Page 1

‫مصطفى يعلى‪ :‬منجز محمد المختار السوسي بين الضرورة المحلية والعمق الوطني‪ .‬محاول الفهم‬ ‫عن موقع وزارة الثقافة المغربية‬

‫‪http://www.minculture.gov.ma/index.php?option=com_content&view=article&id=760:mostapha-yaala-motar-soussi‬‬‫‪essai&catid=51:etude-et-essais&Itemid=153‬‬

‫قبال‪ ،‬ينبغي لوضع القارئ الكريم في الصورة‪ ،‬أن نلفت نظره إلى المالحظات التوضيحية التالية‪:‬‬ ‫‪1‬ـ إن مقاربتنا لهذا المنجز تختار أساسا وضعه في إطار محلي‪ ،‬يتمركز حول بؤر علمية محدودة‪ ،‬في عالقة جسورية بما هو وطني‪ ،‬ضمن إشكال معادلة‬ ‫الوحدة والتنوع؛ وليس في إطار اإلقليمية كما درجت عليه كثير من اجتهادات غيرنا من الباحثين المغاربة(‪ .)1‬فإن المفهومين مختلفان طبعا‪ ،‬وإن تقاربا إلى حد‬

‫االلتباس ‪.‬‬ ‫‪2‬ـ غاية هذه المحاولة ال تتجه وجهة العرض والتعريف واالستقصاء والتصنيف وما إلى ذلك من اآلليات البحثية والمقارباتية‪ ،‬بل إنها محاولة في الفهم لسبق‬ ‫محمد المختار السوسي إلى احتضان ثنائية الوحدة والتنوع في الثقافة المغربية في وقت مبكر غير مالئم‪ .‬لذلك تعتمد المساءلة واالفتراض والترجيح طريقا‬

‫إلى الفهم‪.‬‬ ‫‪3‬ـ نظرا لشساعة متن هذا المنجز‪ ،‬وأيضا لتماثله نظريا وتطبيقيا أمام هذه الثنائية؛ لذلك ستتم النمذجة الحصرية بعينة مخصوصة ‪ ،‬لن تكون سوى كتاب (‬ ‫سوس العالمة )‪ ،‬الذي يبرر هذه الضرورة بريادته في الموضوع‪ ،‬ولكونه يمثل اإلطار النظري لهذا التوجه خير تمثيل‪ ،‬بما وسعه من أفكار وقضايا وأبعاد‬ ‫مخصوصة بالثقافة العربية في مدن وبوادي سوس‪ ،‬بينما تعتبر معظم كتاباته التالية على العموم تطبيقا فعليا موسعا لكل ذلك‪ ،‬مع التسليم بالوجود الضمني‬ ‫للبعد الوطني في انشغاالت الكتاب‪ ،‬مادام األمر يتعلق بوضع لبنة محلية إضافية إلى جانب لبنات المحليات األخرى‪ ،‬إلنجاز ما هو أبعد وأشمل‪ ،‬نعني التاريخ‬

‫الثقافي الوطني العام‪ ،‬إذ أن البعد المحلي هنا مفارق للبعد الوطني منهجيا ومرحليا ال غير‪ ،‬بينما هو في العمق امتداد طبيعي له ‪.‬‬ ‫إذن‪ ،‬كيف أمكن للسوسي أن يفلت من الوقوع في أنشوطة (العصبية القبلية)؟‪ .‬وما هي األسباب التي حفزته إلى اختيار اللغة العربية وثقافتها الدينية واألدبية‪،‬‬ ‫رغم انتمائه إلى ثقافة نوعية جهوية مخصوصة؟‪ .‬ثم‪ ،‬أية حوافز هذه التي وقفت وراء احتضانه لثنائية الوحدة والتنوع بهذا الشكل المتحمس‪ ،‬رغم جميع‬

‫العوائق اإلتنوية والسياسوية الفاعلة في المرحلة؟ ‪.‬‬ ‫قبل تشخيص موقف السوسي هذا ومواجهته بمثل هذه األسئلة‪ ،‬ال بأس من أن نستدعي أوال بعض اإلشارات المحددة للخلفيات النظرية العامة‪ ،‬التي يمكن‬

‫أن تساهم في دعم وإضاءة هذا الموقف الرائد ‪.‬‬ ‫فرغم ادعاءات العولمة الشرسة‪ ،‬تظل الحدود بين آداب األمم المختلفة محافظة على خصوصياتها المميزة المحلية والوطنية والقومية‪ .‬أما المطلوب منطقيا‬ ‫لتحقيق أي كزموبوليتية أدبية صحية‪ ،‬فيتحدد في محاولة التقريب بين تلك اآلداب‪ ،‬وتسهيل سبل تواصلها وتقاطعها وتبادل التأثير والتأثر بينها واالستفادة من‬ ‫بعضها البعض وتوسيع أفق كل منها على ضوء اآلخر‪ ،‬في ظل مثاقفة جادة مرغوبة‪ .‬فاألدب على حد حصافة فان تيجم (( هو‪ ،‬من بين كافة مظاهر النشاط‬ ‫اإلنساني‪ ،‬أكملها وأوضحها تعبيرا عن خصائص شعب من الشعوب‪ .‬وفي وسع األدب العام أن يساهم مساهمة قوية في توجيه أولئك الذين أخذوا على‬ ‫عاتقهم أن يقربوا بين الشعوب‪ ،‬ال بتحطيم الخصائص القومية التي تكون جوهرها وحياتها ( ولعمري إن هذا ليس بالممكن وال بالمستحسن ) بل بفهم هذه‬

‫الخصائص‪ ،‬وبمحبة نيرة لما أضافه كل كاتب من عواطف وأفكار وتعبيرات إلى التراث المشترك لإلنسانية المفكرة ))(‪).2‬‬ ‫ومن هنا تتأبد ظاهرة الوحدة والتنوع في الثقافة واألدب اإلنسانيين‪ .‬ذلك أن الحدود المادية والمعنوية للمجموعة االجتماعية النوعية‪ ،‬ولإلقليم‪ ،‬والوطن‪،‬‬ ‫واألمة؛ تظل تمارس تأثيرها حتى في حالة االنخراط في العالمية‪ ،‬وال سبيل لالستطراد هنا في إعطاء مزيد من التفاصيل واألمثلة‪ ،‬فهي معروفة بحكم‬ ‫أقدمية إشكال الوحدة والتنوع‪ ،‬واندراجه ضمن موضوعات األدب المقارن‪ .‬وإنما ينبغي التأكيد على أن هذا اإلشكال يتصف بالشمولية‪ ،‬فهو يطول من بين ما‬


‫يطوله‪ ،‬باإلضافة إلى الثقافة واألدب وطرق التفكير‪ ،‬العادات والتقاليد واألعراف والنظرة إلى اإلنسان والحياة والكون‪ ،‬أي كل شخصية المجتمع والشعب‬

‫واألمة‪.‬‬ ‫وبالنسبة لألدب‪ ،‬الذي يهمنا هنا‪ ،‬فإن معالم الوحدة والتنوع تفرض تفسها بإلحاح‪ ،‬حيث يغص بالتجليات الطبيعية للبيئة التي أنتجته‪ ،‬وبالعالئق البشرية‬ ‫والعواطف اإلنسانية المخصوصة بهذه البيئة وسيكولوجية مجتمعاتها‪ ،‬مع ما يمازج كل ذلك من تأثيرات محلية عميقة للتقاليد والعادات واألعراف المختلفة؛ لكن‬ ‫بمالمسة شفافة للطبيعة اإلنسانية المطلقة وجوهرها الكوني‪ ،‬وتغلغل في سراديب النفس البشرية‪ ،‬واستكناه أسرارها التي ال تخضع لسلطة المكان والزمن‪،‬‬

‫سواء كان ذلك بوعي من المبدع أم بغيره (‪). 3‬‬ ‫ومثلما يشتد تحكم هذه الثنائية في المسار المزدوج لألدب ( محلي قومي‪ /‬عالمي كوني ) ‪ ،‬فإنها تمتد كذلك بظاللها حتى إلى األدب الشعبي‪ ،‬الذي بقدر ما‬ ‫يستوعبه من خصوصيات الجماعات الشعبية المحدودة بخصائص شخصيتها المحلية المادية والروحية‪ ،‬ينسلك أيضا ضمن السياق الوطني‪ ،‬والقومي المشترك‬ ‫بين أقطار األمة الواحدة‪ ،‬والعالمي العام الشامل لكل األمم‪ ،‬كما يتجلى في القصص الشعبي مثال‪ ،‬وإن تغيرت بعض العناصر والموتيفات من جماعة بشرية‬

‫إلى جماعة ومن أمة إلى أخرى‪ ،‬خضوعا لمختلف المؤثرات المحلية واإلقليمية(‪).4‬‬ ‫وعليه‪ ،‬فال يمكن حصر اآلداب المحلية في بيئاتها الضيقة‪ ،‬دونما تالقح مع التجارب الخارجية‪ ،‬بنفس القدر الذي ال يجوز معه للنزعتين الوطنية والقومية ولمد‬ ‫العالمية الكاسح تجاهل االسترفاد من الفضاءات المحلية بأي حال من األحوال‪ ،‬فكالهما يصب في هدف واحد هو إثراء الثقافة اإلنسانية والدفع بها إلى‬

‫األمام ‪.‬‬ ‫إذا عدنا إلى نقطة االنطالق المحددة في عنوان البحث‪ ،‬من أجل قياس مدى غنى وعمق تجربة المرحوم محمد المختار السوسي ورحابة أفقها تجاه إشكال‬ ‫الوحدة والتنوع في الثقافة المغربية؛ ألفيناه بالقياس إلى مجايليه إبان الفترة المدروسة‪ ،‬قد امتلك إيمانا قويا ووعيا نظريا ورؤية تطبيقية متقدمة بأطراف هذه‬ ‫الثنائية ومدى تساكنها داخل الثقافة المغربية كما في باقي الثقافات‪ ،‬حيث استأثرت بكل اهتمامه وصارت من أولويات انشغاالته‪ ،‬بل وتحولت إلى مشروع‬ ‫عمره‪ ،‬في وقت لم تكن التربة مهيأة بعد لتقبلها أحرى الترحيب بها والتحمس لها‪ ،‬بسبب إكراهات النزعة الوطنية المؤدلجة المتشددة التي فرضتها روح فترة‬ ‫المواجهة مع االستعمار‪ ،‬إلى جانب التطلع الطموح لتأسيس الدولة الوطنية الحديثة بعد االستقالل‪ ،‬فضال عن عنفوان التيار القومي العربي الكاسح‪ ،‬الذي كان‬

‫ينظر بعين الريبة إلى أي محاولة للحفر في الثقافات اإلقليمية أو الوطنية أو المحلية ‪.‬‬ ‫والحق أن إيمان السوسي بوجهة النظر الجامعة عضويا بين ما هو محلي وما هو وطني في بوتقة واحدة‪ ،‬عبر االنفراد البحثي باألول مرحليا من أجل تخصيب‬ ‫الثاني‪ ،‬يصل إلى درجة عالية من التمكن في نفسه‪ ،‬بحيث تحولت وجهة النظر تلك لديه إلى استراتيجية ثقافية التزم بها خالل عمره العلمي‪ .‬أفال يدلل على‬ ‫ذلك بقوة‪ ،‬هذا االستغراق في تكريسها وتأكيدها عمليا بشكل موسوعي‪ ،‬خالل ثالثة عقود متواترة (‪ ،)1391/1331‬اضطلع فيها بوضع عشرات المؤلفات‬ ‫والرسائل والمباحث المخصوصة باإلنتاج الفكري واألدبي والعقائدي واالجتماعي والتاريخي والحضاري في منطقة سوس‪ ،‬بهدف مزدوج طرفاه التعريف‬

‫بثقافة سوس وأدبه وفكره بصورة خاصة من جهة‪ ،‬وإغناء الثقافة واألدب والفكر وطنيا بشكل عام من جهة ثانية؟ ‪.‬‬ ‫لقد ظل السوسي يطوف بأهم المراكز العلمية المغربية في الفترة‪ ،‬مثل مراكش وفاس والرباط‪ ،‬متوخيا مزيدا من االطالع عن قرب على الحركات الثقافية‬ ‫التي كانت رائجة بها‪ ،‬ومواكبة قضاياها ومستجداتها‪ .‬فأفاد منها كثيرا‪ ،‬واستوعب ما استوعبه من علم وأدب في أحضانها‪ ،‬وأنتج ما أنتجه في إطار ما هو‬ ‫مكرس وطنيا من علوم وآداب ومفاهيم ومصطلحات وقضايا وما إليها‪ ،‬وفوق هذا وذاك اكتسب مجموعة من الصداقات بين الفاعلين الثقافيين والمناضلين‬ ‫في إطار الحركتين الوطنية والسلفية‪ .‬أال يعني كل هذا كون السوسي ال ينطلق في دعوته من فراغ‪ ،‬بل إنه كان على علم جيد بإيجابيات وسلبيات الواقع‬ ‫الثقافي لمغرب النصف األول من القرن العشرين؟‪ .‬لكن‪ ،‬ألم يكن في المقابل ابن سوس البار‪ ،‬وأعرف بكنوزه العلمية ومراكزه وأعالمه‪ ،‬لذا عز عليه أن‬ ‫تضيع هذه الثروة العلمية مع مرور األجيال‪ ،‬فيخسر سوس ويخسر الوطن معا؟‪ .‬أليس لمثل هذا حتمت عليه الضرورة المحلية بذل مزيد من الجهد‪ ،‬مستثمرا‬ ‫كل ما استحصله من معارف من تلك المراكز الوطنية‪ ،‬ومستفيدا من درايته الواسعة بمنطقة سوس‪ ،‬من أجل صون ما أنتجته مختلف البؤر العلمية المنتشرة‬ ‫هنا وهناك ببادية سوس‪ ،‬في أفق كتابة التاريخ الثقافي لسوس العالمة؟‪ .‬إذن‪ ،‬فمن أفضل منه معرفة وتجربة وغيرة وإخالصا‪ ،‬للتصدي لهذه المهمة‬ ‫التاريخية الخطيرة؟‪ .‬على أن السوسي الذي كان يملك من الوعي واإليمان بمبدإ وحدة الوطن رصيدا ثمينا‪ ،‬ما كان يغيب عنه الهدف األسمى من محاولته‬ ‫المحلية‪ ،‬أال وهو العمق الوطني‪ .‬فكل االجتهادات وكل اإلضافات وكل المنجزات إنما يجب أن تصب فيه‪ ،‬فهو الهدف األكبر الذي يتحقق من خالل األهداف‬

‫الصغرى المحدودة بجغرافيات وتواريخ محلية في هذه الجهة أو تلك‪.‬‬ ‫والقتناع السوسي في كتابه ( سوس العالمة) بضرورة منهجية تقول بأن اإللمام بكل نواحي سوس العلمية‪ ،‬ال يتم سوى بالتعرف إلى حمولة العلوم التي كان‬ ‫السوسيون يتعاطونها‪ ،‬والتي لم تكن تختلف عما كان معتمدا في كل المغرب‪ ،‬لذا وجدناه قد رام بناء تصميم كتابه على استعراض تلك العلوم واآلداب‪ ،‬إلى‬ ‫جانب مظاهر تداولها في الفضاء السوسي‪ ،‬مع مناقشة أصولها ورصد تجلياتها‪ .‬وقد حصرها في ( القرآن‪ ،‬التفسير‪ ،‬الحديث‪ ،‬السيرة‪ ،‬علوم الحديث‪ ،‬النحو‪،‬‬ ‫التصريف‪ ،‬اللغة‪ ،‬البيان‪ ،‬األصول‪ ،‬علم الكالم‪ ،‬الفقه‪ ،‬الفرائض‪ ،‬الحساب‪ ،‬الهيأة‪ ،‬المنطق‪ ،‬العروض‪ ،‬الطب‪ ،‬األسانيد‪ ،‬الجداول‪ ،‬األدب)‪ .‬كما وقف وقفة مطولة‬ ‫مع الحركة األدبية العربية التي عرفها سوس‪ ،‬فرصد واقعها وأطوارها ورجاالتها‪ ،‬مصنفا إياها في سلسلة من الفترات التاريخية المتراوحة بين النهضة‬ ‫واالزدهار والخمول‪ .‬ثم ينتقل إلى استعراض األسر العلمية السوسية التي تسلسل فيها العلم وإتقان القراءات من جيل إلى آخر‪ ،‬حاصرا إياها في ‪ 151‬أسرة‪.‬‬ ‫وبعد ذلك‪ ،‬يسوق الئحة تعريفية بأهم مدارس سوس العتيقة وألمعها‪ ،‬منها ‪ 51‬مدرسة رئيسية لعبت دورا مهما في رواج اللغة العربية وعلومها بسوس‪ ،‬علما‬ ‫بأنه قد أشار إلى كون مدارس سوس عامة قد نيفت على المائتين خالل القرون الماضية(‪ . )5‬وال يتجاهل السوسي التعريف بالخزانات العلمية السوسية التي‬ ‫بلغت لديه ‪ 23‬خزانة شبه عامة مع بضع إشارات إلى خزانات بعض األفراد الخاصة‪ .‬كما خصص حيزا مهما من الكتاب لحشد جرد أولي للمؤلفين السوسيين‬ ‫في كل قرن من القرون الممتدة من السادس إلى الرابع عشر‪ ،‬مع التعريف بمؤلفاتهم‪ ،‬بهدف تأكيد المساهمة العلمية السوسية (( وقد حصل المقصود بما‬ ‫ذكر‪ ،‬وما هو إال أن يتيقن المطالع أن في سوس علماء شاركوا بأقالمهم‪ ،‬على قدر إمكانياتهم وذلك غاية المأمول عندي‪ ،‬وقد حصل بهذا القدر اليسير))(‪.)9‬‬ ‫وأخيرا يختم السوسي كتابه بوقفة مركزة مع مراجع التاريخ السوسي التي كتبها مؤلفون سوسيون‪ ،‬منطلقا من مبدإ حتمية الكتابة المونوغرافية عن مختلف‬


‫أنحاء المغرب‪ ،‬التي من شأنها توفير المرجعيات الضرورية عن كل ناحية على حدة‪ ،‬فبما أن ((لكل ناحية من نواحي المغرب كتبا خاصة‪ ،‬فيها كثير مما يتعلق‬ ‫بتلك الناحية من وجوه شتى‪ ،‬ال يمكن أن يجهلها من يريد أن يعرف المصادر التي يستمد منها في تاريخ تلك الناحية‪ ،‬كذلك سوس‪ ،‬لها كتب خاصة هي بعض‬

‫المصادر التي البد لمن سيشتغل بجمع أطراف تاريخها من اإللمام بها‪ ،‬وهي كثيرة‪).1()) .‬‬ ‫وهكذا يكون السوسي قد بذل جهدا مضنيا‪ ،‬فكريا وميدانيا وبإمكانيات فردية الفتة‪ ،‬قصد استدعاء كل هذا التراكم الكثيف من المعطيات الفكرية والتاريخية‬ ‫والبيوبيبليوغرافية وما إليها‪ ،‬توخيا الكتمال دائرة الحركة العلمية واألدبية في سوس‪ ،‬وارتسام معالمها واضحة الخطوط والقسمات‪ ،‬متمايزة األلوان والظالل‪،‬‬ ‫مضبوطة األبعاد‪ ،‬شديدة اإلشعاع؛ بعد أن كانت مجهولة مظلمة أو شاحبة‪ .‬وهو ما نحسبه يكون الغاية المركزية الثمينة التي سعى السوسي بكل جهده إلى‬ ‫تحقيقها‪ ،‬فكان له ما أراد‪ ،‬وإن ظل مشرئبا نحو المستقبل المفتوح‪ ،‬متوقعا أن تأتي األجيال الموالية بالخطوة التالية‪ ،‬المتمثلة في مد الجسور بين المراكز‬ ‫والهوامش العلمية‪ ،‬ولملمة أطراف التواريخ الشاملة بنواحي المغرب المختلفة‪ ،‬ومن ثم إنجاز التاريخ العام لكل الوطن‪ ،‬بعد أن تكون قد تهيأت ممكنات القيام‬ ‫بهذه الخطوة الهدف‬

‫‪.‬‬

‫ولمزيد من الفهم الحتضان محمد المختار السوسي لهذه الثنائية‪ ،‬يحسن بنا أن نتساءل مستفهمين عن الدواعي التي كانت سندا لصياغة هذا الموقف‪ .‬فماذا‬ ‫تكون منطلقاتها؟ وما هي أهدافها؟‬ ‫إذا حاولنا معاينة تلك الداوعي على ضوء الفترة التي أنجز فيها كتاب ( سوس العالمة)‪ ،‬وجدناها تتأسس على مجموعة من القناعات الراسخة لديه‪ ،‬باعتبارها‬ ‫ثوابت ال يمكن التفريط فيها‪ .‬ويتقدمها اإليمان بضرورة التصدي بالبحث الموضوعي لكتابة التاريخ العلمي للمغرب محليا ووطنيا‪ ،‬تكريسا لوحدة المغرب التي‬ ‫سعى االستعمار بكل جهوده إلى تفكيكها‪ ،‬وفق ما تجسد في بنود الظهير البربري‪ ،‬وتأكد بتحريض بعض قواد األطلس على قيادة حركة بربرية سياسية ضد‬ ‫العرب والعرش(‪ .)8‬وفي هذا السياق‪ ،‬دعا السوسي إلى وجوب مواجهة الحضارة الغربية الجارفة‪ ،‬التي تحاول في رأيه إفساد ماضينا‪ ،‬عن طريق ما يحبره‬ ‫عدد من كتابها المغرضين‪ ،‬فضال عن الوقوف في وجه المد الثقافي واللغوي االستعماري الكاسح المتقصد لتثبيت الوجود االستعماري وتهميش اللغة والثقافة‬

‫الوطنيين‪.‬‬ ‫ويبدو أن السوسي‪ ،‬كان ممتلئا إحساسا حادا بواقع التخلف الكاسح في ميدان التأريخ الشامل للمغرب‪ ،‬مما تسبب في سقوط مختلف المحاوالت المبذولة في‬ ‫هذا الشأن في القصور واإلجحاف‪ .‬فقد أعرب غير ما مرة في كتاب ( سوس العالمة )‪ ،‬عن امتعاضه واستنكاره لإلهمال التام الذي عانت منه بعض البوادي‬ ‫من طرف الباحثين‪ ،‬مثل تافياللت ودرعة والريف وجبالة واألطلس الكبير وتادلة ودكالة وما إليها‪ ،‬رغم أنها عرفت في الماضي بحركات علمية جيدة في مختلف‬ ‫ميادين المعارف العربية‪ ،‬وزخرت بكثير من األعالم الكبار والزوايا التنويرية المهمة‪ .‬وعند هذه النقطة بالذات‪ ،‬يعلن السوسي خوفه من إمكانية ضياع كل ذلك‬ ‫إلى األبد‪ ،‬إذا لم تتداركه أقالم الباحثين بجمع ما يمكن جمعه‪ ،‬وتنسيق ما ال يزال مبعثرا بين اآلثار ومتداوال في جلسات السمر‪ .‬ولعل من أهم ما قد يالحظه‬

‫الباحث المدقق في هذ المطلب‪ ،‬كونه يتخذ لدى السوسي منحى منهجيا متماسكا ذا شقين اثنين متكاملين هما‪:‬‬ ‫أ ـ إعطاء األولوية لالستقصاء والجمع والدراسة للتراث العلمي لكل منطقة من تلك المناطق المهملة‪ ،‬وإعداد التاريخ العلمي الخاص بكل واحدة منها على‬

‫حدة‪.‬‬ ‫ب ـ إنجاز التاريخ العلمي الوطني العام‪ ،‬على ما تراكم من مادة محلية وإقليمية‪ ،‬بوصفها مرجعية مالئمة (( سيتكئ عليها الذين سيتصدرون للتاريخ العام‬

‫المستوعب في العلم العربي المغربي غدا‪ ،‬بله الحوادث واألطوار المتقلبة ))(‪).3‬‬ ‫إذن فإن صياغة التاريخ العلمي الوطني العام‪ ،‬في قناعة هذه الشخصية الثقافية الوازنة‪ ،‬ال يتم بالصورة المثلى إال عبر إنجاز الدراسات واألبحاث المونوغرافية‬ ‫للمدن والبوادي النشيطة علميا وفكريا وأدبيا‪ ،‬وتوفير (( التواريخ الخاصة لكل حاضرة من تلك الحواضر‪ ،‬ولكل بادية من تلك البوادي))(‪ ،)11‬على أساس أن‬

‫يتم دمجها فيما بعد‪ ،‬مما يعزز التركيز مرحليا على إضاءة األنشطة الثقافية المحلية دونما حرج أو تردد‪.‬‬ ‫ورغم أن السوسي كان واضحا ومنسجما مع نفسه في طرح هذه القناعة‪ ،‬إال أن حساسية المرحلة كانت ترشح ما قد يترتب على مثل هذه القناعة من تبعات‬ ‫سلبية‪ ،‬كأن يواجه صاحبها بعدد من المسلكيات المتصلبة المعاكسة‪ ،‬ليس أقلها إشهار االتهام الساذج بالنزعة اإلقليمية اإلتنية البغيضة‪ ،‬هذا إذا لم يصل األمر‬ ‫إلى درجة التخوين‪ .‬السيما وأن العهد كان قريبا بمحاوالت االستعمار تفكيك البالد إلى مناطق عرقية‪ ،‬مثلما تجسدت في الظهير البربري كما سبقت اإلشارة‪.‬‬ ‫وأيضا يمكن االفتراض بأن السوسي قد يكون سمع شيئا من النقد الذي يضرب على هذا الوتر‪ .‬ولوال ما تمتع به الرجل من وعي ومرونة وصبر‪ ،‬جنبه السقوط‬ ‫في مثل هذا المستوى الشوفيني المنغلق‪ ،‬لربما كنا قد خسرنا كل هذه الذخائر التي أنجزها في تفان وإخالص‪ ،‬عن التراث الفكري واألدبي ألحد أهم أقاليم‬ ‫الوطن المؤثرة‪ ،‬ولما رأيناه يتجاوز تلك الكوابح‪ ،‬وينبرى بالتفنيد الحجاجي ألية شبهة أو لبس من قبيل ما كتبه موضحا بوعي وقصدية مباشرين‪ ،‬مع االستدالل‬ ‫بمجموعة من الحجج الموضوعية الراجحة‪ ،‬واستبعاد لكل االعتبارات الالعلمية‪ (( :‬قد يخطر في بال بعض الناس القصيري النظر‪ :‬أن السجلماسي أو الدكالي‬ ‫ـ مثالـ إذا تصدى كل واحد منهما لمثل هذا البحث في ناحيته‪ ،‬أن ذلك من العنصرية الممقوتة التي ال يزال المستعمرون أمس يضربون في كل فرصة على‬ ‫وترها لجعل المغرب أشالء ممزقة‪ ،‬مع أن هذا العمل ليس من العنصرية في شئ‪ ،‬فهل إذا توفر الطبيب للتخصص في بحث ما حول عضو من أعضاء‬ ‫الذات‪ ،‬نلمزه بالعنصرية إزاء األعضاء األخرى؟ أو هل الذين كتبوا عن فاس ومراكش وآسفي وطنجة وتيطاون والعدوتين‪ ،‬وخصصوا كل مدينة على حدة‪،‬‬

‫يلمزون بالعنصرية؟ إن هذا لخطل في الرأي وخطأ في تقدير األعمال‪ ،‬وسد لألبواب دون العاملين في ميدان خاص‪ ،‬وتثبيط ألعمال المجتهدين‪).11()).‬‬ ‫وال شك أن هذا االعتقاد بثنائية الوحدة والتنوع في الثقافة المغربية‪ ،‬وهذا الحماس لها‪ ،‬ممزوجين بشعور بالغ بالمسؤولية‪ ،‬هما ما يفسر ا ندفاعه ـ على‬ ‫التزامه بالكتابة عن سوس ـ نحو رفع الصوت بأنه ممن يؤمنون بالصبغة المحلية ويتشبثون في نفس الوقت بالمغرب كال ال يتجزأ‪ ،‬وأيضا بوحدة العالم‬ ‫العربي‪ ،‬ووحدة العالم اإلسالمي من غرب شمال إفريقيا إلى أندونيسيا‪ ،‬إلى حد أنه كاد يكفر من ال يؤمن بذلك‪ .‬بل إنه يذهب بعيدا في هذا االتجاه‪ ،‬فيتجاوز‬


‫الوحدة الوطنية والوحدة القومية والوحدة اإلسالمية‪ ،‬إلى اإليمان بالوحدة اإلنسانية‪ ،‬انطالقا من مرجعية دينية‪ ،‬حيث يؤكد‪ (( :‬بل لو شئت أن أقول ـ ويؤيدني‬

‫ديني فيما أقول ـ ‪ :‬إنني أرى اإلنسانية جمعاء أسرة واحدة‪ ،‬ال فضل فيها لعربي على عجمي إال بالتقوى‪ ،‬والناس من آدم‪ ،‬وآدم من تراب))(‪).12‬‬ ‫ثم إن المتأمل المتفحص في هذه القناعة‪ ،‬ال يملك إال أن يقاسم صاحبها نفس الهم‪ ،‬خصوصا وأنه ال يعدم القرائن المؤيدة لصدقية الرجل فيما يزعمه‪،‬‬

‫ومنها‪:‬‬ ‫القرينة األولى؛ تتمثل في هذا اإلهداء األريحي المتصدر لكتاب ( سوس العالمة )‪ ،‬الذي يكشف فيه عن مدى تواضعه‪ ،‬حيث يعترف فيه على عادة كبار‬ ‫العلماء وجهابذة الباحثين‪ ،‬بمزيد من التقدير بفضل أستاذه عبد الرحمن بن زيدان عليه وعلى كتابه هذا‪ ،‬رغم أن ابن زيدان من مكناس وليس سوسيا‪ ،‬حيث‬ ‫يقول فيه‪ (( :‬كان سبب ابتدائي لمباحث هذا الكتاب أستاذي الجليل عالمة الشرفاء‪ ،‬وإمام الكرماء‪ ،‬يوم زار سوس وكتب رحلته السوسية في كراسة‪ ،‬فناولنيها‬ ‫على أن أذيل عليها‪ ،‬وأستتم كل ما يتعلق بالعلوم العربية في كل أدوار التاريخ بسوس‪ ،‬فلم أزل أتوسع في الموضوع حتى صار الموضوع إلى ما يراه القارئ‪.‬‬ ‫أفليس من الواجب المتأكد أن يكون الكتاب باسم أستاذنا الجليل ابن زيدان الذي ترك فراغا لم يحاول أحد أن يمأله وال طمع فيه متطاول؟ واالعتراف من‬

‫التلميذ لتأثير أستاذه من أدنى واجبات األساتذة على التالمذة))(‪). 13‬‬ ‫وتتجسد القرينة الثانية في اعتراف السوسي أيضا بمدى االستفادة األدبية واألسلوبية التي استحصلها من صديقه محمد بن العباس القباج مؤلف كتاب ( األدب‬

‫العربي في المغرب األقصى)‪ ،‬وهو كاتب رباطي وليس سوسيا أيضا(‪) .14‬‬ ‫وتستدعي القرينة الثالثة‪ ،‬هذا االهتمام الحميمي بالكتابة عن زمالئه من غير البربر في سجن غبالو‪ ،‬أمثال محمد الفاسي‪ ،‬أحمد بناني‪ ،‬إبراهيم الكتاني‪،‬‬

‫المهدي بن بركة‪ ،‬عبد الهادي الحلو‪ ،‬في غير قليل من المحبة والتقدير والتضامن واإلعجاب(‪). 15‬‬ ‫أما القرينة الرابعة؛ فتتجلى في كون السوسي ما فتئ يشير بصيغة يقينية خالل فصول الكتاب‪ ،‬إلى عظم امتياح وضخامة استفادة سوس من علم وأدب‬ ‫المراكز الثقافية المغربية األخرى مدنا وبوادي‪ ،‬مؤكدا على أن الحركة العلمية واألدبية في سوس لم تكن في حقيقتها سوى نسخة متالقحة مما عهدته تلك‬ ‫المراكز من حركة ثقافية نشيطة‪ ،‬وفي مقدمتها مدينة فاس تخصيصا‪ ،‬التي كانت سخية في مد سوس ـ كما باقي المناطق المغربية األخرى ـ خالل مراحله‬ ‫العلمية المختلفة بتلك العلوم واآلداب‪ ،‬مما نشّط حركتهما بمختلف أنحائه (( فيجتهد سوس أن يمشي على خطا المشيخة في فاس‪ ،‬وأن يكون خير تلميذ‬ ‫ألفضل أستاذ))(‪ .)19‬ولما كان مصير سوس مرتبطا بمصير الوطن كله‪ ،‬فقد تبين لمحمد المختار السوسي خالل رصده للحركتين العلمية واألدبية في ربوعه‪،‬‬

‫أن ازدهار هذه الحركة أو فتورها أو اضمحاللها في سوس‪ ،‬كان مرهونا بازدهارها أو ترديها في باقي الوطن لهذا السبب أو ذاك(‪). 11‬‬ ‫ويمكن في ضوء تلك القرائن وغيرها‪ ،‬النظر بصورة تقديرية عكسية إلى هذا الموقف الشجاع‪ ،‬بدل اللوم والتشكيك واالتهام‪ .‬ذلك أن هذا الموقف قد أعلن‬ ‫على الناس سنة ‪ ،1391‬عند نشر كتاب ( سوس العالمة )‪ ،‬أي في عز المد القومي العربي المكتسح ألي تفكير محلي أو وطني أو إقليمي‪ ،‬كما أشرنا سالفا‪.‬‬ ‫فالسوسي كان على األقل واضحا في رأيه تجاه ثنائية الوحدة والتنوع‪ ،‬التي لم تتضح حتى اآلن في ذهن كثير من المثقفين والدارسين العرب‪ ،‬رغم كثرة‬ ‫المناقشات التي دارت حولها منذ عقود من الزمن سواء في الملتقيات والندوات أم الكتابة في المجالت والصحف والمؤلفات ‪ .‬ألم يناد عالنية في خضم هذا‬ ‫المناخ المعاكس‪ ،‬بضرورة االهتمام المركز بأطراف المغرب ومن بينها بادية سوس‪ ،‬على اعتبار أن مثل هذا العمل يمثل الدعامة السليمة والطريق السالكة‬ ‫لخدمة الثقافة الوطنية المغربية وإغنائها‪ ،‬بل والعربية واإلسالمية وصوال إلى الكونية؟‪ .‬ثم‪ ،‬أليس من المفارقة كون المثقفين المدينيين ممن حصروا منجزاتهم‬ ‫حول مراكزهم هم بالذات دون غيرها‪ ،‬مثل مكناس وتطوان وفاس والرباط وسال وآسفي‪ ،‬هم من أعطوا االنطباع بانغالق أدبيات تلك المدن على‬

‫جغرافياتها المحلية الخاصة؟‪ .‬وها هي األمثلة البارزة‪:‬‬ ‫ـ اإلعالم بمن حل بمراكش وأغمات من األعالم‪ ،‬لعباس بن إبراهيم‪.‬‬ ‫ـ االغتباط بتراجم أعالم الرباط‪ ،‬لمحمد بوجندار‪.‬‬ ‫ـ إتحاف أعالم الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس‪ ،‬لعبد الرحمن بن زيدان‪.‬‬ ‫ـ تاريخ تطوان‪ ،‬لمحمد داود‪.‬‬ ‫ـ آسفي وما إليه قديما وحديثا‪ ،‬لمحمد الكانوني‪.‬‬ ‫ويرجح أن يكون السوسي قد استشعر فيما أنجزه كتاب تلك المدن‪ ،‬مالمح نزعة حضارية مباهية متعالية‪ ،‬وإشارات إقليمية ضيقة مضمرة‪ .‬لذلك نفترض أن‬ ‫هذا الشعور كان من بين األسباب التي جعلت السوسي ينبري لتدارك األمر بهذه الدعوة المبكرة إلى االهتمام بالكتابة عن البادية المنسية والمدن األخرى‬ ‫المهملة‪ ،‬عسى أن تكون الحركات العلمية واألدبية التي نشطت بها رافدا أساسا وعنصر تخصيب للثقافة المغربية عامة‪ .‬وفي نظرنا‪ ،‬إن هذا الفهم المتقدم‬ ‫ينطوي على إدراك وإرادة صحيين لرفع المحاوالت المونوغرافية المغربية من مستواها الشوفيني المحلي‪ ،‬إلى المستوى الموضوعي المعقلن‪ .‬ومن ثم أمكن‬

‫له وضع تلك المحاوالت في إطارها الطبيعي المطلوب ضمن سياق الوحدة والتنوع الذي يغني الوحدوي وال يفقر المحلي ‪.‬‬


‫وثمة إمكانية مسبرية كفيلة ـ عند االستناد إليها ـ بتأكيد هذه الفرضية‪ ،‬وتتمثل في هذا المؤشراالنفعالي‪ ،‬الذي تململ حين انتاب محمد المختار السوسي ومأل‬ ‫نفسه خيبة وتبرما‪ ،‬لدى اطالعه على الترجمة الخاصة به في كتاب ( األدب العربي في المغرب األقصى ) لمحمد بن العباس القباج‪ ،‬الذي صدرها بهذه الفقرة‬

‫التثمينية ‪:‬‬ ‫((ليس بغريب أن ينبغ من بين أمة بعيدة عن لغة الضاد أفراد يرفعون ذكر أمتهم ويحفظون لها بين صحائف التاريخ أثرا مجيدا يبقى ما بقيت تلك األمة وذكر‬

‫اسمها في الوجود‪.‬‬ ‫وهذه األمة السوسية الواقعة في جنوب المغرب في جوار الصحراء الكبرى القاحلة وبين الجبال الوعرة‪ ،‬المعروفة ببعدها عن لغة الضاد تنجب لنا بضعة‬

‫أفراد هم نهاية ما تفتخر بهم األمة وتباهي بهم في عالم العبقرية والنبوغ ‪.‬‬ ‫ومحمد المختار الذي نترجم له اآلن فرد من أولئك األفراد فقد نبغ نبوغا معجبا رغما عن ذلك الوسط الذي نشأ فيه وتلك البيئة التي يكون لها أكبر تأثير في‬

‫حياة اإلنسان))(‪). 18‬‬ ‫ومن الممكن أن يكون هذا الرأي المغلوط القائم على الجهل بالتراثين العلمي واألدبي العربيين في منطقة سوس‪ ،‬قد أحدث بعض الشرخ في نفس محمد‬ ‫المختار السوسي ‪ ،‬ولم يجد أمامه غير التعليق قائال‪(( :‬إنها غلطة كبرى جرت من أخينا مؤلف كتاب األدب العربي محمد بالعباس القباج حيث ترجم لسوس في‬ ‫شخصي بتلك الكلمات والتعبيرات المخالفة للحقيقة والتاريخ))‪ ،)13(.‬ثم حسم أمره بإعالن التحدي في مستقبل األيام‪ ،‬وأنه سيأتي يوم تتضح فيه األمور ((‬ ‫فتعرف سوس على حقيقتها‪ ،‬وتمسكها بلغة الضاد‪ ،‬وعنايتها باألدب العربي‪ ،‬واللغة والتشريع كأحسن ما يوجد بأعظم الكليات العلمية‪ ،‬والمدن الرئيسية‬

‫المبرزة في الميدان ))(‪).21‬‬ ‫وفعال بر بوعده كأعظم ما يكون البرور‪ ،‬فكسب الرهان بفضل مزية ‪ /‬ميزة االعتكاف المعروفة عنه‪ ،‬ودينامية البحث والدرس والتأليف في شتى مناحي‬ ‫المعرفة واألدب عن سوس‪ ،‬وخاصة في كتابه ( سوس العالمة ) الذي نكرر مجددا بأنه يعد بمثابة المنطلق النظري لمشروع السوسي‪ ،‬في حين يضطلع‬ ‫معظم إنتاجه اآلخر وبالخصوص كتاب ( المعسول ) ‪ ،‬بالجانب التطبيقي الفعلي لهذا المشروع‪ .‬بل إنه استطاع بهذا الجهد االستثنائي وبالنتائج النوعية والكمية‬ ‫التي تفرد باستكشافها‪ ،‬أن يحقق ما لم يتمكن غيره من الفاعلين الثقافيين في الفترة ممن كتبوا عن مدنهم العريقة تحقيقه بنفس الصورة المدهشة‪ ،‬إن‬ ‫على مستوى الكشف والتراكم‪ ،‬وإن على مستوى الوعي والضبط المنهجي‪ ،‬مسديا بذلك لذاكرة سوس الثقافية خدمة علمية هائلة‪ ،‬كانت في حاجة ماسة إليها‪،‬‬ ‫من أجل إثبات الذات المحلية ضمن سيرورة التراكم الثقافي الوطني‪ ،‬في تواز جدلي محسوب‪ ،‬مناهض ألي تعصب أو تطرف ضيقين‪ .‬ومن هنا يمكن الذهاب‬ ‫إلى القول بأن منجز السوسي في الكتاب وغيره من كتبه األخرى‪ ،‬قد ارتقى إلى مستوى من التوفيق قد تكلل بإعادة التوازن لكفتي ثنائية الوحدة والتنوع‬ ‫لصالح سوس أساسا‪ ،‬ثم للوطن عامة‪ .‬وربما لهذا السبب‪ ،‬تبوأ كتاب ( سوس العالمة ) مكانة اعتبارية رائدة وأهمية مميزة‪ ،‬ال يضاهيهما سوى ما حازه منجز‬ ‫عبد هللا كنون المرموق ( النبوغ المغربي في األدب العربي ) من اعتبار وتقدير الئقين‪ ،‬ضمن الدراسات األدبية والفكرية الضافية الجادة في المغرب الحديث‬

‫والمعاصر‪.‬‬

‫هوامش‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫‪1‬ـ انظر مثال‪ :‬د‪.‬مصطفى الشليح‪ ،‬وذ‪.‬أحمد السليماني‪ ،‬وذ‪ .‬بوشتى السكيوي‪ :‬محمد المختار السوسي‪ ،‬مؤسسة أونا‪ ،‬مطبعة إيديال‪ [ ،‬د‪ .‬م‪ ،1339 ،] .‬ص‪.‬‬

‫‪ 159‬ـ ‪).192‬‬ ‫‪2‬ـ األدب المقارن‪ ،‬تر‪ .‬سامي الدروبي‪ ،‬دار الفكر العربي‪ ،1349 ،‬ص‪ 214 .‬ـ ‪.215‬‬ ‫‪3‬ـ انظر مصطفى يعلى‪ :‬ظاهرة المحلية في الفن القصصي بالمغرب من أوائل األربيعينيات إلى نهاية الستينيات‪ ،‬رسالة مرقونة‪ ،‬نوقشت لنيل دبلوم‬

‫الدراسات العليا‪ ،‬بكلية اآلداب والعلوم اإلنسانية بظهر المهرازـ فاس‪ ،‬في تاريخ ‪ 29‬يونيو ‪ ،1384‬وهي مسجلة بخزانة الكلية تحت رقم ‪ ،213‬ورقة ‪ 25‬ـ ‪.29‬‬ ‫‪4‬ـ راجع مصطفى يعلى ‪ :‬القصص الشعبي بالمغرب ـ دراسة مورفولوجية‪ ،‬المدارس‪ ،‬الدار البيضاء‪.2111 ،‬‬ ‫‪5‬ـ سوس العالمة ‪ ،‬مطبعة فضالة‪ ،‬المحمدية‪ ،1391 ،‬ص‪. 154 .‬‬ ‫‪6‬ـ نفسه‪ ،‬ص‪.213 .‬‬ ‫‪7‬ـ نفسه‪ ،‬ص‪.211 .‬‬


‫‪8‬ـ انظر محمد المختار السوسي‪ :‬معتقل الصحراء‪ ،‬ج‪ ،1.‬مطبعة الساحل‪ ،‬الرباط‪ ،1382 ،‬ص‪.13 .‬‬ ‫‪9‬ـ سوس العالمة‪ ،‬ص‪ ( .‬ب‪).‬‬ ‫‪10‬ـ نفسه‪ ،‬ص‪ ( .‬أ)‬ ‫‪11‬ـ نفسه‪ ،‬ص‪ ( .‬ب‪).‬‬ ‫‪12‬ـ نفسه‪ ،‬ص‪ ( .‬ج ) ‪ ،‬وانظر أيضا صفحات ‪. 94 ،59 ،48 ،33 ،15‬‬ ‫‪13‬ـ نفسه‪ ،‬ص‪.5 .‬‬ ‫‪14‬ـ انظر محمد خليل‪ :‬محمد المختار السوسي ـ دراسة لشخصيته وشعره‪ ،‬ط‪ ،1.‬مؤسسة بنشرة للطباعة والنشر‪ ،‬الدار البيضاء‪ ،1385 ،‬ص‪ 188 .‬ـ ‪.183‬‬ ‫‪15‬ـ سوس العالمة‪ ،‬ص‪.59 .‬‬ ‫‪16‬ـ راجع ( مذكرات عن المعتقل) ضمن كتاب ( معتقل الصحراء ) ج‪ ،1 .‬ص‪. 151.‬‬ ‫‪17‬ـ نفسه‪ ،‬ص‪.51 .‬‬ ‫‪18‬ـ وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الثقافية‪ ،‬مطبعة فضالة‪ ،‬المحمدية‪ ،1313 ،‬ج‪ ،2 .‬ص‪.91 .‬‬ ‫‪19‬ـ الحاج أحمد معنينو‪ :‬وزير التاج أو تاج الوزراء األستاذ محمد المختار السوسي‪ ،‬مجلة ( اإليمان )‪ ،‬ع‪ ،114/113 .‬يناير ـ فبراير ‪ ،1382‬ص‪.81 .‬‬ ‫‪20‬ـ المرجع نفسه ‪ ،‬ص‪.81 .‬‬

mustapha_ya3la_SOUSSI8BAYNADARORAWATANI  
Read more
Read more
Similar to
Popular now
Just for you