪.‬تماما كما تلبس كل ما تملك‪ .‬وتقول كل ما تعرف‬ ‫‪.‬‬ ‫ولهذا كان حتى الحزن وليمه في هذه المدينة ‪.‬‬ ‫أجمع الوراق المبعثرة أمامي ‪ ,‬لترك مكاناً لفنجان القهوة وكأنني أفسح‬ ‫مكانا لك ‪..‬‬ ‫بعضها مسوبدات قديمة‪ ,‬وأخرى أوراق بيضاء تنتظر منذ أيام بعض الكلمات‬ ‫فقط‪ ...‬كي تدب فيها الحياة‪ ,‬وتتحول من ورق إلى أيام ‪.‬‬


‫كلمات فقط‪ ,‬أجتاز بها الصمت إلى الكلم‪ ,‬والذاكرة إلى النسيان‪ ,‬ولكن ‪..‬‬ ‫تركت السكر جانبا‪ ,‬وارتشفت قهوتي مره كما عوبدني حبك ‪.‬‬ ‫فكرت في غرابه هذا الطعم العذب للقهوة المّرة ‪ .‬ولحظتها فقط‪ ,‬شعرت‬ ‫أنني قابدر على الكتابة عنك فأشعلت سيجارة عصبّية‪ ,‬ورحت أطاربد بدخان‬ ‫الكلمات التي أحرقتني منذ سنوات‪ ,‬بدون أن أطفئ حرائقها مرة فوق‬ ‫صفحه ‪.‬‬ ‫هل الورق مطفأة للذاكرة؟‬ ‫نترك فوقه كل مرة رمابد سيجارة الحنين الخيرة ‪ ,‬وبقايا الخيبة الخيرة‪. .‬‬ ‫من مّنا يطفئ أو يشعل الخر ؟‬ ‫ل ابدري ‪ ...‬فقبلك لم اكتب شيئا يستحق الذكر‪ ...‬معك فقط سأبدأ الكتابة‪.‬‬ ‫ول بد أن أعثر أخيراً على الكلمات التي سأنكتب بها‪ ,‬فمن حقي أن أختار‬ ‫اليوم كيف أنكتب‪ .‬أنا الذي أختر تلك القصة ‪.‬‬ ‫قصه كان يمكن أن ل تكون قصتي‪ ,‬لو لم يضعك القدر كل مره مصابدفه‪ ,‬عند‬ ‫منعطفات فصولها ‪.‬‬ ‫من أين جاء هذا الرتباك؟‬ ‫وكيف تطابقت مساحة الوراق البيضاء المستطيلة‪ ,‬بتلك المساحة‬ ‫الشاسعة البياض للوحات لم ترسم بعد‪ ..‬وما زالت مسنده جدار مرسم‬ ‫كان مرسمي ؟‬ ‫وكيف غابدرتني الحروف كما غابدرتني قبلها اللوان‪ .‬وتحول العالم إلى جهاز‬ ‫تلفزيون عتيق‪ ,‬يبث الصور بالسوبد والبيض فقط ؟‬ ‫ويعرض شريطا قديما للذاكرة‪ ,‬كما تعرض أفلم السينما الصامتة ‪.‬‬ ‫كنت أحسدهم بدائمًا‪ ,‬أولئك الرسامين الذين كانوا ينتقلون بين الرسم‬ ‫والكتابة بدون جهد‪ ,‬وكأنهم ينتقلون من غرفه إلى أخرى بداخلهم‪ .‬كأنهم‬ ‫ينتقلون بين امرأتين بدون كلفة ‪..‬‬ ‫كان ل بد أل أكون رجل لمرأة واحدة !‬ ‫ها هوذا القلم إذن‪ ..‬الكثر بوحا والكثر جرحا ً‪.‬‬ ‫ها هو ذا الذي ل يتقن المراوغة ‪ ,‬ول يعرف كيف توضع الظلل على الشياء‬ ‫‪ .‬ول كيف ترش اللوان على الجرح المعروض للفرحة ‪.‬‬


‫وها هي الكلمات التي حرمت منها ‪ ,‬عارية كما أربدتها ‪ ,‬موجعه كما أربدتها ‪,‬‬ ‫ل يدي ‪ ,‬وتمنعني من الكتابة؟‬ ‫َفِل َ‬ ‫م رعشة الخوف تش ّ‬ ‫تراني أعي في هذه اللحظة فقط ‪ ،‬أنني استبدلت بفرشاتي سكينًا‪ .‬وأن‬ ‫الكتابة إليك قاتله‪ ..‬كحبك ‪.‬‬ ‫ارتشفت قهوتك المرة‪ ,‬بمتعه مشبوهة هذه المّرة‪ .‬شعرت أنني على‬ ‫وشك أن اعثر على جمله أولى‪ ,‬ابدأ بها هذا الكتاب ‪.‬‬ ‫جمله قد تكون في تلقائية كلمات رسالة ‪.‬‬ ‫كأن أقول مثل ‪:‬‬ ‫"أكتب إليك من مدينه ما زالت تشبهك‪ ,‬وأصبحت أشبهها‪ .‬ما زالت الطيور‬ ‫تعبر هذه الجسور على عجل‪ ,‬وأنا أصبحت جسرا آخر معلقاً هنا‪.‬‬ ‫ل تحبي الجسور بعد اليوم‪."..‬‬ ‫أو شيئا آخر مثل ‪:‬‬ ‫" أمام فنجان قهوة ذكرتك ‪..‬‬ ‫كان ل بد أن تضعي ولو مرة قطعة سكر في قهوتي ‪ .‬لماذا كل هذه‬ ‫الصينية‪ ..‬من أجل قهوة مّرة‪..‬؟"‪.‬‬ ‫كان يمكن أن أقول أي شيء ‪...‬‬ ‫ففي النهاية‪ ,‬ليست الروايات سوى رسائل وبطاقات‪ ,‬نكتبها خارج‬ ‫المناسبات المعلنة‪ ..‬لنعلن نشرتنا النفسية‪ ,‬لمن يهمهم أمرنا ‪.‬‬ ‫ولذا أجملها‪ ,‬تلك التي تبدأ بجمله لم يتوقعها من عايش طقسنا وطقوسنا‪.‬‬ ‫وربما كان يوما سببا في كل تقلباتنا الجوية ‪.‬‬ ‫تتزاحم الجمل في ذهني ‪ .‬كل تلك التي لم تتوقعيها ‪.‬‬ ‫وتمطر الذاكرة فجأة ‪..‬‬ ‫فأبتلع قهوتي على عجل‪ .‬وأشرع نافذتي لهرب منك إلى السماء‬ ‫الخريفية‪ ..‬إلى الشجر والجسور والمارة‪.‬‬ ‫إلى مدينة أصبحت مدينتي مرة أخرى ‪ .‬بعدما أخذت لي موعدا معها‬ ‫لسبب آخر هذه المرة ‪.‬‬ ‫ها هي ذي قسنطينة‪ ..‬وها هو كل شيء أنت ‪.‬‬ ‫ي‪ ,‬من النافذة نفسها التي سبق أن بدخلت منها منذ‬ ‫وها أنت تدخلين إل ّ‬ ‫سنوات‪ .‬مع صوت المآذن نفسه‪ ,‬وصوت الباعة‪ ,‬وخطى النساء الملتحفات‬ ‫بالسوابد‪ ,‬والغاني القابدمة من مذياع ل يتعب ‪...‬‬ ‫"يا التفاحة ‪ ..‬يا التفاحة ‪ ...‬خبريني وعلش الناس والعة بيك ‪."..‬‬


‫تستوقفني هذه الغنية بسذاجتها ‪.‬‬ ‫تضعني وجهاً لوجه مع الوطن ‪ .‬تذكرني بدون مجال للشك بأنني في مدينه‬ ‫عربيه فتبدو السنوات التي قضيتها في باريس حلماً خرافياً ‪.‬‬ ‫هل التغزل بالفواكه ظاهره عربية؟ أم وحده التفاح الذي ما زال يحمل نكهة‬ ‫د التغّني به‪ ،‬في أكثر من بلد عربي ‪.‬‬ ‫ي لح ّ‬ ‫خطيئتنا الولى‪ ,‬شه ّ‬ ‫وماذا لو كنت تفاحه؟‬ ‫ل لم تكوني تفاحه ‪.‬‬ ‫كنت المرأة التي أغرتني بأكل التفاح ل أكثر‪ .‬كنت تمارسين معي فطرياً‬ ‫لعبة حواء ‪ .‬ولم يكن بإمكاني أن أتنكر لكثر من رجل يسكنني‪ ,‬لكون معك‬ ‫أنت بالذات في حماقة آبدم !‬ ‫أهل سي خالد‪..‬واش راك اليوم ‪..‬؟‬‫ي الجار‪ ,‬تسّلقت نظراته طوابق حزني‪ .‬وفاجأه وقوفي الصباحي‪,‬‬ ‫يسّلم عل ّ‬ ‫خلف شرفة للذهول ‪.‬‬ ‫أتابع في نظرة غائبة‪ ,‬خطواته المتجهة نحو المسجد المجاور ‪ .‬وما يليها من‬ ‫خطوات‪ ,‬لمارة آخرين‪ ,‬بعضها كسلى‪ ,‬وأخرى عجلى‪ ,‬متجهة جميعها نحو‬ ‫المكان نفسه ‪.‬‬ ‫الوطن كله ذاهب للصلة ‪.‬‬ ‫والمذياع يمجد أكل التفاحة ‪.‬‬ ‫وأكثر من جهاز هوائي على السطوح‪ ,‬يقف مقابل المآذن يرصد القنوات‬ ‫الجنبية‪ ،‬التي تقدم لك كل ليله على شاشة تلفزيونك‪ ,‬أكثر من طريقه‬ ‫_عصريه_ لكل التفاح !‬ ‫أكتفي بابتلع ريقي فقط ‪.‬‬ ‫في الواقع لم أكن أحب الفواكه‪ .‬ول كان أمر التفاح يعنيني بالتحديد ‪.‬‬ ‫كنت أحبك أنت‪ .‬وما ذنبي إن جاءني حبك في شكل خطيئة؟‬ ‫كيف أنت‪ ..‬يسألني جار ويمضي للصلة ‪.‬‬ ‫فيجيب لساني بكلمات مقتضبة‪ ،‬ويمضي في السؤال عنك ‪.‬‬ ‫كيف أنا؟‬ ‫ت؟‬ ‫أنا ما فعلته بي سيدتي‪ ..‬فكيف أن ِ‬


‫يا امرأة كساها حنيني جنونًا‪ ،‬وإذا بها تأخذ تدريجيا ‪ ,‬ملمح مدينه‬ ‫وتضاريس وطن ‪.‬‬ ‫وإذا بي اسكنها في غفلة من الزمن‪ ,‬وكأنني اسكن غرف ذاكرتي المغلقة‬ ‫من سنين ‪.‬‬ ‫كيف حالك؟‬ ‫يا شجرة توت تلبس الحدابد وراثيا كل موسم ‪.‬‬ ‫يا قسنطينية الثواب ‪....‬‬ ‫يا قسنطينية الحب ‪ ...‬والفراح والحزان والحباب ‪ ..‬أجيبي أين تكونين‬ ‫الن؟ ‪.‬‬ ‫ها هي ذي قسنطينه ‪...‬‬ ‫باربدة الطراف والقدام‪ .‬محمومة الشفاه‪ ,‬مجنونة الطوار ‪.‬‬ ‫ها هي ذي ‪ ..‬كم تشبهينها اليوم أيضا ‪ ...‬لو تدرين !‬ ‫بدعيني أغلق النافذة!‪.‬‬ ‫كان مارسيل بانيول يقول‪:‬‬ ‫"تعّوبد على اعتبار الشياء العابدية ‪ ..‬أشياء يمكن أن تحدث أيضاً " ‪.‬‬ ‫أليس الموت في النهاية شيئا عابديا‪ .‬تماما كالميلبد‪ ,‬والحب‪ ,‬والزاج‪,‬‬ ‫والمرض‪ ,‬والشيخوخة‪ ,‬والغربة والجنون‪ ,‬وأشياء أخرى ؟‬ ‫فما أطول قائمة الشياء العابدية التي نتوقعها فوق العابدة‪ ,‬حتى تحدث‪.‬‬ ‫والتي نعتقد أنها ل تحدث سوى للخرين‪ ,‬وأن الحياة لسبب أو لخر ستوفر‬ ‫علينا كثيرا منها‪ ,‬حتى نجد أنفسنا يوما أمامها ‪.‬‬ ‫عندما ابحث في حياتي اليوم‪ ,‬أجد أن لقائي بك هو الشيء الوحيد الخارق‬ ‫ي‪.‬‬ ‫للعابدة حقًا‪ .‬الشيء الوحيد الذي لم أكن لتنبأ به‪ ،‬أو أتوقع عواقبه عل ّ‬ ‫لّنني كنت اجهل وقتها أن الشياء غير العابدية‪ ,‬قد تجر معها أيضا كثيرا من‬ ‫الشياء العابدية ‪.‬‬ ‫ورغم ذلك ‪....‬‬ ‫ما زلت أتساءل بعد كل هذه السنوات‪ ,‬أين أضع حبك اليوم ؟‬ ‫أفي خانة الشياء العابدية التي قد تحدث لنا يوما كأية وعكه صحية أو زلة‬ ‫قدم‪ ..‬أو نوبة جنون؟‬ ‫أم ‪ ..‬أضعه حيث بدأ يومًا؟‬ ‫كشيء خارق للعابدة‪ ,‬كهدية من كوكب‪ ,‬لم يتوقع وجوبده الفلكيون‪ .‬أو زلزال‬ ‫لم تتنبأ به أية أجهزة للهزات الرضية ‪.‬‬ ‫ت زلة قدم ‪ ..‬أم زلة قدر ؟‪.‬‬ ‫أكن ِ‬ ‫أقّلب جريدة الصباح بحثا عن أجوبة مقنعه لحدث "عابدي" غّير مسار حياتي‬


‫وجاء بي إلى هنا ‪.‬‬ ‫أتصفح تعاستنا بعد كل هذه العوام ‪ ,‬فيعلق الوطن حبراً أسوبد بيدي ‪.‬‬ ‫هناك صحف يجب أن تغسل يديك إن تصفحتها وإن كان ليس للسبب‬ ‫نفسه في كل مرة‪ .‬فهنالك واحده تترك حبرها عليك ‪ ..‬وأخرى أكثر تألقا‬ ‫تنقل عفونتها إليك ‪.‬‬ ‫ن الجرائد تشبه بدائما أصحابها‪ ,‬تبدو لي جرائدنا وكأنها تستيقظ كل يوم‬ ‫أل ّ‬ ‫مثلنا‪ ,‬بملمح متعبه وبوجه غير صباحي غسلته على عجل‪ ،‬ونزلت به إلى‬ ‫الشارع‪ .‬هكذا بدون أن تكلف نفسها مشقة تصفيف شعرها‪ ,‬أو وضع ربطة‬ ‫عنق مناسبة‪ ..‬أو إغرائنا بابتسامة ‪.‬‬ ‫‪ 25‬أكتوبر ‪. 1988‬‬ ‫عناوين كبرى‪ ..‬كثير من الحبر السوبد‪ .‬كثير من الدم‪ .‬وقليل من الحياء ‪.‬‬ ‫هناك جرائد تبيعك نفس صور الصفحة الولى‪ ..‬ببدلة جديدة كل مره ‪.‬‬ ‫هنالك جرائد‪ ..‬تبيعك نفس الكاذيب بطريقة أقل ذكاء كل مّرة ‪....‬‬ ‫وهنالك أخرى‪ ،‬تبيعك تذكرة للهروب من الوطن‪ ..‬ل غير ‪.‬‬ ‫وما بدام ذلك لم يعد ممكنا‪ ,‬فلغلق الجريدة إذن‪ ..‬ولذهب لغسل يدي ‪.‬‬ ‫آخر مره استوقفتني فيها صحيفة جزائرية‪ ,‬كان ذلك منذ شهرين تقريبا‪.‬‬ ‫عندما كنت أتصفح عن طريق المصابدفة‪ ,‬وإذا بصورتك تفاجئني على نصف‬ ‫صفحه بأكملها‪ ,‬مرفقه بحوار صحافي بمناسبة صدور كتاب جديد لك ‪.‬‬ ‫يومها تس ََ‬ ‫ك رموز‬ ‫ّ‬ ‫مر نظري أمام ذلك الطار الذي كان يحتويك‪ .‬وعبثا رحت أف ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫كلمك ‪ .‬كنت أقرأك مرتبكا‪ ،‬متلعثما‪ ,‬على عجل‪ .‬وكأنني أنا الذي كنت‬ ‫أتحدث إليك عني‪ ,‬ولست أنت التي كنت تتحدثين للخرين‪ ,‬عن قصة ربما‬ ‫لم تكن قصتنا ‪.‬‬ ‫أي موعد عجيب كان موعدنا ذلك اليوم! كيف لم أتوقع بعد تلك السنوات أن‬ ‫تحجزي لي موعدا على ورق بين صفحتين‪ ,‬في مجلة ل اقرأها عابدة ‪.‬‬ ‫إّنه قانون الحماقات‪ ،‬أليس كذلك؟ أن أشتري مصابدفة مجلة لم أتعّوبد‬ ‫ب‬ ‫شراءها‪ ،‬فقط لقلب حياتي رأساً على عق ّ‬ ‫وأين العجب؟‬ ‫ألم تكوني امرأة من ورق‪ .‬تحب وتكره على ورق‪ .‬وتهجر وتعوبد على ورق‪.‬‬ ‫وتقتل وتحيي بجّرة قلم‪.‬‬ ‫فكيف ل أرتبك وأنا أقرأك‪ .‬وكيف ل تعوبد تلك الرعشة المكهربة لتسري في‬ ‫جسدي‪ ،‬وتزيد من خفقان قلبي‪ ،‬وكأنني كنت أمامك‪ ،‬ولست أمام صورة‬ ‫لك‪.‬‬


‫ت‬ ‫تساءلت كثيراً بعدها‪ ،‬وأنا أعوبد بين الحين والخر لتلك الصورة‪ ،‬كيف عد ِ‬ ‫هكذا لتتربصي بي‪ ،‬أنا الذي تحاشيت كل الطرق المؤبدية إليك؟‬ ‫كيف عدت‪ ..‬بعدما كابد الجرح أن يلتئم‪ .‬وكابد القلب المؤثث بذكراك أن يفرغ‬ ‫ب‪ ،‬وتمضين فجأة لتسكني قلباً‬ ‫منك شيئاً فشيئاً وأنت تجمعين حقائب الح ّ‬ ‫آخر‪.‬‬ ‫غابدرت قلبي إذن‪..‬‬ ‫ل شيء موقوت‬ ‫كما يغابدر سائح مدينة جاءها في زيارة سياحية منظمة‪ .‬ك ّ‬ ‫فيها مسبقًا‪ ،‬حتى ساعة الرحيل‪ ،‬ومحجوز فيها مسبقًا‪ ،‬حتى المعالم‬ ‫السياحية التي سيزورها‪ ،‬واسم المسرحية التي سيشاهدها‪ ،‬وعنوان‬ ‫المحلت التي سيشتري منها هدايا للذكرى‪.‬‬ ‫فهل كانت رحلتك مضجرة إلى هذا الحد؟‬ ‫ها أنا أمام نسخة منك‪ ،‬مدهوش مرتبك‪ ،‬وكأنني أمامك‪.‬‬ ‫تفاجئني تسريحتك الجديدة‪ .‬شعرك القصير الذي كان شال ً يلف وحشة‬ ‫ليلي‪ ..‬ماذا تراك فعلت به؟‬ ‫أتوقف طويل ً عند عينيك‪ .‬أبحث فيهما عن ذكرى هزيمتي الولى أمامك‪.‬‬ ‫ذات يوم‪ ..‬لم يكن أجمل من عينيك سوى عينيك‪ .‬فما أشقاني وما‬ ‫أسعدني بهما!‬ ‫ً‬ ‫هل تغيرت عيناك أيضا‪ ..‬أم أن نظرتي هي التي تغيرت؟ أواصل البحث في‬ ‫وجهك عن بصمات جنوني السابق‪ .‬أكابد ل أعرف شفاهك ول ابتسامتك‬ ‫وحمرتك الجديدة‪.‬‬ ‫كيف حدث يومًا‪ ..‬أن وجدت فيك شبهاً بأمي‪ .‬كيف تصورتك تلبسين ثوبها‬ ‫العنابي‪ ،‬وتعجنين بهذه اليدي ذات الظافر المطلية الطويلة‪ ،‬تلك الكسرة‬ ‫التي افتقدت مذاقها منذ سنين؟‬ ‫ي جنون كان لك‪ ..‬وأية حماقة!‬ ‫أ ّ‬ ‫هل غّير الزواج حقاً ملمحك وضحكتك الطفولية‪ ،‬هل غّير ذاكرتك أيضا‪ً،‬‬ ‫ومذاق شفاهك وسمرتك الغجرية؟‬ ‫وهل أنساك ذلك "النبي المفلس" الذي سرقوا منه الوصايا العشر وهو في‬ ‫طريقه إليك‪ ..‬فجاءك بالوصية الحابدية عشرة فقط‪.‬‬ ‫ها أنت ذي أمامي‪ ،‬تلبسين ثوب الرّبدة‪ .‬لقد اخترت طريقاً آخر‪ .‬ولبست‬ ‫وجهاً آخر لم أعد أعرفه‪ .‬وجهاً كذلك الذي نصابدفه في المجلت والعلنات‪،‬‬ ‫لتلك النساء الواجهة‪ ،‬المعدات مسبقاً لبيع شيء ما‪ ،‬قد يكون معجون‬ ‫أسنان‪ ،‬أو مرهماً ضد التجاعيد‪.‬‬


‫أم تراك لبست هذا القناع‪ ،‬فقط لترّوجي لبضاعة في شكل كتاب‪ ،‬أسميتها‬ ‫"منعطف النسيان" بضاعة قد تكون قصتي معك‪ ..‬وذاكرة جرحي؟‬ ‫وقد تكون آخر طريقه وجدتها لقتلي اليوم من جديد‪ ,‬بدون أن تتركي بصماتك‬ ‫على عنقي ‪.‬‬ ‫ت الرواية‬ ‫يومها تذكرت حديثاً قديماً لنا ‪ .‬عندما سألتك مرة لماذا اختر ِ‬ ‫بالذات‪ .‬وإذا بجوابك يدهشني ‪.‬‬ ‫قلت يومها بابتسامة لم أبدرك نسبة الصدق فيها من نسبة التحايل‪:‬‬ ‫" كان ل بد أن أضع شيئا من الترتيب بداخلي‪ ..‬وأتخلص من بعض الثاث‬ ‫ي بيت نسكنه ول يمكن‬ ‫القديم ‪ .‬إ ّ‬ ‫ن أعماقنا أيضا في حاجة إلى نفض كأ ّ‬ ‫أن أبقي نوافذي مغلقه هكذا على أكثر من جثة ‪..‬‬ ‫إننا نكتب الروايات لنقتل البطال ل غير‪ ,‬وننتهي من الشخاص الذين أصبح‬ ‫وجوبدهم عبئاً على حياتنا‪ .‬فكلما كتبنا عنهم فرغنا منهم‪ ...‬وامتلنا بهواء‬ ‫نظيف ‪. "...‬‬ ‫وأضفت بعد شيء من الصمت‪:‬‬ ‫" في الحقيقة كل رواية ناجحة‪ ,‬هي جريمة ما نرتكبها تجاه ذاكرة ما‪ .‬وربما‬ ‫ن تلك‬ ‫تجاه شخص ما‪ ,‬على مرأى من الجميع بكاتم صوت‪ .‬ووحده يدري أ ّ‬ ‫جهة إليه‬ ‫الكلمة الرصاصة كانت مو ّ‬ ‫‪...‬‬ ‫والروايات الفاشلة‪ ,‬ليست سوى جرائم فاشلة‪ ,‬ل بد أن تسحب من‬ ‫أصحابها رخصة حمل القلم‪ ,‬بحجة أنهم ل يحسنون استعمال الكلمات‪ ,‬وقد‬ ‫ي احد ‪ ..‬بمن في ذلك أنفسهم ‪ ,‬بعدما يكونون قد قتلوا‬ ‫يقتلون خطأ بها أ ّ‬ ‫القراء ‪ ...‬ضجراً !"‪.‬‬ ‫كيف لم تثر نزعتك السابدّية شكوكي يومها ‪ ..‬وكيف لم أتوقع كل جرائمك‬ ‫التي تلت ذلك اليوم‪ ,‬والتي جربت فيها أسلحتك الخرى؟‬ ‫لم أكن أتوقع يومها انك قد توجهين يوما رصاصك نحوي ‪.‬‬ ‫ولذا ضحكت لكلمك‪ ,‬وربما بدأ يومها انبهاري الخر بك‪ .‬فنحن ل نقاوم‪ ,‬في‬ ‫هذه الحالت ‪ ,‬جنون العجاب بقاتلنا !‬ ‫ورغم ذلك أبديت لك بدهشتي ‪ .‬قلت ‪:‬‬ ‫_ كنت اعتقد أن الرواية طريقه الكاتب في أن يعيش مرة ثانيه قصه أحبها‪..‬‬ ‫وطريقته في منح الخلوبد لمن أحب ‪.‬‬


‫ن كلمي فاجأك فقلت وكأنك تكتشفين شيئا لم تحسبي له حسابا‪:‬‬ ‫وكأ ّ‬ ‫ وربما كان صحيحا أيضا‪ ,‬فنحن في النهاية ل نقتل سوى من أحببنا‪.‬‬‫ونمنحهم تعويضا عن ذلك خلوبدا أبدبيا ‪ .‬إنها صفقه عابدلة ‪ .‬أليس كذلك؟!‬ ‫عابدله ؟‬ ‫من يناقش الطغاة في عدلهم أو ظلمهم؟ ومن يناقش نيرون يوم احرق‬ ‫روما حباً لها‪ ,‬وعشقاً لشهوة اللهب ‪ .‬وأنت‪ ,‬أما كنت مثله امرأة تحترف‬ ‫العشق والحرائق بالتساوي؟‬ ‫أكنت لحظتها تتنّبأين بنهايتي القريبة‪ ،‬وتواسينني مسبقا على فجيعتي‪...‬‬ ‫ي‪,‬‬ ‫أم كنت تتلعبين بالكلمات كعابدتك‪ ,‬و وتتفرجين على وقعها عل ّ‬ ‫وتسعدين سرّاً باندهاشي الدائم أمامك‪ ,‬وانبهاري بقدرتك المذهلة‪ ,‬في‬ ‫خلق لغة على قياس تناقضك ‪.‬‬ ‫كل الحتمالت كانت ممكنه ‪...‬‬ ‫فربما كنت أنا ضحية روايتك هذه‪ ,‬والجثة التي حكمت عليها بالخلوبد‪,‬‬ ‫وقررت أن تحنطيها بالكلمات‪ ...‬كالعابدة‪.‬‬ ‫و ربما كنت ضحية وهمي فقط‪ ,‬ومراوغتك التي تشبه الصدق‪ .‬فوحدك‬ ‫تعرفين في النهاية الجواب على كل تلك السئلة التي ظلت تطاربدني‪,‬‬ ‫بعنابد الذي يبحث عن الحقيقة بدون جدوى ‪.‬‬ ‫ت ذلك الكتاب؟‬ ‫متى كتب ِ‬ ‫أقبل زواجك أم بعده؟ أقبل رحيل زيابد ‪ ..‬أم بعده؟ أكتبته عني ‪ ..‬أم كتبته‬ ‫عنه؟ أكتبته لتقتليني به‪ ..‬أم لتحييه هو ؟‬ ‫لم لتنتهي مّنا معًا‪ ،‬وتقتلينا معاً بكتاب واحد‪ ...‬كما تركتنا معاً من أجل رجل‬ ‫واحد ؟‬ ‫عندما قرأت ذلك الخبر منذ شهرين‪ .,‬لم أتوقع إطلقاً أن تعوبدي فجأة بذلك‬ ‫ح‪ ,‬ليصبح كتابك محور تفكيري‪ ,‬وبدائرة مغلقه أبدور فيها وحدي ‪.‬‬ ‫الحضور المل ّ ِ‬ ‫فل كان ممكنا يومها بعد كل الذي حدث‪ ,‬أن اذهب للبحث عنه في‬ ‫المكتبات ‪ ,‬لشتري قصتي من بائع مقابل ورقه نقدية‪ .‬ول كان ممكنا أيضا‬ ‫أن أتجاهله وأواصل حياتي وكأنني لم اسمع به ‪ ,‬وكأن أمره ل يعنيني‬ ‫تماما ‪.‬‬ ‫الم أكن متحرقا إلى قراءة بقية القصة؟‬


‫قصتك التي انتهت في غفلة مني ‪ ,‬بدون أن أعرف فصولها الخيرة‪ .‬تلك‬ ‫التي كنت شاهدها الغائب‪ ,‬بعدما كنت شاهدها الول‪ .‬أنا الذي كنت‪.,‬‬ ‫حسب قانون الحماقات نفسه‪ .‬الشاهد والشهيد بدائما في قصة لم يكن‬ ‫فيها من مكان سوى لبطل واحد ‪.‬‬ ‫ها هوذا كتابك أمامي‪ ..‬لم يعد بإمكاني اليوم أن أقرأه‪ .‬فتركته هنا على‬ ‫طاولتي مغلقا كلغز‪ ,‬يتربص بي كقنبلة موقوتة‪ ,‬أستعين بحضوره الصامت‬ ‫لتفجير منجم الكلمات بداخلي ‪ ...‬واستفزاز الذاكرة ‪.‬‬ ‫كل شيء فيه يستفزني اليوم ‪ ..‬عنوانه الذي اخترته بمراوغه واضحة‪..‬‬ ‫وابتسامتك التي تتجاهل حزني ‪ .‬ونظرتك المحايدة التي تعاملني وكأنني‬ ‫قارىء‪ ,‬ل يعرف الكثير عنك ‪.‬‬ ‫كل شيء‪ ..‬حتى اسمك ‪.‬‬ ‫وربما كان اسمك الكثر استفزازا لي‪ ,‬فهو مازال يقفز إلى الذاكرة قبل أن‬ ‫تقفز حروفه المميزة إلى العين ‪.‬‬ ‫اسمك الذي ‪ ..‬ل ُيقرأ وإنما ُيسمع كموسيقى ُتعزف على آلة واحدة من‬ ‫أجل مستمع واحد‪.‬‬ ‫كيف لي أن أقرأه بحيابد‪ ,‬وهو فصل من قصة مدهشه كتبتها الصدفة‪ ,‬وكتبها‬ ‫قدرنا الذي تقاطع يوما؟‬ ‫يقول تعليق على ظهر كتابك إنه حدث أبدبي ‪.‬‬ ‫وأقول وأنا أضع عليه حزمة من الوراق التي سوبدتها في لحظة هذيان‪..‬‬ ‫" حان لك أن تكتب‪ ..‬أو تصمت إلى البد أيها الرجل ‪ .‬فما أعجب ما يحدث‬ ‫هذه اليام !"‬ ‫وفجأة‪ ..‬يحسم البربد الموقف‪ ,‬ويزحف ليل قسنطينة نحوي من نافذة‬ ‫للوحشة‪ .‬فأعيد للقلم غطاءه‪ ,‬وانزلق بدوري تحت غطاء الوحدة ‪.‬‬ ‫ة الليل الذي تستحق‪ ,‬الليل الذي يشبهها والذي‬ ‫مذ أبدركت أن لكل مدين ٍ‬ ‫وحده يفضحها‪ ,‬ويعري في العتمة ما تخفيه في النهار‪ ,‬قررت أن أتحاشى‬ ‫النظر ليل من هذه النافذة ‪.‬‬ ‫كل المدن تمارس التعري ليل بدون علمها‪ ,‬وتفضح للغرباء أسرارها ‪ ,‬حتى‬ ‫عندما ل تقول شيئا ‪.‬‬ ‫وحتى عندما توصد أبوابها‪.‬‬ ‫ولن المدن كالنساء‪ ,‬يحدث لبعضهن أن يجعلننا نستعجل قدوم الصباح‪.‬‬ ‫ولكن ‪...‬‬


‫" ‪".. soirs, soirs.que de soirs pour un seul matin‬‬ ‫كيف تذكرت هذا البيت للشاعر "هنري ميشو" ورحت اربدبده على نفسي‬ ‫بأكثر من لغة ‪..‬‬ ‫"أمسيات ‪ ..‬أمسيات كم من مساء لصباح واحد "‬ ‫كيف تذكرته‪ ,‬ومتى تراني حفظته؟ ‪ ..‬تراني كنت أتوقع منذ سنين أمسيات‬ ‫بائسة كهذه‪ ,‬لن يكون لها سوى صباح واحد ؟‬ ‫أنقب بعض الشيء في ذاكرتي عن القصيدة التي اخذ منها هذا البيت‪,‬‬ ‫وإذا بعنوانها "الشيخوخة" ‪..‬‬ ‫فيخيفني اكتشافي فجأة وكأنني أكتشف معه ملمح وجهي الجديدة‪.‬‬ ‫فهل تزحف الشيخوخة هكذا نحونا حقاً بليل طويل واحد‪ .‬وبعتمة بداخليه‬ ‫تجعلنا نتمهل في كل شيء‪ ,‬ونسير ببطء‪ ,‬بدون اتجاه محدبد؟‬ ‫أيكون الملل والضياع والرتابة جزءا من مواصفات الشيخوخة أم من‬ ‫مواصفات هذه المدينة ؟‬ ‫تراني أنا الذي ابدخل الشخوخة‪ ..‬أم ترى الوطن بأكمله هو الذي يدخل‬ ‫اليوم سن اليأس الجماعي؟‬ ‫أليس هو الذي يملك هذه القدرة الخارقة‪ ,‬على جعلنا نكبر ونهرم في‬ ‫بضعة اشهر‪ ,‬وأحيانا في بضعة أسابيع فقط ؟‬ ‫قبل اليوم لم أكن اشعر بثقل السنين‪ ,‬كان حّبك شبابي‪ ,‬وكان مرسمي‬ ‫طاقتي الشمسية التي ل تنضب‪ ,‬وكانت باريس مدينه أنيقة‪ ,‬يخجل الواحد‬ ‫أن يهمل مظهره في حضرتها ‪ .‬ولكنهم طاربدوني حتى مربع غربتي‪,‬‬ ‫وأطفأوا شعلة جنوني ‪ ...‬وجاؤوا بي حتى هنا ‪.‬‬ ‫الن نحن نقف جميعا على بركان الوطن الذي ينفجر ‪ ,‬ولم يعد في وسعنا ‪,‬‬ ‫إل أن نتوحد مع الجمر المتطاير من فوهته‪ ,‬وننسى نارنا الصغيرة‪ ...‬اليوم ل‬ ‫شيء يستحق كل تلك الناقة واللياقة‪ .‬الوطن نفسه أصبح ل يخجل أن‬ ‫يبدو أمامنا في وضع غير لئق !‬ ‫ل أصعب من أن تبدأ الكتابة‪ ,‬في العمر الذي يكون فيه الخرون قد انتهوا‬ ‫من قول كل شيء‪.‬‬ ‫الكتابة ما بعد الخمسين لول مرة ‪ ...‬شيء شهواني وجنوني شبيه بعوبدة‬ ‫المراهقة‪.‬‬ ‫شيء مثير وأحمق ‪ ,‬شبيه بعلقة حب بين رجل في سن اليأس‪ ,‬وريشة‬ ‫حبر بكر ‪.‬‬


‫الول مرتبك وعلى عجل‪ ...‬والثانية عذراء ل يرويها حبر العالم !‬ ‫سأعتبر إذن ما كتبته حتى الن‪ ,‬مجربد استعدابد للكتابة فقط‪ ,‬وفائض شهوة‬ ‫‪ ...‬لهذه الوراق التي حملت منذ سنين بملئها ‪.‬‬ ‫ربما غدا ابدأ الكتابة حقا ‪.‬‬ ‫أحب بدائما أن ترتبط الشياء الهامة في حياتي بتاريخ ما ‪ ....‬يكون غمزة‬ ‫لذاكره أخرى ‪.‬‬ ‫أغرتني هذه الفكرة من جديد‪ ,‬وأنا استمع إلى الخبار هذا المساء‬ ‫واكتشف‪ ،‬أنا الذي فقدت علقتي بالزمن‪ ,‬أن غدا سيكون أول نوفمبر ‪...‬‬ ‫فهل يمكن لي أل أختار تاريخا كهذا‪ ,‬لبدأ به هذا الكتاب ؟‬ ‫غدا ستكون قد مرت ‪ 34‬سنه على انطلق الرصاصة الولى لحرب التحرير‪,‬‬ ‫ويكون قد مر على وجوبدي هنا ثلثة أسابيع‪ ,‬ومثل ذلك من الزمن على‬ ‫سقوط آخر بدفعه من الشهداء ‪...‬‬ ‫كان احدهم ذلك الذي حضرت لشّيعه بنفسي وابدفنه هنا‪.‬‬ ‫بين أول رصاصه ‪ ,‬وآخر رصاصه‪ ,‬تغيرت الصدور‪ ,‬تغيرت الهداف ‪ ..‬وتغير‬ ‫الوطن ‪.‬‬ ‫ولذا سيكون الغد يوما للحزن مدفوع الجر مسبقا ‪.‬‬ ‫لن يكون هناك من استعراض عسكري‪ ,‬ول من استقبالت‪ ,‬ول من تبابدل‬ ‫تهاني رسميه ‪....‬‬ ‫سيكتفون بتبابدل التهم ‪ ...‬ونكتفي بزيارة المقابر ‪.‬‬ ‫غدا لن ازور ذلك القبر ‪ .‬ل أريد أن أتقاسم حزني مع الوطن‪.‬‬ ‫أفضل تواطؤ الورق‪ ,‬وكبرياء صمته ‪.‬‬ ‫كل شيء يستفزني الليلة‪ ..‬واشعر أنني قد اكتب أخيرا شيئا مدهشا‪ ,‬لن‬ ‫أمزقه كالعابدة‪..‬‬ ‫فما أوجع هذه الصدفة التي تعوبد بي ‪ ,‬بعد كل هذه السنوات إلى هنا‪,‬‬ ‫للمكان نفسه ‪ ,‬لجد جثة من أحبهم في انتظاري‪ ,‬بتوقيت الذاكرة الولى ‪.‬‬ ‫يستيقظ الماضي الليلة بداخلي ‪ ...‬مربكا‪ .‬يستدرجني إلى بدهاليز الذاكرة ‪.‬‬ ‫فأحاول أن أقاومه‪ ,‬ولكن‪ ,‬هل يمكن لي أن أقاوم ذاكرتي هذا المساء ؟‬ ‫أغلق باب غرفتي واشرع النافذة ‪..‬‬ ‫أحاول أن أرى شيئا آخر غير نفسي‪ .‬وإذا النافذة تطل علي‪...‬‬ ‫تمتد أمامي غابات الغاز والبلوط‪ ,‬وتزحف نحوي قسنطينه ملتحفه ملءتها‬ ‫القديمة‪ ,‬وكل تلك البدغال والجروف والممرات السرية التي كنت يوما‬ ‫اعرفها والتي كانت تحيط بهذه المدينة كحزام أمان‪ ,‬فتوصلك مسالكها‬ ‫المتشعبة‪ ,‬وغاباتها الكثيفة‪ ,‬إلى القواعد السرية للمجاهدين‪ ,‬وكأنها تشرح‬ ‫لك شجرة بعد شجره‪ ,‬ومغارة بعد أخرى ‪.‬‬


‫ن كل الطرق في هذه المدينة العربية العريقة‪ ,‬تؤبدي إلى الصموبد‪.‬‬ ‫إ ّ‬ ‫ن كل الغابات والصخور هنا قد سبقتك في النخراط في صفوف الثورة ‪.‬‬ ‫وإ ّ‬ ‫هنالك مدن ل تختار قدرها ‪...‬‬ ‫فقد حكم عليها التاريخ‪ ,‬كما حكمت عليها الجغرافيا‪ ,‬أل تستسلم ‪...‬‬ ‫ولذا ل يملك أبناؤها الخيار بدائما ‪.‬‬ ‫ب أن أشبه هذه المدينة حد التطرف ؟‬ ‫فهل عج ٌ‬ ‫ذات يوم منذ أكثر من ثلثين سنه سلكت هذه الطرق‪ ,‬واخترت أن تكون‬ ‫تلك الجبال بيتي ومدرستي السرية التي أتعلم فيها المابدة الوحيدة‬ ‫الممنوعة من التدريس‪ .‬وكنت ابدري انه ليس من بين خريجيها من بدفة‬ ‫ثالثه‪ ,‬وان قدري سيكون مختصرا بين المساحة الفاصلة بين الحرية ‪..‬‬ ‫والموت ‪.‬‬ ‫ذلك الموت الذي اخترنا له اسما آخر أكثر إغراًء‪ ،‬لنذهب بدون خوف وربما‬ ‫بشهوة سريه‪ ,‬وكأننا نذهب لشيء آخر غير حتفنا ‪.‬‬ ‫لماذا نسينا يومها أن نطلق على الحرية أيضا أكثر من اسم؟ وكيف اختصرنا‬ ‫منذ البدء حريتنا‪ ....‬في مفهومها الول ؟‬ ‫كان الموت يومها يمشي إلى جوارنا‪ ,‬وينام ويأخذ كسرته معنا على عجل‪.‬‬ ‫تماما مثل الشوق والصبر واليمان ‪ ..‬والسعابدة المبهمة التي ل تفارقنا ‪.‬‬ ‫كان الموت يمشي ويتنفس معنا‪ ..‬وكانت اليام تعوبد قاسيه بدائما‪ ,‬ل‬ ‫تختلف عما سبقتها سوى بعدبد شهدائها‪ ,‬الذين لم يكن يتوقع احد موتهم‬ ‫على الغالب‪ ..‬أو لم يكن يتصور لسبب أو لخر‪ ,‬أن تكون نهايتهم‪ ,‬هم‬ ‫بالذات‪ ,‬قريبه إلى ذلك الحد ‪ ..‬ومفجعه إلى ذلك الحد‪ .‬وكان ذلك منطق‬ ‫الموت الذي لم أكن قد أبدركته بعد ‪.‬‬ ‫ن‬ ‫ما زلت اذكرهم أولئك الذين تعوبدنا بعد ذلك أن نتحدث عنهم بالجملة‪ .‬وكأ ّ‬ ‫الجمع في هذه الحالة بالذات‪ ،‬ليس اختصارا للذاكرة ‪ ,‬وإنما لحقهم علينا ‪.‬‬ ‫لم يكونوا شهداء‪ ..‬كان كل واحد منهم شهيدا على حده‪ .‬كان هناك من‬ ‫استشهد في أول معركة‪ ,‬وكأنه جاء خصيصا للشهابدة ‪.‬‬ ‫وهناك من سقط قبل زيارته المسروقة إلى أهله بيوم واحد‪ ,‬بعدما قضى‬ ‫عدة أسابيع في بدراسة تفاصيلها‪ ,‬والعدابد لها ‪.‬‬ ‫وهناك من تزوج وعابد ‪ ..‬ليموت متزوجا ‪.‬‬ ‫وهناك من كان يحلم أن يعوبد يوما لكي يتزوج ‪ ...‬ولم يعد‪.‬‬ ‫ن التعس هم أولئك‬ ‫في الحروب‪ ,‬ليس الذين يموتون هم التعساء بدائما‪ ,‬إ ّ‬ ‫الذين يتركونهم خلفهم ثكالى‪ ,‬يتامى‪ ,‬ومعطوبي أحلم ‪.‬‬ ‫اكتشفت هذه الحقيقة باكرًا‪ ،‬شهيداً بعد آخر‪ ،‬وقصة بعد أخرى‪..‬‬


‫واكتشفت في المناسبة نفسها‪ ،‬أنني ربما كنت الوحيد الذي لم يترك‬ ‫ي لم ماتت مرضاً وقهرًا‪ ،‬وأخٍ فريد يصغرني بسنوات‪،‬‬ ‫خلفه سوى قبر طر ّ‬ ‫وأب مشغول بمطالب عروسه الصغيرة‪.‬‬ ‫ق "إن الذي مات أبوه لم يتيّتم‪ ..‬وحده‬ ‫لقد كان ذلك المثل الشعبي على ح ّ‬ ‫الذي ماتت أمه يتيم"‪.‬‬ ‫وكنت يتيمًا‪ ،‬وكنت أعي ذلك بعمق في كل لحظة‪ .‬فالجوع إلى الحنان‪،‬‬ ‫شعور مخيف وموجع‪ ،‬يظل ينخر فيك من الداخل ويلزمك حتى يأتي عليك‬ ‫بطريقة وبطريقة أو بأخرى‪.‬‬ ‫أكان التحاقي بالجبهة آنذاك محاولة غير معلنة للبحث عن موت أجمل‬ ‫خارج تلك الحاسيس المرضية التي كانت تملني تدريجياً حقداً على كل‬ ‫شيء؟‬ ‫كانت الثورة تدخل عامها الثاني‪ ،‬ويتمي يدخل شهره الثالث‪ ،‬ولم أعد أذكر‬ ‫الن بالتحديد‪ ،‬في أية لحظة بالذات أخذ الوطن ملمح المومة‪ ،‬وأعطاني ما‬ ‫لم أتوّقعه من الحنان الغامض‪ ،‬والنتماء المتطِّرف له‪.‬‬ ‫وربما كان لختفاء "سي الطاهر" من حينا بسيدي المبروك منذ بضعة‬ ‫أشهر‪ ،‬بدور في حسم القضية‪ ،‬واستعجالي في أخذ ذلك القرار المفاجئ‪.‬‬ ‫فلم يكن يخفى على أحد أنه انتقل إلى مكان سري في الجبال المحيطة‬ ‫بقسنطينة ليؤسس من هناك مع آخرين إحدى الخليا الولى للكفاح‬ ‫المسلح‪.‬‬ ‫من أين عابد اسم "سي طاهر" الليلة ليزيد من ارتباكي‪ ،‬ومن منكما‬ ‫استدرجني للخر؟‪.‬‬ ‫من أين عابد‪ ..‬وهل غاب حقًا‪ ،‬وعلى بعد شارعين مني شارع مازال يحمل‬ ‫اسمه؟‬ ‫هناك شيء اسمه "سلطة السم"‪.‬‬ ‫وهناك أسماء عندما تذكرها‪ ،‬تكابد تصلح من جلستك‪ ،‬وتطفئ سيجارتك‪.‬‬ ‫تكابد تتحدث عنها وكأنك تتحدث إليها بنفس تلك الهيبة وذلك النبهار الول‪.‬‬ ‫ل لسم )سي طاهر( هيبته عندي‪ .‬لم تقتله العابدة ول‬ ‫ولذا ‪ ..‬ظ ّ‬ ‫المعاشرة‪ ،‬ولم تحوله تجربة السجن المشترك‪ ،‬ول سنوات النضال‪ ،‬إلى‬ ‫ي لصديق أو لجار‪ .‬فالرموز تعرف بدائماً كيف تحيط نفسها بذلك‬ ‫اسم عابد ّ‬ ‫الحاجز اللمرئي‪ ،‬الذي يفصل بين العابدي والستثنائي‪ ،‬والممكن‬ ‫والمستحيل‪ ،‬في كل شيء‪.‬‬ ‫ها أنذا أذكره في ليلة لم أحجزها له‪..‬‬


‫وبينما أسحب نفساً من سيجارة أخيرة‪ ،‬يرتفع صوت المآذن معلناً صلة‬ ‫الفجر‪ .‬ومن غرفة بعيدة يأتي بكاء طفل أيقظ صوته أنحاء كل البيت‪..‬‬ ‫ضع‪ ،‬لنهم يملكون وحدهم حق الصراخ‬ ‫فأحسد المآذن‪ ،‬وأحسد الطفال الر ّ‬ ‫والقدرة عليه‪ ،‬قبل أن تروض الحياة حبالهم الصوتية‪ ،‬وتعِّلمهم الصمت‪.‬‬ ‫ل أذكر من قال "يقضي النسان سنواته الولى في تعلم النطق‪ ،‬وتقضي‬ ‫النظمة العربية بقية عمره في تعليمه الصمت!"‪.‬‬ ‫وكان يمكن للصمت أن يصبح نعمة في هذه الليلة بالذات‪ ،‬تماماً كالنسيان‪.‬‬ ‫فالذاكرة في مناسبات كهذه ل تأتي بالتقسيط‪ ،‬وإنما تهجم عليك شلل ً‬ ‫يجرفك إلى حيث ل تدري من المنحدرات‪.‬‬ ‫وكيف لك لحظتها أن توقفها بدون أن تصطدم بالصخور‪ ،‬وتتحطم في زّلة‬ ‫ذكرى؟‬ ‫ض لم تغابدره في الواقع‪ ،‬وبذاكرة‬ ‫وها أنت ذا‪ ،‬تلهث خلفها لتلحق بما ٍ‬ ‫تسكنها لنها جسدك‪.‬‬ ‫جسدك المشوه ل غير‪.‬‬ ‫ن هناك من يلهثون الن من منبر إلى آخر‪ ،‬بحجة أو بأخرى‪ ،‬ليدينوا‬ ‫وتدري أ ّ‬ ‫ً‬ ‫تاريخاً كانوا طرفا فيه‪ .‬عساهم يلحقون بالموجة الجديدة‪ ،‬قبل أن يجرفهم‬ ‫الطوفان‪ .‬فل تملك إل أن تشفق عليهم‪.‬‬ ‫ما أتعس أن يعيش النسان بثياب مبللة‪ ..‬خارجاً لتوه من مستنقع‪ ..‬وأل‬ ‫يصمت قليل ً في انتظار أن تجف!‬ ‫صامتاً يأتي )سي طاهر( الليلة‪.‬‬ ‫صامتاً كما يأتي الشهداء‪.‬‬ ‫صامتًا‪ ..‬كعابدته‪.‬‬ ‫وها أنت ذا مرتبك أمامه كعابدتك‪.‬‬ ‫لقد كانت بدائماً الخمس عشرة سنة التي تفصلكما‪ ،‬أكبر من عمر‬ ‫السنوات‪ .‬كانت عمراً بحد ذاتها‪ ،‬ورمزاً بحد ذاتها‪ ،‬لرجل كان يجمع إلى‬ ‫جانب الفصاحة التي كان يتميز بها كل من اختلط بجمعية العلماء‪ ،‬وبدرس‬ ‫في قسنطينة‪ ،‬فصاحة أخرى‪ ..‬هي فصاحة الحضور‪.‬‬ ‫كان )سي طاهر( يعرف متى يبتسم‪ ،‬ومتى يغضب‪ .‬ويعرف كيف يتكلم‪،‬‬ ‫ويعرف أيضاً كيف يصمت‪ .‬وكانت الهيبة ل تفارق وجهه ول تلك البتسامة‬ ‫الغامضة التي كانت تعطي تفسيراً مختلفاً لملمحه كل مرة‪.‬‬ ‫"إن التبتسامات فواصل ونقاط انقطاع‪ ..‬وقليل من الناس أولئك‬ ‫الذين ما زالوا يتقنون وضع الفواصل والنقط في كلمهم"‪*.‬‬


‫في سجن ) الكديا( كان موعدي النضالي الول مع )سي طاهر(‪ .‬كان‬ ‫موعداً مشحوناً بالحاسيس المتطرفة‪ ،‬وبدهشة العتقال الول‪ ،‬بعنفوانه‪..‬‬ ‫وبخوفه‪.‬‬ ‫وكان )سي طاهر( الذي استدرجني إلى الثورة يوماً بعد آخر‪ ،‬يدري أنه‬ ‫مسؤول عن وجوبدي يومها هناك‪ .‬وربما كان يشفق سراً على سنواتي‬ ‫الست عشرة‪ ،‬على طفولتي المبتورة‪ ،‬وعلى ) أّما( التي كان يعرفها جيدًا‪،‬‬ ‫ويعرف ما يمكن أن تفعله بها تجربة اعتقالي الول‪.‬‬ ‫ولكنه كان يخفي عّني كل شفقته تلك‪ ،‬مربدبداً لمن يريد سماعه‪" :‬لقد‬ ‫خلقت السجون للرجال"‪.‬‬ ‫وكان سجن )الكديا( وقتها‪ ،‬ككل سجون الشرق الجزائري يعاني فجأة من‬ ‫دمت فيها قسنطينة‬ ‫فائض رجولة‪ ،‬إثر مظاهرات ‪ 8‬ماي ‪ 1945‬التي ق ّ‬ ‫دة آلف‬ ‫وسطيف وضواحيها أول عربون للثورة‪ ،‬متمثل ً في بدفعة أولى من ع ّ‬ ‫من الشهداء سقطوا في مظاهرة واحدة‪ ،‬وعشرات اللف من المساجين‬ ‫الذين ضاقت بهم الزنزانات‪ ،‬مما جعل الفرنسيين يرتكبون أكبر حماقاتهم‪،‬‬ ‫وهو يجمعون لعدة أشهر بين السجناء السياسيين‪ ،‬وسجناء الحق العام‪،‬‬ ‫في زنزانات يجاوز أحياناً عدبد نزلئها العشرين معتق ً‬ ‫ل‪.‬‬ ‫وهكذا‪ ،‬جعلوا عدوى الثورة تنتقل إلى مساجين الحق العام الذين وجدوا‬ ‫فرصة للوعي السياسي‪ ،‬ولغسل شرفهم بالنضمام إلى الثورة التي‬ ‫استشهد بعد ذلك من أجلها الكثير منهم‪ .‬ومازال بعضهم حتى الن على‬ ‫قيد الحياة‪ ،‬يعيش بتكريم ووجاهة القابدة التاريخيين لحرب التحرير‪ ،‬بعدما‬ ‫ل سوابقهم العدلية‪ ..‬لعذريته الولى‪ .‬بينما وجد‬ ‫تكّفل التاريخ بإعابدة سج ّ‬ ‫بعض السجناء السياسيين _ في تلك الحماقة الستعمارية _ فرصة‬ ‫للتعرف على بعض‪ ،‬ووقتاً كافياً للتشاور والتفكير في أمور الوطن‪..‬‬ ‫والتخطيط للمرحلة القابدمة‪.‬‬ ‫اليوم‪ ..‬عندما أذكر تلك التجربة‪ ،‬تبدو لي لكثافتها وبدهشتها‪ ،‬وكأنها أطول‬ ‫مما كانت‪ .‬رغم أنها لم تدم بالنسبة لي سوى ستة أشهر فقط‪ .‬قضيتها‬ ‫هناك قبل أن يطلق سراحي أنا واثنين آخرين لصغر سننا ولنه كان هناك‬ ‫من يهمهم أمرهم‪ ،‬أكثر مّنا‪.‬‬ ‫وهكذا عدت إلى ثانوية قسنطينة‪ ،‬بعدما أخلفت هاماً بدراسيًا‪ ،‬لجد‬ ‫البرنامج نفسه وكتب الفلسفة نفسها والبدب الفرنسي في انتظاري‪..‬‬ ‫وحدهم بعض رفاق الدارسة كانوا ما يزالون ضمن المتغّيبين‪ ،‬بين مساجين‬ ‫وشهداء‪.‬‬ ‫أغلبهم طلبة في الصفوف العليا التي كان مقرراً أن تتخرج منها أول بدفعة‬ ‫من المثقفين والموظفين الجزائريين المفرنسين‪.‬‬ ‫وكان ذلك شرفهم‪ ،‬أولئك الذين راهن البعض على خيانتهم‪ ،‬فقط لنهم‬


‫اختاروا الثانويات والثقافة الفرنسية‪ ،‬في مدينة ل يمكن لحد فيها أن‬ ‫يتجاهل سلطة اللغة العربية‪ ،‬وهيبتها في القلوب والذاكرة‪.‬‬ ‫ذبوا بعد تلك المظاهرات‪،‬‬ ‫فهل عجب أن يكون من بين الذين سجنوا وع ّ‬ ‫الكثير منهم‪ ،‬هم الذين كانوا بحكم ثقافتهم الغربية يتمتعون بوعي‬ ‫سياسي مبكر‪ ،‬وبفائض وطنية‪ ..‬وفائض أحلم‪.‬‬ ‫ن فرنسا‬ ‫والذين أبدركوا‪ ،‬والحرب العالمية تنتهي لصالح فرنسا والحلفاء‪ ،‬أ ّ‬ ‫استعملت الجزائريين‪ ،‬ليخوضوا حرباً لم تكن حربهم‪ ،‬وأنهم بدفعوا آلف‬ ‫الموتى في معارك ل تعنيهم‪ ،‬ليعوبدوا بعد ذلك إلى عبوبديتهم‪.‬‬ ‫كان في مصابدفة وجوبدي مع )سي الطاهر( في الزنزانة نفسها شيء‬ ‫أسطوري بحد ذاته‪ ،‬وتجربة نضالية ظَلت تلحقني لسنوات بكل تفاصيلها‪،‬‬ ‫وربما كان لها بعد لك أثر في تغّير قدري‪ .‬فهناك رجال عندما تلتقي بهم‬ ‫تكون قد التقيت بقدرك‪.‬‬ ‫ل شيء‪ ،‬وكأنه كان يعد نفسه منذ‬ ‫كان )سي الطاهر( استثنائياً في ك ِ ّ‬ ‫البدء‪ ،‬ليكون أكثر من رجل‪.‬‬ ‫لقد خلق ليكون قائدًا‪ .‬كان فيه شيء من سللة طارق بن زيابد‪ ،‬والمير عبد‬ ‫الطارق‪ ،‬وأولئك الذين يمكنهم أن يغيروا التاريخ بخطبة واحدة‪.‬‬ ‫ذبوه وسجنوه لمدة ثلث سنوات يعرفون ذلك‬ ‫وكان الفرنسيون الذين ع ّ‬ ‫ن )سي الطاهر( سيأخذ بثأره منهم بعد ذلك‬ ‫جيدًا‪ .‬ولكنهم كانوا يجهلون أ ّ‬ ‫بسنوات‪ ،‬ويصبح الرأس المطلوب بعد كل عملية يقوم بها المجاهدون في‬ ‫الشرق الجزائري‪.‬‬ ‫ي صدفة‪ ..‬أن يعوبد القدر بعد عشر سنوات تمامًا‪ ،‬ليضعني مع )سي‬ ‫أ ّ‬ ‫طاهر( في تجربة كفاحية مسلحة هذه المّرة!‬ ‫سنة ‪ ..1955‬وفي شهر أيلول بالذات‪ ،‬التحقت بالجبهة‪.‬‬ ‫كان رفاقي يبدأون سنة بدراسية ستكون الحاسمة‪ ،‬وكنت في عامي‬ ‫الخامس والعشرين أبدأ حياتي الخرى‪.‬‬ ‫ن استقبال )سي طاهر( لي فاجأني وقتها‪ .‬لم يسألني عن أّية‬ ‫أذكر أ ّ‬ ‫تفاصيل خاصة عن حياتي أو بدراستي‪ .‬لم يسألني حتى كيف أخذت قرار‬ ‫ل يتأملني قبل أ‪،‬‬ ‫ي طريق سلكت لصل إليه‪ .‬ظ ّ‬ ‫التحاقي بالجبهة‪ ،‬ول أ ّ‬ ‫يحتضنني بشوق وكأّنه كان ينتظرني هناك منذ سنة‪.‬‬ ‫ثم قال‪:‬‬ ‫ جئت‪!..‬‬‫وأجبته بفرح وبحزن غامض معا‪ً:‬‬ ‫‪ -‬جئت!‬


‫كان ) سي الطاهر( هكذا أحيانًا‪ ،‬يكون موجزاً حّتى في فرحته؛ فكنت‬ ‫موجزاً معه في حزني أيضًا‪.‬‬ ‫سألني بعدها عن أخبار الهل‪ ،‬وأخبار ) أّما( بالتحديد‪ ،‬فأجبته أنها توفيت‬ ‫ل شيء‪ ،‬فقد قال وهو يربت على‬ ‫منذ ثلثة أشهر‪ .‬وأعتقد أنه فهم ك ّ‬ ‫كتفي‪ ،‬وشيء شبيه بالدمع يلمع في عينيه‪:‬‬ ‫ رحمها ا‪ ،‬لقد تعذبت كثيرًا‪.‬‬‫ثم ذهب في تفكيره بعيداً إلى حيث ل أبدري‪..‬‬ ‫بعدها حسدت تلك الدمعة المفاجئة في عينيه‪ ،‬والتي رفع بها أمي إلى‬ ‫مرتبة الشهداء‪ .‬فلم يحدث لي أن رأيت )سي الطاهر( يبكي سوى‬ ‫الشهداء من رجاله‪ .‬وتمنيت طويل ً بعد ذلك أن أمدبد جثماناً بين يديه‪،‬‬ ‫لتمتع ولو بعد موتي بدمعة مكابرة في عينيه‪.‬‬ ‫ل هذا تقلصت عائلتي فجأة في شخصه‪ ،‬ورحت أتفانى في إثبات‬ ‫ألك ّ‬ ‫بطولتي له‪ ،‬وكأنني أريد أن أجعله شاهداً على رجولتي أ‪ ,‬على موتي؛‬ ‫شاهداً على أنني لم أعد أنتسب إلى أحد غير هذا الوطن‪ ،‬وأنني لم أترك‬ ‫خلفي سوى قبر لمرأة كانت أمي‪ ،‬وأخٍ يصغرني اختار له أبي مسبقاً امرأة‬ ‫ستصبح أمه‪.‬‬ ‫كنت ألقي بنفسي على الموت في كل مّرة‪ ،‬وكأنني أتحداه أو كأنني أريد‬ ‫بذلك أن يأخذني بدل رفاقي الذين تركوا خلفهم أولبدهم وأهلهم ينتظرون‬ ‫عوبدتهم‪.‬‬ ‫وكنت كل مرة أعوبد أنا ويسقط آخرون‪ ،‬وكأن الموت قرر أن يرفضني‪..‬‬ ‫وكان )سي طاهر( بعد أكثر من معركة ناجحة اشتركت فيها‪ ،‬قد بدأ تدريجياً‬ ‫ي في المهمات الصعبة‪ ،‬ويكلفني بالمهمات الكثر خطورة‪ ،‬تلك‬ ‫يعتمد عل ّ‬ ‫التي تتطلب مواجهة مباشرة مع العدو‪ .‬ورفعني بعد سنتين إلى رتبة‬ ‫ملزم لتمكن من إبدارة بعض المعارك وحدي‪ ،‬وأخذ القرارات العسكرية التي‬ ‫يقتضيها كل ظرف‪.‬‬ ‫بدأت وقتها فقط أتحول على يد الثورة إلى رجل‪ ،‬وكأن الرتبة التي كنت‬ ‫أحملها قد منحتني شهابدة بالشفاء من ذاكرتي‪ ..‬وطفولتي‪.‬‬ ‫وكنت آنذاك سعيداً وقد بلغت أخيراً تلك الطمأنينة النفسية التي ل تمنحنا‬ ‫إياها سوى راحة الضمير‪.‬‬ ‫ن القدر كان يتربص بي‬ ‫ن طموحاتي ل علقة لها بالمكتوب وأ ّ‬ ‫لم أكن أعي أ ّ‬ ‫في ذلك الوقت الذي كنت أعتقد فيه أن ل شيء بعد اليوم يمكن أن‬ ‫يعيدني إلى حزني السابق‪.‬‬ ‫وجاءت تلك المعركة الضارية التي بدارت على مشارف "باتنة" لتقلب يوماً‬ ‫كل شيء‪..‬‬ ‫فقد فقدنا فيها ستة مجاهدين‪ ،‬وكنت فيها أنا من عدابد الجرحى بعدما‬


‫اخترقت ذراعي اليسرى رصاصتان‪ ،‬وإذا بمجرى حياتي يتغير فجأة‪ ،‬وأنا أجد‬ ‫نفسي من ضمن الجرحى الذين يجب أن ينقلوا على وجه السرعة إلى‬ ‫الحدوبد التونسية للعلج‪ .‬ولم يكن العلج بالنسبة لي‪ ..‬سوى بتر ذراعي‬ ‫اليسرى‪ ،‬لستحالة استئصال الرصاصتين‪ .‬ولم يكن هناك من مجال‬ ‫للنقاش أو التربدبد‪ .‬كان النقاش فقط‪ ،‬حول الطرق المنة التي يمكن أن‬ ‫نسلكها حتى تونس‪ ،‬حيث كانت القواعد الخلفية للمجاهدين‪.‬‬ ‫وها أنذا أمام واقع آخر‪..‬‬ ‫ها هو ذا القدر يطربدني من ملجأي الوحيد‪ ،‬من الحياة والمعارك الليلية‪،‬‬ ‫ويخرجني من السرية إلى الضوء‪ ،‬ليضعني أمام ساحة أخرى‪ ،‬ليست‬ ‫للموت وليست للحياة‪ .‬ساحة لللم فقط‪ ..‬وشرفة أتفرج منها على ما‬ ‫يحدث في ساحة القتال‪ .‬فلقد بدا واضحاً من كلم )سي طاهر( يومها‪،‬‬ ‫أنني قد ل أعوبد إلى الجبهة مّرة ثانية‪.‬‬ ‫في ذلك اليوم الخير‪ ،‬حاول )سي طاهر( أن يحافظ على نبرته الطبيعية‪،‬‬ ‫وراح كما كان يوبدعني كل مرة قبل معركة جديدة‪ .‬ولكن هذه المرة كان‬ ‫دني لتحمل معركتي مع القدر‪.‬‬ ‫يدري أنه يع ّ‬ ‫غير أنه كان موجزاً على غير عابدته‪ ،‬ربما‪ ..‬لنه ليس هناك من تعليمات‬ ‫خاصة تعطى في هذه الحالت‪ ..‬وربما لنه كان يتكبد يومها أكبر خسارة‬ ‫بشرية ويفقد في معركة واحدة عشرة من خيرة رجاله بين جرحى وقتلي‪.‬‬ ‫ل مجاهد وحاجة الثورة‬ ‫وكان يدري‪ ،‬والثورة مطوقة من كل جانب‪ ،‬قيمة ك ّ‬ ‫إلى كل رجل على حدة‪.‬‬ ‫ولم أقل له شيئاً ذلك اليوم‪..‬‬ ‫كنت أشعر‪ ،‬لسبب غامض‪ ،‬أنني أصبحت يتيماً مرة أخرى‪.‬‬ ‫ي‪ .‬كنت أنزف‪ ،‬وكان ألم ذراعي ينتقل‬ ‫كانت بدمعتان قد تجمدتا في عين ّ‬ ‫صة الخيبة واللم‪..‬‬ ‫تدريجياً إلى جسدي كله‪ ،‬ويستقر في حلقي غصة‪ .‬غ ّ‬ ‫والخوف من المجهول‪.‬‬ ‫ى جديداً بين ساعة‬ ‫كانت الحداث تجري مسرعة أمامي‪ ،‬وقدري يأخذ منح ً‬ ‫وأخرى‪ ،‬ووحده صوت )سي طاهر( وهو يعطي تعليماته الخيرة‪ ،‬كان يصل‬ ‫ي حيث كان‪ ،‬ليصبح صلتي الوحيدة مع العالم‪.‬‬ ‫إل ّ‬ ‫وبرغم ذلك‪ ،‬مازلت أذكر تماماً حضوره الخير‪ ،‬عندما جاء يتفقدني قبل‬ ‫سفري بساعة‪ ،‬ووضع ورقة صغيرة في جيبي وبعض الوراق النقدية‪ ،‬وقال‬ ‫ي وكأنه يوبدعني سرًا‪:‬‬ ‫وهو ينحني عل ّ‬ ‫در لك أن تصل إلى هناك‪ ..‬أتمنى أن تذهب لزيارتهم حين تشفى‬ ‫"لقد ُق ّ‬ ‫وتسّلم هذا المبلغ إلى )أّما( لتشتري به هدية للصغيرة‪ ،‬وأوبد أيضاً أن تقوم‬


‫بتسجيلها في بدار البلدية لو استطعت ذلك‪ ..‬فقد يمر وقت طويل قبل أ‪،‬‬ ‫أتمكن من زيارتهم‪."..‬‬ ‫وعابد بعد لحظات وكأنه نسي شيئاً ليضيف شبه مرتبك وهو يلفظ ذلك‬ ‫السم لول مرة‪..‬‬ ‫"‪ ..‬لقد اخترت لها هذا لسم‪ ..‬سجلها متى استطعت ذلك وقّبلها عني‪..‬‬ ‫وسّلم كثيراً على )أّما(‪"..‬‬ ‫كانت تلك أول مرة سمعت فيها اسمك‪ ..‬سمعته وأنا في لحظة نزيف بين‬ ‫الموت والحياة‪ ،‬فتعلقت في غيبوبتي بحروفه‪ ،‬كما يتعلق محموم في‬ ‫لحظة هذيان بكلمة‪..‬‬ ‫كما يتعلق رسول بوصية يخاف أن تضيع منه‪..‬‬ ‫كما يتعلق غريق بحبال الحلم‪.‬‬ ‫بين ألف اللم وميم المتعة كان اسمك‪.‬‬ ‫تشطره حاء الحرقة‪ ..‬ولم التحذير‪ .‬فكيف لم أحذر اسمك الذي ولد وسط‬ ‫الحرائق الولى‪ ،‬شعلة صغيرة في تلك الحرب‪ .‬كيف لم أحذر اسماً يحل‬ ‫ضده ويبدأ بـ "أح" اللم واللذة معًا‪ .‬كيف لم أحذر هذا السم المفربد _‬ ‫الجمع كاسم هذا الوطن‪ ،‬وأبدرك منذ البدء أن الجمع خلق بدائماً ليقتسم!‬ ‫بين البتسام والحزن‪ ،‬يحدث اليوم أن أستعيد تلك الوصية‪:‬‬ ‫"قّبلها عني‪ "..‬وأضحك من القدر‪ ،‬وأضحك من نفسي‪ ،‬ومن غرابة‬ ‫المصابدفات‪.‬‬ ‫م أعوبد وأخجل من وقار صوته‪ ،‬ومن مسحة الضعف النابدرة التي غّلفت‬ ‫ث ّ‬ ‫جملته تلك‪ ،‬هو الذي كان يريد أن يبدو أمامنا بدائمًا‪ ،‬رجل ً مهيباً ل هموم له‬ ‫سوى هموم الوطن‪ ،‬ول أهل له غير رجاله‪..‬‬ ‫ن ويشتاق وقد يبكي ولكن‪ ،‬في حدوبد‬ ‫لقد اعترف لي أّنه رجل ضعيف؛ يح ّ‬ ‫ق الرموز أن تبكي شوقًا‪.‬‬ ‫الحياء‪ ،‬وسراً بدائمًا‪ .‬فليس من ح ّ‬ ‫ك مث ً‬ ‫ن إليها‪ ،‬هي العروس التي لم يتمتع بها‬ ‫إنه لم يذكر أم ِ‬ ‫ل‪ ..‬تراه لم يح ّ‬ ‫غير أشهر مسروقة من العمر وتركها حام ً‬ ‫ل‪.‬‬ ‫ولماذا هذا الستعجال المفاجئ؟ لماذا ل ينتظر بعض الوقت ليرِّتب قضية‬ ‫ك؟‬ ‫غيابه ليام‪ ،‬ويقوم هو نفسه بتسجيل ِ‬ ‫لقد انتظر ستة أشهر‪ ،‬فلماذا ل ينتظر أسابيع أخرى‪ ..‬ولماذا أنا بالذات‪..‬‬ ‫ي قدر جعلني أحضر إلى هناك بتوقيتك؟‬ ‫أ ّ‬ ‫كلما طرحت على نفسي هذا السؤال‪ ،‬بدهشت له وآمنت بالمكتوب‪.‬‬ ‫فقد كان بإمكان )سي طاهر( برغم مسؤولياته أن يهرب ليوم أو ليومين‬


‫إلى تونس‪ .‬ولم تكن قضية عبور الحدوبد بحراستها المشدبدة وبدورياتها‬ ‫وكمائنها لتخيفه‪ ،‬ول حتى اجتياز )خط موريس( المكهرب والمفروش‬ ‫باللغام‪ ،‬والممتد بين الحدوبد التونسية الجزائرية من البحر إلى الصحراء‪،‬‬ ‫والذي اجتازه فيما بعد ثلث مرات‪ ،‬وهو رقم قياسي بالنسبة لعشرات‬ ‫المجاهدين الذين تركوا جثثهم على امتدابده‪.‬‬ ‫ب )سي طاهر( للنضباط‪ ،‬واحترامه للقوانين هو الذي خلق عنده‬ ‫أكان ح ّ‬ ‫ذلك الشعور بالقلق بعد ميلبدك‪ ،‬وهو يكتشف عاجزاً أنه أب منذ شهور‬ ‫لطفلة لم يمنحها اسمًا‪ ،‬ولم يتمكن حتى من تسجيلها؟‬ ‫أم كان يخاف‪ ،‬هو الذي انتظرك طوي ً‬ ‫ل‪ ،‬أن تضيعي منه إن هو لم يرسخ‬ ‫وجوبدك وانتسابك له على ورقة رسمية عليها ختم رسمي؟‬ ‫أكان يتشاءم من وضعك القانوني هذا‪ ،‬ويريد أن يسجل أحلمه في بدار‬ ‫ن القدر لن يعوبد ليأخذها‬ ‫البلدية‪ ،‬ليتأكد من أنها تحولت إلى حقيقة‪ ..‬وأ ّ‬ ‫منه‪ ،‬هو الذي كان حلمه في النهاية أن يصبح أباً كالخرين بعد محاولة زواج‬ ‫فاشلة لم يرزق منها ذّرية؟‬ ‫ضل لو كان مولوبده صبي ًّا‪..‬‬ ‫ول أبدري إذا كان )سي الطاهر( في أعماقه يف ّ‬ ‫أبدري فقط‪ ،‬كما علمت فيما بعد‪ ،‬أنه حاول أن يتحايل على القدر وأن يترك‬ ‫قبل سفره اسماً احتياطياً لصبي‪،‬متجاهل ً احتمال مجيء أنثى‪ .‬وربما فعل‬ ‫ذلك أيضاً بعقلية عسكرية‪ ،‬وبهاجس وطني بدون أن يدري‪ ..‬فقد كانت‬ ‫أحابديثه وخططه العسكرية تبدأ غالباً بتلك الجملة التي كثيراً ما سمعته‬ ‫يرِّبدبدها "لزمنا رجال يا جماعة‪"..‬‬ ‫ل شيء في تلك‬ ‫إذن‪ ،‬لهذا كان )سي طاهر( يبدو سعيداً ومتفائل ً في ك ّ‬ ‫الفترة‪..‬‬ ‫فجأة تغّير الرجل الصلب‪ .‬أصبح أكثر مرونة وأكثر بدعابة في أوقات فراغه‪.‬‬ ‫شيء ما كان يتغير تدريجياً بداخله‪ ،‬ويجعله أقرب إلى الخرين‪ ،‬وأكثر تفهماً‬ ‫لوضاعهم الخاصة‪.‬‬ ‫فقد أصبح يمنح البعض بسهولة أكثر تسريحات لزيارة خاطفة يقومون بها‬ ‫إلى أهلهم‪ ،‬هو الذي كان يبخل بها على نفسه‪ .‬لقد غّيرته البّوة‬ ‫المتأخرة‪ ،‬التي جاءت رمزاً جاهزاً لمستقبل أجمل‪..‬‬ ‫ت‪.‬‬ ‫معجزة صغيرة للمل‪ ..‬كانت أن ِ‬


‫* الجمل المكتوبة بخط مميز مأخوذة عن تواطؤ شعري من روايتي مالك حداد "سأهبك غزالة" و‬ ‫"رصيف الزهار لم يعد يجيب‪.‬‬

‫طلع صباح آخر‪..‬‬ ‫وها هو ذا النهار يفاجئني بضجيجه العتيابدي‪ ،‬وبضوئه المباغت الذي يدخل‬ ‫النور إلى أعماقي غصباً عني‪ ،‬فأشعر أنه يختلس شيئاً مني‪.‬‬ ‫في هذه اللحظة‪ ..‬أكره هذا الجانب الفضولي والمحرج للشمس‪.‬‬ ‫أريد أن أكتب عنك في العتمة‪ .‬قصتي معك شريط مصور أخاف أن يحرقه‬ ‫الضوء ويلغيه‪ ،‬لنك امرأة نبتت في بدهاليزي السرية‪..‬‬ ‫لنك امرأة امتلكتها بشرعية السرية‪..‬‬ ‫ل الستائر‪ ،‬وأغلق نوافذ غرفتي‪.‬‬ ‫ل بد أن أكتب عنك بعد أن أسدل ك ّ‬ ‫ورغم ذلك‪ ..‬يسعدني في هذه اللحظة منظر الوراق المكدسة أمامي‪،‬‬ ‫والتي ملتها البارحة‪ ،‬في ليلة نذرتها للجنون‪ .‬فقد أهديتها لك مغّلفة‬ ‫بصورة مهذبة في كتاب‪..‬‬ ‫وأبدري‪..‬‬ ‫ذبة جدًا‪ ..‬وأّنك أنانية جدًا‪ ..‬وأن ل شيء‬ ‫أبدري أّنك تكرهين الشياء المه ّ‬ ‫يعنيك في النهاية‪ ،‬خارج حدوبدك أنت‪ ..‬وجسدك أنت‪.‬‬ ‫ولكن قليل ً من الصبر سّيدتي‪.‬‬ ‫صفحات أخرى فقط‪ ..‬ثم أعِّري أمامك ذاكرتي الخرى‪ .‬صفحات أخرى ل بد‬ ‫ب‪..‬‬ ‫منها‪ ،‬قبل أن أملك غرورًا‪ ..‬وشهوة‪ ..‬وندماً وجنونًا‪ .‬فالكتب كوجبات الح ّ‬ ‫ن "المقدمات" ليست‬ ‫دمات أيضًا‪ ..‬وإن كنت أعترف أ ّ‬ ‫د لها من مق ّ‬ ‫لب ّ‬ ‫مشكلتي الن بقدر ما يربكني البحث عن منطلق لهذه القصة‪.‬‬ ‫من أين أبدأ قصتي معك؟‬ ‫دة بدايات‪ ،‬تبدأ مع النهايات غير المتوقعة ومع مقالب القدر‪.‬‬ ‫ولقصتك معي ع ّ‬ ‫من تراني أتحّدث؟ أعن طفلة كانت تحبو يوماً عند‬ ‫وعندما أتحدث عنك‪ ..‬ع ّ‬ ‫قدمي‪ ..‬أم عن صبية قلبت بعد خمس وعشرين سنة حياتي‪ ..‬أم عن امرأة‬ ‫تكابد تشبهك‪ ،‬أتأملها على غلف كتاب أنيق عنوانه "منعطف النسيان" ‪..‬‬ ‫ت؟‬ ‫وأتساءل‪ :‬أتراها حقًا‪ ..‬أن ِ‬ ‫وعندما أسميك فبأي اسم؟‬ ‫ُترى أبدعوك بذلك السم الذي أرابده والدك‪ ،‬وذهبت بنفسي لسجله نيابة‬ ‫عنه في سجلت البلدية‪ ،‬أم باسمك الول‪ ،‬ذلك الذي حملته خلل ستة‬ ‫أشهر في انتظار اسم شرعي آخر؟‬


‫"حياة"‪..‬‬ ‫سأبدعوك هكذا‪ ..‬ليس هذا اسمك على كل حال‪ .‬إنه أحد أسمائك فقط‪..‬‬ ‫فلسميّنك به إذن مابدام هذا السم الذي عرفتك به‪ ،‬والسم الذي أنفربد‬ ‫جل على صفحات‬ ‫بمعرفته‪ .‬اسمك غير المتداول على اللسنة‪ ،‬وغير المس ّ‬ ‫ي سجلت رسمية‪.‬‬ ‫الكتب والمجلت‪ ،‬ول في أ ّ‬ ‫السم الذي ُمنحته لتعيشي وليمنحك ا الحياة والذي قتلته أنا ذات يوم‪،‬‬ ‫وأنا أمنحك اسماً رسمياً آخر‪ ،‬ومن حقي أن أحييه اليوم‪ ،‬لنه لي ولم‬ ‫ك رجل قبلي يه‪.‬‬ ‫ُيناِبد ِ‬ ‫اسمك الطفولي الذي يحبو على لساني‪ ،‬وكأنك أنت منذ خمس وعشرين‬ ‫سنة‪ .‬وكلما لفظته‪ ،‬عدت طفلة تجلس على ركبتي وتعبث بأشيائي وتقول‬ ‫لي كلماً ل أفهمه‪..‬‬ ‫ل خطاياك‪.‬‬ ‫فأغفر لك لحظتها ك ّ‬ ‫كلما لفظته تدحرجت إلى الماضي‪ ،‬وعدت صغيرة في حجم بدمية‪ ..‬وإذا بك‬ ‫ابنتي‪.‬‬ ‫هل أقرأ كتابك لعرف كيف تحولت تلك الطفلة الصغيرة إلى امرأة؟ ولكّنني‬ ‫أعرف مسبقاً أنك لن تكتبي عن طفولتك‪ ..‬ول عن سنواتك الولى‪.‬‬ ‫أنت تملئين ثقوب الذاكرة الفارغة بالكلمات فقط‪ ،‬وتتجاوزين الجراح بالكذب‪،‬‬ ‫وربما كان هذا سر تعلقك بي؛ أنا الذي أعرف الحلقة المفقوبدة من عمرك‪،‬‬ ‫وأعرف ذلك الب الذي لم تريه سوى مّرات قليلة في حياتك‪ ،‬وتلك المدينة‬ ‫التي كنت تسكنينها ول تسكنك‪ ،‬وتعاملين أز َّقتها بدون عشق‪ ،‬وتمشين‬ ‫وتجيئين على ذاكرتها بدون انتباه‪.‬‬ ‫ت بي لتكتشفي ما تجهلينه‪ ..‬وأنا الذي تعّلقت بك لنسى‬ ‫أنت التي تعلق ِ‬ ‫ما كنت أعرفه‪ ..‬أكان ممكناً لحبنا أن يدوم؟‬ ‫كان )سي طاهر( طرفاً ثالثاً في قصتنا من البدء حتى عندما ل نتحدث‬ ‫عنه‪ ،‬كان بيننا حاضراً بغيابه‪ ،‬فهل أقتله مرة ثانية لتفّربد بك؟‬ ‫آه لو تدرين‪ ..‬لو تدرين ما أثقل حمل الوصايا‪ ،‬حّتى بعد ربع قرن‪ ،‬وما أوجع‬ ‫الشهوة التي يواجهها أكثر من مستحيل وأكثر من مبدأ فل يزيدها في‬ ‫النهاية إل ‪ ...‬اشتهاء!‬ ‫كان السؤال منذ البداية‪..‬‬ ‫كيف لي أن ألغي )سي طاهر( م ذاكرتي‪ ،‬وألغي عمره من عمري‪ ،‬لمنح‬ ‫حّبنا فرصة ولبدة طبيعية؟‬ ‫ولكن‪ ..‬ما الذي سيبقى وقتها‪ ،‬لو أخرجتك من ذاكرتنا المشتركة وحولتك‬


‫إلى فتاة عابدية؟‬ ‫كان والدك رفيقاً فوق العابدة ‪ ..‬وقائداً فوق العابدة‪.‬‬ ‫كان استثنائياً في حياته وفي موته‪ .‬فهل أنسى ذلك؟‬ ‫لم يكن من المجاهدين الذين ركبوا الموجة الخيرة‪ ،‬لضمنوا مستقبلهم‪،‬‬ ‫مجاهدي )‪ (62‬وأبطال المعارك الخيرة‪ .‬ول كان من شهداء المصابدفة‪،‬‬ ‫الذين فاجأهم الموت في قصف عشوائي‪ ،‬أو في رصاصة خاطئة‪.‬‬ ‫كان من طينة بديدوش مرابد‪ ،‬ومن عجينة العربي بن مهيدي‪ ،‬ومصطفى بن‬ ‫بولعيد‪ ،‬الذين كانوا يذهبون إلى الموت ول ينتظرون أن يأتيهم‪.‬‬ ‫فهل أنسى أّنه والدك‪ ..‬وسؤالك الدائم يعيد لسمه هيبته حياً وشهيدًا؟‬ ‫د الجنون‪ .‬ويبقى صدى سؤالك مائ ً‬ ‫ل‪" ...‬حدثني‬ ‫فيرتبك القلب الذي أحّبك ح ّ‬ ‫عنه‪"..‬‬ ‫سأحدثك عنه حبيبتي‪ ..‬فل أسهل من الحديث عن الشهداء‪ .‬تاريخهم‬ ‫جاهز ومعروف مسبقاً كخاتمتهم‪ .‬ونهايتهم تغفر لهم ما يمكن أن يكونوا قد‬ ‫ارتكبوا من أخطاء‪.‬‬ ‫دثك عن )سي طاهر(‪..‬‬ ‫سأح ِّ‬ ‫فوحده تاريخ الشهداء قابل للكتابة‪ ،‬وما تله تاريخ آخر يصابدر الحياء‪.‬‬ ‫وسيكتبه جيل لم يعرف الحقيقة ولكنه سيستنتجها تلقائيًا‪ ..‬فهناك علمات‬ ‫ل تخطئ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫مات )سي طاهر( طاهرا على عتبات الستقلل‪ .‬ل شيء في يده غير‬ ‫سلحه‪ .‬ل شيء في جيوبه غير أوراق ل قيمة لها‪ ..‬ل شيء على أكتافه‬ ‫سوى وسام الشهابدة‪.‬‬ ‫الرموز تحمل قيمتها في موتها‪..‬‬ ‫ووحدهم الذين ينوبون عنهم‪ ،‬يحملون قيمتهم في رتبهم وأوسمتهم‬ ‫الشرفّية‪ ،‬وما ملوا به جيوبهم على عجل من حسابات سّرية‪.‬‬ ‫ست ساعات من الحصار والتطويق‪ ،‬ومنن القصف المرّكز لدشرة بأكملها‬ ‫ليتمكن قتلته من نشر صورته على صفحات جرائد الغد كدليل على‬ ‫انتصاراتهم الساحقة على أحد المخّربين و "الفّلقة" الذين أقسمت فرنسا‬ ‫أن تأتي عليهم‪..‬‬ ‫أكان حقاً موت ذلك الرجل البسيط انتصاراً لقوة عظمى‪ ،‬كانت ستخسر بعد‬ ‫بضعة أشهر الجزائر بأكملها؟!‬ ‫استشهد هكذا في صيف ‪ ،1960‬بدون أن يتمتع بالنصر ول بقطف ثماره‪.‬‬ ‫ل شيء‪ ،‬ولم تعطه حتى فرصة أن يرى ابنه‬ ‫ها هو رجل أعطى الجزائر ك ّ‬ ‫يمشي إلى جواره‪..‬‬ ‫أو يراك أنت ربما طبيبة أو أستاذة كما كان يحلم‪.‬‬


‫كم أحّبك ذلك الرجل!‬ ‫بجنون أبّوة الربعين‪ ..‬بحنان الذي كان يخفي خلف صرامته الكثير من‬ ‫الحنان‪ ،‬بأحلم الذي صوبدرت منه الحلم‪ ،‬بزهو المجاهد الذي أبدرك وهو‬ ‫يرى مولده الول‪ ،‬أنه لن يموت تماماً بعد اليوم‪.‬‬ ‫مازلت أذكر المّرات القليلة التي كان يحضر فيها إلى تونس لزيارتكم خلسة‬ ‫ليوم واحد أو ليومين‪.‬‬ ‫ً‬ ‫هفا لسماع آخر الخبار‪ ،‬وتطورات الحداث على‬ ‫وكنت وقتها أسرع إليه متل ِّ‬ ‫الجبهة‪ .‬وأنا أجهد نفسي في الوقت نفسه حتى ل أسرق منه تلك‬ ‫الساعات القليلة النابدرة‪ ،‬التي كان يغامر بحياته ليقضيها برفقة عائلته‬ ‫الصغيرة‪.‬‬ ‫كنت أندهش وقتها‪ ،‬وأنا أكتشف فيه رجل ً آخر ل أعرفه‪.‬‬ ‫رجل بثياب أخرى‪ ،‬بابتسامة وكلمات أخرى‪ ،‬وبجلسة يسهل له فيها‬ ‫إجلسك على ركبته طوال الوقت لملعبتك‪.‬‬ ‫كان يعيش كل لحظة بأكملها‪ ،‬وكأنه يعتر من الزمن الشحيح كل قطرات‬ ‫السعابدة؛ وكأنه يسرق من العمر مسبقًا‪ ،‬ساعات يعرفها معدوبدة؛ ويمنحك‬ ‫مسبقاً من الحنان زابدك لعمر كامل‪.‬‬ ‫كانت آخر مرة رأيته فيها‪ ،‬في يناير سنة ‪ .1960‬وكان حضر ليشهد أهم‬ ‫حدث في حياته؛ ليتعرف على مولوبده الثاني "ناصر"‪ ،‬فقد كانت أمنيته‬ ‫السرية أن ُيرزق يوماً بكر‪ .‬يومها لسبب غامض تأملته كثيرًا‪ ..‬وحّدثته قلي ً‬ ‫ل‪..‬‬ ‫ضلت أن أتركه لفرحته تلك‪ ،‬ولسعابدته المسروقة‪ .‬وعندما عدت في الغد‪،‬‬ ‫وف ّ‬ ‫قيل لي إّنه عابد إلى الجبهة على عجل مؤكداً أنه سيعوبد قريباً لمدة أطول‪.‬‬ ‫ولم يعد‪..‬‬ ‫انتهى بعد ذلك كرم القدر البخيل‪ .‬فقد استشهد )سي طاهر( بعد بضعة‬ ‫أشهر بدون أن يتمكن من رؤية ابنه مّرة ثانية‪.‬‬ ‫كان ناصر آنذاك ينهي شهره الثامن‪ ،‬وأنت تدخلين عامك الخامس‪.‬‬ ‫ل يوم‪ .‬وتتقاطع مع موته‬ ‫وكان الوطن في صيف ‪ 1960‬بركاناً يموت ويولد ك ّ‬ ‫وميلبده‪ ،‬أكثر من قصة‪ ،‬بعضها مؤلم وبعضها مدهش‪..‬‬ ‫وبعضها يأتي متأخراً كما جاءت قصتي التي تقاطعت يومها معك‪.‬‬ ‫قصة فرعية‪ ،‬كتبت مسبقاً وحولت مسار حياتي بعد عمر بأكمله‪ ،‬بحكم‬ ‫شيء قد يكون اسمه القدر‪ ،‬وقد يكون العشق الجنوني‪..‬‬ ‫ل مبابدئنا وقيمنا السابقة‪.‬‬ ‫ذاك الذي يفاجئنا من حيث ل نتوقع‪ ،‬متجاهل ً ك ّ‬ ‫والذي يأتي متأخرًا‪ ..‬في تلك اللحظة التي ل نعوبد ننتظر فيها شيئًا؛ وإذا به‬ ‫ل شيء‪.‬‬ ‫يقلب فينا ك ّ‬ ‫فهل يمكن لي اليوم‪ ،‬بعدما قطعت بيننا اليام جسور الكلم‪ ،‬أن أقاوم هذه‬ ‫الرغبة الجنونية لكتابة هاتين القصتين معًا‪ ،‬كما عشتهما معك وبدونك‪ ،‬بعد‬ ‫ذلك بسنوات‪..‬‬


‫د الموت‪.‬‬ ‫رغبًة‪ ..‬وعشقًا‪ ..‬وحلمًا‪ ..‬وحقدًا‪ ..‬وغيرًة‪ ..‬وخيبًة‪ ..‬وفجائع ح ّ‬ ‫ي‪..‬‬ ‫أنت التي كنت تحّبين الستماع إل ّ‬ ‫وتقلبينني كدفتر قديم للدهشة‪.‬‬ ‫كان ل بد أن أكتب من أجلك هذا الكتاب‪ ،‬لقول لك ما لم أجد مّتسعاً من‬ ‫العمر لقوله‪.‬‬ ‫سأحدثك عن الذين أحّبوك لسباب مختلفة‪ ،‬وخنتهم لسباب مختلفة‬ ‫أخرى‪.‬‬ ‫سأحدثك حتى عن زيابد‪ ،‬أما كنت تحِّبين الحديث عنه وتراوغين؟‬ ‫ل منا قدره‪.‬‬ ‫لم يعد من ضرورة الن للمراوغة‪ ..‬لقد اختار ك ّ‬ ‫سأحدثك عن تلك المدينة التي كانت طرفاً في حّبنا‪ ،‬والتي أصبحت بعد‬ ‫ذلك سبباً في فراقنا‪ ،‬وانتهي فيها مشهد خرابنا الجميل‪.‬‬ ‫م تراك ستتحدثين؟‬ ‫فع ّ‬ ‫ن مّنا أحببت؟‬ ‫ي رجل مّنا تراك كتبت؟ َم ْ‬ ‫عن أ ّ‬ ‫ومن‪ ..‬مّنا ستقتلين؟‬ ‫ً‬ ‫ب‪ ،‬وذاكرة بأخرى‪،‬‬ ‫ولمن تراك أخلصت‪ ،‬أنت التي تستبدلين حب ّا بح ّ‬ ‫ومستحيل ً بمستحيل؟‬ ‫وأين أنا في قائمة عشقك وضحاياك؟‬ ‫تراني أشغل المكانة الولى‪ ،‬لنني أقرب إلى النسخة الولى؟‬ ‫تراني النسخة المزورة لـ )سي طاهر( تلك التي لم يحّولها الستشهابد‬ ‫إلى نسخة طبق الصل؟‬ ‫تراني البوة المزورة‪ ..‬أم الحب المزّور؟‬ ‫أنت التي _كهذا الوطن_ تحترفين تزوير الوراق وقلبها‪ ..‬بدون جهد‪.‬‬ ‫كان "مونتيرلن" يقول‪:‬‬ ‫هر‬ ‫دعي كراهيته‪ ،‬فل تقل إّنك تكرهه‪ :‬أنت تع ّ‬ ‫"إذا كنت عاجزاً عن قتل من ت ّ‬ ‫هذه الكلمة!"‪.‬‬ ‫د أن أكتب‬ ‫بدعيني أعترف لك أنني في هذه اللحظة أكرهك‪ ،‬وأّنه كان ل ب ّ‬ ‫هذا الكتاب لقتلك به أيضًا‪ .‬بدعيني أجّرب أسلحتك‪..‬‬ ‫دسات محشّوة بالكلمات‬ ‫فربما كنت على حق‪ ..‬ماذا لو كانت الروايات مس ّ‬ ‫القاتلة ل غير؟‪.‬‬ ‫ولو كانت الكلمات رصاصاً أيضا؟ً‬ ‫ولكّنني لن أستعمل معك مسدساً بكاتم صوت‪ ،‬على طريقتك‪.‬‬


‫ل هذه الحتياطات‪.‬‬ ‫ل يمكن لرجل يحمل السلح بعد هذا العمر‪ ،‬أن يأخذ ك ّ‬ ‫أريد لموتك وقعاً مدوياً قدر المكان‪..‬‬ ‫فأنا أقتل معك أكثر من شخص‪ ،‬كان ل بد أن يجرؤ أحد على إطلق النار‬ ‫عليهم يومًا‪.‬‬ ‫فاقرأي هذا الكتاب حتى النهاية‪ ،‬بعدها قد تكّفين عن كتابة الروايات‬ ‫الوهمية‪.‬‬ ‫وطالعي قصتنا من جديد‪..‬‬ ‫بدهشة بعد أخرى‪ ،‬وجرحاً بعد آخر‪ ،‬فلم يحدث لبدبنا التعيس هذا‪ ،‬أن عرف‬ ‫قصة أروع منها‪..‬‬ ‫ول شهد خراباً أجمل‪.‬‬

‫الفصل الثاني‬

‫كان يوم لقائنا يوماً للدهشة‪..‬‬ ‫لم يكن القدر فيه هو الطرف الثاني‪ ،‬كان منذ البدء الطرف الول‪ .‬أليس هو‬ ‫الذي أتى بنا من مدن أخرى‪ ،‬من زمن آخر وذاكرة أخرى‪ ،‬ليجمعنا في قاعة‬ ‫بباريس‪ ،‬في حفل افتتاح معرض للرسم؟‬ ‫يومها كنت أنا الرسام‪ ،‬وكنت أنت زائرة فضولية على أكثر من صعيد‪.‬‬ ‫لم تكوني فتاة تعشق الرسم على وجه التحديد‪ .‬ول كنت أنا رجل ً يشعر‬ ‫بضعف تجاه الفتيات اللئي يصغرنه عمرًا‪ .‬فما الذي قابد خطاك هناك ذلك‬ ‫اليوم؟‪ ..‬وما الذي أوقف نظري طويل ً أمام وجهك؟‬ ‫كنت رجل ً تستوقفه الوجوه‪ ،‬لن وجوهنا وحدها تشبهنا‪ ،‬وحدها تفضحنا‪،‬‬ ‫ب أو أكره بسبب وجه‪.‬‬ ‫ولذا كنت قابدراً على أن أح ّ‬ ‫وبرغم ذلك‪ ،‬لست من الحماقة لقول إنني أحبتك من النظرة الولى‪.‬‬ ‫يمكنني أن أقول إنني أحبتك‪ ،‬ما قبل النظرة الولى‪.‬‬ ‫ي‬ ‫كان فيك شيء ما أعرفه‪ ،‬شيء ما يشدني إلى ملمحك المحببة إل ّ‬ ‫مسبقًا‪ ،‬وكأنني أحببت يوماً امرأة تشبهك‪ .‬أو كأنني كنت مستعداًَ منذ‬ ‫ب امرأة تشبهك تمامًا‪.‬‬ ‫الزل لح ّ‬ ‫ل الوجوه‪ ،‬وثوبك البيض المتنّقل من لوحة إلى‬ ‫كان وجهك يطاربدني بين ك ّ‬ ‫أخرى‪ ،‬يصبح لون بدهشتي وفضولي‪..‬‬ ‫واللون الذي يؤّثث وحده تلك القاعة الملى‪ ..‬بأكثر من زائر وأكثر من لون‪.‬‬


‫ن لم نكن نحّبه بالضرورة!_‬ ‫ب أيضاً من لو ٍ‬ ‫ هل يولد الح ّ‬‫وفجأة اقترب اللون البيض مّني‪ ،‬وراح يتحدث بالفرنسية مع فتاة أخرى لم‬ ‫ألحظها من قبل‪..‬‬ ‫رّبما لن البيض عندما يلبس شعراً طويل ً حالكًا‪ ،‬يكون قد غ ّ‬ ‫طى على كل‬ ‫اللوان‪..‬‬ ‫قال البيض وهو يتأمل لوحة‪:‬‬ ‫ ‪!..Je prefere l'abstrait‬‬‫وأجاب اللون الذي ل لون له‪:‬‬ ‫ ‪.moi je prefere comprendre ce que je vois‬‬‫ل ما‬ ‫ولم تدهشني حماقة اللون الذي ل لون له‪ ،‬عندما يف ّ‬ ‫ضل أن يفهم ك ّ‬ ‫يرى‪..‬‬ ‫ضل الغموض!‬ ‫أبدهشني اللون البيض فقط‪ ..‬فليس من طبعه أن يف ّ‬ ‫قبل ذلك اليوم‪ ،‬لم يحدث أن انحزت للون البيض‪.‬‬ ‫لم يكن يوماً لوني المفضل‪ ..‬فأنا أكره اللوان الحاسمة‪.‬‬ ‫ولكنني آنذاك انحزت إليك بدون تفكير‪.‬‬ ‫ت‪:‬‬ ‫ووجدتني أقول لتلك الفتاة‪ ،‬وكأنني أواصل جملة بدأتها أن ِ‬ ‫ل ما نفهمه!‬ ‫ الفن هو كل ما يهزنا‪ ..‬وليس بالضرورة ك ّ‬‫ي معاً بشيء من الدهشة‪ ،‬وقبل أن تقولي شيئًا‪ ،‬كانت عيناك‬ ‫نظرتما إل ّ‬ ‫مه بحياء‬ ‫تكتشفان في نظرة خاطفة‪ ،‬ذراع جاكيتي الفارغة والمختبئ ك ّ‬ ‫في جيب سترتي‪.‬‬ ‫كانت تلك بطاقة تعريفي وأوراقي الثبوتية‪.‬‬ ‫مدبدت نحوي يدك مصافحة وقلت بحرارة فاجأتني‪:‬‬ ‫ كنت أريد أن أهّنئك على هذا المعرض‪..‬‬‫وقبل أن تصلني كلماتك‪ ..‬كان نظري قد توّقف عند ذلك السوار الذي يزين‬ ‫معصمك العاري الممدوبد نحوي‪.‬‬


‫ي القسنطينية التي ُتعرف من ذهبها الصفر المضفور‪ ،‬ومن‬ ‫كان إحدى الحل ّ‬ ‫نقشتها المميزة‪ .‬تلك "الخلخل" التي لم يكن يخلو منها في الماضي‪،‬‬ ‫جهاز عروس ول معصم امرأة من الشرق الجزائري‪.‬‬ ‫مدبدت يدي إليك بدون أن أرفع عيني تماماً عنه‪ .‬وفي عمر لحظة‪ ،‬عابدت‬ ‫ذاكرتي عمراً إلى الوراء‪ .‬إلى معصم )أّما( الذي لم يفارقه هذا السوار قط‪.‬‬ ‫وبداهمني شعور غامض‪ ،‬منذ متى لم يستوقف نظري سوار كهذا؟‬ ‫لم أعد أذكر‪ ..‬رّبما منذ أكثر من ثلثين سنة!‬ ‫د عليها رّبما بدون أن أبدري‪،‬‬ ‫بكثير من اللباقة سحبت يدك التي كنت أش ّ‬ ‫وكأنني أمسك بشيء ما‪ ،‬استعدِته فجأة‪.‬‬ ‫وابتسمت لي‪..‬‬ ‫رفعت عيني نحوك لول مرة‪.‬‬ ‫تقاطعت نظراتنا في نصف نظرة‪.‬‬ ‫كنت تتأملين ذراعي الناقصة‪ ،‬وأتأمل سواراً بيدك‪.‬‬ ‫كان كلنا يحمل ذاكرته فوقه‪..‬‬ ‫وكان يمكن لنا أن نتعرف على بعضنا بهذه الطريقة فقط‪ .‬ولكن كنت لغزاً ل‬ ‫تزيده التفاصيل إل غموضًا‪ .‬فرحت أراهن على اكتشافك‪ .‬أتفحصك مأخوذاً‬ ‫مرتبكًا‪ ..‬كأنني أعرفك وأتعرف عليك في آن واحد‪.‬‬ ‫لم تكوني جميلة ذلك الجمال الذي يبهر‪ ،‬ذلك الجمال الذي يخيف ويربك‪.‬‬ ‫كنت فتاة عابدّية‪ ،‬ولكن بتفاصيل غير عابدية‪ ،‬بس ٍرّ ما يكمن في مكان ما من‬ ‫وجهك‪ ..‬رّبما في جبهتك العالية وحاجبيك السميكين والمتروكين على‬ ‫استدارتهما الطبيعية‪ .‬ورّبما في ابتسامتك الغامضة وشفتيك المرسومتين‬ ‫بأحمر شفاه فاتح كدعوة سرّية لقبلة‪.‬‬ ‫ي المتقِّلب‪.‬‬ ‫أو ربما في عينيك الواسعتين ولونهما العسل ّ‬ ‫وكنت أعرف هذه التفاصيل‪..‬‬ ‫أعرفها‪ ..‬ولكن كيف؟ وجاء صوتك بالفرنسية يخرجني من تفكيري قلت‪:‬‬ ‫ يسعدني أن يصل فنان جزائري إلى هذه القمة من البداع‪..‬‬‫ثم أضفت بمسحة خجل‪:‬‬ ‫ في الحقيقة‪ ..‬أنا ل أفهم كثيراً في الرسم‪ ،‬ولم أزر إل نابدراً معارض فنية‪،‬‬‫ولكن يمكنني أن أحكم على الشياء الجميلة‪ ،‬ولوحاتك شي مميز‪ ..‬كّنا‬ ‫في حاجة إلى شيء جديد بنكهة جزائرية معاصرة كهذه‪ ...‬لقد كنت أقول‬ ‫هذا لبنة عمي عندما فاجأتنا‪.‬‬ ‫دم لي نفسها‪ ،‬وكأنها بذلك‬ ‫وعندما تقدمت تلك الفتاة مني لتصافحني‪ ،‬وتق ِّ‬ ‫ستصبح طرفاً في وقفتنا‪ ،‬وذلك الحوار الذي وجدت نفسها خارجه بعدما‬


‫تجاهلتها منذ البدء بدون أن أبدري‪..‬‬ ‫قالت وهي تعّرفني بنفسها‪:‬‬ ‫ النسة عبد المولى‪ .‬إني سعيدة بلقائك‪..‬‬‫انتفضت لسماع ذلك السم‪.‬‬ ‫ونظرت مدهوشاً إلى تلك الفتاة التي صافحتني بحرارة ل تخلو من شيء‬ ‫من الغرور‪..‬‬ ‫تفحصتها وكأنني أكتشف وجوبدها‪ ،‬ثم عدت لتأملك عساني أجد في‬ ‫ملمحك جواباً لدهشتي‪.‬‬ ‫عبد المولى‪ ....‬عبد المولى‪..‬‬ ‫وراحت الذاكرة تبحث عن جواب لتلك المصابدفة‪..‬‬ ‫كنت أعرف عائلة عبد المولى جيدًا‪.‬‬ ‫إنهما أخوان ل أكثر‪ .‬أحدهما )سي طاهر( استشهد منذ اكثر من عشرين‬ ‫سنة‪ ،‬وترك صبياً وبنتاً فقط‪.‬‬ ‫والخر )سي الشريف( تزوج قبل الستقلل‪ ،‬و قد يكون له اليوم عدة أولبد‬ ‫وبنات‪..‬‬ ‫ت اسمها وصية من‬ ‫فمن منكما ابنة )سي الطاهر(‪ ...‬تلك التي حمل ُ‬ ‫الجبهة حتى تونس‪ ..‬ونبت عن أبيها في بدار البلدية‪ ،‬لتسجيلها رسمياً في‬ ‫ل الولبدات؟‬ ‫سج ِ ّ‬ ‫من منكما تلك الصغيرة التي قّبلتها نيابة عن أبيها‪ ،‬ول عبتها وبدّللتها نيابة‬ ‫عنه؟‬ ‫ت؟‬ ‫من منكما‪ ...‬أن ِ‬ ‫ت‪ ..‬ل تلك‪.‬‬ ‫وبرغم بعض الخطوط المشتركة لملمحكما‪ ،‬كنت أشعر أّنك أن ِ‬ ‫أو هكذا كنت أتمنى‪ ،‬وأنا أحلم قبل الوان بقرابة ما تكون جمعتني بك‪.‬‬ ‫ي مسبقًا‪.‬‬ ‫وأندهش لهذه المصابدفة‪ ،‬وأجد فجأة تبريراً لوجهك المحّبب إل ّ‬ ‫لقد كنت نسخة عن )سي طاهر(‪ ،‬نسخة أكثر جاذبية‪.‬‬ ‫كنت أنثى‪.‬‬ ‫ولكن‪ ..‬أيعقل أن تكوني أنت الطفلة التي رأيتها لخر مرة في تونس سنة )‬ ‫‪ (1962‬غداة الستقلل‪ ،‬عندما رحت أطمئن عليكم كالعابدة‪ ،‬وأتابع بنفسي‬ ‫تفاصيل عوبدتكم إلى الجزائر؟ بعدما اتصل بي )سي الشريف( من‬ ‫قسنطينة‪ ،‬ليطلب مني بيع ذلك البيت الذي لم يعد هناك ضرورة لوجوبده‪،‬‬ ‫دة سنوات ليهّرب إليه أسرته الصغيرة‪،‬‬ ‫والذي اشتراه )سي الطاهر( منذ ع ّ‬ ‫عندما أبعدته فرنسا عن الجزائر في الخمسينيات‪ ،‬بعد عدة أشهر من‬ ‫السجن قضاها بتهمة التحريض السياسي‪.‬‬


‫كم كان عمرك وقتها؟‬ ‫د‪ ..‬وكبرت إلى هذا الحد‪ ..‬خلل‬ ‫أيعقل أن تكوني تغيرت إلى هذا الح ّ‬ ‫عشرين سنة؟!‬ ‫رحت أتأملك مرة أخرى‪ ،‬وكأنني أرفض أن أعترف بعمرك‪ ،‬وربما أرفض أن‬ ‫أعترف بعمري وبالرجل الذي أصبحته منذ ذلك الزمن الذي يبدو لي اليوم‬ ‫غابرًا‪.‬‬ ‫ما الذي أوصلك إلى هذه المدينة‪ ..‬وإلى هذه القاعة في هذا الزمن وهذا‬ ‫اليوم بالذات؟‬ ‫يوم انتظرته طويل ً لسبب ل علقة له بك‪..‬‬ ‫وحسبت له ألف حساب لم تكوني ضمنه‪..‬‬ ‫وتوّقعت فيه كل المفاجآت إل أن تكوني أنت مفاجأتي‪.‬‬ ‫فجأة أذهلني اكتشافي‪ ،‬وخفت من مواجهة عينيك اللتين كانتا تتابعان‬ ‫بشيء من الدهشة ارتباكي‪ .‬فقررت أن أطرح سؤالي بالمقلوب‪ ،‬وأنا أواصل‬ ‫دمت لي نفسها‪ .‬كنت أعرف أنني إذا‬ ‫حديثي مع الفتاة الخرى التي ق ّ‬ ‫ً‬ ‫ت‪.‬‬ ‫عرفتها سينحل اللغز‪ ،‬وأعرف تلقائيا من منكما‪ ..‬أن ِ‬ ‫ي فقط أن‬ ‫فقد كان لحداكما اسم أعرفه منذ خمس وعشرين سنة‪ ،‬وعل ّ‬ ‫أتعرف على صاحبته‪.‬‬ ‫سألتها‪:‬‬ ‫ هل لديك قرابة بسي الشريف عبد المولى؟‬‫أجابت بسعابدة وكأنها تكتشف أن أمرها يعنيني‪:‬‬ ‫ إنه أبي‪ ..‬لقد تعذر عليه الحضور اليوم بسبب وصول وفد من الجزائر‬‫دثنا عنك كثيرًا‪ .‬وقد أثار فضولنا لمعرفتك لدرجة قّررنا أن‬ ‫البارحة‪ ..‬لقد ح ّ‬ ‫نأتي مكانه اليوم لحضور الفتتاح!‬ ‫كان كلم تلك الفتاة على تلقائيته يحمل لي جوابين‪ .‬الول أنها لم تكن‬ ‫أنت‪ ،‬والثاني سبب تخلف )سي الشريف(‪.‬‬ ‫كنت لحظت غيابه وتساءلت عن سببه‪ ،‬هل كان المانع شخصيًا‪ ،‬أم‬ ‫ب ما يتحاشى الظهور معي؟‬ ‫سياسيًا‪ ..‬أم تراه كان لسب ٍ‬ ‫ن طرقنا تقاطعت منذ سنين عندما بدخل بدهاليز اللعبة‬ ‫كنت أبدري أ ّ‬ ‫السياسية‪ ،‬وأصبح هدفه الوحيد الوصول إلى الصفوف المامية‪ .‬ورغم ذلك‬ ‫لم يكن بإمكاني أن أتجاهل وجوبده معي في المدينة نفسها‪ .‬فقد كان جزءاً‬ ‫من شبابي وطفولتي‪ ..‬وكان بعض ذاكرتي‪.‬‬ ‫ولذا‪ ،‬ولسباب عاطفية محض‪ ،‬كان الشخصية الجزائرية الوحيدة التي‬


‫بدعوتها‪.‬‬ ‫لم ألتق به منذ عدة سنوات‪ ،‬ولكن أخباره كانت تصلني بدائماً منذ ُعِّين‪،‬‬ ‫قبل سنتين‪ ،‬ملحقاً في السفارة الجزائرية‪ ،‬وهو منصب ككل المناصب‬ ‫"الخارجية"‪ ،‬يتطلب كثيراً من الوساطة والكتاف العريضة‪.‬‬ ‫وكان بإمكان )سي الشريف( أن يشق طريقه إلى هذا المنصب ولهم منه‬ ‫بماضيه فقط‪ ،‬وباسمه الذي خّلده سي الطاهر باستشهابده‪ .‬ولكن يبدو أن‬ ‫ل‬ ‫الماضي لم يكن كافياً بمفربده لضمان الحاضر‪ ،‬وكان عليه أن يتأقلم مع ك ّ‬ ‫الرياح للوصول‪..‬‬ ‫ل ذلك‪ ،‬وأنا أحاول بدوري أن أتأقلم مع كل المفاجآت‬ ‫خطر ببالي ك ّ‬ ‫والنفعالت التي هزتني في بضع لحظات‪ ،‬والتي كانت بدايتها أنني وبدبدت‬ ‫أن أسلم على فتاة جميلة تزور معرضي ل غير‪ ..‬فإذا بي أسّلم على‬ ‫ذاكرتي!‬ ‫وعدت إلى بدهشتي الولى معك‪..‬‬ ‫إلى كل التفاصيل الولى التي لفتت نظري إليك منذ البدء‪ .‬إلى تلك اللوحة‬ ‫بالذات التي توقفت طويل ً أمامها‪ .‬لقد كان هناك أكثر من قدر‪ ،‬أكثر من‬ ‫مكتوب‪ ..‬أكثر من مصابدفة‪.‬‬ ‫ت‪..‬‬ ‫أن ِ‬ ‫أكنت أنت‪ ..‬في قاعة تتفرجين فيها على لوحاتي‪ .‬تتأملين بعضها‪ ،‬تتوقفين‬ ‫عند بعضها الخر‪ ،‬وتعوبدين إلى الدليل الذي تمسكيه بيدك لتتعرفي على‬ ‫أسماء اللوحات التي تلفت نظرك الكثر؟‬ ‫ت‪..‬‬ ‫أن ِ‬ ‫تراك أنت‪ ..‬نور آخر يضيء كل لوحة تمرين بها‪ ،‬فتبدو الضواء الموجهة نحو‬ ‫جهة نحوك‪ ..‬وكأنك كنت اللوحة الصلية‪.‬‬ ‫اللوحات‪ ،‬وكأنها مو ّ‬ ‫أنت إذن‪..‬‬ ‫ً‬ ‫تتوقفين أمام لوحة صغيرة لم تستوقف أحدا‪ .‬تتأملينها بإمعان أكبر‪ ،‬تقتربين‬ ‫منها أكثر‪ ،‬وتبحثين عن اسمها في قائمة اللوحات‪.‬‬ ‫سام‬ ‫ولحظتها سرت في جسدي قشعريرة مبهمة‪ .‬واستيقظ فضول الر ّ‬ ‫المجنون بداخلي‪..‬‬ ‫ي‪..‬؟‬ ‫ب لوحاتي ل ّ‬ ‫من تكونين‪ ،‬أنت الواقفة أمام أح ّ‬ ‫رحت أتأملك مرتبكاً وأنت تتأملينها‪ ..‬وتقولين لرفيقتك كلماً ل يصلني‬ ‫شيء منه‪.‬‬ ‫ما الذي أوقفك أمامها؟‬


‫لم تكن أجمل ما في القاعة من لوحات‪ ،‬كانت لوحتي الولى وتمريني‬ ‫الول في الرسم فقط‪..‬‬ ‫ولكنني أصررت هذه المرة‪ ،‬على أن تكون حاضرة في معرضي الهم هذا‪،‬‬ ‫لنني اعتبرتها برغم بساطتها‪ ،‬معجزتي الصغيرة‪.‬‬ ‫ل‬ ‫رسمتها منذ خمس وعشرين سنة‪ ،‬وكان مّر على بتر ذراعي اليسرى أق ّ‬ ‫من شهر‪.‬‬ ‫لم تكن محاولة للبداع ول لدخول التاريخ‪ .‬كانت محاولة للحياة فقط‪،‬‬ ‫والخروج من اليأس‪ .‬رسمتها كما يرسم تلميذ في امتحان للرسم منظراً‬ ‫ليجيب على ورقة الستاذ‪:‬‬ ‫"ارسم أقرب منظر إلى نفسك"‪.‬‬ ‫إنها الجملة التي قالها لي ذلك الطبيب اليوغسلفي الذي قدم مع بعض‬ ‫الطباء من الدول الشتراكية إلى تونس‪ ،‬لمعالجة الجرحى الجزائريين‪،‬‬ ‫والذي أشرف على عملية بتر ذراعي وظل يتابع تطوراتي الصحية‬ ‫والنفسية فيما بعد‪.‬‬ ‫كان يسألني كل مرة أزوره فيها عن اهتماماتي الجديدة‪ ،‬وهو يلحظ‬ ‫إحباطي النفسي المستمر‪.‬‬ ‫لم أكن مريضاً ليحتفظ بي الطبيب في مستشفى‪ ،‬ول كنت معافى بمعنى‬ ‫الكلمة لبدأ حياتي الجديدة‪.‬‬ ‫كنت أعيش في تونس‪ ،‬ابناً لذلك الوطن وغريباً في الوقت نفسه؛ حراً‬ ‫ومقيداً في الوقت نفسه؛ سعيداً وتعيساً في الوقت نفسه‪.‬‬ ‫كنت الرجل الذي رفضه الموت ورفضته الحياة‪ .‬كنت كرة صوف متداخلة‪..‬‬ ‫ل عقدي؟‬ ‫ل به ك ّ‬ ‫فمن أين يمكن لذلك الطبيب أن يجد رأس الخيط الذي يح ّ‬ ‫ب الكتابة أو‬ ‫وعندما سألني ذات مّرة‪ ،‬وهو يكتشف ثقافتي‪ ،‬هل كنت أح ّ‬ ‫سك بقشه قد تنقذني من الغرق‪،‬‬ ‫الرسم‪ ،‬تمسكت بسؤاله وكأنني أتم ّ‬ ‫وأبدركت فوراً الوصفة الطبية التي كان يعدها لي‪.‬‬ ‫قال‪:‬‬ ‫ إن العملية التي أجريتها عليك‪ ،‬أجريت مثلها عشرات المّرات على‬‫جرحى كثيرين فقدوا في الحرب ساقاً أو ذراعًا‪ ،‬وإذا كانت العملية ل‬ ‫ن تأثيرها النفسي يختلف من شخص إلى آخر‪ ،‬حسب عمر‬ ‫تختلف‪ ،‬فإ ّ‬ ‫المريض ووظيفته وحياته الجتماعية‪ ..‬وخاصة حسب مستواه الثقافي‪،‬‬ ‫ل يوم‪ ،‬ويعيد النظر في علقته مع‬ ‫فوحده المثّقف يعيد النظر في نفسه ك ّ‬ ‫العالم ومع الشياء كلما تغّير شيء في حياته‪..‬‬ ‫لقد أبدركت هذا من تجربتي في هذا الميدان‪ .‬لقد مّرت بي أكثر من حالة‬


‫ل بعلقتك بما هو حولك‪.‬‬ ‫من هذا النوع‪ ،‬ولذا أعتقد أن فقدانك ذراعك قد أخ ّ‬ ‫وعليكم أن تعيد بناء علقة جديدة مع العالم من خلل الكتابة أو الرسم‪..‬‬ ‫ل ما‬ ‫عليك أن تختار ما هو اقرب إلى نفسك‪ ،‬وتجلس لتكتب بدون قيوبد ك ّ‬ ‫م نوعية تلك الكتابات ول مستواها البدبي‪ ..‬المهم‬ ‫يدور في ذهنك‪ .‬ول ته ّ‬ ‫الكتابة في حد ذاتها كوسيلة تفريغ‪ ،‬وأبداة ترميم بداخلي‪..‬‬ ‫ضل الرسم فارسم‪ ..‬الرسم أيضاً قابدر على أن يصالحك مع‬ ‫وإذا كنت تف ّ‬ ‫الشياء ومع العالم الذي تغّير في نظرك‪ ،‬لنك أنت تغّيرت وأصبحت تشاهده‬ ‫وتلمسه بيٍد واحدة فقط‪..‬‬ ‫ب الكتابة‪ ،‬وأنها القرب‬ ‫وكان يمكن أن أجيبه ذلك اليوم بتلقائية‪ ..‬إنني أح ّ‬ ‫إلى نفسي‪ ،‬مابدمت لم أفعل شيئاً طوال حياتي‪ ،‬سوى القراءة التي تؤبدي‬ ‫تلقائياً إلى الكتابة‪.‬‬ ‫كان يمكن أن أجيبه كذلك‪ ،‬فقد تنبأ لي أساتذتي بدائماً بمستقبل ناجح‪..‬‬ ‫في البدب الفرنسي!‬ ‫ولهذا أجبته بدون تفكير‪ ،‬أو ربما بموقف اكتشفت فيما بعد أنه كان جاهزاً‬ ‫في أعماقي‪:‬‬ ‫ أفضل الرسم‪..‬‬‫لم تقنعه جملتي المقتضبة فسألني إن كنت رسمت قبل اليوم‪..‬‬ ‫قلت‪" :‬ل‪."..‬‬ ‫ب شي إليك‪."..‬‬ ‫قال‪" :‬إذن ابدأ برسم أقرب شيء إلى نفسك‪ ..‬ارسم أح ّ‬ ‫وعندما وّبدعني قال بسخرية الطباء عندما يعترفون بعجزهم بلباقة‪" :‬‬ ‫ي بعد اليوم!"‪.‬‬ ‫ارسم‪ ..‬فقد ل تكون في حاجة إل ّ‬ ‫عدت يومها إلى غرفتي مسرعاً أريد أن أخلو لنفسي بين تلك الجداران‬ ‫البيضاء‪ ،‬التي كانت استمراراً لجدران مستشفى "الحبيب ثامر" الذي كان‬ ‫حتى ذلك الوقت‪ ،‬المكان الذي أعرفه الكثر في تونس‪.‬‬ ‫رحت يومها أتأمل تلك الجدران على غير عابدتي‪ ،‬وأنا أفكر في كل ما يمكن‬ ‫ل الزقة التي‬ ‫ب‪ ..‬ك ّ‬ ‫أن أعلق عليها من لوحات بعد اليوم‪ .‬كل وجوه من أح ّ‬ ‫ل ما تركته خلفي هناك‪.‬‬ ‫أحب‪ ..‬ك ّ‬ ‫نمت في تلك الليلة قلقًا‪ ،‬وربما لم أنم‪ .‬كان صوت ذلك الطبيب يحضرني‬ ‫بفرنسيته المكسرة ليوقظني "ارسم"‪ .‬كنت أستعيده بداخل بدلته البيضاء‪،‬‬ ‫د على يدي "ارسم"‪ .‬فتعبر قشعريرة غامضة جسدي وأنا‬ ‫يوبدعني وهو يش ّ‬ ‫أتذكر في غفوتي أول سورة للقرآن‪ .‬يوم نزل جبرائيل عليه السلم على‬ ‫محمد لول مرة فقال له "اقرأ" فسأله النبي مرتعداً من الرهبة‪" ..‬ماذا‬ ‫أقرأ؟" فقال جبريل "اقرأ باسم رّبك الذي خلق" وراح يقرأ عليه أول سورة‬


‫للقرآن‪ .‬وعندما انتهى عابد النبي إلى زوجته وجسده يرتعد من هول ما‬ ‫سمع‪ .‬وما كابد يراها حتى صاح "بدثريني‪ ..‬بدثريني‪."...‬‬ ‫مى الباربدة‪ .‬وبرعشة ربما كان سببها‬ ‫كنت ذلك المساء أشعر برجفة الح ّ‬ ‫توتري النفسي يومها‪ ،‬وقلقي بعد ذلك اللقاء الذي كنت أعرف أنه آخر لقاء‬ ‫لي مع الطبيب‪ .‬وربما أيضاً بسبب ذلك الغطاء الخفيف الذي كان غطائي‬ ‫الوحيد في أوج الشتاء القارس‪ ،‬والذي لم يمنحني مستأجري البخيل‬ ‫غيره‪.‬‬ ‫وكدت أصرخ وأنا أتذكر فراش طفولتي‪ .‬وتلك "البطانية" الصوفية التي كانت‬ ‫غطائي في مواسم البربد القسنطيني‪ ،‬كدت أصرخ في ليل غربتي‪..‬‬ ‫"بدثريني قسنطينة‪ ..‬بدثريني‪ "..‬ولكن لم أقل شيئاً ليلتها‪ ،‬ل لقسنطينة ول‬ ‫ماي وبروبدتي لنفسي‪ .‬صعب على‬ ‫لصاحب الغرفة البائس‪ .‬احتفظت بح ّ‬ ‫رجل عائد لتوه من الجبهة‪ ،‬أن يعترف حتى لنفسه بالبربد‪..‬‬ ‫انتظرت فقط طلوع الصباح لشتري بما تبقى في جيبي من أوراق نقدية ما‬ ‫أحتاج إليه لرسم لوحتين أو ثلث‪ .‬ووقفت كمجنون على عجل أرسم‬ ‫"قنطرة الحبال" في قسنطينة‪..‬‬ ‫ي حقًا‪ ،‬لقف بتلقائية لرسمه وكأنني‬ ‫ب شيء إل ّ‬ ‫أكان ذلك الجسر أح ّ‬ ‫وقفت لجتازه كالعابدة؟ أم تراه كان أسهل شيء للرسم فقط؟‬ ‫ل أبدري‪..‬‬ ‫أبدري أنني رسمته مرات ومرات بعد ذلك‪ ،‬وكأنني أرسمه كل مرة لول مرة‪.‬‬ ‫وكأنه أحب شيء لدي كل مرة‪.‬‬ ‫خمس وعشرون سنة‪ ،‬عمر اللوحة التي أسميتها بدون كثير من التفكير‬ ‫"حنين"‪ .‬لوحة لشاب في السابعة والعشرين من عمره‪ ،‬كان أنا بغربته‬ ‫وبحزنه وبقهره‪.‬‬ ‫وها أنا ذا اليوم‪ ،‬في غربة أخرى وبحزن وبقهر آخر‪ ..‬ولكن بربع قرن إضافي‪،‬‬ ‫كان لي فيه كثير من الخيبات والهزائم الذاتية‪ ..‬وقليل من النتصارات‬ ‫الستثنائية‪.‬‬ ‫ها أنا اليوم أحد كبار الرسامين الجزائريين‪ ،‬وربما كنت أكبرهم على‬ ‫الطلق؛ كما تشهد بذلك أقوال النقابد الغربيين الذين نقلت شهابدتهم‬ ‫بحروف بارزة على بطاقات بدعوة الفتتاح‪.‬‬ ‫ي صغير نزل عليه الوحي ذات خريف في غرفة صغيرة‬ ‫ها أنا اليوم‪ ...‬نب ّ‬ ‫بائسة‪ ،‬في شارع "باب سويقة" بتونس‪.‬‬ ‫ها أنا نبي خارج وطنه كالعابدة‪ ..‬وكيف ل ول كرامة لنبي في وطنه؟‬ ‫ها أنا "ظاهرة فنية؟‪ ،‬كيف ل وقدر ذي العاهة أن يكون "ظاهرة" وأن يكون‬


‫جباراً ولو بفنه؟‬ ‫ها أنا ذا‪..‬‬ ‫فأين هو ذلك الطبيب الذي نصحني بالرسم ذات مرة؟ والذي صدقت نبوءته‬ ‫ولم احتاج إليه بعد ذلك اليوم؟ إنه الغائب الوحيد في هذه القاعة الشاسعة‬ ‫ي عربي أن عرض فيها لوحاته قبلي‪ .‬أين هو الدكتور‬ ‫التي لم يسبق ل ّ‬ ‫"كابوتسكي" ليرى ماذا فعلت بيٍد واحدة‪..‬‬ ‫ذلك الذي لم أسأله يوماً ماذا فعل بيدي الخرى!‬ ‫وها هي "حنين" لوحتي الولى‪ ،‬وجوار تاريخ رسمها )تونس ‪ (57‬توقيعي‬ ‫الذي وضعته لول مرة أسفل لوحة‪ .‬تماماً كما وضعته أسفل اسمك‪ ،‬وتاريخ‬ ‫جلك في بدار البلدية‬ ‫ميلبدك الجديد‪ ،‬ذات خريف من سنة ‪ ،1957‬وأنا أس ّ ِ‬ ‫لول مرة‪..‬‬ ‫من منكما طفلتي‪ ..‬ومن منكما حبيبتي؟ سؤال لم يخطر على بالي ذلك‬ ‫اليوم‪ ،‬وأنا أراك تقفين أمام تلك اللوحة لول مرة‪..‬‬ ‫لوحة في عمرك‪ ..‬تكبرينها _ رسمياً _ ببضعة أيام‪ ..‬وتصغرك في الواقع‬ ‫ببضعة أشهر ل غير‪.‬‬ ‫لوحة كانت بدايتي مرتين‪ ..‬مرة يوم أمسكت بفرشاة لبدأ معها مغامرة‬ ‫الرسم‪ ..‬ومرة يوم وقفت أنت أمامها‪ ،‬وإذا بي أبدخل في مغامرة مع القدر‪...‬‬

‫على مفكرة ملى بمواعيد وعناوين ل أهمية لها‪ ،‬وضعت بدائرة حول تاريخ‬ ‫ذلك اليوم‪ :‬نيسان ‪ ،1981‬وكأنني أريد أن أميزه عن بقية اليام‪ .‬قبل ذلك‬ ‫اليوم‪ ،‬لم أجد في سنواتي الماضية ما يستحق التميز‪.‬‬ ‫فقد كانت أيامي مثل أوراق مفكرتي ملى بمسوبدات ل تستحق الذكر‪.‬‬ ‫وكنت املها غالباً كي ل أتركها بيضاء‪ ،‬فقد كان اللون البيض يخيفني بدائماً‬ ‫عندما يكون على مساحة ورق‪.‬‬ ‫ثماني مفكرات لثماني سنوات‪ ،‬لم يكن فيها ما يستحق الدهشة‪ .‬جميعها‬ ‫صفحة واحدة لمفكرة واحدة ل تاريخ لها سوى الغربة‪ .‬غربة كنت أحاول أن‬ ‫أختصرها بعملية حسابية كاذبة‪ ،‬تتحول فيها السنوات إلى ثماني مفكرات‬ ‫ل غير‪ ،‬مازالت مكدسة في خزانتي الواحدة فوق الخرى‪ ...‬مسجلة ل‬ ‫حسب تواريخها الميلبدية أو الهجرية‪ ..‬إنما حسب أرقام سنوات هجرتي‬ ‫الختيارية‪.‬‬ ‫أضع بدائرة حول تاريخ ذلك اليوم‪ ،‬وكأنني أغلق عليك بداخل تلك الدائرة‪.‬‬


‫كأنني أطوقك وأطاربد ذكراك لتدخلي بدائرة ضوئي إلى البد‪.‬‬ ‫كنت أتصرف عن حدس مسبق‪ ،‬وكأن هذا التاريخ سيكون منعطفاً للذاكرة؛‬ ‫كأنه سيكون ميلبدي الخر على يديك‪ .‬وكنت أعي وقتها تماماً أن الولبدة‬ ‫على يدك كالوصول إليك أمر لن يكون سه ً‬ ‫ل‪.‬‬ ‫يشهد على ذلك غياب رقمك الهاتفي وعنوانك من تلك الصفحة التي لم‬ ‫تكن تحمل في النهاية سوى تاريخ لقائك‪ .‬فهل كان من المنطقي أن اطلب‬ ‫منك رقم هاتفك في لقائنا الول أو صدفتنا الولى تلك‪ ..‬وبأي مبرر وبأية‬ ‫ل السباب تبدو ملّفقة عندما يطلب رجل من فتاة‬ ‫حجة سأفعل ذلك‪ ،‬وك ّ‬ ‫جميلة رقم هاتفها؟‬ ‫كنت أشعر برغية في الجلوس إليك‪ ..‬في التحدث والستماع إليك‪..‬‬ ‫عساني أتعّرف على النسخة الخرى لذاكرتي‪ .‬ولكن كيف أقنعك بذلك؟‬ ‫كيف أشرح لك في لحظات أنني أعرف الكثير عنك‪ ،‬أنا الرجل الذي تقابلينه‬ ‫لول مرة‪ ،‬والي تتحدثين إليه كما نتحدث بالفرنسية للغرباء بضمير الجمع‪..‬‬ ‫فل أملك إل أن أجيبك بنفس كلم الغرباء بالجمع‪..‬‬ ‫كانت الكلمات تتعثر يومها على لساني‪ ،‬وكأنني أتحدث لك بلغة ل أعرفها‪..‬‬ ‫بلغة ل تعرف شيئاً عّنا‪ .‬أيعقل بعد عشرين سنة أن أصافحك وأسألك بلغة‬ ‫فرنسية محايدة‪..‬‬ ‫ ‪?Mais comment allez-vous mademoiselle‬‬‫ي بنفس المسافة اللغوية‪:‬‬ ‫فتربدين عل ّ‬ ‫ ‪..Bien.. je vous remercie‬‬‫وتكابد تجهش الذاكرة بالبكاء‪ ..‬تلك التي عرفتك طفلة تحبو‪.‬‬ ‫تكابد ترتعش ذراعي الوحيدة وهي تقاوم رغبة جامحة لحتضانك‪ ،‬وسؤالك‬ ‫بلهجة قسنطينية افتقدتها‪..‬‬ ‫ واشك‪..‬؟‬‫آه واشك‪ ..‬أيتها الصغيرة التي كبرت في غفلة مِّني‪ ..‬كيف أنت أيتها الزائرة‬ ‫الغريبة التي لم تعد تعرفني‪ .‬يا طفلة تلبس ذاكرتي‪ ،‬وتحمل في معصمها‬ ‫سواراً كان لمي؟‬ ‫ل من أحببتهم فيك‪ .‬أتأملك وأستعيد ملمح )سي الطاهر(‬ ‫مك ّ‬ ‫بدعيني أض ّ‬ ‫في ابتسامتك ولون عينيك‪ .‬فما أجمل أن يعوبد الشهداء هكذا في طّلتك‪.‬‬ ‫ما أجمل أن تعوبد أّمي في سوار بمعصمك؛ ويعوبد الوطن اليوم في مقدمك‪.‬‬ ‫وما أجمل أن تكوني أنت‪ ..‬هي أنت!‬


‫أتدرين‪..‬‬ ‫)إذا صادف النسان شيء جميل مفرط في الجمال‪ ..‬رغب في‬ ‫البكاء‪(..‬‬ ‫ل بي منذ عمر‪.‬‬ ‫ومصابدفتك أجمل ما ح ّ‬ ‫ل هذا مّرة واحدة‪ ..‬ونحن وقوف تتقاسمنا العين‬ ‫كيف أشرح لك ك ّ‬ ‫والسماع؟‬ ‫كيف أشرح لك أنني كنت مشتاقاً إليك بدون أن أبدري‪ ..‬أنني كنت انتظرك‬ ‫بدون أن أصدق ذلك؟‬ ‫وأنه ل بد أن نلتقي‪.‬‬ ‫أجمع حصيلة ذلك اللقاء الول‪..‬‬ ‫ربع ساعة من الحديث أو أكثر‪ .‬تحدثت فيها أنا أكثر مما تحدثت أنت‪ .‬حماقة‬ ‫ندمت عليها فيما بعد‪ .‬كنت في الواقع أحاول أن أستبقيك بالكلمات‪ .‬نسيت‬ ‫أن أمنحك فرصة أكثر للحديث‪.‬‬ ‫ن‪ ..‬كنت على استعدابد لمناقشتي‬ ‫كنت سعيداً وأنا أكتشف شغفك بالف ّ‬ ‫طويل ً في كل لوحة‪ ،‬كان كل شيء معك قابل ً للجدل‪ .‬وأّما أنا فكنت‬ ‫لحظتها ل أرغب سوى في الحديث عنك‪ .‬وحده وجوبدك كان يثير شهيتي‬ ‫للكلم‪.‬‬ ‫ولنه لم يكن في الوقت متسع لسربد عليك فصول قصتي المتقاطعة مع‬ ‫قصتك‪ ،‬اكتفيت بجملتين أو ثلث عن علقاتي القديمة بأبيك‪ ..‬وعن طفولتك‬ ‫الولى‪ ..‬وعن لوحة قلت إنك أحببتها‪ ،‬وقلت لك إنها توأمك!‬ ‫اخترت جملي بكثير من القتضاب‪ ..‬وكثير من الذكاء‪ .‬تركت بين الكلمات‬ ‫كثيراً من نقط النقطاع‪ ..‬لشعارك بثقل الصمت الذي لم تمله الكلمات‪.‬‬ ‫لم أكن أريد أن أنفق ورقتي الوحيدة معك في يوم واحد على عجل‪.‬‬ ‫كنت أريد أن أوقظ فضولك لمعرفتي أكثر‪ ،‬لكي أضمن عوبدتك لي ثانية‪.‬‬ ‫وعندما سألتني "هل ستكون موجوبداً هنا طوال فترة المعرض؟" أبدركت‬ ‫أنني نجحت في أول امتحان معك‪ ،‬وأنا أجعلك تفكرين في لقائي مرة ثانية‪.‬‬ ‫ولكنني قلت بصوت طبيعي ل علقة له بزلزلي الداخلية‪:‬‬ ‫"سأكون هنا بعد الظهر في أغلب الحيان‪ "..‬ثم أضفت وأنا أكتشف أن‬ ‫جوابي قد ل يشجعك على زيارة قد أكون غائباً عنها‪:‬‬ ‫"ومن الرجح أن أكون هنا كل يوم‪ ،‬فستكون لي مواعيد كثيرة مع‬ ‫الصحافيين والصدقاء‪."..‬‬ ‫كان في ذلك الكلم شيء من الحقيقة‪ .‬ولكنني لم أكن في الواقع مضطراً‬ ‫للبقاء طوال الوقت في المعرض‪ .‬كنت فقط أحاول أل أجعلك تعوبدين عن‬ ‫قرارك لسبب ما‪.‬‬ ‫قلت وأنت تتحدثين لي فجأة بطريقة الصدقاء القدامى‪:‬‬


‫"قد أعوبد لزيارة المعرض يوم الثنين القابدم‪ ..‬إنه اليوم الذي ل بدروس لي‬ ‫فيه‪ .‬في الحقيقة أنا حضرت اليوم عن فضول فقط‪ ..‬ويسعدني أن أتحدث‬ ‫إليك أكثر‪."..‬‬ ‫تدخلت ابنة عمك‪ ،‬وكأنها تعتذر‪ ،‬وربما تتحسر لنها لن تكون طرفاً في ذلك‬ ‫اللقاء‪:‬‬ ‫"خسارة‪ ..‬إنه اليوم الكثر مشاغل بالنسبة لي‪ ..‬لن يمكنني أن أرافقك‪،‬‬ ‫ولكن قد أعوبد أنا أيضاً في يوم آخر‪ ".‬ثم التفت نحوي سائلة‪:‬‬ ‫"متى ينتهي المعرض؟"‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫"في ‪ 25‬نيسان‪ ..‬أي بعد عشرة أيام‪."..‬‬ ‫صاحت‪:‬‬ ‫"عظيم‪ ..‬سأجد فرصة للعوبدة مرة أخرى‪"..‬‬ ‫تنفست الصعداء‪.‬‬ ‫ل شيء أسهل‪.‬‬ ‫المهم أن أراك مرة واحدة على انفرابد‪ ،‬وبعدها سيصبح ك ّ‬ ‫تزوبدت منك بآخر نظرة‪ ،‬وأنت تصافحينني قبل أن تنسحبي‪.‬‬ ‫كان في عينيك بدعوة لشيء ما‪..‬‬ ‫كان فيهما وعد غامض بقصة ما‪..‬‬ ‫كان فيهما شيء من الغرق اللذيذ المحبب‪ ..‬وربما نظرة اعتذار مسبقة عن‬ ‫كل ما سيحل بي من كوارث بعد ذلك بسببهما‪.‬‬ ‫وكنت أعي في تلك اللحظة‪ ،‬وذلك اللون البيض يوليني ظهره ملتّفاً بشال‬ ‫شعره السوبد‪ ..‬ويبتعد عني تدريجياً ليختلط بأكثر من لون‪ ،‬أنني سواء‬ ‫رأيتك أم لم أرك بعد اليوم‪ ،‬فقط أحببتك‪ ..‬وانتهى المر‪.‬‬ ‫ت‪ ..‬ضوءاً يشق الطريق انبهاراً عند مروره‪..‬‬ ‫غابدرت القاعة إذن مثلما جئ ِ‬ ‫متألقاً في انسحابه كما في قدومه‪.‬‬ ‫يجر خلفه أكثر من قوس قزح‪ ..‬وذيل ً من مشاريع الحلم‪.‬‬ ‫ما الذي أعرفه عنك؟‬ ‫شيئان أو ثلثة‪ ..‬أعدتهما على نفسي بعد ذلك عدة مرات‪ ،‬لقنع نفسي‬ ‫أنك لم تكوني "نجماً مذنبًا" عابراً كذاك الذي يضيء في المسيات‬ ‫الصيفية‪ ،‬ويختفي قبل أن يتمكن الفلكيون من مطاربدته بمنظارهم‪ ،‬والذي‬ ‫يسمونه في قواميس الفلك‪" ..‬النجم الهارب"!‬ ‫ل‪ ..‬لن تهربي مني‪ ،‬وتختفي في شوارع باريس وأزقتها المتشعبة بهذه‬ ‫السهولة‪ .‬أعرف على القل أنك تعدين شهابدة ما في المدرسة العليا‬ ‫للدراسات‪ ،‬وأنك في السنة الخيرة للدراسة‪ ،‬وأنك في باريس منذ أربع‬


‫ن في باريس أي منذ سنتين‪ .‬معلومات‬ ‫سنوات‪ ،‬وتقيمين عند عمك منذ عي ّ‬ ‫قد تكون هزيلة‪ ،‬ولكنها تكفي للعثور عليك بأية طريقة‪.‬‬ ‫كانت اليام الفاصلة بين يوم الجمعة ويوم الثنين تبدو طويلة وكأنها ل‬ ‫د العكسي منذ تلك اللحظة التي غابدرت فيها‬ ‫تنتهي‪ .‬وكنت بدأت في الع ّ‬ ‫دها‬ ‫د اليام الفاصلة بين يوم الجمعة ويوم الثنين‪ .‬تارة أع ّ‬ ‫القاعة‪ ،‬رحت أع ّ‬ ‫فتبدو لي أربعة أيام‪ ،‬ثم أعوبد وأختصر الجمعة الذي كان على وشك أن‬ ‫ينتهي‪ ،‬والثنين الذي سأراك فيه‪ ،‬فتبدو لي المسافة أقصر وأبدو أقدر على‬ ‫التحمل‪ ،‬إنها يومان فقط هما السبت والحد‪.‬‬ ‫ل كاملة‪ ،‬هي الجمعة والسبت‬ ‫د الليالي‪ ..‬فتبدو لي ثلث ليا ٍ‬ ‫ثم أعوبد فأع ّ‬ ‫والحد‪ ،‬أتساءل وأنا أتوقع مسبقاً طولها‪ ،‬كيف سأقضيها؟ ويحضرني ذلك‬ ‫دقه من قبل‪:‬‬ ‫البيت الشعري القديم الذي لم أص ّ‬ ‫د الليالي ليلة بعد ليلة *** وقد عشت بدهراً ل أعد اللياليا‬ ‫أع ّ‬ ‫ترى أهكذا يبدأ الحب بدائمًا‪ ،‬عندما نبدأ في استبدال مقاييسنا الخاصة‪،‬‬ ‫بالمقاييس المتفق عليها‪ ،‬وإذا بالزمن فترة من العمر‪ ،‬ل علقة لها بالوقت؟‬ ‫في ذلك اليوم‪ ،‬سعدت وأنا أرى "كاترين" تدخل القاعة‪ .‬جاءت متأخرة كما‬ ‫كنت أتوقع‪ .‬أنيقة كما كنت أتوقع‪ .‬بداخل فستان أصفر ناعم‪ ،‬تطير بداخله‬ ‫كفراشه‪ .‬قالت وهي تضع قبلة على خدي‪:‬‬ ‫ لقد وصلت متأخرة‪ ..‬كان هناك ازبدحام في الطريق كالعابدة في مثل هذا‬‫الوقت‪.‬‬ ‫كانت كاترين تسكن الضاحية الجنوبية لباريس‪ .‬وكانت المواصلت تتضاعف‬ ‫في نهاية السبوع‪ ،‬في تلك الطرقات الرابطة بين باريس وضواحيها‪ ،‬والتي‬ ‫لم يكن ذلك السبب الوحيد لتأخرها‪ .‬كنت أعرف أنها تكره اللقاءات العامة‪،‬‬ ‫أو تكره كما استنتجت أن تظهر معي في الماكن العامة‪ .‬ربما تخجل أن‬ ‫يراها بعض معارفها وهي مع رجل عربي‪ ،‬يكبرها بعشر سنوات‪ ،‬وينقصها‬ ‫بذراع!‬ ‫كانت تحب أن تلتقي بي‪ ،‬ولكن بدائماً في بيتي أو بيتها‪ ،‬بعيداً عن الضواء‪،‬‬ ‫وبعيداً عن العيون‪ ،‬هنالك فقط كانت تبدو تلقائية في مرحها وفي تصرفها‬ ‫معي‪ .‬ويكفي أن ننزل معاً لنتناول وجبة غداء في المطعم المجاور‪ ،‬ليبدو‬ ‫مها الوحيد أن نعوبد إلى البيت‪.‬‬ ‫عليها شي من الرتباك والتصنع‪ ،‬ويصبح ه ّ‬ ‫وهكذا تعوبدت عندما تحضر أن أشتري مسبقاً ما يكفينا من الكل لقضاء يوم‬ ‫أو يومين معًا‪ .‬لم أعد أناقشها ول أقترح عليها شيئًا‪ .‬كان ذلك أوفر وأكثر‬ ‫ل هذا الجدل؟‬ ‫راحة لي‪ ،‬فلماذا ك ّ‬


‫قالت كاترين بصوت أعلى من العابدة وهي تمسك ذراعي وتلقي نظرة‬ ‫على اللوحات المعلقة التي كانت تعرفها جميعًا‪:‬‬ ‫ل هذا‪ ..‬أيها العزيز‪.‬‬ ‫ برافو خالد‪ ،‬أهنئك‪ ..‬رائع ك ّ‬‫تعجبت شيئاً ما‪ ،‬كانت تتحدث هذه المرة وكأنها تريد أن يعرف الخرون أنها‬ ‫صديقتي أو حبيبتي‪ ..‬أو أي شيء من هذا القبيل‪.‬‬ ‫ما الذي غّير سلوكها فجأة‪ ،‬هل منظر ذلك الحشد من الشخصيات الفنية‬ ‫والصحافيين الذين حضروا الفتتاح‪ ..‬أم أنها اكتشفت في هذا المكان‪ ،‬أنها‬ ‫ن ذراعي الناقصة التي‬ ‫كانت منذ سنتين تضاجع عبقرياً بدون أن تدري‪ ،‬وأ ّ‬ ‫كانت تضايقها في ظروف أخرى‪ ،‬تأخذ هنا بعداً فنياً فريداً ل علقة له‬ ‫بالمقاييس الجمالية؟‬ ‫اكتشفت لحظتها‪ ،‬أنني خلل الخمس والعشرين سنة التي عشتها بذراع‬ ‫واحدة‪ ،‬لم يحدث أنني نسيت عاهتي إل في قاعات العرض‪.‬‬ ‫في تلك اللحظات التي كانت فيها العيون تنظر إلى اللوحات‪ ،‬وتنسى أن‬ ‫تنظر إلى ذراعي‪ .‬أو ربما في السنوات الولى للستقلل‪ ..‬وقتها كان‬ ‫للمحارب هيبته‪ ،‬ولمعطوبي الحروب شيء من القداسة بين الناس‪ .‬كانوا‬ ‫يوحون بالحترام أكثر مما يوحون بالشفقة‪ .‬ولم تكن مطالباً بتقديم أي‬ ‫شرح ول أي سربد لقصتك‪.‬‬ ‫ي تفسير‪.‬‬ ‫كنت تحمل ذاكرتك على جسدك‪ ،‬ولم يكون ذلك يتطلب أ ّ‬ ‫اليوم بعد ربع قرن‪ ،..‬أنت تخجل من ذراع بدلتك الفارغ الذي تخفيه بحياء‬ ‫في جيب سترتك‪ ،‬وكأنك تخفي ذاكرتك الشخصية‪ ،‬وتعتذر عن ماضيك لكل‬ ‫من ل ماضي لهم‪.‬‬ ‫يدك الناقصة تزعجهم‪ .‬تفسد على البعض راحتهم‪ .‬تفقدهم شهيتهم‪.‬‬ ‫ليس هذا الزمن لك‪ ،‬إنه زمن لما بعد الحرب‪.‬‬ ‫للبدلت النيقة والسيارات الفخمة‪ ..‬والبطون المنتفخة‪ .‬ولذا كثيراً ما تخجل‬ ‫من ذراعك وهي ترافقك في الميترو وفي المطعم وفي المقهى وفي‬ ‫ل مّرة‬ ‫الطائرة وفي حفل تدعى إليه‪ .‬تشعر أن الناس ينتظرون منك في ك ّ‬ ‫أن تسربد عليهم قصتك‪.‬‬ ‫ل العيون المستديرة بدهشة‪ ،‬تسألك سؤال ً واحداً تخجل الشفاه من‬ ‫ك ّ‬ ‫طرحه‪" :‬كيف حدث هذا؟"‪.‬‬ ‫ويحدث أن تحزن‪ ،‬وأنت تأخذ الميترو وتمسك بيدك الفريدة الذراع المعلقة‬


‫للركاب‪ .‬ثم تقرأ على بعض الكراسي تلك العبارة‪:‬‬ ‫"أماكن محجوزة لمعطوبي الحرب والحوامل‪."..‬‬ ‫ضل‬ ‫ل ليست هذه الماكن لك‪ .‬شي من العّزة‪ ،‬من بقايا شهامة‪ ،‬تجعلك تف ّ‬ ‫البقاء واقفُا معلقاً بيد واحدة‪.‬‬ ‫إنها أماكن محجوزة لمحاربين غيرك‪ ،‬حربهم لم تكن حربك‪ ،‬وجراحهم ربما‬ ‫كانت على يدك‪.‬‬ ‫أما جراحك أنت‪ ..‬فغير معترف بها هنا‪.‬‬ ‫ها أنت أمام جدلية عجيبة‪..‬‬ ‫جروحك‪ .‬وتنتمي لوطن‪ ،‬يحترم‬ ‫تعيش في بلد يحترم موهبتك ويرفض ُ‬ ‫جراحك ويرفضك أنت‪ .‬فأيهما تختار‪ ..‬وأنت الرجل والجرح في آن واحد‪ ..‬وأنت‬ ‫الذاكرة المعطوبة التي ليس هذا الجسد المعطوب سوى واجهة لها؟‬ ‫أسئلة لم أكن أطرحها على نفسي في السابق‪ .‬كنت أهرب منها بالعمل‬ ‫فقط‪ ،‬والخلق المتواصل‪ ،‬وذلك الرق الداخلي الدائم‪.‬‬ ‫كان بداخلي شيء ل ينام‪ ،‬شيء يواصل الرسم بدائماً وكأنه يواصل الركض‬ ‫بي ليوصلني إلى هذه القاعة‪ ،‬حيث سأعيش ليام رجل ً عابدياً بذراعين‪ ،‬أو‬ ‫بالحرى رجل ً فوق العابدة‪..‬‬ ‫رجل ً يسخر من هذا العالم بيد واحدة‪ .‬ويعيد عجن تضاريس الشياء بيد‬ ‫واحدة‪.‬‬ ‫ها أنا ذا في هذه القاعة إذن‪ ..‬وها هوذا جنوني معّلق للفرجة على‬ ‫الجدران‪ .‬تتفحصه العيون وتفسره الفواه كيفما شاءت‪ ..‬ول أملك إل أن‬ ‫أبتسم‪ ،‬وبعض تلك التعليقات المتناقضة تصل مسمعي‪ .‬وأتذكر قول ً ساخراً‬ ‫لـ "كونكور"‪:‬‬ ‫"ل شي يسمع الحماقات الكثر في العالم‪ ..‬مثل لوحة في متحف!"‪.‬‬ ‫جاء صوت كاترين خافتاً وكأنها تتحدث لي وحدي هذه المرة‪:‬‬ ‫ عجيب‪ ..‬إنني أرى هذه اللوحات وكأنني ل أعرفها‪ ،‬إنها هنا تبدو مختلفة‪..‬‬‫كدت أجيبها وأنا أواصل فكرة سابقة‪:‬‬ ‫"إن للوحات مزاجها وعواطفها أيضًا‪ ..‬إنها تماماً مثل الشخاص‪ .‬إنهم‬ ‫يتغيرون أول ما تضعينهم في قاعة تحت الضواء!"‬ ‫ولكنني لم أقل لها هذا‪.‬‬ ‫قلت لها فقط‪:‬‬


‫ب الضواء وتتجمل لها‪ ،‬تحب أن ندّللها ونمسح‬ ‫ اللوحة أنثى كذلك‪ ..‬تح ّ‬‫الغبار عنها‪ ،‬أن نرفعها عن الرض ونرفع عنها اللحاف الذي نغ ِ ّ‬ ‫طيها به‪...‬‬ ‫ب أن نعلقها في قاعة لتتقاسمها العين حتى ولو لم تكن معجبة بها‪..‬‬ ‫تح ّ‬ ‫إنها تكره في الواقع أن تعامل بتجاهل ل غير‪..‬‬ ‫قالت وهي تفكر‪:‬‬ ‫ صحيح ما تقوله‪ ..‬من أين تأتي بهذه الفكار؟ أتدري أنني أحب الستماع‬‫إليك؟ ل أفهم كيف ل نجد أبداً وقتاً للحديث عندما نلتقي‪.‬‬ ‫وقبل أن أعّلق على سؤالها بجواب مقنع جدًا‪ ..‬أضافت بنوايا أعرفها وهي‬ ‫تضحك‪..‬‬ ‫ متى ستعاملني أخيراً كلوحة؟‬‫قلت وأنا أضحك لسرعة بداهتها‪ ..‬ولشهيتها التي ل تشبع‪:‬‬ ‫ هذا المساء إذا شئت‪..‬‬‫وعندما أخذت كاترين مّني مفاتيح البيت‪ ،‬وطارت كفراشة بداخل فستانها‬ ‫الصفر نحو الباب‪.‬‬ ‫قالت وكأنها شعرت فجأة بالغيرة من كل تلك اللوحات المعلقة بعناية على‬ ‫الجدران‪ ،‬والتي ما زال بعض الزوار يتأملونها‪:‬‬ ‫ أنا متعبة بعض الشيء‪ ..‬سأسبقك‪.‬‬‫ي أو تغار مّني‪..‬‬ ‫أكانت حقاً متعبة إلى هذا الحد‪ ،‬أم أصبحت فجأة تغار عل ّ‬ ‫أم جاءتني بجوع مسبق؟‪ .‬كالعابدة‪ ،‬لم أحاول أن أتعمق في فهمها‪.‬‬ ‫كنت أريد فقط أن أستعين بها لنسى‪ .‬كنت سعيداً أن أختصر معها يوماً أو‬ ‫ب بعد شهر‬ ‫يومين من النتظار‪ ..‬انتظارك أنت! وكنت في حاجة إلى ليلة ح ّ‬ ‫ل تفاصيل هذا المعرض‪.‬‬ ‫من الوحدة‪ ،‬والركض لعدابد ك ّ‬ ‫لحقت بكاترين بعد ساعة‪.‬‬ ‫ل ما عشته من‬ ‫كنت متعباً لسباب كثيرة‪ .‬أحدها لقائي العجيب بك وك ّ‬ ‫هّزات نفسية ذلك اليوم‪.‬‬ ‫قالت وهي تفتح لي الباب‪:‬‬ ‫ إنك لم تتأخر كثيرًا‪..‬‬‫قلت وأنا أبداعبها‪:‬‬ ‫ً‬ ‫ كان في ذهني مشروع لوحة‪ ..‬فعدت مسرعا إلى البيت‪ ..‬الوحي ل‬‫ينتظر كثيراً كما تعلمين!‬


‫ضحكنا‪..‬‬ ‫كان بيننا تواطؤ جسدي ما‪ ،‬يشيع بيننا تلك البهجة الثنائية‪ ،‬تلك السعابدة‬ ‫السرية التي نمارسها بدون قيوبد‪ ..‬بشرعية الجنون!‬ ‫ولكن شعرت لحظتها وهي جالسة في الريكة المقابلة لي تشاهد‬ ‫الخبار‪ ،‬وتلتهم )سندويتشًا( أحضرته معها‪ ،‬أنها امرأة كانت بدائماً على‬ ‫وشك أن تكون حبيبتي‪ ،‬وأنها هذه المّرة _ كذلك _ لن تكونها!‬ ‫إن امرأة تعيش على "السندويتشات" هي امرأة تعاني من عجز عاطفي‪،‬‬ ‫ومن فائض في النانية‪ ..‬ولذا ل يمكنها أن تهب رجل ً ما يلزمه من أمان‪.‬‬ ‫ليلتها‪ ،‬اّبدعيت أنني لست جائعًا‪.‬‬ ‫في الحقيقة كنت رافضاً وربما عاجزاً عن النتماء لزمن "السندويتشات"‪.‬‬ ‫وبرغم ذلك‪..‬‬ ‫حاولت أل أتوقف عند تلك التفاصيل التي كانت تستفزّ بداوتي في أول‬ ‫المر‪.‬‬ ‫تعّوبدت منذ تعرفت على كاترين أل أبحث كثيراً عن أوجه الختلف بيننا‪ .‬أن‬ ‫أحترم طريقتها في الحياة‪ ،‬ول أحاول أن أصنع منها نسخة مّني‪ .‬بل إنني‬ ‫د التناقض أحيانًا‪.‬‬ ‫ربما كنت أحبها لنها تختلف عني ح ّ‬ ‫فل أجمل من أن تلتقي بضدك‪ ،‬فذلك وحده قابدر على أن يجعلك تكتشف‬ ‫نفسك‪ .‬وأعترف أنني مدين لكاترين بكثير من اكتشافاتي‪ ،‬فل شيء كان‬ ‫يجمعني بهذه المرأة في النهاية‪ ،‬سوى شهوتنا المشتركة وحبنا المشترك‬ ‫للفن‪.‬‬ ‫وكان كافياً لنكون سعيدين معًا‪.‬‬ ‫تعوبدنا مع مرور الزمن أل نزعج بعضنا بالسئلة ول بالتساؤلت‪ .‬في البدء‬ ‫تأقلمت بصعوبة مع هذا النمط العاطفي الذي ل مكان فيه للغيرة ول‬ ‫للمتلك‪.‬‬ ‫م وجدت فيه حسنات كثيرة‪ ،‬أهمها الحرّّية‪ ..‬وعدم اللتزام بشيء تجاه‬ ‫ث ّ‬ ‫أحد‪..‬‬ ‫كان يحدث أن نلتقي مّرة في السبوع‪ ،‬كما يحدث أن تمرّ عدة أسابيع قبل‬ ‫أن نلتقي‪ ..‬ولكن كّنا نلتقي بدائماً بشوق وبرغبة مشتركة‪.‬‬ ‫كانت كاترين تقول "ينبغي أل نقتل علقتنا بالعابدة"‪ ،‬ولهذا أجهدت نفسي‬ ‫حتى ل أتعوبد عليها‪ ،‬وأن أكتفي بأن أكون سعيداً عندما تأتي‪ ،‬وأن أنسى‬ ‫أنها مّرت من هنا عندما ترحل‪.‬‬


‫ل نهاية السبوع معي‪ ،‬وسعدت‬ ‫في تلك المرة حاولت أن أستبقيها لقضاء ك ّ‬ ‫أن تقبل عرضي بحماس‪.‬‬ ‫كنت في الوقع أخاف أن أبقى وحيداً مع ساعتي الجدارية في انتظار يوم‬ ‫الثنين‪.‬‬ ‫ن كاترين ظّلت معي حتى عشية يوم الحد‪ ،‬فإن الوقت بدا لي‬ ‫ورغم أ ّ‬ ‫طوي ً‬ ‫ل‪ ،‬وربما بدا لي أكثر لنها كانت معي‪ .‬فقد بدأت فجأة أستعجل ذهابها‬ ‫وكأنني سأخلو بك عند ذلك‪.‬‬ ‫كانت أفكاري تدور حول سؤال واحد‪..‬‬ ‫ماذا أقول لك لو انفربدت بك يوم الثنين؟ من أين أبدأ معك الحديث‪ ..‬وكيف‬ ‫صتنا؟‬ ‫ص عليك تلك القصة العجيبة‪ ،‬ق ّ‬ ‫أق ّ‬ ‫كيف أغريك بالعوبدة من جديد لسماع بقّيتها؟‬ ‫صباح الثنين‪ ،‬لبست بدلتي الجمل لموعدنا المحتمل‪ .‬اخترت بذوق ربطة‬ ‫ضل‪ ،‬واتجهت نحو قاعة المعرض نحو الساعة‬ ‫عنقي‪ .‬وضعت عطري المف ّ‬ ‫العاشرة‪.‬‬ ‫كان أمامي مّتسع من الوقت لشرب قهوتي الصباحية في مقهى مجاور‪.‬‬ ‫فلم يكن يعقل أن تأتي قبل تلك الساعة‪ ،‬وحتى القاعة نفسها لم تكن‬ ‫تفتح أبوابها قبل العاشرة‪.‬‬ ‫عندما بدخلت القاعة‪ ،‬كنت أول من يطأها في ذلك الصباح‪ .‬كان في الجو‬ ‫شحنة غامضة من الكآبة‪ .‬لم يكن هناك من أضواء موجهة نحو اللوحات‪ ،‬ول‬ ‫ي ضوء كهربائي يضيء السقف‪.‬‬ ‫أ ّ‬ ‫ألقيت نظرة خاطفة على الجدران‪.‬‬ ‫ها هي لوحاتي تستيقظ كامرأة‪ ،‬بتلك الحقيقة الصباحية العارية بدون زينة‬ ‫ول مساحيق ول "رتوش"‪.‬‬ ‫هاهي امرأة تتثاءب على الجدران بعد أمسية صاخبة‪.‬‬ ‫اتجهت نحو لوحتي الصغيرة "حنين" أتفقدها وكأنني أتفقدك‪.‬‬ ‫"صباح الخير قسنطينة‪ ..‬كيف أنت يا جسري المعلق‪ ..‬يا حزني المعّلق‬ ‫منذ ربع قرن؟"‪.‬‬ ‫ي اللوحة بصمتها المعتابد‪ ،‬ولكن بغمزة صغيرة هذه المّرة‪.‬‬ ‫رّبدت عل ّ‬ ‫فابتسمت لها بتواطؤ‪.‬‬ ‫إننا نفهم بعضنا أنا وهذه اللوحة "البلدي يفهم من غمزة!"‬ ‫وكانت لوحة بلدّية مكابرة مثل صاحبها‪ ،‬عريقة مثله‪ ،‬تفهم بنصف غمزة!‬ ‫جلة منذ البارحة‪ .‬طريقة‬ ‫هى ببعض المشاغل التي كانت مؤ ّ‬ ‫رحت بعدها أتل ّ‬ ‫ي‬ ‫مثل أخرى لكسب الوقت‪ ،‬والتفّرغ لك فيما بعد‪ .‬وكان صوت بداخل ّ‬


‫يلحقني أثناء ذلك‪ ،‬ليذكرني أنك ستأتين‪ ،‬ويمنعني من التركيز على أي‬ ‫شيء‪.‬‬ ‫ستأتي‪..‬‬ ‫ت‪.‬‬ ‫ستأتي‪ ..‬رّبدبد الصوت ساعة وساعتين وأكثر‪ ..‬ومرّ صبح ومرّ مساء ولم تأ ِ‬ ‫حاولت أن أنشغل بلقاءات وتفاصيل يومية كثيرة‪ ،‬حاولت أن أنسى أنني‬ ‫هنا لنتظارك‪..‬‬ ‫قابلت صحافياً وتحدثت لخر بدون أن تفارق عيناي الباب‪ .‬كنت أترّقبك في‬ ‫كل خطوة‪..‬‬ ‫دم الوقت زابد يأسي‪.‬‬ ‫وكلما تق ّ‬ ‫وفجأة فتح الباب ليدخل منه‪ ..‬سي الشريف!‬ ‫نهضت إليه مسّلماً وأنا أخفي عنه بدهشتي‪ .‬تذّكرت أغنية فرنسية يقول‬ ‫مطلعها "أربدت أن أرى أختك‪ ..‬فرأيت أّمك كالعابدة‪."..‬‬ ‫ ع السلمة يا سيدي‪ ..‬عاش من شافك!‬‫ي بحرارة‪ .‬وأعترف برغم خيبتي أنه لم‬ ‫قالها وهو يحتضنني ويسّلم عل ّ‬ ‫يحدث أن شعرت بسعابدة وأنا أسّلم عليه مثل تلك المرة‪.‬‬ ‫دم لي ذلك الصديق المشترك الذي‬ ‫وقبل أن أسأله عن أخباره قال وهو يق ّ‬ ‫كان يرافقه‪:‬‬ ‫ي؟‬ ‫ شفت شكون جبتلك معا َ‬‫صحت وأنا أنتقل من بدهشة إلى أخرى‪:‬‬ ‫ أهل ً سي مصطفى واش راك‪ ..‬واش هاذ الطلة‪..‬‬‫قال بموبدة وهو يحتضنني بدوره‪:‬‬ ‫ واش آسيدي‪ ..‬لو كان ما نجيوكش ما نشوفوكش وإل كيفاش؟‬‫ن في مرافقة سي‬ ‫رحت أجامله‪.‬ز وأسأله بدوي عن أخباره وإن كنت أبدري أ ّ‬ ‫الشريف له وفي مبالغته في تكريمه بدليل ً على أنه مرشح لمنصب وزاري‬ ‫ما كما تقول الشاعات‪.‬‬ ‫عاتبني سي الشريف بوبدّ أحسسته صابدقًا‪:‬‬ ‫كر في زيارتي مّرة‬ ‫‪ -‬يا أخي‪ ..‬أيعقل أن نسكن هذه المدينة معاً بدون أن تف ّ‬


‫واحدة؟‪ .‬أنا هنا منذ سنتين وعنواني معروف عندك‪.‬‬ ‫خل سي مصطفى ليضيف بتلميح سياسي بين المزاح والجد‪:‬‬ ‫تد ّ‬ ‫ واش راك مقاطعنا‪ ..‬وإل كيفاش هاذا الغيبة‪..‬؟‬‫أجبته بصدق‪:‬‬ ‫ ل أبدًا‪ ..‬ولكن ليس من السهل على شخص سكنته الغربة أن يجمع‬‫أشياءه هكذا ويعوبد‪ ..‬في الحقيقة "المنفى عابدة سّيئة يتخذها النسان"‬ ‫وقد أصبحت لي أكثر من عابدة سيئة هنا‪..‬‬ ‫ضحكنا‪ ..‬وتشّعب بنا الحديث في مواضيع أخرى تطرقنا إليها عبوراً ومجاملة‬ ‫فقط‪..‬‬ ‫وكان ل بد أن يتوّقفا بعد ذلك أمام إحدى اللوحات وهما يقومان بجولة‬ ‫لمشاهدة المعرض‪ .‬لفهم سرّ زيارة سي مصطفى لمعرضي‪ ،‬والتي تعوبد‬ ‫لكونه يريد أن يشتري لوحة أو لوحتين مّني‪ .‬قال‪:‬‬ ‫ أريد أن أحتفظ منك بشيء للذكرى‪ ..‬أل تذكر أّنك بدأت الرسم يوم كّنا معاً‬‫في تونس؟ مازلت أذكر حّتى لوحاتك الولى‪ ..‬لقد كنت أول من أريته‬ ‫لوحاتك وقتها‪ ..‬هل نسيت؟‬ ‫س‪ ..‬وكم كنت أتمنى لحظتها لو أستطيع ذلك‪ .‬شعرت بشيء من‬ ‫ل لم أن َ‬ ‫الحراج وهو يستدرجني لتلك الفترة‪..‬‬ ‫كان سي مصطفى صديقاً مشتركاً لي ولسي الشريف منذ أيام التحرير‪.‬‬ ‫فقد كان ضمن المجموعة التي كانت تعمل تحت قيابدة سي الطاهر‪ .‬بل‪،‬‬ ‫وكان واحداً من الجرحى الذين نقلوا معي للعلج إلى تونس‪ ،‬حيث قضى‬ ‫ثلثة أشهر في المستشفى عابد بعدها إلى الجبهة‪ ،‬ليبقى حتى‬ ‫الستقلل في صفوف جيش التحرير‪ ،‬ويعوبد برتبة رائد‪.‬‬ ‫ن له‬ ‫كان يومها بشهامة وأخلق نضالية عالية‪ .‬وكنت في الماضي أك ّ‬ ‫احتراماً ووبدّاً كبيرين‪ .‬ثم تلشى تدريجياً رصيده عندي‪ ..‬كلما امتل رصيده‬ ‫الخر بأكثر من طريقة وأكثر من عملة‪ ،‬مثله مثل من سبقوه إلى تلك‬ ‫المناصب الحلوب التي تناوب عليها البعض بتقسيم مدروس للوليمة‪..‬‬ ‫ولكن كان أمره هو بالذات يعنيني ويحزنني‪ .‬فقد كان رفيق سلحي‬ ‫لسنتين كاملتين‪ ..‬وكان بيننا تفاصيل صغيرة جمعتنا في الماضي ول يمكن‬ ‫ل شيء أن تتجاهلها‪.‬‬ ‫للذاكرة رغم ك ّ‬ ‫ل أكثر تلك التفاصيل تأثيرًا‪ ،‬تلك المصابدفة التي جعلت الممِّرضة في‬ ‫لع ّ‬


‫تونس تعطيني وأنا أغابدر المستشفى ثيابه التي وصل بها‪ ،‬والتي جف‬ ‫دة أّيام‪.‬‬ ‫عليها بدمه منذ ع ّ‬ ‫كان في جيب سترته يومها بطاقة تعريفه التي تكابد ل تقرأ‪ ،‬من آثار بقع‬ ‫الدم عليها‪ .‬والتي احتفظت بها لعيدها إليه فيما بعد‪ ..‬ولكنه عابد بعد ذلك‬ ‫إلى الجبهة بدون أن يدري حتى أنها كانت في حوزتي‪ ،‬وربما بدون أن يسأل‬ ‫عنها‪ .‬فقد كان ذاهباً إلى مكان ل يحتاج فيه إلى بطاقة تعريف‪.‬‬ ‫سنة ‪ 1973‬عثرت مصابدفة على تلك البطاقة ضمن أوراقي القديمة‪ .‬وكنت‬ ‫آنذاك أجمع أشيائي استعدابداً للرحيل‪..‬‬ ‫ن تلك الهوية لم‬ ‫ترّبدبدت بين أن أحتفظ بها أو أعيدها إليه‪ ،‬فقد كنت أبدري أ ّ‬ ‫ي‬ ‫تعد في الواقع هويته‪ .‬ولكنني كنت أريد أن أواجهه بالذاكرة‪ ..‬بدون أ ّ‬ ‫تعليق‪.‬‬ ‫وربما كنت أريد كذلك وأنا على أبواب المنفى أن أنهي علقاتي بتلك‬ ‫البطاقة التي رافقتني منذ ‪ 1975‬من بلد إلى آخر‪ ،‬وكأنني أنهي علقاتي‬ ‫بالوطن‪ ،‬وأضعه أخيراً هو وأشياءه خارج الذاكرة‪..‬‬ ‫يومها بدهش سي مصطفى وأنا أخرج من جيب سترتي تلك البطاقة‬ ‫وأضعها أمامه‪ ،‬بعد ست عشرة سنة‪.‬‬ ‫أهو الذي ارتبك لحظتها‪ ..‬أم أنا؟‬ ‫شعرت فجأة وأنا أنفصل عنها أنني أعطيته شيئاً كان ملتصقاً بصدري؛ شيئاً‬ ‫ي شيء كان لي‪..‬‬ ‫مّني‪ ،‬ربما ذراعي الخرى‪ ،‬أو أ ّ‬ ‫كان أنا!‬ ‫ولكنني وجدت آنذاك في فرحته عزائي‪ ..‬وفي احتضانه لي بذلك العنفوان‬ ‫الول الذي جمعنا يومًا‪ ،‬مكافأة للذاكرة ووهماً ما بإمكانية إيقاظ ذلك الرجل‬ ‫الخر بداخله‪.‬‬ ‫ها هو سي مصطفى بعد سنوات‪ ،‬يتأمل لوحة لي وأتأمله‪ .‬لقد مات فيه‬ ‫الرجل "الخر"‪ ..‬فكيف راهنت يوماً عليه؟‬ ‫في هذه اللحظة‪ ،‬ل شيء يعنيه سوى امتلك لوحة لي؛ وربما كان‬ ‫ي ثمن مقابلها‪ .‬فمن المعروف عنه أنه ل يحسب كثيراً‬ ‫مستعداً أن يدفع أ ّ‬ ‫في هذه الحالت‪ ،‬مثله مثل بعض السياسيين والثرياء الجزائريين الجدبد‬ ‫الذين شاعت وسطهم عدوى اقتناء اللوحات الفنية‪ ،‬لسباب ل علقة لها‬ ‫ي أيضًا‪ ..‬وبهاجس النتساب‬ ‫ن‪ ،‬وإنما بعقلية جديدة للنهب الفن ّ‬ ‫غالباً بالف ّ‬ ‫للنخبة‪.‬‬ ‫وربما كان أكثر سخاًء معي أنا بالذات‪ ،‬للسباب نفسها التي تجعلني اليوم‬ ‫أكثر رفضاً له‪.‬‬


‫لقد قّرر أن يستبدل بتلك البطاقة المهترئة‪ ،‬لوحة )أكواريل( يفاخر بها‪ ..‬فهل‬ ‫يتساوى الدم باللوان المائية‪ ..‬ولو بعد ربع قرن!‬ ‫سعدت بعدها وأنا أتخلص منه ومن سي الشريف بدون أن يأخذا على‬ ‫خاطرهما‪ ..‬وبدون أن أتنازل عن ذلك المبدأ الذي حدث أن جعت بسببه‪ .‬فل‬ ‫يمكن لي أن آكل من الخبز الملّوث‪ .‬هناك من يولدون هكذا بهذه‬ ‫ل ما هو قذر!‬ ‫الحساسية التي ل شفاء منها تجاه ك ّ‬ ‫كنت في الواقع على عجل‪ .‬أريد أن أنتهي منهما بسرعة‪ ..‬خشية أن تأتي‬ ‫في تلك اللحظة ويكونا هناك‪.‬‬ ‫وكنت قلقاً ومبعثراً بين الحاسيس التي استدرجتني إليها سي مصطفى‬ ‫ل تلك السنوات‪ ..‬وبين هاجس قدومك‪ ،‬الذي أرهقني انتظاره منذ‬ ‫بعد ك ّ‬ ‫أيام‪ ..‬ولكنك لم تأتي‪ ..‬ل أثناء ذلك ول بعده‪.‬‬ ‫ل تلك الكآبة بعد ذلك؟‬ ‫يك ّ‬ ‫من أين هجمت عل ّ‬ ‫ي تقوبدانني بخطى مثقلة‪ ،‬محبطة‪ ،‬إلى البيت‪ ،‬بعدما كانتا قد‬ ‫وإذا بقدم ّ‬ ‫حملتاني إلى هنا‪ ،‬على أجنحة الشوق الجارف‪.‬‬ ‫ماذا لو لم أرك مّرة أخرى‪ ..‬لو انتهى ذلك المعرض ولم تعوبدي؟‪.‬‬ ‫ماذا لو كان حديثك عن زيارتك المحتملة مجربد مجاملة‪ ،‬أخذتها أنا مأخذ‬ ‫الجد؟‬ ‫كيف يمكن لي وقتها أن أطاربد نجمك المذّنب الهارب؟‬ ‫وحدها تلك البطاقة التي أعطاني إّياها سي الشريف وهو يوّبدعني كانت‬ ‫تبعث شيئاً من المل في نفسي‪ .‬فقد كنت أعرف أخيراً الرقام السرية‬ ‫ن‬ ‫التي توصلني إليك‪ ،‬فنمت وأنا أخطط لمبرر هاتفي قد يجمعني بك‪ .‬ولك ّ‬ ‫الحب عندما يأتي ل يبحث له عن مبرر‪ ،‬ول يأخذ له موعدًا‪ ..‬ولذا ما كدت‬ ‫في اليوم التالي أبدخل القاعة وأجلس في الصالون لطالع جريدتي‪ ،‬حتى‬ ‫رأيتك تدخلين‪.‬‬ ‫كنت تتقدمين نحوي‪ ،‬وكان الزمن يتوقف انبهاراً بك‪.‬‬ ‫ب الذي تجاهلني كثيراً قبل ذلك اليوم‪ ..‬قد قرر أخيراً أن يهبني‬ ‫وكان الح ّ‬ ‫أكثر قصصه جنونًا‪..‬‬

‫الفصل الثالث‬


‫التقينا إذن‪..‬‬ ‫قالت‪:‬‬ ‫ مرحبًا‪ ..‬آسفة‪ ،‬أتيت متأخرة عن موعدنا يوم‪..‬‬‫قلت‪:‬‬ ‫ ل تأسفي‪ ..‬قد جئت متأخرة عن العمر بعمر‪.‬‬‫قالت‪:‬‬ ‫ كم يلزمني إذن لتغفر لي؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫ ما يعابدل ذلك العمر من عمر!‬‫وجلس الياسمين مقابل ً لي‪.‬‬ ‫ل حبيبتي‪ ..‬عطراً أقل!‬ ‫يا ياسمينة تفتحت على عجل‪ ..‬عطراً أق ّ‬ ‫ن للذاكرة عطراً أيضًا‪ ..‬هو عطر الوطن‪.‬‬ ‫لم أكن أعرف أ ّ‬ ‫مرتبكاً جلس الوطن وقال بخجل‪:‬‬ ‫ عندك كأس ماء‪ ..‬يعيشك؟‬‫وتفجرت قسنطينة ينابيع بداخلي‪.‬‬ ‫ك‪ ..‬وبدعي لي مكانا هنا‬ ‫ل هذا الحنين ل ِ‬ ‫ارتوي من ذاكرتي سيدتي‪ ..‬فك ّ‬ ‫ك‪..‬‬ ‫مقابل ً ل ِ‬ ‫أحتسيك كما ُتحتسى‪ ،‬على مهل‪ ،‬قهوة قسنطينية‪.‬‬ ‫أمام فنجان قهوة‪ ..‬وزجاجة كوكا جلسنا‪ .‬لم يكن لنا الظمأ نفسه‪ ..‬ولكن‬


‫كانت لنا الرغبة نفسها في الحديث‪.‬‬ ‫قلت معتذرة‪:‬‬ ‫مي يتحدث لشخص على الهاتف‬ ‫ أنا لم أحضر البارحة‪ ،‬لنني سمعت ع ّ‬‫جل زيارتي لك إلى اليوم حتى ل‬ ‫ويتفق معه على زيارتك‪ ،‬فف ّ‬ ‫ضلت أن أؤ ّ‬ ‫ألتقي بهما‪..‬‬ ‫أجبتك وأنا أتأملك بسعابدة من يرى نجمه الهارب أخيراً أمامه‪:‬‬ ‫ خفت أل تأتي أبدًا‪..‬‬‫ثم أضفت‪:‬‬ ‫ن الشياء التي نريدها تأتي‬ ‫ أّما الن فيسعدني أنني انتظرتك يوماً آخر‪ ،‬إ ّ‬‫متأخرة بدائمًا!‬ ‫تراني قلت وقتها أكثر مما يجب قوله؟‬ ‫سابد شي من الصمت بيننا وارتباك العتراف الول‪ ..‬عندما قلت وكأنك‬ ‫تريدين كسر الصمت‪ ،‬أو إثارة فضولي‪:‬‬ ‫ أتدري أنني أعرف الكثير عنك؟‬‫قلت سعيداً ومتعجبًا‪:‬‬ ‫ وماذا تعرفين مث ً‬‫ل؟‬ ‫أجبت بطريقة أستاذ يريد أن يحير تلميذه‪:‬‬ ‫ أشياء كثيرة قد تكون نسيتها أنت‪..‬‬‫قلت لك بمسحة حزن‪:‬‬ ‫ ل أعتقد أن أكون نسيت شيئًا‪ .‬مشكلتي في الواقع أنني ل أنسى!‬‫ي‪:‬‬ ‫ل عواقبه القابدمة عل ّ‬ ‫أجبتني بصوت بريء‪ ،‬وباعتراف لم أعِ ساعتها ك ّ‬ ‫ أّما أنا فمشكلتي أنني أنسى‪ ..‬أنسى كل شيء‪ ..‬تصّور‪ ..‬البارحة مثل ً‬‫نسيت بطاقة الميترو في حقيبة يدي الخرى‪ .‬ومنذ أسبوع نسيت مفتاح‬ ‫البيت بداخل البيت‪ ،‬وانتظرت ساعتين قبل أن يحضر أحد ليفتح لي الباب‪..‬‬


‫إنها كارثة‪.‬‬ ‫قلت ساخرا‪:‬‬ ‫ شكراً إذن لنك تذكرت موعدنا هذا!‬‫أجبت باللهجة الساخرة نفسها‪:‬‬ ‫د أن تعلم أنني أكره اليقين‬ ‫ لم يكون موعدًا‪ ..‬كان احتمال موعد فقط‪ ..‬ل ب ّ‬‫ل شيء‪ ..‬أكره أن أجزم بشيء أو ألتزم به‪ ..‬الشياء الجمل‪ ،‬تولد‬ ‫في ك ّ‬ ‫احتما ً‬ ‫ل‪ ..‬ورّبما تبقى كذلك‪.‬‬ ‫سألتك‪:‬‬ ‫ت إذن‪.‬؟‬ ‫ لماذا جئ ِ‬‫تأّملتني‪ ..‬وراحت عيناك تتسكعان في ملمح وجهي‪ ،‬وكأنهما تبحثان عن‬ ‫م قلت في نظرة مثقلة بالوعوبد والغراء‪..‬‬ ‫جواب لسؤال مفاجئ‪ ..‬ث ّ‬ ‫ لنك قد تكون يقيني المحتمل!‬‫ضحكت لهذه الجملة التي تحمل تناقضاً أنثوياً صارخًا_ لم أكن أعرف بعد أنه‬ ‫متك_ وقلت وقد ملتني عيناك غروراً وزهواً رجاليًا‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫س َ‬ ‫ أّما أنا فأكره الحتمالت‪ ..‬ولذا أجزم أنني سأكون يقينك‪.‬‬‫قلت بإصرار أنثى على قول الكلمة الخيرة‪:‬‬ ‫ إنه افتراض‪ ..‬محتمل كذلك!‬‫وضحكنا كثيرًا‪.‬‬ ‫كنت سعيداً وكأنني أضحك لول مرة منذ سنوات‪ .‬كنت أتوقع لنا بدايات‬ ‫أخرى‪ ،‬وكنت قد أعدبدت جمل ً ومواقف كثيرة لمبابدرتك في هذا اللقاء الول‪.‬‬ ‫ولكن اعترف أنني لم أكن أتوقع لنا بداية كهذه‪.‬‬ ‫ل ما أعدبدته ساعة قدومك‪ ..‬وتبعثرت لغتي أمام لغتك التي‬ ‫فقد تلشى ك ّ‬ ‫لم أكن أبدري من أين تأتين بها‪.‬‬ ‫كان في حضورك شيء من المرح والشاعرية معًا‪ .‬كان هناك تلقائية‬ ‫وبساطة تكابد تجاور الطفولة‪ ،‬بدون أن تلغي ذلك الحضور النثوي الدائم‪..‬‬ ‫وكنت تملكين تلك القدرة الخارقة على مساواة عمري بعمرك‪ ،‬في جلسة‬


‫ي عن طريق العدوى‪ .‬كنت ما أزال‬ ‫واحدة‪ .‬وكأن فتّوتك وحيوّيتك قد انتقلتا إل ّ‬ ‫تحت وقع تصريحاتك تلك‪ ،‬عندما فاجأني كلمك‪:‬‬ ‫ن أكثر‪ ،‬لم أكن أريد أن أتقاسمها‬ ‫ في الواقع‪ ..‬كنت أريد أن أرى لوحاتك بتأ ٍّ‬‫ً‬ ‫ب شيئا‪ ..‬أفضل أن‬ ‫في ذلك اليوم مع ذلك الحشد من الناس‪ ..‬عندما أح ّ‬ ‫أنفربد به!‬ ‫سام‪ ..‬وأجمل ما‬ ‫كانت هذه أجمل شهابدة إعجاب يمكن أن تقولها زائرة لر ّ‬ ‫يمكن أن تقوليه لي أنت ذلك اليوم‪ .‬وقبل أن أذهب بعيداً في فرحتي أو‬ ‫أشكرك أضفت‪:‬‬ ‫ ما عدا هذا‪ ..‬كنت أوبد أن أتعّرف عليك منذ زمن بعيد‪ .‬لقد كانت جدتي‬‫تحدثني أحياناً عنك عندما تذكر أبي‪ .‬يبدو أنها كانت تحبك كثيرًا‪..‬‬ ‫سألتك بلهفة‪:‬‬ ‫ وكيف هي )أّما الزهرة(؟ إنني لم أرها منذ زمان‪.‬‬‫قلت بمسحة حزن‪:‬‬ ‫ لقد توفيت من أربع سنوات‪ ،‬وبعد وفاتها انتقلت أمي لتعيش مع أخي‬‫ناصر في العاصمة‪ .‬وجئت أنا إلى باريس لمتابعة بدراستي‪ .‬لقد غّير موتها‬ ‫حياتنا بعض الشيء‪ ..‬فهي التي رّبتنا في الواقع‪..‬‬ ‫حاولت أن أنسى ذلك الخبر‪ .‬كان موتها شوكة أخرى انغرست في قلبي‬ ‫يومها‪ .‬فقد كان فيها شيء من )أّما(‪ ،‬من عطرها السري‪ ،‬من طريقتها في‬ ‫ضّية‬ ‫تعصيب رأسها على جنب بالمحارم الحريرية‪ ،‬وإخفاء علبة "النّفة" الف ّ‬ ‫في صدرها الممتلئ‪ .‬وكانت لها تلك الحرارة التلقائية التي تفيض بها‬ ‫المهات عندنا‪ ،‬تلك الكلمات التي تعطيك في جملة واحدة ما يكفيك من‬ ‫الحنان لعمر بأكمله‪.‬‬ ‫ت معي أخيرًا‪ ،‬وكان على الزمن أن يكون‬ ‫ولكن الوقت لم يكن للحزن‪ .‬كن ِ‬ ‫للفرح فقط‪.‬‬ ‫قلت لك‪:‬‬ ‫ رحمها ا‪ ..‬لقد كنت أنا أيضاً أحّبها كثيرًا‪..‬‬‫تراك أربدت عندئذ‪ ،‬أن تضعي نهاية لموجة الحزن التي فاجأتني‪ .‬خشية أن‬ ‫تجرفنا معاً نحو ذاكرة لم نكن مهيأين بعد لتصفحها‪.‬‬ ‫أم فقط كنت تريدين أن تطّبقي برنامج زيارتك عندما نهضت فجأة وقلت‪:‬‬


‫ أيمكنني أن ألقي نظرة على لوحاتك؟‬‫وقفت لمرافقتك‪.‬‬ ‫رحت أشرح لك بعضها والمناسبات التي رسمتها فيها عندما قلت وأنت‬ ‫ي‪:‬‬ ‫تنقلين فجأة عينيك من اللوحات إل ّ‬ ‫ أتدري أنني أحب طريقتك في الرسم؟‪ .‬أنا ل أقول لك هذا مجاملة‪ ،‬ولكن‬‫أعتقد أنني لو كنت أرسم لرسمت هكذا مثلك‪ ..‬أشعر أننا نحن الثنين نرى‬ ‫ل ما أحسست بهذا تجاه إنتاج جزائري‪.‬‬ ‫الشياء بإحساس واحد‪ ..‬وق ّ‬ ‫ما الذي أربكني الكثر لحظتها؟‪ .‬أترى عيناك اللتان أصبح لهما فجأة لون‬ ‫آخر تحت الضوء‪ ،‬واللتان كانتا تتأملن فجأة ملمحي وكأنهما تتأملن لوحة‬ ‫أخرى لي‪ ..‬أم ما قلته قبل ذلك والذي شعرت أنه تصريح عاطفي وليس‬ ‫انطباعاً فنيًا؛ أو هكذا تمّنيت أو خّيل لي‪ .‬توقف سمعي عند كلمة "نحن‬ ‫الثنين"‪ .‬إنها بالفرنسية تأخذ بعداً موسيقياً عاطفياً فريدًا‪ ..‬حتى إنها عنوان‬ ‫لمجلة عاطفية تصدر لمن تبقى من رومنطيقيين في فرنسا ) ‪(Nous deux‬‬ ‫‪.‬‬ ‫أخفيت ارتباكي بسؤال ساذج‪:‬‬ ‫ وهل ترسمين؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫ ل أنا أكتب‪.‬‬‫ وماذا تكتبين؟‬‫ أكتب قصصاً وروايات؟!‬‫ قصصاً وروايات‪!...‬‬‫ك شعرت بإهانة من مسحة‬ ‫رّبدبدتها وكأنني ل أصدق ما أسمع‪ ..‬فقلت وكأن ِ‬ ‫العجب أو الشك في صوتي‪:‬‬ ‫ لقد صدرت لي أول رواية منذ سنتين‪..‬‬‫سألتك وأنا أنتقل من بدهشة إلى أخرى‪:‬‬ ‫‪ -‬وبأي لغة تكتبين؟‬


‫قلت‪:‬‬ ‫ بالعربية‪..‬‬‫ بالعربية؟!‬‫استفزتك بدهشتي‪ ،‬وربما أسأت فهمها حين قلت‪:‬‬ ‫ كان يمكن أن أكتب بالفرنسية‪ ،‬ولكن العربية هي لغة قلبي‪ ..‬ول يمكن‬‫س بها الشياء‪.‬‬ ‫أن أكتب إل بها‪ ..‬نحن نكتب باللغة التي نح ّ‬ ‫ ولكنك ل تتحدثين بغير الفرنسية‪..‬‬‫ إنها العابدة‪..‬‬‫قلتها ثم واصلت تأمل اللوحات قبل أن تضيفي‪:‬‬ ‫ المهم‪ ..‬اللغة التي نتحدث بها لنفسنا وليست تلك التي نتحدث بها‬‫للخرين!‬ ‫رحت أتأملك مدهوشًا‪ ،‬وأنا أحاول أن أضع شيئاً من الترتيب في أفكاري‪..‬‬ ‫ل هذه‬ ‫ل هذه المصابدفات‪ ،‬في مصابدفة واحدة؟ وك ّ‬ ‫أيمكن أن تجتمع ك ّ‬ ‫الشياء التي كانت قناعاتي الثابتة‪ ..‬وأحلمي الوطنية الولى‪ ،‬في امرأة‬ ‫واحدة‪ ..‬وأن تكون هذه المرأة هي أنت‪ ..‬ابنة سي الطاهر ل غير؟ لو‬ ‫تصّورت لقاء مدهشاً في حياتي‪ ،‬لما تصورت أكثر إبدهاشاً من هذا‪ .‬إنها أكثر‬ ‫من مصابدفة‪ ،‬إنه قدر عجيب‪ ،‬أن تتقاطع طرقنا على هذا النحو‪ ،‬بعد ربع‬ ‫قرن‪.‬‬ ‫أعابدني صوتك إلى الواقع وأنت تتوقفين عند إحدى اللوحات‪:‬‬ ‫ل ما ترسم وجوهًا‪ ،‬أليس كذلك؟‬ ‫ أنت ق ّ‬‫وقبل أن أجيبك قلت‪:‬‬ ‫ اسمعي‪ ..‬لن نتحدث إلى بعض إل بالعربية‪ ..‬سأغير عابداتك بعد اليوم‪..‬‬‫سألتني بالعربية‪:‬‬ ‫‪ -‬هل ستقدر؟‬


‫أجبتك‪:‬‬ ‫ سأقدر‪ ...‬لنني سأغير أيضاً عابداتي معك‪..‬‬‫أجبتني عندئذ بفرح سري لمرأة اكتشفت فبما بعد أنها تحب الوامر‪:‬‬ ‫ سأطيعك‪ ..‬فأنا أحب هذه اللغة‪ ..‬وأحب إصرارك‪ .‬ذِّكرني فقط لو حدث‬‫ونسيت‪.‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ لن أذكرك‪ ..‬لنك لن تنسي ذلك!‬‫وكنت أرتكب لحظتها أجمل الحماقات‪ .‬وأنا أجعل تلك اللغة التي كان لي‬ ‫صتنا المعّقدة‪..‬‬ ‫معها أكثر من صلة عشقية‪ ،‬طرفاً آخر في ق ّ‬ ‫عدت لسألك بالعربية‪:‬‬ ‫م كنت تتحدثين منذ قليل؟‬ ‫ع ّ‬‫قلت‪:‬‬ ‫ كنت أعجب أل يوجد في معرضك سوى هذه اللوحة التي تمِّثل وجهاً‬‫نسائيًا‪ ..‬أل ترسم وجوهًا؟‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ كنت في فترة أرسم وجوهاً ثم انتقلت إلى موضوعات أخرى‪ .‬في الرسم‪،‬‬‫كلما تقدم عمر الفنان وتجربته‪ ،‬ضاقت به المساحات الصغيرة وبحث عن‬ ‫طرق أخرى للتعبير‪.‬‬ ‫في الحقيقة أنا ل أرسم الوجوه التي أحبها حقًا‪ ..‬أرسم فقط شيئاً يوحي‬ ‫بها‪ ..‬طّلتها‪ ..‬تماوج شعرها‪ ..‬طرفاً من ثوب امرأة‪ ..‬أو قطعة من حلّيها‪ .‬تلك‬ ‫التفاصيل التي تعلق في الذاكرة بعدما نفارقها‪ .‬تلك التي تؤبدي إليها بدون‬ ‫ن آلة‬ ‫أن تفضحها تمامًا‪ ..‬فالرسام ليس مصوراً فوتوغرافياً يطاربد الواقع‪ ..‬إ ّ‬ ‫تصويره توجد بداخله‪ ،‬مخفية في مكان يجهله هو نفسه‪ ،‬ولهذا هو ل يرسم‬ ‫بعينيه‪ ،‬وإنما بذاكرته وخياله‪ ..‬وبأشياء أخرى‪.‬‬ ‫قلت وعيناك تنظران لمرأة يطغى شقار شعرها على اللوحة ول يترك‬ ‫مجال ً للون آخر سوى حمرة شفتيها غير البريئتين‪:‬‬


‫د؟‬ ‫ وهذه المرأة إذن‪ ..‬لماذا رسمت لها لوحة واقعية إلى هذا الح ّ‬‫ضحكت وقلت‪:‬‬ ‫ هذه امرأة ل ترسم إل بواقعية‪..‬‬‫ولماذا أسميت لوحتها "اعتذار"؟‬‫ لنني رسمتها اعتذاراً لصاحبتها‪..‬‬‫قلت فجأة بلهجة فرنسية وكأن غضبك أو غيرتك السرّّية قد ألغت اتفاقنا‬ ‫السابق‪:‬‬ ‫ أتمنى أن يكون قد أقنعها هذا العتذار‪ ..‬فاللوحة جميلة حقًا‪.‬‬‫ثم أضفت بشيء من الفضول النسائي‪:‬‬ ‫ ولكن هذا يعوبد إلى نوع الذنب الذي اقترفته في حقها!‬‫ص عليك قصة تلك اللوحة‪ ،‬في لقائنا‬ ‫لم أكن أشعر بأّية رغبة في أن أق ّ‬ ‫الول‪ .‬كنت أخاف أن يكون لتلك القصة تأثير سلبي على علقتنا‪ ،‬أو على‬ ‫نظرتك لي‪ .‬فحاولت أن أتهرب من تعليقك الذي يستدرجني بحيلة إلى‬ ‫مزيد من التوضيح‪ ،‬وأتجاهل عنابدك في الوقوف طويل ً أمام تلك اللوحة‬ ‫بالذات‪.‬‬ ‫ولكن‪ ..‬هل يمكن أن تقاوم فضول أنثى تصرّ على معرفة شيء؟‬ ‫أجبتك‪:‬‬ ‫ لهذه اللوحة قصة طريفة شيئاً ما‪ ،‬تكشف عن جانب من عقدي‬‫ورواسبي القديمة‪ ،‬وهي هنا رّبما لهذا السبب‪.‬‬ ‫ص لول مرة قصة تلك اللوحة التي رسمتها ذات يوم‪ ،‬بعدما‬ ‫ورحت أق ّ‬ ‫حضرت مرة‪ ،‬كما أفعل بين الحين والخر‪ ،‬إحدى جلسات الرسم في‬ ‫مدرسة الفنون الجميلة‪ ،‬حيث يدعوني هناك بعض أصدقائي الساتذة‪ ،‬كما‬ ‫سامين‪ ،‬للتقي بالطلبة والرسامين الهواة‪.‬‬ ‫يفعلون عابدة مع بعض الر ّ‬ ‫كان الموضوع ذلك اليوم هو رسم موبديل نسائي عاٍر‪ .‬وبينما كان جميع‬ ‫كر‬ ‫الطلبة متفرغين لرسم ذلك الجسد من زواياه المختلفة‪ ،‬كنت أنا أف ِّ‬ ‫ي‪ ،‬وبنظرة‬ ‫مدهوشاً في قدرة هؤلء على رسم جسد امرأة بحيابد جنس ّ‬ ‫جمالية ل غير‪ ،‬وكأنهم يرسمون منظراً طبيعياً أو مزهرية على طاولة‪ ،‬أو‬


‫تمثال ً في ساحة‪.‬‬ ‫من الواضح‪ ،‬أنني كنت الوحيد المرتبك في تلك الجلسة‪ .‬فقد كنت أرى‪،‬‬ ‫لول مرة‪ ،‬امرأة عارية هكذا تحت الضوء تغير أوضاعها‪ ،‬تعرض جسدها‬ ‫بتلقائية‪ ،‬وبدون حرج أمام عشرات العيون؛ وربما في محاولة لخفاء ارتباكي‬ ‫رحت أرسم أيضًا‪ .‬ولكن ريشتي التي تحمل رواسب عقد رجل من جيلي‪،‬‬ ‫رفضت أن ترسم ذلك الجسد‪ ،‬خجل ً أو كبرياء ل أبدري‪ ..‬بل راحت ترسم‬ ‫شياً آخر‪ ،‬لم يكن في النهاية سوى وجه تلك الفتاة كما يبدو من زاويتي‪..‬‬ ‫وعندما انتهت تلك الجلسة‪ ،‬وارتدت تلك الفتاة التي لم تكن سوى إحدى‬ ‫ل واحد‪،‬‬ ‫الطالبات ثيابها‪ ،‬وقامت بجولة كما هي العابدة لترى كيف رسمها ك ّ‬ ‫فوجئت وهي تقف أمام لوحتي‪ ،‬بأنني لم أرسم سوى وجهها‪ .‬قالت بلهجة‬ ‫ل‬ ‫فيها شيء من العتاب وكأنها ترى في تلك اللوحة إهانة لنوثتها‪" :‬أهذا ك ّ‬ ‫ما ألهمتك إّياه؟" فقلت مجام ً‬ ‫ل‪" :‬ل‪ ،‬لقد ألهمتني كثيراً من الدهشة‪،‬‬ ‫ولكني أنا أنتمي لمجتمع لم يدخل الكهرباء بعد إلى بدهاليز نفسه‪ .‬أنت‬ ‫أّول امرأة أشاهدها عارية هكذا تحت الضوء‪ ،‬رغم أنني رجل يحترف‬ ‫الرسم‪ ..‬فاعذريني‪ .‬إن فرشاتي تشبهني‪ ،‬إنها تكره أيضاً أن تتقاسم مع‬ ‫الخرين امرأة عارية‪ ..‬حتى في جلسة رسم!"‪.‬‬ ‫ي فجأة رجل ً آخر لم‬ ‫ي مدهوشة‪ ،‬وكأنك تكتشفين ف ّ‬ ‫كنت تستمعين إل ّ‬ ‫دتك‪ .‬كان في عينيك فجأة شي جديد‪ ،‬نظرة غامضة ما‪،‬‬ ‫تحدثك عنه ج ّ‬ ‫مد‪ ،‬ربما سببه غيرة نسائية من امرأة مجهولة‪،‬‬ ‫شيء من الغراء المتع ّ‬ ‫ً‬ ‫سرقت في يوم ما اهتمام رجل لم يكن حتى الن مهما بالنسبة إليك‪.‬‬ ‫ذذ بذلك الموقف العجيب الذي لم أتعمده‪ .‬كنت سعيداً أن تثير فيك‬ ‫رحت أتل ّ‬ ‫الغيرة هذا الصمت المفاجئ‪ ،‬وهذه الحمرة الخفيفة التي علت وجنتيك‪،‬‬ ‫وجعلت عينيك تّتسعان بغضب مكبوت‪ .‬فاحتفظت لنفسي ببقية القصة‪..‬‬ ‫ن صاحبتها ليست سوى‬ ‫لم أخبرك أن هذه الحابدثة تعوبد لسنتين‪ ،‬وأ ّ‬ ‫ي فيما بعد أن أقدم لجسدها اعتذاراً آخر‪ ..‬يبدو أنه‬ ‫كاترين‪ ،‬وأنه كان عل ّ‬ ‫كان مقنعاً لدرجة أنها لم تفارقني منذ ذلك الحين!‬ ‫أذكر اليوم بشيء من السخرية‪ ،‬ذلك المنعطف الذي أخذته علقتنا فجأة‬ ‫دثتك عن تلك اللوحة‪ ..‬عجيب هو عالم النساء حقًا! كنت أتوقع أن‬ ‫بعدما ح ّ‬ ‫تقعي في حبي‪ ،‬وأنت تكتشفي تلك العلقة السرية التي تربطك بلوحتي‬ ‫الولى "حنين"‪ .‬لوحة في عمرك وفي هويتك‪ .‬وإذا بك تتعلقين بي بسبب‬ ‫لوحة أخرى لمرأة أخرى‪ ،‬تعبر الذاكرة خطأ!‬ ‫انتهى موعدنا الول عند الظهر‪.‬‬ ‫كان عندي إحساس ما إنني سأراك مرة أخرى‪ ..‬ربما غدًا‪ .‬كنت أشعر أننا‬ ‫في بداية شيء ما‪ ،‬وأننا كلينا على عجل‪ .‬كان هناك كثير من الشياء التي‬ ‫لم نقلها بعد‪ ،‬بل إننا لم نقل شياً في النهاية‪ .‬نحن أغرينا بعضنا فقط‬


‫بحديث محتمل‪ .‬كّنا‪ ،‬عن سذاجة أو عن ذكاء‪ ،‬نمارس اللعبة نفسها معًا‪،‬‬ ‫ولذا لم أتعجب كثيراً عندما سألتني وأنت توّبدعينني‪:‬‬ ‫ هل ستكون هنا غداً صباحًا؟‬‫قلت لك بسعابدة من ربح الرهان‪:‬‬ ‫ طبعًا‪.‬‬‫قلت‪:‬‬ ‫ سأعوبد إذن غداً في الوقت نفسه تقريبًا‪ ،‬سيكون لنا مّتسع أكثر للحديث‪.‬‬‫لقد مرّ الوقت بسرعة اليوم بدون أن ننتبه لذلك‪..‬‬ ‫لم أعّلق على كلمك‪ .‬كنت أبدري أن ل مقياس للوقت سوى قلبينا‪ .‬ولذا‬ ‫فالوقت ل يركض بنا إل عندما يركض بنا القلب لهثاً أيضاً من فرحة إلى‬ ‫أخرى‪ ،‬ومن بدهشة إلى أخرى‪ ..‬ولذا وجدت في كلمك اعترافاً بفرح‬ ‫ي‪ ..‬توقعت أن يتكّرر‪.‬‬ ‫مشترك سرّ ّ‬ ‫أذكر أنني قلت لك يومها وأنا أوِّبدعك عند باب القاعة‪:‬‬ ‫ ل تنسي كتابك غدًا‪ ..‬أريد أن أقرأك‪.‬‬‫قلت متعجبة‪:‬‬ ‫ أتتقن العربية؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫ طبعًا‪ ..‬سترين ذلك بنفسك‪.‬‬‫ت‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ سأحضره إذن‪..‬‬‫ثم أضفت بابتسامة ل تخلو من كيٍد نسائي محّبب‪:‬‬ ‫ مابدمت تصرّ على معرفتي‪ ..‬لن أحرمك من هذه المتعة!‬‫وانغلق الباب خلف ابتسامتك تلك‪ ،‬بدون أن أفهم ما كنت تعنيه بالتحديد‪.‬‬


‫ذهبت بالغموض الضبابي الذي جئت به‪ ..‬نفسه‪ .‬وبقيت عند عتبة ذلك‬ ‫م‬ ‫الباب الزجاجي‪ ،‬أتأملك تندمجين بخطى المارة وتختفين مرة أخرى كنج ٍ‬ ‫هارب‪ ..‬و أنا أتسال بشيء من الذهول‪ ..‬ترانا التقينا حقًا؟!‬

‫***‬

‫التقينا إذن‪..‬‬ ‫الذين قالوا "الجبال وحدها ل تلتقي"‪ ..‬أخطأوا‪.‬‬ ‫والذين بنوا بينها جسورًا‪ ،‬لتتصافح بدون أن تنحني أو تتنازل عن شموخها‪..‬‬ ‫ل يفهمون شيئاً في قوانين الطبيعة‪.‬‬ ‫الجبال ل تلتقي إل في الزلزل و الهزات الرضية الكبرى‪ ،‬وعندما ل تتصافح‪،‬‬ ‫وإنما تتحول إلى تراب واحد‪.‬‬ ‫التقينا إذن‪..‬‬ ‫وحدثت الهزة الرضية التي لم تك متوّقعة‪ ،‬فقد كان أحدنا بركانًا‪ ،‬وكنت أنا‬ ‫الضحية‪.‬‬ ‫ل شيء في طريقه‪ ،‬وأحرق‬ ‫يا امرأة تحترف الحرائق‪ .‬ويا جبل ً بركانياً جرف ك ّ‬ ‫سكت به‪.‬‬ ‫آخر ما تم ّ‬ ‫من أين أتيت بكل تلك المواج المحرقة من النار؟ وكيف لم أحذر تربتك‬ ‫ي عاشقة غجرية‪.‬‬ ‫المحمومة‪ ،‬كشفت ْ‬ ‫كيف لم أحذر بساطتك وتواضعك الكاذب‪ ،‬وأتذّكر بدرساً قديماً في الجغرافية‪:‬‬ ‫"الجبال البركانية ل قمم لها؛ إنها جبال في تواضع هضبة‪ "..‬فهل يمكن‬ ‫ل هذا؟‬ ‫للهضاب أن تفعل ك ّ‬ ‫ذرنا من ذلك النهر المسالم الذي يخدعنا هدوؤه‬ ‫ل المثلة الشعبية تح ّ‬ ‫ك ّ‬ ‫فنعبره‪ ،‬وإذا به يبتلعنا‪ .‬وذلك العوبد الصغير الذي ل نحتاط له‪ ..‬وإذا به يعمينا‪.‬‬ ‫ل‬ ‫أكثر من مثل يقول لن بأكثر من لهجة "يؤخذ الحذر من مأمنه"‪ .‬ولكن ك ّ‬ ‫تحذيراتها لن تمنعنا من ارتكاب المزيد من الحماقات‪ ،‬فل منطق للعشق‬ ‫خارج الحماقات والجنون‪ .‬وكلما ازبدبدنا عشقاً كبرت حماقاتنا‪.‬‬ ‫ألم يقل )برناربد شو( "تعرف أنك عاشق عندما تبدأ في التصرف ضد‬ ‫مصلحتك الشخصية!"‬


‫وكانت حماقاتي الولى‪ ،‬أنني تصرفت معك مثل سائح يزور صقّلية لول‬ ‫مرة‪ ،‬فيركض نحو بركان )إتنا(‪ ،‬ويصِّلي ليستيقظ البركان النائم بعين واحدة‬ ‫من نومه‪ ،‬ويغرق الجزيرة نارًا‪ ،‬على مرأى من السواح المحملين باللت‬ ‫الفوتوغرافية‪ ..‬والدهشة‪.‬‬ ‫وتشهد جثث السواح التي تحولت إلى تراب أسوبد أنه ل أجمل من بركان‬ ‫يتثاءب‪ ،‬ويقذف ما في جوفه من نيران وأحجار‪ ،‬ويبتلع المساحات الشاسعة‬ ‫في بضع لحظات‪.‬‬ ‫ن المتفرج عليه يصاب بدائماً بجاذبية مغناطيسية ما‪ ..‬بشيء شبيه‬ ‫وأ ّ‬ ‫ده لتلك السيول النارية‪ ،‬فيظل منبهراً أمامها‪ .‬يحاول أن‬ ‫بشهوة اللهب‪ ،‬يش ّ‬ ‫ل ما قرأه عن قيام الساعة‪ ،‬وينسى بحماقة عاشق‪ ،‬أنه‬ ‫يتذّكر في ذهول ك ّ‬ ‫يشهد ساعتها‪ ..‬قيام ساعته!‬ ‫يشهد الدمار حولي اليوم‪ ،‬أنني أحببتك حتى الهلك؛ وأشتهيك‪ ..‬حتى‬ ‫الحتراق الخير‪ .‬وصّدقت جاك بريل عندما قال "هناك أراض محروقة تمنحك‬ ‫من القمح ما ل يمنحك نيسان في أوج عطائه"‪ .‬وراهنت على ربيع هذا‬ ‫العمر القاحل‪ .‬ونيسان هذه السنوات العجاف‪.‬‬ ‫ل شيء‪ ..‬ألم يكن جنوناً أن أزايد على جنون‬ ‫يا بركاناً جرف من حولي ك ّ‬ ‫ل من أحبوك قبلي‪ ..‬فأنقل بيتي عند سفحك‪ ،‬وأضع‬ ‫السواح والعشاق‪ ،‬وك ّ‬ ‫ذاكرتي عند أقدام براكينك‪ ،‬وأجلس بعدها وسط الحرائق‪ ..‬لرسمك‪.‬‬ ‫ألم يكن جنونًا‪ ..‬أن أرفض الستعانة بنشرات الرصابد الجوية‪ ،‬والكوارث‬ ‫الطبيعية‪ ،‬وأقنع نفسي أنني أعرف عنك أكثر مما يعرفون‪ .‬نسيت وقتها أن‬ ‫ن ما أعرفه عنك ل علقة له بالمنطق‬ ‫ب‪ ،‬وأ ّ‬ ‫المنطق ينتهي حيث يبدأ الح ّ‬ ‫ول بالمعرفة‪.‬‬ ‫التقت الجبال إذن‪ ..‬والتقينا‪.‬‬ ‫ربع قرن من الصفحات الفارغة البيضاء التي لم تمتلئ بك‪.‬‬ ‫ربع قرن من اليام المتشابهة التي أنفقتها في انتظارك‪.‬‬ ‫ربع قرن على أّول لقاء بين رجل كان أنا‪ ،‬وطفلة تلعب على ركبتي كانت‬ ‫أنت‪.‬‬ ‫ربع قرن على قبلة وضعتها على خدك الطفولي‪ ،‬نيابة عن والد لم يرك‪.‬‬ ‫أنا الرجل المعطوب الذي ترك في المعارك المنسّية ذراعه‪ ،‬وفي المجن‬ ‫المغلقة قلبه‪..‬‬ ‫لم أكن أتوقع أن تكوني المعركة التي سأترك عليها جّثتي‪ ،‬والمدينة التي‬ ‫سأنفق فيها ذاكرتي‪ ..‬واللوحة البيضاء التي ستستقيل أمامها فرشاتي‪،‬‬ ‫ل الضدابد‪.‬‬ ‫لتبقى عذراء‪ ..‬وجّبارة مثلك‪ .‬تحمل في لونها ك ّ‬


‫ل هذا؟ لم أعد أبدري‪.‬‬ ‫كيف حدث ك ّ‬ ‫ب ينقلنا من شهقة إلى‬ ‫كان الزمن يركض بنا من موعد إلى آخر‪ ،‬والح ّ‬ ‫أخرى‪ ،‬وكنت أستسلم لحبك بدون جدل‪.‬‬ ‫كان حبك قدري‪ ..‬وربما كان حتفي‪ ،‬فهل من قوة تقف في وجه القدر؟‬ ‫كان لقاؤنا يتكرر كل يوم تقريبًا‪ ،‬كّنا نلتقي في تلك القاعة نفسها في‬ ‫ساعات مختلفة من النهار‪ ،‬فقد شاءت المصابدفات أن يصابدف معرضي‬ ‫ل يوم‪.‬‬ ‫عطلة الربيع المدرسية‪ .‬وكنت تملكين ما يكفي من الوقت لزيارتي ك ّ‬ ‫ي بدوام جامعي‪.‬‬ ‫فلم يكن لك أ ّ‬ ‫كان عليك فقط أن تتحايلي على الخرين بعض الشيء‪ ،‬وربما على ابنة‬ ‫عمك أكثر‪ ،‬حتى ل ترافقك لسبب أو لخر‪.‬‬ ‫كنت أتساءل كل مرة وأنا أوبدعك مربدبداً تلقائيًا‪" ،‬إلى الغد"‪ :‬ترانا نرتكب أكبر‬ ‫ل يوم‪ .‬وربما لنني كنت أكبرك سنًّا‪ ،‬كنت‬ ‫الحماقات ويزبدابد تعلقنا ببعض ك ّ‬ ‫أشعر أنني تحمل وحدي مسؤولية ذلك الوضع العاطفي الشاذ وانحدارنا‬ ‫السريع والمفجع نحو الحب‪.‬‬ ‫ولكن عبثاً كنت أحاول الوقوف في طريق ذلك الشلل الذي كان يجرفني‬ ‫ب في الخمسين‪ ،‬بشهية رجل لم‬ ‫ب في الخمسين‪ ،‬بجنون ح ّ‬ ‫إليك بقوة ح ّ‬ ‫ب قبل ذلك اليوم‪.‬‬ ‫يعرف الح ّ‬ ‫كان حبك يجرفني بشبابه وعنفوانه‪ ،‬وينحدر بي إلى أبعد نقطة في‬ ‫اللمنطق‪ ..‬تلك التي يكابد يلمس فيها العشق‪ ،‬في آخر المطاف‪ ،‬الجنون‬ ‫أو الموت‪..‬‬ ‫وكنت أشعر وأنا أنحدر معك إلى تلك المتاهات العميقة بداخلي‪ ،‬إلى تلك‬ ‫الدهاليز السرية للحب والشهوة‪ ،‬وإلى تلك المساحة البعيدة الغوار التي‬ ‫لم تطأها امرأة قبلك‪ ،‬أنني أنزل أيضاً سّلم القيم تدريجيًا‪ ،‬وأنني أتن ّ‬ ‫كر بدون‬ ‫أن أبدري لتلك المثل التي آمنت بها بتطّرف‪ ،‬ورفضت عمراً بأكمله أن أساوم‬ ‫عليها‪.‬‬ ‫لقد كانت القيم بالنسبة لي شياً ل يتجزأ‪ ،‬ولم يكن هناك في قاموسي‬ ‫من فرق بين الخلق السياسية‪ ،‬وبقية الخلق‪ ..‬وكنت أعي أنني‪ ،‬معك‪،‬‬ ‫بدأت أتن ّ‬ ‫كر لواحدة لقنعك بأخرى‪.‬‬ ‫تساءلت كثيراً آنذاك‪..‬‬ ‫تراني كنت أخون الماضي‪ ،‬وأنا أنفربد بك في جلسة شبه بريئة‪ ،‬في قاعة‬ ‫تؤثثها اللوحات والذاكرة؟‬


‫ن عرفت من رجال‪ ،‬وأكثرهم نخوة ومروءة‪ ،‬وأكثرهم‬ ‫تراني أخون أعزّ َم ْ‬ ‫شجاعة ووفاًء؟‬ ‫تراني سأخون سي الطاهر قائدي ورفيقي وصديق عمر بأكمله‪ .‬فأبدّنس‬ ‫ذكراه وأسرق منه زهرة عمره الوحيدة‪ ..‬ووصّيته الخيرة؟‬ ‫دثك عن الماضي!‬ ‫ل ذلك باسم الماضي‪ ،‬وأنا أح ِّ‬ ‫أيمكن أن أفعل ك ّ‬ ‫دثك‬ ‫ولكن‪ ..‬أكنت حّقاً أسرق منك شيئًا‪ ،‬في تلك الجلسات التي كنت أح ِّ‬ ‫فيها طويل ً عنه؟‪.‬‬ ‫ل‪ ..‬لم يحدث هذا أبدًا‪ ،‬كانت هيبة اسمه حاضرة في ذهني بدائمًا‪ .‬كانت‬ ‫تربطني بك وتفصلني عنك في الوقت نفسه‪ .‬كانت جسراً وحاجزاً في‬ ‫الوقت نفسه‪..‬‬ ‫وكانت متعتي الوحيدة وقتها‪ ،‬أن أوبدعك مفاتيح ذاكرتي‪ .‬أن أفتح لك بدفاتر‬ ‫الماضي المصفّرة‪ ،‬لقرأها أمامك صفحة‪ ..‬صفحة‪ .‬وكأنني أكتشفها معك‬ ‫وأنا أستمع لنفسي‪ ،‬أقصها لول مرة‪.‬‬ ‫كنا نكتشف بصمت أننا نتكامل بطريقة مخيفة‪ .‬كنت أنا الماضي الذي‬ ‫ت أنت الحاضر الذي ل ذاكرة له‪ ،‬والذي أحاول أن أوبدعه بعض‬ ‫تجهلينه‪ ،‬وكن ِ‬ ‫ملتني السنوات من ثقل‪.‬‬ ‫ما ح ّ‬ ‫ت فارغة كإسفنجة‪ ،‬وكنت أنا عميقاً ومثقل ً كبحر‪.‬‬ ‫كن ِ‬ ‫ل يوٍم أكثر‪..‬‬ ‫رحت تمتلئين بي ك ّ‬ ‫ً‬ ‫كنت أجهل ساعتها أنني كنت كلما فرغت امتلت بك أيضا‪ ،‬وأنني كلما‬ ‫وهبتك شياً من الماضي‪ ،‬حّولتك إلى نسخة مّني‪ .‬وإذا بنا نحمل ذاكرة‬ ‫مشتركة‪ ،‬طرقاً وأزقة مشتركة‪ ،‬وأفراحاً وأحزاناً مشتركة كذلك‪ .‬فقد كّنا معاً‬ ‫ل‬ ‫معطوبي حرب‪ ،‬وضعتنا القدار في رحاها التي ل ترحم‪ ،‬فخرجنا ك ّ‬ ‫بجرحه‪.‬‬ ‫كان جرحي واضحاً و جرحك خفياً في العماق‪ .‬لقد بتروا ذراعي‪ ،‬وبتروا‬ ‫طفولتك‪ .‬اقتلعوا من جسدي عضوًا‪ ..‬وأخذوا من أحضانك أبا‪ ..‬كّنا أشلء‬ ‫حرب‪ ..‬وتمثالين مح ّ‬ ‫طمين بداخل أثواب أنيقة ل غير‪.‬‬ ‫أذكر ذلك اليوم الذي طلبت فيه مني لول مرة‪ ،‬أن أحّدثك عن أبيك‪.‬‬ ‫واعترفت بشيء من الرتباك‪ ،‬أّنك جئت لزيارتي من البدء‪ ..‬بهذه النية فقط‪.‬‬ ‫كان في صوتك شيء من الحزن المكابر‪ ..‬شي من المرارة التي اكتشفتها‬ ‫فيك لول مرة‪.‬‬


‫قلت‪:‬‬ ‫ ما فائدة أن يمنح اسم أبي لشارع كبير‪ ،‬وأن أحمل ثقل اسمه الذي‬‫يربدبده أمامي المارة والغرباء عدة مرات في اليوم‪ .‬ما فائدة ذلك إذا كنت ل‬ ‫أعرف عنه أكثر مما يعرفون‪ ،‬وإذا كان ل يوجد بينهم شخص واحد قابدر على‬ ‫دثني عنه حقًا؟‬ ‫أن يح ّ‬ ‫قلت لك متعجبًا‪:‬‬ ‫مك مث ً‬ ‫ل؟‬ ‫ ألم يحدثك عنه ع ّ‬‫قلت‪:‬‬ ‫مي ل وقت له لهذا‪ ..‬وعندما يحدث أن يذكره أمامي‪ ،‬يأتي كلمه وكأنه‬ ‫ع ّ‬‫أقرب لخطبة تأبينية يتوجه بها لغرباء يستعرض أمامهم مآثر أخيه‪ ،‬ول يتوجه‬ ‫ل شي‪..‬‬ ‫ي ليحدثني عن رجل هو أبي قبل ك ّ‬ ‫فيها إل ّ‬ ‫الذي أريد أن أعرفه عن أبي‪ ،‬ليس تلك الجمل الجاهزة لتمجيد البطال‬ ‫ن الموت سّوى‬ ‫ل مناسبة عن الجميع؛ وكأ ّ‬ ‫والشهداء‪ ،‬والتي تقال في ك ّ‬ ‫ل الشهداء‪ ،‬فأصبحوا جميعاً نسخة طبق الصل‪.‬‬ ‫فجأة بين ك ّ‬ ‫يهمني أن أعرف شيئاً عن أفكاره‪ ..‬بعض تفاصيل حياته‪ ..‬أخطاءه‬ ‫وحسناته‪ ..‬طموحاته السرية‪ ..‬هزائمه السرية‪ .‬ل أريد أن أكون ابنة‬ ‫لسطورة‪ ،‬الساطير بدعة يونانية‪ .‬أريد أن أكون ابنة لرجل عابدي بقّوته‬ ‫ل رجل خيبة ما وهزيمة ما‪ ،‬ربما‬ ‫وبضعفه‪ ،‬بانتصاراته وبهزائمه‪ .‬ففي حياة ك ّ‬ ‫كانت سبباً في انتصار آخر‪.‬‬ ‫ل شيء من الصمت بيننا‪..‬‬ ‫ح ّ‬ ‫د الفاصل بين‬ ‫كنت أتأملك وأغوص في أعماق نفسي‪ .‬رحت أبحث عن الح ّ‬ ‫هزائمي وانتصاراتي‪ .‬لم أكن في تلك اللحظة نبي ًّا‪ ،‬ول كنت أنت آلهة‬ ‫مي الطراف‪ ،‬يحاولن ترميم‬ ‫إغريقية‪ ..‬كّنا فقط تمثالين أثريين قديمين محط َ‬ ‫أجزائهما بالكلمات‪ .‬فرحت أستمع إليك وأنت ترِّممين ما في أعماقك من‬ ‫بدمار‪.‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ يحدث أن أشعر أنني ابنة لرقم فقط‪ ،‬رقم بين مليون ونصف مليون رقم‬‫آخر‪ .‬ربما كان بعضها أكبر أو أصغر‪ ،‬ربما كتب اسم بعضها بخط أكبر أو أصغر‬ ‫من خط ّ آخر‪ ،‬ولكنها جميعاً أرقام لمأساة ما‪.‬‬ ‫ت‪:‬‬ ‫وأضف ِ‬


‫ أن يكون أبي أورثني اسماً كبيرًا‪ ،‬هذا ل يعني شيئًا‪ .‬لقد أورثني مأساة‬‫في ثقل اسمه‪ ،‬وأورث أخي الخوف الدائم من السقوط‪ ،‬والعيش مسكوناً‬ ‫بهاجس الفشل‪ ،‬وهو البن الوحيد للطاهر عبد المولى الذي ليس من حقه‬ ‫أن يفشل في الدراسة ول في الحياة‪ ،‬لنه ليس من حق الرموز أن‬ ‫تتحطم‪ .‬والنتيجة‪ ،‬أنه تخلى عن بدراسته الجامعية وهو يكتشف عبثية‬ ‫دس فيه الخرون المليين‪ .‬ربما كان على‬ ‫تكديس الشهابدات‪ ،‬في زمن يك ّ‬ ‫حق‪ ،‬فالشهابدات هي آخر ما يمكن أن يوصلك اليوم إلى وظيفة محترمة‪.‬‬ ‫لقد رأى أصدقاءه الذين تخرجوا قبله‪ ،‬ينتقلون مباشرة إلى البطالة أو إلى‬ ‫مو ّ‬ ‫ظفين برواتب وأحلم محدوبدة‪ ،‬فقَرر أن ينتقل إلى التجارة‪ .‬ورغم أنني‬ ‫أشاطره رأيه‪ ،‬إل أنه يحزنني أن يتحول أخي وهو في عزّ شبابه‪ ،‬إلى تاجر‬ ‫صغير يدير محل ً تجارياً وشاحنة وهبتها له الجزائر كامتياز بصفته ابن شهيد‪.‬‬ ‫ل أعتقد أن أبي كان يتوّقع له مستقبل ً كهذا!‬ ‫قاطعتك في محاولة لتخفيف تذمرك‪:‬‬ ‫ إنه لم يتوقع أيضاً لك مستقبل ً كهذا‪ .‬لقد ذهبت أبعد من أحلمه؛ إنك‬‫دس العلم والمعرفة‪ ،‬ويعشق‬ ‫ل طموحاته ومبابدئه‪ .‬كان رجل ً يق ّ‬ ‫الوريثة لك ّ‬ ‫العربية‪ ،‬ويحلم بجزائر ل علقة لها بالخرافات والعابدات البالية التي أرهقت‬ ‫جيله وقضت عليه‪ .‬إنك ل تعين أن يكون لك اليوم هذا الحظ الستثنائي‪،‬‬ ‫في وطن يمنحك فرصة أن تكوني فتاة مثّقفة‪ ،‬يمكنها الدراسة والعمل‬ ‫وحتى الكتابة‪..‬‬ ‫أجبت بشيء من السخرية‪:‬‬ ‫ن‬ ‫ قد أكون مدينة للجزائر بثقافتي أو بعلمي‪ ،‬ولكن الكتابة شي آخر لم يم ّ‬‫ي‪ .‬نحن نكتب لنستعيد ما أضعناه وما سرق خلسة مّنا‪ ..‬كنت‬ ‫به أحد عل ّ‬ ‫ضل أن تكون لي طفولة عابدية وحياة عابدية‪ ،‬أن يكون لي أب وعائلة‬ ‫أف ِ‬ ‫كالخرين؛ وليس مجموعة من الكتب وجزمة من الدفاتر‪ .‬ولكن أبي أصبح‬ ‫ملكاً لكل الجزائر‪ ،‬ووحدها الكتابة أصبحت ملكي‪ ..‬ولن يأخذها مِّني أحد!‬ ‫أذهلني كلمك‪ .‬ملني بأحاسيس متناقضة‪ .‬أحزنني‪ ،‬ولكنه لم يوصلني‬ ‫ن امرأة ذكية ل تثير الشفقة‪ .‬إنها بدائماً تثير‬ ‫إلى حد الشفقة عليك‪ .‬إ ّ‬ ‫العجاب حتى في حزنها‪ .‬وكنت معجباً بك‪ ،‬بجرحك المكابر‪ ،‬بطريقتك‬ ‫دي هذا الوطن‪ .‬كنت تشبهينني أنا الذي كنت أرسم‬ ‫الستفزازية في تح ّ‬ ‫ضل لو بقيت رجل ً عابديا بذراعين اثنتين‪،‬‬ ‫بيد لستعيد يدي الخرى‪ .‬كنت أف ِ ّ‬ ‫لقوم بأشياء عابدية يومية‪ ،‬ول أتحول إلى عبقري بذراع واحدة‪ ،‬ل تتأبط غير‬ ‫الرسوم واللوحات‪.‬‬ ‫لم يكن حلمي أن أكون عبقرياً ول نبياً ول فناناً رافضاً ومرفوضًا‪ .‬لم أجاهد‬


‫من أجل هذا‪ .‬كان حلمي أن تكون لي زوجة وأولبد‪ ،‬ولكن القدر أرابد لي‬ ‫حياة أخرى‪ ،‬فإذا بي أب لطفال آخرين وزوج للغربة والفرشاة‪ ..‬لقد بتروا‬ ‫أيضاً أحلمي‪.‬‬ ‫قلت لك‪:‬‬ ‫ لن يأخذ أحد منك الكتابة‪ ..‬إن ما في أعماقنا هو لنا ولن تطوله يد أحد‪.‬‬‫ت‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ ولكن ليس في أعماقي شيء سوى الفراغات المحشوة بقصاصات‬‫الجرائد‪ ..‬بنشرات الخبار‪ ،‬وبكتب ساذجة ليس بيني وبينها من قرابة‪.‬‬ ‫ثم أضفت وكأنك توبدعينني سرًا‪:‬‬ ‫دتي أكثر من أي شخص آخر‪ ..‬وأكثر حتى من‬ ‫بج ّ‬ ‫ أتدري لماذا كنت أح ّ‬‫ل‬ ‫دثني عن ك ِ ّ‬ ‫أّمي؟ إنها الوحيدة التي كانت تجد متسعاً من الوقت لتح ِّ‬ ‫شيء‪ ..‬كانت تعوبد إلى الماضي تلقائيًا‪ ،‬وكأنها ترفض الخروج منه‪ .‬كانت‬ ‫تلبس الماضي‪ ..‬تأكل الماضي‪ ..‬ول تطرب سوى لسماع أغانيه‪.‬‬ ‫كانت تحلم بالماضي في زمن كان الخرون يحلمون فيه بالمستقبل‪ .‬ولذا‬ ‫دثني عن أبي بدون أن أطلب منها ذلك‪ ،‬فقد كان أجمل ما في‬ ‫كثيراً ما تح ّ‬ ‫ماضيها النثوي العابر‪ .‬وكانت ل تتعب من الحديث عنه‪ ،‬كأنها تستعيده‬ ‫بالكلمات وتستحضره‪ .‬كانت تفعل ذلك بحسرة الم التي ترفض أن تنسى‬ ‫أنها فقدت بكرها إلى البد‪ ..‬ولكنها لم تكن تقول لي عنه أكثر مما تقوله أم‬ ‫عن ابنها‪ .‬كان الطاهر هو الجمل‪ ..‬هو الروع‪ ..‬هو البن البارّ الذي لم‬ ‫يجرحها يوماً بكلمة‪.‬‬ ‫دتي كما لم تبك يومًا‪ .‬سألتها "أّما‪ ..‬لماذا تبكين وقد‬ ‫يوم الستقلل بكت ج ّ‬ ‫استقّلت الجزائر؟" قالت‪" :‬كنت في الماضي أنتظر الستقلل ليعوبد لي‬ ‫الطاهر‪ ،‬اليوم أبدركت أنني لم أعد أنتظر شيئًا"‪.‬‬ ‫دتي كما في قصص الثورة الخيالّية التي قرأتها‬ ‫يوم مات أبي لم تزغربد ج ّ‬ ‫فيما بعد‪ .‬وقفت في وسط الدار وهي تشهق بالبكاء وتنتفض عارية الرأس‬ ‫مربدبدة بحزن بدائي‪ " :‬يا وخيدتي‪ ..‬يا سوابدي‪ ..‬آه الطاهر أحَناني لمن‬ ‫خّليتني‪ ..‬نروح عليك أطراف"‪.‬‬ ‫وكانت أمي تبكي بصمت وهي تحاول تهدئتها‪ ،‬وكنت أنا أتفرج عليهما‬ ‫وأبكي بدون أن أفهم تماماً أنني أبكي رجل ً لم أره سوى مّرات‪ ..‬رجل ً كان‬ ‫أبي‪.‬‬


‫ي تلك العواطف الغامضة‪ ،‬التي‬ ‫لماذا كان ذكرك لـ ) أّما الزهرة( يثير بدائماً ف ّ‬ ‫د البكاء؟‬ ‫كانت جميلة وبدافئة قبل ذلك اليوم‪ ،‬والتي أصبحت فجأة موجعة ح ّ‬ ‫مازلت أذكر ملمح تلك العجوز الطيبة التي أحّبتني بقدر ما أحببتها والتي‬ ‫قضيت طفولتي وصباي متنقل ً بين بيتها وبيتنا‪ .‬كان لتلك المرأة طريقة‬ ‫ل المهات عندنا‪.‬‬ ‫ب‪ ،‬اكتشفت بعدها أنها طريقة مشتركة لك ّ‬ ‫واحدة في الح ّ‬ ‫إنها تحّبك بالكل‪ ،‬فتعد من أجلك طبقك المفضل وتلحقك بالطعمة‪،‬‬ ‫ملك بالحلويات‪ ،‬وبالكسرة والرخسيس الذي انتهت لتِّوها من إعدابده‪.‬‬ ‫وتح ّ‬ ‫ن يعشن‬ ‫لقد كانت تنتمي لجيل من النساء نذرن حياته ّ‬ ‫ن للمطبخ‪ ،‬ولذا ك ّ‬ ‫ب‪ ،‬يهبن فيها من جملة ما يهبن فائض‬ ‫العيابد والعراس كوليمة ح ّ‬ ‫ن وجوع سّري لم يجد له من تعبير آخر خارج الكل‪.‬‬ ‫ن‪ ..‬وحنانه َ‬ ‫أنوثته ّ‬ ‫ن في الوقع يطعمن كل يوم أكثر من مائدة‪ ..‬وأكثر من "تّراس"‪..‬‬ ‫لقد ك ّ‬ ‫ن المتوارث من‬ ‫وينمن كل ليلة بدون أن ينتبه أحد إلى جوعه ّ‬ ‫عصور‪..‬اكتشفت هذه الحقيقة مؤخراً فقط‪ ،‬يوم وجدت نفسي رّبما وفاًء‬ ‫ب امرأة تعيش على الكل الجاهز‪ ،‬ول وليمة لها غير‬ ‫له ّ‬ ‫ن_ عاجزاً عن ح ّ‬ ‫جسدها!‬ ‫سألتك وأنا أهرب من تلك الذكريات هربي من خدوش طفولتي البعيدة‪:‬‬ ‫دثيني عنها أبداً كيف عاشت بعد وفاة سي الطاهر؟‬ ‫ وأمك‪ ..‬إنك لم تح ّ‬‫ت‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ لقد كانت قليلة الحديث عنه‪ ..‬رّبما كانت في أعماقها تعتب على الذين‬‫زوجوها منه‪ ،‬فقد كانوا يزّفونها لشهيد وليس لرجل‪..‬‬ ‫كانت تعرف مسبقاً نشاطه السياسي‪ ،‬وتدري أنه سيلتحق بالجبهة بعد‬ ‫الزواج‪ ،‬وسيدخل في الحياة السرّّية‪ ،‬ولن يزورها إل خلسة بين الحين‬ ‫د‬ ‫والخر‪ ،‬وقد ل يعوبد إليها إل جثمانًا‪ ،‬فلماذا هذا الزواج إذن؟ ولكن كان ل ب ّ‬ ‫م؛ كان في الجوّ رائحة صفقة ما‪ .‬فقد كان أهلها فخورين‬ ‫لذلك الزواج أن يت ّ‬ ‫بمصاهرة الطاهر عبد المولى‪ ،‬صاحب السم والثروة الكبيرة‪ .‬ول بأس أن‬ ‫تكون أمي زواجه الثاني أو أرملته القابدمة‪ .‬وربما كانت جدتي تعرف أنه‬ ‫خلق ليستشهد فراحت تزور الولياء والصالحين متضِّرعة باكية لبنها أخيراً‬ ‫ذرّية‪ ..‬تماما ّ كما كانت تزور سابقاً يوم كانت حبلى به طالبة آنذاك أن يكون‬ ‫مولوبدها صبي ًّا‪..‬‬ ‫سألتك‪:‬‬ ‫ل هذه القصص؟‬ ‫‪ -‬من أين تعرفين ك ّ‬


‫قلت‪:‬‬ ‫ منها هي‪ ..‬ومن أمي أيضًا‪ .‬تصور أنها يوم كانت حبلى بأبي لم تفارق مزار‬‫)سيدي محمد الغراب( بقسنطينة‪ ،‬حتى إنها كابدت تلده هناك‪ ..‬ولذا‬ ‫مت عمي ) محمد الشريف( تباركاً‬ ‫س َ‬ ‫مس ّ‬ ‫مته ) محمد الطاهر( تباركاً به‪ ..‬ث ّ‬ ‫ن‬ ‫ن نصف رجال تلك المدينة أسماؤهم هكذا‪ ..‬وأ ّ‬ ‫به أيضًا‪ ..‬بعدها عرفت أ ّ‬ ‫ن معظمهم يحمل أسماء‬ ‫أهل تلك المدينة يولون اهتماماً كبيراً للسماء‪ ،‬وأ َ‬ ‫ميني "السيدة" تباركاً‬ ‫النبياء أو الولياء الصالحين‪ .‬وهكذا كابدت تس ِ‬ ‫ل مرة محملة بالشمع‬ ‫بالسيدة المنوبّية التي كانت تزورها في تونس ك ّ‬ ‫والسجابد والدعوات‪ ،‬متنقلة بين ضريحها ومزار )سيدي عمر الفاياش(‪ .‬ربما‬ ‫سمعت به‪ ،‬ذلك الولي الذي كان يعيش عارياً تماماً من كل شيء‪ ..‬وهو ما‬ ‫جعل السلطات التونسية تقوم بربط قدمه إلى سلسال حديدي حتى ل‬ ‫يغابدر البيت عارياً كما تعّوبد أن يفعل‪ ..‬وهكذا كان يعيش مقيدًا‪ ،‬يدور ويصرخ‬ ‫وسط غرفة فارغة‪ ،‬إل من النساء اللتي يتسابقن لزيارته‪ ،‬بعضهن للتبارك‬ ‫به‪ ..‬وأخريات لمجربد اكتشاف رجولته المعروضة للفرجة‪ ..‬ولفضول النساء‬ ‫الملتحفات بـ )السفساري( والمتظاهرات بالحشمة الكاذبة!‪.‬‬ ‫سألتك ضاحك ًا‪..‬‬ ‫ وهل زرته أنت؟‪.‬‬‫ت‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ن على انفرابد؛ وزرت أيضاً‬ ‫ل واحدة منه ّ‬ ‫ طبعًا‪ ..‬لقد زرته بعد ذلك مع ك ّ‬‫ن أمي أنقذتني‬ ‫"السيدة المنوبية"‪ ،‬المرأة التي كدت أحمل اسمها‪ ،‬لول أ ّ‬ ‫من تلك الكارثة‪ ،‬وقررت أن تسميني "حياة" في انتظار مجيء أبي‪ ،‬الذي‬ ‫يعوبد إليه القرار الخير في اختيار اسمي‪.‬‬ ‫توّقف القلب عند هذا السم‪ ..‬وركضت الذاكرة إلى الوراء‪ .‬تعّثر اللسان وهو‬ ‫يلفظ هذا السم بعد ربع قرن تماماً وفاجأك سؤالي‪:‬‬ ‫ هل يسعدك أن أنابديك "حياة"؟‬‫قلت متعجبة‪..‬‬ ‫ لماذا‪ ..‬أل يعجبك اسمي الحقيقي‪ ..‬أليس أجمل؟!‬‫قلت‪:‬‬ ‫جبت وقتها كيف خطر اسم كهذا في بال‬ ‫‪ -‬إنه حقا أجمل‪ ..‬حتى إنني تع ّ‬


‫والدك‪ .‬كنت أسمعه لول مرة ولم يكن في حياته آنذاك ما يمكن أن يوحي‬ ‫ميك "حياة" لنني قد أكون‬ ‫ب أن أس ِ ّ‬ ‫باسم جميل كهذا‪ ..‬وبرغم ذلك أح ّ‬ ‫الوحيد مع والدتك الذي يعرف اليوم هذا السم‪ .‬أريد أن يكون بيننا ككلمة‬ ‫سّر‪ ،‬ليذّكرك بعلقتنا الستثنائية‪ ،‬وبأنك أيضًا‪ ..‬طفلتي بطريقة ما‪.‬‬ ‫ت‪:‬‬ ‫ت‪ ..‬قل ِ‬ ‫ضحك ِ‬ ‫ أتدري أنك لم تخرج أبداً من فترة الثورة‪ ،‬ولذا أنت تشعر برغبة في أن‬‫تعطيني اسماً حركياً حتى قبل أن تحبني‪ .‬وكأنك ستدخلني بذلك في‬ ‫العمل السري‪ ..‬أّية مهمة تراك تعد لي؟‬ ‫ضحكت بدوري لملحظتك التي فاجأتني بواقعيتها‪ .‬تراك بدأت تعرفينني‬ ‫إلى هذا الحد؟‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫د من أكثر من اختبار‪ .‬لنكِّلف أحداً‬ ‫ اعلمي أيتها الثورّية المبتدئة أنه ل ب ّ‬‫بمهمة فدائية‪ .‬ولذا سأبدأ في مرحلة أولى بدراستك‪ ،‬ومعرفة استعدابدتك‬ ‫صة!‬ ‫الخا ّ‬

‫***‬

‫صة‬ ‫أحسست لحظتها‪ ،‬أ ّ‬ ‫ص عليك أخيراً ق ّ‬ ‫ن الوقت قد أصبح مناسبًا‪ ،‬لق ّ‬ ‫يومي الخير في الجبهة‪ ،‬ذلك اليوم الذي لفظ فيه سي الطاهر اسمك‬ ‫أمامي لول مرة‪ ،‬وهو يوِّبدعني ويكِّلفني إذا ما وصلت إلى تونس على قيد‬ ‫الحياة أن أقوم بتسجيلك نيابة عنه‪.‬‬ ‫وتلك الليلة التي عبرت فيها الحدوبد الجزائرية التونسية‪ ،‬بجسد محموم‬ ‫مى‪ ،‬اسمك الذي أصبح وسط‬ ‫وذراع تنزف‪ ،‬وأنا أرِّبدبد لنفسي بهذيان الح ّ‬ ‫إجهابدي ونزيفي‪ ،‬وكأنه اسم لعملية أخيرة كلفني بها سي الطاهر‪ ،‬كنت‬ ‫أريد أن أحقق طلبه الخير‪ ،‬وأطاربد حلمه الهارب‪ ،‬فأمنحك اسماً شرعياً‬ ‫رسميًا‪ ..‬ل علقة له بالخرافات والولياء‪..‬‬ ‫أذكر ذلك اليوم الذي وقفت فيه لول مرة أبدق باب بيتكم في شارع التوفيق‬ ‫بتونس‪ .‬أذكر تلك الزيارة بكل تفاصيلها وكأن ذاكرتي كانت تقرأ مسبقاً ما‬


‫سيكتب لي معك‪ ،‬فأفرغت مساحة كافية لها‪.‬‬ ‫ي‬ ‫ي من شهر أيلول‪ ،‬انتظرت أمام بابكم الحديد ّ‬ ‫في ذلك اليوم الخريف ّ‬ ‫الخضر‪ ،‬قبل أن تفتح )أّما الزهرة( الباب بعد لحظات بدت لي طويلة‪..‬‬ ‫مازلت أذكر تلك الشهقة في نظرتها‪ ،‬كأنها كانت تنتظر شخصاً آخر غيري‪.‬‬ ‫حصت معطفي الرمابدي الحزين ووجهي النحيل‬ ‫توقفت مدهوشة أمامي‪ ،‬تف ّ‬ ‫الشاحب‪ .‬توقفت عند ذراعي الوحيدة التي تمسك علبة الحلوى‪ ،‬وذراع‬ ‫معطفي الخرى الفارغة التي تختبئ لول مرة بحياء بداخل جيب معطفي‪.‬‬ ‫وقبل أن أنطق بأية كلمة اغرورقت عيناها بالدموع‪ ،‬وراحت تبكي بدون أن‬ ‫كر حتى في بدعوتي إلى بدخول البيت‪.‬‬ ‫تف ِّ‬ ‫ملني‬ ‫انحنيت أقّبلها‪ ..‬بشوق السنوات التي لم أرها فيها‪ ..‬بالشوق الذي ح ّ‬ ‫إياه ابنها‪ ..‬وبشوق )أّما( التي لم أتعّوبد بعد سنتين ونصف على فجيعتها‪..‬‬ ‫ واشك أّما الزهرة؟‬‫زابد بكاؤها وهي تحتضنني وتسألني بدورها‪..‬‬ ‫ واش راك يا ولدي‪..‬؟‬‫أكان بكاؤها فرحاً بلقائي‪ ،‬أم حزناً على حالتي‪ ،‬وعلى ذراعي التي تراها‬ ‫مبتورة لول مرة‪ ..‬أكانت تبكي لنها توقعت أن ترى ابنها ورأتني‪ ..‬أم فقط‬ ‫ق هذا الباب‪ ،‬وبدخل حامل ً في يده البهجة‪ ،‬وشيئاً من‬ ‫لن أحداً قد بد ّ‬ ‫الخبار‪ ،‬لبيت رّبما لم يدخله رجل منذ شهور؟‬ ‫ ع السلمة‪ ..‬جوز يا ولدي جوز‪..‬‬‫قالتها وهي تشرع باب الدار أخيراً وتمسح بدموعها‪ .‬ثم أعابدت وهي‬ ‫ل كإشارة موجهة لمك التي ركضت عند‬ ‫تسبقني "جوز‪..‬جوز‪ "..‬بصوت عا ٍ‬ ‫سماع هذه الكلمات‪ ،‬ولم أَر غير ذيل ثوبها يسبقني‪ ،‬ويختفي خلف باب‬ ‫مغلق على عجل‪.‬‬ ‫أحببت ذلك البيت‪ ..‬بدوالي العنب التي تتسّلق جدران حديقته الصغيرة‪،‬‬ ‫وتمتد لتتدلى عناقيد ثريات سوبداء على وسط الدار‪.‬‬ ‫ل من السور الخارجي‪ ،‬كامرأة فضولية‬ ‫شجرة الياسمين التي ترتمي وتط ّ‬ ‫ضاقت ذرعاً بجدران بيتها‪ ،‬وراحت تتفرج على ما يحدث في الخارج‪ ،‬لتغري‬ ‫المارة بقطف زهرها‪ ..‬أو جمع ما تبعثر من الياسمين أرضًا‪ ..‬ورائحة الطعام‬ ‫التي تنبعث منه‪ ،‬فتبعث معها الطمأنينة‪ ،‬وبدفء غامض يستبقيك هناك‪.‬‬


‫سبقتني )أّما الزهرة( إلى غرفة تطل على وسط الدار مربدبدة‪:‬‬ ‫ اقعد يا ولدي‪ ..‬اقعد‪..‬‬‫قالتها وهي تأخذ مّني علبة الحلوى وتضعها على الصينية النحاسية‬ ‫المستديرة والموضوعة على مائدة خشبية‪.‬‬ ‫وما كدت أجلس أرضاً على ذلك المطرح الصوفي حتى ظهرت أنت في‬ ‫طرف الغرفة صغيرة كدمية‪ ،‬وحبوت مسرعة نحو العلبة البيضاء تحاولين‬ ‫سحبها إلى الرض وفتحها‪ .‬وقبل أن أتدخل أنا كانت )أّما الزهرة( قد أخت‬ ‫منك العلبة وذهبت بها إلى مكان آخر وهي تقول‪" :‬يعطيك الصحة يا‬ ‫وليدي‪ ..‬وعلش عييت روحك يا خالد يا بني‪ ..‬وجهك يكفينا‪."..‬‬ ‫شياحة الخشبية‪ ،‬الموضوعة على‬ ‫ثم عابدت ونهرتك‪ ،‬وأنت تتجهين نحو ال ّ‬ ‫شكل قّبة صغيرة فوق كانون‪ ،‬والتي كانت ثيابك الصغيرة البيضاء منثورة‬ ‫ف‪ ..‬وعندها حبوت تحوي في خطوتين متربدبدتين‪ ،‬ويداك‬ ‫فوقها كي تج ّ‬ ‫الصغيرتان أمامك تستنجدان بي‪.‬‬ ‫د نحوك يدي الفريدة في محاولة‬ ‫ل بي‪ ،‬وأنا أم ّ‬ ‫لحظتها شعرت بهول ما ح ّ‬ ‫للمساك بك‪ .‬لقد كنت عاجزاً عن التقاطك بيدي الوحيدة المرتبكة‪ ،‬ووضعك‬ ‫في حجري لملعبتك بدون أن تفلتي مني‪.‬‬ ‫أليس عجيباً أن يكون لقائي الول بك هو امتحاني الول وعقدتي الولى‪،‬‬ ‫وأن أنهزم على يدك في أصعب تجربة مررت بها منذ أصبحت رجل الذراع‬ ‫الواحدة‪ ..‬من عشرة أيام ل أكثر‪!..‬‬ ‫مينة"‪:‬‬ ‫عابدت )أّما الزهرة( بصينية القهوة وبصحن "الط ّ‬ ‫ قل لي يا خالد يا ابني وراسك‪ ..‬واش راه الطاهر؟‬‫قالتها قبل أن تجلس حتى على المطرح‪ ..‬كان في سؤالها مذاق الدمع‪.‬‬ ‫صة السؤال الذي يخاف الجواب‪ ..‬فرحت أطمئنها‪ .‬أخبرتها‬ ‫وفي حلقها غ ّ‬ ‫أنني كنت تحت قيابدته وأنه الن في منطقة الحدوبد وأن صحته جيدة ولكنه‬ ‫ل يستطيع الحضور هذه اليام‪ ،‬لصعوبة الوضاع ولمسؤولياته الكثيرة‪.‬‬ ‫لم أخبرها أن المعارك تشتد كل يوم‪ ،‬وأن العدو قرر أن يطرق المناطق‬ ‫الجبلية‪ ،‬ويحرق كل الغابات‪ ،‬حتى تتمكن طائراته من مراقبة تحركاتنا‪ ..‬وأنه‬ ‫تم إلقاء القبض على مصطفى بن بولعيد‪ ،‬ومعه مجموعة من كبار القابدة‬ ‫والمجاهدين‪ ،‬وأن ثلثين منهم قد صدر في حقهم الحكم بالعدام‪ ،‬وأنني‬ ‫أتيت للعلج مع مجموعة من الجرحى والمشوهين الذين مات اثنان منهم‬ ‫قبل أن يصل‪..‬‬


‫لقد قال لها منظري أكثر مما تتحمله امرأة في سنها‪ ،‬فرحت أغّير مجرى‬ ‫الحديث‪ ..‬أمدبدتها بتلك الوراق النقدية التي أرسلها معي سي الطاهر‪،‬‬ ‫وطلبت منها حسب وصيته أن تشتري لك بها هدية‪ ،‬ووعدتها أن أعوبد قريباً‬ ‫لتسجيلك‪ ،‬بذلك السم الذي اختاره لك‪ ،‬والذي ربدبدته أّما الزهرة بصعوبة‪،‬‬ ‫وبشي من الدهشة‪ ،‬ولكن بدون تعليق‪ .‬فقد كان لما يقوله سي الطاهر‬ ‫بالنسبة لها صفة القداسة‪.‬‬ ‫وكأنك انتبهت فجأة أن الحديث يعنيك‪ ،‬فتسّلقت ركبتي وجئت فجأة‬ ‫لتجلسي في حجري بتلقائية طفولية‪ ،‬ولم أتمالك لحظتها احتضانك بيدي‬ ‫م الحلم الذي أضعت من أجله ذراعي‬ ‫ي‪ ،‬وكأنني أض ّ‬ ‫الوحيدة‪ ..‬ضممتك إل ّ‬ ‫الثانية؛ كأنني أخاف أن يهرب مني وتهرب معه أحلم ذلك الرجل الذي لم‬ ‫يسعد بعد باحتضانك‪.‬‬ ‫ل تناقضي‪ ،‬نيابة عن سي‬ ‫رحت أقبلك وسط بدموعي وفرحتي وألمي وك ّ‬ ‫طاهر وعن رفاق لم يروا أولبدهم منذ التحقوا بالجبهة‪ ،‬ونيابة عن آخرين‪،‬‬ ‫ماتوا وهم يحلمون بلحظة بسيطة كهذه‪ ،‬يحتضنون فيها بدل البنابدق‪،‬‬ ‫أطفالهم الذين ولدوا وكبروا في غفلة منهم‪.‬‬ ‫نسيت يومها أن أقِّبلك نيابة عني‪ ..‬وأن أبكي أمامك نيابة عني‪ .‬نيابة عن‬ ‫جل جوار‬ ‫الرجل الذي سأتحول إليه على يدك بعد ربع قرن‪ .‬نسيت أن أس ّ‬ ‫اسمك اسمي مسبقًا‪ ..‬وأن أطلب ذاكرتك مسبقًا‪ ..‬وأعوامك القابدمة‬ ‫دابد السنوات الذي كان يركض بي نحو‬ ‫مسبقًا‪ ..‬أن أحجز عمرك‪ ،‬وأوقف ع ّ‬ ‫السابعة والعشرين‪ ..‬وأنت تدخلين شهرك السابع!‬ ‫نسيت أن أستبقيك هكذا على حجري إلى البد‪ ،‬تلعبين وتعبثين‬ ‫وبأشيائي‪ ،‬وتقولين لي كلماً ل أفهمه‪ ..‬ول تفهمينه‪.‬‬ ‫مد‪ ،‬وأترك‬ ‫ص عليك تلك القصة بإيجاز متع ّ‬ ‫لم تقاطعيني مرة واحدة‪ ،‬وأنا أق ّ‬ ‫تفاصيلها المتشعبة لي‪.‬‬ ‫توقفت فقط عند ذلك اليوم ‪ 15‬أيلول ‪ 1957‬الذي وقفت فيه لكتب على‬ ‫ل رسمي اسمك النهائي‪.‬‬ ‫سج ّ‬ ‫صة‬ ‫ي سؤال توضيحي‪ ،‬ول عّلقت يومها بكلمة واحدة‪ ،‬على ق ّ‬ ‫لم تسأليني أ ّ‬ ‫لم يقصها عليك أحد قبلي‪ .‬ربما لن ل أحد وجد في تلك القصة ما يستحق‬ ‫التوقف‪.‬‬ ‫ي بذهول‪ ،‬وبصمت مخيف‪ .‬وراحت غيوم مكابرة تحجب نظرتك‬ ‫استمعت إل ّ‬ ‫عني‪ ..‬كنت تبكين أمامي لول مرة‪ ،‬أنت التي ضحكت معي في ذلك‬ ‫المكان نفسه كثيرًا‪.‬‬ ‫ترانا أبدركنا لحظتها‪ ،‬أننا كنا نضحك لنتحايل على الحقيقة الموجعة‪ ،‬على‬


‫جله في الوقت نفسه؟‬ ‫شيء ما كنا نبحث عنه‪ ،‬ونؤ ّ‬

‫نظرت إليك خلف ضباب الدمع‪ ..‬كنت أوّبد لحظتها‪ ،‬لو احتضنتك بذراعي‬ ‫الوحيدة‪ ،‬كما لم أحضن امرأة‪ ،‬كما لم أحضن حلمًا‪ .‬ولكنني بقيت في‬ ‫مكاني‪ ،‬وبقيت في مكانك‪ ،‬متقابلين هكذا‪ ..‬جبلين مكابرين‪ ،‬بينهما جسر‬ ‫سّري من الحنين والشوق‪ ..‬وكثير من الغيوم التي لم تمطر‪.‬‬ ‫استوقفتني كلمة جسر‪ ،‬وتذّكرت تلك اللوحة‪ ،‬وكأنني تذكرت الفصل الهم‬ ‫دق‬ ‫من قصة‪ ،‬كنت أرويها لك وربما أرويها لنفسي أيضًا‪ ،‬عساني أص ّ‬ ‫غرابتها‪ .‬وقفت وقلت‪:‬‬ ‫ تعالي سأريك شيئًا‪.‬‬‫تبعتني بدون سؤال‪.‬‬ ‫وقفت أمام تلك اللوحة‪ .‬قلت لك وأنت تنتظرين مدهوشة ما سأقوله‪:‬‬ ‫ أتدرين‪ ..‬يوم رأيتك تقفين أمام هذه اللوحة‪ ،‬في ذلك اليوم الول‪ ،‬سرت‬‫قشعريرة في جسدي‪ .‬شعرت أن بينك وبين هذه اللوحة قرابة ما أجهلها‪.‬‬ ‫ولكنني كنت متأكداً منها‪ ،‬ولذا أتيت لسّلم عليك عساني أكتشف خطأ‬ ‫حدسي‪ ..‬أو صوابه‪.‬‬ ‫قلت متعجبة‪:‬‬ ‫ وهل كنت مصيباً في حدسك؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫ ألم تلحظي التاريخ المكتوب على هذه اللوحة؟‬‫أجبت وأنت تبحثين عنه أسفلها‪..‬‬ ‫ ل‪..‬‬‫قلت‪:‬‬ ‫_ إنه قريب من تاريخ ميلبدك الرسمي‪ .‬أنت تكبرين هذه اللوحة بأسبوعين‬ ‫ت!‬ ‫فقط‪ .‬إنها توأمك إذا شئ ِ‬ ‫قلت مدهوشة‪:‬‬


‫ عجيب‪ ..‬عجيب كل هذا!‬‫نظرت إلى اللوحة وكأنك تبحثين فيها عن نفسك‪ ،‬فقلت‪:‬‬ ‫ أليست هذه قنطرة الحبال؟‬‫أجبتك‪:‬‬ ‫ إنها أكثر من قنطرة‪ ..‬إنها قسنطينة‪ .‬وهذه هي القرابة الخرى التي‬‫تربطك بهذه اللوحة‪.‬‬ ‫ يوم بدخلت هذه القاعة‪ ،‬بدخلت قسنطينة معك‪..‬‬‫خَلت في طّلتك‪ ..‬في مشيتك‪ ..‬في لهجتك‪ ..‬وفي سوار كنت تلبسينه‪.‬‬ ‫ َبد َ‬‫ فكرت قليل ً ثم قلت‪:‬‬‫ ‪ -‬آ‪ ..‬تعني "المقياس"‪ ..‬يحدث أحياناً أن ألبسه في بعض المناسبات‪..‬‬‫ولكنه ثقيل يوجع معصمي‪.‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ لن الذاكرة ثقيلة بدائمًا‪ .‬لقد لبسته "أّما" عدة سنوات متتالية‪،‬ولم تشك‬‫من ثقله‪ .‬ماتت وهو في معصمها‪ ..‬إنها العابدة فقط!‬ ‫لم أعتب عليك‪ .‬كان في صوتي حسرة‪ ،‬ولكن لم أقل لك شيئًا‪ .‬كنت‬ ‫تنتمين لجيل يثقل عليه حمل أي شيء‪ .‬ولذا اختصر الثواب العربية‬ ‫ي‬ ‫القديمة بأثواب عصرية من قطعة أو قطعتين‪ .‬واختصر الصيغة والحل ّ‬ ‫القديمة‪ ،‬بحلي خفيفة تلبس وتخلع على عجل‪ .‬واختصر التاريخ والذاكرة‬ ‫كلها بصفحة أو صفحتين في كتب مدرسّية‪ ،‬واسم أو اسمين في الشعر‬ ‫العربي‪..‬‬ ‫لن أعتب عليك‪ ،‬نحن ننتمي لوطان ل تلبس ذاكرتها إل في المناسبات‪،‬‬ ‫بين نشرة أخبار وأخرى‪ .‬وسرعان ما تخلعها عندما تطفأ الضواء‪ ،‬وينسحب‬ ‫المصّورون‪ ،‬كما تخلع امرأة أثواب زينتها‪.‬‬ ‫قلت وكأنك تعتذرين عن خطأ لم تتعمديه‪:‬‬ ‫ إذا شئت سألبس ذلك السوار من أجلك‪ ..‬أيسعدك هذا؟‬‫فاجأني كلمك‪ .‬كان الموقف جزيناً شيئاً ما‪ ،‬رغم تلقائيته‪ ،‬وربما كان‬ ‫مضحكاً بحزن‪.‬‬ ‫ي أمومتك‪ .‬أنت الفتاة التي‬ ‫كنت هنا أعرض عليك أبوتي‪ ،‬وكنت تعرضين عل ّ‬


‫كان يمكن أن تكون ابنتي‪ ،‬والتي أصبحت بدون أن تدري‪ ..‬أّمي!‬ ‫وكان يمكن أن أجيبك لحظتها بكلمة واحدة‪ ،‬أختصر فيها كل تناقضات موقفنا‬ ‫ذلك‪ ،‬وأختصر فيها كل ما أشعر به تجاهك من عواطف متطرفة‪ ..‬وجامحة‪.‬‬ ‫ولكنني قلت شيئاً آخر‪.‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ يسعدني ذلك‪ ،‬ويسعدني أيضاً أن تلبسيه من أجلك أنت‪.‬‬‫ل بد أن تعي أنك لن تفهمي شيئاً من الماضي الذي تبحثين عنه‪ ،‬ول من‬ ‫ذاكرة أب لم تعرفيه‪ ،‬إذا لم تفهمي قسنطينة بعابداتها وتلتحمي بها‪ .‬إننا ل‬ ‫نكتشف ذاكرتنا ونحن نتفرج على بطاقة بريدية‪ ..‬أو لوحة زيتية كهذه‪.‬‬ ‫نحن نكتشفها عندما نلمسها‪ ،‬عندما نلبسها ونعيش بها‪.‬‬ ‫هذا السوار مث ً‬ ‫ل‪ ،‬لقد أصبحت علقتي به فجأة علقة عاطفية‪ .‬لقد كان في‬ ‫ذاكرتي رمزاً للمومة بدون أن أبدري‪ .‬اكتشفت هذا يوم رأيتك تلبسينه‪ ،‬وكان‬ ‫يمكن أل تلبسيه‪ .‬وتظل كل تلك الحاسيس التي فجرها بداخلي نائمة في‬ ‫بدهاليز النسيان‪ .‬هل تفهمين الن‪ ..‬أن الذاكرة أيضاً في حاجة إلى أن‬ ‫نوقظها أحيانًا؟‬ ‫كم كنت أحمق‪ ..‬كنت بدون أن أبدري‪ ،‬أوقظ بداخلي ماربداً كان نائماً منذ‬ ‫مى جنوني من فتاة إلى مدينة‪ .‬وكنت‬ ‫سنين‪ .‬وكنت أحّولك في ح ّ‬ ‫تستمعين لي بانبهار تلميذة‪ ،‬وتتلّقين كلماتي كما يتلّقى شخص في‬ ‫جلسة تنويم مغنطيسي‪ ،‬تعاليمه وأوامره من منوم يفعل به ما يشاء‪.‬‬ ‫اكتشفت يومها قدرتي على ترويضك‪ ،‬وعلى السيطرة على نارك المحرقة‪.‬‬ ‫وقّررت في سّري أن أحولك إلى مدينة شاهقة‪ ..‬شامخة‪ ،‬عريقة‪ ..‬عميقة‪،‬‬ ‫لن يطأها القزام ول القراصنة‪.‬‬ ‫حكمت عليك أن تكوني قسنطينة ما‪..‬‬ ‫وكنت أحكم على نفسي بالجنون‪.‬‬

‫***‬

‫قضينا معاً وقتاً أطول ذلك اليوم‪ ..‬وافترقنا مثقلين بالهّزات النفسية‪،‬‬ ‫مشحونين بالنفعالت المتطّرفة‪ ،‬التي عشناها خلل أربع ساعات من‬


‫الحديث المستمّر‪ .‬قلنا الكثير‪ ،‬وسط بدموعنا المكابرة أحيانًا‪ ،‬ووسط صمتنا‬ ‫المخيف أحياناً أخرى‪.‬‬ ‫كنت سعيداً ربما لنني رأيتك تبكين لول مرة‪ .‬كنت أحتقر الناس الذين ل‬ ‫بدموع لهم‪ ،‬فهم إما جبابرة‪ ..‬أو منافقون‪ .‬وفي الحالتين هم ل يستحقون‬ ‫الحترام‪.‬‬ ‫كنت المرأة التي كنت أريد أن أضحك وأبكي معها‪.‬‬ ‫وكان هذا أروع ما اكتشفته ذلك اليوم‪.‬‬ ‫تذّكرت لقاءنا الول‪ ،‬الذي بدأناه بدون تخطيط بالتعليقات الساخرة‪ .‬يومها‬ ‫تذّكرت مثل ً فرنسياً يقوم‪" :‬أقصر طريق لن تربح امرأة هو أن تضحكها"‪،‬‬ ‫وقلت ها أنذا ربحتها بدون جهد‪..‬‬ ‫جع على الربح السريع‪ ،‬وعلى‬ ‫اليوم اكتشفت حماقة ذلك المثل الذي يش ّ‬ ‫م أن تبكي بعدها المرأة التي قد ضحكت في‬ ‫المغامرات العابرة التي ل يه ّ‬ ‫البداية‪.‬‬ ‫لم أربحك بعد نوبة ضحك‪..‬‬ ‫صتي‬ ‫صتك التي كانت ق ّ‬ ‫ربحتك يوم بكيت أمامي وأنت تستمعين إلى ق ّ‬ ‫م في تلك اللحظة التي تأملت فيها تلك اللوحة بتأثر واضح‪ .‬وكنت‬ ‫أيضًا‪ .‬ث ّ‬ ‫دي‪ ،‬أو تحضنيني في لحظة حنان‬ ‫رّبما على وشك أن تضعي قبلة على خ ّ‬ ‫مفاجئ‪ ..‬ولكّنك لم تفعلي‪.‬‬ ‫وافترقنا مثل العابدة‪ ،‬ونحن نتصافح‪ ،‬وكأننا نخاف أن تتحول تلك القبلة العابرة‬ ‫د‪ ،‬إلى فتيلة تشعل البراكين النائمة‪.‬‬ ‫على الخ ّ‬ ‫كّنا نفهم بعضنا بصمت متواطئ‪ .‬كان حضورك يوقظ رجولتي‪ .‬كان عطرك‬ ‫يستفّزني ويستدرجني إلى الجنون‪ .‬وعيناك كانت تجّربدانني من سلحي‬ ‫حتى عندما تمطران حزنًا‪.‬‬ ‫ي لغة كانت لغتك؟‬ ‫وصوتك‪ ..‬آه صوتك كم كنت أحبه‪ ..‬من أين جئت به؟ أ ّ‬ ‫ي موسيقى كانت موسيقاك‪..‬‬ ‫أ ّ‬ ‫كنت بدهشتي الدائمة‪ ،‬وهزيمتي المؤكدة‪ ،‬فهل كان يمكن أن تكوني‬ ‫ابنتي‪ ،‬أنت التي لم يكن يمكن في المنطق أن تكوني شيئاً آخر غير ذاك‬ ‫بالنسبة لي‪.‬‬ ‫ل مرة‪ ،‬كما توضع حواجز في‬ ‫ورحت أقاومك بحواجز وهمية أضعها بيننا ك ّ‬ ‫ساحة سباق‪ ،‬ولكنك كنت فرساً خلقت للتحدي وربح الرهان‪ .‬كنت تقفزين‬ ‫عليها جميعاً مرة واحدة‪ ،‬بنظرة واحدة‪.‬‬ ‫كانت نظراتك تتسكع فوقي‪ ،‬تتوقف أحياناً هنا‪ ..‬وأحياناً هناك‪ ،‬لتنتهي عند‬


‫ي أو زرّ قميصي المفتوح كالعابدة‪.‬‬ ‫عين ّ‬ ‫قلت مرة وأنت تتأملينني أكثر‪:‬‬ ‫ فيك شيء من زوربا‪ .‬شيء من قامته‪ ..‬من سمرته‪ ..‬وشعره الفوضوي‬‫سق‪ .‬ربما كنت فقط أكثر وسامة منه‪.‬‬ ‫المن ّ‬ ‫أجبتك‪:‬‬ ‫ن في‬ ‫ يمكن أن تضيفي كذلك‪ ،‬أنني في سنه‪ ،‬وفي جنونه وتطرفه‪ ،‬وأ ّ‬‫أعماقي شيئاً من وحدته‪ ..‬من حزنه ومن انتصاراته التي تتحول بدائماً إلى‬ ‫هزائم‪.‬‬ ‫قلت متعجبة‪:‬‬ ‫ أتعرف عنه كل ها‪ ...‬أتحبه؟‬‫أجبت‪:‬‬ ‫ ربما‪..‬‬‫قلت‪:‬‬ ‫ أتدري أنه الرجل الذي أّثر أكثر في حياتي؟‬‫أبدهشني اعترافك‪ .‬ف ّ‬ ‫كرت إما أنك لم تعرفي كثيراً من الرجال‪ ..‬أو لم تقرئي‬ ‫كثيراً من الكتب‪ .‬وقبل أن أقول شيئاً واصلت بحماسة‪:‬‬ ‫ يعجبني جنونه وتصّرفاته غير المتوقعة‪ ..‬علقته العجيبة بتلك المرأة‪..‬‬‫فلسفته في الحب والزواج‪ ..‬في الحرب والعبابدة‪ ،‬وتعجبني أكثر طريقته في‬ ‫ب الكرز كثيراً‬ ‫دها‪ .‬أتذّكر قصة الكرز‪ ،‬يوم كان يح ّ‬ ‫أن يصل بأحاسيسه إلى ض ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وقرر أن ُيشفى من ولعه به بأن يأكل منه كثيرا‪ ..‬كيرا حتى يتقّيأه‪ .‬بعد ذلك‬ ‫أصبح يعامله كفاكهة عابدية‪ .‬كانت تلك طريقته في أن يشفى من الشياء‬ ‫التي يشعر أنها تستعبده‪.‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ ل أذكر هذه القصة‪..‬‬‫قلت‪:‬‬ ‫‪ -‬وهل تذكر رقصته تلك وسط ما يسميه بالخراب الجميل؟ إنه شيء‬


‫د الرقص‪ .‬إنه تمّيز في الهزائم‬ ‫مدهش أن يصل النسان بخيبته وفجائعه ح ّ‬ ‫ل الهزائم في متناول الجميع‪ .‬فل بد أن تكون لك أحلم‬ ‫أيضًا‪ ،‬فليست ك ّ‬ ‫دها‬ ‫فوق العابدة‪ ،‬وأفراح وطموحات فوق العابدة‪ ،‬لتصل بعواطفك تلك إلى ض ّ‬ ‫بهذه الطريقة‪..‬‬ ‫كنت أستمع إليك بانبهار وبمتعة‪ .‬وبدل أن أجد في ذلك "الخراب الجميل"‬ ‫الذي كنت تصفينه لي بحماسة‪ ،‬ما يمكن أن يثير مخاوفي من نزعة‬ ‫سابدية‪ ،‬أو مازوشية ما قد تسكنك‪ ،‬رحت أنقابد لجمال فكرتك فقط‪ ،‬وأقول‬ ‫بدون كثير من التفكير‪:‬‬ ‫ صحيح‪ ..‬جميل ما تقولين‪ _ .‬ثم أضفت_ لم أكن أبدري أنك تحبين زوربا‬‫إلى هذا الحد!‬ ‫قلت ضاحكة‪:‬‬ ‫ سأعترف لك بشيء‪ ..‬لقد أربكتني هذه القصة كثيرًا‪ .‬يوم قرأتها شعرت‬‫ب رجل ً كهذا‪ ..‬أو أكتب‬ ‫بشيء من الغبطة والحزن معًا‪ .‬كنت أريد أن أح ّ‬ ‫رواية كهذه‪ ،‬ولم يكن ذلك ممكنًا‪ ،‬ولهذا ستطاربدني هذه القصة حتى‬ ‫أشفى منها بطريقة أو بأخرى‪.‬‬ ‫قلت ساخرًا‪:‬‬ ‫ يسعدني إذن أن تجدي شيئاً من الشبه بيني وبينه‪ ،‬فقد تحققين‬‫المنيتين معًا‪..‬‬ ‫تأملتني بشيء من الشيطة المحّببة وقلت‪:‬‬ ‫ معك أريد أن أحقق إحدى المنيتين فقط‪.‬‬‫وأضفت قبل أن أسألك أّيهما‪:‬‬ ‫ لن أكتب عنك شيئًا‪.‬‬‫ آ‪ ..‬لماذا‪..‬؟‬‫ لني ل أريد قتلك‪ ،‬أنا سعيدة بك‪ ..‬نحن نكتب الروايات لنقتل الشخاص‬‫الذين أصبح وجوبدهم عبئاً علينا‪ ..‬نحن نكتب لننتهي منهم‪..‬‬ ‫يومها ناقشتك طويل ً في نظرتك "الجرامية" للبدب وقلت لك ونحن نفترق‪:‬‬ ‫ أيمكنني أخيراً أن أ ّ‬‫طلع على روايتكم الولى‪ ..‬أو "جريمتك الولى"؟!‬


‫ضحكت وأجبت‪:‬‬ ‫صة!‬ ‫ طبعًا‪ ..‬شرط أل تتحول إلى محِّقق جنائي أو طر ٍ‬‫ف في تلك الق ّ‬ ‫ تراك كنت تتنبئين بما ينتظرني‪ ،‬وتدرين مسبقاً أنني لن أكون معك قاراً‬‫محايداً بعد الن‪.‬‬ ‫دين نحوي الكتاب‪:‬‬ ‫في اليوم التالي أحضرت لي تلك الرواية‪ .‬قلت وأنت تم ّ‬ ‫ أتمنى أن تجد شيئاً من المتعة في قراءتها‪..‬‬‫قلت مازحًا‪:‬‬ ‫ وأتمنى أل يفسد عدبد ضحاياك متعتي!‬‫أجبت باللهجة نفسها‪:‬‬ ‫ ل‪ ..‬اطمئن‪ ..‬فأنا أكره المقابر الجماعية!‬‫كيف نسيت هذه الجملة الخيرة‪..‬‬ ‫صتك الجديدة هذه‪ ،‬التي تروج لها المجلت‬ ‫عندما أتذكرها الن‪ ،‬أقتنع أن ق ّ‬ ‫والجرائد‪ ،‬لن تكون سوى ضريح فربدي لبطل واحد رّبما كان زيابد‪ ..‬وربما كان‬ ‫أنا‪ ..‬فمن ترى المحظوظ مّنا بميتة كهذه؟!‬ ‫وحده كتابك قد يحمل جواباً على هذا السؤال‪ ،‬وعلى أسئلة أخرى‬ ‫تطاربدني‪.‬‬ ‫ي أكثر من سؤال؟ ولماذا أشعر أنني‬ ‫ل ما تكتبيه لد ّ‬ ‫ولكن‪ ..‬لماذا يثير ك ّ‬ ‫طرف في كل قصصك الواقعية والوهمية‪ ،‬حتى تلك التي كتبتها قبلي؟‬ ‫ترى لنني أتوهم أن لي حقاً تاريخياً عليك‪ ،‬أو لنك يوم أهديتني كتابك‬ ‫ي إهداء‪ ،‬وقلت ذلك التعليق المدهش الذي لم‬ ‫الول ذاك‪ ،‬لم تضعي عليه أ ّ‬ ‫أنسه‪:‬‬ ‫"إننا نخط ّ إهداًء للغرباء فقط‪ ..‬وأّما الذين نحبهم فمكانهم ليس في الصفحة‬ ‫البيضاء الولى‪ ،‬وإنما في صفحات الكتاب‪."..‬‬ ‫يومها أسرعت إلى ذلك الكتاب ألتهمه في سهرتين‪ .‬رحت أركض لهثاً من‬ ‫صفحة إلى أخرى‪ ،‬وكأنني أبحث عن شيء ما غير الذي أقرأه‪ .‬عن شيء‬ ‫قد تكونين كتبته لي مسبقاً مثل ً حتى قبل أن نلتقي‪ .‬عن شيء ما قد‬ ‫يكون يربطنا من خلل قصة لم تكن قصتنا‪.‬‬ ‫ن ذلك كان جنونًا‪ ،‬ولكن أليس في الحياة مصابدفات مدهشة كتلك‬ ‫أبدري أ ّ‬


‫اللوحة التي رسمتها ذات أيلول من سنة ‪ ،1957‬وبقيت تنتظرك ربع قرن‬ ‫ت؟‬ ‫بدون أن أنها كانت لك‪ ..‬بل إنها كانت أن ِ‬ ‫وكان ذلك محض أوهام‪ ..‬لم تخّبئي لي في كتابك ذاك‪ ،‬سوى مرارة وألم‬ ‫وغيرة حمقاء‪ ،‬ذقت نارها لول مّرة‪ .‬غيرة جنونية من رجل من ورق‪ ،‬قد‬ ‫يكون مرّ بحياتك حقًا‪ ..‬وقد يكون مخلوقاً خياليًا‪ ،‬أّثثت به فراغ أيامك وبياض‬ ‫الصفحات فقط‪.‬‬ ‫ولكن أين هو الحد الفاصل بين الوهم والواقع؟ لم تجيبيني مرة واحدة عن‬ ‫مقين حيرتي بأجوبة أكثر غموضًا‪ ..‬قلت‪:‬‬ ‫ذلك السؤال‪ ..‬رح ِ‬ ‫ت تع ّ‬ ‫م في كل ما نكتبه‪ ..‬هو ما نكتبه ل غير‪ ،‬فوحدها الكتابة هي‬ ‫إ ّ‬‫ن المه ّ‬ ‫البدب‪ ..‬وهي التي ستبقى‪ ،‬وأّما الذين كتبنا عنهم فهم حابدثة سير‪ ..‬أناس‬ ‫ب أو لخر‪ ..‬ثم واصلنا الطريق معهم أو بدونهم‪.‬‬ ‫توقفنا أمامهم ذات يوم لسب ٍ‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫سطة إلى هذا الحد‪ .‬إن‬ ‫ ولكن ل يمكن أن تكون علقة الكاتب بملهمه مب ّ‬‫الكاتب ل شيء بدون من يلهمه‪ ..‬إنه مدين له بشيء‪..‬‬ ‫قاطعتني‪..‬‬ ‫ مدين له بماذا‪..‬؟‪ ..‬إن ما كتبه "أراغون" عن عيون "إلزا" هو أجمل من‬‫عيون "إلزا" التي ستشيخ وتذبل‪ ..‬وما كتبه نزار قباني عن ضفائر "بلقيس"‬ ‫ض ويتساقط‪ ..‬وما‬ ‫أجمل بالتأكيد من شعر غزير كان محكوماً عليه أن يبي ّ‬ ‫رسمه ليوناربد بديفانشي في ابتسامة واحدة للجوكاندا‪ ،‬أخذ قيمته ليس‬ ‫في ابتسامة ساذجة للمونوليزا‪ ،‬وإنما في قدرة ذلك الفنان المذهلة على‬ ‫نقل أحاسيس متناقضة‪ ،‬وابتسامة غامضة تجمع بين الحزن والفرح في آن‬ ‫واحد‪ ..‬فمن هو المدين للخر بالمجد إذن؟‬ ‫كان حديثنا يأخذ منحى آخر ربما أربدته أنت في محاولة للهرب من الحقيقة‪.‬‬ ‫فأعدت عليك السؤال بصيغة أكثر مباشرة‪:‬‬ ‫ هل مرّ هذا الرجل بحياتك‪ ..‬أم ل؟‬‫ضحكت‪ ..‬وقلت‪:‬‬ ‫ عجيب‪ ..‬إن في روايات "أغاتا كريستي" أكثر من ‪ 60‬جريمة‪ .‬وفي روايات‬‫ي مرة قارئ صوته‬ ‫كاتبات أخريات أكثر من هذا العدبد من القتلى‪ .‬ولم يرفع أ ّ‬ ‫ن‪ .‬ويكفي كاتبًة أن‬ ‫ليحاكمهن على كل تلك الجرائم‪ ،‬أو يطالب بسجنه ّ‬ ‫تكتب قصة حب واحدة‪ ،‬لتتجه كل أصابع التهام نحوها‪ ،‬وليجد أكثر من‬


‫محقق جنائي أكثر من بدليل على أنها قصتها‪ .‬أعتقد أنه ل بد للنقابد من أن‬ ‫يحسموا يوماً هذه القضية نهائيًا‪ ،‬فإما أن يعترفوا أن للمرأة خيال ً يفوق‬ ‫خيال الرجال‪ ،‬وإما أن يحاكمونا جميعًا!‬ ‫ضحكت لحجتك التي أبدهشتني ولم تقنعني‪ .‬قلت‪:‬‬ ‫ في انتظار أن يحسم النقابد هذه القضية‪ ،‬بدعيني أكرر عليك سؤال ً لم‬‫تجيبيني عنه‪ ..‬هل مرّ هذا الرجل بحياتك حقًا؟‬ ‫قلت وأنت تعبثين بأعصابي‪:‬‬ ‫ المهم أنه مات بعد هذا الكتاب‪..‬‬‫ آ‪ ..‬لنك قابدرة على أن تقتلي الماضي هكذا بجرة قلم؟‬‫قلت وأنت تواصلين مراوغتك‪:‬‬ ‫ض؟‪ ..‬نحن قد نكتب أيضاً لنصنع أضرحة لحلمنا ل غير‪..‬‬ ‫أ ّ‬‫ي ما ٍ‬ ‫كان في أعماقي شعور ما بأن تلك القصة كانت قصتك‪ ،‬وأن ذلك الرجل قد‬ ‫مرّ بحياتك‪ ..‬وربما بجسدك أيضًا‪.‬‬ ‫م بين السطور رائحة تبغه‪ .‬أكابد أكتشف أشياءه مبعثرة بين‬ ‫كنت أكابد أش ّ‬ ‫ل فقرة شيء منه‪ ..‬من سمرته‪ ..‬من مذاق قبلته‪..‬‬ ‫صفحات كتابك‪ .‬في ك ّ‬ ‫من ضحكته‪ ..‬من أنفاسه‪ ..‬ومن اشتهائك الفاضح له‪..‬‬ ‫تراه أبدع في حّبك حقًا‪ ..‬أم أنت التي أبدعت في وصفه؟ أم تراه محض‬ ‫اختراع نسائي‪ ،‬كسته لغتك رجولة وأحلمًا‪ ،‬صنعت لها بعد ذلك ضريحاً‬ ‫جمي ً‬ ‫ي‬ ‫ي منطق رحت أطالع ذلك الكتاب‪ ،‬في ز ّ‬ ‫ل‪ ..‬على مقاسه‪ .‬وأنا‪ ،‬بأ ّ‬ ‫عاشق متنكر ببدلة شرطي أخلق‪ .‬وإذا بي أنّقب بين الكلمات وأبحث بين‬ ‫الفواصل‪ ،‬عساني أكتشفك متلبسة بقبلة ما‪ ..‬هنا‪ ،‬أو أكتشف الحرف‬ ‫الولى من اسمه هناك‪.‬‬ ‫ذهب تفكيري بعيدًا‪ ..‬تذّكرت أنك في باريس من أربع سنوات‪ ،‬وأنك تقطنين‬ ‫عند عمك منذ ُعّين في باريس‪ ،‬أي منذ سنتين فقط‪ .‬فماذا تراك فعلت قبل‬ ‫ل الفترة التي كنت فيها بمفربدك؟‬ ‫ذلك في ك ّ‬ ‫أرهقني كتابك ذاك‪ ،‬كان ممتعاً ومتعباً مثلك‪ ..‬اعترفت لك في ما بعد‪ ،‬أن‬ ‫ك في أن أكون قابدراً على‬ ‫علقتي بك قد تغّيرت منذ قرأتك وأنني أش ّ‬ ‫الصموبد بعد اليوم‪ ..‬فأنا لم أكن مهيأً لسلح الكلمات‪.‬‬


‫ن المر ل يعنيك تمامًا‪:‬‬ ‫ت فقط وكأ ّ‬ ‫قل ِ‬ ‫ كان عليك أل تقرأني إذن!‬‫أجبتك بحماقة‪:‬‬ ‫ ولكنني أحب أن أقرأك‪ .‬ثم أنا ل أملك طريقة أخرى لفهمك‪..‬‬‫أجبت‪:‬‬ ‫ مخطئ‪ ..‬أنت لن تفهم شيئاً هكذا‪ ..‬الكاتب إنسان يعيش على حافة‬‫الحقيقة‪ ،‬ولكنه ل يحترفها بالضرورة‪ .‬ذلك اختصاص المؤّرخين ل غير‪ ..‬إنه‬ ‫ذب‪ .‬والروائي‬ ‫في الحقيقة يحترف الحلم‪ ..‬أي يحترف نوعاً من الكذب المه ّ‬ ‫الناجح هو رجل يكذب بصدق مدهش‪ ،‬أو هو كاذب يقول أشياء حقيقّية‪.‬‬ ‫ت بعد شيء من التفكير‪ ..‬أعذب الكذب كان كذبك‪ ،‬وأكثره ألماً‬ ‫م أضف ِ‬ ‫ث ّ‬ ‫كذلك‪ .‬قررت يومها أل أنّقب بعد ذلك في ذاكرتك‪ .‬أنت لن تبوحي لي‬ ‫بشيء‪ .‬ربما لنك أنثى تحترف المراوغة‪ .‬وربما لنه ليس هناك من شي‬ ‫ق العتراف‪.‬‬ ‫يستح ّ‬ ‫كنت تريدين فقط أن توهميني أنك لم تعوبدي تلك الطفلة التي عرفتها‪ .‬في‬ ‫الواقع‪ ..‬كنت فارغة‪ ،‬وكان كذبك في مساحة فراغك‪ .‬وإل ما سرّ تعّلقك‬ ‫ل‬ ‫بي‪ ،‬ولماذا كنت تطاربدين ذاكرتي بالسئلة‪ ،‬وتسدرجينها للحديث عن ك ّ‬ ‫ل تلك الرغبة في مقاسمتي‬ ‫ل تلك الشراهة للمعرفة‪ ،‬ك ّ‬ ‫شيء؟ لماذا ك ّ‬ ‫ل ما أحببت وما كرهت من أشياء‪ ..‬أكانت الذاكرة عقدتك؟‬ ‫ذاكرتي وك ّ‬ ‫***‬ ‫ل بد لمعرضي أن ينتهي‪ ،‬لننتبه أننا نعرف بعضنا من أسبوعين فقط‪ ،‬وليس‬ ‫منذ أشهر كما كان يبدو لنا‪ .‬فكيف فرغنا من ذاكرتنا في بضعة أيام؟ كيف‬ ‫تعّلمنا في بضع ساعات قضيناها معًا‪ ،‬أن نحزن ونفرح ونحلم بتوقيت واحد؟‬ ‫كيف أصبحنا نسخة من بعضنا‪ ..‬وكيف يمكن لنا أن نغابدر هذا المكان‪ ،‬الذي‬ ‫أصبح جزءاً من ذاكرتنا؟ كيف‪..‬؟ وهو الذي وضعنا لعدة أيام‪ ،‬خارج حدوبد‬ ‫الزمان والمكان‪ ،‬في قاعة شاسعة‪ ،‬يسكنها الصمت ويؤثثها الفن‪ ،‬وربع‬ ‫قرن من المعاناة والجنون؟‬ ‫كّنا لوجة وسط عدة لوحات أخرى‪.‬‬ ‫دبدة اللوان‪ ،‬رسمتها المصابدفة يوماً ثم واصلت‬ ‫كنا لوحة متقّلبة الطوار‪ ،‬متع ّ‬


‫رسمها يد القدار‪ .‬وكنت أتلذذ بوضعي الجديد ذاك وأنا أتحول من صاحب‬ ‫ذلك المعرض‪ ،‬إلى لوحة من لوحاته ل أكثر‪.‬‬ ‫لم يحدث‪ ،‬مثل تلك المرة‪ ،‬أن شعرت بحزن وأنا أرفع تلك اللوحات المعّلقة‬ ‫على الجدران‪ ،‬لوحة بعد أخرى‪ ،‬وأجمعها في الصنابديق لترك القاعة فارغة‬ ‫سام آخر‪ ،‬سيأتي بلوحاته‪ ..‬بحزنه وبفرحه وبقصص أخرى ل تشبه‬ ‫لر ّ‬ ‫صتي‪.‬‬ ‫ق ّ‬ ‫كنت أشعر أنني أجمع أيامي معك‪.‬‬ ‫فجأة‪ ،‬توقفت يدي وهي على وشك أن ترفع تلك اللوحة التي تركتها‬ ‫للخر‪.‬‬ ‫تأملتها مرة أخرى‪ ،‬شعرت أنها ناقصة‪ .‬لم يكن على مساحتها سوى جسر‬ ‫يعبرها من طرف إلى آخر‪ ،‬معّلق نحو العلى بحبال من طرفيه كأرجوحة‬ ‫حزن‪.‬‬ ‫وتحت الرجوحة الحديدية هّوة صخرية ضاربة في العمق تعلن تناقضها‬ ‫الصارخ مع المزاج الصافي لسماء استفزازية الهدوء والزرقة‪.‬‬ ‫لم أشعر‪ ،‬قبل تلك اللحظة‪ ،‬أن هذه اللوحة في حاجة إلى تفاصيل جديدة‬ ‫تكسر هذا التضابد‪ ،‬وتؤثث عري اللونين اللذين ينفربدان بها‪.‬‬ ‫في الواقع‪ ،‬لم تكن "حنين" لوحة‪ ،‬كانت رؤوس أقلم ومشاريع أحلم‬ ‫تجاوزتها الحداث بخمس عشرة سنة من الحنين والدهشة وليس فقط‬ ‫بربع قرن من الزمن‪.‬‬ ‫حملتها تحت إبطي‪ ،‬وكأنني أمّيزها عن الخريات‪ .‬كنت فجأة على عجل‪.‬‬ ‫أريد أن أجلس أمامها بعد كل تلك السنوات‪ ،‬محمل ً بفرشاة وألوان أخرى‪،‬‬ ‫لنفخ الحياة والضجيج فيها‪ ،‬وأنقل إليها أخيراً حجارة "قنطرة الحبال" حجرًا‪..‬‬ ‫ل‬ ‫حجرًا‪ .‬ولكن كان في ذهني المبعثر لحظتها هاجس آخر يطغى على ك ّ‬ ‫شيء‪ :‬كيف يمكن أن نلتقي بعد الن‪ ...‬وأين؟‬ ‫انتهت عطلتك الجامعية مع نهاية معرضي تقريبًا‪ .‬وها نحن محاصران بكل‬ ‫مستحيلت الزمان والمكان‪ .‬ملحقان بكل العيون التي قد تسرق سرنا‪.‬‬ ‫ي قدر كان قدري معك!‬ ‫ي جنون‪ ..‬وأ ّ‬ ‫بكل أولئك الذين ل نعرفهم‪ ..‬ويعرفوننا‪ .‬أ ّ‬ ‫ولماذا وحدي تفضحني عاهتي؟ ولماذا كل هذا الحذر‪ ..‬ولماذا أنت بالذات؟‬ ‫كان مجربد احتمال لقائي بسي الشريف ذات يوم وأنا بصحبتك‪ ،‬يجعلني‬ ‫أعدل عن هذه الفكرة‪ ،‬وأشعر فجأة بحرج الموقف‪ ،‬وبذلك الرتباك الذي‬ ‫سيفضحني ل محالة‪.‬‬ ‫اتفقنا على أن تطلبيني هاتفيًا‪ ،‬وأن نتفق على برنامج جديد‪.‬‬


‫كان ذلك هو الحل الوحيد‪ .‬فلم يكن ممكناً أ‪ ،‬أزورك في حّيك الجامعي‪ .‬فقد‬ ‫كانت ابنة عمك تتابع بدراستها معك في الجامعة نفسها‪.‬‬ ‫أكان يمكن لنا أن نجد ظروفاً أكثر تعقيداً من هذه؟‪.‬‬ ‫***‬ ‫أطول نهاية أسبوع على الطلق‪ ،‬كانت تلك التي قضيتها في انتظار‬ ‫هاتفك صباح الثنين‪.‬‬ ‫ق الهاتف‪.‬‬ ‫يوم الحد بد ّ‬ ‫دثينني‬ ‫أسرعت إليه وأنا أراهن أّنك أنت‪ .‬فربما نجحت في سرقة لحظات تح ّ‬ ‫فيها‪ ..‬ولو قلي ً‬ ‫ل‪ .‬كانت كاترين على الخ ّ‬ ‫ط‪ .‬أخفيت عنها خيبتي‪ .‬ورحت‬ ‫أستمع لها وهي تثرثر حول مشاغلها اليومية‪ ،‬ومشروع سفرها القابدم إلى‬ ‫لندن‪ ..‬ثم سألتني عن أخبار المعرض وقالت وهي تنتقل من موضوع إلى‬ ‫آخر‪:‬‬ ‫ لقد قرأت مقال ً جيداً عن معرضك في مجلة أسبوعية‪ ..‬من المؤكد أنك‬‫اطلعت عليه‪ ..‬إنه بقلم روجيه نّقاش‪ ،‬يبدو أنه يعرفك‪ ..‬أو يعرف لوحاتك‬ ‫جيدًا‪.‬‬ ‫لم أكن أشعر برغبة في الحديث‪ ..‬قلت لها باقتضاب‪:‬‬ ‫ نعم‪ ،‬إنه صديق قديم‪..‬‬‫تخّلصت منها بلباقة‪.‬‬ ‫لم أكن أشعر بأية رغبة في لقائها ذلك اليوم‪ .‬ربما كانت حاجتي للرسم‬ ‫ك‪.‬‬ ‫يومها‪ ،‬تفوق حاجاتي الجسدية الخرى‪ ..‬وربما كنت فقط ممتلئاً ب ِ‬ ‫عدت إلى مرسمي مثقل الخطى‪.‬‬ ‫كنت شرعت في إعدابد تشكيلة من اللوان‪ ،‬لبدأ في وضع لمسات على‬ ‫تلك اللوحة‪.‬‬ ‫ولكنني ارتبكت‪ .‬تحولت أمامها إلى ذلك الرسام المبتدئ الذي كنته منذ‬ ‫خمس وعشرين سنة‪.‬‬ ‫ترى قرابتها الجديدة لك‪ ،‬هي التي أضفت عليها هذه الصبغة المربكة؟‬


‫أم تراني كنت مرتبكاً لنني كنت أجلس أمام الماضي ل غير‪ ..‬لضفي‬ ‫على الذاكرة_ وليس على لوحة_ بعض "الرتوشات"؟‬ ‫كنت أشعر أنني على وشك أن أرتكب حماقة‪ .‬وأبدري_رغم رغبتي المضابدة‬ ‫للمنطق_ أنه ل ينبغي أبداً العبث بالماضي‪ ،‬وأن أية محاولة لتجميله‪،‬‬ ‫ليست سوى محاولة لتشويهه‪.‬‬ ‫ل‬ ‫كنت أبدرك هذا‪ ..‬ولكن هذه اللوحة أصبحت تضايقني فجأة هكذا‪ ..‬كان ك ّ‬ ‫د السذاجة‪ ،‬فلماذا ل أواصل رسمها اليوم‪ ،‬ولماذا ل‬ ‫سطاً ح ّ‬ ‫شيء فيها مب ّ‬ ‫أعاملها بمنطق فّني ل أكثر؟‬ ‫ض ) شاغال( خمس عشرة سنة في رسم إحدى لوحاته؟ كان يعوبد‬ ‫ألم يق ِ‬ ‫إليها بدائماً بين لوحة وأخرى ليضيف شيئاً أو وجهاً جديداً عليها‪ ،‬بعدما أصّر‬ ‫ل الوجوه والشياء التي أحبها منذ طفولته؟‬ ‫على أن يجمع فيها ك ّ‬ ‫أليس من حقي أيضاً أن أعوبد إلى هذه اللوحة‪ ،‬أن أضع على هذا الجسر‬ ‫ش على جانبيه بعض البيوت المعّلقة فوق‬ ‫بعض خطى العابرين‪ ،‬وأر ّ‬ ‫الصخور‪ ،‬وأسفله شيئاً من ذلك النهر الذي يشق المدينة‪ ،‬بخيل ً أحيانًا‪،‬‬ ‫ورقراقاً زبدي ّاً أحياناً أخرى‪ ..‬ألم يعد ضرورياً أن أضع عليها بصمات ذاكرتي‬ ‫الولى‪ ،‬التي كنت عاجزاً عن نقلها في السابق‪ ،‬يوم كنت رساماً مبتدئاً‬ ‫وهاوياً ل غير؟‬ ‫ل أبدري كيف تذّكرت لحظتها روجيه نّقاش‪ ،‬صديق طفولتي‪ ..‬وصديق‬ ‫غربتي‪.‬‬ ‫ذكرت ولعه بقسنطينة‪ ،‬وتعلقه بذكراها‪ ،‬هو الذي لم يعد إليها أبداً منذ‬ ‫غابدرها سنة ‪ 1959‬مع أهله‪ ،‬ومع فوج من الجالية اليهوبدية التي كانت تريد‬ ‫أن تبني لها مستقبل ً آمناً في بلد آخر‪.‬‬ ‫لك يحدث أن زرته مرة في بيته‪ ،‬بدون أن يصرّ على أن يسمعني شريطاً‬ ‫شحات‬ ‫مار" وهي تغني المالوف والمو ّ‬ ‫جديداً للمطربة اليهوبدية "سيمون ت ّ‬ ‫القسنطينية بأبداء وبصوت مدهش‪ ،‬مرتدية ذلك الثوب القسنطيني الفاخر‪،‬‬ ‫الذي أهدوها إياه في أول عوبدة لها هناك‪ ..‬والذي يزّين غلف شريطها‪.‬‬ ‫منذ بضعة أشهر أخبرني روجيه أن سيمن ماتت مقتولة على يد زوجها في‬ ‫ب رجل عربي‪.‬‬ ‫إحدى نوبات غيرته‪ ،‬فقد كان يتهمها بح ّ‬ ‫سألته إن كان ذلك حقًا‪ ..‬أجابني‪" ..‬ل أبدري‪ "..‬ثم أضاف بمرارة ما‪ " ..‬أبدري‬ ‫أنها كانت تحب قسنطينة"‪.‬‬ ‫وروجيه أيضاً كان يحبها‪ ..‬وكان حلمه السري أن يعوبد إليها ولو مرة واحدة‪،‬‬ ‫أو يأتيه أحد على القل بثمرة واحدة من شجرة التين التي كانت تطال‬ ‫نافذة غرفته والتي كانت في حديقة بيته منذ أجيال‪..‬‬


‫ي‬ ‫ص عل ّ‬ ‫وكنت أشعر بمزيج من السعابدة والحراج معاً وأنا أستمع إليه‪ ،‬يق ّ‬ ‫ي نبرة‬ ‫بلهجته القسنطينية المحببة التي لم يطمس ربع قرن من البعد أ ّ‬ ‫فيها‪ ،‬شوقه إلى تلك المدينة‪ ..‬لقاتلة!‬ ‫وكان يزيد إحراجي كل ما قام به روجيه لمساعدتي منذ سنوات‪ ،‬عندما‬ ‫وصلت إلى باريس لستقر فيها‪ .‬فقد كان له من الصداقات والوساطات‪ ،‬ما‬ ‫ي_بدون أن أطلب منه_ كثيراً من المعاملت‬ ‫هل عل ّ‬ ‫يمكن أن يس ّ‬ ‫والمشكلت التي تواجه رجل ً في وضعي‪.‬‬ ‫ذات مرة سألته "لماذا لم تعد ولو مرة واحدة لزيارة قسنطينة؟ أنا ل أفهم‬ ‫ي ويذكرونها بالخير‪"..‬‬ ‫خوفك‪ ،‬إن الناس مازالوا يعرفون أهلك في ذلك الح ّ‬ ‫أذكر وقتها أنه قال لي "ما يخيفني ليس أل يعرفني الناس هناك‪ ،‬بل أل‬ ‫أعرف أنا تلك المدينة‪ ..‬وتلك الزّقة‪ ..‬وذلك البيت الذي لم يعد بيتي منذ‬ ‫عشرات السنين‪."..‬‬ ‫ثم أضاف‪" :‬بدعني أتوهم أن تلك الشجرة مازالت هناك‪ ..‬وأنها تعطي تيناً‬ ‫ل على ناس كنت أحبهم‪ ..‬وذلك‬ ‫كل سنة‪ ،‬وأن ذلك الشباك مازال يط ّ‬ ‫الزقاق الضيق مازال يؤبدي إلى أماكن كنت أعرفها‪ ..‬أتدري‪ ..‬إن أصعب‬ ‫شيء على الطلق هو مواجهة الذاكرة بواقع مناقض لها‪"..‬‬ ‫كان في عينيه يومها لمعة بدموع مكابرة‪ ،‬فأضاف بشيء من المزاح "لو‬ ‫حدث وغيرت رأيي‪ ،‬سأعوبد إلى تلك المدينة معك‪ ،‬أخاف أن أواجه ذاكرتي‬ ‫وحدي‪."..‬‬ ‫اليوم‪ ،‬وبعد عدة سنوات‪ ،‬أذكر كلمه فجأة_ هو الذي لم يطرح معي ذلك‬ ‫الموضوع بعد ذلك أبدًا_‬ ‫تراه نجح حقاً في التحايل على ذاكرته؟‬ ‫وماذا لو كان على حق؟ يجب أن نحتفظ بذكرياتنا في قالبها الول وصورتها‬ ‫الولى ول نبحث لها عن مواجهة اصطدامية مع الواقع يتحطم بعدها كل‬ ‫شيء بداخلنا كواجهة زجاجية‪ ..‬المهم في هذه الحالت إنقاذ الذاكرة‪.‬‬ ‫أقنعني ذلك المنطق‪ ،‬وشعرت أن هاتف كاترين أنقذني بطريقة غير مباشرة‬ ‫من حماقة كنت على وشك ارتكابها‪.‬‬ ‫لن يكون لتلك اللوحة أية قيمة تأريخية بعد اليوم‪ ،‬إذا أضفت إليها شيئاً هنا‪،‬‬ ‫أو طمست فيها شيئاً هناك‪ ..‬ستصبح لوحة لقيطة لذاكرة مزّورة‪ ..‬وهل‬ ‫يهم عندئٍذ أن نكون أجمل؟‬ ‫كرت أنه رغم ذلك ل بد أن‬ ‫نظرت إلى خشبة اللوان التي كانت بيدي‪ .‬ف ّ‬ ‫أفعل شيئاً بهذه اللوان‪ ..‬وبهذه الفرشاة العصبية التي كانت تترّقب مثلي‬


‫لحظة الخلق الحاسمة‪.‬‬ ‫ل في فكرة بسيطة ومنطقّية لم تخطر ببالي‪.‬‬ ‫وفجأة وجدت الح ّ‬ ‫رفعت تلك اللوحة عن خشبات الرسم‪ ،‬ووضعت أمامها لوحة بيضاء جديدة‪،‬‬ ‫ورحت أرسم بدون تفكير‪ ،‬قنطرة أخرى‪ ،‬بسماء أخرى‪ ،‬بواٍبد آخر وبيوت‬ ‫وعابرين‪.‬‬ ‫رحت هذه المرة‪ ،‬أتوقف عند كل التفاصيل وأكابد أبدأ بها‪ ،‬وكأن أمر الجسر‬ ‫لم يعد يعنيني في النهاية‪ ،‬بقدر ما تعنيني الحجارة والصخور التي يقف‬ ‫عليها‪ .‬وتلك النباتات التي تبعثرت أسفله‪ ،‬مستفيدة من رطوبة )أو عفونة(‬ ‫العماق‪ .‬وتلك الممرات السرية التي حفرتها خطى النسان وسط‬ ‫المسالك الصخرية‪ .‬منذ أيام )ماسينيسا( وحتى اليوم‪ ،‬في غفلة من‬ ‫الجسر العجوز الذي ل يمكن له في شموخه الشاهق‪ ،‬أن يرى ما يحدث‬ ‫على علو ‪ 700‬متر من أقدامه!‬ ‫أليس التحايل على الجسور هو الهدف الزلي الول للنسان الذي يولد‬ ‫بين المنحدرات‪ ..‬والقمم؟‬ ‫أبدهشتني هذه الفكرة التي ولدت في ذهني مصابدفة؛ وأبدهشني أكثر‪،‬‬ ‫كون هذه التفاصيل التي تشغلني اليوم بإلحاح‪ ،‬لم تكن تلفت انتباهي منذ‬ ‫ربع قرن‪ ،‬يوم رسمت هذا الجسر نفسه لول مرة‪.‬‬ ‫ترى لنني كنت في بدايتي الولى‪ ،‬محكوماً بالخطوط العريضة للشياء‬ ‫ي مبتدئ‪ ،‬وأن طموحي آنذاك‪ ،‬لم يكن يتجاوز رغبتي في إبدهاش ذلك‬ ‫كأ ّ‬ ‫الدكتور_ أو إبدهاش نفسي_ ورفع أثقال التحدي بيٍد واحدة؟‬ ‫وإنني اليوم بعد ذلك العمر‪ ..‬لم يعد يعنيني أن أثبت شيئاً لحد‪ .‬أريد فقط‬ ‫أن أعيش أحلمي السرية‪ ،‬وأن أنفق ما بقي لي من وقت في طرح‬ ‫أسئلة‪ ..‬كان الجواب عليها في الماضي ترفًا‪ ..‬ليس في متناول الشباب‪.‬‬ ‫ول في متناول‪ ..‬ذلك المناضل أو المجاهد المعطوب الذي ُكنُته‪..‬‬ ‫ربما لن الوقت آنذاك لم يكن للتفاصيل‪ ،‬بل كانت وقتاً جماعياً نعيشه‬ ‫بالجملة‪ ،‬وننفقه بالجملة‪.‬‬ ‫كان وقتاً للقضايا الكبرى‪ ..‬والشعارات الكبرى‪ ..‬والتضحيات الكبرى‪ .‬ولم يكن‬ ‫لحد الرغبة في مناقشة الهوامش أو الوقوف عند التفاصيل الصغيرة‪.‬‬ ‫تراها حماقة الشباب‪ ..‬أم حماقة الثورات!‬ ‫أخذت مني تلك اللوحة‪ ،‬كل أمسية الحد‪ ،‬وقسماً كبيراً من الليل‪ .‬ولكنني‬ ‫كنت سعيداً وأنا أرسم‪ ،‬وكأنني كنت أسمع صوت الدكتور "كابوتسكي"‬


‫ب شيء إلى نفسك"‪.‬‬ ‫يعوبد ليقول لي بعد ذلك العمر "ارسم أح ّ‬ ‫وها أنا أطيعه وأرسم اللوحة نفسيها‪ ،‬بالرتباك نفسه‪.‬‬ ‫ولكن ما رسمته هذه المرة‪ ،‬لم يكن تمريناً في الرسم‪ .‬كان تمريناً في‬ ‫ب‪.‬‬ ‫الح ّ‬ ‫ت ل غير‪ .‬أنت بكل تناقضك‪ .‬أرسم نسخة أخرى‬ ‫كنت أشعر أنني أرسمك أن ِ‬ ‫عنك أكثر نضجًا‪ ..‬أكثر تعاريج‪ .‬نسخة أخرى من لوحة كبرت معك‪.‬‬ ‫كنت أرسم تلك اللوحة بشهية مدهشة للرسم‪ .‬بل ورّبما بشهوة ورغبة‬ ‫سرية ما‪..‬‬ ‫فهل بدأت شهوتك تتسّلل يومها إلى فرشاتي‪ ،‬بدون أن أبدري؟!‬ ‫***‬ ‫في اليوم التالي‪ ،‬جاءني صوتك في الساعة التاسعة تمامًا‪.‬‬ ‫جاء شلل فرح‪ ،‬وشجرة ياسمين تساقطت أزهارها على وسابدتي‪.‬‬ ‫كنت أكتشف صوتك على الهاتف‪ ،‬وأنا في فراشي بعد ليلة مرهقة من‬ ‫العمل‪ .‬شعرت أنه يشرع نوافذ غرفتي‪ ،‬ويقّبلني قبلة صباحية‪.‬‬ ‫ هل أيقظتك‪.‬؟‬‫ ل أنت لم توقظيني‪ ..‬أنت منعتني البارحة من النوم ل أكثر!‬‫د‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ت بلهجة جزائرية بين المزاح والج ّ‬ ‫ علش‪ ..‬إن شاء ا خير‪..‬‬‫قلت‪:‬‬ ‫ لنني رسمت حتى ساعة متأخرة من الليل‪..‬‬‫ وما ذنبي أنا؟‬‫ ل ذنب لك سوى ذنب الملهم‪ ..‬يا ملهمتي!‬‫صحت فجأة بالفرنسية كعابدتك عندما تفقدين السيطرة على أعصابك‪:‬‬


‫ ‪!ah.. non‬‬‫ت‪:‬‬ ‫ثم أضف ِ‬ ‫ أتمنى أنك لم ترسمني‪ ..‬يا لها من كارثة معك!‬‫ وأين هي الكارثة إن كنت قد رسمتك؟‬‫واصلت بصوت عصبي‪:‬‬ ‫ أأنت مجنون؟ تريد أن تحولني إلى لوحة تدور بها القاعات من مدينة إلى‬‫أخرى‪ ،‬يتفّرج عليها كل من يعرفني؟!‬ ‫كنت أشعر برغبة صباحية في مشاكستك‪ ،‬ربما من فرط سعابدتي‪ ،‬وربما‬ ‫لنني مجنون حقًا‪ ،‬ول أعرف كيف أكون سعيداً مثل الخرين‪.‬‬ ‫قلت لك‪:‬‬ ‫ت مّرة‪ ..‬إن الناس الذين بلهموننا هم أناس توقفنا أمامهم ذات يوم‬ ‫ أما قل ِ‬‫لسبب أو لخر‪ ،‬وأنهم ليسوا سوى حابدثة سير‪ .‬فإن أكون رسمتك ل يعني‬ ‫شيًا‪ ،‬سوى أنني صابدفتك يوماً في طريقي ل غير!‬ ‫صحت‪:‬‬ ‫ت أحمق؟‪ .‬تريد أن تقنع عمي وتقنع الخرين أنك رسمتني بعدما‬ ‫ أأن َ‬‫صابدفتني مرة على رصيف‪ ،‬واقفة مثل ً أمام ضوء أحمر‪ ..‬إننا ل نرسم سوى‬ ‫ما يثيرنا‪ ..‬أو ما نحبه‪ ..‬هذا معروف!‬ ‫تراك كنت تستدرجينني إلى ذلك العتراف‪ ،‬وتدورين حوله‪ ،‬أم كنت من‬ ‫دقي زعمي بأنني ل أبدري ذلك‪ .‬لكنني وجدت في تلك الفرصة‬ ‫الحماقة لتص ّ‬ ‫الصباحية‪ ،‬وفي ذلك الخيط الهاتفي الذي كان يفصلني ويقّربني منك في‬ ‫آن واحد‪ ..‬مناسبة لمصارحتك‪.‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ لنفترض إذن أنني أحّبك‪!.‬‬‫كنت أنتظر وقع الكلمات عليك‪ ،‬وأتوقع عدة أجوبة لكلمي‪ .‬ولكنك قلت بعد‬ ‫لحظة صمت‪:‬‬ ‫‪ -‬ولنفترض إذن‪ ..‬أنني لم أسمع!‬


‫أبدهشتني‪..‬‬ ‫لم أفهم تماماً إذا كنت تجيدين ذلك "التصريح" أقل أو أكثر مما توقعت‪ ،‬أم‬ ‫أنك كعابدتك تتلعبين بالكلمات بمتعة مدهشة‪ ،‬وأنت تدرين أنك تلعبين‬ ‫بأعصابي ل غير‪ ،‬وتقذفينني من سؤال‪ ..‬إلى تساؤل آخر‪.‬‬ ‫ أين نلتقي؟‬‫كان هذا هو السؤال الهم الذي قررنا أن نجيب عليه بجدية‪.‬‬ ‫تناقشنا طويل ً في عنوان مكان آمن يمكن أن نشرب فيه قهوة‪ ،‬أو نتناول‬ ‫فيه وجبة الغداء معًا‪.‬‬ ‫ولكن باريس ضاقت بنا‪.‬‬ ‫كنت ل تعرفين غير الماكن التي يرتابدها الطلبة‪ .‬وكنت ل أرتابد غير‬ ‫ي‪ .‬قررنا أن نلتقي في أحد المقاهي المجاورة‬ ‫المقاهي القريبة من حي ّ‬ ‫لبيتي والتي تقدم وجبات غداء‪.‬‬ ‫وكنت أقترف إحدى حماقاتي الكبرى‪.‬‬ ‫لم أكن أعرف وقتها أنني أختار عنواناً لذاكرتي مجاوراً تماماً لعنوان بيتي‪،‬‬ ‫وأنني بذلك سأمنح الذكريات حق مطاربدتي‪.‬‬ ‫لم أعد أذكر الن‪ ،‬كيف أصبح ذلك المقهى العنوان الدائم لجنوننا‪ .‬وكيف‬ ‫ل مرة‪ ،‬تتلءم‬ ‫أصبح تدريجياً يشبهنا‪ ،‬بعدما تعّوبد أن يختار لنا زاوية جديدة ك ّ‬ ‫مع مزاجنا المتقّلب‪ ،‬خلل شهرين من السعابدة المسروقة‪..‬‬ ‫كنا نلتقي هناك في أوقات مختلفة من النهار‪ ،‬وحسب ساعات بدراستك‬ ‫وبرنامج أعمالي‪.‬‬ ‫تعوبدت أن تطلبيني هاتفياً كل صباح في الساعة التاسعة‪ ،‬وأنت في‬ ‫طريقك إلى الجامعة‪ .‬ونّتفق كل صباح على برنامج لك اليوم الذي لم بعد‬ ‫لنا فيه في النهاية من برنامج سوانا‪.‬‬ ‫كنت أتدحرج يوماً بعد آخر نحو هاوية حّبك‪ ،‬أصطدم بالحجارة والصخور‪ ،‬وكل‬ ‫ما في طرقي من مستحيلت‪ .‬ولكنني كنت أحبك‪ .‬ول أنتبه إلى آثار الجراح‬ ‫على قدمي‪ ،‬ول إلى آثار الخدوش على ضميري الذي كان قبلك إناء بّلور ل‬ ‫يقبل الخدش‪ .‬وكنت أواصل نزولي معك بسرعة مذهلة نحو أبعد نقطة في‬ ‫العشق الجنوني‪.‬‬ ‫وكنت أشعر أنني غير مذنب في حّبك‪ .‬على القل حتى تلك الفترة التي‬


‫كنت مكتفياً فيها بحبك‪ ،‬بعدما أقنعت نفسي أنني ل أسيء إلى أحد بهذا‬ ‫الحب‪.‬‬ ‫وقتها لم أكن أجرؤ على أن أحلم بأكثر من هذا‪ .‬كانت تكفيني تلك العاطفة‬ ‫الجارفة التي تعبرني لول مرة‪ ،‬بسعابدتها المتطرفة أحيانًا‪ ,‬وحزناه المتطرف‬ ‫أحياناً أخرى‪..‬‬ ‫كان يكفيني الحب‪.‬‬ ‫متى بدأ جنوني بك؟‬ ‫يحدث أن أبحث عن ذلك التاريخ وأتساءل‪ ..‬ترى أفي ذلك اليوم الذي رأيتك‬ ‫فيه لول مرة؟ أم في ذلك اليوم الذي انفربدت بك فيه لول مّرة؟ أم في‬ ‫ذلك اليوم الذي قرأتك فيه لول مرة؟‪.‬‬ ‫أم ترى يوم وقفت فيه بعد عمر من الغربة‪ ،‬لرسم فيه قسنطينة‪ ..‬كأول‬ ‫مرة!‬ ‫ت أم يوم بكيت‪.‬‬ ‫ترى يوم ضحك ِ‬ ‫ت‪.‬‬ ‫ت‪ ..‬أم عندما صم ّ ِ‬ ‫أعندما تحّدث ِ‬ ‫همت أنك أمي؟!‬ ‫أعندما أصبح ِ‬ ‫ت ابنتي‪ ..‬أم لحظة تو ّ‬ ‫ي امرأة فيك هي التي أوقعتني؟‪.‬‬ ‫أ ّ‬ ‫كنت معك في بدهشة بدائمة‪ .‬فقد كنت شبيهة بتلك الدمية الروسية‬ ‫الخشبية التي تخفي بداخلها بدمية أخرى‪ .‬وهذه تخفي بدمية أصغر‪ ،‬وهكذا‬ ‫تكون سبع بدمى بداخل واحدة!‬ ‫ك تأخذين في بضعة أيام‬ ‫ل مرة أفاجأ بامرأة أخرى بداخلك‪ .‬وإذا ب ِ‬ ‫كنت ك ّ‬ ‫ي في حضورك‬ ‫ملمح كل النساء‪ .‬وإذا بي محاط بأكثر من امرأة‪ ،‬يتناوبن عل ّ‬ ‫وفي غيابك‪ ،‬فأقع في حّبهن جميعًا‪.‬‬ ‫أكان يمكن لي إذن أن أحّبك بطريقة واحدة؟‬ ‫لم تكوني امرأة‪ ..‬كنت مدينة‪.‬‬ ‫ن وفي ملمحهن؛ في‬ ‫مدينة بنساء متناقضات‪ .‬مختلفات في أعماره ّ‬ ‫ن؛ نساء من قبل جيل أمي‬ ‫ن وفي جرأته ّ‬ ‫ن؛ في خجله ّ‬ ‫ن وفي عطره ّ‬ ‫ثيابه ّ‬ ‫ت‪.‬‬ ‫إلى أيامك أن ِ‬ ‫ت‪.‬‬ ‫نساء كلهن أن ِ‬ ‫عرفت ذلك بعد فوات الوان‪ .‬بعدما ابتلعتني كما تبتلع المدن المغلقة‬ ‫أولبدها‪.‬‬


‫كنت أشهد تحولك التدريجي إلى مدينة تسكنني منذ الزل‪..‬‬ ‫كنت أشهد تغيرك المفاجئ‪ ،‬وأنت تأخذين يوماً بعد يوم ملمح قسنطينة‪،‬‬ ‫تلبسين تضاريسها‪ ،‬تسكنين كهوفها وذاكرتها ومغاراتها السرية‪ ،‬تزورين‬ ‫أولياءها‪ ،‬تتعطرين ببخورها‪ ،‬ترتدين قندورة عّنابي من القطيفة‪ ،‬في لون‬ ‫ثياب "أّما"‪ ،‬تمشين وتعوبدين على جسورها‪ ،‬فأكابد أسمع وقع خلخالك‬ ‫ن في كهوف الذاكرة‪.‬‬ ‫الذهبي ير ّ‬ ‫أكابد ألمح آثار الحناء على كعب قدميك المهيأتين للعيابد‪.‬‬ ‫وكنت أنا أستعيد لهجتي القديمة معك‪ .‬كنت ألفظ التا "تساء" على‬ ‫الطريقة القسنطينية‪.‬‬ ‫كنت أنابديك مدل ّل ً "يال" كما لم يعد الرجال ينابدون النساء في قسنطينة‪.‬‬ ‫كنت أنابديك بحنين "يا أميمة" بذلك النداء الذي ورثته قسنطينة بدون غيرها‪،‬‬ ‫عن أهل قريش من عصور‪.‬‬ ‫وكنت‪ ،‬كنت عندما يجّربدني عشقك من سلحي الخير‪ ،‬أعترف لك مهزوماً‬ ‫على طريقة عشاقنا "ِنشتيك‪ ..‬يعن ُبو َزْيِنك!"‪.‬‬ ‫تلك الكلمة التي كان أصلها "أشتهيك" والتي اختصروها منذ زمان لتخفي‬ ‫معناها الصلي‪ ،‬وتتحول إلى كلمة وبدّ ل غير‪.‬‬ ‫فقسنطينة مدينة منافقة‪ ،‬ل تعترف بالشهوة ول تجيز الشوق؛ إنما تأخذ‬ ‫خلسة كل شيء‪ ،‬حرصاً على صيتها‪ ،‬كما تفعل المدن العريقة‪.‬‬ ‫ولذا فهي تبارك مع أوليائها الصالحين‪ ..‬الزانين أيضًا‪ ..‬والسّراق!‬ ‫دعي البركات‪ ،‬لتباركني‬ ‫ولم أكن سارقًا‪ ،‬ول كنت ولي ًّا‪ ،‬ول شيخاً ي ّ‬ ‫قسنطينة‪.‬‬ ‫سام؛ بتطرف وحماقة رسام‪ ،‬خلقك‬ ‫كنت فقط‪ ،‬رجل ً عاشقًا‪ ،‬أحبك بجنون ر ّ‬ ‫هكذا كما يخلق الجاهليون آلهتهم بيدهم‪ ،‬ثم يجلسون لعبابدتها‪ ،‬وتقديم‬ ‫القرابين لها‪.‬‬ ‫وربما كان هذا‪ ،‬أكثر ما كنت تحّبينه في حّبي!‬ ‫ذات يوم قلت لي‪:‬‬ ‫سام‪ .‬قرأت عن الرسامين قصصاً مدهشة‪ .‬إنهم‬ ‫كنت أحلم أن يحّبني ر ّ‬ ‫ن جنونهم متطرف‪ ..‬مفاجئ ومخيف‪ .‬ل‬ ‫ل المبدعين‪ .‬إ ّ‬ ‫الكثر جنوناً بين ك ّ‬ ‫يشبه في شيء ما ُيقال عن الشعراء مثل ً أو عن الموسيقيين‪ .‬لقد قرأت‬


‫حياة فان غوغ‪ ..‬بدولكروا‪ ..‬غوغان‪ ...‬بدالي‪ ..‬سيزان‪ ..‬بيكاسو وآخرين كثيرين‬ ‫سامين‪.‬‬ ‫لم يبلغوا هذه الشهرة‪ .‬أنا ل أتعب من قراءة سيرة الر ّ‬ ‫في الواقع شهرتهم ل تعنيني بقدر ما يعنيني تقّلبهم وتطّرفهم‪ .‬تهمني‬ ‫تلك اللحظة الفاصلة بين البداع والجنون‪ .‬عندما يعلنون فجأة خروجهم عن‬ ‫ق التأمل والنبهار أحيانًا‪،‬‬ ‫المنطق واحتقارهم له‪ .‬وحدها تلك اللحظة تستح ّ‬ ‫دينا وتعجيزنا بلوحة ليست سوى حياتهم‪.‬‬ ‫فهم يفعلون ذلك لمجربد تح ّ‬ ‫هنالك مبدعون‪ ،‬يكتفون بوضع عبقرّيتهم في إنتاجهم‪ .‬وهنالك آخرون‪،‬‬ ‫يصّرون على توقيع حياتهم أيضًا‪ ،‬بنفس العبقرية‪ ،‬فيتركون لنا سيرة فريدة‪،‬‬ ‫غير قابلة للتكرار أو التزوير‪..‬‬ ‫أعتقد أن مثل هذا الجنون ينفربد به الرسامون‪ .‬ول أظن أن شاعراً يمكن أن‬ ‫يصل إلى ما وصل إليه فان غوغ مثل ً في لحظة يأس واحتقار للعالم‪ ،‬عندما‬ ‫قطع أذنه ليهديها إلى غانية‪..‬‬ ‫أو ما فعله ذلك الرسام المجهول الذي لم أعد أذكر اسمه‪ ،‬والي شنق‬ ‫نفسه‪ ،‬بعدما عّلق في سقف غرفته‪ ،‬لوحة المرأة التي أحبها والتي قضى‬ ‫حد معها على طريقته‪ ..‬ووّقع لوحته وحياته معاً‬ ‫أياماً في رسمها‪ .‬وهكذا تو ّ‬ ‫مرة واحدة‪.‬‬ ‫ت‪:‬‬ ‫قل ُ‬ ‫ إن ما يعجبك في النهاية‪ ،‬هو قدرة الرسامين الخارقة على تعذيب‬‫أنفسهم‪ ،‬أو على التمثيل بها‪ ..‬أليس كذلك؟‪.‬‬ ‫ت‪:‬‬ ‫أجب ِ‬ ‫ ل‪ ..‬ولكن هنالك لعنة ما تلحق الرسامين بدون غيرهم؛ وهنالك جدلية ل‬‫تنطبق إل عليهم‪ .‬فكّلما زابد عذابهم وجوعهم وجنونهم‪ ،‬زابد ثمن لوحاتهم‪.‬‬ ‫ل‬ ‫حتى إن موتهم يوصلها إلى أسعار خيالية‪ ،‬وكأن عليهم أن ينسحبوا لتح ّ‬ ‫هي مكانهم‪.‬‬ ‫لم أناقشك في رأيك‪.‬‬ ‫رحت أستمع إليك وأنت تربدّبدين كلماً أعرفه‪ ،‬ولكن فاجأني منك‪.‬‬ ‫لم أتساءل يومها‪ ،‬إن كنت تحبينني لحتمال جنوني‪ ،‬أو لشيء آخر‪ .‬ول أن‬ ‫تكون نّيتك اللشعورية تحويلي إلى لوحة ثمينة أبدفع ثمنها من حطامي‪.‬‬ ‫هل سيزيد عذابي حقًا‪ ،‬من قيمة أية لوحة سأرسمها كيفما كان‪ ،‬تحت‬ ‫تأثير جوعي أو نوبة جنوني؟‬


‫ن ترى؟‪ ..‬وأين تبدأ النزعة السابدية عند‬ ‫اكتفيت بالتساؤل‪ ..‬أين يبدأ الف ّ‬ ‫الخرين؟‬ ‫كنت أعتقد أن هذه الجدلية ل علقة لها بالبداع ول بالفن‪ ،‬وإنما بطبع‬ ‫النسان ل أكثر‪.‬‬ ‫نحن سابديون بفطرتنا‪ .‬يحلو لنا أن نسمع عذابات الخرين‪ ،‬ونعتقد‪ ،‬عن‬ ‫أنانية‪ ،‬أن الفنان مسيح آخر جاء ليصلب مكاننا‪.‬‬ ‫صته قد تبكينا‪ ،‬ولكنها لن تمنعنا من‬ ‫عذابه يحزننا و يسعدنا في آن واحد‪ .‬ق ّ‬ ‫النوم‪ ،‬ولن تدفعنا إلى إطعام فنان آخر‪ ،‬يموت جوعاً أو قهراً أمامنا‪ .‬بل إننا‬ ‫نجد من الطبيعي أن تتحول جراح الخرين إلى قصيدة نغنيها‪ ،‬أو لوحة‬ ‫نحتفظ بها‪ ،‬وقد نتاجر بها‪ ،‬للسبب نفسه‪.‬‬ ‫فهل الجنون ُقصر حقاً على الرسامين بدون غيرهم؟‬ ‫ل المبدعين‪ ،‬وكل المسكونين بهذه الرغبة‬ ‫أليس هو قاسماً مشتركاً بين ك ِ ّ‬ ‫المرضّية في الخلق؟‬ ‫فالذي ل يمكن بحكم منطق البداع نفسه‪ ،‬أن يكون إنساناً عابديًا‪ ،‬بأطوار‬ ‫ي‪ .‬بمقاييس عابدية للكسب والخسارة‪ ..‬للسعابدة‬ ‫عابدية وبحزن وفرح عابد ّ‬ ‫والتعاسة‪.‬‬ ‫إنه إنسان متقّلب‪ ،‬مفاجئ‪ ،‬لن يفهمه أحد ولن يجد أحد مبرراً لسلوكه‪.‬‬ ‫دثتك فيه عن زيابد‪.‬‬ ‫كان ذلك أول يوم ح ّ‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ لقد عرفت شاعراً فلسطينياً كان يدرس في الجزائر‪ .‬كان سعيداً بحزنه‬‫وبوحدته؛ مكتفياً بدخله البسيط كأستاذ للبدب العربي‪ ،‬وبغرفته الجامعية‬ ‫سنت أحواله المابدية‪،‬‬ ‫الصغيرة‪ ،‬وبديوانين شعرّيين‪ .‬حتى ذلك اليوم الذي تح ّ‬ ‫وحصل على شقة وكان على وشك الزواج من إحدى طالباته التي أحّبها‬ ‫بجنون‪ ،‬والتي قبل أهلها أخيراً تزويجها منه‪.‬‬ ‫عندما قّرر فجأة أن يتخلى عن كل شيء‪ ،‬ويعوبد إلى بيروت ليلتحق بالعمل‬ ‫الفدائي‪..‬‬ ‫عبثاً حاولت إقناعه بالبقاء‪ .‬لم أكن أفهم حماقته تلك‪ ،‬وإصراره على الرحيل‬ ‫ي أحلم‪ ..‬أنا ل‬ ‫عندما أوشك أخيراً أن يحقق أحلمه‪ .‬وكان يجيب ساخراً "أ ّ‬ ‫ي‬ ‫أريد أن أقتل بداخلي ذلك الفلسطيني المشّربد‪ ..‬فعندها لن يكون ل ّ‬ ‫شيء أمتلكه من قيمة‪."..‬‬ ‫ويضيف وهو ينفث بدخانه على مهل وكأنه يختفي خلفه كي يبوح لي بسٍّر‪:‬‬


‫"ثم‪ ..‬ل أريد أن أنتمي لمرأة‪ ..‬أو إذا شئت ل أريد أن أقيم فيها‪ ..‬أخاف‬ ‫السعابدة عندما تصبح جبرية‪ .‬هنالك سجون لم تخلق للشعراء‪."..‬‬ ‫وكانت الفتاة التي أحّبته تزورني راجية أن أقنعه بالبقاء‪ ،‬وأنه مجنون ذاهب‬ ‫إلى الموت وإلى حتفه المؤكد‪ .‬ولكن عبثًا‪ ،‬لم تكن هناك حجة واحدة‬ ‫لغرائه بالبقاء‪ ..‬بل إنه في تطرفه المفاجئ‪ ،‬أصبح يجد في حججي ما‬ ‫يزيده إغراًء بالرحيل‪.‬‬ ‫أذكر أنه قال لي يومها بشيء من السخرية‪ ،‬وكأنه يعطيني بدرساً في‬ ‫الحياة‪:‬‬ ‫"هناك عظمة ما‪ ،‬في أن نغابدر المكان ونحن في قمة نجاحنا‪ .‬إنه الفرق‬ ‫بين عامة الناس‪ ..‬والرجال الستثنائيين!"‪.‬‬ ‫ل جنوناً من رسام قطع‬ ‫سألتك إن كنت تعتقدين أ ّ‬ ‫ن شاعراً كهذا‪ ،‬هو أق ّ‬ ‫أذنه؟‬ ‫لقد استبدل براحته شقاًء لم يكن مرغماً عليه‪ .‬واستبدل بحياته موتًا‪ ،‬بدون‬ ‫أن يكون مجبراً عليه‪.‬‬ ‫لقد أرابد أن يذهب إلى الموت مكابراً وليس مهزوماً ومكرهًا‪ .‬إنها طريقته‬ ‫في أن يهزم مسبقاً شيئاً ل ُيهزم‪ ،‬وهو الموت‪.‬‬ ‫سألتني بلهفة‪:‬‬ ‫ هل مات؟‬‫قلت لك‪:‬‬ ‫ ل‪ ..‬إنه لم يمت‪ ..‬أو على القل مازال على قيد الحياة حتى تاريخ بطاقته‬‫ي بها في رأس السنة‪ ،‬أي منذ ستة أشهر تقريبًا‪.‬‬ ‫الخيرة التي بعث إل ّ‬ ‫سابد بيننا شيء من الصمت‪ ،‬وكأن أفكارنا معاً ذهبت إليه‪..‬‬ ‫قلت لك‪:‬‬ ‫ أتدرين أنه كان سبباً غير مباشر في مغابدرتي الجزائر؟ معه تعّلمت أنه ل‬‫ضحي‬ ‫يمكن أن نتصالح مع كل الشخاص الذين يسكنوننا‪ ،‬وأنه ل بد أن ن ّ‬ ‫بأحدهم ليعيش الخر‪ .‬وأمام هذا الختبار فقط نكتشف طينتنا الولى‪ ،‬لننا‬ ‫ننحاز تلقائياً إلى ما نعتقد أنه الهم‪ ..‬وأنه نحن ل غير‪.‬‬ ‫قلت وأنت تقاطعينني‪:‬‬


‫ صحيح‪ ..‬نسيت أن أسألك لماذا جئت إلى فرنسا؟‬‫أجبتك وتنهيدة تسبقني‪ ،‬وكأنها تفتح أبواب صدر أوصدته الخيبات‪:‬‬ ‫ قد ل تقنعك أسبابي‪ ..‬ولكنني مثل ذلك الصديق‪ ،‬أكره الجلوس على‬‫القمم التي يسهل السقوط منها‪ .‬وأكره خاصة أن يحولني مجربد كرسي‬ ‫أجلس عليه إلى شخص آخر ل يشبهني‪.‬‬ ‫ي‪،‬‬ ‫لقد كنت بعد الستقلل أهرب من المناصب السياسية التي عرضت عل ّ‬ ‫والتي كان الجميع يلهثون للوصول إليها‪.‬‬ ‫كنت أحلم بمنصب في الظل يمكن أن أقوم فيه بشيء من التغيرات بدون‬ ‫كثير من الضجيج وبدون كثير من المتاعب‪ .‬ولذا عندما عّينت كمسؤول عن‬ ‫النشر والمطبوعات في الجزائر‪ ،‬شعرت أنني خلقت لذلك المنصب‪ .‬فقد‬ ‫ل سنوات إقامتي في تونس في تعّلم العربية والتعمق فيها‪،‬‬ ‫قضيت ك ّ‬ ‫وتجاوز عقدتي القديمة كجزائري ل يتقن بالدرجة الولى سوى الفرنسية‪.‬‬ ‫وأصبحت‪ ،‬في بضع سنوات‪ ،‬مزبدوج الثقافة‪ ،‬ل أنام قبل أن أبتلع وجبتي من‬ ‫القراءة بإحدى اللغتين‪.‬‬ ‫كنت أعيش بالكتب ومع الكتب‪ .‬حتى إنني كدت في فترة ما أنتقل من‬ ‫الرسم إلى الكتابة‪ ،‬خاصة أن الرسم‪ ،‬كان في نظر البعض آنذاك‪ ،‬شبيهاً‬ ‫بالشذوذ الثقافي‪ ،‬وعلمة من علمات الترف الفني‪ ،‬التي ل علقة لها‬ ‫بظروف التحرير‪.‬‬ ‫عندما عدت إلى الجزائر بعدها‪ ،‬كنت ممتلئاً بالكلمات‪.‬‬ ‫ولن الكلمات ليست محايدة‪ ،‬فقد كنت ممتلئاً كذلك بالمثل والقيم‪ ،‬ورغبة‬ ‫في تغّير العقليات والقيام بثورة بداخل العقل الجزائري الذي لم تغير فيه‬ ‫الهزات التاريخية شيئًا‪.‬‬ ‫ميه "الثورة‬ ‫ولم يكن الوقت مناسباً لحلمي الكبير الذي ل أريد أن أس ّ‬ ‫الثقافية"‪ .‬بعدها لم تعد هاتان الكلمتان مجتمعتين أو متفرقتين تعنيان‬ ‫شيئاً عندنا‪.‬‬ ‫كانت هناك أخطاء كبرى ُترتكب عن حسن نية‪ .‬فلقد بدأت التغيرات‬ ‫بالمصانع‪ ،‬والقرى الفلحية والمباني والمنشآت الضخمة‪ ،‬وترك النسان‬ ‫إلى الخير‪.‬‬ ‫فكيف يمكن لنسان بائس فارغ‪ ،‬وغارق في مشكلت يومية تافهة‪ ،‬ذي‬ ‫عقلية متخلفة عن العالم بعشرات السنين‪ ،‬أن يبني وطنًا‪ ،‬أو يقوم بأية‬ ‫ثورة صناعية أو زراعية‪ ،‬أو أية ثورة أخرى؟‬


‫ل الثورات الصناعية في العالم من النسان نفسه‪ ،‬ولذا أصبح‬ ‫لقد بدأت ك ّ‬ ‫اليابان )يابانًا( وأصبحت أوربا ما هي عليه اليوم‪.‬‬ ‫مون الجدران ثورة‪ .‬ويأخذون الرض‬ ‫وحدهم العرب راحوا يبنون المباني ويس ّ‬ ‫مون هذا ثورة‪.‬‬ ‫من هذا ويعطونها لذاك‪ ،‬ويس ّ‬ ‫الثورة عندما ل نكون في حاجة إلى أن نستوربد حتى أكلنا من الخارج‪..‬‬ ‫الثورة عندما يصل المواطن إلى مستوى اللة التي يسّيرها‪.‬‬ ‫كان صوتي يأخذ فجأة نبرة جديدة‪ ،‬فيها كثير من المرارة والخيبة التي‬ ‫ي بشيء من الدهشة وربما من‬ ‫تراكمت منذ سنين‪ .‬وكنت تنظرين إل ّ‬ ‫العجاب الصامت‪ ،‬وأنا أحدثك لول مرة عن شجوني السياسية‪.‬‬ ‫سألتني‪:‬‬ ‫ ألهذا جئت إلى فرنسا إذن؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫ ل‪ ..‬ولكنني جئت ربما بسبب أوضاع هي نتيجة أخطاٍء كهذه‪ ،‬لنني ذات‬‫يوم قّررت أن أخرج من الربداءة‪ ،‬من تلك الكتب الساذجة التي كنت مضطراً‬ ‫إلى قراءتها ونشرها باسم البدب والثقافة‪ ،‬ليلتهمها شعب جائع إلى العلم‪.‬‬ ‫كنت أشعر أنني أبيعه معّلبات فاسدة مرّ وقت استهلكها‪ .‬كنت أشعر أنني‬ ‫مسؤول بطريقة أو بأخرى عن تدهور صحته الفكرية‪ ،‬وأنا ألّقنه الكاذيب‬ ‫سس على الحروف‬ ‫بعدما تحّولت من مثقف إلى شرطي حقير‪ ،‬يتج ّ‬ ‫والنقاط‪ ،‬ليحذف كلمة هنا وأخرى هناك‪ ..‬فقد كنت أتحمل وحدي مسؤولية‬ ‫ما يكتبه الخرون‪.‬‬ ‫كنت أشعر بالخجل وأنا أبدعو أحدهم إلى مكتبي لقناعه بحذف فكرة أو‬ ‫رأي كنت أشاركه فيه‪.‬‬ ‫دثتك عنه‪ ،‬والذي‬ ‫ذات يوم‪ ،‬زارني زيابد‪ ..‬ذلك الشاعر الفلسطيني الذي ح ّ‬ ‫لم أكن التقيت به من قبل‪.‬‬ ‫وكنت اتصلت به لطلب منه حذف أو تغيير بعض الكلمات التي جاءت في‬ ‫بديوانه‪ ،‬والتي كانت تبدو لي قاسية تجاه بعض النظمة‪ ..‬وبعض الحكام‬ ‫العرب بالذات‪ ،‬والذين كان يشير إليهم بتلميح واضح‪ ،‬ناعتاً إياهم بكل‬ ‫اللقاب‪.‬‬ ‫س أبداً نظرته ذلك اليوم‪.‬‬ ‫لم أن َ‬ ‫توّقفت عيناه عند ذراعي المبتورة لحظة‪ ،‬ثم رفع عينيه نحوي في نظرة‬


‫مهينة وقال‪:‬‬ ‫" ل تبتر قصائدي سّيدي‪ ..‬ربدّ لي بديواني‪ ،‬سأنشره في بيروت"‪.‬‬ ‫شعرت أن الدم الجزائري يستيقظ في عروقي‪ ،‬وأنني على وشك أن أنهض‬ ‫من مكاني لصفعه‪ .‬ثم هدأت من روعي‪ ،‬وحاولت أن أتجاهل نظرته‬ ‫وكلماته الستفزازية‪.‬‬ ‫ما الذي شفع له عندي في تلك اللحظة؟‬ ‫ترى هوّيته الفلسطينية‪ ،‬أو تلك الشجاعة التي لم يواجهني بها كاتب‬ ‫قبله‪ ،‬أم ترى عبقرّيته الشعرية؟ فقد كان بديوانه أروع ما قرأت من الشعر‬ ‫في ذلك الزمن الربديء‪ .‬وكنت أؤمن في أعماقي أن الشعراء كالنبياء هم‬ ‫بدائماً على حق‪.‬‬ ‫تلّقيت كلماته كصفعة أعابدتني إلى الواقع‪ ،‬وأيقظتني بخجل‪ .‬لقد كان ذلك‬ ‫الشاعر على حق‪ ،‬كيف لم أكتشف أنني لم أكن أفعل شيئاً من سنوات‬ ‫سوى تحويل ما يوضع أمامي من إنتاج إلى نسخة مبتورة مشّوهة مثلي؟‬ ‫قلت له متحديًا‪ ،‬وأنا ألقي نظرة غائبة على غلف تلك المخطوطة‪:‬‬ ‫"سأنشره لك حرفيًا"‪.‬‬ ‫كان في موقفي شيء من "الرجولة"‪ ،‬تلك الرجولة أو الشجاعة التي كان‬ ‫ل يمكن لموظف مهما كان منصبه أن يتحلى بها‪ ،‬بدون أن يغامر بوظيفته‪،‬‬ ‫لن المو ّ‬ ‫ظف في النهاية هو رجل استبدل برجولته كرسي ًّا!‬ ‫سبب لي بديوانه عند صدوره بعض المتاعب‪ .‬شعرت أن هناك شيئاً من‬ ‫مله‪.‬‬ ‫الزيف الذي لم أتح ّ‬ ‫ما الذي يمنعني من فضح أنظمة بدموية قذرة‪ ،‬مازلنا باسم الصموبد ووحدة‬ ‫ف‪ ،‬نصمت على جرائمها؟ ولماذا من حّقنا أن ننتقد أنظمة بدون أخرى‬ ‫الص ّ‬ ‫حسب النشرات الجوية‪ ،‬والرياح التي يركبها قبطان بواخرنا؟‬ ‫بدأ شيء من اليأس والمرارة يملني تدريجيًا‪ .‬هل أغير وظيفتي لستبدل‬ ‫بمشكلتي مشاكل أخرى‪ ،‬وأصبح هذه المرة طرفاً في لعبة أخرى؟‬ ‫دست وجمعت من أحلم طوال سنوات غربتي ونضالي‪،‬‬ ‫ماذا أفعل بكل ما ك ّ‬ ‫وماذا أفعل بسنواتي الربعين‪ ،‬وبذراعي المبتورة‪ ،‬وبذراعي الخرى؟‬ ‫ماذا أفعل بهذا الرجل المكابر العنيد الذي يسكنني‪ ،‬ويرفض أن يساوم‬ ‫على حريته‪ ،‬وبذلك الرجل الخر الذي ل بد أن يعيش ويتعلم الجلوس على‬ ‫المبابدئ‪ ..‬ويتأقلم مع كل كرسي‪.‬‬


‫كان ل بد أن أقتل أحدهما ليحيا الخر‪ ...‬وقد اخترت‪.‬‬ ‫كان لقائي بزيابد منعطفاً في حياتي‪.‬‬ ‫اكتشفت بعدها أن قصص الصداقة القوية‪ ،‬كقصص الحب العنيفة‪ ،‬كثيراً ما‬ ‫تبدأ بالمواجهة والستفزاز واختبار القوى‪.‬‬ ‫فل يمكن لرجلين يتمتع كلهما بشخصية قوية وبذكاء وحساسية مفرطة‪،‬‬ ‫رجلين حمل السلح في فترات من حياتهما‪ ..‬وتعوّبدا على لغة العنف‬ ‫والمواجهة‪ ،‬أن يلتقيا بدون تصابدم‪.‬‬ ‫وكان ل بد لنا من ذلك الصطدام الول‪ ..‬وذلك التحدي المتبابدل لنفهم أننا‬ ‫من طينة واحدة‪.‬‬ ‫بعدها أصبح زيابد تدريجياً صديقي الوحيد الذي أرتاح إليه حقًا‪.‬‬ ‫كان نلتقي عدة مرات في السبوع‪ ،‬نسهر ونسكر معًا‪ ،‬نتحدث طويل ً عن‬ ‫ن‪ ،‬نشتم الجميع ونفترق سعيدين بجنوننا‪.‬‬ ‫السياسة‪ ،‬وكثيراً عن الف ّ‬ ‫كنا في سنة ‪ .1973‬كان عمره ثلثين سنة‪ ،‬وبديوانين‪ ،‬ما يقارب السِّتين‬ ‫قصيدة‪ ،‬وما يعابدلها من الحلم المبعثرة‪.‬‬ ‫وكان عمري بعض اللوحات‪ ،‬قليل ً من الفرح وكثيراً من الخيبات‪ ،‬وكرسيين أو‬ ‫ثلثًا‪ ،‬تنّقلت بينها منذ الستقلل‪ ،‬بشيء من الوجاهة‪ ،‬بسائق وسيارة‪..‬‬ ‫وبمذاق غامض للمرارة‪.‬‬ ‫م‬ ‫ذات يوم‪ ،‬رحل زيابد بعد حرب أكتوبر بشهرين أو ثلثة‪ .‬عابد إلى بيروت لينض ّ‬ ‫إلى الجبهة الشعبية التي كان منخرطاً فيها قبل قدومه إلى الجزائر‪.‬‬ ‫ضلة والتي كان ينقلها من بلد إلى آخر‪ .‬ترك لي‬ ‫ل كتبه المف ّ‬ ‫ترك لي ك ّ‬ ‫فلسفته في الحياة‪ ،‬وشيئاً من الذكريات‪ ،‬وتلك الصديقة التي كانت تزورني‬ ‫أحياناً لتسأل عن أخباره‪ ،‬تلك التي كان يرفض أن يكتب لها‪ ،‬وكانت ترفض‬ ‫أن تنساه‪.‬‬ ‫قلت وأنت تخرجين من صمتك الطويل‪:‬‬ ‫ ولماذا لم يكتب لها؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫ ربما لنه كان يكره التحرش بالماضي‪ ..‬وربما كان يريد أن تنساه وتتزوج‬‫بسرعة‪ ،‬كان يريد لها قدراً آخر غير قدره‪.‬‬


‫سألتني‪:‬‬ ‫ وهل تزوجت؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫ ل أبدري‪ ..‬لقد فقدت أخبارها منذ عدة سنوات‪ ،‬ومن الرجح أن تكون‬‫تزوجت‪ .‬لقد كانت على قدر كبير من الجمال‪ .‬ولكن ل أعتقد أن تكون قد‬ ‫نسيته‪ ،‬من الصعب على امرأة عرفت رجل ً مثل زيابد أن تنساه‪..‬‬ ‫شعرت في تلك اللحظة‪ ،‬أنك ذهبت بعيداً في أفكارك‪.‬‬ ‫تراك كنت قد بدأت تحلمين به؟‬ ‫تراني قد بدأت يومها باقتراف حماقاتي‪ ،‬الواحدة تلو الخرى‪ ،‬وأنا أربدّ بعد‬ ‫ذلك على أسئلتك الكثيرة حوله‪ ،‬بأجوبة تثير فيك فضول النثى والكاتبة في‬ ‫آن واحد؟‬ ‫دثتك عن قصائده كثيرًا‪ ،‬وعن بديوانه الخير‪ ،‬الذي كتب قصائده كما يطلق‬ ‫ح ّ‬ ‫بعضهم الرصاص في العراس والمآتم ليشّيعوا حبيباً أو قريبًا‪.‬‬ ‫كان هو يشّيع صديقاً قديماً اسمه الشعر‪ ،‬ويقسم أنه لن يكتب بعد اليوم‬ ‫سوى بسلحه‪.‬‬ ‫في الواقع‪ ،‬لم يكن ذلك الرجل يكتب‪ .‬كان فقط يفرغ رشاشه المحشو‬ ‫غضباً وثورة في وجه الكلمات‪.‬‬ ‫كان يطلق الرصاص على كل شيء حوله‪ ..‬بعدما لم يعد يثق في شيء!‬ ‫آخ‪ ..‬كم كان زيابد مدهشًا!‬ ‫ل بد أن أعترف اليوم أنه كان مدهشاً حقًا‪ ،‬وأنني كنت أحمق‪ .‬كان ل بد أن‬ ‫أحدثك عنه وأنا أتوهم أن الجبال ل تلتقي‪..‬‬ ‫لماذا كنت أحدثك عنه بتلك الحماسة‪ ،‬وبتلك الشاعرية؟‬ ‫أكنت أريد التقرب إليك به‪ ،‬وأقنعك من خلله أن لي قرابة سابقة بالكتاب‬ ‫والشعراء‪ ،‬فأكبر بذلك في عينيك؟‬ ‫أم كنت أصفه لك في صورته الجمل‪ ،‬لنني كنت أعتقد حتى ذلك اليوم‬ ‫أنني أشبهه‪ ،‬وأنني كنت أصف لك نفسي ل غير‪..‬‬


‫ربما كان كل هذا حقًا‪ ..‬ولكن‪..‬‬ ‫كنت أريد أيضًا‪ ،‬أن تكتشفي العروبة في رجال استثنائيين‪ ،‬كما لم تنجب‬ ‫هذه المة‪.‬‬ ‫رجال ولدوا في مدن عربية مختلفة‪ ،‬ينتمون إلى أجيال مختلفة‪ ،‬واتجاهات‬ ‫سياسية مختلفة‪ ،‬ولكنهم جميعاً لهم قرابة ما بأبيك‪ ..‬بوفائه وشهامته‪،‬‬ ‫بكبريائه وعروبته‪..‬‬ ‫جميعهم ماتوا أو سيموتون من أجل هذه المة‪.‬‬ ‫كنت ل أريد أن تنغلقي في قوقعة الوطن الصغير‪ ،‬وأن تتحولي إلى منّقبة‬ ‫للثار والذكريات‪ ،‬في مساحة مدينة واحدة‪.‬‬ ‫فكل مدينة عربية اسمها قسنطينة‪ .‬وكل عربي ترك خلفه كل شيء‬ ‫وذهب ليموت من أجل قضية‪ ،‬كان يمكن أن يكون اسمه الطاهر‪..‬‬ ‫وكان يمكن أن تكون لك قرابة به‪.‬‬ ‫كنت أريد أن تملي رواياتك بأبطال آخرين أكثر واقعية‪ ،‬أبطال تخرجين معهم‬ ‫من مراهقتك السياسية‪ ،‬ومراهقتك العاطفية‪.‬‬ ‫ت رجال ً مثل زيابد‪ ..‬لما أحببت بعد‬ ‫ألم أقل لك ذلك اليوم _بحماقة_ "لو عرف ِ‬ ‫اليوم "زوربا" ولما كنت في حاجة إلى خلق أبطال وهميين‪ .‬هنالك في‬ ‫هذه المة أبطال جاهزون بفوقون خيال الكّتاب‪."..‬‬

‫لم أكن أتوقع يومها أن يحصل كل الذي حصل‪ ،‬وأن أكون أنا الذي سيتحّول‬ ‫ذات يوم إلى منقب يبحث بين سطورك عن آثار زيابد‪ ،‬ويتساءل من مّنا‬ ‫أحببت أكثر‪ ،‬ولمن بنيت ضريحك الخير‪ ،‬وروايتك الخيرة‪..‬‬ ‫ألي‪ ..‬أم له؟‬ ‫دي‪ .‬وقلت بلهجة جزائرية ونحن‬ ‫في ذلك اليوم‪ ،‬وضع ِ‬ ‫ت فجأة قبلة على خ ّ‬ ‫على وشك أن ننهض للذهاب‪:‬‬ ‫" خالد‪ ..‬انحبك‪"..‬‬ ‫توقف كل شيء لحظتها حولي‪ ،‬وتوقف عمري على شفتيك‪ .‬وكان يمكن‬ ‫وقتها أن أحتضنك‪ ،‬أو أقّبلك‪ ..‬أو أربدّ عليك بألف‪ ..‬ألف أحبك أخرى‪.‬‬ ‫ولكنني جلست من بدهشتي‪ ،‬وطلبت من النابدل قهوة أخرى‪ ،‬وقلت لك‬ ‫أول جملة خطرت آنذاك في ذهني‪:‬‬ ‫" لماذا اليوم بالذات؟"‬


‫أجبتني بصوت خافت‪:‬‬ ‫ لنني اليوم أحترمك أكثر‪ .‬إنها أول مرة منذ ثلثة أشهر تحدثني فيها عن‬‫نفسك‪ .‬اكتشفت اليوم أشياء مدهشة‪ .‬لم أكن أتصور أنك حضرت إلى‬ ‫باريس لهذه السباب‪ .‬عابدة يأتي الفنانون هنا بحثاً عن الشهرة أو الكسب‬ ‫ل أكثر‪ .‬لم أتوقع أن تكون تخليت عن كل شيء هناك‪ ،‬لكي تبدأ من الصفر‬ ‫هنا‪..‬‬ ‫ححاً لكلمك‪:‬‬ ‫قاطعت ِ‬ ‫ك مص ِ ّ‬ ‫ لم أبدأ من الصفر‪ ..‬نحن ل نبدأ من الصفر أبداً عندما نسلك طريقاً جديدًا‪.‬‬‫إننا نبدأ من أنفسنا فقط‪ .‬أنا بدأت من قناعاتي‪.‬‬ ‫شعرت يومها أننا ندخل مرحلة أخرى من علقتنا‪ ،‬وأنك عجينة تأخذ فجأة‬ ‫كل قناعاتي‪ ،‬وشكل طموحاتي وأحلمي القابدمة‪.‬‬ ‫تذّكرت جملة قرأتها يوماً في كتاب عن الرسم لحد النّقابد تقول‪:‬‬ ‫ن الرسام ل يقدم لنا من خلل لوحته صورة شخصّية عن نفسه‪ .‬إنه‬ ‫"إ ّ‬ ‫يقدم لنا فقط مشروعاً عن نفسه ويكشف لنا الخطوط العريضة لملمحه‬ ‫القابدمة"‪.‬‬ ‫ت مشروعي القابدم‪.‬‬ ‫ت أن ِ‬ ‫وكن ِ‬ ‫كنت ملمحي القابدمة‪ ،‬ومدينتي القابدمة‪ .‬كنت أريدك الجمل‪ ،‬أريدك‬ ‫الروع‪.‬‬ ‫كنت أريد لك وجهاً آخر‪ ،‬ليس وجهي تمامًا‪ ،‬وقلباً آخر‪ ،‬ليس قلبي‪ ،‬وبصمات‬ ‫أخرى‪ ،‬ل علقة لها بما تركه الزمن على جسدي وروحي من بصمات زرقاء‪.‬‬ ‫يومها عرضت عليك بعد شيء من الترّبدبد‪ ،‬أن تزوري ذات يوم مرسمي‪،‬‬ ‫لريك ما رسمته في اليام الخيرة‪.‬‬ ‫وكنت سعيداً أن تقبلي عرضي بدون تربدبد أو خوف‪ .‬فقد كنت أحرص على أل‬ ‫ن بي‪ .‬وكنت قررت أن ألغي ذلك العرض نهائياً إذا ما ضايقك‪.‬‬ ‫تسيئي الظ ّ‬ ‫ولكنك فاجأتني وأنت تصيحين بفرح طفلة ُعرض عليها زيارة مدينة لللعاب‪:‬‬ ‫ أو‪ ...‬رائع يسعدني حقاً أن أزوره!‬‫في اليوم التالي‪ ،‬طلبتني هاتفياً لتخبريني أن عندك ساعتين وقت الظهر‪،‬‬ ‫يمكنك أن تزوريني خللهما‪.‬‬ ‫وضعت السماعة‪ ..‬ورحت أحلم‪ ،‬أسبق الساعات‪ ،‬وأسبق الزمن‪.‬‬


‫أنت في بيتي‪ ..‬أحقاً سيحدث هذا؟‬ ‫أحقاً ستدّقين جرس هذا الباب‪ ،‬ستجلسين على هذه الريكة‪ ،‬ستمشين‬ ‫هنا أمامي‪.‬‬ ‫ت؟‬ ‫ت‪ ..‬أخيراً أن ِ‬ ‫أن ِ‬ ‫أخيراً سأجلس إلى جوارك‪ ،‬وليس مقابل ً لك‪ .‬أخيراً لن يلحقنا نابدل بطلباته‬ ‫وخدماته‪ .‬لن تلحقنا عيون رّوابد المقهى‪ ،‬ول عيون الغرباء من المارة‪.‬‬ ‫أخيراً يمكننا أن نتحدث‪ ،‬أن نحزن ونفرح‪ ،‬بدون أن يكون من شاهد على‬ ‫تقلباتنا النفسية‪.‬‬ ‫رحت من فرحي أشرع الباب لك مسبقًا‪ ،‬وأنا أجهل أنني أشرع قلبي‬ ‫للعواطف والزوابع‪.‬‬ ‫ي الخر‪ ،‬أن‬ ‫ي جنون كان‪ ..‬أن آتي بك إلى هنا‪ ،‬أن أفتح لك عالمي السر ّ‬ ‫أ ّ‬ ‫أحّولك إلى جزء من هذا البيت‪.‬‬ ‫هذا البيت الذي أصبح جّنتي في انتظارك‪ ،‬والذي قد يصبح جحيمي بعدك‪.‬‬ ‫ق ل يرى أبعد‬ ‫أكنت عندئٍذ أعي ك ّ‬ ‫ل هذا؟ أم كنت سعيداً وأحمق كأ ّ‬ ‫ي عاش ٍ‬ ‫من موعده القابدم؟‬ ‫تساءلت بعدها‪ ..‬إن كنت حقاً ل أريد غير إطلعك على لوحتي الخيرة‪..‬‬ ‫وعلى حديقتي السرّّية للجنون‪.‬‬ ‫تذّكرت كاترين‪ ،‬وتلك اللوحة التي رسمتها لها اعتذارا لنني ذات يوم‪ ،‬كنت‬ ‫عاجزاً عن أن أرسم شيئاً آخر غير وجهها‪ ،‬بينما كان الخرون يتسابقون في‬ ‫رسم جسدها العاري‪ ،‬المعروض للوحي في قاعة للفنون الجميلة‪.‬‬ ‫تذّكرت يوم عرضت عليها أن تزورني لريها تلك اللوحة‪..‬‬ ‫لم أتوقع أن تكون تلك اللوحة البريئة‪ ،‬سبباً بعد ذلك في علقة غير بريئة‬ ‫بدامت سنين‪.‬‬ ‫أليس في بدعوتي لك لزيارة مرسمي‪ ،‬شيء من قّلة التعّقل‪ ،‬ورغبة سرية‬ ‫لستدراج الظروف لشياء أخرى؟‬ ‫تراني كنت أفعل ذلك‪ ،‬وأنا أستعيد جملة كاترين‪ ،‬وهي تستسلم لي في‬ ‫ذلك المرسم‪ ،‬وسط فوضى اللوحات المرسومة‪ ،‬واللوحات البيضاء المّتكئة‬ ‫على الجدران‪ ،‬وتقول لي بإشارة متعمدة‪:‬‬


‫ هذا مكان يغري بالحب‪..‬‬‫فأجبتها بشيء من الواقعية‪:‬‬ ‫ لم أكن أعرف هذا قبل اليوم‪..‬‬‫فهل كان مرسمي يغري بالحب؟ أم أن في كل مكان للخلق جاذبية ما‬ ‫تغري بالجنون؟‬ ‫ولكن‪ ،‬ورغم هذا كنت أبدري أنك لم تكوني كاترين‪ ..‬ولن تكونيها‪ .‬فبيننا من‬ ‫ي جنون‪..‬‬ ‫الحواجز ما لن يحطمه أ ّ‬ ‫ت سنوات على تلك الزيارة‪ ،‬أستعيد ذلك اليوم‪ ،‬وكأنني‬ ‫اليوم‪ ،‬بعد س ّ‬ ‫أعيشه مرة أخرى‪ ،‬بكل هّزاته النفسية المتقلبة‪.‬‬ ‫ها أنت تدخلين في فستان أبيض )لماذا أبيض؟(‪ ،‬يسبقك عطرك إلى‬ ‫الطابق العاشر‪ .‬يسبقك القلب إلى المصعد ويهرول أمامك‪.‬‬ ‫ها أنا أكابد أضع قبلة على خدك‪ ..‬وإذا بي أصافحك )لماذا أصافحك؟(‪.‬‬ ‫أسألك هل وجدت البيت بسهولة فتأتي الكلمات بالفرنسية )لماذا أيضاً‬ ‫بالفرنسية؟( تراني كنت أبحث عن حرّّية أو جرأة أكثر‪ ،‬بداخل تلك اللغة‬ ‫الغريبة عن تقاليدي وحواجزي النفسية؟‬ ‫ت‪.‬‬ ‫على تلك الريكة جلس ِ‬ ‫قلت وأنت تلقين نظرة عامة على غرفة الجلوس‪:‬‬ ‫ لم أكن أتصور بيتك هكذا‪ .‬إنه رائع ومؤثث بكثير من الذوق!‬‫سألتك‪:‬‬ ‫ كيف كنت تتصورينه إذن؟‬‫أجبتني‪:‬‬ ‫ بفوضى‪ ..‬وبأشياء أكثر‪.‬‬‫قلت لك ضاحكًا‪:‬‬ ‫‪ -‬لست في حاجة إلى أن أسكن شقة مغّبرة‪ ،‬بأشياء كثيرة مبعثرة لكون‬


‫سامين‪ .‬أنا مسكون بالفوضى‪ ،‬ولكنني‬ ‫فّنانًا‪ .‬إنها فكرة أخرى خاطئة عن الر ّ‬ ‫ل أسكنها بالضرورة‪ .‬إنها طريقتي الوحيدة‪ ،‬في وضع شيء من الترتيب‬ ‫بداخلي‪.‬‬ ‫لقد اخترت هذه الشقة الشاهقة‪ ،‬لن الضوء يؤثثها وهو كل ما يلزم‬ ‫للرسام‪ ،‬فاللوحة مساحة ل تؤثث بالفوضى وإنما بالضوء ولعبة الظل‬ ‫واللوان‪.‬‬ ‫فتحت نافذتي الزجاجية الكبيرة‪ ،‬وبدعوتك للخروج إلى الشرفة‪.‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ انظري هذه النافذة‪ ،‬إنها الجسر الذي يربطني بهذه المدينة‪ .‬من هنا‪ ،‬من‬‫شرفتي أتعامل مع سماء باريس المتقّلبة‪.‬‬ ‫كل صباح تقدم لي باريس نشرتها النفسية‪ ،‬فأجلس هنا في الشرفة‬ ‫لتفرج عليها وهي تنقلب من طور إلى آخر‪.‬‬ ‫يحدث كثيراً أن أرسم أمام هذه النافذة‪ ،‬ويحدث أن أجلس في الخارج‬ ‫لتفرج على نهر السين‪ ،‬وهو يتحول إلى إناء يطفح بدموع مدينة تحترف‬ ‫البكاء‪.‬‬ ‫يحلو لي الجلوس هنا على حاّفة المطر قريباً ومحمياً منه في آن واحد‪.‬‬ ‫منظر المطر يستدرجني لحاسيس متطرفة‪.‬‬ ‫" إن النسان ليشعر أنه في عنفوان الشباب عند نزول المطر"‬ ‫عندئٍذ‪ ،‬نظرت إلى السماء وكأنك تصلين لتمطر‪ ،‬وقلت بالعربية‪:‬‬ ‫ إن المطر يغريني بالكتابة‪ ..‬وأنت؟‬‫وكنت على وشك أن أجيبك " وأنا يغريني بالحب"‪.‬‬ ‫نظرت طويل ً إلى السماء‪ .‬كانت صافية زرقاء كسماء حزيران‪.‬‬ ‫كان زرقتها تضايقني فجأة‪ ،‬ربما لنني تعوبدت أن أراها رمابدية‪.‬‬ ‫وربما لنني تمنيت في سّري‪ ،‬لو أمطرت لحظتها؛ لو تواطأت معي ورمتك‬ ‫إلى صدري عصفورة مبللة‪.‬‬ ‫ولم أقل لك شيئاً من كل هذا‪.‬‬


‫نقلت نظرتي من السماء إلى عينيك‪.‬‬ ‫كنت أراهما لول مرة في الضوء‪ .‬شعرت أنني أتعرف عليهما‪.‬‬ ‫ارتبكت أمامهما كأول مرة‪ .‬كانتا أفتح من العابدة‪ ،‬وربما أجمل من العابدة‪.‬‬ ‫كان فيهما شيء من العمق والسكون في آن واحد‪ .‬شيء من البراءة‪،‬‬ ‫والمؤامرة العشقية‪..‬‬ ‫تراني أطلت النظر إليك؟ سألتني بطريقة من يعرف الجواب مسبقًا‪:‬‬ ‫ي هكذا؟‬ ‫ لماذا تنظر إل ّ‬‫كان صوتك بالعربية يأتي كموسيقى عزف منفربد‪.‬‬ ‫وجدت الجواب في قصيدة‪ ،‬حفظت مطلعها ذات يوم‪:‬‬ ‫عيناك غابتا نخيل ساعة السحر‬ ‫أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر‬ ‫سألتني مدهوشة‪:‬‬ ‫ أتعرف شعر السياب أيضًا؟‪ .‬عجيب!‬‫قلت في جواب مزبدوج‪:‬‬ ‫ أعرف "أنشوبدة المطر"‪.‬‬‫عرت أنك ربما أحببتني أكثر تلك اللحظة بالذات‪ ،‬وكأنني أصبحت في نظرك‬ ‫السّياب أيضًا‪.‬‬ ‫وككل مرة أفاجئك فيها ببيت شعر‪ ،‬أو بمقولة ما باللغة العربية‪ ،‬سألتني‪:‬‬ ‫ متى قرأت هذا؟‬‫أجبتك هذه المرة‪:‬‬ ‫د بالوراق‬ ‫ أنا لم أفعل شيئاً عزيزتي سوى القراءة‪ .‬ثروة الخرين تع ّ‬‫ل ما وقعت‬ ‫النقدية‪ ،‬وثروتي بعناوين الكتب‪ .‬أنا رجل ثري كما ترين‪ ..‬قرأت ك ّ‬ ‫عليه يدي‪ ..‬تماماً كما نهبوا كل ما وقعت عليه يدهم!‪.‬‬ ‫بعدها قلت وأنت تحدقين في ذلك الجسر الحجري الرمابدي‪ ،‬الذي يجري‬


‫تحته نهر السين بزرقة صيفية استثنائية‪:‬‬ ‫ل شرفتك على نهر السين‪ ،‬ما‬ ‫ أنت محظوظ بهذا المنظر‪ ،‬جميل أن تط ّ‬‫اسم هذا الجسر؟‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ إنه جسر ميرابو‪ .‬اكتشفت أخيراً أن " أبولينير" قد خّلد هذا الجسر في‬‫قصائده‪ ،‬عثرت على بعضها منذ أيام في بديوان له‪ .‬يبدو أنه كان مولعاً به‪.‬‬ ‫إن الشعراء مثل الرسامين لهم عابدة ل تقاوم في تخليد كل مكان سكنوه‬ ‫أو عبروه بحب‪ .‬بعضهم خّلد ضيعة مجهولة‪ ،‬وآخر مقهى كتب فيه يومًا‪،‬‬ ‫وثالث مدينة عبرها مصابدفة‪ ،‬وإذا به يقع في حبها إلى البد‪.‬‬ ‫سألتني‪:‬‬ ‫ وهل رسمت أنت هذا الجسر؟‬‫ أجبتك متنهدًا‪:‬‬‫ ل‪ ..‬لننا ل نرسم بالضرورة ما نرى‪ ..‬وإنما ما رأيناه يوماً ونخاف أل نراه بعد‬‫ذلك أبدًا‪ .‬وهكذا قضى )بدولكروا( عمره في رسم مدن مغربية لم يسكنها‬ ‫سوى أيام‪ ،‬وقضى )أطلن( عمره في رسم مدينة واحدة‪ ..‬هي قسنطينة‪.‬‬ ‫لم أكن أعي هذه الحقيقة قبل أن أقف منذ شهرين في هذه الغرفة مقابل ً‬ ‫لهذه النافذة‪ ،‬لرسم بشيء من التوتر الستثنائي لوحتي الخيرة‪.‬‬ ‫كانت عيناي تريان جسر ميرابو ونهر السين‪ .‬ويدي ترسم جسراً آخر ووابدياً‬ ‫آخر لمدينة أخرى‪.‬‬ ‫وعندما انتهيت‪ ،‬كنت رسمت قنطرة سيدي راشد ووابدي الرمال‪ ..‬ل غير‪.‬‬ ‫وأبدركت أننا في النهاية ل نرسم ما نسكنه‪ ..‬وإنما ما يسكننا‪.‬‬ ‫سألتني بلهفة‪:‬‬ ‫ هل يمكن أن أرى هذه اللوحة؟‬‫قلت وأنا أقوبدك إلى مرسمي‪:‬‬ ‫ طبعًا‪.‬‬‫وقفت أمام تلك الغرفة الشاسعة الملى باللوحات‪ .‬رحت تنظرين إلى‬ ‫الجدران‪ ،‬وإلى ما اتكأ من اللوحات أرضاً بدهشة طفل في مدينة سحرية‪.‬‬ ‫ثم قلت بالنبهار نفسه‪:‬‬


‫ل هذا‪ ..‬أتدري؟ لم يحدث أن زرت مرسماً قبل اليوم‪..‬‬ ‫ كم هو رائع ك ّ‬‫كنت أوبدّ أن أقول لك " ولم يحدث أن زارته امرأة قبلك‪ ،‬قبل اليوم"‪.‬‬ ‫ولكن لوحة كاترين المستندة على الجدار ذّكرتني بمرور امرأة أخرى من‬ ‫ت فجأة‪:‬‬ ‫هنا‪ .‬ذهب فكري عندها بعض الوقت عندما قل ِ‬ ‫دثتني عنها؟‬ ‫ وأين هي اللوحة التي ح ّ‬‫أخذتك إلى الطرف الخر للقاعة‪ ،‬كانت اللوحة ما تزال منتصبة على‬ ‫خشبات الرسم‪ ،‬وكأنها تلغي بوضعها المميز ذاك‪ ،‬كل اللوحات الخرى‬ ‫المبعثرة حولها‪.‬‬ ‫ي رسام ولوحته الخيرة‪ .‬هنالك تواطؤ‬ ‫هنالك علقة عشقية ما بين أ ّ‬ ‫عاطفي صامت‪ ،‬لن يكسره سوى بدخول لوحة عذرا أخرى إلى بدائرة الضوء‪.‬‬ ‫فالرسام مثل الكاتب ل يعرف كيف يقاوم النداء الموجع لّلون البيض‪،‬‬ ‫واستدراجه إياه للجنون البداعي كلما وقف أمام مساحة بيضاء‪.‬‬ ‫كيف إذن‪ ،‬ما زلت أقاوم منذ شهرين تحدي اللون البيض وإغراء كل اللوحات‬ ‫التي أشهرت في وجهي بياضها؟‬ ‫ضلت أن أبقيها هكذا‬ ‫ولماذا‪ ،‬رفضت أن أرسم شيئاً بعد لوحتي هذه‪ ،‬وف ّ‬ ‫على الخشبات نفسها‪ ،‬لشهد لها أنها كانت سيدتي‪ ،‬وسيدة كل ما‬ ‫حولي من لوحات‪ ،‬وكأنني أرفض أن أحيلها إلى ركن أو جدار كما تحال‬ ‫عشيقة عابرة‪.‬‬ ‫أيمكن ذلك‪ ..‬وهي التي أعطتني من النشوة‪ ،‬ما لم تعطنيه حتى النساء؟‬ ‫ربما‪ ..‬لنه لم يحدث قبلها أن مارست الحب رسمًا‪ ..‬مع الوطن!‬ ‫قلت وأنت تتأملينها‪:‬‬ ‫ إنها مشابهة للوحتك الولى "حنين" ولكنها تختلف عنها‪ ،‬في الكثير من‬‫التفاصيل‪ ..‬وخاصة في اللوان الترابية الخام التي استعملتها‪ ،‬إنها تعطيها‬ ‫نضجًا‪ ..‬وحياة أكثر‪.‬‬ ‫قلت وأنا أنقل نظري منها إليك‪:‬‬ ‫ت‪.‬‬ ‫‪ -‬لقد بعثت فيها الحياة‪ ..‬إنها أن ِ‬


‫ أنا؟‬‫ أتذكرين يوم قلت لك على الهاتف‪ ،‬لقد سهرت البارحة حتى ساعة‬‫متأخرة من الليل لرسمك‪ .‬اّتهمتني يومها بالجنون وخفت أن أكون قد‬ ‫فضحت ملمحك‪ .‬ل تخافي‪ ،‬لن أرسمك أبداً ولن يعرف أحد أنك عبرت‬ ‫حياتي ذات يوم‪ .‬إن للفرشاة شهامة أيضًا‪.‬‬ ‫وأضفت‪:‬‬ ‫أنت مدينة‪ ..‬ولست امرأة‪ ،‬وكلما رسمت قسنطينة رسمتك أنت‪ ،‬ووحدك‬ ‫ستعرفين هذا‪..‬‬ ‫قلت فجأة وأنت تشيرين بنظرة من عينيك إلى لوحة كاترين‪:‬‬ ‫ وهي؟‬‫كان في سؤالك شيء من عنابد الطفال وأنانيتهم‪ ،‬وشيء من عنابد النساء‬ ‫ن‪.‬‬ ‫وغيرته ّ‬ ‫قلت وأنا أرفع تلك اللوحة من الرض‪:‬‬ ‫ هل تزعجك هذه اللوحة حقًا؟‪.‬‬‫أجبت بشيء من الكذب الواضح‪:‬‬ ‫ ل‪..‬‬‫واصلت وأنا أشعر أنني قابدر في تلك اللحظة على أن أرتكب أي جنون‪:‬‬ ‫ إذا شئت سأتلفها أمامك‪..‬‬‫صحت‪:‬‬ ‫ ل‪ ،‬أأنت مجنون!‬‫قلت بهدوء‪:‬‬ ‫ لست مجنونًا‪ ..‬وهذه اللوحة ل تعني شيئاً بالنسبة لي‪ .‬إنها امرأة عابرة‪،‬‬‫في مدينة عابرة‪.‬‬ ‫ت بابتسامة مربكة وأنت تتأملينها‪:‬‬ ‫قل ِ‬


‫ إنها مدينتك الخرى‪ ..‬أليس كذلك؟‬‫من أين جئت بتلك الرصاصة الخيرة‪ ،‬لتطلقيها على تلك اللوحة؟‬ ‫اعترفت لك بتلميح واضح‪:‬‬ ‫ ل‪ ..‬ليست مدينتي‪ ،‬إنها وسابدتي الخرى‪ ..‬أو إذا شئت سريري الخر‬‫فقط!‬ ‫شعرت أن شيئاً من الحمرة قد عل وجنتيك‪ ،‬وأن عواطف وأحاسيس‬ ‫متناقضة قد عبرتك‪ ،‬وتركت آثارها على ملمحك التي تغّيرت في لحظات‪.‬‬ ‫ثم تمتمت بهدوء وكأنك تتحدثين إلى نفسك‪:‬‬ ‫‪ ...‬ل يهم!‬‫قلت لك وأنا أمسكك من ذراعك‪:‬‬ ‫ ل تغاري من هذه اللوحة‪ .‬هنالك امرأة واحدة تستحق أن تغاري منها في‬‫هذا البيت‪ ،‬هي هذه‪..‬‬ ‫مة تمثال ينتصب على الرض في‬ ‫نظرت نحو المكان الذي أشرت إليه‪ .‬كان ث ّ‬ ‫حجم امرأة‪.‬‬ ‫جب‪:‬‬ ‫قلت بتع ّ‬ ‫ هذه‪ ..‬لماذا هذه؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫ لنها المرأة الوحيدة التي ارتحت لها حتى الن‪ ،‬والتي قاسمتني معظم‬‫سنوات غربتي‪ .‬كنت في السابق أملك منها نسخة مصغرة‪ .‬وقررت منذ‬ ‫سنتين أن أهدي نفسي تمثالها في حجمه الكبر‪.‬‬ ‫كانت تلك إحدى نوبات جنوني‪ .‬ولكنني لم أندم على اقتنائها‪ ،‬إنها‬ ‫تشبهني كثيرًا‪ .‬أنا بذراع واحدة وهي بل ذراعين‪ .‬لقد فقدنا أطرافنا في‬ ‫أزمنة مختلفة‪ ،‬لسباب مختلفة‪ .‬ولكننا صامدان معًا‪ ،‬لن تمنعنا عاهتنا من‬ ‫الخلوبد‪.‬‬ ‫لم تعّلقي على كلمي‪.‬‬


‫يبدو أنك لم تصدقي ذلك‪ .‬أن يعيش رجل مع تمثال لمرأة‪ ،‬ضرب من الجنون‬ ‫سامًا‪ ،‬وكانت المرأة فينوس ل غير!‬ ‫أليس كذلك؟ حتى لو كان الرجل ر ّ‬ ‫المشكلة معك‪ ..‬أنك كنت مأخوذة بالعبقرية التي تلمس الجنون‪ .‬ولكنك‬ ‫كنت أعقل من أن تكشفيها‪ .‬ولذا كلما أربدت أن أعطيك بدليل ً على جنوني‪،‬‬ ‫لم تكوني تصدقيني تمامًا‪.‬‬ ‫ت فقط بحماقة أنثى‪ ،‬تسترقين النظر إلى لوحة كاترين‪ ،‬وكأنها وحدها‬ ‫رح ِ‬ ‫تعنيك‪ .‬ورحت أنا أحاول فهمك‪.‬‬ ‫ما الذي كان يزعجك في تلك اللوحة؟ هل وجوبدها في تلك اللحظة بيننا‬ ‫بحضورها الصامت الذي يذّكرك بمرور امرأة أخرى في حياتي؟ أم شقرة تلك‬ ‫المرأة‪ ،‬والغراء الستفزازي لشفتيها وعينيها المختفيتين خلف خصلت‬ ‫شعر فوضوي؟‬ ‫أكنت تغارين من اللوحة أم من صاحبتها؟ وكيف يكون من حقك أن تعاتبيني‬ ‫على لوحة واحدة رسمتها لمرأة‪ ،‬بدون أن يكون لي الحق في أن أحاسبك‬ ‫ذبتني به صدقاً أم‬ ‫على كل ما كتبته قبلي‪ ،‬وعلى ذلك الرجل الذي ع ّ‬ ‫كذبًا؟‬ ‫عابدت عيناك إلى اللوحة الخيرة‪ .‬تأملتها قليل ً ثم قلت‪:‬‬ ‫ إذن هذه‪ ..‬أنا!‬‫قلت‪:‬‬ ‫ ربما لم تكوني أنت‪ ،‬ولكن هكذا أراك‪ ،‬فيك شيء من تعاريج هذه‬‫المدينة؛ من استدارة جسورها‪ ،‬من شموخها‪ ،‬من مخاطرها‪ ،‬من مغارات‬ ‫ي الذي يشطر جسدها‪ ،‬من أنوثتها وإغرائها‬ ‫وبديانها‪ ،‬من هذا النهر الزبد ّ‬ ‫السري وبدوارها‪.‬‬ ‫قاطعتني مبتسمة‪:‬‬ ‫ أنت تحلم‪ ..‬كيف يمكن لك أن تجد قرابة بيني وبين هذا الجسر؟‬‫كيف خطرت فكرة كهذه بذهنك؟! أتدري أنني ل أحب سوى الجسور‬ ‫الخشبية الصغيرة تلك التي نراها في بطاقات نهاية السنة‪ ،‬مرشوشة‬ ‫بالثلج والفضة‪ ،‬تعبرها العربات الخرافية‪ .‬وأما جسور قسنطينة الجديدة‬ ‫المعّلقة في الفضاء‪ ،‬فهي جسور مخيفة‪ ..‬حزينة‪ .‬ل أكر أنني عبرتها مرة‬ ‫واحدة راجلة‪ ،‬أو حاولت مرة واحدة النظر منها إلى أسفل‪ ..‬إل شعرت‬ ‫بالفزع والدوار‪.‬‬ ‫قلت‪:‬‬


‫ ولكن الدوار هو العشق؛ هو الوقوف على حافة السقوط الذي ل يقاوم؛‬‫هو التفرج على العالم من نقطة شاهقة للخوف؛ هو شحنة من النفعالت‬ ‫والحاسيس المتناقضة‪ ،‬التي تجذبك للسفل والعلى في وقت واحد‪ ،‬لن‬ ‫السقوط بدائماً أسهل من الوقوف على قدمين خائفتين! أن أرسم لك‬ ‫جسراً شامخاً كهذا‪ ،‬يعني أن أعترف لك أنك بدواري‪ .‬إنه ما لم يقله لك‬ ‫ل قبلي‪.‬‬ ‫رج ٌ‬ ‫أنا ل أفهم أن تحّبي قسنطينة وتكرهي الجسور؛ وتبحثي عن البداع‪،‬‬ ‫وأنت تخافين الداور‪ .‬لول الجسور لما كانت هذه المدينة‪ .‬ولول شهقة‬ ‫ب أحد‪ ..‬أو أبدع‪.‬‬ ‫الدوار‪ ،‬لما أح ّ‬ ‫ي‪ ،‬وكأنك تكتشفين شيئاً لم تنتبهي له من قبل برغم‬ ‫كنت تستمعين إل ّ‬ ‫بساطته‪.‬‬ ‫غير أنك قلت‪:‬‬ ‫ ربما كنت في النهاية على حق‪ ،‬ولكنني كنت أفضل لو رسمتني أنا‬‫وليس هذا الجسر‪ .‬إن أي امرأة تتعرف على رسام‪ ،‬تحلم في سّرها أن‬ ‫ي رجل‬ ‫يخّلدها‪ ،‬أن يرسمها هي‪ ..‬ل أن يرسم مدينتها؛ تماماً كما أ ّ‬ ‫نأ ّ‬ ‫يتعرف على كاتبة‪ ،‬يتمنى أن تكتب عنه شيئًا‪ ،‬وليس عن شيء آخر له‬ ‫علقة به‪ .‬إنها النرجسية‪ ..‬أو الغرور أو أشياء أخرى ل تفسير لها‪.‬‬ ‫فاجأني اعترافك‪ .‬شعرت بشيء من الخيبة‪.‬‬ ‫ق أنه ليس بينك وبين هذا الجسر‬ ‫هل رسمت نسخة مزّورة عنك إذن؟ أح ّ‬ ‫من قرابة؟ أكانت هذه اللوحة نسخة طبق الصل عن ذاكرتي‪ ..‬وأن حلمك‬ ‫في النهاية‪ ،‬أن تصبحي نسخة أخرى عن كاترين ل غير‪ ،‬أن تتحولي إلى‬ ‫لوحة عابدية‪ ،‬مفضوحة المزاج‪ ،‬ووجه بكثير من المساحيق‪ ،‬يشبه وجهه؟‬ ‫ف من هذه العقدة؟‬ ‫ش َ‬ ‫ترانا لم نَ ْ‬ ‫قلت لك بشيء من اليأس‪:‬‬ ‫ إذا كان هذا ما تريدين‪ ..‬سأرسمك‪.‬‬‫أجبتني بصوت فيه خجل ما‪:‬‬ ‫ أعترف أنني منذ البداية‪ ،‬كنت أحلم أن ترسمني أنا‪ ..‬وأن أحتفظ بهذه‬‫اللوحة عندي كذكرى‪ ،‬شرط أل تضع عليها توقيك إذا أمكن‪..‬‬ ‫شعرت برغبة في الضحك‪ ،‬أو على الرجح برغبة في الحزن‪ ،‬وأنا أكتشف‬


‫ذلك المنطق العجيب للشياء‪.‬‬ ‫كان من حقي إذن أن أوقع الرموز واللوحات التي ليس بينها وبينك من‬ ‫شبه‪ .‬وأما أنت فليس في وسعي أن أضع أسفل رسمك توقيعي‪ .‬أنت‬ ‫المرأة الوحيدة التي أحببتها‪ ،‬لن يقترن اسمي بك ولو مرة واحدة‪ ،‬حتى‬ ‫في أسفل لوحة؟‬ ‫هناك إذن الذين يشترون توقيعي فقط‪ ،‬وليس لوحاتي‪ .‬وهناك أنت التي‬ ‫تريدين لوحتي بدون توقيع‪.‬‬ ‫وهنالك أنا‪ ..‬المجنون العنيد الذي يرفض هذا المنطق الجديد للشياء‪،‬‬ ‫ب أن يحولك إلى لوحة لقيطة‪ ،‬ل نسب لها ول صاحب‪.‬‬ ‫ويرفض باسم الح ّ‬ ‫يمكن أن تتبّناها أية ريشة وأي رسام‪.‬‬ ‫حّيرك صمتي‪ ..‬قلت شبه معتذرة‪:‬‬ ‫ هل يزعجك أن ترسمني؟‬‫قلت ساخرًا‪:‬‬ ‫ ل‪ ..‬كنت أكتشف فقط مرة أخرى‪ ،‬أنك نسخة طبق الصل عن وطن ما‪،‬‬‫وطن رسمت ملمحه ذات يوم‪ .‬ولكن آخرين وضعوا إمضائهم أسفل‬ ‫انتصاراتي‪ .‬هنالك إمضاءات جاهزة بدائماً لمثل هذه المناسبات‪ .‬فمن الزل‪،‬‬ ‫كان هنالك بدائماً من يكتب التاريخ‪ ،‬وهنالك من يوّقعه‪ ،‬ولذا أنا أكره اللوحات‬ ‫الجاهزة للتزوير‪.‬‬ ‫تراك فهمت كل ما قلته لك لحظتها؟‬ ‫مك في النهاية‪،‬‬ ‫ل ما يه ّ‬ ‫ك فجأة في وعيك السياسي‪ .‬لقد كان ك ّ‬ ‫بدأت أش ّ‬ ‫هو موضوع لوحتك ل غير‪.‬‬ ‫قلت وأنت تغابدرين المرسم‪:‬‬ ‫ أتدري أننا لن نلتقي لمدة شهرين؟ سأسافر السبوع القابدم إلى‬‫الجزائر‪..‬‬ ‫صحت وأنا أستوقفك في الممر‪:‬‬ ‫ق ما تقولين؟‬ ‫ أح ٌ‬‫قلت‪:‬‬


‫د أن‬ ‫ طبعاً أنا أقضي بدائماً عطلتي الصيفية مع والدتي في الجزائر‪ .‬ول ب ّ‬‫أعوبد السبوع القابدم مع عمي وعائلته‪ ..‬لن يبقى أحد هنا في باريس‪.‬‬ ‫وقفت مذهول ً وسط الممشى‪ .‬أمسكت بذراعك وكأنني أمنعك من‬ ‫الرحيل‪ ،‬وسألتك بحزن‪:‬‬ ‫ وأنا‪..‬؟‬‫ذب بعض الشيء‪ ..‬إنه فراقنا‬ ‫ أنت‪ ..‬سأشتاق إليك كثيرًا‪ .‬أعتقد أننا سنتع ّ‬‫الول‪ .‬ولكن سنحتال على الوقت ليمرّ بسرعة‪.‬‬ ‫ت بلهجة من يريد أن يحل مشكلة‪ ،‬أو ينتهي منها بسرعة‪:‬‬ ‫ثم أضف ِ‬ ‫ ل تحزن‪ ..‬يمكنك أن تكتب لي أو تطلبني هاتفيًا‪ ..‬سنبقى على اتصال‪.‬‬‫كنت على حافة البكاء‪.‬‬ ‫كطفل أخبرته أمه أنها ستسافر بدونه‪ .‬وكنت أنت تزّفين لي ذلك الخبر‪،‬‬ ‫بشي من السابدية التي أبدهشتني‪ .‬وكأن عذابي يغريك بشيء ما‪.‬‬ ‫هل أمسك بأطراف ثوبك كطفل وأجهش بالبكاء؟‬ ‫هل أتحدث إليك ساعات‪ ،‬لقنعك أنني لن أقدر بعد اليوم على العيش‬ ‫بدونك‪ ،‬وأن الزمن بعدك ل يقاس بالساعات ول باليام‪ ،‬وأنني أبدمنتك؟‬ ‫كيف أقنعك أنني أصبحت عبداً لصوتك عندما يأتي على الهاتف؟ عبداً‬ ‫ي في كل‬ ‫ي‪ ،‬لتناقضك التلقائ ّ‬ ‫لضحكتك‪ ،‬لطلتك‪ ،‬لحضورك النثوي الشه ّ‬ ‫شي وفي كل لحظة‪ .‬عبٌد لمدينة أصبحت أنت‪ ،‬لذاكرة أصبحت أنت‪ ،‬لكل‬ ‫شي لمسته أو عبرته يومًا‪.‬‬ ‫ي فجأة‪ ،‬وأنا واقف هكذا في ذلك الممر أتأملك بذهول‬ ‫كان الحزن يهجم عل ّ‬ ‫من ل يصدق‪.‬‬ ‫وكنت قريبة مني حد اللتصاق‪ ،‬كما لم يحدث أن كنته يومًا‪ .‬بحثت في‬ ‫ملمحك عن شيء يفضح لي في تلك اللحظة عواطفك؛ لكنني لم أفهم‬ ‫شيئًا‪.‬‬ ‫ل عقلي‪ ،‬هو الذي جعلني‬ ‫أتراه عطرك الذي كان يخترق حواسي ويش ّ‬ ‫مق في البحث؟ كنت أعي فقط أنك بعد لحظات ستكونين‬ ‫عندئٍذ ل أتع ّ‬ ‫بعيدة‪ ،‬بقدر ما كنت ساعتها قريبة‪.‬‬ ‫رفعت وجهك نحوي‪.‬‬


‫كنت أريد أن أقول لك شيئاً لم أعد أذكره‪ .‬ولكن قبل أن أقول أّية كلمة‪،‬‬ ‫كانت شفتاي قد سبقتاني وراحتا تلتهمان شفتيك في قبلة محمومة‬ ‫مفاجئة‪ .‬وكانت ذراعي الوحيدة تحيط بك كحزام‪ ،‬وتحولك في ضمة واحدة‬ ‫إلى قطعة مني‪.‬‬ ‫انتفضت قليل ً بين يدي كسمكة خرجت لتّوها من البحر‪ ،‬ثم استسلمت‬ ‫ي‪.‬‬ ‫إل ّ‬ ‫كان شعرك الطويل الحالك‪ ،‬ينفرط فجأة على كتفيك شال ً غجرياً أسوبد‪،‬‬ ‫ويوقظ رغبة قديمة لمساكك منه‪ ،‬بشراسة العشق الممنوع‪ .‬بينما راحت‬ ‫شفتاي تبحثان عن طريقة تتركان بها توقيعي على شفتيك المرسومتين‬ ‫مسبقاً للحب‪.‬‬ ‫د أن يحدث هذا‪..‬‬ ‫كان ل ب ّ‬ ‫أنت التي تضعين الظلل على عينيك‪ ،‬والحمى على شفتيك بدل أحمر‬ ‫الشفاه‪ ،‬أكان يمكن أن أصمد طويل ً في وجه أنوثتك؟ ها هي سنواتي‬ ‫ي‪ ،‬وها أنا أذوب أخيراً‬ ‫مى تنتقل إل ّ‬ ‫الخمسون تلتهم شفتيك‪ ،‬وها هي الح ّ‬ ‫في قبلة قسنطينية المذاق‪ ،‬جزائرية الرتباك‪.‬‬ ‫ل أجمل من حرائقك‪ ..‬باربدٌة ُقبل الغربة لو تدرين‪ .‬باربدٌة تلك الشفاه الكثيرة‬ ‫الحمرة والقليلة الدفء‪ .‬بارٌبد ذلك السرير الذي ل ذاكرة له‪.‬‬ ‫بدعيني أتزوبد منك لسنوات الصقيع‪ .‬بدعيني أخّبئ رأسي في عنقك‪.‬‬ ‫أختبئ طفل ً حزيناً في حضنك‪.‬‬ ‫بدعيني أسرق من العمر الهارب لحظة واحدة‪ ،‬وأحلم أن كل هذه‬ ‫المساحات المحرقة‪ ..‬لي‪.‬‬ ‫فاحرقيني عشقًا‪ ،‬قسنطينة!‬ ‫شهّيتين شفتاك كانتا‪ ،‬كحّبات توت نضجت على مهل‪ .‬عبقاً جسدك كان‪،‬‬ ‫كشجرة ياسمين تفتحت على عجل‪.‬‬ ‫جائع أنا إليك‪ ..‬عمر من الظمأ والنتظار‪ .‬عمر من العقد والحواجز‬ ‫والتناقضات‪ .‬عمر من الرغبة ومن الخجل‪ ،‬من القيم الموروثة‪ ،‬ومن الرغبات‬ ‫المكبوتة‪ .‬عمر من الرتباك والنفاق‪.‬‬ ‫على شفتيك رحت ألملم شتات عمري‪.‬‬ ‫ل أضدابدي وتناقضاتي‪ .‬واستيقظ الرجل الذي‬ ‫في قبلة منك اجتمعت ك ّ‬ ‫قتلته طويل ً مراعاة لرجل آخر‪ ،‬كان يوماً رفيق أبيك‪.‬‬ ‫ل كابد يكون أباك‪.‬‬ ‫رج ٌ‬ ‫ت وم ّ‬ ‫ت واحد‪ .‬قتلت رجل ً وأحييت آخر‪.‬‬ ‫ت في وق ٍ‬ ‫على شفتيك ُولد ُ‬ ‫هل توّقف الزمن لحظتها؟‬ ‫هل سّوى أخيراً بين عمرينا‪ ،‬هل ألغى ذاكرتنا بعض الوقت؟‬ ‫ل أبدري‪..‬‬


‫ل الذي كنت أبدريه‪ ،‬أنك كنت لي‪ ،‬وأنني كنت أريد أن أصرخ لحظتها كما‬ ‫ك ّ‬ ‫في إحدى صرخات "غوته" على لسان فاوست "قف أيها الزمن‪ ..‬ما‬ ‫أجملك!"‪.‬‬ ‫ي كالعابدة‪ .‬وكنت‬ ‫ولكن الزمن لم يتوقف‪ .‬كان يتربص بي كالعابدة‪ .‬يتآمر عل ّ‬ ‫بعد لحظات تتأملين ساعتك في محاولة لخفاء ارتباكك‪ ،‬وتذكيري بضرورة‬ ‫عوبدتك إلى الجامعة‪.‬‬ ‫عرضت عليك فنجان قهوة في محاولة أخيرة لستبقاك‪.‬‬ ‫قلت وأنت أمام المرآة تضعين شيئاً من الترتيب في مظهرك‪ ،‬وتصففين‬ ‫شعرك وتعيدين جمعه‪:‬‬ ‫ أفضل شيئاً باربداً إذا أمكن‪..‬‬‫تركتك في الصالون وذهبت إلى المطبخ‪ .‬تعمدت أل أستعجل في العوبدة‪،‬‬ ‫وكأنني فجأة أخجل من آثار قبلي على شفتيك‪.‬‬ ‫وعندما عدت بعدها‪ ،‬كنت أمام المكتبة تلقين نظرة على عناوين الكتب‪،‬‬ ‫وتقّلبين بعضها‪ .‬ثم سحبت من أحد الرفوف كتاباً صغيرًا‪ ،‬سألتني وأنت‬ ‫تنظرين إلى غلفه‪:‬‬ ‫دثتني عنه؟‬ ‫ أليس هذا الديوان لصديقك الشاعر الذي ح ّ‬‫أجبتك بسعابدة وأنا أجد أخيراً في ذلك الموضوع مخرجاً لرتباكي‪:‬‬ ‫ف نفسه‪.‬‬ ‫ نعم‪ ..‬هناك بديوان آخر له أيضاً تجدينه على الر ّ‬‫قلت‪:‬‬ ‫ هل اسمه زيابد الخليل؟ لقد سمعت هذا السم قبل اليوم‪.‬‬‫ت الكتاب‪ .‬رأيتك تتأملين طويل ً صورته على ظهر الكتاب‪ .‬تقرئين بعض‬ ‫قلب ِ‬ ‫السطور‪ ..‬ثم قلت‪:‬‬ ‫ضل أن أقرأهما على مهل‬ ‫ أيمكن لي أن أستعير منك هذين الديوانين؟‪ .‬أف ّ‬‫هذا الصيف‪ ،‬فليس لي ما أطالعه‪.‬‬ ‫أجبتك بحماسة‪ ،‬أو بحماقة‪:‬‬ ‫ طبعا‪ ،‬إنها فكرة جيدة‪ ..‬أنا واثق أن هذين الديوانين سيتركان تأثيرهما‬‫على كتاباتك‪ .‬ستجدين أشياء رائعة خاصة في الديوان الخير "مشاريع‬


‫ب القابدم"‪ .‬إنه أجمل ما كتب زيابد‪.‬‬ ‫للح ّ‬ ‫رحت بسعابدة تخفين الكتابين في حقيبة يدك‪ .‬كنت وقتها في سعابدة‬ ‫ب أحّبتها‪.‬‬ ‫طفلة تعوبد إلى بيتها بلع ٍ‬ ‫طبعًا‪ ،‬لم أكن أعي في ذلك الحين‪ ،‬أنني سأكون بعد ذلك لعبتك الخرى‪،‬‬ ‫وأن هذين الكتابين سيتركان تأثيرهما أيضاً على مجرى قصتنا‪.‬‬ ‫كنت تستعيدين تدريجياً وجهك العابدي وملمحك الطبيعية‪.‬‬ ‫وكأن زوبعة حّبي لم تمرّ بك‪ .‬فهل كان ذلك تمثيل ً أم حقيقة؟‬ ‫حاولت أن أنسى خيبتي معك‪ ،‬أمام تلك اللوحة التي كانت السبب الول‬ ‫في زيارتك‪ .‬حاولت أيضاً أن أخّفف من خيبتك‪.‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ سأرسمك‪ ،‬ستكون لوحتك تسليتي في هذا الصيف‪..‬‬‫ثم أضفت بدون أية نية خاصة‪:‬‬ ‫ يجب أن تزوريني مرة أخرى لتجلسي أمامي‪ ،‬حتى أتمكن من رسمك‪ .‬أو‬‫تعطيني صورة لك أنقل عنها ملمحك‪.‬‬ ‫ت وكأن الجواب كان جاهزاً لديك‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ق أمامي مّتسع من الوقت لعوبد إليك هذه اليام‪ ،‬وليس في‬ ‫ لم يب َ‬‫حوزتي أية صورة‪ .‬يمكنك أن تستعين بصورتي الموجوبدة على ظهر كتابي‪،‬‬ ‫في انتظار أن أعوبد‪.‬‬ ‫أعترف أنني لم أفهم في ذلك الحين أيضًا‪ ،‬إذا كان في جوابك شيء من‬ ‫التلميح لي بأنك لن تعوبدي إلى هذا البيت‪ ،‬أم أنك كنت تجيبيني بتلقائية‬ ‫بريئة ل أكثر؟‬ ‫ي أن أرسمك؟‬ ‫حين عل ّ‬ ‫ألست أنت التي كنت تل ّ‬ ‫ي بها؟‬ ‫فلماذا حّولت هذه اللوحة إلى قضية شخصية أنا وحدي معن ّ‬ ‫لم أناقشك كثيرا‪ .‬كنت أبدري أنني في جميع الحالت سأرسمك‪ .‬ربما‬ ‫لنني ل أعرف كيف أرفض لك طلبًا‪ ،‬وربما لنني ل أعرف كيف سأقضي‬ ‫الصيف بدون استحضارك ولو رسمًا‪.‬‬ ‫دي‪ ،‬ووعدتني بلقاء قريب‪.‬‬ ‫ذهبت ذلك اليوم بعدما وضعت قبلتين على خ ّ‬ ‫لم يعد ممكناً بعد قبلتنا أن نتصافح‪..‬‬


‫ن شيئاً ما قد تغّير في علقتنا‪ ،‬ولم يعد ممكناً بعد اليوم لذلك‬ ‫كنت أعي أ ّ‬ ‫الماربد الذي انطلق فجأة من أعماقنا‪ ،‬أن يعوبد إلى قلب الزجاجة التي‬ ‫أغلقناها عليه لسابيع كاملة‪.‬‬ ‫كنت أعي أنني أنتقل معك في بضع لحظات من الحب إلى العشق‪ .‬من‬ ‫العاطفة البريئة إلى الشهوة‪ ،‬وأنه سيكون من الصعب‪ ،‬بعد اليوم‪ ،‬أن‬ ‫أنسى مذاق قبلتك‪ ،‬وحرارة جسدك الملتصق بي للحظات‪.‬‬ ‫كم بدامت قبلتنا تلك‪ ..‬بدقيقتين؟ ثلثًا؟ أم خمس بدقائق للجنون ل غير؟‬ ‫ل بي بعد ذلك؟‬ ‫أيمكن أن تفعل تلك الدقائق القليلة كل الذي ح ّ‬ ‫أيمكن أن تلغي خمس بدقائق‪ ،‬خمسين سنة من عمري؟‬ ‫ي خجل تجاه ذكرى سي‬ ‫ي إحساس بالندم‪ ،‬بأ ّ‬ ‫وكيف لم أشعر بعدها بأ ّ‬ ‫الطاهر؟ أنا الذي كنت أقترف يومها أول خيانة بالمفهوم الخلقي للخيانة‪.‬‬ ‫ل‪ ..‬لم يكن في قلبي سوى الحب‪.‬‬ ‫كنت ممتلئاً بالعشق‪ ،‬بالشهوة‪ ،‬بالجنون‪ .‬كنت أخيراً سعيدًا‪ .‬فلماذا أفسد‬ ‫سعابدتي بالندم‪ ،‬بالتساؤلت التي ستوصلني إلى التعاسة؟‬ ‫ل أذكر من قال " الندم هو الخطأ الثاني الذي نقترفه‪ "..‬ولم يكن في القلب‬ ‫ب‪.‬‬ ‫مساحة أخرى ولو صغيرة‪ ،‬يمكن أن يتسلل منها شيء آخر غير؟ الح ّ‬ ‫ل ذلك جنونًا‪.‬‬ ‫ألم يكن ك ّ‬ ‫د‪ ،‬وأنا أبدري أنني لم‬ ‫كيف سمحت لنفسي أن أكون سعيداً إلى ذلك الح ّ‬ ‫أمتلك منك شيئاً في النهاية‪ ،‬سوى بضع بدقائق للفرح المسروق‪ ،‬وأن‬ ‫أمامي متسعاً من العمر‪ ..‬للعذاب؟‬ ‫الفصل الراتبع‬

‫كان لرحيلك مذاق الفجيعة الولى‪ .‬والوحدة التي أحالتني في أيام إلى‬ ‫مرتبة لوحة يتيمة على جدار‪ ،‬تحضرني جملة تبدأ بها رواية أحببتها يومًا‪..‬‬ ‫"ما أعظم ا! فهو عظيم بقدر ما أنا وحيد‪ .‬إني لرى المؤلف فيبدو لي‬ ‫كلوحة‪"..‬‬


‫وكنت أنا في عزلتي ووحدتي‪ ،‬ذلك المؤلف وتلك اللوحة معًا‪ .‬فما أكبر وأبربد‬ ‫ذلك الكون الذي كنت معّلقاً على جداره‪ ،‬في انتظارك!‬ ‫كنت أبدخل بعدك منحدرات الخيبات النفسية والعاطفية في الوقت نفسه‪.‬‬ ‫وأعيش ذلك القلق الغامض‪ ،‬الذي يسبق ويلي بدائماً كل معرض لي‪ .‬وكنت‬ ‫أقوم تلقائياً بجربدة لفراحي وخيباتي‪.‬‬ ‫صة كالعابدة‪ .‬وبعض‬ ‫انتهى معرضي إذًا‪ .‬لم تهتم به غير صحافة فرنسية مخت ّ‬ ‫المجلت العربية المهاجرة‪.‬‬ ‫ولكن يمكن أن أقول إنه حصل على تغطية إعلمية كافية‪ ،‬وأن الذين كتبوا‬ ‫عنه أجمعوا على أنه حدث فني عربي في باريس‪.‬‬ ‫وحدها الصحافة الجزائرية تجاهلته‪ ،‬عن إهمال ل غير‪ ،‬كالعابدة‪ .‬جريدة‬ ‫ومجلة أسبوعية واحدة‪ ،‬كتبتا عنه بطريقة مقتضبة‪ .‬وكأنهما تعانيان فعل ً‬ ‫من قلة الصفحات‪ ،‬وليس من قلة الموابد الصحافية‪.‬‬ ‫بينما لم يحضر ذلك الصديق الصحافي‪ ،‬الذي وعدني بالحضور إلى باريس‬ ‫لقضايا شخصية‪ ،‬ولجراء مقابلة مطّولة معي بالمناسبة نفسها‪ .‬ورغم أنني‬ ‫رجل غير مولع بالضواء‪ ،‬والجلوس لعدة ساعات إلى صحافي للحديث عن‬ ‫نفسي‪ ،‬فإنني كنت أتمنى أن تتم تلك المقابلة‪ ،‬لتمكن أخيراً من الحديث‬ ‫مطوّل ً إلى الشخص الوحيد الذي كان يعنيني حقًا‪ ..‬القارئ الجزائري‪.‬‬ ‫عبد القابدر طلبني ليخبرني أنه اضطر للبقاء في الجزائر‪ ،‬لتغطية مهرجان ما‬ ‫من أحد المهرجانات التي ازبدهرت هذه اليام‪ ،‬لسباب غامضة يعلمها ا‪..‬‬ ‫وآخرون‪.‬‬ ‫ولم أعتب عليه‪ ..‬ليس هناك من مقارنة بين مهرجان أو ملتقى رسمي‪،‬‬ ‫يتم إعدابده والنفاق عليه بالعملة الصعبة وبين أي معرض مهما كان اسم‬ ‫صاحبه‪ ،‬والسنوات التي أخذتها منه تلك اللوحات‪.‬‬ ‫في النهاية ل يمكن حتى أن أعتب على الصحافة الجزائرية‪.‬‬ ‫ماذا يمكن أن يقدم معرض للوحات الفنية من متعة أو ترفيه للمواطن‬ ‫الجزائري الذي يعيش على وشك النفجار‪ ،‬بل النتحار‪ ،‬ول وقت له للتأمل‬ ‫ضل على ذلك مهرجاناً لغنية )الراي(‪ .‬يمكن أن‬ ‫أو التذوق‪ ،‬والذي يف ّ‬ ‫يرقص‪ ..‬ويصرخ‪ ..‬ويغني فيها حتى الفجر‪ ،‬منفقاً على تلك الغاني الشعبية‬ ‫مع في جيبه من بدينارات‪ ،‬وما تراكم في جسده من‬ ‫المشبوهة‪ ،‬ما تج ّ‬ ‫"ليبيدو"؟‬ ‫تلك "الثروة" الوحيدة التي يملكها شبابنا حقًا‪ ،‬والتي كعملتنا يدري أين‬ ‫ينفقها خارج السواق السوبداء‪ ..‬للبؤس‪.‬‬


‫بعضهم أبدرك هذا قبل غيره‪.‬‬ ‫سنة ‪ ،1969‬وفي عزّ الفراغ والبؤس الثقافي الذي كان يعيشه الوطن‪،‬‬ ‫اخترع أحدهم في بضعة أيام‪ ،‬أكبر مهرجان عرفته الجزائر وإفريقيا‪ ،‬كان‬ ‫اسمه "المهرجان الفريقي الول"‪ ،‬بدعيت إليه قارة وقبائل إفريقية بأكملها‬ ‫لتغني وترقص _عارية أحيانًا_ في شوارع الجزائر لمدة أسبوع كامل على‬ ‫شرف الثورة!‬ ‫ل الول والخير‪ .‬وكانت‬ ‫كم من مليين أنفقت وقتها‪ ،‬على مهرجان للفرح ظ ّ‬ ‫أهم إنجازاته التعتيم على محاكمة قائد تاريخي كان أثناء ذلك‪ ،‬يستجوب‬ ‫ذب رجاله في الجلسات المغلقة‪ ..‬باسم الثورة نفسها‪.‬‬ ‫ويع ّ‬ ‫وبدون أن تكون لي صداقة ما بذلك القائد‪ ،‬الذي كان اسمه الطاهر أيضًا‪ ،‬ول‬ ‫ي عداء خاص لذلك الحاكم الذي كان يوماً مجاهداً وقائداً أيضًا‪ ،‬بدأت أعي‬ ‫أ ّ‬ ‫لعبة السلطة‪ ،‬وشراهة الحكم‪ .‬وأصبحت أحذر النظمة التي تكثر من‬ ‫المهرجانات والمؤتمرات‪ ..‬إنها بدائماً تخفي شيئاً ما!‪.‬‬ ‫فهل هي مصابدفة أن تبدأ مشكلتي من ذلك الحين‪ ،‬ويولد أول مذاق‬ ‫للمرارة في حلقي يومها؟‬ ‫عندما التقيت بذلك الصديق بعد أشهر‪ ،‬اعتذر لي بأسف صابدق‪ ،‬ووعدني‬ ‫أل يفّوت معرضي القابدم‪.‬‬ ‫ت على كتفه ضاحكاً وقلت‪:‬‬ ‫رب ّ ّ‬ ‫ ل يهم‪ ..‬بعد أيام لن يذكر أحد اسم ذلك المهرجان‪ .‬ولكن التاريخ سيذكر‬‫اسمي ل محالة ولو بعد قرن!‬ ‫قال لي بمزاحٍ ل يخلو من الجد‪:‬‬ ‫ أتدري أنك مغرور؟‬‫أجبته‪:‬‬ ‫ أنا مغرور لكي ل أكون "محقورًا" فنحن ل نملك الخيار يا صاحبي‪ .‬إننا‬‫ننتمي إلى أمة ل تحترم مبدعيها وإذا فقدنا غرورنا وكبريائنا‪ ،‬ستدوسنا‬ ‫أقدام الميين والجهلة!‬ ‫تساءلت بعدها أأكون مغروراً حقًا؟‬ ‫اكتشفت بعد شيء من التفكير‪ ،‬أنني ل أكون مغروراً إل لحظة أقف أمام‬


‫لوحة بيضاء وأنا ممسك بفرشاة‪ .‬كم بلزمني من الغرور لحظتها لهزم‬ ‫ض بكارتها‪ ،‬وأتحايل على ارتباكي بفائض رجولتي‪ ،‬وعنفوان‬ ‫بياضها وأف ّ‬ ‫فرشاتي؟‬ ‫ولكن‪..‬‬ ‫ما أكابد أنتهي منها‪ ،‬وأمسح يدي من كل ما علق بها من ألوان حتى أرتمي‬ ‫على الريكة المجاورة‪ ،‬وأتأملها مدهوشًا‪ ،‬وأنا أكتشف أنني الوحيد الذي‬ ‫كان يعرق وينزف أمامها‪..‬‬ ‫وأنها أنثى عربية تتلقى ثورتي ببروبد وراثي مخيف!‬ ‫ن‬ ‫‪ ..‬ولذا‪ ،‬حدث في لحظات انهياراتي وخيباتي الكبرى أن مّزقت إحداه ّ‬ ‫وألقيت بها في سلة المهملت‪ ،‬بعدما أصبح وجوبدها يضايقني‪.‬‬ ‫هنالك لوحات هي من السذاجة والبروبدة بحيث تخلق عندك عقدة رجولة‪..‬‬ ‫وليس فقط عقدة إبداع!‬ ‫ورغم ذلك‪ ،‬لن يعرف أحد هذا‪ .‬وربما لن يتوقع ضعفي وهزائمي السرية‬ ‫أحٌد‪.‬‬ ‫فالخرون لن يروا غير انتصاراتي‪ ،‬معّلقة على الجدران في إطار جميل‪ .‬وأما‬ ‫سلل المهملت‪ ،‬فستبقى بدائماً في ركن من مرسمي وقلبي‪ ،‬بعيدة عن‬ ‫الضواء‪.‬‬ ‫د أن يكون إلهاً أو عليه أن‬ ‫فالذي يجلس أمام مساحة بيضاء للخلق‪ ،‬ل ب ّ‬ ‫يّغير مهنته‪.‬‬ ‫أأكون إلهًا؟ أنا الذي حولني حبك إلى مدينة إغريقية‪ ،‬لم يبق منها قائماً‬ ‫غير العمدة الشاهقة المتآكلة الطراف؟‬ ‫هل يفيد شموخي‪ ،‬وملح حبك يفتت أجزائي من الداخل كل يوم؟‬ ‫ف‬ ‫شهران‪ ..‬ول شي سوى رقم هاتفي مستحيل‪ ..‬وكلمات تركتها لي تج ّ‬ ‫لها الفرشاة‪.‬‬ ‫وإذا بالصمت يصبح لوني المفضل‪.‬‬ ‫كنت أبدرى جدلية الرسم والكتابة كما أربدتها أنت‪.‬‬ ‫ت عنها‪ ،‬وكأنك تقتلينها بالكلمات‪ .‬وكنت‬ ‫كنت تفرغين من الشياء كلما كتب ِ‬ ‫كلما رسمت امتلت بها أكثر‪ ،‬وكأنني أبعث الحياة في تفاصيلها المنسية‪.‬‬ ‫وإذا بي أزبدابد تعلقاً بها‪ ،‬وأنا أعلقها من جديد على جدران الذاكرة‪.‬‬


‫أن أرسمك‪ ،‬أليس يعني أن أسكنك غرف بيتي أيضًا‪ ،‬بعدما أسكنتك قلبي؟‬ ‫حماقة قّررت في البدء أل أرتكبها‪ .‬ولكنني اكتشفت ليل بعد آخر عبثية‬ ‫قراري‪.‬‬ ‫لماذا كان الليل هزيمتي؟‬ ‫ألنني كلما خلوت بنفسي خلوت بك‪ ،‬أم لن للفن طقوس الشهوة السرية‬ ‫التي تولد غالباً ليل ً في ذلك الزمان الخارج عن الزمن‪..‬‬ ‫والخارج عن القانون؟‬ ‫على حافة العقل والجنون‪ ..‬في ذلك الحد الذي تلغيه العتمة والفاصل بين‬ ‫الممكن والمستحيل‪..‬‬ ‫كنت أقترفك‪..‬‬ ‫كنت أرسم بشفتي حدوبد جسدك‪.‬‬ ‫أرسم برجولتي حدوبد أنوثتك‪.‬‬ ‫أرسم بأصابعي كل ما ل تصله الفرشاة‪..‬‬ ‫بيد واحدة كنت أحتضنك‪ ..‬وأزرعك وأقطفك‪ ..‬وأعّريك وألبسك وأغّير تضاريس‬ ‫جسدك لتصبح على مقاييسي‪.‬‬ ‫يا امرأة على شاكلة وطن‪..‬‬ ‫امنحيني فرصة بطولة أخرى‪ .‬بدعيني بيِد واحدة أغير مقاييسك للرجولة‬ ‫ذة! كم من اليدي احتضنتك بدون بدفء!‬ ‫ومقاييسك للحب‪ ..‬ومقاييسك لل ّ‬ ‫كم من اليدي تتالت عليك‪ ..‬وتركت أظافرها على عنقك‪ ،‬وإمضاءها أسفل‬ ‫جرحك‪ .‬وأحبتك خطأ‪ ..‬وآلمتك خطأ‪.‬‬ ‫أحبك السراق والقراصنة‪ ..‬وقاطعوا الطرق‪ .‬ولم تقطع أيديهم‪.‬‬ ‫ووحدهم الذين أحبوك بدون مقابل‪ ،‬أصبحوا ذوي عاهات‪.‬‬ ‫لهم كل شيء‪ ،‬ول شيء غيرك لي‪.‬‬ ‫أنت لي الليلة ككل ليلة‪ .‬فمن سيأخذ طيفك مني؟ من سيصابدر جسدك‬ ‫من سريري؟ من سيسرق عطرك من حواسي؟ ومن سيمنعني من‬ ‫استعابدتك بيدي الثانية؟‬ ‫ذتي السرية‪ ،‬وجنوني السري‪ ،‬ومحاولتي السرية للنقلب على‬ ‫أنت ل ّ‬ ‫المنطق‪.‬‬


‫ل ليلة تسقط قلعك في يدي‪ ،‬ويستسلم حراسك لي‪ ،‬وتأتين في ثياب‬ ‫ك ّ‬ ‫نومك لتتمدبدي إلى جواري‪ ،‬فأمرر يدي على شعرك السوبد الطويل المبعثر‬ ‫على وسابدتي‪ ،‬فترتعشين كطائر بّلله القطر‪ .‬ثم يستجيب جسدك النائم‬ ‫لي‪.‬‬ ‫كيف حدث هذا‪ ..‬وما الذي أوصلني إلى هذا الجنون؟‬ ‫ترى صوتك الذي تعوبدت عليه حد البدمان‪ ،‬صوتك الذي كان يأتي شلل‬ ‫ي؟‬ ‫ب وموسيقى‪ ،‬فيتدحرج قطرات لذة عل ّ‬ ‫ح ّ‬ ‫حبك هاتف يسأل "واشك؟"‬ ‫يدثرني ليل ً بلحاف من القبل‪ .‬يترك جواري عينيه قنديل شوق‪ ،‬عندما‬ ‫تنطفئ الضواء‪.‬‬ ‫ي من وحدتي ومن شيخوختي‪ .‬فيعيدني‬ ‫ي من العتمة‪ ،‬يخاف عل ّ‬ ‫يخاف عل ّ‬ ‫دقها الطفال‪ .‬يغّني‬ ‫ي قصصاً يص ّ‬ ‫ص عل ّ‬ ‫إلى الطفولة بدون استشارتي‪ .‬يق ّ‬ ‫لي أغنيات ينام لسماعها الطفال‪.‬‬ ‫ُترى أكان يكذب؟ هل تكذب المهات أيضًا؟‬ ‫هذا ما ل يصدقه الطفال!‬ ‫ما الذي أوصلني إلى جنوني؟‬ ‫ل هذا؟‪.‬‬ ‫ترى قبلتك المسروقة من المستحيل‪ .‬وهل تفعل القبل ك ّ‬ ‫دق‪..‬‬ ‫أذكر أنني قرأت عن ُقبل غيرت عمراً ولم أص ّ‬ ‫كيف يمكن لنيتشه فبلسوف القوة والرجل الذي نظر طويل ً للجبروت‬ ‫والتفوق أن يقع صريع قبلة واحدة‪ ،‬سرقها مصابدفة في زيارة سياحية إلى‬ ‫معبد‪ ،‬صحبة " ‪ "Lou‬المرأة التي أحبها أكثر من كاتب وشاعر في عصرها‪.‬‬ ‫كان أحدهم " أبولينير" الذي تغّزل فيها طويل ً وبكاها أمام هذا الجسر‬ ‫نفسه‪ ،‬واجداً في اسمها المطابق بالفرنسية تماماً لسم الذئب " ‪"Loup‬‬ ‫بدليل ً قاطعا على قدره معها؟‬ ‫أما )نيتشه( القائل "عندما تزور امرأة ل تنس أن تصحب معك العصا" فقد‬ ‫كان أمامها رجل ً محطما‪ ،‬ضعيفًا‪ ،‬وبدون إرابدة‪ .‬حتى إن أمه قالت يوماً "لم‬ ‫تترك هذه المرأة أمام ابني سوى اختيار من بين ثلثة‪ :‬إما أن يتزوجها‪ ..‬أو‬ ‫ينتحر‪ ..‬أو يصبح مجنونًا!"‪.‬‬


‫كان هذا حال "نيتشه" يوم أحب‪ .‬فهل أخجل من ضعفي معك‪ ،‬وأنا لست‬ ‫فيلسوفاً للقوة‪ ،‬ولست شمشون الذي فقد شعره وقوته السطورية‬ ‫بسبب قبلة؟‬ ‫هل أخجل من قبلتك‪ ،‬وهل أندم عليها‪ ،‬أنا الذي بدأ عمري على شفتيك؟‬ ‫ل أبدري كيف شفي "نيتشه" من امرأة لم يتزوجها‪ .‬هل انتحر أم أصبح‬ ‫مجنونًا؟‬ ‫أبدري فقط‪ ،‬أنني قضيت شهرين وسط تقّلبات نفسية متناقضة‪ ،‬كدت‬ ‫ألمس فيها شيئاً يشبه الجنون‪ ،‬ذلك الجنون الذي كان يغريك‪ ،‬وكنت‬ ‫تتغّزلين لي به كثيرًا‪ ،‬وتعتبرينه الصك الوحيد الذي يشهد للفنان بالعبقرية‪.‬‬ ‫فليكن‪ ..‬سأعترف لك اليوم‪ ،‬بعد كل تلك السنوات‪ ،‬أنني وصلت معك يوماً‬ ‫إلى ذلك الحد المخيف من اللعقل‪.‬‬ ‫أكان عشقاً فقط‪ ،‬أم لهديك ل شعورياً اللعبة التي لم تكوني قد حصلت‬ ‫عليها بعد‪ :‬ذلك الرجل المجنون الذي تحلمين به‪.‬‬ ‫حدث كثيراً وقتها‪ ،‬أن استعدت قصتي معك فصل فصل‪.‬‬ ‫كنت كل مرة أقع على استنتاجات متناقضة‪ .‬مرة يبدو لي حبك قصة‬ ‫أسطورية أكبر منك ومني‪ .‬شيئاً ربما كان مقدراً مسبقاً منذ قرون‪ ،‬منذ‪..‬‬ ‫كانت قسنطينة مدينة تدعى )سيرتا(‪.‬‬ ‫ومرة أتساءل‪ ،‬ماذا لو كنت رجل ً استوقفتك ذاكرته وأغراك جنونه بقصة ما؟‬ ‫ماذا لو كنت مجربد ضحية لجريمة أبدبية ما‪ ،‬تحلمين بارتكابها في كتاب‬ ‫قابدم؟‬ ‫ثم فجأة تطغى طفولتك على الجانب "الجرامي" فيك‪ ،‬فأذكر أنني كنت‬ ‫أيضاً نسخة عن والدك‪ .‬وأنني بسبب قبلة حمقاء نسفت إلى البد ذاك‬ ‫الجسر السري الذي كان يجمعنا‪.‬‬ ‫آنذاك‪ ،‬كنت أقرر العتذار منك‪ .‬وأستيقظ من نومي وأتجه إلى مرسمي‪.‬‬ ‫أجلس طويل ً أمام لوحتك البيضاء وأتساءل‪ :‬من أين أبدأك؟‬ ‫أتأمل طويل ً صورتك‪ ،‬على ظهر روايتك التي أهديتنيها بدون إهداء‪ .‬أكتشف‬ ‫أن وجهك ل علقة له بالصورة‪ .‬فكيف أضع عمراً لوجهك الجديد والقديم معًا‪.‬‬ ‫كيف أنقل عنك نسخة بدون أن أخونك؟‬ ‫أتذكر وسط ارتباكي ) ليوناربدو بدافنشي(‪ ،‬ذلك الرسام العجيب الذي كان‬


‫قابدراً على أن يرسم بيده اليمنى ويده اليسرى بالتقان نفسه‪ .‬بأي يد تراه‬ ‫رسم )الجوكندا( ليمنحها الخلوبد والشهرة؟ وبأي يد يجب أن أرسمك أنا؟‬ ‫ماذا لو كنت المرأة التي ل ترسم إل باليد اليسرى‪ ،‬تلك التي لم تعد يدي؟‬ ‫خطر ببالي مرة أن أرسمك بالمقلوب‪ .‬وأجلس لتفرج عليك عساني‬ ‫أكتشف أخيراً سرك‪ .‬فربما كانت هذه الطريقة الوحيدة لفهمك‪.‬‬ ‫فكرت حتى في إمكانية عرض تلك للوحة مقلوبة في معرض‪ .‬سيكون‬ ‫اسمها "أنت"‪.‬‬ ‫سيتوقف أمامها الكثيرون‪ .‬وقد يعجبون بها‪ ،‬بدون أن يتعرف أحدهم تماما‬ ‫عليك‪.‬‬ ‫أليس هذا ما تريدين في النهاية؟!‬ ‫***‬ ‫مرّ أكثر من أسبوع‪ ،‬وأكثر من نشرة جوية قبل أن يأتي صوتك ذات صباح‬ ‫بدون مقدمات‪:‬‬ ‫ كيف أنت؟‬‫اندهش القلب الذي لم يتوقع هدية صباحية كتلك‪ .‬وارتبك الكلم‪:‬‬ ‫ وينك؟‬‫كان صوتك يبدو قريباً أو هكذا خّيل لي‪ .‬ولكنك أجبتني بضحكة أعرف‬ ‫مراوغتها‪:‬‬ ‫ حاول أن تحزر!‬‫أجبتك كمن يحلم‪:‬‬ ‫ت إلى باريس؟‬ ‫ هل عد ِ‬‫ضحكت وقلت‪:‬‬ ‫‪ -‬أي باريس‪ ..‬أنا في قسنطينة‪ .‬جئت هنا منذ أسبوع لحضر زواج إحدى‬


‫مني عنك ماذا تفعل في هذا‬ ‫القريبات‪ ..‬وقلت ل بد أن أطلبك من هنا‪ .‬ط ّ‬ ‫ي مكان؟‬ ‫الصيف‪ ..‬ألم تسافر إلى أ ّ‬ ‫اختصرت عذابي في بضع كلمات قلت‪:‬‬ ‫د متعب‪ ..‬كيف لم تتصلي بي حتى الن؟‬ ‫ إنني متعب‪ ..‬ج ّ‬‫فقلت وكأنك طبيب سيكتب وصفة لمريض‪ ،‬أو شيخ يطلب منه كتابة حجاب‬ ‫أو تعاويذ سحرية‪:‬‬ ‫ سأكتب لك‪ ..‬وا سأكتب لك قريبًا‪ ..‬يجب أن تعذرني‪ .‬أنت ل تدري كم‬‫الحياة هنا مزعجة وصعبة‪ .‬إن الواحد ل يخلو لنفسه في هذه المدينة ولو‬ ‫لحظة‪ .‬حتى الكلم على الهاتف مغامرة بوليسية‪..‬‬ ‫ وماذا تفعلين؟‬‫ ل شيء‪ ..‬أنتقل من بيت إلى آخر‪ ،‬ومن بدعوة إلى أخرى‪ .‬حتى المدينة‬‫لم أتجول فيها على قدمي‪ ،‬لقد عبرتها بالسيارة فقط‪..‬‬ ‫ثم أضفت وكأنك تذكرت فجأة شيئاً هامًا‪:‬‬ ‫ أتدري‪ ..‬أنت على حق‪ .‬إن أجمل ما في قسنطينة‪ ،‬جسورها ل غير‪ .‬لقد‬‫ذكرتك وأنا أعبرها‪..‬‬ ‫كنت أوبد تلك اللحظة لو سألتك "هل تحبينني؟" ولكنني سألتك بحمافة‪:‬‬ ‫ هل تحبينها؟‪.‬‬‫أجبتني بعد شيء من الصمت‪ ،‬وكأنني طرحت عليك سؤال ً يستدعي‬ ‫التفكير‪:‬‬ ‫ ربما بدأت أحبها‪..‬‬‫قلت‪:‬‬ ‫ شكرًا‪..‬‬‫ضحكت‪ ..‬قلت وأنت تنهين المكالمة‪:‬‬ ‫‪ -‬أيها الحمق‪ ..‬لن تتغير!‬


‫***‬ ‫المرء يفتح شباكه لينظر إلى الخارج‪ ..‬ويفتح عينيه لينظر إلى الباطن‪ ..‬وما‬ ‫النظر سوى تسلقك الجدار الفاصل بينك وبين الحرية‪."..‬‬ ‫في ذلك الصباح‪ ،‬أشعلت سيجارة صباحية على غير عابدتي‪ .‬وجلست‬ ‫على شرفتي أمام فنجان قهوة‪ ،‬أتأمل نهر السين‪ ،‬وهو يتحرك ببطء تحت‬ ‫جسر ميرابو‪.‬‬ ‫كانت زرقته الصيفية الجميلة‪ ،‬تستفّزني ذلك الصباح بدون مبرر‪ .‬تذكرني‬ ‫فجأة بالعيون الزرق التي ل أحبها‪.‬‬ ‫أترى لنه ل نهر في قسنطينة‪ ..‬أعلنت العداء على هذا النهر؟‬ ‫نهضت بدون أن أكمل سيجارتي‪ .‬كنت فجأة على عجل‪.‬‬ ‫فليكن‪ ..‬عفوك أيها النهر الحضاري‪ .‬عفوك أيها الجسر التاريخي‪ .‬عفوك‬ ‫صديقي )أبولينير(‪ .‬هذه المرة أيضاً سأرسم جسراً آخر غير هذا‪.‬‬ ‫كنت هذه المرة ممتلئاً بك‪ ،‬بصوتك القابدم من هناك‪ ،‬ليوقظ من جديد تلك‬ ‫المدينة بداخلي‪.‬‬ ‫ألم أكن قد لمست الفرشاة من ثلثة أشهر‪ .‬وكان بداخلي شيء ما على‬ ‫وشك أن ينفجر بطريقة أو بأخرى‪ .‬كل تلك الحاسيس والعواطف المتضاربة‪،‬‬ ‫التي عشتها قبل رحيلك وبعده‪ ،‬والتي تراكمت بداخلي كقنبلة موقوتة‪.‬‬ ‫وكان ل بد أن أرسم لرتاح أخيرًا‪.‬‬ ‫أرسم ملء يدي‪ ..‬ملء أصابعي‪ .‬أرسم بيدي الموجوبدة وبتلك المفقوبدة‪.‬‬ ‫أرسم بكل تقلباتي‪ ،‬بتناقضي وجنوني وعقلي‪ ،‬بذاكرتي ونسياني‪ .‬حتى‬ ‫ل أموت قهرا ذات صيف‪ ،‬في مدينة فارغة إل من السواح والحمام‪.‬‬ ‫وهكذا بدأت ذلك الصباح لوحة لقنطرة جديدة‪ ،‬قنطرة سيدي راشد‪.‬‬ ‫لم أكن أتوقع يومها وأنا أبدأها‪ ،‬أنني أبدأ أغرب تجربة رسم في حياتي‪،‬‬ ‫وأنها ستكون البداية لعشر لوحات أخرى‪ ،‬سأرسمها في شهر ونصف بدون‬ ‫توقف‪ ،‬إل لسرقة ساعات قليلة من النوم‪ ،‬أنهض منها غالباً مخطوفاً بشهية‬ ‫جنونية للرسم‪.‬‬ ‫ً‬ ‫كانت اللوان تأخذ فجأة لون ذاكرتي‪ ،‬وتصبح نزيفا يصعب إيقافه‪.‬‬


‫ي حتى‬ ‫ما كنت أنتهي من لوحة حتى تولد أخرى‪ ،‬وما أنتهي من ح ّ‬ ‫يستيقظ آخر‪ ،‬وما أكابد أنتهي من قنطرة‪ ،‬حتى تصعد من بداخلي أخرى‪..‬‬ ‫كنت أريد أن أرضي قسنطينة حجرًا‪ ..‬حجرًا‪ ،‬جسرًا‪ ..‬جسرًا‪ ..‬حيًا‪ ..‬حيًا‪ ،‬كما‬ ‫يرضي عاشق جسد امرأة لم تعد له‪.‬‬ ‫كنت أعبرها ذهاباً وإياباً بفرشاتي‪ ،‬وكأنني أعبرها بشفاهي‪ .‬أقّبل ترابها‪..‬‬ ‫وأحجارها وأشجارها ووبديانها‪ .‬أوّزع عشقي على مساحتها ُقبل ً ملونة‪.‬‬ ‫أرشها بها شوقًا‪ ..‬وجنونًا‪ ..‬وحباً حتى العرق‪.‬‬ ‫وكنت أسعد وذلك القميص يلتصق بي‪ ،‬بعد ساعات من اللتحام بها‪.‬‬ ‫العرق بدموع الجسد‪ .‬ونحن في ممارسة الحب كما في ممارسة الرسم‪ ،‬ل‬ ‫نبكي جسدنا من أجل أية امرأة‪ .‬ول من أجل أية لوحة‪ .‬الجسد يختار لمن‬ ‫يعرق‪.‬‬ ‫وكنت سعيداً أن تكون قسنطينة‪ ،‬هي اللوحة التي بكى لها جسدي‪.‬‬ ‫في ذلك الشهر الخير من الصيف‪ ،‬كنت ما أزال أتوقع رسالة منك‪ ،‬تعطيني‬ ‫شيئاً من القوة والحماسة اللتين افتقدتهما خلل الشهرين الماضيين‬ ‫لغيابك‪ .‬عندما فاجأتني رسالة من زيابد‪.‬‬ ‫كانت رسائله القابدمة من بيروت تدهشني بدائماً حتى قبل أن أفتحها‪.‬‬ ‫كنت أتساءل كل مرة‪ ،‬كيف وصلت هذه الرسالة إلى هنا؟ من أي مخيم أو‬ ‫من أية جبهة‪ ،‬تحت أي سقف مدمر يكون قد كتبها؟ أي صندوق أوبدعها‪،‬‬ ‫وكم من ساعي بريد تناوب عليها حتى تصل هنا‪ ،‬بداخل صندوق بريدي‪..‬‬ ‫بالحي السابدس عشر بباريس؟‬ ‫كنت أعاملها بدائماً بحب خاص‪ .‬كانت تذكرني بزمن حرب التحرير‪ ،‬يوم كنا‬ ‫نبعث الرسائل لهلنا مهربة تحت الثياب‪.‬‬ ‫كم من الرسائل لم تصل‪ ،‬وماتت مع أصحابها! وكم من الرسائل وصلت بعد‬ ‫فوات الوان‪ .‬هنالك قصص تصلح لكثر من رواية‪.‬‬ ‫آخر رسالة لزيابد كانت تعوبد لما يقارب السنة‪.‬‬ ‫كان يحدث أن يكتب لي هكذا بدون مناسبة‪ ،‬رسائل مطّولة أحيانًا‪ ،‬وموجزة‬ ‫ميها "إشعار بالحياة"‪.‬‬ ‫أحياناً أخرى‪ ،‬كان يس ّ‬ ‫في البدء ضحكت لهذه التسمية التي يريد أن يخبرني بها فقط أنه مازال‬ ‫على قيد الحياة‪.‬‬


‫بعدها أصبحت أخاف صمته الطويل‪ ،‬وانقطاع رسائله‪ .‬فقد كان يحمل لي‬ ‫احتمال إشعار بشيء آخر‪.‬‬ ‫هذه المرة‪ ،‬كان يريد أن يخبرني أنه قد يحضر إلى باريس في بداية أيلول‪.‬‬ ‫وأنه ينتظر جواباً سريعاً مني ليتأكد من وجوبدي في باريس في هذه‬ ‫الفترة‪.‬‬ ‫فاجأتني رسالته‪ ..‬وأسعدتني وأبدهشتني‪.‬‬ ‫ك حتى‬ ‫ذهب تفكيري إليك وقلت "طويل عمر هذا الرجل‪ ..‬ما كدت أذكره مع ِ‬ ‫حضر"‪ .‬ثم تساءلت تراك قرأت أشعاره؟ وهل أعجبتك؟ وماذا سيكون ربد‬ ‫فعلك إذا قلت لك إنه سيحضر إلى باريس‪ ،‬أنت التي خفت أن يكون قد‬ ‫مات‪ ،‬وأبديت اهتماماَ بقصته؟‬ ‫كان الصيف ينسحب تدريجيًا‪ .‬وكنت أستعيد توازني تدريجياً كذلك‪.‬‬ ‫لقد أنقذتني تلك اللوحات من النهيار‪ .‬كان ل بد أن أرسمها لخرج من تلك‬ ‫ي معك‪.‬‬ ‫المطبات الجنونية التي وضعت عليها قدم ّ‬ ‫كنت قد فقدت كثيراً من وزني‪ .‬ولكن لم يكن ذلك يعنيني‪ .‬أو ربما لم أكن‬ ‫وقتها لنتبه له‪ ،‬بعدما أصبحت أنظر إلى اللوحات‪ ،‬وأنسى أن أنظر إلى‬ ‫نفسي في مرآة‪.‬‬ ‫كنت أعتقد أن الذي خسرته من وزن في أيام‪ ،‬هو الذي ربحته من مجد‬ ‫إلى البد‪ .‬ولذا كان يحلو لي أن أتأمل نزيفي وجنوني معّلقاً أمامي‪ :‬إحدى‬ ‫عشرة لوحة لم تعد تكفيها جدران البيت‪.‬‬ ‫وربما جاء تعّلقي بها‪ ،‬كذلك‪ ،‬لكوني كنت أبدري وأنا أضع فرشاتي لخر مرة‬ ‫وأنا أنتهي منها‪ ،‬أنه قد تمر عدة أشهر قبل أن أشعر برغبة جديدة في‬ ‫الرسم‪.‬‬ ‫فقد كنت فرغت مرة واحدة من ذاكرتي‪ ..‬وارتحت‪.‬‬ ‫كنا على أبواب أيلول‪ .‬وكنت سعيدا أو ربما في حالة ترّقب للسعابدة‪.‬‬ ‫ستعوبدين أخيرًا‪ ..‬كنت أنتظر الخريف كما لم أنتظره من قبل‪ .‬كانت الثياب‬ ‫الشتوية المعروضة في الواجهات تعلن عوبدتك‪ .‬اللوازم المدرسية التي تمل‬ ‫رفوف المحلت‪ ،‬تعلن عوبدتك‪.‬‬ ‫والريح‪ ،‬والسماء البرتقالية‪ ..‬والتقلبات الجوية‪ ..‬كلها كانت تحمل حقائبك‪.‬‬ ‫ستعوبدين‪..‬‬


‫مع النوء الخريفي‪ ،‬مع الشجار المحمرة‪ ،‬مع المحافظ المدرسية‪.‬‬ ‫ستعوبدين‪..‬‬ ‫مع الطفال العائدين إلى المدارس‪ ،‬مع زحمة السيارات‪ ،‬مع مواسم‬ ‫الضرابات‪ ،‬مع عوبدة باريس إلى ضوضائها‪.‬‬ ‫مع الحزن الغامض‪ ..‬مع المطر‪.‬‬ ‫مع بدايات الشتاء‪ ..‬مع نهايات الجنون‪.‬‬ ‫ستعوبدين لي‪ ..‬يا معطفي الشتوي‪ ..‬يا طمأنينة العمر المتعب‪ ..‬يا أحطاب‬ ‫الليالي الثلجية‪.‬‬ ‫أكنت أحلم؟‪ .‬كيف نسيت تلك المقولة الرائعة لندريه جيد "ل تهيئ‬ ‫أفراحك!" كيف نسيت نصيحة كهذه؟‬ ‫ت‬ ‫ت في الواقع امرأة زوبعة‪ .‬تأتي وترحل وسط العاصير والدمار‪ .‬كن ِ‬ ‫كن ِ‬ ‫معطفاً لغيري وبربداً لي‪.‬‬ ‫ت الحطاب التي أحرقتني بدل أن تدفئني‪.‬‬ ‫كن ِ‬ ‫ت‪.‬‬ ‫كنت أن ِ‬ ‫وكنت أنتظر أيلول إذن‪..‬‬ ‫أنتظر عوبدتك لنتحدث أخيراً بصدق مطلق‪ .‬ماذا تريدين مني بالتحديد‪ .‬ومن‬ ‫أكون أنا بالنسبة إليك‪ ..‬وما اسم قصتنا هذه؟‬ ‫أخطأت مرة أخرى‪.‬‬ ‫لم يكن الوقت للسؤال ول للجواب‪ .‬كان وقتا لجنون آخر‪.‬‬ ‫كنت أنتظر المان‪ .‬وجئت‪ ،‬زوبعة صابدفت زوبعة أخرى‪ ،‬اسمها زيابد‪..‬‬ ‫وكانت العاصير‪.‬‬


‫لم يتغير زيابد منذ آخر مرة رأيته فيها‪ ،‬منذ خمس سنوات بباريس‪ .‬ربما‬ ‫أصبح فقط أكثر امتلًء‪ ،‬أكثر رجولة مع العمر‪ ،‬من ذلك الوقت الذي زارني‬ ‫فيه لول مرة في الجزائر سنة ‪ 1972‬في مكتبي‪ .‬يوم كان شاباً فارعاً بوزن‬ ‫أقل‪ ،‬وربما بهموم أقل أيضًا‪.‬‬ ‫مازال شعره مرتباً بفوضوية مهذبة‪ .‬وقميصه المتمربد الذي لم يتعوبد يوماً‬ ‫على ربطة عنق‪ ،‬مفتوحاً بدائماً بزٍر أو زرين‪ .‬وصوته المميز بدفئاً وحزنًا‪،‬‬ ‫يوهمك أنه يقرأ شعرًا‪ ،‬حتى عندما يقول أشياء عابدية‪ .‬فيبدو وكأنه شاعر‬ ‫أضاع طريقه وأنه يوجد خطأ حيث هو‪.‬‬ ‫في كل مدينة قابلته فيها‪ ،‬شعرت أنه لم يصل بعد إلى وجهته النهائية‪،‬‬ ‫وأنه يعيش على أهبة سفر‪.‬‬ ‫كان حتى عندما يجلس على كرسي يبدو جالساً على حقائبه‪ .‬لم يكن‬ ‫يوماً مرتاحاً حيث كان‪ ،‬وكأن المدن التي يسكنها محطات ينتظر فيها قطاراً‬ ‫ل يدري متى يأتي‪.‬‬ ‫ها هوذا‪ ..‬كما تركته‪ ،‬محاطاً بأشيائه الصغيرة ومحمل ً بالذاكرة‪ ،‬ومرتدياً‬ ‫سروال الجينز نفسه‪ ،‬كأنه هويته الخرى‪.‬‬ ‫كان زيابد يشبه المدن التي مر بها‪ .‬فيه شيء من غّزة‪ ،‬من عمان‪ ..‬ومن‬ ‫بيروت وموسكو‪ ..‬ومن الجزائر وأثينا‪.‬‬ ‫ل من أحب‪ .‬فيه شيء من بوشكين‪ ،‬من السّياب‪ ..‬من‬ ‫كان يشبه ك ّ‬ ‫الحلج‪ ،‬من ميشيما‪ ..‬من غسان كنفاني‪ ..‬ومن لوركا وتيوبدوراكيس‪.‬‬ ‫ولنني كثيراً ما قاسمت زيابد ذاكرته‪ ،‬حدث أن أحببت كل ما أحب ومن‬ ‫أحب‪ ،‬بدون أن أبدري‪.‬‬ ‫كنت في حاجة إليه في تلك اليام‪.‬‬ ‫شعرت وأنا أستقبله‪ ،‬أنني افتقدته طوال هذه السنوات بدون أن أبدري‪،‬‬ ‫ص يمكن أن أبدعوه صديقًا‪.‬‬ ‫وأنني بعده لم ألت ِ‬ ‫ق بشخ ٍ‬ ‫ها هو زيابد‪ .‬باعدتنا اليام وباعدتنا القارات‪ .‬ووحدها قناعاتنا القديمة ظّلت‬ ‫تجمعنا‪.‬‬


‫ولذلك لم تزل في القلب مكانته الولى‪ .‬فلم يحدث لزيابد أن فقد احترامي‬ ‫لسبب أو لخر خلل كل هذه السنوات‪.‬‬ ‫أليس هذا أمراً نابدراً هذه اليام؟‬ ‫جاء زيابد‪..‬‬ ‫ل مغلقاً لشهرين في وجه الخرين‪،‬حتى في وجه‬ ‫واستيقظ البيت الذي ظ ّ‬ ‫كاترين نفسها‪.‬‬ ‫راح زيابد يمله بحضوره‪ ،‬بأشيائه وفوضاه‪ ،‬بضحكته العالية أحيانًا‪ ،‬وبحضوره‬ ‫السري الغامض بدائمًا‪ .‬فأكابد أشكره فقط‪ ،‬لنه أشرع نوافذ هذا البيت‪،‬‬ ‫واحتل غرفة من غرفه‪ ..‬وربما احتّله كله‪.‬‬ ‫ُعدنا تلقائياً إلى عابداتنا القديمة التي تعوبد إلى خمس سنوات‪ ،‬عندما‬ ‫زارني لول مرة في باريس‪.‬‬ ‫رحنا من جديد إلى المطاعم نفسها تقريبًا‪ .‬جلسنا وتحدثنا في الموضوعات‬ ‫م عربي واحد‬ ‫نفسها تقريبًا‪ ،‬فل شي تغّير منذ ذلك الحين‪ .‬لم يسقط نظا ٌ‬ ‫من تلك النظمة التي كان زيابد يراهن على سقوطها منذ عرفته‪ .‬لم يحدث‬ ‫ي زلزال سياسي هنا أو هناك‪ ،‬ليغّير خريطة هذه المة‪.‬‬ ‫أ ّ‬ ‫وحده لبنان أصبح وطناً للزلزل والرمال المتحركة‪ .‬ولكن من تراه سيبتلع‬ ‫في النهاية؟‬ ‫كان هذا هو السؤال الذي حاولنا أن نتنبأ به بأكثر من جواب‪ .‬وكان النقاش‬ ‫ب في النهاية بدائماً في القضية الفلسطينية‪ ،‬وفي خلفات فصائلها‪،‬‬ ‫يص ّ‬ ‫والمعارك التي حدثت بين عناصرها في لبنان‪ ،‬والتصفيات الجسدية التي‬ ‫راح ضحيتها أكثر من اسم فلسطيني في الخارج‪.‬‬ ‫كان حديث زيابد ينتهي كالعابدة بشتم تلك النظمة التي تشتري مجدها‬ ‫بالدم الفلسطيني‪ ،‬تحت أسماء مستعارة كالرفض والصموبد‪ ..‬والمواجهة‪.‬‬ ‫فينعتها في فورة غضبه بكل النعوت الشرقية البذيئة‪ ،‬التي أضحك لها وأنا‬ ‫أكتشف بعضها لول مرة‪.‬‬ ‫وأكتشف أيضاً أن لكل ثّوار قاموسهم الخاص‪ ،‬الذي تفرزه ثورتهم‬ ‫ن آخر وثورة‬ ‫ومعايشتهم الخاصة‪ ،‬فأستعيد بحنين‪ ،‬مفربدات أخرى لزم ٍ‬ ‫أخرى‪.‬‬ ‫ربما كان هذا السبوع هو أجمل اليام التي قضيتها مع زيابد‪ ،‬والتي حاولت‬ ‫بعد ذلك ولعدة سنوات أل أذكر غيرها‪ ،‬حتى ل أشعر بالمرارة ول بالحسرة‬


‫على كل ما عشته بعدها عن خطأ أو عن صواب‪.‬‬ ‫كل ما مرّ بي من ألم‪ ..‬من غيرة ومن صدمات‪ ،‬وأنا أضعكما ذات يوم هكذا‬ ‫وجهاً لوجه‪ ،‬بدون أية مقدمات أو توضيحات خاصة‪..‬‬ ‫دى غدا مع صديقة كاتبة‪ ..‬ل بد أن أعرفك عليها‪."..‬‬ ‫له قلت‪" :‬سنتغ ّ‬ ‫لم يبد عليه اهتمام خاص بكلمي‪ .‬قال على طريقته الخاصة وهو يعوبد‬ ‫لقراءة جريدته‪ " :‬أنا أكره النساء عندما يحاولن ممارسة البدب تعويضاً عن‬ ‫ممارسات أخرى‪ ..‬أتمنى أل تكون صديقتك هذه عانسًا‪ ،‬أو امرأة في سن‬ ‫اليأس‪ ..‬فأنا ل صبر لي على هذا النوع من النساء!"‬ ‫لم أجبه‪ .‬رحت أتعمق في فكرته‪ ..‬وأبتسم!‬ ‫على الهاتف قلت لك‪" :‬تعالي غداً للغداء في ذلك المطعم نفسه‪ ..‬فأنا‬ ‫أحمل لك مفاجأة ل تتوقعينها‪"..‬‬ ‫ت‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫"إنها لوحتي‪ ..‬أليس كذلك؟"‬ ‫أجبتك بعد شيء من التربدبد‪" :‬ل‪ ..‬إنها شاعر!"‬ ‫***‬ ‫التقيتما إذن‪..‬‬ ‫ويمكن أن أقول هذه المرة أيضًا‪:‬‬ ‫"الذين قالوا وحدها الجبال ل تلتقي أخطأوا‪ .‬والذين بنوا بينها جسوراً‬ ‫لتتصافح بدون أن تنحني‪ ،‬ل يفهمون شيئاً في قوانين الطبيعة‪.‬‬ ‫الجبال ل تلتقي إل في الزلزل والهزات الرضية الكبرى‪ .‬وعندها ل تتصافح‪،‬‬ ‫بل تتحول إلى تراب واحد"‪.‬‬ ‫التقيتما إذن‪ ..‬وكان كلكما بركانًا‪ ..‬فأين العجب‪ ،‬إذا كنت هذه المرة أيضاً أنا‬ ‫الضحية!‬ ‫مازلت أذكر ذلك اليوم‪..‬‬ ‫ت متأخرة بعض الشيء‪ ،‬وكنت مع زيابد قد طلبنا مشروباً في انتظارك‪..‬‬ ‫وصل ِ‬


‫ت‪..‬‬ ‫وبدخل ِ‬ ‫دثني عن شيء ما عندما صمت فجأة‪ ،‬وتوقفت عيناه عليك‬ ‫كان زيابد يح ّ‬ ‫وهو يراك تجتازين باب المطعم‪.‬‬ ‫ب أخضر‪ ..‬أنيقة‪،‬‬ ‫دمين نحونا في ثو ٍ‬ ‫فاستدرت بدوري نحو الباب‪ ..‬ورأيتك تتق ّ‬ ‫مغرية‪ ،‬كما لم تكوني يومًا‪.‬‬ ‫وقف زيابد ليسّلم عليك وأنت تقتربين مّنا‪ .‬وبقيت أنا من بدهشتي جالسًا‪.‬‬ ‫كان من الواضح أنه لم يتوّقعك هكذا‪.‬‬ ‫ها أنت ذي أخيرًا‪..‬‬ ‫ل‬ ‫مرني إلى ذلك الكرسي‪ ،‬وكأن تعب ك ّ‬ ‫أحسست أن شيئاً ما يس ّ‬ ‫ي من‬ ‫ي فجأة‪ ،‬ومنع رجل ّ‬ ‫ل عذابي بعدك قد نزل عل ّ‬ ‫السابيع الماضية‪ ،‬وك ّ‬ ‫الوقوف‪.‬‬ ‫ها أنت ذي أخيرًا‪ ..‬أهذه أنت حقًا!؟‬ ‫دمت نفسك لزيابد‪ ،‬وكان هو‬ ‫وقبل أن أفكر في تعريفكما ببعض‪ ،‬كن ِ‬ ‫ت قد ق ّ‬ ‫بدوره على وشك أن يعّرفك بنفسه عندما قاطعته قائلة‪:‬‬ ‫ بدعني أحزر‪ ..‬ألست زيابد خليل؟‬‫ووقف زيابد مدهوشاً قبل أن يسألك‪:‬‬ ‫ت؟‬ ‫ كيف عرف ِ‬‫ت نحوي عندئٍذ وكأنك تكتشفين وجوبدي هناك‪ ،‬فوضعت قبلتين على‬ ‫استدر ِ‬ ‫جهين الحديث إليه‪:‬‬ ‫دي وقلت وأنت تو ّ‬ ‫خ ّ‬ ‫ أنت تملك شبكة إعلن قوية في شخص هذا الرجل‪..‬‬‫حصين ملمحي‪:‬‬ ‫ثم سألتني وأنت تتف ّ‬ ‫ لقد تغيرت بعض الشيء‪ ..‬ما الذي حدث لك في هذه العطلة؟‬‫خل زيابد ليقول ساخرًا‪:‬‬ ‫تد ّ‬ ‫ لقد رسم إحدى عشرة لوحة في شهر ونصف‪ ..‬إنه لم يفعل شيئاً غير‬‫هذا‪ .‬نسي حتى أن يأكل ونسي أن ينام‪ ..‬أعتقد أنني لو لم أحضر إلى‬


‫باريس لمات هذا الرجل الذي أمامك جوعاً وإعياًء وسط لوحاته‪ ..‬كما لم يعد‬ ‫الرسامون يموتون اليوم!‬ ‫وبدل أن تسأليني سألت زيابد بشيء من الذعر‪ ،‬وكأنك كنت تخافين أن‬ ‫أكون قد رسمت إحدى عشرة نسخة من صورتك‪:‬‬ ‫ ماذا رسم؟‬‫ي‪:‬‬ ‫جهها إل ّ‬ ‫أجابك زيابد بابتسامة و ّ‬ ‫ لقد رسم قسنطينة‪ ..‬ل شيء سوى قسنطينة‪ ..‬وكثيراً من الجسور‪..‬‬‫ت وأنت تسحبين كرسياً وتجلسين‪:‬‬ ‫صح ِ‬ ‫ ل‪ ..‬أرجوكم ل تحدثوني عن قسنطينة مرة أخرى‪ ..‬إنني عائدة تواً منها‪.‬‬‫إنها مدينة ل تطاق‪ ..‬إنها الوصفة المثالية لكي ينتحر المرء أو يصبح مجنونًا!‬ ‫ي‪:‬‬ ‫جه ِ‬ ‫ت كلمك إل ّ‬ ‫ثم و ّ‬ ‫ متى تشفى أنت من هذه المدينة؟‬‫كان يمكن أن أقول لك لو كنا على انفرابد "يوم أشفى منك!"‬ ‫ولكن زيابد أجاب ربما نيابة عني‪:‬‬ ‫ نحن ل نشفى من ذاكرتنا يا آنستي‪ ..‬ولهذا نحن نرسم‪ ..‬ولهذا نحن‬‫نكتب‪ ..‬ولهذا يموت بعضنا أيضًا‪..‬‬ ‫رائع زيابد‪ ..‬كان مدهشاً وشاعراً في كل شيء‪.‬‬ ‫كان يقول شعراً بدون جهد‪ .‬ويحب ويكره بدون جهد‪ .‬ويغري بدون جهد‪.‬‬ ‫ت جزائرية إذن؟"‪ .‬ول أستمع لما تقولينه له‪.‬‬ ‫كنت أنظر إليه وهو يسألك "أن ِ‬ ‫بدا لي في تلك اللحظة أن الحديث كان يدور بينكما فقط‪ ،‬وأنني لم أقل‬ ‫كلمة واحدة منذ قدومك‪.‬‬ ‫كنت طرفاً فقط في تلك الجلسة الغريبة للقدر‪.‬‬ ‫ل بي‪.‬‬ ‫كنت أنظر إليك‪ ..‬وأبحث في تفاصيلك عن شرح لما ح ّ‬


‫سألتك يومًا‪" :‬ما هو أجمل شيء فيك؟"‬ ‫ابتسمت بإيماء غامض ولم تجيبي‪.‬‬ ‫لم تكوني الجمل‪ ،‬كنت الشهى‪ .‬فهل هناك من تفسيٍر للرغبة!‬ ‫ربما كان زيابد يشبهك أيضًا‪..‬‬ ‫ل‬ ‫اكتشفت ذلك مع مرور اليام‪ ،‬وأنا أنظر إليكما وأنتما تتحدثان أمامي ك ّ‬ ‫مرة‪.‬‬ ‫كان أيضاً شي من السحر الغامض فيه‪ ..‬من الجاذبية التي ل علقة لها‬ ‫بالجمال‪ .‬وكانت فكرة تشابهكما أو تطابقكما هذه تزعجني‪ ..‬بل وأزعجتني‬ ‫ربما من اللحظة الولى‪ .‬عندما نّبهتني إلى تدهور صحتي وشحوب لوني‪،‬‬ ‫حة وتألق مثير للغيرة‪.‬‬ ‫بينما كنت أراكما أمامي في ص ّ‬ ‫ترى بدأت الغيرة تتسلل إلي اللحظة‪ ..‬وأنا أكتشف أنني لست سوى شبح‬ ‫بينكما‪ ،‬ووجه حشر خطأ في لوحتكما الثنائية؟‬ ‫لم تََتَنّبهي يومها أنني وصلت إلى تلك الحالة بسببك‪ .‬ولذا لم تعتذري لي‪،‬‬ ‫ي‪ ..‬وكثيراً إليه‪.‬‬ ‫بل وأكثر من ذلك كنت تتحدثين قليل ً إل ّ‬ ‫ت له‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ لقد أحببت بديوانك الخير "مشاريع للحب القابدم"؛ لقد ساعدني شيئاً ما‬‫على تحمل هذه العطلة البائسة‪ .‬هنالك مقاطع منه حفظتها لفرط ما‬ ‫أعدت قراءتها‪..‬‬ ‫ورحت تقرأين أمام بدهشة زيابد‪:‬‬ ‫"ترّبص بي الحزن ل تتركيني لحزن المساء‬ ‫سأرحل سيدتي‬ ‫أشرعي اليوم بابك قبل البكاء‬ ‫فهذي المنافي تغّرر بي للبقاء‬ ‫وهذي المطارات عاهرة في انتظار‬ ‫تراوبدني للرحيل الخير‪"...‬‬ ‫كنت أستمع إليك تقرئين شعراً لول مرة‪.‬‬ ‫كان في صوتك موسيقى للة لم تخلق بعد أتعرف عليها لول مرة في حزن‬ ‫نبرتك التي خلقت في البدء للفرح‪ ..‬فإذا بها عزف لشيء آخر‪.‬‬


‫وكان زيابد يستمع إليك بشيء من الذهول‪ ،‬وكأنه فجأة يجلس خارج الزمن‬ ‫وخارج الذاكرة‪.‬‬ ‫كأنه أخيراً قرر أن يجلس على شيء آخر غير حقائبه ليستمع إليك‪.‬‬ ‫ت‪ ..‬راح يقرأ بقية تلك القصيدة وكأنه يقرأ لك طالعه ل غير‪:‬‬ ‫وعندما سك ّ ِ‬ ‫ك وطن‬ ‫"ومالي سوا ِ‬ ‫وتذكرة للتراب‪ ..‬رصاصة عشق بلون كفن‬ ‫ول شيء غيرك عندي‬ ‫ب‪ ..‬لعمر قصير!"‬ ‫مشاريع ح ّ‬ ‫في تلك اللحظة‪ ..‬شعرت أن شحنة من الحزن المكهرب وربما الحب‬ ‫المكهرب أيضاً قد سرت بيننا‪ ،‬واخترقتنا نحن الثلثة‪.‬‬ ‫كنت أحب زيابد‪ ..‬كنت مبهوراً به‪ .‬كنت أشعر أنه يسرق مني كلمات الحزن‪،‬‬ ‫وكلمات الوطن‪ ،‬وكلمات الحب أيضًا‪..‬‬ ‫كان زيابد لساني‪ ،‬وكنت أنا يده كما كان يحلو له أن يقول‪.‬‬ ‫وكنت أشعر في تلك اللحظة‪ ..‬أنك أصبحت قلبنا‪ ..‬معًا!‬ ‫***‬ ‫كان يجب أن أتوقع كل الذي حدث‪.‬‬ ‫فهل كان يمكن أن أوقف انجرافكما بعد ذلك؟‬ ‫كنت شبيهاً بذلك العالم الفيزيائي الذي يخترع وحشًا‪ ،‬ثم يصبح عاجزاً عن‬ ‫السيطرة عليه‪.‬‬ ‫كنت أكتشف بحماقة أنني صنعت قصتكما بيدي‪ .‬بل وكتبتها فصل ً فصل ً‬ ‫بغباء مثالي‪ ،‬وأنني عاجز عن التحكم في أبطالي‪.‬‬ ‫كيف يمكن أن أضع أمامك رجل ً يصغرني باثنتي عشرة سنة‪ ،‬ويفوقني‬ ‫حضوراً وإغراًء‪ ،‬وأحاول أن أقيس نفسي به أمامك؟‬ ‫ك صلة الكلمة التي كانت تجمعكما بتواطؤ‪ ،‬وأمنع كاتبة أن‬ ‫كيف يمكن أن أف ّ‬ ‫ب شاعراً تحفظ أشعاره عن ظهر قلب؟‬ ‫تح ّ‬


‫ف بعد من حبه الجزائري السابق‪ ،‬أل‬ ‫وكيف أقنعه هو الذي ربما لم يش َ‬ ‫يحبك أنت التي جئت لتوقظي الذاكرة‪ ،‬وتشرعي نوافذ النسيان؟‬ ‫كيف حدث هذا‪ ..‬وكيف أتيت بكما لضعكما أمام قدركما‪ ..‬الذي كان أيضاً‬ ‫قدري!‬ ‫قال لي ذلك المساء‪:‬‬ ‫ إنها رائعة هذه الفتاة‪ ..‬ل أذكر أنني قرأت لها شيئًا‪ ،‬فربما بدأت الكتابة‬‫بعدما غابدرت الجزائر حسب ما فهمت‪ .‬ولكنني أعرف هذا السم‪ ..‬لقد‬ ‫ي‪.‬‬ ‫سبق أن قرأته في مكان ما‪ ..‬إنه ليس غريباً عل ّ‬ ‫قلت له وقتها‪:‬‬ ‫ أنت لم تقرأ هذا السم وإنما سمعته فقط‪ .‬إنه اسم لشارع في الجزائر‬‫يحمل اسم أبيها )الطاهر عبد المولى( الذي استشهد أثناء الثورة‪.‬‬ ‫ي بدون أن يقول شيئًا‪.‬‬ ‫وضع زيابد جريدته ونظر إل ّ‬ ‫أحسسته ذهب بعيداً في تفكيره‪.‬‬ ‫تراه بدأ أيضاً يكشف كل الهوامش المثيرة للقائكما في تلك الظروف‪ ..‬وكل‬ ‫التفاصيل العجيبة التي ل يمكن أن يبقى محايداً أمامها؟‬ ‫شعرت برغبة في الكلم عنك أكثر‪.‬‬ ‫كنت على وشك أن أحدثه عن سي الطاهر‪ .‬كدت أخبره أنك ابنة قائدي‬ ‫صتي العجيبة معك‪ .‬أنت التي كان يمكن‬ ‫ص عليه حتى ق ّ‬ ‫وصديقي‪ .‬كدت أق ّ‬ ‫أن تكوني ابنتي‪ ،‬قبل أن تصبحي فجأة بعد ربع قرن حبيبتي!‬ ‫كدت أحكي له قصة لوحتي الولى )حنين( وتصابدفها مع ميلبدك‪ .‬وقصة‬ ‫لوحاتي الخيرة وعلقتها بك‪ ..‬وسبب تدهور صحتي وجنوني الخير‪..‬‬ ‫كدت أشرح له سر قسنطينة‪.‬‬ ‫صم ّ‬ ‫ذذ بحمله وحدنا؟ أكان‬ ‫ت لحتفظ بسّرك لي كما نحتفظ بسر كبير نتل ّ‬ ‫أ َ‬ ‫لحبك نكهة العمل السري ومتعته القاتلة؟‪.‬‬ ‫أنم تراني كنت أخجل أن أعترف له بدون أن أبدري أنك حبيبتي‪ ،‬هو الذي لم‬ ‫أخجل منه يوماً والذي تقاسمت معه كل شيء؟‬


‫ب لم ُيخلق لُيقتسم‪ ،‬قررت منذ البدء أن تكوني لحدنا‪ ..‬فقط؟‬ ‫ألنك ح ّ‬ ‫أعن صداقة أو حماقة‪ ،‬كنت أريد أن أمنحه فرصة حبك الذي قد يكون حّبه‬ ‫الخير‪ ،‬وأياماً من السعابدة المسروقة من الموت المحتمل الذي كان يتربص‬ ‫به في كل حين‪ ..‬وفي كل مدينة؟‬ ‫ماذا جاء زيابد يفعل في باريس؟ من الواضح أنه لم يأت في زيارة سياحية‪.‬‬ ‫ربما جاء ليقوم ببعض التصالت السرية‪ ،‬يلتقي ببعض الجهات‪ ..‬يتلقى أو‬ ‫يعطي تعليمات ل أبدري‪..‬‬ ‫ولكنه كان قلقاً شيئاً ما‪ .‬كان يتحاشى أخذ مواعيده على الهاتف‪ ،‬وكان ل‬ ‫يغابدر البيت بمفربده إل نابدرًا‪.‬‬ ‫ولم أطرح عليه يوماً أي سؤال حول سبب زيارته لباريس‪ .‬كان هناك شيء‬ ‫من بقايا فترة كفاحية في حياتي‪ ،‬تجعلني أحترم أسرار الخرين عندما‬ ‫يتعلق ذلك بقضايا نضالية‪.‬‬ ‫كنت أحترم سره‪ ،‬وكان يحترم صمتي‪ .‬ولهذا نقلنا سرنا وصمتنا حتى قصتنا‬ ‫المشتركة معك‪.‬‬ ‫أكان بحدسه المفرط يتوقع شيئاً ما بيني وبينك؟‬ ‫ب ملتهب كهذا في‬ ‫أم تراه أمام تظاهري باللمبالة‪ ،‬لم يتوقع وجوبد ح ّ‬ ‫أحشائي‪.‬‬ ‫وكيف يمكن أن يتوقع ذلك‪ ،‬وأنا أنسحب تدريجياً على رؤوس الصابع‪ ،‬لترك‬ ‫سع؟‬ ‫له المجال تدريجياً لمزيد من التو ّ‬ ‫كنت أبدعه يجيب على الهاتف نيابة عني‪ .‬يتحدث إليك ويدعوك إلى البيت‬ ‫نيابة عني‪.‬‬ ‫ت؟‬ ‫مل ِ‬ ‫وكنت تأتين‪ ،‬وأحاول أل أسأل نفسي لمن جئت‪ ..‬ولمن تراك تج ّ‬ ‫ربما كان أكثر اليام وجعاً يوم زرت البيت بعد ذلك لول مرة‪.‬‬ ‫كان ل بد أن ينبهك زيابد للوحاتي لتنتبهي إليها‪ .‬رحت تنتقلين من غرفة‬ ‫إلى أخرى وكأنك تعبرين غرف بيتك‪ .‬لم يستوقفك ذلك الممر‪ ،‬ول ذكرى‬ ‫قبلة قَلبت حياتي رأساً على عقب‪.‬‬ ‫أكانت تلك اللحظة هي الكثر ألمًا‪ ،‬أم عندما فتحت )خطأ؟( بابًا‪ ،‬فقلت لك‬ ‫ضحاً "هذه غرفة زيابد"‪ .‬فوقفت أمام ذلك الباب نصف المفتوح‪ ،‬لحظات‬ ‫مو ّ‬ ‫بدت لي أطول مما قضيته من وقت أمام كل لوحاتي مجتمعة‪.‬‬ ‫قلت وأنت تعوبدين إلى الصالون وتجلسين على تلك الريكة نفسها‪:‬‬


‫ ل أفهم أن تكون رسمت كل هذه الجسور‪ ..‬جنون هذا‪ ..‬كان يكفي لوحة‬‫أو اثنتان‪..‬‬ ‫أعن قناعة أم عن لياقة تطوع زيابد ليجيبك نيابة عني‪ ،‬بعدما لحظ وقع‬ ‫ي‪ ،‬ولحظ تلك الخيبة التي أفقدتني صوتي‪:‬‬ ‫كلماتك عل ّ‬ ‫ أنت لم تتأملي هذه اللوحات‪ ..‬لقد حكمت عليها من النظرة الولى‪ ..‬وفي‬‫الرسم‪ ،‬اللوحات ل تتطابق وإن تشابهت‪ .‬هنالك أرقام سرية تفتح لغز كل‬ ‫لوحة‪ ..‬شيء شبيه بـ )الكوبد( ل بد من البحث عنه للوصول إلى ذلك‬ ‫الشعار بشيء ما يريد أن يوصله إلينا صاحبها‪..‬‬ ‫لو مررت بنفس هذه السرعة أمام لوحة )لعبي الورق( الشهيرة‪ ،‬لما‬ ‫لحظت سوى لعبين جالسين أمام طاولة‪ ،‬ولما انتبهت إلى كونهما‬ ‫يمسكان بأوراق بيضاء يخفيانها على بعض‪ .‬إن ما أرابد أن ينقله لنا "سيزان"‬ ‫ليس مشهداً للعبة الورق بل مشهد من التزوير المّتفق عليه‪ ..‬وربما‬ ‫المتوارث مابدام أحد اللعبين أكبر من الثاني سنًا‪.‬‬ ‫وقبل أن يواصل زيابد كلمه قاطعته قائلة‪:‬‬ ‫ من أين تعرف كل هذا‪ ..‬هل أنت خبير أيضاً في الرسم‪ ..‬أم أن عدوى‬‫خالد انتقلت إليك؟‬ ‫ضحك زيابد واقترب منك بعض الشيء وقال‪:‬‬ ‫ ليس هذا ميدان خبرتي على الطلق‪ ..‬إنه ترف ليس في متناول رجل‬‫مثلي‪ ..‬بل إن جهلي في الفن سبفاجئك‪ .‬أنا ل أعرف غير قلة قليلة من‬ ‫الرسامين اكتشفت أعمالهم عن طريق المصابدفة‪ ..‬وفي الكتب المختصة‬ ‫غالبًا‪ ..‬ولكنني أحب بعض المدارس الحديثة التي تطرح أسئلة من خلل‬ ‫أعمالها‪..‬‬ ‫الفن للفن ل يقنعني‪ ،‬والجوكندة المحترمة ل تهّزني‪ .‬أحب الفن الذي‬ ‫يضعني في مواجهة وجوبدية مع نفسي‪ ،‬ولهذا أعجبت بلوحات خالد‬ ‫الخيرة‪ ..‬إنها أول مرة يدهشني فيها حقًا‪.‬‬ ‫حد مع هذا الجسر لوحة بعد أخرى في فرحٍ ثم في حزن متدرج‬ ‫لقد تو ّ‬ ‫حتى العتمة‪ ،‬وكأنه عاش يتوقيته يوماً أو عمراً كام ً‬ ‫ل‪..‬‬ ‫في اللوحة الخيرة ل يظل بابدياً من الجسر سوى شبحه البعيد تحت خيط‬ ‫من الضوء‪ .‬كل شيء حوله يختفي تحت الباب فيبدو الجسر مضيئًا‪ ،‬علمة‬ ‫د أعمدته إلى أسفل‪ ،‬ل شيء‬ ‫استفهام معّلقة إلى السماء‪ .‬ل ركائز تش ّ‬


‫ده على يمينه ول على يساره‪ ،‬وكأنه فقد فجأة وظيفته الولى كجسر!‬ ‫يح ّ‬ ‫أترى بداية الصبح عندئذ أم بداية الليل؟ أتراه يحتضر أم يولد مع خيط الفجر؟‬ ‫ل‬ ‫إنه السؤال الذي يبقى معّلقاً كالجسر لوحة بعد أخرى‪ ،‬مطاربداً بلعبة الظ ّ‬ ‫والضوء المستمر‪ ،‬بالموت والبعث المستمر‪ ،‬لن أي شيء معّلق بين‬ ‫السماء والرض هو شيء يحمل موته معه‪.‬‬ ‫كنت أسمتع إلى زيابد مدهوشًا‪ ،‬وربما اكتشفت شيئاً لم يخطر ببالي‬ ‫لحظة رسم كل هذه اللوحات‪.‬‬ ‫أح ّ‬ ‫ق ما قاله؟‬ ‫من المؤكد أن زيابد كان يتحدث عن لوحاتي خيراً مني‪ .‬مثل كل النقابد الذين‬ ‫يعطونك شروحاً مدهشة لعمال فنية قمت بها أنت بكل بساطة‪ ،‬بدون أية‬ ‫مك الرموز‬ ‫تساؤلت فلسفية‪ ،‬فيضحكونك إذا كنت فناناً صابدقاً وبسيطاً ل ته ّ‬ ‫والنظريات المعّقدة في الفن‪ .‬وقد يملونك غروراً وجنونًا‪ ،‬إذا كنت مثل‬ ‫الكثيرين الذين يأخذون أنفسهم مأخذ الجد‪ ،‬ويبدأون عندئٍذ بالتنظير‬ ‫بمدرسة فنية جديدة!‬ ‫كان في تحليل زيابد حقيقة هامة أبدهشتني ولم أنتبه لها من قبل‪.‬‬ ‫لقد كنت أعتقد وأنا أرسم تلك الجسور أنني أرسمك‪ ،‬ولم أكن في الواقع‬ ‫أرسم سوى نفسي‪ .‬كان الجسر تعبيراً عن وضعي المعّلق بدائماً ومنذ‬ ‫الزل‪ .‬كنت أعكس عليه قلقي ومخاوفي وبدواري بدون أن أبدري‪.‬‬ ‫ولهذا ربما كان الجسر هو أول ما رسمت يوم فقدت ذراعي‪.‬‬ ‫فهل تعني كل هذه الجسور‪ ،‬أن ل شيء تغّير في حياتي منذ ذلك الحين؟‬ ‫ربما كان هذا هو الصح‪ ..‬ولكن ليس هذا كل شيء‪ .‬وقد كان يمكن لزيابد‬ ‫أن يفلسف أيضاً رمز الجسر بأكثر من طريقة‪ ..‬ولكن من المؤكد أنه لن‬ ‫يذهب أبعد من الرموز المعروفة‪ ،‬لن رموزنا تأخذ بعدها من حياتنا فقط‪،‬‬ ‫ل ثنايا ذاكرتي‪.‬‬ ‫وزيابد في النهاية لم يكن يعرف ك ّ‬ ‫ولم يكن زار تلك المدينة التي تعرف وحدها سرّ الجسور!‬ ‫تذّكرت حين ذاك رساماً يابانيا معاصرًا‪ ،‬قرأت عنه أنه قضى عدة سنوات‬ ‫سئل مرة لماذا العشاب بدائمًا‪..‬‬ ‫وهو ل يرسم سوى العشاب‪ .‬وعندما ُ‬ ‫قال‪" :‬يوم رسمت العشب فهمت الحقل‪ ..‬ويوم فهمت الحقل أبدركت سر‬ ‫العالم‪."..‬‬


‫ل مفتاحه الذي يفتح به لغز العالم‪ ..‬عالمه‪.‬‬ ‫وكان على حق‪ .‬لك ٍ‬ ‫همنغواي فهم العالم يوم فهم البحر‪ .‬وألبرتو مورافيا يوم فهم الرغبة‪،‬‬ ‫والحلج يوم فهم ا‪ ،‬وهنري ميلر يوم فهم الجنس‪ ،‬وبوبدلير يوم فهم اللعنة‬ ‫والخطيئة‪.‬‬ ‫وفان غوغ‪ ..‬تراه فهم حقارة العالم وسابدّيته‪ ،‬عندما كان يجلس محموماً‬ ‫معصوب الرأس أمام تلك النافذة التي لم يكن يرى منها‪ ..‬غير حقول عّبابد‬ ‫الشمس الشاسعة فل يملك أمام إرهاقه إل أن يرسم أكثر من لوحة‬ ‫للمنظر نفسه؟‬ ‫لن يده المحمومة لم تكن تقدر على رسم أكثر من تلك الزهور البسيطة‬ ‫الساذجة‪.‬‬ ‫ولكنه‪ ..‬كان يواصل الرسم برغم ذلك‪ ،‬ل ليعيش من لوحاته وإنما لينتقم لها‬ ‫ولو بعد قرن‪.‬‬ ‫ألم يقل لخيه تلك النبوءة التي ح ّ‬ ‫ل الرقام القياسية في‬ ‫طمت بعدها ك ّ‬ ‫ثمن لوحة )عبابد الشمس(‪" :‬سيأتي يوم يفوق فيه ثمن لوحاتي‪ ..‬ثمن‬ ‫حياتي"‪.‬‬ ‫تساءلت وأنا أصل إلى هذه الفكرة‪ :‬هل الرسامون أنبياء أيضًا؟‪.‬‬ ‫ثم رحت أربط هذه الفكرة بتعليق زيابد "كل شيء معّلق يحمل موته معه‪"..‬‬ ‫ل اللوحات التي رسمتها في‬ ‫وإذا بي أسأل نفسي‪ ،‬أّية نبوءة تحمل ك ّ‬ ‫بدرجة متقدمة من اللوعي والجنون؟ أَمْوت أم ميلبد تلك المدينة؟ أصموبد‬ ‫جسورها المعلقة منذ قرون في وجه أكثر من نشرة جوية وأكثر من ريح‬ ‫مضاّبدة؟ أم سقوطها جميعاً في بدمار هائل مفاجئ‪ ،‬في تلك اللحظة التي‬ ‫ل يفصل فيها بين الليل والنهار سوى خيط باهت للغفلة‪ ..‬غفلة التاريخ!‬ ‫كنت تحت تأثير تلك الرؤية المذهلة‪ ،‬عندما جاء صوتك لينتزعني من‬ ‫هواجسي‪.‬‬ ‫ي‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫جهين حديثك إل ّ‬ ‫ت وأنت تو ّ‬ ‫ أتدري خالد‪ ..‬إن من حسن حظك أنك لم تزر قسنطينة منذ عدة سنوات‪..‬‬‫وإل لما رسمت من وحيها أشياء جميلة كهذه‪ .‬يوم تريد أن تشفى منها‬ ‫ف عن الحلم!‬ ‫عليك أن تزورها فقط‪ ..‬ستك ّ‬ ‫طبعًا‪ ،‬لم أكن أبدري آنذاك‪ ،‬أنك ذات يوم ستتكّلفين شخصياً بقتل ذلك‬ ‫الحلم‪ ،‬وتوصليني في ما بعد حتى أعتاب قسنطينة مكرهًا‪.‬‬ ‫خل زيابد ليقول كلماً جاء هذه المرة أيضاً سابقاً لوقته‪ ..‬كالنبوءة‪.‬‬ ‫تد ّ‬


‫ذب‪:‬‬ ‫قال بشيء من العتاب المه ّ‬ ‫ لماذا تصرين على قتل حلم هذا الرجل؟‪ .‬هنالك أحلم نموت على يدها‪،‬‬‫بدعيه سعيداً ولو بوهمه‪..‬‬ ‫لم تعّلقي على كلمه‪ ،‬وكأن أحلمي لم تعد تهمك بالدرجة الولى‪ .‬سألته‬ ‫فقط‪:‬‬ ‫ وأنت‪ ..‬ما هو حلمك؟‬‫قال‪:‬‬ ‫ ربما مدينة ما أيضًا‪..‬‬‫ هل اسمها الخليل؟‬‫قال مبتسمًا‪:‬‬ ‫ ل‪ ..‬نحن ل نحمل بدائماً أسماء أحلمنا‪ ..‬ول ننتسب لها‬‫اسمي الخليل ومدينتي اسمها غزة‪.‬‬ ‫ ومنذ متى لم تزرها؟‬‫ منذ حرب حزيران‪ ..‬أي منذ خمس عشرة سنة تمامًا‪..‬‬‫ثم أضاف‪:‬‬ ‫ يضحكني الذي يحدث لخالد اليوم‪ ،‬كان يقنعني في الماضي يوم كّنا في‬‫الجزائر بالزواج والعيش هناك نهائيًا‪ .‬لم يكن يفهم أن تطاربدني تلك المدينة‬ ‫إلى بدرجة إخراجي من كل المدن‪ .‬وها هو الن يصل إلى كلمي من تلقاء‬ ‫نفسه‪ ،‬ويصبح بدوره مسكوناً بمدينة‪ ،‬مطاربداً بها‪.‬‬ ‫دثني عنها أي مرة‪ ..‬وكأنه لم يكن يوليها اهتماماً من‬ ‫العجيب أنه لم يح ّ‬ ‫قبل‪ .‬هنالك أشياء شبيهة بالسعابدة ل ننتبه لوجوبدها إل بعدما نفتقدها!‬ ‫ربما كان ذلك ما حدث لي‪ ..‬فقد كنت أعي تدريجياً أنني كنت سعيداً معك‬ ‫قبل تلك العطلة الصيفية‪ ..‬وقبل مجيء زيابد‪ ..‬وقبل أن يتحول حبنا من‬ ‫عشق ثنائي عنيف إلى حب مثلث الطراف كل زواياه متساوية‪ ،‬ومن لعبة‬ ‫شطرنج يحكمها لعبان متقابلن‪ ،‬ويمل الحب فيها كل المربعات السوبداء‬ ‫والبيضاء‪ ،‬بقانون المد والجزر العشقي‪ ،‬إلى لعبة طاولة‪ ،‬نجلس حولها نحن‬


‫الثلثة‪ ،‬بأوراقنا المقلوبة‪ ،‬وأحزاننا المقلوبة‪ ،‬بنبضات قلبنا المشتركة‪،‬‬ ‫بذاكرتنا المشتركة‪ ،‬نترّبص ببعضنا ونخلق قوانين جديدة للحب‪ ..‬نزّور‬ ‫الوراق التي نملك النسخ نفسها منها‪ ،‬نحتال على منطق الشياء ل ليربح‬ ‫ل‬ ‫أحدنا الجولة‪ ،‬وإنما لكي ل يكون بيننا من خاسر‪ ،‬وحتى تكون نهايتنا أق ّ‬ ‫وجعاً من البداية‪.‬‬ ‫كان واضحاً أن زيابد كان يشعر أنني أحبك بطريقة أو بأخرى‪ .‬ولكنه لم يكن‬ ‫يعي جذور ذلك الحب ومداه‪ .‬ولذا كان ينساق إلى حبك بدون تفكير وبدون‬ ‫شعور بالذنب‪.‬‬ ‫لم يكن لحدنا وعي كامل لينتبه إلى أن العشق اسم ثنائي ل مكان فيه‬ ‫لطرف ثالث‪ .‬ولذا عندما حّولناه إلى مثلث‪ ،‬ابتلعنا كما يبتلع مثلث "برموبدا"‬ ‫كل البواخر التي تعبره خطأ؟‬ ‫كيف وصلنا إلى هنا‪.‬‬ ‫ي قدر بعثرنا ثم أعابد‬ ‫ي ريح حملتنا إلى هذه الديار الغريبة عن طقوسنا؟ أ ّ‬ ‫أ ّ‬ ‫جمع أقدارنا المتناقضة المبعثرة‪ ،‬وأعمارنا وتواريخنا المتفاوتة‪ ،‬ومعاركنا‬ ‫وأحلمنا المتباعدة‪ ،‬وأوقفنا هنا‪ ،‬أطرافاً في معركة نخوضها مع بعضنا ضد‬ ‫بعضنا بدون وعي؟‬ ‫بعد أشهر قرأت بين أوراق زيابد خاطرة‪ ،‬أبدهشتني بتطابقها مع أحاسيسي‬ ‫هذه‪ ،‬كتب فيها‪:‬‬ ‫ي الهزائم أكثر‬ ‫"عشقنا جولة أخرى خسرناها في زمن المعارك الفاشلة‪ ،‬فأ ّ‬ ‫إيلماً إذن؟‬ ‫ل الذي حصل‪.‬‬ ‫مقدراً كان ك ّ‬ ‫شعبين كنا لرض واحدة‪.‬‬ ‫ونبيين لمدينة واحدة‪.‬‬ ‫وها نحن قلبان لمرأة واحدة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫داً لللم‪) .‬هل يسعنا العالم معا؟(‪.‬‬ ‫كل شيء كان مع ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ها نحن نتقاسم كبرياءنا رغيفا عربيا مستديرا كجرحنا‪ .‬رصاصة مستديرة‬ ‫الرأس‪ ..‬أطلقوها على مربع أحمر‪ ،‬يتدرب فيه القدر على إطلق الرصاص‬ ‫على بدوائر سوبداء تصغر تدريجياً كالدّوار‪ ..‬حتى تصل مركز الموت‪..‬‬ ‫حيث الرصاصة ل تخطئ‪.‬‬ ‫حيث الرصاصة ل ترحم‪.‬‬ ‫وحيث سيكون قلب أحدنا‪"..‬‬ ‫كان زيابد في تلك المسيات الشتائية‪ ،‬يسهر أحياناً في غرفته ليكتب‪.‬‬ ‫وكنت أرى في ذلك علمة ل تخطئ‪..‬‬


‫ل بد أن يكون عاشقاً ليعوبد إلى الكتابة بهذه الشراهة‪ ،‬هو الذي لم يكتب‬ ‫شيئاً منذ عدة سنوات‪.‬‬ ‫كنت أبتسم أحيانًا‪ ،‬وصوت موسيقى خافتة ينبعث من غرفته حتى ساعة‬ ‫متأخرة من الليل‪.‬‬ ‫كأن زيابد كان يريد أن يمل رئتيه بالحياة‪ ،‬أو كأنه لم يكن يثق بها تمامًا‪.‬‬ ‫ويخاف إن هو نام أن تسرق منه شيًا‪.‬‬ ‫كان يستمع بدائماً إلى الشرطة نفسها التي ل أبدري من أين أحضرها‪،‬‬ ‫والتي لم أكن مولعاً بها أنا على وجه التحديد‪ ،‬كالموسيقى الكلسيكية‪..‬‬ ‫وشريط لفيفالدي وآخر لتيوبدوراكيس‪.‬‬ ‫وكنت أقول لنفسي وأنا أقضي أحياناً سهرة كاملة بمفربدي أمام التلفزيون‪:‬‬ ‫" إنه يعيش جنونه أيضًا‪ .‬هنالك جنون الصيف‪ ..‬وهنالك جنون الشتاء‪ .‬انتهى‬ ‫جنوني وبدأ جنونه!"‪.‬‬ ‫ولكن‪ ..‬كيف يمكن لي أن أعرف بدرجات جنونه هذا؟ من أين آتي بمقياس‬ ‫للزلزال‪ ،‬أعرف منه ما يحدث في أعماقه بالتحديد؟‬ ‫كيف يمكن ذلك‪ ،‬ونوباته كتابات سرية ل يدري بها غير الورق‪ .‬بينما يعّلق‬ ‫جنوني على الجدران إحدى عشرة لوحة تشهد ضدي‪ ..‬وتفضحني‪.‬‬ ‫فهل انتهى جنوني حقًا؟‬ ‫ل‪ ..‬أصبح فقط جنوناً بداخلياً ل علقة له بالبداع‪ .‬أصبح أحاسيس مرضّية‬ ‫ذرها هباًء في الغيرة واليأس‪.‬‬ ‫أب ّ‬ ‫كان إذا غّير زيابد بدلته‪ ،‬شعرت أنه يتوقع قدومك‪ ،‬وإذا جلس ليكتب فهو‬ ‫يكتب لك‪ ،‬وإذا ترك البيت فهو على موعد معك‪..‬‬ ‫نسيت في زحمة غيرتي‪ ،‬حتى السباب التي جاء من أجلها زيابد إلى‬ ‫باريس‪ ،‬ولقاءاته‪ ..‬وهواجسه الخرى‪.‬‬ ‫‪ ..‬ثم جاء ذلك السفر الذي كدت أنساه‪.‬‬ ‫ي أن أترككما‬ ‫ربما كانت تلك أكثر تجاربي ألماً على الطلق‪ .‬فقد كان عل ّ‬ ‫ت واحد هو‬ ‫عشرة أيام كاملة معاً في مدينة واحدة‪ .‬وربما غالباً في بي ٍ‬ ‫بيتي‪ ..‬نظراً لصعوبة لقائكما خارج البيت‪.‬‬


‫سافرت يومها وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنها فرصة لنا جميعًا‪ ،‬لنضع شيئاً‬ ‫من الترتيب في علقتنا‪ ،‬وأنه كان لبد لحدنا أن يتغّيب لتحسم هذه المور‬ ‫الغامضة بيننا نهائيًا‪.‬‬ ‫طبعًا‪ ،‬لم أكن مقتنعاً في أعماقي بهذا المنطق‪ ،‬أو على القل بهذا القدر‬ ‫ي‪.‬‬ ‫العنيد الذي جعل القرعة تقع عل ّ‬ ‫فمن الواضح أن القدر كان منحازاً لكما‪ .‬وكان ذلك يؤلمني كثيرًا‪ .‬ولكن ما‬ ‫د إيلماً لي‪:‬‬ ‫الذي كان أش ّ‬ ‫أن أبدري أنك مع رجل آخر‪ ،‬أم أن يكون ذلك الرجل هو زيابد ل سواه‪ ،‬أم أن‬ ‫تتم خيانتي في بيتي في غرف لم أتمتع بك فيها؟‬ ‫د سيذهب هو معك؟ وهل‬ ‫د ستذهبين معه‪ ..‬وإلى أي ح ّ‬ ‫يح ّ‬ ‫إلى أ ّ‬ ‫ستوقفه ذاكرتنا المشتركة‪ ..‬وكل ما جمعنا يوماً من قيم؟‬ ‫ك الكثير عن زيابد‪ ..‬ولم أقل لك الهم‪.‬‬ ‫قلت ل ِ‬ ‫كان زيابد يوماً خلّيتي السرية‪ ،‬أوراق انتمائي السرية‪.‬‬ ‫كان هزائمي وانتصاراتي‪ ،‬حججي وقناعاتي‪ ،‬كان عمراً سّرياً لعمٍر آخر‪.‬‬ ‫فهل سيخونني زيابد؟‬ ‫كنت قد بدأت أعتب عليه‪ ،‬وربما أحقد عليه مسبقًا‪.‬‬ ‫نسيت في جنون غيرتي‪ ،‬أنني لم أفعل شيئاً غير ذلك معك‪ ،‬أنا الذي‬ ‫ل كان يوماً قائدي‪ ،‬وكان يوماً صديقي‪..‬‬ ‫تن ّ‬ ‫كرت أيضاً لسي الطاهر‪ ،‬لرج ٍ‬ ‫لرجل أوبدعك عندي وصّية ذات يوم ومات شهيدًا‪.‬‬ ‫من منا الكثر خيانة إذن؟‬ ‫هو الذي قد يضع أحلمه ورغباته حّيز التنفيذ‪ ..‬أم أنا الذي لم أنّفذها لنني‬ ‫لم أجد فرصة لذلك؟‬ ‫أنا الذي أنام وأصحو معك من شهور‪ ،‬وأغتصبك حّتى في غفوتي‪ ..‬أم هو‬ ‫الذي ستكونين له بإرابدتك؟‬


‫هنالك مدن كالنساء‪ ،‬تهزمك أسماؤها مسبقًا‪ .‬تغريك وتربكك‪ ،‬تملك‬ ‫وتفرغك‪ ،‬وتجّربدك ذاكرتها من كل مشاريعك‪ ،‬ليصبح الحب كل برنامجك‪.‬‬ ‫هنالك مدن‪ ..‬لم تخلق لتزورها بمفربدك‪ .‬لتتجول وتنام وتقوم فيها‪ ..‬وتتناول‬ ‫فطور الصباح وحيدًا‪.‬‬ ‫هنالك مدن جميلة كذكرى‪ ،‬قريبة كدمعة‪ ،‬موجعة كحسرة‪..‬‬ ‫هنالك مدن‪ ..‬كم تشبهك!‬ ‫فهل يمكن أن أنساك في مدينة اسمها‪ ..‬غرناطة؟‬ ‫كان حّبك يأتي مع المنازل البيضاء الواطئة‪ ،‬بسقوفها القرميدية الحمراء‪..‬‬ ‫مع عرائش العنب‪ ..‬مع أشجار الياسمين الثقيلة‪ ..‬مع الجداول التي تعبر‬ ‫غرناطة‪ ..‬مع المياه‪ ..‬مع الشمس‪ ..‬مع ذاكرة العرب‪.‬‬ ‫كان حبك يأتي مع العطور والصوات والوجوه‪ ،‬مع سمرة الندلسيات‬ ‫وشعرهن الحالك‪.‬‬ ‫مع فساتين الفرح‪ ..‬مع قيثارة محمومة كجسدك‪ ..‬مع قصائد لوركا الذي‬ ‫تحبينه‪ ..‬مع حزن أبي فراس الحمداني الذي أحبه‪.‬‬ ‫كنت أشعر أنك جزء من تلك المدينة أيضًا‪ ..‬فهل كل المدن العربية أنت‪..‬‬ ‫وكل ذاكرة عربية أنت؟‬ ‫مر الزمان وأنت مازلت كمياه غرناطة‪ ،‬رقراقة الحنين‪ ..‬تحملين طعماً مميزاً‬ ‫ل علقة له بالمياه القابدمة من النابيب والحنفيات‪.‬‬ ‫سحر‪ ،‬في ذاكرة‬ ‫مر الزمن‪ ،‬وصوتك مازال يأتي كصدى نوافير المياه وقت ال ّ‬ ‫القصور العربية المهجورة‪ ،‬عندما يفاجئ المساء غرناطة‪ ،‬وتفاجئ غرناطة‬ ‫نفسها عاشقة لملك عربي غابدرها لتوه‪..‬‬ ‫كان اسمه "أبا عبد ا"‪ .‬وكان آخر عاشق عربي قّبلها!‬ ‫تراني كنت ذلك الملك الذي لم يعرف كيف يحافظ على عرشه؟‬ ‫تراني أضعتك بحماقة أبي عبد ا‪ ،‬وسأبكيك يوماً مثله؟‬ ‫كانت أمه قد قالت له يوماً وغرناظة تسقط في غفلة منه‪" :‬ابك مثل النساء‬ ‫ُملكاً ُمضاعًا‪ ،‬لم تحافظ عليه مثل الرجال‪"..‬‬ ‫فهل حقاً لم أحافظ عليك؟‪ .‬وعلى من ُأعلن الحرب‪ ..‬أسألك؟‬


‫ن‪ ..‬وأنتما ذاكرتي وأحّبتي‪.‬‬ ‫على َم ْ‬ ‫ن‪ ..‬وأنت مدينتي وقلعتي‪.‬‬ ‫على َم ْ‬ ‫م الخجل؟‬ ‫فلِ َ‬ ‫ك منذ أبي عبد ا‬ ‫هل هناك ملك عربي واحد‪ ..‬حاكم عربي واحد‪ ،‬لم يب ِ‬ ‫مدينة ما؟‬ ‫فاسقطي قسنطينة‪ ..‬هذا زمن السقوط السريع!‬ ‫هل سقطت حقاً يومها‪ ..‬هذا ما لن أعرفه أبدًا‪.‬‬ ‫ولكن أعرف فقط تاريخ سقوطك الخير‪ ،‬سقوطك النهائي الذي كنت‬ ‫شاهداً عليه بعد ذلك‪.‬‬ ‫ي جنون كان أن تزيد المسافات من حّبك‪ ،‬وأن تأخذي ملمح تلك المدينة‬ ‫فأ ّ‬ ‫ل ليلة لكتب لك رسائل كانت تولد من‬ ‫أيضًا‪ .‬وإذا بي كمجنون أجلس ك ّ‬ ‫ص لك فيها تفاصيل يومي‬ ‫بدهشتي وشوقي وغيرتي عليك‪ .‬كنت أق ّ‬ ‫وانطباعاتي في مدينة تشبهك حد الدهشة‪.‬‬ ‫كتبت لك مرة‪:‬‬ ‫ت كجسدك‪ ،‬مرسوم على طراز أندلسي‪.‬‬ ‫"أريد أن أحبك هنا‪ .‬في بي ٍ‬ ‫أريد أن أهرب بك من المدن المعّلبة‪ ،‬وُأسكن حّبك بيتاً يشبهك في تعاريج‬ ‫أنوثتك العربية‪.‬‬ ‫بيتاً تختفي وراء أقواسه ونقوشه واستداراته ذاكرتي الولى‪ .‬تظّلل حديقة‬ ‫شجرة ليمون كبيرة‪ ،‬كتلك التي يزرعها العرب في حدائق بيوتهم بالندلس‪.‬‬ ‫أريد أن أجلس إلى جوارك‪ ،‬كما أجلس هنا على حافة بركة ماء تسبح فيها‬ ‫سمكات حمراء‪ ،‬وأتأملك مدهوشًا‪.‬‬ ‫أستنشق جسدك‪ ،‬كما أستنشق رائحة الليمون البلدي الخضر قبل أن‬ ‫ينضج‪.‬‬ ‫ل شجرة أمرّ بها‪ ،‬أشتهيك‪"..‬‬ ‫أيتها الفاكهة المحّرمة‪ ..‬أمام ك ّ‬ ‫كم من الرسائل كتبت لك‪ ..‬هل يمكن لكاتبة أن تقاوم الكلمات؟ كنت أريد‬ ‫أن أطوقك بالحروف‪ ،‬أن أستعيدك بها‪ ،‬أن أبدخل معكما حلقة الكلمات‬ ‫المغلقة في وجهي بتهمة الرسم فقط‪ ،‬فرحت أخترع من أجلك رسائل لم‬ ‫تكتب قبلك لمرأة‪ .‬رسائل انفجرت في ذهني فجأة بعد خمسين سنة من‬


‫الصمت‪.‬‬ ‫تراني بدأت يومها أكتب كتابي هذا بدون أن أبدري‪ ،‬بعد أن انتقل عشقي لك‬ ‫إلى هذه اللغة التي كنت أكتب بها رسائل لول مرة‪ .‬قبلك كتبت لنساء‬ ‫عبرن حياتي أيام الشباب والمراهقة‪.‬‬ ‫لم أكن أجهد نفسي آنذاك في البحث عن الكلمات‪.‬‬ ‫كانت اللغة الفرنسية تستدرجني تلقائياً بحريتها للقول بدون عقد‪ ..‬ول‬ ‫خجل‪.‬‬ ‫معك رحت أكتشف العربية من جديد‪ .‬أتعلم التحايل على هيبتها‪ ،‬أستسلم‬ ‫لغرائها السري‪ ،‬ليحاءاتها‪.‬‬ ‫رحت أنحاز للحروف التي تشبهك‪ ..‬لتاء النوثة‪ ..‬لحاء الحرقة‪ ..‬لهاء النشوة‪..‬‬ ‫للف الكبرياء‪ ..‬للنقاط المبعثرة على جسدها خال أسمر‪..‬‬ ‫هل اللغة أنثى أيضًا؟ امرأة ننحاز إليها بدون غيرها‪ ،‬نتعلم البكاء والضحك‪..‬‬ ‫والحب على طريقتها‪ .‬وعندما تهجرنا نشعر بالبربد وباليتم بدونها؟‬ ‫تراك قرأت تلك الرسائل؟‪ .‬هل شعرت بعقدة يتمي وخوفي من مواسم‬ ‫الصقيع؟‬ ‫أأبدهشتك أم تراها جاءت في غير وقتها؟‬ ‫كان ل بد أن أكتبها لك قبل أن يتسلل زيابد إليك من كل المسام‪ ،‬ويصبح‬ ‫لغتك‪.‬‬ ‫فهل تفيد رسائل الحب عندما تأتي متأخرة عن الحب؟‬ ‫ألم يحب سلفابدور بدالي وبول إيلوار المرأة نفسها؟‬ ‫وعبثاً راح بول إيلوار يكتب لها أجمل الرسائل‪ ..‬وأروع الشعار‪ ..‬ليستعيدها‬ ‫ضلت جنون بدالي المجهول آنذاك‪..‬‬ ‫من بدالي الذي خطفها منه‪ .‬ولكنها ف ّ‬ ‫على قوافي بول إيلوار‪ .‬وظّلت حتى موتها منحازة لريشة بدالي فقط الذي‬ ‫تزوجها أكثر من مرة بأكثر من طقس‪ ،‬ولم يرسم امرأة غيرها طوال حياته‪.‬‬ ‫الواقع أن الحب ل يكرر نفسه كل مرة‪ ،‬وأن الرسامين ل يهزمون الشعراء‬ ‫كر في ثياب الكلمات‪.‬‬ ‫بدائمًا‪ ..‬حتى عندما يحاولون التن ّ‬ ‫***‬


‫صة لزمتني طوال تلك‬ ‫عندما عدت بعد ذلك إلى باريس‪ ،‬كان في الحلق غ ّ‬ ‫ي متعة نجاح ذلك المعرض‪ .‬واللقاءات الجميلة أو‬ ‫اليام‪ ،‬وأفسدت عل ّ‬ ‫مت لي أثناءه‪.‬‬ ‫المفيدة التي ت ّ‬ ‫كان هناك شيء بداخلي ينزف بدون توّقف‪ .‬عاطفة جديدة للغيرة والحقد‬ ‫ل لحظة أن شيئاً ما يحدث هناك‪.‬‬ ‫الغامض الذي ل يفارقني ويذّكرني ك ّ‬ ‫ً‬ ‫دني بالبريد الذي‬ ‫استقبلني زيابد بشوق‪) .‬أكان حقاً سعيدا بعوبدتي؟(‪ .‬أم ّ‬ ‫جل عليها أسماء الذين طلبوني هاتفياً خلل‬ ‫وصل أثناء غيابي وبورقة س ّ‬ ‫تلك اليام‪.‬‬ ‫أمسكتها بدون أن ألقي عليها نظرة‪ .‬كنت أبدري أنني لن أجد اسمك فيها‪.‬‬ ‫ثم راح يسألني عن المعرض‪ ..‬عن سفرتي وأخباري العامة‪ ،‬ويحدثني عن‬ ‫سرته بارتباكه لحظتها‬ ‫آخر التطورات السياسية بشيء من القلق‪ ،‬الذي ف ّ‬ ‫أمامي لسبب أو لخر‪.‬‬ ‫كنت أستمع إليه وأنا أتفقد بحواسي ذلك البيت كما في خرافة الغول الذي‬ ‫مم الجواء بحثاً عن إنسان قد يكون تسّلل‬ ‫كان كلما عابد إلى بيته‪ ،‬راح يتش ّ‬ ‫إلى مغارته أثناء غيابه‪..‬‬ ‫كنت أشعر أنك مررت بهذا البيت‪ .‬إحساس غامض كان يؤكد لي ذلك‪ ،‬بدون‬ ‫أن أجد في الواقع حجة تثبت لي شكوكي‪.‬‬ ‫جة؟‪ ..‬هل يعقل أن تمر عشرة أيام بدون أن تلتقيا‪ ..‬وأين‬ ‫ولكن هل تهم الح ّ‬ ‫يمكن أن تلتقيا في مكان غير هذا؟ وإذا التقيتما هل ستكتفيان بالحديث؟‬ ‫ت منجماً للكبريت‪ ..‬وكان زيابد عاشقاً مجوسياً يعبد الّلهب!‬ ‫كن ِ‬ ‫فهل كان يمكن أن يصمد طويل ً في وجه نيرانك‪ ..‬أنت المرأة التي يحلم‬ ‫الرجال أن يحترقوا بها ولو وهمًا؟‬ ‫رحت أبحث في ملمح زيابد عن فرحٍ ما‪ ،‬عن سعابدٍة ما أجد فيها الحجة‬ ‫القاطعة على أنك كنت له‪.‬‬ ‫ولكن لم يبُد على وجهه أي شعور خاص‪ ،‬غير القلق‪.‬‬ ‫فجأة حدثني عنك قال‪:‬‬ ‫‪ -‬لقد طلبت منها أن تأتي غداً لنتناول معاً غداءنا الخير‪..‬‬


‫صحت بشيء من الدهشة‪:‬‬ ‫ لماذا الخير؟‬‫قال‪:‬‬ ‫ لنني سأسافر الحد‪..‬‬‫ ولماذا الحد؟‬‫قلتها وأنا أشعر بشيء من الحزن والفرح معًا‪.‬‬ ‫أجاب زيابد‪:‬‬ ‫ لنني يجب أن أعوبد‪ ..‬كنت أنتظر فقط عوبدتك لسافر‪ .‬لم يكن مقرراً أن‬‫د أن أعوبد‪..‬‬ ‫أبقى هنا أكثر من أسبوعين‪ .‬لقد قضيت شهراً كامل ً ول ب ّ‬ ‫ثم أضاف بشيء من السخرية‪:‬‬ ‫ قبل أن أتعوبد على الحياة الباريسية‪.‬‬‫ت الحياة الباريسية التي كان يخاف أن يتعوبد عليها؟ تراه كان يهرب‬ ‫تراك أن ِ‬ ‫ً‬ ‫ب آخر أم أن مهمته قد انتهت أخيرا فلم يعد أمامه غير‬ ‫مرة أخرى من ح ٍ‬ ‫الرحيل؟‬ ‫مر يوم السبت وسط مشاغل عوبدتي‪ ،‬وانشغال زيابد بترتيب تفاصيل‬ ‫سفره‪.‬‬ ‫حاولت أن أتحاشى الجلوس إليه ذلك المساء‪ .‬ولكن كان يوم الحد يتربص‬ ‫بنا ويضعنا أخيراً وجهاً لوجه نحن الثلثة في ذلك الغداء الحاسم‪.‬‬ ‫سرتها على طريقتي بأنها شعور‬ ‫يومها قابلتني بحرارة لم أتوقعها‪ .‬ف ّ‬ ‫بالذنب‪) ،‬أو ربما بالمتنان(‪ .‬ألم أقدم لك حباً على طبق من شعر على‬ ‫طاولة هي‪ ..‬بيتي؟!‬ ‫ثم شكرتني على رسائلي‪ ،‬وأبديت إعجابك بأسلوبي‪ ..‬وكأنك أستاذة قدم‬ ‫لها تلميذ نصّاً إنشائيًا‪.‬‬ ‫دثت زيابد عنها وربما أريته إياها‬ ‫أزعجني شكرك العلني‪ ،‬وشعرت أنك ح ّ‬ ‫أيضًا‪.‬‬


‫كنت على وشك أن أقول شيئاً عندما واصلت‪:‬‬ ‫ تمنيت لو كنت معك هناك‪ ..‬هل غرناطة جميلة حقاً إلى هذا الحد؟ وهل‬‫زرت حقاً بيت غارسيا لوركا في )خوانتا فاكيروس(‪ ..‬أليس هذا اسم ضيعته‬ ‫دثني عنه‪..‬‬ ‫كما قلت؟ ح ّ‬ ‫وجدت في طريقتك في بدء الحديث معي من الهوامش‪ ،‬شيئاً مثيراً‬ ‫للدهشة‪ ،‬وربما للتفكير أيضًا‪.‬‬ ‫أهذا كل ما وجدت قوله بعد كل الزوابع التي مّرت بنا‪ ،‬وبعد عشرة أيام من‬ ‫الجحيم الذي عشته وحدي؟‬ ‫ل أبدري كيف خطر عندئٍذ في ذهني شهد لفيلم شاهدته يوماً عن حياة‬ ‫لوركا‪..‬‬ ‫قلت لك‪:‬‬ ‫ أتدرين كيف مات لوركا؟‬‫ت‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫بالعدام‪..‬‬‫قلت‪:‬‬ ‫ش‪ ..‬وكان يمشي عندما‬ ‫ ل‪ ..‬وضعوه أمام سهل شاسع وقالوا له ام ِ‬‫ً‬ ‫أطلقوا خلفه الرصاص‪ ،‬فسقط ميتاً بدون أن يفهم تماما ما الذي حدث له‪.‬‬ ‫إنه أحزن ما في موته‪ .‬فلم يكن لوركا يخاف الموت‪ ،‬كان يتوّقعه‪ ،‬ويذهب‬ ‫إليه مشياً على القدام كما نذهب لموعٍد مع صديق‪ ..‬ولكن كان يكره فقط‬ ‫أن تأتيه الرصاصة من الظهر!‬ ‫شعرت آنذاك أن زيابد تلقي كلماتي كرصاصة في الصدر‪ .‬رفع عينيه نحوي‪،‬‬ ‫أحسسته على وشك أن يقول شيئاً ولكنه صمت‪.‬‬ ‫كنا نفهم بعضنا بدون كثير من الكلم‪.‬‬ ‫ي أكثر من‬ ‫ندمت بعدها على إيلمي المتعمد له‪ .‬فقد كان إيلمه يعزّ عل ّ‬ ‫ألمك‪ .‬ولكن كان هذا أقل ما يمكن أن أقوله له بعد كل ما عشته من عذاب‬ ‫بسببه‪.‬‬


‫وربما كان أكثره أيضًا‪.‬‬ ‫تحول غداؤنا فجأة إلى وجبة صمت مربك تتخلله أحيانا أحابديث مفتعلة‪،‬‬ ‫ت بفطرٍة نسائية لترطيب الجو‪ ..‬وربما للمراوغة‪ .‬ولكن‬ ‫ت تخترعينها أن ِ‬ ‫كن ِ‬ ‫عبثًا‪.‬‬ ‫كان هناك شيء من البّلور قد انكسر بيننا‪ .‬ولم يعد هناك من أمل لترميمه‪.‬‬ ‫ك بعدها‪:‬‬ ‫سألت ِ‬ ‫ هل ستأتين معي لنرافق زيابد إلى المطار؟‬‫ت‪:‬‬ ‫أجب ِ‬ ‫ل‪ ..‬ل يمكن أن أذهب إلى المطار‪ ..‬قد ألتقي بعمي هناك‪ ،‬إذ أنه يحدث‬‫أن يمر بمكتب الخطوط الجوية الجزائرية‪ .‬ثم إنني أكره المطارات‪ ..‬وأكره‬ ‫مراسيم الوبداع‪ .‬الذين نحبهم ل نوبدعهم‪ ،‬لننا في الحقيقة ل نفارقهم‪ .‬لقد‬ ‫خلق الوبداع للغرباء‪ ..‬وليس للحبة‪.‬‬ ‫كانت تلك إحدى طلعاتك العجيبة المدهشة كقولك السابق مثل ً "نحن ل‬ ‫نكتب إهداًء سوى للغرباء وأما الذين نحبهم فهم جزء من الكتاب وليسوا‬ ‫في حاجة إلى توقيع في الصفحة الولى‪"..‬‬ ‫ولماذا الوبداع؟‬ ‫هل هناك من ضرورة لوبداع آخر؟‬ ‫كنت أراك طوال وجبة الغداء تلتهمينه بنظراتك ول تأكلين شياً سواه‪.‬‬ ‫ل شيء‬ ‫كانت عيناك توّبدعان جسده قطعة قطعة‪ .‬تتوّقفان طويل ً عند ك ّ‬ ‫فيه‪ ،‬وكأنك تختزنين منه صوراً عدة‪ ..‬لزمن لن يبقى لك فيه سوى الصور‪.‬‬ ‫وكان هو يتحاشى نظراتك‪ ،‬ربما مراعاة لي‪ ،‬أو لن كلماتي الموجعة أفقدته‬ ‫رغبة الحب‪ ..‬ورغبة الكل كذلك‪ .‬وجعلته يحّول نظراته الحزينة إلى أعماقه‬ ‫وإلى ما بعد السفر‪.‬‬ ‫وكنت أنا ل أقل حزناً عنكما‪ ،‬ولكن حزني كان فريداً وفربدي ّاً كخيبتي‪.‬‬ ‫صتكما العجيبة‪.‬‬ ‫متشّعب السباب غامضاً كموقفي من ق ّ‬ ‫وربما زابده رفضك مرافقتي إلى المطار توترًا‪ .‬فقد كنت أطمع في عوبدتك‬ ‫معي على انفرابد لخلو أخيراً بك‪ .‬لفهم منك بدون كثير من السئلة‪ ،‬إلى‬ ‫ي بدون‬ ‫ي مدى كنت قابدرة على محو تلك اليام من ذاكرتك‪ ،‬والعوبدة إل ّ‬ ‫أ ّ‬


‫جروح أو خدوش‪..‬‬ ‫كنت أبدري أن قلبك قد أصبح منحازاً إليه‪ .‬وربما جسدك أيضًا‪ .‬ولكنني كنت‬ ‫ي‪ ،‬لنه لن يكون‬ ‫أثق بمنطق اليام‪ .‬وأعتقد أنك في النهاية ستعوبدين إل ّ‬ ‫هناك سواي‪ ..‬ولنني ذاكرتك الولى‪ ..‬وحنينك الول لبوة كنت أنا نسخة‬ ‫أخرى عنها‪.‬‬ ‫فرحت أراهن على المنطق وأنتظرك‪.‬‬

‫رحل زيابد‪..‬‬ ‫ورحت أستعيد تدريجياً بيتي وعابداتي الولى قبله‪.‬‬ ‫كنت سعيداً ولكن بمرارة غامضة‪ .‬فقد كنت تعّوبدت على وجوبده معي‪،‬‬ ‫وكنت أشعر بشيء من الوحدة المفاجئة وهو يتركني وحدي لموسم‬ ‫الشتاء؛ لتلك اليام الرمابدية‪ ،‬والسهرات الطويلة المدهشة‪.‬‬ ‫رحل زيابد‪ ..‬وفرغ البيت منه فجأة كما امتل به‪.‬‬ ‫لم يبق سوى تلك الحقيبة التي قد تشهد على مروره من هنا‪ ،‬والتي‬ ‫تركها أسفل الخزانة بعدما جمع فيها أوراقه وأشياءه‪ ،‬والتي رأيت في‬ ‫بقائها عندي مشروع عوبدة محتملة‪ ،‬قد تكونين أنت أحد أسبابها‪.‬‬ ‫ولكن لبد أن أعترف أن سعابدتي كانت تفوق حزني‪ ،‬وأنني كنت أشعر‬ ‫أنني أستعيدك وأنا أستعيد ذلك البيت الفارغ منه‪.‬‬ ‫كنت أشعر أن هذا البيت سيمتلئ أخيراً بحضورك بطريقة أو بأخرى‪ ،‬وأنني‬ ‫سأخلو فيه بك وأنا أخلو لنفسي‪.‬‬ ‫سأعيدك إليه تدريجيًا‪ .‬ألم تعترفي مراراً أنك تحبينه‪ ..‬تحبين طريقة ترتيبه‪..‬‬ ‫ل عليه؟‬ ‫تحبين ضوءه‪ ..‬منظر نهر السين الذي يط ّ‬ ‫أن ترى كنت تحبين فقط زيابد‪ ،‬وحضوره الذي كان يؤثث كل شيء‪ ..‬ويجعل‬ ‫الشياء أحلى!‬


‫في البدء‪ ..‬كنت أتوقع هاتفك‪ .‬كنت أتمسك به‪ ،‬أستنجد به‪ ،‬ولكن صوتك‬ ‫كان ينسحب أيضاً تدريجياً أمام بدهشتي‪.‬‬ ‫ل أسبوعين‪ ،‬ثم نابدرًا‪ ،‬قبل أن ينقطع‬ ‫كان هاتفك يأتي مرة كل أسبوع‪ ،‬ثم ك ّ‬ ‫نهائيًا‪.‬‬ ‫كان يأتي شحيحاً كقطرات الدواء‪ .‬وكنت أشعر أحياناً أنك تطلبينني مجاملة‬ ‫فقط‪ ،‬أو عن ضجر‪ ،‬أو ربما بنية غير معلنة لمعرفة أخبار زيابد‪.‬‬ ‫وكنت أنا أثناء ذلك‪ ،‬أتساءل "تراه كان يكتب إليك مباشرة بعنوان البيت‪،‬‬ ‫ولهذا لم تكوني في حاجة إلى أن تسأليني مرة عن أخباره؟‬ ‫أم أنه كعابدته أخبرك مسبقاً أنه لن يكتب إليك‪ ،‬وأن عليك مثله أن تتعلمي‬ ‫ي أيضًا!‪.‬‬ ‫النسيان‪ .‬فرحت تطّبقين تلك العقوبة عل ّ‬ ‫كان زيابد يكره أنصاف الحلول في كل شيء‪.‬‬ ‫ميه‬ ‫كان متطرفاً كأي رجل يحمل بندقية‪ .‬ولذا كان يكره أيضاً ما كان يس ّ‬ ‫سابقاً "أنصاف الملذات" أو "أنصاف العقوبات"!‬ ‫كان رجل الختيارات الحاسمة‪ .‬فإما أن يحب ويتخلى عندئٍذ عن كل شيء‬ ‫ليبقى مع من يحب‪ ،‬أو يرحل لن الذي ينتظره هناك أهم‪ .‬وعندها لن يكون‬ ‫من مبرر لتعذيب النفس بالشواق والذكرى‪.‬‬ ‫تساءلت طويل ً بعد ذلك‪ ،‬ماذا عساه اختار؟‬ ‫تراه تصّرف هذه المرة أيضاً كما تصرف منذ سنوات في الجزائر مع تلك‬ ‫الفتاة التي كان على وشك الزواج منها‪..‬‬ ‫أم أنه تغّير هذه المرة‪ ،‬ربما بحكم العمر‪ ..‬وربما فقط لنك أنت‪ ،‬ولن الذي‬ ‫حدث بينكما لم يكن قصة عابدية تحدث بين شخصين عابديين‪.‬‬ ‫كنت أحاول أحياناً استدراجك للحديث عنه‪ ،‬عساني أصل إلى نتيجة‬ ‫تساعدني على تحديد القواعد الجديدة للعبة‪ ..‬والتأقلم معها‪.‬‬ ‫وكنت تراوغينني كعابدتك‪ .‬كان من الواضح أنك تحّبين أن أحدثك عنه‪ ،‬ولكن‬ ‫بدون أن تبوحي لي بشيء‪.‬‬ ‫كنت تناقضين نفسك كل لحظة‪ .‬تمزجين بين الجد والمزاح‪ ،‬وبين الحقيقة‬ ‫والكذب‪ ،‬في محاولة للهروب من شيء ما‪..‬‬


‫كان كلمك كذباً أبيض أستمع إليه بفرشاتي‪ ،‬وألّون جمله بألوان أكثر‬ ‫تناسباً مع كل ما أعرفه عنك‪.‬‬ ‫تعوبدت أن أكسو ما تقولينه لي بالبنفسجي‪ ،‬بالزرق‪ ..‬والرمابدي‪ ،‬بالقلق‬ ‫الذي يخيم على كل ما تقولينه‪.‬‬ ‫تعوبدت أن أجمع حصيلة ما قلته لي‪ ،‬وأصنع منها حواراً لرسوم متتالية على‬ ‫ورق‪ ،‬أضع عليها أنا التعليقات المناسبة لحوار آخر وكلم لم نقله‪.‬‬ ‫لعلني وقتها بدأت أكتشف تدريجياً تلك العلقة الغامضة التي بدأت تربطك‬ ‫في ذاكرتي بذلك اللون البيض‪.‬‬ ‫لم يكن كلمك وحده كذباً أبيض‪.‬‬ ‫كنت امرأة تملك قدرة خارقة على استحضار ذلك اللون في كل أشكاله‬ ‫وأضدابده‪ .‬أو لعلني وقتها أيضاً بدأت بدون أن أبدري وبحدس غامض أخرج هذا‬ ‫اللون نهائياً من ألوان لوحاتي‪ ،‬وأحاول الستغناء عنه‪ ،‬في محاولة مجنونة‬ ‫للغائك‪.‬‬ ‫كان لوناً متواطئاً معك‪ .‬منذ ذلك اليوم الذي رأيتك فيه طفلة تحبو بينما‬ ‫ف فوق خشبات منصوبة فوق كانون‪ .‬غمزة‬ ‫أثوابها الطفولية البيضاء تج ّ‬ ‫مسبقة للقدر الذي كان ُيهّيأ لي معك على ناٍر باربدة‪ ،‬أكثر من ثوب أبيض‪.‬‬ ‫ل اللوان وكل الشياء‪ .‬فكم من‬ ‫كان البيض لوناً مثلك يدخل في تركيب ك ّ‬ ‫الشياء يجب أن أبدّمر قبل أن أنتهي منه! وكم من اللوحات سألغي إن أنا‬ ‫قاطعته!‬ ‫كنت أحاول بكل الشكال )واللوان‪ ( ..‬أن أنتهي منك‪ .‬ولكني كنت في‬ ‫الحقيقة أزبدابد توّرطاً في حبك‪.‬‬ ‫اعترفت لك مرة على الهاتف‪ ..‬في لحظة يأس‪:‬‬ ‫أتدرين‪ ..‬حبك صحراء من الرمال المتحركة‪ ،‬لم أعد أبدري أين أقف فيها‪..‬‬ ‫ك الموجعة‪:‬‬ ‫أجبتني بسخريت ِ‬ ‫ قف حيث أنت‪ ..‬المهم أل تتحرك‪ .‬فكل محاولة للخلص في هذه الحالت‪،‬‬‫ستجعل الرمال تسحبك أكثر نحو العمق‪ .‬إنها النصيحة التي يوجهها أهل‬ ‫الصحراء لكل من يقع في بالوعة الرمال المتحركة‪ ..‬كيف ل تعرف هذا؟!‬ ‫يومها كان ل بد أن أحزن‪ ..‬ولكنني ضحكت‪ .‬ربما لنني أحب سخريتك‬ ‫ذبنا بذكاء‪.‬‬ ‫الذكية حتى عندما تكون موجعة‪ ،‬فنحن قلما نلتقي بامرأة تع ّ‬


‫ت تزّفين لي احتمال موت كنت أراه جميل ً بقدر ما هو‬ ‫وربما لنك كن ِ‬ ‫حتمي‪..‬‬ ‫تذّكرت مثل ً شعبياً رائعًا‪ ،‬لم أكن قد تنّبهت له من قبل" "الطير الحر ما‬ ‫ينحكمش‪ ،‬وإذا انحكم‪ ..‬ما يتخّبطش!"‪.‬‬ ‫وكنت أشعر آنذاك أنني ذلك الطائر المكابر الذي ينتسب إلى سللة‬ ‫الصقور والنسور التي ل يسهل اصطيابدها‪ ،‬والتي عندما ُتصطابد‪ ،‬تصبح‬ ‫شهامتها في أن تستسلم بكبرياء‪ ،‬بدون أن تقاوم أو تتخّبط كما يفعل طائر‬ ‫خ‪.‬‬ ‫صغير وقع في ف ّ‬ ‫ت بدهشة‪:‬‬ ‫عندما أجبتك يومها بذلك المثل الشعبي‪ ،‬صح ِ‬ ‫ ما أجمله‪ ..‬لم أكن أعرفه!‬‫أجبتك وسط تنهيدة‪:‬‬ ‫ لنك لم تعرفي الرجال‪ ..‬ليس هذا زمناً للصقور ول للنسور‪ ..‬إنه زمن‬‫جنة التي تنتظر في الحدائق العمومية!‬ ‫للطيور المد ّ‬ ‫ست سنوات مّرت على ذلك الحديث‪ .‬وها أنا أذكره اليوم مصابدفة‪ ،‬وأستعيد‬ ‫نصيحتك الخيرة‪:‬‬ ‫"قف حيث أنت‪ ..‬المهم أل تتحرك!"‪.‬‬ ‫ي من العواصف والزوابع‪ ..‬والرمال‬ ‫دقت يومها أنك كنت تخافين عل ّ‬ ‫كيف ص ّ‬ ‫المتحركة‪ .‬أنت التي أوقفتني هنا في مهب الجرح عدة سنوات‪ ،‬ورحت‬ ‫ي‪ ..‬وتحّرضين‬ ‫تنفخين حولي العواصف وتحركين أمواج الرمال تحت قدم ّ‬ ‫ي‪.‬‬ ‫القدر عل ّ‬ ‫لم أتحرك أنا‪..‬‬ ‫ظللت واقفاً بحماقة عند عتبات قلبك لسنوات عدة‪.‬‬ ‫كنت اجهل أنك تبتلعينني بصمت‪ ،‬أنك تسحبين الرض من تحت قدمي‬ ‫وأنني أنزلق نحو العمق‪.‬‬ ‫كنت أجهل أن زوابعك ستعوبد كل مرة‪ ،‬وحتى بعد غيابك بسنوات لتغتالني‪.‬‬ ‫واليوم‪ ..‬وسط العاصير المتأخرة يأتي كتابك ليثير بداخلي زوبعة من‬


‫الحاسيس المتطّرفة والمتناقضة معًا‪.‬‬ ‫ت‪..‬‬ ‫"منعطف النسيان" قل ِ‬ ‫من أين يأتي النسيان‪..‬أسألك؟‬

‫***‬

‫مازلت أذكر ذلك اليوم من فبراير‪ ،‬عندما جاء صوت سي الشريف على‬ ‫الهاتف‪ ،‬ليدعوني إلى العشاء في منزله‪.‬‬ ‫فوجئت بدعوته‪ ،‬ولم أسأله حتى عن مناسبتها‪ .‬فهمت منه فقط أنه بدعا‬ ‫آخرين للعشاء‪ ،‬وأننا لن نكون بمفربدنا‪.‬‬ ‫أعترف أنني كنت سعيداً ومرتبكاً بفرحي‪.‬‬ ‫خجلت من نفسي لنني منذ لقائنا الخير لم أطلبه سوى مرة واحدة‬ ‫ي أن أزوره ولو مرة في المكتب‪ ،‬لنأخذ‬ ‫بمناسبة العيد‪ ،‬برغم إلحاحه عل ّ‬ ‫قهوة معًا‪.‬‬ ‫فجأة‪ ،‬أخذت قراراً ربما كان أحمق‪.‬‬ ‫قررت أن آخذ إحدى لوحاتي لهديها إياه‪.‬‬ ‫ألم يهدني اليوم تلك الفرحة التي لم أعد أتوقعها؟‬ ‫سأثبت له بدون كلم‪ ،‬أن لوحاتي ل تتداول إل بعملة القلب وليس بالعملت‬ ‫المشبوهة‪.‬‬ ‫بعد ذلك وجدت لهذه الفكرة حسنة أخرى‪.‬‬ ‫سأكون حاضراً في ذلك البيت الذي تسكنينه ولو معّلقاً على جدار‪.‬‬ ‫في اليوم التالي‪ ،‬حملت لوحتي وذهبت إلى ذلك العشاء‪.‬‬


‫كان القلب يركض بي‪ ،‬يسبقني في ذلك الحي الراقي بحثاً عن تلك‬ ‫البناية‪ .‬حتى أنني لم أعد أذكر من اهتدى إلى بيتك أو ً‬ ‫ل‪ :‬عيناي‪ ..‬أم‬ ‫قلبي‪.‬‬ ‫عندما بدخلتها شعرت أن عطرك كان يتربص بي عند المدخل‪..‬وفي‬ ‫المصعد‪ ..‬وأنك كنت هنا تقوبدين وجهتي بعطرك فقط‪.‬‬ ‫ب بي بعناق حار‪ ،‬زابدت حرارته‬ ‫استقبلني سي الشريف عند الباب‪ .‬رح ّ‬ ‫رؤية تلك اللوحة الكبيرة التي كنت أحملها بصعوبة‪.‬‬ ‫بدا لي في تلك اللحظة أنه لم يصدق تماماً أن تكون هدية له‪ .‬تربدبد قبل أن‬ ‫يأخذها مني‪ ،‬لكنني استوقفته لقول له‪" :‬هذه لوحة مني‪ ..‬إنها هدية‬ ‫لك‪"..‬‬ ‫رأيت فجأة على وجهه فرحاً وغبطة نابدرة‪ .‬وراح ينزع عنها الغلف على‬ ‫عجل‪ ،‬بفضول من ربح شيئاً في اليانصيب‪.‬‬ ‫ثم صاح وهو يرى منظر تلك القنطرة معّلقة وسط الضباب إلى السماء‪:‬‬ ‫ هذي قنطرة الجبال!‬‫وقبل أن أقول شيئاً عانقني وقال وهو يربت على كتفي‪:‬‬ ‫ يعطيك الصحة‪ ..‬تعيش آ حبيبي‪ ..‬تعيش!‬‫لم أتمالك نفسي من تقبيله بالحرارة نفسها‪ ،‬لنه أهداني شيئاً ربما لم‬ ‫ينتبه لثمنه عندي‪.‬‬ ‫رافقني سي الشريف إلى الصالون وهو يمسك ذراعي بيد‪ ،‬ويمسك‬ ‫دمني إلى ضيوفه‪،‬‬ ‫لوحتي باليد الخرى‪ .‬واتجه بي نحو ذلك المجلس ليق ّ‬ ‫كأنه يريد أن يشهد الجميع على امتنانه لي‪ .‬أو ربما على علقتنا وصداقتنا‬ ‫الوطيدة‪ ،‬التي كان شائعاً عني أنني ل أجوبد بها في هذا الزمن المبتذل‪..‬‬ ‫إل على القّلة‪.‬‬ ‫لفظ أمامي عدة أسماء لعدة وجوه‪ ،‬صافحت أصحابها وأنا أتساءل من يكون‬ ‫معظمهم‪.‬‬ ‫ميه النبتات‬ ‫لم أكن أعرف منهم غير واحد أو اثنين‪ ،‬وأما البقية فكانوا ما أس ّ‬ ‫الطفيلية‪ ..‬أو "النبتات السيئة"‪ .‬كما يسمي الفرنسيون تلك النبتة التي‬ ‫تنمو من اللشيء‪ ،‬في أي حوض أو أية تربة‪ ،‬وإذا بها تمد جذورها فجأة‬


‫وتضاعف أوراقها وفروعها‪ ،‬حتى تطغى وحدها ذات يوم على كل التربة‪.‬‬ ‫ل أبدري لماذا كنت بدائماً أملك الحاسة القوية التي تجعلني أتعّرف على‬ ‫هذا النوع من المخلوقات أينما كانوا‪ .‬فهم على اختلف أشكالهم وهيآتهم‬ ‫ومناصبهم يمتلكون مظهراً مشتركاً يفضحهم‪ ،‬بذلك الزيف والرياء المفرط‬ ‫وبمظاهر الغنى والوجاهة الحديثة التي لبسوها على عجل‪ ..‬وبذلك‬ ‫القاموس المشترك في الحديث الذي يوهمك أنهم أهم مما تتوقع‪.‬‬ ‫نظرة خاطفة واحدة‪ ،‬وبعض الجمل المتبابدلة فقط‪ ،‬كانت كافية لستنتج‬ ‫نوعية ذلك المجلس "الراقي" الذي يضم نخبة من وجهاء المهجر‪ ،‬الذين‬ ‫يحترفون الشعارات العلنية‪ ..‬والصفقات السرية‪.‬‬ ‫من الواضح أنني كنت في كوكب ليس كوكبي‪..‬‬ ‫راح سي الشريف يطلع ضيوفه على تلك اللوحة بشيء من الفخر والموبدة‬ ‫معًا‪..‬‬ ‫ي ليقول لي‪:‬‬ ‫والتفت إل ّ‬ ‫ي‪ .‬كنت للذكرى أريد‬ ‫_ أتدري خالد‪ ..‬لقد حققت لي اليوم أمنية عزيزة عل ّ‬ ‫أن يكون في بيتي شيء لك‪ .‬ل تنس أنك صديق طفولتي وابن حّيي‬ ‫ي؟‬ ‫"كوشة الزيات"‪ ..‬أتذكر ذلك الح ّ‬ ‫كنت أحب سي الشريف‪ .‬كان فيه شي من هيبة قسنطينة وحضورها‪،‬‬ ‫شيء من الجزائر العريقة وذاكرتها‪ ،‬شيء من سي الطاهر‪ ،‬من صوته‬ ‫وطّلته‪..‬‬ ‫ي لم يلّوث بعد برغم كل شيء‪ .‬ولكن حتى‬ ‫وكان في أعماقه شيء نق ّ‬ ‫متى‪..‬‬ ‫كنت أشعر أنه محاط بالذباب وبقذارة المرحلة‪ .‬وكنت أخاف أن يتسلل إليه‬ ‫العفن حتى العمق ذات يوم‪.‬‬ ‫أخاف عليه‪ ،‬وقد أخاف على ذلك السم الكبير الذي يحمله إرثاً من سي‬ ‫الطاهر من التدنيس‪.‬‬ ‫ترى أكان شعوري ذلك حدسًا‪ ،‬أم استنتاجاً منطقياً لذلك الواقع الموجع‬ ‫الذي كنت أراه محاطاً به؟‬ ‫فهل سينجو سي الشريف من هذه العدوى؟ وماذا عساه أن يختار؟ في‬ ‫أية بحيرة سيسبح‪ ..‬مع أي تيار وضد أي تيار‪ ..‬ول حياة للسماك الصغيرة‬


‫المعزولة في هذه المياه العكرة التي تحكمها أسماك القرش؟‬ ‫ن سي الشريف قد اختار‬ ‫كان الجواب أمامي ولم أنتبه في تلك السهرة‪ ،‬أ ّ‬ ‫بحيرته العكرة وانتهى المر‪.‬‬ ‫قال جاري النيق خلف سيجاره الكوبي‪:‬‬ ‫ لقد كنت بدائماً معجباً برسومك‪ ..‬وطلبت أن يتصلوا بك لتساهم في بعض‬‫مشاريعنا‪ ..‬ولكنني ل أذكر أنني شاهدت لك أي لوحات عندنا‪.‬‬ ‫لم أكن أبدري آنذاك من هو محدثي‪ ..‬ول عن أية مشاريع كان يحدثني‪.‬‬ ‫ولكن كان يكفي أن يتحدث عن نفسه بصيغة الجمع‪ ،‬لفهم أنه شخصية‬ ‫فوق العابدة‪.‬‬ ‫دثي فتدخل موضحًا‪:‬‬ ‫وكأن سي الشريف تنّبه إلى أنني أجهل هوية مح ّ‬ ‫ إن )سي‪ (..‬مولع بالفن‪ ،‬وهو مشرف على مشاريع كبرى ستغّير الوجه‬‫الثقافي للجزائر‪.‬‬ ‫ثم أضاف وكأنه تنّبه إلى شيء‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬ولكنك لم تزر الجزائر منذ عدة سنوات‪ ..‬صحيح أنك لم تَر بعد تلك‬‫المرّكبات الثقافية والتجارية الجديدة‪ ..‬ل بد أن تتعرف عليها‪..‬‬ ‫ولم أجبه‪..‬‬ ‫كنت أراه يتدحرج أمامي من سّلم القيم‪ ،‬غباًء أو تواطؤاً ل أبدري‪ .‬فاحتفظت‬ ‫لنفسي بما سمعته عن تلك‪" ..‬المنشآت" وكل ما جاورها من معالم‬ ‫وطنية ُبنيت حجراً حجراً على العمولت والصفقات‪ ،‬وتناوب عليها السّراق‬ ‫كباراً وصغارًا‪ ..‬على مرأى من الشهداء الذين شاء لهم حظهم أن يكون‬ ‫مقامهم مقاب ً‬ ‫ل‪ ..‬لتلك الخيانة‪.‬‬ ‫ها هو إذن )سي‪ (...‬يبدو طيباً و رجل ً شبه بسيط‪ ،‬لول بدلته النيقة جدًا‪..‬‬ ‫وحديثه الذي ل يتوقف عن مشاريعه القريبة والبعيدة‪ ،‬التي تمر جميعها‬ ‫بباريس وبأسماء أجنبية مشبوهة‪ ،‬تبدو مخجلة في فم ضابط سابق‪.‬‬ ‫ها هو إذن‪ ..‬تراه ظاهرة ثقافية في عالم العسكر‪ ..‬أم ظاهرة عسكرية في‬ ‫عالم الثقافة‪..‬‬ ‫أم أن "الزواج المنافي للطبيعة" أصبح رمزاً طبيعياً مذ شاع وباؤه "رسميًا"‬ ‫في أكثر من قيابدة أركان عربية!‬


‫كان الجميع يتملقونه‪ ،‬ويجاملونه‪ ،‬عساهم يلحسون شيئاً من ذلك العسل‬ ‫الذي كان يتدفق بين يديه نهراً من العملة الصعبة‪ ،‬في زمن القحط‬ ‫والجفاف‪..‬‬ ‫وكنت أتساءل طوال تلك السهرة‪ ،‬ماذا كنت أفعل وسط ذلك المجلس‬ ‫العجيب؟‬ ‫كنت أتوقع أن تكون تلك الدعوة‪ ،‬أو على القل موعداً نابدراً لي مع الوطن‪،‬‬ ‫أستعيد فيه مع سي الشريف ذكرياتنا البعيدة‪.‬‬ ‫ولكن الوطن كان غائباً من تلك السهرة‪ .‬ناب عنه جرحه‪ ،‬ووجهه الجديد‬ ‫المشوه‪.‬‬ ‫كانت سهرة في فرنسا‪ ..‬نتحدث فيها بالفرنسية‪ ..‬عن مشاريع سيتم‬ ‫معظمها عن طريق جهات أجنبية‪ ..‬بتمويل من الجزائر‪ ..‬فهل حصلنا على‬ ‫استقللنا حقًا؟!‬ ‫انتهت تلك السهرة في حدوبد منتصف الليل‪ .‬فقط كان )سي‪ (...‬متعباً وله‬ ‫ارتباطات ومواعيد صباحية‪ ..‬وربما ليلية أيضًا‪.‬‬ ‫ذات‪.‬‬ ‫جل في فتح شهيتنا لكثر من مل ّ‬ ‫إن المال السريع الكسب‪ ،‬يع ّ‬ ‫وكان يمكن أن أكون سعيداً ذلك المساء‪ .‬لقد كنت في الواقع محط ّ اهتمام‬ ‫الجميع لسباب لم أشأ التعمق فيها‪..‬‬ ‫بل ربما كنت النجم الثاني في تلك السهرة مع )سي‪ (...‬الذي فهمت أن‬ ‫الدعوة كانت على شرفه‪ ،‬وأنني بدعيت لها‪ ،‬لنه كان يحب أن يكون محاطاً‬ ‫في سهراته بالفنانين بدليل ً على ولعه بالبداع‪ ..‬وذوقه غير العسكري!‬ ‫والواقع أنه كان لطيفاً ومجام ً‬ ‫ل‪ ..‬وأنه حدثني يومها عن آرائه الفنية في‬ ‫مجالت مختلفة‪ ،‬وحبه لبعض الرسامين الجزائريين بالذات‪ .‬بل وقال مازحًا‪،‬‬ ‫إنه يحسد سي الشريف على تلك اللوحة‪ ،‬وأنني إذا كنت آخذ معي لوحة‬ ‫حيث أذهب‪ ،‬فسيدعوني إلى بيته عند زيارتي للجزائر‪..‬‬ ‫ضحكت من مزاحه‪.‬‬ ‫ولكنني كنت حزيناً بما فيه الكفاية بعد ذلك لكون على حافة البكاء‪ ،‬وأنا‬ ‫أنفربد بنفسي ذلك المساء في سريري‪ ،‬وأتساءل أي حماقة أوصلتني إلى‬ ‫ذلك البيت؟‬ ‫بيت كنت أتوقعه بيتك‪ ،‬وإذا بي أبدخله وأغابدره بدون أن ألمح حتى طرف‬


‫ثوبك‪ ،‬وهو يعبر ذلك الممر الذي كان يفصلني‪ ..‬عن عالمك‪.‬‬ ‫ق الهاتف‪ .‬توقعتك أنت‪ ،‬وكانت كاترين‪ ..‬قالت‪:‬‬ ‫في صباح اليوم التالي‪ ،‬بد ّ‬ ‫ قبلت صباحية‪ ..‬وأجمل الماني لك‪..‬‬‫وقبل أن أسأل عن المناسبة أضافت‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬اليوم عيد )السان فالنتان( القديس الذي يبارك العشاق‪.‬‬‫كرت أن أطلبك بدل أن أبعث إليك بطاقة‪ ..‬ماذا تريد أن أتمنى لك في عيد‬ ‫ف ّ‬ ‫الحب؟‬ ‫وأمام بدهشتي‪ ..‬أو ترّبدبدي أضافت بلهجة ساخرة أحبها‪:‬‬ ‫ اطلب أيها الحمق‪ ..‬فالدعوات تستجاب اليوم!‬‫ضحكت‪..‬‬ ‫كدت أقول لها أطلب شيئاً من النسيان فقط‪ .‬ولكنني قلت شيئاً مشابهاً‬ ‫لذلك‪:‬‬ ‫ أريد أن أحال إلى التقاعد العاطفي‪ ..‬أيمكنك أن تبّلغي قديسك طلبي‬‫هذا!‬ ‫قالت‪:‬‬ ‫ با لك من مجنون‪ ..‬أتمنى أل يسمعك فيحرمك من بركاته إلى البد‪ ..‬هل‬‫أتعبك موعدنا الخير إلى هذا الحد؟‬ ‫يومها ضحكت مع كاترين‪ .‬ثم وضعت تلك السماعة لبكي معك‪.‬‬ ‫كنت أكتشف لول مرة ألم ذلك العيد الذي لم أكن سمعت به من قبل‪.‬‬ ‫لم يأت هاتفك حتى ليشكرني على تلك اللوحة‪ ،‬أو حتى على تلك الزيارة‪،‬‬ ‫وذلك الموعد المتعمد الذي حضرته وتغّيبت عنه‪.‬‬ ‫جاء عيد الحب إذن‪..‬‬ ‫ل عيد وأنت‬ ‫فيا عيدي وفجيعتي‪ ،‬وحبي وكراهيتي‪ ،‬ونسياني وذاكرتي‪ ،‬ك ّ‬ ‫ل هذا‪..‬‬ ‫ك ّ‬


‫شاق‪ ،‬ويتبابدلون فيه البطاقات‬ ‫للحب عيد إذن‪ ..‬يحتفل به المحّبون والع ّ‬ ‫والشواق‪ ،‬فأين عيد النسيان سّيدتي؟‬ ‫ل يوم‬ ‫دوا لنا مسبقاً تقويماً بأعيابد السنة‪ ،‬في بلد يحتفل ك ّ‬ ‫هم الذين أع ّ‬ ‫ديسيهم الثلثمائة والخمسة‬ ‫بقديس جديد على مدار السنة‪ ..‬أليس بين ق ّ‬ ‫والستين‪ ..‬قديس واحد يصلح للنسيان؟‬ ‫مابدام الفراق هو الوجه الخر للحب‪ ،‬والخيبة هي الوجه الخر للعشق‪،‬‬ ‫سعاة البريد عن العمل‪،‬‬ ‫لماذا ل يكون هناك عيد للنسيان يضرب فيه ُ‬ ‫ث الغاني‬ ‫وتتوقف فيه الخطوط الهاتفية‪ ،‬وُتمنع فيه الذاعات من ب ّ‬ ‫ف فيه عن كتابة شعر الحب!‬ ‫العاطفية‪ ..‬ونك ّ‬ ‫منذ قرنين كتب "فيكتور هوغو" لحبيبته جوليات بدروي يقول‪" :‬كم هو الحب‬ ‫عقيم‪ ،‬إنه ل يكف عن تكرار كلمة واحدة "أحبك" وكم هو خصب ل ينضب‪:‬‬ ‫هنالك ألف طريقة يمكنه أن يقول بها الكلمة نفسها"‪..‬‬ ‫بدعيني أبدهشك في عيد الحب‪ ..‬وأجّرب معك ألف طريقة لقول الكلمة‬ ‫الواحدة نفسها في الحب‪..‬‬ ‫بدعيني أسلك إليك الطرق المتشّعبة اللف‪ ،‬وأعشقك بالعواطف المتناقضة‬ ‫اللف‪ ،‬وأنساك وأذكرك‪ ،‬بتطّرف النسيان والذاكرة‪.‬‬ ‫وأخضع لك وأتبرأ منك‪ ،‬بتطّرف الحرية والعبوبدية‪ ..‬بتناقض العشق والكراهية‪.‬‬ ‫ب‪.‬‬ ‫بدعيني في عيد الحب‪ ..‬أكرهك‪ ..‬بشيء من الح ّ‬ ‫تراني بدأت أكرهك يومها؟‬ ‫ومتى ولدت بداخلي تلك العاطفة بالتحديد‪ ،‬وراحت تنمو بسرعة مدهشة‪،‬‬ ‫وأصبحت تجاور الحب بعنفه؟‬ ‫ترى إثر خيباتي المتكررة معك‪ ،‬بعد كل تلك العيابد التي أخلفتها مروراً‬ ‫بذكرى لقائنا‪ ،‬أم بسبب ذلك التوتر الغامض الذي كان يسكنني‪ ،‬ذلك الجوع‬ ‫الدائم إليك‪ ،‬الذي كان يجعلني ل أشتهي امرأة سواك‪.‬‬ ‫دم له‬ ‫كنت أريدك أنت ل غير‪ ،‬وعبثاً كنت أتحايل على جسدي‪ .‬عبثاً كنت أق ّ‬ ‫ت شهوته الفريدة‪ ..‬ومطلبه الوحيد‪.‬‬ ‫امرأة أخرى غيرك‪ .‬كن ِ‬ ‫ب أمرر يدي على شعر كاترين‪.‬‬ ‫الكثر إيلماً ربما‪ ،‬عندما كنت في لحظة ح ّ‬ ‫وإذا بيدي تصطدم بشعيراتها القصيرة الشقراء‪ ،‬فأفقد فجأة شهّية حّبي وأنا‬ ‫أتذكر شعرك الغجري الطويل الحالك‪ ،‬الذي كان يمكن أن يفرش بمفربده‬


‫سريري‪.‬‬ ‫كان نحولها يذّكرني بامتلئك‪ ،‬وخطوط جسدها المستقيمة المس ّ‬ ‫طحة‬ ‫تذكرني بتعاريجك وتضاريس جسدك‪.‬‬ ‫ل‬ ‫وكان عطرك يأتي بغيابه حتى حواسي ليلغي عطرها‪ ،‬ويذّكرني كطف ٍ‬ ‫يتصرف بحواسه الولى‪ ،‬أن ذلك العطر لم يكن العطر السري لمي!‬ ‫ل صباح وتطربدينها من سريري‪.‬‬ ‫كنت تتسللين إلى جسدي ك ّ‬ ‫يوقظني ألمك السري‪ ،‬وشهوتك المتراكمة في الجسد قنبلة موقوتة‪،‬‬ ‫جلة يوماً بعد آخر‪.‬‬ ‫ورغبة ليلية مؤ ّ‬ ‫هل تستيقظ الرجولة باكراً حقًا‪ ،‬أم الشوق هو الذي ل ينام؟‬ ‫أجيبيني أيتها النثى التي تنام ملء جفونها كل ليلة‪..‬‬ ‫أََوحدهم الرجال ل ينامون؟‬ ‫ولماذا يرتبك الجسد‪ ،‬وأكابد أجهش على صدر غيرك بالبكاء‪ ،‬أكابد أعترف لها‬ ‫أنني عاشق امرأة أخرى‪ ،‬وأنني عاجز أمامها لن رجولتي لم تعد ملكي‪،‬‬ ‫وإنما تتلقى أوامرها منك فقط!‬ ‫متى بدأت أكرهك!‬ ‫دعية بمجاملة كاذبة‬ ‫ترى في ذلك اليوم الذي لبست فيه كاترين ثيابها‪ ،‬م ّ‬ ‫موعداً ما لتتركني وحدي في ذلك السرير الذي لم يعد يشبع نهمها‪.‬‬ ‫يوم اكتشفت وأنا أذرف بدمعة رجالية مكابرة‪ :‬أنه يحدث للرجولة أيضاً أن‬ ‫كس أعلمها‪ ،‬وترفض حتى لعبة المجاملة‪ ..‬أو منطق الكبرياء الرجالي‪..‬‬ ‫تن ّ‬ ‫وأننا في النهاية لسنا أسيابد أجسابدنا كما نعتقد‪.‬‬ ‫يومها تساءلت بشيء من السخرية المرة‪ ،‬إن كان ذلك القديس )السان‬ ‫فالنتان( قد استجاب لدعوتي بهذه السرعة‪ ..‬وحّولني حقاً إلى عاشق‬ ‫متقاعد!‬ ‫أذكر أنني لعنتك‪ ..‬وحقدت عليك آنذاك‪ ،‬وشعرت بشيء من المرارة‬ ‫المجاورة للبكاء‪ ..‬أنا الذي لم أبك حتى يوم بترت ذراعي‪ ،‬كان يمكن أن‬ ‫أبكي يومها وأنت تسرقين مّني آخر ما أملك‪.‬‬ ‫تسرقين رجولتي!‬


‫ذات يوم سألتك "هل تحبينني؟‪."..‬‬ ‫ت‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ ل أبدري‪ ..‬حبك يزيد وينقص كاليمان!‬‫يمكن أن أقول اليوم‪ ،‬إن حقدي عليك كان يزيد وينقص أيضاً كإيمانك‪..‬‬ ‫يومها أضفت بسذاجة عاشق‪:‬‬ ‫ت مؤمنة؟‬ ‫ وهل أن ِ‬‫ت‪:‬‬ ‫صح ِ‬ ‫ طبعًا‪ ..‬أنا أمارس كل شعائر السلم‪ ..‬وفرائضه‬‫ وهل تصومين؟‬‫دي هذه المدينة‪ ..‬في التواصل مع‬ ‫ طبعاً أصوم‪ ..‬إنها طريقتي في تح ّ‬‫الوطن‪ ..‬ومع الذاكرة‪.‬‬ ‫جبت لكلمك‪ .‬ل أبدري لماذا لم أكن أتوّقعك هكذا‪ .‬كان في مظهرك شيء‬ ‫تع ّ‬ ‫ما يوهم بتحررك من كل الرواسب‪.‬‬ ‫ت‪:‬‬ ‫عندما أبديت لك بدهشتي قل ِ‬ ‫ص‬ ‫مي الدين رواسب‪ ،‬إنه قناعة؛ وهو ككل قناعاتنا قضية ل تخ ّ‬ ‫ كيف تس ّ‬‫سوانا‪..‬‬ ‫ل تصدق المظاهر أبداً في هذه القضايا‪ .‬اليمان كالحب عاطفة سرية‬ ‫نعيشها وحدنا في خلوتنا الدائمة إلى أنفسنا‪ .‬إنها طمأنينتنا السرية‪،‬‬ ‫بدرعنا السرية‪ ..‬وهروبنا السري إلى العمق لتجديد بطرياتنا عند الحاجة‪.‬‬ ‫أما الذين يبدو عليهم فائض من اليمان‪ ،‬فهم غالباً ما يكونون قد أفرغوا‬ ‫أنفسهم من الداخل ليعرضوا كل إيمانهم في الواجهة‪ ،‬لسباب ل علقة‬ ‫لها بال!‬ ‫ما كان أجمل كلمك يومها!‬ ‫كان يأتي ليقلب ثنايا الذاكرة‪ ،‬ويوقظ بداخلي صوت المآذن في صباحات‬ ‫قسنطينة‪.‬‬


‫كان يأتي مع الصلوات‪ ،‬مع التراتيل‪ ،‬مع صوت )المؤّبدب( في كتاتيب‬ ‫قسنطينة القديمة‪ .‬فأعوبد إلى الحصير نفسه أجلس عليه بالرتباك‬ ‫الطفولي نفسه‪ ،‬أرّبدبد مع أولبد آخرين تلك اليات التي لم نكن نفهمها بعد‪،‬‬ ‫ولكننا كّنا ننسخها على ذلك اللوح ونحفظها كيف ما كان‪ ،‬خوفاً من‬ ‫"الفالقة"‪ .‬وتلك العصا الطويلة التي كانت تتربص بأقدامنا لتدميها عند أول‬ ‫غلطة‪.‬‬ ‫كان يأتي ليصالحني مع ا‪ ،‬أنا الذي لم أصم من سنين‪.‬‬ ‫كان يصالحني مع الوطن‪ ،‬ويحّرضني ضد هذه المدينة التي تسرق مّني‬ ‫ل يوم مساحة صغيرة من اليمان‪ ..‬ومن الذاكرة‪.‬‬ ‫ك ّ‬ ‫ت يومها المرأة التي أيقظت ملئكتي وشياطيني في الوقت نفسه‪.‬‬ ‫كن ِ‬ ‫ي بعدما حّولتني إلى ساحة يتصارع الخير والشر فيها‪..‬‬ ‫ثم راحت تتفرج عل ّ‬ ‫بدون رحمة!‬ ‫***‬ ‫في ذلك العام‪ ..‬كان النصر للملئكة‪.‬‬ ‫قررت أن أصوم وقتها ربما بتأثير كلمك‪ ،‬وربما أيضا للهروب منك إلى ا‪ .‬أما‬ ‫قلت "العبابدة بدرعنا السرية"‪.‬‬ ‫قلت سأحتمي من سهامك باليمان إذن‪..‬‬ ‫رحت أحاول أن أنساك وأنسى قطيعتك‪ ..‬وأنسى حتى وجوبدك معي في‬ ‫المدينة نفسها‪.‬‬ ‫كم من اليام قضيتها في تلك الغيبوبة الدينية‪ .‬بين الرهبة والذهول‪ ..‬أحاول‬ ‫بترويض جسدي على الجوع أن أرّوضه على الحرمان منك أيضًا‪.‬‬ ‫كنت أريد أن أستعيد سلطتي على حواسي التي تسللت إليها‪ ،‬وأصبحت‬ ‫تتلقي أوامرها منك وحدك‪.‬‬ ‫كنت أريد أن أعيد لذلك الرجل الذي كان يوماً أنا‪ ،‬مكانته الولى قبلك‪.‬‬ ‫هيبته‪ ..‬حرمته‪ ..‬مبابدئه‪ ..‬وقيمه التي أعلنت عليها الحرب‪.‬‬ ‫أعترف أنني نجحت في ذلك بعض الشيء ولكنني لم أنجح في نسيانك‬


‫أبدًا‪.‬‬ ‫خ آخر لحبك‪ .‬وأنا أكتشف أنني كنت أثناء ذلك أعيش‬ ‫كنت أقع في ف ّ‬ ‫بتوقيتك ل غير‪.‬‬ ‫كنت أجلس إلى طاولة الفطار معك‪ .‬وأصوم وأفطر معك‪.‬‬ ‫حر‬ ‫حر وأمسك عن الكل معك‪ ،‬أتناول نفس أطباقك الرمضانية‪ ،‬وأتس ّ‬ ‫أتس ّ‬ ‫بك‪ ..‬ل غير‪.‬‬ ‫ل شي بدون علمي‪.‬‬ ‫حد معك في ك ّ‬ ‫لم أكن أفعل شيئاً سوى التو ّ‬ ‫ل شيء يؤبدي إليك إذن‪..‬‬ ‫كنت في النهاية كالوطن‪ .‬كان ك ّ‬ ‫ده وبصمته‪.‬‬ ‫مثله كان حّبك متواصل ً حتى بص ّ‬ ‫مثله كان حبك حاضراً بإيمانه وبفكره‪.‬‬ ‫فهل العبابدة تواصل أيضًا؟‬ ‫***‬ ‫انتهى رمضان‪ .‬وها أنا أنزل من طوابق سمّوي العابر‪ ،‬وأتدحرج فجأة نحو‬ ‫حزيران‪ .‬ذلك الشهر الذي كنت أملك أكثر من مبرر للتشاؤم منه‪.‬‬ ‫فقد كان في ذاكرتي ما عدا حزيران ‪ ،67‬ذكريات موجعة أخرى ارتبطت بهذا‬ ‫الشهر‪ ،‬آخرها حزيران ‪ 71‬الذي قضيت بعضه في سجن للتحقيق والتأبديب‪،‬‬ ‫يستضاف فيه بعض الذين لم يبتلعوا ألسنتهم بعد‪..‬‬ ‫أما أول ذكرى مؤلمة ارتبطت بهذا الشهر فكانت تعوبد إلى سجن )الكدية(‬ ‫الذي بدخلته يوماً في قسنطينة مع مئات المساجين إثر مظاهرات ماي‬ ‫مت محاكمتنا في بداية حزيران أمام محكمة عسكرية‪.‬‬ ‫‪ 1945‬حيث ت ّ‬ ‫ي حزيران كان الكثر ظلمًا‪ ،‬وأية تجربة كانت الكثر ألمًا؟‬ ‫أ ّ‬ ‫أصبحت أتحاشى طرح هذه السئلة‪ ،‬منذ اليوم الذي أوصلتني أجوبتي إلى‬ ‫جمع حقائبي ومغابدرة الوطن‪.‬‬ ‫الوطن الذي أصبح سجناً ل عنوان معروفاً لزنزانته؛ ل اسم رسمياً لسجنه؛‬ ‫ول تهمة واضحة لمساجينه‪ ،‬والذي أصبحت ُأقابد إليه فجرًا‪ ،‬معصوب العينين‬


‫محاطاً بمجهولين‪ ،‬يقوبدانني إلى وجهة مجهولة أيضًا‪ .‬شرف ليس في‬ ‫متناول حتى كبار المجرمين عندنا‪.‬‬ ‫هل توقعت يوم كنت شاباً بحماسه وعنفوانه وتطرف أحلمه أنه سيأتي‬ ‫بعد ربع قرن‪ ،‬يوم عجيب كهذا‪ ،‬يجّربدني فيه جزائري مثلي من ثيابي‪..‬‬ ‫ج بي في زنزانة )فربدية هذه المرة( زنزانة‬ ‫وحتى من ساعتي وأشيائي‪ ،‬ليز ّ‬ ‫أبدخلها باسم الثورة هذه المّرة‪..‬‬ ‫الثورة التي سبق أن جّربدتني من ذراعي!‬ ‫أكثر من سبب وأكثر من ذكرى كانت تجعلني أتطّير من ذلك الشهر الذي‬ ‫قضم الكثير من سعابدتي على مرّ السنوات‪.‬‬ ‫تراني في ذلك العام تحّرشت بالقدر أكثر‪ ،‬ليربدّ على تشاؤمي بكل تلك‬ ‫الفجائع المذهلة التي حّلت بي في شهر واحد؟‬ ‫أم فقط‪ ،‬كان ذلك هو قانون الفجائع والكوارث التي ل تأتي سوى بدفعة‬ ‫جي تيجبها شعرة‪ ..‬وكي تروح تق ّ‬ ‫طع السلسل"‪.‬‬ ‫واحدة "كي ت ِ‬ ‫كانت تلك عبثّية الحياة‪ ،‬التي يكفي لمصابدفة رفيعة كشعرة أن تأتيك‬ ‫بالسعابدة والحب والحظ ّ الذي لم تكن تتوّقعه‪.‬‬ ‫ل السلسل‬ ‫ولكن‪ ..‬عندما تنقطع تلك الشعرة الرفيعة‪ ،‬فهي تكسر معها ك ّ‬ ‫التي كنت مشدوبداً إليها‪ ،‬معتقداً أنها أقوى من أن تكسرها شعرة!‬ ‫قبلها لم أنتبه إلى أن لقاءك ذات يوم‪ ،‬بعد ربع قرن من النسيان‪ ،‬كان تلك‬ ‫المصابدفة الرفيعة كشعرة التي عندما جاءت جرت معها سعابدة العالم‬ ‫بأكمله‪ ،‬وعندما رحلت قطعت كل سلسل الحلم‪ ،‬وسحبت من تحتي‬ ‫سجابد المان‪.‬‬ ‫ت سنوات‪ ،‬تعوبد اليوم لتكسر آخر‬ ‫تلك الشعرة التي ها هي ذي وبعد س ّ‬ ‫ي‪ ،‬بعدما اعتقدت أنني في حزيران ‪82‬‬ ‫د السقف عل ّ‬ ‫أعمدة بيتي‪ ،‬وته ّ‬ ‫بدفعت ما يكفي من الضريبة لينساني القدر بعض الوقت‪ ،‬بعدما لم يبق‬ ‫شيء واحد قائم في حياتي‪ ،‬يمكن أن أخاف عليه من السقوط‪..‬‬ ‫كنت أجهل حين ذاك المابدة الولى في قانون الحياة‪:‬‬ ‫"إن مصير النسان إنما هو خلصة تسلسلت حمقاء‪ ..‬ل غير"‪.‬‬ ‫***‬


‫كان لبداية صيف ‪ 82‬طعم المرارة الغامضة‪ ،‬ومذاق اليأس القاتل‪ ،‬عندما‬ ‫يجمع بين الخيبات الذاتية القومية مّرة واحدة‪.‬‬ ‫وكنت أعيش بين خبرْين‪ :‬خبر صمتك المتواصل‪ ،‬وخبر الفجائع العربية‪.‬‬ ‫كان قدري يترّبص بي هذه المرة من طريق آخر‪ .‬فقد جاء اجتياح إسرائيل‬ ‫المفاجئ لبيروت في ذلك الصيف‪ ،‬وإقامتها في عاصمة عربية لعدة‬ ‫أسابيع‪ ..‬على مرأى من أكثر من حاكم‪ ..‬وأكثر من مليون عربي‪ ..‬جاء ينزل‬ ‫دة طوابق في سّلم اليأس‪.‬‬ ‫بي ع ّ‬ ‫أذكر أن خبراً صغيراً انفربد بي وقتها وغ ّ‬ ‫طى على بقية الخبار‪ .‬فقد مات‬ ‫الشاعر اللبناني خليل حاوي منتحراً بطلقات نارّية‪ ،‬احتجاجاً على اجتياح‬ ‫إسرائيل للجنوب الذي كان جنوبه وحده‪ ،‬والذي رفض أن يتقاسم هواءه مع‬ ‫إسرائيل‪..‬‬ ‫كان لموت ذلك الرجل الذي لم أكن قد سمعت به من قبل‪ ،‬ألم ممّيز فريد‬ ‫المرارة‪.‬‬ ‫ج به سوى موته‪ ..‬ول يجد ورقاً يكتب عليه‬ ‫فعندما ل يجد شاعر شيئاً يحت ّ‬ ‫سوى جسده‪ ..‬عندها يكون قد أطلق النار أيضاً علينا‪.‬‬ ‫ذهب قلبي طوال تلك اليام عند زيابد‪..‬‬ ‫كان قديماً يقول‪" :‬الشعراء فراشات تموت في الصيف"‪ .‬كان وقتها مولعاً‬ ‫بالروائي الياباني "ميشيما" الذي مات منتحراً أيضاً بطريقة أخرى احتجاجاً‬ ‫على خيبة أخرى‪..‬‬ ‫تراه قالها يومها من وحي أحد عناوين ميشيما‪" :‬الموت في الصيف"‪ ،‬أم‬ ‫أنها فكرة مسبقة مابدام يدافع عنها بسربد قائمة بأسماء الشعراء الذين‬ ‫اختاروا هذا الموسم ليرحلوا؟‬ ‫كنت أستمع إليه آنذاك‪ ،‬وأحاول أن أقابل نظرته التشاؤمية للصيف بشيء‬ ‫ي‪ .‬فأقول له مازحًا‪" :‬يمكنني أن‬ ‫من السخرية‪ ،‬خشية أن ينقل عدواه إل ّ‬ ‫أسربد عليك أيضاً عشرات السماء لشعراء لم يموتوا في الصيف!"‪.‬‬ ‫ن! " فل أملك إل أن‬ ‫فيضحك ويرّبد‪" :‬طبعًا‪ ..‬هناك أيضاً من يموتون بين صيفي ْ‬ ‫أجيبه‪" :‬يا لعنابد الشعراء‪ ..‬وحماقتهم!"‪.‬‬ ‫عابد زيابد إلى الذاكرة‪ .‬ورحت أتساءل فجأة أين يمكن أن يكون في هذه‬


‫اليام؟‬ ‫في أية مدينة‪ ..‬في أية جبهة‪ ..‬في أي شارع‪ ،‬وكل الشوارع مطوقة‪ ،‬وكل‬ ‫المدن مقابر جاهزة للموت؟‬ ‫منذ رحل لم تصلني منه سوى رسالة واحدة قصيرة‪ ،‬يشكرني فيها على‬ ‫ضيافتي‪ .‬كان ذلك منذ رحيله‪ ..‬منذ ثمانية أشهر‪ .‬فماذا تراه أصبح منذ ذلك‬ ‫الحين؟‬ ‫لم أكن قلقاً عليه حتى الن‪ .‬فقد عاش بدائماً وسط المعارك والكمائن‪،‬‬ ‫والقصف العشوائي‪ .‬كان رجل ً يخافه الموت أو يحترمه‪ ،‬فلم يشأ أن يأخذه‬ ‫بالجملة‪.‬‬ ‫وبرغم ذلك كانت عاطفة غامضة ما توقظ مخاوفي‪ .‬ورحت أتشاءم وأنا أتذّكر‬ ‫كلمه عن الصيف‪ ..‬وموت ذلك الشاعر منتحرًا‪.‬‬ ‫ماذا لو كان الشعراء يقّلدون بعضهم في الموت أيضًا؟ ماذا لو لم يكونوا‬ ‫فراشات فقط؟ لو كانوا مثل حيتان البالين الضخمة يحّبون الموت جماعياً‬ ‫في المواسم نفسها‪ ..‬على الشطآن ذاتها؟‬ ‫لقد انتحر )همنغواي( أيضاً صيف ‪ 1961‬تاركاً خلفه مسوّبدة روايته الخيرة‬ ‫"الصيف الخطر"‪.‬‬ ‫ل هؤلء الروائيين والشعراء الذين لم يتلقوا؟‬ ‫فأية علقة بين الصيف وبين ك ّ‬ ‫مق كثيراً في تلك الفكرة‪ ،‬وكأنني أستدرج بها القدر أو‬ ‫كان ل بد أل أتع ّ‬ ‫أتحداه‪ ،‬فيعطيني في ذلك الصيف تلك الصفعة التي لم أنهض منها بعد‪،‬‬ ‫برغم مرور السنوات‪.‬‬ ‫***‬ ‫مات زيابد‪..‬‬ ‫وها هو خبر نعيه يقفز مصابدفة من مربع صغير في جريدة إلى العين‪ ..‬ثم‬ ‫صة في حلقي‪ ،‬فل أصرخ‪ ..‬ول‬ ‫إلى القلب‪ ..‬فيتوّقف الزمن‪ .‬يتكّور النبأ غ ّ‬ ‫أبكي‪.‬‬ ‫أصاب بشلل الذهول فقط‪ ،‬وصاعقة الفجيعة‪.‬‬


‫كيف حدث هذا؟‪ .‬وكيف لم أتوقع موته ونظراته الخيرة لي كانت تحمل أكثر‬ ‫من وبداع؟‬ ‫مازالت حقيبته هنا‪ ،‬في خزانة غرفتي تفاجئني عدة مرات في اليوم وأنا‬ ‫أبحث عن أشيائي‪.‬‬ ‫لقد عابد هناك بدون أمتعة‪ .‬أكان يعرف أنه لن يحتاج إلى كثير من الزابد‬ ‫لرحلته الخيرة‪ ،‬أم كان يفكر في العوبدة ليستقرّ هنا ويعيش إلى جوارك‬ ‫كما كنت أتوهم تحت تأثير غيرتي؟‬ ‫لم أسأله يومها عن قراره الخير‪ .‬لقد سكن الصمت بيننا في اليام الخيرة‪.‬‬ ‫وأصبحت أتحاشى الجلوس إليه‪ .‬وكأنني أخاف أن يعترف لي بأمر أخشاه أو‬ ‫بقرار أتوقعه‪.‬‬ ‫مل ً بحقيبة يد صغيرة‪ .‬قال لي معتذراً فقط‪:‬‬ ‫لم يقل شيئاً وهو يسافر مح ّ‬ ‫"أل يزعجك أن أترك هذه اليام الحقيبة عندك‪ ..‬أنت تدري أن مضايقات‬ ‫المطارات كثيرة هذه اليام‪ ،‬ول أريد أن أنقل أشيائي مرة أخرى من مطار‬ ‫إلى آخر‪"..‬‬ ‫ثم أضاف بما يشبه السخرية‪" :‬خاصة أن ل شيء ينتظرني في المطار‬ ‫الخير!"‪.‬‬ ‫لم يخطئ حدسه إذن‪ ..‬لم يكن في انتظاره سوى رصاصة الموت‪.‬‬ ‫مازلت أذكر قوله مرة‪" :‬لنا في كل وطن مقبرة‪ ..‬على يد الجميع متنا‪..‬‬ ‫ل الكتب‪"..‬‬ ‫باسم كل الثورات وباسم ك ّ‬ ‫ولم تقتله قناعاته هذه المرة‪ ..‬قتلته هويته فقط!‬ ‫نخب ضحكته سكرت ذلك المساء‪.‬‬ ‫نخب حزنه المكابر أيضًا‪ ..‬ذلك الذي ل يعابدله حزن‪.‬‬ ‫نخب رحيله الجميل‪ ..‬نخب رحيله الخير‪.‬‬ ‫بكيته ذلك المساء‪..‬‬ ‫ذلك البكاء الموجع المكابر الذي نسرقه سراً من رجولتنا‪.‬‬ ‫وتساءلت أي رجل فيه كنت أبكي الكثر‪.‬‬ ‫م البكاء؟‬ ‫ولِ َ‬


‫لقد مات شاعراً كما أرابد‪ ..‬ذات صيف كما أرابد‪ .‬مقاتل ً في معركة ما كما أرابد‬ ‫أيضًا‪.‬‬ ‫لقد هزمني حتى بموته‪.‬‬ ‫تذّكرت وقتها تلك المقولة الرائعة للشاعر والرسام "جان كوكتو" الذي كتب‬ ‫يوماً سيناريو فيلم يتصور فيه موته مسبقًا‪ ،‬فتوجه إلى بيكاسو وإلى‬ ‫أصدقائه القلئل الذين وقفوا يبكونه‪ ،‬ليقول لهم بتلك السخرية الموجعة‬ ‫التي كان يتقنها‪:‬‬ ‫"ل تبكوا هكذا‪ ..‬تظاهروا فقط بالبكاء‪ ..‬فالشعراء ل يموتون‪ .‬إنهم يتظاهرون‬ ‫بالموت فقط!"‪.‬‬ ‫وماذا لو كان زيابد يتظاهر بالموت فقط؟ لو فعل ذلك عن عنابد‪ ..‬ليقنعني أن‬ ‫الشعراء يموتون حقاً في الصيف ويبعثون في كل الفصول؟‬ ‫ت‪..‬‬ ‫وأن ِ‬ ‫تراك تدرين؟ هل أتاك خبر موته؟ أم سيأتيك ذات يوم وسط قصة أخرى‬ ‫وأبطال آخرين؟‬ ‫وماذا ستفعلين يومها؟ أستبكينه‪ ..‬أم تجلسين لتبني له ضريحاً من‬ ‫ل‬ ‫الكلمات‪ ،‬وتدفنيه بين بدّفتي كتاب‪ ،‬كما تعوبدت أن تدفني على عجل ك ّ‬ ‫من أحببت وقررت قتلهم يومًا؟‬ ‫هو الذي كان يكره الرثاء‪ ،‬كراهيته لربطات العنق والبدلت الفاخرة‪ ،‬بأية لغة‬ ‫سترثينه؟‬ ‫في الواقع‪ ..‬لقد هزمك زيابد كما هزمني‪.‬‬ ‫وضعك أمام الحد الفاصل بين لعبة الموت‪ ..‬والموت‪ .‬فليس كل البطال‬ ‫قابلين للموت على الورق‪.‬‬ ‫هنالك من يختارون موتهم وحدهم‪ ..‬ول يمكننا قتلهم لمجربد رواية‪.‬‬ ‫وكان يكذب‪ ..‬كبطل جاهز لرواية‪.‬‬ ‫دعي أن فلسطين وحدها أّمه‪ .‬ويعترف أحياناً فقط بعد أكثر من‬ ‫كان يكابر وي ّ‬ ‫كأس‪ ،‬أن ل قبر لمه‪ ،‬تلك التي بدفنت في مقابر جماعية لمذبحة أولى كان‬ ‫ل الزعتر(‪.‬‬ ‫اسمها )ت ّ‬


‫وإنهم أخذوا صوراً تذكارية‪ ،‬ورفعوا علمات النصر ووقفوا بأحذيتهم على‬ ‫جثث‪ ..‬قد تكون بينها جّثتها‪.‬‬ ‫ولحظتها فقط كان يبدو لي أنه يبكي‪.‬‬ ‫م البكاء زيابد؟‬ ‫َفِل َ‬ ‫ل مذبحة تركت قبراً مجهو ً‬ ‫ل‪ .‬وها أنت‬ ‫في كل معركة كانت لك جّثة‪ .‬في ك ّ‬ ‫ذا تواصل بموتك منطق الشياء‪ .‬فل شي كان في انتظارك غير قطار‬ ‫الموت‪.‬‬ ‫ل الزعتر‪ ،‬وهنالك من أخذ قطار )بيروت ‪ (82‬أو قطار‬ ‫هنالك من أخذ قطار ت ّ‬ ‫صبرا وشاتيل‪..‬‬ ‫وهناك من هنا أو هناك‪ ،‬مازال ينتظر رحلته الخيرة‪ ،‬في مخّيم أو في بقايا‬ ‫بيت‪ ،‬أو في بلد عربي ما‪..‬‬ ‫ل قطار وقطار‪ ..‬قطار‪.‬‬ ‫وبين ك ّ‬ ‫ل موت وموت‪ ..‬موت‪.‬‬ ‫بين ك ّ‬ ‫ل‬ ‫فما أسعد الذين أخذوا القطار صديقي‪ .‬ما أسعدهم وما أتعسنا أمام ك ّ‬ ‫نشرة أخبار!‬ ‫بعدهم كثرت "وكالت السفريات" و "الرحلت الجماعية"‪ .‬أصبحت ظاهرة‬ ‫ل نظام على طريقته‪..‬‬ ‫عربية يحترفها ك ّ‬ ‫كة‬ ‫ل مّنا س ّ‬ ‫بعدهم أصبح الوطن مجربد محطة‪ .‬وأصبحت في أعماق ك ّ‬ ‫حديدية تنتظر قطاراً ما‪ ..‬يحزننا أن نأخذه‪ ..‬ويحزننا أن يسافر بدوننا‪.‬‬ ‫رحل زيابد إذن‪..‬‬ ‫وإذا بحقيبته السوبداء المنسّية في ركن خزانته‪ ،‬منذ عدة شهور‪ ،‬تغ ّ‬ ‫طي‬ ‫فجأة على كل أثاث البيت‪ ،‬وتصبح أثاثي الوحيد‪ ،‬حتى أنني ل أرى غيرها‪.‬‬ ‫عندما أعوبد إلى البيت‪ .‬أشعر أنها تنتظرني وأنني على موعد معه‪ .‬عندما‬ ‫أترك بيتي‪ ،‬أشعر أنني أهرب منها وأنها كانت بلغزها جاثمة على صدري‪،‬‬ ‫بدون أن أبدري‪.‬‬ ‫ولكن كيف الهروب منها وهي تتربص بي كل مساء‪ ،‬عندما أطفئ جهاز‬ ‫التلفزيون‪ ،‬وأجلس وحيداً لبدخن سيجارة قبل النوم فيبدأ العذاب‪..‬‬


‫وأعوبد إلى السؤال نفسه‪ :‬ماذا بداخل هذه الحقيبة‪ ..‬وماذا أفعل بها؟‬ ‫أحاول أن أتذّكر ماذا يفعل الناس عابدة بأشياء الموتى‪ .‬بثيابهم مثل ً‬ ‫وحاجاتهم الخاصة‪ .‬فتعوبد )أّمأ( إلى الذاكرة ومعها تلك اليام المؤلمة التي‬ ‫سبقت وتلت وفاتها‪.‬‬ ‫أتذّكر ثيابها وأشياءها‪ ،‬أتذكر )كندورتها( العنابي التي لم تكن أجمل أثوابها‪،‬‬ ‫ي‪ .‬فقد تعوبدت أن أراها تلبسها في كل‬ ‫ولكنها كانت أحب أثوابها إل ّ‬ ‫المناسبات‪.‬‬ ‫كانت الثوب الذي يحمل الكثر عطرها ورائحتها المميزة‪ ،‬رائحة فيها شيء‬ ‫من العنبر‪ ،‬شيء من عرقها‪ ،‬وشيء شبيه بالياسمين المعّتق‪ .‬مزيج من‬ ‫عطور طبيعية بدائية‪ ،‬كنت أستنشق معها المومة‪.‬‬ ‫سألت عن تلك )الكندورة( بعد أيام من وفاة )أّما( فقيل لي بشيء من‬ ‫الستغراب إنها أعطيت مع أشياء أخرى للنساء الفقيرات‪ ،‬اللتي حضرن‬ ‫لعدابد الطعام في ذلك اليوم‪.‬‬ ‫صرخت‪" :‬إنها لي‪ ..‬كنت أريدها‪ "..‬ولكن خالتي الكبرى قالت‪" :‬إن أشياء‬ ‫الميت يجب أن تخرج من البيت قبل خروجه منه‪ ..‬ما عدا بعض الشياء‬ ‫الثمينة التي يحتفظ بها للذكرى أو للبركة"‪.‬‬ ‫ومقياس )أّما(‪ ..‬ذلك السوار الذي لم يفارق معصمها يوماً وكأنها ولدت به‪،‬‬ ‫ماذا تراهم فعلوا به؟‬ ‫لم أجرؤ على السؤال‪.‬‬ ‫سان الذي لم يكن يتجاوز السنوات العشر‪ ،‬ل يعي شيئاً مما‬ ‫كان أخي ح ّ‬ ‫يحدث حوله سوى وفاة )أّما( وغيابها النهائي‪.‬‬ ‫وكنت محاطاً بحشد من النساء اللتي كن يقّررن كل شيء‪ .‬كأن ذلك‬ ‫البيت أصبح فجأة لهن‪:‬‬ ‫أين )مقياس( أّما؟ من الرجح أن يكون قد أصبح من نصيب إحدى الخالت‪،‬‬ ‫دمها هدية لعروسه الجديدة‪.‬‬ ‫أو ربما استحوذ عليه أبي مع بقية صيغتها ليق ّ‬ ‫كلما عدت إلى هذه الذكرى وتفاصيلها‪ ،‬ازبدابدت علقتي بهذه الحقيبة‬ ‫تعقيدًا‪.‬‬ ‫فقد كان لبعض الشياء على بساطتها‪ ،‬قيمة ل علقة لها بمقاييس‬


‫الخرين للتركة والمخلفات‪ .‬فماذا أفعل بحقيبة تركها صاحبها منذ ثمانية‬ ‫أشهر بدون أية وصية أو توضيح خاص‪ ..‬ومات؟‬ ‫هل أتصدق بها على الفقراء‪ ،‬مابدامت أشياء الموتى يجب أن تلحق بهم‪ ،‬أم‬ ‫أحتفظ بها كذكرى من صديق مابدمنا ل نحتفظ إل بالشياء الثمينة؟‬ ‫أهي عبء‪ ..‬أم أمانة؟‬ ‫وإذا كانت عبئا‪ ..‬لماذا أخذتها منه بدون مناقشة‪ ،‬لماذا لم أقنعه بحملها‬ ‫معه‪ ،‬بحجة أنني قد أترك باريس مث ً‬ ‫ل؟‬ ‫دق بوصايا‬ ‫وإذا كانت أمانة‪ ..‬ألم تتحول بموت صاحبها إلى وصية‪ .‬فهل نتص ّ‬ ‫الشهداء‪ ..‬هل نضعها عند بابنا هدية لول عابر سبيل؟‬ ‫وكنت أبدري خلل تلك اليام التي عشتها مسكوناً بهاجس تلك الحقيبة‬ ‫أنني أرهق نفسي هباًء‪ ،‬وأن محتواها وحده يمكن أن يحدبد قيمتها‬ ‫وصفتها‪ ،‬ويحدبد بالتالي ما يمكن أن أفعله بها‪ .‬ولذا بدأت أخافها فجأة‪ ،‬أنا‬ ‫الذي لم أكن أعيرها اهتماماً من قبل‪.‬‬ ‫ترى أكان موت زيابد هو الذي أضفى عليها ذلك الطابع المربك‪ ،‬أم أنني في‬ ‫الحقيقة‪ ،‬كنت أخاف أن تحمل لي سّرك‪ ،‬تحمل شيئا عنك كنت أخاف أن‬ ‫أعرفه؟‬ ‫***‬ ‫ك‪.‬‬ ‫كان ل بد أن أفتح تلك الحقيبة‪ ..‬لغلق أبواب الش ّ‬ ‫أخذت ذلك القرار ذات ليلة سبت‪ ،‬بعد مرور أسبوع على قراءتي خبر‬ ‫استشهابد زيابد‪.‬‬ ‫كان هناك احتمال آخر فقط‪ ،‬ل يخلو من الحماقة‪ ،‬كأن آخذها إلى مقر‬ ‫المنظمة وأسّلمها لحدهم هناك‪ ،‬ليتكّفل بإرسالها إلى أقرباء زيابد في‬ ‫لبنان أو في مكان آخر‪..‬‬ ‫ولكنني عدلت عن هذه الفكرة الساذجة وأنا أتذّكر أنه لم يعد لزيابد من أهل‬ ‫في لبنان‪ .‬فلمن سيسّلمها هؤلء‪ ..‬وعند أية قبيلة وأية فصيلة سينتهي‬ ‫مصيرها؟‬ ‫من سيكون "أبوها"‪ ..‬وهنالك أكثر من "أبو" يعتقد أنه ينفربد وحده بأبّوة‬ ‫القضية الفلسطينية‪ ،‬وأنه الوريث الشرعي الوحيد للشهداء‪ ..‬وأن الخرين‬ ‫خونة؟‬


‫ومن أبدراني على يد من مات زيابد؟‬ ‫على يد المجرمين "الخوة"‪ ..‬أم على يد المجرمين العداء؟ أما كان يقول‪:‬‬ ‫"لقد حّولوا "القضية" إلى قضايا‪ ..‬حتى يمكنهم قتلنا تحت تسمية أخرى‬ ‫غير الجريمة‪"..‬‬ ‫فبأية رصاصة مات زيابد‪ ..‬وخيرة الشباب الفلسطيني قتل برصاص‬ ‫فلسطيني‪ ..‬أو عربي ل غير؟‬ ‫في ذلك المساء‪ ..‬ارتجفت يدي وأنا أفك أقفال تلك الحقيبة‪.‬‬ ‫شيء ما جعلني أتذّكر أنني أملك يدا ّ واحدة‪.‬‬ ‫مد أن يتركها لي‬ ‫لم تكن الحقيبة مغلقة بمفتاح ول بأقفال جانبية‪ .‬وكأنه تع ّ‬ ‫شبه مفتوحة كما يترك أحد الباب مواربًا‪ ،‬في بدعوة صامتة للدخول‪.‬‬ ‫شعرت بشيء من الرتياح لهذه "اللتفاتة"‪ ،‬ولهذا الذن السابق أو المتأخر‬ ‫عن أوانه‪ ،‬الذي منحه لي زيابد لدخول عالمه الخاص بدون إحراج‪..‬‬ ‫تراه فعل ذلك لنه كان يكره القفال المخلوعة‪ ،‬والبواب المفتوحة عنوة‬ ‫كراهيته للمخبرين ولقدام العسكر؟‬ ‫أم لنه كان يتوّقع يوماً كهذا؟‬ ‫كل هذه الفتراضات لم تمنع قشعريرة من أن تسري في جسدي‪ ،‬وفكرة‬ ‫أخرى تعبرني‪..‬‬ ‫دة لي‬ ‫لقد كان يعرف مسبقاً أنه ذاهب إلى الموت‪ .‬وهذه الحقيبة كانت مع ّ‬ ‫منذ البداية‪ .‬وكان بإمكاني أن أفتحها منذ عدة شهور‪ .‬فهي لم تعد موجوبدة‬ ‫بالنسبة إليه منذ أن غابدر هذا البيت‪.‬‬ ‫إنها طريقته في قطع جذور الذاكرة‪ ..‬كالعابدة‪.‬‬ ‫رفعت النصف الفوقي للحقيبة‪ ،‬بعد أن وضعتها على طرف السرير‪ ..‬وألقيت‬ ‫نظرة أولى على ما فيها‪.‬‬ ‫ي معًا‪ ،‬وأنا أرى ثيابه أمامي‪ ،‬ألمس كنزته‬ ‫وإذا بالموت والحياة يهجمان عل ّ‬ ‫الصوفية الرمابدية‪ ،‬وجاكيته الجلدي السوبد الذي تعّوبدت أن أراه به‪..‬‬ ‫ها أنا أملك حجة حضوره‪ ،‬وحجة موته‪ ..‬وحجة حياته‪ .‬وها هي رائحة الحياة‬ ‫والموت تنبعثان معاً وبالقوة نفسها من ثنايا تلك الحقيبة‪.‬‬


‫ها أنا معه وبدونه‪ ..‬أمام بقاياه‪.‬‬ ‫ي‪.‬‬ ‫ثياب‪ ..‬ثياب‪ ..‬أغلفه خارجية لكتاب بشر ّ‬ ‫واجهة قماشية لمسكن من زجاج‪.‬‬ ‫انكسر المسكن وظّلت الواجهة‪ ،‬ذاكرة مثنية في حقيبة‪ ،‬فلماذا ترك لي‬ ‫الواجهة؟‪.‬‬ ‫بين الثياب قميص حريري سماوي اللون‪ ،‬مازال في غلفه اللمع الشفاف‪..‬‬ ‫لم يفتح بعد‪ .‬أستنتج بدون جهد أنه هدية منك‪.‬‬ ‫ثم ثلثة أشرطة موسيقية‪ ،‬أحدها لتيوبدوركيس‪ ،‬والخرى مقطوعات‬ ‫ً‬ ‫كلسيكية أضعها جانباً وأنا أتذكر أن زيابد كلما سافر ترك لي أشرطة وكتبا‪..‬‬ ‫وثيابًا‪ ..‬وحب ّاً معّلقاً أيضًا‪.‬‬ ‫ولكن هذه هي المرة الولى التي يترك أشياءه مجموعة في حقيبة‪ ،‬مرتبة‬ ‫بعناية وكأنه أعدها لنفسه وجمع فيها مل ما يحب استعدابداً لسفر ما‪ .‬كأنه‬ ‫أرابد أن يأخذها معه حيث سيذهب وحيث كان يريد أن يرتدي جاكيته‬ ‫ضل‪ ..‬ويستمع إلى موسيقى تيوبدوركيس!‬ ‫السوبد المف ّ‬ ‫وفجأة تقع يدي على روايتك أسفل الحقيبة‪ .‬فأصاب بهّزة أولى‪ .‬ترتعش‬ ‫يدي‪ ،‬تتوقف لحظات قبل أن تمسك بالكتاب‪ .‬أجلس على طرف السرير قبل‬ ‫أن أفتحه‪ .‬وكأنني سأفتح طربداً ملغومًا‪.‬‬ ‫أتصفح الكتاب بسرعة‪ .‬وكأنني ل أعرفه‪.‬‬ ‫ثم أتذّكر شيئًا‪ ..‬وأركض إلى الصفحة الولى بحثاً عن الهداء‪ ،‬فتقابلني‬ ‫ل‬ ‫ورقة بيضاء‪ ..‬بدون كلمة واحدة‪ .‬بدون توقيع أو إهداء‪ .‬فأشعر بنوبة حزن تش ّ‬ ‫يدي‪ ،‬وبرغبة غامضة للبكاء‪.‬‬ ‫لمن مّنا أهديت نسختك المزّورة؟ وكلنا يملك نسخة بدون توقيع؟‬ ‫من منا أوهمته أنه يسكن الصفحات الداخلية للكتاب_ كما يسكن قلبك_‬ ‫وأنه ليس في حاجة إلى إهداء؟‬ ‫دقك _هو أيضًا_ لدرجة أنه قّرر أن يأخذ معه هذه‬ ‫دقك زيابد‪ ..‬هل ص ّ‬ ‫وهل ص ّ‬ ‫الرواية ليعيد قراءتها‪ ،‬حيث سيذهب‪ ..‬هناك!‬ ‫كانت تلك الصفحة البيضاء كافية لبدانتك‪ .‬كانت تقول بالكلمات التي لم‬ ‫تكتب‪ ،‬أكثر مما كان يمكن أن تكتبي‪ ..‬فهل كان مهماً بعد ذلك أل أجد أية‬


‫رسالة لك في تلك الحقيبة؟‬ ‫ت امرأة تتقن الكتابة على بياض‪ ..‬ووحدي كنت أعرف ذلك‪.‬‬ ‫لقد كن ِ‬ ‫ما عدا روايتك لم أجد سوى مفكرة سوبداء متوسطة الحجم موضوعة أسفل‬ ‫الحقيبة_أيضًا_ كسرّ عميق‪.‬‬ ‫ما كدت أرفعها حتى وقعت منها "البطاقة البرتقالية" التي كان يستعملها‬ ‫ل بالميترو‪ .‬بداخلها قصاصة بتاريخ )أكتوبر( الشهر الخير الذي رحل‬ ‫زيابد للتنق ّ‬ ‫فيه‪.‬‬ ‫أنظر على تلك البطاقة على عجل‪ ،‬وأنا ل أفكر إل في الطلع على تلك‬ ‫المفكرة‪ .‬ولكن صورته تستوقفني‪..‬‬ ‫مربكة صور الموتى‪..‬‬ ‫ومربكة أكثر صور الشهداء‪ .‬موجعة بدائمًا‪ .‬فجأة يصبحون أكثر حزناً وأكثر‬ ‫غموضاً من صورتهم‪.‬‬ ‫فجأة‪ ..‬يصبحون أجمل بلغزهم‪ ،‬ونصبح أبشع منهم‪.‬‬ ‫فجأة‪ ..‬نخاف أن نطيل النظر إليهم‪.‬‬ ‫فجأة‪ ..‬نخاف من صورنا القابدمة ونحن نتأّملهم!‬ ‫م كان وسيماً ذاك الرجل‪.‬‬ ‫َك ْ‬ ‫تلك الوسامة الغامضة المخفّية التي ل تفسير لها‪ .‬ها هو حتى في صورة‬ ‫سريعة تلتقط له في ثلث بدقائق‪ ،‬بخمسة فرنكات‪ ،‬يمكنه أن يكون مميزا‪.‬‬ ‫يمكنه أن يكون حتى بعد موته مغريًا‪ ،‬بذلك الحزن الغامض الساخر‪ .‬وكأنه‬ ‫يسخر من لحظة كهذه‪.‬‬ ‫وأفهم مرة أخرى أن تكوني أحببته‪ .‬لقد أحببته قبلك بطريقة أخرى‪ .‬كما‬ ‫نحب شخصاً نعجب به ونريد أن نشبهه‪ ،‬لسبب أو لخر‪ .‬فنكثر من الجلوس‬ ‫إليه والخروج برفقته والظهور معه‪ .‬وكأننا نعتقد في أعماقنا أن الجمال‬ ‫والجنون والموهبة والصفات التي تبهرنا فيه قد تكون قابلة للعدوى والنتقال‬ ‫إلينا عن طريق المعاشرة‪.‬‬ ‫أية فكرة حمقاء كانت تلك! لم أكتف أنها كانت سبب كارثتي إل مؤخرًا‪.‬‬ ‫عندما قرأت قول ً رائعاً لكاتب فرنسي )رسام أيضًا‪" (..‬ل تبحث عن‬ ‫الجمال‪..‬لنك عندما تجده‪ ،‬تكون قد شّوهت نفسك!"‬ ‫ولم أكن فعلت شيئاً غير هذه الحماقة‪.‬‬


‫أعدت بطاقته وصورته إلى الحقيبة‪ ،‬ورحت أقّلب تلك المفكرة‪..‬‬ ‫كنت أشعر أنها تحمل شيئاً قد يفاجئني‪ ،‬قد يعكر مزاجي ويشرع الباب‬ ‫للعواصف المتأخرة عن مواسمها‪ .‬فماذا تراه كتب في هذا الدفتر؟‬ ‫كنت أبدري أن الحقيقة تولد صغيرة بدائمًا‪ .‬وكنت أشعر أن الحقيقة هنا كانت‬ ‫صغيرة في حجم مفكرة جيب‪ .‬فخفت المفكرة‪..‬‬ ‫بحثت عن سيجارة أشعلها‪ .‬واستلقيت على ذلك السرير لتصفح جرحي‬ ‫على مهل‪..‬‬ ‫كانت الصفحات تتالى مليئة بالمقاطع الشعرية المبعثرة بين تاريخ وآخر‪.‬‬ ‫بالكتابات الهامشية‪ ..‬ثم بقصائد أخرى تشغل وحدها أحياناً صفحتين أو‬ ‫ثلثًا‪ .‬ثم خواطر قصيرة من بضعة سطور مكتوبة وسط الصفحة بلون أحمر‬ ‫بدائمًا‪ ..‬وكأنه كان يريد أن يميزها عن بقية ما كتب‪.‬‬ ‫ربما لنها لم تكن شعراً وربما لنها كانت أهم من الشعر‪.‬‬ ‫من أين أبدأ هذه المفكرة؟‪ ..‬من أي مدخل أبدخل هذه الدهاليز السرية‬ ‫لزيابد‪ ،‬التي حلمت بدائماً بالتسلل إليها عساني أكتشفك فيها؟‬ ‫كانت العناوين تستوقفني‪ ،‬فأبدأ في قراءة قصيدة‪ .‬أحاول فك لغز الكلمات‬ ‫المتقاطعة‪ ..‬أبحث عنك وسط الرموز تارة‪ ،‬ووسط التفاصيل الكثر اعترافاً‬ ‫أحياناً أخرى‪.‬‬ ‫ثم ل ألبث أن أتركها وألهث مسرعاً إلى صفحة أخرى‪ ،‬بحثاً عن حجج‬ ‫أخرى‪ ،‬عن إيضاحات أكثر‪ ،‬عن كلمات تقول لي بالسوبد والبيض‪ ..‬ما الذي‬ ‫حدث‪.‬‬ ‫ولكنني كنت في الواقع على بدرجة من النفعال والحاسيس المتطرفة‬ ‫ل تفكيري‪ ،‬وتجعلني عاجزا عن التمييز بين‬ ‫المتناقضة التي كانت تكابد تش ّ‬ ‫ما أقرأ وما أتوهم قراءته‪.‬‬ ‫كان منظر تلك الحقيبة المفتوحة أمامي بأشيائها المبعثرة‪ ،‬وبذلك الدفتر‬ ‫السوبد الصغير الذي كنت ممسكاً به تجعلني أخجل من نفسي في تلك‬ ‫اللحظة‪ .‬وكأنني بفتحها لم أفعل شيئاً غير تشريح جّثة زيابد المبعثرة‬ ‫بأشيائها وأشلئها على سريري‪ ،‬لخرج منها هذا الدفتر الذي هو قلبه ل‬ ‫غير‪.‬‬ ‫قلب زيابد الذي نبض يوماً لك‪ ،‬والذي هاهو اليوم حتى بعد موته بواصل‬


‫ي على وقع الكلمات المشحونة حسرة وخوفًا‪ ..‬حزنًا‪..‬‬ ‫نبضه بين يد ّ‬ ‫وشهوة‪..‬‬ ‫"على جسدي مرّري شفتيك‬ ‫ي‬ ‫فما مّرروا غير تلك السيوف عل ّ‬ ‫أشعليني أيا امرأة من لهب‬ ‫يقّربنا الحب يوماً‬ ‫يباعدنا الموت يوماً‬ ‫ويحكمنا حفنة من تراب‪..‬‬ ‫تقّربنا شهوة للجسد‬ ‫ثم يوماً‬ ‫ما يصير بحجم جسد‬ ‫يباعدنا الجرح ل ّ‬ ‫توحدت فيك‬ ‫أيا امرأة من تراب ومرمر‬ ‫سقيتك ثم بكيت وقلت‪..‬‬ ‫أميرة عشقي‪..‬‬ ‫أميرة موتي‬ ‫تعالي!؟‬ ‫ك جديد كل‬ ‫كم من مرة قرأت هذا المقطع‪ .‬بأحاسيس جديدة كل مرة‪ ،‬بش ٍ ّ‬ ‫مرة‪ ،‬وتساءلت بعجز من ل يحترف الشعر‪ ..‬أين ينتهي الخيال‪ ..‬وأين يبدأ‬ ‫الواقع؟‬ ‫أين يقع الحد الفاصل بين الرمز والحقيقة؟‬ ‫كانت كل جملة تلغي التي سبقتها‪ .‬وكانت المرأة هنا جسداً ملتحماً‬ ‫بالرض إلى حد لم يعد فيه الفصل أو التمييز بينهما ممكنًا‪.‬‬ ‫ولكن كانت هناك كلمات ل تخطئ بواقعيتها وبشهوتها المفضوحة‪:‬‬ ‫"مرري على جسدي شفتيك"‬ ‫"أشعليني أيا امرأة من لهب"‬ ‫"تقربنا شهوة للجسد"‬ ‫"توحدت فيك"‬ ‫أكانت الثورة إذن حشواً من الكلمات ل أكثر بّرأ بها زيابد نفسه؟‬ ‫ضل أن يهزمه الموت ول تهزمه امرأة‪ .‬قضّية كبرياء‪ ..‬مراوغة‬ ‫كان يف ّ‬ ‫شخصية‪" ..‬أميرة موتي‪ ..‬تعالي‪."..‬‬ ‫ها هو الموت جاء أخيرًا‪ .‬وأنت تراك جئت في ذلك اليوم؟‬


‫حد فيك‪..‬‬ ‫هل انفربد بك حقًا‪ ..‬أمّررت على جسده شفتيك‪ ..‬أأشعلته‪ ..‬أتو ّ‬ ‫وهل‪..‬؟‬ ‫من الرجح أن يكون ذلك قد حصل‪ .‬فتاريخ هذه القصيدة يصابدف تاريخ‬ ‫سفري إلى إسبانيا‪.‬‬ ‫كان القلب قد بدأ يطفح بعاطفة غريبة ل علقة لها بالغيرة‪.‬‬ ‫نحن ل نشعر بالغيرة من الموات‪ ..‬ولكننا ل يمكن أن نغّير طعم المرارة في‬ ‫هذه الحالت‪.‬‬ ‫فهل أمنع عيني اللتين يستوقفهما اللون الحمر‪ ،‬من أن تقرأ هذه‬ ‫الخاطرة‪ ..‬بدون بدموع‪.‬‬ ‫"لم يبق من العمر الكثير‬ ‫أيتها الواقفة في مفترق الضدابد‬ ‫أبدري‪..‬‬ ‫ستكونين خطيئتي الخيرة‬ ‫أسألك‪.‬‬ ‫حتى متى سأبقى خطيئتك الولى‬ ‫لك مّتسع لكثر من بداية‬ ‫وقصيرة كل النهايات‪.‬‬ ‫إني أنتهي الن فيك‬ ‫فمن يعطي للعمر عمراً يصلح لكثر من نهاية!"‬ ‫تستوقفني بعض الكلمات‪ ،‬وتستدرجني إلى الذهول‪..‬‬ ‫ويأخذ الحبر الحمر فجأة لوناً شبيهاً بدم وربدي خجول يتدحرج على ورق‪..‬‬ ‫ليصبح لون "خطيئتك الولى‪."..‬‬ ‫فأسرع بإغلق تلك المفكرة وكأنني أخاف إن أنا واصلت قلب الصفحات‪ ،‬أن‬ ‫أفاجئكما في وضعٍ لم أتوقعه!‬ ‫يحضرني كلم قاله زيابد مرة في زمن بعيد‪ ..‬بعيد‪.‬‬ ‫ن احترماً كبيراً لبدم‪ ،‬لنه يوم قرر أن يذوق التفاحة لم يكتف‬ ‫قال‪" :‬أنا أك ّ‬ ‫بقضمها‪ ،‬وإنما أكلها كّلها‪ .‬ربما كان يدري أنه ليس هناك من أنصاف خطايا‬ ‫ذات‪ ..‬ولذلك ل يوجد مكان ثالث بين الجنة والنار‪ .‬وعلينا‬ ‫ول أنصاف مل ّ‬ ‫_تفابدياً للحسابات الخاطئة_ أن ندخل إحداهما بجدارة!"‬ ‫كنت آنذاك معجباً بفلسفة زيابد في الحياة‪ .‬فما الذي يؤلمني اليوم في‬ ‫أفكار شاطرته إياها؟‬


‫ترى كونه سرق تفاحته هذه المرة من حديقتي السرية؟ أم كونه راح‬ ‫يقضمها أمامي‪ ..‬بشهية من حسم اختياره وارتاح؟‬ ‫"ل تملك الشجار إل‬ ‫أن تمارس الحب واقفة أيضاً‬ ‫يا نخلة عشقي‪ ..‬قفي‬ ‫وحدي حملت حدابد الغابات التي‬ ‫أحرقوها‬ ‫ليرغموا الشجر على الركوع‬ ‫"واقفة تموت الشجار"‬ ‫تعالي للوقوف معي‬ ‫أريد أن أشّيع فيك رجولتي‬ ‫إلى مثواها الخير‪"..‬‬ ‫فجأة بدأت أشعر بحماقة فتح تلك المفكرة‪.‬‬ ‫أتعبتني تأويلتي الشخصية لكل كلمة أصابدفها‪.‬‬ ‫وبدأت أشعر بالندم‪ .‬فأنا برغم كل شيء ل أريد أن أكره زيابد اليوم‪ .‬ل‬ ‫أستطيع ذلك‪.‬‬ ‫لقد منحه الموت حصانة ضد كراهيتي وغيرتي‪ .‬وها أنا صغير أمامه وأمام‬ ‫موته‪.‬‬ ‫ها أنا ل أملك شيئاً لبدانته‪ ،‬سوى كلماته القابلة لكثر من تأويل‪ .‬فلماذا‬ ‫أصرّ على تأويلها السوأ؟‬ ‫لماذا أطاربده بكل هذه الشبهات‪ ،‬وأنا أبدري أنه شاعر يحترف الغتصاب‬ ‫اللغوي‪ ،‬نكاية في العالم الذي لم يخلق على قياسه‪ ،‬بل ربما خلق على‬ ‫حسابه‪ .‬فهل أطلق النار عليه بتهمة الكلمات؟‬ ‫لقد ولد هكذا واقفًا‪ ..‬ول قدر له سوى قدر الشجار‪ .‬فهل أحاسبه حتى‬ ‫على طريقة موته‪ ..‬وعلى طريقة حّبه؟‬ ‫وأذكر الن أنني عرفته واقفًا‪.‬‬ ‫أذكر ذلك اليوم الذي زارني فيه في مكتبي لول مرة‪ ،‬عندما أبديت له بعض‬ ‫ملحظاتي عن بديوانه‪ ،‬وطلبت منه أن يحذف بعض القصائد‪.‬‬ ‫أذكر صمته‪ ،‬ثم نظرته التي توقفت بعض الوقت عند ذراعي المبتورة‪ ،‬قبل‬ ‫أن يقول تلك الجملة التي كانت بعد ذلك سبباً في تغيير مجرى حياتي‪.‬‬


‫قال لي‪" :‬ل تبتر قصائدي‪..‬سيدي‪ ،‬ربدّ لي بديواني‪ .‬سأطبعه في بيروت‪"..‬‬ ‫لماذا قبلت إهانته يومها‪ ،‬بدون ربد؟ لماذا لم أصفعه بيدي الثانية غير‬ ‫المبتورة وأرمي له بمخطوطه؟‬ ‫ألنني احترمت فيه شجاعة الشجار ووحدتها‪ ،‬في زمن كانت فيه القلم‬ ‫سنابل تنحني أمام أول ريح؟‬ ‫واقفاً عرفت زيابد‪ ..‬وواقفاً غابدرني‪.‬‬ ‫ي تعليق هذه المرة‪.‬‬ ‫أما مخطوط تركني كأول مرة‪ .‬ولكن بدون أ ّ‬ ‫لقد أصبح بيننا _منذ ذلك الحين_ تواطؤ الغابات‪ ...‬واليوم صمتها‪.‬‬ ‫د‬ ‫فجأة استيقظت بداخلي بقايا مهنة سابقة‪ .‬ورحت أقّلب ذلك الدفتر وأع ّ‬ ‫ب في قلبي‬ ‫صفحاته وأتصفحها بعيني ناشر‪ .‬وإذ بحماس مفاجئ يد ّ‬ ‫ويغ ّ‬ ‫طي على بقية الحاسيس‪ .‬وقرار جنوني يسكنني‪.‬‬ ‫ميها "الشجار" أو‬ ‫سأنشر هذه الكتابات في مجموعة شعرية‪ ،‬قد أس ّ‬ ‫"مسوبدات رجل أحبك"‪ ..‬أو عنواناً آخر قد أعثر عليه أثناء ذلك‪.‬‬ ‫المهم‪ ..‬أن تصدر هذه الخواطر الخيرة لزيابد‪ .‬أن أمنحه عمراً آخر ل صيف‬ ‫فيه‪ ..‬فهكذا ينتقم الشعراء بدائماً من القدر الذي يطاربدهم كما يطاربد الصيف‬ ‫الفراشات‪..‬‬ ‫إنهم يتحّولون إلى بدواوين شعر‪ .‬فمن يقتل الكلمات؟‬ ‫***‬ ‫أنقذني بدفتر زيابد من اليأس بدون أن أبدري‪..‬‬ ‫منحني مشاريع ليام كانت فارغة من أي مشروع‪ .‬فقد حدث في تلك‬ ‫اليام أن قضيت ساعات بأكملها وأنا أنسخ قصيدة‪ ،‬أو أبحث عن عنوان‬ ‫لخرى‪ ،‬وأحاول ترتيب فوضى تلك الخواطر والمقاطع المبعثرة‪ ،‬لوضعها في‬ ‫سياق صالحٍ للنشر‪.‬‬ ‫ذة ومرارة معًا‪..‬‬ ‫كنت أشعر بل ّ‬ ‫ت وحدي أملك حق وأبدها في‬ ‫ذة النحياز للفراشات‪ ،‬وبعث الحياة في كلما ٍ‬ ‫ل ّ‬ ‫مفكرة‪ ،‬أو منحها الخلوبد في كتاب‪.‬‬


‫ومرارة أخرى‪..‬‬ ‫مرارة التنقيب في أوراق شاعر مات‪ ،‬والتجول في بدورته الدموية‪ ،‬في نبضه‬ ‫وحزنه ونشوته‪ ،‬وبدخول عالمه المغلق السري بدون تصريح ول رخصة منه‪،‬‬ ‫والتصرف نيابة عنه في الختيار وفي الضافة والحذف‪.‬‬ ‫دعي أنه لسبب أو لخر‬ ‫أحقاً كنت أملك صلحية كهذه‪..‬؟ ومن يمكن أن ي ّ‬ ‫موّكل بمهمة كهذه؟‬ ‫ولكن من يجرؤ أيضاً على الحكم بالموت على كلمات الخرين‪ ،‬ويقرر‬ ‫الستحواذ عليها وحده؟‬ ‫كنت أبدري في أعماقي‪ ،‬أنه إذا كان لموت الشعراء والكّتاب نكهة حزن‬ ‫إضافية‪ ،‬تميزهم عن موت الخرين‪ ،‬فربما ُتعزى لكونهم وحدهم عندما‬ ‫يموتون يتركون على طاولتهم ككل المبدعين‪ ،‬رؤوس أقلم‪ ..‬رؤوس أحلم‪،‬‬ ‫ومسوبدات أشياء لم تكتمل‪.‬‬ ‫ولذا فإن موتهم يحرجنا‪ ..‬بقدر ما يحزننا‪.‬‬ ‫أما الناس العابديون‪ ،‬فهم يحملون أحلمهم وهمومهم ومشاعرهم فوقهم‪.‬‬ ‫إنهم يلبسونها كل يوم مع ابتسامتهم‪ ،‬وكآبتهم‪ ،‬وضحكتهم‪ ،‬وأحابديثهم‪،‬‬ ‫فتموت أسرارهم معهم‪.‬‬ ‫في البدء‪ ،‬كان سر زيابد يحرجني‪ ،‬قبل أن يستدرجني إلى البوح‪ ،‬وإذا‬ ‫بكتاباته تخلق عندي رغبة ل تقاوم للكتابة‪.‬‬ ‫رغبة كانت تزبدابد في تلك المرات التي كنت أشعر أن كلماته ل تطال‬ ‫أعماقي‪ ،‬وأنها أقصر من جرحي‪ .‬ربما لنه كان يجهل النصف الخر للقصة‪،‬‬ ‫تلك التي كنت أعرفها وحدي‪.‬‬ ‫متى ولدت فكرة هذا الكتاب؟‬ ‫ي‪ ،‬في ذلك‬ ‫ترى في تلك الفترة التي قضيتها محاصراً بإرث زيابد الشعر ّ‬ ‫اللقاء غير المتوقع لي مع البدب والمخطوطات التي انفصلت عنها منذ‬ ‫انفصالي عن وظيفتي‪ ..‬منذ عدة سنوات في الجزائر؟‬ ‫أم في لقائي غير المتوقع الخر‪ ،‬مع مدينة حجز لي القدر نفسه موعداً‬ ‫متأخراً معها؟‬ ‫أكان يمكن لي أن أجد نفسي وجهاً لوجه مع قسنطينة‪ ،‬بدون سابق إنذار‪،‬‬


‫بدون أن تنفجر بداخلي الدهشة‪ ،‬شللت شوق وجنون وخيبة‪..‬‬ ‫فتجرفني الكلمات‪ ..‬إلى حيث أنا!‬

‫الفصل الخامس‬

‫مازلت‬ ‫أذكر ذلك السبت العجيب‪ ..‬عندما رن الهاتف ذلك المساء بتوقيت نشرة‬ ‫الخبار‪.‬‬ ‫كان سي الشريف على الخط بحرارة وشوق أسعداني في البداية‪،‬‬ ‫وأخرجاني من رتابة صمتي الليلي ووحدته‪.‬‬ ‫كان صوته عندي عيداً بحد ذاته والصلة الوحيدة التي ظلت تربطني بك‪،‬‬ ‫دت كل الطرق الموصلة إليك‪.‬‬ ‫بعدما س ّ‬ ‫وكنت أستبشر خيراً به‪ .‬إنه يحمل بدائماً احتمال لقاٍء بك بطريقة أو بأخرى‪.‬‬ ‫ولكنه هذه المرة كان يحمل لي أكثر من هذا‪..‬‬ ‫راح سي الشريف يعتذر أول ً عن انقطاعه عني منذ سهرتنا الخيرة‪ ،‬بسبب‬ ‫مشاغله الكثيرة‪ ،‬وزيارات المسؤولين التي ل تتوقف إلى باريس‪ ..‬قبل أن‬ ‫يضيف‪:‬‬ ‫"إنني لم أنسك طوال هذه الفترة‪ ..‬لقد عّلقت لوحتك في الصالون وأصبحت‬ ‫أتقاسم معك البيت‪ ..‬أتدري‪ ،‬لقد تركت التفاتتك تلك أثراً كبيراً في نفسي‪،‬‬ ‫وخلقت لي أكثر من حاسد‪ ..‬وكل مرة ل بد أن أشرح للخرين صداقتنا‬ ‫وعلقتنا التي تعوبد إلى أيام الشباب"‪.‬‬ ‫كنت أستمع له وكان القلب قد ذهب بحماقة على عجل إليك‪..‬‬ ‫ت فيه‪ ،‬لعوبد عاشقاً‬ ‫ت أن ِ‬ ‫كان يكفي أن أعرف أن تلك المكالمة تأتي من بي ٍ‬ ‫شاق وحماقاتهم‪.‬‬ ‫مبتدئاً بكل انفعالت الع ّ‬ ‫ولكن صوته أعابدني إلى الواقع عندما سألني‪:‬‬ ‫‪ -‬أتدري لماذا طلبتك الليلة؟ إنني قررت أن أصحبك معي إلى قسنطينة‪..‬‬


‫لقد أهديتني لوحة عن قسنطينة وأنا سأهديك سفرة إليها‪..‬‬ ‫جبًا‪:‬‬ ‫صحت متع ّ‬ ‫ قسنطينة‪ ..‬لماذا قسنطينة؟‬‫ف لي بشرى‪:‬‬ ‫قال وكأنه يز ّ‬ ‫ لحضور عرس ابنة أخي الطاهر‪..‬‬‫ثم أضاف بعد شيء من التفكير‪.‬‬ ‫ ‪ ..‬ربما تذكرها‪ .‬لقد حضرت افتتاح معرضك منذ شهور مع ابنتي نابديا‪..‬‬‫شعرت فجأة أن صوتي انفصل عن جسدي‪ ،‬وأنني عاجز عن أن أجيب‬ ‫بكلمة واحدة‪.‬‬ ‫أيمكن للكلمات أن تنزل صاعقة على شخص بهذه الطريقة؟‬ ‫أيمكن للجسد أن يصبح إثر كلمة‪ ،‬عاجزاً عن المساك بسماعة؟‬ ‫يحدث في لحظات كهذه‪ ،‬أن أتذكر فجأة أنني أملك يداً واحدة‪..‬‬ ‫سحبت بقدمي كرسياً مجاوراً وحلست عليه‪.‬‬ ‫وربما لحظ سي الشريف صمتي وحدوث شيء ما‪ ..‬فقطع ذهولي قائ ً‬ ‫ل‪:‬‬ ‫ يا خويا‪ ..‬ما الذي يخيفك في سفٍر كهذا؟ لقد جاء ذكرك منذ أيام في‬‫جلسة مع بعض الصدقاء في المن‪ ،‬وأكدوا لي أنه ل توجد أية تعليمات‬ ‫في شأنك‪ ،‬وأن بإمكانك أن تزور الجزائر متى شئت‪ .‬لقد تغيرت المور كثيراً‬ ‫منذ مجيئك‪ ،‬ول بد أن تعوبد إلى الجزائر ولو في زيارة خاطفة‪ ..‬إنني أتحمل‬ ‫مسؤولية عوبدتك‪ ..‬ستسافر معي وعلى حسابي‪ ..‬فما الذي يقلقك إلى‬ ‫هذا الحد؟‬ ‫أجبته وأنا أبحث عن مخرج لتوتري‪:‬‬ ‫ضل أن تكون‬ ‫ الحقيقة أنني لست مستعداً نفسياً بعد لزيارة كهذه‪ ..‬وأف ّ‬‫في ظروف أخرى‪..‬‬ ‫قال‪:‬‬ ‫ أنت لن تجد ظروفاً أحسن من هذه للعوبدة‪ ..‬أنا واثق من أنني إذا لم‬‫أجّرك هكذا من يدك هذه المرة‪ ،‬فقد تمضي عدة سنوات أخرى قبل أن‬


‫تعوبد إليها‪ .‬هل ستقضي عمرك في رسم قسنطينة؟ ثم أل يسعدك حضور‬ ‫زواج ابنة سي الطاهر؟ إنها ابنتك أيضًا‪ ،‬لقد عرفتها طفلة ويجب أن تحضر‬ ‫عرسها للبركة‪ ..‬افعل هذا لوجه أبيها‪ ،‬يجب أن تقف معي في ذلك اليوم‬ ‫مكان سي الطاهر‪..‬‬ ‫كان سي الشريف يعرف نقطة ضعفي‪ ،‬ويدري مكانة سي الطاهر عندي‪.‬‬ ‫فراح يحّرك ما تبّقى بداخلي من وفاء لماضينا وذاكرتنا المشتركة‪.‬‬ ‫كان في ذلك الموقف شيء من السريالية واللمعقول‪.‬‬ ‫كنت أقف على الحد الفاصل بين العقل والجنون‪ ،‬بين الضحك والبكاء‪..‬‬ ‫"لقد عرفتها طفلة‪ "..‬ل يا صديقي! عرفتها أنثى أيضاً وهذه هي المشكلة‪.‬‬ ‫"إنها ابنتك أيضًا‪ "..‬ل لم تكن ابنتي‪ ،‬كان يمكن فقط أن تكون زوجتي‪ ..‬كان‬ ‫يمكن أن تكون لي‪.‬‬ ‫سألته‪:‬‬ ‫ لمن ستكون؟‬‫قال‪:‬‬ ‫ أعطيتها لـ )سي‪ (....‬لقد سهرت معه المرة الماضية‪ ..‬ل أبدري ما رأيك‬‫فيه‪ ،‬ولكنني أعتقد أنه رجل طيب برغم ما ُيقال عنه‪.‬‬ ‫كان في جملته الخيرة جواب مسبق على رٍبد كان يتوقعه‪.‬‬ ‫)سي‪ (....‬إذن ول أحد غيره!‬ ‫"رجل طيب‪ "..‬هل الطيبة هي حقاً صفته المميزة الولى؟ أعرف أنا أكثر‬ ‫من رجل طيب كان يمكن إذن أن يصبح زوجها‪.‬‬ ‫ولكن )سي‪ (....‬كان أكثر من ذلك‪ .‬كان رجل الصفقات السرية والواجهات‬ ‫المامية‪ .‬كان رجل العملة الصعبة والمهمات الصعبة‪ .‬كان رجل العسكر‪..‬‬ ‫ورجل المستقبل‪ .‬فهل مهم بعد هذا أن يكون طيباً أو ل يكون؟‬ ‫تجمعت في الحلق أكثر من غصة‪ ،‬منعتني من أن أبدي رأيي فعل ً في ذلك‬ ‫الشخص‪ ،‬وأسأل سي الشريف سؤال ً واحداً فقط‪ :‬تراه يعتقد حقاً أن‬ ‫بإمكان رجل ل أخلق له‪ ..‬أن يكون طيبًا؟‬ ‫ت لنني كنت بدأت ل أفرق كثيرا بينه وبين "صهره" وأنا أسأل‬ ‫أم تراني صم ّ‬ ‫نفسي سؤال ً آخر‪ ..‬هل يمكن لشخص يتصاهر مع رجل قذر‪ ..‬أن يكون‬


‫نظيفاً حقًا؟‬ ‫فقدت فجأة شهية الكلم‪ .‬أخرستني الصدمات المتتالية في مكالمة‬ ‫واحدة‪ .‬فاختصرت كل الكلم في جملة واحدة قابلة لكثر من تفسير‪:‬‬ ‫ كل شيء مبروك‪..‬‬‫ربد سي الشريف حسب التقاليد‪:‬‬ ‫ ا يهنيك‪ ..‬ويبارك فيك‪..‬‬‫ثم أضاف بسعابدة من نجح في امتحان‪:‬‬ ‫إذن سنراك‪..‬راني نعّول عليك‪ ..‬سنسافر بعد عشرة أيام تقريباً فالزواج‬‫سيكون في ‪ 15‬يوليو‪ ..‬أطلبني هاتفياً كي نّتفق على تفاصيل سفرك‪.‬‬ ‫انتهت المكالمة‪ ،‬وبدأت مرحلة جديدة من حياتي‪.‬‬ ‫بدأ عمري الخر الذي أعلنت يومها رسمياً خروجك منه‪ .‬ولكن‪ ..‬هل خرجت‬ ‫حقًا؟‬ ‫أحسست أن رقعة الشطرنج أصبحت فارغة إل مني‪ .‬كانت كل المربعات‬ ‫بلون واحد ل غير‪ ..‬وكل القطع أصبحت قطعة واحدة أمسكها وحدي‪ ..‬بيٍد‬ ‫واحدة!‬ ‫فهل كنت الرابح أم الخاسر الوحيد‪ ..‬كيف لي أن أعرف ذلك؟ لقد تقلصت‬ ‫الرقعة‪ ،‬ومعها مساحة المل والترقب‪ ،‬حسمها طرف آخر‪ ،‬كنا نلعب جميعاً‬ ‫منذ البدء نيابة عنه‪ :‬إنه القدر!‬ ‫كنت أحقد على ذلك القدر أحيانًا‪ ،‬ولكن كنت كثيراً ما أستسلم له بدون‬ ‫ل مرة‪ ،‬إلى أي حد‬ ‫مقاومة‪ .‬بل ّ‬ ‫ذة غامضة وبفضول رجل يريد أن يعرف ك ّ‬ ‫يمكن لها القدر أن يكون أحمق‪ ،‬ولهذه الحياة أن تكون غير عابدلة‪ ،‬وأن تكون‬ ‫عاهرة ل تهب نفسها سوى لذوي الثروات السريعة‪ ،‬ولصحاب السلوك‬ ‫المشبوه الذين يغتصبونها على عجل‪..‬‬ ‫وعندها كنت أجد سعابدتي النابدرة في مقارنة نفسي بتفاهة الخرين‪.‬‬ ‫وأجد في هزائمي الذاتية‪ ،‬بدليل ً على انتصارات أخرى ليست في متناول‬ ‫الجميع‪.‬‬ ‫تراني في لحظة جنون كهذه قبلت أن أحضر عرسك‪ ،‬وأن أكون شاهداً‬ ‫على مأتمي‪ ،‬وعلى الحقارة التي يمكن أن يصلها البعض بدون خجل؟‬


‫أم تراني ككل المبدعين‪ ،‬كنت مازوشي ّاً بتفوق‪ ،‬وأصرّ في غياب السعابدة‬ ‫المطلقة‪ ،‬أن أعيش حزني المطلق‪ ،‬وأن أذهب معك إلى أبعد نقطة في‬ ‫ي هذا القلب بنفسي ليشفى منك؟‬ ‫تعذيب النفس‪ ،‬فأمارس ك ّ‬ ‫كرهتك ذلك اليوم بشراسة لم أكن عرفتها من قبل‪.‬‬ ‫انقلبت عواطفي مرة واحدة إلى عاطفة جديدة‪ ،‬فيها مزيج من المرارة‬ ‫والغيرة والحقد‪ ..‬وربما الحتقار أيضًا‪.‬‬ ‫ما الذي أوصلك هنا؟‬ ‫وهل النساء حقاً مثل الشعوب‪ ،‬يشعرن بدائماً بإغراء‪ ..‬وبضعف ما تجاه‬ ‫البدلت العسكرية‪ ..‬حتى الباهتة منه؟!‬ ‫ما زلت حتى اليوم أتساءل‪ ..‬كيف قبلت يومها أن أذهب إلى قسنطينة‬ ‫لحضور عرسك؟‬ ‫كنت أعرف مسبقاً أن بدعوتي لم تكن مجربد نية حسنة‪ ،‬والتفاتة وبد‬ ‫وصداقة لرجل تجمعني به أكثر من قرابة‪.‬‬ ‫ل شيء‪ ،‬استغلل ً للذاكرة واستعمال ً سيئاً لسم من‬ ‫ولكن كانت قبل ك ّ‬ ‫السماء القليلة التي ظّلت نظيفة في زمن انتشر فيه وباء القذارة‪.‬‬ ‫كان سي الشريف يدري أنه يسقوم بصفقة قذرة‪ ،‬وأنه يبيع بزواجه اسم‬ ‫أخيه‪ ،‬وأحد كبار شهدائنا مقابل منصب وصفقات أخرى‪..‬‬ ‫وأنه يتصرف باسمه‪ ،‬بطريقة لم يكن ليقبلها لو كان حيًا‪.‬‬ ‫وكان يلزمه أنا‪ ..‬ول أحد غيري لبارك اغتصابك‪ ،‬أنا صديق سي الطاهر‬ ‫الوحيد ورفيق سلحه‪.‬‬ ‫أنا الهيكل المفتت الطراف الخير‪ ،‬الذي بقي من ذلك الزمن الغابر‪.‬‬ ‫كانت تلزمه مباركتي‪ ،‬لُيسكت بحضوري ضميره ويعتقد أن سي الطاهر‬ ‫سيغفر له‪ ،‬هو الذي عاش من اسمه طوي ً‬ ‫ل‪.‬‬ ‫فلماذا قبلت الدخول في تلك اللعبة؟ لماذا قبلت بدون نقاش أن أسلمك‬ ‫لظافرهم؟‬ ‫ألنني أبدري أن مباركتي قضية شكلية‪ ،‬لن تقدم ولن تؤخر في شيء‪ ،‬وأنه‬ ‫لو لم يزّوجك من )سي‪ (....‬لكنت من نصيب )سي‪ (....‬آخر من السابدة‬


‫الجدبد‪.‬‬ ‫فماذا يهم في النهاية‪ ،‬أي اسم من أسماء الربعين لصاً ستحملين!‬ ‫لماذا قبلت السفر‪ ..‬ألكل هذا أم لنني استسلمت لغراء قسنطينة‪،‬‬ ‫ولندائها السّري الذي كان يلحقني ويطاربدني من الزل‪ ،‬كما يطاربد نداء‬ ‫الحوريات في الجزر المسحورة أولئك البحارة الذين نزلت على بواخرهم‬ ‫لعنة اللهة‪..‬‬ ‫أم تراني كنت عاجزاً عن أن أخلف موعداً معك‪ ،‬حتى ولو كان ذلك مناسبة‬ ‫زواجك؟‬ ‫سر قراراً أخذته‬ ‫هنالك قرارات وليدة ضدها‪ ،‬فكيف يمكن لي اليوم أن أف ّ‬ ‫خارج المنطق؟‬ ‫جرتين في‬ ‫كنت كعالم فيزيائي مجنون‪ ،‬يريد أن يجمع بين صيغتين متف ّ‬ ‫الوقت نفسه‪ :‬أنت‪ ..‬وقسنطينة‪ ،‬صيغتين صنعتهما بنفسي في نوبة شوق‬ ‫وعشق وجنون‪ ،‬قست قدرتهما التدميرية كل على انفرابد‪ ،‬وأربدت أن‬ ‫أجربهما معاً كما تجّرب قنبلة ذرية في صحراء‪.‬‬ ‫أربدت أن أعيشهما معاً في انفجار بداخلي واحد‪ ..‬يهّزني وحدي‪ ..‬يدمرني‬ ‫وحدي‪ ..‬وأخرج بعده من وسط الحرائق والدمار‪ ،‬إما رجل ً آخر‪ ..‬وأشلء رجل‪.‬‬ ‫ألم تقولي مرة إن هناك رغبة سرية تسكننا جميعاً اسمها "شهوة‬ ‫اللهب"؟‬ ‫اكتشفت بعدها بنفسي التطابق بينك وبين تلك المدينة‪.‬‬ ‫كان فيكما معًا‪ ،‬شيء من اللهيب الذي لم ينطفئ‪ ..‬وقدرة خارقة على‬ ‫إشعال الحرائق‪..‬‬ ‫ولكنكما معًا‪ ،‬كنتما تتظاهران بإعلن الحرب على المجوس‪ .‬إنه زيف المدن‬ ‫العريقة المحترمة‪ ..‬ونفاق بنات العائلت‪ ..‬أليس كذلك؟‬ ‫***‬ ‫جاء صوتك يوم الثنين هكذا بدون مقدمات‪ .‬بدون أية نبرة حزن أو فرح مميزة‪..‬‬ ‫بدون ارتباك ول أي خجل واضح‪.‬‬


‫ي‪ ،‬وكأنك تواصلين حديثاً بدأناه البارحة‪ ،‬كأن صوتك لم‬ ‫دثين إل ّ‬ ‫ورحت تتح ّ‬ ‫يعبر هذا الخط الهاتفي منذ أكثر من سّتة أشهر‪.‬‬ ‫ما أغرب علقتك بالزمن‪ ..‬وما أغرب ذاكرتك!‬ ‫ أهل ً خالد‪ ..‬هل أيقظتك؟‬‫كان يمكن أن أقول ل‪ ،‬وكان من الصح أن أقول نعم‪ .‬ولكنني قلت بصوت من‬ ‫يخرج من غيبوبة عشق‪:‬‬ ‫ت‪..‬؟!‬ ‫ أن ِ‬‫ضحكت‪ ..‬تلك الضحكة الطفولية التي أسرتني يوماً وقلت‪:‬‬ ‫ أعتقد أنني أنا‪ ..‬هل نسيت صورتي؟!‬‫ثم أضفت أمام صمتي‪:‬‬ ‫ كيف أنت؟‬‫ أحاول أن أصمد‪..‬‬‫ تصمد في وجه من‪.‬؟‬‫ في وجه اليام‪..‬‬‫ب ما‪:‬‬ ‫قلت بعد شيء من الصمت‪ ..‬وكأنك شعرت بذن ٍ‬ ‫ كلنا نحاول ذلك‪..‬‬‫ت‪:‬‬ ‫ثم أضف ِ‬ ‫ هل أخباري هي التي أزعجتك؟‬‫عجيب سؤالك‪ .‬عجيب كذاكرتك‪ .‬كعلقتك بمن تحّبين!‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ أخبارك ليست سوى جزء من تقّلبات اليام‪.‬‬‫أجبت ببراءة كاذبة‪:‬‬


‫ كنت أتوقع أن تستقبل خبر زواجي بطريقة أخرى‪ .‬لقد سمعت عمي‬‫يتحدث إليك أمس على الهاتف‪ ،‬وتعجبت أن تكون قبلت المجيء إلى‬ ‫قسنطينة بدون مناقشة أو تربدبد‪ .‬لقد أسعدني ذلك كثيرًا‪ ،‬وقررت أن أطلبك‪..‬‬ ‫ي‪ ..‬فأنا أريد أن تحضر إلى هذا العرس‪ ..‬من‬ ‫استنجت أنك لم تعد عاتباً عل ّ‬ ‫الضروري أن تحضر‪..‬‬ ‫ل أبدري لماذا أعابدتني كلماتك إلى مكالمتي السابقة مع سي الشريف‪،‬‬ ‫وإلى ذلك الموقف العجيب‪ ،‬عندما كان يقنعني أنك ابنتي‪.‬‬ ‫شعرت مرة أخرى أنني أقف على الحد الفاصل بين العقل واللعقل‪ ،‬بين‬ ‫البكاء والضحك‪..‬‬ ‫سألتك بشيء من المرارة الساخرة‪:‬‬ ‫ أتمنى أن أفهم سر إصراركم جميعاً على حضوري‪..‬‬‫ت‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ سبب إصرار عمي على حضورك ل يهمني إطلقًا‪ .‬ولكنني أبدري أنني‬‫سأكون تعيسة لو تغّيبت عن المجيء‪..‬‬ ‫أجبتك بتهكم‪:‬‬ ‫ هل السابدية ‪ ..‬آخر هواياتك؟‬‫ت بنبرة فاجأتني‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ لقد أحببت هذه المدينة من أجلك‪.‬‬‫أجبتك بتلك الطريقة نفسها التي أجبتني بها يومًا‪ ،‬وأنا أعترف لك "لقد‬ ‫ت "كان ينبغي أل تقرأني‪."..‬‬ ‫أحببتك يوم قرأتك" فقل ِ‬ ‫ت‪:‬‬ ‫قل ُ‬ ‫ كان ينبغي أل تحّبيها إذن‪..‬‬‫ث شحنة كهربائية في جسدي‪..‬‬ ‫وإذا بجوابك يدهشني‪ ..‬يوقظني‪ ..‬ويب ّ‬ ‫‪ ... -‬ولكنني أحببتك!‬


‫ها هي الكلمة التي انتظرتها عاماً بدون جدوى‪ .‬فهل أشكرك أم أبكي‪ .‬أم‬ ‫ل هذا العذاب إذن؟‬ ‫أسألك لماذا اليوم‪ ..‬لماذا الن‪ ..‬ولماذا ك ّ‬ ‫سألتك فقط‪:‬‬ ‫ وهو؟‬‫دثين عن شيء ل يعنيك تمامًا‪:‬‬ ‫أجبتني وكأنك تتح ّ‬ ‫ إنه قدر جاهز‪.‬‬‫قاطعتك‪:‬‬ ‫ لكل شخص القدر الذي يستحّقه‪ .‬كنت أتوقع قدراً غير هذا‪ ..‬كيف قبلت‬‫أن ترتبطي به؟‬ ‫ت‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ أنا ل أرتبط به‪ ..‬أنا أهرب إليه فقط من ذاكرة لم تعد تصلح للسكن‪ ،‬بعدما‬‫أثثتها بالحلم المستحيلة والخيبات المتتالية‪..‬‬ ‫ ولكن لماذا هو‪ ..‬كيف يمكن أن تمّرغي اسم والدك في مزبلة كهذه‪ ..‬أنت‬‫مك ما سيكتبه التاريخ يومًا؟‬ ‫لست امرأة فقط‪ ،‬أنت وطن‪ ،‬أفل يه ّ‬ ‫ت بشيء من السخرية المرة‪:‬‬ ‫أجب ِ‬ ‫ وحدك تعتقد أن التاريخ جالس مثل ملئكة الشر والخير على جانبينا‪،‬‬‫جل انتصاراتنا الصغيرة المجهولة‪ ..‬أو كبواتنا وسقوطنا المفاجئ نحو‬ ‫ليس ّ‬ ‫السفل‪ .‬التاريخ لم يعد يكتب شيئًا‪ .‬إنه يمحو فقط!‬ ‫لم أسألك ما الذي تريدين محوه بالضبط‪ .‬ولم أناقشك في نظرتك الخاطئة‬ ‫للقيم‪..‬‬ ‫سألتك‪:‬‬ ‫ ما الذي تريدينه مني على التحديد؟‬‫ي حلوى تريد‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ت كأنك طفلة يسألونها عن أ ّ‬ ‫‪ -‬أريدك‪..‬‬


‫خطر بذهني لحظتها أنك ربما كنت امرأة عاجزة عن حب رجل واحد‪ ،‬وأنه‬ ‫يلزمك بدائماً رجلن‪ .‬كانا في الماضي زيابد وأنا‪ .‬وأصبحا اليوم أنا‪ ..‬والخر‪.‬‬ ‫عابد صوتك يقول‪:‬‬ ‫د الجنون‪..‬‬ ‫ خالد‪ ..‬أتدري أنني أحببتك‪ ..‬إنه حدث أن أربدتك واشتهيتك ح ّ‬‫شيء فيك جّربدني من عقلي يومًا‪ ..‬ولكنني قررت أن أشفى منك‪ ..‬كانت‬ ‫علقة حّبنا علقة مرضّية‪ ،‬أنت نفسك قلت هذا‪..‬‬ ‫ك‪:‬‬ ‫سألت ِ‬ ‫ لماذا عدت اليوم إذن؟‬‫ت‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ عدت لقنعك بالمجيء إلى قسنطينة‪ .‬أريد أن تباركنا تلك المدينة ولو مرة‬‫واحدة‪ ..‬تباركنا ولو كذبًا‪ ،‬لقد تواطأت معنا وأوصلتنا إلى جنوننا هذا‪ ..‬أبدري‬ ‫أننا لن نلتقي فيها‪ ..‬قد ل نتحدث‪ ..‬وقد ل نتصافح‪ .‬ولكن سأكون لك ما بدمنا‬ ‫فيها‪ .‬سنتحداهم على مرأى منها‪ ..‬ووحدها ستعرف أنني أمنحك ليلتي‬ ‫الولى‪ ..‬أيسعدك هذا؟‬ ‫كم من ليلة أولى كنت تملكين؟ كم من ليلة وهمية أولى كنت قابدرة على‬ ‫ت روايتك الولى‪ ..‬نسختين مزّورتين لي‬ ‫أن تهبي على بياض‪ ،‬كما وهب ِ‬ ‫ولزيابد‪ ..‬موّقعتين على بياض‪.‬‬ ‫لمن ستكونين بعد كل ليلة وهمية؟ ومع من بدأت كذبتك الولى؟ لمن‬ ‫أهديت هدّيتك الملغومة الولى؟‬ ‫عندما أذكر كلمك اليوم‪ ،‬أضحك وأنا أشّبه نفسي آنذاك بأثيوبي جائع‬ ‫يسربدون عليه قائمة من الطباق الشهية التي لن يذوقها‪ ،‬ويسألونه بعدها‬ ‫كيف وجدها‪ ..‬وإذا كان ذلك يسعده‪..‬‬ ‫ولكن وقتها لم أضحك‪ ،‬بل ربما بكيت وأنا أجيبك بحماقة عاشق‪..‬‬ ‫"يسعدني‪."..‬‬ ‫ي أن أتنازل عنها مباشرة‬ ‫لم أنتبه إلى أنك كنت تمنحينني ليلًة وهمية‪ ،‬عل ّ‬ ‫لرجل آخر‪ ،‬سيستفيد منها فعليًا!‬ ‫ولكن هل يهم ذلك‪ ..‬مابدمت أتنازل عن شيء ليس في جميع الحالت لي؟‬ ‫هكذا التاريخ بدائماً عزيزتي وهكذا الماضي‪ ..‬ندعوه في المناسبات ليتكّفل‬


‫بفتات الموائد‪.‬‬ ‫نتحايل على الذاكرة‪ ،‬نرمي لها عظمة تتلهى بها‪ ،‬بينما ُتنصب الموائد‬ ‫للخرين‪.‬‬ ‫وهكذا الشعوب أيضًا‪ ،‬نهبها كثيراً من الوهام‪ ..‬كثيراً من الحلم المعّلبة‪،‬‬ ‫ض النظر عن الولئم التي لن تدعى إليها‪..‬‬ ‫من السعابدة المؤجلة‪ ،‬فتغ ّ‬ ‫ولكن لم أعِ كل هذا إل بعد فوات الوان‪ .‬بعدما رفعت الموائد‪ ،‬وانسحب‬ ‫الجميع لبقى وحدي‪ ..‬أمام فتات الذاكرة‪.‬‬ ‫ت‪:‬‬ ‫قل ُ‬ ‫ك‪..‬‬ ‫ أريد أن أرا ِ‬‫ت‪:‬‬ ‫صح ِ‬ ‫ ل‪ ..‬لم يعد لقاؤنا ممكناً الن‪ ..‬وربما كان هذا أفضل‪ .‬يجب أن نبحث عن‬‫صتنا‪ .‬لتكن قسنطينة لقاءنا وفراقنا معًا‪ ..‬فل بداعي لمزيد‬ ‫نهاية أقل وجعاً لق ّ‬ ‫من العذاب‪.‬‬ ‫كين واحدة‪ ،‬ذهاباً وإيابًا‪..‬‬ ‫هكذا إذن‪ ..‬قررت قتلي حسب الصول‪ ،‬بجّرة س ّ‬ ‫ق واحد‪ .‬فما أرأفك بي‪ ..‬وما أغباني!‬ ‫في لقاٍء وفرا ٍ‬ ‫ل معّلقاً في الحلق‪ ،‬لم أطرحه عليك يومها‪.‬‬ ‫أكثر من سؤال ظ ّ‬ ‫أكثر من لوم‪ ..‬أكثر من عتاب‪ ..‬أكثر من رغبة‪..‬‬ ‫ولكن هاتفك انتهى كما جاء خارج الزمان‪ ،‬وأنا بين الصحوة واليقظة ممدبد‬ ‫بذهول في فراشي‪.‬‬ ‫حتى أنني تساءلت بعدها‪ :‬هل طلبتني حقاً في ذلك الصباح أم أنني‬ ‫حلمت‪ ..‬فقط؟‬

‫ها نحن مثل أطفال إذن‪..‬‬ ‫نمحو كل مرة آثار الطباشير على الرض لنرسم قوانين لعبة جديدة‪.‬‬


‫نتحايل على كل شيء لنربح كل شيء‪ .‬فتّتسخ ثيابنا ونصاب بخدوش‬ ‫جل واحدة من مربع مستحيل إلى آخر‪.‬‬ ‫ونحن نقفز على ِر ْ‬ ‫خ نصب لنا‪ ،‬وفي كل مربع وقفنا وتركنا أرضاً شيئاً من الحلم‪.‬‬ ‫كل مربع ف ّ‬ ‫جل واحدة‪ ،‬والقفز على‬ ‫كان ل بد أن نعترف أننا تجاوزنا عمر النط على ِر ْ‬ ‫الحبال‪ ،‬والقامة في مربعات الطباشير الوهيمة‪.‬‬ ‫أخطأنا حبيبتي‪..‬‬ ‫الوطن ل يرسم بالطباشير‪ ،‬والحب ل يكتب بطلء الظافر‪.‬‬ ‫أخطأنا‪ ..‬التاريخ ل يكتب على سبورة‪ ،‬بيد تمسك طباشير وأخرى تمسك‬ ‫ممحاة‪..‬‬ ‫والعشق ليس أرجوحة يتجاذبها الممكن والمستحيل‪.‬‬ ‫بدعينا نتوقف لحظة عن اللعب‪ .‬لحظة عن الجري في كل التجاهات‪ .‬نسينا‬ ‫ن‪.‬‬ ‫ن ِمّنا القط‪ ،‬وَمن الفأر‪ ..‬ومن منا سيلتهم َم ْ‬ ‫في هذه اللعبة َم ْ‬ ‫نسينا أنهم سيلتهموننا معًا‪.‬‬ ‫لم يعد أمامنا مّتسع للكذب‪ .‬ل شيء أمامنا سوى هذا المنعطف الخير‪ .‬ل‬ ‫شيء تحتنا غير هاوية الدمار‪.‬‬ ‫فلنعترف أننا تح ّ‬ ‫طمنا معًا‪.‬‬ ‫ت حبيبتي‪..‬‬ ‫لس ِ‬ ‫صتي القابدمة وفرحي‬ ‫أن ِ‬ ‫ت مشروع حبي للزمن القابدم‪ .‬أنت مشروع ق ّ‬ ‫ت مشروع عمري الخر‪.‬‬ ‫القابدم‪ ..‬أن ِ‬ ‫ت من‬ ‫ت من الرجال‪ ،‬واكتبي ما شئ ِ‬ ‫في انتظار ذلك‪ ..‬أحّبي من شئ ِ‬ ‫القصص‪..‬‬ ‫صتك التي لن تصدر يوماً في كتاب‪ .‬وحدي أعرف أبطالك‬ ‫وحدي أعرف ق ّ‬ ‫المنسيين وآخرين صنعتهم من ورق‪.‬‬ ‫وحدي أعرف طريقتك الشاذة في الحب‪ ،‬طريقتك الفريدة في قتل من‬ ‫تحبين‪ ..‬لتؤثثي كتبك فقط‪.‬‬ ‫أنا الذي قتلتني لعدة أسباب غامضة‪ ،‬وأحببتك لسباب غامضة أخرى‪.‬‬


‫أنا الرجل الذي حّولك من امرأة إلى مدينة‪ ،‬وحولته من حجارة كريمة إلى‬ ‫حصى‪.‬‬ ‫ل تتطاولي على حطامي كثيرًا‪.‬‬ ‫لم ينته زمن الزلزل‪ ،‬وما زال في عمق هذا الوطن حجارة لم تقذفها‬ ‫البراكين بعد‪.‬‬ ‫بدعينا نتوقف لحظة عن اللعب‪ .‬كفاك كل ما قلته من كذب‪..‬‬ ‫أعرف اليوم أنك لن تكوني لي‪.‬‬ ‫بدعيني إذن‪ ،‬أنحشر معك يوم الحشر حيث تكونين‪ ،‬لكون نصفك الخر‪.‬‬ ‫بدعيني أحجز مسبقاً مكاناً لي إلى جوارك‪ ،‬ما بدامت كل الماكن محجوزة‬ ‫كرتك ملى بالمواعيد حتى آخر أيامك‪..‬‬ ‫حولك هنا‪ ،‬وما بدامت مف ّ‬ ‫يا امرأة على شاكلة وطن‪..‬‬ ‫م بعد اليوم أن نبقى معًا؟‬ ‫أيه ّ‬

‫حقيبة صغيرة فقط لملقاة الوطن‪.‬‬ ‫ي وسكي‪..‬‬ ‫ول شي سوى بدلة سوبداء لحضور حفل زفافك‪ .‬زجاجت ْ‬ ‫قمصان‪ ..‬وشفرات حلقة‪.‬‬ ‫هنالك أوطان تنتج كل مبّررات الموت‪ ،‬وتنسى أن تنتج شفرات حلقة!‬ ‫على أصابع الجرح أعوبد إلى الوطن‪.‬‬ ‫بدون أمتعة شخصية‪ ،‬بدون زيابدة في الوزن ول زيابدة في حساب‪.‬‬ ‫وحدها الذاكرة أصبحت أثقل حم ً‬ ‫ل‪ ،‬ولكن من سيحاسبنا على ذاكرة‬ ‫نحملها بمفربدنا؟‬ ‫مشياً على جرحي الخير أعوبد إليه على عجل‪.‬‬ ‫عشر سنوات من الغياب‪ ،‬وها هوذا الرجوع المفاجئ‪ .‬كنت أتوقع لقاءً غير‬ ‫هذا‪..‬‬


‫كنت سأحجز لي مكاناً في الدرجة الولى مث ً‬ ‫ل‪ .‬فيحدث للذاكرة في مثل‬ ‫هذه المناسبات‪ ،‬أن ترفض الجلوس في الكراسي الخلفية‪.‬‬ ‫ولكن‪ ،‬ل يهم سيدتي‪ ..‬كانت كل الكراسي المامية محجوزة مسبقًا‪،‬‬ ‫لولئك الذين حجزوا كراسي الوطن أيضاً بأمر‪..‬‬ ‫فلعد إليه كما جئت منه إذن‪ ،‬على كرسي جانبي للحزن‪.‬‬ ‫ملين بحقائب نحشر فيها ما في خزائننا من عمر‪ .‬ما في‬ ‫نغابدر الوطن‪ ،‬مح ّ‬ ‫أبدراجنا من أوراق‪.‬‬ ‫نحشر أبوم صورنا‪ ،‬كتباً أحببناها‪ ،‬وهدايا لها ذكرى‪..‬‬ ‫نحشر وجوه من أحببنا‪ ..‬عيون من أحّبونا‪ ..‬رسائل كتبت لنا‪ ..‬وأخرى كّنا‬ ‫كتبناها‪.‬‬ ‫آخر نظرة لجارة عجوز قد ل نراها‪ ،‬قبلة على خد صغير سيكبر بعدنا‪ ،‬بدمعة‬ ‫على وطن قد ل نعوبد إليه‪.‬‬ ‫نحمل الوطن أثاثاً لغربتنا‪ ،‬ننسى عندما يضعنا الوطن عند بابه‪ ،‬عندما يغلق‬ ‫قلبه في وجهنا‪ ،‬بدون أن يلقي نظرة على حقائبنا‪ ،‬بدون أن يستوقفه‬ ‫بدمعنا‪ ..‬ننسى أن نسأله من سيؤثثه بعدنا‪.‬‬ ‫وعندما نعوبد إليه‪ ..‬نعوبد بحقائب الحنين‪ ..‬وحفنة أحلم فقط‪.‬‬ ‫نعوبد بأحلم وربدية‪ ..‬ل "بأكياس وربدية"‪ ،‬فالحلم ل يستوبدر من محلت‬ ‫"تاتي" الرخيصة الثمن‪.‬‬ ‫عاٌر أن نشتري الوطن ونبيعه حلماً في السوق السوبداء‪ .‬هنالك إهانات‬ ‫أصعب على الشهداء من ألف عملة صعبة!‬ ‫ها أنذا‪ ..‬بحقيبة يٍد صغيرة‪ ،‬هنا في اللمكان‪.‬‬ ‫في هذه النقطة المعلقة بين الرض والسماء‪ .‬والهاربة بي من ذاكرة إلى‬ ‫أخرى‪ .‬أجلس على مقعد في الدرجة الثانية للنسيان‪.‬‬ ‫أحّلق على تضاريس حّبك‪ .‬على ارتفاع تصعب معه الرؤية‪ ،‬ويصعب معه‬ ‫النسيان‪ .‬وأتساءل رغم فوات الوان‪ :‬تراني أرتكب آخر حماقات عمري‪،‬‬ ‫وأهرب منك إلى الوطن؟ أحاول أن أشفى منك به‪ .‬أنا الذي لم أشف بك‬ ‫منه؟‬ ‫ها هي اللوحة التي أحضرتها هدية لعرسك تشغل مكانك الفارغ إلى‬ ‫جواري‪.‬‬


‫ها نحن نسافر _ أخيراً معاً _ أنا وأنت‪..‬‬ ‫نأخذ طائرة واحدة لول مرة‪ .‬ولكن ليس للرحلة نفسها‪ ..‬ول للتجاه نفسه‪.‬‬ ‫ها هي قسنطينة‪..‬‬ ‫ساعتان فقط ليعوبد القلب عمراً إلى الوراء‪.‬‬ ‫ة باب الطائرة‪ ،‬ول تتنّبه إلى أنها تشرع معه القلب على‬ ‫تشرع مضيف ٌ‬ ‫مصراعيه‪ .‬فمن يوقف نزيف الذاكرة الن؟‬ ‫من سيقدر على إغلق شّباك الحنين‪ ،‬من سيقف في وجه الرياح‬ ‫المضابدة‪ ،‬ليرفع الخمار عن وجه هذه المدينة‪ ..‬وينظر إلى عينها بدون بكاء‪.‬‬ ‫ها هي قسنطينة إذن‪..‬‬ ‫وها أنذا أحمل بيدي الوحيدة حقيبة يد‪ ،‬ولوحة تسافر معي سفرها الخير‪،‬‬ ‫بعد خمس وعشرين سنة من الحياة المشتركة‪.‬‬ ‫ي مع اللوحة‬ ‫ها هي "حنين"‪ ،‬النسخة الناقصة عن قسنطينة‪ ،‬في لقاء ليل ّ‬ ‫الصل‪..‬‬ ‫تكابد مثلي تقع من على سّلم الطائرة تعبًا‪ ..‬وبدهشة‪ ..‬وارتباكًا‪.‬‬ ‫تتقاذفنا النظرات الباربدة المغلقة‪ ،‬تتقاذفنا العبارات التي تنهى وتأمر‪ .‬وكل‬ ‫هذه الوجوه المغلقة‪ ،‬وكل هذه الجدران الرمابدية الباهتة‪..‬‬ ‫فهل هذا هو الوطن؟‬ ‫قسنطينة‪..‬‬ ‫ت يا اميمة‪ ..‬واشك؟‬ ‫كيف أن ِ‬ ‫أشرعي بابك واحضنيني‪ ..‬موجعة تلك الغربة‪ ..‬موجعة هذه العوبدة‪..‬‬ ‫بارٌبد مطارك الذي لم أعد أذكره‪ .‬بارٌبد ليلك الجبلي الذي لم يعد يذكرني‪.‬‬ ‫بدّثريني يا سيدة الدفء والبربد معًا‪.‬‬ ‫جلي خيبتي قلي ً‬ ‫أجلي بربدك قلي ً‬ ‫ل‪.‬‬ ‫ل‪ ..‬أ ّ‬


‫م إليك أنا من سنوات الصقيع والخيبة‪ ،‬من مدن الثلج والوحدة‪.‬‬ ‫قابد ٌ‬ ‫فل تتركيني واقفاً في مهب الجرح‪.‬‬ ‫كانت الشارات المكتوبة بالعربية‪ ،‬وبعض الصور الرسمية‪ ،‬وكل تلك الوجوه‬ ‫المتشابهة السمراء‪ ،‬تؤكد لي أنني أخيراً أقف وجهاً لوجه مع الوطن‪.‬‬ ‫وتشعرني بغربة من نوع آخر تنفربد بها المطارات العربية‪.‬‬ ‫ل‪ ،‬وأذاب جليد اللقاء الول‪..‬‬ ‫سان ملني بدفئاً مفاجئاً عندما أط ّ‬ ‫وحده وجه ح ّ‬ ‫مع ذلك المطار‪.‬‬ ‫وعندما احتضنني‪ ،‬وأخذ عني حمولة يدي‪ ،‬وقال بلهجة جزائرية مازحة وهو‬ ‫يحمل عني تلك اللوحة‪:‬‬ ‫"واش‪ ..‬مازلت تنّقل في الطابلوهات‪..‬؟" ثم أضاف "آ سيدي‪ ..‬هذا نهار‬ ‫مبروك من هو اللي قال نشوفك هنا‪."!..‬‬ ‫حب بي‪.‬‬ ‫شعرت أن قسنطينة أخذت فجأة ملمحه‪ ،‬وأنها أخيرا جات تر ّ‬ ‫وهل كان حسان غير تلك المدينة نفسها‪ .‬غير حجارتها‪ ..‬قرميدها‪..‬‬ ‫وجسورها ومدارسها‪ ..‬وأزّقتها وذاكرتها؟‬ ‫هنا ولد‪ ،‬وهنا ترّبى وبدرس‪ ،‬وهنا أصبح مدّرسا‪ .‬لم يغابدرها إل نابدراً في‬ ‫زيارات قصيرة إلى تونس أو إلى باريس‪.‬‬ ‫ي وليشتري‬ ‫ن عل ّ‬ ‫كان يحضر لزيارتي من سنة إلى أخرى‪ ،‬لكي يطمئ ّ‬ ‫بالمناسبة بعض لوازم عائلته التي ما فتئت تكبر وتتضاعف‪ .‬وكأن حسان‬ ‫قرر أن يتحمل بمفربده مسؤولية عدم اندثار اسم العائلة‪ ،‬بعدما يئس من‬ ‫تزويجي وأبدرك بعد محاولت إغراء فاشلة‪ ،‬أنه لن يكون لي بنات و ل بنون‪..‬‬ ‫ما عدا تلك اللوحات التي تنفربد بحمل اسمي‪.‬‬ ‫ذب المظهر‪ ،‬والذي يتحدث‬ ‫أكتشف اليوم‪ ،‬أن هذا الرجل الفارع القامة‪ ،‬المه ّ‬ ‫بدائماً بحماسة الساتذة وعنابدهم وتكرارهم‪ ،‬وكأنه يواصل حديثه لتلميذه‬ ‫وليس للخرين‪ ،‬هو أخي‪ ..‬ل غير‪.‬‬ ‫أكنت أجهل هذا؟ ل!‬ ‫ولكن في هذا اليوم الستثنائي اللم والخيبة‪ ..‬والفرحة! أشعر أن قرابته‬ ‫بي تصبح الرض الصلبة الوحيدة التي يمكن أن أقف عليها وسط زلزلي‬ ‫الداخلية‪ ،‬والصدر الوحيد الذي كنت لول الكبرياء‪ ،‬بكيت عليه في تلك‬


‫اللحظة‪.‬‬ ‫عشر سنوات‪ ..‬حدث خللها في بعض المّرات أن انتظرته أنا في مطار‬ ‫)أورلي الدولي(‪.‬‬ ‫كانت البدوار معكوسة‪ .‬كان هو القابدم‪ ..‬وأنا المنتظر‪ .‬وكنت أشعر آنذاك‬ ‫ت ملزمُا به‪ ،‬ولكن كنت أحرص عليه‪ .‬فقد‬ ‫أنني أقوم بواجب عائلي لس ُ‬ ‫كانت تلك إحدى فرصي القليلة للعب بدور "الخ الكبير" بكل مسؤولياته‬ ‫وواجباته‪ .‬ذلك الدور الذي لم أوّفق بدائماً في أبدائه‪ .‬فقد عشت في الواقع‬ ‫سان‪ ،‬حسان الذي كنت أبدرك جوعه للحنان ويتمه‬ ‫بدائماً بعيداً عن ح ّ‬ ‫كر‪ ..‬وتعلقه العاطفي بي‪.‬‬ ‫المب ّ‬ ‫ُتراه لهذا أيضاً تزّوج باكرا على عجل‪ ،‬وراح يكثر من الولبد ليحيط نفسه‬ ‫أخيراً بتلك العائلة التي حرم منها بدائماً في طفولته‪ ،‬والتي كنت عاجزاً عن‬ ‫أن أعوضها له بحضوري العابر‪ ..‬وغيابي المتنّقل من منفى إلى آخر‪.‬‬

‫فلماذا يقلب لقائي بحسان اليوم كل مقاييسي السابقة‪ ،‬ويشعرني برغم‬ ‫فارق العمر‪ ،‬وبرغم أولبده الستة‪ ،‬أنني الخ الصغر وأنه في هذه اللحظة‬ ‫يكبرني بسبع سنوات‪ ،‬وربما بأكثر‪..‬‬ ‫ترى لنه هو الذي يحمل حقيبتي ويمشي أمامي‪ ،‬ويسألني عن تفاصيل‬ ‫سفري‪ ..‬أم أن هذا المطار الذي يستفزّ رجولتي وكبريائي يجّربدني من وقار‬ ‫عمري‪ .‬فأترك حسان يتصرف فيه نيابة عني‪ ،‬وكأن تجربته مع هذه المدينة‬ ‫ومعايشته لطباعها المتقّلبة‪ ،‬جعلته اليوم يبدو أكبر‪..‬‬ ‫أم تراها قسنطينة‪ ..‬تلك الم المتطرفة العواطف‪ ،‬حباً وكراهية‪ ..‬حنانا‬ ‫وقسوة‪ ،‬هي التي حّولتني بوطأة قدم واحدة على ترابها‪ ،‬إلى ذلك الشاب‬ ‫المرتبك الخجول الذي كنته قبل ثلثين سنة؟‬ ‫نظرت إليها من زجاج سيارة كانت تنقلني من المطار إلى البيت‪ ،‬وتساءلت‪:‬‬ ‫أتراها تعرفني؟‬ ‫هذه المدينة الوطن‪ ،‬التي ُتدخل المخبرين وأصحاب الكتاف العريضة‬ ‫جار‬ ‫واليدي القذرة من أبوابها الشرفّية‪ ..‬وتدخلني مع طوابير الغرباء وت ّ‬ ‫الشنطة‪ ..‬والبؤساء‪.‬‬ ‫أتعرفني‪ ..‬هي التي تتأمل جوازي بإمعان‪ ..‬وتنسى أن تتأملني؟‬ ‫ب أولبدك إليك؟" قالت‪" :‬غائبهم حتى يعوبد‪..‬‬ ‫سئلت أعرابية يومًا‪" :‬من أح ّ‬ ‫ُ‬


‫ومريضهم حتى يشفى‪ ..‬وصغيرهم حتى يكبر"‪.‬‬ ‫وكنت أنا غائبها الذي لم يعد‪ ..‬ومريضها الذي لم يشف وصغيرها الذي لم‬ ‫يكبر‪..‬‬ ‫ولكن قسنطينة لم تكن قد سمعت بقول تلك العرابية‪ .‬فلم أعتب عليها‪.‬‬ ‫عتبت على ما قرأت من كتب التراث العربي!‬ ‫لم أنم تلك الليلة‪..‬‬ ‫د وليمة‪ ،‬والذي‬ ‫أكان ذلك العشاء الذي أعدته عتيقة زوجة حسان‪ ،‬وكأنها تع ّ‬ ‫استسلمت له بشهية أكابد أقول تاريخية‪ ،‬هو الذي كان سبب قلقي‪ ،‬بعدما‬ ‫تناولت الكثير من أطباقه التي لم أذق معظمها من سنين؟‬ ‫أم أن السبب هو صدمة لقائي العاطفي الخر مع ذلك البيت‪ ،‬الذي ولدت‬ ‫فيه وترّبيت‪ ،‬والذي على جدرانه وأبدراجه ونوافذه وغرفه وممراته‪ ،‬كثير من‬ ‫ذاكرتي‪ ،‬من أفراح ومآتم وأعيابد‪ ..‬وأيام عابدية أخرى‪ ،‬تراكمت ذكراها في‬ ‫أعماقي لتطفو الن فجأة‪ ..‬كذكريات فوق العابدة تلغي كل شيء عداها؟‬ ‫سد ذاكرته؟‬ ‫ها أنا أسكن ذاكرتي وأنا أسكن هذا البيت‪ ،‬فكيف ينام من يتو ّ‬ ‫مازال طيف الذين غابدروه يعبر هذه الغرف أمامي‪ .‬أكابد أرى ذيل كندورة‬ ‫)أّما( العنابي يمر هنا‪ ،‬ويروح ويجيء بذلك الحضور السري للمومة‪ .‬وصوت‬ ‫أبي يطالب بالماء للوضوء‪ ،‬أو يصيح من أسفل الدرج "الطريق‪ ..‬الطريق"‬ ‫لينّبه النساء في البيت أنه قابدم صحبة رجل غريب‪ ،‬وأن عليهن أن يفسحن‬ ‫الطريق ويذهبن للختباء في الغرف البعيدة‪.‬‬ ‫أكابد أرى خلف الجدران الجديدة البياض آثار المسمار الذي علق عليه أبي‬ ‫يوماً شهابدتي البتدائية منذ أربعين سنة‪ .‬ثم جوارها بعد سنوات شهابدة‬ ‫أخرى‪..‬‬ ‫وبعدها ل شيء‪..‬‬ ‫توّقف اهتمامه بي ليبدأ اهتمامه بأشياء أخرى‪ ،‬ومشاريع أخرى‪ ،‬انتهت‬ ‫بموت )أما( وزواجه الذي كان جاهزاً للستهلك‪ ،‬ومعداً في ذهنه منذ مدة‪.‬‬ ‫أكابد أرى جثمان )أما( يخرج مرة أخرى من ها الباب الضيق يليه حشد من‬ ‫قراء القرآن‪ ..‬ونساء يحترفن البكاء في المآتم‪.‬‬ ‫أكابد أرى موكباً آخر يعوبد بعد أسابيع‪ ،‬بعروس صغيرة هذه المرة‪ ..‬ونساء‬ ‫يحترفن الزغاريد والمواويل‪.‬‬ ‫ثم تلك الليلة التي قّبلت فيها حسان ووبدعته قبل أن ألتحق بالجبهة‪.‬‬


‫لم يسألني ليلتها إلى أين كنت ذاهبًا‪ .‬كان حسان وهو في عامه الخامس‬ ‫عشر‪ ،‬قد سبق عمره بسنوات‪.‬‬ ‫كان مثلي جعله اليتم يكبر على عجل‪ ..‬وعّلمه ذّله أن يصمت ويحتفظ‬ ‫لنفسه بالسئلة‪.‬‬ ‫سألني‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬وأنا؟‬‫وأجبته بالذهول نفسه‪:‬‬ ‫ مازلت صغيراً يا حسان‪ ..‬انتظرني‪..‬‬‫ي‪:‬‬ ‫ي عل ّ‬ ‫مص فجأة صوت )أما( وخوفها المرض ّ‬ ‫فقال وكأنه يتق ّ‬ ‫ عندك على روحك‪ ..‬آ خالد‪..‬‬‫وأجهش بالبكاء‪.‬‬ ‫ها هو الوطن الذي استبدلته بأمي يومًا‪.‬‬ ‫كنت أعتقد أنه وحده قابدر على شفائي من عقدة الطفولة‪ ،‬من يتمي ومن‬ ‫ذّلي‪.‬‬ ‫اليوم‪ ..‬بعد كل هذا العمر‪ ،‬بعد أكثر من صدمة وأكثر من جرح‪ ،‬أبدري‪ ..‬أن‬ ‫هناك ُيتم الوطان أيضًا‪ .‬هنالك مذّلة الوطان‪ ،‬ظلمها قسوتها‪ ،‬هنالك‬ ‫جبروتها وأنانيتها‪.‬‬ ‫هنالك أوطان ل أمومة لها‪ ..‬أوطان شبيهة بالباء‪.‬‬ ‫***‬

‫لم أنم ليلتها حتى ساعة متقدمة من الصباح‪.‬‬ ‫كان للقائي الليلي مع تلك المدينة مذاق مسبق لمرارة ما‪ .‬وما كدت أغفو‬


‫حتى أيقظني من غفوتي أصغر أولبد حسان‪ ،‬الذي استيقظ باكراً وراح‬ ‫يبكي بكاء رضيع يطالب بحضن أمه‪ ،‬ووجبته الصباحية‪.‬‬ ‫حسدت براءته وجرأته الطفولية‪ ..‬وقدرته على قول ما يريد بدون كلم‪.‬‬ ‫في ذلك الصباح‪ ،‬وفي أول لقاء لي مع تلك المدينة‪ ،‬فقدت لغتي‪.‬‬ ‫شعرت أن قسنطينة هزمتني حتى قبل أن نلتقي‪ ،‬وأنها جاءت بي إلى‬ ‫هنا‪ ،‬لتقنعني بذلك ل غير!‬ ‫ولم أشعر برغبة في مقاومة قدري‪.‬‬ ‫لقد هزمت من مّروا قبلي‪ ،‬وصنعت من جنونهم بها أضرحة للعبرة‪.‬‬ ‫وأنا آخر عشاقه المجانين‪..‬‬ ‫أنا ذا العاهة الخر الذي أحبها‪ ،‬أنا"أحدب نوتربدام" الخر‪ ،‬وأحمق قسنطينة‬ ‫الخر‪ ..‬ما الذي أوصلني إلى جنون كهذا؟ ما الذي أوقفني عند أبواب قلبها‬ ‫عمرًا؟‬ ‫وكانت تشبهك‪..‬‬ ‫تحمل اسمين مثلك‪ ،‬وعدة تواريخ للميلبد‪ .‬خارجة لتّوها من التاريخ‪،‬‬ ‫باسمين‪ :‬واحد للتداول‪ ..‬وآخر للتذكار‪.‬‬ ‫كان اسمها يوماً "سيرتا"‪ .‬قاهرة كانت‪ ..‬كمدينة أنثى‪.‬‬ ‫وكانوا رجا ً‬ ‫ل‪ ..‬في غرور العسكر!‬ ‫سينيسا‪ ..‬ويوغررطة‪ ..‬وقبلهم آخرون‪.‬‬ ‫من هنا مرّ صيفاكس‪ ..‬ما ّ‬ ‫تركوا في كهوفها ذاكرتهم‪ .‬نقشوا حّبهم وخوفهم وآلهتهم‪.‬‬ ‫تركوا تماثيلهم وأبدواتهم‪ ،‬وصكوكهم النقدية‪ ،‬أقواس نصرهم وجسوراً‬ ‫رومانية‪..‬‬ ‫‪ ..‬و رحلوا‪.‬‬ ‫لم يصمد من الجسور سوى واحد‪ .‬ولم يبق من أسمائها سوى اسم‬ ‫"قسنطينة" الذي منحه لها من ستة عشرة قرناً "قسطنطن"‪.‬‬ ‫أحسد ذلك المبراطور الروماني المغرور‪ ،‬الذي منح اسمه لمدينة لم تكن‬ ‫حبيبته بالدرجة الولى‪ ..‬وإنما اقترن بها لسباب تاريخية محض‪.‬‬


‫وحدي منحتك اسما لم يكن اسمي‪.‬‬ ‫وربما لذلك‪ ،‬يحدث أن أعاكس قانون الحماقات هذا‪ .‬وأنابدي تلك المدينة‬ ‫"سيرتا" لعيدها إلى شرعّيتها الولى‪.‬‬ ‫تماما‪ ..‬كما أنابديك "حياة"‪.‬‬ ‫ل الغزاة‪ ..‬أخطأ قسطنطين‪.‬‬ ‫كك ّ‬ ‫المدن كالنساء‪ ..‬نحن ل نمتلكها لمجربد أننا منحناها اسمنا‪.‬‬ ‫لقد كانت "سيرتا" مدينة نذرت للحب والحروب‪ ،‬تمارس إغراء التاريخ‪،‬‬ ‫وتترّبص بكل فاتح سبق أن ابتسمت له يوماً من علوّ صخرتها‪.‬‬ ‫كنسائها كانت تغري بالفتوحات الوهمية‪..‬‬ ‫ولكن لم يعتبر من مقابرها أحد!‬ ‫هنا أضرحة الرومان‪ ..‬والوندال‪ ..‬والبيزنطيين‪ ..‬والفاطميين‪ ..‬والحفصيين‪..‬‬ ‫والعثمانيين‪ ..‬وواحد وأربعين باياً تناوبوا علها قبل أن تسقط في يد‬ ‫الفرنسيين‪.‬‬ ‫هنا وقفت جيوش فرنسا سبع سنوات بأكملها على أبواب قسنطينة‪.‬‬ ‫فرنسا التي بدخلت الجزائر سنة ‪ ،1830‬لم تفتح هذه المدينة الجالسة‬ ‫على صخرة‪ ،‬إل سنة ‪ ،1837‬سالكة ممراً جبليا تركت فيه نصف جيشها‪،‬‬ ‫وتركت فيه قسنطينة خيرة رجالها‪.‬‬ ‫منذ ذلك اليوم‪ ،‬ولد أكثر من جسر حول تلك المدينة‪ ،‬وكثرت الطرقات‬ ‫المؤبدية إليها‪.‬‬ ‫ولكن‪ ،‬كانت الصخرة بدائماً أكبر من الجسور‪ ،‬لنها تدري أن ل شيء تحت‬ ‫الجسور سوى الهاوية!‬ ‫ها هي مدينة تتربص بكل فاتح‪ ..‬تلف نفسها بملءتها السوبداء وتخفي‬ ‫سّرها عن كل سائح‪.‬‬ ‫تحرسها الوهابد العميقة من كل جانب‪ ،‬تحرسها كهوفها السرية وأكثر من‬ ‫ي صالح‪ ،‬تبعثرت أضرحتهم على المنعرجات الخضراء تحت الجسور‪.‬‬ ‫ول ّ‬


‫هنا القنطرة‪ ..‬أقرب جسر لبيتي ولذاكرتي‪ .‬أعبرها تلقائيا وكأنني أرسمها‪،‬‬ ‫مشياً على القدام‪ ،‬بين الدوار المبهم والتذكار وكأنني أعبر حياتي‪ ،‬أجتاز‬ ‫العمر من طرف إلى آخر‪.‬‬ ‫كل شيء كان يبدو مسرعاً على هذا الجسر‪ .‬السيارات والعابرون وحتى‬ ‫الطيور‪ ،‬وكأن شيئاً ما كان ينتظرهم على الطرف الخر‪.‬‬ ‫ربما كان بعضهم يجهل آنذاك أن الذي يبحث عنه‪ ،‬قد يكون تركه خلفه‪ ،‬وأنه‬ ‫في الحقيقة‪ ،‬ل فرق بين طرفي الجسر‪ .‬الفرق الوحيد هو ما في فوقه‪..‬‬ ‫وما تحته‪.‬‬ ‫تلك الهاوية المخيفة التي يفصلك عنها حاجز حديدي ل أكثر‪ ،‬والتي ل‬ ‫يتوقف أحد لبنظر إليها‪ ،‬ربما لن النسان بطبعه ل يحب أن يتأمل الموت‪..‬‬ ‫كثيرا‪.‬‬ ‫وحدي تستوقفني هذه الهاوية الموغلة في العمق‪.‬‬ ‫ترى لنني أتيتها بأفكار مسبقة وذاكرة متوارثة؟ أم سلكت هذا الطريق‪،‬‬ ‫لنفربد بهذه المدينة على جسر؟‬ ‫***‬

‫هنالك حماقات يجب عدم ارتكابها‪ ،‬كأن تأخذ موعداً مع ذاكرتك على جسر‪.‬‬ ‫خاصة عندما تتذكر فجأة‪ ،‬تلك القصة التي نسيتها تماماً منذ سنين‪..‬‬ ‫قصة جدك البعيد الذي رمى بنفسه يوماً من جسر ربما كان هذا‪ ..‬بعدما‬ ‫توعده أحد البايات بالقتل‪ ..‬عندما جاءه خبر خيانته وتآمره عليه مع بعض‬ ‫وجهاء قسنطينة للطاحة به‪ .‬هو الذي كان مبعوثه ورسوله الخاص‪ ..‬ورجل‬ ‫ثقته‪.‬‬ ‫دي يومها أضعف من أن يقف بمفربده في وجه ذلك المر القاطع‬ ‫كان ج ّ‬ ‫بالقتل‪ .‬وكان أيضاً أكبر من أن ُيقابد ليقف بين يدي ذلك الباي ذلي ً‬ ‫ل‪..‬‬ ‫ولذا عندما أرسل الباي من يحضره إليه‪ ..‬كان جدي جثة في هوة سحيقة‬ ‫كهذه‪ ،‬أسفل وابدي الرمال‪ ،‬فقد رفض أن يمنح الباي شرف قتله‪.‬‬ ‫سمعت هذه القصة مرة واحدة من فم أبي‪ ،‬يوم سألته عن سر هذا السم‬ ‫الذي نحمله‪.‬‬ ‫د ذاته عاراً‬ ‫يبدو أنه كان ل يحب رواية هذه الحابدثة‪ .‬فقد كان النتحار في ح ّ‬


‫وكفراً في مجتمع قسنطيني متدين‪ .‬ولهذا هاجرت عائلتنا بعد ذلك إلى‬ ‫غرب الجزائر مستبدلة باسم نكرة اسمها الول‪ .‬ولم تعد إلى قسنطينة إل‬ ‫م لمدينة أخرى‪.‬‬ ‫بعد جيل وأكثر‪ ،‬باس ٍ‬ ‫أعيد نظري إلى أسفل‪.‬‬ ‫ماذا تراني جئت أبحث هنا‪ ،‬في هذا الجسر المعّلق على ارتفاع مئة‬ ‫وسبعين متراً من جوف الرض‪ ،‬والذي تعبره أسراب الغربان على عجل؟‬ ‫د ما‪ ،‬كان اسمه أحمد‪ ..‬يقال إنه كان وسيماً وذا‬ ‫تراني أبحث عن بقايا ج ّ‬ ‫ل وعلم كبير‪ ،‬وأنه رمى يوماً كل شيء من هنا‪ ..‬ليترك حزنه وجرحه إرثاً‬ ‫ما ٍ‬ ‫لتلك العائلة‪.‬‬ ‫هذه هي قسنطينة‪..‬‬ ‫مدينة ل يهمها غير نظرة الخرين لها‪ ،‬تحرص على صيتها خوفاً من القيل‬ ‫والقال الذي تمارسه بتفوق‪ .‬وتشتري شرفها بالدم تارة‪ ..‬والُبعد والهجرة‬ ‫تارة أخرى‪.‬‬ ‫تراها تغّيرت؟‬ ‫أذكر أنني سمعت وأنا شاب بعائلة غابدرت قسنطينة فجأة إلى مدينة‬ ‫أخرى‪ ،‬بعدما شاع أن إحدى الغاني التي ما يزال يغّنيها "الفرقاني" اليوم‪،‬‬ ‫قد نظمها أحدهم تغزّل ً في إحدى بناتها!‬ ‫ويظل السؤال‪ ..‬ما الذي جئت أفعل هنا فوق هذا الجسر؟‬ ‫تراني على موعد مع ذاكرتي‪ ،‬أم فقط مع لوحتي في هذا الصباح؟‬ ‫ها أنا أقف أمامها اليوم بدون فرشاة ول ألوان‪ ،‬وبل قلق أو خوف من مرّبع‬ ‫القماش البيض‪.‬‬ ‫سامها ول مبدعها‪ .‬أنا جزء منها‪.‬‬ ‫أنا لست خالقها في هذه اللحظة‪ .‬لست ر ّ‬ ‫ويمكنني أن أصبح حتى جزءاً من تفاصيلها وتضاريسها‪.‬‬ ‫يمكنني أن أجتاز هذا الحاجز الحديدي الذي يفصلني عنها‪ ،‬وكأنني أجتاز‬ ‫إطار لوحة‪ ..‬كأنني أخترقها لسكنها إلى البد‪.‬‬ ‫ن ما‪..‬‬ ‫أتدحرج نحو هذا الوابدي الصخري العميق نقطة بشرية‪ ،‬قطرة للو ٍ‬ ‫ة أبدية‪ ،‬لمنظر أربدت أن أرسمه‪ ..‬فرسمني‪.‬‬ ‫على لوح ٍ‬ ‫سام‪ ،‬أن يتوحد مع لوحته في مشهد واحد؟‬ ‫أليست هذه أجمل نهاية لر ّ‬ ‫كنت أبدري في تلك اللحظة وأنا أنظر إلى الوهابد العميقة تحتي‪ ،‬إلى تلك‬ ‫ي‪ ،‬أن "الهاوية النثى"‬ ‫النفاق الصخرية التي يشطرها نهر الرمال ببطء زبد ّ‬ ‫ي أخير‪ ،‬ربما كان فرصتي‬ ‫كانت تستدرجني إلى العمق‪ ،‬في موت شبق ّ‬ ‫د بدأت أشعر بتواطؤ‬ ‫ي مع قسنطينة‪ ،‬ومع ذاكرة ج ّ‬ ‫الخيرة للتوحد الجسد ّ‬ ‫غامض معه‪.‬‬


‫ترى شهوة السقوط والتحطم هي التي أشعرتني عندئٍذ بالدوار‪ ،‬وأنا معّلق‬ ‫على ذلك الجسر وحدي؟‬ ‫وإذا بي أشعر فجأة بالخجل من هذه المدينة‪ ..‬وأكابد أعتذر لها‪ .‬وحدهم‬ ‫الغرباء هنا يشعرون بالدوار‪ .‬فمتى بالتحديد وضعتني قسنطينة في‬ ‫خانتهم؟‬ ‫ورغم ذلك أعترف‪ ،‬أنني لم أكن يومها مستعداً للموت‪.‬‬ ‫ي بالحياة‪ .‬ولكن لنني وصلت بذلك الحزن الجارف العميق‬ ‫ليس تمسكاً من ّ‬ ‫الذي اجتاحني منذ وطئت هذه المدينة‪ ،‬إلى عاطفة غامضة متطرفة‬ ‫أخرى‪.‬‬ ‫لقد وصلت بمرارتي وخيبتي حد الطمأنينة والسعابدة المبهمة‪.‬‬ ‫فلقد تعّلمت أن أسخر من استفزاز الشياء لي‪ ،‬وأقابل تلك المواجهة مع‬ ‫الذاكرة بشيء من التهكم المّر‪.‬‬ ‫ألم آت هنا إثر قراٍر جنوني‪ ،‬ربما بحثاً عن الجنون في مدينة تكابد تحترفه!‬ ‫ذذ سراً بهذه اللعبة الموجعة‪ ،‬وأحرص على أن أعيش‬ ‫ولذا بدأت أتل ّ‬ ‫مدة‪ .‬فربما كانت خيبتي اليوم مع هذه المدينة‪،‬‬ ‫صدماتي بمازوشّية متع ّ‬ ‫هي منجم جنوني وعبقريتي القابدمة‪.‬‬ ‫وبرغم ذلك قررت فجأة أن أهرب من ذلك الجسر الذي كان بداية جنوني‬ ‫يومًا‪.‬‬ ‫فجأة تطّيرت منه‪ ،‬أن الذي أولعت به طويل ً وحولته إلى بديكور لحياتي‪،‬‬ ‫بعدما أحطت نفسي بأكثر من نسخة منه‪.‬‬ ‫أيكون ذلك الحساس جاءني‪ ،‬وأنا ألمح من حيث كنت تلك السفوح الجبلية‬ ‫التي كانت يوماً مرشوشة بشقائق النعمان‪ ..‬وأزهار النرجس المنثور بين‬ ‫الممرات الخضراء‪ ،‬والتي كان أهل قسنطينة يأتون إليها كل سنة لستقبال‬ ‫دته النساء لتلك المناسبة من "براج" وحلويات‬ ‫ملين بما أع ّ‬ ‫الربيع‪ ..‬مح ّ‬ ‫وقهوة‪ ..‬والتي تبدو اليوم حزينة‪ ،‬وكأن أزهارها غابدرتها لسبب غامض؟‬ ‫أم تراه منظر مزار )سيدي محمد الغراب( الذي يعوبد فجأة إلى الذاكرة‪ .‬وإذا‬ ‫بي أستعيد ما قرأته عنه مؤخراً في كتاب تاريخي عن قسنطينة‪ .‬فتعبرني‬ ‫قشعريرة غامضة‪.‬‬ ‫ماذا لو لحقتني بدون أن أبدري اللعنة التي لحقت صالح باي أكبر بايات‬ ‫قسنطينة على الطلق بسبب هذا الجسر؟ هو الذي كان يريد أن يختم‬ ‫إنجازاته المعمارية الهائلة‪ ،‬وإصلحاته المختلفة التي وهبها لتلك المدينة‪،‬‬


‫بإصلح جسر القنطرة‪ ،‬اللسان الترابي الوحيد الذي كان يربط المدينة‬ ‫بالخارج‪ ،‬والجسر الوحيد الذي صمد من بين خمسة جسور رومانية‪.‬‬ ‫تقول أسطورة شعبية‪ ،‬إن هذا الجسر كان أحد أسباب هلك )صالح باي(‬ ‫ونهايته المفجعة‪..‬‬ ‫فقد قتل فوقه )سيدي محمد(‪ ،‬أحد الولياء الذين كانوا يتمّتعون بشعبية‬ ‫كبيرة‪ .‬وعندما سقط رأس الرجل الولي على الرض‪ ،‬تحول جسمه إلى‬ ‫غراب‪ ،‬وطار متوجهاً نحو بدار صالح باي الريفية التي كانت على تلك‬ ‫السفوح‪ .‬ولعنه واعداً إياه بنهاية ل تقل قسوة ول ظلماً عن نهاية الولي‬ ‫الذي قتله‪.‬‬ ‫فما كان من صالح باي إل أن غابدر بيته وأراضيه إلى البد‪ ،‬تطّيراً من ذلك‬ ‫الغراب‪ ،‬واكتفى بداره في المدينة‪.‬‬ ‫هكذا أطلق الناس على ذلك المكان اسم "سيدي محمد الغراب"‪ ،‬ليبقى‬ ‫بعد قرنين مزار المسلمين واليهوبد في قسنطينة‪ ،‬يأتونه في نهايات‬ ‫السبوع وفي المواسم‪ ،‬لقضاء أسبوع كامل يرتدون خلله ثياباً وربدية‪،‬‬ ‫دمون له ذبائح الحمام‪،‬‬ ‫يؤبدون بها طقوساً متوارثة جيل ً عن جيل‪ ،‬فيق ّ‬ ‫م‬ ‫مون في المياه الدافئة لبركته الصخرية حيث كانت تستح ّ‬ ‫ويستح ّ‬ ‫السلحف‪ ،‬ويعيشون على شرب "العروق" ل غير‪ ،‬والستسلم لنوبات‬ ‫رقص بدائية‪ ،‬في حلقات جماعية يؤبدونها في الهواء الطلق‪ ..‬على وقع‬ ‫بندير "الفقيرات"‪.‬‬ ‫ولكن قسنطينة‪ ،‬لم تحقد على بايها الذي وهبها الكثير من الوجاهة‬ ‫والرفاهية‪.‬‬ ‫سّوت فقط بطيبة أو بجنون‪ ..‬بين القاتل والقتيل‪.‬‬ ‫ي قسنطيني على‬ ‫صنعت من )سيدي محمد الغراب( أشهر مزار ول ّ‬ ‫ي‪.‬‬ ‫الطلق‪ ،‬في مدينة يحمل كل شارع فيها اسم ول ّ‬ ‫وخّلدت من بين واحد وأربعين باياً حكمها‪ ،‬اسم صالح باي وحده‪ ،‬فكتبت‬ ‫فيه أجمل أشعارها‪ ،‬وغّنت فجيعة موته في أجمل أغنية رثاء‪ .‬ومازالت‬ ‫تلبس حدابده حتى اليوم مع ملءات نسائها السوبداء‪ ..‬بدون أن تدري!‬ ‫هذه هي قسنطينة‪..‬‬ ‫ل فرق بين لعنتها ورحمتها‪ ،‬ل حاجز بين حّبها وكراهّيتها‪ ،‬ل مقاييس‬ ‫معروفة لمنطقها‪.‬‬ ‫تمنح الخلوبد لمن تشاء‪ ،‬وتنزل العقاب بمن تشاء‪.‬‬ ‫فمن عساه يحاسبها على جنونها‪ ،‬ومن عساه يحسم موقفه منها‪ ،‬حباً أو‬ ‫دها؟‬ ‫كراهية‪ ..‬إجراماً أو براءًة‪ ..‬بدون أن يعترف أنها تحمل في كل الحالت ض ّ‬


‫***‬ ‫في كل يوم كنت أقضيه في تلك المدينة‪ ،‬كنت أتورط أكثر في ذاكرتها‪،‬‬ ‫فرحت أبحث في سهراتي مع حسان‪ ،‬وأحابديثنا الجانبية الطويلة‪ ،‬التي‬ ‫تمتد بنا أحياناً حتى ساعة متأخرة من الليل‪ ..‬عن وصفة أخرى للنسيان‪.‬‬ ‫أبحث في ذلك الجو العائلي الذي افتقدته طويل ً عن طمأنينة أخرى خارج‬ ‫فضائها‪.‬‬ ‫كان لوجوبدي في ذلك البيت العائلي الذي أعرفه ويعرفني‪ ،‬تأثير على‬ ‫ي الذي لم أتوّقعه‪ .‬لقد‬ ‫نفسّيتي في تلك اليام‪ .‬وربما كان سندي السر ّ‬ ‫كنت أعوبد إليه كل ليلة‪ ،‬وكأنني أصعد نحو بدهاليز طفولتي البعيدة‪ ،‬لصبح‬ ‫جنيناً من جديد‪..‬‬ ‫أختبئ في جوف أٍم وهمية‪ ،‬مازال مكانها هنا فارغاً منذ ثلثين سنة‪.‬‬ ‫يحدث في تلك الليالي أن أذكر زيابد‪ ،‬يوم أقام عندي لبضعة أشهر في‬ ‫دبد له عقد إيجار البيت‪.‬‬ ‫الجزائر‪ ،‬عندما رفض مستأجره أن يج ّ‬ ‫تعّوبدت وقتها أن أترك له سريري‪ ،‬وأنام على فراش آخر وضعته على الرض‬ ‫في غرفة أخرى‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وكان زيابد يحتج ويشعر بشيء من الحراج‪ ،‬معتقدا أنني أفعل ذلك مجاملة‬ ‫له‪.‬‬ ‫وكنت أوّكد له كل مرة‪ ،‬أنني اكتشفت بفضله أنني أسعد أكثر بالنوم على‬ ‫الرض‪ .‬فقد كان ذلك الفراش الرضي يذّكرني بطفولتي وبنومي إلى جوار‬ ‫أمي لعدة سنوات‪ ،‬على ذلك المطرح الصوفي الذي ما زلت أذكر لونه‬ ‫صصها )أّما( كل خريف‪ ،‬لغسل الصوف‬ ‫الزرق‪ .‬بل وتلك اليام التي كانت تخ ّ‬ ‫وتجديد تلك المطارح الصوفية التي كانت الثاث الساسي لغرفة نومي‪.‬‬ ‫تمّنيت لو طلبت من عتيقة أن تضع لي في المستقبل فراشاً على الرض‪،‬‬ ‫تماماً كما تفعل مع أولبدها الذين ينامون في الغرف الخرى‪ ،‬على فراش‬ ‫أرضي مشترك يوحي بالدفء والرغبة بالنزلق تحت أغطيته الصوفية‬ ‫ن لم أعد أبدري لبعده‪ ،‬إن كنت‬ ‫الجميلة التي تثير غيرتي وحنيني لزم ٍ‬ ‫عشته حقًا‪ ..‬أم تخّيلته‪.‬‬ ‫ولكن أيعقل أن أطلب هذا الطلب من عتيقة؟ هي التي أعطتني أجمل‬ ‫دة لستقبال الضيوف‪ ،‬أكثر منها لقضاء‬ ‫غرف بيتها‪ ،‬غرفة نومها العصرية المع ّ‬ ‫ل زوجية‪ ..‬للحب؟‬ ‫ليا ٍ‬ ‫ً‬ ‫لو فعلت هذا فلربما أحرجتها‪ ،‬ولما وجدت تفسيرا لجنوني هذا‪ .‬فقد كانت‬ ‫عتيقة تشارك أحياناً في سهرتنا‪ ،‬وتحاول أن تستنجد بي‪ ،‬بصفتي رجل ً‬


‫ضراً قابدماً من باريس‪ ،‬لقنع أخي بالتخلي عن هذا البيت العربي‬ ‫متح ّ‬ ‫القديم‪ ،‬وهذه الطريقة المتخّلفة في العيش‪ .‬وتكابد تعتذر لي عن كل‬ ‫الشياء التي كانت تبدو في نظري جميلة‪ ..‬ونابدرة‪.‬‬ ‫ولنني لم أكن أملك القدرة على إقناعها برأيي‪ ،‬ول الجرأة على معاكسة‬ ‫رأيها‪ ،‬كنت أكتفي بالستماع إلى نقاشها مع حسان‪ ،‬ذلك النقاش الذي‬ ‫يكابد يتحول أحياناً إلى شجار قبل أن تنسحب هي إلى النوم‪ ،‬ويعّلق‬ ‫حسان شبه معتذر‪:‬‬ ‫"ل يمكن أن تقنع امرأة تشاهد مسلسل )بدالس( على التلفزيون‪ ،‬أن‬ ‫تسكن بيتاً كهذا وتحمد ا‪ ..‬ل بد أن يوقفوا هذا المسلسل‪ ،‬مابداموا‬ ‫عاجزين عن منح الناس سكناً محترمًا‪ ..‬وحياة أفضل‪."..‬‬ ‫كنت أحسد قناعة حسان‪ .‬وأعجب بفلسفته في الحياة‪.‬‬ ‫كان يقول‪" :‬لكي تكون سعيداً عليك أن تنظر إلى من تحتك‪ .‬فإذا كان في‬ ‫يدك قطعة رغيف‪ ،‬ونظرت لمن ليس في يده شيء‪ ،‬ستسعد وتحمد ا‪.‬‬ ‫وأما إذا رفعت رأسك كثيراً ونظرت لمن في يدهم قطعة "كعك" فأنت لن‬ ‫تشبع‪ ،‬بل ستموت قهراً فقط‪ ..‬وتتعس باكتشافك!"‪.‬‬ ‫وهكذا ففي نظر حسان أن العيش في بيت كهذا برغم كل سلبياته التي‬ ‫تبدو أحياناً مزعجة‪ ،‬بتفاصيلها الصغيرة التي تجاوزها العصر‪ ،‬يظل أفضل مما‬ ‫يعانيه آلف الناس‪ .‬بل وعشرات اللف الذين لم يجدوا بيتاً واسعاً كهذا‬ ‫يسكنونه بمفربدهم مع أولبدهم وزوجتهم‪ .‬بل كثيراً ما يتقاسمون مع أهلهم‬ ‫وأقاربهم‪ ،‬الشقة الضيقة التي تكون بيتاً لعائلتين لعدة سنوات‪.‬‬ ‫هكذا كان حسان‪..‬‬ ‫"لقد كانت نظرته إلى الشياء نظرة عموبدية‪ ،‬فقد تعلم كل ما تعلمه في‬ ‫صباه على سبورة بالحائط‪."..‬‬ ‫وكان سعيداً بتلك النظرة التي قد تعوبد أيضاً إلى عقليته كموظف محدوبد‬ ‫الدخل‪ ..‬ومحدوبد الحلم!‬ ‫م يمكن أن يحلم أستاذ للعربية يقضي يومه في شرح النصوص البدبية‪،‬‬ ‫َفِب َ‬ ‫وسربد سيرة الكّتاب والشعراء القدامى على تلميذه‪ ..‬وتصحيح أخطائهم‬ ‫النحوية والنشائية‪ ،‬ول يجد متسعاً من الوقت _أو الجرأة_ لشرح ما كان‬ ‫يحدث أمامه‪ ،‬وتصحيح أخطاء أكبر ترتكب على مرأى منه باسم كلمات‬ ‫خرجت فجأة من اللغة‪ ،‬لتدخل قاموس الشعارات والمزايدات؟‪.‬‬ ‫كان في أعماق حسان مرارة غامضة تبدو على كل تفاصيل حياته‪ .‬ولكنه‬ ‫كان يحتفظ بها لنفسه‪.‬‬ ‫من الواضح أنه كان متعباً وغارقاً في مشكلت أولبده السّتة وزوجته الشابة‬ ‫التي تحلم بحياة أخرى غير حياة قسنطينة المغلقة‪ .‬وأما هو فلم يكن يجرؤ‬


‫على الحلم‪ ،‬أو بالحرى كان يحلم آنذاك بالعثور على شخص يتوسط له‬ ‫ليحصل على ثلجة جديدة‪ ..‬ل غير!‬ ‫عندما عرفت أمنيته البسيطة الصعبة‪ ،‬حزنت وأنا أكتشف أننا لم نكن‬ ‫متخّلفين عن أوربا وفرنسا فقط‪ ،‬كما كنت اعتقد‪ ،‬وإل لهان المر‪ ..‬وبدا‬ ‫منطقيًا‪ .‬لقد كنا متخّلفين عما كّنا عليه منذ نصف قرن وأكثر‪ .‬يوم كّنا تحت‬ ‫الستعمار‪.‬‬ ‫يومها كانت أمنياتنا أجمل‪ ..‬وأحلمنا أكبر‪.‬‬ ‫يكفي أن تتأمل وجوه الناس اليوم وأن تسمع أحابديثهم وأن تلقي نظرة‬ ‫على واجهات المكتبات لتفهم ذلك‪.‬‬ ‫در الحلم‪ ..‬مع كل نشرة أخبار إلى كل شعوب العالم‪.‬‬ ‫يومها كّنا وطناً يص ّ‬ ‫در من الجرائد والمجلت والكتب ما ل‬ ‫وكانت هذه المدينة بمفربدها تص ّ‬ ‫دره اليوم المؤسسات الوطنية ل نوعًا‪ ..‬ول عدًا‪.‬‬ ‫تص ّ‬ ‫يومها كان لنا من المفكرين والعلماء‪ ..‬والشعراء والظرفاء والكتاب‪ ،‬ما يملنا‬ ‫زهواً وغروراً بعروبتنا‪.‬‬ ‫اليوم‪ ..‬لم يعد أحد يشتري الجرائد ليحتفظ بها في خزانة‪ ،‬إذ لم يعد في‬ ‫الجرائد ما يستحق الحفظ‪.‬‬ ‫ولم يعد أحد يجلس إلى كتاب ليتعّلم منه شيئًا‪ .‬لقد أصبح البؤس الثقافي‬ ‫ظاهرة جماعية‪ ،‬وعدوى قد تنتقل إليك وأنت تتصّفح كتابًا‪ " .‬لقد كانت‬ ‫الكتب بدائماً على صواب في ذلك العهد‪ ،‬وكان الواحد مّنا فصيحاً يتكلم كما‬ ‫تتكلم الكتب‪."..‬‬ ‫واليوم أصبحت الكتب تكذب أيضًا‪ ..‬مثلها مثل الجرائد‪ .‬ولذا تقّلص صدقنا‪..‬‬ ‫وماتت فصاحتنا‪ ،‬منذ أصبح حديثنا يدور فقط حول الموابد الستهلكية‬ ‫المفقوبدة!‬ ‫عندما قلت يومها هذا الكلم لحسان‪ ،‬ظل يتأملني بذهول وكأنه اكتشف‬ ‫شيئاً لم ينتبه له من قبل‪ ..‬ثم قال بشيء من الحسرة‪:‬‬ ‫ صحيح‪ ..‬لقد خلقوا لنا أهدافاً صغيرة ل علقة لها بقضايا العصر‪ .‬وانتصارات‬‫فربدية وهمية‪ ،‬قد تكون بالنسبة للبعض الحصول على شقة صغيرة بعد‬ ‫سنوات من النتظار‪ ..‬أو قد تكون الحصول على ثلجة‪ ،‬أو التمكن من شراء‬ ‫سيارة‪ ..‬أو حتى بدواليبها فقط! ول أحد عنده متسع من الوقت والعصاب‬ ‫ليذهب أكثر من هذا‪ ،‬ويطالب بأكثر من هذا‪..‬‬


‫نحن متعبون‪ ..‬أهلكتنا هموم الحياة اليومية المعّقدة التي تحتاج بدائماً إلى‬ ‫كر في أشياء أخرى‪ ،‬عن‬ ‫وساطة لحل تفاصيلها العابدية‪ .‬فكيف تريد أن نف ّ‬ ‫منا الحياة ل غير‪ ..‬وما عدا هذا ترف‪ ..‬لقد‬ ‫ي حياة ثقافية تتحدث؟ نحن ه ّ‬ ‫أ ّ‬ ‫تحولنا إلى أمة من النمل‪ ،‬تبحث عن قوتها وجحر تختبئ فيه مع أولبدها ل‬ ‫أكثر‪..‬‬ ‫سألته بسذاجة‪:‬‬ ‫ وماذا يفعل الناس؟‬‫قال مازحًا‪:‬‬ ‫ الناس‪..‬؟ ل شيء‪ ..‬البعض ينتظر‪ ..‬والبعض يسرق‪ ..‬والبعض الخر ينتحر‪،‬‬‫هذه مدينة تقدم لك الختيارات الثلثة بالمبررات نفسها‪ ..‬والحجة نفسها!‬ ‫يومها خفت على حسان من تلك المدينة‪ ..‬وانتابتني فجأة قشعريرة‬ ‫مبهمة‪.‬‬ ‫سألته بدون تفكير‪ ..‬وكأنني أسأله أي الوصفات الثلثة أختار‪:‬‬ ‫ وهل لك أصدقاء هنا تلتقي بهم‪ ..‬وتخرج معهم؟‬‫أجابني وكأنه يعجب لسؤالي‪ ،‬أو يسعد لهتمامي المفاجئ بكل تفاصيل‬ ‫حياته‪:‬‬ ‫ لي أصدقاء معظمهم مدرسون معي في الثانوية‪ ..‬ما عدا هذا ليس لي‬‫أحد‪ ..‬لقد فرغت قسنطينة من أهلها‪ ،‬ورحلت كل العائلت القديمة التي‬ ‫عرفناها‪.‬‬ ‫ي أسماء عائلت كبيرة هاجرت أو راحت تستقر في العاصمة‬ ‫وراح يسربد عل ّ‬ ‫أو في الخارج‪ ،‬لتترك تلك المدينة لخرين‪ ..‬جاء معظمهم من القرى و المدن‬ ‫الصغيرة المجاورة‪.‬‬ ‫قبل أن يضيف تلك الجملة التي لم تستوقفني ساعتها‪ ،‬والتي أخذت بعد‬ ‫ست سنوات كل أبعابد القدر الحمق‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫ لقد أصبح سكان هذه المدينة الصليون‪ ،‬ل يزورونها سوى في العراس‪..‬‬‫أو في المآتم!‬ ‫وقبل أن أعّلق على كلمه‪ ،‬أضاف وكأنه تذّكر شيئًا‪:‬‬


‫ سأعرفك على ناصر ابن سي الطاهر‪ ..‬من المؤكد أنه سيأتي بعد غٍد‬‫لحضور زواج أخته‪ .‬سترى‪ ..‬لقد أصبح رجل ً بطولك وبضخامتك‪ ،‬وهو يتربدبد‬ ‫ي منذ بضعة أشهر‪ ،‬منذ قّرر أن يستقر في قسنطينة‪ .‬إنه الوحيد الذي‬ ‫عل ّ‬ ‫قام بهجرة معاكسة‪ .‬لقد رفض حتى منحة إلى الخارج‪ ..‬تصور! ل أحد‬ ‫دق هذا‪ ..‬عندما سألته لماذا لم يسافر مثل الخرين ويهرب من هذا‬ ‫يص ّ‬ ‫البلد‪ ،‬قال لي‪" :‬أخاف إن سافرت أل أعوبد أبدًا‪ ..‬كل أصحابي الذين سافروا‬ ‫لم يعوبدوا‪."..‬‬ ‫ضحكت وأنا أكتشف هذا التطرف الذي يذّكرني بك‪ ،‬وكأنه سمة عائلية‪.‬‬ ‫وشعرت برغبة في إطالة ذلك الحديث الذي كان يؤبدي إليك بطريقة‪ ..‬أو‬ ‫بأخرى‪..‬‬ ‫سألته‪:‬‬ ‫ وماذا يفعل الن؟‬‫ لقد أعطوه بصفته ابن شهيد محل ً تجارياً وشاحنة يعوبدان عليه بدخل‬‫كبير‪ .‬ولكنه مازال ضائعاً متربدبدًا‪ ،‬يفكر أحياناً في مواصلة بدراسته‪ ،‬ثم أحياناً‬ ‫أخرى في التفّرغ للتجارة‪ .‬والحقيقة أنني عاجز عن نصحه‪ .‬فمن المؤسف‬ ‫أن ينقطع إنسان عن بدراسته العليا‪ ،‬لنه سيظل يشعر بذلك النقص طوال‬ ‫حياته‪ ..‬ومن ناحية أخرى‪ ،‬لم تعد تفيد الشهابدات اليوم في شيء حسب‬ ‫قوله‪ ،‬وهو يرى شباباً بشهابدات عليا عاطلين عن العمل‪ ،‬وآخرين جهلة‬ ‫يتنّقلون في سيارات مرسيدس ويسكنون فيلت فخمة‪ ..‬ليس هذا زمناً‬ ‫شطارة‪ ..‬فكيف يمكن أن تقنع اليوم صديقك أو حتى‬ ‫للعلم‪ ..‬إنه زمن ال ّ‬ ‫تلميذك بالتفاني في المعرفة؟‪ .‬لقد اختلت المقاييس نهائيًا‪..‬‬ ‫قلت لحسان‪:‬‬ ‫المهم أن يعرف النسان ما هو هدفه الحقيقي في الحياة‪ ..‬هل المال هو‬ ‫مشكلته الولى‪ ..‬أم المعرفة وتوازنه الداخلي؟‬ ‫ربدّ حسان مازحًا‪:‬‬ ‫ل‪ .‬ل أحد فينا يدري‬ ‫ توازن‪..‬؟ عن أي توازن تتحدث‪ ..‬نحن شعب نصف مخت ّ‬‫ما يريد بالضبط‪ ..‬ول ماذا ينتظر بالتحديد‪ ..‬إن المشكل الحقيقي هو هذا‬ ‫ب بأكمله‪ .‬إنه يفقدك‬ ‫الجو الذي يعيشه الناس‪ ،‬وهذا الحباط العام لشع ٍ‬ ‫شهية المبابدرة والحلم والتخطيط لي مشروع‪ .‬فل المثقفون سعداء‪ ..‬ول‬ ‫الجاهلون ول البسطاء ول الغنياء‪ .‬قل لي يرحم والديك‪ ..‬ماذا يمكن أن‬ ‫جد‬ ‫تفعل بعلمك إذا كنت ستنتهي موظفاً يعمل تحت إشراف مدير جاهل‪ُ ،‬و ِ‬ ‫في منصبه مصابدفة ليس لسعة معرفته‪ ،‬وإنما‪ ..‬لكثرة معارفه وعرض‬ ‫أكتافه‪ !.‬وماذا يمكن أن تفعل بأموالك في قسنطينة مث ً‬ ‫ل‪ ..‬سوى أن تدفعها‬


‫عمولة لتحصل على شقة غير صالحة للسكن في معظم الحيان‪ ..‬أو تقيم‬ ‫عرساً بها يغّني فيه "الفرقاني"؟ أما إذا كان كل ما تملكه ل يتجاوز‬ ‫العشرين ألف بدينار‪ ..‬فيبقى أمامك أن تدفعها "شراب قهوة" لمسؤول‬ ‫ي مو ّ‬ ‫ج‪ .‬وهكذا‬ ‫ظف آخر‪ ،‬ليبيع جوازات سفر إلى الح ّ‬ ‫ي يختبئ خلف أ ّ‬ ‫محل ّ‬ ‫يمكنك أن تؤبدي فريضتك وتحجز لك غرفة صغيرة في الخرة‪ ..‬بعدما ضاقت‬ ‫بك الدنيا!‬ ‫صحت عجبًا‪:‬‬ ‫ واش‪ ..‬أحقاً تقول‪ ..‬هل يبيعون جوازات سفر إلى الحج بمليونين!؟‬‫ طبعًا‪ ..‬لن الحكومة حدبدت عدبد الحجاج كل عام بسبب تكاليفهم الباهظة‬‫بالعملة الصعبة‪ ،‬بعدما اكتشفت أن معظمهم يسافر عدة مرات لسباب ل‬ ‫علقة لها بالحج‪ ،‬وإنما لغراض تجارية محض‪ .‬وإل كيف تفسر أن يكون‬ ‫بعضهم قد حج ست مرات أو سبعاً بدون أن يكون ذلك واضحاً على سلوكه‬ ‫وأخلقه؟ أنا أعرف حاجاً "سوكارجي" ل تفارق الخمرة بيته‪ ،‬وأعرف آخر‬ ‫متفرغاً للترافيك و"البزنيس"‪ ..‬وتغيير العملة الصعبة في السواق السوبداء‪..‬‬ ‫هؤلء مازالوا يسافرون كل عام للحج‪ .‬يمكنهم أن يحصلوا على عشرين ألف‬ ‫بدينار بسهولة‪ .‬وأما أنا فمن أين لي هذا المبلغ لقوم بتأبدية فريضتي‪،‬‬ ‫وبدخلي ل يتجاوز الربعة آلف بدينار في الشهر؟‬ ‫قلت له وأنا أنتقل من بدهشة إلى أخرى‪:‬‬ ‫ علش‪ ..‬هل تنوي الحج؟‬‫ طبعًا‪ ..‬ولم ل‪ ..‬ألست مسلمًا؟ لقد عدت إلى الصلة منذ سنتين ولول‬‫إيماني لصبحت مجنونًا‪ .‬كيف يمكن أن تصمد أمام كل هذا المنكر وهذا‬ ‫الظلم بدون إيمان؟ وحدها التقوى تعطيك القدرة على الصموبد‪ ..‬انظر حولك‪:‬‬ ‫صل جميع الناس إلى هذه النتيجة وربما الشباب أكثر من غيرهم‬ ‫لقد تو ّ‬ ‫لنهم الضحية الولى في هذا الوطن‪ ..‬وحتى ناصر نفسه أصبح يصّلي منذ‬ ‫عابد إلى قسنطينة‪ ،‬ربما لهذا السبب وربما لن الدين كالكفر‪ ..‬عدوى أيضًا!‬ ‫وا يا خالد‪ ..‬لو رأيتهم يوم الجمعة يتجهون إلى المساجد باللف حتى‬ ‫تضيق بهم جدرانها‪ ..‬وتفيض بهم الشوارع‪ ..‬لوقفت معهم تصلي بدون أن‬ ‫تتساءل لماذا!‬ ‫لم أجد شيئا أعّلق به على كلم حسان في تلك السهرة العجيبة‪ ،‬التي‬ ‫طالت بنا حتى الثانية صباحًا‪ .‬فقد كان حسان سعيداً بوجوبدي‪ ،‬وسعيداً‬ ‫ي طويل ً بعد كل‬ ‫ببدء العطلة الصيفية التي تسمح له بالسهر والتحدث إل ّ‬ ‫هذه السنوات التي باعدتنا‪.‬‬ ‫فتركته يتحدث‪ ..‬ويعري أمامي هذا الوطن الذي كنت كسوته حنيناً وعشقاً‬


‫وجنونًا‪.‬‬ ‫ي من خيبتي‪،‬ويخشى أن يفقد فرحة عوبدتي إليه وإلى هذا‬ ‫أكان يخاف عل ّ‬ ‫الوطن مرة أخرى‪ ،‬عندما كان يتوقف أحياناً عن الحديث لينتقل بي إلى‬ ‫موضوع آخر؟ كأن يستدرجني مثل ً بطريقة غير مباشرة إلى الدين وإلى‬ ‫التقوى واليمان‪ .‬ويغريني بالتوبة‪ ،‬وكأن وجوبدي في فرنسا بحد ذاته قد‬ ‫أصبح ذنبا وكفرًا‪.‬‬ ‫أهذا هو حسان؟‪.‬‬ ‫لم أمنع نفسي ساعتها من البتسام وأنا أتذكر أنني أحضرت له معي‬ ‫ي ويسكي كالعابدة‪..‬‬ ‫زجاجت ْ‬ ‫تساءلت ليلتها وأنا في فراشي عن ذنوبي‪ .‬حاولت أن ألخصها‪ ،‬أن‬ ‫أحصرها‪ ..‬فلم أجدها أكبر من ذنوب غيري‪ ،‬بل وربما وجدتها أقل بدرجات‪..‬‬ ‫كيرًا‪ ..‬ول خائنًا‪..‬‬ ‫لم أكن مجرمًا‪ ..‬ول مقامرًا‪ ..‬ول كافرا‪ ..‬ول كاذبًا‪ ..‬ول س ّ‬ ‫لم تكن لي زوجة ول سرير شرعي استبدلت به آخر‪.‬‬ ‫ميه "السنوات‬ ‫خمسون سنة من الوحدة‪ .‬نصفها تماماً ما يمكن أن أس ّ‬ ‫المعطوبة" تلك التي قضيتها بذراعٍ واحدة‪ ،‬مشّوه الجسد والحلم‪.‬‬ ‫كم أحببت من النساء؟‪ .‬لم أعد أذكر‪ .‬منذ حّبي الول لتلك الجارة اليهوبدية‬ ‫التي أغريتها‪ .‬إلى تلك الممرضة التونسية التي أغرتني‪ .‬إلى نساء‬ ‫أخريات‪ ..‬لم أعد أذكر أسماءهن ول ملمحهن‪ ،‬تناوبن على سريري‬ ‫لسباب جسدية محض‪ ،‬وذهبن محملت بي لبقى فارغاً منهن‪..‬‬ ‫ت‪..‬‬ ‫ت أن ِ‬ ‫وجئ ِ‬ ‫ت‪ .‬المرأة الوحيدة التي لم أمتلكها‪،‬‬ ‫أكبر ذنوبي على الطلق كنت أن ِ‬ ‫والذنب الوحيد الذي لم أقترفه حقًا‪.‬‬ ‫لقد كانت ذنوبي معك‪ ،‬هي ما يمكن أن أسميه "ذنوب اليد اليمنى"‪ ..‬اليد‬ ‫الوحيدة التي رسمتك بها‪ ..‬واستحضرتك بها‪ ..‬واغتصبتك بها‪ ..‬وهما!‬ ‫فهل سيعاقبني ا على ذنوب يٍد لم يترك لي سواها!؟‬ ‫ل أذكر من قال‪" :‬ليس الفضيلة تجّنب الرذيلة‪ ،‬الفضيلة في أل تشتهيها!‬ ‫وأعتقد أنني بهذا المفهوم فقط‪ ..‬لم أكن رجل ً فاض ً‬ ‫ل‪.‬‬ ‫ت‪ ..‬وأل أبدأ رذيلتي معك‪ .‬كان لحبك طعم‬ ‫فقد كان ل بد أل أشتهيك أن ِ‬ ‫المحرمات والمقدسات التي يجب تجّنبها‪ ،‬والتي كنت أنزلق نحوها بدون‬ ‫تفكير‪.‬‬ ‫لقد كان المر المدهش حقاً في قصتي معك‪ ،‬أن تكون المبررات التي‬


‫جعلتني أحبك‪ ،‬هي التي كان يجب أن تجعلني أعدل عن حبك‪ .‬ولهذا ربما‬ ‫كنت أحبك وأعدل عن حبك‪ ..‬أكثر من مرة في اليوم‪ .‬وبالتطرف نفسه كل‬ ‫مرة‪.‬‬ ‫د والجزر‬ ‫وأنا ل أفعل شيئاً في النهاية هنا‪ ،‬سوى البحث عن حٍد لهذا الم ّ‬ ‫العاطفي الذي أعيشه معك كل لحظة‪.‬‬ ‫كنت أبدري أن العاشق مثل المدمن‪ ،‬ل يمكن أن يقرر بمفربده الشفاء من‬ ‫بدائه‪ ،‬وأنه مثله يشعر أنه ينزل تدريجياً كل يوم أكثر نحو الهاوية‪ .‬ولكنه ل‬ ‫يمكن أن يقف على رجليه ويهرب‪ ،‬مابدام لم يصل إلى أبعد نقطة في‬ ‫الجحيم‪ ،‬ويلمس بنفسه قعر الخيبة والمرارة القصوى‪.‬‬ ‫وكنت سعيداً في تلك الليلة‪..‬‬ ‫تلك السعابدة الغامضة المرة‪ ،‬لنني كنت أبدري أن كل شي سوف يحسم‬ ‫في اليومين القابدمين‪ ،‬وأنني بطريقة أو بأخرى سأنتهي منك‪.‬‬ ‫كانت زوجة حسان في تلك السهرة منهمكة في إعدابد نفسها للحدث‬ ‫الهام‪ ،‬ولمرافقة الموكب النسائي في الغد إلى الحمام‪ ،‬ثم إلى ليلة‬ ‫الحنة‪.‬‬ ‫وكانت كثيرة الحركة ومشغولة عنا وعن أولبدها بهمومها النسائية‪ ،‬وبما‬ ‫ستأخذه في حقيبتها من ثياب للحمام‪ ،‬حيث ستستعرض النساء مثل‬ ‫ن الكاذب في‬ ‫العابدة كل شيء حتى ثيابهن الداخلية‪ ..‬ليتظاهرن بغناه ّ‬ ‫معظم الحيان‪ ..‬أو ليقنعن أنفسهن فقط‪ ،‬أنهن مازلن برغم كل شيء‬ ‫قابدرات على إغراء رجل‪ ،‬تماماً مثل تلك العروس التي يرافقنها‪ ..‬والتي‬ ‫ي‪.‬‬ ‫يتأّملنها بحسد سر ّ‬ ‫فليكن‪ ..‬غداً تبدأ طقوس أفراحك‪ ..‬وينتهي ذلك الزمن الذي سرقناه من‬ ‫الزمن‪.‬‬ ‫أجمل الحلم إذن سيدتي في انتظار غدك‪.‬‬ ‫ولتصبح على خير‪ ..‬أيها الحزن!‬ ‫***‬

‫يوقظني الحب المضابد في هذا الصباح الصيفي‪ ..‬ويرمي بي في الشوارع‪.‬‬


‫قررت حال استيقاظي أن أهرب من البيت‪ ،‬ومن حديث عتيقة الذي ل‬ ‫ينقطع عن مراسيم الحفل‪ ،‬وعن أسماء الشخصيات والعائلت الكبيرة التي‬ ‫جاءت خصيصاً لتحضر ذلك الحدث الذي لم تشهد قسنطينة مثله منذ‬ ‫سنوات‪.‬‬ ‫ولكنها لحقت بي حتى الباب لتواصل حديثها‪:‬‬ ‫ على بالك‪ ..‬يقال إنهم حضروا كل شيء من فرنسا‪ ..‬منذ شهر والطائرة‬‫تنقل لوازم العرس‪ ..‬لو رأيت جهاز العروس وما لبسته البارحة‪ ..‬يا حسرة‪..‬‬ ‫قال لك "واحد عايش في الدنيا‪ ..‬وواحد يوانس فيه‪"!..‬‬ ‫أجبتها وأنا أغلق خلفي الباب‪ ،‬وكأنني أغلق بعنف أبواب قلبي‪:‬‬ ‫ ما عليهش‪ ..‬البلد لهم والطائرات أيضًا‪ .‬ويمكنهم أن يجلبوا إليه كما أخذوا‬‫منه ما شاؤوا!‬ ‫أين أهرب؟‬ ‫ها أنا أوصدت الباب خلفي‪ ،‬وإذا ل شي أمامي‪ ..‬سواي‪.‬‬ ‫رميت بخطاي بدون تفكير وسط أفواج المارة الذين يجوبون الشوارع هكذا‬ ‫كل يوم بدون جهة محدبدة‪.‬‬ ‫هنا‪ ..‬أنت تملك الخيار بين أن تمشي‪ ،‬أو تتكئ على جدار‪ ،‬أو تجلس في‬ ‫مقهى لتتأمل الذين يمشون أو يتكئون أمامك‪ ..‬على حائط الرصيف‬ ‫المقابل‪..‬‬ ‫رحت أمشي‪..‬‬ ‫شعرت في لحظة ما‪ ،‬أننا نطوف جميعاً حول هذه المدينة الصخرة‪ ،‬بدون أن‬ ‫ندري تمامًا‪ ..‬ماذا يجب أن نفعل بغضبنا‪ ،‬ماذا يجب أن نفعل ببؤسنا‪ ..‬وعلى‬ ‫من نرمي هذا الحصى الذي امتلت به جيوبنا الفارغة‪.‬‬ ‫من الْولى بالّرجم في هذا الوطن؟ من؟ ذلك الجالس فوق الجميع‪ ..‬أم‬ ‫أولئك الجالسون فوقنا؟‬ ‫حضرني لحظتها عنوان رواية لمالك حدابد‪" ..‬الصفار تدور حول نفسها"‪.‬‬ ‫تمنيت لو أنني قرأتها‪ ،‬عساني أجد تفسيراً لكل هذه الدوائر التي تحولنا‬ ‫إليها‪.‬‬ ‫ثم قابدتني أفكاري إلى مشهد شاهدته يوماً في تونس لجمل مغمض‬


‫العينين‪ ،‬يدور بدون توقف في ساحة )سيدي بوسعيد(‪ ،‬ليستخرج الماء من‬ ‫بئر أمام متعة السواح وبدهشتهم‪.‬‬ ‫استوقفني يومها عيناه اللتان وضعوا عليهما غمامة ليتوهم أنه يمشي‬ ‫إلى المام بدائمًا‪ ،‬ويموت بدون أن يكتشف أنه كان يدور في حلقة مفرغة‪..‬‬ ‫وأنه قضى عمره بدائراً حول نفسه!‬ ‫ترانا أصبحنا ذلك الجمل الذي ل يكابد ينتهي من بدورة حتى يبدأ أخرى تدور‬ ‫به بطريقة أو بأخرى حول همومه الصغيرة اليومية؟‬ ‫ُترى هذه الجرائد التي تحمل لنا أكياساً من الوعوبد بغٍد أفضل‪ ،‬ليست‬ ‫سوى رباط عينين‪ ،‬يخفي عنا صدمة الواقع وفجيعة الفقر والبؤس الحتمي‬ ‫الذي أصبح لول مرة يتربص بنصف هذا الشعب؟‬ ‫وأنا‪ ..‬تراني لم أعد أعرف المشي إلى المام في خط مستقيم ل يعوبد بي‬ ‫تلقائياً إلى الوراء‪ ..‬إلى هذا الوطن الذاكرة؟‬ ‫ي المستقيمات‪،‬‬ ‫وهذا الوطن‪ ..‬من أين له هذه القدرة الخارقة على لَ ّ‬ ‫وتحويلها إلى بدائرة‪ ..‬وأصفار!‬ ‫ها هي الذاكرة سياج بدائري يحيط بي من كل جانب‪.‬‬ ‫تطّوقني أول ما أضع قدمي خارج البيت‪ .‬وفي كل اتجاه أسلكه تمشي إلى‬ ‫جواري الذكريات البعيدة‪..‬‬ ‫فأمشي نحو الماضي مغمض العينين‪ ..‬أبحث عن المقاهي القديمة تلك‬ ‫التي كان لكل عالم أو وجيه مجلسه الخاص فيها‪ ،‬حيث كانت تعد القهوة‬ ‫على الوجاق الحجري وتقدم بالجزوة‪ ..‬ويخجل نابدل أن يلحقك بطلباته‪.‬‬ ‫كان يكفيه شرف وجوبدك عنده‪.‬‬ ‫في ذلك الزمن كان لبن بابديس المقهى الذي كان يتوقف عنده‪ ،‬وهو في‬ ‫طريقه إلى المدرسة‪ .‬كان اسمه )مقهى بن بامينة(‪.‬‬ ‫وكان هنالك )مقهى بو عرعور( حيث كان مجلس بلع ّ‬ ‫طار وباشتارزي وحيث‬ ‫كنت ألمح أبي أحياناً وأنا أمر بهذا الطريق‪.‬‬ ‫أين ذلك المقهى لحتسي فيه هذا الصباح فنجان قهوة نخب ذكراه؟‬ ‫كيف أعثر على مقهى لم يكن كبيراً سوى بأسماء روابده؟ كيف أجده‪ ..‬في‬ ‫هذا الزمن الذي كبرت فيه المقاهي وكثرت‪ ،‬لتسع بؤس المدينة‪ .‬وإذا بها‬ ‫متشابهة وحزينة كوجوه الناس؟‬


‫لم يعد يميزها شيء‪ .‬حتى تلك الهيبة التي كانت سمة أهل قسنطينة‪،‬‬ ‫وذلك الشاش والبرنس المتألق بياضًا‪ ،‬أصبح نابدراً وباهتاً اليوم‪.‬‬ ‫حد لتلك المدينة‬ ‫ي المو ّ‬ ‫ربما كان أول ما لفت نظري ذلك الصباح‪ ،‬ذلك الز ّ‬ ‫التي تستيقظ كما تنام بحزن غامض‪ .‬ذلك اللون القاتم المتدرج والمشترك‬ ‫بين الجنسين‪.‬‬ ‫النساء ملفوفات بملءاتهن السوبداء التي ل يبدو منها شيء سوى‬ ‫عيونهن‪.‬‬ ‫والرجال في بدلتهم الرمابدية أو البنية التي ل تختلف عن لون بشرتهم‪ ..‬ول‬ ‫لون شعرهم‪ .‬والتي يبدون وكأنهم اشتروها جميعاً عند خياط واحد‪.‬‬ ‫ة‬ ‫ن أو لبدل ٍ‬ ‫وقلما كان يبدو من بين الحشوبد نقطة ضوء‪ ،‬أو لون زاٍه لفستا ٍ‬ ‫صيفية‪.‬‬ ‫تراني كنت أنظر ذلك الصباح إلى تلك المدينة‪ ،‬بعيون رسام ل تلفت نظره‬ ‫سوى اللوان‪ ،‬ويكابد ل يرى سواها في كل شيء‪ .‬أم تراني كنت أراها فقط‬ ‫بعيون الماضي وخيبة الحاضر؟‬ ‫رميت بنفسي وسط أمواج الرجال الضائعين مثلي في تلك المدينة‪ .‬شعرت‬ ‫لول مرة أنني بدأت أشبههم‪.‬‬ ‫مثلهم أملك وقتاً ورجولة ل أبدري ماذا أفعل بها‪ .‬فل أملك إل أن أمشي‬ ‫ساعات في الشوارع كما يمشون‪ ..‬محمل ً ببؤسي الحضاري‪ ..‬وبؤسي‬ ‫الجنسي الخر‪.‬‬ ‫ها نحن نتشابه فجأة في كل شيء‪ .‬في لون شعرنا ولون بدلتنا وجرّ‬ ‫أحذيتنا وخطانا الضائعة على الرصفة‪.‬‬ ‫نتشابه في كل شيء‪ ،‬وأنفربد وحدي بك‪ .‬ولكن هل يغير ذلك شيئًا؟‬ ‫حبك الذي استدرجني حتى هذه المدينة‪ ،‬أعابدني إلى تخّلفي بدون‬ ‫علمي‪ .‬رمى بي وسط هذه الجموع الرجالية‪ ،‬التي تسير ببطء تحت‬ ‫الشمس الصيفية‪ ،‬بدون وجهة محدبدة‪ ،‬وبدون أن تدري ماذا تفعل بتلك‬ ‫الشعة التي تختزنها الجسابد المحمومة في النهار‪ ،‬وتنفقها اليدي‬ ‫البائسة سرّاً في الليل‪ ..‬في الملذات الفربدية‪.‬‬ ‫تتوقف فجأة خطواتي أمام جدران بيت ل يشبه بيوتاً أخرى‪.‬‬ ‫هنا كانت أكبر "بدار مغلقة" يرتابدها الرجال‪ .‬وكان لها ثلثة أبواب تؤبدي إلى‬ ‫شوارع وأسواق مختلفة‪.‬‬


‫لقد كانت في الواقع بداراً مغلقة مشرعة‪ ،‬مدروسة ليتسلل إليها الرجال‬ ‫من أية جهة‪ ،‬ويخرجوا منها من أية جهة أخرى‪.‬‬ ‫كان الرجال يؤمونها من كل صوب‪ ،‬هرباً من المدن والقرى المجاورة‪ ،‬التي ل‬ ‫مّلذات فيها ول نساء‪.‬‬ ‫وكانت النساء الجميلت والبائسات‪ ،‬يأتين أيضاً من كل المدن المجاورة‬ ‫ليختفين خلف هذه الجدران المصفرة‪ ،‬التي ل يخرجن منها إل عجائز‬ ‫لينفقن ثروتهن في الصدقات والحسنات‪ ،‬وتطهير اليتام في موسم توبتهن‬ ‫الخيرة‪.‬‬ ‫هنا أنفق أبي ثروته ورجولته‪!..‬‬ ‫أحاول أل أتوقف عند ذلك البيت الستثنائي‪ ،‬الذي كان لعدة سنوات سبب‬ ‫حزن أمي السري‪ ،‬وربما موتها قهرًا‪.‬‬ ‫وكان لعدة سنوات أيضاً سرّ نشوتي السرية‪ ،‬وأحلمي المكبوتة أيام‬ ‫صباي‪ ،‬يوم كنت أحلم به ول أجرؤ على بدخوله‪ ،‬ربما خوفاً من أن ألتقي‬ ‫بأبي هناك‪ ،‬وربما أيضاً لنني كنت مكتفياً بمغامراتي العابرة المسروقة‬ ‫فوق السطح تارة‪ ،‬أو في غرف المؤونة التي قلما يفتحها أحد‪..‬‬ ‫اليوم لم يعد أبي هناك ليمنعني احتمال وجوبده في هذا "البيت" من‬ ‫الدخول‪.‬‬ ‫ي‬ ‫لقد رحل بعدما ترك تاريخه بامتياز خلف هذه الجدران‪ ،‬تماماً كما يفعل أ ّ‬ ‫فلسطيني ثري ومحترم على أيامه‪.‬‬ ‫ألم تكن جدتي تقول وقتها لتعلم أمي الصبر‪ ،‬وتعوبدها على تقّبل تلك‬ ‫الخيانة بفخر‪" :‬إن ما يفعله الرجال‪ ..‬طّرز على أكتافهم!"‪.‬‬ ‫وكان أبي يطّرز مغامراته جرحاً ووشماً على جسد )أّما( بدون أن يدري‪.‬‬ ‫ماذا أصبح هذا "البيت" لست أبدري‪..‬‬ ‫ُيقال إنهم أغلقوه وربما ظل له باب واحد فقط‪ ..‬بعدما أغلقت أبوابه الخرى‪،‬‬ ‫في إطار سياسة تقليص الملذات في هذه المدينة‪ ،‬أو احتراماً لعشرات‬ ‫المساجد التي نبتت على صدر هذه الصخرة‪ ،‬والتي يرتفع صوتها مجتمعة‬ ‫مرات في اليوم‪ ،‬ليذّكر الناس بمزايا اليمان والتوبة‪..‬‬ ‫وكنت في تلك اللحظة‪ ،‬كمعظم رجال هذه المدينة‪ ،‬أقف في الحد الفاصل‬ ‫بين شهوة الجسد وعفة الروح‪ .‬يتجاذبني إلى أسفل النداء السري لتلك‬ ‫الغرف المظلمة الشبقية‪ ..‬حيث تحلو الخطايا‪ ..‬ويسمو بي إلى أعلى ذلك‬ ‫النداء الخر‪ ،‬لتلك المآذن التي افتقدت طويل ً تكبيرها‪ ،‬ورهبة آذانها الذي‬


‫كان يدعو إلى الصلة‪ ،‬فيخترق بقوته بدهاليز نفسي‪ ،‬ويهزني لول مرة منذ‬ ‫سنوات‪.‬‬ ‫لقد أصبحت في بضعة أيام رجل ً مزبدوجاً كهذه المدينة‪ ،‬وبدأت أعي أن‬ ‫ليس في هذا العالم المسكون بالضدابد من مدن بريئة‪ .‬ومدن فاجرة‪.‬‬ ‫هنالك مدن منافقة‪ ..‬وأخرى أقل نفاقاً فقط‪..‬‬ ‫وليس هناك من مدن بوجه واحد‪ ..‬وحرفة واحدة‪ .‬وقسنطينة أكثر المدن‬ ‫وجوهًا‪ ..‬وتناقضًا‪.‬‬ ‫ها هي مدينة تستدرجك إلى الخطيئة‪ .‬ثم تربدعك بالقوة نفسها التي‬ ‫تستدرجك بها‪.‬‬ ‫كل شيء هنا بدعوة مكشوفة للجنس‪ ..‬شيء ما في هذه المدينة يغري‬ ‫بالحب المسروق‪ :‬قيلولتها التي ل تنتهي‪ ..‬صباحاتها الدافئة الكسلى‪..‬‬ ‫وليليها الموحش المفاجئ‪ .‬طرقاتها المعّلقة بين الصخور‪ ..‬أنفاقها السرية‬ ‫الموبوءة الرطوبة‪ ..‬منظر جبل الوحش وما حوله من ممرات متشّعبة‪..‬‬ ‫غابات الغار والبّلوط‪ ..‬وكل تلك المغارات والنفاق المختبئة‪.‬‬ ‫ولكن‪ ..‬عليك أن تكتفي بالتفرج على عابدات النفاق المتوارثة هنا من‬ ‫أجيال‪ ،‬وتتحاشى النظر إلى هذه المدينة في عينيها حتى ل تربكها‪..‬‬ ‫وترتبك!‬ ‫فالجميع هنا يعرفون أن خلف شوارعها الواسعة تختبئ الزّقة الضيقة‬ ‫الملتوية‪ ،‬وقصص الحب غير الشرعية‪ ،‬واللذة التي تسرق على عجل خلف‬ ‫باب‪ ..‬وتحت ملءتها السوبداء الوقور‪ ،‬تنام الرغبة المكبوتة من قرون‪ .‬الرغبة‬ ‫التي تعطي نساءها تلك المشية القسنطينية المنفربدة‪ ،‬وتمنح عيونهن‬ ‫تحت )العجار(‪ ،‬ذلك البريق النابدر‪.‬‬ ‫ن كقنبلة موقوتة‪ ،‬مدفونة‬ ‫تعّوبدت النساء هنا منذ قرون‪ ،‬على حمل رغبته ّ‬ ‫في اللوعي‪ .‬ل تنطلق من كبتها إل في العراس‪ ،‬عندما تستسلم النساء‬ ‫لوقع البندير‪ ،‬فيبدأن الرقص وكأنهن يستسلمن للحب‪ ،‬بخجل وبدلل في‬ ‫البداية‪ .‬يحركن المحارم يمنة ويسرة على وقع "الزندالي"‪ ..‬فتستيقظ‬ ‫أنوثتهن المخنوقة تحت ثقل ثيابهن وصيغتهن‪.‬‬ ‫يصبحن أجمل في إغرائهن المتوارث‪.‬‬ ‫تهتز الصدور وتتمايل الربداف‪ ،‬ويدفأ فجأة الجسد الفارغ من الحب‪.‬‬ ‫ب فيه فجأة الحمى التي لم يطفئها رجل‪ .‬ويتواطأ البندير الذي تسخنه‬ ‫تش ّ‬ ‫النساء مسبقاً مع الجسد المحموم‪ ،‬فتزيد الضربات فجأة قوة وسرعة‪.‬‬ ‫وتنفك ضفائر النساء‪ ،‬وتتطاير خصلت شعرهن‪ ،‬وينطلقن في حلبات الرقص‬ ‫كمخلوقات بدائية تتلوى وجعاً ولذة في حفلة جذب وتهويل‪ ،‬يفقدن خللها‬ ‫كل علقة بما حولهن‪ ،‬وكأنهن خرجن فجأة من أجسابدهن‪ ،‬من ذاكرتهن‬


‫وأعمارهن‪ ،‬ولم يعد يمكن أحدا أن يعيدهن إلى هدوئهن السابق‪.‬‬ ‫وكما في طقوس اللذة‪ ..‬وطقوس العذاب‪ ،‬يدري الجميع أنه ل يجب وقف‬ ‫ضربات البندير‪ ،‬ول قطع وقعها المتزايد‪ ،‬قبل أن تصل النساء إلى ذروة ل‬ ‫شعورهن ولذتهن‪ ،‬ويقعن على الرض مغمى عليهن‪ ،‬تمسكهن نساء من‬ ‫خصورهن‪ ،‬وترشهن أخريات بالريحة والعطر الجاهز لهذه المناسبات‪ ..‬حتى‬ ‫يعدن تدريجياً إلى وعيهن‪.‬‬ ‫هماً في قسنطينة!‬ ‫هكذا تمارس النساء الحب‪َ ..‬و ْ‬ ‫قسنطينة التي أغرتني‪ ..‬بليلة حب وهمية‪ ،‬وقبلت صفقتها السرية‪ ،‬مقابل‬ ‫شيء من النسيان‪.‬‬ ‫فأين النسيان قسنطينة‪ ..‬وفي كل منعطف يتربص بي جرح؟‬ ‫هل الحنين وعكة صحية؟‬ ‫مريض أنا بك قسنطينة‪.‬‬ ‫كان موعدنا وصفة جّربتها للشفاء‪ ،‬فقتلتني الوصفة‪.‬‬ ‫تراني تجاوزت معك جرعة الشوق المسموح بها في هذه الحالت؟‬ ‫ك في صيدلية جاهزة في طريق‪ ،‬لرفع بدعوى على بائع القدار‬ ‫لم أشتر ِ‬ ‫الذي وضعك في طريقي‪.‬‬ ‫لقد صنعتك أنا بنفسي‪ ،‬وقست كل تفاصيلك على مقاييسي‪..‬‬ ‫أنت مزيج من تناقضي‪ ،‬من اّتزاني وجنوني‪ ،‬من عبابدتي وكفري‪..‬‬ ‫أنت طهارتي وخطيئتي‪ .‬وكل عقد عمري‪.‬‬ ‫الفرق بينك وبين مدينة أخرى‪ ..‬ل شيء‪.‬‬ ‫لعلك كنت فقط المدينة التي قتلتني أكثر من مرة لسبب مناقض للول‪..‬‬ ‫كل مرة‪.‬‬ ‫فأين الحد الفاصل بين جرعة الشفاء وجرعة الموت هذه المرة؟ وفي‬ ‫مواسم الخيبة‪ ،‬تصبح الذاكرة مشروباً مراً ُيبتلع بدفعة واحدة‪ ،‬بعدما كان‬ ‫حلماً مشتركاً ُيحتسى على مهل؟‬ ‫هنا تبدأ الذاكرة المشتركة‪ ،‬وشوارع يسكنها التاريخ وينفربد بها‪.‬‬ ‫بعضها مشيتها مع سي الطاهر وأخرى مع آخرين‪.‬‬ ‫هنا شارع يحمل اسمه‪ ..‬وشوارع تذكر عبوره‪ .‬وها أنذا أتوحد بخطاه‬ ‫وأواصل طريقاً لم نكمله معًا‪.‬‬ ‫ي إلى آخر‪ .‬ويملؤني فجأة شعور غامض‬ ‫تمشي العروبة معي من ح ّ‬ ‫بالغرور‪.‬‬ ‫ل يمكن أن تنتمي لهذه المدينة‪ ،‬بدون أن تحمل عروبتها‪.‬‬


‫دي والعنفوان‪.‬‬ ‫العروبة هنا‪ ..‬زهو ووجاهة وقرون من التح ّ‬ ‫مازالت لحية )ابن بابديس( وكلمته تحكم هذه المدينة حتى بعد موته‪.‬‬ ‫مازال يتأملنا في صورته الشهيرة تلك‪ .‬ملتحياً وقاره‪ ،‬مّتكئاً على يده‪ ،‬يفكر‬ ‫في ما ُألنا إليه بعده‪.‬‬ ‫ومازالت صرخته التاريخية تلك بعد نصف قرن‪ .‬النشيد غير الرسمي‬ ‫الوحيد‪ ..‬الذي نحفظه جميعًا‪.‬‬ ‫ب‬ ‫شعب الجزائر مسلم *** وإلى العروبة ينتس ْ‬ ‫ب‬ ‫من قال حابد عن أصله *** أو قال مات فقد كذ ْ‬ ‫ب‬ ‫أو رام إبدماجاً له *** رام المحال من الطل ْ‬ ‫صدقت نبوءتك لنا يا ابن بابديس‪ ..‬لم نمت‪.‬‬ ‫فقط ماتت شهّيتنا للحياة‪ .‬فماذا نفعل أيها العالم الفاضل؟‬ ‫ل أحد توّقع لنا الموت يأسًا‪ .‬كيف يموت شعب يتضاعف كل عام؟‬ ‫ب‬ ‫يا نشء أنت رجاؤنا *** وبك الصباح قد اقتر ْ‬ ‫ذلك النشء الذي تغنيت به‪ ..‬لم يعد يترقب الصباح‪ ،‬مذ حجز الجالسون‬ ‫فوقنا‪ ..‬الشمس أيضًا‪ .‬إنه يترقب البواخر والطائرات‪ ..‬ول يفكر سوى بالهرب‪.‬‬ ‫أمام كل القنصليات الجنبية تقف طوابير موتانا‪ ،‬تطالب بتأشيرة حياة خارج‬ ‫الوطن‪.‬‬ ‫بدار التاريخ وانقلبت البدوار‪ .‬أصبحت فرنسا هي التي ترفضنا‪ ،‬وأصبح‬ ‫الحصول على "فيزا" إليها ولو ليام‪ ..‬هو "المحال من الطلب"!‬ ‫لم نمت ظلمًا‪ ..‬متنا قهرًا‪ .‬فوحدها الهانات تقتل الشعوب‪.‬‬ ‫في زمن ما كنا نربدبد هذا النشيد في سجن قسنطينة‪ .‬كان يكفي أن‬ ‫ينطلق من زنزانة واحدة‪ ،‬لتربدبده زنزانات أخرى‪ ،‬لم يكن مساجينها‬ ‫سياسيين‪.‬‬ ‫كان لكلماته قدرة خارقة على توحيدنا‪ .‬اكتشفنا مصابدفة هناك صوتنا‬ ‫الواحد‪.‬‬ ‫كنا شعباً واحداً ترتعد الجدران لصوته‪ .‬قبل أن ترتعد أجسابدنا تحت التعذيب‪.‬‬ ‫ح صوتنا اليوم‪ ..‬أم أصبح هناك صوت يعلو على الجميع‪ .‬مذ أصبح هذا‬ ‫هل ب ّ‬


‫الوطن لبعضنا فقط؟‬ ‫***‬ ‫ولدت كل هذه الفكار في ذهني وأنا أعبر ذلك الشارع‪ ،‬وألتقي بعد ‪37‬‬ ‫سنة مع جدران سجن كنت يوماً أراها من الداخل‪.‬‬ ‫ولكن هل يصبح السجن شيئاً آخر لمجربد أننا ننظر إليه من الخارج‪ ،‬وهل‬ ‫يمكن للعين أن تلغي الذاكرة اليوم‪ ،‬وهل يمكن لذاكرة أن تلغي أخرى؟‬ ‫كان سجن "الكديا" جزءاً من ذاكرتي الولى التي لن تمحوها اليام‪.‬‬ ‫ي على الوقوف‪ ،‬فأبدخله من جديد‬ ‫وها هي الذاكرة تتوقف أمامه وترغم قدم ّ‬ ‫ي عليهم‬ ‫كما بدخلته ذات يوم من سنة ‪ 1945‬مع خمسين ألف سجين ألق ّ‬ ‫القبض بعد مظاهرات ‪ 8‬ماي الحزينة الذكر‪.‬‬ ‫وكنت أكثر حظًا‪ ،‬قياساً إلى الذين لم يدخلوه يومها‪.‬‬ ‫خمسة وأربعون ألف شهيد سقطوا في مظاهرة هّزت الشرق الجزائري‬ ‫كله بين قسنطينة وسطيف وقالمة وخّراطة‪.‬‬ ‫وكانوا أول بدفعة رسمية لشهداء الجزائر‪ .‬جاء استشهابدهم سابقاً لحرب‬ ‫التحرير بسنوات‪.‬‬ ‫هل أنساهم؟‬ ‫أأنسى أولئك الذين بدخلوه ولم يخرجوا منه‪ ،‬وظّلت جثثهم في غرف‬ ‫التعذيب؟ وأولئك الذين ماتوا بأكثر من طريقة للموت‪ ،‬رفاقنا الذين اختاروا‬ ‫موتهم وحدهم؟‬ ‫هنالك إسماعيل شعلل‪ .‬كان مجربد عامل في البناء‪ .‬وكانت له مهمة حفظ‬ ‫وثائق "حزب الشعب" وأرشيفه السري‪ .‬وكان أول من تلّقى زيارة‬ ‫الستخبارات العامة الذين بدّقوا باب غرفته الصغيرة الشاهقة صارخين‬ ‫"البوليس‪..‬افتح"‪.‬‬ ‫وبدل أن يفتح إسماعيل شعلل الباب‪ ..‬فتح نافذته الوحيدة‪ .‬ورمى بنفسه‬ ‫على وابدي الرمال‪ ،‬ليموت هو وسّره في وبديان قسنطينة العميقة‪.‬‬ ‫أيمكن اليوم‪ ،‬وحتى بعد نصف قرن‪ ،‬أن أذكر إسماعيل بدون بدموع‪ ،‬هو الذي‬ ‫مات حتى ل يبوح بأسمائنا تحت التعذيب؟‬


‫وهنالك صوت )عبد الكريم بن وطاف( الذي كانت صرخات تعذيبه تصل حتى‬ ‫زنزانتنا‪ ،‬خنجراً يخترق جسدنا أيضاً ويبعث فيه الشحنات الكهربائية نفسها‪.‬‬ ‫ذبيه ويصفهم بالكلب والنازّييين والقتلة‪ ..‬فيأتي‬ ‫وصوته يشتم بالفرنسية مع ّ‬ ‫متق ّ‬ ‫طعاً بين صرخة وأخرى‪.‬‬ ‫" ‪"criminels.. assassins.. salauds.. nazis‬‬ ‫فيربد عليه صوتنا بالناشيد الحماسية والهتاف‪.‬‬ ‫ويصمت صوت بن وطاف‪.‬‬ ‫وهنالك )بلل حسين( أقرب صديق إلى سي الطاهر‪ ،‬أحد رجال التاريخ‬ ‫المجهولين‪ ،‬وأحد ضحاياه‪.‬‬ ‫جارًا‪ .‬لم يكن رجل علم ولكن على يده تعّلم جيل بأكمل الوطنية‪.‬‬ ‫كان بلل ن ّ‬ ‫فقد كان محّله القائم تحت جسر )سيجي راشد( مقرّ الجتماعات السرية‪.‬‬ ‫أذكر أنه كان يستوقفني وأنا أمرّ بمحّله متجهاً إلى ثانوية قسنطينة‪،‬‬ ‫ي قراءة جريدة "المة" أو منشوراً سريًا‪.‬‬ ‫فيعرض عل ّ‬ ‫وكان خلل سنتين يهيؤني سياسياً للنخراط في "حزب الشعب"‪ .‬ويضعني‬ ‫أمام أكثر من امتحان ميداني‪ ،‬كان ل بد لكل عضو أن يمر به قبل أن يؤبدي‬ ‫قسم النخراط في الحزب‪ .‬ويبدأ نشاطه في إحدى الخليا التي كان‬ ‫يحدبدها بلل‪.‬‬ ‫في ذلك المحل الذي ل أثر له اليوم‪ ،‬كان يلتقي القابدة السياسيون‪.‬‬ ‫ويعطي )مصالح الحاج( تعليماته الخيرة‪ .‬وفيه نوقشت الشعارات التي‬ ‫رفعها المتظاهرون‪ ،‬وُكتبت ليل ً على اللفتات لتكون مفاجأة فرنسا‪.‬‬ ‫وعندما انطلقت تلك المظاهرة من فوق جسر )سيدي راشد( كما خطط لها‬ ‫بلل لسباب تكتيكية‪ ،‬يسهل معها تجمع المتظاهرين ثم تبعثرهم من كل‬ ‫الطرقات المؤبدية للجسر‪ .‬أبدهشت القوات الفرنسية بدقتها ونظامها غير‬ ‫ذب للعبرة‪.‬‬ ‫المتوقع‪ .‬وكان بلل أول من ُألقي القبض عليه يومها‪ ..‬ومن ع ّ‬ ‫ولم يمت بلل حسين كغيره‪ .‬قضى سنتين في السجن والتعذيب‪ .‬ترك‬ ‫فيهما جلده على آلت التعذيب‪.‬‬ ‫ل لعدة أيام عاري الصدر‪ ،‬عاجزاً حتى أن يضع قميصاً على جلده‪،‬‬ ‫أذكر أنه ظ ّ‬ ‫حتى ل يلتصق بجراحه المفتوحة‪ ،‬بعدما رفض طبيب المستشفى تحمل‬ ‫مسؤولية علجه‪.‬‬


‫ثم خرج محكوماً عليه بالنفي والرقابة المشدبدة‪ .‬وعاش بلل حسين‬ ‫مناضل ً في المعارك المجهولة‪ ،‬ملحقاً مطاربداً حتى الستقلل‪ .‬ولم يمت‬ ‫إل مؤخراً في عامه الواحد والثمانين في ‪ 27‬ماي ‪ ،1988‬في الشهر نفسه‬ ‫الذي مات فيه لول مرة‪.‬‬ ‫مات بائسًا‪ ،‬وأعمى‪ ،‬ومحروماً من المال والبنين‪.‬‬ ‫ذبوه تعمدوا‬ ‫اعترف قبل موته ببضعة أشهر لصديقه الوحيد‪ ،‬أنهم عندما ع ّ‬ ‫تشويه رجولته‪ ،‬وقضوا عليها إلى البد‪.‬‬ ‫وأنه في الواقع مات منذ أربعين سنة‪..‬‬ ‫يوم وفاته‪ ،‬جاء حفنة من أنصاف المسؤولين لمرافقته إلى مثواه الخير‪.‬‬ ‫أولئك الذين لم يسألوه يوماً بماذا كان يعيش‪ ،‬ول لماذا ل أهل له‪.‬‬ ‫مشوا خلفه خطوات‪ ..‬ثم عابدوا إلى سياراتهم الرسمية‪ ،‬بدون أبدنى شعور‬ ‫بالذنب‪.‬‬ ‫لم يكن أحد يعرف سره الذي احتفظ به أربعين سنة كاملة‪ ،‬بحياء رجل من‬ ‫جيله ومن طينته‪.‬‬ ‫فهل كان يستحق ذلك السر‪ ،‬كل ذلك الكتمان؟‬ ‫كان بلل حسين آخر الرجال في زمن الخصيان‪..‬‬ ‫وكان المبصر في زمن عميت فيه البصائر‪..‬‬ ‫فهل أنسى بلل حسين؟‬ ‫***‬ ‫ها هوذا سجن )الكديا(‪..‬‬ ‫أتأمله كما نتأمل جدران سجن أول‪ ،‬بدخلناه كما ندخل حلماً مزعجاً لم نكن‬ ‫مهيأين له‪.‬‬ ‫مرت سنوات كثيرة‪ ،‬قبل أن أبدخل سجناً آخر‪ ،‬كان جلبدوه هذه المرة‬ ‫جزائريين ل غير‪ .‬ولم يكن له من عنوان معروف‪ ،‬ليعرف طيف )أّما( طريقه‬


‫ي فيأتيني كما كانت تأتي لزيارتي هنا في الماضي‪ ،‬باكية متضّرعة لكل‬ ‫إل ّ‬ ‫حارس‪..‬‬ ‫ها هوذا سجن )الكديا(‪ ..‬كم من قصص مؤلمة‪ ،‬وأخرى مدهشة عرفها هذا‬ ‫السجن‪ ،‬الذي تناوب عليه أكثر من ثائر‪ ،‬لكثر من ثورة‪.‬‬ ‫سنة ‪ ..1955‬أي عشر سنوات بالضبط بعد أحداث ‪ 8‬ماي ‪ .1945‬عابد هذا‬ ‫د لهم‬ ‫السجن للصدارة‪ ،‬بدفعة جديدة لسجناء استثنائيين كانت فرنسا تع ّ‬ ‫عقاباً استثنائيًا‪.‬‬ ‫في الزنزانة رقم ‪ ..8‬المعدة لنتظار الموت‪ .‬كان ثلثون من قابدة الثورة‬ ‫ورجالها الوائل‪ ،‬ينتظرون موثقين‪ ،‬تنفيذ الحكم بالعدام عليهم‪ ،‬بينهم‬ ‫مصطفى بن بولعيد والطاهر الزبيري ومحمد ليفا وإبراهيم الطيب رفيق‬ ‫بديدوش مرابد وباجي مختار وآخرون‪.‬‬ ‫كان كل شيء معداً للموت يومها‪ ،‬حتى أن حلق مساجين الحق العام‪،‬‬ ‫أخبر الشهيد القائد مصطفى بولعيد في الصباح‪ ،‬أنهم غسلوا المقصلة‬ ‫بالمس‪ ،‬وأنه حلم أنهم "نفذوا"‪.‬‬ ‫وكانت هذه الكلمة تحمل معنيْين بالنسبة لمصطفى بن بولعيد‪ ،‬الذي كان‬ ‫د منذ أيام خطة للهرب من )الكديا(‪ ..‬وكان شرع مع رفاقه منذ عدة أيام‪،‬‬ ‫يع ّ‬ ‫في حفر ممر سري تحت الرض‪ ،‬أوصلهم في المرة الولى إلى ساحة‬ ‫مغلقة بداخل السجن‪ .‬فأعابدوا الحفر من جديد‪ ،‬ليصلوا بعد ذلك إلى خارج‬ ‫السجن‪.‬‬ ‫يوم ‪ 10‬نوفمبر ‪ ،1955‬بعد صلة المغرب‪ ،‬وبين الساعة السابعة والثامنة‬ ‫مساًء بالتحديد‪ ،‬كان نصطفى بولعيد ومعه عشرة آخرون من رفاقه‪ ،‬قد‬ ‫هربوا من )الكديا(‪ ،‬وقاموا بأغرب عملية هروب من زنزانة لم يغابدرها أحد‬ ‫ذلك اليوم‪ ..‬سوى إلى المقصلة‪.‬‬ ‫بعد ذلك سقط القائد مصطفى بولعيد وبعض من فّروا معه‪ ،‬شهداء في‬ ‫دروا برحيلهم كتب‬ ‫معارك أخرى ل تقل شجاعة عن عملية فرارهم‪ ،‬فتص ّ‬ ‫التاريخ الجزائري‪ ،‬وأهم الشوارع والمنشآت الجزائرية‪.‬‬ ‫بينما ُنِّفذ حكم العدام‪ ،‬في من ظّلوا بالزنزانة‪ ،‬بدون أن يتمكنوا من الهروب‪.‬‬ ‫ولم يبق اليوم من السجناء الحد عشر الذين هربوا من الكديا‪ ،‬سوى اثنين‬ ‫على قيد الحياة‪ .‬ومات الرجال الثمانية والعشرون الذين جمعتهم الزنزانة‬ ‫رقم ثمانية يومًا‪ ،‬لقدٍر كان مقرراً أن يكون‪ ..‬واحدًا‪.‬‬ ‫كلما وقفت أمام الجدران العالية لهذا السجن تبعثرت ذاكرتي‪ ،‬وذهبت لكثر‬ ‫من وجه‪ ،‬لكثر من اسم‪ ،‬ولكثر من جلبد‪ .‬وشعرت برغبة في فتح أبواب‬


‫سجون أخرى مازالت مغلقة على أسرارها‪ ،‬بدون أن تجد كاتباً واحداً يربدّ‬ ‫بدين من مّروا بها‪.‬‬ ‫وقتها كنت أحسد ذلك الرفيق الذي جمعتني به زنزانة هنا لبضعة أسابيع‪.‬‬ ‫ن‪ .‬وربما كان ياسين يصغرني‬ ‫ن سياسيي ْ‬ ‫كنا آنذاك‪ ..‬أنا وهو‪ ،‬أصغر معتقلي ْ‬ ‫ببضعة أشهر‪.‬‬ ‫كان عمره ستة عشر عاماً فقط‪.‬‬ ‫ورغم أنهم أطلقوا سراحي لصغر سّني‪ ،‬فقد رفضوا أن يطلقوا سراح‬ ‫ياسين‪ .‬وبقي في سجن )الكديا( أربعة عشر شهرًا‪ .‬يحلم بالحرية‪ ..‬وبامرأة‬ ‫تكبره بعشر سنوات‪ ،‬كانت في السابدسة والعشرين من عمرها‪ ..‬وكان‬ ‫اسمها "نجمة"!‬ ‫وبينما عدت أنا بعد ستة أشهر من السجن إلى الدراسة‪ ،‬راح ياسين يكتب‬ ‫بعد عدة سنوات رائعته "نجمة"‪.‬‬ ‫تلك الرواية الفجيعة‪ ،‬التي ولدت فكرتها الولى هنا‪ .‬في ذلك الليل الطويل‪،‬‬ ‫وفي مخاض المرارة والخيبة والحلم الوطنية الكبرى‪.‬‬ ‫أذكر أن ياسين كان مدهشاً بدائمًا‪ .‬كان مسكوناً بالرفض وبرغبة في‬ ‫التحريض والمواجهة‪.‬‬ ‫ولذا كان ينقل عدواه من سجين إلى آخر‪ .‬وكنا نستمع إليه‪ ،‬ونجهل وقتها‬ ‫أننا أمام )لوركا( الجزائر‪ ،‬وأننا نشهد ميلبد شاعر سيكون يومًا‪ ،‬اكبر ما‬ ‫أنجب هذا الوطن من مواهب‪.‬‬ ‫مرت عدة سنوات‪ ،‬قبل أن ألتقي بكاتب ياسين في منفاي الجباري الخر‬ ‫بتونس‪.‬‬ ‫اكتشفت بفرح ل يخلو من الدهشة أنه لم يتغير‪.‬‬ ‫مازال يتحدث بذلك الحماس نفسه‪ ،‬وبلغته الهجومية نفسها‪ ،‬معلناً الحرب‬ ‫م فيهم رائحة الخضوع لفرنسا أو لغيرها‪.‬‬ ‫على كل من يشت ّ‬ ‫لقد كانت له حساسية ضد الهانات المهذبة‪ ،‬وضد قابلية البعض للنحناء‪..‬‬ ‫الفطري!‬ ‫كان يومها يلقي محاضرة في قاعة كبرى بتونس‪ ،‬عندما راح فجأة يهاجم‬ ‫السياسيين العرب‪ ،‬والسلطات التونسية بالتحديد‪.‬‬ ‫ولم يستطع أحد يومها إسكات ياسين‪.‬‬ ‫فقد ظل يخطب ويشتم حتى بعدما قطعوا عليه صوت الميكروفون‪ ،‬وأطفأوا‬ ‫الضواء ليرغموا الناس على مغابدرة القاعة‪.‬‬


‫يومها بدفعت في جلسة تحقيق مع البوليس ثمن حضوري في الصف‬ ‫المامي وهتافي على ياسين "تعيش‪ ..‬آ ياسين‪."..‬‬ ‫لم ينتبه أحد وقتها إلى وجوه من صّفقوا‪ .‬ولكن بعض من كان يعنيهم المر‬ ‫انتبهوا إلى يدي الوحيدة المرفوعة تأييدًا‪ ..‬وإعجابًا‪.‬‬ ‫يومها اكتشفت البعد الخر لليد الواحدة‪ .‬فقدر صاحبها أن يكون معارضاً‬ ‫ورافضًا‪ ،‬لنه في جميع الحالت‪ ..‬عاجز عن التصفيق!‬ ‫احتضنته بعدها وقلت‪" :‬ياسين‪ ..‬لو رزقت ولداً سأسميه ياسين‪"..‬‬ ‫وشعرت بشيء من العنفوان والمتعة‪ ،‬كأنني أقول له أجمل ما يمكن أن‬ ‫نقوله لصديق أو لكاتب‪.‬‬ ‫فضحك ياسين وهو يربت على كتفي بيٍد عصبية كعابدته عندما يربكه‬ ‫اعتراف ما‪.‬‬ ‫وقال بالفرنسية‪" :‬أنت أيضاً لم تتغير‪ ..‬مازلت مجنونًا!"‬ ‫وضحكنا لنفترق لعدة سنوات أخرى‪.‬‬ ‫تراني كنت أريد أن أكون وفي ّاً لذاكرتنا المشتركة‪ ،‬أم فقط‪ ،‬كنت أريد أن‬ ‫أعّوض بذلك عن عقدتي تجاه "نجمة"‪ ،‬الرواية التي لن أكتبها‪ ،‬والتي كنت‬ ‫صتي أيضًا‪ .‬بأحلمي وخيباتي‪ ،‬بملمح‬ ‫أشعر أنها بطريقة أو بأخرى‪ ،‬كانت ق ّ‬ ‫)أّما( الواقفة على حافة اليأس والجنون‪ ،‬الراكضة بين السجن والولياء‬ ‫دم الذبائح لسيدي محمد الغراب‪ ،‬والعمولت لحارس السجن‬ ‫الصالحين‪ ،‬تق ّ‬ ‫اليهوبدي‪ ،‬الذي كان جارنا‪ ..‬حتى يأتيني بين الحين والخر بقّفة الكل الذي‬ ‫ده لي‪) .‬أّما( التي كدت ل أعرفها عندما غابدرت السجن بعد ستة أشهر‪،‬‬ ‫تع ّ‬ ‫والتي أمام انشغال أبي عني وعنها‪ ،‬بتجارته وعشيقاته‪ ،‬أصبحت ل تطلب‬ ‫من ا إل عوبدتي لها‪ .‬وكأنني الشيء الوحيد الذي يمكن أن يبرر وجوبدها‪،‬‬ ‫والشاهد الوحيد على أمومتها وأنوثتها المسلوبة‪.‬‬ ‫نعم كنا في النهاية جيل ً بقصة واحدة‪ ،‬بجنون المهات المتطرفات في‬ ‫الحب‪ ،‬بخيانة الباء المتطرفين في القسوة‪ ،‬وبقصص حب وهمية‪ ،‬وخيبات‬ ‫عاطفية‪ ،‬يصنع منها البعض روائع عالمية في البدب‪ ،‬ويتحول آخرون على‬ ‫يدها إلى مرضى نفسانيين‪.‬‬ ‫تراني ل أفعل شيئاً بكتابة هذا الكتاب‪ ،‬سوى محاولة الهروب من صنف‬ ‫المرضى إلى صنف المبدعين؟‬ ‫آه ياسين‪ ..‬كم تغير العالم منذ ذلك اللقاء‪ ..‬منذ ذلك الوبداع‪..‬‬ ‫أنت الذي أنهيت روايتك قائل ً على لسان ذلك البطل‪:‬‬


‫ي شباب عجيب ذاك الذي عشناه!‪".‬‬ ‫"وبداعاً أيها الرفاق‪ ..‬أ ّ‬ ‫لم تكن تتوقع وقتها‪ ،‬أن عمرنا سيكون أعجب من سنوات شبابنا بكثير!‬

‫ك إذن‪..‬‬ ‫غداً سيكون عرس ِ‬ ‫وعبثاً أحاول أن أنسى ذلك‪ ،‬وأمشي في شوارع قسنطينة‪ ،‬يسّلمني‬ ‫زقاق إلى آخر‪ ..‬وذاكرة إلى أخرى‪.‬‬ ‫ت إنك لي مابدمنا في هذه المدينة؟‬ ‫أما قل ِ‬ ‫أين تكونين الن إذن؟ في أي شارع‪ ..‬في أي زقاق من هذه المدينة‬ ‫المتشّعبة الطرقات والزقة كقلبك‪ ،‬والتي تذّكرني بحضورك وغيابك الدائم‪،‬‬ ‫وتشبهك حد الرتباك؟‬ ‫ت لي‪..‬‬ ‫لس ِ‬ ‫دون جسدك لرجل آخر ليس‬ ‫دونك الن لليلة حبك القابدمة‪ .‬يع ّ‬ ‫أبدري أنهم يع ّ‬ ‫أنا‪ .‬بينما أهيم أنا على جرحي لنسى الذي يحدث هناك‪.‬‬ ‫مليئاً كان يومك‪ ،‬كيوم عروس‪ ،‬وفارغاً كان يومي‪ ،‬كيوم مو ّ‬ ‫ظف متقاعد‪.‬‬ ‫ل واحد منا طريقاً مخالفاً للخر‪ .‬وها نحن نعيش بمّفكرتين‬ ‫منذ زمان أخذ ك ّ‬ ‫ن‪ ،‬إحداهما للفرح وأخرى للحزن‪ .‬فكيف أنسى ذلك؟‬ ‫متناقضتي ْ‬ ‫كانت كل الطرق تؤبدي إليك‪ ،‬حتى تلك التي سلكتها للنسيان‪ ،‬والتي كنت‬ ‫تترّبصين لي فيها‪.‬‬ ‫ل‬ ‫ل "البيوت المغلقة"‪ ..‬ك ّ‬ ‫ل المدارس والكتاتيب العتيقة‪ ..‬كل المآذن‪ ..‬ك ّ‬ ‫ك ّ‬ ‫السجون‪ ..‬كل المقاهي‪ ..‬كل الحمامات التي كانت تخرج منها النساء‬ ‫أمامي جاهزات للحب‪ ،‬كل الواجهات التي تعرض الصيغة والثياب الجاهزة‬ ‫للعرائس‪ .‬وحتى‪ ..‬تلك المقبرة التي ألقيت نفسي في سيارة أجرة‪ ،‬ورحت‬ ‫أبحث فيها عن قبر )أّما(‪ ،‬وأستعين بسجلت حارسها لتعرف على أرقام‬ ‫الممرات التي كانت توصل إليها‪ ..‬أوصلتني إليك ل غير‪.‬‬ ‫)أّما(‪ ..‬لماذا قابدتني قدماي إليها ذلك اليوم بالذات‪ ،‬في ليلة عرسك‬ ‫متها يوماً‬ ‫بالذات؟ أرحت أزورها فقط‪ ..‬أم رحت أبدفن جوارها امرأة أخرى توه ّ‬ ‫أمي؟‬


‫عند قبرها الرخامي البسيط مثلها‪ ،‬الباربد كقدرها‪ ..‬والكثير الغبار كقلبي‪،‬‬ ‫مدت تلك الدموع التي خبأتها لها منذ سنوات الصقيع‬ ‫مرت قدماي‪ ،‬وتج ّ‬ ‫تس ّ‬ ‫والخيبة‪.‬‬ ‫ها هي ذي )أّما(‪ ..‬شبر من التراب‪ ،‬لوحة رخامية تخفي كل ما كنت أملك‬ ‫من كنوز‪ .‬صدر المومة الممتلئ‪ ..‬رائحتها‪ ..‬خصلت شعرها المحّناة‪..‬‬ ‫طّلتها‪ ..‬ضحكتها‪ ..‬حزنها‪ ..‬ووصاياها الدائمة‪" ..‬عندك يا خالد يا ابني‪."..‬‬ ‫)أّمأ( عّوضتها بألف امرأة أخرى‪ ..‬ولم أكبر‪.‬‬ ‫عّوضت صدرها بألف صدر أجمل‪ ..‬ولم أرتِو‪ .‬عّوضت حبها بأكثر من قصة‬ ‫حب‪ ..‬ولم أشف‪.‬‬ ‫كانت عطراً غير قابل للتكرار‪ .‬لوحة غير قابلة للتقليد ول للتزوير‪.‬‬ ‫فلماذا في لحظة جنون تصّورت أنك امرأة طبق الصل عنها؟ لماذا رحت‬ ‫أطالبك بأشياء ل تفهمينها‪ ،‬وبدور لن تطاليه؟‬ ‫ي الذي أقف عنده أرحم بي منك‪.‬‬ ‫هذا الحجر الرخام ّ‬ ‫لو بكيت الن أمامه‪ ..‬لجهش بدوره بالبكاء‪.‬‬ ‫سدت حجره الباربد‪ ،‬لصعد من تحته ما يكفي من الدفء لمواساتي‪.‬‬ ‫لو تو ّ‬ ‫لو نابديته )يا أّما‪ (..‬لجابني ترابه مفجوعاً "واش بيك آ ميمة‪..‬؟"‪.‬‬ ‫ولكن كنت أخاف حتى على تراب )أّما( من العذاب‪ ،‬هي التي كانت حياتها‬ ‫مواسم للفجائع ل غير‪.‬‬ ‫كنت أخاف عليها حتى بعد موتها من اللم‪ ،‬وأحاول كّلما زرتها أن اخفي‬ ‫عنها ذراعي المبتورة‪.‬‬ ‫ماذا لو كان للموتى عيون أيضًا؟‬ ‫ماذا لو كانت المقابر ل تنام‪ ..‬كم كان يلزمني من الكلم وقتها لشرح لها‬ ‫ل بي بعدها؟‬ ‫كل ما ح ّ‬ ‫ل ذلك العمر‪.‬‬ ‫لم أجهش ساعتها بالبكاء‪ ،‬وأنا أقف أمامها بعد ك ّ‬ ‫نحن نبكي بدائماً فيما بعد‪.‬‬ ‫مّررت فقط يدي على ذلك الرخام‪ ،‬وكأنني أحاول أن أنزع عنه غبار السنين‬ ‫وأعتذر له عن كل ذلك الهمال‪.‬‬ ‫ثم رفعت يدي الوحيدة لقرأ فاتحة على ذلك القبر‪..‬‬


‫بدا لي وقتها ذلك الموقف‪ ،‬وكأنه موقف سريالي‪ .‬وبدت يدي الوحيدة‬ ‫الممدوبدة للفاتحة وكأنها تطلب الرحمة بدل أن تعطيها‪..‬‬ ‫هدت‪ ..‬وأخفيت يدي‪.‬‬ ‫فتن ّ‬ ‫ألقيتها بداخل جيب سترتي‪ ..‬وألقيت بخطاي خارج مدينة التراب‪ ..‬والرخام‪.‬‬ ‫***‬ ‫كان ترقب حسان وزوجته للعرس‪ ،‬واستعدابداتهما الدائمة له‪ ،‬للقاء كل‬ ‫الذين سيحضرونه من شخصيات وعائلت كبيرة‪ ،‬يجعلني أستمع لهما‬ ‫ل بمدينة لم‬ ‫أحيانًا‪ ،‬وكأنني أستمع إلى أطفال يتحدثون عن "سيرك"‪ ،‬سيح ّ‬ ‫يزرها سيرك ول مهّرجون من قبل‪.‬‬ ‫وكنت لذلك أشفق عليهما‪ ..‬وأعذرهما‪.‬‬ ‫لقد كانت قسنطينة في النهاية‪ ،‬مدينة ل يحدث فيها شيء ما عدا‬ ‫مار"‪ ،‬واحتفظت لنفسي‬ ‫العراس‪ .‬فتركتهما لفرحتهما ينتظران "السيرك ع ّ‬ ‫بخيبتي‪.‬‬ ‫كان كل شيء استثنائياً في ذلك اليوم‪ .‬وكنت أعرف مسبقاً برنامجه من‬ ‫أحابديث السهرة‪.‬‬ ‫سيذهب حسان لقضاء حاجاته في الصباح‪ ،‬ثم يصّلي صلة الظهر في‬ ‫المسجد‪ ،‬وبعدها سيمر بي صحبة )ناصر( لنذهب جميعاً إلى حضور‬ ‫العرس‪.‬‬ ‫أما عتيقة فقد تأخذ الولبد وتذهب منذ الصباح لترافق العروس إلى الحلق‪.‬‬ ‫ثم تبقى هناك لتقوم مع نساء أخريات بخدمة الضيوف وإعدابد الطاولت‪.‬‬ ‫ة في البقاء في سريري في ذلك الصباح‪ ،‬وعدم مغابدرته‬ ‫كنت أشعر برغب ٍ‬ ‫قبل الظهر‪ ،‬ربما بسبب متاعب البارحة‪ ،‬وربما استعدابداً للسهر والمتاعب‬ ‫الخرى التي تنتظرني في ذلك اليوم‪..‬‬ ‫وربما فقط لنني لم أعد أبدري أين يمكنني أن أذهب‪ ،‬بعدما قضيت أسبوعاً‬ ‫وأنا أهيم على وجهي في تلك المدينة التي كانت تترّبص بذاكرتي في كل‬ ‫ت تختبئين لي فيها خلف كل منعطف‪..‬‬ ‫شارع‪ .‬وكن ِ‬ ‫وجدت بعد تفكير قصير‪ ،‬أن السرير هو المكان الوحيد الذي يمكن أن أهرب‬


‫ذة وليس بألم‪.‬‬ ‫منك إليه‪ .‬أو على القل ألتقي فيه معك بل ّ‬ ‫ولكن‪..‬‬ ‫هل سأجرؤ حقاً على استحضارك اليوم‪ ..‬في هذه اللحظة التي كنت أبدري‬ ‫ملين فيها استعدابداً لرجل آخر؟‬ ‫أنك تتج ّ‬ ‫هل سأجرؤ على استحضارك في هذا الصباح‪ ..‬وهل سيغفر لك جسدي‬ ‫ل خياناتك السابقة واللحقة؟ كان ذلك جنوناً في‬ ‫حقاً في لحظة نزوة ك ّ‬ ‫جنون!!‬ ‫ولكن أليس هذا الذي كنت تريدينه في النهاية‪ ،‬عندما قلت‪" :‬سأكون لك‬ ‫في تلك الليلة‪."..‬‬ ‫كنت أشعر برغبة في امتلكك في ذلك الصباح‪.‬‬ ‫وكأنني أريد أن أسرق منك كل شيء‪ ،‬قبل أن أفتقدك إلى البد‪ .‬فبعد‬ ‫اليوم لن تكوني لي‪ ،‬وستنتهي هذه اللعبة الموجعة الحمقاء التي لم تكن‬ ‫هوايتي قبلك‪.‬‬ ‫موجعاً كان لقائي معك ذلك الصباح‪.‬‬ ‫فيه كثير من الشراسة والمرارة الغامضة‪.‬‬ ‫فيه كثير من الحقد والشهوة الجنونية‪.‬‬ ‫ت لي‪..‬‬ ‫لو كن ِ‬ ‫ت لي ذلك الصباح‪ ..‬في ذلك السرير الكبير الفارغ الباربد بدونك‪ .‬في‬ ‫آه لو كن ِ‬ ‫ذلك البيت الشاسع بذكريات الطفولة المبتورة‪ ..‬وشهوة الشباب المكبوت‬ ‫الذي مر على عجل‪.‬‬ ‫لو كنت لي‪ ..‬لمتلكتك كما لم أمتلك امرأة هنا‪ .‬لعتصرتك بيدي الوحيدة‬ ‫في لحظة جنون‪ .‬لحّولتك إلى قطع‪ ..‬إلى موابد أولية‪ ..‬إلى بقايا امرأة‪ ..‬إلى‬ ‫ل غروراً‬ ‫عجينة تصلح لصنع امرأة‪ ..‬إلى أي شيء غيرك أنت‪ ،‬أي شيء أق ّ‬ ‫ل ظلماً وجبروتاً منك‪.‬‬ ‫وكبرياًء‪ ..‬أق ّ‬ ‫أنا الذي لم أرفع يدي الوحيدة في وجه امرأة‪ ،‬ربما كنت ضربتك ذلك اليوم‬ ‫د اللم‪ ،‬ثم أحببتك حد الم‪ ،‬ثم جلست إلى جوار جسدك أعتذر له‪..‬‬ ‫ح ّ‬ ‫ضبة بالحناء‪،‬‬ ‫ي حمرة أطرافك المخ ّ‬ ‫أقّبل كل شيء فيك‪ ،‬أمحو بشفت ّ‬ ‫شمك بشراسة الُقَبل‪ ،‬عساك عندما تستيقظين تكتشفينني مرسوماً‬ ‫لو ّ‬ ‫على جسدك كالوشم‪ ،‬بذلك اللون الخضر الوحيد الذي ل يرسم إل على‬ ‫الجسد!‬ ‫ل ذلك الجنون؟ أكنت أريد أن أنفربد بك وأمتلكك قبله‪ ،‬أم‬ ‫من أين جاءني ك ّ‬


‫س أو بقراٍر مسبق أنني أنفق معك آخر رعشات‬ ‫كنت أبدري يومها بحد ٍ‬ ‫ذة‪ ،‬وأنني سأضعك خارج هذا السرير بعد اليوم إلى البد؟‬ ‫الل ّ‬ ‫لم تكن مشكلتي معك مجربد شهوة‪ .‬لو كانت لحسمتها يومها بطريقة أو‬ ‫بأخرى‪.‬‬ ‫هنالك أكثر من امرأة هنا يمكن أن يمتلكها رجل بدون جهد‪.‬‬ ‫هنالك أكثر من باب نصف مفتوح ينتظر أن يفتحه رجل‪.‬‬ ‫ن مراراً في هذه البيوت العربية المشتركة‪،‬‬ ‫هناك جارات تتقاطع خطواتي به ّ‬ ‫وأبدري رغبتهن السرية في الحب‪.‬‬ ‫ك رموز نظرات النساء المحتشمات‪ ..‬والمبالغات في‬ ‫تعلمت مع الزمن‪ ،‬أن أف ّ‬ ‫اللياقة والمفربدات المؤبدبة‪.‬‬ ‫ولكنني كنت أتجاهل نظرتهن وبدعوتهن الصامتة إلى الخطيئة‪.‬‬ ‫لم أعد أبدري اليوم‪ ..‬إن كنت أتصرف كذلك عن مبدأ‪ ..‬أم عن حماقة وشعور‬ ‫غامض بالغثيان؟‬ ‫كنت في الواقع أشفق عليهن‪ ..‬وأحتقر أزواجهن الذين يسيرون كالديوك‬ ‫المغرورة بدون مبرر‪..‬‬ ‫حمة لم يقربها أحد‬ ‫سوى أنهم يمتلكون في البيت بدجاجة ممتلئة متش ّ‬ ‫ربما عن قرف!‬ ‫ن جناحيها‬ ‫جنة حسب التقاليد ول يتوقع صاحبها أ ّ‬ ‫أو أخرى شهّية ومد ّ‬ ‫القصيرين‪ ..‬مازال يمارسان القفز‪ ..‬فطريا!ً‬ ‫يا لحماقة الديوك!‬ ‫إذا كانت كل النساء عفيفات هنا‪ ،‬وشرف كل الرجال مصونًا‪ ،‬فمع من يزني‬ ‫جح في المجالس الرجالية بمغامراته؟‬ ‫هؤلء إذن؟ وكلهم بدون استثناء يتب ّ‬ ‫أليس كل واحد منهم يضحك على الخر‪ ..‬ول يدري أن هناك من يضحك‬ ‫عليه؟!‬ ‫كم أكره ذلك الجو الموبوء بالنفاق‪ ..‬وتلك القذارة المتوارثة‪ ..‬بنزاهة!‬ ‫ن‪ ،‬أن أستعيد قولك مرة‪ ،‬عندما أبديت لك‬ ‫يحدث عندما تتقاطع نظراتي به ّ‬ ‫ً‬ ‫بدهشتي مما جاء في روايتك الولى‪ ..‬ورحت أستجوبك بحثا عن ذاكرة‬ ‫مشبوهة‪.‬‬


‫ت‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫"ل تبحث كثيرًا‪ ..‬ل يوجد شيء تحت الكلمات‪ .‬إن امرأة تكتب هي امرأة‬ ‫هر مما يعلق بنا منذ‬ ‫فوق كل الشبهات‪ ..‬لنها شفافة بطبعها‪ .‬إن الكتابة تط ّ‬ ‫لحظة الولبدة‪ ..‬أبحث عن القذارة حيث ل يوجد البدب!"‬ ‫وكانت القذارة المتوارثة أمامي في كل مكان‪ ،‬في عيون معظم النساء‬ ‫الجائعات لي رجل كان‪.‬‬ ‫في عصبية الرجال الذين يحملون شهوتهم تراكماً قابل ً للنفجار‪ ..‬أمام أول‬ ‫أنثى‪.‬‬ ‫ي أن أقاوم رغبتي الحيوانية ذلك اليوم‪ .‬وأل أترك تلك المدينة‬ ‫ولكن كان عل ّ‬ ‫تستدرجني إلى الحضيض‪.‬‬ ‫فهنالك مبابدئ ل يمكنني التخّلي عنها مهما حدث‪ .‬كأن أعاشر امرأة‬ ‫متزوجة‪ ،‬تحت أي مبرر كان‪.‬‬ ‫وربما كان هذا سر حزني الخر‪ .‬فقد كنت أبدري أن مستحيل ً آخر قد أضيف‬ ‫إلى مستحيلت أخرى يومها‪ ،‬وأنك لن تكوني لي أبداً بعد اليوم‪.‬‬ ‫لم أكن خجول ً من يدي اليمنى ذلك اليوم‪.‬‬ ‫ل بي مازلت‬ ‫شعرت بشيء من الرتياح‪ ،‬وأنا أكتشف أنني برغم كل ما ح ّ‬ ‫أحترم جسدي‪.‬‬ ‫المهم في هذه الحالت‪ ،‬أل نفقد احترام جسدنا ونحن نمنحه لول عابر‬ ‫سبيل‪.‬‬ ‫فأين يمكن أن نسكن بعد ذلك إن نحن أهّناه‪ ..‬وإن رفض أن ينسى ذلك؟‬ ‫رميت فجأة بالغطاء‪ ،‬واّتجهت نحو النافذة وأشرعتها وكأنني أفتحها ليخرج‬ ‫طيفك منها إلى البد‪ ،‬ويدخل النور إلى تلك الغرفة‪.‬‬ ‫ن والسحرة‪ ،‬ماذا لو كنت جّنية تتسلل‬ ‫في هذه المدينة المسكونة بالج ّ‬ ‫ي قصصاً عجيبة‪ ،‬تعدني بألف‬ ‫ص عل ّ‬ ‫ي مع العتمة‪ ،‬تنام إلى جواري‪ ،‬تق ّ‬ ‫إل ّ‬ ‫ل سحري لمأساتي‪ ..‬ثم تختفي مع أول شعاع وتتركني لهواجسي‬ ‫ح ّ‬ ‫وظّني؟‬ ‫هل خرج طيفك حقاً يومها من سريري‪ ..‬من غرفتي وذاكرتي‪ .‬وهرب من‬ ‫تلك النافذة؟ ل أبدري!‬


‫أبدري فقط أن قسنطينة‪ ،‬بدخلت من تلك النافذة نفسها‪ ،‬التي قّلما فتحتها‪.‬‬ ‫مرني في‬ ‫وإذا بالذان يفاجئني من أكثر من مئذنة في آن واحد‪ ،‬ويس ّ‬ ‫مكاني أمام القدام المسرعة في كل التجاهات‪.‬‬ ‫وكان جسر )سيدي راشد( يبدو بدوره منهمكاً في حركة بدائمة كامرأة‬ ‫ث ما‪ ..‬مأخوذاً بهمومه اليومية‪ ،‬وبحماس نهايات السبوع‪.‬‬ ‫تستعد لحد ٍ‬ ‫وجدت في انشغاله عن حزني ذلك الصباح بالذات شيئاً شبيهاً بالخيانة‪..‬‬ ‫وعدم العرفان بالجميل‪.‬‬ ‫قررت بدوري أل أجامله‪ ..‬فأغلقت في وجهه وجهي‪ ..‬وَرَبدْبدت النافذة‪..‬‬ ‫وفجأة‪ ..‬انتابتني رغبة جارفة للرسم‪ .‬زوبعة شهوة اللوان‪ ..‬تكابد توازي‬ ‫رغبتي الجنسية السابقة وتساويها عنفاً وتطّرفًا‪.‬‬ ‫لم أعد في حاجة إلى امرأة‪ ..‬شفيت من جسدي وانتقل اللم إلى أطراف‬ ‫أصابعي‪..‬‬ ‫ذتي ول لطقوس جنوني‪ .‬وحدها تلك‬ ‫في النهاية لم يكن السرير مساحة لل ّ‬ ‫المساحة البيضاء المشدوبدة إلى الخشب كانت قابدرة على إفراغي من‬ ‫ذاتي‪.‬‬ ‫ب الن لعنتي‪ ،‬أبصق مرارة عمٍر من الخيبات‪.‬‬ ‫فيها أريد أن أص ّ‬ ‫أفرغ ذاكرة انحازت للون السوبد‪ ..‬مذ انحزت لهذه المدينة الملتحفة‬ ‫_حماقة_ بالسوابد منذ قرون‪ ،‬والتي تخفي وجهها _تناقضًا_ تحت مثلث‬ ‫أبيض للغراء‪.‬‬ ‫سلماً أيها المثلث المستحيل‪ ..‬سلماً أيتها المدينة التي تعيش مغلقة‬ ‫وسط ثالوثها المحرم ) الدين – الجنس – السياسة(‪.‬‬ ‫كم تحت عباءتك السوبداء‪ ..‬ابتلعت من رجال‪ .‬فلم يكن أحد يتوّقع أن تكون‬ ‫لك طقوس مثلث )برموبدا( وشهيته للغراق‪..‬‬ ‫كانت الفكار الرمابدية تتوالد في ذهني في ذلك الصباح‪ .‬والغيظ يملؤني‬ ‫دمت الساعة واقترب وقت قدوم حسان وناصر لمرافقتي‬ ‫تدريجياً كلما تق ّ‬ ‫إلى ذلك البيت‪ ،‬لحضر عرسك‪.‬‬ ‫وكان غيظي وخيبتي قد شل يدي ومنعاني حتى من أن أحلق ذقني أو‬ ‫أستعد لذلك الفرح المأتم‪.‬‬ ‫كنت أذهب وأجيء فجأة في تلك الغرفة بعصبية مدمن تنقصه رشفة‬ ‫أفيونه‪.‬‬ ‫كيف لم أتوقع أن أشعر بهذه الحاجة المرضّية اليوم لمساك فرشاة‪ ،‬وبهذه‬


‫الرغبة الجارفة للرسم؟ تلك الرغبة التي ل تقاوم‪ ،‬والتي تصبح ألماً في‬ ‫أطراف الصابع‪ ،‬وتوتراً جسدياً ينتقل من عضو إلى آخر؟‬ ‫كنت أريد أن أرسم‪ ..‬وأرسم‪ ..‬حتى أفرغ من كل شيء‪ .‬وأقع ميتًا‪ ..‬أو‬ ‫ي إرهاقاً ونشوة‪.‬‬ ‫مغمى عل ّ‬ ‫من الرجح أنني هذه المرة لن أرسم جسوراً ول قناطر‪ .‬ربما رسمت نساًء‬ ‫بملءات سوبداء‪ ..‬ومثلثات بيضاء‪ ..‬وعيون كاذبات‪ ،‬واعدات بفرح ما‪ .‬فاللون‬ ‫السوبد لون كاذب في معظم الحيان‪ ..‬تماماً مثل اللون البيض‪.‬‬ ‫وقد ل أرسم شيئًا‪ ،‬وأموت هكذا واقفًا‪ ،‬عاجزاً أمام لوحة بيضاء‪.‬‬ ‫فهل أروع من أن نوّقع مساحة بيضاء ببياض‪ ،‬وننسحب على رؤوس‬ ‫الصابع‪ ،‬مابدمنا لم نوّقع شيئاً في النهاية‪ ،‬ووحدها القدار توّقع حياتنا‪،‬‬ ‫وتفعل بنا ما تشاء؟‬ ‫لماذا التحايل على الشياء إذن‪ ..‬لماذا المراوغة؟‬ ‫ت لوحتي؟ ما فائدة أن أكون رسمتك ألف مرة‪ ،‬مابدام آخر سيضع‬ ‫أما كن ِ‬ ‫توقيعه عليك اليوم‪ ،‬سيضع بصماته على جسدك‪ ،‬واسمه جوار أوراقك‬ ‫الثبوتية؟‬ ‫وماذا تفيد عشرات المساحات التي غطيتها بك‪ ،‬أمام سرير سيحتوي‬ ‫جسدك‪ ..‬ويخّلد أنوثتك البدية؟‬ ‫ي جدوى لما أرسمه‪ ..‬إذا كان هناك بدائماً من سيضع توقيعه نيابة عني‬ ‫أ ّ‬ ‫كالعابدة؟‬ ‫***‬ ‫ق فجأة الهاتف‪ ،‬وأخرجني للحظة‬ ‫في تلك اللحظة المتقدمة من اليأس‪ ،‬بد ّ‬ ‫من وحدتي وهواجسي‪ .‬فرحت أسرع نحو الغرف البعيدة الخرى‪ ،‬لربدّ‬ ‫عليه‪.‬‬ ‫كان حسان على الخط‪ .‬سألني بدون مقدمات‪:‬‬ ‫ واش راك تعمل‪..‬؟‬‫أجبته بشيء من الصدق‪:‬‬


‫ كنت غافياً شيئاً ما‪..‬‬‫قال‪:‬‬ ‫ حسناً إذن‪ ..‬توقعت أن تكون جاهزاً وتنتظرني منذ مدة‪ .‬كنت أريد أن‬‫أخبرك أنني قد أتأخر بعض الوقت‪ .‬هنالك مشكل صغير يجب أن أحّله‪.‬‬ ‫سألته متعجبًا‪:‬‬ ‫ي مشكل؟‬ ‫أ ّ‬‫قال‪:‬‬ ‫ تصور بماذا طلع لي ناصر اليوم؟ إنه ل يريد أن يحضر عرس أخته‪..‬‬‫قلت وأنا أزبدابد فضو ً‬ ‫ل‪:‬‬ ‫ لماذا؟‬‫قال‪:‬‬ ‫ إنه ضد هذا الزواج‪ ..‬ول يريد أن يلتقي بالضيوف ول بالعريس‪ ..‬ول حتى‬‫مه!‬ ‫بع ّ‬ ‫كدت أقاطعه "معه حق"‪ ..‬ولكنني سألته‪:‬‬ ‫ وأين هو الن؟‬‫قال‪:‬‬ ‫ضل أن يقضي يومه هناك بدل أن‬ ‫ لقد تركته في المسجد‪ .‬قال لي إنه يف ّ‬‫يقضيه مع هؤلء "القّوا‪!"...‬‬ ‫ولول مرة ضحكت من قلبي‪ .‬ولم أستطع أن أمنع نفسي من التعليق‬ ‫ل‪:‬‬ ‫بصوت عا ٍ‬ ‫ رائع ناصر‪ ..‬وا "نستعرف بيه"‪!.‬‬‫ت فيه شيء من العتاب والعجب‪:‬‬ ‫ولكن حسان قاطعني بصو ٍ‬


‫ واش بيك هبلت إنت تاني‪ ..‬عيب‪ ..‬شفت واحد ما يرّوحش لعرس أختو‪..‬‬‫واش يقولوا الناس‪..‬‬ ‫ الناس‪ ..‬الناس‪ ..‬يقولوا واش يحبوا‪ ..‬خلينا يا راجل يرحم والديك‪..‬‬‫وقبل أن أقول له شيئاً قال‪:‬‬ ‫ ابق في البيت إذن‪ ..‬سأمر عليم حال ما انتهي‪ .‬سنتحدث في هذا‬‫الموضع فيما بعد‪ ،‬فأنا أحدثك من مقهى‪ ،‬وحولي كثير من الناس )‪ ...‬على‬ ‫بالك‪.(!..‬‬ ‫ثم أضاف‪:‬‬ ‫دته لك عتيقة‪..‬‬ ‫ ستجد في المطبخ أكل ً أع ّ‬‫وضعت السماعة‪ .‬وعدت إلى غرفتي‪.‬‬ ‫لم أكن في حاجة إلى أكل‪ .‬كنت فقط أشعر بشيء من الظمأ الصباحي‪،‬‬ ‫وبشيء من المرارة التي صار لها فجأة بعد ذلك الهاتف‪ ،‬مذاق السعابدة‬ ‫الغامضة‪.‬‬ ‫لقد ملني موقف ناصر غبطة‪ .‬شعرت أن هناك شخصاً آخر يشاركني‬ ‫د هذا الزواج‪ ،‬ولكن على طريقته‪..‬‬ ‫حزني بدون علمه‪ ،‬ويقف معي ض ّ‬ ‫ل ناصر‪ ،‬جدير بأن يكون ابن سي الطاهر‪.‬‬ ‫فح ٌ‬ ‫ق به بعد‪ .‬ولكن أتوقع أن يكون )راسو خشين‪ (..‬مثل أبيه‪ .‬أن يكون‬ ‫لم ألت ِ‬ ‫عنيداً ومباشراً مثله‪.‬‬ ‫وإذا كان فعل ً مثله فلن ينجح حسان أبداً في تغيير رأيه‪.‬‬ ‫مازلت أذكر عنابد سي الطاهر وقراراته النهائية بدائمًا‪ ،‬التي ل يمكن لحد أن‬ ‫يزيحه عنها‪.‬‬ ‫وقتها كنت أجد في تلك المواقف شيئاً من الدكتاتورية‪ ،‬وغرور القائد‪ .‬ثم مع‬ ‫ل مثل سي‬ ‫الزمن‪ ،‬أبدركت أنه كان ل بد للثورة في أيامها الولى من رجا ٍ‬ ‫الطاهر‪ ،‬بذلك العنابد‪ ،‬وتلك الثقة المطلقة بالنفس‪ ،‬حتى يفرضوا رأيهم‬ ‫م شمل الثورة‬ ‫وسلطتهم على الخرين‪ ،‬ليس حباً بالجاه والسلطة‪ ،‬إنما لل ّ‬ ‫وعدم ترك مجال للخلفات والعتبارات الشخصية‪ ،‬وحتى ل تموت تلك‬ ‫الشعلة الولى وتبعثرها الرياح‪..‬‬ ‫عابدت ذكرى سي الطاهر فجأة‪ .‬في لحظة لم أحجزها له‪..‬‬


‫وعابدت طّلته‪ ،‬موجعة كتلك الرصاصات التي أفرغوها في جسده يومًا‪،‬‬ ‫وأوبدت به قبل أن يشهد استقلل الجزائر بأشهر‪.‬‬ ‫أين هو ليحضر هذا اليوم الستثنائي الذي سيخلف موعده أيضَا؟‬ ‫أكان قدره أن يخلف فرحتين؟‬ ‫رحل كما جاء‪ ،‬سابقاً لزمنه‪ ،‬وكأنه أبدرك أنه لم يخلق للزمن التي‪ .‬كنت‬ ‫ك لن يحضروا عرسك هذا‪.‬‬ ‫ل الذين أحّبو ِ‬ ‫أعي بشيء من المرارة‪ ،‬أن ك ّ‬ ‫ت فرحتهم‪ .‬سي الطاهر وزيابد‪ ..‬وناصر‬ ‫سيتغيب عن فرحك كل الذين كن ِ‬ ‫أيضًا‪.‬‬ ‫ي تلك القرعة‪ ،‬وقابدتني القدار إليك؟‬ ‫لماذا وحدي وقعت عل ّ‬ ‫ولماذا استدرجتني حتى هنا‪ ،‬باسم الذاكرة والحنين‪ ..‬وذلك الحب الجنوني‬ ‫المستحيل‪ ،‬وقلت تلك الجملة التي ملت جيوب الحلم وهمًا‪" ..‬سأكون‬ ‫لك مابدمنا في قسنطينة‪."..‬‬ ‫دقتك‪ ..‬وجئت؟‬ ‫كيف ص ّ‬ ‫وكنت أبدري انك تكذبين‪ ،‬وتهدينني الغيوم البيضاء‪ ..‬لصيف طويل‪ .‬ولكن‪..‬‬ ‫من يقاوم مطر الكذب الجميل؟‬ ‫دقها حتى نحرج النشرات الجوية‪ .‬لكن عندما‬ ‫هنالك أكاذيب نحاول أن نص ّ‬ ‫تنهطل المطار بداخلنا‪ ..‬من يجفف بدمع السماء؟‬ ‫ت امرأة سابدّية‪ ،‬وكنت أعرف ذلك‪.‬‬ ‫في الواقع كن ِ‬ ‫أذكر ذلك اليوم الذي قلت لك فيه‪" :‬لو خّلف هتلر ابنة في هذا العالم‪..‬‬ ‫ت ابنته الشرعية!"‪.‬‬ ‫لكن ِ‬ ‫ت يومها‪ .‬ضحكت‪ ..‬ضحكة حاكم جّبار واثق من قّوته‪ .‬وعّلقت أنا‬ ‫ضحك ِ‬ ‫بسذاجة الضحية‪" :‬ل أبدري ما الذي أوصلني إلى حبك‪ ،‬أنا الهارب من حكم‬ ‫ب امرأة طاغية‪."!..‬‬ ‫الجبابرة‪ ..‬أيمكن بعد هذا العمر أن أقع في ح ّ‬ ‫ابتسمت فجأة‪ ..‬ثم قلت بعد شيء من الصمت‪" :‬مدهش أنت عندما‬ ‫ي أكثر من موضوع للكتابة‪ ..‬سأكتب يوماً هذه الفكرة‪."..‬‬ ‫جر ف ّ‬ ‫تتحدث‪ ،‬تف ّ‬ ‫اكتبيها إذن ذات يوم‪ ..‬صحيح أنها تصلح لرواية!‬


‫في ذلك الصباح‪ ،‬كانت الخمرة ملجئي الوحيد‪ ،‬لنسى خيبتي معك‪.‬‬ ‫في تلك الغرفة التي يؤثثها سرير فارغ‪ ،‬ونافذة تطل على المآذن والجسور‪،‬‬ ‫وطاولة فارغة من لوازم الرسم‪ ،‬لم أجد لي من طوق نجاة سوى بضع‬ ‫أوراق وأقلم فقط‪ ،‬وزجاجة ويسكي أحضرتها لحسان قبل أن يتوب‪،‬‬ ‫ومازالت في حقيبتي تنتظر‪ .‬فأحضرتها ورحت أشرب ذلك الصباح نخب زيابد‬ ‫وسي الطاهر‪ ..‬ونخب قسنطينة‪.‬‬ ‫تذّكرت مسرحية أعجبت بها يومًا‪ .‬فكتبت أعلى الصفحة‪ ،‬بدون كثير من‬ ‫التفكير "كأسك يا قسنطينة"‪.‬‬ ‫وضحكت لهذا الدور الذي كان جاهزاً لي في هذه المدينة التي تمنع عنك‬ ‫الخمرة‪ ،‬وتوفر لك كل أسباب شربها‪.‬‬ ‫لم أكن أبدري وقتها‪ ،‬أنني كنت أخط ّ خلصة خيبتي كلمتين قد تصلحان‬ ‫عنواناً لهذا الكتاب‪ ،‬الذي ربما ولدت فكرته يومها‪.‬‬ ‫دي هذه المدينة‪ ..‬وهذا الوطن الكاذب‪.‬‬ ‫كانت بي رغبة لتحديك وتح ّ‬ ‫رفعت كأسي الملى بك‪ ..‬نخب ذاكرتك التي تحترف مثله النسيان‪ .‬نخب‬ ‫عينيك اللتين خلقتا لتكذبا‪.‬‬ ‫نخب فرح الليلة الجاهز للبكاء‪ ..‬نخب بكائي العاجز عن الدموع‪.‬‬ ‫أنت التي صالحتني مع ا‪ ،‬وأعدتني يوماً إلى العبابدة‪ .‬ها أنت تخونينني‬ ‫ي رصاص الغدر‪..‬‬ ‫ليلة جمعة‪ ..‬تحّلين بدمي‪ ،‬وتطلقين عل ّ‬ ‫فلماذا ل أسكر اليوم‪ ..‬من أكثرنا كفراً يا ترى!‬ ‫في الواقع‪ ،‬لم تكن الخمرة هوايتي‪ .‬كانت مشروب فرحي وحزني التطرف‪.‬‬ ‫ولذا ارتبطت بك وبتقلباتك الجنونية‪ .‬ففي كل مرة شربت فيها كنت أؤرخ‬ ‫ث ما في قصتنا التي ل تنتهي‪.‬‬ ‫لحد ٍ‬ ‫وها أنا أفتح على شرفك زجاجتي الخيرة‪ ..‬وأرتكب جنوني الخير‪ .‬فل‬ ‫أعتقد أنني قد أسكر بعد اليوم‪ .‬لنني سأغسل يدي منك اليوم‪ ..‬وأشّيعك‬ ‫على طريقتي‪.‬‬ ‫وحده أمر ناصر يعنيني الن‪ ،‬أخيك الذي يصلي في هذه اللحظة في أحد‬ ‫مساجد هذه المدينة‪ ،‬لينسى مثلي‪ ،‬أنهم سيتناوبون على وليمتك‬ ‫ة منا‪..‬‬ ‫الليلة‪ ..‬وأن هناك من سيتمتع بك في غفل ٍ‬ ‫في الواقع‪ ..‬كنت أسكر نخبه‪ ..‬ل غير!‬ ‫إيه ناصر‪..‬‬


‫أنا‪ ..‬وأنت‪ ..‬وهذه المدينة‪.‬‬ ‫مدينة تواطأت معنا في التطرف والجنون‪ .‬مدينة "سابدية" تتلذذ بتعذيب‬ ‫أولبدها‪ .‬حبلت بنا بدون جهد‪ .‬ووضعتنا كما تضع سلحفاة بحرية أولبدها عند‬ ‫شاطئ وتمضي بدون اكتراث‪ ،‬لتسلمهم لرحمة المواج والطيور البحرية‪..‬‬ ‫كروا‪ "..‬يقول "الفكرون" في ذلك المثل‬ ‫"إفكروا‪ ..‬وإل ا ل يجعلكم تف ِّ‬ ‫الشعبي وهو يتخلى عن أولبده‪.‬‬ ‫وها نحن بل أفكار‪ ..‬نبحث عن قدرنا بين الحانات والمساجد‪.‬‬ ‫ها نحن سلحفاة تنام على ظهرها‪ .‬قلبوها حتى ل تهرب‪ ،‬قلبوها في‬ ‫محاولة انقلب على المنطق‪..‬‬ ‫فكم يشبه الميلبد الموت في المدن العريقة‪ ،‬حيث نولد ونموت وسط‬ ‫مجرى الهواء والرياح المضابدة!‬ ‫وما أكبر يتم السلحف في هذه المدينة!‬ ‫عندما جاء حسان بعد ذلك‪ ،‬وفاجأني جالساً أكتب أمام تلك الطاولة‬ ‫وأمامي زجاجة ويسكي نصف فارغة‪ ،‬كابد يشهق من العجب‪ .‬وظل ينظر‬ ‫إلي مدهوشاً وكأنني بفتح تلك الزجاجة أخرجت له ماربدًا‪ ،‬أو جنّاً أطلقته‬ ‫في البيت‪.‬‬ ‫حاولت أن أمازحه فسألته بسخرية‪:‬‬ ‫ي هكذا‪ ..‬ألم تَر زجاجة كهذه قبل اليوم؟‬ ‫ لماذا تنظر إل ّ‬‫ولكنه بدون أي رغبة في المزاح أخذ الزجاجة من أمامي‪ ،‬وذهب بها إلى‬ ‫ب ويتحدث لنفسه كلماً لم يكن يصلني‪.‬‬ ‫المطبخ‪ ،‬وهو يس ّ‬ ‫وعندما عابد قال لي بنبرة فيها شيء من اليأس وبقايا من متاعب ناصر‪:‬‬ ‫ يا أخي واش بيكم‪ ..‬البلبد مّتخذة وأنتما واحد لتي يصلي‪ ..‬وواحد لتي‬‫يسكر‪ ..‬كيفاش نعمل معاكم؟‬ ‫توقف سمعي عند ذلك التعبير الذي لم أسمعه منذ عدة سنوات "البلبد‬ ‫مّتخذة" والذي يعني أن البلبد قائمة قاعدة‪ ..‬أو تشهد حدثاً استثنائيًا‪،‬‬ ‫والذي هو في الواقع تعبير جنسي محض‪.‬‬


‫ج الصور‬ ‫ابتسمت وأن أكتشف مرة أخرى قدرة هذه المدينة على ز ّ‬ ‫الجنسية في كل شيء‪ .‬وذلك ببراءة مدهشة‪..‬‬ ‫رفعت عيني نحوه وقلت له بشيء من السخرية المرة‪:‬‬ ‫ هذه هي الجزائر يا حسان‪ ..‬البعض يصّلي‪ ..‬والبعض يسكر‪ ..‬والخرون‬‫أثناء ذلك "ياخذوا في البلبد‪!"..‬‬ ‫ولكن حسان لم يبُد على استعدابد للتمابدي معي في النقاش‪.‬‬ ‫ربما لنه بعد ذلك الوقت الذي قضاه في إقناع ناصر لم يعد قابدراً على‬ ‫المزيد من المناقشة‪ .‬فقال وهو يقاطعني‪:‬‬ ‫ سأذهب لحضر لك القهوة‪ ،‬حتى تفيق وتطير عنك هذه السكرة‪ ..‬ثم‬‫نتحدث‪ .‬إن الناس ينتظروننا هناك وبعضهم لم يَرك منذ سنوات‪ .‬يجب أل‬ ‫تذهب إليهم في هذه الحالة!‬ ‫عندما عابد بعد لحظات بالقهوة سألته‪:‬‬ ‫ ماذا فعلت مع ناصر؟‬‫قال‪:‬‬ ‫ لقد وعدني أنه سيمر هناك وقت العشاء إرضاًء لخاطري فقط‪ ،‬ولكنه لن‬‫ل‪ .‬وبرغم ذلك أشك في أن يحضر فع ً‬ ‫يمكث طوي ً‬ ‫ل‪ .‬ل أفهم عنابده هذا‪ ..‬إنه‬ ‫ل يملك سوى أخت واحدة في النهاية‪ ..‬ول يمكن أل يقف في عرسها أمام‬ ‫الناس‪.‬‬ ‫جنون!‬ ‫كنت أحتسي تلك القهوة حتى يطير سكري‪ ،‬حسب تعبير حسان‪ .‬ولكن‬ ‫كنت أشعر في الواقع أنني أزبدابد سكراً أو جنونًا‪ ،‬وأنا أستمع إليه‪.‬‬ ‫كتلك اللحظة التي سألته فيها عن سبب مقاطعة ناصر لهذا العرس‪ ،‬وإذا‬ ‫بالحديث يجّرنا إلى أكثر من موضوع‪.‬‬ ‫قال‪:‬‬ ‫ إنه على خلف مع عمه‪ .‬فهو يعتقد أنه استفابد كثيراً من اسم سي‬‫الطاهر‪ ،‬وأنه قّلما اهتم بمصير زوجة أخيه وأولبده‪ .‬وهذا العرس ل هدف له‬ ‫غير أسباب وصولّية ومطامع سياسية محض‪ ..‬فهو ضد اختيار عمه لهذا‬


‫دث عن العمولت‬ ‫العريس السيئ الصيت سياسياً وأخلقيًا‪ .‬فالجميع يتح ّ‬ ‫التي يتقاضاها في صفقاته المختلفة‪ ..‬وعن حساباته في الخارج‪ ..‬وعن‬ ‫عشيقاته الجزائريات‪ ..‬والجنبيات‪ .‬إضافة إلى كون هذا الزواج زواجه الثاني‪،‬‬ ‫وأن له أولبداً يقارب عمرهم عمر عروسه الجديدة‪..‬‬ ‫سألته‪:‬‬ ‫ وهل تجد أنت هذا الزواج طبيعيًا؟‬‫قال‪:‬‬ ‫ ل أبدري بأي منطق تريد أن أحكم عليه‪ .‬من المؤكد أنه بمنطق الشياء‬‫عندنا زواج طبيعي‪ .‬إنه ليس أول زواج من هذا النوع‪ ،‬ولن يكون الخير‪ ..‬إن‬ ‫مين هنا أكثر من عشيقة‪ .‬وكلهم تخّلوا بطريقة أو‬ ‫لمعظم الرجال المه ّ‬ ‫بأخرى عن زوجاتهم وأولبدهم‪ ،‬ليتزوجوا من عروس جديدة أصغر عمراً وأكثر‬ ‫جمال ً وثقافة من الولى‪ ..‬إنك ل تستطيع أن تمنع رجل ً عندنا زابدوا له‬ ‫نجمة على أكتافه‪ ،‬من أن يزيد امرأة في بيته‪ ،‬أو تمنع رجل ً حصل على‬ ‫منصب جديد لم يحلم به‪ ،‬من أن يبدأ في البحث عن فتاة أحلمه‪.‬‬ ‫وأضاف‪:‬‬ ‫ أنا حاولت فقط أن أقنع ناصر أن عمه لم يقصد بالضرورة القضاء على‬‫حب بهذه‬ ‫مستقبل أخته بهذا الزواج‪ .‬بل إن أي شخص سواه كان سير ّ‬ ‫المصاهرة‪ ..‬ويسعى إليها لهثًا‪ ..‬إنها الطريقة الوحيدة ليحل مشكلته‬ ‫ومشكلت ابنته مرة واحدة‪ ،‬ويوفر عليها كثيراً من المتاعب‪..‬‬ ‫سألته‪:‬‬ ‫ لو كانت لك بنت وخطبها منك هذا الرجل‪ ،‬أكنت زّوجته منها؟‬‫قال‪:‬‬ ‫ق‬ ‫ طبعًا‪ ..‬ولم ل؟ إن الزواج حلل‪ ..‬الحرام هو ما يمارسه بعضهم بطر ٍ‬‫عصرية‪ .‬كأن يرسل أحدهم ابنته أو زوجته‪ ..‬أو أخته لتحضر له ورقة من‬ ‫إبدارة‪ ،‬أو تطلب شّقة أو رخصة لمحل تجاري نيابة عنه‪ ،‬وهو يعلم أن ل أحد‬ ‫هنا يعطيك شيئاً بل مقابل‪ .‬لقد خلق البسطاء بأنفسهم عملة أخرى‬ ‫للتداول ويقضون بها حاجاتهم‪ ..‬هات امرأة‪ ..‬وخذ ما تشاء!‬ ‫تمتمت بذهول‪:‬‬ ‫‪ -‬أحق ما تقول؟‬


‫أجاب‪:‬‬ ‫ إنه ما يحدث الن في أكثر من مدينة‪ ..‬وفي العاصمة بالذات‪ ..‬حيث يمكن‬‫لي فتاة تمرّ بمكتب ما في الحزب أن تحصل على شقة أو خدمة أخرى‪..‬‬ ‫والجميع يعرف العنوان طبعًا‪ ،‬ويعرف اسم من يوّزع الشقق والخدمات على‬ ‫النساء والشعارات على الشعب بالتساوي‪ ..‬يكفي أن ترى منظر الفتيات‬ ‫اللتي يدخلن هناك لتفهم كل شيء‪..‬‬ ‫سألته‪:‬‬ ‫ ومن أبدراك بها؟‬‫قال متذمرًا‪:‬‬ ‫ من؟ لقد سمعته بأذني وشاهدته بعيني يوم ذهبت هناك منذ بضعة‬‫أشهر لقابل صديقاً مو ّ‬ ‫ظفاً في الحزب‪ ..‬عساه يساعدني في الخروج من‬ ‫ي‪..‬‬ ‫سلك التعليم‪ .‬تصور‪ ..‬حتى البواب لم يكلف نفسه مشقة الحديث إل ّ‬ ‫وعبثاً رحت أشرح له أنني قابدم من قسنطينة لهذا الغرض‪ .‬وحدهن النساء‬ ‫كن جديرات بالعناية هناك‪ ..‬وعندما أبديت تذّمري "للخ الفّراش" أجابني‬ ‫بشيء من العصبية‪ ،‬و"التشناف" أن معظم الزائرات موظفات في التحابدات‬ ‫الحزبية‪ ..‬أو مناضلت‪ .‬وكدت أسأله وأنا أرى إحداهن تمر أمامي "بأي‬ ‫ت‪.‬‬ ‫"عضو" ناضلن على التحديد‪..‬؟" ولكنني سك ّ‬ ‫إيه‪ ..‬يا ولدي روح‪ ..‬كل شي أصبح يمر بالنساء اليوم‪ .‬بالسهرات‪..‬‬ ‫المجالس الخاصة‪ .‬ولذا لو كنت أملك الخيار لزّوجت ابنتي من واحد يمكنه‬ ‫بهاتف أن يأتيها بكل شيء‪ .‬على أن أعطيها لواحد مثلي يعيش معها في‬ ‫ق على‬ ‫البؤس كما أعيش أنا‪ ..‬أو يدخل في هذه الحلقة القذرة‪ ..‬ويبعثها تد ّ‬ ‫مئة باب؟‬ ‫ربما لحظ وقتها آثار الصدمة المدهشة على ملمحي‪ ..‬وتلك المرارة التي‬ ‫أسكتتني من الهول‪ ،‬عندما أضاف وكأنه يستدرك ليخفف من خيبتي‪:‬‬ ‫ على كل حال‪ ..‬لن يحدث هذا‪ .‬حتى لو عرضت ابنتي على )سي‪(....‬‬‫فمن المؤكد أنه لن يقبل بها‪ .‬إنهم ل يتزوجون إل من بعضهم‪ .‬ففلن ل يريد‬ ‫إل بنت فلن‪ ،‬حتى "يبقى زيتنا في بدقيقنا‪ "!.‬ويضمنوا لنفسهم التنقل من‬ ‫ب بسيط‬ ‫كرسي سلطة إلى آخر‪ ،‬فكيف تريد في هذا الجو أن يستطيع شا ّ‬ ‫أن يبني حياته؟ كل البنات يبحثن عن المسؤولين والمديرين والرجال‬ ‫الجاهزين‪ ..‬وهؤلء يعرفون ذلك فيزيدون من شروطهم كل مرة‪ ..‬بينما عدبد‬ ‫العوانس يزيد كل يوم‪ ..‬إنه قانون العرض والطلب‪.‬‬


‫إذا رأيت المور بهذه العين‪ ،‬فإنك حتماً تعذر سي الشريف‪ .‬المهم أن يستر‬ ‫بنت أخيه‪ ،‬ويضمن لها ولنفسه مستقبل ً سعيداً قدر المكان‪.‬‬ ‫أما كون العريس سارقاً وناهباً لملك الدولة‪ ..‬فماذا تريد أن تفعل؟ كلهم‬ ‫سّراق ومحتالون‪ .‬هنالك من انفضحت أموره‪ ،‬وهنالك من عرف كيف يحافظ‬ ‫على مظهر محترم‪ ..‬فقط!‬ ‫أصبت بذهول وأنا أستمع إليه‪.‬‬ ‫كدت أقول له إنه في النهاية على حق‪ .‬وربما كان سي الشريف أيضاً على‬ ‫ق‪ ..‬ل أبدري‪.‬‬ ‫ح ّ‬ ‫ولكن كان هناك شيء ما في هذا الزواج‪ ،‬يرفض أن يدخل عقلي وأقتنع به‪.‬‬

‫الفصل السادس‬ ‫لعرسك لبست بدلتي السوبداء‪.‬‬ ‫مدهش هذا اللون‪ .‬يمكن أن يلبس للفراح‪ ..‬وللمآتم!‬ ‫لماذا اخترت اللون السوبد؟‬ ‫ت مذهبي وطريقتي‪.‬‬ ‫ت أن ِ‬ ‫ربما لنني يوم أحببتك أصبحت صوفيًا‪ ،‬وأصبح ِ‬ ‫وربما لنه لون صمتي‪.‬‬ ‫لكل لون لغته‪ .‬قرأت يوما أن السوبد صدمة للصبر‪.‬‬ ‫قرأت أيضاً أنه لون يحمل نقيضه‪ .‬ثم سمعت مرة مصمم أزياء شهيرًا‪ ،‬يجيب‬ ‫عن سر لبسه الدائم للسوبد قال‪:‬‬ ‫"إنه لون يضع حاجزاً بيني وبين الخرين"‪.‬‬ ‫ويمكن أن أقول لك اليوم الكثير عن ذلك اللون‪ .‬ولكني سأكتفي بقول‬ ‫مصمم الزياء هذا‪.‬‬ ‫فقد كنت في ذلك اليوم أريد أن أضع حاجزاً بيني وبين كل الذين سألتقي‬ ‫بهم‪ ،‬كل ذلك الذباب الذي جاء ليحط على مائدة فرحك‪.‬‬ ‫وربما كنت أريد أن أضع حاجزاً بيني وبينك أيضًا‪.‬‬ ‫لبست طقمي السوبد‪ ،‬لواجه بصمت ثوبك البيض‪ ،‬المرشوش بالللئ‬ ‫د لك خصيصاً في بدار أزياء فرنسية‪..‬‬ ‫والزهور‪ ،‬والذي يقال إنه أع ّ‬ ‫هل يمكن لرسام أن يختار لونه بحيابد؟‬ ‫وكنت أنيقًا‪ .‬فللحزن أناقته أيضًا‪ .‬أّكدت لي المرآة ذلك‪ .‬ونظرة حسان‪ ،‬الذي‬ ‫استعابد فجأة ثقته بي‪ ،‬وقال بلهجة جزائرية أحبها‪ ،‬وهو يتأملني‪" :‬هكذا‬


‫نحبك آ خالد‪ ..‬إهلكهم‪."!..‬‬ ‫ت‪.‬‬ ‫نظرت إليه‪ ..‬كدت أقول له شيًا‪ ..‬ولكني صم ّ‬ ‫عند الباب المشرع للسيارات‪ ،‬وأفواج القابدمين‪ ،‬استقبلني سي الشريف‬ ‫بالحضان‪..‬‬ ‫ أهل ً سي خالد‪ ..‬أه ً‬‫ل‪ ..‬زارتنا البركة‪ ..‬يعطيك الصحة اللي جيت‪ ..‬راك‬ ‫فرحتني اليوم‪.‬‬ ‫اختصرت ذلك الموقف العجيب مرة أخرى في كلمة‪ .‬قلت‪:‬‬ ‫ كل شيء مبروك‪..‬‬‫وضعت قناع الفرح على وجهي‪ .‬وحاولت أن أحتفظ به طوال تلك السهرة‪.‬‬ ‫يمتلئ البيت زغاريد‪ .‬ويمتلئ صدري بدخان السجائر التي أحرقها‬ ‫وتحرقني‪ .‬يمتلئ قلبي حزنًا‪ .‬ويتعلم وجهي تلقائياً البتسامات الكاذبة‪.‬‬ ‫فأضحك مع الخرين‪ .‬أجالس من أعرف ومن ل أعرف‪ .‬أتحدث في الذي‬ ‫أبدري والذي ل أبدري‪ .‬حتى ل أخلو بك لحظة واحدة‪ ..‬حتى ل أفاجئك‬ ‫بداخلي‪ ..‬فأنهار‪.‬‬ ‫أسّلم على العريس الذي يقّبلني بشوق صديق قديم لم يلتق به منذ‬ ‫مدة‪:‬‬ ‫ هاك جيت للجزائر آ سيدي‪ ..‬كان موش هاذا العرس‪ ..‬ما كناش شفناك!‬‫ي مجاملة على‬ ‫أحاول أن أنسى أنني أتحدث لزوجك‪ ،‬لرجل يتحدث إل ّ‬ ‫عجل‪ ،‬وهو يفكر ربما في اللحظة التي سينفربد فيها بك في آخر الليل‪..‬‬ ‫أتأمل سيجاره الذي اختاره أطول للمناسبة‪ ..‬بدلته الزرقاء الحريرية التي‬ ‫يلبسها _أو تلبسه_ بأناقة من تعّوبد على الحرير‪ .‬أحاول أل أتوقف عند‬ ‫هى بالنظر إلى وجوه الحاضرين‪.‬‬ ‫جسده‪ .‬أحاول أل أتذكر‪ .‬أتل ّ‬ ‫وتطّلين‪..‬‬ ‫تدخلين في موكب نسائي‪ ،‬يحترف البهجة والفرح‪ ،‬كما أحترف أنا الرسم‬ ‫والحزن‪.‬‬ ‫أراك لول مرة‪ ،‬بعد كل أشهر الغيبة تلك‪ ،‬تمرين قريبة وبعيدة‪ ،‬كنجمة‬ ‫هاربة‪ .‬تسيرين‪ ..‬مثقلة الثواب والخطى‪ ،‬وسط الزغاريد وبدّقات البندير‪.‬‬


‫وأغنية تستفزّ ذاكرتي‪ ،‬وتعوبد بي طفل ً أركض في بيوت قسنطينة القديمة‪.‬‬ ‫في مواكب نسائية أخرى‪ ..‬خلف عروس أخرى‪ ..‬لم أكن أعرف عنها شيئاً‬ ‫يومذاك‪.‬‬ ‫ف بها العرائس‪ ،‬والتي كانت‬ ‫آه كم كنت أحب تلك الغاني التي كانت تز ّ‬ ‫تطربني بدون أن أفهمها‪ .‬وإذا بها اليوم تبكيني!‬ ‫"شّرعي الباب يا أم العروس‪ "..‬يقال إن العرائس يبكين بدائماً عند سماع‬ ‫هذه الغنية‪.‬‬ ‫تراك بكيت يومها؟‬ ‫كانت عيناك بعيدتين‪ ..‬يفصلني عنهما ضباب بدمعي وحشد الحضور‪ .‬فعدلت‬ ‫عن السؤال‪.‬‬ ‫اكتفيت بتأّملك‪ ،‬في بدورك الخير‪.‬‬ ‫دمين كأميرة أسطورية‪ ،‬مغرية شهية‪ ،‬محاطة بنظرات‬ ‫ها أنت ذي تتق ّ‬ ‫النبهار والعجاب‪ ..‬مرتبكة‪ ..‬مربكة‪ ،‬بسيطة‪ ..‬مكابرة‪.‬‬ ‫ها أنت ذي‪ ،‬يشتهيك كل رجل في سّره كالعابدة‪ ..‬تحسدك كل النساء‬ ‫حولك كالعابدة‪..‬‬ ‫وها أنذا _ كالعابدة_ أواصل ذهولي أمامك‪.‬‬ ‫وها هوذا "الفرقاني"‪ ..‬كالعابدة‪ ..‬يغّني لصحاب النجوم والكراسي المامية‪.‬‬ ‫ف الوجهاء وأصحاب القرار‬ ‫يصبح صوته أجمل‪ ،‬وكمنجته أقوى عندما يز ّ‬ ‫والنجوم الكثيرة‪.‬‬ ‫ت واحد لترحب‬ ‫تعلو أصوات اللت الموسيقية‪ ..‬ويرتفع غناء الجوقة في صو ٍ‬ ‫بالعريس‪:‬‬ ‫عرسو‪ ..‬بالعوابدة‪..‬‬ ‫"يا بديني ما أحللي ِ‬ ‫ا ل يقطعلو عابدة‪..‬‬ ‫وانخاف عليه‪ ..‬خمسة‪ .‬والخميس عليه"‬ ‫تعلو الزغاريد‪ ..‬وتتساقط الوراق النقدية‪.‬‬ ‫ما أقوى الحناجر المشتراة‪ .‬وما أكرم اليدي التي تدفع كما تقبض على‬ ‫عجل!‬ ‫ها هم هنا‪..‬‬


‫كانوا هنا جميعهم‪ ..‬كالعابدة‪.‬‬ ‫أصحاب البطون المنتفخة‪ ..‬والسجائر الكوبية‪ ..‬والبدلت التي تلبس على‬ ‫أكثر من وجه‪.‬‬ ‫أصحاب كل عهد وكل زمن‪ ..‬أصحاب الحقائب الدبلوماسية‪ ،‬أصحاب‬ ‫المهمات المشبوهة‪ ،‬أصحاب السعابدة وأصحاب التعاسة‪ ،‬وأصحاب الماضي‬ ‫المجهول‪.‬‬ ‫ها هم هنا‪..‬‬ ‫وزراء سابقون‪ ..‬ومشاريع وزراء‪ .‬سّراق سابقون‪ ..‬ومشاريع سّراق‪ .‬مديرون‬ ‫كرون‬ ‫وصوليون‪ ..‬ووصوليون يبحثون عن إبدارة‪ .‬مخبرون سابقون‪ ..‬وعسكر متن ّ‬ ‫في ثياب وزارية‪.‬‬ ‫ها هم هنا‪..‬‬ ‫أصحاب النظريات الثورية‪ ،‬والكسب السريع‪ .‬أصحاب العقول الفارغة‪،‬‬ ‫والفيلت الشاهقة‪ ،‬والمجالس التي يتحدث فيها المفربد بصيغة الجمع‪.‬‬ ‫ها هم هنا‪ ..‬مجتمعون بدائماً كأسماك القرش‪ .‬ملتفون بدائماً حول الولئم‬ ‫المشبوهة‪..‬‬ ‫أعرفهم وأتجاهل معظمهم "ما تقول أنا‪ ..‬حتى يموت كبار الحارة!"‬ ‫أعرفهم وأشفق عليهم‪.‬‬ ‫ما أتعسهم في غناهم وفي فقرهم‪ .‬في علمهم وفي جهلهم‪ .‬في‬ ‫صعوبدهم السريع‪ ..‬وفي انحدارهم المفجع!‬ ‫د فيه أحد يده حتى لمصافحتهم‪.‬‬ ‫ما أتعسهم‪ ،‬في ذلك اليوم الذي لن يم ّ‬ ‫في انتظار ذلك‪ ..‬هذا العرس عرسهم‪ .‬فليأكلوا وليطربوا‪ .‬وليرشقوا الوراق‬ ‫النقدية‪ .‬وليستمعوا للفرقاني يربدبد كما في كل عرس قسنطيني أغنية‬ ‫"صالح باي"‪.‬‬ ‫تلك التي مازالت منذ قرنين ُتغّنى للعبرة‪ ،‬لتذّكر أهل هذه المدينة بفجيعة‬ ‫)صالح باي( وخدعة الحكم والجاه الذي ل يدوم لحد‪..‬‬ ‫والتي أصبحت ُتغّنى اليوم بحكم العابدة للطرب بدون أن تستوقف كلماتها‬ ‫أحدًا‪..‬‬


‫م‬ ‫كانوا سلطين ووزراء *** ماتوا وقبلنا عزاه ْ‬ ‫م‬ ‫ه ْ‬ ‫نالوا من المال ُكثرْة *** ل عّزهم‪ ..‬ل غنا ُ‬ ‫قالوا العرب قالوا *** ما نعطيْو صالح ول ماُلو‪"..‬‬ ‫أتذكر وأنا أستمع لهذه الكلمات‪ ،‬أغنية عصرية أخرى وصلتني كلماتها من‬ ‫مذياع بموسيقى راقصة‪ ..‬تتغّزل بصالح آخر "صالح‪ ..‬يا صالح‪ ..‬وعينيك‬ ‫عجبوني‪."..‬‬ ‫إيه يا قسنطينة‪ ،‬لكل زمن "صالحه"‪ ..‬ولكن ليس كل "صالح" بايًا‪ ..‬وليس‬ ‫كل حاكم صالحًا!‬ ‫ها هوذا الوطن الخر أخيراً أمامي‪ ..‬أهذا هو الوطن حقًا؟‬ ‫في كل مجلس وجه أعرف عنه الكثير‪ .‬فأجلس أتأّملهم‪ ،‬وأستمع لهم‬ ‫يشكون ويتذّمرون‪.‬‬ ‫ل أحد سعيد منهم حسب ما يبدو‪.‬‬ ‫المدهش أنهم هم بدائماً الذين يبابدرونك بالشكوى‪ ،‬وبنقد الوضاع‪ ..‬وشتم‬ ‫الوطن‪.‬‬ ‫عجيبة هذه الظاهرة!‬ ‫كأنهم لم يركضوا جميعاً خلف مناصبهم زحفاً على كل شيء‪ .‬كأنهم ليسوا‬ ‫ل به من كوارث‪..‬‬ ‫جزءاً من قذارة الوطن‪ .‬كأنهم ليسوا سبباً في ما ح ّ‬ ‫أسِّلم على )سي مصطفى(‪ .‬لقد أصبح وزيراً منذ ذلك اليوم الذي زارني‬ ‫فيه ليشتري مني لوحة‪ .‬ورفضت أن أبيعه إياها‪.‬‬ ‫هنات )سي الشريف( إذن‪ ،‬فقد راهن على حصان رابح‪..‬‬ ‫لقد نجحت تك ّ‬ ‫أسأله مجاملة‪:‬‬ ‫ واش راك سي مصطفى؟‬‫فيبدأ بدون مقدمات بالشكوى‪:‬‬ ‫ رانا غارقين في المشاكل‪ ..‬على بالك‪!..‬‬‫تحضرني وقتها‪ ،‬مصابدفة‪ ،‬مقولة لديغول‪" :‬ليس من حق وزير أن يشكو‪ ..‬فل‬


‫أحد أجبره على أن يكون وزيرًا!"‪.‬‬ ‫أحتفظ بها لنفسي وأقول له فقط‪..‬‬ ‫ إيه‪ ..‬على بالي‪..‬‬‫نعم‪ ..‬كنت )على بالي‪ (..‬بتلك المبالغ الهائلة التي تقاضاها في كندا‬ ‫دات إحدى الشركات الوطنية الكبرى‪ .‬ولكنني كنت‬ ‫كعمولة لتجديد مع ّ‬ ‫أخجل أن أقول له ذلك‪ ،‬لنني أبدري أن الذين سبقوه إلى ذلك المنصب‪ ..‬لم‬ ‫يفعلوا أحسن منه‪.‬‬ ‫اكتفيت فقط بالستماع إليه وهو يشكو‪ ،‬بطريقة تثير شفقة أي مواطن‬ ‫مسكين‪..‬‬ ‫بينما كان حسان مشغول ً عني بالحديث مع صديق قديم‪ ..‬كان أستاذاً‬ ‫للعربية‪ ..‬قبل أن يصبح فجأة‪ ..‬سفيراً في بدولة عربية!‬ ‫كيف حدث ذلك؟‬ ‫يقال إنه ربدّ بدين‪ ..‬وقضية "تركة" وصداقة قديمة تجمع ذلك الستاذ بوالد‬ ‫إحدى الشخصيات‪ ..‬وأنها ليست "الحالة الدبلوماسية" الوحيدة!‬ ‫مثل )سي حسين( الذي أعرفه جيداً والذي كان مدير إحدى المؤسسات‬ ‫الثقافية‪ ،‬يوم كنت أنا مديراً للنشر‪ .‬وإذا به بين ليلة وضحاها يعّين سفيراً‬ ‫في الخارج‪ ..‬بعدما طلعت رائحته في الداخل‪ .‬فتكفلوا بلّفه بضعة أشهر‬ ‫وبعثه إلى الخارج مع كل التشريفات الدبلوماسية خلف علم الجزائر!‬ ‫ها هوذا اليوم هنا‪ ..‬في جّوه الطبيعي‪.‬‬ ‫لقد استدعي إثر قضية احتيال وتلعب بأموال الدولة في الخارج‪ ،‬ليعابد بدون‬ ‫ضجيج إلى وظيفة حزبية‪ ..‬ولكن على كرسي جانبي هذه المرة‪.‬‬ ‫هنالك بدائماً في هذه الحالت‪ ..‬سلة مهملت شرفّية!‬ ‫في مجلس آخر‪ ،‬مازال أحدهم ين ّ‬ ‫كر الثورة وكل ما‬ ‫ظر ويتحدث وكأنه مف ّ‬ ‫سيليها من ثورات‪ .‬وإحدى ثورات هذا الشخص‪ ..‬أنه وصل إلى الصفوف‬ ‫المامية في ظروف مشبوهة‪ ،‬بعدما تفّرغ لتقديم طالباته إلى مسؤول‬ ‫عجوز مولع بالفتيات الصغيرات‪..‬‬ ‫هذا هو الوطن‪..‬‬


‫مار"‪ ..‬سيرك ل مكان‬ ‫وها هو عرسك الذي بدعوتني إليه‪ .‬إنه "السيرك ع ّ‬ ‫فيه إل للمهّرجين‪ ،‬ولمن يحترفون اللعاب البهلوانية‪ ..‬والقفز على‬ ‫المراحل‪ ..‬والقفز على الرقاب‪ ..‬والقفز على الِقَيم‪.‬‬ ‫سيرك يضحك فيه حفنة على ذقون الناس‪ ،‬ويرّوض فيه شعب بأكمله على‬ ‫الغباء‪.‬‬ ‫فكم كان ناصر محقاً عندما لم يحضر هذا الكرنفال!‬ ‫س ما أنه لن يحضر‪ ..‬ولكن أين هو الن‪.‬؟‬ ‫كنت أبدري بحد ٍ‬ ‫تراه مازال يصلي في ذلك المسجد‪ ..‬لكي ل يلتقي بهم‪ .‬وهل تغّير صلته‪..‬‬ ‫أو يغّير سكري شيئًا؟‬ ‫ف عن الصلة يا ابني‪ .‬لقد أصبحوا يصّلون أيضاً ويلبسون ثياب‬ ‫آه يا ناصر! ك ّ‬ ‫كر قلي ً‬ ‫ل‪ .‬فأثناء ذلك ها هوذا الذباب يحط ّ‬ ‫ف عن الصلة‪ ..‬وتعال نف ّ‬ ‫التقوى‪ .‬ك ّ‬ ‫على كل شيء‪ ،‬والجرابد يلتهم هذه الوليمة‪.‬‬ ‫كلما تقدم الليل‪ ،‬تقدم الحزن بي‪ ،‬وتقدم بهم الطرب‪ .‬وانهطل مطر الوراق‬ ‫النقدية عند أقدام نساء الذوات‪ ،‬المستسلمات لنشوة الرق‪ ،‬على وقع‬ ‫موسيقى أشهر أغنية شعبية‪..‬‬ ‫داُتو‪"..‬‬ ‫"إذا صاح الليل َوْين انباُتو *** فوق فراش حرير وَمخ ّ‬ ‫أمان‪ ..‬أمان‪..‬‬ ‫ن‪..‬‬ ‫إيه آ الفرقاني َغ ِّ‬ ‫ل علقة لهذه الغنية بأزمة السكن‪ ،‬كما قد يبدو من الوهلة الولى‪ .‬إنها‬ ‫فقط تمجيد لليالي الحمراء والسّرة الحريرية التي ليست في متناول‬ ‫الجميع‪.‬‬ ‫"ع اللي ماتوا‪ ..‬يا عين ما تبكيش ع اللي ماتوا‪"..‬‬ ‫أمان‪ ..‬أمان‪.‬‬ ‫لن أبكي‪ ..‬ليست هذه ليلة لسي الطاهر‪ ..‬ول لزيابد‪.‬‬ ‫ليست للشهداء ول للعشاق‪ .‬إنها ليلة الصفقات التي يحتفل بها علناً‬ ‫بالموسيقى والزغاريد‪.‬‬


‫ي‪"..‬‬ ‫ماْم بالريحي ّْة *** يا ِلندرا ْ‬ ‫ش للغير وإل ل ّ‬ ‫"خارجة من الح ّ‬ ‫أمان‪ ..‬أمان‪.‬‬ ‫ت لي‪ .‬تؤكد‬ ‫ك للغير ولس ِ‬ ‫لن أطرح على نفسي هذا السؤال‪ .‬الن أعي أن ِ‬ ‫ذلك الغنيات‪ ،‬وذلك الموكب الذي يهرب بك‪ ،‬ويرافقك بالزغاريد إلى ليلة‬ ‫حّبك الشرعية‪.‬‬ ‫وعندما تمّرين بي‪ ،‬عندما تمرين‪ ..‬وأنت تمشين مشية العرائس تلك‪ ،‬أشعر‬ ‫ضبتين‬ ‫أن ِ‬ ‫ك تمشين على جسدي‪ ،‬ليس "بالريحّية" وإنما بقدميك المخ ّ‬ ‫دق بداخلي‪ ،‬ويعبرني جرساً يوقظ الذاكرة‪..‬‬ ‫بالحناء‪ ..‬وأن خلخالك الذهبي ي ّ‬ ‫قفي‪..‬‬ ‫قسنطينة الثواب مه ً‬ ‫ل! ما هكذا تمرّ القصائد على عجل!‬ ‫ثوبك المطّرز بخيوط الذهب‪ ،‬والمرشوش بالصكوك الذهبية‪ ،‬معّلقة شعر‬ ‫كتبتها قسنطينة جيل ً بعد آخر على القطيفة العنابي‪ .‬وحزام الذهب الذي‬ ‫يشد خصرك‪ ،‬لتتدّفقي أنوثة وإغراًء‪ ،‬هو مطلع بدهشتي‪.‬‬ ‫ي‪.‬‬ ‫هو الصدر والعجز في كل ما قد قيل من شعٍر عرب ّ‬ ‫هلي‪..‬‬ ‫فتم ّ‬ ‫بدعيني أحلم أن الزمن توّقف‪ ..‬وأنك لي‪ .‬أنا الذي قد أموت بدون أن يكون لي‬ ‫عرس‪ ،‬وبدون أن تنطلق الزغاريد يوماً من أجلي‪.‬‬ ‫كم أتمنى اليوم لو سرقت كل هذه الحناجر النسائية‪ ،‬لتبارك امتلكي لك!‬ ‫لو كنت "خ ّ‬ ‫طاف العرائس" ذلك البطل الخرافي الذي يهرب بالعرائس‬ ‫ن‪ ،‬لجئتك أمتطي الريح وفرساً بيضاء‪ ..‬وخطفتك‬ ‫الجميلت ليلة عرسه ّ‬ ‫منهم‪..‬‬ ‫ي يحرق‬ ‫لو كن ِ‬ ‫ت لي‪ ..‬لباركتنا هذه المدينة‪ ،‬ولخرج من كل شارع عبرناه ول ّ‬ ‫البخور على طريقنا‪ ..‬ولكن ما أحزن الليلة‪ ..‬قسنطينة!‬ ‫ما أتعس أولياءها الصالحين‪ ..‬وحدهم جلسوا إلى طاولتي بدون سبب‬ ‫واضح‪ ..‬وحجزوا لذاكرتي الخرى كرسي ّاً أماميًا‪..‬‬ ‫وإذا بي أقضي سهرتي في السلم عليهم واحدا واحدا‪..‬‬ ‫سلماً يا سيدي راشد‪..‬‬ ‫سلماً يا سيدي مبروك‪ ..‬يا سيدي محمد الغراب‪ ..‬يا سيدي سليمان‪ ..‬يا‬ ‫سيدي بوعّنابة‪ ..‬يا سيدي عبد المؤمن‪ ..‬يا سيدي مسيد‪ ..‬يا سيدي‬ ‫بومعزة‪ ..‬يا سيدي جليس‪..‬‬ ‫سلماً يا من تحكمون شوارع هذه المدينة‪ ..‬أزّقتها وذاكرتها‪.‬‬


‫قفوا معي يا أولياء ا‪ ..‬متعب أنا هذه الليلة‪ ..‬فل تتخلوا عني‪ ..‬أما كان‬ ‫منكم أبي؟‬ ‫جد؟‬ ‫أبي يا "عيساوي" أباً عن َ‬ ‫طرقّية‬ ‫أنت الذي كنت في تلك الحلقات المغلقة‪ ،‬في تلك الطقوس ال ُ‬ ‫العجيبة‪ ،‬تغرس في جسدك ذلك السفوبد الحمر الملتهب نارًا‪ ..‬فيتخرق‬ ‫ف إلى آخر‪ ،‬ثم تخرجه بدون أن تكون عليه قطرة بدم؟‬ ‫جسدك من طر ٍ‬ ‫مر كقطعة جمر‪ ،‬فينطفئ جمره‬ ‫أنت الذي كنت تمّرر حديده الملتهب والمح ّ‬ ‫من لعابك‪ ،‬ول تحترق‪.‬‬ ‫ذب بدون أن أنزف‪.‬‬ ‫عّلمني الليلة كيف أتع ّ‬ ‫عّلمني كيف أذكر اسمها بدون أن يحترق لساني‪.‬‬ ‫عّلمني كيف أشفى منها‪ ،‬أنت الذي كنت تربدبد مع جماعة "عيساوة" في‬ ‫حلقات الجذب والتهويل‪ ،‬وأنت ترقص مأخوذاً باللهب‪:‬‬ ‫"أنا سيدي عيساوي‪ ..‬يجرح ويداوي‪"..‬‬ ‫من يداويني يا أبي‪ ..‬من؟‬ ‫وأحبها‪..‬‬ ‫في هذه الساعة المتأخرة من اللم‪ ،‬أعترف أنني مازلت أحبها‪ ..‬وأنها لي‪.‬‬ ‫دى أصحاب البطون المنتفخة‪ ..‬وذلك صاحب اللحية‪ ..‬وذلك صاحب‬ ‫أتح ّ‬ ‫د‪ ..‬وكل الذين منحتهم الكثير‪..‬‬ ‫الصلعة‪ ..‬وأولئك أصحاب النجوم التي ل تع ّ‬ ‫واغتصبوها في حضرتي اليوم‪.‬‬ ‫أتحداهم بنقصي فقط‪.‬‬ ‫بالذراع التي لم تعد ذراعي‪ ،‬بالذاكرة التي سرقوها مّني‪ ،‬بكل ما أخذوه‬ ‫مّنا‪.‬‬ ‫أتحداهم أن يحبوها مثلي‪ .‬لنني وحدي أحبها بدون مقابل‪.‬‬ ‫وأبدري أنه في هذه اللحظة‪ ،‬هناك من يرفع عنها ثوبها ذاك على عجل‪.‬‬ ‫يخلع عنها صيغتها بدون كثير من الهتمام ويركض نحو جسدها بلهفة رجل‬ ‫في الخمسين يضاجع صبية‪.‬‬ ‫حزني على ذلك الثوب‪ ..‬حزني عليه‪.‬‬ ‫كم من اليدي طّرزته‪ ،‬وكم من النساء تناوبن عليه‪ ،‬ليتمتع اليوم برفعه‬ ‫رجل واحد‪ .‬رجل يلقي به على كرسي كيفما كان‪ ،‬وكأنه ليس ذاكرتنا‪،‬‬ ‫كأنه ليس الوطن‪.‬‬


‫دها أجيال بأكملها‪ ،‬لينعم بها رجل واحد؟‬ ‫فهل قدر الوطان أن تع ّ‬ ‫أتساءل الليلة‪ ..‬لماذا وحدي تستوقفني كل هذه التفاصيل‪ .‬وكيف‬ ‫اكتشفت الن فقط‪ ،‬معنى كل الشياء التي لم يكن لها معنى من قبل؟‬ ‫أتراه ُعشق هذا الوطن‪ ..‬أم البعد عنه‪ ،‬هو الذي أعطى الشياء العابدية‬ ‫قداسة ل يشعر بها غير الذي حرم منه؟‬ ‫ألن المعايشة اليومية تقتل الحلم وتغتال قداسة الشياء كان أحد الصحابة‬ ‫ينصح المسلمين بأن يغابدروا مكة‪ ،‬حال انتهائهم من مراسيم الحج‪ ،‬حتى‬ ‫تبقى لتلك المدينة رهبتها وقداستها في قلوبهم‪ ،‬وحتى ل تتحول بحكم‬ ‫العابدة إلى مدينة عابدية يمكن لي واحٍد أن يسرق ويزني ويجور فيها بدون‬ ‫رهبة؟‬ ‫إنه ما يحدث لي منذ وطئت قدماي هذه المدينة‪ .‬وحدي أعاملها كمدينة‬ ‫فوق العابدة‪.‬‬ ‫أعامل كل حجر فيها بعشق‪ .‬أسلم على جسورها جسراً جسرًا‪ .‬أسأل‬ ‫عن أخبار أهلها‪ ،‬عن أوليائها وعن رجالها‪ ،‬واحدًا‪ ..‬واحدًا‪..‬‬ ‫أتأملها وهي تمشي‪ ،‬أتألها وهي تصلي‪ ،‬وتزني وتمارس جنونها ول أحد‬ ‫يفهم جنوني وسرّ تعّلقي بمدينة يحلم الجميع بالهرب منها‪.‬‬ ‫هل أعتب عليهم؟‬ ‫هل يشعر سكان أثينا أنهم يمشون ويجيئون على ذاكرة التاريخ‪ ..‬وعلى‬ ‫تراب مشت عليه اللهة‪ ،‬وأكثر من بطل أسطوري؟‬ ‫هل يشعر سكان الجيزة في بؤسهم وفقرهم‪ ،‬أنهم يعيشون عند أقدم‬ ‫معجزة‪ ،‬وأن الفراعنة مازالو بينهم‪ ،‬يحكمون مصر بحجرهم وقبورهم؟‬ ‫وحدهم الغرباء الذين قرأوا تاريخ اليونان والفراعنة‪ ،‬في كتب التاريخ‪،‬‬ ‫يعاملون تلك الحجارة بقداسة‪ ،‬ويأتون من أطراف العالم لمجربدّ القتراب‬ ‫منها‪.‬‬ ‫تراني أطلت المكوث هنا‪ ،‬واقترفت حماقة القتراب من الحلم حتى‬ ‫الحتراق‪ ،‬وإذا بي يوماً بعد آخر‪ ،‬وخيبة بعد أخرى‪ ،‬أشفى من سلطة‬ ‫ي‪ ،‬وأفرغ من وهمي الجميل‪ ..‬ولكن ليس بدون الم؟‬ ‫اسمها عل ّ‬ ‫في هذه اللحظة‪ ،‬ل أريد لهذه المدينة أن تكون أكثر من رصاصة رحمة‪.‬‬ ‫دمة من الفجر‪ ،‬لتبارك‬ ‫ولذا أتقّبل تلك الزغاريد التي انطلقت في ساعة متق ّ‬


‫قميصك المل ّ‬ ‫طخ ببراءتك‪ ،‬كآخر طلقة نارية تطلقها في وجهي هذه المدينة‪،‬‬ ‫ولكن بدون كاتم صوت‪ ..‬ول كاتم ضمير‪ .‬فأتلقاها جامدًا‪ ..‬مذهول النظرات‬ ‫كجثة‪ ،‬بينما أرى حولي من يتسابق للمس قميصك المعروض للفرجة‪.‬‬ ‫طخة بالدم‪ ،‬بدليل ً على عجزي الخر‪ .‬بدليل ً‬ ‫ها هم يقدمونك لي‪ ،‬لوحة مل ّ‬ ‫على جريمتهم الخرى‪.‬‬ ‫ج‪ .‬ليس من حق مشاهد لمصارعة الثيران‪ ،‬أن يغير‬ ‫ولكنني ل أتحرك ول أحت ّ‬ ‫منطق الشياء‪ ،‬وينحاز للثور‪ .‬وإل كان عليه أن يبقى في بيته ول يحضر‬ ‫"كوريدا" خلقت أساساً لتمجيد "الموتابدور"!‬ ‫شيء ما في هذا الجو المشحون بالزغاريد والزينة وموسيقى "الدخلة"‪..‬‬ ‫والهتافات أمام ثوب موّقع بالدم‪ ،‬يذّكرني بطقوس الكوريدا‪ .‬وذلك الثور الذي‬ ‫دون له موتاً جميل ً على وقع موسيقى راقصة يدخل بها الساحة‪ ،‬ويموت‬ ‫يع ّ‬ ‫ف مزّينة للقتل‪ ،‬مأخوذاً باللون الحمر‪ ..‬وبأناقة قاتله!‬ ‫على نغمها بسيو ٍ‬ ‫مصاب بعمى اللوان‪ ،‬والذي ل يرى الن غير‬ ‫من مّنا الثور؟ أن ِ‬ ‫ت أم أنا ال ُ‬ ‫اللون الحمر‪ ..‬لون بدمك؟‬ ‫خدعة‪ ،‬ويدري أنه محكوم‬ ‫ثور يدور في حلبة حّبك‪ ،‬بكبرياء حيوان ل يهزم إل ِ‬ ‫عليه بالموت المسبق‪.‬‬ ‫الواقع أن بدمك هذا يربكني‪ ،‬يحرجني‪ ،‬ويملني تناقضًا‪.‬‬ ‫أما كنت أتحرق بدائماً لمعرفة نهاية قصتك معه‪ ،‬هو الذي أخذك مني‪ ،‬تراه‬ ‫أخذ منك كل شيء؟‬ ‫سؤال كان يشغلني ويسكنني حد الجنون‪ ،‬منذ ذاك اليوم الذي وضعت فيه‬ ‫)زيابد( أمامك‪ .‬ووضعتك أمام قدرك الخر‪.‬‬ ‫صنة‪ ،‬وأذللت أبراجك العالية‪ ،‬واستسلمت لغراء‬ ‫تراك فتحت له قلعك المح ّ‬ ‫رجولته؟‬ ‫تراك تركت طفولتك لي‪ ،‬وأنوثتك له؟‬ ‫ي‪ ..‬أحمر‪..‬‬ ‫ها هو الجواب يأتيني بعد عام من العذاب‪ .‬ها هو أخيراً لزج‪ ..‬طر ّ‬ ‫ي‪ ..‬عمره لحظات‪.‬‬ ‫وربد ّ‬ ‫م الحزن؟‬ ‫ها هو الجواب كما لم أتوّقعه‪ ،‬مقحمًا‪ ،‬محرجًا‪ ،‬فلِ َ‬ ‫ما الذي يؤلمني الكثر هذه الليلة‪ ..‬أن أبدري أنني ظلمت زيابداً بظني‪ ،‬وأنه‬ ‫مات بدون أن يتمتع بك‪ ،‬وأنه في النهاية كان هو الجدر بك الليلة؟‬ ‫أم أن تكوني فقط‪ ،‬مدينة فتحت اليوم عنوة بأقدام العسكر‪ ،‬ككل مدينة‬ ‫عربية؟‬


‫ما الذي يزعجني أكثر الليلة؟ أن أكون قد عرفت لغزك أخيرًا‪ ،‬أم كوني أبدري‬ ‫دثت إليك عمرًا‪ ،‬ولو قرأتك ألف‬ ‫أنني لن أعرف عنك شيئاً بعد اليوم‪ ،‬ولو تح ّ‬ ‫مرة؟‬ ‫ت عذراء إذن‪ ،‬وخطاياك حبر على ورق؟‬ ‫أكن ِ‬ ‫فلماذا أوهمتني إذن بكل تلك الشياء؟ لماذا أهديتني كتابك وكأنك‬ ‫تهدينني خنجراً للغيرة؟‬ ‫ك سطراً بعد سطر‪ ..‬وكذبة بعد أخرى‪ ..‬وأن أغتصبك‬ ‫لماذا عّلمتني أن أحب ِ‬ ‫على ورق!‬ ‫فليكن‪..‬‬ ‫عزائي اليوم‪ ،‬أنك من بين كل الخيبات‪ ..‬كنت خيبتي الجمل‪.‬‬ ‫***‬ ‫يسألني حسان‪ :‬لماذا أنت حزين هذا الصباح؟‬ ‫أحاول أل أسأله‪ :‬ولماذا هو سعيد اليوم؟‬ ‫كر نوعاً ما مزاجه‪.‬‬ ‫أبدري أن غياب ناصر ومقاطعته البارحة للعرس‪ ،‬قد ع ّ‬ ‫ولكنه لم يمنعه من أن ينسجم مع أغاني "الفرقاني"‪ ،‬وأن يضحك‪ ..‬ويحابدث‬ ‫كثيراً من الناس الذين لم يلتق بهم من قبل‪.‬‬ ‫كنت ألحظه‪ .‬وكنت سعيداً شيئاً ما‪ ،‬لسعابدته الساذجة تلك‪.‬‬ ‫كان حسان سعيداً أن ُتفتح له أخيراً تلك البواب التي قلما تفتح للعامة‪،‬‬ ‫وأن يدعى لحضور ذلك العرس الذي يمكنه الن أن يتحدث عنه في‬ ‫المجالس ليام؛ ويصفه للخرين الذين سيلحقونه بالسئلة‪ ،‬عن أسماء‬ ‫دم من أطباقي‪ ..‬وما لبست العروس‪..‬‬ ‫من حضروا وما ُق ِّ‬ ‫ويمكن لزوجته أيضاً أن تنسى أنها استعارت صيغتها والثياب التي حضرت‬ ‫بها العرس من الجيران والقارب‪ ،‬وتبدأ بدورها في التفاخر على الجميع بما‬ ‫رأته من بذخٍ في ذلك العرس‪ ،‬وكأنها أصبحت فجأة طرفاً فيه‪ ،‬فقط لنها‬ ‫بدعيت للتفّرج على خيرات الخرين‪.‬‬ ‫قال فجأة‪:‬‬


‫س أن تكون في البيت‬ ‫ إن سي الشريف يدعونا غداً للغداء عنده‪ .‬ل تن َ‬‫وقت الظهر لنذهب معًا‪..‬‬ ‫قلت له بصوت غائب‪:‬‬ ‫ غداً سأعوبد إلى باريس‪.‬‬‫صاح‪:‬‬ ‫ل‪ ..‬ما الذي ينتظرك‬ ‫ كيف تعوبد غدًا‪ ..‬اب َ‬‫ق معنا أسبوعاً آخر على الق ّ‬ ‫هناك؟‬ ‫حاولت أن أوهمه أن لي بعض اللتزامات‪ ،‬وأنني بدأت أتعب من إقامتي في‬ ‫قسنطينة‪.‬‬ ‫ح‪:‬‬ ‫ولكنه راح يل ّ‬ ‫ يا أخي عيب‪ ..‬على القل احضر غداء سي الشريف غداً ثم سافر‪..‬‬‫أجبته بلهجة قاطعة لم يفهم سببها‪:‬‬ ‫ فرات‪ ..‬غدوة نرّوح‪.‬‬‫دثه بلهجة قسنطينية‪ .‬كنت أشعر مع كل كلمة ألفظها‪،‬‬ ‫كان يحلو لي أن أح ّ‬ ‫أنه قد يمر وقت طويل قبل أن ألفظها مرة أخرى‪.‬‬ ‫قال حسان وكأنه يقنعني بضرورة عدم رفض تلك الدعوة‪:‬‬ ‫ وا سي الشريف ناس ملح‪ ..‬مازال برغم منصبه وفي ّاً لصداقتنا القديمة‪.‬‬‫أتدري أن البعض يقول هنا إنه قد يصبح وزيرًا‪ .‬ربما يفرجها ا علينا في‬ ‫ذلك اليوم على يده‪..‬‬ ‫قال حسان هذه الجملة الخيرة بصوت شبه خافت‪ ،‬وكأنه يقولها لنفسه‪..‬‬ ‫مسكين حسان!‬ ‫مسكين أخي الذي لم يفرجها ا عليه بعد ذلك‪ .‬أكان من السذاجة بحيث‬ ‫د أن يتلّقى‬ ‫يجهل أن ذلك العرس هو صفقة ل غير‪ ،‬وأن سي الشريف ل ب ّ‬ ‫شيئاً ما مقابله‪ .‬نحن ل نصاهر ضّباطاً من الدرجة الولى‪ ..‬بدون نوايا‬ ‫مسبقة‪.‬‬


‫أما بالنسبة لما يمكن أن يربح حسان من وراء منصب سي الشريف‬ ‫المحتمل‪ ..‬فمجربد أوهام‪.‬‬ ‫المؤمن يبدأ بنفسه‪ ،‬وقد تمر سنوات قبل أن يصل بدور حسان‪ ..‬وينال بعض‬ ‫ما يطمح إليه من فتات‪.‬‬ ‫سألته مازحًا‪:‬‬ ‫ هل بدأت تحلم أن تصبح أنت أيضاً سفيرا؟‬‫قال وكأن السؤال قد جرحه نوعاً ما‪:‬‬ ‫ يا حسرة يا رجل‪" ..‬اللي خطف‪ ..‬خطف بكري‪ "..‬أنا ل أريد أكثر من أن‬‫أهرب من التعليم‪ ،‬وأن أستلم وظيفة محترمة في أّية مؤسسة ثقافية أو‬ ‫إعلمية‪ ،‬أية وظيفة أعيش منها أنا وعائلتي حياة شبه عابدية‪ ..‬كيف تريد‬ ‫أن نعيش نحن الثمانية بهذا الدخل؟‪ .‬أنا عاجز حتى عن أن أشتري سيارة‪.‬‬ ‫من أين آتي بالمليين لشتريها؟‪ .‬عندما أتذّكر تلك السيارات الفخمة التي‬ ‫كانت مصطّفة أمس في ذلك العرس‪ ،‬أمرض وأفقد شهية التعليم‪ .‬لقد‬ ‫تعبت من هذه المهنة‪ ،‬أنت ل تشعر بأية مكافأة مابدية أو معنوية فيها‪ .‬لقد‬ ‫تغّير الزمن الذي "كابد فيه المعلم أن يكون رسو ً‬ ‫ل"‪ ..‬اليوم حسب تعبير‬ ‫زميل لي "كابد المعلم أن يكون )شيفونًا( وخرقة ل أكثر‪.‬‬ ‫لقد أصبحنا ممسحة للجميع‪ .‬فالستاذ يركب الحافلة مع تلميذه‪ .‬و "يدّز" و‬ ‫د‬ ‫"يطّبع" مثلهم‪ .‬ويشتمه الناس أمامهم‪ .‬ثم يعوبد مثل زميلي هذا‪ ،‬ليع ّ‬ ‫حح المتحانات في شّقة بغرفتين‪ ،‬يسكنها ثمانية أشخاص‬ ‫بدروسه ويص ّ‬ ‫وأكثر‪.‬‬ ‫بينما هناك من يملك شّقتين وثلثاً بحكم وظيفته أو واسطاته‪ ..‬يمكنه أن‬ ‫يستقبل فيها عشقياته أو يعير مفاتيجها لمن سيفتح له أبواباً أخرى‪.‬‬ ‫حة عليك يا خالد‪ ..‬أنت تعيش بعيدا عن هذه الهموم‪ ،‬في حّيك الراقي‬ ‫ص ّ‬ ‫بباريس‪ ..‬ما على بالكش واش صاير في الدنيا‪!.‬‬ ‫صة في الحلق‪،‬‬ ‫آه حسان‪ ..‬عندما أذكر حديثنا ذلك اليوم‪ ،‬تصبح المرارة غ ّ‬ ‫تصبح جرحًا‪ ،‬تصبح بدمعا‪ ،‬تصبح ندماً وحسرة‪.‬‬ ‫كان يمكن أن أساعدك أكثر‪ ،‬صحيح‪.‬‬ ‫كنت تقول‪" :‬اطلب شيئاً يا خالد مابدمت هنا‪ ،‬ألست مجاهدًا؟ ألم تفقد‬ ‫ذراعك في هذه الحرب؟ اطلب محل تجاريًا‪ ..‬اطلب قطعة أرض‪ ..‬أو شاحنة‪،‬‬ ‫إنهم لن يرفضوا لك شيئًا‪ .‬هذا حقك‪ .‬وإذا شئت بدعه لي لستفيد منه‬


‫وأعيش عليه أنا وأولبدي‪ ..‬أنت يحترمونك ويعرفونك‪ ،‬وأما أنا فل يعرفني‬ ‫دقون عليك‬ ‫أحد‪ .‬إنه جنون أل تأخذ حقك من هذا الوطن‪ .‬إنهم ل يتص ّ‬ ‫بشيء‪ .‬أكثر من واحد يحمل شهابدة مجاهد وهو لم يقم بشيء في‬ ‫الثورة‪ .‬أنت تحمل شهابدتك على جسدك‪"..‬‬ ‫إيه حسان‪ ..‬لم تكن تفهم أن هذا هو الفرق الوحيد بيني وبينهم‪ .‬لم تكن‬ ‫تفهم أنه لم يعد ممكناً اليوم‪ ،‬بعد كل هذه السنوات‪ ،‬وكل هذا العذاب‪ ،‬أن‬ ‫أطأطئ رأسي لحد‪ ..‬ولو مقابل أية هبة وطنية‪.‬‬ ‫ربما كنت فعلت هذا بعد الستقلل‪ .‬ولكن اليوم مع مرور الزمن‪ ،‬أصبح ذلك‬ ‫مستحيل‪.‬‬ ‫لم يبق من العمر الكثير أخي‪ .‬لم يبق من العمر الكثير‪ ،‬لطأطئ رأسي‬ ‫قبل الموت‪.‬‬ ‫أريد أن أبقى هكذا أمامهم‪ ،‬مغروساً كشوكة في ضميرهم‪ .‬أريد أن يخجلوا‬ ‫عندما يلتقوا بي‪ ،‬أن يطأطئوا هم رؤوسهم ويسألوني عن أخباري‪ ،‬وهم‬ ‫يعرفون أنني أعرف كل أخبارهم‪ ،‬وأنني شاهد على حقارتهم‪.‬‬ ‫آه لو تدري حسان!‬ ‫ي شخص‬ ‫لو تدري ل ّ‬ ‫ذة أن تمشي في شارع مرفوع الرأس‪ ،‬أن تقابل أ ّ‬ ‫ً‬ ‫م جدا‪ ،‬بدون أن تشعر بالخجل‪.‬‬ ‫بسيط أو ها ّ‬ ‫هناك من ل يستطيع اليوم أن يمشي خطوتين على قدميه في الشارع‪،‬‬ ‫بعدما كانت كل الشوارع محجوزة له‪ .‬وكان يعبرها في موكب من السيارات‬ ‫الرسمية‪.‬‬ ‫لم أقل شيئاً لحسان‪ .‬وعدته فقط كمرحلة أولى أن أشتري له سيارة‪ .‬قلت‬ ‫له‪" :‬تعال معي‪ ،‬واختر سيارة تناسبك‪ .‬تأخذها معك من فرنسا‪ .‬ل أريد أن‬ ‫تعيش هكذا في هذه الحالة بعد اليوم‪."..‬‬ ‫فرح حسان يومها كطفل‪ .‬شعرت أن ذلك كان حلمه الكبير الذي كان عاجزاً‬ ‫عن تحقيقه‪ ،‬وعاجزاً عن طلبه مني‪ .‬ولكن كيف لي أن أعرف ذلك وأنا لم‬ ‫أزره منذ سنوات؟‬ ‫عندما أذكر حسان اليوم‪ ،‬وحدها تلك اللتفاتة تبعث في قلبي شيئاً من‬ ‫السعابدة‪ ،‬لنني أسعدته بعض الوقت‪ ،‬ومنحته راحة لبضع سنوات‪.‬‬ ‫سنوات‪ ..‬لم أكن أتوقع أن تكون الخيرة‪.‬‬ ‫عابد حسان إلى موضوعه قال‪:‬‬


‫ هل أنت مصر حقاً على السفر غدًا؟‬‫قلت له‪:‬‬ ‫ نعم‪ ..‬من الرجح أن أسافر غدًا‪..‬‬‫قال‪:‬‬ ‫ إذن ل بد أن تطلب سي الشريف اليوم‪ ،‬لتعتذر منه‪ .‬فقد يسيء تفسير‬‫موقفك‪ ..‬ويأخذ على خاطره‪..‬‬ ‫ق‪ .‬قلت لحسان‪:‬‬ ‫فكرت قليل ً فوجدته على ح ّ‬ ‫ اطلب لي رقم سي الشريف لعتذر إليه‪..‬‬‫حب بي‪..‬‬ ‫كنت أتوقع أن تتوقف المور هناك‪ .‬ولكن سي الشريف راح ير ّ‬ ‫ح لحضر لزيارته ولو في ذلك الحين‪..‬‬ ‫ويحرجني بلطفه‪ ،‬ويل ّ‬ ‫قال‪:‬‬ ‫د معنا اليوم‪ ..‬المهم أن نراك قبل أن تسافر‪ ..‬ثم يمكنك أن‬ ‫ تعال إذن وتغ ّ‬‫ً‬ ‫تقدم هديتك بنفسك للعروسين قبل أن يسافرا أيضا هذا المساء‪..‬‬ ‫لم يكن هناك من مخرج‪ .‬وجدت نفسي مرة أخرى‪ ،‬أواجه قدري معك‪ .‬أنا‬ ‫الذي قررت السفر على عجل‪ ،‬حتى أنتهي من العيش في هذه الجواء‬ ‫التي كانت تدور كلها بطريقة أو بأخرى حولك‪.‬‬ ‫ها أنا مرة أخرى ألبس بدلتي السوبداء نفسها‪ ،‬أحمل لوحة توّقفت أمامها‬ ‫ل بي بعد ذلك‪ .‬وأذهب مع حسان إلى الغداء‪..‬‬ ‫يوماً وكانت سبب كل ما ح ّ‬ ‫ك‬ ‫ها هما قدماي تقوبدانني مرة أخرى نحوك‪ .‬كنت أبدري أنني سألتقي ب ِ‬ ‫هذه المرة‪ .‬كان هناك حدس مسبق يشعرني أننا لن نخلف هذا الموعد‬ ‫اليوم‪.‬‬ ‫ما الذي قاله سي الشريف ذلك اليوم؟ ما الذي قلته ومن قابلت من‬ ‫الناس؟ وماذا قدم لنا من أطباق على تلك السفرة‪ ..‬لم أعد أذكر‪.‬‬ ‫كنت أعيش لحظات حبك الخيرة‪ .‬ولم يكن يهمني شيء في تلك اللحظة‪،‬‬ ‫سوى أن أراك‪ ..‬وأن أنتهي منك في الوقت نفسه!‬ ‫ولكن‪ ..‬كنت أخاف حبك‪ .‬كنت أخاف أن يشتعل حبك من رمابده مرة أخرى‪.‬‬


‫ل خطراً حتى وهو‬ ‫ل مخيفاً حتى في لحظات موته‪ ..‬يظ ّ‬ ‫فالحب الكبير‪ ،‬يظ ّ‬ ‫يحتضر‪.‬‬ ‫وجئت‪..‬‬ ‫أكثر اللحظات وجعًا‪ ،‬أكثر اللحظات جنونًا‪ ،‬أكثر اللحظات سخرية‪ ،‬كانت تلك‬ ‫ك‪ ،‬وأضع على وجنتيك قبلتين بريئتين‪ ،‬وأنا‬ ‫التي وقفت فيها لسلم علي ِ‬ ‫أهنئك بالزواج‪ ،‬مستعمل ً كل المفربدات اللئقة بذلك الموقف العجيب‪.‬‬ ‫كم كان يلزمني من القوة‪ ،‬من الصبر ومن التمثيل‪ ،‬لوهم الخرين أنني لم‬ ‫ك لم تكوني المرأة التي قلبت‬ ‫ق بك قبل اليوم‪ ،‬سوى مّرة عابرة‪ ،‬وأن ِ‬ ‫ألت ِ‬ ‫حياتي رأساً على عقب؟‬ ‫المرأة التي تقاسمني سريري الفارغ منذ عدة أشهر‪ ،‬والتي كانت حتى‬ ‫البارحة‪ ..‬لي!‬ ‫كم كان يلزمني من التمثيل‪ ،‬لهديك تلك اللوحة‪ ،‬بدون أي تعليق إضافي‪،‬‬ ‫بدون أية إشارة توضيحية‪ ،‬وكأنها لم تكن اللوحة التي بدأت بها قصتي معك‬ ‫منذ خمس وعشرين سنة‪.‬‬ ‫ت تفتحينها وتلقين نظرة معجبة‬ ‫ت في تمثيلك‪ ،‬وأن ِ‬ ‫ت مدهشة أن ِ‬ ‫وكم كن ِ‬ ‫عليها‪ ،‬وكأنك ترينها لول مرة! فل أستطيع إل أن أسألك يتواطؤ سري‬ ‫جمعنا يومًا‪:‬‬ ‫هل تحبين الجسور؟‬ ‫ويخيم بيننا فجأة صمت قصير‪ ،‬يبدو لي طويل ً كلحظة تسبق حكماً‬ ‫بالعدام‪ ..‬أو العفو‪.‬‬ ‫ي‪:‬‬ ‫قبل أن ترفعي عينيك نحوي وينزل حكم ِ‬ ‫ك عل ّ‬ ‫ نعم أحبها!‬‫كم من السعابدة منحتني لحظتها في كلمتين!‬ ‫ب‪.‬‬ ‫شعرت أنك تبعثين لي آخر إشارة ح ّ‬ ‫شعرت أنك تهديني أكثر من مشروع لوحة قابدمة‪ .‬أكثر من ليلة وهمية‪..‬‬ ‫وأنك رغم كل شيء ستظّلين وفّية لذاكرتنا المشتركة‪ ..‬ولمدينة تواطأت‬ ‫دت كل هذه الجسور‪ ..‬لتجمعنا‪.‬‬ ‫معنا‪ ،‬وم ّ‬ ‫ولكن‪ ..‬أكنت حبيبتي حقًا؟ في تلك اللحظة التي كان رجل آخر فيها إلى‬


‫جوارك‪ .‬يلتهمك بعينين لم تشبعهما ليلة حب كاملة‪ ،‬في تلك اللحظة التي‬ ‫كان فيها الحديث يدور حول المدن التي ستزورينها في شهر العسل‪،‬‬ ‫وكنت أنا أشّيعك بصمت‪ ،‬لسفرك الخير عن قلبي‪..‬‬ ‫لقد كانت تلك هزيمتك الولى معي‪ ..‬انتهى كل شيء إذن‪ .‬ها أنا قابلتك‬ ‫أخيرًا‪ ،‬أكان هذا اللقاء يستحق كل ذلك النتظار‪ ،‬كل ذلك اللم؟‬ ‫كم كان حلمي به جمي ً‬ ‫ل! وكم هو اليوم مدهش ومس ّ‬ ‫طح في واقعه! كم‬ ‫كان مليئاً بانتظارك‪ ،‬وكم هو فارغ‪ ..‬موجع بحضورك!‬ ‫أكانت نصف النظرة التي تبابدلناها بين نظرتين‪ ،‬تستحق كل ذلك الوجع‪ ،‬كل‬ ‫ذلك الشوق والجنون؟‬ ‫تريدين أن تقولي لي شيًا‪ ،‬وتتلعثم الكلمات‪ ..‬تتلعثم النظرات‪.‬‬ ‫ك رموزك الهيروغليفية‪.‬‬ ‫ي‪ ..‬ولم أعد أعرف ف ّ‬ ‫لقد نسيت عيناك الحديث إل ّ‬ ‫فهل عدنا يومها إلى مرتبة الغرباء‪ ،‬بدون أن ندري؟‬ ‫افترقنا‪..‬‬ ‫قبلتان أخيرتان على وجنتيك‪ .‬نظرة‪ ..‬نظرتان‪ ..‬وكثير من التمثيل‪ ،‬وألم‬ ‫سري صامت‪.‬‬ ‫تبابدلنا جميعاً كلمات المجاملة والتهاني والشكر الخير‪.‬‬ ‫تبابدلنا عناويننا‪ ،‬بعدما أصرّ زوجك على أن يعطيني رقم هاتفه في البيت‬ ‫وفي المكتب في حالة ما احتجت إلى شيء‪.‬‬ ‫وانصرفنا كل بوهمه‪ ..‬وقراره المسبق‪.‬‬ ‫عندما عدت إلى البيت بعد ذلك‪ ،‬نظرت طويل ً إلى تلك البطاقة التي كنت‬ ‫سسها طوال الطريق بشيء من الذهول‪ ..‬ومذاق ساخر للمرارة‪ .‬وكأنك‬ ‫أتح ّ‬ ‫انتقلت معها من قلبي إلى جيبي تحت اسم ورقم هاتفي جديد‪.‬‬ ‫مق في التفكير‪ ،‬قّررت أن أمّزقها فورًا‪ ،‬مابدمت‬ ‫وبدون كثير من التربدبد‪ ..‬أو التع ّ‬ ‫أملك القدرة على ذلك‪ ،‬ومابدمت مصمماً على أن ينتهي كل شيء هنا في‬ ‫ت يومًا‪ ،‬وكما أصبحت أريد أنا اليوم‪.‬‬ ‫قسنطينة‪ ..‬كما أربد ِ‬ ‫***‬


‫ما الذي كنت تريدينه ذلك المساء؟ عندما جاء هاتفك فجأة ليخرجني من‬ ‫بدوامة أفكاري وأحاسيسي المتناقضة؟‬ ‫د حسان نحوي الهاتف وقال‪" :‬هناك امرأة تريد أن تتحدث إليك‪"..‬‬ ‫حين م ّ‬ ‫ت‪.‬‬ ‫توّقعت كل شيء إل أن تكوني أن ِ‬ ‫ك بدهشة‪:‬‬ ‫سألت ِ‬ ‫ ألم تسافري بعد؟‬‫ت‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ سنسافر بعد ساعة‪ ..‬أربدت أن أشكرك على اللوحة‪ ..‬لقد وهبتني سعابدة‬‫لم أتوّقعها‪..‬‬ ‫ك‪:‬‬ ‫قلت ل ِ‬ ‫ك منذ خمس‬ ‫ك لوحة كانت جاهزة ل ِ‬ ‫ أنا لم أهبك شيئًا‪ ..‬لقد أعدت ل ِ‬‫وعشرين سنة‪ ..‬إنها هدية قدرنا الذي تقاطع يومًا‪ .‬وأما أنا فلي هدية أخرى‬ ‫أتوقع أن تعجبك‪ ،‬سأقدمها لك ذات يوم فيما بعد‪..‬‬ ‫ت بصوت خافت وكأنك تخافين أن يسترق أحد السمع إليك أو يسرق‬ ‫قل ِ‬ ‫ك تلك الهدية‪:‬‬ ‫من ِ‬ ‫ ماذا ستهديني؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫ إنها مفاجأة‪ ..‬لنفترض أنني سأهبك غزالة‪.‬‬‫ت مدهوشة‪:‬‬ ‫قل ِ‬ ‫ إنه عنوان كتاب!‬‫قلت‪:‬‬ ‫ أبدري‪ ..‬لنني سأهبك كتابًا‪ .‬عندما نحب فتاة نهبها اسمنا‪ .‬عندما نحب‬‫امرأة نهبها طف ً‬ ‫ل‪ .‬وعندما نحب كاتبة‪ ..‬نهبها كتابًا‪ .‬سأكتب من أجلك رواية‪.‬‬ ‫أحسست في صوتك بشيء من الفرح والرتباك‪ ..‬شيء من الدهشة‬ ‫ت فجأة بنبرة عشقية لم أعهدها منك‪:‬‬ ‫والحزن الغامض‪ .‬ثم قل ِ‬


‫ خالد‪ ..‬أحبك‪ ..‬أتدري هذا؟‬‫وانقطع صوتك فجأة‪ ،‬ليتوحد بصمتي وحزني‪ ،‬ونبقى هكذا لحظات بدون‬ ‫كلم‪ .‬قبل أن تضيفي بشيء من الرجاء‪:‬‬ ‫ خالد‪ ..‬قل شيئًا‪ ..‬لماذا ل تجيب؟‬‫قلت لك بشي من السخرية المرة‪:‬‬ ‫ لن رصيف الزهار لم يعد يجيب‪..‬‬‫ هل تعني أنك لم تعد تحبني؟‬‫أجبتك بصوت غائب‪:‬‬ ‫ أنا ل أعني شيئاً بالتحديد‪ ..‬إنه عنوان لرواية أخرى للكاتب نفسه!‬‫ماذا قلت لك بعدها‪ ،‬ل أذكر‪ .‬من الرجح أن يكون هذا آخر ما قلته لك قبل‬ ‫ماعة‪ ،‬ونفترق لعدة سنوات‪.‬‬ ‫أن أضع الس ّ‬ ‫***‬ ‫"ل تطرقي الباب كل هذا الطرق‪ ..‬فم أعد هنا"‪.‬‬ ‫ي من البواب الخلفية‪ ،‬ومن ثقوب الذاكرة‪ ،‬وثنايا‬ ‫ل تحاولي أن تعوبدي إل ّ‬ ‫الحلم المطوّية‪ ،‬ومن الشبابيك التي أشرعتها العواصف‪.‬‬ ‫ل تحاولي‪..‬‬ ‫فأنا غابدرت ذاكرتي‪ .‬يوم وقعت على اكتشاف مذهل‪ :‬لم تكن تلك الذاكرة‬ ‫لي‪ ،‬وإنما كانت ذاكرة مشتركة أتقاسمها معك‪ .‬ذاكرة يحمل كل منا نسخة‬ ‫منها حتى قبل أن نلتقي‪.‬‬ ‫ل تطرقي الباب كل هذا الطرق سيدتي‪ ..‬فلم يعد لي باب‪.‬‬ ‫ي وأنا أحاول‬ ‫لقد تخّلت عني الجدران يوم تخّليت عنك‪ ،‬وانهار السقف عل ّ‬ ‫أن أهّرب أشيائي المبعثرة بعدك‪.‬‬


‫فل تدوري هكذا حول بيت كان بيتي‪.‬‬ ‫ل شيء مّني‪،‬‬ ‫ل تبحثي عن نافذة تدخلين منها كسارقة‪ .‬لقد سرقت ك ّ‬ ‫ق المغامرة‪.‬‬ ‫ولم يعد هناك من شيء يستح ّ‬ ‫ل هذا الطرق الموجع‪..‬‬ ‫ل تطرقي الباب ك ّ‬ ‫ق في كهوف الذاكرة الفارغة بدونك‪ ،‬ويأتي الصدى موجعاً ومخيفًا‪.‬‬ ‫هاتفك يد ّ‬ ‫أل تدرين أنني أسكن هذا الوابدي بعدك‪ ،‬كما يسكن الحصى جوف "وابدي‬ ‫الرمال"؟‬ ‫هلي سيدتي إذن‪..‬‬ ‫تم ّ‬ ‫ل‬ ‫تم ّ‬ ‫هلي وأنت تمّرين على جسور قسنطينة‪ .‬فأية زلة قدم سترميني بسي ٍ‬ ‫من الحجارة‪ .‬وأي سهو منك سيرميك هنا عندي لتتحطمي معي‪.‬‬ ‫ي‪..‬‬ ‫يا امرأة متن ّ‬ ‫كرة في ثياب أمي‪ ..‬في عطر أمي وفي خوف أمي عل ّ‬ ‫متعب أنا‪ ..‬كجسور قسنطينة‪ .‬معّلق أنا مثلها بين صخرتين وبين رصيفين‪.‬‬ ‫فلماذا كل هذا اللم‪..‬؟ ولماذا‪ ..‬أكذب المهات أنت‪ ،‬وأحمق العشاق أنا؟‬ ‫ل تطرقي أبواب قسنطينة الواحد بعد الخر‪ ..‬أنا ل أسكن هذه المدينة‪..‬‬ ‫إنها هي التي تسكنني‪.‬‬ ‫ل تبحثي عني فوق جسورها‪ ،‬هي لم تحملني مرة‪ ..‬وحدي أنا حملتها‪.‬‬ ‫ل تسألي أغانيها عّني‪ ،‬وتأتني لهثة بخبٍر قديم _جديد‪ ،‬وأغنية كانت‬ ‫تغّنى للحزن فصارت تغّنى للفراح‪..‬‬ ‫"قالوا العرب قالوا *** ما نعطيْو صالح ول ماُلو‬ ‫قالوا العرب هيهات *** ما نعطيْو صالح باي البايات‪"..‬‬ ‫أعرف عن ظهر قلب ما قاله العرب‪ ،‬وما لم يجرؤوا اليوم على قوله‪.‬‬ ‫وأبدري‪ ..‬كان "صالح" ثوب حدابدك الول حتى قبل أن تولدي‪ .‬كان آخر بايات‬ ‫قسنطينة‪ ..‬وكنت أنا وصّيته الخيرة‪" :‬يا حموبدة‪ ..‬آخ يا وليدي تها ا لي‬ ‫في الدار‪ ..‬آه‪ ..‬آه‪."..‬‬ ‫أي بدار يا صالح‪ ..‬أي بدار توصيني بها؟‬


‫لقد زرت )سوق العصر( وشاهدت بدارك فارغة من ذاكرتها‪ .‬سرقوا حتى‬ ‫أحجارها‪ ،‬وشبابيكها الحديدية‪ .‬خّربوا ممراتها وعبثوا بنقوشها‪ ..‬وظّلت‬ ‫واقفة‪ ،‬هيكل ً مصفرّاً يبول الصعاليك والسكارى على جدرانه‪.‬‬ ‫ي وطن هذا الذي يبول على ذكرته يا صالح؟‬ ‫أ ّ‬ ‫أي وطن هذا؟‬ ‫ها هي ذي مدينة تلبس حدابد رجل لم تعد تذكر اسمه‪ .‬وها أنت ذي طفلة‬ ‫ل أحد يعرف قرابتها بهذه الجسور‪..‬‬ ‫فانزعي "مليتك" بعد اليوم‪ ..‬وارفعي عن وجهك الخمار‪ ،‬ول تطرقي الباب‬ ‫كل هذا الطرق‪..‬‬ ‫فلم يعد صالح هنا‪ ..‬ول أنا‪.‬‬

‫افترقنا إذن‪..‬‬ ‫الذين قالوا الحب وحده ل يموت‪ ،‬أخطأوا‪..‬‬ ‫والذين كتبوا لنا قصص حب بنهايات جميلة‪ ،‬ليوهمونا أن مجنون ليلى‬ ‫محض استثناء عاطفي‪ ..‬ل يفهمون شيئاً في قوانين القلب‪.‬‬ ‫إنهم لم يكتبوا حبًا‪ ،‬كتبوا لنا أبدباً فقط‬ ‫العشق ل يولد إل في وسط حقول اللغام‪ ،‬وفي المناطق المحظورة‪ .‬ولذا‬ ‫ليس انتصاره بدائماً في النهايات الرصينة الجميلة‪..‬‬ ‫إنه يموت كما يولد‪ ..‬في الخراب الجميل فقط!‬ ‫افترقنا إذن‪..‬‬ ‫فيا خرابي الجميل سلمًا‪ .‬يا وربدة البراكين‪ ،‬ويا ياسمينة نبتت على‬ ‫حرائقي سلمًا‪.‬‬ ‫يا ابنة الزلزل والشروخ الرضية! لقد كان خرابك الجمل سيدتي‪ ،‬لقد كان‬ ‫خرابك الفظع‪..‬‬


‫قتلت وطناً بأكمله بداخلي‪ ،‬تسللت حتى بدهاليز ذاكرتي‪ ،‬نسفت كل شيء‬ ‫بعوبد ثقاب واحد فقط‪..‬‬ ‫ك اللعب بشظايا الذاكرة؟ أجيبي!‬ ‫من عّلم ِ‬ ‫من أين أتيت هذه المرة _أيضًا_ بكل هذه المواج المحرقة من النار‪ .‬من أين‬ ‫أتيت بكل ما تل ذلك اليوم من بدمار؟‬ ‫افترقنا إذن‪..‬‬ ‫ت‬ ‫ت عاشقة‪ ..‬ول كن ِ‬ ‫ت صابدقة حقًا‪ .‬ل كن ِ‬ ‫لم تكوني كاذبة معي‪ ..‬ول كن ِ‬ ‫ت أمي حقًا‪.‬‬ ‫ت ابنتي‪ ..‬ول كن ِ‬ ‫خائنة حقًا‪ .‬ل كن ِ‬ ‫كنت فقط كهذا الوطن‪ ..‬يحمل مع كل شيء ضده‪.‬‬ ‫أتذكرين؟‬ ‫في ذلك الزمن البعيد‪ ،‬في ذلك الزمن الول‪ ،‬يوم كنت تحبينني وتبحثين‬ ‫ي عن نسخة أخرى لبيك‪.‬‬ ‫ف ّ‬ ‫قلت مرة‪:‬‬ ‫ انتظرتك طوي ً‬‫ل‪ ..‬انتظرتك كثيرًا‪ ،‬كما ننتظر الولياء الصالحين‪ ..‬كما ننتظر‬ ‫النبياء‪ ..‬ل تكن نبياً مزيفاً يا خالد‪ ..‬أنا في حاجة إليك!‬ ‫ت فقط "أنا في حاجة إليك"‪..‬‬ ‫ك لم تقولي أنا أحبك‪ .‬قل ِ‬ ‫لحظت وقتها أن ِ‬ ‫نحن ل نحب بالضرورة النبياء‪ .‬نحن في حاجة إليهم فقط‪ ..‬في كل الزمنة‪.‬‬ ‫أجبتك‪:‬‬ ‫ أنا لم أختر أن أكون نبيًا‪..‬‬‫قلت مازحة‪:‬‬ ‫ النبياء ل يختارون رسالتهم‪ ،‬إنهم يؤّبدونها فقط!‬‫ك‪:‬‬ ‫أجبت ِ‬ ‫ي مزّيف‪ ..‬قد‬ ‫ ول يختارون رعّيتهم أيضًا‪ .‬ولذا لو حدث واكتشف ِ‬‫ت أنني نب ّ‬ ‫يكون ذلك لنني بعثت لرعية تحترف الرّبدة!‬


‫دي قلت‪:‬‬ ‫ضحكت‪ ..‬وبعنابد أنثى يغريها التح ّ‬ ‫ أنت تبحث عن مخرج لفشلك المحتمل معي‪ ،‬أليس كذلك؟‪..‬‬‫لن أمنحك مبرراً كهذا‪ .‬هات وصاياك العشر وأنا أطبقها‪.‬‬ ‫نظرت إليك طويل ً يومها‪ .‬كنت أجمل من أن تطّبقي وصايا نبي‪ ،‬أضعف من‬ ‫أن تحملي ثقل التعاليم السماوية‪ .‬ولكن كان فيك نور بداخلي لم أشهده‬ ‫في امرأة قبلك‪ ..‬بذرة نقاء لم أكن أريد أن أتجاهلها‪..‬‬ ‫أليس بدور النبياء البحث عن بذور الخير فينا؟‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ بدعي الوصايا العشر جانباً واسمعيني‪ ..‬لقد جئتك بالوصية الحابدية عشرة‬‫فقط‪..‬‬ ‫ضحكت وقلت بشيء من الصدق‪:‬‬ ‫ هات ما عندك أيها النبي المفلس‪ ..‬أقسم أنني سأتبعك!‬‫ل قسمك‪ .‬وأقول لك‪" :‬كوني لي فقط‪"..‬‬ ‫لحظتها شعرت برغبة في أن أستغ ّ‬ ‫ولكن لم يكن ذلك كلم نبي‪ .‬وكنت بدون أن أبدري قد بدأت أمّثل أمامك الدور‬ ‫الذي اخترته لي‪ ..‬فرحت أبحث في ذهني عن شيء يمكن أن يقوله نبي‬ ‫يباشر وظيفته لول مرة‪ ..‬قلت‪:‬‬ ‫ احملي هذا السم بكبرياء أكبر‪ ..‬ليس بالضرورة بغرور‪ ،‬ولكن بوعي عميق‬‫أنك أكثر من امرأة‪ .‬أنت وطن بأكمله‪ ..‬هل تعين هذا؟ ليس من حق الرموز‬ ‫شم‪ ..‬هذا زمن حقير‪ ،‬إذا لم ننحز فيه إلى القيم سنجد أنفسنا في‬ ‫أن تته ّ‬ ‫خانة القاذورات والمزابل‪ .‬ل تنحازي لشيء سوى المبابدئ‪ ..‬ل تجاملي‬ ‫أحداً سوى ضميرك‪ ..‬لنك في النهاية ل تعيشين مع سواه!‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ أهذه وصيتك لي‪ ..‬فقط؟!‬‫قلت‪:‬‬ ‫همين‪ ..‬ستكتشفين‬ ‫ ل تستهيني بها‪ ..‬إن تطبيقها ليس سهل ً كما تتو ّ‬‫ذلك بنفسك ذات يوم‪..‬‬


‫كان ل بد أل تسخري يومها من وصية ذلك النبي المفلس‪ ..‬وتستسهليها‬ ‫إلى هذا الحد‪!..‬‬

‫ت سنوات على ذلك السفر‪ .‬على ذلك اللقاء‪ ،‬ذلك الوبداع‪.‬‬ ‫مّرت س ّ‬ ‫حاولت خللها أن ألملم جرحي وأنسى‪ .‬حاولت منذ عوبدتي‪ ،‬أن أضع شيئاً‬ ‫من الترتيب في قلبي‪ .‬أن أعيد الشياء على مكانها الول‪ ،‬بدون ضجيج ول‬ ‫تذّمر‪ ،‬بدون أن أكسر مزهرية‪ ،‬بدون أن أغّير مكان لوحة‪ ،‬ول مكان القيم‬ ‫دس الغبار عليها بداخلي منذ زمن‪.‬‬ ‫القديمة التي تك ّ‬ ‫حاولت أن أعيد الزمان إلى الوراء‪ ،‬بدون حقد ول غفران أيضًا‪.‬‬ ‫ل‪ ..‬نحن ل نغفر بهذه السهولة لمن يجعلنا بسعابدة عابرة‪ ،‬نكتشف كم كنا‬ ‫تعساء قبله‪ .‬ونغفر أقل‪ ،‬لمن يقتل أحلمنا أمامنا بدون أبدنى شعور‬ ‫بالجريمة‪.‬‬ ‫ولذا لم أغفر لك‪ ..‬ول لهم‪.‬‬ ‫حاولت فقط أن أتعامل معك ومع الوطن بعشق أقل‪ .‬واخترت اللمبالة‬ ‫عاطفة واحدة نحوكما‪.‬‬ ‫كان يحدث لخبارك أن تصلني عن طريق المصابدفة‪ ،‬وأنا أستمع إلى من‬ ‫يتحدث عن زوجك‪ ،‬عن صعوبده المستمر‪ ..‬وعن صفقاته وشؤونه السرية‬ ‫والعلنية التي تشغل أحابديث المجالس‪.‬‬ ‫وكان يحدث لخبار الوطن أن تأتيني أيضاً تارة في جريدة‪ ،‬وتارة في مجالس‬ ‫أخرى‪ .‬وتارة عندما زارني حسان بعد ذلك لخر مرة ليشتري تلك السيارة‬ ‫التي وعدته بها‪..‬‬ ‫وكل مرة‪ ،‬كنت أواجه كل ما أسمعه باللمبالة نفسها التي ل يمكن أن‬ ‫يوّلدها سوى اليأس الخير‪.‬‬ ‫بدأت أتعّلق بحسان فقط‪ ،‬وكأنني اكتشفت فجأة وجوبده‪ .‬أصبح أمره وحده‬ ‫يهمني بعدما وعيت أنه كل ما تبّقى لي في هذا العالم‪ ،‬وبعدما اكتشفت‬ ‫تلك الحياة البائسة التي كان يعيشها‪ ،‬والتي كنت أجهل كل شيء عنها‬ ‫قبل زيارتي إلى قسنطينة‪.‬‬ ‫أصبحت أطلبه هاتفياً بانتظام‪ .‬أسأله عن أخباره وعن الولبد‪ ،‬وعن البيت‬


‫الذي كان ينوي أن يقوم فيه ببعض الصلحات‪ ،‬والذي وعدته أن أتكّفل‬ ‫بمصاريف ترميمه وتجديده‪.‬‬ ‫كانت معنوياته تنخفض وترتفع من هاتف إلى آخر‪ .‬كان يحدثني تارة عن‬ ‫بعض مشاريعه‪ ،‬وعن بعض التصالت التي يقوم بها ليتم نقله إلى‬ ‫العاصمة‪ ..‬ثم يعوبد ويفقد فجأة حماسه‪.‬‬ ‫كنت أعرف ذلك عندما يسألني في آخر مكالمته‪:‬‬ ‫ متى ستأتي يا خالد؟‬‫أشعر عندئٍذ أنه باخرة تغرق‪ ،‬وتبعث إشارة ضوئية تطلب النجدة مني‪.‬‬ ‫وبرغم ذلك‪ ،‬كنت أسايره فقط‪ ،‬وأعده كل مرة أنني قد أزوره في الصيف‬ ‫القابدم‪ .‬وكنت أعرف في أعماقي أنني أكذب‪ ،‬وأنني قطعت الجسور مع‬ ‫الوطن حتى إشعار آخر‪.‬‬ ‫في الواقع‪ ،‬أصبحت عندي قناعة بانعدام المل‪ .‬كان القطار يسير في‬ ‫التجاه المعاكس‪ ،‬وبسرعة لم يكن ممكناً معها أن نفعل شيئًا‪ ..‬أي شيء‪،‬‬ ‫غير الذهول وانتظار كارثة الصطدام‪.‬‬ ‫وكنت أحزم حقائب القلب‪ ..‬وأمضي بدون أن أبدري في اتجاٍه آخر أيضًا‪ ،‬في‬ ‫التجاه المعاكس للوطن‪.‬‬ ‫رحت أؤثث غربتي بالنسيان‪ .‬أصنع من المنفى وطناً آخر لي‪ ،‬وطناً ربما‬ ‫ي أن أتعوبد العيش فيه‪.‬‬ ‫أبديًا‪ ،‬عل ّ‬ ‫بدأت أتصالح مع الشياء‪ .‬أقمت علقات طبيعية مع نهر السين‪ ..‬مع جسر‬ ‫ميرابو‪ ..‬مع كل المعالم التي كانت تقابلني من تلك النافذة‪ ،‬والتي كنت‬ ‫أعيش في معابداة لها بدون سبب‪.‬‬ ‫ذات الجنونية‪ ..‬بنساء‬ ‫اخترت لي أكثر من عشيقة عابرة‪ .‬أثثت سريري بالمل ّ‬ ‫كنت أبدهشهن كل مرة أكثر‪ ،‬وأقتلك بهن كل مرة أكثر‪ ،‬حتى لم يبق شيء‬ ‫ك في النهاية‪.‬‬ ‫من ِ‬ ‫نسي هذا الجسد شوقه لك‪ ،‬نسي تطّرفه وحماقاته وإضرابه عن كل لذة‬ ‫ذتك الوهمية‪.‬‬ ‫ما عدا ل ّ‬ ‫تعمدت أن أفرغ النساء من رموزهن الولى‪.‬‬ ‫من قال إن هناك امرأة منفى‪ ،‬وامرأة وطنًا‪ ،‬فقد كذب‪..‬‬


‫ل مساحة للنساء خارج الجسد‪ .‬والذاكرة ليست الطريق الذي يؤبدي إليهن‪.‬‬ ‫في الواقع هنالك طريق واحد ل أكثر‪ ..‬يمكنني أن أجزم اليوم بهذا!‬ ‫اكتشفت شيئاً ل بد أن أقوله لك اليوم‪..‬‬ ‫الرغبة محض قضية ذهنية‪ .‬ممارسة خيالية ل أكثر‪ .‬وهم نخلقه لحظة‬ ‫جنون نقع فيها عبيداً لشخص واحد‪ ،‬ونحكم عليه بالروعة المطلقة لسبب‬ ‫غامض ل علقة له بالمنطق‪.‬‬ ‫رغبة تولد هكذا من شيء مجهول‪ ،‬قد يعيدنا إلى ذكرى أخرى‪ ..‬لعطر‬ ‫رائحة أخرى‪ ..‬لكلمة‪ ،‬لوجه آخر‪..‬‬ ‫رغبة جنونية تولد في مكان آخر خارج الجسد‪ ،‬من الذاكرة أو ربما من‬ ‫ت ذات يوم‪ ،‬وإذا بك الروع‪ ،‬وإذا‬ ‫اللشعور‪ ،‬من أشياء غامضة تسللت إليها أن ِ‬ ‫ت‪.‬‬ ‫بك الشهى‪ ،‬وإذا كل النساء أن ِ‬ ‫أفهمت لماذا قتلتك تلقائياً يوم قتلت قسنطينة في بداخلي؟‬ ‫ولم أعجب يومها وأنا أرى جثتك ممدة في سريري‪.‬‬ ‫لم تكونا في النهاية سوى امرأة واحدة‪.‬‬ ‫ستقولين‪ :‬لماذا كتبت لي هذا الكتاب إذن؟ وسأجيبك أنني أستعير‬ ‫طقوسك في القتل فقط‪ ،‬وأنني قررت أن أبدفنك في كتاب ل غير‪.‬‬ ‫فهناك جثث يجب أل نحتفظ بها في قلبنا‪ .‬فللحب بعد الموت‪ ،‬رائحة كريهة‬ ‫أيضًا‪ ،‬خاصة عندما يأخذ ُبْعد الجريمة‪.‬‬ ‫لحظي أنني لم أذكر اسمك مرة واحدة في هذا الكتاب‪ .‬قررت هكذا أن‬ ‫أتركك بل اسم‪ .‬هنالك أسماء ل تستحق الذكر‪.‬‬ ‫لنفترض أنك امرأة كان اسمها "حياة"‪ ،‬وربما كان لها اسم آخر‪ ..‬فهل مهم‬ ‫اسمك حقًا؟‬ ‫وحدها أسماء الشهداء غير قابلة للتزوير‪ ،‬لن من حقهم علينا أن نذكرهم‬ ‫بأسمائهم كاملة‪ .‬كما من حق هذا الوطن علينا أن نفضح من خانوه‪ ،‬وبنوا‬ ‫مجدهم على بدماره‪ ،‬وثروتهم على بؤسه‪ ،‬مابدام ل يوجد هناك من‬ ‫يحاسبهم‪.‬‬ ‫وأبدري‪ ..‬ستقول إشاعة ما إن هذا الكتاب لك‪ .‬أؤكد لك سيدتي تلك‬


‫الشاعة‪.‬‬ ‫سيقول نّقابد يمارسون النقد تعويضاً عن أشياء أخرى‪ ،‬إن هذا الكتاب ليس‬ ‫رواية‪ ،‬وإنما هذيان رجل ل علم له بمقاييس البدب‪.‬‬ ‫أؤكد لهم مسبقاً جهلي‪ ،‬واحتقاري لمقاييسهم‪ .‬فل مقياس عندي سوى‬ ‫ت‪ ،‬وأن أبكيك أنت‪ ،‬لحظة‬ ‫مقياس اللم‪ ،‬ول طموح لي سوى أن أبدهشك أن ِ‬ ‫تنتهين من قراءة هذا الكتاب‪..‬‬ ‫فهناك أشياء لم أقلها لك بعد‪.‬‬ ‫ب لنصاف الكتاب‪،‬‬ ‫اقرئي هذا الكتاب‪ ..‬وأحرقي ما في خزانتك من كت ٍ‬ ‫وأنصاف الرجال‪ ،‬وأنصاف العشاق‪.‬‬ ‫من الجرح وحده يولد البدب‪ .‬فليذهب إلى الجحيم كل الذين أحبوك بتعّقل‪،‬‬ ‫بدون أن ينزفوا‪ ..‬بدون أن يفقدوا وزنهم ول اتزانهم‪..‬‬ ‫تصّفحيني بشيء من الخجل‪ ..‬كما تتصّفحين ألبوم صور مصفّرة‪ ،‬لطفلة‬ ‫ت‪.‬‬ ‫كانت أن ِ‬ ‫كما تطالعين قاموساً لمفربدات قديمة معّرضة للنقراض والموت‪.‬‬ ‫كما تقرأين منشوراً سريًا‪ ،‬عثرت عليه يوماً في صندوق بريدك‪.‬‬ ‫افتحي قلبك‪ ..‬واقرأيني‪.‬‬ ‫كنت يوماً أريد أن أحدثك عن سي الطاهر وعن زيابد وعن آخرين‪ ..‬عن كل‬ ‫ما كنت تجهلين‪.‬‬ ‫ولكن مات حسان‪ ..‬ولم يعد اليوم وقت للحديث عن الشهداء‪ ..‬أصبح كل‬ ‫واحد منا مشروع شهيد‪.‬‬ ‫يحزنني أل أهبك غزالة‪" .‬الغزلن ل تكون غزلناً إل عندما تكون حّية"‪ .‬ولم‬ ‫ك اليوم‪.‬‬ ‫يبق لي ما يمكن أن أهدي ِ‬ ‫لقد أخذت مني كل من أحببت‪ ،‬الواحد بعد الخر‪ ،‬بطريقة أو بأخرى‪ .‬وتحول‬ ‫القلب إلى مقبرة جماعية ينام فيها بدون ترتيب كل من أحببت‪ .‬وكأن قبر‬ ‫)أّما( قد اتسع ليضمهم جميعًا‪.‬‬ ‫ولم أعد أنا سوى شاهد قبر لسي الطاهر‪ ..‬لزيابد ولحسان‪ .‬شاهد قبر‬ ‫للذاكرة‪.‬‬


‫كنت أبدري الكثير عن حماقة القدر‪ ،‬الكثير عن ظلمه وعن عنابده‪ ،‬عندما يصرّ‬ ‫على ملحقة أحد‪.‬‬ ‫ولكن أكان يمكن لي أن أتوقع أن شيئاً كذلك يمكن أن يحدث؟‬ ‫كنت اعتقد أنني بدفعت لهذا القدر الحمق ما فيه الكفاية‪ ،‬وأنه حان لي‬ ‫بعد هذا العمر‪ ،‬وتلك السنوات التي تلت فجيعة زيابد‪ ،‬وفجيعة زواجك‪ ،‬أن‬ ‫أرتاح أخيرًا‪.‬‬ ‫فكيف عابد القدر اليوم ليأخذ مني أخي‪ ،‬أخي الذي لم يكن لموته من‬ ‫منطق‪ .‬ل كان في جبهة‪ ،‬ول كان في ساحة قتال ليموت ميتة سي‬ ‫الطاهر‪ ،‬وميتة زيابد‪ ،‬رمياً بالرصاص‪ ..‬أيضًا‪.‬‬ ‫***‬ ‫ذات يوم من أكتوبر ‪ ،88‬جاء خبر موته هكذا صاعقة يحملها خط هاتفي‬ ‫مشوش‪ ،‬وصوت عتيقة الذي تخفيه الدموع‪.‬‬ ‫ظلت تجهش بالبكاء وتربدبد اسمي‪ ،‬وأنا أسألها مفجوعًا‪:‬‬ ‫ "واش صار‪..‬؟"‬‫كنت على علم بتلك الحداث التي هّزت البلبد‪ ،‬والتي كانت الجرائد‬ ‫ونشرات الخبار الفرنسية تتسابق بنقلها مصور‪ ،‬مفصلة‪ ،‬مطّولة‪ ،‬باهتمام‬ ‫ل يخلو من الشماتة‪.‬‬ ‫كنت أعرف تفاصيلها‪ ،‬وأبدري أنها مازالت وهي في يومها الثاني مقتصرة‬ ‫على العاصمة‪ .‬فمن أين لي أن أتوّقع الذي حدث؟‬ ‫كان صوت عتيقة يربدبد مق ّ‬ ‫طعًا‪:‬‬ ‫ قتلوه‪ ..‬آ خالد‪ ..‬يا وخيدتي قتلوه‪..‬‬‫وصوتي يربدبد مذهو ً‬ ‫ل‪:‬‬ ‫ كيفاش‪ ..‬كيفاش قتلوه؟‬‫كيف مات حسان؟‬ ‫هل مهم السؤال‪ ،‬وموته كان أحمق كحياته‪ ،‬ساذجاً كأحلمه‪.‬‬


‫أقرأ كل الجرائد لفهم كيف مات أخي‪ ،‬بين الحلم والحلم‪ ..‬بين الوهم‬ ‫والوهم‪.‬‬ ‫ما الذي ذهب به إلى العاصمة ليقابل "جماعة" هناك‪ ،‬هو الذي لم يزر‬ ‫العاصمة إل نابدرًا‪.‬‬ ‫ذهب هكذا في نهاية أسبوع‪ ..‬ليبحث عن نهايته‪.‬‬ ‫ضاقت به قسنطينة‪ ،‬ولم توصله جسورها الكثيرة إلى شيء‪.‬‬ ‫قالوا له‪" :‬في العاصمة ستكون لك "خيوط"‪ .‬ستوصلك الطرق القصيرة‬ ‫هناك‪ ..‬ولن توصلك الجسور هنا!"‪.‬‬ ‫دق حسان‪ ،‬وذهب إلى العاصمة ليقابل "فلنًا" من قبل "فلن" آخر‪..‬‬ ‫ص ّ‬ ‫وكان مقرراً أن تحل قضيته أخيراً هذه المرة‪ ،‬بعد عدة سنوات من‬ ‫الوساطات والتدخلت‪ ،‬ويغابدر نهائياً سلك التعليم‪ ،‬لينتقل إلى العاصمة‬ ‫ويعّين موظفاً في مؤسسة إعلمية‪.‬‬ ‫ولكن القدر هو الذي حسم "ملفه" هذه المرة‪.‬‬ ‫بين "فلن" و "فلن" مات حسان‪ ،‬خطأ برصاصة خاطئة‪ ،‬على رصيف الحلم‪.‬‬ ‫فالحلم ليس في متناول الجميع أخي‪ ..‬كان عليك أل تحلم!‬ ‫أحقاً "إن الشقاء يعرف كيف يختار صفاته" ولهذا اختارني أنا‪ ،‬واختار لي كل‬ ‫هذه الفجائع المذهلة‪ ،‬لنفربد بها وحدي‪.‬‬ ‫أنا الذي لم أكن أحلم سوى بأن أهبك غزالة‪..‬‬ ‫كيف لي أن أفعل ذلك‪ ..‬وأنت تهبينني كل هذا الدمار‪ ..‬كل هذا الخراب؟‬ ‫***‬ ‫ويعوبد فجأة‪ ،‬حديث قديم بيننا إلى البال‪.‬‬ ‫حديث مّرت عليه اليوم ست سنوات‪ .‬في ذلك الزمن الذي كنت تجدين فيه‬ ‫شبهاً بيني وبين "زوربا"‪ .‬الرجل الذي أحببته الكثر حسب تعبيرك‪ ،‬والذي‬


‫ت تحلمين بكتابة رواية كروايته‪ ،‬أو حب رجل مثله‪.‬‬ ‫كن ِ‬ ‫ترى لنك كنت عاجزة عن كتابة رواية كتلك‪ ،‬اكتفيت بتحويلي إلى نسخة‬ ‫منه‪ ،‬وجعلتني مثله أتعلم أن أشفى من الشياء التي أحبها بأكلها حتى‬ ‫التقيؤ‪..‬‬ ‫جعلتني أعشق الخراب الجميل‪ ،‬وأتعلم كطائر يذبح أن أرقص من ألمي‪..‬‬ ‫س مدهش لم يثر‬ ‫ها هوذا الخراب الجميل‪ ،‬الذي ح ّ‬ ‫دثتني عنه يوماً بحما ٍ‬ ‫ت‪:‬‬ ‫شكوكي‪ ،‬يوم قل ِ‬ ‫"مدهش أن يصل النسان بفجائعه حد الرقص‪ .‬إنه تميز في الخيبات‬ ‫والهزائم أيضًا‪ .‬فليست كل الهزائم في متناول الجميع‪ .‬ل بد أن تكون لك‬ ‫أحلم فوق العابدة‪ ،‬وأفراح وطموحات فوق العابدة‪ ،‬لتصل بعواطفك تلك إلى‬ ‫ضدها بهذه الطريقة‪."..‬‬ ‫آه سيدتي لو تدرين!‬ ‫كم كانت أحلمي كبيرة‪ .‬وما أفظع هذا الخراب الذي تتسابق قنوات‬ ‫التلفزيون على نقله اليوم!‬ ‫ما أفظع هذا الدمار‪ ،‬وما أحزن جثة أخي الملقاة على رصيف‪ ،‬يخترقها‬ ‫رصاص طائش!‬ ‫ما أحزن جثته‪ ،‬وهي تنتظرني الن في ثلجة الموتى لتعرف عليه‪ ،‬وأرافقه‬ ‫جثماناً إلى قسنطينة‪.‬‬ ‫ها هي ذي قسنطينة مرة أخرى‪..‬‬ ‫تلك الم الطاغية التي تتربص بأولبدها‪ ،‬والتي أقسمت أن تعيدنا إليها ولو‬ ‫جثة‪.‬‬ ‫ها هي قد هزمتنا‪ ،‬وأعابدتنا إليها معًا‪ .‬في تلك اللحظة التي اعتقدنا فيها‬ ‫أننا شفينا منها‪ ،‬وقطعنا معها صلة الرحم‪.‬‬ ‫ل حسان سيغابدرها إلى العاصمة‪ ..‬ول أنا سأقدر على الهرب منها بعد‬ ‫اليوم‪..‬‬ ‫ها نحن نعوبد إليها معًا‪..‬‬ ‫أحدنا في تابوت‪ ..‬والخر أشلء رجل‪.‬‬


‫ي أيتها الصخرة‪ ..‬أيتها الم الصخرة‪..‬‬ ‫وقع حكمك عل ّ‬ ‫فأشرعي مقابرك‪ ،‬وانتظريني‪ .‬سآتيك بأخي‪ ..‬افسحي له مكاناً صغيراً جوار‬ ‫أوليائك الصالحين‪ ،‬وشهدائك‪ ،‬وباياتك‪ ..‬كان حسان كل هذا على طريقته‪.‬‬ ‫كان غزا ً‬ ‫ل‪..‬‬ ‫في انتظار ذلك‪ ..‬تعالي سيدتي وتفّرجي على كل هذا الخراب الجميل!‬ ‫فبعد قليل سيحضر زوربا ليمسك بكتفي ولنبدأ الرقص معًا‪.‬‬ ‫تعالي‪..‬‬ ‫ل بد أل تخلفي هذا المشهد‪ ،‬سترين كيف يرقص النبياء عندما يفلسون‬ ‫حقًا‪.‬‬ ‫تعالي‪ ..‬سأرقص اليوم كما لم أرقص يومًا‪ ،‬كما اشتهيت أن أرقص في‬ ‫عرسك ولم أفعل‪..‬‬ ‫ن قد التصقا بقدمي فجأة‪ ،‬وكأن ذراعي المفقوبدة قد‬ ‫سأقفز وكأن جناحي ْ‬ ‫نبتت من جديد لتصبح ذراعي‪.‬‬ ‫تعالي‪ ..‬وليعذرني أبي الذي لم أشاركه يوماً في طقوس "عيساوة"‪.‬‬ ‫في حفل جذبه ورقصه الجنوني‪ ،‬وغرسه ذلك السفوبد في جسده من‬ ‫طرف إلى آخر‪ ..‬بنشوة اللم الذي يجاور اللذة‪.‬‬ ‫للحزن أكثر من طقس‪ ،‬وليس لللم وطن على التحديد‪ .‬فليعذرني النبياء‬ ‫والولياء الصالحون!‬ ‫ليعذروني جميعا‪ .‬ل أبدري ماذا يفعل النبياء بالتحديد عندما يحزنون‪ ،‬ماذا‬ ‫يفعلون في زمن الرّبدة؟‬ ‫هل يبكون أم يصلون؟‬ ‫أنا قررت أن أرقص‪ .‬الرقص تواصل أيضًا‪ .‬الرقص عبابدة أيضًا‪..‬‬ ‫فانظر أيها العظم‪ ..‬بذراع واحدة سأرقص لك‪.‬‬ ‫ما أصعب الرقص بذراعٍ واحدة يا ربي! ما أبشع الرقص بذراعٍ واحدة يا ربي!‬ ‫ولكن‪..‬‬


‫ستعذرني أنت الذي أخذت ذراعي الخرى‪.‬‬ ‫ستعذرني‪ ..‬أنت الذي أخذتهم جميعًا‪.‬‬ ‫ستعذرني‪ ..‬لنك ستأخذني أيضًا!‬ ‫هل المؤمن مصاب حقًا؟‪ ..‬أن ترى تلك مقولة خلقت لتعلمنا الصبر فقط‪،‬‬ ‫لتبيعنا بدل مصائبنا فرح امتلك شهابدة بالتقوى؟‬ ‫فليكن‪..‬‬ ‫شكراً لك أيها العظم‪ ،‬أنت الذي ل ُيحمد على مكروه سواه‪.‬‬ ‫ص بمصابك سوى المؤمنين من عبابدك‪ ..‬والتقياء منهم‪.‬‬ ‫أنت الذي ل تخ ّ‬ ‫اعترف أنني لم أكن احلم بشهابدة حسن سلوك كهذه!‬ ‫أفرغ منك سيدتي وأمتلئ لحناً يونانيًا‪.‬‬ ‫تتقدم موسيقى "زوربا" نحوي‪ ،‬بدعوة للجنون المتطرف‪.‬‬ ‫تأتي على شريط تعوبدت الستماع إليه بمتعة غامضة‪ .‬وإذا بذلك اللحن‬ ‫القابدم اليوم وسط الخراب والجثث‪ ،‬يأخذ فجأة ُبعده الول الحقيقي‪.‬‬ ‫فأنتفض فجأة من أريكتي وهو يفاجئني‪ ،‬وأصرخ كما في تلك القصة "هيا‬ ‫زوربا‪ ..‬بدربني على الرقص‪."..‬‬ ‫ها هوذا "الخراب الجميل" الذي جعلتنا نشتهيه‪ .‬لم أكن أعتقد أن يكون‬ ‫بشعاً إلى هذا الحد‪ ..‬موجعاً إلى هذا الجد!‬ ‫تزحف موسيقى تيوبدراكيس نحوي‪ .‬وتخترقني نغمة‪ ..‬نغمة‪ .‬جرحًا‪ ..‬جرحًا‪.‬‬ ‫بطيئة‪ ..‬ثم سريعة كنوبة بكاء‪.‬‬ ‫خجولة‪ ..‬ثم جريئة كلحظة رجاء‪.‬‬ ‫حزينة‪ ..‬ثم نشوى كتقلبات شاعر أمام كأس‪.‬‬ ‫متربدبدة‪ ..‬ثم واثقة كأقدام عسكر‪.‬‬ ‫فأستسلم لها‪ .‬أرقص كمجنون في غرفة شاسعة‪ ،‬تؤثثها اللوحات‬


‫والجسور‪.‬‬ ‫وأقف أنا وسطها وكأنني أقف على تلك الصخرة الشاهقة‪ ،‬لرقص وسط‬ ‫الخراب‪ ،‬بينما جسور قسنطينة الخمسة تتحطم وتتدحرج أمامي حجارة‬ ‫نحو الوبديان‪.‬‬ ‫إيه زوربا!‬ ‫تزوجت تلك المرأة التي كنت أحبها‪ ،‬وكانت تحبك أنت‪ .‬وكنت أريد أن أجعلها‬ ‫نسخة مني‪ ،‬فجعلتني نسخة منك‪.‬‬ ‫ومات زيابد‪ ..‬ذلك الصديق الذي اشترى هذا الشريط لنه ربما كان يحبك‬ ‫أيضا من اجلها‪ ،‬وربما لنه كان يتوقع لي يوماً كهذا‪ ،‬ويعد لي على طريقته‬ ‫كل تفاصيل حزني القابدم‪.‬‬ ‫وربما يكون تلّقاه هدية منها‪ ..‬وورثته أنا في جملة ما أورثني من أحزان‪.‬‬ ‫ومات حسان‪ ..‬أخي الذي لم يكن يهتم كثيراً بالغريق‪ ،‬وباللهة اليونانية‪.‬‬ ‫كان له إله واحد فقط‪ ،‬وبعض السطورات القديمة‪.‬‬ ‫مات ول حب له سوى الفرقاني‪ ..‬وأم كلثوم‪ ..‬وصوت عبد الباسط عبد‬ ‫الصمد‪.‬‬ ‫ول حلم له سوى الحصول على جواز سفر للحج‪ ..‬وثلجة‪.‬‬ ‫لقد تحققت نصف أحلمه أخيرًا‪ .‬لقد أهداه الوطن ثلجة ينتظرني فيها‬ ‫بهدوء كعابدته‪ ،‬لشيعه هذه المرة إلى مثواه الخير‪.‬‬ ‫لو عرفك‪ ،‬ربما لم يكن ليموت تلك الميتة الحمقاء‪.‬‬ ‫لو قرأك بتمّعن‪ ،‬لما نظر إلى قاتليه بكل النبهار‪ ،‬لما حلم بمنصب في‬ ‫العاصمة‪ ،‬بسيارة وبيت أجمل‪..‬‬ ‫لبصق في وجه قاتليه مسبقًا‪ ..‬لشتمهم كما لم يشتم أحدًا‪ ،‬لرفض أن‬ ‫يصافحهم في ذلك العرس‪ ،‬لقال‪:‬‬ ‫ "أيها القّوابدون‪ ..‬السراقون‪ ..‬القتلة‪ .‬لن تسرقوا بدمنا أيضًا‪ .‬املوا جيوبكم‬‫بما شئتم‪ .‬أثثوا بيوتكم بما شئتم‪ ..‬وحساباتكم بأية عملة شئتم‪ ..‬سيبقى‬ ‫مر هذا‬ ‫لنا الدم والذاكرة‪ .‬بهما سنحاسبكم‪ ..‬بهما سنطاربدكم‪ ..‬بهما سنع ّ‬ ‫الوطن‪ ..‬من جديد"‪.‬‬


‫آه زوربا‪ ..‬مات زيابد وها هوذا حسان يموت غدراً أيضًا‪.‬‬ ‫آه لو تدري يا صديقي‪ ،‬لم يكن أحدهما ليستحق الموت‪.‬‬ ‫كان حسان نقياً كزئبق‪ ،‬وطيباً حد السذاجة‪ .‬كان يخاف حتى أن يحلم‪،‬‬ ‫وعندما بدأ يحلم قتلوه‪.‬‬ ‫وكان زيابد‪ ..‬آه كان يشبهك بعض الشيء‪ .‬لو رأيت ضحكته‪ ،‬لو سمعته‬ ‫يتحدث‪ ..‬يكفر‪ ..‬يلعن‪ ..‬يبكي‪ ..‬يسكر‪ ..‬لو عرفتهما‪ ،‬لرقصت‪ ..‬حزناً عليهما‬ ‫الليلة كما لم ترقص من قبل‪.‬‬ ‫ت‪ ،‬كما في‬ ‫ولكن ل يهم‪ ..‬أبدري بأنك أنت أيضاً لن تحضر الليلة‪ .‬ربما لنك م ّ‬ ‫تلك الرواية‪ ،‬بعد أن لعنت الكاهن الذي جاء ليناولك القربان المقدس قبل‬ ‫الموت‪..‬‬ ‫أو ربما لنك لم توجد يوماً أبداً على هذه الرض‪ .‬لنك بطل خرافي لزمن‬ ‫كان الناس يبحثون فيه عن خرافة كهذه‪ .‬عن آلهة إغريقية جديدة‪ ،‬تعّلمهم‬ ‫الجنون والتحدي‪ ..‬وعبثية الحياة‪.‬‬ ‫فهل مهم أن تتغيب الليلة‪ ،‬كما تغيبوا جميعًا؟‬ ‫لن أعتب عليك يا صديقي‪ .‬أنت لست مسؤول ً في النهاية عن كل ما يمكن‬ ‫أن يرتكب من حماقات بسبب رواية!‬ ‫ولكن أجبني فقط‪ ..‬أنت الذي قتلت من التراك‪ ،‬وقتلوا من رفاقك الكثيرين‪.‬‬ ‫هل هناك من فرق بين القتلة؟‬ ‫على يد الفرنسيين مات سي الطاهر‪ ..‬وعلى يد السرائيليين مات زيابد‪..‬‬ ‫وها هو حسان يموت على يد الجزائريين اليوم‪.‬‬ ‫فهل هناك بدرجات في الستشهابد؟ وماذا لو كان الوطن هو القاتل والشهيد‬ ‫معًا؟‬ ‫فكم من مدينة عربية بدخلت التاريخ بمذابحها الجماعية‪ ،‬ومازالت مغلقة‬ ‫على مقابرها السرية!‬ ‫كم من مدينة عربية أصبح سكانها شهداء‪ ..‬قبل أن يصبحوا مواطنين!‬ ‫فأين تضع كل هؤلء‪ ..‬في خانة ضحايا التاريخ‪ ،‬أم في خانة الشهداء؟‬


‫وما اسم الموت عندما يكون بخنجر عربي!‬ ‫***‬ ‫ما كابدت كاترين تراني في ذلك الصباح حتى صاحت‪:‬‬ ‫ إن لك وجه رجل يستيقظ من ليلة سكر!‬‫ثم أضافت بشيء من السخرية والتلميح الواضح‪:‬‬ ‫ ماذا فعلت أمس أيها الشقي‪ ،‬لتكون في هذه الحالة؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫ ل شيء‪ ..‬ربما لم أنم فقط!‬‫قالت وهي تلقي نظرة على الصالون‪ ،‬وتبحث بفضول امرأة عن آثار تدلها‬ ‫على نوعية من قضيت معهم السهرة‪:‬‬ ‫ هل استقبلت أصدقاء أمس؟‬‫ابتسمت لسؤالها‪ ،‬شعرت برغبة في أن أجيبها‪ :‬نعم‪.‬‬ ‫يحدث للحزن عندما يجاور الجنون‪ ،‬أن يبدأ هكذا في السخرية من نفسه‪..‬‬ ‫واصلَ ْْ‬ ‫ت‪:‬‬ ‫ وهل قضوا الليلة هنا؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫ ل‪ ..‬رحلوا‪..‬‬‫ت بعد شيء من الصمت‪:‬‬ ‫أضف ُ‬ ‫ أصدقائي يرحلون بدائمًا!‬‫وربما لم يقنعها كلمي‪ ،‬أو زابد في فضولها فقط‪ .‬فراحت تواصل بعينيها‬ ‫البحث وسط فوضى الغرفة‪ ،‬والحقيبتين المفتوحتين في الصالون عن‬


‫شيء ما‪.‬‬ ‫النساء هكذا بدائما‪ :‬ل يرين أبعد من أجسابدهن‪ ،‬ولذا لم يكن في إمكان‬ ‫كاترين أن تكتشف آثار زيابد وحسان وزوربا‪ ..‬في ذلك البيت‪.‬‬ ‫في الحقيقة‪ ..‬لقد كانت كاترين بدائماً تعيش على هامش حزني‪.‬‬ ‫ول ربما اقتنعت بدون كثير من الكلم أنني أستيقظ من ليلة حب‪.‬‬ ‫سألتني وكأنها ل تجد فجأة مبرراً لوجوبدها عندي في تلك اللحظة‪:‬‬ ‫ لماذا طلبتني على عجل؟‬‫قلت‪:‬‬ ‫ لسباب كثيرة‪..‬‬‫ثم أضفت فجأة‪:‬‬ ‫ كاترين‪ ..‬هل تحبين الجسور؟‬‫قالت بنبرة ل تخلو من التعجب‪:‬‬ ‫ ل تقل لي إنك أحضرتني في هذا الصباح لتطرح علي هذا السؤال!‬‫قلت‪:‬‬ ‫ ل‪ ..‬ولكن أوبد لو أجبتني عليه‪.‬‬‫قالت‪:‬‬ ‫ ل أبدري‪ ..‬أنا لم أسأل نفسي سؤال ً كهذا قبل اليوم‪ .‬لقد عشت بدائماً‬‫في مدن ل جسور فيها‪ .‬ما عدا باريس ربما‪..‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ضل في النهاية أل تحبيها‪ .‬يكفي أن تحبي رسمي‪..‬‬ ‫ ل يهم‪ ..‬فأنا أف ّ‬‫أجابت‪:‬‬ ‫‪ -‬طبعاً أحب ما ترسمه‪ ..‬لقد راهنت بدائماً على انك رسام استثنائي‪..‬‬


‫قلت‪:‬‬ ‫ فليكن إذن‪ ..‬كل هذه اللوحات لك‪.‬‬‫صاحت‪:‬‬ ‫ن إليها‬ ‫ أأنت مجنون؟ كيف تهبني كل هذه اللوحات؟ إنها مدينتك‪ ..‬قد تح ّ‬‫يومًا‪.‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ لم يعد هناك من ضرورة للحنين بعد اليوم‪ ،‬أنا عائد إليها‪ .‬أهبها لك‪ ،‬لنني‬‫درين الفن‪ ،‬وأنها معك لن تضيع‪..‬‬ ‫أبدري أنك تق ّ‬ ‫قالت كاترين وصوتها يأخذ نبرة جديدة لحزن وفرح غامض‪:‬‬ ‫ سأحتفظ بها جميعًا‪ ..‬فلم يحدث لرجل أن أهداني يوماً شيئاً كهذا‪..‬‬‫قلت وأنا ألقي نظرة أخيرة على جسدها المختبئ بداماً تحت الثواب‬ ‫الخفيفة الفضفاضة‪:‬‬ ‫ ولم يحدث لمرأة قبلك أن منحتني غربة أشهى‪..‬‬‫قالت‪:‬‬ ‫ أخاف أن تندم يوماً وتشتاق إلى إحدى هذه اللوحات‪ ..‬اعلم أنك ستجدها‬‫بدائماً عندي‪.‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ ربما سيحدث ذلك‪ ..‬فنحن في جميع الحالت نندم على شيء ما‪..‬‬‫تقاطعني وكأنها اكتشفت جدية الموقف‪:‬‬ ‫ ‪ .. Mais ce n'est pas possible‬ل يمكن أن نفترق هكذا!‬‫ أُو كاترين‪ ..‬بدعينا نفترق على جوع‪ .‬لقد حكم علينا التاريخ أل نشبع من‬‫بعض تمامًا‪ ..‬ول نحب بعضنا تماما‪ ..‬لكثر من سبب‪ .‬إنك تملكين اليوم أكثر‬ ‫من نسخة مني‪ ..‬عّلقي على جدرانك ذاكرتي‪ ،‬حتى ولو كانت ذاكرة‬ ‫مضابدة‪ ..‬لقد كنت أيضاً طرفاً فيها!‬


‫ل تفهم كاترين لماذا كل هذه الرموز اليوم‪.‬‬ ‫ولماذا هذا الحديث الغامض الذي لم أعّوبدها عليه؟‬ ‫وربما فهمت‪ ،‬ولكن جسدها كان يرفض أن يفهم‪ .‬جسدها يخرج عن‬ ‫الموضوع بدائمًا‪ .‬جسدها موظف فرنسي يحتج بدائما‪ .‬يطالب بدائماً بالمزيد‪..‬‬ ‫يفرط في حرية التعبير‪ ،‬في حرية الضراب‪.‬‬ ‫ولكن‪..‬‬ ‫من أين سآتي بالكلمات التي ستشرح لها حزني؟‬ ‫من أين سآتي بالصمت الذي سيقول لها بدون أن أقول شيئًا‪ ،‬إن حسان‬ ‫هناك في مدينة أخرى‪ ،‬ينتظرني في ثلجة‪ ،‬وأن أولبده الستة لم يعد لهم‬ ‫غيري‪.‬‬ ‫ي الباربدتين‪ ،‬والصقيع الذي يزحف نحوي كلما‬ ‫كيف أشرح لها سر قدم ّ‬ ‫تقدمت بي الساعات‪ ،‬وكلما راحت يداها تفتحان أزرار قميصي بدون انتباه‪..‬‬ ‫بحكم العابدة‪.‬‬ ‫ كاترين‪ ..‬ليس لي شهية للحب‪ ،‬اعذريني‪..‬‬‫ وماذا تريد إذن؟‬‫ أريد أن تضحكي كالعابدة‪.‬‬‫ لماذا أضحك؟‬‫ لنك عاجزة عن الحزن‪.‬‬‫ وأنت؟‬‫ وأنا سأنتظر أن تذهبي لحزن‪ .‬حزني مؤجل فقط كالعابدة‪..‬‬‫ ولماذا تقول لي هذا اليوم‪.‬؟‬‫ لنني متعب‪ ..‬ولنني سأرحل بعد ساعات‪..‬‬‫ ولكن ل يمكنك أن تسافر‪ .‬لقد ألغوا كل الرحلت إلى الجزار‪..‬‬‫ سأذهب‪ ،‬وأنتظر في المطار أول طائرة تقلع‪ .‬ل بد أن أسافر اليوم أو غدا‪.‬‬‫هناك من ينتظرني‪..‬‬ ‫كان يمكن أن أقول لها‪" :‬لقد مات أخي‪ ..‬أخي الوحي يا كاترين‪ "..‬وأجهش‬ ‫بالبكاء‪ .‬فقد كنت في حاجة إلى أن أبكي أمام أحد يومها‪.‬‬ ‫ولكن لم أكن قابدراً على ذلك معها‪ .‬لعلها عقدة قديمة‪ ..‬فالحزن قضية‬ ‫شخصية‪ ،‬قضية أحياناً وطنية‪..‬‬ ‫ولذا احتفظت بجرحي بداخلي‪ .‬وقررت أن أواصل حديثي كالعابدة‪ .‬لعلني في‬ ‫يوم آخر سأخبرها بذلك‪ .‬ولكن ليس اليوم‪ .‬الصمت اليوم أكبر‪.‬‬


‫شعرت فجأة أنني أسأت للفراشات‪.‬‬ ‫قلت‪:‬‬ ‫ كاترين‪ ..‬لقد كانت قصتنا جميلة‪ ،‬أليس كذلك؟ كانت معقدة بعض‬‫الشيء‪ ..‬ولكنها جميلة برغم ذلك‪ .‬لقد كنت المرأة التي كانت بدائمًا‪ ،‬على‬ ‫وشك أن تكون حبيبتي‪ .‬وربما سينجح الفراق في تحقيق ما عجزت كل‬ ‫سنوات القرب هذه من تحقيقه‪..‬‬ ‫ هل ستحبني عندما نفترق؟‬‫ ل أبدري‪ ..‬من المؤكد أنني سأفتقدك كثيرًا‪ .‬إنه منطق الشياء‪ .‬لقد كان‬‫لي معك أكثر من عابدة‪ .‬ول بد لي بعد اليوم أن أغّير عابداتي‪..‬‬ ‫ وهل ستعوبد؟‬‫م‬ ‫ ليس قبل مدة طويلة‪ ..‬ل بد أن أتعلم الن الوجه الخر للنسيان‪ .‬الغربة أ ّ‬‫أيضاً ليس سهل ً أن نجتاز الجسر الذي سيفصلنا عنها‪..‬‬ ‫ خالد‪ ..‬لماذا تحيط نفسك بكل هذه الجسور؟‬‫ أنا ل أحيط نفسي بها‪ ..‬أنا أحملها بداخلي‪ .‬هناك أناس ولدوا هكذا على‬‫ن‪ُ .‬وِلدوا وسط‬ ‫ن وقاّرتي ْ‬ ‫ن وطريقي ْ‬ ‫جسر معّلق‪ .‬جاؤوا إلى العالم بين وصيفي ْ‬ ‫مجرى الرياح المضابدة‪ ،‬وكبروا وهم يحاولون أن يصالحوا بين الضدابد‬ ‫بداخلهم‪ .‬ربما كنت من هؤلء‪ ..‬في الحقيقة بدعيني أبوح لك بسّر‪ .‬اكتشفت‬ ‫أنني ل أحب الجسور‪ .‬وأكرهها كراهيتي لكل شيء له طرفان‪ ،‬ووجهتان‪،‬‬ ‫واحتمالن‪ ،‬وضدان‪ .‬ولهذا تركت لك كل هذه اللوحات‪.‬‬ ‫كنت أوبد إحراقها‪ ،‬راوبدتني هذه الفكرة‪ .‬ولكن لست في شجاعة طارق بن‬ ‫ل أسهل من إحراق‬ ‫حار لباخرته في معركة حربية‪ ،‬يظ ّ‬ ‫زيابد‪ .‬ربما لن إحراق ب ّ‬ ‫رسام للوحاته في لحظة جنون‪..‬‬ ‫وبرغم ذلك‪ ،‬أريد أن أحرقها حتى أقطع على قلبي طريق العوبدة إلى‬ ‫الخلف‪.‬‬ ‫ل أريد أن أقضي حياتي‪ ،‬وأنا أسلك هذا الجسر في التجاهين‪.‬‬ ‫أريد أن أختار لقلبي مسقطه الخير‪..‬‬ ‫أريد أن أعوبد إلى تلك المدينة الجالسة فوق صخرة‪ ،‬وكأنني أفتحها من‬ ‫جديد‪ .‬كما فتح طارق بن زيابد ذلك الجيل‪ ،‬ومنحه اسمه‪..‬‬ ‫‪ ..‬منذ غابدرتها أضعت بوصلتي‪ .‬قطعت علقتي بالتاريخ وبالجغرافية‪ .‬ووقفت‬ ‫سنوات على نقطة استفهام‪ ،‬خارج خطوط الطول والعرض‪.‬‬


‫أين يقع البحر وأين يقف العدّو؟ أيهما أمامي وأيهما ورائي؟‬ ‫ول شيء وراء البحر سوى الوطن‪ ..‬ول شيء أمامي سوى زورق الغربة‪..‬‬ ‫ول شي بينهما سواي‪..‬‬ ‫على من أعلن الحرب ول شيء حولي سوى الحدوبد القليمية للذاكرة؟‬ ‫ي كاترين‪ ،‬ولم تفهم شيئًا‪..‬‬ ‫نظرت إل ّ‬ ‫لقد كانت علقتنا بدائماً ضحية سوء فهم وقصر نظر‪ .‬فافترقنا كما التقينا منذ‬ ‫أكثر من قرن‪ ،‬بدون أن نعرف بعضنا حقًا‪ ..‬بدون أن نحب بعضنا تمامًا‪ ..‬ولكن‬ ‫بدائماً بتلك الجاذبية الغامضة نفسها‪.‬‬ ‫***‬ ‫ت‪:‬‬ ‫وقل ِ‬ ‫"الحب هو ما حدث بيننا‪ ..‬والبدب هو كل ما لم يحدث"‪.‬‬ ‫نعم ولكن‪..‬‬ ‫بين ما حدث وما لم يحدث‪ ،‬حدثت أشياء أخرى‪ ،‬ل علقة لها بالحب ول‬ ‫بالبدب‪.‬‬ ‫فنحن في النتيجة‪ ،‬ل نصنع في الحالتين سوى الكلمات‪ .‬ووحده الوطن‬ ‫يصنع الحداث‪ .‬ويكتبنا كيفما شاء‪ ..‬مابدمنا حبره‪.‬‬ ‫غابدرت الوطن في زمن لحظر التنفس‪ ..‬وها أنا أعوبد إليه مذهول ً في زمن‬ ‫آخر لحظر التجول‪.‬‬ ‫أتذكر وأنا أواجه وحدي هذه المرة مطار تلك المدينة الملتحفة بالحدابد كلماً‬ ‫قاله حسان منذ ست سنوات واستوقفتني كلماته بدون سبب واضح‪.‬‬ ‫قال‪" :‬إن قسنطينة فرغت من أهلها الصليين‪ .‬لقد أصبحوا ل يأتونها سوى‬ ‫في العراس و في المآتم"‪.‬‬ ‫يذهلني اكتشافي‪ ..‬ها أنا أصبحت إذن البن الشرعي لهذه المدينة التي‬ ‫جاءت بي مكرهاً مرتين‪.‬‬ ‫مرة لحضر عرسك‪ ..‬ومرة لبدفن أخي‪ .‬فما الفرق بين الثنين؟ لقد مات‬ ‫ت أنا منذ ذلك العرس‪.‬‬ ‫أخي في الواقع مثلما م ّ‬


‫قتلتنا أحلمنا‪..‬‬ ‫هو لنه أصيب بعدوى الحلم الفارغة الكبيرة‪.‬‬ ‫وأنا لنني غابدرت وهمي‪ ..‬ولبست نهائياً حدابد أحلمي‪.‬‬ ‫ي عصبي في عمر الستقلل لم يستوقفه حزني ول‬ ‫يسألني جمرك ّ‬ ‫استوقفته ذراعي‪ ..‬فراح يصرخ في وجهي‪ ،‬بلهجة من أقنعوه أننا نغترب‬ ‫فقط لنغنى‪ ،‬وأننا نهّرب بدائماً شيئاً ما في حقائب غربتنا‪..‬‬ ‫ بماذا تصّرح أنت؟‬‫كان جسدي ينتصب ذاكرة أمامه‪ ..‬ولكن لم يقرأني‪.‬‬ ‫يحدث للوطن أن يصبح أمي ًّا‪.‬‬ ‫كان آخرون لحظتها يدخلون من البواب الشرفّية بحقائب أنيقة بدبلوماسية‪.‬‬ ‫وكانت يداه تنبشان في حقيبة زيابد المتواضعة‪ ،‬وتقعان على حزمة من‬ ‫الوراق‪ ..‬فتكابد بدمعة مكابرة بعيني تجيبه لحظتها‪:‬‬ ‫ أصّرح بالذاكرة‪ ..‬يا ابني‪..‬‬‫ولكنني أصمت‪ ..‬وأجمع مسوّبدات هذا الكتاب المبعثرة في حقيبة‪ ،‬رؤوس‬ ‫أقلم‪ ..‬ورؤوس أحلم‪.‬‬ ‫باريس _ تموز ‪1988‬‬


‫على غلف الكتاب‪:‬‬

‫قرأت رواية )ذاكرة الجسد( لحلم مستغانمي‪ ،‬وأنا جالس أمام بركة‬ ‫السباحة في فندق سامرلند في بيروت‪.‬‬ ‫ت لي أحلم من تحت الماء الزرق‬ ‫ت من قراءة الرواية‪ ،‬خرج ْ‬ ‫بعد أن فرغ ُ‬ ‫طر ماًء‪..‬‬ ‫كسمكة بدولفين جميلة‪ ،‬وشربت معي فنجان قهوة وجسدها يق ُ‬ ‫خة أن‬ ‫روايتها بدّوختني‪ .‬وأنا نابدراً ما أبدوخ أمام رواية من الروايات وسبب الَدْو َ‬ ‫النص الذي قرأته يشبهني إلى بدرجة التطابق‪ ،‬فهو مجنون‪ ،‬ومتوتر‪،‬‬ ‫واقتحامي‪ ،‬ومتوحش‪ ،‬وإنساني ‪ ،‬وشهواني‪ ..‬وخارج على القانون مثلي‪.‬‬ ‫ولو أن أحداً طلب مني أن أوقع اسمي تحت هذه الرواية الستثنائية‬ ‫المغتسلة بأمطار الشعر‪ ..‬لما تربدبدت لحظة واحدة‪..‬‬ ‫هل كانت أحلم مستغانمي في روايتها )َتكُتُبني( بدون أن تدري‪ ..‬لقد‬ ‫كانت مثلي تهجم على الورقة البيضاء‪ ،‬بجماليٍة ل حّد لها‪ ..‬وشراسٍة ل حّد‬ ‫ن ل حّد له‪...‬‬ ‫لها‪ ..‬جنو ٍ‬ ‫الرواية قصيدة مكتوبة على كل البحور‪ ..‬بحر الحب‪ ،‬وبحر الجنس‪ ،‬وبحر‬ ‫اليديولوجية‪ ،‬وبحر الثورة الجزائرية بمناضليها ومرتزقيها‪ ،‬وأبطالها وقاتليها‪،‬‬ ‫وملئكتها وشياطينها‪ ،‬وأنبيائها وسارقيها‪..‬‬ ‫هذه الرواية ل تختصر ذاكرة الجسد فحسب‪ ،‬ولكنها تختصر تاريخ الوجع‬ ‫الجزائري‪ ،‬والحزن الجزائري‪ ،‬والجاهلية الجزائرية التي آن لها أن تنتهي‪..‬‬ ‫وعندما قلت لصديق العمر سهيل إبدريس رأيي في رواية أحلم‪ ،‬قال لي‪ :‬ل‬ ‫ترفع صوتك عاليًا‪ ..‬لن أحلم إذا سمعت كلمك الجميل عنها‪ ،‬فسوف‬ ‫ن‪...‬‬ ‫ُتج ّ‬ ‫ن‪ ..‬لن العمال البداعية الكبرى ل يكتبها إل مجانين!!‬ ‫أجبته‪ :‬بدعها ُتج ّ‬ ‫لندن ‪1995 / 8 / 20‬‬

‫نزار قباني‬


__________________

ذاكرة الجسد  

... : ‫مازلتأذكرقولكذاتيوم‬ ." . " ‫والدبهوكلمالميحدث‬ ‫الحبهوماحدثبيننا‬ : , ‫بعدماانتهىكلشيءأنأقول‬ ‫يمكننياليوم‬ . ‫إنهاتصلح‬ ‫هنيئاللدب...