Issuu on Google+

‫يناير ‪2012‬‬‫‪2013‬‬ ‫الثاينيوليو‬ ‫كانونمتوز ‪-‬‬ ‫العدد (‪)2‬‬ ‫العدد (‪)8‬‬

‫المتنبي‪..‬حارس القول‬ ‫شهاب غانم‪..‬نصف قرن مع الشعر‬ ‫الشعر النبطي‪..‬إشكالية المصطلح‬

‫ملتقى اإلمارات لإلبداع‬ ‫‪JAN 2013‬‬

‫)‪I S S U E N O (8‬‬

‫حال الشعرية العربية‬

‫شهرية تصدر عن بيت الشعر يف أبوظبي‬

‫نادي تراث اإلمارات‬

‫ترجمة الشعر‬ ‫بين الخيانة واألمانة‬

‫بشار بن برد‬ ‫قتيل الغزل‬ ‫شعرية المأساة العراقية‬ ‫محمد الصالحي‪:‬‬

‫ليس هناك شعر مغربي‬

‫مختارات‬ ‫رباعيات جالل الدين‬ ‫الرومي‬

‫حمد أبوشهاب ‪ -‬حمزة أبو النصر‬

‫محاكاة شعرية‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪1‬‬


‫الفنان بول كليه‬ ‫‪2‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫خيانة الشعر‬ ‫هل الشعر قابل للرتجمة ؟ نطرح هذا السؤال ومنده عىل استقامته ليك نفكر‬ ‫بحرية ومن دون مجامالت‪ ،‬فالشعر وحده ال يقبل التسويات والحلول الوسط‪،‬‬ ‫فإما أن يصل من دون نقصان أو أنه يفقد من ذاته شيئا جوهريا ‪.‬هو كالنار ذي‬ ‫جذوة متقدة حتى يف رمقها األخري‪.‬‬ ‫هناك اجتهادات كثرية ونظريات عىل امتداد العامل‪ ،‬ونقاش ال ينتهي حول ترجمة‬ ‫الشعر‪ ،‬ومثة من ذهب إىل حد اعتبار الرتجمة مرادفا للخيانة‪.‬هل ينطوي هذا‬ ‫الحكم عىل قسوة وتطرف‪ ،‬أم أنه تعبري صادق عن حرص عىل القصيدة التي ال‬ ‫تتلخص يف مفردات وصور وأصوات‪ ،‬ميكن نقلها إىل لغة أخرى من دون شعور‬ ‫بالذنب‪ ،‬انطالقا من مفهوم أن «الرتجمة عجز مقبول» عىل حد تعبري املفكر‬ ‫الفرنيس بول ريكور؟‬ ‫ميكن الحكم ‪ ،‬من دون استثناء‪ ،‬أن هناك فجوة دامئة يف ترجمة الشعر تؤرق‬ ‫املرتجم األمني أوال‪،‬وهذه الفجوة ليست ذات طبيعة واحدة يف جميع الحاالت‪،‬‬ ‫بل هي تأخذ شكلها وحجمها من طبيعة النص الشعري املرتجم‪ ،‬فشاعر كمحمد‬ ‫املاغوط ال يواجه مرتجم قصائده إىل لغة أجنبية نفس إشكاليات مرتجم شعر‬ ‫محمود درويش‪ ،‬ويكمن عمق الفجوة هنا يف خصوصية الربنامج الجاميل‬ ‫لدى كل من الشاعرين‪ ،‬وإذا اعتربنا أن الكلامت يف الشعر ليست هي األشياء‬ ‫بالرضورة‪،‬بل رموزها‪،‬فإن اللغة تتحول إىل معضلة حقيقية يف الرتجمة‪ ،‬واللغة‬ ‫هنا «ليست زادا من املواد بقدر ما هي أفق» حسب روالن بارت‪.‬هي أفق يأخذ‬ ‫القصيدة إىل مديات بعيدة‪ ،‬ذلك إن لكل لغة حياتها الداخلية‪ ،‬وآليات اشتغالها‬ ‫الشعرية‪ ،‬فام تستطيع لغة ما أن تهضمه من الشعر تعجز عنه لغة أخرى‪ ،‬وهنا‬ ‫قد تتحول الرتجمة إىل رموز وطالسم وإشارات تحتاج إىل ترجمة جديدة‪.‬‬ ‫نقول هذا وال نعني هنا الشاعر الذي يجعل من اللغة ملعبه ومختربه الخاص‪،‬‬ ‫فيشتغل عليها بحرفية الصائغ وفراسة الكياميئ‪ .‬فاملشكلة هنا أعقد‪ ،‬وباختصار‬ ‫فإن العديد من املالمح الشعرية ال ينتسب إىل علم اللغة فحسب‪ ،‬وإمنا إىل‬ ‫مجموع نظرية الدالئل أي إىل السيميولوجيا العامة‪ .‬ومع ذلك فإن هذه‬ ‫املالحظة ليست ذات قيمة بالنسبة لفن اللغة فقط‪ ،‬وإمنا هي ذات قيمة أيضا‬ ‫بالنسبة لكل تنوعات اللغة‪ ،‬وهنا ميكن تفنيد نظرية من يرى يف الرتجمة مقاربة‬ ‫تعتمد عىل املشرتك بني اللغتني‪ ،‬فالداللة وحدها ال تكفي للحفاظ عىل قيمة‬ ‫النص الشعري حني يتم نقله إىل لغة أخرى‪.‬‬ ‫مثة مشكلة أساسية تواجه الرتجمة يف غالبية اللغات وهي تتعلق بالبنية الشعرية‬ ‫للقصيدة التي تختلف من لغة إىل أخرى‪ ،‬وال ميكن نقل نص شعري من لغة إىل‬ ‫أخرى من دون تفكيك بنيته يف لغته األصلية وإعادة بنائه يف اللغة الجديدة‪،‬‬ ‫وهذه املسألة ليست عملية ميكانيكية تشبه نقل األثاث من منزل آلخر‪ ،‬بل‬ ‫تكاد تتامهى مع نقل نبتة من تربتها األصلية لزراعتها يف تربة أخرى‬

‫تصدر كل أول شهر عن بيت الشعر يف أبوظبي‬ ‫نادي تراث اإلمارات‬

‫املرشف العام‬ ‫رئيس التحرير‬ ‫د‪.‬راشد أحمد المزروعي‬ ‫مدير التحرير‬ ‫بشير البكر‬ ‫سكرتري التحرير‬ ‫عبد اهلل أبو بكر‬ ‫التحرير‬ ‫رنا زيد‬

‫املدير الفني‬ ‫فواز ناظم‬ ‫االخراج والتنفيذ‬ ‫سعاد حسنة‬

‫املراسلون‬

‫بيروت‪ -‬فيديل سبيتي‬ ‫الرباط‪ -‬حكيم عنكر‬ ‫باريس‪ -‬محمد المزديوي‬ ‫القاهرة‪ -‬حمزة قناوي‬ ‫روما‪ -‬حذام الودغيري‬ ‫صنعاء‪ -‬أحمد السالمي‬

‫بشري البكر‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪3‬‬


‫الشعر‬ ‫النبطي‬ ‫‪161 - 148‬‬ ‫‪18‬‬ ‫‪25‬‬

‫الفنان عبدالله حامس‬

‫طالل سالم‪..‬املتعدد يف البناء الواحد‬

‫نصوص‪ :‬محمد عيل شمس الدين‪ ،‬عاطف بن مبارك‪،‬‬ ‫إدريس علوش‪ ،‬محمد أحمد بنيس‪ ،‬ابراهيم قازو‪ ،‬خالد عبد الرؤوف الجرب‬ ‫عبداملجيد الرتيك‪ ،‬محمد منصور‪ ،‬ماجد رقيبة‬

‫‪44‬‬ ‫‪46‬‬ ‫‪47‬‬

‫رأي الناقد‪..‬دعوة لألصوات اإلماراتية‬ ‫نظريا‪..‬صبحي حديدي‬

‫‪119‬‬ ‫حمد أبوشهاب‬

‫‪www.poetryhouse-ad.ae‬‬

‫قضية العدد‪..‬إشكاليات ترجمة الشعر‪،‬‬ ‫جالل زنكابادي‪ ،‬أحمد لوغليمي‪ ،‬بهيجة مرصي إدلبي‪،‬عبداللطيف الوراري‪،‬‬ ‫محمد حلمي الريشة‪ ،‬بشار عبدالله‪.‬‬ ‫‪ -‬أوكتافيو باث‬

‫الغالف‪:‬‬

‫ الفنان‪ :‬كاندنينسكي‬‫‪ -‬لوغو بيت الشعر للفنانة الرا قبطان‬

‫عناوين املجلة‬ ‫االدارة والتحرير‪:‬‬ ‫االمارات العربية املتحدة‪-‬ابوظبي‬ ‫هاتف‪+97124916333 :‬‬ ‫امييل‪bashir@cmc.ae :‬‬

‫أبوظبي لإلعالم‪-‬توزيع‬ ‫الرقم املجاين ‪8002220 :‬‬ ‫لالتصال من الخارج‬ ‫‪+97124145000‬‬ ‫فاكس ‪+971 24145050 :‬‬

‫‏‪distribution@admedia.ae‬‬ ‫مسؤول التوزيع‪ :‬زياد النجار‬

‫املواد املنشورة تعرب عن رأي اصحابها وال تعرب بالرضورة عن رأي املجلة‬ ‫‪4‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫حقوق نرش الصور واملوضوعات الخاصة محفوظة للمجلة‬


‫المحتويات‬

‫‪136‬‬ ‫‪65‬‬ ‫‪71‬‬ ‫‪75‬‬

‫‪56‬‬

‫شهاب غانم‪..‬نصف قرن مع الشعر‬ ‫حسن الشرفي ‪..‬كائنات الذات والعامل‬

‫ابراهيم المال‪..‬االستعارة الجديدة‬ ‫يف القصيدة اإلماراتية‬

‫‪80‬‬ ‫‪ 84‬في الشعر‪..‬عبد الزهرة زيك‪ ،‬عبد الغني فوزي‬ ‫‪ 91‬مختارات‪..‬رباعيات جالل الدين الرومي‬ ‫‪ 102‬حوار‪..‬محمد الصالحي‬ ‫‪ 109‬تحقيق‪ ..‬شعرية املأساة العراقية‬ ‫‪ 114‬ملتقى اإلمارات لالبداع الخليجي‬ ‫عمر الخيام‪..‬الشاعر والعامل والفيلسوف‬

‫سعر النسخة‬ ‫اإلمارات العربية املتحدة‪ 10 :‬دراهم ‪ -‬اململكة العربية السعودية ‪10‬‬ ‫رياالت ‪ -‬الكويت دينار واحد ‪ -‬سلطنة عامن ‪ 800‬بيسة ‪ -‬قطر ‪ 10‬رياالت‬ ‫ مملكة البحرين دينار واحد ‪ -‬اليمن ‪ 200‬ريال ‪ -‬مرص ‪ 5‬جنيهات ‪-‬‬‫السودان ‪ 250‬جنيهاً ‪ -‬لبنان ‪ 5000‬لرية ‪ -‬سورية ‪ 100‬لرية ‪ -‬اململكة‬ ‫األردنية الهاشمية ديناران ‪ -‬العراق ‪ 2500‬دينار ‪ -‬فلسطني ديناران ‪-‬‬ ‫اململكة املغربية ‪ 20‬دره ًام ‪ -‬الجامهريية الليبية ‪ 4‬دنانري ‪ -‬الجمهورية‬ ‫التونسية ديناران ‪ -‬بريطانيا ‪ 3‬جنيهات ‪ -‬سويرسا ‪ 7‬فرنكات ‪ -‬دول االتحاد‬ ‫األورويب ‪ 4‬يورو ‪ -‬الواليات املتحدة األمريكية وكندا ‪ 5‬دوالرات‪.‬‬ ‫االشتراكات‬ ‫لألفراد داخل دولة اإلمارات‪ 100 :‬درهم‪ /‬لألفراد من خارج الدولة‪150 :‬‬ ‫دره ًام ‪ -‬للمؤسسات داخل الدولة‪ 150 :‬دره ًام‪ /‬للمؤسسات خارج الدولة‬

‫‪65‬‬

‫‪18‬‬

‫‪ 119‬حمد أبو شهاب و حمزة أبو النصر‬ ‫‪..‬محاكاة شعرية‬

‫‪123‬‬ ‫‪ 128‬شعر وباليه‪..‬الفونتني ورقصة القصيدة‬ ‫‪ 132‬قصيدة االستكشاف االستعماري‬ ‫‪ 135‬ديوان العرب‪..‬املتنبي‪ ،‬طرفة بن العبد‪،‬‬ ‫الطب والشعر‪..‬العالج بالقصيد‬

‫بشار بن برد‬

‫‪ 148‬ديوان النبط‪..‬املاجدي بن ظاهر‪ ،‬الشعر‬ ‫النبطي وإشكالية املصطلح‪ ،‬أدب البدو‬

‫‪162‬‬

‫كاميرا ‪..‬أمجد صندوقة‬

‫‪102‬‬

‫محمد الصالحي ‪:‬‬

‫ليس هناك شعر‬ ‫مغربي ‪..‬‬ ‫هناك شعر عربي‬

‫‪200‬درهم‪.‬‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪5‬‬


‫ُكتاب العدد‬

‫‪20‬‬

‫‪24‬‬

‫‪23‬‬

‫‪13‬‬

‫ابدية‪،‬وطائر بأكرث من جناح‪.‬‬

‫االمارات‪ .‬أصدر ست مجموعات‬ ‫شعرية من بينها «صباحات‬ ‫النسكافيه»‪.‬‬

‫تخطيطات ُ‬ ‫الكتاب‪ :‬نارص بخيت‬

‫‪8‬‬

‫‪12‬‬

‫‪14‬‬

‫‪15‬‬

‫‪ .1‬فريد أبو سعدة‬

‫• شاعر مرصي يقيم يف القاهرة‪،‬أدرص‬ ‫عدة مجموعات شعرية من بينها‬ ‫“ذاكرة الوعل”‪.‬‬

‫‪ .2‬هيا صالح‬

‫• كاتبة من األردن صدر لها عدة‬ ‫مؤلفات من بينها «رسد الحياة»‪.‬‬

‫‪ .3‬عبدالحق ميفراين‬ ‫• ناقد مغريب‬

‫‪ .4‬محمد أبوعرب‬

‫•كاتب وصحفي من األردن‬

‫‪ .5‬أحمد الدمنايت‬

‫‪ .9‬محمد الحجريي‬

‫•صحايف وكاتب لبناين يقيم يف بريوت‬

‫‪ .10‬عبد الزهرة زيك‬

‫•شاعر عراقي يقيم يف بغداد ‪،‬صدر‬ ‫له العديد من املجموعات الشعرية‬ ‫منها كتاب الفردوس ‪ ،‬رشيط صامت‬ ‫‪ ،‬وطغراء النور واملاء‪.‬‬

‫‪ .11‬عبد الغني فوزي‬ ‫• شاعر وناقد مغريب‬

‫‪ .12‬عاشور الطويبي‬

‫• شاعر ومرتجم من ليبيا ‪ ،‬من‬ ‫دواوينه قصائد الرشفة ‪،‬ومختارات‬ ‫من الشعر العاملي‪.‬‬

‫‪ .16‬عبود الجابري‬

‫• شاعر ومرتجم عراقي يقيم‬ ‫يف عامن‬

‫‪ .17‬أحمد هريدي‬ ‫• شاعر ومرتجم مرصي‬

‫‪ .18‬صديق محمد جوهر‬

‫• كاتب وناقد رئيس قسم األدب‬ ‫اإلنجليزي جامعة اإلمارات العربية‬

‫‪ .19‬خالد بلقاسم‬

‫‪ .7‬عبد الرحمن احمد مراد‬

‫• صحايف وشاعر مغريب يقيم يف الدار‬ ‫البيضاء صدر له مجموعة شعرية‬ ‫“رمل الغريب”‬

‫• ناقد من املغرب‪ ،‬من بني ما‬ ‫صدر له يف حقل النقد‪ :‬أدونيس‬ ‫والخطاب الصويف‪ ،‬الكتابة‬ ‫والتصوف عند ابن عريب‪ ،‬والكتابة‬ ‫وإعادة الكتابة يف الشعر املغريب‬ ‫املعارص‪.‬‬

‫• ناقد من سوريا يقيم يف‬ ‫ابوظبي‪،‬اصدر العديد من الكتب‬ ‫يف حقل النقد من بينها‪:‬األفق‬ ‫والصدى‪-‬دراسات يف الشعر‬ ‫السوري املعارص‪،‬الربيع االسود‪،‬أرض‬

‫• شاعر وصحايف عراقي يقيم يف‬ ‫بغداد ‪ ،‬صدر له وحده الرتاب‬ ‫يقهقه‪.‬‬

‫• شاعر وناقد من املغرب‪ ،‬من‬ ‫أعامله شجر النوم‪ ،‬نتوءات زرقاء‪،‬‬ ‫و الجزء األول خبز العائلة‪.‬‬

‫• شاعر وناقد من فلسطني‪ ،‬يقيم يف‬

‫•كاتب بحريني مقيم يف املنامة‬

‫•صحايف وناقد مغريب‬

‫‪ .6‬عبدالله تويت‬

‫• مرتجم وكاتب من املغرب‬

‫• شاعر وصحايف ميني يقيم يف‬ ‫صنعاء‬

‫‪ .8‬مفيد نجم‬

‫‪6‬‬

‫بيت الشعر‬

‫‪ .13‬حكيم عنكر‬

‫‪ .14‬حسام الرساي‬

‫‪ .15‬سامح كعوش‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫‪ .20‬صالح بورسيف‬

‫‪ .21‬يوسف ميك‬

‫‪ .22‬إبراهيم أحمد ملحم‬

‫• كاتب وناقد اردين‪،‬استاذ يف جامعة‬ ‫العني (االمارات)‪،‬صدر له الع��يد‬ ‫من الكتب النقدية من بينها‪ :‬بطولة‬ ‫الشاعر العريب القديم‪،‬العاذلة‬ ‫اطارا‪،‬وجامليات األنا يف الخطاب‪.‬‬

‫‪ .23‬سعد العبدالله‬ ‫الصويان‬

‫• كاتب وباحث سعودي متخصص‬ ‫يف الرتاث يقيم يف الرياض‪،‬من بني‬ ‫اصداراته ذائقة الشعب وسلطة‬ ‫النص‪،‬فهرست الشعر النبطي وحداء‬ ‫الخيل‪.‬‬ ‫وفي الشعر‬

‫‪ .24‬محم ّـد عيل شمس الدين‬ ‫‪ .25‬عاطف بن مبارك‬ ‫‪ .26‬إدريس علوش‬ ‫‪ .27‬محمد أحمد بنيس‬ ‫‪ .28‬ابراهيم قازو‬ ‫‪ .29‬د‪.‬خالد الجرب‬ ‫‪ .30‬عبداملجيد الرتيك‬ ‫‪ .31‬محمد منصور‬ ‫‪ .32‬ماجد رقيبة‬


‫شعر وشعراء‬

‫بدءا‬ ‫ما مييز باب «شعر وشعراء» يف هذا العدد هو التنوع يف‬ ‫اإلصدارات الشعرية والنقدية عربيا‪ ،‬من اإلمارات إىل مرص‬ ‫وسوريا ولبنان والعراق واألردن وحتى املغرب‪ .‬ورغم النغمة‬ ‫التشاؤمية العالية عن تراجع حظوظ الشعر عىل صعيد القراءة‬ ‫فإن املطابع ال تزال تدور بحرب الكالم الجميل والجديد‪ ،‬وقد‬ ‫كان للشعر حضوره يف معرض الشارقة للكتاب‪ ،‬ثم يف تظاهرة‬ ‫اإلبداع الخليجي التي شهدت أمسيات وجلسات نقدية حول‬ ‫الشعر‪ ،‬نتناولها يف هذا العدد بعرض واف‪ .‬ونحن يف مجلة‬ ‫«بيت الشعر» نجد أن من واجبنا الوقوف يف وجه املوجة التي‬ ‫ّ‬ ‫تنظر لتهميش الشعر‪ ،‬وبتوجيهات من سمو الشيخ سلطان‬ ‫بن زايد آل نهيان ممثل صاحب السمو رئيس الدولة ‪-‬حفظه‬ ‫الله‪ -‬نعمل يف هذه املجلة يف عدة اتجاهات من أجل نرش‬ ‫الجديد وتسليط الضوء عىل القديم من شعرنا‪ ،‬بهدف استمرار‬ ‫التواصل يف تاريخ األمة العربية الشعري‪ ،‬ويك يبقى للعرب‬ ‫ديوانهم الناصع‪ ،‬ديوان الذاكرة واألصالة واالنفتاح والتواصل‪.‬‬ ‫يف باب «شعر وشعراء» نقدم الجديد من دواوين وكتب‬ ‫نقد‪ .‬يف الشعر نتوقف عند بعض إصدارات أكادميية الشعر‬ ‫التابعة لهيئة ابوظبي للسياحة والثقافة‪ ،‬ومنها ديوان جديد‬ ‫للشاعر اإلمارايت طالل سامل الذي يواصل مرشوعه يف القصيدة‬ ‫العمودية بدأب ودراية‪ ،‬باإلضافة إىل إصدرارت عربية أخرى‪،‬‬ ‫منها بالخصوص الكتاب النقدي الهام للناقد العراقي فاضل‬ ‫ثامر حول الحداثة يف الشعر العريب‪ ،‬وهو يقدم هنا قراءة‬ ‫مطولة لتجربة الحداثة بدءا من نازك املالئكة حتى شعراء‬ ‫جيل الثامنينات‪ ،‬ويخلص اىل استنتاجات غاية يف األهمية‪،‬‬ ‫كام أنها تثري قدرا كبريا من األسئلة وتفتح النقاش حول مآالت‬ ‫مرشوع الحداثة الشعري‪ ،‬الذي بدأ متامسكا ولكنه وصل إىل‬ ‫فضاء التشظي حسب اطروحة الكتاب األساسية‪.‬‬ ‫قراءات وعروض أخرى يف هذا الباب يظل من أبرزها كتاب‬ ‫القدس يف الشعر العريب‪ ،‬الذي يتناول‪ ،‬من منظور تاريخي‪،‬‬ ‫حضور هذه املدينة املقدسة يف حارض العرب واملسلمني‬ ‫التحرير‬

‫جائزة البردة‬ ‫في دورتها العاشرة‬ ‫حجب الجائزة األولى‬ ‫للشعر‬ ‫متيزت الدورة العارشة من جائزة الربدة مبشاركة واسعة وتنوع‬ ‫عريب واسالمي ‪،‬وقالت وزارة الثقافة والشباب وتنمية املجتمع‬ ‫اإلماراتية أن إجاميل املشاركات وصل إىل ‪ 341‬عمال حيث شارك‬ ‫يف فرع الشعر الفصيح والنبطي ‪ 170‬شاعرا والتي تشمل املسابقة‬ ‫الشعرية املفتوحة للشعراء من داخل الدولة وخارجها يف الشعر‬ ‫النبطي والشعر الفصيح يف موضوع مدح الرسول صىل الله عليه‬ ‫وسلم وسريته العطرة‪ ،‬وأكدت أن عددا كبريا من املشاركات بفئة‬ ‫الشعر حلقت يف مساحات إبداعية رائعة من حيث الصورة واللغة‬ ‫والحس اإلنساين الراقي مبا يعد إضافة جيدة للشعر بصفة عامة‬ ‫واملديح عىل وجه الخصوص‪ ،‬وهو الهدف الذي تسعى إليه الجائزة‬ ‫كحدث إبداعي عاملي‪.‬‬ ‫واعلنت الوزارة عن الجوائز يف الشهر املايض‪ ،‬وكشفت يف مؤمتر‬ ‫صحفي أن لجنة التحكيم حجبت الجائزة األوىل يف فرع الشعر‬ ‫الفصيح‪ ،‬وفاز املغريب ياسني حميد حزكر بالجائزة الثانية‪ ،‬واملرصي‬ ‫عبيد عباس عبيد عيل بالثالثة‪ ،‬والجزائري رشيف عبداملجيد‬ ‫بالرابعة‪ ،‬فيام جاء خامسا املرصي طاهر محمد العتبان‪.‬‬ ‫ويف الشعر النبطي حجبت لجنة التحكيم الجائزة األوىل وحصل‬ ‫اإلمارايت عتيق خلفان الكعبي عىل الجائزة الثانية‪ ،‬فيام جاء‬ ‫اإلمارايت ابراهيم عبدالله حسني بن عىل ثالثا‪ ،‬وحصل املرصي‬ ‫أحمد محمد حسن عبد الفضيل عىل الجائزة الرابعة‪ ،‬وحل اليمني‬ ‫عبدالله صالح العمري خامسا‪.‬‬

‫مهرجان بغداد الشعري ‪..‬انتقادات واسعة‬

‫تعرض عدد من الشعراء العراقيني بالنقد ملهرجان الشعر الذي احتضنته العاصمة العراقية بغداد يف الشهر املايض إيذانا ببدء فعاليات بغداد‬ ‫عاصمة للثقافة العربية يف سنة ‪ .2013‬وتوجه النقد يف صورة أساسية للجنة املنظمة للمهرجان ولوزارة الثقافة العراقية‪ .‬وتناولت االنتقادات‬ ‫تنظيم املهرجان وتوجيه الدعوات للشعراء من عراقيني وغري عراقيني‪ .‬وأخذت االنتقادات عىل اللجنة املنظمة والوزارة عدم الخربة واالرتجال يف‬ ‫التنظيم واستنساب الدعوات وعدم مراعاتها لالسامء الفاعلة عىل الساحة الشعرية العراقية‪.‬وقد أدى هذا الوضع بالعديد من الشعراء البارزين‬ ‫إىل مقاطعة املهرجان‪ ،‬وصدرت بيانات عىل صفحات التواصل االجتامعي «فيسبوك» تدعو إىل مراجعة أساليب عمل وزارة الثقافة العراقية‪،‬‬ ‫التي اعتربوها مؤسسة تترصف وفق حسابات حكومية ال تأخذ يف عني االعتبار خارطة الثقافة العراقية والفاعلني االساسيني عليها‪ ،‬ونادت بعض‬ ‫الكتابات برضورة إيكال العمل الثقايف للمثقفني وعدم تركه بيد وزارة الثقافة التي تستخدم االمكانات املالية عىل نحو بعيد عن االحرتاف او‬ ‫الدراية العميقة بالوضع الثقايف‪.‬‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪7‬‬


‫شعر وشعراء‬ ‫جمعة املاجد‬

‫سعيد عقل‪:‬‬ ‫ملف المئوية‬

‫خصصت «مجلة العريب» الشهرية‬ ‫الصادرة يف الكويت ملف عددها‬ ‫األخري للشاعر سعيد عقل مبناسبة‬ ‫بلوغه املائة من العمر‪،‬واقترص‬ ‫امللف عىل ثالث دراسات كتبها‬ ‫كل من الشاعر اللبناين محمد عيل‬ ‫شمس الدين «حقيقة سعيد عقل‬ ‫الشعرية»‪ ،‬واألكادمييني اللبنانيني‬ ‫هند أديب « ثالثية الحب يف‬ ‫أعامل سعيد عقل الغنائية»‬ ‫ورياض عثامن «سعيد عقل‬ ‫املخرضم الذي أربك نقاد الحداثة»‪.‬‬ ‫ودعت «العريب» يف افتتاحية امللف‬ ‫إىل الفصل بني مرشوعي سعيد‬ ‫عقل الشعري والسيايس‪ ،‬فاألول‬ ‫باق وهو األساس‪ ،‬بينام الثاين طواه‬ ‫الزمن‪ ،‬وقالت إن سعيد عقل‬ ‫إشكايل ومختلف عن اآلخرين‪،‬‬ ‫ويرص خصومه عىل محاكمته‬ ‫سياسيا يف حني أن الذي يُعتد به‬ ‫هو النص الشعري‪.‬‬ ‫ومام جاء يف بحث شمس الدين أن‬ ‫سعيد عقل «كان ينفعل باستياء‬ ‫كبري‪ ،‬حني يُذكر أنه شاعر عريب‪...‬‬ ‫هذا عىل الرغم من أنه كتب نصف‬ ‫شعره بالعربية الفصحى‪ ،‬وكانت‬ ‫عىل يديه طيعة وقادرة عىل توليد‬ ‫الجامل واإلضافة اإلبداعية»‪.‬‬

‫الكاميرون تحتفل‬ ‫بالشعر العالمي‬

‫شاعر التركمان‬ ‫في مركز جمعة الماجد‬ ‫كان شاعر الرتكامن مخدوم قويل‪ ،‬محل احتفاء الشهر‬ ‫املايض يف ندوة دراسية نظمها مركز جمعة املاجد للثقافة‬ ‫والرتاث وندوة الثقافة والعلوم يف ديب‪ ،‬بالتعاون مع معهد‬ ‫املخطوطات التابع ألكادميية العلوم الرتكامنية‪ .‬واستمرت‬ ‫جلسات الندوة التي تناولت قويل الذي يلقبونه يف بالده‬ ‫بشاعر وحدة الرتكامن يومني يف أربع جلسات علمية‬ ‫وجلستني افتتاحيتني وجلسة ختامية‪ ،‬تناولت يف صورة‬ ‫اساسية ديوان الشاعر املرتجم اىل العربية حديثا‪،‬كام‬ ‫جاءت الفعالية ضمن االحتفاء الرسمي لرتكامنستان مبرور‬ ‫‪ 290‬عاماً عىل ذكرى والدة الشاعر‪.‬‬ ‫تحدث يف الجلسات التي حرضها جمعة املاجد عدد‬ ‫من الباحثني واالكادمييني من الطرفني‪ ،‬منهم مدير‬ ‫معهد املخطوطات الرتكامين الدكتور آنا قربان آشريوف‪،‬‬ ‫والدكتور عزالدين بن زغيبة رئيس اللجنة التنظيمية‬ ‫للمؤمتر من مركز جمعة املاجد للثقافة والرتاث‪.‬‬ ‫واعترب جمعة املاجد أن الندوة منوذج عميل للتباحث‬ ‫العلمي يف سرية الشاعر مخدوم قويل من إنجازاته األدبية‪،‬‬ ‫مرورا ً بإبداعاته الشعرية وصوالً إىل تأثري للحركة األدبية‬ ‫التي جاءت بعده‪ ،‬والتي القت اهتامماً واسعاً من الباحثني‬ ‫الغربيني‪ ،‬أبرزهم الكاتب البولندي هردزوك برايكو‪.‬‬ ‫موضحاً أن تحقيق التعريف باملخزون الفريد لقويل يعترب‬ ‫مبادرة إللقاء الضوء حول إنتاجات أدبية عاملية ال تزال‬ ‫بعيدة عن املكتبة العربية‪ .‬الفتاً إىل أن استمرار البحث‬ ‫والتوثيق هو الوسيلة األسمى للثقافة املتواصلة‪ ،‬عرب‬ ‫تسخري املوارد املادية والبرشية واملعنوية‬

‫سعيد عقل‬ ‫‪8‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫احتفلت الكامريون بالشعر العاملي‬ ‫من خالل مهرجان «التالل السبعة»‬ ‫الذي اقيم يف العاصمة ياوندي يف‬ ‫األسبوع األول من شهر ديسمرب‬ ‫املايض بالتعاون بني وزارة الثقافة‬ ‫يف الكامريون واملنظمة العاملية‬ ‫للفرانكوفونية وكندا‪.‬‬ ‫توىل الرئاسة الفخرية للمهرجان‬ ‫وزير التعليم العايل الكامروين‬ ‫الشاعر جاك شهرة ندونغو‪ ،‬كام‬ ‫حظي بدعم شاعر الكامريون‬ ‫األول فرناندو أمليدا‪،‬باالضافة إىل‬ ‫دعم الشاعر بلامرغاستون رئيس‬ ‫ومؤسس املهرجان‪ ،‬وتروا ريفيري‬ ‫(كيبيك) رئيس مهرجانات الشعر‬ ‫الدولية‪.‬‬ ‫ومن بني اهداف املهرجان نرش‬ ‫األشكال الشعرية املختلفة‪ ،‬الشعبية‬ ‫وغريها‪ ،‬يف أفريقيا املعارصة‪،‬‬ ‫واكتشاف الكتابات واملواهب‬ ‫الجديدة وتعزيز التبادل والتعارف‬ ‫بني شعراء العامل‪ ،‬وذلك من أجل‬ ‫إقامة مشاريع ثقافية مشرتكة‪.‬‬ ‫وشهد املهرجان قراءات للعديد‬ ‫من الشعراء من بلدان افريقية‬ ‫وأوروبية ومن كندا‪ ،‬والالفت‬ ‫هو حجم املشاركة التي وصلت‬ ‫إىل قرابة ‪ 2000‬مشارك‪ ،‬أمضوا‬ ‫اسبوعا كامال يف قراءات شعرية‬ ‫ونقاشات حول الشعر وموقعه‬ ‫يف عامل اليوم‪،‬كام قام املشاركون‬ ‫بجوالت سياحية وتسلق للجبال‪.‬‬ ‫وقد أعطيت املساحة األكرب للشعر‬ ‫االفريقي الذي مثله شعراء من‬ ‫كينيا وساحل العاج والسنيغال‬ ‫وجنوب أفريقيا‪.‬‬


‫نازك املالئكة‬

‫السعودية تكرم‬ ‫الشاعر العوامي‬

‫الشاعر عدنان العوامي ابرز شعراء‬ ‫القصيدة الرومانسية يف السعودية‬ ‫كان محل تكريم من طرف نادي‬ ‫املنطقة الرشقية األديب‪ ،‬وذلك‬ ‫للمرة الثانية خالل شهرين‪ ،‬حيث‬ ‫سبق تكرميه من جانب وزارة‬ ‫الثقافة السعودية خالل احتفاالت‬ ‫اليوم الوطني‪ .‬وتليت يف االمسية‬ ‫دراستان تتناوالن شعر ومسرية حياة‬ ‫العوامي الحافلة بالعطاء شعرا ونقدا‬ ‫وتحقيقات‪.‬‬ ‫وقال عنه الكاتب محمد أمني أبو‬ ‫املكارم نائب رئيس تحرير مجلة‬ ‫«القافلة الثقافية»‪ ،‬انه صاحب‬ ‫مسرية حافلة بالعطاء فهو رجل‬ ‫عصام�� مارس الفالحة يف بداية‬ ‫حياته‪ ،‬ثم اشتغل مبهن عدة‪ ،‬وأثناء‬ ‫ذلك ثقف نفسه بنفسه مذكرا ايانا‬ ‫بالعقاد ونظرائه‪ ،‬وانتزع معارفه من‬ ‫فم الحياة القاسية‪.‬‬ ‫والحظ الشاعر مبارك بوبشيت يف‬ ‫دراسته لديوان العوامي «شاطئ‬ ‫اليباب»‪ ،‬ان «الديوان مكتنز‬ ‫بالوجدانيات والغزليات الطافية فوق‬ ‫غيوم الرغبة والجاذبية والعشق»‪.‬‬ ‫ويذكر ان العوامي هو الذي قام‬ ‫بتحقيق «ديوان أيب البحر الخطي»‪،‬‬ ‫الشاعر الذي استفاضت املحاوالت‬ ‫النقدية للتعريف به وبشاعريته‪.‬‬

‫رحل الماجري‬ ‫وترك شعره‬

‫جائزة نازك المالئكة‬ ‫محل تشكيك‬

‫جائزة رائدة الحداثة الشعرية العربية نازك املالئكة‬ ‫محل تشكيك واتهامات طاولت وزارة الثقافة العراقية‬ ‫ومسؤوليها‪،‬فالوزارة التي استحدثت الجائزة قبل خمس‬ ‫سنوات من أجل تكريم املالئكة تعرضت لهجوم من‬ ‫داخل األوساط الثقافية العراقية‪ ،‬قبل ان يتنازل عنها‬ ‫بعض من حصلوا عليها يف دورتها لهذه السنة‪ ،‬ومنهم‬ ‫الكاتبة املغربية زهور كرام التي جاءت يف املرتبة‬ ‫الثالثة يف حقل النقد األديب‪ ،‬وبررت موقفها من الجائزة‬ ‫ب»عدم توفر الرشوط املوضوعية» للمنافسة‪.‬‬ ‫الهجوم عىل الجائزة جاء من طرف مصدر أديب قريب‬ ‫من كواليس وزارة الثقافة العراقية ‪ ،‬والذي أكد ان‬ ‫الجوائز وزعت بطريقة «املناصفة» بني العراقيات‬ ‫والعربيات‪ ،‬وأوضح ان الوزارة عجزت عن جعل‬ ‫املسابقة ترتقي إىل اسم املالئكة‪ ،‬معتربا ان اللجنة‬ ‫التحكيمية كانت يف حرية من أمرها حول حجب‬ ‫الجوائز االوىل يف الشعر والقصة‪ ،‬فاختارت حجب‬ ‫جائزة النقد األديب كأفضل البدائل أمامها يك ال تبدو‬ ‫الجائزة فاشلة يف محصلتها‪ .‬وقال إن القيمة االعتبارية‬ ‫للجائزة ال تتناسب مع اسم الشاعرة نازك املالئكة التي‬ ‫ماتت يف مغرتبها ومل تستطع وزارة الثقافة نقل جثامنها‬ ‫ليدفن يف وطنها‪.‬واعترب املسابقة شبه «وهمية» وتوزيع‬ ‫الجوائز وفق األقطار العربية لتأكيد شكل املشاركة‪.‬‬ ‫وذكرت لجنة التحكيم أنها تلقت مشاركات لـ‪116‬‬ ‫من كافة أرجاء الوطن العريب‪ ،‬ولكن املراقبني اعتربوها‬ ‫مساهامت متواضعة القيمة الفنية‬

‫ودع الوسط الثقايف الليبي يف ديسمرب‬ ‫الثالث املايض أحد أبرز شعراء‬ ‫القصيدة العمودية رجب املاجري‬ ‫الذي وافته املنية مبدينة بنغازي عن‬ ‫عمر ناهز الثانية والثامنني‪.‬‬ ‫بدأ رجب املاجري كتابة الشعر يف‬ ‫السادسة عرشة من عمره‪،‬ولكن‬ ‫ديوانه األول مل يصدر إال يف سنة‬ ‫‪ ،2006‬تحت عنوان «ىف البدء كانت‬ ‫كلمة»‪ ,.‬من أجواء الديوان ‪« :‬ىف‬ ‫البدء كانت نغمة محبة ونغمة‪/‬‬ ‫صاغ بها الله الوجود‬ ‫رائعاً فأحكمه‪ /‬خالقة مبدعة‬ ‫مضيئة وملهمة‪ /‬كانت لوجه الحق‬ ‫بني الناس ىف األرض سمه‪ /‬ما بالها‬ ‫ىف أرضنا كال ُحر ِمنا ملجمه‪ /‬تجيش‬ ‫ىف نفوسنا ثائرة مضطرمه‪ /‬حتى إذا‬ ‫ما المست شفاهنا محتشمة‪/‬‬ ‫ماتت كام مات الحياء ىف وجوه‬ ‫مجرمه»‪.‬‬ ‫ورأي املاجري يف الشعر هو‪« :‬إنه‬ ‫حس‪ ،‬نبض ىف كلمة‪ ،‬صادق يف‬ ‫تعبريه عن األحداث التى متر بنا»‪،‬‬ ‫ويضيف‪« :‬الشعر لن ميوت أبدا ً ألنه‬ ‫إحساس واإلحساس دامئاً مع البؤس‪،‬‬ ‫ولن يخلو مكان ىف العامل من البؤس‬ ‫والظلم»‪.‬‬

‫رجب املاجري‬

‫عدنان العوامي‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪9‬‬


‫شعر وشعراء‬ ‫الشاعرة كارول آن دايف‬

‫رئيس هيئة الكتاب يقاضي‬ ‫الشاعر حسن طلب‬

‫رئيس الهيئة املرصية العامة‬ ‫للكتاب أحمد مجاهد‪ ،‬قرر مقاضاة‬ ‫الشاعر حسن طلب ورفع قضية‬ ‫«سب» و «قذف» ضده‪ ،‬عىل‬ ‫ّ‬ ‫خلفية مقال نرشه األخري يف جريدة‬ ‫«األهرام» تحت عنوان «درس‬ ‫اإلمام»‪ .‬ومعروف أن طلب يتوىل‬ ‫منصب نائب رئيس التحرير يف‬ ‫مجلة «إبداع» التي تصدرها الهيئة‬ ‫العامة للكتاب‪ ،‬ويتوىل مجاهد‬ ‫منصب رئيس مجلس إدارتها‪.‬‬ ‫وتساءل مجاهد‪« :‬كيف تسمح‬ ‫جريدة «األهرام» العريقة لكاتب‬ ‫بأن يحول صفحاتها إىل «مشتمة»‪،‬‬ ‫يف إشارة إىل قضية مامثلة سبق أن‬ ‫رفعها وزير الثقافة املرصي السابق‬ ‫جابر عصفور ضد طلب لنرشه‬ ‫مقالني يف الجريدة نفسها تضمنا‬ ‫«سباً وقذفاً» يف حقه‪ ،‬وصدر حكم‬ ‫قضايئ ابتدايئ بأحقيته يف الحصول‬ ‫عىل تعويض مادي‪.‬‬ ‫وجاء يف مقال طلب الذي نرش يف‬ ‫امللحق الثقايف لـ «ألهرام» ومل يرد‬ ‫فيه ذكر اسم مجاهد أن «هيئة‬ ‫ثقافية كربى تحولت إىل «عزبة»‪،‬‬ ‫فراح ناظرها وقد بدا ضئيالً فوق‬ ‫كرسيه الكبري يوزع املغانم عىل‬ ‫الحاشية‪.»...‬‬

‫آدم فتحي يفوز‬ ‫بجائزة الشابي الشعرية‬

‫جامعة كامبردج‬ ‫توحي لشعراء بريطانيا‬ ‫عرشة من شعراء بريطانيا سيقيمون يف عرشة متاحف‬ ‫تابعة لجامعة كامربدج من شهر يناير الحايل حتى مارس‬ ‫القادم الستلهام محتوياتها ومعروضاتها ومقتنياتها‬ ‫لكتابة قصائد ت ُنرش يف مجموعة شعرية هذا العام‬ ‫‪.‬الدعوة أطلقتها شاعرة البالط الربيطاين كارول آن‬ ‫دايف تحت شعار «مهرجان األفكار»‪ .‬وأشارت دايف‬ ‫إىل ان متاحف كامربدج ستكون جسورا فريدة بني‬ ‫الشعراء وملتقى افكار وأشكال فنية مختلفة وعامال‬ ‫مساعدا للنشاط االبداعي‪ .‬ومن املؤسسات الثقافية‬ ‫املشمولة باملبادرة مكتبة جامعة كامربدج التي سيقيم‬ ‫فيها الشاعر امتياز داركر وتحوي نسخة اسحاق نيوتن‬ ‫الخاصة من عمله الكبري «املبادئ الرياضية للفلسفة‬ ‫الطبيعية»‪ .‬وستقيم شاعرة ويلز الوطنية جيليان‬ ‫كالرك يف متحف علم الحيوان الذي يحوي عينات‬ ‫جمعها تشارلس دارون خالل رحلته الشهرية عىل منت‬ ‫السفينة بيغل‪ .‬وسيقيم الشاعر جو شابكوت يف املتحف‬ ‫القطبي موطن رسالة الوداع التي وجهها الكابنت روبرت‬ ‫سكوت اىل زوجته قبل وفاته خالل استكشاف القطب‬ ‫الجنويب‪،‬بينام بات متحف اآلثار الكالسيكية من نصيب‬ ‫الشاعر شون بوروديل الذي ُرشحت مجموعته الشعرية‬ ‫الجديدة لجائزة يت‪ .‬أس‪ .‬اليوت‪ .‬وقال بوروديل انه عمل‬ ‫يف شبابه سباك برونز يف احد معامل لندن حيث كان‬ ‫يصب اعامل نحاتني معارصين لصنع مناذج كبرية‪ .‬وانه‬ ‫يتطلع اىل استكشاف القوالب املصنوعة من الجبس يف‬ ‫متحف كامربدج لآلثار الكالسيكية‬

‫حسن طلب‬ ‫‪10‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫الشاعر التونيس آدم فتحي حاز‬ ‫عىل جائزة الشاعر «أبو القاسم‬ ‫الشايب» عن كتابه «نافخ الزجاج‬ ‫األعمى أيّا ُمه وأعاملُه» الصادر‬ ‫عن دار الجمل يف بريوت عام‬ ‫‪ .2011‬وشارك يف مسابقة هذه‬ ‫الدورة التي يرأسها الكاتب‬ ‫املرسحي عز الدين املدين‬ ‫‪ 99‬شاع ًرا من ‪ 12‬دولة عربية‪،‬‬ ‫وتك ّونت لجنة التحكيم من‬ ‫رئيسا‬ ‫الدكتور محمد عجينة ً‬ ‫ومن الشاعر منصف الوهايبي‬ ‫والدكتور مربوك املناعي والدكتور‬ ‫فاروق العمراين أعضاء‪.‬‬ ‫وآدم فتحي من جيل السبعينات‬ ‫يف تونس ولديه عدة مجموعات‬ ‫شعريه‪،‬ولكنه انرصف يف العقد‬ ‫األخري لكتابة األغنية امللتزمة‪،‬‬ ‫فغنى له الراحل الشيخ امام‬ ‫ولطفي بوشناق‪ ،‬وهو معروف يف‬ ‫مرص باألغنيات التي كتبها دعماً‬ ‫للشعب املرصي‪ ،‬ومنها األغنية‬ ‫التي غناها املطرب حمزة منرة‬ ‫بعنوان «هيال هيال يا مطر»‪ ،‬كام‬ ‫انه يعمل مع العديد من الفرق‬ ‫الشعبية التي متتهن التجوال‬ ‫والغناء يف تونس‪.‬‬

‫آدم فتحي‬


‫صالح عبدالصبور‬

‫فتح باب الترشح‬ ‫لجائزة الثبيتي الشعرية‬

‫‪‎‬هيئة إدارية جديدة‬ ‫العراقي‬ ‫لبيت الشعر‬ ‫ّ‬

‫بيت الشعر العراقي عقد يف‬ ‫بغداد مؤخرا مؤمتره االنتخايب‬ ‫الثاين‪ ،‬بحضور نخبة من شعراء‬ ‫العراق ونقّاده‪ ،‬وجرى خالله‬ ‫بحث مجمل نشاطات البيت‬ ‫وسياسته الثقاف ّية‪ ،‬وموضوعات‬ ‫تتعلّق بعمله اإلداري‪ ،‬واملجلة‬ ‫التي تصدر عنه «بيت»‪.‬‬ ‫وتم يف نهاية املؤمتر انتخاب‬ ‫هيئة ادارية جديدة مكونة‬ ‫من سبعة من أعضاء الهيئة‬ ‫العامة وهم حسام الرساي‬ ‫الذي نال أعىل نسبة أصوات‬ ‫(‪ 41‬صوتا)‪ ،‬ميثم الحريب ‪،‬‬ ‫عمر الجفال‪ ،‬صالح السيالوي‪،‬‬ ‫زاهر موىس‪ ،‬هنادي جليل‪،‬‬ ‫مؤيد الخفاجي‪ .‬وانتخبت‬ ‫الهيئة اإلداريّة الجديدة‪،‬الشاعر‬ ‫والصحايف حسام الرساي رئيساً‪،‬‬ ‫وزاهر موىس نائباً له‪ ،‬وميثم‬ ‫الحريب أميناً عاماً لبيت الشعر‬ ‫اقي‪.‬‬ ‫العر ّ‬ ‫ويعد الرساي من بني أبرز‬ ‫الوجوه الثقافية الناشطة عىل‬ ‫الساحة العراقية‪ ،‬وهو ميتلك‬ ‫صالت طيبة مع االوساط‬ ‫الثقافية العربية‪،‬األمر الذي‬ ‫ساعده عىل ايصال صوت بيت‬ ‫الشعر العراقي للخارج‪.‬‬

‫نسخة فريدة من ديوان‬ ‫لصالح عبد الصبور‬ ‫جرى الكشف مؤخرا عن نسخة فريدة من ديوان‬ ‫الشاعر صالح عبد الصبور «أحالم الفارس القديم»‬ ‫الذي صدرت طبعته األوىل يف سنة ‪1964‬والنسخة‬ ‫الجديدة مكتوبة بخط يد الشاعر وكانت محفوظة‬ ‫لدى أحمد مريس الفنان التشكييل والشاعر املقيم يف‬ ‫نيويورك‪ ،‬وتشمل أيضاً رسوماً ملريس رسمها يف التوقيت‬ ‫نفسه‪ ،‬الذي كتب فيه عبد الصبور قصائد الديوان ‪.‬‬ ‫وتعد هذه النسخة هي الوحيدة املكتوبة بخط يد‬ ‫الشاعر‪ ،‬وهي غري موجودة حتى لدى أرسته‪.‬‬ ‫وصدرت هذه النسخة حديثا عن الهيئة املرصية‬ ‫للكتاب‪ ،‬و يضم الديوان سبع عرشة قصيدة لعبد‬ ‫الصبور‪ ،‬منها مذكرات امللك عجيب بن الخصيب‪،‬‬ ‫مذكرات الصويف برش الحايف‪ ،‬أغنية لليل‪ ،‬بودلري‪ ،‬رسالة‬ ‫إىل سيدة طيبة‪ ،‬عمر الحب‪ ،‬الرباءة‪ ،‬وهي التي غري عبد‬ ‫الصبور عنوانها بعد ذلك‪ ،‬لتصبح أحالم الفارس القديم‪،‬‬ ‫التي مطلعها‪:‬‬ ‫« ايا من يدل خطويت عىل طريق الدمعة الربيئة»‪.‬‬ ‫ترك عبد الصبور آثارا شعرية ومرسحية أثرت يف أجيال‬ ‫متعددة من الشعراء يف مرص والبلدان العربية‪ ،‬خاصة‬ ‫بجييل السبعينيات الثامنينيات ومنذ ديوانه األول‬ ‫«الناس يف بالدي» الذي صدر سنة ‪ 1957‬سجل عبد‬ ‫الصبور اسمه بقوة إىل جانب رواد الحداثة الشعرية يف‬ ‫الوطن العريب مثل نازك املالئكة والسياب‪ ،‬لكون هذا‬ ‫الديوان أول ديوان قصيدة تفعيلة يصدر يف مرص‬

‫فتحت أمانة جائزة الشاعر محمد‬ ‫الثبيتي لإلبداع بنادي الطائف‬ ‫األديب الثقايف يف السعودية فروعها‬ ‫أمام الشعراء والباحثني العرب‬ ‫للتنافس‪ ،‬بعد إقرار ضوابط‬ ‫ورشوط الجائزة التي تشمل ثالثة‬ ‫فروع هي‪ :‬جائزة التجربة الشعرية‬ ‫وقيمتها مائة ألف ريال‪ ،‬ومتنح من‬ ‫قبل أمانة الجائزة لشاعر عريب عىل‬ ‫كامل تجربته الشعرية‪ ،‬وجائزة‬ ‫الديوان الشعري خمسون ألف‬ ‫ريال‪ ،‬وجائزة األبحاث الشعرية‬ ‫وقيمتها خمسون ألف ريال‪.‬‬ ‫وأعلنت الجائزة بدء استقبالها‬ ‫لألعامل املرشحة للجائزة‬ ‫يف فرعي الديوان الشعري‬ ‫واألبحاث الشعرية سواء كان هذا‬ ‫الرتشيح شخصياً أو عن طريق‬ ‫مؤسسات علمية أو ثقافية‪ ،‬وبينت‬ ‫أنه يشرتط يف الديوان أال يكون قد‬ ‫مىض عىل صدوره أكرث من ثالث‬ ‫سنوات من تاريخ إعالن الرتشح‬ ‫للجائزة‪ ،‬وأال يكون العمل املرشح‬ ‫قد فاز بجائزة محلية أو عربية‪،‬‬ ‫بينام يشرتط يف البحث أن يكون‬ ‫حديثاً وغري منشور‪،‬وأن يكون‬ ‫البحث مكتوباً خصيصاً للجائزة‪.‬‬

‫حسام الرساي‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪11‬‬


‫شعر وشعراء‬

‫الديوان‪ :‬أعىل بناية الخليل بن أحمد‬ ‫الشاعر‪ :‬حسن شهاب الدين (مرص)‬ ‫النارش‪ :‬أكادميية الشعر‪ /‬هيئة‬ ‫أبوظبي للسياحة والثقافة‬ ‫عدد الصفحات‪ 135:‬صفحة‬ ‫من القطع املتوسط‬

‫حصاد «أمير الشعراء»‬

‫«أعىل‬

‫بناية الخليل بن أحمد» ديوان جديد‬ ‫ألحد نجوم مسابقة «أمري الشعراء» املرصي‬ ‫حسن شهاب الدين‪ ،‬والذي صدر عن أكادميية الشعر‬ ‫التابعة لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة‪ ،‬يف سلسلة شعراء‬ ‫«أمري الشعراء»‪ ،‬التي تتوىل نرش نتاج الشعراء املتميزين‬ ‫الذين شاركوا يف املسابقة يف دوراتها السابقة‪.‬‬ ‫يضم الديوان ‪ 20‬قصيدة من بينها أشعاره التي شارك بها‬ ‫يف املسابقة يف دورتها الثالثة‪ ،‬ومجموعة من القصائد التي‬ ‫كتبها بعد خوضه سباق اإلمارة‪ .‬و تأيت عناوين قصائد‬ ‫الديوان كالتايل‪ :‬تكوين‪ ،‬طائرة ورق َّية‪ ،‬قبضة من أثرها‪،‬‬ ‫أبجدية املصباح‪ ،‬جناح املاء‪ ،‬هناك َمن يشبهني‪ ،‬متاهة‬ ‫األشكال‪ ،‬سأفتح نافذة ال ُعشب‪ ،‬بعض الكواكب لألطفال‪،‬‬ ‫ن َّحات الخيال‪ ،‬أنا صديق رائع‪ ،‬ليلة الصباح البعيد‪ ،‬ضجر‪،‬‬ ‫وحدي‪ ،‬عزلة اإلزميل‪ ،‬صانع األشكال‪ ،‬قميص اللؤلؤ‪ ،‬يوميات‬ ‫شهيد فلسطيني‪ ،‬نشيد املسغبة‪ ،‬السدنة‪.‬‬ ‫واعترب الشاعر عمله الجديد وهو الثالث بعد «رشفة للغيم‬ ‫املتعب» و«متوج باسمي»‪ ،‬عبارة عن «لبنة يف بناء الخلود‬ ‫الذي أصبو إليه وإذا كان كل ديوان ميثل الشاعر يف مرحلة‬ ‫من حياته فهو بهذا الشكل يعترب جزءا ً من حياة الشاعر‬ ‫نفسها‪ ،‬نزعت عنها رداء األيام وارتدت رداء الكلامت‪ ،‬كام‬ ‫أنني أؤمن متاما أن دواويني الشعرية تتصاعد بشكل هرمي‬ ‫نحو بلوغ قمة نائية مل يصل إليها أحد من قبل‪..‬فإذا كان‬ ‫هذا الديوان «أعىل بناية الخليل بن أحمد» فهناك العديد‬ ‫من القمم التي أطمح بفضل الله تعاىل يف الوصول إليها»‪.‬‬ ‫تغلب عىل قصائد الديوان بنية التفعيلة ومن بني ‪20‬‬ ‫قصيدة مل يضم اكرث من قصيدة عمودية واحدة تلك‬ ‫املعنونة ب «وحدي» التي مطلعها ‪:‬‬

‫يف خيمة الشعر وحدي‬ ‫قصيدة تبتديني‬

‫تفنى العوامل عندي‬ ‫وينتهي الكون عندي‬

‫ولكن املالحظ يف تقنية الشاعر هو انه ظل عموديا‬ ‫يف لغته وصوره رغم توسل التفعيلة‪ ،‬وبدا امر مغادرته‬ ‫لعمود الشعر نوعا من التحرر من القالب فقط من دون‬ ‫الذهاب بعيدا يف اعتامد خاصيات قصيدة التفعيلة التي‬ ‫ترتب عىل شاعرها عدة كتابية مختلفة عن تلك التي‬ ‫‪12‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫تعتمده قصيدة العمود‪.‬ويطغى هذا الرتدد عىل أجواء‬ ‫الديوان كام يف قصيدة «نحات الخيال» التي نقتطف منها ‪:‬‬

‫«هزي‪..‬‬ ‫بغصن الشمس يف أبيايت‬ ‫لن تبزغي‬ ‫إال عىل مرآيت‬ ‫صويت‪..‬‬ ‫عىل باب الكواكب‪..‬عالق‬ ‫قتناويل حديس وإرشاقايت‬ ‫أنا يف رداء الخلق‬ ‫أعقد للرؤى‬ ‫فخ املجاز‬ ‫وراء تفعياليت»‪.‬‬

‫عاشور الطويبي‪ ..‬ديوان وترجمتان‬

‫الشاعر واملرتجم الليبي عاشور الطويبي أصدر ثالثة كتب‬ ‫جديدة عن دار «أركنو»‪ ،‬وهي مجموعة‬ ‫شعرية وترجمتني‪.‬‬

‫الكتاب األول‪:‬‬

‫مجموعة شعرية بعنوان «عن العزلة‬ ‫وأشياء أخرى»‪ ،‬وهو الكتاب الشعري‬ ‫السابع للشاعر‪،‬ويقع يف ‪ 128‬صفحة‬ ‫من القطع املتوسط‪.‬‬ ‫كتب مقدمة املجموعة القاص والناقد‬ ‫الليبي يوسف الرشيف ‪ ،‬وجاء فيها «وألنه حالة شعرية‬ ‫متحركة ال سبيل للقبض عليها أو لجمها برشوط جاهزة‪،‬‬ ‫إيقاعاتها متغرية كام هي متغرية ألنها متحركة ‪ ،‬أحيانا تراها‬


‫بحجم حبة رمل وأحيانا تراها بحجم الكون‪ ،‬أ نت تخطئ‬ ‫حضور شمس‬ ‫لتجليات‬ ‫إذا حاولت رؤيتها يف قصيدة واحدة‪ ،‬ألنها منتجة‬ ‫يغمرنا‪.‬‬ ‫مغايرة يف كل طور من أطوار حالتها‪،‬عليك أن تراها يف كونه السكينة‬ ‫الشعري العام‪ ،‬شعريته تتجىل يف كل ما كتب‪ ،‬وهي أيضا‬ ‫كأس ٌ‬ ‫فارغة‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫ليست مشاعة ألي عابر نقدي‪ ،‬ذلك ألنها مفارقة إىل حد كبري‬ ‫َتق ّبل‬ ‫لقصيدة النرث السائدة رغم التقائه معها يف أبجديتها العامة»‪.‬‬ ‫رسك»‪.‬‬ ‫إخفاء ّ‬ ‫ومن أجواء املجموعة ‪:‬‬ ‫«يف الخريف‬ ‫الكتاب الثالث‬ ‫تسحب األرض آهتها‬ ‫«قصائد النشوة» للشاعر الهندي كبري‪ ،‬ترجمها الطويبي‬ ‫مثلام تسحب السيدة‬ ‫عن االنجليزية وهي تقع يف ‪ 113‬صفحة‪ ،‬والشاعر عاش يف‬ ‫سكينة الشاي عىل الطريقة اليابانية‬ ‫الهند يف منتصف القرن ‪ 15‬امليالدي ألرسة مسلمة‪ ،‬ولكنه يف‬ ‫بانحناءة مهذبة وابتسامة عميقة‪.‬‬ ‫سن مبكرة صار مريدا لرامامناندا الراهب الهندويس‪ .‬كبري‬ ‫مل يكن راهبا وال زاهدا‪ ،‬فقد تزوج وكان له عدد من األبناء‬ ‫يف الخريف‬ ‫وامتهن حياكة املالبس‪ .‬ونسجت الكثري من الحكايات عنه‪،‬‬ ‫القمر‬ ‫وبقيت اشعاره خالدة‪ .‬وتقول إحدى الحكايات‪ :‬عند وفاته‬ ‫صق ٌر بجناحني كبريين‪،‬‬ ‫اختصم اتباعه من املسلمني والهندوس يف طريقة دفنه‪.‬‬ ‫فم تلمع حواف شفتيه‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫املسلمون قالوا بدفنه عىل الطريقة االسالمية‪ ،‬والهندوس‬ ‫اهب‪ ،‬مسبحته بني أصابعه‪،‬‬ ‫ر ٌ‬ ‫قالوا بحرقه عىل طريقتهم‪ ،‬وفيام هم يختصمون ظهر لهم‬ ‫وقلبه عىل املاء»‪.‬‬ ‫كبري وقال لهم أن افتحوا التابوت‪ ،‬وعندما فعلوا ذلك وجدوا‬

‫الكتاب الثاين‬

‫مختارات من ديوان «شمس تربيز» ملوالنا جالل الدين‬ ‫الرومي‪ .‬ترجم الطويبي املختارات من اإلنجليزية وهي تقع‬ ‫يف ‪ 256‬صفحة وتحتوي عىل بابني‪ :‬الغزليات والرباعيات‪.‬‬ ‫وبلغ عددها ‪ 398‬رباعية‪ ،‬وتنرش مجلة «بيت الشعر»‬ ‫يف عددها الحايل مختارات من الرباعيات‪ .‬ومن أجواء‬ ‫الغزليات‪:‬‬

‫«أ ّيها الشاعر‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫اترك كل كلمة‬ ‫ترتجف يف ج ْرس ريحها‪.‬‬ ‫ارسج الحصان‬ ‫ْ‬ ‫بآمال عظيمة‪.‬‬ ‫إىل الصحبة‬ ‫ُ‬ ‫نغامت الناي‪.‬‬ ‫تنادينا‬ ‫اعزف اللحن كام ًال‪.‬‬ ‫إبدأ ثاني ًة‪.‬‬

‫مكان الجثامن كومة كبرية من األزهار‪ ،‬فاقتسموها بينهم‪،‬‬ ‫املسلمون دفنوا نصفها والهندوس احرقوا النصف الباقي‪.‬‬ ‫وقد نرشت مجلة «بيت الشعر» يف عددها الرابع هذه‬ ‫الرتجمة‪ ،‬ومن اجوائها‪:‬‬

‫«يرصخ الجسدُ‬ ‫أريد َ‬ ‫بيت حبيبي‪.‬‬ ‫ال يهم إن كان يف العراء‬ ‫أو تحت سقف متامسك‬ ‫س ّيان للمرأة التي فقدت بيت حبيبها‪.‬‬ ‫ال متعة فيام أرى؛‬ ‫جسدي وعقيل صارا مجنونني متاماً‪.‬‬ ‫أعرف ّ‬ ‫كل البوابات يف قرصه‪ ،‬به مليون بوابة‪.‬‬ ‫بني ذلك القرص وبيني بحر‪.‬‬ ‫اخربين كيف أعرب ذلك‬ ‫البحر‪ ،‬يا صديقي العزيز؛‬ ‫لديّ احساس أن هذا الدرب‬ ‫ال نهاية له»‪.‬‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪13‬‬


‫شعر وشعراء‬

‫حفر نقدي‬ ‫في الحداثة العراقية‬

‫الكتاب‪ :‬شعر الحداثة من بنية التامسك إىل فضاء‬ ‫التشظي‬ ‫الكاتب‪ :‬فاضل ثامر (العراق)‬ ‫النارش‪ :‬دار املدى‬ ‫عدد الصفحات‪ 415 :‬من القطع املتوسط‬

‫الكتاب‬

‫كام يقدمه صاحبه الناقد العراقي املعروف‬ ‫فاضل ثامر هو محاولة تهدف إىل مساءلة‬ ‫الحراك الشعري الراهن وإعادة قراءة النقالت املفصلية‬ ‫واألنساق الثقافية يف حركة الحداثة الشعرية يف الشعر العراقي‬ ‫بشكل خاص والشعر العريب بشكل عام‪ ،‬وهو ينطلق يف ذلك‬ ‫من «رؤيا سوسيو‪ -‬شعرية» هي جزء من مرشوع املؤلف‬ ‫النقدي الذي «يزاوج بني الفحص الداخيل للخطاب الشعري‬ ‫ومناهج التحليل الخارجي»‪ ،‬ولكنه ال يتعاىل عىل السياقات‬ ‫الثقافية والتاريخية والنصية والسيكولوجية التي تحيط باالنتاج‬ ‫االديب بوصفه معطى اجتامعيا وتاريخيا يرتبط بوعي انساين يف‬ ‫مرحلة تاريخية محددة‪ ،‬ويحمل دالالته ومعطياته السيامئية‬ ‫الخاصة‪.‬‬ ‫مقسم إىل أربعة فصول‪ :‬حركة الريادة وتأسيس‬ ‫الكتاب َّ‬ ‫الشعرية العربية‪ .‬أجيال الحداثة الشعرية ومغامرة االختالف‪.‬‬ ‫إعادة استنطاق املوروث الشعري‪ .‬إشكالية التجييل والتجريب‬ ‫يف الشعر‪ .‬والناقد ينطلق من فرضية متاسك بدايات الحداثة‬ ‫الشعرية املتمثلة يف تجارب رواد الشعر الحر‪ ،‬وتشظي هذه‬

‫“لمن يهمه الحب”‬ ‫الديوان‪ :‬ملن يهمه الحب‬ ‫الشاعر‪ :‬زاهي وهبي (لبنان)‬ ‫النارش ‪ :‬دار الساقي‬ ‫عدد الصفحات‪ 136 :‬صفحة من القطع‬ ‫املتوسط‬

‫‪14‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫الحداثة بنحو تدريجي يف تجارب األجيال التالية‪ .‬ورغم ان‬ ‫الكتاب يظل امينا لفرضيته األساسية‪ ،‬فإنه عبارة عن تجميع‬ ‫ملقاالت ودر ٍ‬ ‫اسات متفرقة ومنشورة سابقاً‪ .‬صحيح أ ّن هذه‬ ‫املقاالت مكتوبة مبهارة منهجية وأسلوبية اعتدناها لدى صاحب‬ ‫«مدارات نقدية» (‪ ،)1987‬وصحيح أنها تعكس مناخات فرضيته‪،‬‬ ‫إال أن ما نقرأه يظل محصورا ً بالشعر العراقي‪ ،‬ومحكوماً مبنطق‬ ‫التجميع غري املقنع ملحتويات كتابه‪.‬‬ ‫يرى الكاتب ان تجربة الحداثة الشعرية العربية متثلت يف نهاية‬ ‫االربعينيات ومطلع الخمسينيات عىل أيدي املثلث العراقي‬ ‫(نازك املالئكة ـ بدر شاكر السياب ـ عبد الوهاب البيايت)‬ ‫يف تأسيس بنية شعرية شمولية متامسكة متيل اىل االنسجام‬ ‫والتامسك وتفارق التقاليد الشعرية للشعر الكالسييك والكالسييك‬ ‫الجديد والرومانيس يف االدب العراقي خاصة واالدب العريب‬ ‫بصورة عامة‪ ،‬ويتوقف أمام تجربة نازك املالئكة الشعرية فتجربة‬ ‫السياب فالرمز والقناع عند عبدالوهاب البيايت ‪ ،‬ثم اجيال‬ ‫الحداثة الشعرية ومغامرة االختالف‪ .‬ويستنتج الناقد ان حركة‬ ‫الحداثة الشعرية يف العراق تتحرك من خالل تعاقب االجيال‬ ‫الشعرية يف النصف الثاين من القرن العرشين ‪ ،‬و يرى ان الشاعر‬ ‫العراقي ظل يالحقه هاجس التجييل واالنتامء اىل تجربة جيل‬ ‫شعري محدد او حقبة زمنية معينة‪ ،‬وقد اسهم هذا الهاجس‬ ‫العميق يف سعي الشاعر العراقي للتفرد والتميز‪ ،‬ويبدو لنا ان‬ ‫هذا الهاجس العميق قد اصبح احد القوى الدينامية الدافعة يف‬ ‫حركة الحداثة الشعرية منذ الخمسينيات وحتى اليوم‪.‬‬ ‫بعد ذلك يستنطق الناقد املوروث الشعري مبتدئاً بالشعر‬ ‫الجاهيل يف املنظور االسترشاقي لنظرية النظم الشفوي‪ ،‬ومن ثم‬ ‫“ملن يهمه الحب” هو الديوان التاسع للشاعر زاهي وهبي‬ ‫(العارش صدر يف الشهر املايض‪ :‬تعريف القبلة) الذي صدر‬ ‫عن دار الساقي���،‬وفيه يواصل الشاعر مرشوعه يف التنويع‬ ‫عىل كتابة الحب‪،‬راحال من تجربة ألخرى ومناخ آلخر‪ ،‬ويف‬ ‫ديوانه الجديد تطغى لغة جديدة متأنية‪ ،‬فيها مسحة وجد‬ ‫وصوفية‪ ،‬بعيدة كليا عن لغة الشاعر يف قصائده العشقية‬ ‫التي تظل وفية لقاموس الغزل املتداول‪ ،‬وهو هنا ينحو‬ ‫منحى مختلف يصفو فيه الكالم يك يبدو خارجا من تأمل يف‬ ‫املنصة العالية وال يدع حرفاً‬ ‫الذات واملرأة «ليأخذ املرأة إىل ّ‬ ‫من الحروف إالّ هو وسيلة لبلوغ املرأة‪ ،‬ألن مي ّجدها»‪ ،‬عىل‬ ‫حد تعبري الشاعر شوقي ايب شقرا‪.‬‬


‫قراءة املتنبي وما ميثله يف سفر الشعر العريب ‪ ،‬فأبو متام وما ميثله‬ ‫من رغبة تجديد وتحديث‪ ،‬ومن بعد قراءة يف شعر محمد مهدي‬ ‫الجواهري«تناوب البرصي والسمعي يف الخطاب الشعري»‪،‬‬ ‫فاشكالية الغموض يف الشعر العريب الحديث‪.‬‬ ‫ويجزم الناقد يف نهاية املطاف بأن انبثاق حركة الحداثة الشعرية‬ ‫يف العراق مبثابة «قطيعة معرفية» حادة‪ ،‬اذ متثل الخروج عىل‬ ‫السائد واملألوف يف املامرسة الشعرية يف الخروج عىل النظام‬ ‫العرويض والرشوع بتأسيس شعرية حداثوية واعية للحظتها‬ ‫وصياغتها تسهم يف تحريك الخزانة الفكرية ملتلقيها كون قضية‬ ‫التحديث الشعري موقف وخطاب يحقق الوعي الجاميل‪ ،‬الذي‬ ‫هو«الوعي الذي يتناول الظواهر واالشياء من خالل سامتها‬ ‫الحسية واثرها يف الطبيعة النفسية»‪ ،‬ويرى ان الخطاب النقدي‬ ‫امتلك رؤيا نقدية تسعى اىل «تأسيس حداثتها النقدية من خالل‬ ‫التالحم بني االجتامعي وااليديولوجي واملعريف من جهة والرمزي‬ ‫والجاميل والتخيييل من جهة اخرى»‪ ،‬وتأسيسا عىل ذلك فإن شعر‬ ‫الحداثة طرح امناطا من الرموز الفنية التي استوعبت املوقف‬ ‫الجاميل واالجتامعي من الواقع‪ ،‬فضال عن انها رؤيا واقعية‬ ‫حداثوية ترفض تغييب االيديولوجي والسوسيولوجي والتاريخي‬ ‫لحساب الجاميل والشكالين‪.‬‬ ‫ويتنقَّل ثامر من نازك والسياب والبيايت إىل عبدالزهرة زيك‪،‬‬ ‫رعد عبدالقادر‪ ،‬ياسني طه الحافظ‪ ،‬كاظم الحجاج‪ ،‬نبيل ياسني‪،‬‬ ‫عدنان الصائغ‪ ،‬شريكو بيكس‪ ،‬دنيا ميخائيل‪ ،‬وسام هاشم‪ ،‬محمد‬ ‫تريك نصار‪ ،‬صادق الصائغ‪ ،‬والليبي سعيد املحروق‪ .‬تناول هؤالء‬ ‫الشعراء يف الفصل الثاين يف قراءات موسعة لبعض اعاملهم‬ ‫‪،‬ويتوغل الناقد يف ثنايا هذا التحقيب الزمني‪ ،‬معتربا ً إياه مسألة‬

‫إجرائية أكرث من كونها ترجمة كافية لحركة النصوص‬ ‫وطموحات أصحابها‪،‬ولذا يعرض شذر ٍ‬ ‫ات من خالصاته‬ ‫النقدية يف عدد من تجارب جييل السبعينيات والثامنينيات‪.‬‬ ‫نهاية قراءة ثامر لنازك املالئكة تستحق التوقف عندها‬ ‫ألنها تذهب إىل تعميم يشمل الشعراء ككل‪ ،‬حيث يقول‬ ‫«الشاعر العريب الحدايث اليومي شعر بأنه مهووس حتى‬ ‫النخاع‪ ،‬تحت كامشة ضغوط داخلية وخارجية رهيبة وأنَّ ُه‬ ‫عب عن توجعه هذا مطلقاً استغاثة أخرية قبل‬ ‫يحاول أ ْن يُ رِّ‬ ‫أ ْن يبتلعه املوج األسود‪ ،‬وهذا الطوفان القادم من كل مكان‬ ‫واملتمثل باالحساس املدمر بالتهميش والدونية إزاء موجات‬ ‫العوملة الخارجية‪ ،‬واكتساح النزعة االستهالكية لكل القيم»‪.‬‬ ‫واملالحظ هو ان الكتاب محط اثارة نقدية ألن التامسك‬ ‫يعني ظاهرة ثقافية مثلام يعني ظاهرة اجتامعية‪ ،‬وايضا‬ ‫يعني ظاهرة سياسية‪ ،‬وحتى التشظي يعني ظاهرة‬ ‫معرفية وثقافية‪ .‬والكتاب فيه رؤية منهجية تالمس املنهج‬ ‫االجتامعي والبنيوي‪ ،‬وهذه املنظومة التي وفرها فاضل تامر‬ ‫ليك يثبت ان النص العراقي حي وقابل للتحول والتجدد‬ ‫والتمدد‪.‬‬ ‫ورغم بعض املالحظات عىل الكتاب فإن ما مييز تجربة‬ ‫فاضل ثامر النقدية هو تقيص الظاهرة الثقافية وفحصها‪،‬‬ ‫وتحليل النص عرب االستقراء واملعاينة‪ ،‬وصياغة نصه من‬ ‫دون اعتامد النتائج الجاهزة او املسبقة‪ ،‬ومامرسة نوع من‬ ‫املقايسة النقدية للوصول اىل ثوابت منهجية وينتهي اىل‬ ‫نتائج غري متوقعة‪ ،‬ومييل اىل املنهج املوازن القريب من‬ ‫الرؤية السوسيو شعرية‬

‫والدة‪ /‬وشمساً عىل جبني شمس جباهكم‪ /‬أو لعثمة طفل‬ ‫ال يقف الشاعر عند مناجاة املرأة والدوران حول كواكبها‬ ‫واوقاتها‪ ،‬بل يرحل نحو التطورات العربية الراهنة التي‬ ‫اشتاق مناداة‪ :‬بابا”‪ .‬يف النهاية‪« ،‬ما املوت اال جلجلة»‪ ،‬وفجر‬ ‫استجدت يف املنطقة خالل العامني األخريين‪ ،‬فتومض‬ ‫ينبلج من عمق الظالم‪ .‬املوت حرية وانعتاق‪ .‬املوت بداية‬ ‫قصيدته صوراً شعرية مزدحمة بالوصف‪ .‬يكتب لبريوت‬ ‫حياة‪ .‬رمبا هو أمنية يختم بها الشاعر ديوانه‪“ :‬من كل هذه‬ ‫ودمشق والقاهرة وليبيا وبالد الشام‪ّ ،‬‬ ‫مشخصاً املكان‬ ‫البسيطة‪ /‬ال أريد‪ /‬سوى قوت طري وجناحني‪ /‬وسامء حرة”‪.‬‬ ‫ومؤنسناً إياه‪ ،‬عن عمد رمبا‪ .‬يهدي الكلمة اىل الشهداء‪ ،‬وكل يبدو واضحا يف هذا الديوان ان زاهي وهبي يسري نحو‬ ‫القصائد أيضاً‪ .‬يبدو أشبه بثائر‪ ،‬تخنقه الديكتاتورية وهو‬ ‫نضج وعمق يف الصورة الشعرية‪ ،‬ما يعني ان تجاربه ترتاكم‬ ‫وتتط ّور وتتجاذب من الذايت الداخيل الحميم الخصويص إىل‬ ‫أعزل‪ ،‬فال يجد أمامه اال ان يكتب نرصة للحرية‪ ،‬ويعلن‬ ‫الفردي الجامعي‪ ،‬ويف املديني لحظة ينبوعية تجعل من الذايت‬ ‫استعداده لالستشهاد بني سطورها‪ .‬يقول لشهداء ثورات‬ ‫الربيع العريب‪“ :‬ليتني أعرفكم واحداً واحداً‪ /‬ليتني نبتة يف تربة خروجاً إىل اآلخر‪ ،‬ومن الفردي «الجامعي» امتدادا ً للذات‪.‬‬ ‫إنها اللعبة الصعبة التي بات يدخلها وميارسها‬ ‫رضيح‪ /‬حفنة اشتياق عىل رخام شاهدة‪ /‬ليلة دعاء يف متتمة‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪15‬‬


‫شعر وشعراء‬

‫التباس العربية والفرنسية‬ ‫الديوان‪ :‬وقف يف االيقاع‬ ‫الشاعر‪ :‬ميشال قصري (لبنان)‬ ‫النارش‪ :‬دار الساقي‬ ‫عدد الصفحات‪ 110 :‬صفحات من القطع‬ ‫املتوسط‬

‫الديوان مقسوم اىل قسمني نصفه عريب واآلخر فرنيس‪ ،‬حيث قامت‬ ‫الشاعرة اللبنانية صباح زوين برتجمتها اىل العربية‪ .‬ونرش الكتاب‬ ‫باللغتني معا‪ ،‬طريقة دارجة يف اوروبا وبعض البلدان ذات التقارب‬ ‫الثقايف مع لغات اجنبية كاالنكليزية والفرنسية‪ .‬وقدم له الشاعر عباس‬ ‫بيضون مبا يشبه الدراسة املوجزة التي تناولت بعض قصائده باشارات‬ ‫تيضء مسارات العمل وتستبطن مرجعيات الشاعر ومراميه‪ ،‬وهي كلها‬ ‫سفر يف الزمن وامللحمة ورحلة البحر يف لعبة تتوسل التحليق بعيدا‬ ‫نحو مديات متتلئ بحضور سحري‪« :‬ألعب باألدب كام لو كان بالوناً‬ ‫بألوان وأحجام متغرية وال يؤدي إىل أي مكان‪ ،‬ويخلق األماكن العامة‬ ‫كام يف ّكها‪ ،‬أن أذهب يف حلمك ‪،‬يف غمرة ما يحوطني من حجارة وهواء‬ ‫مدن وركن بح ٍر‪ ،‬يف مدينة صور‪ ،‬أتفحص العذوبة املستحيلة»‪.‬‬ ‫تبدو لغة النص الفرنسية اكرث انسيابية من لغته العربية عىل مستوى‬ ‫كل قصيدة عىل حدة وعىل مستوى الديوان ككل حتى ليتبادر إىل‬ ‫القارئ ان الصورة الشعرية يف نسختها الفرنسية اكرث وضوحا ومتاسكا يف‬ ‫ذهن الشاعر عنها يف بنيتها العربية التي تبدو غرائبية ونافرة من دون‬ ‫سند جاميل متني‪ .‬وال يعود األمر اىل مشكلة يف الرتجمة التي تبدو أمينة‬ ‫جدا للنص األصيل‪ ،‬ولكن النص نفسه ال يساعد املرتجم يك يذهب بعيدا‬ ‫داخل اللغة العربية‪ ،‬والسبب يعود إىل ان لكل لغة خيالها الخاص‪،‬‬ ‫وبنيتها الشعرية‪ ،‬فالعربية ليست كالفرنسية من حيث مقاربة الصورة‬ ‫الشعرية وحمولتها املعرفية والجاملية‪ ،‬وهذه احدى مشاكل الشعر‬ ‫حني تتم ترجمته حيث يضيع قسطا كبريا منه‪ ،‬او انه سيقع يف التباسات‬ ‫املسافة بني اللغتني‪.‬‬ ‫الشاعر يستفيد كثريا من أجواء ومفاهيم وتقنيات الشعر الفرنيس‪،‬‬ ‫ويتميز عمله بنزعة تجريبية مفتوحة عىل مدى واسع تصل اىل حد‬ ‫اللعب بالكلامت ملجرد اللعب مام يظهرها مرصوفة اىل جانب بعضها‬ ‫من دون ان تجد صلة وصل او تقاربا يصنع منها صورة ذات اطار‬ ‫ومثال ذلك قوله ‪ «:‬ثالث دقات صنج ‪ /‬رشاع من دون بريق ‪/‬‬ ‫اربع تويجيات مطر‪/‬ثالث دراقات عجائبية ‪ /‬إال ان الوليمة تنزف ‪/‬‬ ‫يتيام واحدا لرتحال طويل»‬ ‫‪16‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫الشعر كقيمة مضافة‬

‫الديوان‪ :‬تفاحة ال تفهم شيئا‬ ‫الشاعر‪ :‬جرجس شكري (مرص)‬ ‫النارش‪ :‬الهيئة املرصية للكتاب‪.‬‬ ‫عدد الصفحات‪ 88 :‬صفحة من القطع املتوسط‬

‫كائن‬

‫هاميش يصنع عاملاً من األشيا ِء البسيطة‬ ‫ويقي ُم معها ألف ًة يفتق ُدها مع العامل‬ ‫تصبح هي العامل وال أقل‪ .‬كائن يقول‬ ‫وشيئاً فشيئاً ُ‬ ‫لك ‪:‬‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫أكلم‬ ‫«بيتي كب ٌري‪ /‬وظللت أياما كثرية ُ‬ ‫أروح وأجيء ‪ُ /‬‬ ‫َ‬ ‫الغرف يف هذا الشأن‪/‬كلام ُ‬ ‫نظرت إىل حائطٍ ‪ /‬تتأ ُمل‬ ‫ُ‬ ‫أسمع عوي ًال يف‬ ‫الحوائط األخرى ‪ /‬وكلام نمِ ُت يف غرف ٍة ُ‬ ‫الغرف املجاورة‪».‬‬ ‫ِ‬ ‫هل العزل ُة اختيا ُر الكائن أم مالذ ُه من القسو ِة‬ ‫والعنف‪ ،‬من الطر ِد واإلزاحة‪ .‬سينرث جرجس الكثري من‬ ‫ألغام ِه الصغرية ليؤك َد أن الكائ َن مكر ٌه عىل العزل ِة‬ ‫ال راغباً فيها‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫شرِّ‬ ‫وصاحب املطعم يك عن أنيابة ‪/‬‬ ‫«النادل سكران ‪/‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫وتبتسم للزبائن»!!‬ ‫الطاوالت‪/‬‬ ‫فتقف السكاك ُني عىل‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫صباح ‪ /‬وجدو ُه ميتاً ورأسه عىل‬ ‫أو يقول ‪« :‬ذات ٍ‬ ‫انتصف ُ‬ ‫َ‬ ‫يسمع‬ ‫الليل ‪/‬‬ ‫الطاولة ‪ /‬وفيام بعد وكلام‬ ‫ُ‬ ‫ضحكات عالية‪ /‬يف أرجاء الحانة»‪.‬‬ ‫السكارى‬ ‫ٍ‬ ‫شخصية مرسحية مخلوقة من نتف من السرية‬ ‫الذاتية‪ ،‬وكثري من الخيال والخربة بالحياة والناس‪،‬كائن‬ ‫يفلسف العامل لنفسه‪ ،‬أو يهدهد روحة الفائرة عىل‬ ‫تقبل الخسارة‪ .‬ويف دواوين هذا الشاعر لسنا أمام‬


‫حكاء ‪ ،‬ليس يف النص روح حكاء بقدر ما فيه اقتصاد‬ ‫السيناريست أو كاتب املرسح الذي يضطر لوضع بعض‬ ‫اإلرشادات التي تعني عىل األداء البرصي ال أكرث‪.‬جرجس‬ ‫شكري يحبك قصائده كام يحبك املخرج مشهدا ً مرسحياً‪،‬‬ ‫ميتلئ برو ٍح عارم ٍة وهامس ٍة يف آن‪.‬‬ ‫مشهدا ً مكتنزا ً وفياضاً ‪ُ ،‬‬ ‫وهو ُ‬ ‫يحبك مشهده كسيناريست محنك يستخدم الرس َد‬ ‫فقط فيام ينبغي له‪ ،‬تاركاً الشعر يبدو وكأنه قيم ٌة مضافة‬ ‫‪ ،‬أو بتعبري اقتصادي الشعر يف هذه النصوص هو فائض‬ ‫القيمة ‪:‬‬ ‫«نحتاج حديقة تظهر مرة واحدة ‪ /‬وخشبة مرسح سوداء ‪/‬‬ ‫ُ‬ ‫يتسلل منها الزوج وهو يحمل‬ ‫وسنفتح نحن نافذة واطئة ‪/‬‬ ‫بعض الزهور السامة ‪ /‬آخر الليل ‪ /‬ميأل بها املزهريات‬ ‫الوهمية ويشكل فضا َء املرسح‪ /‬يبتسم لزوجته‪ /‬التي هي‬ ‫تصنع أطفاالً من الشيكوالته امل ّر ِة ‪ /‬وتأكل‬ ‫يف انتظاره ‪ُ /‬‬ ‫رؤوسهم ‪ /‬يهدهدُ هو أطفالها ويرقصان ‪ /‬حينئذ تظهر‬ ‫الحديق ُة ومتأل النافذة ‪ /‬وهنا يأم ُر املخرج السامء أن‬ ‫متطر»!!‬ ‫ليس من الغريب إذن أن تقابلك هنا وهناك هذه املفردات‬ ‫‪:‬املشهد – املخرج – املرسحية – املشاهدون – الفيلم –‬ ‫صانع الصور – صورة شخصية – كوميديا – رومانتيىك –‬ ‫سيناريو – صباح داخيل – ليل داخيل – لقطة ‪ ...‬إلخ‪.‬‬ ‫سنالحظ أيضاً أن هذا الكائن يصبح موضوعاً لنفسه فاعالً‬ ‫ومفعوال به‪ .‬وجرجس يستخدم يف سبيل ذلك تقنيات‬ ‫الصورة الجديدة بامتياز يغبط عليه‪ ،‬وهو يحرك املشهد‪،‬‬ ‫أو يعيد تكوينه بالحذف واإلضافة‪ ،‬أو يستخدم الكامريا‬ ‫التي تصوره بشكلٍ ميكّن من اغنائه عرب التأويل‪.‬‬ ‫مل يعد شكري ي ّعول عىل تكنيكات قدمية ‪ ،‬تنتمي للبالغة‪،‬‬ ‫كاستخدام الضامئر مث ًال لتأدية هذا الفصل والوصل بني‬ ‫الذات واملوضوع‪ ،‬و عىل مستوى األداء اللغوي غري مشغول‬ ‫بالكلامت‪ ،‬أي بجامليات اللغة أنه مشغول بجامليات‬ ‫الصورة ‪ ،‬مبا تفعله األيقونة وهى تخدش املخيلة‪ ،‬مشغول‬ ‫بذات ما يف واقع ٍة ما‪ ،‬مشغول‬ ‫بحبكة املشهد‪ ،‬مشغول ٍ‬ ‫بالدراما التي ترشح بالشعر‪:‬‬ ‫ً‬ ‫يضع عىل مائد ٍة عظيمة ‪ /‬بيوتا بال‬ ‫«هكذا صار يحلم ‪ /‬أنه ُ‬ ‫سكان‪ ،‬وأشجاراً عارية ‪ /‬يف حني اختفت األرض‪ /‬قدما ُه ال‬

‫تذهبان‪ /‬ومثة نار تفك ُر يف رأسه‪ /‬ال تصدقوه‪ /‬هذا ٌ‬ ‫رجل‪/‬‬ ‫َ‬ ‫استيقظ من نومه فوجد املرآ َة خاوية»‪.‬‬ ‫وبالرغم من اعتامد جرجس ‪ ،‬باألساس‪ ،‬عىل شعرية‬ ‫املشهد أو فائض القيمة الشعري إال أنه‪ ،‬أيضاً‪ ،‬ال يفرط يف‬ ‫إمكانات اللغة ‪ ،‬خاصة ما يساعده يف التكوين والحبكة‬ ‫من االستعارات والكنايات ‪ ،‬والتي تبدو يف حد ذاتها كشوفاً‬ ‫صغرية مدهشة ‪،‬يقول‪:‬‬ ‫«يف الظهرية ‪ /‬سكاكني ترقص يف مطبخي ‪ /‬فتاة خائفة‬ ‫وتفاحة ال تفهم شيئاً» ‪،‬ورمبا يف هذا الديوان ‪ ،‬أكرث من‬ ‫الهم العام‪ ،‬أو ما يسمى بالقضايا الكربى ‪ ،‬تتسلل‬ ‫غريه‪ ،‬نرى ّ‬ ‫ُ‬ ‫إىل النصوص‪ ،‬تدخل من صفحات اإلنجيل ومن الشارع يف‬ ‫نفس الوقت ‪:‬‬ ‫ً‬ ‫ستفرح بك السامء ‪ /‬وتقيم‬ ‫‪/‬‬ ‫ا‬ ‫سيف‬ ‫رت‬ ‫واش‬ ‫مالبسك‬ ‫“بع كل‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫مكتوب ‪ /‬ليس حسناً ‪ /‬أن ُيطرح‬ ‫املالئك ُة لك عرساً ‪ /‬ألنه‬ ‫ٌ‬ ‫الشعوب للكالب”‪.‬‬ ‫خب ُز‬ ‫ِ‬ ‫مثة مشهد مهدد دامئاً بالتحول ‪ ،‬مثة موقف ينزاح عن‬ ‫نقيضه أو طبقة يزيحها الكالم عن طبقة أخرى‪.‬ولغته وهى‬ ‫تفعل ذلك تقدم ما هو أهم ‪ ،‬إذ تضع الشك يف املشهد ‪ ،‬أو‬ ‫تصيب القارئ بالريبة من واقعيته أو فوتوغرافيته ‪ ،‬فيصبح‬ ‫مهيئاً النحر ٍ‬ ‫اف ‪ ،‬كثريا ً ماال يتوقعه !!‬ ‫جرجس يرى أن املجاز واالستعارة ال مينحان القارئ مساحة‬ ‫للتأويل‪ ،‬ويشعر أن املجاز سجن املعنى‪ ،‬لذا فهو ينحاز إىل‬ ‫الكناية فهي فلسفة املعنى‪ ،‬ويبتعد عن االستعارة واملجاز‬ ‫‪ «:‬أنا بخري ‪ /‬ومازلت ُ‬ ‫الكالب الضالة ‪/ ،‬‬ ‫أسال ‪ /‬هل تؤمن‬ ‫ُ‬ ‫ُّ‬ ‫وتعض من‬ ‫هل تنتظ ُر الخالص ‪ /‬هل تفك ُر ‪ /‬أم إنها تعوي‬ ‫استطاعت!»‬ ‫هذا التوتر بني النرثي والشعري من حيث اللغة ‪ ،‬وبني‬ ‫الفوتوغرايف واملجازى يف املشهد وبني التوقع وكرس التوقع‬ ‫لدى القارئ هو ما يصنع السحر يف نصوص جرجس ‪ .‬فبينام‬ ‫هي أليفة وقريبة ح ّد االبتذال هي يف اآلن نفسه مفارقة‬ ‫وشاطحة ومراوغة‪ .‬إن شعرية النص ال تعتمد يف تجربة‬ ‫شكرى عىل اللغة إال كام يعتمد بالون بديع عىل خيط‬ ‫يثبته باألرض‪ /‬الواقع ‪ ،‬خيط يهمله الرايئ دامئاً وهو يتأمل‬ ‫جامل النص !‬

‫فريد ابو سعدة‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪17‬‬


‫شعر وشعراء‬

‫طالل سالم‬

‫المتع ّدد في البناء الواحد‬

‫ٌ‬ ‫ملفت‬

‫لالنتباه تنوع الكتابة الشعرية يف‬ ‫الساحة اإلماراتية‪ ،‬ال سيام عند‬ ‫الجيل الجديد الصاعد‪ ،‬الذي يكتب يف النرث والتفعيلة‬ ‫والعمود‪ .‬وملفت أيضا أن نجد البعض من أبناء هذا‬ ‫الجيل يخلص للكتابة يف شكل شعري واحد‪ .‬فالشاعر‬ ‫أحمد العسم عىل سبيل املثال ال الحرص يكتب قصيدة‬ ‫النرث دون سواها‪ ،‬والشاعرة شيخة املطريي تكتب قصيدة‬ ‫التفعيلة إىل جانب قصيدة العمود‪ ،‬والشاعر طالل سامل‬ ‫يكتب قصيدة العمود حرصا‪ .‬ويف الديوان الجديد “برزخ‬ ‫الريح” لطالل سامل الصادر مؤخرا عن اكادميية الشعر‬ ‫التابعة لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة‪ .‬يظهر هذا‬ ‫التوجه بوضوح أمام القارئ‪ ،‬فجميع قصائد هذا الديوان‬ ‫تنتمي لقصيدة العمود‪ .‬وهو ما يعكس ذلك الوفاء يف‬ ‫الكتابة الشعرية لدى العديد من شعراء الشباب يف دولة‬ ‫اإلمارات‪.‬‬ ‫طالل سامل يف هذه املجموعة يحدد شكل قصيدته ولكنه‬ ‫يف الوقت ذاته يطلق لنفسه يف هذا الشكل فضاء شعريا‬ ‫زاخرا بالصور الشعرية والدالالت‪ .‬ويتنقل بني بحر وآخر‪،‬‬ ‫ليقتنص النص الشعري بتمكن واقتدار الفتني‪ ،‬وهو إذ‬ ‫يكرس نفسه كشاعر عمودي‪ ،‬يعكس ذاك التأثر الكبري‬ ‫بالرتاث والزمن الشعري املايض‪ .‬دون أن يقع يف ِ‬ ‫رشك‬ ‫التقليد أو التوأمة‪ ،‬بل يتجاوز ذلك فيكتب قصيدته بلغة‬ ‫بسيطة وشفافة ال تجهد القارئ وال تجربه عىل البحث‬ ‫كثريا يف معنى العبارة أو املفردة عىل وجه الخصوص‪.‬‬ ‫وهذا بحد ذاته يشكل واحدا من أسباب متيز طالل سامل‬ ‫وحضوره يف املشهد الشعري اإلمارايت ‪.‬‬ ‫ورغم تعدد مواضيع هذه الديوان الجديد لسامل‪ ،‬إال ان‬ ‫للمرأة مساحة شعرية أكرب من غريها يف هذه املجموعة‪،‬‬ ‫بدءا من اإلهداء “إىل امرأة متثلت روحا أسكن إليها”‬ ‫‪18‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫وصوال إىل عناوين القصائد ومضمونها‪ ،‬ولذلك ارتباط كبري‬ ‫بذلك النفس العاطفي الطاغي عند سامل‪ ،‬فالعاطفة هنا‬ ‫تساوي املرأة‪ ،‬وتستمد منها ذلك النسق الشعري الشفاف‬ ‫واملؤثر ‪..‬‬ ‫نامي فال ٌ‬ ‫ليل سيغري وعدنا‬ ‫رسنا‬ ‫لنضيع يف الطرقات نحفظ ّ‬ ‫سنى‬ ‫نامي فال شع ٌر سيتلونا ً‬ ‫لنغيب يف املطر ّ‬ ‫املضل بحبنا‬ ‫نامي هنا روحا كأنا مل نكن‬ ‫ولعلنا ولعلنا ولعلنا ‪..‬‬ ‫نستشف من هذه األبيات ذلك الصعود نحو قمة الهرم‬ ‫الشعري البسيط وغري املتكلف‪ ،‬الذي يتكئ عىل الصدق‬ ‫واملفردات الشاعرية كاملطر والسنى والحب وغريها‪ .‬سامل‬ ‫الذي يتوجه بالوصف والتعبري إىل األنثى يف قصائده نجده‬ ‫أيضا متوجها إليها من خالل العناوين «نامي‪ ،‬هدهديني‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫سييل عىل الورد‪ِ ،‬‬ ‫صباحك العيد‪ ،‬أنا وبرزخها‪،‬‬ ‫ألنك الحياة‪،‬‬ ‫اغفري يل‪ ،‬جميلتي» وسواها من القصائد التي قد ال‬ ‫تكون املرأة وحدها هي األنثى املخاطبة أو املوصوفة‬ ‫فيها‪ .‬ففي قصيدة «قبلة البحر» يصف طالل سامل األنثى‬ ‫‪ /‬الوطن‪ ،‬حيث تتواىل األوصاف يف أبيات القصيدة إىل أن‬ ‫يفاجئ الشاعر قارئة بأن املوصوف‬ ‫هو الوطن ‪..‬‬ ‫اب‬ ‫هي الوطن ّ‬ ‫السال ُم عىل تر ٍ‬ ‫لىّ‬ ‫يشع بصوت من غ وفاها‬ ‫ّ‬ ‫ومن مد النخيل الصرب حتى‬ ‫تشرّ ب بالعطا ِء عىل ثراها‬ ‫هو الرمز املحيل الناس ذكرا‬ ‫من األشعار زايد مبتداها ‪..‬‬ ‫رص مضمونَها‪،‬‬ ‫الشكل الكالسييك لقصيدة سامل ال يحا ُ‬


‫الديوان ‪ :‬برزخ الريح‬ ‫الشاعر ‪ :‬طالل سامل الصابري (اإلمارات)‬ ‫النارش ‪ :‬أكادميية الشعر‬ ‫عدد الصفحات ‪ 112 :‬من القطع‬ ‫املتوسط‬

‫بقدر ما يعكس انحياز الشاعر إىل اإليقاع‪ .‬فللموسيقى‬ ‫يف قصائد الديوان وقع خاص‪ ،‬يحرض من خالل الوزن‪،‬‬ ‫كام يحرض من خالل القافية‪ ،‬التي كثريا ما تنتهي بحرف‬ ‫الياء املسبوق بحرف آخر‪ ،‬وكذلك بحرف األلف‪ ،‬الذي‬ ‫تحدث نغام عذبا‪ ،‬ال يزال الكثري من قراء الشعر واملهتمني‬ ‫به ينجذبون إليه‪ .‬كام ان مفردات الشاعر يف هذا‬ ‫الديوان ال تبدو كثرية أو غزيرة‪ ,‬ومن خالل القليل منها‬ ‫يستطيع كاتبها ان يرتجم ما يريد يف عدد كبري من األبيات‬ ‫والقصائد‪ .‬وهنا تبدو قوة التعبري والتصوير هي السبيل‬ ‫للنجاح و الوصول إىل ذلك‪ .‬وما يربهن عىل محدودية‬ ‫املفردات هو ذلك التكرار للعديد منها‪ ،‬فمفردة الريح‬ ‫عىل سبيل املثال تتكرر يف العديد من القصائد‪ ،‬ويبدو أن‬ ‫الشاعر تقصد ذلك‪ ،‬فالريح هي املفردة الحارضة يف عنوان‬ ‫املجموعة‪ ،‬وال شك أن الشاعر يستعيدها يف قصائده ليعرب‬ ‫عن طقوس فكرته وديوانه الشعري بوجه عام ‪.‬‬ ‫لك الريح كم م ّرت بنبضك ها هنا‬ ‫تزيح عن االحالم بعض حنينها‬ ‫لك الروح هل حانت عجافة برهة‬ ‫تلملم عن صمت الظنون حفيفها‬ ‫لك األمنيات السمر أبحرت بعدها‬ ‫وحيدا وخويف ال يروم أزيرها ‪..‬‬ ‫إضافة إىل وقع املوسيقى املتأيت من القافية عرب حرف‬

‫األلف كام سبقت اإلشارة‪ ،‬وعرب الوزن‪ ،‬نجد وقعا آخر‬ ‫يولد من عامل التكرار كام يف مفردة “لك” التي تتكرر‬ ‫يف بداية كل بيت‪ ،‬وأيضا من تقارب الحروف يف الكلمة‬ ‫الواحدة كام يف مفردة “ريح”‪ ،‬يف البيت االول‪ ،‬ومفردة‬ ‫“روح” يف البيت الثاين‪ .‬كل ذلك يربهن عىل ولع الشاعر‬ ‫بااليقاع الذي يقف إىل جانب الفكرة ليؤسسا معاً جملة‬ ‫شعرية الفتة قادرة عىل ان تشكل بناء ثري الدالالت‬ ‫والتعابري ‪.‬‬ ‫يبدو طالل سامل يف هذا الديوان حريصا عىل تطوير‬ ‫أداوته‪ ،‬عرب حفره عميقا يف أرض املعنى‪ ،‬وصوال إىل إيجاد‬ ‫كل ما ميكن أن يحقق له التعدد الشعري‪ ،‬والتنوع يف‬ ‫طرح األفكار من اجل الولوج إىل املعنى املغاير واملختلف‬ ‫عن ما أنجزه هو نفسه يف السابق‪ ،‬فهو يف “برزخ الريح”‬ ‫ينبئ عىل مساحة شعرية جديدة أنشأها‪ ،‬وقد تكون‬ ‫منطلقا نحو أعامل جديدة قادمة ميكنها أن تقفز عىل‬ ‫أسوار النمطية يف الكتابة الشعرية‪ .‬فالشاعر ال بد أن‬ ‫يتفوق عىل نفسه يف أحيان كثرية‪ ،‬وأن ينجز الجديد‬ ‫والحديث دامئا ‪ .‬وهذا ما يحاوله طالل سامل‪ ،‬فاملتابع‬ ‫لكتاباته يلحظ ذلك التطور املتواصل بني عمل وآخر بل‬ ‫حتى بني قصيدة وأخرى‬ ‫عبدهللا ابوبكر‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪19‬‬


‫شعر وشعراء‬ ‫أمجد ناصر‬

‫الشاعر في بالد ماركيز‬ ‫الكتاب‪ :‬رحلة يف بالد ماركيز‬ ‫الكاتب‪ :‬امجد نارص (االردن)‬ ‫النارش‪ :‬مجلة ديب الثقافية‬ ‫عدد الصفحات‪ 140 :‬صفحة من القطع املتوسط‬

‫ألمجد‬

‫نارص وجه آخر غري الصحايف والشاعر‪ ،‬هو‬ ‫واألقوام األخرى ‪« :‬يبدو أن التشابه بيننا‪ ،‬كعرب‪ ،‬واألمريكيني‬ ‫الناثر الرحالة الذي كتب عدة كتب يف الرحالت الالتينيني‪ ،‬أكرث مام اعتقدت قبل أن اقوم بهذه الرحلة‪.‬‬ ‫ضمن سياق تدويني لتأمالت يف املكان والبرش والطقوس‬ ‫املصائر السياسية‪ ،‬الفساد‪ ،‬العسكر‪ ،‬التوق إىل الحرية‪ ،‬هذه‬ ‫واأللوان وتقلبات الجغرافيا والتاريخ‪.‬لدى قراءة ما دونه امجد أمور متشابهات‪ .‬لكن‪ ،‬ايضا‪ ،‬هناك تشابه لجهة تشكل‬ ‫نارص من نرث يقف املتابع عىل شاعر مأخوذ بالتفاصيل التي‬ ‫املجموعات والتيارات األدبية والتأثر بالحداثة الغربية‪،‬‬ ‫يف‬ ‫تهرب من الشعر من ناحية‪،‬ومن ناحية ثانية هناك شغف‬ ‫مع فارق أن اللغة االسبانية تضع الذين يكتبون بها عىل‬ ‫مديح املكان له عالقة بداء شخيص يعود اىل الجينات البدوية متاس حتمي مع ما يحدث يف الساحة األوروبية عىل صعيد‬ ‫لدى الشاعر الذي يرى العامل فسحة كبرية عىل شاكلة البادية‬ ‫التعبري األديب والفكري‪ .‬انها لغة اوروبية»‪.‬‬ ‫التي رضع حليبها وفتحت عيونه عىل آفاق بال حدود‪ ،‬واهدته يبدأ الكتاب من مدينة «مالفي اإليطالية‪ ..‬املدينة املعلقة‪:‬‬ ‫ملكة السفر‪.‬‬ ‫الجبل ليس سهال»‪ ،‬وهنا يضع الشاعر مدينة سكنه‬ ‫عندها‬ ‫التوقف‬ ‫تستحق‬ ‫نرثية‬ ‫كتب‬ ‫عدة‬ ‫نارص‬ ‫اصدر امجد‬ ‫لندن كمكان عىل بساط املقارنة بدءا ً بالطقس والعادات‬ ‫كمنجز اضايف رسدي للشاعر املثابر عىل االرتقاء بقصيدته طيلة واحرتام الوقت‪ ،‬ولكن املقارنات تذهب كثريا نحو العرب‬ ‫اكرث من ثالثة عقود‪،‬ولكن هذا املنجز يجري املرور عليه برسعة وااليطاليني الذين كانوا يراهم يتوقفون يف املواقع السياحية‬ ‫شديدة‪ ،‬وهذا نوع من االستخفاف العريب بالنرث الذي هو‬ ‫االردنية‪ ،‬الرومانية‪ ،‬ويالحظ‪« :‬لسنا وحدنا من يقف أمام‬ ‫«فضاح الشعراء » عىل حد تعبري الجاحظ ‪،‬يف حني ان الثقافات األطالل لكن مع فارق واحد‪ ،‬رمبا‪ ،‬هو اننا الوحيدون‬ ‫األخرى ال تفصل بني القصيدة والكتابة املوازية‪ ،‬ومن‬ ‫الذين نبيك عليها»‪ .‬وهو ال ينىس الشعر يف هذه الرحلة‬ ‫كتب امجد نارص النرثية املتميزة «خبط االجنحة» وهو عبارة الذي هو السبب ليتعرف اىل الشاعر االمرييك ذي االصل‬ ‫عن سرية يف الرحلة بني لندن وبريوت‪« ،‬بريوت صغرية بحجم‬ ‫االيطايل لورنس فريلنغيتي الذي اقام لفرتة يف طنجة وعرف‬ ‫اليد » عن تجربته يف حصار بريوت سنة ‪ ،1982‬ورواية «حيث العرب‪،‬ويكون اللقاء فاتحة ليك يتقىص الشاعر االردين حول‬ ‫ال تسقط االمطار» التي حظيت باستقبال نقدي الفت‪.‬‬ ‫منجز هذا الشاعر الذي كان من جيل «البيت» االمرييك‬ ‫عن‬ ‫متعة‬ ‫كتابه النرثي الجديد «رحلة يف بالد ماركيز» ال يقل‬ ‫الذي كان من أبرز رموزه آلن غنيسبريغ‪.‬‬ ‫كتاباته النرثية األخرى‪،‬ولكنه يسافر بالقارئ اىل بالد صاحب‬ ‫يبدو القسم الثاين من الكتاب اكرث تشويقا بالنسبة للقارئ‬ ‫مائة عام من العزلة وخريف البطريرك والحب يف زمن الكولريا‪ .‬العريب الذي يريد أن يرى بالد ماركيز بعيني رحالة عريب‬ ‫ومنذ العنوان تبدأ عملية التشويق بالنظر اىل املكان الذي‬ ‫من طراز ثقايف‪ ،‬وال يبخل امجد نارص يف تقديم كمية من‬ ‫يشغله ماركيز يف املخيال العريب‪ ،‬وهو مكان واقعي ولكنه‬ ‫التفاصيل التي تنعش الذاكرة وتحيلها اىل روايات ماركيز‬ ‫بيننا‬ ‫سحري‪،‬إال أن امجد يذهب يف البداية إىل زوايا التشابه‬ ‫وابطاله وامكنته األثرية‪ ،‬باالضافة اىل كل ما تعج به كولومبيا‬ ‫وبني شعوب تلك البلدان‪ ،‬وذلك جريا عىل منوال اجدادنا‬ ‫بلد الكاتب من متناقضات‪ ،‬من الرسم اىل تجارة املخدرات‬ ‫الرحالة العرب‪،‬الذين كانوا يقيمون مقارنات وافية بني العرب واالغنية‬

‫‪20‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫يعرتف عيل العامري ان يف مجموعته الجديدة ‪ :‬مثة تأكيد‬ ‫يؤرش عىل انحسار حقيقي يطال كل ما يتعلق بشؤون القلب‪،‬‬ ‫وهي إىل ذلك مجموعة تتلمس أسئلة الحب وتحاول معايشته‬ ‫من خالل القصيدة مجددا‪ ،‬ولكن ليس تحت يافطة مفهومه‬ ‫الرومانيس القديم‪.‬‬ ‫املجموعة الجديدة وهي الثالثة بعد «هذي حدويس‪ ،‬هذي‬ ‫يدي املبهمة»‪ ،‬و«كسوف أبيض» تتض َّم ُن قصائد للعديد من‬ ‫حاالت الحب وتجلياته كام هي يف صورة القلب‪ ،‬من خالل‬ ‫أبجدية تتوقف عند عالقة اإلنسان األوىل بالحب‪ ،‬ومن خالل‬ ‫فهم يرى أ َّن كل الحضارات القدمية والجديدة بنيت بيد الحب‪،‬‬ ‫وأ َّن العاشق كان يبني ملعشوقته‪ ،‬وأ َّن كل خلق جديد هو خلق‬ ‫بفعل الحب مبفهومه الشامل والعميق‪ .‬وحيثام جال القارئ بني‬ ‫ثنايا املجموعة فإنه يقف اما صورة العاشق الذي يتابع تفاصيل‬ ‫االنثى يف ذاتها ويف تحوالت الوقت واملكان من حولها‪ ،‬وليك‬ ‫يضعها يف مصاف مرتفع فإن الشاعر يؤثث العامل باأللفة‪ .‬مثة‬ ‫وجد يكرب من قصيدة ألخرى ويتجدد مع انثيال قاموس ثري‬ ‫ال ينضب يف تعزيز الحال العاشق وهو يتنقل بني لحظة وأخرى‪.‬‬ ‫عيل العامري يبدو معامريا يف ديوانه الجديد‪،‬اشتغل بهدوء‬ ‫عىل بناء عامرة رسدية مركبة يشغل فيها املنظور التشكييل‬ ‫حازم العظمة‬

‫عربة أولها وآخرها‬ ‫الشعر‬ ‫الديوان‪ :‬عربة أولها آخر الليل‬ ‫الشاعر‪ :‬حازم العظمة (سوريا)‬ ‫النارش‪ :‬دار رياض الريس‬ ‫عدد الصفحات‪ 180 :‬صفحة من القطع املتوسط‬

‫“عربة أولها آخر الليل” هي الثالثة للشاعر السوري حازم‬ ‫العظمة بعد مجموعتيه «قصائد اندوميدا» و «طريق قصرية‬ ‫إىل عراس»‪ ،‬والصادرة حديثا عن «دار رياض الريس» مجموعة‬ ‫مفتوحة عىل مخيلة ترصد التبعرث والفوىض‪ ،‬لكنها مرتابطة‬ ‫ضمن رؤيا موحدة ميكن النظر اىل كل قصيدة منها باعتبارها‬ ‫ومضات برقية قصرية مستقلة عن بعضها البعض‪ ،‬لكن ثنائية‬ ‫ضمري املتكلم أنا‪/‬أنت تشد الخيوط املبعرثة داخل التجربة‪،‬‬ ‫حيث يتكرر خطاب األنا نحو اآلخر‪-‬مفردا وجامعة يف لون من‬

‫علي العامري‬

‫نعمة الغنائية‬ ‫الديوان‪ :‬خيط مسحور‬ ‫الشاعر‪ :‬عيل العامري (االردن)‬ ‫النارش‪ :‬ابداعات‬ ‫عدد الصفحات‪ 200 :‬صفحة‬ ‫من القطع املتوسط‬

‫دورا خاصا‪ ،‬يف حني ان الغنائية تضفي عليها ضوءا‪.‬يف هذا‬ ‫الديوان الذي يهيمن عليه بنية املشهد الشعري يحاول الشاعر‬ ‫ان يتجنب االنجرار وراء ما هو مكرر ومألوف يف اسرتاتيجيات‬ ‫كتابة قصيدة التفعيلة كاللجوء اىل الرموز واالستعارات البعيدة‪،‬‬ ‫بل تظل اللغة صافية ومتقنة تنطلق من اسلوب شخيص متفرد‪.‬‬ ‫ويالحظ يف الديوان طغيان املشهد الشعري‪ ،‬الذي ال يتحول‬ ‫بالرضورة اىل حكائية‪ ،‬وهي جزء من القصيدة الغنائية الحديثة‬ ‫التي تخلت عن غنائيتها التقليدية ونزعتها التطريبية القدمية‬ ‫واصبحت بؤرة اللتقاء سيل من االجناس االدبية والفنية وجامعا‬ ‫تناصيا لعنارص اللغة واالسلوب والداللة الثقافية واملرجعيات‬ ‫الداخلية والخارجية وغري ذلك‬ ‫الرتاسل املتصل‪.‬‬ ‫العظمة شاعر ستيني عارص اكرث من جيل شعري لكنه ظل‬ ‫خارج التصنيفات‪ ،‬ومل يقرتب من الشعر يف صورة جادة‬ ‫إال يف العقد األخري‪ ،‬ورمبا يعود ذلك النشغاالت العمل‬ ‫كطبيب جراح‪،‬ولكن حني ثابر عىل الكتابة متكن يف زمن‬ ‫قصري من ان يرسم لنفسه مسارا خاصا غري متحرر من‬ ‫سطوة أجواء الجراحة عىل نصه‪ ،‬رغم اجتهاده الخفاء‬ ‫ذلك وراء اسلوبية تعتمد التخفي وراء روح من الفوىض‬ ‫املدروسة‪،‬حيث تتناسل الصور الشعرية من بعضها‬ ‫البعض‪ ،‬األمر الذي مينح القصيدة ايقاعا وتجانسا وتناظرا‬ ‫عىل مستوى التكوين يف انساق التوازي وتكرار األجواء‪.‬‬ ‫والشاعر هنا يلعب عىل لون من املواربة والالمبارشة‪.‬‬ ‫يبدو الوجه الظاهر من صور ديوان حازم العظمة وكأنها‬ ‫تبحث يف عامل صويف عن مطلق أو هاجس يعيد التوازن‬ ‫إىل ذات قلقة وعطىش‪ ،‬وتظهر جلية يف القصائد لعبة‬ ‫االفعال والصياغات واملفردات‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪21‬‬


‫شعر وشعراء‬ ‫عبداهلل رضوان‬

‫شعرية المدينة المقدسة‬ ‫الكتاب‪ :‬القدس يف الشعر العريب الحديث‬ ‫املؤلف‪ :‬عبد الله رضوان (فلسطني)‬ ‫النارش‪ :‬دار الخليج للنرش والتوزيع‪ ،‬عماّ ن‪.2012 ،‬‬ ‫عدد الصفحات‪ 86 :‬من القطع املتوسط‪.‬‬

‫يتناول‬

‫الكتاب متثالت الشعر العريب ملدينة‬ ‫القدس‪ ،‬التي ظلت بكل تجلياتها غائبة‬ ‫أو مغيبة عن خريطة الشعر العريب بعامة‪ ،‬وهو أمر له‬ ‫مربرات شكلية أولية تتمثل يف أن القدس مل تكن يوماً‬ ‫ٍ‬ ‫تفاوت يف‬ ‫عاصمة سياسية يف مجمل التاريخ العريب‪ ،‬مع‬ ‫هذا األمر بني دولة وأخرى‪.‬‬ ‫فبحسب الباحث‪ ،‬وصل االهتامم بهذه املدينة ذروته يف‬ ‫زمن صالح الدين األيويب‪ ،‬رغم أنه ظل يف الشعر العريب‬ ‫شكلياً‪ .‬ثم تراجع بعد ذلك حتى منتصف القرن العرشين‪.‬‬ ‫يرصد الكتاب صيغ التمثالت الشعرية ملدينة القدس‬ ‫وتحوالتها يف الشعر العريب الحديث‪ ،‬ومنها التوظيف‬ ‫األسطوري والتاريخي والديني‪ ،‬حيث نجح اليبوس ّيون يف‬ ‫بناء حضارة كنعانية سنة ‪ 3500‬قبل امليالد‪ ،‬وقد متحور‬ ‫منجزها حول مدينة “يبوس” ‪/‬لقدس‪ ،‬وقد وصل رقي‬ ‫هذه املدينة إىل بناء منظومة ميثولوجية خاصة بها‬ ‫وبحضارتها اعتمدت عىل عدد من اآللهة ُعرفت الحقاً‬ ‫باسم “شجرة اآللهة الكنعانية”‪ ،‬واستمرت فاعل ًة حتى‬ ‫جاء التوحيد فبدأ حضورها يرتاجع حتى تالشت‪.‬‬ ‫يشري رضوان إىل أن عددا ً من الشعراء استحرضوا حديثاً‬ ‫هذه الشجرة التي تحولت إىل جمهرة من األساطري‬ ‫الكنعانية‪ ،‬بهدف التأكيد عىل عروبة القدس يف مواجهة‬ ‫محاوالت تهويد املدينة ورسقة تراثها‪ ،‬ومن ذلك قصيدة‬ ‫الشاعر سميح القاسم “أ َخذَة األمرية يبوس”‪:‬‬ ‫«يا إيل املقتدر عىل الرغبات‪ُ /‬م ٌّر ٌ‬ ‫ولبان وبخور‪ /‬وحدائقُ‬ ‫نور‪ /‬يا إيل القدُّ وس‪ /‬أمري ُة مدنِ الدنيا‪ /‬ونسا ُء األرض‬ ‫يبوس»‪.‬‬ ‫وإىل جانب البعد األسطوري‪ ،‬استخدم الشعراء أيضاً‬ ‫البعدَين التاريخي والديني‪ ،‬ومن ذلك قصيدة “يف‬

‫‪22‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫القدس” ملحمود درويش‪« :‬تنبت الكلامت كاألعشاب من‬ ‫فم أشع ّيا النبوي‪ /‬إن مل تؤمنوا لن تؤمنوا»‪.‬‬ ‫وكذلك قصيدة “يف القدس” للشاعر متيم الربغويث‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫التاريخ مبتس ًام‪ /‬أظنن َْت حقاً أن عينك سوف‬ ‫“وتل ّف َت‬ ‫تخطئهم وتبرص‪ /‬غ َريهم‪ /‬ها هم أمامك‪َ /‬متنْ ُ َن ّص َ‬ ‫أنت‬ ‫ٌ‬ ‫حاشية عليه”‪.‬‬ ‫ميل بعض الشعراء إىل إحداث حالة من‬ ‫يؤكد الباحث َ‬ ‫االندغام والتذويت بينهم وبني املكان الذي يتحدثون‬ ‫عنه‪ ،‬بحيث ميكن القول إن قوة هذه الحالة هي التي‬ ‫تتحكم يف درجة التعبري الشعري وآلياته‪ ،‬وهي تزداد‬ ‫تو ّهجاً كلام كانت التجربة حقيقية‪ ،‬حيث يلتقي الصدق‬ ‫الفني مع الصدق املوضوعي‪ ،‬ومثال ذلك قصيدة “عىل‬ ‫كتف القدس” للشاعر يوسف عبد العزيز‪:‬‬ ‫كتف القدس‪/‬‬ ‫«يف ذلك املوقع املرتفع من سامء البالد عىل ِ‬ ‫ميكن للمرء أن َ‬ ‫يتأمل بطنَ السحاب‪ /‬وهو مير عىل الرسو‪/‬‬ ‫أبيض أبيض مثل الحليب‪ /‬ويعلوه بعض الن َمش»‪.‬‬ ‫الكتاب الضوء عىل عالقة اإلنسان الفلسطيني‬ ‫يلقي‬ ‫ُ‬ ‫بالقدس‪ ،‬وهي عالقة خاصة‪ ��‬ألن املحتل هو الذي يتحكم‬ ‫بها يف الحياة اليومية‪ ،‬وقد التق َط الشاعر الفلسطيني‬ ‫راشد حسني جوه َر عالقة القامع باملقموع من خالل‬ ‫قصيدته “القدس والساعة”‪.‬‬ ‫ويف جانب االفتخار والتباهي باملكان املقديس‪ ،‬يحلل‬ ‫الباحث تجربة الشاعر املتوكل طه‪ ،‬بينام يأخذ تجربة‬ ‫درويش مثاالً عىل املدينة كمرجع لقول هموم الشاعر‬ ‫وتقديم رؤيته‪ ،‬فيام يقف عند تجربة الشاعر هارون‬ ‫هاشم الرشيد للداللة عىل النظرة اإلنسانية الحزينة ملدينة‬ ‫القدس‬

‫هيا صالح‬


‫عبداهلل العسري‬

‫النص الغائب‬ ‫عن اللوحة‬

‫الديوان‪ :‬يد ال ترسم الضباب‬ ‫الشاعر‪:‬عبدالله العرسي (املغرب)‬ ‫النارش‪ :‬دار “أرابيسك” للرتجمة والنرش يف القاهرة‬ ‫عدد الصفحات‪ 83 :‬صفحة من القطع املتوسط‬

‫هل‬

‫تستطيع القصيدة كتابة اللوحة الفنية؟ هل‬ ‫مبقدور اللغة أن تجعل من لعبة الضوء‬ ‫واملجسامت واإلطار شكال فنيا قابال للقراءة والتأويل؟ يك‬ ‫أمكن للحواس أن تحفر عميقا يف خبايا اللون واملادة يك‬ ‫تشكل معرضا مفتوحا ضم «‪ 10‬قصائد» وسمت ب«يد ال‬ ‫ترسم الضباب»؟‬ ‫يف ديوان الشاعر عمر العرسي الصادر عن منشورات‬ ‫أرابيسك املرصية إعادة تشكيل عالقة الشعر بالتشكييل‪.‬‬ ‫فمن خالل القراءة {تتحول اىل ‪ }vernissage‬يتحول‬ ‫السفر يف القصائد اىل تلمس افرتايض لقصائد معلقة عبارة‬ ‫عن إطارات محمولة عىل الجدار‪ /‬البياض‪ .‬وبني «اليد»‬ ‫و«العني» مساحات جاملية متألها «حواس اللغة» يك‬ ‫تجعل من ألق الصورة شكال «أدبيا» قابال للقراءة‪.‬‬ ‫يف قصائد الديوان محاولة يف تلمس ثنايا املادة والضوء‬ ‫وظالل األلوان‪ ،‬إرصار عىل محاولة القبض عىل تلك‬ ‫الومضة السحرية وهي خليط من «وحشة األلوان»‬ ‫و”أرسار الحياة” عىل كتابة «لوحتها الفنية الخالصة»‬ ‫ترسم مبلفوظها‪ ،‬بحواس اللغة الذي يتدرج تركيبا ودالالت‬ ‫وصورا شعرية‪ .‬لكنه يف األساس يحاول تجريب كتابة‬ ‫أخرى «غريية» ال تحرض يف اإلطار وال يف بناء النص‪ .‬إمنا‬ ‫كتابة غائبة تقرتب من النص الغائب ليميس حقيقة النص‬ ‫الشعري ولوحاته‪ .‬وهو ما يعني أن «اليد» ال ترسم ضباب‬ ‫متعة اللون واملادة بل تكتب نصا شعريا مجسام‪ /‬ناطقا‬ ‫بتفاصيل تنأى اللوحة املرجع أن تكونه‪ .‬وتحاول القصيدة‬ ‫غري ما مرة اإلعالن عن حواريتها مع هذا املرجع‪ /‬اإلطار‪،‬‬ ‫إما عرب استدعاء «أعالم» من الشعر أو الفن أو من خالل‬ ‫االنفتاح عىل مكونات اللوحة األساس‪ .‬ويعمق هذا‬

‫البحث من محاولة الديوان أن يوحد أفق رؤاه حول‬ ‫فكرة دالة تحفزه عىل بلورة ما تبقى من خالل القصائد‬ ‫العرشة‪..‬‬ ‫تعيش قصائد الديوان «غربة اللون» وهي الغربة التي‬ ‫تتقاطع مع غربة الشاعر‪ ،‬كالهام يتلمس الضوء يف اإلطار‪.‬‬ ‫فسواء اختار الشاعر أن يرسم قصيدته ويؤثث اللوحة من‬ ‫ديدن اللغة أو انحاز لفرشاة تقودها الحواس يك تشكل‬ ‫«املادة» فإن األفق يظل محاولة الشاعر النفاذ اىل تلك‬ ‫املساحة البيضاء يك ةيكتب نصا «معرفيا» يستطيع من‬ ‫خالله القارئ أن يشكل وجهة نظر من العمل الفني‪ .‬وهو‬ ‫ما يعيدنا اىل افرتاض مفاده أن الديوان أساسا يستلهم‬ ‫فكرة تحوير فعل القراءة اىل مفتتح تشكييل أشبه بزيارة‬ ‫معرض للرسم‪ .‬ومبا أن «اليد» هي الجامع بني هذا وذاك‪،‬‬ ‫سواء فعل الكتابة أو التشكيل‪ .‬فإن القراءة البرصية ما‬ ‫تلبث أن تتحول هي أيضا اىل محاولة ثانية إليجاد تقاطع‬ ‫مفرتض بني ما يشكل عىل البياض شعرا أو لونا ومادة‪.‬‬ ‫وعىل هذا األساس ينبني ديوان الشاعر عمر العرسي يف‬ ‫محاولته كشف سامت تقاطع الشعري والتشكييل‪ ،‬وندرك‬ ‫اهتامماته الشاعر النقدية ومحاولته إرساء لديوانه الثاين‬ ‫مرجعا معرفيا أعمق بكثري مام فعل يف باكورته األوىل‪.‬‬ ‫ولعله من املفيد التذكري اىل أن القصيدة املغربية الحديثة‬ ‫اليوم قد تجاوزت يف كثري من تجاربها بعض إواليات‬ ‫األسئلة املتعلقة بحوارية ما لبعض األجناس‪ .‬ولرمبا أضحى‬ ‫الشاعر املغريب اليوم مياال لتأسيس اختالفه أو لعله ركون‬ ‫اىل محاولة استدعاء أسئلة معرفية عميقة لنصوصه‪ .‬ولو‬ ‫أن السؤال ومركزيته أبعد من هذا املنحى‬ ‫عبدالحق ميفراني‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪23‬‬


‫شعر وشعراء‬ ‫فوزي باكير‬

‫استدانة القصيدة وإعادتها‬ ‫ناقصة‬ ‫الشاعر‪ :‬فوزي باكري (االردن)‬ ‫الديوان ‪ :‬حني تلفت النهر‬ ‫دار النرش ‪ :‬األهلية للنرش والتوزيع‬ ‫عدد الصفحات ‪ 152 :‬من القطع املتوسط‬

‫تعاين‬

‫القصيدة يف املجموعة الشعرية األوىل للشاعر‬ ‫فوزي باكري «حني تلفت النهر» من مشكالت‬ ‫يقع فيها الشعراء غالبا يف ديوانهم األول‪ ،‬فنص باكري يظهر متأثرا‬ ‫بشعراء عايشهم‪ ،‬وتبدو الجملة لديه عسرية طويلة تقطع األنفاس؛‬ ‫محتشدة بالجمل املوصولة املركبة‪ .‬يف عنوان املجموعة تظهر‬ ‫مالمح تأثر باكري بتجارب شعرية عايشها‪ ،‬فيعنون مجموعته بـ‬ ‫«حني تلفت النهر» يف الوقت‪ ،‬الذي كان الشاعر األردين حسني‬ ‫جلعاد كتب يف قصيدة بعنوان «مفرتق» قال فيها‪« :‬حني م ّر النه ُر‬

‫َ‬ ‫والتفت إىل ورد فستانك‪.»...‬‬ ‫قربنا‬

‫بعيدا ً عن ذلك ‪ ،‬يبدو باكري متأثرا مهجوساً بقصيدة الشاعر‬ ‫األردين زياد العناين‪ .‬مالمح التأثر تظهر يف كثري من نصوص‬ ‫املجموعة‪ ،‬ففي قصيدة بعنوان «حدائق الطاغية» يقول العناين‪:‬‬

‫«إنه ال يبتسم‪/‬وبنا ُ‬ ‫ألف رغب ٍة تو ُّد أن تجرح فمه‪/.‬أيها الناس‪:‬‬ ‫فم‪/‬وأن متثالها‪/‬إذا تبسم‪/‬‬ ‫كيف فاتكم أن الهيبة ولدت بال ٍ‬ ‫ينكرس!»‪.‬يصنع العناين يف تصويره االبتسامة ‪ -‬حقيقة الفرح‪-‬‬

‫بالجرح يف الوجه‪ ،‬حالة صلبة قاسية لصورة الطاغية‪ ،‬فيام يستعري‬ ‫جرح خلفه‬ ‫باكري الصورة نفسها بومضة راكدة ‪« :‬البسمة‪..‬؟‪ٌ /‬‬ ‫الفرح يف الوجوه‪ /‬ومل يلتئم بعد ‪ ،»..‬وكأن باكري هنا يستدين‬ ‫القصيدة من العناين ويعيدها ناقصة‪.‬‬ ‫ويف قصيدة حملت عنوان مجموعة العناين الصادرة عام ‪2000‬م‬ ‫«خزانة األسف» يقول العناين‪« :‬للناس مراياهم‪ /‬أما العميان‪/‬‬

‫فرتشدهم‪/‬عكازة األصوات»‪.‬‬

‫فكرة العمى‪ ،‬والعكاز عني األعمى ودليله‪ ،‬يأخذها فوزي باكري‬

‫كاملة‪ ،‬ليقول يف مقطع من قصيدته‪« :‬العكازة‪ /‬ليست قندي ًال‪/‬‬ ‫يشق لألعمى‪/‬ظلمة الدرب‪ /‬نحو مجهوله‪/،‬إمنا غصن يشده‬ ‫من كفه‪.»..‬‬

‫يواصل باكري تأثره بالعناين ‪،‬وال يكتفي باستعارة الصور والجمل‬ ‫الشعرية «العنانية» ‪ ،‬بل يذهب إىل أخذ تكنيك بناء القصيدة‬ ‫عنده‪ ،‬ففي قصيدة للعناين يقول فيها‪« :‬ثمََّ َة خلل‪/‬أيها الرساب‪/‬‬ ‫رمبا هو يف عيوننا‪/‬فأين أنت يا مش َفى العيون» يقول‬ ‫‪24‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫باكري‪ٌ :‬‬ ‫»خلل ما‪ /‬اصاب العني‪/،‬رمبا‪/‬فاض الضوء عن حاجتها‪/‬‬ ‫أو نقص‪.»..‬‬

‫إن األدب العريب القديم اهتم بالرسقات األدبية للحد الذي ألف‬ ‫فيه القايض عبد العزيز الجرجاين كتابه «الوساطة بني املتنبي‬ ‫وخصومه»‪ ،‬وكذلك كتب اآلمدي مؤلفه «املوازنة بني الطائيني»‬ ‫ووجها يف مؤلفيهام تهمة الرسقة لكل من يَظ َهر عىل نصه تأثرا ً‬ ‫بنص غريه ولو بسيطاً أو شكلياً‪ .‬وإذا كان النقد األديب القديم‬ ‫صارماً إىل هذا الحد‪ ،‬فإن التناص الذي قدمه الشكالنيون الروس‪،‬‬ ‫أوجد صيغة لتأثر النصوص الشعرية ببعضها‪ ،‬إال أن التناص برر‬ ‫ذلك عىل مستوى املعنى الشعري ومل يربره عىل صعيد املفردة‪.‬‬ ‫لذلك ال يجدي تفسري التأثر‪ ،‬الذي أصاب قصيدة باكري‪ ،‬بأنه‬ ‫شكل من أشكال التناص‪ ،‬التي يتذرع بها الكثري من الشعراء ليربر‬ ‫ٌ‬ ‫سطوهم املمنهج عىل تجارب غريهم ‪ ،‬قد يبدو تأثر باكري بالعناين‬ ‫كأب تابع تجربته‪ ،‬وكان شاهدا ً‬ ‫طبي ًعيا‪ ،‬إذ يبدو بالنسبة لباكري‪ٍ ،‬‬ ‫عليها ‪ .‬لكن ليس التأثر وحده ما تعاين منه مجموعة باكري‪ ،‬إذ يقع‬ ‫أيضا يف شرَ ك عرس صياغة الجملة الشعرية‪ ،‬فيهوي مرة يف استخدام‬ ‫األسامء املوصولة التي تقطع نَفس القارئ‪ ،‬وتتعب الفكرة‪ ،‬ومرة‬ ‫يكتب جملة غري مكتملة‪ ،‬كأن يبدأ جملة رشطية‪ ،‬يحضرُ فيها فعل‬ ‫الرشط‪ ،‬ويغيب عنها جوابه‪ ،‬فتصري الجملة عامئة غري ممسوكة من‬ ‫طرفيها‪.‬‬ ‫فيستخدم يف مقطع شعري مل يتجاوز عدد مفرداته خمس‬ ‫وعرشين مفردة‪ ،‬أربعة جمل موصولة‪ ،‬ليوصل أول الفكرة بآخرها‪،‬‬ ‫فيقول‪« :‬الضباب‪/‬الذي َّ‬ ‫حط عىل األرض‪ /‬وأخفاها‪ /‬هو ذاته‪/‬‬

‫الذي كشف‪ /‬رس امرأ ٍة‪ /‬اختبأت خلفه‪ /‬يك ال أراها‪ /‬تعري‪/‬‬ ‫هذا البياض املالح‪ /‬الذي ض ّلل نافذيت‪ /‬ذات ماء‪.»...‬‬

‫ويف مقطع آخر يبدأ باكري جملة رشطية بفعل الرشط ويرتك‬ ‫لك‪/‬‬ ‫الجملة بال جواب‪ ،‬فيقول‪« :‬كلام نقش الضوء‪ /‬صور ًة أخرى ِ‬ ‫وخ َّبأها كتاب الشعر‪/‬يف قميص إحدى القصائد‪ ،»..‬وينهي بـ‬ ‫«القصائد»‪ ،‬فتظهر الجملة وكأن نصفها اآلخر سقط يف الطباعة‬ ‫محمد أبوعرب‬


‫نصوص‬

‫محمـّد علي شمس الدين‬

‫عاطف بن مبارك‬

‫إدريس علوش‬ ‫محمد أحمد بنيس‬

‫ابراهيم قازو‬ ‫خالد عبد الرؤوف الجبر‬ ‫عبدالمجيد التركي‬

‫محمد منصور‬ ‫ماجد رقيبة‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪25‬‬


‫نصوص‬

‫محم ّـد عيل شمس الدين‬ ‫يوم األحد الواقع فيه صمتي‬

‫“إىل أيب حامد الغزّايل يف مح ِن ِه العظيمة”‬ ‫ماذا بيدي؟‬ ‫ماذا ْ‬ ‫أفعل؟‬ ‫هل يومي بيدي‬ ‫وغدي‪...‬؟‬ ‫يوم ّيايت نافلة وقدمي ْه‬ ‫لكنْ‬ ‫َمنْ خ ّولني‬ ‫ْأن َ‬ ‫أفصل‬ ‫اللحظات املعدوم ِة‬ ‫بني‬ ‫ِ‬ ‫والالمعدومهْ؟‬ ‫ما داَ ْ‬ ‫مت أيامي هَ ْلىك‬ ‫ُس ُفني َغ ْرقى يف البح ِر‬ ‫وساريتي يف القاعْ‬ ‫ُ‬ ‫سيكون ْ‬ ‫إذن بيدي؟‬ ‫ماذا‬ ‫ِس ّيانِ ُ‬ ‫النائم‬ ‫أكنت َ‬ ‫أم ُ‬ ‫كنت الصاحي‬ ‫َخ َذلتني الرؤيا‪ ،‬وصباحي‬ ‫كف ْ‬ ‫لت من ّ‬ ‫أَ ْف َ‬ ‫الليل‬ ‫النوم قلي ًال‬ ‫َف ْ‬ ‫ألخرج من بني سيوف ِ‬ ‫حدق يف هذا ْ‬ ‫ُوأ ْ‬ ‫الويل‬ ‫يف الجه ِة الرشق ّي ِة من غرفة أحوايل‬ ‫ُ‬ ‫الغربان)‬ ‫(حيث صنوبر ٌة تنشط فيها‬ ‫ويف الجهة الغرب ّية (حيث ّ‬ ‫الشط ُان يع ّذ ُبها سوط‬ ‫املوج)‬ ‫ِ‬ ‫أحد ُّق بني هنا وهناكَ‬ ‫َ‬ ‫رس البح ِر‬ ‫ألعرف ًّ‬

‫‪26‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫رس الشجر ْه‬ ‫و َّ‬ ‫الباب‬ ‫د َُّق ْ‬ ‫ُ‬ ‫اب‬ ‫الوقت رس ْ‬ ‫يو ُم األح ِد الواقع تقريباً في ِه صمتي‬ ‫ُ‬ ‫آليت بأن‬ ‫(منتق ًام من هذا العاملِ)‬ ‫أخرج من بيتي‬ ‫لن َ‬ ‫َف ْل َي ْبقَ‬ ‫الخارج يف الخارج‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫الداخل‬ ‫والداخل يبقى يف‬ ‫وأنا بينهام‬ ‫كاملرتاب‬ ‫أتأرجح‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫هل ُ‬ ‫النوم ِأم اليقظ ْة؟‬ ‫أدخل يف ِ‬ ‫ِح َييل َشتّى‪ :‬ب َ‬ ‫ني التحديق‬


‫اف املوسيقى‬ ‫اف األشجا ِر وأطر ِ‬ ‫بأطر ِ‬ ‫اف السيلْ‬ ‫والتحديق بأطر ِ‬ ‫ِ‬ ‫كلامت غامض ٍة‬ ‫يأيت يجرفني مجرى من‬ ‫ٍ‬ ‫أتبعها حني تؤرقني األفكا ُر‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ومجراها يبدأ من أذين‬ ‫ويدحرجني فيه فأصحو‪....‬‬ ‫ما هذا ُ‬ ‫األرق الدهريُّ‬ ‫الوسواس‬ ‫ُ‬ ‫ّاس‬ ‫الخن ُ‬ ‫ُ‬ ‫باألنفاس‬ ‫اآلخذ‬ ‫ِ‬ ‫ومنام‬ ‫وطعام‬ ‫كالم‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫القاطع منّي كل ٍ‬ ‫املوج؟‬ ‫يف رأيس ينمو كهدير ْ‬ ‫ماذا يشغلني ْ‬ ‫اآلن؟‬

‫الرب‬ ‫تشغلني هذي اللحظة من أيام ّْ‬ ‫يل حق يف ْأن ُآخ َذ منها بنصيبي‬ ‫بعض نصيبي‬ ‫سبعون من السنوات تساوي‬ ‫أيام حبيبي‬ ‫َ‬ ‫خمس دقائقَ من ِ‬ ‫َ‬ ‫كيف ْ‬ ‫إذن أتد ّبر أحوايل فيها؟‬ ‫ق ّل ُ‬ ‫بت األمر عىل أكرث من وج ٍه واح ْد‬ ‫وبدا يل‬ ‫أ ّول ما يبدو يل‬ ‫ْأن أغفو‬ ‫سنوات ال َع َّد لها‬ ‫ال ُأحصيها‬ ‫كانت يقظ ُة أحالمي فيها‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪27‬‬


‫نصوص‬

‫حتى ُ‬ ‫كدت ُأ َج ّْن‬ ‫تتدافع يف بايب أسئلة‬ ‫وجموع طيو ٍر عميا َء‬ ‫حشود ال ُ‬ ‫أعرف َ‬ ‫كيف‬ ‫تناس َل منها ُّ‬ ‫الشك إ َّيل‬ ‫َ‬ ‫ُفأ ُ‬ ‫وشك ْأن أهْ وي َ‬ ‫تحت األنوا ْء‬ ‫فاليقظ ُة أغر ْتني‬ ‫حتى ُ‬ ‫قاع سفينته‬ ‫رصت ّ‬ ‫كبحا ٍر يسقط يف ِ‬ ‫الريح‬ ‫و ُتح ِّر ُك مجدافي ِه ْ‬ ‫كنت ُ‬ ‫وقدمياً ُ‬ ‫سألت عن الجدوى‬ ‫النوم (وأعني َ‬ ‫املوت)‬ ‫يف ِ‬ ‫أيام‬ ‫فهل أقيض خمس دقائقَ من ِ‬ ‫الرب ْ‬ ‫إذن يف ْ‬ ‫املوت؟‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫سيكون ْ‬ ‫إذن‬ ‫تبذير يف النعم ْة‬ ‫وولوج يف ُ‬ ‫الخرس ْان‬ ‫وأزح ُت بك ّفي هذي الفكرة عن رأيس‬ ‫ْ‬ ‫أبرص‬ ‫كيام ْ‬ ‫(كانت خصلة َش ْع ٍر تؤذي العين ْني )‬ ‫ُ‬ ‫ووقفت أحد ُّق يف خمس دقائق من أيامي‬ ‫و ُتحد ُّق يب‬ ‫ماذا ْ‬ ‫أفعل؟‬ ‫َقدَري شك‬ ‫كنت ُ‬ ‫أحس الجوعَ‬ ‫بدات ُّ‬ ‫وشدّتني َر َغ ٌ‬ ‫َف‬ ‫بات شتّى نحو الس ِري بال هَ د ٍ‬ ‫الناس‬ ‫ومخاطبة ِ‬ ‫وإيتا ِء ذوي القرىب‬ ‫حلقات ال ِذ ْك ِر‬ ‫يف‬ ‫ِ‬ ‫الرغبات املدفون ِة‬ ‫وإيتا ِء ذوي‬ ‫ِ‬ ‫كاألشجا ِر‬ ‫عىل البلوى‬

‫‪28‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫العشق‪ ،‬وما أدر َ‬ ‫اك‪،‬‬ ‫واستئناف‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫عىل األرصفة الصغرى‬ ‫ووجدت ّ‬ ‫ُ‬ ‫السعي هنا سعيي‬ ‫بأن‬ ‫ّ‬ ‫ال َجدوى‬ ‫مل ينف ْعني يف يش ٍء‬ ‫ُ‬ ‫إ ْذ حني‬ ‫أخذت إنايئ املغلق َ بني يديَّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫وجدت املا َء‬ ‫أصب املا َء عليه‬ ‫ورصت ّ‬ ‫مىض ه ْدرا‬ ‫ما َن ْف ُع املا ِء املتد ّف ِق فوق إنا ٍء ُمغلقْ ؟‬ ‫أفكا ٌر عاطل ًة‬ ‫زمن أخرقٍ‬ ‫يف ٍ‬ ‫مقلوب‬ ‫وإنا ًء‬ ‫ْ‬ ‫ماذا بيدي؟‬ ‫ماذا ْ‬ ‫أفعل‬ ‫كنت رشيداً‬ ‫أخبط فوق الرمل بأساميل‬ ‫يذوب‬ ‫املوج ُ‬ ‫غسقٌ فوق ِ‬ ‫يروب‬ ‫وحرب البحر ُ‬ ‫عىل َز َب ٍد فوق الصخر ْة‬ ‫وأنا ُ‬ ‫لست بص ّيا ٍد يحمل صنّارت ُه‬ ‫أو يلقي فوق املوج شباكهَ‬ ‫القاع أيب‬ ‫فالس َم ُك الغائز يف ِ‬ ‫ُ‬ ‫والسمك الدائخ منه ُ فوق املوج أخي‬ ‫فلامذا أصطاد ْ‬ ‫إذن َج َسدي؟‬ ‫وأنا طفل يحبو نحو املا ِء يحاول ْأن يلفظ حرفاً‬ ‫الكلامت األوىل‬ ‫هجي‬ ‫ِ‬ ‫و ُي ّ‬ ‫ولعل بهذا البحر جباالً‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ومسالك ال يعرفها إ ّال الغ ّو ْ‬ ‫اصون‬ ‫ّ‬ ‫ولعل به‬ ‫ْ‬ ‫وخيال‬ ‫غف‬ ‫ما يشبهني من َش ٍ‬ ‫ولعل به ُس ُفناً‬ ‫ّ‬


‫اكب ما زالت يف َسف ٍر‬ ‫ومر َ‬ ‫وعليها نوت ّيون سكارى‬ ‫وقر ٌ‬ ‫اصنة ج ّو ْ‬ ‫ابون‬ ‫ّ‬ ‫القاع‬ ‫ولعل كنوزاً يف ِ‬ ‫يحيط بها رَهْ ط من ْ‬ ‫جان‬ ‫وجنودٌ من َم ْر‪ْ ....‬‬ ‫جان‬ ‫أميش‬ ‫وهواء الشاطئ يحمل يل‬ ‫امللح‬ ‫أنفاس ِ‬ ‫وأشال َء املوسيقى‬ ‫مفتوح‬ ‫صدري‬ ‫ٌ‬ ‫ويداي ّ‬ ‫مرشدتانِ بال مأوى‬ ‫ال شيَ ْ َء سوى النجوى‬ ‫شرََّدين هذا الدّور ُان‬ ‫وقلبي كالدوالب يدور معي‬ ‫ويعانقُ منْ أهوى‬ ‫ال ّ‬ ‫شط وال مرىس‬

‫عص ْ‬ ‫ريح‬ ‫كم َ‬ ‫فت ٌ‬ ‫َوتواىل رعدٌ بعد الربقِ‬ ‫ُوأغ ِد َق من مطر حويل‬ ‫وأنا أميش‬ ‫أ ْل ٌف‬ ‫سحاب‬ ‫السنوات مت ُّر كم ّر‬ ‫أ ْلفانِ من‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫فوق ال َغ ْم ِر‬ ‫ال َغ ْم ُر يحدّق يف وجهي‬ ‫وأنا يف وجه ال َغ ْم ِر‬ ‫كساريتني معاً‬ ‫يف ُف ْل ٍك يتأرجح كالسكر ْان‬ ‫ومعاً منيض‬ ‫ْ‬ ‫الشطآن‬ ‫يف رحلتنا املجهول ِة نحو‬ ‫أحياناً‬ ‫أشعر ّأن البحر أس ٌري يف ك ّفي كالعصفو ْر‬ ‫الرب‬ ‫أيام ِّ‬ ‫ولخمس دقائقَ من ِ‬ ‫الشع َر صب ّيا‬ ‫أعد ُْت ِ‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪29‬‬


‫نصوص‬

‫الشيب‬ ‫غا َد َرين‬ ‫ُ‬ ‫وسبعون شتا ًء وخريفاً‬ ‫َ‬ ‫سقط ْت خلفي‬ ‫وتكاد عظام املوىت‬ ‫تنهض حني أك ّلمها‬ ‫من َف ْرطِ الشوقِ‬ ‫الص ْف ِر‬ ‫تقاويم التكوينْ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫وترجع نحو ِ‬ ‫وبدات ْ‬ ‫ُ‬ ‫بأن‪:‬‬ ‫ج ّم ُ‬ ‫عت نوارس أربع ًة‬ ‫ُ‬ ‫كانت‬ ‫تختال عىل َمهَلٍ‬ ‫ُ‬ ‫فرضبت بهنّ يدي‬ ‫أربع ت ّال ِت البح ِر‬ ‫فتنا َث ْر َن عىل ِ‬ ‫كفي‬ ‫وعُ د َْن بأمر ّ‬ ‫الرب إىل ّ‬ ‫وم َر ْج ُت بهذا َ‬ ‫ذاك‬ ‫وذاك مبا ال ُ‬ ‫َ‬ ‫يدرك ِمنْ‬ ‫ات األزمانِ‬ ‫َف ْي ِض إشار ِ‬ ‫ُ‬ ‫أخذت عصا‬

‫‪30‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫وش َق ْق ُت بها جل َد البح ِر‬ ‫ليك تعبرُ َ بني الجبلني جنودي‬ ‫وأ ْ‬ ‫رش ُت ملن ماتوا‬ ‫ْأن قوموا‬ ‫متاس ْك‬ ‫وملن أنهكه الدا ُء‪َ ،‬‬ ‫وملن غ ّيبه الظنُّ َ‬ ‫تعال‬ ‫ْ‬ ‫فيكون‬ ‫و ُكنْ ‪...‬‬ ‫الرب‬ ‫أرض ِّ‬ ‫نبي يف ِ‬ ‫وكمثل ّ‬ ‫ُ‬ ‫غفوت هنا ملء جفوين‬ ‫عماّ‬ ‫ْ‬ ‫تروون‬ ‫ُ‬ ‫أسدلت ستائ َر أسبايب‬ ‫وتركت َّ‬ ‫الشك صب ّياً‬ ‫ُ‬ ‫يلهو‬ ‫ويدب عىل بايب‬ ‫ُّ‬ ‫‪.....‬‬ ‫هذي كلاميت‬ ‫ْ‬ ‫حرضت عند الفج ِر‬ ‫متاماً عند صال ِة الفج ْر‬ ‫ُ‬ ‫الغرب‬ ‫كنت وق ْف ُت عىل رشفة بيتي من جهة‬ ‫ِ‬ ‫وكنت ُ‬ ‫ُ‬ ‫سألت البح َر‬ ‫إذا ما كان سيسمح يل‬ ‫ْ‬ ‫أسمع َ‬ ‫املوج‬ ‫وأن َ‬ ‫صوت ِ‬ ‫ْ‬ ‫وأن أصغي‬ ‫لرص ِاخ طيور البح ِر‬ ‫ات ال َغ ْرقى‬ ‫وأ ّن ِ‬ ‫وشعرت ّ‬ ‫ُ‬ ‫بأن البحر‬ ‫استسلم يف راح ِة ك ّفي‬ ‫َ‬ ‫ال ُ‬ ‫أعرف هل أطل ُق ُه‬ ‫كحامم‬ ‫أم اتر ُك ُه يغفو‬ ‫ٍ‬ ‫تعب؟‬ ‫ُم ْ‬


‫َ‬ ‫الغوث ففاجأين‬ ‫ورج ْو ُت‬ ‫الباب‬ ‫وتسلل نحوي ضوء من ثقب ْ‬ ‫ضو ٌء؟‬ ‫ال ْ‬ ‫بل نو ْر غ ّال ْب‬ ‫ُخ ّفايَ خفيفانِ‬ ‫أوسع من أطرايف‬ ‫وثويب ُ‬ ‫ويدي بيضاء كغيم ْه‬ ‫وتأه ّب ُت ليك أرضبها يف عرض البح ِر‬ ‫ُ‬ ‫يقول صديقي‪ :‬ماذا ْ‬ ‫تفعل؟‬ ‫فأقول له‪ :‬ماذا تبرص؟‬ ‫ُكنّا منيش فوق الشاطئ (مثل صديقني)‬ ‫ْ‬ ‫منفصالن‬ ‫ولكنّا‬ ‫كدت ّأسمي ِه ظ ّ‬ ‫ُ‬ ‫يل‬ ‫ُ‬ ‫الس َفر ا ُملضني‬ ‫ويقول‪ :‬تبعتُك يف هذا َ‬ ‫ال ترت ْكني أميش وحدي بني الحدينْ‬ ‫الحدين‬ ‫لكني أميش مثلك بني‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫فكيف ْ‬ ‫َ‬ ‫تخاف؟‬ ‫َد ْع َك إ َذ ْن وانظ ْر‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫األصوات‬ ‫ها‪....‬‬ ‫تتكأكأ من ناحية الرشقِ‬

‫تتح ّرك ُ‬ ‫آالت ال َف ْج ِر‬ ‫ذؤابات الدنيا‬ ‫خلف‬ ‫شمس من ِ‬ ‫ِ‬ ‫وتبزغ ٌ‬ ‫ويقوم ُكساىل من مرقدهم‬ ‫الشارع ٌ‬ ‫اعناق الع َر ْ‬ ‫بات‬ ‫وتسيل عىل‬ ‫ِ‬ ‫قميص‬ ‫وفتا ٌة ذات‬ ‫ٍ‬ ‫تلمع عيناها يف الضو ِء‬ ‫تقوم وتخبط فوق الرملِ‬ ‫وتتبعني‬ ‫ُ‬ ‫كلب يلهو ويناو ُر منتظراً أن أدعو ُه‬ ‫ٌ‬ ‫فيتبعني‬ ‫طفل يحبو‬ ‫ظبيانِ وس ّيد ٌة‬ ‫القلب‬ ‫وفتى مذعور‬ ‫ِ‬ ‫بعيدُ مدى الرؤيا‪ُ ،‬يشبهني‬ ‫وأنا أتقدّم يف زحمة أيامي‬ ‫يف زحمة َسيرْ ي‬ ‫نحو ال ّله‬

‫‪2012/11/5‬‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪31‬‬


‫نصوص‬

‫عاطف بن مبارك‬ ‫ات اللِّثَام‬ ‫َذ ُ‬ ‫َس����� َوا ُد ُع��يُ��ونِ�� َه��ا شَ ��� َّد اِ ْه�� ِت�َم�اَ ِم��ي‬ ‫ِ��اص ِ‬ ‫��ط�� َب��ا ٍر‬ ‫َو آث َ������ ْرتُ ال���تَّ��� َح�ِّل�يِّ َ ب ْ‬ ‫َو لَ��� ْم آبَ����� ْه لِ��� َع�ْي�نْ ٍ َغ��ْي�رْ َ َع�ْي�نْ ٍ‬ ‫��ظ ت ُ�� ْج ِ‬ ‫فَ���� ُر َّب كَ��� ِرميَ��� ٍة بِ��ال��لَّ�� ْح ِ‬ ‫��دي‬ ‫أ َم����اجِ���� َد َة ال���بَ��� َن ِ‬ ‫���ات َع��َل�يََّ َص��ْب�رْ ًا‬ ‫ِ��س�� ْه��لٍ للتَّ َج ِّني‬ ‫فَ�َم�اَ قَ��لْ��بِ��ي ب َ‬ ‫َو َم���ا بَ��لَ�� َغ امل ُ����� َرا َد َع ِ‬ ‫���دي��� ُم َص�ْب�رْ ٍ‬ ‫���ي فيِ ُع��يُ��ونِ ِ‬ ‫��ك ط َ‬ ‫َ���ال َص�ْب�رْ ِي‬ ‫َم��� َرا ِم َ‬ ‫‪32‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫***‬

‫���ت ال��سُّ��كُ��وتَ َع�َل�ىَ ال��كَ�لامِ‬ ‫َو ال َز ْم ُ‬ ‫َع�َل�ىَ خَ���� ْو ِض ال���تَّ��� َج���ار ِِب فَ��املَ�لامِ‬ ‫تُ�����طَ�����ا ِر ُدنيِ ُم�����طَ�����ا َر َد َة ال��� ِك��� َرامِ‬ ‫ِ��ي ِم��� ْن ِح���دَامِ‬ ‫ت ُ����� َر ِّو ُح َم��ا بِ��قَ��لْ��ب َ‬ ‫فَ�� ِف��كْ��رِي ِم�� ْن ُع��يُ��ونِ ِ‬ ‫��ك فيِ ِص��دَامِ‬ ‫َو َح��الُ�� ُه ِم��ثْ ُ��ل ِف��كْ��ر َِي فيِ َسقَامِ‬ ‫فَ��بِ��ال��صَّ�ْب�رْ ِ ال�� َج�� ِم��ي��لِ أ َرى َم�� َرا ِم��ي‬ ‫ِ��ي��ت أشَ ��او ًِس��ا ط ُ‬ ‫الصيَامِ‬ ‫يمُ ُ‬ ‫ُ���ول ِّ‬


‫َم����� َر ْر ِت قُ��بَ��الَ�� ِت��ي َو ال�� ِف��كْ�� ُر َس��ا ٍه‬ ‫��ت ال��تَّ�� َج�ِّل�يِّ َ َع��ْب�رْ َ َس�� ْه��وِي‬ ‫َ��س ُ‬ ‫فَ��آن ْ‬ ‫َو بَ���ا َر ْح ِ‬ ‫���ت امل َ��كَ��ا َن كَ�� َم�� ْن َد َع���ان‬ ‫��ت ال�� ُّد َع��ا َء فَ�َم�اَ اِ ْستَطَ ْع ُت‬ ‫َو قَ��ا َو ْم ُ‬ ‫خَ���طَ��� ْوتُ ُم��� َع�َّث�رَّ ًا َو ال���بَ ُ‬ ‫���ال خَ���ا ٍل‬ ‫َو َم���ا كَ����ا َن ال��خُ��لُ�� ُّو خُ���لُ��� ّو ب��ال‬ ‫َأس���� ْم���� َرا َء امل ُ�� َح��يَّ��ا ُد ْم ِ‬ ‫�����ت كيَ ْ ال‬ ‫َ���ض َم�� َن��ا َم�� ُه ال��� ُه��� ْد ُب ال َج ِم ُيل‬ ‫أق َّ‬ ‫��س��ا ُه َرب‬ ‫��اس��يْ ُ‬ ‫��ت ال�� ُع��يُ��و َن َع َ‬ ‫تَ�� َن َ‬ ‫َع��ـ�َل�ىَ شَ ���� ْوقٍ َو َه��� ٍّم َو اِنْ�� ِت��ظَ��ا ٍر‬ ‫���ي أ َّن شَ �� ْو ِق��ي‬ ‫أغَ���� َّر ُه ِم��� ْن كَ�ل�ا ِم َ‬ ‫َو زَا َد غُ���� ُرو َر َه����ا أ َّن ال��تَّ�� َج��اف‬ ‫أال فَ��ا ْع��لَ�� ْم أيَ���ا َم��� ْن أقْلَ َقتْ ِني‬ ‫بِ��أنَّ�� َه��ا إ ْن تَ�� َع��الَ��ت بَ�� ْع�� َد ذ ٍُّل‬ ‫فَ�َم�اَ كَ���ا َن ال��كَ�لا ُم لَ��� ِو اِنْ��تَ�� َب�� ْه ِ‬ ‫��ت‬ ‫ت ُ��ر َ‬ ‫��ت ِم�� َن ال���� ِو َدا ِد‬ ‫ِي��ك إذَا َج��فَ��يْ َ‬ ‫ْ���ت ال��لَّ�� َه َربيِّ أ ْن يُ���� َدارِي‬ ‫َس���أل ُ‬ ‫َ��ق املُ�� َن�ِّسِّ‬ ‫ِّ��ي ال��قَ��ل َ‬ ‫َو يَ��� ْرفَ��� َع َع��ن َ‬ ‫َّ��ص�ُّب�رُّ َ فَ��� ْو َق َص�ْب�رْ ِي‬ ‫َو يَ�� ْر ُزقَ�� ِن��ي ال��ت َ‬ ‫ْ��ت ُم َسبِّ َب ال�� ُح�� ْزنِ َو ُمضْ ِن ْي‬ ‫َو أن َ‬ ‫َّ���اس بِ���أنيِّ‬ ‫فَ��� ُر ْح َ‬ ‫���ت ت ُ��� َح��� ِّدثُ ال���ن َ‬ ‫��ت ال��� ّذل َ‬ ‫ُ���ول َم��تَ��ى َرآن‬ ‫َو قَ��� ْد كُ�� ْن َ‬ ‫��ت ال�� َج�� ُه َ‬ ‫��ول لِ�َم�اَ نَ�� َويْ��تُ�� ْم‬ ‫َو قَ�� ْد كُ�� ْن ُ‬ ‫َو قَ��� ْد يَ ُ‬ ‫���ك فيِ َم��ضَ ��ا ِم�� ِن�� َه��ا اِ ْع�� ِت��بَ��ار‬

‫***‬

‫***‬

‫***‬

‫َم���� َر ْر ِت بِ�� َج��انِ��بِ��ي َم�� ّر َ ال�� َغ�َم�اَ مِ‬ ‫كَ�� ِق�� ْن ِ‬ ‫��دي��لٍ أضَ �����ا َء ُه فيِ ظَ�لا ِم��ي‬ ‫إلىَ تَ���� ْر ِك امل َ��ك��انِ إىل ال�� ِق�� َي��امِ‬ ‫��ت ال��� ُّد َع���ا َء إىل إ َم���امِ‬ ‫فَ��لَ��بَّ�� ْي ُ‬ ‫َو َم��ا اِ ْع��تَ��ا َد ال��خُ��لُ�� َّو َع�َل�ىَ ال��� َّد َوامِ‬ ‫َو لَ�� ِك�� َّن ال��خُ��لُ�� ًَّو َع�َل�ىَ اِنْ�� ِت��دَامِ‬ ‫أ ُم���وتَ قُ َب ْيل َِك فَال َقل ُْب َدا ِم��ي‬ ‫َو ُج��� ْد ِت بِ�� َن��ظْ�� َر ٍة زَادَتْ غَ�� َرا ِم��ي‬ ‫يُ َن ِّسي ِني ال��لِّ�� َح��ا َظ كَ�َم�اَ ال ِفطَامِ‬ ‫��ت َع�َل�ىَ اِ ْع�� ِت�� َزامِ‬ ‫َ��س ُ‬ ‫فَ�� ِف��ي َه�� َذيْ��نِ ل ْ‬ ‫أ َح َ‬ ‫����ال َح�� َي��اتيِ َ َو نَ��فَ��ى َم َنا ِمي‬ ‫َس��يُ�� ْف�ِض�يِ بِ��ال��تِّ��بَ��ا ِع إلىَ اِن ِ‬ ‫ْ��س�� َج��امِ‬ ‫ِط���� َو َال نَ��� َه���ار َِي أ ْو بَ�� ْع َ‬ ‫��ض يَ��� ْومِ‬ ‫ُ��ق ال ِعظَامِ‬ ‫��ي خُ��ل ُ‬ ‫فَ���إ َّن خَ�لا ِق َ‬ ‫ْ��ف َع�َل�ىَ ذ ِ‬ ‫ِس��� َوى َع��ط ٍ‬ ‫َات ال��لّ��ثَ��امِ‬ ‫���ت ِم�� َن ال�� ِوئَ��امِ‬ ‫َو تَ ْجفُو إ ْن أ َريْ َ‬ ‫َه����� َوا َن ِع��� َب���ا َرتيِ ُدو َن األنَ����امِ‬ ‫َج َ‬ ‫�ل�ال َم��قَ��ا ِم�� ِه َو كَ���ذَا َمقَا ِمي‬ ‫ِ‬ ‫ال��خ��تَ��امِ‬ ‫َو يَ�� ْر ُزقَ�� ِن��ي بِ��� َغ�ْي�رْ ِ ِه فيِ‬ ‫َم َس ْس َت بِ��خ ِ‬ ‫َ��اط��رِي ُدو َن اِ ْح�� ِت��شَ ��امِ‬ ‫ْ��ت َو َرا َء َح�ْض�رْ َتِ��كُ�� ْم أُ َس��ا ِم��ي‬ ‫ظَ��لَ��ل ُ‬ ‫لِ�� َب�� ْع ِ‬ ‫��ض ت َ��لَ��فُّ�� ِت��ي لَ��كُ�� ُم تُ��ضَ ��ا ِم��ي‬ ‫َو زَا َد َج َهالَ ِتي َع ْج ُس اِ ْع�� ِت�� َزامِ لِ َم ْن‬ ‫����س ال��سُّ��كُ��وتَ َع�َل�ىَ ال��� َك�ل�اَمِ‬ ‫أَنِ َ‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪33‬‬


‫نصوص‬

‫إدريس علوش‬

‫ع َ‬ ‫م ْحو‪..‬‬ ‫الصور َ َة و ُقبَّ َ‬ ‫تَأْ َ‬ ‫سر ُ‬ ‫ة ال َ‬ ‫لَ ْم ُت ْسع ْف ِن ال ِف ْكر ُة‬ ‫َكام فيِ املَ َكانِ ا ُمل ْفترَ ِض‬ ‫ل ُق ْر ِص شرَ َ ِك ا ُملوسي َقى‬ ‫وال ِعبا َر ُة َك ْ‬ ‫انت أشرْ َ َس‬ ‫ِمنْ م ْعنَى َّ‬ ‫الم‬ ‫فضة ِهب ِة ال َك ِ‬ ‫روف‬ ‫وأَ ْبجدي ِة ُح ٍ‬ ‫ها َد َن ْت سرَِّها‬ ‫َاب‬ ‫فيِ ِكت ْ‬ ‫رب – َكا َن ْت‪-‬إ َىل هَ َذيانِ‬ ‫وأ ْق َ‬ ‫َمر َك ٍب‬ ‫َتن ُقر ُه َنوا ِر ٌس‬ ‫ُت ْب ِحر فيِ ا ِّتجا ِه‬ ‫الحزين ِة‬ ‫أّ ْر َخبيل ال ِب َج ِع َ‬ ‫الج ُز ِر ا ُمل َحا ِذي ِة‬ ‫و ِم ْل ِح ُ‬

‫‪34‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫َف َّ‬ ‫الشبي ِه‬ ‫الصد ِ‬ ‫ِل َل َمعانِ َ‬ ‫حاريث ال َّرملِ‬ ‫بمِ َ‬ ‫ِ‬ ‫لَم ُت ْسعفني ال ِف ْكر ُة‬ ‫والصور ُة َك ْ‬ ‫انت أش َّد التْصا ًقا‬ ‫ِبشاش ِة ِسينام َم ْوج ٍة َجديد ٍة‬ ‫ومنْ َحاف ِة بَطلٍ َم ْذعو ٍر‬ ‫لق ِسريت ِه ال َفا ِتر ْة‪..‬‬ ‫و َق ِ‬ ‫سينا ْريو ال َّر ْغ َب ِة اآلسرِ ِة‬ ‫لس ْح ِر َ‬ ‫األ ْم ِكن ِة‬ ‫ِ‬ ‫ْاس َ‬ ‫تفاض ِمنْ ا ْبتسا َم ِة‬ ‫السيدة "كاترين دونوف"‬ ‫َّ‬ ‫التِّي أَط َّل ْت ِمنْ أب َي ِض‬ ‫وأس َو ِد‬ ‫ْ‬ ‫ستينيات َق ْرنٍ ولىَّ ‪..‬‬ ‫قات‬ ‫ِ‬ ‫ُم ْل َص ِ‬

‫عفن الف ْكرة‬ ‫و ْمل ُت ْس ِ‬ ‫َكام َح َ‬ ‫ذات امل َكانِ‬ ‫دث فيِ ِ‬ ‫عَدا َم ْوج ٍة‬ ‫وجديد ٍة َكا َن ْت‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫لَ ْم أ ُكنْ ‪ -‬أ َنا ‪َّ -‬‬ ‫الش ِاهدُ‬ ‫آخ ُر منْ ىَرث ُك ْرسي ِه اآلث ِري‬ ‫ات ِسينام " َما َكايل"*‬ ‫فيِ َردَهَ ِ‬ ‫وا ْنتَىش َساعتَها‬ ‫فردات ُص َّو ٍر ر ِاس َخ ٍة‬ ‫بمِ ُ ِ‬ ‫فيِ أَ ْتر َب ِة ال َّذا ِكر ِة‬ ‫و َبالغ ِة أَ ْر ِص َف ٍة‬ ‫َتداع َْت فيِ َحواشيِ الن ِّْسيانِ‬ ‫وا ْنسا َب ْت َتتهاوى ُم َد َّرجة ً‬ ‫يف َس َّل ِة ُق َّبع ِة املَّ ْح ِو‪.‬‬


‫محمد أحمد بنيس‬ ‫ٌ‬ ‫خيال بال طريق‬ ‫ينأى املكان‬ ‫مثل باخرة جريحة‪،‬‬ ‫ويبقى وجهي عالقا يف الظالم‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫رسالة يف الطريق‪،‬‬ ‫وحني ال ينتبه أحد‬ ‫تعود عذراء إىل الهاتف‪.‬‬ ‫ما الذي يحدث عىل الجانب اآلخر‪،‬‬ ‫وال يرتك خلفه غري يابسة‬ ‫تخرج مذعورة من الشاشـة‪..‬؟‬

‫الحياة أرهقها وجهي املتح ِّد ُر‬ ‫من الخريف‪،‬‬ ‫حتى إذا انتصفت‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫أزحت ما تبقى عن طريقي‪.‬‬ ‫هنا‪ ،‬يف األسفل ال يخطئ‬ ‫أحد طريق الفرشاة‬ ‫حليب الليل‬ ‫إىل ِ‬ ‫ال أعرف ‪..‬‬ ‫كيف سال ذلك رسيعا‪...‬‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪35‬‬


‫نصوص‬

‫ابراهيم قازو‬ ‫على قيد الحب‬

‫(‪)1‬‬ ‫سأذهب بعيدا‬ ‫يك أراك‬ ‫عن قرب‪!..‬‬ ‫(‪)2‬‬ ‫عيل أن أشذب‬ ‫روحي جيدا‬ ‫يك أعرب يف أمان‬ ‫هذا الجرس‬

‫‪36‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫إليك‪!..‬‬ ‫(‪)3‬‬ ‫قريبا من النافذة‬ ‫يف غيابك‬ ‫أستجدي‬ ‫بعض هواء‪!..‬‬ ‫(‪)4‬‬ ‫ابق بعيدا‬

‫أيها األىس‬ ‫ابق بعيدا‬ ‫إنها قادمة‪!..‬‬ ‫(‪)5‬‬ ‫يف غيابك‬ ‫أستحرض همسك‬ ‫يك أكون‬ ‫(‪)6‬‬ ‫يلزمني الكثري‬


‫من هواء القصائد‬ ‫يك أبقى‬ ‫عىل قيد الحب‬ ‫(‪)7‬‬ ‫نومي تاه‬ ‫يف صحراء‬ ‫غيابك‪!..‬‬ ‫(‪)8‬‬ ‫أنت‬ ‫يف قميص الغياب‬ ‫أبهى‪..‬‬ ‫أيها الحب‪!..‬‬ ‫(‪)9‬‬ ‫حبك‬ ‫مظلة القلب‬

‫يف رأيس‬ ‫(‪)12‬‬ ‫هذه الليلة‬ ‫نكاية بالعامل‪..‬‬ ‫سأقطع الطريق جهة الصباح‬ ‫مبا لدي عنكمن قصائد‬

‫(‪)15‬‬ ‫كعباد الشمس‬ ‫‪..‬أميل بحثا عن ضوئك‬ ‫فمتى ترشقني‬ ‫(‪)16‬‬ ‫عطرك‪..‬‬ ‫طريقي إليك !‬

‫(‪)13‬‬ ‫حني ينام الشعراء‬ ‫تقل نسبة الحب‬ ‫يف رشايني‬ ‫‪..‬العامل‬

‫(‪)17‬‬ ‫جسدي صحراء‪..‬‬ ‫وليديك‬ ‫وجه الربيع !‬

‫(‪)14‬‬ ‫يف الحب‪..‬‬ ‫نحن سواسية‬ ‫كقصائد الهايكو‬

‫(‪)18‬‬ ‫عندما تضحكني‬ ‫تنمو جوار القلب‬ ‫وردة !‬

‫(‪)10‬‬ ‫أيها العميان‪..‬‬ ‫أشعلوا قناديل‬ ‫الحب‪!..‬؟‬ ‫(‪)11‬‬ ‫أقول ‪:‬‬ ‫أحبك‪..‬أحبك‬ ‫حتى يسقط‬ ‫آخر صنم‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪37‬‬


‫نصوص‬

‫د‪ .‬خالد عبد الرؤوف الجبر‬

‫(‪)1‬‬

‫ٌ‬ ‫بيوت نامئات‪...‬‬ ‫ُ‬ ‫تمَ ُ‬ ‫البيوت إذا شا َقها سا ِكنُوها‬ ‫وت‬ ‫و َتكت ُُم أرسا َرها‪،‬‬ ‫للسنُو ُنو‪/‬‬ ‫َّ‬ ‫ثم ُتفضيِ ِبهَا ُّ‬ ‫البيوت إذا لَم ُي ِج ْئهَا املَ َخ ُ‬ ‫ُ‬ ‫تمَ ُ ُ‬ ‫اض‬ ‫وت‬ ‫إلىَ أ َّولِ الن َّْخلِ ‪...‬‬ ‫ُتل ِقي َوسا ِئدَها للفر ِاغ‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫كأن ا ّلذينَ أ َو ْوا َ‬ ‫ذات عُ م ٍر إليهَا‪،‬‬ ‫هُ نا‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫لَ ْم يكو ُنوا‪/‬‬ ‫ُ‬ ‫البيوت‪،‬‬ ‫َكام سا ِكنُوها‪...‬‬ ‫َباح ُة‪،‬‬ ‫ِحكايا ُتنا املست َ‬ ‫ِف ْك َر ُتنا عن برا َء ِتنا‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫والطفولَ ُة‪،‬‬ ‫َيو ًما ُت ِّ‬ ‫كش ُف عَنْ َسا ِقها‪،‬‬ ‫و َت ُخ ُ‬ ‫ون‪/‬‬ ‫ُ‬ ‫البيوت‪،‬‬ ‫ا ّلتي لَ ْم ُترق ِر ْق َع َلينا الدُّ موعَ ‪،‬‬ ‫كوت‪،‬‬ ‫بالس ِ‬ ‫ُتر ِّم ُم ُجدرا َنها ُّ‬ ‫الحيا ُء‪ ،‬ألي َق َظها ال َغ َجريُّ عىل َح ْف َن ٍة من‬ ‫ولَ ْوال َ‬ ‫بات‪...‬‬ ‫ُس ٍ‬

‫‪38‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫وأو َر َقها ُح ْل ُمها املس َت ِكنيُ‪/‬‬ ‫ُ‬ ‫البيوت‪ ،‬ا ّلتي روا َد ْتها األرا ِئ ُك‪،‬‬ ‫نا َم ْت‪،‬‬ ‫الفيض‪...‬‬ ‫َتخ َّل ْت ع َِن‬ ‫ِ‬ ‫ها َم ْت عىل َو ْج ِهها‪ ،‬واسرت َاح ْت؛‬ ‫ألن ال َب َ‬ ‫َّ‬ ‫امت ان ِتحا ٌر بطي ٌء‪،‬‬ ‫ساط َة يف الك ِل ِ‬ ‫ّ‬ ‫ألن اح ِتفا َء ا ُملغنِّي‬ ‫يكون‪ ،‬وما ال َي ُك ُ‬ ‫بمِ َا َق ْد ُ‬ ‫ون‪...‬‬ ‫ُج ُ‬ ‫نون‪/‬‬ ‫ُ‬ ‫وح ِه‬ ‫املهاج ِر من ُر ِ‬ ‫البيوت ار ِتطا ُم َ‬ ‫َاب‪،‬‬ ‫بال ِعت ِ‬ ‫اح ِتفا ُء ّ‬ ‫الشوا ِر ِع َ‬ ‫وات‪،‬‬ ‫بالخ َط ِ‬ ‫التّثنِّي‪،‬‬ ‫التّمنِّي‪،‬‬ ‫ال ّتأنيِّ ‪،‬‬ ‫التّها ُف ُت ب َ‬ ‫تات‪،‬‬ ‫ني ال ُف ِ‬ ‫ُّ‬ ‫الظ ُ‬ ‫نون‪/‬‬ ‫فاف َخ ُج ٌ‬ ‫اصط ٌ‬ ‫ُ‬ ‫َبات‪،‬‬ ‫ول عىل ال َعت ِ‬ ‫البيوت ِ‬ ‫ُتفت ُِّش عَنْ وج ِههَا فيِ املَزَا ِد‪،‬‬ ‫َوال تتَف َّي ُأ ُظ َّلتَها‪...‬‬ ‫َواليقنيُ‪/‬‬


‫السن ُني‬ ‫ع�لى لِ��مَّ�� ِة ال�� ُع��م�� ِر تَ��ْب�رْ ِي ِّ‬ ‫ك����أنَّ����ا‪ ،‬و َع����ّم���اّ ُن ال تَ����ر َع����وِي‪،‬‬ ‫مل�����اذا يُ����را ِوغُ����ه����ا ُم�� ْن��تَ��ه��اه��ا‪،‬‬ ‫ُ��وس َع���نِ ال��لَ�� َح ِ‬ ‫��ظ��ات‬ ‫ن َ‬ ‫ُ��س�ِّل�يِّ ال��نُّ��ف َ‬ ‫��ض ا ْح�� ِت��ف��ا ٍء‬ ‫���س بِ���عَ�ّم�اّ َن بَ�� ْع ُ‬ ‫ألَ��� ْي َ‬ ‫ِّ��ل فَ��ج�� ًرا‬ ‫���س لَ��ه��ا َم��� ْن يُ��كَ��ح ُ‬ ‫ألَ��� ْي َ‬ ‫َوليِ ِف ِ‬ ‫��س يَ��خْ��فَ��ى‪ ،‬ولك ْن‬ ‫��ي��ك م��ا لَ��يْ َ‬ ‫َوقَ������� ْر ٌح تَ��خ��لَّ��لَ�� ِن��ي م��ن�� ُذ ُع�� ْم�� ٍر‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ��ري��ف‬ ‫م���وس��� ُم ه���ذا ال��خ‬ ‫و َع��ّم��اّ ُن‬ ‫ِغ���ن���ا ُء امل ُ��غ��نِّ��ي‪ ،‬وم����وتُ املُ��غ��نِّ��ي‬

‫َ���ص خُ��طَ��اه��ا‬ ‫أتَ���اه���ا فَ���تَ���اه���ا‪ ،‬ف���ل َّ‬ ‫َّ��ت‬ ‫َّ���ت َو َس��ل ْ‬ ‫َّ���ت‪ ،‬فَ��� َزل ْ‬ ‫َّ���ت و َم���ل ْ‬ ‫تَ��� َول ْ‬

‫�ين‬ ‫ويُ��لْ��بِ��كُ�� َن��ا ب��ال��نَّ��واي��ا ال�� َح�� ِن ُ‬ ‫���ي��ن!‬ ‫���س���ا ِو ُرن���ا ب���ال��� ُح��� َدا ِء األَنِ ُ‬ ‫يُ َ‬ ‫وال يَ��تَ��ب�� َّدى َع��لَ��ي��ه��ا ال��شُّ�� ُج��ونُ؟‬ ‫ويُ���غْ���رِي بِ�� َن��ا يف يَ�� َدي��ه��ا ال��سُّ��كُ��و ُن‬ ‫�ي�ن؟‬ ‫يُ���ح��� ِّدثُ أخ��� َب���ا َره���ا‪ ،‬أو يُ��� ِب ُ‬ ‫ب��ألْ�� َح ِ‬ ‫��اظ��ه��ا كيَ ْ ت َ��� َرا َه���ا ال�� ُع��ي��ونُ؟‬ ‫��ي�ن‬ ‫طَ���� َوتْ���� ُه ال�� َح�� َن��اي��ا‪ ،‬وسرِ ٌّ َد ِف ُ‬ ‫و ُج������� ْر ٌح تَ����وا َرث َ���� ِن����ي ال يَ��� ُه���و ُن‬ ‫�ين‬ ‫وشَ ��� ْوكَ��� ُة ُع��م��رِي الَّ�� ِت��ي ال ت َ��لِ ُ‬ ‫وقُ�� ْب��لَ��تُ�� ُه امل ُ�� ْن��تَ�� َه��ى‪ ،‬وال��فُ��تُ��و ُن‬ ‫�ين‬ ‫وأ ْد َركَ�����ه�����ا ِم��� ْن��� ُه م���ا ال يُ�� ِع ُ‬ ‫َ���ص���ونُ؟‬ ‫فَ�م�اذا تُ��ري�� ُد‪ ،‬وكَ��يْ َ‬ ‫��ف ت ُ‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪39‬‬


‫نصوص‬

‫(‪)2‬‬

‫املحبسني‬ ‫ره ُني‬ ‫َ‬ ‫(مع أيب‪ُ ...‬‬ ‫حيث ال هُ دى)‬ ‫اه ِدين إن َ‬ ‫شئت‪...‬‬ ‫أع َمى؛‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ّرب الطويلِ ‪/‬‬ ‫أغنياتيِ مل تؤ ْب من َسك َر ِة الد ِ‬ ‫َّ‬ ‫ضل سعيي ب َ‬ ‫البدايات‪...‬‬ ‫ني ُطوفانِ‬ ‫ِ‬ ‫هت َ‬ ‫انت َب ُ‬ ‫اآلن‪،‬‬ ‫أع َمى؛‬ ‫ُ‬ ‫ُّ‬ ‫يؤوب الليل منهُ‪...‬‬ ‫درب ال ُ‬ ‫كل ٍ‬ ‫يصطفي ِني ُ‬ ‫كالخيولِ ‪/‬‬ ‫هل جنَى ّ‬ ‫حظي ع َّ‬ ‫يل؟‬ ‫ا ُملنتَهى يا صاح ِبي ٌّ‬ ‫ظل؛‬ ‫أعتاب ّ‬ ‫حظي‪،‬‬ ‫ولكنِّي‪ ،‬عىل ِ‬ ‫رج َ‬ ‫ون فيِ الدّه ِر البخيلِ ‪/‬‬ ‫ُأش ِب ُه ُ‬ ‫الع ُ‬ ‫مستحييل‪...‬‬ ‫ُ‬ ‫نديقُ‬ ‫املارق‪ ،‬ال ِّز ‪ ،‬ب ّياعُ األمانيِ ‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫واقف د َ‬ ‫ُون اكتامليِ املستحيلِ ‪/‬‬ ‫آ ُك ُل َ‬ ‫الليل غري ًبا‪...‬‬ ‫حاف ًيا؛‬ ‫أجتاب ما ُيلقي ِه يف ُرو ِعي الهُدى َسلوى‬ ‫ُ‬ ‫وأذ ُرو يف اللياليِ ما ُيخ ِّبي ِه َرحييل‪/‬‬ ‫ُ‬ ‫كنت أع َمى‪...‬‬ ‫ِظ ْل ُت أع َمى‪...‬‬ ‫وكل ُ‬ ‫وال َعمى وح ِدي ُّ‬ ‫الك ِّل؛‬ ‫السنو ُنو راودَت ِني عن كال ِمي ا ُمل ِّر‪،‬‬ ‫ال ُ‬ ‫درب ُّ‬ ‫درب الجليلِ ‪/‬‬ ‫أو ُ‬ ‫ُ‬ ‫لست منِّي‪...‬‬ ‫لست َ‬ ‫ُ‬ ‫منك‪...‬‬ ‫كل ما َّ‬ ‫ُ‬ ‫الحرف يج ُفو َّ‬ ‫خط الفتى بح ًثا‬

‫‪40‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫عن ال ِّذكرى‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫َع ِم ًّيا عن َسبيلِ ‪/‬‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َباح‪...‬‬ ‫كان محفو ًفا َعماَ يَ املست ُ‬ ‫ثم تغ ُفو‪...‬‬ ‫ال ّر ُ‬ ‫يح ته ُفو ّ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫الخلقُ‬ ‫يحثون الفراغ املك َتسىَ ‪،‬‬ ‫والنُّو ُر َ‬ ‫أخطا‪،‬‬ ‫بختم الالدليلِ ‪/‬‬ ‫جا َء ممهُو ًرا ِ‬ ‫ِح ْر ُت‪...‬‬ ‫ُخذنيِ من َي ِدي ِّ‬ ‫للظل‪،‬‬ ‫أرشدْين إ َّيل‪...‬‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫الليل ال يه ِدي وال ُيهدَى‪،‬‬ ‫ً‬ ‫بسلِّ‬ ‫الص ِ‬ ‫َك َمن أحيا ُه ُ‬ ‫وقع ّ‬ ‫وت مشنوقا ُ‬ ‫العشق‪...‬‬ ‫ِ‬ ‫موجوعَ الهديلِ ‪/‬‬ ‫ُ‬ ‫ّرب أخطو‪...‬‬ ‫الم الد ِ‬ ‫يف َظ ِ‬ ‫القلب ُ‬ ‫أخطو‪...‬‬ ‫ظالم ِ‬ ‫يف ِ‬ ‫ُ‬ ‫ِّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫نات‪:‬‬ ‫كريات املثخ ِ‬ ‫وأخ ُّط الذ ِ‬ ‫ِّ‬ ‫الش ْل َو يت ُلو ِظ َّلهُ؛‬ ‫ات َخصرْ ِ الليلِ‬ ‫أع َمى عىل حا َف ِ‬ ‫َت ْق ُفونيِ ُفلوليِ ‪/‬‬ ‫اإلنصات لل َفوضىَ ‪ ...‬أنا‪،‬‬ ‫هَ دأ ُة‬ ‫ِ‬ ‫ِح َّد ُة تسآليِ عن ال ِفت َي ِة وال َك ْه ِف و ُرو َما‪...‬‬ ‫الس ْ‬ ‫وأ َنا أسئل ُة املارِقِ من ِّ‬ ‫ؤال‬ ‫ظل ُّ‬ ‫ُ‬ ‫أحمل الجم َر ِس ْ‬ ‫الل‬ ‫وحي‪...‬‬ ‫و ِندا ُء‬ ‫األبيض يف مرآ ِة ُر ِ‬ ‫ِ‬ ‫مت‪،‬‬ ‫بالص ِ‬ ‫ُم ْولَ ٌع َّ‬ ‫جاس ُّ‬ ‫كالطلولِ ‪/‬‬ ‫ٍ‬


‫عبداملجيد الرتيك‬ ‫تعويذة‬ ‫ي��ا ُم��ط�� ِع��م��ي يف غ��ي��ـ��ر مسغبـ ٍة‬ ‫ي��ا ق��ات��ل��ـ��ي وامل���ـ���وتُ يس ُك ُننـي‬ ‫ٌ‬ ‫م���ا ع���اد يب‬ ‫ش����وق إل��ـ��ى وج��ـ��عٍ‬ ‫َ��ت‬ ‫أن���ا ‪ ..‬ي��ا أن���ا ‪ ..‬أس���ط���ور ٌة تُ�� ِرك ْ‬ ‫م��ـ��ن ذا يُ��ش��ذِّب��ن��ـ��ي فأخيِلـتـي‬ ‫أب����دو ك��م��ـ��ا األم���ـ���وا ِج ُمبتهجـاً‬ ‫ِ‬ ‫ج���ـ���وف م��ح��ب��ـ��ر ٍة‬ ‫ك��ق��ص��ي��د ٍة يف‬ ‫وأن����ت ت��ز ُج�� ُرين‪:‬‬ ‫ح����ب ‪..‬‬ ‫َ‬ ‫ي��ا م��ن أُ ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫ك��ن��ت خم َرت َها‬ ‫ك����ؤوس‬ ‫���ل ع��ن‬ ‫َس ْ‬ ‫َ‬ ‫وس����لِ ال��ضُّ ��ح��ى ع��ن ل���ونِ أُغ��ن��ي�� ٍة‬ ‫َ‬ ‫زل���ت أذكُ���ـ��� ُر ُع���ـ��� ْر َي ن��اف��ـ��ذ ٍة‬ ‫م��ا‬ ‫ُ‬ ‫ظ����امٍ أُق���طِّ���ـ��� ُر ف��ي��ـ��ك ذاك��رت��ـ��ي‬

‫��س�� ِك��ري وأن��ـ��ا بـه ثمَ ـــــِ ُـل‬ ‫ي��ا ُم ْ‬ ‫��ـ��ل‬ ‫َّ��ـ��ت ال�� ُّر ُس ُ‬ ‫م��ن قبـل أن ت��ت��أق َ‬ ‫ي��ط��ه��ـ��و م��واج��ي��ـ��دي وي��ن�� َد ِم��ـ��ل‬ ‫مب��س��ام��ـ��عِ األك����ـ����وانِ‬ ‫تنتـقـل‬ ‫ُ‬ ‫ق��د دا َخ يف تفصيلهـا ال�� َج��ـ�� َد ُل‬ ‫وب���داخ�ل�ي م��ـ��ن ِم��ل ِ‬ ‫ْ��ح��ه��ـ��ا ج�� َب��ـ ُ��ل‬ ‫ت��ل��ه��و ب��ه��ـ��ا األق���ـ�ل�ا ُم وال�� ُج�� َم��ـ��ل‬ ‫��ـ��ل‬ ‫وأن���ـ���ت ت��ح��ت�� ِف ُ‬ ‫إين أم���ـ���وتُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫البطـل‬ ‫ُ‬ ‫��ن��ب��ي��ك أنِّ��ـ��ي األ ْج�� َب��ـ�� ُن‬ ‫تُ‬ ‫بقلـب ال��لَّ��ي��ـ��لِ‬ ‫تبتهـل‬ ‫ُ‬ ‫ك��ان��ـ��ت‬ ‫ِ‬ ‫مكتـمـل‬ ‫ُ‬ ‫كُ��ن��ـَّ��ا ب��ه��ـ��ا وال��ب��ـ��د ُر‬ ‫��ـ��ل؟‬ ‫فمتى إىل ن��ب��عِ املُ��ن��ـ��ى ِأص ُ‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪41‬‬


‫نصوص‬

‫محمد منصور‬ ‫ٌ‬ ‫الخيانة‬ ‫تعريف‬ ‫فصل في‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫“إذا علمت علماً ال ض َّد له‪،‬‬ ‫وجهلت جهال ال ض َّد له‪،‬‬ ‫األرض‪،‬‬ ‫فلست من ِ‬ ‫وال من السامء‪”..‬‬ ‫املواقف واملخاطبات ال ِّن َّفري‬

‫(‪)1‬‬ ‫علم َ‬ ‫عن اآلخرينَ ضا َق ْت َ‬ ‫انشغلت بذا ِت َك ِض َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫تك‬ ‫عليك وحدتك‪ ..‬وكلام‬ ‫ك َّلام‬ ‫قت باآلخرين‪ ..‬فلقد َّ‬ ‫بحثت ِ‬ ‫غصن َ‬ ‫التجرب ُة أنه ال فائد َة ُترتجى من أيِّ تجرب ٍة‪ُّ ..‬‬ ‫سقط ْت وال أيَّ مثر ٍة‬ ‫تعلم من أيِّ‬ ‫كل تجرب ٍة أشب ُه بنبت ٍة ال ُ‬ ‫ٍ‬ ‫ستخرج منها‪..‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫تذك ْر ‪-‬فقط‪ -‬ح َ‬ ‫تقاطع طرقٍ ‪ ،‬وال مجال لالختيا ِر‪ ..‬وحدَهَ ا الصدفة هي التي‬ ‫ليست إال‬ ‫ني تبدأ َّأن النهاية‬ ‫َ‬ ‫أ َت ْت ِب َك إىل هنا‪ ،‬ووحدها الصدف ُة هي التي ُ‬ ‫ستأخ ُذ َك إىل هناك‪ ..‬كاملرأ ِة الخائن ِة التي عندما اقتنعت‬ ‫قس َم ْت ْأن َ‬ ‫َ‬ ‫وتخون عُ َّشا َقهَا حتى‬ ‫لروحهَا‬ ‫تعيش وفي ًة ِ‬ ‫للمر ِة األوىل‪ -‬بقيم ِة الوفا ِء اتهمها عاش ُقهَا بالخيان ِة‪ ،‬فأَ َ‬‫الثاملة‪..‬‬ ‫(‪)2‬‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫تخرج ِمنَ الحشو ِد ممتلئًا بهم‪..‬‬ ‫ال‬ ‫تدخل يف الوحد ِة وحدك‪ ..‬وال ْ‬ ‫وأمسك الخيالِ من قد َم ْي ِه وارض ْب ُه رض َب َتينْ ِ‬ ‫يصلح إال يك ِّ‬ ‫تسمع َ‬ ‫بكلامت بارد ٍة‪ ،‬وتعلقه عىل‬ ‫حتى‬ ‫تؤط َرهُ‬ ‫ٍ‬ ‫رصخ َتهُ‪ ..‬فرمبا َولَد َْت قصيد ُت َك خياال ميتًا؛ ال ُ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫وكنت تظنُّ الغبا َر سحا ًبا ُ‬ ‫ني عا ًما‪َ ،‬‬ ‫جدا ِر وحد ِتك مرآ ًة ال ترى فيها إال وجهَك الذي مل َت َرهُ منذ ثالث َ‬ ‫يكلل‬ ‫بالشيب‪..‬‬ ‫وجه ََك‬ ‫ِ‬ ‫ال َت ُكنْ َ‬ ‫ذاتك‪ ،‬ولو ملر ٍة واحد ٍة‪ ،‬لتويص أح َبا َب َك‪ ،‬ولو ملر ٍة واحد ٍة‪:‬‬ ‫ال تقطعوا شجر ًة‪ ،‬وال تقتلوا ً‬ ‫شيخا‪ ،‬وال تخونوا ذئ ًبا‪..‬‬ ‫والذئاب أنيا ُبهَا التي ُ‬ ‫ُ‬ ‫تنهش خائنيها‪..‬‬ ‫والشيوخ ذكريا ُتهَا‪،‬‬ ‫فاألشجا ُر عظا ُم الحيا ِة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫شيخا لو َ‬ ‫وأنت الوحيدُ الذي ُ‬ ‫وتقتل ً‬ ‫َ‬ ‫يخون وصايا ُه ح َ‬ ‫عاش ثاني ًة‬ ‫املوت حتى ال ُتث ِم َر أموا ًتا‪..‬‬ ‫تقطع شجر َة ِ‬ ‫ني ُ‬ ‫ُ‬ ‫نفس َك يك تنه َ‬ ‫نفس َك‪ ،‬وترى‬ ‫واحد ًة لقتله أبناؤه للحصولِ عىل األ ِّم‪ ،‬وأصيبوا بلعن ِة عباد ِة املايض‪..‬‬ ‫َش َ‬ ‫وتخون َ‬ ‫واضحا يف مرآ ِة وحد ِت َك التي تؤط ُر َو ْجه ََك ُ‬ ‫منذ ثالث َ‬ ‫ني عا ًما‪..‬‬ ‫غ َري َك ً‬

‫‪42‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫ماجد رقيبة‬

‫عن أرض السواد المخ َّددة بالعالمات‬ ‫‪،‬وتقول‪ :‬لع َّلها ٌ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫سنة قادمة‪ ،‬ومل‬ ‫ترتجف‪ ،‬وأنت متز ُِّق غفلت ََك‬ ‫هل َس ِم ْعتَها يف البيت‪ ،‬وهي تعوي؟ كا َن ْت القراب ُني‬ ‫تستمع لك‪ ،‬أو أي أحد‪ ،‬يف الفناء الض ِّيق ا ُملترْ َع بالفراشات الربيعية‪ ،‬و ُق ْل َت حينها‪ :‬أج ِّرب ربيعاً كهذا‪ ،‬لعليّ أصل إىل‬ ‫ْ‬ ‫تلتفت إىل األعىل‪..‬‬ ‫مكمن الرغبة‪ ،‬ومل‬ ‫تلك األوراق َّ‬ ‫امللطخة بالدهشة‪ ،‬والطيور النامئة‪ ،‬وكم كانت مش َّذبة‪ ،‬ومفصلة عىل التوجع‪ ،‬والوقوف أمام املرآة‬ ‫املع ّلقة عىل الباب‪!..‬‬ ‫ال أثر‪ ،‬وال عصافري‪ ،‬وال شمس متوسطية‪َّ ،‬‬ ‫منظفة من املِ ْلح عىل الجدران‪ ،‬وثرثرة الو َّناسات‪ ،‬يف الطابق الثاين‪ ،‬حيث‬ ‫برأس َك عىل غروب أرجوا ّين‪،‬‬ ‫تُشرْ ِ ُف ِ‬ ‫َّ‬ ‫اقب تراجيديا املساء‪ ،‬املتك ّررة عىل مرأى كائنات ّ‬ ‫هشة‪ ،‬هنا‪ ،‬وهناك‪..‬‬ ‫يتقطر يف عني امرأة يف الثامنني‪ُ ،‬تر ُ‬ ‫كم َد َعت َْك الغريزة ْ‬ ‫ألن تضع رأسك برفق‪ ،‬عىل صدرها‪ ،‬وتطارد هيكل الورق املتهاوي آخر العام‪ ،‬معها‪ ،‬بصحبة‬ ‫األوهام القدمية‬ ‫وتلم ْس َت درباً إىل الت ّفاح الذي َي ْه ِط ُل عىل‬ ‫وماذا لو رأ ْي َت ال َب ْح َر من هذه الرشفة؟ هذا السور املخ َّول باملايض دامئاً‪َّ ،‬‬ ‫شمس حرير َّي ٍة تحفر لعابها عىل الجدران‪ ،‬وإىل َندَىً ‪ّ ،‬‬ ‫يرف عىل الشاطئ‪ ،‬هناك‪ ،‬حيث يستع ّد ال َع َر ُق‬ ‫األرض‪ ،‬إىل ٍ‬ ‫الس َّلم‪،‬‬ ‫لكتابة حياة موزارت‪ ،‬يف املدرسة‪ ،‬واألنامل لالحتفاء بفنجان قهوة‪ ،‬عىل ُ‬ ‫ْ‬ ‫حينها‪ ،‬تدرك قيمة الوقت‪َّ ،‬‬ ‫كل الحنان‪ ،‬الن ُُذ َر الغريبة‪ ،‬املذ ّكرات التي ُتفهم فقط‪ ،‬وال ُتكتَب‪ .‬كل يشء‪ ،‬كل يشء‬ ‫حينها يبدو بعيدًا‪ ،‬كفكرة بعيدة‪ ،‬‬ ‫ٍّ‬ ‫مكتظ بالعالمات املز َّيفة‪ ،‬و ُتريها املدن الحافية عىل ال َّن ْهر‪ ،‬‬ ‫حينها تعو ُد نحوها بصد ٍر متشنِّج‪ ،‬ووج ٍه‬ ‫صوت ِّ‬ ‫َ‬ ‫حسنات املتف ِّرجني‪ ،‬‬ ‫الط ْفلِ املع َّلق بالنافذة‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫وقيمة الربيع يف ل َغطٍ كاملٍ كهذا‪...‬‬ ‫الرسومات‪ :‬فهد خليف‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪43‬‬


‫رأي الناقد‬

‫دعوة لألصوات اإلماراتية‬

‫بدهي‪ ،‬أن ثورة االتصاالت واملعلوماتية‪ ،‬تركت آثارها‪ ،‬عىل نحو‬ ‫واضح‪ ،‬يف مجاالت الحياة‪ ،‬عامة‪ ،‬ومن بينها املشهد الثقايف‪ ،‬حيث‬ ‫حدثت تغيريات كربى يف هذا املجال‪ ،‬وألقت هذه التأثريات‬ ‫بظاللهاعىل العالقة بني املبدع واملتلقي‪ ،‬من جهة‪ ،‬وبني امل��دع‬ ‫ونصه‪ ،‬من جهة أخرى‪ ،‬وهوما يجب استقراؤه‪ ،‬وتفهمه بالشكل‬ ‫املطلوب‪ ،‬قبل إطالق أي حكم قيمة نهايئ يف أحد مفردات الحالة‬ ‫اإلبداعية‪ ،‬والسيام الشعرمنها‪ ،‬حيث بات هناك من يرى أن الحبل‬ ‫الرسي الذي كان يربط ثالثية اإلبداع‪ :‬النص‪-‬الناص‪-‬املتلقي‪ ،‬قد‬ ‫ولعل هؤالء‬ ‫تراخى‪ ،‬ومل يعدله األثرالذي كان معروفاً من قبل‪َّ ،‬‬ ‫يذهبون يف تقوميهم إىل أن املشهد الشعري العام‪ ،‬يف تراجع‪ ،‬كام‬ ‫أن هناك ما ميكن وسمه ب”االنقطاع الجييل”‪ ،‬وهي مبجملها‬ ‫آراء مبداة من أجل تسجيل مقاربة لواقع الشعريَّة‪ ،‬يف ظل هذه‬ ‫التطورات الكربى التي يشهدها العامل كله‪.‬‬ ‫يديل الفريق األول‪-‬هنا‪ -‬بوجهة نظره‪ ،‬من خالل الرتكيزعىل مسألة‬ ‫افتقاد تلك «النصوص الكربى» التي كانت تعد أمهات القصائد‪،‬‬ ‫حيث كان الشعراء الكبار ينتجون نصوصهم‪ ،‬فرتتقي هذه القصائد‬ ‫الفريدة إىل مستويات عليا‪ ،‬مرموقة‪ ،‬حيث النزال نتذكر قصائد‬ ‫بعض هؤالء«وميكن االستشهاد هنا بالشاعرين محمود درويش‬ ‫وسليم بركات كأمنوذجني»‪ ،‬بيد أننا مل نعد نجد مثل تلك القصائد‬ ‫االستثنائية‪ ،‬الفريدة‪ ،‬التي ترتك دويها يف الساحة األدبية‪ ،‬بل إنها‬ ‫مل تفقد قيمتها اإلبداعية‪ ،‬فالتزال لها سطوتها‪ ،‬وألقها‪ ،‬وسحرها‪.‬‬ ‫بينام يتناول الفريق الثاين‪ ،‬مستوى آخر من العملية اإلبداعية‪،‬‬ ‫إذ ينرصفون إىل الحكم عىل دورة الشعرية‪ ،‬من خالل تقوميهم‬ ‫للخ ِّط البياين لها‪ ،‬عىل ضوء اعتبارهم‪ ،‬أن التجييل انتهى مع نهاية‬ ‫‪44‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫العقداألخري‪ ،‬من األلفية املاضية‪ ،‬وإن كان بعضهم يرى أن هذا‬ ‫االنقطاع مل يتم عىل نحو نهايئ‪ ،‬عىل اعتبار أن العقد األول من‬ ‫األلفية الجديدة‪ ،‬استمر‪ ،‬بيد أنه افتقد ألق األجيال السابقة عليه‪.‬‬ ‫إن مثل هذين الرأيني‪ ،‬يف حقيقتهام انفعاليان‪ ،‬إذ يتجاهالن جملة‬ ‫التغيريات التي متَّت‪ ،‬يف البنية الثقافية‪ ،‬عامة‪ ،‬واليزاالن يتجاهالن‬ ‫استقراء املشهد‪-‬كامالً‪-‬إذ أن هذه التغيريات الهائلة التي متت‪،‬‬ ‫لها تأثريها الحقيقي‪ ،‬وليس أدلَّ عىل مثل هذا الكالم من أن‬ ‫القصيدة‪-‬يف ماقبل‪-‬كانت تنرشيف أوعية نرش محددة‪ ،‬وتقرأ‪-‬كذلك‪-‬‬ ‫يف منابر محددة‪ ،‬بيد أن األمر اختلف‪-‬اآلن‪-‬عىل نحو جذري‪ ،‬يف‬ ‫ظل شبكة التواصل االجتامعي‪ ،‬التي تعد صفحاتها باملليارات‬ ‫“مواقع إلكرتونية‪-‬فيسبوك‪-‬تويرت‪......‬إلخ”‪ ،‬ناهيك عن امللتقيات‬ ‫اإللكرتونية‪ ،‬التي ميكن ألي شاعرأن يدعو‪-‬بوساطتها إىل أمسية‬ ‫عاملية‪-‬يتابعها من يشاء يف قارات العامل أجمع‪.‬‬ ‫من هنا‪ ،‬فإن عدم تواصل أعداد كبرية‪ ،‬من الشعراء الجدد‪ ،‬مع‬ ‫وسائل النرشالواقعية‪ ،‬بات أمرا ً مفروضاً‪ ،‬ألن األسامء الجديدة‪،‬‬ ‫باتت تتوجه مبارشة‪ ،‬بعيد انتهائها من كتابة نصها اإلبداعي‪ ،‬إىل‬ ‫نرشها‪ ،‬عرب أقنيتها االفرتاضية‪ ،‬وذلك خالل مجرد جزء من الدقيقة‪،‬‬ ‫فحسب‪ ،‬بينام كان نرشقصيدة شاعر كبري‪ ،‬من قبل‪ ،‬يحتاج إىل‬ ‫وقت طويل‪ ،‬قد يتع َّدى أسبوعاً زمانياً‪ ،‬يف الحاالت العادية‪ ،‬ولهذا‬ ‫فإن الشَّ اعرالجديد‪ ،‬باتت له طقوسه الخاصة‪ ،‬يف التواصل مع‬ ‫جمهرات قرائه‪ ،‬أينام كانوا‪.‬‬ ‫هذه الطبيعة الجديدة‪ ،‬يف العالقة بني املبدع ونصه‪ ،‬مضت بالنص‬ ‫اإلبداعي‪ ،‬ليصل إىل آفاق جديدة‪ ،‬ويتواصل مع قراء جدد‪ ،‬مل‬ ‫يكونوا من عداد جمهوره السابق‪ ،‬بل إن دائرة هؤالء اتسعت عىل‬


‫دعوة‬

‫مليارات القراء‪ ،‬عىل سطح املعمورة‪ ،‬ماجعل النصني‪ ،‬يقدمان‬ ‫بالطريقة نفسها‪ ،‬بل رمبا متكن النص الرديء أن يقدم نفسه‪،‬‬ ‫بقوة‪ ،‬أكرب‪ ،‬سواء أكان ذلك عىل صعيد توفري الرتويج والنرش‪،‬‬ ‫أوطريقة التواصل مع املتلقي‪ ،‬وهوما بات يشكل خطرا ً كبريا ً عىل‬ ‫العملية اإلبداعية‪ ،‬وهي مسألة جد خطرية‪ ،‬البد من االنتباه إليها‪،‬‬ ‫وقرع األجراس‪ ،‬من أجل العمل الجاد‪ ،‬لتمييز الخيطني‪ :‬األبيض‬ ‫واألسود‪ ،‬بل إن هذا األمر ليع ُّد مهمة أوىل عىل عاتق الغيارى عىل‬ ‫وأس الحضارة األول ‪.‬‬ ‫اإلبداع‪ ،‬بصفته روح أي شعب ّ‬ ‫وهكذا‪ ،‬فإن الحاجة إىل النقد باتت اآلن ج ّد كبرية‪ ،‬ألنه منذ‬ ‫بداية الوعي اإلنساين‪ ،‬وحتى هذه اللحظة‪ ،‬مل تشهد الذاكرة‬ ‫الكتابية‪ ،‬تراكامً نصياً‪ ،‬كام تشهده‪-‬اآلن‪-‬منذ متكن أدوات االتصال‬ ‫اإللكرتونية‪ ،‬تقديم هذا الكم ِّ اللحظي من املدونات‪ ،‬حيث بتنا‪-‬‬ ‫يف مواجهة‪ -‬مصادر تلويث للجامل‪ ،‬وتشويه اإلبداع‪ ،‬وبات التنطع‬ ‫لهذا التخريب الشامل ض َّد الذائقة‪ ،‬مهمة كربى أمامنا جميعاً‪.‬‬ ‫وتأسيساً عىل ما تقدم‪ ،‬فإننا سنحاول من جهتنا‪ ،‬ومنذ العدد‬ ‫القادم‪ ،‬تقديم قراءة نقدية إلحدى املجموعات اإلبداعية‪ ،‬أوألحد‬ ‫النصوص الشعرية الالفتة‪ ،‬يف كل عدد‪ ،‬عىل أن نعنى باألسامء‬ ‫الجديدة‪ ،‬وتلك النتاجات التي مل تنل حقها من الضوء‪ ،‬وذلك‬ ‫بهدف تأسيس حوار نقدي‪ ،‬بل إعادة االعتبار إىل النقد‪ ،‬بعد‬ ‫أن تضاءل دوره‪ ،‬ومل يتمكن من أن يكون يف مستوى الطوفان‬ ‫الكتايب‪ ،‬بالرغم من وجود أصوات نقدية عالية‪ ،‬ضمن دورة النقد‬ ‫اإلبداعي‬

‫نحو كبري‪ ،‬وبهذا فإن أعداد متلقيه‪ ،‬مل تنحرس‪ ،‬بل إنه سجل نقلة‬ ‫عاملية يف عالقته مع قرائه‪ .‬إال أن مرور حوايل عقد ونيف عىل النقلة‬ ‫التي سجلتها ثورة االتصاالت‪ ،‬اعتامدا عىل لحظة بدء العالقة بني‬ ‫الفرد العادي‪ ،‬وإنجازات هذه الثورة‪ ،‬أكَّد أن أوعية النرشالورقية‪،‬‬ ‫كانت حاضنة لها كاريزماها الخاصة‪ ،‬بالنسبة إىل الثالثية املشارإليها‪،‬‬ ‫حيث أن النص يف إهاب هذه الوسيلة هو واقعي‪ ،‬ينبض بالحياة‪،‬‬ ‫وميوربالحركة‪ ،‬وأن جاملياته تصل املعني بالعملية اإلبداعية‪ ،‬من‬ ‫دون أي تلكؤ‪ ،‬ناهيك عن أن الثورة التي هدمت كل الحدود‪،‬‬ ‫أوصلت النص اإلبداعي‪ ،‬إىل أمداء وآفاق ج ّد بعيدة‪ ،‬مسجلة‬ ‫فتوحاتها الكربى‪ ،‬يف التجسري مع قراء افرتاضيني‪ ،‬إالأن النص‬ ‫اإلبداعي يفتقد الكثري من ألقه الطبيعي‪ ،‬وبات يضيع يف هذا‬ ‫الفضاء الشسيع‪ ،‬بال َّرغم من تحقيقه االنتشاراألكرب‪ ،‬وكمثال شاخص‬ ‫عىل مثل هذا الكالم‪ ،‬فإننا النزال نلجأ إىل املجموعة الشعرية‬ ‫املطبوعة «كغريها من الكتب» ونستمتع بقراءتها‪ ،‬هذه املتعة التي‬ ‫نكاد نفتقدها يف قراءتنااإللكرتونية‪ !..‬ولقد ارتأينا يف«بيت الشعر»‬ ‫أن نستعيد‪ ،‬ونواصل‪ ،‬تقليد أ َّمات املجالت ووسائل النرش الورقية‪،‬‬ ‫يف التجسريبني األصوات اإلبداعية الجديدة يف اإلمارات العربية‬ ‫املتحدة ومتلقيها‪ ،‬من خالل تسليط الضوء عىل تجاربها‪ ،‬سواء‬ ‫أكانت مجموعات شعرية صادرة‪ ،‬أونصوصاً منفردة‪ ،‬وذلك انطالقاً‬ ‫من إحساسنا‪،‬يف أرسة املجلة‪ ،‬أن هناك أصواتاً إبداعية مه َّمة‪ ،‬تواصل‬ ‫حفرها اإلبداعي‪ ،‬سواء أكان عرب وسائل النرش الواقعية‪ ،‬أواالفرتاضية‪،‬‬ ‫بيد أن هناك عقبة كأداء‪ ،‬تقف يف وجه وصولها‪ ،‬ولعل حاجة هذه‬ ‫األعامل اإلبداعية إىل النقد أمر رضوري‪ ،‬ألن ثورة االتصاالت التي‬ ‫يف انتظار نتاجاتكم‬ ‫وفَّرت لإلبداع فضاء واسعاً‪ ،‬من الحرية‪ ،‬وت ّم كرس قيود النرش التي‬ ‫املحرر‬ ‫كانت تحول دون وصول هذا اإلبداع إىل متلقيه‪ ،‬منحت الفرصة‬ ‫ميكن التواصل عىل الربيد اإللكرتوين التايل‪bashir@cmc.ae :‬‬ ‫للنصني‪ :‬اإلبداعي والرديء‪ ،‬يف آن‪ ،‬يك يكونا عىل موعد يومي مع‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪45‬‬


‫ً‬ ‫نظريا‬

‫‪.‬‬

‫صبحي حديدي‬ ‫‪.............................................................................................................‬‬

‫أموال الحداثة‬

‫‪ ،‬الغربية منها بصفة محددة‪ ،‬ليست سلسلة أساليب وأشكال وت ّيارات ونتاجات وشخصيات‪ ،‬يف األدب والفنون‬ ‫والتنظري؛ بل هي‪ ،‬كذلك‪« ،‬مؤسسة» متكاملة‪ ،‬تجارية ومالية واستثامرية‪ ،‬وقفت وراء ممثّيل الحداثة‪ ،‬وح ّولت‬ ‫أعاملهم إىل بضاعة‪ ،‬والبعض ال يرتدد يف اعتبارها صناعة‪ ،‬قابلة للرتويج بهذه الطريقة أو تلك‪ .‬واملؤسسات عىل هذا الطراز ميكن أن تبدأ‬ ‫من املجلة التي تنرش القصيدة‪ ،‬إىل دار النرش التي تطبع املجموعة الش��عرية‪ ،‬دون أن تنتهي عند أهل املال واألعامل الذين الح يف طور‬ ‫مح ّدد أنهم نظروا إىل أعامل الحداثة نظرتهم إىل منافع جمع اللوحات والتُ َحف واملجموعات النادرة‪.‬‬ ‫كت��اب لورانس راييل‪« ،‬مؤسس��ات الحداثة‪ :‬ال ُنخب األدبية والثقاف��ة العامة»‪ « ،‬ينطوي عىل مراجعة جذري��ة للتناقضات العديدة التي‬ ‫حكمت عالقة الحداثة مع الش��ارع العريض‪ ،‬والقارىء العريض؛ ومع الذائقة الس��ائدة‪ ،‬والثقافة العامة» عىل وجه التحديد‪ .‬عىل س��بيل‬ ‫املث��ال‪َ ،‬م��ن الذي نرش قصيدة ت‪ .‬س‪ .‬إليوت «األرض اليباب» للم ّرة األوىل‪ ،‬وملاذا؟ و َمن الذي قرأها‪ ،‬وهل قفزت أرقام املبيعات بس��بب‬ ‫القصيدة؟ وما املبلغ املايل الذي قبضه إليوت لقاء نرش القصيدة‪ ،‬وملاذا كان أعىل من أ ّي مبلغ قبضه شاعر آخر يف ذلك الزمان؟ أليس من‬ ‫الطريف أن نعرف‪ ،‬يف واحدة من أكرث حكايات الكتاب إثارة وداللة‪ ،‬أ ّن الشاعر خاض مفاوضات طويلة حول ما يستحقه من مكافأة لقاء‬ ‫نرش القصيدة‪ ،‬وأنه كاد أن يرصف النظر عن نرشها بسبب خالف مايل ال يتجاوز مئة دوالر أمرييك؟‬ ‫يف ترشي��ن األ ّول (أكتوب��ر) ‪ ،1922‬نُرشت قصي��دة إليوت يف مجلتَينْ ‪ :‬اإلنكليزي��ة ‪ Criterion‬واألمريكية ‪ ،Dial‬قب��ل أن تظهر يف كتاب‬ ‫مس��تقل‪ ،‬حمل للم ّرة األوىل رشوحات إليوت التوضيحية‪ .‬وال حاجة لتكرار ما هو معروف من حقائق حول أثر القصيدة يف تس��جيل أكرب‬ ‫ّ‬ ‫يصح أن نعرفه‪ ،‬يف املقابل‪ ،‬هو‬ ‫انتصارات الحداثة الش��عرية‪ ،‬وال األس��باب التي أتاحت نرش القصيدة يف أوروبا والواليات املتحدة معاً‪ .‬ما ّ‬ ‫الت��ايل‪ :‬مل��اذا مل تُنرش القصيدة حيث كان ينبغي أن تُنرش أ ّوالً‪ ،‬أي يف اثنتني من أبرز الدوريات الحاضنة للحداثة آنذاك‪ ،‬اي ‪Vanity Fair‬‬ ‫و‪Little Review‬؟‬ ‫فقرة واحدة يف رس��الة إليوت إىل س��كوفيلد ثاير ـ صاحب مجلة ‪ ،Dial‬وتاجر التُحف واللوحات‪ ،‬واملستثمر يف ميدان الف ّن واألدب‪ ،‬وأكرب‬ ‫[الخاص بنرش «األرض اليباب» يف‬ ‫منافيس املجالت الحداثية ـ توضح بعض السبب‪« :‬لقد أعطيت لنفيس بعض الوقت للتفكري يف عرضك‬ ‫ّ‬ ‫املجلة]‪ ،‬وخالل هذا الوقت سمعت من مصادر موثوقة أنكم دفعتم مبلغ ‪ 100‬جنيه اسرتليني إىل جورج مور مقابل قصة ق��رية‪ ،‬وأعرتف‬ ‫أ ّن هذا حفّزين عىل رفض عرضكم املتمثل يف ‪ 150‬دوالرا ً لقاء قصيدة رصفت عاماً كامالً يف كتابتها‪ ،‬وهي عميل األضخم»‪.‬‬ ‫ورغ��م أ ّن إزرا باون��د كان يعمل يف املجلة‪ ،‬وتع ّرض بالتايل لضغط مبارش من ثاير ج ّراء موقف صديقه إليوت‪ ،‬فإ ّن األخري واصل مفاوضاته‬ ‫املالية الش��اقة مع مجموعة ‪ ،Dial‬حتى نجح أخريا ً يف الحصول عىل املبلغ الذي اعتربه مناس��باً لقصيدة رصف سنة كاملة يف كتابتها! وإذا‬ ‫كان ح��رص إلي��وت ع�لى حقوقه املالية ال يُدهش كثريا ً يف ذات��ه‪ ،‬إ ْذ هو الوضع املنطقي يف الواقع‪ ،‬فإ ّن ن�برة التفاوض الباردة حول عمل‬ ‫إبداعي مرشح ملوقع حجر الزاوية يف الحداثة الشعرية‪ ،‬هي التي لفتت انتباه رايني‪« :‬مل تكن املؤسسات هي وحدها ناقلة القصيدة‪ ،‬بل‬ ‫أصبحت القصيدة ذاتها ناقلة للمؤسسات»!‬ ‫امل��ال ق��د يرعى الحداثة األدبية‪ ،‬م��ا مل تقرتب هذه من عتبة مواجهة الجمهور العريض؛ ولقد فه��م الحداثيون هذا األمر عىل نحو بارع‬ ‫متاماً‪ ،‬مماّ أفس��ح مجاالت ش��تى لوالدة مفهو َمي «الحداثة الرفيعة» و»الحداثة الوضيعة»؛ أو‪ ،‬يف تنويع آخر أكرث لباقة‪« ،‬حداثة النخبة»‬ ‫ولعل الدرس األكرب وراء هذه الثنائيات‪ ،‬االفرتاضية غالباً‪ ،‬هو التايل‪ :‬إذا ص ّحت املزاعم حول حيوية االس��تقالل الذايت‬ ‫و«حداثة الش��عب»‪ّ .‬‬ ‫األصح أن توضع املزاعم ذاتها يف ميزان واحد مع حقيقة أ ّن «الذائقة االس��تثامرية»‬ ‫ّ‬ ‫للنص‪ ،‬ورضورة تح ّرره من الذائقة الش��عبية؛ فإ ّن من ّ‬ ‫لل ُرعاة املم ِّولني‪ ،‬قد تتحكّم أيضاً‪ ،‬وبق ّوة‪ ،‬يف صياغة وإنتاج العمل الف ّني‪ ...‬ذاته‪ ،‬الباحث عن االستقالل!‬

‫الحداثة‬

‫‪46‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫قضية‬

‫ترجمة الشعر‬ ‫خيانة النص أم ترويض اللغة؟‬

‫الفنان آدم حنني‬

‫تظهر الترجمة الوعي العميق لخصوبة اللغة بمختلف األلسنة‪ ،‬والتوجهات الجمالية واإلبداعية والكتابية من‬ ‫منطق ثقافة الضيافة بشساعتها ورحابتها المشرعة على ضخ دماء جديدة في متخيل اإلبداع اإلنساني‪.‬‬ ‫بهذا المعنى‪ ،‬ال تعدو الترجمة‪ -‬وترجمة الشعر تحدي ًدا‪ -‬نقالً لنص من لغة ألخرى‪ ،‬بل‪ ،‬للترجمة في هذا السياق‬ ‫هجرتها التي تتأسس بمنطق المغامرة‪َ ،‬‬ ‫وتعِ ُد بالدخول في حضرة المضايق والفخاخ لتعلن عن تحديها ألي‬

‫خسارات محتملة فيما يتعلق بنقل اللغة عن طريق الخيانة‪ ،‬أو الترويض‪ ،‬أو المصاحبة‪ .‬إنها كيمياء المخيلة‬ ‫ً‬ ‫أبدا‪.‬‬ ‫التي تصنع كينونة اإلبداع الكوني لتبتهج اإلنسانية بإرث اإلبداع والكتابة بمحبة ال تشيخ‬

‫إن الترجمة تكتشف السر المحجوب‪ ،‬والغبطة المستورة بغمامة شفافة‪ ،‬والمستترة بظل ينبت بين اللغة‬ ‫َ‬ ‫والمترجم‪ ،‬في تقاطعات بهية مسنودة بألق االنفتاح‬ ‫وتمثالتها‪ ،‬وتعري العالئق الملتبسة بين النص األصلي‬ ‫والمقاومة‪.‬‬

‫د‪.‬أحمد الدمناتي‬

‫كيف يستطيع املرتجِم(ة) الدخول يف حوار مع نص آخر طرحنا هذا عىل مجموعة من املبدعات واملبدعني ممن‬ ‫من لغة مختلفة‪ ،‬وهل تغيب الذات املرتجِمة عن النص تقاطعت لديهم تجربة الكتابة اإلبداعية بهموم الرتجمة‪.‬‬ ‫ترجمة الشعر هل هي خيانة أنيقة للنص‪ ،‬أم ترويض‬ ‫املرت َجم يف مراحل الرتجمة؟‬ ‫اللغة ب ُدربة املرتجم(ة) للبحث عن ضيافة متخيل آخر‬ ‫هل النص ينفتح بسهولة ويرس‪ ،‬أم يبدي مقاومته‬ ‫يُغني حركية اإلبداع اإلنساين‪ ،‬ويفتح آفاق اشتغاله عىل‬ ‫ومتنعه؟‬ ‫هل هناك خيار معريف أو جاميل يعلنه املرتجِم (ة) لحظة كينونة لغة بال حدو ٍد وال ت ُخومٍ تستهدي بنور ال َبصرَ ِ‬ ‫البدء يف عملية الرتجمة مبا هي استقطاب واستضافة للغة والبَ ِصري ِة متنحها الذاكرة لروح الكلامت والنصوص؟‬ ‫أخرى ملغارات اللغة العربية املشتعلة بفوانيس متخيلها التحقيق يجيب عىل بعض األسئلة الشائكة‪ ،‬ويهب نفسه‬ ‫إلضاءة بعض مسالكها املعتمة‬ ‫الخصيب ومعجمها الشاسع والرحب؟‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪47‬‬


‫قضية‬

‫الفيلسوف جاك دريدا‪« :‬ال يحيا النص إالّ إذا بقي ودام‪.‬‬ ‫وهو ال يبقى ويتفوق عىل نفسه؛ إالّ إذا كان يف الوقت‬ ‫ذاته قابالً للرتجمة وغري قابل‪ .‬فإذا كان قابالً للرتجمة قبوالً‬ ‫تا ّماً؛ فإنه يختفي كنص وكتابة وجسم للغة‪ .‬أ ّما إذا كان‬ ‫غري قابل للرتجمة كلّ ّية‪ ،‬حتى داخل ما نعتقد أنه لغة‬ ‫واحدة؛ فإنه رسعان ما يفنى ويزول»؛ فاملرتجم تأسيساً عىل‬ ‫األصح مبدع يف اللغة»‬ ‫هذا «مبدع يف لغة أخرى‪ ،‬أو عىل‬ ‫ّ‬ ‫السالم بن عبد العايل يف‬ ‫حسب اسرتسال املفكّر املغريب عبد ّ‬ ‫السالفة‪ ،‬ث ّم استطراده مضيئاً إشكال ّية‬ ‫تفسريه لقولة دريدا ّ‬ ‫الرتجمة والتباساتها املتشابكة؛ حتى استنتاجه»‪ ..‬تغدو‬ ‫الرتجمة لعنة ورحمة يف الوقت ذاته!»‬ ‫أجل‪ ..‬فالرتجمة لعنة؛ لوصمة «الخيانة» املالحقة لها دوماً؛‬ ‫ْ‬ ‫جالل زن َكابادي‬ ‫حيث يستحيل استنساخ املنت املوجود يف لغة املصدر‪ ،‬أو‬ ‫الترجمة اإلبداعيّة خيانة‬ ‫محاكاته محاكاة تا ّمة يف لغة الهدف؛ الختالف اللغتني يف‬ ‫خصوص ّياتهام املعجم ّية والنحويّة واللفظ ّية وغري ذلك كثري‪،‬‬ ‫في منتهى األمانة‬ ‫عرب أربعني عاماً من ترجمة مئات القصائد عن بضع لغات حتى لو كانتا من أرومة واحدة‪ ،‬ويف الوقت نفسه رحمة؛‬ ‫لتخفيفها الكثري من وطأة «بلبلة األلسنة» عىل البرشيّة‪،‬‬ ‫إىل اللغتني العربية والكرديّة وعن الكردية إىل العربية‬ ‫بجسور الحوار التي تشيّدها‪ ،‬حتى لو ملْ تبلغ غاية الكامل‪.‬‬ ‫توصلت إىل قناعة أن الشعر الحافل بالصور‬ ‫وبالعكس؛ ّ‬ ‫املجسدة لألحاسيس واألفكار العميقة‪ ،‬هو القابل للرتجمة‪ ،‬ما أشبه أغلب الرتجامت املنظومة «القريض ّية» برسير‬ ‫ّ‬ ‫بروكروست؛ مادام املرتجم امللتزم بالقريض يحدوه ه ّم‬ ‫بل هو عني الشعر الحقيقي‪ ،‬والذي معياره الصمود أمام‬ ‫انجاز»كالم موزون مقفّى يفيد معنى» يف لغته املستقبلة‪،‬‬ ‫الرتجمة‪ ،‬يف حني ال يفلح القريض أو النص القائم عىل‬ ‫األلعاب اللغوية البهلوانية يف اجتياز امتحان الرتجمة‪ ،‬حيث أ ّما مدى دقة نقله ملعنى املنت األصيل‪ ،‬فهو ثانوي يف عرفه!‬ ‫وطاملا يضط ّر املرتجم؛ من أجل عيون الوزن والقافية إىل‬ ‫ال يبقى منه غري كالم عادي جدا ً‪ ،‬ويستحيل بعد الرتجمة‬ ‫استخدام مفردات موحشة وحتى مقرفة مثل‪« :‬قرقف»‬ ‫طاووساً منتوف الريش! وهذا الرأي طبعاً بالضد من رأي‬ ‫الشاعر روبرت فروست القائل بضياع الشعر عند الرتجمة! و»رصخد» بدالً عن‪ :‬راح‪ ،‬شمول‪ ،‬صهباء‪ ،‬حم ّيا ومدام‪..‬‬ ‫بالعكس من النصوص الضحلة التي تنفق بعد أول قراءة‪ ،‬كام فعل حتى الصايف النجفي األملعي يف ترجمته لرباعيّات‬ ‫الخيّام‪.‬‬ ‫تظل النصوص األدبية اإلبداعية العميقة حيّة تثري العديد‬ ‫ّ‬ ‫وال يخلو أكرث من نصف ترجامت الخيّام‪ ،‬من ه ّنات وزالّت‬ ‫تظل قابلة‬ ‫من التفاسري والتآويل‪ ،‬مهام تقادمت‪ ،‬بحيث ّ‬ ‫يف فهم معاين متون العديد منها‪ ،‬ومن الحذف والحشو‬ ‫لتعددية القراءة تلقّياً ونقدا ً‪ ،‬بل قابلة أيضاً لتعددية‬ ‫والتحوير حد االبتعاد كثريا ً عن أصولها الفارسية‪ ،‬بل‬ ‫الرتجمة حتى إىل اللغة الواحدة‪ ،‬ويف مختلف األزمنة؛‬ ‫والفصام أحياناً! كام لو أنها رباعيّات منظومة تحت‬ ‫و من أدلّتنا الساطعة‪ :‬ملحمة كَلكَامش ‪ /‬األوبانيشاد‪/‬‬ ‫تأثري الخيّام! ولذا فهي مضلّلة ال تجدي يف دراسة أفكار‬ ‫األوذيسه لهومريوس‪ /‬كتاب التاو لالوتيس ‪ /‬الكوميديا‬ ‫الخيّام والحكم عىل فلسفته‪ ،‬كام ال تجدي للرتجمة عنها‬ ‫اإلله ّية لدانتي ‪ /‬غزل ّيات حافظ الشريازي ‪ /‬دونكيخوتيه‬ ‫«كوسيطة» إىل لغات أخرى‪ ،‬ولو تُر ِج َمت إىل الفارس ّية‬ ‫رسفانتس ‪ /‬بعض مرسحيات شيكسبري‪ /‬وبعض روايات‬ ‫دستويفسيك‪ .‬ويحرضنا بشأن هكذا نصوص راقية تشخيص «دون تنويه»؛ ملا تع ّرف اإليران ّيون عىل (‪ )25%‬منها‬ ‫‪48‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫ترجمة الشعر‬

‫بصفتها رباعيّات خيّام ّية!‬ ‫يظل كالمي رهن التجريد؛ سأوجز رأيي النابع من‬ ‫وليك ال ّ‬ ‫مسرييت الرتجميّة املتواضعة منذ أربعني عاماً مابني اللغتني‬ ‫الكرديّة والعرب ّية‪ ،‬ث ّم الرتجمة إليهام عن اللغات‪ :‬الفارس ّية‪،‬‬ ‫اإلنكَليزيّة‪ ،‬اإلسبان ّية‪ ،‬والرتك ّية اآلذريّة؛ لطرح البديل الناجع‪.‬‬ ‫فعند ترجمتي للقريض «الشعر املنظوم» كمثل «رباعيّات‬ ‫الخيّام» واجهتني إشكاليّة الرتجمة عن الفارسيّة إىل‬ ‫العربيّة «وهام غري متقاربتني عائليّاً‪ ،‬لك ّنهام متجاورتان‬ ‫ثقاف ّياً‪ -‬حضاريّاً»؛ فقد اضطررت إىل اختيار طريق‬ ‫الصارم» و»النرث الفضفاض» وهو‬ ‫يتوسط «القريض ّ‬ ‫ّ‬ ‫الذي استدرجني إىل املزج بني البحور الثالثة «املتدارك‪/‬‬ ‫الخبب‪ ،‬الرجز واملتقارب» حتى أقىص األوجه «الجوازات‪/‬‬ ‫الزحافات» املمكنة‪ ،‬وال أظنني أ ّول من ميزج بني بحرين‬ ‫وأكرث؛ فقد سبقني الكثريون منذ عقود طويلة‪ ،‬بل منذ‬ ‫قرون‪ ...‬لك ّن ما آزر مسعاي هو العالّمة الدكتور كامل أبو‬ ‫ديب الذي ما برح يحدوين باجتهاده التنظريي والتطبيقي‪-‬‬ ‫التحلييل منذ عقود‪ ...‬ومع ذلك ملْ أنعت ترجمتي بـ‬ ‫«املنظومة» إنمّ ا بـ «املنثومة» املازجة بني النظم والنرث‬ ‫املسجوع؛ ما دمت ملْ ألتز ْم التزاماً أرثدوكس ّياً باستخدام‬ ‫كل بحر عىل حدة؛ طبعاً إلياليئ االهتامم برتجيح أولويّة‬ ‫ّ‬ ‫نقل املعنى عىل االنصياع لجامل املبنى‪ .‬ومن هنا أعتقد‬ ‫أ ّن املزج بني البحور املذكورة ينطوي عىل إمكانات جديدة‬ ‫هائلة لرفد البنية اإليقاعيّة لـ «الشعر املنثوم» حيث‬ ‫ويجسد رؤيته ورؤياه‬ ‫يكون يف وسع الشاعر أن يستحرض‬ ‫ّ‬ ‫املتالحمتني دون التفريط بالجرس واإليقاع الرضوريني‬ ‫للشعر‪ ،‬مع تاليف االنزالق يف النرثيّة املنفلتة الفضفاضة؛‬ ‫ما دامت «التجربة الجديدة تبحث لنفسها باستمرار عن‬ ‫بنى إيقاعيّة وتركيبيّة جديدة‪ ،‬كام حدث يف زمن مقارب‪،‬‬ ‫يف عمل ّية نشوء املوشّ ح وتط ّوره‪ ،‬وكام حدث ‪ ،‬بعد قرون‬ ‫من الثبات‪ ،‬يف اكتناه بنى إيقاع ّية جديدة يف الشعر‬ ‫العريب الحديث‪ ،‬بدءا ً من الريادات الرومانتيكيّة «جربان‪،‬‬ ‫عريضة‪ ،‬شعر املهجر مثالً» وانتهاء بالشعر الح ّر وقصيدة‬ ‫النرث املعارصة» عىل ح ّد استقصاء الدكتور كامل أبو ديب؛‬ ‫الكتساب ظهور «الرباع ّية» وتبلورها يف الرتاث الشعري‬ ‫العريب داللته اإليقاع ّية [مع تعديل التسميتني «الشعر الحر‬ ‫إىل شعر التفعيلة»‪ ،‬و»قصيدة النرث إىل الشعر الحر» ج‪.‬ز]‬

‫وهذا ما فعلته أيضاً يف ترجمة «مرثية خورخيه مانرييك‬ ‫ألبيه» عن اإلسبانية إىل العربيّة‪ .‬ومن املؤ ّمل إنجاز ترجمة‬ ‫منثومة لـ «حيدر بابا سالماً» للشاعر اآلذربايجاين شهريار‬ ‫إىل العرب ّية‪.‬‬ ‫فإن «الرتجمة املنثومة» هي طريقتي يف ترجمة القريض‬ ‫«الشعر املنظوم»‪ ،‬أ ّما طريقتي يف ترجمة «الشعر الح»‬ ‫فهي «ح ّرة» ويالزمني فيها ه ّم التوفيق بني حرفيّة املنت‬ ‫وروحيّته؛ إلنجاز ترجمة ف ّنيّة ذات أقىص شعريّة ممكنة‪،‬‬ ‫عرب االقتصاد يف استخدام املفردات قدر املستطاع‪ ،‬وانتقائها‬ ‫انتقا ًء دقيقاً؛ بغية التعبري بدقّة وعمق عن جوهر املنت‬ ‫«املصدر» وشحن الرتجمة باملوسيقى الداخليّة واإليقاع؛‪،‬‬ ‫إن اللغتني العربيّة والكرديّة ثريتان جدا ً يف مجال الرتجمة‬ ‫الشعريّة بالذات مقارنة بأبرز اللغات العاملية؛ ففي اللغة‬ ‫العرب ّية توجد بضع مفردات مرتادفة للخوف بتدرجاته‪:‬‬ ‫وجل‪ ،‬خشية‪ ،‬رهبة‪ ،‬رعب‪،‬‬ ‫فزع‪ ،‬هلع‪ ،‬ذعر‪ .‬وهذا الرثاء‬ ‫يخيرّ املرتجم لينتقي اللفظة‬ ‫المترجم يجب‬ ‫معنى و موسيقى‬ ‫املناسبة ً‬ ‫أن يجيد ويتقن‬ ‫ومبنى» وبذلك يفلح‬ ‫«محتوى‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫اللغتين «المصدر‬ ‫املرتجم املتم ّرس القدير يف أن‬ ‫يشعرن حتى ترجمته النرثيّة‪ .‬والهدف» وأن يكون‬ ‫ويجب أالّ ننىس أ ّن عىل املرتجم محيط ًا بثقافتيهما‬ ‫أن يتغيّا «أالّ تبدو القصائد‬ ‫ومتعمق ًا فيهما‪،‬‬ ‫املرتجمة كأنّها أجنب ّية‪ ،‬إنمّ ا كأنّها‬ ‫ومتأصلة ومن المفضل جد ًا‬ ‫مولودة يف تلك اللغة‬ ‫ّ‬ ‫أن يكون شاعراً‬ ‫فيها» كام أكّد فراي لويس‬ ‫دو لني‪.‬‬ ‫وطبعاً من نافل القول أن‬ ‫املرتجم يجب أن يجيد ويتقن اللغتني «املصدر والهدف»‬ ‫وأن يكون محيطاً بثقافتيهام ومتعمقاً فيهام‪ ،‬ومن املفضل‬ ‫جدا ً أن يكون شاعرا ً؛ فالحدس الشعري خري معني للمرتجم‬ ‫الشاعر أو الشاعر املرتجم؛ ألن أغلب املرتجمني «م ّمن‬ ‫ليسوا بشعراء» تجيء ترجامتهم فضفاضة ركيكة و‬ ‫متخشّ بة‪ .‬لكنام يف الوقت نفسه يسبب كون املرتجم شاعرا ً‬ ‫مشكلة غري متوقعة‪ ،‬أال وهي خطورة هيمنة شخص ّيته‬ ‫الشعريّة عىل شخصيّته الرتجميّة‪.‬‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪49‬‬


‫قضية‬

‫أحمد لوغليمي‬

‫يب ال َ‬ ‫اق ال َ‬ ‫اس ِتر َ ُ‬ ‫صي َد ِة‬ ‫ْ‬ ‫ق ِ‬ ‫لب ِل َو ِج ِ‬ ‫ق ِ‬ ‫ت َ ْر َج َم ُة الشِّ ْع ِر لَيْ َس ْت تمَ ْرِي ًنا أَكَا ِدميِيًّا َعنِ ال َع َرا ِقيل ال َّن ْح ِويَّة‪،‬‬ ‫َوالَ « ِفيلُولُو ِجيًّا» يَتَ َس َّق ُط الترَّ ْكِيبَ َة اللُّ َغ ِويَّةَ‪َ .‬و َسيَبْقَى‬ ‫َم ْح ُض َعبَ ٍث البَ ْحثُ َع ْن بَل َْسمٍ لِلْ ُخ ُرو ِج ال ِّن َهائيِِّ ِم ْن َمأْزِقِ‬ ‫اإلِشْ كَاال َِت الجَماَ لِ َّي ِة‪َ ،‬و ُم َحا َولَ ُة ت َشْ ِخ ِ‬ ‫يص األَبْ َعا ِد املُتَ َع ِّد َد ِة‬ ‫لِلإْ ِبْ َدا ِع ِب َجالَفَ ِة امل َ َنا ِه ِج امل َ ْد َر ِس َّي ِة‪.‬‬ ‫َ‬ ‫يش‬ ‫تَ ْر َج َم ُة الشِّ ْع ِر ُمكَابَ َد ٌة لِ َف ْه ِم ِه‪َ ،‬وت َ ْقرِيبًا َعيْ ِش ِه؛ أ ْن ت َ ِع َ‬ ‫الق َِصي َد َة كَتَ ْج ِربَ ٍة قَرِيبَ ٍة ِم ْن ُمكَابَ َد ِة الشَّ ا ِعرِ‪ .‬كيَ ْ يَكُو َن ل ََك‬

‫بهيجة مرصي إدلبي‬

‫كتابة جديدة للنص‬

‫‪50‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫َذلِ َك‪ ،‬يَ ْك ِف َيك أَ ْن تَ ُحو َز َذلِ َك الق ِ‬ ‫َاس َم امل ُشْ ترَ َ َك َم َع الشَّ ا ِعرِ؛‬ ‫التَّ َدلُّ ُه بِال َكلِ َم ِة‪ ،‬قَل ُْب ِطفْلٍ َد ِه ٍش إِزَا َء ال َعالَمِ ‪َ ،‬وأَ ْن تَتَ َحلىَّ‬ ‫السا َعاتيِِّ إِ ْذ يمَ ُِيل ِبأُ ْذنِ ِه لِ ُي ِصي َخ لِ َه ِف ِ‬ ‫يف ال َب ْن ُدو ِل‪،‬‬ ‫بِان ِْح َنا َء ِة َّ‬ ‫َ‬ ‫أَ ِي ا ِإل ْر َه ِ‬ ‫اف لِ َح أْم ِة ال َّن ِّص َوكَاتِ ِب ِه‪.‬‬ ‫َه َكذَا ت َ ُح ُ‬ ‫ول الترَّ ْ َج َم ُة ِم ْن ِخيَانَ ٍة أَنِي َق ٍة إِلىَ َوفَا ٍء َم ْع ُسو ِل‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫اح‬ ‫ت‬ ‫م‬ ‫ر‬ ‫م‬ ‫أ‬ ‫‪.‬‬ ‫ة‬ ‫د‬ ‫ي‬ ‫َص‬ ‫ق‬ ‫ال‬ ‫ِيب‬ ‫ج‬ ‫و‬ ‫ل‬ ‫ْب‬ ‫ل‬ ‫ق‬ ‫ال‬ ‫ِق‬ ‫َس‬ ‫ن‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫الصفَا ِء‪ِ ،‬حي َماَ ْ ترَ‬ ‫َّ‬ ‫َ ٌْ َُ ٌ‬ ‫َ َ‬ ‫ُوب َو َسالِكيِ ِ‬ ‫الح ِّس‪.‬‬ ‫لأِ َ ْهلِ ال ُقل ِ‬ ‫الشَّ ا ِع ُر بمِ َا أَنَّ ُه َخ ِب ُري ت َ ْع ِبريٍ بِا ْم ِت َيازٍ‪َ ،‬و ُم َر ِّو ُض َع َو ِاط ٍف ب ِِخبرْ َ ِة‬ ‫امل ُ ْم ِس ِك بِال َّراب ِِض َخل َْف الالَّ َو ْص ِف‪َ ،‬صائِ ُد االِنْ ِف َعاال َِت‬ ‫الطَّائِ َر ِة‪ِ ،‬ب ِإ ْمكَانِ ِه أَ ْن يَ ِص َري َصانِ ًعا بِا ْم ِتيَازٍ‪ ،‬أَ ْو َعلىَ األَق َِّل‬ ‫لص ْدقِ إِ ْن لَ ْم نَق ُْل األَ ْص َد َق‪ ،‬أَي أَ َح ُد‬ ‫أَقْ َر َب املُترَ ْ ِج ِم َني لِ ِّ‬ ‫امل ُ ْخلِ ِص َني فيِ ُح ِّب الفَاتِ َن ِة إِيَّا َها‪َ .‬وأَيْضً ا لأِ َ َّن ت َ ْر َج َم َة‬ ‫الشِّ ْع ِر ِف ْع ٌل ِش ْعر ٌِّي‪.‬‬ ‫األَ ْر َج ُح أَ َّن الشِّ ْع َر ال َِّذي يُترَ ْ ِج ُم ُه الشُّ َع َرا ُء يَ ْن ُجو قَلِيالً‪ .‬يَ ْن ُجو‬ ‫قَلِيالً ِم َن ِ‬ ‫ِالص ْدقِ ‪.‬‬ ‫اب ب ِّ‬ ‫الخيَانَ ِة َويُ َص ُ‬ ‫َهذَا الَ يَ ْع ِني أَ َّن ك َُّل الشُّ َع َراِء ُم َوفَّقُو َن فيِ َص ْن َع ِت ِه ْم‪َ ،‬ولَ ْي َس‬ ‫ك ُُّل َغيرْ ِ الشُّ َع َرا ِء َعك َْس َذلِ َك‪ .‬قَ ْد يَكُو ُن ال َو ِ‬ ‫اح ُد يَ ْح ِم ُل قَل َْب‬ ‫شَ ا ِع ٍر َوالَ يَ ْكتُ ُب ِش ْعرا ً كَماَ أَ َّن ثمََّ َة َج َحا ِف َل ِم َن الشُّ َع َرا ِء‬ ‫ِاالسمِ ‪ .‬ال َح ِاص ُل ُه َو أَ َّن أَ ْغل ََب الترَّ ْجَماَ ِت الفَا ِر َه ِة الجَماَ ِل‬ ‫ب ْ‬ ‫ِه َي ت َ ْرجَماَ تٌ أَنْ َج َز َها شُ َع َرا ُء فَا ِر ُهو الشِّ ْع ِر ِب َد ْو ِر ِهم‪َ ،‬عالَميًّاِ‬ ‫النص اإلبداعي نص عابر للثقافات‪ ،‬حامل لرؤاه‬ ‫اإلنسانية‪ ،‬وهنا أؤكد عىل كلمة «اإلبداعي»‪ ،‬أي عندما‬ ‫يكون النص الشعري خالقاً‪ ،‬يف تشكله‪ ،‬غري منعزل عن‬ ‫إنسانيته‪ ،‬فال بد أن يشكل حالة من حاالت التواصل‬ ‫الثقايف حني ترجمته إىل لغات أخرى‪ ،‬ومن هنا تأيت‬ ‫أهمية الرتجمة كوسيلة وحيدة ملعرفة اآلخر «إبداعياً»‬ ‫وبالتايل إنسانياً‪.‬‬ ‫أما عن قيمة الرتجمة كناقلة للنص اإلبداعي‪ ،‬فهنا تأيت‬ ‫قضية أخرى لها عالقة باملرتجم (ة) والثقافة التي تشكل‬ ‫رواه اإلبداعية خصوصاً فيام يخص النص الشعري كنص‬ ‫إشكايل‪ ،‬ألن مثة خيوط خفية ترتكها اللغة يف النص‪ ،‬ورمبا‬ ‫يفقد الكثري منها عندما ينتقل هذا النص إىل لغة أخرى‪،‬‬ ‫فالرتجمة أحياناً تهبط بالنص‪ ،‬وأحياناً ترتفع به‪ ،‬وتضيف‬


‫ترجمة الشعر‬

‫لِيَترَ َقْ َر َق ِب ِق ْر ِم ِزيِّ ِه الفَا ِد ِح‪َ .‬ه َكذَا يُ َخل ُِّف‬ ‫َو َع َربِياًّ‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫َعلىَ الشَّ ا ِع ِر أ ْن يَكُو َن كَ ْونِيًّا كيَ ْ يُترَ ْ ِج َم‬ ‫اط َ‬ ‫طَ ْع َم ال َحالَ َوة فيِ ال َقل ِْب‪ ،‬و ُح ْم َر َة اللُّ ْؤلُ ِؤ فيِ‬ ‫ف ِة‬ ‫م ِل ْل َ‬ ‫ع ْ‬ ‫نَ َ‬ ‫ع ِ‬ ‫شحن النَّص ال َعيْ َننيِ‪..‬‬ ‫ب َِس َدا ٍد‪ ،‬بمِ َ ْع َنى أَ ْن تَتَ َجا َو َز ثَقَافَتُ ُه‬ ‫الَّ ِتي ت َ ْ َ ُ‬ ‫َّ‬ ‫ِب َه َكذَا ت َ ْر َج َم ٍة يَ ْربَ ُح ال َّن ُّص ُه ِويَّتَ ُه الَّ ِتي‬ ‫الشِّ ْع ِريَّ ُة ال ُع ُصو َر َوامل َ َدار َِس‪ ،‬كيَ ْ الَ‬ ‫كأ َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫ْ‬ ‫ص‬ ‫ن‬ ‫ال‬ ‫ه‬ ‫ن‬ ‫و‬ ‫د‬ ‫غ‬ ‫ي‬ ‫ل‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ُّ‬ ‫كَان َْت لَ ُه فيِ لُ َغ ٍة أُ ْخ َرى‪ ،‬القَا ِرئُ َد ْهشَ َة‬ ‫يَتَ َح َّو َل كَماَ َح َدثَ فيِ بَ ْع ِض الترَّ ْجَماَ ِت‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫س‬ ‫ف‬ ‫ن‬ ‫ل‬ ‫ل‬ ‫ال‬ ‫‪،‬‬ ‫ي‬ ‫ل‬ ‫ص‬ ‫األ‬ ‫ْ ِ ّ‬ ‫ِ‬ ‫ال َع َر ِب َّي ِة؛ إِ ْذ ت َ َح َّو َل «بُو ْدلِ ْري» إِلىَ شَ ا ِع ٍر‬ ‫القَارِئِ لِلأْ َ ْصلِ ‪َ ،‬واملُترَ ْ ِج ُم ِحيَا َد امل ُ َزا ِر ِع فيِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫اب امل ُ َعلَّق ِ‬ ‫يب ال َح َدائقِ ‪.‬‬ ‫قَطْفه الثِّماَ ر‪َ ،‬وت َشْ ذ ِ‬ ‫َجا ِهليِ ٍّ ِم ْن أَ ْص َح ِ‬ ‫َات‪َ ،‬وفيِ‬ ‫صيب ُ ُه‬ ‫الَّ ِذي ي ُ ِ‬ ‫الشاعر َوكَماَ يمَ ْ َن ُح الشَّ ا ِع ُر «نَ َزا َهتَهُ» لِلْترَّ ْ َج َم ِة تمَ ْ َن ُح ُه‬ ‫ت َ ْرجَماَ ٍت َغ ْر ِبيَّ ٍة ِح َني ْاستَ َح َال « َرا ْمبُو»‬ ‫ع ْد َوى ل ُ َ‬ ‫ِب َ‬ ‫غ ِة َّ ِ‬ ‫ِغ ًنى ُر ِ‬ ‫وح ًّيا َو ِغ ًنى لُ َغ ِويًّا‪ ،‬إِ ْذ تُخ َِّص ُب ِب َد ْو ِر َها‬ ‫ُم ْستَ ْق َبلِ ًّيا « َودَانْ ِتي» ُسو ْريَالِ ًّيا‪...‬‬ ‫صا آ َ‬ ‫عل ُ ُه ن َ‬ ‫َ‬ ‫ر‬ ‫خ‬ ‫ج‬ ‫ي‬ ‫ف‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫لُ َغتَهُ‪ .‬الترَّ ْ َج َم ُة تُثرْ ِي لُ َغ َة ال ُو ُصو ِل‪.‬‬ ‫قَ ْد يُ ْر ِف ُق الشَّ ا ِع ُر َم َع َرك ِْب ال َّن ِّص املُترَ ْ َجمِ‬ ‫َ‬ ‫الترَّ ْ َج َم ُة ِف ْع ُل ِدقَّ ٍة َوأنَا ٍة‪ ،‬كَماَ ُه َو الشِّ ْع ُر‬ ‫فُ ْر َسا َن َع َو ِاط ِف ِه لَ ِك َّن َها الَ تَعْترَ ِضُ َها‪ ،‬بَ ْل‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ت َشْ َح ُن َها َوت ُ َنا ِف ُح َع ْن َها فيِ َو ْج ِه فُلُو ِل التَّقَادُمِ أ ِو اإل ِْسف ِ‬ ‫ِيب قَل ِْب لُ َغة إِلىَ قَل ِْب‬ ‫نَف ُْسهُ‪ .‬ه َي ف ْع ُل ُح ٍّب يَ ْع َم ُل َعلىَ ت َ ْقر ِ‬ ‫َاف‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫نَ َع ْم لِلْ َع ِاط َف ِة الَّ ِتي ت َشْ َح ُن ال َّن َّص لَيَ ْغ ُدو كَأَنَّ ُه ال َّن ُّص األَ ْصليِ ّ ‪ ،‬ل َغة أ ْخ َرى‪.‬‬ ‫َخ َد َع َنا اإلِيطَالِ ُيو َن بمِ َقُولَ ِتهِم «الترَّ ْ َج َم ُة ِخ َيانَةٌ»‪َ ،‬و ُهم ِم ْن‬ ‫الَ لِل َّنف َِس ال َِّذي يُ ِصي ُب ُه ِب َع ْد َوى لُ َغ ِة الشَّ ا ِعر فَ َي ْج َعلُ ُه‬ ‫اش بِالترَّ ْ َج َم ِة ‪ -‬يَأْ ُخذُونَ َها َعلىَ َم ْح َملِ‬ ‫وب الَّ ِتي ت َ ْعتَ ُ‬ ‫أَكْثرَ ِ الشُّ ُع ِ‬ ‫ن ًَّصا آ َخ َر أَنْتَ َج ُه الشَّ ا ِع ُر املُترَ ْ ِج ُم‪ .‬الشَّ ا ِع ُر يُ ْر ِدي الق َِصي َد َة‬ ‫َ‬ ‫َاب ال َعالَ ِميَّ ِة ق َِدميِ َها َو َح ِدي ِث َها‬ ‫ال َوفَا ِء‪َ -‬حتَّى أ َّن ت َ َوفُّ َر اآلد ِ‬ ‫املُترَ ْ َج َم َة بَا ِذ َخ ًة ِبالَ َرأْفَ ٍة‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ُمترَ ْ َج َم ًة أضْ َحى َعائقًا يُثَبِّ ُط ه َم َم ُهم فيِ ت َ َعلُّمِ اللُّغ ِ‬ ‫َات األ ْخ َرى‪.‬‬ ‫إِ ْن كَا َن ال َن ُّص الشِّ ْعر ُِّي األ ْص ُل شَ َج َر َة كَ َرزٍ‪ ،‬فَلَيْ َس َعلىَ‬ ‫فَلْ ُنترَ ْ ِجمِ الشِّ ْع َر ِبالَ َه َوادَة‪ .‬إِنَ َها ناَ ِف َذت ُ َنا لِ ُن ِح َّس األَشْ يَا َء بِشَ كْلٍ‬ ‫الشَّ ا ِع ِر املُترَ ْ ِجمِ أَ ْن يَ ِص َف الشَّ َج َر َة أَ ْو َحالَو َة ال َك َر ِز‬ ‫ُم ْختَلِ ٍف َولِ َك ْونَ َن ِة لُ َغ ِت َنا‪.‬‬ ‫لِلْقَارِئِ ‪ ،‬بَ ْل َعلَ ْي ِه أَ ْن يَ ْستَ ْد ِر َج ُه إِلىَ فَ ْي ِئ َها لِ َيتَ َح َّس َس َها‪َ ،‬وأَ ْن‬ ‫الترَّ ْ َج َم ُة ِه َي َسبِيلُ َنا لِكيَ ْ نَ ْنضُ َج َولِتَ ْغ ُدو لُ َغتُ َنا أَ ْصفَى‪.‬‬ ‫يُ ْه ِدي ِه ُع ْر ُجو َن ثمَ ْرٍ‪ ،‬الَ بَأْ َس أَ ْن يَغ ِْسلَ ُه ِب َن َدى َد ْهشَ ِت ِه‬ ‫ورموزا ً غري الرموز وسامت ثقافية مختلفة‪.‬‬ ‫غنى إىل غناه املوجود يف لغته األم‪.‬‬ ‫ومن هنا تأيت‪ -‬وأؤكد مرة أخرى‪ -‬مقدرة املرتجم (ة)‬ ‫أما أن تكون الرتجمة خيانة أنيقة فهذا األمر وارد عندما‬ ‫تكون ترجمة حرفية‪ ،‬أي أن تكتفي بتحويل النص معجمياً املبدع‪ ،‬فاملرتجم الحقيقي يجب أن يكون عارفاً باللغتني‬ ‫معرفة معمقة‪ ،‬ألنه من خالل هذه املعرفة يستطيع‬ ‫من منطوقة األصل إىل منطوق آخر‪ ،‬دون االلتفات إىل‬ ‫أن يحمي النص من خلل املعنى أو‬ ‫الحامل الثقايف والخصوصية اإلبداعية‪.‬‬ ‫اضطراب الرؤيا‪ ،‬ويحافظ عىل جامليته‬ ‫لكن عندما تكون الرتجمة إبداعية‪،‬‬ ‫الترجمة أحيان ًا‬ ‫ووجوده كنص إبداعي يحتفي بدفئه‬ ‫فال أعتقد أنها متثل أي شكل من‬ ‫وخصوصيته‪.‬‬ ‫أشكال الخيانة‪ ،‬وإمنا هي‪ -‬كام‬ ‫تهبط بالنص‪،‬‬ ‫وبالتايل تأخذ الرتجمة بهذا املعنى‬ ‫أتصور‪ -‬كتابة جديدة للنص الشعري‪،‬‬ ‫وأحيان ًا ترتفع به‪،‬‬ ‫الدور الحقيقي يف حوار الثقافات بني‬ ‫حيث تقوم بتحويله من لغته التي‬ ‫وتضيف غنى إلى‬ ‫الشعوب ويف تشكيل جرس تواصل‬ ‫ولد يف رموزها وثقافتها وخصوصيتها‬ ‫غناه في لغته األم إنساين يقرب الكائن من لحظة الخلق‬ ‫وعالقاتها اإلبداعية‪ ،‬إىل لغة أخرى‬ ‫اإلبداعي‪.‬‬ ‫تحمل تاريخاً غري تاريخ لغة النص‪،‬‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪51‬‬


‫قضية‬

‫آداب وفنون ومعارف‪ ،‬بل إ ّن‬ ‫بقدر ما تتناقله بينها من ٍ‬ ‫مجسدا ً يف أغنية أو‬ ‫منها من تغيرَّ وجهها بسبب الشعر ّ‬ ‫قامشة أو آنية قذفت بها الرياح إىل ما وراء البحر‪.‬‬ ‫يف زمننا‪ ،‬صار لرتجمة الشّ عر معنى الواجب‪ .‬شعريّات‬ ‫األرض الباذخة والعريقة انفتحت عىل بعضها البعض‪،‬‬ ‫يف حوا ٍر خلاّ ق ومتو ِّهج يعلِّم الكائن كيف يُرشف‬ ‫عىل كينونة لغة إنسانيّ ٍة بال حدود‪ ،‬مبنأى عن االبتذال‬ ‫والتسطيح‪ .‬ولقد انفتحت الشعرية العربية الحديثة‪ ،‬عن‬ ‫طريق الرتجمة‪ ،‬عىل بعض هذه الشعريات‪ ،‬الفرنسية‬ ‫واإلنجليزية ث ّم الروسية واإلسبانية واألملانية واإليطالية‬ ‫فيام بعد‪ ،‬التي كان لها دور حاسم ومه ّم يف سريورة‬ ‫تحديث الشعر العريب‪ ،‬حتّى صار شعرا ٌء ذائعو الصيت‬ ‫عبد اللطيف الوراري‬ ‫يشكّلون فنناً مضيئاً من شجرة هذا الشعر وذاكرته‬ ‫علَّة في منتهى العافية‬ ‫ومتخ ّيله‪ ،‬من أمثال «إليوت وإديث ستويل وسان جون‬ ‫ترجمة الشِّ عر‪ ،‬هذه ال ِعلَّة التي يف منتهى العافية‪ .‬لطاملا بريس وروين شار وعمر الخيام ونريودا وناظم حكمت‬ ‫ف ّك ْرتُ ‪ ،‬وأنا أقرأ الشّ عر ُمرت َجامً أو بصدد ترجمته عن‬ ‫وطاغور وويتامن وبودلري وخيمينيث وييتس وأوكتافيو‬ ‫الفرنسية‪ ،‬يف ما رآه الجاحظ‪ ،‬وهو يقول إ ّن «الشعر‬ ‫باث وبورخيس وآرتو وإزرا باوند ولوركا وألن بو وريلكه‬ ‫ال يُستطاع أن يُرتْ َجم‪ ،‬وال يجو ُز عليه النقل‪ ،‬ومتى‬ ‫وهولدرلني وإيلوار وبريتون وميشو وبيسوا» وسواهم‪،‬‬ ‫حس ُنه‪ ،‬وسق َط‬ ‫ُح ّول تقطَّع نظْ ُمه‪ ،‬وبَطُل و ْزنُه‪،‬‬ ‫وصوالً إىل مناذج من الشعر الصيني وشعر الهايكو‬ ‫وذهب ْ‬ ‫َ‬ ‫م ْوض ُع التع ُّجب‪ ،‬ال كالكالم املنثور»‪ .‬الشعر ال كالنرث‪ .‬قد الياباين حديثي االكتشاف‪ .‬ولهذا‪ ،‬ليس يف اإلمكان أن‬ ‫يجوز األمر يف النرث‪ ،‬الواضح واملعقول والعادي‪ .‬أ ّما يف‬ ‫نقرأ مسارات الحداثة الشعرية العربية مبعزل عن دور‬ ‫والهش‪ ،‬فإنّه يصعب من ُوجو ٍه كثرية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الشعر‪ ،‬الغامض‬ ‫الرتجامت الشعرية املتنوعة التي متّت مبستويات متباينة‪.‬‬ ‫حتّى يستحيل األمر خيانةً‪ ،‬بل خسارة‪ .‬ال يضيع املعنى‬ ‫وإذا عدنا إىل بدايات القصيدة الحديثة وجدنا أن‬ ‫فحسب‪ ،‬بل األسلوب وإيقاع الكلامت وجرسها العابر‬ ‫الرتجامت تحرض بنفس قوة اآلثار املنتجة‪ .‬تحرض‬ ‫للذّات وخطابها املفرد والخاص‪ .‬هذا واق ٌع لسوء ح ّظ‬ ‫أعامل «أنشودة املطر وأباريق مهشمة وأقول لكم‬ ‫الشعر‪ .‬لكن‪ ،‬أليس باإلمكان ترجمة الشعر؟ بىل‪ .‬ال أنىس‪ ،‬وأغاين مهيار الدمشقي ولن وحزن يف ضوء القمر» إىل‬ ‫هنا‪ ،‬رأياً ثانياً للشاعر الفرنيس بيري لرييس‪ ،‬وهو يرشدنا‬ ‫جانب «األرض اليباب وأربعاء الرماد والرجال الجوف‬ ‫إىل أ ّن «ترجمة الشعر أ ْم ٌر مستحيل‪ ،‬مثلام االمتناع عن‬ ‫وأزهار الرش وعيون إلزا ومنارات وأوراق العشب وأغان‬ ‫ترجمته أم ٌر مستحيل»‪.‬‬ ‫غجرية وراعي القطيع»‪ .‬ولكم من شاعر عريب حديث‪،‬‬ ‫كث ٌري من الثقافات اإلنسانية الشفوية واملكتوبة‪ ،‬مبا يف‬ ‫من جيلٍ إىل آخر‪ ،‬قد استضاف شاعرا ً أجنب ّياً‪ ،‬وارتبط‬ ‫ذلك الثقافة العربية‪ -‬اإلسالمية‪ ،‬التي يأخذ فيها الشعر‬ ‫اسمه به‪ ،‬وتحاور معه؛ «السياب وستويل‪ ،‬عبدالصبور‬ ‫وضعاً اعتباريّاً والفتاً‪ ،‬وجدت يف هجرة أدبها‪ ،‬من ضمن‬ ‫وإليوت‪ ،‬أدونيس وبريس‪ ،‬سعدي وريتسوس‪ ،‬يوسف‬ ‫نتاجها الرمزي‪ ،‬إىل العامل رضور ًة ال ترفاً‪ ،‬ومجلب ًة لالحرتام الخال وباوند‪ ،‬أنيس الحاج وآرتو‪ ،‬فؤاد رفقة وهولدرلني‪،‬‬ ‫واملجد‪ ،‬إذ هو يعكس وجهاً حيويّاً ومرشقاً من هويّة‬ ‫املهدي أخريف وبيسوا‪ ،‬رفعت سالم وكفافيس‪ ،‬محمد‬ ‫هذه الثقافة وتلك‪ .‬وقد رأينا‪ ،‬عرب عهو ٍد من حيويّة‬ ‫بنيس ونويل‪ ،‬وإدريس امللياين ويفتوشينكو»‪ ،‬وقد يفرد‬ ‫التاريخ‪ ،‬كيف كان تتفاعل الحضارات والشعوب وتتحاور‪ ،‬شاعر أو ذاك جناحه عىل جملة شعراء عرب محدثني‬ ‫‪52‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫ترجمة الشعر‬

‫الفنان سريجيج جينسن‬

‫في زمننا‪ ،‬صار لترجمة‬ ‫ّ‬ ‫الشعر معنى الواجب‪.‬‬ ‫شعريّات األرض‬ ‫الباذخة والعريقة‬ ‫انفتحت على بعضها‬ ‫البعض‪ ،‬في حوا ٍر خالّق‬ ‫ومتوهج‬ ‫ِّ‬

‫يقل إبداع ّيةً‪ ،‬ويق ّر يف أصالته‬ ‫بصدد فعلٍ كتا ٍّيب ال ُّ‬ ‫ومعارصين‪ ،‬مثل» إليوت ولوركا وبريتون وبيسوا»‪ ،‬غري‬ ‫ومسؤول ّيته أن يستضيف الشعر «اآلخر» بيديه األمينتني‬ ‫أ ّن األثر املتبادل‪ ،‬عن طريق الرتجمة‪ ،‬بني الشعر العريب‬ ‫والشعر األجنبي بلغاته املتباينة‪ ،‬مل يكن متساوياً وواقعاً املرتجفتني‪ ،‬حتى ال يطري عنه خياله ويغيض ماؤه‪ ،‬فتأيت‬ ‫بأقل خسارة‪ ،‬بل تب ُّز أصلها‪.‬‬ ‫بالقدر نفسه‪ .‬مناذج محدودة من الشعر العريب القديم‪ ،‬الرتجمة ّ‬ ‫مبا فيه األندليس‪ ،‬من أحدثت أثرها يف الشعر اآلخر‪ ،‬لكن بالنسبة إيل‪ ،‬ال أعترب نفيس مرتجامً‪ ،‬أنا قارئ للشعر‬ ‫«اآلخر»‪ -‬الفرنيس تحديدا ً‪ ،-‬ويف ن ّيتي أن أتعلَّم من‬ ‫أي ح ٍّد أث ّر هذا الشاعر من‬ ‫من الصعب أن نثبت إىل ّ‬ ‫متخ ّيالت شعرية غريبة ع ّني مبا توافر لها من أسباب‬ ‫شعراء العربية املحدثني يف مجرى الشعر العاملي‪ ،‬وإن‬ ‫ك ّنا ال نغفل الهالة التي صارت لبعضهم تحت هذا التأثري العجب والفرادة واالختالف‪ ،‬لكن رسعان ما وجدتُ‬ ‫نفيس أرتكب مثل تلك الخيانة املمتحنة ملدى خيايل‪ .‬يف‬ ‫أو ذاك‪ ،‬مثلام هالة محمود درويش أو أدونيس‪ .‬هل‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫يصح لنا أن نؤكِّد أنّنا أخذنا أكرث مام أعطينا بكثري‪ ،‬وتأث ْرنا ترجاميت املقرتحة لنصوص من الشعر الفرنيس املعارص‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫السيام نصوص «هرني ميشونيك وأندري فلتري وبرنار‬ ‫أكرث مام أث ّرنا؟!‬ ‫لكل شاعر «عقدة‬ ‫مازو وماري كلري بانكار»‪ ،‬تبينّ يل أن ّ‬ ‫كل األحوال‪ ،‬لقد أف ْدنا من ترجمة الشعر التي متّت‬ ‫يف ّ‬ ‫إيقاعيّة»‪ ،‬وليس مبقدوري أن أعكسها إلاّ عىل نحو‬ ‫عىل أيدي الشعراء أنفسهم‪ ،‬هؤالء النادرين الذين ال‬ ‫ٍ‬ ‫بذبذبات من وجيبي الداخيل الذي‬ ‫تعوييض‪ ،‬إن مألتها‬ ‫يُضاهيهم أحد‪ ،‬والذين يأخذون عىل عاتقهم تحديد‬ ‫ّ‬ ‫يل‪ ،‬وأدخلتُها يف عالئق‬ ‫معنى األدب‪ ،‬والذين يعلمون قبل غريهم أ ّن مثة نواة يف يتجاوب مع تجاربهم املنادية ع ّ‬ ‫القصيدة يجب االنتباه لها ومعاملتها بكثري من«االحرتام صوت ّية ودالل ّية جديدة متنحها تأويالً جديدا ً‪ ،‬وقيم ًة‬ ‫ُمضافة جديدة داخل لغتي التي أُبدع بها‪ ،‬وأحيا فيها‪.‬‬ ‫والتبجيل»‪ ،‬أثناء ترجمتها أو نقلها إىل لغتهم األ ّم‪ .‬فعىل‬ ‫كل يومٍ أكتشف ما معنى أن تصري الرتجمة‬ ‫لك ّني‪ ،‬يف ّ‬ ‫املرتجم أن يكون عارفاً بلغة الشاعر الذي يرتجمه‪،‬‬ ‫«مح ّكاً»‪ ،‬فلماّ نحن نرتجم «فكأنّنا نلقى بني اللغتني‬ ‫وإيقاعها‪ ،‬وأسلوب تشخيصها للذات الكاتبة والعامل‬ ‫ً‬ ‫محل‬ ‫الحيس والعقيل‪ .‬ويجوز له أن يخرج عن األصل مبقادير‪ ،‬تفاهام هو من العمق واالنسجام‪ ،‬بحيث تحلاّ ن َّ‬ ‫املعنى وتتمكَّنان من جعل الفجوة بينهام منبعاً ملعنى‬ ‫مبدعاً فيه‪ ،‬ومهتدياً إىل ذلك بحدسه وإصغائه شديدي‬ ‫جديد»‪ ،‬بتعبري «موريس بالنشو»‪.‬‬ ‫اإلرهاف‪ .‬فمن سوى الشاعر املرتجم‪ ،‬إذن‪ ،‬يُدرك أنَّه‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪53‬‬


‫قضية‬

‫محمد حلمي الريشة‬

‫أن ِّ‬ ‫للشع ِر ل ُ ً‬ ‫ً‬ ‫واحدة‬ ‫غة‬ ‫لَو َّ‬ ‫ترجم ُة الشِّ عرِ‪ ،‬ومن خال ِل ُمامرستي لها‪ ،‬ملْ أَج ْد أَ َّن املقول َة‬ ‫ُعب جيِّ ًدا عن هذ ِه املامرس ِة‬ ‫اإلِيطاليَّ َة «ترجم ُة الشِّ ع ِر خيانةٌ»‪ ،‬ت رِّ ُ‬ ‫الصف ِة‪ ،‬إِذ أَي َن تكم ُن «الخيانةُ» طاملا أَ َّن اإلِبدا َع الشِّ عر َّي‬ ‫بهذ ِه ِّ‬ ‫فعل إنسا ٌّين ل ِإلنسانِ ‪،‬‬ ‫يجب أَ ْن يكو َن عامل ًّيا‪ ،‬بمِ عنى أَنَّ ُه ٌ‬ ‫بالضرَّ ور ِة ُ‬ ‫أَينام ُو ِج َد عىل هذ ِه الكر ِة املائيَّ ِة‪ .‬هل ميك ُن تغي ُري العبار ِة إِىل ما‬ ‫خصوصا إِذا‬ ‫خلق آخ ُر لهُ‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫كنت قلتُه ذاتَ يومٍ ‪« :‬ترجم ُة الشِّ ع ِر ٌ‬ ‫ً‬ ‫أَنجز ُه شاع ٌر»؟‬ ‫لك ْن‪ ،‬وألَ َّن لإلنسانِ أك ُرث من لغ ٍة‪ ،‬كا َن ال ب َّد م َن الترَّ جم ِة‪ ،‬رغ َم‬ ‫عدمِ قُدرتِها الكامل ِة عىل توصي ِل اللُّغ ِة األُوىل إِىل أَيَّ ِة لغ ٍة أُخرى‪،‬‬ ‫فكيف الحال ُة يف ترجم ِة الشِّ ع ِر الَّذي يُبنى عىل الترَّ اكيبِ اللُّغوي ِة‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫الحواس‪ ،‬وحتَّى ما‬ ‫ترسمها‬ ‫للُّغ ِة األصلِ‪ُّ ،‬‬ ‫السياليَّ ِة الَّتي ُ‬ ‫والصو ِر رِّ‬ ‫ُّ‬ ‫الحواس؟‬ ‫بع َد‬ ‫ِّ‬ ‫ميل كث ًريا إِىل مقول ِة الشَّ اع ِر مح َّمد ب ِّنيس‪« :‬م َن البداه ِة أَ َّن‬ ‫أَ ُ‬ ‫ٍ‬ ‫ترجم َة الشِّ ع ِر شب ُه مستحيل ٍة‪ ،‬ولك ْن َ‬ ‫درجات لالستحال ِة‪».‬‬ ‫هناك‬ ‫ارس درج ًة م ْن‬ ‫وألَنَّ ُه ال ب َّد م َن الترَّ جم ِة‪ ،‬كا َن ال ب َّد ل َنا أَ ْن نمُ َ‬ ‫ِ‬ ‫درجات االستحال ِة‪ ،‬ألَنَّ ُه ال يمُ كننا جمي ًعا أَ ْن نقرأَ الشِّ ع َر بلغت ِه‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫نحتاج الشِّ ع َر ‪ ،‬ألنَّ ُه رضور ٌة مل ْن‬ ‫األُ ِّم‪ ،‬واأله ُّم م ْن هذا وغريه‪ ،‬أنَّنا‬ ‫ُ‬ ‫يُ ُ‬ ‫درك أَنَّ ُه أَك ُرث الفنونِ تأْث ًريا يف صياغ ِة جامل َّي ِة إِنسان َّي ِة اإلِنسانِ ‪.‬‬ ‫تقي ُم ترجم ُة الشِّ ع ِر حوا ًرا صامتًا‪ ،‬ش ِّيقًا وعذبًا‪ ،‬ثريًّا ومهماًّ ‪ ،‬ب َني‬ ‫الشَّ اع ِر واملرتجمِ الشَّ اع ِر أَ َّوالً‪ ،‬وب َني األَخريِ وشعرا َء آخري َن يقرؤون‬ ‫رشا بوسائ ِل ال َّنرش‬ ‫بلغ ِة املرتجمِ ثانيًا‪َ ،‬‬ ‫وليس ثالثًا ح َني تع َّم ُم ن ً‬ ‫املختلف ِة‪.‬‬ ‫‪54‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫ما ش َّدين برغب ٍة عالي ٍة إىل ترجم ِة الشِّ عرِ‪ ،‬بع َد قراءت ِه بلُغت ِه األُوىل‬ ‫«كا َن ب ِإمكاين أَ ْن أَكتفي بِهذا اإلِشباعِ»‪ ،‬ه َو شُ عوري باإلِبدا ِع أَثنا َء‬ ‫الترَّ جم ِة بأَنَّني أَنا الَّذي أُكت ُبه‪ ،‬حيثُ تتخل َُّق القصيد ُة بلُغتي‬ ‫العرب َّي ِة‪ ،‬وكام لَو أَنَّني أُعي ُد تبييضَ ها ع ْن مس َّودتِها‪ .‬هذ ِه ل َّذ ُة‬ ‫الخاص ِة‬ ‫إِبدا ٍع أَراها‪ ،‬وإِ ْن كانت بدرج ٍة أَ َّقل م ْن كتاب ِة قَصيديت َّ‬ ‫بيِ ‪.‬‬ ‫يت‪ ،‬وأَنَا أُترج ُم شع ًرا‪ ،‬وحيثُ أَكت ُبهُ‪ ،‬أَ ْن تكو َن‬ ‫ن‬ ‫مت‬ ‫م‬ ‫ك‬ ‫‪..‬‬ ‫م‬ ‫خت‬ ‫أَ ُ ْ َّ ُ‬ ‫للشِّ ع ُر‪ ،‬بالذ ِ‬ ‫ليس بهذا‬ ‫يكتب بها ُّ‬ ‫كل الشِّ عرا ِء‪ .‬أَ َ‬ ‫َّات‪ ،‬لغ ٌة واحد ٌة ُ‬ ‫كانت «خيان ًة‬ ‫نربئُ مرتج َم الشِّ ع ِر م ْن تهم ِة «الخيان ِة»‪ ،‬وإِ ْن ْ‬ ‫للنص»‪ .‬وأَيضً ا‪ ،‬ك ْم أَرى أَ َّن لغ ًة واحد ًة للشِّ عرِ‪ ،‬تجعلُه‬ ‫أَنيق ًة ِّ‬ ‫ِ‬ ‫االنتقاص‪ ،‬بشك ٍل أَو بآخ ًر‪ ،‬م ْن قيمت ِه الجامليَّ ِة أَ َّوالً؛‬ ‫كونيًّا‪ ،‬ودو َن‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫السو ِء‪ .‬وحتَّى تتحق ََّق هذ ِه‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫ء‬ ‫بيش‬ ‫ه‬ ‫ميس‬ ‫َّذي‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫االنتقاص‬ ‫ذلك‬ ‫َ ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫نكف عن هذ ِه الغواي ِة‪ ،‬رغ َم‬ ‫األُمني ُة «لغ ٌة واحد ٌة للشِّ عرِ»‪ ،‬فل ْن ُّ‬ ‫َ‬ ‫تلك «التُّهم ِة» الَّتي ال ب َّد م َن اقرتا ِفها مع سبقِ العنا ِد والتَّو ُّد ِد!‬

‫ة اإلِيطاليَّ َ‬ ‫ن المقول َ‬ ‫ة‬ ‫ْ‬ ‫لم أَج ْد أ َ َّ‬ ‫«ترجم ُة ِّ‬ ‫الشع ِر خيان ٌة»‪ ،‬تُعبِّر ُ جيِّ ًدا‬ ‫فة‪،‬‬ ‫الممارسة‬ ‫هذه‬ ‫عن‬ ‫بهذه ِّ‬ ‫الص ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ن‬ ‫ين‬ ‫إِذ أ َ َ‬ ‫ُ‬ ‫تكمن «الخيان ُة» طالما أ َ َّ‬ ‫ع ِّ‬ ‫َّ‬ ‫يجب‬ ‫رورة‬ ‫عري‬ ‫الش‬ ‫اإلِبدا َ‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫بالض ِ‬ ‫يكون عالم ًيّا‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫أَ ْ‬


‫ترجمة الشعر‬

‫بشار عبد الله‬

‫إعادة كتابة بعقلين‬ ‫الرتجمة عموماً نقل روح ومعنى‪ ،‬ويتضاعف جهد هذا‬ ‫النقل مع الشعر ترجمة‪ .‬فالشعر له فضاءات تخييلية‬ ‫وأخرى معرفية‪ ،‬وبدون اإلملام بها معاً تكون الرتجمة‬ ‫نقالً عشوائياً لكالم إبداعي مبتور عن فضاءاته تلك‪.‬‬ ‫من هنا أقول‪ :‬مثلام ال ميكن ملرتجم أديب يف العموم‬ ‫أن يكون حامالً صفة مرتجم باملعنى األعمق للمفردة‬ ‫ما مل يكن أديباً قادرا ً عىل التعبري عن أفكاره العميقة‬ ‫بلغته األم‪ ،‬فإنه ال ميكن ملرتجم الشعر أن يعد مرتجامً‬ ‫ما مل يكن باألساس شاعرا ً واعياً ملفهوم عميق يف الشعر‪.‬‬ ‫فأنت ال تنقل سطورا ً شعرية من لغة ألخرى يف ترجمة‬

‫الشعر قدر ما تنقل عوامل باطنية حقن الشاعر األصيل‬ ‫كلامته بطاقاتها املتداخلة واملتفاعلة‪ ،‬ناهالً من منحنياته‬ ‫السوسيوتاريخية والفلسفية والفكرية والحضارية ما‬ ‫يؤ ّمن لها أن تكون قصيدة‪ ،‬مثالً‪ ،‬أو نصاً شعرياً ممهورا ً‬ ‫بهويتها التي تحمل خيوطاً خفية من هوية الشاعر‬ ‫املبدع لها‪ /‬له‪ ،‬عىل أن مينح‬ ‫املرتجم الشاعر النص املنقول‬ ‫عىل وفق األساسيات التي‬ ‫كلما تضاءل‬ ‫تقدمت شيئاً من روح عرصه‬ ‫التدرج على‬ ‫الواقع تحت منحنياته هو‬ ‫شريط الخيانة‪،‬‬ ‫يك يزيح الغموض الذي‬ ‫تنتجه االختالفات الحضارية‬ ‫وازدادت تدرجات‬ ‫والثقافية بني لغتني تنتميان‬ ‫اإلخالص‪ ،‬تكسرت‬ ‫لعاملني مختلفني‪.‬‬ ‫الحدود وذابت‬ ‫من هنا تكون ترجمة الشعر‬ ‫التخوم وسطع نور‬ ‫إعادة كتابة بعقلني‪ ،‬عقل‬ ‫الشاعر األصيل وعقل الشاعر‬ ‫البصيرة‬ ‫املرتجم‪ .‬وهي بذلك تحذف‬ ‫تدرجات الخيانة بقدر‬ ‫اإلخالص لألساسيات ولعملية الخلق الجديد‪ ،‬وبالتايل كلام‬ ‫تضاءل التدرج عىل رشيط الخيانة‪ ،‬وازدادت تدرجات‬ ‫اإلخالص‪ ،‬تكرست الحدود وذابت التخوم وسطع نور‬ ‫البصرية وانتعشت ذاكرة الروح انتصارا ً لقيمة اإلنسان‬ ‫الكامنة يف قعر الداللة‪.‬‬ ‫تفصيل‪ :‬الفنانة مونيكا بري‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪55‬‬


‫قضية‬

‫الترجمة‬

‫األدب والحرفية‬ ‫يعد هذا النص الذي كتبه الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث سنة ‪ 1980‬من أهم االقتراحات النقدية التي‬ ‫فككت عقدة ترجمة الشعر ‪،‬وهو هنا يسقط عن الشعر هالة استحالة الترجمة‪ ،‬في حين يرى في ترجمة‬ ‫الشعر توأما لالبداع الشعري‬

‫أوكتافيو باث‬

‫‪56‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫ترجمة الشعر‬

‫أوكتافيو باث‬

‫يعترب تعلم الكالم تعلام للرتجمة‪.‬‬ ‫فعندما يسأل الطفل أمه عن‬ ‫معنى هذه الكلمة أو تلك‪،‬‬ ‫ففي الواقع يطلب منها ترجمة‬ ‫املفهوم املجهول إىل لغته هو‪.‬‬ ‫فالرتجمة داخل لغة معينة‪ ،‬ال‬ ‫يختلف مبدأها يف هذا اإلطار‪،‬‬ ‫أساسا عن الرتجمة من لغة إىل‬ ‫أخرى‪ .‬فتاريخ الشعوب كلها يعيد‬ ‫قصة الطفولة نفسها‪ .‬حتى القبيلة‬ ‫األكرث انعزاال تجد نفسها يف لحظة من اللحظات مجربة عىل‬ ‫مواجهة لغة قبيلة أخرى‪ .‬الدهشة والغضب والرعب أو‬ ‫الحرية املسلية التي نحس بها أمام أصوات لغة نجهلها ال‬ ‫تنفك تتحول إىل تساؤالت حول اللغة التي نتكلّمها‪ .‬فاللغة‬ ‫تفقذ كونيتها وتتفرع إىل عدة لغات غريبة وغري مفهومة‬ ‫يف ما بينها‪ .‬يف ما مىض كانت الرتجمة تزيل الشك‪ :‬إذا ما‬ ‫مل تكن هنالك لغة عاملية فاللغات كانت تشكل مجتمعا‬ ‫عامليا‪ ،‬حيث‪ ،‬بالتغلب عىل بعض الصعوبات‪ ،‬كانت كلها‬ ‫تفهم وتستوعب‪ .‬تستوعب ألن الناس يف اختالف لغاتهم‬ ‫يقولون دامئا نفس األشياء‪ .‬فكونية الروح إذن هي الجواب‬ ‫عىل هذا اللبس البابيل‪ .‬هنالك الكثري من اللغات‪ ،‬لكن‬ ‫املعنى واحد‪ .‬فقد وجد باسكال يف تعدد الديانات اختبارا‬ ‫لحقيقية املسيحية‪ .‬واستجابت الرتجمة بقبول مثايل كوين‬ ‫لتعدد اللغات‪ .‬هكذا إذن‪ ،‬ليست الرتجمة فقط اختبارا‬ ‫متمام‪ ،‬وإمنا أيضا ضامنا لوحدة الروح‪.‬‬ ‫هدم العرص الحديث هذا اليقني‪ .‬فبعد إعادة اكتشاف‬ ‫الكم الالنهايئ من الطباع والعواطف‪ ،‬وأمام مشهد تعدد‬ ‫العادات واإلنشاءات‪ ،‬بدأ اإلنسان يرتاجع عن التحقق يف‬ ‫الناس‪ .‬حتى ذلك الحني كان اإلنسان املتوحش استثناءا‬ ‫يجب إزالته بالتحول أو اإلبادة‪ ،‬التعميد أو السيف‪.‬‬ ‫اإلنسان املتوحش الذي ظهر يف صالونات القرن الثامن عرش‬ ‫مخلوق جديد‪ ،‬حتى ولو تح ّدث بشكل ممتاز لغة أجداده‪،‬‬ ‫فهو يجسد استغرابا ال يوصف‪ .‬ليس موضوع تحول‪ ،‬بل‬ ‫موضوع جدال ونقد‪ ،‬فأصالة إدراكاته وبساطة عاداته‬ ‫وحتى عنف عواطفه كلها أدلة عىل الجنون والتفاهة‪ ،‬إن‬

‫مل نقل رذالة التعميدات والتحول‪.‬‬ ‫فقد خلّف تغيري املسار إىل البحث‬ ‫الديني عن الهوية الكونية فضوال‬ ‫فكريا يرتكز عىل كشف اختالفات ال‬ ‫تقل كونية‪ .‬فاالستغراب تراجع عن‬ ‫كونه ضالال وأصبح منوذجيا‪ .‬منوذجيته‬ ‫شاذة وموحية‪ .‬فاإلنسان املتوحش‬ ‫يشكل حنني املتحرض‪ ،‬أناه اآلخر‬ ‫ونصفه الضائع‪ .‬الرتجمة تكشف هذه‬ ‫التحوالت‪ ،‬إذ مل تعد عملية ميالة إىل‬ ‫تبيان الهوية التي استقر عليها اإلنسان‪ ،‬وإمنا هي عربة‬ ‫خصوصياته‪ ،‬تتجىل مهامها يف كشف الشبه عن االختالفات‪،‬‬ ‫ومن اآلن فصاعدا تكشف الرتجمة أن هذه االختالفات‬ ‫ال ميكن اجتيازها‪ ،‬تتعلق باستغراب اإلنسان املتوحش أو‬ ‫باستغراب جارنا‪.‬‬

‫رؤيا للعامل‬

‫عبرّ الدكتور جونسون جيدا يف عرض إحدى رحالته عن‬ ‫الوضع الجديد قائال‪« :‬غريسة عشب هي دامئا غريسة‬ ‫عشب سواء يف هذا البلد أو ذاك‪ ...‬الرجال والنساء هم‬ ‫موضوع دراستي‪ ،‬وسرنى إذن كيف يختلف هؤالء عن‬ ‫أوالئك الذين تركناهم خلفنا»‪ .‬جملة الدكتور جونسون‬ ‫تحمل معنيني‪ :‬وكال املعنيني متثل مسبقا يف الطريق املزدوج‬ ‫الذي يجب أن مييض فيه العرص الحديث‪ .‬املعنى األول‬ ‫يتجىل يف الفصل بني اإلنسان والطبيعة‪ ،‬فصال قد يتحول‬ ‫إىل معارضة ورصاع‪ .‬فاملهمة الجديدة لإلنسان ال تتجىل‬ ‫يف النفاذ بجلده‪ ،‬بل يف السيطرة عىل الطبيعة‪ .‬املعنى‬ ‫الثاين يشري إىل الفصل بني الناس‪ .‬فالعامل تخىل عن كونه‬ ‫عاملا‪ ،‬كلية ال تتجزأ‪ ،‬وأخذ يفصل بني الطبيعة والثقافة‪،‬‬ ‫والثقافة هي األخرى تنقسم إىل ثقافات‪ .‬لغات ومجتمعات‬ ‫عديدة‪ :‬كل لغة هي رؤيا للعامل‪ .‬فالشمس التي تتغنى‬ ‫بها القصيدة األثيكية مختلفة عن الشمس التي يتغنى‬ ‫بها النشيد املرصي‪ ،‬ولو أن النجم واحد‪ .‬فخالل أزيد من‬ ‫قرنني‪ ،‬جمع الفالسفة واملؤرخني أوال ثم األنرتوبولوجيني‬ ‫واللسانيني حاليا الدالئل حول االختالفات التي ال تنتهي‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪57‬‬


‫قضية‬ ‫ال نص أصلي‪ ،‬ألن اللغة‬ ‫نفسها ترجمة للعالم‬ ‫غير اللفظي ‪..‬كل‬ ‫النصوص أصلية إلختالف‬ ‫كل ترجمة عن أخرى‪ .‬كل‬ ‫ترجمة‪ ،‬إلى حد ما‪ ،‬ابتكار‬ ‫وبالتالي تشكل هكذا‬ ‫نصا وحيد ًا‬

‫بني األفراد واملجتمعات‬ ‫والعصور‪ .‬فرق شاسع‪ ،‬بالكاد‬ ‫ال يختلف عن الكائن بني‬ ‫الطبيعة والثقافة‪ ،‬هو ما‬ ‫يفصل الناس البدائيني عن‬ ‫املتحرضين‪ .‬وبالتايل نحصل‬ ‫عىل تعدد الحضارات وعدم‬ ‫تجانسها‪ .‬داخل كل حضارة‬ ‫تتولد الفوارق‪ :‬فاللغات التي‬ ‫تساعدنا عىل التواصل تحبسنا‬ ‫هي كذلك يف شبكة غري مرئية من األصوات واملدلوالت‬ ‫بشكل تجعل معها األمم حبيسة اللغات التي تتحدثها‪.‬‬ ‫داخل كل لغة تتولد االنقسامات‪ :‬حقب تاريخية وأجيال‬ ‫وطبقات اجتامعية‪ .‬أما يتعلق بالعالقة بني األفراد املنعزلني‬ ‫واملنتمني إىل نفس املجتمع‪ ،‬فكل واحد منهم محبوس حيا‬ ‫داخل أناه الخاص‪.‬‬ ‫كل هذا البد له من إقالق املرتجمني‪ .‬فاألمور مل تكن هكذا‪:‬‬ ‫يرتجم املزيد واملزيد يف حركة متناقضة ومتممة‪ .‬أسباب‬ ‫هذا التناقض الظاهري ندرجها عىل الشكل التايل‪ :‬الرتجمة‬ ‫تزيل الفوارق بني لغة وأخرى‪ ،‬من جهة‪ ،‬بينام تربزها كليا‬ ‫من جهة أخرى‪ .‬بفضل الرتجمة ندرك أن جرياننا يتكلمون‬ ‫ويفكرون بطريقة مختلفة عنا‪ .‬يف جزء يقدم إلينا العامل‬ ‫كمجموعة من الالتجانسات‪ ،‬بينام يقدم إلينا يف جزء آخر‬ ‫كرتاكيب من النصوص‪ ،‬كل نص منها مختلف نسبيا عن‬ ‫السابق‪ :‬ترجامت الرتجامت الرتجامت‪ .‬كل نص وحيد‪ ،‬و��ف‬ ‫الوقت ذاته يعد ترجمة لنص آخر‪ .‬ال نص أصيل‪ ،‬ألن اللغة‬ ‫نفسها ترجمة أصال يف جوهرها‪ :‬للعامل غري اللفظي أوال ثم‬ ‫ثانيا كل رمز وكل جملة ترجمة لرمز آخر أو جملة أخرى‪.‬‬ ‫لكن هذا املنطق ميكنه أن ينعكس دون أن يفقد صحته‬ ‫فنقول‪ :‬كل النصوص أصلية إلختالف كل ترجمة عن أخرى‪.‬‬ ‫كل ترجمة‪ ،‬إىل حد ما‪ ،‬ابتكار وبالتايل تشكل هكذا نصا‬ ‫وحيدا‪.‬‬ ‫اكتشافات االنرتوبولجيا واللسانيات ال تدين الرتجمة بحال‪،‬‬ ‫وإمنا تدين فكرة ساذجة محددة للرتجمة‪ .‬بتعبري آخر‪،‬‬ ‫تدين الرتجمة الحرفية التي نسميها مدلوال يف االسبانية‬

‫‪58‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫(ترجمة حرفية) ‪ .Servil‬ال أقول إن‬ ‫الرتجمة الحرفية مستحيلة‪ ،‬بل إنها‬ ‫ليست ترجمة‪ .‬هي جهاز مركب‬ ‫عموما من خيط دقيق من الكلامت‪،‬‬ ‫كلامت تساعدنا عىل قراءة النص يف‬ ‫لغته األصلية‪ .‬يشء أقرب ما يكون‬ ‫بنوع من القاموس أكرث منه ترجمة‪.‬‬ ‫فالرتجمة هي دامئا عملية أدبية‪،‬‬ ‫عموما‪ ،‬دون أن نقيص منها تلك‬ ‫النصوص التي تستدعي نقل املعنى‬ ‫فقط كام يف املؤلفات العلمية‪ .‬فالرتجمة تعتمد نقل األصل‪،‬‬ ‫نقال ال ميكنه إال أن يكون أدبيا‪ ،‬ألن كل الرتجامت عمليات‬ ‫تعتمد عىل نوعني من التعبري يختزالن حسب رامون‬ ‫جاكوبسون كل العمليات األدبية‪ :‬املجاز املرسل واالستعارة‪.‬‬ ‫النص األصيل ال يعيد الظهور أبدا (محال ذلك) يف لغة‬ ‫أخرى‪ .‬و مع ذلك فهو موجود دامئا‪ ،‬ألن الرتجمة‪ ،‬دون قول‬ ‫ذلك‪ ،‬تشري إليه بشكل مستمر أو تتحول إىل أداة لفظية‬ ‫تعيد‪ ،‬وإن بشكل مختلف‪ ،‬إنتاجه‪ :‬مجاز مرسل واستعارة‪.‬‬ ‫هام معا‪ ،‬وباختالف عن الرتجامت التفسريية والرشوح‬ ‫املطولة تعد أشكاال صارمة ال تتعارض مع الصحة‪ :‬األول‬ ‫وصف غري مبارش والثاين معادلة لفظية‪.‬‬

‫سجناء الشعر‬

‫اإلدانة الكربى حول إمكانية الرتجمة لحقت بالشعر‪ .‬إدانة‬ ‫فردية‪ ،‬إذا ما تذكرنا أن عددا من أفضل القصائد يف أي‬ ‫لغة غربية ترجامت من تأليف كبار الشعراء‪ .‬ففي كتابه‬ ‫الذي خصصه منذ بضع سنوات للرتجمة‪ ،‬يشري الناقد‬ ‫واللساين جورج مونان إىل أن ترجمة معاين الدالالت‬ ‫املعجمية يعترب عموما‪ ،‬وإن مبزاج سيئ‪ ،‬عملية ممكنة‪،‬‬ ‫يف حني‪ ،‬يكاد يكون الرأي باإلجامع حول استحالة ترجمة‬ ‫املدلوالت اإليحائية‪ ،‬فهي مكونة من األصداء واإلنعكاسات‬ ‫والتوافقات ما بني الصوت واملعنى‪ ،‬كذلك الشعر نسيج‬ ‫من اإليحاءات وبالتايل تستحيل ترجمته‪ .‬أعرتف أن هذه‬ ‫الفكرة تثري اشمئزازي‪ ،‬ليس فقط ألنها تتعارض مع الصورة‬ ‫التي كونتها عن كونية الشعر‪ ،‬بل ألنها ترتكز عىل مفهوم‬


‫ترجمة الشاعر‬

‫كاذب عن ماهية الرتجمة‪ .‬ليس الجميع يشاطرين أفكاري‪،‬‬ ‫أحرار‪ ،‬خالصون‪ ،‬هم أسامء القامئة‬ ‫الكثري من الشعراء املعارصين يؤكدون أن الشعر غري‬ ‫نخاع لغتنا االسبانية غري القابل للرتجمة‪.‬‬ ‫قابل للرتجمة‪ .‬يحركهم رمبا حب غري معتدل عن املادة‬ ‫«نخاع اللغة االسبانية غري القابل للرتجمة»‪ .‬هي استعارة‬ ‫اللفظية أم أنهم سجناء املادة الذاتية‪ .‬رشك مميت كام‬ ‫غريبة (نخاع ولغة) لكنها قابلة للرتجمة بدقة وتشري إىل‬ ‫يحذرنا كيبيدو‪« :‬مياه الهاوية‪ /‬حيث كنت أعشق نفيس‪ »...‬تجربة عاملية‪ .‬الكثري جدا من الشعراء اشتغلوا بالطريقة‬ ‫أونامونو يعد مثاال عىل هذا االشتهاء اللفظي حيث يقول يف البالغية نفسها‪ ،‬قوائم الكلامت وحدها تختلف يف اللغات‬ ‫مطلع إحدى قصائده الوطنية‪:‬‬ ‫األخرى لكن السياق والعاطفة واملعنى متشابهون‪ .‬مدهش‬ ‫‪Ávila, Málga, Cáceres,‬‏‬ ‫حقا أن يكمن جوهر اسبانيا غري القابل للرتجمة يف سلسلة‬ ‫‪Játiva, Mérida, Córdoba,‬‏‬ ‫من األسامء الرومانية والعربية والثلتي‪ -‬ابرية والباسكية‬ ‫‪Ciudad Rodrigo, Sepúlveda,‬‏‬ ‫‪ ..‬كذلك قام أونامونو برتجمة اسم املدينة الكتالنية ليدا‬ ‫‪Úbeda, Arévalo, Frómista,‬‏‬ ‫(لرييدا) إىل االسبانية‪ .‬والغريب جدا أن أونامونو يكذب‬ ‫‪Zumárraga, Salamanca,‬‏‬ ‫هكذا‪ ،‬دون أن يدري‪ ،‬زعمه عدم قابلية هذه األسامء‬ ‫‪Turégano, Zaragoza,‬‏‬ ‫للرتجمة‪ ،‬وكان قد أورد األبيات التالية لفكتور هوغو‬ ‫‪Lérida, Zamarramala,‬‏‬ ‫كتصدير لقصيدته‪:‬‬ ‫‪sois nombres de cuerpo entero,‬‏‬ ‫‏‪Et tout tremble, Irún, Coimbre‬‬ ‫‪libres, propios, los de nómina,‬‏‬ ‫‏‪,Santander, Almodóvar‬‬ ‫‪el tuétano intraducible‬‏‬ ‫‏‪sitôt qu›on entend le timbre‬‬ ‫‪de nuestra lengua española.‬‏‬ ‫‏‪.des cymbals de Bivar‬‬ ‫آبال‪ ،‬مالقة‪ ،‬كاثرييس‬ ‫ويرتعد كل يشء‪،‬‬ ‫خاطيبة‪ ،‬مرييدا‪ ،‬قرطبة‬ ‫ايرون وكومربا‬ ‫ثيوداد رودريغو‪ ،‬سيبولبيدا‪،‬‬ ‫سانتاندير واملودوفار‬ ‫اوبيدا‪ ،‬اريبلو‪ ،‬فروميستا‬ ‫كلام سمع رنني صحون بيفار‪.‬‬ ‫ثوماراغا‪ ،‬سلمنقة‬ ‫املعنى والعاطفة هام نفسهام يف كل من االسبانية‬ ‫توريغنو‪ ،‬رسقسطة‪،‬‬ ‫والفرنسية‪ .‬مثل أسامء األعالم‪ ،‬يف التدقيق‪ ،‬غري قابلة‬ ‫لرييدا‪ ،‬مثارماال‪،‬‬ ‫للرتجمة‪ ،‬يكتفي هوغو بإعادتها باالسبانية دون أن يحاول‬ ‫انتم أسامء الجسد كله‬ ‫حتى فرنستها‪ .‬اإلعادة مجدية ألن هذه الكلامت املجردة‬ ‫من أي معنى محدد واملنقولة‪ ،‬تبدو يف الفرنسية غريبة‪،‬‬ ‫وإن كان يف االسبانية ‪ ...‬الرتجمة صعبة جدا‪ -‬وليست أقل‬ ‫صعوبة من كتابة نصوص أصلية تقريبا‪ -‬لكنها ليست‬ ‫مستحيلة‪ .‬قصائد هوغو وأونامونو تكشف أن املعاين‬ ‫اإليحائية ميكن اإلبقاء عليها إذا ما متكن الشاعر‪ -‬املرتجم‬ ‫من إعادة خلق الوضعية اللفظية والسياق الشعري حيث‬ ‫ترتصع‪ .‬واالس ستيفنس أتحفنا بصورة منوذجية مثالية عن‬ ‫هذه الوضعية يف مقطع رائع‪:‬‬ ‫‏‪The hard hidalgo‬‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪59‬‬


‫قضية‬

‫استغراب تسمية فيديريكو أو صوجي يحدث‪ ،‬بشكل‬ ‫فوري‪ ،‬ابتكار اسم آخر‪ ،‬اسم يعترب بشكل من األشكال‬ ‫ترجمة لإلسم القديم‪ :‬يقال استعارة أو مجازا مرسال حتى‬ ‫ولو تم السكوت عنه‪.‬‬

‫‏‪;Lives in the mountainous caracter of his speech‬‬ ‫‏‪And in that mountainous mirror Spain acquires‬‬ ‫‏‪-The knowledge of Spain and the hidalgo ‹s hat‬‬ ‫‏‪,A seeming of the Spaniard, a style of life‬‬ ‫‏‪…The invention of nation in phrase‬‬ ‫الفارس الصارم يعيش يف مزاج لغته الجبيل‬ ‫خيانة الشاعر‬ ‫ويف هذه املرآة الجبلية ميسك إسبانيا‬ ‫يف السنوات األخرية‪ ،‬ميال‪ ،‬بسبب االمربيالية اللسانية رمبا‪،‬‬ ‫معرفة إسبانيا وقبعة الفارس‬ ‫إىل التقليل من شأن الطبيعة األدبية الراقية للرتجمة‪ .‬ال‪،‬‬ ‫مظهر إسباين وشكل حياة‬ ‫ال يوجد ولن يوجد علم الرتجمة‪ ،‬وإن كانت الرتجمة من‬ ‫إبتكار أمة يف جملة‪.‬‬ ‫املمكن بل من الرضوري أن تدرس علميا‪ .‬وبالطريقة نفسها‬ ‫اللغة تتحول إىل منظر وهذا املنظر هو اآلخر إبتكار‪،‬‬ ‫فالرتجمة خاصية من خصوصيات اللغة‪ .‬الرتجمة خاصية‬ ‫إستعارة أمة أو فرد‪ .‬طوبوغرافيا لفظية حيث الكل‬ ‫من خصوصيات األدب‪ .‬واآلالت التي ترتجم؟ عندما تتمكن‬ ‫يتواصل‪ ،‬الكل ترجمة‪ :‬الجمل سلسلة جبال‪ ،‬والجبال رموز‪ ،‬هذه األجهزة من الرتجمة‪ ،‬فإنها ستقوم بعملية أدبية‪ .‬لن‬ ‫رموز أفكار حضارة معينة‪ .‬لكن لعبة األصداء والتوافقات‬ ‫تقوم بيشء مختلف عام يقوم به املرتجمون حاليا‪ :‬األدب‪.‬‬ ‫اللفظية‪ ،‬زيادة عىل كونها مدوخة‪ ،‬تخفي خطرا مؤكدا‬ ‫الرتجمة عملية تحسم فيها مبادرة املرتجم‪ ،‬بغض النظر‬ ‫ونحن محاطني بالكلامت من كل الجهات تأيت لحظة نحس عن املعرفة الرضورية باللسانيات‪ ،‬سواء كان هذا املرتجم‬ ‫فيها بأنفسنا يداهمنا فجأة قلق استغراب العيش بني‬ ‫آلة مربمجة من طرف إنسان أو إنسانا محاطا بالقواميس‪.‬‬ ‫أسامء وليس وسط أشياء‪ .‬استغراب امتالك اسم‪:‬‬ ‫وحتى نقتنع أكرث نستمع إىل الشاعر الربيطاين ارتور وييل‬ ‫‏‪Entre los juncos y la baja tarde‬‬ ‫حيث يقول‪:‬‬ ‫‪!Qué‬‬ ‫‏¡‪raro que me llame Federico‬‬ ‫«كتب باحث فرنيس يف اآلونة األخرية‪ :‬أن املرتجمني يختفون‬ ‫بني األسل واملساء الراكد‬ ‫وراء النصوص‪ ،‬وهذه النصوص إن كانت بالفعل مفهمومة‪،‬‬ ‫غريب أن يناديني فدريكو!‬ ‫فستتحدث لوحدها‪ .‬باستثناء حالة واحدة‪ ،‬نادرة جدا‪،‬‬ ‫هذه التجربة هي األخرى كونية‪ :‬قد يشعر غارسيا لوركا‬ ‫إلثباتات بسيطة ومحددة مثل «القط يطارد الفأر» هناك‬ ‫رمبا باالستغراب ذاته لو سمي نفسه توم أو جون أو شونغ جمل قليلة متلك مرادفات دقيقة‪ ،‬حرفية‪ ،‬يف لغة أخرى‪.‬‬ ‫تسو‪ .‬فقدان اسمنا يشبه فقدان‬ ‫األمر يتحول إىل انتقاء بني عدة‬ ‫ظلنا‪ ،‬أن نكون أسامءنا فقط‬ ‫مقاربات‪ ...‬بالنسبة يل يحدث يل‬ ‫استحالة ترجمة الشعر‬ ‫يعد اختزالنا لنكون ظلنا‪ .‬غياب‬ ‫دامئا أن أكون أنا‪ ،‬وليس النصوص‪،‬‬ ‫فكرة تثير اشمئزازي‪،‬‬ ‫الرابط بني األشياء وأسامئها ال‬ ‫من يجب عليه الحديث‪ ».‬سيكون‬ ‫ألنها‬ ‫فقط‬ ‫ليس‬ ‫ميكن تحمله بشكل مضاعف‪:‬‬ ‫من الصعب إضافة كلمة واحدة عىل‬ ‫األشياء‬ ‫إما أن املعنى يتبخر أو‬ ‫هذه الشهادة‪.‬‬ ‫تتعارض مع الصورة‬ ‫تتالىش‪ .‬عامل من املعاين الخالصة‪ ،‬التي كونتها عن كونية نظريا‪ ،‬وحدهم الشعراء يجب أن‬ ‫غري مضياف مثل عامل من األشياء‬ ‫يرتجموا الشعر‪ ،‬غري أن الشعراء قليال‬ ‫الشعر‪ ،‬بل ألنها ترتكز‬ ‫بال معنى‪ -‬بال أسامء‪ .‬اللغة‬ ‫ما يصدق‪ ،‬يف الواقع‪ ،‬أن يكونوا‬ ‫كاذب‬ ‫مفهوم‬ ‫على‬ ‫تحيل العامل إىل مكان مأهول‬ ‫تراجمة جيدين‪ .‬ليسوا كذلك ألنهم‬ ‫أمام‬ ‫بالسكان‪ .‬يف لحظة الحرية‬ ‫غالبا ما يستعملون قصيدة الغري‬ ‫عن ماهية الترجمة‬

‫‪60‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫اللغة يف اتجاه معاكس للنرث‪ .‬فتعدد الرموز يناسب‪ ،‬يف حالة‬ ‫كمنطلق لكتابة قصائدهم‪ .‬املرتجم الجيد يتحرك يف اتجاه‬ ‫من الحاالت‪ ،‬امليل إىل ترسيخ املعنى الواحد‪ ،‬بينام يناسب‬ ‫معاكس‪ :‬نقطة وصوله قصيدة مشابهة ال تطابق القصيدة‬ ‫تعدد املدلوالت ترسيخ الرموز يف حاالت أخرى‪.‬‬ ‫األصلية بعد اآلن‪ .‬املرتجم الجيد ال يفرتق عن القصيدة إال‬ ‫طيب‪ ،‬اللغة نظام من الرموز املتحركة‪ ،‬ميكن إىل حد ما‬ ‫ليالحقها عن قرب‪ .‬املرتجم الجيد للشعر مرتجم إضافة إىل‬ ‫استبدال بعضها ببعض‪ :‬ميكن إحالل كلمة مكان أخرى‬ ‫كونه شاعرا مثل أرتور وييل‪ ،‬أو شاعرا إضافة إىل كونه‬ ‫مرتجام جيدا مثل جريار دونريفال عندما ترجم فاوست ألول وقول جملة (ترجمتها) بجملة أخرى‪ .‬فلنتحول إىل شارل‬ ‫مرة‪ .‬يف حاالت أخرى قام نريفال مبحاكاة ممتعة وأصلية‪ ،‬يف سانديرس برايس‪ ،‬استطيع القول أن معنى كلمة ما هو‬ ‫الواقع‪ ،‬لغوته وجون بول وشعراء أملان آخرين‪ .‬املحاكاة هي دامئا كلمة أ��رى‪ .‬لتأكيد ذلك يكفي أن نتذكر أن كل‬ ‫األخ التوأم للرتجمة‪ :‬يتشابهان لكن ال يجب الخلط بينهام‪ .‬مرة نتساءل فيها‪ :‬عام تريد هذه الجملة قوله؟ نجيب‬ ‫بجملة أخرى‪ .‬جيد إذن‪ ،‬فبالكاد نتوغل يف مجاالت الشعر‪.‬‬ ‫إنهام مثل جوستني وجولييت‪ ،‬األختان يف روايات ساد‪...‬‬ ‫السبب يف عدم متكن الكثري من الشعراء من ترجمة الشعر‪ ،‬الكلامت تفقد حركيتها والتبادل فيام بينها‪ .‬معاين القصيدة‬ ‫ليس ذا طبيعة بسيكلوجية رصفة‪ ،‬عىل الرغم من أن عبادة متعددة ومتغرية‪ ،‬لكن كلامتها وحيدة ال ميكن استبدالها‪،‬‬ ‫ألن ذلك سيدمرها‪ .‬فالشعر‪ ،‬دون أن يكف عن كونه لغة‪،‬‬ ‫الذات لها دورها‪ ،‬وإمنا السبب ذا طبيعة وظيفية‪ :‬ترجمة‬ ‫يتجاوز هذه األخرية إىل ما هو أبعد منها‪.‬‬ ‫الشعر كام أحاول أن أوضح فيام ييل‪ ،‬هي عملية مشابهة‬ ‫الشاعرغارق يف حركية اللغة‪ ،‬يواصل الذهاب واإلياب‬ ‫لإلبداع الشعري‪ ،‬غري أنها متتد يف اتجاه معاكس‪.‬‬ ‫اللفظي‪ ،‬يأخذ عددا من الكلامت أو تأخذه‪ .‬يبني قصيدته‬ ‫كل كلمة تحتوي عىل عدد من املدلوالت االفرتاضية‪ ،‬غري‬ ‫أن أحد هذه املدلوالت يصبح آنيا ومهيمنا يف الوقت الذي عند تشكيلها‪ :‬فهي غاية لفظية مكونة من رموز ال ميكن‬ ‫استبدالها وال فصلها‪ .‬نقطة انطالق املرتجم عكس ذلك‪ ،‬فهو‬ ‫ترتبط فيه الكلمة بكلامت أخرى لتكوين جملة‪ .‬املدلول‬ ‫مييل إىل املعنى الواحد يف النرث‪ ،‬بينام يقال باستمرار إن من ال ينطلق من لغة متحركة (مادة الشاعر األوىل) وإمنا من‬ ‫خصائص الشعر الرئيسية رمبا‪ ،‬الحفاظ عىل تعدد املعاين‪ .‬يف لغة ثابتة يف القصيدة‪ :‬لغة مجمدة‪ ،‬لكنها حية بامتياز‪.‬‬ ‫الحقيقة يتعلق األمر مبلكية عامة للغة‪ ،‬يربزها الشعر وإن عملية املرتجم معاكسة لعملية الشاعر‪ ،‬ال يتعلق األمر‬ ‫بشكل خفيف‪ ،‬يف حني تتجىل يف كالم الشارع والنرث كذلك‪ .‬باستعامل رموز متحركة لبناء نص غري قابل للفصل‪ ،‬وإمنا‬ ‫تفكيك عنارص النص وإحياء حركية رموزه من جديد ثم‬ ‫(هذا الظرف يؤكد أن النرث يف املعنى الدقيق للمفهوم‪،‬‬ ‫إعادتها إىل اللغة‪ .‬فنشاط املرتجم‪ ،‬إىل هذا الحد‪ ،‬مشابه‬ ‫ليس له وجود حقيقي‪ ،‬إنه رضورة مثالية للفكر)‪ .‬توقف‬ ‫لنشاط القارئ والناقد‪ :‬كل قراءة ترجمة‪ ،‬وكل نقد تأويل‪،‬‬ ‫النقاد عند هذه الخاصية املشوشة للشعر‪ ،‬دون أن يراعوا‬ ‫كون نصيب املدلوالت هذا من الحركية والفضفضة يناسب أو يرمي إىل ذلك‪ ،‬لكن القراءة ترجمة داخل اللغة نفسها‬ ‫والنقد نسخة حرة عن القصيدة‪ ،‬أو بالتحديد‪ ،‬تنقيل‪.‬‬ ‫ميزة أخرى فتانة‪ :‬ميزة جمود الرموز‪ .‬ينقل الشعر جذريا‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪61‬‬


‫قضية‬

‫نظري ًا‪ ،‬وحدهم الشعراء‬

‫غري منفصلة‪ .‬يولد كل منها ويعيش‬ ‫القصيدة بالنسبة للناقد نقطة‬ ‫يترجموا‬ ‫أن‬ ‫يجب‬ ‫يف عالقة مع مؤلفات لغات أخرى‬ ‫انطالق نحو نص آخر‪ .‬نصه هو‪،‬‬ ‫ليسوا‬ ‫أنهم‬ ‫غير‬ ‫الشعر‪،‬‬ ‫مختلفة‪ .‬هكذا ال يعني كل من تعدد‬ ‫بينام يجب عىل املرتجم بناء‬ ‫اللغات واملؤلفات غموضا أو انعدام‬ ‫لغة‬ ‫قصيدة مشابهة لألصل يف‬ ‫كذلك ألنهم غالبا ما‬ ‫تجانس يستعيص عىل الحرص‪ ،‬بل‬ ‫أخرى وبرموز مختلفة‪ .‬هكذا‬ ‫يستعملون قصيدة‬ ‫العكس‪ :‬عامل من العالقات مؤلف‬ ‫يكون نشاط املرتجم يف هذا‬ ‫لكتابة‬ ‫كمنطلق‬ ‫الغير‬ ‫من التناقضات والتوافقات والتآلفات‬ ‫الشق موازيا لنشاط الشاعر‪،‬‬ ‫قصائدهم‬ ‫واالنفصاالت‪.‬‬ ‫لكن باختالف رئيس‪ :‬فالشاعر‬ ‫يكتب شعراء القارة األوربية يف كل‬ ‫يجهل الشكل النهايئ لقصيدته‬ ‫حقبة‪ -‬واألمريكية حاليا يف شقيها‪-‬‬ ‫عند الكتابة‪ ،‬بينام يعلم املرتجم‬ ‫القصيدة نفسها بلغات مختلفة‪ .‬كل نسخة من هذه النسخ‬ ‫أن قصيدته يجب أن تعيد بناء النص الذي بني يديه‪.‬‬ ‫الرتجمة يف كلتا حالتيها عملية موازية‪ ،‬وإن بشكل معاكس تشكل‪ ،‬يف حد ذاتها‪ ،‬قصيدة أصلية مختلفة‪ .‬صحيح أن‬ ‫لإلبداع الشعري‪ .‬يجب عىل الرتجمة إعادة تشكيل القصيدة التوقيت متفاوت‪ ،‬لكن يكفي االبتعاد قليال ليك نكتشف‬ ‫األصل التي‪ ،‬كام سبق وأن قلت‪ ،‬ال داعي ألن تكون نسخة أننا نصيخ السمع لحفل يعزف فيه املوسيقيون مبختلف‬ ‫منها أو استحالة لها‪ .‬فاملثالية يف الرتجمة الشعرية‪ ،‬كام حدد آالتهم‪ ،‬دون االنصياع ألي مايسرتو أو اوركسرتا أو إتباع أي‬ ‫ذلك بول فالريي بدرجة عالية من الدقة‪ :‬تتجىل يف إحداث تعليامت موسيقية‪ ،‬مشكلني بذلك قطعة جامعية تجتمع‬ ‫فيها املباغتة بالرتجمة والتقليد املبتكر‪.‬‬ ‫إحساس مشابه للنص األصيل‪.‬‬ ‫ينطلق أحد املوسيقيني يف عزف منفرد غري متوقع أحيانا‪،‬‬ ‫الرتجمة واإلبداع عمليتان توأمان‪ ،‬يصعب فصل بعضهام‬ ‫عن بعض كام توضح ذلك حالتي كل من شارل بودلري وايزرا ويف غضون وقت قصري‪ ،‬يتبعه اآلخرون‪ ،‬كل يبيل بالءه‬ ‫بطريقته بعيدا عن األصل‪ .‬يف أواخر القرن املايض أبهر‬ ‫بوند من جهة‪ ،‬كام أن هناك‪ ،‬من جهة أخرى‪ ،‬انعكاسا ال‬ ‫الشعر الفرنيس أوربا وأثارت القطعة التي بدأها بودلري‬ ‫ينقطع بني االثنني‪ ،‬إخصابا متبادال ومستمرا‪ .‬لقد صاحبت‬ ‫تداخالت وتقاطعات مختلف التقاليد الشعرية عرب التاريخ وأنهاها ستيفان مالرمي ضجة كبرية‪ .‬كان الشعراء‬ ‫الحداثيون االسبانوامريكيني من بني الشعراء األوائل يف‬ ‫الحقب الكربى لإلبداع الشعري الغريب من جذره بروفنس‬ ‫تلقي هذه املوسيقى الجديدة وتقليدها ومتلكها‪ ،‬غريوها ثم‬ ‫إىل يومنا هذا‪ .‬هذه التداخالت تأخذ شكل التقليد حينا‬ ‫نقلوها إىل إسبانيا التي من جهتها أعادت خلقها‪ .‬ويف وقت‬ ‫وشكل الرتجمة أحيانا‪ .‬هكذا ميكن النظر‪ ،‬انطالقا من هذا‬ ‫متأخر قليال أنجز شعراء اللغة االنجليزية شيئا مشابها‬ ‫الرأي‪ ،‬إىل تاريخ الشعر األوريب عىل أنه تاريخ الجمع بني‬ ‫لكن بأدوات مختلفة يف اإليقاع والزمن املوسيقي‪ .‬كانت‬ ‫مختلف التقاليد التي تشكل ما يسمى باألدب الغريب‪،‬‬ ‫النسخة التي مركزها جول الفورغ وليس بول فريالن األكرث‬ ‫حتى ال نخوض يف الحديث عن الحضور العريب يف الغناء‬ ‫بروزا ونقدا‪ ،‬إذ كانت الوضعية الفردية لالفورغ تسمح يف‬ ‫الشعري الربوفسني أو حضور الهايكو والشعر الصيني‬ ‫الحداثة األنجلوامريكية بتفسري شكل هذه الحركة التي‬ ‫يف الشعر الحديث‪ .‬يدرس النقاد «التأثريات» لكن هذا‬ ‫جاءت متزامنة مع الرمزية وضدها‪ .‬أدخل باوند و ت‪.‬س‬ ‫املفهوم غري صحيح‪ ،‬األصح هو اعتبار األدب الغريب كال ال‬ ‫يتجزأ‪ ،‬حيث شخوصه الرئيسة ليست هي التقاليد الوطنية إليوت ‪ ،‬سريا عىل خطى الفورغ‪ ،‬نقد الرمزية داخل الرمزية‪،‬‬ ‫أو السخرية مام سامه باوند نفسه‪« :‬مهرجوا الزينة‬ ‫وال حتى ما يسمى ب «القومية الفنية»‪ .‬كل األساليب‬ ‫جامعية تنتقل من لغة إىل أخرى‪ .‬جميع املؤلفات متجدرة الرمزيون»‪ .‬هذا املوقف النقدي سيعيد الشعراء‪ ،‬بعد ذلك‬ ‫بقليل‪ ،‬لكتابة شعر حديث لكنه ليس حداثيا‪ ،‬وهكذا بدأ‬ ‫يف تربتها اللفظية‪ ،‬وبالتايل فهي وحيدة‪ ...‬وحيدة لكنها‬

‫‪62‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫ترجمة الشعر‬

‫الرسومات ‪ :‬مونيكا بيري‬

‫الشاعر املكسييك رامون لوبيث بيالردي الذي أصدر سنة‬ ‫عزف جديد مع والس ستيفنس و وليام كارلوس ووليامز‬ ‫‪ 1919‬ديوانه ‪ ، Zozobra‬الديوان الذي تحول إىل الكتاب‬ ‫وآخرين‪ :‬عزف الشعر األنجلو أمرييك املعارص‪.‬‬ ‫يعد حظ الفورغ يف الشعر االنجليزي والشعر االسباين مثاال املركزي ملا بعد الحداثة الهيسبانو أمريكية‪ ،‬أي الكتاب‬ ‫املركزي لرمزيتنا املنافية للرمزية‪ .‬سنتان قبل ذلك كان‬ ‫عىل العالقة املتبادلة بني اإلبداع والتقليد‪ ،‬بني الرتجمة‬ ‫اليوت قد أصدر ديوانه املوسوم ب ‪Prufrock and other‬‬ ‫والنص األصيل‪ .‬تأثري الشاعر الفرنيس عىل إليوت وباوند‬ ‫‪ observations‬يف بوسطن‪ ،‬حيث كان الفورغا بروتستانتيا‪،‬‬ ‫معروف جدا‪ ،‬لكن بالكاد يكون األمر كذلك فيام يخص‬ ‫وقد تخرج حديثا من جامعة هارفارد‪ .‬ويف الجانب املقابل‬ ‫تأثريه عىل الشعراء الهيسبانو امريكيني‪ .‬أصدر الشاعر‬ ‫كان رامون لوبيث بيالردي الفورغا كاثوليكيا يف ثكاتيكاس‬ ‫األرجنتيني ليوبولدو لوغونيس‪ ،‬أحد أعظم شعراء لغتنا‪،‬‬ ‫باملكسيك هاربا من مدرسة اكلرييكية ‪ .‬إيروتيكية وسباب‬ ‫وأحد الشعراء األقل حظا من حيث الدراسة‪ ،‬ديوانه ‪Los‬‬ ‫وفكاهة و «نوع من القلق الباطني الرجعي» كام قال‬ ‫‪ crepúsculos del jardín‬سنة ‪ .1905‬ضم هذا الديوان‬ ‫ألول مرة يف تاريخ اللغة االسبانية بعض الخصائص الفورجية لوبيث بيالردي‪ ،‬الشاعر املكسييك‪ ،‬الذي تويف بعد ذلك‬ ‫مثل‪ :‬السخرية والخلط بني اللغة العامية واألدبية‪ ،‬واإلتيان بقليل سنة ‪ 1921‬يف عمر يناهز ثالثة وثالثني سنة‪ .‬أعامله‬ ‫تنتهي حيث بدأت أعامل اليوت‪ ...‬بوسطن وثكاتيكاس‪:‬‬ ‫بصور عنيفة حرضية منافية للعقل إىل جانب طبيعة‬ ‫إتحاد هذين االسمني يجعلنا نبتسم كام لو كان األمر‬ ‫متحولة إىل قابلة مضحكة‪ .‬بعض قصائد هذا الديوان‬ ‫يتعلق بواحدة من تلك الجمعيات الغري الالئقة التي تروق‬ ‫يبدوا أنها كتبت عىل غرار قصيدة الفورغ ‪Dimanches‬‬ ‫لالفورغ‪ .‬شاعران إثنان‪ ،‬كتبا تقريبا يف السنوات نفسها‪،‬‬ ‫‪ ،bannis de l›Infini‬آحاد الربجوازية الهيسبانو أمريكية‬ ‫بلغتني مختلفتني‪ ،‬حتى دون أن ينتاب الشك أي منهام‬ ‫يف نهاية القرن‪ .‬ويف سنة ‪ 1909‬أصدر لوغونيس ديوانه‬ ‫بوجود اآلخر‪ .‬نسختان مختلفتان وأصليتان بالقدر نفسه‪،‬‬ ‫‪ .Lunario sentimental‬هذا الديوان‪ ،‬بالرغم من كونه‬ ‫تضامن قصائد كان شاعر آخر قد ألفها قبل سنوات يف لغة‬ ‫تقليدا لالفورغ‪ ،‬يعد إحدى الدواوين األصيلة يف ذلك‬ ‫أخرى‬ ‫الوقت ومازال إىل حدود الساعة ميكن قراءته بإعجاب‬ ‫واستمتاع‪ .‬تأثري هذا الديوان عىل الشعراء الالتينو أمريكيني‬ ‫كان كبريا‪ ،‬لكن ليس بقدر ميمون ومحفز أكرث منه لدى‬ ‫ترجمة عن االسبانية‪ :‬عبدهللا توتي‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪63‬‬


‫‪.‬‬

‫عبدهللا أبو بكر‬ ‫‪.............................................................................................................‬‬

‫حول الشعر‬ ‫مهرجانات الشعر ‪..‬‬

‫مل تس��تطع الس��احة الش��عرية العربية حتى اليوم‪ ،‬الفكاك من قيود وخرائط مهرجاناتها التي ال تقود س��وى لعدد قليل ومعروف‬ ‫من األس�ماء الش��عرية‪ ،‬كتلك التي استطاعت الركوب عىل ظهر الشعر‪ ،‬ونحتت أسامءها يف كشوف املشاركات التي تع ّدها إدارات‬ ‫معظم املهرجانات‪ ،‬حتى بات من الصعب أن تس��قط عنها‪ ،‬أو أن تأخذ اس�تراحة يك تتيح لغريها أن يظهر وأن يعلن عن نفس��ه‪ .‬ال‬ ‫س��يام‪ ،‬أن وسائل اإلعالم هي األخرى وقعت يف فخاخ “املحس��وبية والشللية واملجامالت واألسامء املنحوتة يف صفحاتها وشاشاتها”‬ ‫والتصقت أيضا ببعض الش��خصيات الش��عرية “الكربى”‪ .‬نحن إذن أمام س�يرك ثقايف‪ ،‬أو كوميديا ثقافية أكرث ما مييزها أنها تصيب‬ ‫املتابع لها بالبكاء ال بالضحك‪ .‬هذا ما يؤكده الجدل الواس��ع الذي يلحق مهرجانات الش��عر املقامة عىل امتداد الجغرافيا العربية‪..‬‬ ‫إال القليل منها ‪.‬‬

‫الشعراء الجدد ‪..‬‬

‫عندم��ا يحتفى باللغة العربية‪ ،‬ال بد أيضا من االحتفاء بالش��عر وكل الفنون التي تنش��أ عرب اللغ��ة‪ .‬ومثلام أثار البعض العديد من‬ ‫املخاوف حول اللغة العربية والتحديات املستقبلية‪ .‬ال بد أيضا أن تثار العديد من القضايا املتعلقة بالشعر العريب‪ ،‬الذي يهيم اليوم‬ ‫كل واد‪ ،‬وتطرح باس��مه مئات األعامل األدبية املتواضعة التي ال تعكس أبدا حقيقته كونه أس��مى الفنون وأبرز مكونات الثقافة‬ ‫يف ّ‬ ‫العربية والدليل األول إىل تاريخ األمة وحضارتها‪ .‬ما يتم رميه اليوم يف الس��وق من كتب ودواوين لكثري من الش��عراء الجدد الذين‬ ‫تس��لقوا أسوار الشعر واستسهلوا الكتابة‪ ،‬ينبئ عن مس��تقبل شعري ذابل‪ ،‬يذهب بنا إىل مناطق مل تكن يوما ذات هوية إبداعية‪.‬‬ ‫فأين هو النقد مام يتم انتاجه اليوم ؟ وهل أصبح فوق الش��عر ؟ ثم ملاذا ال يتم النظر إىل التجارب الجديدة الجادة والقادرة عىل‬ ‫أن تكمل الطريق لتصل وتُنجز وتُط ّور‪ ،‬يف الوقت الذي نجد هناك اهتامما غري مربر يف تجارب متواضعة وقليلة اإلبداع ؟‬

‫قصيدة اللجوء ‪..‬‬

‫رافق الش��عر مسرية القضية الفلس��طينية‪ ،‬وس��ار معها عىل طريق واحدة‪ .‬كام رافق الكثري من التحوالت التي شهدتها دول العامل‬ ‫العريب‪ .‬الش��اعر كان الناطق األول بلسان األرض‪ ،‬وحده يروي حكايتها‪ ،‬ويحمل صوت املأساة‪ ،‬ليسبق صوته صوت الرصاص ويعلو‬ ‫عليه‪ .‬أمل تحمل القضية يف ٍيد غصن الكالم‪ ،‬ويف األخرى بندقية ؟ من يكتب اليوم قصيدة اللجوء‪ ،‬بعد أن عاش الالجئ حياة اللجوء‬ ‫مجددا بدال من الخالص منها ؟ ليس��ت هذه دعوة من أجل العودة بالش��عر إىل الوراء أو كتابة قصيدة “البيان السيايس”‪ ،‬بقدر ما‬ ‫هي عالمة استفهام تليها عالمة تعجب تبحث يف أسباب حياد الشعر‪ ،‬أو رمبا تعاليه !‬

‫الشعر اليتيم ‪..‬‬

‫قال حمزاتوف “أيها الش��عر ‪..‬أنا لوالك يتيم”‪ .‬ذلك هو الش��عر الذي كان حمزاتوف يجر عربته إىل حقول الجامل وبس��اتني القول‬ ‫الخرضاء‪ .‬وكان يدرك تلك الطاقة الهائلة التي تتفجر منه‪ ،‬ومتده بالحياة‪ .‬يف زمن كان الناس فيه يتتبعون القصيدة ويبلّلون واقعهم‬ ‫مبائها‪ ،‬ألنها القادرة عىل القول والتعبري عنهم ‪.‬أما اليوم‪ ،‬فالش��عر ذاته بحاجة إىل من يعيد له ذلك الحضور بعد أن متت محارصته‬ ‫وتغييبه عن واقع املجتمع‪ .‬رمبا كان عىل شاعر آخر اليوم ان يقول “أيها الشعر كم أنت يتيم”‬ ‫‪64‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫نقد‬

‫شهاب غانم‬

‫نصف قرن‬ ‫مع الشعر‬

‫شهاب غانم شاعر يرسم في ديوانه صورة بانورامية لعالم فسيح في لعبة مرايا تنوّ عت اتجاهاتها‬ ‫لتزاوج النور بالظالل‪ ،‬واألسى بالفرح‪ ،‬التوجه السياسي باالجتماعي ورؤى الطفولة بحكمة النضج‪،‬‬ ‫ومبادئ الفلسفة بخلجات العاطفة ‪.‬حصيلة شعرية لرحلة طويلة تستخرج أقصى ممكناتها من‬ ‫خالل استيعاب ُجل ما تناولته هذه الرحلة من اتجاهات إبداعية مُ ختلفة‪.‬‬

‫حمزة قناوي‬

‫عندما‬

‫يصدر الشاعر أعامله الكاملة‬ ‫فإنه بذلك يكون قد ال َم َس‬ ‫ط َرفيَ دائر ٍة عنوانهام الشعر والحياة‪ .‬وهي دائرة قصي ٌة‬ ‫عص َّي ٌة ال ميلك قرار اتخاذ لحظتها سوى مبد ٍع اطأمن إىل أن‬ ‫ما ق ّدم ُه إمنا هو حصيلة ُعم ٍر كاملٍ حشد رحلته مع رؤاه‬ ‫ٍ‬ ‫كلامت ال تفنى وال يُكتب عليها الزوال‪.‬‬ ‫يف‬ ‫وهناك الكثري من الشعراء الذين ق ّدموا أعاملهم الكاملة‬ ‫معتربين هذه األعامل نقط ًة عىل آخ ِر سط ٍر يف شهادتهم‬ ‫اإلنسانية املحكومة باإلبداع‪ .‬فامذا س ُيق ّدم الشاعر أكرث من‬ ‫أعامله الكاملة ؟‬ ‫أما أن يجتاز الشاعر أعامله الكاملة إىل أعامله املنتقاة ‪..‬‬ ‫فهذا نو ٌع آخر من اإلبداع الذي نستطيع أن نطلق عليه‬ ‫«اإلبداع التصنيفي»‪ ،‬الذي يعتمد ال عىل الرتاكم اإلبداعي‬ ‫والوفرة اإلنتاجية للمبدع‪ ،‬وإمنا عىل معايري أخرى يضعها‬ ‫الشاعر بنفسه وتختلف من شاع ٍر إىل آخر‪ ..‬ما بني االتكاء‬

‫عىل املعيار الزمني لكتابة القصائد «تاريخ كتابة القصائد‬ ‫وتتابع مراحل تطور الشاعر عرب الدواوين الصادرة ‪ ..‬زمنياً»‬ ‫أو من خالل تصنيف معياري يعتمد املوضوع ركيز ًة له ‪..‬‬ ‫«الشعر الرومانيس عىل سبيل املثال‪ ،‬والشعر االجتامعي أو‬ ‫الشعر املكتوب ألغراض أخرى ‪ ..‬إلخ »‪.‬‬

‫الذات والعامل‬

‫والدكتور شهاب غانم استطاع باقتدار أن يتجاوز مرحلة‬ ‫مراكمة األعامل اإلبداعية – عىل ريادتها وقيمتها – يف‬ ‫األعامل الكاملة التي صدرت عن (هيئة أبو ظبي للسياحة‬ ‫والثقافة) ‪ ،‬إىل انتقاء أعام ٍل مميزة ضمن أعامله الكاملة‬ ‫اختارها وص ّنفها بعناية يف ديوانه الجديد الصادر مؤخرا ً‬ ‫«مئة قصيدة وقصيدة» ‪ ..‬وهو العمل الذي اعتمد تصنيفه‬ ‫عىل األساسني املذكورين سابقاً ‪ ..‬فاألول هو التسلسل‬ ‫الزمني حيث يرتُب الشاعر قصائده تصاعدياً حسب تاريخ‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪65‬‬


‫نقد‬

‫كتابتها الذي يبدأ يف القصيدة األوىل سنة ‪ .1960‬وتتواتر بنا‬ ‫القصائد حتى تصل إىل عام ‪ .2011‬أي ما يربو عىل النصف‬ ‫قرن من الرحلة مع الشعر‪ ..‬أما األساس الثاين الذي يعتمده‬ ‫دكتور غانم لرتاتبية قصائده يف الديوان هو انتقاؤه الخاص‬ ‫لقصائده األقرب إىل نفسه‪ ،‬مستضيئاً يف ذلك بآراء النقاد‬ ‫والصحفيني واألدباء واألصدقاء الذين أثنوا عليها بشكلٍ‬ ‫خاص‪ ،‬فمن ُهنا ‪ ..‬كان هذا هو األساس الثاين الختياره هذه‬ ‫القصائد املئة التي تُشكّل ث ُلث إبداعه الذي ق ّدمه عرب أكرث‬ ‫من ربع قرن من اإلبداع والكتابة‪.‬‬ ‫أما القصائد نفسها ‪ ..‬فقد تعددت محاورها واتجاهاتها‬ ‫التي كُتبت يف إطارها‪ ،‬فنجد يف هذا التنوع قصائد تدور‬ ‫يف اإلطار الوجداين وأخرى يف اإلطار الفلسفي وثالثة‬ ‫يف فلك السياسة وقصائد أخرى تتناول صورا ً اجتامعية‬ ‫ٍ‬ ‫ملجموعات أخرى‬ ‫مختلفة إن للشاعر وحياته يف قلبها‪ ،‬أو‬ ‫من البرش التصقت بطفولته البعيدة ‪ ..‬إضافة إىل شعر‬ ‫الرثاء والشعر الديني الذي يتخذ من الترضع ومناجاة‬ ‫الله سبحانه وتعاىل محورا ً ومرتكزا ً له ‪ ..‬إضافة إىل الشعر‬ ‫امل ُتغني بالطبيعة والذي يحشد فيه الشاعر الجامليات التي‬ ‫تتخذ من املدارس الرومانتيكية والطبيعية منهالً ملفرداتها‬ ‫ومعجمها الغارق يف الشاعرية ‪..‬‬ ‫من هنا ‪ ..‬نستطيع أن نصل إىل نتيجتني ‪:‬‬ ‫األوىل أن هذه املجموعة املختارة من القصائد إمنا‬ ‫استطاعت أن ت ُد ّل عىل آثار رحلة د‪ .‬شهاب غانم مع‬ ‫الشعر مبعظم اتجاهات هذه الرحلة الرثية وتستخرج‬ ‫أقىص ممكناتها من خالل استيعاب ُجل ما تناولته هذه‬

‫المجموعة المختارة‬ ‫من القصائد إنما‬ ‫استطاعت أن ت ُد ّ‬ ‫ل على‬ ‫آثار رحلة شهاب غانم مع‬ ‫الشعر بمعظم اتجاهات‬ ‫هذه الرحلة الثرية‬

‫‪66‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫الرحلة من اتجاهات إبداعية ُمختلفة‪.‬‬ ‫والثانية ‪ ..‬أن القارئ لقصائد هذه املجموعة يستطيع أن‬ ‫يُدرِك من الوهلة األوىل أن الدكتور شهاب غانم كان عرب‬ ‫مسريته الشعرية الباكرة مختلفاً عام تعارف عليه تطور‬ ‫اإلبداع من أن حركة التط ّور لدى أي شاعر إمنا تبدأ من‬ ‫االتجاه الوجداين‪ ،‬ومتُر مبراحل أخرى واتجاهات فكرية‬ ‫مختلفة قبل أن تصل إىل التوجه الواقعي يف الكتابة‬ ‫والشعر الفلسفي «لفلسفة أرقى وأعقد درجات الفكر‬ ‫اإلنساين كام هو معروف» ‪ ..‬وهذا التطور واتجاهه ليس‬ ‫ناموساً «يجب» أن يسري عليه الشعراء يف تراتبية محسوبة‪،‬‬ ‫وإمنا نحن نستقرؤه من التاريخ وعرب تطور حتى املدارس‬ ‫الشعرية نفسها التي بدأت مع الرومانسية ومرت باملدارس‬ ‫والتوجهات االجتامعية قبل أن تتخذ من اإلنسان وآالمه‬ ‫وتطلعاته ركيز ًة لها ‪ ..‬فتأخذ من الشعر الفلسفي الراصد‬ ‫لإلنسان وموقعه من الوجود مرتكزا ً لها ‪ ..‬قبل الوصول‬ ‫إىل الشعر الواقعي – الذي شاع بعد الحرب العاملية‬ ‫الثانية – باعتباره آخر املحطات املنهجية يف رحلة املدارس‬ ‫والشعراء مع الشعر ‪ ..‬وأقول آخر املحطات «املنهجية»‬ ‫ألن بعدها تلتها الكثري من املحطات األخرى التي لألسف‬ ‫اعتمدت عىل عشوائية الكتابة وفوىض الصورة وانعدام‬ ‫املعنى واملرتكز وهو ما يُدعى بحركات ما بعد الحداثة ‪..‬‬ ‫واالتجاهات الغارقة يف العبث والتي ذكرها شاعرنا الدكتور‬ ‫شهاب غانم يف أكرث من قصيدة مهاجامً إياها واصفها بـــ‬ ‫«شعر الخرابيط» !‬ ‫ما أردت قوله أنه بالرغم من أن التاريخ يذكر لنا هذه‬ ‫الرتاتبية التي تحدث عاد ًة يف حياة الشعراء من خالل‬ ‫تطور رؤاهم وفكرهم نضج عوامل رحلتهم مع اإلبداع‬ ‫‪ ..‬بشكل تقريري فإن شاعرنا الدكتور غانم اختلف عن‬ ‫ذلك منذ بداياته الباكرة‪ .‬حيث نجد أن شعره الوجداين‬ ‫ليس رومنسياً خالصاً وإمنا ب ِه تغ ٍّن بالطبيعة من جهة‪،‬‬ ‫وإرسار إىل النفس ومناجا ٍة لها من جه ٍة ثانية‪ ،‬كام أنه‬ ‫ينحو إىل الفلسفة يف منوذج ثالث‪ ..‬ويبدو هذا مثالً يف‬ ‫قصائد «عواطف وعواصف» و «حلول» و«من وراء الستار‬ ‫الحديدي» وغريها من القصائد‪.‬‬ ‫كطبيعة الشعر الرومانيس ومفهومه الذي يتخذ من‬


‫شهاب غانم‬

‫اإلنسان محورا ً للكون‪ ،‬بكل ما يحمله من‬ ‫قضايا وأفكار وأحالم وعذابات‪ ،‬تأيت القصائد‬ ‫الرومانسية لشاعرنا د‪ .‬شهاب غانم‪ ،‬التي‬ ‫تص ّوره يف كثري منها واقفاً يف مواجهة العامل‬ ‫منفصالً عنه مبا يحمل كالهام من سلَّمٍ قيمي‬ ‫مختلف عن اآلخر ‪ ..‬فالشاعر يرتكز يف رحلته‬ ‫الدنيوية عىل قيمه وأفكاره وأحالمه التي‬ ‫تنشد الخري والحق والجامل وأحياناً التم ُّرد‬ ‫والغضب‪ ،‬يف مواجهة عا ٍمل يفيض بالالمعنى‬ ‫وحشد املادية وسيطرة األنانية واإلجهاز عىل‬ ‫الحق وكأننا يف نهاية العامل ‪ .‬وهذه األفكار تتالقى عىل‬ ‫امتداد الكثري من القصائد ٍ‬ ‫رسي شفيف غري مريئ‬ ‫كخيط ٍّ‬ ‫يو ّحد الكثري منها عىل هذه النقطة وإن اختلفت توجهاتها‬ ‫وأغراضها ما بني رومانيس أو اجتامعي أو سيايس أو غري‬ ‫ذلك‪ .‬فالركيزة األساسية التي نستطيع أن نقول إن قصائد‬ ‫هذه املجموعة ترتكز عليها هي التغني باإلنسان ونضاله‬ ‫وقيمه والسخرية من العبث وسيطرة الالمعنى ‪ .‬يقول‬ ‫شاعرنا يف قصيدة «الزمن الرسيايل» ‪:‬‬

‫ُ‬ ‫الحابل بالنابل‬ ‫«اخت َل َط‬ ‫ُ‬ ‫فاملقتول غدا القاتل‬ ‫ُ‬ ‫والسافل أمىس العايل‬ ‫والعايل أمىس السافل‬ ‫يف هذا الزمن الرسيايل»‬

‫هذه القصيدة التي يتناول فيها شاعرنا أوضاع كوكبنا‬ ‫الذي سكنه الجنون ومألته التناقضات يف السياسة والحياة‬ ‫االجتامعية فتناول فيها ما يفيض به العامل من صور‬ ‫تستعيص عىل التحليل ‪:‬‬

‫« ُ‬ ‫متوت بداء التطه ِري العرقي‬ ‫بالدٌ كانت تسرتخي تحت خامئل‬ ‫ترفع رايات الدين‬ ‫وبالدٌ كانت ُ‬ ‫متوت اليوم لقلب الدين»‬ ‫ويكمل الشاعر ‪:‬‬

‫« اختلط الحابل بالنابل‬ ‫واب ُت َ‬ ‫يل العالِ ُم بالجاهل‬ ‫أصبح منطياً ممجوجاً‬ ‫صوت ُ‬ ‫ُ‬ ‫البلبل َ‬

‫البوم غنا ُء بالبل »‬ ‫ونعيقُ ِ‬

‫والقصيدة تعزف عىل تنويعات السياسة‬ ‫والقادة والسياسيني – يف الفرتة التي‬ ‫كُ ِتبت فيها بدءا ً من سيطرة امليديا‬ ‫عىل مشهد العرص‪ ..‬وانتشار أطباق‬ ‫الالقط الهوايئ كحبات الجدري يف وجه‬ ‫امل ُ ُدن‪ ،‬وصوالً إىل األلعاب اإللكرتونية‬ ‫التي انترشت كالوباء بني فتيان األجيال‬ ‫الجديدة و ُحمى املؤمترات التي تُعقد‬ ‫ُحصل له حقوقاً‬ ‫لحقوق اإلنسان ثم ال ت ّ‬ ‫عىل أرض الواقع ‪ ..‬ويتناول الشاعر شخصيات سياسية‬ ‫‪ ..‬كيلتسني ولينني وكلينتون وسياد بري وأدولف هتلر‬ ‫وغريهم ‪ ..‬قبل أن يع ُرج عىل مفكرين وكُتّاب وشعراء ‪:‬‬ ‫دانتي وهومريوس وشكسبري واملتنبي وبوشكني‪ ..‬يشري‬ ‫الشاعر إىل أقوالهم ‪ ..‬أفكارهم ومبادئهم وما أرادوه‬ ‫للبرشية‪ ،‬وأن بعض رؤاهم ومبادئهم تتحقق بالفعل يف‬ ‫هذا الزمن األعمى املهووس‪ .‬هذا العرص نفسه الذي تشيع‬ ‫فيه األوبئة وأمراض العرص‪ :‬جنون البقر ‪:‬‬

‫«ماذا ّ‬ ‫حل بعاصمة الحكمة لندن ؟‬ ‫حتى البقر هناك تجنّن‬ ‫فالبقر‪ -‬ولو كان عُجوال‬ ‫ُّ‬ ‫غذوه أدمغ ًة فاسد ًة فغدا مخبوال‬ ‫أفضل لو ُيفط ُر فوال !‬ ‫أما قارة حام فتشهدُ هوال‬ ‫تلوح إيبوال‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫لوح باسمة من خلف اإليدز‬ ‫و ُت ُ‬ ‫ُ‬ ‫متوت ماليني التوتيس والهوتا‬ ‫تتس َّو ُل أدوي ًة أو قوتا‬ ‫فتهب جيوش األوبئة وأرتال القحط وتشبعهم موتا»‬ ‫ويا لها من صور ٍة قامتة حقاً لهذا الزمن‪..‬‬ ‫يختمها الشاعر بالنتيجة التي توصل إليها عرب كل هذه‬ ‫املشاهدات والرؤى ‪:‬‬

‫«هذي أزمان الهرولة الرسيالية‬ ‫أزمان القنبلة الذر ّية‬ ‫والكياموية ‪ ..‬والناباملية‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪67‬‬


‫نقد‬

‫والفوسفورية ‪ ..‬والعنقودية‬ ‫والجرثومية ‪ ..‬واإلرهابية‬ ‫يف هذا الزمن الرسيايل‬ ‫اختلط الحابل بالنابل‬ ‫وغدا املجنون هو العاقل !»‬

‫هذه الرؤية الناقدة التي يتسلّح بها الشاعر يف مواجهة‬ ‫هذا العرص املقلوب األوضاع إمنا متتح من معني عميق يف‬ ‫أغوار نفسه املمتلئة بقيم اإلنسان‪ ..‬وكثري ٌة هي القصائد‬ ‫التي وردت يف املجموعة عازف ًة عىل هذا الوتر نفسه ‪..‬‬ ‫وتر العامل الغارق يف العبث والعنف ‪ ..‬ومواجهة اإلنسان‬ ‫‪ /‬الفرد وحيدا ً أمامه ‪ ..‬والشاعر وحده الشاهد عىل هذه‬ ‫املعادلة غري العادلة‪ .‬من هذه القصائد «حضارة النابامل»‬ ‫و«العوملة» و«املوت والحضارات» و « يف عرص االستهالك»‬ ‫وغريها من القصائد التي تريث هذا العرص وإنسانه‪.‬‬

‫أسئلة الوجود‬

‫إن القيمة الحقيقية ألي ِشع ٍر إمنا تُقاس عىل عاملني ‪:‬‬ ‫البناء الفني ( فالفن إجامالً بني ٌة وتكوين يف األساس ) ونُبل‬ ‫وأهمية املادة‪ /‬املوضوع مناط العمل‪ .‬وهذا ما يجعل‬ ‫الشعر يسمو عن النظم ومن هنا تأيت فرادة الكثري من‬ ‫قصائد هذا الديوان ‪..‬‬ ‫فالشاعر الذي رأيناه يف الكثري من القصائد املاضية التي‬ ‫تناولناها يقف متخذا ً موقفاً من العامل يف دوائره الفارغة‬ ‫العبثية التي تنترص لألقيمة والالنظام والعبث إمنا يتخذ‬ ‫هذا املوقف الراسخ من فلسف ٍة عميق ٍة ركيزتها اإلميان‬

‫الكثير من قصائد الديوان‬ ‫يتميز بالطرافة بدء ًا من‬ ‫التسمية (عتبة النص) مرور ًا‬ ‫بالموضوع‪ ،‬ووصو ً‬ ‫ال إلى‬ ‫الخاتمة التي تحمل بدورها‬ ‫شيئ ًا من الطرافة األسلوبية‬

‫‪68‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫واالعتقاد الفكري الراسخ بثوابت ويقينيات مل تهتز يف‬ ‫نفسه لحظ ًة ‪ ،‬وهي تطالعنا بني ح ٍني وآخر يف قصائد مثل‬ ‫رضع» ‪« ،‬لك الحم ُد » ‪ « ،‬بأيب وأمي أنت يا ُ‬ ‫رسول الله‬ ‫«ت ُّ‬ ‫» و « أال بذك ِر الله » ‪ ..‬وغريها من قصائد‪.‬‬ ‫والقصائد السابقة التي تتضح أهدافها ومعانيها وقيمها من‬ ‫عتبتها النصيَّة – العنوان – إمنا تشري إىل كينونة وطبيعة‬ ‫الشاعر الذي يتخذ من اإلميان ديدناً لرؤاه التي تحلل‬ ‫الواقع البرشي وتواجه ما تراه يف العامل من خلل وفساد ‪..‬‬ ‫أو ما أطلق عليه شييل «شهوة إصالح العامل» ‪.‬‬ ‫يف قصيدة «حلول» تطالعنا فكرة الحلول الفلسفية التي‬ ‫ترى أن األرواح تلتقي وتنقسم وتتناسخ كل يف األخرى‪..‬‬ ‫يقول الشاعر ‪:‬‬

‫ُ‬ ‫أصبحت جزءاً من حيايت‬ ‫«منذ أن‬ ‫ِ‬ ‫أصبح الجز ُء هو ُ‬ ‫الك ُّل ‪..‬‬ ‫َ‬ ‫أصبحت ذايت‬ ‫فقد‬ ‫ِ‬ ‫ال تخايل أنني أهذي بإحدى شطحايت‬ ‫تجتاح ببح ٍر وفال ِة »‬ ‫رمبا كنا بجسمني وما بينهام األيا ُم‬ ‫ُ‬

‫فهذه الصورة الرائعة التي أوردها الشاعر متمثالً فيها‬ ‫هذا املبدأ الفلسفي الصايف إمنا يورده يف معرض تعبريه عن‬ ‫عالقته مبن يحب‪ .‬وهي عالقة بلغت فيها درجة التطابق‬ ‫والتامهي مع املحبوب حدا ً صوفياً يصل إىل االتحاد‬ ‫والحلول يف املحبوب‪.‬‬

‫مشهدية القصيدة‬

‫الكثري من قصائد الديوان يتميز بالطرافة بدءا ً من التسمية‬ ‫«عتبة النص» مرورا ً باملوضوع‪ ،‬ووصوالً إىل الخامتة التي‬ ‫تحمل بدورها شيئاً من الطرافة األسلوبية مثل مفاجأة‬ ‫القارئ أو إدهاشه أو التوصل إىل حكم ٍة شاملة تجمع‬ ‫ما هدفت له القصيدة من البداية‪ ،‬كقصيدة «بخبوخ»‬ ‫مثالً وقصائد «هنوف» و»مناغاة توأم»‪« ،‬مداعبة»‪« ،‬فأر‬ ‫ميكيافييل»‪« ،‬سباق الجرذان»‪« ،‬برج»‪ ..‬إلخ‪.‬‬ ‫قصيدة «بخبوخ» التي تص ِّور جدا ً يالعب حفيدته‪ ،‬فيخفي‬ ‫منها الدرهم يف يده‪ ،‬وهو يهمس «بخبوخ» وهي تحاول‬ ‫مجاراته‪ ،‬ولعل هذه الكلمة‪/‬الثيمة امل ُستخدمة إلخفاء‬ ‫الدرهم مستمدة من األدب الشعبي ومن أدبيات الحكاية‬ ‫الشعبية‪ ،‬يستخدمها املبدع يف قصيدته أكرث من مر ٍة‪:‬‬


‫شهاب غانم‬

‫«ضح َكت وال َت َم َعت دهشتُها يف العينني‬ ‫ِ‬ ‫كانت يحفظها املوىل دون العامي‬ ‫«بخبوخ»‬ ‫وتوارى درهمنا املنفوخ‬ ‫راحت ُ‬ ‫تحرض دُميتها الضخمة ذات الثوب الجوخ‬ ‫كفي وقالت‪« :‬بحبوح»‬ ‫وضعتها يف َّ‬ ‫قلت أر ُ‬ ‫ُ‬ ‫صوت مبحوح‪،‬‬ ‫اوغ يف ٍ‬ ‫ُ‬ ‫هذي الدُ مية أحىل من أن ُتخفى‬ ‫‪ ..‬يا روح الروح!»‪.‬‬

‫فالقصيدة التي يخالُها القارئ تصويرا ً مشهدياً طريفاً لحوا ٍر‬ ‫خفيف بني ٍ‬ ‫جد وحفيد ٍة‪ ،‬إمنا تخفي نهايتها حكمةً‪ ،‬هي‬ ‫ما ُسمي يف الشعر العريب «بيت القصيد» وهي يف الشعر‬ ‫الغريب أيضاً «البيت املركَز أو النواة»‪ ،‬فالحكمة البادية هي‬ ‫أن الدرهم ‪ /‬الدينار ‪ /‬الدوالر‪ ،‬ال يمُ كن أن يُخفى أو تخطئ‬ ‫أثره العني يف هذا الزمن الذي ال يُرى سوا ُه فيه‪ .‬وهذا‬ ‫النوع من القصائد يُطلق عليه يف مدرسة الشعر الحديث‬ ‫شعر «الومضة» وهو املعتمد عىل التكثيف واالختزال‬ ‫وطرح الفكرة يف نهايته بصور ٍة رسيع ٍة والفتة‪ ،‬متكن منه‬ ‫شاعرنا عىل امتداد العمل الذي حفل بهذه النوعية من‬ ‫القصائد‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫غري أن استقطاع رشيحة من العمل‪ ،‬من الصعب أن تُلخّص‬ ‫السامت الفنية الكاملة للديوان‪ ،‬وذلك لتن ُّوع الفنيات‬ ‫املتبعة يف كتابة القصائد‪ ،‬التي غلب عليها الطابع الوجداين‪،‬‬ ‫والتيار العاطفي كام يف قصائد شديدة النزوع إىل هذا‬ ‫ِ‬ ‫«عيناك»‪،‬‬ ‫التيار مثل «حلول»‪« ،‬معاين الهوى عندي»‪،‬‬ ‫وسواها من القصائد‪.‬‬

‫التوجه السيايس وسؤال الراهن‬

‫أما التوجه السيايس يف القصائد فواضح من خالل الكثري‬ ‫من القصائد التي رصدت قضايا كانت أيقونة عرصها‪،‬‬ ‫وبعضها مازال حياً لآلن‪ ،‬ومن القصائد هذه «بريوت ‪،»82‬‬ ‫و»طيور االنتفاضة» و»املوت والحضارات» «الفوىض‬ ‫الخالقة»‪ ..‬إلخ‪.‬‬ ‫هذه القصائد‪ ،‬كام هو واضح من عناوينها الشديدة‬ ‫االلتصاق مبتونها‪ ،‬إمنا تشري إىل ارتباط الشاعر بقضايا عرصه‪،‬‬

‫وبهويته العربية‪ ،‬وإمياناته بالنضال والحق والقيم‪ .‬رمبا‬ ‫اختلفت شواهد العواصم العربية التي طالتها املحن عن‬ ‫تلك الفرتة التي كتب فيها مبدعنا نصه ‪ ..‬غري أن الحال‬ ‫العريب يبقى واحدا ً غارقاً يف بؤس واقعه ‪ ..‬وهو ما مل تف ّوته‬ ‫عني الشاعر التي ال تغفل عن الرصد والتغني باملأساة عرب‬ ‫سخري ٍة ممرورة تتامهى والواقع العبثي‪.‬‬ ‫نقرأ يف قصيدة «بريوت ‪:»28‬‬

‫« لو كانت تسمع مني الهيئات املعنية‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ستحدث جائز ٌة دولية‬ ‫ألرشت بأن ُت‬ ‫أعىل من «نوبل» لإلنجازلت السلمية‬ ‫متنحها لـ«مناحم بيجني»‬ ‫ولـ «شارون» و«هيج» و«ريجن»‬ ‫عن «صور» و«صيدا» «والنبطية»‬ ‫ومجازر بريوت الغربية‬ ‫***‬ ‫بريوت الحسناء املعتادة أن تسرتخي تحت األنغام‬ ‫أمست ال تج َد مكاناً لتنام‬ ‫َ‬ ‫إال فوق األلغام‬ ‫أو تحت جحيم النابامل‬ ‫بريوت املعتادة أن تحيا تحت عناقيد ال َك ْر ِم الذهبية‬ ‫باتت ال تحيا إال َ‬ ‫تحت القنبلة العنقودية‬ ‫والقنبلة الفوسفورية‬ ‫وسعري األحقاد الصهيونية‬

‫***‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪69‬‬


‫نقد‬

‫آ ٍه آه‬ ‫نرص َخ وا ُذالهَّ‬ ‫مل يبقَ إال أن ُ‬ ‫عتص ٌم» حتى نستنج َد «وا ُمعتصامه»‬ ‫فلدينا ال يوج َد « ُم ِ‬ ‫ُ‬ ‫ولدينا ال يوج َد « ُقطزٌ» يه ِتف فينا «وا‬ ‫إسالماه»‬ ‫مل يبقَ إال األشباه!‬ ‫***‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫عرشون نهارا تحت القصف ومازالت صامدة بريوت‬ ‫مل تسقط‬ ‫لكن قد سقطت عن عورتنا أوراق التوت»‬ ‫يف النص السابق نالحظ التقاطع‬ ‫السيميايئ‪ /‬اإلشاري بني الرموز‬ ‫التاريخية امل ُستحرضة من تاريخنا‬ ‫العريب واإلسالمي إىل قلب النص‬ ‫الذي يسترشف الحاالت التاريخية‬ ‫نفسها التي يرمز لها الحدث‬ ‫التاريخي امل ُستحرض‪ .‬واستحضار‬ ‫هذه الرموز يستلزم من املبدع أن‬ ‫يخلق لها واقعاً يف تجربته الشعرية‬ ‫املعارصة مبعنى أن محاولة استحضار‬ ‫هذه الرموز ـ الشخصيات خصوصاً‬ ‫ـ ليس من منظور توثيقي ـ تاريخي‬ ‫مبارش‪ ،‬لكن من زاوية إبداعية‪ ،‬وذلك‬ ‫من خالل إحياء هذه الشخصية ضمن السياق الشعري‬ ‫للقصيدة‪ ،‬و إعطائِها أبعادا ً ُمتع ِّددَة‪ ،‬وهو ما برز يف هذا‬ ‫التو ُّجه الشعري يف مجموعة د‪.‬غانم باقتدار‪.‬‬

‫جدلية الشعر والحياة‪..‬‬ ‫«املرايا املتجاورة»‬

‫ال يش َء يخترص الحياة سوى الشعر‪ .‬هذه اللغة العليا‬ ‫املكثفة التي تختزل تجارب اإلنسان ومتنحها أبعادا ً‬ ‫تجريدية من الزمان واملكان غري مبقي ٍة سوى عىل القيمة‬ ‫وما م ّر به اإلنسان‪ .‬فكأن كل قصيد ٍة هي مرآ ٌة تنعكس‬

‫‪70‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫ٍ‬ ‫ملوقف أو مبدأ أو فكر ٍة مرسبل ًة‬ ‫عليها رؤى الشاعر‬ ‫باألىس أو موشّ ا ًة بالفرح‪ .‬ونتيجة هذا التواشج بني الفكر‬ ‫والعاطفة وصياغتهام معاً يف اإلطار املالئم ملقتىض الحال‬ ‫تنتج القصيدة التي تؤ ّرخ لسرية اإلنسان‪ ..‬مجسد ًة‬ ‫خلجاته وأحالمه وأحزانه‪ .‬هذه البانوراما الفنية هي‬ ‫التي استطاع شهاب غانم أن يرسمها لنا يف ديوانه الذي‬ ‫تن ّوعت اتجاهات مراياه التي زاوجت النور بالظالل‪،‬‬ ‫واألىس بالفرح‪ ،‬التوجه السيايس باالجتامعي ورؤى الطفولة‬ ‫بحكمة النضج‪ ،‬ومبادئ الفلسفة بخلجات العاطفة يف‬ ‫قصائد حاورت املوت يف قسوته « من أين أدخل يف املرثا ِة‬ ‫يا أبتي» والحياة يف بهجتها ونشوتها « فراش ٌة وورد» و‬ ‫«عواطف وعواصف» والطبيعة وتجلياتها‬ ‫ٌ‬ ‫وحوارات ما ورائياتها – «امليتافيزيقا»‬ ‫«عىل ضفاف الفالنيس» و «يف ُرىب‬ ‫األ ْرز» واالنحياز إىل اإلنسان وقضاياه‬ ‫«أنشودة لطيور االنتفاضة» و «أسطول‬ ‫الحرية» وشعر الوجد والعشق وهو كثري‬ ‫وقصائده متعددة ‪ ،‬والشعر الفلسفي‪،‬‬ ‫« تواج ٌد بدفق ِة الفناء» و«الحلمو‬ ‫«الفارس» و «هذه الحياة» و«حلول»‬ ‫وغريها ‪.‬‬ ‫إن كل هذه األغراض التي تناولتها‬ ‫قصائد شهاب غانم إمنا تجاورت كاملرايا‬ ‫ترسم صورة الحياة وانعكاساتها‬ ‫التي ُ‬ ‫يف الكلامت عرب الصور واألخيلة‪ ،‬وهي‬ ‫الصورة الوحيدة التي قد تتفوق عىل األصل يف عاملنا عرب‬ ‫ما تعكسه املرايا مضافاً إليه ما تعكسه روح الشاعر من‬ ‫خلقٍ وإبداع‪ .‬وقد استطاعت هذه القصائد‪ /‬املرايا التي‬ ‫حاورت الكون من أصغر أشيائه ألعمق قضاياه وأكرثها‬ ‫ترسم صور ًة صادقة له‪..‬‬ ‫التصاقاً باإلنسان ومصريه أن ُ‬ ‫لإلنسان ‪ ..‬وللشاعر وللعرص الذي نحياه‪ ..‬آسي ًة عىل الكثري‬ ‫مام متنته ومل تجده يف بحثها عن الخري املطلق ‪ ..‬ولكنها‬ ‫يف الوقت ذاته ظلت متمسك ًة باألمل متغني ًة به يف رسمها‬ ‫هذه الصورة البديعة التي رسمتها ريشتا ال ُعمر املديد‬ ‫واإلبداع الفريد‬


‫حسن الشرفي‬

‫حسن عبد اهلل الشرفي‬

‫كائنات‬ ‫الذات والعالم‬

‫يشكل ديوان «كائنات الوصل» للشاعر اليمني حسن عبدهللا الشرفي عتبة أساسية في مشروعه الشعري‪،‬‬ ‫ذلك انه يحتمل تنويعات مختلفة واسفار في عوالم الذات والمحيط‪.‬‬

‫عبد الرحمن مراد‬

‫«كائنات‬

‫الوصل» ‪ ،‬هي تلك الكائنات ‪ ،‬التي‬ ‫ترتاسل مع ذات الشاعر‪ ،‬سواء كانت‬ ‫ذهنية أو حسية أو وجدانية‪ ،‬وقد انحرصت يف مجموعة‬ ‫من املضامني تستجيل الرؤية‪ ،‬وتحدد اتجاهاتها ‪.‬‬

‫الحرية‬

‫تأيت الحرية يف مستهل العمل كنزوع وسعي إىل االنعتاق‬ ‫من قبضة املايض‪ ،‬والهروب بخطى متسارعة إىل املستقبل‪،‬‬ ‫وقد جاءت يف شكل موجة من الغضب ‪،‬إلحداث التوازن‬ ‫النفيس‪ ،‬سعياً لرأب الصدع يف الذات‪ ،‬وهروباً إىل قيمة‬ ‫انسانية مفقودة‪.‬‬

‫وتتبدى عىل هيئة رصاع بني املايض والحارض‪ ،‬ولكن بعض‬ ‫تجلياته تسترشف املستقبل ‪ ،‬لكنها ال تالمس رشوطه‬ ‫املوضوعية‪ ،‬مام أفىض إىل النكوص النفيس ‪،‬الذي المس‬ ‫الذات العربية‪ ،‬بعد نكسة ‪ 5‬حزيران ‪ ،1967‬ولكون الشاعر‬ ‫حسن عبد الله الرشيف ‪ ،‬من نتاج روحية تلك الفرتة ومتأثرا ً‬ ‫باتجاهاتها فقد ظل يبتهل يف محراب ذلك املرشوع ‪ /‬الحلم‪،‬‬ ‫كام يتجىل ذلك يف نص « محراب الحلم»‪:‬‬

‫لسبتمرب غن ّي ُت المثل من غنى‬ ‫وأعطيته العزف املبارك واللحنا‬ ‫وقلت له ياسيد العمر ماأرى‬ ‫سواك يرس القلب والعني واألذنا‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪71‬‬


‫نقد‬

‫بينام جاء نص «صنعاء والخيط األول» متوازياً مع مبدأ‬ ‫جلد الذات‪ ،‬وقد أهداه الشاعر إىل الحلم الضائع ‪:‬‬

‫من أول الخيط محلوجاً ومغزوالً‬ ‫أرى نسيجك فوق الطمي محموال‬ ‫غدت وراحت فال شهر والسنة‬ ‫متى تعيد رياح القلب أيلوال ؟‬ ‫سمعت بالزمن الثاين صبيحتها‬ ‫وما أرى بعدها إال األباطيال‬

‫الشاعر يسعى إىل الخالص من الزمن الراهن‪ ،‬ويتوق إىل‬ ‫زمن آخر‪ ،‬وهذا الهروب إىل املستقبل‪ ،‬يفيض بالرضورة إىل‬ ‫االنفصال عن املكان‪ ،‬وهو ما نتوافق عىل تسميته‪ ،‬بالغربة‬ ‫الروحية واملكانية‪ ،‬التي أوجزها الشاعر عىل النحو التايل ‪:‬‬

‫«يا فج عطان» ماعاد الخميس هنا‬ ‫ومل يعد بيته بالحلم مأهوال‬ ‫جاءت خميسات من اليؤمنون به‬ ‫وانت ادرى به نصاً وتأويال‬

‫يشكو الشاعر هنا الطارئني عىل ذلك الحلم ‪ ،‬وطغيان‬ ‫« األنا » التي ال تربأ من التضخم‪ ،‬عن طريق رسم البطوالت‬ ‫الوهمية يف صنع الحدث‪ ،‬وجاءت مفردة «خميسات» لتدل‬ ‫عىل تعدد التأويالت للدال النظري ‪ ،‬إذ أن تشابه األلفاظ‬ ‫ال يعني تطابق الداللة ‪ ،‬بل إن تعددها – أي الداللة ـ قد‬ ‫يفيض إىل الشتات‪.‬‬

‫األصدقاء‬

‫الصداقة كعالقة اجتامعية توافقية وحميمية ‪ ،‬ونزوع‬ ‫عاطفي ‪ ،‬تتحول إىل تقارب يف الرؤى واالتجاهات‪ ،‬بني‬

‫نال البردوني الحظ األوفر‬ ‫من قصائد الديوان‬ ‫كون الشاعر شعر بفقدان‬ ‫القيم الجمالية‪ ،‬والنقاء‬ ‫والفكر الحر بفقدانه‬

‫‪72‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫أرباب الصنعة‪ ،‬ورمبا اآلخر‪ ،‬ويف الديوان‪ ،‬تبدو أكرث احتفا ًء‬ ‫بأرباب الصنعة‪ ،‬وهي تتوافق مع اتجاه أيب متام‪ ،‬يف القول‬ ‫بآرصة األدب ‪،‬ولكن الشاعر ال يجد مفرا من عالقاته‬ ‫االجتامعية‪،‬بل ان وجوده يتحقق يف ذلك ماديا ووجدانيا ‪:‬‬

‫يا تالقصيدة هذي أنت يف نفيس‬ ‫ماأنت من عروة وثقى والنسب‬ ‫كل الوشائج إال فيك ماشغلت‬ ‫بايل وال اشعلت حزين والطريب‬

‫والشاعر يعتد بعالقاته االجتامعية أميا اعتداد ويرى أن‬ ‫إمكان وجوده متحقق بإمكان وجود األصدقاء‪:‬‬

‫أنا هنا ال بنفيس بل بأحبايب‬ ‫أنا هنا برفاق العمر أترايب‬ ‫أنا هنا بالقلوب البيض شاعرة‬ ‫وشاعراً البزفتي أو بزريايب‬

‫ولعل الربدوين ‪ ،‬قد نال الحظ األوفر من قصائد الديوان‪،‬‬ ‫كون الشاعر قد شعر بفقدان القيم الجاملية‪ ،‬والنقاء‬ ‫والفكر الحر بفقدانه‪ ،‬لذلك فقد رثاه يف أكرث من نص‪ ،‬حوى‬ ‫الديوان منها ثالث قصائد‪ ،‬ولعل هذا املثال قد يفي بالغرض‪:‬‬

‫قالو أحبك ‪:‬‬ ‫قلت حبي‬ ‫للجامل وللجالل‬ ‫للعبقرية للتحدي‬ ‫للتجيل للنضال‬ ‫للقلب مل يدنس بها‬ ‫عوراء من قيل وقال‬ ‫للفكر جباراً تخطى‬ ‫كل أسباب الزوال‬

‫املحيط األرسي واملكان‬

‫يأيت هذا املضمون‪ ،‬امتدادا ً للمضمون السابق‪ ،‬لكنه‬ ‫أكرث خصوصية منه‪ ،‬ويأيت اهتامم الشاعر به‪ ،‬لتحقيق‬ ‫االنسجام بينه وبني محيطة األرسي من جهة‪ ،‬ومن جهة‬ ‫أخرى‪ ،‬فهو يؤكد عىل آرصة االنتامء‪ ،‬من خالل تداخل‬ ‫مضمون املكان‪ ،‬كام يتجىل ذلك يف قصيدة « الخواقعة‬ ‫» وقصيدة «العوجاء»‪ ،‬إذ أنه يف القصيدتني‪ ،‬يحاول‬


‫حسن الشرفي‬

‫اسرتجاع ذاكرته‪ ،‬من خالل تأكيده عىل هويته‬ ‫املكانية‪ ،‬كام أنه يف قصيدة «قرن الشياطني»‪،‬‬ ‫التي يخاطب فيها حفيدة‪ ،‬يحاول االمتداد يف‬ ‫املستقبل‪ ،‬أو اإلبحار إليه‪ ،‬من خالل التناص‬ ‫مع أحمد بن ماجد البحار ‪ ،‬ويف جل القصائد‬ ‫التي يحويها هذا املضمون‪ ،‬يتامهى الذايت مع‬ ‫املوضوعي ‪ ،‬ويطل العام مزاحامً الخاص ‪ ،‬كنوع من‬ ‫اإلميان بتأثري املوضوعي عىل الذايت‪ ،‬كام أن ذلك‬ ‫يوحي باالنتامء إىل الزمان التاريخي‪ ،‬عن طريق‬ ‫بيان الظالل املتداخل يف جدلية مع الذات وانزياحاتها‬ ‫وتصوراتها ‪.‬‬ ‫إذن ميكن القول أن املكان‪ ،‬عند الرشيف يأخذ بعدين‬ ‫مهمني هام أوال‪،‬االنتامء والهوية ‪ ،‬وهذا البعد‪ ،‬يتمثل‬ ‫يف االلتحام الوجداين واألرسي ‪ ،‬وهو ميثل املصدر أو‬ ‫املرجع ‪ ،‬وأهمية هذا البعد ‪ ،‬تكمن يف تراسل موجودات‬ ‫املكان‪ ،‬مع الذات وجدلها معها‪ ،‬بحكم عامل التوحد‬ ‫املعريف واالجتامعي والبيئي‪ ،‬ويتجىل هذا البعد يف نص‬ ‫« العوجاء» ‪ ،‬والعوجاء‪ ،‬هي املكان الجغرايف ‪ ،‬الذي‬ ‫احتضن الشاعر يف نشأته األوىل‪ ،‬وهو االسم القديم‬ ‫ملدينة» «املحابشة» حسب توضيح الشاعر نفسه مخاطباً‬ ‫املكان ‪-:‬‬

‫ألنت وإن تكاثرت الظباء‬ ‫هواي آتيت منه كاميشاء‬ ‫وهبتك هذه الصلوات تجري‬ ‫بها يف حبة القلب الدماء‬ ‫وما صنعاء يف بايل فأنىس‬ ‫وهل تنىس مناهلها الظامء ؟‬

‫وثانيا الذاكرة ‪ ،‬وهذا البعد‪ ،‬يتصل بالبعد‬ ‫السابق‪،‬وينفصل عنه ‪ ،‬يتصل من حيث البحث عن‬ ‫الهوية عن طريق االسرتجاع ‪ ،‬وينفصل من حيث‬ ‫الغاية والقصدية والوجدانية واملعرفية‪ ،‬إذ أننا نحاول «‬ ‫بالذاكرة اسرتجاع كل اللحظات املفقودة‪ ،‬وأن نستجمع‬ ‫كل األمكنة املنسية ‪ ،‬أي أن نسيطر عىل الزمان ونصري‬ ‫يف كل مكان‪ ،‬وهي الحالة القصوى ‪ ،‬التي متثلها اللحظة‬ ‫الصوفية ‪ ،‬لحظة الجمع والتوحد ‪ .‬وميكن بيان ذلك بنص‬

‫«الخواقعة «‪ ،‬والخواقعة‪ ،‬قرية الشاعر األوىل‪ ،‬ونكتفي من‬ ‫النص ببعض األبيات ‪:‬‬

‫من القرن يف كف من قرنه‬ ‫أتيتك بالدمعة املثخنة‬ ‫وبالصوت ضاق بكل الحبال‬ ‫وضاق بقسوتها اللينة‬ ‫وجنتك من زمن متعب‬ ‫يخبئ يف حزنه أزمنه‬ ‫وبالذكريات هنا تنتمي‬ ‫هناك إىل وجع األمكنه‬ ‫وحسبي أين توهمتها‬ ‫فصدقت حبكتها املتقنة‬ ‫فكنت القصيدة يف يومها‬ ‫كام كنت من أمسها عينه‬ ‫كأين كتاب بحاشيتني‬ ‫غريب العناوين والعنونه‬

‫العوملة‬

‫جاء نص الشاعر‪ ،‬الذي يحمل نفس العنوان « عومله» ويف‬ ‫ثناياه حوارا بني ضمريي «هو» «وانت »‪،‬ليؤكد رفضه‬ ‫للعوملة‪ ،‬وتفنيدا ً آلراء املثقفني الذين يبرشون بهذا‬ ‫االتجاه‪:‬‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪73‬‬


‫نقد‬

‫رمى بوجه العوملة أوراقه وقلمه‬ ‫ماسفكت إال دمه‬ ‫ألنها كام ترى‬ ‫من الجهات املظلمة‬ ‫تالمحت سادية‬

‫رصاع « هو» مع « انت»‪ ،‬جاء لبيان أسباب الرفض‪،‬‬ ‫الذي يدل عليه البيت األول‪ ،‬الذي تضمن صورة درامية‬ ‫رافضة ‪ .‬ودل الورق والقلم عىل الذات ومن جانسها‪،‬‬ ‫وإن كان الخطاب بضمري الغائب املجهول‪ ،‬للداللة عىل‬ ‫الشيوع يف اآلخر ‪.‬‬ ‫ويسرتسل الشاعر يف سياق النص‪،‬مفصحاً عن أسباب‬ ‫الرفض‪ ،‬ومساوئ هذا االتجاه العاملي الجديد ‪ ،‬يف‬ ‫جمل خربية جامدة‪ ،‬دالة عىل الثبات عند اآلخر‪،‬‬ ‫ويتصاعد الشعور من األدىن إىل األعىل ‪ ،‬حتى يصل إىل‬ ‫ذروة االنفعال ‪،‬عن طريق التنامي أو التوليد ‪ ،‬حتى إذا‬ ‫أطمنئ للحالة الشعورية عند اآلخر‪ ،‬وأنها قادرة عىل‬ ‫االستجابة ‪ ،‬بدأ يف تحريك الثابت‪ ،‬عن طريق توايل األفعال‬ ‫يف الرتاكيب‪ ،‬والصور التوبيخية ��لساخرة‪ ..،‬كام يدل عىل‬ ‫ذلك هذا املثال ‪:‬‬ ‫يف الساق أو يف الجمجمه‬ ‫ال أنها عومله‬ ‫واملدعي واملحكمة‬ ‫كن سوطها وسجنها‬ ‫ونصها للرتجمة‬ ‫كن بنكها وسوقها‬ ‫كن من يطيع كلبها وأمه وحرمه‬ ‫هذه الصور جاءت بقصد وعي الذات‪ ،‬واملتغريالثقايف‬ ‫املفروض‪ ،‬كام أن «كائنات الوصل «‪ ،‬بكل مفرداتها‪،‬‬ ‫هدفت إىل توحيد الرؤية‪ ،‬من خالل التذكر والتجميع‬ ‫والرفض‪ ،‬تحصيناً للذات من االخرتاق ‪ ،‬وتصعيدا ً لها إىل‬ ‫مراتب الضدية مع اآلخر‪ ،‬حتى تتجاوز مراحل النفي‬ ‫واالحتواء‪ ،‬التي يسعى اآلخر إليها ‪.‬‬

‫الفضاء الفني‬

‫يبدو أن للمكان تأثري عىل االتجاه الفني واملوضوعي‪،‬‬ ‫وهذا ما تدل عليه تجربة الشاعر حسن الرشيف ‪ ،‬إذ‬ ‫يلحظ القارئ ملسار التجربة اإلبداعية للرشيف‪ ،‬فروقاً‬ ‫واضحة وجلية ‪ ،‬بني ما قبل االنتقال إىل صنعاء‪ ،‬وما بعده‪،‬‬ ‫ولعل مجموعته « عيون القصيدة « ‪،‬كانت عالمة فارقة ‪،‬‬

‫‪74‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫الشاعر ال يشبه‬ ‫إال نفسه وذلك من خالل‬ ‫سيطرته المدهشة‬ ‫على اللغة وتطويع‬ ‫عوالمها وتفجير دالالت‬ ‫الملفوظ والتأويالت‬

‫بني املرحلتني ‪ ،‬أي مرحلة ما قبل ‪ ،‬ومرحلة ما بعد ‪ ،‬وقد‬ ‫أوحى مضمونها ‪ ،‬بطموح الفرادة والتميز‪ ،‬الذي امتد‬ ‫يف اإلصدارات التي تلتها‪ ،‬حتى أضحى الشاعر ال يشبه إال‬ ‫نفسه ‪ ،‬وذلك من خالل سيطرته املدهشة عىل اللغة‪،‬‬ ‫وتطويع عواملها‪ ،‬وتفجري دالالت امللفوظ‪ ،‬إىل شظايا‬ ‫متعددة األبعاد والرموز والتأويالت ‪،‬وهذا ما نلمحه‬ ‫يف املجموعة ‪،‬التي جاء البناء النيص فيها وفق منطني‬ ‫‪ ،‬النمط األول البناء البيتي‪ ،‬والنمط الثاين بناء الوحدة‬ ‫املتنامية‪ ،‬التي تتآلف جزيئاتها لتصل إىل مرحلة االتحاد‬ ‫النيص‪ ،‬وهذا النمط ال يشكل ظاهرة ‪ ،‬يف مقابل النمط‬ ‫األول‪ ،‬وللتدليل عىل النمط الثاين ‪:‬‬ ‫«حيفان» عن حيد الطيال‬ ‫ياسيدي وسمعت عن‬ ‫وسمعت عن «ملحان» عن حيدان عن عمي وخايل‬ ‫عن سعيد عن بالل‬ ‫ماذا سمعت؟ وراح يروي‬ ‫أحقافها بني الرمال‬ ‫قالو لقد عادت إىل‬ ‫يف الزيت واملاء الزالل‬ ‫و «تهيدنت» يا صاحبي‬ ‫وزاحمت بأيب رغال‬ ‫لبست عباءة ذي القروح‬ ‫بعد الهداية بالضالل‬ ‫وسواك من يرىض لها‬ ‫يبقى القول أن الشاعر حسن عبد الله الرشيف‪ ،‬من‬ ‫الشعراء ذي املكانة الخاصة يف اليمن القادرين عىل‬ ‫اإلبهار واإلدهاش ‪ ،‬وهو صاحب رصيد إبداعي كبري ‪،‬‬ ‫وصاحب مرشوع شعري ينتظر البحث والدراسة‬


‫تنظير‬

‫ابراهيم المال‬ ‫االستعارة الجديدة في القصيدة اإلماراتية‬

‫تمتاز التجارب الشعرية اإلماراتية الجديدة باشتغال على بنية القصيدة له خصوصيته وأدواته‪ ،‬ومن‬ ‫بين األصوات التي برزت في المشهد الشعري ابراهيم المال صاحب القصيدة العابرة للبالغة التقليدية‪.‬‬

‫مفيد نجم‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪75‬‬


‫تنظير‬

‫تتأسسس أية تحوالت يف الكتابة الشعرية يف أي مشهد‬ ‫شعري كان‪ ،‬عىل أرضية رؤية جاملية وفكرية جديدة‬ ‫إىل الذات والعامل واللغة‪ ،‬وتتحدد يف ضوئها وظيفة‬ ‫اللغة‪ ،‬ووسائل التعبري عىل أساس املقرتح الشعري الذي‬ ‫تقدمه‪ ،‬وتحاول أن تتمثله بوصفه انتقاال باللغة ومعها‪،‬‬ ‫من مستوى السائد والقار‪ ،‬إىل مستوى االنزياح وإعادة‬ ‫التشكيل والبناء وفق معطى مغاير ملفهوم الكتابة‬ ‫ووظائفها وجامليات التعبري والقول فيها‪ .‬ولعل التجربة‬ ‫الشعرية يف اإلمارات كغريها من التجارب الشعرية‬ ‫العربية‪ ،‬قد خطت باتجاه تعميق رؤيتها الحداثية‪،‬‬ ‫واكتساب مالمح جديدة‪ ،‬متنحها رشعية الحضور‪ ،‬وهو ما‬ ‫ميكن أن نستدل إليه من خالل مجموعة من الخصائص‬ ‫والسامت التي ميكن أن نقف عليها يف تجربة الشاعر‬ ‫إبراهيم املال‪ ،‬بوصفها تقدم منوذجا يحوز عىل جملة من‬ ‫الخصائص األسلوبية والبالغية‪ ،‬التي متيز تلك الكتابة‬ ‫الجديدة‪ ،‬ويف مقدمتها بنية الصورة االستعارية الجديدة‪،‬‬ ‫القامئة عىل جملة من العالقات العابرة للمعطيات‬ ‫الحسية والبالغية التقليدية‪.‬‬ ‫إن هذا االختيار املنبثق من رؤية حداثية للعامل واألشياء‬ ‫وإىل عالقة الذات بها‪ ،‬يجعل بنية الصورة االستعارية‬ ‫تقوم عىل عالقات االنزياح والتضاد التي تخلق الدهشة‬ ‫والغرابة عند املتلقي‪ .‬ويف ذات الوقت إن سقوط‬ ‫يقني القصيدة والرؤية اليقينية للشاعر يف عالقته مع‬

‫‪76‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫ابراهيم املال‬

‫العامل واألشياء‪ ،‬قد ساهم يف انتقال القصيدة من الرؤيا‬ ‫مبعناها امليتافيزيقي الصويف‪ ،‬إىل الرؤية مبعناها الحديس‬ ‫االنطباعي النسبي‪ ،‬األمر الذي جعل صورة الذات‬ ‫واملنظور الشعري‪ ،‬تتبدل يف هذه القصيدة‪ ،‬وتغدو‬ ‫القصيدة معها تعبريا عن حاالت شعورية وال شعورية‬ ‫لكينونة تعاين من العزلة واإلحساس بالوحشة واالنقطاع‪،‬‬ ‫يف العالقة مع العامل الغريب‪ ،‬الذي تتعمق عالقة‬ ‫االنفصال والعجز معه‪.‬‬

‫بنية اللغة الشعرية‬

‫مل تكن تحوالت الكتابة الشعرية الجدية بغض النظر‬ ‫عن طبيعة التسمية‪ ،‬التي ميكن أن نطلقها عليها‪ ،‬مجرد‬ ‫مغامرة يف شكل الكتابة‪ ،‬بل هي شكلت جزءا من‬ ‫تحوالت الوعي الجاميل والفكري‪ ،‬والعالقة مع العامل‬ ‫واللغة واألشياء‪ .‬وقد تجىل ذلك يف أشكال الحدس‬ ‫الحيس‪ ،‬وأدوات التعبري البالغية والفنية‪ ،‬السيام عىل‬ ‫مستوى بنية الصورة الشعرية‪ ،‬التي أصبحت عنرصا‬ ‫مهمينا عىل القصيدة الحديثة‪ ،‬إضافة إىل االنتقال من‬ ‫عامل األفكار والتجريد‪ ،‬ومركزية الدور الذي كانت‬ ‫تلعبه ذات الشاعر إىل عامل املحسوسات والواقع اليومي‬ ‫املعاش‪ ،‬وهامشية الحضور الذي بات ميثله الشاعر يف‬ ‫هذا العامل‪ ،‬وكان من الطبيعي أن يطال التبدل لغة‬ ‫الشاعر‪ ،‬وبنية القصيدة الشعرية وخصائصها األسلوبية‪،‬‬


‫ابراهيم المال‬

‫باعتبارها جزءا ال يتجزأ من مرشوع الحداثة يف القصيدة‬ ‫الجديدة‪ .‬من هنا تنبع أهمية دراسة هذه الخصائص‬ ‫التي تتمحور قصائد الشاعر حولها‪ ،‬إضافة إىل وضعية‬ ‫أنا الشاعر داخل النص‪ ،‬وما يقتضيه التعبري عن ذلك من‬ ‫أدوات تعبري‪ ،‬ويف املقدمة منها بنية الصورة الشعرية‪،‬‬ ‫ووظيفتها‪ ،‬التي قامت عىل عنارص االنزياح عىل مستوى‬ ‫العالقات الجديدة التي أصبحت تربط بني مكوناتها‬ ‫وعنارصها التشكيلية الجديدة‪.‬‬ ‫إن التحول يف أشكال الوعي الجاميل‪ ،‬طال أشكال الكتابة‪،‬‬ ‫وبنية اللغة وصيغها التعبريية‪ ،‬والبالغية ولذلك فإن أية‬ ‫قراءة ملظاهر هذا التحول يف النص الشعري الجديد‪،‬‬ ‫تتطلب الكشف عن عنارص هذا التحول‪ ،‬ودالالته وعن‬ ‫آليات اشتغاله وأشكال مطارحاته‪ ،‬ويف هذا املستوى‬ ‫ميكن القول إن مثة خصائص بنيوية وتعبريية وبالغية‬ ‫باتت متيز ذلك النص‪ ،‬ومتنحه سامته الخاصة‪ ،‬ويف‬ ‫مقدمة تلك السامت التبدل الذي أصاب بنية االستعارة‬ ‫والصورة االستعارية يف القصيدة‪ ،‬وصيغ التكرار والرتاكم‬ ‫املركب‪ ،‬واالقتصاد الكبري يف اللغة باعتبارها محاور‬

‫يتمركز النص الشعري حولها‪ ،‬وترتبط مبوقع الشاعر‬ ‫داخل الكتابة‪ ،‬وطبيعة املرسلة وما تسعى إىل تحقيقه‬ ‫عىل مستوى التلقي‪.‬‬

‫بنية االستعارة الجديدة‬

‫لقد اتخذت العالقات الداخلية للغة يف قصيدة الحداثة‬ ‫بعدا جديدا يقوم عىل غياب الرتابط املألوف فيام بينها‬ ‫بحيث أدى ذلك إىل خلق مسافة توتر وتباين فيام‬ ‫بينها أدى إىل ظهور منط استعاري جديد يحكم بنية‬ ‫الصورة الشعرية‪ ،‬ومينحها قيمتها الجاملية واإليحائية‪.‬‬ ‫إن االستعارة بوصفها عملية خلق جديدة للغة‪ ،‬أو لغة‬ ‫داخل لغة كام يقول نقاد الحداثة‪ ،‬قد نجم عن تلك‬ ‫العالقات الجديدة‪ ،‬التي أقامتها اللغة بني الكلامت‪ ،‬وبني‬ ‫األشياء التي ال عالقة بينها‪ ،‬األمر الذي جعل االستعارة‬ ‫متثل انتقاال باللغة من مستوى املطابقة‪ ،‬إىل مستوى‬ ‫اللغة اإليحائية‪ ،‬ومن املعطى الحيس القار‪ ،‬إىل متثل‬ ‫مجموع التجارب الحسية والسينامئية واللونية والشكلية‬ ‫التي تتداخل وتتفاعل يف إطار الرؤية الجديدة‪ ،‬القامئة‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪77‬‬


‫تنظير‬

‫عىل معطيات جاملية وتكوينية غري مألوفة‪ ،‬محورها‬ ‫عالقات االنزياح بني األشياء بأشكالها املختلفة‪ .‬لقد‬ ‫اختلفت العالقة مع األشياء‪ ،‬باختالف الرؤية واإلدراك‬ ‫الحسيّ ‪ ،‬الذي بات مييز تلك العالقة‪ ،‬ويعرب عن تداخل‬ ‫املعطيات الشعورية واملدركات الحسية يف التجربة‪،‬‬ ‫وقد شكل تجاوز العالقة املنطقية القامئة عىل مدركات‬ ‫الحواس أحد تلك التحوالت يف الوعي الجاميل‪ ،‬فالصورة‬ ‫الشعرية التي تأيت عن طريق االستعارة‪ ،‬والقامئة عىل‬ ‫التشخيص والتجسيد‪ ،‬عملت عىل إعادة بناء العالقة بني‬ ‫األشياء من جديد‪ ،‬متجاوزة منطقية العالقة فيام بينها‪،‬‬ ‫ومركزة عىل فاعلية املخيلة الشعرية‪ ،‬يف إعادة بناء تلك‬ ‫العالقات عىل مستوى مفارق‪ ،‬وغريب ومدهش يقوم‬ ‫عىل تداخل املستويات الحسية السمعية والبرصية‬ ‫والشمية‪ ،‬وفق منطق اإلدراك الحيس‪ ،‬وإن ظل الرتكيز‬ ‫عىل الصورة البرصية هو األكرث ظهورا يف تلك الكتابات‬ ‫الشعرية‪.‬‬ ‫ومام يالحظ عىل هذه الصور االستعارية أنها تعرب يف‬ ‫بنيتها‪ ،‬عن رؤية جاملية وفكرية تيش بالتحول الذي‬ ‫أصاب الذات الشعرية‪ ،‬وموقعها داخل النص‪ ،‬فبعد أن‬ ‫كان الشاعر الرايئ واملخلص‪ ،‬انتقل موقعه من مركزية‬ ‫الحضور ومحموريته إىل الهامش‪ ،‬ما جعل لغة القصيدة‬ ‫تعكس هذا التحول يف لغة الخطاب‪ ،‬وتعرب عنه من‬ ‫خالل تأكيدها عىل املكابدة الوجودية التي بات يعيشها‪،‬‬ ‫والشعور باألمل والغربة والعزلة والغياب يف عامل فقد‬ ‫تصالحه وقدرته عىل االنسجام والتكيف معه‪ ،‬بعد أن‬ ‫فقد قدرته عىل التأثري فيه‪ .‬لقد فقدت اللغة يف هذا‬ ‫املستوى من التعبري داللتها املعجمية‪ ،‬وأضحت تؤدي‬

‫تتجاوز الصورة عند ابراهيم‬ ‫المال المعنى المباشر لها‬ ‫إلى اإليحاء ‪،‬وتنبني على‬ ‫توليف متعدد من الخبرات‬ ‫واألشكال‬

‫‪78‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫وظيفتها اإليحائية‪ ،‬وميكن أن نتخذ من العبارات والصور‬ ‫التالية مثاال واضحا عىل هذا التحول الوردة املتحجرة‬ ‫عىل فم مقفل– الثياب الرقيقة للعاصفة – متاهة‬ ‫الندى – هاوية املمىش– نحن الذين تهنا‪ /‬يف خراب‬ ‫الورد– الظل املج ّرح– الكهولة املضاعفة لأليام– الضباب‬ ‫املتحجر لذكرى الجسد– وحيدا أقرش املوسيقا– وأخدش‬ ‫باإلبرة ماء الهدوء– نحن الذين حصدنا املحبة من‬ ‫املقابر– الفتات املنثور من الضوء– قشور الضحكات‬ ‫التي رميناها– الطرق أخذتني إىل مياه النوم ‪...‬الخ‪.‬‬ ‫يظهر التداخل واالنزياح بالنسبة للمعطيات الحسية‬ ‫للتجربة الشعورية‪ ،‬التي تقوم عليها الصورة االستعارية‬ ‫التي طغت عىل بنية القصيدة الجديدة‪ ،‬والتي نشأت‬ ‫عن عالقات االنزياح القامئة بني الصفات واملوصوفات‪،‬‬ ‫بحيث نجم عنه خلق مسافة توتر وتباين‪ ،‬بسبب‬ ‫التباعد بني مكونات الصورة‪ ،‬املختلفة كام يف قوله‬ ‫«صوت القمر البارد»‪ .‬ألن الصفة«الصوت» يف هذه‬ ‫العبارة تنزاح‬ ‫عن موصوفها«القمر»‪ ،‬وهي تشكل خرقا للمعطيات‬ ‫الحسية للتجربة‪ ،‬وإعادة بناء لها وفق رؤية مختلفة‪،‬‬ ‫تنتقل باللغة من وظيفتها التعبريية املبارشة‪ ،‬إىل اللغة‬ ‫اإليحائية‪ ،‬كام سبق وأرشنا‪ ،‬وتقيم عالقات جديدة‬ ‫بني عنارص متباعدة من خالل إطالق املخيلة الشعرية‬ ‫وتحريرها من مرجعياته االحسية‪ ،‬األمر الذي جعل‬ ‫القمر يتخذ صفات جديدة من خالل منحه صفات‬ ‫مغايرة للتجربة املألوفة‪ .‬إن عالقتنا بالقمر هي عالقة‬ ‫حسية برصية‪ ،‬وليست حسية سمعية كام يكتسبها‬ ‫يف هذه الصورة االستعارية التي تقوم عىل التشخيص‪،‬‬ ‫األمر الذي يكشف عن مدى االنزياح يف بنية االستعارة‪،‬‬ ‫وبالتايل يجعل الصورة تتحرر من منطقية العالقات التي‬ ‫تحكم عالقات األشياء املوصوفة بصفاتهاغري املألوفة‪.‬‬ ‫وينطبق األمر عىل عبارة «الليل الذي يح ِّرش ذئابه»‪،‬‬ ‫إذ إن االستعارة القامئة عىل التشخيص‪ ،‬وبثّ الحياة‬ ‫والحركة يف األشياء‪ ،‬من أجل اإليحاء بالحالة املراد التعبري‬ ‫عنها بلغة بالغة التكثيف‪ ،‬تجعل الصورة تتجاوز املعنى‬ ‫املبارش لها‪ ،‬إىل اإليحاء بحالة الخوف والرهبة التي ميثلها‬


‫ابراهيم المال‬

‫الرسومات نجاة ميك‬

‫الليل بالنسبة للشاعر يف هذه الصورة الشعرية‪.‬‬ ‫وكام نالحظ فإن الليل يف االستعارة الجديدة‪ ،‬قد فقد‬ ‫تلك الصفات املعتادة التي كان يتسم بها‪ ،‬السيام يف‬ ‫الشعر الرومنيس الذي كان يرمز فيه إىل الشاعرية‪،‬‬ ‫والحلم والسكون والتوحد مع الذات والكون‪.‬يقول‬ ‫الشاعر‪:‬‬

‫« انتظرناه‪ /‬القادم من جرح الشجرة‪ /‬الهواء البال وجه‬ ‫‪ /‬برضبة نرد‪ /‬عىل رخام مل ميس»‬

‫يف هذا النص املكثف جدا‪ ،‬هناك جرح الشجرة(‬ ‫تشخيص للجامد) والذي يوحي بطعن كل ما يرمز‬ ‫للحياة والتجدد‪ ،‬والهواء الذي بال وجه( تشخيص‬ ‫للجامد عىل هيئة إنسان‪ ،‬ونفي للصفة يف اآلن معا)‬ ‫بهدف اإليحاء بحالة االغرتاب والضياع‪ ،‬التي ميثلها هذا‬ ‫القادم‪ ،‬الذي ال يبوح النص به‪ ،‬مكتفيا باستخدام ضمري‬ ‫الغائب‪ ،‬ورسم املالمح التي توحي بالخسارة والغربة‬ ‫والضياع عىل مستوى العالقة مع الحياة املطعونة يف‬ ‫صميمها‪ ،‬كام تتجىل يف رمزها الدال عليها وهو الشجرة‪.‬‬ ‫وإذا كان الورد يف داللته الحسية املعتادة‪ ،‬يرمز للجامل‬ ‫والشفافية والرقة‪ ،‬فإنه مع البنية الجديدة لالستعارة‬ ‫وعالقاتها القامئة عىل التضاد واالنزياح يكتسب صفات‬ ‫جديدة‪ ،‬توحي مبعاين موت الجامل واملوات يف الحياة‪،‬‬ ‫التي نحياها يف هذا الزمن الذي نعيش غربته وضياعنا‬ ‫فيه دون أن يسعى الشعر إىل الترصيح بذلك‪ ،‬بل يرتك‬ ‫للصورة االستعارية الجدية أن توحي مبضمون تلك‬ ‫العالقة الصادمة مبا تيش به‬ ‫« نحن الذين تهنا‪ /‬يف خراب الورد»‪.‬‬ ‫وال يختلف األمر يف قصيدة(أمس الهواء) حيث يقيم‬ ‫الشاعر عالقات جديدة بني أشياء ال رابط يجمع بينها‪:‬‬ ‫« نهار محفور يف ظل‪ /‬فتنة سميتها مقربة‪ /‬سيقان‬

‫الزجاج‪ /‬النحيب كرات املرمر‪ /‬وما يلمع حجر أمرد»‬

‫لقد أخذت االستعارة الجديدة بوصفها عملية خلق‬ ‫جديدة باللغة داخل اللغة تعمل عىل مزج وتداخل‬ ‫الخربات الحسية‪ ،‬بحيث باتت الصورة الشعرية‪ ،‬التي‬ ‫تسيدت الخطاب الشعري الحدايث تنبني عىل توليف‬ ‫متعدد من تلك الخربات واألشكال ومعطيات الصورة‬

‫السينامئية‪ ،‬األمر الذي منحها حالة من الرثاء والغرابة‬ ‫التي تقوم بني مكوناتها وعنارصها املختلفة‪ ،‬التي نجم‬ ‫عنها شعور بالدهشة لدى املتلقي‪ ،‬إذ كيف ميكن للصفات‬ ‫التي ترتبط باليشء أن تنتقل من مستوى محدد من‬ ‫التجربة الحسية إىل مستوى آخر غري مألوف‪ ،‬مثل صفات‬ ‫الصوت وامللمس والبرص والطعم وغريها من الصفات‬ ‫األخرى‪ ،‬كام يف هذا املقطع من قصيدة «دخان» ‪:‬‬

‫"يف ردهة أخرية‪ /‬كنت مترن الحنني عىل املوت_‬ ‫تحويل املعنوي إىل مادي عرب التشخيص‪ /-‬عىل خدش‬ ‫النهارات ‪ -‬تحويل املعنوي إىل مادي‪ -‬حيث غرفتك‬ ‫رسح الدخان مجددا‬ ‫الصغرية‪ /‬ملجأ الحواس‪ ...../‬ت ِّ‬ ‫يف الغرفة‪ /‬ألنك ناصع بالظالل‪ -‬انزياح صفات‪ -‬ألن‬ ‫بقاياك‪ /‬فتات الحكايا واألالعيب‪"...‬‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪79‬‬


‫بورتريه‬

‫عمر الخيام‬

‫الشاعر والعالم والفيلسوف‬ ‫خالل السنوات األخيرة‪ ،‬صدر بعض الدراسات عن الشاعر عمر الخيام (‪ )1131 - 1048‬فضالً عن ترجمات‬ ‫جديدة لرباعياته‪ ،‬من بينها ترجمة جالل زنكابادي الصادرة عن «منشورات الجمل»‪ ،‬والتي يحاول من‬ ‫خاللها المترجم تقديم نص الرباعيات ليس في إطار «المنظومة» إنما «المنثومة» المازجة بين النظم‬ ‫والنثر المسجوع‪ .‬وهناك ترجمة للرباعيات عن «دار المناهل» في بيروت بتوقيع محمد صالح القرق‪،‬‬ ‫وترجمة أخرى عن دار «االنتشار» بتوقيع صالح الجعفري الذي يقول‪« :‬الواقع أن تعدد الترجمات‬ ‫أمر ذائع شائع‪ .‬فقد تعددت ترجمات كثير من األعمال األدبية التي تركها شكسبير وطاغور وموليير‪،‬‬ ‫وظهرت أكثر من ترجمة لأللياذة والشاهنامه وغلغامش»‪ .‬وأعادت «منشورات الجمل» إصدار كتاب‬ ‫«ثورة الخيام» لعبد الحق فاضل‪ ،‬وكذا فعلت دار «المدى» من خالل اصدار ترجمة احمد الصادق‬ ‫النجفي‪ .‬في القاهرة صدرت الطبعة الخامسة والعشرون من الــ«رباعيات» التي ترجمها الشاعر‬ ‫المصري أحمد رامي‪ ،‬دون أن ننسى ترجمات أخرى في مصر والجزائر والعراق والبحرين واإلمارات‬

‫محمد الحجيري‬

‫‪80‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫عمر الخيام‬

‫مل يذع صيت الخيام كشاعر إالّ بعد موته وترجمة‬ ‫رباعيّاته من قبل فتزجريالد عام ‪ .1868‬ذلك أ ّن النسخة‬ ‫األصليّة للرباعيّات مل توجد حتى اآلن إالّ يف أوكسفورد‬ ‫وقد كتبت يف ‪1461‬م‪ .‬واعترب بعض النقاد ان فيتزجريالد‬ ‫من أهم الشعراء االنكليز يف القرن التاسع عرش‪ ،‬ليس‬ ‫النه كتب شعرا ً‪ ،‬وامنا النه ترجم رباعيات الخيام بلغة‬ ‫شعرية عالية‪ ،‬توازي اللغة الشعرية يف الشعر الكالسييك‬ ‫االنكليزي‪ .‬نرش فيتزجريالد ترجمته بأسلوبني مختلفني‪:‬‬ ‫أحدهام كان الرتجمة النرثية الحرفية التي التزمت‬ ‫باملضمون الدقيق للنص وافكاره وصوره‪ .‬والثاين كان‬ ‫الرتجمة الشعرية التي ترصد املضمون وتضعه يف قالب‬ ‫والفلك‪ .‬ولكن ان مل يكن شاعرا ً فمن أين أتت هذه‬ ‫الشعر االنكليزي الكالسييك املألوف الذي مييل إىل‬ ‫الرباعيات ولِ َم تنسب إليه ال اىل غريه ؟!‬ ‫الفخامة والبالغة والغنائية العالية‪ .‬وترجمة فيتزجريالد‬ ‫إىل اإلنكليزية شهرت الرباعيات التي أخذت حيزا ً يف‬ ‫رباعيات مزورة‬ ‫الثقافة الغربية حتى إنه ظهر يف الغرب ما سمي بـ‬ ‫«األدبيات العمرية»‪ .‬وبرغم شهرة الرباعيات وما أحيطت القضايا الثقافية البارزة التي ميكن الحديث عنها استنتاجاً‬ ‫من رباعيات الخيام تتجىل يف وجهني‪ ،‬األول هو أن‬ ‫به من دراسات بقيت سرية الخيام أشبه باملغمورة‪ ،‬اذ‬ ‫مثة ندرة يف املعلومات حول حياته‪ ،‬ما يجعله ميثّل فعالً الرشق يح ّبه صوف ّياً متديناً‪ ،‬والغرب يحبه ككاتب شعر‬ ‫يتغنى بالخمريات‪ ،‬والقضية األخرى هي كرثة الرباعيات‬ ‫كل حسب مزاجه وتأويله‬ ‫«سحل ّية تاريخ ّية‪ ،‬يل ّونها ّ‬ ‫«املزورة» التي نسبت إىل الخيام‪ ،‬يف هذا اإلطار يقول‬ ‫الخاص لرباعياته الشهرية» بحسب تعبري أحدهم‪ .‬يبدأ‬ ‫املرتجم عبد الحق فاضل‪« :‬أحسب أن املعجبني بالخيام‬ ‫االلتباس يف شخصية الخيام من اسمه وسنوات عمره‪،‬‬ ‫طفقوا بعد وفاته ينسخون الرباعيات بعضهم عن بعض‪،‬‬ ‫فمنهم من سامه أبا الفتح أو أبا الفحص أو أبا حفص‪،‬‬ ‫ومنهم من قرر له مثانني عاماً ومنهم من أطال عمره اىل حتى خرجت من أيدي خواص الخيام إىل عوام الناس»‪،‬‬ ‫كان للمجان رباعياتهم وللمتصوفة رباعياتهم وللزهاد‬ ‫مائة وعرشين‪.‬‬ ‫رباعياتهم‪ ،‬وقد اختطلت كلها برباعيات الخيام‪ ،‬اختالطا‬ ‫ولكن السؤال األهم عند البعض هو هل كان الخيام‬ ‫أصبح يتعذر علينا أن منيز بينها‬ ‫عاملاً‪ ،‬أم شاعرا ً‪ ،‬أم كليهام‪.‬‬ ‫عند‬ ‫األهم‬ ‫السؤال‬ ‫ونرد كل منها إىل صاحبها»‪ .‬ويخمن‬ ‫ويضيف اذا كان شاعرا ً لِ َم‬ ‫البعض هو هل كان‬ ‫مجموع ما يعزى من الرباعيات إىل‬ ‫ملْ يذكر شاعريته من عارصه‬ ‫الخيام يف مختلف النسخ الرائجة بنحو‬ ‫من مشاهري املؤرخني الذين‬ ‫الخيام عالم ًا‪ ،‬أم‬ ‫خمسة آالف رباعية كام بينّ ذلك‬ ‫ذكروا له صفات كثرية لغزارة‬ ‫شاعر ًا‪ ،‬أم كليهما‪ .‬وإذا‬ ‫املسترشق األملاين فريدريك روزف‬ ‫علمه وتفرعاته‪ ،‬من أمثال‬ ‫ً‬ ‫يذكر‬ ‫لم‬ ‫م‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫شاعر‬ ‫كان‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫يف مقدمة «رباعيات الخيام»‪ .‬وينقل‬ ‫الزمخرشي ونظامي العرويض‬ ‫املرتجم جالل زنكابادي عن الباحث‬ ‫والبيهقي والخازين؛ فهؤالء‬ ‫شاعريته من عاصره‬ ‫محمد جعفر ياحقي‪« :‬يلف الغموض‬ ‫اكتفوا بتعريفه فيلسوفاً‬ ‫من مشاهير المؤرخين‬ ‫سري شعراء ومفكرين كثريين‪ ،‬لكن ألن‬ ‫وحكيامً وله باع يف الرياضيات‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪81‬‬


‫بورتريه‬

‫الخيام كان معروفاً أكرث كعامل يف الرياضيات وغريها‪ ،‬ورمبا‬ ‫مل يبتغ أن يعرف كشاعر‪ ،‬فقد تضاعف الغموض الذي‬ ‫يلف سريته وشعره‪.‬‬ ‫كان الخيام يقرض أشعاره لنفسه‪ ،‬ومل يرتدد طوال حياته‬ ‫عىل محافل الشعراء‪ ،‬لذا مل تنرش أشعاره إال بعد مامته‬ ‫بعرشات السنني‪ .‬من هنا دار‪ ،‬وال يزال‪ ،‬جدل كثري وطويل‬ ‫حول سرية الخيام ومؤلفاته‪ ،‬ال سيام رباعياته ومضامينها‪،‬‬ ‫التي تضاربت األقوال يف تحديد عددها تضارباً كبريا ً‪ ،‬بل‬ ‫حتى يف ضبط صيغ أكرث الرباعيات األصيلة ونسبتها اىل‬ ‫الخيام»‪ .‬ورصح ياحقي بأن الرباعيات املنسوبة اىل الخيام‬ ‫يبلغ عددها أكرث من عرشة آالف رباعية‪ ،‬وأضاف‪« :‬لكننا‬ ‫ال نستطيع أن ننسب إليه جزماً حتى عرشها»‪ .‬وقال‬ ‫املسترشق نيكلسون‪« :‬لو عاد الخيام نفسه اىل الحياة‪،‬‬ ‫الحتار وعجز عن فرز رباعياته األصيلة عن ركام الرباعيات‬ ‫الدخيلة الهائل‪ .‬فثمة رباعيات دخيلة كثرية قالها أصحابها‬ ‫لدواع شتى‪ ،‬وكانوا من أهل الفلسفة‪ ،‬ومن الالقدريني‬ ‫أو امللحدين‪ ،‬وبعضهم رمبا كان من املجان وأراد التغني‬ ‫بالخمر والهوى‪ ،‬ويقول بعض الباحثني إن الرباعيات‬ ‫املنقولة مبتذلة وتافهة»‪.‬‬

‫اختالف املسترشقني‬

‫وينكر بعض الباحثني أن يكون عمر الخيام شاعرا ً‪ ،‬ومن‬ ‫بينهم املسترشق األملاين هانس شيدر الذي ذكر‪« :‬الحكيم‬ ‫والريايض عمر الخيام مل ينظم أي شعر‪ ،‬وهذه الرباعيات‬ ‫املنسوبة إليه صورة من الشعر الباطني‪ ،‬الذي راج يف‬ ‫عهد سيطرة املغول‪ ،‬وشاع فيه الفساد يف عهد حكم‬

‫‪82‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫من يصنّف الخيّام شاعر ًا‬ ‫أن شخصيّته‬ ‫صوفي ًا‪ ،‬يرى ّ‬ ‫القوية هي شخصيّة‬ ‫«عالم جليل»‪ ،‬لم يكن‬ ‫ليقضي وقته في اللهو‪،‬‬ ‫ويرى في أدائه فريضة‬ ‫الحج دلي ً‬ ‫ال على إيمانه‬ ‫السالجقة»‪ .‬ونرش مقال يف جريدة «املورننغ بوست» قيل‬ ‫فيه‪ :‬إن شخصية عمر الخيام محاطة بغاللة من غموض‬ ‫وإيهام‪ ،‬وقد نسجت حوله أساطري غامضة تدعو إىل الشك‬ ‫يف وجوده‪ ،‬وجاء كاتب املقال برباهني أنكر فيها نسبة هذا‬ ‫الشعر إىل عمر الخيام‪.‬‬ ‫قلنا إن الرشق يحب عمر الخيام صوفيّاً ويف الغرب اعتقد‬ ‫البعض أنه إباحي‪ ،‬ويعترب بعض املؤرخني أن الرباعيات‬ ‫نسبت خطأ إليه وقد اثبت ذلك املسترشق الرويس‬ ‫زوكوفسيك فرد ‪ 82‬رباعية اىل أصحابها فلم يبق إال‬ ‫القليل الذي مل يعرف له صاحب وقد أثبت زوكوفسيك‬ ‫أن اثنتني ومثانني رباعية من هذه الرباعيات واردة يف‬ ‫دواوين غريه من شعراء الفرس‪ ،‬مثل‪ :‬فريد الدين العطار‪،‬‬ ‫حافظ الشريازي‪ ،‬جالل الدين الرومي‪ ،‬وغريهم‪ .‬ويعترب‬ ‫بعض املعارضني لإلسترشاق أنه بعد االنتهاء من العمل‬ ‫عىل مضمون الرباعيات ورفعها إىل املقام الرفيع بعدما‬ ‫كانت مغمورة ال يعريها أح ٌد انتبا ًها‪ ،‬وانتقل العمل إىل‬ ‫َم ْن نُسبت إليه هذه الرباعيات‪ ،‬فقام بعض املسترشقني‬ ‫بحملة من أجل اتهام صاحب هذه الرباعيات املزعومة‬ ‫والتشكيك بأخالقه ومعتقده‪ ،‬فكتب األديب الفرنيس‬ ‫تيوفيل غوتيه مقاالً ع ّد فيه عمر الخيام «أكرب منوذج‬ ‫للمفكّر الح ّر يف العصور الوسطى»‪ .‬وتساءل املسترشق‬ ‫أرنست رينان يف مقا ٍل له «هل كان عمر الخيام صوف ًّيا‬ ‫صاحب متع ٍة مج ّدفًا؟»‬ ‫متع ّمقًا أو‬ ‫َ‬ ‫يقول مبرش الطرازي يف كتابه «كشف اللّثام عن رباعيات‬ ‫الخيام» (صدر لدى الهيئة العامة للكتاب يف مرص)‪:‬‬


‫عمر الخيام‬

‫الرسومات كامل الدين بهزاد‬

‫خواص الغربيّني م ّم ْن لهم عالقة بالتّبشري وجدوا يف‬ ‫«إ ّن َ‬ ‫هذه الرباعيات املنسوبة إىل الخيام بُغيتَهم املنشود َة يف‬ ‫ٍ‬ ‫مقوالت مختلقة‬ ‫الطعن بالدين‪ ،‬مستندين يف ذلك إىل‬ ‫مزعومة نُسبت إىل رجلٍ عظيم من عظامء الرشق‪ ،‬وعامل‬ ‫من علامء اإلسالم‪ ،‬وإمامٍ من أمئّة املسلمني‪ ،‬فاستفادوا‬ ‫من ترجمة هذه الهذيانات باسم فلسفة الخيام»‪ .‬وحاول‬ ‫مبرش الطرازي تربئة الخيام من الرباعيات التي تحمل‬ ‫طابع الخالعة واملجون‪ ،‬وذلك بالعودة إىل كتب معارصيه‪،‬‬ ‫كتلميذه العرويض‪ ،‬والزمخرشي‪ ،‬والشهرزوري‪ ،‬واإلمام‬ ‫الغزايل‪ ،‬واإلمام البيهقي‪ ،‬وكان الخيام يسمى عندهم‬ ‫«حجة الحق»‪ ،‬ومل يصلنا عن هؤالء سوى إحدى عرشة‬ ‫رباعية‪ ،‬ذات منحى ديني وتأميل‪ ،‬وهو العدد الذي رجحه‬ ‫وديع البستاين يف ترجمته للرباعيات‪.‬‬ ‫لكن ال أحد من معارصي الخيام ذكر شيئاً من هذه‬ ‫الرباعيات املتداولة اآلن‪ ،‬علام أن أقدم نسخة للرباعيات‬ ‫هي نسخة بودلني املحفوظة يف إكسفورد‪ ،‬وقد كتبت‬ ‫سنة ‪ 865‬هـ بعد وفاة الخيام بثالثة قرون ونصف القرن!‬ ‫وال تحتوي نسخة بودلني هذه إال عىل ‪ 158‬رباعية‪ ،‬أما‬ ‫النسخ التي تلتها تاريخياً‪ ،‬فهي كلام كانت أحدث عهدا ً‬ ‫كان ما تحتويه من الرباعيات أكرب عددا ً كام يالحظ عبد‬ ‫الحق فاضل‪ .‬ويف سنة ‪ 1904‬أكّ َد الباحث الدمناريك أرنور‬ ‫كريستني سان أصال َة أربع عرشة رباع ّية فقط للخيام‪،‬‬ ‫ويؤكّد ذلك عودتنا إىل املصادر واملراجع التي ذكرت‬ ‫رباعيات الخيام‪ ،‬حيث نجد مخطوط «مؤنس األحرار يف‬ ‫دقائق األشعار» ملحمد بن بدر الجاجرمي‪ ،‬واملد ّونة عام‬ ‫مستقل‬ ‫ٍّ‬ ‫‪741‬هـ قد ذكرت ثالث عرشة رباعية يف فصل‬ ‫باسم الخيام‪ ،‬والباحثون يعتربون هذه الرباعيات الثالث‬ ‫عرشة هي خ ّيام ّية أصيلة ال يرقى إليها الشّ ك‪ ،‬وكلّها تحمل‬ ‫مضامني إميان ّية صوف ّية‪.‬‬ ‫من يص ّنف الخيّام شاعرا ً صوفياً‪ ،‬يرى أ ّن شخصيّته القوية‬ ‫هي شخصيّة «عامل جليل»‪ ،‬مل يكن ليقيض وقته يف اللهو‪،‬‬ ‫ويرى يف أدائه فريضة الحج دليالً عىل إميانه‪ .‬ويؤكد‬ ‫املرتجم محمد صالح القرق بأن الخيام اشتغل بالعبادة‬ ‫حج البيت الحرام‪ .‬وذات ليلة صىل العشاء‪ ،‬ودعا‬ ‫بعد أن ّ‬

‫يف سجوده قائالً «اللهم إين عرفتك عىل مبلغ إمكاين‬ ‫فأغفر يل‪ ،‬فإن معرفتي إياك وسيلتي إليك»‪ .‬بينام يرى‬ ‫آخرون‪ ،‬أ ّن ذهاب الخ ّيام إىل مكّة كان فقط يك ال يفقد‬ ‫حامية السلطان‪ ،‬وأنّه نجح يف خداع الصوفيني وإيهامهم‬ ‫بأ ّن رباعيّاته شعر صو ّيف‪ ،‬وخصوصاً أ ّن الغزايل الذي‬ ‫عارصه كان من أل ّد أعدائه‪.‬‬ ‫كل طرف يش ّد حبل الخ ّيام‬ ‫ورغم هذه االختالفات وكون ّ‬ ‫الكل يجمع عىل أنّه صلىّ قبل أن‬ ‫إىل ناحيته‪ ،‬إال أ ّن ّ‬ ‫يجدوه ميتاً يف منزله وعىل طاولته «كتاب الشفاء» البن‬ ‫سينا‪ ،‬وكان قد وضع مسواكاً من ذهب عند الفصل‬ ‫الذي كان يشغله طيلة حياته‪ ،‬وهو «يف تقابل الواحد‬ ‫والكثري»‪ ،‬ليرتك الجدل يف إميانه‪ ،‬وبالتايل يف معنى‬ ‫رباع ّياته‪ ،‬مفتوحاً‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪83‬‬


‫في الشعر‬

‫عن الشعر والحياة والحرب‪..‬‬

‫نشـــيد ليســـاور‬ ‫عبدالزهرة زكي‬

‫يف‬

‫عام ‪ 1981‬اشرتكت وعدد من األصدقاء الشعراء «الشبان حينها» يف جلسة شعرية أعقبها حوار ونقاش متبادل مع‬ ‫شعراء من فرنسا‪ ،‬جاؤوا إىل العراق يف أواخر سنته األوىل للحرب مع إيران‪.‬‬ ‫قبل هذه الجلسة بليل ٍة‪ ،‬كان الفرنسيون قد اشرتكوا مع شعراء آخرين سوانا من العراق‪..‬وكان مام أثار انتباههم‪ ،‬وتحدثوا به‬ ‫سموه هم باملفارقة التي كان يفرتض معها أن‬ ‫إلينا يف الحوار الذي أعقب قراءتنا معاً الشع َر باللغتني الفرنسية والعربية‪ ،‬هو ما َّ‬ ‫الحرب‬ ‫يكونوا البارحة مع شعر حرب‪ ..‬واليوم مع شعر آخر كانوا يتوقعونه غري معني بالحرب‪..‬لكن‪ ،‬وكام قالوا‪ ،‬فقد وجدوا‬ ‫َ‬ ‫هنا يف هذه الليلة ووجدوا شيئاً آخر هناك يف ليلة أمس‪.‬‬ ‫ال أدري اآلن بالضبط َمن كان قد أرشد إلينا هذين الشاعرين الفرنسيني جان كلود رينار الذي تويف عام الفني وإثنني يف باريس‬ ‫ومرسيل بييلو ومعهام شاعرة مل تقرأ يومها ومل أعد أذكر اسمها‪..‬لقد تجمعنا نحن الشعراء العراقيني الشبان باملصادفة‪ ،‬واخرتنا‬ ‫نصوصنا باملصادفة‪ ،‬و ُترجمت النصوص يف املكان نفسه قبل القراءات وحتى أثناءها‪.‬‬ ‫كنا يف ذلك املبنى الذي دامئا ما كان يبدو شبه مهجور‪ ،‬بأثاثه املتهرئ وكراسيه القليلة التي تتوسط قاعة كبرية بجدران واسعة‬ ‫تساقط عنها طالؤها الزيتي وقد خلت من أي يشء سوى صورة وحيدة تتصدر مرسح القاعة لصدام حسني‪ ،‬وبقايا رسوم‬ ‫جدارية رديئة وضعها رسامون مبتدئون عن أطفال بزي الجيش وبنادق القتال‪ ..‬كانت البناية قد خصصت من ُ‬ ‫قبل لفعاليات‬ ‫مدرسية غنائية أو شعرية ينظمها اتحاد الشباب لطلبة اإلعداديات قبل أن يغادر اإلتحا ُد املبنى بأمر حكومي ويرتكه منتدىً‬ ‫لألدباء الشباب الذين أريد عزلهم عن اتحاد األدباء من جهة‪ ،‬والسيطرة عليهم من جهة أخرى‪ .‬كان املبنى وهو يجاور دائرة‬ ‫إطفاء يف «راغبة خاتون» ال يستقبلنا إال يف يوم واحد يف األسبوع حيث نجري يف مساء ذلك اليوم لقا ًء شعريا أو قصصياً وتعقبه‬ ‫عاد ًة نقاشات وحوارات يف شؤون التجديد األديب‪ ،‬لكنّ فضيلة املكان‪ ،‬كام تأملناها الحقاً‪ ،‬هي يف ما وفرته من فرص للتعارف بني‬ ‫األدباء الشبان من مختلف املحافظات‪ ،‬ويف كرس املركزية التي احتفظ بها أدباء بغداد‪ ،‬وبشكل أخص مجموعة محددة منهم‪.‬‬ ‫كان ما يجمعنا يف ذلك املساء هو طبيعتنا العمرية وصفتنا الشعرية‪ ،‬فيام كان يرافق الشعراء الفرنسيني الشاعر السوري الراحل‬ ‫خليل خوري مرتجم رامبو واملقيم يف بغداد‪ ،‬ومعه أساتذة عراقيون متخصصون باللغة واألدب الفرنسيني من كلية اآلداب يف‬ ‫جامعة بغداد‪ ،‬حيث أوضح لنا بعضهم أن الفرنسيني كانوا منزعجني من كثري مام سمعوه البارحة من شعر مبارش وفج يف مدحه‬ ‫ِّ‬ ‫والحض عليها واالستهتار بالحياة واحتقارها لصالح املوت والقتل‪ ،‬إضافة إىل سفاهة الفن الذي صيغت به تلك‬ ‫الحرب ومتجي ِدها‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫النصوص التي استمعوا إليها‪ ،‬كام نقل لنا ذلك ٌ‬ ‫بعض من املرتجمني املرافقني الذين رمبا استثنوا شاعراً صديقا واحداً هو أقرب‬ ‫إىل اعامرنا وتجاربنا‪ ،‬لكنه‪ ،‬ويف مزاج تلك السنوات‪ ،‬آثر أن يقرأ مع «الكبار»‪.‬‬ ‫«أرادوا أن يسمعوا شيئاً آخر‪..‬فاقرتحنا عليهم هذا اللقاء»‪ ،‬قال أحد األساتذة‪ ،‬وكنا نثق به ويثق بنا‪ ..،‬رمبا كان الدكتور زهري‬ ‫مغامس أستاذ األدب الفرنيس ومرتجم كتاب سوزان برنار (قصيدة النرث)‪ ..‬مل ُي ِجب أحدٌ منا‪ ،‬واكتفينا بإعالن املوافقة‪ ،‬وبرشط‬ ‫أن تكون القراءة مشرتكة‪ ،‬نستمع إليهم ويستمعون إلينا ثم نتحاور‪..‬لقد كانت لدينا حساسي ُة شبان ٌ‬ ‫مبالغ بها مام نتوقعه من‬

‫‪84‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫عبدالزهرة زكي‬

‫االستعالء الذي يريد اآلخر مبوجبه أن يكون أستاذاً يستمع إىل تالميذ يقرؤون أناشيدهم‪ .‬نقل املرتجمون رغبتنا‪ ،‬فعبرّ الفرنسيون‬ ‫عن سعادتهم بالعرض‪ ،‬خصوصا أن نصوصهم مرتجمة أص ًال قبل لقائهم البارحة مع العراقيني اآلخرين‪.‬‬

‫بعيدا عن الحرب‬

‫كانت الحرب يف أشهرها األوىل‪..‬عرفنا أن الشعراء الفرنسيني كانوا قد جاءوا إىل العراق برغبة أن يروا الحياة والثقافة يف ظل‬ ‫الحرب التي تجاوزت األيام واألسابيع وامتدت إىل شهور‪ ،‬قبل أن متتد إىل سنوات يف ما بعد‪..‬كان من الصعب عىل الضيوف‬ ‫الفرنسيني أن يجدوا لدى أقرانهم العراقيني شعراً عن الحرب‪ ،‬كام يعرفون هم شعر الحرب التي عاشتها أوربا والعامل مرتني‬ ‫خالل القرن العرشين‪ ،‬حيث أنتجت الحربان العامليتان شعر حرب يف الكثري من البلدان األوربية‪ ،‬وكانت حصة الفرنسيني يف‬ ‫الحرب الثانية الكث َري من شعراء فرنسا إىل شعراء مقاومة لإلحتالل النازي‪،‬‬ ‫ذلك الشعر وإسهامهم فيه متميزَين‪ ،‬حني ح ّولت‬ ‫ُ‬ ‫وبالتايل فإن هذا الشعر الفرنيس الذي ُأنتج من شعراء وف َد أغلبهم من املغامرة الدادائية والرسيالية إىل هذا اإلستخدام السيايس‬ ‫للشعر‪ ،‬كان منطا متميزا يف شعر الحرب‪ ،‬وبقي يحتفظ بحرارة انتسابه إىل الشعر حتى بعد انتفاء هدفه التعبوي املبارش بانتهاء‬ ‫الحرب وعودة الحياة إىل حال السالم و استقرار‪.‬‬ ‫لقد كان من أكرب امتيازات ذلك الشعر الفرنيس املقاوم هو تفاديه التشاتم القومي واإلساءة إىل األمم األخرى وتحايش التورط‬ ‫بالحث عىل القتل وارتكاب الجرمية واالمتناع عن االستخفاف بالحياة لصالح‬ ‫متجيد املوت‪ ،‬بل أننا كثرياً ما نصادف يف هذا الشعر رثا ًء يوايس خرسان الحياة‬ ‫بفعل الحرب وتوقاً إىل التحرر من الحرب واالنطالق يف حياة السالم واملحبة‬ ‫ظهر في العراق‪ ،‬كما في دول‬ ‫والتآخي‪..‬كان مثة امتزاج خالق بني روح اليسار املتوثبة وقيم الليربالية املتطلعة‬ ‫عربية أخرى‪ ،‬شعر كثير متفاوت‬ ‫يعتمل يف نفوس أغلب شعراء فرنسا الذين انخرطوا يف صفوف املقاومة‪ ،‬وكان‬ ‫في قيمته الفنية وأهميته‬ ‫اإلبداع اإلنساين الحر هو حصيلة هذا االمتزاج الفكري السيايس املندمج بامتزاج‬ ‫الشعرية يتناول مشكلة‬ ‫فني آخر بني التحرر من أي التزام‪ ،‬وهو ما تطلبته الرسيالية‪ ،‬وبني االلتزام الذي‬ ‫فلسطين في إطارها العام‬ ‫أملته الطبيعة الخاصة لشعر املقاومة‪.‬‬ ‫كان كل يشء مختلفاً بني حالنا وحال الفرنسيني يف سنوات املقاومة وحتى عموم‬ ‫األوربيني يف حربيهم العامليتني‪ ،‬وهو اإلختالف الذي يسمح بالقول بصعوبة أن‬ ‫يصادف الشعراء الفرنسيون الضيوف ما يشبع فضولهم حينها إىل شعر حرب احتقروا مناذجه التي استمعوا إليها يوم أمس‬ ‫وبقي أملهم الوحيد يف البحث عن شعر آخر سوى شعر الحرب كانوا ينتظرونه من جلسة اليوم مع شعراء شبان من العراق‪..‬‬ ‫قبل حرب الثامنينيات مل يكن العراقيون قد عاشوا حرباً‪ ،‬باملعنى الذي ق َّدمته هذه الحرب وبالطبيعة التي استمرت عليها‬ ‫لثامين سنوات‪..‬كانت مشاركات الجيش العراقي يف حروب فلسطني مرتبطة بقِصرَ ُمدد تلك الحروب الثالثة الكربى التي شهدتها‬ ‫حروب متاس مع العراق الذي كان يرسل جيشه‬ ‫الدول العربية ضد إرسائيل يف ‪ 1948‬و‪ 1967‬و‪ ،1973‬وهي عموماً مل تكن‬ ‫َ‬ ‫إىل جبهات الحرب من خالل فلسطني واألردن وسورية ومرص‪ ،‬فكان أن ظهر يف العراق‪ ،‬كام يف دول عربية أخرى‪ ،‬شعر كثري‬ ‫ْب لضياع‬ ‫متفاوت يف قيمته الفنية وأهميته الشعرية يتناول مشكلة فلسطني يف إطارها العام‪ ،‬كرصاع عريب إرسائييل‪ ،‬شع ُر ند ٍ‬ ‫فلسطني وهجاء لإلرسائيليني وتذ ّكر لبطوالت وأبطال التاريخ‪ ،‬أكرث من كونه شعر حرب‪ ،‬مبا تعنيه الحرب من قتال وموت‬ ‫وانكسار وانتصار وتحطم الحياة اإلنسانية املعتادة‪ ،‬وقد ُيستثنى من هذا بعض ما أنتجه الشعراء الفلسطينيون‪ ،‬وباألخص‬ ‫َمن بقي منهم يف األرايض العربية التي احتلت عام ‪ ،1948‬وهو مام عرف بشعر املقاومة الذي مل يلبث أبرز شعرائه‪ ،‬محمود‬ ‫درويش‪ ،‬حتى تخىل عن مستواه التعبريي املبارش إىل مستوى آخر قد يرتبط بالقضية الفلسطينية بشكل ما ولكن ال صلة له‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪85‬‬


‫في الشعر‬

‫بأدب الحرب واملقاومة‪.‬‬

‫ورطة الشعر‬

‫وقد أتذكر‪« ،‬وأشري إىل أحد أعداد مجلة اآلداب لعام ‪1973‬وكان مكرسا عن حرب ترشين»‪ ،‬أن محاوالت متعمدة ظهرت يف‬ ‫العراق‪ ،‬ويف دول عربية أخرى يف السبعينيات بعد الحرب من أجل إنتاج أدب حرب‪ ،‬شعر وقصة‪ ،‬لكنها تجارب بقيت محدودة‬ ‫وضمرت بفعل تع ّمدها والتوجيه اإليديولوجي املتحكم بانتاجها وما يفرضه التع ّمد والتوجيه من تلفيق ونظم‪.‬‬ ‫ال ُينتَج األدب بنوايا مسبقة وبإرادات قرسية‪ ،‬سواء إرادات سلطة أو أحزاب أو مجتمع أو حتى إرادة شخصية للشاعر‬ ‫واألديب‪..‬الشعر تنتجه إرادات داخلية‪ ،‬وقد تشبعت بحاجات حقيقية وانفعاالت عميقة مبوضوع الكتابة‪ ،‬إرادات تستجيب‬ ‫لتورطها بتلك املوضوعات وتنغمس بظروفها لتهتدي بيقني شعري ووجداين خالص إىل مضامينها وتقنياتها‪..‬‬ ‫َ‬ ‫ويف ضوء تجربتي الشخصية يف الحرب والحصار وحتى يف ظروف العنف واإلرهاب بعد ‪..2003‬استطيع أن أم ِّيز بني تو ُّرطني‬ ‫يف ظروف الحدث التاريخي العاصف‪ ،‬كالحرب مث ًال‪ ،‬فالتورط األول هو يف املواجهة اإلنسانية املبارشة مع الحدث‪ ،‬وارتباك‬ ‫الذات اإلنسانية يف هذه املواجهة وهي تتحرى عن ممكنات بقائها وتحررها‪ ،‬ولو بشكل مؤقت ومحدود‪ ،‬من املصري املرعب‬ ‫الذي يتهددها‪ .‬يف هذا التورط ّ‬ ‫تتعطل كل ممكنات التعبري والتفكري والتأمل الوجداين‪ .‬ينرصف الجهد إىل ما هو عميل ومبارش‪،‬‬ ‫لترتكز كل قدرات املرء من أجل أن تشتغل بطريقة عملية عىل مواجهة وتفادي‬ ‫الخطر املبارش‪..‬ستكون الكتابة أمراً بطراً يف وقت ال يحتمل أية مجازفة لتشتيت‬ ‫الجهد‪ ،‬وهي «الكتابة» ستكون شأناً مفت َعال ال يؤدي إىل القيمة التي يستحق‬ ‫نجز شعرٌ كثير وقصص‬ ‫لقد أ ُ ِ‬ ‫ومقاالت كثيرة ترافقت مع أول تحصي ُلها اإلقدا َم عىل املجازفة‪..‬لكن التورط الثاين هو تو ُّر ُط الكتابة الحقيقية‬ ‫التي تستدعيها الحاج ُة إليها حني تتوفر ظروف‪ ،‬ولو بشكل محدود‪ ،‬تسمح‬ ‫أسبوع الحرب وبعضها سبق‬ ‫بتجاوز الشعور اإلنساين بالخطر والخوف املبارشين‪..‬يف هذه اللحظة تبدأ‪،‬‬ ‫ومهد لها ربما بأكثر من‬ ‫الحرب‬ ‫َّ‬ ‫بالنسبة للشاعر والكاتب‪ ،‬ظروف التورط الثاين مع الكتابة التي لها مخاطرها‬ ‫عام‪ .‬كان ذلك األدب يلبي‬ ‫األخرى التي تختلف عن الخطر املبارش كاملوت يف الحرب أو تحطم األرسة‬ ‫متطلبات التعبئة الحربية‬ ‫تحت غائلة الجوع والفقر يف الحصار‪.‬‬ ‫لكن الحرب مع إيران التي مضت عليها شهور قليلة حني جاء الشعراء‬ ‫َ‬ ‫التورط الثاين‪ ،‬التورط مع رشطها الكتايب‪.‬‬ ‫الفرنسيون مل تكن قد استدعت‪ ،‬بعدُ ‪،‬‬ ‫نجز شع ٌر كثري وقصص ومقاالت كثرية ترافقت مع أول أسبوع الحرب وبعضها سبق الحرب ومهَّد لها رمبا بأكرث من عام‪.‬‬ ‫لقد ُأ ِ‬ ‫كان ذلك األدب يلبي متطلبات التعبئة الحربية وكان يريض غرور سلطة تريد حسم انتصارها يف األدب الحريب قبل ميدان‬ ‫الحرب ‪.‬السلطة التي تريد الرداءة والكتّاب الذين يتبارون يف مستوى الرداءة والتسطيح‪.‬‬ ‫لكن مثل هذا األدب الدعايئ الذي يسحق الطبيعة اإلنسانية لألدب ليس غريباً عىل األوربيني يف حروبهم‪ .‬مل تكن أوربا مكاناً‬ ‫طهرانياً خالصاً‪ ،‬وإال ملا أنتجت الحروب‪ ،‬سواء تلك التي جرت عىل أراضيها‪ ،‬أو تلك التي تو َّرطت بها يف بلدان بعيدة عنها يف‬ ‫فرتات االستعامر والغزو‪...‬ال تحصل الحروب لو مل تكن ثقافة الحرب مه ِيئة لها ومستعدة لدعمها والرتويج لقيمها‪..‬فالحروب‬ ‫غالباً ما تنتج وسائ َلها البرشية التي تغذي النزعات اإلستهالكية للحروب نفسها‪ ،‬استهالك البرش والطبيعة والحضارة‪..‬والحض‬ ‫عىل هذه النزعة املدمرة التي تتوجه بشكلها املبارش ضد العدو بينام هي تفعل فعلها غري املبارش يف الضامئر والرتبية والوجدان‬ ‫وحتى الطباع اليومية للفرد واملجتمع الوطني‪..‬‬ ‫يف سريته (عامل األمس)‪ ،‬التي هي يف جانب أساس منها سرية أوروبا خالل حربيها العامليتني‪ ،‬يتحدث ستيفان زفايج مبشاعر‬ ‫‪86‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫عبدالزهرة زكي‬

‫إنسانية متضاربة إزاء قصيدة «نشيد الكراهية» لشاعرها إرنست ليساور والتي صبت كل كراهيتها عىل بريطانيا يف عام ‪..1914‬‬ ‫لقد جعل الشاعر عرب قصيدته من بريطانيا مصدراً لكل الرشور‪ ،‬حتى أن الكنيسة االنجليكانية يف النمسا اضطرت إىل تغيري‬ ‫تسميتها متغافلة عن أن التسمية لها صلة باملالئكة وليس باالنكلو سكسون‪..‬كانت السلطة تحت الحرب تحتاج إىل مثل هذه‬ ‫العدائية يف املشاعر وتكريه العدو عرب األدب والفن‪ ،‬فكان أن منحت السلطات األملانية بسبب «نشيد الكراهية» ليساور وسام‬ ‫النرس األحمر‪ ،‬وجرى تحفيظ القصيدة للسبعني مليون أملاين عن ظهر قلب طيلة سنوات الحرب األوىل‪..‬ولكن ما إن انتهت تلك‬ ‫الحرب‪ ،‬وانتهت معها مصالحها واستبدلت مبصالح التجارة واملال والسياسة حتى استحال ليساور إىل «ضحية محزنة لقصيدة‬ ‫مل ترتفع به عاليا إال لتهوي به أسفل سافلني»‪ ،‬بتعبري زفايج‪ ،‬حيث « ُف ِع َل ُّ‬ ‫كل يشء للتنصل من القصيدة التي طالبت بالعداء‬ ‫الدائم لربيطانيا‪ ،‬ومن أجل التخلص من اللوم فقد جرى التشهري باملسكني «ليساور الكراهية» بوصفه املذنب الوحيد يف هذا‬ ‫اإلهتياج املجنون إىل الكراهية والذي شارك فيه الجميع يف الحقيقة)‪.‬ويعلق زفايج عىل حاجة املؤسسات العسكرية الحربية‬ ‫إىل ما يحفز وينشط أقىس املشاعر يف الحروب‪ ،‬فريى أن «املثقفني والشعراء والكتاب والصحفيني» هم األقدر عىل أداء هذا‬ ‫الدور‪« ،‬سواء أكانوا متوافقني يف ذلك مع األخالق أم متعارضني معها‪ ،‬صادقني مع أنفسهم أم منسجمني مع مألوف حرفتهم»‪.‬‬ ‫مل يحتج الشعراء الفرنسيون إىل جهد كبري الكتشاف دوافع مثل هذا الشعر الذي كانوا قد سمعوه بني ما سمعوا من شعر ليلة‬ ‫أمس‪..‬همس يل أحد املرتجمني‪ »:‬الفرنسيون سخروا مام سمعوا‪ ،‬لقد قال أحدهم ساخراً‪ :‬هل الحرب يف كوكب آخر؟»‪..‬قلت‪«:‬‬ ‫ال أتوقع أحداً منا سيقرأ ما يريده الفرنسيون‪..‬ال أحد فينا كتب عن الحرب‪..‬‬ ‫سنقرأ جميعا‪ ،‬يف ما أحسب‪ ،‬شعراً ال صلة له بالحرب»‪..‬‬ ‫مل تكن املشكلة‪ ،‬مشكلتنا مع شعر الحرب‪ ،‬ونحن يف أشهرها األوىل‪ ،‬حرصاً يف‬ ‫كانت الشعارات التي ظهرت‬ ‫عدم بلوغنا التورط الثاين‪ ،‬أي اطمئناننا عىل مصائرنا الحياتية وانفعالنا بالحرب‬ ‫ومنذ أيام الحرب األولى كافية‬ ‫كواقعة نرزح تحتها‪..‬ومل تكن املشكلة معها يف الرتفع عىل الحرب كموضوع‪..‬‬ ‫لقد كانت الحرب نفسها ملتبسة بالنسبة إىل كثريين منا‪ ،‬من حيث مربراتها‬ ‫ألن يشعر الجميع أن هذه‬ ‫ودوافعها والطريقة الوحشية التي بدأت بها‪..‬ومل تكن تلك هي مشكلة األدباء‬ ‫الحرب ستحتاج إلى وقود‬ ‫واملثقفني وحدهم وامنا أيضاً األغلبية الشعبية التي فوجئت برسعة اضطراد‬ ‫إلدامة شراهتها‬ ‫التقدم نحو الحرب ومن ثم الوقوع فيها بهذا الشكل الذي تجاوز املناوشات‬ ‫الحربية العابرة وحتى الحرب الرسيعة الخاطفة إىل حرب سحقت فيها مدن‬ ‫إيرانية بني ليلة وضحاها‪ ،‬وباتت معها جميع املدن الحدودية العراقية ميداناً‬ ‫خلفياً لحرب امتدت مثاين سنوات‪.‬‬ ‫مل تكن املسوغات التي جرى ترويجها هنا وهناك كافية ليتوفر الناس عىل قناعات واضحة بالحرب‪..‬بينام كانت الشعارات التي‬ ‫ظهرت ومنذ أيام الحرب األوىل كافية ألن يشعر الجميع أن هذه الحرب ستحتاج إىل وقود إلدامة رشاهتها وال أباليتها وحتى‬ ‫سخف اإلستهتار بعقول البرش ومبصائرهم‪..‬لقد ارتفع هنا‪ ،‬يف الجانب العراقي‪ ،‬عىل شاشة التلفزيون الحكومي الوحيد شعار‬ ‫فايش يقول‪« :‬حرائق عبادان تيضء شط العرب»‪..‬بينام ُر ِفع هناك‪ ،‬يف الجانب اإليراين‪ ،‬شعار الرئيس اإليراين حينها أبو الحسن‬ ‫بني صدر والقائل‪« :‬حني ستتقدم القوات اإليرانية فلن تقف إال يف بغداد وكربالء»‪..‬ف ّكر كثري من األدباء أن يحتفظوا بالصمت‪،‬‬ ‫ذلك أن حرباً بهذه الوحشية لن تتوقف شهواتها عن التهام أي يشء‪..‬ستأكل أي يشء‪ ،‬وبالتايل فستحسب َّ‬ ‫كل جهد‪ ،‬مهام حاول‬ ‫أن يقدم نفسه بطريقة إنسانية‪ ،‬عىل أنه جزء من معداتها‪ ،‬معدات الحرب ومادتها اإلستهالكية التي تبدأ بحياة اإلنسان ولن‬ ‫تنتهي عند األدب والثقافة‪.‬‬ ‫مل يكن ممكناً حينها الحديث مع الفرنسيني وسواهم عن مثل هذه القناعات املضطربة يف مواجهة الحرب‪..‬ويف «عامل‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪87‬‬


‫في الشعر‬

‫اإلنسان ولن تنتهي عند األدب والثقافة‪.‬‬ ‫مل يكن ممكناً حينها الحديث مع الفرنسيني وسواهم عن مثل هذه القناعات املضطربة يف مواجهة الحرب‪..‬ويف (عامل األمس)‬ ‫نفسه يتحدث زفايج عن مشكالت مامثلة كان يتعرض لها املثقفون هناك يف أوربا‪..‬يقول‪ »:‬مل يبق سوى اإلنقباض والتزام‬ ‫الصمت» وذلك مع ظهور «إشارة محذرة إىل أن اعتبار الحرب جرمية هو مام يجب تنبيه السلطات لها‪ ،‬ألن (اإلنهزاميني)‪..‬كانوا‬ ‫اسوأ خونة الوطن» ويستدرك زفايج حيال كلمة انهزاميني فيقول‪ »:‬لقد نحتت هذه الكلمة الخبيثة يف فرنسا»‪.‬ومل يكن شعراء‬ ‫فرنسا القادمون إىل بغداد باملغفلني ليقدموا عىل أسئلة من مثل املوقف من الحرب والرأي إزاءها من نظرائهم العراقيني الذين‬ ‫مل يبق أمامهم سوى اإلنقباض والتزام الصمت بتعبري زفايج أثناء الحرب العاملية األوىل‪.‬‬ ‫مل تكن دوافع تسهيل مهمة املرتجم وحدها التي حدت يب إىل اختيار ثالث أو أربع قصائد قصرية‪ ،‬كنت قد انجزتها قبل هذه‬ ‫الجلسة بأيام‪ ،‬امتازت باعتنائها باملعنى الشعري وتيسري بلوغه فنياً ولغوياً‪ ،‬وإمنا كانت موضوعات هذه القصائد حافزاً مه ًام يف‬ ‫اختيارها‪ ،‬وهي تقدم حاالت متباينة عن تبدل املصائر وانكسار مسارها يف خضم ظروف وجودها‪..‬كانت نربة حزن وأمل وخوف‬ ‫تترسب بشفافية وهدوء من تلك القصائد التي وجدت أنها األقرب املمكن لتمثل تصورات شاعر يف ظل حرب ما زالت مجهولة‬ ‫ليس يف دوافعها حسب وإمنا يف املصري أيضاً‪ ،‬مصريها هي الحرب ومصريي أنا الشاعر واإلنسان فيها‪.‬‬ ‫خالفني يف اختياراتهم بعض الشعراء العراقيني الشبان املشاركني والذين فضل معظمهم قراءة نصوص تعرب عن مهارات يف‬ ‫اللغة وانثيال يف التعبري والخيال الذي يعيد التذكري بجانب من الشعر الفرنيس‪،‬‬ ‫بحيث اعتذر املرتجمون‪ ،‬بالوقت الضيق املتاح لهم‪ ،‬عن ترجمة بعض تلك‬ ‫النصوص فيام قد تكون أخفقت جهودهم يف ترجمة بعض منها أو تعذر عليها‪،‬‬ ‫كنت أرى حينها ما يراه رومان‬ ‫كام يحدث دامئا مع مثل هكذا شعر‪ ،‬نقل النصوص من لغتها األم إىل لغة أخرى‬ ‫روالن في أثناء الحرب من أنه‬ ‫لها اشرتاطاتها وحدودها وعواملها التي قد ال تسعف أعظم قدرات الرتجمة يف‬ ‫يتوجب على الكاتب أن ال‬ ‫يسهم‪ ،‬في مثل هذه الظروف‪ ،‬سالمة نقل النصوص وتفادي ترضرها بذلك النقل‪..‬لكن استطيع اآلن أن أتذكر‬ ‫أن نصوصاً يف هجاء الحرب قدمها الشاعر نصيف النارصي للشاعر خليل خوري‬ ‫في التدمير والجريمة‬ ‫بقصد ترجمتها خرست فرصتها يف تلك الرتجمة بعد قراءتها من قبل خوري‬ ‫الذي ر ّد عىل النارصي بطريقة مواربة‪« :‬مل أكن أعرف أن قصيدتك محشوة‬ ‫بالرباغي والدرنفيسات «املفالت»‪..‬ال استطيع ترجمتها اآلن»‪ .‬كان نصيف‬ ‫النارصي يكتب مبا ميكن أن نسميه السخرية السوداء التي تجعل من كل يشء يف عامل الحياة اليومية يف الحرب‪ ،‬من الدبابة إىل‬ ‫الشاعر نفسه موضوعا للسخرية والتندر ومن ثم الهجاء‪..‬ورمبا كانت شخصية نصيف نفسه بعبثه وفكاهته وصعلكته تسمح‬ ‫بتمرير مثل ذلك الشعر الجارح‪ ،‬لكن كل هذا مل يكن كافيا ألن يورط شاعر الجئ مثل خليل خوري نفسه معه وما قد يسببه‬ ‫له من مساءلة محتملة‪ ،‬فام يقبل من نصيف وبالحدود الثقافية العراقية هو غري ما ميكن أن يسمح به لخليل خوري والرتجمة‬ ‫للغة أخرى وأمام ضيوف يريدون معرفة «معنويات» العراقيني‪ ،‬كام تفهم السلطة حينها مثل تلك اللقاءات‪..‬وكان أن آثر خوري‬ ‫اإلعتذار عن تلك الرتجمة ولو بتلك الطريقة الجافة‪.‬‬ ‫كانت القراءة بالتناوب بني الفرنسيني والعراقيني‪ ،‬أذكر أن سالم كاظم ونصيف النارصي وعيىس العبادي ولهيب عبدالخالق‬ ‫جانبي يف القاعة الصديقان الشاعران محمد النصار وزعيم النصار قبل أن‬ ‫وعبداملنعم حمندي وقيس املوىل قرأوا‪ ،‬وكان إىل‬ ‫َّ‬ ‫أنهض حني حان دوري وأقرأ‪..‬كان هدوء أدايئ وطبيع ُة صويت التي كانت دامئا ما تقدمني بأكرب من سني الحقيقي العاملَ‬ ‫األول الذي اسرتعى انتباه الضيوف الذين كانوا بخالفنا ميتعون مزاجهم بيشء من الرشاب الذي جاءوا به معهم‪ ،‬لكن ما أن‬ ‫انتهى املرتجم من قراءة النصوص بالفرنسية حتى وقف الفرنسيون رافعني أنخابهم احتفا ًء بالنصوص التي تيسرّ وصولها اليهم‪.‬‬ ‫‪88‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫عبدالزهرة زكي‬

‫عيني‬ ‫كان هذا االحتفاء الفرنيس دافعاً ألن أكون مبزاج أكرث إمتاعا من ذلك املزاج املتأيت للمحتفني عرب الرشاب والشعر‪ ،‬فوجدت َّ‬ ‫تنرصفان‪ ،‬بزهو ونشوة‪ ،‬باتجاه شاعر الحرب األبرز الذي حرض‪ ،‬وكان قد قرأ يف األمس وحرض اليوم مع الشعراء الفرنسيني‪..‬‬ ‫بدا عليه يشء من عدم االرتياح فغادر القاعة قبل أن يحني موعد الحوار املفتوح بيننا وضيوفنا‪ ،‬كنت أتوقع أن ليس مبقدور‬ ‫الرجل أن يتخيل للحظة وجو َد شعر آخر يف العراق‪..‬كانت املنصات واملهرجانات والتلفزيون واإلذاعة والصحف التي يشغلها‬ ‫جميعها كافية ألن تضخم لديه مثل هذا الشعور‪ ،‬فانرصف تاركاً لنا هذا «الهذر» الذي ال ُيسمن من جوع وال ُيغني عن فقر‪.‬‬ ‫مل أكن معن ّياً بالشعراء الذين كانوا يأتون إىل الحرب بقناعة كافية‪..‬تلك هي املسؤولية األخالقية املرتتبة‪ ،‬سلباً أو إيجاباً‪ ،‬عىل‬ ‫مثل هذه القناعات‪..‬لكن يف كثري من األحيان كنت انظر إىل بعض الشعراء الذين كانت قصائدهم تنرش صباحاً يف الصحف‪،‬‬ ‫الحرب وتدعو إليها‪ ،‬بينام هم ينهون لياليهم يف حدائق اتحاد األدباء يشتمون تلك الحرب والتورط فيها‪ ،‬كنت‬ ‫متجد‬ ‫َ‬ ‫وهي ّ‬ ‫انظر إليهم بوصفهم من ضحايا الحرب‪ ،‬وقد يتوفر كثريون منهم عىل مربرات تلك التضحية املحكومة اآلن بظرفها يف حينه‬ ‫من جانب والنظرة املتغرية اآلن من جانب آخر‪ ،‬وهي نظرة تعيد إلينا صورة قصيدة «نشيد الكراهية» وشاعرها ليساور عىل‬ ‫أكرث من صورة‪..‬كنت أتحدث إىل أصدقاء مبثل هذه املشاعر التي ال تريد أن ت ِّربر اإلنزالق الخطري الذي ف ّرط بالجوهر اإلنساين‬ ‫للفن واألدب وقبله التفريط بالفن نفسه والهزء به ق ْد َر ما كانت تريد تفه َّم معنى أن يضطر املرء إىل التفريط بتوازنه اإلنساين‬ ‫وانسجامه مع قناعاته لصالح حياة يريدها أن تستمر‪ ،‬وإن بهذا الشكل أو ذاك‪ ،‬وتحت الخضوع ملنطق الحرب وامالءاتها‪.‬‬ ‫لقد كنت أرى حينها ما يراه رومان روالن يف أثناء الحرب من أنه يتوجب عىل الكاتب أن ال يسهم‪ ،‬يف مثل هذه الظروف‪ ،‬يف‬ ‫التدمري والجرمية وينأى‪ ،‬ما أتيح له ذلك‪ ،‬عن االقرتاب منهام‪ ..‬الحرب ال تد ّمر البرش والطبيعة حسب وإمنا ميتد تدمريها األخطر‬ ‫إىل القيم التي تشكل الثقافة حاملها‪ ،‬الثقافة يف وسطها التداويل اليومي ويف مضانها بنصوص األدب والفن والفكر‪..‬ذلك هو‬ ‫ُ‬ ‫أسباب‬ ‫الظروف السيئة‬ ‫التأثري األخطر لجرمية الحرب‪ ،‬أي حرب‪ ،‬ومن املؤسف أن الجرمية دامئاً ما تج ّر إليها متورطني ُتو ِّفر لهم‬ ‫َ‬ ‫التورط وقد تز ِّينه‪.‬‬ ‫رمبا استغرب الشاعر الفرنيس اعتذاري‪..‬مل يكن يعرف باستحالة سفري وسفر كثريين غريي من مثقفي العراق وقتها‪.‬‬ ‫أتحسب من رشح تفاصيل هذه االستحالة التي بقيت متنعني عن السفر حتى انتهاء الحرب والتورط بحرب ثانية‬ ‫كنت ّ‬ ‫ثم الحياة يف ظل حصار‬ ‫يف الكويت ومن ّ‬

‫ولدي عندما رأيت ذراعك‬ ‫مرفوعة تؤدي التحية الهتلرية‬ ‫مل اعرف ان اليد التي تحي هتلر‬ ‫ستشل حتام‪.‬‬ ‫وقلت يل يا ولدي"سيتغري وحه املانيا"‬ ‫ومل ادر انها ستصري‪...‬‬

‫رمادا واحجارا دامية‪.‬‬ ‫رأيتك ولدي ترتدي القميص البني‬ ‫مل احتج ومل اعارض‬ ‫ألنني مل اكن اعرف ما اعرفه اليوم‪:‬‬ ‫ان ذاك القميص سيكون كفنك‪.‬‬ ‫برتولد بريخت ‪ /‬أنشودة أم أملانية‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪89‬‬


‫في الشعر‬

‫الصناعة الرائية في الشعر‬ ‫عبد الغني فوزي‬

‫غالبا ما يتم التعريف بالشعر أو محاولة اإلحاطة به ‪ ،‬من خالل تقديم وتوصيف تعدده اللغوي والتداويل ؛ استنادا عىل اصطالحات‬ ‫منهجية حديثة كالشعرية ‪ ،‬والسنن ‪ ،‬والرشطية اإلبداعية‪..‬ويف املقابل ‪ ،‬يغلب ظني ‪ ،‬أن هذه اإلجراءات املنهجية املتلونة عىل‬ ‫تعددها املرجعي ‪ ،‬عرفت يف تراثنا العريب البالغي و النقدي القديم ‪ ،‬وإن بشكل مجزئ من قبيل النظم ومفهوم الطبقة والجودة‪...‬‬ ‫هذا فضال عن مفهوم الصناعة كشحذ وتهذيب للعملية اإلبداعية ‪ .‬وهو ما يقتيض اإلحاطة بخانة هذا املفهوم ‪ ،‬ملعرفة تجلياته قدميا‬ ‫والبرت الذي يوظف به اآلن أمام استالب نظري يصل إىل حد العامء ‪.‬‬ ‫الصناعة يف اللغة هي كل علم أو فن ميارسه اإلنسان حتى ميهر فيه‪ ،‬ويصبح حرفة له‪ .‬وهي يف االصطالح ترتبط بفن القول الذي ال‬ ‫يخرج مخرج االرتجال؛ بل مخرج الرتوي واإلمعان يف النظر قصد السبك والصقل‪ .‬والحديث عن الصناعة مبعناها االصطالحي يحيلنا‬ ‫للحديث عن الشعر‪ ،‬باعتبار هذا األخري كثريا ما يعرف بكونه صناعة ترقى‪ ،‬لتصبح إبداعا وخلقا‪.‬‬ ‫و حني يتم الربط بني الشعر والصناعة‪ ،‬فال نقصد أنه صناعة كباقي الصناعات‪ ،‬بل هو صناعة متميزة ومنفردة‪ ،‬ألن الصانع ‪ /‬الشاعر‬ ‫يعتمد خاللها عىل مشاعره ومتخيله وتجربته‪ ...‬وتلك أدوات صناعته أو قل خلقه‪ .‬وقد يرقى الشاعر إىل مستوى الصانع إذا حصل‬ ‫الوعي الدقيق باملمكنات واملجاهل الشعرية ؛ أو قد ينحدر يف ظالل األوهام التي ال تنتج إال الكتابة السطحية والرديئة ‪.‬‬ ‫وقد اختلف التصور العريب ملفهوم الصناعة املرتبط بالشعر‪ ،‬باختالف العصور والسياقات؛ ففي العرص الجاهيل اعترب الشعر ديوانا‬ ‫للعرب‪ ،‬فهو تصوير لحياتهم ولواقعهم‪ .‬فكانت بذلك صناعته مرتبطة بتقاليد وعادات ال ميكن الخروج عنها‪ .‬أما العصور التالية‪ ،‬فقد‬ ‫اختلفت هذه الصناعة فيها ‪ ،‬كام كانت عليه من قبل ‪ ،‬تبعا للتحوالت ودور الشعر الطالئعي ضمن ذلك‪.‬‬ ‫إن هذا املعنى املعطى للصناعة‪ ،‬يختلف عن التصنيع املرادف للزخرفة و الزينة والتكلف‪ ..‬ومل يكن الشعراء يعيشون بعيدا عن‬ ‫هذا الجو من التصنيع والزخرف‪ .‬و بالتايل‪ ،‬نخلص إىل أن الشعر قبل أن يك��ن وسيلة للتعبري عن األحاسيس واملشاعر هو صنعة‬ ‫يلتزم خاللها الشاعر مبجموعة من القوانني واألحكام التي فرضها عليه عرصه‪ .‬لذا كان التنافس والتعارض روحا داخلية ‪ ،‬تدفع الشعر‬ ‫لريتاد آفاقا أوسع‪.‬‬ ‫يتضح من خالل ما سبق ‪ ،‬أن مفهوم الصناعة املرتبط بالشعر‪ ،‬تطور مع تطور الزمن والشعر نفسه‪ .‬فبعدما كانت صناعة الشعر‬ ‫تقوم عىل الوصف وترديد الصور نفسها‪ ،‬أصبحت تدريجيا تعني التعبري عن يشء ما‪ ،‬ضمن حلم أوسع وهو ما يقتيض توازي اإلبداع‬ ‫والحرية‪ .‬كام أن الصناعة مرادفة يف معناها اإلبداعي ‪ ،‬لهذيب املقروء ضمن لغة صقيلة ال تقول نفسها الباردة فقط؛ بل ترصيف‬ ‫تجربة إنسانية ‪ .‬هنا ميكن أن تتحول اللغة إىل وعاء حاضن لألسئلة الحارقة ‪.‬‬ ‫فهل ميكن الحديث اآلن فيام نقرأه من شعر معارص عن صناعة وصقل‪ ،‬أي أن الشاعر عىل علم بأدواته ‪ ،‬إلحاطة أشمل وتعبري أبلغ‬ ‫ومتخيل أعمق ؟ ‪ .‬دون إسقاط املسؤولية عن املتلقي الذي يأيت للقصيدة خايل الوفاض ‪ ،‬أو يأيت يف أحسن األحوال مزودا مبعاول‬ ‫خطابات أخرى ‪ ،‬فيبحث عن وهم التطابق ‪.‬‬ ‫اآلن نحن أمام نص متشابه‪ ،‬منسوخ دون طاقة أو إضافة‪ .‬ويغلب ظني ‪ ،‬أن الخصوصية تأيت أساسا من االشتغال عىل النص كأداة‬ ‫سابحة يف الشعر عموديا وأفقيا ‪ ،‬أي التموضع يف زاوية ما بني املرحلة وفقرات تاريخ الكتابة ‪ .‬فحني متر هذه األخرية ملسا عىل التاريخ‬ ‫واالجتامع البرشي عىل منعطفاته ‪ ،‬ال ميكن أن تكون إال رصدا خالقا ‪ ،‬وبكامل العدة الخلفية‬ ‫‪90‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫مختارات‬

‫رباعيات‬

‫جالل الدين الرومي‬ ‫‪1‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫متأخرا‪ ،‬وحيدا‪ ،‬يف زورق حيايت‪،‬‬ ‫ال ضوء يف أيّ مكان وال أرض‪.‬‬ ‫ثقيل غطاء الغيم‪.‬‬ ‫أحاول البقاء عىل السطح‪،‬‬ ‫لكني يف األسفل أحيا بعض بحر‪.‬‬ ‫‪2‬‬ ‫أبيك‪ ،‬دموعي تخربين بذلك‪.‬‬ ‫يقولون الربيع الفائت‪ ،‬األخرض الجديد‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫أحسست بالوهن‪.‬‬ ‫كم‬

‫ترجمة‪ :‬عاشور الطويبي‬ ‫ت َت َذ ّكر ّ‬ ‫كل ليلة من ليالينا‪ ،‬وال تتذكر أشياء قلتها أنا‪.‬‬ ‫‪3‬‬ ‫صديقي‪ ،‬هذا هو اقرتابنا‪.‬‬ ‫أينام تضع قدمك‬ ‫ّحس يب يف الصالبة تحتك‪.‬‬ ‫كيف مع هذا الحب‪،‬أرى عاملك وال أراك؟‬ ‫‪4‬‬ ‫معاً‪ ،‬نبقى يقظني طوال الليل‪.‬‬ ‫بدونك‪ ،‬ال استطيع النوم‪.‬‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪91‬‬


‫مختارات‬

‫احمد الله عىل هذين األرقني‪،‬‬ ‫وما بينهام من فرق‪.‬‬

‫مئات من الطرق‬ ‫للسجود وتقبيل األرض‪.‬‬

‫‪5‬‬ ‫عندما أموت‪ ،‬مدّد الجثامن‪.‬‬ ‫قد ترغب يف تقبيل شفتني‪،‬‬ ‫بدأتا يف التحلل‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫عيني‪.‬‬ ‫ال تخف ْإن‬ ‫فتحت ّ‬

‫‪9‬‬ ‫لنسيم الفجر أرسار يخربك بها‪.‬‬ ‫ال تعد إىل النوم‬ ‫اطلب ما تريد حقا‪.‬‬ ‫ال تعد إىل النوم‪،‬‬ ‫جيئة وذهاب‬ ‫يعرب الناس عتبة الباب‬ ‫ملتقى العالِ َمينْ ‪.‬‬ ‫مفتوح الباب ودائري‬ ‫ال تعد إىل النوم‪.‬‬

‫‪6‬‬ ‫لسنوات‪ ،‬ق ّل ّ‬ ‫دت اآلخرين‪،‬‬ ‫حاولت أن أعرف نفيس‪.‬‬ ‫مل أعرف ماذا أفعل‪.‬‬ ‫عاجزا عن الرؤيا‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫نادى‪،‬خرجت‪.‬‬ ‫سمعت اسمي ُي‬ ‫‪7‬‬ ‫ستتوقف هذه املأمأة‪،‬‬ ‫يظهر الذئب‪.‬‬ ‫نهرب يف كل االتجاهات‪،‬‬ ‫ببعض فكرة عن حظوظنا‪.‬‬ ‫ال يشء يطفو طويال‪،‬‬ ‫عند الفم واألذن يفيض املوت‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫كل رأس مييض إىل األسفل عميقاً‪.‬‬ ‫‪8‬‬ ‫اليوم‪،‬‬ ‫كأي يوم آخر‪،‬‬ ‫نستيقظ فارغني وخائفني‪.‬‬ ‫ال تبدأ القراءة‪.‬‬ ‫خذ آلة موسيقية‪.‬‬ ‫اجعل ما نحب من جامل‬ ‫ما نفعله‪.‬‬

‫‪92‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫‪10‬‬ ‫بسج ّل‪،‬‬ ‫خذ شخصا ال يحتفظ ِ‬ ‫ال يتطلع ألن يكون غنيا‪،‬‬ ‫أو يخاف من خسارة‪،‬‬ ‫ليس لديه أدىن رغبة‬ ‫حتى يف نفسه‪.‬‬ ‫ح ّر هو‪.‬‬ ‫‪11‬‬ ‫وراء األفكار‬ ‫الخاطئة والصائبة حقل‬ ‫أالقيك هناك‪.‬‬ ‫عند استلقاء الروح‬ ‫يف ذلك العشب‪،‬‬ ‫يكون العامل شديد االمتالء‬ ‫يك نتحدث عنه‪.‬‬ ‫أفكار‪ ،‬لغة‪،‬‬ ‫حتى جملة‬ ‫كل آخر ال معنى لها‪.‬‬


‫جالل الدين الرومي‬

‫‪12‬‬ ‫أحب أن أق ّبلك؟‬ ‫جائزة التقبيل حياتك؟‬ ‫اآلن حيايت تركض نحو حيايت الصارخة‪.‬‬ ‫يا للصفقة‪ ،‬فلنشرتيها‪.‬‬ ‫‪13‬‬ ‫لنا طريقة للتحدث‪ ،‬ولنا أخرى؟‬ ‫بعيدا عن ما نرغب وما نخاف أن يحدث‪،‬‬ ‫نحن أحياء بحياة أخرى‪،‬‬ ‫مثلام تتشكل الصخور الصافية يف الجبل‪.‬‬ ‫‪14‬‬ ‫شخص ما يذهب برغيف خبز‬ ‫إىل مكان صغري يناسبه كعش‪،‬‬ ‫شخص ما ال يريد املزيد من نفسه‬ ‫ال يريد أي أحد آخر‪.‬‬ ‫هو‬ ‫رسالة لكل واحد‪.‬‬ ‫تفتحها أنت‪.‬‬ ‫تقول‪،‬‬ ‫حي‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫‪15‬‬ ‫َمن يرى الداخل‬ ‫من الخارج؟‬ ‫من يجد املئات‬ ‫من األلغاز‬ ‫حتى عند تشوش العقول‪.‬‬ ‫ابرص عرب عينيه ما يبرص‪.‬‬ ‫َمن عندها ينظر إىل الخارج‬ ‫من عينيه؟‬

‫‪16‬‬ ‫باحثا عن البحر‪،‬‬ ‫أجد قطعة من قوقعة‬ ‫ورغوة عليها‪.‬‬ ‫أتذوق البحر يف الرغوة‪.‬‬ ‫أنعطف‪،‬‬ ‫واملمىش الشديد االنحدار‬ ‫يفتح عىل سهل عال‪.‬‬ ‫‪17‬‬ ‫عيناك هام اللغز‪،‬‬ ‫بآالف الحيوات‬ ‫تحيا يف الحواف‪.‬‬ ‫َشعرك ممتىلء بالنسيان‪،‬‬ ‫وجههك َح ْمدٌ خالص‪.‬‬ ‫إذن الوضوح مزركش باألخطاء‪.‬‬ ‫‪18‬‬ ‫الخرزة الشفافة عند املركز‬ ‫ُتغيرّ ُ ّ‬ ‫كل يشء؟‬ ‫ال حواف لعشقي اآلن‪.‬‬ ‫سمعتَهم يقولون‬ ‫هناك نافذة تفتح من عقل إىل عقل آخر‪.‬‬ ‫لكن إذا مل يكن هناك حائط‪،‬‬ ‫ال حاجة لوضع نافذة‪ ،‬أو مزالج‪.‬‬ ‫‪19‬‬ ‫نقوم برحالت طويلة‬ ‫يحيرّ نا معنى لوحة أو كتاب‪.‬‬ ‫نحنُ ما نرغب أن نراه‬ ‫ونفهمه يف هذا العامل‪.‬‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪93‬‬


‫مختارات‬

‫‪20‬‬ ‫هل يبدو غروب الشمس أحيانا‬ ‫كأن الشمس يف حالة صعود؟‬ ‫هل تعرف ما شكل العشق الو ّيف؟‬ ‫َ‬ ‫أحرقت نفسك‪.‬‬ ‫تبيك‪ ،‬تقول أ ّنك‬ ‫هل بامكانك أن تفكر بأح ٍد‬ ‫ليس ملبداً بالدخان؟‬ ‫‪21‬‬ ‫نهار‪،‬‬ ‫ميلء بالجزيئات الراقصة‪،‬‬ ‫وااللتفاتة العظيمة‪،‬‬ ‫أرواحنا ترقص معك‪.‬‬ ‫ترقص‪ ،‬بال أقدام‪.‬‬ ‫حني أهمس يف أذنك‬ ‫هل نراها؟‬ ‫‪22‬‬ ‫يحاولون أن يقولوا‬ ‫ما أنت‪،‬‬ ‫جنيس؟‬ ‫روحاين‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫مذهولون من سليامن وجميع زوجاته‪.‬‬ ‫يف جسد هذا العامل‪،‬‬ ‫يقولون‪ ،‬روح‪ ،‬هي أنت‪.‬‬ ‫لنا سبلنا‬ ‫لن يقولها أحد أبدا‪.‬‬ ‫‪23‬‬ ‫الشكل البرشي شبح‬ ‫مصنوع من الغفلة واألمل‪.‬‬ ‫أحيانا نور صاف‪،‬‬ ‫أحيانا قاس‪،‬‬ ‫يحاول بوحشية أن يفتح‪،‬‬

‫‪94‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫هذه الصورة‬ ‫متامسكة بشدة‬ ‫يف إطار نفسها؟‬ ‫‪24‬‬ ‫ابق يف صحبة العشاق؟‬ ‫أنواع البرش األخرى‪،‬‬ ‫كل منهم يريد أن ُي َ‬ ‫رك شيئا‪.‬‬ ‫الغراب‬ ‫سيقودك إىل مخزن تنب فارغ‪،‬‬ ‫الببغاء‬ ‫إىل قطعة سكر؟‬ ‫‪25‬‬ ‫يف الداخل توجد بذرة نور‬ ‫متلؤها بذاتك أو متوت‪.‬‬ ‫أنا حبيس هذه الطاقة املتموجة‪،‬‬ ‫َشعرك‪.‬‬ ‫مجنون من كان‬ ‫هادئا ومنطقيا‪.‬‬ ‫‪26‬‬ ‫ال تفكر يف نصيحة طيبة مني‬ ‫لقد تذوقت األسوء مام ميكن أن يحدث‪.‬‬ ‫لذا يقفلون ع ّ‬ ‫يل يف مكان ما‪،‬‬ ‫مقيدا ومكمم الفم‪،‬‬ ‫ال ميكنهم تقييد العشق الجديد‬ ‫هذا الذي لدي؟‬ ‫‪27‬‬ ‫ليس لديك أيام سيئة وأيام جيدة‪.‬‬ ‫ال تشعر أحيانا أنك ذيك وأخرى أنك معتوه‪.‬‬ ‫ال وجود لدرس‪ ،‬ال تفكري منهجي‬


‫جالل الدين الرومي‬

‫له عالقة بالحب‪،‬‬ ‫الرسية‪،‬‬ ‫يوجد الكثري من التخطيط‪ ،‬واملالمسة ّ‬ ‫وليال ال ميكنك تذكرها متاما‪.‬‬ ‫‪28‬‬ ‫هيجان غريب يف رأيس‪،‬‬ ‫لطيور مح ّلقة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫كل جزيء يدور عىل حاله‪.‬‬ ‫هل املعشوق يف كل مكان؟‬ ‫‪29‬‬ ‫ليس قبل أن يذوب أحد ما‪،‬‬ ‫يستطيع هو أو هي‬ ‫معرفة ما االتحاد‪.‬‬ ‫ذلك ينحدر فقط‬ ‫إىل الفراغ؟‬ ‫ال تتغري كذبة إىل حقيقة‬ ‫مبجرد الحديث عنها‪.‬‬

‫القضاة ال يتكلمون‪.‬‬ ‫‪32‬‬ ‫اد ُ‬ ‫عيني‪.‬‬ ‫ّعيت ّ‬ ‫إىل النهر سألتحق بهام‪ ‬‬ ‫يف الفصل املطري‪.‬‬ ‫صبابتي‪  ‬فاقعة الحمرة‪.‬‬ ‫عىل األقل جسدي يل‬ ‫قبل مرور يومني‪،‬‬ ‫سيشري الناس نحوه مستهجنني‬ ‫ويجربونك عىل الخروج من املدينة‪.‬‬ ‫‪33‬‬ ‫‪ ‬وضعت قدما‬ ‫عىل الرباح الشاسع للموت‪،‬‬ ‫وعىل الفراغ‬ ‫ضجت ضخامة هائلة‪.‬‬ ‫ّ‬

‫‪30‬‬ ‫روح هذا العامل‪،‬‬ ‫ال حياة‪ ،‬ال عامل يبقى‪،‬‬ ‫ال رجال وسيمون ونساء مشتاقات‪.‬‬ ‫فقط العشق القديم‬ ‫محيط بالحجر األسود املقدس لاليشء‪.‬‬ ‫حيث العاشق هو العشق‪،‬‬ ‫األفق وكل ما فيه‪.‬‬ ‫‪31‬‬ ‫قد تكون هناك ضوضاء يف مدرسة العشق‪،‬‬ ‫ال فرق أبدا بني املايض والحارض‪.‬‬ ‫ال قايض يق ّرر سابقة هنا‪.‬‬ ‫يف شؤون العشق‪،‬‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪95‬‬


‫مختارات‬

‫مل أشعر‪ ‬بيشء أبدا‬ ‫كدهشة تلك اللحظة‪.‬‬ ‫‪34  ‬‬ ‫ُ‬ ‫كنت خجوال جع ْلتَني أغنّي‪.‬‬ ‫كنت ُ‬ ‫ُ‬ ‫أرفض أشياء عند الطاولة‬ ‫اآلن أرصخ‬ ‫‪ ‬يف كرامة متجهمة‬ ‫كنت أجلس عىل سجاديت وأصيل‬ ‫اآلن يجري األطفال حويل‬ ‫وأمامي يلعبون‪.‬‬ ‫‪35‬‬ ‫يريد الناس أن تكون سعيدا‬ ‫ال متنحهم أملك‬ ‫إذا استطعت ّ‬ ‫حل جناحيك‬ ‫وح ّرر روحك من الغرية؛‪ ‬‬ ‫أنت وكل واحد من حولك‬ ‫قادرون عىل الطريان‬ ‫عاليا كاليامم‪.‬‬ ‫‪ ‬‬ ‫‪36‬‬ ‫ملاذا تدع‬ ‫األشياء اليومية تزعجك؟‬ ‫هل نسيت‬ ‫كيف هي يف الزمن؟‬ ‫‪ ‬أبوك مل يلتق أمك أبدا‪.‬‬ ‫حديقتك الغناء التي تحيا فيها‬ ‫مل ُتغرس بعد‪.‬‬ ‫‪  ‬‬ ‫‪37‬‬ ‫العمل يف داخلك دامئا‬ ‫ال ّ‬ ‫تنفك هذه العقدة‬

‫‪96‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫باالستامع إىل حكايا اآلخرين‪.‬‬ ‫البرئ داخل بيتك‬ ‫ماؤه أكرث مرارة من النهر‬ ‫الذي يجري عرب املدينة‪.‬‬ ‫‪38 ‬‬ ‫أنت داخل املعنى‪،‬‬ ‫لست الكلامت‪.‬‬ ‫أنت القلب‪،‬‬ ‫لست واحدة‬ ‫من لغات القلب‪.‬‬ ‫‪ ‬أنت الجوهر‬ ‫ضمن الكون‪،‬‬ ‫ليس الكون‪.‬‬ ‫أنت ال غائب وال موجود‪.‬‬ ‫‪  ‬‬ ‫‪39‬‬ ‫مبارك أنا باإلميان‬ ‫وملعون بالنسيان‪.‬‬ ‫واضح‪ ،‬لكن مغطى بالطني‪.‬‬ ‫راشد‪ ،‬أهرم‪،‬‬ ‫وال أزال طفال صغريا‪.‬‬ ‫حني أموت‪،‬‬ ‫ال تقل‪ ،‬هو ميت‪.‬‬ ‫قل‪ ،‬كان ميتا‪  .‬‬ ‫ثم عاد إىل الحياة‪،‬‬ ‫وأخذه أصدقاؤه‬ ‫إىل الصداقة مرة أخرى‪.‬‬ ‫‪ ‬‬ ‫‪40‬‬ ‫هذه الكلامت التي أقولها‬ ‫ال ّ‬ ‫متت يل‪.‬‬ ‫أقولها ولست عىل دراية تامة‬


‫جالل الدين الرومي‬

‫مبا أقول‪.‬‬ ‫فيها طاقة ويشء قادر‬ ‫عىل استنزاف الطاقة‪.‬‬ ‫كم يل عىل أي من ذلك‪.‬‬ ‫ال ُح َ‬ ‫أعلم أنها من قلبي تجيء‪،‬‬ ‫من عشقي‪.‬‬ ‫ومازلت ال أعلم‬ ‫ملن هذه الكلامت‪.‬‬ ‫‪ ‬‬ ‫‪41‬‬ ‫كن صقرا‬ ‫حني تسري مبارشة إىل الهدف‪.‬‬ ‫كن أسدا يف كيف متيش‪.‬‬ ‫ملوكيا‪ ،‬بطريقة اختيارك ملكان الراحة‪.‬‬ ‫ادخل عامل الروح ككنز لذلك‪.‬‬ ‫رس رسيعا حيث ال رسعة وال بطء‪.‬‬ ‫اصعد وراء أي علو وانخفاض‪.‬‬ ‫‪ ‬‬ ‫‪42‬‬ ‫أنا الروح يف مئة ألف جسد‪.‬‬ ‫ما الروح؟‪  ‬‬ ‫ما الجسد؟‬ ‫كالهام أنا‪ ،‬وشخص أخر‬ ‫أيضا أنا‪.‬‬ ‫إلرضائه‪،‬‬ ‫أضع شخصيات متعددة‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫أقرأ سطوري‪.‬‬ ‫‪ ‬‬ ‫‪43 ‬‬ ‫إذا استطعت للحظة‬ ‫أن تكون س ّيد نفسك‪،‬‬ ‫ستكون لك‬ ‫معرفة األشياء‬ ‫الجماَ ُل الذي يتوق إليه العامل‪،‬‬ ‫َ‬

‫جامل الغياب‪،‬‬ ‫سيظهر يف مرآة برصك‪.‬‬

‫‪ ‬‬ ‫‪44‬‬ ‫قد أبدو بعيدا‪،‬‬ ‫أنا جد قريب‪.‬‬ ‫قد أبدو معزوال‪،‬‬ ‫ممتزجا معك متاما‪.‬‬ ‫يف الفضاء املفتوح‪،‬‬ ‫أبدو خفيا‪،‬‬ ‫ألنني أتكلم معك باستمرار‪،‬‬ ‫أيها الصمت‪.‬‬ ‫‪ ‬‬ ‫‪45 ‬‬ ‫اليوم‪،‬‬ ‫َ‬ ‫عيني طوال الوقت‪.‬‬ ‫كنت داخل ّ‬ ‫أنا مشوش‪ ،‬مقلوب‪.‬‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪97‬‬


‫مختارات‬

‫أنت يف غاية القرب والوضوح‪،‬‬ ‫أشعر بانفصال عنك‪.‬‬ ‫واع بك جدا‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ال أعرف شيئا‪.‬‬ ‫‪46‬‬ ‫كم من الوقت‬ ‫نبتهج بهذه األشكال‬ ‫تتحرك عرب الزمن؟‬ ‫كم من الوقت‬ ‫نبقى مهتمني‬ ‫بكل هذه العطور؟‬ ‫بدأت أتعب من املخلوقات‪،‬‬ ‫أريدُ جامل الخالق‪.‬‬ ‫حني أتطلع إىل هناك‪،‬‬ ‫أرى نفيس‪.‬‬

‫‪98‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫وحني أتطلع إىل نفيس‪،‬‬ ‫أرى ذلك الجامل‪.‬‬ ‫‪47‬‬ ‫ليس العاشق‬ ‫مسلام أو مسيحيا‪،‬‬ ‫أو طرفا يف أي عقيدة‪.‬‬ ‫دين العشق ال مذهب له‬ ‫لتُخلص له أو ال ُتخلص‪.‬‬ ‫‪48‬‬ ‫أنت بحر يف قطرة ندى‪،‬‬ ‫كل األكوان يف كيس دم رهيف‪.‬‬ ‫‪ ‬إذن ما هاته املتع‪،‬‬ ‫هاته اللذائذ‪ ،‬هذه العوامل‪،‬‬ ‫‪ ‬التي تجهد للوصول إليها‪،‬‬ ‫آمال أن تجعلك أكرث حياة‪.‬‬


‫جالل الدين الرومي‬

‫‪49‬‬ ‫تعال‪ ،‬تعال‪،‬‬ ‫أيا من تكون‪،‬‬ ‫الهائم‪،‬‬ ‫عابد النار‪،‬‬ ‫عاشق الرحيل‪.‬‬ ‫هذه ليست قافلة اليأس‪.‬‬ ‫ال يهم إن اخلفت نذرك‬ ‫ألف مرة‪،‬‬ ‫استمر باملجيء‪،‬‬ ‫و مرة أخرى‬ ‫تعال‪.‬‬ ‫‪  ‬‬ ‫‪50‬‬ ‫أريد أن أكون‬ ‫حيث‪ ‬متيش قدمك الحافية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫لعل قبل أن تخطو‪،‬‬ ‫ستنظر إىل األرض‪.‬‬ ‫أطمح يف تلك املباركة‪.‬‬ ‫‪51‬‬ ‫ترغب أن يكشف لك عن حقيقة املحبوب؟‬ ‫اترك القرشة‪ ،‬واهبط إىل ال ّلب‬ ‫ط ّية يف داخل ط ّية‪،‬‬ ‫املحبوب يغرق يف كينونته‪.‬‬ ‫هذا العامل مغمور بذاك الغرق‪.‬‬ ‫‪52 ‬‬ ‫ليّ‬ ‫ٌ‬ ‫العشق كامل وك ‪،‬‬ ‫تصل َ‬ ‫أنت‪.‬‬ ‫روحي تغص بالكلامت‪،‬‬ ‫وال يخرج يشء‪.‬‬

‫مسافر يقابل بهجته ويأسه معاّ‪.‬‬ ‫أموت عطشا‪،‬‬ ‫أقف هنا‬ ‫قدمي‪.‬‬ ‫ومياه الينبوع تفيض حول ّ‬ ‫‪53‬‬ ‫يعم‪.‬‬ ‫الربيع ّ‬ ‫داخلنا توجد وحدة أخرى‪.‬‬ ‫هنا خلف كل عني‪،‬‬ ‫واحدة تشع طقسا‪.‬‬ ‫أغصان الغابة يف النسيم‬ ‫مختلفة حركات أغصان الغابة‪،‬‬ ‫وحني تتاميل‪ ،‬تلتحم عند الجذور‪.‬‬ ‫‪54‬‬ ‫يراين قادما‪،‬‬ ‫يص ّفق بيديه‪،‬‬ ‫أنظر هنا‪،‬‬ ‫حاجنا‪.‬‬ ‫لقد عاد ّ‬ ‫عكس‬ ‫ّ‬ ‫كل ُن ُذ ِر التوبة‪.‬‬ ‫هذا صحيح‪  ،‬‬ ‫لكنه ال يعرف الكثري‬ ‫عن صناعة الزجاج‪،‬‬ ‫العمل املضني‪.‬‬ ‫‪ ‬تذكر‪.‬‬ ‫جهد أكرث‪،‬‬ ‫يكرسنا‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪99‬‬


‫مختارات‬

‫‪57‬‬ ‫هكذا أود أن أموت‬ ‫يف العشق الذي‬ ‫أكنّه لك‪.‬‬ ‫‪ ‬كقطع سحب‬ ‫تذوب يف ضوء الشمس‪.‬‬

‫بسهولة أكرث‪.‬‬ ‫‪ ‬‬ ‫‪55‬‬ ‫مطر يسقط فوق رجل واحد‪،‬‬ ‫يتحول إىل بيت‪.‬‬ ‫البجعة متد جناحيها وتقول‪،‬‬ ‫من القوة التي منها نشأت‬ ‫أهطل ع ّ‬ ‫يل‪  ‬أكرث‪.‬‬ ‫‪56‬‬ ‫ْ‬ ‫شاهدت‬ ‫نفيس‬ ‫ّ‬ ‫كم ُ‬ ‫كنت محطام وغبيا‬ ‫جاءت وجلست‬ ‫تضحك عىل رسيري‪.‬‬ ‫ممسكة بحاجبي‪.‬‬ ‫عزيزي‪،‬‬ ‫ال استطيع رؤيتك هكذا‪.‬‬

‫‪100‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫‪58‬‬ ‫َمنْ ال يركض إىل فتنة العشق‬ ‫مييش طريقا ال يشء فيه حي‪.‬‬ ‫تحس بالنرس‪-‬العشق‬ ‫لكن هذه الياممة ّ‬ ‫يتقلب يف األعايل‪،‬‬ ‫وتنتظر‪ ،‬ولن ُتقاد‬ ‫أو تخ ّوف للنجاة‪.‬‬ ‫‪59‬‬ ‫عندما تبدأ أغنية الروح‪،‬‬ ‫اقفز عاليا وارقص‪.‬‬ ‫معاً تتح ّرك نغامت‬ ‫الطبل والناي‪.‬‬ ‫خوفك القديم يقفز‬ ‫يف نار ذلك الخرب‪.‬‬ ‫إنه وقت البكاء‪.‬‬ ‫‪60‬‬ ‫كل ليلة‬ ‫عرب السامء‬ ‫تتفتح األزهار‬ ‫طاملا طأمنينة السهر‬ ‫تشعل الفراغ‪.‬‬


‫جالل الدين الرومي‬

‫‪61‬‬ ‫قد ينتهي طريق عند بيت منعزل‪،‬‬ ‫إلاّ طريق العشق‪.‬‬ ‫‪ ‬العشق نهر‪.‬‬ ‫ارشب منه‪.‬‬ ‫‪ ‬‬ ‫‪62‬‬ ‫َمن يفعل ما يريد املحبوب‬ ‫لن يحتاج أبدا إىل حبيب‪.‬‬ ‫هناك افالس هو ربح خالص‪.‬‬ ‫القمر يبقى ساطعا‬ ‫عندما ال يتفادى الليل‪.‬‬ ‫عبق الوردة النادر‬ ‫يحيا يف الشوكة‪.‬‬ ‫‪63‬‬ ‫نسمة خفيفة آتية من أسفل الهضبة‪،‬‬ ‫أغنية طائر الليل‪.‬‬ ‫الكتابة الغريبة التي أقرأها‬ ‫عىل باب حبيبي‬ ‫تقول نفس الرسالة‬ ‫اآلن نوديت إىل الخارج‬ ‫فوق أعايل السقوف‪.‬‬ ‫‪64‬‬ ‫عبقك ميأل املرج‬ ‫فمك‬ ‫يف حمرة شقائق النعامن‪،‬‬ ‫وبعد رحيل رسائل التذكري تلك‪،‬‬ ‫‪ ‬ينفتح فمي‪،‬‬

‫ويف أي يشء أقوله‪،‬‬ ‫أسمعك‪.‬‬ ‫‪ ‬‬ ‫‪65‬‬ ‫إىل متى‬ ‫ترضبني كطبل‬ ‫وتجعلني‬ ‫أتأوه لك‬ ‫ككامن؟‬ ‫‪ ‬تجيب‪ ،‬تعال‪ .‬‬ ‫سأمسك بك‬ ‫قريبا مني‬ ‫وأرضبك‬ ‫مثل عود‪.‬‬ ‫أحس أين‬ ‫‪ ‬لكني ّ‬ ‫ناي أكرث‬ ‫تضعه يف فمك‬ ‫و تغفل‬ ‫ال نفخ‬

‫الرسومات ‪ :‬ألربت رايسنت‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪101‬‬


‫حوار‬

‫الشاعر محمد الصالحي‬

‫الشعر‪ ‬كالفظاعة‪ ‬‬ ‫اس بالكمية‬ ‫ال يُقـ َ ُ‬ ‫يكاد يكون الشاعر المغربي محمد الصالحي‪ ،‬نسيج وحده في فسيفساء القصيدة المغربية‪ ،‬فهو من‬ ‫ناحية‪ ،‬مقل في النشر إلى حدود قصوى‪ ،‬بخالف مجاييله من شعراء الثمانينيات من القرن الماضي‪،‬‬ ‫وهو من ناحية ثانية‪ ،‬يكتب نصوصا قصيرة النفس‪ ،‬قياسا إلى زمن الكتابة الذي تأخذه‪.‬‬ ‫في هذا الحوار اقتراب من دينامية القصيدة في مغرب الثمانينيات‪ ،‬وهي تكتب انطالقا من لغة‬ ‫أخرى‪ ،‬مفارقة للغة التي كتب بها الشعراء المغاربة نصوصهم ذات النبرة الوطنية الملتزمة القريبة‬ ‫من لغة «البيان السياسي»‪.‬‬

‫حوار‪ :‬حكيم عنكر‬

‫ليس هناك شعر مغربي‪،‬‬ ‫لكن هناك شعر ًا عربيا في‬ ‫َّ‬ ‫المغرب ‪،‬وعالقة المغرب‬ ‫بالمشرق طرحت انطالقا‬ ‫من أسئلة مغلوطة‬

‫‪102‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫محمد الصالحي‬

‫عدت وجمعت رصيدك الشعري يف‬ ‫كتاب صدر مؤخراً من القاهرة‪ ،‬أي‬ ‫داللة يكتسيها هذا الجمع؟‬ ‫■ تتنادى‪ ‬النصوص‪ .‬تتصادى‪ .‬النص‬ ‫الشعري ضالة النص الشعري‪ .‬يبحث النص عن شبيه‪ .‬كأمنا‬ ‫القصيدة تولد برتاء ناقصة‪ ،‬فرتاها ضاربة يف األرض من‬ ‫غري هدى بحثا عن عضو أسيف زاغ‪  ،‬ألكرث من سبب‪ ،‬عن‬ ‫بقية القطيع‪ .‬ينشد النص إىل بعضه‪ ،‬إيقاعا ورؤيا‪ .‬الشعر‬ ‫عرب التاريخ جنس له من الحقائق الشكلية ما له‪ .‬بها ينامز‬ ‫وبها يلوذ وبها يُ َرى ويَ َرى‪ .‬دعك من الحديث اململ عن‬ ‫األشكال واألنواع واإليقاعات والتمظهرات البرصية للنص‬ ‫الشعري‪ .‬الشعر كائن زئبقي‪ ،‬حقا‪ ،‬من فرط وضوحه‪.‬‬ ‫وهو شديد الوضوح من فرط زئبقيته‪ .‬هو هكذا‪ ،‬يتساءل‬ ‫مجيبا‪ ،‬ويجيب متسائال‪ .‬والشاعر‪ ،‬طال عمره أم قرص‪ ،‬إمنا‬ ‫يكتب ذات النص‪ ،‬ذات اإليقاع‪ ،‬وذات الرؤيا‪ .‬وهو يصدر‬ ‫الديوان تلو اآلخر‪ .‬ال بحثا عن نص شعري فائق وعظيم‪،‬‬ ‫وإمنا جريا وراء جواب ال مدرك عن‪  ‬حقيقة الشعر‬ ‫األنطولوجية‪ .‬ثم إننا منوت دون أن ندرك هذه الحقيقة‪.‬‬ ‫جمعت الكتابني يف كتاب واحد ألنهام من ذات القلق‬ ‫ميتحان‪ ،‬ومن ذات اإليقاع يغرفان‪ ،‬وعىل ذات املدماك‬ ‫ينهضان‪ .‬كتبنا الكثرية يف نهاية األمر‪ ،‬كتاب واحد‪ .‬إنه‬ ‫الكتاب الذي نسري‪ ،‬حتام‪ ،‬إليه‪ .‬إنه املوت‪.‬‬ ‫املناخ الشعري الذي تشتغل فيه يجعل القرابة اإلبداعية‬ ‫بني نصوصك جينية‪ ،‬هل جملتك الشعرية القصرية هي‬ ‫كيمياء هذه القرابة؟‬ ‫■ أُ ْس ُأل عادة عن املداميك اإليقاعية‪  ‬والداللية‬ ‫التي تنهض عليها وبها قصيديت الشذرية‬ ‫الرسيعة‪ ،‬أو قصيديت – الومضة كام يحلو‬ ‫للبعض أن يسميها‪ ،‬فأكتفي بالقول‪:‬‬ ‫إنها املداميك اإليقاعية والداللية‬ ‫التي تنهض عليها وبها هذه‬ ‫القصيدة‪ .‬نعم‪ ،‬هكذا وليس‬ ‫يف األمر أي تحايل‪ .‬هناك‬ ‫كل‬ ‫يف قرارة نفس ّ‬ ‫شاعر قوة غامضة‬ ‫حنون تُخ ْـبـِ ُر‬

‫عن نهاية القصيدة‪ .‬كأن يد الشاعر مجرد أداة تلهو بها‬ ‫هذه القوة الغامضة‪ .‬األمر أكرب من بحث الشاعر عن‬ ‫مك ّونات قصيدته الشذرية‪ .‬فهو بدءا ً‪ ،‬ويف الختام‪ ،‬غري‬ ‫مطالب بذلك‪ .‬إن‪  ‬املسألة‪  ،‬يف اعتقادي‪ ،‬تتجاوز الشاعر‪ ‬‬ ‫إىل ال ّدرسني؛ األكادميي والنقدي اللذين ق َع َدا عن تفكيك‬ ‫املكونات‪  ‬الصوتية والداللية واإليقاعية لهذا النص الربقي‬ ‫العابر‪ .‬كام قد نجد‪ ،‬متثيال ال حرصا ً‪ ،‬يف الكتاب املدهش‬ ‫للشاعري الهولندي من أصل هنغاري كبدي ﭭـارغا‬ ‫‪( )Kibédi Varga (les constantes du poème‬ثوابت‬ ‫القصيدة) حيث تناول القصيدة الشذرية الرسيعة‪ ،‬صوتا‬ ‫جل‬ ‫وداللة‪ ،‬بأدوات غاية يف املتعة واإلدهاش‪ .‬لقد اكتفى ّ‬ ‫الذين اقرتبوا من هذا النوع من النصوص‪ ،‬عربياً‪ ،‬بربط‬ ‫بروزها بحيثيات ورغائب‪  ‬وإكراهات الحياة الحديثة‬ ‫النص الشعري الطويل‪.‬‬ ‫التي مل تعد تسمح باجتياز أدغال ّ‬ ‫وهذا‪ ،‬كام ترى‪ ،‬نوع من الهروب من واقع ُم َح رِّي قائم‪.‬‬ ‫رشح غامض بغامض‪ .‬واألدهى أنه رشح شكل شعري‬ ‫بحيثيات غري شعرية‪ .‬هناك دراسات قلة حاولت أن تطرح‬ ‫سؤال القصيدة الشذرية من وجهة تقنية علمية‪ ،‬لكنها‪ ،‬يف‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪103‬‬


‫حوار‬

‫األخري‪ ،‬مل تتجاوز عتبة طرح السؤال‪ .‬لكن دعني أؤكد لك‬ ‫أن مهمة القصيدة الشذرية‪ ،‬يف نهاية األمر‪ ،‬ليست هي‪ ‬‬ ‫أن يتناولها النقد أو الدرس الجامعي‪ ،‬بل أن تكون‪ .‬وها‬ ‫إنها موجودة‪.‬‬ ‫الشعر‪ ‬عملية‪ ‬كيميائية‪ ‬معقدة‪ ‬تستدعي‪ ‬معرفة‪ ‬متنوعة‪ ‬‬ ‫واطالعا‪ ‬واسعا وانتاباها شديدا ً‪ .‬لكنه يف ذات اآلن عملية‬ ‫تستدعي «سذاجة «‪ .‬أَ ْي قدرة خارقة عىل الرمي جانبا‬ ‫بكل تلك املعارف ألجل نسج نص شعري ال ينهض إال عىل‬ ‫املعرفة‪ ،‬لكنه يف ذات اآلن يطفح‪  ‬بالجامل الذي ال بد‬ ‫أن ينسينا تلك املعرفة‪ .‬الفرق بني الشاعر ومدعي الشعر‬ ‫أن األول ميلك مصفاة ت َُص رِّ ُي املعرفة جامال‪ ،‬والثاين يفتقر‬ ‫إىل تلك املصفاة‪ ،‬فيجيء كالمه رسدا ملقروءات أو ِذكرا ً‬ ‫لِرغائب ومتمنيات‪.‬‬

‫الشعر كقدر‬

‫أنت لست مكرثا‪ ،‬ترتك للزمن حريته يف عجن ما يريد‪،‬‬ ‫حدثني عن عالقتك بالزمن‪ ،‬وبزمن الكتابة عىل وجه‬

‫‪104‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫الدقة؟‬ ‫■ ال‪ ‬يبقى من الشاعر‪ ،‬أو باألحرى‪ ‬من شعره‪ ،‬يف النهاية‪،‬‬ ‫سوى بيت أو أبيات‪ .‬يتيمة الدهر أو أصحاب الواحدة أو‬ ‫خريدة القرص أو قصيدة البيت ِ‬ ‫الواحد توصيفات لجنوح‬ ‫الذائقة العربية للحفاظ عىل ما تراه ل ُـ َّب القول ونسغهُ‪.‬‬ ‫وهذه‪ ،‬وأنت عليم‪ ،،‬مصطلحات قارة يف الخطاب النقدي‬ ‫العريب حول الشّ عر‪ .‬مل يعامل العريب شأنا من شؤونه‬ ‫برصامة أش ّد كام عامل قصيدتَهُ‪ .‬ومصطلح األبيات السائرة‬ ‫عند العرب دليل آخر عىل ما أذهب إليه‪ .‬هذا أغنج‬ ‫أصدق ٍ‬ ‫ُ‬ ‫بيت‪.‬‬ ‫أمدح بيت‪ .‬وذاك‬ ‫بيت قالته العرب‪ .‬وهذا ُ‬ ‫واألمثلة أكرث من أن تع ّد‪ .‬ثم إ َّن اإلكثار واإلقالل مسألتان‬ ‫نسبيتان‪ .‬فقد يكون الشاعر كثري اإلنتاج‪ ،‬قليل النرش‪.‬‬ ‫والعكس‪ .‬هي يف نهاية األمر تصور الشاعر ألرسع طريق‬ ‫إىل االنتشار ونيل القبول‪ .‬إن الشعر‪ ،‬كالفظاعة‪ ،‬ال يقاس‬ ‫والنص‪  ‬الشعري خبري بطباع قارئه‪ .‬إن ثقتك‬ ‫بالكمية‪ّ .‬‬ ‫يف قصيدتك‪ ،‬وثق َة قصي َدتك يف نفسها يغنيك عن الكرثة‬ ‫الكاثرة من الكالم‪ .‬أح ُد ُهم اتهمني بالبخل‪ .‬أوال لكتابتي‪ ‬‬


‫محمد الصالحي‬

‫أحتمي كل مرة بالبياض‪ ،‬بياض الورق حتى أجيب‪  ‬نفيس‪.‬‬ ‫لشسوع املسافة بني ظهورِ‪  ‬وظهورٍ‪.‬‬ ‫الشذرية وثانيا ُ‬ ‫هنا‪ ،‬تحديدا‪ ،‬تكمن اللعبة األنطولوجية للشعر‪ .‬إنه‬ ‫اإليقاع‪ ،‬يف النهاية‪ ،‬عقدة نفسية‪ ،‬كام يقول الشاعر‬ ‫الفرنيس ماالرميه (‪ . )Mallarmé‬فطبيعة نصك من طبيعة الجنس األديب الوحيد الذي يحاول أن يجيب عن سؤال‬ ‫ِ‬ ‫نفسك‪ .‬أنا إنسان رسيع وملول‪ .‬أجنح للتشذير وقلة النرش‪ .‬كينونته وهو ينكتب‪ .‬من هنا فالشعر يقول دامئا شيئا‬ ‫حتى وهو ال يقول أي يشء‪ .‬إنه لعبة دائرية‪ .‬يسل ُمك و ْه ٌم‬ ‫أمنح قصيديت الوقت الكايف لإلعالن عن نفسها‪ .‬إن األمر‬ ‫إىل و ْهم‪  .‬ويسلمك هذا إىل ما هو أقىس من الوهم‪ ،‬إىل‬ ‫هنا أشبه ما يكون مبا يسميه املفكر الفرنيس بول ريكور‬ ‫‪« Paul Ricoeur‬االندفاع املتوتر للعاطفة والوضع الهادئ الرساب‪ .‬واألغرب يف األمر أنك ترتوي من هذا الرساب‬ ‫الكاذب‪ .‬لكنك رسعان ما تعطش من جديد‪ .‬بل ويقوى‬ ‫للعادة» أو ما يرد عند ماريا راينه ريلكه(‪ )Rilke‬كالتايل‪:‬‬ ‫«ها هنا مالذ الحياة نفسه‪ ،‬والشدة نفسها‪ ،‬والدقة نفسها عطشك مرة بعد األخرى‪ .‬سعي دؤوب نحو إخفاق‬ ‫دوي ارتطام فراشتني هو الشعر‪ .‬إنك‬ ‫حتى يف الرش»‪ .‬أ ُو ِم ُن بقدرة الزمن عىل فرز الغث من‬ ‫لذيذ هو الشعر‪ُّ .‬‬ ‫السمني‪ .‬والشاعر املقل كالشاعر املكرث إن كانا معا ينتجان تتوهم أنه يسلس لك القياد‪ ،‬يف حني أنه منهمك يف سرب‬ ‫أغوار ذاته‪ ،‬أغوار كينونته‪ .‬هناك قولة رائعة ألمني نخلة‪:‬‬ ‫شعرا هو الشِّ عر‪  .‬الغبطة التي بها أقرأ محمود درويش‬ ‫«الشاعر‪  ‬يُوفـَّ ُق يف الغالب إىل قول ما ال حاجة إىل قوله»‪.‬‬ ‫هي ذاتها الغبطة التي أقرأ بها‪  ‬وليد خازندار‪ .‬فكام أ َّن‬ ‫مرض‪ .‬أدندن‪ .‬أهذي‪.‬‬ ‫تحتاج إىل أكرث من قراءة‪ ،‬وإىل شحذ الحواس‬ ‫القصيدة‬ ‫إن الشعر ق َد ٌر‪ .‬أكاد أقول إنه ٌ‬ ‫ُ‬ ‫يلفني‪ ‬ما يشبه القشعريرة‪ .‬أنزوي‪ .‬أفرح‪ .‬أقول هذه‪ ‬لحظة‬ ‫وإعامل الذكاء‪  ،‬املرة بعد املرة‪ ،‬حتى يقرتب القارئ من‬ ‫أرسارها املبهمة امللغزة‪ ،‬فإن منحها متسعا من الوقت أمر حق واأليام‪ ‬محض‪ ‬سديم‪ .‬أنهض فجأة وترشد‪ ‬عيناي‪ ‬ثم‬ ‫أشعر كأنني‪ ‬أحببت‪ ‬الحياة أكرث من ذي قبل‪ .‬بل إنني قد‬ ‫رضوري‪ .‬ثم إنني ألْت ُّذ بتلقي ردو ِد الفعل واالستامع إىل‬ ‫أحببتها‪ ‬أكرث من ذي قبل‪ .‬أقول ضاع‪ ‬وقت‪ ‬كثري وأندم‪ .‬رمبا‬ ‫تضارب اآلراء وتنوع النقود حول ما أكتب‪.‬‬ ‫أخذت قلام وورقا‪ ‬وكتبت‪ .‬رمبا وجدت خطي‪ ‬أ ْجمل‪ .‬رمبا‬ ‫رأيت الحروف تتعانق‪ .‬ثم أطوح بالورقة‪ ‬وبالقلم‪ .‬أخرج‪.‬‬ ‫تغريبة الشعر‬ ‫أميش مستقيام‪ ‬ثابت الخطى‪ .‬أفرح وأفرح‪ .‬أكاد أصفح عن‬ ‫دوافع الكتابة لديك‪ ،‬ما هي‪ ،‬هل هي الحدث العارض‪،‬‬ ‫العامل‪ .‬أكاد أقبله‪ ‬عىل‪ ‬خطاياه‪ .‬متحي املتناقضات‪ .‬تزول‪.‬‬ ‫األحالم‪ ،‬الذكريات أم الكتب؟‬ ‫■ أسأل‪ ‬نفيس عادة‪ :‬ماذا أجني من وراء كل هذا‪ ‬العذاب؛ الحياة ضرَ بة إيقاع‪ .‬أسري وأس ُري متمتامً‪ .‬أمر باليشء وال‬ ‫أراه‪ .‬بالناس وال أراهم‪ .‬أنا يف غنى عن األشياء والناس‪.‬‬ ‫عذاب إنتاج القصيدة؟ فالفرح الطفويل الذي يصحب‬ ‫غني أنا‪ .‬أراود سكرة وتراودين‪ .‬جاء الشعر‪ .‬أفرح‪ .‬أختبئ‪.‬‬ ‫عملية الكتابة ويظل يقظا لفرتة وجيزة بعد أن يكتمل‬ ‫أرشار يفتعلون حرباً يف الظالم حتى تصيبني مكائدهم‪.‬‬ ‫النص ويستوي‪ ،‬رسعان ما يزول‪ .‬أي قدر هذا؟‪ .‬وأجدين‬ ‫أنزوي متوكئا عىل أطراف كلامت‪ .‬تقودين لثغة وتلهو يب‪.‬‬ ‫أستلذ الذي أنا فيه وأخىش أن ِ‬ ‫تصيبني عني‪.‬‬ ‫الشاعر إنسان‪ ،‬لكنه مييش يف السوق الكوين بخطوات لها‬ ‫ليس الشاعر إال‪ ‬شاعرا‬ ‫إيقاع‪  ‬خاص‪ ،‬لو سألتك‪ ،‬أي شهادة تقدمها حول زمنك؟‬ ‫أي إنسانا يستطيع ضم‬ ‫■ نظرة‪ ‬الناس‪ ‬الخاطئة‪ ‬إىل‪ ‬الشاعر ساهم يف‬ ‫الكلمات‪ ‬إلى‪ ‬بعضها‪ ‬لتصير‪ ‬‬ ‫تقويتها‪ ‬الشاع ُر‪ ‬نفسه‪ .‬الشاعر إنسان‪ ‬يأكل الطعام‬ ‫ومييش‪ ‬يف األسواق‪ .‬الشاعر له من املثالب‪ ‬ما قد يُ ِ‬ ‫نس َيك‬ ‫جماال‪ ،‬كما‪ ‬يفعل النجار الذي‬ ‫كل شعرٍ‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫يبتكر‪ ‬بابا أو نافذة‪  ‬أو مائدة‬ ‫الشاعر‪ ‬عندما‪ ‬يهده التعب‪ ‬يسرتيح أو ينام‪ .‬وهو‪ ‬كذاب‬ ‫إذ مل يكن‪ ‬من الكذب‪ ‬بُ ُّد‪ .‬وصادق‪ ‬إذا‪ ‬مل يكن‪ ‬من‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪105‬‬


‫حوار‬

‫يرساه وتلهو مبا بنته ميناه‪ .‬وتعصف ميناه مبا راكمته يرساه‪ .‬‬ ‫الصدق‪ ‬بُ ُّد‪ .‬الشاعر يستدين عند‪ ‬منتصف‪ ‬الشهر‪.‬‬ ‫يطرق بابا ومير بنعال من ريح حتى إذا فـُتح الباب مل‬ ‫وله‪ ‬نفس‪ ‬أمارة‪ ‬بالسوء‪ .‬وللشاعر عينان وأذنان وأنف‪.‬‬ ‫فاتح‪  ‬الباب إال الريح‪َ .‬وا ِغ ٌل يف وهم جميل‪ .‬يخلق‬ ‫يجد‬ ‫ال‬ ‫وللشاعر دموع يذرفها كلام مسه الرش أو حل به ما‬ ‫ُ‬ ‫يستطي ُع الص ُرب دَفـْ َعهُ‪ .‬يكرب الشاعر ويصري ك ْهالً ثم يشيخ‪ .‬كذبا فينطيل عليه الكذب‪ .‬ثم يدرك كم هو خارس إال أنه‬ ‫ثم يف صباح باكر يقرأ الناس نعيه يف باب التعازي‪ .‬ثم تقام ال ميلك سوى أن يستضيف الخسارة‪ .‬وأنت تسألني عن‬ ‫الحرية؟‪ .‬يدخل الشاعر قصيدته حرا ً ويغادرها عبدا ً‪ .‬مجرد‬ ‫للشاعر ندوات يقال فيها‪ :‬لقد كان ‪ ،‬رحمه الله ‪ ،‬وحيد‬ ‫قارئ‪ .‬هو ضيف وما هو برب منزل‪.‬‬ ‫قرنه وزمانه ‪ ،‬وكان عصاميا وذا مزاج متقلب‪..‬‬ ‫هي‪ ‬تغريبة الشعر‪ ‬التي ال يقدر عليها‪ ‬سوى‪ ‬الشعر‪.‬‬ ‫ليس الشاعر إال‪ ‬شاعرا‪ .‬أي إنسانا يستطيع ضم‬ ‫أن‪ ‬ترضب‪ ،‬مثال‪ ،‬يف أرض‪ ‬هي من صميم أرضك فإذا‬ ‫الكلامت‪ ‬إىل‪ ‬بعضها‪ ‬لتصري‪ ‬جامال‪ ،‬كام‪ ‬يفعل النجار الذي‬ ‫يبتكر‪ ‬بابا أو نافذة‪  ‬أو مائدة‪ .‬أو كام‪ ‬يفعل البستاين الذي أنت‪ ‬فيها غريب‪ .‬وإذا الكالم الذي يصدر عنك‪ ‬غريب‬ ‫عنك‪ ‬وهو‪ ‬الذي قيل‪ ‬أصال إلبالغ شكواك‪ ‬عن ارض‪ ‬هي‬ ‫ينسق أزهار‪ ‬الحديقة‪ .‬أو كام‪ ‬يفعل البائع املتجول‪ ‬الذي‬ ‫أرضك لكنك‪  ‬فيها غريب‪ .‬أو هكذا‪ .‬ما أن تتذكر‪ ‬طيفاً‬ ‫تختلط‪ ‬صيحاته بأحالمنا‪ ،‬كل صباح‪...‬‬ ‫قدميا حتى ترتعش فرائصك من ذلك الطيف القديم‪،‬‬ ‫الهوامش‪  ‬كثرية‪ ،‬أهمها هوامش الكتب‪ ،‬وأقساها هامش‬ ‫فتقرر‪ ،‬وأنت بني االلتذاذ وسحر غموضه‪ ،‬أن تنادي نفسك‬ ‫الحياة‪ ،‬لكن أكرثها غنائية‪ ،‬هي هوامش الحرية‪ .‬كيف‬ ‫لتؤوب إليك‪ ،‬فإذا بكالمك يكون شعرا‪.‬‬ ‫تتمثلها كشاعر مغريب؟‬ ‫يكتب‬ ‫■ الكاتب الحق ليس مزارا ً‪ ،‬بل هو منذور للرحيل‬ ‫أكا ُد أقول إن الشاعر مظلوم مرتني‪ .‬مرة ألنه ُ‬ ‫الجسدي والرمزي معاً‪ ،‬كأمنا بحثا عن قارئ حق‪  ،‬أو هروباً لقل ٍة قليل ٍة متباعد ٍة‪ ،‬حتى إن الخليل ال يلتقي خليله إال‬ ‫مبعجزة‪ .‬ومرة ألنه يُسأل عن «معنى» شعره‪ .‬كأمنا يت ّربأ‬ ‫من إطراء كسول‪ .‬تأمل‪  ‬التاريخ اإلبداعي للشعوب‪  ‬فهو‬ ‫الشعر من اليد التي خَط َّـتْه‪ .‬ليس الشاعر كاتب شعره‪.‬‬ ‫ناطق‪ .‬يأيت الكاتب من الريح واىل الريح يذهب‪ .‬تعبث‬

‫خمس قصائد‬ ‫ُ‬

‫افرتاش‬

‫عـَـجـَـبـاً‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫يوقظونك‪ ‬من نـَومهـــم‬ ‫ليفرتش ُـوا‬ ‫أ ْحالمك‪.‬‬

‫رسكون بولص‪:‬‬

‫متتمت‬ ‫َ‬ ‫اآلب‬ ‫باالِسم ِ‬ ‫واالِبــنِ‬ ‫َوال ّرو ِح القد ُْس‬ ‫فبلغت‪َ  ‬مدي َنـةَ‪ ‬أَي ْن‬ ‫َ‬ ‫لـَكـنـَّك‪،‬‬

‫‪106‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫األشــوري‬ ‫أيــ َهــا‬ ‫ُّ‬ ‫ـوس‪.‬‬ ‫ج‬ ‫‪ ‬ت‬ ‫َ‬ ‫مازلت ُ ْ‬ ‫أترتجي‪َ  ‬مطرا ً‪،‬‬ ‫وكـُلـَّام‪ ‬أ ْر َعدَتْ‬ ‫ِص ْح َت‪ ‬يف القصي َد ِة‪:‬‬ ‫ما‪ ‬بـِـي؟‬ ‫أنت‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ـلت‬ ‫ـنت قـُ َ‬ ‫كـُ َ‬ ‫دنا الشتا ُء‪،‬‬ ‫والذئب ببايب‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫قلت‪،‬‬ ‫وكنت َ‬ ‫َ‬ ‫لقد دَن َـا إيايب‪.‬‬ ‫أيا غافالً‪،‬‬

‫ليس يف القصيد ِة إالَّ‬ ‫ذئب‪ ‬الفرزدق‪ ‬‬ ‫ُ‬ ‫دمية‪  ‬قـَفـَرا ُء‬ ‫َو‪ ‬نـَهـْــ ٌر‬ ‫ــوس‪.‬‬ ‫َعــ ُب ْ‬

‫شحوب‬

‫أبَك َـى أم ت َـ َباك َـى‬ ‫ورق‪  ‬الصفصاف‪ ‬الشاحب‬ ‫كالوقت‪...‬؟‬ ‫حني رأى وجه ُه عىل املاء‬ ‫متطـَّى يف هدو ٍء‬ ‫واشتىك‪...‬‬


‫محمد الصالحي‬

‫فرح ما ن َّط منهُ‪ .‬وهو ال يكا ُد ُ‬ ‫يدرك ذلك الفرح‪ .‬وهو‬ ‫بل ٌ‬ ‫إن أدركه فهو ال ُ‬ ‫يعرف أن يقوله إال شعرا‪ .‬كأنه يحتفظ‬ ‫وقت للتفاصيل‪ ،‬ثم ال يأيت وقت‬ ‫بهذا القليل حتى يأيت ٌ‬ ‫للتفاصيل‪ ،‬ويبقى ذلك القليل أبهى من كل التفاصيل‪:‬‬ ‫مشعا منريا وفيه قوة ال تني تؤوب إىل أصلها‪ .‬هنا الحرية‪.‬‬ ‫هنا الفرح‪.‬‬ ‫«مشهد‪ ‬الثقافة‪ ‬يف‪ ‬املغرب مرتاجع»‪ .‬هل أنت مع هذا‬ ‫التوصيف؟‬ ‫■ نستسهل‪ ‬األمر‪ ‬عادة‪ .‬ليست هناك ثقافة مغربية‪ ،‬كام‬ ‫أن ليس هناك شعر مغريب‪ .‬لك َّن هناك شعرا ً عربيا يف‬ ‫املغرب‪ .‬كام أن هناك شعرا مكتوبا بلغات مجاورة‪ .‬الشعر‬ ‫يشب عن الطوق ويستوي شعرا حقاً حتى يرتاد‬ ‫ما أن ّ‬ ‫مكانه الالئق والالزم‪ ،‬أي يصري جزءا من قارة أكرب؛ وهي‬ ‫هنا الشعر العريب كلية‪ .‬فالشعر املغريب ليس مغربيا‪ ،‬ولن‬ ‫يكون كذلك إال إذا ظل ناقصا وفاشال وعاجزا عن استكامل‬ ‫مواصفات الشعر الحق‪ ،‬إيقاعا ورؤيا‪ .‬كام أن الشعر‬ ‫اللبناين مثال‪ ،‬لن يكون لبنانياً إال إذا ظل حبيس املؤسسات‬ ‫اللبنانية العامة وقعد عن اللحاق بأسئلة الشعر الكربى‪.‬‬ ‫إن االحتامء بالخصوصية حجب لقوة الشعر ولضعفه معا‪.‬‬

‫أ ِم ْن شحوبه ُ‬ ‫الصفصاف‬ ‫ورق َ‬ ‫اشتىك‪...‬‬ ‫أم‪ ‬من ش ُحوبنا ُ‬ ‫ورق الصفصاف‬ ‫بىك‪...‬؟‬ ‫نحن الذين فقدنا كل يشء‪:‬‬ ‫يب األ َم َّهات‬ ‫َحلِ َ‬ ‫و ْحـل الطفولة‬ ‫ِسنـَ َة الظهرية‬ ‫الخامسة‪.‬‬ ‫قَ ْهو َة‬ ‫َ‬ ‫هكذا‪ ‬يف صعو ٍد‬ ‫فقدنا كل يش ٍء‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫للحبيبات غدا ً عن نُ ُحو ِل‬ ‫فامذا نقـُول‪ ‬‬ ‫أ ْج َسا ِمنـَا‪...‬؟‬ ‫املقاهي التي َست ُـ ْؤويـنـا‬

‫هو احتامء يفضح ضيق أفق صاحبه‪ .‬يف الشعر املغريب‬ ‫اآلن أسامء أحب ما تفعل وأشعر مبنجزها قريبا من أفقي‬ ‫وفكريت عن الشعر‪ .‬لكنني يف ذات اآلن‪ ،‬أراها طيورا ضمن‬ ‫رسب بعيد يف الساموات‪ .‬رسب شعراء العربية الذين‬ ‫أحبهم‪ .‬يقول الفيلسوف الفرنيس ميشيل سري «‪Michel‬‬ ‫‪« Serres‬اليشء يقتلك كأديب أكرث من أن متثل بلدا»‬

‫ِ‬ ‫ُسرُِّ‪ ‬للخالَّن‪ ‬فيها؟‬ ‫مباذا ن‬ ‫هل‪ ‬نقول‪:‬‬ ‫أ َّجلتنا‪ ‬الحياة‬ ‫ليوم ال َريْ َب فيه‪.‬‬ ‫أم‪ ‬نقول‪:‬‬ ‫كنا‪ ‬ع ُـورا ً‬ ‫وكفى‪! ‬؟‬

‫زهــــو‬

‫كلُّ‪ ‬هذا‪ ‬الحىص؟‬ ‫كلُّ‪ ‬هذا‪ ‬الخفوت؟‬ ‫ك َـن ِّـسـ ْوا زورقــــاً‬ ‫وانـْ َحنــُوا لـَ ْحظَــ ًة‬ ‫فال َحصىَ‪ُ  ‬مزهـِـ ٌر‬

‫ــل‬ ‫وامل َــدَى‪َ  ‬مــائِ ٌ‬ ‫الســقـوطْ‪! ‬‬ ‫ال‪ ‬تجاه ُّ‬

‫ر َاحة ُ الجـَـ ّد‬

‫من‪ ‬يستلقي‪ ،‬بعد‪ ‬اليوم‪ ،‬فوق‪ ‬راحة‬ ‫الجد؟‬ ‫ال‪ ‬حجر‪ ‬يف الطريق‬ ‫ال‪ ‬يعاسيب تـُلهـِينـَا‬ ‫لـِنـَ ِص ْل‪.‬‬ ‫ال‪ ‬نجوم نطفؤها لننام‪.‬‬ ‫يف‪ ‬الطريق‬ ‫َصا ِريَــة ٌ‬ ‫وشمـوس‬ ‫ٌ‬ ‫ُمتعبـة ْ‪.‬‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪107‬‬


‫‪.‬‬

‫رنا زيد‬ ‫‪.............................................................................................................‬‬

‫قبضة صغيرة أمام وجه الطغاة‬

‫قبضة‬

‫صغرية أمام جنود قساة ببنادقهم ورصاصهم؛ قد تبدو هذه الصورة هجينة‪ ،‬يف هذا الزمن‪ ،‬أو أنها تحيل مبارشة‬ ‫هش أن ينتفض يف وجه‬ ‫إىل حالة تخيلية شعرية‪ ،‬ال تنتمي إىل الواقع‪ ،‬متاماً مثل صورة يف قصيدة‪ ،‬تريد مماّ هو ّ‬ ‫العنف واالستبداد بكل رمزيته وقوته الوهمية الفائضة من نكران وجوده مام يحيط به‪.‬‬ ‫إن صورة الطفلة الفلسطينية عهد التميمي‪( ،‬التي نُرشت عىل مواقع اإلنرتنت بكثافة‪ ،‬بعد حصولها عىل جائزة “حنظلة للشجاعة”)‪،‬‬ ‫تش�� ّد يدها اليمنى بغضب‪ ،‬وكأنها تتهيأ لرضب الجندي اإلرسائييل أمامها‪ ،‬تش��به إىل حد بعيد صورة شعرية عن زهرة بيضاء تنمو‬ ‫تحت جدار ضخم‪ ،‬إنها ي ٌد طفل ٌة وطريةٌ‪ ،‬ترتفع يف وجه طاغية واحد وكبري‪ ،‬تحاول أن تقوم بفعل حامل‪ ،‬تريده قامئاً مبوازة املشهد‬ ‫الواقعي القايس‪ ،‬الش��عري رمبا بقس��وته أيضاً؛ ويف الفعل املبكر‪ ،‬الذي ال يُبحث‪ ،‬وال يُؤدلج من فطريته‪ ،‬تكاد تكون مالمح الوجه‬ ‫املمتلئة بالخصب جانحة نحو الغروب أو االنهيار الكيل بسبب الحدة النفسية والعاطفية النهائية التي وصلت إليها الطفلة‪ ،‬بعد‬ ‫حالة الفقد الفجائية إثر اعتقال الجنود‪ ،‬وفق القانون (قانونهم غري القانوين)‪ ،‬والدتها الناش��طة؛ وإىل املعتقل‪ ،‬يهرب صيف عهد‪،‬‬ ‫صيف بكامل نضارته‪ ،‬فتقف فتية ومتمردة‪ ،‬طفلة فلسطينية تنتمي إىل الجيل الفلسطيني الخامس‪ ،‬تقريباً‪ ،‬من نكبة عام ‪،1948‬‬ ‫وإىل أرض متعب��ة م��ن وقع خطى الغرباء‪ ،‬إنها بالرضورة تعيش تأزّم حق امللكي��ة وتبعاتها‪ ،‬منذ وعيها األول‪ ،‬فكل ما هو لها‪ ،‬هو‬ ‫ليس لها‪ ،‬حتى حياتها الالحقة‪ ،‬تهتز بس��بب صورة االحتالل‪ ،‬تهتز‪ ،‬مع صورة وجه أمها املغادر‪ ،‬خلف القفص‪ .‬ما من طريقة تتيح‬ ‫امل�ضي إىل الحري��ة‪ ،‬حريتها اللحظية والكلية‪ ،‬إال بالتمرد‪ ،‬وفعلياً‪ ،‬وبعيدا ً عن وهم قوة الصورة وش��عريتها‪ ،‬فإن عهد ال متثل إال ما‬ ‫يزيد عىل املرت بقليل من السنتيميرتات طوالً‪ ،‬وما ال يتجاوز ثالثني كيلو غراماً وزناً‪ ،‬أمام أطنان من العتاد‪ ،‬إنها فراشة‪ ،‬تحوم حول‬ ‫الضوء‪ ،‬ورمبا اختلسها الضوء فجأة‪ ،‬وسحبها إىل غياب عنيف‪.‬‬ ‫هو خيار سس��يولوجي وس��يكولوجي‪ ،‬متوارث من اآلباء إىل األبناء بالرفض‪ ،‬ويف حني‪ ،‬كان ش��كل مقاومة االحتالل يأخذ مفاهيم‬ ‫تنظريي��ة أو اقتحامية س��ابقاً‪ ،‬لك ْن يف اللحظة الراهنة‪ ،‬تحلل الصورة‪ ،‬مفاهيم عهد الن�ضرة‪ ،‬كنموذج ال يجعلها تتفرد بالفعل‪ ،‬بل‬ ‫تلخّص��ه‪ ،‬تلخّص أزمة الهوية وفوبيا املحتل املكتس��بة‪ ،‬مع والدة أي طفل فلس��طيني‪ ،‬إنها فوبيا القم��ع‪ ،‬ترتد ليك تكون رغبة يف‬ ‫التح��رر‪ِ ،‬م َّمن هو محرك العنف والس��طوة املرفوضة‪ ،‬ويكاد يكون االندف��اع إىل هذا التحرر‪ ،‬كام يف صورة عهد‪ ،‬مقرتناً باملوت‪ ،‬أو‬ ‫الش��هادة‪ ،‬ألنه تح ُّرر‪ ،‬يش��به الخروج من تحت األرض إىل فوقها‪ ،‬أو القفز من السامء إىل األرض‪ ،‬مع غياب الوسيلة التي متكّن من‬ ‫ذل��ك‪ ،‬فرغم كون عهد عىل أرض فلس��طينية‪ ،‬إال أنها ممنوع��ة عنها‪ ،‬يف الوقت ذاته‪ ،‬ممنوعة عن الوق��وف والرصاخ‪ ،‬عن اللعب‬ ‫الروتيني‪ ،‬كم تش��به أيضاً صور هذه الطفلة صورة جيلها‪ ،‬ممتدا ً إىل أوطان قريبة وبعيدة‪ ،‬إنه جيل تعب من جيل س��بقه‪ ،‬جيل‬ ‫االنهزامات والخسارات‪ ،‬هو جيل يحب الربح‪ ،‬متاماً‪ ،‬كام لو أنها لعبة إلكرتونية‪ ،‬بني عقل آيل‪ ،‬وعقل برشي‪ ،‬األول ميتلك آلية الدفاع‬ ‫عن الحل أو االنتصار‪ ،‬واآلخر ميتلك العاطفة إىل جانب أوليات الحل‪ ،‬ويشبه الجندي العقل املسحوق‪ ،‬عقل اآللة األحادي‪ ،‬بال رغبة‬ ‫أو تطوير‪ ،‬فكم من الغريب أن يكون انفعال الجنود هو ذاته‪ ،‬أليس بينهم واح ٌد يشعر بطريقة مختلفة تجاه عهد؟ ما هو املحرك‬ ‫الفعيل لعنف أجسادهم وهي تقف‪ ،‬مانعة الطريق أمام الطفلة؟ طريق املدينة الطبيعية‪ ،‬ورمبا االعتيادية واململة‪.‬‬ ‫من الجيد‪ ،‬أننا يف عرص ميكّن من هذا االنتشار البرصي للمعنى‪ ،‬وملعنى الصورة شعرياً ومفاهيمياً‪ ،‬إنها تتجاوز يف مدلوالتها‪ ،‬مكونها‬ ‫التقن��ي أو الج�مايل‪ ،‬فليس من املهم من هو ال��ذي التقط‪ ،‬الصورة‪ ،‬وكيف‪ ،‬وهل هو مصور اح�ترايف أم غري ذلك‪ ،‬املهم أن عملية‬ ‫النقل‪ ،‬لجاملية اللحظة الواقعية الشعرية‪ ،‬متّت‪ ،‬وهذا يُبشرّ بأننا نستطيع فعل األفضل‪ ،‬ملستقبل شعب أتعبه االحتالل كام أتعبه‬ ‫أن يتقاسم حقه‪ ،‬مع من ليس له حق فيه‬

‫‪108‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫تحقيق‬

‫وفي العراق حزن‬

‫شعرية المأساة‬ ‫نبرة الحزن طاغية على الشعر العراقي القديم والحديث‪ ،‬وهي تجد مبرراتها المباشرة في ما عاشه هذا‬ ‫البلد عبر تاريخه الطويل من مآس وحروب خلفت جرحا عميقا في وجدان أهل بلد الرافدين‪ ،‬الذي يحمل‬ ‫كذلك اسم «أرض السواد» لكثرة البساتين والمزارع‪.‬‬ ‫لغة الشعر العراقي الحارة والجريحة تطرح اكثر من سؤال حول االسباب التاريخية لهذا المزاج التراجيدي‪.‬‬

‫هنا شهادات لشعراء ّ‬ ‫واجتماعي ًا‬ ‫تاريخي ًا‬ ‫العراقي وأسباب ذلك‬ ‫ونقاد عراقيون عن حضور «الحزن» في الشعر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وثقافي ًا‪.‬‬ ‫ّ‬

‫بغداد‪ -‬حسام السراي‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪109‬‬


‫تحقيق‬

‫ناظم عودة‬

‫خيال مأساوي‬ ‫أو ّد بدايةً‪ ،‬أ ْن أع ّدل يف مضمون السؤال ليتسق مع جوهر‬ ‫الشعريّة العراق ّية يف مناذجها العالية عرب تأريخها الطويل‪،‬‬ ‫وهو تغيري عبارة « نربة الحزن» إىل هيمنة‪ :‬الخيال‬ ‫املأساوي عىل الشعريّة العراق ّية‪ ،‬فعبارة «نربة الحزن»‬ ‫اقي عموماً‪،‬‬ ‫ال تعبرّ عن الكثافة املأساوية يف األدب العر ّ‬ ‫لذلك أعتقد أ ّن هيمنة هذا الخيال أفىض إىل ما هو أبعد‬ ‫من ذلك‪ ،‬وهو تكوين رؤية مأساوية تكشف عن مخيال‬ ‫الشعبي‪ .‬وطبعاً‪ ،‬هذا‬ ‫مأساوي متجذّر حتّى يف الخطاب‬ ‫ّ‬ ‫مدخل مناسب للكشف عن تحليل األمناط الثقاف ّية‬ ‫السائدة‪ ،‬وعن طبيعة « اللغة العراقيّة» وعن فعل‬ ‫السياسة التي ما انفك ّْت تل ّون تلك اللغة بألوانها الكالحة‬ ‫والقامتة‪ .‬لقد كان لهذا الخيال تأثريه الكبري يف صوغ‬ ‫فأندس‬ ‫البنى األسلوب ّية والكنائ ّية يف الشعريّة العراق ّية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الشعري‬ ‫يف طيات البالغة الشعريّة ويف أعامق التصوير‬ ‫ّ‬ ‫تستجيب له البنى‬ ‫أسايس‬ ‫واإلشارات الرمزيّة‪ .‬إنّه مح ّرك‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫يرشئب بأعناقه نحو الرمز‬ ‫اجيدي‬ ‫حس تر‬ ‫ٌّ‬ ‫كلّها‪ ،‬فينترش ٌّ‬ ‫ُّ‬ ‫املخلّص؛ سواء أكان مخلّصاً دين ّياً‪ ،‬أو سياس ّياً‪ ،‬أو شعب ّياً‪،‬‬ ‫أي يشء آخر تجد األرواح الصارخة املعذّبة فيه مالذها‬ ‫أو ّ‬ ‫اقي وهو يتفاعل مع تراثه‬ ‫وخالصها‪ .‬إ ّن الشاعر العر ّ‬ ‫‪110‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫األسطوري املوغل يف الزمن ومع ثقافته الشعبية وفنونه‬ ‫ّ‬ ‫مبختلف أنواعها‪ ،‬يجد نفسه ينهل من معني املأساة‬ ‫يخصب ويخضّ ب‬ ‫الذي ال ينضب‪ .‬فهذا اإلرث‬ ‫املأساوي ّ‬ ‫ّ‬ ‫الشعريّة العراق ّية بخيال مجروح وصور دامية ولغة كئيبة‪،‬‬ ‫أضف إىل ذلك أ ّن البيئة العراقيّة القاحلة تفعل فعلها يف‬ ‫اجيدي لدى الشاعر‪ ،‬فليس مث ّة تلوينات‬ ‫خلق املزاج الرت‬ ‫ّ‬ ‫بيئية قادرة عىل امتصاص تلك الشحنة الرتاجيديّة املتقدة‪،‬‬ ‫وحتّى البنية االجتامع ّية التي تتح ّرك يف محيط املحظورات‬ ‫الحي بني مكوناتها ترتك أثرا ً ب ّيناً يف اللغة‬ ‫وعدم التفاعل ّ‬ ‫الشعريّة؛ املالذ األخري للشاعر يف هربه من التص ّحر الذي‬ ‫يلتف عىل رقبته فيخنقه‪.‬‬ ‫يكاد ُّ‬ ‫اإلرثَ‬ ‫الحتمي‬ ‫املأساوي‬ ‫الخيال‬ ‫أصبح‬ ‫ّه‪،‬‬ ‫ل‬ ‫ك‬ ‫ذلك‬ ‫وبسبب‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫للشاعر وهو ال يقدر أ ْن يف ّرط بإرث آبائه وأجداده‪ ،‬ففي‬ ‫واالجتامعي‪.‬‬ ‫ذلك تتشكّل هويّته‪ ،‬ويتشكّل كيانه الذايت‬ ‫ّ‬ ‫النقدي‬ ‫ناقد وشاعر حاصل عىل دكتوراه يف النظرية والفكر‬ ‫ّ‬ ‫الحديث‪ ،‬عمل يف الصحافة ويف جامعات عراق ّية وعرب ّية‬ ‫كالجامعة املستنرصية ببغداد وجامعة الجبل الغر ّيب يف ليبيا‪،‬‬ ‫وله مؤلفات عديدة شعر ّية ونقد ّية وفكر ّية منها‪« :‬جامليات‬ ‫الصورة‪ ،‬من املثيولوجيا إىل الحداثة»‪ « ،‬مرايا الجسد الرشقي»‪،‬‬ ‫الحب والزوال»‪.‬‬ ‫« قصائد ّ‬


‫شعرية المأساة‬

‫ناظم عودة‬

‫حمد الدُّ وخي‬

‫سيادة حادة للحزن‬ ‫نعم إنّها سيادة حا ّد ٌة للحزن‪ ،‬وهي سمة الزم ٌة لشعرنا‪،‬‬ ‫بل وأوشكت أن تكون أدا ًة شأنها شأن الوزن والقافية‬ ‫وغري ذلك ومر ُّد ذلك لألرضية التي نبت عليها هذا البلد‬ ‫فهو ابن النكبة املستم َّرة منذ أوىل الخالفات االسالم ّية‬ ‫والتمذهبات التي سكنته فهذه الخالفات ّأسست‬ ‫للطبقية‪ ،‬وأوجدت ميزاناً للحكام يمُ يَّز يف ضوئه املقبول‬ ‫مؤش من‬ ‫من الناس من غري املقبول وهذا هو أهم رِّ‬ ‫وحجب ألحالم‬ ‫مؤرشات سيادة الحزن إذ يف ذلك حرمان‬ ‫ٌ‬ ‫ورغبات‪ ،‬فضالً عن حربنا مع إيران التي ساقت لنا‬ ‫قطارات من الشهداء واملعاقني‪ ،‬كذلك حروبنا األخرية التي‬ ‫إىل اآلن يتقطَّع نومنا بأصوات انفجاراتها اليوميّة‪.‬‬ ‫القصيدة العراق ّية بنت الحزن فهي تربت ببيت أدمن‬ ‫الـ(آه) بسبب شارعه املمتىلء بالفتات الغائبني بظالمات‬ ‫الخنادق‪ ،‬وقد رسى ذلك إىل األغنية ‪ -‬يوم كانت جادة‬ ‫وواعية بتعبريها‪ -‬مطالع السبعينيات‪ ،‬إذ هناك مقولة‬ ‫شاعت بأ ّن قرارا ً صدر مينع األغاين الحزينة كونها سادت‬ ‫املشهد فام كان إال أن ظهرت أغنية تقول كلامتها‪:‬‬ ‫«إيكَولون غن بفرح‪/‬واين الهموم غناي‪/‬بهيمة ازْرعوين‬ ‫يل املاي»‬ ‫ومشوا‪/‬وع َّزوا ع َّ‬

‫حمد الدوخي‬

‫فضالً عن ما تق َّدم‪ ،‬أقول إ ّن القصيدة العراقيّة حزينة‬ ‫شعري كونه يتشكَّل يف ضوء‬ ‫ذلك أل ّن الحزن هو احساس‬ ‫ٌّ‬ ‫موجة من األسئلة املو َّجهة للذات والنابعة من التفكُّر‬ ‫بالقيمة‪ ،‬والجدوى‪ ،‬واملصري ‪ ..‬وأنا هنا أدافع عن حزنها‬ ‫لكل فتح‬ ‫املق َّدس هذا ألنّني أعي أ ّن الحزن هو هويّ ٌة ّ‬ ‫بدليل أ ّن اإلنسان يولد يبيك!! ومن هنا يبدأ الشعر‬ ‫بالسؤال ملاذا؟ وما املجدي من ذلك؟ وإىل متى؟‪.‬‬ ‫هذه هي حقيقة حزننا الذي يلد ‪ -‬وباستمرار ‪ -‬شعرا ً‬ ‫يحفِّز املتلقي الكريم عىل مناقشة ومامرسة الحياة‪.‬‬

‫شاعر وناقد‪ ،‬يحمل دكتوراه يف األدب العر ّيب‪ .‬صدر له يف‬ ‫الشعر «عذابات» ‪« ،‬مفاتيح ألبواب مرسومة» ‪ ،‬املونتاج‬ ‫الشعري‪ ،‬دراسة نقد ّية ‪ «،‬األسامء كلّها‪ ،‬شعر‪ « ،‬جامليات الشعر‬ ‫ّ‬ ‫واملرسح والسينام يف القصة العراق ّية القصرية ‪ /‬دراسة نقد ّية‬ ‫‪.‬فاز بالجائزة الثانية مبسابقة دار ديوان رشق‪-‬غرب الربلينية‬ ‫عن ديوانه (األسامء كلّها)‪ ،‬كام فاز بجائزة الدولة (اإلبداع)‬ ‫التي تنظمها وزارة الثقافة العراق ّية فرع النقد األد ّيب عن كتابه‬ ‫الشعري» ‪ ،2011‬وبالجائزة األوىل من بني ‪ 659‬شاعرا ً‬ ‫«املونتاج‬ ‫ّ‬ ‫من عموم العامل العر ّيب مبسابقة أجمل قصيدة عن األ ّم التي‬ ‫نظّمتها بلندن قناة املستقلة الفضائ ّية‪.‬‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪111‬‬


‫تحقيق‬

‫نصري الشيخ‬

‫مسلسل الفقد‬ ‫أعتقد من الصعب قياس كمية األحاسيس االنسانيّة ومن‬ ‫ث ّم الخروج بأحكام قيم ٍة ملثل هكذا تساؤل‪ ،‬تتداخل‬ ‫فيه عنارص شتّى ثقافيّة واجتامعيّة ونفسيّة‪ .‬ولإلجابة‬ ‫يتطلّب منا قراءة فاحصة ليس باملعنى االستداليل للكالم‪،‬‬ ‫وإنمّ ا مبعنى الغوص إىل قاع الحقيقة االنسان ّية ومن ث ّم‬ ‫مالمسة تخوم هذه الذات‪ .‬والشعر هو أحد متظهرات‬ ‫الوجود االنسا ّين‪ ،‬ذلك انّه النشاط التخيييل الذي يأخذ‬ ‫من مكامن الواقع صوره‪ ،‬ويغامر بالتقاطاته عرب مفردات‬ ‫تعاد صياغتها مجددا ً بلغة تشق طريقها‪ ،‬منبعثة من‬ ‫غنائية خفية أسميها نشيد الروح‪ .‬وهناك مايدلّل عىل‬ ‫افديني‬ ‫أ ّن الشعريّة العراقيّة مت ّد نسوغها يف الرتاث الر‬ ‫ّ‬ ‫القديم‪ ،‬حيث االنسان مبواجهة ما يخبّأه له القدر‪،‬‬ ‫ومبواجهة ماتبديه الطبيعة من تقلّبات وتح ّوالت قد‬ ‫تكون عىل الض ّد من الذات االنسان ّية التي تتقهقر شيئاً‬ ‫الخفي‪،‬‬ ‫فشيئاً‪ ،‬فاليبقى لها غري االنشاد‪ ،‬صديح الروح‬ ‫ّ‬ ‫والذي يستبطن ترجمة األحاسيس‪..‬‬ ‫من هنا ينشأ «الفقد» هذا الحيز الذي يحيلك إىل فراغ‪،‬‬ ‫فراغ الروح الذي يقودك إىل الوحدة‪ ..‬وحدتك أنت‪ ..‬من‬ ‫هنا ترتنم الشفاه بأغنية جوانية تق ّدمها همهامت تتصاعد‬ ‫من األعامق السحيقة‪.‬‬ ‫الشجي‪،‬‬ ‫وبذا تكتسب الكلامت روحها الحزينة ونغمها‬ ‫ّ‬ ‫فيغدو النشيد‪ /‬القصيدة بأكمله خطاباً فجائعياً‪ ،‬يكشف‬

‫‪‎‬خلود املطلبي‬

‫الشاعر العراقي وارث أبدي للحزن‬

‫اقي؛‬ ‫من الطبيعي أن تطغي نربة الحزن عىل الشعر العر ّ‬ ‫أل ّن الشعر يعكس الظروف البيئ ّية واالجتامع ّية والسياس ّية‬ ‫اقي‪ ،‬وأل ّن العراق يحتل‬ ‫التي عاشها ويعيشها االنسان العر ّ‬ ‫املكانة األوىل بني دول الرشق األوسط التي اشتهر تاريخها‬ ‫بالعنف والدكتاتوريّة واالرهاب والحروب واملجاعات‬ ‫اقي الحزن‬ ‫والكواررث‪ ،‬عىل م ّر العصور عرف االنسان العر ّ‬ ‫كحقيقة واقعة منذ لحظات والدته األوىل حييث يراه يف‬ ‫‪112‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫بكل ألوان هذا‬ ‫من حيث اليدري عن طبقاته املغمسة ّ‬ ‫الفقد‪ ،‬وصوالً إىل العرص الحديث وما م ّر به شعب‬ ‫العراق من ويالت ومحن وحروب‪ ،‬وكأ ّن مسلسل‬ ‫الفقد مستم ّر يف تدوير أحداثه‪ ،‬وكلّنا يعرف إ ّن الذات‬ ‫الشاعرة هي مركز تحسس كبري ملواجهة أحداث العامل‪،‬‬ ‫اقي هو قطب الرحى يف هذه املحنة منذ‬ ‫والشاعر العر ّ‬ ‫أقدم نشيد سومري ترك أثره عىل رقيم طيني وحتّى‬ ‫اقي بعد أن يتدثر بغيمة‬ ‫آخر قصيدة يكتبها شاعر عر ّ‬ ‫أحزانه الرماديّة ليكتب‪.‬‬ ‫شاعر وناقد وإعالمي‪ ،‬صدر لـــــــــه‪« :‬مساقط الظل»‪،‬‬ ‫«يف أعايل الكالم»‪« ،‬تراجيديا الرمل»‪« ،‬شجر من محنة‬ ‫الوقت»‪ « ،‬أريد نشيد املرسة» ‪.‬و له كتابات يف املرسح‬ ‫والنقد‪.‬‬

‫عيني أ ّمه ويف صوتها الحنون الداىفء وهي تغني له أغاين‬ ‫املهد الحزينة لتساعده لينام‪ ،‬لذلك فنربة الحزن لدى‬ ‫اقي انمّ ا هي نتاج طبيعي لتأريخه القايس‬ ‫الشاعر العر ّ‬ ‫ومعاناته الصعبة التي حرصت عىل أن تجعل منه الوارث‬ ‫األبدي لهذا الحزن العريق وكلام أدرك الشاعر بأ ّن الفجوة‬ ‫بني الحلم والحقيقة املرة آخذة باالتساع انطلقت رشارة‬ ‫الخاصة يف التعامل‬ ‫الشعر الحزينة التي هي طريقة الشاعر‬ ‫ّ‬ ‫مع األمل والرصاع من أجل الحياة فيخلق حالة نفسيّة‬ ‫الستيعاب األوضاع الحيات ّية املرعبة والتك ّيف معها ليصبح‬ ‫الروحي لتفريغ شحنة اآلالم النفس ّية‬ ‫الشعر هو العالج‬ ‫ّ‬


‫شعرية المأساة‬

‫الرسومات‪ :‬جرب علوان‬

‫وحتّى الجسديّة ومن ث ّم مواجهة الواقع برغم مرارته‪.‬‬ ‫لذلك نالحظ حتّى قبل أن تتك ّون القصيدة وحتّى قبل أن‬ ‫يفكّر الشاعر بعنوان لها ينبض قلبها بالحزن و يتغلغل ذلك‬ ‫والحيس‪ ،‬انّها الق ّوة‬ ‫الحزن يف جوهرها الجام ّيل واملعر ّيف‬ ‫ّ‬ ‫اقي و‬ ‫االبداع ّية والعاطف ّية الكامنة يف روح الشاعر العر ّ‬ ‫طريقته يف البقاء عىل قيد الحياة ووسيلته يف التح ّرر من‬ ‫الخوف والصمت املصاحب ملعاناة هائلة لوطن وشعب‪،‬‬ ‫فتكون القصيدة رصخة احتجاج وشاهدا ً حيّاً عىل املعاناة‬ ‫اقي‪.‬‬ ‫االنسان ّية التي م ّر ومي ّر بها االنسان العر ّ‬

‫شاعرة ومرتجمة عراق ّية مقيمة يف انجلرتا منذ سن الصبا‪،‬‬ ‫درست الثانوية يف ويربج كولج (يف مقاطعة‬ ‫رسي االنجليز ّية) و درست يف جامعة لندن الرياضيات‬ ‫كام درست الرتجمة‪ .‬صدر لها يف الشعر‪:‬‬ ‫«مزامري تحت سامء لندن»‪ ،‬و«تحت سامء الثلج»‪ ،‬و «كتاب‬ ‫لوحة أوروك» « مختارات أدب ّية عراق ّية باالنجليز ّية»‪،‬‬ ‫اقي املعارص‪..‬مستقبل املايض»‬ ‫و»كتاب حركة الشعر العر ّ‬ ‫( باللغة االنكليزية)‪ .‬لها عدة مخطوطات يف الشعر‬ ‫والرتجمة‪.‬‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪113‬‬


‫حدث‬

‫ملتقى اإلمارات لإلبداع الخليجي في الشارقة‬

‫حال الشعــــــــــرية العـــ‬ ‫غلبت على أعمال الدورة‬ ‫الثالثة‬

‫لملتقى‬

‫لالبداع‬

‫الخليجي‬

‫االمارات‬ ‫التي‬

‫انعقدت في الشارقة الصبغة‬ ‫النقدية‪،‬حيث تناولت اوراق‬ ‫المشاركين‬

‫الوضع‬

‫الراهن‬

‫للشعرية العربية‪،‬وعلى نحو‬ ‫خاص في بلدان الخليج‬ ‫العربية‪.‬‬

‫الشارقة‪“ -‬بيت الشعر”‬

‫كانت حصيلة دورة ملتقى اإلمارات لإلبداع الخليجي هذه‬ ‫السنة ثالثة ايام من الشعر يف الشارقة‪ ،‬امسيات وجلسات‬ ‫نقدية وحوارات يف قاعة الشاعرأحمد راشد ثاين مبقر‬ ‫اتحاد كتاب وأدباء اإلمارات ومرسح القصباء‪ ،‬ما بني ‪ 4‬و‪6‬‬ ‫من شهر ديسمرب املايض ‪.‬‬ ‫الفعاليات النقدية شارك فيها أربعة وعرشون ناقدا ً وشاعرا‬ ‫ًمن تسعة بلدان عربية‪ ،‬بينام أقيمت األمسيات الشعرية‬ ‫املوازية له يف كل من «بيت الشعر» ‪ ،‬و«فندق سنرتو» يف‬ ‫الشارقة‪ ،‬و«مؤسسة سلطان العويس» يف ديب‪ ،‬ومتت دعوة‬ ‫الجزائر كضيف يف هذا امللتقى‪ ،‬باإلضافة إىل كل من اليمن‬

‫‪114‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫والعراق ودول مجلس التعاون الخليجي ‪ .‬وقد حرض‬ ‫مجمل هذه الفعاليات جمهور الفت من األدباء والشعراء‬ ‫والنقاد واإلعالميني واملهتمني بالشعر ونقده‪.‬‬ ‫والقى أكرث األوراق النقدية املشاركة االهتامم من قبل‬ ‫متابعيها‪ ،‬عىل مدار األيام الثالثة‪ ،‬حيث أنها تركزت عىل‬ ‫املشهد الشعري اإلمارايت‪ ،‬والخليجي‪ ،‬والعريب يف آن‪،‬‬ ‫نظرياً وتطبيقياً‪ ،‬متوقفة عند أسامء رواد الشعر الجديد‪،‬‬ ‫واألجيال الشعرية املؤسسة‪ ،‬باإلضافة إىل األسامء اإلبداعية‬ ‫البارزة‪.‬‬ ‫تقدم األوراق مدخالً مهامً إىل عامل القصيدة الخليجية‬


‫ملتقى اإلمارات لإلبداع‬

‫ـــــربية ومرجعيات الحداثة‬

‫من الجلسات النقدية‬

‫امللتقى للدكتور طارق ثابت من اتحاد الكتاب الجزائريني‬ ‫املعارصة‪ ،‬من جهة‪ ،‬بل والعربية من جهة أخرى‪ ،‬وقد‬ ‫بعنوان‪« :‬املشهد الشعري املعارص يف الجزائر‪ ،‬القصيدة‬ ‫توزعت عىل أربعة محاور هي‪:‬‬ ‫الحداثية وبنية التحول»‪ ،‬بني فيها أن من يطَّلع عىل‬ ‫‪ 1‬بحث يف األصول واملالمح والتطور التاريخي‬‫الشعر الجزائري املعارص‪ ،‬يُدرك أن مثة أصـواتا متميـزة‪ ،‬مل‬ ‫‪ 2‬التحوالت واالستجابة‬‫فرتس َم للجزائر مشهدا شعرياً جزائ��ي‬ ‫‪ 3‬االنفتاح عىل األجناس والفنون األخرى‬‫تجد العناية لتُصقل‪ُ ،‬‬ ‫الروح‪ ،‬وكثرية هي الكتابات التي أخذت تسعى نحو‬ ‫‪ 4‬اآلفاق وهواجس التغيري‪.‬‬‫ذلك سعيا حثيثا‪ ،‬يك ت ُسمع القارئ العريب؛ صوت الجزائر‬ ‫عىل أن نخصص وقفة أخرى‪ ،‬يف وقت الحق للنصوص‬ ‫اإلبداعية املشاركة‪ ،‬وهي نفسها جديرة مبثل هذه القراءة‪ .‬الشعري بكل ما فيه من خصوصية وإبداع ومت ّيز‪.‬‬ ‫متت استضافة الجزائر‪ ،‬خالل الدورة الحالية‪ ،‬حيث جرى وأضاف د‪ .‬ثابت «التجربة الشعرية الحداثية الجزائرية‪،‬‬ ‫تقليد من قبل القامئني عىل امللتقى‪ ،‬بحيث يتم استضافة واقعاً‪ ،‬تظل تجربة فتية مقـارنة بنظريتها يف املشـرق‪،‬‬ ‫بلد عريب جديد‪ ،‬يف الدورة املقبلة‪ ،‬وقد كانت أوىل أوراق لكنها مع ذلك أبدت تجاوبا حسنا‪ ،‬إ ْن عىل املستوى‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪115‬‬


‫حدث‬

‫البحرين‪ ،‬واللهجة العامية يف الشعر‬ ‫الفكري‪ ،‬أو الفني‪ ،‬غري أن نضجها‬ ‫التجربة الشعرية‬ ‫البحريني‪ ،‬وكذلك تناول الشعرالفصيح‪،‬‬ ‫يظل رهن الجهود املكثفة‬ ‫الجزائرية‪،‬‬ ‫الحداثية‬ ‫والشفاهي والكتايب‪ ،‬من خالل‪ :‬الدهشة‬ ‫واملتكاتفة امللقاة عىل عاتق‬ ‫واقع ًا‪ ،‬تظل تجربة‬ ‫باعتبارها حدثاً‪ ،‬والدهشة واللغة‪،‬‬ ‫النقاد والشعراء علـى حد سواء؛‬ ‫والدهشة وهي تنتقل‪ ،‬والداخل‬ ‫وهي بحاجة ماسة إىل تكثيف‬ ‫فتية مقـارنة‬ ‫والخارج يف فعل الدهشة‪ ،‬وإنتاج‬ ‫الدراسات النقدية الجادة‪ ،‬والتي‬ ‫بنظيرتها في‬ ‫الدهشة‪..‬إلخ‪ ،‬من خالل االستشهاد‬ ‫من شأنها إنصافها كخطاب شعري‬ ‫لكنها‬ ‫المشـرق‪،‬‬ ‫بعدد من النصوص اإلبداعية من‬ ‫له خصوصيته ومتيزه؛ وعىل هذا‬ ‫مع ذلك أبدت تجاوبا تجربته‪.‬‬ ‫سوف تبحث هذه الورقة البحثية‬ ‫و قرأ سامل خدادة ورقة عمل‬ ‫يف بدايات املشهد الشعري‬ ‫حسنا‬ ‫بعنوان«عن القصيدة العمودية يف‬ ‫املعارص يف الجزائر؛ بالرتكيز عىل‬ ‫القصيدة الحداثية منه خصوصا‪ ،‬وأهم الشعراء املشكّلني الشعرالخليجي» حيث قدم خاللها مناذج عدة من‬ ‫نصوص الشعر العمودي الكويتي‪ ،‬حيث أكد أن القصيدة‬ ‫ملتنها‪ ،‬ومميزات هذا النص؛ املختلف كليا عن النص‬ ‫العمودية مل تغب عن الساحة الشعرية‪ ،‬منذ ظهور الشعر‬ ‫الشعري التقليدي سواء عىل مستوى البناء أو الفكرة»‪.‬‬ ‫الحر«شعرالتفعيلة»‪،‬هكذا‪ ،!..‬بل ظلت تواكبها بوساطة‬ ‫شعرائها الكبار‪ ،‬و إن كثريين من الشعراءالذين بدؤوا‬ ‫يف محاور امللتقى‪:‬‬ ‫بكتابة اللون الجديد‪ ،‬كانوا يعودون بني جيل وآخر لكتابة‬ ‫و ضمن محور« القصيدة الحديثة يف الخليج‪ :‬التحوالت‬ ‫هذه القصيدة‪ ،‬وقال‪ :‬ومن املعلوم أن الشعرالحر بدأ يف‬ ‫واالستجابة» جاءت أوراق كل من د‪ .‬أحمد الزعبي‪-‬‬ ‫اإلمارات وجعفر عباس‪-‬البحرين ود‪.‬سامل خدادة‪-‬الكويت‪ .‬الكويت منذ منتصف الخمسينيات عىل يدي الشاعرعيل‬ ‫السبتي‪ ،‬ثم شاركه أحمد العدواين ومحمد الفايز‪،‬‬ ‫و قد خصص د‪ .‬الزعبي يف ورقته املعنونة بـ «مظاهر‬ ‫وآخرون‪ ،‬وكان لوجود الشاعرالكبري بدرشاكرالسياب يف‬ ‫الحداثة يف الشعر اإلمارايت» لتناول نتاجات عدد من‬ ‫الكويت تلك الفرتة أثر من بعض هؤالء الشعراء وبخاصة‬ ‫الشعراء اإلماراتيني‪ ،‬ذوي الحضور الفعيل يف املشهد‬ ‫الفايز والسبتي‪ ،‬حيث يشعر قارىء نصوص هذين‬ ‫الثقايف‪ ،‬حيث توقف عند فضاءات الحلم‪ ،‬والنزعات‬ ‫الفلسفية‪ ،‬وظاهرة التوازن بني الفكر والشعر‪ ،‬وانفجارات الشاعرين يف الستينيات خاصة بترسب عبارات السياب‬ ‫وصوره إىل قصائدهم عىل نحو ال تخطئه النظرة العجىل‪.‬‬ ‫اللغة‪ ،‬وهاجس االغرتاب بني الحلم واليقظة‪ ،‬وغريها من‬ ‫ورأى أن القصيدة العمودية الجديدة مل تغب عن املشهد‬ ‫املوضوعات التي ظهرت يف إبداعات هؤالء الشعراء‪.‬‬ ‫وقدم جعفر عباس ورقة عمل بعنوان «القصيدة الحديثة الشعري‪!..‬‬ ‫وضمن محور«القصيدة الحديثة يف الخليج‪ ،‬االنفتاح عىل‬ ‫يف الخليج‪ :‬كتاب التحوالت «أحمد العجمي منوذجاً»‬ ‫األجناس والفنون األخرى»‪ ،‬قدم د‪ .‬إبراهيم أبوطالب‬ ‫انطلقت من تأمالت تفيد بأن املرجعية األساسية‬ ‫والكربى للفن هي الحياة االجتامعية‪ ،‬حيث رأى أنه منذ ورقة بعنوان«مرايا الفراشة ونارها»‪ ،‬رأى فيها أن الشعر‬ ‫عامل اإلبداع األول‪ ،‬ومتنفسه األكرب واألكرث خلودا ً‪ ،‬وكأنه‬ ‫تسعينيات القرن املايض حتى هذه اللحظة‪ ،‬تم دخول‬ ‫يف عامله مصدر القوى البرشية يف الفنون وأصلها‪ ،‬وهو‬ ‫أدوات الحداثة االقتصادية والفكرية التي حملتها رياح‬ ‫العوملة‪ ،‬وقد كان انعكاس كل ذلك عىل الشعرية العربية‪ ،‬للخيال والفن والتعبري عن النفس أقرب الفنون‬ ‫وتحدث عن قصيدة العمود‪ ،‬إىل جانب قصيديت التفعيلة إىل الوجدان وأصدقها يف التعبري‪ ،‬ونبعه املتجدد مع‬ ‫كل دفقة شعورية برشية وليدة‪ ،‬ومن هنا‪ ،‬فإن نظرية‬ ‫والنرث يف الخليج العريب‪ ،‬ثم ركز يف ورقته عىل الشعر يف‬

‫‪116‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫ملتقى اإلمارات لإلبداع‬

‫النوع واألجناس األدبية –برأيه‪ -‬كانت محط تنظري النقاد هذا التباين الحاد يف املناخات والحساسية اليقترص عىل‬ ‫املرحلة بوصفها متفصالً تاريخياً أو منعطفاً يف املجرى‬ ‫بحدودها الفاصلة وقواعدها الثابتة‪ ،‬ومىض د‪.‬أبوطالب‬ ‫يف الجانب التطبيقي‪ ،‬ليقدم قراءة معمقة لديوان بروين الزمني لسياق منعزل عن إطار الحركة االجتامعية‬ ‫وصريورتها السياسية‪ ،‬بل باختالف الذائقة الجاملية وتحول‬ ‫حبيب مرايا الفراشة والنار‪ ،‬من خالل عالقته بالرتاث‬ ‫مفهوم الشعرمن التعبريعن الذايت الحامل الرومنتييك إىل‬ ‫واألسطورة والرمز والصور إلخ‪....‬‬ ‫ورصد د‪ .‬حسن م َّجاد تجليات القناع يف القصيدة العراقية‪ :‬املرسحي الدرامي ومن الصنعة والتامسك العضوي إىل‬ ‫تأصيل وآفاق‪ ،‬إذ تحدث عام وصفه ب «الشعرية العربية الرؤيا اإلرشاقية والكشف الصويف‪!..‬‬ ‫والحداثة املستعارة»‪ ،‬متوقفاً عند جيل الرواد الذين كانوا ويف محور القصيدة الحديثة يف الخليج‪« :‬اآلفاق‬ ‫وهواجس التغيري» ‪ ،‬جاءت ورقة‬ ‫جرسا ً للحداثة يف الشعرالعراقي‪ ،‬ومن‬ ‫القصيدة‬ ‫د‪.‬حمود الدغييش (سلطنة عامن) بعنوان‬ ‫بينهم بدر شاكر السياب والبيايت‬ ‫لم‬ ‫العمودية‬ ‫قراءة يف القصيدة العامنية الحديثة‬ ‫و جربا إبراهيم جربا وآخرون‪ ،‬ورأى‬ ‫تغب عن الساحة تصدع الذات‪ ،‬تحدث عن طغيان‬ ‫أنه البد من الوقوف عند مؤثرات‬ ‫القصيدة النبطية‪ ،‬عىل الساحة الشعرية‪،‬‬ ‫املذهب الرمزي ومصادره يف تجربة‬ ‫الشعرية‪ ،‬منذ‬ ‫ظهورالشعرالحر‪ ،‬لقربها من مشاعر الجامهري وترجمة‬ ‫الشعرية العراقية‪ ،‬ومن ثم تلمس‬ ‫قضاياها بأساليب بسيطة وصور مأنوسة‪.‬‬ ‫أفق التباين بني الريادة ومابعدها‪،‬‬ ‫بل ظلت تواكبها وقال‪« :‬ونحن الندعو هنا إىل القصيدة‬ ‫عرباختالف حدود التجربة ومتثالتها‬ ‫بوساطة شعرائها النبطية‪ ،‬فهناك من القصيدة الحديثة‬ ‫للواقع من جهة‪ ،‬وللمرجع التاريخي‬ ‫بأنواعها املختلفة ماهو قمني بالقراءة‬ ‫واألسطوري من جهة أخرى‪ ،‬إال أن‬ ‫الكبار‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪117‬‬


‫حدث‬

‫الصيخان‪-‬محمد الثبيتي‪ -‬محمد‬ ‫والدراسة‪ ،‬وهناك مافيها من‬ ‫الوقوف‬ ‫من‬ ‫البد‬ ‫جربالحريب‪-‬صالح الشهوان‪-‬خديجة‬ ‫الجاملية واملتعة الفنية ما مينحها‬ ‫المذهب‬ ‫مؤثرات‬ ‫عند‬ ‫العمري‪-‬محمدالدميني‪-‬غيداء‬ ‫االستحقاقية النقدية الجاملية‪،‬‬ ‫املنفي‪-‬عبدالعزيزالعجالن وغريهم‪.‬‬ ‫ولكننا ندعو إىل الرجوع بهذه‬ ‫الرمزي ومصادره‬ ‫وضمن املحور ذاته‪ ،‬تناول‬ ‫القصيدة العرصية الجميلة إىل‬ ‫في تجربة الشعرية‬ ‫صالح غريب يف ورقته املعنونة‬ ‫ساحة التلقي التي تستحقها»‪.‬‬ ‫ثم‬ ‫ومن‬ ‫العراقية‪،‬‬ ‫بـ «خصائص القصيدة املعارصة‬ ‫وقدمت د‪ .‬ميساء الخواجا ورقة‬ ‫بين‬ ‫التباين‬ ‫أفق‬ ‫تلمس‬ ‫وجوانب من مالمحها وتطورها»‬ ‫مهمة ضمن محور«القصيدة‬ ‫الحداثة يف الشعرالعريب املعارص‪،‬‬ ‫الحديثة يف الخليج‪:‬‬ ‫الريادة ومابعدها‬ ‫وسامتها‪ ،‬وأصولها‪ ،‬وبينَّ أن النقاد‬ ‫بحث يف األصول واملالمح‬ ‫يطلقون عىل الشعرالحديث‬ ‫والتطورالتاريخي»‪ ،‬تحت عنوان‬ ‫أسامء كثرية‪ ،‬منها الشعر املطلق‪،‬‬ ‫«جدلية الثبات والتغري‪ :‬قراءة يف‬ ‫والشعر املنثور‪ ،‬والنرث الشعري‪ ،‬أوقصيدة النرث‪ ،‬أوالنصوص‬ ‫حداثة الشعر السعودي»‪ ،‬ناقشت فيها مفهوم الحداثة‪،‬‬ ‫عربياً‪ ،‬وعاملياً‪ ،‬ثم توقفت عند تجربة الحداثة يف اململكة الشعرية‪ ،‬أواإلبداع الشعري‪ ،‬أو الكتابة املضادة‪ ،‬ورأى أن‬ ‫كل هذه التسميات ليست بصحيحة‪ ،‬والسبب يف ذلك أن‬ ‫العربية السعودية حيث‬ ‫معظم النقاد مل يقرأوا‪-‬برأيه‪ -‬األدب العريب برتو وبعمق‬ ‫رأت‪« :‬أن جذور املشهد الشعري باملعنى التحديثي‬ ‫تاريخي‪ ،‬وأن الحداثة املعارصة يف الشعر العريب مستمدة‬ ‫مل ترتسخ إال بعد االستقرار االجتامعي‪ ،‬وإرساء قواعد‬ ‫من ثقافة األسالف‬ ‫الدولة وما صاحب ذلك من تحوالت اجتامعية‬ ‫منذ العرص الجاهيل‪ ،‬بل ومنذ أبعد من تلك الفرتة‪.‬‬ ‫واقتصادية»‪ .‬ورأت أن الحجاز أكرث املناطق تأثرا ً مبسار‬ ‫تلك التحوالت‪ ،‬حيث كانت له الريادة فكرياً وثقافياً‬ ‫وأضاف‪ :‬إذا ً نحن أمام حداثة شعرية مرتبطة بزمن موغل‬ ‫يف القدم له أصوله وجذوره األدبية‪ ،‬وأن القصيدة باقية‬ ‫يف تاريخ اململكة ساعدته عىل أن يلعب دورا ً يف تطوير‬ ‫دامئة التأثري ونرضة ويف غاية التعبري‪ ،‬التشيخ مع الزمن‬ ‫الوعي والثقافة‪ .‬وقالت نشأ يف السعودية جيل وصفه‬ ‫عبدالوهاب آيش بأنه جيل تتدفق فيه الروح‪ ،‬ثائر النفس‪ ،‬مهام أوغلت فيه‪ ،‬وانتهى إىل القول” القصيدة الشعرية‬ ‫ناشز عن القديم ويتوخى الحرية‪ ،‬جيل مشاغب ومخاطر‪ ،‬ليست مجرد أوزان وقواف‪ ،‬بل هي تعبرييبوح عن‬ ‫مشاعر إنسانية‪ ،‬تتخلله الفكرة املعربة والصورة املج َّنحة‪،‬‬ ‫ووصفه محمد حسني هيكل بأنه جيل يطفر بالحامس‪،‬‬ ‫واالنفعال املدهش ‪ ،‬وإن طرافة القصيدة الشعرية‬ ‫وشديد الولع باالطالع‪ ،‬ينقد الكتب التي يطلع عليها‪،‬‬ ‫وحداثتها تأتيان عندما يكون شكل التجربة منبعثاً عن‬ ‫ويقف عىل أدق صور التفكري الحديث‪ ،‬ويتلمس األفكار‬ ‫التجربة ذاتها‪ ،‬وأن يكون إشعاعاً صادرا ً عنها‪ ،‬الشكالً سابقاً‬ ‫عن طريق الرتجمة‪ ،‬وعن طريق الكتاب الذين درسوا يف‬ ‫عليها‪ ،‬أو إطارا ً تابعاً‪.‬‬ ‫الغرب‪ ،‬ورأى أن بداية الحداثة يف اململكة تؤرخ بظهور‬ ‫والجدير بالذكر‪ ،‬أن ��ددا ً كبريا ً من متابعي فعاليات‬ ‫أول ديوان من شعرالتفعيلة أصدره سعد الحميدين‬ ‫امللتقى‪ ،‬قدم مداخالت جديرة باالهتامم‪ ،‬تتعلق بالبحوث‬ ‫«رسوم عىل الحائط» سنة ‪ ،1977‬وتلته مجموعة أحمد‬ ‫والدراسات والنصوص الشعرية التي تضمنها امللتقى‪ ،‬وقد‬ ‫الصالح مسافر «عندما يسقط العراف» سنة ‪،1978‬‬ ‫سجل عدد من أصحابها مالحظات و إضاءات وإضافات‬ ‫ورأت أن ظهور ديوان الحميدين وماتاله كان مبثابة بيان‬ ‫مهمة‪ ،‬أثارت حوارات مفيدة‪ ،‬بحسب اعرتاف كثريين‬ ‫ثقايف يعلن اإلرصار‪ ،‬وإن هذا الشعر ميثل هوية ثقافية‬ ‫من املعنيني‪ ،‬ليبلغ التفاعل يف امللتقى‪ ،‬بني املشاركني‬ ‫وانتامء إبداعياً‪ ،‬يك تظهر بعدذلك أسامء‪ :‬عيل الدميني‪-‬‬ ‫جارالله الحميد‪-‬عبدالكريم العودة‪-‬عبدالله الزيد‪-‬عبدالله والجمهور‪ ،‬مستوى عالياً‬ ‫‪118‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫محاكاة‬

‫الشاعر حين يتحد بآخره‬

‫أريج السمر‬ ‫بين حمد أبو شهاب وحمزة أبو النصر‬ ‫ً‬ ‫وقديما‪،‬‬ ‫المحاورة الشعرية هي الشعر االرتجالي الحاضر‪ ،‬وهي واحدة من أغراض الشعر حديثا‬ ‫معين بين شاعرين كما هو الحال هنا‬ ‫وتأتي كلمة “محاورة” نسبة لتحاور أي التخاطب في حوار‬ ‫ّ‬ ‫بين اإلماراتي حمد أبو شهاب والمصري حمزة أبو النصر‬

‫سامح كعوش‬

‫يصح القول باتحاد الشاعر باآلخر املتلقي‪ ،‬يف صناعة النص ذي ُسن ٌّة قد ْ‬ ‫جرت يف الناس ماضي ًة‬ ‫ُّ‬ ‫ومنصة‬ ‫ولقاء‬ ‫حوار‬ ‫كمساحة‬ ‫صياغته‬ ‫إعادة‬ ‫أو‬ ‫الشعري‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫وجيشها يف جميع الشملِ ك ّرا ُر‬ ‫للصحب عاطفةً‬ ‫تفاهم متبادل يصل باالثنني معاً ليكونا الصانع األوحد‬ ‫ودّع وخ ّلف هنا‬ ‫ِ‬ ‫للقصيدة‪ ،‬يف أشكال وأمناط كتابية مختلفة‪ ،‬منها املحاورة روحاً وفكراً وخ ْذ قلباً به نا ُر”‪.‬‬

‫ومنها املراسالت ومنها املساجالت‪ ،‬وغريها‪ ،‬بل ومنها‬ ‫اتحاد املتكلّم ِني أو جامعة املتكلّم َني معاً يف املوضوع‬ ‫مهب الوداع‬ ‫الواحد‪ ،‬كأن تجمع اللحظة شاعرينِ يف ّ‬ ‫والبنيِ‪ ،‬فيتحدانِ يف القول يف هذه اللحظة كأنها الفناء‪،‬‬ ‫ورمبا يوايس واحدهام اآلخر‪ ،‬فيقول حمزة أبو النرص من‬ ‫مجموعة أريج السمر وهي محاورات شعرية جمعته‬ ‫والشاعر اإلمارايت حمد أبو شهاب‪:‬‬

‫“ودّعْ فقد ْ‬ ‫ني أقدا ُر‬ ‫آذنت بالب ِ‬ ‫واستحدثت ساكناً من بع ِد َك الدا ُر‬

‫ويجيبه الشاعر حمد أبو شهاب بقصيدة من القافية‬ ‫ذاتها‪ ،‬والروي نفسه‪ ،‬وعىل الوزن نفسه‪ ،‬يقول‪:‬‬

‫مفردات الآليل ّ‬ ‫ظل يختا ُر‬ ‫“من‬ ‫ِ‬ ‫حتى ْ‬ ‫بدت من خاللِ الفك ِر ن ّوا ُر‬ ‫ُ‬ ‫أحس بها‬ ‫تختال ُ‬ ‫بالح ِ‬ ‫سن زهواً لو ّ‬ ‫أبرص َ‬ ‫مي ّ‬ ‫بشا ُر‬ ‫بشا ُر َ‬ ‫دون ُ‬ ‫الع ِ‬ ‫ني لوال فيض عاطف ٍة‬ ‫يا لوع َة الب ِ‬ ‫ْ‬ ‫أوارك ما ح ّيت ِْك أشعا ُر‬ ‫أذكت ِ‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪119‬‬


‫محاكاة‬

‫وقد مالت املحاورة يف العصور الهاللية وما بعدها اىل‬ ‫ودّعْ فذكر َاك ال ُّ‬ ‫تنفك ماثل ًة‬ ‫الشعر النبطي‪.‬ونجد شكالً آخر من أشكال الحوار الشعري‬ ‫ُ‬ ‫وجميل الو ِّد تذكا ُر”‪.‬‬ ‫أما َمنا‬ ‫يتجىل يف النقائض ال املحاورة‪ ،‬وذلك يف إطار الشكل األبرز‬ ‫أما املحاورة فهي الشعر االرتجايل الحارض‪ ،‬وهي واحدة‬ ‫من أغراض الشعر الشعبي يف الوطن العريب حديثاً‪ ،‬وتأيت “املساجالت”‪ ،‬ومتثل النقائض مصطلحاً أدبياً لنمط شعري‬ ‫كلمة “محاورة” نسبة لتحاور أي التخاطب يف حوار معينّ ‪ ،‬نشأ يف العرص األموي ‪ ،‬وهي عبارة عن معارك شعرية‬ ‫وتسمى “القلطة” يف أغلب االوقات وكلمة “قلطة” كلمة دارت رحاها بني عدد من الشعراء يف العرص األموي‪،‬‬ ‫وكان فرسانها األخطل وجرير والفرزدق‪ ،‬وكان الشاعر‬ ‫شعبية تدل عىل احدى مسميات املناداة ويقال أقلط‬ ‫ينظم قصيدة يف هجاء خصمه‪ ،‬فريد الخصم ناقضاً هذه‬ ‫يا فالن أو فالن قلط أي تقدم بعد مناداته‪ ،‬وهي تلتزم‬ ‫القصيدة بقصيدة أخرى لها الوزن والقافية نفسهام‪ ،‬و‬ ‫يف تفاعيل وأوزان البحور الشعرية العربية الفصحى‬ ‫قد تركزت النقائض يف العرص األموي عىل غرض الهجاء‬ ‫والشعبية كسائر أغراض الشعر األخرى‪ ،‬ويرجع تاريخ‬ ‫املحاورة ونشأتها إىل ما قبل اإلسالم يف “العرص الجاهيل” تحديدا ً حيث كان الشاعر ال يصرب عىل هجاء خصمه‬ ‫فيجيبه بقصيدة أخرى أكرث إقذاعاً وإفحاشاً‪.‬‬ ‫وقد عرفت من قبل بعض شعراء العرب يف العرص‬ ‫الجاهيل وشعراء املعلقات السبع‪ ،‬أمثال‪ :‬عنرتة بن شداد‪ ،‬وقد نشأ فن النقائض يف العرص األموي واشتدت املهاجاة‬ ‫الشعرية بني الشعراء املتهاجني فلم يصمد يف امليدان‬ ‫امرؤ القيس‪ ،‬عمرو بن كلثوم‪ ،‬زهري بن أيب سلمى‪ ،‬طرفة‬ ‫سوى ثالثة من فحول الشعر هم‪ :‬جرير والفرزدق‬ ‫بن العبد‪ ،‬لبيد بن ربيعة العامري‪.‬‬ ‫واألخطل‪ ،‬وقد اشتهرت نقائض الفرزدق وجرير واألخطل‪،‬‬ ‫وكان أحدهم يتجه نحو خصمه بقصيدة هاج ًيا‪ ،‬فيعمد‬ ‫أشكال املحاورة‬ ‫اآلخر إىل الرد عليه بشعر مثله هاجيًا ملتز ًما البحر‬ ‫ويشار إىل أ ّن املحاورة يف العرص الجاهيل أخذت صيتاً‬ ‫وشهرة عىل يد شعرائها والذين كان من أبرزهم الشاعر امرؤ والقافية وال َّرو َِّي الذي اختاره الشاعر األول‪ ،‬ويف ذلك‬ ‫تتمثل رشوط املحاورة الشعرية أكانت يف املديح أو‬ ‫القيس نفسه‪ ،‬وتواصلت حتى كان صد ُر اإلسالم ث ّم قيام‬ ‫الهجاء‪ ،‬مبعنى أنه ال ب ّد من‪ :‬وحدة املوضوع فخ ًرا أو‬ ‫الدولة األموية والدولة العباسية‪ ،‬وقد كان من أبرز شعراء‬ ‫هجا ًء أو غريهام‪ ،‬وال بد من وحدة البحر‪ ،‬فهو الشكل‬ ‫الدولتني األموية والعباسية املحاوِرين واملتحاورين الشاعر‬ ‫قيس بن امللوح العامري‪ ،‬عبدالله بن أيب قحافة‪ ،‬واملسور بن‬ ‫خرمة األزهري وغريهم كرث‪.‬‬ ‫وقد كانت املحاورة يف العصور الجاهلية واإلسالمية والعصور‬ ‫ويصبح االثنان واحد ًا حين يكون‬ ‫التي أتت بعدها تختلف عن املحاورة يف الزمن الحايل‪ ،‬فقد‬ ‫ً‬ ‫قضية‬ ‫نحو‬ ‫ا‬ ‫متجه‬ ‫الشعري‬ ‫المغزى‬ ‫ٍ‬ ‫كانت تعتمد عىل الحدث املبارش غري املعلن عنه مسبقاً أو‬ ‫تكون عىل طريقة املخاطبة املبارشة بني الخصم وخصمه‪،‬‬ ‫أرّقت الشعراء واألدباء في مساحة‬ ‫أو القائد وامللك وأحد شعراء مجتمعه وأتباعه وتكون يف‬ ‫هذا المكان اإلماراتي العريق‪ ،‬حيث‬ ‫أرض املعركة أو يف املجالس عند امللوك واألمراء أو يف اللقاء‬ ‫دبي دانة الدنيا‪ ،‬وأبوظبي منارتها‬ ‫املبارش بعكس ما هي عليه يف الزمن الحايل‪.‬‬ ‫أخذت املحاورة طابعاً آخر عند الهالليني وبني صخر‬ ‫وجسر ُ مقطعها إلى الماضي‬ ‫وبعض القبائل العربية يف جزيرة العرب‪ ‬فقد كان من‬ ‫باألصالة‬ ‫العابق‬ ‫ِ‬ ‫أشهر شعراء العرص الهاليل ميثاق الهاليل‪ ،‬ابن الفضل‬ ‫الهاليل‪ ،‬أبو زيد الهاليل “سالمة”‪ ،‬أبو ذيه بن صباح الهاليل‪،‬‬

‫‪120‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫أبوشهاب ‪ -‬أبو النصر‬

‫أريج السمر ‪،‬صادر عن أكادميية الشعر‪،‬أبوظبي‪،‬الطبعة األوىل ‪2012‬‬

‫الذي يجمع بني النقيضتني‬ ‫ويجذب إليه الشاعر الثاين‬ ‫بعد أن يختاره األول‪ ،‬وال ب ّد‬ ‫كذلك‪ ‬من وحدة ال َّروي ألنه‬ ‫النهاية املوسيقية املتكررة‬ ‫للقصيدة األوىل‪ ،‬وكأن الشاعر‬ ‫الثاين يجاري الشاعر األول يف‬ ‫ميدانه وبأسلحته نفسها‪.‬وإ ّن منو‬ ‫شعر النقائض كانت له أسبابه‬ ‫االجتامعية والعقلية وكان الناس‬ ‫وال يزالون يجدون فيه نوعاً من‬ ‫التسلية والرتويح‪ ،‬أما النقائض‬ ‫بحد ذاتها فقد كانت “تعبريا ً‬ ‫واضحاً عن منو العقل العريب‬ ‫ومرانه عىل الحوار والجدل واملناظرة‪ ،‬األصل يف النقائض‬ ‫هو املقابلة واالختالف‪ ،‬ألن الشاعر الثاين يجعل ه ّمه أن‬ ‫يفسد عىل الشاعر األول معانيه فريدها عليه إن كانت‬ ‫هجاء‪ ،‬ويزيد عليها مام يعرفه أو يخرتعه‪ ،‬وإن كانت‬ ‫فخ ًرا كذَّبه فيها أو فسرَّ ها لصالحه هو‪ ،‬أو وضع إزاءها‬ ‫مفاخر لنفسه وقومه وهكذا‪ .‬واملعنى هو ركيزة النقائض‬ ‫ومحورها الذي عليه تدور‪ ،‬ويتخذ عنارصه من األحساب‬ ‫القبلية ‪ ،‬واألنساب واأليام واملآثر واملثالب‪ .‬وليست‬ ‫النقائض شع ًرا فحسب‪ ،‬بل قد تكون َر َج ًزا أو تكون نرثًا‬ ‫كذلك‪ .‬والبد أن تتوفَّر فيها وحدة املوضوع وتقابُل املعاين‪،‬‬ ‫وأن تتضمن الفخر والهجاء ثم الوعيد أيضً ا‪ ،‬وقد تجمع‬ ‫النقائض بني الشعر والنرث يف الوقت نفسه”‪.‬‬

‫حواري ٍة رائع ٍة س ّجلها تاري ُخ املكان‬ ‫قلب‬ ‫اإلمارايت حافظاً للمقيم ودّه يف ِ‬ ‫املواطنِ ‪ ،‬وحافرا ً يف ذاكرة املواطنِ‬ ‫ورد َة الرملِ التي سقاها املقي ُم دم َع‬ ‫عيني ِه ور ّواها من دافئ رشايينه‪.‬‬ ‫بل ويصبح االثنان واحدا ً حني يكون‬ ‫املغزى الشعري متجهاً نحو قضي ٍة‬ ‫أ ّرقت الشعراء واألدباء يف مساحة‬ ‫هذا املكان اإلمارايت العريق‪ ،‬حيث‬ ‫ديب دانة الدنيا‪ ،‬وأبوظبي منارتها‬ ‫رس مقطعها إىل املايض العابق‬ ‫وج ُ‬ ‫باألصال ِة‪ ،‬وحيث اللغة العربية‬ ‫ٌ‬ ‫وروحي جام ٌع ومان ٌع‬ ‫معنوي‬ ‫مشرتك‬ ‫ٌّ‬ ‫ٌّ‬ ‫ملا عداه‪ ،‬به يربز الغثّ من الثمني‪،‬‬ ‫غبي‪ ،‬يقول‬ ‫وتعلو قيم ٌة ض ّد قيمة‪ ،‬ويربز ٌ‬ ‫مثقف يف وج ِه ٍّ‬ ‫أبو شهاب‪:‬‬

‫“ليت املدار عىل النُّهى يف حكمها ‪ /‬فيام يذاعُ وما ُي ُّ‬ ‫خط‬ ‫ُ‬ ‫و ُي ُ‬ ‫َ‬ ‫األصيل‬ ‫األدب‬ ‫نرش ‪/‬‬ ‫لعلمت أية قيم ٍة يسمو بها ‪ُ /‬‬ ‫فرض ُ‬ ‫وأيَّ لغ ٍو ُيق ُرب ‪ /‬أ ّما وقد َ‬ ‫الغثا ُء وجودَهُ ‪ /‬وغدا‬ ‫الغبي من ا ُملث ّق ِف يسخ ُر”‪.‬‬ ‫ُّ‬

‫ويتاب ُع شاكياً لصديق ِه وشقيق روحه ما يعانيه من أ ٍمل‬ ‫ملا يراه من رواج الغُثاء وتسخري املنابر والحناجر لقوله‬ ‫ونرشه بني الناس‪ ،‬حتى ليكاد الشاعر يرى أن الجهل يف‬ ‫ٍ‬ ‫مفردات تقطر مرارة وتسبح‬ ‫هكذا زمن‪ ،‬أجد ُر‪ ،‬مستعمالً‬ ‫يف حقلٍ‬ ‫معجمي للضياع والحرسة ملا يراه الشاعر‪ ،‬من‬ ‫ٍّ‬ ‫مفردات يف سياق واحد لعبارة شعرية يتقاسمها االثنان‪،‬‬ ‫إذ يربز الغثاء‪ُ /‬سخّرتْ لرواجه ٌ‬ ‫صحف‪ /‬الجهل يف زمنٍ‬ ‫تاريخ املكان اإلمارايت‬ ‫كهذا أجد ُر‪ ،‬يقول حمد أبو شهاب‪“:‬أما وقد برز ُ‬ ‫الغثا ُء‬ ‫وما نقرؤه يف قصائد ديوان “أريج السمر” يشبه كل ما‬ ‫ٌ‬ ‫وس ِّخ ْ‬ ‫صحف تشيدُ ومن ُرب”‪.‬ونجد الشاعر‬ ‫لرواج ِه‬ ‫ُ‬ ‫رت‪ِ /‬‬ ‫سبق وإن كان ال يقع يف الخصومة بني الشعراء والنقائض‬ ‫حمزة أبو النرص يرى ما يراه أبو شهاب‪ ،‬ويقتنع بح ّجته‪،‬‬ ‫يف الهجاء‪ ،‬فهو يف جوانب كثرية منه ما يشبه التداعي‬ ‫فيزيده منها‪ ،‬ويشا ُء لشعره أن يحمل الذرائع فيسوقها‬ ‫الذي نجد مثيله يف النصوص املشرتكة للشعراء‪ ،‬إذ نجد‬ ‫الشاعرينِ يخوضان معاً يف غامر قضي ٍة يتناوالنها بالترشيح إىل غايات صاحبه‪ ،‬كأن يوافقه الرأي مبساقاته الفكرية‬ ‫الشاعر والتفكيك الفكري حتى يصال بها إىل رؤيا موحدة يف الواردة يف قصيدة أبو شهاب‪ ،‬فـ الغثا ُء متكاث ٌر‪ /‬ارتضت‬ ‫صحائف أو من ُرب (ولكنه) وإن تكاث َر‪ ،‬فالصق ُر‬ ‫رش الغثاء‬ ‫ٌ‬ ‫النظر إليها‪ ،‬ونظري ٍة موحد ٍة يف تناولها‪ ،‬وكثري ٌة هي القضايا ن َ‬ ‫يُفر ُد بالتواجد واحدا ً وهناك صاحبنا أبو شهاب يرد ُد‬ ‫التي شكلت لهام هذا الحافز عىل القول الشعري يف‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪121‬‬


‫محاكاة‬

‫“يا شاعر النيل ما انف ّكت قصائدُ نا‬ ‫ُ‬ ‫زمن كهذا‬ ‫“فقل السالم عىل الثقافة والحجا‪/‬‬ ‫فالجهل يف ٍ‬ ‫تنحرص‬ ‫يف ما تك ّر ُرهُ األيا ُم‬ ‫ُ‬ ‫أجد ُر”‪ ،‬فيجيبه صاحبه أبو النرص برتداد “فقل ُ‬ ‫األمان عىل‬ ‫فلو رصفنا عن التكرار وجهتها‬ ‫حلك الليايل ُينظ ُر”‪ ،‬كأنّهام‬ ‫الثقافة والحجا‪ /‬فالبد ُر يف ِ‬ ‫إىل مضارب من يف طرفها حو ُر‬ ‫يغرفان من معني الكالم نفسه‪ ،‬ويعبّان من ماء القصيد‬ ‫حيث املها حولها ميرحنَ يف جذلٍ‬ ‫عباًّ حتى الرواء‪ ،‬يف ما يشبه انسياب املعنى إىل قلبيهام‬ ‫معاً‪ ،‬يقول احدهام فريد اآلخر مبا يكاد يشابه قوله‪ ،‬أو هو كأ ّنهنَ عقو ُد الدُّ ِّر تنت ُرث‬ ‫من كل سمرا َء ْ‬ ‫واصفها‬ ‫أعيت نطقَ ِ‬ ‫ما غفل عنه األول فتذكره له الثاين‪ ،‬يرد أبو النرص عىل‬ ‫حتّى ولو أ ّنه الطا ُّيئ أو عُ م ُر”‪.‬‬ ‫قصيدة أبو شهاب قائالً‪:‬‬ ‫ويرق بينهام ٌ‬ ‫غزل بها‪ ،‬هذه األنثى التي اتحد الشعراء‬ ‫“أما ُ‬ ‫الغثا ُء وإن تكاثر فارتضت‬ ‫يف وصفها‪ ،‬واتفقوا عىل مديح حسنها وجاملها‪ ،‬ولكنهم‬ ‫ٌ‬ ‫ن َ‬ ‫رش ُ‬ ‫صحائف أو من ُرب‬ ‫الغثاء‬ ‫اختلفوا يف نصيبهم منها واختلفوا عليها‪ ،‬ويكون موع ٌد‬ ‫فالصق ُر ُيفر ُد بالتواج ِد واحداً‬ ‫ٍ‬ ‫شفيف عفيف‪ ،‬فيه من اإليحاء الكثري‪ ،‬يقع فيه‬ ‫لغز ٍل‬ ‫أما ال ُب ُ‬ ‫غاث من الطيور فتك ُرث”‪.‬‬ ‫ويف مقامٍ آخر‪ ،‬يلتفت الشاعران إىل قضية الشعر مجددا ً‪،‬‬ ‫وكان مل يكفهام ما قااله فيها من ٍ‬ ‫حرص ومساجلة و ٍّد تربز‬ ‫وحدة الرأي والحال‪ ،‬فهنا األزمة أكرب واملأزق أكرث عمقاً‪،‬‬ ‫حني يصري معدن الشعر حديدا ً يصدأ‪ ،‬ويغيب املعنى‬ ‫األصيل يف مشهد الزيف املزدهر‪ُ ،‬‬ ‫يقول أبو النرص‪:‬‬

‫“يا روض َة الشع ِر إين اليوم سائل ُه‬ ‫عن معدنِ الشع ِر ت ٌرب ذاك أم دُر ُر‬ ‫إن كان ترباً فام ُ‬ ‫بال الحديد ُيرى‬ ‫ُ‬ ‫وينترش‬ ‫يف ساح ِة الشعر يكسوها‬ ‫أو كان د ّراً بجوف البح ِر مسترتاً‬ ‫ما بال من بالثرّ ى يغرتُّ‪ُ ،‬يشته ُر؟‬ ‫أم هل ُترى العيب يف ميزانِ ناق ِد ِه‬ ‫ُ‬ ‫فالزيف يزده ُر”‪.‬‬ ‫ال صري ٌّيف ُيرى‬

‫وأمام ازدحام املقالة الشعرية أليب النرص باألمل والحرسة‪،‬‬ ‫يستنهض الشاعر أبو شهاب همة شعره وقصيده لري ّد‬ ‫قليالً عن صاحبه‪ ،‬ويخفف عنه بعض ه ّمه‪ ،‬فيستفزه هذا‬ ‫الحشد وهذا الكم من األدلة عىل الزيف الحاصل‪ ،‬التي‬ ‫يسوقها الشاعر أبو النرص يف سياق الحديث عن حال‬ ‫الشعر‪ ،‬كأن يسائل روضة الشعر عن معدن الشعر “ت ٌرب‬ ‫ذاك أم دُر ُد ‪ .‬إن كان تربا ً فام بال الحديد يُرى يف ساحة‬ ‫رش ‪ ،‬أو كان د ّرا ً بجوف البحر مسترتا ً‪،‬‬ ‫الشعر يكسوها وينت ُ‬ ‫ما بال من بالرثى يغ ُّرت‪ ،‬يُشته ُر ‪ ،‬أم هل ت ُرى العيب يف‬ ‫ميزان ناقده”‪ ،‬ير ّد عليه حمد أبو شهاب قائالً‪:‬‬

‫‪122‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫الشاعر حني تبوح بالرس العيون‪ ،‬ويقع الشاعر يف العشق‬ ‫صاب بجنونه‪ ،‬فينظم أبو النرص قصيد ًة‬ ‫فيحرتق بناره‪ ،‬ويُ ُ‬ ‫مطلعها‪:‬‬

‫“ ّمنت عن الوج ِد الشؤون‬ ‫وباح بالسرِّّ العيون‬ ‫من ذا يلو ُم العاشق َ‬ ‫ني‬ ‫سوى ُ‬ ‫األىل ال يعشقون‬ ‫مسهم ُ‬ ‫بعض الذي‬ ‫لو ّ‬ ‫ملسهم الجنون”‪.‬‬ ‫ُذقنا ّ‬

‫ويجيبه أبو شهاب بقصيد ٍة مطلعها‪:‬‬

‫“ر ّفت َ‬ ‫رفيف الياسم ْني‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫الجفون‬ ‫أهداب‬ ‫عليك‬ ‫ُ‬ ‫ر ّفت مسامل ًة َ‬ ‫رفيف‬ ‫األقحوان ِة يف الغصون”‪.‬‬

‫يتحد الشاعران يف حال العشق‪ ،‬وتتداعي املفردات نيئ ًة‬ ‫شهي ًة عىل لسانيهام‪ ،‬فتسيل كام العسل عىل شفاههم‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫مبفردات الوجد والغواية الشاعرة‪،‬‬ ‫ويتل ّون به كالمهم‬ ‫وتصبح هي األنثى يف نظر الشاعر حمزة أبو النرص‬ ‫مسحت عىل صخ ٍر‪َ /‬‬ ‫ْ‬ ‫متايل‬ ‫فاعل ًة بالسحر‪ ،‬فهي “ر ّيا إذا‬

‫وشوشت غايف الزّهور‪ /‬تفت ْ‬ ‫ْ‬ ‫ّقت منها ُفتون‪،‬‬ ‫كالغصون‪ /‬أو‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وتصبح يف نظر حمد أبو شهاب فاعلة أيضا بالسحر‪،‬‬ ‫َ‬ ‫“ولو أنها ْ‬ ‫لسقاك ساقي‬ ‫نظرت مغاضب ًة‪ /‬يدّللها ال ُفتون‪/‬‬ ‫َ‬ ‫كأس املنون”‬ ‫جف ِنها‪ /‬من جفنها َ‬


‫شعر وطب‬

‫‪‎‬العالج بالشعر‬ ‫السري‬ ‫‪‎‬وجع الوتر ّ‬

‫‪‎‬ليس الشعر مجرد إيقاع أو متعة أو ما إلى ذلك بالنسبة لقارئه أو لكاتبه‪ ،‬بل هو أيضا عالج ومساحة‬ ‫جديدة وفسيحة يمكننا من خاللها الخروج من مكان إلى آخر ومن حالة إلى أخرى ‪.‬‬

‫‪‎‬بييري ج‪ .‬لونجو‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪123‬‬


‫شعر وطب‬

‫‪‎‬منذ عام ‪ 1991‬وأنا أتوىل إدارة مجموعة تعنى بفصول قراءة ‪‎‬ويف النهاية فإن النتيجة تكون متشابهة عىل األغلب‪ .‬وبعد‬ ‫وكتابة الشعر يف مركز «سانكتوري» للمعالجة النفسية‪ ،‬وقد ذلك كله فإن مصدر كلمة عالج‪‎‬التي تعني متريض الشخص‬ ‫بدأ اهتاممي بهذا الحقل منذ زمن طويل ال أذكره‪ ،‬قبل أن ومعالجته «‪ »therapy‬التي تعني املعالجة بواسطة الرقص‪،‬‬ ‫الغناء‪-therapeia ،‬هو الكلمة الالتينية‪ ،‬الشعر‪ ،‬الدراما‬ ‫اعرف أن هناك ما يدعى ب»العالج بالشعر»‪.‬‬ ‫وبقية الفنون التعبريية ‪.‬‬ ‫خالل سني كتابتي للشعر مع مختلف املجاميع‪ ،‬بت أشعر‬ ‫بانتامء متزايد نحو املكان املجهول الذي يأيت منه الشعر‬ ‫«الذي أحب أن أسميه املكان الرسي»‪.‬‬ ‫‪‎‬تأريخ املعالجة بالشعر‬ ‫‪‎‬وال ميكن حرص إحدى فوائد قراءة الشعر وكتابته يف قابليته ‪‎‬رغم أن استعامل الشعر كعالج يبدو حديثا نسبيا بني‬ ‫عىل متييز األنا فقط‪ ،‬وإمنا بتعزيز قوتها كذلك‪ .‬وذلك أمر‬ ‫الفنون التعبريية‪ ،‬فإنه قديم قدم الرتاتيل األوىل التي كانت‬ ‫مهم إن أردنا أن نصبح جزءا من العامل‪.‬‬ ‫تنشد حول النار التي كان البرش البدائيون يوقدونها‪.‬‬ ‫‪‎‬هذه العملية تعزز انتامءنا اىل الجزء األروع من ذواتنا‪ ،‬إىل‬ ‫الرتاتيل‪ ،‬األغاين‪ ،‬القصيدة هي ما يقوم مبداواة القلب‬ ‫كل ما هو شمويل وحسن وجميل‪ .‬وعندما نشعر بأننا مل نعد والروح‪ ،‬وهذا ماتقرتحه كلمة (سايكولوجي ) –‪ ‎‬تعني الروح‬ ‫معزولني عن العامل‪ ،‬وأننا جزء منه‪ ،‬جزء مندمج مع مكوناته ‪psyhe logos‬و‪‎‬وتعني الكالم او الكلمة‪.‎‬ويف االسطورة‬ ‫جميعها‪ ،‬فإن احرتام الذات لدينا سينمو ‪.‬‬ ‫يخرب أوسينوس بروميثوس «الكلامت هي طبيب العقول‬ ‫‪‎‬الخرب األعظم هو أننا اكتشفنا أننا ابطال وبطالت االساطري‬ ‫املريضة»‪ .‬ورغم وجود ما يشري إىل وجود طبيب روماين‬ ‫القدمية ذاتهم‪ ،‬ومن خالل كتابتنا لذواتنا فإننا نجعلها متتد‬ ‫هو سورانوس يف القرن األول امليالدي‪ ،‬وقيامه بوصف‬ ‫اىل الحارض‪ ،‬ونعزز خلق اساطري جديدة ّ‬ ‫تدل علينا ‪.‬‬ ‫الشعر والدراما ملعالجة مرضاه‪ ،‬إال أن الرابط بني الشعر‬ ‫‪‎‬بعض أعضاء املجاميع الشعرية يف مركز العالج النفيس‬ ‫والطب مل يتم توثيقه بشكل جيد‪ .‬ومن املهم أيضا عىل أية‬ ‫ظلوا متواصلني لعامني أو ثالثة اعوام‪ .‬وكانت قصائدهم‬ ‫حال التنويه إىل إن أول مستشفى يف املستعمرة االمريكية‬ ‫تطبع وتضاف إىل دفرت املالحظات اسبوعيا ‪ .‬بعضهم صار‬ ‫للعناية باالمراض العقلية كانت مستشفى بنسلفانيا التي‬ ‫لديه عدة مجلدات‪ .‬وقد بدا يل رضوريا أن اقوم بحفظ‬ ‫أنشأت عام ‪ 1751‬من قبل بنجامني فرانكلني‪ ،‬وقد وظف‬ ‫عند‬ ‫قصائدهم‪ ،‬وتوثيقها‪ ،‬ألن ذلك يسهل لهم االستمرارية‬ ‫العديد من األساليب يف معالجة املرىض ومن ضمنها القراءة‪،‬‬ ‫تنقلهم من مكان إىل آخر‪‎.‬وعندما بدأت هذه الفعالية‬ ‫الكتابة‪ ،‬وطباعة كتاباتهم يف صحيفة تدعى «املنري» ‪.‬‬ ‫سألت املشاركني عن مشاعرهم‪ ،‬حني حصلوا عىل ابداعهم‬ ‫العالج بالقراءة «‪ »bibliotherapy‬يبدو مصطلح‪‎‬أكرث‬‫بهذا الشكل‪.‬‬ ‫شيوعا من مصطلح العالج بالشعر‬ ‫مايشير‬ ‫رغم‬ ‫عيل‬ ‫مييل‬ ‫كان‬ ‫الذي‬ ‫‪‎‬أحد الشباب‬ ‫الذي أصبح مألوفا يف الستينات‬ ‫جميع كلامته‪ ،‬قام باحتضان الكتاب‬ ‫إلى وجود طبيب روماني والسبعينات والذي يدل معناه‬ ‫إىل قلبه قائال‪ :‬أشعر أنني اصبحت ذا‬ ‫الحريف عىل استعامل األدب يف النفع‬ ‫القرن‬ ‫في‬ ‫سورانوس‬ ‫هو‬ ‫شأن يف نهاية املطاف‪.‬من الرضوري‬ ‫او املساعدة»‪.‬‬ ‫وقيامه‬ ‫الميالدي‪،‬‬ ‫األول‬ ‫هنا اإلشارة اىل أن التعامل مع‬ ‫‪‎‬فرويد كتب مرة «لست أنا‪ ،‬بل هو‬ ‫الشعر كعالج أمر فردي يعززه منو‬ ‫بوصف الشعر والدراما الشاعر الذي اكتشف الالوعي»‪،‬‬ ‫الشخصية‪ ،‬بينام تكون القصيدة‬ ‫وقد قال يف وقت آخر «العقل عضو‬ ‫مرضاه‪،‬‬ ‫لمعالجة‬ ‫ذاتها بؤرة للشعر كفن‪ .‬لكن كليهام‬ ‫لصناعة الشعر»‪ ،‬والحقا كتب عدد‬ ‫الشعر‬ ‫بين‬ ‫الرابط‬ ‫أن‬ ‫إال‬ ‫يستعمالن األدوات ذاتها‪ :‬اللغة‪،‬‬ ‫من الباحثني من أمثال أدلر‪ ،‬يونج‬ ‫اإليقاع‪ ،‬الصوت‪ ،‬الكناية والصورة‬ ‫والطب لم يتم توثيقه ‪،‬اريتي وريك عن مقدار العلم الذي‬ ‫اليصال املعنى‪.‬‬ ‫يجنى من دراسة الشعراء‪.‬‬

‫بشكل جيد‬

‫‪124‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫‪issue (6)- November - 2012‬‬

‫‪124‬‬


‫العالج بالشعر‬

‫«أنا اعتقد أن القصيدة بناء عاطفي فكري يهدف إىل‬ ‫مالمسة عقل القاريء ‪ ،‬وذلك يعني أنها تهدف إىل أن يتم‬ ‫اختبارها من قبل القاريء‪ ،‬وأعتقد أن القصيدة نافذة تصل‬ ‫بني أكرث من شخص يعيشون يف غرفة مظلمة‪ ،‬وكذلك أعتقد‬ ‫أن القصيدة ضجيج ‪ ،‬وهذا الضجيج يتخذ شكال معينا»‪.‬‬ ‫«ستيفن دوبينز ‪»1997‬‬ ‫‪‎‬االقتباسات أعاله تشمل بعض سامت العالج بالشعر‬ ‫التي ارشت إليها يف بداية املقال‪ .‬أغلب الذين انتموا إىل‬ ‫املجموعات العالجية مل يكتبوا الشعر ابدا‪ ،‬وإن فعلوا فإنها‬ ‫محاوالت غري ناجحة وشعروا أنهم غري ناجحني وتنتابهم‬ ‫‪‎‬ويعترب اييل جريفر وهو صيدالين ومحام‪ ،‬أول من بدأ‬ ‫رغبة يف مغادرة املجموعة‪ .‬من املهم التوضيح أن ليس‬ ‫العالج بالشعر يف مستشفى مقاطعة كريدمور يف نيويورك‬ ‫عليهم أن يكتبوا‪ ،‬إنهم فقط بحاجة لالنضامم لل��ناقشات‬ ‫أحد‬ ‫مبساعدة مجموعة من االختصاصيني النفسيني‪ ،‬ثم قام‬ ‫عندما يكونون جاهزين‪ .‬ومن املهم أيضا اإلشارة إىل أن‬ ‫الذين آزروا تجربته وهو الدكتور جاك ليدي بطباعة أول‬ ‫املجموعة ليست صفا مدرسيا وليس هناك درجات أو إعادة‬ ‫كتاب يف هذا املجال وأسامه «العالج بالشعر» ‪ ،‬وذلك عام‬ ‫تحرير‪ ،‬إال إذا أرادوا هم أن يفعلوا ذلك بنصوصهم‪ ،‬إنها‬ ‫‪ .1969‬وقد تضمن الكتاب مقاالت كتبها العديد من الرواد فضاء غري خاضع للنقد وإمنا الكتشاف الذات والتعبري عنها‪،‬‬ ‫يف هذا املجال‪ .‬وشيئا فشيئا أخذ الناس يقومون مبساعدة‬ ‫وبعد ذلك كانت البداية‪.‬‬ ‫ذوي االختصاص لتمكينهم من ادخال الشعر كعالج عىل‬ ‫‪‎‬يف كل جلسة‪ ،‬يتم عرض قصيدة‪ ،‬ويعتمد اختيار عنارص‬ ‫شكل مجموعات‪‎.‬ومن بني هؤالء كان آرثر لرينر الربوفيسور القصيدة عىل علم «العالج باملوسيقى» الذي يستمد تأثريه‬ ‫الذي قام بتأسيس معهد املعالجة بالشعر يف السبعينات يف من العنارص املوسيقية‪ ،‬وذلك يعني إن انفعاالت القصيدة‪،‬‬ ‫الساحل الغريب‪ ،‬وألف كتاب «الشعر يف التجارب العالجية»‪ .‬هي ذاتها التي يرجى منها أن تستويل عىل مزاج املجموعة‪.‬‬ ‫‪‎‬وأخريا يف عام‪ 1980‬تم عقد لقاء لجميع الناشطني يف‬ ‫فإذا كانت الكآبة هي املزاج املهيمن‪ ،‬فإن قصيدة عن الكآبة‬ ‫هذا املجال يف أنحاء البالد لصياغة دليل للتدريب ومنح‬ ‫ستكون مفيدة‪ ،‬مادامت فيها أبيات تعكس األمل والتفاؤل‪.‬‬ ‫الشهادات يف مجال العالج بالشعر وتأسيس مايسمى اآلن ‪»‎‬وتبدو هذه القاعدة مريحة‪ ،‬ألنها تسمح للمشاركني أن‬ ‫«الجمعية الوطنية للمعالجة بالشعر»‬ ‫يدركوا أنهم اليعانون مبفردهم‪ ،‬وإمنا هناك من يتفهم‬ ‫معاناتهم‪ ،‬ألنه خرب املعاناة وكتب عنها‪ ،‬وقام مبشاركتهم‬ ‫‪‎‬عنارص الشفاء يف الشعر‬ ‫احساسهم باليأس» ‪ « /‬ليدي _‪.»1985‬‬ ‫‪«‎‬الشعر هو استجابة ذواتنا األعمق إىل النشوة‪ ،‬األمل املربح ‪‎‬ويستطيع املرشف أن يبني سببا ألختيار القصيدة لذلك اليوم‪،‬‬ ‫والعناق الحميم مع غموض الحياة‪ ،‬إنه أغنية أو تنهيدة أو أو ينتظر حتى يقوم أحدهم بقراءتها‪ ،‬ثم يفسح املجال‬ ‫بكاء وغالبا مايكون جميع هذه العنارص»‬ ‫للمجموعة يك تقرر إن كانت تتضمن شيئا ميكنهم التفاعل‬ ‫«‪‎‬تشارلس انجوف ‪»1994‬‬ ‫معه‪ ،‬غالبا ماتتم قراءة القصيدة مرتني من قبل واحد أو‬ ‫«يكتسب الشعر صفته اإلنسانية ألنه يقوم بربط اإلنسان‬ ‫اثنني من األعضاء‪ ،‬األمر الذي يجعل اإليقاع – موسيقى‬ ‫بجوهر خرباته‪ ،‬إنها كلامت اآلخر التي الميكن ألي شكل من القصيدة – يتغلغل اىل عقولهم‪ ،‬ويقوم باحالل الرتكيز بديال‬ ‫أشكال التوصيل أن يقوم بها‪ .‬الشعر كذلك يخفف غلواء‬ ‫عن الفوىض يف التفكري‪.‬‬ ‫العزلة التي نعيشها جميعا»‪.‬‬ ‫‪‎‬عادة ما يتبع القراءة صمت‪ ،‬يقوم خالله املشاركون‬ ‫«مريا كوهني ليفينكستون»‬ ‫باستكشاف حقل الحروف كام لو أنه بحرية أو مرج أخرض‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪125‬‬


‫شعر وطب‬

‫‪126‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫الرسومات‪ :‬جورج كوندو‬

‫يف محاولة الستيعاب املشهد‪ .‬الصمت مينح املشاركني فرصة‬ ‫لتنفس الصعداء‪ ،‬مثلام مينحهم فرصة ملناقشة األبيات‬ ‫والصور الشعرية التي تلفت انتباههم‪ ،‬ورمبا استسرصختهم‬ ‫كلمة واحدة‪ .‬ورمبا مل تنل القصيدة اعجابهم مطلقا‪ .‬وقد‬ ‫يثريهم غموض القصيدة‪ ،‬فهم يحبون أن يسألوا عام تعنيه‪،‬‬ ‫ونحاول االستجابة لتساؤالتهم من خالل توضيح االحتامالت‬ ‫املمكنة وليس بالرشح املبارش لها‪ ،‬وهذه االحتامالت تصبح‬ ‫طريقا واسعا لرؤية االشياء بطريقة جديدة‪ ،‬حتى مع املأزق‬ ‫الذي ميكن أن تضعهم فيه‪.‬‬ ‫ويرضون‬ ‫يسمعون‬ ‫فانهم‬ ‫رأي‪،‬‬ ‫من‬ ‫‪‎‬ومهام كان لهم أو مل يكن‬ ‫‪‎‬يحرك الرضيع قدميه بإيقاع منتظم دومنا فكرة‪ ،‬منطلقا من‬ ‫مباسمعوا‪ ،‬واليصدرون األحكام مطلقا‪ .‬ويجب أن التحتوي‬ ‫تناغم األصوات الذي مينحه هذه الخربة‪ ،‬كذلك فإنه يغمغم‬ ‫القصيدة عىل قافية ولكن يجب أن تحتوي عىل إيقاع‪ .‬وقد ببعض الحروف ويقوم بتحريك يديه بحثا عن الطعام لدى‬ ‫اكتشفت أن الناس عندما يتحدثون من قلوبهم‪ ،‬فغالبا‬ ‫أمه‪ ،‬من خالل تكرار تلك الحركات‪.‬‬ ‫مايكون هناك إيقاع رقيق يف ثنايا كالمهم‪.‬‬ ‫‪‎‬مثة متعة التناوب يف الظهور واالختفاء يف لعبة اختالس‬ ‫‪»‎‬اإليقاع يأيت يف أشكال متعددة يف القصيدة‪ ،‬وغالبا ما يحمل النظر التي متارسها األم مع رضيعها‪ .‬فإمكانية أن تكون شاعرا‬ ‫معه مشاعر مكبوحة متداخلة مع فوىض األحداث الداخلية موجودة بشكل طبيعي يف نظام حياتنا‪ ،‬وهي مهمة املدربني‬ ‫والخارجية يف التجربة الشخصية»«مريلو ‪.« 1985‬‬ ‫لجعل املشاركني ميارسون حقهم املكتسب يف اصطياد‬ ‫آخر‪،‬‬ ‫اىل‬ ‫مكان‬ ‫‪‎‬وغالبا مايسهم اإليقاع يف حركة املشاركني من‬ ‫أفكارهم والقيام بكتابتها‪ ،‬أو أن يتطوع أحدهم للقيام‬ ‫ويزيد من خشيتهم من الوقوع يف املشاعر التي تسبب لهم بكتابتها بالشكل املرسوم يف مخيالتهم‪.‬‬ ‫التعب أو األمل أو السلوك االنسحايب‪.‬‬ ‫‪‎‬الشكل عنرص مهم يف القيمة العالجية للشعر‪ ،‬أحيانا عندما‬ ‫‪‎‬غالبا مايقوم اإليقاع بإزالة التوتر عن املجموعة‪ ،‬ويتأىت‬ ‫يكون املوضوع املتداول مخيفا جدا‪ ،‬فإننا نقوم برسم‬ ‫ذلك‬ ‫معينة‪،‬‬ ‫اإليقاع من وقع الكلامت والقيام بتكرار أصوات‬ ‫صندوق يف وسط الصفحة ونحيطه بكلامت محددة يف‬ ‫التكرار الذي يأخذ شكل املنوم املغناطييس الذي يساعد‬ ‫الفراغ املتبقي‪ .‬االنفعاالت لن تركض بشكل عشوايئ يف هذا‬ ‫عىل خلق «املنطقة الرسية» ‪« /‬الجرس اىل الالوعي»‪ ،‬حيث‬ ‫الطريق‪ ،‬ولكن تتم حاميتها باطار محدد‪ ،‬تبعا ألوامر الشعر‪.‬‬ ‫املكان الذي تنبع منه القصيدة‪ .‬وكلام كانت هناك استجابة ‪‎‬يف الشعر الحر ليست هناك قيود الصدر والعجز واألبيات‬ ‫من املشاركني إىل الجانب الرقيق يف القصيدة كلام كانت‬ ‫الرباعية وليست هناك قافية‪ ,‬لكننا النزال نرى الشعر قامئا‬ ‫رؤيتهم لها أعمق‪ ،‬األمر الذي يجعلهم يحادثون بعضهم‪،‬‬ ‫عىل الشكل واملظهر‪ ،‬ونستطيع أن نقرضه عىل سجيتنا‬ ‫وذلك ما يؤدي اىل كرس‬ ‫وأمناط تفكرينا املرتبطة باإليقاع والصور التي‬ ‫يعتبر ايلي جريفر أول‬ ‫العزلة‪ ،‬فالقصيدة التأخذهم‬ ‫تأيت بشكل تصاعدي ‪« .‬الشكل يصنع الرتتيب‬ ‫بالشعر‬ ‫العالج‬ ‫بدأ‬ ‫من‬ ‫إىل التامس مع موسيقاهم‬ ‫خارج االضطراب‪ ،‬والتناغم خارج النشاز‪،‬‬ ‫الداخلية‪ ،‬وإمنا تقوم بتعزيز‬ ‫ثم قام أحد الذين آزروا والنظام خارج الفوىض» ‪« /‬هنينجر _ ‪»1994‬‬ ‫اتصالهم ببعضهم ايضا‪.‬‬ ‫تجربته وهو الدكتور ‪‎‬عندما يتم التعبري عن املشاعر الجياشة‬ ‫‪‎‬يعرف الشاعر دونالد هول‬ ‫بطريقة مقبولة وآمنة‪ ،‬فإن تلك األحاسيس‬ ‫أول‬ ‫بطباعة‬ ‫ليدي‬ ‫جاك‬ ‫أنها‬ ‫لإليقاع‪»:‬عىل‬ ‫املتعة األصلية‬ ‫تخمد‪ .‬إنه انعتاق كبري ومتعة عظيمة يف‬ ‫األصل‪ ،‬وهي كام يقول األصل‬ ‫كتاب في هذا المجال مشاركة اآلخرين الذين يشاركوننا االنتامء‪،‬‬ ‫النفيس للشكل الشعري «‪.‬‬ ‫وأسماه العالج بالشعر فذلك أمر يعيد إلينا التوازن‪.‬‬


‫العالج بالشعر‬

‫‪‎‬الشعر هو اللغة‪ ،‬واللغة هي ما يفعله اإلنسان بالهواء‪،‬‬ ‫تذكرت ذلك حني قام أمرييك أصيل بالتحدث معي بلغة‬ ‫الشريويك‪ ،‬والتي تبدو مخارج الحروف فيها شبيهة بصوت‬ ‫نقار الخشب لكرثة ترديد حرف الكاف فيها‪.‬‬ ‫‪ ‎‬تعريفنا للكلامت هو تعريف لذواتنا‪ ،‬واستعاملنا لها‬ ‫تعريف لذواتنا أيضا‪ ،‬وعندما نتعاطى معها كام نتعامل مع‬ ‫قطرات املطر‪ ،‬نستطيع أن نحصل عىل زوبعة صغرية أو‬ ‫كبرية‪ ،‬ونخلق تكوين حياتنا الداخلية‪.‬‬ ‫‪‎‬كتعبري عن أحاسيسنا‪ ،‬يطرح الحزن تسلسال طويال من‬ ‫الحرف «و» يف قصيدة النجستون هيوز «الزنجي يتحدث‬ ‫عن االنهار» ‪ُ :‬‬ ‫عرفت األنهار‪ /‬عتيقة كام العامل‪ /‬وأقدم‬

‫األصوات يف القصيدة «اوليفر ‪ »1994‬مشرية اىل أن لألصوات‬ ‫أثرها يف القصيدة وإن بدا غري محسوس‬ ‫‪‎‬يف مايشبه املقالة التي تحمل عنوان «غنها بشكل خشن»‬ ‫تقول الشاعرة تيس غاالفر عن كتابة الشعر‪:‬‬ ‫‪‎‬ليس هناك أكرث أهمية من القلب‪ ،‬حيث هناك العاطفة‬ ‫والرصاع‪ ،‬ويأيت ذلك غالبا من خالل االصطدام بالتدوينات‬ ‫املزعجة وعدم االكتفاء بخلق املوسيقى الجميلة‪ ،‬وتستشهد‬ ‫بقصيدة للشاعر تشيل ماكونيل‪:‬‬

‫‪‎‬ميكنك أن تغني بشكل عذب‬ ‫‪‎‬وتحصل عىل االنشودة‬ ‫‪‎‬غري أنك يجب أن تغنيها‬ ‫من دفق الدم البرشي يف األوردة‪ /‬روحي امتدت عميقاً ‪‎‬بشكل قاس‬ ‫كاألنهار‬ ‫‪‎‬لتحصل عىل البعد الثالث لها‬ ‫‪‎‬ويف القصيدة ذاتها هناك البيت «بنيت كوخي قرب‬ ‫‪‎‬اجرح النغمة قليال‬ ‫الكونغو وهدهدتني ليك أنام» الذي يستعمل االصوات‬ ‫‪‎‬ضع فيها ما يكفي من القوة‬ ‫االنتباه‬ ‫الالذعة‪ .‬ذلك يسمح للروح بالجريان‪ ،‬ذلك يلفت‬ ‫‪‎‬التي تجعل العزف ّ‬ ‫يزل قليال‬ ‫للصوت الذي يحمل القلق‪ ،‬الغضب والرصاع‪.‬‬ ‫‪‎‬وبعد ذلك‬ ‫‪‎‬كذلك فإن امرأة تستطيع الكتابة حول فقدان طفلها يف‬ ‫‪‎‬فإن شيئا ما سيحدث‬ ‫قصيدة معربة عن أملها وحزنها من خالل األصوات املوجودة ‪‎‬ستغدو األغنية أعظم‪.‬‬

‫يف حروف العلة‪ ،‬وعن غضبها من خالل الصالبة املوجودة يف ‪‎‬يف كل مرة أغادر مجموعات العالج بالشعر‪ ،‬أكون محمال‬ ‫الحروف الصحيحة ‪.‬‬ ‫بعدد هائل من األغنيات التي يغنيها األعضاء‪ ،‬شفاهية‬ ‫‪‎‬احدى هذه القصائد التي يقتبس منها دامئا يف األدب‬ ‫ومكتوبة مع تفاصيل ماحدث خاللها‪.‬‬ ‫االمرييك ف�يإشارة إىل عبقرية كاتبها وتعدد األصوات فيها‬ ‫‪‎‬فقد كانوا يتمتعون بالشجاعة التي وصفها غاالفر‪ ،‬رمبا‬ ‫هي قصيدة «روبرت فروست» ‪« /‬الوقوف عند الغابات‬ ‫بسبب تركيزهم عىل العاطفة أكرث من تركيزهم عىل الصنعة‬ ‫يف مساء ثلجي»‪ ،‬وهي تستعمل ضمن الشعر ذي األغراض وعدم استسالمهم للمجهود الذي تحتاجه الرباعة يف الكتابة‪.‬‬ ‫العالجية‪ ،‬من خالل الرتكيز عىل قصدية االرصار عىل الرحلة كان هناك اندفاع طبيعي نحو النجاة‪ ،‬وكانت اللغة وأصوات‬ ‫مهام كانت قسوتها‪ ،‬مهام كانت برودة الطقس‪ ،‬وكم هو‬ ‫الكلامت هي األدوات التي ساعدت عىل تحقيق ذلك‬ ‫مغر التلبث يف الغابات «فاتن‪ ،‬وغامض وعميق»‪.‬‬ ‫‪‎‬ماري اوليفر ناقشت ذلك يف أحد مؤلفاتها جامل تكرار‬ ‫ترجمة‪ :‬عبود الجابري‬

‫‪‎‬بييري ج‪ .‬لونجو‬ ‫طبيبة وشاعرة أمريكية ‪ ،‬متتهن املعالجة بالشعر‪ ،‬أصدرت ثالث مجموعات شعرية‪‎:‬‬ ‫استنزاف األرض��� ،‎‬عزلة الريح‪‎،‬اليشء خلفنا سوى السامء ‪‎.‬حازت عىل جائزة سانتا باربارا‬ ‫للشعر‪ ،‬تشغل منصب رئيسة الجمعية الدولية للعالج بالشعر‪.‬‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪127‬‬


‫شعر وباليه‬

‫«زوج الحمام»‬

‫حياة «الفونتين» في الباليه‬ ‫باليه «زوج الحمام» مستوحى من قصيدة شعرية للشاعر الفرنسي «الفونتين»‪ .‬وهو يعتبر من‬ ‫أكثر الباليهات سحرًا وعذوبة وتداخال وصلة وتأثرا بعوالم الشعر‪ ،‬وأقربها إلى قلوب محبي‬ ‫فن الباليه‬

‫احمد هريدي‬

‫‪128‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫الفونتين‬

‫‪« ‬يف العش الهادئ بني أغصان شجر البلوط‬ ‫الضخمة‬ ‫الحبيبة األنثى والحبيب الذكر‪ ،‬يجمع بينهام‬ ‫الحب‪.‬‬ ‫ما الذي يشغلك أيها الحبيب؟‬ ‫سوف لن ترتكني وترحل؟‬ ‫ثقيل الوطأة عىل قلب املحب‬ ‫هو الفراق واملجهول واألخطار‬ ‫هناك يف البلد الغريب‪.‬‬ ‫ال تبيك‪ ،‬سأعود ومعي حكايا مسلية وقصص‬ ‫كثرية‬ ‫سأقصها عليك‪ ،‬وستضحكني لها كث ًريا‪.‬‬ ‫الجناح كسري‪ ،‬والرأس إىل أسفل‬ ‫يعود املهاجر من أقرص طريق إىل الوطن‬ ‫والحبيبة‬ ‫وإىل شجرة البلوط يلعن حامقته‪.‬‬ ‫أية إحباطات وآالم تحجب عنا الفرح‬ ‫واملرسات؟»‬

‫‪«                                               ‬الفونتني»‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪129‬‬


‫شعر وباليه‬

‫على‬

‫مرسح دار األوبرا الوطنية يف «كوفنت املتوهجة‪ ،‬ليضعهام بفرشاته عىل سطح اللوحة العبقرية‬ ‫جاردن» بلندن‪ ،‬قدمت فرقة «سادلرز املرتقبة‪ ،‬يفكر الفنان‬ ‫يف الرحيل والهجرة‪.‬‬ ‫ويلز» للباليه عرض «زوج الحامم» للموسيقي الفرنيس‬ ‫«أندريه ميساجيه» (‪ ،)1929 – 1853‬وملصمم الرقصات إىل النافذة يشخص الفنان ببرصه إىل البعيد‪ .‬الحبيبة‬ ‫تلفت نظره إىل الحامم يف الربج القريب من املرسم‪.‬‬ ‫اإلنجليزي «فريدريك آشتون»‪ .‬عرض باليه «زوج‬ ‫الحامم» ألول مرة عىل مرسح أوبرا باريس يف ‪ 18‬أكتوبر تومئ له أن أزواج الحامم سعيدة بالحب الذي يربط‬ ‫بني كل زوج منها‪ .‬الحبيبان يتمثالن الحامم‪ ..‬يقلدان‬ ‫‪ ،1886‬وكتب له السيناريو «هرني وجنيه»‪ ،‬وصمم‬ ‫سلوكه يف الغزل‪ ..‬يهزان أكتافهام وذراعيهام‪ ..‬يرضبان‬ ‫رقصاته «لوي مريانت»‪ .‬وأول عرض لهذا الباليه يف‬ ‫كوفنت جاردن بلندن‪ ،‬قدمته فرقة الباليه امللكية «ذي بأقدامهام رضبات خفيفة ناعمة يف الهواء يف انسجام مع‬ ‫موسيقى «ميساجيه» الناعمة املرحة الشجية‪.‬‬ ‫رويال باليه»‬ ‫إىل النافذة املغطاة بالنباتات املتسلقة‪ ،‬ينظر الرسام إىل‬ ‫عام ‪.1961‬‬ ‫البعيد نظرات حاملة‪ ..‬تفشل الفتيات صديقات الحبيبة‬ ‫ترتفع الستائر الحمراء القرمزية ملرسح دار األوبرا‬ ‫يف رقصتهن املرحة يف إخراج الحبيب من مشاعر اليأس‬ ‫امللكية عن رسام شاب يقف متأمالً أمام لوحة رسم‪.‬‬ ‫واإلحباط التي يرتدى فيها‪.‬‬ ‫الفرشاة يف اليد واأللوان إىل جانب الحامل الخشبي‪.‬‬ ‫فجأة تنبعث من املوسيقى نغامت قوية حية وثابة‪..‬‬ ‫الرسام يلقي بنظراته إىل وجه الحبيبة «املوديل»‬ ‫الجالسة أمامه‪ .‬تشكل فرشاته الخط املستقيم واملنحني الغجر قادمون‪ ..‬رقصاتهم مفعمة بالحرارة والعفوية‬ ‫والتلقائية‪ ،‬وحركاتهم طليقة نشطة‪ ..‬نفوسهم مجبولة‬ ‫واملنكرس ومساحات الظل والنور‪ .‬املوديل يف مقعدها‬ ‫عىل الفطرة‪ ..‬يعيشون يف قلب اللحظة الحارضة‪..‬‬ ‫تتململ‪،‬‬ ‫يعترصونها ويرتشفونها إىل آخر قطرة‪.‬‬ ‫ال تقوى عىل املكوث يف ثبات وسكون‪ ..‬يثور الرسام‬ ‫الفتاة الغجرية ترقص‪ ..‬تقفز يف الهواء‪ ..‬خطواتها ووقع‬ ‫ويقذف بالفرشاة بعي ًدا‪.‬‬ ‫أقدامها بركان ثائر‪ ..‬الذراعان‪ ،‬والكتفان‪ ،‬وكالم العني‬ ‫القلق وامللل وعدم الرضا‪ ،‬وتوقف الحركة‪ ،‬ورخاوة‬ ‫الزمن ورداءته‪ ،‬والنباتات املتسلقة تسد النوافذ‪ ،‬والنور والحاجب‪ ،‬وإمياءات الرمش الكاحل‪ ،‬تبعث الحياة‬ ‫وتشعل جذوة الفن يف روح الرسام‬ ‫يختنق‪،‬‬ ‫الشاعر‪ ..‬تتفتح للفتاة الغجرية‬ ‫والظل يتسيد املكان‪ ...‬تزداد‬ ‫يعتبر باليه «زوج‬ ‫براعم متوحشة كامنة يف نفس‬ ‫جهامة الصورة أمام عني‬ ‫الرسام الشاعر‪ ..‬انه العشق لحياة‬ ‫الفنان‪ .‬يتوقف الفنان عن‬ ‫الحمام» من أكثر‬ ‫الربية والتوق إىل ما يف الطبيعة من‬ ‫تعاطي الفن الجميل تاركًا‬ ‫ا‬ ‫ر‬ ‫سح‬ ‫الباليهات‬ ‫ً‬ ‫حس صادق وفطري ووحيش‪.‬‬ ‫الساحة لألدعياء‪ .‬سوق الحب‬ ‫وعذوبة واقترا ًبا من‬ ‫الحبيبة الجميلة الرقيقة تبيك‪..‬‬ ‫ميتلئ بالتجار والرقيق‪ ،‬ويعلو‬ ‫تتوسل بدموعها‪ ..‬لكن الحب الكبري‬ ‫النشاز عىل كل النغامت‬ ‫عالم الشعر‪ ،‬وأقربها‬ ‫الذي جمعهام وحده ليس بقادر‬ ‫الطيبة وعىل صدق الكالم‪.‬‬ ‫فن‬ ‫محبي‬ ‫قلوب‬ ‫إلى‬ ‫عىل أن مينع الحبيب من الرحيل إىل‬ ‫يف رحلة البحث عن الهواء‬ ‫‪،‬‬ ‫عامل أكرث حرارة وتلقائية‪.‬‬ ‫النقي والنبض املتدفق والدم‬ ‫الباليه‬ ‫يف املشهد األول من الفصل الثاين‪،‬‬ ‫الحار‪ ،‬وعن اقتناص الحركة‬ ‫خيام الغجر منصوبة يف حضن‬ ‫املتفاعلة املتوترة واللحظة‬

‫‪130‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫الفونتين‬

‫الطبيعة البكر‪ .‬يرقص املهاجر مع الفتاة‬ ‫الغجرية التي تدنيه منها حي ًنا وتصده‬ ‫وتبعده حي ًنا آخر‪ .‬زعيم الغجر ال يقبل‬ ‫بوجود الغريب بينهم‪ .‬والعاصفة عىل‬ ‫األبواب‪ ،‬يظلم الجو وتتساقط األمطار‬ ‫وينسحب الغجر داخل خيامهم‪ ،‬وال يجد‬ ‫املهاجر املأوى وامللجأ‪ ،‬بعد أن خرس كل‬ ‫ما ميلك يف لعب الورق أمام الغجر‪.‬‬ ‫يعود بنا املشهد الثاين من الفصل الثاين‬ ‫إىل املرسم‪ .‬الحبيبة متأملة مستوحشة‬ ‫حزينة‪ ،‬ترنو ببرصها إىل البعيد‪ ..‬إىل‬ ‫األرض التي تحمل حبيبها املهاجر‪ ،‬تنتظر‬ ‫عودته إىل العش‪ ،‬تصيخ السمع إىل وقع‬ ‫قدمي الحبيب العائد عىل درجات السلم‪.‬‬ ‫بعد رحلة البحث واالكتشاف‪ ،‬يعود‬ ‫الفنان إىل الوطن والحبيبة‪ ،‬يعي‬ ‫التناقضات التي كادت أن تودي به‪،‬‬ ‫ويدرك سبب الخراب الظاهر يف صوره‬ ‫ورسوماته القدمية‪ ،‬التي تومئ إىل األصل‬ ‫املنهار الضارب فيه السوس والعفن ‪،‬إنها‬ ‫العودة الفتية الشابة إذن‪ ،‬يف خطوات واثقة ثابتة‪،‬‬ ‫والرأس إىل أعىل‪.‬‬ ‫الحركة عىل املرسح قوية يف حنان‪ ،‬والنغمة األساسية‬ ‫الصادرة من األوركسرتا فرحة‪ ،‬تتناثر من حولها تنويعات‬ ‫لحنية حزينة خافتة‪ ،‬واملوسيقى ترتفع نغامتها العذبة‬ ‫مشيعة يف أجواء املكان عبق الحب وعطره الناجي‪،‬‬ ‫تقرتب دائرتا الضوء يف تالق فريد أخاذ‪ .‬االثنان يف واحد‪..‬‬ ‫املوسيقى‪ ،‬اللغة العذبة تحيك وتحاور وتعلق‪ .‬زوج الحامم‬ ‫يف دعة وألفة يقرتبان من بعضهام‪ ،‬يعود الدفء إىل العش‬ ‫املهجور‪.‬‬ ‫يعترب باليه «زوج الحامم» من أكرث الباليهات سح ًرا وعذوبة‬ ‫واقرتابًا من عامل الشعر‪ ،‬وأقربها إىل قلوب محبي فن‬ ‫الباليه‪ ،‬كام يعد من أهم أعامل مصمم الرقصات اإلنجليزي‬ ‫«فريدريك آشتون» ذات الطابع الشعري‪ .‬عربت الرقصات‬ ‫كام أراد لها «آشتون» عن الطموحات واألحالم واإلحباطات‬

‫التي متور يف نفوس الشباب الصغري دون‬ ‫إغراق يف العاطفية‪ ،‬وأفصحت كذلك عن‬ ‫مشاعر املحبني يف رقة وشفافية وسمو‪.‬‬ ‫يف تدرج محبب ويف إتقان تام‪ ،‬كشفت‬ ‫راقصة الباليه «ماريوت تيت» عن دخائل‬ ‫وخلجات نفس الحبيبة املرحة ذات‬ ‫االبتسامة الكبرية‪ ،‬التي تناضل السرتجاع‬ ‫حبيبها‪ .‬وأجاد «كارل مايرز» يف رسم دور‬ ‫الشاب الصغري الباحث عن حب أكرث توق ًدا‪،‬‬ ‫وعن الحياة يف بدائيتها وبراءتها األوىل‪،‬‬ ‫والذي يعود إىل حبه األول أكرث فهماً وإدراكًا‬ ‫لصدقه وحقيقيته ودميومته‪ ،‬كام نجحت‬ ‫رقصاته الفردية يف الكشف عن حالة الرصاع‬ ‫داخل نفسه‪ ،‬وعن الغنائية الشعرية املحلقة‬ ‫التي تدخل‬ ‫يف نسيج العرض‪.‬‬ ‫جسدت «مارجريت باربريي» برقصاتها‬ ‫املتوهجة وتعبريات وجهها ونظرات عينيها‬ ‫وباملالبس املبهرة املوشاة‪ ،‬حياة الغجر بكل‬ ‫عنفوانها وبهجتها وعاداتهم وطبائعهم‪،‬‬ ‫التي مل تهذبها قيود أو أعراف أو قوانني املدن الزائفة‪،‬‬ ‫واستطاعت أن تحفظ للخيط الدرامي توتره وتصعيده‪.‬‬ ‫كام أثرت العرض وساهمت يف النجاح الكبري الذي حققه‪،‬‬ ‫تصميامت املالبس واملناظر لـ»جاكوز دوبونت»‪.‬‬ ‫مشهد رقصة الختام الثنائية‪ ،‬والحبيبان يلتقيان بعد فراق‪،‬‬ ‫من أجمل مشاهد الباليه وأكرثها توه ًجا وتألقًا وغنائية‪.‬‬ ‫الحبيبان يعيشان فرحة اللقاء‪ .‬ترتجم املوسيقى كالم الحب‪.‬‬ ‫ويف فضاء خشبة املرسح تحلق الحاممة األنثى وتحط عىل‬ ‫املقعد‪ .‬من الناحية األخرى يأيت‬ ‫ذكر الحامم محلقًا ليحط إىل جانب أنثاه الحبيبة‪.‬‬ ‫تقول مصممة الرقصات «دوريس همفري»‪« :‬ليس هناك‬ ‫ما يكشف عن داخل اإلنسان بوضوح أكرث من الحركة‬ ‫واإلمياءة‪ ،‬فمن املمكن للمرء أن يختفي أو يرايئ خلف‬ ‫الكلامت‪ ،‬لكن اللحظة التي يتحرك فيها ينكشف أمر املرء‬ ‫وتبدو حقيقته‪ ،‬خبيثة كانت أم نبيلة»‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪131‬‬


‫نقد‬

‫الشعر األمريكي‬ ‫قصيدة االستكشاف االستعماري‬ ‫تبرير ابادة شعب الهنود الحمر لم يقف عند حدود النظريات السياسية العنصرية‪ ،‬بل تعداها الى‬ ‫الشعر‪ ،‬فهناك العديد من القصائد التي تغنت بفتوحات االنسان االبيض باعتبارها عمال حضاريا‬

‫د‪ .‬صديق محمد جوهر‬

‫إن قصة أمريكا تبدأ مع أول استكشاف وارتياد للغرب‬ ‫األمرييك‪ ،‬مع تلك الرحلة غربًا التي قيض للمستع ِمرين‬ ‫األوروبيني خاللها أن يكتسحوا الرباري القاحلة يف غرب‬ ‫أمريكا‪ .‬ويرتتب عىل ذلك‪ ،‬أن عملية االستكشاف واالرتياد‬ ‫هذه تعد جز ًءا ال يتجزأ من صميم التاريخ والثقافة‬ ‫األمريكيني‪ ،‬وترتبط‪ ،‬منذ بدايتها البعيدة الضاربة يف‬ ‫أعامق السنوات األوىل من القرن السابع عرش‪ ،‬ارتباطًا‬ ‫وثيقًا بحياة األمريكيني‪،‬عىل نحو أو آخر‪ ،‬إىل يومنا هذا‪.‬‬ ‫واملقصود باستكشاف الغرب يف الثقافة األمريكية هو‬ ‫‪132‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫وصف منطقة حدودية‪ ،‬أو فَلْ َنق ُْل‪ :‬أبعد النقاط الحدودية‪،‬‬ ‫أو هو ذلك الرشيط من املستع َمرة املتحرضة أو تلك‬ ‫البقعة من األرض التي يواجه فيها املستع ِمرون األمريكيون‬ ‫الربية القاحلة‪ ،‬وأقىس ظروف الوحشية والهمجية التي‬ ‫يجسدها الهنود الحمر‪ ،‬سكان الغرب األمرييك ‪.‬‬ ‫إن املستعمرين األوروبيني البيض هم من اختلقوا وروجوا‬ ‫هذه الصورة الهمجية للهنود الحمر هادفني من وراء‬ ‫ذلك إىل إيجاد املسوغات واألسباب والحجج التي يتوخون‬ ‫منها تسفيه ثقافة الهن��د‪ ،‬وتهميش السكان األصليني‬


‫قصيدة االستكشاف‬

‫ألمريكا‪ ،‬وزحزحتهم حتى يتقوقعوا يف أقىص أركان الغرب‬ ‫األمرييك مفسحني املجال أمام التوسع االستيطاين األورويب‪.‬‬ ‫لقد أمست صورة الهنود املتوحشني عدميي الحضارة‬ ‫التي روجها األدباء األمريكيون املوضوع املركزي يف أدب‬ ‫الغرب األمرييك كام يجسدها االقتباس التايل من امللحمة‬ ‫الشعرية التي دبجها الشاعر األمرييك دانييل برايان‪ ،‬الذي‬ ‫عاش خالل القرن الثامن عرش‪ ،‬وهي امللحمة التي تتخذ‬ ‫من األقوام الهنود الذين كانوا يسكنون القفار القاحلة‬ ‫ملنطقة كنتايك موضو ًعا لها‪:‬‬ ‫حيث ال يشء هناك‬ ‫سوى الوحوش والهنود املالعني‬ ‫يعيشون ويرتعون‬ ‫يف طول وعرض هذا الخراب املمتد‬ ‫ال يشء هناك سوى الوحشية واملوت‬ ‫والخزعبالت التي اجتمعت ثالثتها‬ ‫وبسطت ظلها الكئيب وسلطانها املخيف‬ ‫تظهر هناك املالئكة الحارسة‬ ‫ُرسل الرحمة واإلصالح‬ ‫مبا متلكه من سلطة النبوءة النافذة والنظرة الثاقبة‬ ‫ترى من خلف ال ُح ُجب‬ ‫ما لهذه األرض املمتدة بال نهاية من مستقبل واعد‬ ‫تتشوف لحظة الحسم حني‬ ‫يعتدل ميزان القدر الذهبي‬ ‫العادل‬ ‫فتعلو باعتداله قيم الحرية‬ ‫والعلم والحقيقة اإللهية‬ ‫وعندئذ يتسنى ليد الحضارة أن‬ ‫مت َّد أناملها‬ ‫حاملة بقوة وجسارة كل ما من‬ ‫شأنه تقويم كل اعوجاج‬ ‫وترقيق كل وعورة‬ ‫بىل‪ ....‬بىل يا صحبة التنعم‬ ‫بالربكة‬ ‫لسوف نق ِّوم اعوجاج أولئك‬ ‫الهمج الربابرة من قاطني الغرب‬

‫رشا أسوياء» ‪.‬‬ ‫ونسمو بهم جاعلني منهم ب ً‬

‫ثنائية الهمجية‬

‫وهكذا‪ ،‬ال ترى القصيدة يف الهنود الحمر سوى أنهم‬ ‫«وحوش» يتصفون بكل معاين «الفظاظة» والهمجية‪.‬‬ ‫وعىل خالف تلك الصورة القامتة للهنود‪ ،‬تصور القصيدة‬ ‫املستع ِمرين األوروبيني باعتبارهم رسالً ملهمني‪ ،‬وحراس‬ ‫حضارة كرستهم العناية اإللهية للخروج بالهنود من‬ ‫ظلامت الجهل والخزعبالت إىل نور التمدن والتقدم؛‬ ‫فليست مهمة املستعمرين الرئيسة إال نرش العلم‪ ،‬ورفع‬ ‫ألوية الحرية‪ ،‬وإرساء القيم الدميقراطية‪ ،‬وحمل مشاعل‬ ‫التمدن وأنوار اإلنسانية إىل أمريكا التي طاملا دنسها الهنود‬ ‫الهمج املتوحشون‪.‬‬ ‫وبناء عىل قصيدة برايان‪ ،‬فإن املستعمرين البيض الذين‬ ‫استعمروا أمريكا‪ ،‬قـد أدركوا عىل وجه اليقني ما بني‬ ‫الهمجية الهندية والتمدن األورويب من هوة واسعة‪.‬‬ ‫وهذه الهوة املزعومة‪ ،‬هي ذريعتهم يف إبادة الجنس‬ ‫الهندي كام أنها علة عجز أولئك السكان األصليني عن‬ ‫االندماج بسالسة ويرس يف نسيج املجتمع األورو أمرييك‬ ‫الجديد‪ .‬ويف حقيقة األمر‪ ،‬فإن مفهوم الهمجية ذاك‬ ‫نابع من منوذج معد سلفًا للتطور االجتامعي‪ ،‬يضع‬ ‫الهنود الحمر يف مرتبة أدىن من‬ ‫املستعمرين األورو أمريكان ووصفًا‬ ‫إياهم طبقًا لـ»تخلفهم» الثقايف‬ ‫الظاهر (بريس‪ ،1947 :‬ص ‪) 527‬‬ ‫(‪ .)2‬إن التخلف املزعوم للهنود‬ ‫وانحطاط مرتبتهم الثقافية‪ ،‬هام‬ ‫من العوامل التي طاملا كانت مادة‬ ‫للجدل حول طبيعة العالقة بني‬ ‫الهنود الحمر واألمريكيني من أصل‬ ‫أورويب ‪ -‬إبان مرحلة استكشاف‬ ‫الغرب األمرييك ‪ -‬قد شكال م ًعا‬ ‫األساس الفكري لتواصل عملية‬ ‫الهجرة األوروبية البيضاء يف غرب‬ ‫الواليات املتحدة وما تال هذه‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪133‬‬


‫نقد‬

‫الهجرة من االستيالء عىل أرايض الهنود الحمر‪ .‬لقد حسم‬ ‫النموذج الثقايف الغريب الذي يرتكز عىل ثنائية الهمجية ‪/‬‬ ‫التمدين الرؤية األوروبية ملستقبل الهنود الحمر يف أمريكا‬ ‫حسماً ال رجعة فيه ‪.‬‬ ‫ويقف االستكشاف وراء تجاهل الهنود معت ًربا إياهم‬ ‫أقوا ًما هم ًجا متوحشني يتعني استئصالهم حتى يتسنى‬ ‫للمستوطنني األوروبيني إنشاء وطنهم املتمدن‪ .‬لقد‬ ‫همشت روح االرتياد السكان األصليني أصحاب األرض‬ ‫وأسقطتهم متا ًما من الذاكرة التاريخية األمريكية‪ .‬ويعد‬ ‫االستكشاف مسؤوالً بصفة أساسية عن الكثري من‬ ‫التمثالت والخطابات االستعامرية التي طبعت الكتابات‬ ‫األمريكية التي تناولت تلك الحقبة‪ ،‬فها هو الشاعر‬ ‫األمرييك الشهري روبرت فروست يف قصيدته «الهبة‬ ‫الكاملة» يسري عىل نفس الدرب الذي سار عليه من‬ ‫قبل الشاعر دانييل برايان إذ يصور رؤية املستع ِمر‬ ‫املستكشف ببالغة شعرية فيقول‪:‬‬

‫كانت األرض لنا من قبل أن نستوطنها‬ ‫كانت لنا قبل مئة عام ونيف‬ ‫وقبل أن نكون قاطنيها وشعبها‬ ‫كانت لنا يف ماساتشوستس‪ ،‬يف فرجينيا‪،‬‬ ‫مستعمرين‬ ‫إال أننا كنا رعايا اإلنجليز‪ ،‬كنا‬ ‫َ‬ ‫ال منلك غري القيود التي تكبلنا‬ ‫قيود وأغالل ما عادت اليوم تردعنا‪ ،‬وتحد من حريتنا‬ ‫يف أعامقنا كان مثة ما هو مكبوت‪،‬‬ ‫وكان مثة ما يوهن العزمية‪ ،‬ويشل اإلرادة‬ ‫حتى حان الوقت وأزفت الساعة‬ ‫أس الداء ورس البالء‬ ‫وأيقنا أننا يف صميمنا ّ‬ ‫فقد حالوا بيننا وبني أرض أجدادنا أرض املحيا واملامت‬ ‫وقتذاك رضخنا وقنعنا باملذلة والهوان‬ ‫هكذا كنا‪ ،‬وهكذا رصنا‬ ‫ملّا قدمنا نفوسنا هبة رخيصة لبالدنا‬ ‫(كانت الهبة هي خوض الحرب تلو الحرب)‬ ‫ومضينا صوب الغرب‬ ‫الذي راح يفتح مغاليق أرضه أمامنا روي ًدا ‪ ،‬روي ًدا‬ ‫أرض يطول رسد تاريخها‪ ،‬أرض برية بتول‪،‬‬ ‫أرض تزداد كل يوم قيمة وجامالً‬ ‫هكذا كانت أمريكا وهكذا ستكون أبد الدهر ‪.‬‬ ‫يف هذا النص‪ ،‬يصف الشاعر روبرت فروست أمريكا بأنها‬ ‫هبة إلهية منحها الرب للرواد األوروبيني املستع ِمرين‪.‬‬ ‫ويوظف خرافة األرض العذراء أو األرض املوعودة ‪،‬‬ ‫التي روجها املستع ِمرون األوروبيون عن القارة األمريكية‪:‬‬ ‫«كانت األرض لنا من قبل أن نستوطنها‪ ،‬كانت لنا‬ ‫قبل مئة عام ونيف‪ ،‬قبل أن نكون قاطنيها وشعبها»‪.‬‬ ‫ومن املعروف‪ ،‬أن أسطورة األرض املوعودة هي جزء‬ ‫ال يتجزأ من الخطاب االستعامري الذي يطبع أدب‬ ‫الغرب األمرييك‪ .‬ومن العجيب الغريب‪ ،‬أن هذا الخطاب‬ ‫مؤسس عىل تجاهل وجود شعب الهنود الحمر‪ ،‬السكان‬ ‫ٌ‬ ‫األصليني ألمريكا‪ ،‬الفظًا إياهم خارج حلبة التاريخ اإلنساين‬ ‫باعتبارهم مجموعة من القبائل الرببرية املتوحشة‬

‫‪134‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫ديوان العرب‬

‫َب ٍاد هَ َو َ‬ ‫ص ِب َرا ‬ ‫ص َب ْر َ‬ ‫ت ْ‬ ‫أم لم َت ْ‬ ‫اك َ‬

‫دمع َ‬ ‫َو ُب َ‬ ‫ك أو َج َرى‬ ‫كاك إن لم َي ْج ِر‬ ‫ُ‬

‫ابتسام َ‬ ‫بر َ‬ ‫احب ًا ‬ ‫ك َو‬ ‫ص ُ‬ ‫ْ‬ ‫ك َ‬ ‫كم َغ ّر َ‬ ‫ُ‬ ‫ص ِ‬

‫الح َ‬ ‫شا َما ال ُي َرى‬ ‫ّلما رَآهُ َوفي َ‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪135‬‬


‫ديوان العرب‬

‫المتنبي‬

‫إرا َد ُة ِّ‬ ‫راسة اللغة‬ ‫وح َ‬ ‫الش ْعر ِ‬

‫قال أبو الط ّيب املتنبي‪:‬‬

‫ومــا الدَّهْ ُر إ ّال ِمـنْ ُروا ِة قصا ِئدي‬ ‫فسا َر بــ ِه َمــنْ ال َيسيــ ُر ُم َش ِّمــراً‬ ‫ِأجزْنــي إذا أ ْن ِشد َ‬ ‫ْت ِش ْعـراً فإنمَّ ــا‬ ‫َّ‬ ‫كل َص ْو ٍت غيرْ َ َص ْويت فإ َّنني‬ ‫َودَعْ‬

‫ُ‬ ‫أص َب َح الدَّهْ ُر‬ ‫إذا‬ ‫قلت ِش ْعراً ْ‬ ‫و َغنّـى بــ ِه َمــنْ ال ُيغنّـي‬ ‫َ‬ ‫أتــاك املا ِد ُح َ‬ ‫ــون‬ ‫بش ْعـري‬ ‫ِ‬ ‫الطا ِئ ُر املَ ْح ُّ‬ ‫ّ‬ ‫يك واآلخ ُرَ‬ ‫أنا‬

‫خالد بلقاسم‬

‫‪136‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫نشــدَا‬ ‫ُم ِ‬ ‫ُم َغــــ ِّردَا‬ ‫ُمــ َر َّددَا‬ ‫الصدَى‬ ‫َّ‬


‫المتنبي‬

‫العاشقة وال ِقراءة الحا ِقدة‬ ‫‪ .1‬نْبي ال ِقراءة ِ‬

‫ال ِقرا َءتان ُمتَ َجذ َرتان يف تاريخ التّأويل‪ ،‬ت َ ْب ُزغان وتَتَ َع َّد ُد‬ ‫ُ‬ ‫أشكال ظ ُهور ِهام كلَّام باغ ََت َمتنْ ٌ إبْدا ِع ٌّي طُ ُر َق الـتَّلقي‬ ‫الصا ُع بَ ْين ُهام أيْضاً كلَّام شَ ِهدَتْ‬ ‫السائ َدة يف َز َم ِنه‪ .‬يَ ْحتَ ُّد رِّ‬ ‫الخاصة‪.‬‬ ‫فرتَ ٌة تاريخيَّة ِميال َد ُمبْ ِد ٍع إشكا ٍّيل ت َف َّر َد ب َد ْمغ ِت ِه‬ ‫َّ‬ ‫ِميال ٌد يُ ْح ِدثُ ‪ ،‬يف الغالب العا ّم‪ ،‬ا ْرتِجاجاً يف َمف ُهوم القي َمةِ‬ ‫الف بشأن ت َ ْح ِ‬ ‫اإلبْداع َّية‪ ،‬مبا يَتَ َح َّص ُل ِمن ا ْخ ِت ٍ‬ ‫ديدها‪ .‬يَكو ُن‬ ‫الف بَ َّنا ًء إن ْاستَ َن َد إىل ِد ٍ‬ ‫االخ ِت ُ‬ ‫عامات َم ْعرف ّية‪ ،‬ويَك ُُّف َع ْن‬ ‫واستَ ْسل َم إلطْالقِ‬ ‫أ ْن يَكو َن ف َّعاالً إ ْن تَخَلىّ َعن امل َ ْعرف ِة ْ‬ ‫األ ْحكام ون َْس ِج ال ُح ُجب‪ ،‬عىل ن ْح ٍو يُ ْس ِق ُط ع ْن ُه ِصفة‬ ‫االخ ِت ِ‬ ‫الف ذات َها‪.‬‬ ‫امل ُتن ّبي ِ‬ ‫واح ٌد ِم َّم ْن انتَ َس َب ْت ت َ َجاربُ ُهم إىل امل ُتون التي‬ ‫أنْتَ َج ْت ِقر ٍ‬ ‫َت َح َّد التّناقض‪ .‬ملْ يَقتَصرِ التّبايُ ُن‬ ‫اءات بَلغ ْ‬ ‫يف تقويمِ ت َ ْجربَ ِته عىل َز َم ِنه‪ ،‬بل ا ْمتَ َّد بَ ْعدَهُ ‪ ،‬إذ ظل َّْت‬ ‫أصبَ َح ُج ْزءا ً ِم َن‬ ‫وص ُه ُمن ِت َجة َد ْوماً لِهذا التبايُن الذي ْ‬ ‫ن ُُص ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ضرِ‬ ‫الصو َرة التي بها يَ ْستَ ْح ُ النق ُد ش ْع َر املتنبّي وت َ ْجربَتَه‪ .‬ما‬ ‫ُّ‬ ‫لف ال ّنقا ُد والشُّ عرا ُء وامل ُ ْهتَ ّمون بالشِّ ْعر مثلام اختلفوا‬ ‫اختَ َ‬ ‫بشأنِه‪ ،‬وملْ يُ ْز ِع ْج ُم ْب ِد ٌع ُمعاصرِ يه وامل ُنتَ ِسبني إىل ِ‬ ‫جنس‬ ‫إبْدا ِع ِه بال َّد َر َجة التي أ ْح َدث َها ِش ْع ُر املتن ّبي يف َز َم ِنه‪ ،‬حتّى‬ ‫هات هذا التلقي ِ‬ ‫ليُ ْمك ُن ِقرا َءة املتنبّي ِم ْن ُم َو ِّج ِ‬ ‫نفس ِه‬ ‫ِ‬ ‫الذي ل ِقيَ ُه أيْضاً فالسفة و ُمفكّرون و ُمبْدعون و ُمتصوفة يف‬ ‫أزمن ٍة ُمختلِفة‪.‬‬ ‫االنزعاج‪ ،‬مبا هو ك ْرهٌ للتّف ُّرد‪ِ ،‬من ض ْع ٍف‬ ‫حص ُل‬ ‫عندما يَتَ َّ‬ ‫ُ‬ ‫كري ِ‬ ‫ونفيس ل َدى امل ُن َز ِعج «وهي يف الغالب‬ ‫ري‬ ‫وش ْع ٍّ‬ ‫ِف ٍّ‬ ‫ٍّ‬ ‫سائس واملكائِ ُد‬ ‫العا ّم ُأس ُس ِّ‬ ‫كل انزعاج» ت َنتَ ِع ُش ال َّد ُ‬ ‫ِ‬ ‫ويَتَوا َرى امل َ ْع َنى ليُغل َِّف الضّ ْع ُف هشاشَ تَ ُه ب ُح ُج ِب اإليهامِ‬ ‫واالدِّعا ِء التي ت ُ َغطِّي ِ‬ ‫الحق َد وال َح َسد‪ .‬أ ّما إذا انتَصرَ َ التلقي‬ ‫لِام هو إشكا ّيل وآ َم َن باألسرْ ار الكبرْ ى لِ ُب ُزو ِغ التَّف ُّر ِد ولِتَ َجلِّيه‬ ‫يف اللغة أو يف ما َّد ٍة إبْداع َّي ٍة أ ْخ َرى‪ ،‬فإ ّن هذا التلقي يكو ُن‬ ‫ِ‬ ‫واالنخراط يف‬ ‫باس ِت ْحقاقِ االن ِتساب إىل هذا التَّف ُّرد‬ ‫ُمطالَباً ْ‬ ‫ِ‬ ‫َخ ِّط املسالك التي يَفتَ ُحها أمام التّأويل‪ ،‬أي أمام ما يُغْني‬ ‫الوجو َد اإلنسا ّين‪ .‬ول َع َّل هذا املعنى ثا ٍو يف ق ْول املتن ّبي‬ ‫وجب ال ُح َّب للفتَى»‪.‬‬ ‫«أ َعادَى عىل ما يُ ُ‬ ‫ِم ْن هذيْن الشكلينْ للتلقي تَتَ َولَّ ُد قراءتان؛ األوىل حا ِق َدة‬ ‫والثانية ِ‬ ‫عاشقة‪ .‬االخ ِت ُ‬ ‫يس‪ ،‬إذ ليْ َس‬ ‫الف بي َن ُهام َم ْعر ٌّيف ال َح ْد ّ��� ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫امل ُ‬ ‫فيس ُم َو ِّج َه هذا االختالف‪ .‬ال قرا َء َة عاشقة ب ُدون‬ ‫ُيول ال ّن ُّ‬

‫َم ْعرف ٍة ِش ْعريّة‪ .‬أ ّما ال ِقرا َءة الحا ِق َدة فال َم ْعرفة ت َْس ُن ُدها‪،‬‬ ‫أل َّن امل ْعرفة ال ت ُن ِت ُج ِ‬ ‫الحقد‪ ،‬وال يمُ ْ ِك ُنها أ ْن تقو َد إليْه‪ .‬عن َدما‬ ‫ِ‬ ‫التفكيك وال َه ْدم‪ ،‬ال‬ ‫تَتَ َو َّج ُه امل َ ْعرفة إىل م ْوضُ و ِعها بغايَ ِة‬ ‫تكونُ‪ ،‬يف ُمام َر َس ِتها لل َهدْمِ ذاتِه‪ ،‬حا ِق َدة‪ .‬عىل ال َعكْس‪،‬‬ ‫تكو ُن هذه امل ُام َر َسة َعال َمة عىل َم َح َّب ٍة بعي َد ٍة كام يُ َعلِّ ُمنا‬ ‫ديريدا‪.‬‬ ‫لميح األ َّول لل ِقرا َءتينْ يف تأويل ِش ْعر امل ُتنبّي‬ ‫يَعو ُد التَّ ُ‬ ‫إىل امل ُق ّدمة التي َص َّد َر بها اب ُن ج ّني كتابَه «الفسرْ »‪ .‬فقد‬ ‫اختا َر فيها القرا َء َة العاشقة‪ ،‬دون أ ْن تفوت َ ُه اإلشا َر ُة ت َل ِميحاً‬ ‫وتَصرْ يحاً إىل القرا َء ِة امل ُقابلة‪ ،‬أي الحا ِقدة‪ .‬وقد َعل ََّل‬ ‫اختيا َرهُ بتف ُّر ِد املتن ّبي‪ ،‬إذ ملْ يَ َر‪ ،‬كام يقول‪ « :‬شا ِعرا ً كا َن يف‬ ‫َم ْعناه وال ُم ْجرياً إىل َم َداه»‪ .‬ث َّم ضَ َّم َن ت َْصدي َرهُ ‪ِ ،‬م َن امل َ ْو ِقعِ‬ ‫اللغوي الذي اختا َرهُ يف شرَ ْ ح ديوان الشاعر‪ُ ،‬م َس ِّو ِ‬ ‫غات‬ ‫ِّ‬ ‫هذا التف ّرد‪.‬‬ ‫املتنبي «كا َن ِم َن‬ ‫امل َُس ِّوغ األ َّو ُل يُ َوضِّ ُح ُه ق ْو ُل ابن ج ّني إ َّن‬ ‫ّ‬ ‫الج ِّد فيام يُعانيه ول ُزوم طريقِ أ ْهل ال ِعلم فيام يقول ُه‬ ‫ويَ ْحكيه عىل َأس ِّد َوت َري ٍة وأ ْح َسن سرية»‪ُ ،‬مخترَ عاً للمعاين‪،‬‬ ‫و ُمت َو ِّغالً فيها‪ ،‬و ُم ْستَ ْو ِفياً لها‪.‬‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪137‬‬


‫ديوان العرب‬

‫ِ‬ ‫العالقات االج ِتام ِع َّية واأل ْو َساط الثقا ِف َّية‪ .‬ويمُ ْ ِك ُن أ ْن‬ ‫يف‬ ‫وسبرْ ٍ ِق َرائيَّينْ ‪ ،‬إذ‬ ‫امل َُس ِّوغ الثاين هو اق ِتضا ُء ِش ْعر ِه لِ َصبرْ ٍ َ‬ ‫ن َْس َم َع أث َر َح َس ِد امل ُعاصرِ ين ال فقط يف األبْ َي ِ‬ ‫يَتَطل ُّب ِم َن القارئِ إ ْع َ‬ ‫ات التي صرََّ َح‬ ‫هاج‬ ‫امل ال ِفكْر ْ‬ ‫الس ِتكنا ِه ِه‪ ،‬وان ِت َ‬ ‫الس ِت ْجالئِه‪ ،‬وإطالة البَ ْحث فيه وتكرا َر َتأ ّملِه فيها املتنبّي ب ِتي َم ِة ال َح َسد‪ْ ،‬بل أيْضاً يف ٍ‬ ‫أبيات ال يَظ َه ُر فيها‬ ‫طَ َرائقِ ال َّنظَر ْ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ظ ُّل هذه التّي َمة إالّ بالتَّأويل‪ .‬م ْن أمثلة ذلك ق ْول الشاعر‪:‬‬ ‫قبْ َل أن يَخ ُر َج هذا الشِّ ْع ُر‪ ،‬عىل َح ِّد التشبيه الذي ت َ َو َّس َل‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الصقال”‪.‬‬ ‫وأن شئت يا طُ ُرقي فكُوين‬ ‫ىَّ‬ ‫وج املَشرْفيِِّ عىل ِّ‬ ‫ب ِه اب ُن ج ّني‪ُ “ ،‬خ ُر َ‬ ‫أ ّما امل َُس ّوغ الثالث‪ ،‬ف َي ْب ُدو كام ل ْو أنّ ُه شَ ْخصيِ ٌّ ‪ ،‬فيام‬ ‫أذا ًة أو نَجا ًة أو َهالكَا‬ ‫حقيقتُ ُه البعي َدة ِخالف ذلك‪ .‬فيه يُصرَِّ ُح اب ُن ج ّني‪ ،‬يف‬ ‫طُ ُر ٌق َمفتُو َحة‪ ،‬ال ت ُذ ِع ُن يف َخ ِّط مسالِ ِكها لِ َمشيئ ٍة ت ُن ِت ُج‬ ‫سياق َحدي ِث ِه َع ْن َد َوا ِفعِ تألي ِف ِه لكتاب “الفسرْ ”‪ ،‬مبا كا َن‬ ‫جيب لِام يَقو ُد إل ْي ِه الق ْو ُل العايل‪ ،‬مبا هو‬ ‫األذى‪ْ ،‬بل ت َْستَ ُ‬ ‫َأثل بَيْ َن ُه وبَينْ َ املتنبّي “ ِم ْن َو ِ‬ ‫ت َ‬ ‫كيد امل َ َودَّة و ُم ْستَ ْح ِص ِد‬ ‫حقاق االن ِتساب إىل ِ‬ ‫وطموح ال َح َّد ل ُهام‪ْ .‬اس ِت ُ‬ ‫هذ ِه‬ ‫ُحل ٌم‬ ‫ٌ‬ ‫كة”‪.‬‬ ‫ب‬ ‫ِ‬ ‫بسام ِع نِداء اللغة والتَّ َوغّل يف الشِّ عاب التي‬ ‫الشُّ ْ‬ ‫الطُّرق ٌ‬ ‫خليق َ‬ ‫ل ْي َس ِت الشُّ ْبكة‪ ،‬مبا هي قرابَة‪ ،‬عالقة شخص ّية و َح ْسب‪ .‬ال يَ ْن ُّ‬ ‫فك هذا ال ّندا ُء‪ ،‬بجاذبيّت ِه الجارفة‪ ،‬يُ َو ِّس ُعها ويُ َعق ُد‬ ‫تتأس ُس ِ‬ ‫هذ ِه الشُّ ْبكة بينْ كُتّ ٍ‬ ‫اب ملْ يَعيشُ وا يف َز َمنٍ‬ ‫تشابُكاتِها‪ .‬أ ّما األذى أو النجاة أو الهالك فتغ ُدو أشيا َء‬ ‫فق ْد َّ‬ ‫ِ‬ ‫صغري ًة أما َم ِفتن ِة ال ِّنداء الذي كا َن املتن ّبي يَلت ِقط ُه يف لغ ٍة‬ ‫واح ٍد‪ ،‬كام ق ْد َّ‬ ‫تتأس ُس بَينْ َ قارئٍ يف ال َّز َمنِ الحديث وبينْ‬ ‫كاتِ ٍب قديم‪ .‬القرابَة الشِّ ْعريَّة ال تتقيَّ ُد بال َّزمن‪ .‬إنّها‬ ‫“يَلذ بها َس ْم ُع ُه ول ْو ضُ ِّم َن ْت شتْ َمه” كام يقول يف هذا‬ ‫انجذاب دَف ٌني‪ ،‬يَ ُعودُ‪ ،‬يف حال ِة ابن ج ّني‪ ،‬إىل ما َس ِم َعهُ‪ِ ،‬م ْن الشَّ طْر ِم ْن بَيْ ٍت له؛ ْاستَبْ َدلنا في ِه بضَ ِمري املُتَكلِّم ضَ م َري‬ ‫ٌ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ة‬ ‫ب‬ ‫ح‬ ‫م‬ ‫ج‬ ‫ت‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫ع‬ ‫ام‬ ‫س‬ ‫ه‪.‬‬ ‫ت‬ ‫ولغ‬ ‫ي‬ ‫ب‬ ‫ُتن‬ ‫مل‬ ‫ا‬ ‫ر‬ ‫ع‬ ‫ش‬ ‫يف‬ ‫‪،‬‬ ‫اللغوي‬ ‫ْ‬ ‫ٌ‬ ‫ِ‬ ‫َم ْو ِقعِ‬ ‫ْ‬ ‫ِّ‬ ‫كل الطّرق‬ ‫الغائب‪ .‬ن ْح َو اللغة القصيَّة‪ ،‬كا َن املتنبّي يَ ْس ُلك َّ‬ ‫َ‬ ‫َ َ َ َ َّ‬ ‫ّ‬ ‫ت َ ْحتا ُجها ُّ‬ ‫كل ِقرا َء ٍة نَتُوج‪ .‬ول ُربمَّ ا كا َن هذا امل َ ْعنى ُمضْ َمرا ً يف التي ت ُ َؤدّي إليها‪ُ ،‬م َد َّعامً بشُ ُسوع الطّ ُموح وق َّو ِة اإلرا َد ِة‪،‬‬ ‫ما أ ْو َردَهُ َع ْن عالق ِتهام الشي ُخ يوسف البديعي‪ ،‬إذ جا َء يف وجاذب ّي ِة ال ِفتْنة‪.‬‬ ‫“الصبْح امل ُنبي عن حيثية املتنبّي‪« :‬وكا َن البن ج ّني‬ ‫بهذ ِه ال ِفتنة‪ ،‬ت َْس ُمو امل ُقا َو َمة ِ‬ ‫ِ‬ ‫كتاب ِه ُّ‬ ‫انجذاب يَقو ُد‬ ‫داخ َل‬ ‫ٍ‬ ‫َهوى يف أيب الط ّيب‪ ،‬كثري اإلعجاب ِ‬ ‫بش ْعره‪ ،‬ال يُبايل بأ َح ٍد‬ ‫ري‪ ،‬حيْثُ “ال‬ ‫املتنبّي إىل ال َّدفني يف ذاتِه ويف ن ََسبها الشِّ ْع ّ‬ ‫يَذ ُّم ُه أو يَ ُح ُّط منه»‪ِ .‬مثلام يُ ْن ِت ُج التّف ُّر ُد ت َل ِقياً قائمِ اً عىل‬ ‫ت ِ‬ ‫َفسهُ‪ ،‬وال يَتَ َو َّج ُس فيها إالّ َج ْر َسهُ” كام‬ ‫َفس ُه إالّ ن َ‬ ‫ُواض ُخ ن ُ‬ ‫االنزعاج‬ ‫التَّثم ِني والتَّقدير واالبْ ِتهاج‪ ،‬يُ َولِّ ُد‪ ،‬يف اآلن ذاتِه‪،‬‬ ‫يقول اب ُن ج ّني يف ِ‬ ‫ُ‬ ‫هذ ِه اإلشا َر ِة املُكًثفَة والثا ِق َبة‪ ،‬التي‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫والحسد‪.‬‬ ‫والحق َد‬ ‫ته ّيأتْ ل ُه ِمن النفا ِذ إىل التحقّقات ال ُعليا لِلغة يف ِش ْعر‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫الالف ُت‪ ،‬يف سياق شَ ْكليَ ْ التَّلقي الذي شَ ِهدَهُ املتنبّي يف‬ ‫هج لها‬ ‫املتن ّبي‪ .‬ت َ َحقّقاتٌ ابْتَ َه َج ْت بها اللغة العرب ّية فابْتَ َ‬ ‫ه‬ ‫ت‬ ‫َز َم ِنه‪ ،‬أ ّن هذا الشا ِع َر ملْ يُ َح ِّول ال َح َسد الذي جابَ َه ت َ ْجربَ َ ُ اب ُن ج ّني وهو يُ ْريس‪ِ ،‬م ْن ِ‬ ‫داخلِ التَّقاطُع َم َع الشاعر يف‬ ‫إىل مُبرَِّر للتّبايك والشَّ ك َوى‪ْ ،‬بل َج َع َل منهُ‪ِ ،‬خالفاً لذلك‪،‬‬ ‫َم َحبَّ ِة اللغة‪ ،‬أ ّو َل شرَ ْ ٍح للديوان‪ .‬ذلك ما ت ُضْ ِم ُرهُ إشا َر ُة‬ ‫ري وما َّد ًة لِتَ ْو ِ‬ ‫الذات لِ َن ِ‬ ‫ليد امل َ ْعنى البعيد‪ .‬هكذا ابن ج ّني السابقة‪ ،‬أل َّن إملا َحها إىل ُم َوا َجه ِة ِ‬ ‫َم ْو ِقعاً لإلنتاج الشِّ ْع ِّ‬ ‫فسها‬ ‫الحس ُد‪ ،‬الذي غَذا ُه ُمعاصرِ ُ و املتنبّي‪ ،‬إىل طاق ٍة‬ ‫صيص عىل منطق ٍة قائمِ َ ٍة‪ ،‬يف تجرب ِة املتن ّبي‪ ،‬عىل التّوغّل‬ ‫انقلب َ‬ ‫َ‬ ‫ت َ ْن ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫ِش ْعريَّة خ َّو ْ‬ ‫إنتاج إملاعات ُمضيئة عن امل ْوضُ وع‪ ،‬يف اللغة‪ .‬فامل ُ َواضَ خَة‪ِ ،‬عن َد هذا الشا ِعر‪ ،‬ت َ َبا ٍر م َع الذات‬ ‫لت للشاعر َ‬ ‫بَ ْع َد أ ْن َح َّولتْ ُه اللغة ال َّراقية‬ ‫يف ُموا َج َه ٍة بال ِضفاف‪ ،‬تَتَضا َء ُل فيها‬ ‫المتنبي واحد ممن‬ ‫إىل َم ْعنى بَ ِع ٍيد‪ِ .‬‬ ‫كانت‬ ‫أ ْحقا ُد الغيرْ ‪ ،‬بل ُ‬ ‫الهالك ذات ُه يَ ْصغر‪.‬‬ ‫انتسبت تجاربهم‬ ‫األبْ َياتُ ‪ ،‬التي خ ََّص بها‬ ‫التّباري مع ال ُح ُدود الذات ّية ال َم َع الغيرْ‬ ‫املتنبّي َع َمى ال َح َسد وهو‬ ‫الصوفية‬ ‫خاص‪ُّ ،‬‬ ‫ت َ َبا ٍر َر ِفي ٌع خبرَ ُه‪ ،‬ب َو ْج ٍه ٍّ‬ ‫إلى المتون التي‬ ‫يَبُثها يف قصائ َد عديد ٍة‪،‬‬ ‫والشُّ عراء‪ .‬فيه ت َغتَذي اإلرا َد ُة من‬ ‫بلغت‬ ‫قراءات‬ ‫أنتجت‬ ‫إرش ٍ‬ ‫اقات ُمتَو ِّه َجة‪ ،‬عىل نَ ْحو‬ ‫الالنِهايئ‪ .‬وإرا َد ُة الشِّ ْعر ِم َن اإلر ِ‬ ‫ادات‬ ‫ِ‬ ‫تفكيك َخلَلٍ سا ٍر‬ ‫َم ّك َنها ِم ْن‬ ‫حد التناقض‬ ‫التي تقو ُد إىل هذا التّباري‪ُ ،‬مترَ َف َعة‬ ‫‪138‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫المتنبي‬

‫الصا َع فيه يت َوغ َُّل ن ْح َو األ ْعىل‪.‬‬ ‫عىل دنا َء ِة األ ْحقاد‪ ،‬أل َّن رِّ‬ ‫للقصي َدتَينْ املُتضَ ِّمنتينْ للبيْتَينْ ‪ ،‬فيام ال ُوعو ُد التَّأويليّة فيهام‬ ‫ُموح امل ُتن ّبي‪ ،‬وهو‬ ‫بهذا امل َ ْعنى ويف ض ْوئ ِه‪ ،‬نستَ ْحضرِ ُ ط َ‬ ‫بال ُح ُدود‪ .‬إنَّها ال ُوعو ُد التي ت ِ‬ ‫َنتظ ُر ِقر ٍ‬ ‫اءات ِفكريّة لِ ِش ْعر‬ ‫يُ ِ‬ ‫نفسه‪ ،‬يف طُ ُر ِق ِه إىل امل َ ْج ِد األقىص لِلغة‪ ،‬أي إىل‬ ‫واض ُخ َ‬ ‫تيح ُمقا َربة‬ ‫امل ُتن ّبي ت َتجا َو ُز ُم ْم ِك َن الشرُّ ُ وح القدمية‪ ،‬مبا يُ ُ‬ ‫ِ‬ ‫طموح كا َن ُمخْترَ ِقاً لأل ْم َجادِ‬ ‫األس َمى‪.‬‬ ‫الشِّ ْعر يف تَ َجلّيه ْ‬ ‫ٌ‬ ‫مفهو َم ْي اإلرادة وال ّزمن وغريها من املفهومات يف ِش ْعر‬ ‫املُصرََّ ِح بها يف قصائِ ِده و ُمخرتِقاً لِ ِف ْعل امل َ ْدح ذاتِ ِه كام‬ ‫املت ّنبي‪.‬‬ ‫َس َيأيت بيانُه‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫تَتَ َص َّد ُر البيْ َت األ َّو َل إرا َد ٌة ال ن َهايَة ألفقها‪ .‬إرا َد ٌة ت َ ْعلو عىل‬ ‫ال َّز َمن ِ‬ ‫نفسه‪ُ ،‬متَ َو ِّج َهة إىل ما ال يَق َوى عل ْيه‪ .‬ق ّوة اإلرادة‬ ‫‪َ .2‬ز َم ٌن َيقفو أث َر الشاعر‬ ‫الشّ ْعريّة تَف ُ‬ ‫ُوق ُم ْم ِك َن ال َّزمن‪ .‬ذلك ما َْس َم ُح ب ِه ن َْس ُج‬ ‫رش َح في ِه أبو العالء‬ ‫جا َء يف كِ ِ‬ ‫تاب« ُمعجز أحمد»‪ ،‬الذي َ‬ ‫َو ِشي َج ٍة بَينْ َ ال َب ْيتَينْ ‪ .‬هكذا ي ْب ُدو الب ْي ُت الثاين‪ ،‬وإ ْن كا َن‬ ‫ِ‬ ‫َقصو َد بال َّد ْهر‪ ،‬يف البَيْت األ ّول‬ ‫املع ّري ديوا َن املتنبّي‪ ،‬أ َّن امل ُ‬ ‫جيب عن األ ّول‪ ،‬حيْثُ‬ ‫ُمنت َزعاً ِم ْن قصي َد ٍة أخرى‪ ،‬كأنَّ ُه يُ ُ‬ ‫الناس كلَّ ُهم يَ ْر ُوون ِش ْع َر‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫ِم ْن َمقطعِ االف ِتتاح‪ ،‬أ ْهلُهُ‪ ،‬أي‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫يتق َّد ُم ال ّزما ُن بعطائ ِه‪ ،‬لك َّن الشا ِع َر ال يَتَخلىّ عن اإل َرا َد ِة‬ ‫املتن ّبي ويُ ِ‬ ‫نش ُدونه‪ .‬غيرْ َ أ َّن التَّوغ َُّل يف ْاس ِتقصا ِء اح ِت ٍ‬ ‫امالت‬ ‫َنص ِ‬ ‫امل َفتو َحة عىل الالنهايئ‪ ،‬ان ِْطالقاً ِم ْن ت ِ‬ ‫يص ِه عىل إرا َدتِ ِه‬ ‫ِقرائ ّي ٍة أ ْخ َرى يُ َع ِّد ُد امل َ ْعنى ويُ َر ِّج ُح فَ ْه َم ال َّد ْهر مبا هو‬ ‫يف االختيار‪ .‬امل ُ ْؤتمَ َ ُن عىل الق ْول العايل ال يَ ْرىض مبا يُق َّد ُم له‪.‬‬ ‫ال َّز َم ُن ذات ُه‪ ،‬عىل ن ْحو يَ ْس َم ُح بتَ ْوسيعِ ِسياق التأويل ان ِْطالقاً‬ ‫يُ ْعطَى فال يَ ْرضىَ ��� .‬ما أرادَهُ ُمنتَ ِس ٌب إىل امل ُْستحيل‪ ،‬ولك َّن‬ ‫ِم ْن إ ْد َما ِج ٍ‬ ‫أبيات للمتنبّي عن ال ّزمن؛ نُور ُد منها بيْتَينْ‬ ‫الشا ِع َر ال يَ ْرضىَ إالّ به‪ .‬لقد اختا َر امل ُتنبّي ما يَ َهبُ ُه الشِّ ْعر‪،‬‬ ‫ُمضيئينْ ؛ قال يف أ َح ِدهام‪:‬‬ ‫أي امل ُْستَحيل‪ ،‬ال ما يَ َهبُ ُه ال َّزمن‪ُ ،‬م ْستَ ِندا ً إىل إراد ٍة ُصلبَ ٍة‪،‬‬ ‫أري ُد ِم ْن َز َم ِني ذا أ ْن يُ َبلِّ َغ ِني‬ ‫بأس ِس صرَ ْ ٍح َمنيعٍ مل ّا قال‪:‬‬ ‫كان شَ َّب َهها يف أ َح ِد أبْ َياتِ ِه ُ‬ ‫ما ل ْي َس يَ ْبل ُغ ُه ِم ْن ن ِ‬ ‫َفس ِه ال َّز َم ُن‬ ‫الس َّد ِم ْن َع ْزمي»‪.‬‬ ‫اإلسكن َد ُر َّ‬ ‫«كأنيّ بَ َنى ْ‬ ‫وقال يف اآلخَر‪:‬‬ ‫إنّها إرا َد ٌة ُم ْستَ َم َّد ٌة ِم ْن َو ْعي الشا ِعر ب َن َسب ِه امل َ ِكني إىل‬ ‫قبلت َعطَا َء ُه‬ ‫أ ْعطَى ال َّزما ُن فام ُ‬ ‫اللغة‪ ،‬و ِم ْن َو ْعي ِه بام ِتالكِها يف ت َ َح ّق ِقها األ ْعىل‪ ،‬وإ ْن تل َّونت‬ ‫وأ َرا َد ليِ فأ َردْتُ أ ْن أتَ َخيرَّ َا‬ ‫ِ‬ ‫هذ ِه اإلرادة مبَ ْوضُ ٍ‬ ‫نت مبُخَاطَبني‬ ‫وعات ُمتباينة أو اقرتَ ْ‬ ‫بالسياق امل ُبارش‬ ‫الشرّ ْ ُح القديم لل َب ْيتينْ ظ ََّل ُمق َّيدا ً ِّ‬ ‫يف القصي َدة أو َح َج َبها الشا ِع ُر بف ّن ّي ٍة ِش ْعريّة عال ّية‪ .‬ذلك‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪139‬‬


‫ديوان العرب‬

‫السلطة‪،‬‬ ‫أ َّن أ ْرقى األ ْم َجاد التي ا ْحتفَى‬ ‫يَغ ُدو الشِّ ْع ُر‪ ،‬يف ضَ ْو ِء هذه ُّ‬ ‫القراءات الفكرية‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫رافدا ً‪ .‬من ُه يَ ْستَ ِم ُّد ال َّزمن‪ .‬ولنا أ ْن نق َرأ‬ ‫بها ِش ْع ُرهُ ظل َّْت جمي ُعها أدْىن‬ ‫لشعر المتنبي تتجاوز‬ ‫وح الديوان التي ْ‬ ‫ِم ْن َم ْج ِد اللغة ع ْندما يَ ْع ُر ُج بها‬ ‫شرُ ُ َ‬ ‫تتالت‪ ،‬عىل نَ ْحو غيرْ‬ ‫الشروح‬ ‫مكمن‬ ‫رشح ابن جني‪ ،‬ب َو ْص ِفها‬ ‫د‬ ‫ع‬ ‫ب‬ ‫وق‪،‬‬ ‫ب‬ ‫س‬ ‫م‬ ‫َ‬ ‫الشاعر ن ْح َو األقىص‪ .‬يف ضَ ْو ِء ذلك‬ ‫َ ُْ َْ ْ‬ ‫القديمة‪ ،‬بمايتيح‬ ‫جف ن ْب ُعهُ‪َ .‬م َد ٌد‬ ‫َم َد َد الشِّ ْعر الذي ال يَ ُّ‬ ‫نف َه ُم داللة أ ْن يُري َد ال ّز َم ُن فيام‬ ‫ال ين َف ُد‪ُ ،‬مخرتِقاً ال َّز َم َن ب َعطا ٍء َس ِخ ٍّي؛‬ ‫الشا ِع ُر يُصرُِّ عىل اختيار ما‬ ‫مقاربة مفهومي‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ُتحصلِ م َن القصي َدة‪،‬‬ ‫َعطاء التّأويل امل ِّ‬ ‫ال يَ ْدخ ُُل يف ُم ْم ِكنِ ال َّز َمن‬ ‫اإلرادة والزمن‬ ‫ْ‬ ‫إذ مل يُ ْسمع‪ ،‬كام جاء يف كتاب الصبح‬ ‫عل الشا ِع َر‪،‬‬ ‫وإرا َدتِ ِه‪ ،‬عىل نَ ْح ٍو يَ ْج ُ‬ ‫امل ُنبي عن حيثية املتن ّبي‪ِ ،‬‬ ‫«بديوانِ ِش ْعر‬ ‫كام تو ِم ُئ العدي ُد ِم ْن إشاراتِهِ‬ ‫اإلسالم شرُ َح هكذا ِمثل هذه الشرُّ ُ وح‬ ‫يف الجاهل ّية وال يف ْ‬ ‫الشِّ ْعريَّة‪ ،‬هو امل ُ ْع ِطي ال اآلخذ‪ ،‬ويَ ْج َع ُل ال َّز َم َن ُم َردِّدا ً لِماَ‬ ‫الكثرية ِس َوى هذا الديوان‪ ،‬وال تداول عىل ِ‬ ‫ألسن ِة األدَباء‬ ‫أي َر ْجعاً‪َ .‬صدى‬ ‫يُ ْعطي الشا ِع ُر ق ْوالً‪ .‬يَغ ُدو ال َّز َم ُن تابعاً‪ْ ،‬‬ ‫ديد ق ْو ٍل قا ِدمٍ ِم ْن نَظْ ٌم ونرثٌ أكرث من ِش ْعر املتنبّي» ‪ .‬و ق ْد كا َن املتنبّي واعياًِ‬ ‫يكف ع ْن ت َ ْر ِ‬ ‫للشا ِعر هو ال َّز َمن‪ ،‬ألنّ ُه ال ّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫السيرْ ‪ ،‬بتعبري‬ ‫نَبْعِ اللغة‪ .‬ال عطا َء يَ ْعلو عىل َعطا ِء الشِّ ْعر‪ .‬إنَّ ُه ال ّد ْر ُس‬ ‫السفر يف ال ّز َمن و عىل ّ‬ ‫بطاقة ش ْعره عىل َّ‬ ‫ِ‬ ‫قصائده‪ ،‬من بَ ْي ِن ِه‬ ‫ابن ج ّني‪ ،‬يف اآلفاق‪ .‬ت َ َر َّد َد ذلك كثريا ً يف‬ ‫البعيد الذي تُ ْرسيه تجربَة املتنبّي وهي تُبَ ِّد ُد ِش ْعريّاً‬ ‫ق ْولهُ‪:‬‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫سياقات ملْ ت َك ْن ت َْستَ ْدعيه‬ ‫تلميحات هذا ال ّد ْرس حتّى يف‬ ‫أو تَ ْحتَ ِمله‪ِ .‬م ْن أ ْم ِثلة ذلك تَ ْهديدُهُ امل ُ َبطَّن يف ق ْولِه لسيف و ِعنـدي َلك الشرَُّّ ُد السائِـرا‬ ‫الدولة‪:‬‬ ‫تُ ال يَ ْختَ ِص ْص َن م َن األ ْر ِض دارا‬ ‫ٍ‬ ‫أنت مالِكُه‬ ‫قواف إذا سرِ ْ َن عن ِمق َويل‬ ‫اس ما َ‬ ‫أخا الجو ِد أ ْع ِط ال ّن َ‬ ‫َ‬ ‫اس ما أنا قائِ ُل‬ ‫الجبــال َوخُضْ ــ َن البحــارا‬ ‫َوث َ ْبــ َن‬ ‫وال ت ُ ْع ِطينَ ّ ال ّن َ‬ ‫قلب الرتْتِيب الذي أ ْو َردْنا ب ِه البَيْتينْ‬ ‫هكذا‪ ،‬يمُ ْك ُن ُ‬ ‫يل يُ َس ِّو ُغ ُه‬ ‫الصمم‬ ‫املُبرْ ِ َزيْن لِ َمف ُهوم اإلرادَة؛ وهو إجرا ٌء تأوي ٌّ‬ ‫‪ .3‬يف تمَ جي ِد َّ‬ ‫اإلنصاتُ لِت ْجربَ ِة املتن ّبي الشِّ ْعريَّة‪ ،‬ف ُي ْص ُ‬ ‫فسا ِد‬ ‫بح ما يُق ِّد ُم ُه ال ّز َم ُن لضِّ ْم ِن ُّي يف ِش ْعر املتنبّي يُؤكّ ُد ت ََص ّدي هذا الشا ِعر لِ َ‬ ‫أد ىَْن من إرا َد ٍة ُعليا ال َح َّد ألف ِقها‪ ،‬أل ّن الشا ِع َر يُري ُد أب َع َد‬ ‫تنفص َل ِ‬ ‫الق ْول‪ِ ،‬م ْن غيرْ أ ْن ِ‬ ‫هذ ِه امل َ َه ّمة ل َديْه َعن اإلرادَة‬ ‫ِمماّ يُتيح ُه ال ّزم ُن إرا َد ًة َو َعطا ًء‪.‬‬ ‫التي ت َ ْنشُ ُد األقايص‪ .‬هذا الضِّ ْم ِن ُّي ت َ َح َّو َل إىل صرَ ي ٍح يف‬ ‫األقل‬ ‫ما ال يَ ْستقي ُم لل َّز َمن يَ ْستَقي ُم للشا ِعر‪ ،‬أو عىل ّ‬ ‫ق ْولِه‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫يَ ْدخ ُُل يف ُم ْم ِك ِن ِه البعيد‪ .‬فأ ْن يُ ِ‬ ‫نش َد ال َّز َم ُن ق ْو َل الشاعر‪،‬‬ ‫وال تُبا ِل ب ِِش ْع ٍر بَ ْع َد شا ِعر ِه‬ ‫َم ْعنا ُه أ َّن املتن ّبي را َه َن عىل بُلوغ ما ل ْي َس ي ْبلغ ُه ِم ْن ِ‬ ‫نفس ِه‬ ‫ق ْد ِ‬ ‫الص َم ُم‬ ‫أفس َد الق ْو ُل حتَّى أ ْح ِم َد َّ‬ ‫ال َّز َم ُن؛ را َه َن عىل إراد ٍة ال ح َّد لها‪ ،‬وت ََس ّن ْت ل ُه ِ‬ ‫هذ ِه‬ ‫عىل ِغرار ُم ْب ِدعني ق ْب َل املتن ّبي وبَ ْعدَهُ َم َّج ُدوا ال َع َمى‬ ‫أصبَ َح ِت ال ّرؤية ضَ يِّقة أ ْو َحاجبة‪َ ،‬م َّج َد الشا ِع ُر‬ ‫اإلرادة ِم ْن ُسلط ِة اللغة التي ال ُسلطة ف ْوقها‪ .‬نَفَذ املتن ّبي البَص َري مل َّا ْ‬ ‫فس َّخ َر قصائدَهُ لِحراس ِة اللغة حتّى وهو‬ ‫إىل نَبْعِ الشِّ ْعر‪َ ،‬‬ ‫للسام ِع ِم ْن فسا ِد الق ْول‪ِ .‬ح َّد ُة هذا الفساد‬ ‫َّ‬ ‫الص َم َم‪َ ،‬ص ْوناً َّ‬ ‫يَبْني قصائِدَهُ عىل امل َ ْدح‪ ،‬حتّى سا َر ذكْ ُره كام يقول‬ ‫تَتَضا َع ُف عن َدما يكو ُن صا ِدرا ً‪ ،‬كام هي ُ‬ ‫كل‬ ‫الحال يف ِّ‬ ‫الثعالبي‪َ « :‬مسري الشَّ ْم ِس والق َمر‪ ،‬وساف َر كال ُم ُه يف ال َب ْدو‬ ‫بح‬ ‫ساب إىل الشِّ ْعر‪ ،‬إذ يُ ْص ُ‬ ‫األ ْز ِمنة‪ ،‬ع ْن ق ْو ٍل يَ َّدعي االنْ ِت َ‬ ‫وال َحرض‪ ،‬وكاد َِت الليايل ت ِ‬ ‫ُنشدُهُ ‪ ،‬واأليّا ُم ت َ ْحفظهُ»‪.‬‬ ‫هذا االن ِت ُ‬ ‫حال ت َ ْهديدا ً لِلّغة يف ت َحققها األ ْعىل‪.‬‬ ‫حتاج إىل ام ِتالك ِه ُسلطَة اللغة‪ .‬هي ما‬ ‫َسف ُر الشِّ ْع ُر يَ ُ‬ ‫ملْ يَكُن يَ ْس َم ُع املتنبّي‪ ،‬الذي أق َّر بشاعريّة امل ُتف ِّردين‬ ‫بسام ِع هذا الشِّ ْعر ِم ْن غيرْ ان ِقطاع‪.‬‬ ‫يُلز ُم ال َّزم َن َد ْوماً َ‬ ‫قبْله كأيب متام والبحرتي‪ ،‬يف زَم ِنه إالّ َصدى ِش ْعر ِه أو فسا َد‬ ‫‪140‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫المتنبي‬

‫الرسومات وداد أورفيل‬

‫الشِّ ْعر‪ .‬لذلك كانت اللغة يف ِش ْعره ت َ ْعلو عىل أغر ِ‬ ‫اض‬ ‫قصائِ ِده‪ .‬كانت اللغة ت َ ْن َب ِني ُمخْترَ ِقة ِ‬ ‫هذ ِه األغراض‪،‬‬ ‫قي الق ْول وتَتَ َص َّدى لِام يُ َه ِّد ُد بفسا ِده‪ِ .‬م ْن ِ‬ ‫هذ ِه‬ ‫لِتُ ْس ِم َع ُر َّ‬ ‫املنطقة القرائ ّية التي تن َّب َه إل ْيها القدماء‪ ،‬يَتَ َس ّنى اإلنصاتُ‬ ‫يف ِش ْعر املتنبّي لِام يَف ُ‬ ‫ُوق امل َ ْدح والهجاء وال ِّرثاء‪ .‬إنَّها‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫منطقة خ َِصيبَة تأويلِيّاً‪ ،‬تنتظ ُر قرا َءات فكريَّة م ْن عيار ما‬ ‫أنج َزهُ هيدجر عن هلدرلني‪.‬‬ ‫َم ْسؤول َّية التَّ َص ّدي لِفسا ِد الق ْول ِم ْن ِ‬ ‫داخل اإلنْ َجاز‬ ‫حقاق ِ‬ ‫واس ِت َ‬ ‫هذ ِه‬ ‫اللغَوي للشاعر تتطل َُّب إرا َد ًة ُعليا ْ‬ ‫بس بالغرور‪ .‬إنّها تتطل َُّب ام ِت َ‬ ‫الك كفا َء ِة‬ ‫اإلرادَة‪ ،‬لئالّ تلتَ َ‬ ‫ِحر َاس ِة اللغة‪ ،‬التي هي ال ِّر َسالة امل ُثىل للشّ عراء‪ .‬و َمتَى‬ ‫هوض ِ‬ ‫ت َ َوف َر ِت الشرُّ ُ و ُط الذات َّية لل ُّن ِ‬ ‫الصا َع‬ ‫بهذ ِه ال ِّرسالة فإ َّن رِّ‬ ‫يَغ ُدو هائلاِ ً‪ ،‬ألنَّ ُه يتو َّج ُه إىل اللغ ِة ذاتِها‪ .‬بهذا امل َ ْع َنى ف ِه ْمنا‬ ‫ق ْو َل ابن ج ّني البا ِهر عن املتن ّبي‪ “ :‬ال ت ِ‬ ‫نفس ُه إالّ‬ ‫ُواض ُخ ُ‬ ‫نفسهُ‪ ،‬وال يت َو َّج ُس فيها إالّ َج ْر َسهُ”‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫لقد كا َن املتنبّي واعياً مبَ َه ّمة حراسة الق ْول العايل م َن‬ ‫اض الشِّ ْعرية يف‬ ‫وتص ُّورا ً‪ ،‬وملْ تكن األغر ُ‬ ‫الفسا ِد؛ إنجازا ً َ‬ ‫ُم ْن َجز ِه ِسوى ُس ُبلٍ لتَ َحقّق الق ْو ِل العايل والسَّيرْ نَ ْح َو آفا ِقه‪.‬‬ ‫يف هذا السياق‪َ ،‬حىك اب ُن ج ّني عماّ دا َر َم َّر ًة ب ْي َن ُه وبينْ‬ ‫امل ُتنبّي‪ ،‬قائالً‪َ :‬‬ ‫“وقال يل يَ ْوماً أتَظُ ُّن ِعنايَتي بهذا الشِّ ْعر‬ ‫مَصرْ وفة إىل َم ْن أ ْم َد ُح ُه به؟ ليْ َس األ ْم ُر كذلك‪ ،‬ل ْو كا َن‬ ‫قلت فلِ َم ْن ِه َي؟ َ‬ ‫قال هي َلك‬ ‫ل ُه ْم لكفا ُهم ِم ْن ُه الب ْيت‪ُ ،‬‬ ‫وألشْ با ِهك”‪ .‬إنَّها لِ ُحام ِة اللغة والعارفني بأسرْ ارها‪ .‬وما‬ ‫بوص ِف ِه ِ‬ ‫واحدا ً من ُعلامء اللغة‪ ،‬لِ َي ْن َج ِذ َب‬ ‫كا َن اب ُن ج ّني‪ْ ،‬‬ ‫إىل ِش ْعر املتنبّي ويَخ َُّص ُه بالشرّ ْ ح ل ْو ملْ يَ ْس َمع يف ِش ْعر ِه‬ ‫وس ُم َّو الق ْول‪ .‬وهو ما تكشَّ َف فيام بَ ْعد مل ّا قت َلِ‬ ‫قي اللغة ُ‬ ‫ُر َّ‬ ‫املتن ّبي‪ ،‬ح ْيثُ رثاه اب ُن جني بقصيد ٍة جاء فيها‪:‬‬ ‫القريض وأ ْودَتْ نضرْ َ ُة األ َدب‬ ‫غاض‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫وص َّو َح ْت بَ ْع َد َر ٍّي َد ْو َحة الكتُب‬ ‫َ‬ ‫لق ْد أ ْد َر َك اب ُن ج ّني‪ِ ،‬م ْن َم ْو ِقعِ َسام ِع ِه مل َ َه ّم ِة الشاعر‬ ‫يف حراس ِة اللغة‪ ،‬أ َّن َجفافاً َ‬ ‫طال نَ ْبعاً كان يَ ْحمي اللغة‬ ‫ِم َن اليَبَاس‪ .‬و ِم َن امل َ ْو ِقعِ ذاتِ ِه‪َ ،‬‬ ‫أدرك أبو العالء امل َع ّري‪،‬‬ ‫بوص ِف ِه واحدا ً من ُعلامء اللغة الذين َم ُّدوا بَ ْع َد ابن ج ّني‬ ‫القرا َءة ِ‬ ‫العاشقة لِ ِشعر املتنبي‪ ،‬انطالقاً ِم ْن شرَ ْحينْ خ ََّص‬ ‫بهام ديوان الشاعر‪ ،‬اللحظة الشِّ ْعريّة التي َج َّس َدت ْها لغة‬

‫رش ِح ِه للشَّ طْر األ َّول من البيْت‬ ‫املتنبّي‪ .‬وق ْد ت َو َّسل‪ ،‬يف ْ‬ ‫ِ‬ ‫الص َمم‪ ،‬بعبا َرة «خاتم‬ ‫الذي تح َّدثَ فيه املتنبّي عن َّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الشعراء»‪ .‬ق ْو ٌل يمُ ْ ِك ُن التّسا ُه ُل َم َع نبرْ َته‪ ،‬التي ال تقبَلها‬ ‫ال ُّرؤية املستقبل ّية‪ ،‬إن انتَ َب ْهنا إىل ُصدور ِه‪ ،‬من غيرْ حقد‪،‬‬ ‫عن شا ِعر يف َح ّق شاعر‪ .‬ذلك أ ّن تثم َني أيب العالءاملع ّري‬ ‫لل ُمتنبّي‪ِ ،‬م ْن َم ْو ِقع اللغ ِة والشِّ عر‪ ،‬��ال ُح ُدود‪ .‬كا َن «إذا‬ ‫ذكر الشعراء يقول‪ :‬قال أبو نواس كذا‪ ،‬قال البُ ْحترُ ي كذا‪،‬‬ ‫قال أبو متام كذا‪ ،‬فإذا أرا َد املتنبّي‪ ،‬قال‪ :‬قال الشا ِع ُر كذا‪،‬‬ ‫تعظيامً له»‪.‬‬ ‫لش ْعر املتن ّبي يَ ِ‬ ‫إ َّن تثم َني ُعلامء اللغة ِ‬ ‫كش ُف املنطقة‬ ‫التي منها يَح ُر ُس الشا ِع ُر الق ْو َل ِم َن الفساد‪ ،‬ا ْع ِتامدا ً عىل‬ ‫ِح ْر ٍص يتقاطَ ُع فيه الشا ِع ُر مع هؤالء ال ُعلامء ويتف َّر ُد في ِه‬ ‫ِ‬ ‫تتس ّنى لل ُعلام ِء باللغة‪ .‬وهو أ ْم ٌر مل ََس ُه أبو‬ ‫بحر َاس ٍة ال َ‬ ‫العالء املع ّري‪ ،‬يف ُمن َجز املتن ّبي‪ِ ،‬م ْن َم ْو ِق َعينْ ؛ َم ْو ِقعِ العالِمِ‬ ‫اللغوي و َم ْو ِقع الشا ِعر‬ ‫ِّ‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪141‬‬


‫ديوان العرب‬ ‫نصب طرفة بن العبد‬

‫طرفة بن العبد‬ ‫اء‬ ‫م ِق ُ‬ ‫يم في ال َ‬ ‫ال ُ‬ ‫عر َ ِ‬ ‫صالح بوسريف‬

‫ِق��ف��ي َو ِّد ِع��ي��ن��ا ال�� َي�� ْو َم ي��ا ابْ�� َن�� َة َمـــالِك‬ ‫ِق�� ِف��ـ��ـ��ي‪ ،‬ال يَ��كُ��ـ��ـ�� ْن تَ�� ِع��لَّ��ـ��ـ�� َة َو ْصلِنــا‬ ‫ــي فَ��ـ��ـ�� َّر َق بَ ْي َن ُهـــ ْم‬ ‫أُخَ��بِّ��ـ��ـ�� ْر ِك أ َّن ال َح َّ‬ ‫��ي��ت‪َ ،‬وشَ َّف ِنــي‬ ‫َولَ��� ْم يُ ْن ِس ِني َم��ا قَ�� ْد لَ�� ِق ُ‬ ‫َوم��ـ��ـ��ا ُدونَ��ـ��ـ��ه��ا إالَّ ثَ��ـ��ـ�لاثٌ َم��ـ��ـ��ـ��آو ٌِب‬ ‫َوالَ غَــ ْر َو إالَّ َجــا َرتِـــي َو ُسـ َؤالُهــا‪:‬‬ ‫�ِّي� َس��ْي��رْ ِي يف ال���ب�ل�ا ِد َو ِر ْح��لَ�� ِت��ـ��ـ��ي‬ ‫تُ��� َع رِّ ُ‬ ‫��اب ُم�� َج��ا ِورا ً‬ ‫��س ا ْم���� ُر ٌؤ أفْ�� َن��ى ال��شَّ�� َب َ‬ ‫َولَ�� ْي َ‬ ‫ــت لَ َعا َدنِـي‬ ‫أالَ ر َِّب يَ��ـ��ـ�� ْومٍ ‪ ،‬لَ�� ْو َس ِق ْم ُ‬ ‫��ت ب ِ‬ ‫َّـب‬ ‫��ـ��ق ُمثَق ٍ‬ ‫ظَ��لِ��لْ ُ‬ ‫ِ��ـ��ذي األ ْرطَ���ى فُ�� َويْ َ‬ ‫ِ��ي��ض‪ ،‬كَ����أَ َّن ُو ُج��و َه�� َه��ا‬ ‫َو ِم���� ْن َع��ا ِم��ـ��ـ�� ٍر ب ٌ‬ ‫ِ��ـ��ـ��ـ��ي‪ ،‬ق��ا ِع��دا ً‬ ‫ي��ـ��ـ��ح ثَ�� ْوب‬ ‫تَ��ـ��ـ�� ُر ُّد َع�َل�يََّ ال�� ِّر‬ ‫ُ‬ ‫َ‬

‫‪142‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫َو ُع���وجِ���ي َع��لَ�� ْي�� َن��ا م��ن ُص����� ُدو ِر ِج�َم�اَ لِ ِ‬ ‫��ك‬ ‫لِ َبـــينْ ٍ‪ ،‬وال ذَا َحظّنــا م��ن نَـــ َوالِ ِك‬ ‫نَ��ـ��ـ�� َوى غُ�� ْربَ��ـ��ـ�� ٍة‪ ،‬ضَ ��ـ��ـ�� َّرا َر ٍة ليِ كَ��ـ�� َذلِ ِ‬ ‫��ك‬ ‫ِم��� َن ال�� َو ْج ِ‬ ‫��ـ��د‪ ،‬أنيِّ غَ�� ْي��ـ�� ُر ٍ‬ ‫ن���اس لِ��قَ��ا َء ِك‬ ‫ِ‬ ‫��س�� ِن��ف ِ‬ ‫ُ��ـ��ـ��د ْر َن لِ�� ِع ٍ‬ ‫َ��ات ال��� َح��� َوار ِِك‬ ‫ق‬ ‫��ي��س‪ُ ،‬م ْ‬ ‫��ـ��ل؟ ُس�� ِئ��لْ ِ‬ ‫��ـ��ت كَــ َذلِ ِك‬ ‫���ل لَ�� َن��ا أَ ْه ٌ‬ ‫أالَ َه ْ‬ ‫أالَ ُر َّب َدا ٍر لِ��ـ��ـ��ي ِس���� َوى ُح��� ّر َدار ِِك‬ ‫ِس��ـ��ـ�� َوى َح ِّيـــه‪ ،‬إالَّ كَآخَــ َر َهـــالِ ِك‬ ‫ــي َو َمـــالِ ِك‬ ‫نِ َســا ٌء كِ��ـ��ـ�� َرا ٌم م��ن ُح َي ٍّ‬ ‫ِب َب ْيئَــ ِة َس��ـ��و ٍء َهــالِكاً أ ْو كَ َهــالِ ِك‬ ‫����ت يف ُد ًج��ـ��ى ُم��تَ�� َح��الِ ِ‬ ‫��ك‬ ‫��ص‬ ‫��اب��ي��ح الَ َح ْ‬ ‫َم َ‬ ‫ُ‬ ‫��ـ��ـ��ي‪ ،‬كَال َح ِن َّيــ ِة بــــار ِِك‬ ‫إلَــى َص�� َد ِف ٍّ‬


‫طرفة بن العبد‬

‫«الغالمُ ال َق ُ‬ ‫ُ‬ ‫تيل»‬

‫َت عىل طَ َرفَ َة بن‬ ‫كانت هذه بني األَ ْو َصاف التي أُطْلِق ْ‬ ‫يل‪ ،‬املِشْ ِك ُل‪.‬‬ ‫ال َع ْب ِد‪ ،‬هذا الشَّ ا ِعر الجاه ُّ‬ ‫َذ َهبَ ْت رواياتٌ وأخبا ٌر ُم ْختَلِفةٌ‪ ،‬إىل أنه قُ ِت َل‪ ،‬وهو يف‬ ‫بعض هؤالء‬ ‫السادسة والعرشي َن‪ ،‬من ُع ُمرِه‪ .‬واست َد َّل ُ‬ ‫ببيتني من ِشعر أُ ْخ ِته‪ ،‬من أُ ِّمه‪ ،‬الخرنق‪ ،‬جا َءا يف سياق‬ ‫ِرث َائِها له‪:‬‬ ‫َع َد ْدنا لَ ُه ِستّاً َوعرشين ِح َّجــ ًة‬ ‫فَلماَّ تَ َوفَّا َها ْاستَ َوى َس ِّيدا ً ضَ خْام‬ ‫فُ ِج ْعنا به لَ َّمــــا انْتَظَ ْرنا إيَــابَ ُه‬ ‫عىل َخيرْ ِ حنيٍ‪ ،‬ال وليدا ً وال قحام‬ ‫فهو قُ ِتل‪ ،‬وهو يف نَضَ ا َرة ُع ُمره‪ ،‬وكان‪ ،‬رغم هذا املوت‬ ‫املبكر والفاجع‪ ،‬بني أهم وأبرز شُ َعراء زمانه‪ .‬هذا ما‬ ‫َقت حوله الكتابات النقدية األوىل‪ ،‬التي شرَ َ َعت يف‬ ‫اتَّف ْ‬ ‫قراءة الشُّ عراء األوائل‪ ،‬ويف االقرتاب من شعرهم‪ ،‬واختبار‬ ‫خصوصيات كل شاعر‪ ،‬قياساً مبعارصيه‪ ،‬أو من كانوا‬ ‫ولعل يف قول محمد ابن سالَّم الجمحي‪،‬‬ ‫قريبني من زمنه‪َّ .‬‬ ‫يف كتابه «طبقات فحول الشُّ عراء»‪ ،‬إنه «أشْ َع ُر ال َّناس‬ ‫َو ِ‬ ‫اح َدةً»‪ ،‬وهو يقصد ُم َعلَّ َقتَه‪ ،‬ما يُشري إىل أهمية هذا‬ ‫الشَّ ا ِعر الشَّ اب‪ ،‬الذي شغل قبيلتَه‪ ،‬كام شغل بعض ملوك‬ ‫وسادة زمنه‪ ،‬من مثل عمرو بن هند‪ ،‬الذي كان ندمياً له‪،‬‬ ‫وسيكون َحتْ ُف طرفةَ‪ ،‬عىل يَ َديْ ِه‪ ،‬أو بأمر منه‪ ،‬وفق ما‬ ‫تتداوله املرويات القدمية‪.‬‬

‫مكانتُه بني ُش َعراء َزما ِنه‬

‫مل يكن ابن سالَّم ليضع طرف َة ضمن الطبقة الرابعة من‬ ‫الشُّ َعراء الجاهلِ ِّيني‪ُ ،‬رفْ َق َة عبيد بن األبرص‪ ،‬وعلقمة بن‬ ‫عبدة‪ ،‬وعدي بن زيد‪ ،‬لوال ما َح ِظ َي به من مكانة بني‬ ‫الشُّ َعراء‪ ،‬وهي املكانة التي كانت القبيلة تحتفي بها قبل‬ ‫غريها‪ .‬أو كام قال عنه أبو العالء املعري‪ ،‬يف كتابه «رسالة‬ ‫الغفران»‪« :‬لَ ْو لَ ْم يَ ُك ْن ل ََك أَث َ ٌر يف ال َعا ِجلَ ِة إالَّ ق َِصي َدت َُك‬ ‫التي عىل ال َّدا ِل [يقصد ُم َعلَّقَته] لَ ُك ْن َت قَ ْد أَبْ َق ْي َت أثَرا ً‬ ‫َح َسناً»‪ .‬وهو ما قاله عنه الذين قَ َّد ُموه‪ ،‬إ ْذ رأَ ْوا أنه « بَلَ َغ‬ ‫ِب َحداث ِة ِس ِّنه ما بَلَغ القو ُم يف طول أ ْعامرِهم »‪.‬‬

‫اختلفت بني‪ ،‬كل‬ ‫صحيح أن ُم َعلَّ َقتَه‪ ،‬من حيث ترتيبُها‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫من ابن سالم وابن قتيبة‪ ،‬وابن عبدربه‪ ،‬وابن خلدون‪ ،‬من‬ ‫جهة‪ ،‬وأيب زيد القريش‪ ،‬من جهة ثانية‪ ،‬ناهيك عن بعض‬ ‫الحديثني من النقاد‪ ،‬والباحثني يف تاريخ الشِّ ْعر العر ّيب‬ ‫القديم‪ ،‬لكن هذا االختالف‪ ،‬هو يف جوهره‪ ،‬تعبري عن هذا‬ ‫ال َقلَق الذي ت ُثريه هذه املعلَّقَة‪ ،‬وما َح َملَتْه يف طيَّاتِها من‬ ‫ري‪ ،‬كان فارقاً يف الرؤية‪ ،‬ويف التعبري‪ ،‬أو يف ما‬ ‫نُفُو ٍذ ِش ْع ّ‬ ‫عري‪ ،‬كام ا ْرت َضَ تْه تجربة‬ ‫ميكن اعتبا ُره بالغ َة التعبري الشِّ ّ‬ ‫ري ال َعر ِّيب‪ .‬فهو بَ ِق َي‬ ‫هذه املرحلة من تاريخ القول الشِّ ْع ّ‬ ‫ُموازياً‪ ،‬أو ُم َحايِثاً‪ ،‬من حيث األهميةُ‪ ،‬المريء القيس‪ ،‬هذا‬ ‫السبْق يف صياغة تعبريات‪،‬‬ ‫الشَّ ا ِعر الفاتِح‪ ،‬الذي كان له َّ‬ ‫أصبحت بع َده‪ ،‬تركيباً ِش ْعرياً يتعاقب عليه الشُّ عراء‪.‬‬

‫شا ِع ٌر ُم ْش ِك ٌل‬

‫بني ما كان ُمشْ ِكالً‪ ،‬يف شخصية طرفة‪ ،‬ويف ِش ْعر ِِه‪ ،‬ما‬ ‫ٍ‬ ‫تع َّرضَ ْت له حياته من الْ ِت َب َاس ٍ‬ ‫إضافات‪ ،‬ساهمت يف‬ ‫ات‪ ،‬أو‬ ‫املعنى األسطوري لشخصية هذا الشَّ ا ِعر الشَّ اب‪ ،‬وهو ما‬ ‫زاد ِش ْع ُرهُ من مضاعفته‪ ،‬لِماِ َ طاله من تعديل‪ ،‬أو ت َ َق ِّو ٍل‪،‬‬ ‫أعني ما د َُّس يف شعره‪ ،‬مام ليس من كالمه‪ ،‬وال مام فكَّر‬ ‫فيه‪ ،‬وهذا وضع ال يعني طرفة وحده‪ ،‬بل إنه مرتبط‬ ‫بطبيعة السياق الشفاهي لذي مل يكن التدوين فيه‬ ‫واردا ً‪ ،‬إال يف حدود ضيقة ج ّدا ً‪ ،‬ورمبا محسوبة عىل رؤوس‬ ‫األصابع‪ ،‬كام يُقال‪.‬‬ ‫كان طرف َة ُم ْعتَ ّدا ً بنفسه‪ ،‬أو كام ُرو َِي عن خاله املُتَلَ ّمس‬ ‫«كان طرفة غُالماً معجباً‪ ،‬تائهاً‪ ،‬يَتَ َخل َُّج يف ِمشْ َي ِته»‪ .‬وله‪،‬‬ ‫مذهب‬ ‫«مذهب يف الحياة واضح َجليِ ٌّ ‪:‬‬ ‫بتعبري طه حسني‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬ ‫اللَّ ْهو واللَّذَة‪ ،‬يعمد إليهام من ال يؤمن بيشء بعد املوت‪،‬‬ ‫وال يطمع من الحياة إالَّ فيام ت ُتيح له من نعيم‪ ،‬بريء من‬ ‫اإلثم والعار‪ ،‬عىل ما كان يفهمهام عليه هؤالء الناس»‪.‬‬

‫يف َمه َِّب ال ِّريح‬

‫ِيس ًة يف يَ ِد عمرو بن‬ ‫فكام َج َنى عىل نفسه‪ ،‬حني أصبح فَر َ‬ ‫هند‪ ،‬فهو َج َنى عىل نفسه‪ ،‬حني أفْ َر َدت ْه عشريته‪ ،‬وتحا َمتْه‪،‬‬ ‫ليصري ِمقيامً يف ال َع َرا ِء‪.‬‬ ‫وهذه األبيات التي اخْترَ ْت ُها له‪ ،‬هنا‪ ،‬هي بني ما قاله من‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪143‬‬


‫ديوان العرب‬

‫ِش ْعرٍ‪ ،‬يفضح فيه هذا ال َعراء الذي أصبح عليه‪ ،‬وما طاله‬ ‫من ُغ ْربَة وبَينْ ٍ ونَ َوى‪ ،‬حني أصبح دون ِحاميَ ٍة‪ ،‬أو َم ْع ُزوالً‪،‬‬ ‫جانب‪.‬‬ ‫تَأْكُلُه ال ِّريح من ِّ‬ ‫كل ٍ‬ ‫ليس ال ِّنداء عىل ابنة مالك‪ ،‬هنا‪ ،‬يف مثل هذا الوضع‬ ‫الفَجائِ ِع ّي املأساوي‪ ،‬سوى تعبريٍ عن الحاجة لِ َر ِفيقٍ ‪ ،‬أو‬ ‫زيل به عن نفسه‪ ،‬ما‬ ‫َص ًدى‪ ،‬باألحرى‪ ،‬لِ َي ْستَأْنِ َس به‪ ،‬أو يُ َ‬ ‫أصبح فيه من خَالء‪ .‬فامل ُنادَى‪ ،‬هو َص ْوتٌ ‪ ،‬أو ِقناعٌ‪ ،‬من‬ ‫خالله يحاول طرف َة كَسرْ هذا ال َو ْجد الذي شَ َّفهُ‪َ ،‬و َهدَّهُ ‪،‬‬ ‫ولِ ُم َوا َج َهة هذا الترَّ َ ُّحل الذي يبدو أنَّه مل يَ ُعد يُطيقُه‪.‬‬ ‫ورغم أ َّن طرفةَ‪ ،‬كام قال‪ ،‬يف غري هذا املكان‪ ،‬ال يَ ْعبَأُ مبا قد‬ ‫يَ ُؤ ُ‬ ‫ول لَ ُه من َم ِصريٍ‪ ،‬وفق ما أ ْو َردَه عنه أبو العالء املعري‪،‬‬ ‫يف الشَّ طْر الخاص به يف «رسالة الغفران»‪ ،‬فهو‪ ،‬هنا‪ ،‬ويف‬ ‫وضع اإلفْرا ِد‪ ،‬تحديدا ً‪ْ ،‬استَشْ َع َر ما َح َاق به من َه ٍ‬ ‫الك‪،‬‬ ‫وما أحاط به من سوا ٍد و َعتمة‪ .‬ما يعني‪ ،‬يف فلسفة هذا‬ ‫الشَّ ا ِعر الشَّ اب الط ِ‬ ‫َّريد‪ ،‬أن املوت‪ ،‬رمبا‪ ،‬يكون أ ْه َون عىل‬ ‫مرغوب فيه من‬ ‫اإلنسان من أ ْن يكون فَ ْردا ً معزوالً‪ ،‬غري‬ ‫ٍ‬ ‫ِق َبل َح ِّيه و َع ِش َريتِه‪.‬‬ ‫يف هذا يَتَبَ َّدى لنا‪ ،‬ولَ ْو يف َم ْع ًنى بعيد‪ِ ،‬مماَّ تَشيِ به حَسرْ َ ُة‬ ‫الشَّ اعر‪ ،‬ووجده‪ ،‬ما كان للقبيلة من َد ْور يف وجود الشَّ اعر‪.‬‬ ‫فبقدر ما كان الشَّ اعر يُضْ ِفي عىل القبيلة من قُ َو ٍة و َم َن َع ٍة‪،‬‬

‫‪144‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫وبقدر ما كان هو اللِّسان الناطق باسمها‪ ،‬يف مواجهة‬ ‫خُصو ِمها‪ ،‬فهو كان يف حاجة للقبيلة التي هي الثَّ ْوب الذي‬ ‫نفسه من العراء‪ ،‬ومن بَطْش الريح‬ ‫كان الشَّ اعر يقي به َ‬ ‫التي ت َ ُر ُّد عليه ما بَ ِق َي عليه من ث َ ْو ٍب‪.‬‬ ‫فالقبيل ُة هي ال َّدار التي فيها يَ ْستَشْ ِعر الشَّ اعر ال ُح ِّريَ َة‬ ‫واألَ ْم َن‪ .‬فَ َوضْ ُع ال َعراء‪ ،‬ال يقبله طرفة‪ ،‬رغم ما يُبْ ِديه من‬ ‫نفسه عىل الصَّبرْ وال َجلَد‪.‬‬ ‫ُمكابَ َرة‪ ،‬أو ما يُحاول به أن يُ ْجبرِ َ‬ ‫الشَّ ْو ُق وال َحن ُني‪ ،‬وال َّر ْغبَة يف العودة لـ «الوطن»‪ ،‬و ُمعانَقَة‬ ‫األهل ِ‬ ‫واألح َّبة واألصدقاء‪ ،‬كانت كلها‪ِ ،‬مماَّ أ َّر َق طرف َة‬ ‫وأَ ْر َهقَه‪ ،‬يف هذه التجربة القاسية‪ ،‬تجربة اإلقصاء والنفي‪،‬‬ ‫والغربة الضرَّ ا َرة‪ ،‬أو اإلفراد‪ ،‬بتعبري طرفة نفسه‪ .‬فهو مفرد‬ ‫بال َج ْمعٍ‪ ،‬بال َح ٍّي‪ ،‬وبال َص ْو ٍت‪ ،‬مث َّة َص ًدى‪ ،‬هو ما يرتدَّد يف‬ ‫يح فيه بكل يشء‪.‬‬ ‫هذا الخالء ال َقفْر الذي َعبَث َِت ال ِّر ُ‬

‫ِخ َص ُال ِش ْع ِره‬

‫بَ ِق َي أسلوب طرفةَ‪ ،‬يف شعره‪ ،‬متم ِّيزا ً ِ‬ ‫بخصا ٍل‪ ،‬بَ َدت‬ ‫مالمحها يف معلقته التي كانت ع َمالً استثنائياً‪ ،‬قياساً‬ ‫مبا سيقوله الشاعر الحقاً‪ ،‬أو مبا َسيُ ْن َس ُب له من ِش ْعرٍ‪.‬‬ ‫فهو حتى يف ما ْاستَ ْو َحا ُه من ألفاظ وتعاب َري من محيطه‬ ‫البدوي‪ ،‬كان حريصاً عىل تفادي الغريب من الكالم‪ ،‬أو ما‬ ‫قد نعتربه نحن اليوم غريباً‪ .‬فليس يف شعره ما يُحيل عىل‬ ‫االبتذال والت َق ُّعر‪ ،‬أو استعامل ال ُحوشيِِّ ‪ِ ،‬مماَّ مل يكن اللِّسان‬ ‫يَ ْستَ ِسيغُه‪ .‬بل إنه كان مشغُوالً‪ ،‬ال بـ «فتنة القول»‪ ،‬بتعبري‬ ‫الجاحظ‪ ،‬بقدر ما كان مشغوالً بهذا األمل الذي َ‬ ‫حاق به‪،‬‬ ‫وجعله يتكلَّم مبا اعرتاه من ِجراح‪ .‬وهذا ما دفع طه حسني‬ ‫ليقول عن شعره‪ ،‬إ َّن فيه «لَينْ يف غري ضعف‪ ،‬وشدة ولكن‬ ‫يف غري عنف»‪ ،‬وفيه إىل جانب هذا «قوة وحياة وروح»‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫فش ْع ِريَة طرفة‪ ،‬هي ِشعرية َحيَ ِويَة وحياة‪ .‬ما يعني أن‬ ‫الذين د َُّسوا عليه‪ ،‬هم أيضاً‪ ،‬حتى يف ما يبدو أنه مدسوس‪،‬‬ ‫شاب‪ ،‬كان‬ ‫حاولوا محاكاة هذه الحيوية‪ ،‬التي هي حيوية ٍّ‬ ‫يف شعره يصدر عن وعي متق ِّدم بأهمية الشَّ اعر يف فضاء‬ ‫القبيلة‪ ،‬وبأهمية القبيلة يف وجود الشَّ اعر‪ ،‬أي يف وضعه‬ ‫داخل القبيلة‪ ،‬و يف صريوة هذا الوجود ذاتِه‪ .‬فام قد يطال‬ ‫الشَّ ا ِعر من اقْ ِتالعٍ‪ ،‬هو مقدمة لِ َه ٍ‬ ‫الك‪ ،‬أو هو الهالك نفسه‪،‬‬ ‫مبا يعنيه من وجود يف العراء‬


‫بشار بن برد‬

‫بشار بن برد‬

‫قتيل الغزل‬ ‫بشار بن برد أحد الشعراء الذين قتلتهم القصيدة وحرية التعبير‪ ،‬مثله مثل المتنبي‪ ،‬وقد اختلف الرواة بين‬ ‫من نسب السبب الى شعره الغزلي‪ ،‬وبين من عزا األمر الى شعره الهجائي ومواقفه السياسية‬

‫يوسف مكي‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪145‬‬


‫ديوان العرب‬

‫عندما يُذكر الهجاء يف الشعر العريب هناك قامئة طويلة‬ ‫من الشعراء اله ّجائني منذ الجاهلية مرورا بالعهد األموي‬ ‫والعبايس ثم العصور الالحقة حتى اآلن ‪ ،‬وضمن هذه‬ ‫القامئة البد من ذكر الشاعر العبايس بشار بن برد باعتباره‬ ‫احد كبار الشعراء الهجائني ‪ ،‬وهو الشاعر الذي مأل الدنيا‬ ‫باشعاره الهجائية التي جرت مجرى الرياح يف الجهات االربع‬ ‫أوان الدولة االموية‪ ،‬وجزءا من االمرباطورية العباسية ‪.‬‬ ‫طبعا مل يكن بشار هو الشاعر اله ّجاء الوحيد يف العرص‬ ‫العبايس ‪ ،‬فقد كان هناك شعراء آخرون لهم باع طويل يف‬ ‫شعر الهجاء والعتاب امثال ‪ :‬املتنبي ‪ ،‬وابن الرومي ودعبل‬ ‫الخزاعي ‪ ،‬والرشيف الريض ‪ ،‬وغريهم ‪.‬‬ ‫واذا كان بعض الشعراء قد قتلهم هجاؤهم كام هو معروف‬ ‫بالنسبة للمتنبي ودعبل الخزاعي ‪ ،‬فإن بشار بن برد قتله‬ ‫شعره الغزيل ‪ ،‬وتشبيبه بالنساء ‪ ،‬ومل يقتله هجاؤه ‪ .‬ومبقدار‬ ‫ما عرف عنه انه شاعر ه ّجاء بامتياز ‪ ،‬فهو شاعر غزيل‬ ‫ومشبب بالنساء بامتياز ايضا ‪.‬‬ ‫فقد عرف عنه ان كان يشبب بالنساء حيث كان تشبيبه‬ ‫رصيحا وشخصيا ومكشوفا ولطيفا تجاه من يتغزل فيهن ‪،‬‬ ‫وذلك بخالف ماعرف من تشبيب يف العرص األموي حيث‬ ‫كان التشبيب مييل اىل املواربة والعفاف ‪ ،‬واصبح عىل يد‬ ‫بشار اكرث اثارة ‪.‬‬ ‫عاش بشار بن برد يف الفرتة بني ‪ 784 - 714‬و ُع ّمر حوايل ‪70‬‬ ‫عاما عاش نصفها يف الدولة األموية والنصف اآلخر يف الدولة‬ ‫العباسية ‪ ،‬وبذلك يعترب من املخرضمني الذين عايشوا فرتة‬ ‫االضطراب واالنتقال من دولة األمويني اىل دولة العباسيني ‪.‬‬ ‫كان الهجاء والغزل ركيزتني اساسيتني يف حياة وشعر بشار ‪،‬‬ ‫ورمبا كان الغزل اكرث اهمية من الهجاء يف الحياة الشخصية‬ ‫لبشار بحكم تكوينه الشخيص ‪ ،‬ودليلنا عىل ذلك عدد النساء‬ ‫الاليت تغزل فيهن وذكر اسامءهن ‪ ،‬ومقدار التهديد الرسمي‬ ‫الذي انتابه من جراء هذا الغزل ‪ ،‬مام اضطر الخليفة‬ ‫العبايس اىل تهديده باشد العقوبات ‪ ،‬مام يعني ان بشارا ً قد‬ ‫تجاوز الحدود يف عرف السلطة العباسية ‪ ،‬ومن املعروف‬ ‫ان الخليفة املهدي قد هدده برضورة االمتناع عن التشبيب‬ ‫بالنساء ‪ ،‬فامتنع عىل مضض يف الظاهر ‪ ،‬لكنه مل ميتنع يف‬ ‫الباطن ‪ ،‬فاخذ يحتال يف غزله وتشبيبه مع االشارة اىل منع‬

‫‪146‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫يستطيع تمييز النساء‬ ‫من خالل اصواتهن‪ ،‬حيث‬ ‫يتمتع بذاكرة سمعية‬ ‫عوضته عن البصر‬ ‫املهدي له ‪.‬‬ ‫تغ ّزل بشا ُر يف كثري من النساء ‪ ،‬وكان مولعا بهن عىل الرغم‬ ‫من كونه كفيف البرص منذ والدته ‪ ،‬لكنه كان حساسا وعارفا‬ ‫بطبائعهن ومياال اىل مجالستهن ‪ ،‬ويستطيع متييز النساء‬ ‫من خالل اصواتهن ‪ ،‬حيث يتمتع بذاكرة سمعية عوضته‬ ‫عن البرص ‪ ،‬وعىل ذلك يبني غزله وتشبيبه لهن ‪ .‬اليس هو‬ ‫القائل ‪:‬‬ ‫يا قو ُم ‪ ،‬أذين ِ‬ ‫الحي عاشق ٌة‬ ‫لبعض ّ‬ ‫واألذ ُن تعشق قبل العني احياناً‬ ‫ويقال إن اول غزل ‪ ،‬اوتشبيب لبشار كان يف فتاة مغنية‬ ‫اسمها فاطمة فاستحسنها من صوتها وعشقها ‪ .‬يضاف اىل‬ ‫هذه املرأة نساء اخريات مثل سلمى ‪ ،‬وصفراء ‪ ،‬واسامء‪،‬‬ ‫وحبّى ‪ ،‬والرباب ‪ ،‬وحمدة ‪ ،‬وسعدى ‪ ،‬وبانة ‪ ،‬وخشّ ابة ‪،‬‬ ‫و َعبْدة ‪.‬‬ ‫وفيام يبدو انه تولع من بني هاته النسوة بآخراهن « َعبْدة‬ ‫« وفيام يتعلق بغزل بشار ملحبوبته عبدة ينقل لنا ابو‬ ‫الفرج االصفهاين يف االغاين بعض اخباره ‪ ،‬وانه « كان لبشار‬ ‫مجلس يجلس فيه يقال له البرَ َدان ‪ .‬فبينا هو يف مجلسه‬ ‫ذات يوم وكان النساء يحرضنه ‪ ،‬إذ سمع كالم أمرأة يقال‬ ‫لقت‬ ‫لها َعبْدة يف املجلس ‪ ،‬فدعا غالمه فقال ‪ :‬إين قد ُع ُ‬ ‫أمرأة ‪ ،‬فإذا تكلمت فأنظر َم ْن هي وأعرفها ‪ ،‬فإذا انقىض‬ ‫محب‬ ‫ُ‬ ‫املجلس وأنرصف أهله فأتبعها وكلّمها وأ ْعلمها أين لها ّ‬ ‫وأنشدها هذه االبيات وع ّرفها أين قلتُها فيها « ‪ .‬اما األبيات‬ ‫فهي ‪:‬‬ ‫فقلت لهم‬ ‫قالوا مب ْن ال ترى تهذي ُ‬ ‫األذ ُن كالعني تُويف القلب ما كانا‬ ‫كنت اول مشغوف بجارية‬ ‫ما ُ‬ ‫يَ��ل��ق��ى بلقيانها روح����اً وري��ح��ان��ا‬


‫بشار بن برد‬

‫قصيدة طويلة تسمى البائية ‪ ،‬والتي يقول يف مطلعها ‪:‬‬ ‫يا قوم أذين لبعض الحي عاشق ٌة‬ ‫واألذن تعشق قبل ال��ع�ين أحيانا ل��ق��د زادين م���ا ت��ع��ل��م�ين ص��ب��اب�� ًة‬ ‫ويضيف صاحب االغاين « فابلغها الغالم االبيات فهشت لها‬ ‫إل��ي��ك ‪ ،‬فللقلب ال��ح��زي��ن وجيب‬ ‫‪ ،‬وكانت تزوره مع نسوة يصحبنها فيأكلن عنده ويرشبن‬ ‫وم����ا ت��ذك��ري��ن ال���ده���ر إال تهللت‬ ‫نفسها»‬ ‫وينرصفن بعد ان يحدثها وينشدها وال تطمعه يف‬ ‫ِ‬ ‫ال��ي��ك غُ���روب‬ ‫لعيني م��ن ش���وق‬ ‫َّ‬ ‫ومن اقواله فيها ‪:‬‬ ‫أب���ي���ت وع��ي��ن��ي ب���ال���دم���وع ره��ي��ن�� ٌة‬ ‫ق��ال��ت ُع��ق��ي��ل ب��ن ك��ع��ب إذ تعلقها‬ ‫وأص��ب��ح َص��ب��ا ‪ ،‬وال���ف���ؤاد كئيب‬ ‫قلبي فاضحى ب��ه م��ن حبها اث�� ُر‬ ‫إذا ن��ط��ق ال���ق���و ُم ال��ج��ل��وس فأنني‬ ‫أىن ومل ت���ره���ا ت���ه���ذي ف��ق��ل��ت لهم‬ ‫��ك��ب ‪ ،‬كأنني يف الجميع غريب‬ ‫ُم ٌّ‬ ‫رص‬ ‫اىل آخر القصيدة ‪.‬‬ ‫إن ال��ف��ؤاد ي��رى م��ا ال ي��رى الب ُ‬ ‫اص��ب��ح��ت ك��ال��ح��ائ��م ال���ح��� ّران مجتنبا‬ ‫ال شك ان تشبيب بشار الرصيح امنا يعكس واقع الحياة‬ ‫مل ي��ق ِ‬ ‫��ض وردا وال يُ��رج��ى ل��ه َص��� َد ُر‬ ‫االجتامعية يف العرص العبايس من جهة ‪ ،‬والحال النفسية‬ ‫وله يف عبدة اشعار غزل كثرية تؤكد متانة الحب والعالقة‬ ‫والشخصية لبشارنفسه من جهة اخرى ‪ .‬فهو يف الحالتني ابن‬ ‫املتبادلة فيام بني بشار ومحبوبته ‪ ،‬ومنها ‪:‬‬ ‫بيئته الحضارية وما ميور فيها من احداث وتغريات ‪ .‬فغزله‬ ‫امنا يعكس اجواء الحياة املتنوعة ومباذلها يف العرص العبايس‬ ‫ي������ ّزه������دين يف ع�����ب�����دة م��ع�شر‬ ‫واملتمثلة يف اجواء املتعة والعبث واللهو واملجون ‪ ،‬باالضافة‬ ‫ق��ل��وب��ه��م ف��ي��ه��ا م��خ��الِ��ف�� ٌة قلبي‬ ‫اىل اجواء امللذات الحسية وغري الحسية ‪.‬‬ ‫فقلت دع��و قلبي وم��ا اخ��ت��ار وارت�ضى‬ ‫قُتل بشار ‪ ،‬وقاتله الخليفة املهدي ‪ ،‬اما تهمة القتل املعلنة‬ ‫فبالقلب ال بالعني يُبرص ذو ال ُح ِب‬ ‫فهي الزندقة ‪ .‬لكننا النظن ان هذه التهمة كافية لقتله ‪،‬‬ ‫ف�ما ت��ب�صر ال��ع��ي��ن��ان يف م��وض��ع ال��ه��وى‬ ‫خاصة انه صاحب موقف فكري معروف من االصل ‪ ،‬وكان‬ ‫وال تسمع األذن����ان إال م��ن القلب‬ ‫يف بدايته من الشخصيات األوىل يف حركة املعتزلة يف البرصة‬ ‫الصبا‬ ‫الحسن إال ك ُّ‬ ‫��س��نٍ دع��ا ِّ‬ ‫ُ��ل ُح ْ‬ ‫وم��ا ْ‬ ‫‪ ،‬و انشق عنهم فيام بعد ‪.‬‬ ‫الصب‬ ‫وألّ��ف بني العشق والعاشقِ‬ ‫ّ‬ ‫لكن فيام يبدو ان خروجه عىل منع املهدي بالتشبيب‬ ‫كام عرب عن مدى هيامه وشوقه اليها بقوله ‪:‬‬ ‫بالنساء وذكر اسامئهن هو السبب الحقيقي ملوته الرتاجيدي‬ ‫مل ي���ط���ل ل���ي�ل�ي ول����ك����ن مل ان���م‬ ‫‪ ،‬او رمبا يعود ذلك اىل االثنني – التشبيب والزندقة ‪ .‬لقد‬ ‫ون���ف���ى ع��ن��ي ال���ك���رى ط��ي��ف امل‬ ‫قتل بشار بن برد ‪ ،‬فيام بقي‬ ‫وإذا ق���ل���ت ل���ه���ا ج�������ودي ل��ن��ا‬ ‫شعره عابرا للزمن ‪ ،‬وشاهدا‬ ‫خ��رج��ت ب��ال��ص��م��ت ع���ن ال ون��ع��م‬ ‫عىل زمنه ‪ ،‬وشاهدا عىل قاتله‬ ‫رف���ه���ي ي����ا ع���ب��� َد ع���ن���ي وع��ل��م��ي‬ ‫‪ .‬وال يهم إ ْن قُتل بسبب شعره‬ ‫أن���ن���ي ي���ا ع��ب��د م���ن ل��ح��م ودم‬ ‫الغزيل ‪ ،‬او الزندقة ‪ .���خاصة اذا‬ ‫إن يف بُ����������� ْرد َّي ج���س�م�ا ن��اح�لا‬ ‫عرفنا ان هذه التهمة كانت من‬ ‫ِ‬ ‫ت�����وك�����أت ع��ل��ي��ه ل��ن��ه��دم‬ ‫ل����و‬ ‫نصيب اصحاب الفكر املستنري‬ ‫ال�����ح�����ب ل���ه���ا يف ع��ن��ق��ي‬ ‫خ���ت���م‬ ‫ُّ‬ ‫يف الثقافة العربية ‪ ،‬وبطبيعة‬ ‫م��وض��ع ال��خ��ات��م م��ن أه���ل ال��ذم��م‬ ‫الحال يعترب بشار احدهم‬ ‫وله اشعار كثرية يف التغزل يف صاحبته عبدة من بينها‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪147‬‬


‫ديوان النبط‬

‫الماجدي بن ظاهر‬ ‫عاش الماجدي بن ظاهر قبل ما يقارب ‪ 350‬سنة وأكثر‪ ،‬ولكن مكان والدته في اإلمارات‬ ‫غير معروف‪ .‬وتؤكد بعض الروايات أنه ولد وعاش أغلب حياته في مدينة الذيد بالمنطقة‬ ‫الوسطى من إمارة الشارقة ‪،‬أما مكان وفاته وقبره فهو معروف ويقع في منطقة «أم‬ ‫الخايوس» بقرية «الخرّ ان» التي تبعد حوالي ‪ 30‬كم جنوب مدينة رأس الخيمة التي تعد‬ ‫بوابة المنطقة البريّ ة إلمارة رأس الخيمة‪.‬‬ ‫ُحفظت أشعار بن ظاهر في صدور الناس منذ القدم‪ ،‬وتناقلها األجداد واآلباء لتصل إلى‬ ‫أحفادهم‪ ،‬كما حفظت في مخطوطات ُفقد الكثير منها‪ ،‬و عُ رف من قصائده ‪ 13‬قصيدة‬

‫نبطية‪ ،‬مع بعض األبيات المتفرّ قة هنا وهناك‪ ،‬إال أنه في الفترة األخيرة اكتشفت له أكثر من‬ ‫قصيدة عن طريق بعض كبار السن‪ ،‬حيث دونها الباحث في الشعر الشعبي األستاذ حماد‬ ‫الخاطري وأثبتها في كتابه المعنون «أعذب األلفاظ من ذاكرة الحفاظ» ‪ ،‬وذلك في سنة‬ ‫ً‬ ‫شعبيا بين معظم كبار السن‪.‬‬ ‫‪ ،2002‬وهي قصيدة رائعة أغلب أبياتها حكم وأمثال تتداول‬

‫‪148‬‬ ‫‪148‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫الماجدي بن ظاهر‬

‫يقول الفهيم املايدي بن ظاهر‬

‫‪1‬‬

‫ي��ق��ول الفهيم «امل���اي���دي ب��ن ظاهر»‬

‫تْ��ع��ي��د ال��ف��ه��ام��ا يف امل���ث���ل ل�� ْن��ظ��ار‬

‫ب�� ْوص��ي��ك ي��ا م��غ��رور ع��ن رسق غيبها‬

‫اح�����ذر ْوح�������ذّر م�� ّن��ه��ا األخ���ي���ار‬

‫م��ا ال��ع��وق م ال��ب�ّي�نّ ال��ع��وق ْم��ن الخفي‬ ‫س���ع���ادة ال���دن���ي���ا رشاغ�����ة ح��ي��ات��ه��ا‬

‫أن ع���دت يف ن��وم��ك ْوج��ت��ك أق���دار‬ ‫وم���ا ط���ال فيها ْم���ن األع��م�ار قْ��ص��ار‬

‫�ش�ره���ا‬ ‫ت����روي����ك خ��ي��رٍ ث����م ت���ن���وي ب ّ‬ ‫ك���م ف��� ّرق���ت م���ن خ�ّي�رّ ي���ن ْوج��م��ل��ه��م‬

‫غ��������� ّدار ٍة م��ن��ه��ا ت ْ���ب�ي�ن أخ���س���ار‬ ‫ْوك����م غ���اب ع��ن��ه��ا م��ن م��ق��ام خْ��ي��ار‬

‫ال���ح���ي ف��ي��ه��ا م��س��ت��ح��ثْ ْوش���اق���ي‬ ‫ّ‬

‫ويْ���س�ي�ر ع��ن��ه��ا م���ا ق�ض�ى ل���ه ك��ار‬

‫رب ال���ع���ب���اد غنيمة‬ ‫و ْم����ع����ارشة ْ‬

‫ح��س�� ْن ْوج��م�ال ويف ال���وج���وه أن���وار‬

‫‪2‬‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪149‬‬


‫ديوان النبط‬

‫وم���ن خ���ان ع��ه��د ال��ل��ه وارشك غ�يره‬ ‫أال وا ص��ب��ان��ا وا ْم���غ�ّل�يّ قْ���دورن���ا‬ ‫أال وا رب��ي��ع ال��ط��ي��ب ج��ان��ا وال بطأ‬ ‫ث�ل�اث�ي�ن ع����ارشت����ه بْ����ل����ذّة وط��ي��ب��ة‬ ‫ن��ت��ح��س��ب أن ال��ص��ب��ا رب���ي���عٍ ْم�ل�ازم‬ ‫ّ‬ ‫أص��ب��ح ل��ن��ا ال��ش��ي��ب بْ��س��واب��ق لحانا‬ ‫ه���� ْز ال��ع��ض��أ م��� ّن���ا وك��ّس��رّ ظ��ه��ورن��ا‬ ‫ودن���ي���اك ه����ذي داي�����مٍ م��ث��ل ب��ن��در‬ ‫ب���� ّد األرح������ام وال ت��خ��ام��ل بْضيفك‬ ‫ودن���ي���اك واح����د ط��ب��ع��ه��ا م���ا ت��غ�ّي�رّ ت‬ ‫ك����م ح����اك����مٍ ف��ي��ه��ا ق��ّض��ىّ و ْم��ّض�ّ‬ ‫وت���را ال��ش��ي��خ��ان وإن ض��ع��ف ش��وره��ا‬ ‫وال���ش���ي���خ داي�����م ش���وي��� ٍر بْ��ن��ف��س��ه‬ ‫ويل م��ا ي��ج�� ْر السيف م��ن جنب قاميه‬ ‫‪8‬‬ ‫وال��ح��ن��ظ�لي ي�� ْن��ش��اف يف ك���ل دي���رة‬ ‫م��ن وص���ل ب��ي��ت ال��ن��ذل يبغي م��ع�� ّزة‬ ‫وم���ن د ّور ال��ج��ود م��ن غ�ير صاحبه‬

‫(‪ )1‬ل ْنظار‪ :‬األنظار‪.‬‬

‫(‪ )2‬كار‪ :‬عمل أو فائدة‪.‬‬

‫‪150‬‬ ‫‪150‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫‪3‬‬

‫ج�����زاه يف ن����ار ال��ج��ح��ي��م اس��ع��ار‬

‫‪4‬‬

‫ق�ض�ى وام���ت�ض�ى ع��� ّن���ا دور ن��ه��ار‬ ‫أق��ف��ى وال ع��رف��ن��ا ل��ه ع�لى م��ق��دار‬

‫وآخ�����ر ج��ف�� ّن��ي ص��اف��ي��ات أن��ح��ار‬

‫‪5‬‬ ‫‪6‬‬

‫ٍ‬ ‫ض��ي��ف يْ��ج��ي��ك وس��ار‬ ‫واث����ر ال��ص��ب��ا‬ ‫ك�ما الح ب���أط���راف ال���ع���ذوق غْ��ف��ار‬

‫‪7‬‬

‫وأم��س��ى رشا ه���ج���نٍ ع�ل�ى م��ظ��ه��ار‬ ‫وال����ن����اس ف��ي��ه��ا ط�����ارح ْوس���فّ���ار‬ ‫وال م���ن غ��ري��ب إالّ ن��ق��ل ل��خْ��ب��ار‬ ‫ت��ط��ح��ن رح��اه��ا م��ا تْ��ع��رف أع���ذار‬ ‫ب��ش�� ّب��ان ح���رب ْوص���اف���ن���ات أم��ه��ار‬ ‫تْ�������وليّ أن�������ذال ال���ع���ب���اد أش�����وار‬ ‫وي���ش���ور بْ��ن��ف��س��ه ك��ي��ف م���ا يختار‬ ‫ي��ع�ثر وال ل���ه م���ن رصوف أف��ك��ار‬ ‫ويْ���خ�ّض�رّ ل���و أن����ه ب�����دون ْح��ظ��ار‬ ‫يْ������رد وج���ه���ه ي���س���ت���زي���د ع��ب��ار‬ ‫م��ث��ل م��ن رك���ب ب�ين األم��ه��ار ْح�مار‬

‫(‪ )3‬اسعار‪ :‬من سعري جهنم‪.‬‬ ‫(‪ )4‬دور نهار‪ :‬أي يوم واحد‪.‬‬


‫الماجدي بن ظاهر‬

‫واح����ذر ل��ول��د ال��ن��ذل ت���دين بْنفسك‬

‫ل����و ك����ل ي������ومٍ ل����ه ي����ن���� ّزل ب���ار‬

‫وال���ج���ار ل���و ي��ع��ط��ي��ك م����� ّرة ْوم����� ّرة‬ ‫��ي�ن م���ا درت ب�� ْي��س��اره��ا‬ ‫ت��ع��ط��ي مي ٍ‬

‫زي���ن�ي�ن ظ���اه���ر وال���ق���ل���وب أن��ك��ار‬

‫ب��ال�شي م��ا يعتني به‬ ‫ويل م��ا درى‬ ‫ْ‬ ‫وص����لّ����وا ع�ل�ى خ�ي�ر ال��ب�راي����ا محمد‬

‫سعيفك اليمنى وال��ع��ض��ي��د يْ��س��ار‬ ‫وال����ش����ور زي���ن���ة لْ������وايف األش���ب���ار‬ ‫ب���اع���داد م��ا غْ�� ّن��ى ال��ح�مام ْوط���ار‬ ‫الرسومات عبدالقادر الريس‬

‫مصدر القصيدة ‪:‬حامد الخاطري ‪« -‬أعذب األلفاظ من ذاكرة الحفاظ» ‪ -‬ج‪2002 ،1‬‬ ‫(‪ )5‬ربيع الطيب‪ :‬يقصد به الشيب‪.‬‬

‫(‪ )7‬غْفار‪ :‬مرض الغبار الذي يصيب رطب النخل‪.‬‬

‫(‪ )6‬صافيات أنحار‪ :‬يقصد بها الصبايا‪.‬‬

‫(‪ )8‬الحنظيل‪ :‬نبات الحنظل وهو نبات شديد املرارة‪.‬‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪151‬‬


‫ديوان النبط‬

‫الشعر النبطي‬ ‫إشكالية المصطلح‬ ‫الفنان اسامعيل الشيخيل‬

‫ثمة لبس في ما يتعلق بمصطلح الشعر النبطي‪،‬ال يتوقف عند االجتهادات المختلفة حول أصل‬ ‫التسمية‪،‬بل يذهب إلى حد عدم التفريق بين الشعر النبطي والشعر الشعبي وفق التسميات‬ ‫المتداولة بين بالد الخليج وبقية البلدان العربية‬

‫د‪ .‬إبراهيم أحمد ملحم‬

‫‪152‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫إشكالية المصطلح‬

‫تنافس تسميات مختلفة «الشعر النبطي»‪ ،‬فنحن‬ ‫نجد من الدارسني َم ْن استخدم هذه التسمية مرادفة‬ ‫لـ«الشعر الشعبي»؛ إذ نج ُد كتابًا عنوانه «موسوعة‬ ‫الشعر النبطي الشعبي»‪ ،‬ويشتمل عىل مقدمة ونصوص‬ ‫مختلفة من األقطار العربية‪ ،‬ويحمل كل نص اسم‬ ‫نصوصا لشعراء إماراتيني‪،‬‬ ‫القائل‪ ،‬وقد أورد املؤلف‬ ‫ً‬ ‫هم‪ :‬فتاة العرب‪ ،‬أحمد بن خليفة الهاميل‪ ،‬مانع سعيد‬ ‫العتيبة‪ ،‬محمد بن راشد آل مكتوم‪ ،‬محمد راشد‬ ‫الكعبي‪ ،‬محمد مطر حمد تعيب الكعبي‪.‬واستخدم يف‬ ‫املقدمة تسمية «األدب الشعبي»‪ ،‬ومل يستخدم تسمية‬ ‫«الشعر النبطي» نهائيًّـا(‪ .)1‬ونجد آخ َر يضع عنوانًا‬ ‫لكتابه «الشعر النبطي‪ :‬أضواء عىل القصيدة الشعبية»‪،‬‬ ‫وهو دراسة تتناول النصوص التي تتحدث عن العرس يف‬ ‫منطقة “اللجاة” يف حوران‪ ،‬ويف الوقت الذي يستخدم‬ ‫فيه «القصيدة الشعبية»‪ ،‬يضع يف كثري من األحيان‬ ‫بعدها مبارشة «الشعر النبطي»‪ ،‬إضافة إىل أن عناوين النبطي والفصاحة‬ ‫الفصول جميعها تحمل كلمة «الشعبية» وال تحمل‬ ‫من املؤكد‪ ،‬اآلن‪ ،‬أن الشاعر النبطي ليس شاع ًرا شعبيًّـا‪،‬‬ ‫كلمة «النبطية»(‪ .)2‬وهذا يثري تساؤلني يف غاية األهمية‪ ،‬بل إن تسمية «شاعر شعبي» غري صحيحة؛ ألن النص‬ ‫األول‪ :‬هل الشعر النبطي هو نفسه الشعر الشعبي؟‬ ‫الشعبي ال ميكن أن ميلكه شخص واحد‪ ،‬وإنْ كان قد‬ ‫والثاين‪ :‬هل الشعر النبطي مقصور عىل منطقة الخليج‬ ‫بدأ مبنىشء واحد‪ ،‬وفق الرؤية السابقة‪ ،‬فهل نسميه‬ ‫العريب‪ ،‬أم ممتد إىل مناطق مختلفة من الوطن العريب‪« ،‬الشاعر الدارج»؟ لعل اإلجابة عن هذا السؤال تتطلب‬ ‫ومنها حوران؟ ليست اإلجابة املترسعة عن السؤالني‬ ‫استعراض العوامل التي ت ُر ُّد إليها هذه التسمية‪:‬‬ ‫من املنطق يف يشء؛ فاإلجابة عنهام ستقودنا إىل تحديد ‪ 1‬ـ العامل اللغوي‪ :‬مصدر الفعل “نبط” وهو‬ ‫املصطلح‪ ،‬وتساعد عىل الخروج من فوىض الرتادف‪.‬‬ ‫نصوصا منسوجة‬ ‫«االستنباط»‪ ،‬وكأن الشاعر استخرج‬ ‫ً‬ ‫لعل التفريق بني لفظتني‪،‬‬ ‫عىل منوال القصائد العربية‬ ‫هام‪« :‬الشعبي» ‪Folk‬‬ ‫القدمية‪ ،‬ولكن باللهجة الخاصة‬ ‫ليس‬ ‫النبطي‬ ‫الشاعر‬ ‫و«الدارج» ‪popular‬‬ ‫مبجتمعه(‪ ،)5‬وهو يتكئ يف ذلك‬ ‫شاع ًرا شعب ًيّـا‪ ،‬بل إن‬ ‫سيقودنا إىل التفريق بني‬ ‫عىل قفزات حدثت للقصيدة‬ ‫التسميتني السابقتني؛‬ ‫عىل صعيد القوالب املوسيقية‬ ‫تسمية “شاعر شعبي”‬ ‫فاللفظة األوىل تطلق‬ ‫كاملوشحات‪ ،‬أو عىل صعيد اللغة‬ ‫غير صحيحة؛ ألن النص‬ ‫عىل النصوص التي تتوافر‬ ‫حيث بدأت األلفاظ تنحو للبساطة‬ ‫أن‬ ‫يمكن‬ ‫ال‬ ‫الشعبي‬ ‫فيها األمور اآلتية‪ :‬الجهل‬ ‫املفرطة كاملواليا‪.‬‬ ‫يملكه شخص واحد‬ ‫بزمن نشأتها‪ ،‬وتداولها يف‬ ‫‪ 2‬ـ العامل الجغرايف‪:‬��� ‫مجتمع أفراده غري متعلمني‪،‬‬ ‫هناك مواضع يف الجزيرة العربية‬ ‫وخضعت إىل تحويرات أو‬ ‫تقرتب من هذا املسمى‪ ،‬وردت‬

‫تعديالت يف أثناء تداولها عىل األلسنة من شخص آلخر‪..‬‬ ‫لكنها حافظت إىل حد كبري عىل القالب الصياغي‪/‬‬ ‫املوسيقي الذي تصب الكلامت فيه(‪ .)3‬أما اللفظة‬ ‫الثانية‪ ،‬فعادة ما ترتبط باسم قائلها‪ ،‬وإن كانت تحايك‬ ‫الشعبي‪ ،‬ونشأت يف مجتمع يعرف الكتابة‪ .‬وهكذا‪،‬‬ ‫فإن لفظة “الشعبي” ترتبط بالشفاهية األولية‪ ،‬أما‬ ‫لفظة “الدارج” فرتتبط بالشفاهية الثانوية(‪ .)4‬وهذا ما‬ ‫يُخرج كل نص يحمل اسم صاحبه من نطاق الشعبي‬ ‫ليصري يف نطاق «الدارج»‪ ،‬أو «العامي» إذا رأينا أن هذه‬ ‫التسمية “الشعر الدارج” غري متداولة يف الدراسات‪،‬‬ ‫ولكن الدقة العلمية لرتجمة ‪ popular‬تقتيض وجودها‪.‬‬ ‫ويجعل النصوص الرتاثية التي تتوافر فيها األمور السابقة‬ ‫«شعبية» عىل نحو ما نجد فيام قيل يف الغوص للبحث‬ ‫عن اللؤلؤ‪.‬‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪153‬‬


‫ديوان النبط‬

‫«معجم البلدان»‪ ،‬منها «وادي نبط»‪ ،‬أو «نبطا» الواقع‬ ‫يف نواحي املدينة املنورة‪ ،‬قرب حوراء(‪.)6‬‬ ‫‪ 3‬ـ العامل القومي‪ :‬األنباط من العرب القدماء الذين‬ ‫تعرضت حضارتهم لهجامت الروم والبطالسة‪ ،‬ولعل هذا‬ ‫ما جعل وجودهم ينكمش يف حوران‪ ،‬ثم امتد بعدئذ‬ ‫إىل الجزيرة العربية(‪ .)7‬إضافة إىل األنباط‪ ،‬يُرد إىل «بني‬ ‫هالل»‪ ،‬وهي إحدى القبائل العربية التي هاجرت من‬ ‫موطنها األصيل جزيرة العرب إىل املغرب العريب‪ ،‬والشعر‬ ‫النبطي هو شعرهم باألمصار التي مرو بها(‪.)8‬‬ ‫‪ 4‬ـ العامل االصطالحي‪ :‬هناك إشارات يف كتب الرتاث‬ ‫إىل أن كلمة «نبطي» تحمل معنى كلمة «أعجمي»‬ ‫التي تطلق عىل كل كالم داخلته اللكنة‪ ،‬وبدا فيه‬ ‫اللحن(‪.)9‬‬ ‫ما يُالحظ أن العامل اللغوي يحاول أن يتعامل مع‬ ‫تسمية «نبطي» كأنها لفظة صعبة تحتاج إىل معنى‬ ‫نحصل عليه من املعجم‪ ،‬وأن العامل القومي يحاول‬ ‫أن يجعل هذا النمط من الشعر منحد ًرا عن أصول‬ ‫عربية برصف النظر عن مدى دقة القول؛ فاألنباط كانوا‬ ‫قبل اإلسالم‪ ،‬والفرتة الفاصلة ما بني الشعر الجاهيل‬ ‫والشعر العبايس‪ ،‬تبني أن اللغة العربية عاشت يف‬ ‫عرصها الذهبي بحيث‪ ،‬لو افرتضنا أن لغة األنباط‬ ‫كانت عامية‪ ،‬فإن هذه الفرتة كفيلة مبحوها‪ ،‬ما يجعل‬ ‫‪154‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫إمكانية العودة إليها مستحيلة‪ ،‬واألمر نفسه يُقال عن‬ ‫«بني هاللس‪ .‬أما العامل االصطالحي‪ ،‬فمستبعد؛ ألن‬ ‫كلمة “النبط” يف سياقها السابق تنتقص من مكانة َم ْن‬ ‫ت ُطلق عليه‪ ،‬ما يجعل هذه التسمية منفرة‪ ،‬إضافة إىل‬ ‫أن النصوص النبطية القدمية تبينِّ لغتها‪ ،‬بالقياس إىل‬ ‫العامية يف أماكن أخرى أنها تحظى بفصاحة ال ميكن‬ ‫تجاهلها‪ ،‬كام نجد يف شعر املاجدي بن ظاهر‪ ،‬و فتاة‬ ‫العرب‪ ،‬وغريهام‪ ،‬ولعل هذا ما جعل الباحث السعودي‬ ‫سعد العبدالله الصويان يرى أن الشعر النبطي سليل‬ ‫الشعر الجاهيل(‪ ،)10‬وجعل سامل الزمر يربط ألفاظه‬ ‫بالشعر الجاهيل خاصة(‪.)11‬‬ ‫من املؤكد أن لغة الشعر النبطي عامية‪ ،‬وأنها سارت‬ ‫مواكبة زمن ًّيـا للعامية يف العامل العريب‪ ،‬ولكن يف الشعر‪،‬‬ ‫تغطي كلمة «النبطي» عليها‪ ،‬لتعطيها سامت مميزة‪.‬‬

‫النص الغنايئ‬

‫لقد استبعدتُ العوامل الثالثة السابقة؛ ألنها بكل‬ ‫بساطة مل تستطع أن تصل يب إىل الحد األدىن من اليقني‪،‬‬ ‫ويف الوقت نفسه‪ ،‬مل أرد أن أصل إىل الفراغ‪ ،‬فأبقيت‬ ‫ما ميكن أن أطمنئ إليه‪ ،‬وهو العامل الجغرايف‪ ،‬وذلك‬ ‫لألسباب اآلتية‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ أننا أمة شاعرة بطبيعتها‪ ،‬ولن نضع الشعر حتى‬


‫إشكالية المصطلح‬

‫إليها عند الحديث عن الشعر الدارج‪ ،‬وأهمها‪ :‬ارتبط‬ ‫تضع اإلبل حنينها؛ فالشعر ديواننا الخالد‪ ،‬وصعوبة‬ ‫الشعر يف مجتمع ثقافته ال تساعد عىل فهمه ليس يعني ملكية النص بصاحبه‪ ،‬وسيادته يف مجتمع يعرف الكتابة‪.‬‬ ‫تسد فيها تسمية «الشعر‬ ‫‪ 2‬ـ أن الجزيرة العربية مل ُ‬ ‫ترك الشعر‪ ،‬بل خلق الشعر ولكن بثوب يختلف عام‬ ‫العامي»‪ ،‬وأن تسمية «الشعر النبطي»مستقرة‪ ،‬وال‬ ‫يرتديه الشاعر‪ ،‬وهو اختالف ال يصل إىل الضدية‪ .‬لقد‬ ‫حمل األدب الشعبي فكرة البطولة بعد أن مترد الشاعر يوجد غريها‪ ،‬بينام تحظى تسمية “الشعر العامي” يف‬ ‫أماكن أخرى من الوطن العريب بالسيادة‪ ،‬ومنها‪ :‬حوران‪،‬‬ ‫عىل املتلقي‪ ،‬فصارت هناك فجوة يف فهم الشعر‪ ،‬منذ‬ ‫ولو حاولنا استبدل تسمية مكان أخرى لظهر لدينا‬ ‫قيل أليب متام «ملَ ال تقول ما يُفهم؟»‪ ،‬فكان جوابه «ملَ‬ ‫الخلط والفوىض‪ .‬وال شك يف أن استقرار أي مصطلح من‬ ‫ال تفهم ما يُقال» فابتكر الشعب ما يقوله‪ ،‬وسلب‬ ‫املصطلحات يف مكان ما يتطلب غياب املصطلحات التي‬ ‫الشاعر حق ملكية النص(‪ .)12‬نشأ النص الشعبي‬ ‫تزاحمه يف املكان نفسه‪ ،‬وال يتحقق هذا األمر إال يف‬ ‫الغنايئ منه‪ ،‬وغري الغنايئ يف‬ ‫حالة كون السياق الذي يعيش‬ ‫أماكن مختلفة من الوطن‬ ‫النصوص النبطية القديمة فيه يتداوله منذ زمن بعيد‪ .‬أما‬ ‫العريب‪ ،‬ونشأ الشعر الدارج‬ ‫تسمية «الشعر البدوي» التي‬ ‫أو العامي الذي ميتلكه‬ ‫تبيِّن لغتها‪ ،‬بالقياس إلى‬ ‫استخدمها ابن خلدون مرادفة‬ ‫منشئه وحده فيام بعد‪ .‬يف‬ ‫العامية في أماكن أخرى‬ ‫لتسمية «الشعر النبطي» فذلك‬ ‫الجزيرة العربية‪ ،‬نشأ النص‬ ‫يعود إىل كون معظم منتجي‬ ‫أنها تحظى بفصاحة ال‬ ‫الشعبي الغنايئ متمثالً يف‬ ‫هذا الشعر من قاطني البادية‬ ‫فكرة‬ ‫أمور كثرية‪ ،‬تتجىل فيها‬ ‫يمكن تجاهلها‪ ،‬كما نجد‬ ‫أو منحدرين منها‪ ،‬وهي عىل‬ ‫البطولة‪ ،‬سواء أكان ذلك يف‬ ‫في شعر الماجدي بن‬ ‫الرغم من دقتها إال أنها مل‬ ‫أغاين الغوص‪ ،‬كام أرشت‪ ،‬أو‬ ‫ظاهر‪ ،‬و فتاة العرب‬ ‫تكتب السيادة الكافية لتحل‬ ‫أغاين األطفال‪ .‬ونشأ الشعر‬ ‫مكان تسمية «الشعر النبطي»‪.‬‬ ‫النبطي‪ ،‬أيضً ا‪ ،‬وهو يتخذ‬ ‫‪ 3‬ـ أن تسمية الشعر منسوبًا‬ ‫السامت العامة التي أرشت‬ ‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪155‬‬


‫ديوان النبط‬

‫إىل املكان الذي نشأ فيه تنطوي عىل قدر كبري من‬ ‫الصحة؛ فشعر الرتوبادور أو الشعراء الجوالني ـ الذي‬ ‫حظي بجامهريية غري مسبوقة ـ من ضمن ما يُطلق‬ ‫عليه «الشعر الربوفانيس»؛ ألنه نشأ يف إقليم بروفنس‬ ‫‪ Provance‬جنوب فرنسا يف أواخر القرن الحادي عرش‬ ‫امليالدي‪ ،‬وهناك غموض يف األصول التي اتكأ عليها‪،‬‬ ‫أو تأثر بها(‪ .)13‬وهذا ما يجعلني أميل إىل القول بأن‬ ‫تسمية “الشعر النبطي” ترتد إىل «وادي نبط»‬ ‫يف نواحي املدينة املنورة‪ ،‬عىل الرغم من الغموض‬ ‫املحيط بتلك النشأة‪ ،‬وصعوبة القول بأن شاع ًرا ما كان‬

‫َ‬ ‫قصد القصيد‪ .‬وليس مينع هذا أن ميتد الشعر‬ ‫أول َم ْن َّ‬ ‫خارج الجزيرة العربية‪ ،‬ومنها حوران‪ ،‬كام امتد شعر‬ ‫الرتوبادور من «بروفنس» إىل أماكن أخرى يف أوروبا‪،‬‬ ‫وليس مينع من أن تكون البداية مستنبطة من املضمون‬ ‫الفكري الذي حمله الشعر القديم‪ ،‬والذي يدور حول‬ ‫البطولة مبفهومها الواسع‪ ،‬ومستنبطة من القوالب‬ ‫املوسيقية القدمية‪ ،‬ومستنبطة‪ ،‬أخ ًريا‪ ،‬من اللغة الفصيحة‬ ‫نفسها‪ .‬لقد نفى عدد من الدارسني هذا األمر؛ لكون َم ْن‬ ‫طرحه ال ميتلك دليالً‪ ،‬وتناسوا أننا ال منتلك‪ ،‬أيضً ا‪ ،‬أية‬ ‫أدلة ترجح عامالً عىل آخر‬

‫‪ .1‬انظر‪ :‬الحنيطي‪ ،‬صالح‪ :‬موسوعة الشعر النبطي الشعبي‪ ،‬دار أسامة‪ ،‬األردن ‪( 2003‬املقدمة)‪.‬‬ ‫‪ .2‬انظر‪ :‬الحاتم‪ ،‬منصور عبد‪ :‬الشعر النبطي‪ :‬أضواء عىل القصيدة الشعبية‪ ،‬دار عشرتوت‪ ،‬دمشق‬ ‫‪( 1999‬املدخل)‪.‬‬ ‫‪ .3‬حدد هذه األمور الكزاندر هجريت كراب‪ ،‬انظر كتابه‪ :‬علم الفلكلور‪ ،‬ترجمة‪ :‬رشدي صالح‪ ،‬دار‬ ‫الكتاب العريب‪ ،‬القاهرة ‪ ،1967‬ص‪.253‬‬ ‫‪ .4‬ورد هذان املصطلحان يف كتاب والرت أونج‪ ،‬انظر‪ :‬الشفاهية والكتابية‪ ،‬ترجمة‪ :‬حسن البنا عز الدين‪،‬‬ ‫املجلس الوطني للثقافة والفنون واآلداب‪ ،‬الكويت ‪ ،1994‬ص‪.53‬‬ ‫‪ .5‬انظر‪ :‬السعيد‪ ،‬طالل‪ :‬الشعر النبطي‪ ،‬ذات السالسل‪ ،‬الكويت ‪ ،1981‬ص‪ 18‬ـ ‪.19‬‬ ‫‪ .6‬انظر‪ :‬املرجع السابق‪ ،‬ص‪.17‬‬ ‫‪ .7‬ذهب إىل ذلك‪ :‬جواد عيل‪ ،‬وصادق بخيت‪ .‬للتفاصيل‪ ،‬انظر‪ :‬الحسن‪ ،‬غسان‪ :‬الشعر النبطي يف‬ ‫منطقة الخليج والجزيرة العربية‪ ،‬املجمع الثقايف‪ ،‬أبوظبي ‪ ،1990‬ج‪ ،1‬ص‪.108‬‬ ‫‪ .8‬انظر‪ :‬السعيد‪ ،‬طالل‪ :‬املرجع السابق‪ ،‬ص‪ 20‬ـ ‪.21‬‬ ‫‪ .9‬ذهب إىل ذلك‪ :‬عبد الله بن محمد بن خميس‪ ،‬وعيل عبد الله خليفة‪ ،‬وأحمد أمني املدين‪ .‬للتفاصيل‪،‬‬ ‫انظر‪ :‬الحسن‪ ،‬غسان‪ :‬املرجع السابق‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪ 120‬ـ ‪.124‬‬ ‫‪ .10‬انظر‪ :‬الشعر النبطي‪ :‬ذائقة الشعب وسلطة النص‪ ،‬دار الساقي‪ ،‬ط‪ ،1‬بريوت ‪ ،2000‬ص‪ 93‬ـ ‪.102‬‬ ‫‪ .11‬راجع دراسته‪ :‬غوص يف أعامق لغة الشعر النبطي‪ :‬النبطي الفصيح‪ ،‬دار الصدى‪ ،‬ديب ‪.2009‬‬ ‫‪ .12‬للتفاصيل‪ ،‬راجع كتايب‪ :‬الرتاث والشعر‪ ،‬عامل الكتب الحديث‪ ،‬األردن ‪.2010‬‬ ‫‪ .13‬انظر كتايب‪ :‬قراءة اآلخر‪ :‬القصيدة العربية والنظريات األجنبية‪ ،‬عامل الكتب الحديث‪ ،‬األردن‪،‬‬ ‫ص‪ 146‬ـ ‪.147‬‬

‫‪156‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫أدب البدو‬

‫الفنان‪ :‬جون سينغر‬

‫أدب البدو‬

‫في كتابات الرحالة والمستشرقين‬ ‫الفرنسيون يحاولون اللحاق بالركب‬

‫‪3‬‬

‫في الحلقة الثالثة من دراسته القيمة يواصل الباحث السعودي سعد العبدهللا الصويان اقتفاء آثار‬

‫الرحالة والمستشرقين الذين كان لهم السبق في جمع ادب البدو في الجزيرة العربية وبادية الشام‬

‫سواء على مستوى تدوين الشعر النبطي او تقديمه بلغات اجنبية ضمن نظرة استشراقية للمنطقة‬ ‫تتفاوت بين رحالة وآخر‬

‫سعد العبدهللا الصويان‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪157‬‬


‫ديوان النبط‬

‫يف‬

‫من مالحظات عىل هذه الروايات وصحتها التاريخية إال‬ ‫سنة ‪1919‬م نرش كارلو دي الندبرج ‪Carlo‬‬ ‫أن صياغتها جيدة وأسلوبها جميل ولغتها قريبة جدا من‬ ‫‪ de Landberg‬ثالث سوالف بقصائدها‬ ‫جمعها أثناء تجواله يف منطقة حوران‪ .‬ويشري الندبرج إىل لغة البدو وطريقتهم يف الحديث والرواية‪.‬‬ ‫أنه جمع السالفة األوىل والثالثة من فالح مسيحي يدعى يف الثالثينات من هذا القرن امليالدي نرش روبرت مونتان‬ ‫‪ Robert Montagne‬بعض السوالف والقصائد التي‬ ‫موىس رارا من أهايل قرية خبب التي تقع يف ��وران‪.‬‬ ‫دونها من رواة شمر الجزيرة‪ .‬إثنتان من هذه السوالف‬ ‫والغريب أن الندبرج يدعي أن موىس هذا أكد له أنه‬ ‫والقصائد تتعلقان بحياة شايع بن مرداس االمسح‬ ‫هو الذي أمىل عىل فيتشتاين يف دمشق السالفة التي‬ ‫لخصناها أعاله وأن فيتشتاين مل يذهب بتاتا إىل مضارب الشمري ومغامراته‪ ،‬والبقية تتألف من ستة عرش سالفة‬ ‫بقصائدها جمع العرش األوىل منها من هل ّيل العلوان من‬ ‫قبيلة ولد عيل كام يدعي‪ .‬السالفة األوىل التي يوردها‬ ‫عبدة وجمع الخمس التي تليها من محمد الخشان من‬ ‫الندبرج سالفة ماجد الحرثيب مع قصيدته التي مطلعها‬ ‫حسب هذه الرواية «ياعمرو يامشكاي يافرحتي شوف» الخرصة واألخرية جمعها من قبيلة طي‪ .‬والقيمة األدبية‬ ‫ومجموع أبياتها سبعة عرش بيتا‪ .‬لكن السالفة كام أوردها لهذه السوالف ضعيفة جدا ويبدو أن الرواة الذين أخذ‬ ‫الندبرج تختلف كلية عام هو متداول بني الرواة يف نجد عنهم مونتان ليسوا عىل املستوى املطلوب‪ .‬وواضح‬ ‫وشامل الجزيرة العربية‪ .‬كام تختلف أيضا رواية السالفة من عناوين هذه السوالف أنها من األدب املتداول يف‬ ‫البادية العربية لكن الروايات النجدية حسب ما سمعتها‬ ‫الثالثة التي تتحدث عن سعدون العواجي وما جرى له‬ ‫مع شامخ عن تلك التي أوردها محمد بن أحمد السديري وجمعت بعضا منها بنفيس من مصادر شفهية أفضل من‬ ‫هذه بكثري‪.‬‬ ‫يف كتابه أبطال من الصحراء‪ .‬كام يورد الندبرج سالفة‬ ‫عن شيخ من شيوخ البادية يسمى الحياري وانتصاره عىل‬ ‫الدايل موىس الذي أرسلته الدولة العثامنية للقضاء عليه‪ .‬صدارة فنلندية‬ ‫بعد انتصاره عىل الدايل يقول الحياري قصيدة من مثانية وبعد ذلك مرت فرتة فرتت فيها الجهود االسترشاقية يف‬ ‫عرش بيتا يبدأها بقوله «يقول الحياري الذي شاع ذكره‪ //‬مجال جمع ودراسة الشعر النبطي وإن كانت نشطت‬ ‫وحمد الفتى قبل الفعال ضالل»‪ .‬وعىل الرغم مام أوردناه بشكل ملحوظ فيام يتعلق بدراسة اللهجات‪ .‬وسبق أن‬ ‫أملحنا إىل أن فنلندا‪ ،‬عىل يد أوغست والني‪ ،‬لها فضل‬ ‫السبق والريادة من حيث االهتامم األكادميي بالشعر‬ ‫النبطي‪ .‬ويف السبعينات من القرن املايض تعود فنلندا‬ ‫من المصادر المفيدة في‬ ‫مرة أخرى عىل يد الربوفسور هاييك بالفا ‪Heikki Palva‬‬ ‫دراسة شعر البادية أعمال‬ ‫من جامعة هلسنيك لتحتل مركز الصدارة يف هذا املجال‪.‬‬ ‫الباحث كلينتون بيلي‬ ‫والربوفسور بالفا عامل مرموق يف مجال الدراسات اللغوية‬ ‫واألسلوبية‪ ،‬وخصوصا دراسة اللغات السامية واللهجات‬ ‫‪ Clinton Bailey‬الذي أمضى‬ ‫العربية وأسلوب الرواية الشفهية‪ ،‬ومؤلفاته يف هذا املجال‬ ‫حوالي عشرين عاما في‬ ‫أكرث مام يسمح املجال بحرصه هنا‪ .‬وترتكز اهتامماته عىل‬ ‫دراسة أحوال بادية سيناء‬ ‫دراسة لهجات بادية األردن مثل الحويطات والعجارمة‬ ‫وصحراء النقب‬ ‫وبني صخر ومناطق السلط والبلقا وحصبان‪ .‬ونرش بالفا‬ ‫مقالة عن قضايا الوزن يف الشعر البدوي من وجهة النظر‬ ‫اللغوية‪.‬‬

‫‪158‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫أدب البدو‬

‫الفنان جون فريدريك لويس‬

‫وال تخلو دراسات بالفا اللغوية من النفس األديب نظرا‬ ‫لطبيعة املادة التي يتعامل معها والتي تتألف معظمها‬ ‫من سوالف وقصائد شفهية يسجلها من الرواة أثناء‬ ‫وجوده بني أهل املناطق والقبائل املذكورة‪ .‬ودراسات‬ ‫بالفا عظيمة الفائدة من الناحية اللغوية واألسلوبية‪ ،‬لكنها‬ ‫قد تكون أقل قيمة من الناحية األدبية بالنسبة للمهتمني‬ ‫بالشعر النبطي‪ .‬من يقرأ السوالف والقصائد التي يوردها‬ ‫يف دراساته ال يخامره أدىن شك يف أن منشأها من نجد‬ ‫ومن القبائل التي تقطن شامل الجزيرة العربية‪ .‬لكنها‬ ‫أثناء هجرتها إىل األردن وفلسطني تصبح عىل ألسنة الرواة‬ ‫من الفالحني هناك مختلفة اختالفا واضحا عن األصل‬ ‫املتداول يف نجد‪ ،‬وتطرأ عليها تحوالت جذرية ال من‬ ‫حيث اللغة وال من حيث املضمون‪ ،‬لدرجة أن القصائد‬ ‫تختل أوزانها وتفقد الكثري من نسيجها الشعري ورونقها‬ ‫الفني‪ .‬وأشك أن أصحاب النظر واملتذوقني لهذا اللون من‬ ‫األدب من أهايل نجد والبادية سيستسيغون هذه النامذج‬ ‫ويستمتعون بها لو ألقيت عىل مسامعهم‪ .‬ومرد ذلك إىل‬ ‫التباين اللغوي والثقايف بني البيئة األصلية التي نشأ فيها‬ ‫هذا اللون من األدب وبني بيئة الفالحني التي جمع منها‬

‫بالفا مادته‪.‬‬

‫االسترشاق املعارص‬

‫ومن املسترشقني املعارصين الذين لهم عناية بجمع‬ ‫نصوص من األشعار والسوالف البدوية من مصادرها‬ ‫الشفهية ودراستها دراسة لغوية بروس انغام ‪Bruce‬‬ ‫‪ Ingham‬من جامعة لندن‪ .‬نرش انغام يف عام ‪١٩٨٦‬م‬ ‫كتابا من مائة وخمس وثالثني صفحة عن قبيلة الظفري‬ ‫وتاريخها مع دراسة لغوية‪ .‬ويف هذه الدراسة يورد انغام‬ ‫أربعة عرش سالفة بقصائدها استقى أكرثها من نايف‬ ‫بن حمود بن سويط والباقي من محمد بن سعدون بن‬ ‫سويط ومهدي بن دغيّم القاسمي ومطني بن مجوي‬ ‫الخالدي‪ .‬وكل هذه السوالف والقصائد تدور حول‬ ‫تاريخ قبيلة السويط وأفعالها يف العصور السابقة‪ .‬ومن‬ ‫املقاالت املمتعة واملفيدة التي نرشها انغام مقالة له عن‬ ‫املصطلحات الخاصة باإلبل عند قبيلة املرة‪ ،‬وله مقالة‬ ‫نقدية عن «السالفة» كجنس أديب‪.‬‬ ‫ومن املصادر املفيدة يف دراسة شعر البادية أعامل‬ ‫الباحث كلينتون بييل ‪ Clinton Bailey‬الذي أمىض حوايل‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪159‬‬


‫ديوان النبط‬

‫عرشين عاما يف دراسة أحوال بادية سيناء وصحراء النقب‬ ‫ونرش العديد من املقاالت وكتابا بعنوان‬ ‫‪ Bedouin Poetry from Sinai and the Negev‬يحتوي‬ ‫الكثري من القصائد التي جمعها من الرواة والشعراء البدو‬ ‫ونرشها بنصوصها العربية مع ترجامت إنجليزية‪ .‬وتتسم‬ ‫أعامل بييل بالنزعة اإلثنولوجية حيث أنه يركز عىل النواحي‬ ‫الثقافية واالجتامعية والتاريخية ويلجأ إىل الشعر للحصول‬ ‫عىل معلومات من هذا القبيل‪ .‬ويؤخذ عىل بييل ضعف‬ ‫الجانب اللغوي يف أبحاثه حيث من الواضح أن تأهيله‬ ‫يف العلوم اللسانية يعاين من القصور وهو ال يجيد لغة‬ ‫البدو إجادة تسمح له بفهم أشعارهم وتذوقها عىل الوجه‬ ‫الصحيح‪ .‬ومع ذلك تبقى مؤلفات بييل من أهم املراجع‬ ‫التي يف أيدينا عن شعر بادية سيناء والنقب‪.‬‬ ‫ومن املالحظ أن الدراسات اللغوية تحتل مركز الصدارة‬ ‫يف معظم جهود املسترشقني التي استعرضناها حتى‬ ‫اآلن‪ .‬وجمع نصوص القصائد النبطية والسوالف البدوية‬ ‫وتحليلها بالنسبة لهؤالء املسترشقني الذين تحدثنا عنهم‬ ‫ليس أمرا مطلوبا لذاته وإمنا هو يأيت كحاشية الهتاممات‬ ‫أخرى أشمل وأعم مثل دراسة اللهجات العربية واللغات‬ ‫السامية والدراسات التوراتية‪ .‬والقليل من هؤالء له اهتامم‬ ‫مثال بالدراسات الشعبية أو األنرثوبولوجية أو الدراسات‬ ‫األدبية املقارنة‪ .‬بل إن البعض منهم‪ ،‬مثل ألربت سوسني‪،‬‬ ‫يثري الشكوك والتساؤالت حول القيمة الفنية والجاملية‬ ‫لهذا األدب ويتعامل معه باستعالء شديد‪ .‬وبدون التقليل‬ ‫من أهمية هذه الدراسات وقيمتها العلمية إال أنه ال يوجد‬ ‫بينها ما يصلح يف نظري كمدخل أديب جيد للشعر النبطي‬ ‫يربز خصائصه الفنية وسامته الجاملية‪ .‬هذا املدخل األديب‬ ‫مفقود يف جميع هذه األعامل وال يتوفر إال يف كتابات‬ ‫املسترشق الهولندي املعارص مارسيل كوربرسهوك ‪Marcel‬‬ ‫‪ .Kurpershoek‬انصب اهتامم كوربرسهوك يف بداية حياته‬ ‫العلمية عىل األدب العريب املعارص‪ ،‬وخصوصا فن الرواية‬ ‫والقصة‪ ،‬وكتب رسالته للدكتوراه عن يوسف إدريس‪.‬‬ ‫وبعد أن عني موظفا يف السفارة الهولندية بالرياض بدأ‬ ‫اهتاممه بلهجة نجد والشعر النبطي‪ .‬وطوال السنني التي‬ ‫أمضاها يف عمله بالسفارة كان دؤوبا عىل مجالسة الرواة‬

‫‪160‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬

‫والشعراء النبطيني البارزين وقراءة الدواوين الشعرية‬ ‫املطبوعة وكل ما يتعلق بالشعر النبطي من مصادر‬ ‫تاريخية وجغرافية حتى أصبح يفهم هذا الشعر ويتذوقه‬ ‫ويتحسس مواطن الجامل فيه واإلبداع بشكل يفوق‬ ‫جميع من سبقه من املسترشقني‪ .‬ثم صار يشد الرحال‬ ‫إىل البادية ومييض األسابيع واألشهر يجوب الفلوات حتى‬ ‫سرب حياة البدو ومتثل قيمهم واستوعب طرائقهم يف‬ ‫السلوك والتفكري والتعبري‪.‬‬ ‫نرش كوربرسهوك العديد من الدراسات واملقاالت عن‬ ‫الشعر النبطي باللغات العربية والهولندية واإلنجليزية‪.‬‬ ‫ومن أهم أعامله كتابان األول صدر عام ‪١٩٩٤‬م ومجموع‬ ‫صفحاته ‪ ٣٦٨‬صفحة وهو عبارة عن جمع ودراسة ألخبار‬


‫أدب البدو‬

‫الفنانة كارولني اميييل هيل‬

‫وأشعار الشاعر عبدالله بن محمد بن حزيّم الدورسي‬ ‫امللقب الدندان من الحرارشة من الرجبان جمعها من‬ ‫الشاعر نفسه أثناء تجواله معه يف بادية وادي الدوارس‪.‬‬ ‫واآلخر صدر عام ‪١٩٩٥‬م ومجموع صفحاته ‪ ٥١٠‬صفحات‬ ‫وهو جمع ودراسة ألخبار وأشعار الفارس شليويح بن‬ ‫ماعز العطاوي وأخيه بخيت جمعها مشافهة من خالد‬ ‫بن مشعان بن فاجر بن شليويح العطاوي أمري مركز عبال‬ ‫قرب عفيف‪ .‬هذا باإلضافة إىل كتاب ثالث عن أشعار‬ ‫الدوارس وكتاب رابع يشتمل عىل الفهارس واملعاجم‪ .‬وكل‬ ‫هذه الكتب نرشتها دار بريل ‪ Brill‬يف اليدن ‪Lieden‬‬ ‫بهوالندا‪ .‬وتتميز دراسات مارسيل بالدقة العلمية والعمق‬ ‫والشمولية والفهم الواعي والسليم ملعاين الشعر النبطي‬

‫ولغته وصوره وأساليبه الفنية‪.‬‬ ‫وهناك عمالن مهامن البد من اإلشارة لهام ولو باقتضاب‬ ‫وإن كانا يقعان جغرافيا وثقافيا عىل هامش دائرة‬ ‫الشعر النبطي‪ .‬هذان العمالن هام دراسة ‪Lila Abu-‬‬ ‫‪ Lughod‬عن أشعار نساء قبيلة ولد عيل يف صحراء مرص‬ ‫الغربية ودراسة ‪ Steve C. Caton‬عن شعر قبائل بكيل‬ ‫يف منطقة خوالن الطيال رشق اليمن‪ .‬أرى أن هذين‬ ‫العملني ميثالن منوذجا ممتازا يف تطبيق املقرتب النقدي‬ ‫األنرثوبولوجي يف دراسة الشعر العامي ومحاولة الغوص‬ ‫إىل أعامق الوظائف النفسية واالجتامعية لهذا األدب‬ ‫ومحاولة استكشاف البنى الذهنية والشعورية التي‬ ‫تشكله‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪161‬‬


‫كاميرا‬

‫عدسة املصور أمجد صندوقة‬

‫�أبوظبي يف ال�ضباب‬ ‫‪162‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


‫حروفية أنس مالك‬

‫‪issue (8)- January - 2013‬‬

‫‪163‬‬


‫من أعامل الفنان اإلمارايت عبدالرحيم سامل‬ ‫‪164‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )8‬كانون الثاني‪/‬يناير‪2013/‬‬


bayt_alshier_8