Issuu on Google+

‫حرائق الذاكرة‬ ‫(مذكرات)‬ ‫غادة سويد‬ ‫كتبها روائيا‪ :‬مصطفى عبدي‬


‫الكتاب‬

‫‪:‬‬

‫حرائق الذاكرة‬

‫الكاتب‬

‫‪:‬‬

‫مصطفى عبدي‬

‫الطبعة‬

‫‪:‬‬

‫األولى‬

‫اللوحة‬

‫الخلفية‬

‫‪:‬‬

‫التنضيد‬

‫الضوئي‬

‫‪:‬‬

‫التدقق اللغوي‬ ‫تصميم‬

‫الغالف‬

‫االستشارة القانونية‬

‫‪2‬‬

‫‪:‬‬ ‫‪:‬‬ ‫‪:‬‬

‫فاضل حسان محمد‬


‫جميع الحقوق محفوظة للمؤلفة‬ ‫‪2013‬‬

‫‪3‬‬


‫حرائق الذاكرة‬ ‫دمشق ‪2001/11/16‬‬ ‫كوباني ‪2013‬‬

‫‪4‬‬


‫اإلهداء‬ ‫رغم اختالف المناسبات‪ ,‬وتداخل الحزن مع السعادة‪ ,‬والموت‬ ‫الد حياتنا‬ ‫مع الحياة‪ ,‬وكما من باطن الليل ُيبزغ الفجر‪ ,‬ستتو ُ‬

‫من صميم موتنا‪ ,‬وستنمو سعادتنا في حقول أحزاننا‪.‬‬ ‫إلى َم ْن‬ ‫إلى َم ْن‬

‫فرق القدر بيني وبينهم‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫دمي يجري في عروقهم‪.‬‬

‫إلى َم ْن روحي امتزجت بأرواحهم‪.‬‬ ‫إلى َم ْن أتمنى أن أراهم قبل أن أغمض عيني غمضتهما‬ ‫ّ‬ ‫األخيرة‪.‬‬ ‫إلى رنا‪ ,‬ومرح‪ ,‬وزياد‪.‬‬ ‫غادة سعيد سويد‬

‫‪5‬‬


6


‫"آه‪ .‬ما أقسى الجدار عندما ينهض في وجه الشروق!‬ ‫ليمر النور لألجيال‪,‬‬ ‫ربما ننفق كل العمر‪ ,‬كي ننقب ثغرة‪ّ ,‬‬ ‫مرة‪".‬‬ ‫ّ‬ ‫‪ -‬أمـل دنـقل ‪-‬‬

‫‪7‬‬


‫‪-1‬‬‫هواجس غريبة تلف سماء النفس‪ ,‬وانتصار للغة‪ ,‬يأبى‬ ‫الحضور‪ ,‬رفض كبير أليام تتالت لتؤلف غدا يتتالى‪ ,‬التواجد‬ ‫ٍ‬ ‫نفوس تُ ّحمل بأكثر مما يمكن‪ ,‬فتكون‬ ‫بهيئة والتحايل على‬

‫النتيجة داء بهيئة جمال مصطنع‪ ,‬فيه الكثير من المساحيق‬ ‫والرتوش‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫دقيق‪ ,‬لتصوير مأساة تجاوزت تشابك‬ ‫بتفنين‬ ‫غشاوة ُتلفق‬ ‫األفعال‪.‬‬

‫اقتناص لتصرفات ما كان يجب أن تكو َن‪ ,‬واستجرار‬

‫ألحدا‬

‫سيرت مجمل الرغبات‪.‬‬ ‫قاسية ّ‬

‫القصة لم تبدأ من أي مكان وانما انتهت في كل دقيقة من‬ ‫تفاصيلها‪ ,‬والمأساة تجلت في جميع أحداثها‪ ,‬واللعنة لفت‬ ‫المصير‪ ,‬تداخلت األفعال مع المواقف‪ ,‬وابتعدت عن المنطق‪,‬‬ ‫مكر في النتائج‪ ,‬فلفت الغرابة‬ ‫فكان تحايال على النفوس و ا‬ ‫الهيام‪.‬‬

‫‪8‬‬


‫كان غريبا عني‪ ,‬ومني! ولم أجد ذات لحظة مشاعر‬ ‫التحام‪ ,‬أو رغبة! فكما المكنة كنت أسير إليه‪.‬‬ ‫ومرغما كنت أالزمه أينما حل‪ ,‬وأتشبهه‪ ,‬فأمثل محبته‬ ‫وأصدقه الوفاء بعكسه‪ ,‬كنت أمرن نفسي ومشاعري على‬ ‫االعتياد عليه‪ ,‬على التماهي ورغباته‪ ,‬دون أن يطرق سمعي‬ ‫أي صدى‪.‬‬ ‫أطفالي الصغار كانوا بعمر العصافير‪ ,‬ألجلهم كنت أدفن‬ ‫رأسي كما النعامة‪ ,‬فألجلهم أعيش‪ ,‬فحياتي كلها رهن بربيعهم‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫فض االستسالم أو‬ ‫كل يصارع جزءا هاما من‬ ‫وطن‪ ,‬ير ُ‬

‫سير األمور حسبما ُيشاء‪ ,‬فالدوامة ال تنتهي‬ ‫االنتصار‪ ,‬وتُ ّ‬

‫وبحر األلم تتسع أرجائه‪ ,‬ال النهاية نهاية وال البداية بداية‪,‬‬

‫فاالقتراب مصيبة واالبتعاد مصيبة‪ ,‬والمصيبة لعنة لفت سماء‬ ‫األحدا‬

‫‪.‬‬

‫الهروب الكبير‪ ,‬إذا‪ ,‬هو الحل لمشكالت بات وزن ُجزئياتها‬

‫يفوق حجم االحتمال‪ ,‬ولكن الهروب يعني عودة‪ ,‬كما العودة‬

‫كانت هروبا‪ ,‬وفي وسط كل ذلك ال يبقى إال اختيار البقاء‬ ‫موه بالرحيل‪.‬‬ ‫الم ّ‬ ‫ُ‬

‫‪9‬‬


‫ولكن أين هو الحل داخل هذه الحلول وحول تلك المصائر‬ ‫المرتسمة بهاالت من االنصياع أو الرفض؟‬ ‫وتبقى اللغة‪ ,‬كما يبقى العنوان‪ ,‬أشياء يمكن بها أو من‬ ‫خاللها تفسير ما ال يمكن اإليمان به‪ ,‬فتسير الحياة ونسير‬ ‫المسير األصغر لتفاصيلنا‬ ‫نحن‪ ,‬وتبقى كلمات األلم هي‬ ‫ّ‬

‫المنهارة‪.‬‬

‫‪10‬‬


‫‪-2‬‬‫كثيرة جدا هي األسباب التي تجعلني أسيرة لقل ٍم وأوراق‪,‬‬ ‫أعيش معها يومي‪ ,‬أتناول الفطور‪ ,‬وترتيب طاولة الغداء‪,‬‬ ‫وقضاء األمسية مع وجبة خفيفة من الحواضر‪ ,‬وألف وجبة من‬ ‫ألم‪ ,‬ودفاتر وكمية هائلة من االستعداد‪.‬‬ ‫كثيرة جدا هي األسباب التي جعلتني‪ ,‬أتحول من امرأة‬ ‫يهابها النهار‪ ,‬إلى بقايا إنسان فقد عنوان تواجده‪ ,‬ورسم البيان‪,‬‬ ‫واتخذ الليل شريكا يتناوبان الحضور!‬ ‫كنت مشروع ثورة من أحالم وعمل‪ ,‬وكانت أليامي ترتيبها‬ ‫المختلف في ذاكرتي‪ ,‬ليس تجاو از للمنطق‪ ,‬أم المجتمع (؟)‬ ‫وانما بالحد األدنى منه‪.‬‬ ‫خطأ واحد كان كفيال بتحطيم بقية أيامي‪ ,‬بأقلها أو أكثرها‪,‬‬ ‫خطأ كضربة قاضية من على حلبة الحياة‪.‬‬ ‫فقبل هذا لم أفكر‪ ,‬يوما‪ ,‬أن اتخذ درب الكتابة طريقا‪ ,‬أو أن‬ ‫استنشقه صب ار‪ ,‬كنت أعيش األدب زادا لالستمتاع‪ ,‬ولم أعش‬ ‫فكرة أني أق أر تاريخا على الورق‪.‬‬ ‫‪11‬‬


‫أتجر على خوض‬ ‫أ‬ ‫إنها المحاولة األولى لي‪ ,‬وما كنت يوما‬ ‫غمار الكتابة‪ ,‬وتخطيط حقولها‪ ,‬فاألدب كان بالنسبة لي عالما‬ ‫آخر‪ ,‬أنظر اليه من باب التلقي‪ ,‬واالستمتاع‪ ,‬وملئ أوقات‬ ‫الفراغ‪ ,‬وجر الساعات إلى عقاربها‪ .‬لكن الذي حد‬ ‫قدرتي على البقاء حي‬

‫كان يفوق‬

‫أكون‪ ,‬أو الصبر‪ ,‬فلم أجد إال مساحة‬

‫الورقة مسرحا‪ ,‬أنتقم فيه ممن أشاء‪ ,‬واسترد فيه ما فقدته‪.‬‬ ‫ستقرؤون عناويني في محطات االنتظار في قطار قادم‪ ,‬أو‬ ‫في حافلة‪ ,‬أو سهرة عابرة‪ ,‬أو مقهى‪ ,‬أو صفحة الكترونية‪,‬‬ ‫وستمرون عليها مرور الكرام على عجل أو تمهل‪ ,‬باكيين أو‬ ‫مبتسمين‪ .‬ولكن أقلكم من سيمكنه أن يق أر ذاكرتي التي تحترق‬ ‫على الورق أو رؤية دخانها الصاعد من أحضان الجمل‪.‬‬ ‫لست أنا التي تكتب هنا‪ ,‬وانما أفكاري هي من تتزاحم‬ ‫متصارعة‪ ,‬فتتدافع في تمازج واستطراد‪ ,‬لست أنا من تكتب‬

‫بقررة نفسها وانما هي حالة تعاظم األلم‪ ,‬و ِ‬ ‫ِ‬ ‫الصد اآلخر‪,‬‬ ‫حالة‬ ‫ا‬ ‫والمزج المتداخل والقيمة‪.‬‬ ‫يئست ذاتي من ذاتي‪ ,‬وفاضت نفسي من نفسها حتى كان‬ ‫كل الذي سيكون‪.‬‬ ‫‪12‬‬


‫مرة‪ ,‬ترغب في‬ ‫باهلل عليكم‪ ,‬تيقنوا أنها ليست مجرد خربشات ال أ‬ ‫قراءة اسمها على كتاب مطبوع في معارض الثقافة أو‬ ‫المكتبات‪ .‬ال يا أصدقاء‪ ,‬إنها قصة األيام‪ ,‬وحكاية األلم‪ ,‬الذي‬ ‫ذر في جسدي‪ ,‬واحتراقا في ذاكرتي‪.‬‬ ‫استشاط ش ا‬

‫‪13‬‬


‫‪-3‬‬‫كنت قريبة جدا من حافة الدمار‪ ,‬وكانت األفكار ترمي بي‬ ‫إلى كل االتجاهات‪ .‬حتى احتل كياني اسم "حرائق الذاكرة "‬ ‫والتي هي أنا‪.‬‬ ‫يصعب أن أجد مف ار من سطوة الكلمات وتوليدها‪ ,‬فقد‬ ‫اكتمل العقد وحانت ساعة البوح‪.‬‬ ‫(غادة) ابنة لفظها القدر‪ ,‬ألب محب‪ .‬متصرف لدرجة‬ ‫االستبداد‪ ,‬وأ ٍم ‪-‬كما كل أمهات الكون‪ -‬بريئة جدا‪ ,‬حنونة فوق‬ ‫العادة‪.‬‬ ‫لدت عام النكسة‬ ‫نبيهة‪ .‬رقيقة‪ .‬طيبة‪ .‬رؤوفة‪ .‬كثيرة الحب‪ُ .‬و ْ‬ ‫(‪ .)1967‬يومها بكى العرب حاضرهم والتاريخ‪ ,‬وتم توقيع‬ ‫صك ضياع فلسطين‪ ,‬فبكتني أمي روحا‪ ,‬ورمتني إلى حضن‬ ‫الحياة مصيبة‪ ,‬من دون هوية‪ ,‬أو انتماء‪ ,‬أو أرض‪.‬‬ ‫يومها ماجت جحافل اليهود في تراب وطني‪ ,‬واستباحت‬ ‫مساحاته‪.‬‬ ‫فلسطين في القلب متحدة‪ .‬محررة‪ .‬وليست شعا ار ينطق به‬ ‫كل قائد عربي‪ ,‬ويتخذها عنوانا للعروبة‪.‬‬ ‫‪14‬‬


‫فلسطين ُجرح نازف‪ ,‬وألف قصيدة ألم وبكاء‪ ,‬ومعتقالت‪,‬‬

‫وشهداء‪.‬‬

‫باسم القومية اغتالوك قصيدة قصيدة‪ ,‬كلمة كلمة‪ ,‬حتى‬ ‫أصبحت في فلك كل قائد عربي شعا ار يعلقه في صدر قاعة‬ ‫مؤتمراته ومؤامراته‪.‬‬ ‫(غادة) من صفد‪ ,‬صفد مدينة الغزوات‪ ,‬وطبريا‪ ,‬وبيسان‪,‬‬ ‫والزالزل‪ ,‬والزيتون‪ ,‬عاصمة الجليل‪ ,‬ضحية الصداقة بين‬ ‫الغرب والشرق‪.‬‬ ‫صفد مدينتي التي يسيل دمها في عروقي‪ ,‬أحسها تسكنني‬ ‫وان لم أسكنها يوما‪ ,‬أو أزرها‪.‬‬ ‫أعيشها في أنفاسي‪ ,‬وذاكرتي البعيدة‪ ,‬حي‬

‫كان تاريخ‬

‫العائلة‪ ,‬وقصة البداية‪.‬‬ ‫فهي الحبيب ُة وكل ما فيها جميل‪ ,‬جميل‪.‬‬

‫ِ‬ ‫صدر‬ ‫تختال في حضن الجليل‪ ,‬وقالدة في‬ ‫أنظرها كأميرٍة‬ ‫ُ‬

‫كل مشتاق ُمبعد‪.‬‬

‫استرقت ذاكرتي عنها من أحادي‬

‫األهل أيام السهرات‪,‬‬

‫ولم أعشها‪ ,‬فقد هاجر أهلي عن أهلهم من تلك الديار قس ار‪,‬‬ ‫‪15‬‬


‫ولدت بدم مهاجر‪ ,‬فحتى‬ ‫في رحلة ما تزال رحاها دائرة‪ .‬قد‬ ‫ْ‬

‫المست تربته لحظة الوالدة كان بصفة القضية‪,‬‬ ‫الحي الذي‬ ‫ْ‬

‫ورمزية القصة‪( ,‬حي المهاجرين)‪ ,‬فعلى الرغم من رقي وجوِه‬ ‫سكانه‪ ,‬وأناقة ترتيب بناياته‪ ,‬إال أنك تستشف من خالل‬

‫اإلمعان في التطلع‪ ,‬رحلة ال تنتهي‪ ,‬وفقدانا لمعنى التالحم‪,‬‬ ‫فلالسم مغزى‪ ,‬كما هي أسماؤنا لها تاريخ في الداللة والتفسير‪.‬‬ ‫وهنا‪ ,‬أيضا‪ ,‬يوجد للفقر معانيه الصريحة بل طريقته في‬ ‫التقسيم‪ ,‬فكلما ارتفعت في الجادات يزداد الفقر‪ ,‬فيما الجادات‬ ‫األولى يسكنها األغنياء‪ ,‬بل أن بيوتها هي األغلى سع ار‪ ,‬بينما‬ ‫ترى البيت األخير بال شبابيك‪ ,‬وقد التصق بالجبل‪ ,‬فجعل أحد‬ ‫جدرانه متكئا عليه‪ ,‬فكلما امتد بك الصعود كلما كنت أفقر‪,‬‬ ‫وكلما كنت آخر المهاجرين‪.‬‬

‫‪16‬‬


‫‪-4‬‬‫وتكور العوالم‪,‬‬ ‫ينحصر لفيف األيام في أصداء التفاصيل‪ّ ,‬‬ ‫وهي رافضة االنزياح‪ ,‬ويلهب األلم رياحين اللغة‪ ,‬وأنا في بحر‬ ‫كل ذلك الهياج المقيت والغموض الملفق أغوص‪ ,‬وال أدري‬ ‫إلى أين؟ الصور التالفة تتجمع في شظايا الذاكرة بمحاولة‬ ‫إلعادة التواجد‪ ,‬فتكون الوالدة‪ ,‬وتكون معها اللعنة وسوء‬ ‫الطالع‪ ,‬هياج لزمن يأبى أن أتواجد ببراءتي فيه‪ ,‬ورفضي‬ ‫اختلف عليه بداية‪.‬‬ ‫المقنع بلغة القبول‪ ,‬إذا تم األمر بقرار ُ‬ ‫ُ‬ ‫(غادة) أولى الحفيدات لعائلة حميد‪ ,‬وعلى ما يظهر فإن‬ ‫والدي كسر قاعدة القدر يوم ولدت‪ ,‬فجدي لم ينجب إناثا‪ ,‬بل‬ ‫أوالدا ذكو ار فقط‪ .‬وعددهم خمسة‪ ,‬أكبرهم والدي رشيد‪ .‬وهو‬ ‫أول من تزوج بين أخوته‪.‬‬ ‫خالصة األمر أني البنت التي سوف تقع عليها جميع‬ ‫التجارب‪ .‬ربما كنت فأرة تجارب هذه العائلة‪.‬‬ ‫كبرت هناك‪ ,‬في ذات الحي وأزقته‪ ,‬يومها كانت األمور أقل‬ ‫فوضوية‪ ,‬وبجمال أتذكر المدرسة التي تلقفت فيها أولى‬

‫‪17‬‬


‫الحروف والكلمات‪ ,‬وفيها استطعت أن أتجاوز حد أن الكلمة‬ ‫ليست صورة‪ ,‬وانما هي حركة وتعبير‪.‬‬ ‫(لبنى األندلسية) كان اسم مدرستي المختلطة‪ ,‬وكانت تركن‬ ‫في قبو إحدى البنايات القريبة‪.‬‬ ‫ذات المدرسة تحولت إلى ملجئ في أيام حرب اكتوبر‬ ‫‪.1973‬‬ ‫كنا أسرة متحابة‪ .‬متفقة‪ ,‬على عادة أغلب أسر الحي‪.‬‬ ‫كنا ستة‪ .‬ثالثة صبيان‪ ,‬وأنا‪ ,‬وأختي‪ ,‬وأمي‪.‬‬ ‫ذاكرتي قادرة على تصوير كل موقف‪ ,‬وسهرة‪ ,‬وتصرف‪,‬‬ ‫إال وجود والدي‪ ,‬فال أجد له فيها أي فضاء‪ ,‬فقد كان يسكن‬ ‫في الخليج موظفا‪ .‬كانت لي عالقة عضوية ببيتنا‪ ,‬فكل ازوية‬ ‫فيه كانت لي ذكرى فيها‪ ,‬كيف ال وقد ولدت فيه وترعرت؟!‬ ‫ليست األماكن كلها بذات األثر االنفعالي في التأثير‬ ‫بالمشاعر لدرجة االرتباط‪ ,‬أمكنة الطفولة كنت أعيشها‬ ‫وكأنها جزء من ذاتي‪ ,‬وكل ازوية من منزلنا‪ ,‬ومن الحارة‪,‬‬ ‫والمدرسة كانت لها وقعها‪ ,‬بحي‬ ‫ُمغادرتها‪ ,‬كذلك كان األصدقاء‪.‬‬ ‫‪18‬‬

‫كان يستحيل أن أفكر في‬


‫بيتنا كان جزءا من نموي وأصدقائي‪ ,‬نلعب معا‪ ,‬ونكبر‬ ‫معا‪ .‬نتسع‪ ,‬ونستطيل في مد العمر وجزره‪ .‬البيت يرتبط دائما‬ ‫في ذاكرتي باللعب‪ ,‬والحارة‪.‬‬ ‫كان اللعب سمة أوقاتنا‪ ,‬نقضي نهارنا به‪ ,‬ونعود مساءا وقد‬ ‫أنهكنا التعب‪ ,‬ننتظر دقائق حتى تأتي أمي مع توبيخة ناعمة‪,‬‬ ‫لتغير مالبسنا‪ ,‬ونغادر للنوم منهكين ونحن ننتظر صباحا‬ ‫آخر‪ ,‬ويوم مدرسة‪ ,‬ولعب آخر‪.‬‬ ‫اللعب ثقافة أخرى ومتعة‪ ,‬وخاصة مع الرفقة‪ ,‬التي تتحد‬ ‫كل يوم‪ ,‬بأصدقاء جدد‪ ,‬وصديقات‪ .‬حتى تختار منهم ما يوافق‬ ‫ميولك‪ ,‬ونفسيتك‪ ,‬وهي أولى مراحل االختيار‪.‬‬ ‫كان لي أصدقاء كثيرون‪ ,‬ومذ التحقنا بوالدي في دولة‬ ‫اإلمارات لم أعد على صلة بأي منهم‪ ,‬واختفوا جميعا من‬ ‫حياتي‪ ,‬وهكذا ضاع أصدقاء الطفولة‪ .‬كنت أعيش طفولة‬ ‫طبيعية في أسرة متفاهمة‪ ,‬كنا نمأل شوارع الحي صخبا‪ .‬كانت‬ ‫لنا حريتنا في اللعب‪ ,‬فلن يقول لنا أحد حاذروا السيارات‬ ‫والغرباء‪ ,‬فأكثر ما يحبه هؤالء الناس هم الغرباء مثلهم‪ .‬كنا‬

‫‪19‬‬


‫نحفظ هذه الفوضى المكانية وندخل إلى حارات لم نكن‬ ‫لنتصور وجودها‪ ,‬فجأة نجد أنفسنا في مواجهة الجبل األصم‪.‬‬ ‫كنت مرحة جدا بجمال األيام‪ ,‬وأكبر برتابة‪ ,‬كأية طفلة‬ ‫تعيش من اليوم كله‪ ,‬مع الوقت كانت مداركي تتسع‪ ,‬وأسئلتي‬ ‫إلى أمي تكثر‪.‬‬ ‫كنت األكبر‪ ,‬وفي ذلك كانت مشاعري أيضا أكبر‪.‬‬ ‫في المدرسة كانت متعة أخرى‪ ,‬فمع كل رنين للجرس كان‬ ‫غنائنا يتنغم‪ ,‬وكانت لمدرسينا علينا ثقافة‪ ,‬وتقدير ما فوقه‬ ‫تقدير‪.‬‬ ‫ما زلت أتذكر حصة الرسم‪ ,‬ورغم بساطة علومها إال أني‬ ‫كنت أغادر محيط قاعة الفنون إلى فضاء تصنعه مخيلتي‬ ‫حي‬

‫كنت أنفرد في التأمل وابتداع ما تجود به ذاكرتي من‬

‫تخيالت‪ ,‬وكيف أنسى الدهشة التي رسمتها لوحتي على وجه‬ ‫معلمتي يوم سلمتها عملي في نهاية الفصل‪ ,‬حينها لم تصدق‪,‬‬ ‫ابتسمت بعمق ومسحت شعري بعبارة رضى وتفاءل بغد مشرق‬ ‫لي‪ ,‬لقد كانت تحتفظ بكل ما أرسمه وكأنها من أعمال فنان‬ ‫مشهور أو هي أعمال فائقة‪ .‬وأيضا أتذكر حصة الرياضة‪ ,‬يوم‬ ‫‪20‬‬


‫كنت أوقفهم صفا واحدا‪ ,‬ونتفق على شروط اللعب‪ ,‬فقد كنت‬ ‫صمام االنضباط لهم‪.‬‬ ‫عالم الصداقة عالم رحب جدا‪ ,‬وخاصة لفتاة حساسة مثلي‪,‬‬ ‫حي‬

‫كنت غيورة جدا‪ ,‬ومجتهدة‪ ,‬أواظب على كامل فروضي‬

‫المدرسية بأناقة وألوان وتسارع‪ ,‬للخروج إلى اللعب واألصدقاء‬ ‫والجيران‪ .‬فحياتي كانت مقسمة دونما‪ ,‬ترتيب مني بين‬ ‫المدرسة والمنزل والشارع وما بينهم‪.‬‬ ‫أحيانا كنت أخرج مع أمي في عادة التسوق‪ ,‬كنت استمتع‬ ‫بذلك‪ ,‬فاستبق والدتي باالستفسار عن سعر هذه الفواكه‪ ,‬أو‬ ‫جودتها‪ ,‬وأتذكر أني دخلت في مساومة السعر مع تاجر‬ ‫ألبسة‪ ,‬يومها أعجبت جدا بكنزة زهرية اللون‪ ,‬مكشوفة الكتفين‪,‬‬ ‫رغم صغر سني‪ ,‬حذرتني أمي من ذلك وأن مثل هذه الثياب‬ ‫ال تناسب ذوقنا العام‪ .‬كان تطبيقا للشريعة‪ ,‬وانما بعمر‬ ‫الزهور‪ ,‬ولكن أمي لم تستطع منعي من ارتداءه في الحلم في‬ ‫المساء ذاته‪.‬‬ ‫ويوم سكنت الحرب البلد‪ ,‬لم أحزن إال ألجل مدرستي‪,‬‬ ‫والتي تحولت إلى مكان إيواء‪ ,‬وأتذكر أن كل شيء حولي قد‬ ‫‪21‬‬


‫تغير‪ ,‬إذ اختفى أصدقاء الشارع‪ ,‬ومن خالل ثقب الباب كنت‬ ‫أتفحص حضورهم كل يوم‪.‬‬

‫‪22‬‬


‫‪-5‬‬‫تتدفق خاليا الذاكرة وتتأهب في نشاط واستثارة‪ ,‬في‬ ‫محاوالت إلعادة التركيب وتدقيق ماضي األحدا ‪ ,‬فترتسم‬ ‫الصور وتتراكب مجددا‪ ,‬لتتم الوالدة التالية متأخرة‪.‬‬ ‫أبعاد الشعور تتطاول وتشع خيوط وهجه‪ ,‬فالمعرفة قليلة‬ ‫والشقاء كبير‪ ,‬ليتعاظم ألم غروري أكثر ويغرقني في أفكار‬ ‫أتناقض واياها وتسيرني‪.‬‬ ‫عام ‪ 1975‬كان القرار الذي رفضته ولم أفهم كنهه‪ ,‬هو أن‬ ‫نغادر الوطن‪ ,‬باتجاه دولة اإلمارات لاللتحاق بوالدي‪ ,‬لم أدرك‬ ‫اعتبارات ذلك‪ ,‬ولكن ما أعلمه أني تألمت جدا من هذا‬ ‫االنفصام القسري بيني وبين األماكن‪ ,‬بيني وبين األصدقاء‬ ‫والجيران‪.‬‬ ‫مع كل ازوية ارتفاع عن األرض‪ ,‬كنت أشعر بأن نفسي‬ ‫المرتبطة ارتباطا وثيقا باألرض ستخرج من نفسها‪ ,‬ومع كل‬ ‫ابتعاد عنها كنت أتابع اقترابنا لصفح السماء‪.‬‬ ‫أخبرت أمي أني أكره السكن في السماء‪ ,‬وأرغب بالعودة‬ ‫إلى األرض‪.‬‬ ‫‪23‬‬


‫ضحكت‪:‬‬ ‫ سنعود قريبا يا صغيرتي‪ ,‬ولكن في النهاية ستكون‬‫السماء مأوانا جميعا!‬

‫‪24‬‬


‫‪-6‬‬‫في المدينة الجديدة كان كل شيء مختلفا‪ ,‬حتى على سبيل‬ ‫أسرتنا‪ ,‬فقد أصبح لنا فيها وافد جديد دائم اإلقامة‪ :‬والدي‪ ,‬وما‬ ‫نتج عنه من تبعات‪ ,‬ألننا لم نعتد وجوده معنا‪.‬‬ ‫الحي الذي سكناه كان شعبيا‪ ,‬بيوته صغيرة‪ ,‬ومنزلنا كان‬ ‫بغرفتين وصالة‪ ,‬جداره من اإلسمنت‪ ,‬وسقفه من الخشب تسمع‬ ‫كل حركة فوقه وتحته‪ ,‬ماء مالح‪ ,‬ح اررة عالية‪ ,‬جنسيات‬ ‫مختلفة‪ ,‬من حسن حظي كان هناك جارة لبنانية طيبة القلب‪,‬‬ ‫صارت صديقة لنا‪ ,‬ومازالت كذلك إلى اآلن‪.‬‬ ‫التقيتها آخر مرة صيف ‪ .1999‬أذكر أنني زرتها في‬ ‫البيت‪ ,‬وقد آلمني منظرها كثي ار‪ ,‬فقد كانت مصابة بمرض‬ ‫الشلل الرعاشي‪ .‬لم تكن كذلك من قبل بل كانت امرأة صلبة‪,‬‬ ‫متماسكة‪ ,‬رّبت ثمانية أوالد‪.‬‬

‫في بادئ األمر كانت ذكرى منزلنا‪ ,‬وأصدقائي‪ ,‬وحينا في‬

‫المهاجرين تشغل ذاكرتي بإلحاح‪ ,‬فقد كنت أتصرف وكأني‬ ‫هناك‪ ,‬لذا كثي ار ما كنت اصطدم بعوائق معتبرة‪.‬‬

‫‪25‬‬


‫نعم… رغم أننا في حينا بدمشق كنا أيضا مختلفين‪,‬‬ ‫ومتنوعي االنتماء‪ ,‬لكني هنا قرأت فروقات كبيرة وتماي از أكبر‪.‬‬ ‫هنا لم أستطع أن أق أر أية مشاعر أو حميمية‪ ,‬فليس للياسمين‬ ‫هنا من معنى‪ ,‬وال تشكل تحية الصباح أي قبول‪ ,‬ليس من‬ ‫حدي‬

‫مع صاحب البقال‪ ,‬أو الجيران‪ ,‬الكل منهمك بعمله‪ ,‬وال‬

‫يبالي بشيء‪.‬‬ ‫تسارعت األمور في (اإلمارات)‪ ,‬فأصبحنا وأصبحت رحلة‬ ‫الهجرة متالزمة معنا‪ ,‬ومن إمارة إلى أخرى‪ ,‬كل ذلك كان يؤثر‬ ‫بشدة علي‪ ,‬وعلى قدرتي على التأقلم مع كل حالة هجرة‪,‬‬ ‫ّ‬ ‫واعادة البدء بصداقات جديدة‪ ,‬وصناعة عالم سريالي يخصني‪,‬‬ ‫ومع ذلك كانت رهافة حسي تتزايد‪ ,‬وكان تأثري بالوسط يكبر‪,‬‬ ‫وبالطبيعة التي بالكاد يمكنك مشاهدتها‪ ,‬لكني كنت أمتزج‬ ‫باللون‪ ,‬والسماء‪ ,‬والحركة‪ ,‬ومع كل دراية كنت أرسم في‬ ‫مخيلتي مختلف الحاالت والمواقف‪ ,‬حتى كان أن اقتنيت‬ ‫أدوات الرسم من متجر قريب بالمصادفة‪ ,‬ومساء كانت لي‬ ‫رحلة في ترجمة تجارب ما مضى على اللوح‪ ,‬وكانت تلك‬ ‫التجربة األولى لي‪ ,‬واألهم من كل ذلك أني كنت أصبح أكثر‬ ‫‪26‬‬


‫سعادة يوم أنتهي من رسم ُمتخيل أو حقيقي‪ ,‬بعد ذلك بات‬ ‫لمكوثي الطويل في المنزل نكهة مختلفة‪ ,‬وقد تجاوزت قصة‬ ‫األصدقاء إلى االكتفاء بالعيش في عالم اللوحات‪.‬‬ ‫التأثير التحكمي الثاني بعد مسألة فرض الهجرة مارسه‬ ‫والدي‪ ,‬يوم قرأت اسمي في قائمة الطالب المسجلين بالصف‬ ‫العلمي‪ ,‬لم يستشرني‪ ,‬أو يخبرني‪ ,‬كان قد فكر وقرر وأنا من‬ ‫يجب أن تنفذ‪.‬‬ ‫اختار والدي أن أدرس الفرع العلمي بخالف رغبتي إذا –‬ ‫امرأة الطاعة والتجارب‪ -‬ورغم محاوالتي اليائسة‪ ,‬وطلب‬ ‫وساطة والدتي وأخوتي ومن يعز عليه إال أن كل محاوالتي‬ ‫باءت بالفشل أمام صوانية إص ارره‪ ,‬على أنه األدرى بميولي‪,‬‬ ‫ومستقبلي‪ ,‬وكأنه سيعيشه‪ .‬رضيت ُمكرهة‪ ,‬وتابعت تعليمي‬ ‫بائسة‪ ,‬ال أجد إال مرسمي ساحة أخرى فيها غادة حرة‪ ,‬تفكر‪,‬‬ ‫تقرر‪ ,‬وتنفذ‪.‬‬ ‫يوم نجحت في تجاوز المرحلة المدرسية بالحصول على‬ ‫الشهادة الثانوية العامة ‪ ,‬عام ‪ 1986‬من إمارة الشارقة‪,‬‬ ‫تخلصت أخي ار من واجب‬ ‫عدت جدا‪ ,‬فقد‬ ‫ُ‬ ‫وبمعدل متوسط‪ُ ,‬س ُ‬ ‫‪27‬‬


‫أُكرهت على تنفيذه‪ ,‬فكان خيالي يجنح بموهبة نحو متابعة‬ ‫تعليمي بكلية الفنون الجميلة‪ ,‬ولم أكن أتصور أن يجابهني‬ ‫كنت أعشق كل‬ ‫مانع‪ ,‬خاصة أنه فرع تخصصي لإلنا ‪ ,‬وقد ُ‬

‫شيء له عالقة باأللوان والموسيقى والتصوير‪.‬‬

‫لكن كان لمصيري تفسير آخر من قبل سعادة والدي‪ ,‬ألنه‬ ‫يرسمه لي وعني بالنيابة‪ ,‬فقد كان يرغب هذه المرة في أن‬ ‫كان‬ ‫ُ‬

‫يكون ُمعدلي عاليا يؤهلني لفرع هو يختاره‪ ,‬لكن الذي حد‬ ‫جامعة اإلمارات لم تقبل طلب انتسابي‪ ,‬فمعدلي كان أقل من‬ ‫أن‬

‫المطلوب كطالبة أجنبية‪.‬‬ ‫وهنا لم يتبق أمامي إال فرصة أخيرة وهي أن أتابع الدراسة‬ ‫في جامعة دمشق‪ ,‬فهكذا كنت أفكر‪ ,‬ولكنه رفض ذلك رغم‬ ‫توفر الظروف السانحة‪ ,‬فنحن ما نزال نمتلك منزال في دمشق‬ ‫يسكنه أخي حي‬

‫العَلم هناك‪.‬‬ ‫يخدم َ‬

‫أمام حالة الصد هذه والندية‪ ,‬لم أجد إال أمي ورقة وساطة‬ ‫وشرح‪ ,‬علها تقنع والدي بذلك‪ .‬كنت أناقشها طويال في هذا‬ ‫الموضوع‪ ,‬إال أنها كانت تختلق له األعذار والمبررات‪ ,‬وأحيانا‬ ‫كانت تُحملني المسؤولية ألنني لم أحصل على معدل ٍ‬ ‫عال‪,‬‬ ‫‪28‬‬


‫وأحيانا أخرى ّتدعي بعدم وجود من أسكن معه في دمشق‪ ,‬وأن‬

‫يصح أن تكون بعيدة عن أهلها‪ ,‬والمزيد من الحجج‬ ‫البنت ال‬ ‫ُ‬ ‫غير ال ُمقنعة وحائط من أعذار الصد اإلضافي‪ .‬ولكنها وال مرة‬ ‫صرحت بحقيقة موقف والدي من انتسابي للجامعة‪ ,‬وهذا كان‬ ‫ّ‬ ‫السبب الحقيقي‪ ,‬فوالدي ال يرغب في إبعادي عنه‪ ,‬أو تمردي‬

‫على مخططاته‪ ,‬وهو ال يرغب في أن يترك فأرة تجاربه تبتعد‬ ‫خارج حدوده‪ ,‬فعلى ما يبدو أن لديه تجارب أخرى‪.‬‬ ‫هذا ما ثبت بالوقائع التي حدثت في األعوام التالية‪ ,‬فأختي‬ ‫صادفتها نفس اإلشكاليات ووافق والدي على الفور بالسماح‬ ‫لها لمتابعة تحصيلها العلمي في دمشق‪ ,‬وفي كلية مختلطة‪,‬‬ ‫فيما كنا ما نزال نسكن اإلمارات‪.‬‬ ‫سؤال دائم اإللحاح في ذاكرتي‪ ,‬ومواقف ال أستطيع تبريرها‬ ‫لماذا رفض والدي أن أختار الفرع الذي أرغب؟‬ ‫لماذا منعني من متابعة الدراسة في دمشق؟‬ ‫لماذا تدخل في رسم تفاصيل حياتي كما يرغب‪ ,‬من دون‬ ‫أن يفسح لي فرصة االختيار‪ ,‬أو حتى االستشارة؟‬

‫‪29‬‬


‫أكان يعتبرني نسخة عنه‪ ,‬أم هو نمط من النرجسية في‬ ‫التملك‪ ,‬أو حب ممارسة السلطة والقوة؟‬ ‫أحيانا كنت أذهب أبعد حينما أفسر تصرفاته نحوي بفقدانه‬ ‫الثقة بي‪ .‬الشيء الوحيد الذي أنا متأكدة منه أن هناك فرقا بين‬ ‫شخص وآخر‪ .‬أنا لست نسخة عن أحد وال حتى عن أمي‪.‬‬ ‫ربما هي الدكتاتورية‪ ,‬أم أني فعال فأرة تجاربه؟‬ ‫وأمام قوة رغباتي‪ ,‬وصرامة مواقف والدي‪ ,‬أصبحت أمام‬ ‫أحد خيارين‪ :‬إما أن أعيد الثانوية العامة‪ ,‬وأحصل على معدل‬ ‫أفضل يؤهلني لدخول جامعة اإلمارات‪ ,‬أو أن أقبل بطرح‬ ‫والدي‪ ,‬وهو أن ألتحق بمدرسة التمريض‪.‬‬ ‫جامعة اإلمارات هي أكثر الجامعات مناسبة لعقليته فهي‬ ‫مثل غالبية الجامعات في دول الخليج‪ ,‬ليس لها أي عالقة‬ ‫بشيء اسمه االختالط بين الجنسين‪ .‬إضافة إلى أنها تخضع‬ ‫لقوانين وشروط خاصة بالدولة‪ .‬أما بالنسبة لمدرسة التمريض‬ ‫فقد كانت تلك هي الدفعة األولى والتجربة األولى‪ ,‬لذا فإنهم‬ ‫كانوا يقبلون معدالت أقل ومن أي فرٍع كان‪ ,‬متجاوزين‬ ‫الجنسية‪ :‬فأرة تجارب مرة أخرى‪.‬‬ ‫‪30‬‬


‫لعل الهدف من ذلك كان تشجيع بنات اإلمارات على دخول‬ ‫عالم التمريض وتغيير نظرة المجتمع‪ ,‬فالمستشفيات بحاجة‬ ‫كن ‪-‬وقتئذ‪ -‬من الجنسيات‬ ‫للممرضات العرب‪ ,‬وأغلبه ّن ّ‬ ‫اآلسيوية‪ ,‬وال يتحدثن العربية‪ .‬إذا انتسابي لهذه المدرسة في‬ ‫ظاهره شبه اختياري‪ ,‬ولكنه في الحقيقة إجباري‪.‬‬ ‫أحببت والدي كثي ار‪ ,‬وأحببت تفانيه في توفير أفضل سبل‬ ‫العيش لنا‪ ,‬لكني انزعجت من تحكمه األعمى الذي مارسه‬ ‫بحقي متجاو از فكرة أني فتاة لها خصوصيتها‪ ,‬وتفكيرها‬ ‫ونظرتها للحياة والمستقبل‪.‬‬ ‫في مدرسة التمريض كانت األمور مختلفة والظروف‬ ‫صعبة‪ ,‬فعالقتي بالدم سيئة‪ ,‬وهذا المكان ال يناسبني على‬ ‫اإلطالق‪ ,‬أحب األلوان‪ ,‬والموسيقى‪ ,‬والتصوير‪ ,‬وليس الدماء‪,‬‬ ‫والكسور‪ ,‬والمرضى!‬ ‫كان كل يوم دوام لي في المعهد بمثابة تنفيذ عقوبة‪ ,‬وقد‬ ‫عانيت من أعراض جانبية‪ ,‬إقياء‪ ,‬والصوم عن تناول الطعام‪,‬‬ ‫والكوابيس ليال‪ ,‬ولم أجد بدا إال حينما طلب مني تنظيف جسد‬ ‫رجل مصاب‪ ,‬ليدفعني ذلك أن أقرر دونما تراجع أن أترك هذا‬ ‫‪31‬‬


‫المعهد إلى غير رجعة‪ ,‬وكانت حجة قوية أيضا رميت بأوراقها‬ ‫أمام والدي‪ ,‬الذي استشاط غيظا‪ ,‬ويأس مني‪.‬‬ ‫مرة أخرى أصبحت أعيش في فوضى االختيار‪ ,‬وغياب‬ ‫الفرص‪ ,‬لذا بدأت في التفكير بالبح‬

‫عن عمل‪ ,‬إال أن فكرتي‬

‫مجددا جوبِهت برفض والدي‪ ,‬بذريعة أن عمل الفتاة مرتبط‬ ‫بالحاجة المادية هنا‪ ,‬ودخلنا ميسور‪.‬‬ ‫وبتجاوز الذريعة إلى السبب الحقيقي الذي كان في كواليس‬ ‫ذلك‪ ,‬فوالدي لم يقرر مصيري ُبعيد فشل مخطط دراستي في‬ ‫التمريض‪ ,‬وتجاربه لم ِ‬ ‫تنته بعد‪ ,‬لذا فهو اآلن في حالة توظيف‬ ‫المطيعة‪ ,‬وأي تمرد من قبلي إليجاد مخرج لن‬ ‫أخرى لفتاته ُ‬ ‫يكون مسموحا به‪ .‬هذا عدا أن والدي ضد االختالط بين‬ ‫الجنسين‪ ,‬وهذا ما يمكن أن يوفره عملي إذا تم‪.‬‬ ‫ليست الحياة سوى حالة ُمزدوجة‪ ,‬والرجل والمرأة فيها‬ ‫صنواها‪ ,‬ومكوناها‪ .‬وأي عزل أو إقصاء ألحدهما ستكون‬ ‫نتيجته عمال غير طبيعي‪ ,‬بل وفاشل‪.‬‬ ‫هل غادة هي ملك لوالدها الذي قرر عنها كل االشياء؟‬ ‫إلى متى سيكون مصيري مرهونا بما يرغبه؟‬ ‫‪32‬‬


‫وأمام احتدام الخالف‪ ,‬ولجوئي إلى العصيان المنزلي‪,‬‬ ‫واالعتصام حتى منحي حرية أن أقرر ولو جزءا يسي ار من‬ ‫حياتي‪َ ,‬قِب َل والدي أن أعمل بمجال التدريس في حضانة‬ ‫لألطفال‪ .‬تلك كانت فرصة حياة مختلفة بالنسبة لفتاة ما‬ ‫اإلردة واألمنية‪.‬‬ ‫عاشت إلى اآلن يوما من ا‬ ‫وانه حقا عالم رائع‪ ,‬هناك كانت إحدى أجمل محطات‬ ‫الم ِرحة‪ ,‬التي كان العالم‬ ‫حياتي‪ ,‬وعدت فيها إلى زمن الطفلة َ‬ ‫ال يتسع لصدى ضحكاتها‪.‬‬

‫‪33‬‬


‫‪-7‬‬‫"إذا لم تكن تعلم إلى أين تذهب‪ ,‬فكل الطرق تفي بالغرض"‬ ‫يا للروعة والتناغم! ويا لجالل ما ستصبح عليه حياتي!‬ ‫أتراها ستكون أفضل حاال وجماال‪ ,‬أم أنه األلم المنتظر في‬ ‫تفاصيل الغد‪ ,‬والذي بالكاد أقرؤه‪ ,‬ولكني رغم ذلك أعيش‬ ‫ّ‬ ‫انتصا ار مختلفا بريشتي ولغتي‪ ,‬اللتان تأبيان القبول في ٍ‬ ‫تحد‬ ‫ُ‬ ‫صارخ؟‬ ‫ما كان يجب للقرار أن يتم‪ ,‬فهي أصغر من أن تكون‬ ‫زوجة‪ ,‬وربة أسرة‪ ,‬وأم ألطفال‪ ,‬إنها حياة أخرى يمكن تأجيل‬ ‫إعالنها قدر اإلمكان‪ ,‬قرأت ذات مرة من إحدى الروايات "أن‬ ‫اإلنسان ال يجب أن يتزوج إال إذا أحس أنه لم يعد ذا نفع"‬ ‫وهي في حروبها المزدوجة مع أسرتها ومع نفسها لم تكن‬ ‫مستعدة إلضافة طرف ثال ‪.‬‬ ‫ولكن أتراها كانت تمتلك مفاتيح القرار في ذلك‪ ,‬أو تجنب‬ ‫حدوثه؟‬

‫‪34‬‬


‫إنه الواقع إذا‪ ,‬وهو الشيء الحقيقي الوحيد‪ .‬وأنا المحترق‬ ‫(ة) بينهما‪ ,‬سأظل أرسم تفاصيل األلم ودقائق الحزن سأظل‬ ‫بأناقة أسطر هول حدي‬

‫تصارعمها المتتالي‪ ,‬سأبقى أكثر‬

‫معها ألنها األشد ألما واألكثر شعو ار وأخاف أن أفقدها في‬ ‫لحظة طيش‪.‬‬ ‫نعم إني اآلن أعيشهما بروح ثالثة هائمة ماجت بينهما‪ ,‬روح‬ ‫األطفال الثال (رنا‪ ,‬مرح‪ ,‬زياد) فأنا هم‪ ,‬وهم أنا‪ ,‬وال ثال‬ ‫بيننا‪.‬‬ ‫صدى كلمات ثالثتهم يتردد‪:‬‬ ‫لم نكن نرغب بالوالدة على هذا الفرض‪ ,‬بروح هائمة ال‬ ‫تعرف الهدوء نظل في حالة جوع لحنان األم‪ ,‬وهمسة األم‪,‬‬ ‫ولمستها‪.‬‬ ‫كم نحتاجك أمي‪ ,‬لنعيش معا ونعوض كل الذي أصبح‬ ‫وكان!‬ ‫كم تحتاجيننا أمي‪ ,‬لتربتي على كتفنا‪ ,‬لتقبلينا قبل النوم‪,‬‬ ‫لتغطينا‪ ,‬لنشرب حليب الصباح‪ ,‬ونخرج في نزهة المساء‪,‬‬ ‫وتختاري ما نلبسه‪ ,‬وتعلمينا فروض الحياة‪ ,‬وأدب المعيشة!‬ ‫‪35‬‬


‫لألم لغة خاصة ال يحسها إال من تجرع قارورة لحن‬ ‫فقدانها‪ ,‬وهنا المصائر المتالعبة بداء الغموض ستتشرب كثي ار‬ ‫من تلك المعاناة‪ ,‬طريق معبدة بآمال متساقطة‪ ,‬على شاكلة‬ ‫زهر اللوز المرصوف‪.‬‬ ‫إذا إنه ذاك القدر الذي يجعل من ترتيب األحدا‬

‫واقعا ال‬

‫يمكن تجاوز هوله‪.‬‬ ‫هكذا تقول أوراق البخت‪ ,‬وهكذا ستتلون األحدا‬

‫التالية‪,‬‬

‫وما أراهُ أكثر مما أستطيع قوله واآلن حان األوان أن أغادر‪.‬‬

‫‪36‬‬


‫‪-8‬‬‫في إحدى جوالت التسوق‪ ,‬حد‬

‫تخاطر بيني وبين شاب‬

‫عابر برفقة أهله‪ ,‬كانت األم تنظر نحوي بشكل غريب‪ ,‬لقد‬ ‫أُعجبت بي على ما يبدو‪ ,‬ورمتني بشباك صيدها كعروس‬ ‫البنها‪.‬‬ ‫في تلك الفترة كنت أحاول قدر اإلمكان تنظيم وقتي لبداية‬ ‫أخرى‪ ,‬صحيح أن وظيفتي في روضة األطفال كمدرسة‬ ‫تبهجني‪ ,‬لكنها كانت عمال مؤقتا‪ ,‬وأنا طموحي كان يتجاوز‬ ‫أن أبقى فيه‪ ,‬إلى رغبتي الشديدة في متابعة تعلمي الجامعي‪,‬‬ ‫بفرع تخصصي‪ .‬لكن الطارئ الذي زلزل كامل حياتي‬ ‫ومستقبلي كان بفعل كبير‪ ,‬فمشروع أن أتزوج ما كان خاط ار‬ ‫في بالي‪ ,‬لذا رفضته على الفور يوم تم عرضه علي‪ ,‬دون أن‬ ‫ّ‬ ‫أفكر في األمر حتى‪ .‬وفوق حيرتي أصبحت أكثر ضياعا‬ ‫وقلقا‪:‬‬ ‫ غادة‪ ,‬ابنتي‪ ,‬لقد تقدم مجددا يطلبك زوجة‪ ,‬وأنا قد‬‫قررت أن أعطيه قرار القبول‪ .‬ابنتي‪ ,‬إنه رجل صالح‪,‬‬ ‫‪37‬‬


‫وهي عائلة غنية‪ ,‬لها مكانتها‪ .‬يابنتي الجميلة‪ ,‬إنهم‬ ‫طيبون‪ ,‬من طينتا‪ ,‬أمه إنسانة تقية‪ ,‬ويناسبوننا‪.‬‬ ‫الجميع قد أفتى بي زوجة إذا‪ ,‬ووافق على إدخالي لتجربة‬ ‫أخرى‪ ,‬رغم أنها جاءت في غير وقتها‪ ,‬فآخر شيء كنت أفكر‬ ‫به هو أن اتزوج‪.‬‬ ‫لكن‪ ,‬وبتأثير موافقتهم جميعا‪ ,‬وباعتباره الزوج المناسب لي‪,‬‬ ‫ومن ناحية أني أردت أن أجد ما يمزق صمت أيامي – لذا‪,‬‬ ‫فكرت في أني سأتمكن‪ ,‬من خالل هذه الخطوة‪ ,‬إيجاد نفق‬ ‫للعبور إلى حال أفضل‪ ,‬وأكثر مغامرة‪.‬‬ ‫األمر برمته جاء مفاجئا‪ ,‬وأستطيع تصنيفه ضمن فكرة‪ :‬إنه‬ ‫كان حالة طارئة بدأت تتشرب برغباتي‪ ,‬أو أني به أردت‬ ‫الهروب من سوار العائلة واإلمالءات وقيود المحيط‪ ,‬وتجاوز‬ ‫سطوة الممارسة إلى فكرة االنعتاق‪.‬‬ ‫هذه الهواجس بدأت تتلبس قرار موافقتي‪ ,‬رغم أني قبل هذا‬ ‫ما كنت أفكر بها أو أعيشها‪ ,‬فقد كنت أصارع ألكون بانية‬ ‫ذاتي في إطار العائلة‪ ,‬أستخلص منها ما أستطيعه من ميزات‪.‬‬ ‫‪38‬‬


‫تلك أسباب دفعتني ألقتنع بفكرة الزواج‪ ,‬لكن لم أستطع بناء‬ ‫قاعدة معرفية حول تفاصيل ذلك‪ ,‬أو أن أفكر بنضج أكثر في‬ ‫الزاوج من شخص بالكاد أعرفه‪ ,‬لم أفكر في أني قد أدفع ثمنا‬ ‫باهظا إن أخطأت القرار‪.‬‬ ‫هذه المرة تنحى والدي جانبا بعيد إرسال رأيه‪ ,‬ولن أستغرب‬ ‫األمر ألنه بشكل أو بآخر جاء منطقيا‪ ,‬ضمن ما كان يخططه‬ ‫لي‪.‬‬

‫‪39‬‬


‫‪-9‬‬‫سيزوروننا غدا مساء‪ ,‬وعلي أن أتميز‪ ,‬فهي المرة األولى‬ ‫التي سألتقي فيها بشاب ضمن حرم العائلة‪ ,‬وبمباركتها‪.‬‬ ‫علي أن أكون دقيقة في المظهر وأن أختار شيئا خاصا‪,‬‬ ‫ّ‬ ‫ولكن كيف؟ نعم سأختار هذا‪ ,‬إنه اللون السماوي الذي أفضله‪,‬‬ ‫سأكون فيه أجمل‪ ,‬وال أدري لما أحس بأن الغد سيكون مختلفا‬ ‫رغم أنها زيارة تعارف ليس أكثر‪.‬‬ ‫كان لقاءا عائليا رسميا‪ ,‬بالكاد استطعت تميزه عن‬ ‫الحضور‪ ,‬وطرحوا رغبتهم في التقارب‪ ,‬من خالل طلبي‬ ‫كعروس‪.‬‬ ‫ال أخفيكم س ار أني من خالل أول تجربة رسمية بدأت أشعر‬ ‫بخطأ المتابعة‪ ,‬وأنه ليس الشخص المناسب لي‪ ,‬فلست التي‬ ‫تقبل األشياء هكذا‪ ,‬كان يجب أن أبتعد‪ ,‬فما أحسسته كانت‬ ‫مشاعر آنية‪ ,‬فتطبعي خاص وتكويني دقيق‪ ,‬وال يجب أن‬ ‫أتمرد على ما سيرت به أيامي‪ ,‬لكنها الرغبة‪ ,‬بل لنقل إنه‬ ‫الفضول واإلعجاب بالفكرة‪.‬‬ ‫‪40‬‬


‫أعلنت موافقتي‪ ,‬دون أن أدرك حجم ذلك‪ ,‬فقد كنت أعتبر‬ ‫المسألة في طور التجربة‪ ,‬وأمامنا أيام الخطبة‪ ,‬وهي فترة‬ ‫تعارف‪ ,‬وليس لزاما االستمرار إذا لم يكن من توافق أو اتفاق‪.‬‬ ‫هذا ما كنت أفكر به على األقل‪ ,‬دون أن أدرك أن األمور‬ ‫سائرة إلى منحى أكثر تثبيتا‪.‬‬ ‫تم عقد قراني الثالثاء ‪ 18‬يونيو‪ /‬حزيران ‪ ,1988‬حينها‬ ‫كانت الحرب العراقية‪-‬اإليرانية في آواخر طقوسها‪ ,‬وأثناء ذلك‬ ‫كان والدي قد تجاوز صمته‪ ,‬فقد اشترط أن تتم الخطبة وعقد‬ ‫القران معا ‪ -‬خط الرجعة تم نسفه إذا – فوالدي كما أصبحتم‬ ‫تعرفونه صاحب قناعات صعبة‪ ,‬وهو يرفض أن يستقبل‬ ‫خطيبي إال بصفة أكبر من كونه خطيبي‪ ,‬وما لم يكن في‬ ‫الحسبان‪ ,‬أن أتحول من مخطوبة إلى زوجة مباشرة‪.‬‬ ‫أصبحت لحياتي انعطافات مختلفة‪ ,‬بروتين متمايز من‬ ‫زيارات رسمية‪ ,‬وعالقات اجتماعية جديدة‪ ,‬تعرفت إضافة إليه‬ ‫على أخته الصغيرة والمدللة‪ ,‬وقد وجدتها سليطة اللسان‪ ,‬بعيدة‬ ‫عن اللباقة منها عن السذاجة‪ ,‬وأيضا على والدته التي عرفتها‬ ‫‪41‬‬


‫كوالدي‪ ,‬من حي‬ ‫نوعا من الخب‬

‫تدخلها في كل التفاصيل‪ ,‬وقرأت في عينيها‬ ‫الذي أورثته إلى ابنتها‪.‬‬

‫سارت عالقتي به بشكل جيد‪ ,‬وان كان تعارفي به محدودا‪,‬‬ ‫وبينما كنت أفكر في استغالل هذه الفترة للتعرف عليه أكثر‪,‬‬ ‫واذ بوالدي يقرر فجأة سفرنا إلى دمشق لقضاء اإلجازة‬ ‫الصيفية‪.‬‬ ‫رغم هيامي بدمشق ورغبتي الشديدة في زيارتها أصبت‬ ‫بصاعقة شلت أعصابي‪ ,‬وتداخلت األمور في مخيلتي‪:‬‬ ‫ أمعقول أن يتم تسيير األمور بهذا المنحى السلطوي‪,‬‬‫ودونما أدنى مراعاة لمشاعري؟‬ ‫اختلفت األمور اآلن‪ ,‬وما عاد مسألة اختيار فرع علمي‪ ,‬أو‬ ‫اختيار قطعة القتنائها‪ ,‬أو عمل لمتابعته‪ ,‬إنه الزواج بشاب‬ ‫بالكاد أعرفه‪ ,‬ومن حقي وواجبي عليهم أن يفسحوا لي فرصة‬ ‫التعرف عليه‪.‬‬ ‫جاء قرار السفر على حين غرة‪ُ ,‬محطما ما تبقى لي من‬ ‫أمل‪ ,‬ومع ممانعتي‪ ,‬وسيل الحجج‪ ,‬أصر والدي على أن‬ ‫نسافر أجمعين‪ ,‬لدرجة تيقنت معها أنه يفعل ذلك متقصدا‪.‬‬ ‫‪42‬‬


‫أتراهُ ينتقم من ابنته‪ ,‬أم هي تجربة أخرى يود متابعتها؟‬ ‫سافرنا إلى دمشق‪ ,‬وحطت طائرتنا ترابها‪ ,‬وعدت إلى بيتنا‪,‬‬ ‫ففاضت مشاعري دمعا على ما كان‪ ,‬وما يكون‪.‬‬ ‫رغم ما أحمله من أشواق لكل زاوية ومنزل‪ ,‬إال أني ظللت‬ ‫ُمضطربة‪ ,‬ولم أستطع أن أجد راحة البال‪ ,‬لقد كنت أحس‬ ‫باالشمئزاز واالضطراب‪.‬‬

‫بقينا هناك حوالي الشهرين‪ ,‬وتواصلي بالمحيط كان سلبيا‬ ‫جدا‪ ,‬مثلما هو تواصلي وخطيبي‪ ,‬فلم أحس منه أية مشاعر‬ ‫ود أو تقارب من خالل العدد القليل من االتصاالت‪ ,‬التي على‬ ‫األغلب كنت أنا من تجريها‪ .‬كنت أعذره بانشغاله في العمل‪,‬‬ ‫أو بفكرة الحياء‪.‬‬ ‫ال أخفيكم أني كنت مشتتة التفكير‪ ,‬وبوضع نفسي قلق‬ ‫جدا‪ ,‬خاصة حين بدأت أتحسس تبعات فكرة أن أصبح مقيدة‬ ‫برابط الزواج‪.‬‬ ‫عدنا إلى اإلمارات وسارت األمور على نحو مغاير‪ ,‬فوالدي‬ ‫استبق كل الترتيبات ُليصدر ق ارره بضرورة اإلسراع في إتمام‬

‫‪43‬‬


‫إجراءات الزواج واإلفراغ منها في أقرب فترة‪ .‬الجميع كان‬ ‫ُمستعجال‪ ,‬وله الرأي إال أنا‪ ,‬صاحبة القرار‪.‬‬

‫مجددا أجابه بالحالة ذاتها‪ ,‬والتحكم المثيل ذاته‪ ,‬وعلى ما‬

‫يبدو فإني قد تخدرت من كثرة المواقف‪ ,‬لدرجة أني بت عاجزة‬ ‫حتى عن مناقشتها‪.‬‬ ‫كم أنت قاس يا والدي لقد جعلت من ابنتك الناضجة‪,‬‬ ‫المثقفة‪ ,‬الواعية‪ ,‬لعبة‪ ,‬وأبقيتها طفلة عاجزة عن أي قرار‪.‬‬ ‫يصعب جدا أن أتمكن من شرح الحالة الصعبة التي كنت‬ ‫أعيشها مع كل موقف‪ ,‬إال أن السهل أن أقضي ليلي التالي‬ ‫أتجرع األلم‪ ,‬وحرقة األعصاب بالبكاء‪.‬‬ ‫لقد سلمت أمري وحياتي إليهم عن رغبة‪ ,‬فأنا بجميع‬ ‫األحوال غير قادرة على أي تصرف إذا لم يريدوه‪ ,‬أما عن‬ ‫فكرة االنتحار فال أتذكر أنها راودتني‪ ,‬لقد تعايشت مع كل‬ ‫ذلك‪.‬‬ ‫أهلي وأهله رددوا "خير البر عاجله" وأنا وهو لم نردد شيئا‪,‬‬ ‫وان تيقنت وقبيل االنتهاء من المراسم أني قد أخطأت‪ ,‬بل لنقل‬

‫‪44‬‬


‫تابعت ممارسة األخطاء بفكرة القبول‪ ,‬هكذا كان تردد‬ ‫مشاعري‪ ,‬ولكنها تأخرت التنبيه‪.‬‬

‫‪45‬‬


‫‪-11‬‬‫"المحبة تصبر طويال‪ ,‬وهي لطيفة‪ .‬المحبة ال تحسد‪.‬‬ ‫المحبة ال تتفاخر وال تتكبر‪ .‬ال تتصرف بغير لباقة‪ ,‬وال تسعى‬ ‫إلى مصلحتها الخاصة‪".‬‬ ‫كانت حفلة مختصرة جدا‪ ,‬وبأحاسيس حزينة جدا‪ ,‬كان‬ ‫التاريخ هو ‪ 21‬أغسطس ‪.1988‬‬ ‫كثيرة جدا هي األفكار الجميلة التي كنت أدخرها ليوم كهذا‪,‬‬ ‫وكم كنت أحلم بطقوس زواج فريدة‪ ,‬فيها أكون مختالة‪ ,‬وأدعو‬ ‫كل أصدقائي‪ ,‬واألهل‪ ,‬ومن أحب‪.‬‬ ‫وكثير جدا هو الحب الذي كنت أخبئه لمن سيكون زوجي‪,‬‬ ‫كنت أرغب فعال أن تكون حياتي ذا نكهة مختلفة‪ ,‬وأن أتمكن‬ ‫من ترتيبها بشكل أصبح فيه قادرة على إعادة تهيئة شخصيتي‪,‬‬ ‫ومواءمتها والحالة الجديدة‪.‬‬ ‫انتهت مراسم الزواج قبل أن تبدأ‪ ,‬فالكل في عجالة من‬ ‫أمره‪ ,‬وكأنهم في سباق وليرحل الجميع فأبقى لوحدي معه‪.‬‬ ‫‪46‬‬


‫لماذا نقونن أفكارنا وفق ما يناسبنا‪ ,‬ونصبغها بصبغة‬ ‫الشريعة والدين‪ ,‬أوليست فترة الخطبة وسيلة تعارف ليحسم في‬ ‫ختامها قرار الزواج؟ لماذا في بالدي يعتبرونها فترة انتقالية‬ ‫ليس أكثر؟‬

‫‪47‬‬


‫‪-12‬‬‫سارت األمور برتابة ودون تعقيدات‪ ,‬ولم أجد الفارق الكثير‬ ‫بين الحياتين قبل أو بعد الزواج‪ ,‬لكني تحولت إلى "ست بيت"‬ ‫وهذا هو االختالف الواضح‪.‬‬ ‫مع األيام كثرت المشاغل اليومية التي ألهتني جزئيا عن‬ ‫التفكير في طموحاتي التي خططتها‪ ,‬خاصة مع تداخل‬ ‫العالقات االجتماعية‪ ,‬والفروض المنزلية‪ ,‬وزوج يغيب كثي ار‪.‬‬ ‫نعم‪ ,‬فمن األيام األولى وهو كثير الغياب‪ ,‬وان حضر فقد كان‬ ‫ينزوي في مكتبه لساعات حتى يحين موعد العشاء‪ ,‬وفي أيام‬ ‫أخرى لم يكن يعود المنزل بحجة العمل‪ ,‬وكثي ار ما كنت أغفو‬ ‫وأنا أنتظره‪ ,‬وحين أفيق ال أجده إال في اليوم التالي مساءا‪.‬‬ ‫كانت حياتنا تسير بديناميكية ُمنفصلة‪ ,‬وكل يوم كان الشرخ‬ ‫يزداد‪ ,‬وان لم تكن المشاكل كبيرة لدرجة الخالف‪ .‬لكني لست‬ ‫التي تأمل هذا‪ ,‬منزال‪ ,‬وسيارة‪ ,‬وخدما‪ ...‬لقد كنت أبح‬

‫عن‬

‫الحياة‪ ,‬ولألسف يوما بعد آخر أحس بأني أفقد ما كنت‬ ‫أمتلكه‪ .‬فوق ذلك تدخالت والدته وأخته في تفاصيل عالقتنا‪,‬‬ ‫‪48‬‬


‫التي لم تكن تتوقف‪ ,‬إضافة إلى زياراتهم الطويلة الكثيرة‪ ,‬والتي‬ ‫غالبا ما كانت تترافق مع افتعال بعض من المشاكل بيني وبين‬ ‫زوجي تارة‪ ,‬أو بيني وبين أخته تارة أخرى‪ ,‬علما أني كنت‬ ‫ألطف األجواء أغلب األحيان‪ ,‬حتى ال تخرج عن نطاق‬ ‫السيطرة‪.‬‬ ‫كانت فترة الحمل صعبة بالنسبة إلي‪ ,‬فتضاعفت التأثيرات‬ ‫ّ‬ ‫النفسية‪ ,‬وقد كنت أرغب طوال الوقت بطعام ُمنوع‪ ,‬وفاكهة‪,‬‬ ‫وزوج يظل بجانبي‪ ,‬إال أن كل شيء تحقق باستثاء األخير‪.‬‬ ‫ولماذا الحمل يا غادة؟‬ ‫هروب آخر وجدتني أسير إليه‪ ,‬أمال في أن يكون له دور‬ ‫في أن يضفي نوعا من التمايز‪ ,‬والجمال على روتين ما نعيشه‬ ‫من حياة زوجية جامدة‪.‬‬ ‫فكرت في أني باالنجاب سأحد‬

‫تغيي ار في تصرفاته‪ ,‬وفي‬

‫عالقتنا‪ ,‬لتُصبح أكثر تواصال وتفاهما‪ ,‬فقد مضى على زواجنا‬ ‫أكثر من عام‪ ,‬ونحن خالله نعيش دونما تواصل حقيقي‪.‬‬

‫‪49‬‬


‫حتى مع خبر كوني حامال ظل بال مباالة‪ ,‬هذه هي عادته‪,‬‬ ‫وان بدأت تتفاقم أكثر تدريجيا‪ ,‬لقد بدأت اشمئز من سوء‬ ‫االختيار‪ ,‬والقرار الذي ألفيت نفسي فيه‪.‬‬ ‫"رنا" أصبحت ُمنتسبا جديدا إلى العائلة مع والدتها التي‬ ‫جاءت في الثال من يناير ‪ ,1990‬تأملت أن تكون فاتحة‬ ‫خير‪ ,‬فوجود طفلة كالقمر في منزلنا نتشاركها كالنا األبوية‬ ‫سيكون له وقع إيجابي‪ ,‬وانجذاب‪.‬‬ ‫رنا كانت منذ الساعات األولى أجمل شيء يضاف إلى‬ ‫حياتي‪ ,‬فمع أول صرخة منها‪ ,‬شعرت بقشعريرة أبهجتني‪,‬‬ ‫ضممتها بحرقة إلى صدري‪ ,‬فيما آالم المخاض تذبحني‪,‬‬

‫حي‬

‫ولكنها كانت تخدرها ساعة أنظرها نائمة‪ ,‬أو تتناول طعامها‬ ‫بنهم‪.‬‬ ‫كنت أزهو بها تغريدا‪ ,‬وكان صوت بكائها موسيقا في‬ ‫سمعي‪ ,‬كنت أراقبها كيف وهي تكبر‪ ,‬وتبكي وتنام‪ ,‬وأعيش‬ ‫معها اللحظة بلحظة‪.‬‬ ‫تغيرت الكثير من األمور‪ ,‬بعد مجيئها فانشغالي بها‪ ,‬وبقضاء‬ ‫حاجياتها أنستني كل همومي السابقة‪ ,‬وزوجي أيضا‪.‬‬ ‫‪50‬‬


‫هو بجميع األحوال خارج نطاق االهتمام بي‪ ,‬أو حتى‬ ‫جعله في حل من أي ارتباط إضافي‪.‬‬ ‫بابنته‪ ,‬ومجيء رنا قد‬ ‫ُ‬ ‫ولم يحد‬

‫أي تطور في عالقتنا‪ ,‬بل لقد سارت بعكس‬

‫المسار‪ ,‬فبالكاد أصبحنا نجتمع‪ ,‬أو نتناقش‪.‬‬ ‫ولعل األمر الفيصل الذي لعب دوره في تطوير األحدا‬ ‫هو الخالف الذي حد‬

‫بيني وبين أخته‪ ,‬وتطور إلى حد‬

‫االعتداء علي‪ ,‬فلم أجد إال صدر أمها مكانا للشكاية‪ ,‬والتعبير‬ ‫ّ‬ ‫عن االمتعاظ‪ .‬حد األمر فجأة‪ ,‬والحقا أدرك ُت أنه كان‬ ‫مفتعال‪ ,‬وجاء تعبي ار عن عدم قدرتهم على تقبلي‪.‬‬

‫خيار واحدا‪ ,‬وهو والدي التصل به‪ ,‬رغم رغبتي‬ ‫ا‬ ‫لم أجد إال‬ ‫في إبقاءه بعيدا عن مشاكلي لكني كنت وحيدة هنا‪ ,‬لم يسمح‬ ‫لي باصطحاب ابنتي الصغيرة‪ ,‬كان يمارس نوعا من الضغط‬ ‫والتعذيب النفسي الذي يمتهنه‪ ,‬بقيت أسبوعين وفيها حرائقي‬ ‫تشتعل شوقا البنتي وحالها‪ ,‬فهي طفلة صغيرة وكم تحتاج‬ ‫ألمها! وال أدري كيف تطورت األمور ليتصل بي مهددا‬ ‫بالطالق إن لم أعد‪ ,‬وليطلقني الحقا غيابيا‪.‬‬

‫‪51‬‬


‫المسألة برمتها كانت مجرد خالف‪ ,‬محصور بيني وأخته‪,‬‬ ‫وان كان من خطأ فكالنا يتشارك فيه‪ ,‬ومن ثم كيف يكون‬ ‫الحكم غيابيا وبأقصاه‪ ,‬وكيف تكون كلمة " طالق " حاضرة‬ ‫اآلن‪.‬‬ ‫لم أفهم سبب الكره الدفين اتجاهي‪ ,‬وسبب جفائه! لم أستطع‬ ‫تفسير تصرفاته لقد كان يتصيد أي موقف ليعبر لي عن مدى‬ ‫كرهه‪ ,‬وحقده نحوي‪.‬‬ ‫رغم أن األمور هدأت بيننا الحقا‪ ,‬بفعل تدخل األصدقاء‪,‬‬ ‫لكني مع هذا الموقف شعرت تماما بمدى السوء الذي بت‬ ‫أعيشه‪ .‬واأليام التي عشتها في فترة" الطالق" كانت قاسية‬ ‫بالنسبة ألم تم تغييبها عن طفلتها وهي بعمر أقل من عام‪.‬‬

‫‪52‬‬


‫‪-14‬‬‫"في األمور العظيمة يتظاهر الرجال كما يحلو لهم وفي‬ ‫األمور الصغيرة يبدون على حقيقتهم‪ – ".‬شامبور –‬ ‫كنت أشغل نفسي برسم لوحة‪ ,‬حين طرقت باب غرفتي‬ ‫أخته هيام تستأذن أن نتحاد‬

‫قليال فيما الصغيرة رنا منشغلة‬

‫كما العادة بدميتها‪ ,‬وترتيب منزل اجتهدت تبنيه لها‪.‬‬ ‫جاءت بوجه مقلوب‪ ,‬تطلب مني أن أكون أكثر مرونة في‬ ‫التعامل مع زوجي ومعهم‪ ,‬وليتطور النقاش بيننا إلى درجة أني‬ ‫وجدتها تحاول فرض رأيها علي‪ ,‬فطلبت منها عدم التدخل في‬ ‫ّ‬ ‫خصوصيتنا‪ ,‬لكنها لم تتحمل على ما يبدو موقفي‪ ,‬فاندفعت‬ ‫نحوي في محاولة الفتعال عراك‪ ,‬فتجنبتها‪ ,‬طالبة منها‬ ‫المغادرة‪.‬‬ ‫وفي ذات المساء عاد زوجي مبك ار لم يسلم علي‪ ,‬أو على‬ ‫ّ‬ ‫ابنته‪ ,‬وبخني بنظرة حادة‪ ,‬وخرج من المنزل بعد دقائق‪.‬‬

‫‪53‬‬


‫ليتصل بي بعد أقل من ساعة‪ ,‬طالبا مني أن أرتب نفسي‬ ‫لمغادرة المنزل‪" :‬لم أعد أريدك في منزلي‪ ,‬سأعود بعد قليل‬ ‫حاذري التواجد‪ ,‬اتركي رنا وغادري‪".‬‬ ‫لم أناقشه أو أرد عليه‪ ,‬وضعت سماعة الهاتف وساد الهدوء‬ ‫للحظات ليكسره رنين الجرس‪ ,‬فقد عاد ليتأكد من مغادرتي‪.‬‬ ‫تركت المنزل وأنا ال أدري ما القصة‪ ,‬وأين أذهب‪ ,‬لم أجد‬ ‫إال منزل صديقتي هالة‪ ,‬مكانا ألجأ إليه‪.‬‬ ‫يوم وتتصل بي والدته‪ ,‬طالبة مني أن نلتقي لشرح المشكلة‬ ‫معتبرة أن ما حد‬

‫كان مجرد سوء تفاهم‪.‬‬

‫وافقت على العودة معها ُمكرهة‪ ,‬وخاصة أني لم أتحمل غيابي‬

‫عن طفلتي مختصرة األمر في خالف عارض‪ ,‬يمكن ألي‬

‫أسرة أن تعيشه‪ ,‬لكن المخيب لآلمال‪ ,‬أن ال تلقى طرقاتنا لباب‬ ‫منزله أي صدى‪ ,‬رغم يقيننا بأنه في الداخل‪ ,‬لكنه رفض فتح‬ ‫الباب‪ ,‬مضيفا إهانة أخرى أكثر إيالما وجرحا لكرامتي‪ ,‬غير‬ ‫مبال باإلهانة المرافقة التي تتلقاها قبلي أمه‪ ,‬ومدى الخجل‬ ‫الذي تلبسته‪ .‬حاولت االتصال به‪ ,‬لكنها عادت بعد دقائق‪:‬‬ ‫"إنه خارج اإلمارة لعمل هام‪ ,‬ولن يتمكن من العودة اليوم‪".‬‬ ‫‪54‬‬


‫أتضحت الصورة تماما‪ ,‬فافترقنا وأنا أق أر عالئم غضب على‬ ‫وجهها‪ ,‬فيما أخته التي انضمت إلينا الحقا لم تستطع كتمان‬ ‫ابتسامتها‪.‬‬ ‫مضت أيام أللتقي بهم صدفة أثناء زيارتي إلحدى‬ ‫الصديقات "سعاد"‪ ,‬وقبل أن أكتشف تواجدهم‪ ,‬ناب إحساسي‬ ‫عن بصري بالتعرف على صدى أنفاس رنا‪ ,‬وحركاتها‪.‬‬ ‫ابنتي هنا إذا‪ ,‬حضنتها بكثير من الدموع‪ ,‬وحضنتني هي‬ ‫بشوق طافح‪.‬‬ ‫مؤكد أنهم يزورونها لالستفسار عن أخباري‪ ,‬هذا كان ظني‬ ‫الذي صدق الحقا‪ .‬ومع ذلك ارتئيت أن أظهر بشائر االرتياح‬ ‫لهذه المصادفة‪ ,‬مزيلة عالئم االنزعاج التي ترسمت على‬ ‫محياي‪ .‬بادلتهم االبتسامة‪ ,‬وحينما اقتربت أكثر للمصافحة‬ ‫تهربوا عابسين‪ .‬ساد صمت كئيب المكان‪ ,‬فيما صديقتي‬ ‫تمطرهم كرما وضيافة‪ ,‬وأمام هذا الذهول الذي طال‪ ,‬عاودت‬ ‫حماتي حديثها الذي على ما يبدو أنها كانت تسرده قبيل‬ ‫دخولي‪" :‬ولكن ابني قد طلقها يا سعاد‪".‬‬ ‫المطلقة!؟‬ ‫إذا انا" غادة" "أم رنا" هي ُ‬ ‫‪55‬‬


‫كان وقع وطريقة تلقين الخبر صاعقة بالنسبة لي‪ ,‬كيف‬ ‫الم أرة متدينة‪ ,‬ربت أوالدا‪ ,‬وتعيش في أسرة كريمة أن تكون‬ ‫بكل هذه الوقاحة‪ ,‬والسماجة؟‬ ‫أمعقول أنهم يكرهونني إلى هذا الحد؟‬ ‫أليس في قلوبهم قطرات رحمة ورأفة بي وبهذه الطفلة‬ ‫الصغيرة‪ ,‬التي أصبح لها ما يزيد عن األسبوع وهي تستنجدهم‬ ‫إيابي بدموعها‪ .‬أي ذنب ٍ‬ ‫كبير اقترفته؟‬ ‫أنا التي تنازلت عن حياتها‪ ,‬وشبابها‪ ,‬وأحالمها ألجل رجل‪,‬‬ ‫عله يكون لي السبيل إلى حياة افضل‪ ,‬أكثر إجالال‪.‬‬ ‫توقفت الحياة من حولي وتحولت أمواجا تضربني‪ ,‬وتجمدت‬ ‫مشاعري‪ ,‬فلم أجد إال طفلتي التي غفت براحة وهدوء في‬ ‫الملهي عن حجم البؤس واليأس الذي سكنني‪.‬‬ ‫حضني ُ‬ ‫لم أتحمل‪ ,‬رغم محاوالت التجلد‪ ,‬حتى وجدت عيناي‬ ‫تخوناني بالدموع‪ ,‬ولتمتد الخيانة إلى لساني‪" :‬كيف يغدر بي‬ ‫بهذه الطريقة الجوفاء‪ ,‬وال أعلم بالخبر‪ ,‬حتى ذهبت إلى بابه‬ ‫معكم؟"‬

‫‪56‬‬


‫م ار ار حاولت أن أغادر منزل صديقتي‪ ,‬فلم أعد أحتمل‬ ‫أكثر‪ ,‬لكن إلحاحها‪ ,‬ودموع رنا جعالني أتمهل‪.‬‬ ‫إنه الغدر بعينه‪ ,‬وانها قمة اإلساءة‪ ,‬وقلة في القيم‪,‬‬ ‫واألخالق‪.‬‬ ‫في مكان آخر‪ ,‬خارج دائرة جلسونا كان عمي "هشام"‪,‬‬ ‫وصاحب الدار جالسين‪ ,‬فهما على تعارف منذ وقت طويل‪,‬‬ ‫وغاب عن بالي عن فكرة أن تحاول سعاد وزوجها التوسط مع‬ ‫عمي للمصالحة‪ ,‬فهي األدرى واأل أرف بحالي‪ ,‬وهي الصديقة‬ ‫الطيبة التي كنت أشاطرها آالمي م ار ار‪ ,‬وحظي العاثر‪.‬‬ ‫قدم زوجي فجأة‪ ,‬فقد اتصلوا يطلبونه الحضور‪ ,‬فترجتني‬ ‫سعاد أن أهدأ واستجمع قواي لترافقني إلى غرفة الجلوس حي‬ ‫الجميع‪.‬‬ ‫دخلت عليهم بتحية سالم‪ ,‬وانزويت جالسة‪.‬‬ ‫أمام هذه البرودة في الترحيب انزعج عمي الذي أصبح لي‬ ‫فترة ولم التقيه‪.‬‬ ‫أمعن يلقن دروسا في الود‪ ,‬وحرمة المعاشرة‪ ,‬والحياة‬ ‫الزوجية‪ ,‬وهنا قاطعته‪" :‬لكنني مطلقة!"‬ ‫‪57‬‬


‫كان وقع الخبر مفاجئا‪ ,‬فعلى ما يبدو أنه أيضا كان يجهل‬ ‫الخبر‪ ,‬فانزعج جدا‪ ,‬وأحس بضعف موقفه‪.‬‬ ‫تدخل صاحب الدار ملطفا األجواء‪ ,‬وعرض فكرة‬ ‫المصالحة‪ ,‬وتجاوز الخالف‪" :‬فلساعة الغضب تأثير سلبي‪,‬‬ ‫وهي التي أنجبت هذه التصرفات غير المسؤولة أو المستعجلة‪.‬‬ ‫تمت المصالحة شكليا‪ ,‬وعدت إلى عصمته‪ ,‬وأنا أستشف‬ ‫التفاؤل والود وألول مرة في تصرفاته‪ ,‬وبعيد إتمام مراسم‬ ‫العودة‪ ,‬وجدته أكثر تقبال ووجدت محياه يرحب بي‪.‬‬

‫‪58‬‬


‫‪-15‬‬‫المحاولة إذا ُمتداركة من خالل إيجاد طابع خاص فيه‬ ‫تتجلى الفردية الخالصة‪ ,‬ال يمكن الرفض كما ال يمكن القبول‬ ‫فيبقى التعايش المقنع بجملة مواقف ظاهرة ملبية لقوانين‬ ‫المجتمع هو فرصة التواجد‪.‬‬ ‫افترقنا عن األصدقاء وعمي أمام باب الدار‪ ,‬ورنا نائمة في‬ ‫حضني بعمق‪ ,‬ال أخفيكم أني وجدته أكثر رأفة‪ ,‬أتراها رنا من‬ ‫تكون السبب؟ لقد عاشت أسبوعا قاسيا‪ ,‬وهو اللحظة يجدها‬ ‫غافية في راحة بال‪.‬‬ ‫عادت األمور إلى حالتها‪ ,‬ولكني كنت سعيدة بطفلتي كما‬ ‫هي سعيدة ألجل عودتي وهذا حاليا يكفيني‪.‬‬ ‫أخي ووالدي أبقيتهما خارج دائرة ما كان يحد‬

‫معي‪ ,‬وفي‬

‫ختام كل اتصال كنت أطمنئهم عن مساحة السعادة التي‬ ‫أعيشها‪ .‬لم أخبرهم بما مررت به‪ ,‬ولكن الخبر وصلهم صدفة‪,‬‬ ‫فكانت صدمة وخاصة لوالدي معتب ار أن ما حد‬

‫ال يمكن‬

‫السكوت عنه‪ ,‬وأن في الموقف إهانة له وللعائلة‪ ,‬فأقنعته بأن‬ ‫‪59‬‬


‫األمور اآلن تسير بشكل أفضل‪ ,‬من ناحية إحسانه في‬ ‫معاملتي‪ ,‬وبالطبع كنت أكذب في الشطر الثاني‪.‬‬ ‫اتصلت سعاد تخبرني عن رغبتها في جمعنا على طاولة‬ ‫عشاء‪ ,‬وأعجبني الخبر‪ ,‬سيكون جميال لو جلسنا جميعا حول‬ ‫المائدة في أمسية عشاء وما لهذا من أثر إيجابي في إضفاء‬ ‫روح جديدة في عالقاتنا‪ ,‬فوجدت الفرصة سانحة‪.‬‬ ‫قبل الجميع الدعوة‪ ,‬ووالدي أيضا تمت دعوته وان قبلها‬ ‫بإلحاح‪ ,‬ورفض أن يبادلني أية كلمة خالل المأدبة‪.‬‬ ‫كنت أجهز نفسي للتحضر لحفل العشاء وفي أثناء بحثي‬ ‫عن مجوهراتي لم أجدها في مكانها‪ ,‬لقد كانت الحقيبة فارغة‬ ‫تماما‪ .‬سألت زوجي عن األمر‪ ,‬فأكد أنه الذي أخذها‪ ,‬لفك‬ ‫حاجة صديق‪.‬‬ ‫هل يصح بعرف العادة أن يتم التصرف بممتلكات الغير‬ ‫دون الرجوع إليهم؟ رغم انزعاجي الشديد‪ ,‬لكني لم أناقشه في‬ ‫ذلك‪.‬‬ ‫كنت أرغب في تحسين عالقتنا‪ ,‬وفضلت الصمت‪ ,‬وأنا‬ ‫المخزي أني الحقا استبينت مكان‬ ‫ألوك يأسي مجددا‪ .‬لكن ُ‬ ‫‪60‬‬


‫صدفة في حقيبة كان يقتنيها س ار‪,‬‬ ‫مجوهراتي يوم لمحتها ُ‬ ‫إضافة إلى جواز سفري‪.‬‬ ‫لم يكن يتوقع دخولي‪ ,‬أسرع يغلق الحقيبة‪ ,‬وتظاهرت بأني لم‬ ‫أرى شيئا‪.‬‬

‫‪61‬‬


‫‪-16‬‬‫"السعادة صبية جميلة تسكن في أعماق القلب ولن تجيئ‬ ‫إليه من ُمحيطه‪ ,‬وأنا لما فتحت قلبي لكي أرى السعادة‪ ,‬وجدت‬ ‫هناك مرآتها وسريرها ومالبسها‪ ,‬ولكنني لم أجدها"‬ ‫جبران خليل جبران‪-‬‬‫أيام قليلة وعادت األمور إلى روتينها السابق الذي كان من‬ ‫ناحية عالقتنا وبرودتها‪ ,‬لم أعد اكتر لذلك حتى‪ ,‬أصب كل‬ ‫اهتمامي على طفلتي‪.‬‬ ‫لم أفقد األمل وكنت حريصة على أن يسود الود حياتنا‪,‬‬ ‫لكني لم أحصد إال المزيد من التعذيب النفسي واإلهمال وعدم‬ ‫االكت ار ‪ ,‬ال بل ساءت األمور أكثر‪ ,‬فقد تجاوز كل ذلك إلى‬ ‫ممارسة عادة الضرب‪ ,‬وبدأ يفتعل مشاكل من أمور صغيرة أو‬ ‫كبيرة‪ ,‬وبنتيجتها يكون القصاص دائما بلغة الضرب‪.‬‬ ‫نعم أصبح الضرب وسيلته للتعبير‪ ,‬ولم أجد بدا إال أن‬ ‫أتواصل مع أمه علها تكون فاعلة خير بيننا‪ ,‬وأن تكبح‬ ‫جماحه‪ ,‬لكن لألسف لم أكن أحصل إال على مزيد من الوعود‪,‬‬ ‫دون إحدا‬ ‫‪62‬‬

‫أي تهدئة‪ ,‬بل كانت تحذرني من مغبة التمادي‪,‬‬


‫بفكرة أن يطلقني لمرة ثانية‪ .‬لقد كانت قاسية جدا معي‪ ,‬وكانت‬ ‫سببا إضافيا لتعمق مأساتي‪.‬‬ ‫بدأت حالتي تسوء شيئا فشيئا‪ ,‬وبدأت أفقد وزني أكثر‪,‬‬ ‫أنظر إلى‬ ‫والحزن يسربل نفسيتي‪ ,‬جلست أمام المرآة‪ ,‬و ُ‬ ‫أخذت ُ‬

‫وجهي بذهول وأقول في خطاب مع الذات‪:‬‬

‫ أمعقول أن يكون هذا الرسم‪ ,‬لذات الفتاة التي كانت‬‫كلها حياة‪ ,‬وربيع! من ت ارها تكون هذه المرآة الشاحبة؟‬ ‫ما الذي يحد ؟ وهذا الشحوب‪ ,‬وهذه الهاالت السوداء‬ ‫النامية تحت عيني‪ ,‬بل وكل هذا الذبول؟!‬ ‫بدأت شهيتي للطعام تتالشى‪ .‬هزَل جسمي‪ ,‬وغادرتني‬ ‫ْ‬ ‫صرت أحب العزلة‬ ‫االبتسامة بعد ما كانت ال تفارق شفتي‪,‬‬ ‫ُ‬ ‫وأكلم نفسي كثي ار‪ ,‬فأقضي ليلي سه ار وبكاءا‪.‬‬

‫كل ذلك وعالقتي بزوجي تزداد توت ار‪ ,‬كلما حاولت التقرب‬ ‫أشياء أر ُيد اإلفصاح له عنها‪ ,‬ثمة‬ ‫منه أجد الرفض‪ ,‬هناك‬ ‫ُ‬ ‫مسافة بيننا‪ ,‬ولكنه ال يسمعني‪.‬‬

‫‪63‬‬


‫كان يعتقد أن مجرد وجوده في البيت يعني أنه موجود في‬ ‫حياتي‪ .‬ولكن الحقيقة هي أن كال منا كان يشعر بنفسه غريبا‬ ‫عن اآلخر‪.‬‬ ‫أين هو رفيقي في الحياة؟‬ ‫صحيح أن المرأة ‪ -‬بدافع خوفها على أسرتها وحرصها على‬ ‫استمرار عالقتها الزوجية ‪ -‬تصفح وتعفو وتتحمل‪ ,‬وصحيح‬ ‫أن التسامح قد يحد‬

‫تغيي ار جذريا في نفس من يمارسه‪ ,‬ولكن‬

‫ربما صار التسامح لدى البعض دافعا مغريا لممارسة اإلساءة‬ ‫مرة أخرى‪ ,‬وهنا يجب الحذر‪.‬‬ ‫خالف إضافي أولده فجأة‪ ,‬وهو كوني أخرج إلى الطريق‬ ‫حاسرة الرأس‪ ,‬مع مرور الوقت وجدت أنه يتمحص عن أية‬ ‫نقطة إشكال ليثيرها‪ ,‬بغرض فرض نفسه وأهوائه‪ ,‬ولو باإلكراه‪.‬‬ ‫وصل به األمر إلى حد التهديد بالطالق مرة أخرى‪ ,‬هذه‬ ‫السلطة التي ال ينكفئ عن إشهارها في كل مناسبة تهديد‪.‬‬ ‫أشد ما يؤلمني أني أنفذ األمر ليس من منطلق الحرص أو‬ ‫الدين‪ ,‬بل ألجل سادية منه‪ ,‬فهو شخص متناقض تماما‪ ,‬ليس‬ ‫متدينا‪ ,‬ال يصلي وال يصوم‪ ,‬وانما يدعي ذلك‪ .‬لقد رأيته بأم‬ ‫‪64‬‬


‫يدخن السجائر خلسة‪,‬‬ ‫أنه كان‬ ‫ُ‬ ‫عيني فاط ار في رمضان‪ ,‬حتى ُ‬

‫ولم أره يوما يق أر ولو جزءا من القرآن‪.‬‬

‫كنت أجد في غيابه عن البيت ساعات راحة واطمئنان‪,‬‬ ‫ولكنه يوم تنبه إلى ذلك عمد إلى أمر مختلف‪ .‬فقد قام‬ ‫باستقدام أخيه إلى منزلنا ليشاركنا السكن‪.‬‬ ‫لم يستشرني في ذلك‪ ,‬فهذا منزلي أيضا! حاولت بداية‬ ‫استيعاب المسألة‪ ,‬لكن مع الوقت أصبحت أضيق ذرعا به‪,‬‬ ‫وتصرفاته التي بدت لي أنه كان يتقصدها من ناحية فرض‬ ‫نفسه كرجل ثاني في المنزل‪ ,‬وتقييد حريتي‪ ,‬إضافة إلى‬ ‫تصرفاته غير المسؤولة‪ ,‬واقتحامه الدار من دون إذن‪ ,‬فهو‬ ‫شخص غريب بالنسبة لي‪ ,‬وسيبقى كذلك‪.‬‬ ‫وضحت لزوجي انزعاجي من دخوله المنزل دون قرع‬ ‫الباب‪ ,‬إال أنه ‪ -‬كالعادة ‪ -‬لم يهتم‪ ,‬فاألمر ال يعنيه إذا كان‬ ‫متعلقا براحتي‪ ,‬بل العكس هو المطلوب‪.‬‬ ‫تفاقمت األمور فأخذ يمعن في إساءته إلي‪ ,‬ومما أذكره ‪-‬‬ ‫على سبيل المثال ‪ -‬أنه دلق على رأسي القهوة في منتصف‬ ‫الليل وأنا نائمة فيما الصغيرة رنا في حضني‪ ,‬بحجة أنني‬ ‫���65‬‬


‫أهملت غسل الركوة‪ ,‬أو أن يطردني من الغرفة وغير ذلك‪,‬‬ ‫وحتى حينما كان األمر متعلقا بحاالت طارئة كمرض رنا‬ ‫مثال‪ ,‬يومها رفض اصطحابنا الى طبيب‪ ,‬وقبل ذلك كان قد‬ ‫استخلص مني سيارتي بحجة أنها في التصليح ألغادر لزيارة‬ ‫أقرب طبيب بسيارة أجرة‪.‬‬

‫‪66‬‬


‫ما كانت الخاتمة ستكون إال لحزن عميق في داخلي‪ ,‬فقد‬ ‫كبر وانتشر عبر السنين العشر‪ ,‬التي قضيتها معه‪ ,‬تلك التي‬ ‫لم أجد فيها أي حب أو أمل‪.‬‬ ‫كانت االستفسارات تتزاحم في صدري‪ ,‬كلما تدنت بنا الحياة‬ ‫إلى ما دون الصفر‪.‬‬ ‫لماذا أغلق على روحي منافذ الفكر وحبسها في قوقعة من‬ ‫الحزن واالكتئاب؟‬ ‫لقد وصلت إلى حالة الالوعي‪ ,‬فقدت خاللها إمكانية ضبط‬ ‫أعصابي‪ .‬عانيت من اإلحباط الذي أوصلني إلى االنهيار‬ ‫العصبي‪ ,‬حتى اندفعت إلى حالة اإلدمان على تناول‬ ‫المهدئات‪.‬‬

‫‪67‬‬


‫‪-17‬‬‫ويستمر الغوص كما تستمر الحكاية في جو من الكآبة‬ ‫المقيتة واللعنة الدفينة المسيرة لمجمل األحدا ‪ ,‬فيكون‬ ‫االحتالل والحضور في ساحة تتوالد لتولد نوعا من اإلبداع‬ ‫المموه بإشكالية الحل وغموض التحليل‪ ,‬ساحة ُيحار في‬ ‫بنيانها وتحليل أسبار أغوارها‪.‬‬

‫الهدف معالمه جد غامضة‪ ,‬والغاية تفاصيلها جد متراكبة‬ ‫ومعقدة‪ ,‬ولكن الرسالة واضحة‪ ,‬وهي تأتي كمتابعة لسلسة‬ ‫أفكار ترسخت خالل زمن بعيد‪.‬‬ ‫الدين والقانون غائبان‪ ,‬أو لنقل بصورة أوضح أنهما‬ ‫ُم َغيبان‪ ,‬واال فما القانون الذي يحكم سير وتفاصيل حياتنا‬ ‫اليومية‪ ,‬وأي دين يضبط تشرذم روحنا‪ .‬ما نعيشه ضياع تام‪,‬‬ ‫وتمثيل واضح لبعض األفكار الدينية المكتوبة بأهوائنا‪,‬‬ ‫استقيناها بداعي الرهبة أو البهرجة‪ ,‬أو لنقل إنها جملة‬ ‫تصرفات امتلكناها وراثة‪.‬‬ ‫العادات والتقاليد أضحت مذهبا خالصا يمنطق تفاصيل‬ ‫تصرفاتنا ومسيرة مجتمعنا‪.‬‬ ‫‪68‬‬


‫الفوضى في العالقات‪ ,‬وسيطرة الميول‪ ,‬وتراجع دور‬ ‫فقد حلقات‬ ‫القانون‪ .‬كل ذلك وغير ذلك تنامى في مجتمع َ‬ ‫وغيبت معالمه‪.‬‬ ‫وجوده‪ ,‬فضاع في متاهة الموجودات ُ‬

‫‪69‬‬


‫‪-18‬‬‫كانت عالقتنا تزداد تدهو ار‪ ,‬وتسوء أكثر يوما بعد يوم‪,‬‬ ‫وبتعمد من جهته‪ ,‬فبشكل أو بآخر كان يعتبرني خادمة في‬ ‫منزله ليس أكثر‪ ,‬كل ذلك وهو يرغب في إنجاب طفل آخر‪,‬‬ ‫فهو رجل شرقي ويريد ابنا يحمل اسمه واسم عائلته‪ ,‬وأنا في‬ ‫ذلك وجدت باب أمل أن يكون مصدر تقارب بيننا‪ .‬لقد بدأت‬ ‫أكره حياتي بشكل مريع‪ ,‬وبدأت أفكار غريبة تسيطر على‬ ‫نفسيتي‪.‬‬ ‫القدر شاء أن تولد ابنتنا مرح في (‪ .)1993/11/28‬لقد‬ ‫كنت سعيدة جدا ألنها جاءت بعافية وسليمة‪ ,‬فمع حالة اليأس‬ ‫وسوء الوضع النفسي‪ ,‬كنت أخاف أن تأتي مشوهة‪ ,‬ولكن‬ ‫الرب كان رؤوفا فارتضاها سليمة‪ .‬وهو غائب دائما‪ ,‬وكأني‬ ‫لست بزوجة‪ ,‬قد يتبادر إلى الذهن أني أتمادى تشويها‬ ‫لتصرفاته‪ ,‬أو يعتبر القارئ نصي هذا محاكمة من دون شهود‬ ‫أو دفاع‪ ,‬ومن طرف واحد‪ ,‬لكنهم بذات الوقت يمكنهم التدقيق‬ ‫في الكلمات ليقرؤوها كيف تشهد هي بنفسها على نفسها‪,‬‬ ‫يمكنهم الذهاب أكثر والعودة أكثر وقراءة كل تفصيلة‪ ,‬بدقة‬ ‫‪70‬‬


‫لمتابعة حالة اللغة‪ ,‬كيف وهي تهيب بهم صارخة أنها قصة‬ ‫تكتب بالدم‪ ,‬بالروح‪ ,‬بكل األلم الذي كان‪ ,‬بكل الذاكرة التي‬ ‫تحترق ومازالت تشتعل‪.‬‬ ‫أي منطق هذا الذي يفرض الفرح فقط لكون المولود ذك ار‪,‬‬ ‫َأوليس الدين‪ ,‬والعرف‪ ,‬والعادة‪ ,‬والقيم‪ ,‬واالنسانية كلها تجمع‬ ‫على المساواة‪ ,‬وتقبل خلق هللا ومشيئته؟‬ ‫خالل األيام التالية لم يزرني ولم أجده مطلقا‪ ,‬إنه يرسلني‬ ‫امتعاضه من فشلي في إنجاب ولد له‪ ,‬بل يستمر في عقابي‬ ‫وتعذيبي‪ ,‬فيما أمه تشاركه التعبير لي عن جنس المولود‪ ,‬هذا‬ ‫عدا عن أنهما لم يسمحا لوالدتي التي حضرت من دمشق أن‬ ‫تكون معي في المشفى بحجة بقائها مع رنا في المنزل‪ ,‬األلم‬ ‫الجسدي الذي عشته مع والدة مرح كان أقل بكثير من األلم‬ ‫الذي يشعرني به‪ ,‬مع كل مناسبة تتوالى‪ ,‬فشلت لمرة أخرى‪,‬‬ ‫إذا‪ ,‬والهوة تتسع بيننا أكثر‪ ,‬لم أجده يوما يداعب أطفاله‪ ,‬أو‬ ‫يحملهن كما كل اآلباء‪.‬‬ ‫تتزوج الفتاة برجل تعتبره كامل حياتها‪ ,‬وانعكاس أحاسيسها‬ ‫ومشاعرها ورغباتها‪ ,‬تعتبره سندا في أوقات الشدة ومصدر‬ ‫‪71‬‬


‫سعادة‪ ,‬وتدخر ألجله كل أسباب الراحة العائلية‪ ,‬وبمرور‬ ‫الوقت يصبح التفاهم حالة معاشة بحكم العشرة والتواصل‪.‬‬ ‫كثي ار ما كنت أحس بعالئم الكهولة تترسم على وجهي‪,‬‬ ‫فمشاعري معه باتت أكثر من هرمة‪ ,‬وحينما كنت أجلس قبالة‬ ‫المرة استرجع قصص الماضي واللحظات العابرة‪ ,‬متذكرة أيام‬ ‫آ‬ ‫دمشق‪ ,‬والحي‪ ,‬وأيامي في اإلمارات قبل الزواج‪ ,‬كنت أق أر‬ ‫كثي ار من األمل‪ ,‬وكثي ار من التحدي‪ ,‬فبالرغم من الصعوبات‬ ‫التي مرت إال أني كنت دائما أجد حال لمشاكلي واستميلها‬ ‫قبوال‪ ,‬أما اآلن فالطرق باتت تضيق بي أكثر‪ ,‬وزواجي تحول‬ ‫إلى أكبر كارثة في حياتي‪ ,‬ومهما حاولت إقناع نفسي كانت‬ ‫تحد‬

‫مواقف تثبت صحة نظرية وجوب انسحابي‪ ,‬وأن أنهي‬

‫فروض زواجي‪ ,‬أن أعيد الروح إلى ايامي بتجريده منها‪.‬‬ ‫وتبقى رنا ومرح‪ ,‬أجمل زهرتين تنموان في حديقة مشاعري‬ ‫وترطبانها‪ ,‬كنت كثيرة الهيام بهما‪ ,‬فقد كنت والدهما قبل أن‬ ‫أكون أما‪ ,‬فرنا التي باتت تبلغ من العمر خمس سنوات ال‬ ‫تعرف هجاء كلمة "بابا"‪.‬‬

‫‪72‬‬


‫لقد كنت األب واألم‪ ,‬ليس عن قصد‪ ,‬بل بفرضية ملئ‬ ‫شاغر غيابه المقصود‪ ,‬إنه يرفضهم كما يرفضني‪ ,‬ويعتبرنا‬ ‫أدوات منزلية مرمية يستعملها عند الحاجة‪.‬‬ ‫حينما يزورنا أهله‪ ,‬كنت أبذل قصارى جهدي أن يظلوا‬ ‫راضيين‪ ,‬وأن يقبلوني كفرد من العائلة دونما خطوط فصل‪,‬‬ ‫لكنهم كانوا يفضلون الجلوس بخصوصية وكان وجودي في‬ ‫المكان يلزمهم السكوت‪.‬‬ ‫شكلت والدة (زياد) حدثا جميال في حياتي‪ ,‬كنت أرغب بولد‬ ‫يكون أخا ألختيه‪ ,‬بل ويكون أبا أيضا‪ ,‬ويكون قاد ار على حمل‬ ‫جزء من العبء عني بعد أن أعلنت وفاة والدهم فعليا من‬ ‫حياتنا وأيامنا‪.‬‬ ‫قد يعتبرني الكثيرون مجنونة ألني أفكر بهذه الطريقة‪,‬‬ ‫ولكني بالفعل وصلت إلى الخيط الرفيع بين العقل والجنون‪.‬‬ ‫أعتقد أنه قد فرح ألجل زياد‪ ,‬ولكن حسبما نقلت أمي أن‬ ‫خبر سالمتي وابنه كان وقعه أقل من عادي‪ ,‬فهو لم يأت‬ ‫للمشفى‪ ,‬ولم يكلف خاطره االتصال بي‪ ,‬بل أمه هي التي‬ ‫اتصلت تخبره بوالدة ابن له‪ ,‬وبأننا في صحة جيدة‪.‬‬ ‫‪73‬‬


‫بقيت في المشفى عدة أيام ولم أجده زائ ار أو مطمئنا‪ ,‬عدت‬ ‫إلى المنزل برفقة أهلي وهو غائب‪ ,‬إلى أن عاد في مساء اليوم‬ ‫التالي‪ ,‬ومر مرور الكرام بعد أن ألقى التحية على والدتي‪,‬‬ ‫ورماني بنظرة خاطفة ال أكثر‪.‬‬

‫‪74‬‬


‫‪-19‬‬‫"الزواج القائم على الملل هو محاولة تطويل قصة قصيرة"‬ ‫حرب الخليج فرضت ظروفا خاصة‪ ,‬ولدت فكرة أن نجد‬ ‫مكانا بديال نلجأ إليه حين الرغبة‪.‬‬ ‫كنت أبح‬

‫في أن نعود إلى دمشق لالستقرار فيها‪ ,‬فهواء‬

‫دمشق كان يشدني دائما‪ ,‬إضافة إلى أني تربيت هناك‪ ,‬ولنا‬ ‫فيها ذاكرة وأصدقاء‪ .‬ولكن ‪ -‬وحسبما فهمت ‪ -‬فإن زوجي‬ ‫غير قادر على‬

‫زيارة سورية‪ ,‬ودون أن أتمكن من معرفة‬

‫السبب‪ ,‬وأنا يستحيل علي الحصول على (في از) ألي بلد آخر‪,‬‬ ‫كوني أحمل وثيقة سفر لالجئين الفلسطينيين‪ ,‬صادرة عن و ازرة‬ ‫الداخلية السورية‪ ,‬وأمام هذا الوضع يصبح تحركنا شبه‬ ‫مستحيل‪.‬‬ ‫ومع تزايد ترحيل الفلسطينيين من اإلمارات وجدت أن نسرع‬ ‫في دراسة كل االحتماالت البديلة‪ ,‬ليس ألننا متفقين‪ ,‬أو نرغب‬ ‫في بناء عالقة أكثر اتزانا‪ ,‬بل ألن الظرف بدأ يفرض نفسه‪,‬‬ ‫فحتم علينا أن نجلس ألول مرة على طاولة‪ ,‬وأن نتناقش‬

‫‪75‬‬


‫االحتماالت‪ ,‬كان يرغب في أن نسافر إلى األردن‪ ,‬وأنا كنت‬ ‫أفضل دمشق‪.‬‬ ‫بعد والدة (زياد) وشيئا فشيئا بدأت أستشعر عالمات الهدوء‬ ‫واالرتياح عنده‪ ,‬بات يعود باك ار أغلب األيام‪ ,‬وبدأ اهتمامه‬ ‫يظهر باحتياجات المنزل‪ ,‬وبي أيضا‪ ,‬وأحيانا كنت أجده يكلم‬ ‫ابنته (رنا) أو يداعب (مرح)‪.‬‬ ‫أخبرني عن رغبته في شراء سيارة إضافية للمنزل‪ ,‬ألتكفل‬ ‫بمسألة توصيل (رنا) إلى المدرسة‪ ,‬فأريحه من ذلك العمل‬ ‫النشغاله‪.‬‬ ‫أبديت موافقتي على ذلك‪ ,‬فأنا – في جميع األحوال ‪-‬‬ ‫متكفلة بخدمة األوالد ومدارسهم‪ ,‬وهذه المسألة تعتبر عادية‬ ‫جدا في دول الخليج‪ ,‬فالكثير من النساء يتحملن المسؤولية‬ ‫الكاملة للبيت واألوالد‪.‬‬ ‫سعدت أكثر يوم اتصل يستشيرني أن نخرج معا في رحلة‪,‬‬ ‫قبلت على الفور وأنا أزداد أمال في أن عالقتنا تسير نحو‬ ‫األفضل‪.‬‬

‫‪76‬‬


‫تركت خيار مكان وتاريخ البدأ بالرحلة له‪ ,‬فاختار أن نسافر‬ ‫إلى األردن‪ ,‬وأن أتابع أنا واألوالد السفر باتجاه سورية ليعود‬ ‫هو إلى اإلمارات‪ ,‬واشترى سيارة خاصة ألجل هذه الرحلة‪.‬‬ ‫كنت مغتبطة جدا ألمر الرحلة‪ ,‬فقد تشكل فرصة السفر معا‬ ‫مصدر تقارب أكثر‪ ,‬وأن نعيد اكتشاف بعضنا‪ ,‬متجاوزين‬ ‫سلبيات وأخطاء الماضي‪ ,‬وخاصة أن مدارك أطفالنا بدأ ْت‬ ‫تتفتح‪ ,‬وآن لعالقتنا أن تنضج‪.‬‬

‫انطلقنا في العاشر من حزيران ‪ 1998‬قاطعين آالف‬ ‫الكيلومترات‪ ,‬وانتعاشي يصبح أفضل مع كل اختراق لعباب‬ ‫الصحراء‪ ,‬حتى وصلنا حدود األردن من ناحية السعودية‪,‬‬ ‫وعلى بوابة الدخول تم احتجاز جواز سفره من قبل رجال األمن‬ ‫في األردن‪ ,‬وبعد طول تدقيق وتحقيق‪ ,‬طالبوه أن يزورهم‬ ‫الحقا‪ ,‬هذا األمر أثار ريبتي وفضولي في معرفة السر في‬ ‫ذاك االستجواب السريع‪.‬‬ ‫وفي الحال ربطت األمر بمسألة رهبته من زيارة سورية‪,‬‬ ‫ورفضه للمحاولة أو المتابعة في ذلك‪ ,‬أو أشياء أخرى ال‬

‫‪77‬‬


‫أعرفها‪ ,‬ما يهم أن جو الرحلة قد تكدر بغبار هذا االحتجاز‪,‬‬ ‫واصطبغ بالقلق من ناحيتي‪ ,‬وعدم االكت ار من ناحيته‪.‬‬ ‫بدأ شعور الخوف والقلق ينتابني‪ ,‬فهو رجل غامض من أيام‬ ‫معرفتنا األولى‪ ,‬ولم يتغير أبدا‪ ,‬واآلن بدأت تتكشف بعض من‬ ‫خيوط اللعبة‪.‬‬ ‫وما زاد ريبتي من الحد ‪ ,‬هو تجاهله ألمر زيارة األمن‪,‬‬ ‫بل ووصول جواز سفره باليد إلى مسكنه بعد سلسلة اتصاالت‬ ‫أجراها س ار‪ ,‬وما زاد فرضية وجود حلقة مفرغة وغير مفهومة‪,‬‬ ‫هو ما أثارته صديقة لعائلة زوجي تسكن األردن يوم جائتني‬ ‫زائرة‪ ,‬فأبدت استغرابها الشديد من قدرة زوجي على الدخول إلى‬ ‫األردن‪.‬‬ ‫الرحلة التي كان من المفروض أن تكون ترفيهية وجدتها‬ ‫جاءت كتغطية لشؤون أخرى كان زوجي يخطط لها‪ ,‬وكانت‬ ‫الوسيلة أن يدخل اأ��ردن مع عائلته‪ ,‬وتأكيدا على ذلك عاد‬ ‫يهملنا منشغال بأعماله كما في اإلمارات‪.‬‬ ‫ازداد امتعاضي من بؤس الحالة ومقتها‪ ,‬لدرجة ما استطعت‬ ‫البقاء صامتة‪ ,‬وتقبل كل هذه الالمباالة‪ ,‬وما إن نطقت‬ ‫‪78‬‬


‫برغبتي في الذهاب إلى دمشق حتى وجدته يرحب بالفكرة‪,‬‬ ‫وعلى أنه حالما يقضي أعماله سيعود لإلمارات‪.‬‬ ‫في الصباح التالي سافرت مع األطفال نحو دمشق‪,‬‬ ‫وودعته بكلمات أقرب إلى التوبيخ‪.‬‬

‫‪79‬‬


‫‪-20‬‬‫وصلنا دمشق‪ ,‬وأنا في حالة نفسية صعبة للغاية‪ ,‬استقبلتنا‬ ‫أمي في المطار وفرحت جدا بأحفادها‪.‬‬ ‫جرد ذاكرتي من أحدا‬ ‫قررت أن أ ّ‬ ‫كنت قد ّ‬

‫األردن أو‬

‫اإلما ارت ويأسي من زواجي‪ .‬وألني وجدت نوعا من راحة البال‬ ‫في دمشق‪ ,‬فقد هدأت مشاعري قليال‪ ,‬والتي ما كانت تستفيض‬ ‫قلقا إال مع كل اتصال يكون رمزه اإلمارات‪.‬‬ ‫وقد استغربت من كثرة اتصاالته بي وأسئلته بل والحاحه أن‬ ‫اختصر زيارتي ألعود إليه بأقصى وقت‪ ,‬على ما يبدو أنه‬ ‫كان ينتظر مني خب ار‪ ,‬أو طارئا أُخبرهُ به‪.‬‬ ‫غبت أن أعيد ترتيب أوراق ذاكرتي وتالي األيام‪ ,‬وأن‬ ‫وهنا ر ُ‬

‫أحاول قدر اإلمكان إيجاد أجوبة عن الكثير من األسئلة التي‬ ‫بدأت تفرض ذاتها بأدواتها المتتالية‪ ,‬وأن أجد تفسيرات لجملة‬ ‫أ ٍ‬ ‫لغاز ألفيتها‪.‬‬

‫‪80‬‬


‫كثي ار ما كنت أخرج سارحة في شوراع المدينة الصاخبة‬ ‫والمرحة‪ ,‬الكثيرة التنوِع‪ ,‬بعكس اإلمارات‪ ,‬فهنا كل الوجوه‬ ‫متشابهة‪ ,‬وفي تشابهها تق أر الكثير من االختالف‪.‬‬ ‫السؤال ذاته كان يتكرر صداه في خيالي‪ ,‬لكن دونما إجابة‪:‬‬ ‫لماذا تزوجني وهو يكرهني ويكره فكرة الزواج برمتها؟ أأكون‬ ‫خطأ تكرر في حياته‪ ,‬وال يجد سبيال للخالص؟ وان كان‬ ‫كذلك‪ ,‬فهو قادر بكل سهولة على تركي‪ ,‬وقد حدثت مناسبات‬ ‫عدة كان بإمكانه استغاللها‪ ,‬وبمباركة أمه واخوته!‬ ‫كانت األمور تتداخل أكثر دون أن أتمكن من إيجاد إجابة‬ ‫وافية‪ ,‬فقد كانت تصرفاته غير مبررة‪.‬‬ ‫ومع كل يوم اكتشف كذبة جديدة‪ ,‬واكتشف مدى ثبات رأيه‬ ‫في معاملتي بالسوء وأكثر‪ ,‬ومع كل موقف جديد ازداد قناعة‬ ‫بأني ال أمثل في سبيله أي أثر أو اهتمام‪.‬‬ ‫حياتنا إذا بدأت بكذبة صغيرة‪ ,‬سرعان ما تدحرجت ككرة‬ ‫الثلج لنصل إلى ما نحن فيه‪ ,‬أو لنقل ما أنا فيه‪ ,‬باعتبار أني‬

‫‪81‬‬


‫كرمتي‪ ,‬كزوجة‪,‬‬ ‫من تتحمل تبعات كل ذلك‪ ,‬وأنه من ينتهك ا‬ ‫وكفلسطينية أيضا‪.‬‬ ‫كان شعوري أن كل ما يريدهُ هذا الرجل هو أن يجد شخصاـ‬ ‫أي شخص في بيته‪ ,‬امرأة يظهر معها أمام الناس‪ ,‬تنجب له‬ ‫األطفال‪ .‬وليس مهما من تكون‪.‬‬ ‫ياإلهي! كم أدهشني هذا األمر! أنا متزوجة من شخص ال‬ ‫أعرف حقيقته‪.‬‬ ‫ألح عليه لنزور دمشق معا‪ ,‬وأن يريني جواز‬ ‫م ار ار كنت ّ‬

‫سفره‪ ,‬لكنه كان يلهيني بحجج واهية غير مقنعة‪ ,‬حتى تأكدت‬ ‫من األمر ساعة االستجواب على الحدود األردنية‪ ,‬ومن ثم‬ ‫بالتهائه عنا إلى اجتماعاته‪ ,‬سواء أكانت في األردن‪ ,‬أم في‬ ‫اإلمارات‪.‬‬ ‫كان خوفي يزداد مع فكرة أن يكون مذنبا‪ ,‬وأن نلقى ضر ار‬ ‫في سورية جراء ذلك‪.‬‬ ‫كنت كثيرة الشرود‪ ,‬رغم قراري بأن أتجرد من كل هموم‬ ‫كل موقف وتصرف سرعان ما‬ ‫الماضي واشكالياته‪ ,‬لكن ذكرى ّ‬ ‫‪82‬‬


‫كانت تفرض نفسها‪ ,‬حينما كنت أراقب صغاري الرائعين وهم‬ ‫ُيحّلقون كما السنونو في سماء مشاعري‪ ,‬ويلهون متمايلين مع‬

‫كل حركة أو إيماءة‪ ,‬كنت أنسى كل هزائمي ومآسي‪ ,‬وكنت‬ ‫ّ‬ ‫بهم أعود الطفلة غادة‪ ,‬وهي تتجسد في كل منهم‪.‬‬

‫كنت أتذكر أيام الصبا والمدرسة والحارة وكل األشياء‬ ‫الجميلة األخرى‪ ,‬إنهم مصدر مرحي وتعاستي‪ ,‬رنا كانت‬ ‫نسخة طبق األصل عني‪ ,‬بأناقتها في ما تلبس وتختار‪,‬‬ ‫وبحبها للحركة والسفر والتسوق‪.‬‬ ‫مرح كانت تماثلني في اختيار ما يروق لها من طعام‪ ,‬ال‬ ‫تأكل أي شيء‪ ,‬بل تجدونها كثيرة التملق‪ ,‬والشهية تجاه ما‬ ‫يثير لذتها‪ ,‬أما زياد فهو غادة الرجل‪ ,‬ومواقفها‪ ,‬تجدونه رغم‬ ‫صغر السن دقيق الرغبات‪ ,‬قليلها‪ ,‬وثابت المطالب‪ .‬إنهم‬ ‫عصارة روحي وجسدي وقد أُعيد تكويني بهم‪ ,‬إنهم يمثلون‬ ‫النصف الجميل اآلخر من حياتي‪.‬‬

‫‪83‬‬


‫‪-21‬‬‫"قمة األدب أن يستحي اإلنسان من نفسه" إفالطون‬ ‫عدنا إلى اإلمارات وكلي أمل أالّ يكون العود أحمدا‪ ,‬وأن‬ ‫يكون لفعل االبتعاد أثره اإليجابي في تقاربنا‪ ,‬نعم كنت‬ ‫سأصبح سعيدة جدا لو وجدته في المطار مستقبال‪ ,‬أو في‬ ‫البيت وقد رتب طاولة غداء لعودتنا‪ ,‬يحمل طوق ورد بيده‪,‬‬ ‫كان ذلك طموحا كبي ار تمنيته ولو لمرة واحدة‪ ,‬وهي أمنيات قد‬ ‫تعتبرها أية امرأة عاديا جدا‪.‬‬ ‫لألسف‪ ,‬رغم معرفته تاريخ وموعد عودتنا‪ ,‬تجاهل متقصدا‬ ‫وأهملنا ولم يعد المنزل إال متأخ ار ودخل غرفة المكتب‪ ,‬عللت‬ ‫سبب غيابه النشغال وظيفي‪ .‬ولما جائني صوت حركة المفتاح‬ ‫في الباب خرجت الستقباله‪ ,‬لكنه تجاهل وجودي ومضى‬ ‫دونما اكت ار ‪.‬‬ ‫استرجعت ـ للحظات ـ سنوات عمري المهزوم مع هذا الرجل‬ ‫الذي يثور ـ ألتفه األسباب ـ مثل وحش كاسر‪ ,‬وكأن اإلنسانية‬ ‫بت‬ ‫هجرت مالمحه فظهرت له مخالب وأنياب يفترس بها‪ُ ,‬‬ ‫‪84‬‬


‫ٍ‬ ‫شكوك‪ ,‬فأك ّذب هواجسي وأدفع عني نظرات‬ ‫أعيش متاهة‬ ‫الشفقة التي تقذفني بها عيون من حولي‪.‬‬ ‫أهو كابوس أعيشه أم حقيقة تعيشني؟‬ ‫أحسست أن صلتي بنفسي قد تالشت وضاع وجودي مني‪.‬‬ ‫ال أعرف لماذا حدثت لي هذه النكبات‪ ,‬ولماذا ذبحني في‬ ‫أدق مشاعري‪ ,‬بدأت حياتي تدخل مرحلة جديدة من العذاب‪.‬‬ ‫حي‬

‫كان يدوس بقدميه كل شيء‪ ,‬كنت أريد االستمرار معه‬

‫كزوجة ال كخادمة ألنني أكره أن أصنف نفسي من ضحايا‬ ‫القدر مستسلمة‪.‬‬ ‫ما أصعب أن يعيش المرء حياة األموات! وتغادر الروح‬ ‫جسدها فتكون حياتها موتا غير معلن!‬

‫‪85‬‬


‫‪-22‬‬‫التاريخ هو العاشر من اكتوبر ‪ ,1998‬دعينا في مسائه‬ ‫لحفل زفاف ابنة عمي‪ ,‬سلمته بطاقة الدعوة‪ ,‬بل لنقل تركتها‬ ‫على طاولة مكتبه لندرة التقائنا‪ ,‬جائني يحملها مومئا أن‬ ‫أتحضر للذهاب‪.‬‬ ‫كان الجميع هناك‪ ,‬وكانت الحفلة متميزة ( فندق هوليداي‬ ‫إن‪ ,‬الشارقة)‪ ,‬سادها جو ابتهاج طيب‪ ,‬وحضور جميع العوائل‬ ‫القريبة‪.‬‬ ‫عدنا إلى الدار في وقت متأخر برفقة أخي‪ ,‬في الصباح‬ ‫أوصلت الصغار إلى المدرسة‪ ,‬وحينما عدت كانا قد خرجا‬ ‫أيضا إلى أعمالهم‪ ,‬حتى في وجه أخي ال يستطيع إظهار‬ ‫عالئم رضى وقبول‪.‬‬ ‫على غير العادة‪ ,‬اتصل يخبر أنه سيعود وقت الغداء‪,‬‬ ‫وألول مرة منذ زمن تناولنا طعام الغداء مجتمعين برفقة األوالد‪,‬‬ ‫كان عابسا بشدة‪ ,‬أكثر من المعتاد‪ ,‬دخل غرفته تبعته‪,‬‬ ‫استوضح السبب أو المطلب‪.‬‬ ‫‪86‬‬


‫طلب مني مغادرة الغرفة‪ ,‬دونما استزادة‪:‬‬ ‫ تصرفاتك ستجير عليك الطالق قريبا‪ ,‬ولكني أحتاجك‬‫لفترة أخرى‪.‬‬ ‫ ما هذا الخطاب وهذه اللغة غير المحترمة؟ أنت تهين‬‫كرامتي من دون سبب‪.‬‬ ‫ أكان صعب عليك يا محترمة أن تقاومي جمال ابن‬‫عمتك لتتملقيه نظرات طوال الحفل؟‬ ‫ ابن عمي أمجد! إنه ولد سامحك هللا‪ ,‬تتهمني بالخيانة‬‫أيضا‪ ,‬أما بقي في رصيدك اتهام آخر لترميني به‪.‬‬ ‫ أعجبك إذا‪ ,‬كم أنا متأسف ألجلك‪ ,‬أال يمكنك التفكير‬‫بأطفالك الثال ‪ ,‬ومصيرهم!؟‬ ‫‪-‬‬

‫أنت فعال قليل االحترام والتقدير‪ ,‬أنت ظالم‪.‬‬

‫لم يستطع كبح جماح وحشيته حتى رأيته ينهال علي بكل‬ ‫ّ‬ ‫قوته ضربا وكالما جارحا‪ ,‬فيما صرخات األطفال تأتينا من‬ ‫الغرفة المجاورة‪ ,‬لم أنبس ببنت شفة‪ ,‬أردته أن يستمر أكثر في‬ ‫ضربي وايالمي‪ ,‬فأنا أستحق هذا‪.‬‬ ‫‪87‬‬


‫مؤخ ار بدأ يجد له أسبابا مختلفة إليذائي‪ ,‬حتى وصلت‬ ‫حدود الشرف والخيانة‪.‬‬ ‫أتعبه ضربي فخرج من المنزل وأنا أجهل ما في خياله من‬ ‫تصرف‪.‬‬ ‫ذهبت أهدئ روع أطفالي‪ ,‬وآالمي ال تتوقف شدقا في‬ ‫جسدي‪ .‬في المساء تقصدت النوم باك ار كي أتفادى شره‪ ,‬لكنه‬ ‫لم يتركني‪ ,‬عاد إلى البيت عند الساعة العاشرة والنصف‪.‬‬ ‫أيقظني وأمرني أن أخرج من الغرفة وهو ينعرني بيده على‬ ‫كتفي‪ ,‬فأبيت ذلك واذ به يتحول مجددا إلى وحش كاسر‪.‬‬ ‫تناول الحزام الجلدي من خزانة المالبس ونزع الغطاء عن‬ ‫جسدي‪ ,‬وراح يضربني بعنف كمن يفرغ غضبه‪ .‬لم أقاوم‪ .‬لم‬ ‫أتحرك‪ .‬لم أصرخ‪ .‬لم أحتج‪ .‬ليس ألنني كنت موافقة على ما‬ ‫يفعل‪ ,‬بل لكي أتذوق طعم األلم الجسدي أكثر بعدما بات‬ ‫ألال يصل صوتي ألطفالي‪,‬‬ ‫الجزء النفسي منه أقل ذي أثر‪ ,‬و ّ‬ ‫لم أشئ أن يأتوا ليجدوا أمهم كنعجة تسلخ دونما ذنب‪ ,‬وكأن‬ ‫سكوني قد أثار شهيته ليستمر أكثر‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫أنت بال إحساس!‬ ‫‬‫‪88‬‬


‫انحنى على السرير‪...‬أمسك شعري بكلتا يديه‪....‬ألقى بي‬ ‫على األرض وراح يجرني إلى باب الغرفة كما لو كان يجر‬ ‫شاة‪ .‬رماني خارجا‪ ,‬فيما نظري صوب غرفة األطفال على‬ ‫أمل أن ال يفتح بابهم‪ ,‬رغم كل الذل الذي أعيشه‪ ,‬لم أشأ أن‬ ‫المثَل ذليلة منتهكة الكرامة والقيم‪.‬‬ ‫يجدوا أمهم َ‬ ‫ذهب إلى الهاتف يشرح بطوالته لوالدته‪ ,‬طالبا أن تتصل‬ ‫بوالدي ليأخذني‪ ,‬قبل أن يرميني خارجا‪:‬‬ ‫ لقد شفيت غليلي منها‪ ,‬ولم أعد أرغب بها في منزلي‬‫يا أمي‪ ,‬لم أعد…‬ ‫مرت الساعات وأنا أجتر ألمي‪ ,‬والدماء تسيل من فمي‬ ‫وأنفي‪ ,‬وهو يتشدق بسوطه‪ ,‬الذي يحركه يسرة ويمنة‪ ,‬كبيان‬

‫ٍ‬ ‫تهديد ُمالزم‪.‬‬

‫جاء الصباح ونحن على تلك الشاكلة دون أن يأتي أحد من‬ ‫أهله‪ ,‬كنت أفكر في أمه‪ ,‬ومدى كرهها لي‪ ,‬لقد أخبرها من‬ ‫خالل االتصال بما فعله بي‪ ,‬ورغم ذلك ما استطاعت أن‬ ‫تكلف خاطرها في المجيء والوقوف على حقيقة األمر‪ ,‬لقد‬ ‫كانت أيضا تشاركه تعذيبي‪.‬‬ ‫‪89‬‬


‫كان يجب أن اصطحب البنتين للمدرسة‪ ,‬إال أني عجزت‬ ‫عن فعل ذلك‪.‬‬ ‫وكهدنة لخاطر األطفال رجوته أن يقوم بذلك‪ ,‬وهما في الخارج‬ ‫تنتظران‪.‬‬ ‫ ال مدرسة اليوم‪ ,‬وممنوع مغادرة المنزل‪.‬‬‫ ال تقحم البنات في خالفنا‪ ,‬لقد صادرت مفاتيح المنزل‬‫والسيارة وباب غرفتي‪ ,‬أعطني المفاتيح ألوصلهما‪,‬‬ ‫وألحضر حاجياتي قبل أن يأتي والدي ألغادر معه‪.‬‬ ‫ لن أكرر ما قلت‪.‬‬‫كظمت وجعي وحاولت خطف سلة المفاتيح التي يلوح بها‪.‬‬ ‫ُ‬

‫حصرني في زاوية ضيفة بين الحائط والباب‪ ,‬أطبق أصابعه‬ ‫على رقبتي وحاول أن يخنقني‪ .‬لم ينقذني من هيجانه إال‬ ‫صراخ الصغير زياد الذي ظهر بين أقدامنا فجأة‪.‬‬ ‫رماني بعنف والدم يتدفق إلى وجهه‪ ,‬وهرع هائجا نحو‬ ‫المطبخ ليعود بسكين وهو يهدد به‪ ,‬خفت على ابني الصغير‬ ‫أكثر‪ ,‬حملته مسرعة نحو أقرب غرفة وهو يتبعنا‪ ,‬حتى أغلقت‬ ‫‪90‬‬


‫الباب‪ ,‬وبدأ ينهال ضربا وشتما محاوال كسر الباب لكسر‬ ‫كرامتي أكثر‪.‬‬ ‫بعد أن أفرغ كل طاقته في محاوالت اقتحام الغرفة‪ ,‬سمعته‬ ‫يتحد‬

‫بالهاتف مع أحدهم‪ ,‬استبينت أنها أمه‪ ,‬فزوجي يحب‬

‫تصدير كل مشاكله‪ ,‬وأظن أن أحد أهم أسباب فشلنا في‬ ‫الزواج كان بسبب ذلك‪.‬‬ ‫كان صوت هذيانه ال ينقطع‪ ,‬حتى ساد صمت مريب‪,‬‬ ‫ليعقبه صوت الباب الخارجي‪ ,‬يفتح وينعق غالقا‪.‬‬ ‫أيكون الثور الهائج قد غادر؟ لم أجرؤ على الخروج‪ ,‬لكن‬ ‫صوت جرس المنزل دفعني لتجاوز حاجز الصبر‪ ,‬وقد بدأ‬ ‫زياد يتململ جوعا‪.‬‬ ‫إنه طفل صغير‪ ,‬ما أدراهُ بكل جرائم والده التي كررها خالل‬ ‫الساعة األخيرة‪ ,‬وليلة أمس‪ ,‬وقبلهما‪ ,‬قد يعتبرها مشهدا دراميا‪,‬‬ ‫فيه تمثيل لجبروت الرجل‪ ,‬والقوة والجريمة التي يمنحها القانون‬ ‫الذكوري‪.‬‬

‫‪91‬‬


‫ال أدري صراحة كيف تسن القوانين في بالدنا للرجل وبيد‬ ‫الرجل ولصالح الرجل‪ ,‬ومن ثم تظهر شعارات حقوق وحرية‬ ‫المرأة ومساواتها مع الرجل؟‬ ‫عرضت النساء دائما للرجم والحرق والتشويه والضرب‪.‬‬ ‫ت ّ‬ ‫ِ‬ ‫البغض تجاههم في األديان‬ ‫فهنالك كم كبير من الكرِه و‬ ‫والمجتمع‪.‬‬ ‫ّإنه الدليل اآلخر على ما أُطلق عليه "الذعر العنيف" الذي‬

‫يحمله الرجل تجاه المرأة‪ ,‬هو عنصر من تركيبته الشخصية‬

‫الذكورية‪ ,‬هي ظاهرة من العسير على الرجال أن يتخّلصوا‬ ‫كل ثقافة‪ّ ,‬أيما كانت هذه الثقافة‪.‬‬ ‫منها ألنها من أصل ّ‬ ‫األنثى في خطر‪ ,‬قد كانت كذلك في ماضي التاريخ‪ ,‬وما‬ ‫الفرويدي ساهم في إيجاد نظرة دونية للمرأة‪ ,‬وهذا‬ ‫تزال‪ ,‬والفكر‬ ‫ّ‬ ‫مثبت من خالل جملة أفكاره المطروحة‪ " :‬هناك شيء ما في‬ ‫متقبلة‪ ,‬في االستقبال… "‬ ‫تلقية‪ّ ,‬‬ ‫تركيبة األنثى يجعلها دائما م ّ‬ ‫(الكان ‪ )Lacan‬تابع‪ " :‬المرأة ليس لها أنا أعلى"‪ ,‬إذن هي‬ ‫غير قادرة على إبداع أعمال فكرية‪" ,‬المرأة غير موجودة " وال‬ ‫ألنها تنتمي لالّنهائي‪ .‬أما بالنسبة‬ ‫يمكن أن نعطيه مفهوما ّ‬ ‫‪92‬‬


‫فإنه شديد الحزن والحسرة‪.‬‬ ‫ألنه في "المنتهي" و"الفاني" ّ‬ ‫للرجل‪ ,‬و ّ‬ ‫رجولية‬ ‫وانغماسه في الّلذة يجبره على نحت هوية جديدة‬ ‫ّ‬

‫الممارس أحد جوانب تلك اللذة‪.‬‬ ‫والعنف ُ‬ ‫وفي فكرنا الشرقي المتوار‬

‫الكثير‪ ,‬الكثير من الجور‬

‫المموه بثقافة الال تمييز‪ ,‬وبشعارات الحرية‪ ,‬والمساواة‪ ,‬لكنها‬ ‫شعارات ليست أكثر‪ ,‬أما في التطبيق‪ ,‬فإنك تجد ألف حالة‬ ‫تهميش وتجاوز‪.‬‬ ‫عدت إلى وعيي من خالل صوت ابنتي المتزامن مع رنين‬ ‫الجرس‪.‬‬ ‫أيكون قد تركهما وغادر؟ أم أنه رصدهما كطعم‬ ‫الصطيادي؟ وافراغي مزيدا من شهوانيته في الضرب والتنكيل‪.‬‬ ‫مهما يكن فقد حسمت أمر مواجهة الموقف‪ ,‬فدموع وصراخ‬ ‫ابنتي تتوسالنني جرأة‪.‬‬ ‫خرجت حاملة زياد على صدري‪ ,‬وهرعت نحو الباب افتحه‬ ‫دون أن يفارقني الخوف لحظة‪.‬‬

‫‪93‬‬


‫كانتا تفترشان المدخل‪ ,‬اتحدنا ثالثتنا‪ ,‬والدموع تستفيض‬ ‫رغباتنا‪.‬‬ ‫كيف لرجل تربى في بيئة سليمة‪ ,‬وسط يسر مادي وتعليمي‬ ‫أن يحطم أربعة حيوات هن من كبده‪ ,‬وأن يتصرف قاسيا لهذا‬ ‫الحد‪:‬‬ ‫ بابا دفشني وطلع ولما خبرتوا أني الزم روح ع‬‫المدرسة ألن عندي امتحان قال‪:‬‬ ‫ مافي مدرسة‪ ,‬وخلي أمك تسترجي تطلع أو تحاول‬‫توصلك‪.‬‬ ‫هدأت من روعهما‪ ,‬ومسحت بدموعي دموعهما‪ ,‬ودخلنا‬ ‫ّ‬

‫المنزل وأنا اصطنع القوة‪ ,‬متجاوزة كل اليأس الذي يسكنني‪,‬‬ ‫فهم من صبري يأخذون الثبات‪ ,‬ويكون تجلدي عزاء لهم‪.‬‬ ‫اتصلت بأمه علها تتدخل لمرة أخيرة ببادرة حسن النية‪:‬‬ ‫ أمي‪ ,‬إنه يسيء كثي ار إلي‪ ,‬وقد ضربني بعنف‪,‬‬‫ّ‬ ‫ويمنعنا جميعا من الخروج‪ ,‬كان يجب لرنا ومرح أن‬ ‫تكونا في صفهما لتقديم االمتحان‪ ,‬أرجوك أن تأتي‬ ‫‪94‬‬


‫الصطحابها‪ ,‬فأنا في حال يرثى لها‪ ,‬وعاجزة عن‬ ‫الخروج‪ ,‬وممنوعة‪.‬‬ ‫اكتفت بوعد أنها ستحاول العودة مساء الستبيان األوضاع‪.‬‬ ‫وأمام دموع وتوسالت رنا‪ ,‬تجرأت أكثر‪ ,‬رامية بكل تهديداته‬ ‫خلف ظهري‪ ,‬ركبنا أول سيارة أجرة‪ ,‬وأطفالي الثالثة معي‪,‬‬ ‫أوصلت البنتين‪ ,‬وعدت المنزل بذات السيارة‪ ,‬وكان علي أن‬ ‫ّ‬ ‫أذهب الصطحابها في الثانية عشرة‪ ,‬لنكون في المنزل قبل‬ ‫عودته أي في الواحدة‪.‬‬ ‫لكنه لم يرجع البيت‪ ,‬حل المساء وأنا انتظر عودته‪ ,‬أو‬ ‫زيارة والدته التي كنت أترقبها بإلحاح‪.‬‬ ‫قد يكون لرأيها وسلطتها كأم دور ّبناء في توطيد أو ترابط‬

‫أسرتنا التي بدأت أتأكد من اقتراب انهيارها‪.‬‬

‫مرح وزياد كانا أصغر من أن يقرأا ما يحد ‪ ,‬أو أن يحاوال‬ ‫الحدي‬

‫عنه‪.‬‬

‫رنا كانت أكبر‪ ,‬والمواقف المتكررة بدأت تثير في خيالها‬ ‫الريبة‪ ,‬ومحاولة البح‬

‫عن التفسير‪.‬‬ ‫‪95‬‬


‫مساء خرجوا للنوم في مواعيدهم‪ ,‬دخلت لالطمئنان‬ ‫وتوديعهم بقبلة الهناء‪ ,‬لكني قرأت في عيون رنا حزنا وأسئلة‪,‬‬ ‫وقبيل مغادرتي تَ َج َرأت بخجل‪:‬‬ ‫ ماما شو القصة بينكون؟‬‫استوقفني السؤال‪ ,‬ولم أعرف كيف أتجاوزه بالرد‪.‬‬ ‫لم أكن أريد أن أقحم أطفالي في مشاكلنا‪ ,‬فهم أصغر من‬ ‫أن يتحملوا خالفاتنا‪ ,‬وكثي ار ما كنت أصطنع الفرح أمامهم معه‬ ‫ألجل أن يكونوا أفضل حاال‪ ,‬وأكثر ثقة‪.‬‬ ‫انحنيت أقبلها‪ ,‬وأنا أطمئنها‪:‬‬ ‫ ال تكترثي صغيرتي‪ ,‬مجرد سوء تفاهم ال أكثر‪ ,‬وفي‬‫الغد سيكون كل شيء قد أصبح أفضل‪.‬‬ ‫جلست ألوك ذاكرتي‪ ,‬وأتجرع سوء الحظ الذي يتلبسني‪ .‬ال‬ ‫أظن أنني سأبالغ إن كتبت أني لم أذق طعم النوم لألشهر‬ ‫التالية‪ ,‬أعتقد أن مسألة انهياري باتت قريبة جدا‪ ,‬وأن حياتي‬ ‫تحولت فعال إلى حطام‪ ,‬أشعر بالخوف حين أذكر العذاب‬ ‫واأللم الذي عشته حينها‪.‬‬ ‫‪96‬‬


‫بماذا يفيدنا األدب إذا لم يعلمنا كيف ننسى؟‬ ‫كوني اليوم أكتب عن ذلك بهدوء أستطيع اعتباره دليال‬ ‫على قدرة الوقت على شفاء الجروح ألنني لم أكن أتحمل ما‬ ‫كان يحد‬ ‫الثال‬

‫حينها‪ ,‬ولكن ليس في قدرته أن يشفيني من أطفالي‬

‫وربيعهم‪ ,‬وصدى محبتهم‪ ,‬وهنا يكون فيصل الكالم‪ .‬أنا‬

‫أكتب لهم وألجلهم‪ ,‬أكتبهم رسالة لتفسير الماضي كله‪ ,‬فالتاريخ‬ ‫يكتبه المنتصرون‪ ,‬وزوجي يومها كان المنتصر فكتب لهم ما‬ ‫يشاء‪ ,‬اليوم أنا المنتصرة ألني عدت بالكلمات ُمحاربة‪ ,‬فهي‬

‫سالحي وذكرياتي هي حبر دواتي‪ ,‬هذه الكلمات برمتها‬

‫أعتصرها في كتاب ألجلهم‪ ,‬ليقرؤوا ما عجزت رسائلي‬ ‫وتوسالتي‪ ,‬التي لم تصلهم‪.‬‬ ‫أكتب اليوم وأوزع ذاكرتي المحترقة كتابا‪ ,‬عله يصل إليهم‪,‬‬ ‫واليهم فقط‪.‬‬ ‫أكتب لكي تق أر رنا أجوبة أسئلتها‪ .‬لكي تق أر مرح قصة أمها‪.‬‬ ‫وزياد كي يعرف سبب تركي له طفال‪.‬‬ ‫أكتب للمستقبل الذي "يملكه هؤالء الذين يؤمنون بجمال‬ ‫أحالمهم‪".‬‬ ‫‪97‬‬


‫‪-23‬‬‫"فالشفاه التي تردد الكمال الصاخب تردد الموت‪ ,‬والموفدون‬ ‫إلى هذا الليل ليبنوا أدراجه اللولبية يبعثرون الرخام الذي‬ ‫حملوه‪ - ".‬سليم بركات ‪-‬‬ ‫في وقت متأخر من مساء ذات اليوم ُفتح الباب ليعود‪,‬‬ ‫مصطحبا معه أمه واخوته الثالثة‪.‬‬ ‫كم كنت أحتاج في هذه اللحظات إلى نصيحة صديق‪ ,‬أو‬ ‫سند أخ أو والد‪ ,‬وكم تذكرت أمي لتأتيني فأبكي في حضنها‪,‬‬ ‫لكني أيضا أم وربة أسرة وواجب علي الحفاظ عليها‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫جلسنا في غرفة المعيشة‪ ,‬والوقت يمر ثقيال بدأت أمه تلقي‬ ‫دروسا عن األلفة‪ ,‬والعائلة وضرورة الحرص على حمايتها‪,‬‬ ‫وأننا آباء لثالثة أطفال‪ ,‬ويجب علينا على األقل أن نتعاون‬ ‫حسنا ألجلهم‪.‬‬ ‫قر في عيونها الغدر‪ ,‬والغرور‪ ,‬واإليذاء‪ ,‬وبذلك كانت‬ ‫كنت أ أ‬ ‫توبخني ملقية بكامل اللوم علي‪ ,‬ويأسهم من تصرفاتي وعدم‬ ‫ّ‬ ‫قبول النصيحة‪.‬‬ ‫‪98‬‬


‫لم أتحمل تماديها‪ ,‬وتجاهلها لجوره‪ ,‬بل ووقوفها في صفه‪:‬‬ ‫ وليكن… ولكني لم أخطأ‪ ,‬أو أهمل لحظة عائلتي‪,‬‬‫ابنك الذي هو زوجي‪ ,‬ليس لديه أي احترام لي أو لنا‬ ‫كعائلة‪ ,‬بل وانه يتجاوز ذلك إلى اإلساءة‪ ,‬والتعدي‬ ‫بالضرب‪ ,‬وسن ما يناسبه من قوانين دونما مناقشة‪.‬‬ ‫دعيني أسأله في حضوركم‪ ,‬وبسلطة الشريعة‪ ,‬إن لم‬ ‫يكن يصاحب نساء أخريات‪.‬‬ ‫كانت جرأة كبيرة مني لحظة نطقت ذلك‪ ,‬وصدمة للحضور‪,‬‬ ‫لم يتحمل وقع اكتشافي‪ ,‬واستشاط غيظا‪ ,‬وفرطا‪:‬‬ ‫ نعم‪ ,‬ألف تنتظر مني إشارة‪ ,‬ال يحق لك أن‬‫تحاكميني‪ ,‬وسأتزوج بثانية خالل أيام‪ ,‬وسأسكنها داري‬ ‫لتخدميها أيضا‪.‬‬ ‫أمام هذا اإلقرار‪ ,‬وهذه اإلهانات‪ ,‬وقف الجميع مذهوال‪,‬‬ ‫فاستغليت الفرصة ألتابع‪:‬‬ ‫ أحزن على نفسي ألني حرقت أيامي بك‪ ,‬أعتقدت أنك‬‫ستصبح مع مرور األيام قاد ار على احترام عائلتك‬ ‫‪99‬‬


‫ونفسك‪ ,‬وأن تندم على سوء معاملتك وتتفهم أنني‬ ‫إنسانة بمشاعر وأحاسيس ولست آلة برسم الملكية‪,‬‬ ‫لكن على ما يبدو أنك ماض في غ ّيك‪ ,‬ولن يوقفك‬

‫شيء‪ ,‬واألنكى أن تأتيني بعد كل الذي كان‪ ,‬وبعد يوم‬ ‫حافل بجرائمك المتكررة‪ ,‬متحصنا بعائلة لطالما‬ ‫اعتبرت نفسي جزءا منها‪ ,‬عائلة التجأت كثي ار منك‬ ‫إليها عبثا‪.‬‬ ‫ لم أقحم أحدا من أهلي حتى اآلن في ٍ‬‫أي من مواضيع‬ ‫خالفاتنا ولطالما سعيت أن أحصرها في سوار عائلتنا‬ ‫الصغيرة‪ ,‬ولكنك أيضا وبذات التأثير كنت تعمد إلى‬ ‫إشهار أي خالف يحد‬

‫مشركا فيه حتى الجيران‪,‬‬

‫األوالد اليوم كانوا أيضا جزءا من انتقامك‪ ,‬الذي وصل‬ ‫حدود محاولة التعدي علي بسكين دون أن تكتر‬ ‫حتى للصغير الذي كنت أحمله في جيدي‪ ,‬ودون أن‬ ‫تقدر أن ابنتينا واقفتان تراقبان بطولة والدهما من‬ ‫بعيد‪.‬‬

‫‪100‬‬


‫ تحملتك كثي ار‪ ,‬وتحملت ظلمك وسوء معاملتك‬‫وتجاهلك المتعمد‪ ,‬وهجرك‪ ,‬وأكثر… كل ذلك إكراما‬ ‫ألهلي وأهلك‪ ,‬وتضحية في سبيل أوالدنا الذين لم‬ ‫يجدوك يوما في منزلهم والدا يحبهم‪ ,‬يهتم بهم‪,‬‬ ‫ويرعاهم‪ ,‬متابعا سلوكهم وتحصيلهم العلمي‪.‬‬ ‫‪-‬‬

‫اسمح لي أن أسألك عن اسم مدرسة رنا‪ ,‬أو عن‬ ‫درجاتها في الفصل‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أتستطيع أن تذكر لي أي مرحلة وصلت مرح‪ ,‬أو‬ ‫عيد ميالد زياد؟‬

‫ حرصي على أطفالي‪ ,‬جعلني أتجاهل‪ ,‬وذلك سبب‬‫آخر لتفرعنك علي‪ ,‬ولكن كما يقال قد طفح الكيل‪,‬‬ ‫ّ‬ ‫ولم يعد لصمتي قدرة إضافية على التعشعش‪.‬‬ ‫أمام صمتهم وذهولهم انسحبت ودخلت غرفتي‪ ,‬وأنا أشهد‬ ‫هدأ روعي مطالبا مني التزام‬ ‫انهياري األخير‪ ,‬اتصلت بأخي ف ّ‬ ‫الدار لحين وصوله‪.‬‬

‫‪101‬‬


‫وصل أخي حوالي الواحدة صباحا‪ ,‬فتحت أنا الباب له‪ ,‬بعد‬ ‫أن تجاهلوا طرقه‪ ,‬لينسحب زوجي إل�� غرفته‪.‬‬ ‫دخلنا على الفور إلى غرفتي‪ ,‬بكيت لدقائق في حضنه‪,‬‬ ‫كنت أحتاج إلى سنوات من البكاء عّلي أفرغ كل هذا الكبت‪,‬‬ ‫واليأس‪ ,‬والحنين‪.‬‬ ‫دخلت أمه علينا متصنعة البراءة‪ ,‬ترجت أن نؤجل قرار‬ ‫المغادرة‪ ,‬وأنها ستتكفل بتهدئة األمور‪.‬‬ ‫وفيما هي منهمكة بالحدي‬

‫مع أخي‪ ,‬خرجت أبح‬

‫عن‬

‫وثائقي وجواز سفر األطفال‪ ,‬كان في غرفته يتصنع النوم‬ ‫تجنبا لمقابلة أخي‪ ,‬وما إن فطن لذلك حتى رمى بنفسه من‬ ‫على الفراش وأوقفني قبل أن أدخل غرفتي دون أن يكلف‬ ‫خاطره بالسالم على أخي‪:‬‬ ‫ أعيدي جوازات سفر أوالدي يا‪ ,......‬وغدا سألغي‬‫إقامتك‪.‬‬ ‫من عيني أخي قرأت ثورة‪ ,‬ولكن والدته تدخلت‪:‬‬ ‫ ما هذا الكالم‪ ,‬أفقدت عقلك‪.‬‬‫‪102‬‬


‫ أرجوكم سامحونا‪ ,‬إنه يهذي ال أكثر‪.‬‬‫خرج ْته من الغرفة‪ ,‬هدأ الجو‬ ‫ْ‬ ‫سحبت مني جوازات السفر‪ ,‬وأ َ‬

‫قليال‪ ,‬وساده سكوت مطبق‪.‬‬

‫بقي أخي في غرفتي وهو يحاول دفعي للنوم‪ ,‬أعتذرت منه‬ ‫قر التعب في عينيه لساعات العمل الطويلة‪,‬‬ ‫بشدة‪ ,‬وأنا أ أ‬ ‫ولحزنه لما حد ‪.‬‬

‫‪103‬‬


‫في اليوم التالي( ‪ ) 1998/10/12‬وبعد أن أدركت أمه‬ ‫درجة تأزم الوضع‪ ,‬واحتمال وقوع الضرر كله على ابنها‪,‬‬ ‫بادرت بإجباره على أخذ األطفال إلى مدارسهم‪ ,‬وجاءت تعتذر‬ ‫عن تصرفاته‪ ,‬مطالبة بفرصة أخرى إلصالح البين‪.‬‬ ‫وعرضت أن أخرج واألطفال معها في رحلة سياحة أليام‬ ‫لتغيير األجواء‪.‬‬ ‫وعلى الفور اتصلت بابنها تخبره بخبر سفرنا‪ ,‬عدت مجددا‬ ‫لغرفة النوم وأخذت وثائقي وجوازات سفرنا‪ ,‬ولكنني لم أجد‬ ‫مفاتيح سيارتي فقد أخذها معه‪ ,‬وهي عادة أخرى له حي‬ ‫يستخلصني كل شيء أثناء المشاكل كورقة ضغط وتذكير‬ ‫بمكرماته على ما يبدو‪ .‬كثي ار ما تجد أطفاال يسمحون لآلخرين‬ ‫باللعب بدميتهم‪ ,‬ويستعيدونها عند الغضب عقابا لهم‪.‬‬ ‫سافرنا أنا وأمه وأخي وزياد إلى إمارة رأس الخيمة‪ ,‬رغم‬ ‫تيقني حقيقة أن زواجنا على وشك االنتهاء‪.‬‬ ‫غادر أخي إلى عمله‪ ,‬وهو يستأمنني أمه‪ ,‬قرأت القلق من‬ ‫تصرفاته فما حد‬ ‫‪104‬‬

‫معي أمس كان له كبير األثر عليه‪ ,‬طلبت‬


‫إليه أن يبقي األمر س ار عن والدي‪ ,‬وأعطاني مبلغا من المال‪,‬‬ ‫ألنه ق أر تماما حجم ما يحد‬

‫وسيحد ‪ ,‬مطالبا مني التجلد‪:‬‬

‫ قدرك أسود غادة‪...‬لألسف يجب أن تتحضري قويا‬‫للمرحلة المقبلة‪.‬‬ ‫كنت أسمع هديره من هاتف أمه‪ ,‬يتصل طالبا جوازات‬ ‫السفر مع برقيات تهديد إن لم تصله خالل يومين‪.‬‬ ‫كثرت تهديدات طالقي مؤخ ار‪ ,‬فمع كل حالة خالف يكون‬ ‫رضخ‪.‬‬ ‫الطالق خيا ار وحيدا إن لم أ ْ‬ ‫كانت فرصة طيبة‪ ,‬استغليتها ألريح أعصابي التي تكاد‬ ‫تحترق‪ ,‬وأن آخذ قسطا من الراحة النفسية دونما منغصات‪.‬‬ ‫حاولت التواصل مع رنا ومرح أكثر من مرة‪ ,‬ولكنه كان قد‬ ‫منع عنهم الهاتف أو االتصال بي مهما كانت الظروف‪.‬‬ ‫في عطلة نهاية األسبوع جاءنا بضغط من والدته مصطحبا‬ ‫الطفلتين‪ ,‬كان قد اشترط عدم لقائنا أو لقائي بهم إال بعد أن‬ ‫أعتذر له أمام الجميع‪ ,‬وأقر بأخطائي‪ .‬أية أخطاء‪ ,‬وأي‬

‫‪105‬‬


‫اعتذار؟! ال يا صديقي‪ ,‬لن أعتذر‪ ,‬ألني به أثبت اتهاماتك‪,‬‬ ‫التي ال صحة لها أو قيمة‪.‬‬ ‫تشوه سمعتي‪ ,‬وتسيئ إلي أمامهم‪ ,‬وتضربني رفسا ودفعا‪,‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وتلزمني االعتذار؟‬ ‫يا إلهي! لم كل هذا؟!‬ ‫لم يش ْأ أخي إال العودة‪ ,‬رضخت مكرهة لشروطه‪ ,‬فأنا ال‬ ‫يهمني إال أن اجتمع وأوالدي الذين فرض عليهم وعلي عدم‬ ‫التقابل‪.‬‬ ‫أي أب هذا؟ وأي زوج؟ فلم يظهر أية عالئم احترام أو ود‬ ‫حتى في المصالحة‪ .‬تصوروا لقد عاد يهينني وأمام الجميع‪.‬‬ ‫عبر أخي عن انزعاجه الشديد‪ ,‬إال أنه كان متيقنا بأن‬ ‫مصيرنا معا بات في أواخر فصوله‪ ,‬فآثر السكوت‪ ,‬بالعا‬ ‫اإلهانة بامتعاض‪.‬‬ ‫كنت أعيش ألمي‪ ,‬وامتعاض أخي‪ ,‬وأهدئ روعه‪ ,‬أمال في‬ ‫أطفالي الثال‬

‫‪106‬‬

‫وحالهم إذا خرجنا دون اتفاق‪.‬‬


‫فقرار العودة كان حجم تأثيره في كرامتي كبير الوطأة‪ ,‬لكني‬ ‫ال أملك إاله بديال‪ ,‬ورغم قسوته‪ ,‬إال أن خيار أطفالي قابع في‬ ‫تفاصيله‪.‬‬ ‫تراجعت عن الرحيل مجددا‪ ,‬وأملي بتحسن العالقة رغم‬ ‫خبوها ما يزال يلح علي‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وهأنذا أعود كأم فقط‪ ,‬فهذا ما ساد جو جلسة المصالحة‪,‬‬ ‫وهذا ما شعرت به‪ ,‬وشعر به أخي متأسفا‪ .‬بت في خياله‬ ‫قطعة أثا‬

‫لم يحن أوان بيعها أو رميها كأمرأة بالية مستهلكة‪,‬‬

‫كبير‪ ,‬ال يستطيع قبولي‬ ‫ا‬ ‫فمن الواضح أنه يعيش إشكاال‬ ‫كزوجة‪ ,‬أو إبعادي‪.‬‬ ‫عدنا إلى المنزل‪ ,‬كنت متعبة للغاية‪ ,‬فقد مرت علي أيام‬ ‫دون أن أتذوق طعم النوم‪ ,‬حاولت م ار ار تصنع القليل من‬ ‫السعادة والمرح في وجهه‪ ,‬وأن ألطف جو العالقة‪ ,‬لكنه صدني‬ ‫كما كل مرة‪ ,‬ويوم حاولت دخول غرفة نومنا‪ ,‬رفض ذلك‪ ,‬بل‬ ‫ونكرني كارها‪:‬‬ ‫ تواجدك هنا‪ ,‬فقط لخدمة أطفالي‪ ,‬ومنزلي‪ ,‬وأوان‬‫لفظك قريب جدا‪ ,‬لكن لكل موقف أوانه‪.‬‬ ‫‪107‬‬


‫نظرت إلى نفسي كخادمة أثيوبية ببشرة بيضاء‪.‬‬ ‫لم أرد عليه مطلقا إال بدموعي الماطرة‪ ,‬وأعصابي المنهارة‪.‬‬ ‫اطمأنيت على أطفالي بقبلة المساء‪ ,‬وكانت حماتي قد غفت‬ ‫أيضا في صحبتهم‪ ,‬ولم أك أرغب في أقحامها مجددا في‬ ‫الموقف األخير‪.‬‬ ‫أنا متعبة للغاية‪ ,‬والنوم إن تم سيكون فرصة للهروب من‬ ‫كل هذا مع شدة حرقة أعصابي‪ ,‬وصلت مرحلة االنفجار‪,‬‬ ‫وعلي أن أجد مف ار ما‪ ,‬وافترشت أرض الصالون دون أن أبدل‬ ‫مالبسي‪ .‬أي ذل هذا الذي أعيش فيه؟‬ ‫أنا في غاية التعب‪ ,‬وربما لهذا ال أستطيع النوم‪ ,‬ليس لي‬ ‫إال اللجوء إلى األقراص المنومة‪ .‬إنها تحت اليد دائما‪ .‬لدي‬ ‫علبة منها‪ ,‬أو حتى اثنتان‪.‬‬ ‫هذا المهدىء وصفه لي أحد األطباء‪ ,‬رغم أنه كان يلح‬ ‫بضرورة أن اصطحب زوجي معي إلى عيادته‪ ,‬فربما كان هو‬ ‫السبب فيما أعاني‪ .‬ولكنني لم أكن أجرؤ أن أطلب منه‬ ‫مرافقتي إلى طبيب نفسي‪.‬‬ ‫‪108‬‬


‫كنت قد لجأت إلى الطبيب قبل ستة أشهر تقريبا بعد أن‬ ‫تفاقمت مشاكلنا‪ ,‬ولكنني ترددت طويال قبل أن أتناول الحبة‬ ‫األولى منه‪ .‬غير أنني ‪-‬منذ شهرين تقريبا‪ -‬لم أعد قادرة على‬ ‫مزيد من التردد‪ ,‬فلجأت إلى وصفة الطبيب أخي ار‪ ,‬وبت‬ ‫أتعاطاها وقد ساعدتني قليال على تحمل متاعبي‪.‬‬ ‫أما اليوم فالوضع مختلف تماما‪ ,‬رأسي يكاد ينفجر من كثرة‬ ‫المصالحة‬ ‫التفكير‪ ,‬كنت قد تناولت قرصا ُمهدئا قبل جلسة ُ‬ ‫حتى أمنع نفسي من االنجرار وراء استف اززه‪ ,‬ولكن الموقف‬ ‫كان أقوى من جميع المهدئات‪ .‬وهكذا فإن القرص لم يعط‬ ‫النتيجة المرجوة منه‪.‬‬ ‫يارب! ماذا أفعل؟ أريد أن أنام ولو قليال‪ .‬تناولت قرصين‬ ‫من المهدىء دفعة واحدة‪.‬‬ ‫مضت ساعة ونصف الساعة‪ ,‬ثم ساعة أخرى‪ ,‬ولم أتمكن‬ ‫من النوم‪.‬‬ ‫فكرت في قرصين آخرين‪ .‬تناولتهما دونما جدوى‪ .‬ظهرت‬ ‫حماتي في الصالون فجأة‪ ,‬يبدو أنها استيقظت على حركاتي‪,‬‬ ‫أو ‪-‬وهذا ما أرجحه‪ -‬كانت تراقبني طوال الوقت‪.‬‬ ‫‪109‬‬


‫وما أعتقده أيضا أن كال من زوجي وحماتي شع ار بحاجتي‬ ‫الماسة لطبيب‪:‬‬ ‫ لقد تدهورت صحتها بني‪ ,‬وجهها متقلب‪ ,‬أخشى أنه‬‫يجب أن نسرع بها إلى أقرب مشفى‪.‬‬

‫‪110‬‬


‫‪-24‬‬‫" يدبرون لي عذوبة المضي بالخسارة إلى ألقها‪ .‬مباهين بسفن‬ ‫ليست لهم " ‪--‬‬ ‫جائتني حماتي مواسية‪ ,‬كنت أهذي تماما وأرتجف‪ ,‬حاولت‬ ‫الوقوف كان محاال‪ ,‬فهرولت تستعجله لإلسعاف‪.‬‬ ‫توجهوا بي ألقرب مشفى وفي الطريق سلمت حماتي‬ ‫بطاقتي الصحية خشية من أن ال أكون بوعي هناك‪.‬‬ ‫رميت علبة الدواء التي كنت أحملها واحتفظت بالظرف‪.‬‬ ‫لماذا فعلت ذلك؟ لست أدري‪ .‬هل كنت أخشى كشف أمر‬ ‫تعاطي لتلك الحبوب؟ رغم أنه احتمال بعيد‪ .‬على أية حال‬ ‫يظل إخفاء الشريط أسهل من إخفاء العلبة‪.‬‬ ‫وكأني ال أضمن لنفسي النجاة مما قد يبيته لي من شرور‪.‬‬ ‫أتراني أظلمه؟ كنت أتمنى لو أنني أظلمه فعال‪ .‬على أية حال‪,‬‬ ‫إنني أروي ما حصل وحسب‪.‬‬ ‫وصـلنا مشـفى راشـد (قسم الطوارئ) بإمارة دبي‪ ,‬انشغل‬ ‫زوجي بركن السيارة‪ ,‬فيما دخلنا متوجهين نحو االستعالمات‬ ‫‪111‬‬


‫واذ بالمناوب زوج إحدى صديقاتي التي تعرف شيئا من‬ ‫قصتي‪:‬‬ ‫ بطاقتك الصحية‪.‬‬‫ إنها معك عمتي‪.‬‬‫ ال‪ .‬ال أستطيع إيجادها‪ ,‬يبدو أني قد أضعتها‪.‬‬‫ال أدري لماذا فعلت ذلك‪ .‬لكن من حسن الحظ أن األسماء‬ ‫هناك تدخل عن طريق الكمبيوتر فبمجرد إعطاء االسم يظهر‬ ‫رقم البطاقة وقد كنت أحفظ رقم بطاقتي الصحية‪.‬‬ ‫شعرت بعدم راحة من موقفها على كل حال‪ .‬أمرها عجيب‬ ‫هذه المرأة!‬ ‫جلست على كرسي ُمتحرك وتكفلت الممرضة بدفعي إلى‬ ‫غرفة المعاينة‪ .‬رافقوني جميعا وأنا بالكاد واعية‪ .‬سمعت أنهم‬ ‫يسألون عن السبب في وصول حالتي إلى هذه الدرجة الحرجة‪.‬‬ ‫دخل الطبيب المناوب‪ ,‬طالبا خروج الجميع‪:‬‬ ‫ ال تقلقي‪ ,‬زوجك قال أنك تعانين من ألم في البطن‬‫والرأس‪.‬‬ ‫‪112‬‬


‫ ال تكتر به ألنه آخر من يحس بآالمي‪ ,‬أسبوع وأكثر‬‫ولم يغمض لي جفن‪ ,‬مهما حاولت ال أستطيع‪ ,‬فلم‬ ‫أجد بدا إال بتناول هذه الحبوب‪.‬‬ ‫ كم كان عدد الحبات؟‬‫ خمسة‪ ,‬ستة ال أتذكر‪ ,‬فقد كنت أريد النوم‪.‬‬‫قرر الطبيب إجراء فحص فوري للدم‪ .‬وبعد ظهور النتيجة‬ ‫تقرر غسل معدتي‪.‬‬ ‫كانت عملية شاقة وموجعة‪ ,‬وبعد ذلك ربطوا أحد شرايين‬ ‫يدي بكيس من المصل‪ ,‬ونقلوني إلى إحدى الغرف‪ ,‬وتركوني‬ ‫ألنام‪ .‬ونمت أخي ار…‬ ‫وهأنذا أشعر باألمان‪ ,‬أكثر مما كنت أشعر به في بيتي‪:‬‬ ‫‪ -‬كم هو جبار‪ ,‬في اختالق األلم!‬

‫‪113‬‬


‫‪-25‬‬‫استيقظت من النوم ألجد نفسي في مكان لم أره قط‪ ,‬مكان‬ ‫ال أعرفه وال يشبه غرفة الطوارىء وال حي‬

‫نمت‪.‬‬

‫رحت أسأل نفسي‪" :‬ما هذا المكان؟"‬ ‫نهضت من الفراش وكنت أترنح من اإلنهاك‪ .‬اتجهت نحو‬ ‫الباب‪ .‬ممر طويل على جانبيه غرف ممتدة‪ ,‬صدفت إحدى‬ ‫الممرضات‪:‬‬ ‫ أين أنا ومن الذي جاء بي إلى هنا؟ هل مازلت في‬‫مستشفى راشد‪ ,‬أم أنني صرت في مكان آخر؟‬ ‫ أنت في قسم العصبية سيدتي‪ ,‬األفضل لو ترجعين‬‫إلى فراشك‪.‬‬ ‫لم أصدق ما سمعت‪ .‬هل تدهورت حالتي إلى هذا الحد‬ ‫ألكون في قسم العصبية؟! أتراهم ظنوا أني حاولت االنتحار؟‬ ‫ربما أحالوني إلى هذا القسم بالذات كون الطبيب الذي‬ ‫وصف لي الحبوب من قبل يعمل في هذا المستشفى‪ ,‬وبالتالي‬ ‫فإن اسمي قد يكون موجودا في سجالتهم‪.‬‬ ‫‪114‬‬


‫واآلن ماذا أفعل؟ ما لي وهذا المكان الموحش بطقوسه‬ ‫وناسه ومرضاه؟ حتى أطباء القسم والمناوبون كل شيء‬ ‫ُمختلف‪.‬‬ ‫لماذا ال يأتي زوجي لزيارتي؟ اتصلت بصديقة لي وأبلغتها‬ ‫أني في المشفى وطلبت منها أن تتصل بأخي‪ ,‬وتبلغه بمكاني‬ ‫فأنا ال أستطيع أن أكلمه لعدم السماح باستخدام الصفر‪.‬‬ ‫رجعت إلى سريري مذهولة أرفض طعامهم‪.‬‬ ‫كنت خائفة جدا‪ ,‬فهذا المكان غير مريح‪ .‬إنه يبع‬

‫النفس‬

‫على االنقباض‪ .‬وال يترك مجاال للشعور باالطمئنان‪ .‬كل شيء‬ ‫من حولي يدعو لالستغراب‪ ,‬تكورت على سريري‪ ,‬ورحت‬ ‫أتأمل كل شيء حولي‪:‬‬ ‫ ياإلهي! هذا المكان يرعبني ويخنقني‪ .‬لم أعد أشعر‬‫بجسدي‪ ,‬تجمدت تماما‪ ,‬وحده قلبي كان يتحرك‪,‬‬ ‫وضرباته تدق بشدة في أذني‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫عيناي حائرتان في محجريهما تتحركان ببطء وبالهة ذات‬ ‫اليمين وذات الشمال‪.‬‬ ‫‪115‬‬


‫بيدي ووضعت رأسي‬ ‫ضممت‬ ‫ساقي إلى صدري وعانقتهما ّ‬ ‫ّ‬ ‫على ركبتي داعية هللا وطالبة العون‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫مر الوقت ببطء شديد‪ .‬نظرت إلى ساعتي‪:‬‬ ‫ أتوقف الزمن أم أن عقارب ساعتي قد تجمدت هي‬‫أيضا؟! آه‪ ,‬كم االنتظار مضن!‬ ‫صحيح أنني لم أدخل سجنا في حياتي‪ ,‬ولكن الجو هناك‬ ‫كان يشعرني بأني مجرد سجينة‪ .‬سجينة من دون محاكمة ومن‬ ‫األسرة‪ .‬كل‬ ‫دون جريمة‪ .‬غرف بال نوافذ‪ ,‬فيها مجموعة من‬ ‫ّ‬ ‫سرير محاط بستارة تصنع غرفة مستقلة‪ ,‬رغم وجود صالة‬ ‫يسمونها (ترفيهية)‪ ,‬جهاز تلفزيوني يب‬

‫بعض البرامج‬

‫المحلية‪ ,‬وهاتف للعموم كتلك التي في شوارع المدينة‪ ,‬مجموعة‬ ‫من الطاوالت يلتف حولها عدد من الكراسي‪ ,‬حي‬

‫جلست‬

‫بعض النساء يظهر أنهن من جنسيات مختلفة‪ ,‬شاردات‪,‬‬ ‫ذاهالت‪ .‬وهناك ثمة باب من األلمنيوم يحتوي على زجاج من‬ ‫نوع خاص ـ غير قابل للكسر‪ ,‬يناسب األطفال والمجانين ـ‬ ‫يفصل الصالة عن الحديقة‪ ,‬التي ال يوجد فيها أرجوحة أو‬ ‫‪116‬‬


‫حتى مقعد‪ ,‬ال شيء سوى بساط من العشب ينتهي عند سور‬ ‫عال جدا يصعب على مخلوق تسلقه‪:‬‬ ‫ ما قصة هؤالء النساء؟ وهل جاؤوا بهن إلى هنا مثلما‬‫هن بالفعل‬ ‫فعلوا بي وأصبحن شيئا منسيا‪ ,‬أم ّ‬ ‫مريضات وال يستحقن الحياة الطبيعية مع البشر‬

‫األسوياء؟‬ ‫مشاهد ال يمكنني نسيانها‪:‬‬ ‫ ما قصة تلك المصرية التي تكلم دميتها؟ ربما فقدت‬‫طفلتها وعقلها في آن معا‪ .‬ما الذي جرى لتلك المرأة‬ ‫الهندية نصف المحترقة؟ هل اغتصبها سيدها فأحرقت‬ ‫نفسها بسبب ضياع عذريتها؟ وما الذي جرى لهذه‬ ‫المراهقة اللبنانية الصامتة أمام التلفزيون صمت‬ ‫القبور؟ هل عذبتها امرأة أبيها حتى صار هذا المكان‬ ‫أرحم لها من البيت الذي جاءت فيه إلى الحياة؟ وأنا‬ ‫لماذا كان علي أن أشاهد هذه المآسي كلها؟‬ ‫ّ‬ ‫عدت إلى سريري‪ ,‬وجلست أمارس االنتظار‪ ,‬ومن حسن‬ ‫حظي أن موعدي مع الفرج لم يطل أكثر من ثال‬

‫ساعات‪.‬‬ ‫‪117‬‬


‫حضر أخي مع والدي‪ ,‬الذي بقي صامتا‪ .‬كان ينفجر‬

‫حي‬

‫غضبا مني وعلي‪ ,‬فقد أخفيت مشاكلي عنه طويال‪ ,‬رغم‬ ‫ّ‬ ‫شعوره بأني غير سعيدة‪ ,‬صارحني باألمر أكثر من مرة‪ .‬كنت‬ ‫أنفي ذلك وأك ّذب إحساسه‪ .‬فأنا ال أرغب بتدخل والدي في‬ ‫حياتي الزوجية‪ .‬أل ّال أكون بين المطرقة والسندان‪.‬‬ ‫طلب والدي من الممرضة أن تستدعي الطبيب‪ ,‬وبعد قليل‬ ‫حضر زوجي وعيناه منتفختان من النوم‪:‬‬ ‫ يالقساوة قلب هذا الرجل! منذ الفجر وأنا أتنقل وحيدة‬‫وفي أشد الحاجة لوجوده معي‪ ,‬بينما هو غارق في‬ ‫النوم!‬ ‫تغير لون والدي عند رؤيته‪ ,‬ولم يضبط ردة فعله إال بأن‬ ‫غادر إلى خارج الغرفة‪.‬‬ ‫ربما ذهب يبح‬

‫عن الطبيب المناوب فقد تأخر في‬

‫المجيء‪ .‬تبعه زوجي‪ ,‬وأخي‪ ,‬ليعودوا وعالئم االنزعاج‬ ‫مرسومة على وجوههم‪ ,‬لقد وقع والدي على أوراق خروجي من‬ ‫المشفى‪.‬‬ ‫‪118‬‬


‫عدنا إلى المنزل‪ ,‬وحضنت أطفالي بدموعي‪ ,‬وتساؤالتهم‬ ‫تتعالى‪:‬‬ ‫ أين كنت‪ ,‬لماذا تأخرت‪ ,‬لماذا لم تأخذينا معك؟‬‫ ماما‪ ,‬أنا عرفت أنك بالمشفى‪ ,‬بس ما حسنت اتصل‬‫فيك‪" .‬رنا"‬ ‫ اشتقنا لك مام! "مرح"‬‫ ماما‪ .‬ماما‪ .‬ماما… "زياد"‬‫ما عداهم الجميع صامت وال أحد يتكلم‪ ,‬يمر الوقت‪ ,‬فيتكلم‬ ‫أبي‪:‬‬ ‫ ما المشكلة؟‬‫رد زوجي على السؤال باقتضاب وعلى نحو بدا غير مقنع‬ ‫ألبي‪:‬‬ ‫ المشكلة بيني وبين غادة‪ .‬وليس لكلينا االستعداد‬‫للحدي‬

‫بشأنها اآلن‪.‬‬

‫‪119‬‬


‫ومن مالمح والدي قرأت الكثير من الغضب واألسف‪ ,‬لقد‬ ‫كان يوبخني وأخي من خالل نظراته الحادة‪ ,‬واالضطراب الذي‬ ‫يكسوه‪.‬‬ ‫وجدتُني أعيش دوامة أخرى‪ ,‬كنت ضائعة تماما‪ ,‬وسط‬ ‫غضب والدي وحيرة أخي مع حقد زوجي وسماجة حماتي‪,‬‬ ‫فيما صدى أنفاس أطفالي يشعلني‪.‬‬ ‫كسر والدي الصمت مجددا‪:‬‬ ‫ لم أتفهم قصدك من إدخال غادة إلى المشفى‪ ,‬ومن ثم‬‫إصرارك على إبقائها هناك‪ ,‬علما أن التقارير ال‬ ‫تلزمها على ذلك كمريضة!‬ ‫أتراه فكر في أن يحولني بفعل المكان إلى مريضة حقا‪ ,‬لما‬ ‫سأتعرض له هناك بفعل الضغط النفسي والعزلة والمرضى‪,‬‬ ‫وبفعل تصرفاته‪ ,‬فأصبح من المقيمين فيه‪ ,‬كامرأة فاقدة‬ ‫لألهلية‪ ,‬بال عقل؟‬ ‫‪ -‬فكرت أن تبقى لغرض متابعة العالج ليس أكثر‪.‬‬

‫‪120‬‬


‫ غادة‪ ,‬أعطيني جواز سفرك‪ ,‬ستغادرين معنا إلى‬‫دمشق‪ ,‬فأنت بحاجة أليام راحة وهدوء‪.‬‬ ‫كان أبي يرواغ لعله يريد إنقاذي من المستنتقع الذي أعيشه‪.‬‬ ‫ ال أظنها فكرة مصيبة اآلن‪ ,‬األفضل تأجيل السفر‪,‬‬‫بسبب مدارس األوالد‪.‬‬ ‫معه حق‪ ,‬فهو حريص على بناته‪ ,‬فمصلحتهما فوق كل‬ ‫اعتبار‪ ,‬كذلك أبي له الحق في التفكير بابنته‪.‬‬ ‫كثير‪ ,‬ليصرح زوجي بعدم‬ ‫احتدم النقاش بينهما‪ ,‬وتوتر الجو ا‬ ‫السماح بمغادرتي‪ ,‬وأنه سيحتفظ بجواز سفري ألنه كفيلي من‬ ‫جهة وولي أمري من جهة ثانية‪.‬‬ ‫وصل أبي إلى ذروة الغضب‪:‬‬ ‫ ال يمكنني األمان على ابنتي معك‪.‬‬‫ اخرج من منزلي‪ ,‬أو سأتصل بالشرطة‪.‬‬‫‪ -‬وتطردني مهددا‪.‬‬

‫‪121‬‬


‫احتقن الجو أكثر‪ ,‬تأملت من والدته التدخل للتهدئة لكني‬ ‫لمحتها تهرب إلى الهاتف لتجري اتصاال‪ ,‬تبين لي أنه استنجاد‬ ‫بإبنها آخر‪.‬‬ ‫من المفروض أن يتم ضبط الوضع‪ ,‬وخاصة أن شخصا‬ ‫مثل أبي‪ ,‬وأمه كبيران في السن‪ ,‬ولفرض االحترام والتقدير‬ ‫لمكانتيهما‪ ,‬وبحكم أن والدي ضيف‪ ,‬وأني مريضة‪ ,‬كان لزاما‬ ‫على زوجي العمل على تقدير كل ذلك‪ ,‬واالنسحاب قبوال أو‬ ‫تهدئة مؤقتة‪ ,‬لكني رأيته يهرب خارج المنزل‪ ,‬مقفال الباب من‬ ‫الخارج‪.‬‬ ‫تأزمت األمور أكثر وهذا ما يطلبه‪ ,‬ما هي إال دقائق حتى‬ ‫فتح الباب وهو بصبحة أخيه والشرطة‪.‬‬ ‫هذا ما كنت أخافه‪ ,‬فخط العودة أصبح اآلن شبه مستحيل‪,‬‬ ‫ولطاما عمدت أن أتجنب هذا الموقف‪ ,‬بدأ الصراع اآلخر‪ ,‬بين‬ ‫من ملكني‪ ,‬ومن استملكني‪ :‬أبي وزوجي‪.‬‬ ‫خرجت األمور من دائرتها الخاصة‪:‬‬

‫‪122‬‬


‫ ها هم‪....‬هذا الرجل وابنه هاجماني في منزلي بغرض‬‫التعدي علي‪ ,‬وتحريض زوجتي‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫احتدم الخالف بينهما فطالب الشرطي بإثبات الواقعة فهو لم‬ ‫يتلمس أي آثار لالعتداء‪ ,‬لذا أمر بإحالتي على الفور إلى‬ ‫المشفى إلثبات واقعة الضرب‪ ,‬وتم تحويلهما إلى الشرطة‪ ,‬وما‬ ‫هي إال ساعات حتى تم االنتهاء من عرض التقرير‪:‬‬ ‫"تم إثبات تعرض السيدة غادة للتعدي من خالل آثار‬ ‫الضرب بواسطة حزام‪ ,‬واصابات متعددة في أنحاء متفرقة من‬ ‫الجسم‪ ,‬مع مالحظة إنخفاض في ضغط الدم‪ ,‬وتباطؤ في‬ ‫النبض"‬ ‫جت مع الشرطي بورقة التقرير‪ ,‬واذ بزوجي‬ ‫وما إن خر ُ‬

‫جالسا في الممر‪ ,‬يسند رأسه على الجدار‪ ,‬ظننت أنه تبعني‬ ‫ندما ورأفة‪ ,‬علنا ننهي الخالف‪.‬‬ ‫كنت إلى هذه اللحظة أنتظر ذلك‪ ,‬لكنني كما كل مرة كنت‬ ‫مخطئة‪ ,‬كان قد تصنع جرحا بإبهامه كسبب في طلب‬ ‫الشرطة‪ ,‬وكنتيجة لتثبيت اتهامه‪.‬‬

‫‪123‬‬


‫حينما وصلنا مخفر الشرطة كان الليل قد انتصف‪ُ ,‬فتح‬ ‫محضر الواقعة‪ ,‬وتم إثبات جرم التعدي‪ ,‬وزوجي واقف يتصنع‬ ‫األلم‪ ,‬فيالهذي الفكرة الشيطانية! وقد افتعلها لجر والدي إلى‬ ‫مشكلة مع الشرطة كي تعطيه هامشا للمساومة‪.‬‬ ‫الجميع في المخفر‪ ,‬أبي وأخي وزوجي وأنا وأطفالي‪ ,‬لم‬ ‫أكن أعرف ماذا أفعل‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫إما أن نحتجز طرفي اإلدعاء حتى الصباح‪,‬‬ ‫لعرضهم على النيابة العامة‪ ,‬أو حل الخالف‬ ‫والمصالحة اآلن‪ ,‬ليعود الجميع إلى منازلهم‪ ,‬وغدا‬ ‫سنتابع دعوة التعدي بالضرب المثبتة بتقرير المشفى‪.‬‬

‫ما فاجئني أن زوجي تصنع األلفة‪ ,‬وانهارت عنجهيته‪ ,‬يبدو‬ ‫أنه أحس بورطته الكبيرة‪ ,‬فالتمس يدي يقبلها‪ ,‬مستسمحا‪.‬‬ ‫نظرت أق أر قرار والدي‪ ,‬وأطفالي ينتظرون قراري‪.‬‬ ‫وحين باءت محاولته بالفشل أمسك رنا‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫ألم أخبرك أن أمك قاسية‪ ,‬فهاهي تزجني في‬ ‫السجن‪.‬‬

‫‪124‬‬


‫ُليقحم طفلتنا في الخالف ويستغلها مجددا كورقة ضغط‪,‬‬

‫كانت ترتعد خوفا بين يديه‪ ,‬مذهولة‪ ,‬خائفة من الحد‬ ‫والمكان فكل شيء غريب عنها‪.‬‬

‫أمام دموع األطفال‪ ,‬واستنكار والدي‪ ,‬تنازلنا عن الدعوة‪,‬‬ ‫وتمت المصالحة الشكلية‪ ,‬لكن والدي اشترط أن يحصل على‬ ‫جواز سفري‪.‬‬ ‫وحال خروجنا من المخفر ّأنبني والدي بقوة‪ ,‬وألح علي‬

‫بالسفر معه واألطفال إلى دمشق فترة‪.‬‬

‫رفضت رغبته فمن سيتكفل بثالثة أطفال يتعلمون في‬ ‫مدارس خاصة‪ ,‬ويعيشون في رفاهية؟‬ ‫عدا عن الصعوبات اإلدارية والقضائية األخرى‪ ,‬فصعب أن‬ ‫اصطحب األطفال دون موافقة والدهم‪.‬‬ ‫أصبح هناك شرخ كبير بين زوجي وأهلي‪ .‬كل منهما حاقد‬ ‫على اآلخر‪ ,‬ونسوا جميعا أني مع أطفالي من سندفع الثمن‬ ‫في النهاية‪.‬‬

‫‪125‬‬


‫عدنا إلى المنزل دون أي حسم أو انتصار أحد‪ ,‬ولكن وقع‬ ‫المشاكل ال يزال ثقيال في الصدور‪ ,‬وتتالطق في ذهني كل‬ ‫األحدا‬

‫األخيرة‪.‬‬

‫حل الصباح‪ ,‬وكان قد غادر إلى عمله‪ .‬جلست وأمه‪,‬‬ ‫فبلغتني أنه لم يعد يرغب في رؤية أحد من عائلتي في منزله‪,‬‬ ‫وأنه لن يسمح بسفر األطفال‪ .‬وهو يعلم علم اليقين أنني لن‬ ‫أستطيع السفر من دونهم‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫باسم من تعزين‪ ,‬أال يمكنك كأم أن تعيشي ظرفي؟‬ ‫وأن تحاولي توطيد العالقة بيننا بوقفة حياد‪ ,‬فأنا‬ ‫مستعدة لسماع أية نصيحة تبدينها‪ ,‬حاولي اعتباري‬ ‫ابنتك‪.‬‬

‫ٍ‬ ‫ضعف أبنيه‪ ,‬وحالة استرجاء‪ ,‬ال لشيء وانما‬ ‫كان موقف‬ ‫ألن خيار أطفالي الثال‬

‫دائما موجود في صلب كل موقف‪.‬‬

‫كانت قاسية بحق‪ ,‬لم تنصف حال ولم تساوم‪ ,‬فهي نصفه‬ ‫اآلخر تشاركه مشروع إبعادي عن أطفالي قس ار وتساعده في‬ ‫إعداد الخرائط إلنهاء المشروع‪.‬‬ ‫‪126‬‬


‫انتصف النهار وأنا أنتظر عودة مرح برفقته‪ ,‬فهو بالعادة‬ ‫يعود بها من المدرسة‪.‬‬ ‫تجاوزت الساعة الثانية ومرح لم تعد‪ ,‬اتصلت بالمدرسة‬ ‫استفسر ابنتي‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫إنها ما تزال في باحة االنتظار بالمدرسة لوحدها‪,‬‬ ‫ولم يأتي أحد ألخذها كما العادة‪.‬‬

‫خرجت مسرعة إليها‪ ,‬ولحظة حتى وجدتها برفقة إحدى‬ ‫الموظفات تنتظرني‪.‬‬ ‫حل وقت الغداء دون أن يعود‪ ,‬خيم الليل ولم يتغير شيء‪,‬‬ ‫وجميعنا ننتظره‪ ,‬لم يتصل لالطمئنان على والدته حتى‪.‬‬ ‫مهما حاولت اقناع نفسي بالتعود عليه‪ ,‬أجده يتشقلب ألف‬ ‫حركة‪ ,‬لم أكن بذات الحرص الكثير على زواجنا‪ ,‬أو عليه‪,‬‬ ‫فأنا بشكل أو بآخر فقدت ثقتي به‪.‬‬

‫‪127‬‬


‫‪-26‬‬‫"ال ليس أنا إنه غيري من يتألم‪ ,‬مثل هذا األلم ما كان في‬ ‫طاقتي واحتمالي" ‪-‬آنا أخمتوفا‪-‬‬ ‫ليس بالضرورة أن يكون الرجل رومانسيا كي يكون حنونا‪,‬‬ ‫وال جبا ار ليكون قويا‪ ,‬كنت أحتاج أن يشعرني بلمسات دفء‬ ‫تساندني ليس أكثر‪ ,‬لكن لم يتغير شيء‪ ,‬عاد إلى سابق‬ ‫عهده‪ ,‬لنصبح شيئا مهمال في حياته‪ ,‬كلما حاولت التقرب منه‬ ‫كان يصدني‪ ,‬حتى األوالد فقد بدؤوا يتذمرون من إهماله‪,‬‬ ‫استمرت حالتي بالتدهور‪ ,‬وأنا أعاني من الشرود وعدم القدرة‬ ‫على النوم أو الهدوء‪.‬‬ ‫ابلغتني رنا بأن خالها روان على الخط‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫غادة سنمر أنا ووالدك بعد ساعة الصطاحبك إلى‬ ‫الطبيب‪.‬‬

‫فوجئت بالموعد‪ ,‬ورفض أخي إخباري بشيء‪ ,‬عن أي طبيب‬ ‫يتحد ؟ ذهبت استئذن حماتي‪:‬‬

‫‪128‬‬


‫‪-‬‬

‫سأخرج برفقة أخي في نزهة ولن نتأخر‪ ,‬وقد كلمت‬ ‫المدرسة بشأن ترتيب عودة األطفال‪.‬‬

‫أنهيت أعمالي المنزلية‪ ,‬وخرجت لمقابلته بعد اتصال ثان‪.‬‬ ‫‪-‬‬

‫أين أبي؟‬

‫‪-‬‬

‫لقد غادر لرؤية المحامي رامز‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫لم أكن على دراية بموعدي مع الطبيب‪ ,‬ولماذا‬ ‫المحام اآلن؟‬

‫عادت األفكار ترِّنح بي‪ ,‬وأدركت أن أبي يخطط ألمر ما‪,‬‬

‫فهو ليس من الذين يمكنهم نسيان اإلهانة‪ ,‬أو تناسي مشاكل‬ ‫أوالده‪ ,‬فأنا الخبيرة بشؤونه وشجونه‪.‬‬ ‫بجميع األحوال ولطالما أن والدي موجود فأنا مستسلمة‬ ‫ارته‪ ,‬فسحره الذي مارسه علي هو الذي أوصلني إلى هذا‬ ‫لقر ا‬ ‫المنعطف الخطير من الذل واالنتهاك لكرامتي كإنسانة‪.‬‬ ‫يبدو أنه قد زار كل األصدقاء‪ ,‬ولم يجلس منتظ ار أو‬ ‫مستنتجا‪ ,‬ليتيقن تماما بأني أعيش جحيم هذا الرجل‪.‬‬

‫‪129‬‬


‫فتوقعت أن يتخذ الخطوة التالية‪ ,‬والتي عجزت عن اتخاذها‪,‬‬ ‫وفي الفيض اآلخر كان مصير أطفالي يترنح في سماء‬ ‫أفكاري‪ ,‬فبقائي مصيبة‪ ,‬ورحيلي مصيبة‪ ,‬وكل شيء يتفاقم‬ ‫كنت أطحن بين رحى أطفالي وطالقي بألم ما فوقه ألم‪.‬‬ ‫بعد أن فحصني الطبيب‪ ,‬كتب تقريره عن تدهور حالتي‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫لألسف حالتها تسوء‪ ,‬ووضعها النفسي معقد‪.‬‬

‫أخير تكلم روان‪:‬‬ ‫ا‬ ‫‪-‬‬

‫والدك سيعيدك إلى دمشق‪ ,‬إنه يخاف من بقائك‬ ‫هنا‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫وأطفالي!‪....‬يستحيل أن اتركههم‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫غادة أرجوك‪ ,‬سهلي األمر علينا‪ ,‬واحفظي ما بقي‬ ‫لنا من كرامة‪ ,‬إنه يرفض وجودك في منزله‪ ,‬وأمس‬ ‫كانت مكالمته أكثر من قاسية‪ ,‬يجب أن تكوني قوية‪.‬‬

‫دقت ساعة اتخاذ القرار‪ ,‬ووصلت األمور إلى حسمها‪.‬‬

‫‪130‬‬


‫فها هو زوجي يربح معركته في إهانتي والتنكيل بي‪ ,‬وسلبي‬ ‫أطفالي‪ ,‬وها هي حماتي وابنتها تبعدانني من عائلة ما دامت‬ ‫رفضتني فيها‪.‬‬ ‫وذلك أبي يعلن معركته ضده‪ ,‬راغبا في إعادتي إلى‬ ‫مملكته‪ ,‬وهذا أخي يريح نفسه من هم الوجود معي في كل‬ ‫لحظة إشكال‪ ,‬وأطفالي فظروف حياتهم هنا أفضل‪ .‬وهأنذا في‬ ‫بحر كل ذلك أخسر كل شيء‪ ,‬ليربح الجميع‪.‬‬ ‫‪-‬‬

‫ومتى يكون الرحيل؟‬

‫‪-‬‬

‫والدك سيحجز على أول رحلة إلى دمشق‪ ,‬ولحينها‬ ‫ستبقين برفقتي‪.‬‬

‫لم يستشرني حتى‪ ,‬ما كنت سأعارض بجميع األحوال‪ ,‬وانما‬ ‫كنت سأشعر بقليل من القيمة والرأي‪ ,‬أما ستنتهي هذه السيطرة‬ ‫هنا وهناك؟‬ ‫‪-‬‬

‫لن أغادر قبل توديع األطفال‬

‫عدنا المنزل ضممت زياد إلى صدري وبكيت بحرقة‪.‬‬ ‫ياإلهي! لماذا يحد‬

‫كل هذا؟ تركت ابني وروحي تلتصق به‪.‬‬ ‫‪131‬‬


‫غادرت المنزل دون أن آخذ شيئا معي‪ ,‬ألني ال أريد شيئا‬ ‫يذكرني بأيامه‪.‬‬ ‫ذهبت إلى المدرسة‪ .‬ربما التقي البنتين قبل انصرافهما‬ ‫بالباص‪ ,‬لكنه كان قد غادر منذ دقائق‪ .‬عدت مسرعة في‬ ‫طريق الباص‪ ,‬ووصلت البيت وأنا انتظره أمام المدخل‪.‬‬ ‫وعلى ما يبدو أنهما قد أصبحتا داخل المنزل‪ ,‬فسيارته‬ ‫مركونة في الكاراج‪ ,‬ولن أدخل مجددا ذلك الدار‪ ,‬لقد أستقويت‬ ‫بقرار والدي وأخي‪.‬‬ ‫لست أدري إن كنت محقة فيما فعلت‪ ,‬لكنني شعرت بالموت‬ ‫يعيش جسدي بحياة‪ ,‬بدأ يزحف من قدمي إلى ساقي والى‬ ‫جسدي كله‪ ,‬ثم إلى روحي‪.‬‬ ‫‪-‬‬

‫إلى أين يأخذني أبي؟‬

‫همه الوحيد أن أترك البيت‪ ,‬لينتقما من بعضهما من‬ ‫خاللي‪ ,‬فأنا السكين التي سوف يذبح كل منهما بها اآلخر‪.‬‬ ‫في وقت كالهما فيه يذبحانني‪.‬‬

‫‪132‬‬


‫‪-27‬‬‫عن المنفلوطي‪" :‬ال سبيل إلى السعادة في الحياة إال إذا عاش‬ ‫اإلنسان فيها ح ار مطلقا‪ ,‬ال يسيطر على جسمه وعقله ونفسه‬ ‫ووجدانه وفكره أي شيء"‬ ‫التاريخ هو الثاني عشر من اكتوبر ‪ ,1998‬وهو اليوم الذي‬ ‫كنت فيه متحررة من سلطته‪ ,‬بقرار جريء‪.‬‬ ‫للحقيقة‪ ,‬كثيرة هي األسباب التي دفعتني ألخرج من أسوار‬ ‫زواجي به‪ ,‬قليل منها شخصي جدا‪ ,‬ومحزن ألتحد‬

‫عنها‪.‬‬

‫والجزء األكبر منها مرتبط بشكل أو بآخر به‪ .‬وهذا ليس‬ ‫بغريب‪ ,‬فالزواج مؤسسة مبنية باألساس على اتجاهين قد‬ ‫يتحدان أو يختلفان لحدود‪.‬‬ ‫"اإلختالف في الرأي ينبغي أال يؤدي إلى العداء"‬ ‫وهنا ال أجد من المالئم مناقشة مشاكلي معه‪ .‬حتى إن‬ ‫عرجت على بعضها في معرض حديثي سابقا‪ ,‬فأنا لن أطلب‬ ‫من أحد التصديق بأنني قادرة على رواية قصتنا بشكل‬ ‫موضوعي‪ ,‬وبالتالي لن أحمله كامل أسباب فشلنا‪ .‬كما أنني‬ ‫‪133‬‬


‫لن أناقش أسباب موافقتي على الخطبة منه وأسباب افتراض‬ ‫حبي له‪ ,‬ومن ثم زواجي به‪ ,‬وانجاب ثالثة أطفال‪ ,‬وعدم‬ ‫قدرتي على تخيل الحياة من دونهم‪ ,‬لن أتطرق إلى أي من‬ ‫ذلك‪ ,‬بل سأكتفي بالقول‪ :‬إنه في تلك الليلة كان ما يزال‬ ‫فاألمر من الرحيل كان‬ ‫مصدر سعادتي وتعاستي بقدر متساو‪,‬‬ ‫ّ‬

‫البقاء‪ ,‬واألفظع من البقاء كان الرحيل‪ ,‬لم أكن أرغب في‬

‫تدمير أي شيء أو أي أحد‪ ,‬لم أرغب سوى بالتسلل بهدوء من‬ ‫دون أن يكون لرحيلي أي جلبة أو عواقب والركض من دون‬ ‫توقف‪.‬‬ ‫فكل شيء في النهاية‪ ,‬يتحد في شيء واحد جميل‪ ,‬وأنا‬ ‫كنت مدركة تماما‪ ,‬بأني سأعيش خيارين‪ ,‬ال ثال‬

‫لهما‪ :‬إما‬

‫أن أختاره كما هو مع أطفالي‪ ,‬أو أن أختار الحياة األخرى‬ ‫بدنه‪ ,‬ودونهم‪.‬‬ ‫طيلة تلك الفترة والدموع ال تبارح سيال خدي‪ ,‬كانت تسربل‬ ‫شرايني‪ ,‬كنت أحس بحرقة‪ ,‬وساعة تغفو عيناي كنت أستيقظ‬ ‫مذعورة‪.‬‬

‫‪134‬‬


‫كانت السيارة تنقلني بعيدا عنهم صوب إمارة أبو ظبي‬ ‫ومطارها‪ ,‬وعيناي تغرقان في الطريق ومده‪...‬أفكر في الال‬ ‫شيء‪.‬‬ ‫حملتنا الطائرة بعيدا التذكر أول رحلة لي وقولي ألمي عن‬ ‫السكن في السماء‪ ,‬وكنت أرجع طفلة صغيرة إلى المدرسة‬ ‫لبنى وأزقة الحي‪ ,‬كنت محط تطلعات أغلب الركاب‪ ,‬يبدو أن‬ ‫في مالمحي كثير من اإلرهاق‪ ,‬فوجهي شاحب‪ .‬وعيناي‬ ‫أصابهما الذبول‪ ,‬ويداي ترتجفان من التوتر‪ ,‬كم رغبت في‬ ‫البكاء والعويل‪ ,‬فنفسي تكاد تنفجر غيظا من نفسها‪ .‬ولكن ال‬ ‫أملك أال التجلد‪ ,‬وكنت ألوك كل ذلك جرعات سرطان إلى‬ ‫داخلي وأتحملها بصبر وعذاب دفين‪.‬‬

‫‪135‬‬


‫‪-28‬‬‫عدت حي‬ ‫ُ‬

‫بدأت أولى خطواتي كسيرة النفس‪ ,‬محرومة‬

‫األطفال‪ ,‬في المطار كان بانتظارنا أخي الكبير أمين‪ ,‬وأختي‬ ‫عبير وزوجها‪ .‬لم يسألوني عن شيء‪ .‬الموضوع واضح جدا‪,‬‬ ‫ليس معي سوى جواز سفر فقط‪.‬‬ ‫فوجئت أمي برؤيتي حتى أجفلت‪ ,‬صمتت طويال قبل أن‬ ‫تضمني إلى صدرها حي‬

‫راحت تبكي‪ .‬كانت تلك أول مرة‬

‫أرى فيها أمي تجهش بالبكاء إلى هذا الحد‪ ,‬لم يخبرها أحد‬ ‫بشيء‪ ,‬ولكنها قرأته من تأملي‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫كم أشتاق إلى النوم في حضنك أمي‪ ,‬أنا متعبة‬ ‫للغاية‪ ,‬لقد أخذوا مني أطفالي‪...‬أخذوهم مني‪.‬‬

‫فقدت وعي وقبل ذلك استطعت قراءة دموعهم جميعا‪.‬‬ ‫بقيت مضطربة‪ ,‬قلقة‪ ,‬متوترة‪ ,‬لم أستطع الهدوء لدقيقة‪,‬‬ ‫مضت أيام دون أن يحد‬

‫أي شيء‪ ,‬كنت أنظر الهاتف‬

‫وأنتظر من رنينه أن يحمل خب ار ما‪ ,‬أو أن يحمل أي بادرة‬ ‫حسن نية‪ ,‬أو ندما من قبله ألعود‪ ,‬ولكن عبثا‪.‬‬ ‫‪136‬‬


‫قررت اللجوء ألحد أصدقاء زوجي في إمارة أبو ظبي‪,‬‬ ‫كلمته طويال عن مشكلتي‪ ,‬وتوسلت إليه أن يساعدني في‬ ‫تجاوزها‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫سأسافر الخميس لزيارته‪ ,‬وسأبذل قصارى جهدي‪.‬‬

‫أيام مرت‪ ,‬حتى اتصل بي‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫لألسف زوجك رفض أي مساع واعتذر‪.‬‬

‫مر أسبوعان ليتصل زوجي كانت أمي من رفعت سماعة‬ ‫الهاتف‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫اسمعي‪ ,‬إن لم تعد ابنتك خالل أسبوعين‪,‬‬ ‫فستصلها ورقة الطالق‪ ,‬وسأحرمها من رؤية األطفال‬ ‫مدى العمر‪.‬‬

‫لم ِ‬ ‫يبد أي تصرف احترام حتى لمنزلة والدتي‪ ,‬كيف لي أن‬ ‫أعود تحت أوراق التهديد‪ ,‬وسياط الوعيد‪ ,‬كيف!؟‬ ‫يتصل قاطعا سبل الحل‪ ,‬ورغم ذلك ظل الصراع ذاته يدور‬ ‫بين عقلي وقلبي‪:‬‬

‫‪137‬‬


‫‪-‬‬

‫إنه ال يريدك وان عدتي‪ ,‬فسيكيل بك ويرميك‪,‬‬ ‫انتقاما!‬

‫‪-‬‬

‫يجب أن تعودي‪ ,‬فأطفالك يصرخون في طلبك‪.‬‬

‫كنا في أواخر رمضان‪ ,‬وكنت أتمنى لو أقضي العيد مع‬ ‫أوالدي‪.‬‬ ‫اصلت مع رنا من خالل هاتف المنزل حينا‪ ,‬والمدرسة‬ ‫تو ُ‬

‫أحيانا‪ ,‬كانت تحرك مشاعري بمكالماتها‪ ,‬وهي تطالبني بالعودة‬ ‫كي نقضي العيد معا‪.‬‬ ‫مر الشهر‪ ,‬ومع كل اتصال كنت أجد راحة‪ ,‬وهدوءا‪,‬‬ ‫فأطمئن عليهم‪ ,‬وأعيش يومهم بالتفاصيل‪.‬‬ ‫جاء العيد فقضيت ليله باكية‪:‬‬ ‫عيد!"‬ ‫"عيد بأي حال عدت يا ُ‬ ‫إنه أول ٍ‬ ‫عيد يمر دون أن نكون معا‪ ,‬وكم صعب قضاء‬ ‫ذلك! الكل برؤى األهل واألحبة سعيدون‪ ,‬إال أنا المحرومة‬ ‫والبعيدة عن أطفالها‪.‬‬

‫‪138‬‬


‫صباحا‪ ,‬ومع شروق الشمس‪ ,‬وضجة العصافير على شباكي‬ ‫تطلعت شرقا‪ ,‬وقلبي ينفطر اشتياقا لهم‪ ,‬أتراهم سيعيشون العيد‬ ‫هذا العام؟‬ ‫فر عقلي من لهيبي مثل باز في عقاب‪ ,‬زاب روحي مثلما‬ ‫انحل في نار جلد‬ ‫دمع عيني من بكاء في سكوب نار قلبي في هواه مثل نار في‬ ‫الحديد‬ ‫اتصلت بوالدي‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫أبي أستسمحك أن أعود ألطفالي!‬

‫أغلق السماعة في وجهي رافضا‪ ,‬كنت أريد العودة ��أي ثمن‬ ‫كان‪.‬‬ ‫اتصل والدي بعد قليل‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫سأوافق على عودتك‪ ,‬ولكن بضمانات!‬

‫مر يومان‪ ,‬فاتصل أخوه األكبر يطلب عودتي‪ ,‬ومنتظ ار أن‬ ‫يكون قراري حكيما لصالح األطفال الثال ‪:‬‬ ‫‪139‬‬


‫المرأة هي التي تصفح وتسامح وتتنازل‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫هكذا يفكر الرجل الشرقي‪.‬‬ ‫‪-‬‬

‫هل زوجي من طلب تدخلك؟‬

‫‪-‬‬

‫ال‪ ,‬لم أخبره بأي شيء‬

‫‪-‬‬

‫والدي يرفض أن أعود إال بضمانات‪ ,‬واعتذار من‬ ‫زوجي‪.‬‬

‫لقد أصبحت بين مطر ٍ‬ ‫قة وسندان مجددا‪ :‬لست راغبة بالعودة‬ ‫إليه‪ ,‬ولكن األطفال خيار مرتبط به‪.‬‬ ‫هو يرفض االعتذار‪ ,‬وقبول أن أعود بكرامة‪.‬‬ ‫ووالدي يرفض أي خطوة تقارب إال بضمان حفظ كامل‬ ‫حقوقي‪ ,‬مع تعهدات من قبلهم‪ ,‬وهذا ما لن يتم‪.‬‬ ‫لم أكن أريد التفريط بشعاع النور هذا‪ ,‬لذا رجوته التواصل‬ ‫مع والدي‪.‬‬

‫‪140‬‬


‫فاتصل به‪ ,‬وعلى ما يبدو أن والدي كان قاسيا معه‪ ,‬وحمله‬ ‫كل أخطاء أخيه‪ ,‬فاتصلت بوالدي وكلي أمل أن تهدأ النفوس‪,‬‬ ‫ورجوته بأن ال دخل له بتصرفات أخيه فرد‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫لعنك هللا غادة‪ ,‬ولعن الساعة التي ولدت فيها!‬ ‫أعطي السماعة ألمين‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫أختك تستزيد في إهانتنا‪ ,‬دعها تغادر الى‬ ‫متبرئ منها‪.‬‬ ‫اإلمارات‪ ,‬ولكن أخبرها أني ّ‬

‫ما بات واضحا –إذا‪ -‬أن ثمن عودتي بات منحص ار‬ ‫بمقاطعة عائلتي‪ ,‬وهو شرط متبادل‪.‬‬ ‫الحياة في بيته ما هي إال لتربية األطفال والخدمة‪ .‬ومن‬ ‫يضمن لي تلك الحياة؟ ربما يأتي يوم قريب‪ ,‬ويلقي بي إلى‬ ‫الشارع ‪.‬‬ ‫رغم أن بقائي هنا خسارة أخرى‪ ,‬فكل من الرجلين احتفظ‬ ‫بأوالده وانتهى األمر‪.‬‬

‫‪141‬‬


‫‪-29‬‬‫أكثر ما يتعب اإلنسان هو وقوفه في مكانه‪ ,‬كانت األيام‬ ‫تمر صعبة علي‪ ,‬والوقت يمر وئيد الخطا‪.‬‬ ‫فكرت بالعودة إلى الدراسة‪ ,‬لكن كان صعبا أن أتمكن من‬ ‫ذلك‪ ,‬لن أدخل مجددا معركة خاسرة‪.‬‬ ‫فكرت بمعهد حرفي للتجميل‪ ,‬لكن والدي وكما توقعت رفض‬ ‫ذلك‪ ,‬رغم حاجتي الماسة للعمل‪ ,‬ففيه قد أنسى همومي‪ ,‬فلم‬ ‫يتبق لي إال مرسمي أقضي فيه معظم األوقات‪ ,‬استحضر‬ ‫َ‬

‫الذكريات‪ ,‬أحاول جاهدة قتل الكثير منها بريشتي واأللوان‪.‬‬

‫‪142‬‬


‫‪-30-‬‬

‫"األمل في حد ذاته نوع من أنواع السعادة ‪ ,‬بل قد يكون أكبر‬ ‫سعادة يمكن لهذا العالم منحها" ‪ -‬صمويل جونسون ‪-‬‬ ‫في ‪ 9‬إبريل من العام ‪ ,1999‬أرف والدي لحالي أخي ار‪ ,‬ووافق‬ ‫أن أسافر إلى اإلمارات برفقة أمي‪ ,‬هذا عدا عن أن أوراق‬ ‫إقامتي كادت تنتهي وكان من الواجب تجديدها‪...‬مرت خمسة‬ ‫أشهر على مغادرتي‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫لربما أستطيع فعل شيء ما‪ ,‬ولربما أن النفوس قد‬ ‫هدأت‪ .‬أنا اآلن قريبة‪ ,‬ففي دمشق لم يكن بمقدوري‬ ‫فعل شيء‪.‬‬

‫كان روان بانتظارنا في الشارقة‪ ,‬لم أستجب لرغبته في أن‬ ‫نرتاح‪ ,‬وانما فضلت أن نسافر إلى أبو ظبي‪ ,‬حتى استقليت‬ ‫سيارة أجرة إلى مدرستهم‪ ,‬فهي أضمن طريقة للقائهم‪.‬‬

‫‪143‬‬


‫‪-31‬‬‫أسوء مكان في الجحيم لهؤالء الذين يبقون على الحياد في‬ ‫أوقات المعارك األخالقية العظيمة" ‪ -‬مارتن لوثر كنغ ‪-‬‬ ‫ما توقعته من عائلة زوجي هو كلمة حق تقال في قصة‬ ‫خالفاتنا‪ ,‬أحيانا يحتم الظرف أن نتغاضى عن الحقائق‪ ,‬أو أن‬ ‫نخفف من وطأتها‪ ,‬بغاية تليين المواقف والعمل على تقريبها‬ ‫في حل وسطي‪.‬‬ ‫وحالما وطأت قدماي أرض اإلمارات تعمدت االتصال بهم‪,‬‬ ‫علنا نتعاون على إيجاد حل يحفظ ماء وجه جميع األطراف‪.‬‬ ‫كيف استطاعوا تجاهل مشاعر طفل يطلب أمه‪ ,‬وتجاهل‬ ‫مشاعر أ ٍم تحترق شوقا لهم؟!‬ ‫أين دور تلك األم الكبرى (حماتي) في التأثير على ابنها؟‬ ‫أليست هي أدرى الناس بأن الطفل في حاجة إلى حضن أمه؟‬ ‫وبأنه من الظلم أن يمنعه أبوه عنها؟‬ ‫صعب جدا أن تقنع أطفاال بغياب أمهم‪ ,‬وأن تحرمهم‬ ‫حنانها‪ ,‬واألصعب أن تمنع األم عن أطفالها‬ ‫‪144‬‬


‫بأي حق يفرض ذلك األب حكمه بمنعهم من التلفظ بكلمة‬ ‫(ماما)‪ ,‬ربما استطاع ذلك ولكن هل سيتمكن من منعهم من‬ ‫تذكرها من خالل صورة مخبأة لها أو حلم يزورهم كل مساء‪,‬‬ ‫فاألطفال الذين يعانون من نقص باكر في األم ستولد عندهم‬ ‫عقدة نرجسية أساسية‪ ,‬وسيحاولون بطرق ووسائل متنوعة‬ ‫ومتعددة الحصول على حب األم حتى ولو كانت سلبية‪ ,‬لدرجة‬ ‫يصل مداها إلى تهديد بقاءهم سليمين‪.‬‬ ‫إنها عالقة دم وحب فطري أبدي ال يمكن أن ينتهي مجرد‬ ‫أن أشخاصا يريدون ذلك‪.‬‬

‫‪145‬‬


‫‪-32‬‬‫"الزمن‪ ,‬بطيء جدا لمن ينتظر‪ ,‬سريع جدا لمن يخشى‪ ,‬طويل‬ ‫جدا لمن يتألم‪ ,‬قصير جدا لمن يحتفل‪ ,‬لكنه األبدية لمن يحب"‬

‫(وليم شكسبير)‬

‫تجرعت االنتظار واآلالم تحتفل في صدري وأنا أخشى أن‬

‫أفقد أطفالي للمرة األخيرة‪ ,‬كنت أرغب أن تنتهي قصتي خي ار‪,‬‬ ‫وبنهاية هندية التمثيل‪.‬‬

‫لعل المدرسة هي الفرصة الوحيدة المتاحة للقائي بهم‪ ,‬وفي‬

‫الصباح الباكر انطلقت حاملة هداياهم التي قد ابتعتها من‬

‫دمشق‪ ,‬في الطريق اعتراني شوق عامر‪ ,‬وسعادة وغبطة لم‬ ‫أعهدها منذ شهور‪.‬‬

‫جاءت رنا‪ ,‬كانت متعبة للغاية‪ ,‬حضنتها‪ ,‬عصرتها في‬

‫ضلوعي بعنف‪ ,‬ونحن نبكي بعضنا‪.‬‬

‫إنها جلبة مرح المشاغبة‪ ,‬ودندنتها‪ُ ,‬فتح الباب ودخلت لتقف‬ ‫على بعد خطوات‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫‪146‬‬

‫تعالي مروحه‪.‬‬


‫أحسست بمدى اشتياقها‪ ,‬والدموع في عينيها‪ ,‬ركضت‬ ‫تجلس في حضني وضمتني‪ ,‬وراحت تقبلني كما كانت تفعل‬ ‫دائما‪.‬‬ ‫تلك الشقية أخذت تسألني ماذا أحضرت لها‪ ,‬وراحت تفتش‬ ‫في حقيبتي وأكياس الهدايا‪.‬‬ ‫بقيت معهما لبعض الوقت‪ ,‬وكان يجب أن أغادر مفسحة‬ ‫لهم فرصة العودة لمتابعة دروسهم‪ ,‬سألت أيضا عن زياد‪,‬‬ ‫وأخذت عنوان حضانته‪.‬‬ ‫كان الوداع أصعب جدا من اللقاء‪ ,‬ولكن قبل ذلك اتفقت‬ ‫ورنا أن أزورهم في المدرسة كل ثالثاء في نفس التوقيت‪,‬‬ ‫وكتبت لها أرقام هواتفي‪.‬‬ ‫كانت أكثر من حزينة ومنكسرة النفس مثلي لعدم عودتي‬ ‫معهم إلى المنزل‪ ,‬فيما مرح ظلت ملتهية بالهدايا التي أغدقتها‬ ‫عليها‪.‬‬ ‫اتصلت بأخي وتوجهت مباشرة إلى حضانة زياد‪ ,‬شرحت‬ ‫الموضوع للمديرة‪ ,‬وأريتها صورتي معه‪ ,‬أخبرتني بوجوده في‬ ‫‪147‬‬


‫الحديقة الخلفية‪ .‬دخلت الحديقة‪ ,‬عرفته من بين الجميع‪ ,‬فهو‬ ‫مميز بشعره األشقر وبشرته البيضاء وخديه الحمراوين‪ .‬رأيته‬ ‫من بعيد‪ .‬كان يجلس وظهره لي‪ .‬اقتربت منه‪ ,‬قائلة‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫زياد!‬

‫التفت إلي ذاهال‪ .‬ظل يحدق فترة‪ .‬مددت له يدي ‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫تعال إلي حبيبي‪ ,‬هل عرفت من أكون؟‬ ‫ّ‬

‫أعطاني يده قائال وهو ينهض مسرعا‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫أنت ماما‬

‫حملته وضممته إلى صدري ورحت أبكي بحرقة وضربات‬ ‫قلبي تطرق زنزانة صدري بشدة‪ .‬لم أستطع تمالك نفسي من‬ ‫البكاء فعاطفتي تجاهه كبيرة جدا وشوقي له أكبر‪ ,‬أخي صديق‬ ‫لزياد منذ أن كان الطفل رضيعا‪ ,‬وهو متعلق به كثي ار مثلي‪,‬‬ ‫لذا فقد تذكره بسهولة‪ ,‬حتى إنه راح يطالبه مالعبته كما كان‬ ‫يفعل من قبل‪ ,‬ودعتهم تاركة ما تبقى من روحي في دموعهم‪,‬‬ ‫سلمته الدراجة التي اشتريتها له‪.‬‬

‫‪148‬‬


‫عدت إلى الدار وشعور مختلف يعتريني من سعادة ممزوجة‬ ‫بحزن عابر‪ ,‬فلقائي اليوم بهم قد أعاد إلي التوازن قليال‪ ,‬دخلت‬ ‫المطبخ ولم أخرج منه إال بعد أن أجهزت على كل ما فيه من‬ ‫طعام‪ ,‬وأخي يضحك على نهمي‪ ,‬حل المساء ألقضي أمسية‬ ‫جميلة‪ ,‬وأنا أنتظر أن يعود الثالثاء مجددا ألسافر إلى‬ ‫عصافيري‪.‬‬ ‫جاء يوم الثالثاء‪ ,‬موعد لقائنا التالي‪ ,‬ذهبت إلى الحضانة‬ ‫فلم أجد أث ار للصبي الصغير‪.‬‬ ‫سألت عنه المديرة‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫لألسف لم يعد منذ الثالثاء الفائت‪ ,‬يوم زيارتك‪,‬‬ ‫وكإجراء نتخذه في مثل هذه الحاالت قمنا باالتصال‬ ‫برقم عائلته‪ ,‬فأكد لنا والده أنه لن يعود للدوام مرة‬ ‫أخرى‪.‬‬

‫على الفور انطلقت إلى مدرسة رنا‪ ,‬جائتي بعد دقائق‪ ,‬وهي‬ ‫ترتعش خوفا‪:‬‬

‫‪149‬‬


‫‪-‬‬

‫لقد هددنا والدي بأنه سيمنعنا عن المدرسة‪,‬‬ ‫والخروج من المنزل إن التقينا بك‪ ,‬لقد منعني من‬ ‫مدرستي ليومين حتى تدخلت جدتي‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫وزياد‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫وبخني أيضا ألنني أعطيتك عنوان حضانته‪,‬‬ ‫فأرسله إلى بيت عمي نضال في رأس الخيمة‪ ,‬كما‬ ‫وأنه سلب منا كل هداياك‪.‬‬

‫إنه ما يزال كما هو‪ ,‬لم يستطع كبح جماح ال إنسانيته‪,‬‬ ‫فتصرف بقسوة حتى مع األطفال‪ .‬مهما كان من خالف بيننا‬ ‫فإنهم أطفالي أيضا‪ ,‬ويحق لي ‪-‬كما له‪ -‬أن أكون برفقتهم وأن‬ ‫أزورهم‪.‬‬ ‫حاولت االتصال ببيت أخيه لالطمئنان على زياد‪:‬‬

‫‪150‬‬

‫‪-‬‬

‫كيف حالكم‪ ,‬هل أستطيع مخاطبة ابني زياد؟‬

‫‪-‬‬

‫سأدعك تكلمينه‪ ,‬ولكن أرجو أ ّال تتصلي مرة أخرى‪.‬‬


‫أحزنتني بردها القاسي‪ ,‬هي أيضا امرأة مغلوب على أمرها‪,‬‬ ‫تخاف المشاكل‪ ,‬ومؤكد أنهم حذروها من مغبة التواصل معي‪,‬‬ ‫وهناك من تراقبها‪ ,‬فأخت زوجها تسكن معهم‪.‬‬ ‫علمت أنه ينوي السفر بهم إلى الخارج‪ ,‬وأمام انعدام فرص‬ ‫أي حل‪ ,‬قررت رفع دعوى حضانة لمنع السفر‪.‬‬ ‫بعد أسبوع حظيت بمقابلة السفير الكندي‪ ,‬وشرحت له عن‬ ‫دعوى الحضانة التي رفعتها قبل أيام في المحكمة‪ ,‬وما هي‬ ‫إال أيام حتى صدر القرار‪:‬‬ ‫"ما دام الزواج ما يزال قائما فإن مكان الحضانة هو بيت‬ ‫الزوجية‪ ,‬وان مكان المحضون هو البلد الذي يقيم فيه والد‬ ‫المحضون وال يسمح بالسفر إال بإذن منه"‬ ‫أما بالنسبة لمنع السفر‪:‬‬ ‫"لألب حق السفر باألوالد إذا كان سفره (سفر نقلة) وليس لألم‬ ‫االعتراض على ذلك"‬ ‫وبالنسبة للنفقة‪:‬‬

‫‪151‬‬


‫"الحكم بالنفقة مرتبط بالحكم بالحضانة ولم يتم الحكم‬ ‫بالحضانة لذا فقد تم رد الدعوة"‬

‫‪152‬‬


‫‪-33‬‬‫"نـ ّـمـقـت إلى بـابك ‪-‬يا قـ ـ ـرة عـيني‪ -‬بالدمع ك ـ ــتابا‬ ‫أشهدت طل الورد مــدادي ودواتي‪ .‬سل من عبراتي!"‬ ‫مال الجزري‪-‬‬‫ثالثة أشهر مرت على وجودي هنا‪ ,‬دون أن أجد إلى الحل‬ ‫أي سبيل‪ ,‬استجمعت قواي في فكرة الذهاب وزيارتهم في‬ ‫المنزل‪ ,‬خاصة أن المدارس كانت قد أقفلت أبوابها إيذانا ببدأ‬ ‫عطلة الصيف‪.‬‬ ‫لم توافق والدتي بداية‪ ,‬وأمام توسالتي وألمها علي كأم قبلت‬ ‫خوض المغامرة معي‪ ,‬رغم تيقننا بأنه لن يكون بمستوى القيم‬ ‫واألخالق المطلوبة‪ ,‬لكنهم أطفالي‪ ,‬ودمي يجري في عروقهم‪.‬‬ ‫وصلنا والوقت صباح‪ ,‬وتقصدت أن اختار فترة غيابه عن‬ ‫المنزل‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫أنا أمك رنا‪ ,‬افتحي الباب‪ ,‬قد جئت وجدتك‪.‬‬ ‫‪153‬‬


‫استطعت قراءة دموعها‪ ,‬ورياح شوقها‪ ,‬وقراءة الضجة التي‬ ‫خّلفها صدى صوت�� حينما تدافعت مرح وزياد في طلبي‪.‬‬ ‫‪-‬‬

‫والدي هددنا بعقاب شديد‪ ,‬وال أستطيع فتح الباب‪,‬‬ ‫أمي‪...‬لن تتصوري كم يعاملنا بالسوء حينما نأتي على‬ ‫ذكر اسمك‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫حاولي االتصال به‪ ,‬وأخبريه عن رغبتكم في‬ ‫رؤيتي‬

‫‪-‬‬

‫فعلت ذلك مرح قبل قليل‪ ,‬لقد انهال علينا بالتوبيخ‪,‬‬ ‫وهددنا مجددا‪.‬‬

‫كان المشهد دراما حية‪ ,‬يفصلني عنهم باب هنا‪ ,‬وألف باب‬ ‫وباب هناك‪.‬‬ ‫تحت إلحاحي‪ ,‬استجابت رنا وفتحت الباب على نحو‬ ‫ضيق‪ .‬لم ترفع السلسلة المعدنية خوفا من عودته فجأة‪ ,‬طلبت‬ ‫منها أن تمد يدها عبر شق الباب كي أالمسها‪.‬‬ ‫على صوت الطرق والكالم‪ ,‬فتحت جارتنا بابها مستفسرة‪:‬‬ ‫‬‫‪154‬‬

‫أهال بعودتك غادة‪ ,‬تفضلي بالدخول!‬


‫قد سمعت صلواتي وبكائي‪.‬‬ ‫عرضت الجارة مساعدتها واتصلت بزوجها كي يتصل بزوجي‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫وافق أن تلتقي أطفالك ولكنه اشترط أن يكون‬ ‫حاض ار‪ ,‬وأنه سيعود ريثما ينهي عمله‪.‬‬

‫مر وقت ليس بطويل‪ ,‬ألسمع صوت الباب يفتح‬ ‫فيغلق‪...‬لقد عاد إذا‪ ,‬من خبرتي أعرف أنه كان يكذب حين‬ ‫وعدنا برؤية األطفال‪ ,‬لقد تهرب بحجة أنه مشغول‪.‬‬ ‫ربما كان يخاف أن أخطف األطفال بشكل أو بآخر؟!‬ ‫وكيف أخطفهم وأنا أم لهم‪ ,‬وال أزال زوجته‪.‬‬ ‫انتظرت لساعة دون أمل‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫لقد أخبر زوجي أنه لن يستطيع العودة اليوم‬ ‫النشغاله‪.‬‬

‫ولطالما كنت أكره الكذب إنها صفة تالزمه‪ ,‬حملت نفسي‬ ‫واجتررت آالمي وحنيني‪ ,‬خرجت من منزل جارتي شاكرة‪,‬‬ ‫ووقفت لدقائق أرن جرس الباب‪ ,‬ال صوت‪...‬ال حركة‪..‬‬

‫‪155‬‬


‫واإلعصار في قلبي‪ ,‬وأنا أشعر بصدى أنفاس صغاري وسيل‬ ‫دموعهم‪.‬‬ ‫أعلم أنه خائف من مواجهتي‪ ,‬يعلم أني سأعود لمرة أخرى‪,‬‬ ‫وأخرى‪ ,‬وسيستغل ذلك لتعذيبي أكثر وحرق ما تبقى مني‪ ,‬لكن‬ ‫مهما احترقت يبقى داخله مظلما‪.‬‬ ‫مرت األيام ألتصل بأم إحدى صديقات رنا‪ ,‬أسألها إن‬ ‫كانت قد ازرتهم‪ ,‬رغم أني لم أكن أعرفها في وقت سابق‪ ,‬لكنها‬ ‫كانت أكثر من طيبة‪ ,‬وألنها أم وانسانة فستقدر مشاعري‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫مرت فترة ولم تزرنا رنا‪ ,‬لكني سأرتب لقاء بينكما‪,‬‬ ‫فعيد ميالد نغم الخميس‪ ,‬وسأحاول دعوة أوالدك‬ ‫أيضا‪.‬‬

‫وصلت مع أمي الشارقة باك ار‪ ,‬وتجنبا ألي شك أخفيت سيارتي‬ ‫بعيدا‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫أخبرت ابنتك رنا بالخطة‪ ,‬وفرحت جدا‪ ,‬ولكنها‬ ‫ظلت خائفة من قيام أحد إخوتها بإخبار والدهم‪ ,‬لذا‬ ‫فمن األفضل أن يقتصر اللقاء بها فقط‪.‬‬

‫‪156‬‬


‫حرمان آخر بطعم اللقاء‪ ,‬وعسل ملون بالسم‪ ,‬وجرعة أخرى‬ ‫من الحنظل‪.‬‬ ‫دخلت غرفة نغم ألنها تقابل الصالون‪ ,‬فضيوفها بدؤوا‬ ‫بالمجيء‪ .‬معهم الحق في إبقاء اللقاء سريا‪ ,‬لقد بدأت أشك‬ ‫بكل شيء‪ ,‬حتى في كوني أما‪ ,‬ومن زاوية الباب استطعت‬ ‫رؤية أطفالي الثالثة وهم يدخلون في أبهى حلة‪.‬‬ ‫فر قلبي من لهيبي ووقع يرقص طربا‪ ,‬وفاضت دموع‬ ‫السعادة من عيوني‪ ,‬وطارت نفسي إليهم اشتياقا‪ ,‬وكاد يسقط‬ ‫قلبي تحت أقدامي من شعور ممتزج بالتملك والفقدان‪.‬‬ ‫"يا راميا‪..‬‬ ‫تحدثت مع رنا كشابة بدت أكبر‪ ,‬تناقشنا طويال في كثير‬ ‫من األمور‪ ,‬كان رغبتها استم ار ار لرغبة إخوتها في ضرورة‬ ‫عودتي إليهم بأسعر ما يمكن‪ .‬سألتها عن تصرفاته معهم‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫بالكاد نراه‪ ,‬وكأننا في منزله مجرد أرقام يحذفها‬ ‫ويضيفها هو‪ ,‬ال يسأل عنا‪ ,‬أو يهتم بنا‪ ,‬دائم التهديد‪,‬‬ ‫كثير الشكوى‪ ,‬والعصبية‪.‬‬ ‫‪157‬‬


‫اهدتني رنا أرنبا ما أزال أحتفظ به‪ ,‬وهو من أغلى‬ ‫ممتلكاتي‪ ,‬أخبئه في مكان أمين‪ ,‬وكلما وقع تحت يدي تذكرت‬ ‫ذلك اليوم وتلك الحفلة‪ ,‬واللحظات الصعبة‪ ,‬فلم أستطع لقاء‬ ‫مرح وزياد‪.‬‬ ‫اتفقنا على استمرار التواصل من خالل نغم وأمها‪ ,‬لكن‬ ‫بحذر شديد‪ ,‬كانت نغم من تتصل لتخبرنا بتوفر الظرف‬ ‫المناسب‪ ,‬أو كانت تتصل بي لتخبرني بحاجة رنا للحدي‬

‫في‬

‫أمر ما‪.‬‬ ‫اعتبرت نفسي قد حققت إنجا از في قدرتي على بناء خط‬ ‫تواصل بيني وبين رنا‪ ,‬ومن خاللها كنت أصل إلى إخوتها‬ ‫ولكن دون تواصل‪ ,‬كانت غايتي أن أكون مطمئنة عليهم ليس‬ ‫أكثر‪.‬‬ ‫تجنبا ألي فضح لتواصلنا كنا نحترس‪ ,‬فلم تكن تتصل بي‬ ‫من أي هاتف لهم خشية تسجيل الرقم أو المكالمة‪ ,‬وبقينا على‬ ‫هذه الحال طوال صيف‪.1999‬‬

‫‪158‬‬


‫‪-34‬‬‫"من القساوة أن يكون إلنسان سلطة على إنسان آخر‪ ,‬وأن‬ ‫يستغلها في استنزافه"‬ ‫صعب أن أتمكن من ترجمة مشاعر أم مبعدة عن أطفالها‪,‬‬ ‫ومدى األلم والشوق الذي يستنزف مشاعرها‪.‬‬ ‫عشت حالة هلوسة‪ ,‬واعترتني رغبة جامحة للقائهم‪ ,‬ألتجاوز‬ ‫حاجز المهابة‪ ,‬وأتشجع بالتوجه إلى البيت مباشرة‪ ,‬حي‬

‫كان‬

‫الوقت حوالي الحادية عشرة صباحا‪ ,‬وفكرت أنه لن يكون‬ ‫موجودا فيه‪.‬‬ ‫اكثرت من طرق الباب دون رد‪ ,‬ألتفاجأ به يقف قبالتي‬ ‫فاتحا الباب‪ ,‬ليتفاجأ هو أيضا‪ ,‬لم يكن يتوقع حضوري مجددا‪.‬‬ ‫لم ِ‬ ‫نبد أية عالئم تضاد‪ .‬دعانا للدخول‪ .‬تسمرت في مكاني‬ ‫واقفة‪ .‬كسرت أمي الصمت‪ ,‬ودفعتي‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫ربما يكون اللقاء ندما‪ ,‬أو كإنذار لما هو قادم‪.‬‬

‫‪159‬‬


‫دخلت على مضض‪ ,‬فاستقبلتني رنا بشوق فائض‪ ,‬ونامت‬ ‫لدقائق في حضني‪ .‬كنت أشفق عليها‪ ,‬ماسحة وجنتيها بباطن‬ ‫يدي‪ ,‬لمسا رقيقا متأنيا‪ ,‬فيه كل الود والحب‪ ,‬وأقبلها‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫أتمنى لو تكون مفاجئتك الجميلة هذه دائمة‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أين زياد ومرح؟‬

‫مرت دقائق‪ ,‬واذ بزياد يترنح متمايال كمصروع من تأثير‬ ‫النوم‪ ,‬ركض إلي بمجرد أن لمحني‪ ,‬وضممته بشوق‪ ,‬وُقبل‪,‬‬ ‫أعطيته قطع الحلوى التي يحب‪ ,‬وهدأ بركون في صدري‪,‬‬ ‫وجاءت مرح تهرول كعادتها صارخة فهي األكثر شغبا‪ ,‬بدأ‬ ‫صراع بينهما على احتالل مكان في حضني‪ ,‬رتبتهم معا كما‬ ‫كنت أفعل دائما‪ ,‬ونظرت إلي رنا بعيون سائلة‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫اشتقنا إليك‪ ,‬ماما‪.‬‬

‫استطعت مشاهدة دموع عينيها‪ ,‬وألنها األكبر فوعيها يدلها‬ ‫على أن فرص بقائي معدومة‪ ,‬وأني هنا للوداع األخير‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫رنا اذهبي واجلبي ألمك تقرير المدرسة عن‬ ‫األشهر السابقة‪ ,‬ودعيها تق أر مستواك!‬

‫‪160‬‬


‫ارتعبت الطفلة من صوت أبيها‪ ,‬وركضت تحضر التقرير‪,‬‬ ‫وأعطته خائفة‪ ,‬فأمسك به‪ ,‬ووضعه في وجهي‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫انظري إلى مستواها الضعيف‪.‬‬

‫تصورته كجدار يقف في وجه ضوء النهار‪ ,‬وما أقساه‪,‬‬ ‫عمر كي أنقب فيه ثغرة ألمر إلى أطفالي‪,‬‬ ‫ا‬ ‫ربما نحتاج‬ ‫وحياتي المرهونة بهم‪.‬‬ ‫يحملني سبب كل شيء‪ ,‬حتى تراجع مستوى األطفال‪,‬‬ ‫فأنا متأكدة من أنه تقصد تغييبهم والهائهم عن فروضهم‬ ‫المدرسية‪ ,‬ليصل إلى هذا الموقف‪ ,‬شعرت بالخوف من أن‬ ‫يهجم علي‪ ,‬فأنا اآلن فريسته التي يريد االنتقام منها‪ .‬حتى‬ ‫أمي ال أدري ما الذي أصابها‪ ,‬لم تنطق بكلمة واحدة‪ ,‬ربما‬ ‫انعقد لسانها‪.‬‬ ‫عادت حالة الهياج تسكنه‪ ,‬وتعالى صراخه‪ ,‬ارتجفت رنا‬ ‫رعبا‪ ,‬فيما التصقت مرح وزياد في صدري وكأنهما يرغبان‬ ‫في االنسدال إليه‪ ,‬أي أب يخيف أطفاله ويقسو إلى هذا‬ ‫الحد!؟ تذكرت مشهد حمله للسكين وتهجمه‪ ,‬يومها كان‬ ‫زياد بعمر ثال‬

‫سنوات‪.‬‬ ‫‪161‬‬


‫وبينما هو ٍ‬ ‫ملته بجمع الهداية‪ ,‬اتخذت طريقا لمغادرة‬ ‫المنزل‪ ,‬فتبعني‪:‬‬ ‫ ال نرغب في أن يبقى شيء منك هنا‪ ,‬خذي هداياك‪.‬‬‫‪ -‬هؤالء العصافير الثال‬

‫أليسوا جزءا من جسدي وروحي‪,‬‬

‫دعني آخذهم معي إذا‪.‬‬ ‫همه أن يحطمني‪ ,‬ويضاعف ألمي في كل ردة فعل‪ ,‬فحقده‬ ‫يكاد يقتله وهو يتسرب من تفقع عينيه واحمرار وجهه‪ ,‬وامتالء‬ ‫شراينه‪ ,‬ومن سالطة لسانه‪ ,‬وددت أخذ أطفالي معي‪ ,‬فهم‬ ‫يرغبون أيضا في تركه‪ ,‬لكنه علمهم الخوف فهذه ثمار أشهر‬ ‫غيابي عنهم‪.‬‬ ‫أال يحسب ألن يكتشفوا في الغد أفعاله‪ ,‬وكيف ستكون‬ ‫نظرتهم إليه؟‬ ‫أيمكن إخفاء الحقيقة؟ ال أدري كيف يعيش مآسي وكذب‬ ‫ماضيه‪ ,‬وهو يق أر كلماتي المسربلة بفكر الحقيقة‪ ,‬وذاكرة األيام‬ ‫المحترقة‪ ,‬والتي ما تزال تحترق‪.‬‬ ‫ُ‬

‫‪162‬‬


‫أتراني كنت سأتخذ ذاك القرار‪ ,‬لو كنت أعلم أني سأعيش‬ ‫متجرعة كل هذا األلم الصامت بصرخات اليأس؟ كان يجب‬ ‫عل نفسي‬ ‫أن أبني لذاتي مقبرة خاصة أدفن فيها أخطائي‪ّ ,‬‬ ‫تهدأ قليال‪.‬‬

‫أخبروه أنه نجح في االنتقام مني وتحطيم حياتي بأكملها‪.‬‬ ‫أخبروه أني أقاسي شر ار من اآلالم‪ ,‬وأن الفراق حرق قلبي‪,‬‬ ‫وأن جروحي تكتوى كل يوم‪ ,‬وأن أفعاله كما سهم حارق يخترق‬ ‫جروحي‪ ,‬إني أعيش يومي بعام ألم‪.‬‬ ‫قد يخال أن نصوصي هي محاكمة من طرف واحد‪ ,‬وأني‬ ‫فيها أتجني تزوي ار لألحدا ‪ ,‬ولكن صاحب النص الذي أخذ‬ ‫دور البطولة فيه ستصله كلماتي‪ ,‬وستحفر جزيال في ذاكرته‪,‬‬ ‫نزيفا وأحداثا‪.‬‬ ‫هو لن يتهمني مجددا ألن الكلمة تظل صادقة وألنها‬ ‫وسيلتي في نشر الحقيقة‪.‬‬

‫‪163‬‬


‫نعم‪ ,‬أنا –هنا‪ -‬بالكلمات أشن حربي‪ ,‬وأعيد األحدا‬

‫إلى‬

‫مجراها والكذب إلى صوابه‪ ,‬وبها أختم سالسل ذاكرتي وأفرغها‬ ‫على الورق‪.‬‬ ‫أكتب ذاكرتي في رسالة وأضعها في قارورة األيام‪ ,‬رامية‬ ‫بكل مشافهاتي من بوابة السماء إلى حي‬

‫يمكن أن تصل‪,‬‬

‫أكتبها رسالة في قارورة تحمل تاريخا يحترق‪ ,‬علهم يتلقفون‬ ‫عبيرها ذات ربيع‪ ,‬أو أن يشدهم الرحيل إلي باألسئلة‪ ,‬عندها‬ ‫ّ‬ ‫ستكون اإلجابة مرسومة في سطور كلماتي‪ ,‬عندها ستكون‬ ‫القارورة قد نجحت في الوصول إلى أمواج مشاعرهم وتدفقها‪.‬‬ ‫سلب مني روحي وبهجة حياتي‪ ,‬وجعلني جثة حية تتحرك‬ ‫باحثة عن ٍ‬ ‫قبر ترقد فيه‪ ,‬علها ترتاح‪.‬‬ ‫وقف ثالثتهم صفا ُمتحدا‪ ,‬وأعرف تماما رغبتهم‪ ,‬أليسوا‬

‫أصغر من إقحامهم في قصة خالفاتنا؟‬

‫توسلوني حال وأبكوني البقاء‪ ,‬ثم استداروا باكيين وهربوا معا‬ ‫صغير جدا على اتخاذ‬ ‫ا‬ ‫صوب غرفهم‪ ,‬كان زياد آخرهم وهو‬ ‫أي قرار‪ ,‬ولكنه صديق مرح‪ ,‬يتبعها ويقلدها أينما ذهبت‪ ,‬لذا‬ ‫وجدته يركض وهو ينظر خلفه‪.‬‬ ‫‪164‬‬


‫من ثالثتهم نظرت إلي مرح‪ ,‬متوسلة‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫أبقي أو خذينا معك!‬

‫كان الخوف يسيطر عليهم جميعا‪ ,‬كما هو مسيطر علي‪,‬‬ ‫ّ‬ ‫نعم لقد استطاع أن يجعلنا مرتعبين‪ ,‬فيالزهوته وشيم رجولته‬ ‫التي حطمتنا!‬ ‫ظلت أمي طوال الوقت ساكتة‪ ,‬وآثرت أن تكتم دمعتها هي‬ ‫أيضا‪ ,‬قبيل أن نخرج‪ ,‬نظرت إليه لمرة أخيرة تستعطفه إيمانا‬ ‫وحنانا‪ ,‬لكنه أزاح عنا بوجهه يطردنا‪ ,‬تيقنت تماما أنه لن‬ ‫يتراجع قيد أنملة وأن هذه الوقفة هي األخيرة لنا معا‪ ,‬قبيل أن‬ ‫نكون طرفي قضي�� أمام المحاكم‪.‬‬ ‫خالل األسبوع التالي لعب األصدقاء بآخر أوراق التراضي‪,‬‬ ‫لكنه رفض كل المبادرات‪ ,‬رفض الطالق‪ ,‬النفقة‪ ,‬أن أتواصل‬ ‫مع أطفالي‪ ,‬يعلم تماما أنه يمسك بشرايين حياتي من خاللهم‪,‬‬ ‫ويستغلهم إلى أبعد حد‪.‬‬

‫‪165‬‬


‫‪-35‬‬‫أمام احتدام الخالف ورفضه ألية مبادرة‪ ,‬وجدت أن أعود‬ ‫للقضاء لتكون له الكلمة الفيصل‪ ,‬وفي ذلك رفعت دعوى‬ ‫طالق بتاريخ الرابع عشر من‬

‫يوليو من العام ‪,1999‬‬

‫لخصت وقائعها‪:‬‬ ‫"خرجت من بيت زوجي‪ ,‬إثر قيامه بضربي وطردي‬ ‫في ساعة متأخرة من الليل‪ ,‬ومحاولته خنقي‪ ,‬وتهجمه‬ ‫علي بالسكين‪ ,‬وتهديده لحياتي "‬ ‫ّ‬ ‫أكد المحامي أني سأستخلص منه كامل حقوقي‪ ,‬ونصحني‬ ‫برفع دعوة شروع بالقتل أمام القضاء الجزائي‪ ,‬ويوم تمت‬ ‫مواجهته بالدعوة أنكر ما جاء فيها‪.‬‬ ‫وفي ذلك تم احضار تقرير المشفى‪ ,‬وضبط الشرطة‪ ,‬حتى‬ ‫أقر بالذنب‪ ,‬لكنه بدأ يكيل لي اتهامات ملفقة‪ ,‬يبدو أن محاميه‬ ‫قد علمه بعضا من أساليب التجاوز لتبرير فعلته‪.‬‬ ‫الكثيرون‪ ,‬وجهال بالثقافة وأمية المعلومة‪ ,‬يجدون دائما‬ ‫مبررات لنشوذهم‪ ,‬ويلقونها على اآلخرين إمعانا في النفاق‪ ,‬ال‬ ‫‪166‬‬


‫نزال نسمع من يتوجه باتهام باطل وافتراء كاذب إلى هذا الدين‬ ‫العظيم من خالل آيات قرآنه الكريم‪ ,‬بدعوى أنه يسمح للزوج‬ ‫بأن يضرب زوجته ويهينها ((والالتي تخافون نشوزهن فعظوهن‬ ‫واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فال تبغوا‬ ‫عليهن سبيال)) ونسي أن العقاب هنا خاص بالزوجة الناشز‬ ‫التي ال يجدي معها وعظ وال هجر وال أي عقاب معنوي‪,‬‬ ‫عندئذ يسمح للزوج بأن يؤدب زوجته بالضرب‪ ,‬ضرب تأديب‪,‬‬ ‫ال ضرب تعذيب‪ ,‬ويشترط في هذه الحالة أن يكون الضرب‬ ‫غير شديد وال شاق‪ ,‬ولم يرد في الشريعة اإلسالمية ضربهن‬ ‫إال في تلك الحالة‪ ,‬أي حالة االنحراف في سلوك الزوجة‬ ‫والشذوذ في بيت الزوجية‪.‬‬

‫‪167‬‬


‫‪-35‬‬‫كم كنت أكره نفسي وأنا أتوجه إلى المحكمة كل فترة‪ ,‬وكم‬ ‫كنت سعيدة حينما أتذكر أني أخوض حربا الستعادة أطفالي‪,‬‬ ‫وحياتي معهم‪.‬‬ ‫كنت أعد األيام التي لم ألتق فيها بهم‪ ,‬وكانت قد وصلت‬ ‫إلى التسعين بالضبط‪ ,‬عادت المدارس تفتح أبوابها ففرحت‬ ‫جدا‪ ,‬ورتبت فكرة زيارتهم‪.‬‬ ‫كان وقتي موزعا بين زيارتهم في المدرسة‪ ,‬وجلسات‬ ‫المحكمة‪.‬‬ ‫مضت أربعة أشهر دون تحقيق أي تقدم‪ ,‬جاءت العطلة‬ ‫االنتصافية‪ ,‬وهذا يعني أني سأنقطع لشهر تقريبا عن رؤية‬ ‫أطفالي‪ ,‬لذا ارتأيت أن أحاول ترميم ذاكرتي‪ ,‬فأعود لمرسمي‬ ‫الذي أهملته‪ ,‬والى عائلتي األخرى الذين يشاركونني همومي‪,‬‬ ‫مع أنه لم يكن باستطاعة أحد منهم عمل أي شيء‪ ,‬فيكفيني‬ ‫الدعم المعنوي الذي تلقيته باتصاالتهم المتكررة‪ ,‬وخاصة والدي‬ ‫الذي كان أكثرهم تأث ار‪ ,‬فعلى الرغم من كل شيء كنت أحبه‬ ‫أكثر‪.‬‬ ‫‪168‬‬


‫أخبرتني رنا أن والدها بدأ مؤخ ار يشك في لقائهم بي‪ ,‬لذا‬ ‫وجدت أن أغير تاريخ الزيارة‪ ,‬فآثرت أن أزورهم قبل موعد‬ ‫جلسة المحكمة‪ ,‬فهو سيكون منشغال‪ ,‬لكن وكما العادة وصله‬ ‫الخبر‪ ,‬وتبين ذلك من خالل زيارتي األخيرة‪ ,‬حي‬

‫كان قد زار‬

‫المدرسة‪ ,‬مهددا بنقل األطفال إن عادوا وسمحوا لي بالزيارة‪.‬‬ ‫وفي زيارتي هذه أرسلت المديرة تطلب رنا أكثر من مرة‪,‬‬ ‫حتى جاءت مرتعبة وعلى وجهها آثار‪ ,‬لقد جعلها تدفع ثمن‬ ‫لقائها بأمها إذا!‬ ‫بقيت لدقائق‪ ,‬لتذهب مودعة بعبارات الحب واليأس‪.‬‬ ‫جرت المناقشات لمحاولة اإلصالح فيما بيننا من قبل رئيس‬ ‫المحكمة الناظرة في القضية‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫أنا مستعدة للعودة إلى بيت الزوجية شريطة أن‬ ‫ينفق على البيت‪ ,‬وأن يسمح لي بالسفر إلى أهلي‬ ‫واستقبالهم‪ ,‬وان تزوج من ثانية فلن أمانع شريطة أن‬ ‫اليسكنها في منزلي‪.‬‬

‫‪169‬‬


‫وكما توقعت‪ ,‬فقد رفض المصالحة من أساسها‪ ,‬وأصر‬ ‫على متابعة الدعوة‪ ,‬معتب ار أنه سيجبرني على العودة إلى بيت‬ ‫الطاعة عنوة‪.‬‬ ‫وهكذا لم يتم الصلح بيننا‪ ,‬فقررت المحكمة بع‬

‫حكمين‬

‫من قبلها‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫المحكمة ستفرق بينكما‪ ,‬حي‬

‫أن العشرة أصبحت‬

‫مستحيلة‪.‬‬ ‫وكان يجب أن أتنازل عن مؤخر المهر‪ ,‬ألني من تطلب‬ ‫الطالق‪ ,‬وجاء منطوق الحكم في الدعوى‪:‬‬ ‫(حكمت المحكمة بتطليق المدعية من المدعى عليه طلقة‬ ‫بائنة بينونة صغرى مقابل تنازل المدعية عن مؤخر‬ ‫مهرها)‪.‬‬ ‫هذا الرجل منذ اللحظة لم يعد زوجي‪ ,‬قرأت غيظه من‬ ‫نجاحي في التحرر منه‪ ,‬حي‬

‫كان يرغب في مزيد من‬

‫االبتزاز‪ ,‬بل كان يعتقد لهوس خياله أنه سيلزمني بالعودة إليه‬ ‫صاغرة‪.‬‬ ‫‪170‬‬


‫خرج من القاعة وهو يوبخ محاميه‪ ,‬وقبل ذلك رماني‬ ‫بعباراته األخيرة‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫مبروك الطالق مبدئيا‪ ,‬ولكن سأستأنف‪ ,‬حتى‬ ‫تركعي لي‪.‬‬

‫أمن العدل أن يوضع في يد الرجل سيف الطالق‪ ,‬يسلطه‬ ‫على عنق المرأة متى شاء؟! فإذا أكل قلبها البغض لزوجها‬ ‫والنفور منه‪ ,‬فرض عليها أن تعاشره كرها‪ ,‬فإن أبت ُدعيت‬

‫إلى بيت الطاعة‪ ,‬كأنها متهم يقاد إلى قفص‪ ,‬أو مجرم يساق‬ ‫إلى سجن‪ ,‬فأين التوازن بين الحقوق والواجبات؟‬ ‫الزوجة عادة تكون أكثر صب ار وأطول باال‪ ,‬حتى ولو بدأت‬ ‫فكرة الطالق تداعب خيالها‪ ,‬إال أنها بحكم ظروفها تظل‬ ‫صابرة‪ ,‬متأنية‪ ,‬وفي الغالب ترضى بحكم القدر‪ ,‬مستسلمة‪,‬‬ ‫والقليل من يتمردن على ذلك بدعوى الطالق‪ ,‬وأنا لم أطلبه‬ ‫تمردا أو ملال أو كرها‪ ,‬وال بسبب امتناعه عن اإلنفاق أو‬

‫ضربه‪ ,‬فالضرب قسوته أهون من تحطيم األسرة وتشتيت‬ ‫أفرادها‪ .‬ولكن اتهامه لي كان فظيعا‪ ,‬أفقدني جزءا من كرامتي‪.‬‬ ‫‪171‬‬


‫كان علي أن أوفر األسباب المقنعة للقاضي حتى يحكم‬ ‫ّ‬ ‫بالطالق‪.‬‬ ‫إن الزواج عهد متين‪ ,‬وميثاق غليظ‪ ,‬ربط هللا به المرأة‬ ‫والرجل‪ .‬أصبح كالهما زوجا بعد أن كان فردا‪ .‬رباط أقامه هللا‬ ‫على ركائز من المودة والرحمة‪ ,‬اللتين تحملهما كل النصوص‬ ‫الشرعية‪ .‬فأين الرحمة في قلب ذلك الرجل؟!‬

‫‪172‬‬


‫‪-36‬‬‫رفعت دعوى "حضانة وسكن ونفقة"‪ ,‬وعلى الرغم من ضآلة‬ ‫األمل فيها‪ ,‬وجدت أن اجتهد في الوقت الحاضر بأقصى‬ ‫طاقتي‪ ,‬دون القلق فيما سيأتي‪ ,‬فقد شرح لي المحامي أنه في‬ ‫حال وجود خالف بين الزوجين فإن الحضانة تكون لمن بيده‬ ‫األبناء‪ ,‬وال يحق للطرف اآلخر رؤيتهم خالل هذه الفترة‪ ,‬إال‬ ‫بعد صدور حكم نهائي‪ ,‬وقد يستغرق من ست إلى ثماني‬ ‫شهور‪ ,‬لذا يلجأ المحامون –عادة‪ -‬إلى الدفاع عن األزواج‪,‬‬ ‫لتعطيل الدعوة أو تأخير صدور الحكم‪.‬‬ ‫أرسلت لي المحكمة الئحة استئناف دعوة الطالق‪ ,‬وكان قد‬ ‫رفعها متلمسا إلغاء الحكم‪ ,‬والزامي بالرسوم والمصاريف‬ ‫وأتعاب المحامي‪ ,‬لم أستغرب األمر مطلقا‪ ,‬فهي وسيلة ضغط‬ ‫أخرى‪ ,‬وخوفا من قيامه بسفر األوالد خارج اإلمارات‪ ,‬رفعت‬ ‫دعوة إراءة ومنع السفر‪ ,‬فجاءت نتيجتها لصالحي‪ ,‬وفي الثامن‬ ‫من نيسان أبلغت من المحكمة باستئناف دعوى (الطالق)‪,‬‬ ‫فحضرت الجلسة وجاء منطوق الحكم بتعديل الحكم المستأنف‬

‫‪173‬‬


‫واضافة عبارة نفقة العدة على الفقرة الحكمية‪ ,‬بحي‬

‫يكون‬

‫مقابل التنازل عن مؤخر المهر ونفقة العدة‪.‬‬ ‫أما هو فلم يحضر‪,‬على رغم من أنه كان يعرف موعد‬ ‫المبلغ‪ .‬وهكذا‬ ‫الجلسة من اإلعالن الذي رفض استالمه من ُ‬ ‫صدر الحكم غيابيا‪.‬‬ ‫بعد شهر تقريبا صدر حكم اإلراءة لصالحي‪ ,‬بأن أراهم في‬ ‫األسبوع يوما واحدا‪.‬‬ ‫صحيح أنني كسبت الدعوة‪ ,‬ونلت حق حضانتهم‪ ,‬لكنه‬ ‫الوهم بعينه‪ .‬فاألحكام الصادرة عن محاكم اإلمارات تسري‬ ‫داخل الدولة فقط‪ ,‬وال تنفذ خارجها‪ .‬وكثير من الناس الذين‬ ‫يذهبون إلى المحاكم ال يعرفون بأي مذهب ستحكم المحكمة‪.‬‬ ‫ففي أبوظبي ودبي تكون األحكام وفق المذهب المالكي‪ ,‬وبقية‬ ‫اإلمارات وفق الحنبلي‪ .‬وللقضاة مذاهب مختلفة في األحكام‪.‬‬ ‫ومثاال على ذلك قضية انتهاء سن الحضانة‪ ,‬والى أي سن‬ ‫يبقى الطفل مع أمه في حال انفصال األبوين؟ فالمذهب‬ ‫المالكي يرى أن البنت تبقى إلى أن تتزوج‪ ,‬والولد إلى أن يبلغ‪.‬‬ ‫أما الشافعي فيقول أن يبقى الذكر واألنثى مع األم حتى‬ ‫‪174‬‬


‫بلوغهما سن التمييز‪ .‬وما هي هذه السن؟ هل هي ‪ 7‬أو ‪8‬‬ ‫سنوات؟ وقالت بعض اآلراء أن يبقى الطفل في الليل مع‬ ‫األب‪ ,‬وخالل النهار مع األم‪ ,‬أما الحنبلي فيبقي البنت حتى ‪7‬‬ ‫خير بين أبويه‪ ,‬ويختار‬ ‫سنوات‪ ,‬واذا بلغ الولد ‪ 7‬سنوات ُي ّ‬

‫أحدهما‪ .‬ويبقى في المذهب الحنفي حتى ‪ 9‬سنوات أو ‪7‬‬

‫سنوات‪ ,‬أو حتى مرحلة البلوغ‪ .‬وأن القانون سيأخذ من بين كل‬ ‫هذه اآلراء بصورة ال تخالف الشريعة‪ .‬ففي الشارقة مثال‬ ‫يأخذون بالمذهب الحنفي‪ ,‬فإذا بلغ أوالد المطلقة سن الثامنة‬ ‫ورفع األب دعوة إلنهاء حضانة األم‪ ,‬وضمهم إليه‪ ,‬يحكمون‬ ‫لصالح الرجل‪ .‬وكم تعاني المرأة اإلماراتية نتيجة لغياب قانون‬ ‫األحوال الشخصية‪ ,‬خاصة في قضايا الطالق‪ ,‬التي يختلف‬ ‫الحكم فيها من إمارة إلى إمارة أخرى‪ .‬لذلك ينبغي أن يكون‬ ‫قانون األحوال الشخصية واعيا لحقوق المرأة‪ ,‬ويضع سدا بينها‬ ‫وبين التالعب بها‪ ,‬أو االلتفاف حوله‪ .‬هنالك كل يوم عشرات‬ ‫القضايا لنساء يتألمن ويتحدثن عن ظلم صارخ‪ ,‬فهذا القاضي‬ ‫أو ذاك يطبق رأيا خاصا به من هذا الفقه‪ ,‬بينما هناك رأي‬ ‫آخر قد ينصف المرأة أكثر‪ .‬إن الفقه اإلسالمي يحمي المرأة‬ ‫‪175‬‬


‫وحدها وليس الرجل في قضايا الزواج والطالق ألن الرجل‬ ‫محمي أصال بالذكورة‪ ,‬والذكورة قوة في مجتمعاتنا‪.‬‬

‫‪176‬‬


‫‪-37‬‬‫غدا الجمعة‪ ,‬فبعد عام من حربي ضده‪ ,‬وبحكم القانون‪,‬‬ ‫تمكنت اكتساب يوم من كل أسبوع لرؤية أطفالي‪ ,‬غادرت إلى‬

‫الشارقة مع روان‪ ,‬الذي ظل برفقتي طيلة أيامي السابقة‪ ,‬وقفت‬ ‫أمام مدخل البناية‪ ,‬وضغطت زر اإلنترفون‪ ,‬ليأتيني صوت‬

‫رنا‪ ,‬التي ما إن عرفتني حتى صمتت‪ ,‬فتوجهت إلى الباب‬

‫أطرقه‪ ,‬فإذ به يقف قبالتي وهو في حالة هيجان‪ ,‬هو اليوم‬ ‫أكثر من مهزوم‪.‬‬

‫طلبت من األطفال االستعداد للمغادرة معي‪ ,‬وبدا أنه قد‬

‫أخفى عنهم خبر ربحي لدعوة الحضانة‪ ,‬بل وأرسل زياد إلى‬

‫بيت عمه‪ ,‬متجاهال قرار المحكمة ومعتب ار نفسه السلطة‪ ,‬فكان‬ ‫ال بد لي إال أن أعيد على مسامعه وجوب تنفيذ اإلراءة‪.‬‬

‫انتظرت مدة فلم يكثرت‪ ,‬لذا لجأت إلى الشرطة ليتصل‬ ‫الضابط به‪ ,‬طالبا حضوره‪ ,‬وعندما عدت مجددا الصطحابهم‪,‬‬ ‫حاول استفزاز أخي الفتعال عراك يحول النظر عن سبب‬ ‫قدومنا‪ ,‬لكن أخي كان أكثر حكمة‪ ,‬وهدأ مبتعدا‪ ,‬وعلى‬ ‫قرقعات صوته تدخل الجيران‪ ,‬وهم مشمئزون من مشاكله‬ ‫مثلنا‪ ,‬لتأتي الشرطة فيتحول هياجه إلى هدوء‪ ,‬فيما بقينا‬ ‫عالقين في مدخل البناية‪ ,‬وهو يصر على عدم السماح لنا‬ ‫‪177‬‬


‫بالدخول‪ ,‬ويهدد رنا على مرأى ومسمع من رجال الشرطة‪ ,‬فإذ‬ ‫به يدخل الدار تاركا جميعنا خلفه‪ ,‬وما هي إال عشر دقائق‬ ‫ليفتح الباب وتأتي رنا رافضة الذهاب معي‪ ,‬فمن المؤكد أنه‬ ‫عاد يهددها‪ ,‬ويخيفها‪ .‬لم يكن لي في األمر حيلة‪ ,‬فحتى‬ ‫الشرطة لم تستطع أن تفعل شيئا‪ .‬رجعت إلى القسم وقدمت‬ ‫بالغا للنيابة العامة‪ ,‬فصدر الحكم عليه بالحبس شه ار‪ ,‬وألني‬ ‫لم أكن أرغب في تأزم الموقف أكثر‪ ,‬وخشية من أن يصبح‬ ‫أطفالي بال أب أيضا‪ ,‬تنازلت عن الدعوة‪.‬‬

‫‪178‬‬


‫‪-38‬‬‫التاريخ هو‬

‫السبت ‪2000 / 5 /13‬م‪ .‬زرت رنا في‬

‫مدرستها‪ ,‬كان أول أيام امتحاناتها‪ ,‬أعطتني رسالة وقطعة نقود‬ ‫ورقية كتبت عليها‪ :‬أحبك يا أمي‪ .‬لم أكن أعرف أنه اللقاء‬ ‫األخير‪ ,‬وأذكر أنني رأيت زياد آخر مرة في‪ ,2000/4/17‬أما‬ ‫مرح فكان لقائي األخير بها يوم الجمعة ‪ ,2000/5/12‬خالل‬ ‫لقائي برنا وضعت رسالة في حقيبتي‪:‬‬ ‫"أردت الذهاب معك‪ ,‬ولكنه هدننا بأننا سنعود إليه‬ ‫أخي ار‪ ,‬وأنه سيمنعنا عن المدرسة‪ ,‬وعن النوم في غرفنا‬ ‫أو أن نكون معا‪ .‬لقد كانت مالمحه قاسية جدا‪ ,‬لقد‬ ‫أخافني ومرح‪ ,‬معتب ار أن ذهابنا معك يعني نهاية‬ ‫عالقته بنا كأب‪ ,‬وأنه سيعاملنا كخدم‪ ,‬لم يخبرنا شيئا‬ ‫عن الحضانة‪ ,‬كرر أنك من تركتنا ألجل مصالحك‪,‬‬ ‫وأنه األب المحب لنا‪".‬‬ ‫بقيت لشهر حبيسة البيت في منزل أخي‪ ,‬أنتظر الحكم‬ ‫النهائي في قضيتي‪ ,‬متأملة نهاية سعيدة لها‪ ,‬وكثي ار ما كنت‬ ‫أحد‬ ‫ّ‬

‫قطته‪ ,‬فأسرد لها أيامي القاسية‪ ,‬وواقعي المؤلم‪ .‬فكرت‬ ‫‪179‬‬


‫بالسفر إلى سورية بعدما فشلت في توفير أي لقاء مع أطفالي‪,‬‬ ‫فاتصلت برنا‪ ,‬أطلب منها السفر معي‪ ,‬فردت برسالة مقتضبة‪:‬‬ ‫"أمي الغالية‪ ,‬أكتب إليك رسالتي وأنا أعيش‬ ‫أشواقك‪ ,‬وحالة صعبة من المشاعر المتداخلة‪ ,‬ال‬ ‫أستطيع تحمل كل هذه األحدا ‪ ,‬أصبحت أكره كل‬ ‫شيء حولي‪.‬‬ ‫ستسافرين بعيدا‪ ,‬فيما كلنا –هنا‪ -‬ينتظر لحظة أن‬ ‫تكوني معنا‪ ,‬أموت غيظا من فشلك في الوصول إلى‬ ‫صيغة مريحة لك‪ ,‬استمتعي بحياتك‪ ,‬وكفي عن‬ ‫البكاء‪ ,‬فهذا قدرنا وقدرك‪ ,‬سأرتب أن نتواصل بشكل‬ ‫دائم‪ ,‬ويوما ما سنكون معا ونعيش السعادة‪ ,‬وسأقدم‬ ‫لك هذه الهدية البسيطة‪ ,‬ولكنها أجمل لعبة بالنسبة‬ ‫لي‪ ,‬ألنها ترتدي مالبس قمت بخياطتها بنفسي‪".‬‬ ‫والحقا جائتني منها رسالة أخرى‪:‬‬ ‫"السؤال األول‪ :‬لماذا قررت البقاء مع أبيك ولم‬ ‫تغادري مع أمك؟ ال أعلم‪ ,‬قد يكون السبب مرتبط‬ ‫‪180‬‬


‫بالتعود على المكان‪ ,‬والمنزل‪ ,‬أو بالخوف‪ .‬ال أستطيع‬ ‫إيجاد إجابة مناسبة‪.‬‬ ‫السؤال الثاني‪ :‬هل أخبرك أحد بأالّ تذهبي مع أمك؟‬ ‫ال أسمح ألحد بإمالء رغباته علي‪ ,‬ولكن لسنا‬ ‫قادرين دائما على اتخاذ الق اررات الصحيحة‪.‬‬ ‫السؤال الثال ‪ :‬كيف ستتصلي بأمك؟ وكيف نلتقي‬ ‫الحقا؟‬ ‫من خالل صديقتي‪ ,‬أو من أي وسيلة تقع تحت‬ ‫يدي وتواصلنا هاتفيا سيسهل ذلك‪ ,‬وعندما أكبر‬ ‫سأدرس المحاماة وأعيد ألمي كامل حقوقها‪ ,‬وأشتري‬ ‫منزال نعيش فيه معا‪.‬‬ ‫السؤال الرابع‪ :‬لماذا قطعت حديثك في آخر مكالمة‬ ‫باكية‪ ,‬وأقفلت الخط؟‬ ‫كنت سأقول بأني سوف أبقى معه‪ ,‬أنمي كرهي‬ ‫نحوه كل يوم ليكبر‪ ,‬حتى يأتي زمن أحاسبه على كل‬ ‫جرائمه بحقك وحقنا‪.‬‬ ‫‪181‬‬


‫انتهت األسئلة – أحبك أمي‪".‬‬

‫‪182‬‬


‫‪-39‬‬‫انتهت مدة إقامتي في اإلمارات‪ ,‬وعدت إلى دمشق بانكسار‬ ‫مجدد ويأس كثير‪ ,‬كان علي أن أواجه المجتمع‪ ,‬وأنا أحمل‬ ‫ّ‬ ‫لقب مطلقة‪ ,‬فلم أستطع االنتظار حتى صدور الحكم النهائي‬ ‫في قضيتي‪ ,‬وكان أن يحضر والدي جلساتها بحكم وجوده‬ ‫هناك‪ ,‬وجاء منطوق الحكم بقضية االستئناف (بالرؤية)‬ ‫الصادر يوم االثنين‪ ,‬الموافق‪ ,2000/11/27‬بإلزامه بتوفير‬ ‫رؤيتي لألطفال يوما من كل أسبوع‪.‬‬ ‫أما الحكم بقضية االستئناف (الحضانة) فقد صدر يوم اإلثنين‬ ‫الموافق‪.2000/12/18‬‬ ‫كان هذا انتصا ار حقيقيا إلرادتي‪ ,‬ولكن ‪-‬وباعتبار أن‬ ‫وكيلي (والدي) حضر الجلسة نيابة عني‪ ,‬وأقر أمام القاضي‬ ‫بسفري خارج الدولة‪ ,‬وألن السفر يسقط الحضانة‪ -‬فقد بادر‬ ‫محاميه إلى رفع دعوة (إسقاط الحضانة)‪ ,‬مستندا في ذلك‬ ‫على ما جاء في كتاب (تبين المسالك)‪:‬‬ ‫"إذا أرادت المطلقة أن تخرج بولدها من المقر إلى‬ ‫مقر أخر فليس لها‪ ,‬إال إذا كان بين المقرين قريب‪,‬‬ ‫‪183‬‬


‫بحي‬

‫يمكن لألب أن يبصر ولده ثم يرجع نهاره‪ .‬وسفر‬

‫المستأنف ضدها يسقط حضانتها‪".‬‬ ‫وال سيما أنه ثبت بأقوال الوكيل‪ .‬لذلك جاء منطوق الحكم‪:‬‬ ‫"إلغاء حكم المستأنف لبطالنه‪ ,‬والحكم برد الدعوى‬ ‫بالحضانة لسفر األم‪".‬‬ ‫أهو القدر أم إرادة والدي؟ كانت الفرصة تقربني منهم‬ ‫ألمتار‪ ,‬فابتعد مجددا آالف األميال‪ .‬قد حكم القانون لي‪,‬‬ ‫فلماذا أبطله والدي بقرار تسفيري؟ كان بإمكاني أن أكون هناك‬ ‫خالل ساعات ألتابع قضيتني‪ ,‬فأبعدني مرة أخرى عنهم‪ ,‬أما‬ ‫ستنتهي تجاربه علي‪ ,‬لم علينا أن نكرر أخطاءنا ونلوكها‪,‬‬ ‫ّ‬ ‫طالما أنه توجد أخطاء جديدة يمكننا ارتكابها‪ ,‬قد كنت خطأة‬ ‫في تاريخ العائلة‪ ,‬وتراكم بناؤها علي‪ ,‬أريد أن تتوقف هذه‬ ‫الدوامة‪ ,‬فقد تعبت‪.‬‬

‫‪184‬‬


‫‪-40‬‬‫‪2001 / 11 /19‬‬ ‫ثال‬

‫عشرة سنة بعد الزواج ـ سنتان بعد الطالق ـ صورة‬

‫عن قيد مدني باسم طليقي من دائرة النفوس المختصة‪,‬‬ ‫النتيجة‪ :‬أعزب‪.‬‬ ‫أرسلت خطابا لصديقة مصرية "وفاء"‪ ,‬هي في الوقت نفسه‬ ‫أم إلحدى صديقات رنا ومعلمتها‪ ,‬ألحصل عن طريقها عن‬ ‫أخبارهم‪ ,‬فهم يترددون على بيتها كل فترة‪:‬‬ ‫ الغالية وفاء‪ ,‬أنت الوحيدة التي أرجو المساعدة منها‬‫في التواصل بيني وبين أوالدي‪ .‬فوجعي صعب جدا‪,‬‬ ‫وافتراقنا يشلني عن متابعة الحياة‪.‬‬ ‫وتمكنت عن طريقها من بناء التواصل مع أوالدي وخاصة‬ ‫رنا‪ ,‬حي‬ ‫الثال‬

‫كنت أكلمها في أوقات محددة من كل شهر‪ :‬اليوم‬ ‫من كل شهر‪ ,‬األعياد وخاصة أعياد ميالدهم‪ ,‬آخر‬

‫هاتف بيننا كان قبل عيد الفطر بأيام‪ ,‬كانون الثاني ـ ‪.2001‬‬ ‫كانت رنا سعيدة بقدوم العيد‪ ,‬حتى أنها أخذت تحدثني عن‬ ‫‪185‬‬


‫استعدادها الستقباله‪ ,‬وكانت فرحة لسماع صوتي‪ ,‬وحدثتني‬ ‫عن معاناتهم لغيابي‪.‬‬ ‫وبعدها تغيرت األمور‪ ,‬لتصبح أكثر سوءا فلم تعد تتصل‪,‬‬ ‫أو ترد على مكالماتي‪ ,‬وكثي ار ما كانت تقفل السماعة بعبا ارت‬ ‫مبهمة محملة بالعتاب‪ .‬مؤكد أنه قد تم تلقينها لذلك رحت‬ ‫أضع لها المبررات المختلفة‪ .‬وأحيانا كانت ترد بأن الرقم‬ ‫خاطئ‪ .‬وعندما تكرر تصرفها‪ ,‬صرت على يقين أن في األمر‬ ‫شيئا ما‪ ,‬يدفعها مرغمة إلى هذا السلوك‪.‬‬ ‫أرسلت أكثر من رسالة بريدية إلى عنوانها دون رد‪ ,‬اتصلت‬ ‫بوفاء مجددا لكن لم أحظ بمكالمتها‪ ,‬فتركت لها رسالة صوتية‬ ‫لتتصل بي‪ ,‬فلم ترد‪ ,‬اتصلت مرة أخرى‪ ,‬فردت امرأة أخرى‬ ‫بلهجة مصرية‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫وفاء مش هنا يابنتي‪ ,‬ربنا يكون في عونك‪ ,‬بس‬ ‫والنبي ده إحنا خايفين من باباهم‪ ,‬يعملنا مشكلة‪,‬‬ ‫وبقلنا مده ماشفنهمش‪ ,‬وماجوش عندنا‪.‬‬

‫رحت أطرق باب صديقتي األخرى"لينا"‪ ,‬كتبت رسالة‬ ‫قصيرة‪ ,‬رجوتها فيها أن تتصل بابنتي رنا وتسلمها رسالتي‪,‬‬ ‫‪186‬‬


‫وفي حال صدها وعدم تجاوبها رجوتها بأن تلجأ إلى أم نغم‪.‬‬ ‫جاءني الرد بأن ابنتي قد امتنعت عن متابعة الكالم معها‬ ‫عندما وصلت بالحدي‬

‫عني حي‬

‫أغلقت سماعة الهاتف من‬

‫فورها‪ .‬عندها لجأت إلى الصديقة أم نغم‪:‬‬ ‫ رنا تخاف كثي ار من والدها‪ ,‬بعد أن اكتشف أنها‬‫تتحد‬

‫معك‪ ,‬فحبسها في الحمام أليام‪ ,‬وعاقب‬

‫إخوتها‪ ,‬وهو في أغلب األوقات يكون بجانبهم‪.‬‬ ‫وكلمتني أم نغم عن الحال السيئة التي وصلتها رنا جراء‬ ‫ذلك‪ ,‬ونصحتني بالركون أليام ريثما تتصرف هي‪ ,‬وبعد أيام‬ ‫تلقيت اتصاال منها تبلغني بأن أحد‬

‫ابنتي‪ ,‬كانت قاسية جدا‬

‫في حديثها‪ ,‬ترد باقتضاب‪ ,‬رفضت حتى أن تسمع صوتي‬ ‫بداية‪ ,‬وراحت تبكي‪ ,‬كنت أسمع نحيبها على الطرف األخر‬ ‫من الخط‪ ,‬وكنت أسمع أيضا توسالت نغم وأمها في محاولة‬ ‫إقناعها بالحدي‬

‫إلي‪ .‬ولكنها كانت عنيدة إلى حد التشنج‪.‬‬

‫جاء اليوم الثال‬

‫من بداية الشهر‪ ,‬وهذا موعدنا الذي ما‬

‫أزال ملتزمة به‪ .‬كنت أريد أن أبلغها برغبتي بالسفر إليها بعدما‬ ‫‪187‬‬


‫حد ‪ ,‬وأنا مشتاقة جدا لرؤيتهم‪ .‬ولكنها صدتني وأبدت عدم‬ ‫رغبتها بالتواصل معي‪.‬‬ ‫لم أتحمل وقع ذلك‪ ,‬وحين سافرت أمي إلى اإلمارات في‬ ‫زيارة ألخوتي‪ ,‬حملتها رسالة إليها مجددا‪:‬‬ ‫حبيبتي رنا‪ ,‬ينتابني إحساس بالم اررة والحزن عندما تغلقين‬ ‫سماعة الهاتف في وجهي‪ ,‬فأستسلم لليأس واأللم‪ ,‬فتأكلني‬ ‫الحيرة و الندم‪ ,‬إن كانت هذه رغبتك فعال فأنا سأحترم ذلك‬ ‫وأبتعد حتى بصوتي عنك‪ ,‬أما إذا كان تصرفك هذا تلبية‬ ‫لرغبته فسوف أالحقك أينما ذهبت‪ ,‬وسيتبعك صوتي واحساسي‬ ‫ولوعة قلبي واشتياقي مهما كان الثمن‪ ,‬أريدك أن تكوني حرة‬ ‫صادقة وصريحة معي بمشاعرك ألبعد الحدود‪ .‬ال تخافي من‬ ‫شيء فأنت تتحدثين إلى أمك‪ .‬قولي لي ماذا تريدين‪ ,‬لك حق‬ ‫علي أن تطلبي أي شيء في الحياة‪ ,‬ومن حقي عليك أن‬ ‫ّ‬ ‫تكوني صريحة‪ .‬لذا أرجو اإلجابة حتى لو كانت تلك اإلجابة‬ ‫قاسية‪ ,‬فالدم ذاته يجري في عروقنا‪ .‬ال تصدقي يوما أن هناك‬ ‫أما ال تحب أبناءها‪ .‬العالقة الدموية ال يفرقها األشخاص أو‬ ‫الظروف أو حتى المسافات‪.‬‬ ‫‪188‬‬


‫ما أردته من رسالتي هذه هو خيط تواصل ليس أكثر‪,‬‬ ‫ألستمد منه حياتي ليوم آخر‪.‬‬ ‫بقيت أمي هناك فترة الشهرين‪ ,‬وكلما اتصلت بها كانت‬ ‫تتهرب‪ ,‬وحينما عادت أخبرتني أن مديرة المدرسة لم تقبل‬ ‫طلبها بلقاء رنا بداية‪ ,‬فوالدها كان قد أعطى تنبيهات صارمة‬ ‫في ذلك‪ ,‬وتحت رجائها أرسلت بطلب الطفلة‪ .‬وفوجئت رنا‬ ‫بوجود جدتها‪ ,‬ورفضت البقاء‪ .‬وبعد توسالت من الجدة وتدخل‬ ‫من المديرة اقتنعت الطفلة ولو على مضض‪ ,‬وبقيت لدقائق‪.‬‬ ‫حزنت أمي كثي ار لهذا الموقف‪ ,‬فرنا خائفة‪ .‬وهذا واضح من‬ ‫الرعب الذي في عينيها‪.‬‬ ‫‪-‬‬

‫أمك بعثت لك برسالة‪.‬‬

‫مدت يدها وخطفت الرسالة و ارحت تركض مسرعة مغادرة‬ ‫الغرفة‪.‬‬ ‫ظلت أمي أليام طريحة الفراش‪ ,‬وبعد أسبوع قامت بمحاولة‬ ‫أخرى‪ ,‬فذهبت إلى البيت هذه المرة‪ ,‬ولكن الطفلة رفضت أن‬ ‫تفتح لها الباب مع كل التوسالت‪ ,‬وبهذا فشلت محاولة أخرى‬ ‫لي بثقب ثغرة في جدار الفصل ذاك‪ ,‬ألفكر بوسيلة أخرى‬ ‫‪189‬‬


‫الستعادة حياتي‪ .‬وفي عام ‪ 2002‬حملني شوقي‪ ,‬مجددا‪,‬‬ ‫إليهم في رحلة عذاب أخرى‪ ,‬وكان دربي المكرر هو مدارسهم‪,‬‬ ‫فيما كانت العزيزة" لينا" دليلي‪ ,‬مرح كانت في الصف الثال‬ ‫فيما زياد في الثاني‪ ,‬كانت مديرة المدرسة أم فاضلة‪ ,‬طيبة‬ ‫القلب‪ ,‬بذلت في سبيلي كثي ار من الجهد والوفاء‪ ,‬منتحتي‬ ‫صورهم الجامعة وزمالئهم لجميع مراحل الدراسة‪ ,‬هي ذاتها‬ ‫الصور التي أعيشها اليوم بهم‪ ,‬لم أشأ المغادرة دون أن‬ ‫ألتقيهم‪ ,‬رغم القوانين كان أن تنكرت بزي إماراتي مع عباءة‬ ‫ونقاب‪ ,‬وأخذت دور الموجهة التي ترغب في التعرف‬ ‫بالطالب‪ ,‬جاؤوا جميعا وأخذوا يسلمون‪ ,‬الجميع مر بالسالم‬ ‫علي‪ ,‬إال مرح كررت سالمها لمرة ثانية‪ ,‬وهي تتأملني بشكل‬ ‫ّ‬ ‫غريب‪ ,‬لقد تعرفت على أمها وها هي تطلب الجلوس في‬ ‫حضني‪ ,‬وانهالت علي تقبلني‪ .‬بكى الجميع‪ ,‬ودموعهم تسيل‬ ‫ّ‬ ‫روافد في مشاعري‪.‬‬ ‫المحاولة األخيرة‪ ,‬التي أستطيع كتابتها‪ ,‬كانت عام ‪,2004‬‬ ‫حينها سافرت أختي إلى اإلمارات‪ ,‬لتلتقي برنا ومرح في مدخل‬ ‫العمارة‪ ,‬ارتعبت رنا وأصفر وجهها‪ ,‬فيما ركضت مرح مسرعة وهي‬ ‫‪190‬‬


‫تحتضن خالتها‪ ,‬وتسأل عني‪ ,‬هدئتها أختي‪ ,‬مستسمحة الصعود‬ ‫لمقابلة والدهما‪ ,‬الذي نكزها وطردها من المنزل دون أدنى اعتبار‪.‬‬

‫‪191‬‬


‫‪-40‬‬‫واليوم أجلس وحيدة‪ ,‬في مرسمي الكئيب تحيطني الكثير من‬ ‫رسومات األصدقاء‪ ,‬أو الفنانين العالميين‪ ,‬وأحيط بالكثير من‬ ‫اللوحات التي أنهيت معركتي عليها‪ ,‬أجلس والذكريات تلتهمني‬ ‫ونسوا‬ ‫وتكررها ألفا‪ ,‬قد غادر الجميع كل إلى أعمالهم وحياتهم‪,‬‬ ‫َ‬

‫شيئا اسمه غادة‪ ,‬ومأساتها‪ ,‬الذي كتب أن الزمن قادر على‬

‫شفاء جروحنا أخطأ‪ ,‬فجروح الروح ال سبيل إلى شفائها‪ ,‬بل‬ ‫يزداد وقعها مع مروره‪.‬‬ ‫كثي ار ما أسافر في لوحاتي‪ ,‬فأجوب تفاصيلها في رحلة ال‬ ‫أرغب في نهايتها‪ ,‬لعلي بذلك أحاول بناء عالم ثان يكون أكثر‬ ‫أمنا‪ ,‬ولكن سرعان ما أغفو ألجدني في ذات الدوامة‪ ,‬وليأتيني‬ ‫صدى بعيد‪ :‬أين تغادرين‪ ,‬ولمن ستتركين كل هذا األلم‬ ‫المصبوغ بطعم الحرمان؟‬

‫‪192‬‬


‫‪-1‬‬‫تأخر الوقت‪ ,‬وأنا أسير في شوارع دمشق وحيدة مع‬ ‫ذكرياتي‪ ,‬التي بالكاد أستطيع االحتفاظ بها‪ ,‬فهي بدأت تتالشى‬ ‫شيئا فشيئا‪ ,‬لتتحول إلى رماد يتناثر حولي‪,‬‬ ‫المنزل سأحول النوم عله يجدني هذا المساء‪.‬‬

‫أصل‬ ‫حالما‬ ‫ُ‬

‫عن مكان ألريح فيه َنفسي‪ ,‬ولكن‬

‫المنزل‪ ,‬سأبح‬ ‫ال َ‬ ‫أحد في َ‬ ‫صباحا‪...‬أمر َحرك‬ ‫تُرى أين يكونون؟‬ ‫ُ‬ ‫فالوقت ُي ُ‬ ‫قارب الثالث َة َ‬ ‫فاستلقيت‪ ,‬وأخذت نفسا‬ ‫فضولي‪ ,‬لكن اإلعياء كان أكثر سطوة‪,‬‬ ‫ُ‬

‫عميقا‪.‬‬

‫من النوم‪ ,‬لكني‬ ‫َس‬ ‫ُغمض َع َيني‪َ ,‬عَلني أتمك ُن َ‬ ‫أحاول أن أ َ‬ ‫ُ‬ ‫سب ُح في كياني‪.‬‬ ‫مضطربة‪ ,‬وشعور مختلف َي َ‬ ‫المكان! ُمجددا‬ ‫وه َ‬ ‫األنو ُار ُمضاءة‪ُ ,‬‬ ‫نالك فوضى غريبة في َ‬ ‫النوم‪ ,‬لكن عبثا‪.‬‬ ‫أح ُ‬ ‫اول َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫المنزل‪ ,‬ثياب ملقاة على األرض‪,‬‬ ‫أركان‬ ‫جول في‬ ‫نهضت أتَ ُ‬ ‫ازداد اضطرابي‬ ‫وأغراض مرمية‪ ,‬وكأنهما قد غاد ار على عجل‪.‬‬ ‫َ‬

‫حت أفكر‪:‬‬ ‫ور ُ‬ ‫أكثر‪ُ ,‬‬

‫‪193‬‬


‫مكن أن يكونا قد ذهبا؟ أيمكن أن يكو َن‬ ‫ تُرى أين يُ ُ‬‫أحد ما ِمن عائلتنا قد أصابه مكروه؟ أو قد يكون‬ ‫أحد من الجيران؟ ال‪ .‬ال‪ .‬ال يُمكن! بال يمكن‪.‬‬ ‫ولكن‪ ,‬يجب أن يكون ُهنالك شيء ما ُيَف ِس ُر األمر‪ ,‬جلست‬

‫ازداد اضطرابي أكثر‪ ,‬وأنا جالسة وحيدة في‬ ‫انتظر تغيي ار‪ ,‬و َ‬ ‫منزلي ِ‬ ‫انتظر أحدا يُخبرني بما يحد ‪ ,‬فكري ُم َشتَت في‬ ‫البائس‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫بشيء‪ ,‬ال أدري‪,‬‬ ‫اليوم‪ .‬ال أشعر‬ ‫غياهب أحدا غريبة ألمت بي َ‬ ‫لكن هناك أمور غريبة حدثت اليوم‪ .‬نعم هنالك شيء ما‪.‬‬ ‫هج ُر‬ ‫لعصافير‬ ‫بت على الشروق‪ ,‬وا‬ ‫الشمس قار ْ‬ ‫ألمحها تَ ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫بحركة ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫قوية وأصو ٍ‬ ‫ات‬ ‫ُحس‬ ‫أعشاشها‪ ,‬وتُغني ببدء الصباح‪ُ ,‬‬ ‫بدأت أ ُ‬ ‫متداخل ٍة‪ ,‬وسيار ٍ‬ ‫ات تُمز ُق‬ ‫تدخل‬ ‫صمت المكان‪ُ .‬ليفتَ ُح‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫الباب‪ ,‬ف َ‬ ‫لهن سواد‪ ,‬واتشاح‪ ,‬وبكاء‪ ,‬وأمي‪ .‬نعم إنها أمي التي‬ ‫نسوة ُك ّ‬

‫وجه َها ُم َمزق‪ ,‬وعيناها ممتلئتان‬ ‫ط ُهم‪ُ ,‬منهكة ومنهارة‪.‬‬ ‫تَتََو َس ُ‬ ‫ُ‬ ‫اتجهوا ُمباشرة إلى الداخل‪,‬‬ ‫بالدموع‪ .‬لم يالحظ أحد وجودي‪َ .‬‬

‫وتتبع ذلك دخول ح ٍ‬ ‫شد ِم َن الرجال‪ ,‬عائلتنا كلها ُمجتمعة‪ ,‬وبعض‬ ‫ُ َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫األقرباء والجيران‪ِ ,‬س َمة الحزُن ُمرتَسمة على الوجوه‪ ,‬ماذا يحد ؟‬ ‫ال أدري‪.‬‬ ‫‪194‬‬


‫ٍ‬ ‫بقماش أسود‪ ,‬إذا‪ ,‬أحد ما‬ ‫دخل رجال‪ ,‬يحملو َن تابوتا ملفوفا‬ ‫َي ُ‬ ‫صفر الوجه‪,‬‬ ‫من العائلة قد توفي‪ .‬أبي معهم‪ .‬الحمد هلل‪ُ ,‬‬ ‫لكنه ُم ُ‬

‫ومنهار‪ .‬إذا المتوفى‬ ‫الصلب‪ُ ,‬منهك ُ‬ ‫ومنهار تماما‪ ,‬أبي القاسي و َ‬ ‫المفجع‪ ,‬ولكن من‬ ‫قريب جدا منا ليبكوه بهذا الشكل المريب و ُ‬

‫يكون؟ فالجميع حاضر هنا‪ ,‬إخوتي كلهم حاضرون‪ ,‬ولكن‬

‫ظ سيالنها‪ ,‬وتستمر أسئلتي‪ ,‬وال‬ ‫ص أفئدتهم‪ ,‬التي أالح ُ‬ ‫الس َ‬ ‫طوة تَ ُم ُ‬ ‫َ‬ ‫أحاول‬ ‫حشرت بينهم‪,‬‬ ‫أحد يجيب‪ ,‬أو ينتبه لوجودي معهم‪َ ,‬ان‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬

‫أح َس أحد‬ ‫االستيضاح‪ ,‬أبي تجاهلني واخوتي كذلك‪ .‬ما َ‬ ‫ِ‬ ‫افقدهم التركيز أو القدرة على‬ ‫المصيبة قد‬ ‫ول‬ ‫ُ‬ ‫بوجودي‪ ,‬يبدو أن َه َ‬ ‫التحد ‪.‬‬

‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫النحيب تتعالى أكثر‪,‬‬ ‫البكاء و‬ ‫ات‬ ‫أتَموا‬ ‫الطقوس‪ ,‬فيما أصو ُ‬ ‫َ‬

‫جت معهم‪ ,‬وأنا هائمة‪ .‬غريبة‪.‬‬ ‫َحملوا اَل َ‬ ‫نعش‪ ,‬وأخرجوه‪ ,‬وخر ُ‬

‫شق أزق َة حينا‬ ‫غريقة‪ ,‬في هذا التالطم الحزين‪َ .‬موكب ُمهيب َي ُ‬ ‫بق أحد إال وحضر هنا معنا‪,‬‬ ‫النائم في هذا‬ ‫ِ‬ ‫الصباح الجميل‪ ,‬لم َي َ‬ ‫وأنا الحاضرة الغائبة‪ .‬للحظة َش َع ُ ِ‬ ‫ول الحقيقة‪ ,‬التي بت‬ ‫رت ب َه ُ‬ ‫ُمتََيقنا من أنها قريبة جدا مني‪ ,‬لكني كنت ألهي نفسي وأبتعد‪.‬‬

‫ٍ‬ ‫بصعقة مختلفة من األل ِم تخترق روحي‪ ,‬عشرة‬ ‫أحسست فجأة‬ ‫و‬ ‫ُ‬ ‫أعوام مرت‪ ,‬وأنا أحاول أن أَُل ِ‬ ‫طم‬ ‫مل َم نثرات ذاتي التائهة في تَال ُ‬ ‫‪195‬‬


‫الضياع‪ ,‬فال أجد هدوءا أو راحة بال‪ .‬كنت بقايا شخص‬ ‫ذلك‬ ‫ِ‬ ‫غادرته الحياة‪ ,‬هيكل ومجموعة عظام متكومة‪ ,‬تنتظر مصيرها‪,‬‬ ‫كان التلقين‪,‬‬ ‫نسير ببطء حتى دخلنا َمعا المقبرة‪ ,‬وهناك َ‬ ‫ال ُ‬ ‫ال نز ُ‬ ‫سمعت أسماء عدة وُذ ِك َر من بينها اسمي؟ أأكون المتوفاة؟ ال‪ ,‬قد‬ ‫ُ‬

‫به أسماء‪ ,‬انتظرت حتى اُ ِ‬ ‫النعش‪ ,‬وشاركتُهم ذلك‪,‬‬ ‫نزَل‬ ‫ُ‬ ‫يكون تشا ُ‬ ‫أحس بأنها تتسرب مني‪ ,‬اختفى‬ ‫كي ألهي نفسي‪ ,‬التي‬ ‫ُ‬ ‫بدأت ُ‬

‫إحساس اإلرهاق واأللم‪ ,‬الذي كنت أشعر‪ .‬أتراني أعيش النهاية؟‬ ‫يمكن‬ ‫نهاية ال أدري كيف‬ ‫ُ‬

‫فض تََقّبَل ُه‬ ‫رأسي‪ ,‬لكني أر ُ‬

‫سمت َمعالِ ُمه في‬ ‫أن تكون‪ ,‬إنه واقع تَر ْ‬ ‫سعيت‬ ‫كنت أسعى‪ ,‬أو قد‬ ‫ُ‬ ‫‪ُ -‬رغم أني ُ‬

‫إليه بنفسي‪ -‬إنها الحياة‪ ,‬وانها الرغبة الجامحة في البقاء‪ ,‬أو‬ ‫محاولة البقاء واالستمرار‪ ,‬رغم البؤس والغيظ الشديد‪ ,‬ورغم رحيل‬

‫الحياة‪ ,‬يبقى دائما طموح لعين مزروع‬ ‫من كانت ‪ -‬بالنسبة لي ‪-‬‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫في أنفسنا الخبيثة باالستمرار‪ ,‬ومعاودة الغوص والبقاء‪ ,‬ولكن –‬ ‫قرب مني‬ ‫هنا‪ -‬بد ُ‬ ‫أت ُ‬ ‫أدرك حقيقة أن كل ما يحد ُ أ ُ‬ ‫إلي ‪,‬غطيناهُ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫المكان‪ ,‬وشبح الحزِن ي َخيم ِبتَ ٍ‬ ‫كغيمة‬ ‫ثاقل‬ ‫تبلل‬ ‫َ‬ ‫بالتراب‪ ,‬والدموعُ ُ‬ ‫ُ ُ ُ ُ‬ ‫بكون ُه ِب ُحرقة‪ ,‬لكن‬ ‫وي َ‬ ‫ندية خصبة‪ .‬إخوتي َيتَصارعون حول القبر‪ُ ,‬‬

‫لماذا أنا أيضا ال أبكيه معهم؟ أبي‪ .‬إنه هناك‪ ,‬وقد فقد القدرَة‬

‫‪196‬‬


‫على الوقوف‪ ,‬فجلس بسالم وركون‪ ,‬أراهُ‬ ‫ِ‬ ‫عينيه‪ ,‬وتكبر أكثر لتُ ِ‬ ‫مطر‬ ‫تتكور في‬ ‫الدموع‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬

‫م ٍ‬ ‫كتف بالتأمل فيما‬ ‫ُ‬ ‫شتاء كامال‪.‬‬

‫الجميع َي ُه ُم عائدا‪ ,‬وأنا ‪-‬ودون أن‬ ‫اسم تَماما‪ ,‬و‬ ‫ُ‬ ‫انتهت المر ُ‬ ‫قررت البقاء واالنتظار‪ ,‬ربما شعور غريب‬ ‫أدري السبب‪ -‬قد‬ ‫ُ‬ ‫أتفهم ما الذي يحد ‪.‬‬ ‫دفعني للبقاء كي َ‬

‫الوقت َيمضي‬ ‫العدد تَدريجيا حتى‬ ‫تناقص‬ ‫بقيت وحيدة‪ ,‬و ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ِبتثاقل أكبر‪ .‬كان سكونا مطلقا‪ ,‬وهدوءا موشحا بالسو ِاد الحالك‪,‬‬

‫ٍ‬ ‫تجافات قوية‪ ,‬وبرٍد‬ ‫قت تماما شعرت بار‬ ‫ُرغم إن الشمس قد أشر ْ‬ ‫وضاق تََنُفسي‪ ,‬وازدادت‬ ‫شديد‪ ,‬وفجأة ُشلت حركتي تَماما‪,‬‬ ‫َ‬

‫الرطوب ُة‪ ,‬والضيق من حولي‪ ,‬فقررت المغادرة‪ ,‬لكن عبثا‪ ,‬فأنا‬ ‫اآلن غير قادرة على الحركة‪.‬‬

‫‪197‬‬


‫‪-41‬‬‫عندما تعودون للبح‬

‫عني سوف تجدون هذه الرسالة في‬

‫انتظاركم‪ .‬كل ما أخشاه هو أال أكون هنا –ساعتئذ‪ -‬كي أفتح‬ ‫لكم الباب وأضمكم إلى صدري‪ .‬فالموت عندما يأتي يكون‬ ‫غالبا على نحو مفاجئ‪ ,‬فهو موعد ال يؤجل أو يزول‪ .‬ولهذا‪,‬‬ ‫فإنني أكتب لكم هذه الرسالة وأطويها في كتاب‪ ,‬عله يصلكم‬ ‫وتقرون أنفسكم‪ ,‬ولكن تنبهوا جيدا إلى ما بين‬ ‫أ‬ ‫فتقرونني‪,‬‬ ‫أ‬ ‫سطوره‪ ,‬وتوقفوا جزيال عند كل جملة‪ ,‬فهي عصارة ألم‪ ,‬وحبره‬ ‫من دواة ش ارييني‪.‬‬ ‫أرجو أن تقرأوها كلما شعرتم بالحاجة ألن أكون بجواركم‪.‬‬ ‫ال أريد أن أزعجكم‪ .‬سوف أتحد‬

‫معكم بتلك الحميمية التي‬

‫كانت تضمنا ذات يوم ثم فقدناها‪ .‬عندما أنظر إلى صوركم‬ ‫أتذكر كيف كنت آخذكم إلى الفراش‪ ,‬أروي لكم حكاية ما قبل‬ ‫النوم‪ .‬وعندما أنهض للذهاب معتقدة أنكم قد غفوتم يأتيني‬ ‫الصوت الرقيق النعسان كي أحكي حكاية أخرى‪ ,‬فأعود وأوزع‬ ‫قبالتي‪.‬‬

‫‪198‬‬


‫صغار كما تركتكم‪ ,‬فال قدرة‬ ‫ا‬ ‫ما تزالون في رصيدي أطفاال‬ ‫لي على عيشكم إال كذلك‪.‬‬ ‫رنا‪ :‬كنت صديقتي‪ ,‬وعايشتي فصوال من شتائي‪ ,‬كم‬ ‫حسدت نفسي على ابنة مثلك‪ ,‬لقد سرنا معا حيثما كنا تائهين‪,‬‬ ‫وكنت أستدل بروحك البريئة‪ ,‬معا حاولنا الخطو لدرب أفضل‪,‬‬ ‫وبك عشت ساعات حزني وأويقات فرحي‪.‬‬ ‫مرح‪ :‬في اللحظات المترنحة بين الصخب والهدوء أجدك‬ ‫حولي‪ ,‬تملئين حياتي بالكثير من الذكريات واألحالم وأظل‬ ‫أكثر من ذي قبل‪ ,‬وأعيش شقاوتك‪ ,‬ونهمك للهداية التي‬ ‫أُحبك َ‬ ‫اقتنيت لك منها الكثير‪.‬‬

‫زياد‪ :‬لم تعش حنان األم وبسمتها‪ ,‬وبالكاد تعرفني‪ ,‬ولكنك‬ ‫كنت غادة الرجل واالنتظار‪.‬‬ ‫وهكذا أكون قد أنبأتكم بكل ما أريد قوله‪ ,‬ولم يبق لي ما‬ ‫أقوله‪ ,‬وسوف أطوي هذه الرسالة اآلن‪ .‬وعلى أية حال‪ ,‬فإن‬ ‫كان هناك شخص في العالم يفكر بكم فهو أنا‪ .‬أجل‪ ,‬وبكل‬ ‫صدق‪ ,‬أقولها‪ :‬أحبكم بال حدود‪ ,‬وأنتظركم حتى نهاية الحياة‪.‬‬ ‫‪199‬‬


‫ومهما كان‪ ,‬سيبقى الوفاء‪ ,‬و ستبقون في سمائي‪ ,‬محتفظين‬ ‫بشذاكم وبريق العيون‪ ,‬ورغبة اللقاء‪ ,‬والمسافات الزمنية لن‬ ‫أحببته فيكم يوما‪ ,‬ولن تغير عمق المأساة‪ ,‬ألننا‬ ‫تغير ما‬ ‫ُ‬

‫ونحن من‬ ‫معجونو َن من األلم‪ ,‬ومهما يكن‪ ,‬فالزم ُن صامت‪,‬‬ ‫ُ‬ ‫يكتب الكلمات‪.‬‬ ‫ُ‬

‫واآلن‪ ،‬أصغوا إلى همسة هللا‪” :‬أحبكم كما أنتم“ إنه الظالم هو‬ ‫أنا‪ ,‬هو أنتم‪ ,‬هو هويتي‪ ,‬هو هويتكم‪.‬‬ ‫‪ -‬انتهى –‬

‫‪200‬‬


‫البطلة غادة‪ ,‬العائلة حميد‪ ,‬األبناء زياد‪ ,‬رنا‪ ,‬مرح‪....‬‬ ‫الصديقة سعاد‪ ,‬األخ أمين‪ ,‬األخ روان‪ ,‬العم هشام‬ ‫‪ -‬انتهى –‬

‫‪201‬‬


mustefaebdi@gmail.com

‫ مصطفى عبدي‬- Mustefa ebdî

202


Haraaqalzakira