Page 1

‫العدد ‪ > 678‬رجب ‪ 1436‬هـ > مايو ‪2015‬م ‪May 2015‬‬

‫كتبوا ملجلة‬

‫موزاييك قرطاج‬

‫من تونس إلى بنزرت‬ ‫العدد ‪ 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪ISSN : 0258 - 3941‬‬

‫‪4/23/15 12:22:30 PM‬‬

‫‪www.alarabimag.net‬‬

‫يصدر عن وزارة اإلعالم بدولة الكويت‬

‫‪full cover.indd 2‬‬


‫مجلة شهرية ثقافية مصورة يكتبها عرب ليقرأها كل العرب‬ ‫تأسست عام ‪ ،1958‬تصدرها وزارة اإلعالم بدولة الكويت‬

‫رئيس التحرير‬

‫د‪ .‬عادل سالم العبداجلادر‬

‫‪Editor in Chief‬‬

‫‪Dr. Adel S. Al-Abdul Jader‬‬

‫العنوان في الكويت‬ ‫بنيد القار ‪ -‬قطعة ‪ - 2‬شارع ‪ - 47‬قسيمة ‪ - 3‬هاتف البدالة ‪)00965( 22512081/82/86‬‬

‫> هاتف التحرير‪22512017 :‬‬

‫‪Editorial Tel:‬‬

‫> اإلعالن والتوزيع‪ > )00965( 22512043 :‬الفاكس‪)00965( 22512044 :‬‬ ‫العنوان البريدي‪ :‬ص ب ‪ - 748‬الصفاة ‪ -‬الرمز البريدي ‪ -13008‬الكويت‪.‬‬

‫‪AL-ARABI - A Cultural Illustrated Monthly Arabic Magazine, Published by‬‬ ‫‪Ministry of Information - State of Kuwait - P.O.Box: 748 - Safat, Kuwait‬‬

‫‪Tel: )00965( 22512081/82/86 Fax: (00965) 22512044‬‬

‫‪www.alarabimag.net‬‬

‫‪E.mail: arabimag@arabimag.net‬‬

‫عناوين مراسلة العربي في اخلارج‬ ‫> القاه�� ��رة ‪ -‬اله�� ��رم ‪ 5 -‬ش�� ��ارع ترع�� ��ة املريوطي�� ��ة ‪ -‬عم�� ��ارات اخللي�� ��ج ‪ -‬عم�� ��ارة ‪-3‬‬ ‫ال� � ��دور الثال� � ��ث ‪ -‬ش� � ��قة ‪ - 40‬هــاتـ� � ��ف ‪ > 002039812448‬بي� � ��روت ص‪ .‬ب‬ ‫‪ 70827‬أنطلي� � ��اس‪ /‬لـبـنـ� � ��ان ‪ -‬هات� � ��ف ‪ 009613408407‬فاك� � ��س ‪009614408448‬‬ ‫> دمش� � ��ق ‪ -‬هات� � ��ف ‪ 00963114417653‬فاك� � ��س ‪ 00963114449567‬ص‪.‬ب ‪7699‬‬ ‫> الرباط هاتف ‪ 0021237679972‬فاك� � ��س ‪ 0021237778438‬ص‪.‬ب ‪ 7729‬دار احلديث‬ ‫شروط النشر في مجلة العربي‬ ‫> توجه املقاالت إلى رئيس حترير املجلة‪.‬‬ ‫تكتب املقاالت باللغة العربية وبخط واضح (للمقاالت املرسلة بالبريد)‪( ،‬يُفضل أن تكون املقالة مطبوعة‬ ‫على قرص حاسوبي مدمج ‪ ،)C.D‬ومرفقة مبا يلي‪:‬‬ ‫‪ - 1‬تعهد خطي من املؤلف أو املترجم بعدم نشر املقالة ساب ًقا في أي مجلة أخرى‪.‬‬ ‫‪ - 2‬سيرة ذاتية مختصرة للمؤلف أو املترجم‪.‬‬ ‫‪ - 3‬األصل األجنبي للترجمة‪ ،‬إذا كانت املقالة مترجمة‪.‬‬ ‫‪ - 4‬يفضل أن تكون املقاالت الثقافية مدعمة بصور أصلية عالية النقاء‪ ،‬مع ذكر مصادر هذه الصور‪،‬‬ ‫ومراعاة ترجمة تعليقات وشروح الصور واجلداول إلى اللغة العربية‪.‬‬ ‫> أولوية النشر تكون للمقاالت املدعمة باملصادر واملراجع والصور‪.‬‬ ‫> املوضوعات التي ال تنشر ال تعاد إلى أصحابها‪.‬‬ ‫> يفضل أال تقل املقالة عن ‪ 150‬كلمة وال تزيد على ‪ 1000‬كلمة‪.‬‬ ‫> يحق للمجلة حذف أو تعديل أو إضافة أي فقرة من املقالة متاش ًيا مع سياسة املجلة في النشر‪.‬‬ ‫> اخلرائ� � ��ط التي تنش� � ��ر باملجل� � ��ة مجرد خرائ� � ��ط توضيحي� � ��ة وال تعتب� � ��ر مرجعا للح� � ��دود الدولية‪.‬‬ ‫> ال يجوز إعادة النش� � ��ر بأي وس� � ��يلة ألي مادة نش� � ��رتها العربي منذ ‪ 1958‬وحتى تاريخه دون موافقة‬ ‫خطية من اجلهات املختصة باملجلة وإال اعتبر خرقا لقانون امللكية الفكرية‪.‬‬

‫> امل ��واد املنش ��ورة تعب ��ر ع ��ن آراء كتابه ��ا وال تعبر بالض ��رورة ع ��ن رأي املجلة‪,‬‬ ‫ويتحمل كاتب املقال جميع احلقوق الفكرية املترتبة للغير‪.‬‬ ‫طبعت مبطبعة حكومة الكويت‬ ‫‪3‬‬

‫‪4/22/15 1:04:43 PM‬‬

‫‪may 3-4-5.indd 3‬‬


‫العدد ‪ - 678‬رجب ‪ 1436‬هـ‬ ‫مايو (أيار) ‪2015‬م‬

‫حديث الشهر‬ ‫‪ 8‬د‪ .‬عادل سالم العبداجلادر‪ ...‬بناء الدولة‬

‫استطالعات وحتقيقات‬ ‫‪ 36‬أشرف أبواليزيد‪ ...‬من تونس إلى بنزرت‪ ...‬موزاييك قرطاج‪.‬‬

‫فكر‬ ‫‪ 30‬ماج� � ��د الش� � ��يباني‪ ...‬بول ريك� � ��ور في الفكر الفلس� � ��في‬ ‫العربي‪ ...‬قراءة ببلوغرافية‪.‬‬

‫اقتصاد‬

‫‪96‬‬ ‫‪120‬‬ ‫‪122‬‬ ‫‪141‬‬ ‫‪144‬‬

‫تاريخ وتراث وشخصيات‬ ‫‪18‬‬

‫‪ 21‬عامر ذياب التميمي ‪ ...‬مستقبل العرب االقتصادي‬

‫‪66‬‬ ‫‪72‬‬

‫‪ 26‬د‪ .‬سعيد إسماعيل علي‪ ...‬التطرف‪ ...‬محموداً ومذموماً؟!‬

‫‪109‬‬

‫قضايا عامة‬ ‫ملف‬

‫ملف الشعر الفلسطيني‬ ‫‪ 99‬يرحل الشعراء‪ ...‬ويبقى الشعر‪.‬‬ ‫‪ 100‬د‪ .‬ميشال جحا‪ ...‬سميح القاسم‪ ...‬الشعر املقاوم‪.‬‬ ‫‪ 104‬محمد الغزي‪...‬‬ ‫هل أخفت شجرة درويش غابة الشعر الفلسطيني؟‬

‫أدب ونقد ولغة‬ ‫‪12‬‬ ‫‪64‬‬ ‫‪84‬‬ ‫‪86‬‬ ‫‪90‬‬

‫فاروق شوشة‪« ...‬أنور العطار» في رباعياته‬ ‫وظالل أيامه (جمال العربية)‪.‬‬ ‫منير خلف‪ ...‬نسر هو الشعر (قصيدة)‪.‬‬ ‫حسن األمراني‪ ...‬أمطري حيث ِ‬ ‫شئت (قصيدة)‪.‬‬ ‫د‪ .‬أمينة التيتون‪ ...‬الواقعية النقدية وإشكالية التغيير‪.‬‬ ‫محمد صابر عبيد‪ ...‬حداثة القصيدة العربية‪ ...‬إلى أين؟‬ ‫وكالء توزيع العربي ومطبوعاتها‬

‫الكويت‪ :‬شركة اخلليج لتوزيع الصحف واملطبوعات‬

‫الهاتف‪00965-24811666:‬الفاكس‪00965- 24836680:‬‬ ‫لبنان‪ :‬الشركة اللبنانية لتوزيع الصحف ‪00961-1368007‬‬ ‫البريد االلكتروني‪colidi@inco.com.lb :‬‬ ‫البحرين‪ :‬مؤسسة األيام للنشر ‪00973-17617733‬‬ ‫فاكس‪000973-17617744:‬‬ ‫األردن‪ :‬وكالة التوزيع األردنية ‪00962-6535885‬‬ ‫فاكس ‪0096265337733‬‬ ‫قطر‪ :‬شركة دار الشرق ‪00974-44557809/ 11/10‬‬ ‫فاكس ‪00974 44557819‬‬ ‫اإلمارات‪ :‬شركة ابو ظبي لالعالم‬ ‫الهاتف‪ ..971-24145005/6 :‬الفاكس‪00971-24144340 :‬‬ ‫سلطنة عمان‪ :‬مؤسسة العطاء للتوزيع ‪00968-24492936‬‬ ‫‪ -24496748‬فاكس‪00968 24493200 :‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪4/22/15 1:04:55 PM‬‬

‫محمد أنيس مورو‪ ...‬نشر العلوم وتبسيط مصطلحاتها‪...‬‬ ‫تثقيف أم حتريف؟‬ ‫احلمال (قصيدة)‪.‬‬ ‫عبدالناصر عيسوي‪ ...‬ما قاله‬ ‫َّ‬ ‫د‪ .‬محمد رياض العشيري‪ ...‬الكرسي (قصة)‪.‬‬ ‫ع� � ��رض واختيار‪ :‬حامت حاف� � ��ظ‪« ...‬قصص على الهواء»‬ ‫بالتعاون مع إذاعة الـ «‪ »B.B.C‬العربية‪.‬‬ ‫علي عبدالله خليفة‪ ...‬امرأة في ال َبياض (قصيدة)‪.‬‬

‫‪116‬‬

‫د‪ .‬عادل سالم العبداجلادر‪ ...‬قرطاج‬ ‫(حضارات سادت ثم بادت)‪.‬‬ ‫د‪ .‬عادل زيتون‪ ...‬التراث الهندي والثقافة العربية‪.‬‬ ‫د‪ .‬ريتا عوض‪ ...‬تراث ليبيا احلضاري‬ ‫ضحية للنهب والتدمير‪.‬‬ ‫د‪ .‬أحم� � ��د علبي‪ ...‬محم� � ��د عيتان� � ��ي‪ ...‬الرواية األجمل‬ ‫لبيروت العتيقة‪.‬‬ ‫عقيل مهدي‪ ...‬عادل كاظم وفن تشكيل‬ ‫النص املسرحي‪.‬‬

‫فن‬ ‫‪ 130‬د‪ .‬عالء اجلابري‪ ...‬العزف بالكاميرا‬ ‫عند عاطف الطيب‪.‬‬ ‫‪ 136‬رياض حمادي‪ ...‬توظيف احللم في الفانتازيا‪.‬‬

‫علوم‬

‫‪ 146‬محمد سلمان داود‪ ...‬الفئران كواشف حيوية‪.‬‬ ‫‪ 150‬محمد حسام الش� � ��االتي‪ ...‬طرق رفيقة بالبيئة للتخلص‬ ‫من ازدحام األجواء‪.‬‬ ‫‪ 153‬د‪ .‬أحمد ش� � ��عالن‪ ...‬مسألة التخاطر‪ ...‬هل يصل العلم‬ ‫إلى تفسير آلياتها وتقليدها؟‬ ‫السعودية‪ :‬الشركة الوطنية املوحدة للتوزيع‬ ‫الهاتف‪ 0096614871414 :‬فاكس‪0096614870809 :‬‬ ‫فلسطني‪ :‬شركة رام الله للتوزيع والنشر‬ ‫هاتف‪ 00967 022980800- :‬فاكس‪0097022964133 :‬‬ ‫مصر‪ :‬مؤسسة أخبار اليوم ‪00202-25806400‬‬ ‫‪ -25782701‬فاكس ‪00202 25782540-‬‬ ‫السودان‪ :‬دار الريان للثقافة والنشر والتوزيع‬ ‫هاتف‪ 002491 83242702 :‬فاكس‪00249183242703 :‬‬ ‫تونس‪ :‬الشركة التونسية ‪00216-71322499‬‬ ‫فاكس‪00216 71323004 :‬‬ ‫اجلزائر‪ :‬شركة بوقادوم لنقل وتوزيع الصحافة‬ ‫هاتف‪ - 0021331909590 :‬فاكس ‪0021331909328‬‬ ‫املغرب‪ :‬الشركة العربية اإلفريقية ‪00212 - 522249200‬‬ ‫فاكس‪00212 522249214 :‬‬ ‫اليمن‪ :‬القائد للنشر والتوزيع ‪00967 1240883‬‬ ‫فاكس‪00967 1240883 :‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 3-4-5.indd 4‬‬


‫‪ 158‬أحمد مغربي‪ ...‬اجلزائري إلياس الزرهوني‪ ...‬شخَّ ص‬ ‫السرطان وترقق العظام باألشعة‪.‬‬

‫البيت العربي‬

‫‪163‬‬ ‫‪168‬‬ ‫‪170‬‬ ‫‪174‬‬

‫عبدالغني سالمة‪ ...‬الطفولة املعذبة‪.‬‬ ‫محمد ش� � ��عطيط‪ ...‬هل من س� � ��بيل حلماية األسرة من‬ ‫األجهزة احلديثة‪.‬‬ ‫د‪ .‬شيرين محمود‪ ...‬ماهية التوحد‪.‬‬ ‫د‪ .‬موالي املصطفى البرجاوي‪ ...‬اإلبداع والتربية اإلبداعية‪.‬‬

‫طرائف‬

‫ص ‪36‬‬

‫‪ 126‬صالح عبدالستار الشهاوي‪ ...‬طرائف عربية‪.‬‬ ‫‪ 128‬سعيد الكفراوي‪ ...‬طرائف غربية‪.‬‬

‫مكتبة العربي‬ ‫‪ 184‬عرض د‪ .‬نزار العاني‪ ...‬علم الفوضى‬ ‫(من املكتبة العربية)‪.‬‬ ‫‪ 188‬ع� � ��رض‪ :‬محم� � ��د عبدال� � ��رءوف‪ ...‬العل� � ��م ف� � ��ي مجتمع‬ ‫دميقراطي (من املكتبة األجنبية)‪.‬‬ ‫‪ 192‬كتب مختارة‪.‬‬

‫أبواب ثابتة‬ ‫‪7‬‬ ‫‪17‬‬ ‫‪34‬‬ ‫‪179‬‬ ‫‪182‬‬ ‫‪194‬‬ ‫‪202‬‬ ‫‪204‬‬ ‫‪210‬‬

‫عزيزي القارئ‪.‬‬ ‫(كاريكاتير) عبدالوهاب العوضي‪.‬‬ ‫قالوا‪.‬‬ ‫املسابقة الثقافية‪.‬‬ ‫مسابقة التصوير الفوتوغرافي‪.‬‬ ‫املفكرة الثقافية‪.‬‬ ‫وتريات‪.‬‬ ‫عزيزي العربي‪.‬‬ ‫إلى أن نلتقي‪.‬‬

‫العراق‪ :‬شركة الظالل للتوزيع ‪009647704291208 :‬‬ ‫‪80662019 -807742504‬‬‫ليبيا‪ :‬شركة الناشر الليبي هاتف‪:‬‬ ‫‪00218217297779‬‬ ‫فاكس‪00218-217297779 :‬‬ ‫موريتانيا‪ :‬إم‪.‬بي‪.‬سي ‪)222(258-6232‬‬ ‫كندا ‪)416(741-7555 SPEED IMPEX‬‬ ‫باكستان‪ :‬براديس يوك ‪0092214314981/2‬‬ ‫أمري ��كا‪-3065 MEDIA MARKETING :‬‬ ‫‪001-718-786‬‬ ‫إيطاليا‪ :‬إنتركونتيننتال ‪)39026(707-3227‬‬ ‫إجنلترا‪ :‬مؤسسة األهرام الدولية‬ ‫‪00442073883130‬‬ ‫;‪ Universal press‬هاتف ‪00442087499828‬‬ ‫فاكس‪00442087493904 :‬‬

‫الفهرس‬ ‫‪4/22/15 1:05:04 PM‬‬

‫ص ‪66‬‬

‫ص ‪153‬‬ ‫االشتراكات‬ ‫قيمة االشتراك السنوي > داخل الكويت ‪ 8‬د‪.‬ك > الوطن العربي ‪ 8‬د‪.‬ك أو ‪ 30‬دوالرا‬ ‫> باقـي دول العالم ‪10‬د‪.‬ك أو مايعادلها بالدوالر االمريكي أو اليورو األوربي‬ ‫> ترسل قيمة االشتراك مبوجب حوالة مصرفية أو شيك بالعمالت املذكورة باسم وزارة‬ ‫اإلعالم على عنوان املجلة‪.‬‬ ‫‪Subscription: All Countries $ 40 or The Equivalent‬‬

‫ثـمن النسـخـة‬ ‫الـكـويـت ‪ 500‬فلـس‪ ،‬األردن ‪ 500‬فلـــس‪ ،‬البحـــريـــن ‪ 500‬فلـــس‪ ،‬مــصــر ‪ 1.25‬جنيــه‪ ،‬الـســـــودان ‪,500‬‬ ‫جني�� ��ه‪ ،‬مـوريتـانـــيا ‪ 120‬أوقيـــة‪ ،‬تــــونــــس دينار واحـد‪ ،‬اجلـــــزائــر ‪ 80‬ديـنـارا‪ ،‬الـس� � �عـوديـــة ‪ 7‬ريـــاالت‪،‬‬ ‫الـيـمـــــــن ‪ 70‬ريـــاال‪ ،‬قــطـــر ‪ 7‬ريـــاالت‪ ،‬سلطنـة عمـان ‪ 500‬بيسـة‪ ،‬لــبــنـان ‪ 2000‬لـيرة‪ ،‬سورية ‪ 30‬لـيرة‪،‬‬ ‫اإلمارات ‪ 7‬دراهم‪ ،‬الـمـغـرب ‪ 10‬دراهم‪ ،‬لـيـبــيـا ‪ 500‬درهـم‪ ،‬العراق ‪ 50‬سنتاً‬ ‫‪Iran 4000 Riyal, Pakistan 75 Rupees, UK 2.5 Pound, Italy 2 ,‬‬ ‫‪France 2‬‬ ‫‪, Austria 2‬‬ ‫‪, Germany 2‬‬ ‫‪, USA 2$, Canada .4.25 CD‬‬

‫‪5‬‬

‫‪may 3-4-5.indd 5‬‬


ó©H á«fÉK ájƒÄe ƒëf É©e

ôµØdG ÉjÉ°†b ‘ ájó≤fh á«∏«∏– AGQBG .ô°UÉ©ŸG »eÓ°SE’G äÉYƒ°Vƒe ∫hÉ``æ``J ‘ »é¡æe ó``jó``Œ .á«eÓ°SE’G áaÉ≤ãdG º¡°ùJ QɵaCGh äÉMhôWCG ™e Oóéàe AÉ≤d .á«HOC’Gh á«aÉ≤ãdGh ájôµØdG ᫪æàdG ‘ π°UGƒàd ájƒÄŸG É¡à£ RÉàŒ ó```aGhQ ΩÓbCG ∫ÓN øe õ«ªàŸG »ª∏©dG ÉgAÉ£Y »Hô©dG ⁄É©dÉH ‘É≤ãdG ´ƒæàdG ¤EG »ªàæJ .»eÓ°SE’Gh

         

d G πª©

°SE’

»eÓ



4h\UeUZU

may 6.indd6 6 jan 6.indd

«ŸÉY G‘É

! "#$%

dG

IOÉjô

h\UeUZU%

e,h\UeUZU

($,),')-4B$'#

h\UeUZU4]g`Ua"[cj"_k

4/22/15 AMAM 12/11/148:33:44 8:28:15


‫عزيزي‬

‫القارئ‬ ‫قوة الذاكرة‬ ‫تتبدى قوة الذاكرة في استنطاق التاريخ‪ ،‬سواء كان ذلك تاريخ األمم واملدن‪ ،‬أو‬ ‫تاريخ البشر ومنتجهم احلضاري‪.‬‬ ‫في هذا العدد من مجلة العربي إبحار في مدار الذاكرة التي تستثير فينا قراءة‬ ‫املاضي بعيون احلاضر‪ ،‬وأفق املس� � ��تقبل‪ ،‬ويبدو ذلك جلياً في استطالع «موزاييك‬ ‫قرط� � ��اج‪ ...‬من تونس إلى بن� � ��زرت»‪ ،‬وإضاءة من زاويتني ألس� � ��طورة قرطاج التي‬ ‫درس هو أن الفعل احلضاري‬ ‫يرويها باب «حضارات س� � ��ادت ثم ب� � ��ادت»‪ ،‬ليتكرس ٌ‬ ‫ال يُطمس‪ ،‬حتى إن ضاعت أو تهدمت بعض ش� � ��واهده‪ .‬فالتزال أسطورة األميرة‬ ‫الفينيقية «عليس� � ��ة» تتجدد تاريخياً‪ ،‬لتؤكد قدرة اإلنس� � ��ان عل� � ��ى البناء‪ ،‬والنجاة‬ ‫بحضارته‪ ،‬وقد كانت أرض الله واس� � ��عة‪ ،‬فهاجرت من صور إلى الساحل التونسي‬ ‫لتبني مجداً امتد إلى معظم شواطئ املتوسط‪.‬‬ ‫وهي الذاكرة التي تس� � ��تعيد اآلثار الليبية‪ ،‬فت� � ��رى كيف أصبحت ضحية للنهب‬ ‫والتدمير‪ ،‬من قبل أعداء احلضارة‪.‬‬ ‫وتُلح الذاكرة ‪ -‬كذلك ‪ -‬مستنطقة الفعل املقاوم‪ ،‬حتى ولو بالقول‪ ،‬كما تعرضه‬ ‫دراس� � ��تان عن وجهي الشعر الفلس� � ��طيني؛ محمود درويش وسميح القاسم‪ ،‬وهذا‬ ‫يؤك� � ��د أن حرث الذاكرة يزيد املعن� � ��ى قوة‪ ،‬وأن وجوهاً جدي� � ��دة للحقيقة‪ ،‬األدبية‬ ‫والفنية‪ ،‬تتجلى باس� � ��تعادة هذه الذاكرة‪ ،‬لتتحول معها النكبة إلى درس مس� � ��تفاد‪،‬‬ ‫لتجاوز الهدم إلى البناء‪.‬‬ ‫وما دمنا نتحدث عن البناء‪ ،‬فإننا نؤكد ما جاء في حديث الشهر‪ ،‬الذي يرصد‬ ‫تخلُّ� � ��ف معظم الدول العربية ف� � ��ي مضمار التقدم العلمي‪ ،‬ضم� � ��ن أبواب أخرى‪،‬‬ ‫وه� � ��و تخلُّف يعكس ذاكرتنا املثقوبة‪ ،‬التي لم تأخذ بأس� � ��باب تقدم بها األولون في‬ ‫احلضارة اإلس� �ل��امية‪ ،‬فبزوا أقرانهم‪ ،‬ولكن ذاكرتنا الضعيفة ال تستضيء بهؤالء‪،‬‬ ‫ومنهاجهم في احلياة‪.‬‬ ‫بإيجاز‪ ،‬ليس� � ��ت الذاكرة مجرد بكاء عل� � ��ى أطالل‪ ،‬وإمنا تكمن قوتها في أن تكون‬ ‫مشع ً‬ ‫ال يضيء ما أظلم في الواقع‪ ،‬ومثاالً مثالياً يُتَّبع‪ ،‬ملن يريد أن يبني املستقبل‪.‬‬ ‫لنحفظ ذاكرتنا‪ ،‬ففيها جينات تاريخنا‪ ،‬بدروس� � ��ه وعبره‪ ،‬وفيها كذلك ش� � ��جون‬ ‫متيز إنسانيتنا‪.‬‬ ‫العربي‬

‫عزيزي القارئ‬ ‫‪4/22/15 8:34:15 AM‬‬

‫‪7‬‬

‫‪apr 7.indd 7‬‬


‫ ‬

‫حديث الشهر‬

‫بناء الدولة‬ ‫د‪ .‬عادل سالم العبدالجادر‬ ‫عن���د بن���اء الدول���ة‪ ،‬أي دول���ة‪ ،‬تنص���ب العناي���ة عل���ى وض���ع نظ���م لبن���اء‬ ‫المؤسس���ات فيه���ا‪ ،‬انطالق��� ًا من حاج���ات الش���عب اإلنس���انية والتنموية‪.‬‬ ‫ويتصدر الحاجات اإلنسانية للشعب الصحة واإلسكان‪ ،‬كما يأتي التعليم‬ ‫ّ‬ ‫على رأس قمة هرم الحاجات التنموية‪.‬‬ ‫إن التعلي���م حاجة ضرورية للف���رد والمجتمع والدولة‪ ،‬وهو الس���بيل لحياة‬ ‫ّ‬ ‫مس���تقرة ف���ي مواجه���ة جمي���ع الصعوب���ات‪ ،‬وتن���وع العل���وم بمجم���وع‬ ‫ممتهنيها في أي مجتمع‪ ،‬عبارة عن مقياس التقدم فيها‪.‬‬

‫إن تدن� � ��ي اخلدم� � ��ات الصحي� � ��ة والتعليمية في‬ ‫معظم دولن� � ��ا العربية واضح كوضوح الش� � ��مس في‬ ‫صح� � ��و النهار‪ .‬والس� � ��بب ف� � ��ي ذلك يُع� � ��زى للنظام‬ ‫اإلداري واملال� � ��ي والقوانني املنظمة لتلك اخلدمات‪،‬‬ ‫م� � ��ا يجع� � ��ل للفس� � ��اد دوراً فاع ً‬ ‫ال في نخ� � ��ر الهياكل‬ ‫واألبنية واملنش� � ��آت‪ ،‬ليلقي ذلك ظلّه على األجساد‬ ‫والنف� � ��وس واألرواح‪ ،‬األمر الذي ي� � ��ؤدي إلى حت ّرك‬ ‫القط� � ��اع اخلاص في تق� � ��دمي اخلدم� � ��ات الصحية‬ ‫والتعليمية للمواطن� �ي��ن القادرين على دفع التكاليف‬ ‫املالية من أجل األفضل‪.‬‬ ‫ال مترفاً‬ ‫م� � ��ن هنا ب� � ��دأت اخلدمات تأخذ ش� � ��ك ً‬ ‫ومرفهاً‪ ،‬ورمبا يكون متميزاً بعض الش� � ��يء‪ .‬وإذا ما‬ ‫أن القطاع اخلاص في مثل هذه األمور يهدف‬ ‫أدركنا ّ‬ ‫إلى الربح املادي أوالً‪ ،‬فإننا نتبني بشكل ال يدع للشك‬ ‫أن مثل هذا الربح ينعكس بصورة أو بأخرى‬ ‫مكان � � �اً ّ‬ ‫على السلوك العام ألخالق املعلم والتلميذ والطبيب‬ ‫واملريض على الس� � ��واء‪ ،‬ورمبا ال تكون اخلدمة بقدر‬ ‫األم� � ��ل املراد‪ ،‬حينها تتردى األم� � ��ور لتكون «صفقة»‬ ‫‪8‬‬

‫‪4/22/15 8:34:59 AM‬‬

‫ب� �ي��ن الطرفني‪ .‬وف� � ��ي هذه احلالة ن� � ��رى كل قوانني‬ ‫ضبط القواع� � ��د املنظمة للتعلي� � ��م والصحة تتهاوى‬ ‫أم� � ��ام املصلحة‪ ،‬فما بالك إن دخلت في هذا اإلطار‬ ‫شركات التأمني أو ش� � ��ركات الكسب السريع‪ .‬وفي‬ ‫بع� � ��ض الدول العربية الغني� � ��ة نفاجأ بخلل فادح في‬ ‫تقدمي اخلدمات الصحي� � ��ة والتعليمية‪ ،‬على الرغم‬ ‫من توافر جمي� � ��ع مقومات النجاح‪ ،‬ويرجع ذلك إلى‬ ‫مناه� � ��ج التعليم أو إلى اخلدمات الطبية املس� � ��اندة؛‬ ‫إدارة وصيان� � ��ة أجهزة وخدم� � ��ات متريض‪ .‬ولنأخذ‬ ‫ك ً‬ ‫ال على حدة‪ :‬ينقس� � ��م التعليم إلى جزأين‪ :‬ولنطلق‬ ‫ً‬ ‫عليهما مجازا‪« :‬أدبي» و«علمي»‪ ،‬أما األدبي فيقترن‬ ‫بعلوم اللغ� � ��ة والدين والعل� � ��وم االجتماعية والفنون‪،‬‬ ‫ويأتي العلمي ليش� � ��مل علوم الرياضيات والهندسة‬ ‫والفيزياء والكيمياء واألحياء‪ ،‬وكل له تفريعاته التي‬ ‫تتناولها املراحل الدراس� � ��ية تباعاً‪ .‬ويأتي اخللل في‬ ‫مناه� � ��ج التعليم العربية من ناحيت� �ي��ن‪ :‬عدم مواكبة‬ ‫االكتش� � ��افات احلديثة للعلوم‪ ،‬من الكون إلى الذرة‪،‬‬ ‫فال نزال بداي ًة ندرس لطالبنا املجموعة الشمسية‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 8-11.indd 8‬‬


‫بناء الدولة‬ ‫‪4/22/15 8:35:03 AM‬‬

‫‪9‬‬

‫‪may 8-11.indd 9‬‬


‫على صعيد الدراسات األدبية‬ ‫ال يزال تدريس اللغة العربية‬ ‫يسبب قلق ًا كبير ًا عند‬ ‫واضعي المناهج والمدرسين‬ ‫والدارسين‪ ،‬وننتظر الحين‬ ‫الذي يتكلم به الطلبة العرب‬ ‫لحن‬ ‫لغتهم دون‬ ‫ٍ‬

‫بكواكبها املعدودة‪ ،‬وننتهي بترس� � ��يخ كفر من يعتقد‬ ‫باالنفج� � ��ار العظيم ‪ ،the Big Bang‬وندحض نظرية‬ ‫التط� � ��ور لدارون‪ ،‬وهي مج� � ��رد نظرية‪ ،‬من غير علم‬ ‫أو بحث أو حتى منطق س� � ��ليم نعلمه للتالميذ‪ .‬لقد‬ ‫كان� � ��ت املفاج� � ��أة صادمة لي عند حض� � ��وري إحدى‬ ‫مسابقات العلوم (أوملبياد العلوم) التي تقيمها سنوياً‬ ‫منظمة اليونيسكو لطلبة دول العالم‪ ،‬ومعظمها دول‬ ‫بأن ترتيب الدول العربية املش� � ��اركة‬ ‫العالم النامي‪ّ ،‬‬ ‫في هذه املس� � ��ابقة غالباً ما يكون في ذيل القائمة‪.‬‬ ‫وعن� � ��د إعداد تقريري حول هذا املوضوع اكتش� � ��فت‬ ‫أن مناه� � ��ج العل� � ��وم الت� � ��ي تدرس‬ ‫ّ‬ ‫لطلبتن� � ��ا العرب ق� � ��د انتهى‬ ‫العم� � ��ل بها من� � ��ذ فترة‬ ‫طويلة‪ .‬يقول محدثي‬ ‫من اليونيس� � ��كو إن‬ ‫الوالي� � ��ات املتحدة‬ ‫األمريكي� � ��ة ق� � ��د‬ ‫أنفق� � ��ت خمس� � ��ة‬ ‫ملي� � ��ارات دوالر‬ ‫على تغيير وتعديل‬ ‫مناه� � ��ج الفيزي� � ��اء‬ ‫‪10‬‬

‫‪4/22/15 8:35:07 AM‬‬

‫ملرحلة التعليم ما قبل اجلامعي ‪ ،high School‬بينما‬ ‫أنفقت اململكة املتحدة البريطانية ثالثة مليارات جنيه‬ ‫إسترليني للغرض نفس� � ��ه‪ .‬ومن يومها وأنا أتساءل‪:‬‬ ‫مل� � ��اذا ال تؤخذ تلك املناه� � ��ج ومثيالتها‪ ،‬باالتفاق مع‬ ‫تلك الدول‪ ،‬كما هي‪ ،‬أو تترجم إلى العربية وتدرس‬ ‫في مدارس� � ��نا؟ أليس القائمون على مناهج التعليم‬ ‫ف� � ��ي بالدنا أدرى بذلك؟ إن كانوا يدرون وال يعملون‬ ‫فتلك مصيبة‪ ،‬وإن كانوا ال يعلمون فاملصيبة أعظم‪،‬‬ ‫حيث م� � ��ا تزال مناهج طلبتنا ف� � ��ي الفيزياء تقتصر‬ ‫على قوانني الض� � ��وء والصوت وعلوم احلركة‪ ،‬ومثل‬ ‫ذل� � ��ك كثير من نظريات العلوم وطرق تدريس� � ��ها قد‬ ‫ح ّل علي� � ��ه التبديل والتغيير والتعديل والتطوير‪ .‬أما‬ ‫على صعيد الدراس� � ��ات األدبية ف� �ل��ا يزال تدريس‬ ‫اللغة العربية يسبب قلقاً كبيراً عند واضعي املناهج‬ ‫واملدرسني والدارس� �ي��ن‪ ،‬وننتظر احلني الذي يتكلم‬ ‫حلن أو ركاكة‪ ،‬فهاهم‬ ‫فيه الطلبة العرب لغتهم دون ٍ‬ ‫ً‬ ‫طلبة اجلامعات العربية يفاجئونني دائما بأخطائهم‬ ‫اإلمالئية‪ ،‬بعد أن غضضت النظر عن قواعد اللغة‬ ‫للج َمل‪ ،‬حتى غدت بعض جملهم‬ ‫والتركيب اإلنشائي ُ‬ ‫تتجاوز ثالثة وأربعة أسطر‪ ،‬دون فواصل أو نقاط‪.‬‬ ‫أم� � ��ا املناهج الدينية واالجتماعية‪ ،‬فح ّدث وال حرج‪،‬‬ ‫وكأن واضع� � ��ي املناهج زمرة لم تس� � ��افر أو تختلط‬ ‫بالعالم احلديث واملتقدم‪.‬‬ ‫في السنوات األخيرة من القرن املاضي‪ ،‬أي قبل‬ ‫بداية األلفية الثالثة للميالد‪ ،‬جند أن مدارس الدول‬ ‫العربية بال استثناء قد جعلت في مناهجها هامشاً‬ ‫والفن‪ ،‬موسيقى ورسماً‬ ‫ترفيهياً دراس� � ��ياً‪ ،‬للرياضة‬ ‫ّ‬ ‫ومتثي ً‬ ‫ال‪ .‬وعلى الرغم من علو س� � ��قف احلريات في‬ ‫هذا القرن اجلديد‪ ،‬ومع عصر‬ ‫العوملة‪ ،‬بدأ هذا الهامش يضيق‬ ‫في مدارس� � ��نا ش� � ��يئاً فشيئاً‪،‬‬ ‫فضاق� � ��ت ب� � ��ه إذاعاتن� � ��ا‬ ‫ومس� � ��ارحنا ودولن� � ��ا‬ ‫العربي� � ��ة‪ ،‬حتى ع ّده‬ ‫البع� � ��ض حرام � � �اً‪،‬‬ ‫وجت� � ��اوز البعض‬ ‫فع ّده عيباً وعاراً‪.‬‬ ‫إن محصلة قولنا‬ ‫ّ‬ ‫السابق تؤكد فكرة‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 8-11.indd 10‬‬


‫حديث الشهر‬ ‫العم� � ��ل على صوغ مناه� � ��ج تربوية‪ ،‬علمي� � ��ة وأدبية‪،‬‬ ‫تتوافق وتتماش� � ��ى مع روح العص� � ��ر والتقدم العلمي‬ ‫الهائل في ش� � ��تى املجاالت‪ ،‬ومن ثم الربط بني تلك‬ ‫املناه� � ��ج‪ ،‬بعضها ببع� � ��ض‪ ،‬مبا يتناس� � ��ب والقدرات‬ ‫احلقيقي� � ��ة للطالب املتلق� � ��ي من ناحي� � ��ة‪ ،‬والفائدة‬ ‫املرجوة للمجتمع والدول� � ��ة من املخرجات التعليمية‬ ‫من ناحية أخرى‪.‬‬ ‫إنن� � ��ا عندما نتناول كيفية اس� � ��تمرار واس� � ��تقرار‬ ‫أنظم� � ��ة الدولة نالحظ تقدمي منظومة فاعلة لس� � ��د‬ ‫احلاجات األولية للش� � ��عب وتفضيلها كأولوية عن ما‬ ‫سواها‪ ،‬كما نالحظ أ ّن انهيار كثير من أنظمة الدول‬ ‫يكون غالباً بسعي تلك الدول إلى تأصيل ممارسة دور‬ ‫الس� � ��لطات كحاجة أو أولوية تأتي مبرتبة الضرورة‪،‬‬ ‫مبعنى أن حاجة الشعوب إلى الصحة والتعليم تأتي‬ ‫قبل متكني السلطات الثالث‪ ،‬التشريعية والقضائية‬ ‫والتنفيذية‪ ،‬من ممارسة دورها املناط بها في مزاولة‬ ‫صالحياته� � ��ا‪ ،‬األمر الذي يجعلنا نتس� � ��اءل عن مدى‬ ‫حاجة ش� � ��عب جاهل مريض لدس� � ��تور وقوانني تقيد‬ ‫حركته املريضة وتفرض على جهله علماً مرجواً‪ .‬لذا‪،‬‬ ‫فمقولة أن األنظمة تنش� � ��أ أساساً خلدمة اإلنسان‬ ‫ومجتمعه في الدولة أصدق من مقولة خدمة اإلنسان‬ ‫لألنظمة في دولته‪ ،‬وإمنا يأتي النظام لتسيير حياة‬ ‫اإلنس� � ��ان بالعدل إلى األفضل‪ ،‬فإذا كان هذا النظام‬ ‫قيداً فال ب ّد له أن ينكسر‪ ،‬ويكون الفرد مسؤوالً عن‬ ‫وضع نظام جديد يتماشى مع التقدم والواقع‪ .‬هناك‬ ‫أمران مهمان‪ ،‬على أي دولة وليدة مراعاتهما‪ :‬األول‬ ‫هو االس� � ��تعانة مبواطنيها في بن� � ��اء الدولة‪ ،‬والثاني‬ ‫هو االعتماد على ثروات الب� �ل��اد الطبيعية وتنميتها‬ ‫من خ� �ل��ال الصناعة‪ .‬وإذا ظ� � � ّ�ن البعض أ ّن الثروات‬ ‫الطبيعية كفيلة باس� � ��تمرار حياة الرغد والرفاه فهذا‬ ‫ظن فاس� � ��د منطقاً وواقعاً‪ ،‬حيث إ ّن هذا الس� � ��لوك‬ ‫ّ‬ ‫شبيه بسياسة «تسمني العجول» التي تستهلك أقـــل‬ ‫كثيراً مم� � ��ا يؤخذ منها‪ ،‬ومآلها األخي� � ��ر هو الذبــح‪،‬‬ ‫ليُؤكل ويُســــتغ ّل ك ّل ما فيها‪.‬‬ ‫ولعلك أيها القارئ الكرمي تشاركني الرأي في أ ّن‬ ‫الثروة احلقيقية للدول هي مواردها البشرية‪ ،‬أفراد‬ ‫الش� � ��عب نفس� � ��ه‪ ،‬إذ كلما زادوا علماً وأخالقاً زادت‬ ‫بلدانهم علواً وس� � ��مواً‪ .‬إ ّن التنمي� � ��ة احلقيقية للدولة‬ ‫تبدأ بتنمية اإلنس� � ��ان‪ ،‬فهي من أثقل الصناعات كما‬ ‫بناء الدولة‬ ‫‪4/22/15 8:35:09 AM‬‬

‫إن التنمية الحقيقية للدولة‬ ‫ّ‬ ‫تبدأ بتنمية اإلنسان‪ ،‬فهي‬ ‫من أثقل الصناعات كما‬ ‫قال أحدهم‪ ،‬وبالتخلص من‬ ‫التبعية االقتصادية لألجنبي‪،‬‬ ‫بتحولها من اإلنتاج البدائي‬ ‫إلى اإلنتاج التصنيعي‬

‫ق� � ��ال أحدهم‪ ،‬وبالتخل� � ��ص من التبعي� � ��ة االقتصادية‬ ‫لألجنب� � ��ي‪ ،‬بتحولها من اإلنت� � ��اج البدائي إلى اإلنتاج‬ ‫التصنيعي‪ ،‬الذي يكفل توزيـــــع اليد العاملة والعقول‬ ‫الفاعلة على كل القطاعات االقتصادية‪ ،‬األمر الذي‬ ‫يحت� � ��م على الدول� � ��ة واملواطن التخلص م� � ��ن التبعية‬ ‫السياس� � ��ية واالجتماعية للدي� � ��ن والطائفة واملذهب‬ ‫أو القبيلة والعش� � ��يرة‪ .‬ولعلّنا ندرك أ ّن مجافاة العمل‬ ‫في إط� � ��ار منظومة فكرية كاملة قد أوقعت كثيراً من‬ ‫الدول النامية في فخّ الفوضى والفس� � ��اد‪ ،‬ومناهضة‬ ‫هذه املنظومة ليس� � ��ت س� � ��وى صرخات نشاز تطلب‬ ‫احلرية‪ ،‬أو حش� � ��رجات جائعني‪ ،‬أو على صعيد آخر‬ ‫كانت تقيؤات مترفني تطلب التغيير ملللها من الواقع‪.‬‬ ‫ال يج� � ��وز رفض الواقع دون تهيئة خطة عمل منهجية‬ ‫ملنظومة متكاملة من جمي� � ��ع عناصر التقدم والبناء‪،‬‬ ‫ولتك� � ��ن كل البدايات من منطل� � ��ق اإلصالح ال الهدم‪،‬‬ ‫دون تعري� � ��ض مصير الوط� � ��ن ملقادير األح� � ��وال‪ .‬إ ّن‬ ‫الفش� � ��ل الذي واجه ثورات الربي� � ��ع الـــــعربي أتى من‬ ‫ع� � ��دم التخطيط املك� �ي��ن لبناء الدول� � ��ة املأمولة‪ ،‬فما‬ ‫زادتهم الثورة إال دماراً! نس� � ��أل الله أن مينح شعوب‬ ‫العالم العربي أمناً واس� � ��تقراراً‪ ،‬وتعود إليهم بلدانهم‬ ‫أكثر جماالً وعماراً >‬ ‫‪11‬‬

‫‪may 8-11.indd 11‬‬


‫جمال العربية‬

‫«أنور العطار»‬ ‫في رباعياته وظالل أيامه‬ ‫فاروق شوشة‬ ‫عامي ‪ 1913‬و‪ 1972‬ول��د وع��اش الشاعر السوري‬ ‫بين‬ ‫ْ‬ ‫الكبير أن���ور ال��ع��ط��ار‪ ،‬أح��د األص���وات الشعرية البارزة‬ ‫في سورية من أبناء جيله ال��ذي‬ ‫يضم ب��دوي الجبل‬ ‫ّ‬ ‫وعمر أبوريشة‪ .‬وإن كان لم تُتح له شهرتهما ودوران‬ ‫شعرهما على األل��س��ن��ة واألق��ل�ام‪ ،‬بسبب طبيعته‬ ‫االنعزالية وابتعاده عن المشاركة في صخب الحياة‬ ‫وال���ن���اس‪ ،‬مكتف ًيا ب��ن��ش��ر ق��ص��ائ��ده ف��ي ال��ع��دي��د من‬ ‫المجالت األدبية‪ ،‬وفي مقدمتها مجلة «الرسالة» التي‬ ‫كان يصدرها األديب الكبير أحمد حسن الزيات‪.‬‬

‫يقول الزيات عن العطار‪« :‬سورية التي أجنبت‬ ‫أبا متام والبحتري واملتنبي وأبا فراس احلمداني‬ ‫وأب� � ��ا الع� �ل��اء املع� � ��ري‪ ،‬ال ت� � ��زال تل� � ��د املوهوبني‬ ‫م� � ��ن عباقرة الف� � ��ن والفكر‪ ،‬لم تعق� � ��م بهم في أي‬ ‫زمن‪ ،‬ومن بينهم ش� � ��اعرها ‪ -‬غير ُمدا َفع ‪ -‬أنور‬ ‫العطار‪ .‬وأصدقاء «الرس� � ��الة» ال يزالون يجدون‬ ‫ف� � ��ي ذاكرتهم حالوة ما نعموا ب� � ��ه من روائع أدبه‬ ‫طوال عشرين س� � ��نة‪ .‬ومتتعنا مبا أنشده صاحب‬ ‫«ظ� �ل��ال األيام» من ش� � ��عر لم يقع ف� � ��ي أذني مثله‬ ‫منذ رحيل ش� � ��وقي‪ .‬وأنا أعرف من نفس� � ��ي أني‬ ‫بطيء التأثر بالش� � ��عر والغناء‪ ،‬فال يهزني منهما‬ ‫إال الرائ� � ��ع العالي الطبقة‪ ،‬ف� � ��إذا طربت ملا صور‬ ‫العط� � ��ار من وجوه األرض ومجال� � ��ي الطبيعة في‬ ‫قصائده الغ ّر مثل‪ :‬الوادي ولبنان ودمشق وبردى‬ ‫واخلريف واملساء والظهيرة والبنفسجة‪ ،‬فالفضل‬ ‫للشعر الذي ميلك الشعور‪ ،‬وللشاعر الذي يُنطق‬ ‫‪12‬‬

‫‪4/22/15 1:08:29 PM‬‬

‫السوري‬ ‫احلجر‪ .‬وأدب العطار مث ٌل صادق لألدب‬ ‫ّ‬ ‫احلديث‪ ،‬وأكثر الصفات البالغية انطبا ًقا عليه‪:‬‬ ‫اجلزالة والسالمة والوضوح»‪.‬‬ ‫والفضل البن الش������اعر‪ :‬هان������ي أنور العطار‬ ‫ال������ذي ك َّرس جهده لتحقيق تراث أبيه ‪ -‬ش������ع ًرا‬ ‫ونث ًرا ‪ -‬ونش������ره‪ ،‬وجعله ف������ي متناول قارئ هذا‬ ‫الزمان‪ ،‬الذي فاته متابعة إبداعاته وبخاصة في‬ ‫سنوات جتليه وتدفقه وغزارته في األربعينيات‬ ‫واخلمسينيات من القرن املاضي‪.‬‬ ‫متاحا لقارئ������ه اآلن مجلدان‬ ‫وهك������ذا أصبح‬ ‫ً‬ ‫كبي������ران من ش������عر أن������ور العطار هم������ا «ظالل‬ ‫األيام» و«رباعيات علمتني احلياة» مت حتقيقهما‬ ‫ونش������رهما ف������ي عام������ي ‪ 2013‬و‪ ،2015‬بداي ًة‬ ‫لنش������ر كل الت������راث الضخم لهذا الش������اعر ومن‬ ‫بينه‪ :‬البواكير‪ ،‬ووادي األحالم‪ ،‬والنهر الشاعر‪،‬‬ ‫واللي������ل املس������حور‪ ،‬وربيع بال أحب������ة‪ ،‬ومنعطف‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 12-16.indd 12‬‬


‫«أنور العطار» في رباعياته وظالل أيامه‬ ‫‪4/22/15 8:38:39 AM‬‬

‫‪13‬‬

‫‪may 12-16.indd 13‬‬


‫النهر‪ ،‬باإلضاف������ة إلى آثاره النثرية وكتاباته عن‬ ‫شوقي ومحمد إقبال وطاغور ومي زيادة‪ ،‬وقبل‬ ‫هذا كلّه مس������رحيتاه الش������عريتان املخطوطتان‪:‬‬ ‫«آخر مل������وك العرب في األندل������س (أبوعبدالله‬ ‫الصغير)» و«مصرع أبي فراس احلمداني»‪.‬‬ ‫والباحث عن جمال العربية في ش������عر أنور‬ ‫العطار س������يصافحه عطر هذه اللغة الش������عرية‬ ‫التي أتيح لها أن تكون مس������بوكة بصياغة أدبية‬ ‫�����س‪ ،‬جي������دة الصنعة (كما‬ ‫متمكن������ة‪ ،‬عالية احل� ّ‬ ‫يق������ول ابنه عن������ه في تقدميه لش������عره)‪ .‬ذلك أن‬ ‫فتنة اللغة املتألقة وغوايتها ملم ٌح بارز في شعر‬ ‫املدرسة الش������عرية الش������امية‪ ،‬التي تنتسب إلى‬ ‫الشام باملعنى الكبير الذي يشمل سورية ولبنان‪،‬‬ ‫والتي تضم في رحابتها األخطل الصغير بشارة‬ ‫اخلوري وأمني نخلة وس������عيد عقل من ش������عراء‬ ‫لبن������ان‪ ،‬وصوالً إل������ى نزار قباني وش������عراء جيله‬ ‫في س������ورية‪ ،‬الذين حلقوا بهذه اللغة الش������عرية‬ ‫إلى آفاق ل������م تكن معهودة من قب������ل‪ ،‬ومذاقات‬ ‫تف������ َّرد بها كل منهم‪ ،‬وإن كان الطابع األساس������ي‬ ‫لهم يظ������ل مختب ًئا حتت عباءة األناقة‪ ،‬وجتليات‬ ‫اللغ������ة‪ ،‬وانطالقات اخليال والفكر إلى آفاق بال‬ ‫حدود‪ .‬يقول أنور العطار في قصيدته «ربيع بال‬ ‫أحب������ة» التي يقدم لها به������ذه الكلمات‪« :‬الربيع‪:‬‬ ‫ربيع الشباب وربيع األحباب‪ ،‬فإذا و ّليا عن املرء‬ ‫و ّلى كم������ا يقول أبوالطيب املتنب������ي‪ ،‬وحني يعود‬ ‫الربيع واألحبة ل ًقى في القبور‪ ،‬ال تصدح الطيور‬ ‫ولكنها تنوح‪ ،‬وال يضحك الندى في أعني الزهر‬ ‫ّ‬ ‫تخضل بالدم������وع‪ ،‬وال ّ‬ ‫تدف الريح‬ ‫ولكنم������ا عينه‬ ‫ّ‬ ‫حتف أوراق األشجار ولكنها‬ ‫ولكنها تنتحب‪ ،‬وال‬ ‫تصطخب‪ ،‬وال ّ‬ ‫ترف الطبيعة ولكنها تكتئب»‪.‬‬ ‫ثم يقول أنور العطار‪:‬‬ ‫األحباء‬ ‫ع ��اد ال��رب �ي��ع وم ��ا ع ��اد‬ ‫ُ‬ ‫أنداء‬ ‫�داء‬ ‫�‬ ‫ن‬ ‫األ‬ ‫وال‬ ‫ال الزهر زه� ٌ�ر‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫مبرحة‬ ‫ك��ان��وا ب��ه أم��س أش��واق � ًا ّ‬ ‫�داء‬ ‫�‬ ‫ص‬ ‫وأ‬ ‫لام‬ ‫وال �ي��وم ه��م فيه أح�‬ ‫ُ‬ ‫هامسة‬ ‫مات الهوى فيه إال همس‬ ‫ٍ‬ ‫وأبهاء‬ ‫ل �ه��ا األض ��ال ��ع س��اح��ات‬ ‫ُ‬ ‫فيا ربيع ال�ه��وى الزل��ت مؤتلق ًا‬ ‫ُّ‬ ‫واملاء‬ ‫يرف فيك الشذى والزهر‬ ‫ُ‬ ‫‪14‬‬

‫‪4/22/15 8:38:43 AM‬‬

‫ل�ق�ي��ت ف �ي��ك أح �ب��ائ��ي وظلّلني‬ ‫وأفياء‬ ‫من سرحة احل� ّ�ب أحناء‬ ‫ُ‬ ‫عة‬ ‫أب �ي� ُ�ت أرف�� ُ�ل ف��ي ب�ش��ر وف��ي َد ٍ‬ ‫غناء‬ ‫ليست ت��زول‪ ،‬ودنيا احل��ب‬ ‫ُ‬ ‫ته‬ ‫إذا الصباح ت��راءى ف��ي محفَّ ِ‬ ‫صباحي من‬ ‫أغنى‬ ‫أضواء‬ ‫مرآك‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫وإن أط��لّ مسائي واج� ً�م��ا َب ِر ًما‬ ‫بيضاء‬ ‫َجلتْهُ منك ي� ٌ�د للحسن‬ ‫ُ‬ ‫فأنت لي فرحة الدنيا وزينتُ ها‬ ‫وإمساء‬ ‫م��ا ع��اود ال�ع�ين إص�ب��اح‬ ‫ُ‬ ‫وأن� � ِ�ت أن � ِ�ت أح��ادي �ث��ي وأخيلتي‬ ‫�داء‬ ‫وذك��ري��ات��ي‪ ،‬وأن � ِ�ت ال� ُ�ب� ْ�ر ُء وال � ُ‬ ‫هذا النفس الشعري الهادئ املتئد‪ ،‬وهذا التدفق‬ ‫التعبيري في يُسر وسالسة‪ ،‬وهذا الوجد بالطبيعة‬ ‫اخلارجية والذوبان فيها ‪ -‬معادالً ومكاف ًئا لطبيعة‬ ‫النفس والروح ‪ -‬هي عناصر أساس� � ��ية تطالعنا في‬ ‫كثير من إبداعات أنور العطار‪ ،‬اس� � ��تجابة لطبيعته‬ ‫التأملية التي م� � ��ن أدواتها البصر والتصور والعظة‬ ‫واالعتب� � ��ار‪ ،‬ومحاولة الوص� � ��ول الدائبة إلى ما وراء‬ ‫املنظ� � ��ور‪ ،‬واالمتزاج ب� � ��كل ما هو لصي� � ��ق بالنفس‪،‬‬ ‫منجذب الهتزازاتها وموجاتها الروحية املتتابعة‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫يتمثل ه������ذا كله ف������ي واحدة م������ن قصائده‬ ‫الباكرة «الشاعر» التي يقول فيها‪:‬‬ ‫خ� � ّل� �ي ��اه ي� �ن�� ْ�ح ع� �ل ��ى ع ��ذب � ِ�ات � ْ�ه‬ ‫وي� � �ص � ��غْ م � ��ن دم � ��وع � ��ه آي� ��ات� � ْ�ه‬ ‫�در‬ ‫ال ت� �ث� �ي ��را ب � ��ه ك� �م ��ائ ��ن ص � � ٍ‬ ‫أبياته‬ ‫ر ّددت � �ه� ��ا األح � � ��زان ف ��ي‬ ‫ْ‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 12-16.indd 14‬‬


‫جمال العربية‬ ‫بشجو‬ ‫ورواه � � � ��ا ف� ��م ال � ��زم � ��ان‬ ‫ٍ‬ ‫ف �ح �س �ب �ن��ا ب� �ن ��ات ��ه م� ��ن ُروات � � ��ه‬ ‫ث ��م ج� ��ارت ب �غ� ً�ي��ا وع ��قّ ��ت أباها‬ ‫غ� �ي ��ر ه� �ي ��اب ��ة أذى سخطاته‬ ‫فاستطالت من غير ذن� ِ�ب عليه‬ ‫عزمات ْه‬ ‫واس �ت �ب��اح��ت ب�ص��رف�ه��ا‬ ‫ِ‬ ‫ورم � �ت� ��ه ف� ��ي م� �ه���ده ب���ال���رزاي���ا‬ ‫وج ��ز ْت ��ه األس� ��ى ع �ل��ى حسناته‬ ‫ف �ج��رى واألس� ��ى ول �ي��دي��ن حتى‬ ‫أدرك ُ‬ ‫ظاته‬ ‫الك ْن َه من مطاوي ِع ْ‬ ‫واألس��ى منهل النفوس اللواتي‬ ‫ل��م َي� ُ�ر ْض �ه��ا ال��زم��ان ف��ي نكباته‬ ‫وت�� � ��وارى ع���ن ال� �ع� �ي ��ان وأمسى‬ ‫ف ��ي م � �ص � اّ‬ ‫ّل� ُه ي �ش �ت �ك��ي عثراته‬ ‫�اة‬ ‫وع�� �ت� ��اب األي� � � ��ام خ � �ي� � ُ�ر ص�ل� ٍ‬ ‫صالته‬ ‫ف��ات��رك��ا ُه مستغرق ًا ف��ي‬ ‫ْ‬ ‫بسكون‬ ‫واج� � � ُ�ث � � � َوا ق� �ي ��د ظ� �ل ��ه‬ ‫ٍ‬ ‫وأص� � �ي� � �خ � ��ا ل � �ب � �ث� ��ه وش � �ك� ��ات� ��ه‬ ‫القلب‬ ‫هيكل يبعث القنوت إلى‬ ‫ِ‬ ‫مب� ��ا الح م� ��ن ج � �ل� � ِّ�ي صفاته‬ ‫م��ن ُي��ح� ِّ�د ُق إل �ي��ه ُي�ب�ص� ْ�ر مالكً ا‬ ‫ن� � � ��وره س� ��اط� ��ع ب � �ك� � ِّ�ل ج� �ه ��ات � ْ�ه‬ ‫وقد نُش������رت هذه القصيدة في جريدة «فتى‬ ‫العرب» عام ‪ ،1927‬س������ابقة قصيدة «الشاعر»‬ ‫لعلي محمود ط������ه‪ .‬واملقارنة بني القصيدتني ‪-‬‬ ‫في الفك������ر والصور واألحاس������يس واملوقف من‬ ‫احلي������اة والناس ‪ -‬تتيح مجاالً خص ًبا لدراس������ة‬ ‫فنية ثرية‪ ،‬تكشف عن عاملني شعريني لشاعرين‬ ‫متميزين مال أحدهما إل������ى احلداثة واالندفاع‬ ‫وآثر ثانيهم������ا احملافظة والتر ّوي‪ .‬وهناك ديوان‬ ‫رباعي������ات أنور العطار «علمتن������ي احلياة» الذي‬ ‫يقول عنه ابنه في تقدميه‪« :‬واحد من آخر بنات‬ ‫أفكاره وآخ������ر ما جادت به قريحته الش������عرية‪،‬‬ ‫جاء على ش������كل رباعيات ممي������زة في صياغتها‬ ‫الش������عرية‪ ،‬متنوعة في موضوعاتها‪ ،‬جذابة في‬ ‫جرسها املوسيقي»‪.‬‬ ‫عدد هذه الرباعيات مائة وخمس وسبعون‪،‬‬ ‫تبدأ كل منها بقوله‪ :‬علّمتني‪ ،‬إشارة إلى ما تعلمه‬ ‫من احلياة‪ ،‬وكأنه يستصفي خالصة خبرته مع‬ ‫«أنور العطار» في رباعياته وظالل أيامه‬ ‫‪4/22/15 8:38:53 AM‬‬

‫الدنيا والناس‪ ،‬وجوهر تأمله في كل ما يحيط به‬ ‫من ظواهر الوجود ومظاهره‪ ،‬يختزل فيها نتاج‬ ‫جتربته احلياتية التي ش������اء الله أن تكن قصيرة‬ ‫ف������ي قياس عمر العبقرية‪ ،‬فق������د عاش ما يزيد‬ ‫قلي ً‬ ‫ال على تسعة وخمسني عا ًما‪ ،‬كما يقول ابنه‬ ‫وهو يش������ير إلى تراث أبيه الثري واملتميز‪ ،‬الذي‬ ‫هو نتاج علمه الواس������ع واطالعه الكبير وغوصه‬ ‫العميق في تراث األدب العربي واآلداب العاملية‬ ‫األخرى‪ ،‬وبخاصة األدب الفرنس������ي في منحاه‬ ‫الرومانسي‪ ،‬حيث تأثر كثي ًرا بالشاعر المارتني‬ ‫والش������اعر ألفرد دي موسيه وترجم نظ ًما كثي ًرا‬ ‫من أش������عارهما‪ ،‬كما أش������ار في موضع آخر إلى‬ ‫التفات أنور العطار املبكر لش������عر كل من أحمد‬ ‫شوقي والبحتري‪.‬‬ ‫يقول في رباعياته األولى‪:‬‬ ‫ع � ّل �م �ت �ن��ي وع � ّل �م �ت �ن��ي احل� �ي ��ا ُة‬ ‫ُ‬ ‫ظلمات‬ ‫فامحى الشك واجنلت‬ ‫ّ‬ ‫وج��ه��ت��ن��ي ب �ف �ض �ل �ه��ا ورعتْني‬ ‫ّ‬ ‫ِر ْع�� �ي� � ً�ة ُأف� � � ��ردت ب��ه��ا األم� �ه�� ُ‬ ‫�ات‬ ‫ُ‬ ‫العبرات‬ ‫ف �م��ن ال� �ش ��وق ت �ن �ه��ل‬ ‫وم� ��ن احل� ��ب ت �ن �ب��ع ال ��ذك ��ري � ُ‬ ‫�ات‬ ‫ف� � ��إذا ف � ��اض ب ��ال� �س ��داد بياني‬ ‫ق �ل� ُ�ت‪ :‬ه��ذا م��ا علّمتني احليا ُة‬ ‫ثم يقول‪:‬‬ ‫علّمتني احل �ي��ا ُة أن م��ن البس ْــ‬ ‫ـ��م� ِ�ة م ��ا مي�ل�أ ال��دي��اج��ي��ر ن ��ورا‬ ‫تشرق السماوات واألر‬ ‫فابتسم‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ض‪ ،‬ان �ش��راح �ا وف��رح��ة وحبورا‬ ‫وابتسام‬ ‫إن��ه��ا ال �ن �ف��س دم��ع��ة‬ ‫ُ‬ ‫ِّ‬ ‫وخل السرورا‬ ‫فام ُح سطر األسى‬ ‫ْ‬ ‫واب�ت�ه��ج ف��ال��وج��ود ي��وم وميضي‬ ‫ل�ي��س ُي��رج��ى لطيفه أن ي ��زورا‬ ‫***‬ ‫علّمتني احل �ي��ا ُة أن م��ن احلــــا‬ ‫ض� � ِ�ر م���ا مي�ل�أ ال � �ف� ��ؤاد س� ��رورا‬ ‫ف �ت �م �ت��ع ب��ال��ي��وم م ��ا دم� ��ت فيه‬ ‫ال ت � � �ك� � � َ�در ن� �ع� �ي� �م ��ه ت� �ك ��دي ��را‬ ‫ودع األم��س ال حتُ � ْ�م ح��ول مثوا‬ ‫ُه‪ ،‬وال ت��وق� ِ�ظ ال� �ن ��ؤوم الغريرا‬ ‫‪15‬‬

‫‪may 12-16.indd 15‬‬


‫جمال العربية‬ ‫واب �ت �ع��د ع��ن غ� � ٍ�د‪ ،‬ف �م��ا ه��و منا‬ ‫ال وال ن �ح��ن م �ن��ه‪ ،‬ح �ت��ى ي ��زورا‬ ‫وف������ي قوله‪« :‬فتمت������ع باليوم م������ا دمت فيه»‬ ‫مطابق������ة م������ع ق������ول عم������ر اخليام ف������ي إحدى‬ ‫رباعياته‪:‬‬ ‫واغ � �ن� ��م م� ��ن احل� ��اض� ��ر ل� ��ذّ ِات� ��ه‬ ‫األمان‬ ‫فليس في طبع الليالي‬ ‫ْ‬ ‫ثم يقول أنور العطار عن «ساعة املغيب»‪:‬‬ ‫علمتني احلياة أن مغيب َّ‬ ‫الش ْمــ‬ ‫تغيب‬ ‫�س رم� ��ز ل�ل�ن�ف��س ح�ي�ن‬ ‫ُ‬ ‫ـ� � ِ‬ ‫ٌ‬ ‫حشرجات م��لء الفضاء عص ّيا‬ ‫تؤوب‬ ‫ٌت‪ ،‬ودن �ي��ا إذا انقضت ال‬ ‫ُ‬ ‫الر ْعـــ‬ ‫وس� �ك ��ون م �خ � ّي� ٌ�م ي �ن �ث��ر ُّ‬ ‫الشحوب‬ ‫ــب‪ ،‬ومرأى يشجيك منه‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫***‬ ‫ويقول عن «النسيان»‪:‬‬ ‫علّمتني احل�ي��اة أن م��ن الن ِّْســـــ‬ ‫�ان م ��ا ي ��زده ��ي ب ��ه النسيانُ‬ ‫ـ� �ي � ِ‬ ‫الر ْحـــــ‬ ‫تتخفى‬ ‫ُ‬ ‫األرزاء في صدره َّ‬ ‫ـ � ِ�ب‪ ،‬و ُت �ط��وى ال�ه�م��وم واألح���زانُ‬ ‫هو أنس الساري إذا اعتكر ال َل ْيـــ‬ ‫ــل‪ ،‬وغابت في صمتها األكوانُ‬

‫اجلر‬ ‫مضه‬ ‫رء املجروح إن ّ‬ ‫وهو ُب ُ‬ ‫ْ‬ ‫ُح‪ ،‬وع� ��زَّ األس� ��ى وج� ��ار الزمانُ‬ ‫ويقول بعنوان «الدنيا حلم»‪:‬‬ ‫حلم‬ ‫وت� �ع� � ّل� �م�� ُ�ت أنّ دن�� �ي� ��اي‬ ‫ُ‬ ‫واغ� � �ت � ��راري ب �ه��ا ض �ل�ال ووه� � ُ�م‬ ‫ه ��ي دار ال �ش �ت��ات م ��ا الح جنم‬ ‫جنم‬ ‫�ب‬ ‫ف ��ي ح� �م ��اه ��ا‪ ،‬إال ت �غ � ّي�‬ ‫ُ‬ ‫ف� �ك ��أن ال� �ص� �ف ��اء ط��ي��ف تولّى‬ ‫وك� � � ��أن ال� � �ه � ��وى خ � �ي� ��ال ُم� �ل�� ُّ�م‬ ‫الر ْب َع من طوى ُ‬ ‫ْس عنه‬ ‫األن َ‬ ‫فاسأل َّ‬ ‫رس� � ُ�م‬ ‫�ة‬ ‫�‬ ‫ب‬ ‫�آ‬ ‫�‬ ‫ك‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫�ي‬ ‫�‬ ‫ف‬ ‫�ع‬ ‫�‬ ‫ب‬ ‫�ر‬ ‫�‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫�إذا‬ ‫�‬ ‫ف�‬ ‫ْ‬ ‫وأخي ًرا يقول في رباعية «التسامح»‪:‬‬ ‫ع َّلمتني أن احلكيم على األيا‬ ‫م ي �ص �ف��و ق �ل �ب��ا وي���ره�� ُ‬ ‫حسا‬ ‫�ف ّ‬ ‫يسع ال�ك��ون حلمهُ ف��إذا األحـــــ‬ ‫ـــقاد تُطوى ط ًّيا عجيب ًا وتُنسى‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬ ‫روض‬ ‫ع�ل�م�ت�ن��ي أن ال �ت �س��ام��ح‬ ‫ل��ذَّ مجنً ى وط ��اب زرع� � ًا وغرسا‬ ‫واحلكيم احلكيم من خالط النَّا‬ ‫طرف ًا وسامح نفسا‬ ‫َ‬ ‫س‪ ،‬فأغضى ْ‬ ‫الوفي لت������راث أبيه‪ ،‬العاكف‬ ‫وش������ك ًرا لالبن‬ ‫ّ‬ ‫على حتقيقه‪ ،‬ونشره في أبهى صورة >‬

‫راجل وفارس‪:‬‬ ‫‪ ‬قال الش ��عبي‪ :‬دخلت على عبدامللك بن م ��روان فقال‪ :‬كم عطاءك؟‬ ‫فقل ��ت‪ :‬ألفى درهم‪ ،‬فجعل يس ��ار أهل الش ��ام ويقول حل ��ن العراقي! ثم‬ ‫قال‪ :‬كم عطاؤك؟ ‪ -‬ألرد قولي‪ ،‬فيغلظني‪ -‬فقلت‪ :‬ألفا درهم؟ فقال‪ :‬ألم‬ ‫تقل ألفي درهم؟ فقلت‪ :‬حلنت يا أمير املؤمنني فلحنت‪ ،‬ألني كرهت أن‬ ‫تكون راجال وأكون فارسا‪ .‬فقال‪ :‬صدقت‪ .‬واستحيا‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫‪4/22/15 8:38:59 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 12-16.indd 16‬‬


may 17.indd 17

4/22/15 8:39:44 AM


‫تاريخ‬ ‫حضارات سادت ثم بادت‬

‫متثال لألميرة عليسة‬ ‫في متحف اللوڤر‬

‫قرطاج‬ ‫د‪ .‬عادل سالم العبدالجادر‬ ‫عندم���ا تتصف���ح «اإلنياذة» الت���ي صاغها فيرجيل ش���عرا قبيل وفاته ع���ام ‪ 19‬ق‪ .‬م‪،.‬‬ ‫ال ت���رى فيه���ا إال ذل���ك العب���ق األدب���ي ال���ذي يم���زج الحقيق���ة التاريخي���ة بالخي���ال‬ ‫واألسطورة‪ ،‬وهو األسلوب نفس���ه‪ ،‬الذي صيغت به «اإللياذة» و«األوديسة» على‬ ‫يد الشاعر اليوناني الشهير هوميروس‪« .‬اإلنياذة» عبارة عن قصة المحارب إينياس‬ ‫اإلغريقي‪ ،‬الذي ترك طروادة بعد المذابح التي جرت فيها بين إس���برطة واليونان‪،‬‬ ‫وساح في األرض حتى وصل إلى إيطاليا‪ ،‬فاستوطن هناك إلى أن وافته المن ّية‪.‬‬ ‫صلبه َمن يبني مدينة روما‪ ،‬مجد اإلمبراطورية الرومانية‬ ‫وتشاء األقدار أن يأتي من ُ‬ ‫وعاصمتها‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫‪4/22/15 8:40:24 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 18-20.indd 18‬‬


‫تتش� � ��ابك القص� � ��ص ف� � ��ي اإلنياذة بأس� � ��لوب‬ ‫َّ‬ ‫جذاب يش� � ��د س� � ��امعها إليها‪ ،‬ويجعله يهيم بخيال‬ ‫الصورة التي يرس� � ��مها له فيرجيل في اثني عشر‬ ‫مجلداً‪ .‬ومن تلك القصص قصة ِ‬ ‫«علِّيس� � ��ة»‪ ،‬التي‬ ‫يُلفظ اس� � ��مها باختالف اللغات‪ :‬إليس� � ��ا‪ ،‬إليسار‪،‬‬ ‫إليش� � ��ات‪ .‬كانت عليسة من أس� � ��رة ملكية‪ ،‬فأبوها‬ ‫ه� � ��و امللك ميت� � ��ان األول ملك ص� � ��ور‪ ،‬وأخوها هو‬ ‫امللك بجماليون‪ ،‬الذي تبدأ منه األس� � ��طورة‪ .‬كان‬ ‫بجمالي� � ��ون مغرم � � �اً بالنحت‪ ،‬و ُع� � ��رِ َ‬ ‫ف عنه كرهه‬ ‫النس� � ��اء‪ ،‬وعندما ُس� � ��ئل عن ذلك‪ ،‬أجاب بأنه لن‬ ‫يقت� � ��رن بامرأة ال يك� � ��ون لها جم� � ��ال وعفة اإللهة‬ ‫فين� � ��وس‪ .‬وقد كان يُك ِّرس بعض وقته لنحت متثال‬ ‫يحاكي جمال املرأة التي يشتاق إلى االقتران بها‪.‬‬ ‫وعندما انتهى من نحت التمثال‪ ،‬الذي رأى فيه كل‬ ‫معاني اجلمال‪ ،‬غطى اجلس� � ��د املنحوت باحلرير‪،‬‬ ‫وزاده بتعلي� � ��ق احللي الذهبي� � ��ة واملجوهرات‪ .‬وما‬ ‫إن ح � � � ّل عيد فينوس‪ ،‬حتى دع� � ��ا إلهته فينوس أن‬ ‫حت ّل في التمثال فتحييه‪ .‬وما إن أصبح حتى رأى‬ ‫احلي اجلميل «جالتيا»‪،‬‬ ‫نفس� � ��ه مضاجعاً متثاله‬ ‫ّ‬ ‫الت� � ��ي أجنبت له ابنة جميلة أس� � ��مياها «بافوس»‪،‬‬ ‫التي تنسب إليها مدينة بافوس في قبرص‪.‬‬ ‫عندم� � ��ا توف� � ��ي ميتان األول ت� � ��رك حكم صور‬ ‫البنت� � ��ه عليس� � ��ة‪ ،‬يش� � ��اركها فيه أخوه� � ��ا األصغر‬ ‫بجماليون‪ ،‬وكان ذلك حتت وصاية خالهما الكاهن‬ ‫األعظم بزي� � ��كار بعل‪ ،‬الذي كان� � ��ت أمالك معابد‬ ‫ص� � ��ور حتت إمرته‪ ،‬ما كان يعن� � ��ي تصرفه بأموال‬ ‫وثروة طائل� � ��ة‪ .‬تلك الثروة أطمعت فيها بجماليون‬ ‫إلى صور‪ ،‬الذي س � � � ّير من قبرص أسطوالً كبيراً‬ ‫الغتصاب حكم صور والس� � ��يطرة عل� � ��ى ثرواتها‪.‬‬ ‫وم� � ��ا إن وصل بجماليون إلى صور حتى قتل خاله‬ ‫الكاه� � ��ن األعظم‪ ،‬ولكن� � ��ه لم يظف� � ��ر بأخته التي‬ ‫اس� � ��تطاعت الفرار مبا خف حمله وغال ثمنه في‬ ‫سفينة يرافقها فيها املقربون منها‪ .‬يقول فيرجيل‬ ‫إن عليس� � ��ة أوصت ر ّبان الس� � ��فينة‬ ‫في «اإلنياذة»‪ّ :‬‬ ‫املبحرة أن يُثَ ِّبت د َّفة السفينة بطريقة مستقيمة‪،‬‬ ‫حتى ترس� � ��و باملكان الذي ش� � ��اء لها اإلله بعل أن‬ ‫يكون مرساها‪ .‬وهكذا وصلت السفينة إلى ساحل‬ ‫تونس احلالية‪ ،‬وأطلقت عليسة على هذا الساحل‬ ‫اس� � ��م «قرطاج»‪ :‬وقيل « َق ْرت َح َد ْشت» أي القرية‬ ‫حضارات سادت ثم بادت ‪ ...‬قرطاج‬ ‫‪4/22/15 8:40:26 AM‬‬

‫احلديث� � ��ة بالفينيقية‪ ،‬وقي� � ��ل أيضا «ق � � � ّرة التاج»‬ ‫بالعربي� � ��ة‪ ،‬وفي ذل� � ��ك مبالغة‪ .‬وتتابع األس� � ��اطير‬ ‫لتحك� � ��ي لنا مفاوضات عليس� � ��ة وامللك األمازيغي‬ ‫«آب� � ��ي» حول الس� � ��ماح لها مبس� � ��احة من األرض‪،‬‬ ‫لتبني عليها مدينته� � ��ا‪ ،‬إال أ ّنه‪ ،‬ورمبا بطريقة من‬ ‫«جلْد‬ ‫االس� � ��تهزاء‪ ،‬س� � ��مح لها مبس� � ��احة ال تتعدى ِ‬ ‫ث ْور»! وقد أثارت موافقة عليسة سخط مرافقيها‬ ‫بقص‬ ‫بق� � ��در إثارة تعجب امللك األمازيغي‪ ،‬فقامت ّ‬ ‫جلد ثور إلى خيوط رفيعة تكفي لإلحاطة بهضبة‬ ‫كاملة‪ ،‬ش� � ��يدت فوقها مدينتها املرجوة‪ .‬أثار هذا‬ ‫العمل الذكي دهش� � ��ة وإعجاب املل� � ��ك آبي‪ ،‬الذي‬ ‫طلب االقتران بهذه امل� � ��رأة التي تفوقت بتدبيرها‬ ‫ولكن‬ ‫وعقلها أكثر من تفوقه� � ��ا بالثروة واجلمال‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫عليس� � ��ة‪ ،‬بزعم فيرجي� � ��ل‪ ،‬آثرت الوف� � ��اء حلبيبها‬ ‫وزوجه� � ��ا األول من ناحية‪ ،‬وع� � ��دم إغضاب امللك‬ ‫آبي م� � ��ن ناحية أخرى‪ ،‬فأقدمت عل� � ��ى االنتحار‪،‬‬ ‫لتكون بذلك «صورة جتمع بني رقة العاشقة وقوة‬ ‫امللكة»‪.‬‬ ‫إنها قص� � ��ة مدينة بناه� � ��ا املخلصون‪ ،‬أحبوها‬ ‫فأحبتهم‪ ،‬فتتابعت أجي� � ��ال على حب تلك األرض‬ ‫وزرع القم� � ��ح في حقولها‪ ،‬حت� � ��ى امتدت أراضيها‬ ‫لتصب� � ��ح «دولة مدين� � ��ة» لها كل مقوم� � ��ات الدول‬ ‫العظمى‪ .‬لم تنل قرطاج شرفها التاريخي إال على‬ ‫يد أبنائها املخلصني‪ ،‬الذي� � ��ن دافعوا عن كرامتها‬ ‫بقدر ما دافعوا عن وجودها‪ .‬وليسجل التاريخ اسم‬ ‫حنبع� � ��ل (حنا بعل‪-‬هانيب� � ��ال)‪ ،‬مبنعى حبيب اإلله‬ ‫بعل‪ ،‬على س� � ��جالت التاريخ املشرقة‪ ،‬وهو القائد‬ ‫العس� � ��كري الذي أبهر العالم بتكتيكاته العسكرية‬ ‫ّ‬ ‫الفذة‪ ،‬التي قادته للنصر في جميع معاركه‪ ،‬حتى‬ ‫أصبح كابوسا لإلمبراطورية الرومانية‪ ،‬التي كانت‬ ‫أقوى دول العالم في ذاك الزمان‪ .‬استطاع حنبعل‬ ‫أن يحافظ على األس� � ��طول البحري‪ ،‬الذي أسسه‬ ‫والده حملقار بارقا‪ ،‬ويعززه في البحر املتوس� � ��ط‪،‬‬ ‫ويقوي نفوذ بالده على سواحل صقلية وسردينيا‬ ‫وجنوب إس� � ��بانيا وش� � ��رقها‪ ،‬مما أكسبه الصدارة‬ ‫كقوة عس� � ��كرية بحرية‪ ،‬استطاع من خالل ذلك ‪-‬‬ ‫بصورة أو بأخرى ‪ -‬الس� � ��يطرة على طرق التجارة‬ ‫في البحر املتوس� � ��ط واملناطق البرية احمليطة به‪.‬‬ ‫ومع مضي الزمن وانتش� � ��ار القرطاجيون في البر‬ ‫‪19‬‬

‫‪may 18-20.indd 19‬‬


‫تاريخ‬

‫هانيبال ويعني اسمه (حبيب اإلله بعل) ‪ -‬واحد من أبرز القادة‬ ‫العسكريني في التاريخ القدمي‬

‫والبح� � ��ر‪ ،‬كانت احلاجة ملح� � ��ة إلى بناء مدن على‬ ‫الساحل‪ ،‬تأوي إليها س� � ��فنهم وتأويهم من تقلبات‬ ‫البحر وأنوائه‪ ،‬فبنوا مدناً على الس� � ��احل األوربي‪.‬‬ ‫ولقد اعتبر القرطاجيون جنوب ش� � ��رق إس� � ��بانيا‬ ‫مس� � ��تقرا لهم‪ ،‬فأسس� � ��وا مدينتهم الثانية الكبرى‬ ‫هناك‪ ،‬وأس� � ��موها «قرط� � ��اج اجلديدة» ‪Carthago‬‬ ‫‪ Nona‬التي تسمى اآلن «قرطاجنة» ‪،Cartagena‬‬ ‫وهي مدينة «كارتاخينا» التي تقع اليوم في منطقة‬ ‫مرسيه اإلسبانية‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من املعاهدات املوقعة بني الرومان‬ ‫والقرطاجيني‪ ،‬التي تقضي بالسالم وعدم التعدي‬ ‫عل� � ��ى ممتلكات اآلخر‪ ،‬فإننا نرى الرومان دائما ما‬ ‫يب� � ��دأون بنقض العهود‪ ،‬كما ح� � ��دث في املعاهدات‬ ‫الث� �ل��اث الش� � ��هيرة التي عقدت ب� �ي��ن الطرفني في‬ ‫األع� � ��وام ‪ 508‬و‪ 348‬و‪ 280‬ق‪ .‬م‪ ،.‬م� � ��ا دعا حنبعل‬ ‫إلى ش� � ��ن هجوم على روما نفس� � ��ها‪ .‬ال ّ‬ ‫أن‬ ‫شك في ّ‬ ‫حنبعل كان م� � ��ن أعظم القادة العس� � ��كريني الذين‬ ‫عرفه� � ��م التاريخ‪ ،‬فعلى الرغم من خيانات الرومان‬ ‫ودسائس� � ��هم‪ ،‬اس� � ��تطاع إفش� � ��ال املؤامرات ضده‬ ‫والبدء بشن هجوم عسكري على املواقع الرومانية‬ ‫في حوض البحر املتوس� � ��ط‪ ،‬والزحف برا الحتالل‬ ‫‪20‬‬

‫‪4/22/15 8:40:29 AM‬‬

‫روما‪َ .‬ع َب َر القائد القرطاجي البرانس ووصل إلى‬ ‫الرون على رأس جيش قوامه أربعني ألف محارب‪،‬‬ ‫وحقق انتصاراً س� � ��احقاً على جيش� �ي��ن من جيوش‬ ‫الرومان عند نهر تريبيا في ديسمبر ‪ 218‬ق‪ .‬م‪ ،‬ثم‬ ‫َع َبر جبال األبنني في ربيع عام ‪ 217‬ق‪.‬م‪ ،‬وانتصر‬ ‫على جي� � ��ش آخر من جيوش الروم� � ��ان في معركة‬ ‫تراس� � ��يمينوس‪ .‬وعل� � ��ى الرغم من ح� � ��ذر فابيوس‬ ‫فإن هذا‬ ‫مكسيموس من مواجهة حنبعل عسكريا‪ّ ،‬‬ ‫األخير استطاع أن يستدرجه‪ ،‬بعد أن استولى على‬ ‫مستودع مهم للمؤونة التي كانت تقتات عليها روما‪،‬‬ ‫ودارت معركة في مدينة كنّاي‪ ،‬أُبيد فيها جيش كبير‬ ‫من جيوش اإلمبراطورية الرومانية عن بكرة أبيه‪.‬‬ ‫في هذه الفترة س� � ��اد الهلع والفزع الشديدان عند‬ ‫الناس في جميع أرجاء اإلمبراطورية‪ ،‬وبدأت املدن‬ ‫الرومانية تتهاوى الواحدة تلو األخرى أمام حنبعل‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ 207‬ق‪ .‬م‪ ،‬انقطعت اإلمدادات عن جيش‬ ‫حنبعل‪ ،‬واس� � ��تطاع الرومان إحلاق الهزمية األولى‬ ‫بإحدى قوات القرطاجيني في معركة حاسمة دارت‬ ‫على ضفاف نه� � ��ر متاوروس‪ .‬وفي عام ‪ 202‬ق‪ .‬م‪،‬‬ ‫وبعد معركة زاما الت� � ��ي انتصر فيها الرومان على‬ ‫خصمهم القرطاجي‪ُ ،‬وضعت ش� � ��روط قاسية على‬ ‫الطرف القرطاجي تقضي باالنس� � ��حاب من جميع‬ ‫األراضي اإليطالية‪ ،‬وأن يس� � ��لم أس� � ��طوله للرومان‬ ‫وأن يدفع غرامة عشرة آالف تالنت (يعادل التالنت‬ ‫الواحد قيمة كيلو من الذهب)‪ .‬واستطاع الرومان‬ ‫إعادة تش� � ��كيل أسطولهم لغزو قرطاج‪ ،‬األمر الذي‬ ‫س� � ��يجبر حنبعل على التقهقر والرجوع إلى بالده‪.‬‬ ‫وسرعان ما استدعت احلكومة القرطاجية قائدها‬ ‫حنبعل وأمرته بالرج� � ��وع إلى الوطن‪ .‬وما كان منه‬ ‫إال أن ميتثل لألمر على مضض‪ .‬وبعد عودته عينّ‬ ‫حاكماً على قرطاجنّة‪ ،‬حيث قام بإصالحات إدارية‬ ‫واقتصادية وسياسية‪ ،‬ما أحيا خوف الرومان منه‬ ‫مرة أخرى‪ .‬وس� � ��عت أي� � ��ادي الغدر والفس� � ��اد إلى‬ ‫نفيه‪ ،‬فعمل مستشاراً عسكرياً ألنطيوخس الثالث‬ ‫إمبراطور الدولة الس� � ��لوقية‪ ،‬ثم جل� � ��أ إلى مملكة‬ ‫أرميني� � ��ا‪ .‬ولكن الرومان لم يتقوا له ظال‪ ،‬فالحقوه‬ ‫وطاردوه وس� � ��اوموا الدول مقابل رأس� � ��ه‪ ،‬فاضطر‬ ‫إلى جترع الس� � ��م وإنهاء حياته‪ ،‬مؤث� � ��را ذلك على‬ ‫موته بيد عد ّوه اللدود >‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 18-20.indd 20‬‬


‫اقتصاد‬

‫مستقبل العرب االقتصادي‬ ‫عامر ذياب التميمي‬

‫باحث اقتصادي من الكويت‬

‫ظل العرب على مدى عقود وسنوات طويلة يعتمدون على خيرات النفط‪،‬‬ ‫سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر‪ .‬توجد في العالم العربي دول‬ ‫عدة منتجة للنفط‪ ،‬وإن كان بكميات متفاوتة‪ ،‬من هذه الدول السعودية‬ ‫والكويت واإلمارات وقطر والعراق وليبيا والجزائر‪ ،‬وجميع هذه البلدان أعضاء‬ ‫في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) ‪ ،OPEC‬كما أن هناك بلدان ًا عربية‬ ‫أخرى تنتج النفط‪ ،‬وإن كان بكميات أقل‪ ،‬مثل عمان والبحرين ومصر وسورية‬ ‫والسودان واليمن‪ .‬وال شك في أن الثروة النفطية في العالم العربي قد‬ ‫تكون موجودة في بلدان عربية أخرى‪ ،‬حيث يجري الحديث عن اكتشافات‬ ‫مهمة في شرق البحر المتوسط أمام السواحل اللبنانية‪ ،‬وأن هناك كميات‬ ‫كبيرة من النفط والغاز متوافرة‪.‬‬

‫وقد اعتمدت البلدان العربية املنتجة واملصدرة‬ ‫للنف� � ��ط على جن� � ��ي إيرادات س� � ��يادية م� � ��ن مبيعات‬ ‫النفط واس� � ��تخدامها لتمويل اإلنفاق العام واجلاري‬ ‫والرأسمالي‪ ،‬مبا أنعش بقية القطاعات االقتصادية‬ ‫في هذه البلدان على مدى السنوات الطويلة املاضية‬ ‫التي قد تقارب الستني عاماً أو أكثر في عدد من هذه‬ ‫البل� � ��دان‪ ،‬كما أن ارتفاع أس� � ��عار النفط بعد الصدمة‬ ‫النفطية األولى في أواسط سبعينيات القرن املاضي‬ ‫قد م َّكن البلدان املص� � ��درة للنفط من تكوين فوائض‬ ‫مالي� � ��ة مهمة وظفت من خالل صناديق س� � ��يادية في‬ ‫أدوات اس� � ��تثمار مسعرة أو اس� � ��تثمارات مباشرة في‬ ‫داخ� � ��ل هذه البلدان وخارجها م� � ��ن أجل جني عوائد‬ ‫مالي� � ��ة تعضد م� � ��ن إيرادات النفط‪ .‬كم� � ��ا أن البلدان‬ ‫العربي� � ��ة املنتجة للنف� � ��ط قامت بتأس� � ��يس صناديق‬ ‫تنموي� � ��ة‪ ،‬مثل الصندوق الكويتي للتنمية االقتصادية‪،‬‬ ‫والصندوق العربي لإلمناء االقتصادي واالجتماعي‪،‬‬ ‫وع� � ��دد آخر من الصناديق القطرية التي تولت متويل‬ ‫مستقبل العرب االقتصادي‬ ‫‪4/22/15 10:57:14 AM‬‬

‫مشاريع للبنية التحتية واملرافق واخلدمات في عديد‬ ‫من البلدان العربية مبوجب شروط ومعايير ميسرة‪.‬‬

‫الواقع الراهن‬

‫إذا نظرن� � ��ا إل� � ��ى الواق� � ��ع االقتص� � ��ادي والواقع‬ ‫االجتماع� � ��ي في البلدان العربي� � ��ة‪ ،‬فهل ميكن لنا أن‬ ‫نزع� � ��م أن هذه البلدان انطلقت إيجابياً في مس� � ��يرة‬ ‫التنمية املس� � ��تدامة‪ ،‬أو أنه� � ��ا متكنت من ضبط إيقاع‬ ‫األنش� � ��طة االقتصادية أو توظيف مواردها مبا يعزز‬ ‫معدالت النمو‪ ،‬أو يرتقي مبستويات املعيشة ويحسن‬ ‫من نوعية احلياة؟‬ ‫مبوجب بيانات عام ‪ ،2012‬يبلغ إجمالي الناجت‬ ‫احملل� � ��ي اإلجمالي جلميع البلدان العربية ما يقارب‬ ‫‪ 3.2‬تريليونات دوالر‪ ،‬ويقدر متوس� � ��ط دخل الفرد‬ ‫الس� � ��نوي في العال� � ��م العربي بح� � ��دود ثمانية آالف‬ ‫دوالر‪ .‬بطبيع� � ��ة احل� � ��ال‪ ،‬هناك تف� � ��اوت في حجم‬ ‫الناجت احمللي اإلجمالي في الس� � ��عودية‪ ،‬البالغ ‪740‬‬ ‫‪21‬‬

‫‪may 21-25.indd 21‬‬


‫مليار دوالر‪ ،‬ويصل متوس� � ��ط دخ� � ��ل الفرد إلى أكثر‬ ‫م� � ��ن ‪ 31‬ألف دوالر س� � ��نوياً‪ ،‬ويص� � ��ل الناجت احمللي‬ ‫اإلجمال� � ��ي في دولة اإلمارات إلى ‪ 271‬مليار دوالر‪،‬‬ ‫ويبلغ متوس� � ��ط دخل الفرد السنوي ‪ 49‬ألف دوالر‪،‬‬ ‫ف� � ��ي حني ال يزيد حجم الناجت احمللي اإلجمالي في‬ ‫الس� � ��ودان على ‪ 80‬مليار دوالر‪ ،‬ويبلغ متوسط دخل‬ ‫الفرد ‪ 2500‬دوالر سنوياً‪ ،‬واليمن يبلغ ناجته احمللي‬ ‫اإلجمال� � ��ي ‪ 40‬مليار دوالر‪ ،‬ومع� � ��دل دخل الفرد ال‬ ‫يتجاوز ‪ 1700‬دوالر‪.‬‬

‫النف� � ��ط اخلام أو الغاز الطبيعي‪ .‬وبالرغم من توقيع‬ ‫اتفاقية الوحدة االقتصادية العربية في عام ‪1964‬‬ ‫فلم يت� � ��م توظيف الثروات العربية‪ ،‬من خالل برامج‬ ‫االستثمارات البينية‪ ،‬من أجل تعزيز أنشطة حتظى‬ ‫مبيزات نس� � ��بية في عدد من البلدان العربية‪ ،‬سواء‬ ‫تلك املصدرة للنفط أو غير النفطية‪ .‬هناك أسباب‬ ‫عدي� � ��دة لهذه األحوال‪ ،‬وال ميكن أن يزعم املرء أنها‬ ‫نتيج� � ��ة لعدم رغب� � ��ة العرب أصح� � ��اب الثروات في‬ ‫توظيف أموالهم في بلدان عربية‪ ،‬أو أنهم يفضلون‬ ‫االستثمار في البلدان الصناعية املتقدمة‪.‬‬

‫من توظيف إمكاناته� � ��ا االقتصادية مبوجب معايير‬ ‫وأس� � ��س ناجعة‪ .‬وأقدم� � ��ت البل� � ��دان املنتجة للنفط‬ ‫على تبني حلول س� � ��هلة‪ ،‬وعمدت إلى تطبيق آليات‬ ‫االقتصاد الريعي‪ ،‬حيث وظفت إيرادات النفط في‬ ‫آليات اإلنفاق العام‪ ،‬وعززت دور الدولة التي تكفلت‬ ‫بتوظي� � ��ف املواطن� �ي��ن ودعم احتياجاته� � ��م املختلفة‪،‬‬ ‫ودفعته� � ��ا إلى التوغل في مج� � ��االت اقتصادية عدة‪،‬‬ ‫ومن ثم ه َّمشت دور القطاع اخلاص وعطلت دوره‪،‬‬ ‫ب� � ��ل إن ع� � ��دداً من ه� � ��ذه البلدان املص� � ��درة للنفط‪،‬‬ ‫خصوص � � �اً البل� � ��دان اخلليجي� � ��ة‪ ،‬قد عمل� � ��ت على‬ ‫تهمي� � ��ش دور العمال� � ��ة الوطنية‪ ،‬واعتمدت بش� � ��كل‬ ‫أساس� � ��ي على عمال� � ��ة وافدة‪ ،‬آس� � ��يوية وعربية في‬ ‫الغالب‪ ،‬حتى جتاوزت نس� � ��بة العمال� � ��ة الوافدة في‬ ‫بلدان خليجية الثمانني ف� � ��ي املائة من إجمالي قوة‬ ‫العمل‪ ،‬كما أن التركيبة الس� � ��كانية أصبحت منحازة‬ ‫للوافدين‪ ،‬الذين جتاوزت نسبتهم في بلدان خليجية‬ ‫الس� � ��بعني‪ ،‬وأحيان� � ��ا الثمان� �ي��ن في املائ� � ��ة‪ .‬ولذلك‪،‬‬ ‫ف� � ��إن إيرادات النفط عملت على حتس� �ي��ن األوضاع‬ ‫املعيشية واالرتقاء مبستويات الدخل وتعزيز التعليم‬ ‫واحلي� � ��اة احلضرية ف� � ��ي مختلف البل� � ��دان املنتجة‬ ‫له‪ ،‬إال أن نتائجه الس� � ��لبية متثل� � ��ت في تعطيل دور‬ ‫املواطن� �ي��ن وتهميش دور القطاع اخل� � ��اص وهيمنة‬ ‫الدولة على احلياة االقتصادية بش� � ��كل أخطبوطي‬ ‫يصعب الف� � ��كاك منه‪ .‬في الوقت ذات� � ��ه لم يتم بذل‬ ‫جهود حقيقي� � ��ة لتنوي� � ��ع القاع� � ��دة االقتصادية‪ ،‬أو‬ ‫تطوي� � ��ر صناعات نفطية ميك� � ��ن أن تصدر منتجات‬ ‫حتم� � ��ل قيماً مضافة‪ ،‬وظل االعتم� � ��اد على تصدير‬

‫مرت البلدان العربية خالل الس� � ��نوات الس� � ��تني‬ ‫املاضي� � ��ة بتجارب سياس� � ��ية صعب� � ��ة‪ ،‬أو غير مواتية‬ ‫للتنمي� � ��ة االقتصادي� � ��ة عل� � ��ى األقل‪ .‬وج� � ��رى تأمني‬ ‫مصال� � ��ح رجال األعمال في هذه البلدان‪ ،‬بعد أن بدأ‬ ‫القطاع اخلاص يوظ� � ��ف أمواله في قطاعات حيوية‬ ‫ق� � ��ادرة عل� � ��ى اإلنت� � ��اج والتصدير وتوظي� � ��ف العمالة‬ ‫الوطنية‪ ،‬كما جرى تخريب القطاع الزراعي وتعطيل‬ ‫إمكاناته من خالل قوانني وأنظمة ش� � ��وهت عمليات‬ ‫اإلنتاج‪ ،‬ودفعت العمالة الزراعية إلى الهجرة للمدن‬ ‫وأطرافه� � ��ا‪ ،‬أو إلى بلدان أخرى مث� � ��ل بلدان اخلليج‬ ‫س� � ��عياً وراء ال� � ��رزق‪ .‬ونظ� � ��راً حملدودي� � ��ة اإليرادات‬ ‫السيادية في البلدان غير النفطية‪ ،‬فقد اتسع العجز‬ ‫ف� � ��ي املوازنات‪ ،‬وكذلك في املي� � ��زان التجاري وميزان‬ ‫املدفوع� � ��ات‪ ،‬وارتفع� � ��ت قيم� � ��ة املديوني� � ��ات احمللية‬ ‫واخلارجي� � ��ة‪ .‬وغني عن البي� � ��ان أن االلتزامات على‬ ‫احلكومات العربية املختلفة قد ازدادت خالل العقود‬ ‫األخيرة‪ ،‬بفعل النمو الس� � ��كاني املتزايد‪ ،‬الذي يفوق‬ ‫أحيانا مع� � ��دالت النمو االقتصادي‪ .‬ولقد ارتفع عدد‬ ‫س� � ��كان العال� � ��م العربي مما يقارب املائ� � ��ة مليون في‬ ‫ع� � ��ام ‪ 1950‬إلى نحو ‪ 450‬مليون نس� � ��مة في الوقت‬ ‫الراهن‪ .‬وعلى الرغم من البيانات الدميغرافية التي‬ ‫توضح أن معدالت اخلصوبة للنساء العربيات آخذة‬ ‫ف� � ��ي التراجع في الس� � ��نوات القليل� � ��ة املاضية‪ ،‬فإنها‬ ‫تظ� � ��ل األعلى على املس� � ��توى العامل� � ��ي‪ ،‬خصوصاً في‬ ‫اليمن وال� � ��دول اخلليجية‪ .‬كم� � ��ا أن القاعدة الكبيرة‬ ‫للسكان في بلدان رئيسة مثل مصر واملغرب والعراق‬ ‫والس� � ��ودان وغيرها لن تتمكن من ضبط إيقاع النمو‬

‫توظيف اإلمكانات‬ ‫البلدان العربية خالل العقود املاضية لم تتمكن التحوالت السياسية‬

‫‪22‬‬

‫‪4/22/15 10:57:18 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 21-25.indd 22‬‬


‫اقتصاد‬

‫السكاني حتى لو انخفضت معدالت اخلصوبة‪ ،‬ألمد‬ ‫متوسط على األقل‪.‬‬

‫اآلفاق‬

‫ما آفاق االقتصادات العربية على مدى السنوات‬ ‫املقبلة؟ وه� � ��ل ميكن أن نستش� � ��رف إمكانات لتعديل‬ ‫الهي� � ��اكل االقتصادية وتوظيف أمثل للم� � ��وارد املالية‬ ‫والبشرية؟ بطبيعة احلال يفترض أن تتطور األوضاع‬ ‫االقتصادية في ظل أنظمة سياس� � ��ية مستقرة تتبنى‬ ‫سياس� � ��ات اقتصادي� � ��ة واجتماعية متوازن� � ��ة‪ ،‬وتعتمد‬ ‫قيماً عقالنية متوافقة مع متطلبات االقتصاد العاملي‬ ‫احلديث‪ .‬وبع� � ��د تدفق النفط وارتفاع أس� � ��عاره على‬ ‫مدى السنوات األربعني املاضية‪ ،‬متكنت بلدان عربية‬ ‫من حتقي� � ��ق فوائض مالية مهمة وظف� � ��ت في أدوات‬ ‫مالية واستثمارية عديدة في بلدان مختلفة من خالل‬ ‫صناديق سيادية‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ومتث� � ��ل هذه األم� � ��وال مبلغا مهم � � �ا‪ ،‬ورمبا يحقق‬ ‫مستقبل العرب االقتصادي‬ ‫‪4/22/15 10:57:23 AM‬‬

‫دخ� �ل � ً‬ ‫ا مهماً من االس� � ��تثمارات املالية والعينية‪ ،‬حيث‬ ‫يصل إجمالي قيمة هذه الصناديق إلى ‪ 2.4‬تريليون‬ ‫دوالر أمريكي‪.‬‬ ‫ه� � ��ل ميك� � ��ن أن نتوقع توظيف ه� � ��ذه األموال‪ ،‬أو‬ ‫جزء منها‪ ،‬في مش� � ��اريع تنموية ف� � ��ي مختلف البلدان‬ ‫العربية؟‬ ‫ال ش� � ��ك في أن البل� � ��دان العربي� � ��ة املانحة‪ ،‬وهي‬ ‫البلدان اخلليجية املنتجة للنفط وليبيا‪ ،‬قد قامت منذ‬ ‫منتصف س� � ��بعينيات القرن املاض� � ��ي بتقدمي متويالت‬ ‫ميس� � ��رة لعديد من املشاريع األساس� � ��ية‪ ،‬مثل مشاريع‬ ‫الط� � ��رق ومحطات توليد الطاقة الكهربائية والس� � ��دود‬ ‫املائية وشبكات االتصاالت الهاتفية والصوامع‪ ،‬وعديد‬ ‫من املش� � ��اريع األخرى‪ .‬كم� � ��ا أن هذه البل� � ��دان وظفت‬ ‫أمواالً من خالل آليات االس� � ��تثمار املباش� � ��ر في بلدان‪،‬‬ ‫مثل مصر وسورية والس� � ��ودان واليمن واملغرب وتونس‬ ‫وموريتانيا‪ .‬ش� � ��ملت تلك االستثمارات مشاريع فندقية‬ ‫وس� � ��ياحية ومش� � ��اريع س� � ��كن متنوع� � ��ة‪ ،‬باإلضافة إلى‬ ‫‪23‬‬

‫‪may 21-25.indd 23‬‬


‫عدد م� � ��ن الصناعات التحويلية وإلى حد ما مش� � ��اريع‬ ‫زراعية‪ .‬يضاف إلى ذلك أن هناك كثيراً من املنظمات‬ ‫االقتصادية التي أُسس� � ��ت حتت مظل� � ��ة جامعة الدول‬ ‫العربية لدعم املشاريع الصناعية والزراعية والسياحية‬ ‫ف� � ��ي البل� � ��دان العربية‪ ،‬فض ً‬ ‫ال ع� � ��ن البن� � ��وك التنموية‬ ‫واالس� � ��تثمارية التي قامت بجهود مش� � ��تركة بني عديد‬ ‫من األطراف العربي� � ��ة‪ .‬بيد أن حصيلة هذه اجلهود ‪-‬‬ ‫رغ� � ��م أهميتها حتقيقها نتائ� � ��ج جيدة أحياناً ‪ -‬ال تزال‬ ‫بعيدة عن حتقيق الطموحات التنموية املنش� � ��ودة‪ ،‬التي‬ ‫ميكن أن تؤس� � ��س نهضة تنموية مستدامة‪ .‬ولذلك البد‬ ‫م� � ��ن التأكيد على أن توافر األم� � ��وال والنوايا الطيبة ال‬ ‫يكفي لتحقيق تنمية أو رفع معدالت التنمية أو حتسني‬ ‫ظروف املعيش� � ��ة أو خلق فرص عم� � ��ل للمتدفقني إلى‬ ‫أس� � ��واق العمل في البلدان العربية‪ .‬يتعني حتديد هوية‬ ‫النظ� � ��ام االقتصادي‪ ,‬وم� � ��ن ثم وضع قوان� �ي��ن وأنظمة‬ ‫حاكمة تعزز حركة النشاط االقتصادي مبوجب معايير‬ ‫ذلك النظام‪ .‬وكما هو معلوم أن االقتصادات العربية ال‬ ‫ميكنه� � ��ا أن تتح َّرر من عالقاتها مع النظام االقتصادي‬ ‫الدولي‪ ،‬الذي جرت صياغته مبوجب منطلقات منظمة‬ ‫التج� � ��ارة الدولية‪ ،‬التي تعتمد على نظام الس� � ��وق احلر‬ ‫واملنافس� � ��ة العادلة ودعم مساهمة القطاع اخلاص في‬ ‫مختلف األنش� � ��طة والقطاعات‪ ،‬وحترير أنظمة امللكية‪،‬‬ ‫ورف� � ��ع القيود املفروضة على عملي� � ��ات التجارة احمللية‬ ‫واخلارجية‪ .‬ولذلك‪ ،‬فإن بداي� � ��ة األمر تتطلب التوافق‬ ‫على تعزيز نظام االقتصاد احلر وحترير جميع األنشطة‬ ‫من هيمنة الدولة وتوفير بنية قانونية ومؤسسية متكن‬ ‫من ج� � ��ذب رؤوس األم� � ��وال وحتقق للمس� � ��تثمرين ثقة‬ ‫بتعامل املؤسس� � ��ات احلكومية مع أعمالها في مختلف‬ ‫البلدان العربية‪.‬‬

‫دور الدولة ودور القطاع اخلاص‬

‫ال يعني ذل� � ��ك غياباً ش� � ��ام ً‬ ‫ال للدولة عن احلياة‬ ‫االقتصادية‪ ،‬حيث إن مؤسس� � ��ات الدولة واحلكومات‬ ‫ال بد أن تش� � ��رف وتتأكد من تطبيق القوانني املتصلة‬ ‫بأي نش� � ��اط اقتصادي‪ ،‬وتنظم عمليات تبادل حقوق‬ ‫امللكية‪ ،‬وتق� � ��وم بجباية الضرائب والرس� � ��وم‪ ،‬وكذلك‬ ‫تعمل عل� � ��ى حماية العمل االقتص� � ��ادي من االحتكار‬ ‫أو س� � ��وء توظيف امل� � ��وارد‪ ،‬وحماية حق� � ��وق العاملني‬ ‫وحماي� � ��ة امللكيات العام� � ��ة واألم� � ��وال العامة‪ .‬كذلك‬ ‫‪24‬‬

‫‪4/22/15 10:57:25 AM‬‬

‫ميكن ف� � ��ي قطاعات محددة أن تش� � ��ارك احلكومات‬ ‫مؤسس� � ��ات القطاع اخلاص من أجل إقامة ش� � ��ركات‬ ‫أو مؤسس� � ��ات للعمل في أنشطة محددة‪ ،‬رمبا تتطلب‬ ‫دوراً فاع ً‬ ‫ال من الدولة كش� � ��ريك ومستثمر‪ ،‬أو تتطلب‬ ‫متوي� �ل��ات من القطاع الع� � ��ام‪ ،‬أو إنها من األنش� � ��طة‬ ‫الت� � ��ي ال حتقق عوائد إال بعد زم� � ��ن طويل‪ ،‬مبا يعني‬ ‫أهمية توفير أموال مهمة من الدولة لتشجيع القطاع‬ ‫اخلاص على ولوجها‪ .‬ورمبا تش� � ��مل هذه الشراكات‬ ‫قطاعات مث� � ��ل البترول أو الصناع� � ��ات التحويلية أو‬ ‫الزراع� � ��ة أو محطات توليد الطاقة‪ .‬لقد قامت عديد‬ ‫م� � ��ن احلكومات العربية بتعديل كثير من القوانني من‬ ‫أجل تش� � ��جيع املبادرات اخلاصة وتدفق االستثمارات‬ ‫اخلاص� � ��ة‪ ،‬ولكن ما حتقق حتى اآلن اليزال بعيداً عن‬ ‫الطموح� � ��ات‪ .‬إذن املطلوب هو تفعي� � ��ل تلك القوانني‬ ‫ودفع البيروقراطية احلاكمة للتناغم مع تلك القوانني‬ ‫املعدلة ب� � ��دالً من جتميدها أو تعطيله� � ��ا‪ ،‬وإجراء أي‬ ‫تعديالت جديدة مطلوبة من أجل حتفيز املستثمرين‪.‬‬ ‫وتؤك� � ��د املؤسس� � ��ة العربي� � ��ة لضمان االس� � ��تثمار في‬ ‫تقريرها الصادر في أغس� � ��طس ع� � ��ام ‪ 2013‬ما يلي‪:‬‬ ‫رغ� � ��م إدخ� � ��ال عديد م� � ��ن التعديالت عل� � ��ى القوانني‬ ‫والتشريعات في معظم الدول العربية بهدف تشجيع‬ ‫وجذب االستثمارات األجنبية‪ ،‬خاصة املباشرة منها‪،‬‬ ‫دول املنطق� � ��ة ل� � ��م تنجح في أن تصب� � ��ح مواقع جذب‬ ‫مهمة لالس� � ��تثمار األجنبي املباش� � ��ر‪ ،‬مقارنة بغيرها‬ ‫من الدول النامية «هذه املالحظة في تقرير املؤسسة‬ ‫العربية لضمان االس� � ��تثمار تتطلب اهتماماً جدياً من‬ ‫قبل احلكومات العربية»‪.‬‬ ‫ً‬ ‫يوضح التقرير املشار إليه آنفا أن االستثمارات‬ ‫األجنبية املباش� � ��رة بلغت في عام ‪ 2012‬ما يربو على‬ ‫‪ 1.3‬تريليون دوالر‪ ،‬وعلى املستوى العاملي‪ ،‬انخفضت‬ ‫عن مستواها البالغ ‪ 1.6‬تريليون دوالر في عام‪.2011‬‬ ‫وقد اس� � ��تحوذت الدول النامية على ما نسبته ‪ 52‬في‬ ‫املائة من تدفقات االس� � ��تثمار املباشر في عام ‪،2012‬‬ ‫وبلغت حص� � ��ة البلدان العربية من هذه التدفقات ‪47‬‬ ‫ملي� � ��ار دوالر‪ .‬ويعني هذا املبل� � ��غ انخفاضاً عما جنته‬ ‫البل� � ��دان العربية في الس� � ��نوات الس� � ��ابقة‪ ،‬حيث بلغ‬ ‫‪ 76.3‬مليار دوالر في عام ‪ 2009‬و‪ 96.3‬مليار دوالر‬ ‫في عام ‪ .2008‬وال بد أن انعكاس� � ��ات أحداث الربيع‬ ‫العربي على عدد من البلدان العربية قد ساهمت في‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 21-25.indd 24‬‬


‫اقتصاد‬ ‫خفض جاذبية البيئات االس� � ��تثمارية فيها‪ .‬وأهم من‬ ‫ذلك أن تدفقات االستثمارات العربية البينية ال تزال‬ ‫متواضعة وبلغت ‪ 3.4‬مليارات دوالر في عام ‪.2012‬‬ ‫ميث� � ��ل االس� � ��تثمار األجنب� � ��ي املباش� � ��ر للعديد من‬ ‫البلدان النامي� � ��ة مصدراً مهماً لألم� � ��وال التي تتطلبها‬ ‫عملي� � ��ات اإلعمار واالس� � ��تثمار‪ ،‬ولذل� � ��ك قامت بتطويع‬ ‫قوانينها وأنظمتها وك َّيفت إداراتها للتعامل بحساس� � ��ية‬ ‫مع املس� � ��تثمرين األجانب وتس� � ��هيل إجراءات تأس� � ��يس‬ ‫املش� � ��اريع أو اقتناء األصول‪ .‬يضاف إلى ذلك أن عديداً‬ ‫من البل� � ��دان النامية أو تلك املتحول� � ��ة لنظام االقتصاد‬ ‫احل� � ��ر‪ ،‬مثل بلدان أوربا الش� � ��رقية‪ ،‬ق� � ��د أصبحت أكثر‬ ‫توافقاً وتفهماً ملعايير االس� � ��تثمار وحقوق املس� � ��تثمرين‬ ‫ومتكينه� � ��م من جل� � ��ب األموال وإخ� � ��راج األرباح وتعديل‬ ‫األنظمة الضريبية لكي تكون أكثر مالءمة للمستثمرين‪،‬‬ ‫وبحي� � ��ث ال تكون ط� � ��اردة‪ ،‬وكذل� � ��ك اعتم� � ��اد اتفاقيات‬ ‫االزدواج الضريب� � ��ي‪ .‬أيض� � ��ا‪ ،‬عملت ه� � ��ذه البلدان على‬ ‫حماي� � ��ة املس� � ��تثمرين من مخاط� � ��ر مص� � ��ادرة األموال‬ ‫واألصول العينية والتأكيد على عدم تأميم تلك األموال‬ ‫واألصول‪ .‬وغني عن البيان أن البلدان العربية أصبحت‬ ‫تتبنى هذه القوانني واألنظمة‪ ،‬لكن ال تزال هناك نخب‬ ‫سياس� � ��ية تط� � ��رح مفاهي� � ��م االقتصاد الش� � ��مولي وتثير‬ ‫املخاوف في أوس� � ��اط املس� � ��تثمرين مبا يع� � ��زز العزوف‬ ‫لديهم عن االستثمار في البلدان العربية‪.‬‬

‫معالم التطور واإلصالح‬

‫ميك� � ��ن للم� � ��رء أن يح� � ��دد معال� � ��م الطريق نحو‬ ‫املستقبل االقتصادي العربي كما يلي‪:‬‬ ‫أوالً‪ :‬تعزز االس� � ��تقرار السياسي ودعم األنظمة‬ ‫املؤسسية وتوفير القوانني املالئمة لتحفيز االستثمار‬ ‫في جميع األنشطة االقتصادية‪.‬‬ ‫ثاني � � �اً‪ :‬حتديد املش� � ��اريع الرئيس� � ��ة التي تتطلب‬ ‫متويالت ميس� � ��رة في مختلف البلدان العربية وتقرير‬ ‫تكاليفها اإلجمالية‪.‬‬ ‫ثالثاً‪ :‬اعتماد مشاريع استثمارية مناسبة للميزات‬ ‫النس� � ��بية في مختلف البل� � ��دان العربية التي ميكن أن‬ ‫حتقق عوائد على رؤوس األموال املوظفة فيها‪.‬‬ ‫رابعاً‪ :‬تنش� � ��يط األس� � ��واق املالية وعمليات إدراج‬ ‫الش� � ��ركات فيها ودع� � ��م عمليات التنس� � ��يق والتكامل‬ ‫بني هذه األس� � ��واق مبا يتيح للمستثمرين اقتناء وبيع‬ ‫مستقبل العرب االقتصادي‬ ‫‪4/22/15 10:57:30 AM‬‬

‫األصول بشفافية ويسر‪.‬‬ ‫خامس � � �اً‪ :‬توفي� � ��ر بيئ� � ��ة أعمال مالئم� � ��ة للقطاع‬ ‫اخلاص ف� � ��ي البل� � ��دان العربي� � ��ة‪ ،‬وحتري� � ��ر عمليات‬ ‫التملك‪ ،‬مبا ميكن من تنش� � ��يط حركة االس� � ��تثمارات‬ ‫البيني� � ��ة ويوفر فرصاً لتدف� � ��ق رؤوس األموال العربية‬ ‫على جميع البلدان املضيفة لالستثمار‪.‬‬ ‫سادس � � �اً‪ :‬تش� � ��جيع إقام� � ��ة صنادي� � ��ق اس� � ��تثمار‬ ‫متخصصة في البلدان العربي� � ��ة‪ ،‬بحيث تكون هناك‬ ‫صناديق لالستثمار في الزراعة والصناعة والسياحة‬ ‫واإلس� � ��كان واخلدمات احليوية‪ .‬وميكن أن تدرج هذه‬ ‫الصناديق في األسواق املالية العربية مبا يتيح جلميع‬ ‫املواطنني العرب اقتناء وحداتها االستثمارية‪.‬‬ ‫سابعاً‪ :‬دعم عمليات الش� � ��راكة االستثمارية بني‬ ‫املس� � ��تثمرين احملليني والعرب واألجانب في مختلف‬ ‫األنش� � ��طة وفي جميع البلدان العربية من أجل جذب‬ ‫املزيد من األموال واالس� � ��تفادة من اخلبرات التقنية‬ ‫واإلدارية املتوافرة لدى األطراف األجنبية‪.‬‬ ‫ثامناً‪ :‬التركيز على األعمال واألنشطة التي ميكن‬ ‫أن تخلق فرص عمل للش� � ��باب املتدفقني إلى أسواق‬ ‫العمل في مختل� � ��ف البلدان العربية‪ ،‬ومنها أنش� � ��طة‬ ‫الصناعات التحويلية التي حتظى مبيزات نسبية‪.‬‬ ‫تاس� � ��عاً‪ :‬دعم جهود حتويل االقتصادات العربية‬ ‫إلى اقتص� � ��ادات تعتمد على العلوم واملعرفة واجلهود‬ ‫اإلنس� � ��انية أكثر من اعتمادها عل� � ��ى املوارد الطبيعية‬ ‫وامل� � ��واد اخلام‪ ،‬مث� � ��ل االقتص� � ��ادات النفطية‪ .‬وجتب‬ ‫االس� � ��تفادة من جت� � ��ارب بلدان صناعي� � ��ة مهمة‪ ،‬مثل‬ ‫اليابان وكوري� � ��ا اجلنوبية والصني والهند لتعزيز هذا‬ ‫التحول النوعي في احلياة االقتصادية‪.‬‬ ‫عاشراً‪ :‬تطوير عمليات التكامل االقتصادي بني‬ ‫مختل� � ��ف البلدان العربية‪ ،‬وحتس� �ي��ن عمليات التبادل‬ ‫التجاري البينية‪ ،‬وتطوي� � ��ع القوانني واألنظمة حلركة‬ ‫العاملني ب� �ي��ن هذه البلدان مبا يعزز إمكانات الوحدة‬ ‫االقتصادية العربية خالل العقود املقبلة‪.‬‬ ‫إن م� � ��ا س� � ��بق حتدي� � ��ده لي� � ��س جدي� � ��داً‪ ،‬وقد مت‬ ‫التطرق له من قبل العديد من املسؤولني واملختصني‬ ‫االقتصادي� �ي��ن‪ ،‬لكن إمكان� � ��ات تطبيقه متثل حتديات‬ ‫مهمة للمس� � ��تقبل االقتص� � ��ادي العربي‪ .‬وتظل اإلرادة‬ ‫السياس� � ��ية ذات أهمي� � ��ة بالغة لبلوغ تل� � ��ك األهداف‬ ‫وحتقيق اآلمال العريضة لشعوب العالم العربي >‬ ‫‪25‬‬

‫‪may 21-25.indd 25‬‬


‫قضايا عامة‬

‫التطرُّف‪ ...‬محمود ًا ومذموم ًا؟!‬ ‫د‪ .‬سعيد إسماعيل علي‬

‫أكادميي من مصر‬

‫ما إن نرى كلمة التطرف أمامنا‪ ،‬مكتوبة ومنطوقة‪ ،‬حتى تتداعى أمام‬ ‫أذهاننا صورة قميئة‪ ،‬تتلوث بالدم والتخريب والقتل‪ ،‬والتخاصم والتشنيع‪،‬‬ ‫مع أننا إذا رجعنا إلى معناها الحقيقي‪ ،‬فسنجد أنها مع ما يمكن أن تعنيه‬ ‫بما سبق‪ ،‬فإنها أيض ًا يمكن أن تعني من الصفات ما يقف على طرف‬ ‫النقيض من ذلك‪.‬‬ ‫إن «ال��ت��ط �رُّف» ف��ي األص���ل ه��و «ح��ي��ود» ع��ن ح��د االع��ت��دال والتوسط‪،‬‬ ‫ولتوضيح ذل��ك‪ ،‬انظر إلى شخص يمسك بأنبوب مملوء بسائل ما‪،‬‬ ‫أي��ا ك��ان‪ ،‬ويجعله بين يديه في وض��ع أفقي‪ ،‬ف��إذا ضغط على منطقة‬ ‫ال��وس��ط‪ ،‬فسيجد تحرُّك ًا للسائل‪ ،‬بعضه إل��ى جهة اليمين‪ ،‬وبعضه‬ ‫إلى جهة اليسار‪.‬‬

‫وهكذا‪ ،‬ف� � ��إذا كان القتل والذبح والتفجير واحلرق‪،‬‬ ‫وما س� � ��ار على هذا الطريق تطرف � � �اً مذموماً‪ ،‬من حيث‬ ‫ما يحمله من أس� � ��باب وصور تخ ِّرب وال تبني‪ ،‬متزِّق وال‬ ‫تلح� � ��م‪ ،‬فإن كل صور اإلبداع الفن� � ��ي واألدبي والفكري‪،‬‬ ‫وأعم� � ��ال النض� � ��ال الوطني‪ ،‬واالستش� � ��هاد في س� � ��بيل‬ ‫العقيدة‪ ،‬في حقيقة أمره� � ��ا هي أيضاً صورة من صور‬ ‫التط ُّرف‪ ،‬لكن إلى جهة اإليجاب والبناء‪.‬‬ ‫وإذا كان التط ُّرف اإليجابي له مناخه الذي ينمو فيه‬ ‫ويزدهر‪ ،‬من حيث ش� � ��يوع مناخ احلرية وس� � ��يادة مبادئ‬ ‫الدميقراطية‪ ،‬واإلعالء‪ ،‬نظرياً وعملياً من ش� � ��أن حقوق‬ ‫اإلنس� � ��ان‪ ،‬والتأكيد على س� � ��يادة القانون‪ ،‬فإن التطرف‬ ‫املؤذي له أس� � ��بابه التي توفر تربة الس� � ��تزراعه‪ ،‬حيث ال‬ ‫يوجد إنس� � ��ان هو بطبيعته شرير‪ ،‬من حيث شدة الفقر‪،‬‬ ‫والقهر واالستغالل واالستبداد والظلم‪.‬‬ ‫وم� � ��ن املالح� � ��ظ أن التطرف ينص� � ��رف في معظم‬ ‫األح� � ��وال إلى الناحية الدينية‪ ،‬ف� � ��ي ثقافتنا االجتماعية‬ ‫‪26‬‬

‫‪4/22/15 1:13:24 PM‬‬

‫املعاصرة‪ ،‬مع أنه – من الناحية الفكرية واالجتماعية ‪-‬‬ ‫له وجود يتمثل في العلمانية على س� � ��بيل املثال‪ ،‬واألكثر‬ ‫صراح� � ��ة من هذا ما أصبح البعض يلمح إليه من تنامي‬ ‫ظاهرة اإلحلاد لدى بعض الشباب‪ ،‬بعد أن كان احلديث‬ ‫منذ عقود عدة عما ُس ّمي «الصحوة اإلسالمية»‪.‬‬ ‫وف� � ��ي أواخ� � ��ر س� � ��بعينيات القرن املاض� � ��ي‪ ،‬عرفت‬ ‫مصر موجة من التط ُّرف الس� � ��لبي‪ ،‬الذي كان قد جتلى‬ ‫بصورة متوحشة مبقتل الشيخ الذهبي الذي كان وزيراً‬ ‫لألوقاف‪ ،‬وهذا ما دفع جريدة األهرام‪ ،‬أن تدير حواراً‬ ‫رائعاً‪ ،‬تداول على الكتابة فيه جمع من كبار املفكرين‪.‬‬ ‫واملؤس� � ��ف حقاً‪ ،‬أن مير أكثر من ‪ 35‬عاماً على هذا‬ ‫احلوار‪ ،‬وجند أن تاريخ صالحيته مازال قائماً‪ ،‬وإن دل‬ ‫هذا على ش� � ��يء‪ ،‬فإمنا يدل على أن الواقع لم يسر نحو‬ ‫االنفراج بالنسبة لهذه القضية‪ ،‬مع أن الكثير من مالمح‬ ‫املجتم� � ��ع قد تغيرت‪ ،‬ذلك أنه بعد ما يقرب من عام من‬ ‫هذا احلوار‪ ،‬لقي رئيس الدولة نفس� � ��ه‪ ،‬أنور السادات‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 26-29.indd 26‬‬


‫مصرعه‪ ،‬في الس� � ��ادس من أكتوبر عام ‪ ،1981‬وما سبق‬ ‫ه� � ��ذا من اعتقال الس� � ��لطة ألكثر من ألف ش� � ��خص من‬ ‫مختلف التيارات والتوجهات السياس� � ��ية والفكرية‪ ،‬من‬ ‫دون تفرقة بني ميني أو يسار‪.‬‬

‫بداية احلوار‬

‫كانت بداية احل� � ��وار على يد د‪.‬زكي جنيب محمود‪،‬‬ ‫توجهه الفكري هو‬ ‫في عدد ‪ ،1980/2/13‬حيث وجدنا ّ‬ ‫احلاكم في رؤيته عن التط ُّرف‪ ،‬فهو رائد من ر ّواد فلسفة‬ ‫التحليل التي تس� � ��عى إلى التحديد الدقيق ملا نس� � ��تخدم‬ ‫م� � ��ن مفاهي� � ��م ومصطلحات‪ ،‬كما هو الش� � ��أن في املنهج‬ ‫العلم� � ��ي بصفة عامة‪ .‬ومن هنا فق� � ��د نظر إلى القضية‬ ‫على أس� � ��اس أن التطرف يبدأ أوالً ف� � ��ي فكرة أو أفكار‬ ‫تس� � ��يطر على هذا اإلنسان أو ذاك‪ ،‬فتدفعه إلى تص ُّرف‬ ‫هنا وهناك‪ ،‬ما يكون مفزعا بالضرورة للمجتمع‪ ،‬ومن ثم‬ ‫ال جند في العلوم الطبيعية والرياضية تط ُّرفاً‪ ،‬حيث إن‬ ‫التطرف‪ ...‬محمود ًا ومذموم ًا؟!‬ ‫ُّ‬ ‫‪4/22/15 10:58:37 AM‬‬

‫نهجها األساس� � ��ي يقوم على التحديد الدقيق ملا تتعامل‬ ‫معه من أفكار ونظريات‪.‬‬ ‫واألمر على عكس هذا في الدراس� � ��ات اإلنس� � ��انية‬ ‫واالجتماعية‪ ،‬وفي القلب منها الدراسات الدينية‪ ،‬حيث‬ ‫الش� � ��عار الذي يظلل الدراس� � ��ات والبحوث واملناقشات‬ ‫بصدد أي قضية ه� � ��و «فيها قوالن ‪ ،»...‬كناية عن تعدد‬ ‫املواقف وتن � � � ّوع االجتهادات‪ ،‬بل أحياناً ما يتندر البعض‬ ‫بالقول‪ :‬إن احلقيقة تق� � ��ول‪ :‬بل فيها عديد من األقوال!‬ ‫وم� � ��ن هنا فإن التط� � ��رف الذي نراه بصف� � ��ة خاصة في‬ ‫مجموعات من ش� � ��بابنا هو نتيجة غموض األفكار التي‬ ‫تبث لهم في أدمغتهم‪ ،‬ولو أننا نحن الكتَّاب أو اجلامعيني‬ ‫أو كل م� � ��ن ميل� � ��ك القدرة على التعلي� � ��م بجميع صوره ‪-‬‬ ‫يقول مفكرنا عن حق ‪ -‬كنا نتصدى للتوضيح العلمي أو‬ ‫ال� � ��ذي يقرب من العلم لألفكار التي تتخذ صوراً متباينة‬ ‫خللصنا هؤالء الش� � ��باب م� � ��ن كثير مما يوج� � ��دون فيه‪،‬‬ ‫بحيث يندفعون إلى التطرف وهم ال يشعرون‪.‬‬ ‫‪27‬‬

‫‪may 26-29.indd 27‬‬


‫لكن مفكرنا إذ يركز في كل مناقشاته على توضيح‬ ‫األفكار‪ ،‬فإنه ميكن أن يُتهم بإغفال ما هو أبرز وأش� � ��د‬ ‫فع� �ل��ا‪ ،‬أال وه� � ��و جملة املتغيرات التي تش� � ��كل الس� � ��ياق‬ ‫املجتمعي‪ ،‬إذ لو كانت املشكلة بالفعل هي مشكلة فكرية‪،‬‬ ‫ألمكن مواجهتها بقدر من اليسر‪.‬‬ ‫فإذا ما تساءلنا‪ :‬وهل معنى هذا أن املجتمع مسؤول‬ ‫عن هذه الظاهرة؟‬ ‫تك� � ��ون اإلجاب� � ��ة‪ ،‬أنن� � ��ا إذا أردنا باملجتم� � ��ع أنظمته‬ ‫املختلف� � ��ة‪ ،‬مبا في ذل� � ��ك التعليم ب� � ��كل درجاته‪ ،‬فتمكن‬ ‫اإلجابة باإليج� � ��اب‪ ،‬أن نظام التعليم مس� � ��ؤول إلى حد‬ ‫كبير‪ ،‬ألنه أخرج لنا ش� � ��باباً بغير منهج في التفكير‪ ،‬كما‬ ‫متت اإلشارة منذ قليل‪.‬‬ ‫على أن مفهوم املجتمع ميكن توس� � ��يعه والنظر إليه‬ ‫عل� � ��ى أنه يعني املرحلة املعاصرة من التاريخ اإلنس� � ��اني‬ ‫كل� � ��ه‪ .‬وفي ه� � ��ذه احلالة‪ ،‬الب� � ��د من الق� � ��ول إن املجتمع‬ ‫اإلنس� � ��اني بأسره يجتاز اليوم‪ ،‬بل وكل يوم‪ ،‬مرحلة قلقة‬ ‫اهتزت فيها املعايير‪ ،‬فلم تعد ثابتة‪ ،‬كما كانت احلال في‬ ‫الق� � ��رن املاضي‪ ،‬وكما نرجو أن تك� � ��ون في القرن اآلتي‪.‬‬ ‫واهت� � ��زاز املعايير هذا إمنا نتج عن حتول عميق واس� � ��ع‬ ‫املدى في كل أنظم� � ��ة احلياة‪ ،‬اجتماعية وسياس� � ��ية‪...‬‬ ‫إلخ‪ ،‬بحيث جند أن من يقف اآلن وينظر أمامه‪ ،‬فإنه ال‬ ‫يدري أين الصواب وأين اخلطأ؟ ومن هنا يصبح سريع‬ ‫التأثر مبن يدعوه إلى ترك احلاضر والعودة إلى صورة‬ ‫احلياة املاضية‪ ،‬مبفهوم مشوه‪ ،‬متصوراً فيه االستقامة‬ ‫والصحة والصواب‪ ،‬وكثيراً ما تؤدي به تلك الصور إلى‬ ‫التطرف في الفكر الديني‪.‬‬ ‫وإذا كانت هذه وجهة نظر «فيلسوف»‪ ،‬فماذا يكون‬ ‫عليه الرأي في جهة أخرى؟‬

‫التطرف والتعصب‬

‫مببض� � ��ع الطبيب النفس� � ��ي املاهر‪ ،‬يف� � ��رق د‪.‬يحيى‬ ‫الرخاوي‪ ،‬ف� � ��ي «األه� � ��رام» ‪ 1980/2/14‬بني التطرف‬ ‫والتعصب‪ ،‬حيث ميتدح األول ويشجب الثاني‪ ،‬فالتطرف‬ ‫هو نقطة قصوى في حركة مستمرة‪ ،‬وهو بذلك ضرورة‬ ‫حتمي� � ��ة كنقطة في حركة‪ ،‬ولكنه ميك� � ��ن أن يكون كارثة‬ ‫التعصب‬ ‫مخيف� � ��ة كنهاية لطرف‪ ،‬واحلال� � ��ة األخيرة هى‬ ‫ُّ‬ ‫واجلمود‪.‬‬ ‫وف� � ��رط هجومن� � ��ا عل� � ��ى التطرف – م� � ��ع ضرورته‬ ‫املرحلي� � ��ة ‪ -‬قد يحم� � ��ل معاني اخلوف م� � ��ن االختالف‬ ‫‪28‬‬

‫‪4/22/15 10:58:44 AM‬‬

‫أساساً‪ ،‬فاحلوار يحتاج إلى طرفني‪ :‬طرف أول‪ ،‬وطرف‬ ‫آخ� � ��ر‪ .‬إذن فكل منهم� � ��ا يقف على ط� � ��رف القضية في‬ ‫مواجهة مثرية‪ ،‬وهذا أساس مبدئي لبداية احلوار‪.‬‬ ‫وعندم� � ��ا أدل� � ��ى الطبيب األديب د‪.‬يوس� � ��ف إدريس‬ ‫بدلوه في القضية‪ ،‬ف� � ��ي ‪ ،1980/2/20‬وقف في صف‬ ‫ما ذه� � ��ب إليه الرخ� � ��اوي‪ ،‬بأن ليس كل تطرف س� � ��يئاً‪،‬‬ ‫فالتطرف الس � � �ـــيئ هو ما يس� � ��ير وفق نهج «املونولوج»‪،‬‬ ‫أما اإليــجابي فهـــــو الذي ينهج نهج «الديالوج»‪ .‬األول ال‬ ‫يتصور جديراً بالوجود إال هو‪ ،‬وهذا يعني أنه ال يعترف‬ ‫باآلخ� � ��ر‪ ،‬فكأن� � ��ه يحدث نفس� � ��ه‪ ،‬وهو م� � ��ا يعنيه مفهوم‬ ‫«مونولوج»‪ ،‬أما الثاني‪ ،‬فهو يُق ُّر بوجود آخر يس� � ��عى إلى‬ ‫منافسته وهزميته‪ ،‬وهو ما يعنيه مفهوم «الديالوج»‪.‬‬ ‫ولو اس� � ��تعرضنا تاري� � ��خ املجتمع� � ��ات األوربية منذ‬ ‫العصور الوس� � ��طى إلى العصر احلالي‪ ،‬لوجدنا أن سر‬ ‫القفزات التي س� � ��ار بها التطور في تلك املجتمعات إمنا‬ ‫يرجع إلى الصراع املتطرف بني عديد من األفكار‪.‬‬ ‫ولو س� � ��أل س� � ��ائل أديبنا إدريس عن حتديد مفهوم‬ ‫أوض� � ��ح للتطرف‪ ،‬فإنه‪ ،‬وفقا للمنهج املاركس� � ��ي‪ ،‬يوضح‬ ‫هذا بنظرة كلية سريعة إلى املسار العام حلركة املجتمع‬ ‫املصري‪ ،‬منذ القرن التاسع عشر‪ ،‬وانضواء هذا املجتمع‬ ‫حتت الفكرة الشمولية اإلسالمية التركية املتخلفة‪ ،‬إلى‬ ‫أن اكتشف‪ ،‬من خالل بعثات محمد علي إلى فرنسا وما‬ ‫ّ‬ ‫بش� � ��ر به رفاعة الطهطاوي من أف� � ��كار‪ ،‬الفكر العلماني‬ ‫احلديث‪ ،‬ونش� � ��أ ص� � ��راع بني الفكرت� �ي��ن أدى إلى ظهور‬ ‫الفك� � ��رة الثالثة‪ ،‬فكرة «الوطن املص� � ��ري»‪ ،‬وكانت مصر‬ ‫قبل ذلك مجرد جزء من اإلمبراطورية العثمانية‪.‬‬ ‫وعندما ف ّكر إدريس عن حل لذلك‪ ،‬وجد– في رأيه‬ ‫ أنه يكم� � ��ن في ضرورة قيام حياة دميقراطية حقيقية‬‫تتي� � ��ح للتي� � ��ارات املتخفي� � ��ة أن تخوض جترب� � ��ة العلنية‪،‬‬ ‫وينكش� � ��ف ما قد يكون فيها من حمق حني تصطرع في‬ ‫ما بينها من األفكار‪.‬‬ ‫وإذا س� � ��ألنا‪ ،‬مرة أخرى عن مدى مسؤولية املجتمع‬ ‫في التطرف‪ ،‬جند الناقد األدبي الكبير د‪.‬لويس عوض‪،‬‬ ‫يلخص اإلجابة في «األه� � ��رام» ‪ 1980/2/26‬في فكرة‬ ‫يكاد يكون حولها إجماع بني مختلف املفكرين‪ ،‬بدرجات‪،‬‬ ‫وتفسيرات مختلفة‪ ،‬أال وهي أن املجتمع الذي ليست فيه‬ ‫وس� � ��ائل التعبير احلر هو املجتمع الذي يدفع باملواطنني‬ ‫إلى التط ُّرف‪ ،‬فالتطرف في العادة ظاهرة نفسية سيئة‬ ‫تؤدي إلى االنفجار نتيجة للكبت‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 26-29.indd 28‬‬


‫قضايا عامة‬ ‫وق� � ��د يجيء التطرف جنوحاً نح� � ��و املثالية‪ ،‬وهو ما‬ ‫يكون دافعاً للحرك� � ��ة إلى األمام والبناء‪ ،‬كما نلمس لدى‬ ‫عمالق� � ��ة الفكر واإلص� �ل��اح‪ ،‬فما جعلنا نعل� � ��ي من قدر‬ ‫أرسطو‪ ،‬ولوك‪ ،‬وديكارت‪ ،‬والغزالي‪ ،‬وابن سينا‪ ،‬ورسل‪،‬‬ ‫وغيرهم‪ ،‬إمنا ألنهم لم يكونوا عاديني‪ ،‬بل «ش� � ��ذوا» إلى‬ ‫أعلى‪ ،‬سعياً إلقالة املجتمع من عثرته‪ ،‬والتوجيه املستنير‬ ‫إلى آفاق التجديد والتطوير‪.‬‬

‫أوهام العظمة!‬

‫لكن يجب أن من ّيز بني هؤالء‪ ،‬وبني نفر يس� � ��تمدون‬ ‫تطرفهم من أوهام العظمة وتخيلهم أنهم سوف يستولون‬ ‫على الس� � ��لطة‪ ،‬وأن الغنيمة س� � ��وف تكون لهم‪ ،‬وما يتلو‬ ‫ذلك من س� � ��لب ونهب‪ ،‬مغلفني ذلك بأش� � ��كال زائفة من‬ ‫السعي إلى التطوير‪.‬‬ ‫وهناك نوع آخر من املتطرفني‪ ،‬ممن هم في حاجة‬ ‫إلى محللني واختصاصيني نفسيني‪ ،‬وآخرون بحاجة إلى‬ ‫وزارة الداخلية‪ ،‬ولكن‪ ،‬بعد أن يقال كل شيء‪.‬‬ ‫والتط ُّرف املؤدي إلى حلم البعض باملثالية‪ ،‬ال يكون‬ ‫معتنق� � ��وه بحاجة إلى اختصاصيني نفس� � ��يني‪ ،‬وال وزارة‬ ‫الداخلية‪ ،‬وإمنا عالجهم باحلوار والثقافة اإلنس� � ��انية‪،‬‬ ‫وهذه هي القاعدة الكلية‪.‬‬ ‫وينض� � ��م السياس� � ��ي واملفك� � ��ر فتحي رض� � ��وان‪ ،‬من‬ ‫زعماء احلزب الوطني األصل� � ��ي‪ ،‬حزب مصطفى كامل‬ ‫إل� � ��ى القائلني بإيجابي� � ��ة التطرف‪ ،‬عكس ما هو ش� � ��ائع‬ ‫بني عموم الن� � ��اس‪ ،‬والكثرة الغالبة م� � ��ن أجهزة اإلعالم‬ ‫(األهرام ‪ ،)1980/3/4‬وأن الس� � ��معة السيئة للتط ُّرف‬ ‫جاءت نتيج� � ��ة اخللط بينه وبني العن� � ��ف‪ ،‬فالتطرف هو‬ ‫حركة باطنية نفسية أو عقلية‪ ،‬أو هما معاً‪ ،‬بينما العنف‬ ‫في األغلب األعم‪ ،‬هو حركة مادية قد تتجرد من بواعث‬ ‫فكري� � ��ة‪ ،‬ومذهبية‪ ،‬وتص� � ��در عن األف� � ��راد واجلماعات‬ ‫كرد فعل‪ ،‬خليبة األم� � ��ل‪ ،‬أو العجز عن حتقيقه‪ ،‬أو نفاد‬ ‫الصبر‪ ،‬أو قل� � ��ة احليلة‪ ،‬أو النقمة على املجتمع الذي ال‬ ‫يب� � ��دو مدركا ملا يدور ف� � ��ي دواخل أهل العنف من طموح‬ ‫ورغبة‪.‬‬ ‫ه� � ��ذا بينم� � ��ا التط� � ��رف ف� � ��ي ذات� � ��ه‪ ،‬حت ّرك س� � ��وي‬ ‫س� � ��ليم‪ ،‬نس� � ��ميه أحيان� � ��ا أخ� � ��رى باإلمي� � ��ان‪ ،‬فالتطرف‬ ‫واإلمي� � ��ان كالهم� � ��ا امتالء النف� � ��س اإلنس� � ��انية بعقيدة‬ ‫أو بفك� � ��رة‪ ،‬متلؤه� � ��ا‪ ،‬حت� � ��ى احلافة‪ ،‬متام� � ��ا كما ميتلئ‬ ‫اإلن� � ��اء بس� � ��ائل‪ ،‬بحي� � ��ث ال يبقى مكان لس� � ��ائل س� � ��واه‪،‬‬ ‫التطرف‪ ...‬محمود ًا ومذموم ًا؟!‬ ‫ُّ‬ ‫‪4/22/15 10:58:59 AM‬‬

‫والعقي� � ��دة أو الفك� � ��رة ف� � ��ي بداي� � ��ة حياته� � ��ا‪ ،‬متيل إلى‬ ‫التط � � � ُّرف‪ ،‬أو إل� � ��ى االس� � ��تحواذ الكامل عل� � ��ى النفس‪،‬‬ ‫والسيطرة الكلية على العقل‪ ،‬بحيث ال تعود هذه النفس‬ ‫قادرة على أن ترى شيئا سواها‪.‬‬ ‫وم� � ��ن هنا‪ ،‬فقد أحس� � ��ن بعض الذي� � ��ن قالوا إن‬ ‫اإلميان ه� � ��و جنون العقالء‪ ،‬يس� � ��تبد بهم فينس� � ��ون‬ ‫األهل والصحاب‪ ،‬واملش� � ��اق والصع� � ��اب‪ ،‬وال يقبلون‬ ‫لوم� � ��ة الئم‪ ،‬ول� � ��وال ه� � ��ذه اخلاصية م� � ��ن خصائص‬ ‫العقائ� � ��د إبان مولده� � ��ا‪ ،‬ملا وجدت فكرة‪ ،‬وال س� � ��اد‬ ‫دين‪ ،‬وهذه العقائ� � ��د مع الزمن‪ ،‬تصبح هي األصول‪،‬‬ ‫وما عداها ه� � ��و النقيض لها‪ ،‬اخلارج عليها‪ ،‬مع أنها‬ ‫في البداي� � ��ة بدت للمجتمع الذي ول� � ��دت فيه نقضا‬ ‫لألصول وثورة على التقاليد‪ ،‬وش� � ��ذوذاً عن املوروث‪،‬‬ ‫وس� � ��اق د‪.‬محمد علي أب� � ��و ريان الذي كان أس� � ��تاذاً‬ ‫للفلسفة بآداب اإلس� � ��كندرية‪ ،‬عدداً من األمثلة التي‬ ‫أ ّكد من خاللها ضرورة التط ُّرف في بعض الظروف‪،‬‬ ‫فالتط � � � ُّرف في الوطنية مطلوب‪ ،‬خاصة وقت الكفاح‬ ‫والنضال من أجل االستقالل أو النهوض احلضاري‪،‬‬ ‫وال ش� � ��ك في أن الوطنية املتطرفة ه� � ��ي التي كانت‬ ‫تخي� � ��ف الع� � ��دو أكثر م� � ��ن غيرها‪ ،‬م� � ��ع أن احملصلة‬ ‫النهائية لالنتصار قد حتتاج إلى املرونة واالتزان‪.‬‬ ‫وكذل� � ��ك التط ُّرف في طلب احلق ال يعتبر رذيلة‪،‬‬ ‫وأيضاً التط ُّرف في مش� � ��اعر احلب‪ ،‬ومثله التطرف‬ ‫في النزع� � ��ة الروحية التي تثم� � ��ر املواجد الصوفية‪،‬‬ ‫والرهبنة عند املسيحية‪.‬‬ ‫أما التط ُّرف في الفكر الذي أنتج املاركسية‪ ،‬فقد‬ ‫كانت له فوائده‪ ،‬ألنه لوال الدفعة املاركسية األولى ملا‬ ‫استيقظ ضمير الرأسمالية وهب زعماؤها إلصالح‬ ‫ما أفسده الدهر من الليبرالية االقتصادية‪.‬‬ ‫وهكذا‪ ،‬عندما ننتقد التط ُّرف ونندد به‪ ،‬خاصة‬ ‫في اآلونة احلاضرة‪ ،‬بفعل مظاهر مؤس� � ��فة مخربة‪،‬‬ ‫تؤدي إلى قتل وتش� � ��ريد وتدمير‪ ،‬يجب أال ننسى أن‬ ‫له مظاهر أخرى إيجابية تدفع بالعقل والفكر والفن‬ ‫والثقاف� � ��ة والعلم إل� � ��ى آفاق عال‪ ،‬وه� � ��ي مهمة يقع‬ ‫عاتقه� � ��ا على املفكرين والعلم� � ��اء واملثقفني على وجه‬ ‫العموم‪.‬‬ ‫ولعل هذا هو املضمون احلقيقي للدعاء الشهير‪:‬‬ ‫الله� � ��م أرنا احلق حقاً وارزقن� � ��ا اتباعه‪ ،‬وأرنا الباطل‬ ‫باط ً‬ ‫ال وارزقنا اجتنابه‪ ...‬اللهم آمني >‬ ‫‪29‬‬

‫‪may 26-29.indd 29‬‬


‫فكر‬

‫بول ريكور في الفكر الفلسفي العربي‬ ‫قراءة ببلوغرافية‬ ‫ماجد الشيباني‬

‫كاتب من السعودية‬

‫من الصعب ج��داً ومن الظلم حصر كل األعمال البحثية المكتوبة باللغة العربية‬ ‫والمترجمة ألعمال الفيلسوف الفرنسي المعاصر بول ريكور ‪-1913( Paul Ricoeur‬‬ ‫‪2005‬م) في مقال واحد‪.‬‬ ‫ولكن استقصاء ما أشير لهذا الفيلسوف بلغتنا من األسماء التي اهتمت بفلسفته‬ ‫ً‬ ‫ترجمة وبحث ًا ودراس� ً�ة في مقالنا هذا‪ ،‬قد يختزل الكثير مما هو موجود في أعمالهم‬ ‫التي اكتسحت المكتبة العربية راهن ًا‪.‬‬

‫وم� � ��ن الواجب ذك� � ��ره هنا قبل احلدي� � ��ث عن نقل‬ ‫نص� � ��وص بول ريكور إلى العربية‪ ،‬أن هذا الفيلس� � ��وف‬ ‫قد زار تونس عام ‪2002‬م‪ ،‬أي قبل وفاته بثالثة أعوام‪،‬‬ ‫من أجل تكرميه في بيت احلكمة التونسي‪ ،‬ولم مينعه‬ ‫كبر سنه من املشاركة وقبول دعوة األكادميية التونسية‬ ‫للعلوم واآلداب والفنون وهو في سن التسعني‪ .‬وهناك‬ ‫ أي في تونس ‪ -‬التقى بتلميذه القدمي اللبناني جورج‬‫زينات� � ��ي الذي كتب على يد ريكور أطروحته عندما كان‬ ‫طالباً في الدكتوراه بباريس عام ‪1960‬م‪.‬‬ ‫إن أولى احملاوالت لنقل نصوص هذا الفيلس� � ��وف‬ ‫َّ‬ ‫إل� � ��ى العربية تصعد إلى ع� � ��ام ‪2002‬م‪ ،‬ففي هذا العام‬ ‫ص� � ��درت ترجمة عربي� � ��ة بقلم املترج� � ��م العراقي فالح‬ ‫رحي� � ��م لكتاب ريك� � ��ور «محاضرات ف� � ��ي األيديولوجية‬ ‫واليوتوبيا»‪ ،‬وذلك عن دار الكتاب اجلديد في بيروت‪،‬‬ ‫وف� � ��ي ع� � ��ام ‪ ،2003‬ص� � ��درت ترجمت� � ��ان عربيتان عن‬ ‫املرك� � ��ز الثقافي العربي في بي� � ��روت لنصي بول ريكور‬ ‫الفلس� � ��فيني‪ ،‬األول‪ ،‬حتت عن� � ��وان‪« :‬نظرية التأويل ‪-‬‬ ‫اخلط� � ��اب وفائض املعن� � ��ى‪ ،»1973 ،‬قام به� � ��ا املترجم‬ ‫العراقي سعيد الغامني‪ ،‬والثاني‪ ،‬حتت عنوان «فلسفة‬ ‫‪30‬‬

‫‪4/22/15 10:33:47 AM‬‬

‫اإلرادة ‪ -‬اإلنس� � ��ان اخلط� � ��اء‪ ،»1950 ،‬قام بها املترجم‬ ‫اللبنان� � ��ي عدنان جنيب الدين‪ .‬وفي العام ذاته صدرت‬ ‫في دمش� � ��ق ترجمة عربية لكتاب ريكور «في التفسير‪،‬‬ ‫محاول� � ��ة في فرويد»‪ ،‬قام بها املترجم الس� � ��وري وجيه‬ ‫أسعد‪.‬‬ ‫وبعد ه� � ��ذا التاري� � ��خ‪ ،‬انطلق� � ��ت النق� � ��ول العربية‬ ‫لنصوص هذا الفيلس� � ��وف بقوة‪ ،‬فب� � ��رز من بني هؤالء‬ ‫العرب‪ ،‬املهتمني بفلسفة بول ريكور‪ ،‬املتفلسف اللبناني‬ ‫د‪.‬جورج زيناتي‪ ،‬إذ أسهم زيناتي في تقدمي الفيلسوف‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 30-33.indd 30‬‬


‫ريكور إلى املثقفني الع� � ��رب من خالل ترجمته الرائعة‬ ‫لكتاب «الذات عينها كآخ� � ��ر‪ »1990 ،‬مع كتابة مقدمة‬ ‫رائعة عن الكاتب والكتاب‪ ،‬وصدرت هذه الترجمة عن‬ ‫املنظم� � ��ة العربية للترجمة في بيروت عام‪ .2005 ‬وفي‬ ‫الع� � ��ام ذاته صدرت عن دار الكتاب اجلديد في بيروت‬ ‫ترجم� � ��ة كتاب ريك� � ��ور «صراع التأويالت‪ ...‬دراس� � ��ات‬ ‫هيرمينوطيقية»‪ ،‬بقلم منذر عياش� � ��ي‪ ،‬ومراجعة جورج‬ ‫زينات� � ��ي‪ ،‬الذي أع ّده حوارياً عربياً بامتياز‪ ،‬وخير رفيق‬ ‫لبول ريكور‪ ،‬شأنه شأن ابن رشد مع أرسطو‪.‬‬ ‫ونظراً ملا يحتله هذا الفيلس� � ��وف م� � ��ن مكانة بني‬ ‫الدارسني املتفلس� � ��فني العرب املعاصرين وغيرهم من‬ ‫التوجه بالكلية لنقل مؤلفاته األخرى‬ ‫املثقفني‪ ،‬جند أن‬ ‫ُّ‬ ‫ً‬ ‫إلى العربية كان قائما على قدم وساق‪ ،‬إذ مت نقل كتاب‬ ‫موس� � ��وعة ريكور «الزمان والس� � ��رد بتفرعات عناوينها‬ ‫الثالثة بني احلبكة والس� � ��رد التاريخي‪ ،‬والتصوير في‬ ‫املروي‪ »1983 ،‬إلى العربية‪،‬‬ ‫السرد القصصي‪ ،‬والزمان‬ ‫ّ‬ ‫حيث تن� � ��اوب عليه املترجم� � ��ان والناق� � ��دان العراقيان‬ ‫س� � ��عيد الغامني وفالح رحيم‪ ،‬فق� � ��ام الغامني بترجمة‬ ‫اجلزأي� � ��ن األول والثالث‪ ،‬في ح� �ي��ن اكتفى فالح رحيم‬ ‫بترجمة اجلزء الثاني منه‪ .‬واألجزاء الثالثة نظر فيها‬ ‫مراجعاً د‪.‬جورج زيناتي‪ .‬كما أس� � ��هم زيناتي بدوره مرة‬ ‫أخرى حني تصدى لنقل كتاب ريكور «الذاكرة والتاريخ‬ ‫والنس� � ��يان» ‪2000‬م إلى العربي� � ��ة‪ ،‬مصدراً إياه عن دار‬ ‫الكتاب اجلديد في بيروت عام ‪.2009‬‬ ‫ولم يقف األمر عند هذا احلد‪ ،‬بل وجدنا محاوالت‬ ‫جادة في اإلس� � ��هام في نقل نصوص أخرى لبول ريكور‬ ‫إل� � ��ى العربية‪ ،‬جاءت هذه املرة في تونس‪ ،‬إذ قام املركز‬ ‫الوطني للترجمة فيها بنقل أكثر من نص فلسفي لهذا‬ ‫الفيلسوف‪ ،‬فكان أول هذه النقول العربية كتاب «سيرة‬ ‫االعتراف»‪ ،‬وهي عبارة عن ثالث دراسات لريكور قام‬ ‫بنقله� � ��ا فتحي إنقزو‪ ،‬وصدرت عن دار س� � ��يناتورا عام‬ ‫‪2010‬م‪ ،‬ليتل� � ��وه بعد ذلك نقل محمد محجوب لكتابي‬ ‫ريكور «مق� � ��االت ومحاضرات في التأويلية»‪ ،‬و«الوجود‬ ‫واملاهي� � ��ة واجلوهر ل� � ��دى أفالطون وأرس� � ��طو»‪ ،‬وهو‬ ‫مجموعة محاضرات ألقاه� � ��ا عام ‪ 1954 - 1953‬في‬ ‫جامعة شتراسبورج‪ ،‬فرنس� � ��ا‪ ،‬إذ اشترك مع محجوب‬ ‫في نق� � ��ل الكتاب األخير كل من فتح� � ��ي إنقزو وحبيب‬ ‫اجلربي ومحمد بن ساس� � ��ي‪ ،‬وص� � ��در عام ‪2012‬م عن‬ ‫دار سيناتورا‪.‬‬ ‫بول ريكور في الفكر الفلسفي العربي ‪ ...‬قراءة ببلوغرافية‬ ‫‪4/22/15 10:33:49 AM‬‬

‫ولك� � ��ن‪ ،‬وبنظ� � ��رة س� � ��ريعة على س� � ��نة اإلصدارات‬ ‫ملجموع� � ��ة األعم� � ��ال املترجمة‪ ،‬جن� � ��د أن معظمها جاء‬ ‫بع� � ��د وفاة بول ريك� � ��ور‪ ،‬وهذا تأكيد عل� � ��ى أننا ما زلنا‬ ‫في طور نقل الفلس� � ��فة احلديثة واملعاصرة بأش� � ��كالها‬ ‫املختلفة‪ ،‬وأنساقها املتعددة‪ ،‬وتوجهاتها املتناقضة إلى‬ ‫مجتمعاتنا‪ ،‬كما جاء في وصف أس� � ��تاذ الفلس� � ��فة في‬ ‫جامعة تونس فتحي التريكي‪ ،‬وهو يتحدث عن اللحظة‬ ‫التونسية في فلس� � ��فة ميشيل فوكو‪ ،‬في ندوة الفلسفة‬ ‫ف� � ��ي الوطن العربي في مائة ع� � ��ام‪ ،‬الصادرة عن مركز‬ ‫دراس� � ��ات الوحدة العربية ع� � ��ام ‪ ،2002‬وإن كان فتحي‬ ‫التريكي لم يُش� � ��ر للمنجز الفلسفي عند بول ريكور‪ ،‬بل‬ ‫اكتفى بالتنويه واإلشادة بالفيلسوف الفرنسي ميشيل‬ ‫فوكو حصراً‪.‬‬ ‫وبع� � ��د ص� � ��دور نقول عربي� � ��ة ملؤلفات ب� � ��ول ريكور‬ ‫الفلسفية‪ ،‬وجدنا في السنوات األخيرة ‪ -‬أي بعد وفاة‬ ‫هذا الفيلس� � ��وف ‪ -‬أن اإلقب� � ��ال زاد عليها عند القراء‬ ‫الع� � ��رب‪ ،‬ومن ثم الكتاب� � ��ة فيها والتألي� � ��ف‪ ،‬وهنا جند‬ ‫أعماالً فردية وجماعية أس� � ��همت في التنويه واإلشادة‬ ‫والتحليل بقيمة منجز هذا الفيلسوف املعاصر‪.‬‬

‫بصمة عربية مغربية‬

‫وهن� � ��ا جند بصمة عربية مغربي� � ��ة بامتياز قام بها‬ ‫د‪ .‬عبدالل� � ��ه البرميي ف� � ��ي تصديه ملهم� � ��ة الكتابة عن‬ ‫الفيلس� � ��وف ب� � ��ول ريك� � ��ور‪ ،‬ضم� � ��ن مش� � ��روع أصدرته‬ ‫«منش� � ��ورات ضف� � ��اف» بالتعاون بني الرابط� � ��ة العربية‬ ‫األكادميية للفلس� � ��فة ف� � ��ي بيروت ع� � ��ام ‪ ،2013‬حتت‬ ‫عنوان‪« :‬الفلسفة الغربية املعاصرة في جزأين»‪ .‬احتل‬ ‫بحث البرميي الصفحات من ‪ 1292-1253‬من اجلزء‬ ‫الثاني‪ .‬إذ وقف د‪ .‬عبدالله البرميي متسائ ً‬ ‫أي‬ ‫ال‪ :‬عن ّ‬ ‫ريكور نتحدث؟ هل نتحدث ع� � ��ن ريكور هيرمينوطيقا‬ ‫الرموز‪ ،‬أم عن ريكور الذي اس� � ��تثمر وط ّور أفكاره في‬ ‫قراءات� � ��ه الفاحصة والعميقة لك ّل من فرويد والبنيوية‪،‬‬ ‫أم عن ريك� � ��ور صاح� � ��ب نظرية االس� � ��تعارة واحلكاية‬ ‫والهوية بوصفه� � ��ا منط عالقة مع الذات التي تفترض‬ ‫آخرها؟‬ ‫وبإم� � ��كان الق� � ��ارئ احلصيف أن يج� � ��د أجوبة عن‬ ‫تس� � ��اؤالت البرمي� � ��ي هذه في م� �ت��ن بحثه املن� � ��وه عنه‬ ‫أعاله‪.‬‬ ‫ف� � ��ي حني يصرح تلميذه الق� � ��دمي اللبناني د‪.‬جورج‬ ‫‪31‬‬

‫‪may 30-33.indd 31‬‬


‫زيناتي‪ :‬اآلن وبعد وفاة فيلسوفنا في العشرين من شهر‬ ‫مايو ‪2005‬م‪ ،‬وقد هدأت األهواء من حوله‪ ،‬نستطيع أن‬ ‫نتبي أننا فقدنا واحداً من أهم فالسفة القرن العشرين‪،‬‬ ‫نّ‬ ‫وأن موقعه داخل الفلسفة الفرنسية في القرن املنصرم‬ ‫هو إلى جانب كبارها‪  :‬برجسون وسارتر وميرلوبونتي‪.‬‬ ‫ففلس� � ��فة ريك� � ��ور كما يراه� � ��ا د‪.‬ج� � ��ورج زيناتي جاءت‬ ‫حصيلة لتأثره أوال بالفينومينولوجيا الهوسرلية (نسبة‬ ‫للفيلسوف األملاني هوسرل)‪ ،‬وشعار إلى األشياء ذاتها‪،‬‬ ‫الت� � ��ي كانت منهجيته في أطروحت� � ��ه للدكتوراه‪ ،‬وكذلك‬ ‫جند حضور منهجية س� � ��ارتر وميرلوبونتي في فلسفته‬ ‫بارزاً‪ ،‬وقد وصفها‪ :‬زيناتي باالنفتاح على فلسفة اآلخر‪،‬‬ ‫وبذلك دخل ريكور ميادين غير الفلسفة‪ ،‬منها في حقل‬ ‫اللسانيات والنقد األدبي‪ ،‬إذ جند في مجموعة الزمان‬ ‫والسرد مراجعات من ريكور ملجموعة أعمال روائية‪.‬‬ ‫يقول د‪.‬زينات� � ��ي في مقدمة كت� � ��اب ريكور «الذات‬ ‫عينها كآخر» ف� � ��ي محاولة للتعمق أكث� � ��ر في نتاج بول‬ ‫ريكور املعرفي‪« :‬هناك كت� � ��اب اإلرادي والالإرادي نوع‬ ‫م� � ��ن الديالكتيك بني احلرية والطبيعة‪ ،‬ورغم أن قضية‬ ‫اإلرادة هي قضية نفس� � ��ية محض� � ��ة‪ ،‬فإن ريكور أرادها‬ ‫أن تك� � ��ون نقطة انطالق من أجل إقام� � ��ة أنثروبولوجيا‬ ‫فلسفية متكاملة‪ ،‬تتفحص اإلنسان في إجناز مشاريعه‪،‬‬ ‫من دون الكالم عن س� � ��قوطه في عمل الش� � ��ر‪ ،‬ثم عن‬ ‫انتص� � ��اره األخير‪ ،‬وعودته إلى نوع م� � ��ن البراءة الثانية‬ ‫تعانق البراءة األولى التي كانت آلدم في الفردوس»‪.‬‬ ‫وعن عالقة الفيلسوف ريكور بعالم النفس الشهير‬ ‫سيجموند فرويد‪ ،‬يتساءل د‪.‬زيناتي في مقدمته لكتاب‬ ‫«ال� � ��ذات عينها كآخ� � ��ر»‪ :‬مع أي فرويد س� � ��يتعامل إذن‬ ‫ريكور؟ وملاذا؟‬ ‫وهنا يجيب د‪.‬زيناتي‪ :‬فرويد الذي س� � ��يتعامل معه‬ ‫ريكور هو س� � ��يد الريبة الذي يش� � ��ك في وعي اإلنسان‬ ‫لذاته وحلريته‪ ،‬فيس� � ��ير على خطى ماركس ونيتش� � ��ه‪،‬‬ ‫اللذي� � ��ن س� � ��بقاه إلى هذا الش� � ��ك املدم� � ��ر لالقتناعات‬ ‫السابقة‪.‬‬ ‫وي� � ��رى العربي ميلود أن فلس� � ��فة ريك� � ��ور مزاوجة‬ ‫ب� �ي��ن الفينومينولوجي� � ��ا والهيرمينوطيقي� � ��ا‪ ،‬وأن حلظة‬ ‫الكوجيت� � ��و كانت حلظ� � ��ة راديكالي� � ��ة‪ ،‬وإن وصلت إليه‬ ‫مجروحة بسبب مطرقة نيتشه املناوئ األكبر لديكارت‪،‬‬ ‫فباتت الغيرية متثل حركة التاريخ‪ ،‬وأن مستقبل الذات‬ ‫‪32‬‬

‫‪4/22/15 10:33:52 AM‬‬

‫داخ� � ��ل هذا العال� � ��م منوط بترتيب مس� � ��بق يرزح حتت‬ ‫العالق� � ��ات التي تتحدد داخل نس� � ��ق الغيرية‪ .‬جاء ذلك‬ ‫كله في مقاله الذي اش� � ��ترك فيه ضمن كتاب جماعي‬ ‫عن بول ريكور والفلس� � ��فة‪ ،‬الذي أش� � ��رف على تنسيقه‬ ‫وحتري� � ��ره نابي بوعلي‪ ،‬وصدر في بيروت عام ‪2014‬م‪،‬‬ ‫عن «منشورات ضفاف»‪ ،‬إذ اعترف محرر الكتاب نابي‬ ‫بوعل� � ��ي بأن كتابه هذا عن ريك� � ��ور ال يدعي اإلملام بكل‬ ‫جوانب فلسفة هذا الفيلسوف املتشعبة‪ ،‬وإمنا سيتركنا‬ ‫مع املزيد من األسئلة وعالمات االستفهام احمل ّيرة التي‬ ‫تفرزها أوضاع الثقافة اإلنسانية من جهة‪ ،‬ومع فضاء‬ ‫القراءات املمكنة الت� � ��ي تنفتح عليها كتابات بول ريكور‬ ‫الثرية واملتنوعة من جهة ثانية‪.‬‬

‫أربع محطات فلسفية‬

‫م ّي� � ��زت الباحثة جن� � ��ات بلخن ف� � ��ي كتابها الصادر‬ ‫عن «منش� � ��ورات ضف� � ��اف» ‪2014‬م‪ ،‬املعنون بـ«الس� � ��رد‬ ‫التاريخ� � ��ي عن� � ��د بول ريك� � ��ور»‪ ،‬بني أرب� � ��ع حلظات في‬ ‫مسيرته الفلس� � ��فية‪ ،‬هي‪ :‬حلظة الرمز‪ ،‬حلظة النص‪،‬‬ ‫حلظة الفعل‪ ،‬وأخيراً حلظة السرد‪.‬‬ ‫ومن الطريف أن يك� � ��ون وصف فتحي إنقزو لعمل‬ ‫س� � ��يرة االعتراف لريكور وهو يقوم بنقله إلى العربية‪،‬‬ ‫أنه آخر ما نش� � ��ر الفيلس� � ��وف من مؤلف� � ��ات‪ ،‬إذ اجتمع‬ ‫في� � ��ه أقصى الفك� � ��ر وغاية اإلمكان‪ ،‬وه� � ��ذا التوصيف‬ ‫لريكور في� � ��ه مقاربة مع وصف د‪.‬زينات� � ��ي لعمل ريكور‬ ‫«الذات عينها كآخر»‪ ،‬وإن هذا الكتاب كان التتويج لكل‬ ‫فلسفة ريكور‪ ،‬وفقاً جلورج زيناتي‪ ،‬وفي رأينا أن ما بني‬ ‫املترج َمني زيناتي وإنقزو إشكالية للقارئ قابلة لإلزالة‬ ‫متى ما توسع أكثر في البحث عن مصادر املعرفة‪.‬‬ ‫ومم� � ��ا هو جدي� � ��ر بالذكر‪ ،‬أنه يب� � ��رز على الصعيد‬ ‫الفكري لبول ريكور اس� � ��م رميون قسيس‪ ،‬ذلك التلميذ‬ ‫النجيب لهذا الفيلسوف والعالم املمتاز بجميع مؤلفات‬ ‫هوس� � ��رل‪ ،‬ومتكن العودة إلى كتاب التاري� � ��خ‪ ،‬الذاكرة‪،‬‬ ‫النسيان‪ ،‬وبالتحديد في‪ ‬عام ‪ ،1991‬بالترجمة العربية‬ ‫الص� � ��ادرة عن دار الكتاب اجلديد ف� � ��ي بيروت‪ ،‬ملعرفة‬ ‫املزيد عن رميون قس� � ��يس‪ ،‬وكيف وص� � ��ل به األمر ألن‬ ‫يصحح لريكور نفسه ما وقع فيه من خطأ‪.‬‬ ‫وم� � ��ع ذلك كله‪ ،‬الذي قيل عن ب� � ��ول ريكور من قبل‬ ‫ال وتقدمياً‬ ‫باحثني عرب انش� � ��غلوا واهتموا بفلسفته نق ً‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 30-33.indd 32‬‬


‫فكر‬ ‫وبحثاً ودراس� � ��ة‪ ،‬أجد نفسي منصاعاً إلى القول بشكل‬ ‫عام عن اش� � ��تغاالت الفيلس� � ��وف (أي فيلس� � ��وف)‪ :‬إن‬ ‫الفيلس� � ��وف هو وحده من يُنظر إل� � ��ى نصه اإلبداعي‪،‬‬ ‫فض ً‬ ‫ال ع� � ��ن املكان الذي عاش في� � ��ه والزمان‪ ،‬إذ تقف‬ ‫هذه جميعها في الصف نفسه‪ ،‬وال يجوز هذا اإلسقاط‬ ‫عل� � ��ى غيرهم م� � ��ن مفكرين أو أدب� � ��اء أو حتى مثقفني‪،‬‬ ‫وذلك بع ِّد الفيلس� � ��وف هو وحده من ميلك القدرة على‬ ‫صناعة األفكار وإبداعها‪.‬‬

‫سيرة مأساوية وفيلسوف إشكالي‬

‫إن مقال� � ��ي ه� � ��ذا يع ُّد ُمدخ� �ل � ً‬ ‫ا للنظر في س� � ��يرة‬ ‫َّ‬ ‫الفيلس� � ��وف بول ريكور ومكانته‪ ،‬لرمبا يس� � ��هم في فتح‬ ‫الباب على مصراعيه ملن أراد املزيد من البحث والدرس‬ ‫في فلس� � ��فة هذا الفيلس� � ��وف اإلش� � ��كالي وأطروحاته‬ ‫الفلس� � ��فية العميقة‪ ،‬إذ تتكش� � ��ف بدءاً حقيقة املأساة‬ ‫العميقة التي عاشها هذا الفيلسوف منذ حلظة والدته‬ ‫وحت� � ��ى مراحل متأخرة من عمره‪ ،‬إذ عاش ريكور اليتم‬ ‫املزدوج مبكراً‪ ،‬وليفقد ش� � ��قيقته الوحي� � ��دة في ريعان‬ ‫شبابها‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن استدعائه للحرب ضابطاً في صف‬ ‫االحتياط‪ ،‬ليقع أسيراً في قبضة النازيني عام ‪،1939‬‬ ‫باإلضافة إلى ذلك كله معاناته الفكرية بس� � ��بب تغلغل‬ ‫األحادية الثقافية لليس� � ��ار األيديولوجي في اجلس� � ��د‬ ‫الثقافي الفرنسي‪ ،‬لتكون نتيجة هذا التغلغل اليساري‬ ‫احلتمية هي انعزال فكري اجتماعي‪ ،‬وما حدث جراء‬ ‫ذل� � ��ك كله‪ ،‬جتاوز جترب� � ��ة العزل الفك� � ��ري إلى الضرر‬ ‫املادي مع ثورة الطلبة املاويني‪ ،‬التي كانت محطة ينتقل‬ ‫فيها الفيلس� � ��وف بول ريكور من فرنسا إلى أمريكا من‬ ‫اليسار األيديولوجي إلى املدرسة التحليلية التي كانت‬ ‫موضة العصر الفكري في أمريكا‪ .‬ولم تتوقف املعاناة‬ ‫عند هذا الفيلسوف حتى توجت في عام ‪ 1986‬بواقعة‬ ‫انتحار ابنه أوليفي‪ .‬ومع هذه السلس� � ��لة من األحداث‪،‬‬ ‫يتس� � ��اءل املتتبع خليوط بول ريكور الفلس� � ��فية‪ :‬هل لها‬ ‫انعكاس تاريخي على مشروعه الفلسفي؟‬ ‫وفي هذا الصدد‪ ،‬يقول ريكور عن نفسه مجيباً عن‬ ‫تس� � ��اؤلنا أعاله‪ ،‬ما نصه‪« :‬بإمكاني أن أسهم بجهودي‬ ‫املتواضعة‪ ،‬ليس في محو بع� � ��ض فظائع زماننا‪ ،‬وإمنا‬ ‫على األقل في كشف اجلالدين»‪ .‬و«عندما يتعلق الفعل‬ ‫بعمل يتطلب األمر مس� � ��احة أوسع من اجلهد والوقت‬ ‫لتعزيز املعرف� � ��ة التراكمية بعمل ذاتي‪ ،‬إن كانت صواباً‬ ‫بول ريكور في الفكر الفلسفي العربي ‪ ...‬قراءة ببلوغرافية‬ ‫‪4/22/15 10:33:54 AM‬‬

‫فه� � ��ي في رغب� � ��ة صادقة‪ ،‬وإن كان� � ��ت خاطئة فهي إلى‬ ‫احلاجة أقرب‪ ،‬فاحلاجة ش� � ��يء يتعلق باأللم‪ ،‬ومن كان‬ ‫هذا طريقه فهو في املس� � ��ار ألن تس� � ��تفزه احلياة أكثر‬ ‫مما هي عليه»‪ ،‬وهنا نس� � ��تحضر بشأن معنى احلاجة‬ ‫مقولة باش� �ل��ار عن الفيلسوف العربي املسلم الفارابي‬ ‫في كت� � ��اب «الطوبي� � ��ا والطوباويون» لتيي� � ��ري باكو‪ ،‬ما‬ ‫نصه‪« :‬اإلنسان كائن حتكمه الرغبة وليست احلاجة»‪.‬‬ ‫واحلاجة على وفق تعريف الفيلسوف املصري املعاصر‬ ‫م� � ��راد وهبة‪ ،‬في معجمه الفلس� � ��في الص� � ��ادر عن دار‬ ‫قباء‪ ،‬هي‪« :‬ما يفتقر إليه اإلنس� � ��ان‪ ،‬وفسيولوجياً هي‬ ‫حال الكائن جتاه م� � ��ا هو ضروري لوجوده‪ ،‬أو لتحقيق‬ ‫غاية من غاياته‪ ،‬داخلية كانت أو خارجية‪ ،‬ش� � ��عورية أو‬ ‫ال شعورية‪ ،‬ويصحب الشعور باحلاجة ألم وبحث عن‬ ‫وسائل حتقيقها»‪.‬‬ ‫«إن فلس� � ��فة ريك� � ��ور ‪ -‬كما نرى‬ ‫وختام � � �اً نقول‪َّ :‬‬ ‫بتواض� � ��ع ‪ -‬رغبة حقيقية منه للعمل اجلاد‪ ،‬ال حاجة‬ ‫مللء الفراغ األكادميي‪ ،‬ففي النسق الفلسفي الريكوري‬ ‫ نس� � ��بة لريكور‪ -‬عم� � ��ق فينومينولوج� � ��ي ووجودي‬‫وتأملي‪ ،‬ومس� � ��احات من التحليل النفس� � ��ي‪ ،‬وحضور‬ ‫للفلس� � ��فات البنيوي� � ��ة والتحليلي� � ��ة واألنثربولوجي� � ��ا‪،‬‬ ‫ومشاكس� � ��ات لكبار الفالس� � ��فة‪ ،‬أفالطون وأرسطو‪،‬‬ ‫وأوغسطني‪ ،‬وس� � ��بينوزا‪ ،‬وهيجل‪ ،‬وماركس‪ ،‬ونيتشه‪،‬‬ ‫وهوس� � ��رل‪ ،‬وهيدج� � ��ر‪ ،‬وفرويد ‪ ،‬ه� � ��ذا النتاج املهول‬ ‫لن يتحقق إال برغبة جادة لتحقيق ش� � ��يء ما ينهم به‬ ‫الفيلس� � ��وف رغبة منه للمشاركة الفاعلة في الوسط‬ ‫الفكري واألخالقي القيمي واالجتماعي والسياس� � ��ي‬ ‫في عصره وأوانه‪.‬‬ ‫وه� � ��ذه دعوة منا إلى الق� � ��ارئ العربي‪ ،‬أن يتفحص‬ ‫بعمق قارئاً وناقداً فلس� � ��فة بول ريك� � ��ور والغوص فيها‬ ‫أكثر‪ .‬فالعقل العربي يُفترض به أن يكون مشغوالً بالهم‬ ‫املعرفي‪ ،‬وأن ينظر في العقل والطرائق وما هو العلم‪،‬‬ ‫وال ينشغل بهموم األيديولوجية ومشكالتها العديدة‪ ،‬ملا‬ ‫كيف أن نكون‪.‬‬ ‫وف� � ��ي اخلت� � ��ام‪ ،‬البد من اإلش� � ��ارة إل� � ��ى أن لهذا‬ ‫الفيلس� � ��وف مواقف إيجابية من العرب ومش� � ��كالتهم‬ ‫السياسية واالجتماعية‪ ،‬ومنها موقفه املعارض للحرب‬ ‫االس� � ��تعمارية الفرنس� � ��ية في اجلزائر‪ ،‬ومعارضته ملنع‬ ‫احلجاب في امل� � ��دارس العمومية الفرنس� � ��ية‪ ،‬وتأييده‬ ‫لقضايا املهاجرين >‬ ‫‪33‬‬

‫‪may 30-33.indd 33‬‬


‫قــالـوا‬ ‫< األكي� � ��د أن احلض� � ��ارة الت� � ��ي صنع� � ��ت قص� � ��ور‬ ‫األندلس ل� � ��م تكن بدعة‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن أن املس� � ��لمني‬ ‫نقل� � ��وا فنونهم ف� � ��ي النحت‬ ‫وجس� � ��دوها في‬ ‫والعم� � ��ارة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫تلك القصور‪ .‬الي� � ��وم‪ ،‬ينقل‬ ‫اإلرهابي� � ��ون معاوله� � ��م لهدم‬ ‫ذاكرتن� � ��ا املش� � ��رقة‪ ،‬بعد أن‬ ‫د ّمروا صورتنا الراهنة‪.‬‬ ‫داوود الشريان‪،‬‬ ‫إعالمي من السعودية‪.‬‬ ‫< املس� � ��رح العربي هو صنيعة الوعي نقص أو زاد‪،‬‬ ‫وإن كان يعان� � ��ي قبل الث� � ��ورات العربية فإن معاناته‬ ‫زادت بعد الث� � ��ورات‪ ،‬وباتت أكب� � ��ر حتدياته تتمثل‬ ‫في أنس� � ��نة اخلطاب الدرام� � ��ي‪ ،‬واخلروج من عنق‬ ‫النرجسية األيديولوجية بعد فوران الثورات نتيجة‬ ‫حرية لم تتنفس س� � ��وى ش� � ��عارات يكتبها احلاملون‬ ‫أثناء نومهم العميق في الكهف‪.‬‬ ‫حليمة مظفر‪،‬‬ ‫باحثة وناقدة من السعودية‬ ‫< املبدع‪ ،‬وهو الكائن األضعف في العالم‪ ،‬هو أيضاً‪،‬‬ ‫وفي اللحظة نفسها من القوة بحيث لن تستطيع أي‬ ‫قوة أن تهزمه‪ .‬ونقطة قوته تكمن في نقطة ضعفه‪،‬‬ ‫والق� � ��وة هنا تكمن بالذات ف� � ��ي عدم حاجته ألحد‪.‬‬ ‫ولعل مش� � ��كلة املؤسسات والس� � ��لطان مع املبدعني‬ ‫واملثقفني الذين ال يس� � ��عون إلى حتقيق أي غايات‬ ‫أو مكتس� � ��بات وليست لديهم‬ ‫تطلعات ش� � ��خصية يرغبون‬ ‫ف� � ��ي حتقيقه� � ��ا م� � ��ن خالل‬ ‫الكتاب� � ��ة أو العم� � ��ل األدبي‪.‬‬ ‫فهم لذلك أحرار وال يخشون‬ ‫شيئاً‪.‬‬ ‫قاسم حداد‪،‬‬ ‫شاعر وكاتب من البحرين‪.‬‬ ‫‪34‬‬

‫‪4/22/15 1:10:49 PM‬‬

‫< التركيز على التصنيف الديني الضخم وحده ال‬ ‫يعن� � ��ي فقط أن يفوت علين� � ��ا االهتمامات واألفكار‬ ‫األخ� � ��رى التي حترك الناس‪ ،‬ب� � ��ل يؤدي ذلك أيضا‬ ‫إلى تضخيم صوت الس� � ��لطة ذات الطابع الديني‪،‬‬ ‫وبالتال� � ��ي فعلى الرغم من اختالفاتنا املتنوعة جند‬ ‫العال� � ��م فجأة قد أصبح لي� � ��س مجرد مجموعة من‬ ‫الناس بل فيدرالية من األديان واحلضارات‪.‬‬ ‫أمارتيا سن‪،‬‬ ‫فيلسوف ومفكر بريطاني‪.‬‬ ‫< تقرأ في أحيان‪ ،‬بضع روايات عربية‪ ،‬فتشعر أن اللغة‬ ‫التي كتبت بها هي أقرب إلى العامية منها إلى الفصحى‪،‬‬ ‫بل إنها ليست فصحى وال عامية‪ ،‬لغة «هجينة» إن أمكن‬ ‫القول‪ .‬هذه اللغة الت� � ��ي تكاد تطغى على أعمال روائية‬ ‫كثي� � ��رة يتبناها أصحابها م� � ��ن دون تردد وال حرج‪ ،‬غير‬ ‫آبهني ملا يقومون به من هدم ألصول الكتابة وقواعدها‪.‬‬ ‫ه� � ��ل هذا ضرب من تطوير اللغ� � ��ة الروائية وفتح أفقها‬ ‫على اللغة اليومية احلية وكسر‬ ‫جمودها وصالبتها‪ ،‬وحتريرها‬ ‫م� � ��ن تقعرها الفصح� � ��وي؟ إنها‬ ‫حتم � � �اً مغام� � ��رة ال تخل� � ��و من‬ ‫اخلطورة واجل� � ��رأة والالمباالة‬ ‫والعشوائية‪.‬‬ ‫عبده وازن‪،‬‬ ‫شاعر وناقد من لبنان‪.‬‬ ‫< اإلرث العظي� � ��م للعلوم اإلنس� � ��ان ّية منذ ع ّدة قرون‬ ‫يقول إ ّن� � ��ه يجب أن يك� � ��ون في مصلحة البش� � ��ر ّية‪.‬‬ ‫مصلحة البش� � ��ر ّية تقتضي أن تكون املنافع مفتوحة‬ ‫ألكبر عدد ممكن من الناس‪ ،‬من دون إسكات الذين‬ ‫ميكن أن يكونوا أقل ّية‪ .‬من دون ذلك ال ميكن أن يكون‬ ‫هناك مس� � ��ار دميقراطي‪« .‬من املستفيد من هذا؟»‬ ‫إذا كان ال ميكن لهذا السؤال أن يُطرح بحر ّية‪ ،‬فإ ّنه‬ ‫ال ميكن احلصول على مجتمع دميقراطي‪.‬‬ ‫هومي بهابها‪،‬‬ ‫فيلسوف من الهند‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 34-35.indd 34‬‬


‫< أعتق� � ��د أن مكمن الصعوبة الكبيرة في أننا مازلنا‬ ‫نقرأ التراث بعيون قدمية؛ ولو قرأناه بعيون جديدة‬ ‫ميكن له أن يكون مهمازاً‪ ،‬وليس جلاماً كابحاً‪ .‬ولعل‬ ‫املهمة األساس� � ��ية لهذا اجليل‪ ،‬إل� � ��ى منتصف القرن‬ ‫املقبل‪ ،‬لي� � ��س أن يكون جي� � ��ل الث� � ��ورة والقطيعة مع‬ ‫التراث‪ ،‬بل جيل إعادة قراءة‬ ‫الت� � ��راث‪ .‬نحت� � ��اج إل� � ��ى ثورة‬ ‫الهوتي� � ��ة‪ ،‬إلى لوثر مس� � ��لم‪،‬‬ ‫فليس� � ��ت مهم� � ��ة الت� � ��راث أن‬ ‫نقفز منه إلى احلداثة‪ ،‬بل أن‬ ‫نفيد من منج� � ��زات احلداثة‬ ‫لكي َّ‬ ‫نبث في التراث جديداً‪.‬‬ ‫جورج طرابيشي‪،‬‬ ‫مفكر وكاتب من سورية‪.‬‬ ‫بأن االهتمام فقط بالفكر‬ ‫< علينا أن نتجاوز الوهم ّ‬ ‫العربي اإلس� �ل��امي كفيل بنهضتن� � ��ا‪ .‬ال تقوم للذات‬ ‫قائمة مبحض عالقتها بذاتها‪ ،‬ولكن دائماً بالعالقة‬ ‫باآلخر‪ ،‬باالشتغال أيضاً على تراثه وعلى صناعته‬ ‫النظرية والفكرية‪ ،‬باإلملام بتاريخه وثقافته‪ .‬العالقة‬ ‫بالذات هي قبل كل ش� � ��يء العالقة باآلخر‪ ،‬عالقة‬ ‫مرآوي� � ��ة‪ ،‬يرى كل طرف ذاته ف� � ��ي مرآة غيره‪ ،‬ليس‬ ‫على س� � ��بيل العالقة النرجس� � ��ية في اإلطراء على‬ ‫احملاس� � ��ن‪ ،‬ولكن أيضاً لرؤية م� � ��ا نَقُص في الذات‪،‬‬ ‫مس� � ��اوئها‪ ،‬تش � � � ّوهاتها‪ ،‬مالمحها املبهم� � ��ة ‪ ...‬إلخ‪.‬‬ ‫ثم ال أحد ميكنه أن ي ّدعي تأس� � ��يس فلسفة عربية‬ ‫من دون اإلرث الفلس� � ��في ال� � ��ذي ورثناه عن الغرب‬ ‫وارحتل إلينا عب� � ��ر املقوالت‬ ‫واملصطــــــلح� � ��ات واملناه� � ��ج‪.‬‬ ‫علين� � ��ا مج� � ��اوزة «اجلح� � ��ود»‬ ‫ونكران اجلميل ووهم صناعة‬ ‫فلسفة عربية من دون معونة‬ ‫خارجي� � ��ة‪ ،‬أي من دون اإلملام‬ ‫بفلسفات اآلخر‪.‬‬ ‫محمد شوقي الزين‪،‬‬ ‫أكادميي ومفكر من اجلزائر‪.‬‬ ‫قالوا‬ ‫‪4/14/15 9:09:08 AM‬‬

‫< الذاكرة غير موضوعية‪ ،‬وال ميكن االعتماد عليها‪ .‬قد‬ ‫يشهد ثالثة أش�� ��خاص احلدث ذاته‪ ،‬يتذكره اثنان منهم‬ ‫بش�� ��كل مختلف‪ ،‬بينما الثالث قد ينس�� ��اه متاماً‪ .‬أحياناً‬ ‫نغ ّير ذكرياتنا السوداء واملؤملة كي نستطيع العيش معها‪،‬‬ ‫وأحياناً نغ ّيرها ألننا ال نس�� ��تطيع االتساق مع أفعالنا في‬ ‫املاضي‪ .‬في حالتي‪ ،‬أكتب رسالة يومية إلى أمي أخبرها‬ ‫فيه�� ��ا عن كل ما يحدث في حيات�� ��ي‪ ،‬فاألحداث اليومية‬ ‫مسجلة‪ ،‬بهذه الطريقة تصبح ذاكرتي محفوظة‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫إيزابيل الليندي‪ ،‬كاتبة‬ ‫روائية من تشيللي‪.‬‬ ‫< لس�� ��ت فيلس�� ��وفاً وال مرش�� ��داً‪ ،‬ولكن علين�� ��ا أن نعترف‬ ‫أن الرواي�� ��ة ل�� ��م تع�� ��د حدوتة مطلق� � �اً‪ ،‬ولم يع�� ��د الروائي‬ ‫ذل�� ��ك احلكواتي القدمي الذي يس�� ��رد عل�� ��ى مجموعة من‬ ‫املس�� ��تمعني‪ ،‬وأعتقد أن الرواية س�� ��تحل يوماً محل العلوم‬ ‫اإلنس�� ��انية‪ .‬الرواية ه�� ��ي البديل احلقيقي ال االس�� ��تعاري‬ ‫عن السيس�� ��يولوجيا والتاريخ والنقد الثقافي‪ .‬املناهج في‬ ‫العل�� ��وم اإلنس�� ��انية وصلت إلى‬ ‫طريق مسدود‪ ،‬ولذلك أرى األمر‬ ‫اآلت�� ��ي أن الرواية أخذت تقترب‬ ‫من العلوم اإلنسانية في التحليل‬ ‫واالختبار‪ ،‬بينم�� ��ا أخذت العلوم‬ ‫اإلنسانية تقترب من السرد‪.‬‬ ‫علي بدر‪،‬‬ ‫كاتب روائي من العراق‪.‬‬ ‫< املرأة الس�� ��عودية عصب أساسي في احلياة‪ ،‬وهذا كالم‬ ‫غير جديد‪ ،‬أم تعتقد أنني طلعت فجأة مثل االنفجار الكوني‬ ‫الذي خلق األرض؟ إنه تراكم�� ��ات ومنط حياة‪ ،‬وأنا واحدة‬ ‫م�� ��ن كثيرات ف�� ��ي البلد‪ ،‬ولدينا في الواقع نس�� ��اء مذهالت‬ ‫أكثر جدية في التعليم وفي العمل الدؤوب من الرجال‪ ،‬مثل‬ ‫فريدة احلس�� ��ون التي غ َّيرت وجه التعليم في جدة‪ ،‬لذا إذا‬ ‫تق َّدم رجل وامرأة اليوم للحصول على وظيفة في السعودية‬ ‫فيجري اختيار املرأة بالتأكيد‪ .‬بالطبع كان يوجد تعتيم على‬ ‫دور املرأة‪ ،‬لكن األضواء ُسلّطت عليه اليوم‪.‬‬ ‫رجاء عالم‪،‬‬ ‫كاتبة روائية من السعودية‪.‬‬ ‫‪35‬‬

‫‪may 34-35.indd 35‬‬


‫استطالع‬

‫من تونس إلى بنزرت‬

‫موزاييك قرطاج‬

‫إلى هنا‪ ،‬قبل ‪ 3200‬سنة‪ ،‬جاءت األميرة‬ ‫الفينيقية «عليسة» لتؤسس قرطاج‪ ،‬بعد‬ ‫هذه القرون لم يبق سوى أطالل‪ ،‬وذكرى‬ ‫في عقل وقلب حفيداتها‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫‪4/13/15 11:53:26 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may p36-62.indd 36‬‬


‫بقلم وعدسة‪ :‬أشرف أبو اليزيد‬ ‫ض���اق���ت ال��ح��ي��اة ب���األم���ي���رة الفينيقية‬ ‫«عليسة» ابنة مدينة «صور» الراقدة على‬ ‫ال��س��اح��ل ال��ش��رق��ي للبحر المتوسط‪.‬‬ ‫ك��ان أخ��وه��ا «بيجماليون» ق��د بلغت‬ ‫ش��راس��ت��ه ف��ي السيطرة على الحكم‬ ‫مداها‪ ،‬حتى أنه اغتال «أغريباس» زوج‬ ‫شقيقته‪ .‬لم يكن أمام عليسة إال الفرار‪،‬‬ ‫قادم‪،‬‬ ‫وقد أحست أن مصيرها المحتوم‬ ‫ٌ‬ ‫فتمسكت ب��روح المغامرة عند أهلها‬ ‫من أبناء المدينة الفينيقية‪ ،‬وتسلحت‬ ‫بالصمت وال��س��ري��ة‪ ،‬وان��ط��ل��ق��ت غر ًبا‬ ‫يدلها م�لاَّح��ون رك��ب��وا البحر م���راراً إلى‬ ‫بقعة ظنتها بعيدة عن مرمى الغدر‪،‬‬ ‫التجار الذين سبقوها إلى‬ ‫قالوا لها إن‬ ‫َّ‬ ‫الساحل الشمالي إلفريقيا أسسوا مع‬ ‫المالحين الفينيقيين األوائ���ل مدينة‬ ‫لهم أسموها «أوت��ي��ك��ا»‪ ،‬أي العتيقة‪،‬‬ ‫فاختارت عليسة بقعة على بعد نحو‬ ‫‪ 30‬كيلومتراً منها‪ ،‬تبعد اليوم نحو ‪15‬‬ ‫كيلومتراً عن تونس العاصمة‪ ،‬لتقيم‬ ‫مدينتها الجديدة‪.‬‬

‫من تونس إلى بنزرت ‪ ...‬موزاييك قرطاج‬ ‫‪4/13/15 11:53:30 AM‬‬

‫‪37‬‬

‫‪may p36-62.indd 37‬‬


‫سعت عليسة مبا جلبته من مال‪ ،‬وما متتلكه‬ ‫من حيل وكياسة‪ ،‬إلى احل��وار مع حاكم الساحل‬ ‫األمازيغي‪ ،‬بل وعرضت عليه ش��راء قطعة أرض‬ ‫ت��رت��اح فيها ورفقتها املنهكة م��ن السفر الشاق‬ ‫بالبحر‪ ،‬كما تقول األسطورة‪ ،‬صغيرة مبقدار ما‬ ‫يغطي مساحتها جلد ثور‪ ،‬كان املبلغ زهيداً‪ ،‬وقبِل‬ ‫به السكان‪ ،‬فليس أهون مساحة مما طلبت!‬ ‫هنا تظهر حيلة عليسة‪ ،‬حيث جعلت جلد‬ ‫الثور شرائط رفيعة‪ ،‬أحاطت مبساحة واسعة من‬ ‫األرض‪ ،‬كانت مهد «قرطاج»‪ ،‬أو «املدينة اجلديدة»‪،‬‬ ‫التي تسمى بقعة فيها‪ ،‬حتى اليوم‪« ،‬بيرصا»‪ ،‬أو‬ ‫«بيرسا»‪ ،‬وتعني باللغة اليونانية اجللد‪ ،‬أو جلد‬ ‫الثور‪ ،‬نسبة جلد ذلك الثور الكرمي!‬

‫بني الثور والفرس‬

‫س�ي��أت��ي أب �ن��اء «أوت �ي �ك��ا» ل�ل�ق��اء أش�ق��ائ�ه��م في‬ ‫«قرطاج»‪ ،‬يحملون الهدايا‪ ،‬ويعتزمون مساعدتهم‬ ‫في بناء مدينتهم الوليدة‪ .‬لكنهم حني يحفرون‪،‬‬ ‫ورمب ��ا بسبب لعنة ج�ل��د ال �ث��ور اخل� ��ادع‪ ،‬يعثرون‬ ‫على رأس ثور‪ ،‬وكأنه نذير شؤم‪ ،‬فيختارون بقعة‬ ‫أخ��رى يحفرونها‪ ،‬ليعثروا فيها على رأس فرس‪،‬‬ ‫مي ِّثل لديهم رمز القيم النبيلة للفروسية‪ ،‬والروح‬ ‫احملاربة التي قادتهم‪ ،‬في ما بعد‪ ،‬المتالك سواحل‬ ‫«املتوسط»‪ ،‬فتنشأ «قرطاج»‪ ،‬التي ستمر رحلتنا‬ ‫بها‪ ،‬وهي الرحلة التي بدأت سيراً على األقدام‪،‬‬ ‫نتخطى باب البحر‪ ،‬لنقرأ موزاييك تونس كلها‪،‬‬ ‫قرطاج التي حكيت لكم عنها وسنراها‪ ،‬بنزرت التي‬ ‫سنصل إليها في ختام الرحلة‪ ،‬واملرسى وقمرت‪،‬‬ ‫موجزة جميعها في شارع الزيتونة‪.‬‬ ‫مي �ك��ن مل��رج �ع �ي��ات احل ��دي ��ث ع ��ن ت��ون��س في‬ ‫تلك ال��رح�ل��ة أن ت��أت��ي م��ن أهلها ال��ذي��ن رأيتهم؛‬ ‫مثل الشاعر منصف امل��زغ�ن��ي‪ ،‬واملفكر احلبيب‬ ‫اجلنحاني‪ ،‬واإلعالمية سعيدة الزغبي‪ ،‬واملسرحية‬ ‫هاجر ح�م��ودة زوي�ت�ن‪ ،‬واملعلمة سعيدة األشهب‪،‬‬ ‫وامل�ت��رج��م أمي��ن ح�س��ن‪ ،‬واحل � َّك��اء ك�م��ال العيادي‪،‬‬ ‫لكن الصديق الكاتب املصري خالد سليمان املقيم‬ ‫في تونس‪ ،‬الذي يعد كتاباً عن املرويات التراثية‬ ‫هناك‪ ،‬كان الصوت الذي أضاف الكثير لكل بقعة‬ ‫عبرناها‪ ،‬بعمقها التاريخي‪ ،‬وحاضرها العيني‪،‬‬ ‫وصوتها الشفاهي‪.‬‬ ‫‪38‬‬

‫‪4/13/15 11:53:33 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may p36-62.indd 38‬‬


‫استطالع‬

‫إلى اليمني خريطة تونس‪ ،‬حيث عبرنا الساحل الشمالي من العاصمة‪ ،‬إلى بنزرت‪ ،‬مرور ًا بقرطاج‪ ،‬وأعاله وجه «عليسة» على‬ ‫ورقة نقدية تونسية‪ ،‬ومنوذج لسفينة فينيقية‪ ،‬وحزام اململكة القرطاجية الذي امتد حتى شبه اجلزيرة األيبيرية‪.‬‬

‫في السوق الزيتونية‪ ،‬ستتعدد املهن‪ ،‬بألوانها‬ ‫ومشاربها‪ ،‬بأصولها ومسمياتها‪ ،‬بقدميها الزاهر‪،‬‬ ‫وحاضرها املتعثر‪ ،‬وكأن كل مهنة حتتاج إلى حارس‬ ‫يحافظ عليها‪ ،‬ستنقرض حني يغمض العني عن‬ ‫حمايتها‪.‬‬

‫السوق الزيتونية‬

‫أشهر املهن في السوق هي صناعة الشاشية‪،‬‬

‫من تونس إلى بنزرت ‪ ...‬موزاييك قرطاج‬ ‫‪4/13/15 11:53:37 AM‬‬

‫وهي غطاء صوفي للرأس‪ ،‬وهي شهيرة في تونس‪،‬‬ ‫وكعادة كل املهن التقليدية يُعزى قدومها إلى أكثر‬ ‫م��ن م�ص��در‪ ،‬أشهرها مدينة ال �ق �ي��روان؛ عاصمة‬ ‫الدولة األغلبية‪ ،‬حيث جاءت الشاشية مع فرسان‬ ‫م��ن مدينة ش��اش (طشقند األوزبكستانية التي‬ ‫كانت تسمى كذلك قدمياً)‪ ،‬وكانوا ضمن اجليوش‬ ‫اإلسالمية الفاحتة‪ .‬أم��ا امل�ص��در األش�ه��ر الثاني‬ ‫فيرقى تاريخياً إلى تونس القرن الرابع عشر‪ ،‬مع‬ ‫‪39‬‬

‫‪may p36-62.indd 39‬‬


‫اخلريطة توثق آثار قرطاج في أوج ازدهارها‪ ،‬والصورة توضح أحد املعالم الذي‬ ‫رأينا فيه مدرج ًا وحوض ًا وبعض األعمدة‪ ،‬ورؤوسها أو تيجانها متناثرات‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫‪4/13/15 11:53:43 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may p36-62.indd 40‬‬


‫استطالع‬ ‫قدوم اإلسبان‪ ،‬وإذا كانت الشاشية التونسية لونها‬ ‫األشهر هو األحمر‪ ،‬فإن الشاشية الليبية تختار‬ ‫األسود‪ ،‬لكننا حني نتوقف لنراقب صناعتها عند‬ ‫أحد ورثة املهنة الكبار‪ ،‬الشاب عطيل‪ ،‬نرى ألواناً‬ ‫كثيرة‪ ،‬ويقول لنا إن األحمر هو األشهر‪ ،‬في تونس‪،‬‬ ‫لكن الفنانني يختارون ألواناً مميزة أخرى‪.‬‬

‫من تونس إلى بنزرت ‪ ...‬موزاييك قرطاج‬ ‫‪4/13/15 11:53:50 AM‬‬

‫ف��ي س��وق��ي ال��ش��واش�ي�ن‪ ،‬ال�ص�غ�ي��ر والكبير‪،‬‬ ‫نتوقف عند شيخهم كذلك‪ ،‬والطريف أنه يسمي‬ ‫محله باألزبكية‪ ،‬وحني سألناه عن سر «األزبكية»‪،‬‬ ‫قال إنه عشق أم كلثوم‪ ،‬وكان يستمع إلى غنائها‪،‬‬ ‫وامل��ذي��ع يقدمها بأنها على مسرح األزب�ك�ي��ة‪ ،‬أما‬ ‫األط� ��رف‪ ،‬ف�ه��و كلمة «م��غ��ازة»‪ ،‬ال�ت��ي تسبق اسم‬

‫‪41‬‬

‫‪may p36-62.indd 41‬‬


‫«موزاييك»‬ ‫«عليسة وبحارتها»‬

‫هل جاءت «عليسة»‬ ‫وبحارتها بهذه السفينة‪،‬‬ ‫التي رأيت لوحتها في‬ ‫سوق الزيتونة؟ حني‬ ‫أمعنت البصر‪ ،‬قلت‬ ‫لعلها مشهد بحري‬ ‫من تغريبة بني هالل‪،‬‬ ‫لكن فكرة ثالثة أطلت‬ ‫وبزت ما عداها‪ ،‬إنها‬ ‫سفينة نوح التونسية‪،‬‬ ‫وقد رأيت أن أغلب‬ ‫كائناتها‪ ،‬على صغرها‬ ‫كانت تضم زوجني من‬ ‫الفيلة والغزالن واإلبل‬ ‫والزراف‪.‬‬

‫طائر من املوزاييك‬ ‫على أرضية معبد‬ ‫آرتيميس في قرطاج‬ ‫‪42‬‬

‫‪4/13/15 11:55:17 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may p36-62.indd 42‬‬


‫استطالع‬

‫وجه لسيدة قرطاج من املوزاييك‪ ،‬أشهر األعمال التي بقيت محفوظة من الفن البيزنطي‬

‫من تونس إلى بنزرت ‪ ...‬موزاييك قرطاج‬ ‫‪4/13/15 11:55:21 AM‬‬

‫‪43‬‬

‫‪may p36-62.indd 43‬‬


‫باب البحر‪ ‬أو‪ ‬باب بحر‪ ،‬أحد أبواب املدينة العتيقة في‬ ‫العاصمة التونسية‪ ،‬وقد بني بسورها الشرقي في عهد‬ ‫األغالبة‪ ،‬وقد هدمت األسوار وأعيد تركيب الباب الذي‬ ‫ُسمي باب فرنسا خالل االستعمار الفرنسي للبالد‪ ،‬ومنه‬ ‫سنعبر إلى سوق الزيتونة‪ ،‬وجامعها‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫‪4/13/15 11:55:26 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may p36-62.indd 44‬‬


‫استطالع‬ ‫املتجر والورشة‪ ،‬فإذا بها حتريف تونسي من كلمة‬ ‫«متجر» الفرنسية‪ ،‬والتي تُكتَب «‪ ،»magasin‬ومع‬ ‫حتريف النطق ظهرت املغازات في كل مكان تعريفاً‬ ‫للمتاجر‪ ،‬أهلية ورسمية‪.‬‬ ‫جمعت م��راح��ل صناعة الشاشية ف��ي صورة‬ ‫ُ‬ ‫واح���دة‪ ،‬ت�ب��دأ ب��زرد ال �ص��وف‪ ،‬ث��م صنع الكبوس‪،‬‬ ‫وت �ش��ارك ال�ن�س��وة ف��ي ال�ب�ي��وت ف��ي ه��ذه املرحلة‬ ‫األول��ى‪ ،‬ثم يأتي تلبيد الكبوس‪ ،‬ومعاجلته باملاء‬ ‫املغلي‪ ،‬بواسطة «الكرضون» في عملية «الكربلة»‪.‬‬ ‫ثم تصبغ الشاشية‪ ،‬ويأتي الكرضون ثانية ليمنحها‬ ‫سمتها قبل أن توضع في القالب لتتخذ الشكل‬ ‫النهائي للشاشية التونسية‪.‬‬ ‫يرتدي الشاشية اليوم املسنون‪ ،‬ويرتديها في‬ ‫حفالت ختانهم األطفال الذكور (شاشية املطهر)‬ ‫وقد ارت��دى البايات احلسينيون (الباي كاحلاكم)‬ ‫ال �ش��اش �ي��ة امل �ن �م �ق��ة وس �م �ي��ت ب��اس �م �ه��م «شاشية‬ ‫البايات»‪ ،‬لكن عطي ً‬ ‫ال ورفاقه في املهنة يخشون‬ ‫كسادها وانقراضها‪ ،‬حيث هبطت مبيعاتها إال‬ ‫من سياح مغرمني بها‪ ،‬أو أبناء البلد احلريصني‬ ‫عليها‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وقد توقفنا كثيرا عند الشاشية خلصوصيتها‪،‬‬ ‫وميكن أن نتوقف كذلك عند املقروض‪ ،‬وهي حلوى‬ ‫تقليدية‪ ،‬شقيقة للحلويات الشامية واملصرية‪ ،‬لكن‬ ‫أشهرها‪ ،‬كالشاشية‪ ،‬التي جاءت من القيروان‪.‬‬ ‫ها هي السوق تبي ُع جماالً تذكاراً للزينة‪ ،‬لها‬ ‫ما يشبهها في كل مكان‪ ،‬وك��أن بها شبهة القدوم‬ ‫من الشرق‪ ،‬لكن احمللي ب��ارز‪ ،‬وه��و جمل مصنوع‬ ‫م��ن اخل �ش��ب ت��رب��ط أج�� ��زاءه م �ف��اص��ل معدنية‪،‬‬ ‫وهناك ال�ق��دور اخلزفية‪ ،‬منها ما للطعام وفيها‬ ‫إلطفاء الدخان‪ ،‬والنايات املصنوعة من القصب‪،‬‬ ‫رمبا سيغني عليها الرعاة األشعار املشفرة‪ ،‬كما‬ ‫سنرى‪ ،‬وما دمنا ذكرنا الغناء‪ ،‬فال ننسى الطبل‪،‬‬ ‫وال �ف��رس��ان املصنوعني م��ن ال�ق�م��اش بشواشيهم‬ ‫احلمر‪ ،‬وح�� َّراس البايات‪ ،‬والفوانيس النحاسية‬ ‫ذات األب��واب الزجاجية امللونة‪ ،‬واألقنعة النسوية‬ ‫األمازيغية التي تذكرك بأقنعة فلورنسا‪ ،‬إال أن‬ ‫جمال العيون ال��زرق‪ ،‬والفم املختفي ليوحي أكثر‬ ‫مما يفضح‪ ،‬واحلاجبني اللذين التصقا أو كادا؛‬ ‫أكثر غنجاً وجماالً‪ ،‬والسجاد الذي يثرثر بقصص‬ ‫من تونس إلى بنزرت ‪ ...‬موزاييك قرطاج‬ ‫‪4/14/15 10:41:16 AM‬‬

‫ف��ي ك��ل ل��ون‪ ،‬واألس�م�ط��ة املصنوعة م��ن السعف‪،‬‬ ‫واحلقائب املصنوعة من اجللد‪ ،‬واجلنب التقليدي‪،‬‬ ‫واألعشاب الطبية‪ ،‬والتمر‪ ...‬واملشاهد ال تنتهي‪.‬‬ ‫تذكرت «عليسة»‪ ،‬حني رأيت‬ ‫في وسط ذلك كله‬ ‫ُ‬ ‫سفينة‪ ،‬ظننتها لها‪ ،‬في بداية األمر‪ ،‬وهي القادمة‬ ‫م��ن ال�ب�ح��ر‪ ،‬لكنني ح�ين أم�ع�ن��ت ال�ن�ظ��ر‪ ،‬وأطلت‬ ‫الفكر‪ ،‬قلت إنها مالمح عربية‪ ،‬ولعلها مشهد من‬ ‫تغريبة بني هالل‪ ،‬لكن فكرة ثالثة أطلت وبزت ما‬ ‫عداها؛ إنها سفينة نوح التونسية‪ ،‬وقد رأي��ت أن‬ ‫أغلب كائناتها‪ ،‬على صغرها كانت تضم زوجني من‬ ‫الفيلة والغزالن واإلبل والزرافي‪.‬‬ ‫كان السير في السوق قد طال‪ ،‬وكشرقي أحب‬ ‫ال �ش��اي‪ ،‬ل��ن أج��د ال �ش��اي «األح �م��ر» إال بصعوبة‬ ‫بالغة‪ ،‬فليس هنا س��وى الشاي األخضر‪ ،‬يضاف‬ ‫الس َّكر‪ .‬في مقهى من‬ ‫إليه النعناع‪ ،‬ويغمره حمام ُّ‬ ‫تلك املقاهي املتناثرة في السوق التي تشبه شجرة‬ ‫تسلقنا فروعها‪ ،‬سنجلس لنستمتع بكأسي شاي‪،‬‬ ‫وأن��ا أتأمل في السقف الداخلي للبناء الصغير‪،‬‬ ‫الذي يشبه صحن مسجد‪ ،‬وهي عمارة سأجدها‬ ‫م��راراً‪ ،‬ال يختلف مبنى عن آخر إال بالتقوى‪ ،‬أي‬ ‫في ما يُستخدم!‬

‫جامع الزيتونة‬

‫حني تخرج من بوابة السوق تصعد للصالة في‬ ‫جامع الزيتونة‪ ،‬بعد أن تتوضأ خارجه‪ ،‬فامليضأة‬ ‫التي كان مكانها الصحن لم يعد يبقى من آثارها‬ ‫غير آبار مغطاة‪.‬‬ ‫صحيح أن حسان بن النعمان هو الذي أنشأ‬ ‫اجلامع الكبير في تونس سنة ‪84‬هـ ‪703 /‬م‪ ،‬لكن‬ ‫جامع الزيتونة احلالي لم يعد ينتمي إلى العهد‬ ‫األم ��وي‪ ،‬فقد أج��ري��ت تعديالت ف��ي اجل��ام��ع أيام‬ ‫احلفصيني‪ ،‬وبخاصة في عهد األمير أبي زكريا‪،‬‬ ‫وابتدأت األعمال من عام ‪677‬هـ ‪1275 /‬م إلى عام‬ ‫‪680‬هـ‪1278 /‬م‪.‬‬ ‫تقوم مئذنة مربعة حديثة في صحن جامع الزيتونة‬ ‫بالزاوية اجلنوبية‪ .‬أما الصحن نفسه‪ ،‬فمحاط بـأروقة‪،‬‬ ‫بينه وبينها أبواب عدة؛ اثنان في الشرق‪ ،‬وآخران في‬ ‫اجلنوب‪ ،‬وخامس في الغرب‪ ،‬وهي األروقة التي أنشـئت‬ ‫عام ‪1047‬هـ ‪1637 /‬م‪ ،‬كما هو موثق فوق الباب الرابع‪ .‬‬ ‫‪45‬‬

‫‪may p36-62.indd 45‬‬


‫تعبر السوق عن جغرافيا تونس وتاريخها‪ ،‬بني جمال مصنوع من اخلشب ونايات مصنوعة من القصب‪ ،‬وطبول‪ ،‬وفرسان‪ ،‬وحراس البايات‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫وأقنعة نسوية أمازيغية وسجاد يثرثر بقصص في كل لون‪ ،‬وأسمطة من السعف‪ ،‬وحقائب من اجللد‪ ،‬ومشاهد ال تنتهي‪.‬‬

‫‪46‬‬

‫‪4/13/15 11:55:34 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may p36-62.indd 46‬‬


‫استطالع‬ ‫جناحا باجتاه‬ ‫أما احلرم فهو مؤلف من خمسة عشر‬ ‫ً‬ ‫اجلنوب‪ ،‬وهناك جناح أكبر يتوسطها نهايته احملراب‪،‬‬ ‫ـواز‪ ،‬وفي التقاطع قبة محززة ذات‬ ‫يتقاطع مع جناح م ٍ‬ ‫رقبة مث َّمنة األضالع‪ ،‬تنفتح في كل ضلع منها نافذة‬ ‫مق ََّوسة‪ ،‬وتقوم هذه القبة مستندة إلى جدار القبلة‬ ‫من جهة‪ ،‬وإل��ى ثالثة أق��واس من اجلهات األخرى‪،‬‬ ‫وهي محمولة في كل أركانها على عمودين مرمريني‬ ‫لهما تاجان مزخرفان‪.‬‬ ‫غابة األعمدة الرخامية في حرم جامع الزيتونة‬ ‫جاءت من آثار مختلفة‪ ،‬فكأنك في متحف‪ ،‬ورأسها‬ ‫تيجان تدل على أنها ُولدت وعاشت وسكنت معابد‬ ‫في قرطاج وغيرها قبل أن تأتي إلى هنا‪.‬‬ ‫الكتابة فوق احمل��راب توثق ألعمال البناء في‬ ‫عهد اخلليفة العباسي املستعني بالله‪ ،‬وأيام األمير‬ ‫األغلبي أحمد أبي إبراهيم‪ ،‬وكانت هذه األعمال‬ ‫ق��د استكملت أي���ام األم��ي��ر زي����ادة ال��ل��ه الثاني‪ .‬‬ ‫وألن املدن التاريخية مثل كتاب متعدد الصفحات‪،‬‬ ‫وش��ج��رة ع��دي��دة ال���ف���روع‪ ،‬ف��إن��ن��ا ح�ين ن��خ��رج من‬ ‫اجلامع‪ ،‬سنمر بزاوية سيدي الكالعي‪ ،‬التي ترجع‬ ‫للفترة التي أُسست فيها زاوية ابن عروس (النصف‬ ‫األول للقرن التاسع أو العاشر امليالدي)‪ .‬وندخل‬ ‫زاوي��ة اب��ن ع��روس فيغمرنا ه��دوء‪ ،‬حتت صحنها‬ ‫املتوج بقبة عالية‪ ،‬وفانوس ضخم‪ ،‬وتستند إلى كوة‬ ‫كبيرة في اجلدار آنية من املاء‪ ،‬أحس أنها هناك‬ ‫منذ قرون‪.‬‬ ‫ف��ي أعلى مدينة سيدي بوسعيد الصغيرة‬ ‫نعرف أن بها مراقد ألكثر من ‪ 500‬ولي صالح‪،‬‬ ‫ي��أت��ي أول���ه���م س��ي��دي ب��وس��ع��ي��د ال��ب��اج��ي (ر ّي���س‬ ‫االب���ح���ار)‪ ،‬وس��ي��دي اجل��ب��ال��ي وس��ي��دي الظريف‬ ‫وس��ي��دي ب���وف���ارس وس��ي��دي ال��ش��ب��ع��ان وسيدي‬ ‫ّ‬ ‫ول�ل�ا امل��ع��م��ورة ولال‬ ‫الشهلول وس��ي��دي ع��زي��زي‬ ‫شريفة ابنة سيدي أبوسعيد‪.‬‬ ‫لم نستطع تصوير داخل الضريح‪ ،‬الذي يحتله‬ ‫سرير‪ ،‬للراقد أن يرى القبة وقد ز َّينها فاعل خير‪،‬‬ ‫ونقش على اجل��دار املربع األسماء احلسنى‪ ،‬كما‬ ‫علقت سورة «تبارك» بني سور قرآنية أخرى‪ .‬خارج‬ ‫الضريح رأينا البئر املسورة باملوزاييك‪ ،‬وكأن البئر‬ ‫عامل مشترك‪ ،‬بني آث��ار ق��رط��اج‪ ،‬وصحن جامع‬ ‫الزيتونة ودار ابن عروس وضريح لال شريفة‪ ،‬وما‬ ‫من تونس إلى بنزرت ‪ ...‬موزاييك قرطاج‬ ‫‪4/14/15 10:41:31 AM‬‬

‫‪47‬‬

‫‪may p36-62.indd 47‬‬


‫في سوقي الشواشني‪ ،‬نتوقف عند شيخهم‬ ‫الذي سمى محله األزبكية‪ ،‬وحني سألناه‬ ‫عن سر االسم قال إنه عشق أم كلثوم‪ ،‬وكان‬ ‫يستمع إلى غنائها‪ ،‬واملذيع يقدمها بأنها‬ ‫على مسرح األزبكية!‬

‫‪48‬‬

‫‪4/13/15 11:55:42 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may p36-62.indd 48‬‬


‫استطالع‬ ‫أكثر املشترك في كل درب حللناه‪.‬‬

‫هو البحر‬

‫هذا املشترك هو الذي جعلني أتذكر قصيدة‬ ‫كتبتها قبل ربع قرن‪ ،‬فقد بدا لي وأنا أعبر تونس‬ ‫األرض‪ ،‬إلى قرطاج الساحل‪ ،‬أن الطريق تشق بحيرة‬ ‫تونس‪ ،‬وكأنها عصا موسى تشق البحر‪« :‬هو البح ُر‬ ‫ِ‬ ‫يغضب ‪ِ /‬‬ ‫صغت فيه التم ُّرد ‪/‬‬ ‫وأنت التي‬ ‫دوامة حني‬ ‫ُ‬ ‫احلوت يرديك‪ِ /‬‬ ‫هات يديك ‪ /‬سندعو‬ ‫فإن أطلق‬ ‫َ‬ ‫إلهي ‪ /‬بأن تصبحي يونس املعجزة‪ ،‬وأغدو جزيرة!‬ ‫هو البحر بركان شوق‪ ،‬وطوفان عشق‪ ،‬وشالل شك‪/‬‬ ‫فإن ثار فينا‪ ،‬هربنا سويا ‪ -‬جناحي عصافير جنة‬ ‫ زوجني كنا‪ ،‬يناديك نوح‪ :‬هلمي‪ ،‬إليك السفني‪،‬‬‫نلبي ‪ ...‬فننجو!‪ /‬هو البحر ٍ‬ ‫آت وفرعون يسعى‬ ‫ِ‬ ‫كغيم‬ ‫وراءك‪ /‬سلي الله يوحي ملوسى عصاه ‪ /‬فتعلو ٍ‬ ‫‪ /‬وتهوي طريقا لقلب احلياة‪ /‬فإن صار فرعون‬ ‫ِ‬ ‫رفعت اجلباه ‪ /‬فأعدمت فرعون ‪/‬‬ ‫في املنتصف ‪/‬‬ ‫العروس ‪ /‬فإن ه َّم‪...‬‬ ‫أنت‬ ‫البحر؛‬ ‫هو‬ ‫ظل اإلله!‪/‬‬ ‫ُ‬ ‫همي ب��ه أن��ت ال تنكصي‪ ،‬وش�ق��ي قميصه‪ ،‬فمن‬ ‫روض البحر غير الشواطئ؟‪ /‬وشقي بنور الفنارات‬ ‫ل�ي��ل امل��راف��ئ‪ /‬ف�ف��ي غفلة ال �ب �ح��ر‪ ...‬أو غفلتك‬ ‫تباح املوانئ»!‬ ‫إل��ى املدينة اجل��دي��دة «ق��رط ح��دش��ت»‪ ،‬التي‬ ‫ُح�� ِّرف اسمها لينطق «ق��رط��اج»‪ ،‬ج��اءت «هاجر»‬ ‫حفيدة عليسة تتأمل آثار مدينة جدتها‪ ،‬أو ما بقي‬ ‫منها‪ ،‬لقد جاءت بعد ‪ 3200‬سنة كاملة لتستعيد‬ ‫تاريخها‪ ،‬فقد كان دخول عليسة األول ملدينتها في‬ ‫عام ‪ 814‬قبل امليالد‪.‬‬ ‫ف��ي املخطط األث ��ري لقرطاج الكاملة‪ ،‬التي‬ ‫تسجل آثارها مراحلها التاريخية العديدة‪ ،‬سنقرأ‬ ‫عن كنائس بئر فتوحة وماجوروم وسان سييريان‪،‬‬ ‫وداموس الكريطة ودرمش‪ ،‬وقناطر زغوان املائية‬ ‫وامليناء التجاري واحل��رب��ي ومقابر بونية (الذي‬ ‫ك��ان لقباً حلضارة ق��رط��اج)‪ ،‬وصالمبو‪ ،‬واملسرح‬ ‫وح �م��ام��ات أن �ط��ون��ي‪ ،‬وامل �ع��ال��م ال��دائ��ري��ة وذات‬ ‫األع �م��دة‪ ،‬وم��ا بقي من كل ذل��ك قليل‪ ،‬ت��دل على‬ ‫مناذجه الكاملة مجسمات أقيمت عند باب املتحف‬ ‫املفتوح الذي دخلته «هاجر» تتأسى‪ ،‬رمبا حلضارة‬ ‫ضاعت‪ ،‬أو ملصير جدة انتهت!‬ ‫من تونس إلى بنزرت ‪ ...‬موزاييك قرطاج‬ ‫‪4/13/15 11:56:08 AM‬‬

‫بعد أن استتب األمر لـ «عليسة»‪ ،‬وحني ازدهرت‬ ‫مدينتها ج��اء امللك األمازيغي «هيارباس»‪ ،‬الذي‬ ‫يحكم املاكستانيني يهدد عشيرة املدينة وعلية‬ ‫قومها باحلرب أو الزواج من األميرة عليسة‪ ،‬التي‬ ‫هربت من شقيقها امللك الفينيقي وفاء لزوجها‪،‬‬ ‫ومن هنا ق��ررت أن حتمي اجلميع‪ ،‬ذك��رى زوجها‬ ‫ومستقبل مدينتها‪ ،‬فانتحرت باخلنجر‪ ،‬كما تقول‬ ‫ال ��رواي ��ة‪ ،‬وه��ي ال �ت��ي أل�ه�م��ت ال�ش��اع��ر الروماني‬ ‫«فرجيل» ليقدم عليسة القوية مبا يليق بأميرة‬

‫مراحل صناعة الشاشية تبدأ بزرد الصوف‪ ،‬ثم صنع الكبوس‪،‬‬ ‫وتلبيده‪ ،‬ومعاجلته باملاء املغلي‪ ،‬بواسطة «الكرضون» في عملية‬ ‫«الكربلة»‪ .‬ثم تصبغ الشاشية‪ ،‬ويأتي «الكرضون» ثانية ليمنحها‬ ‫سمتها قبل األخير قبل أن توضع في القالب لتتخذ الشكل‬ ‫النهائي للشاشية التونسية‪.‬‬ ‫‪49‬‬

‫‪may p36-62.indd 49‬‬


‫بائع اجلنب التقليدي في سوق الزيتونة‬

‫والرقيقة مب��ا يتسق م��ع ام ��رأة ع��اش�ق��ة‪ .‬ه��ا هي‬ ‫تصعد إلى محرقة كبيرة أم��رت قومها بإنشائها‪،‬‬ ‫تطعن نفسها ب�ع��د أن ق��ال��ت لشعبها‪ :‬أن��ا طوع‬ ‫رغبتكم‪ ،‬وإني ذاهبة إلى زوجي‪.‬‬ ‫ومنذ بدأت حكاية عليسة‪ ،‬التي حتول اسمها‬ ‫املكتوب في احلاضر إلى «إليسا» كما في لبنان‪،‬‬ ‫و«إليسار» كما في بلدان أخرى‪ ،‬سأجد في كل‬ ‫زاوية حكايات عن نساء مخلصات‪ ،‬وشخصيات‬ ‫مبدعات‪ ،‬وكذلك عن نساء حكيمات بسيطات‪،‬‬ ‫ك��م��ا ي���دون خ��ال��د ف��ي ك��ت��اب��ه‪ ،‬وه���و يحكي أنه‬ ‫ف��ي أط���راف الساحل‪ ،‬إل��ى اجل��ن��وب حيث تقع‬ ‫فتيات‬ ‫بلدات ريفية‪ ،‬كان من املمكن أن تُخطف‬ ‫ٌ‬ ‫م��ن م��ن��ازل��ه��ن‪ ،‬ح��ي��ث اع���ت���ادت ال��ف��ت��ي��ات النوم‬ ‫على ا ُ‬ ‫صر‪ ،‬فيــــأتــــي اخلاطـــف من قبـــيلة‬ ‫حل ُ‬ ‫‪50‬‬

‫‪4/13/15 11:56:14 AM‬‬

‫جـــنوبـــية‪ ،‬ليلف الفتاة في احلصيرة ويهرب بها‬ ‫ليتزوجها‪.‬‬ ‫وح�ين تظل النساء في البيت اجلنوبي‪ ،‬شبه‬ ‫م�ح�ب��وس��ات‪ ،‬ال يبقى س��وى أن تبلغ قصتها ملن‬ ‫تسهل لهم احلركة‪ ،‬وليس أسهل على ذلك أكثر من‬ ‫الرعاة‪ ،‬فتقول لهم املرأة املخطوفة أبياتاً مشفَّرة‬ ‫م��ر َّم��زة من الشعر‪ ،‬يحملها ال��رع��اة إل��ى الشمال‪،‬‬ ‫ويسمعها األهل املغدورون‪.‬‬ ‫ث��م ي��أت��ي ال���زوج‪ ،‬فيقتل‪ ،‬وح�ين ت�ط��ول غيبته‬ ‫يخرج األب باحثاً عنه‪ ،‬وينتهي به املطاف إلى محلة‬ ‫القبيلة القاتلة‪ ،‬فيسمع غناء مشفراً آخر‪ ،‬يقول له‬ ‫احلقيقة امل��رة‪ ،‬على لسان امل��رأة نفسها‪ ،‬بأن ابنه‬ ‫قتل وألقيت جثته في ال��ودي��ان‪ ،‬وأن على الرجل‬ ‫األشيب أن يعود بحسرته‪:‬‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may p36-62.indd 50‬‬


‫شاب في متجر لبيع الفوانيس النحاسية ذات‬ ‫األبواب الزجاجية امللونة‪ ،‬مشهد قد تلتقطه العني‬ ‫في أسواق املدن العربية واإلسالمية‪ ،‬ولكن دقائق‬ ‫التفاصيل تختلف‪.‬‬ ‫إقليم أزيالل في املغرب‪ ...‬اجلنان املعلقة‬ ‫‪4/13/15 11:56:19 AM‬‬

‫‪51‬‬

‫‪may p36-62.indd 51‬‬


‫هيكل عظمي حلوت حقيقي في املتحف‪ ،‬قرب إحدى ساحات قرطاج‬ ‫التاريخية‪ ،‬وصياد صبور ينتظر رزقه‪ ،‬وجرار تستخدم في الصيد‪،‬‬ ‫حني تُد َلّى‪ ،‬ليأتي اإلخطبوط فيستريح بها وتصبح فخه ومقبرته!‬

‫‪52‬‬

‫‪4/13/15 11:56:27 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may p36-62.indd 52‬‬


‫ِب َر َّو ْح‬ ‫«ر َّو ْح يا شاي ْ‬ ‫ولدك في الهندي مِ ل َّوح»‬ ‫والهن� � ��دي هو التني الش� � ��وكي‪ ،‬وهو يتكاثر هنا‬ ‫فيما يش� � ��به الدغ� � ��ل أو الغابة‪ ،‬و«مل � � � ّوح» تعني أنه‬ ‫ملق� � ��ى هناك‪ ،‬وهي من أغاني النس� � ��اء أثناء رحي‬ ‫القمح وتؤدي بطقس النواح‪ ،‬وراوية األغنية خالتي‬ ‫دوجة بوخامت‪.‬‬ ‫ً‬ ‫سنسمع عن احلوت مجددا‪ ،‬ولكنه ليس احلوت‬ ‫في القصي� � ��دة‪ ،‬وإمن� � ��ا احلوت املرادف للس� � ��مك‬ ‫بالنسبة للتونسيني‪ ،‬فبعد أن نغادر الساحة األثرية‬ ‫القرطاجية‪ ،‬ومنر ببيت ومزار ابنة سيدي بوسعيد‬ ‫ومتحف احلوت‪ ،‬س� � ��ننطلق إلى أكلة رأس احلوت‪،‬‬ ‫في بنزرت!‬ ‫تقول املرويات إن الصيادين حني كانوا يجمعون‬ ‫السمك في سراويلهم الواسعة بقلب البحر‪ ،‬كان‬ ‫من تونس إلى بنزرت ‪ ...‬موزاييك قرطاج‬ ‫‪4/13/15 11:56:33 AM‬‬

‫‪53‬‬

‫‪may p36-62.indd 53‬‬


‫أعمدة جامع الزيتونة ُجلبت من معابد شتى‪ ،‬وهذا ما تكشف عنه تيجانها التي رأينا مثي ًال لها بني آثار قرطاج‪.‬‬

‫شهادة اليونسكو باختيار املوقع ضمن التراث العاملي في ‪26‬‬ ‫أكتوبر ‪1979‬‬ ‫‪54‬‬

‫‪4/13/15 11:56:41 AM‬‬

‫السمك يعضهم‪ ،‬لذلك عزموا على قضم رؤوس‬ ‫السمك ف��ور صيده‪ ،‬لذلك ُسمي صيادو بنزرت‬ ‫بأكلة رأس احلوت‪.‬‬ ‫نحن قادمون لنأكل احلوت (السمك)‪ ،‬جالسني‬ ‫على طرف من امليناء نراقب البيت األقدم هناك‪،‬‬ ‫وك ��ان صديقنا خ��ال��د سليمان يصحب ضيوف‬ ‫تونس إلى هنا‪ ،‬ويحكي لي كيف أعجبت سيدة‬ ‫املسرح سميحة أيوب بسمك بنزرت‪ ،‬مفضلة إياه‪،‬‬ ‫وقلت له وأنا آخذ نصيبي‪ :‬وأنا أشاركها‪.‬‬ ‫كلما حللنا مكاناً تذكرنا ق��رط��اج‪ ،‬فمدينة‬ ‫ب �ن��زرت الفينيقية ك��ان��ت م��رك��زاً ت��اب�ع�اً ألوتيكا‬ ‫(امل��دي �ن��ة ال�ع�ت�ي�ق��ة)‪ ،‬مثلما ك��ان��ت ت��ون��س تابعة‬ ‫لقرطاج (املدينة اجلديدة)‪ .‬كانت مدينة تتمتع‬ ‫بحماية ملكية في عهد يوليوس قيصر اعترافاً‬ ‫بأهمية موقعها‪ ،‬واملتأمل لها‪ ،‬من سماء «خرائط‬ ‫جوجل» يدرك قيمة ذلك اخلليج الطبيعي‪ ،‬الذي‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may p36-62.indd 54‬‬


‫استطالع‬

‫احلمام يح ِّلق حول مئذنة‬ ‫مربعة حديثة أقيمت‬ ‫بالزاوية اجلنوبية من صحن‬ ‫جامع الزيتونة‪.‬‬

‫من تونس إلى بنزرت ‪ ...‬موزاييك قرطاج‬ ‫‪4/13/15 11:56:46 AM‬‬

‫‪55‬‬

‫‪may p36-62.indd 55‬‬


‫من التلة التي قادتنا إلى مدينة بنزرت‪ ،‬برزت بيوتها‬ ‫البيضاء اللون‪ ،‬وخليج امليناء والسفن العابرة له‪ ،‬ونوقن‬ ‫أهميتها االستراتيجية التي جعلت فرنسا تتمسك بها‬

‫‪56‬‬

‫‪4/13/15 11:56:50 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may p36-62.indd 56‬‬


‫استطالع‬

‫من تونس إلى بنزرت ‪ ...‬موزاييك قرطاج‬ ‫‪4/13/15 11:56:54 AM‬‬

‫‪57‬‬

‫‪may p36-62.indd 57‬‬


‫متتلكه تونس ‪ /‬ق��رط��اج‪ ،‬وب �ن��زرت‪ ،‬ال��ذي جعل‬ ‫منهما ميناءين مهمني‪.‬‬

‫معركة بنزرت‬

‫امل ��ؤل ��م ب��ص��ري��اً ألب� �ن ��اء ب� �ن ��زرت هو‬ ‫ال�لاف �ت��ات ذات اإلش � ��ارات ال �س��ود التي‬ ‫ش َّوهت س��ور املدينة التاريخي‪ ،‬وكذلك‬ ‫البناء الضخم (املارينا) غير املكتمل الذي‬ ‫يسد أفق أبناء املدينة عن رؤية البحر‪،‬‬ ‫لكن املؤلم نفسياً هو تلك احلكاية التي‬ ‫تروى عن معركة بنزرت‪ .‬االسم الرسمي‬ ‫ملعركة بنزرت هو معركة اجل�لاء‪ ،‬وهي‬ ‫مواجهة مسلَّحة دارت في يوليو‪1961‬م‪،‬‬ ‫ب�ين ال�ق��وات الفرنسية املرابطة قرب‬ ‫م��دي �ن��ة ب� �ن ��زرت واجل� �ي ��ش التونسي‬ ‫ت�س��ان��ده أع ��داد م��ن املتطوعني‪ .‬وفي‬ ‫الوقت الذي انتظر فيه احملللون ح ً‬ ‫ال‬ ‫سياسياً‪ ،‬دخلت فرنسا أرض املعركة‬ ‫مستعرضة بكل ثقلها العسكري‪.‬‬ ‫رأى الرئيس التونسي األسبق‬ ‫احلبيب بورقيبة أن فرنسا تنكث‬ ‫ب��وع��وده��ا ف��ي االن �س �ح��اب‪ ،‬ألنها‬ ‫تعزز وجودها املدني االستعماري‬ ‫ب��إح��داث خ��دم��ات جلاليتها في‬ ‫ب� �ن ��زرت‪ ،‬رمب ��ا خ��وف��اً م��ن حتول‬ ‫ت��ون��س إل��ى ثكنة عسكرية لثورة‬ ‫اجل� ��زائ� ��ر‪ .‬ب � ��دأت امل �ع��رك��ة بعد‬ ‫حادثة ثكنة سيدي أحمد‪ ،‬حيث‬ ‫بدأ املستعمر الفرنسي يوم ‪ 30‬يونيو ‪1961‬م سلسلة‬ ‫توسعة للمطار العسكري بالثكنة‪ ،‬وتصدت قوات‬ ‫احلرس الوطني التونسي للعملية‪ ،‬وأعادت األسالك‬ ‫احلديدية إلى مكانها األصلي‪ ،‬فغضب الفرنسيون‪،‬‬ ‫واستقبل القائم باألعمال الفرنسي في ‪ 1‬يوليو‬ ‫رئ�ي��س ال���وزراء التونسي الباهي األدغ ��م (الوزير‬ ‫األول) وال�ص��ادق املقدم وزي��ر اخلارجية ليبلغهما‬ ‫انزعاج فرنسا الشديد من العملية‪ .‬ثم صدر بيان‬ ‫الديوان السياسي للحزب الدستوري يوم ‪ 4‬يوليو‪،‬‬ ‫يعلن فشل املفاوضات حول جالء قاعدة بنزرت من‬ ‫طرف اجليش الفرنسي‪ ،‬ويدعو إلى خوض احلرب‪،‬‬ ‫‪58‬‬

‫‪4/13/15 11:56:59 AM‬‬

‫خريطة رسمها الريس احلاج أحمد محيي الدين‬ ‫بيري يحتفظ بها متحف والترز للفنون‪ ،‬وهو‬ ‫جغرافي عثماني‪ ،‬وقائد بحر‪ ،‬ولد بني عامي ‪1465‬‬ ‫و‪ 1470‬ميالدية‪ ،‬ويرجح إعدامه في ‪ 1553‬ميالدية‪،‬‬ ‫واخلريطة من مؤلفه (كتاب البحرية)‪ ،‬وتوضح قلعة‬ ‫بنزرت وخليجها‪.‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may p36-62.indd 58‬‬


‫استطالع‬ ‫وجهان للبناء في بنزرت‪ ،‬قدميه الذي‬ ‫ترك أفق السماء مفتوح ًا‪ ،‬وحديثه الذي‬ ‫أغلق مساحة تنفس البصر‪.‬‬

‫من تونس إلى بنزرت ‪ ...‬موزاييك قرطاج‬ ‫‪4/13/15 11:57:03 AM‬‬

‫‪59‬‬

‫‪may p36-62.indd 59‬‬


‫تهدأ قوارب الصيد الصغيرة التي ستأتي باحلوت‪ ،‬وهو اسم‬ ‫«السمك» في تونس‪ ،‬إلى اليمني بيوت قدمية‪ ،‬وإلى اليسار‬ ‫سور املدينة العتيقة‪ ،‬وفي األفق «املارينا» اجلديدة‪ ،‬وبني ذلك‬ ‫املرسى‪ ،‬واخلليج‪ ،‬جسر وقنطرة‪ ،‬وحياة هادئة‬

‫‪60‬‬

‫‪4/13/15 11:57:28 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may p36-62.indd 60‬‬


‫استطالع‬

‫من تونس إلى بنزرت ‪ ...‬موزاييك قرطاج‬ ‫‪4/13/15 11:57:32 AM‬‬

‫‪61‬‬

‫‪may p36-62.indd 61‬‬


‫فبدأت التعبئة الشعبية في اليوم التالي‪ ،‬في كل‬ ‫أنحاء تونس‪ ،‬ووف��د مئات املتطوعني من الشباب‬ ‫والكشافة واملقاومني إل��ى بنزرت‪ ،‬وك ّثف الطيران‬ ‫احلربي الفرنسي قصفه للمدينة‪ ،‬وتضاعف عدد‬ ‫القتلى خاصة من املدنيني‪ ،‬وتواصلت االشتباكات‬ ‫ط��وال يومي اجلمعة ‪ 21‬والسبت ‪ 22‬يوليو حتى‬ ‫صدور القرار ‪ 164‬عن مجلس األمن بوقف إطالق‬ ‫النار‪ ،‬ثم وصل يوم ‪ 25‬يوليو ‪1961‬م األم�ين العام‬ ‫لألمم املتحدة داغ همرشولد إلى بنزرت و ُعقد في‬ ‫‪ 21‬أغسطس ‪1961‬م اجتماع في األمم املتحدة للنظر‬

‫في قضية بنزرت‪ ،‬انتهى بإصدار ق��رارات ملصلحة‬ ‫تونس وصوتت اجلمعية العامة لألمم املتحدة في‬ ‫‪ 27‬أغسطس باألغلبية املطلقة على ض��رورة فتح‬ ‫التفاوض بني تونس وفرنسا من أجل حتقيق اجلالء‬ ‫عن بنزرت‪ ،‬ليكون ي��وم ‪ 15‬أكتوبر ‪1963‬م تاريخاً‬ ‫جلالء آخر جندي فرنسي عن األراضي التونسية‪.‬‬ ‫نصعد إلى مقبرة الشهداء لنتذكر ونصلي على‬ ‫أرواح�ه��م الطاهرة‪ ،‬ومعظمهم ماتوا ول��م يستطع‬ ‫امل�ت�ط��وع��ون بأسلحتهم البسيطة إح �ض��ار مئات‬ ‫جثثهم وسط دموية القصف‪.‬‬

‫النصب التذكارية لضريح شهداء بنزرت‪.‬‬

‫‪62‬‬

‫‪4/13/15 11:57:39 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may p36-62.indd 62‬‬


‫استطالع‬ ‫وإذا كان هناك ما آلم البصر‪ ،‬وأدم��ى القلب‪،‬‬ ‫ف��إن ما أزع��ج اجلميع هو أن الطريق التي كانت‬ ‫بني تونس وبنزرت عامرة على اجلانبني بأشجار‬ ‫الزيتون‪ ،‬فكأن للطريق جناحني بلون أخضر‪ ،‬قد‬ ‫تنازلت عن أحدهما ملصلحة التجريف‪ ،‬فقطعت‬ ‫أش��ج��ار ال��زي �ت��ون ل�ت�ن�ش��أ جت� ��ارة ج ��دي ��دة‪ ،‬خالل‬ ‫السنوات القليلة املاضية‪ ،‬في األرض الزراعية التي‬ ‫حتولت إلى بناء عشوائي غير جمالي ملتاجر وبيوت‬ ‫ومطاعم على الطريق‪ ،‬إنه سلوك لم يكن موجوداً‬ ‫لبلد اسمه «ت��ون��س اخل �ض��راء»‪ .‬لقد ظهر أعداء‬

‫من تونس إلى بنزرت ‪ ...‬موزاييك قرطاج‬ ‫‪4/13/15 11:57:45 AM‬‬

‫اللون األخضر‪ ،‬ليغتالوه‪ ،‬غير آبهني مبا يترتب على‬ ‫ذلك من خسائر لألجيال القادمة‪.‬‬ ‫في طريق العودة‪ ،‬من بنزرت إلى تونس‪ ،‬كان‬ ‫الليل قد حل‪ ،‬وكان القمر قد استدار‪ ،‬وكانت رائحة‬ ‫البحر تقص علينا سيرة النساء‪ ،‬الالئي جئن وعشن‬ ‫وحكمن وروي ��ن‪ ،‬م��ن «عليسة» إل��ى «ل�لا شريفة»‪،‬‬ ‫وكلها س َير عطرة خضبت األرض فوهبتها كل ما‬ ‫يُستَحب‪ ،‬وأنبتت بها كل ما يستطاب‪ ،‬هن الشواطئ‬ ‫التي ر َّوضت البحار‪ ،‬وهن الفنارات التي شق نورها‬ ‫ليل املرافئ >‬

‫‪63‬‬

‫‪may p36-62.indd 63‬‬


‫شعر‬

‫نَسرٌ هو الشعر ُ‬ ‫شعر‪ :‬منير خلف ‪ -‬شاعر من سورية‬

‫إنّ���ي أرا ُه ُيف ّلـ���ي َغ ْي ـ ـ ـ ـ��� َم َو ْح َش���ـ ِـت ِه‬ ‫َ‬ ‫بريش ِ���ت ـ ِـه‬ ‫ويرتق���ي ذرو َة املعن ـ ـ���ى‬ ‫طاردها‬ ‫ن َْس ٌ���ر‬ ‫«الرؤيا»‪ُ ..‬ي ُ‬ ‫َ‬ ‫فريس���تُ هُ ‪ُّ :‬‬ ‫بصيرتـ ـ ـ ـ ـ ِ���ه‬ ‫���ري م���ن‬ ‫���ب عبق ٍّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫مبخل ٍ‬ ‫���ارة إال عل���ى أمـ ـ ـ ٍـل‬ ‫م���ا ع���ا َد م���ن غ ٍ‬ ‫غارت ِ���ه‬ ‫�ل�اب ِ‬ ‫أنّ «املج ِ‬ ‫���ازات» م���ن أس ِ‬ ‫ترص َد ّ‬ ‫الش ْه َب واصطا َد البريقَ بها‬ ‫ّ‬ ‫فكرت ِه‬ ‫لكي ُيض���ي َء املدى في ُع ْم ِ���ر ِ‬ ‫مي ُّ‬ ‫��ط‬ ‫عينيه عن أقصى مدارهما‬ ‫ِ‬ ‫���ق َ‬ ‫دهش ِ���ت ِه‬ ‫كأ ّنـ ـ���هُ س��� ـ ـ ـ ـ ٌ‬ ‫ـاكن ف���ي أفْ ِ‬ ‫يدنو من الن ّْجم‪ ...‬يدنو‪ ...‬ال يرى أحد ًا‬ ‫���ود ُيناجي ِ���ه برح َل ِت ـ ِـه‬ ‫الصع ـ ـ ِ‬ ‫س���وى ّ‬ ‫س ٍـار إلى ّ‬ ‫���مس في علياءِ ُق ّ َب ِتهـا‬ ‫الش ِ‬ ‫ك���ي يس���تري ـ ـ َـح على علي���اءِ ُق ّب ِتـ ـ ِـه‬ ‫***‬ ‫قواد ُم ــهُ‬ ‫َنس���ـ ٌـر من الفنِّ م���ا ك ّ َف ـ ْ‬ ‫���ت ِ‬ ‫���اق ِف ْت َن ـ ـ ِـت ِ���ه‬ ‫���روج إل���ى آف ـ ـ ـ ِ‬ ‫ع���ن الع ِ‬ ‫يجو ُز منفً ى إلى منفً ى‪ ،‬وما َب ِر َح ْت‬ ‫���اء ُغر َب ِت ِـه‬ ‫تطف���و على ِ‬ ‫وجهـ ـ ِ���ه َو ْع َثـ ُ‬

‫‪64‬‬

‫‪4/13/15 11:58:08 AM‬‬

‫ُّ‬ ‫قم ـ ـ ِ���ة‬ ‫منص َبــهُ‬ ‫ِ‬ ‫الوجدان ِ‬ ‫يحتل في ّ‬ ‫���ب يعل ـ���و ف���وق ِق ّ َم ـ ِـت ِ���ه؟!‬ ‫ُّ‬ ‫أي املناص ِ‬ ‫رتع ٌش‪..‬‬ ‫ه ْيم���انُ في َف َل َو ِات ال ّلي ــل ُم ِ‬ ‫الش���مـو َع ُت َؤاخي لي َـل َ‬ ‫ليتَ ّ‬ ‫رعش ِ���ت ِه!‬ ‫األفكار في َو َل ٍه‬ ‫«م ْحش ِ���ر»‬ ‫يهفو إلى َ‬ ‫ِ‬ ‫ٌ‬ ‫���اعتـ ـ ـ) ـ ِـه‬ ‫لك ّن ـ���هُ‬ ‫جاهل ميق���اتَ (س ِ‬ ‫***‬ ‫���ت مخال ُبــهُ‬ ‫نس��� ـ ٌـر من الف���نِّ ما زال ْ‬ ‫���د مصقـ ـ ــول ً‬ ‫رؤيت ِه‬ ‫متت ُّ‬ ‫���ة ف���ي وع���ي ِ‬ ‫���عور ال تخ���و َم ب ـ ـ ـ���ه‬ ‫مس ٌ‬ ‫���افر ف���ي ش ٍ‬ ‫ـاس َ‬ ‫حلظ ِت ِه‬ ‫طريقُ هُ في املدى إحس���ـ ُ‬ ‫���اة وص ُ‬ ‫�ي�ن ل���ه‬ ‫���وت العامل َ‬ ‫من���ذُ احلي ِ‬ ‫نغمـ ـ ِـت ِه!‬ ‫���ن ي ُّ‬ ‫حل ٌ‬ ‫���ار َ‬ ‫���رن عل���ى منقـ ـ ـ ِ‬ ‫أنفاس َم ْن ت َِع ُبوا‬ ‫ويصغي إلى‬ ‫يسعى ُ‬ ‫ِ‬ ‫فيحدوهـ ـ ـ���م بعز َْم ِت ِه!‬ ‫الس���عـ ِـاة‬ ‫ُ‬ ‫من ّ‬ ‫يد ِه‬ ‫حي���رانُ كال ّري ـ ـ ِـح ال عن���وانَ في ِ‬ ‫���ف بريـ ـ ـ ٍ���د َو ْس َ‬ ‫و َثـ ّ َم أل ُ‬ ‫جع َب ـ ِـت ِه!‬ ‫���ط ْ‬ ‫م���ا َ‬ ‫يحم ُلها ش���هداً‪ ،‬على أمـ ـ ـ ٍـل‬ ‫زال ِ‬ ‫َ‬ ‫نخ َل ِت ِه! >‬ ‫األرض من‬ ‫أَ ْن ُي ْط ِع َم‬ ‫أحالم ْ‬ ‫ِ‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 64-65.indd 64‬‬


‫الشعر (قصيدة)‬ ‫َسر هو‬ ‫ُ‬ ‫ن ٌ‬ ‫‪4/13/15 11:58:23 AM‬‬

‫‪65‬‬

‫‪may 64-65.indd 65‬‬


‫تاريخ‬

‫التراث الهندي والثقافة العربية‬

‫د‪.‬عادل زيتون‬

‫كاتب وأكادميي من سورية‬

‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫شكل‬ ‫التراث الهندي بمكانة كبيرة في تاريخ الثقافة العربية‪ ،‬حيث‬ ‫حظي‬ ‫رافداً من روافدها العلمية واألدبية‪ ،‬ولكن ينبغي أن نؤكد أن المؤثر الخارجي ‪-‬‬ ‫مهما كان قوي ًا ‪ -‬ال يمكن له أن يُسهم في بناء حضارة أي شعب ما لم يكن‬ ‫هذا الشعب يملك من القدرات العقلية والمادية‪ ،‬التي تمكنه من استيعاب‬ ‫ُ‬ ‫ويستهدف هذا المقال‬ ‫الثقافات األخرى وتجاوزها إلى مرحلة الخلق واإلب��داع‪.‬‬ ‫إلقاء الضوء على أثر التراث الهندي في بعض جوانب الثقافة العربية‪.‬‬

‫‪66‬‬

‫‪4/13/15 11:58:58 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 66-71.indd 66‬‬


‫تاج محل‬

‫التراث الهندي والثقافة العربية‬ ‫‪4/13/15 8:44:31 AM‬‬

‫ص ّنَ� � ��ف مؤرخ� � ��و الثقافة الهند م� � ��ن األمم ذات‬ ‫احلض� � ��ارات العريقة‪ ،‬فهذا اجلاح� � ��ظ‪ ،‬املتوفى عام‬ ‫‪ 255‬ه � � �ـ‪ ،‬يقول في «البيان والتبيني»‪« :‬إن األمم التي‬ ‫فيها األخ� �ل��اق واآلداب واحلِ َك� � ��م والعلم أربع‪ ،‬وهي‪:‬‬ ‫العرب والهند وفارس والروم»‪ .‬وهذا صاعد األندلسي‬ ‫يقس� � ��م األمم في كتابه «طبقات األمم»‬ ‫(ت ‪ 462‬هـ)‪ّ ،‬‬ ‫إلى طبقتني‪ :‬طبقة ُعني� � ��ت بالعلم وطبقة لم تعن به‪،‬‬ ‫ويق� � ��ول‪« :‬أما األمة األولى‪ ،‬وه� � ��ي الهند‪ ،‬فأمة كثيرة‬ ‫العدد عظيمة الق � � � ْدر فخمة املمالك‪ ،‬قد اعترف لها‬ ‫باحلكمة وأق � � � ّر لها بالتدبير في فنون املعرفة‪ ،‬جمي ُع‬ ‫امللوك السالفة والقرون اخلالية»‪.‬‬ ‫العالقات ب� �ي��ن العرب والهند إلى العصور‬ ‫تعود‬ ‫ُ‬ ‫القدمية‪ ،‬فقد نقل التجا ُر من الهند التوابل واألحجار‬ ‫الكرمية وطيب العود والسيوف‪ ،‬وتداول العرب بعض‬ ‫املعارف والعقاقير الهندية‪ ،‬كما انتشر اسم هند بني‬ ‫العرب انتش� � ��اراً واس� � ��عاً‪ .‬ولكن بعد ظهور اإلسالم‪،‬‬ ‫تعددت معابر االتصال بني العرب والهند لألس� � ��باب‬ ‫التالية‪:‬‬ ‫‪ -1‬الفتوح� � ��ات العربية في الهند‪ ،‬التي أدت إلى‬ ‫االتصال املباش� � ��ر بني الفاحتني واحلضارة الهندية‪.‬‬ ‫وكانت هذه الفتوح� � ��ات قد بدأت في العصر األموي‬ ‫واُستكملت في العصر العباسي‪ .‬وترك البيروني (ت‬ ‫‪ 440‬ه � � �ـ)‪ ،‬الذي صحب الغزنويني في حمالتهم على‬ ‫الهن� � ��د‪ ،‬مؤلفات أطل العرب م� � ��ن خاللها على ثقافة‬ ‫الهند‪ ،‬والس� � ��يما كتابه «حتقيق م� � ��ا للهند من مقولة‬ ‫مقبولة في العقل أو مرذولة»‪.‬‬ ‫‪ - 2‬لعب الهنود الذين اعتنقوا اإلسالم دوراً كبيراً‬ ‫في نقل علوم الهند وآدابها إلى الثقافة العربية‪ ،‬فقد‬ ‫ظهر بينهم ش� � ��عراء ولغويون وفقهاء‪ ،‬أمثال الش� � ��اعر‬ ‫أبي عطاء السندي (ت ‪ 180‬هـ)‪ ،‬والفقيه أبي معشر‬ ‫السندي (ت ‪ 170‬هـ)‪.‬‬ ‫‪ -3‬نق� � ��ل العلماء الهن� � ��ود الذي� � ��ن توافدوا على‬ ‫بغداد‪ ،‬في العصر العباس� � ��ي‪ ،‬كما سنرى‪ ،‬الكثير من‬ ‫كنوز التراث الهندي إلى العربية من خالل ترجماتهم‬ ‫ومؤلفاتهم‪.‬‬ ‫‪ -4‬أس� � ��همت اجلاليات الهندية‪ ،‬التي اس� � ��تقرت‬ ‫في املدن العربية‪ ،‬ف� � ��ي تعزيز التفاعل بني الثقافتني‬ ‫الهندية والعربية‪ ،‬فقد كانت في البصرة‪ ،‬مث ً‬ ‫ال‪ ،‬جالية‬ ‫كبيرة من الهند والس� � ��ند‪ ،‬وعمل أفرادها في ميدان‬ ‫‪67‬‬

‫‪may 66-71.indd 67‬‬


‫بوابة الهند‬

‫التج� � ��ارة والصيرفة‪ .‬وبالتأكيد فقد تخلل نش� � ��اطها‬ ‫هذا عالقات اجتماعية وأدبية وغيرها‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫‪ -5‬كانت احلضارة الفارس� � ��ية معبرا رئيسا في‬ ‫انتقال التراث الهندي إلى الثقافة العربية‪ ،‬فالعالقات‬ ‫بني فارس والهند كانت أكثر عراقة وتنوعاً مما كانت‬ ‫عليه بني العرب والهنود‪ ،‬ولذلك فإن جزءاً من التراث‬ ‫الهندي وصل إلينا عبر الفارسية‪ ،‬مثل «كليلة ودمنة»‪.‬‬ ‫ولعل أهم امليادين التي كان فيها تأثير التراث الهندي‬ ‫في الثقافة العربية واضحاً‪ ،‬هي‪:‬‬ ‫‪ - 1‬األدب واللغ ��ة‪ :‬كان التأثي� � ��ر الهندي في هذا‬ ‫املي� � ��دان واس� � ��عاً‪ ،‬فقد ذكر ابن الن� � ��دمي (ت ‪ 385‬هـ)‬ ‫في «الفهرست» أشهر كتب األدب الهندي التي نقلت‬ ‫إلى العربية‪ ،‬مثل «كليلة ودمنة» و«الس� � ��ندباد الكبير»‬ ‫و«السندباد الصغير» و«أدب الهند والصني» و«الهند‬ ‫ف� � ��ي قصة آدم عليه الس� �ل��ام»‪ ،‬وغيرها‪ .‬وكان «كليلة‬ ‫ودمنة» في مقدم ما ترجم إلى العربية‪ ،‬وهو من تأليف‬ ‫الفيلس� � ��وف الهندي بيدبا‪ ،‬وجلب� � ��ه من الهند احلكيم‬ ‫الفارسي برزويه‪ ،‬وتُرجم إلى الفارسية للملك كسرى‬ ‫أنو ش� � ��روان (ت ‪579‬م)‪ .‬وفي عهد اخلليفة العباسي‬ ‫املنص� � ��ور (ت ‪158‬هـ) ترجمه ابن املقفع (ت ‪142‬هـ)‪،‬‬ ‫من الفارس� � ��ية إلى العربية‪ .‬وهو يتألف من حكايات‬ ‫ساقها املؤلف على ألسنة احليوانات‪ .‬واستهدف منها‬ ‫تقدمي نصائح أخالقية وسياسية واجتماعية للح َّكام‬ ‫‪68‬‬

‫‪4/13/15 8:38:43 AM‬‬

‫والشعوب‪ ،‬لم يكن يجرؤ على البوح بها مباشرة خوفاً‬ ‫من بطشهم‪ .‬ورمبا استهدف ابن املقفع أيضاً من نقله‬ ‫إلى العربية تقدمي النصائح للعباسيني‪ ،‬ولقد أحدث‬ ‫الكتاب دوي � � �اً كبيراً في الثقافة العربية‪ ،‬ملا اش� � ��تمل‬ ‫عليه من قيمة أدبية وسياسية واجتماعية وأخالقية‪،‬‬ ‫بل بلغ إعجاب املثقفني به أنه نُظم شعراً على يد أبان‬ ‫بن عبداحلميد في أربعة عشر ألف بيت من الشعر‪.‬‬ ‫كما صنف س� � ��هيل بن هارون كتاب � � �اً للخليفة املأمون‬ ‫بعنوان «ثعلة وعفرة» على نسق «كليلة ودمنة»‪.‬‬ ‫وحظي� � ��ت قصص «الس� � ��ندباد» بأهمي� � ��ة كبيرة‬ ‫في األدب العربي‪ ،‬وه� � ��ي هندية األصل‪ ،‬وقد ذكرها‬ ‫املس� � ��عودي (ت ‪345‬ه � � �ـ) في «مروج الذهب» باس� � ��م‬ ‫«الوزراء السبعة»‪ ،‬ناسباً إياها إلى الفيلسوف الهندي‬ ‫«س� � ��ندباد»‪ ،‬وهي تدور حول الوزراء الس� � ��بعة الذين‬ ‫استطاعوا من خالل قصصهم أن يحولوا دون إقدام‬ ‫امللك على التس ُّرع في قتل ابنه بتحريض من زوجته‪.‬‬ ‫وقد أثبتت الدراسات احلديثة أن قصص «السندباد»‬ ‫ليست أسطورية‪ ،‬وتدور أحداثها خارج حدود الزمان‬ ‫واملكان‪ ،‬وإمنا هي واقعية جرت في عصر الرش� � ��يد‬ ‫(ت ‪193‬ه � � �ـ) ومس� � ��رحها‪ ،‬كما يق� � ��ول صاحب كتاب‬ ‫«تاريخ األدب اجلغرافي»‪ ،‬الهند وأرخبيل املاليو‪.‬‬ ‫أم� � ��ا قص� � ��ص «ألف ليل� � ��ة وليلة»‪ ،‬فقد كش� � ��فت‬ ‫الدراس� � ��ات النقدية أن هذه القص� � ��ص هي حصيلة‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 66-71.indd 68‬‬


‫تاريخ‬

‫احلصن األحمر في العاصمة نيودلهي‬

‫عناصر ثقافية هندية وفارس� � ��ية وعربي� � ��ة ويونانية‪،‬‬ ‫حيث تفاعلت مع بعضها في هذه القصص وش� � ��كلت‬ ‫ك ً‬ ‫ال واحداً‪ ،‬والقصة احملورية فيها هندية األصل‪.‬‬ ‫كما تأثرت العربية بالتراث اللغوي الهندي‪ .‬وأشار‬ ‫اجلاحظ إلى أن العرب كانوا على دراية بعلم البالغة‬ ‫والبيان عند الهنود‪ .‬كما دخلت العربية أسماء بعض‬ ‫النباتات واحليوانات الهندية مثل‪ :‬األبنوس والببغاء‬ ‫والكافور واخليزران والفلفل‪ ،‬وغيرها‪.‬‬ ‫‪ -2‬الطب‪ :‬حتدث صاحب «الفهرست» عن أشهر‬ ‫األطباء الهنود ومؤلفاتهم‪ ،‬كما أفرد ابن أبي أصيبعة‬ ‫(ت ‪668‬هـ) في «عي� � ��ون األنباء في طبقات األطباء»‬ ‫فص� �ل � ً‬ ‫بي فيه أن أعداداً كبيرة‬ ‫ا عن األطباء الهنود‪ ،‬نّ َ‬ ‫من أطباء الهند تواف� � ��دت على بغداد بناء على طلب‬ ‫اخللفاء‪ ،‬فعندما مرض الرش� � ��يد وفشل أطباء بالطه‬ ‫في عالجه‪ ،‬استدعى الطبيب الهندي منكه‪ .‬وبالفعل‬ ‫وص� � ��ل األخير إلى بغداد وعال� � ��ج اخلليفة وبرئ على‬ ‫يديه فأجرى له رزقاً واس� � ��عاً وأمواالً كافية‪ .‬وفتحت‬ ‫ه� � ��ذه الواقعة الباب على مصراعي� � ��ه لقدوم األطباء‬ ‫الهنود إلى بغداد‪ .‬كما وف� � ��د على بغداد أطباء هنود‬ ‫بناء على طلب الوزراء البرامكة‪ ،‬الذين كان لهم الدور‬ ‫املتميز في اس� � ��تحضار الثقافة الهندية إلى املجتمع‬ ‫العباسي‪ .‬وأكد ذلك اجلاحظ بقوله إن يحيى اجتلب‬ ‫أطباء من الهند‪ ،‬مثل‪ :‬منكه وصالح بن بهلة وبازكير‪،‬‬ ‫التراث الهندي والثقافة العربية‬ ‫‪4/13/15 8:38:54 AM‬‬

‫وغيرهم‪ .‬ويذكر ابن الندمي أن يحيى نفسه بعث بوفد‬ ‫إلى الهند جللب عقاقير ومعلومات عن أديانها‪.‬‬ ‫وق� � ��د توزعت أعمال األطب� � ��اء الهنود في بغداد‬ ‫بني ممارس� � ��ة مهنة الطب في ب� �ل��اط اخللفاء وكبار‬ ‫رج� � ��ال الدولة مقابل مرتبات ومكافآت‪ ،‬وبني ترجمة‬ ‫الكتب‪ ،‬إما من الهندية إلى العربية مباشرة وإما عبر‬ ‫الفارس� � ��ية‪ .‬ويذكر ابن الندمي نحو اثني عش� � ��ر كتابا‬ ‫في ميدان الطب قد ترجمت إلى العربية‪ ،‬منها كتاب‬ ‫«مائ� � ��ة داء ومائة دواء»‪ ،‬وكتاب «التوهم في األمراض‬ ‫والعل� � ��ل» ملؤلفهما الطبيب الهندي توقش� � ��تل‪ .‬وكتاب‬ ‫«أس� � ��رار املوالي� � ��د» للطبيب كنكه الهن� � ��دي‪ .‬ويخبرنا‬ ‫اب� � ��ن أبي أصيبعة أن عدداً م� � ��ن حكماء الهند جمعوا‬ ‫ب� �ي��ن الطب وعل� � ��م النجوم‪ ،‬وترجم� � ��ت مؤلفاتهم إلى‬ ‫العربية أمثال‪ :‬صكه وداهر وغيرهما‪ .‬ويكش� � ��ف أن‬ ‫يحيى البرمكي طلب من الطبيب منكه ترجمة كتاب‬ ‫«الس� � ��موم» ملؤلفه الهندي ش� � ��اناق م� � ��ن الهندية إلى‬ ‫الفارسية‪ ،‬والذي نقله أبوحامت البلخي من الفارسية‬ ‫إلى العربي� � ��ة‪ .‬كما تولى بعض األطب� � ��اء الهنود إدارة‬ ‫البيمارستانات (املشافي)‪ ،‬فالطبيب الهندي ابن دهن‬ ‫تولى إدارة بيمارستان البرامكة في بغداد بتكليف من‬ ‫يحيى البرمكي‪.‬‬ ‫‪ -3‬الفل ��ك‪ :‬ال ش� � ��ك ف� � ��ي أن التأثي� � ��ر الهن� � ��دي‬ ‫كان عام ً‬ ‫ال مهماً في نش� � ��أة عل� � ��م الفلك عند العرب‬ ‫‪69‬‬

‫‪may 66-71.indd 69‬‬


‫مسجد جاما‬

‫واملس� � ��لمني‪ .‬فقد وفدت على اخلليف� � ��ة املنصور عام‬ ‫‪154‬ه � � �ـ جماعة من العلماء الهن� � ��ود‪ ،‬وكان من بينهم‬ ‫عال� � ��م في الفلك يحم� � ��ل كتاباً باللغة السنس� � ��كريتية‬ ‫يتعل� � ��ق بعلم النجوم‪ ،‬وهو م� � ��ن تأليف الفلكي الهندي‬ ‫براهمكبت‪ ،‬فأمر اخلليفة بترجمته إلى العربية‪ ،‬وبأن‬ ‫يق� � ��وم العلماءُ العرب بتأليف كتاب اعتماداً عليه‪ ،‬كي‬ ‫يُتخذ مرجعاً لهم في حساباتهم الفلكية‪ .‬وبالفعل قام‬ ‫بترجمته محمد بن إبراهيم الفزاري‪ ،‬و ُعرف باس� � ��م‬ ‫«الس� � ��ندهند»‪ ،‬وعمل منه زيجاً (أي جداول فلكية)‪،‬‬ ‫وظل االعتماد عليه قائماً حتى أيام اخلليفة املأمون‪،‬‬ ‫ليبدأ بعدها استخدام اجلداول الفلكية التي وضعها‬ ‫اجلغرافي اليوناني بطليموس (ت ‪170‬م)‪.‬‬ ‫‪ -4‬عل ��م احلس ��اب‪ :‬اطل� � ��ع العرب على حس� � ��اب‬ ‫الهنود‪ ،‬وأخ� � ��ذوا منه نظام الترقي� � ��م‪ ،‬حيث رأوا أنه‬ ‫أفضل م� � ��ن الترقيم على حس� � ��اب ا ُ‬ ‫جلمل الذي كان‬ ‫ش� � ��ائعاً بينهم‪ .‬وكانت لدى الهنود أش� � ��كال لألرقام‪،‬‬ ‫اختار العرب منها سلسلتني‪ ،‬عرفت إحداهما باألرقام‬ ‫الهندية‪ ،‬وهي التي تس� � ��تعمل اليوم في أكثر األقطار‬ ‫العربي� � ��ة‪ ،‬وعرفت الثاني� � ��ة باألرق� � ��ام الغُبارية‪ ،‬التي‬ ‫انتشر اس� � ��تعمالها في بالد املغرب واألندلس‪ ،‬ومنها‬ ‫انتقلت إل� � ��ى أوربا وعرفت باألرق� � ��ام العربية‪ .‬وتعود‬ ‫‪70‬‬

‫‪4/13/15 8:39:05 AM‬‬

‫تس� � ��ميتها بالغبارية إلى أن أهل الهند كانوا يأخذون‬ ‫غباراً ويبسطونه على لوح من خشب ويرسمون عليه‬ ‫األرقام التي يحتاجون إليها في عملياتهم احلسابية‪.‬‬ ‫وقد اس� � ��تعمل العرب النقطة لت� � ��دل على الصفر في‬ ‫األرقام الهندية‪ ،‬والدائرة في األرقام الغبارية‪ ،‬وذلك‬ ‫حت� � ��ى ال يحصل التباس بني الدائرة والرقم خمس� � ��ة‬ ‫في األرقام العربية‪ .‬ويع� � ��ود الفضل في نقل األرقام‬ ‫الهندي� � ��ة إل� � ��ى اخلوارزمي (ت ‪235‬ه � � �ـ) الذي وضع‬ ‫قواعد استعمالها‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫احل َك ��م واألمث ��ال‪ :‬كان ملوك الصني يُطلقون‬ ‫‪ِ -5‬‬ ‫على ملوك الهند اسم «ملوك احلكمة»‪ ،‬وذلك لشهرة‬ ‫تراثه� � ��م باحلِ كم واملواعظ‪ .‬ويذك� � ��ر ابن الندمي بعض‬ ‫الكت� � ��ب املتعلق� � ��ة بهذا املي� � ��دان‪ ،‬مثل كتاب «ش� � ��اناق‬ ‫الهن� � ��دي ف� � ��ي اآلداب»‪ ،‬وكت� � ��اب «الهند ب� �ي��ن اجلواد‬ ‫والبخي� � ��ل»‪ .‬وقد تأثرت الثقاف � � � ُة العربية بهذا الباب‬ ‫م� � ��ن أبواب الت� � ��راث الهندي‪ .‬ومن يطل� � ��ع على بعض‬ ‫كتب التراث العربي يكتش� � ��ف ما تزخر به من احلِ كم‬ ‫واألمث� � ��ال الهندية‪ ،‬مثل كتاب «عي� � ��ون األخبار» البن‬ ‫قتيبة (ت ‪276‬هـ)‪ ،‬و«العقد الفريد» البن عبدربه (ت‬ ‫‪328‬هـ)‪ ،‬و«س� � ��راج امللوك» للطرطوشي (ت‪520‬هـ)‪،‬‬ ‫وغيره� � ��ا‪ .‬وكانت هذه احلِ كم واألمث� � ��ال الهندية في‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 66-71.indd 70‬‬


‫تاريخ‬

‫املتحف الوطني في الهند‬

‫معظمها نصائح سياسية وأخالقية واجتماعية‪ ،‬مثل‪:‬‬ ‫«أفضل السلطان من أمنه البريء وخافه املجرم وشر‬ ‫الس� � ��لطان من خافه البريء وأمنه املجرم»‪ .‬و«ال يُكثر‬ ‫الرج ُل على أخيه احلوائج‪ ،‬فإن العج َل إذا أفرط في‬ ‫ونحته»‪.‬‬ ‫مص أمه نطحته ّ‬ ‫ّ‬ ‫‪ -6‬االقتص ��اد‪ :‬ش � � � ّك َل االقتصاد الهن� � ��دي مورداً‬ ‫من م� � ��وارد خزين� � ��ة الدولة‪ ،‬فإلى جان� � ��ب الضرائب‪،‬‬ ‫الت� � ��ي كانت جتبى من الس� � ��كان‪ ،‬تدفقت س� � ��لع الهند‬ ‫إل� � ��ى مدن اخلالفة‪ ،‬مثل التواب� � ��ل والعطور واألحجار‬ ‫الكرمية وغيرها‪ .‬كما دخلت املش� � ��رق العربي الكثير‬ ‫من األشجار الهندية التي جنحت زراعتها‪ ،‬على قول‬ ‫املس� � ��عودي‪ ،‬في ُعمان والعراق والش� � ��ام ومصر‪ ،‬مثل‬ ‫الن� � ��ارجن واألترج (ثمرة كالليم� � ��ون احلامض)‪ .‬ويَذكر‬ ‫أن العرب جلبوا اجلام� � ��وس من الهند‪ ،‬وهي موطنها‬ ‫األصل� � ��ي‪ ،‬إلى العراق في العص� � ��ر األموي‪ ،‬وأن أهل‬ ‫الشام شكوا من كثرة هجوم السباع عليهم‪ ،‬فوضعت‬ ‫الدولة األموية أربعة آالف جاموسة على حدود الشام‬ ‫الشمالية‪ ،‬ألن اجلاموس عدو لألسود‪ .‬وقد اهتم أهل‬ ‫فلسطني بتربية اجلواميس لإلفادة من لبنها وحلمها‪.‬‬ ‫كما جلب العرب من الهند الفيلة‪ ،‬ويقول املسعودي إن‬ ‫اخلليف� � ��ة املنصور كان يقتني الفيلة من أجل احلروب‬ ‫التراث الهندي والثقافة العربية‬ ‫‪4/13/15 8:39:14 AM‬‬

‫والزينة ف� � ��ي األعياد‪ .‬ومن املعروف أيضاً أن اخلليفة‬ ‫الرش� � ��يد بعث إلى اإلمبراطور ش� � ��ارملان (ت ‪814‬م)‬ ‫جملة من الهدايا‪ ،‬وفي مقدمها فيل أبيض مت جتهيزه‬ ‫بأفخر جه� � ��از‪ .‬هذا وجلب األثرياء الع� � ��رب ألواناً ال‬ ‫حصر لها من الطعام م� � ��ن الهند‪ ،‬ودفعوا فيها أثماناً‬ ‫تفوق الوصف أحيانا‪.‬‬ ‫‪ – 7‬لعب ��ة الش ��طرجن‪ :‬ومم� � ��ا أُدخل م� � ��ن التراث‬ ‫الهندي في الثقافة العربية «لعبة الش� � ��طرجن»‪ ،‬وهي‬ ‫لعبة نش� � ��أت في الهند‪ .‬وقد أش� � ��ار املسعودي إلى أن‬ ‫الش� � ��طرجن اخترع في الهند‪ ،‬وأن الهنود اس� � ��تخدموا‬ ‫العاج ف� � ��ي صناعته‪ ،‬كم� � ��ا ذكر قواعد ه� � ��ذه اللعبة‪.‬‬ ‫وأكد ذلك أيضاً صاعد األندلس� � ��ي‪ .‬وانتش� � ��ر اللعب‬ ‫بالش� � ��طرجن في املجتمع العباس� � ��ي‪ ،‬حت� � ��ى أن بعض‬ ‫الفقهاء كان يلعب بالش� � ��طرجن‪ ،‬مثل سعيد بن جبير‪،‬‬ ‫على قول القلقشندي (ت ‪.)821‬‬ ‫اخلالص� � ��ة‪ :‬بن� � ��ا ًء على م� � ��ا تقدم‪ ،‬يتب� �ي��ن لنا أن‬ ‫الت� � ��راث الهندي أث� � ��رى الثقافة العربي� � ��ة أميا إثراء‪،‬‬ ‫وتفاعل العلماء العرب واملس� � ��لمون م� � ��ع هذا التراث‬ ‫بروح موضوعية وعقلي� � ��ة نقدية‪ ،‬ما مكنهم من إبداع‬ ‫ثقاف� � ��ة جدي� � ��دة حظيت مبكان� � ��ة متميزة ف� � ��ي تاريخ‬ ‫احلضارة اإلنسانية >‬ ‫‪71‬‬

‫‪may 66-71.indd 71‬‬


‫آثار‬

‫تراث ليبيا الحضاري‬ ‫ضحيّة للنهب والتدمير‬

‫موقع سيراطة األثري في ليبيا‬

‫‪©Jean-Jacques Gelbart‬‬ ‫‪72‬‬

‫‪4/12/15 1:12:18 PM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 72-83.indd 72‬‬


‫د‪ .‬ريتا عوض‬

‫أكادميية من لبنان‬

‫عدسة‪ :‬جان جاك جلبار‬

‫ال يعرف سوى عدد قليل من غير المختصين بعلم اآلثار ما تتمتع به أرض‬ ‫ليبيا من كنوز أثرية ومعالم معمارية بديعة وتراث ثقافي وحضاري عريق‬ ‫تنوعه‪ .‬فلم تكن دولة االستقالل الحديثة في ليبيا‬ ‫قدم وثري في ّ‬ ‫في ال ِ‬ ‫التي يعود تأسيسها إلى أوائ��ل منتصف القرن العشرين تولي ذلك‬ ‫التراث العظيم ما يستحق من اهتمام من ناحية‪ ،‬ولم تكن السياحة‪،‬‬ ‫خاصة الثقافية منها‪ ،‬من أولويات سياستها االقتصادية واالجتماعية‬ ‫تضمه األرض الليبية الشاسعة األرجاء‬ ‫من ناحية ثانية‪ ،‬فكانت معرفة ما‬ ‫ّ‬ ‫من آثار الحضارات العديدة والعظيمة التي مرّت عليها مقتصرة بصورة‬ ‫عامة على علماء اآلثار ودارسيها‪ ،‬خاصة الغربيين منهم‪ ،‬وظلت غائبة‬ ‫عن عامة الناس حتى أبناء الوطن العربي‪.‬‬

‫‪©Jean-Jacques Gelbart‬‬

‫تراث ليبيا احلضاري ضحية للنهب والتدمير‬ ‫‪4/12/15 1:12:28 PM‬‬

‫‪73‬‬

‫‪may 72-83.indd 73‬‬


‫غي� � ��ر أن ليبيا كان� � ��ت أرض احلض� � ��ارات عبر‬ ‫التاريخ‪ ...‬حض� � ��ارات مازالت آثار معاملها املعمارية‬ ‫ش� � ��اهدة عل� � ��ى عظمته� � ��ا؛ فم� � ��ن اآلث� � ��ار البونيقية‬ ‫والرومانية في غرب الب� �ل��اد واإلغريقية واملصرية‬ ‫في ش� � ��رقها إل� � ��ى البربرية في اجلن� � ��وب‪ ،‬حتتضن‬ ‫أرض ليبي� � ��ا روائ� � ��ع إبداعات فني� � ��ة قلّما توجد في‬ ‫غناه� � ��ا وجتتم� � ��ع ف� � ��ي تن ّوعها وعظمته� � ��ا في بالد‬ ‫أخ� � ��رى‪ .‬كما توجد فيها مواق� � ��ع تاريخية فريدة من‬ ‫تتضمن‬ ‫نوعها تع� � ��ود إلى ما قبل عص� � ��ور التاريخ‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫تتضمن‪ ،‬رس� � ��وماً صخرية م� � ��ن أقدم ما ّ‬ ‫مت‬ ‫في ما‬ ‫ّ‬ ‫اكتش� � ��افه في العالم أجمع‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن آثار مغمورة‬ ‫باملياه على طول ش� � ��اطئ البحر األبيض املتوسط‪.‬‬ ‫�جلة في قائمة‬ ‫ولليبي� � ��ا خمس� � ��ة مواقع ثقافية مس� � � ّ‬ ‫اليونس� � ��كو للتراث العاملي‪ ،‬وهي القائمة التي تض ّم‬ ‫املمتلكات الثقافية واملواق� � ��ع الطبيعية ذات القيمة‬ ‫العاملية االس� � ��تثنائية‪ ،‬التي تتج� � ��اوز أهميتها حدود‬ ‫الوطن واملنطق� � ��ة اجلغرافية التي تقع فيها‪ ،‬لترتفع‬ ‫إلى مستوى التراث اإلنساني‪ ،‬وهي التالية‪« :‬موقع‬ ‫ِلبدة األثري (لبتس ماغنا ‪ِ -‬لبدة الكبرى)»‪ ،‬و«موقع‬ ‫سبراطة األثري»‪ ،‬و«موقع شحات (قورينة) األثري»‪،‬‬ ‫وأُدرج� � ��ت جميعه� � ��ا ف� � ��ي القائمة في ع� � ��ام ‪،1982‬‬ ‫وس ّجلت في‬ ‫و«مواقع تادرارت أكاكوس الصخرية»‪ُ ،‬‬ ‫�جلت في‬ ‫عام ‪ ،1985‬و«بلدة غدامس القدمية»‪ُ ،‬س� � � ّ‬ ‫عام ‪.1986‬‬

‫تخريب ونهب‬

‫إن هذا التراث العظيم الذي خلّفته احلضارات‬ ‫اإلنسانية القدمية‪ ،‬التي كانت أرض ليبيا مسرحاً‬ ‫يتعرض‬ ‫لها عبر التاريخ‪ ،‬بل وما قبل تدوين التاريخ‪ّ ،‬‬ ‫للتخريب والنهب والدمار في الس� � ��نوات األخيرة‪،‬‬ ‫خاصة منذ ان� � ��دالع األحداث املأس� � ��اوية الدامية‬ ‫واخلطيرة ف� � ��ي األراضي الليبية‪ ،‬وإن لم يكن ذلك‬ ‫املتعمد‬ ‫الت� � ��راث الثقافي في مأمن م� � ��ن التخريب‬ ‫َّ‬ ‫والبناء العش� � ��وائي املس� � ��يء ما قبل تلك األحداث‪،‬‬ ‫بس� � ��بب اإلهم� � ��ال وضع� � ��ف التموي� � ��ل والتخطيط‬ ‫وس� � ��وء اإلدارة وغياب الوعي اجلماهيري بأهمية‬ ‫الت� � ��راث الثقاف� � ��ي واحلضاري ف� � ��ي املجتمع‪ .‬وقد‬ ‫يب� � ��دو احلديث ناف� �ل � ً‬ ‫تتعرض ل� � ��ه املعالم‬ ‫ا عم� � ��ا ّ‬ ‫التاريخي� � ��ة وآثار احلضارات الغاب� � ��رة من أخطار‬ ‫‪74‬‬

‫‪4/12/15 1:12:35 PM‬‬

‫في ليبيا أمام املأساة اإلنسانية القاتلة في حاضر‬ ‫البالد واألس� � ��ئلة احلارقة في أتون النزاع املس� � ��لح‬ ‫عن مس� � ��تقبلها‪ .‬وليس األمر كذلك‪ ،‬فالدراس� � ��ات‬ ‫الثقافية احلديثة تجُ مع عل� � ��ى أن التراث الثقافي‬ ‫مي ّث� � ��ل مدخ ً‬ ‫ال إلى حتقيق هو َّية وطنية مش� � ��تركة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ويش � � � ّكل موردا أساس � � � ّياً للدخل القومي‪ ،‬كما أنه‬ ‫ركيزة لربط العالقات مع العالم اخلارجي‪ ،‬فض ً‬ ‫ال‬ ‫ع� � ��ن أن الثقافة تلعب دوراً كبي� � ��راً في بناء اللُحمة‬ ‫االجتماعية‪ ،‬وتس� � ��اهم بذلك في حتقيق التصالح‬ ‫والسالم في داخل املجتمعات البشرية‪ .‬كذلك فقد‬ ‫أصب� � ��ح معروفاً أن االجتار غير املش� � ��روع باآلثار‪،‬‬ ‫خاص� � ��ة ما نُهب من آثار س� � ��ورية والع� � ��راق وليبيا‬ ‫واليمن ومصر‪ ،‬غدا من أخطر السبل التي تنتهجها‬ ‫اجلماع� � ��ات املس� � ��لحة لتحقي� � ��ق األرب� � ��اح الطائلة‬ ‫املتطرفة واألعمال اإلرهابية‪،‬‬ ‫لتمويل املجموعات‬ ‫ّ‬ ‫إلى جانب س� � ��عي تلك اجلماع� � ��ات اخلطيرة إلى‬ ‫تقوي� � ��ض األس� � ��س الثقافي� � ��ة الت� � ��ي لطامل� � ��ا كانت‬ ‫مرجعاً للبناء الوطني والقومي احلديث مبق ّوماته‬ ‫التاريخي� � ��ة وأبعاده احلضارية‪ ،‬التي اس� � ��تقى منها‬ ‫أبن� � ��اء األمة العربية في عصرن� � ��ا ه ّويتهم الثقافية‬ ‫التي انصهرت فيها روافد حضارية متن ّوعة كانت‬ ‫األرض العربي� � ��ة مس� � ��رحاً لها عب� � ��ر تاريخ طويل‪،‬‬ ‫اغتن� � ��ت بها وأغنتها‪ .‬ولئن كان� � ��ت االنتهاكات التي‬ ‫تعرض له� � ��ا التراث الثقافي وم� � ��ا زال في كل من‬ ‫ّ‬ ‫العراق وس� � ��ورية ومصر خاص� � ��ة‪ ،‬مو ّثقة ومعروفة‬ ‫بشكل واسع‪ ،‬فإن ما أصاب ذلك التراث في ليبيا‬ ‫م� � ��ن نهب وهدم وتخريب لم تنتش� � ��ر أنباؤه خاصة‬ ‫في وس� � ��ائل اإلعالم العربية‪ ،‬في الوقت الذي نال‬ ‫فيه ما يستحق من اهتمام في اإلعالم الغربي وفي‬ ‫املختصني ومعظمهم م� � ��ن الغربيني الذين‬ ‫دوائ� � ��ر‬ ‫ّ‬ ‫عملوا بالتنقيب في املواقع التاريخية بليبيا أو من‬ ‫مرت بأراضيها‪ .‬فقد‬ ‫دارسي آثار احلضارات التي ّ‬ ‫حدث� � ��ت عمليات نهب واس� � ��عة وخطيرة آلثار ليبيا‬ ‫منذ عام ‪ 2011‬ال مجال لتعدادها في هذه املقالة‬ ‫(يُنظ� � ��ر حصر أولي لها فضال ع� � ��ن عمليات نهب‬ ‫اآلث� � ��ار في األراضي الليبية قب� � ��ل هذا التاريخ في‬ ‫املوقع اإللكتروني‪:‬‬

‫‪https://www.temehu.com/cities_sites/‬‬ ‫‪.)museumvandalism-archaeological-robberies.com‬‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 72-83.indd 74‬‬


‫آثار‬

‫‪©Jean-Jacques Gelbart‬‬

‫من آثار بلدة لبدة‬

‫غي� � ��ر أن أخط� � ��ر عمليات النه� � ��ب حدثت في‬ ‫بنغازي بُعيد انطالق الثورة في ليبيا‪ ،‬وحتديداً في‬ ‫ش� � ��هر مايو عام ‪ ،2011‬وق� � ��د وصفها أحد اخلبراء‬ ‫بأنها إح� � ��دى كبريات عمليات الس� � ��رقة في تاريخ‬ ‫اآلث� � ��ار‪ ،‬إذ ّ‬ ‫مت نهب ما يُعرف بـ«كن� � ��ز بنغازي»‪ ،‬وهو‬ ‫مجموعة آثار كانت محفوظ� � ��ة في البنك التجاري‬ ‫باملدينة‪ ،‬تتمثل في ما يزيد على ‪ 7700‬قطعة نقود‬ ‫تاريخية مس� � ��كوكة من الذهب والفض� � ��ة والبرونز‬ ‫ال تُق � � � ّدر بثمن‪ ،‬يع� � ��ود بعضها إلى أيام اإلس� � ��كندر‬ ‫املقدوني الكبير‪ ،‬وبعضها اآلخر إلى عام ‪ 570‬قبل‬ ‫امليالد‪ ،‬وكذلك إلى عصور تاريخية الحقة مبا فيها‬ ‫العصور اإلس� �ل��امية األولى‪ ،‬ويش� � ��مل هذا «الكنز»‬ ‫أيضا مجوهرات وميدالي� � ��ات وحلي ومجموعة من‬ ‫األحج� � ��ار الكرمية‪ ،‬إلى جانب نح� � ��و ‪ 50‬قطعة من‬ ‫اللُقى األثرية والتماثيل البرونزية والزجاج والعاج‪.‬‬ ‫وقد ُجمعت معظم قطع هذا الكنز بني عامي ‪1917‬‬ ‫و‪ 1922‬م� � ��ن معبد أرمتيس‪ ،‬إلهة الصيد‪ ،‬في موقع‬ ‫وتعرض� � ��ت عديد من‬ ‫ش� � ��حات (قورينة) األث� � ��ري‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫املواق� � ��ع األثرية في أنحاء مختلف� � ��ة بليبيا للتخريب‬ ‫تراث ليبيا احلضاري ‪ ...‬ضح ّية للنهب والتدمير‬ ‫‪4/12/15 1:12:46 PM‬‬

‫واله� � ��دم والتدمير‪ ،‬فتم في عام ‪ 2013‬اس� � ��تهداف‬ ‫جامع أحمد باش� � ��ا القرمنلي‪ ،‬الذي شُ ّيد في القرن‬ ‫الثامن عش� � ��ر عند مدخل السوق في داخل املدينة‬ ‫القدمية بطرابلس‪ ،‬و ُهشّ � � ��مت مزارات ثالثة أولياء‬ ‫تقع عند مدخله تعود إلى القرن العاش� � ��ر‪ .‬ويُع ّد ما‬ ‫أصاب موقع شحات (قورينة) األثري‪ ،‬املصنّف تراثاً‬ ‫عاملياً‪ ،‬م� � ��ن أكبر عمليات تخريب اآلثار في العصر‬ ‫احلديث‪ ،‬إذ جرى في ش� � ��هر أغسطس عام ‪2013‬‬ ‫اس� � ��تخدام اجلرافات لهدم ما يزيد على كيلومترين‬ ‫م� � ��ن املدافن اإلغريقية التاريخية فيه‪ ،‬وهي مدافن‬ ‫متتد على مساحة عش� � ��رة كيلومترات وتُش ّكل أحد‬ ‫أكث� � ��ر آثار العالم القدمي اتس� � ��اعاً وأعظمها تن ّوعاً‪،‬‬ ‫وذلك من ِقبل س� � ��كان املنطقة لبناء مساكن ومحال‬ ‫تعرضت آثار موقع س� � ��براطة‬ ‫جتارية‪ .‬وقب� � ��ل ذلك ّ‬ ‫األث� � ��ري‪ ،‬وهو أيض � � �اً تراث عامل� � ��ي‪ ،‬لتخريب بعض‬ ‫التماثيل املوجودة بالقرب من مسرح املدينة األثري‪،‬‬ ‫وس� � ��رق عدد من القطع األثرية من متحف املدينة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ومت حتطي� � ��م متثالني ضخمني قائمني أمام متحفها‬ ‫وتعرض موقع تادرارت أكاكوس‪،‬‬ ‫وس� � ��رق رأساهما‪ّ .‬‬ ‫ُ‬ ‫‪75‬‬

‫‪may 72-83.indd 75‬‬


‫‪©Jean-Jacques Gelbart‬‬ ‫‪©Jean-Jacques Gelbart‬‬

‫من آثار بلدة غدامس‬

‫ال� � ��ذي يعود إلى عص� � ��ور ما قبل التاريخ‪ ،‬لتش� � ��ويه‬ ‫رسومه الصخرية وتخريبها‪ ،‬وذلك غيض من فيض‬ ‫ما يتع� � � ّ�رض له التراث الثقاف� � ��ي العظيم في أرض‬ ‫ليبيا من أخطار تهدد وجوده‪ ،‬وهو ما يش ّكل خسارة‬ ‫ال تُع � � � ّوض لتاريخ البالد‪ ،‬وإفق� � ��اراً للتراث الثقافي‬ ‫للمنطق� � ��ة العربية بأس� � ��رها وللحضارة اإلنس� � ��انية‬ ‫جمعاء‪.‬‬ ‫وال ميكننا أن ندرك فداحة اخلسارة الناجمة‬ ‫عن فقدان ه� � ��ذا التراث الثقاف� � ��ي وضياع قيمته‬ ‫العاملية االس� � ��تثنائية ما لم نك� � ��ن على اطالع عليه‬ ‫ومعرف� � ��ة بأهميته في التاريخ الثقافي البش� � ��ري‪.‬‬ ‫‪76‬‬

‫‪4/12/15 1:13:00 PM‬‬

‫وس� � ��أعرض في ما يلي تعريف � � �اً مختصراً باملواقع‬ ‫اخلمس� � ��ة في ليبيا املس� � ��جلة في قائمة اليونسكو‬ ‫للت� � ��راث العامل� � ��ي‪ ،‬التي قرر املجتم� � ��ع الدولي أنها‬ ‫ذات قيمة عاملية استثنائية بالنسبة للبشر جميعاً‪،‬‬ ‫حد بعي� � ��د على الكتاب العلمي‬ ‫معتمدة بذلك إلى ّ‬ ‫الق ّي� � ��م الذي يُع� � � ّ�رف مبواقع الت� � ��راث العاملي في‬ ‫املنطقة العربية وكان عددها س� � ��تة وستني موقعاً‬ ‫ثقافياً وطبيعياً حتى ع� � ��ام صدوره في ‪ 2011‬عن‬ ‫كل م� � ��ن املنظمة العربية للتربي� � ��ة والثقافة والعلوم‬ ‫ووزارة الثقافة في مملكة البحرين‪ ،‬وقد أش� � ��رفت‬ ‫علي� � ��ه ووضعت نصوص� � ��ه وحررته ه� � ��ذه الكاتبة‪،‬‬ ‫بصفته� � ��ا مدي� � ��ر إدارة الثقافة باملنظم� � ��ة العربية‬ ‫حين� � ��ذاك‪ .‬وقد صدر الكت� � ��اب باللغ� � ��ات العربية‬ ‫واإلجنليزية والفرنسية في أربعمائة صفحة ون ّيف‪،‬‬ ‫و ّ‬ ‫مت التقاط صور في تلك املواقع خصوصاً للنشر‬ ‫في الكتاب من قبل املص ّور الفرنس� � ��ي املتخصص‬ ‫بتصوي� � ��ر املواقع األثرية جان جاك جلبرات‪ ،‬الذي‬ ‫يتعاون معي مجدداً هن� � ��ا في تقدمي بعض الصور‬ ‫التي التقطه� � ��ا للمواقع الثقافي� � ��ة بليبيا‪ ،‬للتعريف‬ ‫بتل� � ��ك اآلثار وإبراز روعته� � ��ا وأهميتها في التاريخ‬ ‫الثقافي والفني اإلنساني‪.‬‬

‫موقع لبدة األثري‬ ‫(لبتس ماغنا ‪ -‬لبدة الكبرى)‬ ‫كان� � ��ت لبدة الكبرى (لبت� � ��س ماغنا) إلى جانب‬ ‫كل من س� � ��براطة وأويا (طرابلس)‪ ،‬إحدى البلدات‬ ‫التجارية الشهيرة الثالث وأكبرها التي تألفت منها‬ ‫والية تريبوليتاني� � ��ا الرومانية (وتعني املدن الثالث)‬ ‫في شمال ليبيا‪ .‬أُسست لبكي‪ ،‬وهو اسمها األصلي‪،‬‬ ‫في فترة مب ّكرة من األلفية األولى قبل امليالد‪ ،‬وقد‬ ‫اختاره� � ��ا الفينيقي� � ��ون ملينائها الطبيع� � ��ي وأرضها‬ ‫اخلصبة‪ .‬واش� � ��تهرت املدينة في القرن الرابع قبل‬ ‫املي� �ل��اد حني أصبحت قرطاج ق� � ��وة عظمى‪ ،‬وظلت‬ ‫حتت سيطرة البونيني حتى أوائل القرن الثاني قبل‬ ‫امليالد‪ .‬وقد اس� � ��تولى عليها النوميديون وخضعت‬ ‫لهم ف� � ��ي الفترة ما بني ‪ 218‬و‪ 149‬قبل امليالد رغم‬ ‫مت ّكـنها من االحتفاظ بحكم ذاتي محدود‪ .‬وتعرضت‬ ‫لبدة الكبرى بعدئذ لغزو الرومان‪ ،‬وقد باتت منطقة‬ ‫متنازعاً عليها مل� � ��ا كان لها من دور بوصفها محطة‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 72-83.indd 76‬‬


‫آثار‬

‫‪©Jean-Jacques Gelbart‬‬

‫من مواقع تادرارت أكاكوس الصخرية اآلثرية‬

‫للقواف� � ��ل على الطريق الرابطة بني س� � ��احل البحر‬ ‫األبيض املتوسط والسودان‪.‬‬ ‫تأث� � ��رت لبدة الكب� � ��رى‪ ،‬بل والي� � ��ة تريبوليتانيا‬ ‫بأس� � ��رها‪ ،‬خالل اجل� � ��زء األكبر من ه� � ��ذه األلفية‬ ‫األول� � ��ى‪ ،‬تأثراً كبي� � ��راً بقرطاج‪ .‬وقد اختار س� � ��كان‬ ‫املدين� � ��ة‪ ،‬حتى ح� �ي��ن أصبحت مدينته� � ��م جزءاً من‬ ‫اإلمبراطورية الرومانية‪ ،‬االحتفاظ بدين مؤسسيها‬ ‫وبلغتهم وبأساليبهم التجارية‪ .‬ومت ّثل اآلثار البونية‬ ‫التي اكتشفت قرب ميناء لبدة الكبرى وفي املناطق‬ ‫املخصص� � ��ة للمداف� � ��ن‪ ،‬أد ّل� � ��ة قاطعة على س� � ��يادة‬ ‫تراث ليبيا احلضاري ‪ ...‬ضح ّية للنهب والتدمير‬ ‫‪4/12/15 1:13:14 PM‬‬

‫احلضارة الفينيقية‪-‬البونية‪ ،‬تثبت ما ّ‬ ‫مت استنتاجه‬ ‫م� � ��ن اللق� � ��ى األثرية ف� � ��ي قرطاج‪ .‬وتتمث� � ��ل املرحلة‬ ‫اإلمبراطوري� � ��ة األول� � ��ى بحمامات هادري� � ��ان وتعود‬ ‫إلى عام ‪ 127‬للميالد‪ ،‬وق� � ��وس تايبيريوس‪ ،‬وقوس‬ ‫تراجان الذي أجنز عام ‪ 110‬للميالد‪.‬‬ ‫تغ ّيـرت حال لبدة الكبرى وازدهرت حني اعتلى‬ ‫ع� � ��رش روما ع� � ��ام ‪ 193‬للميالد أح� � ��د أبنائها وهو‬ ‫سبتيموس س� � ��فيروس‪ ،‬فقد عمل اإلمبراطور على‬ ‫بن� � ��اء مدينة مولده ليجعل منه� � ��ا إحدى أجمل مدن‬ ‫اإلمبراطورية‪ .‬وقد شهدت فترة حكمه التي امتدت‬ ‫‪77‬‬

‫‪may 72-83.indd 77‬‬


‫من ع� � ��ام ‪ 193‬إلى عام ‪ ،211‬بناء س� � ��احة عمومية‬ ‫جديدة (فوروم) وباسيليقا وميدان السباق واملسرح‬ ‫معب� � ��دة ومراف� � ��ق جديدة‬ ‫امل� � � ّ‬ ‫�درج وطريق رئيس� � ��ة ّ‬ ‫عدي� � ��دة للميناء م� � ��ن ضمنها بناء من� � ��ارة‪ .‬وما زال‬ ‫امليناء القدمي موج� � ��ودا بحوضه االصطناعي الذي‬ ‫تزيد مس� � ��احته على مائة ألف متر مربع‪ ،‬بأرصفته‬ ‫وحصونه ومخازنه وهياكل� � ��ه‪ .‬ويُع ّد هذا امليناء من‬ ‫روائع اإلجنازات التقنية الرومانية‪ ،‬وقد متثلت في‬ ‫بناء س ّد لتخزين املياه وقناة لضبط تدفق نهر لبدة‪.‬‬ ‫وقد ش � � � ّيد س� � ��فيروس قوس النصر عام ‪ 203‬عند‬ ‫تقاطع الطريقني الرئيستني‪ ،‬إحداهما املتجهة من‬ ‫الش� � ��مال إلى اجلنوب‪ ،‬واألخرى املتجهة من الشرق‬ ‫إل� � ��ى الغ� � ��رب‪ .‬ويُجمع علم� � ��اء اآلثار عل� � ��ى أن لبدة‬ ‫الكبرى تش ّكل مثاالً فنياً فريداً من نوعه في مجال‬ ‫التخطيط احلضري‪.‬‬ ‫اس� � ��تولى البيزنطي� � ��ون على لب� � ��دة الكبرى في‬ ‫القرن الرابع واستسلمت املدينة لغزوات قبائل بني‬ ‫هالل البدوية بعد ذلك بس� � ��بعة قرون‪ .‬وقد أجريت‬ ‫حفريات معقّدة إلعادة اكتشافها في العصر احلديث‬ ‫عما أحاط بها من الرمال‬ ‫املتحركة‪ .‬وكان‬ ‫لفصله� � ��ا ّ‬ ‫ّ‬ ‫آخر االكتشافات في املوقع‪ ،‬ذلك الذي توصل إليه‬ ‫فريق من العلم� � ��اء من جامعة هامبورج األملانية في‬ ‫ع� � ��ام ‪ ،2006‬وهو لوحة فسيفس� � ��اء زاهية األلوان‪،‬‬ ‫ذات نوعية اس� � ��تثنائية األهمية‪ ،‬يبلغ طولها ثالثني‬ ‫متراً‪ ،‬ويعود تاريخها إلى الفترة ما بني القرن األول‬ ‫والقرن الثاني للميالد‪ .‬وتص ّور اللوحة محارباً يقاتل‬ ‫برياً‪ ،‬ومصارعاً‬ ‫غزاالً‪ ،‬وأربعة شبان يصارعون ثوراً ّ‬ ‫يستريح بعد أن ذبح خصمه‪.‬‬

‫موقع سبراطة األثري‬

‫كانت س� � ��براطة الواقعة على س� � ��احل منطقة‬ ‫تريبوليتانيا‪ ،‬أحد أوائل املراكز التجارية الفينيقية‬ ‫في شمال إفريقيا‪ .‬وقد ش ّكلت املدينة حلقة وصل‬ ‫بني خليج سرت واملناطق اإلفريقية الداخلية‪ ،‬وهو‬ ‫ما جعل منها مركزاً جتار ّياً في العهد البوني‪ .‬وبعد‬ ‫أن ق ُّس� � ��مت اإلمبراطورية القرطاجنية‪ ،‬أصبحت‬ ‫سبراطة جز ًءا من ماسينيسا في اململكة النوميدية‬ ‫تعمـر طوي ً‬ ‫ال‪ .‬وفي ع� � ��ام ‪ 46‬قبل امليالد‪،‬‬ ‫الت� � ��ي لم ّ‬ ‫أحلق� � ��ت س� � ��براطة مبقاطع� � ��ة إفريقي� � ��ا اجلديدة‬ ‫‪78‬‬

‫‪4/12/15 1:13:21 PM‬‬

‫الرومانية بعد انتصار يوليوس قيصر على حليفه‬ ‫السابق‪ ،‬القائد العس� � ��كري الروماني بومبي‪ .‬وقد‬ ‫أدى قرب موقع س� � ��براطة م� � ��ن لبتس ماغنا (لبدة‬ ‫الكبرى)‪ ،‬مس� � ��قط رأس اإلمبراطور س� � ��بتيموس‬ ‫س� � ��فيروس‪ ،‬إلى ازدهارها م� � ��ن جديد خالل فترة‬ ‫حكم عائلة س� � ��فيروس‪ .‬وقد ُهدمت سبراطة‪ ،‬كما‬ ‫هدم� � ��ت لبتس ماغنا‪ ،‬بفع� � ��ل الزلزال الذي ضرب‬ ‫املنطقة في ع� � ��ام ‪365‬م‪ ،‬وهو م� � ��ن أكبر الكوارث‬ ‫التي ش� � ��هدها التاريخ‪ ،‬وأع� � ��اد البيزنطيون بناءها‬ ‫على نطاق أصغر مما كان� � ��ت عليه‪ .‬ويروي املؤرخ‬ ‫ابن خلدون‪ ،‬الذي عاش في القرن الرابع عش� � ��ر‪،‬‬ ‫أن قبيلة بربرية من نفّـوس� � ��ة كانت تسكن سبراطة‬ ‫في زمن الفتح العربي‪.‬‬ ‫اعتمد اقتصاد س������براطة اعتماداً كبيراً على‬ ‫التج������ارة‪ .‬وقد اختص جتّارها بتصدير الس������لع‬ ‫اإلفريقي������ة الت������ي كان������وا يأتون بها م������ن كل من‬ ‫غدام������س وفـ ّزان ويو ّزعونه������ا في منطقة حوض‬ ‫البحر األبيض املتوس������ط‪ .‬وق������د أظهرت احملال‬ ‫التجارية املكتش������فة في مدينة أوستيا بإيطاليا‪،‬‬ ‫تعد ميناء روما‪ ،‬أنها اس������تُخدمت من ِقبل‬ ‫الت������ي ّ‬ ‫جتّار س������براطة‪ ،‬فقد كانت مز ّين������ة بلوحات من‬ ‫الفسيفس������اء مت ّثل أفياالً‪ ،‬مم������ا يوحي بأن العاج‬ ‫كان عنصراً رئيس������اً في جتارة س������براطة‪ .‬وقد‬ ‫ُز ّين������ت عديد م������ن البالطات املنقوش������ة واملباني‬ ‫العامة في س������براطة بلوحات فسيفس������اء مت ّثل‬ ‫أس������طولها التج������اري‪ .‬ورغم أن املعال������م البونية‬ ‫والبيزنطي������ة مازالت موج������ودة في املوقع األثري‬ ‫يضمه من آثار يعود إلى‬ ‫للمدين������ة‪ ،‬فإن معظم ما‬ ‫ّ‬ ‫القرنني األول والثاني للميالد‪.‬‬ ‫فق������د أخذ احل������كام الرومان عل������ى عاتقهم‬ ‫إعادة بناء سبراطة‪ ،‬فرممّ وا املعابد البونية حول‬ ‫مجمع الس������احة العمومية (الفوروم)‪ ،‬وش������ ّيدوا‬ ‫ّ‬ ‫ف������ي القرن األول للميالد مبنى مجلس الش������يوخ‬ ‫البل������دي‪ ،‬امل ّزين بأعم������دة اجلرانيت وبالفجوات‬ ‫امل ُثبتة فيها متاثيل نصفية لألباطرة‪ ،‬وبأرضيات‬ ‫ويعد هذا املبنى‬ ‫الرخام األبيض والفسيفس������اء‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫مث������االً منوذجياً للنمط الروماني ‪ -‬الس������براطي‬ ‫في البناء‪ .‬أما صحن الكاتدرائية ‪ -‬الباس������يليقا‬ ‫املس������يحية املج������اورة‪ ،‬الت������ي شُ ������ ّيدت بأمر من‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 72-83.indd 78‬‬


‫آثار‬

‫‪©Jean-Jacques Gelbart‬‬

‫من آثار سبراطة‬

‫اإلمبراط������ور جوس������تينيان‪ ،‬فمز ّيـن بفسيفس������اء‬ ‫تص ّور نباتات وزهوراً وطيوراً وس������ط األغصان‬ ‫املتدلّية واملتش������ابكة لكرم العن������ب‪ .‬وعلى اجلهة‬ ‫األخ������رى املقابل������ة للس������احة العمومي������ة‪ ،‬تق������ف‬ ‫تراث ليبيا احلضاري ‪ ...‬ضح ّية للنهب والتدمير‬ ‫‪4/12/15 1:13:34 PM‬‬

‫الكاتدرائية ‪ -‬الباس������يليقا الثانية التي يُعتقد أن‬ ‫الكاتب الروماني أبوليوس حوكم فيها‪.‬‬ ‫ُه ِّجرت س� � ��براطة في أعقاب الفتح العربي‪،‬‬ ‫وانتقلت جتارتها إلى موان� � ��ئ أخرى‪ .‬وظل خف ّياً‬ ‫‪79‬‬

‫‪may 72-83.indd 79‬‬


‫‪©Jean-Jacques Gelbart‬‬

‫رسومات جبال تادرارت أكاكوس الصخرية‬

‫ما خلّفته العصور البونية والرومانية والبيزنطية‬ ‫في س� � ��براطة من آث� � ��ار غني� � ��ة ذات صبغة ليبية‬ ‫متمي� � ��زة‪ ،‬حتى عام ‪ ،1932‬حني بدأ علماء اآلثار‬ ‫باكتشافها‪.‬‬

‫موقع شحات (قورينة) األثري‬

‫أُسس� � ��ت قورينة (ش� � ��حات) في عام ‪ 631‬قبل‬ ‫املي� �ل��اد ف� � ��ي مرتفع� � ��ات اجلبل األخض� � ��ر على يد‬ ‫املس� � ��تعمرين اإلغري� � ��ق القادمني م� � ��ن جزيرة ثيرا‬ ‫(س� � ��انتوريني) بقيادة باتوس األول‪ .‬وأصبح اس� � ��م‬ ‫املدينة مصدراً لالس� � ��م القدمي للمنطقة الش� � ��رقية‬ ‫ويجس� � ��د تاريخها املتن ّوع‪.‬‬ ‫لليبيا‪ ،‬قورينائية (برقة)‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫حت ّول� � ��ت قورين� � ��ة إلى جمهورية في ع� � ��ام ‪ 414‬قبل‬ ‫امليالد‪ ،‬وعاش� � ��ت عصرها الذهبي في تلك احلقبة‬ ‫التاريخية‪ .‬واستسلمت طوعاً لإلسكندر األكبر في‬ ‫عام ‪ 332‬قبل امليالد‪ ،‬وانتقلت الس� � ��يادة عليها إلى‬ ‫دول� � ��ة البطاملة اإلغريقية ‪ -‬املصرية التي س � � �لّمتها‬ ‫إل� � ��ى الرومان ف� � ��ي ع� � ��ام ‪ 96‬قبل املي� �ل��اد‪ ،‬فظلت‬ ‫خاضعة لهم حتى احتلها البيزنطيون في عام ‪324‬‬ ‫‪80‬‬

‫‪4/12/15 1:13:48 PM‬‬

‫للمي� �ل��اد‪ .‬وبقيت قورينة في ي� � ��د البيزنطيني حتى‬ ‫فتحها العرب املس� � ��لمون عام ‪ 643‬للميالد في زمن‬ ‫خالفة عمر بن اخلطاب‪.‬‬ ‫عاش� � ��ت قورينة عندما كان� � ��ت عاصمة ملقاطعة‬ ‫قورينائي� � ��ة الروماني� � ��ة أهم فت� � ��رات تاريخها‪ .‬وقد‬ ‫ووحـدها‬ ‫منحها م� � ��ارك أنطوني� � ��وس لكليوبات� � ��را‪ّ ،‬‬ ‫اإلمبراطور أوغس� � ��طس مع جزي� � ��رة كريت‪ ،‬وأعيد‬ ‫بناؤها في الق� � ��رن األول امليالدي‪ ،‬وحلقتها أضرار‬ ‫كبي� � ��رة نتيجة مترد مس� � ��لح في ع� � ��ام ‪ ،116‬وأعاد‬ ‫اإلمبراطور هادريان بناءه� � ��ا من جديد‪ .‬وقد هدم‬ ‫الزل� � ��زال الكبير الذي تعرضت له جزيرة كريت في‬ ‫وعجل بانهيارها‪.‬‬ ‫عام ‪ 365‬معظم أرجائها ّ‬ ‫والي� � ��وم‪ ،‬تبل� � ��غ مس� � ��احة موقع قورين� � ��ة األثري‬ ‫اإلغريقي ‪ -‬الرومان� � ��ي ‪124‬هكتاراً‪ .‬وتوجد معظم‬ ‫اآلث� � ��ار اإلغريقية في غرب املدينة‪ ،‬ومحورها النبع‬ ‫املكرس لإلله‬ ‫املق� � ��دس الذي يروي جدول ماء قورة‬ ‫ّ‬ ‫أبولو‪ .‬وقد بني هيكل له هناك في القرن السادس‬ ‫قبل امليالد‪ ،‬وأضيف إليه مذبحه العظيم في القرن‬ ‫الرابع‪ .‬وتشتمل املنطقة أيضاً على هياكل لإللهتني‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 72-83.indd 80‬‬


‫آثار‬

‫مواقع تادرارت أكاكوس الصخرية‬

‫تض ّم كهوف سلس� � ��لة جبال ت� � ��ادرارت أكاكوس‬ ‫الواقع� � ��ة في الصحراء الليبية آالف الرس� � ��وم التي‬ ‫يع� � ��ود عهد بعضها إلى واحد وعش� � ��رين ألف عام‪.‬‬ ‫وتتميز جبالها املتاخمة للموقع اجلزائري املش� � ��ابه‬ ‫املتضمن رس� � ��وماً صخرية املدعو «طاسيلي ناجر»‬ ‫ّ‬ ‫الذي يرج� � ��ع أيضاً إل� � ��ى عصور ما قب� � ��ل التاريخ‪،‬‬ ‫مبشاهدها الطبيعية املتن ّوعة من كثبان رملية مل ّونة‬ ‫ومم� � � ّ�رات ض ّيق� � ��ة وأودية عميقة‪ ،‬وتش� � ��مل معامل ُها‬ ‫الرئيسة «قوس أفازاجار» و«قوس تن خلجة»‪ .‬وقد‬ ‫أثبتت الفنون الصخرية ف� � ��ي هذه املنطقة اجلبلية‬ ‫القاحل� � ��ة أنه� � ��ا لم تكن في قدمي الزم� � ��ان على تلك‬ ‫احلال‪.‬‬ ‫تراث ليبيا احلضاري ‪ ...‬ضح ّية للنهب والتدمير‬ ‫‪4/12/15 1:14:00 PM‬‬

‫‪©Jean-Jacques Gelbart‬‬

‫أرمتيس وإيزيس وللحوري� � ��ة كورانا‪ .‬وخالل الفترة‬ ‫الرومانية‪ ،‬ر ّمـم اإلمبراطور تراجان هيكل أبولو وبنى‬ ‫حمامات فخمة عند الطرف اجلنوبي الشرقي منه‪.‬‬ ‫أما ما تبقى من آثار املباني الرومانية الغنية‪ ،‬فيوجد‬ ‫معظمها على هضبة تقع إلى الش� � ��رق‪ ،‬وتتألف من‬ ‫مبنى األكروبول‪ ،‬وهي� � ��كل زيوس‪ ،‬ومبنى الكابيتول‪،‬‬ ‫ومقر إيداع السجالت العامة‪ ،‬ومقر إقامة جيسون‬ ‫ماغن� � ��وس‪ ،‬أحد أبرز وجهاء املدينة‪ .‬وفي الس� � ��احة‬ ‫العمومي� � ��ة (الف� � ��وروم)‪ ،‬توج� � ��د عناص� � ��ر التصميم‬ ‫املعماري اليونانية والعناص� � ��ر الرومانية في وحدة‬ ‫متكاملة‪ .‬وال يزال هيكل دمييترا وبيرسيفوني بادياً‬ ‫للعيان خارج أس� � ��وار املدين� � ��ة‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن أحد أكبر‬ ‫املدافن العائدة إلى تلك الفترة وأكثرها تنوعا‪ً.‬‬ ‫كانت قورينة حاضرة ف� � ��ي الكتابات اإلغريقية‬ ‫القدمية‪ ،‬فقد وصفها املؤرخ هيرودوتس والفيلسوف‬ ‫سينيس� � ��يوس‪ ،‬أس� � ��قف طليثم� � ��ة‪ ،‬إح� � ��دى عواصم‬ ‫قورينائية‪ ،‬وأنشد مدائحها كل من بندار وشاعرها‬ ‫كاليماخ� � ��وس‪ .‬كما كان� � ��ت املدينة مهداً للمدرس� � ��ة‬ ‫الفلس� � ��فية القورينية التي أسسها ابنها أرستيبوس‬ ‫ف� � ��ي القرن الراب� � ��ع قبل امليالد‪ ،‬وقد ُس� � � ّ�ميت أثينا‬ ‫إفريقيا لكثرة عدد الفالس� � ��فة القدماء من أبنائها‪.‬‬ ‫وال ي� � ��زال هناك الكثير مما ميكن تعلّمه عن احلياة‬ ‫الفكري� � ��ة والفني� � ��ة واالجتماعية ف� � ��ي قورينة‪ ،‬وما‬ ‫أبدعت� � ��ه من إنتاج ثقافي طوال م� � ��ا يربو على ألف‬ ‫وخمسمائة عام‪.‬‬

‫بلدة غدامس من الداخل‬

‫كش� � ��ف املس� � ��ح األثري ف� � ��ي منطقة ت� � ��ادرارت‬ ‫أكاكوس عن بقاي� � ��ا توفّر أدلّة عل� � ��ى أن مجتمعات‬ ‫بشرية سكنتها منذ أوائل عصر البليستوسني الذي‬ ‫ويتضمن‬ ‫بدأ من حوالي مليونني وس� � ��تة آالف سنة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ما اكتُش� � ��ف من الفترة األشولية عدي ًدا من األدوات‬ ‫احلجري� � ��ة‪ ،‬تتم ّث� � ��ل ف� � ��ي كميات كبرى م� � ��ن رؤوس‬ ‫الفؤوس واملس � � �نّات احلجرية واملثاقب واملكاش� � ��ط‪،‬‬ ‫يرجع تاريخها إلى ثالثمائة ألف سنة‪ .‬كما اكتُشفت‬ ‫في مئات املواقع األثرية في أودية تادرارت أكاكوس‬ ‫أدوات وش� � ��ظايا م� � ��ن حج� � ��ر الص ّوان م� � ��ن احلقبة‬ ‫املوس� � ��تيرية التي ُوجدت منذ ثمانني ألف سنة‪ .‬أما‬ ‫ما كش� � ��فت عنه احلفريات في كهفي وان تابو ووان‬ ‫أفود‪ ،‬فقد س� � ��اعد عل� � ��ى معرفة الفت� � ��رة التقريبية‬ ‫لبدايات احلقبة العاثيرية في الصحراء الليبية منذ‬ ‫حوالي ستني ألف سنة‪.‬‬ ‫ويُعتق� � ��د أن معظ� � ��م فن� � ��ون ت� � ��ادرارت أكاكوس‬ ‫الصخري� � ��ة أُجن� � ��زت عبر فت� � ��رات متتد م� � ��ن عام‬ ‫‪ 12.000‬قب� � ��ل امليالد إلى ع� � ��ام ‪ 100‬ميالدي‪ .‬وال‬ ‫يقتصر ما تص ّوره هذه الرسوم واملنحوتات الفائقة‬ ‫البرية كالزرافات واألفيال‬ ‫الدقّة على احليوان� � ��ات ّ‬ ‫واإلبل والنعام والظباء‪ ،‬بل مت ّثل أيضاً رجاالً وخيوالً‬ ‫تتضمن ص� � ��و َر رجال‬ ‫وتتضمن ف� � ��ي ما‬ ‫وعرب� � ��ات‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ميارس� � ��ون أعماله� � ��م اليومية ويعزفون املوس� � ��يقى‬ ‫�اليب‬ ‫ويرقصون أو يؤدون الطقوس‪ .‬وتعكس األس� � � ُ‬ ‫الف ّني� � ��ة املختلفة في ما اصطل� � ��ح علماء اآلثار على‬ ‫‪81‬‬

‫‪may 72-83.indd 81‬‬


‫تس� � ��ميته بعصور‪ :‬احليوانات املتوحش� � ��ة‪ ،‬والرؤوس‬ ‫املستديرة‪ ،‬واحلصان واجلمل‪ ،‬التغ ّي ِ‬ ‫رات األساسية‬ ‫في املن� � ��اخ وفي ثروة الصحراء احليوانية والنباتية‪،‬‬ ‫كم� � ��ا تروي تاريخ الش� � ��عوب املتعاقبة التي عاش� � ��ت‬ ‫هناك‪ .‬ويُلحظ التط ّور املثير في األسلوب واملوضوع‬ ‫على ح ّد س� � ��واء‪ ،‬م� � ��ن نقوش لصيادين باألس� � ��لوب‬ ‫الطبيع� � ��ي‪ ،‬ف� � ��ي مرحلة احليوانات املتوحش� � ��ة منذ‬ ‫ً‬ ‫وحوشا كبيرة ّ‬ ‫مت‬ ‫نحو اثني عش� � ��ر ألف س� � ��نة‪ ،‬مت ّثل‬ ‫اصطيادها‪ ،‬إلى رس� � ��وم أُبدعت بأسلوب أقرب ما‬ ‫يكون إلى األسلوب الرمزي‪ ،‬تص ّور «عربات طائرة»‬ ‫ومت ّثل اجلسم البشري بش� � ��كل مثلث‪ ،‬خالل عصر‬ ‫احلصان‪ 1500 ،‬عام قبل امليالد‪.‬‬ ‫والي� � ��وم‪ ،‬بعد انقضاء ق� � ��رن ونصف القرن على‬ ‫اكتش� � ��اف موقع تادرارت أكاك� � ��وس في عام ‪،1856‬‬ ‫ال تزال دراس� � ��ة تط ّور تلك املجتمعات التي سكنت‬ ‫هذا املوقع اجلبلي على مدى ثالثمائة ألف سنة من‬ ‫مستمر‪ .‬إن التغير‬ ‫خالل تلك الرسوم‪ ،‬تتقدم بشكل‬ ‫ّ‬ ‫املناخي في هذه املنطقة التي مت ّيزت في عصور ما‬ ‫قب� � ��ل التاريخ باخلصب والين� � ��اع أ ّدى إلى التح ّوالت‬ ‫األنثروبولوجية ذات الظواهر الثقافية واالجتماعية‬ ‫واالقتصادية‪ .‬فمن عصر البليستوس� �ي��ن إلى عصر‬ ‫الهولوس� �ي��ن‪ ،‬انتقلت هذه املجتمعات البش� � ��رية من‬

‫اقتص� � ��اد الصيد والقطاف إلى حياة رعوية منظمة‬ ‫ش ّكلت أساس حضارة الغرامنتيني منذ ثالثة آالف‬ ‫س� � ��نة‪ ،‬قبل أن تتالش� � ��ى احلياة البشرية فيها حني‬ ‫التصحر‪.‬‬ ‫انتهت إلى‬ ‫ّ‬

‫بلدة غدامس القدمية‬

‫ُعرفت غدامس في املصادر العربية القدمية باسم‬ ‫لؤلؤة الصحراء‪ .‬وكانت في األصل واحة تك ّونت بالقرب‬ ‫من نبع يس� � ��مى «عني الفرس»‪ ،‬يقع عن� � ��د تقاطع طرق‬ ‫متر‬ ‫التجارة عبر الصحراوية القدمية الثالث التي كانت ّ‬ ‫حي� � ��ث احلدود احلديثة لكل من ليبيا وتونس واجلزائر‪.‬‬ ‫وقد عاش� � ��ت في تلك الواحة في عصور ما قبل تدوين‬ ‫التاريخ قبائل بربرية؛ وبذلك تع ّد غدامس إحدى أقدم‬ ‫املستوطنات البشرية ما قبل الصحراوية‪ .‬وقد خضعت‬ ‫غدامس حلكم الرومان بعدما اس� � ��تولى عليها القنصل‬ ‫الرومان� � ��ي كورينيلي� � ��وس بالبوس ع� � ��ام ‪ 19‬قبل امليالد‬ ‫إثر حملته على قبيلة الغرمنتني التي س� � ��كنت في فزان‬ ‫حينذاك‪.‬‬ ‫فتحت اجلي� � ��وش العربية غدامس بقيادة عقبة ابن‬ ‫نافع عام ‪ ،667‬ولم ِ‬ ‫ميض وقت طويل بعدئذ حتى غدت‬ ‫مرك� � ��زاً جتارياً مزدهراً‪ .‬وفي القرن الس� � ��ادس عش� � ��ر‪،‬‬ ‫أصبحت البلدة خاضعة للحكم العثماني‪ .‬وفي تاريخها‬

‫‪©Jean-Jacques Gelbart‬‬

‫من آثار سبراطة‬ ‫‪82‬‬

‫‪4/12/15 1:14:10 PM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 72-83.indd 82‬‬


‫آثار‬ ‫‪©Jean-Jacques Gelbart‬‬

‫من آثار بلدة لبدة‬

‫األح� � ��دث عهداً‪ ،‬خالل احل� � ��رب العاملية الثانية‪ ،‬قصفت‬ ‫طائرات قوات التحالف بلدة غدامس التاريخية القدمية‬ ‫وأحلقت بها أض� � ��راراً كبيرة بقيت بع� � ��ض آثارها بادية‬ ‫للعيان حتى اليوم‪ .‬وال تزال البلدة في وقتنا هذا مأهولة‬ ‫بالسكان كعهدها منذ عشرة آالف عام‪ ،‬وتع ّد ثالث أقدم‬ ‫مستوطنة في العالم سكنها اإلنسان بال انقطاع‪ ،‬وهو ما‬ ‫تثبته املنحوتات والنقوش احلجرية املكتشفة فيها‪.‬‬ ‫تتضمن آثار غدامس الرومانية متاثيل متسمودين‬ ‫اجلص‪ ،‬فض ً‬ ‫ال‬ ‫املنحوتة ف� � ��ي احلجر واملصنوعة م� � ��ن‬ ‫ّ‬ ‫ع� � ��ن قصر مقدول‪ ،‬وهو قلعة رومانية دائرية الش� � ��كل‬ ‫ذات باب خفي‪ .‬وتوجد إلى الش� � ��رق من القصر البلدةُ‬ ‫احملصنة‪ ،‬وه� � ��ي مثال نادر للعم� � ��ارة الليبية‬ ‫القدمي� � ��ة‬ ‫ّ‬ ‫التي لم تتأثر باألمن� � ��اط املعمارية البونية واإلغريقية‬ ‫والرومانية التي سادت املنطقة‪ .‬والبلدة القدمية ذات‬ ‫وتتجمع‬ ‫تصميم دائري يش ّكل املنزل وحدته األساسية‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ممرات ض ّيقة‬ ‫البيوت معاً بشكل عنقودي لترسم حدو َد ّ‬ ‫وأزقة مغطاة باألقواس تربط ما بني العناصر املعمارية‬ ‫املختلفة التي تتك ّون منها البلدة‪ .‬وتس� � ��تفيد املس� � ��اكن‬ ‫املوج� � ��ودة على أطراف البلدة من األس� � ��وار اخلارجية‬ ‫املتراص� � ��ة الصلبة التي تش � � � ّكل حتصين� � ��ات غدامس‪.‬‬ ‫التجم� � ��ع احلض� � ��ري داخل األس� � ��وار بوجود‬ ‫ويتع � � � ّزز‬ ‫ّ‬ ‫معاقل يصل عمقها إلى س� � ��تة أمت� � ��ار وبوابات ترتبط‬ ‫تراث ليبيا احلضاري ‪ ...‬ضح ّية للنهب والتدمير‬ ‫‪4/12/15 1:14:23 PM‬‬

‫ص ّمم� � ��ت املنازل على‬ ‫كل منه� � ��ا بغرفة احل� � ��رس‪ .‬وقد ُ‬ ‫موحد يتم ّيز بتقس� � ��يم وظيفي عمودي‪،‬‬ ‫منط معماري ّ‬ ‫فالطابق األرضي يُس� � ��تخدم خلزن امل� � ��ؤن‪ ،‬فيما يض ّم‬ ‫الطابق األول غرف النوم‪ .‬ولعل أبرز سمة معمارية في‬ ‫البلدة هي ش� � ��بكة الشرفات املكش� � ��وفة املتجاورة التي‬ ‫ترب� � ��ط طوابق املنازل العليا أحده� � ��ا باآلخر‪ ،‬ويقتصر‬ ‫املمرات ذات‬ ‫ُخصص‬ ‫استعمالها على النس� � ��اء‪ ،‬فيما ت ّ‬ ‫ّ‬ ‫القناطر في الطوابق األرضية للرجال‪.‬‬ ‫حافظ� � ��ت بل� � ��دة غدامس على ما ارتب� � ��ط بنمطها‬ ‫املعماري الرائع من أس� � ��اليب البناء التقليدية املتمثلة‬ ‫في اجل� � ��دران املبن ّية بالتراب املرص� � ��وص أو بالطوب‬ ‫الطين� � ��ي املخلوط بأغلفة خش� � ��ب النخي� � ��ل‪ .‬إنه منط‬ ‫فري� � ��د ال مثي� � ��ل له في سلس� � ��لة املس� � ��توطنات ما قبل‬ ‫الصحراوية املمتدة م� � ��ن ليبيا إلى موريتانيا‪ .‬إن هذه‬ ‫املواقع التراثية اإلنسانية العظيمة الشأن ذات القيمة‬ ‫العاملية االستثنائية والفريدة‪ ،‬وغيرها الكثير من اآلثار‬ ‫التاريخية ذات األهمية الوطني� � ��ة واإلقليمية الكبيرة‪،‬‬ ‫تواج� � ��ه اليوم أخطار التالش� � ��ي واالندثار في س� � ��عير‬ ‫النزاع املسلح الذي تشهده األراضي الليبية‪ ،‬نزاع تلتهم‬ ‫نيرانه أبناء الوطن‪ ،‬ويق ّوض أسس بنية البالد‪ ،‬ويهدد‬ ‫مبح� � ��و ماضيها التاريخ� � ��ي العريق وهويته� � ��ا الثقافية‬ ‫واحلضارية الثرية‪ ،‬ويرسم صورة قامتة ملستقبلها>‬ ‫‪83‬‬

‫‪may 72-83.indd 83‬‬


‫شعر‬

‫ُ‬ ‫ـت‬ ‫أمطري‬ ‫حيث ش ْئ ِ‬ ‫شعر‪ :‬حسن األمراني ‪ -‬شاعر من المغرب‬

‫ط��ال درب����ي‪ ...‬وال ِ ّ���ري ُ���ح فيــه عويـ ُـل‬ ‫أط��ري��ق الع ـ ّ َـشـ ــاق دوم��� ًا يطـ ُ‬ ‫ـول؟‬ ‫تنقضي دونــنا الـ ـ ـ ـ ـ ُّـده ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــو ُر وإ ّنــي‬ ‫����م وق��ـ��ـ��ـ�� ْل��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ ٌ��ب عليـ ُـل‬ ‫َح���ـ���ـ���زَنٌ دائ����ـ ٌ‬ ‫ـبت بنـا ال ّ َر ْو ُ‬ ‫ض قلــنا‪:‬‬ ‫رح ـ ـ ـ ـ ـ ْ‬ ‫(كلـ ـ ـّم ـ ــا ّ‬

‫الســبي ـ ُـل؟‬ ‫َحـل ٌـب ْ‬ ‫قصـ ـ ُـدنا)‪ ...‬فكــيف ّ‬

‫وب����ح����اري ع��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��م��ي��ق��ـ��ـ ٌ��ة‪ ،‬وسـفينــي‬ ‫تـ ــاه ُر ّب ــانـ ـ ـ ـ ـهـ ــا‪ ،‬وزادي قـ ـ ـلـ ـي ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ُـل‬ ‫عش ـ ٍـق‬ ‫ارح��ل��ي ح ْيث ش ـ ـ ْئت غيم ـ َة ْ‬ ‫ْ‬ ‫ك��ل��م��ا ش��ـ��اق خ��اف��ق��ي��ـ��ـ��ـ��ـ ِ��ك ال ّ َرح ُ‬ ‫ـيل‬

‫ـآم‬ ‫لؤلؤك ال ّ َر ْط َـب‬ ‫ْأمـ ِـطــري يا شَ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ُ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫البتول‬ ‫ـذراء‪ ...‬أنـ ِـت‬ ‫فــأن ـ ـ ـ ـ ـ ِـت العـ ُ‬ ‫���ف عـ ٍـام‬ ‫ف��ـ��أن��ا م���ا أزال م��ـ��ـ��ـ��ن أ ْل���ـ���ـ ِ‬ ‫ـلبي ال ـهـ ــوى‪ ...‬وقـلبي الق ـ ـ ـ ُ‬ ‫ـتيل‬ ‫حـ ّ‬ ‫ـاء‬ ‫الس ـ ـ ـ ـن ــونُ إال مضـ ـ ـ ـ ـ ً‬ ‫لم ت ــز ْدني ّ‬ ‫الص ِـق ـ ُ‬ ‫ـيل‬ ‫ولقد َيـ ْـح ـ َـمـ ـ ُـد الس ـنـ ـ َ‬ ‫ني ّ َ‬ ‫ـض َب امل ـُ ـ ّر‬ ‫اغْ َضبي!! اغْ َضبي‪ ،‬أرى الغـ َ‬ ‫�����اء مل�����ا أت���������اه اجل���ـ���ـ���ـ���ـ���ـ���ه ُ‬ ‫���ول‬ ‫ش�����ف�����ـ ً‬ ‫وامسحي عنـك ُ‬ ‫ـديك م ـ ـ َنّا‬ ‫احلـ ـ ْزنَ‪ ،‬تف ِ‬ ‫ـس ترفـُ ـ ـ ـ ــض الـ ـخ ـنــا وعـ ـ ـ ُ‬ ‫ـقول‬ ‫أنفـ ـ ـ ٌ‬ ‫وإذا مـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــا أراد ر ُّب ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــك ْأم ـ ـ ـ ـ ـ ـ ًـرا‬

‫أم ـ ـ ــطري حيث ش ْئ ـ ِـت إ ّ َن فــؤادي‬ ‫���ك ح��ـ��ـ��ـ��قْ ٌ��ل‪ ،‬إذا ت��ـ��ـ��ن��ـ��ـ��اءت ح ـ ُ‬ ‫ـقول‬ ‫ل ِ‬

‫��م��ا ي��ري��ـ��ـ��ـ ُ��د رس ُ‬ ‫ـول‬ ‫ف��ال�� ّل��ـ��ـ��ـ��ـ��ي��ال��ي ِل��ـ َ‬

‫ـعاب‬ ‫واس ُل ــكي م��ا يــؤودني مـن شـ ـ ٍ‬ ‫ف��أن��ا ح ـ ُ‬ ‫ـيث م ْل ـ ِـت أنـ ـ ِـت أم ـي ـ ُـل‬

‫قـ ـ ْلـ ــع َة املج ْــد مـ ـ ـ ـ ـ ـ ــا أزال أراه ـ ــا‬ ‫دون أس ــوارها َتـ ـ ـه ــاوى امل ــغُ ـ ـ ـ ُ‬ ‫ـول‬

‫أح��ـ�لا َم روحي‬ ‫واحمـلي ي��ا شهبـ ُ‬ ‫ـاء ْ‬

‫ُ‬ ‫َـجـ ـ ـ ـ‬ ‫غير أني‬ ‫أبصرت خَ ـ ـ ـ ْولـ ـ ـ َة في الف ْ‬

‫��راج��ـ��ـ��ـ��ـ��ك ال��ـ��ت��ي ال ت ُ‬ ‫����زول‬ ‫ن��ح��ن أب ُ‬ ‫ك ُّ‬ ‫���ل ُب��ـ��ـ��ـ ْ��ر ٍج م��ن احل��ج��ـ��ـ��ارة وال ّـطني‬

‫���اك ع���ـ���ـ���ـ���ـ���ـ��� ّ َز ٌة ال ت ـ ُـح ُ‬ ‫ول‬ ‫وب���ـ���رج���ـ ِ‬ ‫ـمس ـلـ ـ ُ‬ ‫ـول‬ ‫ِّ‬ ‫فيغني ـ ـ ـ ـ ـ ــه ال ـ ـ ّ َ‬ ‫ـص ـ ْي ـ َقـ ُـل الـ ْ‬

‫وال��ف��ـ��ـ��ـ��ي��اف��ي ب��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ي��وتُ��ه��ا واملـ ُ‬ ‫ـقيل‬

‫واب ـع ــثي من بهاءِ خولـ ـ َة ِذ ْكـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ًـرا‬ ‫عـ ـ ـ ـ ــربـ ـ ـي ـ ًا م ـ ـ ـ ـ ّ َر ْت عل ــيه ال ــفصـ ُ‬ ‫ـول‬

‫‪4/12/15 1:15:20 PM‬‬

‫والد ْمـ‬ ‫ِآه‪ ،‬إ ّنـ ـ ــي أسـ ـ ــير ُة ال ـ ـ ـ ـ ُـحـ ـ ـز ِْن ّ‬ ‫ـ ـ ـ ُـع ولـ ـي ـْ ـلــي م ـ ـ ـ ـ ــن الهمــوم ثقي ـ ُـل‬

‫يش ـ ُـدو‬ ‫أح ـ َـم ـ َد ْ‬ ‫َض ـ ِ ّـمخيني ْ‬ ‫شعـ ــر ْ‬ ‫من ْ‬

‫‪84‬‬

‫النأي تش ــتكي وتق ُ‬ ‫ـول‪:‬‬ ‫ـ ـ ـ ـ ـ ِـر ع ـ ـ ـ ـلـ ـ ـ ــى ِ‬

‫���ص���روا ف��ي املــنافـ ــي‬ ‫وأحبـ ـّ َـ َ‬ ‫ـاي ُأ ْح ِ‬

‫تلك ّأمـ ـ ــي مـ ـ ـ ـ ّرت عل ـ ــيها الليـالي‬ ‫وع��ل��ـ��ـ��ـ��ي��ه��ا م���ن وقْ ��ـ��ـ��ع��ه��ـ��ـ��ـ ّ َ��ن ذبـ ُ‬ ‫ـول‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 84-85.indd 84‬‬


‫شهـ ــباء امل��دائ ِ��ن‪ ،‬ق��د كــان‬ ‫هيــه ي��ا ْ‬ ‫لـ ـ ـ ـ ـ ـ ـنـا ف ـي ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ِـك مـ ـ ْـرتـ ٌـع ون ـ ـخ ـ ُ‬ ‫ـيل‬ ‫ـاهـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ُـه ـ ّـن ف ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ٌ‬ ‫ـرات‬ ‫ـواق مـ ـي ُ‬ ‫وسـ ـ ٍ‬ ‫ورواب نشـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـيـ ـ ــده ـ ـ ّـن صـ ـ ـهـ ـيـ ُـل‬ ‫يه ــدي‬ ‫وب��س��ـ��ـ��ـ��ات�ينُ زان��ه��ا َس��ـ��ـ��ـ َ��م��ـ��ـ ٌ��ر ْ‬ ‫وس ـ ُـه ـ ُ‬ ‫ـول‬ ‫وأع��ـ��ـ��ـ��ـ��ي��ـ��ـ ٌ��ن ُ‬ ‫احل��ـ��ـ��ـ��ي��ارى ْ‬ ‫ـوس‬ ‫ـوار كـ ـ ـ ـ ــأن ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـه ـ ّ َـن ش ـ ـ ـمـ ـ ـ ٌ‬ ‫وجـ ـ ـ ـ ٍ‬ ‫حل��ـ��ـ��ي��اء ال الز ْن ـج ـ ُ‬ ‫ـيبهن ا َ‬ ‫ـبيل‬ ‫طـ ّ‬ ‫الص ْم ـ ُـت‬ ‫أطرقـ ـ ْـت واللسانُ ج ّللهُ‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫وعويل‬ ‫وح ص��ـ��ـ��ـ��رخ��ـ��ـ ٌ��ة‬ ‫وف����ي ال���ـ���ـ���ـ ُّ���ر ِ‬ ‫أمطري ُ‬ ‫حيث شئ ِْـت (قصيدة)‬ ‫‪4/12/15 1:15:28 PM‬‬

‫صاحب م ْن ـ ــفى‬ ‫ماء) قـال‬ ‫ُ‬ ‫(في فمي ٌ‬ ‫ول ـقـ ــد شـ ـ ــاق خـ ــاف ـ ـ ـ ـ ـقـ ّ َـي القـفـ ـ ُ‬ ‫ـول‬ ‫فيك انتظــاري‬ ‫ط��ال حـ ْزنــي وط��ال ِ‬ ‫وع��ـ��ـ��دي ط ـ ـ ُلــول‬ ‫واص��ـ��ط��ب��اري ك���أ ّ َن ْ‬ ‫أمطري لؤلــؤ ًا ج ـ ـ ـبـ ـ ــال َس ـ ـ ـ َر ْنـ ِـديـ َـب‬ ‫وفيضي ت ْبــراً‪ ...‬فحـ ـس ــبي القلـ ـ ُ‬ ‫ـيل‬ ‫أن�����ا ال أ ْب��ت��ـ��ـ��ـ��غ��ي س���ـ���واه���ا م ــال ًذا‬ ‫ف��ـ��ـ��أَط��ـ��ـ��ـ��لْ ف��ي مالمــتي ي��ا ع ــذول‬ ‫داء‬ ‫وبح ْـســبي ْإن قـ ـيـ ـ َـل‪َ :‬مـ ـ ْـن ُش ـ ـ ـ ـ ـ َه ُ‬ ‫ال ـحـُ ـ ِ ّـب فــيها؟ يــقال هذا ال ُ‬ ‫ـقتيل >‬ ‫‪85‬‬

‫‪may 84-85.indd 85‬‬


‫نقد‬

‫الواقعية النقدية وإشكالية التغيير‬ ‫د‪.‬أمينة التيتون‬

‫أكادميية من البحرين‬

‫تعتبر الواقعية النقدية ‪ Critical Realism‬حركة في الفلسفة وفي العلوم‬ ‫االجتماعية‪ ،‬أسسها روي باسكار ‪ ،Roy Bahskar‬وه��و فيلسوف بريطاني‬ ‫وأستاذ في معهد التربية بجامعة لندن من مواليد عام ‪ 1944‬ألب هندي وأم‬ ‫إنجليزية‪ ،‬وذلك في ما بين السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي‪.‬‬ ‫وكانت في األصل مذهب ًا واقعي ًا متعالي ًا ‪ Transcendental Realism‬قدمه‬ ‫باسكار في كتابه «النظرية الواقعية للعلوم» عام ‪ 1975‬كفلسفة للعلوم‬ ‫الطبيعية‪ ،‬في موقف مناهض للتجريبية والوضعية التي كانت ومازالت مسيطرة‬ ‫على العلوم الطبيعية؛ ومذهب ًا طبيعي ًا نقدي ًا ‪ Critical Naturalism‬كفلسفة‬ ‫ل���ل���ع���ل���وم االج���ت���م���اع���ي���ة‬ ‫شرحها في كتاب له صدر‬ ‫ع����ام ‪1979‬؛ وك�����ان ذل��ك‬ ‫ب��م��ن��زل��ة ال��ن��ق��د لمذهب‬ ‫م��ا ب��ع��د ال��ب��ن��ائ��ي��ة ‪Post-‬‬ ‫‪ Structuralism‬الذي يرى‬ ‫ال��ع��ال��م ع��ب��ر ن��ظ��ري��ات‪،‬‬ ‫فتكون المعرفة قابلة‬ ‫ل����ل����خ����ط����أ؛ ث�������م ج���م���ع‬ ‫المذهبين في فلسفة‬ ‫مشتركة هي الواقعية‬ ‫النقدية‪.‬‬

‫‪86‬‬

‫‪4/12/15 1:16:01 PM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 86-89.indd 86‬‬


‫روي باسكار‬

‫مر باس������كار في منتصف التسعينيات بنقطة‬ ‫حت ُّول ف������ي حيات������ه جعلت������ه ينتقل م������ن التناول‬ ‫العلم������ي للواقعية النقدية‪ ،‬إل������ى التناول الروحي‬ ‫ال������ذي يعني في جوهره جت������اوز الثنائية والعزلة‬ ‫ب������كل أش������كالها إل������ى ش������عور بالوح������دة والكلية‬ ‫‪ Wholeness‬حت������ى يصبح العال������م بيتاً للجميع‪.‬‬ ‫وظه������رت النزعة الروحية ف������ي محاولته األولى‬ ‫في كتاب «من الش������رق إلى الغرب» الذي نش������ره‬ ‫مع مطلع القرن احلادي والعشرين‪ ،‬وحتدث فيه‬ ‫عن العل������وم الغربية والش������رقية والدين واملادية‬ ‫واملثالي������ة واإلحلاد والتوحيد؛ وبعد ذلك بعامني‪،‬‬ ‫�����دم عم ً‬ ‫ال آخر هو «م������ا وراء الواقع»‪ ،‬أكد فيه‬ ‫ق� َّ‬ ‫أن التجرب������ة الروحية ق������ادرة على جذب العقول‬ ‫العلمانية والعقول املتدينة على حد سواء‪.‬‬

‫مستويات الواقع‬

‫أراد باس������كار أن يس������هم في توفير أرضية‬ ‫ال بدي���ل�� ً‬ ‫فلس������فية ومدخ ً‬ ‫ا للمداخ������ل الوضعية‬ ‫والبنائية االجتماعية‪ ،‬تقدم مبادئ وأفكاراً للعلم؛‬ ‫ألن الوضعي������ة والبنائية االجتماعي������ة‪ ،‬كما يرى‬ ‫مناصرو الواقعية النقدية‪ ،‬س������طحية في إجراء‬ ‫البح������وث‪ ،‬وحتليل اآلليات والهياكل الكامنة وراء‬ ‫الواقعية النقدية وإشكالية التغيير‬ ‫‪4/12/15 1:16:07 PM‬‬

‫الظواهر‪ ،‬واملهم ليس تفسير العالم فحسب‪ ،‬بل‬ ‫تغييره‪ .‬وتفت������رض الواقعية النقدية التي حتاول‬ ‫حتليل ظواهر العال������م الواقعي وفهم املعاني في‬ ‫نشاط اإلنس������ان‪ ،‬وتبني منهجية «و‪ ،‬ومعاً» بدالً‬ ‫من «إما‪-‬أو»‪ ،‬وجود ثالثة مستويات للواقع‪:‬‬ ‫< مستوى الواقع الذي يولد األحداث‪ ،‬وميكن‬ ‫أن يطلق عليه اآلليات‪ ،‬أي األشياء وبناءاتها‪ ،‬أو‬ ‫طبيعتها والقوى املسببة لها واملسؤولة عنها مما‬ ‫ال نعرف عنه الكثير مث������ل الكهرباء أو اجلاذبية‬ ‫األرضية التي ال نراها‪.‬‬ ‫< املس������توى الفعل������ي‪ ،‬وهو ما يحدث س������واء‬ ‫خبرن������اه وفهمن������اه أو ل������م نفعل‪ ،‬عندما تنش������ط‬ ‫اآللي������ات والقوى في املس������توى الواقعي وحتدث‬ ‫تغييراً‪ ،‬كإضاءة املصباح أو سقوط الشجرة‪.‬‬ ‫< املس������توى التجريبي ال������ذي يقع في نطاق‬ ‫اخلبرة والتجربة‪ ،‬س������واء بصورة مباشرة أو غير‬ ‫مباش������رة‪ ،‬وم������ا نعرفه من جراء القوى املس������ببة‬ ‫للح������دث ومن احل������دث‪ ،‬مثل رؤي������ة اإلضاءة في‬ ‫الغرف������ة‪ ،‬وس������قوط الش������جرة‪ .‬ويعن������ي ذلك في‬ ‫الس������ياق العلمي ما لدينا م������ن بيانات أو حقائق‬ ‫مرتبطة بنظرية ما‪ ،‬وبالتالي نحن ال نخبر املوقف‬ ‫مباشرة‪ ،‬بل من خالل وسيط هو النظرية؛ وعليه‬ ‫‪87‬‬

‫‪may 86-89.indd 87‬‬


‫تكون املعرفة قابلة للخطأ‪ ،‬وتتحول ماهية الشيء‬ ‫الذي نحن بصدد دراس������ته إلى ما ميكن معرفته‬ ‫عن الشيء‪.‬‬

‫من نظرية املعرفة إلى علم الوجود‬

‫يصف باس� � ��كار فلس� � ��فته التي تسعى لتحديد‬ ‫اآللي� � ��ات األعمق املولدة للظواه� � ��ر بأنها نقلة من‬ ‫نظري� � ��ة املعرفة إلى علم الوج� � ��ود‪ ،‬وفي إطار علم‬ ‫الوجود‪ ،‬تعد نقلة من األحداث إلى اآلليات‪ .‬ويرى‬ ‫أن مهمة العلم استكشاف الواقع وعالقته مبجال‬ ‫التجريب ‪ -‬األكثر محدودية ‪ -‬واملجال احلقيقي‪.‬‬ ‫ويفترض في العم� � ��ل العلمي بحث وحتديد وجود‬ ‫عالقات‪ -‬أو غيابه� � ��ا ‪ -‬بني ما نخبره وما يحدث‬ ‫ف� � ��ي احلقيقة‪ ،‬وب� �ي��ن اآلليات الكامن� � ��ة وراء ذلك‬ ‫مما يولد األح� � ��داث‪ .‬فعند إجراء دراس� � ��ة كالتي‬ ‫أجراها بيت� � ��ر نيس حول أثر موقع الس� � ��كن على‬ ‫س� � ��لوك التنقل‪ ،‬كمثال‪ ،‬ال ميك� � ��ن االكتفاء بالقول‬ ‫إن من يس� � ��كن بالقرب من مركز املدينة‪ ،‬يستخدم‬ ‫الس� � ��يارة بصورة أقل‪ ،‬وبالتالي ال يلوث اجلو‪ ،‬وال‬ ‫يؤذي البيئة إال بقدر قليل‪ ،‬بل ال بد من اإلش� � ��ارة‬ ‫ألس� � ��باب أكثر عمقاً‪ ،‬تتعلق باجلوانب االجتماعية‬ ‫واالقتصادية‪ ،‬وبالعادات والتقاليد‪ ،‬أي باالختالف‬ ‫الثقافي ب� �ي��ن املناطق القريبة من املدينة واملناطق‬ ‫الريفية‪ ،‬ما ميكن أن يكون له أثر أكبر على سلوك‬ ‫وع� � ��ادات التنقل‪ .‬وإل� � ��ى جان� � ��ب األدوات الكمية‬ ‫اإلحصائية‪ ،‬ينبغي استخدام أداة نوعية‪ ،‬كاملقابلة‪،‬‬ ‫لسؤال الناس عن األسباب احلقيقية التي جتعلهم‬ ‫يستخدمون وسيلة انتقال دون سواها‪.‬‬

‫الطبيعة املوضوعية للواقع‬ ‫تش������ترك الواقعي������ة النقدي������ة م������ع الوضعية‬ ‫في اهتمامه������ا بالعال������م املوضع������ي‪ ،‬واألمناط‪،‬‬ ‫والتعميمات‪ ،‬وفي البحث عن األسباب‪ ،‬غير أنها‬ ‫تختل������ف في منظورها الذي يرى أن دراس������ة ما‬ ‫متكن مالحظته دراس������ة س������طحية جداً‪ ،‬لكونها‬ ‫تتجاه������ل اآلليات التي ال متكن مالحظتها‪ ،‬التي‬ ‫تولد الظواهر التي يس������عى الوضعيون لقياسها‪.‬‬ ‫فليس باإلمكان اختزال العالم في أش������ياء متكن‬ ‫مالحظتها أو حقائق فقط‪.‬‬ ‫‪88‬‬

‫‪4/12/15 1:16:16 PM‬‬

‫وتهت������م الواقعية النقدية بالش������بكات املعقدة‬ ‫للعناص������ر النظري������ة والعناص������ر الت������ي متك������ن‬ ‫مالحظتها‪ ،‬ما يبرز اجلهود التي تتجاوز س������طح‬ ‫الظواهر االجتماعية‪ .‬وتتش������ارك مع عدد كبير‬ ‫من املداخل النوعية في التركيب والس������ياق‪ ،‬إال‬ ‫أنه������ا تؤكد بش������دة الطبيعة املوضوعي������ة للواقع‪،‬‬ ‫وترى أن التركيز على البناءات االجتماعية غير‬ ‫ٍ‬ ‫كاف ومضلل‪ ،‬ألن معظم جوانب االهتمام تتجاوز‬ ‫إدراك األفراد للمواقف‪ .‬فهناك أشياء في الهيكل‬ ‫االجتماعي تتجاوز وعي اإلنسان ونواياه‪ .‬مبعنى‬ ‫آخر‪ ،‬أن اآلليات الس������ببية تعمل بصورة مستقلة‬ ‫عن عقول الناس وع������ن تصرفاتهم‪ .‬وتؤكد بقوة‬ ‫أن الواقع في احلقيقة مختلف عن إدراكنا له‪.‬‬ ‫وهك������ذا يعتبر مفه������وم اآللية م������ن املفاهيم‬ ‫املهم������ة في الواقعية النقدي������ة‪ ،‬ألن اآللية املولدة‬ ‫ميكن أن تع������رف على أنها قدرة مؤثرة في صنع‬ ‫األح������داث في العالم‪ ،‬وعادة م������ا تكون جزءاً من‬ ‫مركب������ات معقدة مختلفة املخرجات‪ ،‬قد تفش������ل‬ ‫أحياناً في الظهور‪ ،‬فهيكل العمل مدفوع األجر‪،‬‬ ‫كمثال‪ ،‬له أثر س������ببي في تش������كيل سلوك الناس‬ ‫في املجتمع‪ ،‬فهو سبب لتصرف الناس على نحو‬ ‫ما‪ ،‬كأن يس������عوا إلى حتصي������ل العلم واحلصول‬ ‫عل������ى مؤهالت‪ ،‬ثم يتقدموا للعم������ل‪ ،‬ويعملوا كل‬ ‫يوم‪ ،‬وفي كل مرة يعملون بها بالطريقة نفس������ها‪،‬‬ ‫تولد اآللية أجراً‪ ،‬ويساعد هذا على توليد أفعال‬ ‫جديدة من النوع نفسه من جديد‪ ،‬وهكذا‪.‬‬ ‫وال يتك������ون الواقع من وجهة نظ������ر الواقعية‬ ‫النقدية من أش������ياء مادية فق������ط‪ ،‬بل إن األفكار‬ ‫واألحادي������ث واقع‪ ،‬وميك������ن أن يكون له������ا تأثير‬ ‫س������ببي؛ كاألفكار املتعلقة بالعرق والنوع والعمر‪،‬‬ ‫التي ميكن أن تش������رح أمناط سوق العمل‪ ،‬وهي‬ ‫واقع‪ ،‬مبعنى أنها موجودة وتعمل كآليات س������ببية‬ ‫مؤثرة‪ .‬وكذلك احلال بالنسبة للواقع االجتماعي‬ ‫ال������ذي يعني املمارس������ات واحلال������ة االجتماعية‪،‬‬ ‫والبناءات االجتماعية‪.‬‬

‫واقعية النقدية وعلم االستدامة‬

‫لعل ما مييز هذه الفلس������فة ويجعلها مناسبة‬ ‫لدراس������ة موضوعات مث������ل التنمية املس������تدامة‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 86-89.indd 88‬‬


‫نقد‬

‫مستويات الواقع الثالثة‬

‫ب������كل تعقيداتها‪ ،‬الرابط الق������وي بينها وبني علم‬ ‫االس������تدامة من حيث النظرة لتفاعل اإلنس������ان‬ ‫م������ع الطبيع������ة‪ ،‬أي تأثير الناس عل������ى الطبيعة‪،‬‬ ‫وتأثير الطبيعة بدورها على الناس‪ .‬وميثل هذا‬ ‫الرابط مدخ���ل�� ً‬ ‫ا موحداً للعلوم الطبيعية والعلوم‬ ‫االجتماعي������ة‪ ،‬تقدم������ه الواقعي������ة النقدية ملقابلة‬ ‫قصور علم االس������تدامة ‪-‬الذي يركز في الغالب‬ ‫على جوانب البيئة‪ -‬في فهم الناحية اإلنسانية‪،‬‬ ‫وكيفية مس������اعدة الناس عل������ى أن يكونوا عوامل‬ ‫مس������اعدة وقوى محركة للتغيي������ر‪ ،‬فمثلما حتتاج‬ ‫العلوم االجتماعية إلى علوم طبيعية لفهم عالقة‬ ‫املجتمع بالطبيعة‪ ،‬حتتاج العل������وم الطبيعية إلى‬ ‫أن تدمج في العلوم االجتماعية لفهم األش������كال‬ ‫الت������ي تتخذها الطبيعة في الظروف االجتماعية‬ ‫املختلفة‪ -‬تاريخية أو جغرافية ‪ -‬لتكون النتيجة‬ ‫علماً موحداً ل������ه طرائقه الطبيعية واالجتماعية‬ ‫التي تش������ترك ف������ي املبادئ نفس������ها‪ ،‬غي������ر أنها‬ ‫تتبن������ى إج������راءات مختلف������ة‪ ،‬نظ������راً الختـــــالف‬ ‫املوضوعات‪.‬‬ ‫وميكن للعلوم االجتماعي������ة أن تكون علوماً‪،‬‬ ‫عل������ى غ������رار العل������وم الطبيعية‪ ،‬ولك������ن بطريقة‬ ‫الواقعية النقدية وإشكالية التغيير‬ ‫‪4/12/15 1:16:23 PM‬‬

‫مختلفة‪ ،‬وذلك الس������تحالة اخت������زال موضوعات‬ ‫العلوم االجتماعية‪ ،‬كما تختزل موضوعات العلوم‬ ‫الطبيعية‪ ،‬فال ميكن‪ ،‬على س������بيل املثال‪ ،‬اختزال‬ ‫السلوك اإلنساني إلى ردود أفعال كيميائية ‪ -‬حيوية؛‬ ‫ه������ذا إلى جان������ب أن الواقع االجتماعي مفس������ر‬ ‫مس������بقاً‪ ،‬حيث تنتج املجتمعات عالقات وهياكل‬ ‫اجتماعي������ة‪ ،‬وتعي������د إنتاجها‪ .‬وتختل������ف الهياكل‬ ‫االجتماعي������ة عن نظيراته������ا الطبيعية بكونها ال‬ ‫تستمر عبر الزمان واملكان‪ ،‬إال بصورة نسبية‪.‬‬ ‫ونتيجة لطبيعة هذه الفلسفة الكلية واملنفتحة‬ ‫على معارف جديدة من العلوم الطبيعية والعلوم‬ ‫االجتماعية ‪ -‬مبا في ذلك معارف األش������خاص‬ ‫م������ن ذوي اخلبرة في املوضوع حتى لو لم يكونوا‬ ‫علماء‪ -‬ونظرا الس������تخدام مناهج بحث وتفكير‬ ‫كمية وكيفية لدراس������ة قضية ما‪ ،‬فمن املمكن أن‬ ‫ي������ؤدي تبني الواقعية النقدي������ة إلى إضافة مزيد‬ ‫من اآلليات والهياكل‪ ،‬وتوفير مزيد من املعلومات‬ ‫ح������ول ما يح������دث‪ ،‬أو ما ينبغ������ي أن يتم حتى ال‬ ‫يح������دث إذا أردن������ا إحداث حت������والت اجتماعية‬ ‫كالتحول نحو االس������تدامة بتجس������ير الفجوة بني‬ ‫اإلنسان والطبيعة >‬ ‫‪89‬‬

‫‪may 86-89.indd 89‬‬


‫أدب‬

‫حداث ُة القصيدة العربية‪ ...‬إلى أين؟‬ ‫محمد صابر عبيد‬

‫ناقد وأكادميي من العراق‬

‫�ك� ُ‬ ‫ت��ش� ّ‬ ‫�ل ت��م��ظ��ه��رات رؤي���ا ال��ح��داث��ة ون���م���وذج شكلها وأس��ل��وب��ه��ا في‬ ‫ّ‬ ‫وتتكشف‬ ‫القصيدة العربية الجديدة موقف ًا جديداً من العالم واألشياء‪،‬‬ ‫وتنوعها‪ ،‬تفتح سب ً‬ ‫عن إمكانات هائلة في غناها وخصبها‬ ‫ال ومسارات‬ ‫ّ‬ ‫الجمالي‬ ‫حسه‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫متعددة لإلسهام في مضاعفة وعي اإلنسان وتصعيد ّ‬ ‫وشعرنة وج��وده‪ ،‬على نحو ينعكس على فعل القصيدة وجوهرها‬ ‫التشكيلي‬ ‫وتحدياتها الجمال ّية‪ .‬والرؤيا في مفهومها‬ ‫الخاص بمقاربة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫القصيدة العربية الجديدة هي رؤي��ا واسعة وشاملة وحاوية بصورة‬ ‫ّ‬ ‫مكثفة‬ ‫ومعمقة وتفاصيل ّية‪ ،‬على النحو ال��ذي يصبح فيه مفهوم‬ ‫ّ‬ ‫الرؤيا في هذا السياق إشكال ّي ًا مشتغ ً‬ ‫ال‪ ،‬خصوص ًا في حقل الوسائل‬ ‫واألهداف مع ًا‪.‬‬

‫تش� � ��ترك الرؤية مبرجعيتها البرهان ّية مع الرؤيا‬ ‫�عري‬ ‫مبرجعيتها العرفان ّية في تش� � ��ييد النموذج الش� � � ّ‬ ‫بوصف� � ��ه فعالي ًة ح� � ��ا ّدةَ اخلصوصية‪ ،‬ونظ� � ��ا َم تفكير‬ ‫نوع ّياً ليس بوسعه إجناز مبتغاه بوسيلة واحدة فقط‪،‬‬ ‫إبداعي ينجزها الشاعر‬ ‫إجرائي ‪-‬‬ ‫فالرؤيا على نحو‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حداثي حقيق� � � ّ�ي إلنتاج قصيدة‬ ‫�روع‬ ‫في س� � ��ياق مش� � �‬ ‫ّ‬ ‫جديدة‪ ،‬تتح � � � ّرى عقل ّية الرؤية وحساس� � ��ية التفكير‬ ‫احلداثي إلى مرحلته‬ ‫فيها من أجل بلوغ هذا املشروع‬ ‫ّ‬ ‫النموذج ّية املطلوبة‪.‬‬ ‫مفه� � ��وم الرؤيا اس� � ��تناداً إلى هذه اإلش� � ��ارات ال‬ ‫اصطالحي ثابت‪ ،‬أو أن‬ ‫ميك� � ��ن أن يتح ّدد في إط� � ��ار‬ ‫ّ‬ ‫نهائي‬ ‫لتوصيف‬ ‫يخضع‬ ‫معي‬ ‫يستجيب ألفق‬ ‫تعريفي نّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حاسم‪ ،‬ذلك أل ّن الرؤيا تتع ّدد وتتن ّوع وتتط ّور بحسب‬ ‫�عري العاملة فيه‪ ،‬ودرجة انفتاحه‪،‬‬ ‫كثافة احلقل الش� � � ّ‬ ‫ومس� � ��توى ثرائه وقدرته على تفسير الذات الشعرية‬ ‫معي‬ ‫الوجداني‬ ‫مبنظوره� � ��ا‬ ‫الكوني‪ ،‬إ ّنها في س� � ��ياق نّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫‪90‬‬

‫‪4/12/15 1:16:55 PM‬‬

‫من سياقاتها اجلمالية والفكرية والثقاف ّية كيا ٌن دائم‬ ‫والتوس� � ��ع واالنفت� � ��اح‪ ،‬وال يتو ّقف عند حدود‬ ‫التج ّدد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تشكيلية مع ّينة‪ ،‬أل ّن مثل هذا التوقف احملتمل يكسر‬ ‫النص إلى مرحلته‬ ‫اخلاصية الشعرية للمفهوم ويعيد‬ ‫ّ‬ ‫احللمي� � ��ة البدائي� � ��ة بك ّل ما تنطوي علي� � ��ه من عفوية‬ ‫وسذاجة وافتقار إلى ش� � ��عرية نظام التفكير‪ ،‬ونظام‬ ‫بن� � ��اء اخلطاب‪ ،‬بعد أن قطع أش� � ��واطاً كبيرة وعميقة‬ ‫حت � � � ّول فيها املفهوم إلى جوهر‪ ،‬وأصبحت فيه الرؤيا‬ ‫حركة ح ّية انبثاقية اكتس� � ��بت فيها القصيدة حداثتها‬ ‫وطاقتها الهائلة في التشكيل والتعبير‪.‬‬ ‫وقد حرص معظم شعراء احلداثة العربية املب ّرزين‬ ‫الذين حت ّولت جتاربهم إلى متون أصيلة على استلهام‬ ‫ُ‬ ‫اصطلح عليها بـ«الرؤيا»‪ ،‬إذ‬ ‫هذه الروح احل ّية الت� � ��ي‬ ‫بخاصة على أوس� � ��ع وأعمق ما ميكن‬ ‫فتحها أدونيس‬ ‫ّ‬ ‫أن تتم ّت� � ��ع به آفاقها من رحابة وطرافة وحساس� � ��ية‪،‬‬ ‫بوصفها أح� � ��د أخطر الينابيع األصيل� � ��ة التي تغ ّذي‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 90-95.indd 90‬‬


‫ُ‬ ‫حداثة القصيدة العربية‪ ...‬إلى أين؟‬ ‫‪4/12/15 1:17:04 PM‬‬

‫‪91‬‬

‫‪may 90-95.indd 91‬‬


‫اإلبداعي باملعرفة النوعية الثرة بك ّل مت ّثالتها‬ ‫العقل‬ ‫ّ‬ ‫البرهانية واملتخيلة‪ ،‬مثلما فتحها الس ّياب على غزارة‬ ‫جترب� � ��ة الروح في انبثاقاته� � ��ا الوجدان ّية الهائلة التي‬ ‫تؤس� � ��طر الرؤيا وتر ّم� � ��ز طبقاتها في س� � ��ياق ربطها‬ ‫اجلدلي م� � ��ع ممكنات الرؤية‪ ،‬وفتحتها نازك املالئكة‬ ‫على حساس� � ��ية أنثو ّية ذات كثاف� � ��ة خصوص ّية بالغة‬ ‫التم ّثل والرهافة واحلضور‪.‬‬ ‫بهذا املعنى ميكنن� � ��ا القول إ ّن القصيدة اجلديدة‬ ‫قصيدة رؤيا بامتياز‪ ،‬حتصلت على س ّر اندفاعها في‬ ‫أرض احلداثة الساخنة‪ ،‬بصرف النظر عما ميكن أن‬ ‫ّ‬ ‫تتكشف عنه س� � ��خونة هذه األرض من «ما بعديات»‪،‬‬ ‫تعيد تفس� � ��ير املفاهي� � ��م وإنتاجها وتأويلها بحس� � ��ب‬ ‫ضرورات نظم التفكير واس� � ��تراتيجية اإلبداع‪ ،‬لكنّها‬ ‫الشعري‬ ‫ال تبلغ كفاءتها القصوى في تش� � ��ييد البنيان‬ ‫ّ‬ ‫في القصيدة من دون سند الرؤية‪.‬‬ ‫�ودي ذي‬ ‫القصي� � ��دة العربي� � ��ة في ش� � ��كلها العم� � � ّ‬ ‫الشطرين (قصيدة الوزن) حتيل منذ بدايتها حتى اآلن‬ ‫وموحد وكلّي‪ ،‬فاحلساسية‬ ‫منوذجي قا ّر‬ ‫على تشكيل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫التي يعمل الش� � ��عراء العرب على جتس� � ��يدها ومتثيل‬ ‫(اللغوي‬ ‫�اري الع� � ��ام‬ ‫ّ‬ ‫رؤياه� � ��ا تنفعل بالش� � ��كل اإلط� � � ّ‬ ‫أي مق ّوم آخر‪ ،‬وجتتهد كثيراً‬ ‫واإليقاعي) على حساب ّ‬ ‫ّ‬ ‫في احلفاظ على حساسية الشكل بنموذجه املتعالي‪،‬‬ ‫حي‬ ‫وما نظرية «عمود الش� � ��عر» املعروف� � ��ة إال تعبير ّ‬ ‫عن صرامة النظم والتقاليد الش� � ��عرية داخل قفص‬ ‫الشكل‪ ،‬لذا فإ ّن احلديث عن «قصيدة عربية» ‪ -‬وفق‬ ‫هذا املفه� � ��وم – يع ّد من األم� � ��ور البدهية التي يكون‬ ‫والكويتي‬ ‫والعراقي واملغرب� � � ّ�ي‬ ‫فيها الش� � ��عر اليمن� � � ّ�ي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫والبحريني شعرا عربيا يتعالى‬ ‫واألردني والتونس� � � ّ�ي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫على مكانيته وبيئته وحساس� � ��يته الش� � ��عبية ملصلحة‬ ‫�مولي‪ ،‬فال يكون صحيحاً احلديث عن‬ ‫الش� � ��كل الش� � � ّ‬ ‫�وري مث ً‬ ‫لاّ‬ ‫العربي في‬ ‫الشعر‬ ‫الفتة‬ ‫حتت‬ ‫إ‬ ‫ال‬ ‫شعر س� � � ّ‬ ‫ّ‬ ‫موحدتني‪.‬‬ ‫سورية وهكذا‪ ،‬ضمن رؤيا ورؤية ّ‬ ‫مت ّثلت أه ّم منجزات احلداثة في قصيدة الش� � ��عر‬ ‫احل � � � ّر (قصيدة التفعيل� � ��ة) في الذه� � ��اب احل ّر إلى‬ ‫منطقة املكان والبيئة واحلساس� � ��ية الش� � ��عبية احمللّية‪،‬‬ ‫ول� � ��م تكن مغ� � ��ادرة «قصي� � ��دة الوزن» مغ� � ��ادرة لقفص‬ ‫اإلطاري احملض‪ ،‬ب� � ��ل كانت مغادرة‬ ‫الش� � ��كل في ح ّده‬ ‫ّ‬ ‫�مولي واالنفتاح على‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ش‬ ‫ال‬ ‫�كل‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ش‬ ‫ال‬ ‫�ة‬ ‫كلّي� � ��ة لدكتاتور ّي� � �‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫دميقراطية اخلصوصية والنكهة احمللية في منوذجها‬ ‫‪92‬‬

‫‪4/12/15 1:17:10 PM‬‬

‫يصح فيه احلديث عن شعر‬ ‫الشعبي‪ ،‬على النحو الذي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أردني‪،‬‬ ‫سعودي‪ ،‬وشعر‬ ‫مغربي‪ ،‬وشعر‬ ‫مصري‪ ،‬وش� � ��عر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فلسطيني‪ ،‬ميتلك فرادة وخصوصية استثنائية‪،‬‬ ‫وشعر‬ ‫ّ‬ ‫والبيئي‬ ‫املكاني‬ ‫�س‬ ‫يس� � ��تند إلى مزاوجة وتضافر احل� � � ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫واإلنساني‪.‬‬ ‫والفضائي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لع � � � ّل ه� � ��ذا املفت� � ��رق الصع� � ��ب الذي وقف� � ��ت على‬ ‫أعتاب� � ��ه القصيدة العربي� � ��ة اجلديدة‪ ،‬يع � � � ّد واحداً من‬ ‫احليوي‬ ‫أكثر املوضوعات س� � ��خونة وخطورة في املجال‬ ‫ّ‬ ‫الثقافي‪ ،‬إذ تع ّددت محاوالت الشعراء للخروج بالقصيدة‬ ‫ّ‬ ‫العربي� � ��ة نحو فجر جديد‪ ،‬يتيح لها فرصة مت ّثل العصر‬ ‫فجر إمكاناتها جُ‬ ‫وتلّيها‪.‬‬ ‫ومتثيله في حداثة رؤيا شعرية تُ ّ‬ ‫ورمبا كان الصراع امله ّم الذي تعيشه القصيدة العربية‬ ‫اجلديدة‪ ،‬هو ذلك الصراع القائم بني منظومة العنصر‬ ‫الوجداني‬ ‫املجازي بطاقت� � ��ه التقانية ومنظومة العنصر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫العربي بفعل استئناسها‬ ‫بطاقته الغنائية‪ ،‬فذات املتلقّي‬ ‫ّ‬ ‫نصية واحدة‪ ،‬واعتيادها على تسلّم هذه النسخة‬ ‫لنسخة ّ‬ ‫بإمكان� � ��ات منط ّية واحدة مألوفة‪ ،‬أصبحت ذات تركيبة‬ ‫انفعال ّية عاطف ّية جتنح فطري � � �اً نحو العناصر الغنائ ّية‬ ‫األول ّية في أش� � ��كال الفنون‪ ،‬وتتعاط� � ��ف عادة مع الرؤيا‬ ‫أو الش� � ��كل أو األسلوب الذي يخاطب منطقة الوجدان‪،‬‬ ‫وتكم� � ��ن في داخله ثورة ضخم� � ��ة وخصبة من االنفعال‬ ‫الداخلي العميق الذي ميوج بثراء ال محدود من الدفء‬ ‫ّ‬ ‫الروحي املتد ّفق‪.‬‬ ‫والوهج‬ ‫ّ‬ ‫العربي مع‬ ‫احلس‬ ‫يفسر تعاطف‬ ‫الوجداني‬ ‫ّ‬ ‫وهذا ما ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫قصائد رفعها إلى مرتب� � ��ة مثال ّية على صعيد االحتفاء‬ ‫النوعي في حساسية التلقّي‪ ،‬مثل مرث ّية مالك بن الريب‬ ‫ّ‬ ‫البغدادي‪ ،‬ومعظم‬ ‫والم ّية الش� � ��نفرى وهائ ّية ابن زري� � ��ق‬ ‫ّ‬ ‫الفلسطيني‬ ‫العذري‪ ،‬وقصائد السياب‪ ،‬والشعر‬ ‫الشعر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫في منوذجه املُقاوم وغير ذل� � ��ك كثير‪ .‬وال نريد هنا أن‬ ‫نش � � � ّكك بقدرة انفع� � ��ال الوعي وال� � ��ذوق العربيني على‬ ‫التق� � ��ومي‪ ،‬لكننا نطالبه بأ ْن يوقف تواطؤه مع النصوص‬ ‫العقيمة التي ال تولد سوى االنفعال املج ّرد‪ ،‬الذي ما إن‬ ‫تنتهي رعش� � ��ة االنفعال وهزّة الوجدان فيها حتى تذوب‬ ‫وتتالش� � ��ى وتغيب في مجاه� � ��ل النس� � ��يان‪ ،‬نطالبه بأ ْن‬ ‫يوقف هذا النزيف الرثّ من س� � ��يل النصوص الشعرية‬ ‫التي تزدحم بها الساحة وال تترك وراءها غير الضجيج‬ ‫والغبار‪.‬‬ ‫إذن هل يجب أ ْن تتوقف القصيدة العربية اجلديدة‬ ‫الداخلي‬ ‫عن إثارة االنفعال‪ ،‬وتعتمد في تشكيل نسيجها‬ ‫ّ‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 90-95.indd 92‬‬


‫أدب‬ ‫املهاري‬ ‫على منظومة املجاز والرمز واألسطورة‪ ،‬واللعب‬ ‫ّ‬ ‫على عناصر التشكيل‪ ،‬وسطوة اللغة بأسرارها الباطنية‬ ‫العميقة؟‬ ‫ّ‬ ‫إبداعي‬ ‫اجل� � ��واب ‪ ..‬كال‪ ،‬ألن� � ��ه ليس ثمة عم� � ��ل‬ ‫ّ‬ ‫بال رعش� � ��ة جمالية‪ ،‬إ ّنها عنصر أس� � ��اس من جمال ّيات‬ ‫الفن� � ��ون‪ ،‬حتى االكتش� � ��افات العلم ّية تش � � � ّكل فيها هذه‬ ‫الرعشة انعطافاً خطيراً في حلظة االكتشاف البارعة‪.‬‬ ‫لك� � � ّ�ن الذي ندع� � ��و إليه هن� � ��ا أن يتخلّ� � ��ى االنفعال في‬ ‫�عري عن أ ّول ّيته وسذاجته‪ ،‬وقابليته املنفلتة‬ ‫النص الش� � � ّ‬ ‫ّ‬ ‫املنس� � ��احة على البوح‪ ،‬ويتح ّول بفعل ق ّوة العقل – التي‬ ‫يجب أ ْن تس� � ��يطر على تيار االنفع� � ��ال ووفق ضوابطها‬ ‫خاصة‬ ‫وقوانينها – إلى أث� � ��ر‬ ‫إبداعي ذي بنية معرف ّية ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ممغنط� � ��ة باالنفعال ومس� � ��حورة بطاقة غ ّن� � ��اء فذة في‬ ‫عمقها وكثافتها‪.‬‬ ‫ودينامي مع‬ ‫�عري احلديث حوا ٌر دائ � � � ٌم‬ ‫النص الش� � � ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٌّ‬ ‫خاص‪ ،‬مشحون‬ ‫ديالكتيك‬ ‫على‬ ‫مبني‬ ‫ر‬ ‫ث‬ ‫ر‬ ‫حوا‬ ‫األشياء‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ٌ ٌّ‬ ‫ٌّ‬ ‫بقيم أصيلة ت ّتس� � ��م بالتش� � ��ابك والعمق والتعقيد‪ ،‬يقوم‬ ‫الداخلي عن طريق ربط األجزاء‬ ‫مبهمة تشكيل النسيج‬ ‫ّ‬ ‫�عري‪،‬‬ ‫املتوازية واملتقاطع� � ��ة واملتضا ّدة في‬ ‫النص الش� � � ّ‬ ‫ّ‬ ‫التقليدي‬ ‫�ؤ‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ط‬ ‫التوا‬ ‫وينع� � ��دم ف� � ��ي هذا احل� � ��وار ذل� � ��ك‬ ‫ّ‬ ‫القائم بني عالم القصيدة ومس� � ��احة الفاعلية الذهنية‬ ‫املستقبِلة عند املتلقّي‪ ،‬واملعتمدة على خاصية اإلشباع‬ ‫احملايد ملراكز االنتظار والتو ّقع فيه‪ ،‬لذلك فهي تصدم‬ ‫التقليدي مبا ال يُنتظر‪ .‬مبعنى أ ّن املتلقّي‬ ‫ذوق املتل ّق� � ��ي‬ ‫ّ‬ ‫�س منط ذوقه‬ ‫وتأس� � � َ‬ ‫س� � ��يفقد فيها ل ّذة تع � � � ّو َد عليها‪ّ ،‬‬ ‫على أساس� � ��ها‪ .‬لذلك فإ ّنه سيحتاج إلى نوع من تطبيع‬ ‫�عري احلديث الرحبة‬ ‫النص الش� � � ّ‬ ‫العالق� � ��ات مع عوالم ّ‬ ‫املتع � � � ّددة‪ ،‬ينهض بذوق املتلق� � ��ي ويرتفع به إلى مناطق‬ ‫تضج بسحر‬ ‫جمال ّية طر ّية وطريفة ومباغتة ومفاجئة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫غير قاب� � ��ل للنفاد‪ ،‬فيكبر وعيه نحو اس� � ��تثمار قدرات‬ ‫العقل على نحو أكبر وأفضل وأكثر جذباً ومتعة‪.‬‬

‫القصيدة اجلديدة حمالة أسئلة سحرية‬

‫الشعري من إطار‬ ‫على هذا األساس يخرج النشاط‬ ‫ّ‬ ‫إش� � ��باع احلاجة‪ ،‬فهو ليس متريناً جمالياً مج ّرداً‪ ،‬إنمّ ا‬ ‫هو فعل خالق خصب‪ ،‬يل ُد قدرة المتناهية على اإلبداع‬ ‫النص عند‬ ‫واخللق واس� � ��تمرارية اإلجناز‪ ،‬ومتى تو ّقف ّ‬ ‫ح � � � ّد معينّ لل� � ��والدة يصبح آنذاك عقيم � � �اً‪ ،‬ما يلبث أن‬ ‫ميوت‪ ،‬فال يع ّد على هذا النحو نش� � ��اطاً خالقاً أل ّنه ال‬ ‫ُ‬ ‫حداثة القصيدة العربية‪ ...‬إلى أين؟‬ ‫‪4/12/15 1:17:15 PM‬‬

‫يخلّف أس� � ��ئلة كبرى وال مش� � ��كالت ُمحرجة‪ ،‬إ ّنه يغادر‬ ‫منطق� � ��ة املتلقّي مغ� � ��ادرة كلّية‪ ،‬في ح� �ي��ن أ ّن القصيدة‬ ‫اجلديدة حتيا أساس � � �اً مبا تخلّفه ف� � ��ي منطقة املتلقّي‪،‬‬ ‫ال مبا متنحه إياه‪ ،‬أل ّنها ببس� � ��اطة شديدة ال متنح شيئاً‬ ‫مح ّدداً باملفهوم املادي للش� � ��يء‪ ،‬فهي ليس� � ��ت إعالناً أو‬ ‫إشهاراً‪ ،‬إ ّنها مجموعة مقترحات رؤيو ّية وأسئلة ألفعال‬ ‫سحر ّية يش� � ��ترك فيها املتلقّي‪ ،‬فإذا كان املتلقّي يواجه‬ ‫النص‬ ‫النص احلديث بإمكانات عاد ّية‪ ،‬فس� � ��وف يغترب ّ‬ ‫ّ‬ ‫فض بكارة‬ ‫وتبقى حلظة ال� � ��والدة مؤجلة‪ ،‬فقدرتنا على ّ‬ ‫النص تتو ّقف على اس� � ��تكمال‬ ‫احللم واخت� � ��راق طفولة ّ‬ ‫مقومات وعينا وقابليته للمرونة والتفاعل والكشف‪ ،‬أي‬ ‫تتو ّقف على حتويل وعينا من املس� � ��توى املسالم املهادن‬ ‫إلى املستوى احلا ّد املشاكس‪.‬‬ ‫القصيدة اجلدي� � ��دة حت ّررت على صعيد تش� � ��كيل‬ ‫املستقبلي من احتالل وسطوة الالوعي املج ّرد‬ ‫خطابها‬ ‫ّ‬ ‫الوجداني البدائ� � � ّ�ي‪ ،‬وأصبحت‬ ‫�ال‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ع‬ ‫االنف‬ ‫على‬ ‫�م‬ ‫القائ� � �‬ ‫ّ‬ ‫خاضع� � ��ة في مرحل� � ��ة مه ّمة من مراح� � ��ل إجنازها إلى‬ ‫الوعي بش� � ��كله املعتمد على احلري� � ��ة‪ ،‬واملتفاعل جدل ّياً‬ ‫مع الالوعي‪ ،‬تلك احلر ّية القصوى التي تخضع للجهد‬ ‫اخلفي‪ ،‬ال� � ��ذي ال يحصل مبن� � ��أى عن رؤيا‬ ‫والتنظي� � ��م‬ ‫ّ‬ ‫الذات الش� � ��اعرة وحداثة مختب� � ��ر املخيلة فيها‪ ،‬إذ إنها‬ ‫تنش� � ��حن هنا بأعلى طاقة ممكنة على اإليجاد والتد ّفق‬ ‫واإلش� � ��عاع‪ .‬لذلك فهي ليس� � ��ت إش� � ��باعاً حلال� � ��ة تو ّقع‬ ‫�تاتيكي في الذهن‪ ،‬إ ّنها‬ ‫ُمفت َرض� � ��ة قائمة على نحو إس� � �‬ ‫ّ‬ ‫غني لرفد املتلقي بسلس� � ��لة ال‬ ‫تفاجئ دائماً‪ ،‬إ ّنها منجم ّ‬ ‫حلظوي وسياق‬ ‫تنتهي من املفاجآت املتغ ّيرة بني س� � ��ياق‬ ‫ّ‬ ‫حلظوي آخ� � ��ر‪ .‬إ ّنها عملية االرتقاء ب� � ��ذوق املتلقي إلى‬ ‫ّ‬ ‫متحضرة وراقية في س� � ��ياق االصطدام املتولدّ‬ ‫مرحلة‬ ‫ّ‬ ‫النص املُعلنة‪ ،‬وخيبة اجلزء الصغير املستخدم‬ ‫قوة‬ ‫بني‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫في عقل املتلقّي‪ ،‬كي يح� � ��دث خلال في املوازنة العقل ّية‬ ‫�عري‬ ‫ينته� � ��ي إل� � ��ى محاولة توس� � ��يع دائرة التفكير الش� � � ّ‬ ‫باألش� � ��ياء‪ ،‬في إحي� � ��اء مناطق م ّيتة م� � ��ن العقل وزرعها‬ ‫بطاقات خصبة جديدة ومزدهرة‪ ،‬تس� � ��هم في االرتفاع‬ ‫النص احلديث حتريراً‬ ‫بقدرته إلى مستوى قابل لتحرير ّ‬ ‫النص‬ ‫فضاءات‬ ‫حتتوي‬ ‫عقلياً‪ ،‬وذلك بفتح قنوات أخرى‬ ‫ّ‬ ‫املتحضر بوس� � ��اطة الل ّذة‬ ‫وعوامله وعكس� � ��ها على فهمه‬ ‫ّ‬ ‫التي سيكتس� � ��بها في رؤيته لالنسجام في الالانسجام‪،‬‬ ‫والتوافق في الالتوافق‪ ،‬أم ً‬ ‫ال في إدراك شيء من حلظة‬ ‫الكوني التي ال يدركها سوى الشاعر‪.‬‬ ‫التجانس‬ ‫ّ‬ ‫‪93‬‬

‫‪may 90-95.indd 93‬‬


‫بهذا املنطق تس� � ��تهدف القصيدة اجلديدة القضاء‬ ‫على التناقض بني املتضادات مع احلفاظ على دينامية‬ ‫اخلصوصيات املتض� � ��ادة‪ .‬فعملية إع� � ��دام التناقض ال‬ ‫تعتمد أساس � � �اً على إلغاء فواصل التناقض بينهما‪ ،‬بل‬ ‫التماس‬ ‫تعتمد على اكتس� � ��اب حلظة التض� � ��ا ّد‪ ،‬وحلظة‬ ‫ّ‬ ‫بني املتضادات حياداً ف� � ��ي التعبير عن حالة التناقض‪،‬‬ ‫مس� � ��تبدلة بها التعبير ع� � ��ن خصائصه� � ��ا الذاتية التي‬ ‫ال تعن� � ��ي بالضرورة تناقضاً مع اآلخ� � ��ر‪ ،‬بقدر ما تعني‬ ‫اخلواص التي متتاز بقابلية استثنائية للبوح‬ ‫اس� � ��تقالل‬ ‫ّ‬ ‫والتفاع� � ��ل مع «اآلخر» أو «املاحول» بفرض حالة جتاوز‬ ‫التقليدي على مستوى الشكل والتشكيل‪ .‬وهذا‬ ‫للخالف‬ ‫ّ‬ ‫يتطلّب اخت� � ��راق نظام الزم� � ��ن‪ ،‬أل ّن القصيدة اجلديدة‬ ‫االستعاري وليس‬ ‫على هذا األساس الزمنية – بالتقدير‬ ‫ّ‬ ‫التقاني‪ -‬لذلك فهي جمع لك ّل أنواع األزمنة وتفجير لها‬ ‫ّ‬ ‫حضاري واحد‪.‬‬ ‫شعري‬ ‫في آن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫م� � ��ن هنا ميك� � ��ن أن نصل إل� � ��ى حقيق� � ��ة أ ّن النص‬ ‫األفقي‪،‬‬ ‫الشعري احلديث ال يع ّبر عن احلياة مبستواها‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ذل� � ��ك أ ّن الطبيعة ‪ -‬وفق س� � ��يزن – هي عمق أكثر مما‬ ‫النص الذي يع ّبر عن احلياة بهذا املستوى‬ ‫هي س� � ��طح‪ّ ،‬‬ ‫�لفي‪ ،‬يتق ّي� � ��أه املتلقّي مبجرد‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫س‬ ‫تبعي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫نص مخفق بليد ّ‬ ‫انطفاء حلظ� � ��ة اجلماع القرائية األولى‪ ،‬أل ّنه س� � ��رعان‬ ‫النص‬ ‫ما ينكش� � ��ف وتُفتضح إمكاناته‪ ،‬في حني يتح ّول ّ‬ ‫تتجس� � ��م وتتش� � ��عرن فيها‬ ‫الذي يبدأ بخلق حياة جديدة‬ ‫ّ‬ ‫مش� � ��كالت اإلنس� � ��ان الكب� � ��رى والصغ� � ��رى والتفصيلية‬ ‫والهامشية واملس� � ��كوت عنها واملغ ّيبة‪ ،‬إلى مشروع دائم‬ ‫التط ّور باجتاه حتديث أسلوب املمارسة وقوانني الفعل‬ ‫وحل� � ��م العقل البكر‪ ،‬واجتراح مس� � ��تم ّر لقيم ذات نزعة‬ ‫غير قابلة للتمحور‪ ،‬تس� � ��تق ّل فيها اللغة استقالالً ذاتياً‬ ‫خارج انعكاس� � ��ات املعجم واملنهج‪ ،‬كي تخر َج من فضاء‬ ‫�ص وفاعليته الكتش� � ��اف العوالم الس� � ��حرية‬ ‫ق� � ��درة الن� � � ّ‬ ‫الغامض� � ��ة الثاوية في مفرداتها‪ ،‬وقد أركنتها املعجمات‬ ‫واملمارسات الشعرية اجلائرة جانباً‪ ،‬وجعلت تعتمد في‬ ‫تضج عواملها‬ ‫بنيتها الر ّثة على احتمال واحد‪ ،‬في حني‬ ‫ّ‬ ‫بعدد ال متناهٍ من االحتماالت‪.‬‬ ‫يفجر‬ ‫أن‬ ‫�ث‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ي‬ ‫احلد‬ ‫�عري‬ ‫النص الش� � � ّ‬ ‫ّ‬ ‫يج� � ��ب على ّ‬ ‫إمكان� � ��ات اللغ� � ��ة ويفتح منظومته� � ��ا اللفظ ّية على كل‬ ‫االحتماالت‪ ،‬ويح ّررها من اس� � ��تعمار املنطقة واملكنَنَة‬ ‫التي أس� � ��هم الكثيرون في تسييجها ودفعها إلى حالة‬ ‫التصح� � ��ر‪ ،‬ما يؤدي بالضرورة إلى إحالتها على كائن‬ ‫ّ‬ ‫‪94‬‬

‫‪4/12/15 1:17:21 PM‬‬

‫عدمي ال ميتلك س� � ��وى ق� � ��درة محدودة عل� � ��ى البثّ‬ ‫ّ‬ ‫واإلدراكي اخلالق‪ ،‬الذي أف� � ��رز افتراقاً‬ ‫الوجدان� � � ّ�ي‬ ‫ّ‬ ‫صعب � � �اً – كان وما زال أحد أبرز مش� � ��كالت الش� � ��عر‬ ‫احلديث – ب� �ي��ن طموح املخ ّيلة وحداث� � ��ة رؤياها في‬ ‫�عاعي كبير‬ ‫وغنائي وإش� � �‬ ‫داللي‬ ‫تعبئ� � ��ة املفردة بثق� � ��ل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يس� � ��تجيب لعالم الش� � ��اعر وطموحه وتطلعه‪ ،‬والواقع‬ ‫العدم� � � ّ�ي للغة الذي ليس ل� � ��ه القدرة على حتمل هذه‬ ‫املس� � ��ؤولية‪ ،‬ف� � ��كان أن وقعت الكثير م� � ��ن النصوص‬ ‫احلديث� � ��ة ذات املس� � ��ؤولية الفنية الكبي� � ��رة في دائرة‬ ‫النص بهذه امله ّمة اخلطيرة‬ ‫الغموض واإلبهام‪ ،‬وقيام‬ ‫ّ‬ ‫ال يتأت� � ��ى إال بإمكان� � ��ات موهب ّي� � ��ة وعقل ّي� � ��ة وثقاف ّية‬ ‫ولغو ّي� � ��ة عالية‪ ،‬مبعنى أ ّنه ال ميكن ألنصاف املواهب‪،‬‬ ‫تل� � ��ك التي يتواضع فيها إجناز العقل وتتس� � � ّ�طح فيها‬ ‫الثقافة‪ ،‬وتغيب فيه� � ��ا الرؤيا وتُختزل الرؤية‪ ،‬وتفتقر‬ ‫فيها اللغة– على مستوى الثراء وعلى مستوى ضبط‬ ‫امله� � ��ارات األساس� � ��ية – إلى إجناز ذل� � ��ك‪ ،‬أن تتق ّدم‬ ‫الصفوف‪ ،‬وال يصبح البيان واالدعاء والتصريح الذي‬ ‫تتبناه عندئذ أكث� � ��ر من نقر ضعيف متهالك من وراء‬ ‫الزجاج‪.‬‬ ‫احلداث� � ��ة الش� � ��عرية ‪ -‬بلغتها ورؤياها وش� � ��كلها‬ ‫ّ‬ ‫املتكش� � ��فة ع� � ��ن خصب املخيل� � ��ة وح ّدة‬ ‫وأس� � ��لوبها ‪-‬‬ ‫االنفعال وغنى املوهبة‪ ،‬هي التي تدهم اللغة فتُخرجها‬ ‫من منطيتها وتراخيها وكسلها‪ ،‬وتُدخلها في سياقات‬ ‫تعبيرية حديثة غير مألوفة‪ ،‬لذلك تتح ّول من تشكيلها‬ ‫استفزازي متم ّرد‪ ،‬وهي‬ ‫صدامي‬ ‫املستق ّر إلى تشكيل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫في هذا التح ّول يجب أن متلك نفس� � ��ها‪ ،‬وإال فسوف‬ ‫تضيع في مجاهل الغريب ومتاهات الشذوذ‪ ،‬وحاالت‬ ‫اإلغماض والظالم ّية‪ ،‬لكنّها إذا امتلكت نفس� � ��ها كما‬ ‫النص قدرة المحدودة‬ ‫هو مع ّول عليها فإ ّنه� � ��ا تعطي‬ ‫ّ‬ ‫على من� � ��ح أمداء المتناهية ملنظومته اللغوية‪ ،‬فـتأخذ‬ ‫اللفظ� � ��ة ح ّريته� � ��ا املطلق� � ��ة في الكش� � ��ف والبوح عن‬ ‫مضمراته� � ��ا الداللي� � ��ة والتعبيري� � ��ة والرمزي� � ��ة‪ ،‬وعن‬ ‫اس� � ��تثمار خصبها الذي يتح ّول بفعل ذلك إلى طاقة‬ ‫تخييلية فائقة متج ّددة‪ ،‬بحيث ال يصبح الش� � ��عر فيها‬ ‫تعبيراً مطلقاً ثبوتياً عن مس� � ��تقرات إبداعية مطلقة‪،‬‬ ‫إمنا يصب� � ��ح تعبيراً متج ّدداً عن قي� � ��م فنية وجمالية‬ ‫دائمة التط ّور‪ ،‬وتبني واقعاً ش� � ��عرياً جديداً هو نتيجة‬ ‫النفساني للواقع‪،‬‬ ‫الشعوري‬ ‫طبيع ّية النعكاس املوقف‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫«األنوي» ف� � ��ي فعله وإدراكه‬ ‫�خصاني‬ ‫أي املوقف الش� � �‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 90-95.indd 94‬‬


‫أدب‬ ‫واجلمعي واملشترك‪.‬‬ ‫للواقعي‬ ‫الوعيوي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫اللغة وورطة البحث‬ ‫عن الدالالت في املتاهات العصية‬ ‫تس� � ��تهدف ه� � ��ذه احملاول� � ��ة إيج� � ��اد مصاحلة بني‬ ‫العددي أو‬ ‫فردية الك� � ��ون وكونية الف� � ��رد‪ ،‬ال بالوصف‬ ‫ّ‬ ‫الكلي املس� � ��تند إلى حقيقة‬ ‫االعتباري‪ ،‬ب� � ��ل بالوصف‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الوعي باحلياة‪ ،‬املتمثلة ف� � ��ي القدرة على التمييز بني‬ ‫الكائن� � ��ات الش� � ��عرية ذات الفاعلية احل ّي� � ��ة والكائنات‬ ‫املج � � � ّردة من احلي� � ��اة‪ ،‬فتتك � � � ّون للقصي� � ��دة على هذا‬ ‫األساس فضاءاتها اخلاصة‪ ،‬وتعتمد على الصراع مع‬ ‫النص‬ ‫الالش� � ��يء من أجل إفراز شيء ال تعثر عليه في ّ‬ ‫املرئي املباشر‪ ،‬ولك ْن باإلمكان اقتناصه‬ ‫داخل السياق‬ ‫ّ‬ ‫متل ّبثاً ومتش ّك ً‬ ‫ال في ذهن املتلقّي حلظة القراءة‪ .‬وهي‬ ‫نتيجة مستخلصة سر ّية على مستوى التعبير‪ ،‬ويتو ّقف‬ ‫حتصل النتائج املستخلصة في هذا اإلطار على‬ ‫مدى‬ ‫ّ‬ ‫موهبة الش� � ��اعر وثقافته وإتقانه للمهارات األساسية‬ ‫وحساس� � ��يته املرهفة في التفاعل مع التقانات املتاحة‬ ‫للفن� � ��ون املج� � ��اورة‪ ،‬وااللتفات إلى إمكانات اجلس� � ��د‬ ‫يفس� � ��ر س� � ��قوط‬ ‫وطاقات� � ��ه الغنائية العالية‪ .‬وهذا ما ّ‬ ‫املواه� � ��ب املتواضع� � ��ة في ش� � ��رك القصي� � ��دة الواحدة‬ ‫ذات النس� � ��خة الواحدة‪ ،‬مبعنى أ ّن جتربتهم الش� � ��عر ّية‬ ‫الكاملة ليست أكثر من قصيدة واحدة فحسب‪ .‬ويجب‬ ‫النص احلديث أن يحقق ما يدعى بـ «حتس� � ��يس‬ ‫على ّ‬ ‫حسي‪ ،‬واملج ّرد‬ ‫عن‬ ‫ي‬ ‫الالحس‬ ‫فيه‬ ‫يتفتق‬ ‫الذي‬ ‫املفهوم»‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والذهني عن ملموس‪،‬‬ ‫علني‪،‬‬ ‫مجسد‪،‬‬ ‫عن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والسري عن ّ‬ ‫والغامض عن واضح‪.‬‬ ‫يتوقف إجناز هذا املفهوم على درجة اندماج الذات‬ ‫�عري في التشكيل‪،‬‬ ‫الش� � ��اعرة في اللغة باملوضوع الش� � � ّ‬ ‫م� � ��ع القدرة على اس� � ��تنطاق منظومة الدوال على هذا‬ ‫املس� � ��توى وحتريكها في املتاهات العص ّية املؤدية إلى‬ ‫النص يلد نصاً مضاداً والشكل‬ ‫ظالل الدالالت‪ ،‬أي إ ّن ّ‬ ‫يلد شك ً‬ ‫ال مضاداً وفق هذه الضوابط‪.‬‬ ‫أم� � ��ا في ما يتعلّق بالش� � ��اعر احلديث الذي يرتفع‬ ‫إلى مس� � ��توى هذا اإلنت� � ��اج‪ ،‬فيج� � ��ب أن يتمتّع بذاكرة‬ ‫تشكيلية وتركيبية وغنائية قوية‪ ،‬حتتوي التوتّر احلا ّد‬ ‫املرئي املباشر والفعل‬ ‫الذي يعانيه الش� � ��اعر بني الفعل‬ ‫ّ‬ ‫العقلي غير املباشر‪ ،‬ويستطيع تصريف القلق الناجم‬ ‫ّ‬ ‫عن ثورة الشاعر تصريفاً إبداعياً‪ ،‬فالشاعر ثائر وقلق‬ ‫ُ‬ ‫حداثة القصيدة العربية‪ ...‬إلى أين؟‬ ‫‪4/12/15 1:17:27 PM‬‬

‫على ال� � ��دوام وعلى نحو ال مح� � ��دود‪ ،‬فعليه بإزاء هذا‬ ‫املوقف أن يأسر السماء واألرض داخل قفص الشكل‬ ‫كم� � ��ا يقول «ماكلي� � ��ش»‪ ،‬أي إ ّنه يج� � ��ب أن يبدأ باحللم‬ ‫والرؤي� � ��ا لينته� � ��ي إلى فض� � ��اء االس� � ��تنتاج‪ ،‬ال أن يبدأ‬ ‫العدمي‪.‬‬ ‫باالستنتاج‪ ،‬ألنه سوف ينتهي إلى الفراغ‬ ‫ّ‬ ‫الشاعر بهذا املفهوم ميتلك طاقات المحدودة على‬ ‫اإلجناز أل ّنه ليس كائناً واحداً‪ ،‬ويعتمد عدد الكائنات‬ ‫في� � ��ه على حجم موهبته وا ّتق� � ��اد ذهنه‪ ،‬ودرجة فاعلية‬ ‫عقل� � ��ه‪ ،‬وقدرته على اإلجناز‪ ،‬ومس� � ��توى حساس� � ��يته‬ ‫وانفتاح رؤياه‪ ،‬وهو ينجز ش� � ��عراً جديداً على أس� � ��اس‬ ‫اخلاص والنشاط املم ّيز للمخيلة‬ ‫نظرية امليل والوجود‬ ‫ّ‬ ‫الثقافي اجلديد ل ُكنْه األش� � ��ياء‪ ،‬خارج دائرة‬ ‫والتف ّت� � ��ح‬ ‫ّ‬ ‫كينونت� � ��ه األخرى املعتمدة على فلس� � ��فته في األخالق‬ ‫والقيم واألدب واحلضارة‪.‬‬ ‫ومن هنا يتحتّم على الشاعر أن يكون جريئاً وصادقاً‬ ‫اخلاص‪ ،‬ونش� � ��اط مخيلته‬ ‫في الدفاع عن ميله ووجوده‬ ‫ّ‬ ‫اخلالق‪ .‬وإلاّ فس� � ��وف يفتقد الشعر ّية والشاعر ّية‪ ،‬ألنهّ‬ ‫خانهما ملصلحة كينونته األخرى غير الش� � ��عر ّية‪ ،‬وحت ّول‬ ‫بنا ًء على ذلك إلى ُم ّ‬ ‫نظر وداعية‪ ،‬وانعدمت فيه حساسية‬ ‫الذات الش� � ��اعرة وافتقد رؤيا احلداثة الشعرية وشكلها‬ ‫وأس� � ��لوبها‪ .‬يبقى الس� � ��ؤال الكبير واخلطير الذي يجب‬ ‫أن يس� � ��توقف اجلميع‪ ،‬وهو‪ :‬ما الذي أجنزته القصيدة‬ ‫العربية اجلديدة؟ وإلى أين تسير؟‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وملحا ومحرجا‪ ،‬فمنذ‬ ‫سيبقى هذا الس� � ��ؤال قائماً ّ‬ ‫الث� � ��ورة الس � � � ّيابية التي اس� � ��تطاعت إيق� � ��اد فجر جديد‬ ‫للقصيدة العربي� � ��ة‪ ،‬مروراً بأدونيس الذي اس� � ��تطاع أن‬ ‫يك� � ��ون ظاه� � ��رة مت ّثلت على صعيد امله� � ��ارة والصنعة في‬ ‫إيجاد ش� � ��عر ّية تعتمد كيمياء اللغ� � ��ة‪ ،‬وانتهاء باإلجنازات‬ ‫الباهرة التي حقّقها الشعراء العرب الكبار من أصحاب‬ ‫املت� � ��ون األصيلة حتى نهاية األلفية الثانية‪ ،‬عاش� � ��ت هذه‬ ‫القصيدة حتوالت ش � � �تّى أفرزت الكثير من األسئلة التي‬ ‫ميك� � ��ن أن تقودن� � ��ا في ميدان مقاربتنا إلى الس� � ��ؤال عن‬ ‫مستقبل القصيدة العربية‪ ،‬وإلى أين تتجه؟‬ ‫ولع ّل القراءات املستمرة اجلادة للشعراء والنقاد معاً‬ ‫(نصوصاً وظواه َر) وهي تنهض مبهمة فحص التط ّورات‬ ‫التي حتصل في بنية القصيدة وتشكيلها وعالقتها باآلخر‬ ‫جدلي‬ ‫ومقاربتها‪ ،‬هي التي ميكن أن تنتج مش� � ��اريع حوار‬ ‫ّ‬ ‫مثمر وخصب بوس� � ��عها أن تقول ش� � ��يئاً مهماً وصحيحاً‬ ‫على سطح هذا املستوى وفي جوهر هذا اإلطار >‬ ‫‪95‬‬

‫‪may 90-95.indd 95‬‬


‫لغة‬

‫نشر العلوم وتبسيط مصطلحاتها‪...‬‬ ‫تثقيف أم تحريف؟‬ ‫محمد أنيس مورو‬

‫مترجم وباحث من تونس‬

‫إن مهمة تبسيط العلوم هي تمكين المثقف العادي من فهم المعارف‬ ‫العلمية من خالل استخدام لغة يفهمها‪ ،‬األمر الذي يعني أن االنغالق الذي‬ ‫عليه الجماعة العلمية يمكن اختراقه وتأمين التواصل بين المختصين وغير‬ ‫المختصين‪ .‬ولكننا نتساءل في هذا الصدد‪ ،‬إذا كان التواصل ممكن ًا بين‬ ‫الشخص العادي والمختصين‪ ،‬فبأي ثمن؟ هل ستضيع بعض المعلومات‬ ‫في ثنايا تلك العملية التواصلية؟ وهل العامة الذين ّ‬ ‫يطلعون على نصوص‬ ‫التبسيط العلمي يتحقق لهم بذلك االط�لاع على العلوم أم على جانب‬ ‫المستعملة في هذا النوع من النصوص تحافظ‬ ‫منها؟ وهل المصطلحات‬ ‫َ‬ ‫على دالالتها األصلية أم تصبح حاملة لدالالت مختلفة؟ وهل تنقل نصوص‬ ‫التبسيط العلمي حقيقة واحدة أم مجموعة حقائق عن الشيء الواحد؟‬

‫عن� � ��د مقارب� � ��ة اللغ� � ��ة املختصة م� � ��ن زاوي� � ��ة نظر‬ ‫مس� � ��تعملي اللغة ميكن مبدئياً تصنيف املستعملني إلى‬ ‫ثالث فئ� � ��ات‪ :‬اخلبراء‪ ،‬وأش� � ��باه اخلب� � ��راء‪ ،‬والعاديون‪.‬‬ ‫واملقصود بالش� � ��خص العادي هو ال� � ��ذي ليس له اطِّ الع‬ ‫على النظريات األساسية للمجال املعرفي‪ ،‬أو الشخص‬ ‫املثقف الذي له إملام بس� � ��يط بتلك النظريات‪ .‬ويختلف‬ ‫هذا الصنف عن أشباه اخلبراء الذين ينتمون عادة إلى‬ ‫مجاالت ذات صلة مبجال معرفي مح َّدد‪ .‬أ ّما اخلبراء‪،‬‬ ‫فه� � ��م املختصون الذين ال يجدون صعوبة تُذكر في فهم‬ ‫النصوص اخلاصة باملجال‪.‬‬ ‫قسمت جينيفر بيرسون (‪)Jennifer Pearson‬‬ ‫وقد ّ‬ ‫الوضعي� � ��ات التواصلي� � ��ة في النص� � ��وص املختصة على‬ ‫النحو التالي‪:‬‬ ‫ التواص� � ��ل ب� �ي��ن اخلب� � ��راء (‪Expert-expert‬‬‫‪ :)communication‬تُس� � ��تعمل ف� � ��ي ه� � ��ذا الصن� � ��ف‬ ‫‪96‬‬

‫‪4/12/15 1:18:05 PM‬‬

‫املصطلحات الشديدة التخصص‪ ،‬ويُفترض أن يشترك‬ ‫الناقل واملتقبل في ذات القدرات املعرفية واللغوية وأن‬ ‫يكون بعضهم قادراً على فه� � ��م بعض‪ ،‬ذلك أن الرصيد‬ ‫املصطلحي قد مت ضبطه وتقييسه مسبقاً‪.‬‬ ‫ التواصل بني اخلبراء واملبتدئني في املجال نفسه‬‫(‪ :)Expert to initiates communication‬ما مي ّيز هذا‬ ‫الصنف هو اختالف مستوى اخلبرة بني الناقل واملتق ّبل‪،‬‬ ‫ذلك أن اخلبير قد يك� � ��ون مطالباً أحياناً بالتواصل مع‬ ‫أشخاص آخرين عاملني باملجال املعرفي نفسه من دون‬ ‫أن يكون لهم مس� � ��توى اخلبرة نفسه‪ .‬ورغم أن اخلبراء‬ ‫سيستعملون املصطلحات نفسها التي يستعملها بعضهم‬ ‫املرجح أن يعمدوا إلى ش� � ��رح عدد من‬ ‫م� � ��ع بعض‪ ،‬فمن َّ‬ ‫ً‬ ‫املصطلح� � ��ات املجهولة أو غي� � ��ر املفهومة جيدا من قبل‬ ‫املتلقي‪.‬‬ ‫املدرس والتلميذ (‪Teacher-pupil‬‬ ‫ التواصل بني ِ ّ‬‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 96-98.indd 96‬‬


‫‪ :)communication‬يُس� � ��تعمل ه� � ��ذا الصن� � ��ف لغايات‬ ‫بيداغوجية تتم ّثل في تبليغ معلومات مدرسية للتالميذ‪،‬‬ ‫تتناس� � ��ب مع قدرتهم على الفهم‪ .‬ف� � ��إن مدارك التلميذ‬ ‫وقدرته على االس� � ��تيعاب تتطور بتط ّور مداركه‪ ،‬ولذلك‬ ‫من الضروري مس� � ��ايرة تلك القدرات واعتماد منهجية‬ ‫تَ َد ّ ُر ٍج في ْ‬ ‫إطالعه على املفاهيم العلمية‪.‬‬ ‫ التواص� � ��ل ب� �ي��ن أش� � ��باه اخلب� � ��راء والعا ّم� � ��ة‬‫(‪:)Relative expert to the uninitiated communication‬‬ ‫واملقصود بالعامة كل ش� � ��خص تل ّق� � ��ى تعليماً لكنه غير‬ ‫متبحر في أي مجال من املجاالت املعرفية‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫إن الصن� � ��ف الرابع م� � ��ن الوضعي� � ��ات التواصلية‬ ‫ِّ‬ ‫يوظف املصطلحات بطريقة فيها الكثير من التبسيط‬ ‫والضبابي� � ��ة (التي قد ت� � ��ؤدي إلى الفه� � ��م املنقوص)‪،‬‬ ‫ويجنَح عند ش� � ��رح املفاهيم إلى اس� � ��تخدام عدد من‬ ‫التقنيات التبس� � ��يطية كالتشبيه واالستعارة واملقارنة‪،‬‬ ‫وإلى توظي� � ��ف الوح� � ��دات املعجمية العام� � ��ة حتى ال‬ ‫يشعر املتلقي ﺑ«الغربة» إزاء املصطلحات وغموضها‪.‬‬ ‫والنتيجة املباشرة لذلك أن الوضعية التواصلية التي‬ ‫يكون الش� � ��خص الع� � ��ادي طرفاً فيها ه� � ��ي أقرب إلى‬ ‫اخلطاب العام منها إلى اخلطاب املختص‪ ،‬أو ِلنَقُل هي‬ ‫مزيج من هذا وذاك بات يُع َرف في األدبيات الغربية‬ ‫بتعميم العلوم (‪.)Popularization of science‬‬

‫تعميم العلوم‬ ‫تعريف� � ��ه‪ :‬صن� � ��ف من النصوص يس� � ��تهدف نش� � ��ر‬ ‫الثقافة العلمية في أوساط عامة الناس باستخدام لغة‬ ‫بسطة في متناولهم‪.‬‬ ‫علمية ُم َّ‬ ‫دواعيه وغاياته‪:‬‬ ‫ االس� � ��تجابة إل� � ��ى الفضول الفطري لإلنس� � ��ان‬‫ّ‬ ‫واالطالع‪ .‬إذ توجد نزعة فطرية لدى اإلنس� � ��ان‬ ‫للتعلم‬ ‫إلى البحث والتس� � ��اؤل ورغبة في االطالع على كل ما‬ ‫يجهله‪ ،‬خاصة على املس� � ��ائل التي تعنيه مباش� � ��رة في‬ ‫حياته اليومية وعلى عالقة مبشاغله وتطلّعاته‪.‬‬ ‫ توعي� � ��ة الناس مب� � ��ا يحفظ مصاحله� � ��م ويقيهم‬‫املخاطر‪.‬‬ ‫ش� � ��روطه‪ :‬ينبغ� � ��ي أن يك� � ��ون املج� � ��ال واملوض� � ��وع‬ ‫املطروح� � ��ان مرتبطني باحلياة اليومي� � ��ة للناس‪ ،‬ذلك أن‬ ‫االعتناء مبواضيع ليس� � ��ت لها عالقة مباشرة بتطلعات‬ ‫الناس ومشاغلهم س� � ��تدفعهم إلى اإلعراض عنها‪ .‬فإن‬ ‫نشر العلوم وتبسيط مصطلحاتها‪ ...‬تثقيف أم حتريف؟‬ ‫‪4/13/15 9:17:53 AM‬‬

‫املختصني في نش� � ��ر الثقافة العلمي� � ��ة ال يهتمون بجميع‬ ‫املجاالت‪ ،‬بل يس� � ��تثنون الكثير م� � ��ن املجاالت التي رمبا‬ ‫ال تثي� � ��ر اهتمام املتلقي وال تس� � ��ترعي فضوله الفطري‪.‬‬ ‫فإن الرياضيات مث ً‬ ‫ال ال تس� � ��تهوي القارئ‪ ،‬رمبا لطابعها‬ ‫التجريدي‪ ،‬أو لكونها ليست من املجاالت التي جتيب عن‬ ‫أسئلة اإلنسان العادي الرئيسية في عالقته بالعالم‪.‬‬ ‫أساليبه‪:‬‬ ‫ التن�� ��اول املثي�� ��ر للقضايا املطروحة والس�� ��عي إلى‬‫إبه�� ��ار املتلقي وجذب�� ��ه مبعلومات جديدة أو التش�� ��كيك‬ ‫في معلومات منتش�� ��رة على نطاق واس�� ��ع‪« .‬فكلما انبهر‬ ‫اجلمهور زاد تعظيمه للمسائل التي ال يعلم كنهها»‪.‬‬ ‫ ِّ‬‫املبس�� ��ط وتفادي التعقيد‪ :‬حتى‬ ‫توخي األس�� ��لوب ّ‬ ‫ل�� ��و ُو ّفق القائمون على نش�� ��ر العلوم في اختيار املواضيع‬ ‫املناسبة‪ ،‬فإن تناولها تناوالً مع َقّداً سيُشعِ ر القارئ بالغربة‬ ‫وسينقطع حبل التواصل سريعاً بينه وبني كاتب النص‪.‬‬ ‫ املراوح�� ��ة بني األس�� ��لوب العلمي واألس�� ��لوب غير‬‫‪97‬‬

‫‪may 96-98.indd 97‬‬


‫لغة‬ ‫العلمي‪.‬‬ ‫ توظيف االس�� ��تعارة والتش�� ��بيه واملقارن�� ��ة لتقريب‬‫املفاهيم العلمية املع َّق�� ��دة من ذهن القارئ حتى ال ينقطع‬ ‫حب�� ��ل التواص�� ��ل بينهما‪ ،‬وإلضف�� ��اء طابع ملم�� ��وس على‬ ‫املواضيع املطروحة‪.‬‬ ‫ املراوح�� ��ة بني الطابع املأس�� ��اوي التهويلي والطابع‬‫الهزلي الساخر‪ :‬ويظهر ذلك خاصة في عناوين املقاالت‬ ‫املتطرقة إلى مسائل علمية‪ .‬فمن بني العناوين‬ ‫الصحفية‬ ‫ِّ‬ ‫املس�� ��تع َملة في املقاالت الصحفية الفرنسية التي تط َّرقت‬ ‫إلى مس�� ��ألة األمطار احلمضية‪ ،‬على سبيل املثال‪ ،‬جند‪:‬‬ ‫«األمط�� ��ار احلمضية‪ :‬هولوكوس�� ��ت بيئي؟» و«اخلل يهطل‬ ‫من السماء‪ :‬حمض في األمطار»‪ .‬ولتبليغ أفكارهم وإقناع‬ ‫جمهورهم بها يس�� ��تعمل محررو نصوص إش�� ��اعة العلوم‬ ‫عدداً من االستراتيجيات‪:‬‬ ‫ مخاطبة وجدان القارئ واستثارة مشاعره بطريقة‬‫غير ِ‬ ‫منفّرة‪.‬‬ ‫ التركيز على االكتشافات العلمية اجلديدة‪.‬‬‫ ربط املواضيع املطروحة بأحداث كبرى (تسونامي‪،‬‬‫أعاصير‪ ،‬حادث نووي‪.)...‬‬ ‫ الطاب�� ��ع االستش�� ��رافي‪ :‬يتط ّرق كثير من وس�� ��ائل‬‫اإلع��ل��ام إلى مواضي�� ��ع مهم�� ��ة تط ّرقاً استش�� ��رافياً‪ ،‬أي‬ ‫إنها حت�� ��اول التنبؤ مبصير ظاهرة م�� ��ا‪ ،‬لها عالقة وثيقة‬ ‫بتطلّعات اجلماهير ّ‬ ‫وتعطش�� ��ها للمعرفة‪ .‬إذ كثيراً ما نقرأ‬ ‫على صفحاتها عناوين من قبيل «دواء جديد للسرطان؟»‬ ‫أو «أمل جدي�� ��د للمصابني مبرض كذا‪ »...‬وغير ذلك من‬ ‫العناوين التي تثير فضول القارئ‪.‬‬ ‫إن م�� ��ا مي ّي�� ��ز النص�� ��وص املختصة ع�� ��ن النصوص‬ ‫التبسيطية هو أن األولى تتسم بالصرامة العلمية والسعي‬ ‫احلثي�� ��ث إلى بل�� ��وغ احلقيقة م�� ��ع احلرص عل�� ��ى تالفي‬ ‫الضبابي�� ��ة واحلقيق�� ��ة الغامضة أو القابل�� ��ة للتأويل‪ .‬لكن‬ ‫يبدو أن النصوص التبس�� ��يطية ال تتسم بالقدر نفسه من‬ ‫موجهة إلى أصناف مختلفة من املتلقني‪،‬‬ ‫الصرامة‪ ،‬ألنها َّ‬ ‫ذلك أننا ال نستطيع أن نح ّدث طف ً‬ ‫ال عن العالم بالطريقة‬ ‫ال مث ً‬ ‫نفس�� ��ها التي نح ّدث بها كه ً‬ ‫ال‪ .‬بل إن فهم األشخاص‬ ‫مل�� ��ا يُنقَل إليه�� ��م من عل�� ��وم يختلف باخت��ل��اف خلفياتهم‬ ‫الفكرية واالجتماعية ومس�� ��توياتهم اإلدراك ّية ونحو ذلك‪.‬‬ ‫تنطوي عملية التبس�� ��يط على تناق�� ��ض صريح‪ ،‬ألن منتج‬ ‫اخلطاب مطالَب باستخدام املصطلحات‪ ،‬لكنه يعرف في‬ ‫يتوجه إليه قد يعجز عن‬ ‫قرارة نفس�� ��ه أن اجلمهور الذي َّ‬ ‫‪98‬‬

‫‪4/12/15 1:18:23 PM‬‬

‫فهم داللة تلك املصطلحات‪ .‬واحلل يكمن في اعتماد عدد‬ ‫تبس�� ��ط داللة املصطلحات حتى تصبح‬ ‫من التقنيات التي ّ‬ ‫قابلة للفهم‪ ،‬وذلك عبر اس�� ��تعمال وحدات معجمية عا ّمة‬ ‫لتقريب الص�� ��ورة من ذهن املتلقي غي�� ��ر املختص‪ .‬تتمثل‬ ‫ه�� ��ذه التقنيات في إعادة صياغ�� ��ة املصطلحات (وأحياناً‬ ‫األفكار)‪ ،‬ويش�� ��به ذلك م�� ��ا يقوم به املترج�� ��م الذي يعيد‬ ‫صياغة األفكار بلغة أخرى‪ .‬‬ ‫ال متي�� ��ل العلوم ع�� ��ادة إلى الضبابي�� ��ة والغموض في‬ ‫وص�� ��ف األش�� ��ياء والظواهر‪ ،‬بل ترمي إل�� ��ى الوصول إلى‬ ‫حقيقة واحدة للشيء الواحد‪ .‬ولكن في خطاب التبسيط‬ ‫العلمي‪ ،‬تصبح احلقيقة الواحدة‪ ،‬في واقع األمر‪ ،‬مجموعة‬ ‫من احلقائق‪ ،‬ألن كل شخص سينظر إليها من زاوية نظر‬ ‫معين�� ��ة‪ .‬فإن كل فئة اجتماعية (أ ّمي‪ ،‬طالب‪ ،‬عامل‪ )...‬أو‬ ‫شريحة عمرية ينبغي أن ّ‬ ‫املبسطة‬ ‫تطلع على العلوم باللغة َّ‬ ‫الت�� ��ي تناس�� ��ب قدرتها عل�� ��ى الفهم‪ .‬فإن النش�� ��ر املكثف‬ ‫ملصطلح�� ��ات مجال ما يؤدي إلى ظهور دالالت موازية لها‬ ‫عالقة بتجربة األش�� ��خاص العاديني وشعورهم‪ ،‬أكثر مما‬ ‫لها عالقة بحقيقة األشياء ذاتها‪.‬‬ ‫وبهذا املعنى فإن األشخاص العاديني تتكون لهم معرفة‬ ‫حدس�� ��ية بداللة بعض املصطلحات‪ ،‬لذا جتدهم يخلقون‪،‬‬ ‫رغبة منهم في عدم االنقطاع عن احلقائق العلمية للعالم‬ ‫وأش�� ��يائه‪ ،‬عاملاً خاصاً بهم‪ .‬ولذلك يرى «فرنسوا غودان»‬ ‫(‪ )François Gaudin‬ض�� ��رورة أن نأخ�� ��ذ بع��ي��ن االعتبار‬ ‫املضامني العلمية والثقافية للمصطلحات ويع ّبر عن ذلك‬ ‫بعبارة «تعاي�� ��ش القيم الثقافي�� ��ة واالصطالحية للكلمات‬ ‫نفس�� ��ها»‪ ،‬ذلك أن املصطلح�� ��ات تكون حامل�� ��ة ملضامني‬ ‫علمية في اخلطاب العلمي وملضامني ثقافية في اخلطاب‬ ‫التبس�� ��يطي‪ .‬ب�� ��ل إن غودان يرى أن تبس�� ��يط بعض فروع‬ ‫املعرفة ونش�� ��رها يؤدي إلى «نش�� ��ر مصطلح�� ��ات خاوية‬ ‫داللياً‪ ،‬ويتكفل العامة ببناء مفاهيم لها»‪.‬‬ ‫لقد أدى االنتش�� ��ار الهائل لوس�� ��ائل اإلعالم إلى نشر‬ ‫الثقافة العلمية في أوس�� ��اط العام�� ��ة واملثقفني العاديني‪،‬‬ ‫وإلى كس�� ��ر احتكار العلوم من قب�� ��ل مجموعة ضيقة من‬ ‫املختصني‪ .‬وال ش�� ��ك في أن املعارف‪ ،‬كما تنقلها نصوص‬ ‫تعميم العلوم‪ ،‬ذات فائدة عظيمة‪ ،‬ألنها تسهم في حتسني‬ ‫ثقافتن�� ��ا العلمي�� ��ة‪ .‬إال أن االطمئنان إل�� ��ى املعلومات التي‬ ‫تقدِّمها تلك النصوص غي�� ��ر مح ّبذ‪ ،‬ألنها تنقل جانباً من‬ ‫املعرفة العلمية فحس�� ��ب‪ ،‬وجتعلنا في منزلة وس�� ��طى بني‬ ‫اجلهل والعلم >‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 96-98.indd 98‬‬


‫ملف الشعر الفلسطيني‬

‫يرحل الشعراء ‪ ...‬ويبقى الشعر‬

‫يتناول هذا الملف مساحة التباين واالختالف في الشعر الفلسطيني‪ ،‬وتحديداً التباين‬ ‫بين الشخصية المحورية فيه‪ ،‬وهي «محمود دروي��ش»‪ ،‬وبين الشخصيات المجهولة‬ ‫والهامشية‪ .‬فبعد أن توطد اسم «محمود درويش» باعتباره أمير الشعر الفلسطيني‪ ،‬بدا‬ ‫أن أضواء المشهد تتدفق على أشعاره وقصائده‪ ،‬وتهمل أشعار معاصريه الذين طواهم‬ ‫النسيان وانحسرت عنهم األضواء‪.‬‬ ‫يحول‬ ‫لذا يحاول هذا الملف أال يسلط مزيداً من األضواء مجدداً على «محمود درويش» ‪ ،‬بل ّ‬ ‫األضواء إلى شاعرين من معاصريه الذين لم يكونوا أقل منه موهبة في قرض الشعر‪،‬‬ ‫وهما بالتحديد الشاعران الفلسطينيان سميح القاسم‪ ،‬وطه محمد علي‪.‬‬ ‫ويستطرد الملف في بحث ال��ف��وارق واالختالفات بين هذين الشاعرين‪ ،‬وبين محمود‬ ‫دروي���ش‪ ،‬م��ن حيث األس��ل��وب وم��س��ارات الحياة وال��م��وض��وع��ات ال��ت��ي اخ��ت��ار ك��ل منهم‬ ‫االنشغال بها على حساب غيرها‪ .‬ربما كان القارئ العربي على علم كاف بالشاعر سميح‬ ‫يعده كثيرون‬ ‫القاسم‪ ،‬لكنه قلما سمع عن اسم الشاعر األخير – طه محمد علي – الذي ّ‬ ‫أحد الشخصيات المجهولة في الشعر الفلسطيني‪.‬‬

‫> سميح القاسم‪ِّ :‬‬ ‫الشعر المقاوم (‪)2014 - 1939‬‬

‫د‪ .‬ميشـال جحـا‬

‫> هل أخفت شجرة درويش غابة الشعر الفلسطيني؟ محمد الغزي‬ ‫‪99‬‬

‫‪4/15/15 8:07:19 AM‬‬

‫‪may 99-108-.indd 99‬‬


‫سميح القاسم‪ِّ :‬‬ ‫الشعر المقاوم‬ ‫(‪)2014 - 1939‬‬ ‫د‪ .‬ميشـال جحـا‬

‫أكادميي من لبنان‬

‫ولد سميح الـقاسـم في بـلدة الزرقاء األردنيـة فـي ‪ 1939/5/11‬حيث كان والده‬ ‫ضابط ًا في الجيش‪ ،‬وقد رجع بعدها مع عائلته إلى بلدته الرامة التي تقع‬ ‫في قضاء عكا في فلسطين حين كان في سن مبكرة‪ ،‬وتلقى دراسته‬ ‫فأتم دراسته الثانوية‬ ‫االبتدائية في الرامة‪ ،‬ثم حدثت النكبة سنة ‪1948‬‬ ‫ّ‬ ‫بعدها في مدارس الناصرة‪ ،‬وهناك بدأ نشاطه السياسي واشتغل في‬ ‫صل منه عام ‪ 1964‬بعد صدور ديوانه الثاني «أغاني الدروب»‪،‬‬ ‫التعليم و ُف ِ‬ ‫ال��ذي حذفت السلطات منه ع���دداً م��ن القصائد ل��م تحتمل تعرضها‬ ‫شعره ومواقفه الصلبة للسجن‬ ‫المباشر لسياستها‪ ،‬وقد تعرّض بسبب ِ‬ ‫عام ‪ ،1961‬وعام ‪ 1967‬في حرب حزيران‪ ،‬ثم فرضت عليه اإلقامة الجبرية‬ ‫ف��ي ح��ي��ف��ا‪ ،‬ك���ان ع��ل��ي��ه أن‬ ‫يثبت وج���وده مرتين في‬ ‫النهار لدى مركز البوليس‬ ‫وأخ����ي����راً أج��ب��ر ع��ل��ى ل���زوم‬ ‫وحظر عليه مغادرته‬ ‫بيته ُ‬ ‫ب��ع��د ال��س��اع��ة السادسة‬ ‫م���س���اء‪ ...‬ت��ح��ول الشعر‬ ‫ع���ن���د ال����ش����اع����ر سميح‬ ‫ال���ق���اس���م ع����ن ال���ن���دب‬ ‫وال����ب����ك����اء إل������ى شعر‬ ‫م���ق���اوم‪ ،‬ف��ه��و خ��ي��ر من‬ ‫يمثل شعر المقاومة‪.‬‬

‫‪100‬‬

‫‪4/15/15 10:23:12 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 99-108-.indd 100‬‬


‫ملف‬

‫سميح القاسم في أحد احملافل الشعرية‬

‫أصبح سميح القاسم في ديوانه‬ ‫«دخان البراكني»‪ ...‬الش� � ��اعر الذي‬ ‫هم‬ ‫يحم� � ��ل ه َّم األجيال‪ ،‬فما عاد له ٌّ‬ ‫خاص‪ ،‬إال من خالل هموم األجيال‪،‬‬ ‫وم� � ��ا عاد له ن� � ��وازع فردي� � ��ة إال من‬ ‫خالل النوازع اجلماعية!‬ ‫وهو ش� � ��اعر لم تستطع سلطات‬ ‫االحت� �ل��ال اإلس� � ��رائيلي أن تكس� � ��ر‬ ‫ش� � ��وكته وحت ّد من صموده‪ .‬كما هو‬ ‫ثال� � ��ث ثالثة أقاموا للش� � ��عر العربي‬ ‫احلديث في األرض احملتلة منارات‬ ‫مضيئة‪ ،‬وهم‪ :‬توفيق ز ّياد وس� � ��ميح‬ ‫القاسم ومحمود درويش‪.‬‬ ‫أح � � �ب� � ��ا ُب � � �ن� � ��ا خ � � �ل� � � َ‬ ‫�دود‬ ‫�ف احل� � � � � � ِ‬ ‫ً‬ ‫قمحهم‬ ‫�ن‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫م‬ ‫�ة‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ب‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ح‬ ‫ن‬ ‫�رو‬ ‫�‬ ‫ظ‬ ‫ي� �ن� �ت� �‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫وق� �ط ��ر ًة م ��ن زي � ِ�ت� �ه ��م‪ ...‬ويسألون‬ ‫�ف ح � � � � ُ‬ ‫ك� � �ي � � َ‬ ‫�ال ب� �ي� �ت� �ن ��ا ال� �ت ��ري ��ك‬ ‫َ‬ ‫نعود؟‬ ‫وكيف وجهُ‬ ‫األرض‪ ...‬هل يعرفنا إذا ُ‬ ‫ِ‬ ‫ي � � � � � � � � � � � � � ��ا وي� � � � � � � � � �ل� � � � � � � � � �ن � � � � � � � � ��ا‪..‬‬ ‫ح� � �ط � ��ام ش� � �ع � � ٍ�ب الج� � � ��ئ ش� ��ري� � ْ�د‬ ‫ي� ��ا وي� �ل� �ن ��ا م� ��ن ع� �ي� �ش � ِ�ة العبيد‬ ‫ف� � �ه � ��ل ن� � � �ع�� � ��ود؟ ه�� � ��ل ن � � �ع� � ��ود؟!‬ ‫أسس منظمة «الشباب الدروز األحرار» للتصدي‬ ‫لقان� � ��ون التجنيد اإلس� � ��رائيلي وانض� � ��م إلى احلزب‬ ‫الشيوعي في إسرائيل عام ‪.1967‬‬ ‫سميح القاسم‪ِّ :‬‬ ‫الشعر املقاوم‬ ‫‪4/15/15 8:07:47 AM‬‬

‫وجت� � ��در اإلش� � ��ارة هن� � ��ا إلى أن‬ ‫انخراط الشعراء العرب في فلسطني‬ ‫احملتل� � ��ة‪ ،‬وكذل� � ��ك بع� � ��ض األدب� � ��اء‬ ‫واملثقف� �ي��ن‪ ،‬في احلزب الش� � ��يوعي‬ ‫في إس� � ��رائيل ليس نابعاً عن إميان‬ ‫بالعقي� � ��دة الش� � ��يوعية املاركس� � ��ية‪،‬‬ ‫ولكن ألن� � ��ه احل� � ��زب الوحيد الذي‬ ‫يسمح بانضمام العرب إلى صفوفه‬ ‫وممارسة نضالهم السياسي‪ ،‬فكانوا‬ ‫يدافعون عن قضيتهم الوطنية حتت‬ ‫مظلة هذا احلزب‪.‬‬

‫جدل الواقع واألسطورة‬

‫بدأ كتابة الش� � ��عر في الثانية عش� � ��رة من عمره‪،‬‬ ‫واص� � ��ل رحلة املعان� � ��اة والعطاء في من� � ��اخ االحتالل‬ ‫اإلسرائيلي املش َّبع باالضطهاد والعنصرية واإلرهاب‪.‬‬ ‫يصف عملية معاناة القصيدة وإبداعها فيقول‪« :‬في‬ ‫مجرى احلياة تتراكم في النفس جزيئات من مشاهد‬ ‫وومضات ش� � ��عورية‪ ،‬وف� � ��ي وقت مع� �ّي��نّ يتحول هذا‬ ‫التراكم إلى ما يش� � ��به غليان النب� � ��ع قبل انفجاره من‬ ‫باطن األرض‪.‬‬ ‫�دي أن تأتي القصي� � ��دة على مراحل‪،‬‬ ‫ويندر ل� � � ّ‬ ‫فهي في أغلب األحيان تأتي بشكل متدفق يذهب‬ ‫مباش� � ��رة إلى اجلمهور‪ .‬ولع ّل هذا ما يعنيه بعض‬ ‫لدي في‬ ‫النق� � ��اد‪ ،‬حيث يتحدث� � ��ون عن‬ ‫«التعج� � ��ل» ّ‬ ‫ّ‬ ‫‪101‬‬

‫‪may 99-108-.indd 101‬‬


‫تقدمي القصيدة‪ ،‬وهم على حق‪ ،‬فأنا ال أبذل جهداً‬ ‫كبيراً وقد ال أبذل أي جهد إلعادة صوغ القصيدة‪،‬‬ ‫وأحترم عفويتها املطلقة»‪.‬‬ ‫وال ب� � ��أس أن نقف حلظة عن� � ��د قصيدته املطولة‬ ‫« ِإ َر ْم» وهي في في سبعة أناشيد‪ .‬و ِإ َر ْم في األساطير‬ ‫القدمية أن ش � � � ّداد بن عاد عندما بسط سلطانه على‬ ‫الدنيا بأسرها حشد عباقرة املخططني‪ ،‬فنفذوا أمره‬ ‫بتشييد مدينة ذهب ّية جدرانها مطلية باملسك والعنبر‪،‬‬ ‫ويحيط بها س� � ��ور مم ّوه بالذهب‪ ،‬حيث أصبحت غير‬ ‫مرئية من شدة وهج الضوء املنعكس عنها‪ .‬ولكن أهالي‬ ‫هذه املدينة استرسلوا في شهواتهم وملذاتهم فغضب‬ ‫الله عليهم‪ .‬وقد جاء في القرآن الكرمي خبرها‬ ‫�ف َف َع � َ�ل َر ُّب � َ‬ ‫{أَ َل � ْ�م َت� � َر َك ْي � َ‬ ‫�ك ِب َع � ٍ�اد‪ِ )6( ‬إ َر َم َذ ِات‬ ‫ُ‬ ‫اَ‬ ‫َ‬ ‫ال ِْع َم � ِ�اد‪ )7( ‬ال َِّت ��ي َل � ْ�م ُي ْخل ��قْ ِم ْثل َها ِفي ال ِْب�َل� ِد}‪)8( ‬‬ ‫(سورة الفجر‪ 6 :‬و‪ 7‬و‪.)8‬‬ ‫ولكن الشاعر أراد إعادة بناء‬ ‫« ِإ َرم» جديدة فاضلة يعيش سكانها‬ ‫بهناء ورغد‪.‬‬ ‫فالشاعر ال يستسلم‪ ،‬بل يقاوم‬ ‫ويناضل حتى آخ� � ��ر رمق‪ ،‬ويواجه‬ ‫قدره دون خوف أو وجل‪ .‬يقول‪:‬‬ ‫يا عدو الشمس لكن لن أساوم‬ ‫وإلى آخر نبض في عروقي‬ ‫سأقاوم!‬ ‫وأقاوم!‬ ‫وأقاوم!‬ ‫والش�� ��اعر يحمل دمه على كفه‪،‬‬ ‫وهو ق�� ��د جعل عنوان أح�� ��د دواوينه‬ ‫«دمي على كفي»‪.‬‬ ‫وف�� ��ي س�� ��نة ‪ 1958‬اعتقلت�� ��ه‬ ‫إسرائيل‪.‬‬ ‫يلجأ الشاعر سميح القاسم إلى‬ ‫اس�� ��تخدام قناع «الصقر» في شعره‬ ‫الذي يع ّبر عن موقف سياسي‪.‬‬ ‫كما أن قناع «أيوب» املس�� ��توحى‬ ‫م�� ��ن املس�� ��يحية واإلس��ل��ام يع ّبر عن‬ ‫الرجل الذي يُضرب املثل باآلالم التي‬ ‫الزمته‪ .‬وهن�� ��ا يصبح «أي�� ��وب» رمزاً‬ ‫‪102‬‬

‫‪4/15/15 8:07:50 AM‬‬

‫لفلسطني وللشعب الفلسطيني الذي يعاني آالم االحتالل‬ ‫اإلسرائيلي والتنكيل الذي يتعرض له منذ سنة ‪ 1948‬وما‬ ‫قبل ذلك وقبل قيام دولة إسرائيل‪.‬‬ ‫يقول الشاعر في إحدى قصائده‪:‬‬ ‫قلت لي ‪ -‬أذكر ‪-‬‬ ‫من أي قرار‬ ‫صوتك املشحون حزن ًا وغضب‬ ‫قلت يا حبي‪ ،‬من زحف التتار‬ ‫وانكسارات العرب!‬ ‫قلت لي‪ :‬في أي أرض حجرية‬ ‫بذرتك الريح من عشرين عام‬ ‫قلت‪ :‬في ظل دواليك السبية‬ ‫وعلى أنقاض أبراج احلمام!‬ ‫قلت‪ :‬في صوتك نار وثنية‬ ‫قلت‪ :‬حتى تلد الريح الغمام‬ ‫جعلوا جرحي دواة‪ ،‬ولذا‬ ‫فأنا أكتب شعري بشظية‪.‬‬

‫قلم سميح ال�ق��اس��م ومسدس‬ ‫ياسر عرفات‬ ‫ف� � ��ي ش� � ��عر س� � ��ميح تزدح� � ��م‬ ‫موضوعات الغربة‪ ،‬احل� � ��ب‪ ،‬ال َب َرم‬ ‫بالعيش حتت ضغ� � ��وط االحتالل‪،‬‬ ‫وه� � ��و برم ال يقود إل� � ��ى اليأس‪ ،‬بل‬ ‫إل� � ��ى التمرد واملقاوم� � ��ة‪ .‬واملوضوع‬ ‫املاثل أب� � ��داً هو فلس� � ��طني‪ ،‬الوطن‬ ‫احملبوب والوطن الضائع‪ ،‬واحلنني‬ ‫الدائم لالنتماء إلى الوطن العربي‬ ‫والتشبث بجذوره‪.‬‬ ‫رمبا كانت «قصيدة االنتفاضة»‬ ‫م� � ��ن أش� � ��هر م� � ��ا ميث� � ��ل مقاوم� � ��ة‬ ‫الفلس� � ��طيني لالحت� �ل��ال‪ ،‬على ما‬ ‫فيه� � ��ا م� � ��ن بس� � ��اطة العب� � ��ارة التي‬ ‫تتحدى شعر املنابر‪:‬‬ ‫تقدموا!‬ ‫تقدموا َّ‬ ‫َّ‬ ‫كل سماء فوقكم جهنم‬ ‫وكل أرض حتتكم جهنم‬ ‫تقدموا‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 99-108-.indd 102‬‬


‫ملف‬

‫اعتبر شعره شعر مقاومة بامتياز‬

‫القاسم مع درويش‬

‫ُ‬ ‫الطفل والشيخ‬ ‫ميوت منا‬ ‫يستسلم‬ ‫وال‬ ‫ُ‬ ‫وتسقط األم على أبنائها القتلى‬ ‫تستسلم‪...‬‬ ‫وال‬ ‫ُ‬ ‫لن تكسروا أعماقنا‬ ‫لن تهزموا أشواقنا‬ ‫وقصيدته «مرف� � ��وع القامة أمش� � ��ي» التي يغنيها‬ ‫مارسيل خليفة قصيدة مش� � ��هورة تص ّور روح املقاومة‬ ‫والتحدي التي يبثها الشاعر في قصائده‪.‬‬ ‫وه� � ��و كان ينتمي ‪ -‬مثل الش� � ��عراء الفلس� � ��طينيني‬ ‫محمود درويش وتوفيق ز ّياد وسالم جبران وآخرين ‪-‬‬ ‫إلى حزب «راكاح»‪ ،‬أي احلزب الشيوعي اإلسرائيلي‪،‬‬ ‫وقد استفادوا من احتكاكهم بعناصر تقدمية يهودية‪.‬‬ ‫قال الشاعر سميح القاسم في سنة ‪ 1999‬عندما كان‬ ‫يتسلّم جائزة ثقافية في احتفال بجامعة بيت حلم بحضور‬ ‫ياسر عرفات‪« :‬والله يا أبو عمار‪ ،‬لو وجدنا فيك اعوجاجاً‬ ‫لقومناه بأقالمنا»‪ .‬فما كان من ياس�� ��ر عرفات إال أن نادى‬ ‫حارسه وقال له‪« :‬هات مسدسك»‪ .‬ثم تناول املسدس وسار‬ ‫نحو س�� ��ميح القاس�� ��م وقدمه له قائ ً‬ ‫ال‪« :‬م�� ��ش بالقلم بس‪.‬‬ ‫باملسدس كمان‪ ,‬خذه‪ .‬خذ هذا املسدس واقتلني إذا وجدت‬

‫في اعوجاجاً»‪ .‬وأمام دهش�� ��ة احلاضرين‪ ،‬وذهول س�� ��ميح‬ ‫ّ‬ ‫القاسم عانقه ياسر عرفات وق ّبله مراراً على عادته‪.‬‬ ‫وهو يقول إن لقب «شعراء املقاومة» الفلسطينيني أخذ‬ ‫من قصيدته «سأقاوم»‪.‬‬ ‫وهو لم يقاوم إس�� ��رائيل في ش�� ��عره‪ ،‬ب�� ��ل قاوم مرض‬ ‫سرطان الكبد الذي أودى به‪ .‬وهو لم يخف من املوت‪ ،‬لكنه‬ ‫أراد أن ميوت بفرح‪.‬‬ ‫ف�� ��ي مجموعت�� ��ه «ال أس�� ��تأذن أحداً» يق�� ��ول في مطلع‬ ‫قصيدة «النبوءة األخيرة»‪:‬‬ ‫جتتاز باب ًا سابع ًا‬ ‫وصمت‬ ‫لتموت في فرح‬ ‫ِ‬ ‫وأنا أكون هناك‬ ‫مبتهج ًا رسولي ًا مبوتي‪.‬‬ ‫ش�� ��عر سميح القاس�� ��م س�� ��هل‪ ،‬وكلماته مألوفة وعامية‬ ‫أحيان� � �اً‪ .‬متأثر باألناش�� ��يد الوطنية ولغته مباش�� ��رة مملوءة‬ ‫والتمسك بأرض فلسطني‪.‬‬ ‫بالغضب والتحدي‬ ‫ُّ‬ ‫لق�� ��د حمل مع محم�� ��ود درويش القضية الفلس�� ��طينية‬ ‫وحملتهما‪.‬‬ ‫وهكذا س� � ��يبقى الش� � ��اعر س� � ��ميح القاسم أحد‬ ‫فرسان الشعر الفلسطيني >‬

‫سميح القاسم‪ِّ :‬‬ ‫الشعر املقاوم‬ ‫‪4/15/15 8:07:54 AM‬‬

‫‪103‬‬

‫‪may 99-108-.indd 103‬‬


‫هل أخفت شجرة درويش‬ ‫غابة الشعر الفلسطيني؟‬ ‫محمد الغزي‬

‫شاعر وأكادميي من تونس‬

‫الشعري‪،‬‬ ‫ب��دأ المثقفون الفلسطينيون يعيدون النظر في مشهدهم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ظل هيمنة‬ ‫ويس ّلطون الضوء على بعض األص��وات التي «خفتت» في‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تقل جرأة‬ ‫تقل قيمة عن الشاعر الراحل‪ ،‬وال‬ ‫دروي��ش الشعريّة‪ .‬أص��وات ال‬ ‫وإبداع ًا لكنها ظ ّلت مغ ّيبة لعقود طويلة‪.‬‬

‫ما رأيته م‬ ‫رقوم ًا على شاهدي‬ ‫في با ِ‬ ‫حة أح ِد كوابيسي‪:‬‬ ‫«هنا يرق ُد امر ٌؤ‬ ‫حاول عبث ًا‬ ‫أن يضي َ‬ ‫ف خي َ‬ ‫اع‬ ‫ط شع ٍ‬ ‫إلى الشمس!»‬

‫‪104‬‬

‫‪4/15/15 8:07:58 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 99-108-.indd 104‬‬


‫ملف‬

‫طه محمد علي يلقي شعر ًا من قصائده التي جمعت بني كينونة الشعر وصيرورة القص‬

‫ه������ذه املراجع������ة ال تعني التهوي������ن من قيمة‬ ‫الش������اعر محمود درويش بقدر ما تعني إنصاف‬ ‫هذه األص������وات الت������ي ظلمها حضور الش������اعر‬ ‫الغام������ر فظلّت منكفئ������ة في الظ������ ّل‪ ،‬بعيدة عن‬ ‫صخب املهرجانات‪ ،‬وضجيج االحتفاالت‪ .‬حتيا‬ ‫الشعري الفلسطيني‪ ،‬ليس‬ ‫على أطراف املشهد‬ ‫ّ‬ ‫له������ا إال عدد ضئي������ل من الق ّراء‪ ،‬بعد أن س������طا‬ ‫درويش على اجلمهور‪ ،‬ك ّل اجلمهور‪.‬‬ ‫ه������ذه األص������وات كانت‪ ،‬عل������ى عكس صوت‬ ‫وربا هامسة‪ ،‬تقترب‬ ‫درويش‪ ،‬ذات نبرة خافتة‪ ،‬مّ‬ ‫أحيان������اً م������ن الصمت‪ .‬أس������ئلتها أس������ئلة الكائن‬ ‫املجروح تختنق اللغة في حنجرته فال يصدر إال‬ ‫بع������ض الكلمات القليلة املتناثرة‪ .‬الش������ك في أن‬ ‫فلس������طني حاضرة في هذه األصوات املرجتفة‪،‬‬ ‫لكن في ش������كل صور غائم������ة‪ ،‬غامضة في هيئة‬ ‫أل������وان وأصوات باهت������ة‪ .‬لقد حت ّول������ت‪ ،‬أقصد‬ ‫فلسطني‪ ،‬إلى خيط في نسيج القصيد املعقّد‪...‬‬ ‫حتى ال تكاد تظهر أو تبني‪.‬‬ ‫هل أخفت شجرة درويش غابة الشعر الفلسطيني؟‬ ‫‪4/15/15 8:08:03 AM‬‬

‫شعراء فلسطينيون يحتجون على الظل العالي لدرويش‬ ‫يق ّر الشاعر الفلس������طيني مازن معروف بأن‬ ‫درويش‪ ،‬ه������ذه النحلة األكثر طنين������اً في القفير‬ ‫الفلس������طيني‪ ،‬حس������ب عبارته‪ ،‬كانت حتتاج إليه‬ ‫القضية الفلس������طينية إعالمياً وسياسياً‪ ...‬فهو‬ ‫سدوا به‬ ‫قدر رمزي بالنس������بة إلى الفلسطينيني ّ‬ ‫فراغ������اً مهوالً «هكذا وجدنا أنفس������نا ومهما كان‬ ‫خ������ط الرحلة مس������تقيماً أو معوج������اً قد وضعنا‬ ‫وجهاً لوج������ه أمام قصيدة دروي������ش‪ ...‬كانت كل‬ ‫املمرات تفض������ي إلى جملة كتبها أو عبارة تركها‬ ‫مذ ّيلة بتوقيع������ه أو مقابلة تلفزيون ّية أو تكرمي أو‬ ‫احتفاء أو قصيدة أو كتاب‪ »...‬هكذا مأل درويش‬ ‫فلس������طني وش������غل أهلها حتى أنهم تناسوا بقية‬ ‫ش������عرائهم‪ ،‬فيما رفعوا درويش إلى مقام الرمز‬ ‫وح ّولوه إلى س������لطة‪ .‬وككل س������لطة انعقد حوله‬ ‫إجماع وبات محل احتفاء اجلميع س������واء أدركوا‬ ‫قيمة شعره أم لم يدركوا‪.‬‬ ‫له������ذه األس������باب أخ������ذ بع������ض املثقف���ي��ن‬ ‫‪105‬‬

‫‪may 99-108-.indd 105‬‬


‫الفلس������طينيني‪ ،‬بعد وف������اة دروي������ش‪ ،‬يتململون‪،‬‬ ‫ويدعون إلى إعادة ترتيب املشهد الفلسطيني‪...‬‬ ‫فس������لطة دروي������ش‪ ،‬وإن لم تنت������ه بوفاته‪ ،‬ارتخت‬ ‫قبضته������ا‪ ...‬وميك������ن لهؤالء الش������عراء‪ ،‬اآلن‪ ،‬أن‬ ‫يرفعوا أصواته������م باالحتجاج على األمير‪ ،‬الذي‬ ‫بس������ط عليهم ظلّه العالي سنوات عدة‪ .‬إن هؤالء‬ ‫الش������عراء أصبحوا يجاهرون مب������ا كان يتهامس‬ ‫كثي������رون به خلس������ة ووراء األب������واب املوصدة‪...‬‬ ‫فلس������طني ليس������ت لوناً واحداً أو صوتاً واحداً‪،‬‬ ‫وإمنا هي ألوان متكاثرة وأصوات متعددة‪ ...‬وال‬ ‫ميكن لش������جرة مهما يكن ارتفاعها أن تغطي كل‬ ‫أشجار الغابة‪ .‬كل ألوان قوس قزح‪.‬‬ ‫ه������ل هي ثورة األبن������اء على س������لطان اآلباء‪،‬‬ ‫يريدون‪ ،‬بعد أن ش������ ّبوا على الطوق‪ ،‬أن يقتسموا‬ ‫معهم غنائم احلضور والشهرة؟‬ ‫لكن حضور دروي������ش لم يغمط حقّ‬ ‫ربمّ ������ا‪ّ ...‬‬ ‫الش������عراء الش������باب‪ ،‬بل غمط حقّ مجايليه من‬ ‫الشعراء‪ ...‬ويش������ير كثير من املثقفني على وجه‬ ‫اخلصوص إلى الشاعر طه محمد علي‪.‬‬ ‫أنا على يق���ي��ن بأن قلة قليلة م������ن املثقفني‪،‬‬ ‫‪106‬‬

‫‪4/15/15 8:08:08 AM‬‬

‫خارج فلسطني‪ ،‬قد سمعت بهذا االسم أو قرأت‬ ‫قصائد هذا الش������اعر‪ ،‬مع أن ط������ه محمد علي‬ ‫شاعر ذائع الصيت في الواليات املتحدة وأوربا‪،‬‬ ‫ُقرئ ف������ي أهم اجلامع������ات العاملي������ة‪ ،‬وتُرجمت‬ ‫قصائده إلى أكثر من عشر لغات‪ ،‬واعتُبر واحداً‬ ‫من أفضل مائة شاعر في القرن العشرين‪ ،‬هذا‬ ‫الشاعر الذي «ح ّرر الشعر الفلسطيني من شبح‬ ‫درويش»‪ ،‬حسب عبارة الشاعر الفلسطيني مازن‬ ‫معروف‪ ،‬قد ع������اش ومات في صمت‪ ،‬لم تُقم له‬ ‫املؤسسات الثقافية العربية‪ ،‬في حياته‪ ،‬أي ندوة‬ ‫فكرية تقرأ شعره قراءة جا ّدة‪ ،‬ولم تنظم له بعد‬ ‫موت������ه حفل تأبني تذ ّكر مبس������اهمته املتميزة في‬ ‫إجناز قصيدة فلسطينية‪ ،‬بل أقول عربية‪ ،‬حديثة‬ ‫ومتط������ ّورة‪ ...‬فظ ّل الرجل لم يكن عالياً‪ ،‬كما هو‬ ‫الش������أن بالنس������بة إلى ظ ّل محمود درويش‪ ،‬لهذا‬ ‫كانت إقامته في األرض خفيفة كغيمة عابرة‪.‬‬ ‫كان ط������ه محمد علي مختلفاً عن درويش في‬ ‫كل شيء‪ ،‬خلقة وش������عراً ورؤية للعالم واألشياء‪،‬‬ ‫ف������إذا كان لدروي������ش وس������امة األم������راء وممثلي‬ ‫هوليوود‪ ،‬فإن لطه صرامة الفالح الفلس������طيني‬ ‫وصالبة قس������ماته‪ :‬وج������ه حفرت������ه األخاديد‪...‬‬ ‫وظهر محدودب‪ ،‬وفك بارز‪ ،‬درويش يذ ّكرني في‬ ‫قس������ماته‪ ،‬بآالن ديلون املمثل الفرنسي املعروف‪،‬‬ ‫أما طه فيذ ّكرني بأنطوني كوين املمثل األمريكي‬ ‫املشهور‪.‬‬

‫زمانان بعيدان‬

‫أ ّما في مجال الكتاب������ة فالفرق واضح‪ ...‬إذ‬ ‫كان ط������ه يحرث في أرض أخ������رى غير التي كان‬ ‫يحرثها ش������اعر «عاشق من فلس������طني»‪ ...‬لهذا‬ ‫ال جن������د أي أثر لتجربة درويش في ش������عره‪ ،‬كما‬ ‫ال جن������د أي أثر لتجربة طه في ش������عر درويش‪،‬‬ ‫لكأنهما كانا يعيشان في مكانني مختلفني‪ ،‬وفي‬ ‫زمانني متباعدين‪.‬‬ ‫لكن قبل اخلوض في شعر طه نريد أن نتع ّرف‬ ‫إل� � ��ى حياته التي ال تق ّل إثارة عن ش� � ��عره‪ُ .‬ولد هذا‬ ‫الشاعر في قرية صفورية وهي إحدى قرى اجلليل‬ ‫التي د ّمرها الكيان الصهيوني وش ّرد أهلها وح ّولهم‬ ‫إلى الجئني في بالد عربية كثيرة‪ .‬انتقلت أس� � ��رته‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 99-108-.indd 106‬‬


‫ملف‬

‫بعد االحتالل اإلس� � ��رائيلي‪ ،‬إلى لبنان لتستقر في‬ ‫أحد املخ ّيمات‪ ،‬لكنها سرعان ما عادت إلى الناصرة‬ ‫لتسكن على تخوم املدينة قريباً من صفورية‪ ،‬ترقب‬ ‫من بعيد بس� � ��اتينها وأط� �ل��ال منازلها‪ ،‬كان اخلروج‬ ‫من هذه القري� � ��ة هو اجلرح الغائر الذي ظ ّل ينزف‬ ‫ف� � ��ي كل قصائد طه من غير أن يتم ّكن من تضميده‬ ‫أو نس� � ��يانه‪ ...‬ل� � ��م ينس الش� � ��اعر‪ ،‬حلظة خروجه‪،‬‬ ‫احلرائق التي كانت تلتهم األشجار والبيوت وتراث‬ ‫والده‪ ،‬ولم ينس الرحلة إلى لبنان وزخات الرصاص‬ ‫اإلسرائيلي تطارد أسرته‪ ،‬ولم ينس مغامرة العودة‬ ‫إل� � ��ى الناصرة وهو يقطع األودي� � ��ة ويصعد اجلبال‬ ‫ملخاتلة العدو اإلس� � ��رائيلي‪ ،‬كل هذه األحداث التي‬ ‫وش� � ��مت ذاكرة الش� � ��اعر حت ّولت ف� � ��ي قصائده إلى‬ ‫ص� � ��ور ورموز وأقنع� � ��ة‪ ،‬يقول طه‪« :‬إن� � ��ي أكتب عن‬ ‫الطفولة ومدارج الصبا وصفورية‪ ،‬صفورية التراب‬ ‫الذي المس جسدي‪ ،‬فهذه القرية هي التي صنعت‬ ‫مني شاعراً»‪.‬‬

‫قصيدة نثرية تستلهم «ماريو» و«املاغوط»‬

‫لم يتمكن طه بعد هذه الس������نوات املضطربة‬

‫هل أخفت شجرة درويش غابة الشعر الفلسطيني؟‬ ‫‪4/15/15 8:08:11 AM‬‬

‫من االلتح������اق مبقاعد الدراس������ة‪ ،‬فاختار دكاناً‬ ‫قرب كنيسة البشارة في مدينة الناصرة‪ ،‬واشتغل‬ ‫ببيع التحف والصور التذكارية‪ .‬قال الشاعر قبل‬ ‫وفاته بقليل «من خمسينيات القرن املاضي وحتى‬ ‫اآلن وأنا موجود في مدرسة (يعني الدكان الذي‬ ‫يش������تغل فيه) لن أخرج منه������ا إال للقبر‪ ...‬ال مت ّر‬ ‫فترة من دون أن أكتسب شيئاً من اللغتني العربية‬ ‫واإلجنليزي������ة‪ ...‬ومكتبتي تتكون من أعمال كتبت‬ ‫بهات���ي��ن اللغت���ي��ن‪ ،‬فمثلما أحفظ قصي������دة كاملة‬ ‫المرئ القيس أو للمتنب������ي‪ ،‬فأنا أحفظ قصيدة‬ ‫كاملة للش������اعر اإلجنليزي كريستوفر مارلو‪.»...‬‬ ‫�����ن الثامنة قرأت‬ ‫ويضي������ف‪« :‬عندما كنت في س� ّ‬ ‫أل������ف ليلة وعنترة وتغريبة بني هالل‪ ...‬إن احملل‬ ‫الذي أشتغل فيه س������اعدني كثيراً على املطالعة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫متقطعة»‪.‬‬ ‫فالس ّياح يأتون على فترات‬ ‫كتب ط� � ��ه قصي� � ��دة النث� � ��ر م� � ��ن دون أن يكلّف‬ ‫نفس� � ��ه مؤون� � ��ة البح� � ��ث عن س� � ��ند ف ّن� � ��ي أو فكري‬ ‫يعض� � ��ده ويز ّكيها‪ ...‬رمبا كتبها بتأثير مباش� � ��ر من‬ ‫الش� � ��عر اإلجنلي� � ��زي الذي أقبل عل� � ��ى قراءته بحب‬ ‫وش� � ��غف كبيرين‪ ،‬أو ربمّ ا كتبها بتأثير من ش� � ��عراء‬ ‫‪107‬‬

‫‪may 99-108-.indd 107‬‬


‫ملف‬

‫قصي� � ��دة النثر الع� � ��رب‪ ،‬وبتأثير م� � ��ن املاغوط على‬ ‫وج� � ��ه اخلصوص‪ ،‬لكن ه� � ��ذا ال يعني أن الش� � ��اعر‬ ‫قد استنس� � ��خ التجارب التي اطل� � ��ع عليها‪ ...‬كال‪...‬‬ ‫فطه حفر طريقه في أرض الشعر كما يحفر النهر‬ ‫مجراه من دون محاذاة أو محاكاة أو تقليد‪ ...‬فك ّل‬ ‫من يقرأ قصائد طه يلح� � ��ظ أن قصيدة النثر التي‬ ‫كتبها قصيدة مختلفة عن القصائد التي عرفها‪...‬‬ ‫قصيدة حديثة متط ّورة تدل‪ ،‬كما قال أحد الشعراء‪،‬‬ ‫«على ثقافة ش� � ��عرية عالية‪ ،‬ومش� � ��غولة‪ ،‬في الوقت‬ ‫عفوي كأمنا هو عفو اخلاطر»‪ ،‬قصيدة‬ ‫ذاته‪ ،‬بأداء‬ ‫ّ‬ ‫«عذبة‪ ،‬طفول ّية‪ ،‬مجروح� � ��ة تقول املعنى األكثر في‬ ‫اللفظ األقل على ح ّد عبارة النقّاد القدماء‪ .‬أضف‬ ‫إلى ذلك أنها قصيدة احت� � ��وت‪ ،‬في األغلب األع ّم‪،‬‬ ‫عل� � ��ى بنية حكائ ّية جعلتها أقرب ما تكون إلى كناية‬ ‫موسعة‪ ،‬تلوح للواقع من دون أن تذوب فيه»‪.‬‬ ‫يقول في قصيدته «حتذير!»‪:‬‬ ‫إلى هواة الصيد‬ ‫ُ‬ ‫وشداة القنص!‬ ‫غداراتكم‬ ‫ال‬ ‫تصوبوا ّ‬ ‫ِّ‬ ‫إلى فرحي!‬ ‫فهو ال يساوي ثمن اخلرطوشة‬ ‫ُبدد باجتاهه!) فما ترونه‪:‬‬ ‫(ت َّ‬ ‫أنيق ًا وسريع ًا كغزال‬ ‫ويفر في كل اجتاه‬ ‫ّ‬ ‫كديك حجل‬ ‫ليس فرح ًا!‬ ‫‪108‬‬

‫‪4/15/15 10:34:28 AM‬‬

‫صدقوني‪:‬‬ ‫فرحي‪/‬‬ ‫ال عالقة له بالفرح‪.‬‬ ‫ويقول في قصيدته «حلم»‪:‬‬ ‫فيما مضى‬ ‫كنت أرى في احللم‬ ‫‪/‬أنّك راحلة‬ ‫فيخنقني األسى‬ ‫وألنّ ذلك كان حلم ًا‬ ‫كنت أستيقظ وأفرح‬ ‫وميأل القمح الظهيرة‬ ‫وأنت كنت األسى وأنت كنت الفرح‬ ‫أما اآلن فإنّني أحلم أنّك قادمة‬ ‫ّ‬ ‫فأفرح‬ ‫وأستيقظ ألدرك أنّ ذلك كان حلم ًا‬ ‫‪/‬فيخنقني األسى‬ ‫وميأل الشوق الغسق‪...‬‬ ‫معظم قصائد طه جمعت بني كينونة الشعر‬ ‫القص‪ ،‬فالشاعر ظ ّل يسرد ويغنّي في‬ ‫وصيرورة‬ ‫ّ‬ ‫آن‪ ،‬يسترفد مناخات احلكاية في بناء القصيدة‬ ‫من غير أن يتخلّى عن طقوس الش������عر وقوانينه‬ ‫األسلوب ّية واإليقاع ّية‪.‬‬ ‫توفي مجنون صفورية بعيداً عن األرض التي‬ ‫أحب ف������ي ‪ 2‬أكتوبر ‪ ،2011‬ت������اركاً وراءه أعماالً‬ ‫ّ‬ ‫شعرية مهمة تنتظر من الباحثني والنقّاد العرب‬ ‫أن ينعطفوا عليها بالنظر والتأ ّمل >‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 99-108-.indd 108‬‬


‫شخصيات‬

‫محمد عيتاني‪...‬‬ ‫الرواية األجمل لبيروت العتيقة‬ ‫علَبي‬ ‫د‪.‬أحمد ُ‬

‫أديب وباحث من لبنان‪.‬‬

‫يكتب ال��ص��دي��ق محمد‬ ‫إلي في عام‬ ‫عيتاني ّ‬ ‫‪ ،1952‬خ��ل��ال إح����دى‬ ‫رس��ائ��ل��ه‪ :‬وأع���ت���رف أن‬ ‫كتب «االشتراكية»‬ ‫و«ال����ف����وض����وي����ة»‬ ‫و«ال�������وج�������ودي�������ة»‬ ‫و«ك�����ارل م��ارك��س»‬ ‫و«ق����ص����ص م��خ��ت��ارة‬ ‫من األدب الهندي»‪...‬‬ ‫إل��خ‪ ،‬ومنها م��ا س ّلمته‬ ‫ل����ل����م����ط����ب����ع����ة ف�����ع� ً‬ ‫�ل��ا‪،‬‬ ‫وم����ن����ه����ا م�����ا ت��������راه ف��ي‬ ‫��ودات���ي‪،‬‬ ‫دف���ات���ري وم���س� ّ‬ ‫وك��ث��ي��ر م���ن المشاريع‬ ‫ال��ت��أل��ي��ف��ي��ة‪ ،‬المترجمة‬ ‫والموضوعة‪ ...‬أعترف‬ ‫ب��أن��ه��ا ك��ل��ه��ا مبادئ‬ ‫أولية ال أكتبها بدافع‬ ‫ال��ت��ع��م��ي��ق‪ ،‬أو إع��ط��اء‬ ‫النظريات‪ ،‬أو بدافع مزاج‬ ‫ق���د ي��خ��ت��ل��ف ك���ث���ي���راً عن‬ ‫ن��وع��ه��ا وط��ري��ق��ة تناولها‪،‬‬ ‫ب��ل ه��ي ك��ت��ب ُوض��ع��ت لتنفع‬ ‫ال��ن��اس‪ .‬إذا نفعت‪ ،‬وإذا ك��ان للكلمة‬ ‫قيمة في هذه األرض التي كانت خاملة أجيا ً‬ ‫ال‪.‬‬

‫محمد عيتاني‪ ...‬الرواية األجمل لبيروت العتيقة‬ ‫ّ‬ ‫‪4/15/15 11:43:29 AM‬‬

‫‪109‬‬

‫‪may 109-115.indd 109‬‬


‫إصداران حملمد عيتاني ‪ ...‬ورسم له بريشة ناجي ينشر للمرة األولى‬

‫أما مش� � ��اريع الكتب الضخمة‪ ،‬الكتب التي توضع‬ ‫خدمة ملآرب فكري� � ��ة عليا‪ ،‬ولث� � ��ورة اجتماعية واقعية‬ ‫(مس� � ��تم ّدة من صميم أعماق الش� � ��عب وحركته وتط ّور‬ ‫قضاي� � ��اه)‪ ،‬الكتب الت� � ��ي ال تع ّبر عن رأي ه� � ��ذا العالِم‬ ‫الغربي أو ذاك‪ ،‬بل تنطل� � ��ق كالصاروخ‪ ،‬كالبرق‪ ،‬كالنّار‬ ‫املق ّدسة‪ ،‬لتضيء وحترق وتزلزل وتهدي‪ ...‬هذه الكتب‬ ‫لم يحن دوره� � ��ا بعد‪ ،‬ولكنني أكنّها ف� � ��ي أعماقي كما‬ ‫تكن األرض‪ ،‬حتت ترابها وثلوجها‪ ،‬ح ّبات القمح للربيع‬ ‫ّ‬ ‫البعيد‪ ،‬أو كما تخفي الغيوم الهادئة عاصفتها‪.‬‬

‫الشاعر املجهول‬ ‫لع� � ��ل املقطع الذي استش� � ��هدت به مس � � � َه ٌب بعض‬ ‫الشيء‪ ،‬ولكنه في واقع احلال يعيننا على أن نضع اليد‬ ‫البيروتي الالمع‪.‬‬ ‫على أمور ج ّمة في مسيرة هذا األديب‬ ‫ّ‬ ‫بادئ ذي بدء لس� � ��ت أنفرد باحتفاظي برسائل‪ ،‬عزيزة‬ ‫إلي هذا اإلنس� � ��ان الذي أعت ّز بصداقته‬ ‫عل� � � ّ�ي‪ّ ،‬‬ ‫وجهها ّ‬ ‫وبصحبة عمر جمعتني ب� � ��ه‪ ،‬فهناك غير أديب لبناني‬ ‫ُ‬ ‫إلي‪،‬‬ ‫رسائله‬ ‫إحدى‬ ‫ن‬ ‫إ‬ ‫بل‬ ‫ة‪.‬‬ ‫ي‬ ‫عيتان‬ ‫رسائل‬ ‫عنده‬ ‫تتوافر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وقد عنونها «همس � � �اً‪ ،‬وبأعلى صوتي» تس� � ��تغرق ستاً‬ ‫وعش� � ��رين صفحة من احلجم الطويل والض ّيق‪ ،‬وفيها‬ ‫غرامي ممتع‪ ،‬وقد كنت شاهداً‬ ‫يجول العيتاني بس� � � ٍ‬ ‫�رد‬ ‫ّ‬ ‫على هذا «الغرام»‪ ،‬وهو يقع على التخوم بني احلقيقة‬ ‫والوه� � ��م‪ .‬على أن هذا حديث آخ� � ��ر‪ .‬املهم أن الراحل‬ ‫محمد عيتاني كان نه� � ��راً د ّفاقاً من الكتابة اإلبداعية‪،‬‬ ‫ولقد ح ّبر في حيات� � ��ه آالف الصفحات املنيرة‪ .‬وأقف‬ ‫اآلن‪ ،‬ولكن على عجل‪ ،‬عند وجه مجهول لدى عيتاني‪،‬‬ ‫‪110‬‬

‫‪4/15/15 11:43:57 AM‬‬

‫وهو أنه كان في مطالع حياته ش� � ��اعراً‪ ،‬بل إنه تعاطى‬ ‫الش� � ��عر مذ كان فتى ف� � ��ي مرحلة التعليم املتوس� � ��ط‪.‬‬ ‫ويخبرني صديق مش� � ��ترك‪ ،‬رافقه ردح � � �اً طوي ً‬ ‫ال‪ ،‬أنه‬ ‫كانت في بيته خزانة مألى رفوفها بقصاصات وبأوراق‬ ‫حاشدة بأبيات الش� � ��عر اجلميل‪ ،‬ولقد ذهبت جميعها‬ ‫طي النسيان أو الكتمان‪ .‬وما لي‬ ‫أدراج الرياح‪ ،‬أو ظلّت ّ‬ ‫اقتطفت منها‪ ،‬منذ قليل‪،‬‬ ‫أذهب بعيداً‪ ،‬فالرسالة التي‬ ‫ُ‬ ‫مقطع � � �اً‪ ،‬ينهيه� � ��ا عيتاني بهذه األبي� � ��ات الرومنطيقية‬ ‫الهوى‪ ،‬وهو الذي كان ْ‬ ‫مش� � ��بعاً بأشعار أعالم املدرسة‬ ‫الرومنطيقية الفرنسية‪:‬‬ ‫الدنان‪ ،‬وشربنا‬ ‫قد لعبنا وسكرنا من أهازيج ّ‬ ‫وتالشينا على العشب ِشفاه ًا وأَغاني‬ ‫َ‬ ‫وغ َم ْرنا اجل ّو واألنسام رقص ًا وأماني‬ ‫وطربنا‪ ،‬وتغنَينا‪ ،‬وأَبدعنا املعاني‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫خان‬ ‫وبنينا في رمال‬ ‫الشط أهرا َم ُد ِ‬ ‫ثم جاء املوت يدعونا فخلّفنا املثاني‪ ،‬وانطلقنا!‬

‫التنويري الرائد‬ ‫املترجم‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬

‫كان مح ّمد عيـتاني بني اخلمسينيات والسبعينيات‪،‬‬ ‫على نحو خ� � ��اص‪ ،‬من القرن املاض� � ��ي‪ ،‬موضع تقدير‬ ‫وإطراء وعرفان باجلميل عن� � ��د الكثيرين من املثقفني‬ ‫والك ّت� � ��اب العرب‪ ،‬وذلك ألنه كان رائ� � ��داً عهدذاك في‬ ‫الفكري‪ ،‬بأن نقل إلى العرب ّية فيضاً من‬ ‫عمل ّية التنوير‬ ‫ّ‬ ‫الكتب األجنب ّي� � ��ة التي كانت تتناول موضوعات العصر‬ ‫الش� � ��ائعة ف� � ��ي حضارة الغ� � ��رب‪ ،‬ش� � ��أن الدميقراطية‬ ‫واالش� � ��تراك ّية والقوم ّية والوجود ّية واملاركس ّية وغيرها‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 109-115.indd 110‬‬


‫شخصيات‬ ‫م� � ��ن املفاهيم الكبرى‪ .‬ومما يس� � ��تأهل ذك� � ��ره أن أحد‬ ‫أعضاء مجلس قيادة «ثورة يوليو» من الض ّباط األحرار‬ ‫الذين كان على رأس� � ��هم جمال عبدالناصر‪ ،‬وهو خالد‬ ‫محي� � ��ي الدين‪ ،‬قال حمل ّمد عيتان� � ��ي عندما زار بيروت‬ ‫في منتصف الستينيات من القرن املنصرم‪« :‬إن أغلب‬ ‫ترجماتك في الفكر االش� � ��تراكي كانت دائماً في حوزة‬ ‫الض ّباط» (نوري اجل � � � ّراح‪ :‬حديث مع مح ّمد عيتاني‪،‬‬ ‫مجلة «الناقد» ‪ -‬بيروت‪ ،‬أغسطس ‪ ،1988‬ص‪.)57‬‬ ‫وكان محم� � ��د عيتاني‪ ،‬في هذا املس� � ��لك التنويري‪،‬‬ ‫يتاب� � ��ع تقليداً لبنانياً عريقاً‪ ،‬وذلك أن اللبنانيني‪ ،‬س� � ��واء‬ ‫أكان� � ��وا حا ّلني ف� � ��ي موط� � ��ن األرز أو وافدين على أرض‬ ‫الكِ نانة أو مرحتلني إلى املهاجر البعيدة‪ ،‬حملوا دائماً إلى‬ ‫أ ّمتهم العربية مشعل احلداثة في شؤون الفكر ومناحي‬ ‫احلياة‪ .‬كان محمد عيتان� � ��ي أديباً حتى أعماقه‪ ،‬بل هو‬ ‫عص� � ��ارة أدب وخلق وإبداع‪ .‬ولكن األدب في مش� � ��رقنا‬ ‫العربي ال يُطعم وال يُغني‪ .‬لهذا امتهن عيتاني الترجمة‬ ‫وظ� � ��ل مثابراً عليها حتى الرمق األخير‪ ،‬حتصي ً‬ ‫ال لعيش‬ ‫وما يُقيم األود ولتنش� � ��ئة الذرية ورعايتهم‪ .‬وكانت آخر‬ ‫ترجماته رواية «باهيا» لألديب البرازيلي الشهير‪ ،‬جورج‬ ‫أمادو‪ ،‬ووقف به القلم عند منتصفها‪ ،‬إذ إنه ارحتل عنّا‬ ‫في وقت باكر‪ ،‬في العشرين من مارس ‪ ،1988‬وهو من‬ ‫موالي� � ��د عام ‪ ،1926‬فكان أن أكم� � ��ل الترجمة صديقنا‪،‬‬ ‫املرحتل بعدئذ بدوره‪ ،‬وهو عفيف دمشق ّية‪.‬‬

‫أعمال رصينة‬

‫الريادي املتم ّثل في ترجمة‬ ‫وكان صاحبنا‪ ،‬في عمله‬ ‫ّ‬ ‫الكت� � ��ب التي كان ّ‬ ‫يتعطش ملطالعته� � ��ا املثقفون العرب‪،‬‬ ‫يحسن االنتقاء‪ ،‬فإن الكتب املترجمة‪ ،‬التي أشار إليها‬ ‫في مطلع املقتطف من رسالته إلي‪ ،‬هي أعمال رصينة‬ ‫وعلمي� � ��ة‪ ،‬وأخ� � ��ص باإلش� � ��ارة كت� � ��اب «كارل ماركس»‪،‬‬ ‫الصادر عام ‪ ،1954‬فإن واضعه‪ ،‬هنري لوفافر‪ ،‬مف ّكر‬ ‫فرنسي مرموق ون ّير‪ .‬وترجمة عيتاني تتم ّيز بالصفاء‬ ‫والسالس� � ��ة‪ ،‬وال ريب أن كتاباً كه� � ��ذا كان زاداً معرفياً‬ ‫ينأى ع� � ��ن البهرج الزائف والدعاي� � ��ة املغرضة‪ .‬كذلك‬ ‫ترجم عيتاني كتاباً آخ� � ��ر لهنري لوفافر‪ ،‬كانت املكتبة‬ ‫أمس احلاجة إل� � ��ى أمثاله‪ ،‬وهو «في علم‬ ‫العربي� � ��ة في ّ‬ ‫اجلمال»‪ .‬وك ّرت س� � ��بحة الترجمات العيتانية وتن ّوعت‪،‬‬ ‫بي� � ��د أنها ظلّ� � ��ت طليع ّية في اختياراتها‪ .‬وعلى س� � ��بيل‬ ‫املثال ال احلص� � ��ر نقل عيتاني إلى العرب ّية «النش� � ��اط‬ ‫محمد عيتاني‪ ...‬الرواية األجمل لبيروت العتيقة‬ ‫ّ‬ ‫‪4/15/15 11:44:05 AM‬‬

‫اجلنس� � ��ي وصراع الطبقات» لراميوت رايش (‪،)1971‬‬ ‫و«الثورة اجلنس� � ��ية» لويلهلم رايخ (‪ .)1972‬كذلك نقل‬ ‫كتاب عبدالله العروي‪ ،‬الذي كتب املستش� � ��رق الضليع‪،‬‬ ‫مكس� � ��يم رودنس� � ��ون‪ ،‬تقدمياً له‪ ،‬وه� � ��و «األيديولوجية‬ ‫العربية املعاصرة» (‪.)1970‬‬ ‫وبلغ الطم� � ��وح مبح ّمد عيتاني أنه ترجم الس� � ��فر‬ ‫األش� � ��هر في عصرنا‪ ،‬وهو «رأس املال» لكارل ماركس‪.‬‬ ‫إذ ال نهضة من غير أن تسبقها وترافقها حركة ترجمة‬ ‫نشطة‪ ،‬وهذا ما نقع عليه في نهضة احلضارة العربية‬ ‫زمن العباس � � � ّيني‪ ،‬والدور الذي قام ب� � ��ه التراجمة في‬ ‫نقل تراث احلض� � ��ارة الهندية واليونانية والفارس� � ��ية‪.‬‬ ‫كذل� � ��ك األمر في زمننا املعولَ� � ��م‪ ،‬فللترجمة دور ريادي‬ ‫وتنوي� � ��ري عظيم في عملية التالق� � ��ح احلضاري‪ .‬غير‬ ‫أن ترجمات عيتان� � ��ي الفكر ّية‪ ،‬وخصوصاً كتاب «رأس‬ ‫املال»‪ ،‬قد شابتها نواقص والتواءات‪ ،‬وذلك أن األعمال‬ ‫املتعلّق� � ��ة بالعقائ� � ��د واملفاهي� � ��م تتطلّ� � ��ب أحياناً بعض‬ ‫التخصص العلمي‪ ،‬ومحمد عيتاني هو صنيعة نفسه‪،‬‬ ‫وفي حلياة بيروت العتيقة وش� � ��ذا بحرها وأريج‬ ‫واب� � ��ن ّ‬ ‫حصل‬ ‫بس� � ��اتينها التي غدت اليوم آفل� � ��ة مندثرة‪ .‬لقد ّ‬ ‫تعليماً ابتدائياً في مدرس� � ��ة أب� � ��ي بكر الص ّديق مبحلّة‬ ‫القنطاري‪ ،‬الواقعة عند مدخل ش� � ��ارع احلمراء الذائع‬ ‫الصيت‪ ،‬ثم تابع الدراس� � ��ة املتوسطة فقط‪ ،‬ومن غير‬ ‫فوز بالشهادة الرسم ّية‪ ،‬وذلك في كلية املقاصد التابعة‬ ‫أيضاً ملؤسس� � ��ة املقاصد اخلير ّية اإلسالمية‪ ،‬الواقعة‬ ‫في محلّة احلرج جتاه مستش� � ��فى البربير املتو ّفى‪ ،‬ألنه‬ ‫أغلق أبوابه منذ سنوات عدة! والتثقيف الذاتي املك ّثف‬ ‫واملتطاول واملتش � � � ّعب‪ ،‬فض� �ل � ً‬ ‫ا عن املوهب� � ��ة الفطر ّية‬ ‫الذاتي‪،‬‬ ‫والذكاء النافذ والبديهة املتو ّثبة واالس� � ��تعداد‬ ‫ّ‬ ‫هذه كلها متضافرة صنعت محمد عيتاني‪ .‬ولئن كانت‬ ‫الترجمات الفكري� � ��ة متقلقلة قلي ً‬ ‫ال في بعض األحايني‬ ‫عنده‪ ،‬فلقد وجد عيتاني نفسه في الترجمات األدبية‪.‬‬ ‫ههن� � ��ا التقى األدي� � ��ب باألديب‪ ،‬وغ� � ��دت عبارته طل ّية‬ ‫منق� � ��ادة جميلة الص� � ��وغ عذبة اجلرس‪ ،‬وه� � ��ي تذ ّكرنا‬ ‫مبترج� � ��م لبناني عريق ندين له بالش� � ��كر والتقدير‪ ،‬ملا‬ ‫له من أفضال في نقل اآلث� � ��ار الروائية العاملية اجل ّمة‬ ‫نصه‬ ‫إلى لغة الضاد‪ ،‬وهو منير بعلبكي‪ ،‬الذي يُشعرك ّ‬ ‫عربي صميم وليس منق� � ��والً من لغة إلى أخرى‪.‬‬ ‫بأن� � ��ه‬ ‫ّ‬ ‫وتن ّوعت ترجمات عيتاني األدب ّية بني ش� � ��عر ونثر‪ ،‬فقد‬ ‫ترجم «أزهار الش ّر» لبودلير (‪ ،)1987‬و«‪ 100‬قصيدة‬ ‫‪111‬‬

‫‪may 109-115.indd 111‬‬


‫ح� � � ّ�ب» لبابلو ني� � ��رودا (‪ ،)1975‬عل� � ��ى أن منتقياته من‬ ‫الرواي� � ��ة العاملية الصادرة عن مختل� � ��ف البلدان كانت‬ ‫غ ّ‬ ‫البة‪ ،‬وهكذا‪ ،‬على س� � ��بيل التذكي� � ��ر ببعض النماذج‪،‬‬ ‫نقل إل� � ��ى العرب ّية «م� � ��وت أرتيميو كروز» للمكس� � ��يكي‬ ‫كارل� � ��وس فوانت� � ��س (‪ ،)1984‬و«العاش� � ��ق» للفرنس� � ��ية‬ ‫مرغري� � ��ت دورا (‪ ،)1986‬و«ف� � ��ارس الرمال» للبرازيلي‬ ‫جورج أمادو (‪ ،)1986‬و«عطش للحب» للياباني يوكيو‬ ‫ميشيما (‪.)1988‬‬

‫قصة «البوق» حملمد عيتاني‬

‫إلي‪،‬‬ ‫أتى محمد عيتاني في مقطع رسالته ّ‬ ‫املوجهة ّ‬ ‫أن� � ��ه ترجم «قصص مختارة من األدب الهندي»‪ .‬ولهذا‬ ‫الكتاب قصة تُروى‪ ،‬وذلك ألنها ّ‬ ‫تتكشف عما كان عليه‬ ‫عيتاني من روح دعابة وعبث ظريف‪ .‬لقد ترجم بعض‬ ‫القصص املستم ّدة من األدب الهندي‪ ،‬ومضى بها إلى‬ ‫الناش� � ��ر محمود صف� � � ّ�ي الدين‪ ،‬صاح� � ��ب دار بيروت‪،‬‬ ‫وكانت في اخلمسينيات والستينيات من القرن الفارط‬ ‫ويسجل لها مبادرتها‪ ،‬باملشاركة مع دار‬ ‫داراً محترمة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ص� � ��ادر‪ ،‬إلى طبع أش� � ��هر معجم عرب� � ��ي على اإلطالق‬ ‫وهو «لسان العرب» البن منظور‪ .‬املهم أن صاحب دار‬ ‫تفحص املادة القصصية التي جلبها له عيتاني‪،‬‬ ‫بيروت ّ‬ ‫بن� � ��ا ًء عل� � ��ى طلبه‪ ،‬فأنبأه أنها تس� � ��تغرق قرابة س� � ��تني‬ ‫صفحة‪ ،‬في حني أن الكتاب ينبغي أن يكون في حوالي‬ ‫املائة صفحة ليس� � ��تقيم حاله‪ .‬وقد نش� � ��رت الدار‪ ،‬في‬ ‫شبه سلس� � ��لة‪ ،‬قصصاً مختارة من آداب أجنبية شتّى‪.‬‬ ‫ومض� � ��ى عيتاني وهو مهموم‪ ،‬ألن� � ��ه حريص على إنهاء‬ ‫الكتاب‪ ،‬ليظفر مبائة ليرة لبنانية هي كل ما ينوبه من‬ ‫هذا العمل‪ .‬وهو كجاري عادته كان دائماً فارغ اجليب‪،‬‬ ‫وإذا م� � ��ا س� � ��يق املال بني يديه فهو س� � ��رعان ما يب ّدده‪،‬‬ ‫منقاداً إلى القول املأثور‪« :‬اصرف ما في اجليب يأتيك‬ ‫ما ف� � ��ي الغيب»‪ .‬والغيب اآلن موصول بإمتام مجموعة‬ ‫القصص الهندية‪ ،‬وليس� � ��ت متواف� � ��رة عنده مادة منها‬ ‫ليُكمل ما ترجم‪ .‬وب ّيت عيتاني أمراً‪ ،‬فلقد س� � ��هر الليل‬ ‫الطويل وكتب قصة ح� � ��ول هيفاء هندية يدور الصراع‬ ‫حولها للف� � ��وز بقلبها‪ ،‬وهناك أفيال س� � ��ارحة ومعارك‬ ‫محتدم� � ��ة وهنود يتهاوون وهن� � ��ود ينتصرون وينفخون‬ ‫البوق معلنني فوزهم‪ .‬وعاد عيتاني إلى الناشر وسلمه‬ ‫املجموعة املختارة‪ ،‬وقد انضافت عليها قصة «هندية»‬ ‫مدي� � ��دة‪ ،‬عنوانها «البوق»‪ ،‬ولم يع� � ��دم صاحبنا اختراع‬ ‫‪112‬‬

‫‪4/15/15 11:44:13 AM‬‬

‫هندي لها! وقد بذلت جهداً إضافياً علّي‬ ‫اس� � ��م كاتب‬ ‫ّ‬ ‫أعثر عل� � ��ى هذا الكت� � ��اب حملمد عيتان� � ��ي‪ ،‬ولكن دون‬ ‫ج� � ��دوى‪ .‬وذلك أن الكتاب العربي الذي ينقضي نصف‬ ‫قرن أو أكثر على صدوره‪ ،‬كما هي حال كتاب عيتاني‪،‬‬ ‫ال يعود متيسراً احلصول عليه‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ويب� � ��دو أن عيتاني كان مغرما بالهند‪ ،‬فإني ليخيل‬ ‫إل� � � ّ�ي أنه ذكر مرة أمامي أنه كتب نص � � �اً أدبياً جمي ً‬ ‫ال‪،‬‬ ‫وعِ َوض أن يضع اس� � ��مه أدناه‪ ،‬فقد نس� � ��به إلى األديب‬ ‫الهندي الش� � ��هير طاغور‪ .‬ثم علّق بسخريته التي ُفطر‬ ‫عليه� � ��ا‪ ،‬أن الكات� � ��ب اللبناني‪ ،‬فالن � � �اً‪ ،‬واملختص بأدب‬ ‫طاغور‪ ،‬سوف يقع على قطعة عيتاني ويعتبرها لُقية‪،‬‬ ‫ومن ث َّم يض ّمها‪ ،‬وهو «املختص»‪ ،‬إلى آثار طاغور باللغة‬ ‫عمر مع محمد‬ ‫العربية! ونحن الذين أمضينا عِ ش� � ��رةَ ٍ‬ ‫عيتاني ن� � ��درك أننا عند رحيله افتقدنا إنس� � ��اناً طيباً‬ ‫خلوقاً أملعياً‪ ،‬ترك ف� � ��ي األدب اللبناني تراثاً قصصياً‬ ‫حاف ً‬ ‫ال‪ ،‬س � � �نُل ّم ب� � ��ه بعد قليل‪ ،‬وكان� � ��ت صداقته مفعمة‬ ‫بالو ّد والنُّبل والروح املمراح‪ .‬فلقد كانت النكتة ال تفارق‬ ‫كالمه‪ ،‬وهي ُط ْرفة تنبئ عن ذكاءٍ وبُعد غور وثقافة ث ّرة‬ ‫وذاكرة مرهف� � ��ة‪ .‬وكان ذا عينني صغيرتني متوهجتني‪،‬‬ ‫وتضيء محياه األس� � ��مر ابتسامة خفية ترشح بالفطنة‬ ‫والس� � ��خرية‪ .‬إن مجالسه ال تُنس� � ��ى‪ ،‬وطرائفه موزَّعة‬ ‫على جميع من عرفوه وزاملوه وصادقوه‪.‬‬

‫ُ‬ ‫عياتنة الشط والفالحة‬

‫ينتسب محمد عيتاني إلى عائلة تعتبر هي األكبر‬ ‫بني العائالت البيروتية‪ .‬لذا فإ ّنا واقعون على محمدات‬ ‫عيتانية‪ ،‬رمبا بالعشرات‪ ،‬وخصوصا أن التب ّرك باسم‬ ‫النبي أمر ش� � ��ائع ومندوب إليه‪ .‬وهي عائلة متش� � ��عبة‪،‬‬ ‫وقد تف ّرع عنها عائلتان‪ ،‬هما‪ :‬ا ُ‬ ‫حلص وبَيْ ُهم‪ .‬والرئيس‬ ‫س� � ��ليم احلص رئيس الوزراء وصاحب الصيت الطيب‬ ‫والعل� � ��م الزاكي‪ ،‬يص � � � ّرح دائماً بأن� � ��ه عيتاني‪ .‬وهناك‬ ‫فرعان رئيس� � ��ان للعائلة‪ :‬أهل الشط‪ ،‬أي عياتنة رأس‬ ‫بيروت الذين كانوا يتعاطون الفالحة‪ ،‬لشيوع البساتني‬ ‫واملزارع هناك في الزمن املاضي‪ ،‬قبل هجمة العمران‬ ‫وقيام بيروت احلديثة‪ ،‬وكذلك يخوضون اليم صيادين‪،‬‬ ‫ويحصلون رزقهم من صيد الس� � ��مك وخيرات البحر‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ومحمد عيتاني من هؤالء‪ ،‬وكان‪ ،‬كما عهدناه‪ ،‬س� � ��باحاً‬ ‫ماهراً‪ ،‬وسنرى أن أدبه الرائع استمد وحيه وشخوصه‬ ‫وجماالته من هذا املعني الش� � ��عبي الزاخر‪ .‬لهذا يقول‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 109-115.indd 112‬‬


‫شخصيات‬

‫من أعمال محمد عيتاني‬

‫في صفحات تخفق باحلساسية‪ّ ،‬‬ ‫سطرها قبل حوالي‬ ‫س� � ��نتني من وفاته‪ ،‬وعنونه� � ��ا «نهر الزم� � ��ان أو حكاية‬ ‫عمري»‪« :‬ألن حياتي‪ ،‬ف� � ��ي احلقيقة‪ ،‬بل على األخص‬ ‫هي حياة أبطالي وش� � ��عبي‪ ،‬أنا ال ش� � ��يء‪ ،‬في ذاتي‪ ،‬ال‬ ‫ش� � ��يء تقريباً‪ ،‬لكنني قوي وغني ومديد الباع وصائب‬ ‫الضربة حني أص� � ��ل أصابعي املمس� � ��كة بقلمي بحياة‬ ‫الناس الذين عايش� � ��تهم فألهموني بحيواتهم الزاخرة‬ ‫باجله� � ��د البنّاء‪ ،‬والك� � ��دح الالمتناه� � ��ي املثمر» (مجلة‬ ‫«الطريق»‪ ،‬يونيو ‪ ،1986‬ص‪ 197‬و‪.)198‬‬ ‫أما الفرع الثاني من هذه العائلة البيروتية العريقة‬ ‫فهم أهل البرية أو عياتنة محلة املصيطبة‪ ،‬حيث منزل‬ ‫الزعيم الرئيس صائب س� �ل��ام‪ ،‬والذي يحث فيه حالياً‬ ‫ابنه ّ‬ ‫متام رئيس وزراء لبنان احلالي‪.‬‬ ‫وقد اش� � ��تغل أبناء هذه العائل� � ��ة العيتانية‪ ،‬فضالً‬ ‫ع� � ��ن الصيد والفالحة قدمياً‪ ،‬بش� � ��تى املهن والصنائع‬ ‫والتج� � ��ارات‪ .‬على أنهم لم يبزغ بينه� � ��م أدباء وفنانون‪،‬‬ ‫باس� � ��تثناء صديقنا الراحل محمد عيتاني‪ .‬كذلك نبغ‬ ‫في الرس� � ��م محمد عيتاني آخر‪ .‬كان مجاي ً‬ ‫ال لصديقنا‬ ‫ورفيق � � �اً‪ ،‬وكان واعداً‪ ،‬وقد عمل مدرس � � �اً في الكويت‪،‬‬ ‫بيد أن املوت اخترمه باكراً دون األربعني‪ .‬صديقنا هو‬ ‫محمد حس� � ��ن عيتاني‪ ،‬في ح� �ي��ن أن الفنان هو محمد‬ ‫قاسم عيتاني‪ ،‬وفي حقيقة األمر فإن صديقنا محمد‬ ‫عيتاني كان اسمه األول في الهوية مر َّكباً‪ :‬محمد ديب‪.‬‬ ‫ولهذا الش� � ��أن قصة حُتك� � ��ى لطرافتها‪ .‬ف� � ��إن والديه‪،‬‬ ‫حسن وسعدية‪ ،‬رزقا‪ ،‬إلى جانب خمس بنات‪ ،‬بصبيني‬ ‫محمد عيتاني‪ ...‬الرواية األجمل لبيروت العتيقة‬ ‫ّ‬ ‫‪4/15/15 11:44:22 AM‬‬

‫س� � ��رعان ما اختطفتهما املنية‪ .‬لذا عندما ولد محمد‬ ‫أرادا حتصينه من العني ومن ش� � ��رور اجلن واألبالسة‪،‬‬ ‫فدعواه‪ :‬محمد ديب‪ ،‬وذلك ألن الذئب كاسر ومفترس‪،‬‬ ‫ملن يروم به ش� � ��راً‪ .‬وهذه التس� � ��مية كانت شائعة فقط‬ ‫بينن� � ��ا‪ ،‬نحن أصدق� � ��اءه القدامى القريب� �ي��ن واخللّص‪،‬‬ ‫وذل� � ��ك ألن صاحبن� � ��ا عندما امتهن الكتابة‪ ،‬وش� � ��اع له‬ ‫اس� � ��م فقد عمد إلى االستعانة فقط باجلزء األول من‬ ‫اس� � ��مه املر ّكب‪ .‬ثم لم يفته‪ ،‬وهو الذي يسري الظرف‬ ‫والنباهة بني أعطافه‪ ،‬أن يعمد إلى القلم‪ ،‬ليضيف في‬ ‫هويته همزة إلى اجلزء الثاني من اسمه املر ّكب‪ ،‬فغدا‪:‬‬ ‫محمد أديب عوض‪ :‬محمد ديب‪ .‬وانطلت احليلة على‬ ‫دائرة النفوس‪ ،‬فغدا أوالده يحملون هويات مدرج فيها‬ ‫اسم أبيهم‪ :‬محمد أديب!‬

‫ال َه َوس واحلريق‬

‫ال ري� � ��ب أن محم� � ��د عيتان� � ��ي كان يتلبس� � ��ه هوس‬ ‫الكتابة منذ فتوته‪ .‬ولقد أمضى عمراً غلبت عليه فيه‬ ‫البوهيمية‪ ،‬كذلك الس� � ��عي احلثيث لتحصيل القرش‪.‬‬ ‫وكان ال� � ��زواج نافعاً له‪ ،‬ألنه خفَّف م� � ��ن قلعه وفوضاه‬ ‫وحياته الس� � ��ائبة‪ .‬بيد أنه ظل ف� � ��ي دخيلته مضطرباً‪،‬‬ ‫تتفجر في صدره‪ ،‬فال ميلك‬ ‫ألن ينابي� � ��ع اإلبداع كانت َّ‬ ‫طبعاً متأنياً لترويضها‪.‬‬ ‫وكان مأث� � ��وراً عن جنيب محفوظ أن� � ��ه يعمد إلى‬ ‫الكتاب� � ��ة الروائية ف� � ��ي أوقات محددة‪ ،‬ف� � ��إذا ما حان‬ ‫الوق� � ��ت الذي ينبغي أن يتوقف في� � ��ه عن الكتابة أقفل‬ ‫‪113‬‬

‫‪may 109-115.indd 113‬‬


‫من إصدارات محمد عيتاني‬

‫قلم احلبر‪ ،‬أياً كان امل� � ��كان أو الظرف أو عقدة العمل‬ ‫األدبي‪ ،‬على أن يستأنف الكتابة إذا ما كان الغد‪ ،‬خالل‬ ‫ال� � ��دوام املخص� � ��ص لذلك‪ .‬محمد عيتان� � ��ي كان منطاً‬ ‫مختلف � � �اً‪ ،‬فإذا ما ركبه ش� � ��يطان اخللق األدبي‪ ،‬وكثيراً‬ ‫م� � ��ا كان يفعل‪ ،‬فهو يسترس� � ��ل أيام � � �اً وليالي‪ ،‬متصلة‬ ‫احللق� � ��ات‪ ،‬مكباً على الكتابة‪ ،‬ويس� � ��تعني‪ ،‬في س� � ��بيل‬ ‫أن يكون دائم اليقظة‪ ،‬بحبوب يس � � �فّها‪ ،‬وكأنها حبات‬ ‫(القضامي)‪ .‬وإثر هذه اليقظة املستطيلة يقع عيتاني‬ ‫في ورطة‪ ،‬إذ كيف السبيل إلى الرقاد اآلن وهو يجفوه‬ ‫متاماً وينأى عنه‪ .‬ويكون احلل ههنا بس� � � ّ‬ ‫�ف احلبوب‪،‬‬ ‫وكأنه� � ��ا أيضاً ح ّب� � ��ات القضامي‪ ،‬ولكنها ه� � ��ذه الك ّرة‬ ‫حب� � ��وب من ِّومة‪ .‬وبني نوعي القضامي املس� � ��فوفة تغدو‬ ‫اجلمل� � ��ة العصبية لدى محمد عيتان� � ��ي ركيكة مهتزة‪.‬‬ ‫ويهرع صديقنا العزيز إلى د‪.‬عبدالرحمن اللبان الذي‬ ‫يس� � ��تقبله بترحاب ووداد‪ ،‬فلقد كان صديقاً له‪ ،‬معجباً‬ ‫بأدبه وش� � ��خصه‪ ،‬وهو طبيب األعصاب واملثقف الفذ‬ ‫ٍ‬ ‫ملرحلة وزيراً‪،‬‬ ‫والش� � ��خصية البيروتية املنظورة‪ ،‬وغ� � ��دا‬ ‫ومن جملة مواهبه أنه كان يجيد الرس� � ��م‪ ،‬لهذا جنده‬ ‫يجنِّد ريشته ليضع رس� � ��م غالف كتاب محمد عيتاني‬ ‫البديع «أش� � ��ياء ال متوت وقصص أخرى»‪ ،‬كذلك بعض‬ ‫رس� � ��ومه التزيينية الداخلية‪ ،‬من غير أن يسجل اسمه‬ ‫حتتها أو يشار في الكتاب إلى هذا األمر‪.‬‬ ‫وفي ليلة ال أنس� � ��اها‪ ،‬في ش� � ��تاء ع� � ��ام ‪ ،1973‬ر ّن‬ ‫جرس بيت�� ��ي بني الثانية والثالثة بع�� ��د منتصف الليل‪ ،‬تراث محمد عيتاني‬ ‫ّ‬ ‫ف ُذع� � ��رت زوجتي‪ ،‬وما إن فتح� � ��ت الباب حتى طالعني‬ ‫خط محمد عيتاني في حياته‪ ،‬التي لم تكن مديدة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وج � � � ٌه حزين تش� � ��يع في� � ��ه الكآبة ويغلب� � ��ه اخلجل‪ ،‬كان سيال من الكتابات‪ ،‬سواء أكانت ترجمات لعشرات الكتب‬

‫الطارق محمد عيتاني‪ ،‬وكان يقف وراءه بواب البناية‪،‬‬ ‫ألنه اس� � ��تغرب وقت الزيارة وحالة الش� � ��خص الزائر‪،‬‬ ‫فأراد أن يطمئن‪ ،‬لذا صرفته ش� � ��اكراً مطمئناً‪ .‬ودخل‬ ‫الصديق محمد‪ ،‬ويبدو أن الطقس كان ش� � ��اتياً عهدئذ‬ ‫فعل� � ��ق الوحل بحذائه‪ .‬وجلس ف� � ��ي صالون البيت وهو‬ ‫ي� � ��داري ضياعه وحيرته‪ ،‬وانخرط في نش� � ��يج صامت‬ ‫كطفل‪ ،‬وهمس لي أنه أح� � ��رق أوراقه‪ .‬فلقد وضع في‬ ‫بانيو حمام منزله أوراقاً مخطوطة تشتمل على رواية‬ ‫«عائلت� � ��ان» وبعض القص� � ��ص‪ ،‬وغيرها من األوراق‪ ،‬ثم‬ ‫أض� � ��رم فيها الن� � ��ار‪ .‬ولوال أن تدارك� � ��ت العائلة املوقف‬ ‫لكانت النار أتت على املنزل‪.‬‬ ‫وتفس� � ��يري أن محمد عيتاني كان يتطلع إلى إبداع‬ ‫أدب� � ��ي طموح وعص� � ��ري‪ ،‬وهو ال� � ��ذي كان يطالع عيون‬ ‫األدب العاملي‪ ،‬قدميه وحديثه‪ ،‬فال غرو أن تس� � ��تبد به‬ ‫رغبة التس� � ��امي والتجاوز‪ .‬وإن كان أدرك‪ ،‬في صحوه‪،‬‬ ‫أن األدي� � ��ب اب� � ��ن زمنه وبيئت� � ��ه وأوضاع� � ��ه املجتمعية‬ ‫والتاريخية‪ ،‬لذا ص ّرح عيتاني‪« :‬أحرقت ما كتبت‪ ،‬ولم‬ ‫أكتب ما أريد»!‬ ‫ولي� � ��س محم� � ��د عيتان� � ��ي أول كات� � ��ب‪ ،‬ف� � ��ي غمرة‬ ‫اضطراب� � ��ه وتناقضاته وفوران طموح� � ��ه‪ ،‬ينقم ويحتج‬ ‫ويثيرها محرقة‪ ،‬فلقد فعلها قبله‪ ،‬زمن العباس� � ��يني‪،‬‬ ‫كبير في تراثنا هو أبو حيان التوحيدي‪.‬‬

‫‪114‬‬

‫‪4/15/15 11:44:36 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 109-115.indd 114‬‬


‫شخصيات‬ ‫املفيدة والدس� � ��مة‪ ،‬وهو في هذا امليدان ميكن اعتباره‬ ‫أح� � ��د التراجمة الع� � ��رب املعاصري� � ��ن‪ ،‬أو عند الوقوف‬ ‫على كتابات� � ��ه املوضوعة‪ ،‬وهي بدورها ش� � ��ديدة التنوع‬ ‫والغزارة‪ .‬فهو قد تعاطى الشعر في مطلع حياته عندما‬ ‫طري العود‪ ،‬وكان‪ ،‬كعهده دائماً‪ ،‬غزير‬ ‫كان م� � ��ازال فتى ّ‬ ‫العطاء‪ ،‬بيد أن هذه الناحية من أدبه الباكر‪ ،‬كما س� � ��بق‬ ‫وأحملن� � ��ا‪ ،‬تكاد تكون مجهولة متام � � �اً‪ .‬ثم كتب اخلاطرة‬ ‫واملقالة األدبية‪ ،‬وتناول البح� � ��ث والنقد‪ .‬وخاض‪ ،‬عبر‬ ‫جلة اهتماماته الفكرية املتنوعة‪ ،‬في دائرة الدراس� � ��ات‬ ‫اإلس� �ل��امية‪ ،‬من وجهة نظر تقدمية وطموحة‪ ،‬فأصدر‬ ‫«الق� � ��رآن في ض� � ��وء الفكر املادي اجلدل� � ��ي» (‪،)1972‬‬ ‫و«النضال املسلّح في اإلسالم» (‪.)1973‬‬ ‫على أن األدب اإلبداعي كان محور حياته وجوهر‬ ‫املتفجرة‪ .‬وكان له إس� � ��هامه الروائي‪ ،‬فنش� � ��ر‬ ‫موهبته‬ ‫ِّ‬ ‫روايته «حبيبتي تنام على سرير من ذهب» التي ظهرت‬ ‫فصوله� � ��ا تفاريق ف� � ��ي جريدة «األخب� � ��ار» عام ‪،1970‬‬ ‫مرفقة برس� � ��وم تزيينية جميلة للفنان رضوان الش ّهال‪،‬‬ ‫ث� � ��م ُطبعت في كتاب عام ‪ 1986‬م� � ��ن غير إدراج‪ ،‬وهو‬ ‫أمر مس� � ��تغرب‪ ،‬لهذه الرس� � ��وم‪ .‬وهذه الرواية مستقاة‬ ‫م� � ��ن صميم البيئة البيروتية‪ ،‬كم� � ��ا أنها تتخللها عامية‬ ‫بيروتي� � ��ة فاتنة‪ .‬وحملمد عيتاني رواي� � ��ات أخرى‪ ،‬غير‬ ‫ومبددة‪ ،‬كما كانت حياة‬ ‫أنها‪ ،‬جميع � � �اً‪ ،‬ضائعة مفقودة‬ ‫َّ‬ ‫صاحبها‪ ،‬أو كما قال صديقنا املشترك الكاتب محمد‬ ‫دكروب‪ ،‬عن محمد عيتاني من أنه كان «أشبه بشجرة‬ ‫تني سائبة على درب»! ومن خيرات شجرة التني املميزة‬ ‫قاص أعطى األدب في لبنان‬ ‫هذه أن صاحبها أدي� � ��ب ّ‬ ‫فيضاً رائعاً من القصص القصيرة والطويلة‪ ،‬ونقع على‬ ‫مناذج منها في مجموعتيه «أشياء ال متوت» (‪،)1973‬‬ ‫و«مواطنون من جنسية قيد الدرس» (‪.)1975‬‬ ‫وهن� � ��اك لعيتان� � ��ي قصص كثيرة ونص� � ��وص أدبية‬ ‫واف� � ��رة‪ ،‬وهي جميعها ظل� � ��ت نزيلة الصحف واملجالت‬ ‫اللبنانية‪ ،‬لكنها مع األسف بقيت في هذه املظان‪ ،‬وكان‬ ‫األجدر بها‪ ،‬وقد صدرت أعمال محمد عيتاني الكاملة‬ ‫عام ‪ 2013‬ع� � ��ن دار الفارابي في ‪ 5‬مجلدات‪ ،‬أن جتد‬ ‫من يجمع ش� � ��تاتها في مجلد إضافي أو أكثر‪ .‬وال أدل‪،‬‬ ‫وأكتفي مبثال‪ ،‬أن ن� � ��ص «نهر الزمان أو قصة عمري»‬ ‫ال� � ��ذي أتينا على ذكره‪ ،‬وهو ش� � ��ديد الداللة على كتابة‬ ‫عيتاني الطريفة‪ ،‬وبالغ التعبي� � ��ر عن البيئة البيروتية‪،‬‬ ‫وبيئة رأس بيروت بالذات‪ ،‬حيث ترعرع الكاتب وتش ّبع‬ ‫محمد عيتاني‪ ...‬الرواية األجمل لبيروت العتيقة‬ ‫ّ‬ ‫‪4/15/15 11:46:30 AM‬‬

‫مبفارقاتها وأحوالها ما ب� �ي��ن احلربني العامليتني‪ ،‬هذا‬ ‫النص بقي مبنأى عن األعمال الكاملة‪ .‬ومحمد عيتاني‬ ‫في هذا املآل أشبه باألديب الكبير رئيف خوري‪ ،‬على‬ ‫أن حال� � ��ة رئيف أفدح بكثير‪ ،‬ألن نصوصه الدفينة في‬ ‫الصحف واملج� �ل��ات اللبنانية‪ ،‬وبعضه� � ��ا بات قدمياً‪،‬‬ ‫وأحياناً شبه مفقود بس� � ��بب احلرب األهلية اللبنانية‪،‬‬ ‫ه� � ��ذه النصوص تكاد‪ ،‬رمبا‪ ،‬تع� � ��ادل تراثه الصادر في‬ ‫كتب مطبوعة!‬

‫القصة في لبنان‬

‫ل� � ��م تعرف القصة‪ ،‬في بُعده� � ��ا الفني الراقي‪ ،‬كما‬ ‫هي حالها عند أنطون تش� � ��يخوف مث� �ل � ً‬ ‫ا‪ ،‬عبر األدب‬ ‫العربي في لبنان ما عرفته في بعض البلدان العربية‪.‬‬ ‫ولئن حظيت س� � ��ورية بزكريا تامر‪ ،‬والعراق بفؤاد‬ ‫التكرلي‪ ،‬ومصر بالكبير يوس� � ��ف إدريس ووراء هؤالء‪،‬‬ ‫في هذه البلدان‪ ،‬عشرات كتّاب القصة املبدعني‪ ،‬لقد‬ ‫كان نصي� � ��ب لبنان ف� � ��ي هذا النطاق ش� � ��حيحاً‪ .‬هناك‬ ‫ميخائيل نعيمة‪ ،‬وهناك توفيق يوس� � ��ف عواد‪ ،‬وهناك‬ ‫على األخص مارون عب� � ��ود صاحب النكهة القصصية‬ ‫اخلاص� � ��ة‪ ،‬فهو خي� � ��ر من ص ّور في قصص� � ��ه الضيعة‬ ‫اللبنانية بأس� � ��لوب مرهف‪ ،‬مستخدماً البالغة العربية‬ ‫ف� � ��ي التعبير‪ ،‬مطعمة بش� � ��ذرات م� � ��ن العامية احمللية‬ ‫احلل� � ��وة‪ ،‬فض ً‬ ‫ال طبعاً عن الروح الس� � ��اخرة التي كانت‬ ‫معلماً في شخصية عبود وأدبه‪.‬‬ ‫محم� � ��د عيتاني هو النس� � ��خة البيروتية من مارون‬ ‫عبود‪ ،‬إذا س� � ��اغ القول واستقام التشبيه‪ .‬على كل حال‬ ‫فعيتاني نفس� � ��ه‪ ،‬خالل ندوة عقده� � ��ا املجلس الثقافي‬ ‫للبن� � ��ان اجلنوب� � ��ي‪ ،‬في يناي� � ��ر ‪ ،1971‬ح� � ��ول «القصة‬ ‫القصي� � ��رة‪ ،‬جتربة ورأي»‪ ،‬ع� � ��رض ملعاناته القصصية‬ ‫قائ ً‬ ‫ال في ثناياها‪« :‬وكثيراً ما تعود القصة إلى أسلوب‬ ‫احلكاي� � ��ة الش� � ��عبية‪ ،‬وطريقة مارون عب� � ��ود وأحاديث‬ ‫احلطاب� �ي��ن واملكاري� � ��ة‪ ،‬في أف� � ��ق بيروت� � ��ي»‪ .‬واإلبداع‬ ‫القصصي عند محمد عيتاني يس� � ��تأهل بالطبع بحثاً‬ ‫دؤوباً‪ ،‬بخالف هذه اإلش� � ��ارة العابرة إليه ههنا‪ ،‬نظراً‬ ‫لضيق املجال‪ .‬وبعد‪ ،‬فإن غايتنا من هذه املقالة تعريف‬ ‫الق� � ��ارئ العربي‪ ،‬بني احمليط واخللي� � ��ج‪ ،‬بأديب لبناني‬ ‫عربي خالق‪ ،‬يجهله على األرجح وفي الغالب‪ ،‬ولرمبا‬ ‫يدعو لنا باخلير ألننا أدرجنا في ذاكرته شعلة إبداعية‬ ‫من لبنان حتمل اسم‪ :‬محمد عيتاني >‬ ‫‪115‬‬

‫‪may 109-115.indd 115‬‬


‫شخصيات‬

‫عادل كاظم‬ ‫وفن تشكيل النص المسرحي‬ ‫عقيل مهدي‬ ‫تتنوع اتجاهات اإلخ���راج‪ ،‬وتتباين‬ ‫حين‬ ‫ّ‬ ‫البد أن ترجع‬ ‫أطروحاتها‪ ،‬وتتناقض‪ ،‬فإنها ّ‬ ‫إلى نصوص إخراجية‪ ،‬يكون أساسها‪،‬‬ ‫في الغالب‪ ،‬ال��درام��ا المكتوبة‪ ،‬إن لم‬ ‫نقل «سيناريو»‬ ‫يمهد‪ ،‬في «مخططه»‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫إل������ى ط��ب��ي��ع��ة ال����ع����رض ال��م��س��رح��ي‬ ‫المرتقب‪.‬‬

‫والن������ص الدرامي‪ ،‬بدوره‪ ،‬يُبنى على نس������ق‬ ‫يخص املؤلف نفس������ه‪ ،‬الذي يجد أمامه‬ ‫مبتكر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ما يش������به املتاهة املركبة الت������ي صممتها عقول‬ ‫املبدعني املس������رحيني (الدراميني)‪ ،‬وقرائحهم‪،‬‬ ‫عب������ر فت������رات تاريخية بعي������دة أنتج������ت مئات‬ ‫النص������وص م������ن روائ������ع اآلداب القومي������ة لتلك‬ ‫الشعوب التي اشترعت تقاليد جديدة لفن كتابة‬ ‫املسرحية‪.‬‬ ‫ليس من املغاالة‪ ،‬بالنس������بة لتاريخ مسرحنا‬ ‫في العراق‪ ،‬أن نضع كاتباً مس������رحياً مثل عادل‬ ‫كاظم في موضع الريادة التجريبية‪ ،‬في مرحلة‬ ‫ما بعد الكاتب يوسف العاني‪ ،‬الذي سبق له أن‬ ‫أجنز تطوراً ثميناً ملحوظاً في تأس������يس مالمح‬ ‫فنية رصينة في النص‪ ،‬م������ع نخبة من الكتّاب‪،‬‬ ‫منهم‪ :‬طه سالم‪ ،‬نورالدين فارس‪ ،‬محيي الدين‬ ‫زنكنة‪ ،‬بنيان صالح‪ ،‬جليل القيسي‪ ،‬وآخرون‪.‬‬ ‫عادل كاظم‪ ،‬الذي نشأ وترعرع في البصرة‪،‬‬ ‫احلالم على طريق������ة الس������ندباد‪ ،‬بارتياد آفاق‬ ‫‪116‬‬

‫‪4/15/15 8:13:28 AM‬‬

‫ناقد ومؤلف مسرحي وأكادميي من العراق‬

‫عادل كاظم‬

‫بعيدة‪ ،‬منت في داخله بذرة اإلحساس باإليقاع‬ ‫الش������عري العروضي‪ ،‬وحني كان يشاهد األفالم‬ ‫كان يعي������د س������رد قصصها على مس������امع أخيه‬ ‫النحات الذي أبدع‬ ‫الفنان التشكيلي نداء كاظم‪ّ ،‬‬ ‫في كثير م������ن الروائع النحتية‪ ،‬ومن بني أبرزها‬ ‫متثال الش������اعر بدر ش������اكر السياب في مدينته‬ ‫على ش������ط العرب‪ .‬وقد تأثر عادل‪ ،‬من جانبه‪،‬‬ ‫بالتكوين������ات التش������كيلية‪ ،‬وتد ّرجاته������ا اللونية‪،‬‬ ‫ونس������بها‪ ،‬واجتاه������ات خطوطه������ا‪ ،‬وحجومها‪،‬‬ ‫ومساحاتها‪ ،‬وطرق تصميمها‪.‬‬ ‫وبذلك توافر له إمكان والدة مش������روع كاتب‬ ‫احلس التشكيلي‪ ،‬ومن‬ ‫درامي ينهل من أخيه هذا‬ ‫ّ‬ ‫زميل طفولت������ه الفنان املبدع محمد مهر الدين‪،‬‬ ‫وما ميلكه م������ن ثقافة إنس������انية تقدمية‪ ،‬وذوق‬ ‫مرهف‪ ،‬وقدرة إنتاجية مغايرة للسائد املألوف‪،‬‬ ‫يخصب مخ ّيلته من فضاءات س������ينمائية‪،‬‬ ‫وم������ا‬ ‫ّ‬ ‫لكبار املخرج���ي��ن العامليني‪ ،‬الذي������ن تعاملوا مع‬ ‫األس������اطير‪ ،‬والتاريخ‪ ،‬واحلكاي������ات الفلكلورية‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 116-119.indd 116‬‬


‫الفنانة ناهد الرماح‬

‫يوسف العاني‬

‫تعام ً‬ ‫ال إبداعياً جريئاً‪ ،‬جعل الذاكرة البش������رية‬ ‫رهن التلقي املعاصر لإلنسان البسيط‪ ،‬وللنخبة‬ ‫املفكرة أيض������اً‪ ،‬في صالة جتتمع فيها األحالم‪،‬‬ ‫والصب������وات‪ ،‬وتتغير عبرها نظرات هذا اجلمع‬ ‫تبدلت‬ ‫اخللي������ط إلى طبيع������ة مجتمعها ال������ذي ّ‬ ‫أطواره السياسية‪ ،‬واالجتماعية‪ ،‬واالقتصادية‪،‬‬ ‫والثقافية‪.‬‬ ‫م������ن الالش������عور الثقاف������ي للمدين������ة انتقل‬ ‫أث������ر اخلبرة هذه‪ ،‬ممثل������ة ‪ -‬أيض������اً ‪ -‬في لغة‬ ‫الفراهي������دي‪ ،‬وطرائف اجلاحظ‪ ،‬وأش������عار أبي‬ ‫نواس‪ ،‬ومجونه‪ ،‬ومغامراته‪ ،‬إلى حتصيل عادل‬ ‫ميتد‬ ‫كاظم املعرفي (املديني) املتالقح من تراث‬ ‫ّ‬ ‫عميقاً في الذاكرة الوطنية العراقية‪.‬‬ ‫هنا‪ ،‬تش ّكل لديه ما يُس ّمى باألمنوذج املعرفي‬ ‫اخلاص‪ ،‬واملعروف بـ«‪ ،»Paradigm‬الذي يؤطر‬ ‫مجموعة املعتقدات والقيم واألساليب واألفكار‬ ‫التي كان يتداولها الوس������ط املس������رحي آنذاك‪،‬‬ ‫واملتفاعل������ة ‪ -‬أيض������اً ‪ -‬مع الوضع السياس������ي‬ ‫والفك������ري للع������راق في تلك املرحل������ة التاريخية‬ ‫(الس������تينيات والس������بعينيات والثمانينيات) من‬ ‫القرن العش������رين‪ .‬كان لدى ع������ادل‪ ،‬وجيله‪ ،‬توق‬ ‫فني ومعرف������ي‪ ،‬ومقاربة قرائي������ة مضنية لفهم‬

‫آف������اق الواقعية واجتاهاته������ا‪ ،‬وكذلك الوجودية‬ ‫ف������ي الفلس������فة واملس������رح‪ ،‬أو م������ا انته������ت إليه‬ ‫نظريات امللحمية‪ ،‬ومس������رح العبث والالمعقول‪،‬‬ ‫والتج������ارب الطليعية األخرى ف������ي «التجريب»‬ ‫املس������رحي املتنوع‪ .‬التقط عادل كاظم من تلك‬ ‫التحوالت الدرامي������ة املفصلية‪ ،‬عب������ر تاريخها‬ ‫الطويل‪ ،‬ومبه������ارة نقدي������ة ‪ -‬حتليلية‪« ،‬جوهر»‬ ‫الفن الدرامي املس������رحي‪ ،‬وم ّي������زه من أعراضه‬ ‫الزائلة النافلة‪.‬‬ ‫وجن������ح عند قيام������ه بـ«التخطيــ������ط» لكتابة‬ ‫نصوص������ه الدرامي������ة مس������ـــرحياً‪ ،‬وتلــفزيونياً‪،‬‬ ‫وإذاعي������اً‪ ،‬وكذل������ك ح������رص عــل������ى اخـــتي������ار‬ ‫«موضــــوعاته» الفنية‪ ،‬مبعرفة جمالية وجدلية‪،‬‬ ‫تنق������ل تخ ّيالت������ه من فض������اء «االحتم������ال» إلى‬ ‫«التحقي������ق» العملي‪ ،‬يجد حل������والً إبداعية لتلك‬ ‫املشكالت الس������اكنة التقليدية‪ ،‬ويتجاوزها إلى‬ ‫فض������اء من التواصل مع ش������ريكه األش������هر في‬ ‫التجربة‪ ،‬ال في الكتاب������ة‪ ،‬وإمنا في «اإلخراج»‪،‬‬ ‫الفنان إبراهيم جالل‪ ،‬ومع أمثاله من مخرجينا‬ ‫الكبار‪ ،‬مثل‪ :‬جاسم العبودي‪ ،‬سامي عبداحلميد‪،‬‬ ‫بدري حس������ون فريد‪ ،‬محس������ن العزاوي‪ ،‬أديب‬ ‫القلية جي‪ ،‬وسواهم‪.‬‬

‫عادل كاظم وفن تشكيل النص املسرحي‬ ‫‪4/15/15 8:13:32 AM‬‬

‫‪117‬‬

‫‪may 116-119.indd 117‬‬


‫بدوي حسون فريد ومي جالل في مسلسل النسر وعيون املدينة‬

‫ّ‬ ‫ترش������حوا‬ ‫ه������ؤالء املخــــرجـــــ������ون الذي������ن‬ ‫إلخراج أعمال������ه أضافـــوا منظـــ������ورات مرئــيــة‬ ‫لتجري������دات الكتــــاب������ة‪ ،‬وب ّث������وا «قيم������اً» معزِّزة‬ ‫لتلك األنس������اق املضم������رة‪ ،‬ونقلها على ألس������نة‬ ‫ش������خوصه‪ ،‬وحواراته������م‪ ،‬وهــــ������م يفككــون معه‬ ‫تلك األح������كام القيمية (املعياري������ة)‪ ،‬ويتطلعــون‬ ‫إلى قـــي������م معرفــــية مغايــــ������رة‪ .‬يذكر في هـــذا‬ ‫املق������ام حوارات������ه‪ ،‬ومس������اجالته الصحفية مع‬ ‫د‪.‬جميل نصيف‪ ،‬املعروف برصانته األكادميــية‬ ‫املرموقة‪.‬‬ ‫ينظ������ر ع������ادل كاظم إل������ى الف������ن‪ ،‬بوصفه‬ ‫«خطاب������اً» خاضع������اً للنظري������ة الدرامية التي ال‬ ‫يجيدها إال َمن تع ّرف إلى أسرارها‪ ،‬وخفاياها‪،‬‬ ‫ليجعلها مع ّبرة عن أفكاره‪ ،‬بصورة فنية ّ‬ ‫جذابة‪،‬‬ ‫وهذا التوافق مع رأي أناتول فرانس الذي وجد‬ ‫في الف������ن انتقاالً إلى «صور» غي������ر التي نراها‬ ‫في احلياة‪ .‬ويضيف‪« :‬إنها صور تصلح مساوئ‬ ‫احلياة وتكفّر عن ذنوبها»‪.‬‬ ‫لكن تبقى املفارقة قائمة بينه وبني املخرجني‪،‬‬ ‫إذ أق������ام املخرج������ون إبداعاته������م على نصوص‬ ‫ع������ادل كاظ������م‪ ،‬وأقام هو ش������هرته على عروض‬ ‫املخرج���ي��ن في آن واحد‪ .‬وبذلك ّ‬ ‫كل منهم صنع‬ ‫اَّ‬ ‫اخللق‬ ‫إبداعه اخلاص من خالل هذا التفاعل‬ ‫(اجلدلي)‪ ،‬بينه وبني اآلخرين‪.‬‬ ‫من������ذ مس������رحيات الس������تينيات‪ ،‬وه������و في‬ ‫معهد الفن������ون اجلميلة‪ ،‬تواصلت نصوصه على‬ ‫‪118‬‬

‫‪4/15/15 8:13:36 AM‬‬

‫خش������بات مس������رحنا‪ ،‬من «ال َكاع» إل������ى «عقدة‬ ‫حم������ار» و«الطوفان»‪ ،‬و«متوز يق������رع الناقوس»‪،‬‬ ‫و«احلص������ار»‪ ،‬و«اخليط»‪ ،‬و«امل������وت والقضية»‪،‬‬ ‫و«مقام������ات أبي الورد»‪ ،‬و«املتنب������ي»‪ ،‬و«ندميكم‬ ‫هذا املساء»‪.‬‬ ‫م ّثل في نصوص عادل كاظم كبار ممثالتنا‬ ‫وممثلينا‪ ،‬ومن املمثالت‪ :‬زينب‪ ،‬وناهدة الرماح‬ ‫في «متوز يقرع الناق������وس»‪ ،‬وناهدة في «عقدة‬ ‫حم������ار»‪ ،‬وفوزية عارف في «اخلي������ط»‪ ،‬وأميرة‬ ‫علي في «الغضب»‪ ،‬وس������هام س������بتي وس������ليمة‬ ‫خضير وفاطمة الربيعي في «احلصار»‪ ،‬وسناء‬ ‫عبدالرحم������ن في «مقامات أب������ي الورد»‪ ،‬وهناء‬ ‫محمد في «املتنبي»‪ ،‬وسمر محمد في «ندميكم‬ ‫هذا املس������اء» ومن املمثلني‪ :‬سامي عبداحلميد‪،‬‬ ‫إبراهي������م جالل‪ ،‬كرمي عواد‪ ،‬ص���ل��اح القصب‪،‬‬ ‫ج������واد الش������كرجي‪ ،‬س������امي قفط������ان‪ ،‬قاس������م‬ ‫محمد‪ ،‬حميد اجلمالي‪ ،‬يعقوب األمني‪ ،‬فخري‬ ‫العقيدي‪ ،‬مقداد عبدالرضا‪ ،‬عبداألمير الورد‪،‬‬ ‫عزيز عبدالصاحب‪ ،‬فارس عجام‪ ،‬جبار كاظم‪،‬‬ ‫عزيز خيون‪ ،‬غازي التكريتي‪ ،‬س������تار البصري‪،‬‬ ‫وآخرون‪.‬‬ ‫طغ������ت «الثيم������ة» الفكرية اخلاص������ة بوعي‬ ‫البطل الوجودي‪ ،‬الفردي‪ ،‬املنهمك مبش������روعه‬ ‫ضد الس������لطة‪ ،‬وبطانتها‪ ،‬من أس������ماء ووظائف‬ ‫أجنبية‪ ،‬ج������اءت إلى حصار بغداد‪ ،‬أو االحتالل‬ ‫منذ املغول والتتار‪ ،‬إلى العثمانيني إلى اإلجنليز‪،‬‬ ‫إلى احلكم املطلق‪ ،‬وهي تذ ّكرنا مبحنة العراقيني‬ ‫وهم يرزحون حتت سلطة «خزندار‪ ،‬وجندرمة‪،‬‬ ‫والصاحب‪ ،‬وسواهم»‪ ،‬ويقابلهم «شعيط ومعيط‬ ‫وجرار اخليط‪ ،‬والسايس‪ ،‬وفلتانة‪ ،‬على خلفية‬ ‫من مناظر بابلية‪ ،‬وعباسية‪ ،‬بغدادية وعثمانية‪،‬‬ ‫ومعاصرة»‪.‬‬ ‫وق������د ّ‬ ‫مت نح������ت ه������ذه الع������روض‪ ،‬بصياغة‬ ‫بصري������ة‪ ،‬للفن������ان كاظم حي������در‪ ،‬وفاضل قزاز‪،‬‬ ‫وأزياء امتثال الطائي‪ ،‬وسواها‪.‬‬ ‫ع ّمق اإلخ������راج اجتاهات النص الذي يكتبه‬ ‫ع������ادل كاظ������م في مس������ارب حلمي������ة‪ ،‬وواقعية‪،‬‬ ‫وتعبيري������ة‪ ،‬ووجودية‪ ،‬وعبثي������ة (كافكوية) مث ً‬ ‫ال‪.‬‬ ‫وهي حتمل رسائل «فكرية» عريضة‪ ،‬وصادمة‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 116-119.indd 118‬‬


‫شخصيات‬ ‫كال������ذي حصل ف������ي إعداده ملس������رحية برخت‪،‬‬ ‫«دائ������رة الطباش������ير القوقازية»‪ ،‬حت������ت عنوان‪:‬‬ ‫«دائ������رة الفح������م البغدادي������ة»‪ ،‬الت������ي أبدع في‬ ‫إخراجه������ا إبراهيم جالل‪ ،‬وف������ق منهج برختي‪،‬‬ ‫وتأويل عراقي خاص برؤية املخرج الذاتية‪ ،‬ما‬ ‫أثار حفيظة الرقيب‪ ،‬وقام بإيقافها بعد عرضها‬ ‫األول‪.‬‬ ‫ُعرف عن عادل كاظم بعض املفارقات الساخرة‬ ‫على طريقة برناردشو‪ ،‬الذي أخذ عنه‪ ،‬وعن سارتر‪،‬‬ ‫ذلك الولع باألفكار االش� � ��تراكية العامة‪ ،‬والوجودية‬ ‫الفردية اخلاصة‪ ،‬وكذلك الهجاء الساخر‪ ،‬وسخريته‬ ‫حتى من نفس� � ��ه‪ ،‬حتى أنه قال م � � � ّرة‪ ،‬مداعباً‪ ،‬إنه‬ ‫العدة‪ ،‬لتحطيم السينما العراقية‪ ،‬بعد أن فرغ‬ ‫يعد ّ‬ ‫من حتطيم املس� � ��رح العراقي والتلفزيون! (رغم أنه‬ ‫قدم روائع املسلسالت‪ ،‬مثل‪ :‬الذئب وعيون املدينة‪،‬‬ ‫واملدن الثالث‪ ...‬وسواهما)‪.‬‬ ‫وم� � ��ن طرائف تقلّبات� � ��ه الوجدانية احلميمة ما‬ ‫ميكننا تس� � ��ميته بـ «فضل السودان على البيضان»‪،‬‬

‫على نه� � ��ج اجلاحظ‪ ،‬ابن مدينت� � ��ه (البصرة)‪ ،‬حني‬ ‫فضحه عط� � ��ر الغابات اإلفريقي� � ��ة الصارخ املراق‬ ‫على مخدع نومه األسري‪.‬‬ ‫وتكثر الطرائ� � ��ف‪ ،‬واحلكايات‪ ،‬حني كان يكتب‬ ‫حواراً مضافاً للدور ال� � ��ذي ميثله صالح القصب‪،‬‬ ‫وهو يغري� � ��ه على دعوته لغداء ف� � ��ي أحد املطاعم‪،‬‬ ‫األمر ال� � ��ذي جعل املخ� � ��رج إبراهي� � ��م جالل يقف‬ ‫مستغرباً من هذه الزخّ ات احلوارية الفجائية التي‬ ‫ميطرها املمثل في قاعة التمرين‪ ،‬يومياً! إضافات‬ ‫جعلت حواراته تخرج عن اإلطار الذهبي املطلوب‪،‬‬ ‫ف� � ��ي «احلدث» الدرامي! وله طرائف مع ندميه في‬ ‫الراح‪ ،‬إبراهيم جالل‪ ،‬في الليالي املقمرات‪.‬‬ ‫يحتف� � ��ظ ع� � ��ادل كاظ� � ��م مبخطوط� � ��ات كثيرة‬ ‫ملسرحيات ومسلسالت جديدة‪ ,‬يسعى في تقدميها‬ ‫إلى جهات إنتاجية تتبنى عطاءه املكتنز باإلنسانية‪،‬‬ ‫واحل� � ��ب‪ ،‬واجلم� � ��ال‪ ،‬والوطنية احل ّق� � ��ة‪ ،‬واملوهبة‬ ‫املثقف� � ��ة‪ ،‬والعراقي� � ��ة العميق� � ��ة اجل� � ��ذور‪ ،‬الف ّواحة‬ ‫العطرية >‬

‫في مديح األولى‬ ‫ت ��زوج أعراب ��ي امرأة ثانية على زوجت ��ه األولى التي كانت طيب ��ة وجميلة وبنت عز‬ ‫ودالل‪ ،‬وكان ��ت الثانية مناكفة‪ ،‬س ��ليطة‪ ،‬غي ��ورة إلى حد النكد واملخالف ��ة‪ ،‬وكانت تأتي‬ ‫األولى وتنشد أمام بيتها‪:‬‬ ‫وما تستوي الرجالن رجل صحيحة‬ ‫ورج���ل رم ��ى ف�ي�ه��ا ال��زم��ان فشلتا‬ ‫ثم تعود وترمي الزوجة األولى بالشعر ‪ ،‬وتقول‪:‬‬ ‫وما يستوي الثوبان ثوب به البلى‬ ‫وث � ��وب ب ��أي ��دي ال �ب��ائ �ع�ين جديد‬ ‫فضاقت األولى ‪ ،‬وخرجت لها وضاءة احمليا ‪ ،‬تنير حولها بهاء‪ ،‬وأنشدت‪:‬‬ ‫نقل فؤادك حيث شئت من الهوى‬ ‫م��ا ال�ق�ل��ب إال للحبيب األول‬ ‫كم منزل في األرض يألفه الفتى‬ ‫وح �ن �ي �ن��ه أب� � � ��د ًا ألول منزل‬ ‫عادل كاظم وفن تشكيل النص املسرحي‬ ‫‪4/15/15 8:13:41 AM‬‬

‫‪119‬‬

‫‪may 116-119.indd 119‬‬


‫شعر‬

‫الحـمال‬ ‫ما قــاله‬ ‫َّ‬ ‫عبدالناصر عيسوي‬ ‫شاعر من مصر‬

‫‪120‬‬

‫‪4/15/15 8:14:10 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 120-121.indd 120‬‬


‫ُ‬ ‫يحمل َه ِّمي اآلنَ‪..‬‬ ‫َم ْن‬ ‫اي!‬ ‫ِس َو ْ‬ ‫قُ‬ ‫ود‬ ‫م‬ ‫ي‬ ‫فْ‬ ‫َظ ْه ِر َ ٌ‬ ‫منذ ُعقو ْد‬ ‫الفق َِر ُّي‪..‬‬ ‫ِ‬ ‫وعمودي ِ‬ ‫َ‬ ‫تَخَ َّطى مرحلة ال َو ْص ِف‪..‬‬ ‫فكيف ُي ُ‬ ‫قال عمو ْد؟!‬ ‫املائل‬ ‫كالع ِ‬ ‫بل هو ُ‬ ‫ود ِ‬ ‫من كثرة أحمالي‪..‬‬ ‫ُ‬ ‫األرض‬ ‫أبحث في أعماق‬ ‫فكأني‬ ‫ْ‬ ‫عن آمالي‬ ‫ومآلي‬ ‫احلم ِالنيَ‪..‬‬ ‫كنت مع‬ ‫قد ُ‬ ‫َّ‬ ‫حبت ِه ْم‬ ‫ص‬ ‫وفي ُ ِ‬ ‫األصحاب‬ ‫أكتاف‬ ‫فرأيت على‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫حمو ًال‪..‬‬ ‫ُ‬ ‫وقررت بأن أبقى معهم‬ ‫فتألمَّ ُت‬ ‫ً‬ ‫أجولة‪..‬‬ ‫أن أحمل عنهم‬ ‫ْ‬ ‫وصناديقْ‬ ‫لم أت َو َّرع‪..‬‬ ‫َ‬ ‫أحمل أثقا ًال‬ ‫أن‬ ‫أي صديقْ‬ ‫عن ِّ‬ ‫ُ‬ ‫أعرف ساعتَها أني‬ ‫َ‬ ‫حمول البشر َّي ِة‪..‬‬ ‫ص‬ ‫ُ‬ ‫كنت أ ُر ُّ‬ ‫العربات‪..‬‬ ‫فوق‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫احلمالنيَ‪..‬‬ ‫أعناق‬ ‫أخفف عن‬ ‫فكنت‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫َّ‬ ‫ُأل ْكت ََب عند الل ْه‬ ‫لألوزار‪..‬‬ ‫َح َّما ًال‬ ‫ِ‬ ‫لآلثام‪..‬‬ ‫وح َّما ًال‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫لألثقال الزائدة على‬ ‫وحما ًال‬ ‫ِ‬ ‫أعناق احلمالنيَ‪..‬‬ ‫ِ‬ ‫الناس‬ ‫وأعناق‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫احلمالونَ ‪..‬‬ ‫شَ َّج َعني‬ ‫َّ‬ ‫ما قــاله احل َّـمال‬ ‫‪4/15/15 8:14:14 AM‬‬

‫الناس‪..‬‬ ‫وشج َعني‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫وظ ُّلوا ينتظرون مجيئي‪..‬‬ ‫احلم َ‬ ‫ُ‬ ‫األكبر‬ ‫ال‬ ‫صرت‬ ‫حتى‬ ‫َّ‬ ‫ْ‬ ‫َّأما اآلنَ‪..‬‬ ‫السنوات على بحثي‬ ‫رور‬ ‫ِ‬ ‫فبع َد ُم ِ‬ ‫عن ظهري املفقو ْد‬ ‫الناس‪..‬‬ ‫يأتي‬ ‫ُ‬ ‫مي ُّرونَ ع َل ّْي‬ ‫ُ‬ ‫ِّ‬ ‫ُ‬ ‫األثقال‬ ‫وأنا حامل كل‬ ‫ِ‬ ‫كتف َّْي‬ ‫على ِ‬ ‫ال يعترفونَ بأنِّي‬ ‫احلم َ‬ ‫األكبر‬ ‫ال‬ ‫كنت‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫ْ‬ ‫ال يحترمون وقوفي َمحن ًّيا‪..‬‬ ‫الظهر‪..‬‬ ‫مفقو َد‬ ‫ِ‬ ‫الع ْم ِر‪..‬‬ ‫ومفقو َد ُ‬ ‫أن‬ ‫أقد ُر ْ‬ ‫وال ِ‬ ‫َ‬ ‫أحمل أثقالي‬ ‫الناس‪..‬‬ ‫نك ُرني‬ ‫هلْ ُي ِ‬ ‫ُ‬ ‫احلد‬ ‫إلى هذا‬ ‫ّ‬ ‫أهلكت شبابي‬ ‫هل ذنبي أنِّي‬ ‫ُ‬ ‫أجل حمول البشريةْ؟‬ ‫من ِ‬ ‫هل ذنبي‬ ‫ظهر‬ ‫أني اآلن بال ْ‬ ‫هل ذنبي‬ ‫القهر‬ ‫وني‬ ‫أن يع ُل‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫أحمل أثقالي؟!‬ ‫ال أقد ُر أن‬ ‫لكنِّي أسأ ُل ُه ْم‪:‬‬ ‫لو عا َد َّ‬ ‫الظ ْه ُر إ َل ّْي‬ ‫َ‬ ‫الناس‬ ‫حمول‬ ‫وحملت‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫على َك ِتف َّْي‬ ‫ُ‬ ‫الناس‪..‬‬ ‫يعرفني‬ ‫هل‬ ‫ُ‬ ‫ويأتونَ إ َل ّْي‬ ‫ويقولون وأعين ُُه ْم في َع ْين َّْي‪:‬‬ ‫احلم ُ‬ ‫األكبر؟!‬ ‫ال‬ ‫هذا‬ ‫َّ‬ ‫ْ‬ ‫‪121‬‬

‫‪may 120-121.indd 121‬‬


‫قصة‬

‫الـكـرســي‬ ‫د‪ .‬محمد رياض العشيري‬

‫بريطاني من أصل مصري‬

‫لم أبلغ هذا المكان اليوم بسهولة‪ .‬جئت في صحبة آخرين‪ ،‬بيد أني‬ ‫عوملت بطريقة خاصة‪ ،‬فيها قسط كبير من الرفق‪.‬‬ ‫أت��راه��م يعرفون ع��دد السنين التي تركت آث��اره��ا على ظ��ه��ري؟ أم أن‬ ‫مالمحي‪ ،‬وقسماتي‪ ،‬وتلك البقع الصغيرة التي ترقط جلدي تفضح‬ ‫سري وتبوح بعمري؟‬ ‫مهما يكن انطباع اآلخرين عني‪ ،‬فإنني أشعر اليوم بوهن‪ .‬وأخشى أال‬ ‫أستطيع بعد ذلك المشاركة في مثل تلك األمسيات‪.‬‬

‫(‪)١‬‬ ‫هل أصابن� � ��ي الكبر؟ أو أني ل� � ��م أعد أطيق ما‬ ‫كنت أحتمله في سني حياتي املاضية من سخافات‬ ‫البشر‪ ،‬ونفاقهم‪ ،‬وكبريائهم الفارغة‪ ،‬وثرثراتهم التي‬ ‫تصيبني بالغثيان‪ ،‬خاصة في مثل تلك السهرات؟‬ ‫علي أن أعترف أني لم أعد كما كنت أيام زمان‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫مثل اجلمل صبراً‪ ،‬وكاحلمار حت ُّم ً‬ ‫ال‪ .‬وللزمن حكمه‬ ‫على اجلميع‪ ،‬حتى أنا‪ .‬وأنا لس� � ��ت شاباً‪ ،‬فقد كدت‬ ‫أدخل في الع� � ��ام األخير من عقدي الثالث في هذه‬ ‫الشركة‪.‬‬ ‫كم مضت األيام سراعاً! بل كم كانت الساعات‬ ‫طواالً وقاسية أحايني كثيرة‪ ،‬فأنا ال أحسب عمري‬ ‫باألي� � ��ام‪ ،‬بل بالس� � ��اعات‪ ،‬وأحياناً يبل� � ��غ بي الضجر‬ ‫علي الوجود في‬ ‫فأحسبه بالدقائق‪ ،‬خاصة إذا كتب ّ‬ ‫اجتماع‪ ،‬أو ندوة‪ ،‬أو حفلة‪ ،‬أضطر إليها اضطراراً‪.‬‬ ‫علي التعرف عن قرب بأناس وأناس‪،‬‬ ‫وكم كتب َّ‬ ‫ومررت بلحظات ألم وأنني‪ ،‬وثواني راحة وانسجام‪.‬‬ ‫وأن� � ��ا ال أبالغ حينما أقول إن� � ��ي عرفت من صنوف‬ ‫الناس ألواناً وألواناً‪.‬‬ ‫‪122‬‬

‫‪4/15/15 8:15:26 AM‬‬

‫(‪)٢‬‬ ‫بدأت حياتي في هذه الش� � ��ركة بداية كانت غير‬ ‫معت� � ��ادة‪ ،‬كنت في أول حيات� � ��ي العملية‪ ،‬وكنت فتياً‪،‬‬ ‫ب ّراقاً‪ ،‬ولدي مؤهالت أخرى كثيرة‪ ،‬قدرتها الشركة‬ ‫فدفعت نظيرها مبلغاً ل� � ��م يتخ ّيله أحد من أترابي‪،‬‬ ‫أو أبناء جلدتي‪.‬‬ ‫وش� � ��اركت ‪ -‬بالرغم من حداثة عهدي ‪ -‬مدير‬ ‫القس� � ��م في غرفة واحدة‪ ،‬وأش� � ��عرتني معاملته لي‬ ‫بأنني مميز‪ ،‬إذ خصص لي مكتباً قبالة مكتبه‪.‬‬ ‫وظللت في هذا املكتب نحو عشرين عاماً‪ ،‬فقد‬ ‫لدي أوالً من بهاء وأناقة‪ ،‬وما اكتسبته‬ ‫استطعت مبا َّ‬ ‫وحس� � ��ن مس� � ��لك خالل العمل‪ ،‬أن‬ ‫ثانياً من مهارات ُ‬ ‫إلي‪ ،‬وال‬ ‫أدي� � ��ر رأس مدير القس� � ��م فال يلتف� � ��ت إال َّ‬ ‫يقصد سواي‪ ،‬حتى صرت أثيراً لديه‪.‬‬ ‫واعتبرت نفسي محظوظاً جداً‪ ،‬فلم أر أو أسمع‬ ‫بأحد م� � ��ن أقاربي‪ ،‬أو أقران� � ��ي‪ ،‬أو زمالئي نال من‬ ‫احلظ� � ��وة في العمل ما حتقق ل� � ��ي‪ .‬أما عائلتي فهي‬ ‫غير موسرة‪ ،‬لكنها مع تلك احلال تنتمي إلى الطبقة‬ ‫الوس� � ��طى‪ .‬واحلمد للخالق على ما قسم‪ ،‬فكم من‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 122-125.indd 122‬‬


123

may 122-125.indd 123

‫الكرسي‬ 4/15/15 8:15:31 AM


‫أقاربن� � ��ا من لم يع � � � ُل كعبه في درج� � ��ات العمل عن‬ ‫احلمامات يقضي فيها ساعات الشغل‪ .‬لكن هناك‬ ‫من رزق� � ��ه الله تعالى نعمة العم� � ��ل في كنف قصور‬ ‫الرئاسة‪ ،‬فنال الرزق ونعم بالراحة‪ ،‬كما يحكون‪.‬‬ ‫(‪)٣‬‬ ‫ً‬ ‫بي� � ��د أن دوام احل� � ��ال فعال من احمل� � ��ال‪ ،‬فلم‬ ‫يدم احلظ ما ّداً يديه‪ ،‬بل عاكس� � ��ني‪ ،‬وشاكسني‪،‬‬ ‫وما أقس� � ��ى أالعيبه‪ .‬ففي يوم من األيام النحسة‪،‬‬ ‫كنت أش� � ��عر بتعب من كث� � ��رة اجلهد وزيادة الكبت‬ ‫الذي سببه حتملي ألسابيع ما فوق طاقتي‪ ،‬وكان‬ ‫مدير القس� � ��م يجتمع مع بعض مديري األقس� � ��ام‬ ‫األخ� � ��رى‪ ،‬وكم أحسس� � ��ت وقتها بثق� � ��ل الثواني‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫وحمل اللحظات‪ ،‬قبل الدقائق والس� � ��اعات التي‬ ‫اس� � ��تغرقها ذلك االجتماع املش� � ��ؤوم‪ ،‬وكم متنيت‬ ‫لو يُحدث اخلالق أم� � ��راً‬ ‫فينفض االجتماع فيريح‬ ‫ُّ‬ ‫ونستريح‪.‬‬ ‫ويب� � ��دو أن� � ��ي جلبت لنفس� � ��ي ما ح� � ��دث‪ .‬فقد‬ ‫تعثرت ق� � ��دم أحد املوظف� �ي��ن حت� � ��ى كاد يتهاوى‪،‬‬ ‫فارتطم بي فجاءة فالتوت س� � ��اقي‪ ،‬بعد لسعة ألم‬ ‫لم تدم حليظات‪ ،‬ولم أمتالك نفسي فانهرت قعيد‬ ‫األرض‪ ،‬وأطحت في طريقي بصينية قهوة املدير‪،‬‬ ‫فانس� � ��كبت على مالبسه التي كان مزه ّواً بها ذلك‬ ‫الي� � ��وم أمام نظرائه‪ ،‬وانتش� � ��رت بق� � ��ع القهوة على‬ ‫كرشه الذي بدأ ينتفخ أكثر فأكثر خالل السنوات‬ ‫العشر األخيرة‪ .‬فانتفض‪ ،‬وارتعد‪ ،‬وصرخ‪ ،‬وزعق‪،‬‬ ‫إلي وأنا طري� � ��ح األرض‪ .‬وال‬ ‫م� � ��ن دون أن يلتف� � ��ت َّ‬ ‫أدري كي� � ��ف م َّرت الليلة التي ل� � ��م أ َر بعدها املكتب‬ ‫وم� � ��ن فيه‪ ،‬وما فيه‪ .‬وأص� � ��در ذلك املدير البغيض‬ ‫قراراً بإحالتي إلى املخازن‪ ،‬بعد عودتي من العالج‬ ‫الذي لم يستطع حرماني منه‪ ،‬بسبب قوة نقابتنا‪،‬‬ ‫وحتى أظل مس� � ��تخ َدماً له ينتفع مبا ما زلت أمتتع‬ ‫به من قدرات‪.‬‬ ‫وع� � ��دت إلى العمل‪ ،‬ليس كما كنت في س� � ��نوات‬ ‫البهي‪ ،‬إذ ال تزال آثار كسر ساقي تهددني‬ ‫الش� � ��باب‬ ‫ّ‬ ‫أحياناً‪ ،‬ف� �ل��ا أمتلك معها الس� � ��يطرة على حركتي‪،‬‬ ‫لكنني كنت أتظاهر بالتعافي حتى أظل في اخلدمة‪،‬‬ ‫وليشفع لي ُحس� � ��ن مظهري فينتدبني املديرون في‬ ‫مه� � ��ام ال أرجو منها ‪ -‬والله ‪ -‬س� � ��وى التن ُّعم براحة‬ ‫أفتقدها في املخازن‪.‬‬ ‫‪124‬‬

‫‪4/15/15 8:15:34 AM‬‬

‫(‪)٤‬‬ ‫وأفلحت خطتي‪ ،‬فبقيت في اخلدمة‪ ،‬وظل احلظ‬ ‫يداعبني من بعيد أحياناً‪ ،‬فأُنتدب إلى حفل أو ندوة‬ ‫للشركة‪ ،‬ألكون عوناً للمديرين وكبار املوظفني‪ .‬وهذا‬ ‫هو الذي جاء بي الليلة إلى هنا‪ .‬ونظراً لقدم عهدي‬ ‫في الش� � ��ركة‪ ،‬والرتباطي في املاضي ‪ -‬وأحياناً في‬ ‫احلاضر ‪ -‬بكبار رجال وس� � ��يدات الش� � ��ركة‪ ،‬اعتاد‬ ‫العمال على معاملتي باحت� � ��رام‪ ،‬وأحياناً برفق‪ ،‬قد‬ ‫يكون الدافع إليه خبرة الس� � ��نني‪ ،‬كما أس� � ��ميها‪ ،‬أو‬ ‫الهرم الذي بدأ يدب في أوصالي‪ ،‬كما هو الواقع‪.‬‬ ‫جانبي جمع من‬ ‫كن� � ��ت في الصف األول وعل� � ��ى‬ ‫ّ‬ ‫كب� � ��ار احلض� � ��ور‪ .‬وال أدري مل� � ��اذا يك� � ��ون الكبار في‬ ‫وحم ً‬ ‫ش� � ��ركتنا كباراً في كل شيء‪ ...‬س� � ��ناً‪ ،‬ووزناً ِ‬ ‫ال‪،‬‬ ‫وانتفاخاً‪.‬‬ ‫وأخذ املدعوون يفدون إلى القاعة التي تتس� � ��ع‬ ‫لنحو مائتي ش� � ��خص‪ .‬خُ صصت الصفوف اخلمسة‬ ‫األولى منها لرجاالت الش� � ��ركة وس� � ��يداتها من ذوي‬ ‫الش� � ��أن‪ .‬مش� � ��اهدة القادمني متعة يا لها من متعة‪.‬‬ ‫هذا رجل قضى الزمن عليه نحبه‪ ،‬فس� � ��ار متهالكاً‪،‬‬ ‫يعرج مينة‪ ،‬ليعرج يس� � ��رة‪ ،‬وال ميت� � ��د بصره إال إلى‬ ‫موطئ قدمه‪ .‬لكنه يسير محوطاً بثلة عن ميينه وثلة‬ ‫عن يس� � ��اره من كبار املوظفني‪ .‬أتراه رئيس مجلس‬ ‫اإلدارة؟‬ ‫ودخل� � ��ت بع� � ��ده بدقائ� � ��ق س� � ��يدة ف� � ��ي أواخر‬ ‫وتلفت أنا عن مييني‬ ‫الثالثينيات‪ ،‬عجبت ملرآه� � ��ا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وع� � ��ن ش� � ��مالي‪ ،‬إذ إني لم أصدِّق م� � ��ا كانت تلبس‪،‬‬ ‫وظنن� � ��ت أنه� � ��ا أخطأت ف� � ��ي القاع� � ��ة‪ .‬كانت تلف‬ ‫جس� � ��دها بثوب س� � ��هرة طويل‪ ،‬له ذيل يعادل طولها‬ ‫ضعف� �ي��ن أو ثالثة‪ ،‬لون� � ��ه أزرق فاق� � ��ع‪ ،‬خبا خج ً‬ ‫ال‬ ‫صفرة قبعتها األفقع‪ .‬وكانت متش� � ��ي الهوينى‬ ‫م� � ��ن ُ‬ ‫وكأنها تسير في عرض أزياء هي جنمته‪ .‬ما الذي‬ ‫ج� � ��رى يا ناس؟ هل نحن ف� � ��ي عرس؟ ما أعرفه أنا‬ ‫أن االجتماع رسمي يحضره رئيس مجلس اإلدارة‪،‬‬ ‫وأعضاء املجل� � ��س‪ ،‬وكبار املديرين‪ .‬والتوت األعناق‬ ‫متابع� � ��ة لها خط� � ��وة بخطوة‪ .‬ثم َّ‬ ‫هل ش� � ��باب هالني‬ ‫منظر ملبس� � ��هم‪ ،‬وأنا في ما يب� � ��دو‪ ،‬من جيل قدمي‬ ‫ال يعجب� � ��ه العجب‪ ،‬بناطيلهم ت� � ��كاد تكون جزءاً من‬ ‫أجسادهم‪ُ ،‬رسمت عليها رس� � ��ماً‪ ،‬وتد ّلى خصرها‬ ‫تد ِّلياً مزرياً‪ .‬أستغفرك ربي وأتوب إليك‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 122-125.indd 124‬‬


‫قصة‬ ‫(‪)٥‬‬ ‫وب� � ��دأ كل واف� � ��د يتجه إلى مكان� � ��ه حتى امتألت‬ ‫القاعة‪ .‬ولم يبق على بدء االجتماع س� � ��وى دقيقتني‪.‬‬ ‫وتس� � ��ارعت اخلطى بني القادمني‪ ،‬فصاروا يهرولون‪،‬‬ ‫يس� � ��عى كل منهم إلى اللحاق مبكان� � ��ه‪ .‬وفي الدقيقة‬ ‫األخيرة دخل شاب في أوائل العشرينيات‪ ،‬بدا عليه‬ ‫االرتب� � ��اك‪ ،‬ودار بنظره هنا وهناك ث� � ��م اتخذ قراراً‬ ‫متس � � � ِّرعاً‪ ،‬في ما أظ� � ��ن‪ ،‬فجلس حي� � ��ث كنت‪ .‬علت‬ ‫وجه� � ��ه حمرة للحظ� � ��ات‪ ،‬وظل االرتباك يس� � ��ري في‬ ‫أحس بأن وضعه اس� � ��تقر‬ ‫أوصال� � ��ه‪ ،‬وبلع ريقه وكأنه‬ ‫َّ‬ ‫في جلس� � ��ته‪ ،‬ولن يتيح الوقت فرص� � ��ة ألحد ليقيمه‬ ‫من هذا املكان‪.‬‬ ‫ً‬ ‫لكن حظه‪ ،‬وحظي أن� � ��ا أيضا‪ ،‬كانا عاثرين‪ .‬ففي‬ ‫آخ� � ��ر حلظة قدمت مجموعة من كب� � ��ار املديرين‪ ،‬من‬ ‫بينه� � ��م مدير قس� � ��مي البغيض‪ ،‬ال� � ��ذي ازداد انتفاخاً‬ ‫وتكرش � � �اً‪ ،‬وس� � ��ارع أحد مصاحبيه إلى الهرولة نحوي‬ ‫مشيراً إليه‪:‬‬ ‫تفضل هنا‪.‬‬ ‫تفضل‪ّ ،‬‬ ‫ ّ‬‫ثم رمق الشاب املسكني باحتقار‪ ،‬وهمس في أذنه‬ ‫بصوت خشن خفيض‪:‬‬ ‫ هذا الكرس� � ��ي للمدير يا ولد؟ أال تعرف ذلك؟‬‫قم!‬ ‫وازداد ارتب� � ��اك الش� � ��اب‪ ،‬الذي أجل� � ��م املوقف‬ ‫لس� � ��انه‪ ،‬فلم ينط� � ��ق‪ ،‬ولم يتح له املس� � ��اعد الفرصة‬ ‫ليقوم من جلسته‪ ،‬فقد شده من ذراعه فخلعه بعيداً‬ ‫عني‪ .‬وكرر املساعد دعوته للمدير‪:‬‬

‫تفضل‪ ،‬حضرتك‪ ،‬هذا مكان سيادتكم‪.‬‬ ‫ ّ‬‫ً‬ ‫وشكوت متمتما في نفس� � ��ي حظي العاثر‪ ،‬قبل‬ ‫أن يبل� � ��غ املدي� � ��ر مكاني ليجلس‪ .‬لق� � ��د بدا الغضب‬ ‫على وجهه‪ ،‬عندما رأى الشاب املسكني وقد جت ّرأ‪،‬‬ ‫وبلغ� � ��ت وقاحته ‪ -‬من وجهة نظره هو طبعاً ‪ -‬مبلغاً‬ ‫احتل معه كرس� � ��يه هو‪ .‬ومال مس� � ��اعده في انحناء‬ ‫إلي‪ ،‬وهو يقول‪:‬‬ ‫متملق مشيراً ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫تفضل‪ ،‬أهال وسهال بحضرتك‪.‬‬ ‫ ّ‬‫ول� � ��م يرق املدي� � ��ر الغاضب ه� � ��ذا التملق الزائد‬ ‫من مس� � ��اعده‪ ،‬فأشار إليه بيده ليزيحه عن طريقه‪.‬‬ ‫وارمتى بجس� � ��ده كله‪ ،‬الذي بدا وكأنه جس� � ��د فيل‪،‬‬ ‫علي‪ ،‬من دون رحمة‪ ،‬وب� �ل��ا رفق‪ ،‬وبال هوادة‪ ،‬ومن‬ ‫ّ‬ ‫ميت إلى اإلنسانية بصلة‪ .‬أحسست‬ ‫دون أدنى شعور ّ‬ ‫ب� � ��أن املكان أظلم‪ ،‬لم أعد أبصر من القاعة ش� � ��يئاً‪،‬‬ ‫وفجأة ُكتمت أنفاسي‪ ،‬وشعرت بارتطام كتلة جسده‬ ‫كله‪ ،‬حلماً ودهوناً وعظاماً‪ ،‬وكرهاً‪ ،‬وبغضاً‪ ،‬وحقداً‪.‬‬ ‫أحس بشيء‪ ،‬لكن تبادر إلى سمعي صوت واهن‬ ‫ولم‬ ‫ّ‬ ‫صادر عني يتأوه «آي»‪.‬‬ ‫عال اختلطت فيه قرقعة‬ ‫ثم خرق أذن� � ��ي صوت ٍ‬ ‫بخرخش� � ��ة‪ ،‬وكأن عظام� � ��ي قد ّ‬ ‫هش� � ��متها مطرقة‬ ‫حديدية ضخمة‪ ،‬وغبت عن الوعي حلظات‪.‬‬ ‫وعلت في أرجاء القاعة صرخة مفاجئة‪ ،‬تهادت‬ ‫إلى سمعي من بعيد‪ ،‬بعيد‪ ،‬تبعها هرج شديد‪ .‬وعال‬ ‫صوت أظن أنه كان يذكر اسمي‪:‬‬ ‫ الكـ … رسي …‪ ،‬انــ … كــ … سر ‪ ،...‬الــ … مـ …‬‫دير …‪ ،‬و‪ ..‬قع ‪ ،...‬و… قع >‬

‫التسع لك‬ ‫دعا رجل أشعب لطعام‪ .‬فقال‪ :‬ما أجيبك‪ ،‬أنا أخبر بكثرة ُجموعك‪ ،‬فقال‪ :‬على أن‬ ‫ال أدعو س ��واك‪ ،‬فأجابه‪ ،‬فبينما هم كذلك‪ ،‬إذ طلع صبي فصاح أش ��عب‪ :‬من هذا؟ ألم‬ ‫أش ��رط عليك؟! قال‪ :‬يا أبا العالء هو ابني وفيه عش � ُ�ر خصال‪ ،‬قال‪ :‬وما هن؟ قال‪ :‬ال‬ ‫يأكل مع الضيف‪ .‬قال‪ :‬حسبي‪ ،‬التسع لك‪.‬‬

‫الكرسي‬ ‫‪4/15/15 8:15:38 AM‬‬

‫‪125‬‬

‫‪may 122-125.indd 125‬‬


‫طرائف عربية‬

‫عدمتك من فتى لو كان ُيضني‬ ‫ب �ث �ق �ل �ت��ه ف� �ت ��ى ل �ق �ض��ى قتيال‬ ‫مي� ��وت ال� �ن���اس م���ن داء وه���ذا‬ ‫مي� �ي � ُ�ت ال� � ��داء وامل� � ��وت الوبيال‬ ‫�اء ع�ل��ى جدار‬ ‫ول ��و أل �ق��ى ال �ض �ي� ُ‬ ‫ل� ��ه ظ �ل� ً�ا ألوشَ � � � � َ‬ ‫�ك أن مييال‪.‬‬ ‫ُهن القيان‬ ‫قال شاعر في البعوض‪:‬‬ ‫ب�� �ع� ��وض ش� ��رب� ��ن دم � � ��ي ق� �ه ��وة‬ ‫وغ� �ن� �ي� �ن� �ن ��ي ب� � �ض � ��روب األغ� � ��ان‬ ‫ك� � � � ��أن ع� � � ��روق� � � ��ي أوت� � � ��اره� � � ��ن‬ ‫وجسمي ال��رب��اب وه��ن القيان‪.‬‬ ‫(ال َقيْنَ ُة‪ :‬األَمة صانع ًة أو غير صانعة‪ ،‬وغلب‬ ‫على املُغ ّنَية)‬ ‫ً‬ ‫حاال‬ ‫استأنفوا‬ ‫‪ ‬ملا أخفق الش�� ��اعر حافظ إبراهيم في اس�� ��تكمال‬ ‫دراس�� ��ته الثانوية وهو في كنف خاله مبدينة طنطا‪،‬‬ ‫عمل محامياً حتت إمرة محام ش�� ��هير يدعى محمد‬ ‫بك أبوشادي‪ ،‬وذات يوم ذهب إلى القاهرة هو وأحد‬ ‫احملامني الشباب نيابة عن محمد أبوشادي ملعرفة‬ ‫منطوق احلكم في قضية كبيرة‪ ،‬وملا كان احلكم في‬ ‫القضي�� ��ة ملصلحتهم‪ ,‬أبرقوا إلى احملامي الش�� ��هير‪:‬‬ ‫«لق�� ��د انتصر احلق»‪ ،‬وبعد س�� ��اعات تلقوا اجلواب‬ ‫التالي من احملامي الشهير‪« :‬استأنفوا حاالً»‪.‬‬ ‫‪ ‬ثقييييييل‬ ‫يقول الشاعر في ثقيل‪:‬‬ ‫رسختَ على الثرى عرض ًا وطوال‬ ‫َ‬ ‫ت� � � ُ‬ ‫�زول ال� ��راس � �ي� � ُ‬ ‫�ات ول� ��ن ت ��زوال‬ ‫م �ل �ك��تَ م��ذاه��ب ال��دن �ي��ا علينا‬ ‫ف �ه��ل أب �ق �ي��تَ ل�ل� ُ‬ ‫أخ���رى سبيال‬

‫‪126‬‬

‫‪4/15/15 8:34:19 AM‬‬

‫فصاحة ُمنقذة‬

‫التق�� ��ى صاحب ح�� ��رس احلجاج بغلم�� ��ان يطوفون‬ ‫باللي�� ��ل‪ ،‬وأراد أن يضرب رقابه�� ��م‪ ،‬ثم قال لهم‪ :‬من‬ ‫أنتم؟ فقال األول‪:‬‬ ‫أن� � ��ا اب� � ��ن م � ��ن دان�� � ��ت ال � ��رق � ��اب له‬ ‫م � ��ا ب �ي��ن م � �خ� ��زوم � �ه� ��ا وه ��اش� �م� �ه ��ا‬ ‫ت� ��أت � �ي� ��ه ب� ��ال� ��رغ� ��م وه � � ��ي ص� ��اغ� ��رة‬ ‫ي� ��أخ� ��ذ م � ��ن م ��ال� �ه ��ا وم� � ��ن دم� �ه ��ا‪.‬‬ ‫فأمسك عنه‪ ،‬وقال‪ :‬لعله من أقارب أمير املؤمنني‪.‬‬ ‫ثم قال لآلخر‪ :‬وأنت من تكون؟ فقال‪:‬‬ ‫أنا ابن من ال تنزل الدهر قدره‬ ‫وإن ن��زل��ت ي��وم�� ًا ف �س��وف تعود‬ ‫ت��رى ال �ن��اس أف��واج�� ًا إل��ى ضوء‬ ‫ن�� � ��اره‪ ،‬ف �م �ن �ه��م ق� �ي ��ام وق� �ع ��ود‪.‬‬ ‫فأمسك عنه‪ ،‬وقال‪ :‬لعله ابن أشرف العرب‪.‬‬ ‫ثم قال للثالث‪ ،‬وأنت من تكون؟ فقال‪:‬‬ ‫أنا ابن ملن خاض الصفوف بعزمه‬ ‫وقومها بالسيف حتى استقامت‬ ‫َّ‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 126-127.indd 126‬‬


‫ورك �ب��اه ال ينفك رج�ل�اه منهما‬ ‫إذا اخليل في اليوم الكريهة ولت‪.‬‬ ‫فلما كان الصباح أحضرهم‪ ،‬وكشف عن حالهم‪,‬‬ ‫ف� � ��إذا باألول اب� � ��ن حجام‪ ،‬والثان� � ��ي ابن فوال‪،‬‬ ‫والثال� � ��ث ابن حائك‪ .‬فتعج� � ��ب من فصاحتهم‪،‬‬ ‫وقال جللس� � ��ائه‪ :‬علِّموا أوالدكم األدب‪ ,‬فوالله‬ ‫لوال فصاحتهم لضربت أعناقهم‪.‬‬ ‫نسل‬ ‫وقف بقرب بش� � ��ار بن برد (ش� � ��اعر عباسي‬ ‫أعم� � ��ى) رجل‪ ،‬فلم� � ��ا أحس به بش� � ��ار قال‪:‬‬ ‫من ه� � ��ذا؟‪ ،‬فقال‪ :‬رجل من بن� � ��ي آدم‪ ،‬فقال‬ ‫كنت‬ ‫له بش� � ��ار‪ :‬مرحباً بك أطال الله بقاءك‪ُ ،‬‬ ‫أظن أن هذا النسل قد انقطع‪.‬‬ ‫على قدر ريحكم متطرون‬

‫قال رجل البن األعرابي‪ :‬إن نصيباً (الشاعر)‬ ‫يقول‪ :‬إمنا مُتدح الرج� � ��ال على قدر ثوابها‪.‬‬ ‫فق� � ��ال‪ :‬إن العرب تقول‪ :‬عل� � ��ى قدر ريحكم‬ ‫متطرون‪.‬‬

‫أضيق عليك‬ ‫قال األصمعي‪ :‬دخلت على اخلليل بن أحمد‬ ‫وه� � ��و جالس عل� � ��ى حصير صغي� � ��ر‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫اجل� � ��س‪ ،‬قلت‪ :‬أضي� � ��ق عليك! ق� � ��ال‪ :‬الدنيا‬ ‫بأسرها ال تس� � ��ع متباغضني‪ ،‬وإن شبراً في‬ ‫شبر ليسع متحابني‪.‬‬ ‫كم تعد؟‬ ‫قال رجل لهاشم بن القرطي‪ :‬كم تعد؟ قال‪:‬‬ ‫م� � ��ن واحد إلى أل� � ��ف ألف وأكث� � ��ر‪ ،‬قال‪ :‬لم‬ ‫أرد ه� � ��ذا‪ ،‬قال‪ :‬فم� � ��ا أردت؟ فقال‪ :‬كم تعد‬ ‫من الس� � ��ن؟ قال‪ :‬اثنتني وثالثني س� � ��ناً‪ ,‬ست‬

‫عش� � ��رة من أعلى وست عش� � ��رة من أسفل‪،‬‬ ‫قال‪ :‬لم أرد هذا؟ قال‪ :‬فما أردت؟ قال‪ :‬كم‬ ‫لك من الس� � ��نة؟ قال‪ :‬ما لي منها شيء‪ ،‬كلها‬ ‫لله عز وجل‪ ،‬قال‪ :‬فما س� � ��نك؟ قال‪ :‬عظم‪،‬‬ ‫قال‪ :‬فابن كم أنت؟ قال‪ :‬ابن اثنني‪ ،‬أب وأم‪،‬‬ ‫قال‪ :‬فكم أتى عليك؟ قال‪ :‬لو أتى علي شيء‬ ‫لقتلني‪ ،‬قال‪ :‬فكي� � ��ف أقول؟ قال‪ :‬كم مضى‬ ‫من عمرك؟‬ ‫لباس‬ ‫يُحكى أن أبا القاس� � ��م الزعفراني الش� � ��اعر‬ ‫أرسل للصاحب بن عباد قصيدته التي يقول‬ ‫فيها‪:‬‬ ‫وح ��اش� �ي ��ة ال� � � � ّ�دار مي� �ش ��ون في‬ ‫ص � �ن� ��وف م� ��ن اخل�� � ��زّ إال أن� ��ا‪.‬‬ ‫فوق������ع الصاحب في نس������ختها‪ :‬قرأت في‬ ‫أخب������ار معن بن زائ������دة أن رج���ل�� ً‬ ‫ا قال له‪:‬‬ ‫احملني أيه������ا األمير‪ ،‬فأمر له بناقة وفرس‬ ‫وبغل������ة وحمار وجارية‪ ،‬ثم قال‪ :‬لو علمت أن‬ ‫الله خل������ق مركوباً غير هذا حلملناك عليه‪،‬‬ ‫وق������د أمرنا لك من اخل������ ّز بج ّبة‪ ،‬وقميص‪،‬‬ ‫ودراع������ة‪ ،‬وس������راويل‪ ،‬وعمام������ة‪ ،‬ومندي������ل‪،‬‬ ‫ومطرف‪ ،‬ورداء‪ ،‬وكس������اء‪ ،‬وجورب‪ ،‬وكيس‪،‬‬ ‫ول������و علمنا لباس������اً آخ������ر يتخذ م������ن اخل ّز‬ ‫ألعطيناكه!‬ ‫وجه ظالم‬ ‫روي أن رج� �ل � ً‬ ‫قاض‪،‬‬ ‫ا وامرأته اختصما إلى ٍ‬ ‫وكان� � ��ت امل� � ��رأة جميلة ف� � ��ي النقاب‪ ،‬بش� � ��عة‬ ‫في غيره‪ ،‬وكان لها لس� � ��ان حس� � ��ن‪ ،‬فأقنعت‬ ‫القاض� � ��ي بظلم زوجها لها‪ ،‬فأس� � ��رع زوجها‬ ‫ونزع النقاب عن وجهها!‬ ‫ِ‬ ‫عليك اللعن� � ��ة‪ ،‬كالم مظلوم‬ ‫فق� � ��ال القاضي‪:‬‬ ‫ووجه ظالم! >‬

‫‪127‬‬

‫‪4/15/15 8:34:23 AM‬‬

‫‪may 126-127.indd 127‬‬


‫طرائف غربية‬

‫نابليون بونابرت‬

‫نابليون وثمن اخليانة‬ ‫ع� � ��اش نابلي� � ��ون بوناب� � ��رت اإلمبراطور‬ ‫العظيم ومات‪ ،‬مثيراً للجدل‪ ،‬متر الس� � ��نوات‬ ‫وال ينقطع احلديث عن� � ��ه‪ ،‬وتصدر املكتبات‬ ‫س� � ��نوياً كتباً كثيرة عن تاريخه وأعماله‪ ،‬أقام‬ ‫إمبراطورية‪ ،‬وسيطر على أوربا حتى هزمه‬ ‫ال� � ��روس‪ ،‬إال أن� � ��ه وبرباطة جأش اس� � ��تعاد‬ ‫جيش� � ��ه وواصل كفاحه‪ ،‬حتى س� � ��قط نهائياً‬ ‫في واترلو‪.‬‬ ‫ً‬ ‫لم يكن فرنس� � ��يا‪ ،‬إمن� � ��ا كان يتحدر من‬ ‫عائلة من كورس� � ��يكا‪ ،‬فكيف انتصر نابليون‬ ‫على النمس� � ��ا التي هزمته في أول األمر عام‬ ‫‪ 1908‬في معركة أسبرن؟‬ ‫واحلكاي� � ��ة أنه‪ p‬ح� �ي��ن ش� � ��عر بونابرت‬ ‫باالنكس� � ��ار‪ ،‬جم� � ��ع ضباط� � ��ه وق� � ��ال لهم إن‬ ‫املعركة املقبلة اس� � ��تخبارية‪ ،‬وبدأ البحث عن‬ ‫جاسوس منس� � ��اوي يكون مس� � ��تعداً لتغيير‬ ‫والئه من النمسا إلى فرنسا‪.‬‬ ‫ووج� � ��دوه! واتفق� � ��وا مع� � ��ه عل� � ��ى الثمن‪،‬‬ ‫وأرش� � ��دهم اخلائن إلى منطقة جبلية يوجد‬ ‫بها جيش قدمي من النمس� � ��ا يس� � ��يطر على‬ ‫مكان اس� � ��تراتيجي‪ ،‬متكن اجليش الفرنسي‬ ‫م� � ��ن اقتحام� � ��ه واحتالل� � ��ه بفـــض� � ��ل فع� � ��ل‬

‫‪128‬‬

‫‪4/15/15 8:36:23 AM‬‬

‫اجلاسوس اخلائن‪.‬‬ ‫انتص� � ��ر نابليون‪ ،‬واحتل النمس� � ��ا‪ ،‬وكان‬ ‫ب� �ي��ن ضباطه وجنوده عندما دخل عليه ذلك‬ ‫اخلائن النمساوي‪ ،‬وحني رآه نابليون رمى له‬ ‫على األرض قبضة من مال في صرة لينحني‬ ‫ويلتقطه� � ��ا ثمن خيانته‪ ،‬وعامله بازدراء يليق‬ ‫بخائن!‬ ‫قال اجلاسوس بامتهان‪:‬‬ ‫س� � ��يدي العظي� � ��م يش� � ��رفني أن أصافح‬ ‫قائداً عظيماً مثلك‪.‬‬ ‫ر ّد عليه نابليون‪ :‬أما أنا فال يش ّرفني أن‬ ‫أصافح خائناً لوطنه مثلك‪.‬‬ ‫بصق القائد خلف اخلائن وهو ينصرف‪،‬‬ ‫اندهش كب� � ��ار القادة‪ ،‬وكانوا يقدِّ رون ما قام‬ ‫به اجلاسوس الذي كان سبباً في انتصارهم‪،‬‬ ‫وسألوا القائد عن الس� � ��بب‪ ،‬فأجاب‪« :‬مثل‬ ‫اخلائن لوطنه‪ ،‬كمثل الس� � ��ارق من مال أبيه‬ ‫ليطعم اللصوص‪ ...‬فال أبوه يسامحه‪ ...‬وال‬ ‫اللصوص يشكرونه»‪.‬‬ ‫ظواهر الكون‬

‫جلس العالم «نيوتن» يوماً بجوار إحدى‬ ‫السيدات في مأدبة عش������اء أقيمت تكرمياً‬ ‫له‪ ،‬فجأة س������ألته الس������يدة‪ :‬قل لي يا سيد‬ ‫نيوتن كيف اس������تطعت أن تصل الكتشافك‬ ‫هذا؟‬ ‫ق������ال العالم في هدوء‪ :‬املس������ألة غاية‬ ‫البس������اطة‪ ...‬لقد كنت أقض������ي جانباً من‬ ‫وقت������ي أفكر فــــي هـــ������ذه الظاهرة الغريبة‬ ‫الت������ي تدفع األش������ياء إلى الس������قوط على‬ ‫األرض‪ ...‬إن التفكي������ر وحده يا س������يدتي‬ ‫هو ال������ذي هداني ف������ي النهاي������ة إلى هذا‬ ‫االكتشاف‪.‬‬ ‫قالت الس������يدة‪ :‬ولكنني أقضي ساعات‬ ‫طويلة من وقت������ي أفكر وأفكر‪ ،‬وبالرغم من‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 126-127.indd 128‬‬


‫ذلك فإنني لم أستطع أن أكتشف شيئاً‪.‬‬ ‫عند ذلك س������ألها نيوتن‪ :‬وفيم كنت يا‬ ‫سيدتي تفكرين؟‬ ‫قالت‪ :‬في زوجي الذي هجرني‪ ،‬وانفصل‬ ‫عني بالطالق‪.‬‬ ‫س������ألها نيوتن‪ :‬وهل كن������ت تفكرين في‬ ‫زوجك بعد الطالق أم قبله؟‬ ‫قالت‪ :‬بعد الطالق طبعا‪ً.‬‬ ‫وهن������ا نظر إليه������ا العا ِل������م الكبير وقال‬ ‫لها‪ :‬لو كان تفكيرك في زوجك يا س������يدتي‬ ‫قبل الطالق الس������تطعت أن تكتشفي قانوناً‬ ‫للجاذبية من نوع آخر!‬ ‫احلكمة من طاغور‬ ‫طاغ������ور ه������و ش������اعر الهن������د الكبي������ر‬ ‫وفيلس������وفها‪ ،‬احلاصل عل������ى نوبل في عام‬ ‫‪ ،1913‬دائم������اً ما ينط������ق باحلكمة‪ ،‬وعاش‬ ‫ميجد اإلنسان طوال حياته‪.‬‬ ‫قال مرة‪ :‬الغاية في احلب ليس������ت األلم‬ ‫أو الفرح‪ ،‬ولكن احلب‪.‬‬ ‫وقال‪ :‬ش������كراً لألش������واك‪ ،‬فقد علمتني‬ ‫الكثير‪ .‬وقال بإنس������انية ش������فافة‪ :‬ندنو من‬ ‫العظمة بق������در ما ندنو من التواضع‪ .‬وقال‪:‬‬ ‫ثقيل������ة هي قي������ودي‪ ...‬واحلري������ة كل مناي‪،‬‬ ‫وأشعر بخجل وأنا أحبو إليها‪.‬‬ ‫بني هتلر النازي وتشرشل الدميقراطي‬ ‫يظل التاري������خ حكماً نهائياً على مصائر‬ ‫البش������ر‪ ،‬والزمن صفحة كت������اب نرى فيه ما‬ ‫لألشخاص وما عليهم‪.‬‬ ‫كان تشرش������ل وهتلر أهم قائدين رسما‬ ‫خريطة العالم في القرن العشرين‪.‬‬ ‫هتلر بكبريائه املزيفة يخطب في أتباعه‬ ‫«لق������د تق������ررت احلياة األملانية أللف س������نة‬ ‫مقبلة»‪.‬‬

‫هتلر‬

‫وتشرش������ل يق������ول مواجه������اً الس������لطة‬ ‫«أفضل أن أرى لندن‬ ‫الغاش������مة للدكتاتور‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫مدم������رة من أساس������ها عل������ى أن أرزح حتت‬ ‫َّ‬ ‫العبودية»‪.‬‬ ‫ع������اش هتل������ر متناقضات������ه‪ ،‬وكراهيته‬ ‫جلنس البش������ر‪ ،‬وافتتانه املجنون بجنس������ه‪،‬‬ ‫لذلك كان يعاني جنون العظمة (البارانويا)‪،‬‬ ‫ومم������ا يروى عن������ه أنه كان ميزق الس������جاد‬ ‫والستائر في حاالت غضبه‪.‬‬ ‫كان تشرش������ل مؤمن������اً بالدميقراطي������ة‪،‬‬ ‫وبحق اإلنسان في ممارسته للحرية‪ ،‬بينما‬ ‫هتل������ر كان مؤمناً باحلكم الش������مولي‪ .‬وكان‬ ‫كالهما من اليهود يشتركان معاً في كراهية‬ ‫الشيوعية‪.‬‬ ‫ومن النوادر التي حتكى عن تشرشل أنه‬ ‫كان في زي������ارة ألمريكا وكان من عاداته أنه‬ ‫ميلي رسائله وبرقياته‪ ،‬وهو غاطس في ماء‬ ‫البانيو وفي حضرة سكرتيرته‪ ،‬ودخل عليه‬ ‫الرئيس روزفلت يستش������يره في ش������أن ما‪،‬‬ ‫وكانت السترة قد سقطت من دون أن ينتبه‪.‬‬ ‫ُذهل روزفلت عندما وجده عاريا متاماً‪ ،‬إال‬ ‫أن������ه واجه الرئي������س األمريكي قائ���ل�� ً‬ ‫ا‪ :‬كما‬ ‫ترى ليس لدي أي ش������يء أخفيه من رئيس‬ ‫الواليات املتحدة >‬

‫‪129‬‬

‫‪4/15/15 8:36:30 AM‬‬

‫‪may 126-127.indd 129‬‬


‫سينما‬

‫العزف بالكاميرا عند عاطف الطيب‬ ‫د‪ .‬عالء الجابري‬

‫كاتب من مصر‬

‫تكاد تسمع صوت السينما المصرية تنادي أسماء بعينها مع كل‬ ‫موجة غريبة عليها‪ ،‬يحكمها إحساس الفقد لبعض «الطيبين»‬ ‫الذين غ��ازل��وا الجمال الكامن تحت سطح يغلي‪ ،‬وجعلوا الهم‬ ‫اإلنساني مصدر بهجة‪ ،‬وأجابوا عن دوره��ا في تنوير الناس بجوهر‬ ‫األزمة‪ ،‬بعيداً عن عرضها الظاهر‪ .‬خيال الفن أكبر من كل الحقائق‪...‬‬ ‫هكذا تدشن حرية التناول عند عاطف الطيب ال��ذي رح��ل سريع ًا‬ ‫(‪ ،)1995-1947‬ف��ك��ان كأنه‬ ‫ي��ط��ارد ه��اج��س ال��رح��ي��ل‪ ،‬أو‬ ‫��در أن أف�ل�ام���ه ستكون‬ ‫ي���ق� ّ‬ ‫ع�ل�ام���ة ع��ل��ى ف���ت���رة كاملة‬ ‫بتغيراتها المتزاحمة‪ ،‬فأخرج‬ ‫ف��ي ف��ت��رة قصيرة ‪ 21‬فيلم ًا‪،‬‬ ‫وش��ارك مساعد مخرج في ‪5‬‬ ‫أف�لام‪ ...‬عدد قليل بمقياس‬ ‫ال�������ك�������م‪ ،‬ول������ك������ن ح����ض����ور‬ ‫عاطف الطيب‬ ‫ال��م��وه��ب��ة ف��ي��ه واض����ح ج���داً‪،‬‬ ‫حتى قال صالح أبوسيف‪ ،‬ولو على سبيل التواضع‪ ،‬إنه أحس بحالة‬ ‫من الغيرة الفنية بعد مشاهدة أفالم عاطف الطيب‪ ،‬فهل اجتاحته‬ ‫الغيرة الفنية مع‪« :‬سواق األتوبيس»‪ ،‬و«الحب فوق هضبة الهرم»‪،‬‬ ‫و«ال��ب��ريء» (اختيرت األف�لام الثالثة هذه ضمن أهم مائة فيلم في‬ ‫ت��اري��خ السينما المصرية)‪ ،‬أو زادت م��ع أف�ل�ام‪« :‬ال��ه��روب»‪ ،‬و«كتيبة‬ ‫اإلعدام»‪ ،‬و«ضد الحكومة» و«قلب الليل» و«ليلة ساخنة»‪ ،‬وبالطبع‬ ‫«ناجي العلي» ؟‬

‫‪130‬‬

‫‪4/12/15 1:12:01 PM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 130-135.indd 130‬‬


‫ممدوح عبد العليم في لقطة من فيلم «كتيبة اإلعدام»‬

‫نور الشريف ولقطة من فيلم «قلب الليل»‬

‫على مس� � ��توى املوضوع‪ ،‬ظل هاجس احلرب‬ ‫عل� � ��ى الفس� � ��اد حاض� � ��راً‪ ،‬س� � ��واء على املس� � ��توى‬ ‫االقتص� � ��ادي أو السياس� � ��ي أو االجتماعي‪ ،‬وكذا‬ ‫قطاع الش� � ��رطة الذي يجاهر بأنه يفتعل األزمات‬ ‫ويتاجر بها في فيلم «الهروب» على طريقة «عصا‬ ‫موس� � ��ى»‪ ،‬والذي يب� � ��رر الفك� � ��رة‪ ،‬ويجاهر بكونها‬ ‫«تفكي� � ��ر أمريكاني ي� � ��ا افندم»‪ ،‬ويب� � ��دو «الطيب»‬ ‫مؤمناً بأن تطهير هذا اجلهاز أمر يؤسس لنظافة‬ ‫البالد ذاتها‪ ،‬بعيداً عن أمني الشرطة الذي يعطي‬ ‫املعلومات الصحيحة للمحامي الفاسد في «ضد‬ ‫احلكوم� � ��ة»‪ ،‬أو يغير موقفه فيتغير وجه القضية‪،‬‬ ‫كما فعل ضابط املباحث (ممدوح عبدالعليم) في‬ ‫«كتيبة اإلعدام»‪ ،‬أو حتى عسكري األمن املركزي‬

‫البسيط (أحمد زكي) في «البريء»‪ ،‬الذي يدرك‬ ‫– بنق� � ��اء فطرته‪-‬خط� � ��أ كون أبناء بل� � ��ده «أعداء‬ ‫الوطن» كما كانوا يريدون إيهامه‪.‬‬ ‫وتب� � ��دو حرب� � ��ه عل� � ��ى الفس� � ��اد مترادفة مع‬ ‫موقفه من االنفتاح الذي اجتاح نفوس البشر كما‬ ‫اجتاح البالد‪ ،‬وصار تقييم كل ش� � ��يء تبعاً لقيمته‬ ‫املادية‪ ،‬فتحولت القيم إلى مزاد السمسرة‪ .‬تبدو‬ ‫املسألة حاضرة حتى في أفالمه األخيرة‪ ،‬وجتد‬ ‫ذلك في «إنذار بالطاعة»‪ ،‬وفيه يتورط الش� � ��باب‬ ‫اجلامعي في سرقة محطة بنزين‪ ،‬وتترك البطلة‬ ‫(ليلى علوي) حبيبها مؤقتاً‪ ،‬وتُخطب ألحد أثرياء‬ ‫االنفتاح‪ ،‬متام � � �اً كما تفعل أخت البطل في فيلم‬ ‫«احلب ف� � ��وق هضبة الهرم»‪ ،‬وتتزوج من س� � ��باك‬

‫أفيشات أفالم «كتيبة اإلعدام» و«ناجي العلي» و«الغيرة القاتلة» لعاطف الطيب‬ ‫العزف بالكاميرا عند عاطف الطيب‬ ‫‪4/12/15 1:12:05 PM‬‬

‫‪131‬‬

‫‪may 130-135.indd 131‬‬


‫أفالم «احلب فوق هضبة الهرم» و«سواق األتوبيس» و«ضد احلكومة» من روائع عاطف الطيب‬

‫ثري من منتفعي االنفتاح‪ ،‬وهي اجلامعية املثقفة‪.‬‬ ‫إنه «قانون الس� � ��بعينيات» كما يق� � ��ول أحمد زكي‬ ‫ف� � ��ي نهاية فيلم «ضد احلكومة»‪ ،‬ذلك الذي جعل‬ ‫م� � ��ن زميل البطل في اجلي� � ��ش أثناء حرب أكتوبر‬ ‫مزوراً محترفاً في «الهروب»‪ ،‬فيواجهه بصراحة‪،‬‬ ‫وقد يأتي موقفه مس� � ��تتراً حتت الرمز؛ كما فعل‬ ‫نور الش� � ��ريف في «سواق األتوبيس»‪ ،‬الذي يترك‬ ‫اللص وال يبالي مبطاردته في بداية الفيلم‪ ،‬وهو‬ ‫املوقف الذي يتغير في نهاي� � ��ة العمل ذاته‪ ،‬داللة‬ ‫عل� � ��ى التطور احلاصل في الش� � ��خصية من جهة‪،‬‬ ‫وكون محاربة الفس� � ��اد هي احل� � ��ل الوحيد وليس‬ ‫دفن الرؤوس في التراب كالنعام‪ .‬يساعدك على‬ ‫تقب� � ��ل ذلك ما تراه من خلفية البطل في «س� � ��واق‬ ‫األتوبي� � ��س»‪ ،‬التي ج� � ��اءت مفعمة بج� � ��و البطولة‬ ‫واحلروب‪ ،‬حتى يس� � ��هم زم� �ل��اؤه في اجليش في‬ ‫خ� � ��روج زميلهم الق� � ��دمي من أزمت� � ��ه التي يحياها‬ ‫بفعل الشروع في بيع ورشة اخلشب التي ميتلكها‬ ‫أب� � ��وه‪ ،‬والرامزة إلى املاضي الذي يحاول االنفتاح‬ ‫وجو الربح الس� � ��ريع واإلنت� � ��اج إزالته من الوجود‪.‬‬ ‫وال يقف أمامه س� � ��وى الذي خاض احلروب ولم‬ ‫ميت‪.‬‬ ‫األمر ذاته ينس� � ��حب ‪ -‬وإن جاء في خطابية‬ ‫زاعق� � ��ة ‪ -‬على أبط� � ��ال «كتيبة اإلع� � ��دام»‪ ،‬الذين‬ ‫يحاربون ش� � ��بحاً يبدو في النهاي� � ��ة خائناً لوطنه‬ ‫وقضي� � ��ة احلرب مع العدو األساس� � ��ي‪ ...‬اخلطر‬ ‫كله حني ميوت الشهداء ويبقى السماسرة‪.‬‬ ‫‪132‬‬

‫‪4/12/15 1:12:08 PM‬‬

‫يقودن� � ��ا ذلك إلى القضية الفلس� � ��طينية دائمة‬ ‫احلضور ب� � ��كل تداعياتها وحروبها لتش� � ��كل خلفية‬ ‫أبطاله‪ ،‬فتح ِّول «ناجي العلي» أس� � ��طورة على يديه‪،‬‬ ‫وال ينسى دور الفساد فتراه يقول «أخشى ما أخشاه‬ ‫أن تتح� � ��ول اخليان� � ��ة إل� � ��ى وجهة نظ� � ��ر»‪ .‬واخللفية‬ ‫االش� � ��تراكية ملخرجنا ترد معظم باليا املجتمع إلى‬ ‫اعتبارات الفقر‪ ،‬فكانت حاضرة بقوة‪ ،‬كما فعل في‬ ‫فيلم «البدرون»‪ ،‬وكون الفقر يهزم اإلنس� � ��ان داخلياً‬ ‫فال يس� � ��تطيع إال التفكير في «لقمة العيش»‪ ،‬أو أن‬ ‫«ي� � ��أكل عيش»‪ ،‬ذلك التعبير املزري لقيم اإلنس� � ��ان‪،‬‬ ‫ال� � ��ذي ينهزم معظم أبطاله في أفالمه‪ ،‬وكذلك فتاة‬ ‫اللي� � ��ل التي كانت قد تابت من قب� � ��ل‪ ،‬ثم تعود بفعل‬ ‫احلاجة في فيلم «ليلة ساخنة»‪ .‬هذه اخللفية ش ّكلت‬ ‫التزامه األساس� � ��ي‪ ،‬وقضيته الرئيس� � ��ة‪ ،‬يتحيز لها‪،‬‬ ‫والتاريخ ال يكتبه إال املتحيزون؛ فترى دوماً استدعاء‬ ‫لفترة املد القومي العربي‪ ،‬كما تلمس شكاً في بعض‬ ‫املثقف� �ي��ن الذين ال يلتزمون م� � ��ا يقولون وال يدفعون‬ ‫ثمناً ملبادئهم؛ مثل الصحف� � ��ي املدعي الفضيلة في‬ ‫«احلب فوق هضبة اله� � ��رم»‪ ،‬ويندر أن جتد أبطاله‬ ‫احلقيقيني يتراجعون‪ ،‬فرعاً عن تفكيكية تناوله كما‬ ‫يدعي فضيلة‬ ‫سبق‪ .‬والبطل‪ ،‬دوماً‪ ،‬إنسان عادي ال َّ‬ ‫النب� � ��ل؛ وال يتن ّكر ملاضيه‪ ،‬مزور قدمي‪ ،‬لكنه ال يقبل‬ ‫أن يطول التزوير أحداً من أهل بلدته في «الهروب»‪،‬‬ ‫إنه بط� � ��ل متطور‪ ،‬واألمر ذاته يحدث مع البطل في‬ ‫«ضد احلكومة»‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ش � � � ّكل احلب هاجسا أساس� � ��يا في أفالمه‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 130-135.indd 132‬‬


‫سينما‬

‫أحمد زكي وهالة صدقي في لقطة من فيلم «الهروب»‬

‫أحمد زكي وآثار احلكيم في لقطة من فيلم «احلب فوق هضبة الهرم»‬

‫سناء يونس في لقطة من فيلم «ليلة ساخنة»‬

‫ف� �ل��ا تخلو أبداً من قصة ح� � ��ب‪ ،‬فاحلب جزء من‬ ‫اإلنس� � ��ان‪ ،‬واإلنس� � ��ان عنده هو كل شيء؛ وقصة‬ ‫احل� � ��ب التي تأتي ف� � ��ي كل األفالم عنده حتد من‬ ‫قس� � ��وة الواقع الذي ترص� � ��ده األعمال‪ ،‬حتى في‬ ‫فيلم «احل� � ��ب فوق هضبة اله� � ��رم»‪ ،‬مينعه احلب‬ ‫اجلديد من الس� � ��قوط كما س� � ��قط أصدقاؤه في‬ ‫نيران اخلليج أو االتكال على النساء العجائز من‬ ‫أجل اخلروج من سيطرة الفقر‪.‬‬ ‫وتكررت عن� � ��ده تيمة املوم� � ��س الفاضلة في‬

‫أفالم مثل «الهروب»‪ ،‬و«ض� � ��د احلكومة»‪ ،‬و«ليلة‬ ‫ساخنة»‪ ،‬فتأتي ش� � ��خصية رائعة مساندة للبطل‬ ‫برغم انغماس� � ��ها في اخلطيئة‪ ،‬تلك الكلمة التي‬ ‫تعن� � ��ي عنده معاني مختلفة‪ ،‬وم� � ��ن كان منكم بال‬ ‫خطيئ� � ��ة فليرمها بحج� � ��ر‪ .‬وف� � ��ي املقابل يحضر‬ ‫اجلن� � ��س مبا أنه ظاه� � ��رة إنس� � ��انية‪ ،‬ولكنه ليس‬ ‫اجلنس املجاني الذي يغازل به ش � � � ّباك التذاكر؛‬ ‫فاجل� � ��ارة التي تع� � ��رض على «ابن اجل� � ��ار» (فيلم‬ ‫الهروب) أن يأتي إليها بعد نوم األوالد‪ ،‬أو العجوز‬

‫العزف بالكاميرا عند عاطف الطيب‬ ‫‪4/12/15 1:12:12 PM‬‬

‫‪133‬‬

‫‪may 130-135.indd 133‬‬


‫محمود اجلندي في فيلم «قلب الليل»‬

‫املتصابية في «احلب ف� � ��وق هضبة الهرم»‪ ،‬التي‬ ‫يهرب منه� � ��ا برغم انحب� � ��اس أزمت� � ��ه الكبرى ‪-‬‬ ‫ظاهرياً على األقل ‪ -‬عن حل ألزمته اجلنس� � ��ية‬ ‫منذ املشهد األول في الفيلم كله‪.‬‬ ‫وال يتوق� � ��ف ع� � ��ن ملز الذين يقف� � ��ون على ميني‬ ‫الس� � ��لطة‪ ،‬برغم تدينهم الظاهر‪ ،‬وأن املس� � ��بحة ال‬ ‫تفارق أيديهم‪ ،‬وتأتي مقابالتهم في املسجد‪ ،‬ودائماً‬ ‫يحاولون إلب� � ��اس كالمهم صيغة احلق املطلق‪ ،‬كما‬ ‫هي حال «أبو بكر عزت» (فيلم ضد احلكومة) في‬ ‫مرافعت� � ��ه التي ال تدافع عن النظ� � ��ام قدر إغارتها‬ ‫على خصوم� � ��ه؛ إذ ال عيب له� � ��م إال خالف يقينه‬ ‫الذي يخلو من حجة موضوعية‪ .‬وعلى النقيض ال‬ ‫يلجأ أبطاله ‪ -‬إال قلي ً‬ ‫ال ‪ -‬إلى اخلطابية الزاعقة‪،‬‬ ‫ولكنه يكتفي بصوغ السؤال بطريقة صحيحة‪ ،‬وهو‬ ‫أهم من محاولة اإلجابة عنه‪.‬‬

‫هزمية املثقف‬

‫أحمد زكي واملنتصر بالله في لقطة من فيلم «ضد احلكومة»‬

‫نور الشريف في مشهد من فيلم «ناجي العلي»‬ ‫‪134‬‬

‫‪4/12/15 1:12:15 PM‬‬

‫وأيقونته الكبرى ه� � ��ي املثقف املنهزم داخلياً؛‬ ‫ف� �ل��ا مجال ألن تتوق� � ��ع منه فضيل� � ��ة التغيير‪ ،‬إنه‬ ‫ص� � ��ورة باهت� � ��ة ملجتمع يعان� � ��ي التش � � � ُّوه الداخلي‬ ‫باألس� � ��اس‪ .‬املثقف املائع‪ ،‬مثل الصحفي عاطف‬ ‫ه� �ل��ال في فيلم «احلب فوق هضبة الهرم»‪ ،‬الذي‬ ‫يظهر دائماً في خلفيت� � ��ه صورة عبدالناصر‪ ،‬عن‬ ‫ميينه في املرة األخيرة‪ ،‬بينما ظهر عن ميينه املرة‬ ‫األولى الذين يقفزون من املركب س� � ��اعة اخلطر‪،‬‬ ‫أو يكتبون لتدجني الش� � ��عوب وتخديرهم بدل أن‬ ‫يحملوا له� � ��م النار املقدس� � ��ة‪ ،‬فاس� � ��تحق العبارة‬ ‫اخلالدة «كله� � ��م كدابني‪ ،‬وعارف� �ي��ن انهم كدابني‪،‬‬ ‫وعارف� �ي��ن ان احنا عارفني انه� � ��م كدابني وبرضه‬ ‫مستمرين في الكدب وبيالقوا اللي يصقف لهم»‪.‬‬ ‫األمر ال يختلف عنده بالنسبة لرجل الدين الذي‬ ‫ال يقدِّ م حلوالً ملش� � ��اكله‪ ،‬وإمن� � ��ا يكتفي بوصفها‪،‬‬ ‫والوقوف عند ظاهر سطحها اخلارجي‪.‬‬ ‫ال يعن� � ��ي إفراطنا في تتب� � ��ع «معاني» األفالم‬ ‫ابتعاد عاطف الطيب عن لغة الس� � ��ينما القديرة‬ ‫عل� � ��ى جتاوز اللغة املكتوبة‪ ،‬فق� � ��د كانت الكاميرا‬ ‫عنده‪-‬ثابتة أو متحركة‪-‬آي� � ��ة في بالغة من نوع‬ ‫فريد‪ ،‬متاماً كما جتاورت قيم الصعيد واملناطق‬ ‫الش� � ��عبية وامتزجت عنده‪ ،‬مسنداً للصمت دوره‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 130-135.indd 134‬‬


‫سينما‬

‫ليلى علوي ولقطة من فيلم «إنذار بالطاعة»‬

‫نور الشريف في مشهد من فيلم «سواق األتوبيس»‬

‫الس� � ��ينمائي الفريد‪ ،‬لكنه ليس «الصمت العاجز‬ ‫قليل احليلة»‪ ،‬متجاوراً م� � ��ع األغنية التي الزمت‬ ‫بعض أفالمه لتحمل ما ال يحمله حوارها‪.‬‬

‫بطولة املكان‬

‫لم ينسحق أمام سطوة األوراق التي يقدمها‬ ‫مبدع بحجم أسامة أنور عكاشة حني تعامل معه‬ ‫في فيلم «كتيب� � ��ة اإلعدام»‪ ،‬ولم يكن الس� � ��يناريو‬ ‫ه� � ��و البط� � ��ل كما هي احل� � ��ال مع معظ� � ��م أعمال‬ ‫الكاتب الكبير‪ ،‬إنه ال بد أن يدخل إلى الس� � ��ينما‬ ‫بحس� � ��اباتها ه� � ��ي اخلاص� � ��ة‪ ،‬فف َّعل� � ��ت الكاميرا‬ ‫احملمولة كم� � ��ا نعهدها عند عاطف الطيب‪ ،‬ولغة‬ ‫الصورة األثيرة عنده‪ ،‬لغة الس� � ��ينما‪ ،‬كما أس� � ��ند‬ ‫للمكان دوراً كبي� � ��راً؛ فاملكان الذي يبدأ منه فيلم‬ ‫«احل� � ��ب فوق هضبة الهرم»‪ ،‬هو املكان ذاته الذي‬ ‫ينتهي فيه مع اختالف رأفة احللم الذي يستجيب‬ ‫لرغبات البطل املكبوتة‪ ،‬ويكون متنفس � � �اً لها عن‬ ‫جهامة الواق� � ��ع البادي طوال العمل‪ ،‬وبخاصة مع‬ ‫املتصلبني جتاهه‪ ،‬وال يخففه سوى كونها سخرية‬ ‫خفيف� � ��ة تأتي ف� � ��ي الغالب هجوم � � �اً على أوضاع‬ ‫املجتمع برمت� � ��ه‪ .‬إن جتاهل أثرها وحضورها في‬ ‫تركيب الشخصية املصرية سلب جلانب مهم من‬ ‫متعمد‬ ‫إجمال الصورة‪ ،‬والس� � ��خرية عنده هجوم‬ ‫َّ‬ ‫على نظام كامل بهدف س� � ��لبه أغلب أس� � ��لحته‪...‬‬ ‫سخرية جتعل النظام حتت سطوة البشر‪.‬‬ ‫النهاي� � ��ة املتفائل� � ��ة تخفي الي� � ��أس القابع طوال‬ ‫العمل‪ ،‬فيمسك سواق األتوبيس باللص (أمام املبنى‬ ‫الرئي� � ��س للحزب احلاكم وقتها في مصر)‪ ،‬وتنتصر‬ ‫العزف بالكاميرا عند عاطف الطيب‬ ‫‪4/12/15 1:12:19 PM‬‬

‫أحمد زكي في مشهد من فيلم «البريء»‬

‫«كتيب� � ��ة اإلع� � ��دام» عل� � ��ى اللص القدمي‪ ،‬وتتس� � ��بب‬ ‫قضيتهم في جتميع العرب من جديد‪ ،‬ويفوز صاحب‬ ‫«ضد احلكومة» على الع� � ��دو احلقيقي في اجلولة‬ ‫األول� � ��ى على األقل‪ ،‬وميتزج مع التفاؤل ش� � ��يء من‬ ‫النهاية املفتوحة التي تناسب الباحثني عن احلرية؛‬ ‫تلك التي ال تكتمل إال في عيني العبيد أو الس� � � َّ�ذج‪،‬‬ ‫والظن بكون اإلجابة احلاسمة قد وقع عليها أحدنا‬ ‫خيان� � ��ة للطريق كله‪ ،‬ومحطاته‪ ،‬وللس� � ��اقطني على‬ ‫طوله‪ ،‬الذي تلوح نهايته للمبصرين‪.‬‬ ‫مغرقاً في التف� � ��اؤل كان عاطف الطيب‪...‬‬ ‫يبدو ذلك في النهايات املبشرة التي تسيطر على‬ ‫أفالمه؛ فيتزوج البطالن ف� � ��ي «إنذار بالطاعة»‪،‬‬ ‫ويتم اس� � ��تدعاء املس� � ��ؤولني احلقيقيني في «ضد‬ ‫احلكومة»‪ ،‬ويقتل رمز التعاون مع اإلس� � ��رائيليني‪،‬‬ ‫ويتح� � ��د العرب في «كتيبة اإلع� � ��دام»‪ ،‬ورمبا لوال‬ ‫هذا التفاؤل ملا اس� � ��تطاع األم� � ��ل أن يطغى على‬ ‫الواقع احملبط في أفالمه >‬ ‫‪135‬‬

‫‪may 130-135.indd 135‬‬


‫سينما‬

‫توظيف الحلم في الفانتازيا‬ ‫حمادي‬ ‫رياض َّ‬

‫كاتب من اليمن‬

‫يُستثمر الحلم على نحو واس��ع في المحكي الفانتازي‪ ,‬ويتجلى‬ ‫اإلبداع في القدرة على المزاوجة بين الحلم والصحو‪ ،‬ويتم ذلك على‬ ‫أحسن وج��ه من خ�لال الفانتازيا‪ .‬فحين يكون هناك معنى ال يمكن‬ ‫التعبير عنه مباشرة تتدخل الفانتازيا لتطيح بالواقع وتمرر ما ال يمكن‬ ‫أن يستوعبه العقل‪ .‬والحلم هو التقنية السائدة في كثير من األعمال‬ ‫اإلبداعية‪ ,‬سواء في مجال األدب أو السينما؛ حيث تسمح تقنية السينما‬ ‫بدمج الحلم والواقع بسهولة‪ ,‬في حين تصبح هذه المهمة أصعب في‬ ‫فن الكتابة‪.‬‬

‫لقطة من فيلم ‪Unknown‬‬ ‫‪136‬‬

‫‪4/12/15 1:13:09 PM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 136-140.indd 136‬‬


‫لقطة من فيلم ‪Awaken‬‬

‫ف� � ��ي فيلم «‪ »2014 -In My Dreams‬يجتمع‬ ‫«نيك» و«كاثرين» عن� � ��د نافورة احلظ‪ ,‬ليُلقي كل‬ ‫منهم� � ��ا بعمل� � ��ة معدنية فيها‪ ,‬ثم يع� � ��ودان ك ٌل إلى‬ ‫منزل� � ��ه‪ ،‬لتجمعهم� � ��ا األحالم بعد ذلك‪ .‬يس� � ��تمر‬ ‫لقاؤهما في احللم‪ ,‬لكن وفقاً ألس� � ��طورة النافورة‬ ‫يلزمهم� � ��ا ‪ 7‬أيام لتتح� � ��ول لقاءاتهما احللمية إلى‬ ‫حقيق� � ��ة‪ ,‬وهذا ما يحدث في النهاية‪ .‬الفيلم يكاد‬ ‫يكون نس� � ��خة أخرى عن فيلمني سابقني أحدهما‬ ‫بعن� � ��وان «‪ »2013 - Waking‬وفي� � ��ه يوش� � ��ك‬ ‫«ب� � ��ن» على ال� � ��زواج من صديقته «آم� � ��ي» قبل أن‬ ‫يلتق� � ��ي «ناديا» ملرة واحدة ف� � ��ي الواقع‪ .‬بن وناديا‬ ‫يتواصالن عن طريق التخاط� � ��ر احللمي‪ ,‬تعطيه‬ ‫في احللم رق� � ��م هاتفها ويتمكن عن طريق احللم‬ ‫أيض � � �اً من احلصول على عنوانها‪ .‬وعندما توقف‬ ‫ناديا أحالمها معه يقرر الذهاب للبحث عنها في‬ ‫الواقع فيجدها في النهاية‪.‬‬ ‫في الفيلم الثاني «‪ »2012 – Awaken‬تلتقي‬ ‫ريتشيل بأليكس في املقهى الذي ميلكه‪ .‬تصدمها‬ ‫س� � ��يارة بعد خروجها من املقهى‪ .‬يتضح الحقاً أن‬ ‫ريتش� � ��يل كانت تعرف أليكس من خالل األحالم‬ ‫قبل أن تلتقي به‪ .‬يلتقي أليكس بعرافة‪ ,‬تنظر إلى‬ ‫كفه وتخبره أن خط حياته منقس� � ��م ويشبه خط‬ ‫حياة امرأة مرت عليها قبل س� � ��نوات‪ ،‬ويش� � ��كالن‬ ‫معاً ش� � ��كل قلب‪ ,‬ثم تعطيه تعويذة لصيد األحالم‬ ‫ليتمكن من احللم بريتشيل‪ .‬يتضح أن أليكس كان‬ ‫يحلم بريتشيل أثناء غيبوبتها في املشفى قبل أن‬ ‫توظيف احللم في الفانتازيا‬ ‫‪4/12/15 1:13:13 PM‬‬

‫متوت بعش� � ��رة أيام‪ ،‬بينما هي حتلم به منذ ثالث‬ ‫سنوات واحللم كان وس� � ��يلتهما للقاء‪ .‬في النهاية‬ ‫ومن خالل أمنية ريتش� � ��يل يعثر أليكس على فتاة‬ ‫أخرى تدعوه لش� � ��رب الشاي‪ ,‬هذه املرة ال يفوت‬ ‫الفرصة كما فعل مع ريتش� � ��يل‪ .‬األفالم السابقة‬ ‫تنتصر للسعي وراء فتاة األحالم وكيف أن وجود‬ ‫مث� � ��ل هذه الفتاة ف� � ��ي احللم حقيق� � ��ي وإيجادها‬ ‫يتطلب البحث عنها في الواقع وهذا ينطبق أيضاً‬ ‫على فارس األحالم‪.‬‬ ‫في فيل� � ��م «‪ »2011- Unknown‬وبعد حادثة‬ ‫سقوط سيارة األجرة في النهر‪ ,‬يستيقظ الدكتور‬ ‫مارت� � ��ن هاريس م� � ��ن الغيبوبة في واقع اس� � ��تولى‬ ‫شخص آخر على هويته‪ .‬وفي حني يتآمر اجلميع‬ ‫لس� � ��رقة هويت� � ��ه يكافح هو من أجل اس� � ��تعادتها‪.‬‬ ‫يتض� � ��ح في النهاية أنه ش� � ��خص آخر غير مارتن‬ ‫هاري� � ��س‪ .‬الفيلم يتمحور حول فك� � ��رة الفرق بني‬ ‫ما يعرفه املرء عن نفس� � ��ه وب� �ي��ن حقيقته وأيهما‬ ‫املنتصر في النهاية‪ :‬الوهم أم احلقيقة‪ .‬أما فيلم‬ ‫«‪ »2010 – Inception‬فيعتمد على تقنية احللم‬ ‫داخل احللم‪ ,‬وهي تقنية تسمح بوجود الشخصية‬ ‫ف� � ��ي أماكن مختلفة في الوقت نفس� � ��ه‪ .‬يش� � ��تغل‬ ‫الفيلم ‪ -‬وكذلك رواية «الواحد» لطالل قاس� � ��م ‪-‬‬ ‫على مصطلحات مثل «الوعي» و«الالوعي» وفكرة‬ ‫اختراق حل� � ��م اآلخر والتأثير عليه من خالل زرع‬ ‫أو ترقيع أفكار أخ� � ��رى‪ .‬وفيه يؤدي ليوناردو دي‬ ‫كابري� � ��و‪ ,‬دور ل� � ��ص محترف يقوم بس� � ��رقة أفكار‬ ‫‪137‬‬

‫‪may 136-140.indd 137‬‬


‫ليوناردو دي كابريو في فيلم بداية‬

‫اآلخرين وأسرارهم أثناء احللم‪ .‬يطلب منه رجل‬ ‫أعمال غني يدعى «سايتو» لفعل العكس‪ ،‬وهو أن‬ ‫يقوم بزرع فكرة داخل عقل أحد منافسيه لتبدو‬ ‫الفكرة كأنها من داخل وعي الرجل نفسه وليست‬ ‫مزروعة‪.‬‬

‫العالم حلم ًا واحللم عامل ًا‬

‫ملصق فيلم بداية‬ ‫‪138‬‬

‫‪4/12/15 1:13:16 PM‬‬

‫من سمات األدب احلديث التحامه باملتخيل‪،‬‬ ‫فقد استطاع الس� � ��رد الفانتازي «تأسيس توجهه‬ ‫التجريب� � ��ي بإضف� � ��اء لغ� � ��ة احلل� � ��م على الس� � ��رد‬ ‫الكالس� � ��يكي»‪ .‬وواح� � ��دة م� � ��ن البنى األساس� � ��ية‬ ‫التي اهتمت بها الرواي� � ��ة العربية هي «االهتمام‬ ‫بالش� � ��عور الباطني باس� � ��تبطان أحالمه ورس� � ��م‬ ‫التعقيدات النفسية‪ ,‬وما تولده من كوابيس وعقد‬ ‫وهلوس� � ��ات»‪ ,‬وذلك عن طريق تقدمي ش� � ��خوص‬ ‫وظواهر فوق طبيعية ميت� � ��زج فيها الطبيعي مبا‬ ‫هو ف� � ��وق طبيعي‪ ,‬بطريقة مقلق� � ��ة جتعل املتلقي‬ ‫يت� � ��ردد بني تفس� � ��يرين لألحداث‪ ،‬ويش� � ��كل هذا‬ ‫التردد العنصر األساسي للفانتاستيك»‪.‬‬ ‫ومهمة الفنان مبا ميتلكه من خيال مبدع هي‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 136-140.indd 138‬‬


‫سينما‬ ‫القدرة عل� � ��ى إلغاء احلدود ب� �ي��ن احللم والواقع‪،‬‬ ‫أي أن يصب� � ��ح العالم حلماً واحللم عاملاً كما قال‬ ‫نوفاليس أح� � ��د عباقرة الرومانس� � ��ية الذي كتب‬ ‫رواية حتمل العنوان «هنريك فون أوفتر دينجن»‬ ‫عن ش� � ��اب يدعى هنريك‪ ,‬يبحث في الواقع عن‬ ‫زه� � ��رة زرقاء رآها في احللم‪ .‬ه� � ��ذه الفكرة عبر‬ ‫عنها احلكيم الصيني «شواجن تسو» عندما قال‪:‬‬ ‫«حلمت ذات يوم أني فراش� � ��ة‪ ,‬واآلن ال أعرف إن‬ ‫كنت ش� � ��واجن تس� � ��و الذي حلم بأنه فراشة أو إن‬ ‫كنت فراش� � ��ة حتلم بأنها ش� � ��واجن تسو»‪ .‬وكذلك‬ ‫فعل الشاعر اإلجنليزي كوليردج عندما كتب‪:‬‬ ‫وإذا كنتَ نائم ًا‬ ‫وإذا حلمت في نومك‬ ‫وإذا ما ذهبتَ في حلمك إلى السماء‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫جميلة وغريبة‬ ‫تقطف زهر ًة‬ ‫وإذا ما وجدتَ الزهرة في يدك بعد استيقاظك‬ ‫فماذا تقول؟‬ ‫وهذا م� � ��ا عبر عنه أيضاً أمبرت� � ��و إيكو (في‬ ‫اس� � ��م الوردة) قائ ً‬ ‫ال‪« :‬هناك حلظات س� � ��حرية‪,‬‬ ‫فيه� � ��ا إرهاق بدني كبير ونش� � ��اط حركي مكثف‪,‬‬ ‫تبرز أثناءها رؤى ألش� � ��خاص وقع التعرف عليهم‬ ‫في املاضي‪ ,‬عندما أس� � ��تعرض ف� � ��ي ذهني هذه‬ ‫التفاصي� � ��ل أتس� � ��اءل إن كنت عش� � ��تها حقيقة أو‬ ‫تراءت لي في احللم»‪.‬‬ ‫إذا كان إلغ� � ��اء احلدود بني احللم والواقع هو‬ ‫إبداع الفنان‪ ,‬فإن إلغاء التمييز بني الروح واملادة‬ ‫هو إبداع الفيلس� � ��وف‪ .‬أول فيلس� � ��وف رومانسي‬ ‫كبير حاول ذلك هو فريدريك شيلنغ‪ .‬فالطبيعة‪,‬‬ ‫بالنس� � ��بة له‪ ,‬تعبير عن مطلق أو عن روح العالم‪.‬‬ ‫يقول شيلنغ‪« :‬الطبيعة هي الروح املرئي‪ ,‬والروح‬ ‫ه� � ��ي الطبيعة الالمرئية»‪ ,‬أما امل� � ��ادة فهي برأيه‬ ‫«ذكاء نائ� � ��م»‪ .‬من ه� � ��ذه الزاوية تك� � ��ون الطبيعة‬ ‫والوعي اإلنساني ش� � ��كلني من التعبير عن شيء‬ ‫واح� � ��د‪ .‬فيمكننا أن نبحث ع� � ��ن «روح العالم» في‬ ‫الطبيع� � ��ة كما في داخلن� � ��ا‪ .‬لذلك كتب نوفاليس‪:‬‬ ‫«إن الطري� � ��ق اخلف� � ��ي ميض� � ��ي نح� � ��و الداخل»‪.‬‬ ‫وتس� � ��اءل ديكارت‪« :‬كيف ميك� � ��ن لنا أن نتأكد من‬ ‫أن احلياة ليست حلماً؟»‪.‬‬ ‫فك� � ��رة أن «العالم ليس س� � ��وى حلم» تكررت‬ ‫توظيف احللم في الفانتازيا‬ ‫‪4/12/15 1:13:19 PM‬‬

‫‪139‬‬

‫‪may 136-140.indd 139‬‬


‫توظيف احللم في الفانتازيا اتخذ أشكا ًال عديدة في األفالم األمريكية‬

‫كثيرا في رواية «عالم صوفي» جلوستاين جاردر‬ ‫مثلما تك� � ��ررت في رواية «الواح� � ��د»‪ .‬فاحللم هو‬ ‫اآللية الت� � ��ي تعتمدها رواي� � ��ة «الواحد» من أجل‬ ‫إظهار تداخل العوال� � ��م وتعدد األبعاد بينما تعدد‬ ‫املؤلفني هي آلية «عالم صوفي»‪ .‬والدهشة قاسم‬ ‫مش� � ��ترك آخر يجمع بني الروايتني حني تنجحان‬ ‫في إلغاء احلدود بني احللم والواقع‪.‬‬ ‫ب� � ��دأت رواية «عال� � ��م صوفي» مب� � ��زج احللم‬ ‫بالواقع من خالل اخللط بني شخصيتي «صوفي»‬ ‫و«هيلد» وهكذا فعلت رواية «الواحد»‪ ,‬من خالل‬ ‫ازدواجية شخصية «جاك‪/‬إبراهيم»‪ .‬لكننا نعرف‬ ‫الحق � � �اً أن أحداث «الواحد» تدور في حلم «آدم»‪.‬‬ ‫فكرة أننا جوهر في حلم «آدم‪/‬الواحد»‪ ,‬مجسدة‬ ‫في «فيش� � ��نو» الروح الس� � ��امية ومصدر كل شيء‬ ‫‪140‬‬

‫‪4/12/15 1:13:22 PM‬‬

‫حيث تنام وهي طافية على احمليط الكوني‪ ،‬بينما‬ ‫نحن جوهر أحالمها‪.‬‬ ‫البداية في الروايتني عدمية‪ ،‬لكنهما تنتهيان‬ ‫نهاي� � ��ة وجودي� � ��ة‪ .‬واملس� � ��ار ال� � ��ذي تتخذانه في‬ ‫مقارنتهما بني عاملني‪ :‬زائف وحقيقي‪ ,‬كان نيتشه‬ ‫قد انتقده وهو بصدد نقده للمس� � ��يحية والتراث‬ ‫الفلسفي حني أهمال العالم الواقعي من أجل بناء‬ ‫الس� � ��ماء و«عالم األفكار»‪ ،‬لكن العالم الذي أُريد‬ ‫له أن يبدو حقيقيا‪َّ ,‬‬ ‫تكش َ‬ ‫ف عن عالم وهمي‪ .‬في‬ ‫اخلامتة يتخلى «الواحد‪/‬آدم» عن السماء وينتصر‬ ‫لألرض عم ً‬ ‫ال بقول نيتشه‪« :‬كن وفياً لألرض‪ ,‬وال‬ ‫تصغ مل� � ��ن يعدك بحياة أفضل في العالم اآلخر»‪.‬‬ ‫وبهذا تنتهي الرواي� � ��ة باالنتصار للوجود وحلرية‬ ‫اإلنسان >‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 136-140.indd 140‬‬


‫قصص على الهواء‬

‫قـصـص عـلـى الـ ـهــواء‬

‫قصص ألصوات شابة تنشر بالتعاون مع إذاعة بي‪ .‬بي‪ .‬سي العربية *‬

‫ملــاذا اخــتــرت هــذه الــقــصــص?‬ ‫حاتم حافظ‬

‫أغلب القصص ينقص ُكتابها الكثير من التدريب‪ ...‬يبدو أن ُكتابها ال‬ ‫يقرأون بما يكفي‪ ،‬حتى إن «التقليد» (أو محاكاة صوت كاتب كبير‪،‬‬ ‫ال��ذي هو سمة مراحل الكتابة األول��ى) لم يتوفر في كتابات هؤالء‬ ‫الشبان‪ ،‬باستثناء قصة المفتاح (وربما قصة الشعب ال��ذي عبس)‪،‬‬ ‫ليس هناك صوت سردي ّ‬ ‫يبشر بموهبة حقيقية تعرف مواضع أقدامها‪.‬‬ ‫ولعل السبب في ذلك االهتمام الكبير الذي حظي به فن الرواية خالل‬ ‫العقدين الماضيين وتراجع االهتمام بفن القصة‪ ،‬بل وتراجع االهتمام‬ ‫بمتابعة أخبار القصة والكتاب المخلصين لها‪ ،‬ومن ثم انصراف الك ّتاب‬ ‫أنفسهم عن كتابتها‪.‬‬ ‫وعليه فمن بين القصص المرسلة ل��ي أمكنني اخ��ت��ي��ار القصص‬ ‫التالية‪:‬‬

‫< قصة «املفتاح»‬

‫أكثر قصص املجموعة نضجاً وأكثرها إش� � ��ارة إلى موهبة صاحبها‪ ،‬فالكاتبة لديها قدرة مدهشة على‬ ‫توظيف التفاصيل ووعي كبير بفكرة بناء القصة القصيرة‪ ،‬كش� � ��فت عن هذا الوعي س� � ��يطرة الكاتبة على‬ ‫الزمن والتنقل السلس بني السرد واحلوار‪ .‬الكاتبة أيضاً لديها ذاكرة بصرية مت توظيفها جيداً في القصة‪.‬‬ ‫وأيضاً لديها ش� � ��خصية في الكتابة تنبئ عن موهبة كبيرة‪ ،‬خصوصاً بسبب احلس الساخر‪ ،‬ليس املتضمن‬ ‫في بناء العبارة فحسب‪ ،‬ولكن في بناء مفارقة القص أيضاً‪.‬‬

‫< قصة «الشعب الذي عبس»‬

‫قصة لطيفة‪ .‬كاتبها ميتلك لغته‪ .‬يس� � ��ير بخفة نحو هدفه ونحو مفارقة قصته‪ .‬ينتقل من الس� � ��رد إلى‬ ‫احلوار والعكس بخفة‪ .‬لغته منضبطة ولديه قدرة على توريط القارئ في احلكاية ملشاركة الراوي جتربته‬ ‫التي ‪ -‬من فرط التفاصيل املوظفة جيداً ‪ -‬تبدو مسموعة النبض‪.‬‬

‫< قصة «اللوحة»‬

‫قصة مقبولة‪ .‬ليس� � ��ت أصيل� � ��ة متاماً‪ .‬بها كثير من العقل قليل من اإلحس� � ��اس‪ .‬لكن في مجملها قصة‬ ‫واعية‪ .‬كاتبها ميتلك أدوات القصة القصيرة وينقصه مزيد من التدريب على الكتابة‪ .‬لديه حس بالصورة‬ ‫‪141‬‬

‫‪4/12/15 1:13:50 PM‬‬

‫‪may 141-143.indd 141‬‬


‫وبالتركيب‪ .‬ليس لديه مشكالت كبيرة مع اللغة وقواعدها وجمالياتها‪.‬‬

‫< قصة «يا له من»‬

‫املوهب� � ��ة الفتة‪ .‬مقدرة على الكتابة السلس� � ��ة‪ .‬امتالك جيد ألدوات القص� � ��ة‪ .‬ينقصه فقط الكثير من‬ ‫التدريب‪ .‬لم يكن من املوفق تقس� � ��يم القصة ملقاطع مرقمة‪ ،‬ألن ذلك تس� � ��بب في قطع تسلس� � ��ل الس� � ��رد‪،‬‬ ‫وتعارض مع تقنية احللم املستخدمة‪ ،‬ومع هذا فال شك أن موهبته قابلة للتطور السريع‪.‬‬

‫< قصة «قبل الشنق بدقائق قليلة»‬

‫قص� � ��ة متوس� � ��طة‪ .‬الكاتب لديه ح� � ��س مبفارقة القص� � ��ة القصيرة‪ ،‬حريص على أن يك� � ��ون لديه صوته‬ ‫اخلاص‪ ،‬يخلط بني الواقعي والفانتازي بخفة جتنبه الوقوع في احلذلقة‪.‬‬

‫‪ ‬المفتاح‬ ‫أميرة المشعل ‪ -‬األردن‬ ‫س� � ��ماء ملبدة بالغيوم وأنا أرك� � ��ض حتتها‪ ‬بحذاء‬ ‫بالستيكي رباطه مفلوت‪ .‬من دون جاكتة‪ ،‬وبدستة من‬ ‫البلوزات الصوفية ألوانه� � ��ا فاقعة‪ ،‬مثقوبة من الكوع‪،‬‬ ‫حتت مريول أزرق‪ ...‬ي� � ��ا ألناقة الفقراء! حيث أصعد‬ ‫وأنزل ثالثة جبال متتالية حتى أصل مدرسة لها رائحة‬ ‫مستشفى حربي مترب‪ ،‬أو هيئة مطار مهجور‪.‬‬ ‫أخيراً وقف� � ��ت عند مطعم ضئي� � ��ل‪ ،‬مطعم طالؤه‬ ‫الدهني مقش� � ��ور‪ ،‬يقع مباش� � ��رة أمام املدرسة‪ .‬بالكاد‬ ‫يكف� � ��ي الوقوف فيه لعامل مصري بس� � ��حنته املتعرقة‪،‬‬ ‫خلف ص� � ��اج أس� � ��ود عميق طاف� � ��ح بالزي� � ��ت النباتي‪،‬‬ ‫ومتفحم لكثرة قلي أقراص الفالفل البنية املنمش� � ��ة‪.‬‬ ‫رائحته الالذعة‪ ،‬م� � ��ا زالت تصل إلى أنفي حتى اآلن‪،‬‬ ‫مع أني على بُعد عشرين عاماً من تلك احلادثة‪.‬‬ ‫ألتقط أنفاس� � ��ي‪ ،‬أبلع ريقي‪ ،‬أسوي حقيبتي على‬ ‫ظهري‪ ،‬احلقيبة التي حتوي كل أنواع السندويش� � ��ات‬ ‫الت� � ��ي أكرهها‪ :‬زعتر وزيت‪ ،‬زي� � ��ت وزعتر‪ ،‬زيت وزيت‪،‬‬ ‫زعتر وزعتر‪ ...‬أمس� � ��ح ش� � ��عري ببعض قطرات املطر‬ ‫التي بدأت تتساقط عليه‪.‬‬ ‫عمو‪ ،‬كم الساعة؟ أسأل احلارس الهرم‪ ،‬نصف‬‫األط� � ��رش‪ .‬يقوس‪ ‬يده النحيفة ذات البش� � ��رة اجلافة‬ ‫حول شحمة أذنه املتهدلة‪.‬‬ ‫الس� � ��اعة‪ ...‬الس� � ��اعة‪ .‬أكرر له بضرب إصبعني‬‫على معصمي‪.‬‬ ‫‪142‬‬

‫‪4/12/15 1:13:53 PM‬‬

‫فيفهم إشارتي‪:‬‬ ‫ آه عشرة إال دقيقتني‪.‬‬‫أق� � ��دم له امتناني بابتس� � ��امة رقيقة‪ ،‬ثم أصعدإلى‬ ‫الطوابق الثالثة ملدرس� � ��ة الــــ � � �ـ‪ ،UN‬ذات العلم األزرق‬ ‫املبلول‪ ،‬قماشته مهترئة وقد التصقت بساريته النيكل‬ ‫فما عاد يرفرف أبداً‪.‬‬ ‫احلمد لله لم أتأخر كثيراً‪ ...‬حلظتان‪ ...‬حلظة فقط‬ ‫وأكون في الصف قبل دخول األس� � ��تاذ‪ ،‬أو بعده بخطوة‪.‬‬ ‫ها أنا قد وصل� � ��ت‪ .‬ولكني فوجئ� � ��ت‪ ،‬كان الصف خالياً‬ ‫تلفت‬ ‫متاماً‪ ،‬إذ ال مدرس‪ ،‬وال طالب‪ ،‬وال حقائب‪ ،‬وحني ّ‬ ‫حولي وج� � ��دت صفوفاً مكتظة‪ ،‬هنالك عدد من املعلمني‬ ‫واملعلمات الذين يجهدون أصواتهم بش� � ��كل أسطوري من‬ ‫أجل إقناع أكثر من س� � ��تني طالباً منحش� � ��رين في غرف‬ ‫رمادية‪ ،‬بالكاد تكفي الواحدة منها ثالثني طالباً‪.‬‬ ‫أجتاز املمر‪ ،‬ثم أهبط مس� � ��رعة‪ ،‬متعثرة اخلطوات‬ ‫على سلم مبحجر حديدي يقود إلى غرفة اإلدارة‪.‬‬ ‫أدخل فأس� � ��أل املديرة بتلكؤ‪ ،‬وبرأس محني بش� � ��دة‪،‬‬ ‫فتأمرني باخل� � ��روج من غرفة اإلدارة ف� � ��ي احلال‪ ،‬إذ ال‬ ‫يحق لي الدخول أو الس� � ��ؤال بهذا الش� � ��كل‪ ،‬مؤكدة ذلك‬ ‫بنظ� � ��رة حازمة‪ .‬في غرف� � ��ة اإلدارة‪ ،‬فوق رأس املديرة‬ ‫مباش� � ��رة ثمة صورة هائلة‪ ،‬يظه� � ��ر فيها أبوعمار وهو‬ ‫يس � � �لّم على امرأة بش� � ��عر عنابي قصير ج� � ��داً‪ ،‬رقبتها‬ ‫غليظة‪ ،‬يطوقها عقد لؤلؤ بلفات كثيرة‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 141-143.indd 142‬‬


‫قصص على الهواء‬ ‫ما إن خرجت‪ ،‬حتى سمعت صوته‪:‬‬ ‫ً‬ ‫أمي� � ��رة أمي� � ��رة‪ ...‬كان الصوت قادم � � �ا من عتمة‬‫املم� � ��ر‪ ،‬أما هو فق� � ��د كان هناك‪ ،‬بعينيه املش� � ��دوهتني‬ ‫الش� � ��بيهتني بس� � ��حلية مجعدة‪ .‬هاتان العينان مازالتا‬ ‫حتى اآلن‪ ،‬ومنذ عشرين عاماً‪ ،‬حتدقان بي‪.‬‬ ‫تعالي‪ ،‬تعالي إننا هنا!‬‫أخل� � ��ع حقيبتي‪ ،‬أنس� � ��ل خلفها إلى غرف� � ��ة داكنة‬ ‫مكتظة بأكثر من مائة وعشرين طالباً‪ ،‬حصيلة صفني‬ ‫من الصف السادس االبتدائي‪.‬‬ ‫ال أع� � ��رف كيف التقطتني عينا األس� � ��تاذ «محمد‬ ‫عرابي»‪ .‬لقد انهالت مسطرته على كتفي‪ ،‬انهالت بقوة‬ ‫حتى تركت ندبة حم� � ��راء عليها‪ .‬لكني بقيت ثابتة في‬ ‫مكاني‪ .‬لم أصرخ‪ ،‬لم أعبر عن أملي إال بدمعة مدورة‪،‬‬ ‫رسمت قوساً كام ً‬ ‫ال‪ ،‬حتى وصلت إلى ذقني‪.‬‬ ‫ «ليش متأخره وله آه»‪.‬‬‫ف� � ��ي العتمة‪ ،‬لم ينتبه أحد لذلك‪ .‬لقد وقف هناك‬ ‫بوجه� � ��ه العظمي املجدور‪ ،‬وس� � ��ط بقع� � ��ة ضوء مربعة‬ ‫تنعكس على احلائط‪ ،‬وهو يضرب مبسطرته الصفراء‬ ‫السميكة على يده‪ ،‬ويقول بصوت عال‪:‬‬ ‫اليوم راح نعرض لكم فيلم‪..‬‬‫ثم يستأنف كالمه‪:‬‬ ‫إحنا فلس� � ��طينيني‪ ،‬طيب‪ .‬غول� � ��دا مائير قالت‪:‬‬‫اجلي� � ��ل األول س� � ��يقاوم‪ ،‬والثان� � ��ي س� � ��يقاوم‪ ،‬والثالث‬ ‫سيقاوم‪ ،‬أما الرابع فسيتعب! فشرت في نص عينها‪...‬‬ ‫استغفر الله!‬ ‫م� � ��ا علينا‪ ...‬ه� �ل��ا بدنا نعرضلك� � ��وا فيلم عن حق‬ ‫العودة‪ ...‬حقنا نرجع لفلسطني بالدنا‪ ،‬إحنا هون في‬ ‫األردن الجئني‪ ،‬فاهمني؟‬ ‫من دون أقل تفكر هززت رأسي‪...‬‬ ‫استأنف كالمه‪:‬‬ ‫الجئ يعني بيجي يوم وبيرجع لبالدو‪.‬‬‫زم شفتيه ثم نظر ألستاذ الرياضيات الضئيل‪ ،‬والضائع‬ ‫متاماً في بذلة فضفاضة‪ ،‬وأشار له أن يشغل الفيلم‪.‬‬ ‫يالاله حسن!‬‫اندفع الضوء الس� � ��اطع دفعة واحدة‪ ‬إلى العيون‬ ‫املندهشة واملفتوحة على اتساعها‪.‬‬ ‫صور‪ ،‬صور‪ ،‬ص� � ��ور‪ ،‬تتحدب‪ ،‬تتقع� � ��ر في عيني‪،‬‬ ‫تغتسل بالدمعة‪ ،‬وأنا أش� � ��هق بصوت مكبوت‪ ‬يكاد أال‬ ‫يسمعه أحد وسط متتمة مائة وعشرين طالباً‪.‬‬

‫صور ألزقة مخيم حتيط أس��ل��اك الكهرباء مبنازله‬ ‫وتربطها معاً‪ .‬س�� ��يدة عجوز بثوب نابلس�� ��ي أبيض اللون‬ ‫تعلق على صدرها املترهل مفتاح بيتها في فلسطني‪ .‬رجل‬ ‫مسن بكوفية وحاجبني ثلجيني يدفع نحو الشاشة مفتاح‬ ‫ٌّ‬ ‫منزله في فلس�� ��طني‪ .‬نس�� ��اء في منتصف العمر‪ .‬شباب‬ ‫متوقدون يدفعون عيونهم الفضولية أمام الكاميرا‪ .‬صور‬ ‫لبالد جميلة‪ ،‬بيارات برتقال‪ ،‬شوارع نظيفة‪ ,‬أفق مضيء‪،‬‬ ‫مح��ل��ات بيع حتف للحجاج ولس�� ��ياح قبة الصخرة وهي‬ ‫تلم�� ��ع‪ ،‬بل م�� ��ا زالت تلمع حتى اآلن ف�� ��ي عيني‪ ،‬على بعد‬ ‫عشرين عاماً‪ ،‬كأنها نهد ذهبي مطلي بالعسل!‬ ‫حق العودة! أتنهد بس� � ��خرية‪ ...‬أحتس� � ��س كتفي‪،‬‬ ‫الندبة احلمراء الت� � ��ي حتولت إلى زرقاء ثم إلى نقطة‬ ‫سوداء في قلبي‪ ،‬الندبة التي أورثتني هذه العادة التي‬ ‫تكرهها‪ ،‬أقصد‪ ‬حتسس كتفي بشدة وأنا أحتدث‪.‬‬ ‫في ذلك اليوم فكرت كثيراً‪ ،‬رغم أني لم أفهم ماذا‬ ‫يعني «غولدا مائير» بالتحديد‪ ،‬لكني فكرت كثيراً في‬ ‫ح� � ��ق عودة الالجئني إلى منازلهم‪ ،‬ومازلت إلى اآلن يا‬ ‫عزيزي‪ ،‬أمتنى بعنف لو أنني اندفعت لألستاذ «محمد‬ ‫عرابي» وسألته فقط‪:‬‬ ‫أس� � ��تاذ‪ ...‬أنا بدوية م� � ��ن دوار اخلليل‪ ،‬جدي كان‬ ‫عايش في بيت ش� � ��عر‪ ...‬وبيت الش� � ��عر مالو مفتاح‪...‬‬ ‫بيت الشعر إلو مفتاح إستاز‪ ...‬من وين بتسكر؟ >‬ ‫‪143‬‬

‫‪4/12/15 1:13:57 PM‬‬

‫‪may 141-143.indd 143‬‬


‫شعر‬

‫امرأ ٌة فـي الـبَــيَـاض‬ ‫علي عبداهلل خليفة‬ ‫شاعر من البحريـن‬

‫جـا َءني في الـ َمـنام‬ ‫البياض!‬ ‫خيا ُل امرأةٍ في‬ ‫ِ‬ ‫وأسد َل م ْن جانبيهِ غـ َمام‪...‬‬ ‫تكل َل ورداً‪ْ ،‬‬ ‫البياض!‬ ‫خيا ُل امرأةٍ في‬ ‫ِ‬ ‫ـيت بها َمـر ًة في قـَـديـم ال ـ ّزحـام‪...‬‬ ‫كأنـّي الـتـق ُ‬ ‫البياض!‬ ‫خـيا ُل امرأةٍ في‬ ‫ْ‬ ‫با َن بـيـ َن يـديـها إنـاءٌ‬ ‫إلي‪ :‬تـعـال‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫أشارت ّ‬ ‫حليب ُمـصفـّى‬ ‫ـذا‬ ‫ه‬ ‫‪،‬‬ ‫الكأس‬ ‫خـُـذ‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫ضـ ُروع الغـزال‬ ‫ـت بـهِ م ْن ُ‬ ‫أتـي ُ‬ ‫ـت إلـي َ‬ ‫ـك بـخـ ُـبْـ ٍـز َسـخـيـن‬ ‫وجـئـ ْ ُ‬ ‫ـات الـن ّـخـيـل‪.‬‬ ‫ومتر‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫عزيز جتو ُد بهِ طـ ّيـب ُ‬ ‫***‬

‫ـلت‪ :‬مـ ْن أنـ ِـت؟!‬ ‫ق ُ‬ ‫ـت‪َ :‬‬ ‫ـت عـنْـدي‪،‬‬ ‫ـت‪ ،‬ال وق َ‬ ‫ضـنـي ـ ٌن ُهـ َو الـوقـ ْ ُ‬ ‫قـال ْ‬ ‫أهـل َ‬ ‫أنـا مـ ْن تـُـرابـ َ‬ ‫ـك‪...‬‬ ‫ـك‪ ...‬مـ ْن نــارِ ْ‬ ‫مـ ْن َسـور ِة الـ َمدِّ ومـل ِـح األجـاج‬ ‫ـسـ َم ٍـة ُحـرةٍ فـي الـبُـكـُـور‬ ‫ومـ ْن ن ْ‬ ‫ـسـتـريـب ـاً‬ ‫م‬ ‫ها‬ ‫و‬ ‫ـ‬ ‫ـح‬ ‫ن‬ ‫ـدي‬ ‫ي‬ ‫ـددت‬ ‫َم ُ‬ ‫َ‬ ‫ْ َ ُ ْ‬ ‫ـيب‪ ...‬وتـ ْمـر!‬ ‫ل‬ ‫ـ‬ ‫ح‬ ‫ٌ‪...‬‬ ‫أخـبْـز‬ ‫ٌ‬ ‫ملاذا ِ‬ ‫أتيت إل ّـي بـهـذا الط َّـعـام‪...‬؟!‬ ‫***‬ ‫خـذ األكـ َل مـنـّي‪ ،‬وجـ ّر ْب طـعـامـاً‬ ‫ـرأت عليهِ ‪َ ...‬‬ ‫رش ْ‬ ‫ـت عليهِ بـماءٍ تـح ـ ّد َر‬ ‫ق ُ‬ ‫ـش ُ‬ ‫مـ ْن ُمـزن ٍـة لـ ْم تـلـ ْدها الـ ّدهـُـور‬ ‫وهـذا اخلـبـ ُز خ ـُبْـزي‬ ‫ـت بـهِ أ ْمـنـي ِ‬ ‫ـات الـشـراع‬ ‫ع َـجـن ُ‬ ‫وحـلـْـم الـثـغُـور‬ ‫ُ‬ ‫وطـ ّيـبـ ْـتـ ُه بـالـذي كا َن في الـبـال دومـاً يَـدور‪.‬‬ ‫***‬

‫‪144‬‬

‫‪4/12/15 1:14:28 PM‬‬

‫ـت الطعا َم الذي ل ْم أذ ْق مثلهُ‪...‬‬ ‫أكـل ُ‬ ‫وأسـكـرني مـا لــديـْـها‬ ‫شـرب ُ‬ ‫ـت‪ْ ،‬‬ ‫ـصرت أل ّ ُ‬ ‫ـف‪ ...‬أدور‪...‬‬ ‫ف‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫ـرب‬ ‫ت‬ ‫ـ‬ ‫ـ‬ ‫ق‬ ‫ـ‬ ‫ي‬ ‫ه‬ ‫ل‬ ‫ك‬ ‫ـدى‬ ‫م‬ ‫ـ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫أن‬ ‫ر‬ ‫ـ‬ ‫ع‬ ‫وأش‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ْ ْ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫وأن الهوا َء تـل ّو َن لو َن الزهـُور‬ ‫ّ‬ ‫ـسـك ـْ ُر‬ ‫ُ‬ ‫ـسـ ُه ال ّ‬ ‫وصرت كـمـ ْن َم ّ‬ ‫ـت بـهِ ن ْ‬ ‫ـشـوةٌ َعـبْـ َر ف ـُل ٍـك‬ ‫وراح ْ‬ ‫تـجـاو َز بـح ـْ َر الع ـُبُـور‬ ‫وأشعـُر أنـّي شـفـيـفاً‪ .‬خـفـيـف ـاً‬ ‫ـب‬ ‫ـص ألـ ْ ِـسـنـ َ ًة مـ ْن ل َـ َهـ ْ‬ ‫أراق ُ‬ ‫ـراع ـ َم‬ ‫ـرب فـ ٍ‬ ‫ـراش‪ ...‬أشـ ّ ُم الـ َب َ‬ ‫وأتـبـ ُع س َ‬ ‫أح ـنـُـو‪...‬‬ ‫ْ‬ ‫ـب شـعـراً يُـغـ َـنـّى‬ ‫وأكـت ُ‬ ‫وأعـ ْ ُ‬ ‫ـجـم ال ـث ـ ّ ُـر ّيـا‬ ‫ـزف حل ـنـاً لـن ْ‬ ‫ً‬ ‫ـحـ ّمـى‬ ‫وأن ـْق ـُ ُر ُد ّف ـا ُم َ‬ ‫ـات ل ـُ ْد ُن ا ُ‬ ‫تـلـيـ ُن لـ ُه فـي الـ َع ِـشـ ّي ِ‬ ‫ضـور‬ ‫خل ُ‬ ‫ـسـار الـ َمـراي ــا‬ ‫ـح ِ ّ‬ ‫ـس بـال ُ‬ ‫ـب حـتـى انـكـ َ‬ ‫وأهـ ُم ُ‬ ‫وحـتـى ابْـتـداع الض ّـُـروب‪...‬‬ ‫ْ‬ ‫وإش ـعـالِ نـارِ الـق ـُلـوب‬ ‫اع ـتـرانـي‪...‬‬ ‫ومـ ّمـا ْ‬ ‫وأصـفـو‪ ،‬وأغـدو شـُعاعـاً‬ ‫ِ‬ ‫ـس بـأنـّي أرق‪ْ ،‬‬ ‫أح ّ ُ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫يَـ ُمـ ّر ُمـخـتـرق ـا ظـلـ َمـة فـي ال ـ ّ ُدروب‬ ‫ويـت ُ‬ ‫درب دربـي ُحـروف‬ ‫ـرك مـنـّي عـلى ِ‬ ‫وجــداً‪ ،‬يُـ َو ّز ُعـنـي‬ ‫د‬ ‫ـ‬ ‫ج‬ ‫و‬ ‫ـ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ـي‬ ‫ن‬ ‫ـذ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫َ ْ‬ ‫ويـأخـ ُ‬ ‫ـضـ ًة‪ ...‬ن َـبْ َ‬ ‫ن َـبـ ْ َ‬ ‫ـضـ ًة‪...‬‬ ‫الض ـيُـوف‬ ‫فـي زِ َحـام ّ ُ‬ ‫ـت أ ْك ـفـي‪...‬‬ ‫فـأب ـْكـي ألنـ ّ َـي مـا كـن ُ‬ ‫أنــادي‪ ...‬أصـيـح‬ ‫ـاض ت َـعـالي‬ ‫أيَـا ا ْمـرأ ًة فـي الـ َبـي ِ‬ ‫أري ـ ُد الـ َمــزيـد‪...‬‬ ‫ـت أنـ ّ َي شــيءٌ‪...‬تـَـالشـى‬ ‫ـس ُ‬ ‫ث ـُ َّم ْ‬ ‫أح َ‬ ‫ـس ْ‬ ‫ـت أنـ ّ َي‪ ...‬ش ـيـئـاً‪ ...‬فـش ـيـئـاً أذوب‪...‬‬ ‫ـس‬ ‫ـس ُ‬ ‫وأحـ ْ َ ْ‬ ‫ـوت >‬ ‫ـ‬ ‫م‬ ‫أ‬ ‫ـا‪...‬‬ ‫وأحـ ـي‬ ‫ُ ْ‬ ‫ْ‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 144-145.indd 144‬‬


‫امرأةٌ فـي الـ َب ـ َيـاض‬ ‫‪4/12/15 1:14:32 PM‬‬

‫‪145‬‬

‫‪may 144-145.indd 145‬‬


‫علوم‬

‫الفئـران‬

‫كواشـف حيويـة‬ ‫محمد سلمان داود‬

‫كاتب من اليمن‬

‫التشخيص ال��خ��اط��ئ أح���د األس��ب��اب المهمة الن��ت��ش��ار م���رض السل‬ ‫(‪)Tuberculosis‬؛ وبالتالي ع��دم القضاء عليه‪ ،‬وحسب إحصاءات‬ ‫منظمة الصحة العالمية لعام‪ ،2013‬بلغ عدد من سقطوا في براثن‬ ‫مرض السل ‪ 9‬ماليين شخص‪ ،‬وعدد من قضوا بسبب السل ‪ 1.5‬مليون‬ ‫شخص‪ .‬والفحص المجهري هو التقنية األكثر استخدام ًا الكتشاف‬ ‫م��رض ال��س��ل‪ ،‬وخ��اص��ة ف��ي ال��ب��ل��دان النامية‪ ،‬لكنها ال تعطي نتائج‬ ‫دقيقة؛ فوجود تقنية متقنة وسريعة وغير مكلفة‪ ،‬سوف يعمل على‬ ‫التشخيص المبكر والدقيق‪ ،‬فهو يعد حجر الزاوية في مكافحة مرض‬ ‫السل ومنع انتقاله‪.‬‬

‫‪146‬‬

‫‪4/12/15 1:15:15 PM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 146-149.indd 146‬‬


‫استخدام اجلرذان ككاشفات حيوية للسل الرئوي‬

‫في عام ‪ 2008‬بدأت منظمة ‪ APOPO‬اس� � ��تخدام تستخدم ككاشفات حيوية للسل الرئوي في عينات‬ ‫أس� � ��لوب حديث‪ ،‬يعتم� � ��د على اجل� � ��رذان اجلرابية بلغم اإلنسان‪.‬‬ ‫العمالقة اإلفريقية في الكش� � ��ف عن مرض السل‪،‬‬ ‫تدريب اجلرذان‬ ‫ومنظمة ‪ APOPO‬مؤسسة اجتماعية بلجيكية‪ ،‬غير‬ ‫متتاز هذه اجلرذان بأنها قابلة للتعليم‪ ،‬وس� � ��هلة‬ ‫حكومي� � ��ة‪ ،‬وغير ربحية‪ ،‬أسس� � ��ت عام ‪ 1997‬مقرها‬ ‫تنزانيا‪ ،‬تق� � ��وم بتطوير أبحاث في تقنية اس� � ��تخدام الترويض والتدريب للقيام باملهام املتكررة‪ ،‬كما ثبت‬ ‫اجل� � ��رذان ألغ� � ��راض إنس� � ��انية‪ ،‬مثل الكش� � ��ف عن أنها مقاومة ملرض السل‪ ،‬فقد أجري بحث لتحديد‬ ‫األلغام‪ ،‬والكش� � ��ف عن مرض الس� � ��ل‪ ،‬وقد حصلت مقاوم� � ��ة اجلرذان له� � ��ذا املرض‪ ،‬فت� � ��م وضعها في‬ ‫املنظمة على جائ� � ��زة ‪ SKOLL‬للري� � ��ادة االجتماعية قفص صمم خصوصاً وأدخل في خزانة الس� �ل��امة‬ ‫من جامع� � ��ة أكس� � ��فورد‪ ،‬وكلم� � ��ة ‪ APOPO‬اختصار البيولوجية (‪ ،)Biological Safty Cabinet‬بعد ذلك‬ ‫لـ ‪ Anti-Persoonmijnen Ontmijnende Product‬تعرضت اجلرذان لرذاذ من املتفطرة السلية احلية‪،‬‬ ‫‪ Ontwikkeling‬باللغ� � ��ة الهولندية‪ ،‬وتعني الكش� � ��ف وبعد عدة أسابيع من التعرض‪ ،‬وجد أن اجلرذان لم‬ ‫ع� � ��ن األلغام املض� � ��ادة لألفراد‪ ،‬وتطوي� � ��ر املنتجات‪ ،‬تُصب مبرض السل‪.‬‬ ‫ويبدأ تدريب اجلرذان عندما يبلغ عمرها ‪ 4‬أسابيع‬ ‫وتس� � ��تند هذه التقني� � ��ة إلى أن املتفطرات الس� � ��لية‬ ‫(‪ ،)Mycobacterium tuberculosis‬وه� � ��ي م� � ��ن والدتها وتفتح عيونها‪ ،‬فيتم إس� � ��ناد اجلرذان إلى‬ ‫نوع من البكتيريا تسبب مرض السل‪ ،‬تطلق مركبات مدرب� �ي��ن متخصصني‪ ،‬به� � ��دف تدريبهم عل� � ��ى مبادئ‬ ‫عضوي� � ��ة متطايرة‪ ،‬تكتش� � ��فها اجل� � ��رذان عن طريق اإلش� � ��راط االس� � ��تثابي ‪Operant Conditioning‬‬ ‫حاسة الشم‪ ،‬فقدرة اجلرذان على استقبال الرائحة فيدرب� � ��ون اجلرذان عل� � ��ى الربط بني ص� � ��وت املفرقع‬ ‫تكون قوية‪ ،‬وحاسة الشم لديها متطورة جداً؛ لذلك املعدن� � ��ي ‪ Clicker a metal‬م� � ��ع مكاف� � ��أة الغ� � ��ذاء‪،‬‬ ‫الفئران كواشف حيوية‬ ‫‪4/12/15 1:15:19 PM‬‬

‫‪147‬‬

‫‪may 146-149.indd 147‬‬


‫أثناء تبديل حامل العينات لفحصها من اجلرذ‬

‫عينات من بلغم اإلنسان‬

‫وال تكون اجلرذان جاهزة للفحص‪ ،‬إال بعد أن جتد كل‬ ‫عينات السل اإليجابية أثناء التدريب‪.‬‬

‫اجلرذان أدق وأسرع من اإلنسان‬

‫اجلرذان تستطيع التعرف على بكتيريا السل عن طريق‬ ‫ثوان‬ ‫رائحتها فإذا وجدتها فإنها تبقي أنفها ملدة خمس ٍ‬

‫فيس� � ��تخدم صوت الطقطقة كمثير ثان� � ��وي‪ ،‬ومكافأة‬ ‫الغذاء كمثير أساسي‪ ،‬لتعزيز‬ ‫السلوك اإليجابي‪ ،‬وبعد أن تتعلم اجلرذان أن صوت‬ ‫الطقطقة يعني الغذاء يتم تدريبها على رائحة عينات‬ ‫بلغم اإلنس� � ��ان اإليجابية ملصاب مبرض السل‪ ،‬فتوضع‬ ‫اجلرذان في قفص مجهز بثقوب تس� � ��مى ثقوب الشم‬ ‫‪ Siffing holes‬وتوض� � ��ع حتته� � ��ا العين� � ��ات‪ ،‬فعندما‬ ‫تقف اجلرذان فوق العينة اإليجابية‪ ،‬وتش� � ��م الرائحة‪،‬‬ ‫ف� � ��إن املعاملة بالفرقع� � ��ة والغذاء تعلمه� � ��ا أن هذه هي‬ ‫االس� � ��تجابة الصحيحة‪ ،‬فاجلرذان تتعلم اإلش� � ��ارة إلى‬ ‫عينات مرض الس� � ��ل اإليجابية‪ ،‬بإبقاء أنوفها في حفر‬ ‫الشم مثبتة ملدة ‪ 5‬ثوان‪ ،‬واخلدش على سطح القفص‪،‬‬ ‫أما عينات بلغم اإلنس� � ��ان السلبية فتتجاوزها بسرعة‪،‬‬ ‫ألنها ال فائدة منها‪ ،‬وتس� � ��تغرق فترة التدريب ‪ 9‬أشهر‪،‬‬ ‫‪148‬‬

‫‪4/12/15 1:15:22 PM‬‬

‫ي�ع��د ال�ف�ح��ص امل�ج�ه��ري ه��و التقنية األك �ث��ر شيوعاً‬ ‫لتحديد مرض السل‪ ،‬وخاصة في البلدان النامية‪ ،‬وعلى‬ ‫الرغم من أنها غير مكلفة فإنها تستغرق وقتاً طوي ً‬ ‫ال‪ ،‬كما‬ ‫أنها تفشل في كشف عديد من احلاالت املرضية‪ ،‬عند‬ ‫حتليل أع��داد كبيرة من العينات؛ ألن البكتيريا املسببة‬ ‫مل��رض السل من السهل ع��دم مالحظتها وتشخيصها؛‬ ‫وهذا يؤدي إلى أن ما ال يقل عن ‪ 80-60‬في املائة من‬ ‫احلاالت املصابة بالسل ال يتم تشخيصها‪ ،‬وثبت أن كل‬ ‫مريض سل غير معالج ميكن أن ينقل املرض إلى عشرة‬ ‫أشخاص آخرين كل سنة‪ ،‬باإلضافة إل��ى حجم العمل‬ ‫الكبير الذي يسبب اإلرهاق والتعب ملختص املجاهر مما‬ ‫يؤثر في نتيجة الفحص‪.‬‬ ‫وهناك اختبارات معملية معقدة ومكلفة لتحديد مرض‬ ‫السل‪ ،‬وأيدت منظمة الصحة العاملية أخيراً آلة جديدة‪،‬‬ ‫تعطي نتائج دقيقة في أقل من ساعتني‪ ،‬ولكن اجلهاز‬ ‫مكلف وتبلغ قيمته ‪ 17000‬دوالر‪ ،‬ويتطلب كل اختبار‬ ‫خرطوشة بـ ‪ 17‬دوالراً‪ ،‬بينما تكلفة تدريب اجلرذ تتراوح‬ ‫بني ‪ 6700‬و‪ 8000‬دوالر‪ ،‬وف��ق إميليو فالفيردي مدير‬ ‫برنامج مكافحة السل في ‪ APOPO‬موزمبيق‪.‬‬ ‫ففي حني يستطيع فني املختبر حتليل ‪ 40‬عينة في‬ ‫اليوم الواحد ميكن للجرذ املدرب أن يفحص العدد نفسه‬ ‫في أق��ل من سبع دق��ائ��ق‪ .‬وق��د أثبتت ال��دراس��ات متكن‬ ‫اجل��رذان من كشف حاالت سل إيجابية جديدة وزائدة‪،‬‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 146-149.indd 148‬‬


‫علوم‬

‫تسلسل التدريب للجرذان‬ ‫في حضانة أمه‬

‫التنشئة والترويض‬ ‫مع املدرب‬

‫املواليد اجلديدة‬

‫تفتح عيونها‬ ‫بعد أربعة أسابيع‬

‫األقلم� � ��ة والتدري� � ��ب عل� � ��ى‬ ‫ربط ص� � ��وت الطقطقة مع‬ ‫الغ� � ��ذاء‪ ...‬جلس� � ��تان يومياً‬ ‫ملدة أسبوعني مع املدرب‬

‫جرذان عمر ‪ 6‬أسابيع‬

‫حفرة ش� � ��م واح� � ��دة وتعليم‬ ‫اإلش� � ��ارة إلى عينة الس� � ��ل‪:‬‬ ‫اإليجابية‪ ...‬جلستان × ‪10‬‬ ‫دقائق يوم ًيا ملدة ‪ 3‬أس� � ��ابيع‬ ‫مع املدرب‬

‫جرذان عمر ‪ 8‬أسابيع‬

‫حفر شم وتدريب التمييز بني‬ ‫العينات اإليجابية والسلبية‪...‬‬ ‫جلستان ملدة ‪ 20‬دقيقة يوم ًيا‬ ‫ملدة ‪ 3‬أسابيع مع املدرب‬

‫جرذان عمر ‪ 11‬أسبوع ًا‬

‫‪ 10‬حف�� ��ر ش�� ��م والتدريب على‬ ‫تقيي�� ��م العين�� ��ات املتع�� ��ددة‪...‬‬ ‫جلس�� ��تان ملدة ‪ 20‬دقيقة يوم ًيا‬ ‫ملدة ‪ 12‬أسبوعاً مع املدرب‬

‫جرذان عمر ‪ 14‬أسبوع ًا‬

‫جرذان عمر ‪ 26‬أسبوع ًا‬

‫التدريب التشغيلي‬ ‫واختبارات االعتماد‬

‫الفئران كواشف حيوية‬ ‫‪4/12/15 1:15:26 PM‬‬

‫عما مت كشفه بوساطة الفحص املجهري‪ ،‬ففي دراسة‬ ‫أجريت على ‪ 10523‬مريضاً مت فحص عينات البلغم‬ ‫لديهم‪ ،‬للكشف عن مرض السل بوساطة املجهر‪ ،‬كانت‬ ‫النتيجة ‪ 1403‬ح��االت مصابة مب��رض السل‪ ،‬وعندما‬ ‫فحصت باستخدام اجل ��رذان امل��درب��ة‪ ،‬زادت احلاالت‬ ‫املصابة إلى ‪ 2023‬حالة‪ ،‬أي بزيادة ‪ 620‬مريضاً ونسبة‬ ‫‪ 44‬في املائة‪ ،‬وقال الدكتور آالن بولينج أستاذ علم النفس‬ ‫في جامعة ميشيغان الغربية إن هذه اجلرذان سيكون لها‬ ‫مكان في خط الفحص األول >‬ ‫‪149‬‬

‫‪may 146-149.indd 149‬‬


‫علوم‬

‫طرق رفيقة بالبيئة‬ ‫للتخلُّص من ازدحام األجواء‬ ‫محمد حسام الشاالتي‬

‫صحفي وباحث في علوم الطيران‪ -‬من سورية‬

‫هر دراس��ات هيئات أبحاث الطيران والفضاء األوربية كم تُعاني القارة‬ ‫تُظ ِ‬ ‫ُّ‬ ‫التحكم في‬ ‫العجوز من ازدحام حركة الطيران في أجوائها! وهذا يعني أن‬ ‫حركة الطيران بات يُ ّ‬ ‫تحدي ًا حقيقي ًا للعاملين في أبراج المراقبة بسبب‬ ‫شكل ِّ‬ ‫ازدياد عدد الطائرات الصغيرة‪ .‬وفي المقابل تحلم شركات الطيران الكبرى‬ ‫بتحقيق نمو بنسبة تصل إلى ‪ 5‬في المائة سنويّ ًا‪ ،‬بيد أن تحقيق هذا الحلم‬ ‫يبدو صعب ًا في وقت تراجعت فيه أعداد المسافرين بالطائرات الكبيرة بنسبة‬ ‫‪ 20‬في المائة‪ .‬فما األفكار الجديدة التي قد تساعد في حل هذه المشكلة‪،‬‬ ‫وتُراعي الرفق بالبيئة في الوقت نفسه؟‬

‫‪150‬‬

‫‪4/12/15 1:16:00 PM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 150-152.indd 150‬‬


‫اجلناح الطائر تصميم يستغني عن شكل الطائرة التقليدي واستُ بدل به جناح يتسع لـ ‪ 1500‬راكب في طابقني‬

‫البداية من تنظيم حركة الطائرات‬ ‫في هذا اإلطار قام مركز الطيران والفضاء األملاني‬ ‫في مطار األبحاث «براونش� � ��فايغ ‪ »Braunshweig‬قرب‬ ‫مدينة «فولفسبورغ» األملانية بإنشاء برج ُمراقبة افتراضي‬ ‫جدي� � ��د بغية التعامل مع حركت� � ��ي اإلقالع والهبوط لعدد‬ ‫أكب� � ��ر من الطائرات‪ ،‬نتيجة للتنامي املس� � ��تمر في حركة‬ ‫الطيران‪ ،‬حيث قد تُساعد أجهزة الكمبيوتر في املستقبل‬ ‫في حتديد تسلسل وسرعة اإلقالع والهبوط‪ ،‬ولكن هذا‬ ‫سيُساعد بقدر محدود فقط في استيعاب النمو املُتزايد‬ ‫في حرك� � ��ة الطيران التي قد تتضاعف خالل عش� � ��رين‬ ‫س� � ��نة مقبلة‪ ،‬ناهيك عن املُعضل� � ��ة الناجمة عن القاعدة‬ ‫االقتصادية املهمة لدى شركات النقل اجلوي التي توصي‬ ‫بأن� � ��ه لكي تكون الطائرة أكث� � ��ر اقتصادية يجب أن تطير‬ ‫بسرعة أكبر نس� � ��بياً‪ ،‬وأن تقوم بأكبر قدر من الرحالت‬ ‫خالل اليوم الواحد‪ ،‬وهذا كله يُحتِّم إيجاد مفاهيم دولية‬ ‫جديدة فع ً‬ ‫ال‪.‬‬

‫هل تكمن األهمية في ال َك ِّم أو في النوع؟‬

‫في الواقع تبلغ نس� � ��بة املقاعد الفارغة في رحالت‬ ‫الطيران األوربية ‪ 20‬ف� � ��ي املائة‪ ،‬وفي الوقت ذاته جند‬ ‫أن الس� � ��ماء مليئ� � ��ة بالطائ� � ��رات الصغي� � ��رة‪ ،‬ومن خالل‬ ‫نظرة عل� � ��ى حركة الطيران في أملانيا مث ً‬ ‫ال‪ ،‬جند أن ‪30‬‬ ‫ف� � ��ي املائة فقط من احلركة اجلوية تش� � ��غلها الطائرات‬ ‫طرق رفيقة بالبيئة للتخ ُلّص من ازدحام األجواء‬ ‫‪4/12/15 1:16:03 PM‬‬

‫الكبي� � ��رة مثل «أيرباص أ‪ ،»340-‬أم� � ��ا اجلزء األكبر من‬ ‫احلرك� � ��ة في املط� � ��ارات األملاني� � ��ة فيعود إل� � ��ى طائرات‬ ‫املس� � ��افات املتوس� � ��طة مثل «أيرباص أ‪ »320-‬و«بوينغ‪-‬‬ ‫‪ ،»737‬وق� � ��د ظهرت أفكار جدي� � ��دة إلعادة تنظيم حركة‬ ‫الطي� � ��ران والتخلُص من االزدح� � ��ام في األجواء‪ ،‬وكذلك‬ ‫للتخلّ ُ� � ��ص من الضجيج ال� � ��ذي يُعتبر من اآلثار اجلانبية‬ ‫السلبية في هذا املجال‪.‬‬

‫مفاهيم جديدة لتخفيف ازدحام األجواء‬

‫أحد احللول املتاحة لتخفيف ازدحام حركة املالحة‬ ‫اجلوي� � ��ة ق� � ��د يكون جتمي� � ��ع الركاب ف� � ��ي الرحالت بني‬ ‫القارات على منت طائرات ضخمة تتس� � ��ع لـ ‪ 500‬راكب‬ ‫أو أكثر‪ ،‬ألن تلك الطائرات ال حتتاج إلى الطيران كثيراً‬ ‫عندم� � ��ا تكون مقاعده� � ��ا مليئة‪ .‬والطائ� � ��رات العمالقة‬ ‫مث� � ��ل «أيرباص أ‪ »380-‬تبدو مثالي� � ��ة لهذا األمر‪ ،‬ولكن‬ ‫األفضل منها طائرة املس� � ��تقبل التي أُطلِق عليها اس� � ��م‬ ‫«اجلناح الطائر» (‪ ،)Flying Wing‬والتي يط ِّورها باحثو‬ ‫معهد «هامب� � ��ورغ ألنظمة الطيران» في أملانيا‪ ،‬وفيها َّ‬ ‫مت‬ ‫االستغناء عن شكل الطائرة التقليدية واستبداله بجناح‬ ‫ضخم ي ّتس� � ��ع لـ ‪ 1500‬راكب ف� � ��ي طابقني‪ ،‬بحيث ميكن‬ ‫طي طرفي اجلناح بعد الهبوط مبا يتناسب مع املساحة‬ ‫ُّ‬ ‫املتواف� � ��رة في املطار‪ ،‬فالتخلّي عن األس� � ��طح اإلضافية‬ ‫واألجنح� � ��ة اجلانبية املُ� � ��ز َّودة بها الطائ� � ��رات التقليدية‬ ‫‪151‬‬

‫‪may 150-152.indd 151‬‬


‫علوم‬

‫التصميمات اجلديدة طائرات توفر الطاقة وتخفض االنبعاثات‬

‫املوجودة حالياً سيُس� � ��اهم في تخفيض نس� � ��بة الضغط‬ ‫الهوائي املُعاكِ س‪ ،‬وسينعكس أيضاً على سرعة الطائرة‬ ‫وعلى نس� � ��بة استهالك الوقود‪ .‬أما إذا أردنا التعامل مع‬ ‫الوضع الراهن‪ ،‬فمن املُمكن تنظيم جتميع الركاب حتى‬ ‫مع الطائ� � ��رات املوجودة حالياً‪ ،‬ولك� � ��ن ذلك يقتضي أن‬ ‫تتخلَّى ش� � ��ركات الطيران عن التن ّ ُوع الكبير في طائرات‬ ‫أساطيلها‪ ،‬والفكرة الرئيسة هي تشغيل أسطول طائرات‬ ‫ُمش� � ��ترك ف� � ��ي أوربا‪ .‬ف� � ��ي املُقابل جند أن لدى ش� � ��ركة‬ ‫«أيرباص األوربية لتصنيع الطائرات» تص ّ ُوراً َّ‬ ‫يتلخص في‬ ‫أن تُشرِ ف شركات الطيران اإلقليمية فقط على تنظيم‬ ‫جتمي� � ��ع الركاب عبر نقلهم بطائرات متوس� � ��طة احلجم‬ ‫من املطارات اإلقليمية إل� � ��ى املطارات الكبيرة‪ ،‬ومن ث َّم‬ ‫تقوم شركة طيران أوربية ُمشتركة بنقلهم إلى الوجهات‬ ‫املطلوب� � ��ة البعيدة عن طريق طائ� � ��رات ضخمة‪ .‬بيد أن‬ ‫تلك احللول تشترط‪ ,‬إلى جانب تطوير الطائرات‪ ,‬وجود‬ ‫بنية حتتية ُمتط ِّورة في مطارات الوجهات التي ستُسافر‬ ‫إليها تلك الطائرات الضخمة‪.‬‬

‫حلول ُتراعي ال ِّرفق بالبيئة‬

‫وعلى صعي� � ��د إنتاج طائرات رفيق� � ��ة بالبيئة‪ ,‬جند‬ ‫أن الطائ� � ��رات املوجودة حالياً‪ ،‬واألخرى التي س� � ��تدخل‬ ‫س� � ��وق النقل اجلوي في املستقبل‪ ،‬مثل «أيرباص أ‪320-‬‬ ‫‪152‬‬

‫‪4/12/15 1:16:08 PM‬‬

‫اجلديدة» و«بوينغ ‪ -‬درمي الينر» س� � ��وف تتمتَّع مبستوى‬ ‫تقن� � ��ي كبير‪ ،‬األمر الذي س� � ��يفضي إلى حتس� � ��ينات في‬ ‫تفاصي� � ��ل صغيرة وكثي� � ��رة قد تؤدي إلى حتس� �ي��ن رفق‬ ‫الطائ� � ��رات بالبيئة‪ ،‬مثل احملرك الذي يعمل على تنظيم‬ ‫عملية اس� � ��تهالك الوقود وكيفية احتراقه‪ ،‬بحيث تكون‬ ‫كمية الوق� � ��ود قليل� � ��ة‪ ،‬وبالتال� � ��ي تخفي� � ��ض االنبعاثات‬ ‫َّ‬ ‫الض� � ��ارة‪ .‬وميكن اس� � ��تخدام ه� � ��ذه التقني� � ��ة بنجاح في‬ ‫طائرات مس� � ��افات الش� � ��حن اجلوي القصيرة والطويلة‬ ‫على حد س� � ��واء‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن توافر ف� � ��رص كبيرة جلعل‬ ‫الش� � ��حن اجلوي أكث� � ��ر رفقاً بالبيئة‪ ،‬وذل� � ��ك عبر عملية‬ ‫التشغيل‪ ،‬إذ توجد ملراحل التشغيل طاقات كبيرة وأناقة‬ ‫رفيعة َّ‬ ‫وجذابة‪.‬‬ ‫إذا أمع ّنَ� � ��ا النظر في تكوين الطائرات املس� � ��تقبلية‬ ‫التي ستتسع ألكثر من ‪ 1000‬مسافر وخصائصها‪ ،‬جند‬ ‫أن تلك الطائرات س� � ��تكون ُمجدية لرحالت املس� � ��افات‬ ‫الطويلة فقط‪ ،‬وإذا َّ‬ ‫مت استخدام تقنيات تلك الطائرات‪،‬‬ ‫مثل تقنية احملرك والتقنيات الديناميكية والهيدروليكية‬ ‫والتركي� � ��ب اخلفيف ف� � ��ي الطائرات األصغر اس� � ��تيعاباً‬ ‫لل� � ��ركاب‪ ،‬فس� � ��يكون ذل� � ��ك ُمجدياً لرحالت املس� � ��افات‬ ‫القصيرة أيضاً‪ ،‬على الرغم من أنها س� � ��تواجه منافسة‬ ‫قوية من القط� � ��ارات ذات الس� � ��رعات الفائقة املوجودة‬ ‫أص ً‬ ‫ال في أوربا واليابان والصني والواليات املتحدة >‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 150-152.indd 152‬‬


‫علوم‬

‫مسألة التخاطر‪...‬‬ ‫هل يصل العلم إلى تفسير آليتها وتقليدها؟‬ ‫د‪.‬أحمد شعالن‬

‫رئيس الهيئة الوطنية للعلوم‬ ‫والبحوث ‪ -‬لبنان‬

‫ذات صباح مبكر‪ ،‬انطلقت بسيارتي من بيتي الريفي باتجاه العاصمة‬ ‫بيروت‪ .‬كانت سيارتي تنساب بهدوء على الطريق الساحلية‪ ،‬األشجار والتالل‬ ‫الخضراء تتوالى على يميني‪ ،‬وزرق��ة البحر ساكنة إلى اليسار‪ ...‬وخطرت‬ ‫ببالي أغنية جميلة للسيدة فيروز ما ْ‬ ‫ت أن ْ‬ ‫ت أغنيها‪« ...‬بعدك على‬ ‫لبث ُ‬ ‫أخذ ُ‬ ‫بالي‪ ،‬يا قمر الحلوين‪ ،‬يا زهرة تشرين‪ ،‬بعدك على بالي‪ ،‬يا حلو يا مغرور‪»...‬‬ ‫‪ ،‬وبينما كنت أتابع أغنيتي‪ ،‬أدرت مفتاح الراديو ألفاجأ باألغنية ذاتها‪ ،‬بل‬ ‫المقطع ذات��ه والكلمة ذات��ه��ا‪ ،‬حيث وص��ل��ت‪ ،‬تنطلق م��ن م��ذي��اع الراديو‬ ‫أفسر‬ ‫وكأنني أتابعها منذ البداية‪ ...‬ولم أستطع كأستاذ في الفيزياء إال أن ّ‬ ‫األمر على أنه في صفاء الذهن الصباحي‪ ،‬استطاع دماغي التقاط موجة‬ ‫الراديو الكهرو مغناطيسية وفك شفرتها والنطق متأثراً بها‪...‬‬

‫مسألة التخاطر‪ ...‬هل يصل العلم إلى تفسير آليتها وتقليدها؟‬ ‫‪4/12/15 1:16:39 PM‬‬

‫‪153‬‬

‫‪p may153-157.indd 153‬‬


‫ومن املصادفات الغريبة األخرى التي اختبرتها‬ ‫شخصياً أكثر من مرة ‪ -‬وق َّل أن استنطقت شخصاً‬ ‫إال واعت� � ��رف بحدوث مثيالتها معه ‪ -‬أن ش� � ��خصاً‬ ‫ما مق ّرباً لقلبي‪ ،‬خطر على بالي فجأ ًة‪ ،‬فأمس� � ��كت‬ ‫الهات� � ��ف لالتصال به في� � ��رن الهاتف ف� � ��ي اللحظة‬ ‫احلرجة وأجد الش� � ��خص نفسه على الطرف الثاني‬ ‫من اخلط‪.‬‬ ‫كم� � ��ا تكثر القص� � ��ص الغريبة الت� � ��ي تروى عن‬ ‫التوائ� � ��م‪ .‬واحدة من تل� � ��ك القصص تناقلها اإلعالم‬ ‫األميركي عن سيدتني توأمني كانت إحداهن تعيش‬ ‫في مقاطعة مختلفة عن أختها‪ ،‬بعيد ًة مئات األميال‬ ‫عنها‪ .‬وفي أحد األيام ش� � ��عرت إحدى الش� � ��قيقتني‬ ‫بآالم ش� � ��ديدة لم جتد لها سبباً‪ ،‬إلى أن أدركت أنها‬ ‫تشارك ش� � ��قيقتها آالم حادث تعرضت له في ذلك‬ ‫الوقت ذاته‪ .‬وقد بات أمراً سائداً أن شعور الضيق‬ ‫ال� � ��ذي ينتاب أحد التوائم ينت� � ��اب اآلخر في الوقت‬ ‫نفس� � ��ه دون أن يكون هن� � ��اك أي تواصل بينهما‪ ،‬بل‬ ‫إن هناك توائم ميرضون معاً ويش� � ��فون معاً‪ .‬الصلة‬ ‫بني التوائم إذن هي إدراك من خارج مجال احلواس‬ ‫اخلمس‪.‬‬ ‫ويروي املسلمون قصة غريبة عن توارد األفكار‬ ‫بني اخلليفة عمر بن اخلطاب  عنه وقائد جيش‬ ‫املس� � ��لمني «س� � ��ارية بن زنيم الدؤلي الكناني»‪ ،‬فقد‬ ‫كان اخلليفة عمر بن اخلطاب يخطب في املسلمني‬ ‫في يوم جمعة من س� � ��نة ‪23‬هـ في محراب املسجد‬ ‫عندم� � ��ا فوجئ به اجلميع يص� � ��رخ قاطعاً خطبته‪:‬‬ ‫«يا س� � ��ارية‪ ...‬الزم اجلبل»‪ ،‬ويؤ ّكد الرواة أن جيش‬ ‫املس� � ��لمني الذي كان وقتها يواجه املشركني في بالد‬ ‫فارس كان على وش� � ��ك الهزمية والفناء إن لم يَ ْحت َِم‬ ‫اجلنود باجلبل‪ ،‬وتوارد اخلواطر جعل سارية يسمع‬ ‫قول عمر الذي يبعد عنه مئات األميال فيلزم اجلبل‬ ‫بجيشه ويح ّول الهزمية إلى نصر‪.‬‬ ‫والتخاط� � ��ر ليس مس� � ��ألة مقتص� � ��رة على بني‬ ‫أشد حضوراً لدى احليوانات‪،‬‬ ‫البشر‪ ،‬بل رمبا تكون ّ‬ ‫فاملع� � ��روف مث� �ل � ً‬ ‫ا أن هن� � ��اك ق� � ��درة عجائبية لدى‬ ‫احليوانات تتمثل في العودة إلى املكان احلميم الذي‬ ‫اعتادت أن حتيا فيه‪ ،‬بعد إبعادها بالسيارة عشرات‬ ‫بل مئات الكيلومت� � ��رات أحياناً‪ ،‬حيث تنتفي القدرة‬ ‫ألي من احلواس املعروفة على تقفّي مس� � ��ار اإلبعاد‬ ‫‪154‬‬

‫‪4/12/15 1:16:41 PM‬‬

‫أو اجتاهه على مثل تلك املسافة‪.‬‬ ‫إذن‪ ،‬لي� � ��س التخاطر ضرباً م� � ��ن اخليال‪ ،‬إنه‬ ‫انتقال أفكار أو صور ذهنية بني كائن وآخر في حقل‬ ‫غريب ال تعرفه احلواس اخلمس‪ ،‬ودون احلاجة إلى‬ ‫وجود الهواء أو أي وس� � ��يط مادي آخر‪ .‬إنها ظاهرة‬ ‫بارابس� � ��يكولوجية ال ميكن إنكاره� � ��ا‪ ،‬بل هو ظاهرة‬ ‫�خاص بحاالت نادرة‪،‬‬ ‫فعلي� � ��ة حتدث طبيعياً مع أش� � � ٍ‬ ‫دون أي مس� � ��وغ نظ� � ��ري معروف لش� � ��رحها‪ .‬وليس‬ ‫معروف � � �اً بعد ما إذا كان التخاطر‪ ،‬مثل أحاس� � ��يس‬ ‫أخرى‪ ،‬هو نت� � ��اج التفاعالت الكيميائية والكهربائية‬ ‫التي ترافق نش� � ��اط الدماغ‪ ،‬أم أن هناك حق ً‬ ‫ال آخر‬ ‫ال تعرفه العلوم يتدخّ ل في األمر‪.‬‬

‫املخ مركز كهروكيميائي بامتياز‬

‫لق� � ��د ب� � ��ات الباحثون البيولوجي� � ��ون واألطباء‬ ‫يدرك� � ��ون أنه في تركيب املخ تدخ� � ��ل مواد كيميائية‬ ‫عديدة مث� � ��ل الدوبامني‪ ،‬والس� � ��يروتونني‪ ،‬وحمض‬ ‫اجلاما أمين� � ��و بيوتيريك‪ ،‬ومادة األس� � ��يتيل كولني‪،‬‬ ‫وه� � ��ذه امل� � ��واد تتفاعل بنس� � ��ب معينة ف� � ��ي مم ّرات‬ ‫محددة‪ ،‬للقيام بتفاعالت شديدة التعقيد تؤدي إلى‬ ‫مش� � ��اعر ورغبات وتفكير وأحالم تنعكس جميعها‬ ‫في سلوك الشخص وحتدد شخصيته االجتماعية‪،‬‬ ‫فما الغضب واالنفعال والشعور باالكتئاب أو القلق‬ ‫واخل� � ��وف مث ً‬ ‫ال س� � ��وى نتيجة تفاع� �ل� ٍ‬ ‫�ات ال تتوازن‬ ‫فيه� � ��ا املواد الكيميائية‪ ،‬كم� � ��ا في احلالة الطبيعية‬ ‫السوية‪.‬‬ ‫وي� � ��درك أطباء العالج النفس� � ��ي أهمية مادة‬ ‫السيروتونني مث ً‬ ‫ال‪ ،‬فعندما يكون مستوى هذه املادة‬ ‫منخفضاً فإن الش� � ��خص يصاب باألرق‪ ،‬وقلة الثقة‬ ‫بالنفس‪ ،‬والسلبية‪ ،‬واالكتئاب‪ ،‬واالنفعال‪ ،‬والتعجل‬ ‫والغض� � ��ب‪ ،‬والرغبة في األكل بكميات كبيرة‪ ،‬بينما‬ ‫لو كان مستوى مادة السيروتونني في أعلى درجاته‬ ‫فإن اإلحساس العام يكون في أحسن حاالته‪ ،‬وهذا‬ ‫ما يحدث عندما نشعر باحلب مث ً‬ ‫ال‪.‬‬ ‫والتفاع� �ل��ات الكيميائية ف� � ��ي املخ تترافق مع‬ ‫إش� � ��ارات كهربائية فيم� � ��ا بني خاليا الدم� � ��اغ أثناء‬ ‫التفكي� � ��ر وأثناء عمل الدماغ اآللي في توزيع أوامره‬ ‫على بقية أنسجة وأعضاء اجلسد‪ ،‬مما يو ّلد حولها‬ ‫مجاالً مغناطيسياً دقيقاً للغاية‪ .‬واملعروف علمياً أن‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪p may153-157.indd 154‬‬


‫علوم‬ ‫الضوء واملوجات الكهرومغناطيسية عامة ال حتتاج‬ ‫إلى وسيط مادي لالنتشار‪ ،‬بل إن سرعة انتشارها‬ ‫تكون في ذروتها حني تنتش� � ��ر في الفراغ‪ ،‬بغياب أي‬ ‫وسيط مادي‪ .‬فهل يكون التخاطر محكوماً مبوجات‬ ‫كهرومغناطيس� � ��ية ناجت� � ��ة عن نش� � ��اط الدماغ أثناء‬ ‫التفكي� � ��ر‪ ،‬أو أن هناك حق ً‬ ‫ال موجي � � �اً آخر ال تعرفه‬ ‫الفيزياء؟‬ ‫العالم البريطاني جوزيف سينيل (‪ )1927‬يقول‬ ‫عن ظاهرة التخاطر في كتابه «احلاسة السادسة»‪:‬‬ ‫إنها تش� � ��به عملية االتصاالت الالسلكية املعروفة‪،‬‬ ‫فالعقل البشري ميوج باإلش� � ��ارات الكهربائية التي‬ ‫تنتقل دوماً بني امل� � ��خ واألعصاب‪ ،‬وتربطه بأعضاء‬ ‫اجلسم‪ ،‬وتبلغ هذه اإلش� � ��ارات حداً مناسباً ميكنها‬ ‫م� � ��ن أن تنتقل من دون احلاجة إلى األس� �ل��اك (أي‬ ‫األعصاب) فتس� � ��افر م� � ��ن عقل إلى عق� � ��ل كموجة‬ ‫إلكترومغناطيسية‪.‬‬ ‫وفي ثالثينيات القرن املاضي‪ ،‬قام عالم النفس‬ ‫البريطاني وولفغانغ مزج� � ��ر ‪Wolfgang Metzger‬‬ ‫بتجرب� � ��ة ما يس � � � ّمى مبفعول جانزفل� � ��د ‪Ganzfeld‬‬ ‫(باللغة األملاني� � ��ة تعني احلقل الكلّي) حملاولة قياس‬ ‫ق� � ��وة التخاطر بني ش� � ��خصني‪ .‬تق� � ��وم التجربة على‬ ‫استخدام بطاقات زنر ‪( Zener‬بطاقات من األلوان‬ ‫أو األش� � ��كال املختلفة)‪ ،‬إذ ينظر إلى أحدها شخص‬ ‫ما ويفكر بنقل الصورة ذهنياً لشخص آخر باالنتظار‬ ‫مغمض العينني‪ .‬وكانت نس� � ��بة النجاح (حوالي ‪20‬‬ ‫في املائة) أكبر من النس� � ��بة الت� � ��ي تنتج عن النجاح‬ ‫العشوائي بحسب علم االحتماالت‪.‬‬

‫الدراسات السوفييتية على الدماغ منذ بدايات‬ ‫القرن العشرين‬ ‫عندما بدأت وكالة االس� � ��تخبارات األمريكية‪،‬‬ ‫ف� � ��ي بداية خمس� � ��ينيات القرن العش� � ��رين جتاربها‬ ‫املرعب� � ��ة على الدماغ بغية التحكم بالعقل البش� � ��ري‬ ‫ف� � ��ي ما ع� � ��رف فيما بع� � ��د مبش� � ��روع «م‪ .‬ك أُلترا»‬ ‫(‪ )MK.Ultra‬كان االحتاد الس� � ��وفييتي الس� � ��ابق قد‬ ‫س� � ��بق األمريكيني في هذه املهم� � ��ة منذ عقود‪ .‬وفي‬ ‫تقرير حديث للباحث كيرنب� � ��اخ في «مركز البحوث‬ ‫األملان� � ��ي للعلوم البيئي� � ��ة وتطوير الروب� � ��وت»‪ ،‬أنفق‬ ‫النظام السوفييتي ما يوازي مليارات الدوالرات في‬ ‫مسألة التخاطر‪ ...‬هل يصل العلم إلى تفسير آليتها وتقليدها؟‬ ‫‪4/12/15 1:16:44 PM‬‬

‫أبحاث وبرامج هدفت للتحكم في العقل والس� � ��لوك‬ ‫البش� � ��ريني‪ .‬ويضي� � ��ف كيرنباخ‪ ،‬نق� �ل � ً‬ ‫ا عن أليكس‬ ‫نيومن مراس� � ��ل مجلة «األمريك� � ��ي اجلديد» (ذا نيو‬ ‫أميريكان) أن كبار املس� � ��ؤولني ال� � ��روس‪ ،‬مبن فيهم‬ ‫الرئيس فالدميير بوتني‪ ،‬ال ينفكون يضغطون على‬ ‫مراكز األبحاث الروس� � ��ية املتخصصة بغية استثمار‬ ‫التطور التكنولوجي احلديث إلجناز التحكم بالعقل‬ ‫البشري خدمة لألغراض العسكرية‪.‬‬ ‫وانطالق � � �اً م� � ��ن املعلومات القليل� � ��ة املتوافرة‬ ‫ع� � ��ن أبحاث س� � ��رية غير عادية هائل� � ��ة ال تزال طي‬ ‫الكتمان في أرشيف وكالة االستخبارات السوفييتية‬ ‫الس� � ��ابقة منذ ع� � ��ام ‪ ،1917‬وج� � ��د كيرنباخ جتارب‬ ‫ودراسات لتحليل «االنبعاثات البيولوجية» من املخ‪،‬‬ ‫ودراسات أخرى حول املفاعيل البيولوجية للموجات‬ ‫الكهرومغناطيس� � ��ية على النظام العصبي‪ .‬كما وجد‬ ‫أن النظام السوفييتي كان يستخدم تقنيات مختلفة‬ ‫حمل� � ��اكاة الدم� � ��اغ البش� � ��ري والتحكم ب� � ��ه‪ ،‬مثل زرع‬ ‫إلكترودات كهربائية في أمكنة مختلفة من املخ لدراسة‬ ‫اس� � ��تجابة الشخص املستهدف لش� � ��حنات كهربائية‬ ‫خفيف� � ��ة‪ ،‬و«الس� � ��ايكوترونيكس» ‪ Psycotronics‬أي‬ ‫استخدام املوجات الكهرومغناطيسية وفوق الصوتية‬ ‫للتأثير على دماغ وأعصاب الش� � ��خص املستهدف‪،‬‬ ‫و«الباراس� � ��ايكولوجي» ‪ Parapsychology‬أي مجال‬ ‫الق� � ��درات اخلارقة الت� � ��ي لم يعرف العلم تفس� � ��يراً‬ ‫له� � ��ا حتى اآلن مث� � ��ل التخاط� � ��ر ‪ Telepathy‬والتن ّبؤ‬ ‫‪ Clairvoyance‬والق� � ��درة عل� � ��ى حتري� � ��ك األش� � ��ياء‬ ‫بالتركيز العقلي فقط ‪.psychokinesis‬‬ ‫ومنذ أواس� � ��ط تس� � ��عينيات القرن العشرين‪،‬‬ ‫س� � ��رت كثير من الش� � ��ائعات التي ّ‬ ‫غذت نظريات‬ ‫املؤامرة حول أبحاث سرية في احلروب النفسية‪.‬‬ ‫ونش� � ��طت جماعات في روس� � ��يا أو ف� � ��ي الواليات‬ ‫تدعي أن حكوماتهم تس� � ��تعمل‬ ‫املتحدة األمريكية ّ‬ ‫األس� � ��لحة الس� � ��ايكوترونيكية ضده� � ��م لتعذيبهم‬ ‫ورصد حتركاتهم والتحكم بنش� � ��اطهم الدماغي‪.‬‬ ‫ورغ� � ��م أن مثل هذه االدعاءات قد اس� � ��تنكرت من‬ ‫قبل علم� � ��اء النفس واعتبرت من قبيل الهلوس� � ��ة‬ ‫اجلماعية‪ ،‬فإنها تشير إلى الشكوك حول القدرة‬ ‫املتزاي� � ��دة عل� � ��ى التدخل في الوظائ� � ��ف الطبيعية‬ ‫للدماغ البشري‪.‬‬ ‫‪155‬‬

‫‪p may153-157.indd 155‬‬


‫اختراع لبناني يستخدم خوذة «بلوس وان»‬ ‫وف� � ��ي تطبيق حديث حمل� � ��اكاة موجات الدماغ‬ ‫البش� � ��ري‪ ،‬قام أربعة ش� � ��بان لبناني� �ي��ن (طالب في‬ ‫املجس� � ��ات‬ ‫املرحل� � ��ة الثانوي� � ��ة) باس� � ��تخدام خ� � ��وذة‬ ‫ّ‬ ‫الكهرومـــغـــنــاطــيس� � ��ية الــخـــاصـــــ� � ��ة بـــتـــــكنولوجيا‬ ‫«إلكتروأنس� � ��فالوغرافي» (إي‪.‬إي‪.‬جي)‪ ،‬التي باتت‬ ‫متوافرة في أس� � ��واق األلع� � ��اب اإللكترونية‪ ،‬لتحويل‬ ‫اإلش� � ��ارات الصادرة من الدماغ إلى أوامر ترس� � ��ل‬ ‫الس� � ��لكياً إلى كرسي املع ّوق الكهربائي عبر كمبيوتر‬ ‫عد له� � ��ذه الغاية‪ .‬وهكذا اس� � ��تطاع الطالب الذي‬ ‫أُ ّ‬ ‫ع� � ��رض التجربة حتريك الكرس� � ��ي إلى األمام وإلى‬ ‫ال� � ��وراء بأوامر دماغية فقط‪ ،‬دون االس� � ��تعانة بأي‬ ‫ملسة أخرى من يديه أو رجليه‪ ،‬كما استعان بغمزات‬ ‫عينيه اليمنى واليس� � ��رى لالستدارة بالكرسي مييناً‬ ‫أو يساراً‪ ،‬مستعيناً‬ ‫ٍ‬ ‫مبجسات زرعت في اخلوذة على‬ ‫ممر أعص� � ��اب التحكم بالعين� �ي��ن‪ .‬واجلدير بالذكر‬ ‫ني� � ��ل املخترع� �ي��ن اللبنانيني ه� � ��ؤالء ميدالية ذهبية‬ ‫عل� � ��ى اختراعهم ه� � ��ذا في معرض س� � ��يول الدولي‬ ‫لالختراعات ف� � ��ي كوريا اجلنوبية ف� � ��ي أواخر عام‬ ‫‪.2014‬‬ ‫لك� � ��ن االختراع اللبناني ال يع� � ��دو كونه محاولة‬ ‫ناجحة لنقل أوامر الدماغ إلى آلة إلكتروميكانيكية‪،‬‬ ‫وليس إلى دماغ بشري آخر‪ .‬وهي حتتاج إلى العملية‬ ‫العكسية إلمتام التخاطر‪.‬‬

‫جتربة هارفرد‪ :‬أول تخاطر اصطناعي‬ ‫في تاريخ البشر!‬ ‫في اختب� � ��ار حديث العام الفائت ‪ ،2014‬جعل‬ ‫العلماء ش� � ��خصني يتراس� �ل��ان بكلم� � ��ة واحدة عبر‬ ‫اإلنترنت مس� � ��تخدمني أدمغتهم وخ� � ��وذاً إلكترونية‬ ‫لي� � ��س إال‪ .‬إنها أول عملية تخاطر أفكار اصطناعية‬ ‫إلكترونية علمية ميكن ش� � ��رحها وإع� � ��ادة جتربتها‪،‬‬ ‫كما تعتب� � ��ر اخلطوة األولى من مس� � ��يرة األلف ميل‬ ‫التي ينتظر تطويرها بش� � ��كل متس� � ��ارع‪ .‬وقد شارك‬ ‫في إجناح هذا املش� � ��روع العلمي باحثون رئيس� � ��يون‬ ‫م� � ��ن جامعة هارفرد‪ ،‬إضافة إلى باحثني من جامعة‬ ‫برشلونة ومؤسسة س� � ��تارالب اإلسبانية ومجموعة‬ ‫اكس� � ��يليوم روبوتيكس الفرنس� � ��ية‪ .‬وف� � ��ي تقريرهم‬ ‫الذي أطلقوا عليه «بلوس ون» ‪ PLOS ONE‬س� � ��مى‬ ‫‪156‬‬

‫‪4/12/15 1:16:56 PM‬‬

‫الباحث� � ��ون اختراعهم «إجن� � ��از أول رابط موجي بني‬ ‫دماغني بشريني»‪.‬‬ ‫وللتمك� � ��ن من ذلك اس� � ��تخدم الباحث� � ��ون تقانة‬ ‫معروف� � ��ة‪ ،‬لكن بطرق مختلفة‪ ،‬فمن جهة اإلرس� � ��ال‬ ‫استخدموا جهاز قراءة األفكار الكهربائي‪ ،‬وتس ّمى‬ ‫ه� � ��ذه التكنولوجي� � ��ا «إلكتروأنس� � ��فالوغرافي» (إي‪.‬‬ ‫إي‪.‬جي)‪ ،‬ومن جهة االس� � ��تقبال‪ ،‬استخدم الباحثون‬ ‫جهاز حتفيز مغناطيسي للدماغ املستقبل‪.‬‬

‫كيف أجريت عملية التخاطر االصطناعية؟‬

‫كان االختبار من عدة خطوات‪ ،‬بدأت بإنشاء‬ ‫لغ� � ��ة رقمية ثنائي� � ��ة القاعدة لكتابة كلمات س� � ��هلة‪،‬‬ ‫فلكتابة كلمتي «هوال» و«تش� � ��او» استخدم الباحثون‬ ‫رقم� � ��ي «صفر» و«واحد» في خم� � ��س خانات رقمية‬ ‫لكل حرف أبجدي‪ .‬مث ً‬ ‫ال كلمة «هوال»‪:‬‬ ‫هـ = «صفر صفر واحد واحد واحد»‬ ‫و = «صفر واحد واحد صفر واحد»‬ ‫ل = «صفر واحد صفر واحد صفر»‬ ‫ا = «صفر صفر صفر صفر صفر»‬ ‫بع� � ��د ذل� � ��ك ق� � ��ام الباحثون بتوصي� � ��ل خوذة‬ ‫اإللكترودات اخلاصة مبح� � ��اكاة املوجات الدماغية‬ ‫للش� � ��خص املرس� � ��ل‪ .‬فعندما يفكر املرسل بتحريك‬ ‫يديه فإن موجات دماغية تنطلق من أسفل جمجمته‪،‬‬ ‫أم� � ��ا حني يفكر بتحريك رجليه فإن موجات دماغية‬ ‫أخرى تنطلق من األعلى‪ .‬لذلك فإن جهاز التحسس‪،‬‬ ‫الكهرومغناطيسي «إي‪.‬إي‪.‬جي» يلتقط هذه املوجات‬ ‫من املكانني املختلف� �ي��ن ومييزهما ويعطيهما رقمني‬ ‫مختلفني‪ ،‬صف� � ��راً أو واحداً‪ .‬بعد ذلك يقوم اجلهاز‬ ‫بإرسال الشفرة الصادرة بواسطة مرسل «بلوتوث»‬ ‫إلى جهاز كمبيوتر قريب‪ ،‬يقوم بدوره بإرسالها عبر‬ ‫شبكة اإلنترنت إلى أي مكان في العالم‪.‬‬ ‫أما عند الش� � ��خص املتلقّي‪ ،‬فيق� � ��وم كمبيوتر‬ ‫بإعادة حتويل اللغة الرقمية إلى ومضات مغناطيسية‬ ‫تطلقها خوذة االستقبال فتنتج إشارات كهربائية في‬ ‫مخ املس� � ��تقبِل مؤ ّثرة على نشاطه العادي‪ .‬وتتسبب‬ ‫املوجة املغناطيس� � ��ية في أن يبص� � ��ر الدماغ ومضة‬ ‫ضوئي� � ��ة‪ ،‬دون أن يكون هناك فعلياً أي إثارة ضوئية‬ ‫مرئي� � ��ة بعي� � ��ون الش� � ��خص املتلقّي‪ .‬ه� � ��ذه الظاهرة‬ ‫الغريبة لإلبصار تدعى علمياً «فوس� � ��فني»‪ ،‬ويعرف‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪p may153-157.indd 156‬‬


‫علوم‬ ‫املتلق� � ��ي أن الومي� � ��ض يعني «واح� � ��داً» والالوميض‬ ‫يعني «صف� � ��راً»‪ ،‬مما ميكنه م� � ��ن ترجمة الومضات‬ ‫املستق َبلة‪ ،‬إذن األرقام ‪ 1‬و‪ – 0‬إلى كلمات (هوال أو‬ ‫تش� � ��او في جتربة الباحثني)‪ ،‬وهكذا سميت العملية‬ ‫بأكملها «تخاطر» أو توارد أفكار‪.‬‬

‫العملية مبجملها ال تستحق تسمية التخاطر‬

‫لك� � ��ن جناح هذا االختبار ال يعني أننا أصبحنا‬ ‫قريبني من القدرة على قراءة أفكار الواحد لآلخر‪،‬‬ ‫أوالً ألن عملية إرس� � ��ال الرسالة كانت معقدة جداً‪،‬‬ ‫وغي� � ��ر عملي� � ��ة‪ ،‬ففي ه� � ��ذه العملية‪ ،‬كانت س� � ��رعة‬ ‫«التواص� � ��ل» ال تتعدى ‪ 2‬بِت ف� � ��ي الدقيقة‪ ،‬مقارنة‬ ‫بس� � ��رعة اإلنترنت في الوالي� � ��ات املتحدة األمريكية‬ ‫التي تبلغ اليوم ‪ 200‬ميغا ِب� � ��ت في الثانية الواحدة!‬ ‫وق� � ��د احتاجت العملية إلى حوال� � ��ي ‪ 70‬دقيقة لكي‬ ‫شخص آلخر كلم ًة واحدة‪« :‬هوال»‪.‬‬ ‫يوصل‬ ‫ٌ‬ ‫‪ ...‬ولكن هل ستصبح العملية مفيدة؟‬ ‫م� � ��ن الصعب التفكير في ج� � ��دوى هذه العملية‬ ‫برمته� � ��ا – أكثر من س� � ��اعة من الزم� � ��ن‪ ،‬وخوذتان‬ ‫إلكترونيتان غريبتان‪ ،‬واحملاكاة عبر لغة رقمية ‪ -‬ضوئية‬ ‫مش � � �فّرة‪ ،‬كل هذا من أجل إيصال كلمة واحدة! فهل‬ ‫ميكن أن تصبح يوماً ما أكثر عملية وأكثر جدوى؟!‬ ‫التجربة برمتها ليس� � ��ت سوى بحث يراد منه‬ ‫برهنة إمكانية إجناح الفكرة عملياً‪ .‬وفي املس� � ��تقبل‬ ‫س� � ��وف تكون بالطبع التكنولوجيا ومستعملوها أكثر‬ ‫مالءمة للتواصل بالرسائل الدماغية عبر اإلنترنت‪.‬‬ ‫وهناك باحثون آخرون قاموا باستخدام تكنولوجيا‬ ‫مختلفة لق� � ��راءة نش� � ��اط الدماغ ومحاول� � ��ة معرفة‬ ‫األشكال التي ينظر إليها شخص ما‪ ،‬أو األشياء التي‬ ‫يفكر فيها مثل مبنى أو س� � ��يارة أو كتاب‪ ...‬وهناك‬ ‫دراس� � ��ة أخرى اس� � ��تخدمت فيها أقطاب كهربائية‬ ‫زرع� � ��ت في أمكنة مختلفة من جمجمة ش� � ��خص ما‬ ‫صل� � ��ت إلى رأس فأر للتأثي� � ��ر عليه بالتواصل مع‬ ‫و ُو ّ‬ ‫فأر آخر‪ ...‬مثل هذه الدراس� � ��ات والتجارب املرفقة‬ ‫حتتاج إلى تعمق أكبر بفهم وجوه النشاط الدماغي‬ ‫وتكنولوجيا أقل تعقيداً حملاكاتها‪.‬‬ ‫وتتواص� � ��ل األبح� � ��اث والتج� � ��ارب لتطوير‬ ‫أن� � ��واع من أجه� � ��زة محاكاة الدم� � ��اغ‪ ،‬بحيث تكون‬ ‫أصغر وأذكى وأكثر حساسية‪ .‬وسوف تشهد هذه‬ ‫مسألة التخاطر‪ ...‬هل يصل العلم إلى تفسير آليتها وتقليدها؟‬ ‫‪4/12/15 1:17:03 PM‬‬

‫محاوالت التخاطر االصطناعي التزال طور التجريب‬

‫األجهزة مزيداً من التطور مع القفزات املتسارعة‬ ‫في مجال علوم الكمبيوتر واإللكترونيك‪ ،‬خاصة‬ ‫ف� � ��ي صناعة الش� � ��رائح اإللكتروني� � ��ة التي تزداد‬ ‫صغراً وس� � ��ع ًة في الوقت نفس� � ��ه‪ .‬كما أن البشر‬ ‫ق� � ��د يالق� � ��ون ه� � ��ذه التكنولوجيا ف� � ��ي منتصف‬ ‫الطري� � ��ق‪ ،‬عندم� � ��ا يتعلم� � ��ون التحك� � ��م بأفكارهم‬ ‫بطريقة أفضل‪ ،‬وتفس� � ��ير اجلرعات املغناطيسية‬ ‫االصطناعية بش� � ��كل أفضل‪ .‬ورمبا قد ال يضطر‬ ‫البشر إلى ترجمة الكلمات التي يراد إرسالها إلى‬ ‫لغة رقمية‪ ،‬رمبا يفك� � ��رون بطريقة لفظ الكلمات‬ ‫املع ّبرة‪ ،‬والتركيز الدماغي على أوامر النطق في‬ ‫األعصاب السمعية‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ال ش� � ��يء يبدو أكي� � ��دا أو حتميا‪ .‬فرمبا لن‬ ‫تصبح هذه احملاول� � ��ة للتخاطر االصطناعي ذات‬ ‫ج� � ��دوى علمي� � ��ة أو عملية مقبول� � ��ة‪ ،‬ورمبا عكس‬ ‫ذلك‪ ،‬قد نصل إلى يوم يكون فيه التخاطر أسهل‬ ‫من كتابة الرس� � ��ائل البريدية أو إرس� � ��ال الرسائل‬ ‫اإللكترونية‪ .‬وما جرى ف� � ��ي هذه التجربة األولى‬ ‫ليس سوى خطوة مبكرة ليس إال‪.‬‬ ‫ويبقى التخاطر أحد ألغاز العقل البش� � ��ري‪،‬‬ ‫وقد بات معروفاً أن أموراً مثل التواصل الروحي‬ ‫واحلب والعاطف� � ��ة تزيد من احتم� � ��ال التخاطر‪،‬‬ ‫وكأن هن� � ��اك عاملاً روحياًّ خفي � � �اًّ ال تعرفه العلوم‬ ‫الفيزيائية >‬ ‫‪157‬‬

‫‪p may153-157.indd 157‬‬


‫علوم‬

‫إلياس الزرهوني‬

‫بفضله وصلت‬ ‫تقنية الرنين‬ ‫المغناطيسي‬ ‫إلى الصور‬ ‫الثالثية األبعاد‬

‫‪158‬‬

‫‪4/12/15 1:17:54 PM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 158-162.indd 158‬‬


‫الجزائري إلياس الزرهوني ‪...‬‬ ‫ش ّ‬ ‫خص السرطان‬ ‫وترقق العظام باألشعة‬ ‫أحمد مغربي‬

‫كاتب من لبنان‬

‫«في كل مرّة كنت تناقشني في أن الدول المتقدمة تحتكر العلوم‪ ،‬وأنها‬ ‫تمتنع عن نقلها إلى الدول النامية تحت ذريعة حقوق الملكية الفكرية‬ ‫وبراءات االختراع المملوكة للشركات الكبرى وما إلى ذلك‪ ،‬ربما كنت‬ ‫محق ًا‪ ،‬لكن‪ ،‬هل ّ‬ ‫فكرت في مدى استعداد العالم العربي ذاتي ًا الستقبال‬ ‫وتطوراتها المتالحقة بسرعة ال��ض��وء؟ هل النظام‬ ‫العلوم الحديثة‬ ‫ّ‬ ‫التعليمي في ال��دول العربية‬ ‫متطور إلى حد التجاوب فعلي ًا مع إيقاع‬ ‫ّ‬ ‫تقدم وارتقاء العلوم عالمي ًا؟ كم تنفق الدول العربية على البحوث؟‬ ‫وإل��ى أي م��دى ه��ي مستعدة للتفاوض م��ع الشركات على شراء‬ ‫ب��راءات االختراع؟ وهل لديها خطة لالستفادة علمي ًا وعملي ًا‪،‬‬ ‫من تلك البراءات‪ ،‬إذا حصلت عليها؟»‪.‬‬ ‫ان���ه���م���رت ت���ل���ك األس���ئ���ل���ة من‬ ‫ل���س���ان ال��ع��الِ��م األم��ري��ك��ي ‪-‬‬ ‫الجزائري إلياس الزرهوني‪ ،‬أثناء‬ ‫لقاء مع اإلع�لام في مؤتمر علمي‬ ‫دول��ي ّ‬ ‫نظمته «مكتبة اإلسكندرية»‪،‬‬ ‫في عام ‪.2010‬‬

‫شخص السرطان وترقق العظام باألشعة‬ ‫اجلزائري إلياس الزرهوني ‪ّ ...‬‬ ‫‪4/12/15 1:17:58 PM‬‬

‫‪159‬‬

‫‪may 158-162.indd 159‬‬


‫الجمهوريون‬ ‫والديمقراطيون ينصفون‬ ‫عا ِلم ًا عربي ًا‬ ‫هل الدول النامية قادرة‬ ‫على التأقلم مع العلوم؟‬

‫التصوير باألشعة‪ :‬من التشريح إل��ى حركة‬ ‫األعضاء واجلزيئات‬

‫غادر الزرهوني (مواليد بلدة ندرومة‪)1951 ،‬‬ ‫اجلزائر في س� � ��ن الرابعة والعشرين‪ ،‬بعد أن نال‬ ‫بكالوريوس الط� � ��ب (‪ )1975‬من جامعتها‪ ،‬ثم نال‬ ‫منحة ملتابعة الدراس� � ��ات العليا في جامعة «جون‬ ‫هوبكن� � ��ز» األمريكي� � ��ة‪ ،‬وفي ع� � ��ام ‪ ،1985‬أصبح‬ ‫بروفيسوراً في تلك اجلامعة‪ ،‬ثم صار نائباً لعميد‬ ‫كلية الط� � ��ب فيها‪ ،‬إضافة لكونه رئيس � � �اً لقس� � ��م‬ ‫التصوير باألشعة فيها‪.‬‬ ‫وب� � ��ذا انفتح املجال أم� � ��ام الزرهوني كي ير ّكز‬ ‫بحوثه املتقدمة عل� � ��ى التصوير الطبقي احملوري‬ ‫بوس� � ��اطــة الكمبيوت� � ��ر ‪Computerized Axial‬‬ ‫‪ ،Tomography‬واختص� � ��اراً «كات» (‪ ،)CAT‬ث� � ��م‬ ‫«التصوي� � ��ر بالرن� �ي��ن املغناطيس� � ��ي» ‪Magnetic‬‬ ‫‪« Resonance Imaging‬إم آر آي» (‪ .)MRI‬وابتكر‬ ‫طريق� � ��ة للتصوير باألش� � ��عة باس� � ��تخدام الـ«كات»‬ ‫والـ«إم آر آي»‪ ،‬واش� � ��تغل مع فريق علمي من أجل‬ ‫تطوير الـ«إم آر آي» من كونه مجموعة صور تُظهر‬ ‫التركيب التشريحي للجسم وأعضائه‪ ،‬ليكون أداة‬ ‫في التع ّرف إل� � ��ى طريقة عمل األعضاء‪ ،‬بل حتى‬ ‫‪160‬‬

‫‪4/12/15 1:18:04 PM‬‬

‫التراكيب اجلزيئية الدقيقة في األنسجة‪.‬‬ ‫وأثناء رئاس� � ��ته قسم األش� � ��عة في كلية الطب‬ ‫بـ«جامع� � ��ة جون هوبكنز»‪ ،‬ق� � ��اد الزرهوني جهوداً‬ ‫علمي� � ��ة أدت إلى تطوير ال � � �ـ«إم آر آي» كي يعطي‬ ‫ص� � ��وراً ثالثية األبعاد‪ ،‬م� � ��ا م ّكن أعني األطباء من‬ ‫التطلع إلى بواطن اجلسم وأعضائه وكأن عيونهم‬ ‫مبثوثة في دواخلها فعلي � � �اً‪ .‬ومع جهود الزرهوني‬ ‫وفريقه‪ ،‬ظهرت أيضاً صور الرنني املغناطيس� � ��ي‬ ‫الثالثية األبعاد التي ترصد األعضاء واألنس� � ��جة‬ ‫أثناء عمله� � ��ا وحركتها‪ ،‬وال تكتفي مبجرد التوقف‬ ‫عند صور جامدة بأبعادها الثالثة‪ .‬واستفاد أطباء‬ ‫القلب والرئتني في تلك اجلامعة‪ ،‬قبل غيرهم من‬ ‫بدل كثيراً‬ ‫التقني� � ��ات التي ط ّورها الزرهون� � ��ي‪ ،‬ما ّ‬ ‫في طرق تعاملهم مع أمراض القلب والش� � ��رايني‪،‬‬ ‫وكذلك س� � ��رطان الرئة‪ ،‬وهي من األسباب األكثر‬ ‫ش� � ��يوعاً للمرض والوف� � ��اة في الوالي� � ��ات املتحدة‬ ‫األمريكية‪.‬‬ ‫�جل للزرهون� � ��ي أن تل� � ��ك التقني� � ��ات في‬ ‫ويس� � � َّ‬ ‫التصوير باألش� � ��عة التي ط ّورها في «جامعة جون‬ ‫هوبكنز»‪ ،‬لقيت رواجاً عاملياً ضخماً‪ .‬وفي ش� � ��به‬ ‫إغماضة العني‪ ،‬باتت «األف� �ل��ام» الثالثية األبعاد‬ ‫باألشعة (سواء بطريقة الـ«إم آر آي» أو الـ«كات»)‪،‬‬ ‫أداة رئيس� � ��ة في تش� � ��خيص مجموع� � ��ة كبيرة من‬ ‫وسجل الزرهوني‬ ‫األمراض‪ ،‬وخصوصاً السرطان‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫�جلة في‬ ‫إجنازات� � ��ه في ثماني براءات اختراع مس� � � َّ‬ ‫الوالي� � ��ات املتحدة‪ ،‬إضافة إل� � ��ى ‪ 157‬بحثاً علمياً‬ ‫موثق � � �اً ومراجعاً‪ ،‬ما يجعلها نقط� � ��ة مرجعية في‬ ‫طب األشعة‪.‬‬ ‫تسجل للزرهوني‪،‬‬ ‫التي‬ ‫البارزة‬ ‫اإلجنازات‬ ‫ومن‬ ‫َّ‬ ‫تطويره تقنية الـ«إم آر آي»‪ ،‬وهي وسيلة للتشخيص‬ ‫املب ّكر لألمراض الس� � ��رطانية‪ ،‬عبر حتديد نسبة‬ ‫الكالس� � ��يوم في األنس� � ��جة املصابة‪ ،‬ما جعل هذه‬ ‫الطريقة بدي ً‬ ‫ال عن طرق تقليدية‪ ،‬مثل أخذ خزعة‬ ‫بالط� � ��رق اجلراحي� � ��ة‪ ،‬من أعض� � ��اء املريض‪ .‬وفي‬ ‫السياق عينه‪ ،‬استعمل تلك الوسيلة لقياس كثافة‬ ‫العظم‪ ،‬األمر الذي س� � ��اهم في تش� � ��خيص مرض‬ ‫ترقق العظام‪ ،‬وهو مرض شائع عند النساء وكبار‬ ‫السن‪.‬‬ ‫ونال الزرهوني‪ ،‬الذي احتل مجموعة كبيرة من‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 158-162.indd 160‬‬


‫علوم‬

‫التقانة تمد‬ ‫يد المساعدة‬ ‫لعلوم الطب‬

‫شخص السرطان وترقق العظام باألشعة‬ ‫اجلزائري إلياس الزرهوني ‪ّ ...‬‬ ‫‪4/12/15 1:18:08 PM‬‬

‫‪161‬‬

‫‪may 158-162.indd 161‬‬


‫علوم‬ ‫تفت في عضد الس� � ��اعني إلى نش� � ��ر‬ ‫املناصب العلمي� � ��ة املرموقة‪ ،‬امليدالية الذهبية من لكنه� � ��ا ل� � ��م ّ‬ ‫«اجلمعية األمريكية ألشعة رونتجن»‪ ،‬وحاز مرتني املعرفة العلمية‪ ،‬بل أعطته� � ��م رؤية واقعية ألمور‬ ‫جائزة «بول لوتربور»‪ ،‬وميدالية «فيلق الش� � ��رف» العِ لم وعالقته بالسياس� � ��ة واستراتيجيات الدول‪،‬‬ ‫من «الرابطة الوطنية الفرنسية»‪ ،‬وغيرها‪.‬‬ ‫ومع الشركات العمالقة وسطوتها‪.‬‬ ‫وط ّب� � ��ق الزرهون� � ��ي ابتكارات� � ��ه ف� � ��ي ع� �ل��اج‬ ‫الرئيس� �ي��ن اجلزائري الس� � ��ابق هواري بومدين‪ ،‬حر ّية املعرفة‬ ‫في اس� � ��تعادة لتجربته في نشر املعرفة‪ ،‬أ ّكد‬ ‫أسس‬ ‫واألمريكي الس� � ��ابق رونالد ريغان‪ .‬وكذلك ّ‬ ‫ً‬ ‫خم� � ��س ش� � ��ركات طب ّي� � ��ة خاص� � ��ة‪ ،‬لع� � ��ل أبرزها الزرهون� � ��ي أنه تاب� � ��ع جهودا لنش� � ��ر املعرفة عبر‬ ‫«مجموع� � ��ة الزرهون� � ��ي احملدودة لالستش� � ��ارات اإلنترنت‪ ،‬انطلقت على يد َمن سبقه مباشرة في‬ ‫العاملية للعل� � ��وم والصحة»‪ .‬ووصفه� � ��ا الزرهوني إدارة «معاهد الصحة الوطنية»‪ ،‬وهو البروفيسور‬ ‫بأنها مؤسسة دولية تعنى بتخطيط برامج العلوم األمريك� � ��ي هارولد فارمس‪ ،‬احلاصل على جائزة‬ ‫والصحة‪ ،‬بالتعاون مع حكومات وشركات متعددة نوب� � ��ل في الط� � ��ب‪ .‬وأوضح الزرهون� � ��ي أنه عمل‬ ‫اجلنس� � ��يات‪ ،‬عبر تزويد هذه األطراف بالبحوث بدأب على جعل قواعد البيانات اإللكترونية التي‬ ‫مت ّولها «معاهد الصحة الوطنية» متاحة بش� � ��كل‬ ‫واخلبرات والتقنيات العلمية احلديثة‪.‬‬ ‫توس� � ��ع كثيراً‬ ‫ووصل إلى منصب مدي� � ��ر لـ«معاهد الصحة مفتوح على اإلنترنت‪ .‬ولفت إلى أنه ّ‬ ‫الوطني� � ��ة» ف� � ��ي الواليات املتح� � ��دة‪ ،‬وهي أضخم في جتربة نش� � ��ر البحوث العلمية على الش� � ��بكة‬ ‫مؤسس� � ��ة لبح� � ��وث البيولوجي� � ��ا عاملي � � �اً‪ ،‬وتزي� � ��د اإللكترونية الدولية‪ ،‬من خالل مواقع مثل «بلوس‪.‬‬ ‫أسسه فار ُمس‪ ،‬ونقلها‬ ‫ميزانيته� � ��ا عل� � ��ى ‪ 30‬مليار دوالر س� � ��نوياً‪ ،‬وتضم أورغ» (‪ ،)Plos.Org‬الذي ّ‬ ‫الهيئ� � ��ة ‪ 27‬مركزاً للبحوث‪ ،‬يعم� � ��ل فيها ‪ 18‬ألف إلى مستوى أعلى‪ .‬وبينّ أنه أنشأ «مكتبة الوصول‬ ‫موظ� � ��ف بينه� � ��م ‪ 6000‬باحث‪ .‬ومت � � � ّول «معاهد الع� � ��ام» (‪ ،)Public Access Library‬أثناء إدارته‬ ‫الصح� � ��ة الوطنية» بحوثاً يجريها قرابة ‪ 325‬ألف تل� � ��ك املعاهد‪ .‬وتضع ه� � ��ذه املكتب� � ��ة اإللكترونية‬ ‫شخص في ما يزيد على ‪ 3100‬جامعة ومؤسسة كمي� � ��ات ضخمة من البحوث وب� � ��راءات االختراع‬ ‫على اإلنترنت‪ ،‬بشكل مفتوح للعموم‪.‬‬ ‫علمية‪.‬‬ ‫ً‬ ‫في ع� � ��ام ‪ ،2002‬ك � � � ّرم الرئي� � ��س اجلمهوري‬ ‫ف� � ��ي اللق� � ��اء املش� � ��ار إلي� � ��ه آنفا ف� � ��ي «مكتبة‬ ‫جورج دبليو بوش العالِم الزرهوني بتعيينه مديراً اإلس� � ��كندرية» (‪ ،)2010‬ض� � ��رب الزرهوني مثاالً‬ ‫لـ«معاه� � ��د الصح� � ��ة» بني عام� � ��ي ‪ 2002‬و‪ .2008‬مع ّبراً‪« :‬قبل أن نسأل الدول الصناعية والشركات‬ ‫و ُك ّرر تكرميه من البي� � ��ت األبيض في عام ‪ 2010‬عن نقل املعرفة‪ ،‬وهو س� � ��ؤال صحيح‪ ،‬يجب التن ّبه‬ ‫عندما ع ّينه الرئي� � ��س الدميقراطي باراك أوباما إلى مدى اجلهوزي� � ��ة الذاتية للدول النامية لتلقي‬ ‫مندوب � � �اً علمياً ألمريكا في دول ش� � ��مال إفريقيا العلم‪ ،‬س� � ��أعطيك مثاالً واضحاً يتعلق باملعلومات‬ ‫(باستثناء مصر) واخلليج العربي‪ ،‬ويعطي تكرمي ع� � ��ن املج� �ي��ن «اجلين� � ��وم» (‪ ،)Genome‬إذ ُجعلت‬ ‫عالِم عربي من قبل رئيسني أمريكيني متناقضني تلك املعلوم� � ��ات الضخمة واملتقدم� � ��ة في قواعد‬ ‫حزبياً‪ ،‬أمنوذجاً عن كيفية تعاطي الدول املتقدمة بيانات إلكترونية مفتوحة على اإلنترنت‪ ،‬مببادرة‬ ‫مع العلم والعقول العلمية‪.‬‬ ‫من الرئيس بل كلينت� � ��ون‪ ،‬منذ بداية القرن الـ‪.21‬‬ ‫ف� � ��ي أكث� � ��ر م� � ��ن حدي� � ��ث‪ ،‬لف� � ��ت الزرهوني م� � ��ا الدول التي اس� � ��تفادت منها‪ ،‬ودخلت إلى تلك‬ ‫إلى مس� � � ٍ�اع تبذلها دوائر علمية أمريكية وغربية‪ ،‬القواعد؟ ف� � ��ي املقدمة هناك الص� �ي��ن والبرازيل‬ ‫لنش� � ��ر املعرفة العلمي� � ��ة عاملي � � �اً‪ ،‬خصوصاً عبر والهند والكور ّيتان‪ ،‬في حني ال يزيد نصيب الدول‬ ‫العربية م� � ��ن الدخول على قواعد بيانات اجلينوم‬ ‫اإلنترنت‪.‬‬ ‫وأوضح أن تلك املساعي تتصارع مع معارضة على ‪ 1.5‬في املائة! هل يدل ذلك على اس� � ��تعداد‬ ‫قوية من مؤسس� � ��ات وقوى ف� � ��ي أمريكا والغرب‪ ،‬علمي عربي لتلقي العلوم املعاصرة؟» >‬ ‫‪162‬‬

‫‪4/12/15 1:18:13 PM‬‬

‫مايو ‪2015‬‬ ‫‪--678‬أبريل‬ ‫العدد‪677‬‬ ‫العدد‬

‫‪may 158-162.indd 162‬‬


‫الطفولة‬ ‫المعذبة‬ ‫عبدالغني سالمة‬

‫باحث من فلسطني‬

‫ت��س��ت��غ��ل ال���ح���ك���وم���ات ط��اق��ة‬ ‫الشبان من خالل التجنيد اإلجباري‪،‬‬ ‫وتقنعهم بشعاراتها‪ ،‬وقد يكون‬ ‫هذا الوضع من الناحية القانونية‬ ‫م����ق����ب����و ً‬ ‫ال‪ ،‬وي���م���ك���ن ألص���ح���اب‬ ‫األيديولوجيات تبريره بسهولة‪،‬‬ ‫لكن ما ال يمكن تبريره‪ ،‬أو القبول‬ ‫به هو تجنيد األطفال الصغار‪.‬‬

‫‪163‬‬

‫‪4/12/15 1:11:45 PM‬‬

‫‪may 163-167.indd 163‬‬


‫وطبقاً للمعاه������دات واألعراف الدولية‪ ،‬فإن‬ ‫جتني������د واس������تخدام األطفال للعم������ل بوصفهم‬ ‫جن������وداً يُعد أمراً محظوراً‪ ،‬وهو مبوجب القانون‬ ‫الدول������ي‪ ،‬وحس������ب احملكم������ة اجلنائي������ة الدولي‬ ‫«جرمية ح������رب»‪ ،‬ويُعلِن قانون حقوق اإلنس������ان‬ ‫سن الثامنة عش������رة بوصفها احلد األدنى للعمر‬ ‫بالنس������بة للتجنيد‪ ،‬وفي التقارير السنوية لألمم‬ ‫املتحدة‪ ،‬وضمن قوائ������م خاصة يصدرها األمني‬ ‫العام توضع أطراف النزاع التي جتنِّد وتستخدِ م‬ ‫األطف������ال في قائمة تس������مى «قائمة العار»‪ .‬وقد‬ ‫أدرجت األمم املتحدة ‪ 52‬طرفاً في الئحة العار‬ ‫السنوية للعام ‪ .2013‬‬ ‫ّ‬ ‫وفي مايو عام ‪ ،2000‬وقعت أربع وتس������عون‬ ‫دول������ة عل������ى بروتوك������ول اتفاقي������ة األمم املتحدة‬ ‫اخلاص بحقوق األطفال‪ ،‬والذي مينع احلكومات‬ ‫واجلماعات املتمردة من اس������تخدام األطفال في‬ ‫أي شكل من أش������كال الصراع املسلح‪ ،‬ومع تبني‬

‫اجلمعي������ة العامة لألمم املتحدة للبروتوكول فقد‬ ‫ص������ار إلزامياًّ‪ ،‬كما دع������ت منظمة األمم املتحدة‬ ‫للطفولة (اليونيس������يف) العتماد يوم ‪ 12‬فبراير‬ ‫يوماً ملناهضة‪ ‬جتنيد األطفال‪.‬‬ ‫وحسب إعالن مبادئ باريس‪ ،‬بشأن إشراك‬ ‫األطف������ال في املنازعات املس������لّحة (‪ ،)2007‬فإن‬ ‫الطف������ل املجند هو أي طفل دون الثامنة عش������رة‬ ‫م������ن عمره يرتب������ط بقوة أو بجماعة عس������كرية‪،‬‬ ‫س������واء كان مجنّداً مسلحاً‪ ،‬أو ُمستخ َدماً في أي‬ ‫صفة مبا في ذلك اس������تخدامه محارباً أو طاهياً‬ ‫أو ح ّماالً أو جاسوساً أو ألغراض جنسية‪.‬‬ ‫وتق������در تقارير ملنظمات دولي������ة متخصصة‬ ‫(منها اليونيسيف) عدد األطفال املجندين الذين‬ ‫يشاركون في القتال حول العالم بحوالي ‪- 250‬‬ ‫‪ 300‬ألف طفل‪ .‬وتضم إفريقيا أكبر عدد منهم‪،‬‬ ‫أكثرهم في بوروندي وإفريقيا الوس������طى وتشاد‬ ‫والكونغو ورواندا والصومال والسودان وأوغندا‪.‬‬

‫الرصاص يهني براءة الطفولة‬ ‫‪164‬‬

‫‪4/12/15 1:11:58 PM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 163-167.indd 164‬‬


‫العمل الشاق ينهب الفرح‬

‫أما في آس������يا‪ ،‬فهناك أيضاً اآلالف من األطفال‬ ‫الذين مت توريطهم ف������ي القتال‪ ،‬مث ً‬ ‫ال «ميامنار»‪،‬‬ ‫البلد الوحيد في العالم الذي يجبر األطفال بني‬ ‫الـ‪ 12‬وال������ـ‪ 18‬عاماً على االنتم������اء إلى اجليش‪،‬‬ ‫وهناك أطفال جنود في أفغانس������تان وبنغالديش‬ ‫والهند وإندونيس������يا والنيبال والفلبني وتايالند‬ ‫وس������ريالنكا‪ ،‬وكذلك في إيران والعراق وسورية‬ ‫وإسرائيل واألراضي الفلس������طينية احملتلة وفي‬ ‫اليمن‪ .‬أما في أميركا الالتينية‪ ،‬فهناك نحو ‪14‬‬ ‫ألف طفل‪ ،‬ينتمون للقوات املسلحة املختلفة في‬ ‫كولومبي������ا‪ .‬وأيضاً هناك أطفال ينتمون إلى فرق‬ ‫مسلحة في تركيا والشيشان‪.‬‬ ‫وقد أصب������ح جتني������د واس������تخدام األطفال‬ ‫الوسيلة األس������هل لكثير من اجلماعات‏املسلحة‬ ‫من أجل شن احلروب‪ ،‬نظراً لسهولة استمالتهم‪،‬‬ ‫ودفعهم الرت������كاب العنف‪ ،‬ذل������ك ألنهم في هذا‬ ‫العمر يكونون ساذجني وسريعي االنقياد‪ ،‬ويسهل‬ ‫الطفولة املعذبة‬ ‫‪4/12/15 1:12:56 PM‬‬

‫توجيههم‪ .‬وسواء التحقوا باجلماعات العسكرية‬ ‫غصب������اً عنهم‪ ،‬أو طمعاً منه������م‪ ،‬أو مت تضليلهم‪،‬‬ ‫فإن تلك اجلماعات املسلحة تُخضعهم لعمليات‬ ‫غس������يل دماغ‪ ،‬متتد س������نوات عديدة‪ ،‬يتعرضون‬ ‫خاللها لشتى صنوف القهر واإلخضاع والترهيب‪،‬‬ ‫وإجبارهم على الطاعة العمياء‪ ،‬وجعلهم خائفني‬ ‫باس������تمرار على حياتهم؛ فيدركون بس������رعة أن‬ ‫الطاعة واالنقياد هما الس������بيل الوحيد لضمان‬ ‫بقائهم‪ .‬وفي بعض األحيان (كما في سيراليون)‬ ‫يجبرونهم على املش������اركة في قتل أطفال آخرين‬ ‫أو أعض������اء من أس������رهم‪ ،‬وحتى عل������ى ارتكاب‬ ‫مجازر دموي������ة‪ ،‬ومن بعدها يخبرونهم بأنه ليس‬ ‫هناك من س������بيل أمامهم للعودة إلى ديارهم بعد‬ ‫ارتكابهم ملثل هذه اجلرائم‪.‬‬ ‫وبغ������ض النظر ع������ن كيفي������ة جتنيدهم‪ ،‬وعن‬ ‫املهمات التي تُطلَب منه������م؛ فإن هؤالء األطفال‬ ‫غالب������اً ما يقع������ون ضحايا نزاع������ات ال دخل لهم‬ ‫‪165‬‬

‫‪may 163-167.indd 165‬‬


‫فيه������ا‪ ،‬ويتعرض������ون ألش������كال مهينة م������ن األذى‬ ‫اجلس������دي والنفس������ي‪ ،‬وكثير منه������م ميوتون من‬ ‫جراء ذلك‪ ،‬وفي جميع األحوال فإنهم‪ ،‬باإلضافة‬ ‫حلرمانهم من عوائلهم‪ ،‬ومصادرة حقهم الطبيعي‬ ‫ف������ي العيش حي������اة طبيعية‪ ،‬وس������رقة طفولتهم‪،‬‬ ‫واس������تغاللهم أبشع اس������تغالل؛ يتعرضون ملعاناة‬ ‫نفس������ية خطيرة جداً‪ ،‬تترك آثارها املدمرة ألمد‬ ‫طويل‪ ،‬ويواجهون صعوبات بالغة في التكيف مع‬ ‫مجتمعاتهم‪ ،‬وأكثرهم يستبد به باليأس والشعور‬ ‫بضياع املستقبل‪.‬‬ ‫ف������ي منطق������ة القبائ������ل عل������ى احل������دود بني‬ ‫باكس������تان وأفغانس������تان‪ ،‬تقوم جماعة «طالبان»‬ ‫بتجنيد األطفال مبكراً وهم في س������ن اخلامسة‪،‬‬ ‫من خ���ل��ال دعوتهم للمس������جد أوالً‪ ،‬وحتفيظهم‬ ‫آيات من القرآن الكرمي‪ ،‬وتلقينهم دروس������اً دينية‬ ‫منتظمة إل������ى أن يبلغوا العاش������رة؛ لتبدأ بعدها‬ ‫املرحل������ة الثاني������ة‪ ،‬وه������ي تهيئتهم لتق ّب������ل فكرة‬ ‫العمليات االنتحارية‪ ،‬من خالل تشريبهم مبادئ‬ ‫اجلماعة وأيديولوجيتها املتش������ددة‪ ،‬ثم تدريبهم‬

‫فعلياً على األعمال القتالية‪ ،‬إلى أن يتم إرس������ال‬ ‫ليفجر‬ ‫من يقع عليه االختيار إلى أحد األهداف‬ ‫ّ‬ ‫نفسه هناك‪.‬‬ ‫وقد اس������تغلت «طالبـــ������ان» فقـــــ������ر األهالي‬ ‫وخوفهم م������ن معارضتهم لهم؛ فب������دأوا بخطف‬ ‫األطف������ال من أ ُ َس������رهم‪ ،‬ولم جتد تلك األُس������ر‪،‬‬ ‫املغلوب������ة عل������ى أمره������ا‪ ،‬أمامها خي������اراً لتجنب‬ ‫العواقب س������وى تس������ليمهم أبناءهم ملعس������كرات‬ ‫«طالبان»‪ ،‬مقابل إطعامهم ُهم وأسرهم‪( ،‬وكذلك‬ ‫فعل تنظيم داعش)‪.‬‬ ‫في باكس������تان وحدها يوجد ‪ 18‬مليون طفل‪،‬‬ ‫(عدا أفغانستان التي تعيش ظروفاً أسوأ)‪ ،‬وإذا‬ ‫ما وس������عت «طالب������ان» دوائر حربه������ا‪ ،‬وأحرزت‬ ‫مزيداً من املكاس������ب‪ ،‬وبس������طت نفوذها هناك‪،‬‬ ‫فس������يكون لديها مخ������زون من القنابل البش������رية‬ ‫يكفي إلع������ادة مدن العالم وحواض������ره إلى زمن‬ ‫اكتشاف الزراعة‪.‬‬ ‫ومن بني أكثر صور جتنيد األطفال التي تستفز‬ ‫املش������اعر اإلنس������انية‪ ،‬صورة أطفال إسرائيليني‬

‫آثار األذى النفسي ال تزول‬ ‫‪166‬‬

‫‪4/12/15 1:13:02 PM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 163-167.indd 166‬‬


‫املعذبون في األرض‬

‫يو ّقعون أس������ماءهم على صواريخ‪ ،‬على وشك أن‬ ‫يطلقها جيش االحتالل لتدمر بيوت أناس آمنني‬ ‫في قطاع غزة‪ ،‬أو على جنوب لبنان‪ ،‬وسيكون من‬ ‫بني الضحايا أطفال في عمرهم‪ ،‬ذنبهم الوحيد‬ ‫أنه������م ُولدوا في اجلبهة املض������ادة‪ ،‬وهذه الصور‬ ‫تفضح الدعاية الزائفة التي تتبجح بها إسرائيل‬ ‫من أنها دولة متمدن������ة تنتمي للحضارة الغربية‪،‬‬ ‫وأنها متثل القيم اإلنسانية التحررية!!‬ ‫في فلس������طني اعتقلت إس������رائيل خالل عام‬ ‫‪ 2014‬نح������و ‪ 600‬طفل فلس������طيني‪ ،‬منهم ‪200‬‬ ‫مازالوا خل������ف القضبان‪ ،‬وهن������اك أيضاً أطفال‬ ‫غزة‪ ،‬الذين عجنتــــهم احليــــاة بقسوة‪ ،‬واختبروا‬ ‫أشكاالً عنـــيفة للمــــوت‪ ،‬وشهدوا قبل أن ِ‬ ‫يصلوا‬ ‫إلى س������ن املراهقة أرب������ع حروب إس������رائيلية‪...‬‬ ‫ش������ ّبُوا وليـــس في مخيــالتهـــــم س������وى ذكــــريات‬ ‫القــصـــــف الذي باغتــهـــم مع انقطــــاع الكهــــرباء‪،‬‬ ‫واختب������ارات اخلوف‪ ،‬وعجز اآلباء عن حمايتهم‪،‬‬ ‫ومش������اهد الدبابات وهم يقذفونه������ا بحجارتهم‬ ‫الصغيرة‪.‬‬ ‫الطفولة املعذبة‬ ‫‪4/12/15 1:13:14 PM‬‬

‫ه������ؤالء ج ّردتهم احل������روب م������ن طفولتهم‪،‬‬ ‫وك ّبرته������م بقفزات زمنية أس������رع م������ن أقرانهم‪،‬‬ ‫وسلبتهم أحلى سنني عمرهم‪ ...‬ومع ذلك دافعوا‬ ‫عن طفولتهم بكل بطولة‪ ،‬دون مساعدة من أحد‪،‬‬ ‫لكنهم خسروها‪.‬‬ ‫أولئك الذين يس������وقون األطفال إلى س������احة‬ ‫احلرب هدفهم تربيتهم على الكراهية‪ ،‬وتهيئتهم‬ ‫ألن يصبح������وا قتلة‪ ،‬وزرع الفك������ر العنصري في‬ ‫عقوله������م في هذه الس������ن املبكرة‪ ،‬لك������ي ينظروا‬ ‫لغيره������م على أنه������م ال يس������تحقون العيش‪ ،‬وأن‬ ‫قتلهم أمر مبنتهى البس������اطة‪ ،‬يشبه قتل األعداء‬ ‫في ألعاب الفيديو!!‬ ‫وإل������ى جان������ب األطف������ال املجندي������ن‪ ،‬هنالك‬ ‫األطف������ال الذين يت������م اختطافهم ضمن صفقات‬ ‫االجت������ار بالبش������ر‪ ،‬الس������تغاللهم جنس������ياًّ‪ ،‬أو‬ ‫لالجتار بأعضائهم‪ ،‬أو الس������تغاللهم في أعمال‬ ‫ش������اقة‪ ،‬وكذلك األطفال الذين فق������دوا أهاليهم‬ ‫باحلروب‪.‬‬ ‫لنرحم الطفولة >‬ ‫‪167‬‬

‫‪may 163-167.indd 167‬‬


‫هل من سبيل لحماية األسرة‬ ‫من األجهزة الحديثة؟‬ ‫محمد شعطيط‬

‫كاتب من املغرب‬

‫ب��دأت ف��ي الفترة األخ��ي��رة بعض ال���دول الغربية ف��ي س��ن قوانين أو تقديم‬ ‫مشاريع قوانين ترمي إلى حماية األطفال عموم ًا‪ ،‬والرضع خصوص ًا‪ ،‬من‬ ‫تأثيرات األشعة التي تنبعث من أجهزة االتصال الحديثة‪ ،‬ففي يناير الماضي‬ ‫�وت البرلمان الفرنسي على قانون‬ ‫يحد من استعمال أجهزة االتصال‬ ‫ّ‬ ‫ص� ّ‬ ‫الالسلكية في دور الحضانة ورياض األطفال‪.‬‬

‫‪168‬‬

‫‪4/12/15 1:14:48 PM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 168-169.indd 168‬‬


‫إن الدع� � ��وة إلى تقنني اس� � ��تعمال هذه األجهزة‬ ‫وانبعاثاته� � ��ا أصبحت حاجة ملح� � ��ة‪ ،‬خصوصاً بعد‬ ‫التوجه اجلدي� � ��د الذي يعتبر ه� � ��ذه االنبعاثات من‬ ‫أش� � ��د األخطار التي تهدد البيئ� � ��ة واحلياة‪ ،‬وصرنا‬ ‫نتح� � ��دث ع� � ��ن تلوث م� � ��ن ن� � ��وع جديد ه� � ��و التلوث‬ ‫الكهرومغناطيس� � ��ي‪ ،‬ال� � ��ذي يعتب� � ��ره البعض أخطر‬ ‫م� � ��ن التلوث البيئ� � ��ي‪ ،‬فهو تلوث يس� � ��تهدف فلذات‬ ‫األكب� � ��اد في فضاءات مغلق� � ��ة ‪ -‬كالبيوت واملدارس‬ ‫ودور احلضانة ورياض األطفال ‪ -‬ويجعلهم عرضة‬ ‫ملس� � ��توى عال من املوجات الكهرومغناطيسية التي‬ ‫بات� � ��ت أغلب مراكز األبحاث ف� � ��ي العالم‪ ،‬خصوصاً‬ ‫تلك التي تهتم باألمراض املزمنة كالسرطان وغيره‪،‬‬ ‫تط� � ��رح حولها أكثر م� � ��ن عالمة اس� � ��تفهام‪ ،‬وتزداد‬ ‫ش� � ��كوكها يوماً بعد يوم في وجود عالقة بينها وبني‬ ‫ظهور أورام خبيثة في الدماغ والعمود الفقري وآالم‬ ‫الرأس واضطرابات في النوم وفي ضربات القلب‪،‬‬ ‫وغير ذلك من األعراض‪.‬‬ ‫إنها أجهزة تعيش مع اإلنسان وال تكاد تفارقه‪...‬‬ ‫الهاتف‪ ،‬احلاس� � ��وب‪ ،‬أجهزة الواي فاي (‪،)Wi-Fi‬‬ ‫أجهزة مراقبة الرضع‪ ،‬والقارئ اللوحي (‪.)iPad‬‬ ‫وال نبال� � ��غ إذا قلنا إن األجي� � ��ال التي تناط بها‬ ‫نهض� � ��ة األمة ورفعتها وتقدمها أصبحت مهددة في‬ ‫مستقبلها وصحتها النفسية واجلسدية والبيئية‪.‬‬ ‫ص ّن� � ��ف اخلب� � ��راء األجه� � ��زة التي تص� � ��در أكثر‬ ‫نس� � ��بة م� � ��ن األش� � ��عة الض� � ��ارة‪ ,‬فجعلوا ف� � ��ي رأس‬ ‫القائم� � ��ة الهوات� � ��ف اجلوالة‪ ،‬وأجهزة ال� � ��واي فاي‪،‬‬ ‫وأجهزة البلوتوث‪ ،‬وكذا أجهزة تس� � ��خني املأكوالت‬ ‫(امليكرو‪-‬واف)‪ ,‬ونسبة االنبعاثات الكهرومغناطيسية‬ ‫التي تصدر منها تش� � ��كل خطراً متنامياً على صحة‬ ‫األسرة عموماً واألطفال خصوصا‪ .‬وحسب تقارير‬ ‫بعض املختبرات العلمية‪ ،‬فإن إدخال وتعميم تقنية‬ ‫اجلي� � ��ل الراب� � ��ع (‪ )4G‬يضاعف من مس� � ��توى هذه‬ ‫اإلشعاعات بنسبة ‪ 50‬باملائة عن مستواها احلالي‪،‬‬ ‫أي إل� � ��ى الضعف‪ ،‬وهي زيادة ت� � ��دق ناقوس اخلطر‬ ‫وتس� � ��تدعي مقاربة متكاملة له� � ��ذه الظاهرة التي ال‬ ‫تسترعي انتباه اآلباء واألمهات‪ ،‬وال تكاد تشغل بال‬ ‫األوساط الصحية والبيئية‪ ،‬نظراً النشغال اجلميع‬ ‫بنفعها عن ضررها‪.‬‬ ‫ف� � ��إذا كان ال بد من اس� � ��تعمال ه� � ��ذه التقنيات‬ ‫هل من سبيل حلماية األسرة من األجهزة احلديثة؟‬ ‫‪4/12/15 1:14:56 PM‬‬

‫احلديثة‪ ،‬فال بد من خطوات ميكن القيام بها للحد‬ ‫من تأثيراتها الس� � ��لبية‪ ،‬وميكن هنا تس� � ��جيل بعض‬ ‫اإلش� � ��ارات املهمة والتقاط بعض احملطات الرئيسة‬ ‫من قبيل‪:‬‬ ‫‪-1‬إبع� � ��اد األطف� � ��ال ما دون س� � ��ن ال � � �ـ‪ 12‬عاماً‬ ‫عن اس� � ��تعمال الهاتف اجل� � ��وال‪ ،‬فقد ظهرت بعض‬ ‫األعراض السلبية على األطفال من ج ّراء تعرضهم‬ ‫إلش� � ��عاعات الهواتف اخللوية مثل‪ :‬صعوبة التعلّم‪،‬‬ ‫تش� � ��تت االنتباه‪ ،‬الش� � ��رود الذهني‪ ،‬فرط احلركة‪،‬‬ ‫وغيرها‪ ...‬ل� � ��ذا ظهرت في الغ� � ��رب قوانني رادعة‬ ‫لهذا‪.‬‬ ‫‪ -2‬توعي� � ��ة اآلباء واألمه� � ��ات واألطفال بخطر‬ ‫ه� � ��ذه املوجات عن طريق اإلش� � ��هار واإلعالنات في‬ ‫األماكن العامة وعبر املواق� � ��ع اإللكترونية واملناهج‬ ‫التعليمية‪.‬‬ ‫‪-3‬إلزام الش� � ��ركات املنتج� � ��ة أو املركبة ألجهزة‬ ‫االتص� � ��ال والهوات� � ��ف وأجهزة الواي ف� � ��اي وغيرها‬ ‫بكتابة مستوى انبعاث األشعة واملوجات على أغلفة‬ ‫منتجاتها‪.‬‬ ‫‪-4‬عدم استعمال أجهزة الواي فاي وملحقاتها‬ ‫إال عند الضرورة ولفترة محدودة‪ ،‬واالستعاضة عن‬ ‫ذلك باستعمال اإلنترنت السلكي‪.‬‬ ‫‪-5‬إبعاد املرأة احلامل والرضيع عن مكان هذه‬ ‫األجهزة ووضعها في مكان بعيد عن غرف األطفال‬ ‫واإلكثار من اس� � ��تعمال الهات� � ��ف الثابت في البيت‪،‬‬ ‫واستعمال سماعات األذن بدل وضع الهاتف اخللوي‬ ‫على األذن مباشرة وعلى مقربة من الدماغ‪.‬‬ ‫‪-6‬التقلي� � ��ل من حالة اس� � ��تعمال الهاتف النقال‬ ‫أثناء التنقل بالسيارة‪ ،‬ألنه يصدر انبعاثات إشعاعية‬ ‫أكثر من حالة الوقوف‪.‬‬ ‫‪ -7‬إغ� �ل��اق الهات� � ��ف أثن� � ��اء الن� � ��وم وإبعاده عن‬ ‫األطفال‪.‬‬ ‫‪-8‬عدم وض� � ��ع الهاتف عل� � ��ى األذن إال عندما‬ ‫يفتح اخلط‪ ،‬فهو يرسل إشارة املكاملة مبستوى عال‬ ‫من اإلشعاعات‪.‬‬ ‫‪ -9‬تقيي� � ��د وقت لع� � ��ب األطف� � ��ال بالهواتف أو‬ ‫القارئ اللوحي‪ ،‬بحيث ال يتجاوز نصف الساعة في‬ ‫اليوم أو أقل‪ ،‬وإذا كان ال بد فيجب استعمال شبكة‬ ‫االتصال السلكي فهي أكثر أماناً >‬ ‫‪169‬‬

‫‪may 168-169.indd 169‬‬


‫ماهيـة التوحـد‬ ‫د‪ .‬شيرين محمود‬

‫أكادميية من مصر‬

‫يعد التوحد ‪ Autism‬اض��ط��راب� ًا ف��ي النمو العصبي‪،‬‬ ‫يصيب األطفال خالل السنوات األولى من العمر‪ ،‬ويؤثر‬ ‫على النمو الطبيعي للدماغ‪ ،‬ويعود هذا المصطلح‬ ‫إل��ى كلمة إغريقية ه��ي «أوت����وس» ‪ Autous‬وتعني‬ ‫موحد‬ ‫النفس أو ال���ذات‪ .‬وال يوجد اتفاق على تعريب‬ ‫ّ‬ ‫لهذا المصطلح حتى اآلن‪ ،‬فالبعض يطلق عليه لفظ‬ ‫التوحد‪ ،‬وهناك من يترجمونه باالجترارية‪ ،‬كما يسميه‬ ‫آخرون الذاتوية‪ ،‬وهذه المصطلحات الثالثة تعد شائعة‬ ‫لدى الباحثين في مجال الفئات الخاصة‪.‬‬

‫‪170‬‬

‫‪4/12/15 1:16:03 PM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 170-173.indd 170‬‬


‫بداية ظهور التوحد‬ ‫أول من أش� � ��ار إلى هذا االضطراب كان الطبيب‬ ‫النفس� � ��ي «ليو كانر» ‪ Leo Kanner‬وذلك سنة ‪،1943‬‬ ‫حيث قام بفحص مجموعة م� � ��ن األطفال املتأخرين‬ ‫عقلي � � �اً بجامع� � ��ة هارف� � ��ارد ف� � ��ي الوالي� � ��ات املتحدة‬ ‫األمريكية‪ .‬والحظ وجود أمناط س� � ��لوكية غير عادية‬ ‫ألحد عشر طف ً‬ ‫ال كانوا مصنفني على أنهم متأخرون‬ ‫عقلياً‪ ،‬لكن س� � ��لوكياتهم ال تتشابه مع أي اضطرابات‬ ‫عرف� � ��ت في ذاك الوقت‪ ،‬وأطل� � ��ق على هذه الفئة من‬ ‫األطف� � ��ال مصطلح «التوحد الطفول� � ��ي»‪ ،‬ووجد أنهم‬ ‫يعانون مشكالت عدة تش� � ��مل عدم القدرة على بناء‬ ‫عالق� � ��ات اجتماعي� � ��ة مع اآلخرين‪ ،‬وتأخ� � ��راً في منو‬ ‫واكتساب اللغة‪ ،‬ووجوه نشاط لعب متكررة ومنطية‪.‬‬

‫معدالت االنتشار‬

‫يظه� � ��ر التوحد ف� � ��ي جميع أنح� � ��اء العالم وفي‬ ‫مختلف اجلنسيات والطبقات االجتماعية‪ .‬وتوجد‬ ‫دراس� � ��ات كثيرة في الدول األجنبي� � ��ة عن معدالت‬ ‫انتش� � ��ار التوحد‪ .‬ولم جتر حتى اآلن أي دراس� � ��ات‬ ‫للكشف عن مدى انتشار التوحد في العالم العربي‪،‬‬ ‫ولك� � ��ن توجد دالئ� � ��ل على أن مدى انتش� � ��ار التوحد‬ ‫آخ� � ��ذ في التزايد‪ .‬وتقدر نس� � ��بة ح� � ��االت اإلصابة‬ ‫باضطراب التوحد بني الذكور واإلناث بأربعة ذكور‬ ‫مقابل أنثى واحدة‪.‬‬

‫تعريف التوحد‬

‫تع � � � ِّرف اجلمعي� � ��ة األمريكي� � ��ة للتوح� � ��د ه� � ��ذا‬ ‫االضط� � ��راب بأنه أحد االضطرابات العصبية التي‬ ‫تؤث� � ��ر على وظائف املخ وكل جوان� � ��ب النمو‪ ،‬فتؤدي‬ ‫إلى صعوبات في التفاعل االجتماعي وعقبات في‬ ‫التواصل اللفظي وغير اللفظي‪ ،‬وترجيح االستجابة‬ ‫بشكل أكبر إلى األش� � ��ياء دون األشخاص ومقاومة‬ ‫التغيي� � ��ر البيئي وتك� � ��رار دائم حل� � ��ركات أو مقاطع‬ ‫الكلمات آلياً‪.‬‬

‫أسباب التوحد‬

‫هن� � ��اك عديد من النظري� � ��ات التي حاولت إيجاد‬ ‫أس� � ��باب حدوث التوحد لدى األطفال‪ ،‬حيث تش� � ��ير‬ ‫النظري� � ��ات الوراثية إلى وجود عامل وراثي وخلل في‬ ‫ماهية التوحد‬

‫‪4/12/15 1:16:17 PM‬‬

‫اجلينات ‪ Genes‬يحدث خ� �ل��ال فترة احلمل‪ ،‬ويُعزى‬ ‫إليه الس� � ��بب في ظهور هذا االضطراب‪ ،‬ومع وجود‬ ‫أدلة على صحة هذه النظري� � ��ة تظل صيغة االنتقال‬ ‫اجلين� � ��ي غير معروفة‪ ،‬ف� � ��ي حني تش� � ��ير النظريات‬ ‫العصبية إل� � ��ى أن كبر حجم كل م� � ��ن الفص القفوي‬ ‫‪ Occipital Lobe‬والف� � ��ص‪ ،‬اجلداري ‪Parietal Lobe‬‬ ‫عند الطفل هو الذي يؤدي إلى ظهور هذا االضطراب‬ ‫مبختلف أعراضه‪.‬‬ ‫كما تش� � ��ير النظريات البيئية إلى أن اضطراب‬ ‫التوحد يحدث نتيجة مسببات بيئية خارجية تؤدي‬ ‫إلى حدوث خلل أو أذى في املخ في سياق مرحلتي‬ ‫احلمل وال� � ��والدة واحلوادث التي ق� � ��د يتعرض لها‬ ‫اجلنني والوليد‪ ،‬والتل� � ��وث البيئي الذي قد يتعرض‬ ‫ل� � ��ه الطفل الحقاً‪ ،‬باإلضافة إل� � ��ى تعرض األم أثناء‬ ‫فت� � ��رة احلمل إلى اإلش� � ��عاعات املختلف� � ��ة وتناولها‬ ‫بعض األدوية دون استشارة الطبيب أو إفراطها في‬ ‫التدخني وشربها الكحوليات‪ ،‬أو بسبب حملها بعد‬ ‫سن اخلامس� � ��ة والثالثني‪ ،‬ويتضح من هذا العرض‬ ‫املختصر أن اضطراب التوحد قد ال يعود لس� � ��بب‬ ‫واحد‪ ،‬وإمنا قد يرجع إلى عدة أسباب مجتمعة‪.‬‬

‫أعراض التوحد‬

‫يعاني الطفل التوحدي من قصور في العالقات‬ ‫‪171‬‬

‫‪may 170-173.indd 171‬‬


‫االجتماعية يتضح ف� � ��ي عدم تأثر الطفل التوحدي‬ ‫بوجود اآلخرين حوله‪ ،‬ورفضه للتالمس اجلسدي‪،‬‬ ‫ومقاومته بش� � ��دة حملاولة الوالدي� � ��ن حمله وتقبيله‪،‬‬ ‫وعدم رفع يده إلى م� � ��ن يريد حمله من املهد الذي‬ ‫ينام في� � ��ه‪ ،‬وتفضيله اللعب مبف� � ��رده عن اللعب مع‬ ‫اآلخرين‪ ،‬والعزلة‪ ،‬وإزعاج احمليطني بنوبات البكاء‬ ‫والصراخ‪ ،‬والفش� � ��ل في االس� � ��تجابة بش� � ��كل مالئم‬ ‫للتعليم� � ��ات املوجهة إليه‪ ،‬وعدم االس� � ��تجابة لنداء‬ ‫اآلخرين له‪.‬‬ ‫بالتوحد س� � ��لوكيات‬ ‫وتظهر لدى الطفل املصاب‬ ‫ّ‬ ‫منطية متمثلة في الدوران حول نفسه دون الشعور‬ ‫بالدوخة‪ ،‬والس� � ��ير على أط� � ��راف األصابع‪ ،‬والنظر‬ ‫لفترات طويل� � ��ة في اجتاه معني نحو مصدر الضوء‬ ‫أو الصوت‪ ،‬وامليل إلى البقاء في الظالم‪ ،‬واإلصرار‬ ‫عل� � ��ى إطف� � ��اء اإلض� � ��اءة‪ ،‬واإلص� � ��رار عل� � ��ى اللعب‬ ‫بالطريقة نفسها وباللعبة نفسها دائماً‪ ،‬وهز الرأس‬ ‫أو الرجلني أو اجلزء العلوي من اجلسم‪ ،‬والتصفيق‬ ‫باليدين‪ ،‬ومص األصابع‪ ،‬وخاصة اإلبهام‪ ،‬واإلصرار‬ ‫على ارتداء املالبس نفس� � ��ها وع� � ��دم إبداء أي رغبة‬

‫ف� � ��ي التغيير‪ ،‬والرفض الش� � ��ديد لتغيي� � ��ر مكان أي‬ ‫قطع� � ��ة من األثاث املنزل� � ��ي‪ ،‬واإلصرار على عودتها‬ ‫إلى مكانها‪.‬‬ ‫وغالباً ما يقت� � ��رن التوحد بظهور مجموعة من‬ ‫الس� � ��لوكيات العدوانية وإي� � ��ذاء الطفل لذاته‪ ،‬حيث‬ ‫بعض نفس� � ��ه حتى يدمى ويلط� � ��م وجهه بكلتا‬ ‫يقوم ّ‬ ‫اليدي� � ��ن أو إحداهم� � ��ا ويقت� � ��رب وميس� � ��ك مصادر‬ ‫الكهرباء‪ ،‬ويستمر في حالة من الهياج الشديد‪ ،‬وهو‬ ‫دائ� � ��م اجلري والتنطيط على األثاث وال يس� � ��تجيب‬ ‫حملاوالت منعه أو إيقاف� � ��ه‪ ،‬وقد ينزع خصالت من‬ ‫شعره‪ ،‬ويتلف األشياء بسكبها على األرض أو إلقاء‬ ‫بعض األدوات من النوافذ‪.‬‬ ‫ويق� � ��وم الطف� � ��ل التوح� � ��دي مبجموع� � ��ة م� � ��ن‬ ‫السلوكيات الغريبة والش� � ��اذة‪ ،‬ومنها قيامه بتمزيق‬ ‫مالبس� � ��ه‪ ،‬وارتداء املالبس الش� � ��توية في الصيف‪،‬‬ ‫ورص األش� � ��ياء‬ ‫والتقاط الغبار من ضوء الش� � ��مس‪ّ ،‬‬ ‫في صفوف مستقيمة بش� � ��كل يعيق احلركة‪ ،‬وعدم‬ ‫حتمل أحزمة السيارات‪ ،‬وعدم مالحظة الفرق بني‬ ‫اللي� � ��ل والنهار‪ ،‬فقد يطلب الذه� � ��اب إلى احلضانة‬ ‫في س� � ��اعة متأخ� � ��رة من الليل‪ ،‬وينزعج بش� � ��دة من‬ ‫الصابون والعطور ويكاد يس� � ��تحيل استحمامه‪،‬‬ ‫وقد جن� � ��ده يتعلق بأش� � ��ياء معينة عدمية‬ ‫القيمة إلى ح� � ��د الهوس‪ ،‬ويصر على‬ ‫الذهاب به� � ��ا إلى كل مكان ويبدي‬ ‫انزعاجاً ش� � ��ديداً ومقاومة إذا‬ ‫حاول أحد أخذها منه‪.‬‬

‫العالج‬

‫ال يــــمـــك� � ��ن التــعـام� � ��ل‬ ‫م� � ��ع األطف� � ��ال التوحديني‬ ‫بـأس� � ��لوب متـمـاث� � ��ل‪ ،‬ألنهم‬ ‫غـــي� � ��ر متــش� � ��ابهيــن‪ ،‬فه� � ��م‬ ‫يختلف� � ��ون ف� � ��ي األع� � ��راض‬ ‫واألس� � ��باب والش� � ��دة‪ ،‬لذلك‬ ‫ال توج� � ��د برام� � ��ج تصلح لعالج‬ ‫جمي� � ��ع األطفال‪ ،‬ولهذا الس� � ��بب‬ ‫غالب � � �اً ما توضع برامج عالجية تلبي‬ ‫احتياجات ومتطلبات كل طفل على حدة‬ ‫وفقاً لقدراته العقلي� � ��ة ألن اضطراب التوحد‬ ‫‪172‬‬

‫‪4/12/15 1:16:31 PM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 170-173.indd 172‬‬


‫يعتب� � ��ر اضطراباً ممتداً‪ ،‬فهو يس� � ��تمر فترة طويلة‪،‬‬ ‫ويتوقف مستوى التحسن على عوامل عدة‪ ،‬أهمها‬ ‫الذكاء والقدرة على اكتس� � ��اب لغة التواصل‪ ،‬فنسبة‬ ‫قليل� � ��ة من هؤالء األطفال يتحس� � ��نون بدرجة كبيرة‬ ‫ويعيش� � ��ون حياة طبيعية‪ ،‬أو تكون حاالتهم متوسطة‬ ‫أما بقية احلاالت‪ ،‬خاصة تلك التي يصاحبها تأخر‬ ‫عقلي‪ ،‬فإنهم يحتاجون إلى رعاية طوال حياتهم‪.‬‬ ‫ويؤك� � ��د أغلب املتخصص� �ي��ن ف� � ��ي التعامل مع‬ ‫األطف� � ��ال التوحديني ضرورة إجراء تقومي ش� � ��امل‬ ‫للطف� � ��ل‪ ،‬وذل� � ��ك لتحديد درج� � ��ة وش � � � ّدة التوحد‪،‬‬ ‫وللوق� � ��وف على نقاط الضع� � ��ف والقوة لديه‪ ،‬وذلك‬ ‫لتحدي� � ��د البرامج التي تتناس� � ��ب م� � ��ع حالة الطفل‬ ‫ومحاول� � ��ة توظي� � ��ف نق� � ��اط القوة لديه ملس� � ��اعدته‬ ‫حتى يس� � ��تطيع تطوير مهاراته والتخفيف من حدة‬ ‫أعراض التوحد لديه‪ ،‬وخاصة في مجال التواصل‬ ‫واللغة وتقبل الغير والتخلص من السلوكيات الغريبة‬ ‫والشاذة والسلوكيات النمطية‪.‬‬ ‫بالتوح� � ��د الرعاية‬ ‫ويتلقى األطف� � ��ال‬ ‫املصابون‬ ‫ّ‬ ‫والتأهي� � ��ل في مراك� � ��ز متخصصة‪ ،‬ويش� � ��رف على‬ ‫تعليمه� � ��م متخصصون في مج� � ��ال التعامل مع هذه‬ ‫الفئ� � ��ة‪ ،‬ولكن قد يحت� � ��اج الطفل قب� � ��ل ذلك لعالج‬ ‫دوائي يخفف من االضطرابات السلوكية لديه مثل‬ ‫ماهية التوحد‬ ‫‪4/12/15 1:16:46 PM‬‬

‫العدوان والنمطية وفرط احلركة وإيذاء الذات‪ ،‬ثم‬ ‫يأتي بعد ذلك في األهمية تقدمي جلسات إرشادية‬ ‫للوالدي� � ��ن لتقدمي الدعم واملس� � ��اندة والتوعية لهما‬ ‫لزيادة قدرتهما على حتمل ورعاية ابنهما التوحدي‪،‬‬ ‫باإلضافة إلى إخضاعهما لبرامج العالج السلوكي‬ ‫لكي يتمكنا من مساعدة طفلهما أثناء وجوده معهما‬ ‫في املنزل‪.‬‬ ‫وانتشرت في الفترة األخيرة الكثير من البرامج‬ ‫التي أثبتت فاعليته� � ��ا في تدريب الطفل التوحدي‪،‬‬ ‫ط َّورها مجموعة من العلماء في اجلامعات األجنبية‪.‬‬ ‫وته� � ��دف ه� � ��ذه البرامج كله� � ��ا‪ ،‬حت� � ��ى وإن اختلفت‬ ‫مسمياتها‪ ،‬إلى مساعدة الطفل التوحدي بالتدريب‬ ‫على املهارات املتعددة فترات طويلة تقدر بساعات‬ ‫عدة‪ ،‬باإلضافة إلى دمجه عدداً من الس� � ��اعات مع‬ ‫األطفال األس� � ��وياء‪ ،‬س� � ��واء في مرحلة الروضة أو‬ ‫مراحل التعليم‪ ،‬وكذلك إشراك الوالدين في تدريب‬ ‫األطفال م� � ��ع مراعاة أن تكون امله� � ��ام التي يتدرب‬ ‫عليها الطفل متدرجة من األسهل إلى األصعب‪.‬‬ ‫ونختت� � ��م هذا املقال ب� � ��أن أفضل عالج للتوحد‬ ‫يتمث� � ��ل في التقب� � ��ل (ت) والوع� � ��ي (و) واحلب (ح)‬ ‫والدم� � ��ج (د) ومجموع هذه احلروف يش � � � ّكل هذا‬ ‫املصطلح توحد >‬ ‫‪173‬‬

‫‪may 170-173.indd 173‬‬


‫اإلبداع والتربية اإلبداعية‬ ‫د‪.‬موالي المصطفى البرجاوي‬

‫أكادميي من املغرب‬

‫يُعد اإلبداع من أهم األهداف التربوية التي تتوق المجتمعات اإلنسانية‬ ‫الطموحة إل��ى تحقيقها‪ ،‬بل يظل لغة االن��س��ان العليا‪ ،‬التي تنضج‬ ‫معها بالصقل‪ ،‬رغ��م ال��رأي القائل بفطرية وجبل ّية اإلب���داع‪ ،‬ف��إن الفرد‬ ‫بذاته ال يولد مبدع ًا من أول وهلة‪ ،‬إال أن ب��ذور أو «جينات» اإلب��داع تولد‬ ‫معه‪ ،‬وقد تموت معه إذا لم تجد ساقي ًا ينمي جذورها ويفرع أغصانها‬ ‫في المجتمع الذي هو بحاجة ماسة إلى مخرجاته التنموية‪ ،‬وهي جزء‬ ‫من مشروع االستدامة الفكرية والحضارية التي تتشارك فيها البشرية‬ ‫جمعاء‪.‬‬ ‫َ‬ ‫كما قــــال جـــون هولـــت ‪« John Holt‬ليـــــس علينا أن‬ ‫نجعل البشرَ‬ ‫ُّ‬ ‫وكل ما علينا أن نفع َله هو التــــو ّق ُ‬ ‫ف عن‬ ‫خلقون كذلك‪،‬‬ ‫َ‬ ‫أذكياء‪ ،‬فهم يُ‬ ‫ممارس ِة ما يجع ُلهم أغبياء»‪.‬‬ ‫لذا‪ ،‬فـــــإن عـــلى التربية أن تكون متجددة إلى أقصى درجة ممكنة في‬ ‫أهدافها‪ ،‬ومناهجها‪ ،‬حتى ال تنعزل عن مجريات األحداث‪ ،‬وأن تحاول من‬ ‫خالل عناصرها ووسائطها المختلفة‪،‬‬ ‫ب��ن��اء الشخصية المبدعة التي‬ ‫ال تتابع الجديد فحسب‪ ،‬بل‬ ‫ت��ؤث��ر ف��ي��ه وت��ج��د لنفسها‬ ‫مكان ًا فــي عالــــم اإلبداع‪.‬‬

‫جيلفورد‬ ‫‪174‬‬

‫‪4/12/15 1:17:45 PM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 174-178.indd 174‬‬


‫جان بياجيه ونظرية التطور املعرفي عند األطفال‬

‫ل� � ��ذا تب� � ��رز مش� � ��كلة البحث ف� � ��ي اإلجابة عن‬ ‫األسئلة التالية‪:‬‬ ‫ ما املفاهي� � ��م املهيكلة لإلب� � ��داع؟ وما التربية‬‫اإلبداعية؟ وما النظريات املفسرة لها؟‬ ‫ ما سمات املتعلمني املبدعني؟‬‫ ما العوامل احملفزة على اإلبداع؟‬‫‪ -‬وما املعيقات التي حتول دون اإلبداع؟‬

‫اإلبداع والتربية اإلبداعية‬ ‫‪ ...‬في إشكالية املصطلح‪:‬‬ ‫اإلبداع مصدر أبدع‪ ،‬وأبدع الش� � ��يء استخدمه‬ ‫وأخرجه على غير مثال س� � ��ابق‪ ،‬ومنه قوله تعالى‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫الر ُس ِل َو َما أَ ْد ِري َما ُيفْ َع ُل ِبي‬ ‫{قلْ َما ُكن ُْت ِب ْد ًعا ِمنَ ُّ‬ ‫ير‬ ‫َو اَل ِب ُك � ْ�م ِإ ْن أَت َِّب � ُ�ع ِإ اَّل َما ُي َ‬ ‫وحى ِإ َل َّي َو َم ��ا أَنَا ِإ اَّل ن َِذ ٌ‬ ‫ُم ِبنيٌ } (سورة األحقاف‪)9 :‬‬ ‫إن مقاربة اإلش� � ��كالية اإلبداعي� � ��ة تدفعنا دفعاً‬ ‫إل� � ��ى تفكيك املفاهي� � ��م القريبة‪ ،‬ولع� � ��ل من أبرزها‪:‬‬ ‫االختراع واالبتكار والكش� � ��ف واملوهب� � ��ة‪ ...‬كما أن‬ ‫مفهوم اإلبداع يختلف تناوله من باحث إلى آخر من‬ ‫اإلبداع والتربية اإلبداعية‬ ‫‪4/12/15 1:17:54 PM‬‬

‫خالل زاوية بحثه‪ ،‬إن على مس� � ��توى حتديد صفات‬ ‫الش� � ��خصية املبدعة أو حل املش� � ��كالت الطارئة أو‬ ‫البيئة االجتماعية املبدعة‪.‬‬ ‫ اإلب� � ��داع وركائ� � ��زه األساس� � ��ية‪ :‬اإلب� � ��داع هو‬‫امت� �ل��اك فكرة جديدة‪ ،‬وهناك أربعة معايير للفكرة‬ ‫اجلديدة‪ ،‬إذ يجب أن تكون شخصية‪ ،‬أصيلة‪ ،‬ذات‬ ‫معنى ونافعة‪.‬‬ ‫ اإلب� � ��داع وحل املش� � ��كالت الطارئ� � ��ة بطريقة‬‫علمي� � ��ة‪ :‬اإلبداع هو القدرة عل� � ��ى اخليال والتصور‬ ‫الس� � ��ريع ملختلف احلل� � ��ول األصلية‪ ،‬ف� � ��ي مواجهة‬ ‫مشكالت‪ .‬ويع ّرف بول تورانس ‪E.Paul Torrance‬‬ ‫اإلبداع‪« :‬عملية تشبه البحث العلمي‪ ،‬فهو اإلحساس‬ ‫باملش� � ��اكل‪ ،‬والثغرات في املعلومات وتشكيل أفكار‬ ‫وفرضيات‪ ،‬ث� � ��م اختبار هذه الفرضي� � ��ات وتعديلها‬ ‫حتى يتم الوصول إلى النتائج‪.‬‬ ‫ اإلب� � ��داع والبيئ� � ��ة املبدعة‪ :‬اإلب� � ��داع ظاهرة‬‫اجتماعي� � ��ة ذات محتوى ثقاف� � ��ي وحضاري‪ ،‬والفرد‬ ‫يصبح جديراً بصفة املب� � ��دع إذا جتاوز تأثيره على‬ ‫املجتمع ح� � ��دود املعايير العادية‪ ،‬وبهذا املعنى ميكن‬ ‫‪175‬‬

‫‪may 174-178.indd 175‬‬


‫النظر لإلبداع باعتباره ش� � ��ك ً‬ ‫ال من أش� � ��كال القيادة‬ ‫الت� � ��ي ميارس فيها املبدع تأثيراً ش� � ��خصياً واضحاً‬ ‫على اآلخرين‪.‬‬ ‫أم� � ��ا التربية اإلبداعي� � ��ة‪ :‬أو بيداغوجيا اإلبداع‬ ‫(‪ :)la Pédagogie de la creativité‬هي س� � ��يرورة أو‬ ‫عملية تعليمية ‪ -‬تعلمية‪ ،‬تضع املتعلم أمام وضعية–‬ ‫مش� � ��كلة‪ ،‬بحيث يضطر إل� � ��ى اس� � ��تحضار موارده‬ ‫النظرية واملنهجي� � ��ة واملهارية ورؤيته الثاقبة حللها‪،‬‬ ‫وعلى ضوء ذلك تظهر قدرة املتعلم على إنتاج أفكار‬ ‫جديدة خاصة نابعة من حسه اإلبداعي‪.‬‬ ‫لذا‪ ،‬فإن عل� � ��ى التربية أن تك� � ��ون متجددة إلى‬ ‫أقص� � ��ى درجة ممكنة ف� � ��ي أهدافه� � ��ا‪ ،‬ومناهجها‪،‬‬ ‫حتى ال تنعزل عن مجريات الطفرات النوعية التي‬ ‫يعرفها العالم املتقلب معرفياً وعلمياً وقيمياً‪...‬‬

‫إطاللة على بعض نظريات اإلبداع‬ ‫مش� � ��كلة اإلبداع ليس� � ��ت وليدة اليوم أو األمس‬ ‫القري� � ��ب‪ ،‬إمنا متتد جذورها إلى بواكير الفلس� � ��فة‬ ‫وإرهاصاته� � ��ا األولى املتغلغلة ف� � ��ي أعماق التاريخ‪،‬‬ ‫فيحدثنا تاريخ الفلسفة أن هوميروس وهيراقليطس‬ ‫وسقراط وأفالطون وأرسطو كانوا أول من حتدثوا‬ ‫عن هذه املشكلة‪.‬‬ ‫اختلف� � ��ت النظري� � ��ات إذن في تفس� � ��ير اإلبداع‬ ‫وحتديد معناه وتبيان معامل� � ��ه‪ ،‬لكن هذه النظريات‬ ‫عل� � ��ى تباينه� � ��ا أوضحت جوانب مهم� � ��ة من جوانبه‬ ‫وأبعاده املتعددة‪ ،‬وس� � ��نحاول أن نعرض لبعضها في‬ ‫إيجاز‪:‬‬ ‫أ‪ -‬نظرية اإللهام أو العبقرية‬ ‫تفترض ه� � ��ذه النظرية أن األعم� � ��ال اإلبداعية‬ ‫تظهر بش� � ��كل فطري ف� � ��ي حلظات إيح� � ��اء‪ ،‬بغض‬ ‫النظر عم� � ��ا أجنز س� � ��ابقاً ومبعزل ع� � ��ن التجارب‬ ‫واخلب� � ��رات املتوافرة عند املب� � ��دع‪ .‬وبناء على ذلك‪،‬‬ ‫فإن املبدع حس� � ��ب هذه النظرية يستحضر اخليال‬ ‫اخلصب‪ ،‬لكن يس� � ��تلزم التنظيم والتوجيه والقدرة‬ ‫على احلكم‪.‬‬ ‫ب ‪ -‬نظرية التحليل النفسي (السيكولوجية)‬ ‫تزعمها «سيجموند فرويد»‪ ،‬وتهتم‬ ‫هذه النظرية َّ‬ ‫بدراس� � ��ة الدوافع النفس� � ��ية أي العوام� � ��ل الداخلية‬ ‫(ولي� � ��س اخلارجية) التي تدفع باملبدعني إلى إجناز‬ ‫‪176‬‬

‫‪4/12/15 1:17:59 PM‬‬

‫أعماله� � ��م اإلبداعية‪ ،‬وترتكز عل� � ��ى أن الصراعات‬ ‫الداخلي� � ��ة للفرد‪ ،‬الت� � ��ي ظلت مكبوت� � ��ة تولد عنده‬ ‫اإلبداع في مرحلة معينة‪ ،‬وكأنه تفجير للمش� � ��اعر‬ ‫واألحاسيس والغرائز‪ ،‬وكأنه يحاول إشباع غرائزه‬ ‫بوساطة هذا اإلبداع‪.‬‬ ‫ت‪ -‬النظرية العقلية‬ ‫تذهب هذه النظرية إلى أن اإلبداع نتاج العقل‬ ‫وولي� � ��د الفك� � ��ر‪ ،‬وأن أي عم� � ��ل مبدع كائن � � �اً ما كان‬ ‫مس� � ��ته عصا العقل‬ ‫ال ميكن أن ي� � ��رى النور إال إذا ّ‬ ‫البشري‪ ،‬وخضع لتأمل وروية وإرادة وتصميم‪.‬‬ ‫ورأى «جيلف� � ��ورد» ‪ J.P. Guilford‬وهو من أبرز‬ ‫أصح� � ��اب هذه النظرية أن اإلبداع هو تنظيم يتكون‬ ‫من عدد من القدرات العقلية منها الطالقة واملرونة‬ ‫واألصالة واحلساسية جتاه املشكالت‪.‬‬ ‫ث‪ -‬نظرية القياس النفسي‬ ‫وتعتب� � ��ر هذه النظرية امت� � ��داداً حلركة القياس‬ ‫النفس� � ��ي‪ ،‬التي بدأت مع العالم الفرنس� � ��ي «ألفرد‬ ‫بينيه» ‪ binet‬في تطوير أول اختبار لقياس الذكاء‪.‬‬ ‫وترتكز على قي� � ��اس الذكاء وعلى وجود عالقة بني‬ ‫الس� � ��لوك والذكاء واإلبداع‪ .‬وعلى أن اإلبداع شأنه‬ ‫ش� � ��أن الذكاء يج� � ��ب أن يخضع للبح� � ��ث التجريبي‬ ‫والقي� � ��اس‪ ،‬وهو موج� � ��ود لدى كل األفراد بنس� � ��ب‬ ‫متفاوتة ‪ ،‬لذا ميكن قياسه وحتديده‪.‬‬ ‫ج ‪ -‬النظرية االجتماعية‬ ‫تؤك� � ��د ه� � ��ذه النظري� � ��ة دور املن� � ��اخ والوس� � ��ط‬ ‫االجتماعي في عملية اإلبداع وفي النتاج اإلبداعي‪،‬‬ ‫وتأثير العوامل االجتماعية واالقتصادية والثقافية‬ ‫لإلبداع وكذلك تأثير العوامل التربوية‪.‬‬ ‫لق� � ��د أش� � ��ار «جي� � ��رارد» ‪ R.Girard‬بقوله‪« :‬إن‬ ‫تصوراتن� � ��ا املبدعة بكاملها ليس� � ��ت نتاج � � �اً لدماغ‬ ‫مع� � ��زول‪ ،‬بل لدماغ كان مرتبطاً بالتفاعل مع الناس‬ ‫اآلخري� � ��ن وبتاري� � ��خ احلض� � ��ارة بكامله� � ��ا»‪ ،‬وصرح‬ ‫بالش� � ��يء نفس� � ��ه جان بياجيه ‪ J.Piaget‬بقوله‪« :‬إن‬ ‫املجتمع وحدة عالية‪ ،‬أم� � ��ا الفرد فإنه ال يصل إلى‬ ‫ابتكاراته وأعماله العقلية إال مبقدار ما يحتل مكاناً‬ ‫في تفاعل اجلماع� � ��ات‪ ،‬وبالتالي في إطار املجتمع‬ ‫ككل‪ .‬إن كبار الناس الذين ّ‬ ‫خطوا اجتاهات جديدة‪،‬‬ ‫ولم تكن «اجتاهاتهم» إال نتاج تفاعل وتركيب ألفكار‬ ‫أعدت في إطار تعاوني مستمر»‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 174-178.indd 176‬‬


‫ح‪ -‬نظرية حل املشكلة بطريقة إبداعية‬ ‫تفترض هذه النظري� � ��ة أن العملية اإلبداعية‬ ‫هي عملية إيجاد حل إبداعي ملشكلة غير عادية‪.‬‬ ‫وق� � ��د اعتُمد هذا األس� � ��لوب في إجراء دراس� � ��ة‬ ‫مكثف� � ��ة حول طبيع� � ��ة العملي� � ��ة اإلبداعية وتعليم‬ ‫اإلبداع وهذا انعكس بصورة إيجابية على تطوير‬ ‫برامج تربوية بهدف تقوية اإلبداع لدى املتعلمني‪.‬‬ ‫وكان يعتق� � ��د أن تفعيل القدرة عل� � ��ى التخيل هو‬ ‫املفتاح لعملية احلل اإلبداعي ألي مش� � ��كلة‪ .‬ومن‬ ‫اجلدي� � ��ر ذكره أن املش� � ��كلة التي نتح� � ��دث عنها‬ ‫هي األس� � ��لوب املتبع حلل يكم� � ��ن في تراتب هذه‬ ‫اخلطوات األربع‪:‬‬ ‫ عرض املشكلة‪.‬‬‫ عرض احلقائق واألفكار‪.‬‬‫ إيجاد احلل‪.‬‬‫‪ -‬قبول احلل‪.‬‬

‫سمات املتعلمني املبدعني‬ ‫توص� � ��ل أحد الباحث� �ي��ن إلى أن من س� � ��مات‬ ‫وصفات املتعلم املبدع ما يلي‪:‬‬ ‫أ‪ -‬العقل املتس� � ��ائل اخلالق‪ :‬وهي صفة تولد‬ ‫اإلبداع والتربية اإلبداعية‬ ‫‪4/12/15 1:18:20 PM‬‬

‫مع اإلنس� � ��ان وتعززها التربي� � ��ة والتدريب املبكر‪،‬‬ ‫ضول‬ ‫وهي صفة محي� � ��رة‪ ،‬ألنها ال تتوقف عند ُف ُ‬ ‫األس� � ��رة‪ ،‬حيث ينتمي شخصان إلى أسرة واحدة‬ ‫موحدة وس� � ��هلة‪ ،‬بل تتجاوز ذلك إلى البحث في‬ ‫األعماق إليجاد البدائل‪.‬‬ ‫ب ‪ -‬الق� � ��درة على التحليل‪ :‬وهي القدرة على‬ ‫احلصول على املعلومات وحتليلها أو جتميعها ثم‬ ‫تقوميه� � ��ا واالحتفاظ بها بش� � ��كل منظم من أجل‬ ‫استخدامها في مواضعها الصحيحة‪.‬‬ ‫ت ‪ -‬النش� � ��اط املتميز‪ :‬وذلك بكثرة الس� � ��ؤال‬ ‫عما يدور حوله وامتالك درجة عالية من الذكاء‬ ‫وإدراك األش� � ��ياء بطريق� � ��ة تختلف ع� � ��ن إدراك‬ ‫اآلخرين‪.‬‬ ‫إن اإلبداع ق� � ��وة دافقة وطاقة خالقة‪ ،‬وقدرة‬ ‫ب على‬ ‫على التجدي� � ��د والتغيير؛ كل ذلك إن لم يُ نْ َ‬ ‫أصول‪ ،‬تضمن س� �ل��امته وصالحه واستمراريته‬ ‫ومناءه‪ ،‬انح� � ��رف إلى وجهة غير صحيحة وكانت‬ ‫له آثاره الس� � ��لبية على الف� � ��رد واملجتمع‪ ،‬إذ جند‬ ‫«إبداعاً» في الش� � ��غب واالنح� � ��راف األخالقي‪..‬‬ ‫وهذا يهدم أكثر مما يبني‪ ،‬لهذا علينا كمربني أن‬ ‫نشجع على اإلبداع التربوي الهادف‪ ،‬الذي يُن ّمي‬ ‫‪177‬‬

‫‪may 174-178.indd 177‬‬


‫سيجموند فرويد‬

‫ألفريد بينيه‬

‫ويساهم في االرتقاء باملنظومة التربوية‪.‬‬

‫تشجع اإلبداع‪.‬‬ ‫املكثفة التي ال‬ ‫ّ‬ ‫ ضغ� � ��ط احليز والزم� � ��ن البيداغوجي ومدى‬‫ارتباطه� � ��ا باالمتحان� � ��ات اإلش� � ��هادية‪ ،‬م� � ��ا يدف� � ��ع‬ ‫املدرس� �ي��ن إلى اعتماد الطريقة الكالس� � ��يكية في‬ ‫التدريس‪ ،‬املبنية على التلقني وإمالء امللخصات‪.‬‬ ‫ طريق� � ��ة االختبارات والتقومي الكالس� � ��يكي‪:‬‬‫الت� � ��ي تتمي� � ��ز مبطالب� � ��ة املتعلم� �ي��ن باس� � ��تظهارها‬ ‫واسترجاع املعارف من دون االرتقاء إلى املستويات‬ ‫العليا من التفكير‪.‬‬ ‫ الضغ� � ��ط النفس� � ��ي واإلخفاق� � ��ات املتك� � ��ررة‬‫الت� � ��ي ال تتب� � ��ع بالدع� � ��م واملواكب� � ��ة التربوي� � ��ة‬ ‫(‪ )Accompagnement pédagogique‬ملعاجل� � ��ة‬ ‫االختالالت والتعثرات والنقائص التي يعاني منها‬ ‫املتعلم‪.‬‬ ‫وختاماً‪ ،‬فاإلب� � ��داع واالبتكار م� � ��ن الضرورات‬ ‫والعناص� � ��ر امللحة واآلنية‪ ،‬التي يتحتم توفيرها في‬ ‫املدرسة احلديثة‪ ،‬وذلك نتيجة لتزايد الطموحات‪،‬‬ ‫تعد العوملة مبختلف‬ ‫وتع� � ��دد احلاجات وتنوعها‪ ،‬إذ ّ‬ ‫جتلياتها وما متليه من حتديات في ش� � ��تى نواحي‬ ‫احلياة ومجاالتها من أبرز النقاط اجلوهرية التي‬ ‫تس� � ��تدعي األخذ باإلب� � ��داع التربوي ف� � ��ي العملية‬ ‫التعليمية ‪ -‬التعلمية إليجاد مدرس� � ��ة العصر بكل‬ ‫مقوماتها النهضوية >‬

‫العوامل احملفزة على اإلبداع‬ ‫وهنا أقف عند بعضها‪:‬‬ ‫ دعم روح املغامرة واالبتكار لدى املتعلمني‪.‬‬‫ اتباع طريق� � ��ة االكتش� � ��اف وبيداغوجيا حل‬‫املش� � ��كالت لالنفت� � ��اح على االهتمام� � ��ات اخلاصة‬ ‫واليومية للمتعلمني‪.‬‬ ‫ تش� � ��جيع ما يس� � ��مى بدينامي� � ��ة اجلماعات‬‫والعم� � ��ل التعاوني الكتش� � ��اف املواه� � ��ب والطاقات‬ ‫املتعلمة ‪ -‬املبدعة‪.‬‬ ‫ تكثيف التكوينات املس� � ��تمرة للمدرسني من‬‫أجل تطوير اس� � ��تراتيجياتهم في التدريس وتنمية‬ ‫حس التواصل والعالقات اإلنسانية لديهم‪.‬‬ ‫ احترام اآلراء ووجهات النظر املختلفة باتباع‬‫طريقة «العصف الذهني» للخروج بتوجهات علمية‬ ‫دقيقة‪.‬‬

‫املعيقات التي حتول دون اإلبداع‬ ‫إلى جانب العوامل احملفزة تقف مجموعة من‬ ‫املثبطات أمام تنمي� � ��ة اإلبداع لدى املتعلمني‪ ،‬ولعل‬ ‫من أبرزها‪:‬‬ ‫ البرنامج الدراسي احلامل للموارد املعرفية‬‫‪178‬‬

‫‪4/12/15 1:18:26 PM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 174-178.indd 178‬‬


‫المسابقة الثقافية‬

‫الفراشات‬

‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪3‬‬ ‫‪4‬‬

‫الفراش� � ��ة‪ ...‬عند فقس� � ��ها من البيض تكون‬ ‫دودة تتغذى على أوراق الش� � ��جر‪ ،‬ثم تتشرنق‬ ‫حول نفس� � ��ها ملدة أسبوع أو أسبوعني‪ ،‬داخل‬ ‫الشرنقة تتحول إلى فراشة‪ ،‬ومحاولة اخلروج‬ ‫عند تفتح الشرنقة تستمر إلى‪:‬‬ ‫أ‪ -‬أيام‪.‬‬ ‫ب‪ -‬ساعات‪.‬‬ ‫ج‪ -‬شهر كامل‪.‬‬ ‫الفراش� � ��ة املكتمل� � ��ة لها فم ماص‪ ،‬وتس� � ��اعد‬ ‫عل� � ��ى تلقيح األزهار‪ ،‬إذ تلتصق حبوب اللقاح‬ ‫بجس� � ��مها‪ ،‬وتنتقل ألزهار أخرى‪ .‬الفراش� � ��ة‬ ‫تتغذى برحيق األزهار‪ ،‬لكنها‪:‬‬ ‫أ‪ -‬ال تضر الزرع‪.‬‬ ‫ب‪ -‬ضارة بالزهور‪.‬‬ ‫ج‪ -‬تتلف حبوب اللقاح‪.‬‬

‫‪5‬‬ ‫‪6‬‬

‫الفراش� � ��ة يبدأ جس� � ��مها رخواً‪ ،‬على ظهرها‬ ‫كيس صغي� � ��ر‪ ،‬حتاول احلرك� � ��ة بصعوبة‪ ،‬ثم‬ ‫نتيج� � ��ة الندف� � ��اع الدم في األوعي� � ��ة الدقيقة‬ ‫ينفرد الكيس الصغير‪ ،‬وتظهر‪:‬‬ ‫أ‪ -‬األجنحة‪.‬‬ ‫ب‪ -‬العيون‪.‬‬ ‫ج‪ -‬األرجل‪.‬‬ ‫الفراشات‪ ...‬أجنحتها مغطاة بعدد ال حصر‬ ‫له م� � ��ن الرقائق‪ ،‬الواحدة فوق األخرى‪ ،‬وهي‬ ‫التي تضف� � ��ي عليها تل� � ��ك األل� � ��وان الرائعة‪،‬‬ ‫الفراشة رتبة من رتب‪:‬‬ ‫أ‪ -‬الطيور‪.‬‬ ‫ب‪ -‬احليوان‪.‬‬ ‫ج‪ -‬احلشرات‪.‬‬

‫يتص� � ��ل رأس الفراش� � ��ة بالقف� � ��ص الصدري‬ ‫بواسطة رقبة ويحمل قرون االستشعار وهي‬ ‫أعض� � ��اء اللمس والش� � ��م‪ ،‬وعيونها ذات أوجه‬ ‫لكل منه� � ��ا قرنية وبللورة‪ ،‬وتتك� � ��ون من عدد‬ ‫كبير من العيون البسيطة قد يصل إلى‪:‬‬ ‫أ‪ 20 -‬عيناً‪.‬‬ ‫ب‪ 200 -‬عني‪.‬‬ ‫ج‪ 2000 -‬عني‪.‬‬ ‫ال� � ��دودة‪ ...‬إحدى مراحل الفراش� � ��ة‪ ،‬لها فك‬ ‫قاطع‪ ،‬وفي مراحل التحور يتغير لونها ويزداد‬ ‫حجمها‪ ،‬ويتكون جسمها من ‪ 13‬قطاعاً‪ ،‬ولها‬ ‫من األرجل‪:‬‬ ‫أ‪ -‬زوجان‪.‬‬ ‫ب‪ -‬ثالثة أزواج‪.‬‬ ‫ج‪ -‬ستة أزواج‪.‬‬

‫‪179‬‬

‫‪4/19/15 9:38:45 AM‬‬

‫‪may 179-181.indd 179‬‬


‫‪7‬‬ ‫‪8‬‬

‫عن� � ��د الضغ� � ��ط على جن� � ��اح فراش� � ��ة تنتزع‬ ‫من� � ��ه كل بريق‪ ،‬وتتفت ألوان� � ��ه‪ ،‬وال يبقي من‬ ‫اجلناح غير مسحوق دقيق‪ ،‬وإذا ُفحص هذا‬ ‫املسحوق حتت املجهر‪ ،‬جند أنه‪:‬‬ ‫أ‪ -‬دم‪.‬‬ ‫ب‪ -‬قشور‪.‬‬ ‫ج‪ -‬ريش‪.‬‬

‫إذا ألقينا بفراش� � ��ة في الهواء‪ ،‬ال تس� � ��تطيع‬ ‫الطي� � ��ران وتس� � ��قط عل� � ��ى األرض‪ ،‬وعندما‬ ‫نتركها ال تطير مباش� � ��رة إال بع� � ��د أن تؤدي‬ ‫التمرين بجناحيها م� � ��رات عدة‪ ،‬وهذا حتى‬ ‫تستطيع الفراشة‪:‬‬ ‫أ‪ -‬رفع درجة حرارتها‪.‬‬ ‫ب‪ -‬مترين اجلناحني‪.‬‬ ‫ج‪ -‬التهام الطعام‪.‬‬

‫‪9‬‬ ‫‪10‬‬

‫الطي� � ��ور املط� � ��اردة للفراش� � ��ات تنقض على‬ ‫الفراش� � ��ة البيضاء بس� � ��هولة‪ ،‬تلجأ الفراشة‬ ‫البيضاء إلى الس� � ��كون التام من دون حراك‪،‬‬ ‫وتلف حول بطنها‪:‬‬ ‫أ‪ -‬الزهور‪.‬‬ ‫ب‪ -‬القش‪.‬‬ ‫ج‪ -‬اجلناحني‪.‬‬

‫الفراش� � ��ة تلتقط أدنى األصوات‪ ،‬والفراشة‬ ‫التي يتلف صماخها تصبح أليفة وال تخش� � ��ى‬ ‫الوقوف على يد إنسان‪ ،‬أما حاسة الشم عند‬ ‫الفراشة‪ ،‬فهي‪:‬‬ ‫أ‪ -‬كبيرة‪.‬‬ ‫ب‪ -‬صغيرة‪.‬‬ ‫ج‪ -‬ال توجد‪.‬‬

‫جوائز املسابقة‬ ‫اجلائزة األولى ‪ 100‬دينار‬ ‫اجلائزة الثانية ‪ 75‬دينا ًرا‬ ‫اجلائزة الثالثة ‪ 50‬دينا ًرا‬ ‫باإلضافة إلى ‪ 8‬جوائز تشجيعية قيمة كل منها‬ ‫‪ 40‬دينا ًرا‪.‬‬ ‫شروط املسابقة‬ ‫اإلجابة عن تس�� ��عة أس�� ��ئلة على األقل من األسئلة‬ ‫املنش�� ��ورة‪ ،‬يكتب على الظرف مجلة العربي «مسابقة‬ ‫العربي العدد ‪ .»678‬آخ�� ��ر موعد لوصول اإلجابات‬ ‫هو أول أغسطس ‪2015‬م‪ .‬على أن يكون االسم ثالثيا‬ ‫(وباللغت�ي�ن العربية واإلجنليزي ��ة) والعنوان البريدي‬ ‫واضحني‪ ،‬ورقم الهاتف‪ ،‬وأن يرس�� ��ل املش�� ��اركون من‬ ‫داخل الكويت صورة البطاقة املدنية‪.‬‬ ‫ولن تقبل اإلجابات التي ترد إلى املجلة بواس�� ��طة‬ ‫البريد اإللكتروني‪.‬‬ ‫‪180‬‬

‫‪4/19/15 9:38:52 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 179-181.indd 180‬‬


‫حل مسابقة العدد ‪ 675‬فبراير ‪2015‬‬ ‫طائر األطيش‪ ،‬طائر مائي ال يحس�� ��ن املشي على‬ ‫البطريق نوع من الطيور املائية يعيش في نصف‬ ‫الكرة األرضية اجلنوبي‪ ،‬ال يطير لكنه س ّباح‪ ،‬طيور‬ ‫اليابس�� ��ة‪ ،‬طوله ‪ 80‬سم ووزنه حوالي ‪ 1,5‬كيلوجرام‪،‬‬ ‫واإلناث أكبر من الذكور‪ ،‬وما مييزها هو لون قدميها‬ ‫أنيق�� ��ة لها ريش كالزغب يعل�� ��وه الريش اخلارجي‪،‬‬ ‫«األزرق الفاحت»‪.‬‬ ‫تس�� ��ير جنباً إلى جنب وتضم أجنحتها إلى جسمها‬ ‫للمحافظة على «دفء أجسامها»‪.‬‬ ‫يطلق عليه اب�� ��ن املاء‪ ،‬طائر أبيض اللون مبنقار‬ ‫طي� � ��ور مائية ضخمة‪ ،‬حت� � ��ت منقارها جيب‬ ‫وأرجل صفراء‪ ،‬يعيش في البالد الدافئة باملناطق‬ ‫يعتبر مخزن � � �اً للطعام‪ ،‬ويجرف به األس� � ��ماك‪،‬‬ ‫الزراعية‪ ،‬يتغذى على األسماك واحلشرات‪ ،‬يظهر‬ ‫تطير مس� � ��افة في اجلو‪ ،‬معروف� � ��ة في مناطق‬ ‫العالم الدافئة‪ .‬هي طيور «البجع»‪.‬‬ ‫في احلقول بعد الري‪ .‬هو «أبوقردان»‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪6‬‬

‫‪2‬‬

‫‪7‬‬

‫‪3‬‬

‫طيور النوء‪ ...‬وهي فصيلة طيور تتكون من ‪20‬‬ ‫نوعاً‪ ،‬تختلف في لون الريش واملنقار‪ ،‬وتتغذى على‬ ‫القشريات واألسماك الصغيرة عن طريق الغطس‬ ‫في املاء‪ ،‬وهي تعتبر «أصغر الطيور املائية»‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫البلش� � ��ون األبيض‪ ...‬له منقار كبير وغليظ‪ ،‬أصفر‬ ‫الل� � ��ون‪ ،‬وله أرجل طويلة رمادية مخضرة‪ ،‬يش� � ��اهد‬ ‫في املناطق املائية والبرك العذبة‪ ،‬واس� � ��مه الشهير‬ ‫«مالك احلزين»‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫طائر مائي يوجد قرب الش�� ��واطئ‪ ،‬يتغذى على‬ ‫األس�� ��ماك وبيض الطيور األخ�� ��رى‪ ،‬ويتغذى على‬ ‫بقايا وفضالت الش�� ��واطئ‪ ،‬لونه أبيض أو رمادي‪،‬‬ ‫مع عالمات سود على الرأس واألجنحة‪ .‬هو طائر‬ ‫«النورس»‪.‬‬ ‫تعيش عل�� ��ى البحي�� ��رات واملس�� ��تنقعات العذبة‪،‬‬ ‫تسبح وتغوص في املاء‪ ،‬تطير بصعوبة‪ ،‬تتغذى على‬ ‫األسماك والضفادع واحلش�� ��رات والنباتات‪ ،‬تتميز‬ ‫بالل�� ��ون األحمر في مقدمة رأس�� ��ها وكذلك املنقار‪.‬‬ ‫هي «دجاجة املاء»‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫األوز‪ ...‬طيور تتبع فصيل�� ��ة البط‪ ،‬يوجد منه األوز‬ ‫البري واملدجن‪ ،‬وأشهرها األوز العراقي واألوز املصري‪،‬‬ ‫مت استئناس األوز قبل امليالد بحوالي ‪ 3800‬سنة‪ ،‬يعوم‬ ‫ويغوص في املاء‪ ،‬ريش األوز يتميز بأنه «يزيل املاء»‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫طائر اللقلق له أرجل طويلة وأجنحة واسعة‪ ،‬يصل‬ ‫ف� � ��ي طيرانه إلى ارتفاعات عالية‪ .‬يوجد ‪ 17‬نوعاً‬ ‫من اللقلق‪ ،‬منها اللقلق األبيض ذو املنقار األحمر‬ ‫ال� � ��ذي يعيش ف� � ��ي أوربا‪ .‬يهاجر ف� � ��ي مجموعات‬ ‫كبيرة‪ ،‬ما يجعل من السهل «تقفي أثره»‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫أسماء الفائزين‬ ‫الفائز األول‬ ‫وسيم بن عروسي طاهر ‪ -‬املنستير‪/‬تونس‪.‬‬

‫الفائز الثاني‬ ‫اعتماد صالح حسن املتروك ‪ -‬منطقة سلوى‪/‬الكويت‪.‬‬

‫الفائز الثالث‬ ‫محمد بن علي بن حمدان ‪ -‬والية السيب‪/‬سلطنة ُعمان‪.‬‬

‫الفائزون باجلوائز التشجيعية‬

‫‪ -1‬محمد الهادي الس ��يد س ��عد الدي ��ن ‪ -‬محافظة‬

‫املسابقة الثقافية‬ ‫‪4/19/15 9:38:56 AM‬‬

‫الشرقية‪/‬مصر‪.‬‬ ‫‪ -2‬محمد يحيى شراح الله ‪ -‬صنعاء‪/‬اليمن‪.‬‬ ‫‪ -3‬عبدالرحمن علي املذن ‪ -‬الرياض‪/‬السعودية‪.‬‬ ‫‪ -4‬أحمد زكريا سليمان ‪ -‬الدوحة‪/‬قطر‪.‬‬ ‫‪ -5‬عبدالعزيز مكي محمد املوالني ‪ -‬مدينة حمد‪/‬البحرين‪.‬‬ ‫‪ -6‬محمد إبراهيم العرج ‪ -‬حي اللة مرمي‪/‬املغرب‪.‬‬ ‫‪ -7‬مهدي صالح الزم ‪ -‬البصرة‪/‬العراق‪.‬‬ ‫‪ -8‬شحادة محمود حوراني ‪ -‬بعلبك‪/‬لبنان‪.‬‬

‫‪181‬‬

‫‪may 179-181.indd 181‬‬


‫للتصوير الفوتوغرافي‬ ‫ضمن س� � ��عيها الكتش� � ��اف طاقات إبداعية عربية‪ ،‬تنش� � ��ر «العربي» نتائج‬ ‫مسابقتها الش� � ��هرية ألفضل الصور الفوتوغرافية‪ .‬املسابقة مفتوحة لكل‬ ‫املصوري� � ��ن في الوط� � ��ن العربي‪ .‬وتختار جلنة حتكيم ف� � ��ي «العربي» ثالث‬ ‫صور للحصول على ثالث جوائز ش� � ��هرية‪ .‬على أن مينح الفائزون التالون‬ ‫اش� � ��تراكات مجانية مبجلة العربي كجوائز تش� � ��جيعية ملدة عام كامل‪ ،‬كما‬ ‫تنشر الصور الفائزة باملراكز األولى‪.‬‬ ‫امل�ش��ارك��ون ف��ي املسابقات الثقافية والفوتوغرافية‪ ،‬وال�ع��رب��ي الصغير‬ ‫من داخل دولة الكويت‪ ،‬يجب أن ترفق رسائلهم بصور البطاقة املدنية‬ ‫والهاتف‪ ،‬واملشاركون القصر يرسلون صور البطاقة املدنية ألحد األبوين‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫الفائز األول ‪« :‬عازف القيناوة»‪ ،‬بعدسة‪ :‬ميثم الدريع‪/‬املغرب‪.‬‬

‫شروط املسابقة‬ ‫< املج� � ��االت الت� � ��ي يتم التناف� � ��س فيها هي فن الصور الذاتية (البورتريه)‪ ،‬وصور احلياة اليومية التي ترصد حركة املجتمع في س� � ��عيه لبناء احلياة‪،‬‬ ‫وكذلك رصد الطبيعة اخلالبة‪ ،‬والبيئة في الوطن العربي‪ ،‬وتوثيق العمارة العربية‪ ،‬ويحق لكل متنافس االشتراك في هذه املجاالت‪ < .‬تصبح األعمال‬ ‫الفائزة ملكا ملجلة العربي‪ ،‬ويجوز لها نشرها بأي وسيلة إلكترونية أو طباعية‪ ،‬مع االحتفاظ بامللكية املعنوية للمصور‪ ،‬فيذكر اسمه كلما أعيد نشر‬ ‫صورته الفائزة‪ < .‬ال يحق للمشاركني املطالبة باسترجاع أصول أو نسخ عن الصور غير الفائزة‪ < .‬تكون الصور األصلية بحجم مناسب (باأللوان أو‬ ‫األسود واألبيض)‪ ،‬ال يقل عرضه عن ‪ 15‬سنتيمترا‪ ،‬مع تسجيل جميع البيانات اخلاصة باملوضوع (مثل املكان الذي مت التصوير به‪ ،‬وتاريخ التصوير‬ ‫وموضوع الصورة)‪ ،‬وعنوان املتس� � ��ابق‪ ،‬واس� � ��مه الثالثي (باللغة اإلجنليزية)‪ ،‬ورقم هاتفه‪ < .‬ترسل الصور إلى عنوان «العربي»‪ :‬صندوق بريد ‪،748‬‬ ‫الرمز البريدي‪ ،13008 ،‬الصفاة‪ ،‬دولة الكويت‪ .‬ويكتب على املغلف بخط واضح‪ :‬مسابقة «العربي» الشهرية للتصوير الفوتوغرافي‪.‬‬

‫‪182‬‬

‫‪4/19/15 9:54:17 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 182-183.indd 182‬‬


‫اجلائزة األولى‬ ‫د‪.‬ك‬

‫‪100‬‬

‫اجلائزة الثانية‬ ‫د‪.‬ك‬

‫‪75‬‬

‫اجلائزة الثالثة‬ ‫د‪.‬ك‬

‫‪50‬‬

‫الفائزون باشتراكات مجانية في مجلة «العربي»‪:‬‬

‫< محمد سلمان داود ‪ -‬اليمن < محمد مختار رضوان ‪ -‬مصر < خالد محسن احلارثي ‪ -‬السعودية‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫الفائز الثاني ‪« :‬سحر الطبيعة في الريف اليمني»‪ ،‬بعدسة‪ :‬ضياء احلق مهدي العاطي‪/‬اليمن‪.‬‬

‫‪3‬‬ ‫الفائز الثالث ‪:‬‬

‫« الوصول ألعلى حلم»‪،‬‬ ‫بعدسة‪ :‬شيرين محمد‬ ‫زكريا‪/‬مصر‪.‬‬

‫مسابقة التصوير الفوتوغرافي‬ ‫‪4/19/15 9:54:25 AM‬‬

‫‪183‬‬

‫‪may 182-183.indd 183‬‬


‫من المكتبة العربية‬

‫علم الفوضى‬ ‫تأليف‪ :‬فرانسوا لورسا‬ ‫ترجمة‪ :‬زينا مغربل‬ ‫عرض‪ :‬د‪.‬نزار العاني كاتب من سورية‬ ‫سلسلة «ماذا أعرف؟» ‪QUE SAIS-JE‬؟‬ ‫الفرنس���ية من أقدم سالسل الكتب‬ ‫العالمي���ة وأش���هرها‪ ،‬وعل���ى م���دى‬ ‫حضورها الفاعل في س���احة العلم‬ ‫والفلس���فة والفكر والتاري���خ والفن‬ ‫ومناب���ع المعرف���ة عموم��� ًا‪ ،‬التزم���ت‬ ‫بمعايير رفيعة وصارمة في ما تنشر‬ ‫م���ن مخت���ارات جعل���ت منه���ا منارة‬ ‫ساطعة في دنيا الثقافة‪.‬‬ ‫ومنذ عقود بعيدة‪ ،‬أقدمت جهات‬ ‫عربية عديدة عل���ى ترجمة عناوين‬ ‫من هذه السلس���لة‪ ،‬وعلى سبيل‬ ‫المثال ال الحصر‪ ،‬بين يدي أحد هذه‬ ‫العناوي���ن وه���و كت���اب «العقل»‬ ‫الذي أصدرته في طبعة ثانية دار نشر لبنانية هي «المنشورات العربية»‬ ‫ع���ام ‪ ،1989‬وه���و رقم ‪ 39‬في السلس���لة المترجمة إل���ى العربية‪ ،‬والتي‬ ‫بلغ���ت حتى هذا التاريخ ‪ 72‬كتاب ًا‪ ،‬أولها «نش���أة البش���رية» وآخرها ( رقم‬ ‫‪« )72‬الخزينة والمحاس���بة في الش���ركات»‪ ،‬ويبدو الفت ًا ال َبون الشاس���ع‬ ‫بي���ن العنوانين‪ ،‬ومروراً بطيف مواضيع معرفية ال تهمل ركن ًا أو زاوية إال‬ ‫وتلقي عليه الضوء‪.‬‬

‫‪184‬‬

‫‪4/19/15 11:44:33 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 184-187.indd 184‬‬


‫وكي يُلم القارئ بانفتاح حدود ذلك الطيف‪،‬‬ ‫نذكر بعض عناوين وأرقام تلك السلسلة اللبنانية‬ ‫التي يبدو أن «املنش������ورات العربية» قد حصلت‬ ‫على حقوق ترجمتها إلى اللغة العربية‪ :‬الفلسفة‬ ‫الفرنسية (‪ ،)8‬الكون (‪ ،)9‬مصر القدمية (‪،)15‬‬ ‫اللغ������ة والفك������ر (‪ ،)12‬اإلس���ل��ام (‪ ،)18‬النفط‬ ‫(‪ ،)20‬املوس������يقى العربية (‪ ،)26‬سوسيولوجية‬ ‫الثورات (‪ ،)38‬الالوعي (‪ ،)44‬املاسونية (‪،)55‬‬ ‫املاركسيات بعد ماركس (‪ ،)59‬الوجودية (‪،)62‬‬ ‫لغة احلاسبات اإللكترونية (‪.)69‬‬ ‫أخي������راً‪ ،‬أقدمت «مدينة املل������ك عبدالعزيز‬ ‫للعل������وم والتقني������ة» بالتعاون مع مجل������ة «املجلة‬ ‫العربي������ة» ف������ي اململكة العربية الس������عودية على‬ ‫خطوة مماثلة إلصدار السلس������لة السعودية من‬ ‫«ماذا أعرف؟»‪ ،‬إذ حصلت «املدينة» على حقوق‬ ‫ترجم������ة مختارات من هذه السلس������لة العريقة‪،‬‬ ‫ومنها كت������اب «علم الفوضى» للكاتب فرنس������وا‬ ‫لورس������ا‪ ،‬ترجمة زينا مغربل‪ ،‬ومراجعة د‪.‬شمس‬ ‫الدين خياري‪.‬‬

‫حملة عن سالسل الكتب العربية‬

‫يعرف القاصي والداني سلسلة «اقرأ» التي‬ ‫أصدرتها دار املعارف في مصر‪ ،‬واستقى جيلنا‬ ‫حت������ى ارت������وى الكثير من عذب مائه������ا املعرفي‬ ‫والثقاف������ي‪ ،‬وهي عل������ى غرار «م������اذا أعرف؟»‬ ‫صغي������رة احلجم‪ ،‬ومتنوع������ة‪ ،‬وفلس������فتها تقوم‬ ‫على تبس������يط الفكر األكادميي العربي والعاملي‬ ‫وتقدميه للقارئ بلغة معاصرة‪.‬‬ ‫وعلى هذا املنوال صدرت سالسل كثيرة في‬ ‫العالم العربي‪ ،‬منه������ا‪« :‬روايات الهالل» و«نوابغ‬ ‫الفكر العربي» و«نوابغ الفكر الغربي» و«كتابي»‬ ‫و«كتاب������ك» و«األلف كتاب» و«الكتاب املاس������ي»‬ ‫و«أعالم املوسيقى»‪.‬‬ ‫وتش������ير الدراس������ات إلى أن مصر العربية‬ ‫كانت س������ ّباقة في ه������ذا املي������دان‪ ،‬إذ أصدرت‬ ‫وحدها ثمانني سلس������لة‪ ،‬حتض������ر وتغيب‪ .‬ولكن‬ ‫واس������طة العقد في عالم سالسل الكتب‪ ،‬كانت‬ ‫وال تزال‪ ،‬سلس������لة «عالم املعرفة» الكويتية التي‬ ‫أسس������ت ملفاهي������م وقواعد راس������خة في حقل‬ ‫ّ‬ ‫علم الفوضى‬ ‫‪4/19/15 11:44:44 AM‬‬

‫اجلهد املعرفي‪ ،‬وأضافت إلى املكتبة العربية ما‬ ‫ال يُنْسى من عناوين باقية‪.‬‬

‫«ماذا أعرف؟» السعودية‬

‫حصلت على خمسة أعداد من هذه السلسلة‬ ‫السعودية اجلديدة هي على التوالي وفقاً ألرقام‬ ‫اإليداع‪ ،‬وذلك ألن الناشر لم يشأ إعطاء الكتب‬ ‫أرقام������اً متتابعة كما جرت العادة في سالس������ل‬ ‫الكتب‪ :‬طب الشيخوخة‪ ،‬علم الفوضى‪ ،‬األحجار‬ ‫النيزكية‪ ،‬االندماج النووي‪ ،‬طب املعاجلة بتقومي‬ ‫العظ������ام‪ .‬ونحاول في هذا املقال عرض األفكار‬ ‫الرئيسة للكتاب الثاني في هذه القائمة‪.‬‬ ‫مؤل������ف الكتاب أس������تاذ فخري ف������ي جامعة‬ ‫باري������س ‪ ،11‬وخبير مختص ف������ي الفيزياء‪ ،‬وله‬ ‫كتب ع������دة في ه������ذا امليدان‪ ،‬منه������ا واحد عن‬ ‫نيل������ز بور وفيزياء الكم‪ ،‬وثان عن س������لطة العلم‬ ‫‪ ،Lautorite de la science‬وآخ������ر حول انتحار‬ ‫العلم ‪. Le Suicide de la science‬‬ ‫وعل������م الفوضـــى في جــــوه������ره أحد حقول‬ ‫الرياضي������ات‪ ،‬وغير بعي������د أيضاً ع������ن املبادئ‬ ‫الفلسفية للفــــيزياء منذ غاليليو إلى نيوتن‪.‬‬ ‫وإذا ج ّردن������ا لغة العلـــم م������ن حياديتــــها في‬ ‫توصــيف الظواهر‪ ،‬فــــ������إن املعطى العام لهــــذا‬ ‫العل������م يتح������دد بأنه النقي������ض والضــــ������د ملبدأ‬ ‫احلتـــمي������ة‪ ،‬وانطالق������اً م������ن ه������ذا التقابل جاء‬ ‫عن������وان كتاب «الفوضى واحلتمي������ة» ‪Chaos et‬‬ ‫‪ determinisme‬ال������ذي يعتبره املؤلف فرنس������وا‬ ‫لورس������ا كتاباً جامعاً ومرجعاً ش������ام ً‬ ‫ال في هذا‬ ‫املوضوع‪.‬‬ ‫الفص������ول اخلمس������ة م������ن الكتاب تَبْس������ط‬ ‫أم������ام الق������ارئ الص������ورة العامة لعل������م الفيزياء‬ ‫«الكالس������يكي» ونظرته إلى قوانني علم احلركة‬ ‫والكون‪ ،‬واألس������ئلة التي ما فتئ عل������م الفيزياء‬ ‫يقف أمامها حائراً‪ ،‬أو يجهل كيفية العثور على‬ ‫أجوبة شافية لها‪ .‬ومن هذا القصور الوظيفي‪،‬‬ ‫بدأ الش������ك بحتمي������ة ويقينية العل������م وقضاياه‬ ‫ونتائجه احلاس������مة املفترضة‪ ،‬يتس َّرب إلى فكر‬ ‫«بوانكاريه»‪ ،‬وكانت ه������ذه الفاحتة خطوة أولى‬ ‫لوضع حج������ر األس������اس لعلم الفوض������ى الذي‬ ‫‪185‬‬

‫‪may 184-187.indd 185‬‬


‫ميكن تعريفه بأربع كلم������ات هي عنوان الفصل‬ ‫الثالث للكتاب‪« :‬اخلواص العش������وائية لألنظمة‬ ‫احلتمية»‪.‬‬

‫فلسفة؟ أم نظرية؟ أم منهج؟‬

‫مقول������ة «العل������م ع������دو االحتم������ال وعــ������دو‬ ‫املصادف������ة» ل������م تع������د راس������خة متام������اً‪ ،‬إذ إن‬ ‫احلــس������ابات الرياضي������ة ملعض���ل��ات الفــــيزياء‬ ‫تكــــتفي بس������ت خانات من الكس������ر ال ُع ْش������ري‪،‬‬ ‫وجتاوز ه������ذه اخلانات بكثير ينس������ف احلتمية‬ ‫يتحصن‬ ‫من أساسها‪ .‬إن اليقني الظاهري للعلم‬ ‫َّ‬ ‫ببدهيتني اثنتني‪:‬‬ ‫‪ -1‬ثبات الظروف االبتدائية ألي نظام يؤدي‬ ‫إلى نتائج متطابقة‪.‬‬ ‫‪ -2‬إهمال األثــــر الطفيف لعنصــــر ضئـــيل‬ ‫ف������ي منظوم������ة عناص������ر فيزيائــي������ة ضخـــم������ة‬ ‫ومعقدة‪.‬‬ ‫بالنس������بة للبدهية األولى توصل الفيزيائي‬ ‫البريطاني جيمس ماكسويل إلى «أن ثمة حاالت‬ ‫ميكن فيها لتغير طفيف في الظروف االبتدائية‬ ‫أن يحدث تغييراً كبيراً جداً في احلالة النهائية‬ ‫للنظام» (ص‪.)25‬‬ ‫أم������ا البدهية الثانــــية فتش������رحها مس������ألة‬ ‫األجس������ام الثـــــالثة كما عاجلـه������ا «بوانكاريه»‪،‬‬ ‫وكم������ا ناقش������ها إدوارد لورن������ز في كتاب������ه «كنه‬ ‫الفوضى» ‪« :The essence of Chaos‬لنفـــــترض‬ ‫في البداية أن ألحــــد هذه األجسام الثالثة كتــلة‬ ‫قابلة لإلهمال إذا ماقـــــورنت بكــتل اجلس������مني‬ ‫اآلخرين‪ ،‬قد تكون على س������بيل املثال ذرة غبار‬ ‫كوني تتحرك بجوار الكرة األرضيـــــة والقـــــمر»‬ ‫(ص ‪.)30‬‬ ‫إن جتاه������ل كتل������ة «ذرة الغب������ار الكوني» ال‬ ‫يلغي احلقيقة العلمي������ة القائلة إن لهذه «الذرة»‬ ‫مسارها في مستوى حركة اجلسمني العمالقني‬ ‫بالنسبة لها‪ ،‬أي األرض والقمر‪.‬‬ ‫نحن هن������ا أمام مثلث قوام������ه ثالثة أضالع‬ ‫تتمث������ل ف������ي املنه������ج والنظرية والفلس������فة معاً‪،‬‬ ‫نس������تطيع مبوجبها إجراء مقاربات تكفل للعلوم‬ ‫املادي������ة واإلنس������انية ُس������بل التق������دم واالرتقاء‪،‬‬ ‫‪186‬‬

‫‪4/19/15 11:44:51 AM‬‬

‫وهو فع ً‬ ‫ال الذي يحدث منذ س������بعينيات القرن‬ ‫ً‬ ‫املاضي‪ ،‬إذ صار لزام������ا أن يكون علم الفوضى‬ ‫س������نداً خفياً إلع������ادة االعتب������ار للحتمية‪ ،‬وهو‬ ‫الذي يس������تقي وجوده وحضوره من مناهضتها‪.‬‬ ‫ويعني ذلك أن مس������ارات العلوم قاطبة تنطوي‬ ‫على «الال متو َّقع»‪ ،‬وه������ذا التعريف هو ترجمة‬ ‫أخ������رى لـ «عل������م الفوضى»‪ ،‬أو «الش������واش»‪ ،‬أو‬ ‫«الكيوس»‪ ،‬أو «االضطراب»‪ ،‬أو «العش������وائية»‪،‬‬ ‫وأحد األكادمييني جتاس������ر واس������تعان بالعامية‬ ‫فترجمه إلى «ال َه ْر َجلة»!‬

‫خامتة وتعقيب‬

‫الفص������ول اخلمس������ة األول������ى م������ن الكتاب‬ ‫حتتاج إل������ى ثقافة علــمي������ة مــــقبـول������ة إلدراك‬ ‫دالالت الرس������وم التوضيحــية لعل������م التحـريك‬ ‫وفيزياء الكون ومعــادالت الطاقـــة وحــس������اباتها‬ ‫وإجن������ازات روادها (البعض ي������رد تاريــــخ العـلم‬ ‫إلى اليون������ان والبعض اآلخر إل������ى عام ‪)1970‬‬ ‫التـــ������ي تؤكـ������د رس������وخ علم الفوض������ى حتى في‬ ‫مجـموعتنا الشمس������ية التي اس������تقـر مظهرها‬ ‫العام في معارفنا منذ نيوتن وكوبرنيكوس وكبلر‬ ‫وغيرهم‪.‬‬ ‫الفصالن األخي������ران يتناوالن بعض ظواهر‬ ‫علم الفوضى‪ ،‬واألمثلة الت������ي يذكرها املؤلفون‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 184-187.indd 186‬‬


‫من المكتبة العربية‬ ‫في كتبه������م لتقريب صورة العل������م إلى األذهان‪:‬‬ ‫الصنبور وتتابع س������قوط قطرات املاء‪ ،‬توقعات‬ ‫الس ُحب‪ .‬ويجيل‬ ‫مراكز األرصاد اجلوية ومواقع ّ ُ‬ ‫الكاتب نظره في ماضي ومس������تقبل هذا العلم‪،‬‬ ‫متس������ائ ً‬ ‫ال‪ :‬ه������ل متث������ل الفوضى ث������ورة علمية؟‬ ‫ً‬ ‫(ص‪ .)104‬لكن������ه ال يغالي كثي������را في االنحياز‬ ‫حني يعت������رف قائ ً‬ ‫ال‪ :‬فالفوض������ى كانت والتزال‬ ‫تسفر عن ضروب من الهذيان‪ ...‬ومبدأ الهذيان‬ ‫بشأن الفوضى بالغ البساطة‪ :‬هو اجلزم بأن كل‬ ‫ٍ‬ ‫شيء فوضى (ص ‪.)106‬‬ ‫والكتاب في النهاية خفيف وطريف على قراء‬ ‫العلوم‪ ،‬وقد علَّمتنا فلسفة العلم أنه حني تتعدد‬ ‫تسميات علم من العلوم‪ ،‬فهذا داللة على بعض‬ ‫الغموض الذي يكتنفه‪ ،‬وهو ما أراه شخصياً في‬ ‫هذا العلم‪ .‬وستبقى مقولة «يوجني ويغنر»‪« :‬إن‬ ‫إعجاز داللة لغة الرياضيات في صياغة قوانني‬ ‫الفيزياء هو هبة بديعة ال نفقهها وال نستحقها»‬

‫تعبيراً عن الوحدة العضوية بني علمي الفيزياء‬ ‫والرياضيات‪.‬‬ ‫لكن حماس������ي العلمي يقل حني أس������مع ما‬ ‫يقال عن «أثر الفراشة» ‪ Butterfly effect‬الذي‬ ‫يردده املدافعون بشراس������ة ع������ن علم الفوضى‪،‬‬ ‫ومفاده‪ :‬إن رفة جناح فراش������ة ف������ي طوكيو قد‬ ‫حُتدث زلزاالً في نيويورك!‬ ‫مالحظة‪ :‬ليس غريباً بعد ذلك أن يس������طو‬ ‫الش������اعر على مصطلح علم������ي مجازي النكهة‪،‬‬ ‫فيذه������ب محمود درويش إل������ى عنونة يومياته بـ‬ ‫«أثر الفراشة»‪ ،‬ويكتب في القصيدة التي حتمل‬ ‫العنوان نفسه‪:‬‬ ‫أَ َث ُر الفراشة ال ُيرى‬ ‫ُ‬ ‫يزول‬ ‫أَ َث ُر الفراشة ال‬ ‫ض‬ ‫هو جاذب ّي ُة ِ‬ ‫غام ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ويرحل‬ ‫يستدرج املعنى‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫حني َي َتّضح السبيل >‬

‫الفتى صاحب البديهة‬ ‫زار املعتص ��م خليف ��ة املس ��لمني خاق ��ان عن ��د مرض ��ه‪ ،‬وكان خلاقان هذا‬ ‫ول ��د يكن ��ى الفتح‪ ،‬وكان ول � ً�دا من أصحاب البديهة ‪ ،‬ملاح ًا ‪ ،‬س ��ريع املبادرة ‪،‬‬ ‫وإجاباته حسنة تشرح الصدر ‪.‬‬ ‫أراد املعتصم أن ميتحن بديهته‪ ،‬ويعرف تأثير س ��نه على عقله‪ ،‬فقال له‪:‬‬ ‫يا فتح ‪ ،‬داري أحسن أم دار أبيك؟‬ ‫وبسرعة بديهة أجاب الفتح‪ :‬مادام أمير املؤمنني في داري فهي األحسن‪،‬‬ ‫فقال املعتصم‪ :‬نعم اجلواب جوابك يا فتح‪.‬‬ ‫وقال أعرابي البنه غاض ًبا إن أمه «أمة»‪ ،‬فقال الولد ألبيه‪ :‬هي والله خير‬ ‫منك ‪ ،‬ألنها أحس ��نت االختيار فولدتني من حر ‪ ،‬أما أنت فأس ��أت االختيار‬ ‫فولدتني من أمة‪.‬‬

‫علم الفوضى‬ ‫‪4/19/15 11:44:59 AM‬‬

‫‪187‬‬

‫‪may 184-187.indd 187‬‬


‫من المكتبة األجنبية‬

‫الع ْلم في مجتمع ديمقراطي‬ ‫ِ‬ ‫تأليف‪ :‬فيليب كيتشر‬ ‫عرض‪ :‬محمد عبدالرءوف *‬ ‫لطالم���ا انش���غلت فلس���فة العل���م‬ ‫ط���وال الق���رن العش���رين بقضاي���ا‬ ‫ومشكالت تقليدية تتعلق بالمنطق‬ ‫ونظري���ة المعرف���ة ومناه���ج البح���ث‬ ‫العلم���ي‪ ،‬إال أنه ظه���ر أخيراً تيار يركز‬ ‫اهتمام���ه عل���ى قضايا جدي���دة ذات‬ ‫عالقة مباش���رة بالمجتمع وشؤونه‬ ‫ل���م تك���ن مطروحة من قب���ل‪ ،‬مثل‬ ‫عالقة العلم بالديمقراطية والقيم‬ ‫واألخالق‪.‬‬ ‫هذا التيار آخذ في‬ ‫التوسع والنمو‬ ‫ُّ‬ ‫يوم��� ًا بعد ي���وم‪ ،‬ولعل أب���رز رموزه‬ ‫وممثلي���ه الفيلس���وف اإلنجلي���زي‬ ‫فيلي���ب كيتش���ر ‪Philip Kitcher‬؛ مؤ ِّل���ف كت���اب «العل���م ف���ي مجتمع‬ ‫ديمقراط���ي»‪ ،‬الص���ادر ف���ي ‪ .2011‬يعم���ل فيلي���ب كيتش���ر اآلن أس���تاذاً‬ ‫للفلس���فة في جامع���ة كولومبيا بالوالي���ات المتح���دة األمريكية‪ ،‬وقد‬ ‫عم���ل م���ن قبل ف���ي جامع���ات كاليفورنيا وس���ان دييجو ومينيس���وتا‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وتترك���ز اهتمامات���ه وكتابات���ه بش���كل أساس���ي ف���ي فلس���فة العل���م‬ ‫وفلس���فة الرياضيات وفلس���فة البيولوجيا‪ ،‬وأخيراً في فلس���فة األخالق‬ ‫وعالقة البحث العلمي بالمجتمع والقيم الديمقراطية‪.‬‬

‫* أكادميي من مصر‬

‫‪188‬‬

‫‪4/19/15 9:40:59 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 188-191.indd 188‬‬


‫يقع كت� � ��اب «العلم في مجتمع دميقراطي» في‬ ‫‪ 270‬صفحة من القطع الكبير‪ ،‬وينقسم إلى تسعة‬ ‫فصول؛ الفصل األول مبنزل� � ��ة رؤية عامة ملالمح‬ ‫القضي� � ��ة األساس� � ��ية التي يتناوله� � ��ا‪ ،‬وهي قضية‬ ‫تراجع مسألة الصدقية في البحث العلمي‪ ،‬وفكرة‬ ‫أنه ينبغي أال يخضع للرقاب� � ��ة أو ألحكام القيمة‪،‬‬ ‫ثم يأتي الفصل الثاني ليتناول بالتفصيل موضوع‬ ‫القيم واألحكام القيمية وعالقتها بالعلم واألخالق‪.‬‬ ‫أما الفصل الثالث‪ ،‬فيتناول مس� � ��ألة الدميقراطية‬ ‫وكيف ميك� � ��ن للعلم اإلس� � ��هام في ترس� � ��يخ القيم‬ ‫الدميقراطية ومواجه� � ��ة القمع وتقييد احلريات‪.‬‬ ‫ويُق� � ��دم الفصل الرابع مقاربة لكيفية تطوير نظام‬ ‫متماس� � ��ك للمعرفة العامة‪ ،‬كم� � ��ا يتتبع تاريخ هذه‬ ‫املعرف� � ��ة وتطورها‪ .‬أما الفصول من اخلامس إلى‬ ‫الثامن‪ ،‬فه� � ��ي جوهر الكتاب ومحوره األس� � ��اس‪،‬‬ ‫حيث يعرض فيها كيتش� � ��ر نظريته اخلاصة حول‬ ‫العلم في مجتمع دميقراطي‪ ،‬ويُطلق عليها «العلم‬ ‫جيد التنظيم»‪ .‬ثم يأتي الفصل التاس� � ��ع واألخير‬ ‫كتطبيق عملي له� � ��ذه النظرية على قضايا واقعية‬ ‫راهنة يواجهها العالم املعاصر‪.‬‬ ‫يقدم كيتش� � ��ر في ه� � ��ذا الكت� � ��اب أطروحات‬ ‫جديدة يتناول فيها مشكالت تتعلق بفلسفة العلم‬ ‫وأخالقي� � ��ات البحث العلمي وقي� � ��م الدميقراطية‬ ‫واملشاركة املجتمعية وقضايا مثل الهندسة الوراثية‬ ‫وتغير املن� � ��اخ‪ .‬ظهرت ب� � ��وادر ه� � ��ذه األطروحات‬ ‫اجلديدة وخطوطها العامة في بعض أعمال كيتشر‬ ‫م� � ��ن قبل‪ ،‬مث� � ��ل «العلم والص� � ��دق والدميقراطية»‬ ‫‪ ،2001‬و«املشروع األخالقي» ‪ ،2011‬ولكن كيتشر‬ ‫يتاب� � ��ع هنا صوغ نظري� � ��ة متكامل� � ��ة جديدة أطلق‬ ‫عليها «العلم جي� � ��د التنظيم»‪ ،‬متثل جوهر الكتاب‬ ‫وأساسه‪ .‬ويرى كيتشر أن القضايا اجلديدة التي‬ ‫يناقش� � ��ها الكتاب متثل أعراضاً ملش� � ��كلة أساسية‬ ‫معقدة‪ ،‬وهي كيف ميكن التكامل واجلمع بني العلم‬ ‫والقيم الدميقراطية في املجتمعات احلديثة‪.‬‬

‫القيم والدميقراطية واملعرفة العامة‬

‫هن� � ��اك ش� � ��كوك متزاي� � ��دة اليوم جت� � ��اه العلم‬ ‫وصدقيته‪ ،‬حيث ال يبالي معظم الناس بالعلم في‬ ‫حد ذاته‪ ،‬إمنا بآثاره عل� � ��ى حياتهم‪ ،‬وذلك نتيجة‬ ‫العلم في مجتمع دميقراطي‬ ‫‪4/19/15 9:41:04 AM‬‬

‫للنزع� � ��ة العلموية الت� � ��ي تبالغ في تقدي� � ��ر املزايا‬ ‫االجتماعية للعل� � ��م‪ ،‬وتؤكد أن العل� � ��م (واجلماعة‬ ‫العلمي� � ��ة) ينبغي أال يخض� � ��ع ألي رقابة أو أحكام‬ ‫قيمية‪ .‬وهنا يقدم كيتشر أطروحة بديلة تقول إن‬ ‫القيم واألحكام القيمية مُترسِّ � � ��خة في املمارسات‬ ‫العلمية وال تنفصل عنها‪ ،‬س� � ��واء كانت قيماً عامة‬ ‫ومطلق� � ��ة تخص الف� � ��رد واملجتمع‪ ،‬مث� � ��ل احلرية‬ ‫والعدال� � ��ة والدميقراطية‪ ،‬أو قيم � � �اً معرفية تعبر‬ ‫ع� � ��ن االلتزام باكتس� � ��اب وحتصيل أن� � ��واع محددة‬ ‫م� � ��ن املعرف� � ��ة ذات أهمية خاصة لش� � ��خص ما أو‬ ‫ملجتمع ما يواجه قضايا ومش� � ��كالت مُلحَّ ة خاصة‬ ‫به‪ ،‬أو قيماً تتعلق بتحديد أي نوع من املش� � ��كالت‬ ‫والقضايا تكون له األولوية في التناول والبحث عن‬ ‫حلول‪ .‬كما ميكن االرتقاء بدور املبادئ األخالقية‬ ‫ف� � ��ي البحث العلمي من خالل النظر إلى األخالق‬ ‫باعتبارها «تقنية اجتماعية» تس� � ��مح لنا بالتحرر‬ ‫من صعوبات املأزق اإلنس� � ��اني الذي جند أنفسنا‬ ‫فيه‪ ،‬وتساعدنا في التغلب على املشكالت الناجمة‬ ‫عن امليول األنانية والذاتية في طبيعتنا اإلنسانية‪.‬‬ ‫ومن ثمَّ‪ ،‬ميكن للقيم واألخالق أن تكون فاعلة في‬ ‫دائ� � ��رة العلم من خالل مش� � ��اركة املجتمع باحلوار‬ ‫متس حياتهم‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫والنقاش في القضايا العلمية التي‬ ‫م� � ��ع التأكيد على أنه كما تغي� � ��رت طبيعة املجتمع‬ ‫املعاص� � ��ر فكذلك ينبغي أن تتغي� � ��ر القضايا التي‬ ‫يتناولها احلوار الذي تلع� � ��ب فيه القيم واألخالق‬ ‫دوراً أساس ّياً‪.‬‬ ‫ويُقدم فيليب كيتش� � ��ر تص � � �وُّراً للدميقراطية‪،‬‬ ‫يؤكد دور العلم واملعرفة العامة في مواجهة القمع‬ ‫ال� � ��ذي ال ميكن حتديد مصدره‪ ،‬الذي ينش� � ��أ في‬ ‫املجتمع� � ��ات احلديثة حينما ال ي� � ��درك املواطنون‬ ‫الذي� � ��ن يذهب� � ��ون إلى صناديق االقت� � ��راع ما الذي‬ ‫يح� � ��دث بالضب� � ��ط‪ ،‬وأن هن� � ��اك قوى أكب� � ��ر منهم‬ ‫تسيطر متاماً على األجندة أو البرامج السياسية‬ ‫وعمليات صنع القرار‪ .‬ينتقد كيتش� � ��ر هذا الشكل‬ ‫م� � ��ن الدميقراطي� � ��ة الس� � ��لبية الت� � ��ي تقتصر على‬ ‫التصوي� � ��ت‪ ،‬ويركز على الدميقراطي� � ��ة اإليجابية‬ ‫التي تدافع عن مبادئ احلرية واملساواة‪ ،‬حتى على‬ ‫مس� � ��توى املعرفة‪ .‬وميكن تدعي� � ��م هذا النمط من‬ ‫الدميقراطية والقضاء على القمع واحلد منه عن‬ ‫‪189‬‬

‫‪may 188-191.indd 189‬‬


‫جيد التنظي� � ��م»‬ ‫طريق حتس� �ي��ن جوانب القصور‬ ‫‪ ،society‬الذي قدمه الفيلسوف‬ ‫والنق� � ��ص في املعرف� � ��ة العامة‪.‬‬ ‫يقصد كيتش� � ��ر باملعرفة العامة‬ ‫األمريك� � ��ي ج� � ��ون رول� � ��ز‪ .‬يرى‬ ‫مجموع � � � َة املع� � ��ارف املش� � ��تركة‬ ‫كيتش� � ��ر أن العل� � ��م يك� � ��ون جيد‬ ‫الت� � ��ي يعتمد عليه� � ��ا الناس في‬ ‫التنظيم عندم� � ��ا يكون حتديده‬ ‫إجناز مشروعاتهم‪ ،‬التي يدخل‬ ‫للمش� � ��كالت الت� � ��ي س� � ��يتناولها‬ ‫ضمنها مختل� � ��ف أمناط البحث‬ ‫بالبحث س� � ��يتم من خالل حوار‬ ‫والعل� � ��وم الطبيعية واإلنس� � ��انية‬ ‫منوذج� � ��ي ميث� � ��ل ويجسِّ � � ��د كل‬ ‫واألدب والف� � ��ن واملوس� � ��يقى‪...‬‬ ‫وجهات النظر واآلراء املختلفة‪.‬‬ ‫هذا احلوار يجري عبر مشاركة‬ ‫إل� � ��خ‪ .‬ف� � ��إذا تواف� � ��ر للمواطنني‬ ‫مجتمعية واسعة‪ ،‬تضم مشاركني‬ ‫وكاف من املعرفة‬ ‫ٍ‬ ‫نظام مزدهر‬ ‫العام� � ��ة‪ ،‬فإنه يصبح مبقدورهم‬ ‫على دراي� � ��ة بالتقالي� � ��د العلمية‬ ‫املش� � ��اركة بفعالية في القرارات‬ ‫وبطبيع� � ��ة القضاي� � ��ا واألبحاث‬ ‫غالف إحدى الطبعات‬ ‫والعمليات السياسية التي تؤثر‬ ‫املطروحة‪ ،‬وذلك ألن نتائج هذه‬ ‫على حياتهم ومتس شؤونهم‪.‬‬ ‫األبحاث تؤثر في حياتهــــــم وفي األجيال القادمة‪.‬‬ ‫ولكن ما ش� � ��كل نظام املعرف� � ��ة العامة؟ وكيف هذه املش� � ��اركة املجتمـــعية تمُ ِّثل نوعاً من الرقابة‬ ‫اختل� � ��ف نظام املعرفة العامة في املجتمع احلديث الدميقراطية على العلم� � ��اء ومزاعمهم وأبحاثهم‪،‬‬ ‫عن املجتمعات القدمية؟ يرى كيتشر أن االحتفاظ وف� � ��ي الوق� � ��ت ذاته‪ ،‬ال تُعتب� � ��ر تقيي� � ��داً للعلماء أو‬ ‫باملعرفة العامة ونقلها في املجتمعات القدمية كانا حتديداً مسبقاً خلطوات وإجراءات البحث العلمي‬ ‫يعتمدان على ذاكرة األفراد واالحتياجات العملية ونتائجه‪ .‬ومن ثمَّ‪ ،‬فاملجتمع يشارك في األهداف‬ ‫ملجموعة صغيرة من الناس‪ ،‬ومع توس� � ��ع املجتمع العامة الواس� � ��عة في جو من الش� � ��فافية واحلوار‬ ‫احلديث وتعقده وتقسيم العمل وتراكم املعرفة‪ ،‬لم املتبادل‪ .‬ويعترف كيتش� � ��ر بأن هذه املقاربة مثالية‬ ‫تع� � ��د الذاكرة الفردية تكفي حلفظ املعرفة العامة إلى حد كبير‪ ،‬ويصع� � ��ب حتقيقها عمالنياً‪ ،‬ولكنه‬ ‫أو نقلها‪ .‬وهنا جاء اختراع الكتابة ليتيح الفرصة يأمل أن يساعدنا اس� � ��تيعاب هذه املقاربة املثالية‬ ‫لتدوي� � ��ن املع� � ��ارف وتوثيقها وتوفي� � ��ر مخزون عام وفهمها على حتسني ممارساتنا في الواقع‪.‬‬ ‫كذلك‪ ،‬ثمة قضية مهمة تترتب على املشاركة‬ ‫منها‪ .‬وفي الوقت الراهن‪ ،‬يُـــم ِّثل العلم ومؤسساته‬ ‫العمود الفقري للمعرفة العامة التي تقف حارساً املجتمعية عبر منوذج العل� � ��م جيد التنظيم‪ ،‬وهي‬ ‫ضد القمع الذي يقع على الناس ويُقيِّد احلريات‪ ،‬توثي� � ��ق مزاعم اجلماع� � ��ة العلمي� � ��ة‪ ،‬والتحقق من‬ ‫سواء كانوا على علم بوجود هذا القمع أو ال داخل م� � ��دى صدقيتها‪ ،‬وم� � ��ن ماهيّة النتائ� � ��ج املنضوية‬ ‫داخ� � ��ل نظام املعرف� � ��ة العامة‪ .‬ويقول كيتش� � ��ر إن‬ ‫دائرة صنع القرار السياسي‪.‬‬ ‫العلم� � ��اء أحيان � � �اً يضعون بعض املزاع� � ��م والنتائج‬ ‫العلم جيد التنظيم‬ ‫الزائفة لس� � ��ببني‪ ،‬أولهما تعمُّد التزييف واخلداع‪،‬‬ ‫يقول كيتش� � ��ر إن الهدف األساس� � ��ي من كتابه وعادة ما حت� � ��ول اجلماعة العلمية دون وقوع هذا‬ ‫ه� � ��و إيجاد طريق� � ��ة للتكام� � ��ل واجلمع ب� �ي��ن آراء األمر عب� � ��ر التنظيم الذات� � ��ي‪ ،‬وثانيهما وجود نوع‬ ‫اخلب� � ��راء املتخصصني والعلماء من ناحية‪ ،‬والقيم من العنصرية والتحي� � ��زات العرقية واالجتماعية‬ ‫الدميقراطية م� � ��ن ناحية أخرى‪ .‬ويُقدم كيتش� � ��ر التي تس� � ��اهم أحياناً في تشكيل املفاهيم واملناهج‬ ‫أطروحت� � ��ه اجلديدة حول هذه الطريقة من خالل واملمارس� � ��ات العلمية الزائفة عند دراسة السلوك‬ ‫مفه� � ��وم «العلم جي� � ��د التنظي� � ��م» ‪ well-ordered‬اإلنس� � ��اني داخل مجتمع ما‪ ،‬وميكن كش� � ��ف هذا‬ ‫ُوس� � ��ع‪ ،‬يضم وجهات‬ ‫‪ .science‬يس� � ��تند كيتشر هنا إلى مفهوم «املجتمع األمر عبر نقاش مجتمعي م َّ‬ ‫‪well-ordered‬‬

‫‪190‬‬

‫‪4/19/15 9:41:08 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 188-191.indd 190‬‬


‫من المكتبة األجنبية‬ ‫نظر متعددة‪ ،‬ويساهم فيه األشخاص ذاتهم الذين‬ ‫كانوا موضوعاً للدراس� � ��ة والبحث‪ .‬وهكذا‪ ،‬يكون‬ ‫النقاش واملش� � ��اركة املجتمعية جزءاً مما يُس� � ��ميه‬ ‫كيتشر «الش� � ��فافية النموذجية»‪ ،‬التي تقتضي أن‬ ‫يقبل كلٌّ م� � ��ن العلماء واألفراد من خارج اجلماعة‬ ‫العلمية باملناهج واإلجراءات واألحكام املستخدمة‬ ‫في عملية التوثيق والتحق� � ��ق من صدقية املزاعم‬ ‫العلمية‪.‬‬ ‫ولكن‪ ،‬هل ل� � ��دى أفراد املجتم� � ��ع دراية كافية‬ ‫وفه� � ��م للعلم والبح� � ��ث العلمي حتى يش� � ��اركوا في‬ ‫هذه الرقابة الدميقراطية؟ يرى كيتشر أن املشكلة‬ ‫تكم� � ��ن في القي� � ��ود املفروضة عل� � ��ى الوصول إلى‬ ‫املعرفة العامة بشكل عام‪ ،‬واملعرفة العلمية بشكل‬ ‫خاص‪ .‬وعند رفع هذه القيود وحتس� �ي��ن الوصول‬ ‫إلى املعرفة العامة واملعرفة العلمية‪ ،‬فإن هذا يعمل‬ ‫على دعم املب� � ��ادئ واملُثُل الدميقراطية عبر توفير‬ ‫فرص أكبر للناس إلجناز مش� � ��روعاتهم‪ ،‬وحتسني‬ ‫فهمهم ملا ميكن للبحث العلمي أن يقدمه وألهمية‬ ‫املعرفة والعلم في حياتهم‪ .‬ويقترح كيتشر طريقتني‬ ‫لالرتقاء مبستوى املجتمع في فهم العلم واستيعابه؛‬ ‫األولى التوس� � ��ع في نقل وتوصيل املعرفة العلمية‬ ‫إلى الن� � ��اس‪ ،‬وهنا ينبغي تش� � ��جيع العلماء وحثهم‬ ‫عل� � ��ى التواصل م� � ��ع املجتمع لكي تص� � ��ل أبحاثهم‬ ‫إلى الناس‪ ،‬وإلزال� � ��ة احلاجز بينهم وبني املجتمع‪،‬‬ ‫وكذل� � ��ك رفع القيود املفروض� � ��ة على الوصول إلى‬ ‫األبحاث العلمية واملعرفة العامة‪ .‬والثانية يسميها‬ ‫كيتشر «املقاربة الدميقراطية»‪ ،‬التي تعارض وجود‬

‫أي حاجز تُخف� � ��ي وراءه اجلماعة العلمية الفوارق‬ ‫واالختالفات التي متيزها عن بقية املجتمع‪ ،‬وتؤثر‬ ‫ب� � ��دال من ذلك وجود نقاش ع� � ��ام وحوار مجتمعي‬ ‫مفتوح ومُعلن متاماً‪ ،‬أو وجود ممُ ثِّلني عن املجتمع‬ ‫إلطالعه� � ��م على م� � ��ا يجري ف� � ��ي الكواليس داخل‬ ‫اجلماعة العلمية‪ .‬ك ُّل ما س� � ��بق يقتضي وجود قيم‬ ‫دميقراطية تقبل بالتعددي� � ��ة واالختالف وجو من‬ ‫الش� � ��فافية ورفع القيود املفروض� � ��ة على الوصول‬ ‫للمعرفة العامة والعلمية‪.‬‬ ‫يختتم كيتشر الكتاب بفصل يتناول فيه قضايا‬ ‫راهنة‪ ،‬مثل تاريخ احلياة (نظرية التطور)‪ ،‬والتقانة‬ ‫احليوي� � ��ة والط� � ��ب احليوي وتغير املن� � ��اخ وتقنيات‬ ‫الهندس� � ��ة الوراثي� � ��ة (مث� � ��ل االستنس� � ��اخ وزراعة‬ ‫األعض� � ��اء وإنتاج األغذية امل ُهجَّ ن� � ��ة)‪ ،‬وهي قضايا‬ ‫تتداخ� � ��ل فيها دوائر العلم واألخالق والسياس� � ��ة‪،‬‬ ‫ال توظي� � ��ف تطبيقات الهندس� � ��ة‬ ‫حيث ميك� � ��ن مث ً‬ ‫الوراثية ملصلح� � ��ة أجندات اقتصادي� � ��ة معينة‪ ،‬أو‬ ‫حتى ملصلحة أجندات سياس� � ��ية وعس� � ��كرية‪ ،‬مثل‬ ‫إنتاج األس� � ��لحة البيولوجية‪ .‬ويحاول في مناقشته‬ ‫تل� � ��ك القضايا تطبيق منوذج العل� � ��م جيد التنظيم‬ ‫إليجاد واقت� � ��راح حلول لتلك القضاي� � ��ا امل ُلحَّ ة من‬ ‫خ� �ل��ال التكامل ب� �ي��ن العلم وقي� � ��م الدميقراطية‪.‬‬ ‫وأخيراً‪ ،‬يؤكد كيتش� � ��ر في نهاي� � ��ة الكتاب ضرورة‬ ‫وجود حوار حقيقي مُثم� � ��ر‪ ،‬وضرورة التكامل بني‬ ‫العل� � ��م واألخالق وقيم الدميقراطية‪ ،‬وأن ما قدمه‬ ‫في الكتاب مجرد مُخطَّ ط عام قابل للنقاش وليس‬ ‫برنامجاً نهائ ّياً ثابتاً >‬

‫ينصرف‬ ‫روي أن رج�ل ً�ا اس ��مه عمر قال لعل ��ي بن س ��ليمان األخفش‪ :‬علمني‬ ‫مسألة من النحو‪ .‬قال تع َّلم أن اسمك ال ينصرف‪ .‬فأتاه يوم ًا وهو على‬ ‫ش ��غل‪ ،‬فقال من بالباب؟ قال عم ��ر‪ .‬قال‪ :‬عمر ينصرف‪ .‬قال أوليس قد‬ ‫زعمت أنه ال ينصرف؟ قال‪ :‬ذاك إذا كان معرفة وهو اآلن نكرة‪.‬‬

‫العلم في مجتمع دميقراطي‬ ‫‪4/19/15 9:41:11 AM‬‬

‫‪191‬‬

‫‪may 188-191.indd 191‬‬


‫كتب مختارة‬

‫‪192‬‬

‫‪4/19/15 9:42:00 AM‬‬

‫كيف نقرأ العالم العربي اليوم؟‬ ‫مجموعة من الباحثني‬ ‫دار العني للنشر ‪ -‬القاهرة ‪2013 -‬م‬ ‫دراس�� ��ات تتناول بعض املداخل‬ ‫املنهجية في دراسة «العالم غير‬ ‫الغربي» عموماً والعالم العربي‬ ‫خصوص� � �اً‪ ،‬وبصف�� ��ة خاص�� ��ة‬ ‫األنثروبولوجيا‪.‬‬

‫ال أري ��د له ��ذه الرحل ��ة أن‬ ‫تنتهي‬ ‫عاصم الشيدي‬ ‫بيت الغشام للنشر والترجمة ‪-‬‬ ‫مسقط ‪2014 -‬م‬ ‫رح� �ل��ات إل� � ��ى مجموعة من‬ ‫املدن ح� � ��ول العالم‪ ،‬كتبت ما‬ ‫ب� �ي��ن عام� � ��ي ‪ 2009‬و‪2013‬م‬ ‫ونشرت في جريدة عمان‪.‬‬

‫في املسرح السويدي املعاصر‬ ‫د‪.‬فاضل اجلاف‬ ‫دار آراس للطباع ��ة والنش ��ر ‪-‬‬ ‫أربيل ‪2006 -‬م (ط‪)2‬‬ ‫ترع� � ��رع املس� � ��رح الس� � ��ويدي‬ ‫وازده� � ��ر بفض� � ��ل النهض� � ��ة‬ ‫الصناعي� � ��ة‪ ،‬حيث حتول البلد‬ ‫من بل� � ��د زراعي فقير إلى بلد‬ ‫صناعي منتج‪.‬‬

‫ديوان الشعر العربي في تشاد‬ ‫د‪.‬محمد فوزي مصطفى‬ ‫مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود‬ ‫البابط�ي�ن لإلب ��داع الش ��عري ‪-‬‬ ‫الكويت ‪2013 -‬م‬ ‫ً‬ ‫كت�� ��اب جم�� ��ع مؤلفه كثي�� ��را من‬ ‫القصائ�� ��د العربي�� ��ة عندم�� ��ا‬ ‫كان يعم�� ��ل أس�� ��تاذاً في إحدى‬ ‫اجلامعات التشادية‪.‬‬

‫األشياء الواقفة في غرفة ‪9‬‬ ‫استبرق أحمد‬ ‫دار الفراش ��ة للنشر والتوزيع‬ ‫ الكويت ‪2014 -‬م‬‫الهات� � ��ف خ� � ��رس‪ ...‬العال� � ��م‬ ‫أيض � � �اً‪ ...‬بينما الي� � ��وم كذبة‬ ‫أبري� � ��ل متق� � ��دة‪ ...‬تتصل� �ي��ن‬ ‫حتذرين‪ :‬انتبه� � ��ي‪ ،‬ال ترتدي‬ ‫«طاقية احلمقى»‪.‬‬

‫مذكرات َم ْن جَنا‬ ‫دوريس ليسينج ‪ -‬ترجمة‪ :‬د‪.‬محمد‬ ‫درويش‬ ‫ال ��دار العربي ��ة للعل ��وم‪ ،‬ناش ��رون ‪-‬‬ ‫بيروت ‪2008 -‬م‬ ‫تخت�� ��زل ه�� ��ذه الرواي�� ��ة اهتمامات‬ ‫الكاتب�� ��ة التي تتمثل ف�� ��ي ال جدوى‬ ‫اس�� ��تثمار العالق�� ��ات الش�� ��خصية‬ ‫واالهتمام املتزايد بالعوالم الداخلية‬ ‫في تعزيز النمو الروحي‪.‬‬

‫أغنيات لسيدة احلنني (شعر)‬ ‫عزَّ ت الط ْيري‬ ‫دار البطوسي للكتاب ‪ -‬القاهرة‬ ‫ ‪2014‬م‬‫رحم الل� � ��ه القيث� � ��ارة‪ ...‬كانت‬ ‫حضن� � ��ي وم� �ل��اذي‪ ...‬س� � ��اعة‬ ‫إيقاظ� � ��ي‪ ...‬ونتيج� � ��ة حائ� � ��ط‬ ‫أيام� � ��ي‪ ،‬والبن� � ��ك املضم� � ��ون‬ ‫الضامن واملتضامن لقروضي‪.‬‬

‫ِك ْش مات (قصص)‬ ‫كاهنة عباس‬ ‫منش ��ورات نيرفان ��ا ‪ -‬تون ��س ‪-‬‬ ‫‪2015‬م‬ ‫كيف أصف لكم ما اكتش� � ��فته‬ ‫بعد الثورة أيه� � ��ا املبصرون؟‬ ‫التحقت بعاملكم كي أرافقكم‬ ‫في س� � ��فركم إل� � ��ى ذلك الغد‬ ‫اجلديد‪.‬‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 192-193.indd 192‬‬


‫رحلة العسكري األخيرة‬ ‫جمال محمد إبراهيم‬ ‫هيئ ��ة اخلرط ��وم للصحاف ��ة‬ ‫والنشر ‪ -‬اخلرطوم ‪2013 -‬م‬ ‫رواي� � ��ة تتص� � ��ل بالوج� � ��دان‬ ‫السوداني‪ ،‬وهي قصة متخيلة‬ ‫للش� � ��هيد البطل عبدالفضيل‬ ‫املاظ‪.‬‬ ‫زيدان الزقزاق‬ ‫حسام الدين صالح‬ ‫الدار العربية للعلوم‪ ،‬ناشرون‬ ‫ بيروت ‪2013 -‬م‬‫زادت محنة حي الزقزاق في‬ ‫فه� � ��م هوية اجلماعة‪ ،‬فإذا لم‬ ‫يكون� � ��وا من احلكوم� � ��ة‪ ،‬فمن‬ ‫ميتلك كل هذه السطوة التي‬ ‫ال تستطيعها إال احلكومات؟‬

‫كتب مختارة‬ ‫‪4/19/15 9:42:07 AM‬‬

‫ذئب األربعني (شعر)‬ ‫يوسف عبدالعزيز‬ ‫املؤسس ��ة العربية للدراس ��ات‬ ‫والنشر ‪ -‬بيروت ‪2008 -‬م‬ ‫ف� � ��ي س� � ��فوح األربع� �ي��ن‪...‬‬ ‫�ت على‬ ‫الس� � ��ماوات التي ُكن� � � ُ‬ ‫قبتها‪ ...‬أش� � ��رد كالنس� � ��ر‪...‬‬ ‫اس� � ��تحالت ورق � � �اً أصفر في‬ ‫قبو السنني‪.‬‬ ‫بيضة على الشاطئ (قصص)‬ ‫شريف صالح‬ ‫دار الصدى ‪ -‬دبي ‪2013 -‬م‬ ‫مجموع� � ��ة قصصي� � ��ة فازت‬ ‫باملرك� � ��ز األول بجائ� � ��زة دبي‬ ‫الثقافية لإلبداع‪.‬‬

‫هوامش ثقافية‬ ‫د‪ .‬محمد الشحات‬ ‫بيت الغشام للنشر والترجمة‬ ‫ مسقط ‪2015 -‬م‬‫يس� � ��عى ه� � ��ذا الكت� � ��اب إلى‬ ‫مناوش� � ��ة كثير م� � ��ن املفاهيم‬ ‫النقدي� � ��ة والثقافية واملعرفية‬ ‫مناوشة حادة جادة‪.‬‬

‫ليتني لم أقابل نفسي اليوم‬ ‫هيرتا موللر ‪ -‬ترجمة‪ :‬د‪.‬مصطفى‬ ‫ماهر‬ ‫الهيئ ��ة املصري ��ة العام ��ة للكت ��اب ‪-‬‬ ‫القاهرة ‪2011 -‬م‬ ‫يتس�� ��م بناء ه�� ��ذه الرواية بس�� ��مات‬ ‫الرواية البوليسية ثم يتحول ليواكب‬ ‫املوض�� ��وع الرئي�� ��س وه�� ��و موضوع‬ ‫سياسي نقدي في املقام األول‪.‬‬

‫ثقاف ��ة الكراهي ��ة‪ ...‬التس ��امح‬ ‫اإلنساني إلى أين؟‬ ‫د‪.‬عبداحلميد األنصاري‬ ‫دار مدارك للنشر ‪ -‬دبي ‪2012 -‬م‬ ‫ثقافة الكراهية محصلة لكل‬ ‫الصفات الس� � ��يئة التي تشكل‬ ‫متاي� � ��زاً وفروقاً ب� �ي��ن الناس‪،‬‬ ‫كالتعصب والتطرف واإلقصاء‬ ‫والتكفير واالستعالء‪.‬‬

‫امليث ��اق العربي حلقوق اإلنس ��ان‪...‬‬ ‫دراسات ووثائق‬ ‫د‪.‬محمد أمني امليداني‬ ‫دار املن ��ى للطباع ��ة والنش ��ر ‪-‬‬ ‫طرابلس ‪2012 -‬م‬ ‫يضم الكتاب مجموعة من الدراسات‬ ‫الت�� ��ي أعدها املؤلف ونش�� ��رت في‬ ‫عديد من املج��َّل���اَّ ت والكتب‪ ،‬وكلها‬ ‫تدور حول عنوان الكتاب‪.‬‬ ‫‪193‬‬

‫‪may 192-193.indd 193‬‬


‫المفكرة الثقافية‬

‫الخنجران األوربي والهندي‬ ‫في موسم دار اآلثار اإلسالمية الثقافي‬ ‫جمال بخيت‬

‫صحفي من مصر‬

‫خالل شهر مارس الماضي شهدت دار اآلثار اإلسالمية ثالث محاضرات‪ ،‬األولى‬ ‫جاءت بعنوان «خصائص مشتركة بين خنجر أوربي وخنجر هندي»‪ ،‬حاضرت‬ ‫فيها كبيرة أمناء المتحف ومديرة مجموعة الصباح سالم قاوقجي في مركز‬ ‫األمريكاني الثقافي‪ ،‬وعرضت مجموعة من الصور لنماذج من الخناجر األوربية‬ ‫والهندية واإليرانية‪ ،‬قائلة‪:‬‬

‫تعتبر األسلحة البيضاء من أقدم‬ ‫األدوات النفعي�� ��ة الت�� ��ي اس�� ��تخدمها‬ ‫اإلنس�� ��ان في الصيد‪ ،‬وفي الدفاع عن‬ ‫نفس�� ��ه‪ ،‬ثم أصبحت دلي ًال على املكانة‬ ‫االجتماعية‪ .‬وأضافت‪« :‬كتب املؤرخون‬ ‫والش�� ��عراء واألدباء املسلمون القدماء‬ ‫عن املعارك وأس�� ��لحة الفرسان‪ ،‬وعن‬ ‫الصي�� ��د أيض� � �اً‪ ،‬بلغ�� ��ة ش�� ��عرية جزلة‬ ‫وقوية‪ ،‬تن ّوعت بني املباشرة والرمزية‪،‬‬ ‫ليصبح اس�� ��تخدام األس�� ��لحة أس�� ��لوباً‬ ‫في التورية والتوصي�� ��ف حول خصال‬ ‫اإلنسان وسمات الفارس العربي‪ .‬ومن‬ ‫أبرز تلك األس�� ��لحة السيف واخلنجر‬ ‫اللذان طاملا تغنى بهما الشعراء‪ ،‬ولقيا‬ ‫حفاوة من شتى شرائح املجتمع‪ ،‬عالوة‬ ‫على هذا‪ ،‬ما ش�� ��هده هذان السالحان‬ ‫من جتديد في صناعتهما ومناذجهما‪،‬‬ ‫فض ًال عن فنون تزيينهما‪.‬‬ ‫كان للسيف عند الناس‪ ،‬في زمن‬ ‫احلضارة اإلس��ل��امية‪ ،‬مكان�� ��ة كبيرة‪،‬‬ ‫وكان وس�� ��ام ش�� ��رف حلامله‪ ،‬وأفضل‬ ‫هدية تُق� � � َّدم للحكام واألم�� ��راء وكبار‬ ‫‪194‬‬

‫‪4/19/15 12:39:17 PM‬‬

‫سالم قاوقجي‬

‫د‪ .‬مرسل العجمي‬

‫القوم‪ .‬ومن أش�� ��هر السيوف التي كتب‬ ‫عنها‪ ،‬س�� ��يف الرس�� ��ول الكرمي محمد‬ ‫‪.‬‬ ‫كما نُقش�� ��ت على السيوف اآليات‬ ‫القرآني�� ��ة‪ ،‬وم�� ��ن ثم ص�� ��ارت تزخ َرف‬ ‫بالذه�� ��ب والفض�� ��ة‪ ،‬وكانت الس�� ��يوف‬ ‫األولى في تاريخ املس�� ��لمني مستقيمة‬ ‫النص�� ��ل أو مس�� ��ننة من ط�� ��رف واحد‬ ‫أو اثن��ي��ن‪ ،‬واس�� ��تخدم ه�� ��ذا النوع من‬ ‫الس�� ��يوف طوال قرون عدة‪ .‬أما سيف‬ ‫املفضل لدى الفرسان‬ ‫املبارزة الذي كان ّ‬

‫احملارب��ي��ن‪ ،‬ف�� ��كان الس�� ��يف املعقوف‪،‬‬ ‫أما ف�� ��ي العهدين األموي والعباس�� ��ي‪،‬‬ ‫فكان شكل الس�� ��يف األكثر شيوعاً هو‬ ‫املستقيم نّ‬ ‫املسن من الطرفني‪.‬‬ ‫وطــــاف�� ��ت س��ل��ام قــاوقج�� ��ي‬ ‫باحلض�� ��ور ف�� ��ي رحل�� ��ة إل�� ��ى العصر‬ ‫البرونزي للخنجر ذي املقبض‪ ،‬شرقاً‪،‬‬ ‫عبر ش�� ��مال غرب إيران‪ ،‬وحتى أوربا‬ ‫في احلق�� ��ب اإلغريقية والرومانية‪ ،‬ثم‬ ‫عودة ظهوره في الش�� ��رق ف�� ��ي القرن‬ ‫السادس عشر امليالدي‪ .‬وأشارت إلى‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 194-195.indd 194‬‬


‫أن مقبض اخلنجر نش�� ��أ باس�� ��تخدام‬ ‫عظم فخذ احليوانات‪ ،‬واس�� ��تمر على‬ ‫هذا الش�� ��كل خالل مختل�� ��ف األزمنة‬ ‫واألماك�� ��ن‪ ،‬م�� ��ن دون أن يتغير‪ ،‬ثم عاد‬ ‫اخلنج�� ��ر ذو املقبض إل�� ��ى الظهور في‬ ‫الش�� ��رق بس�� ��بب الصالت ب��ي��ن أوربا‬ ‫الغربية والهن�� ��د وإيران‪ ،‬وقد مت تزيني‬ ‫مقاب�� ��ض اخلناجر التي اقتناها امللوك‬ ‫ورجال البالط في حكم املغول والدول‬ ‫الصفوية‪.‬‬ ‫أم�� ��ا احملاض�� ��رة الثاني�� ��ة فكانت‬ ‫بعنوان «تاريخ اللغة العربية‪ ...‬حتقيب‬ ‫جدي�� ��د»‪ ،‬ألقاه�� ��ا الدكت�� ��ور مرس�� ��ل‬ ‫العجمي‪ ،‬أستاذ األدب والنقد احلديث‬ ‫في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة‬ ‫الكويت‪.‬‬ ‫وتناول�� ��ت احملاض�� ��رة تأريخ اللغة‬ ‫العربي�� ��ة على املعطي�� ��ات اآلثارية التي‬ ‫تكش�� ��ف عن اس�� ��تقرار اإلنس�� ��ان في‬ ‫اجلزيرة العربية منذ أقدم األزمنة‪ ،‬من‬ ‫ناحية‪ ،‬وتعتمد من ناحية أخرى‪ ،‬على‬ ‫الدرس اللغوي املقارن الذي يشير إلى‬ ‫أن لغات الش�� ��رق القدمي ترتد إلى لغة‬ ‫عتيقة تش� � � ّكل األم التي تف ّرعت عنها‬ ‫اللغات الالحقة‪.‬‬ ‫وأطلق�� ��ت احملاض�� ��رة عل�� ��ى تلك‬ ‫اللغ�� ��ة العتيق�� ��ة‪ ،‬اللغة العربي�� ��ة األم‪،‬‬ ‫إذ ي�� ��رى احملاض�� ��ر أن جمي�� ��ع اللغات‬ ‫الالحق�� ��ة‪ ،‬بدءاً من األكادية واإلبالوية‬ ‫الت�� ��ي ظه�� ��رت في ح�� ��دود ‪ 2600‬ق‪.‬م‬ ‫في بالد الرافدين‪ ،‬وبالد الش�� ��ام‪ ،‬هي‬ ‫لغات عربية‪ ،‬تع�� ��ود إلى لغة أم ظهرت‬ ‫في ش�� ��مال اجلزيرة العربية في حدود‬ ‫‪ 3600‬ق‪.‬م‪ .‬ويش�� ��ير إل�� ��ى هذا األصل‬ ‫القدمي اش�� ��تراك تلك اللغات القدمية‬ ‫مع اللغة العربية الش�� ��مالية التي متثل‬ ‫آخر جتل ّي�� ��ات اللغة العربية في املعجم‬ ‫اللغ�� ��وي‪ ،‬والنظ�� ��ام الصوت�� ��ي‪ ،‬ونظام‬ ‫اإلعراب‪.‬‬ ‫املفكرة الثقافية‬ ‫‪4/20/15 9:41:05 AM‬‬

‫وهكذا‪ ،‬وباالستناد إلى علم اآلثار‬ ‫قسمت حقب اللغة‬ ‫وعلم اللغة املقارن ّ‬ ‫العربية إلى عصر اللغة العتيقة‪ ،‬عصر‬ ‫اللغة األم وعصر اللغة القدمية وعصر‬ ‫اللغة العربية الش�� ��مالية وعصر اللغة‬ ‫املعمارية‪.‬‬ ‫وخت�� ��م احملاض�� ��ر بالق�� ��ول‪ :‬إذا‬ ‫خلصنا إل�� ��ى أن موط�� ��ن أولئك القوم‬ ‫اجلزي�� ��رة العربي�� ��ة‪ ،‬وإذا كان يفترض‬ ‫أنهم كان�� ��وا يتكلمون لغة أ ّم� � �اً قبل أن‬ ‫تتف ّرع إل�� ��ى لغات الحق�� ��ة‪ ،‬وإذا كانت‬ ‫اللغ�� ��ات الالحقة قد نس�� ��بت إما إلى‬ ‫أماكن بعينها مث�� ��ل األكادية واإلبالوية‬ ‫واألغاريتي�� ��ة‪ ،‬وإما إلى الش�� ��عوب التي‬ ‫تتح�� ��دث بها مثل اآلمورية أو الكنعانية‬ ‫أو العبري�� ��ة‪ ،‬أفليس م�� ��ن املنطقي أن‬ ‫تنس�� ��ب اللغة األم إما إلى املكان الذي‬ ‫قيلت فيه (اجلزيرة العربية)‪ ،‬وإما إلى‬ ‫األق�� ��وام الذين أصبح�� ��وا يعرفون بها‬ ‫(العرب)؟‬ ‫ً‬ ‫اس�� ��تنادا إلى ما س�� ��بق أقترح أن‬ ‫تس�� ��مى اللغ�� ��ة األم املقترح�� ��ة باللغة‬ ‫العربية األم‪.‬‬ ‫وأم�� ��ا احملاضرة الثالث�� ��ة فق َّدمها‬ ‫د‪.‬فيص�� ��ل الكن�� ��دري أس�� ��تاذ التاريخ‬ ‫احلديث املعاصر ف�� ��ي جامعة الكويت‬ ‫بعنوان «عالقة الشيخ مبارك الصباح‬ ‫بالدولة العثماني�� ��ة»‪ ،‬إذ ق َّدم احملاضر‬ ‫عرضاً كمبيوترياً تناول خالله مراحل‬ ‫حكم الش�� ��يخ مبارك الصب�� ��اح‪ ،‬بداية‬ ‫قائ ًال‪ :‬قام حاكم الكويت الشيخ مبارك‬ ‫الصب�� ��اح بتوقي�� ��ع اتفاقي�� ��ة حماية مع‬ ‫بريطاني�� ��ا في ع�� ��ام ‪1316‬هـ‪1899/‬م‪،‬‬ ‫وبهذا يكون قد وقف إلى جانب بريطانيا‬ ‫ضد ال�� ��دول األخ�� ��رى‪ ،‬وكان عليه أن‬ ‫ينهي كل عالق�� ��ة له بالدولة العثمانية‪،‬‬ ‫فأجبرت هذه االتفاقية الشيخ مبارك‬ ‫على عدم اس�� ��تقبال من�� ��دوب أي دولة‬ ‫إال مبوافق�� ��ة الس�� ��لطات البريطانية‪،‬‬

‫د‪ .‬فيصل الكندري‬

‫مبا ف�� ��ي ذلك الدول�� ��ة العثمانية‪ ،‬فهل‬ ‫جنح�� ��ت بريطاني�� ��ا في إبعاد الش�� ��يخ‬ ‫مبارك عن الدولة العثمانية؟ وتتعرض‬ ‫الدراسة لعالقة الشيخ مبارك بالدولة‬ ‫العثمانية‪ ،‬للوقوف على حقيقة العالقة‬ ‫بينهم�� ��ا بعد توقيع اتفاقية احلماية مع‬ ‫بريطاني�� ��ا‪ .‬وأض�� ��اف‪ :‬تش�� ��ير الدالئل‬ ‫واألح�� ��داث التاريخية إلى أن الش�� ��يخ‬ ‫مب�� ��ارك ل�� ��م يح�� ��اول يوم� � �اً أن يقطع‬ ‫عالقت�� ��ه بالدولة العثمانية‪ ،‬وتبني هذه‬ ‫الورقة أيضاً مساعدات الشيخ مبارك‬ ‫للدولة العثمانية عندما كانت تتعرض‬ ‫لألزم�� ��ات واحل�� ��روب‪ ،‬وتوض�� ��ح مدى‬ ‫حرص الش�� ��يخ مبارك عل�� ��ى التق ّرب‬ ‫من الدول�� ��ة العثماني�� ��ة‪ ،‬وق َّدمت مثاالً‬ ‫عل�� ��ى ذل�� ��ك عندما قام ببناء مس�� ��جد‬ ‫في الكويت ع�� ��ام ‪1900‬م‪ ،‬وأطلق عليه‬ ‫«اجلامع احلميدي» نسبة إلى السلطان‬ ‫عبداحلميد الثاني‪ ،‬كما تش�� ��ير الورقة‬ ‫إلى املس�� ��اعدات التي ق َّدمه�� ��ا للدولة‬ ‫في مناس�� ��بات ع�� ��دة‪ ،‬وختم احملاضرة‬ ‫بالقول‪ :‬ظل الش�� ��يخ مب�� ��ارك الصباح‬ ‫يرف�� ��ع عل�� ��م الدول�� ��ة العثماني�� ��ة حتى‬ ‫بدايات احلرب العاملية األولى‪ ،‬إلى أن‬ ‫اضطر لتغييره حت�� ��ى ال تكون الكويت‬ ‫هدفاً لقنابل أس�� ��طول احللفاء‪ ،‬وأشار‬ ‫احملاضر إلى األوس�� ��مة التي أرسلتها‬ ‫الدولة لتكرميه >‬ ‫‪195‬‬

‫‪may 194-195.indd 195‬‬


‫المفكرة الثقافية‬

‫سليمان فيَّاض‪ ...‬صوت جيل قصصي أصيل‬ ‫هند عبد الحليم محفوظ‬

‫كاتبة من مصر‬

‫رح���ل ع���ن ع��ال��م��ن��ا ال���ق���اص وال����روائ����ي واإلع�ل�ام���ي‬ ‫واللغوي والباحث التاريخي سليمان ف َّياض (‪1929‬‬ ‫– ‪ )2015‬عن عمر يناهز السادسة والتسعين في‬ ‫السادس والعشرين من فبراير الماضي‪.‬ولد الراحل‬ ‫في قرية «برهموتش» بمحافظة الدقهلية‪ ،‬وتخرج‬ ‫في كلية اللغة العربية بجامعة األزه��ر عام ‪،1956‬‬ ‫وحصل على العالمية عام ‪.1959‬‬ ‫«لوال هذا الرجل – سليمان فياض – ملا نشرت حرفاً‬ ‫واح� � ��داً»‪ ،‬ويضيف بهاء طاهر في أحد حواراته‪« :‬لقد‬ ‫كان س� � ��ليمان في� � ��اض وأبواملعاط� � ��ي أبوالنجا رائدين‬ ‫اس� � ��تطاعا أن يُحدثا النقلة التي مهدت السبيل جليل‬ ‫الس� � ��تينيات‪ .‬لم يأخ� � ��ذا حقهما؛ ألنه يغل� � ��ب عليهما‬ ‫التواضع الش� � ��ديد وإنكار الذات البالغ في احلقيقة؛‬ ‫فهم� � ��ا يجدان الس� � ��عادة ف� � ��ي تقدمي س� � ��واهما ال في‬ ‫اإلعالن عن نفس� � ��يهما‪ .‬ومبا أنن� � ��ا نعيش في مجتمع‬ ‫غابي – نسبة إلى الغابة – فطبيعي أال يأخذا حقهما‬ ‫أبداً»‪.‬‬ ‫ويعتبر ف َّياض أحد أبرز أعالم جيل اخلمسينيات‪،‬‬ ‫تل� � ��ك احلقبة التاريخية التي ال تخفى على أحد‪ ،‬فهي‬ ‫احلقب� � ��ة التي تلقت بالق� � ��در الكافي وس� � ��ائل التطور‬ ‫والتجديد ومارس� � ��ت اخلبرة التراثية الس� � ��ردية عبر‬ ‫مس� � ��يرة تراثنا القدمي في «احلكي»‪ ،‬واعتصرت خبرة‬ ‫الثقافة املعاصرة في الس� � ��رد ش� � ��رقاً وغرباً‪ ,‬وواكبت‬ ‫التجدد في التكنيك واألساليب الفنية وطبقتها بصدق‬ ‫وإخالص‪ .‬ومن رموز هذه احلقبة‪ :‬يوس� � ��ف السباعي‪،‬‬ ‫ثروت أباظة‪ ،‬يوس� � ��ف إدري� � ��س‪ ،‬أبواملعاطي أبوالنجا‪،‬‬ ‫نعمان عاش� � ��ور‪ ،‬يوسف الش� � ��اروني‪ ،‬فاروق خورشيد‪،‬‬ ‫محمد عبداحلليم عبدالله‪ ،‬يوسف جوهر‪ ،‬وغيرهم‪.‬‬

‫من أعماله القصصية‪ :‬عطش� � ��ان يا صبايا‪ ،‬بعدنا‬ ‫الطوفان‪ ،‬أحزان حزيران‪ ،‬ذات العيون العس� � ��لية‪ ،‬زمن‬ ‫الصمت والضب� � ��اب‪ ،‬وفاة عامل مطبعة‪ ،‬ال أحد‪ .‬ومن‬ ‫أبرز رواياته‪ :‬أصوات‪ ،‬أيام مج� � ��اور‪ ،‬الصورة والظل‪،‬‬ ‫والقرين‪.‬‬ ‫كم� � ��ا كت� � ��ب برنامج «قام� � ��وس املعرف� � ��ة» لإلذاعة‬ ‫املصري� � ��ة عل� � ��ى مدار نص� � ��ف قرن أو يزي� � ��د‪ ،‬وكذلك‬ ‫برنامج «سور األزبكية»‪.‬‬ ‫وق� � ��دم حوالي ‪ 36‬س� � ��يرة لعلماء وأدب� � ��اء العرب‪،‬‬ ‫مثل‪ :‬ابن خلدون‪ ،‬اجلاحظ‪ ،‬ابن النفيس‪ ،‬اإلدريس� � ��ي‪،‬‬ ‫اخلوارزم� � ��ي‪ ،‬ابن رش� � ��د‪ ،‬الدمي� � ��ري‪ ،‬القزويني‪ ،‬ابن‬ ‫الهيثم‪ ،‬البيروني‪ ،‬ابن البيطار‪ ،‬ابن بطوطة‪ ،‬ابن سينا‪،‬‬ ‫وجابر بن حيان‪.‬‬ ‫كما قدم عدداً من املعاجم اللغوية للتيس� � ��ير على‬ ‫الق � � � َّراء واملتخصصني في هذا املج� � ��ال‪ ،‬منها‪ :‬معجم‬ ‫األفع� � ��ال العربية املعاص� � ��ر‪ ،‬الدليل اللغ� � ��وي‪ ،‬أنظمة‬ ‫تصريف األفع� � ��ال العربية‪ ،‬األفعال العربية الش� � ��اذة‪،‬‬ ‫جموع التكسير‪ ،‬وغيرها‪.‬‬ ‫نصح عميد الدراما العربية الراحل أس� � ��امة أنور‬ ‫عكاش� � ��ة باالجتاه إل� � ��ى كتابة الس� � ��يناريو بعد أن قدم‬ ‫مجموعات قصصية لم تصادف انتش� � ��اراً وذيوعاً في‬ ‫نهاية ستينيات القرن املاضي‪.‬‬ ‫وقد كانت لسليمان فياض أياد بيض على مبدعي حركية األحداث‬ ‫وألن سليمان ف َّياض ح َّكاء من طراز فريد‪ ،‬يدرك‬ ‫عصره‪ ،‬ومنهم الروائي الكبير بهاء طاهر‪ ،‬الذي قال‪:‬‬ ‫‪196‬‬

‫‪4/19/15 12:40:37 PM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 196-197.indd 196‬‬


‫بفطرته قوانني الس� � ��رد ويتق� � ��ن مبوهبته بناء الرواية‪،‬‬ ‫فإنه ال يكتفي بالس� � ��خاء الشديد في وصف املشاهد‬ ‫والش� � ��خوص وصناعة األجواء احمليطة بهم‪ ،‬فيش� � ��رح‬ ‫يومي� � ��ات الطالب األزهري في روايت� � ��ه «أيام مجاور»‪،‬‬ ‫التي تعد سيرة ذاتية له‪ ،‬فيقول‪« :‬التففت حول املسجد‬ ‫من طرق جانبية‪ ،‬حتى ال أمر على املعسكر اإلجنليزي‬ ‫الصغير املقام في ميدان فس� � ��يح أمام املسجد‪ ،‬دخلت‬ ‫امليضأة‪ ،‬ونزعت ثيابي‪ ،‬ونويت الغس� � ��ل‪ ،‬وانزلقت في‬ ‫بئر املغطس‪ ،‬جففت نفسي‪ ،‬وصررت الفوطة والثياب‬ ‫املخلوعة‪ ،‬وحملتها منس ً‬ ‫ال إلى غرفتي»‪ .‬بل يعمد إلى‬ ‫حتريك األحداث منذ الصفحات األولى في مسارها‬ ‫احملت� � ��وم‪ ،‬مبرزاً م� � ��ا تتميز به احلياة م� � ��ن دهاء‪ ،‬وما‬ ‫ينضج في األقدار من حكمة األب‪ ،‬الذي رافق ابنه في‬ ‫رحلة السفر إلى املعهد الديني‪ ،‬مذل ً‬ ‫ال له كل الصعاب‬ ‫التي قد تواجهه‪ ،‬مثل تأجير املس� � ��كن ودفع مصاريف‬ ‫املعهد‪ .‬وقد حت� � ��دث ف َّياض عن التجرب� � ��ة اإلبداعية‬ ‫التي تطرحها الرواية‪ ،‬فقال‪« :‬هذه الرواية تقدم عالم‬ ‫الش� � ��يوخ واملش� � ��ايخ‪ ،‬على خصوصيته الشديدة‪ ،‬عالم‬ ‫بشري‪ ،‬مثل عالم كل الناس‪ ،‬فيه اخلير والشر‪ ،‬والفقر‬ ‫والغنى‪ ،‬والعدل والظلم‪ ،‬والقس� � ��وة واحلنان‪ ،‬والرحمة‬ ‫والعنف‪ ،‬والبخل والك� � ��رم‪ ،‬واحلكمة واحلمق‪ ،‬والذكاء‬ ‫والغباء‪ ،‬متاماً كما في كل عوالم الناس‪ ،‬ال قداسة فيه‬ ‫وقصر ثوباً‪،‬‬ ‫ألحد‪ ،‬وإن تأنق وإن تز ّيا‪ ،‬وحمل مسبحة‪ّ ،‬‬ ‫وطبع زبيبة على اجلبني‪ .‬فالكل معلَّق من عرقوبه كما‬ ‫نق� � ��ول‪ ،‬رهني بعمله ال بصورته ب� �ي��ن الناس‪ .‬والذكرى‬ ‫وحدها هي الس� � ��يرة العط� � ��رة أو اخلبيثة الرائحة في‬ ‫عقول ونفوس الصاحلني والطاحلني‪ ،‬فذكريات اخلير‬ ‫والش� � ��ر عن الغير باقي� � ��ة بني الن� � ��اس‪ ،‬األخيار منهم‬ ‫واألشرار على الس� � ��واء‪ .‬اخلير خير والشر شر‪ ،‬حتى‬ ‫في نفوس األشرار الساخرين من األخيار»‪.‬‬ ‫ويضي� � ��ف ف َّياض‪« :‬وهذا العمل قس� � ��م من ماضي‬ ‫احل� � ��ي أعود فيه إل� � ��ى كهوف عمري‪ ،‬وكان مس� � ��رحه‬ ‫مس� � ��اكن وشوارع وحارات مدينتني‪ ،‬وزمنه سنوات من‬ ‫الضياع‪ ،‬وأبطاله األساس� � ��يون م� � ��ن األهل واجليرات‪،‬‬ ‫والشيوخ واملشايخ‪ ...‬سبع سنوات عجاف باملعاناة‪...‬‬ ‫سمان بالذكريات»‪.‬‬ ‫وتعود قيم� � ��ة «أيام مجاور» إلى كونها ألقت ضوءاً‬ ‫قوي � � �اً على قيمة الفرد وخصوصيت� � ��ه على الرغم من‬ ‫غلبة الغيرية وس� � ��طوة الرقابة اجلماعية‪ ،‬كما تقترح‬ ‫الرواية اس� � ��تئنافاً للكتابة الروائية ف� � ��ي اجتاه جديد‬ ‫واقتحام األسئلة احمل َّرمة واملسكوت عنها‪ .‬وهي طريق‬ ‫أس� � ��هم في التحضير لها روائيون عرب آخرون بنسب‬ ‫متفاوتة‪ ،‬تلفت النظر إلى س� � ��لطة التخييل واحملكيات‬ ‫سليمان ف َّياض‪ ...‬صوت جيل قصصي أصيل‬ ‫‪4/19/15 12:41:10 PM‬‬

‫في مجتمعات عربية متعطش� � ��ة إل� � ��ى حترير الذاكرة‬ ‫ومساءلة التاريخ‪.‬‬ ‫ويرصد ف� � ��ي مجموعته القصصية «عطش� � ��ان يا‬ ‫صبايا» معاناة الفرد املس� � ��تضعف والكس� � ��ير اجلناح‬ ‫ف� � ��ي مواجهته الواقع من خ� �ل��ال دوائر اآلباء واألبناء‪،‬‬ ‫الفرد واملجتمع‪ ،‬وما وضعه املجتمع من قوانني لنصل‬ ‫إلى جوهر تلك الدوائر وهو «احلرية» على املس� � ��توى‬ ‫الف� � ��ردي أو املجتمعي ف� � ��ي إطار العدال� � ��ة‪ ،‬أو الظلم‬ ‫والطغيان‪ ،‬واألنا واآلخر‪ ،‬وتفاعل األجيال‪ ،‬والس� � ��لوك‬ ‫اإلنساني‪.‬‬ ‫وف� � ��ي مجموعته «أحزان حزي� � ��ران»‪ ،‬يصور املناخ‬ ‫الع� � ��ام املفعم بالي� � ��أس واالكتئاب عق� � ��ب هزمية يونيو‬ ‫(حزيران)‪ ،‬ولكنه يستشرف املستقبل‪ ،‬ويؤكد أن هزمية‬ ‫يونيو (حزيران) تكون يس� � ��يرة مقارنة مبا تعانيه األمة‬ ‫من أهوال في املستقبل‪ ،‬فيقول في نهاية القصة التي‬ ‫حتمل اسم املجموعة‪« :‬أحزان حزيران‪ ...‬سيأتي يوم‬ ‫ما‪ ،‬تصبح معه أحزان حزيران ذكرى‪ .‬يكتبها املؤرخون‬ ‫س� � ��طوراً جافة‪ .‬س� � ��تكون الرؤية يومها أكثر وضوحاً‪.‬‬ ‫سيكون اخلامس من يونيو مجرد حرب صغيرة وسط‬ ‫حروب التاري� � ��خ‪ .‬جولة كانت في حرب‪ .‬أو رمبا تكون‬ ‫حرباً اكتش� � ��ف العدو مدى ما فيها من حماقة فتراجع‬ ‫ٍ‬ ‫عندئذ ستنسى األحزان يا عربي‪ .‬األحياء فقط‬ ‫عنها‪.‬‬ ‫من جيلنا ستظل حرب يونيو ح َّية معهم‪ .‬وحني ميوتون‬ ‫ينتهي كل شيء»‪.‬‬ ‫وتنبأ س� � ��ليمان ف َّي� � ��اض في كتاب� � ��ه «الوجه اآلخر‬ ‫للخالفة اإلسالمية» بفشل فكرة اخلالفة اإلسالمية‬ ‫وسقوط تيار اإلس� �ل��ام السياسي‪ ،‬حيث رصد الوجه‬ ‫اآلخ� � ��ر للدولة الدينية وقهرها للش� � ��عوب وألبناء هذه‬ ‫الش� � ��عوب‪ ،‬ومحن الفقهاء والعلماء والكتَّاب والوزراء‪،‬‬ ‫في ظل خالفات القهر وس� � ��لبها حق الشعوب املسلمة‬ ‫في تقرير مصيرها‪ .‬وال مفر ملسلمي اليوم من األخذ‬ ‫بحقوق اإلنس� � ��ان في العصر احلديث‪ ،‬وهي مقاصد‬ ‫الدين اإلسالمي‪ ،‬فلم يفرض هذا الدين نظاماً وحيداً‬ ‫للحكم وال تصوراً وحيداً للشورى‪.‬‬ ‫ويضيف ف َّياض‪« :‬فمن املستحيل أن نزرع طرائق‬ ‫العصور الوس� � ��طى في احلكم ف� � ��ي عصرنا احلديث‪،‬‬ ‫وم� � ��ن املس� � ��تحيل أن نعيد إل� � ��ى عاملنا أوجه� � ��ا قبيحة‬ ‫للحكم‪ ...‬أوجه احلكم االستبدادي الشمولي بنزوعاته‬ ‫اإلمبراطورية وسعيه للتوسع دائماً باسم تأمني احلدود‬ ‫ٍ‬ ‫عندئذ‪،‬‬ ‫أو باسم الدعوة للدين‪ ،‬فاحلدود ال نهاية لها‬ ‫والدعوة للدين ال تكون بالتوس� � ��ع وإمنا فقط بالدعوة‬ ‫للدين بالتي هي أحسن بخطاب العقل للعقول»‪ .‬رحم‬ ‫الله مبدعنا الكبير سليمان ف َّياض >‬ ‫‪197‬‬

‫‪may 196-197.indd 197‬‬


‫المفكرة الثقافية‬

‫معرض تونس الدولي للكتاب‬ ‫يكرِّم المشارقة والمغاربة‬ ‫خالد سليمان‬

‫ناقد وباحث مصري مقيم في تونس‬

‫للمرة األول���ى ف��ي تاريخه يتخلى م��ع��رض تونس‬ ‫ال��دول��ي للكتاب ع��ن صفة ال��س��وق ال��ت��ي الزمته‬ ‫سنوات عديدة‪ ،‬فيتحول في دورته الحادية والثالثين‬ ‫إلى مجال للتفكير والتكريم واالحتفاء والتشجيع‪.‬‬ ‫هذا التحول النوعي رصدته يومية المعرض الذي‬ ‫استمرت فعالياته من ‪ 27‬مارس إلى ‪ 5‬أبريل ‪،2015‬‬ ‫وافتتحه رئيس الحكومة الحبيب الصيد ووزيرة الثقافة والمحافظة على‬ ‫التراث لطيفة األخضر ووزي��ر الثقافة المغربي محمد أمين الصبيحي‬ ‫الذي اختيرت بالده ضيف شرف للمعرض‪.‬‬ ‫الس� � ��يدة لطيف� � ��ة األخض� � ��ر‬ ‫أك� � ��دت أن هذه ال� � ��دورة انقطعت‬ ‫عن املاضي الذي نكرهه‪ ،‬املاضي‬ ‫ال� � ��ذي كان في� � ��ه مع� � ��رض تونس‬ ‫للكت� � ��اب تكريس� � ��ا لتن� � ��اول تراثي‬ ‫للتراث‪ ،‬وملتقى للفكر اخلرافي‪،‬‬ ‫ومن زاروا املعرض سابقاً يعلمون‬ ‫حجم الكت� � ��ب «الصف� � ��راء» التي‬ ‫هيمن� � ��ت على املع� � ��رض والعقول‪،‬‬ ‫ولذل� � ��ك طرح البرنام� � ��ج الثقافي‬ ‫للمع� � ��رض إش� � ��كاليات احلداث� � ��ة‬ ‫والتنوي� � ��ر والدميقراطية وتعميق‬ ‫الس� � ��ؤال النقدي الذي كان يفتقر‬ ‫إلي� � ��ه مع� � ��رض تون� � ��س الدول� � ��ي‬ ‫للكتاب‪.‬‬ ‫وقد دع� � ��ا املعرض كوكبة من‬ ‫أعالم الثقاف� � ��ة العربية والعاملية‪،‬‬ ‫‪198‬‬

‫‪4/19/15 11:54:43 AM‬‬

‫منهم الروائي اجلزائري واسيني‬ ‫األع� � ��رج‪ ،‬والكات� � ��ب الكويت� � ��ي‬ ‫الدكتور عادل سالم العبداجلادر‬ ‫رئي� � ��س حتري� � ��ر مجل� � ��ة العربي‪،‬‬ ‫واحلكواتية الفلس� � ��طينية دنيس‬ ‫أس� � ��عد‪ ،‬والناقد املصري الدكتور‬ ‫صالح فضل‪ ،‬والش� � ��اعر ال ُعماني‬ ‫حس� � ��ن املطروش� � ��ي‪ ،‬والناش� � ��طة‬ ‫الهندي� � ��ة كورين كوم� � ��ار‪ ،‬والكاتب‬ ‫األردني يحيى القيسي‪ ،‬والكاتب‬ ‫املغرب� � ��ي عبدالرحيم عالم رئيس‬ ‫احتاد كت� � ��اب املغرب‪ ،‬واألكادميية‬ ‫الليبية الدكتورة عائش� � ��ة املغربي‪،‬‬ ‫والباحث� � ��ة واملترجم� � ��ة املصري� � ��ة‬ ‫الدكتورة سهير املصادفة‪ ،‬واملبدع‬ ‫العراقي صمويل ش� � ��معون رئيس‬ ‫حترير مجلة كيكا لألدب العاملي‪،‬‬

‫والعشرات غيرهم‪ .‬‬ ‫ومثلم� � ��ا اخت� � ��ار املع� � ��رض‬ ‫اململك� � ��ة املغربية ضيف ش� � ��رف‪،‬‬ ‫برز في فعالي� � ��ات كثيرة‪ ،‬ك َّرم من‬ ‫الش� � ��رق أيقونتني شهيرتني هما‪،‬‬ ‫الدكت� � ��ورة ن� � ��وال الس� � ��عداوي من‬ ‫مص� � ��ر‪ ،‬والش� � ��اعر أدوني� � ��س من‬ ‫س� � ��ورية‪ ،‬اللذان استقبلهما رئيس‬ ‫اجلمهوري� � ��ة‪ ،‬وكان� � ��ا يس� � ��تقبالن‬ ‫زوار املـــــع� � ��رض بجـــــداريــــــــت� �ي��ن‬ ‫كبيرت� �ي��ن حتم� �ل��ان صورتيهم� � ��ا‪،‬‬ ‫وجعلهما كثيرون خلفية لصورهم‬ ‫التذكارية‪.‬‬ ‫وق� � ��د ُمنح املكرم� � ��ان الطبقة‬ ‫األعل� � ��ى م� � ��ن الوس� � ��ام الوطن� � ��ي‬ ‫لالستحقاق الثقافي (أعلى وسام‬ ‫ثقافي)‪ ،‬خالل مراس� � ��م احتفالية‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 198-201.indd 198‬‬


‫الدكتور عادل سالم العبد اجلادر يهدي السيدة لطيفة األخضر وزيرة الثقافة واحملافظة على التراث العدد األول التذكاري ملجلة العربي‬

‫في مقر وزارة الثقافة بالعاصمة‬ ‫التونسية‪.‬‬ ‫وقال� � ��ت وزي� � ��رة الثقاف� � ��ة‬ ‫واحملافظة على الت� � ��راث‪« :‬أعبر‬ ‫ف� � ��ي ه� � ��ذا احلف� � ��ل البهي� � ��ج عن‬ ‫اعت� � ��زازي الكبير بوج� � ��ود هذين‬ ‫العلم� �ي��ن اللذي� � ��ن تربين� � ��ا وكانت‬ ‫تنش� � ��ئتنا الفكرية والثقافية على‬ ‫أفكارهما»‪.‬‬ ‫ورأى الدكتور محمد محجوب‬ ‫أن هذا التوســـيم هــــو‪ ‬تــقدير من‬

‫تونس للمبدع� �ي��ن على ما قدماه‬ ‫ط� � ��وال مس� � ��يرتيهما اإلبداعيتني‬ ‫خدمة للثقافة العربية‪ ،‬فأدونيس‬ ‫تقدره تونس ملا قدمه على امتداد‬ ‫عقود من خدمة للثقافة العربية‪،‬‬ ‫وهو ما جتلى في جتربة ش� � ��عرية‬ ‫طويلة ومتط� � ��ورة‪ ،‬وجتربة فكرية‬ ‫متنوعة‪ .‬ونوال الس� � ��عداوي تكرم‬ ‫أيضاً تقديراً من تونس ملا قدمته‬ ‫من أعمال غزيرة ومتنوعة خدمة‬ ‫لقضايا املرأة والعصر‪.‬‬

‫الشاعرة فضيلة الشابي تلقي قصائدها خالل لقاء شعراء تونس واملغرب‬ ‫معرض تونس الدولي للكتاب يك ِّرم املشارقة واملغاربة‬ ‫‪4/19/15 11:54:49 AM‬‬

‫وقد س� � ��اور املثقف� �ي��ن القلق‬ ‫قبيل انطالق املعرض‪ ،‬إذ س� � ��بقه‬ ‫بأيام احل� � ��ادث اإلرهاب� � ��ي الذي‬ ‫أس� � ��قط ضحاي� � ��ا من ب� �ي��ن زوار‬ ‫متحف ب� � ��اردو في قلب العاصمة‬ ‫التونس� � ��ية‪ ،‬لكن رس� � ��الة الدكتور‬ ‫محمد محج� � ��وب مدير املعرض‬ ‫أك� � ��دت ح� � ��رص املنظم� �ي��ن على‬ ‫املض� � ��ي قدم � � �اً في مش� � ��روعهم‬ ‫التنوي� � ��ري الذي يض� � ��يء بأيامه‬ ‫احلي� � ��اة الثقافي� � ��ة‪« :‬منيت تونس‬ ‫مبصيب� � ��ة كبيرة نتيج� � ��ة العملية‬ ‫اإلرهابي� � ��ة الغادرة الت� � ��ي نفذتها‬ ‫عصابة مجرم� � ��ة في أحد معاقل‬ ‫احلض� � ��ارة والثقافة التونس� � ��ية‪،‬‬ ‫ولك� � ��ن رغم ه� � ��ذا املصاب اجللل‬ ‫فإن هيئ� � ��ة معرض تونس الدولي‬ ‫للكتاب أشد إصراراً منها في أي‬ ‫وقت مضى على تنظيم املعرض‪،‬‬ ‫بل وجعل هذه الدورة استثنائية‪،‬‬ ‫بتضافر كل إرادات وجوه الثقافة‬ ‫واإلب� � ��داع الوطني� � ��ة وأصدق� � ��اء‬ ‫‪199‬‬

‫‪may 198-201.indd 199‬‬


‫الناشطة الهندية كورين كومار‬

‫املترجم التونسي أمين حسن الذي نقل‬ ‫أشعار املنصف املزغني إلى الفرنسية‬

‫تونس من كل أنحاء العالم الذين‬ ‫يعتب� � ��رون تونس من� � ��ارة للثقافة‬ ‫والدميقراطي� � ��ة وس� � ��تظل كذلك‬ ‫رغم إرهاب املجرمني»‪.‬‬ ‫وم� � ��ن مالم� � ��ح هذه ال� � ��دورة‬ ‫غياب الرقابة على الكتب‪ ،‬ورغم‬ ‫خش� � ��ية املنظمني من اس� � ��تغالل‬ ‫هذه احلرية مطية لتحقيق مآرب‬ ‫شخصية‪ ،‬فإنهم أكدوا‪« :‬لكل ربح‬

‫ضريب� � ��ة يجب أن تُدف� � ��ع وما من‬ ‫ربح إال وال بد له من خسارة‪ ،‬ولو‬ ‫نسبية ميكن تسجيلها»‪.‬‬ ‫كم� � ��ا س� � ��جل املع� � ��رض رقماً‬ ‫قياس� � ��ياً في فعالي� � ��ات االحتفاء‬ ‫باملبدعني والكتاب‪ ،‬وكان من أبرز‬ ‫جديد املع� � ��رض تخصيص جوائز‬ ‫مالي� � ��ة كبرى للفائزي� � ��ن ممنوحة‬ ‫للكتاب والناشرين‪ ،‬تقدر بخمسة‬

‫عش� � ��ر ألف دينار تونسي في كل‬ ‫فرع‪.‬‬ ‫وقد حازت رواية «الطلياني»‪،‬‬ ‫وهي العمل الروائي األول للدكتور‬ ‫ش� � ��كري املبخوت‪ ،‬جائزة اإلبداع‬ ‫األدبي في دورته� � ��ا األولى‪ ،‬وهي‬ ‫الرواية التي اختيرت ضمن قائمة‬ ‫البوكر القصيرة‪ ،‬وتؤرخ في ‪342‬‬ ‫صفح� � ��ة ملرحلة مهم� � ��ة من تاريخ‬ ‫تونس املعاصر‪.‬‬ ‫وش� � ��ملت فعالي� � ��ات املعرض‬ ‫اليومية أنش� � ��طة عدة‪ ،‬منها‪ :‬في‬ ‫إط� � ��ار املغرب ضيف ش� � ��رف‪ ،‬مع‬ ‫حلق� � ��ة دراس� � ��ية‪ ،‬ولق� � ��اء بحثي‪،‬‬ ‫وورش� � ��ات عم� � ��ل‪ ،‬واس� � ��تضافة‬ ‫ملؤسس� � ��ة‪ ،‬وكتاب الي� � ��م‪ ،‬وتخليد‬ ‫لذك� � ��رى‪ ،‬وحتي� � ��ة واحتف� � ��اء‪،‬‬ ‫ومحاض� � ��رة‪ ،‬وأمس� � ��ية ش� � ��عرية‪،‬‬ ‫وعرض موس� � ��يقي‪ ،‬وي� � ��وم خاص‬ ‫بأع� �ل��ام الثقافة مثل ي� � ��وم فوكو‪،‬‬ ‫الذي أقيم بالتعاون بني كرس� � ��ي‬

‫السيدة لطيفة األخضر وزيرة الثقافة واحملافظة على التراث تقف بني أدونـيس ونوال السعداوي املكرمني بالطبقة األعلى من الوسام‬ ‫الوطني لالستحقاق الثقافي خالل مراسم احتفالية مبقر وزارة الثقافة بالعاصمة التونسية‪ ،‬وفي الصورة مدير املعرض د‪.‬محمد محجوب‬ ‫‪200‬‬

‫‪4/19/15 11:54:52 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 198-201.indd 200‬‬


‫المفكرة الثقافية‬

‫لم ينس املعرض األطفال الصغار فقدم لهم ورشات لفن العرائس وحصص ًا للرسم‬

‫اليونيس� � ��كو للفلس� � ��فة (جامع� � ��ة‬ ‫تونس) واملعهد الفرنس� � ��ي بتونس‬ ‫ومعرض تونس الدولي للكتاب‪.‬‬ ‫وس� � ��اهم د‪ .‬حامت الفطناسي‬ ‫وفري� � ��ق املنظم� �ي��ن عل� � ��ى إجناح‬ ‫الفعاليات كلها‪.‬‬ ‫وإلى جانب احلضور العربي‪،‬‬ ‫برز احلضور الفرنسي‪ ،‬الذي متثل‬ ‫في ورش� � ��ات عم� � ��ل ومحاضرات‬ ‫وفعالي� � ��ات‪ ،‬منها تق� � ��دمي املترجم‬ ‫أمي� � ��ن حس� � ��ن نصوص � � �اً كتبه� � ��ا‬ ‫الش� � ��اعر منصف املزغني ونقلها‬ ‫حس� � ��ن إلى الفرنس� � ��ية‪ ،‬ونشرت‬ ‫في باريس باللغتني حتت عنوان‪:‬‬ ‫شحرور املدينة املعتقلة ‪Le Merle‬‬ ‫‪.de Ville Captive‬‬

‫ولعل عشرات الفعاليات التي‬ ‫ازدحم� � ��ت بها القاع� � ��ات كل يوم‪،‬‬ ‫جعل� � ��ت احلضور يزي� � ��د وينقص‬ ‫وفق وتيرة التوقي� � ��ت وتزامنه مع‬

‫فعاليات أخ� � ��رى‪ ،‬لذلك ازدحمت‬ ‫قاعة أدوني� � ��س بحضورها‪ ،‬بينما‬ ‫اكتفت القاعة التي ش� � ��هدت لقاء‬ ‫الش� � ��عراء التونس� � ��يني واملغارب� � ��ة‬ ‫بجمهور قليل رغم بهاء القصائد‬ ‫الت� � ��ي أنش� � ��دها كل م� � ��ن فضيلة‬ ‫الشابي وفتحي النصري وسكينة‬ ‫حبي� � ��ب الله وجمي� � ��ل اجلالصي‬ ‫وأداره� � ��ا خالد الوغالني ومحمد‬ ‫العربي‪.‬‬ ‫ومن الش� � ��عراء الذين دعتهم‬ ‫اللجنة املنظمة إلحياء األصبوحات‬ ‫واألمسيات الشعرية رشيد املومني‬ ‫وشكري بوترعة وأحمد الزهراني‬ ‫ومحمد آدم وعبده وازن وأشرف‬ ‫أبواليزي� � ��د وعبدالدين حمروش‬ ‫ومحم� � ��د هاش� � ��م وعبدالرحي� � ��م‬ ‫املاج� � ��ري وعبدالق� � ��ادر العليمي‬ ‫ون� � ��ور الدي� � ��ن الش� � ��منقي وجمال‬ ‫العرض� � ��اوي وعائش� � ��ة ش� � ��بيل‬

‫معرض تونس الدولي للكتاب يك ِّرم املشارقة واملغاربة‬ ‫‪4/19/15 11:54:55 AM‬‬

‫والهادي القمري والسيد السالك‬ ‫وناج� � ��ي احلج� �ل��اوي وس� � ��ندس‬ ‫بكار واله� � ��ادي العثماني واحميده‬ ‫الصولي ومحمد بن صالح ووداد‬ ‫عبدالعزيز وحكيم ميلود ومحمد‬ ‫اخلال� � ��دي وعبي� � ��ر مك� � ��ي ومنى‬ ‫الرزقي وسمير بوقديدة ومحمد‬ ‫عمار شعابينة ويوسف عبدالعزيز‬ ‫وعبداملقصود عبدالكرمي وفاطمة‬ ‫بن محمود ومحمد برهومي ونور‬ ‫الدين عزيزة ومعز العكايش� � ��ي‪...‬‬ ‫وسواهم‪.‬‬ ‫وقد خرج� � ��ت بعض اللقاءات‬ ‫عن احلوار التقليدي‪ ،‬إذ ش� � ��هدت‬ ‫محاضرة الناشطة الهندية كورين‬ ‫كوم� � ��ار ‪ -‬التي عاش� � ��ت نحو ‪20‬‬ ‫عاماً في تونس ‪ -‬عرضاً موسيقياً‬ ‫وطربياً رافقت فيه راقصة طفلة‬ ‫غن� � ��اء فرقة احلمائم البيض على‬ ‫اآلالت التقليدية والعصرية >‬ ‫‪201‬‬

‫‪may 198-201.indd 201‬‬


‫وتريات‬

‫عبداهلل سرمد الجميل العـراق‬ ‫إلى رئيس حترير مجلة العربي احملترم‪ ،‬أود نشر‬ ‫قصيدتي «يا أم الربيعني» في مجلة العربي مع بالغ‬ ‫الو ّد واالحترام‪.‬‬ ‫يا َّأم الربيعني يا ذكرى بخاطرتي‬ ‫�رب ِغ� � ْزالن تلهو ف��ي بساتيني‬ ‫وس � َ‬ ‫ك��أمن��ا ال �ل��ه ق��د أدن ��ى ل�ه��ا ُف َسح ًا‬ ‫�ات م ��ن اللني‬ ‫م ��ن اجل� �ن ��ان رخ � � ّي� � ٍ‬ ‫يا أ ّم الربيعني يا جمر ًا بحنج َرتي‬ ‫وص � � � ��وتَ أرم� � �ل � � ٍ�ة ج� � � ّ�د م� �ح ��زون‬ ‫ي��ا َ‬ ‫ُ‬ ‫يفارقنا‬ ‫أول ال�ع�م� ِ�ر ي��ا ح�ب� ًا ال‬ ‫�اآله مسكون‬ ‫�ارت� �ن ��ا ب� � � ِ‬ ‫وص� � ��وتَ ح � ِ‬ ‫ين امل � ُ‬ ‫�وت ح� َ‬ ‫�وت نعشقُ هُ‬ ‫ي��ا قبلة امل � ِ‬ ‫�ون‬ ‫ورع��ش��ة ا ُمل � � �زْن ب �ت �ش��ري� ٍ�ن وك��ان� ِ‬ ‫َن�‬ ‫ي��ا وج � � َه ف��ات �ن� ٍ�ة م��ال��ت ع �ل��ى َف� نَ ٍ‬ ‫ك�ي�م��ا ُت ��ري � َ‬ ‫التني‬ ‫�ك دال ًال دوح� ��ة‬ ‫ِ‬ ‫عوض‬ ‫اسم الله هل في األرض من ٍ‬ ‫يا بع َد ِ‬ ‫ُيشجي فؤادي أو ُيذكي تالحيني؟‬

‫‪202‬‬

‫‪4/19/15 9:43:03 AM‬‬

‫يا صوتَ‬ ‫خيفت ِه‬ ‫محراب‬ ‫يونس في‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫أطالل ذي النون؟‬ ‫الوقوف على‬ ‫كيف‬ ‫ِ‬ ‫ك� �ي � َ‬ ‫�ف احل � �ج� ��ار ُة مل ��ا م� ّ�س �ه��ا أل � ٌ�م‬ ‫�ارت لسان ًا وجمر ًا في شراييني‬ ‫ص� ْ‬ ‫ف ��ي ك� � ِّ�ل ع� � ٍ�ام ل �ن��ا ج��ه� ٌ�ل ميز ُّقنا‬ ‫�روب باملاليني‬ ‫ف���ي ك � ��لّ ع� � � ٍ�ام ح � � � ٌ‬ ‫ف ��ي ك� � ِّ�ل ع � � ٍ�ام أط � �ف� � ٌ‬ ‫�ال ب�ل�ا وطن‬ ‫وامل � � � ُ‬ ‫�وت خ� � ٌّ�ل أق �ص �ي��ه ويدعوني‬ ‫سن ومن َس َع ٍف‬ ‫يا أختَ بغدا َد من ُح ٍ‬ ‫عهد هارون‬ ‫وموطنَ الشعراءِ من ِ‬ ‫وجع‬ ‫ي��ا أخ� ��تَ م� ��ر َ‬ ‫مي إم ��ا م� ّ�س� ِ�ك ٌ‬ ‫ه� �زّي إل �ي� ِ�ك طبيب ًا غ�ص��نَ زيتون‬ ‫�اء قائلة‬ ‫ه���ذي م� �ن ��ار ُت � ِ�ك احل���دب�� ُ‬ ‫ُ‬ ‫�وم ض� ّل��وا م��ن دوني‬ ‫أن��ا‬ ‫الدليل ل�ق� ٍ‬ ‫ف �ل �ت �ب��قَ ح ��دب ��اؤن ��ا م� � ّي ��ال ��ة دل�ل� ًا‬ ‫إن اجل � �م� � َ‬ ‫�ن‬ ‫�ال ف� ��ي ل � � ِّ�ي األف� ��ان �ي ِ‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 202-203.indd 202‬‬


203

may 202-203.indd 203

‫وتريات‬ 4/19/15 12:47:00 PM


‫عزيزي العربي‬

‫تعقيب على مقال «هندوسي ينشر ثقافة اإلسالم»‬

‫إلى رئیس حتریر مجلة العربي‬ ‫احملترم‪...‬‬ ‫حتية عطرة‪ ،‬وبعد‪:‬‬ ‫أتش ّرف بإحاطة سعادتكم علما‬ ‫بأني أتاب�� ��ع مجلتكم الغراء منذ عام‬ ‫‪2011‬م‪ ،‬وه�� ��ي مجل�� ��ة أرغ�� ��ب ف�� ��ي‬ ‫قراءتها كثيراً‪ ،‬إذ تتناول موضوعات‬ ‫ش�� ��تى في مختل�� ��ف احلق�� ��ول‪ ،‬مثل‬ ‫األدب والنقد واللغة‪ ،‬واالستطالعات‬ ‫والتحقيق�� ��ات‪ ،‬والف�� ��ن‪ ،‬والتاري�� ��خ‬ ‫والتراث والش�� ��خصيات‪ ،‬والعلوم وما‬ ‫إل�� ��ى ذلك‪ ،‬كم�� ��ا تتن�� ��اول املجلة في‬ ‫هذه األيام موضوعات تتعلق ببالدنا‬ ‫الهند‪ .‬وقد تابع�� ��ت في العدد ‪،668‬‬ ‫يوليو ‪ ،2014‬من هذه املجلة الغراء‪،‬‬ ‫مقاال حتت عنوان «هندوس�� ��ي ينشر‬ ‫ثقافة اإلسالم»‪ ،‬وقد انتبهت إلشارة‬ ‫املؤلف إلى أن «املطبعة كانت مزودة‬ ‫‪204‬‬

‫‪4/19/15 11:14:09 AM‬‬

‫بأكثر من ‪ 60‬طابعة عام ‪1868‬م‪ ،‬مع‬ ‫‪ 12‬ألف عام�� ��ل وفني»‪ .‬وهذا خطأ‪،‬‬ ‫فلم يعمل قط ف�� ��ي هذه املطبعة ‪12‬‬ ‫ألف عامل‪ ،‬بل يق�� ��در عدد العاملني‬ ‫فيه�� ��ا بأل�� ��ف ومائت�� ��ي عامل‪ ‬مب�� ��ن‬ ‫فيه�� ��م العلم�� ��اء والفض��ل��اء واألدباء‬ ‫واملترجم�� ��ون واملؤلف�� ��ون والش�� ��عراء‬ ‫والك ّت�� ��اب ومصلحو املاكين�� ��ات‪ .‬أما‬ ‫اخلطاطون الذين عملوا فيها‪ ،‬فزاد‬ ‫عددهم على مائ�� ��ة خطاط‪ ،‬وهؤالء‬ ‫غير اخلطاطني الذين كانوا يشتغلون‬ ‫ف�� ��ي بيوتهم‪ ،‬ولم يكونوا موظفني في‬ ‫املطبعة‪ .‬وقد ذكر أمير حسن نوراني‬ ‫مؤلف كتاب «سوانح منشي نولكشور»‬ ‫و«منشي نولكش�� ��ور اور انك خطاط‬ ‫وخوش�� ��نويش»‪ ،‬أن عدد العاملني في‬ ‫املطبعة أل�� ��ف ومائتا عامل‪ .‬كما ورد‬ ‫ذك�� ��ر هؤالء العمال ف�� ��ي عدد خاص‬

‫عن املنشي‪ ‬نولكشور ومطبعته ملجلة‬ ‫«ني�� ��ادور» األردية‪ ،‬الع�� ��ددان ‪ 8‬و ‪9‬‬ ‫نوفمبر‪/‬ديسمبر‪1980 ‬م‪ ،‬ففي هذه‬ ‫املجلة‪ ،‬لم أجد أي مقال ذكر فيه أن‬ ‫عدد العاملني فيه�� ��ا ‪ 12‬ألف عامل‪،‬‬ ‫ب�� ��ل كان الع�� ��دد احلقيقي له�� ��م ألفاً‬ ‫ومائتي عامل‪.‬‬ ‫ومما يج�� ��در بالذك�� ��ر هنا أنني‬ ‫تقدمت مبقال�� ��ة معنونة بـ«املنش�� ��ي‬ ‫نولكش�� ��ور ودور مطبعت�� ��ه في نش�� ��ر‬ ‫الت�� ��راث العرب�� ��ي واإلس��ل��امي في‬ ‫الهن�� ��د» ف�� ��ي ن�� ��دوة وطني�� ��ة ح�� ��ول‬ ‫«الدراس�� ��ات العربية ف�� ��ي الهند‪...‬‬ ‫منجزات وتطلع�� ��ات»‪ .‬وقد انعقدت‬ ‫هذه الندوة ف�� ��ي جامعة جواهر الل‬ ‫نهور‪ ،‬نيو دلهي‪ ،‬في ‪ 2-1‬من ش�� ��هر‬ ‫نوفمبر عام ‪2014‬م‪.‬‬ ‫فرحان أنصاري ‪ -‬نيودلهي ‪ -‬الهند‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 204-209.indd 204‬‬


‫بدء ًا من العدد المقبل «قصص على الهواء»‬ ‫تبث أسبوعيّ ًا عبر إذاعة مونت كارلو الدولية‬ ‫تعل� � ��ن مجل� � ��ة العربي عن‬ ‫انتق� � ��ال ش� � ��راكتها في بث‬ ‫القص� � ��ص الفائ� � ��زة ف� � ��ي‬ ‫مسابقتها األدبية الشهرية‬ ‫«قص� � ��ص عل� � ��ى اله� � ��واء»‬ ‫إل� � ��ى إذاعة مون� � ��ت كارلو‪،‬‬ ‫ب� � ��دءاً م� � ��ن الع� � ��دد املقبل‬ ‫في ش� � ��هر يونيو‪ ،‬وسيكون‬ ‫بإم� � ��كان القراء االس� � ��تماع‬ ‫إلى القص� � ��ص الفائزة وتعليقات‬ ‫احملكم� �ي��ن على موج� � ��ات إذاعة‬ ‫مونت كارلو الدولية أسبوعياً‪.‬‬ ‫جدير بالذك� � ��ر أن «مونت كارلو»‬ ‫إذاع� � ��ة فرنس� � ��ية ناطق� � ��ة باللغة‬ ‫العربي� � ��ة تبث برامجها مباش� � ��رة‬ ‫م� � ��ن باريس ف� � ��ي دول الش� � ��رق‬ ‫األوسط واألدنى وفي موريتانيا‪،‬‬ ‫وجيبوتي‪ ،‬وجنوب السودان على‬ ‫موجات الـ «إف إم» وعلى املوجة‬ ‫املتوسطة من قبرص‪.‬‬

‫عزيزي العربي‬ ‫‪4/19/15 11:14:16 AM‬‬

‫تق� � ��دم اإلذاعة تقاري� � ��ر إخبارية‬ ‫متعددة وبرامج ثقافية وترفيهية‬ ‫متنوع� � ��ة‪ ،‬تعتم� � ��د ف� � ��ي مجملها‬ ‫على الب� � ��ث املباش� � ��ر والتفاعلية‬ ‫والتواصل مع املستمعني‪ .‬طاقمها‬ ‫الصحفي ومراسلوها عبر العالم‬ ‫يوفرون تغطية شاملة لألحداث‬ ‫الدولية ملا يزي� � ��د على ‪ 8‬ماليني‬ ‫مستمع أسبوعياً‪.‬‬ ‫وتع� � ��رب مجل� � ��ة العرب� � ��ي ع� � ��ن‬ ‫سعادتها بهذه الشراكة اجلديدة‪،‬‬ ‫خصوص � � �اً أن إذاعة مونت كارلو‬ ‫له� � ��ا اهتمام� � ��ات جلي� � ��ة بالفنون‬

‫والثقاف� � ��ة وامل� � ��واد األدبي� � ��ة‬ ‫واإلعالمية املنوعة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وتع� � ��د اإلذاع� � ��ة ج� � ��زءا من‬ ‫مجموع� � ��ة ‪France Médias‬‬ ‫‪ Monde‬املكونة من تلفزيون‬ ‫فران� � ��س ‪ 24‬الناط� � ��ق بلغات‬ ‫ثالث‪ ،‬وإذاعة فرنسا الدولية‪،‬‬ ‫وإذاعة مونت كارلو الدولية‪،‬‬ ‫التي تبث جميعها من باريس‬ ‫وتتوج� � ��ه إلى الق� � ��ارات اخلمس‬ ‫بـ ‪ 14‬لغة‪ .‬ويص� � ��ل عدد متابعي‬ ‫املجموعة أسبوعياً إلى أكثر من‬ ‫‪ 90‬مليون مستمع ومشاهد و‪25‬‬ ‫مليون متتبع على مختلف مواقع‬ ‫اإلعالم احلديث شهرياً‪.‬‬ ‫وتغتنم «العربي» ه� � ��ذه الفرصة‬ ‫لتعلن للكتَّاب الشباب وأصحاب‬ ‫املواهب األدبية عن اس� � ��تقبالها‬ ‫النص� � ��وص القصصي� � ��ة اجليدة‬ ‫لالشتراك في املس� � ��ابقة‪ ،‬حيث‬ ‫تع� � ��رض النصوص على محكمني‬ ‫من أبرز النقَّاد والكتَّاب واألدباء‬ ‫العرب‪ ،‬يقوم� � ��ون باختيار أفضل‬ ‫أربع قصص شهرياً ويتم إرسالها‬ ‫إلى إذاعة مونت كارلو‪ ،‬التي تقوم‬ ‫بتقدمي ق� � ��راءة صوتية للقصص‬ ‫الفائ� � ��زة وتلتق� � ��ي م� � ��ع احملكمني‬ ‫للتعليق على القصص أسبوع ّياً‪.‬‬ ‫ويحصل الفائ� � ��زون األربعة على‬ ‫مكاف� � ��أة رمزية من مجلة العربي‬ ‫قيمتها ‪ 150‬دوالراً لكل منهم‪.‬‬ ‫‪205‬‬

‫‪may 204-209.indd 205‬‬


‫«العربي» سلوتي في غربتي‬ ‫أثن� � ��اء مغادرتي القس� � ��رية وطني‬ ‫احلبيب س� � ��ورية‪ ،‬على أثر األحداث‬ ‫األخي� � ��رة التي أملّت بش� � ��عبي الطيب‪،‬‬ ‫ألقت ب� � ��ي الظروف إلى بلدات ومدن‬ ‫عدة‪ ،‬بدءاً من زحلة في لبنان مروراً‬ ‫بالعاصم� � ��ة األردني� � ��ة عم� � ��ان‪ ،‬انتهاء‬ ‫بالس� � ��عودية‪ ،‬وحتدي� � ��داً في منطقة‬ ‫اجلوف بالشمال‪.‬‬ ‫وفي ي� � ��وم دعاني أح� � ��د اجليران‬ ‫لزيارت� � ��ه في منزل� � ��ه‪ ،‬فأجبت دعوته‪،‬‬ ‫رغم حالة الكآبة واالنقباض التي كنت‬ ‫أعانيها وأنا ألوك مف� � ��ردات غربتي‪،‬‬ ‫فوجدت لدي� � ��ه مكتبة عامرة بصنوف‬ ‫املراجع والدوريات‪ ،‬وملا كنت من هواة‬ ‫املطالع� � ��ة وحب الكتاب� � ��ة‪ ،‬لفت نظري‬ ‫وجود عدي� � ��د من املج� �ل��ات العربية‪،‬‬ ‫الق� � ��دمي منه� � ��ا واحلدي� � ��ث‪ ،‬وكان� � ��ت‬ ‫«العرب� � ��ي» حتتل امل� � ��كان األبرز بينها‪،‬‬ ‫ومن دون ش� � ��عور مني أو اس� � ��تئذان‪،‬‬ ‫وجدت ي� � ��دي ‪ ‬متتد إلى أحد األعداد‬ ‫القدمية منه� � ��ا‪ ،‬وصدقوني ومن دون‬ ‫إلي‪،‬‬ ‫مبالغة‪ ،‬ش� � ��عرت بروح� � ��ي ترتد َّ‬ ‫ونفسي تستقر بعد طول توتر وعناء‪،‬‬ ‫ولست أدري ساعتها ملاذا خطر ببالي‪،‬‬ ‫قول ذي القروح امرئ القيس‪:‬‬ ‫أجارتن ��ا إن ��ا غريب ��ان ها هنا‬ ‫وكل غري ��ب للغري ��ب نس ��يب‬ ‫ول� � ��دى تص ّفح� � ��ي بع� � ��ض أعداد‬ ‫«العربي»‪ ،‬عادت بي الذاكرة إلى الوراء‬ ‫حلقبة الستينيات من القرن املاضي‪،‬‬ ‫وكن� � ��ت إذ ذاك على مش� � ��ارف املرحلة‬ ‫املتوس� � ��طة من التعلي� � ��م‪ ،‬عندما عاد‬ ‫أبي ‪ -‬رحمه الله ‪ -‬من مدينة حمص‬ ‫وه� � ��و يحمل بيده مجلة العربي‪ ،‬بُهرت‬ ‫مبواضيعها‪  ‬املنوع� � ��ة‪ ،‬بكل ما حتمل‬ ‫هذه الكلمة من معنى‪ ،‬وأخذت أطالع‬ ‫‪206‬‬

‫‪4/19/15 11:14:29 AM‬‬

‫صفحاتها بنهم زائد‪ ،‬ومن يومها‬ ‫لم تنقطع صلتي بـ«العربي» إال‬ ‫في القليل النادر‪ ،‬وهكذا بدأت‬ ‫صحبت� � ��ي لـ«العرب� � ��ي» تتبلور‪،‬‬ ‫ورافقتن� � ��ي خ� �ل��ال دراس� � ��تي‬ ‫املتوسطة والثانوية واجلامعية‪.‬‬ ‫هذه الصحبة هي التي جعلتني‬ ‫أتعلق بالكتابة والعمل الصحفي‪،‬‬ ‫وكن� � ��ت عل� � ��ى موع� � ��د ش� � ��هري‬ ‫معه� � ��ا حتى تكون ل� � ��دي ‪ ‬مئات‬ ‫األع� � ��داد منها‪ ،‬ش� � ��كلت النواة‬ ‫األولى واألهم ملكتبتي املنزلية‪،‬‬ ‫والرافد األس� � ��اس ف� � ��ي تكوين‬ ‫وعيي الثقافي واألدبي‪ ،‬ما ه ّيأ‬ ‫أمام� � ��ي ولوج عال� � ��م الصحافة‬ ‫الساحر‪ ،‬والكتابة في اجلرائد‬ ‫والدوريات احمللي� � ��ة والعربية‪،‬‬

‫التي توجته� � ��ا مبوضوعني كان لي‬ ‫ش� � ��رف نش� � ��رهما على صفحات‬ ‫«العربي»‪ ،‬حيث يعتبر النشر فيها‬ ‫حلم كل كاتب مهما بلغ من ش� � ��أنه‬ ‫العلمي أو الثقافي‪.‬‬ ‫واليوم‪ ،‬بل َ َغ� � ��ت «العربي» أوج‬ ‫مراحل التقدم والنضج‪ ،‬من جميع‬ ‫الوجوه‪ ،‬الس� � ��يما في هذه املرحلة‬ ‫التي جتدد فيها ش� � ��بابها‪ ،‬وتزداد‬ ‫تألقاً بثيابها ومضامينها اجلديدة‪،‬‬ ‫الت� � ��ي يلمس� � ��ها الق� � ��ارئ بوضوح‬ ‫وجالء في ثنايا محتوياتها‪ ،‬وجدية‬ ‫الطرح‪ ،‬املتمثل في رصانة القدمي‬ ‫وبهائ� � ��ه‪ ...‬وإش� � ��راقة احلدي� � ��ث‬ ‫ونضارته‪.‬‬ ‫غازي خيران امللحم‬ ‫اجلوف ‪ -‬السعودية‬ ‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 204-209.indd 206‬‬


‫عزيزي العربي‬

‫العاليلي وفكره‬ ‫أدب‬ ‫ّ‬ ‫س�� ��عادة الدكت�� ��ور عادل س�� ��الم‬ ‫العبداجلادر‪ ...‬احملترم‬ ‫رئيس حترير مجلة العربي‬ ‫حتية طيبة وبعد‪...‬‬ ‫أش� � ��كر لكم ولس� � ��ائر العاملني‬ ‫في املجل� � ��ة نش � � �ــــركم مقالتي «في‬ ‫العاليلي وفكره» (العدد ‪،676‬‬ ‫أدب‬ ‫ّ‬ ‫مارس ‪ )2015‬وأن ّوه باإلخراج البديع‬ ‫الذي أُظهرت في� � ��ه؛ لكن ثمة ثالثة‬ ‫أخط� � ��اء طباعي� � ��ة‪ ،‬أحدها يفس� � ��د‬ ‫املعنى‪ ،‬واثنان منها غير مهمني‪:‬‬ ‫أما األول فهو القفز عن س�� ��طر‬ ‫كام�� ��ل (ص‪ ،108 :‬ع‪ ،1 :‬س‪،)5 :‬‬

‫ولذل�� ��ك أرجو أن يُق�� ��رأ النص على‬ ‫الوجه اآلت�� ��ي‪« :‬وكالطلب إلى مجمع‬ ‫البح�� ��وث الفقه ّي�� ��ة األخ�� ��ذ بالرأي‬ ‫أي‬ ‫العمل�� � ّ�ي املواف�� ��ق للظ�� ��رف‪ ،‬عن ّ‬ ‫فقهي صدر‪ ،‬وإباحة التأمني‬ ‫مذهب‬ ‫ّ‬ ‫على املتاع واحلياة؛ وكالقول بتوحيد‬ ‫الش�� ��ريعة بعد اال ّتف�� ��اق على مبادئ‬ ‫التأصيل والتفريع في الفقه»‪.‬‬ ‫وأما اخلطأ الثان�� ��ي فهو عبارة‬ ‫«س�� ��نة س�� ��بعة للهج�� ��رة» (ص‪،105:‬‬ ‫ع‪ ،2 :‬س‪ )8 :‬وصوابه «س�� ��نة س�� ��بع‬ ‫للهجرة» وهو االس�� ��تعمال املعمول به‬ ‫ف�� ��ي احلديث النب�� ��وي وكتب التاريخ‬ ‫وغيرها‪ ،‬ويرجح عندنا أنهم اعتبروا‬

‫املعــ�� ��دود هـــــو س�� ��نوات أو س�� ��نني‪،‬‬ ‫فجعلوا العدد مذ ّكراً‪.‬‬ ‫وأم�� ��ا الثالث فهو عب�� ��ارة «بديلٌ‬ ‫لعب�� ��ارة مغلوط�� ��ة» (ص‪ ،108 :‬ع‪،1 :‬‬ ‫س‪ )35 :‬وصوابـ�� ��ه‪« :‬بديل من عبارة‬ ‫مغـلوطة»‪ ،‬يقول لَبِيد‪« :‬وما مِ نّي بدي ٌل‬ ‫بعاتقِ »‪ ،‬ويقول املتنبي‪« :‬أ ْو ِه بدي ٌل من‬ ‫�ري‬ ‫َق ْولت�� ��ي واها»‪ ،‬ويقول الزمخش�� � ّ‬ ‫في أس�� ��اس البالغة‪« :‬هذا ب َد ٌل منه‬ ‫وبدي ٌل منه»‪ ،‬إلخ‪.‬‬ ‫فأرجو نش�� ��ر هذا التوضيح‪ ،‬إذا‬ ‫أمكن‪ ،‬ولكم جـــزيل الشكر‪.‬‬ ‫بكل مودة وتقدير‬ ‫د‪ .‬مصطفى اجلوزو ‪ -‬لبنان‬

‫✁‬

‫‪E.mail: arabimag@arabimag.net‬‬

‫قسيمة جتديد اشتراك ‪ /‬اشتراك جديد‬ ‫االسم الثالثي‬ ‫العنوان البريدي‬ ‫العنوان اإللكتروني‬ ‫الهاتف‪( :‬املنزل) ‬

‫(العمل)‬

‫الهاتف اجلوال‬ ‫عزيزي العربي‬ ‫‪4/19/15 11:14:35 AM‬‬

‫‪207‬‬

‫‪may 204-209.indd 207‬‬


‫رسائلكم على «فيسبوك»‬ ‫نعد األصدقاء بالرد السريع‬ ‫على م������ا تتضمنه الرس������ائل‪،‬‬ ‫خاصة حول مش������كلتي التوزيع‬ ‫ووصول املكافآت في موعدها‪،‬‬ ‫وهذا جانب من رسائلكم‪:‬‬

‫جائزة‬

‫املس������ابقة الثقافي������ة‪ ،‬بجائ������زة‬ ‫تش������جيعية ف������ي الع������دد ‪،675‬‬ ‫فبراير ‪ ،2015‬ولم تصلني أي‬ ‫جائزة‪ ...‬أمتن������ى أن يحل هذا‬ ‫اإلشكال في أقرب اآلجال‪.‬‬ ‫حامت العروسي العروسي‬ ‫املنستير ‪ -‬تونس‬

‫السيد رئيس حترير مجلة‬ ‫العربي احملترم‪...‬‬ ‫فزت في مناسبتني‪ ،‬األولى‬ ‫األخ العزي������ز رئيس حترير‬ ‫في العدد ‪ ،673‬ديسمبر ‪ ،2014‬مجلة العربي الغراء‪...‬‬ ‫باجلائ������زة الثاني������ة للتصوي������ر‬ ‫أطيب حتي������ة واجبة‪ ،‬أبعثها‬ ‫الفوتوغراف������ي‪ ،‬والثاني������ة في م������ن أرض اليمن الس������عيد لكم‬

‫حتية من اليمن‬

‫وألس������رة حترير مجل������ة العربي‬ ‫العريق������ة‪ .‬أن������ا أح������د املتابعني‬ ‫ملجلتكم الرائعة منذ ما يزيد على‬ ‫عشر س������نوات‪ ،‬وأحد الفائزين‬ ‫باجلائ������زة التش������جيعية للعدد‬ ‫‪ ،675‬فبراي������ر ‪ ،2015‬والفائز‬ ‫األول ف������ي جائ������زة «العرب������ي»‬ ‫للتصوي������ر الفوتوغرافي‪ ،‬العدد‬ ‫‪ ،676‬مارس ‪.2015‬‬ ‫متنيات������ي لك������م بالتوفيق‪،‬‬ ‫وشكراً لكم مجدداً‪.‬‬ ‫يزيد حسني ناجي العودي‬ ‫صنعاء ‪ -‬اليمن‬

‫ضع عالمة ✓ أمام املطبوعة املطلوب االشتراك فيها‬ ‫(‪ )1‬قيمة االشتراك السنوي للعربي للمشتركني من الوطن العربي‪:‬‬ ‫‪ 8‬دنانير أو ما يعادلها بالدوالر األمريكي‬ ‫باقي دول العالم ‪ 10‬دنانير أو ما يعادلها بالدوالر األمريكي أو اليورو األوربي‬ ‫(‪ )2‬قيمة االشتراك السنوي للعربي الصغير للمشتركني من الوطن العربي‪:‬‬ ‫‪ 6‬دنانير أو ما يعادلها بالدوالر األمريكي‬ ‫باقي دول العالم ‪ 8‬دنانير أو ما يعادلها بالدوالر األمريكي أو اليورو األوربي‬ ‫(‪ )3‬قيمة االشتراك في كتاب العربي‪ 5 :‬دنانير أو ما يعادلها بالدوالر األمريكي‬ ‫باقي دول العالم ‪ 16‬دوال ًرا أمريك ًيا‬ ‫توقيع طالب االشتراك‪:‬‬ ‫ترسل قيمة االشتراك مبوجب حوالة مصرفية أو شيك بالدينار الكويتي باسم وزارة اإلعالم‬ ‫مع القسيمة على العنوان التالي‪:‬‬ ‫مجلة العربي ‪ -‬قسم االشتراكات‬ ‫دولة الكويت ‪ -‬ص‪.‬ب‪ - 748 :‬الصفاة ‪ -‬الرمز البريدي ‪ - 13008‬بدالة‪ - )00965( 22512086/82/81 :‬فاكس‪)00965( 22512044 :‬‬ ‫‪State of Kuwait - P.O. Box: 748 Safat 13008-Tel.: (00965) 22512086/82/81-Fax: (00965) 22512044‬‬

‫‪208‬‬

‫‪4/19/15 11:14:39 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 204-209.indd 208‬‬


‫عزيزي العربي‬

‫«العربي العلمي»‬ ‫ملاذا لم نعـــ������د نرى أعداد‬

‫اإلصدار بعد التطوير‪.‬‬

‫«الـــــعــــرب������ي العلـــمـــ������ي» ف������ي ورق‬

‫إلى السيد رئيس التحرير‬ ‫األسواق؟‬ ‫احملترم‪...‬‬ ‫بسام شمسان‬ ‫وصلت املجل������ة إلى تونس‬ ‫يت������م التحضي������ر إلع������ادة‬

‫بتاري������خ ‪ ،2015/4/11‬الرجاء‬ ‫الع������ودة إل������ى نوعي������ة ال������ورق‬ ‫القدمية‪.‬‬ ‫نبيل البواب‬ ‫املنستير‪ /‬تونس‬

‫شكر واعتذار‬ ‫طالعتنا مجلة العربي األثيرة في العدد ‪،676‬‬ ‫مارس ‪ ،2015‬مبقال للكاتب محمد عبدالش�� ��افي‬ ‫القوص�� ��ي حول رائ�� ��دة من ر ّواد األدب النس�� ��ائي‬ ‫في العالم العربي هي األديبة الش�� ��اعرة عائش�� ��ة‬ ‫التيموري�� ��ة ‪ -‬رحمها الله ‪ -‬أخ�� ��ت العالمة أحمد‬ ‫باشا تيمور‪ ،‬وعمة األديبني محمد ومحمود تيمور‬ ‫ رح�� ��م الله اجلمي�� ��ع ‪ -‬ولكن الص�� ��ورة املرافقة‬‫للمقال لم تكن لعائشة التيمورية كما كان متوقعاً‪،‬‬ ‫ولكنها كانت ألديبة الشرق اآلنسة مي زيادة‪ ،‬وهذا‬ ‫اخللط الفني الذي وقع هو من املرات القليلة التي‬ ‫ن�� ��ادراً ما نصادفها في مجلتن�� ��ا العريقة «العربي»‬ ‫الغراء‪.‬‬ ‫د‪.‬محمد فتحي فرج ‪ /‬املنوفية ‪ -‬مصر‬ ‫«العربي»‪ :‬شكر ًا للدكتور محمد فتحي فرج‬ ‫على هذا التصويب‪ ،‬ونعتذر من الق ّراء األعزاء‬ ‫عن هذا اخلطأ الفني‪.‬‬

‫رسا‬ ‫ئ‬ ‫ل‬ ‫وصلت كم‬ ‫نا‬

‫عزيزي العربي‬ ‫‪4/19/15 11:14:43 AM‬‬

‫د‪.‬رمضان رمضان‬ ‫(الناظ ��ور‪/‬‬ ‫بوعرورو‬ ‫عبدالس�ل‬ ‫محمد‬ ‫(أوهايو‪/‬‬ ‫املغرب)‪�،‬ي عباس‬ ‫د‪.‬عبد احلج �‬ ‫اليمن)‪،‬‬ ‫�امع ��ز‪/‬‬ ‫�يف (ت‬ ‫فؤاد س �‬ ‫اجلزائر)‪،‬‬ ‫�اء‪�/‬ار‪/‬‬ ‫(صنع(ب�ش �‬ ‫حميدي��يبوبكر‬ ‫املتحدة‬ ‫اليم ��ن)‪ ،‬بن‬ ‫األمريكية)‪��،‬اد العبس‬ ‫�رة‪ /‬مص ��ر)‪ ،‬زي‬ ‫الواليات(القاه �‬ ‫متول ��ي‬ ‫يونس‬ ‫عبدالرحمن ��د مح‬ ‫اجلزائر)‪،‬مص ��ر)‪ ،‬أحم‬ ‫(اجلي ��زة‪/‬‬ ‫فرغل ��ي‬ ‫�وزة�ي ب ��در‬ ‫ب �هان �‬ ‫�وظس ��تاق‪/‬‬ ‫خلفانف �(الر‬ ‫(باتنة‪/‬‬ ‫نورالدين‬ ‫مان)‪ .‬األردن)‪.‬‬ ‫ُع(إربد‪/‬‬ ‫ش ��كر ًا على آرائك ��م ومقترحاتكم‪ ،‬آملني اس ��تمرار تواصلكم‬ ‫ش ��كر ًا آلرائك ��م ومقترحاتكم‪ ...‬آملني اس ��تمرار تواصلكم معنا في‬ ‫معنا في املستقبل‪.‬‬ ‫املستقبل‪.‬‬

‫‪209‬‬

‫‪may 204-209.indd 209‬‬


‫إلى أن‬

‫نلتقي‬ ‫د‪ .‬إبراهيم نويري‬ ‫باحث وأكادميي من اجلزائر‬

‫القيمة المعرفية لرحلة ابن بطوطة‬ ‫مت ّث�� ��ل الرحلة ف�� ��ي مد ّونة تراثنا األدبي والتاريخ�� ��ي والثقافي واجلغرافي أنصع وأمتع الصفح�� ��ات التي جتتذب القارئ‬ ‫واملثق�� ��ف والباحث؛‪ ‬فهي تُع ّد من أل ّذ الفنون الس�� ��ردية وأعذبها‪ .‬وتكمن أهم ّي�� ��ة هذا الفن في جوانب متع ّددة‪ ..‬منها التعارف‬ ‫بني الشعوب والثقافات واحلضارات‪ ،‬ومنها كذلك صقل الشخصية وكسب جتارب ومهارات وثقافات ومسالك إنسانية غن ّية‬ ‫بالدالالت‪ ،‬وهذا ليس وقفاً على َمن قام بالرحلة فحس�� ��ب‪ ،‬وإمنا ً‬ ‫أيضا بالنس�� ��بة لدارس وقارئ هذا اللون من الفن الس�� ��ردي‬ ‫البديع‪.‬‬ ‫وتُع� � � ّد رحل�� ��ة الرحالة املغربي ابن بطوطة الطنجي املوس�� ��ومة بـ «حتفة ّ‬ ‫النظار في غرائب األمصار وعجائب األس�� ��فار»‬ ‫أشهر وأطول رحلة عربية‪ ،‬نظراً لعوامل عدة‪ ،‬أه ّمها موسوعيتها واألسلوب الذي حرص ابن بطوطة على أن يحظى به ِسفْره‬ ‫النفيس‪ ،‬وكذلك ش�� ��هرة هذه الرحلة في مختلف آفاق املعمورة بس�� ��بب ترجمتها إلى خمس��ي��ن لغة من لغات العالم‪ ،‬كما يذكر‬ ‫املؤرخ والدبلوماسي املغربي د‪ .‬عبدالهادي التازي الذي حقّق ونشر هذه الرحلة في خمسة أجزاء‪.‬‬ ‫لقد بدأت رحلة ابن بطوطة في الثاني من رجب س�� ��نة ‪ 725‬هـ‪ ،‬املوافق يوم ‪ 13‬يونيو س�� ��نة ‪1325‬م‪ .‬وقد بلغ من العمر‬ ‫حينئذ واحداً وعشرين عاماً‪ ،‬أي إن فكرة الرحلة سيطرت على وجدانه وهو في مقتبل العمر‪ ،‬ويذكر ابن بطوطة أن األصل‬ ‫في هاجس هذه الرحلة كان يتمثل في الشوق لبلوغ بيت الله احلرام والتمتّع بأداء مناسك احلج والزيارة‪.‬‬ ‫ومما ال ّ‬ ‫شك فيه أن عديداً من الدوافع كانت تسكن ضمير ابن بطوطة‪ ،‬قبل الشروع في رحلته‪ ،‬منها استكمال دراسته‬ ‫الشرعية التي لم يستكملها في مدينته طنجة‪ ،‬ال سيما أنه من عائلة معروفة باالنتساب إلى الفقه املالكي واالشتغال بالقضاء‪،‬‬ ‫ومنها ً‬ ‫أيضا الرغبة في التع ّرف على بالد الله الواس�� ��عة وآفاق املعمورة الشاس�� ��عة‪ ،‬والتم ّعن في عادات الش�� ��عوب وتقاليدها‬ ‫وأزيائها وعاداتها املتن ّوعة‪ ...‬إلخ‪ ،‬وهذه الدوافع ـ كما يبدو ـ تأتي في املنزلة الثانية بعد الدافع األول‪ ،‬أي احلج واألنس مبنزل‬ ‫الوحي‪ ،‬ودليل ذلك أن ابن بطوطة ح ّج س�� � ّ�ت مرات على األقل‪ ،‬ففي ك ّل مرة يعود بعد س�� ��نوات من تطوافه الطويل إلى مكة‬ ‫حجه في املرة‬ ‫حلضور موس�� ��م احلج وأداء املناسك وزيارة املدينة املن ّورة والسالم على املصطفى صلى الله عليه وسلم‪ .‬وكان ّ‬ ‫األخيرة ــ أثناء الرحلة ــ سنة ‪ 749‬هـ‪.‬‬ ‫ولع ّل مما يؤكد هذه االس�� ��تنتاجات أن ابن بطوطة اش�� ��تغل بالقضاء في بعض البالد التي ح ّل بها وأقام بني أهلها ردحاً‬ ‫تأهل لتلك املنزلة اجلليلة‪ .‬ولقد‬ ‫من الزمن‪ ،‬كما هي احلال في دلهي وجزر املالديف‪ ،‬فلو لم يتم ّكن من اس�� ��تكمال دراس�� ��ته ملا ّ‬ ‫بعض أهل تلك احلواضر واألقطار بلقب «شمس الدين»؛ وفي ذلك داللة ومغزى على املرتبة الدينية والعلمية التي كان‬ ‫لقّبه ُ‬ ‫يحظى بها في تلك الديار‪.‬‬ ‫وبعد تطواف طويل جتاوز ربع قرن‪ ،‬ق ّرر العودة إلى بلده؛ إال أ ّن التجوال كما يظهر أضحى نحيز ًة‬ ‫متأصلة في كيانه‪ ،‬ألنه‬ ‫ّ‬ ‫ق�� ��ام برح��ل��ات أخرى بعد عودته‪ ،‬أه ّمها رحلته إلى األندلس‪ ،‬حيث زار جبل طارق ومالقة ورندة وغرناطة‪ ،‬ث ّم مالي ومتبكتو‬ ‫وبعض احلواضر التي كانت تُسمى إقليم السودان الغربي‪ ،‬مروراً بالصحراء الكبرى وضفاف نهر النيجر‪.‬‬ ‫و بعد عودته من تلك الرحلة‪ ،‬وقد بلغ من العمر ثالثة وخمسني عاماً تقريباً‪ ،‬أمر السلطان أبوعنان املريني ــ أحد ملوك‬ ‫الدولة املرينية بفاس ــ بتدوين رحلة ابن بطوطة‪ ،‬وبعض الدارسني والباحثني يع ّدون هذه الرحلة وثيقة تاريخية بالغة القيمة‪،‬‬ ‫حيث إنها تص ّور بدقة وأمانة كثيراً من األوضاع واألحداث في العالم اإلسالمي وكثير من األقطار األخرى خالل القرن الثامن‬ ‫الهجري‪ /‬الرابع عشر امليالدي‪ ،‬وقد كان يُعرف من العالم يومئذ ثالث قارات كما يشير ابن بطوطة ‬ ‫‪210‬‬

‫‪4/19/15 9:43:44 AM‬‬

‫العدد ‪ - 678‬مايو ‪2015‬‬

‫‪may 210.indd 210‬‬


‫بادت‬ ‫ثم َ‬ ‫حضارات سادت َّ‬

‫صورة متخيلة ملدينة قرطاج في أوج ازدهارها‬

‫قرطاج‬

‫وزارة اإلعالم‬

‫نستقبل‬ ‫إعالناتكم التجارية‬ ‫على صفحات‬ ‫مجلة‬

‫‪4/23/15 12:15:03 PM‬‬

‫إدارة اإلعالن التجاري ‪ -‬وزارة اإلعالم‬ ‫بدالة ‪ )00965( 1802002‬داخلي ‪ 114 - 111‬فاكس‪)00965( 24824131 :‬‬ ‫> اإلعالن والتوزيع مبجلة العربي‪ > )00965( 22512043 :‬الفاكس‪)00965( 22512044 :‬‬ ‫العنوان البريدي‪ :‬ص ب ‪ - 748‬الصفاة ‪ -‬الرمز البريدي ‪ -13008‬الكويت‪.‬‬ ‫للتواصل مع مجلة العربي على املواقع املؤقتة التالية‪:‬‬ ‫‪E.mail: arabimag@arabimag.net‬‬

‫‪www.alarabimag.net‬‬

‫‪E.mail: arabimag58@gmail.com‬‬

‫‪full cover.indd 1‬‬

Alarabi may 2015 comp  
Alarabi may 2015 comp  
Advertisement