Issuu on Google+

1

issue (7)- December - 2012


‫‪2‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫اإلمارات أرض القصيدة الخضراء‬ ‫تقف النخلة هنا بكل جامل وشاعرية‪ ،‬جذرها ضارب يف الرمال ورأسها مرفوع لألعىل‪،‬‬ ‫رانية من جهة نحو البحر وأخرى اىل الصحراء‪ .‬خرضاء عىل مدى الفصول‪ ،‬فتية ال تعرف‬ ‫الشيخوخة‪ ،‬ال تهزها ريح وال يضنيها صيف أو شتاء‪ .‬تلك هي سرية الكائن العريب منذ‬ ‫القدم‪ ،‬انسان عينه إىل السامء وروحه عىل االرض‪ ،‬راسخ حتى حني يسافر بعيدا‪.‬‬ ‫هي القصيدة ديوان العريب ومستودع أرساره‪ ،‬ال ينام وال تكتحل عيناه بالنور إال وهو‬ ‫ممسك بخيط القصيد‪ ،‬ال سفر وال إياب بال شعر‪ ،‬ال فرح وال حزن‪ ،‬ال شوق وال نجوى من‬ ‫دون الكلامت‪ ،‬وكأن الكلمة مفتاح حكمة العريب‪ ،‬الراحل بني األزمنة والتواريخ‪ ،‬يرافقه‬ ‫اإلميان ويحفظ القصيد سريته‪ ،‬مرساته وأشواقه‪ ،‬نبض قلبه ونوازع روحه مكتوب بحرب‬ ‫الشعر‪.‬‬ ‫لإلمارات سرية القصيدة التي تشكلت من مزيج وجدان صاف وفكرة عظيمة وحلم كبري‪.‬‬ ‫لقد جاء من ينرث القصيد يف الرتاب‪ ،‬ويبذر الكالم الحر والنافع يف أرض معطاء‪ ،‬يك ينبت من‬ ‫أحالم الناس أمل يتسع ويفيض عىل مدى الوطن العريب والعامل‪.‬‬ ‫كان ذلك املولود قبل ‪ 41‬سنة‪ ،‬جاء بهمة رجال ال تثنيهم الصعاب‪ ،‬أحفاد اآلباء الكبار‪،‬‬ ‫األسالف الذين حموا هذه األرض املباركة‪ ،‬وسهروا قرب آالمها وآمالها‪ ،‬وكان ميلؤهم إميان‬ ‫عميق بأنهم أصحاب أمانة غالية‪ ،‬تجاه األرض واإلنسان‪ .‬األجداد واآلباء الذين ربطوا‬ ‫رشعوا أبوابها عىل أفق‬ ‫مرشق هذه االرض مبغربها‪ ،‬شاملها بجنوبها‪ ،‬صحراءها ببحرها‪ ،‬و ّ‬ ‫فسيح‪ ،‬وفتحوا نوافذها إىل حلم ظل يكرب كل يوم عىل قدر آمال البرش ووفائهم‪ ،‬فكانت‬ ‫القصيدة الخرضاء‪ ،‬إبنة هذه العزمية التي رفع عامدها رجل شجاع وكريم‪ ،‬مؤمن بأرضه‬ ‫وتاريخه‪ ،‬هو املغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله‪ ،‬هذا الغائب الحارض‪،‬‬ ‫الذي أينام سار املرء يف االمارات يجد ذكراه تتجدد يف الناس والبناء والعمران‪ ،‬حامل شعلة‬ ‫املعرفة والتنوير‪ ،‬صاحب األيادي البيضاء‪ ،‬والفكرة الكبرية‪ ،‬رجل خيمة الشعر‪ ،‬صديق الطري‬ ‫والنبات‪ ،‬ساري فجر اإلتحاد وفارس القافلة‪.‬‬ ‫حني تحرض ذكرى اتحاد اإلمارات العربية يقف التاريخ باحرتام أمام هذا الرجل الرمز‪،‬‬ ‫الكريم‪ ،‬الذي أعطى التنمية جل اهتاممه‪ ،‬وكان صاحب رؤية خاصة‪ ،‬جمع بحكمته بني‬ ‫األرض والبرش‪ ،‬جذّر الناس يف تاريخهم وتراثهم‪ ،‬وأطلق احالمهم نحو املستقبل‪ ،‬فكانت‬ ‫هذه البالد آمنة وعزيزة بنفسها وناسها وكل من ينعم بهوائها ويسري عىل ترابها‪ ،‬هي رؤية‬ ‫انسانية آتية من فصاحة األسالف وعمقهم‪ ،‬نظرتهم إىل مكانتهم ومكانهم يف الكون وبني‬ ‫بقية البرش‪ ،‬رؤية تصدر عن موروث العريب األصيل‪ ،‬إبن الرسالة والكتابة والقراءة‪.‬‬ ‫الشيخ زايد مل يكن يرى اإلمارات يف يومها فقط‪ ،‬بل يف ماضيها وحارضها ومستقبلها‪ ،‬وهو‬ ‫الذي علّم جيال وراء جيل رس الحكمة يف االتحاد‪ ،‬فكان منجزه الكبري مفخرة عربية بامتياز‪،‬‬ ‫ومثار إعجاب شعوب العامل قاطبة‪.‬‬ ‫يصدر عددنا هذا من مجلة «بيت الشعر»‪ ،‬يف الذكرى الحادية واالربعني لالتحاد‪ ،‬ونحن‬ ‫إذ نستذكر بإجالل واحرتام كبريين ذكرى القائد املؤسس الشيخ زايد‪ ،‬فإننا نبارك بهذه‬ ‫املناسبة العزيزة لخليفته صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة‬ ‫حفظه الله‪ ،‬وأصحاب السمو أعضاء املجلس األعىل لالتحاد حكام اإلمارات‪ ،‬ولشعب‬ ‫اإلمارات كافة‬

‫بشري البكر‬

‫تصدر كل أول شهر عن بيت الشعر يف أبوظبي‬ ‫نادي تراث اإلمارات‬

‫مدير التحرير‬ ‫بشير البكر‬ ‫سكرتري التحرير‬ ‫عبد اهلل أبو بكر‬ ‫التحرير‬ ‫رنا زيد‬

‫املدير الفني‬ ‫فواز ناظم‬ ‫االخراج والتنفيذ‬ ‫ناصر بخيت‬

‫املراسلون‬

‫بيروت‪ -‬فيديل سبيتي‬ ‫الرباط‪ -‬حكيم عنكر‬ ‫باريس‪ -‬محمد المزديوي‬ ‫القاهرة‪ -‬حمزة قناوي‬ ‫روما‪ -‬حذام الودغيري‬ ‫صنعاء‪ -‬أحمد السالمي‬


‫الفنان حسني زياين‬

‫اتحاد اإلمارات‬ ‫قصيدة خضراء‬ ‫‪67-43‬‬ ‫‪18‬‬ ‫‪ 20‬سليم بركات ‪ ..‬لغة تلد أخرى‬ ‫‪ 21‬قاسم حداد ‪ ..‬جرح يف املايض‬ ‫‪ 22‬الهنوف محمد ‪ ..‬جوار الجديد والقديم‬ ‫‪ 23‬نصوص‪ :‬حبيب الزيودي‪،‬نجاح العرسان‪،‬هزبر محمود‪،‬فارس سباعنة‪،‬عبداللطيف‬ ‫محمد البريكي ‪ ..‬القصيدة عىل بحر القلق‬

‫الوراري‪،‬خالد املعايل‪،‬نضال حامرنة‪،‬عبري حسني ابراهيم‪،‬ضياء الربغويث‪،‬اسامء رمرام‪،‬عمر ابو‬ ‫الهيجاء‪،‬زليخة ابو ريشة‪،‬سليامن جوين‪،‬صفاء خلف‪ ،‬ابراهيم محمد ابراهيم‬

‫ زايد رجل للتاريخ‪..‬سامح كعوش‬‫ زايد ضمري االتحاد‪..‬د‪.‬ابراهيم أحمد ملحم‬‫ املشهد الشعري النسوي ‪..‬مفيد نجم‬‫‪ -‬تحقيق‪ :‬محمد الربييك‪ ،‬يوسف عبد العزيز‪ ،‬ابراهيم اليوسف‪ ،‬عبدالله السبب‪.‬‬

‫‪144‬‬ ‫لبيد بن ربيعة‬

‫لسانان في نص واحد‬

‫املواد املنشورة تعرب عن رأي اصحابها وال تعرب بالرضورة عن رأي املجلة‬ ‫‪4‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫‪www.poetryhouse-ad.ae‬‬

‫‪42‬‬ ‫‪ 43‬ملف ‪ ..‬سرية اإلتحاد والقصيدة‬ ‫نظري ًا ‪ ..‬صبحي حديدي‬

‫الغالف‪:‬‬

‫ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان‬‫‪ -‬لوغو بيت الشعر للفنانة الرا قبطان‬

‫عناوين املجلة‬ ‫االدارة والتحرير‪:‬‬ ‫االمارات العربية املتحدة‪-‬ابوظبي‬ ‫هاتف‪+97124916333 :‬‬ ‫امييل‪bashir@cmc.ae :‬‬

‫أبوظبي لإلعالم‪-‬توزيع‬ ‫الرقم املجاين ‪8002220 :‬‬ ‫لالتصال من الخارج‬ ‫‪+97124145000‬‬ ‫فاكس ‪+971 24145050 :‬‬

‫‏‪distribution@admedia.ae‬‬ ‫مسؤول التوزيع‪ :‬زياد النجار‬

‫حقوق نرش الصور واملوضوعات الخاصة محفوظة للمجلة‬


‫المحتويات‬

‫‪115‬‬

‫‪126‬‬

‫‪68‬‬ ‫‪ 72‬كاظم جهاد ‪ ..‬سجال حول الرتجمة‬ ‫‪ 77‬مختارات‪ ..‬شعر النساء يف أمريكا الالتينية‬ ‫‪ 90‬حوار ‪ ..‬أحمد عبد املعطي حجازي‬ ‫‪ 96‬في الشعر ‪ ..‬يوسف عبد العزيز‪،‬معاذ بني عامر‬ ‫‪ 101‬تحقيق ‪ ..‬الشاعر والعمل‬ ‫‪ 110‬حائط ابيض ‪ ..‬نوري الجراح‬ ‫‪ 111‬مهرجانات الشعر ‪ ..‬دكاكني شخصية‬ ‫‪ 115‬عبد الزهرة زكي ‪ ..‬خطاب الصوت والصورة‬ ‫‪ 119‬عبداهلل ابو بكر‪..‬محاكامت شعرية باطلة‬ ‫‪ 120‬مالك المطلبي‪..‬عقالين مبخيلة سومرية‬ ‫حوار ‪ ..‬رفعت سالم‬

‫سعر النسخة‬ ‫اإلمارات العربية املتحدة‪ 10 :‬دراهم ‪ -‬اململكة العربية السعودية ‪10‬‬ ‫رياالت ‪ -‬الكويت دينار واحد ‪ -‬سلطنة عامن ‪ 800‬بيسة ‪ -‬قطر ‪ 10‬رياالت‬ ‫ مملكة البحرين دينار واحد ‪ -‬اليمن ‪ 200‬ريال ‪ -‬مرص ‪ 5‬جنيهات ‪-‬‬‫السودان ‪ 250‬جنيهاً ‪ -‬لبنان ‪ 5000‬لرية ‪ -‬سورية ‪ 100‬لرية ‪ -‬اململكة‬ ‫األردنية الهاشمية ديناران ‪ -‬العراق ‪ 2500‬دينار ‪ -‬فلسطني ديناران ‪-‬‬ ‫اململكة املغربية ‪ 20‬دره ًام ‪ -‬الجامهريية الليبية ‪ 4‬دنانري ‪ -‬الجمهورية‬ ‫التونسية ديناران ‪ -‬بريطانيا ‪ 3‬جنيهات ‪ -‬سويرسا ‪ 7‬فرنكات ‪ -‬دول االتحاد‬ ‫األورويب ‪ 4‬يورو ‪ -‬الواليات املتحدة األمريكية وكندا ‪ 5‬دوالرات‪.‬‬ ‫االشتراكات‬ ‫لألفراد داخل دولة اإلمارات‪ 100 :‬درهم‪ /‬لألفراد من خارج الدولة‪150 :‬‬ ‫دره ًام ‪ -‬للمؤسسات داخل الدولة‪ 150 :‬دره ًام‪ /‬للمؤسسات خارج الدولة‬

‫‪18‬‬

‫‪151‬‬

‫‪122‬‬ ‫‪ 122‬القصيدة والتشكيل‪..‬القريوان يف اللغة واللون‬ ‫‪ 126‬رياض الصالح الحسين ‪ ..‬خارج الرسب‬ ‫‪ 131‬ديوان العرب ‪..‬سقاية الطلل‪ ،‬عنرتة يف تأويل الزمان‬ ‫القصيدة والتشكيل‪..‬القريوان يف اللغة واللون‬

‫واملكان‪ ،‬لبيد بن ربيعة‪.‬‬

‫‪ 146‬ديوان النبط ‪ ..‬أحمد املزروعي‪،‬سعيد بن‬ ‫طميشان‪،‬هشام بن ابراهيم‪،‬عبد الرحمن املرييس‪،‬طارق الشحي‪،‬أدب‬ ‫البدو‪.‬‬

‫‪156‬‬ ‫‪ 158‬أحمد رامي‪..‬قراءة فلكية‬ ‫‪ 162‬كاميرا‬

‫الشعر الملحون في الجزائر‪..‬تراث روحي ووطني‬

‫‪90‬‬

‫أحمد عبد المعطي حجازي‬

‫انا السبّاق في تجديد البحور‬

‫‪200‬درهم‪.‬‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪5‬‬


‫ُكتاب العدد‬

‫‪8‬‬

‫‪19‬‬

‫‪16‬‬

‫‪10‬‬

‫تخطيطات ُ‬ ‫الكتاب‪ :‬نارص بخيت‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪5‬‬

‫‪18‬‬

‫‪ .1‬سامح كعوش‬

‫• شاعر وناقد من فلسطني‪ ،‬يقيم يف االمارات‪.‬‬ ‫أصدر ست مجموعات شعرية من بينها‬ ‫صباحات النسكافيه‪.‬‬

‫‪ .2‬مفيد نجم‬

‫• ناقد من سوريا يقيم يف ابوظبي‪،‬اصدر‬ ‫العديد من الكتب يف حقل النقد من‬ ‫بينها‪:‬األفق والصدى‪-‬دراسات يف الشعر السوري‬ ‫املعارص‪،‬الربيع االسود‪،‬أرض ابدية‪،‬وطائر بأكرث‬ ‫من جناح‪.‬‬

‫‪ .3‬إبراهيم أحمد ملحم‬

‫• كاتب وناقد اردين‪،‬استاذ يف جامعة العني‬ ‫(االمارات)‪،‬صدر له العديد من الكتب النقدية‬ ‫من بينها‪ :‬بطولة الشاعر العريب القديم‪،‬العاذلة‬ ‫اطارا‪،‬وجامليات األنا يف الخطاب‪.‬‬

‫‪.4‬عزة حسني‬

‫• شاعرة وصحافية مرصية تقيم يف القاهرة صدر‬ ‫لها ديوان شعر بعنوان عىل كريس هزاز‪.‬‬

‫‪ .5‬كاظم جهاد‬

‫• كاتب وشاعر ومرتجم عراقي‪ ،‬صدر له عدة‬ ‫دواوين من بينها معامر الرباءة‪،‬ومن بني ترجامته‬ ‫الكوميديا االلهية‪ -‬دانتي واالعامل الكاملة‬ ‫آلرتور رامبو‪.‬‬

‫‪ .6‬وليد السويريك‬

‫• شاعر ومرتجم من فلسطني‪،‬صدر له اجنحة‬

‫‪6‬‬

‫بيت الشعر‬

‫بيضاء لليأس‪،‬ويف الرتجمة طردت اسمك‬ ‫من بايل واساتذة لليأس‪-‬النزعة العدمية يف‬ ‫االدب االورويب‪.‬‬

‫‪ .7‬معاذ بني عامر‬

‫• ناقد اردين يقيم يف يف اربد وكاتب‬ ‫مرسحي وأحد مؤسيس ملتقى رشفات‬ ‫الثقايف يف مدينة اربد‪.‬‬

‫‪ .8‬يوسف عبد العزيز‬

‫• شاعر وناقد من فلسطني من بني‬ ‫دواوينه حيفا تطري إىل الشقيف‪،‬نشيد‬ ‫الحجر‪،‬وطن يف املخيم‪ ،‬دفاتر‬ ‫الغيب‪،‬وذئب االربعني‪.‬‬

‫‪ .9‬عيل شبيب ورد‬

‫• ناقد وشاعر عراقي يقيم يف بغداد من‬ ‫بني مجموعاته سامء ثامنة ‪،‬ومحاوالت يف‬ ‫إيذاء النص ‪.‬‬

‫‪ .10‬خلدون عبد اللطيف‬

‫• شاعر وكاتب من األردن صدر له ديوان‬ ‫بني املنزلتني‪.‬‬

‫‪ .11‬صالح حسن‬

‫• شاعر من العراق يقيم يف بغداد‪،‬صدر له‬ ‫عدد من الدوواوين‪،‬ومن بني ما صدر له‬ ‫حوض الكاريبي و كوالج‪.‬‬

‫‪ .12‬أحمد الدمنايت‬

‫• شاعر مغريب صدر له العزلة غريت‬ ‫عناوينها باكراً‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫‪ .13‬صدوق نور الدين‬

‫• ناقد وروايئ مغريب‪،‬صدر له يف النقد حدود‬ ‫النص االديب‪:‬دراسة يف ا��تنظري واالبداع‪،‬ويف‬ ‫الرواية الكوندليني والروايئ‪.‬‬

‫‪ .14‬خالد بلقاسم‬

‫ناقد من املغرب‪ ،‬من بني ما صدر له يف‬ ‫حقل النقد‪ :‬أدونيس والخطاب الصويف‪،‬‬ ‫الكتابة والتصوف عند ابن عريب‪ ،‬والكتابة‬ ‫وإعادة الكتابة يف الشعر املغريب املعارص‪.‬‬

‫‪ .15‬سعيد خطيبي‬

‫• كاتب وصحايف جزائري‪،‬صدر له بعيدا‬ ‫عن نجمة‪،‬اعراس النار‪ -‬قصة الراي‪،‬وعربت‬ ‫املساء حافيا‪.‬‬

‫‪ .16‬صالح بو رسيف‬

‫• شاعر وناقد من املغرب‪ ،‬من أعامله‬ ‫شجر النوم‪ ،‬نتوءات زرقاء‪ ،‬و الجزء األول‬ ‫خبز العائلة‪.‬‬

‫‪ .17‬سعد العبدالله الصويان‬

‫• كاتب وباحث سعودي متخصص يف‬ ‫الرتاث يقيم يف الرياض‪،‬من بني اصداراته‬ ‫ذائقة الشعب وسلطة النص‪،‬فهرست الشعر‬ ‫النبطي وحداء الخيل‪.‬‬

‫‪ .18‬رنا زيد‬

‫• شاعرة وصحافية صدر لها ديوان مالك‬ ‫مرتدد‪.‬‬

‫‪ .19‬ياسني الزبيدي‬

‫• أستاذ جامعي من العراق يقيم يف أبوظبي‪.‬‬ ‫درس كواكب املجموعة الشمسية وتأثريها‬ ‫عىل شخصية اإلنسان‪.‬‬ ‫وفي الشعر‬

‫‪-20‬حبيب الزيودي‬ ‫‪ -21‬نجاح العرسان‬ ‫‪ -22‬هزبر محمود‬ ‫‪ -23‬محمد العزام‬ ‫‪ -24‬فارس سباعنة‬ ‫‪ -25‬عبد اللطيف الوراري‬ ‫‪ -26‬خالد املعايل‬ ‫‪ -27‬نضال حامدنة‬ ‫‪ -28‬عبري حسني ابراهيم‬ ‫‪ -29‬ضياء الربغويث‬ ‫‪ -30‬أسامء رمرام‬ ‫‪ -31‬عمر أبو الهيجاء‬ ‫‪ -32‬زليخة أبو ريشة‬ ‫‪ -33‬سليامن جوين‬ ‫‪ -34‬سلطان القييس‬ ‫‪ -35‬ابراهيم محمد ابراهيم‬ ‫‪ -36‬أحمد الزرعوين‬ ‫‪ -37‬سعيد بن طميشان‬ ‫‪ -38‬هشام بن ابراهيم‬ ‫‪ -39‬عبد الرحمن املرييس‬ ‫‪ -40‬طارق الشحي‬


‫شعر وشعراء‬

‫بدءا‬

‫الشيخ القاسمي يكرم ابراهيم محمد‬

‫اصدارات جديدة تتعدد شعرا ونرثا ودراسات‬ ‫نقدية‪ .‬يف هذا العدد نقف أمام تنوع غني يف‬ ‫املادة والجغرافيا‪ .‬الشاعران العامين سيف الرحبي‬ ‫واللبناين عيىس مخلوف يعودان يف اصدارين‬ ‫جديدين يف باب نرث الشاعر‪ .‬الرحبي يستعيد رحلة‬ ‫صعود اىل الجبل األخرض ومخلوف يسرتجع يوميات‬ ‫نيويوركية خالل عمله يف مقر االمم املتحدة‪.‬‬ ‫البحريني قاسم حداد والسوري سليم بركات‬ ‫يف ديوانني جديدين‪ .‬األول يواصل الحفر يف‬ ‫جغرافيا الروح مسافرا نحو تاريخ قيص للخريطة‬ ‫التي يتهددها التمزق‪ ،‬والثاين يحلق نحو اسئلة‬ ‫ميتافيزيقية ووجودية‪ ،‬يف عجائن لغوية جديدة‪،‬‬ ‫مبتكرا قواميس غري مألوفة‪ ،‬تجريب متواصل ينفتح‬ ‫عىل فضاءات تخييلية وكتابة ال تقدم ذاتها بسهولة‪.‬‬ ‫اصدارات اخرى محلية وعربية‪ .‬وقفة أمام االعامل‬ ‫غري الكاملة للشاعرة االماراتية الهنوف محمد‬ ‫التي صدرت حديثا‪ ،‬وقراءة لديوان الشاعر محمد‬ ‫الربييك‪ ،‬باالضافة لقراءات شملت دواوين جديدة‬ ‫من االردن والعراق والسعودية‪.‬‬ ‫يف النقد يواصل الشاعر والناقد الفلسطيني عز‬ ‫الدين املنارصة مرشوعة يف النقد املقارن من‬ ‫خالل كتاب جديد يتناول فيه االجناس األدبية يف‬ ‫ضوء الشعريات املقارنة‪ ،‬اما الناقد العراقي صباح‬ ‫االنباري فإنه يولف سرية ذات مكانية للشاعر‬ ‫الكردي العراقي شريكو بيكس‪ ،‬هي كناية عن‬ ‫قراءة يف شعرية املكان لدى شاعر تشكل عنارص‬ ‫املكان عنده تفاصيل القصيدة‪ .‬واليفوتنا ان نشري يف‬ ‫النهاية إىل كتاب عيل نارص كنانة الذي يؤرخ لشعر‬ ‫املنفى العراقي منذ املتنبي وحتى العرص الحايل‬ ‫التحرير‬

‫«س ّ‬ ‫كر الوقت»‪ :‬أفضل كتاب إماراتي في‬ ‫ُ‬ ‫الشارقة للكتاب‬

‫كرم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو املجلس‬ ‫األعىل حاكم الشارقة الفائزين بجوائز الدورة ‪ 31‬من فعاليات معرض الشارقة‬ ‫الدويل للكتاب‪ ،‬وجاء ذلك خالل افتتاح فعاليات املعرض‪.‬‬ ‫وفاز الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم بجائزة «أفضل كتاب إمارايت» التي أعلنها‬ ‫املعرض يف هذه الدورة عن كتابه الشعري «سكر الوقت»‪ .‬وهو يضم بني دفتيه‬ ‫قصيدة واحدة‪ ،‬تحفل باملفارقات والجمل الشعرية املتوالية التي تكشف عن‬ ‫تداعيات الشاعر خالل جولته يف النمسا وأملانيا‪.‬‬ ‫وقال إبراهيم محمد حول هذه املناسبة ‪«:‬لقد أسعدين خرب فوز كتايب سكر الوقت‬ ‫بأفضل كتاب إمارايت لهذا العام ‪ 2012‬مناصفة مع األخ األستاذ حمد بن رصاي‬ ‫الذي كان كتابه ذا طابع ترايث‪ .‬وأنا أبارك من أعامق قلبي للشارقة وحاكمها‬ ‫املثقف صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عىل ما وصلت‬ ‫إليه من موقع ثقايف عىل مستوى الوطن العريب من خالل اهتاممها باإلنسان‬ ‫املبدع واملثقف يف املنطقة العربية»‪.‬‬ ‫وعن قصيدته أشار ابراهيم محمد إىل أن هاجس الوطن هو الذي كان مسيطرا‬ ‫عىل الجو العام للقصيدة‪ .‬فأنت عندما تغادر وطنك طالبا الراحة والدهشة والهواء‬ ‫النقي وجامل الطبيعة كمن يحتيس الشاي بال سكر‪ ،‬والسكر هنا وطنك الذي‬ ‫غادرته‪.‬‬

‫رحيل الشاعر األردني حبيب الزيودي‬

‫حتى يف املوت‪ ،‬بدا الشاعر األردين حبيب الزيودي متأثرا بشاعر األردن األكرب عرار‪ ،‬عندما رحل مثله عن عمر يناهز ‪ 49‬عاما إثر نوبة قلبية‬ ‫مفاجئة‪ ،‬يف ثاين أيام عيد األضحى‪ ،‬ليرتك خلفة إرثا شعريا كبريا‪ ،‬وسرية شاعر حافلة بالعطاء الشعري والثقايف‪ ،‬وعددا من الدواوين الشعرية‬ ‫التي تغنى فيها بالوطن والبداوة والقرى واملدن األردنية ‪.‬‬ ‫لقد شكل حبيب ظاهرة شعرية أردنية‪ ،‬وكتب عن أعامله العديد من النقاد والشعراء العرب‪ ،‬ورثاه أصدقاؤه يف الصحف األردنية والعربية‬ ‫فقال عنه الشاعر جريس ساموي‪« :‬غنيت بشبابتك املثلومة من حزن اسطوري قديم‪ ،‬غنيت للرعيان والفالحني‪ ،‬غنيت للنساء واالطفال‪،‬‬ ‫وغنيت لألرض وللرجال الذين يحمون الرتاب كذهب املعابد»‪ .‬وقال الشاعر اللبناين شوقي بزيع‪« :‬برحيل الشاعر األردين حبيب الزيودي‬ ‫ترحل معه شاعرية عذبة ال تتغذى من سطوة الكلامت والكنايات وحدها‪ ،‬بل من ذلك االقرتان الفريد بني الشعر ودورة الدم‪ ،‬بني تدفق‬ ‫الحياة يف العروق وبني تدفقها عىل الورق»‪.‬‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪7‬‬


‫شعر وشعراء‬ ‫محمد الفيتوري‬

‫بول شاوول‪ ..‬حراك شعري في‬ ‫القاهرة‬

‫تكريم سميح القاسم‬ ‫في رام اهلل‬

‫حدث معرض الكتاب الفلسطيني يف‬ ‫رام يف نهاية شهر اكتوبر كان حضور‬ ‫الشاعر سميح القاسم‪ ،‬الذي قام‬ ‫بإحياء امسية شعرية اضفت نوعا‬ ‫من الحيوية عىل االجواء‪ ،‬وأعطت‬ ‫زخام للمناسبة التي اراد منظموها‬ ‫ان تتجاوز اطارها التقليدي إىل‬ ‫االحتفاء بالثقافة الفلسطينية‪.‬‬ ‫تحامل القاسم عىل نفسه وذهب‬ ‫اىل مدينة رام الله التي تشكل مركز‬ ‫الحراك الفلسطيني السيايس والثقايف‪،‬‬ ‫وفيام كانت املعلومات تتحدث‬ ‫عن الضعف الصحي الذي يعانيه‬ ‫القاسم بسبب تلقيه جرعات العالج‬ ‫الكياموي‪ ،‬فإن الشاعر فاجأ الجميع‬ ‫بحضوره واقامة أمسية شعرية‬ ‫وتوقيع كتاب سريته الذاتية «مجرد‬ ‫منفضة» يف اليوم الختامي لفعاليات‬ ‫املعرض‪.‬‬ ‫استقبل القاسم بحامس كبري شعبي‬ ‫ورسمي‪ ،‬وكرمته وزارة الثقافة‬ ‫الفلسطينية بوسام القدس للثقافة‬ ‫والفنون‪ ،‬ورد القاسم عىل كلامت‬ ‫التكريم بقوله ‪«:‬بعد الحصول عىل‬ ‫العضوية يف اليونسكو‪ ،‬من الطبيعي‬ ‫أن نقدم معرضاً للكتاب‪ ..‬اآلخرون‬ ‫يقدمون معارض أسلحة‪ ،‬ونحن‬ ‫نقدم معارض كتب تليق بالثقافة‬ ‫الفلسطينية»‪.‬‬

‫سميح القاسم‬ ‫‪8‬‬

‫بيت الشعر‬

‫الفيتوري‪ ..‬احتفاء مغربي‬ ‫الشاعر محمد الفيتوري صاحب «أغاين افريقيا» كان‬ ‫مؤخرا محل احتفاء اتحاد كتاب املغرب‪ ،‬الذي خصص‬ ‫امسية لتكريم الشاعر تحدث فيها كتاب ونقاد مغاربة‬ ‫عن تجربة الفيتوري االبداعية ومسريته الشعرية وابرز‬ ‫محطاته الحياتية‪ ،‬وعرض خالل االمسية رشيط وثائقي‬ ‫قصري عن حياة الشاعر الذي قرأ خالله قصيدة من‬ ‫ديوانه «معزوفة لدرويش متجول»‪.‬‬ ‫حرض الفيتوري اللقاء التكرميي رغم حالته الصحية‬ ‫املرتدية بسب تأثري الجلطة الدماغية التي اصيب بها‬ ‫سنة ‪ ،2005‬وأجربته عىل مالزمة منزله جنوب العاصمة‬ ‫املغربية الرباط‪ .‬وكانت قبل عدة اشهر قد رست شائعات‬ ‫تحدثت عن وفاته‪ ،‬وقامت بعض الصحف برثائة قبل أن‬ ‫يقوم اصدقاؤه املقربون بنفي الخرب‪ ،‬ولكن الشاعر مل‬ ‫يظهر للعيان ‪،‬األمر الذي جرى تفسريه بأن الشاعر بات‬ ‫غري قادر عىل الحركة‪.‬‬ ‫ادار الندوة التكرميية الناقد انور املرتجى وتحدث فيها‬ ‫كل من الناقد نجيب العوين‪ ،‬الباحث بن عيىس بو‬ ‫حاملة‪،‬الشاعر صالح بو رسيف‪ ،‬الشاعر ادريس امللياين‪،‬‬ ‫والكاتب السوداين املقيم يف املغرب طلحة جربيل‪ ،‬وقد‬ ‫اكد املتحدثون عىل مكانة الفيتوري وموقعه الريادي يف‬ ‫خارطة الشعر العريب‪.‬‬ ‫يشار إىل ان الشاعر الفيتوري ولد عام ‪ 1930‬يف مدينة‬ ‫«الجنينة» (دارفور) ونشأ يف مدينة االسكندرية‪ ،‬ثم‬ ‫اكمل تعليمه يف القاهرة‪ ،‬واشتغل بعد ذلك يف الصحافة‬ ‫املرصية والسودانية‪ ،‬واصدر دواوين عدة حملت هموم‬ ‫افريقيا‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫اعادت القاهرة اكتشاف الشاعر‬ ‫والكاتب املرسحي اللبناين بول شاوول‬ ‫الذي اقام مؤخرا ثالث ندوات‪ ،‬أثارت‬ ‫من حولها جدال يف الصحافة املرصية‪.‬‬ ‫وعاد شاوول اىل القاهرة بدعوة من‬ ‫«هيئة قصور الثقافة»‪ ،‬من باب ديوانه‬ ‫«دفرت سيجارة» الذي صدر عن دار‬ ‫النهضة يف بريوت سنة ‪ .2009‬ولو مل‬ ‫تعاود «دار مرييت» القاهرية نرش‬ ‫الديوان من جديد ملا استنفرت بعض‬ ‫االوساط الصحية يف تحامل عىل الشاعر‬ ‫وديوانه الذي يعترب مطولة مديح‬ ‫للسيجارة التي يعتربها الشاعر «آخر‬ ‫التامعات الزمن القديم»‪.‬‬ ‫مل تقترص ندوات شاوول عىل الشعر‪،‬‬ ‫بل ذهبت اىل السياسة والربيع العريب‬ ‫واملرسح‪ ،‬وأدىل بدلوه يف الجدال املرصي‬ ‫حول حكم االخوان املسلمني‪ ،‬بينام اعترب‬ ‫منظمو الندوات ان تحركهم استباقي‬ ‫ملواجهة «ذهنية املنع» والتضييق عىل‬ ‫حرية التعبري‪.‬‬ ‫الكاتبة عبلة الرويني تعاملت مع «دفرت‬ ‫سيجارة» باعتباره نصاً مرسحياً بسبب‬ ‫الحضور الطاغي للمشاهد البرصية‪:‬‬ ‫اللون والضوء والحركة والدخان‪ ،‬وأخريا ً‬ ‫واألهم عنرصا الحوار والعالقة يف‬ ‫املقاهي‪ .‬وقرأت السيجارة كام كتبها بول‬ ‫كـ «تاريخ ال يتكرر»‪.‬‬

‫بول شاوول‬


‫عبد الله العويس‬

‫امين معلوف‬ ‫برق الكتابة الشعرية‬

‫رحلة غربية على طريق‬ ‫المعلقات‬

‫جديد الروايئ امني معلوف ليس رواية‬ ‫او كتابا نظريا‪ ،‬بل بحثا يسافر فيه‬ ‫مع كبار الشعراء والكتاب نحو منابع‬ ‫االلهام‪ ،‬ففي كتابه الجديد الصادر‬ ‫حديثا «رواجع الربوق» محاولة لسرب‬ ‫أغوار لحظة الكتابة الشعرية‪ ،‬وهو‬ ‫يدرس العديد من كبار الشعراء‬ ‫العرب والعامليني‪:‬املعري‪ ،‬اوفيد‪،‬‬ ‫ريلكه‪ ،‬لوركا‪ ،‬املتنبي‪ ،‬الواسطي‪.‬‬ ‫فالربق ليس سوى االلتامعة التي‬ ‫يوفّق كاتبها بها‪ ،‬وقد تكون جملة‬ ‫من شعر او من نرث‪ ،‬والرجوع ليس‬ ‫سوى عمر طويل أهدي اىل الربق‬ ‫املعروف بقرص العمر وكأنّنا باملعلوف‬ ‫«كل الربوق خارج جغرافية‬ ‫يقول‪ّ :‬‬ ‫الحرب األصيل أوهام تحتاج اىل عمر‬ ‫يجعلها حقيقة‪ ،‬يف حني أن بروق‬ ‫الكالم متنحها االقامة يف ذاكرة الناس‬ ‫ووجدانهم أعامرا ً ال يذهب بها م ّر‬ ‫األيام»‪.‬‬ ‫يف «رواجع الربوق» مساحة للبيت‬ ‫واملرأة‪ ،‬فالبيت ال يصبح دافئا من‬ ‫دون أنفاس األنوثة‪ ،‬ومتيس املرأة‬ ‫ذات ابواب وشبابيك مفتوحة لنسيم‬ ‫الجامل والحياة ويورد املعلوف يف‬ ‫هذا السياق أ ّن بدويّاً سأل آخر‪« :‬هل‬ ‫لك بيت‪ ،‬أي امرأة؟»‪.‬‬

‫غابرييل ليفني كاتب مولود لروايئ‬ ‫امرييك وروائية فرنسية يعيش يف‬ ‫القدس ومنها اقتفى آثار الشعراء‬ ‫العرب‪ .‬وقادته رحالته التي يرويها‬ ‫يف كتابه «الحافة امللتوية للكثيب»‬ ‫(منشورات جامعة شيكاغو‪ ،‬يف ‪194‬‬ ‫صفحة) إىل لقاءات مع بعض من‬ ‫شعرائه املفضلني مثل امرؤ القيس‪،‬‬ ‫باالضافة إىل آثار شعراء وأدباء عرب‬ ‫وأجانب جابوا املنطقة قبله‪.‬‬ ‫وإذ يقارن بني ترجامت غربية ألعامل‬ ‫عربية‪ ،‬كاملعلقات‪ ،‬يرشح أن هذه‬ ‫القصائد الضخمة‪« :‬تقرتب من حالة‬ ‫األغنيات وتذكّر باإليقاعات املتعرجة‬ ‫التي يعزفها بتعديالت ال تنتهي الراعي‬ ‫البدوي عىل الشبابة‪ ...‬فهي عبارة‬ ‫عن خط واحد متعرج يعرض خيارات‬ ‫متعددة‪ .‬وحتى حني تج َرف الرمال‬ ‫عرب الصحراء ومتحو كل أثر لبرش‪،‬‬ ‫يصعد صوت يف األغنية ويؤكد وجوده‬ ‫االنتقايل يف إيقاعات يقال إن أصولها‬ ‫تعود إىل خبب الجمل‪ .‬وماذا لو‬ ‫استمد ذلك الصوت‪ ،‬األقدم يف الشعر‬ ‫العريب‪ ،‬تكرارا ً من القفار أو نظرتها‬ ‫الفارغة‪ ،‬يف اعرتاف دقيق بفراغ مضمر‬ ‫يف الوجود؟»‪.‬‬

‫أمني معلوف‬

‫الشارقة‪ :‬إصدارات إلكترونية‬ ‫للشعر‬ ‫مرشوع طموح تنهض به حاليا دائرة الثقافة واإلعالم‬ ‫يف الشارقة من خالل تحويل منتجاتها من كتب الشعر‬ ‫والشعر النرثي والقصص إىل إصدارت إلكرتونية‪ ،‬بهدف‬ ‫التعريف برتاث اإلمارات واإلسهام بنرش الفكر يف العامل‬ ‫وتوسعة رقعة النرش وزيادة عدد القراء‪.‬‬ ‫وأوضح مدير الرتاث والشؤون الثقافية يف الدائرة‪ ،‬عبد‬ ‫العزيز املسلم الخالدي‪ ،‬أن املرشوع يتضمن يف املرحلة‬ ‫الالحقة ترجمة مجموعة مختارة من الكتب الرتاثية إىل‬ ‫لغات عاملية كاإلنجليزية والفرنسية واإلسبانية ونرشها‬ ‫إلكرتونياً للتعريف بالرتاث اإلمارايت عاملياً‪.‬‬ ‫واعترب أن هذه الخطوة تلبي رغبات القراء عىل الشبكة‬ ‫العنكبوتية يف وقت تنخفض مبيعات املنتجات الورقية‪،‬‬ ‫الفتاً إىل أن القراء يفضلون حمل الهواتف النقالة الذكية‬ ‫يف الحصول عىل املعلومات وحواسيبهم التي تحتوي‬ ‫عىل أضخم مكتبة يف العامل‪.‬‬ ‫وتويل دائرة الثقافة واالعالم يف الشارقة اهتامما خاصا‬ ‫باملكتبة اإللكرتونية والرقمية وسبق لها ان رصدت عدة‬ ‫جوائز يف هذا املضامر يف حني ان إدارة الرتاث يف دائرة‬ ‫الثقافة واإلعالم بالشارقة تشكلت يف يونيو ‪ ،1995‬وهي‬ ‫تعمل عىل ترميم وصيانة املباين التاريخية وإظهار املعامل‬ ‫الرتاثية والحضارية إلمارة الشارقة‪ ،‬وجمع املأثورات‬ ‫الشعبية الشفهية ورعاية متاحف الرتاث واالهتامم‬ ‫بالرتاث الشعبي الوطني بشكل علمي مدروس وتقديم‬ ‫الخدمة للدارسني والباحثني عرب أوعية معلوماتية غنية‬ ‫وميرسة ألغراض البحث والدراسة‬

‫غالف كتاب «الحافة امللتوية للكثيب»‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪9‬‬


‫شعر وشعراء‬ ‫نزار قباين‬

‫موهبة شعرية جديدة في اتحاد‬ ‫كتاب أبوظبي‬

‫االبنودي يستعيد ناجي‬ ‫العلي‬

‫استعاد الشاعر املرصي‬ ‫عبدالرحمن االبنودي يف ديوان‬ ‫جديد فنان الكاريكتري الفلسطيني‬ ‫ناجي العيل الذي اغتالته ارسائيل‬ ‫يف لندن صيف سنة ‪ ،1987‬وح ّول‬ ‫شاعر العامية العذب فلسطني اىل‬ ‫بانوراما شعرية‪ ،‬مستخدما لوحات‬ ‫ناجي العيل كعناوين لقصائده‪.‬‬ ‫قبل كل يشء يريث االبنودي ناجي‬ ‫العيل‪ ،‬الذي يصفه ب «صاحبي»‪،‬‬ ‫ويف القصيدة الرئيسية يف الديوان‬ ‫املهداة اىل ناجي يدعو االبنودي‬ ‫االم التي تدير الرحى وتغني‬ ‫للغائبني‪ ،‬أن تشمل «واحد صاحبي‬ ‫اسمه ناجي العيل»‪ ،‬ولكن ان‬ ‫تتذكره يف ركاب كل ما هو حلو‬ ‫ونبيل ومن دون بكائية‪.‬‬ ‫يعد الديوان لوحة غنائية‬ ‫لفلسطني الجرح واألمل‪ ،‬يتمثل‬ ‫فيه الشاعر لوحات الرسام الذي‬ ‫يعترب واضع اليد عىل الجرح‬ ‫الفلسطيني وضمري الفلسطيني‬ ‫ابن القضية‪.‬‬ ‫أجواء ديوان االبنودي عىل قدر‬ ‫كبري من املرارة التي عكستها‬ ‫شخصية ناجي العيل الرئيسية‬ ‫«حنظلة» عىل هيئة ما اختاره‬ ‫الرسام ليعرب عن الفلسطيني‬ ‫العادي ابن املخيم‪ ،‬الذي يقف‬ ‫مرتصدا لكل ما يعيشه شعبه من‬ ‫تحديات وما تواجهه قضيته من‬ ‫تغييب‪ .‬ومن هذه االجواء ‪:‬‬ ‫«ث ّوار بال أرض ‪ . .‬زي السيف من‬ ‫غري يد‬ ‫ث ّوار بال أرض ‪ . .‬غربة ‪ . .‬ال يحدها‬ ‫حد‬ ‫ث ّوار بال أرض موت واملوت ما يسأل‬ ‫‪10‬‬

‫بيت الشعر‬

‫نزار قباني األكثر حضورا على‬ ‫«فيس بوك»‬ ‫مل يعد عامل «فيس بوك» مقترصا عىل صفحات شخصية‬ ‫خاصة او فضاء للتالقي االجتامعي والحوارات السياسية‪،‬‬ ‫بل صار يستضيف الثقافة يف صور شتى‪ ،‬وللشعر والشعراء‬ ‫نصيبهم يف ذلك‪ ،‬وبات كبار الشعراء العرب‪ ،‬األموات منهم‬ ‫واالحياء‪ ،‬حارضين من خالل صفحات خاصة او عرب نوافذ‬ ‫يفتحها لهم املعجبون‪.‬‬ ‫يف وسع منتسبي «فيس بوك» أن يصبحوا اصدقاء للمتنبي‪،‬‬ ‫جربان خليل جربان‪ ،‬نزار قباين‪ ،‬محمد املاغوط‪ ،‬محمود‬ ‫درويش‪ ،‬وأدونيس‪ ،‬وال تقف الصداقة عند اضافة اسم‬ ‫هذا الشاعر او ذاك‪ ،‬بل تتعداها إىل عمليات تزيني ونرش‬ ‫قصائد وحورات واقوال للشعراء‪ ،‬أو استعارة صورة الشاعر‬ ‫ووضعها كصورة شخصية‪.‬‬ ‫ومن الالفت العثور عىل عرشات الصفحات لجربان خليل‬ ‫جربان‪ ،‬والكثري منها صفحات نشيطة للغاية وتتجدد‬ ‫التعليقات عليها واضافة املواد طيلة اليوم‪ ،‬واحدى هذه‬ ‫الصفحات تلقى اعجاب ‪ 280‬الفا‪ ،‬وهي قامئة تحت مقولة‬ ‫جربان‪« :‬لو جلست عىل السحابة‪ ،‬ملا رأيت الحد الفاصل‬ ‫بني بالد وبالد‪ ،‬وال الحجر الفاصل بني حقل وحقل»‪.‬‬ ‫ولكن الشاعر االكرث شعبية عىل «فيس بوك» هو نزار قباين‪،‬‬ ‫ليس فقط بسبب عدد الصفحات التي تحمل اسمه وعليها‬ ‫عدد كبري من املعجبني واملشاركني‪ ،‬ولكن ايضا ألن الكثري‬ ‫من هذه الصفحات يشهد نشاطا محموما‪ .‬ولعل شاعرا‬ ‫معارصا ال يضاهي نزار‪ ،‬ال يف عدد العبارات التي يستعريها‬ ‫رواد فيسبوكيون ليضعوها عىل صفحاتهم‪ ،‬وال يف عدد‬ ‫املشاركني واملعجبني بصفحاته‪ ،‬فثمة صفحة لها ‪ 500‬الف‬ ‫معجب واخرى ‪ 800‬الف وغريها ‪ 700‬الف‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫الشاعر الشاب جامل املال الذي ميتلك‬ ‫موهبة الفتة تستحق االنتباه لها‪ ،‬كان‬ ‫محل احتفاء يف اتحاد كتاب وأدباء‬ ‫اإلمارات فرع أبوظبي خالل أمسية‬ ‫خاصة‪.‬‬ ‫قدمه خالل األمسية الشاعر محمد‬ ‫املزروعي مسؤول فرع أبوظبي يف‬ ‫االتحاد‪ ،‬وقال يف تقدميه‪« :‬جامل املال‬ ‫طاقة شعرية متميزة‪ ،‬متتلك نفساً‬ ‫خاصاً بها‪ ،‬حيث نرى يف شعره الروح‬ ‫الصوفية والتعامل الشفاف مع اللغة‬ ‫الشعرية»‪.‬‬ ‫ويف األمسية التي نظمها االتحاد يف‬ ‫الخامس من نوفمرب املايض‪ ،‬قرأ املال‬ ‫منتخبات من قصائده‪ ،‬التي جاء‬ ‫معظمها ضمن البناء الكالسييك‪،‬‬ ‫وحملت عناوين «العشاء األخري»‪،‬‬ ‫«إنسان»‪« ،‬خطيئة»‪« ،‬الحكمة األوىل»‪،‬‬ ‫«عرشه عىل املاء» وعناوين أخرى‪،‬‬ ‫ومتيزت قصائد املال بلغة شعرية شفافة‬ ‫وجملٍ اعتمدت عىل املفارقة واإليقاع‪.‬‬ ‫ومن قصيدة «عرشه عىل املاء قرأ املال‪:‬‬ ‫«القى عىل الغيب منديالً وقال أنا ‪/‬‬ ‫و َمن سواي‪ ،‬بهذا الليل قد شنقوا ‪ /‬فأرخ‬ ‫الدهر تابوتاً يطوف به ‪ /‬وخلفه الريح‬ ‫يغريها فتنطلق»‪.‬‬

‫جامل املال‬


‫ملصق املهرجان‬

‫أحمد راشد في «قاف»‬

‫جائزة القطان الشعرية‬ ‫مناصفة‬

‫قررت لجنة جائزة القطان للكاتب‬ ‫الشاب للعام ‪ 2012‬يف حقل‬ ‫الشعر منحها مناصف ًة ملجموعتني‬ ‫شعريتني من فلسطني‪ ،‬هام‪« :‬ماذا‬ ‫لو كنا أشباحاً» لسمر محمود عبد‬ ‫الجابر‪ ،‬و«الرابعة فجرا ً يف السوق»‬ ‫لطارق امني خليفة‪ .‬واعترب بيان‬ ‫اللجنة ان املجموعتني تقدمان‬ ‫وجهني مختلفني من الشعرية‬ ‫الفلسطينية الشابة؛ الوجه الذي‬ ‫يواصل التقليد الغنايئ الذي أرساه‬ ‫محمود درويش‪ ،‬ونجده عىل‬ ‫نحو خفيض يف تجارب شعراء‬ ‫آخرين‪ ،‬والثاين الذي ينفتح عىل‬ ‫اقرتاحات جاملية ترمي إىل تحقيق‬ ‫الجاملية من خالل النرثية والكالم‬ ‫شبه اليومي‪ .‬وأشارت اللجنة إىل‬ ‫أن املجموعة األوىل تيش مبوهبة‬ ‫شعرية مثرية لإلعجاب عىل‬ ‫مستويات متعددة‪ ،‬يف حني تقدم‬ ‫املجموعة الثانية قصيدة محكمة‬ ‫البناء‪ ،‬ذات مسحة غنائية واضحة‪.‬‬ ‫وتكونت اللجنة من الشاعر أمجد‬ ‫نارص‪ ،‬الكاتب واملرتجم حسونة‬ ‫املصباحي‪ ،‬الكاتب القاص يوسف‬ ‫ضمرة‪ ،‬والشاعر عثامن حسني ‪.‬‬

‫الشعر والميثولوجيا في‬ ‫مهرجان المتنبي السويسري‬ ‫شهدت مدينة زيوريخ السويرسية من ‪ 9‬اىل ‪ 11‬من‬ ‫الشهر املايض فعاليات مهرجان املتنبي الشعري العاملي‬ ‫الثاين عرش‪ ،‬الذي اختارت له ارسة املهرجان موضوعة‬ ‫«الشعر وامليثولوجيا» للحلقة الدراسية للمهرجان هذا‬ ‫العام ومبشاركة ثالثني شاعرا ً وناقدا ً وموسيقياً ومرتجامً‬ ‫من عدد كبري من دول العامل بينهم العراقي صالح‬ ‫نيازي‪ ،‬السعودية أشجان هندي‪ ،‬املرصي أرشف عامر‪،‬‬ ‫اللبنانية صباح خراط زوين ‪ ،‬السوري سليامن توفيق‪،‬‬ ‫الشاعر‪ ،‬واملغريب محمد ميلود غرايف‪ ،‬اليونانية انجليكا‬ ‫سيجورو‪ ،‬النمساوية ايفلني شالك‪ ،‬االيطالية سيجونيا‬ ‫سيجونا‪ ،‬الهندي هيامنت ديفادا‪ ،‬األملاين فولكر سيالف‪،‬‬ ‫ومن سويرسا سليفيان دبوي وبيري االن تاشية‪ ،‬فلوريان‬ ‫فتش‪ ،‬ناتايل شميد‪ ،‬مارك هريمان‪ ،‬بيرتو مونتورفاين‪،‬‬ ‫واملوسيقار العراقي أحمد مختار‪.‬‬ ‫نظمت الفعاليات يف مركز كارل دير كروسه يف املدينة‬ ‫القدمية يف زيوريخ‪ ،‬وكان املهرجان تأسس عام ‪2000‬‬ ‫بدعم من املؤسسات الثقافية الرسمية السويرسية‪،‬‬ ‫وعدته دائرة اليونسكو يف سويرسا افضل فعاليات‬ ‫حوار الحضارات لثالثة اعوام متتالية ‪،2007 – 2005‬‬ ‫وقد شارك به عدد من الشعراء من مختلف دول العامل‬ ‫بينهم صاحب نوبل السويدي ترانسرتومر وأدونيس‬ ‫والسويرسي موشك ومظفر النواب واحمد عبد‬ ‫املعطي حجازي والفرنيس االن جوفروا ومحمد بنيس‬ ‫وعبد الكريم كاصد والفيتوري وعبد الرحمن طهامزي‬ ‫وغريهم‬

‫خصص العدد الثالث من مجلة‬ ‫«قاف» ملفاً خاصاً عن الشاعر‬ ‫اإلمارايت الراحل أحمد راشد ثاين‬ ‫تحت عنوان «قاف الرحيل»‪،‬‬ ‫تضمن كلمة كتبتها وهج أحمد‬ ‫راشد ثاين ابنة الراحل‪ .‬كام ضم‬ ‫امللف قصائد مختارة مكتوبة‬ ‫بخط يد الشاعر‪.‬‬ ‫وقال رئيس تحرير املجلة التي‬ ‫يصدرها اتحاد كتاب وأدباء‬ ‫اإلمارات‪ ،‬الشاعر إبراهيم‬ ‫الهاشمي‪« :‬ملف هذا العدد‬ ‫عن الشاعر الراحل أحمد راشد‬ ‫ثاين جاء مشغوالً بحرص شديد‪،‬‬ ‫فالكتاب املساهمون فيه مقربون‬ ‫إىل أحمد‪ ،‬ومنهم ابنته‪ ،‬كام أن‬ ‫امللف تضمن قصائد ألحمد بخط‬ ‫يده ما أعطاه طابعاً حميمياً‪،‬‬ ‫وأبرز شخصية أحمد اإلنسان إىل‬ ‫جانب شخصيته شاعرا ً ومبدعاً»‪.‬‬ ‫وشارك يف تحرير ملف الشاعر‬ ‫أحمد راشد ثاين كل من إبراهيم‬ ‫الهاشمي‪ ،‬وخالد البدور‪ ،‬وسامح‬ ‫كعوش‪ ،‬وعبدالله حبيب‪ ،‬وعيل‬ ‫أحمد املغني‪ ،‬وهاشم املعلم‪،‬‬ ‫ووهج ابنة الراحل‪.‬‬

‫أحمد راشد‬

‫سمر عبد الجابر‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪11‬‬


‫شعر وشعراء‬

‫جبل الروح‬

‫الكتاب‪ :‬الصعود إىل الجبل األخرض‬ ‫الكاتب‪ :‬سيف الرحبي (عُ امن)‬ ‫النارش‪ :‬مجلة ديب الثقافية‬ ‫عدد الصفحات‪ 106 :‬صفحة من‬ ‫القطع املتوسط‬

‫ليست‬

‫املرة األوىل التي يرشح الشاعر سيف‬ ‫الرحبي نفسه نرثا‪ ،‬فقد سبق له ان مترس‬ ‫طويال يف فالحة هذه االرض الفسيحة مسافرا يف جغرافيات‬ ‫عربية واجنبية‪ ،‬راحال من مكان آلخر يبحث عن صدى‬ ‫لقلق عميق سكنه منذ ان كان طفال يتهجى اخاديد ارض‬ ‫االسالف العامنيني‪ .‬كتب الرحبي اكرث من رحلة‪ ،‬بعضها نرشه‬ ‫كافتتاحيات يف مجلة «نزوى» التي يرأس تحريرها او اصدره‬ ‫يف كتب مثل كتابه «منازل الخطوة األوىل‪ ،‬سرية املكان‬ ‫والطفولة» الذي صدر يف القاهرة سنة ‪ ،1993‬وهو عبارة‬ ‫عن اسرتجاع تأميل لرشيط الطفولة يف قريته «سامئل»‪،‬‬ ‫لطفل يرى العامل من منظار العني الواسعة املفتوحة عىل‬ ‫إرث االسالف‪.‬‬ ‫الكتاب الجديد «الصعود اىل الجبل األخرض» يحيلنا اىل‬ ‫ديوان سابق للشاعر بعنوان «الجبل االخرض» صدر يف مطلع‬ ‫الثامنينات وكان ميثل دفقة حسية لشاب مغرتب يستعيد‬ ‫الجغرافيا يف صورة ضبابية ميتزج فيها الحنني بالحلم بأىس‬ ‫االغرتاب‪ ،‬ولكن مثة مسافة بني العملني‪ ،‬فالكتاب الحايل هو‬ ‫رحلة صعود حقيقية قام بها الشاعر اىل قمة الجبل االخرض‬ ‫الذي يعني ألهل عامن اسطورة ال تقل سحرا وغرابة عن‬ ‫الربع الخايل‪ .‬صعود الجبل هنا امر يقرتن بالبطولة مثلام‬ ‫هو امر عبور الربع الخايل‪ ،‬الذي ظل حتى يومنا هذا يشكل‬ ‫مغامرة يحسب لها الف حساب‪.‬‬ ‫صعود الجبل االخرض بالنسبة للرحبي ليس رحلة كشف‬ ‫جغرافية فحسب‪ ،‬بل انه مبثابة ارتقاء ذايت فلسفي يبدأ‬ ‫باستشهاد للفيلسوف األملاين نيتشه‪« :‬من أين تنبثق اعايل‬ ‫الجبال؟»‪ .‬هذا هو السؤال الذي قاد الشاعر للصعود اىل‬ ‫القمة‪،‬ال لريى من علو شاهق القرى الخرضاء يف السهل‪،‬او‬ ‫ليتسلق الصخور التي تطل برؤوسها كالهوام‪ ،‬بل ليفرس‬ ‫‪12‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫الرس‪،‬رس املكان ورس النفس التي تتوق دامئا للصعود‪ .‬الجبل‬ ‫هنا هو الذهاب اىل فوق قرب قطعان الغيوم‪.‬‬ ‫يتدثر الشاعر مبعطف الجبل ‪،‬عىل حد تعبري محمود درويش‪،‬‬ ‫ويذهب اىل خياالت الطفولة وخرافاتها عن هذا الخالء‬ ‫االسطوري حيث تعيش النسور الهرمة‪،‬رحلة اخرتاق لحاجز‬ ‫الحكايات عىل ما كان عليه الجبل االخرض من حضور قوي يف‬ ‫االحاديث واالخبار واملجالس‪.‬‬ ‫الجبل االخرض الذي استعىص عىل الغزاة االكرث رضاوة يأيت حينا‬ ‫كاستعارة مكانية‪ ،‬هناك يف القمة‪« :‬وحيد ملفع بالنأي وكربياء‬ ‫الصخور وهي متخر ليلها الرسمدي»‪ ،‬هناك ترتاءى تسمية‬ ‫االخرض ‪« :‬جزءا من الرموز واالستعارات الخرافية‪ ،‬ويف السياق‬ ‫نفسه تأيت تسميته رضوى او الجنة»‪.‬‬ ‫تنتهي رحلة الصعود اىل الجبل االخرض بتحية اىل النخلة‬ ‫شقيقة نفس العريب‪ ،‬تلك املفردة الغريبة يف قمة الجبل‪،‬‬ ‫البعيدة عن سفحها الخاص‪ ،‬هي هناك مستوحدة كام رآها‬ ‫عبد الرحمن الداخل يف أرض األندلس «شبيهة يف التغرب‬ ‫والنوى»‪.‬‬ ‫ينتهي الكتاب بفصل عن رحلة قام بها الشاعر اىل «اسطنبول‪:‬‬ ‫طفولة اليامم»‪ ،‬واذ يأخذه شدو الياممة ودخان قطار الرحلة‬ ‫األوىل من حلب اىل املدينة التي توزع نفسها بني آسيا‬ ‫واوروبا‪ ،‬فإنه يذهب بعيدا يف تأمل كنه هذه االمرباطورية‬ ‫الجديدة‪ ،‬تركيا التي بنتها ‪ 300‬عائلة قادمة من آسيا الوسطى‬ ‫ثم «تشعبت وكربت ارادتها الصخرية»‪ ،‬وهنا يعود الرحبي‬ ‫اىل قراءة الساللة املحاربة‪ ،‬وهو يسافر يف ارض املعامريني‬ ‫الشعراء‪ ،‬الذين بنوا الجوامع والقصور‪ ،‬هؤالء الذين ينحني‬ ‫امامهم الزمن غري عابئ بقادة الجند واالنكشارية‪:‬‬

‫«املعامريون الشعراء‬ ‫يعتقلون الزمن يف لوحة‬ ‫بجامع أو قرص أو رضيح‬ ‫خالقو األشكال الحرة‬ ‫يسلخون التاريخ من غلظته‬ ‫يحيلوه إىل لطافة وحنني»‬

‫الكتاب تتداخل فيه االساليب بني النرث والشعر وفكرة املقالة‬ ‫العادية‪،‬هو كناية عن تجريب حر ميسكه خيط من النرث الذي‬ ‫يبوح بتلقائية بعيدة عن الصنعة‪.‬‬


‫سيرة نيويورك‬

‫الكتاب ‪ :‬مدينة يف السامء‬ ‫الكاتب‪ :‬عيىس مخلوف (لبنان)‬ ‫النارش‪:‬دار التنوير‬ ‫عدد الصفحات‪ 150 :‬صفحة من القطع املتوسط‬

‫االصدار الجديد للشاعر عيىس مخلوف كتاب تحت عنوان‬ ‫«مدينة يف السامء»‪ ،‬يواصل فيه الكاتب اسلوبه الذي بدأه‬ ‫يف كتابه «رسالة إىل األختني»‪ ،‬حيث يجرب النرث وهو يخرتق‬ ‫الشعر‪،‬ثم يعرج عىل الحكاية‪ .‬نجح مخلوف يف «رسالة إىل‬ ‫االختني» يف القفز من شكل إىل آخر من دون ان يكرس‬ ‫االيقاع العام لنصه‪،‬ومتكن من توصيل نص مبواصفات مغرية‬ ‫للقارئ‪ .‬نص ال يحمل حمولة الشعر العالية وال سيولة‬ ‫النرث او حبكة الحكاية‪ ،‬بل هو منط من املقاربة الكتابية‬ ‫فيها الكثري من الحرية‪ .‬نوع من الرسد املائل إىل الرتكيب‪،‬‬ ‫والتغيرّ يف الشكل بطريقة متقدمة جدا ً‪ ،‬تلحظ تعدد األبعاد‬ ‫الثقافية‪ ،‬وتنوع العنارص املختلفة فيه (نرث‪ ،‬رسد‪ ،‬شعر‪،‬‬ ‫مقالة) مندمجة يف وحدة حقيقية متعددة األبعاد‪.‬‬ ‫الكتاب جزء من سرية الكاتب التي هي سرية هجرة من‬ ‫بريوت اىل باريس مع اندالع الحرب االهلية اللبنانية يف‬ ‫بين العمودي والتفعيلة‬ ‫الديوان‪ :‬فاتحة‬ ‫الشاعر‪ :‬عطية الخرباين (السعودية)‬ ‫النارش‪ :‬دار طوى‬ ‫عدد الصفحات‪ 101 :‬من القطع املتوسط‬

‫عطية الخرباين شاعر سعودي شاب‪،‬‬ ‫والديوان «فاتحة» يشتمل عىل قصائد‬ ‫تفعيلة «غالية عليه»‪ ،‬يف جوار قصائد‬ ‫عمودية‪ .‬وين ّم الديوان عن مت ّرس ودربة ومتكّن‪ ،‬إال أن هذا‬ ‫التم ّرس هو منتهى ما تصل إليه موهبة الشاعر‪.‬‬ ‫فإىل جـانب الحـرفة نفتـقد اإلملاح واإلشـعاع واالخـرتاق‬ ‫الذي ال يكتفي بالقـدرة والحرفة‪.‬‬ ‫يصف الخرباين إصداره األول بأنه ‪«:‬مجموعة من النصوص‬ ‫الشعرية ترتاوح بني العمودي والتفعيلة‪ ،‬ويعتمد الكثري منها‬ ‫عىل تقنية النص القصري‪ ،‬حتى يف العمودي منها‪ ،‬وأسميته‬ ‫(فاتحة)‪ ،‬وحمل الغالف صورة فوتوغرافية للفنان محمد‬ ‫القوزي»‪ .‬ومل يقرر الخرباين نرش أعامله يف كتاب مطبوع‬

‫منتصف السبعينات‪ ،‬ولكن مكانه‬ ‫هو فرتة عمل الكاتب يف االمم‬ ‫املتحدة يف نيويورك عامي ‪2006‬‬ ‫و‪ ،2007‬هناك يقرتب الشاعر‬ ‫اكرث من املكان الذي ترشح فيه‬ ‫الخرائط‪ ،‬وتدرس مصائر الشعوب‬ ‫عىل مدار الوقت‪ ،‬لذا مل تكن‬ ‫االقامة يف نيويورك للعمل فقط‪،‬‬ ‫بل للتأمل اليومي يف داخل هذا‬ ‫املقر‪ ،‬حيث تعد خرائط السلم والحرب وخارجه‪ ،‬ارتسمت معامل‬ ‫هذا الكتاب‪ ،‬وتبلورت يف ظل املدينة التي تفيض عىل مساحتها‬ ‫وحدودها‪ .‬داخل نيويورك‪ ،‬تحرض باريس وفلورنسا‪ ،‬بريوت‬ ‫والقاهرة‪ ،‬تقرتب األصقاع البعيدة يف الجسد الواحد‪.‬‬ ‫كتابة تنفتح بل تنهل من الف ّن واملوسيقى والشعر والفلسفة‬ ‫والفكر‪ ،‬وهي مأخوذة بهذه املك ّونات والعنارص التي تجعل من‬ ‫الحياة أكرث قابل ّية للعيش‪ .‬اإليقاع جزء أسايس من هذه الكتابة التي‬ ‫متعن يف اإلصغاء إىل الطبيعة‪ ،‬وال تخفي انبهارها بها‪ ،‬لك ّنها تدرك يف‬ ‫قرار ذاتها أ ّن وراء السحر الظاهر للطبيعة شيئاً من الخوف‪.‬‬ ‫إال مؤخرا ً‪ ،‬ويكشف «كنت من أشد املعارضني للطباعة يف‬ ‫بدايات التجربة‪ ،‬حتى أنني كنت أقول ألصدقايئ إن إقدامي‬ ‫عىل الطباعة لن يكون يف القريب‪ ،‬لكن رسعان ما رأيت أنه‬ ‫البد من خوض غامر التجربة‪ ،‬نجحت أو فشلت‪ ،‬ليقيني أن‬ ‫التخلص من التجارب األوىل مهم للخروج من عواملها‪ ،‬إىل آفاق‬ ‫أكرث رحابة» ‪،‬وأوضح الخرباين أنه مل يجد صعوبة يف إيجاد دار‬ ‫نرش‪ ،‬بل وجد أمامه دور نرش عديدة اضطر معها إىل استشارة‬ ‫أصدقاء‪ ،‬من ذوي التجارب‪ ،‬عن االختيار األمثل‪ ،‬وكان الرأي‬ ‫يتجه نحو «دار طوى»‪ .‬وقال‪« :‬مل أجد أي صعوبات ال يف االختيار‪،‬‬ ‫وال يف قبول العمل‪ ،‬فالتعامل مع نارش كعادل الحوشان ال يحتاج‬ ‫إىل الكثري من التعقيد‪ ،‬أو بريوقراطية املؤسسة»‬ ‫وحول الواقع الجديد لدى النارشين‪ ،‬يف استقبالهم ملنتج الشباب‪،‬‬ ‫يرى الخرباين يف ذلك‪« :‬رغبة صادقة وحقيقية يف استثامر تجارب‬ ‫الشباب يف أطياف الكتابة والتأليف كافة‪ ،‬وهذا جزء من مسؤولية‬ ‫ثقافية يجب عىل دور النرش اإلميان بها وتحملها من أجل خلق‬ ‫فضاء أنظف وأصدق وأكرث قبوالً لكافة التجارب اإلبداعية»‪.‬‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪13‬‬


‫شعر وشعراء‬ ‫شيركو بيكس‬

‫سيرة مكانية للحصان األسود‬ ‫الكتاب‪ :‬املكان وداللته يف شعر شريكو بيكس‬ ‫الكاتب‪:‬صباح االنباري (العراق)‬ ‫النارش‪:‬دار نينوى‬ ‫عدد الصفحات‪ 136 :‬من القطع الكبري‬

‫عن‬

‫دار نينوى للدراسات والنرش (سوريا) صدر للناقد والكاتب‬ ‫املرسحي العراقي صباح االنباري كتاب جديد تحت عنوان‬ ‫«املكان وداللته يف شعر شريكو بيكس»‪ ،‬هو مبثابة سرية مكانية‬ ‫للشاعر العراقي الكردي املعروف عىل نطاق واسع يف الثقافتني‬ ‫الكردية والعربية‪.‬‬ ‫يتناول الكتاب املكان وجاملياته يف شعر شريكو بيكس (مواليد‬ ‫السليامنية يف العراق سنة ‪ ،)1940‬الذي يعد ظاهرة خاصة يف‬ ‫الثقافة الكردية‪ ،‬ويعتربه النقاد رائد الشعر الكردي الحدايث وأشهر‬ ‫من برع يف كتابة قصيدة النرث الكردية‪.‬‬ ‫كتاب االنباري سرية ليست عادية‪ ،‬بل هو كناية عن بحث يف‬ ‫إنتاج شاعر يتنوع ما بني النصوص القصرية جدا ً والطويلة والقصة‬ ‫الشعرية واملرسحية الشعرية‪ ،‬وكذلك الرواية الشعرية‪ ،‬كام انه‬ ‫شاعر يغري بالسفر داخل عوامله من دون عقبات فأسلوبه يتسم‬ ‫بالليونة مع اهتاممه بالرتاث الكردي الشعري واألسطوري‪ ،‬كام‬ ‫ان كتاباته تأثرت بالسياسة والتاريخ والحكايات واملالحم الغنائية‬ ‫حيث متكن من ابتكار نسق شعري خاص جمع ما بني الحكاية‬ ‫والتاريخ والحوار الدرامي والذاكرة الشعبية والغنائية‪.‬‬ ‫املكان عند شريكو بيكس كام يصفه االنباري «ليس مكاناً ذهنياً‬ ‫أو افرتاضياً‪ .‬إنه مأخوذ بواقعيته‪ ،‬وطبيعيته‪ ،‬ومتاهيه مع اإلنسان‬ ‫يف جملة عالقاته ونشاطاته‪ ،‬وتأثرياته املتبادلة؛ وله يف شعر شريكو‬

‫شعريات مقارنة‬

‫الكتاب‪ :‬األجناس األدبية يف ضوء الشعريات‬ ‫املقارنة‬ ‫الكاتب‪ :‬عزالدين املنارصة (فلسطني)‬ ‫النارش‪ :‬دار الراية‪-‬عامن‬ ‫عدد الصفحات‪ 300 :‬صفحة من القطع‬ ‫الكبري‬

‫‪14‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫وظائف عديدة‪ ،‬ومختلفة تناولناها يف منت كتابنا هذا سعياً منا‬ ‫وراء بيان تجلياته الشعرية‪ ،‬وانعكاساته الحياتية‪ ،‬وانصهاره يف‬ ‫بوتقة الواقع الذي خاض غامره اإلنسان الكردي بشكل يومي‪،‬‬ ‫وتفصييل»‪.‬‬ ‫يتوزع الكتاب عىل عدة أبواب يف محاولة الضاءة حياة الشاعر‬ ‫وقراءة لتجليات وتأثريات املكان يف شعره‪ ،‬ذلك ان الكردي‬ ‫الهائم عىل وجهه بال وطن عرضة لرياح كافة الجغرافيات‪،‬‬ ‫ويالحظ قارئ هذا الشاعر أن بنية املكان استأثرت يف قصائده‬ ‫بحيز واسع‪ ،‬بدالالتها الجاملية‪ ،‬ومخزونها اإليحايئ‪ ،‬واملثيولوجي‪،‬‬ ‫وطاقتها التحويلية‪ ،‬فضالً عن كثافتها التي منحت شعر شريكو‬ ‫هوية وروحا كردية عراقية خالصتني‪.‬‬ ‫تنقسم ابواب الكتاب اىل‪ :‬سرية ذات مكانية‪ ،‬صورة الجبل‬ ‫وداللته‪ ،‬املكان حاضن النص املفتوح ‪ ،‬صور املكان لونيا ‪ ،‬املكان‬ ‫املتحرك‪ ،‬مضيق الفراشات‪.‬وأخريا ملحق يضم مقالة عن كتاب‬ ‫لفاضل التميمي تناول فيه بناء املكان يف شعر بيكس‪.‬‬ ‫يف باب «سرية ذات مكانية» يدرس االنباري شعرية الشاعر‪،‬‬ ‫معتمدا ً عىل «قصيدة الصليب والثعبان ويوميات شاعر» كاشفا‬ ‫عن الوشائج الخاصة ما بني األسطورة وحياة الشاعر‪ ،‬ثم ينتقل‬ ‫املؤلف بعدها إىل صورة املكان وداللته الجاملية يف شعر شريكو‬ ‫بيكس ‪،‬ومن خالل ذلك يحلل الباحث رمزية األمكنة التي‬ ‫تتواىل وتظهر عرب قصائد الشاعر ومنها صور االمكنة الخربية‪،‬‬ ‫ويقدم من خالل هذا الباب قصيدة «حلبجة»‪ ،‬التي تبني تعلق‬ ‫الشاعر بعراقيته وحبه للعراق بكل جهاته‪ ،‬فحلبجة ال تنفصل‬ ‫عن بغداد أو عن حيدر خانة ومن ثم ينتقل إىل صور األمكنة‬ ‫القصية‪،‬واالمكنة املغلقة وصور االمكنة املنسية‪ .‬ويتناول الكاتب‬ ‫صورة الجبل وداللته الجاملية يف قصيديت «أنشودتان جبليتان»‪،‬‬ ‫حيث الجبل ذاكرة كردية خالصة‪،‬حيث يرتدد الصدى يف جبال‬ ‫«براميوك» حيث املكان حاضن النص ‪.‬ويسرتسل الكاتب يف رسد‬ ‫حميمية املكان يف قصيدة «كتاب القالدة» حيث املرأة هي‬ ‫كتاب جديد يف النقد للشاعر واالستاذ الجامعي عزالدين‬ ‫املنارصة صدر حديثا عن دار الراية يف عامن‪،‬ويعد الكتاب‬ ‫استكامال ملرشوع املنارصة ىف مجال «النقد األدىب املقارن»‪،‬‬ ‫حيث سبق أن صدرت له ىف هذا املجال‪ :‬املثاقفة والنقد‬ ‫املقارن‪ ،‬علم الشعريات املقارنة‪،‬الهويات والتعددية اللغوية‪،‬‬ ‫علم التناص والتالص‪.‬‬ ‫ويحتوى كتاب «األجناس األدبية» عىل ستة فصول‪ ،‬وملحق‪،‬‬ ‫وهي عىل التواىل‪ :‬الفصل األول «إشكاالت التجنيس األدىب‪:‬‬


‫فانتازيا التعاضد الداللي‬

‫الحاضن كام املكان حاضن النص املفتوح‪ .‬ويؤكد شريكو عىل ذلك‬ ‫إذ يقول‪« :‬ال ميكنني الكتابة دون حب امرأة وحضورها املستمر يف‬ ‫خيايل وتخيياليت املضيئة أو عطر جسدها أو صوتها العذب»‬ ‫ينتقل املؤلف بعد هذا‪ ،‬إىل العبور يف عوامل شريكو‪ ،‬ليقرأ لنا تجليات‬ ‫املكان لونيا ً فمن قصيدة «دورق األلوان» يعرب إىل املكان املتحرك يف‬ ‫«قصيدة الكريس» إىل مضيق الفراشات مكان العبور‪.‬‬ ‫ومن املالحظات التي سجلتها القراءات النقدية لهذا الكتاب هي‬ ‫أن الدراسة ال تتعامل مع املكان من ناحية أنه ذاكرة أو رسد فقط ‪،‬‬ ‫ولكن باعتبار أنه دال يختزل مجمل الروح الوطنية للشاعر‪ .‬وكام ورد‬ ‫يف املقدمة هناك عالقة بني شريكو وهويته كمواطن من كردستان‪.‬‬ ‫إنه شاعر محيل بآفاق مفتوحة عىل مساحات تشمل الجنس البرشي‬ ‫وتطلعاته جمعاء‪ .‬ولذلك فاملكان لديه غري افرتايض‪ ،‬ومرتبط بالواقع‬ ‫والطبيعة ونشاط اإلنسان‪.‬‬ ‫واملالحظة الثانية هي أنها تعزو لكل مجموعة جوا خاصا‪ .‬مبعنى أن‬ ‫الباحث مل يبحث يف مجمل فلسفة املكان عموما (كام هو الحال عند‬ ‫غاستون باشالر)‪ .‬وملزيد من التوضيح إنه بعكس باشالر يركز عىل‬ ‫النص ومضمونه وليس عىل مفهوم املكان وأثره يف اللغة والرتاكيب‬ ‫والرموز غري املتفق عليها‪ .‬وبالتايل أن هذا الكتاب هو كناية عن‬ ‫قراءة ملا تبقى من مخزون له عالقة باملايض‪ .‬وهذا يضع الذاكرة يف‬ ‫خدمة التاريخ أو الصور املتبدلة للمفاهيم‪ .‬وبلغة أدونيس يف موكب‬ ‫املتحوالت وليس الثوابت‪ .‬مع اإللحاح عىل مسألة اسرتجاع الصور‬ ‫وهي تؤدي دورها يف إعادة التعريف بفن و حساسيات الشعر‬ ‫وبسرية الشاعر‪ ،‬الذي وصفه شريكو يف احدى قصائده‪:‬‬ ‫«الشاعر يشبه حصاناً أسود وحيدا ً‬ ‫ُعرفه خصلة نار‬ ‫وصهيل مبلل باالنكسار‬ ‫يجري يف دوران دائم»‪.‬‬ ‫دوران دائم من البداية وحتى النهاية يف املكان الخاص للكائن‬

‫اإلطار النظرى»‪ ،‬الفصل الثاىن «نظرية األجناس واألنواع األدبية‪:‬‬ ‫تح ُّول وتتابع أم رصاع وقطيعة»‪ ،‬الفصل الثالث «شعريات‪:‬‬ ‫(الخطاب‪ ،‬الجنس‪ ،‬النوع‪ ،‬والنص) ومسألة تداخل األجناس‬ ‫األدبية»‪ ،‬الفصل الرابع «شعرية الخطاب الرواىئ»‪ ،‬الفصل الخامس‬ ‫«تقنيات الرسد الشعرى»‪ ،‬الفصل السادس «املورث الرسدى‬ ‫عند العرب»‪ ،‬أما «امللحق» فهو عبارة عن معجم ‪ 133‬مصطلحاً‬ ‫ملصطلحات الرسد األساسية‪.‬‬

‫الديوان‪ :‬تأوهات ُ�ل ّلو وقصائد أخرى‬ ‫الشاعر‪ :‬هشام الزامل (العراق)‬ ‫النارش‪:‬املؤسسة العربية للدراسات والنرش‬

‫عدد الصفحات‪ 144 :‬صفحة من القطع املتوسط‬

‫نص شعري يخلط التاريخ بالزمن الراهن‪ ،‬واألسطورة بقصص‬ ‫التكوين‪ ،‬واللغة الشديدة الفصاحة بالعلوم والرياضيات‪ .‬قصائد‬ ‫قد تكون ُمفارقة ملا هو اعتيادي ومعروف‪ ،‬ذلك هو االنطباع‬ ‫الذي يتولد لدى قارئ ديوان الشاعر العراقي هشام الزامل‬ ‫الصادر حديثا يف طبعة ثانية عن املؤسسة العربية للدراسات‬ ‫والنرش‪،‬بينام طبعته األوىل صدرت يف العراق‪.‬‬ ‫ديوان يحظى بالرتحيب من نقاد لهم حضورهم مثل الشاعر‬ ‫والناقد ياسني طه حافظ وكتاب كالقاص املتميز محمد خضري‬ ‫الذي اعترب قصائد اليوان‪« :‬نوعا من التعاضد الداليل‪،‬فقدالتفت‬ ‫الشاعر اىل اسرتاتيجية اخرى يف الشعر وهي جمع القصائد‬ ‫التي تتعاضد دالليا وجمعها يف ديوان وهذا نوع من التطور‬ ‫يف الشعر حتى صار الديوان اشبه بالكتاب وهذا ايجاب يف‬ ‫الديوان»‪،‬إال انه يف واقع األمر تقوم لعبة الكاتب يف جانب كبري‬ ‫منها عىل فانتازيا درجت لدى املوجة االخرية من كتاب قصيدة‬ ‫النرث‪،‬يبدو ظاهرها االبهار ولكنها ال تقف عىل صورة ذات شحنة‬ ‫شعورية عالية‪،‬وتظل متكلفة تستجدي االبهار وال تصله النها ال‬ ‫«كنت ألوذ بسكون‬ ‫تعدو عن كونها محاوالت لتزجية الكالم ‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫أبدي‪ /‬كنت سعيدا ً‪ ،‬سلطاناً‪ /‬يف سفر النسيان‪ /‬جاء الشاع ُر هذا‪/‬‬ ‫الوقح جدا ً‪ /‬املدعو هشام الزامل‪ /‬أيقظني من نسياين‪ /‬قطّع‬ ‫يل أوصايل بسيف الشعر‪ /‬وساطور األوزان»‪ .‬وهو هنا يتحدث‬ ‫بلسان «للو» االنسان األول‪ ،‬ولذا يحاول ان يعتمد عىل االساطري‬ ‫وسفر التكوين وحمورايب وجلجامش‪ ،‬ويلجأ اىل معادالت‬ ‫رياضية يف القسمة والرضب ليخلق مزيدا من االبهار الذي ال‬ ‫يصل اىل ادهاش املتلقي‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪15‬‬


‫شعر وشعراء‬

‫تأريخ لشعر المنفى العراقي‬

‫الكتاب‪ :‬املنفى الشعري العراقي‬ ‫الكاتب‪ :‬د‪.‬عيل نارص كنانة (العراق)‬ ‫النارش‪ :‬مؤسسة الرحاب الحديثة يف بريوت‪.‬‬

‫عدد الصفحات‪ 207 :‬صفحات من القطع الكبري‬

‫انطولوجيا عراقية جديدة‪ ،‬ولكنها مصنفة عىل زمن املنفى‬ ‫العراقي انجزها مؤخرا الدكتور عيل نارص كنانة وفق تبويب‬ ‫اعتمد عىل مراحل هجرات الشعراء العراقيني‪ ،‬ويبدأ من‬ ‫الهجرات االوىل‪ :‬ابو الطيب املتنبي اىل مرص‪ ،‬وأبو زريق‬ ‫البغدادي اىل اسبانيا‪ .‬هجرات مبكرة‪ :‬عبد املحسن الكاظمي‬ ‫اىل القاهرة وأحمد الصايف النجفي اىل دمشق‪ .‬هجرة الستينات‪:‬‬ ‫محمد مهدي الجواهري اىل براغ وسعدي يوسف اىل الجزائر‪.‬‬ ‫هجرة اواخر السبعينات‪ :‬الشعراء اليساريون اىل البلدان‬ ‫االشرتاكية وبعض الدول العربية وخصوصا سوريا واليمن‬ ‫الدميقراطية (عدن) ودول الخليج‪ .‬هجرة الثامنينات‪ :‬تداعيات‬ ‫الحرب العراقية االيرانية‪ :‬اىل ايران ثم سوريا ثم اوروبا الغربية‪.‬‬ ‫هجرة التسعينات‪ :‬تداعيات حرب الكويت وفرتة الحصار عىل‬ ‫العراق‪ :‬هجرة اىل جميع اصقاع االرض‪ .‬هجرة ما بعد ‪:2003‬‬ ‫تداعيات مرحلة االحتالل‪ :‬هجرة اىل البلدان العربية خصوصا‬ ‫االردن وسوريا واالمارات العربية املتحدة وبعض الدول الغربية‪.‬‬ ‫وتالفيا ألي لبس م ّيز الباحث بني ما يسميه الشعور باالغرتاب‬ ‫يف داخل الوطن وبني املنفى وما ينتج عنه من شعور بالغربة‬ ‫يف الخارج‪.‬وقال‪« :‬حيثام وجد الناس استبد ببعضهم الشعور‬ ‫باالغرتاب يف الزحام او حارصت بعضا آخر فكرة الذهاب اىل‬ ‫املنفى‪ .‬يف الحالني اغرتاب ويف الحالني منفى‪ .‬ومنعا ألي لبس يف‬ ‫املفاهيم اجد من الرضوري التأكيد عىل التمييز بني االغرتاب اي‬ ‫الشعور بالغربة داخل الوطن وبني املنفى وما يتبعه من شعور‬ ‫بالغربة خارج الوطن»‪.‬‬ ‫يتضمن الكتاب جهدا تاريخيا شبه توثيقي قام به الكاتب عام‬ ‫‪« 2006‬بغية تحرير انطولوجيا للشعراء العراقيني يف املنفى عرب‬ ‫رموز معروفة ألن النزوحني الكبريين خالل فرتة الحصار ‪-1991‬‬ ‫‪ 2002‬وبعد الغزو االمرييك للعراق عام ‪ 2003‬ص ّعبا من مهمة‬ ‫حرص جميع االسامء»‪.‬‬ ‫‪16‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫خيال ومفردة خاصة‬

‫الديوان‪ُ :‬كنْ‬ ‫الشاعر‪ :‬أمني الربيع (األردن)‬ ‫النارش‪ :‬دار نارة للنرش والتوزيع‬ ‫عدد الصفحات‪ 136 :‬من القطع املتوسط‬

‫بعد ديوانه األول «مرايا القتام»‬ ‫صدر حديثا للشاعر االردين امني‬ ‫الربيع ديوان شعري جديد بعنوان‬ ‫« ُكنْ » عن دار نارة للنرش والتوزيع‬ ‫وبدعم من وزارة الثقافة االردنية‪.‬‬ ‫ضم الديوان الجديد مجموعة من القصائد‪ ،‬منها‪:‬‬ ‫الرس‪ ،‬وددت لو‪ ،‬عىل أهبة الضوء‪ ،‬أطري كفراشة ألسع‬ ‫كالنحلة‪ ،‬صباحا من رشفة البيت‪ ،‬سيناريو مقرتح ملويت‪،‬‬ ‫وغري ذلك من القصائد التي تستحرض مخيلة خصبة‬ ‫تستقرئ دواخل االنسان والبحث يف مسألة القلق‬ ‫الوجودي‪ ،‬وتذهب بعص القصائد بإشارات صوفية‬ ‫إىل الكشف عن جدلية املوت والحياة‪ ،‬ويتجىل ذلك‬ ‫يف قصيدته «سيناريو مقرتح ملويت»‪ ،‬التي يطرح فيها‬ ‫أسئلة الوجود والحياة‪ ،‬مقرتحا سيناريوهات عديدة‬ ‫للموت تشتبك مع املعطى اليومي الذي نعيش‪ ،‬وتقرأ‬ ‫تفاصيل كثرية يف عجلة الحياة‪ ،‬بلغة أيضا ال تخلو من‬ ‫التكثيف أعطت بعدا فلسفيا للنصوص‪.‬‬ ‫ووقع الشاعر ديوانه يف رابطة الكتاب االردنيني يف‬ ‫أمسية تحدثت خاللها الروائية سمحية خريس عن‬ ‫الديوان‪ ،‬و قالت‪« :‬متكن الشاعر الشاب أمني الربيع‬ ‫من القفز عىل حدود القصيدة الكالسيكية بأغراضها‬ ‫املعروفة‪ ،‬ومىض مستعينا بخياله مفتاحا للولوج إىل‬ ‫العامل»‪ ،‬مشرية إىل أن الشاعر الربيع متكن من الكشف‬ ‫عن أعامقه وفق تأمالت مغايرة‪ ،‬تقرتب من الصوفية‬ ‫أحيانا ولكن بلغته الخاصة ال اللغة الصوفية املعتادة‬ ‫ذات السطوة عىل مجموع الشعراء الذين وجدوا فيها‬ ‫منتجعا جامليا فحسب‪ ،‬بينام الربيع يعرضها لالختبار‬ ‫ويخرج مبفرداته الخاصة‬


‫فالريي روزو‬

‫الشابة فاليري روزو‬

‫تقتحم المشهد الشعري الفرنسي‬

‫يرد‬

‫اسم الشاعرة الفرنسية فالريي روزو بقوة‪ ،‬يف الفرتة األخرية‪،‬‬ ‫وهو ما يدل عىل أنها استطاعت‪ ،‬فعال أن تشق طريقها‬ ‫يف خريطة الشعر الفرنيس املعارص املتشعبة‪ ،‬ولعل االستقبال الذي‬ ‫خصه بها الشاعر الفرنيس أندري فيلتري ‪ Andre Velter‬حائز جائزة‬ ‫الغونكور للشعر ومسؤول قطاع الشعر يف دار النرش «غاليامر» (لسلة‬ ‫شعر)‪ ،‬بعد صدور ديوانها األول الالفت ‪ ،Pas revoir‬دليل عىل أنها‬ ‫أصبحت اسام ال ميكن تجاهله يف الشعر الفرنيس‪.‬‬ ‫كتب فيلتري صفحة كاملة يف صحيفة «لوموند»‪« :‬إن ِكتا َبها ُيقرأ ِب َن َفس‬ ‫واحد‪ )...(...‬ومثلام كان أبوها يقوم بتجميع الصناديق والطناجر‬ ‫والنحاس األحمر واألملنيوم أو النيكل‪ ،‬تقوم فالريي روزو بتجميع ِق َطع‬ ‫من األنغام وفتاتات من الذكريات و ُك ُسور من االنفعاالت؛ و ُتسا ِي ُف يف‬ ‫ذهب الزمن»‪.‬‬ ‫ومنذ صدور ديوانها األول الذي أثار قبوال وإعجابا كبريين‪ ،‬توالت‬ ‫نصوصها وكتبها‪ ،‬التي ترافقت مع انخراطها يف ترجمة الشعر (ترجمت‬ ‫نصوصا لسيلفيا بالث وتيد هيوز وويليام كارلوس ويليام س وآخرين)‬ ‫منحها مكانة أخرى يف التعامل مع الشعر‪ ،‬ومن بني هذه املجاميع‬ ‫«ليس الربيع» و«ظلاميت» و«فروز» إلخ‪.‬‬ ‫ولعل مايتحدث عنه فيلتري ميكن استشفافه حتى يف ديوانها الجديد‬ ‫الذي نرتجم منه هذا املقطع‪:‬‬

‫«يف الساعة ِّ‬ ‫املتأخ َرة التي دققت فيها باب الجريان‬ ‫املفاتيح التي تفتح السكاكني التي تج ّز‬ ‫ُبو َم ٌة تختفي يف أشجار الجادَّة‬ ‫عصفو ٌر رائع كان يف السابق ُم َس َّمرا باألبواب‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ركبت الرتام املائوي يك أعود إىل البيت‬ ‫املفاتيح التي تج ّز والسكاكني التي تفتح‬ ‫ُ‬ ‫وجدت مخدعا هاتفيا أحمر‬ ‫ُ‬ ‫هاتفت القاطن َة طلبا للنجدة‬ ‫توجد ٌ‬ ‫بومة يف كل رأس من رؤويس‬ ‫املفاتيح التي تفتح والسكاكني التي َت ْف ِصلُ‬ ‫وعىل طول طول طول طول طول الشارع الكبري‬ ‫ترص ينقشع الظالم ها هو القمر‬ ‫سكة الحديد ّ‬ ‫مفاتيح السامء سكاكني ُم ْش َه َرة‬ ‫من دون صفيحة أساسية َم ْق َب ُض املِ ْكن ََسة‪.‬‬

‫وتعرتف هذه الشاعرة الشابة أن قراءة الشعر مهمة‪ ،‬ولكن وطأة‬ ‫الشعراء الكبار ميكن أن تظل حارضة وتشكل مظهرا من مظاهر‬ ‫اإلزعاج املستدام‪ُ « :‬‬ ‫قرأت بونفوا بإرساف‪ ،‬وكذلك فعلت مع جاكويت‪.‬‬ ‫ولكن بالنسبة ألمرأة شابة‪ ،‬ليس من الجيد قراءة هؤالء الرجال‪ ،‬كبار‬ ‫السن‪ .‬إنهم يقطعون أجنحتنا‪ ،‬واألمر يشبه حامل َب َك َرة يف رافعة فوق‬ ‫رؤوسنا‪ .‬إن موتأيب هو الذي ح ّررين فعال‪»...‬‬ ‫وبالفعل فإن ديوانها األول «با روفوار» ‪ PARREVOIR‬هو مبثابة‬ ‫تقدير وإعجاب ألبيها‪ ،‬وأيضا مبثابة خالص نفيس وشعري‪.‬‬ ‫أصبحت الشاعرة طليقة‪ ،‬بالفعل‪ ،‬من أثر الشعراء الكبار الذين قرأت‬ ‫لهم‪ .‬وأيضا طليقة من سطوة األب‪ .‬وصار بإمكانها أن تكتب الشعر‬ ‫عىل طريقتها‪ .‬ولكن الحرية‪ ،‬هنا‪ ،‬ليست نهائية‪ .‬املوانع والتابوهات‬ ‫كثرية‪ ،‬وحراس املعبد ُكثرُ ٌ ‪ ،‬أيضا‪ .‬وهذا ما جعل أعضاء لجنة تحكيم‬ ‫إلحدى الجوائز يرفضون منحها الجائزة املستحقة‪« :‬مل أحصل عىل‬ ‫الجائزة ألن عضوا وازنا فيها اعرتض ع ّ‬ ‫يل بدعوى أنه إذا ما ُأ ْع ِط َي هذا‬ ‫الكتاب لفتيان‪ ،‬فإنهم لن يعرفوا النحو واإلعراب أبدا‪».‬‬ ‫ُ‬ ‫من الديوان األول «يف حرارة الحداد»‪:‬‬

‫ترقص عىل الخيط‪/‬الرباط‬ ‫«نمَ ٌلة فوق حذايئ وأنظر إليها وهي ُ‬ ‫من دون خوف‪.‬‬ ‫ستس ُق ُط من األعشاب الحمقاء أو من باقة نرجس التي‬ ‫كانت ْ‬ ‫يزداد ثقلها حني أتقدم‪».‬‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫الضباب الته ََم ك َّل يشء‪ ،‬العنزات‬ ‫«لن نذهب قط لقطف ال ِفطر‬ ‫ُ‬ ‫وساللَنَا‪.‬‬ ‫البيض ِ‬ ‫كام لن نذهب‪ ،‬أيضا‪ ،‬إىل األحياء الكبرية مثل حوتات رمادية‬ ‫ُم َّ‬ ‫نظ َمة جدا ُ‬ ‫ضيع ُقلو ُبنا‪.‬‬ ‫حيث َت ُ‬ ‫وال إىل السينام وال إىل السريك وال إىل املقهى‪-‬املرسح وإىل‬ ‫مسابقات الد َّر َاجات»‬

‫باريس‪ -‬محمد املزديوي‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪17‬‬


‫شعر وشعراء‬

‫محمد البريكي‬

‫القصيدة على بحر القلق‬

‫يستمد‬

‫الشاعر محمد الربييك غنائيته من‬ ‫كونه يكتب الشعر النبطي إىل‬ ‫جانب كتابته للفصيح‪ ،‬جامعا يف قصيدته بني اإليقاع‬ ‫والفكرة واللغة البسيطة غري املتكلفة التي ال تحتاج إىل‬ ‫بطاقة عبور يك تصل إىل قارئها‪ .‬كام هي حال القصيدة‬ ‫النبطية ‪ /‬الشعبية‪ ،‬التي تحايك واقع العموم‪ ،‬بسالسة‬ ‫املحيك‪ ،‬وطي جميع املسافات‪.‬‬ ‫الربييك يف مجموعته الشعرية األخرية «بيت آيل‬ ‫للسقوط» الصادرة مؤخرا عن دائرة الثقافة واإلعالم‪ ،‬يف‬ ‫معرض الشارقة الدويل للكتاب‪ ،‬يؤكد أنه شاعر مسكون‬ ‫باإليقاع‪ ،‬حتى أنه يف كثري من قصائد هذه املجموعة‬ ‫ينحاز إىل الكتابة الشعرية عىل بحور ذات إيقاع عال‪،‬‬ ‫كبحر البسيط والكامل‪ ،‬ولكنه يبدو حريصا أيضا عىل‬ ‫أن ينوع يف كتابته بني التفعيلة والعمود‪ ،‬ويظهر مهارة‬ ‫ملفتة يف االنتقال من شكل اىل آخر ومن بحر إىل آخر‬ ‫دون أن يفقد صوته الشعري الخاص يف معظم قصائده‪.‬‬ ‫كام أن هذا التنوع ال يقترص عىل الشكل فقط‪ ،‬بل وعىل‬ ‫املضمون‪ ،‬الذي يتناول فيه الوطني‪ ،‬والغزيل‪ ،‬والتأميل‪،‬‬ ‫بأدوات بسيطة ومتمكنة‪ .‬مستحرضا املدن‪ ،‬كام يف‬ ‫ُ‬ ‫رحلت وإمنا ‪ /‬كان‬ ‫قصيدة « مسقط»‪ :‬أأنا رحلت ؟ ‪ /‬نعم‬ ‫نخيلك فاعلمي ‪ /‬ر ّت ُ‬ ‫الغياب مقاطعا‬ ‫لت أغنية‬ ‫الرحيل إىل‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫غصت يف فمي‪ .‬وكذلك يف قصيدة‬ ‫‪ /‬أنغا ُمها بالحزنِ ّ‬ ‫بالحب نضاختانِ ‪ /‬وغيم ُة أفراحها‬ ‫«الشارقة»‪ :‬وعينان‬ ‫ّ‬ ‫دافق ْة ‪ /‬إذا اهتزّت ُ‬ ‫األرض منها تراها ‪ /‬بأغصان ِ عزّتها‬ ‫فارق ْة‪.‬‬ ‫ثم مستحرضا الشعراء كام يف قصيدة «أغنية العائدين»‬ ‫املهداة إىل الشاعر العامين حسن املطرويش‪ ،‬وقصيدة‬ ‫‪18‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫«الريح َ‬ ‫وقت خروجنا» املهداة اىل الشاعر العراقي‬ ‫َ‬ ‫«تساءلت قبل سنني»‬ ‫عبدالرزاق الربيعي‪ ،‬وقصيدة‬ ‫املهداة إىل الشاعر نزار قباين»‪ :‬إذا قلت يا صاحبي إن ذئبا‬ ‫خالص إذا َ‬ ‫كنت‬ ‫يناوش قطعاننا ‪ /‬قال هذا ِك ِذ ْب ‪ /‬وأيّ‬ ‫ٍ‬ ‫تزرع يف الحقلِ ‪ ..‬ما ال ُت ِح ْب‪.‬‬ ‫هكذا يؤسس الربييك بناءه الشعري‪ ،‬ويبحث عن مقولته‬ ‫الناجزة‪ ،‬من قلب فكرته‪ ،‬ليقدم قصيدة ذات مالمح‬ ‫واضحة‪ ،‬ال تغرق نفسها يف الغموض أو الخروج عن‬ ‫مسارها‪ ،‬ولكنها يف نفس الوقت متنح قارئها مساحة‬ ‫للتّفكر واستكامل املعنى‪ ،‬والسري معه عىل طريق واحدة‬ ‫عرب أكرث من مسار‪ .‬وكأن الربييك هنا ال يرغب أن يقول‬ ‫كل ما يريد أو يعني‪ ،‬متاما كام يعرب عن ذلك ت‪.‬اس‪.‬‬ ‫إليوت بعبارته «يستحيل أن أقول ما أعنيه بالضبط»‪ .‬فهو‬ ‫يؤمن بأن القارئ شكريك يف الكتابة وله أن يكمل املعنى‬ ‫حسب فهمه وخياله ‪.‬‬ ‫ويبدو القلق يف هذه املجموعة محفزا عىل الكتابة‪،‬‬ ‫والقلق هنا مصدر جاميل‪ ،‬يحمل القصيدة عىل طرح‬ ‫األسئلة‪ ،‬والبحث‪ ،‬وتصوير املحيط بأبعاده كافة‪ .‬إنه القلق‬ ‫الذي يحرض عىل سرب أغوار الواقع واألحداث‪ ،‬والتعبري‬ ‫عنها بلغة خاصة ورؤية ذاتية‪ .‬يف قصيدة «بعيدا عن‬ ‫املاء» يقول الربييك ‪:‬‬ ‫ميوت عىل ض ّفة النه ِر‬ ‫ُ‬ ‫جيش من الق ّبعات‬ ‫ُ‬ ‫السمع‬ ‫ويسرتق‬ ‫ُ‬ ‫ليل طويلُ‬ ‫ٌ‬ ‫للريح حرشج ًة‬ ‫ُ‬ ‫فتسمع ِ‬ ‫ُ‬ ‫الشمس‬ ‫الرصاص عن‬ ‫والنخيل ير ُّد‬ ‫َ‬ ‫ِ‬


‫الديوان ‪ :‬بيت آيل للسقوط‬ ‫الشاعر ‪ :‬محمد الربييك (اإلمارات)‬ ‫النارش ‪ :‬دائرة الثقافة واإلعالم يف‬ ‫الشارقة‬ ‫عدد الصفحات ‪ 148 :‬من القطع‬ ‫املتوسط‬

‫تصنع أبطالها من قلقْ‬ ‫والشمس ُ‬ ‫ُ‬ ‫هنا تربز الشعرية يف قصيدة الربييك‪ ،‬عندما يعلو النخيل‬ ‫لريد الرصاص عن الشمس‪ ،‬وتصنع هي أبطالها من القلق‪،‬‬ ‫الحارض هنا كفردة إىل جانب املعنى‪ ،‬ولكنه يف قصائد‬ ‫أخرى‪ ،‬يكتفي بالحضور يف صورة املعنى ومحتواه‪ ،‬ليتكئ‬ ‫عليه الشاعر يف صياغة مقولته ومفرداته التي يزينها‬ ‫بالدهشة والداللة‪.‬‬ ‫ويف مناطق عديدة‪ ،‬تدنو رائحة شعرية شهية‪ ،‬تفوح‬ ‫من بساتني القصيدة األوىل‪ ،‬والعصور التي توجها الشعر‬ ‫العريب مبا جاد به من معلقات وقصائد وأبيات ال تزال‬ ‫تتسلل إىل ذاكرة الجامل والعطاء الشعري األوفر‪ .‬يف‬ ‫تلك القصائد يقف الشاعر عىل طلل التذ ّكر والتع ّلل‬ ‫واستحضار من عربوا يف عني الزمن‪ ،‬ودقوا أجراس الفرح‬ ‫ثم رحلوا ‪..‬‬ ‫والعابرون عىل نبضــــي أشاطرهم‬ ‫هم املســـــافة والرتحـــــال يف خلدي‬ ‫لـــــذا ســــــأترك أوراقي مســافر ًة‬ ‫يك ينبت الشع ُر ورداً يف ثرى جسدي‬ ‫هكذا يكون الشعر دليل الشاعر‪ ،‬وبوصلته إىل الحنني‪،‬‬ ‫ومرآته التي هي وحدها من تراه‪ .‬وهو إذ يكتب قصيدته‬ ‫هذه بنربة الشعراء األوائل‪ ،‬يعود إىل الرتاث‪ ،‬يف هيئة‬ ‫مختلفة نوعا ما‪ ،‬بعيدة عن التقليد والتوأمة واللصق‪ ،‬عرب��� ‫مفردات سهلة‪ ،‬وتصوير شعري شفاف‪ ،‬ال يطمح سوى ألن‬ ‫يعرب جرس الشعر الفاصل بني القصيدة واملتلقي ‪.‬‬ ‫يواصل الربييك يف هذه املجموعة عزفه الشعري‪ ،‬وينشد‬ ‫للحنني‪ ،‬واألنثى‪ ،‬والحب‪ .‬ممسكاً بخيط الصدق‪ ،‬ومطلقا‬ ‫خيل القول‪ ،‬ليعبرّ عن ذاته‪ ،‬والذات األخرى ‪..‬‬

‫كنّا نتشاو ُر‬ ‫طريق نسلك‬ ‫من أيِّ‬ ‫ٍ‬ ‫مل يشهد من قبل خطاوينا أنفاسا‬ ‫العاشق‬ ‫اآلن بوسع‬ ‫ِ‬ ‫الحب أمام الناس‬ ‫أن ينهي أم َر ّ‬ ‫وال خوف عليه‬ ‫فال ع ٌني تبرص يف الزحم ِة‬ ‫هو يسلك طريق الحب‪ ،‬ال يف زحمة الناس‪ ،‬بل يف زحمة‬ ‫الشعر‪ ،‬وتوالد القول الذي يقود إىل الفكرة‪ ،‬ويستعيد‬ ‫املشهد كامال‪ ،‬لتحمله بصرية القصيدة‪ .‬وتج ّمله ثم ترفعه‬ ‫فوق سفح الجامل‪ ،‬لتبرصه العني ولو يف الزحمة ‪.‬‬ ‫إن هذا الديوان‪ ،‬رصيد إضايف‪ ،‬للمكتبة الشعرية اإلماراتية‪،‬‬ ‫وهو منجز جديد لشاعر كتب الشعر النبطي‪ ،‬وآثر أن‬ ‫يكتب الفصيح‪ ،‬فأجاد يف كتابته هذه كام أجاد يف كتابته‬ ‫األخرى‪ .‬وهنا إشارة إىل أن الشعر ال يقف عىل أرض‬ ‫ساكنة‪ ،‬أو واحدة‪ ،‬هو يتقافز ويعدو ويجول وال يسكن‪.‬‬ ‫كام ان «بيت آيل للسقوط»‪ ،‬ديوان شعري ناضج‪ ،‬ويدلل‬ ‫عىل تلك الحركة املتواصلة يف تجربة الربييك الشعرية‪،‬‬ ‫التي يتنقل عربها بني عدة أنساق من الكتابة الشعرية‪.‬‬ ‫ويف هذا اإلصدار‪ ،‬يربهن عىل موهبة نقية يف كتابة الشعر‬ ‫الفصيح‪ ،‬وحضور الفت لشاعر يستطيع أن يخترص املسافة‬ ‫بني شكل شعري وآخر‪ ،‬وأن يقطع النهر بني ضفة شعرية‬ ‫وأخرى‪ .‬وهو وإن اختلفت مواضيعه ومضامينه‪ ،‬يبقى‬ ‫نفسه واحدا‪ ،‬قلقاً‪ ،‬يفتش عن صورة يعيد الشاعر رسمها‬ ‫كام يراها هو‪ ،‬وكام يرغب لها أن تكون‬ ‫عبدهللا ‪...‬‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪19‬‬


‫شعر وشعراء‬ ‫سليم بركات‬

‫لغة تلد لغة أخرى‬ ‫الديوان‪ :‬آلهة‬ ‫الشاعر‪ :‬سليم بركات (سوريا)‬ ‫النارش‪ :‬دار الزمان ‪ -‬دمشق‬ ‫عدد الصفحات‪ 158 :‬من القطع املتوسط‬

‫سليم‬

‫الربط بني الواقعي والعجائبي بخيوط فنية هائلة متنح‬ ‫بركات الشاعر والروايئ السوري يعود إلينا‬ ‫النص أبعادا جاملية فريدة‪ ،‬و تخرج به من رتابة التداعي‬ ‫بديوان شعر ورواية‪ .‬القصيدة الطويلة التي‬ ‫تحمل عنوان «آلهة» هي بحد ذاتها سفر تكوين جديد وعامرة املبارش لآلالم‪ .‬لغة عجيبة غريبة‪ ،‬تختلف عن اللغة الشعرية‬ ‫شعــرية‪ .‬يدخل سليم بركات كعادته يف أدغال اللغة التي هي املألوفة يف زماننا ويف األزمنة الغابرة‪ .‬لغة وحدها تحمل‬ ‫الغرابة‪ ،‬و تخلق الدهشة وااللتباس عند القارئ الذي يظل‬ ‫أيضاً أدغال الفكر‪ ،‬ويبني ويقطع ويتوغل‪ .‬إنه شأنه يف كل‬ ‫محارصا بنوع من الدهشة إزاء هذه اللغة من بداية النص‬ ‫ما يصنع‪ ،‬يف استيالد اللغة واالستيالد من اللغة‪ ،‬بيد أنه هنا‬ ‫الشعري حتى نهايته‪ .‬تعابري جيدة و تشبيهات ووصفات‬ ‫ينحو منحى ميثولوجيا‪ ،‬إنه بناء األسطورة الكونية وامللحمة‬ ‫كثرية تفاجئ القارئ وتقطع عليه اسرتساله يف تتبع النص‬ ‫باألسطورة‪.‬‬ ‫بتلقائية‪ ،‬وتورطه وتدفع به للوقوف وقفات تأمل جاملية‬ ‫الديوان عبارة عن قصيدة واحدة تبدو وكأنها كتبت دفعة‬ ‫النص‪ ،‬حتى ال تكون القراءة قراءة الهثة وراء تتبع الصور‬ ‫واحدة‪ ،‬حيث يستمر التوتر الداخيل فيها من البداية وحتى‬ ‫النهاية‪ ،‬ولكنها كتبت بعناية سليم بركات املعهودة يف التعاطي الشعرية و البحث عن مآالت القصيدة‪.‬‬ ‫الديوان أنيق جدا ومزيَّن الطباعة بباقة من اللوحات‬ ‫مع اللغة بحواس الصائغ املاهر حتى تبدو كل مفردة وكأنها‬ ‫هي من رسم الشاعر نفسه‪ ،‬يف إخراج أنيق مجلَّد تجليدا ً‬ ‫نحتت عىل حدة ولقيت عناية خاصة من الشاعر محسوبة‬ ‫فن ًّيا‪ .‬وهو الكتاب الثاين الشعري الذي يصدر مجلدا ً بهذه‬ ‫بدقة شديدة‪.‬‬ ‫القصيدة موجهة إىل اآللهة‪ ،‬بني شكوى ونجوى‪ ،‬ولكن الديوان الطريقة للشاعر‪ ،‬بعد كتابه «عجرفة املتجانس‪ :‬شكوك‬ ‫القُبل وهواجسها املوصولة»‪ ،‬عن دار الزمان يف دمشق‪،‬‬ ‫طافح باالسئلة‪ ،‬ويذهب الشاعر بعيدا ليجتاز مسافات طويلة‬ ‫خالل عام واحد‪.‬‬ ‫من القلق واألمل والخوف يك يطرح اسئلته الوجودية وكأنه‬ ‫حارض يف االسطورة والواقع‪ .‬سفر ميثولوجي ينفتح عىل متاهات من الديوان‪:‬‬ ‫َخد ٌَم‬ ‫كثرية وال يقف عند محطة تشكل مطهرا‪.‬‬ ‫ما يلفت اكرث هو اشتغال بركات عىل اللغة‪ ،‬ذات يوم قال عنه يف‬ ‫مآدب اإلنسان‪.‬‬ ‫محمود درويش بأنه‪« :‬أفضل من كتب باللغة العربية خالل‬ ‫ِ‬ ‫جر ٌاح‪ ،‬حوذ ُّيون للعربات‪،‬‬ ‫العقدين األخريين»‪ ،‬ووصفه الناقد صبحي حديدي بأنه‪« :‬‬ ‫وبستان ُّيون للحدائق‪،‬‬ ‫الكردي‪ -‬البازيار الذي شق معاين العربية من تالبيبها» ‪،‬ورأى‬ ‫حساب لألطفال ُينعشون أقدا َمهم يف سواقي‬ ‫ومع ِّلمو‬ ‫عباس بيضون‪« :‬إن صنيع سليم بركات يف اللغة يشبه صنيع‬ ‫ٍ‬ ‫الحروب‪.‬‬ ‫النحات الذي يستنطق مادته»‪.‬‬ ‫مجامالت مه َّذبة‪ٌ.‬‬ ‫ٌ‬ ‫جر ٌاح‬ ‫التشكيل اللغوي هو سيد اللغة يف الديوان‪ ،‬عربه تتنامى كل‬ ‫املكونات الداللية‪ ،‬و من خالله تتكون عجائبية النص و غرابته‪ .‬جر ٌاح تنب ْيهٌ ؛‬ ‫ٌ‬ ‫مضافة إىل متونِ األعامر‬ ‫حواش‬ ‫ٍ‬ ‫اللغة تحتل موقعا هاما يف بناء النص و توجيهه‪ ،‬و تساهم يف‬ ‫‪20‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫قاسم حداد‬

‫جرح في الماضي‬ ‫لست جرحا وال خنجرا‬ ‫الديوان ِ‬ ‫الشاعر‪:‬قاسم حداد (البحرين)‬ ‫النارش‪:‬الهيئة العامة املرصية للكتاب‬ ‫عدد الصفحات‪ 200:‬صفحة من القطع الكبري‬

‫صدر‬

‫عن الهيئة املرصية العامة للكتاب ديوان جديد‬ ‫للشاعر قاسم حداد بعنوان «لست جرحا وال‬ ‫خنجرا»‪ ،‬هو الثاين خالل عام بعد ديوان «طرفة بن الوردة»‬ ‫الذي اعاد فيه الشاعر تركيب اسطورة «الشاعر الضليل»‬ ‫(طرفة بن العبد) يف قراءة مختلفة عن السائد‪ ،‬تذهب إىل‬ ‫تقيص جذوره الشخصية الذاهبة يف التمرد حني تحامته‬ ‫القبيلة‪ ،‬وصار كالبعري االجرد‪.‬‬ ‫يتكون الديوان الجديد من ‪ 65‬قصيدة توزعت عىل ‪200‬‬ ‫صفحة‪ .‬وتختلف القصائد حيث ترتاوح بني السطر وبضعة‬ ‫أسطر‪ .‬وهو هنا غري بعيد عن لعبة التجريب الدائم التي‬ ‫عرف بها صاحب «أسري مخفورا بالوعول»‪ ،‬حيث ميتلك‬ ‫قاسم حداد القدرة عىل االنتقال بني قصيدة واخرى وحتى‬ ‫بني ديوان وآخر‪ ،‬من دون ان يتأثر ايقاعه العام او تنخدش‬ ‫صورته او تبهت‪.‬‬ ‫قصائد الديوان ذات شحنة خاصة وشجن ظل يرتدد يف‬ ‫صوت قاسم حداد منذ بداياته السبعينية‪ ،‬ومن القصائد‬ ‫التي تستدعي التوقف امامها هي «مسامري السفينة»‪،‬‬ ‫ألنها تعد مبثابة نقطة التوازن يف الديوان ومفتاح تأويالته‬ ‫الداللية‪:‬‬ ‫ً‬ ‫«اهدأ قليال‪ /‬وانتظر تلك الحشود متر ذاهبة إىل املايض‪/‬‬ ‫ودعها‪ /‬دع لها مستقب ًال ينساك‪ /‬واهدأ‪ /‬ريثام يتذكر القتىل‬ ‫خريطتهم»‪.‬‬ ‫تفتح هذه القصيدة بابا نحو املايض يقود القارئ اىل تأمل‬ ‫العمل من منظوري الزمان واملكان‪ ،‬ذلك ان البحرين وطن‬ ‫الشاعر بلد عرف أهله بارتياد البحر للسفر بعيدا وصيد‬ ‫اللؤلؤ‪ ،‬ومن هذه النظرة املتأملة ملسامري السفينة الراسية‬ ‫كالزمن ميكن استقبال صورة عىل طريقة الفالش باك‬ ‫من دون رحيل عن االرض الراهنة‪ ،‬الخريطة التي تحرتق‬

‫وال يراها االبناء‪ ،‬فهؤالء قتىل تركوا مسامري السفينة تصدأ‪،‬‬ ‫واألرض تنئ من تحت اقدامهم‪.‬‬ ‫هذه القصيدة دعوة ذاتية يف صيغة عزاء شخيص‪ ،‬مناجاة‬ ‫للنفس يك ترتفع فوق حطام الحارض وتشظياته‪ ،‬مناشدة‬ ‫لتأمل زمن ينكرس ويرحل نحو املايض‪ ،‬وال يحفل باملستقبل‬ ‫كام يف قصيدة «دارت بنا»‪،‬التي‬ ‫«كلام دارت بنا الدنيا هنا ‪ /‬درنا لها‪ /‬وتقاطرت سفن لتقتلنا‪/‬‬ ‫فنبدو غري مكرتثني‪/‬نبدو‪».‬‬ ‫ويف قصيدة أخرى «العظم الواهن» يسرتسل الشاعر يف‬ ‫استدعاء املايض الذي اليربح الذاكرة‪ ،‬املايض حني ينكرس‬ ‫الحارض وتنسد أبواب اآلفاق‪:‬‬ ‫«كان السفر بعيداً والساحل يرى القلوع تنقصف تحت‬ ‫حوافر اإلعصار قبل األرض‪ /‬األنني عائد من البحر وحده‪/‬‬ ‫واألطفال يكربون»‪.‬‬ ‫لغة الديوان تسري عىل خطى قاسم حداد وتنقالته واحواله‬ ‫الخاصة‪ ،‬توليدات جديدة ضمن محرتف الشاعر صاحب‬ ‫الصوت الخاص والتجريبي‪ .‬يف قصيدة «صديقة التشللو»‬ ‫يكرس ايقاع الزمن املايض ليعود إىل شذرات ملاعة تأيت من‬ ‫عوامل فسيحة ورحبة‪:‬‬ ‫«‪ /‬فيام الحزن ىف الناي‪ /‬فيام الغموض ىف الغيم‪ /‬فيام الغياب‬ ‫ىف السفر‪ /‬فيام السؤال ىف الناس‪ /‬فيام الكامن وحده‪ /‬يصغى‬ ‫ويكف عن النوم»‪.‬‬ ‫منذ ديوانه األول «البشارة» (‪ )1970‬ينقّب قاسم حداد‬ ‫عميقا يف «حرية الروح» و«الطعنة» ‪،‬و «نجمة الهاوية» (من‬ ‫عناوين قصائد الديوان الجديد)‪ ،‬ويف كل مرة يعود‪ ،‬ساحبا‬ ‫خلفه ظله الطويل‪ ،‬باكتشافات جديدة ذات فتنة ونكهة‬ ‫خاصتني‪ ،‬لها طعم القصائد التي تسافر اىل جهة الشعر بال‬ ‫حواجز‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪21‬‬


‫شعر وشعراء‬ ‫الهنوف محمد‬

‫جوار الجديد والقديم‬

‫الكتاب‪ :‬األعامل الشعرية للهنوف محمد‬ ‫الشاعرة‪ :‬الهنوف محمد (اإلمارات)‬ ‫النارش‪ :‬وزارة الثقافة والشباب وتنمية املجتمع‬ ‫عدد الصفحات‪ 160 :‬صفحة من القطع املتوسط‪.‬‬

‫الشاعرة‬

‫االماراتية الهنوف محمد تخالف الكثريين‬ ‫من الشعراء والنقاد يف ما يتعلق بإصدار‬ ‫األعامل الشعرية للشاعر يف مجلد واحد خالل حياته‪ ،‬ويف حني‬ ‫يرى الكثريون ان صيغة «األعامل الشعرية» غري مستحبة‪،‬‬ ‫ويفضلون عليها «املختارات» أو «األعامل غري الكاملة»‪ ،‬فإنها‬ ‫ترى ان «األعامل الكاملة» عند أي مبدع حقيقي هي مبثابة حلم‪،‬‬ ‫والسيام إذا كان هذا املبدع متمكناً وله من يتابع تجربته‪ ،‬وتعتقد‬ ‫أن طباعة األعامل الكاملة‪ ،‬بالنسبة إىل املبدع يف مجلد واحد‬ ‫أو مجلدين رضورية جداً‪ ،‬ألنها متنح القارئ االطالع عىل هذه‬ ‫التجربة‪ ،‬أو تلك‪ ،‬والقارئ هو املستفيد بالدرجة األوىل‪ ،‬ويستطيع‬ ‫هذا القارئ أخذ الفكرة الالزمة عن املبدع‪ ،‬من خالل هذه األعامل‬ ‫الكاملة‪ ،‬ويشكل نظرة نقدية‪ ،‬عىل ضوء هذه الصورة الكاملة‬ ‫ملنجز املبدع ‪.‬‬ ‫هاهي الشاعرة ترتجم رأيها الذي طاملا أدلت به يف مناسبات‬ ‫سابقة‪ ،‬وتنقله إىل حيز التنفيذ من خالل اصدار اعاملها الشعرية‪،‬‬ ‫ولكن يف صيغة هي األخرى ال تخلو من فطنة ابعدتها عن مطب‬ ‫«األعامل الكاملة» فلجأت اىل حيلة «األعامل الشعرية»‪ ،‬وهي‬ ‫مل تكتف هنا بطبع أعاملها السابقة‪ ،‬بل ضمنت الكتاب الجديد‬ ‫مجموعة شعرية مل يسبق لها ان طبعتها هي «ريح يوسف»‪،‬‬ ���تضاف اىل مجموعتني سبق لها ان نرشتهام هام «جدران» و‬ ‫«ساموات»‪.‬‬ ‫ً‬ ‫تتضمن مجموعة « ريح يوسف» مثانية وثالثني نصا‪ ،‬كتبتها‬ ‫الشاعرة يف أوقات سابقة‪ ،‬واملالحظة االساسية التي يكونها القارئ‬ ‫هي ان قصائد هذه املجموعة تتمحور من حول الذات ومحيطها‪،‬‬ ‫فهي من زاوية تتأمل العامل بحزن‪ ،‬ومن زاوية ثانية تعود اىل بيتها‬ ‫املحروس بأنفاس االبناء‪ .‬وعىل الصعيد الشكيل متتاز املجموعة‬ ‫بأنها ذات تكثيف واقتصاد يف اللغة يبدأ من عناوين القصائد‬

‫‪22‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫وينسحب عىل النصوص ذاتها كام هو الحال يف قصيدة «ذاتية»‬ ‫التي تذهب فيها الشاعرة حد نكران الذات‪.‬‬ ‫هذه القصيدة تكاد تكون عني املجموعة منها ترى الشاعرة‬ ‫نفسها‪ ،‬ومنها ميكن للمتلقي أن يقرأ نصا مبنيا عىل نحو هارموين‪،‬‬ ‫يقوم عىل تضاد فلسفي بني «األنا» و«اآلخرين» يف جحيم سارتر‪.‬‬ ‫ترسم الشاعرة عدة دوائر يف بحثها عن ذاتها‪ ،‬لتلتقي وتتقاطع‬ ‫ملتفة كالرشنقة‪ ،‬ولكنها مع ذلك ال تستطيع حامية نفسها ‪:‬‬

‫«جئتني‬ ‫فلم أجدين‬ ‫تركت حذايئ خلف الباب‬ ‫فلم أجد سوى خطوات أقدام‬ ‫قد ال تكون يل»‬

‫مجموعة «ريح يوسف» ليست اسام بال مسمى‪ ،‬بل ان مقاربة‬ ‫محنة النبي يوسف عليه السالم ليست من فراغ فالقصيدة‬ ‫املسامة بهذا االسم دالة داللة واضحة عىل ما يتعرض له االنسان‬ ‫من كيد يضمره األخوة‪ ،‬وهو ال حول له‪ ،‬عاجز ومحارص‪:‬‬

‫«هكذا دوماً‬ ‫شأن يوسف‬ ‫يخونه إخوته‬ ‫ويبيك أبوه من الحزن‬ ‫فهو كظيم»‪.‬‬

‫تغلب عىل املجموعة اجواء من الحزن الشفاف والشكوى من‬ ‫عامل ال عزاء فيه‪:‬‬

‫«عندما تحاول البحث عن قلبك‬ ‫ليكون‬ ‫أو أيقونة تتربك بها‬ ‫حينها تكتشف بأن ال قلب لك‪»..‬‬


‫نصوص‬

‫حبيب الزيودي‬

‫عبير حسين ابراهيم‬

‫نجاح العرسان‬

‫ضياء البرغوثي‬

‫هزبر محمود‬

‫أسماء رمرام‬

‫محمد العزام‬

‫عمر أبو الهيجاء‬

‫فارس سباعنة‬

‫زليخة أبو ريشة‬

‫عبد اللطيف الوراري‬

‫سليمان جوني‬

‫خالد المعالي‬

‫سلطان القيسي‬

‫نضال حمادنة‬

‫ابراهيم محمد ابراهيم‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪23‬‬


‫نصوص‬

‫حبيب الزيودي‬ ‫الغريب‬ ‫تأيت القصائد أحياناً بال لغــــــ ٍة‬ ‫وال حــــريـــ ٍر وال حــ ٍرب وال ورقِ‬ ‫وقفـــــت‬ ‫كأنها ظبية يف ال ِّرب ال‬ ‫ْ‬ ‫عىل غدي ٍر وال ســـارت عىل نسقِ‬ ‫إن مل تجد شاعرا ً تأوي لوحشته‬ ‫ِ‬ ‫وال د َم الشمس مذبوحاً عىل األفقِ‬ ‫مشت إىل باطلٍ أو ألّفــــت بطالً‬ ‫ْ‬ ‫وعلّقـــت نزفَها شاالً عىل الشفـقِ‬ ‫أنا امرؤ القيس مسموماً وفاطمة‬ ‫تنضو الثياب من الكعب ِني للعنـقِ‬ ‫كل ما يف الضوء من لغ ٍة‬ ‫يف خرصها ّ‬ ‫مس ومـــن نــزقِ‬ ‫و ّيف ما ّيف من ٍّ‬ ‫مل انسكب أبدا ً حربا ً عىل ورقٍ‬ ‫النؤاســي مسـكوباً مع الع َرقِ‬ ‫أنا‬ ‫ُّ‬ ‫وعشت بها‬ ‫سدو ُم ال أهلها أهيل‬ ‫ُ‬ ‫ال أطمئــ ّن إىل َخلْــقٍ وال ُخلُــقِ‬ ‫بارى اللئام عىل جرحي ومسغبتي‬ ‫بها اللئام كمــن ساروا إىل سبقِ‬ ‫تبسموا عندما أصغوا إىل نفيس‬ ‫ّ‬ ‫ومتتموا عندما أصغــوا إىل رمقي‬ ‫فرصتُ ملا عدمت النارصين بها‬ ‫ِ‬ ‫أعــــوذ بالله بني «الناس» و«الفلقِ »‬ ‫أصحو عىل أرقٍ فيها فيصحبني‬ ‫إىل املنام لكــي أغفـــــو علــى أرقِ‬ ‫أنا املغ ّني ورأيس كان متّفــــقاً‬ ‫مـــــع املديــــح وقلبــي غري متفقِ‬ ‫الغريب الذي ال نـــا َر تؤنسه‬ ‫أنا‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫يف الطو ِر والليلِ مـن خوف ومن قلقِ‬ ‫‪24‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫أمامي ال ُّرب مفتوحاً عىل ظمــــأٍ‬ ‫َ‬ ‫وخلفـــي البح ُر مفتــوحاً علــى غرقِ‬ ‫َ‬ ‫كل صبــــا ٍح ال أرى أحـدا ً‬ ‫أس ُري َّ‬ ‫رغـم ال ّزحـام الذي ألــقاه يف الـطرقِ‬

‫الشاعر‬ ‫رس صالتِ ِه‬ ‫ُّ‬ ‫الحب شمعتُهُ‪ ،‬و ُّ‬ ‫ويَ ُح ُّت أضل َعه عىل إيقاعه‬ ‫كلامتُ ُه تصبو إىل غيمٍ وال‬ ‫األرض غاني ٌة تبادلُ ُه الغوى‬ ‫ُ‬ ‫كل الجم ِر يف نَ َزواتِها‬ ‫الجم ُر ُّ‬ ‫ضاقت بوحش ٍت ِه البيوتُ وكلُّها‬ ‫الريح يف إيقاعه ‪ ،‬واملوج يف‬ ‫ُ‬ ‫الحرب خ ّيط شكّه بيقي ِن ِه‬

‫الحب دمعتُ ُه ‪ ،‬وح ُرب دواتِ ِه‬ ‫ُّ‬ ‫متفردا ً‬ ‫كالذئب يف فلواتِ ِه‬ ‫ِ‬ ‫يدري بأ َّن الغيم يف كلامتِ ِه‬ ‫وتضج شهوتُها مبو ِج فراتِ ِه‬ ‫ُّ‬ ‫كل النا ِر يف نَ َزواتِ ِه‬ ‫والنا ُر ُّ‬ ‫تأوي بوحشتها إىل أبياتِ ِه‬ ‫أوجاعه ‪ ،‬والغيب يف ش َهقَاتِه‬ ‫درب هالكِ ِه ونجاتِ ِه‬ ‫والشع ُر ُ‬


‫جاري الفلسطيني …‬ ‫منهمك إىل أذنيه يف رس ِ‬ ‫ٌ‬ ‫اميك برك ِته‬ ‫جاري الفلسطيني‬ ‫الوقت مييض مرسعا‬ ‫ألن‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫الصيف من عجام ْن‬ ‫وبناتُه يأت َني شهرا واحدا يف‬ ‫واألحفاد قد يأتو َن من كندا‬ ‫نجلس يف فناء ِ‬ ‫البيت عن سور‬ ‫يحدثني بزه ٍو حني‬ ‫ُ‬ ‫الرخام‬ ‫يلوح يف بايل عىل وجعٍ‬ ‫… ُ‬ ‫ُالفرس املشاكس‬ ‫ُ‬ ‫سياج الدار ملا كان جدي يربط َ‬ ‫آه ‪ ..‬يا جار الرضا‬ ‫السياج أح ّن‬ ‫كان‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫الجبال‬ ‫ملا كان من حطب‬ ‫وليس من ايطاليا‬ ‫ْ‬ ‫هو مثل َ‬ ‫االحتالل‬ ‫سورك يا أبا محمود قبل‬ ‫ووراء هذا السور كانت جديت يف الصبح مع ك ّناتها‬ ‫ْ‬ ‫الحالل‬ ‫يخبزن‪ ،‬مع شمس الضحى‪ ،‬الخبز‬ ‫وعىل ممر الورد…‬ ‫ٍ‬ ‫كأمهات خلف منزلنا‬ ‫خمس تينات يقفن‬ ‫كانت ُ‬ ‫حنونات عىل صوت الدجاج‬ ‫وك ّن أجمل من ممر الورد هذا‬ ‫آه يا جار الرضا‬ ‫رصنا يتامى األم ملا ماتت التينات‬ ‫يا ابن أيب تعال‬ ‫لعلنا نبيك معا‬ ‫كل لصاحبه ـ‬ ‫ٌ‬ ‫ْ‬ ‫االحتالل‬ ‫عىل مهل ـ جحي َم‬ ‫املنابت واألصول‬ ‫جاري الفلسطيني يغضب كلام ذكر‬ ‫َ‬ ‫ووحدها سندات تسجيل األرايض يف خزانته ت ّربد قلبه‬ ‫فاقول دعك من املنابت تلك مسال ٌة تقررها البنوك‬ ‫… ودامئا عنب الخليل‬ ‫يقول يل ويقول ْلك‬ ‫رسه ال َمن أطاع و َمن عصا‬ ‫يف األرض دم ٌع ليس يفهم ّ‬

‫او َمن َمل َْك‬ ‫أحب ومن‬ ‫أحب ومن ّ‬ ‫لكنه كالربق يومض يف جوانح َمن ّ‬ ‫أحب ‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫و َمن َهل َْك‬ ‫ْ‬ ‫الحالل‬ ‫يا رب بينّ يل الحرا َم من‬ ‫ْ‬ ‫الجبال‬ ‫القرميد يف روسيا يذكّر بالثلوج وبالرعاة عىل‬ ‫القرميد يف اسبانيا رمز البنفسج يف السالل‬ ‫لكن للقرميد يف بلد الهنود الحمر معنى واحدا ‪:‬‬ ‫السهم يف جرح الغز ْال‬ ‫السال ُم عىل وطنٍ‬ ‫نحن نكتبه يف السطور‬ ‫ونشطبه يف الصدو ْر‬ ‫السالم عىل وطن‬ ‫لن يظل ألحفادنا فيه إال القبور!‬ ‫***‬ ‫حق حزنك أيها الهندي أن تبيك سدو َم وأن مت ّر عىل‬ ‫من ّ‬ ‫خرائبها وأن تبيك عىل الطلل األخري‬ ‫حق حزنك أن تطالب هذه الدنيا بتقرير املصري‪.‬‬ ‫من ّ‬

‫عودي ناقص وترا‬

‫اىل تيسري السبول‪..‬‬

‫أنا ابن األرض‬ ‫وابن الغيم‬ ‫نايي زائد ثقباً‬ ‫وعودي ناقص وترا‬ ‫حملت سفوحها يف السنديان عزفتها لحناَ عىل الوديان‬ ‫ثم نزفتها مطرا وا ّلفت القصائ َد ال كال َم وال هيا َم‬ ‫وامنا ا ّلفتها قمحا يفيض عىل السهول‬ ‫وصغتها سفحا يغيض عىل الوعول‬ ‫وكنت بينهام ّ‬ ‫أطل عىل سدوم‬ ‫أطل من ول ٍه‬ ‫يزيد صبابتي سهرا‬ ‫وا ّلفت القصائد ال حروف وال سيوف‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪25‬‬


‫نصوص‬

‫احتار ابراهيم اذ راوغته قمراَ‬ ‫ّ‬ ‫اطل عليه واسترتا‬ ‫ونايي زائد ثقبا‬ ‫وعودي ناقص وترا‬ ‫ذهبت اىل الشامل‬ ‫اىل ايب ّمتام أساله ‪:‬‬ ‫أكان (السيف اصدق)‬ ‫أم جمحت ؟‬ ‫فقال ‪ :‬أصدق ؟‬ ‫أنت توجعني‬ ‫فس ّد الباب واعتذرا‬ ‫فعدت اىل الجنوب ألنقل الخربا‬ ‫ملاذا خانت الدحنون حمرته‬ ‫اذا ما ّ‬ ‫انحل يف خديك حني نهبته نظرا‬ ‫سفح‬ ‫انا ابن االرض والغزالن _ان اغواين الصياد _يف ٍ‬ ‫الخدعها‬ ‫وقد وردت عىل غفل ضفاف النبع وهو هناك يرصدها‬ ‫جفلت وزدتها حذرا‬ ‫فعاد يج ّر خيبته عىل عزيف‬ ‫ونايي زائد ثقبا‬ ‫وعودي ناقص وترا‬ ‫أنا ابن االرض‬ ‫ع ّلمني الغامم دروسه يف ّ‬ ‫الشعر‬ ‫وهو ين ّقح النعناع‬ ‫وهو يزحزح االيقاع‬ ‫وهو ّ‬ ‫يوضح االوجاع‬ ‫حني يسيل منهمرا‬ ‫ّ‬ ‫أسطر دفرتي مبزاج ح ّرات‬ ‫يسطر أرضه يف الفجر اثالما فيطلع دفرتي حكام ويطلع‬ ‫حرثه مثرا‬ ‫فيشمت يب اذا جمع الثامر ‪،‬‬ ‫يرى عىل وجهي هزمية كل من أعطى وما انتظرا‬ ‫ويشمت يب وقد حمل السالل وكنت أعذره‬ ‫فكيف لذلك الحراث‬ ‫‪26‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫أن يتفهم اللذات‬ ‫تحت أصابع النحات ملّا ذ ّوب الحجرا‬ ‫فقلت له غدا إن جف ماء الغيم‬ ‫ُ‬ ‫فضت عىل القرى نهرا‬ ‫ونايي زائد ثقبا‬ ‫وعودي ناقص وترا وكنت وراء موىس ‪ ،‬اذ يناجي الله‬ ‫تحت النجم منكرسا‬ ‫تصدع قربه جبل فخر عىل تراب الطور واعتربا‬ ‫خشعت فسال دمعي‬ ‫رهبة‬ ‫وعزفت ‪:‬‬ ‫نايي زائد ثقبا‬ ‫وقلبي ناقص وترا‬ ‫أذان الفجر أكملت القصيدة والصالة‬ ‫ّ‬ ‫أطل تيسري السبول وقال كيف تطيق هذا الليل‬ ‫خذها بغتة يف الرأس‬ ‫قلت طلعت رغم جحوده قمرا‬ ‫و أنت اخرتت بابا للحقيقة غري بايب حينام واجهت نزف‬ ‫الحرب منتحرا‬ ‫ولكني ذهبت اىل الحديقة إذ وجدت األرض عارية‬ ‫الكسو عريها شجرا‬ ‫ملاذا مل متت كالصقر‬ ‫قلت له رويدك أنت صقر وابن عائلة‬ ‫ولكني سليل القمح سوف أموت حني يجف عشب‬ ‫الحقل تحت الشمس‬ ‫حني أصوغ هذا الناي‬ ‫من فوضاي‬ ‫تنزيال عىل البيداء أو صورا‬ ‫ونايي زائد ثقبا‬ ‫وعودي ناقص وترا‬ ‫تبسم يل بوجه طيب‬ ‫فغرقت يف االيقاع‬ ‫وهو يعود للمجهول منبهرا‬


‫نجاح العرسان‬ ‫إن العراق على سف ِر‬ ‫أوت��ي��ت م��ن نظ ِر‬ ‫ب�لى ‪..‬ت�����ز َّو ْد مب��ا‬ ‫َ‬ ‫بكل ما فيك من طريٍ ولـــــــم تط ِر‬ ‫ِّ‬ ‫م��ن ال��س�ماء وم���ن أوج����ا ِع زرق�� ِت��ه��ا‬ ‫حيث الدخان أنيس النخل يف السح ِر‬ ‫من دجلة‪ ،‬من شحوب العاشقني عىل‬ ‫ضفافها‪ .‬أ َّو َل النايات يف العـــم ِر‬ ‫م���ن ال���ف���رات ط��وي�لا م��� َّد أرج��ل��ه‬ ‫رص‬ ‫وراح ميت ُّد حتى امـــت َّد كـــالب ِ‬ ‫م���ن ض��ف��ت�ين ي����ر ُّد امل�����ا ُء ح��زنَ��ه�ما‬ ‫�ض�ر الشع ِر‬ ‫اىل ال��س�ما ِء ب��ن��خ��لٍ أخ َ‬ ‫م��ن ص���ور ِة ال��ق��م�� ِر امل��ذب��وح بينهام‬ ‫ي��ص��ي��ح ي��ا أي��ه��ا امل���ذب���وح بالقم ِر‬ ‫م��ن امل��ه��ا وع��ي��ون ال��ج�سر تتبعها‬ ‫ب��ح�سرة ال��ع��م��ر مصلوبا ع�لى نه ِر‬ ‫م��ن امل��س��اء ‪ ،‬ن��ج��وم ٌيلتقطن له‬ ‫يف لحظة الصمت بعض الغيم والصو ِر‬ ‫من ال��رج��ال خ�ما ُر الشمس سمرت ُهم‬ ‫أح�لى م��ن الشعر وامل���وال يف السم ِر‬ ‫من الجنوب وأصحاب الجنوب وهم‬ ‫ك��دم��ع�� ِة ال��ي��أس يف أح���داق منتظ ِر‬ ‫م��ن ال��ذي��ن ب��س��ا ِح ال��ح��رب ه��م عرب‬ ‫وساعة الخبز هم حش ٌد من الغج ِر‬ ‫من التالميذ ‪ ،‬ل��ون الحرب يرسمهم‬ ‫ع�لى ال��غ��روب خريفا احمر الضج ِر‬ ‫وم���ن معلمة داس ال���ذب���ول عىل‬ ‫�ضر بالسه ِر‬ ‫قميصها ق��ب��ل أن ي��خ َّ‬ ‫وم����ن ب��ق��ي��ة ل���ح���نٍ ه���� َّز أرم���ل��� ًة‬ ‫ما بل ََّل العي ُد فيها هـــــ َّز َة الوت ِر‬ ‫زري����اب م��ج��روح��ا بأغنية‬ ‫م��ن ع��ود‬ ‫َ‬ ‫م��ن نحر أل��ف ك��ت��اب يف يـد الترتِ‬

‫من الرصيف ومن فوق الرصيف غفوا‬ ‫ب��ذن��ب أس�مائ��ه��م مقطوعة الشج ِر‬ ‫م��ن ال��ش�مال وه���م ج�ي�ران غربتنا‬ ‫ي��ل�� ِّوح��ون ل��ن��ا بالجــــوع وامل��ط�� ِر‬ ‫‪،‬ث����ري ل��ي��س ت��ف�� َه�� ُم�� ُه‬ ‫م��ن ال��ف��ق�ير‬ ‫ٌ‬ ‫ول��ي��س تفهم م��ا أع��ن��ي وأن���ت ثري‬ ‫ي��ل��ف ال��ن��اس��ف��ون به‬ ‫ُّ‬ ‫وم���ن ح����زامٍ‬ ‫رص‬ ‫��ت بــــالب ِ‬ ‫عيونهم كلــــام آم�� ْن ُ‬ ‫��ي�ن ن��رت��ل�� ُه‬ ‫م���ن ك���رب�ل�اء وم����ن ط ٍ‬ ‫رش‬ ‫ففيـــه ترقــــد آيـــاتٌ من الب ِ‬ ‫م��ن الصبايا وم��ا ي��قْ��طُ�� ْر َن يف شفتي‬ ‫أق�سى م��ن امل���اء إذ يبيك ع�لى حج ِر‬ ‫م��ن ال��ل��ي��ايل ال��ت��ي يلهو ال��غ��ب��ار بها‬ ‫يهدد النجم باإلخــــفاق وال��ك��د ِر‬ ‫من شاعر يبحث السياف عن فم ِه‬ ‫وص���وت���ه ح�ي�ن مي�ش�ي س��اط��ع األث���ر‬ ‫م��ن ج��ا ِم�� َع�ْي�نْ ِ ع�لى بعض دع��اؤه�ما‬ ‫َّ‬ ‫ال��ش��ك واإلرشاك يف ال��س��و ِر‬ ‫يُ�� َع��ظِّ��م‬ ‫صخب‬ ‫من هادئ رغم ما يف البحر من‬ ‫ٍ‬ ‫امل���وج إال ه���ادئَ ال��ح��ذ ِر‬ ‫مل ي��رك��ب‬ ‫َ‬ ‫م��ن ال��ع��ج��ائ��ز أط����راف ال��ن��ه��ار وق��د‬ ‫َرقَ��� ُه��� َّن ان��ح��ن��اء ال��ع�صر وال��ظ��ه�� ِر‬ ‫ك��ل ح��زن العراقيني خ��ذ نفسا‬ ‫م��ن ِّ‬ ‫إن ال��ع��راق وال ت��ح��زن ع�لى س��ف�� ِر‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪27‬‬


‫نصوص‬

‫هزبر محمود‬ ‫بَأ َ ْ‬ ‫ـمت‬ ‫اس ٰهـذا‬ ‫َّ‬ ‫الـص ْ‬ ‫كـ َد ِ‬ ‫َوأُ ٌّم‪ ..‬بِـ ِمـشْ ـ َوا ِر الـ َحــيا ِة تُـ َعـ ِّبـــ ُد‬ ‫ـي فَـ ُيفْـز ُعـ َها غَـــ ُد‬ ‫تَ ُحـ ّط َعـلىَ ٰ يَو ِم ْ‬ ‫ُـف الخـَ ْو َف َعـ ِّن ْي ‪َ ،‬وبَ ْعـ َد َهـا‬ ‫ِب َعـ ْيـنٍ ‪ ،‬تَـك ُّ‬ ‫تُـطَ ْمـ ُنئ أَنْـ َحـا َء الـ َّن َهـا ِر فَـأُ ْولَـــ ُد‬ ‫ــت َوأَ ْهـ َوا ُء الـ َّر ِحـ ْيـلِ َر َهـائـ ٌن‬ ‫أَقَــ ْم ُ‬ ‫لَـ َديْ َهـا‪َ ..‬وبُلْـ َدانيِ ْ القَـ ِتـ ْيـلَ ُة تَـ ْر ُصـ ُد!‬ ‫ِـعـي‬ ‫أَقُـ ْو ُل لَـ َهـا ‪ :‬أُ َّمـا ُه! بِـ ْع ُ‬ ‫ـت َمـ َواج ْ‬ ‫لِلَـ ْيـلٍ يَـبِـ ْي ُع ال َع ِ‬ ‫ـاشـ ِقـ ْيـ َن َويَ ْرقُــ ُد‬ ‫ــف‬ ‫ـس ال َبـقَـا ِء َعـ َو ِاص ٌ‬ ‫َوتمَ ْ ُحـ ْو ت َضَ ـاريْ َ‬ ‫ـب ِمـن ا ِإللْ َحـا ِد ‪َ ،‬و ْﭐسـ ُم ِك َمـ ْعـ َب ُد‬ ‫تَـ ُه ُّ‬ ‫الـس َمـا ُء األَ ْر َض ُمـ ْنذ ُ َمجـيـئـنا!‬ ‫تُ َجـا ْيف َّ‬ ‫ـس ِ‬ ‫َو َمـابَـ ْيـ َن أَفْ َيـا ْيئ َوشَ ْم ِ‬ ‫ـك َمـ ْو ِعـ ُد‬ ‫ْـبي غُـ َبـا ُر الـ ِعشْ ـقِ ‪ !.‬أَ ُّي تَــقَـادُمٍ‬ ‫َوقَـل ْ‬ ‫َسـيرُ ْضيِ ْ غُـ ُر ْو َر الـغَـ ْيـ ِر ِح ْيـ َن أُخَـلَّ ُد ؟!‬ ‫ـسـماَ ِر َصـ ْرخَـ ُة نَ ْز ِعـــ ِه‪،‬‬ ‫َو َمـاز ََال لِـلْ ِم ْ‬ ‫فَـماَ ذا َسـأُ ْع ِ‬ ‫ـت أَنْـ َف ُد ؟!‬ ‫ـط ْيـ َها َوقَـا َربْ ُ‬ ‫َـابـئ‬ ‫َوأُ َّم��ـ��ا ُه! أَيْضاً ‪،‬لِـلْ َحـ ِن ْيـنِ َمــخ ٌ‬ ‫اح‪َ ..‬و َعـ ْب ٌد فيِ ْ الـ ُعـ ُر ْو ِش َو َســ ِّيـ ُد!‬ ‫تُـ َب ُ‬ ‫وقد تُـ ْدر ُِك الـقُضْ ـ َبا ُن َحـ ْج َم ُو ُجـو ِدنَـا‬ ‫ـواب هذا ‪َ ،‬وت ُـــ ْو َصـ ُد!‬ ‫كام ت ُـ ْد ُرك األَبْ ُ‬ ‫ِـعي‬ ‫ِسنـِينـاً‪..‬أَنَا ال َحط ُ‬ ‫ْـبي أَ َصـاب ْ‬ ‫َّاب ‪،‬قَل ْ‬ ‫اي فَـأْسيِ ْ ‪ ..‬يَـ ْدفَـأ ْو َن َوأَبْــ َر ُد!‬ ‫َو َع ْيـ َن َ‬ ‫أَ َعـ ُّد ْوا يَ ِـد ْي كَـ ْيماَ تَكُـ ْو َن يَ َدا ً لَ ُهــ ْم‪،‬‬ ‫ـي يَـ ُد؟!‬ ‫فَـأَ َّي ﭐ ْعـ ِتذا ٍر تَـقْـ َبلِ ْيـ َن ‪َ ،‬ولِ ْ‬ ‫َوصرِ ْتُ َجـ ِمـ ْي َع الـ َق ْو ِل ‪،‬لَ ْوال ُسكُوت ُـ ُه ْم‬ ‫ُـونـي! لِ َمـاذا تَـ َر َّد ُدوا؟!‬ ‫َوكَـا ُد ْوا يَـقُول ْ‬ ‫اب الـ ُح ُر ْو ِف َهجِـ ْيـ َنـ ٌة‬ ‫َوأُ َّمـا ُه! أَن َ‬ ‫ْـس ُ‬ ‫ألَ َّن لَظَـى األَقْ�لامِ َصـ ْي ٌـف ُمـ َجـ َّنـ ُد !‬ ‫‪28‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫ْبـي َمات َـز ُال َعـ ِمـيْـلَـ ًة‬ ‫تَ َجـا ِعيْـ ُد قَل ْ‬ ‫لِ ِسـفْـ ٍر ‪،‬بِـ ِه لَـ ُّمـ ْوا الغَـ َرا َم َوبَـ َّد ُدوا‬ ‫أَقَـا ُموا َعلىَ َر ْمـلِ الظُّـ ُن ْونِ َمجـيْـأَ ُهـ ْم‬ ‫يض لَـ َوطَّـ ُد ْوا‬ ‫َولَ ْو َغيرْ ُ ٰه ْ‬ ‫ـذي األَ ْر ِض أَ ْر ْ‬ ‫َويَـ ْر ِ‬ ‫ـب ‪-‬‬ ‫ِّـي َمـتَا ِع ٌ‬ ‫تح ُـل اآلت ُـو َن – إِن ْ‬ ‫هي ُم َؤبَّـ ُد ‪!-‬‬ ‫َوت َْسـتَ ْسلِ ُم األَنْظَـا ُر ‪َ -‬و ْج ْ‬ ‫ــتي‬ ‫ـي‬ ‫الجريح خ َ‬ ‫ُ‬ ‫ُـالص ْ‬ ‫يَـ ِنـ ُّز لَ ُهـ ْم يَو ِم ْ‬ ‫َو َمـاز ََال ِمـ ْن ُه ْم ُم ْسـتَ ِهـينْ ٌ َو ُمـل ِْحـ ُد !‬ ‫َو َمـاز ََال ط ٌ‬ ‫مـــي‬ ‫ُـول يف الـطَّريقِ اىل َد ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َـاسـ ُه ْم تَـتَـ َز َّو ُد؟‬ ‫ألَ�� ْم ت ُـبْـصرِ ْي أنْـف َ‬ ‫َو ِمـ ْن أَل ِ‬ ‫َـتي‬ ‫ْـف َمـقْـتُ ْو ٍل َسأَ ْجـ َم ُع صرَ ْخ ْ‬ ‫ألُخْ��ـ��ر َِس أَ ْز َمـانَـاً ِب َهـا ِحـينْ َ أَشْ َهــ ُد‬ ‫ألُ ْعـلِ َن أَ َّن الـ َعـا ِب َريْـ َن َعلـى الـ ُّد َجـى‬ ‫ـي ‪،‬قَـبْ َـل الجـفُـونِ ت َـبَ َّد ُد ْوا!‬ ‫اىل ُحـلُ ِم ْ‬ ‫ِّـي َدفَـاتِــ ٌر‬ ‫َوأُ َّم��ـ��ا ُه! التَـ ْن َ‬ ‫ـي بَـأَن ْ‬ ‫ـس ْ‬ ‫ـي ‪،‬فَـالـ َمـ َناراتُ َم ْو ِقـ ُد!‬ ‫فَال تُ ْعـلِ ِنـيْـ ِن ْ‬ ‫أَنَا أَث ْـق َُـل اآلتِـيْـ َن ِمـ ْن قَـا ِع د ْجـلَ ٍة‬ ‫ـي غَـ َر ٌق ِمـ ْنـ َهـا َوغَـ ْرقَى ت ُ َؤكِّـ ُد!‬ ‫َمـ ِع ْ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ُهـــ َن َ‬ ‫ـاك بِــال ٌد ُد ْو َن أ ْر ٍض ‪َ ،‬وأ َّمــ ٌة‬ ‫بِ��ـ�� ُدونِ بِــال ٍد ‪َ ،‬وﭐ ْحـ ِت ٌ‬ ‫ــالل ُمـفَـ َّنـ ُد!‬ ‫ـي ‪َ ،‬ورُبمَّ َـا‬ ‫ُهـ َن َاك ُعـيُـ ْو ٌن أَنْ َجـبَـتْـ ِن ْ‬ ‫َسـأَكْـبُـ ُر ِفـيْـ َها ِع ْنـ َد َما الـ َّد ْم ُع يَبْـر ُد!‬


‫محمد العزام‬ ‫أحملني ميت ًا‬ ‫����ش����رد ٌة أح�ل�ام���ن���ا وم���ؤ ّج���ل��� ْه‬ ‫ُم‬ ‫ّ‬ ‫وغ����ارق���� ٌة يف ت��ي��ه��ن��ا وم��ه��ل��ه��ل�� ْه‬ ‫ن��ب��ت��ن��ا ب��ه��ا ج���رح���اً ت���أبّ���ط ل��ي��ل�� ُه‬ ‫وك��ن��ا ألج��س��اد ال��غ��واي��ة َم��قْ��تَ��ل�� ْه‬ ‫وال ن��ح��ن أدرك���ن���ا م��ن ال��ن��ه��ر رسه‬ ‫غ��رق��ن��ا ب���ه مل���ا أردن������ا ت��أ ّم��ل�� ْه‬ ‫ِ‬ ‫وسلنا ‪ ..‬كام سال الندى فوق رشف ٍة‬ ‫تُ���ط���ل ع�ل�ى أوه���ام���ن���ا امل��ت��ب�� ّدل��ه‬ ‫ت َ��لَ�� ْون��ا ع�لى األش��ي��اء دم���ع صالتنا‬ ‫وشيطان ه��ذا الوقت يشحذ منجل ْه‬ ‫مل����اذا ط��رق��ن��ا ك���ل ب���اب ومل ن��ج�� ْد‬ ‫عىل الباب اال من غبا ٍر و أسئلهْ؟!‬

‫مل����اذا اخ�ترع��ن��ا ل��ل��خ�لاص صليب ُه‬ ‫ورصنا نرى يف بسمة الدرب جلجلهْ؟!‬ ‫وه��ل نكتفي بالغيم تحت سامئنا‬ ‫ولو كان وجه الغيم يلبس مقصلهْ؟!‬ ‫وكيف يُطل العشب من سقف بيتنا‬ ‫وك��ل ب��راري ال��روح صحراء مهملهْ؟!‬ ‫تَ�� َج�� ّه�� َم وج��ه ال��ري��ح يف أذن فكريت‬ ‫معنى ج��ري��ح لتحمل ْه‬ ‫ف��ف�� ّرت اىل‬ ‫ً‬ ‫يخفق حولها‬ ‫قلب األرض‬ ‫ُ‬ ‫هنا ‪ ..‬ظل ُ‬ ‫وملّ��ـ��ا رأى املعنى غ��ي��وم��اً‪ ..‬ت َ��أ ّول�� ْه‬ ‫كنت وح��دي حينها إ ْذ رأيتني‬ ‫وق��د ُ‬ ‫أُج����� ّر ُد م��ن ن��ف�سي ع����د ّوا ألق��ت��لَ�� ْه‬ ‫سأحملني ميتاً ‪ ..‬و أميش بال هدى‬ ‫لعل غ��راب��ا م��ا ي��ح�� ُّط ‪ ..‬ألس��أل�� ْه‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪29‬‬


‫نصوص‬

‫فارس سباعنة‬ ‫شهيق‬ ‫ت���ع���ب ي���ف��� ّز وأض���ل��� ٌع ت��ت��م��ـ�� ّز ُق‬ ‫ٌ‬ ‫ت��ع��ب ه��ن��ا ي��ت��و ّر ُق‬ ‫وال��ش��ع�� ُر م��ن‬ ‫ٍ‬ ‫ص���ب ف��ق��دتُ ش��ه�� ّي��ت��ي بصبابتي‬ ‫ّ‬ ‫وج��م��ع��ت أح�ل�ام���اً ب��ه��ا أت��ف��ـ��ـ�� ّر ُق‬ ‫ُ‬ ‫‪ ‬ال يش َء ي���وجِ��� ُع غ�ير أين ُم��وج�� ٌع‬ ‫ُ‬ ‫ت��ت�شردق‬ ‫أرشب وال�����رؤى‬ ‫ظ��م�آ ُن‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫‪ ‬وأق���ول‪ :‬م��ا نف ُع ال��ه��وى إن مل يكن‬ ‫نفس ُه ي��ص�� ُد ُق؟‬ ‫م��ن يُبتىل‬ ‫بالحب َ‬ ‫ّ‬ ‫ف��رغ��ت م��ن ال��ح��ي��ا ِة ك��ج�� ّر ٍة‬ ‫‪ ‬وأن���ا‬ ‫ُ‬ ‫وت��ع��ل��ق‬ ‫يف امل����ا ِء م��ف��رغ�� ٌة ت��ع��و ُم‬ ‫ُ‬ ‫تقبل أن أك���و َن حبي َبها‬ ‫ُ‬ ‫‪ ‬ال الخم ُر‬ ‫يعشق‬ ‫ال��ح��ب يُسك ُر عاشقاً ال‬ ‫ال‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ك��ي��ف ال��غ�� ُد؟‬ ‫‪ ‬ه���ذي ب��داي��ايت إذن‬ ‫َ‬ ‫��ـ��ق؟‬ ‫م����اذا ي��خ��ب��ئ يل ف�����را ٌغ ض�� ّي ُ‬ ‫‪ ‬ي��ا م���وتُ م��ن��ذ عرفتني مل تست ِح‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ط����رق‬ ‫أل���ق���اك ي��وم��ي��اً أس��ي��ـ��ـ�� ُر وأ‬ ‫القميص‪ ،‬أح��� ّد ُق‬ ‫‪ ‬وت��ش�� ّد بالشِّ عر‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫تنطــق‬ ‫�ي�ر أن���ك أب��ك�� ٌم ال‬ ‫ُ‬ ‫ب���ك غ َ‬ ‫‪ ‬دع��ن��ي أص����� ّد ُق أن يل زم��ن��اً هنا‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫وت�ش�رق‬ ‫��ب‬ ‫وه��ن��اك‬ ‫ٌ‬ ‫ش��م��س يل ت��غ��ي ُ‬ ‫‪ ‬ع��ن��دي م��ن األش���ع���ا ِر م��ا يتشق ُّق‬ ‫ُ‬ ‫أغ����رق‬ ‫ح����ب غ�ي�ر أنيّ‬ ‫ع���ن ن��ب��عِ‬ ‫ٍّ‬ ‫ي��ك��ذب ربمّ��ـ��ا‬ ‫‪ ‬ق���ويل ب���أن ال��شّ ��ع�� َر‬ ‫ُ‬ ‫ول��ن��ا ورو ٌد يف امل���دى ت��ـ��ت��ـ��ألّ��ق!!‬ ‫�ي�ن ق��ص��ائ��دي‬ ‫‪ ‬وب����أن م��ا أل��ق��ـ��ا ُه ب َ‬ ‫ل��ك��ل م��ن يتع ّم ُق‬ ‫ّ‬ ‫ع��م��ق ال��ح��ي��ا ِة‬ ‫ُ‬ ‫ي��غ��ط��س م��� ّر ًة‬ ‫���اح‬ ‫‪ ‬ل��ك�� ّن�ما ال���س��� ّب ُ‬ ‫ُ‬ ‫وي��ع��و ُد ي��ص��ع�� ُد ش��اه��ق��اً‬ ‫يستنشق‬ ‫ُ‬ ‫‪ ‬ه��ي ل���ذّة العم ِر ال��ط��وي��لِ بشهق ٍة‬ ‫يشهق‬ ‫تهب ال��ح��ي��اةَ‪ ،‬وإ ّن ح��زين‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬

‫‪30‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫عبد اللطيف الوراري‬

‫رائي ًا في ُد ّ‬ ‫كـالة‬

‫ترجيع‬

‫ُهنا‪،‬‬ ‫ح ْيثُ ميكنك أن تُعارش د َم ال ُّزرقة‬ ‫من نافذ ٍة عىل املحيط‬ ‫مل تك ْن قدمانِ يسح ُبهام‬ ‫جس ُد رسكون وركْوتُه‬ ‫من ِشعاب آشور‬ ‫ُمجذَّرتي‬ ‫ِم ْن ندمٍ عىل الغد‬ ‫لوال أ ّن ش ْيئاً تافهاً يحدثُ ـ كهذا صيفاً‬ ‫أسباب كثري ٍة يف عمل ال ّريح‬ ‫من‬ ‫ٍ‬ ‫لكن رؤياه بأز ّمور يف فندق يطفو بني يدي ع ّراف ٍة‬ ‫ث ّم لَ ْيلته املقمرة عىل حافّة من ميناء الجديدة‬ ‫أتا ُه بأنباء من القرى‪،‬‬ ‫رس لساق الطاولة؛‬ ‫وأسمعه ٍ‬ ‫بناي لِلْ ُعظاءة تُ ّ‬ ‫أ ّما ما كان من ِخرق العوانس‬ ‫تخ ِّيم عىل نهر أ ّم الربيع‬ ‫ومن ُس ْبحة امل ُقرئ األعمى‬ ‫تُطالع أبْ ِخرة األبديّة‪ ،‬إىل ظهرية اليوم‪.‬‬ ‫فال يه ّم‪ ،‬بعد جنازة طويلة من األرق‪ ،‬ما تقول يف‬ ‫الطبيعة‪،‬‬ ‫أل ّن ح َجرا ً يف ح ْج ِر الشاعر‬ ‫! ِم ْن سيامء الذّهب‬ ‫ث ّم ال يزال غنا ٌء مثل هذا يُ ْسمع‬ ‫من بلد الطاعون‪،‬‬ ‫محتشدا ً بذ َه ِب َو ْحشته‪:‬‬ ‫«هاك أبو شعيب‬ ‫يف جنب الواد‬ ‫هايك يا عائشة‬ ‫يف بغداد» ــ‬ ‫وهكذا الحياة‪ ،‬بمِ ُوازاة ذلك‬

‫األسفَل‬ ‫مع ما يح ُدثُ يف ْ‬ ‫أَطْلَقنا ال ِعنا ْن‬ ‫سح َرتْنا أُغْنياتُ اللّ ْيل‬ ‫يف ري ٍح بِال ذاكِر ٍة‬ ‫واشْ تَطّت ال ّرؤيا بِنا‪.‬‬ ‫أَعىل فَأَعىل‪،‬‬ ‫ح ْيثُ ال آال َم‬ ‫يف الشرُّ ْفة‬ ‫يَأْسو‬ ‫ِمث ُْل َع ْز ِف ال َبتَالتْ ‪.‬‬ ‫مع ما يح ُدثُ يف الأْ سفَل‬ ‫لَ ْم نف ِق ْد خُطى ال ّنارِ‪،‬‬ ‫وال بَ ْوصلة األَغْصان‪.‬‬ ‫الس ْمع لِلآْ ثا ِر ت ُْسقاها القراب ُني‪:‬‬ ‫نُلْقي ّ‬ ‫َد ٌم سا ٍه‪ ،‬عيو ٌن سا ِهراتْ ‪.‬‬ ‫هذه الأْ َشْ جا ُر يف الخارِج‬ ‫السوق‪.‬‬ ‫ِذكْرى لِحيا ٍة بِجوار ُّ‬ ‫يف َوق ٍْت كَهذا‪،‬‬ ‫ل ْي َس حادي ال َو ْهم‬ ‫َم ْن يُ ْبهظ أَ ْج َر الْغ َِد‪،‬‬ ‫بل لَ ْيس لِ َهذا الدّمِ َص ْوتٌ‬ ‫مع ما يح ُدثُ يف أَ ْسفَلنا‬ ‫ِم ْن ال َمكانْ‪! ‬‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪31‬‬


‫نصوص‬

‫خالد املعايل‬ ‫ُ‬ ‫حمل باليدين‬ ‫يُ‬ ‫أنت الذي‪ ،‬من وراء الهضاب‪ ،‬يُنادي‬ ‫َ‬ ‫من ِ‬ ‫ِئت‪ ،‬حافياً‪ ،‬لحافُك‬ ‫األمس البعيد ج َ‬ ‫ِ‬ ‫الذكريات إىل‬ ‫اليأس‪ ،‬يتب ُعك خ ْي ُط‬ ‫ُ‬ ‫يرحل‬ ‫األحالم‪ ،‬فتبقى ساهرا ً‪ ،‬حتى َ‬ ‫الليل والنو ُم‪ ،‬فيعو ُد إليك الندا ُء‬ ‫ُ‬ ‫فيجلس العج ُز‬ ‫تجف‪،‬‬ ‫غري أن أشجار ماضيك ُّ‬ ‫ُ‬ ‫يف ظلّها الشحيح‪ ،‬يد ُه عىل خ ّده‪ ،‬أيا ُمه‬ ‫ساح ليك يبدو‪..‬‬ ‫ْ‬ ‫رحلت ومل يُرتك له ٌ‬ ‫أنت الذي أيا ُمه ذكرى‪ ،‬عمو ُد نارٍ‪،‬‬ ‫َ‬ ‫الغي ُم يف األعايل مي ُّر‪ ،‬كانت الدنيا‬ ‫حمل‬ ‫وكل ما فيها يُ ُ‬ ‫بعض أفرا ٍح ُّ‬ ‫ُ‬ ‫باليدين‪ ،‬فيام يُصف ُر لح ُن الفراقِ‬ ‫يف الصباح الباكرِ‪ ،‬فيصحو بعضُ نا‬ ‫خلف شجري ِة الطرفا ِء‬ ‫مع الجوع‪،‬‬ ‫والذئب َ‬ ‫ُ‬ ‫الدقائق‪ ،‬كان ُ‬ ‫يعرف أنها‬ ‫يحسب‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫يلف أزي ُزها‬ ‫لن مت ّر‬ ‫بصمت‪ ،‬وسوف ُّ‬ ‫أذني ِه‪ ،‬فيام هو بأقىص طاقاته يف ُّر‪.‬‬ ‫الح لنفسه يف مرايا الضباب‬ ‫أنت الذي َ‬ ‫َ‬ ‫ووجهك‬ ‫ُنت‪ ،‬مرآت ُك معتم ٌة‬ ‫ضا َع الذي ك َ‬ ‫الذي يبدو كوهمٍ ‪ ،‬هو حقاً وجهك الذي يبدو‪.‬‬

‫مشه ٌد ليلي‬ ‫تس ُري إىل نفسك عرب الطُرقِ الطويلة‬ ‫ُ‬ ‫الخيال القدي ُم‪ ،‬ي ُدك مرفوعة‬ ‫يلوح لك‬ ‫ُ‬ ‫بشارة الرجوعِ‪ ،‬بخسار ِة املشوارِ‪،‬‬ ‫بخ ْي ِط األمل مقطوعاً‪ ،‬بريش ِة طائ ِر‬ ‫األحالمِ وقد هوى يف املنامِ ‪ ،‬حينها‬ ‫ُد َّق عىل َ‬ ‫لت‬ ‫بابك‪ ،‬أو هكذا تخ ّي َ‬ ‫‪32‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫الليل ما ز َال‪ ،...‬فعدتَ إىل‬ ‫ُ‬ ‫حل‬ ‫حاولت‪ ...‬غري أن النهار ّ‬ ‫النومِ ‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫عطش‬ ‫جديد‪ ،‬يكضّ ك ُ‬ ‫فرستَ من‬ ‫تنبح‬ ‫الطفولة‪ ،‬ليلُها املقمر‪ ،‬كالبُها ُ‬ ‫اللصوص‬ ‫الليل بطول ِه‪ ،‬فيام يغ ّذ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫الشمس فضّ اح ٌة‬ ‫خطوهم‪ ،‬بال غنيم ٍة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫فغدا ً‪ ،‬حينام تهدأُ األصواتُ يف‬ ‫تحل‬ ‫السوق ويختفي الت ّجار‪ُّ ،‬‬ ‫نوم ُة الظهرية‪ ،‬فيشي ُع ما كان مخفياً‬ ‫ٍ‬ ‫جديد‪ ،‬ليك ننام‪.‬‬ ‫وتهم ُد الذكرياتُ من‬

‫جردة حساب‬ ‫كانت حياتُه ترش ُِق بالدموع‬ ‫والشجر ُة التي رآها يف أحالمه‬ ‫تساقطت أوراقُها‪ ،‬كان ح َني‬ ‫يأسه إليها‪،‬‬ ‫ينا ُم‪ ،‬يرك ُن َ‬ ‫َ‬ ‫عرف الفزعَ‪ ،‬ول ّبى نداءاته‬ ‫ش ّد قبضته ليك ينادي البعي َد‬ ‫نفسه‪ ،‬لكن‬ ‫الذي عرفت ُه ُ‬ ‫الهمو َم تساقطت أمام ُه‬ ‫يطيق اله ْو َن الذي عاشه‬ ‫مل يُع ْد ُ‬ ‫الظل‬ ‫فسا َر يف الهجرية‪ ،‬سا َر يف ّ‬ ‫الح لنفس ِه‪ ،‬كصيا ٍد من ٍ‬ ‫بعيد‬ ‫َ‬ ‫الباب‬ ‫مل يسع ُف ُه يش ٌء‪ ،‬فر ّد َ‬ ‫وعا َد إىل مكانه‪ ،‬لريى ال ُح ْك َم‬ ‫ٍ‬ ‫جديد‪ ،‬العصاف ُري تهج ُر‬ ‫من‬ ‫الريح‬ ‫أعشاشَ ها‪ ،‬األور ُاق تجرفُها ُ‬ ‫حل‪...‬‬ ‫نفسه ترسي‪ ،‬الضو ُء وقد ّ‬ ‫ُ‬


‫نضال حامرنة‬ ‫رسائل مشاءة‬ ‫إىل أرتور رامبو‬ ‫نحن املشائني مع وقف التنفيذ‬ ‫خطواتنا تراوح‬ ‫يف عا ٍمل‬ ‫غدا‬ ‫بال دروب ‪.‬‬ ‫إىل بطل الجرمية و العقاب‬ ‫من ُردهة الدهشة‬ ‫َ‬ ‫تستهلك‬ ‫قبل أن‬ ‫َ‬ ‫لعابك‬ ‫قتلت املبـدأ‬ ‫َ‬ ‫رفعت قبعتك‬ ‫ثم‬ ‫َ‬ ‫للامرة فوق جرس النهر‬ ‫مرتني ‪.‬‬ ‫يـا راسكولينكوف‬ ‫نريد‬ ‫َ‬ ‫نشبهك كثريا ً‬ ‫أن‬ ‫وال نستطيع ‪.‬‬

‫إىل بول شاوول‬ ‫الرجال املختلفون أنقياء‬ ‫كالعصافري‬ ‫يصطادهم الحلم‬ ‫قبل أن يصلوا‬ ‫إليه ‪.‬‬ ‫إىل جهاد هديب‬ ‫َ‬ ‫منازلك‬ ‫تعددت‬ ‫والجنون واحد‬ ‫عرب دروب ع ّمـان‬ ‫نلتقط زهرات الص ّبـار‬ ‫مع الليايل نوشوش‬ ‫الوحيش ‪:‬‬ ‫لطفل الشعر‬ ‫ّ‬ ‫« أما من ٍيد مغيثة !»‬ ‫إىل رجل أصيل ومعارص‪!..‬‬ ‫أعدايئ ‪ ..‬الزمن‬ ‫واملسافة‬ ‫يفتش‬ ‫وكائـن ُ‬ ‫عن تـاري ٍخ‬ ‫لجسـدي‬

‫‪issue (6)- November - 2012‬‬

‫‪33‬‬


‫نصوص‬

‫عبري حسني إبراهيم‬ ‫ُ‬ ‫أجمل ما فينا‬ ‫‪1‬‬ ‫العذاب املستيض ُء‬ ‫هذا‬ ‫ُ‬ ‫َّاب‬ ‫عذابنا الصخ ُ‬ ‫كوكب حزنِنا الد َّوا ُر‬ ‫ُ‬ ‫هذا التمر ُد‬ ‫وارتكاب حامقة ٍ‬ ‫ُ‬ ‫من أجلِ ال يشء‬ ‫وتلك النا ُر‬ ‫تلك الطفولة ُ‬ ‫أجمل األشيا ِء فينا‬ ‫ُ‬ ‫مل ْ‬ ‫تزل‬ ‫والعاشقون ِصغا ُر‬ ‫‪2‬‬ ‫هذي القصيدة ُ‬ ‫ مذ رحيلك ‪-‬‬‫مل تك ْن‬ ‫هي جمرة ٌمفتوحة ٌ‬ ‫وحصا ُر‬ ‫طلل بدا ُّيئ الحنني‬ ‫ٌ‬ ‫بساطة‪.ٌ.‬وحشية ٌ‬ ‫وحقيقة‪.ٌ.‬تنها ُر‬ ‫كل ما فينا‬ ‫هي ُّ‬ ‫جميل‬ ‫ٌ‬ ‫غامض‬ ‫ٌ‬ ‫ُمتك ٌرب‬ ‫هي حزننا الرثثا ُر‬

‫‪34‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫‪3‬‬ ‫‪..‬هذي الوجو ُه‬ ‫العابراتُ قصيديت‬ ‫ملَ هكذا‬ ‫أنا دونها أحتا ُر‪..‬؟‬ ‫ملَ ال أر ُّد تحية من عابرٍ‪..‬؟‬ ‫ملَ ال أنا‪..‬؟‬ ‫ملَ قسويت تنها ُر‬ ‫ملَ هذه الكلامتُ ال معنى لها‬ ‫ملَ شاخت الدنيا‬ ‫ونحن صغا ُر‬ ‫‪4‬‬ ‫ما كان أجملنا‬ ‫من ُّد يدا معا‬ ‫ونخط لوحتنا‪..‬‬ ‫وليس إطا ُر‬ ‫بقصيد ٍة كنا‬ ‫منشط شَ ع َر بح ٍر هاد ٍر‬ ‫فيضيعنا اإلبحا ُر‬ ‫ونيض ُء نجام‬ ‫أو نهيئ رشفة ً‬ ‫لتحط متعبة بها‬ ‫األقام ُر‬ ‫ما كان أجملنا‬ ‫ونحن هنا معا‬ ‫ما كان أجملنا‬ ‫ونحن صغا ُر‬


‫ضياء الربغويث‬ ‫سي ُ ُ‬ ‫للسيف‬ ‫قال‬ ‫ِ‬ ‫الحب‬ ‫إذ جرح ُه‬ ‫ُّ‬ ‫س ُي ُ‬ ‫قال ‪:‬‬ ‫أضل نسا َء قري ِتها‬ ‫شاع ُرها َّ‬ ‫وضل ّْت‬ ‫ِ‬ ‫النوافذ‬ ‫متسح الحز َن السلي َم عن‬ ‫ُ‬ ‫والفؤا ُد ينو ُء بالـ َغ َب ِش الثخ ْني‬ ‫ُ‬ ‫سيقال ‪:‬‬ ‫أنثى الضباب تبخَّرتْ من ِضلع ِه‬ ‫اتيل الهوى‬ ‫اكمت شعرا ً تر ُ‬ ‫وتر ْ‬ ‫أعني فصوالً من حن ْني‬ ‫س ُي ُ‬ ‫قال ‪:‬‬ ‫ض َّي َع م َنت شهوتِ ِه‬ ‫ِ‬ ‫الهوامش‬ ‫وغاب يف تي ِه‬ ‫َ‬ ‫كامالً متو ِّحدا ً يف نقص ِه‬ ‫تغشا ُه أشال ُء املتو ْن‬ ‫س ُي ُ‬ ‫قال ‪:‬‬ ‫واسترَ َق ّْت‬ ‫نامت إذ ت َّج ْ‬ ‫ْ‬ ‫لت ْ‬ ‫ُ‬ ‫الصباح‬ ‫سيقول‪ :‬يل وط ٌن ميوتُ مع‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫يعيش مع املسا ْء‬ ‫وتقول‪ :‬يل وط ٌن ُ‬ ‫بني الصبا ِح ‪ -‬صبا َح ُه‬ ‫بني املسا ِء ‪ -‬مساءها‬ ‫طويل ‪ -‬شهق ٌة ‪-‬‬ ‫زم ٌن ٌ‬ ‫فاظف ْر ِ‬ ‫الحرب يا وطني‬ ‫بذات‬ ‫ِ‬ ‫أال ت ّب ْت َ‬ ‫يداك‬ ‫الهوامش يف فتو ِر ترابِها‬ ‫َ‬ ‫دع‬ ‫الك يف ِ‬ ‫ف ُع َ‬ ‫سيف حزي ْن‬

‫اسامء رمرام‬ ‫أنا والقصيدة‬ ‫أجي ُء القصيد َة‬ ‫ُمفرغة ً‬ ‫جيوب النهايةِ‬ ‫من‬ ‫ِ‬ ‫رس الحكايةِ‬ ‫أعبرُ ّ‬ ‫أعل ُن للضو ْء‪:‬‬ ‫ليس لنا م ااشتهته العرائس يف صمته ّن !‬ ‫أنا‬ ‫يامقاس الحقيقةِ‬ ‫َ‬ ‫يف غفو ِة الحظّ‬ ‫ِ‬ ‫بالصيف‬ ‫أشب ُه‬ ‫أو بانتظا ِر املصلىّ َ حثيثا‬ ‫ِ‬ ‫لوقت الصال ْة‬ ‫كضيف) !‬ ‫(أم ّر‬ ‫ْ‬ ‫أنا‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫املوائد ٌ‬ ‫حرف‬ ‫عزوف‬ ‫يف‬ ‫ُ‬ ‫تخارص ُه النغمة امل ُشتها ْة‬ ‫أنا يف اقرتان القصيد ِة بالدمِ ‪/‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫اللذيذ‬ ‫أمسيات الذهو ِل‬ ‫يف‬ ‫حكاي ُة ما ٍء‬ ‫تناسل يف ضوئ ِه الراحلو َن‬ ‫َ‬ ‫لِتُزه َر يف ُعر ِف ِه املعجزاتْ‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪35‬‬


‫نصوص‬

‫عمر ابو الهيجاء‬ ‫ويجرحني الناي‬ ‫‪1‬‬ ‫أيها الذاهبون إىل طفولة الرتاب‪،‬‬ ‫تجرحني الكلامت‪،‬‬ ‫ويجرحني الناي‪،‬‬ ‫أيها الذاهبون إىل آخر الليل‪،‬‬ ‫دلييل إليكم هذي الحراب‪،‬‬ ‫أنا سيد الحزن‪،‬‬ ‫ألوذ بدمي‬ ‫وكفني‬ ‫انتظرت طويال‪،‬‬ ‫حلمت كثريا‪،‬‬ ‫ومشيت يسبقني لهايث‪،‬‬ ‫راسام شكل العودة‪،‬‬ ‫فيا قلب‪،..‬‬ ‫قل يل‪:‬‬ ‫من أين كل هذا الرحيل‪..‬؟‬

‫ُز َل ْي َخة أبوريشة‬ ‫الرّائحة‬ ‫ال ّرائح ُة عندما تل ِم ُس تتكلَّ ُم ‪..‬‬ ‫لها شج ٌر تنا ُم فيه‬ ‫و مدائ ُن مهجور ٌة ترعى زجا َجها املعشَّ َق‪.‬‬ ‫ال ّرائح ُة‬

‫‪36‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫‪2‬‬ ‫الطرقات‪/‬‬ ‫تغفو يف أحذية املارة‪،‬‬ ‫املارة وحدهم يرتاكضون داخلهم‪،‬‬ ‫غري أنهم يعرفون متاما‪،‬‬ ‫فراغ البالد من عشاقها‪،‬‬ ‫الطرقات‪/‬‬ ‫هرستها املركبات‪،‬‬ ‫ومل تزل‪..‬‬ ‫تح ّن كثريا‬ ‫ألحذيتنا‬ ‫لتنام‬ ‫مطمئنة علينا‪.‬‬ ‫‪3‬‬ ‫املرأة جغرافيا الروح‪،‬‬ ‫أسطورة األخرض يف جلباب األرض‪.‬‬ ‫املرأة أول النبض‪،‬‬ ‫واملرأة نص الحياة‪،‬‬ ‫ترتيلة صو ّيف‪،‬‬ ‫فاض جسده يف ملكوت الوجد‪،‬‬ ‫املرأة بسملة الورد‪.‬‬

‫فحسب‬ ‫ال تتق َّد ُم كام لو كانت كتيب ًة‬ ‫ُ‬ ‫بل تتسل َُّل عىل ِ‬ ‫رؤوس األصابعِ نحو ال ِّنسيانِ‬ ‫يك‬ ‫يمُ َحى‪..‬‬ ‫الباب كلِ َّص ٍة‬ ‫ُ‬ ‫تفتح َ‬ ‫ثم‬ ‫تتدف َُّق‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫ال يوقفُها – الرائح َة الخصب َة –‬ ‫عندئذ‬


‫‪4‬‬ ‫كل الذي كان يل‪،‬‬ ‫ليس يل اآلن‪،‬‬ ‫قلبي‬ ‫أوراقي‬ ‫كتبي‬ ‫دمي‬ ‫و أشيايئ الكثار‪،‬‬ ‫كيل تناثر يف أبجدية‬ ‫امرأة رسمتها داخيل‪،‬‬ ‫توحدت فيها عىل وجع‪،‬‬ ‫رصنا أنشودة‪،‬‬ ‫عىل فم الصبيان‪.‬‬ ‫‪5‬‬ ‫عىل بعد معركة أو يزيد‪،‬‬ ‫قلت ألمي هي ميتة واحدة‪،‬‬ ‫قالت‪ :‬قل ما تريد‪،‬‬ ‫قلت‪ :‬مذبوحا أنا من الوريد اىل الوريد‪،‬‬ ‫يا أمي‪/‬‬ ‫أرى املدن تنام عىل دمي‪،‬‬ ‫يل فمي‪،‬‬ ‫وحرام أصبح ع ّ‬

‫عىل بعد مجزرة أو أكرث‪،‬‬ ‫ن ّوسنا شمس الرؤيا‪،‬‬ ‫ومننا يف حرضة النفي طويال‪،‬‬ ‫هذي البالد ‪..‬يا أمي‬ ‫فخاخ عسكر‪.‬‬ ‫‪6‬‬ ‫أربيّ اإليقاع بالضوء‪،‬‬ ‫أربيّ املوسيقى لليل أسطوري‪،‬‬ ‫وأشاكس إيحاء الورد بالقبل‪،‬‬ ‫وأسائل الريح عن وجوه م ّرت يب‪،‬‬ ‫وما تركت يف صحف التاريخ‬ ‫غري الخجل‪،‬‬ ‫أربيّ القصيدة داخيل‪،‬‬ ‫تاركا أبواب املخ ّيلة مرشعة‪،‬‬ ‫أرتشف ملء جراري حروفا أصابها البلل‪،‬‬ ‫فيا عصف الروح ‪،‬‬ ‫ما أجج نار الجرح يف ساحنا‬ ‫غري فدايئ شهيد‪،‬‬ ‫فانهض فينا ‪ ..‬أال‬ ‫إنهض أيها البطل‬

‫جدا ٌر‬ ‫و ال حشو ٌد‪..‬‬ ‫الكتب و َ‬ ‫متأل األوا َين و‬ ‫غرف الخزينِ‬ ‫َ‬ ‫ث َّم‬ ‫كوكب عىل األسرِ َّ ِة‬ ‫تتم َّدد بجال ِل‬ ‫ٍ‬ ‫قاموس ِ‬ ‫ٍ‬ ‫فطنٍ ‪.‬‬ ‫لتخل َع أثوابَها كقو ٍل مأثو ٍر يف‬ ‫ِ‬ ‫الخصوص‬ ‫ال َّرائح ُة عموماً و عىل‬ ‫حماَّ ل ُة أوج ٍه يف تطبيق قانون الخُلعِ‪...‬‬ ‫وال تلتز ُم!‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪37‬‬


‫نصوص‬

‫سليامن جوين‬

‫أصدقاء‬

‫أعمار ٌ ما ِئل ٌة قلي ً‬ ‫ال‬

‫ِ‬ ‫يدي ‪،‬‬ ‫يش ّدون عىل َّ‬ ‫كُلّام نظّروا إىل ُوجو ِههم يف املرآة ‪،‬‬ ‫يقولون ‪ :‬شكرا ً لك ‪،‬‬ ‫تِلك القُبور مل تك ْن تليق ِب ُوجو ِهنا ‪.‬‬ ‫ُوجو ُهنا ِ‬ ‫واسعة‬ ‫وعليها عصافري م ْيتة ‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫وهذ ِه املرآة بال اشجار‬ ‫كتاب ‪.‬‬ ‫وآبارها عميقة ج ّدا ً ِم ُثل ُجر ٍح يف ٍ‬ ‫خرجت قبل قليل‬ ‫كانت ُوجو ُه ُهم ت ُيض ُء كام ل ْو أنها قد‬ ‫ْ‬ ‫ِمن الفُرنِ ‪،‬‬ ‫الس ِ‬ ‫اعات‬ ‫ْ‬ ‫وكانت أيدي ُهم خال َي ًة ِمن ّ‬ ‫لعمالت ِ‬ ‫ٍ‬ ‫معدن ّية قدمية ‪.‬‬ ‫ويف كفو ِفهم وشم‬ ‫قلت ل ُهم‪ِ :‬‬ ‫ست موسيقى ‪،‬‬ ‫هذ ِه ل ْي ْ‬ ‫أكياس يف ِ‬ ‫ِ‬ ‫داخلِها مسامري واِنهار وكلِامت ‪.‬‬ ‫هذ ِه ٌ‬ ‫يف اللّ ْيلِ ميضون‬ ‫ويُرتكونني وح ّدي ‪،‬‬ ‫ت ُحاصرِ ُ نيّ كلِامتِ ُهم الطّيبة‬ ‫وقُبور ُهم الّتي متألُ الغُرف ُة‬

‫قالت أُ ّمي‪ :‬لن نجِد الشِّ تاء ‪،‬‬ ‫لقد رسق ُه اللُصوص ‪.‬‬ ‫قال أخي ‪ :‬ملاذا أعامرنا مائِلة قليالً ؟‬ ‫قال أيب ‪ :‬أزرعوا نهرا ً عىل حاف ِة الضّ ِح ِك ‪،‬‬ ‫وال تقربوا ِ‬ ‫هذ ِه الشّ جرة ‪.‬‬ ‫ول ِكننا مل ن ِكن نكرتِث‪،‬‬ ‫كُ ّنا نتزاح ُم عىل العدمِ وكأنّها امل ّرة األوىل‪،‬‬ ‫كُ ّنا نُخ ِّب ُئ االرض يف ِ‬ ‫معاط ِفنا ‪،‬‬ ‫وننا ُم عىل حفن ِة اصدقا ٍء مكسوريْنِ ‪.‬‬ ‫وكُ ّنا كُلّام اِقرتبنا أكرث ِمن غاب ِة أحال ِمنا‪،‬‬ ‫تسلّلت ُعفونة ِمن كوم ِة نِسا ِء يُ ِ‬ ‫رضعن قربا ً ‪.‬‬ ‫وبعد ِ‬ ‫فوات األوانِ ‪،‬‬ ‫السحر ُة‬ ‫جاء ّ‬ ‫وحفروا قربا ً آخر‬ ‫غيرْ مر ّيئ ‪،‬‬ ‫كمن يبت ِك ُر كلِمة جديدة ويَ ُد ُّسها يف ج ْيبِه ‪.‬‬ ‫ويف الطّريق خسرّ نا كسالً ووِسواساً ‪.‬‬ ‫خرسنا الّذين عربوا قبلنا اىل اللُّغة ‪.‬‬ ‫وال ُوجوه الّتي وضعناها يف قوارير‬ ‫رأّيْناها تطفو‬ ‫ِ‬ ‫تنظ ُر إلينا وتطفو ‪.‬‬ ‫وقبل أن ِ‬ ‫نصل‬ ‫قبل أن يسبِقنا الشُّ عراء اىل الضو ِء والكراه َي ِة وال َو ِ‬ ‫سواس‪.‬‬ ‫اِكتشفنا الذِّئب الّذي خلف جِدار ال ّن ْوم‬ ‫يُ ِ‬ ‫حد ُق يف ايا ِمنا‬ ‫ويَبيك‬

‫‪38‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫سلطان القييس‬ ‫ٌ‬ ‫عزف على‬ ‫المغني الج ّوال ‪..‬‬ ‫آلة الرحيل‬ ‫إىل الشاعر محمد القييس‬ ‫مساء ً عىل باب مقهى بعامن َ‬ ‫تولد ألف قصيدة موت‬ ‫وتسعى إىل باب قربك ْ‬ ‫ستفتح عماّ قليل لها الباب‬ ‫يك تستق َّر هناك ‪..‬‬ ‫رفيقات دربك ما زلن يرقنب عودتك ‪ ..‬ارجع‬ ‫تركت عشيقة ْ‬ ‫ففي كل مقهى َ‬ ‫ويف كل مكتبة قد تركت كتابا‬ ‫ويف كل جيب تركت وثيقة ْ‬ ‫هنا يف « كناري « بعماّ ن َ واحدة ٌ‬ ‫وهنالك يف ‪ Acton Park‬أخرى‬ ‫ويف « دار دنيا « تتابع واحدة ٌ فيلم موتك ْ‬ ‫وحمدة رغم اجتياح البياض لشعرك َ‬ ‫مل ّا تزل تنتظر ْ‬ ‫تعلمك امليش َ‬ ‫أو تتفقد حينا رباط حذائك‬ ‫تدعوك للنوم ‪..‬‬ ‫ترفع عن صدرك الغيم‬ ‫والغيم ‪ :‬أحالم طفل تداعت هنالك يف « الجلزون «‬ ‫فض ّيعت َ دربك ْ‬ ‫تج ّول قليال بصدر البالد‬ ‫تج ّول قليال بصدر الحقيقة‬ ‫بُ ّح ألليسا بأيقونة النرص ْ‬ ‫توسل إىل البحر ْ‬ ‫ّ‬ ‫ففي «كفر عانا» البعيدة ث ّم أغان‬ ‫و ثم معان ‪ ..‬وما يرتبص بالشعراء من الحب والريف ْ‬ ‫وثم رغيف ْ‬

‫سيكفي صبيا يوا صل فقره‬ ‫مسا ًء عىل باب مقهى صغري بعامن َ‬ ‫تلتحف الذكريات أهازيج مجدك ْ‬ ‫وتهذي‪:‬‬ ‫«أرادوا الصمت للشاعر‬ ‫وما عرفوا بأن الحرف بحر ماله آخر‬ ‫أن املجد للشاعر»‬ ‫اب يحيط بنا و اشتعاالتك اليوم‬ ‫رس ٌ‬ ‫هامدة هامدة ْ‬ ‫إذن فاحرتق يك تيضء يقينك أو لتيضء الشوارع‬ ‫و املدن البائدة ْ‬ ‫ْ‬ ‫احرتق‬ ‫إذن ‪ ..‬و‬ ‫األفق‪..‬‬ ‫يك تيضء منازلنا يف ْ‬ ‫و غ ّن بكل الشوارع غ ّن‬ ‫لنعزف لألرض ْ‬ ‫لحنك‪..‬‬ ‫نغني معاً‪:‬‬ ‫«ما الذي يجعل األرض تبيك‬ ‫و يجعلني عرضة الرياح القنوط ؟؟‬ ‫الحبية تبيك ‪ ..‬و الشعوب الفقرية تبيك‬ ‫و تبيك مدائن لوطْ»‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪39‬‬


‫نصوص‬

‫ابراهيم محمد ابراهيم‬ ‫امرأة‬ ‫انكفاء ٌة على‬ ‫ٍ‬ ‫ووطن‬ ‫ندس‬ ‫يف ُسرتتِ ِه يَ ُّ‬ ‫ُمنكفئاً‬ ‫يتح ّرى الكو َن‬ ‫حسب رؤا ُه‪.‬‬ ‫ويرسم ُه‬ ‫َ‬ ‫فال ّزحم ُة تُب ِعدُهُ عنهُ‪،‬‬ ‫وتفاهاتُ الشار ِع‬ ‫تُقصي ِه عن ِ‬ ‫بعض سجايا ُه‪.‬‬ ‫ماكان رماديّا أبدا ً‪،‬‬ ‫كل األحوا ِل‬ ‫كان بياضاً صرِ فاً يف ّ‬ ‫النس ُك‬ ‫حل ُ‬ ‫وكان إذا ّ‬ ‫الليل ونا َم ّ‬ ‫َ‬ ‫أفاق‪،‬‬ ‫وح ّمل بالشوقِ مطايا ُه‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫صمت‬ ‫كان يُجاه ُر يف‬ ‫تقرأُ يف عيني ِه‪،‬‬ ‫أهازيج البح ِر وثورتَ ُه‬ ‫َ‬ ‫حني تُثرَ ْثِ ُر يف األسواقِ األفوا ُه‪.‬‬ ‫أقصو ُه‬ ‫ثم اجتهدوا يف ّ‬ ‫فك طالس ِم ِه‬ ‫فازداد غموضاً ‪..‬‬ ‫واستعذب خُلوتَ ُه‬ ‫َ‬ ‫وتوس َد ُج ّل مرايا ُه‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫كالصب ِح‬ ‫كان جديدا ً ّ‬ ‫ومغسوالً بندى ال ّنخلِ‬ ‫مي ُّد الكو َن رشاعاً‬ ‫ِ‬ ‫ملكوت األشيا ِء‬ ‫يرحل يف‬ ‫ُ‬ ‫كيف يشا ُء‪.‬‬ ‫يُ َؤ ِّولُها َ‬ ‫بِكرا ً كان العاملُ يف عيني ِه‬ ‫ومشحوناً بال ّدهش ِة ‪..‬‬

‫‪40‬‬

‫بيت الشعر‬

‫الصمت‬ ‫علّم ُه‬ ‫ُ‬ ‫كال َم املنسي َني بأركانِ الليلِ ‪،‬‬ ‫فال َغ في ِه‬ ‫حتى أجرا ُه لغ ًة كالف ُِّل‬ ‫عىل ألسن ِة الطريِ‬ ‫وأفئد ِة ال ُعشّ ْاق‪.‬‬ ‫كان ي ُخ ُّط الشّ ع َر بال أور ْاق‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫الصح ِو املُطلقِ‬ ‫ينقش يف ذاكر ِة ّ‬ ‫غفوت ُه‬ ‫السه َد‬ ‫مابني سامءينِ تص ّبانِ ّ‬ ‫الحب‬ ‫بعيني ِه الغارقتني مباء ِّ‬ ‫وت ْنص ّبانِ به وجعاً ُحلوا ً ‪..‬‬ ‫تعرف ُه حني الصحرا ُء ترا ُه‪.‬‬ ‫وأرصفة الليلِ ال ُحبىل باألرسا ِر‬ ‫تعد خطا ُه‪.‬‬ ‫حني يعو ُد من الغيب ِة‬ ‫متّ ِشحاً بالشوقِ‬ ‫تحت الجدرانِ املنسي ِة‬ ‫ُ‬ ‫يفتش َ‬ ‫عن ِ‬ ‫بعض بقايا ُه‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫نزق‪،‬‬ ‫يو ِق ُف ُه اللّح ُن ال َغ َجر ُِّي‬ ‫عىل أطر ِ‬ ‫اف أصاب ِع ِه‬ ‫الرتحال وطع َم ِ‬ ‫َ‬ ‫البعد‬ ‫يزر ُع فيه‬ ‫ِ‬ ‫كالطيف‬ ‫إذا مر ب ِه س َحرا‬ ‫مبا أنْستْ ُه األيا ُم‪.‬‬ ‫يوصل ُه برِفاق‬ ‫مازالوا يرعون النج َم‬ ‫ويختطّو َن عىل ال ّرملِ قصائ َد ُه ْم‬ ‫مازالوا ب ْع ُد عىل ِ‬ ‫العهد‬ ‫ومازال يُ َذكّرهم باملل ِح‬ ‫وبالفكر ِة حني تُساو ُرها األوها ُم‪.‬‬ ‫نز ٌِق‬ ‫الحب‬ ‫إال يف ِّ‬ ‫وسهل‬ ‫ٌ‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫إال حني يضا ُم‪.‬‬ ‫َه َو ِت األعوا ُم علي ِه‬ ‫كأشبا ِح ِ‬ ‫املوت‪,‬‬ ‫وماحا َد‬ ‫ِ‬ ‫أفلحت األعوا ُم‪.‬‬ ‫فام‬ ‫ُز َمرا ً قاموا ‪..‬‬ ‫ملا ألفوه تي ّمم بالغيمِ‬ ‫وصىل الغائب ‪..‬‬ ‫قالوا ‪ :‬ردوه إليك ْم‪،‬‬ ‫األرض‬ ‫حتى ال تفتَتنِ َ ُ‬ ‫أقيمو ُه عىل يف ِء البرص ِة ‪..‬‬ ‫هذا من ُصنعِ النخلِ ‪،‬‬ ‫تج ّذ َر واستعىص ‪..‬‬ ‫وض َع الدنيا يف كفّي ِه و َغ ْربَاَها ‪..‬‬ ‫فتهاوتْ من بني أصابع ِه رمالً ‪..‬‬ ‫هذا من ُصنعِ الل ِه‪،‬‬ ‫مت ّر َد‪،‬‬ ‫ألقى كل غُبا ِر ال ّرجع ِة‬ ‫حتى صار شفيفاً‬ ‫ليس يُرى‬ ‫رح بدمعِ امرأ ٍة‬ ‫إال حني ين ُّز ال ُج ُ‬ ‫ترف ُع عن كاهل ِه‬ ‫ِق ْسطاً من بو ِح الصحرا ِء‬ ‫أعيدو ُه إىل الفصلِ األ ّو ِل‬ ‫من ِسف ِر األسفا ِر‬ ‫يهي َم بوحش ِت ِه ‪..‬‬ ‫ال امرأ ٌة تؤوي ِه إليها‪،‬‬ ‫ال قابلةٌ‪،‬‬ ‫ُخرج منه الفكر َة‬ ‫ت ُ‬ ‫أو ت ُخر ُج ُه من َر ِحمِ ال ُحزنِ ‪.‬‬ ‫دعو ُه عرشا ً ثاني ًة‬ ‫حتى يه ُر َم في ِه الجم ُر‬ ‫ويخبو ‪..‬‬ ‫يح رمادا ً‬ ‫ثم ت ُ َه ْد ِهدُهُ ال ّر ُ‬


‫ُز َمرا ً قاموا‪،‬‬ ‫وهو َ‬ ‫هناك يصليّ ‪..‬‬ ‫ويُعي ُد نظا َم الشّ وكة يف امليزانِ‬ ‫وترتيب األشيا ْء‪.‬‬ ‫َ‬ ‫مازال يصيل ‪..‬‬ ‫ينفثُ من أقىص الوجعِ‬ ‫الروح‬ ‫َ‬ ‫بهذي البطنِ العا ِق ْر‪.‬‬ ‫مازال يصليّ ويُكاب ْر‪.‬‬ ‫طويل‪.‬‬ ‫يو ُمك يا إبراهي ُم ُ‬ ‫والحفر ُة حمرا ٌء كلسانِ الطريِ‬ ‫وصد ُر َك عا ٍر‬ ‫إال من وشيْ ٍ أنا ِملها ‪..‬‬ ‫القلب الحاملُ‬ ‫انتفض‬ ‫يوم َ‬ ‫ُ‬ ‫من رقدتِ ِه ‪..‬‬ ‫مازلت يف الصد ِر أناملُها‬ ‫ْ‬ ‫جرح‬ ‫تبحثُ عن زاوية ليس بها ٌ‬ ‫تتحس ُس أورد ًة‬ ‫ماز ْ‬ ‫الت ّ‬ ‫الخيل عقودا ً ‪..‬‬ ‫تلهثُ فيها ُ‬ ‫طويل‪.‬‬ ‫يو ُم َك يا إبراهي ُم ُ‬ ‫ومداراتُك‬ ‫خارج هذا الكونِ البا ِه ِت‬ ‫َ‬ ‫درب آخ ُر‬ ‫ٌ‬ ‫ِ‬ ‫وللموت وللعود ِة‪.‬‬ ‫للحب‬ ‫لكن الحفر َة‬ ‫أوس ُع من أن ميألها‬ ‫املثقل بالشوقِ ‪.‬‬ ‫هذا الجس ُد ُ‬ ‫أروين قربا ً آخ َر يحضُ نني‬ ‫يجمع فيِ َّ شتاتَ الصوتْ ‪.‬‬ ‫قربا ً ما م ّر ب ِه أح ٌد قبيل ‪..‬‬ ‫قربا ً يصل ُُح لل ُح ّب وللموتْ ‪.‬‬ ‫قربا ً ال يتعدى الشربينِ‬ ‫لقلب ِني صغريينِ‬ ‫وغُربةْ‪.‬‬

‫أقسمِ ِ‬ ‫ريب‪.‬‬ ‫قلب ِني انتبها بعد أفو ِل النجمِ‬ ‫َ‬ ‫أنك آتي ٌة ال ْ‬ ‫ستحرق أستا َر الليلِ‬ ‫ُ‬ ‫الغيب‪.‬‬ ‫آه لوكنا نقرأ مايف‬ ‫الشمس‬ ‫بأن‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫جبل‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫ريب‪.‬‬ ‫وأن الساع َة آتي ٌة ال ْ‬ ‫وشجرياتٌ ظأمى‬ ‫الغيب‪.‬‬ ‫آه لو نقرأُ مايف‬ ‫ْ‬ ‫وبقايا آثا ٍر‬ ‫لو كُنا نته ّج�� األيا َم ال ُحبىل ‪..‬‬ ‫ُ‬ ‫الشوق‪،‬‬ ‫لفتى أثقل ُه‬ ‫لزرعنا ال ّرما َن األسو َد‬ ‫ً‬ ‫وبيتانِ من الشع ِر‬ ‫يف البح ِر األحم ِر للحيتانْ‪.‬‬ ‫باب ِ‬ ‫أهداب بنات املوصلِ‬ ‫عروس البحرِ‪،‬‬ ‫ونسجنا من‬ ‫عىل ِ‬ ‫ِ‬ ‫الص ْب‪.‬‬ ‫أسالكاً حول البستانْ‪.‬‬ ‫وسوسن ٌة يف صدر ّ‬ ‫للحب ؟‬ ‫لو تعل ُم سيديت‬ ‫أويكفي هذا ْ‬ ‫أويكفي ‪..‬‬ ‫ما تحت السرت ِة من بركانْ‪.‬‬ ‫نكتب‬ ‫لغَف ْوتُ بعينيها الساهرت ِني العم َر‪،‬‬ ‫أن َ‬ ‫والس‬ ‫والسم َر ثم منوتَ‬ ‫ُ‬ ‫الس ْي َح الظا ِم َئ ّ‬ ‫تنطقت َّ‬ ‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫الصمت‬ ‫عىل قارع ِة‬ ‫ليشه َد أن املوق َد‬ ‫مازال يُعطّ ُر بالقهو ِة والهيلِ ظفريتها كأشجا ِر الشا ِر ْع ‪..‬؟‬ ‫الضارب يف الغيمِ ين ُق ُرنا يف الليلِ حام ٌم‬ ‫تنطقت الجبل‬ ‫واس‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫جهات ِ‬ ‫األرض‬ ‫من كل‬ ‫مازلت أصيل ‪..‬‬ ‫بأين‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫للشمس ؟!‬ ‫األقرب‬ ‫ونحن‬ ‫سيد َة الجبلِ الشام ِخ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫فنجان ُِك بني الفر ِع املائلِ‬ ‫أو ُّد املوتَ بق ٍرب‬ ‫واملوقد‬ ‫ِ‬ ‫يدعوك إلي ِه ‪..‬‬ ‫ال يتع ّدى الشربينِ‬ ‫يتوسلُني‪،‬‬ ‫لقلب ِني صغريينِ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫وغربةْ‪.‬‬ ‫مجيئك‬ ‫قبل‬ ‫أال أرف َع أرشعتي َ‬ ‫فالريح ِش ٌ‬ ‫هذا فنجان ُِك س ّيديت‪،‬‬ ‫امل‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫أسك ُب ُه اآل َن‬ ‫قليل ‪..‬‬ ‫ورجال البح ِر ُ‬ ‫لتخضرَ ّ البطحا ُء‬ ‫يتوسلني‪،‬‬ ‫الس ْم ْر‬ ‫أال أبرح ُمتّكئي هذا‪،‬‬ ‫ويزهو البرَ َ ُم الذاب ُِل يف ّ‬ ‫فانا لن أحر َِق أرشِعتي‬ ‫حتى تأت َني بخب ِز الصب ِح‬ ‫قبل عبور َِك‬ ‫َ‬ ‫فقد أعددتُ القهو َة الث ْن ْني‪.‬‬ ‫ياوطني‬ ‫أقس َم فنجان ُِك‬ ‫َ‬ ‫أال ي ُرب َد حتى تأت ْني‪.‬‬ ‫الرسومات ‪ :‬الفنان لؤي كيايل‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪41‬‬


‫ً‬ ‫نظريا‬

‫‪.‬‬

‫صبحي حديدي‬ ‫‪.............................................................................................................‬‬

‫القصيدة وتشكيل الطبيعة‬

‫الظنّ ّأن الحدود بني الشعر والفنّ التشكييل‪ ،‬أو بني «شعريات األذن» و»شعريات العني»‪ ،‬أو بني «الشعر ك َرسم‬ ‫صائت‪ ،‬والرسم كشعر صامت» كام يف العبارة الشهرية التي أطلقها الفيلسوف اليوناين الساخر سيمونيديس؛‬ ‫ُحسمت‪ ،‬يف تقديري‪ ،‬منذ عام ‪ ،1766‬حني أصدر املرسحي والناقد األملاين لسينغ كتابه الشهري «الوكون‪ :‬مقالة حول حدود الشعر‬ ‫ّ‬ ‫ستكف‬ ‫والرسم»‪ .‬ذلك ال يعني ّأن مدارس النقد‪ ،‬الشعري والتشكييل عىل ح ّد سواء‪ ،‬قد ك ّفت عن فتح مل ّفات هذا النقاش‪ ،‬أو أنها‬ ‫توجب عىل فلسفات علم الجامل رصد عالقات التوافق والتنافر بني الفنون الشقيقة‪ ،‬بعضها أو جميعها‪.‬‬ ‫يف أيّ مدى منظور‪ ،‬وك ّلام ّ‬ ‫هنالك‪ ،‬عىل الدوام‪ ،‬ميادين خصبة الستكشاف انقالبات الفضاء الطبيعي يف العامل الخارجي‪ ،‬إىل فضاء تشكييل يف العامل الداخيل‬ ‫للقصيدة؛ ودراسات تبحث يف األواليات اإلبداعية ـ النفسية التي تح ّول تلك االنقالبات إىل أنساق عليا أسلوبية‪ ،‬وتسمح تالياً‬ ‫رصد عادة يف تحليل يكتفي باإلنطالق من فكرة‬ ‫خاصة‪ ،‬أرقى وأكرث تعقيداً من الخصائص التي ُت َ‬ ‫بالحديث عن جامليات شعرية ّ‬ ‫«جامليات املكان» أو األمكنة؛ فض ًال‪ ،‬بالطبع‪ ،‬عن إمكانية النظر إىل هذه األنساق العليا بوصفها واحدة من أبرز الجامليات األساسية‬ ‫و(يف تقدير كاتب هذه السطور‪ :‬الجامليات التأسيسية) التي تطلق طاقة شعرية رفيعة يف وسيط خطايب محدّد هو النرث‪ ،‬ويف قصيدة‬ ‫النرث تحديداً‪.‬‬ ‫والحال ّأن «الفضاء الطبيعي»‪ ،‬يف واحد من أبسط تعريفاته‪ ،‬وأكرثها دقة رمبا‪ ،‬هو ذلك الح ّيز الذي ُيدرك بدءاً من الجسد اإلنساين‬ ‫وإىل الخارج املقابل‪ ،‬سواء أكانت عنارص ذلك الح ّيز مشهداً متعدّد األجزاء (كام يف اإلطاللة عىل منظر طبيعي)‪ ،‬أو مشهداً وحيد‬ ‫الجزء (كام يف النظر إىل شجرة عزالء)‪ ،‬أو مشهداً مر ّكباً قامئاً عىل الفراغ املادّي واالمتالء الرمزي (كام يف الوقوف أمام بيداء صحراوية‬ ‫أو بطحاء مغمورة بالثلج)‪ .‬والشاعر‪ ،‬يف مواجهته للفضاء الطبيعي‪ ،‬يقيم توازناً من نوع ما‪ ،‬بني ثالثة استقطابات‪ :‬مخ ّيلة ترشقه‬ ‫خارج نفسه‪ ،‬وذاكرة برصية تشدّه إىل داخل نفسه‪ ،‬ومكان يغ ّلف املخ ّيلة والذاكرة ف ُيبقي الشاعر خارج نفسه وداخلها يف آن معاً‪.‬‬ ‫أ ّما الفضاء التشكييل فهو الفضاء الطبيعي وقد انقلب إىل رؤيا إبصارية خارقة لوسائل اإلدراك املعتادة‪ ،‬انهارت يف طياتها عالقات‬ ‫الرتاتب الوظيفي الثاليث بني املخ ّيلة والذاكرة البرصية واملكان‪ ،‬وتك ّونت عنارصها من مزيج تركيبي ال يسمح بتبادل‪ ،‬أو إعادة توزيع‪،‬‬ ‫أو َق ْلب‪ ،‬األدوار بني عنارص التوازن الثالثة هذه فحسب؛ بل يسمح‪ ،‬يف املقابل‪ ،‬بتحويل االلتقاط الشعري لذلك الفضاء الطبيعي‬ ‫النص‪ ،‬تدوير أو قطع السطور الشعرية وفق‬ ‫إىل التقاط برصي تشكييل‪ ،‬عىل الصفحة املطبوعة ذاتها‪ :‬اختيار شكل هنديس لتوزيع ّ‬ ‫عامرة غري مألوفة‪ ،‬إفساد القواعد املعتادة لعالمات الوقف‪ ،‬استخدام قياسات أو ألوان مختلفة للحرف الطباعي‪ ،‬وما إىل ذلك‪.‬‬ ‫فإذا قاربت القصيدة مشهداً وصفياً يحتوي عىل عنارص طبيعية محسوسة‪ ،‬ولكنّ الوشائج بينها تقليدية ومخزّنة يف الذاكرة البرصية‬ ‫(كام يف الحديث عن وردة متفتحة‪ ،‬أو قطرات ندى)؛ ّ‬ ‫فإن املشهد ال ينتج فضاء تشكيلياً بالرضورة‪ ،‬بل يقترص عىل التوصيف‬ ‫الطبيعي‪ ،‬برصف النظر عن براعة أو تواضع مستوياته التخييلة‪ .‬أ ّما إذا أقام الوصف عالقات غري مألوفة بني العنارص الطبيعية (كام‬ ‫أوائل ور ٍد كنّ باألمس ن ّوما‪ /‬يفتّقها برد الندى فكأنه‪ّ /‬‬ ‫يف النموذج الشهري من البحرتي‪« :‬وقد ن ّبه النريوز يف غسق الدجى‪َ /‬‬ ‫يبث‬ ‫حديثاً كان ُ‬ ‫قبل مكتّام»)؛ ّ‬ ‫فإن املشهيد كفيل باقتياد الذاكرة البرصية إىل ما هو خارج مخزونها‪ ،‬وخارج مألوفها‪ْ ،‬‬ ‫كأن يستفيق الورد‬ ‫من نوم‪ ،‬ويكون لربد الندى أن يفتّق ّ‬ ‫ويبث الحديث!‬ ‫فإن القراءة تكون ملز َمة باالنخراط يف «تشكيل» مشهدية مر ّكبة‪ ،‬من نوع غري مألوف (إ ْذ ليس يف وسعها أن تش ّكل مشهداً‬ ‫ويف هذا ّ‬ ‫بكل قارئ عىل حدة؛ ولكنها يف اآلن ذاته ّ‬ ‫خاصة ّ‬ ‫تظل‬ ‫أحادياً‪ ،‬من نوع مألوف مسبقاً)؛ وتكون قواعد التشكيل َم ِرنة ومفتوحة وح ّرة‪ّ ،‬‬ ‫محكومة بقواسم مشرتكة عليا‪ ،‬هي أجزاء املشهد الطبيعي كام اندرجت يف القصيدة‪ .‬وذلك االنخراط ليس سوى صيغة رفيعة من‬ ‫ارتقاء ذائقة القارئ‪ ،‬وفاعليته الجاملية؛ وهذا بعض معجزة الشعر‪ ،‬يف نهاية املطاف‬

‫أغلب‬

‫‪42‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫ملف‬

‫سيرة االتحاد والقصيدة‬


‫ملف‬

‫ٌ‬ ‫رجل للتاريخ‬ ‫زايد‪..‬‬ ‫داالت الرمز ودالالت اإلنتماء والهوية‬ ‫الشيخ زايد حاضر في القصيدة االماراتية الفصيحة والشعبية بصفات كثيرة‪ ،‬بخصاله وافعاله تغنى‬ ‫الشعراء‪ ،‬ودارت القصائد من حول رمزية االنسان والقائد‪ ،‬الكريم والشجاع‪ ،‬في المخيال العام‪ ،‬حيث‬ ‫ارتبط اسمه بالخير كداللة على االنجاز الكبير في قيادة االمارات الى االتحاد‬

‫سامح كعوش‬

‫قصيدة‬

‫الرمز ليست قصيدة املديح ذاتها‪،‬‬ ‫بل قد تكون يف حقيقة األمر إغالقاً‬ ‫عىل املمدوح من فرط الحب‪ ،‬والرغبة يف إحاطته مبعاين‬ ‫التبجيل وجامليات الرمز‪ ،‬كونها تتخذ من املمدوح غرضاً‬ ‫إىل ما هو أوسع وأكرب‪ ،‬حتى يصري املمدوح أدا ًة للمعنى‬ ‫املقصود واملغزى الشعري‪ ،‬وقصيدة الرمز أعمق داللة‬ ‫وأبعد أثرا ً‪ ،‬إذ تخرج بالذات‪ /‬موضوع القصيدة‪ ،‬والتي‬ ‫تكون فيها عاد ًة الشخص الفرد قائدا ً أوفيلسوفاً أوحكيامً‬ ‫أومفكرا ً أو صديقاً أو حبيباً‪ ،‬يرتدي عباءة األسطورة‬ ‫والحكاية كام عرف قدمياً يف شخصيات األنبياء واألولياء‬ ‫والفرسان الشجعان‪ ،‬وشخصيات الفالسفة واملفكرين‬ ‫من حمورايب وتوت عنخ آمون حتى الفيلسوف بيدبا‬ ‫واملهامتا غاندي وغريهم‪ ،‬إذ تربز حاجة الشعراء إىل القول‬ ‫يف قصيدة الرمز كإشارة رمزية وإحالة داللية إىل ما‬ ‫تقتضيه الحال من تقدير وتبجيل تجاه شخصيات الرواد‬ ‫من القادة الذين ظهروا يف فرتة كانت األوطان يف أمس‬ ‫الحاجة إليهم‪ ،‬لتخلدهم يف ذاكرة التاريخ عىل امتداد‬ ‫التاريخ نفسه‪.‬‬ ‫و الرمز كام يراه أدونيس يف «زمن الشعر» هو «ما يتيح‬ ‫لنا أن نتأمل شيئاً آخر وراء النص‪ ،‬فالرمز هو قبل كل يشء‬ ‫معنى خفي وإيحاء‪ ،‬إنه اللغة التي تبدأ حني تنتهي لغة‬ ‫القصيدة‪ ،‬أو هو القصيدة التي تتكون يف وعيك بعد قراءة‬ ‫القصيدة»‪ ،‬وبهذا املعنى فإن قصيدة الرمز كشخصية‬

‫‪44‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫متيل إىل التبسيط يف الداللة لتتمكن بالتايل من الوصول‬ ‫باملتلقي إىل إدراك كنه املمدوح‪ /‬الشخص الرمز‪ ،‬واستعالم‬ ‫مالمحه اإلنسانية الواقعية ال األسطورية املتخيلة‪ ،‬بينام‬ ‫نجد أ ّن الرمزية كمذهب أديب متيل إىل إغراق النص‬ ‫بالرموز والدالالت املغلقة عىل غامض املعنى واملبهم‬ ‫منه يف أحيان كثرية‪ ،،‬وهي تيش باألبعد املنقطع عن ذات‬ ‫املمدوح‪ /‬الشخص الرمز‪ ،‬حتى تخلق فجوة بني صورته‬ ‫ٍ‬ ‫ودالالت نصية مرتبطة به وجب أن تلتصق بحضوره ال أن‬ ‫ترسح بعيدا ً عنه‪.‬‬

‫العني الشاعرة‬

‫إذا ً وقياساً إىل ذلك‪ ،‬فإ ّن قصيدة الرمز مبعنى الشخص ال‬ ‫مبعنى الصورة الرمزية‪ ،‬هي القصيدة التي تعيد تشكيل‬ ‫مالمح هذا الشخص كام تراه العني الشاعرة‪ ،‬أو كام يراه‬ ‫الشاعر نفسه يف أعني جمهوره وقارئيه‪ ،‬فهو يتّخذ مالمح‬ ‫مغايرة‪ ،‬فيها الكثري من املبالغة املحببة واملقبولة كونها‬ ‫تأيت ال من هيمنة الرمز‪ /‬الدال‪ ،‬بل من تلقائية الرامز‪/‬‬ ‫الشاعر بالقيمة الكلية لهذه الشخصية الرمز‪ ،‬كأن تصري‬ ‫لهذه الشخصية القدرة األسطورية السحرية عىل اإلبداع‬ ‫والفعل التغيريي الخالق واملغاير‪ ،‬فالشخصية هنا هي‬ ‫شخصية الشيخ زايد‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬يرسمه الشاعر يف أبهى‬ ‫صورة‪ ،‬معتلياً ذرى املجد‪ ،‬فاعالً يف نهضة البلد‪ ،‬ومؤثرا ً يف‬ ‫أحداثها وتغيري بنيتها وبيئتها الصحراوية إىل جنان خرضاء‬


45

issue (7)- December - 2012


‫ملف‬

‫مورقة‪ ،‬ينبهر التاريخ ملا تحقق بعزم هذا القائد الكبري‪:‬‬ ‫«عىل فرس نهضة بلد قابض عنان ‪-‬خاض املحال الني خاله‬ ‫مقدور ‪ - -‬ح ّول صحاريها باالرصار بستان ‪ -‬من عزمه‬ ‫التاريخ شفناه مبهور»‪ ،‬يقول الشاعر عيل سامل الكعبي‪:‬‬

‫«عىل فرس نهضة بلد قابض عنان‬ ‫وخاض املحال الني خاله مقدور‬ ‫حول صحاريها باالرصار بستان‬ ‫ومن عزمه التاريخ شفناه مبهور»‪.‬‬

‫إذا ً فإن الفعل السحري للشخص الرمز أو أنساق سلوكه‬ ‫اإلنساين‪ ،‬الريادي والقيادي‪ ،‬وإن كان من الواقع املعارص‪،‬‬ ‫أو التاريخ الحديث فإنه يقع يف الرمز‪ ،‬كام يقع صاحب‬ ‫هذا الفعل الرمزي املح ّمل مبضمون اإلعجاز يف التحويل‬ ‫املكاين أو الزماين إىل آخر مغاير وسحري يف املجمل‪ ،‬يقع‬ ‫يف التخييل اإلبداعي للصورة حتى تصري أخرى جديدة‬ ‫يتم استدعاء موحياتها يف إهاب رسدي موارب ومغاير‬ ‫يتجدد باستمرار ويحيا أكرث وأقدر عىل الفعل كل مرة‬ ‫جديدة‪ ،‬وبخاصة أن الرمز كام يف كتاب «األسطورة‬ ‫والرمز» لنورثروب فراي وآخرين‪ ،‬ميثّل شكالً مهامً من‬ ‫أشكال استلهام األسطورة واستدعائها يف إهاب رسدي‬ ‫مختلف عن األصل‪ ،‬وذلك بوصف الرمز األسطوري التعبري‬ ‫األمثل»عن موتيفات غريزية كونيّة مختلفة‪ ،‬أو أنساق‬ ‫من السلوك واملعتقد اإلنساين‪ ،‬وهنا نستعيد مقولة‬ ‫سيد القمني يف كتابه «األسطورة والرتاث»‪ ،‬أ ّن الرمز‬ ‫كاألسطورة متاماً ذو خاص ّية متج ّددة نشطة ال تتوقّف‪،‬‬ ‫مبعنى أنّها حفريّات حيّة ومتج ّددة عىل الدوام يف تاريخ‬ ‫الفكر اإلنساين‪ ،‬كام يف الفعل املستمر للتغيري عرب عالقات‬ ‫القرينة باالبتسام‪ /‬فعل اإلحياء‪ ،‬الصحة‪ /‬فعل اإلحياء‪ ،‬أو‬ ‫يف الغضب‪ /‬فعل اإللغاء‪ ،‬الفج للبحور‪ /‬فعل اإللغاء‪ ،‬يقول‬ ‫عيل بن سامل الكعبي يف وصف زايد الرمز‪:‬‬

‫«اذا ابتسم من بسمته صحة ابدان‬ ‫واذا غضب يف رميته فج لبحور»‪.‬‬

‫دار زايد‬

‫ويف الرمز يتحد شكالن أحياناً أو أكرث‪ ،‬من أشكال التصوير‬ ‫الشعري أو التوصيف الداليل لداالت النص‪ ،‬كام لو‬ ‫‪46‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫أننا أمام صورة‪ /‬مرآة‪ ،‬يكون وجهها وجه القائد الرمز‪،‬‬ ‫وشكلها شكل الوطن‪ ،‬كأنهام اثنان يف واحد‪ ،‬ال يختلف‬ ‫الشعراء حول ذلك‪ ،‬وبخاصة يف املكان اإلمارايت‪ ،‬حيث‬ ‫الوطن تأسيس وبناء‪ ،‬والقائد مؤسس ووالد‪ ،‬والزمن هنا‬ ‫ينخلق من جديد‪ٍ ،‬‬ ‫بعرس جامعي يغني أناشيد املجد‬ ‫والوالء‪ ،‬ويعدد أسامء اإلمارات السبع واحد ًة بعد أخرى‪،‬‬ ‫كأن املرآة هي التي تعكس ما يراه الشاعر حقيقةً‪ ،‬وال‬ ‫يتقصده أو ميارس عربه الخداع البرصي للمتلقي‪ ،‬فهذا‬ ‫الوطن يتشكل أسطورياً أو رمزياً كام قائده ومؤسسه يف‬ ‫متوازيات مضمونية وداللية شعرية بامتياز‪ ،‬تقع كلها يف‬ ‫قصيدة الشخص‪ /‬الرمز‪ ،‬كام يف متواليات‪ٌ :‬‬ ‫مورق بالنخل‬ ‫يف شفتي ‪ -‬سيسهر الورد‪ ،‬أو‪ :‬يخلق الوله القديم لنا ‪-‬‬ ‫زمناً جديدا ً جزر ُه م ُّد‪ ،‬أو يف املفردات املحتشدة بحقلٍ‬ ‫معجمي كله حب وألق‪ ،‬كام يف‪« :‬شفتي‪ /‬الورد‪ /‬الوله‪/‬‬ ‫املد =كعنرص من عنارص االنطالق لتحصيل الرزق يف‬ ‫الذاكرة اإلماراتية‪ /‬العرس‪ /‬السحر‪ /‬توشوشني‪ /‬القلب‬ ‫يينع‪ /‬السحب= كعنرص من عنارص الرزق والخري يف‬ ‫الذاكرة اإلماراتية‪ /‬ناهدين‪ /‬شوق‪ /‬خملة‪ /‬رعشة‪ /‬نسمة‪،‬‬ ‫ويف املعادل الدال نجد أسامء اإلمارات السبع معلن ًة يف‬ ‫النص الشعري كام لو أنها بيارق عامل الشخص الرمز‪/‬‬ ‫مفاتيح عوامل الوطن‪ ،‬يقول الشاعر عارف الخاجة يف‬ ‫قصيدة «موعد للحب والفرح» من مجموعته «صالة‬

‫في الرمز يتحد شكالن أحيان ًا‬ ‫أو أكثر‪ ،‬من أشكال التصوير‬ ‫الشعري أو التوصيف الداللي‬ ‫لداالت النص‪ ،‬كما لو أننا أمام‬ ‫صورة‪ /‬مرآة‪ ،‬يكون وجهها وجه‬ ‫القائد الرمز‬


‫االتحاد والشعر‬

‫العيد والتعب»‪:‬‬

‫«يا مورقاً بالنخل يف شفتي‬ ‫ثبت هواك سيسه ُر الور ُد‬ ‫وسيخلق الوله القديم لنا‬ ‫زمناً جديداً جزر ُه مدُّ‬ ‫هذي اإلمار ُ‬ ‫ات استفاض بها‬ ‫ٌ‬ ‫جميل إسم ُه املجدُ‬ ‫عرس‬ ‫ٌ‬ ‫ً‬ ‫ظبي توشوشني‬ ‫سحرا أبو ٍ‬ ‫يينع أينام نغدو‬ ‫ُ‬ ‫والقلب ُ‬ ‫َ‬ ‫فصل ْت سحبي‬ ‫أما د ٌّيب َّ‬ ‫ناهدين عليهام حمدُ‬ ‫يف‬ ‫ِ‬ ‫ُش ٌ‬ ‫عل لشارق ٍة عىل عطيش‬ ‫ظآمن يا من نحوها القصدُ‬ ‫ٌ‬ ‫مملكة‬ ‫عجامن فوق الحلم‬ ‫تندى فيقف ُز نحوها الحشدُ‬ ‫ريح أمها س ٌري‬ ‫قيوينُ ٌ‬ ‫َ‬ ‫من عصف شوقٍ فيك يرتدُّ‬ ‫ٌ‬ ‫مساجلة‬ ‫وبرأس خيمتنا‬ ‫بيني وبني خميل ٍة تعدو‬ ‫س ّم ُ‬ ‫بعدك رعش ًة بدمي‬ ‫يت ِ‬ ‫ٌ‬ ‫ّإن الفجري َة نسمة تحدو»‪.‬‬

‫إمارات اإلمارات تنصان‪ /‬باالتحاد وأصبح الرش مبتور‪/‬‬ ‫وحدة وطن يف سبع إمارات واقران‪ /‬واملعتدي بتواجهه‬ ‫ويف الرمز يتحد شكالن لهام الوجه ذاته‪ ،‬كأن نعرف بالدا ً‬ ‫سبعة صقور»‪ ،‬فاالتحاد قوة‪ ،‬واملغفور له بإذن الله الشيخ‬ ‫يكون وجهها وجه القائد الرمز‪ ،‬وشكلها شكل الوطن‪،‬‬ ‫زايد هو الشخص الرمز كام لو أنه ٍ‬ ‫آت من عوامل األسطورة‪.‬‬ ‫واسمها اإلمارات‪ ،‬وهي حكاية زايد للتاريخ واألزمان‪،‬‬ ‫ومع هذا التوصيف اإلعالين ملالمح الشخصية الرمز‪،‬‬ ‫إماراتٌ يع ّددها الشاعر عيل بن سامل الكعبي‪ ،‬كتيجان لها‬ ‫يتأىت الرتميز املضموين لعالق ٍة ما تربط بني الشخصية‬ ‫ملمح زايد‪ ،‬وشموخ قامة زايد‪ ،‬وعالء فعله يف اإلنسان‬ ‫الرمز‪ ،‬والوطن املرموز إليه بهذه الشخصية ومستلزمات‬ ‫واملكان‪ ،‬ورصوح حية بها روح زايد‪ ،‬يقول‪:‬‬ ‫وجودها‪ ،‬فالوطن هو الشخص‪ /‬والشخص هو الوطن‪،‬‬ ‫«العني‪ ،‬راس الخيمة‪ ،‬ديب‪ ،‬عجامن‬ ‫يؤنسن الشعراء الوطن بداالت الحضور البرشي‪،‬‬ ‫الشارقة‪ ،‬لفجرية تفوح بعطور‬ ‫باالستعارات والتشخيصات‪ ،‬فالوطن له ٌ‬ ‫ضحك بالفم‪،‬‬ ‫وبأم قيوين اكملت ست تيجان‬ ‫وصبح لوجهه‪ ،‬حتى األحالم يف حرضته يصبح لها جناحان‬ ‫ٌ‬ ‫والسابعة تبيك بها الشهم مقبور‬ ‫يتحركان بدفقات الحنني والشجن‪ ،‬ليكون متهي ٌد ملا يقع‬ ‫من ترب ٍة بالعاصمة تضم جثامن‬ ‫الحقاً من مزج بني أنا‪ /‬الشخصية الرمز‪ ،‬وأنا‪ /‬جامعة‬ ‫انسان ما دمع ادمي عنه محجور»‪.‬‬ ‫الوطن‪ ،‬تقول الشاعرة صالحة غابش يف مجموعتها‬ ‫إنه زايد الذي بحسب الشاعر عيل بن سامل الكعبي «جعل «بانتظار الشمس»‪:‬‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪47‬‬


‫ملف‬

‫الواقع‪ ،‬وإمنا ينطلق منه ويتجاوزه إلنشاء عالقات جديدة‬ ‫«ويلقاين صباح ضاحك فمه‬ ‫مرتبطة بعامل الشاعر‪ ،‬ويف هذه املرحلة يصبح الشعر‬ ‫فذاك الصبح وجهك أنت يا وطني‬ ‫ً‬ ‫أكرث صفاء وتجريدا ً‪ ،‬ألنه يقدم صورا حسية توحي مبا‬ ‫تسافر يب إليك فصول أحالمي‬ ‫هو معنوي‪ ،‬وهو بذلك عندما ينطلق من الواقع يرتبط‬ ‫جناحاها الحنني ودفقة الشجن»‪.‬‬ ‫بالذات فتنهار املعامل املادية وتنهض عىل أنقاضها عالقات‬ ‫وها هو الشاعر اإلمارايت يشري إىل هذا االتحاد الدال‬ ‫جديدة مرتبطة بالرؤية الذاتية للشاعر»‪.‬‬ ‫باملدلول يف عالقة الشخصية الرمز باألنا الوطن‪ ،‬حيث‬ ‫يصبحان واحدا ً يف اإلشارة إىل املدلول كانتامء وطني ووالء‪ ،‬ويشري الباحث نفسه إىل أن أهم املصادر التي يستقي‬ ‫منها الشاعر رموزه‪ ،‬الرموز املوجودة سلفاً يف املشهد‬ ‫بالدال الشخص‪ /‬الرمز‪ ،‬أال وهو الوطن اإلمارات الذي‬ ‫الثقايف والرتاث اإلنساين كتوظيف األساطري والرتاث‬ ‫يتخذ أفعال األنا البرشي يف الحضور وصوالً إىل تق ّمص‬ ‫الشعبي والديني‪ ،‬حيث «يعمل الشاعر عىل توظيف‬ ‫ذات الشخص‪ /‬الرمز‪ ،‬فالوطن من عزمه‪ /‬علت الجباه‬ ‫مهاب ًة وجالالً ‪ -‬من طبع زايد‪ /‬هي دار زايد‪ ،‬يقول كريم هذه الرموز يف ضوء الواقع الشعري املعارص‪ ،‬وليس من‬ ‫باب تقديس هذا الرتاث‪ ،‬فالشخصيات الرمزية سواء‬ ‫معتوق‪:‬‬ ‫أكانت تاريخية أم أسطورية يخضعها الشاعر ملنطق‬ ‫«وطني اإلمار ُ‬ ‫ات التي من عزمها‬ ‫السياق الشعري‪ ،‬و للتجربة الشعورية التي تتيح لهذه‬ ‫علت الجبا ُه مهاب ًة وجالال‬ ‫ِ‬ ‫الشخصيات الرمزية دالالت متعددة بتعدد الرؤى»‪.‬‬ ‫علم رعته قلوبنا‬ ‫ُها‬ ‫د‬ ‫أمجا‬ ‫ٌ‬ ‫ومبحث قصيدة الرمز يطرح إشكالية الشخص‪ /‬الرمز‬ ‫وحمته ٌ‬ ‫أجيال ْ‬ ‫بنت أجياال‬ ‫يف عالقته بالوطن‪ /‬الرمز‪ ،‬وكالهام واح ٌد‪ ،‬حني يستعيد‬ ‫طبع زاي َد طبعها وأمانها‬ ‫من ِ‬ ‫القارئ سرية الرجال الكبار من قادة اإلمارات‪ ،‬ألهمية‬ ‫َ‬ ‫عدمت سؤاال»‪.‬‬ ‫هي دا ُر زاي َد ال‬ ‫حضور هذه السرية العظيمة يف الحياة والشعر يف أكرث‬ ‫ويعترب الباحث املغريب محمد يوب يف مبحث «الرمز يف‬ ‫تجلياتها وضوحاً‪ ،‬إذ تصري اإلمارة داالً والحاكم مدلوله‪،‬‬ ‫الشعر املغريب املعارص» أ ّن الرمز ال ينهض عىل محاكاة‬ ‫واملدينة داالً والشي ُخ مدلوله‪ ،‬والوطن داالً‪ ،‬وزايد مدلوالً‪،‬‬ ‫‪48‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫االتحاد والشعر‬

‫حكامه الكرام‪.‬‬ ‫ويقرأ واحدنا يف كتاب حياة املغفور له بإذن الله الشيخ‬ ‫مدروس بإتقان ومحكم البينان يف‬ ‫عمل‬ ‫إن قصيدة الرمز ٌ‬ ‫زايد بن سلطان آل نهيان‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬يف الخامس من‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫مساق‬ ‫النص الشعري عند عيل بن سامل الكعبي‪ ،‬بل هي‬ ‫الشهر الثامن من عام ‪ ،1971‬فيستمع إليه‪ ،‬رحمه الله‪،‬‬ ‫محوري التساق تجربته الشعرية واتجاهها إىل االكتامل‪،‬‬ ‫السمو‪،‬‬ ‫صارخاً بأعىل صوت‪ ،‬اجتمعت فيه إرادة أصحاب‬ ‫ٌّ‬ ‫رجل‬ ‫فللشاعر قصيدته أو مط ّولته الشعرية «زايد‪ٌ :‬‬ ‫حكام اإلمارات‪ ،‬ورجال اإلمارات‪ ،‬وأبناء وبنات اإلمارات‪:‬‬ ‫«االتحاد أمنيتي وهديف‪ ،‬فأبناء هذه املنطقة شعب واحد‪ ،‬للتاريخ» والتي أتت يف قصيدة واحدة من ‪ 225‬بيتاً ويف‬ ‫قافية واحدة بدون تكرار‪ ،‬وتناولت سرية املغفور له بإذن‬ ‫وإن أبناء هذه املنطقة أخوة من أصل واحد‪ ،‬لغتهم‬ ‫واحدة‪ ،‬ودينهم واحد‪ ،‬وحتى األرض التي عاشوا عليها منذ الله زايد بن سلطان آل نهيان‪ ،‬منذ قيام اتحاد اإلمارات‬ ‫حتى يوم رحيله‪ ،‬يتناول فيها أخالق زايد‪ ،‬سامته وقيمه‪،‬‬ ‫آالف السنني كانت دامئاً وحد ًة واحدةً»‪.‬‬ ‫وهو املتواضع‪ ،‬صاحب العزم‪ ،‬صاحب اإلميان‪ ،‬راجح‬ ‫العقل‪ ،‬القائد‪ ،‬الكريم‪ ،‬العطوف‪ ،‬الوالد‪ ،‬اإلنسان‪ ،‬والشاعر‪.‬‬ ‫رمز لوطن‬ ‫يرى عالء الدين رمضان يف مبحث «تشكيالت الصورة‬ ‫ومن هذه املقولة الخالدة للراحل الكبري‪ ،‬املغفور له‬ ‫يف الشعر العريب الحديث» أ ّن الشاعر ال يحشد يف نصه‬ ‫بإذن الله‪ ،‬الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان‪ ،‬رحمه الله‪،‬‬ ‫يستشف الباحث يف النص الشعري لعيل بن سامل الكعبي اللغة الدالة القريبة الحارضة يف ذهنه‪ ،‬بل يتوقف طويالً‬ ‫عند األلفاظ‪ ،‬يتأملها وينتقيها‪ ،‬ثم يعيد تشكيلها وصوغها‬ ‫أرسار املسرية التي قد تبدأ بعبارات قليلة ترتدد عىل‬ ‫مبا يتناسب مع الداللة الوجدانية ال االتصالية‪ ،‬وقد يغري‬ ‫شعب يف واحد‪ ،‬وواحد‬ ‫لسان «الشخص» ليصري أسطورة ٍ‬ ‫من أبعاد صياغتها فنياً‪ ،‬وقد يح��م من أنسقتها ليخلق‬ ‫يف شعب‪ ،‬وليصري الحاكم يف املخيال العام عظيامً يفرتض‬ ‫لنفسه منطاً جديدا ً تتحقق رغبته ورغبة جمهوره يف املتعة‬ ‫أبعادا ً ال تح ّده كشخص‪ ،‬مهام بلغ من مراتب التقدير‬ ‫والتبجيل واملحبة‪ ،‬فهو مل يعد «هو»‪ ،‬بل صار وطناً وشعباً الفنية املتوقعة من إبداعه؛ فمن أهم خصائص التعبري‬ ‫الشعري أنه تعبري بالصورة‪ ،‬يتميز بدقة تحديده للتجارب‬ ‫ورجاالً يف رجل‪ ،‬بل صار درساً خالدا ً للتاريخ يف بناء‬ ‫األوطان واإلنسان‪ ،‬بناء اإلمارات الرائدة‪ ،‬ببصامت خالدة‪ ،‬ومفرداتها‪ ،‬وييرس له ذلك قدرته عىل التحدث بلغة مرئية‬ ‫مشخصة‪ ،‬تكاد تعادل حدوس األشياء والتجارب ذاتها‪ ،‬مبا‬ ‫تحفر عميقاً يف ذاكرة البرش والحجر والشجر‪ ،‬بأحرف‬ ‫يحقق له القدرة عىل استيعاب الحياة من حوله»‪.‬‬ ‫من نور‪ ،‬تليق برجاالت الوطن اإلمارايت وأصحاب السمو‬ ‫وهذا يتوافق متاماً مع ما يشري إليه الشاعر عيل بن سامل‬ ‫الكعبي حني يت ّوج الرمز‪ /‬الشخص صاحب قرار ونهي‬ ‫وأمر يف شأن الوجود نفسه ملا فيه مصلحة هذا الوجود‬ ‫ٌ‬ ‫مدروس‬ ‫عمل‬ ‫قصيدة الرمز‬ ‫ٌ‬ ‫وخري أهل هذه األرض‪ ،‬بتدخّله السحري املتفائل يف‬ ‫بإتقان ومحكم البينان في‬ ‫أحوالهم وآمالهم لتتحقق‪ ،‬يرى بعني الخصب لتخرض‬ ‫األرض‪ ،‬ويتحدث بلسان الحمد فتنهض الواحات متبارك ًة‬ ‫النص الشعري عند علي بن‬ ‫مباء وضوء يديه‪ ،‬وتنوء الكواهل بجميله وصنيعه الكبري‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫مساق‬ ‫سالم الكعبي‪ ،‬بل هي‬ ‫وهو يد الخري يف بالد الخري‪ ،‬باملحبة يسوس الناس‬ ‫وبالحكمة يقود البالد واالتحاد‪ ،‬وبكل هذه األفعال‬ ‫محوري التساق تجربته الشعرية‬ ‫ٌّ‬ ‫مجتمعة يصري للقائد الرمز صورة مغايرة متاماً للجانب‬ ‫واتجاهها إلى االكتمال‬ ‫اإلنساين التلقايئ يف امللمح والشكل‪ ،‬يقول الشاعر عيل بن‬ ‫سامل الكعبي يف وصف الشيخ زايد رحمه الله‪:‬‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪49‬‬


‫ملف‬

‫«كل يش شافه زايد يفوح غبطان‬ ‫لو النخل يرمس نهض قال مشكور‬ ‫جاميله لو هي حمل تتعب امتان‬ ‫ومحبته لو هي جسد فجر صدور‬ ‫مييش عىل ما يريض الرب رحمن‬ ‫زايد وله تاريخ بالقلب مسطور»‪.‬‬

‫وإشكالية الشخص الرمز يف الشعر الشعبي اإلمارايت‪ ،‬هي‬ ‫الجدلية يف إشكالية العالقة بني القائد الرمز و الوطن‬ ‫واألرض بإنسانها وكائنها‪ ،‬أو الوطن يف القائد‪ ،‬أو القائد‬ ‫فيه كاثنني يف واحد‪ ،‬كمثال أعىل إلنسان اإلمارات‪ ،‬وهي‬ ‫الوطن الذي تأسس ككيان رسمي قبل ٍ‬ ‫واحد وأربعني‬ ‫عاماً‪ ،‬بإرادة «الشخص» الكبري وإخوانه أصحاب السمو‬ ‫الحكام‪ ،‬الذين يندرجون جميعاً يف هذا اإلطار العريض‬ ‫ملفردات الوطن‪ /‬الشخص‪ /‬الرمز‪ ،‬وهم البناة والرعاة‬ ‫والقادة والسادة‪.‬‬ ‫والشخص ‪ /‬الرمز هو الشخص القائد بكل ما تحمله‬ ‫الكلمة من املعاين العظيمة التي تليق بوطنٍ يحكمه هو‪،‬‬ ‫وهي الوطن الذي استمر ويستمر بإذن الله حتى نهاية‬ ‫الوجود‪ ،‬عالم ًة للوجود ذاته يف الوالء واالنتامء‪ ،‬والوفاء‬ ‫للشخص الرمز‪ ،‬وراية سناء وضّ اء يف ليل ترشذم العرب‬ ‫وفرقتهم‪ ،‬وتنازعهم وشقاقهم‪.‬‬ ‫إنه الشيخ زايد‪ ،‬رمز نهضة اإلمارات وباين اتحادها‪ ،‬كام‬ ‫هو رم ٌز يقع يف األسطورة التي تجعل الشاعر ال يص ّدق‬ ‫حقيقة رحيل هذا الرجل األسطورة والرمز الغرائبي‪،‬‬

‫إشكالية الشخص الرمز في‬ ‫الشعر الشعبي اإلماراتي‪ ،‬هي‬ ‫الجدلية في إشكالية العالقة‬ ‫بين القائد الرمز و الوطن واألرض‬ ‫بإنسانها وكائنها‬

‫‪50‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫كل إنسان يف هذا املكان اإلمارايت‪،‬‬ ‫كأنه املحفور يف أضلع ّ‬ ‫تخفق القلوب بحبه وتنبض بالشوق إليه حني كان قريباً‬ ‫يف حياته‪ ،‬أو غريباً يف مامته ألنه الغائب الحارض عىل‬ ‫مر األزمان‪ ،‬والوالد الحبيب الشيخ الذي ال تجود مبثله‬ ‫العصور‪ ،‬وال تتواىن العني عن أن تذرف الدمع حتى لو‬ ‫قاومها صاحبها‪ ،‬فالدمع «مهام تغمض العني بيثور»‪ ،‬يقول‬ ‫الشاعر الكعبي‪:‬‬

‫«قاف كتبني يوم هاضت يب اشجان‬ ‫ٍ‬ ‫ورصت الكتاب وكانت ضلوعي سطور‬ ‫ما للخفوق املمتيل حب كتامن‬ ‫والدمع مهام تغمض العني بيثور‬ ‫الغايب الحارض عىل م ّر لزمان‬ ‫ازرت تجود بشيخ رشواه لعصور»‪.‬‬

‫إن قصيدة الرمز يف شعر عيل بن سامل الكعبي تتخذ من‬ ‫شخصية املغفور له بإذن الله الشيخ زايد داللتها املحورية‬ ‫التي تستدل بها إىل عالمات األلق الشعري‪ ،‬والنبض‬ ‫األسطوري الدافق بكثري من معاين الحب والوفاء للراحل‪،‬‬ ‫واإلنكار للرحيل إال يف معناه الجسدي املحدود‪ ،‬فداالت‬ ‫البقاء والحضور أبلغ تعبريا ً من الغياب نفسه‪ ،‬كام يورد‬ ‫الشاعر عبارات مثل‪« :‬اسمه يرجح بكل ميزان‪ /‬قضيت‬ ‫معه سنني وايام وشهور‪ /‬يشهد لزايد كل من كان سكّان‬ ‫باألرض‪ /‬تبكيه ارض ونسمة الليل وطيور‪ /‬اسمه ينري اذا‬ ‫رسى كل ديجور»‪ ،‬يقول الشاعر الكعبي‪:‬‬

‫«زايد واسمه يرجح بكل ميزان‬ ‫قضيت معه سنني وايام وشهور‬ ‫هو وال ٍد واحنا مع اوالده اخوان‬ ‫هم مسند ان كان الزمن ف ّكر يجور‬ ‫ويشهد لزايد كل من كان سكان‬ ‫محب وجمهور‬ ‫باالرض اصبح له ٍ‬ ‫شيخ ر ّوح العمر به فان‬ ‫مرحوم ٍ‬ ‫تبكيه ارض ونسمة الليل وطيور‬ ‫ال ذعذع الناسم وحرك لالفنان‬ ‫اسمه ينري اذا رسى كل ديجور»‬


‫االتحاد والشعر‬

‫زايد ضمير االتحاد‬ ‫«يزهو القريض به»‬ ‫كان إعالن اتحاد اإلمارات في الثاني من ديسمبر ‪ ،1971‬وقيام دولة اإلمارات العربية المتحدة بمنزلة‬ ‫المعجزة في عالم يموج بالفرقة والتشرذم والتناحر‪ .‬وقد لهجت ألسنة الشعراء مسجلة هذا الحدث الفريد‪،‬‬

‫ً‬ ‫ومتغنية ببطولة قائد هذا االتحاد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان‪ ،‬وببطولة إخوانه حكام‬ ‫اإلمارات‪ ،‬خاصة المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم‪ .‬ومن هؤالء الشعراء‪ :‬حمد خليفة أبو شهاب‪،‬‬ ‫صاحب قصيدة «يزهو القريض به» التي ُنشرت ضمن ديوان «قصائد مهداة إلى الشيخ زايد بن سلطان آل‬ ‫نهيان» في طبعته األولى في أواخر الثمانينيات‬

‫د‪ .‬إبراهيم أحمد ملحم‬

‫يمكن‬

‫تقسيم بنية القصيدة‪ ،‬وفق املعنى‪،‬‬ ‫إىل ثالثة أقسام‪ ،‬األول‪ :‬الشعر يزهو‬ ‫بعيد االتحاد‪ ،‬الثاين‪ :‬االتحاد يتألق ويرتفع شأن الدولة‪،‬‬ ‫الثالث‪ :‬قائد االتحاد «زايد» وأخوانه الحكام‪.‬‬

‫‪1‬ـ‪3‬‬

‫الشعر هو مفتاح الشاعر للولوج إىل الحياة بأبهى معانيها‪،‬‬ ‫ومادته الكلمة التي يشيد بها ما يعتمل يف داخله‪ ،‬وما‬ ‫يشغل فكره‪ .‬هذا الشعر‪ ،‬وجد يف االتحاد القوة الجاذبة‬ ‫ليتشكل بقوة‪:‬‬

‫يزهو القريض به‪ ،‬ويسمو املنطق‬ ‫عيدٌ ُّ‬ ‫ندل به عىل تاريخنا‬ ‫تقف البصائر دونه مذهولة‬ ‫عيدٌ عىل هام العال يتألق‬ ‫فخ ًرا مبقدمه الكريم‪ ،‬فيرشق‬ ‫لجالئل األعامل حني تحدق‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪51‬‬


‫ملف‬

‫تحمل كلمة «يزهو» معنى التيه والتعاظم واالفتخار‪،‬‬ ‫وكأن عيد االتحاد هو عيد الشعر‪ ،‬وألنه كذلك‪ ،‬تسمو‬ ‫طاقته عىل البناء بالكلمة؛ ألن ما تتحدث عنه هو عيد‬ ‫يسمو‪ ،‬أيضً ا‪ ،‬فوق رأس كل أمر يف طبيعته سامٍ ‪ ،‬ومرشق‬ ‫إىل الدرجة التي تُذهل العقول‪ ،‬فتقف دهش ًة أمام‬ ‫األعامل الجليلة التي أنجزت لجعل كل عيد لالتحاد‬ ‫هو خطوات متسارعة نحو تقدم أكرب‪ ،‬متيزه من العيد‬ ‫رئيسا للداللة‬ ‫السابق‪ .‬لقد كان ‪ 2‬ديسمرب ‪ 1971‬معلماً ً‬ ‫عىل تاريخ أمة وصلت إىل املجد‪ ،‬فصار كل ٍ‬ ‫عيد إرشاق ًة‬ ‫لشمس تعلن أنها أضافت إرشاقًا آخر عىل العيد السابق‪.‬‬ ‫‪2‬ـ‪3‬‬

‫يبدأ الحديث عن قائد مسرية االتحاد‪ :‬الشيخ زايد‪،‬‬ ‫فيستثمر الشاعر اسم «زايد» حامل صفة الخري حتى يؤكد‬ ‫أن تصدره للقيادة كان منذ البداية خري يُبنى عىل خري‪،‬‬ ‫وما كان ذلك ليكون لوال أن شخصيته الفذة تحمل قيماً‬ ‫إنسانية خالقة‪ ،‬وتصميماً جبا ًرا عىل البناء‪:‬‬ ‫ي���ا زائ����د ال���خ�ي�رات ن��ه��ج��ك واض���ح‬ ‫ت���� َّوج����ت آم������ال ال���ق���ل���وب ب���وح���دة‬ ‫وم��ض��ي��ت ت ُ��ع�لي يف امل��ح��اف��ل شأنها‬ ‫ل��ل��ش��ه��م راش�����د م���ن ق���واع���د رصح��ه��ا‬ ‫ب���ك�م�ا وب������األم������راء ث����م ب��ن��ي��ك�ما‬ ‫ٍ‬ ‫ص������اف ك��ن��ب��ع ال���ن���ه���ر إذ ي��ت��دفَّ��ق‬ ‫يف ظ��ل��ه��ا ع��ل��م ال���ح���ض���ارة يخفق‬ ‫ح��ت��ى اس��ت��ق��ر ب��ه��ا امل���ق���ام األل��ي��ق‬ ‫رك����ن ع��ل��ي��ه م���ن ال���ن���ض���ارة رون���ق‬ ‫ي��ح��ي��ا ال���ب���ن���اء وأه����ل����ه وامل���وث���ق‬ ‫كانت رؤية زايد ملستقبل الدولة واضحة‪ ،‬وصافية ليست‬ ‫هناك شائبة تشوبها؛ ألن قلبه ال يحفل إال بالحب لشعبه‪.‬‬ ‫لقد كان يعرف زايد حق املعرفة أن حلم الوحدة يراود‬ ‫قلوب شعب اإلمارات جميعهم‪ ،‬فح َّول زايد هذا الحلم‬ ‫إىل حقيقة‪ ،‬وسعى بكل تفانٍ إىل اإلعالء من شأن الدولة‬ ‫يف كل املحافل العاملية حتى أصبحت تحظى مبكانة تليق‬ ‫بها‪ .‬وأسهمت شخصية الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم‬ ‫التي تتصف بــ»الشهامة» يف هذا البناء‪ ،‬وواكبت حركته‪،‬‬ ‫‪52‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫وكذلك أخوانهام ُحكام اإلمارات‪ ،‬ومل يأل أبناؤهم جه ًدا يف‬ ‫السري عىل نهجهام‪ ،‬والحفاظ عىل ميثاق االتحاد‪.‬‬ ‫يف األبيات التالية‪ ،‬يتضام صوت الشاعر مع صوت الشعب‬ ‫مع ًربا عن رؤيتهام للبطل الذي تجتمع يف شخصيته القيم‬ ‫الفضىل‪ ،‬وأعظمها عىل اإلطالق‪ :‬العدل‪ ،‬واملحبة‪ ،‬والكرم‪،‬‬ ‫والتسامح‪:‬‬ ‫َ‬ ‫مل��ث��ل��ك راع���يً���ا‬ ‫م���ا ك����ان أح��وج��ن��ا‬ ‫وإذا ت���ج���ان���ف ب��ع��ض��ن��ا ع��ل��م��ت��ه‬ ‫أس ال��ح��اك��م�ين وأم��ن��ه��م‬ ‫وال���ع���دل ُّ‬ ‫َ‬ ‫خ���ال���ص‬ ‫ج��ن��ب��ي��ك و ٌّد‬ ‫ل��ل��ش��ع��ب يف‬ ‫ٌ‬ ‫ول����ك امل����واق����ف ن���ِّي��رِّ ات ذك��ره��ا‬ ‫أض���ن���ي���ت راح���ل���ة ال����وئ����ام ومل ت��زل‬ ‫َ‬ ‫ف�ت�ري���ه ك��ي��ف امل���ع���ض�ل�ات ت��ذل��ه��ا‬ ‫إن ال����ذي����ن ت��ف��ت��ح��ت أب���ص���اره���م‬ ‫ل���و أن��ه��م ق�����دروا ف��ع��ال��ك م���ا ش��دا‬ ‫ت��ح��ن��و ح���ن���و ال����وال����دي����ن وت ُ��ش��ف��ق‬ ‫أن ال���ت���آل���ف ب�����امل�����روءة أل��ي��ق‬ ‫واألم�������ن دون ال����ع����دل ال ي��ت��ح��ق��ق‬


‫االتحاد والشعر‬

‫بالتسامح‪ ،‬فرضب مثالً فذًّا يف تعليمهم معنى «املحبة»‪.‬‬ ‫ول����ك امل��ح��ب��ة وال�������والء امل��ط��ل��ق‬ ‫يف ملِّ ش��م��ل ال���ع���رب وه����و م��ف�� َّرق لقد اتخذ زايد من «الوئام» طريقًـا تسري فيه راحلته‪،‬‬ ‫حتى أضناها‪ ،‬أو بتعبري آخر‪ :‬استطاع أن يبلغ يف تحقيق‬ ‫ح���ت���ى ب���أع���ت���ى ن����اف���� ٍر ت�ترف��ق‬ ‫ه��م��م ال����رج����ال وع���زم���ه���ا امل��ت��دف��ق الوئام بني الناس شأ ًوا بعي ًدا‪ ،‬تعجز عن تحمله طاقات‬ ‫الرجال‪ ،‬إال َم ْن كان ميلك الهمة العالية‪ ،‬والعزمية التي‬ ‫ف�����رأوك ت��س��ت��ب��ق ال���ك���رام فتسبق‬ ‫إال ب�����ذك�����رك ع����اط����ل وم����ط���� َّوق ال تلني‪ .‬إن بطالً قدر أن يكون كذلك‪ ،‬لحقيق بأن تشدو‬ ‫بأفعاله الناس الذين ط َّوقهم بأفعاله السامية‪ ،‬والذين‬ ‫بدأت األبيات السابقة بقوله‪« :‬ما كان أحوجنا»‪ ،‬وستأيت‬ ‫هذه العبارة يف أبيات الحقة‪ ،‬لكن يف سياق مختلف‪ .‬هذا شهدوا ذلك‪.‬‬ ‫أما األبيات التي تبدأ بقوله‪« :‬ما أحوجنا»‪ ،‬يف السياق‬ ‫السياق يركز عىل عالقة القائد بالشعب‪ ،‬من جهة أوىل‪،‬‬ ‫وعالقة الشعب بالقائد‪ ،‬من جهة أخرى‪.‬لقد كان الشعب املختلف عن السابق‪ ،‬فإنها تركز عىل اإلنجازات التي‬ ‫يستطيع اإلنسان أن يراها يف الحياة اليومية‪:‬‬ ‫بحاجة ماسة إىل أب كبري لكل أرسة يف اإلمارات‪ :‬يحنو‬ ‫م���ا ك����ان أح��وج��ن��ا مل��ث��ل��ك رائ����� ًدا‬ ‫عليها‪ ،‬ويعلمها معنى الحب مبحبته لها‪.‬‬ ‫غ���رس���ت ي�����داك ال���خ�ي�ر يف أرج��ائ��ه��ا‬ ‫كان العدل هو األساس الذي أقيمت عليه أركان الحكم‪،‬‬ ‫وأح��ل��ت بلقعها ال��ي��ب��اب ح��دائ��قً��ا‬ ‫ومتى تحقق العدل ينعم الناس باألمن والطأمنينة‪،‬‬ ‫ت��ت��خ��ل��ل ال���ن���س�م�ات يفء ظ�لال��ه��ا‬ ‫وترتسخ قواعد املحبة املتبادلة بني الشعب والقائد‪.‬‬ ‫ي��ت��ن��ق��ل ال���غ���ري���د ب��ي�ن ري��اض��ه��ا‬ ‫وكانت مواقفه النبيلة تؤكد الرغبة يف نبذ التفرق داخل‬ ‫األمة العربية حتى تتحقق الوحدة الكربى‪ .‬يُقابل «الود‬ ‫ت�����ويل ووج����ه����ك ب��ال��ب��ش��اش��ة م�ش�رق‬ ‫الخالص» يف قلب زايد‪« ،‬املحبة‪ ،‬والوالء املطلق»‪ ،‬ما‬ ‫ف���ن�م�ا ب���ه���ا زرع وأمث������ر م����ورق‬ ‫تكوين‬ ‫يفيض إىل القول‪ :‬إن القائد كان جز ًءا ال يتجزأ عن‬ ‫ب����ك����روم����ه����ا ون���خ���ي���ل���ه���ا ت���ت���أل���ق‬ ‫الشعب اإلمارايت‪ ،‬وكان الشعب اإلمارايت جز ًءا ال يتجزأ‬ ‫ف��ي��ط��ي��ب م��ن��ه��ا امل��ن��ه��ل امل�ت�رق���رق‬ ‫عن تكوين القائد؛ فكالهام يقابل الخري بالخري‪ .‬أما أولئك‬ ‫ط����ربً����ا‪ ،‬وت��ب��ه��ج��ه ال������رىب ف��ي��ح��ل��ق‬ ‫الذين يقابلون الخري بغريه‪ ،‬فقد ترفَّق بهم‪ ،‬ومل يسع إىل‬ ‫إن تغري كلمة «راعيًا» يف السياق األول‪ ،‬إىل كلمة «رائ ًدا»‬ ‫إلحاق األذى بهم‪ ،‬وهو قادر عىل ذلك‪ ،‬بل قابل اإلساءة‬ ‫يف السياق الثاين لها داللتها؛ فالرعاية أكرث التصاقًا مبامرسة‬ ‫القيمة السامية يف الحياة اليومية‪ ،‬والريادة أكرث التصاقًا‬ ‫مبامرسة القيمة السامية يف املكان‪ :‬استرشافه لتأمني الحياة‬ ‫الكرمية ملن يتبعه‪ ،‬وتعمريه ليستقطب كل محب للعيش‬ ‫لقد كان يعرف زايد حق المعرفة‬ ‫الكريم‪ .‬لقد حول الصحراء إىل جنة خرضاء‪ ،‬تؤيت أكلها‪،‬‬ ‫أن حلم الوحدة يراود قلوب‬ ‫وتهب الجامل األخاذ لكل َمن يحل فيها‪.‬‬ ‫السؤال الذي يطُرح‪ ،‬يف هذا السياق‪ :‬هل أراد الشاعر أن‬ ‫شعب اإلمارات جميعهم‪ ،‬فح َّول‬ ‫ينقل إلينا ما تحقق من إنجازات يف ظل االتحاد‪ :‬الزراعة‬ ‫زايد هذا الحلم إلى حقيقة‪،‬‬ ‫يف املناطق الصالحة لها‪ ،‬وتحويل األماكن «اليباب» أو‬ ‫التي ال تصلح للزراعة إىل حدائق تزخر بالكروم والنخيل‪،‬‬ ‫تفان إلى اإلعالء‬ ‫وسعى بكل‬ ‫ٍ‬ ‫فتأيت النسامت العذبة من خالل ذلك‪ ،‬وتتنقل الطيور‬ ‫من شأن الدولة‬ ‫متغنية ومطمئنة يف هذا املكان‪ ..‬فحسب؟ لإلجابة عن‬ ‫هذا السؤال‪ ،‬ال بد من القول‪ :‬إن ما تحقق كانت وراءه‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪53‬‬


‫ملف‬

‫همة جبارة‪ ،‬وعقلية مذهلة‪ :‬تخطط فتنفذ ما يعجز‬ ‫م��ه�ما ت��ع��اق��ب��ت ال��س��ن��ون ب��غ��دره��ا‬ ‫اآلخرون‪ ،‬يف أماكن أخرى من العامل‪ ،‬عن فعله‪ .‬ولكن‬ ‫ال��ش��ع��ب ي��ذك��ر زائ���� ًدا‬ ‫س��ي��ظ��ل ه����ذا‬ ‫ُ‬ ‫الشعر ال يقف تأويله عند هذا الحد؛ فهو باحتضانه‬ ‫وط����ن ت��ع��ز ب����ه‪ ،‬وش���ه���م غ��ي��دق‬ ‫الزمن بأبعاده الثالثة‪ ،‬يلعب الحدس دو ًرا فاعالً يف‬ ‫ٍ‬ ‫واش ي����ن����م‪ ،‬وال زم��������ا ٌن م��ق��ل��ق‬ ‫ظل‬ ‫يف‬ ‫التشكيل‪ .‬لقد رمى الشاعر إىل القول‪ :‬إن الحياة‬ ‫وال����ده����ر ذو غ��ي�رٍ ب���ه ال ي��وث��ق‬ ‫االتحاد تعيش ربيعها الدائم؛ ألنها أسست عىل قيم‬ ‫ب��ال��ف��ض��ل ف��ه��و ب��ك��ل ف���ض���لٍ أخ��ل��ق‬ ‫سامية‪ ،‬وأهداف تلبي آمال الشعب وطموحاته‪ ..‬وما‬ ‫أسلوب التعجب يف قوله‪« :‬ما أجمل الدنيا» جاء بصوت‬ ‫دامت كذلك‪ ،‬فإنها لن تعيش سوى أجمل فصول السنة‬ ‫الشاعر الذي يختزل أصوات الشعب بصوته‪ ،‬فتتحول إىل‬ ‫«الربيع» الذي عرفته منذ إعالن «االتحاد»‪.‬‬ ‫شعر يعرب عام يجول يف صدورهم؛ فجامليات اإلنسان‪/‬‬ ‫اإلنسان‪،‬‬ ‫جامليات‬ ‫ولعل هذا ما يدعو إىل القول‪ :‬إن‬ ‫القائدمل تجعل املكان‪ /‬الوطن جميالً فحسب‪ ،‬وإمنا‬ ‫ممثلة بقائد املسرية‪ ،‬تتناغم مع جامليات املكان بحيث‬ ‫جعلت الدنيا بأرسها كذلك؛ ألن نواة الوجود بالنسبة‬ ‫يبدو القائد هو صانع املكان‪ ،‬بل وصانع حركة اإلنسان‬ ‫للشعب هي اإلمارات‪ ،‬والرس الذي يكمن وراء ما‬ ‫فيه‪ ،‬تلك الحركة املؤسسة عىل الحب بأبهى صوره‪.‬‬ ‫يزيدها جامالً هو هذا القائد‪ :‬الشهم‪ ،‬الكريم‪ ،‬الصديق‪،‬‬ ‫وبالتايل‪ ،‬يبدو البناء املتواصل عرب الزمن متصالً بالباين‬ ‫الصايف النفس‪ ..‬لقد ُحفرت صورة القائد يف ذاكرة شعب‬ ‫ًا‬ ‫د‬ ‫سار‬ ‫العظيم‪ ،‬وهو ما يصنع ذاكرة املكان‪ ،‬فيصبح اإلنجاز‬ ‫اإلمارات‪ ،‬ولن يستطيع الزمن بتقلباته املختلفة أن ينال‬ ‫للاميض‪ ،‬ومؤك ًدا أن الحارض ليس إال نتاج هذا املايض‬ ‫من هذه الصورة أب ًدا‪.‬‬ ‫املرشق‪:‬‬ ‫م���ا أج��م��ل ال��دن��ي��ا مب���ن أحببتهم‬ ‫‪3‬ـ‪3‬‬ ‫وص����دي����ق ص�����دق ال ي���ك���در ص��ف��وه ليس من قبيل الصدفة أن يبدأ القسم األول من القصيدة‬ ‫‪54‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫االتحاد والشعر‬

‫الشاعر حينما يحب ممدوحه‪،‬‬ ‫ال يستطيع إال أن يكون حبه‬ ‫ً‬ ‫مطلقا‪ ،‬وهو ما عبر عنه بقوله‪:‬‬ ‫«قلب بحبك مفعم»‬

‫بالحديث عن الشعر املزهو بتناول «االتحاد»‪ ،‬وأن يكون‬ ‫القسم الثالث أو األخري من القصيدة‪ ،‬يتحدث عن الشعر‬ ‫أيضً ا؛ فهو يقول مخاط ًبا القائد‪:‬‬ ‫خ��ذ م��ن ب��دائ��ع م��ا ت��خ��ط ي��راع��ت��ي‬ ‫أوح������ى ب���ه���ا ق���ل���ب ب��ح��ب��ك م��ف��ع��م‬ ‫س��ت��ظ��ل يف ج��ن��ب��ي ن���ف���س ح���رة‬ ‫ف���إل���ي���ك م����ن ذوب ال����ف����ؤاد ت��ح��ي��ة‬ ‫در ًرا ع�ل�ى ق��م��م امل���ع���اين ت�شرق‬ ‫وال���ق���ل���ب ح��ي�ن ي���ح���ب ال ي��ت��م��ل��ق‬ ‫ل��ل��ص��دق يف ك���ل امل���واط���ن أس��ب��ق‬ ‫أزىك م���ن امل���س���ك ال��ف��ت��ي��ت وأع��ب��ق‬ ‫قبل أن أفرس بنائية املعنى يف القصيدة عىل هذا النحو‪،‬‬ ‫سأقتبس ما قاله الشاعر يف مقدمة الديوان عن قائد‬ ‫مسرية االتحاد‪ ،‬ثم أعود لهذه األبيات‪« :‬إنه زائد الخري‬ ‫الذي و َّحد الله عىل يديه أمتنا وآخى بني قادتنا‪ ،‬إنه زائد‬ ‫الخري ذلكم الرجل الف ّذ الذي ح ّول الرمال املقفرة إىل‬ ‫بساتني مثمرة يانعة‪ ،‬قطوفها دانية للجميع عىل ح ٍّد سواء‪،‬‬ ‫فإليه أهدي هذه الومضات البارقة من قلب فر ٍد من‬ ‫أفراد هذا الشعب الذي يك ُّن لقائده أسمى آيات املحبة‬ ‫والتقدير‪ ..‬هذه الهدية ليست وردة يف بستان شاركت‬ ‫النسائم العليلة يف نرش عبريها فض َّوع أريجها محيطها‪ ،‬ثم‬ ‫عفا الزمن عىل نضارتها فص َّوحها‪ ،‬ولكنها نبضات مشاعر‬ ‫صاغتها جوانح شاعر عايش عرصين متناقضني‪ :‬عرص‬

‫جفاف تداعبه بوارق اآلمال حي ًنا‪ ،‬وت َ ْز َو ُّر عنه أحايني‪،‬‬ ‫وعرص رخاء ووئام‪ ،‬فال أعاد الله األول‪ ،‬وصان لنا الثاين‬ ‫بحفظه ورعايته»‪.‬‬ ‫ما يالحظ أن الشاعر يريد أن يقدم للقائد أسمى ما‬ ‫جادت به قريحته بحيث يليق هذا األسمى مبكانة‬ ‫الشخصية التي يتحدث عنها‪ ،‬ولهذا‪ ،‬فقد أعىل من شأن‬ ‫الشعر يف بداية القصيدة‪ ،‬فجعله «يزهو»‪ ،‬و»يسمو»؛‬ ‫ألنه يتحدث عن عظيم‪ .‬وتابع ذلك يف آخر القصيدة‪،‬‬ ‫فجعل شعره «بدائع» و»در ًرا» لتكون جديرة بهذا العلو‪،‬‬ ‫واألكرث أهمية‪ ،‬أن الشعر نفسه ليس إال «ذوب الفؤاد»‬ ‫قيل ليكون «تحية» للقائد‪ .‬ومعنى أن يكون «تحية»‪،‬‬ ‫رصا عن نقل ما يف القلب والفكر‬ ‫أن الشاعر ما يزال مق ً‬ ‫شع ًرا‪ ،‬بحيث يكون الشعر مساويًا ملا يف الداخل‪ ،‬ولكن‬ ‫ما حيلته؟ فالكلامت ال تستطيع أن تفعل أكرث من ذلك‪،‬‬ ‫ولكنها متى ُخطَّت تحظى بالخلود‪ ،‬تفوح رائحتها الزكية‬ ‫كأنها تشكلت يف اللحظة التي قُرئت فيها‪.‬‬ ‫لقد شابت قصيدة املدح العربية شوائب كثرية عرب‬ ‫التاريخ‪ ،‬ولكن األمر هنا مختلف ج ًّدا؛ فالشاعر حينام‬ ‫يحب ممدوحه‪ ،‬ال يستطيع إال أن يكون حبه مطلقًا‪،‬‬ ‫وهو ما عرب عنه بقوله‪« :‬قلب بحبك مفعم»‪ ،‬وليك يكون‬ ‫الخطاب صادقًا‪ ،‬ينبغي أن تعيش الكلمة يف الحرية‬ ‫نفس‬ ‫جنبي ٌ‬ ‫املطلقة‪ ،‬وهو ما عرب عنه بقوله‪« :‬ستظل يف َّ‬ ‫حرة»‪ ،‬ويف اجتامع الحب والحرية تندفع الكلمة الصادقة‬ ‫يف كل موطن تستطيع الكلمة فيه أن تتشكل‪.‬‬ ‫أسهمت بنائية املعنى يف ثراء النص كامالً؛ فالبدء بالشعر‬ ‫مقرتنًا انبثاقه بالزهو يف عيد االتحاد يعني أن الشعر‬ ‫املرتامي إىل الخلود يخاطب االتحاد املرتامي إىل الخلود ما‬ ‫دامت الحياة قامئة‪ ،‬وقد جعل الشاعر راية مسرية ا��لتحاد‬ ‫خفاقة‪ ،‬يحملها القائد ويسانده إخوانه حكام اإلمارات‪،‬‬ ‫وأبناؤهم؛ ألن االتحاد «ميثاق» ُخ َّط ليبقى لألبد‪،‬‬ ‫وتسجيل مفاخر الشاعر به‪ ،‬وتحويل أصوات الشعب إىل‬ ‫شعر يجهر بأن االتحاد لبى الطموحات‪ ،‬ونقل الحياة إىل‬ ‫عرص الضياء‪ ..‬يعني أن الشعر‪ ،‬أيضً ا‪ُ ،‬خ َّط ليبقى لألبد‬ ‫ُمتحدث ًا عن هذا العرص‪ ،‬وعن قائده املغفور له الشيخ‬ ‫زايد بن سلطان آل نهيان‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪55‬‬


‫ملف‬

‫المشهد الشعري النسوي‬

‫والدة في ظل االتحاد‬ ‫ترتبط التجارب النسائية في الشعر اإلماراتي باالتحاد الذي بنى قاعدة تعليمية وثقافية حديثة‪ ،‬و فتح‬ ‫اآلفاق امام األجيال الجديدة لتحلق عاليا‪ ،‬وخالل عقد من الزمن ظهر سرب من الشاعرات المتميزات‬ ‫ذوات البصمة الخاصة الالتي سجلن حضورا ملفتا في المشهد الشعري العربي‪ ،‬وتوالت الوالدات الشعرية‬ ‫حتى يومنا هذا‪ ،‬ليصبح لالمارات منجزها الشعري النسائي الخاص‪ ،‬الغني والمتعدد والمتفرد‬

‫مفيد نجم‬

‫ال‬

‫قامت النهضة الثقافية يف دولة اإلمارات عىل رؤية‬ ‫ميكن قراءة املشهد الشعري اإلمارايت عموما‪،‬‬ ‫جامعة‪ ،‬تستلهم الرتاث الحي ألبناء شعب اإلمارات‪،‬‬ ‫والحضور الشعري النسوي يف هذا املشهد‬ ‫وتتغذى من روافده ‪ ،‬يف الوقت الذي تنفتح فيه عىل‬ ‫خصوصا‪ ،‬دون وضعه يف إطاره التاريخي الخاص‪ ،‬الذي‬ ‫الثقافة العربية‪ ،‬بوصفها جزءا أصيال من كيانها‪ ،‬تتأثر بها‬ ‫يبدأ مع قيام دولة االمارات العربية املتحدة‪ ،‬التي كان‬ ‫وتؤثر فيها‪ ،‬دون أن تغفل عن بعدها اإلنساين‪ ،‬من خالل‬ ‫لقيامها دوره الكبري والرائد يف بلورة الهوية الثقافية‬ ‫إدراكها ألهمية الحوار والتفاعل مع الثقافة اإلنسانية‬ ‫الجامعة‪ ،‬وخلق القاعدة املادية ورشوطها املوضوعية‪،‬‬ ‫أيضا‪ .‬ومام عزز هذا النهج ووفر رشوطه املوضوعية‬ ‫التي تع ّد األساس املتني الذي البد أن يرتكز إليه أي‬ ‫مرشوع ثقايف‪ ،‬يروم الوصول إىل أهدافه يف تحقيق التنمية خلق قاعدة تعليمية تقوم عىل أساس توفري الفرص‬ ‫املتساوية أمام الجنسني للحصول عىل العلم واملعرفة‪،‬‬ ‫الثقافية‪ ،‬التي تتواكب وعمليات التنمية األخرى يف‬ ‫مجاالت الحياة االجتامعية واالقتصادية والرتبوية‪ ،‬لتحقيق حتى اعتربت اإلمارات من أكرث دول العامل تحقيقا لهذا‬ ‫املبدأ يف التعليم‪ ،‬وهو ما كان‬ ‫التوازن والتكامل‪ ،‬الذي يؤسس‬ ‫له كبري األثر يف توسيع قاعدة‬ ‫لواقع نهضوي جديد قادر‬ ‫النهضة الثقافية‪ ،‬حيث ظهر أثره‬ ‫واإلنسان‬ ‫عىل االرتقاء بالواقع‬ ‫كان من الطبيعي أن‬ ‫الجيل يف تنامي الحركة الثقافية‬ ‫والحياة‪ ،‬قي إطار الرؤية‬ ‫ينعكس االتحاد على‬ ‫وتوسعها يف العقود األخرية‪ ،‬حتى‬ ‫واألهداف التي عملت‪ ،‬وما‬ ‫في‬ ‫الشعرية‬ ‫الحركة‬ ‫أضحت دولة اإلمارات مركز‬ ‫تزال تعمل عىل إغناء وتعميق‬ ‫وخصوصا‪،‬‬ ‫عموما‪،‬‬ ‫اإلمارات‬ ‫جذب واستقطاب للعمل الثقايف‬ ‫الحياة الثقافية بأبعادها املادية‬ ‫يف شتى حقول األدب والفنون‬ ‫دولة‬ ‫والروحية والجاملية‪ ،‬لوضع‬ ‫على مستوى المشاركة‬ ‫واملعرفة‪.‬‬ ‫اإلمارات يف املوقع الذي يجعلها‬ ‫النسوية‬ ‫كان من الطبيعي أن ينعكس‬ ‫واحدة‪ ،‬من مراكز العمل الثقايف‬ ‫كل هذا عىل واقع الحركة األدبية‬ ‫املتقدم يف املنطقة‪.‬‬ ‫‪56‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫االتحاد والشعر‬

‫الفنانة منى الخاجة‬

‫يف اإلمارات عموما‪ ،‬وعىل الحركة الشعرية املتنامية فيها‬ ‫خصوصا‪ ،‬السيام عىل مستوى املشاركة النسوية‪ ،‬وما‬ ‫أسهمت فيه تلك املساهمة من إغناء وتعزيز وتطوير‬ ‫لتلك الحركة عرب منجزها الشعري‪ ،‬حتى أصبحث جزءا‬ ‫أساسيا منه‪ ،‬يصعب الحديث عنه‪ ،‬دون التوقف مليا‬ ‫أمام هذا املنجز الهام بأجياله واسامئه وتجاربه املختلفة‬ ‫واملتنوعة‪.‬‬

‫مالمح تاريخية‬

‫تستدعي قراءة املشهد الشعري النسوي يف دولة اإلمارات‬ ‫تناوله يف اإلطار الجامع للجغرافيا اإلماراتية وصوال إىل‬ ‫معرفة األثر الذي حققه قيام دولة االتحاد‪ ،‬عىل مستوى‬ ‫تعزيز وتطوير وإغناء هذا املشهد‪ ،‬بعد أن شكل هذا‬ ‫االتحاد فضاء حرا يتنامى فيه الفعل الثقايف واإلبداعي‪،‬‬ ‫من خالل التكامل والتفاعل فيام بني تجاربه وأجياله‬

‫املختلفة‪ ،‬وصوال إىل تشكيل مالمح هويته اإلبداعية‬ ‫الفارقة‪ ،‬التي ال ميكن معرفة سريورة تطورها إال عرب ما‬ ‫باتت تنتمي إليه‪ ،‬وتحمل هويته الجامعة مع قيام الكيان‬ ‫السيايس لالتحاد‪ ،‬وبذلك مل تعد تعرف تلك الشاعرة أو‬ ‫غريها إال من خالل هذا االنتامء الوطني وهذه الهوية‪،‬‬ ‫التي خلقت واقعا ثقافيا جديدا يعزز دور املنجز‬ ‫اإلبداعي اإلمارايت‪ ،‬ويفرض حضوره يف املشهد العريب‪ ،‬ويف‬ ‫املقدمة منه املنجز الشعري النسوي‪.‬‬ ‫كانت أوىل التجارب الشعرية النسوية‪ ،‬أشبه بحاالت‬ ‫فردية متناثرة‪ ،‬لكنها رسعان ما شهدت بداية التشكل‬ ‫األويل للواقع الشعري الجديد‪ ،‬يف النصف الثاين من‬ ‫سبعينيات القرن املايض‪ ،‬أي بعد قيام دولة االتحاد‬ ‫بسنوات‪ ،‬حيث أخذت تلك التجارب بالنمو والتوسع‪،‬‬ ‫وتعميق تجربتها ورؤيتها اإلبداعية‪ ،‬بصورة جعلتها‬ ‫تتجاوز محليتها إىل الفضاء الثقايف العريب‪ ،‬مع عالمة فارقة‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪57‬‬


‫ملف‬

‫ظبية خميس‬

‫حمدة خميس‬

‫نجوم الغانم‬

‫التي قدمت نفسها من خاللها‪ .‬ومن االسامء األخرى التي‬ ‫كانت متيزها‪ ،‬وتتمثل يف انتامئها إىل مرشوع الحداثة‬ ‫تنضاف إىل ذلك املشهد رائدة القصة اإلماراتية شيخه‬ ‫الشعرية العربية ممثال بقصيدة النرث‪ ،‬التي كانت قد‬ ‫الناخي التي زاوجت بني كتابة القصة وكتابة الشعر‬ ‫بدأت تحتل موقعها يف املشهد الشعري العريب عموما‪.‬‬ ‫«بانتظار الشمس‪ -‬العزف عىل أوتار الفرح»‪ .‬كذلك هناك‬ ‫إن محاولة البحث يف تاريخ التجارب الشعرية األنثوية‬ ‫الشاعرة املخرضمة الهنوف محمد‪ ،‬التي متثل انجازها‬ ‫يف دولة اإلمارات‪ ،‬تظهر أن بداية تشكل أوىل التجارب‬ ‫الشعري يف ثالثة أعامل شعرية «جدران وساموات‪ -‬وجه‬ ‫الشعرية الحداثية ظهرت بعد قيام االتحاد‪ ،‬وأن عدد‬ ‫الشاعرات قبل ذلك التاريخ مل يكن معروفا‪ ،‬وبذلك ميكن يوسف»‪ ،‬صدرت مع ديوانها الجديد مؤخرا ضمن األعامل‬ ‫الكاملة للشاعرة عن وزارة الثقافة والشباب يف دولة‬ ‫التأريخ للبدايات األوىل لظهور تلك التجارب باملرحلة‬ ‫اإلمارات العربية‪ ،‬إضافة إىل التجربة الشعرية األوىل‬ ‫التالية لقيام دولة االتحاد‪ ،‬التي شهدت انطالق مسرية‬ ‫لعائشة بوسميط التي توقف عندها منجزها الشعري‪،‬‬ ‫التجارب الشعرية الحداثية‪ ،‬وسعيها لرتسيخ منجزها‬ ‫وتجربة الشاعرة ظبية خميس التي تعد من أغزر‬ ‫الجديد يف نهاية سبعينيات‪ ،‬وبداية مثانينيات القرن‬ ‫الشاعرات اإلماراتيات‪ ،‬وأكرثهن تنوعا وإسهاما يف الكتابة‬ ‫املايض‪ ،‬بالتزامن مع بداية النهضة االقتصادية والرتبوية‬ ‫اإلبداعية املختلفة‪ ،‬من نقد «صنم املرأة الشعري‪ :‬الذات‬ ‫واالجتامعية والعمرانية التي بدأت تشهدها دولة‬ ‫األتثوية من خالل شاعرات خليجيات»‪ ،‬ورواية «ما يشبه‬ ‫اإلمارات‪ .‬وتأيت الشاعرتان ظبية خميس ونجوم الغانم‬ ‫الحياة»‪ ،‬إىل جانب مجموعتني‬ ‫يف مقدمة رواد تلك التجارب‪،‬‬ ‫قصصيتني‪ ،‬وعدد من األعامل‬ ‫التي بدأت تفرض حضورها عىل‬ ‫إن أهمية التحول الذي‬ ‫املرتجمة‪ .‬وهناك تجربة الشاعرة‬ ‫الساحة اإلماراتية والخليجية ثم‬ ‫أحدثه قيام االتحاد لم‬ ‫ميسون صقر التي مارست أيضا‬ ‫العربية‪،‬السيام بعد صدور ديوان‬ ‫يتوقف عند حدود االسماء كتابة الرواية «ريحانة» إىل‬ ‫الشاعرة خميس «خطوة فوق‬ ‫جانب الفن التشكييل‪ .‬وتنضاف‬ ‫األرض»‪ ،‬والشاعرة الغانم « مساء‬ ‫الشعرية الجديدة‪ ،‬بل‬ ‫إىل تلك التجارب تجربة الشاعرة‬ ‫الجنة»‪.‬‬ ‫تعداه إلى سوية تلك‬ ‫حمدة خميس‪ ،‬التي تنتمي إىل‬ ‫إن أهمية التحول الذي أحدثه‬ ‫التجارب وقيمتها الفكرية جيل السبعينيات‪ ،‬وكان ظهورها‬ ‫قيام االتحاد مل يتوقف عند‬ ‫والجمالية‪ ،‬التي قدمت‬ ‫األول يف مرحلتها اإلماراتية مع‬ ‫حدود االسامء الشعرية الجديدة‪،‬‬ ‫ديوان «مسارات» الذي ظل وفيا‬ ‫بل تعداه إىل سوية تلك التجارب‬ ‫نفسها من خاللها‬ ‫يف جزء كبري من قصائده لقصيدة‬ ‫وقيمتها الفكرية والجاملية‪،‬‬

‫‪58‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫االتحاد والشعر‬

‫خلود املعال‬

‫التفعيلة‪ ،‬التي قدمت من خاللها تجربتها الشعرية مبكرا‪.‬‬ ‫أسهمت تلك التجارب الشعرية يف تعزيز حركة شعر‬ ‫الحداثة‪ ،‬واتساع مساحة حضورها يف املشهد األديب‬ ‫اإلمارايت‪ ،‬األمر الذي فتح الباب أمام ظهور تجارب جديدة‬ ‫ترفد مسرية تلك الحركة‪ ،‬وتغني منجزها الشعري‪ .‬وتعترب‬ ‫الشاعرة خلود املعال واحدة من تلك االسامء الهامة التي‬ ‫استطاعت أن تضيف تجربتها بجدارة ملحوظة إىل هذا‬ ‫املنجز‪ ،‬عرب مجموعة من األعامل الشعرية الهامة‪ ،‬التي‬ ‫تحمل خصوصيتها النابعة من رهافة اللغة وانفتاحها عىل‬ ‫اسئلة الذات والوجود والحياة‪ ،‬يف جدل العالقة والوعي‪.‬‬ ‫وعىل غرار الشاعرة بوسميط أصدرت الشاعرة منى مطر‬ ‫ديونا وحيدا بعنوان «أوراق املاء» توقفت عنده‪ ،‬ومل‬ ‫يصدر لها بعد ذلك أي عمل جديد‪.‬‬

‫بني الجغرافيا والتاريخ‬

‫عىل الرغم من إدراكنا الستحالة الحديث عن الجغرافيا‬ ‫التي تنتمي إليها الشاعرات اإلماراتيات خارج جغرافية‬ ‫دولة االتحاد‪ ،‬نظرا الرتباط تجربة شعر الحداثة باملرحلة‬ ‫التالية لقيام دولة االتحاد‪ ،‬فإننا سوف نشري إىل معنى‬ ‫التحول الجديد‪ ،‬الذي أحدثه قيام االتحاد عىل واقع تلك‬ ‫الحركة الشعرية‪ ،‬من خالل انتامء تلك الشاعرات إىل‬ ‫إمارات مختلفة‪ ،‬لكنهن بنت يعرفن فيام بعد كجزء من‬ ‫املشهد الشعري اإلمارايت ضمن دولة االتحاد التي خلقت‬ ‫حالة من االمتزاج والتفاعل‪ ،‬التي منت وتوسعت بصورة‬ ‫تجاوزت فيها تلك التجارب إطارها املحيل والخليجي‪،‬‬ ‫إىل اإلطار العريب والعاملي من خالل مشاركة الشاعرات‬

‫الهنوف محمد‬

‫ميسون صقر‬

‫اإلماراتيات الدامئة يف املهرجانات الشعرية العربية‬ ‫والعاملية‪ ،‬ما وضع تلك اإلسهامات عىل الخارطة الشعرية‪،‬‬ ‫بوصفها جزءا من مشهده العام‪ ،‬وليست طارئة عليه‪ .‬وال‬ ‫شك أن مثة اصوات جديدة بدأت تظهر يف هذا املشهد‬ ‫يف السنوات األخرية‪ ،‬عىل الرغم من إغراءات املغامرة‬ ‫الرسدية التي باتت تتصدر املشهد األديب العريب يف هذه‬ ‫املرحلة‪ .‬إن من املبكر الحكم عىل مدى قدرة‪ ،‬تلك‬ ���التجارب عىل االستمرار‪ ،‬وامتالك صوتها الشعري الخاص‬ ‫بها‪ ،‬لكن وجود الحاضنة الثقافية التي ترعاها‪ ،‬وتوفر لها‬ ‫فرص النرش واملشاركة‪ ،‬البد أن يدفعها نحو تطوير تجاربها‬ ‫وإغنائها يف املستقبل‪.‬‬ ‫إن تعدد املنجز الشعري النسوي‪ ،‬وقيمته الجاملية تعد‬ ‫من العالمات البارزة عىل مدى التطور‪ ،‬الذي بلغه هذا‬ ‫املنجز يف مراحله الراهنة‪ ،‬وحقق حضور املرأة اإلبداعي‪،‬‬ ‫بوصفها رشيكا فاعال وحقيقيا يف تشكيل مالمح هذا‬ ‫املشهد‪ ،‬وتحقيق تطوره‪ ،‬وتعدد رؤاه وتجاربه‪ ،‬بالصورة‬ ‫التي تعكس دينامية الواقع الثقايف اإلمارايت وعوامل‬ ‫إزدهاره وتقدمه‪ ،‬السيام عىل صعيد إفساح املجال‬ ‫أمام املرأة لتكون عنرصا مشاركا وأساسيا يف بناء الدولة‬ ‫وتطورها ‪ .‬لقد تنوع املنجز اإلبداعي لهؤالء الشاعرات‪،‬‬ ‫ورغم ذلك ظل الشعر هو الهاجس األساس لهن‪ ،‬وهو‬ ‫ما ميكن مالحظته من خالل حجم املنجز الشعري لكل‬ ‫واحدة منهن‪ ،‬فقد بلغ رصيد الشاعرة نجوم الغانم حتى‬ ‫األن ستة دوواين شعرية‪ ،‬هي حسب تواريخ صدورها‪:‬‬ ‫مساء الجنة ‪ 1989-‬الجرائر ‪ 1991-‬رواحل ‪ 1996-‬ال‬ ‫وصف ملا أنا فيه ‪ 2005‬وأخريا مالئكة األشواق البعيدة‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪59‬‬


‫ملف‬

‫الفنانة منى الخاجة‬ ‫‪60‬‬

‫يرجم امرأة حبىل بالبحر‪ 1988-‬جنة الجراالت ‪1993-‬‬ ‫موت العائلة ‪ 1993-‬انتحار هادئ جدا ‪ 1994-‬القرمزي‬ ‫‪ 1994‬امليش يف أحالم رومانتيكية ‪ 1995-‬تلف ‪1996-‬‬‫البحر‪ ،‬النجوم‪ ،‬العشب يف كف واحدة ‪ 1997-‬خمرة حب‬ ‫عادي‪ 2000-‬درجة حميمية ‪ 2002-‬شغف‪ 2005-‬روح‬ ‫الشاعرة ‪ 2005-‬نحو األبد ‪ .2010‬وتعد ميسون صقر التي‬ ‫عملت يف مجاالت العمل الثقايف املختلفة واحدة من‬ ‫األصوات الشعرية املعروفة‪ ،‬التي صدرت لها مجموعة‬ ‫كبرية من األعامل الشعرية‪ ،‬زاوجت يف إحداها بني الشعر‬ ‫والرسم التشكييل‪ .‬لقد تنوعت شواغل التجربة وهواجسها‬ ‫الشعرية عرب ما قدمته حتى اآلن‪ ،‬وهذه األعامل هي‪:‬‬ ‫هكذا اسمي األشياء‪ -‬الريهقان‪ -‬حربان يف مادة الجسد‪-‬‬ ‫البيت‪ -‬الرسد عىل هيئته( رسم وشعر)‪ -‬تشكيل األذى‪-‬‬ ‫رجل مجنون ال يحبني‪ -‬أرملة قاطع طريق‪ -‬وأخريا ديوان‬ ‫جاميل يف الصور ‪.2012‬‬ ‫تكشف القراءة األولية لتلك األعامل ظاهرة التمركز حول‬ ‫الذات من حيث انشغاالتها‪ ،‬وتوجهات الخطاب الشعري‪،‬‬ ‫دون أن يعني ذلك التغافل عن القضايا اإلنسانية‬ ‫‪ .2008‬ويبلغ عدد األعامل الشعرية للشاعرة حمدة‬ ‫والسياسية‪ ،‬كام يف أعامل ظبية خميس وميسون صقر‬ ‫خميس سبع دوواين شعرية هي ‪ :‬مسارات ‪ -‬مس من‬ ‫وحمده خميس تحديدا‪ ،‬بل نجد تلك التيامت حارضة‬ ‫املاء‪ -‬أضداد‪ -‬عزلة الرمان‪ -‬غبطة الهوى‪ -‬عناقيد الفتنة‪ -‬بقوة يف كثري من نصوص هؤالء الشاعرات‪ .‬وبقدر ما‬ ‫اس ام اي‪ .‬أما الشاعرة خلود املعال فأصدرت خمسة‬ ‫تعكس لغة الخطاب الشعري وهمومه ومكاشافاته‬ ‫دوواين هي‪ :‬هنا ضاع مني الزمن ‪ 1997-‬أنت وحدك‬ ‫رغبة املرأة يف التعبري عن تجربتها اإلنسانية والعاطفية‬ ‫‪ 1999‬هاء الغائب‪ 2003-‬رمبا هنا ‪2008-‬دون أن أرتوي واالجتامعية‪ ،‬فإنها تفصح عن قدر ظاهر ومميز من‬‫‪ ،2011‬والشك أن رصيد الشاعرة ظبية خميس يعد الرصيد نزعة إىل التمرد والرفض والجرأة يف التعبري عن أحالمها‬ ‫األكرب عىل مستوى املنجز الشعري‪ ،‬إذ بلغ عدد األعامل‬ ‫ومشاعرها ورغباتها‪ ،‬وعالقتها مع العامل ورؤيتها إليه‪،‬‬ ‫الشعرية التي صدرت لها حتى اآلن مثانية عرش ديوانا‬ ‫حتى ميكن اعتبار تلك التيمة من التيامت األساسية يف‬ ‫شعريا‪ ،‬يالحظ من خاللها تواريخ صدورها أن أول عمل‬ ‫هذا الخطاب الشعري‪ ،‬الطامح إىل متثل روح الشاعرة‬ ‫صدر لها كان يف عام ‪ 1980‬وبالتايل فهي أول شاعرة‬ ‫املتمردة‪ ،‬وتطلعها نحو الحرية والجامل والحب ‪.‬‬ ‫إماراتية يصدر لها ديوان شعر عىل مستوى تجربة قصيدة إن التجربة الشعرية النسوية االماراتية الحداثية‬ ‫النرث‪ .‬كذلك نالحظ أن املسافة بني صدور عمل وعمل آخر برموزها وأجيالها ومنجزها الشعري‪ ،‬ما زالت تتغذى من‬ ‫قد ال يتجاوز العام الواحد‪ ،‬ويف بعض األحيان كان يصدر روافد عدة‪ ،‬وهي تواصل مغامرتها الشعرية نحو تخوم‬ ‫لها عمالن يف عام واحد‪ ،‬وهذه األعامل هي‪:‬خطوة فوق‬ ‫جديدة تستحرض فيها عنارص اإلبداع والجامل والرغبة‪،‬‬ ‫األرض ‪ 1980-‬أنا املرأة األرض كل الضلوع ‪ 1982-‬صبابات يف تجسيد كينونة الذات اإلنسانية لديها وهي ترشع‬ ‫املرأة العامنية ‪ 1984-‬قصائد حب ‪ 1985-‬السلطان‬ ‫نوافذها للحرية والجامل والحلم‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫تحقيق‬

‫شعر اإلمارات بين زمنين‬ ‫تجاوز لحدود المكان وميالد ألسماء شعرية مهمة‬ ‫الشعر واحد من أبرز ركائز الثقافة الشعبية في األمارات ومنطقة الخليج العربي عموما‪ ،‬ومن ال يكتب‬ ‫الشعر من أبناء هذه المنطقة‪ ،‬هو بالضرورة يسمعه ويهتم به‪ ،‬ألنه حديث المجالس‪ ،‬والحاضر في كل‬ ‫مناسبة‪.‬‬ ‫وقد حظي الشعر باهتمام حكام دولة اإلمارات العربية المتحدة في فترة ما قبل االتحاد وما بعده‪ ،‬وفي‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ومهما واحتفى‬ ‫كبيرا‬ ‫مقدمتهم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه هللا‪ ،‬الذي كان شاعرا‬

‫بشعراء اإلمارات ومنحهم اهتماما خاصا‪ .‬بعد أن وح ّد الوطن في جسد جغرافي واحد‪.‬‬ ‫نال الشعر مكانة مرموقة‪ ،‬وكان له حضور كبير عبر ما سجله في صفحة التاريخ‪ ،‬وما قاله بحق االتحاد‪،‬‬

‫وهو الحدث األهم‪ ،‬الذي ُكتبت فيه آالف األبيات الشعرية والقصائد التي عُ نونت باالتحاد ومجدته‪،‬‬ ‫وحفظت للشيخ زايد هذا االنجاز الذي ظل حتى وقتنا الحاضر مشروعا وحدويا متينا يشهد له العالم‬ ‫في كل أرض‪.‬‬ ‫شهدت الحركة الشعرية في اإلمارات بعد االتحاد الكثير من التحوالت‪ ،‬وتطورت حتى أصبحت تدار من‬

‫قبل مؤسسات مختصة‪ً ،‬‬ ‫واصبح التنظيم هو السمة األساسية التي تحيط بتلك الحركة‪ ،‬وترعى نهوضها‪،‬‬ ‫وتضاعفت أسماء الشعراء واألعمال والكتب الشعرية التي عكست مقدار تطور هذه الحركة‪ ،‬وانشغالها‬ ‫الدائم بالتطوير والتواصل مع البيئة الشعرية العربية المحيطة‪ .‬هذا أدى إلى انتشار واسع لشعراء اإلمارات‪،‬‬ ‫وقد قدمت هذه الدولة حديثة العهد باقة من الشعراء المهمين في خريطة المشهد العربي‪ ،‬واستوعبت‬ ‫كذلك العديد من التجارب الشعرية التي احتضنتها وأوصلتها إلى ضفة القصيدة‪.‬‬ ‫واليوم وبعد مضي أربعة عقود على االتحاد‪ ،‬أصبحت اإلمارات الدولة الحاضنة لمعظم المشاريع الشعرية‬ ‫الكبرى‪ ،‬وأمست بوصلة الشعراء‪ ،‬ومسرح تكريمهم واالحتفاء بهم‪ .‬فهي عبر جوائزها وبرامجها وندواتها‬ ‫ولقاءاتها تعد اليوم المساحة األرحب للشعر والقصيدة العربية‪ .‬وهنا نترك لبعض الشعراء من اإلمارات‬ ‫والوطن العربي فسحة للحديث عن شعر اإلمارات ومساراته بمناسبة الذكرى الواحدة واألربعين لقيام‬ ‫االتحاد‬

‫أبوظبي ‪ -‬بيت الشعر‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪61‬‬


‫ملف‬

‫محمد الربييك‬

‫الشعر في اإلمارات ‪ ..‬دعم وتطور‬ ‫كان الشعر يف دولة اإلمارات‬ ‫العربية املتحدة قبل قيام‬ ‫االتحاد مرتبطاً بالبيئة ارتباطاً‬ ‫عاطفياً وثيقاً‪ ،‬يعرب عن آالم‬ ‫وهموم املجتمع من خالل‬ ‫كثري من املنابر التي تقيمها‬ ‫القبائل واحتفاالتها باملناسبات‬ ‫وغريها‪ ،‬ثم من خالل بعض التسجيالت الصوتية التي‬ ‫ظهرت مؤخرا ً‪ ،‬إىل غريها من الوسائل البسيطة التي‬ ‫أوصلت بعض األصوات الشعرية إىل الناس‪ ،‬لكن هذا‬ ‫التواجد الشعري مل يكن محظوظاً يف الظهور‪ ،‬حيث مل‬ ‫تهيأ له ظروف تناقله أو تدوينه وتوثيقه إال ما تناقله‬

‫الرواة وحفظته الصدور‪ ،‬ثم فيام بعد قيام االتحاد التفت‬ ‫كثري من الباحثني إىل عملية التدوين والتوثيق‪ ،‬وسارعوا‬ ‫إىل اللحاق بجيل الرواة قبل أن يغادروا الحياة أو يصيب‬ ‫شاب بعضه التحريف‬ ‫بعضهم الخرف والنسيان‪ ،‬وما نُقل َ‬ ‫نتيجة عوامل الزمن والنسيان والتدوين الشفهي‪ ،‬ولكون‬ ‫الرواة ليسوا شعراء كام هو حال معظم الباحثني‪.‬‬ ‫ومن خالل ما قام به بعض الباحثني وصل إلينا بعض هذا‬ ‫اإلرث الشعري الجميل لبعض الشعراء أمثال املاجدي بن‬ ‫ظاهر الذي عاش خالل الفرتة من ‪ 1871 1781-‬والعقييل‬ ‫‪ 1852‬والجمري ‪ 1905‬مع بعض الشعراء الذين أمد الله‬ ‫يف عمر بعضهم ليعايشوا زمن االتحاد‪.‬‬ ‫وبعد أن قام االتحاد كان للشعر وجه آخر من خالل‬ ‫ما حظي به هذا الشعر من دعم عىل جميع الصعد‪،‬‬ ‫فقد كان املغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان‬ ‫آل نهيان شاعرا ً محباً للشعر وأهله‪ ،‬وفتح للشعر منابر‬

‫يوسف عبد العزيز‬

‫الشعر اإلماراتي مناخات متنوعة‬ ‫متثّلت اإلطاللة األوىل للقارئ‬ ‫العريب عىل شعر اإلمارات‪ ،‬أ ّول‬ ‫ما متثّلت‪ ،‬من خالل قصائد‬ ‫الكثري من الشعراء اإلماراتيني‬ ‫الذين عرفوا بعد قيام االتحاد‪،‬‬ ‫ومنهم الشاعر «حبيب‬ ‫الصايغ»‪ .‬كان ذلك يف بداية‬ ‫ّ‬ ‫مثانين ّيات القرن املايض‪ .‬كان حبيب الصايغ منوذجاً للشاعر‬ ‫ال ّربي‪ ،‬الصارخ بأكرث من حنجرة‪ .‬وقد تطورت يف هذه‬ ‫الفرتة دولة اإلمارات‪ .‬ومنذ البداية أخذ الشاعر اإلمارايت‬ ‫عىل عاتقه الكتابة لإلنسان الجديد يف اإلمارات‪ ،‬صانع‬ ‫الحياة‪ ،‬وصاحب هذه التّح ّوالت الجديدة‪.‬‬ ‫مع انقضاء حقبة الثامنين ّيات أطلّت عىل املشهد الشعري‬ ‫‪62‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫تطورت دولة اإلمارات‪ ،‬ومنذ‬ ‫البداية أخذ الشاعر اإلماراتي‬ ‫على عاتقه الكتابة لإلنسان‬ ‫الجديد في اإلمارات‪ ،‬صانع‬ ‫الحياة‪ ،‬وصاحب هذه التّح ّوالت‬ ‫الجديدة‬


‫االتحاد والشعر‬

‫كان المغفور له بإذن اهلل الشيخ‬ ‫زايد بن سلطان آل نهيان شاعر ًا‬ ‫محب ًا للشعر وأهله‪ ،‬وفتح للشعر‬ ‫منابر كثيرة‪ ،‬ونال الشعر في عهده‬ ‫دعما غير محدود‬

‫كثرية‪ ،‬ونال الشعر يف عهده دعام غري محدود حتى أنه‬ ‫عاش عرصه الذهبي‪ ،‬وقام بعض الباحثني بعملية التدوين‬ ‫والتوثيق ومنهم أذكر أحمد أمني املدين‪ ،‬والباحث حمد‬ ‫خليفه أبو شهاب‪ ،‬وحامد الخاطري‪ ،‬وعيل املطرويش‪،‬‬ ‫وغسان الحسن‪ ،‬وبالل البدور‪ ،‬وغريهم من الباحثني‪،‬‬ ‫كام كان للمؤسسات الثقافية دور يف تفعيل تواجد‬

‫يف اإلمارات كوكبة جميلة من الشعراء‪ ،‬نذكر منها أحمد‬ ‫راشد ثاين‪ ،‬وعبد العزيز جاسم‪ ،‬وإبراهيم محمد إبراهيم‪،‬‬ ‫وطالل سامل‪ ،‬وآخرين‪ .‬وإذا كان ال ب ّد لنا من الحديث عن‬ ‫هذه املوجة الجديدة من الشعراء‪ ،‬فإ ّن أوىل املالحظات‬ ‫التي تستدعي االنتباه هي أ ّن هؤالء الشعراء قد بدأوا‬ ‫الكتابة من النقطة التي وصلت إليها القصيدة العربية‬ ‫يف األقطار العربية األخرى كالشام والعراق ومرص‪ .‬وربمّ ا‬ ‫السبب يف ذلك إىل انخراط هؤالء الشعراء يف الحركة‬ ‫يعود ّ‬ ‫الشعرية العربية نفسها‪ ،‬ويف املشاغل الشعرية نفسها‪،‬‬ ‫وتأث ّرهم بنفس اآلباء الشّ عريّني‪.‬‬ ‫املالحظة األخرى التي ميكن أن نتناولها تتعلّق باملناخات‬ ‫فكل‬ ‫املختلفة‪ ،‬أو املتباينة‪ ،‬يف تجارب هؤالء الشعراء‪ّ ،‬‬ ‫الخاصة يف الشعر التي تختلف عن ظالل‬ ‫منهم له ظالله‬ ‫ّ‬ ‫الشعراء اآلخرين‪ .‬وتلك الظالل ال تشمل فقط الشكل‬ ‫الشعري‪ ،‬وإنمّ ا األسلوب والبنية واإليقاع‪.‬‬ ‫هناك سؤال مه ّم يتصل بالشعر اإلمارايت الحديث‪ ،‬وهو‪:‬‬

‫الشعر من خالل إقامة األمسيات والندوات‪ ،‬وساهمت‬ ‫املالحق الشعرية املختلفة مثل ملحق فجر الشعراء الذي‬ ‫صدر عن جريدة الفجر‪ ،‬وملحق حرب وورق عن جريدة‬ ‫الوحدة‪ ،‬وغريها من املنابر اإلعالمية يف تشجيع الشعراء‬ ‫عىل النرش والتنافس‪ ،‬وكانت هناك جلسات أشبه بالنقدية‬ ‫صححت مسار كثري من التجارب الشعرية‪ ،‬ثم تواصل هذا‬ ‫الدعم من قبل معظم شيوخ اإلمارات الذين كتب بعضهم‬ ‫الشعر وبعضهم أحبه وشجعه أمثال صاحب السمو‬ ‫الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وصاحب السمو الشيخ‬ ‫الدكتور سلطان بن محمد القاسمي وسمو الشيخ سلطان‬ ‫بن زايد آل نهيان وسمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان‬ ‫وسمو الشيخ حمدان بن محمد آل مكتوم وسمو الشيخ‬ ‫هزاع بن سلطان بن زايد آل نهيان وغريهم من الشيوخ‬ ‫الذين دعموا مسرية الشعر حتى يومنا الحايل‪.‬‬

‫كيف واجه هذا الشّ عر ما ميكن أن أس ّميه‪ ،‬بعملية حرق‬ ‫املراحل التي متّت‪ ،‬عىل مستوى بناء الدولة الحديثة؟‬ ‫فث ّمة انطالقة صاروخيّة منذ بدايات السبعينيّات حتى‬ ‫اآلن‪ ،‬نقلت املجتمع من أجواء البادية إىل أجواء الحداثة‬ ‫والتطور‪.‬‬ ‫مماّ ال ّ‬ ‫شك فيه أ ّن الشّ عر ال يتح ّرك يف فراغ‪ ،‬ولذلك فهو‬ ‫منذ البداية اصطدم بهذه الظّاهرة‪ ،‬وحاول أن يقاربها‪،‬‬ ‫وهنا انقسم الشّ عراء اإلماراتيون إزاءها إىل قسمني‪:‬‬ ‫القسم األ ّول‪ :‬وهو القسم الذي مل يستوعب هذه ال ّنقلة‬ ‫وظل يكتب‬ ‫الكبرية‪ ،‬فانسحب إىل عوامل املايض البسيطة‪ّ ،‬‬ ‫قصائده تحت وقع الحنني‪.‬‬ ‫القسم الثّاين‪ :‬هذا القسم من الشعراء اشتبك مع‬ ‫الظّاهرة‪ ،‬ووضع نصب عينيه ما يحدث لإلنسان ج ّراء‬ ‫هذه املتغيرّ ات السرّ يعة‪ ،‬ومن هنا نرى أجواء االغرتاب‬ ‫التي تحفل بها قصائد هذا الطّائفة من الشعراء‪ ،‬كام نرى‬ ‫مناخات الحرية التي تتح ّرك فيها نصوصهم‪.‬‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪63‬‬


‫ملف‬

‫إبراهيم اليوسف‬

‫مالمح القصيدة اإلماراتية ومساراتها‬ ‫ال ميكن النظر إىل الشعر‬ ‫اإلمارايت‪ ،‬إال ضمن مرحلتني‬ ‫زمانيتني‪ ،‬أوالهام‪ ،‬ما أصطلح‬ ‫عليه النقاد‪ ،‬مبرحلة ما قبل‬ ‫تأسيس االتحاد اإلمارايت‪ ،‬يف‬ ‫مطلع سبعينيات القرن املايض‪،‬‬ ‫ولعل هذا الخط الفاصل‪،‬‬ ‫ومرحلة ما بعد تأسيس االتحاد‪ّ .‬‬ ‫بني هاتني املرحلتني يتجىل‪ ،‬عىل املستوى الفني‪ ،‬بشكل‬ ‫واضح جدا ً‪ ،‬وإن كنا لنجد‪ -‬يف حاالت كثرية‪ -‬التداخل‬ ‫بني نيص املرحلتني‪ ،‬حتى يف تجربة الشاعر الواحد‪ ،‬إذ‬ ‫نجده يكتب تحت تأثري سطوة أدوات قصيدته القدمية‪،‬‬ ‫بيد أن التبدالت التي يشهدها الواقع املعيش‪ ،‬تنعكس‬ ‫بدورها عىل فضاء قصيدته‪ ،‬لنكون يف التايل أمام قصيدة‬ ‫تتجاذبها روح موزعة‪ ،‬بني اتجاهني‪ ،‬هام اللحظة املنرصمة‪،‬‬ ‫وشقيقتها التي تواكب اللحظة الحالية‪ ،‬وهي تسري بثقة‪،‬‬ ‫صوب املستقبل‪.‬‬ ‫وإذا كانت قصيدة الشاعر اإلمارايت‪ ،‬يف مرحلة ما قبل‬ ‫التبدالت الهائلة التي شهدها املكان اإلمارايت‪ ،‬ال ّ‬ ‫تنفك‬ ‫البتة عن فضاء القصيدة التقليدية‪ ،‬طقوساً‪ ،‬ودالالت‪،‬‬ ‫وعامرة‪ ،‬ولغة‪ ،‬بل تتامهى معها‪ ،‬وذلك ألنها استطاعت‬ ‫أن تعيش يف حرز عن التبدالت التي متت يف أمهات‬ ‫العواصم العربية الثقافية‪ ،‬آنذاك‪ ،‬مثل بغداد‪ ،‬ودمشق‪،‬‬ ‫وبريوت‪ ،‬والقاهرة‪ ،‬وغريها من العواصم العربية الثقافية‬ ‫املامثلة التي كانت لها سطواتها عىل حركة الشعر‬ ‫الجديد‪ ،‬واستطاعت‪ -‬آنذاك ‪ -‬أن تلحق بركب القصيدة‬ ‫عىل نحو عاملي‪ ،‬السيام وأن سؤال الحداثة‪ ،‬كان يف‬ ‫أوج تفاعالته‪ ،‬وكان للشعر رونقه‪ ،‬وألقه‪ ،‬وتأثريه‪ ،‬وكان‬ ‫الشاعر اليفتأ يجرتح أثره الخاص‪ ،‬يف ما ينجزه‪ ،‬لنكون‬ ‫أمام أسامء عاملية‪ ،‬كانت تقرأ عربياً‪ ،‬عرب قناة الرتجمة‪،‬‬ ‫وتجد امتدادا ً لها‪ ،‬عرب أصوات عدد من رادة الحداثة‪،‬‬ ‫عربياً‪ ،‬هؤالء الذين استطاع كثريون منهم أن يحقق‬ ‫‪64‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫خصيصة ثنائية التجاوز‪ ،‬وهي تجاوز الذات واآلخر‪ ،‬من‬ ‫خالل التطرق إىل ما هو بكر‪ ،‬غري مسبوق‪ ،‬وغري محتذى‬ ‫من قبل‪ ،‬وما أسامء أنيس الحاج‪ ،‬وأدونيس‪ ،‬ومحمد‬ ‫املاغوط ‪-‬عىل سبيل املثال‪ -‬إال بعضاً من كوكبة األسامء‬ ‫التي اشتغل كل منها‪ ،‬يف مختربها اإلبداعي‪ ،‬لتمنح‬ ‫القصيدة بعضاً من روحها‪ ،‬ومالمحها‪ ،‬غري املستنسخة مع‬ ‫رائحة ومالمح أحد‪.‬‬ ‫يف هذه الفرتة‪ -‬تحديدا ‪ -‬كانت القصيدة اإلماراتية‪،‬‬ ‫وعرب أسامء عدد من رادتها‪ ،‬تنش ُّد إىل بيئتها‪ ،‬وفضائها‬ ‫الخاصني‪ ،‬مركزة عىل الوظيفة التي تؤديها القصيدة‪،‬‬ ‫عادة‪ ،‬يف مجتمع كهذا‪ ،‬محكوم بظروفه الخاصة‪ ،‬وثقافته‬ ‫الخاصة‪ ،‬حيث تنافسه القصيدة املحكية‪ ،‬إىل منابره‪،‬‬ ‫البدائية‪ ،‬بيد أنها تتسلح بإرث هائل‪ ،‬ميتد زمانياً‪ ،‬إىل ما‬ ‫اصطلح عليه بالعصور املتتالية‪ ،‬يف مرحلة ما قبل اإلسالم‪،‬‬ ‫وما بعده‪ ،‬عىل امتداد رشيط زماين من بضعة عرش قرناً‪،‬‬ ‫يف أقل تقدير‪ ،‬وعىل اختالف التسميات التحقيبية التي‬ ‫ليظل الجامع بينها‪،‬‬ ‫تتوزع كل مرحلة منها عىل حدة‪َّ ،‬‬ ‫تخل‬ ‫تقديم ما هو معريف‪ ،‬عىل نحو واضح‪ ،‬ومن دون أي ِّ‬ ‫عن عمود القصيدة الفقري‪ ،‬وجملته العصبية‪ ،‬وروحه‪،‬‬ ‫حيث الوفاء للوزن‪ ،‬واملفردة‪ ،‬والصورة‪ ،‬واألغراض‪ ،‬وغري‬ ‫ذلك‪ ،‬من األدوات التي دأبت القصيدة عليها‪ ،‬تقرأ عىل‬ ‫شفاهي‪ ،‬يف هذا املجلس‬ ‫مسامع جمهورها‪ ،‬عىل نحو‬ ‫ِّ‬

‫استطاعت األسماء الشعرية التي‬ ‫ظهرت‪ ،‬مع بداية انطالقة االتحاد‪،‬‬ ‫أو تلك التي كانت موجودة‪ -‬من‬ ‫قبل ‪ -‬أن تواكب األسئلة‪ ،‬والتحديات‬ ‫الجديدة‪ ،‬السيما وأن المهمات‬ ‫المترتبة على الشاعر‪ ،‬كانت جد‬ ‫كبيرة‬


‫االتحاد والشعر‬

‫التقليدي منها‪ ،‬والتفعييل‪ ،‬والنرثي‪ ،‬بل إن الحدود ا َّمحت‬ ‫الثقايف‪ ،‬أو ذاك‪ ،‬وهي محكومة بحدود الصحراء‪ ،‬التي‬ ‫ترضب حولها‪ ،‬ويكاد البحر الذي يجاوره‪ ،‬يشغله‪ ،‬بأسئلته بني نيص التفعيلة والنرث‪ ،‬عند كثريين منهم‪ ،‬حيث تبادال‬ ‫الخاصة‪ ،‬من دون أن يتحول إىل وسيلة‪ ،‬يتفاعل بوساطتها‪ ،‬التأثري‪ ،‬ليكون عقد الثامنينيات منطلق القصيدة‪ ،‬ليس‬ ‫خليجي‪ ،‬وعر ِّيب‪ ،‬يف‬ ‫يف هذا املكان وحده‪ ،‬بل عىل نحو‬ ‫مع متلقيه‪ ،‬ولعله كان لعلو نربة الشعر الشعبي‪ -‬يف‬ ‫ِّ‬ ‫وقت واحد‪ ،‬مستفيدة من تزايد وسائل النرش واإلعالم‪،‬‬ ‫الغالب ‪ -‬أثره يف مثل هذه االنكفاءة التي يتعرض لها‪،‬‬ ‫واالهتامم الذي تم بالحياة الثقافية‪.‬‬ ‫وهو ما كان يدفعه‪ ،‬يف حاالت كثرية‪ ،‬أن يلجأ إىل هذه‬ ‫وحقيقة‪ ،‬فإن حركة الشعر‪ ،‬قد استطاعت أن تقطع‬ ‫القصيدة نفسها‪ ،‬يحملها رؤيته‪ ،‬ولواعج ذاته املتأججة‪،‬‬ ‫أشواطاً كبرية‪ ،‬وتحقِّق إنجازات ملحوظة‪ ،‬عىل أيدي عدد‬ ‫وهي تستقرئ كل يشء من حولها‪ ،‬دون أن تستطيع‬ ‫من شعرائها الذين رسعان ما ملعت أسامؤهم‪ ،‬من خالل‬ ‫توسيع دائرتها‪ ،‬لألسباب التي كانت تكبح‪ -‬باستمرار ‪-‬‬ ‫منجزهم اإلبداعي‪ ،‬يك يستطيع الشاعر أن يكون لسان‬ ‫توقه إىل توسيع دائرته‪ ،‬والتفاعل مع فضائه الشعري‬ ‫أهله اإلبداعي‪ ،‬وإن كانت رسالة الجامل‪ ،‬التي يقدمها‬ ‫العريب األوسع‪!....‬‬ ‫أي شاعر يف وطنه‪ ،‬ال ّ‬ ‫تنفك عن الجانب املعريف‪ ،‬وهو ما‬ ‫وإن ما سمي ب»الطفرة النفطية» كان له تأثريه عىل‬ ‫يجعل الحاجة إىل الشاعر‪ ،‬كبرية‪ ،‬ويف تزايد دائم‪ ،‬وإنه ال‬ ‫الحياة العامة‪ ،‬للبالد‪ ،‬ألنها وضعته عىل مفرتق طرق‪،‬‬ ‫واضح‪ ،‬لكل من يريد استقراء التجربة‪ ،‬عىل امتداد العقود ميكن االستغناء عنه‪ ،‬مهام ظهرت هناك بدائل‪ ،‬وخيارات‬ ‫القريبة املاضية‪ ،‬هذه العقود التي جعلت من هذا املكان‪ ،‬إبداعية جاملية‪.‬‬ ‫يف قلب خريطة املنطقة‪ ،‬وكان حرياً بالحياة الثقافية‪ ،‬أن‬ ‫تؤسس نفسها‪ ،‬ومن جديد‪ ،‬مبا يتناسب هذه التحوالت‬ ‫الكربى التي شهدها املكان‪ ،‬وكان هذا عبارة عن تحد كبري عبدالله السبب‬ ‫أمام اإلبداع اإلمارايت‪ ،‬عامة‪ ،‬واإلبداع الشعري‪ ،‬خاصة‪،‬‬ ‫امتداد وانتشار الصوت‬ ‫وهوما انتبه إليه عدد من الشعراء‪ ،‬بروح عالية من‬ ‫الشعر اإلماراتي‬ ‫املسؤولية اإلبداعية‪.‬‬ ‫و هكذا‪ ،‬فقد استطاعت األسامء الشعرية التي ظهرت‪،‬‬ ‫مع بداية انطالقة االتحاد‪ ،‬أو تلك التي كانت موجودة‪-‬‬ ‫القصيدة العربية ممتدة منذ نشوء‬ ‫من قبل ‪ -‬أن تواكب األسئلة‪ ،‬والتحديات الجديدة‪ ،‬السيام‬ ‫اللغة وتكونها أبجدياً ومامرستها تطبيقاً لغويا يف حياة‬ ‫وأن املهامت املرتتبة عىل الشاعر‪ ،‬كانت جد كبرية‪ ،‬عىل‬ ‫التخاطب اليومي‪ ،‬وحتى ما بعد هذا اليوم الذي صارت‬ ‫اعتباره يحمل جزءا ً من املسؤولية الحضارية‪ ،‬والوطنية‪،‬‬ ‫للغة فيه ألسنة بصيغ عربية وغري عربية‪ .‬وقد طافت‬ ‫لذلك‪ ،‬فإنه كان يعمل يف االتجاهات كلها‪ ،‬يك يكون صوت‬ ‫هذه القصيدة بقوافيها أمامً وبلداناً‪ ،‬وتآخت مع قصائد‬ ‫مكانه‪ ،‬وصوت إنسانه‪ ،‬وصوت أمله‪ ،‬ووجعه‪ ،‬وصوت‬ ‫أخرى من كل بالد الكون‪.‬‬ ‫حلمه‪ ،‬عىل حد سواء‪.‬‬ ‫القصيدة يف إمارات الخليج العريب‪ ،‬منذ بداياتها وحتى‬ ‫وميكن اإلشارة‪ ،‬إىل أن نهاية سبعينيات القرن املايض‪،‬‬ ‫اتحادها يف دولة يشار إليها بالبنان‪ ،‬مرت بقنوات‬ ‫ومطلع مثانينياته‪ ،‬شهدا توجهاً الفتاً من قبل أصوات‬ ‫ومراحل تراوحت بني املحلية يف بيئتها الشعرية الداخلية‪،‬‬ ‫شعرية كثرية‪ ،‬إىل عامل الحداثة‪ ،‬حني شقت قصيدة‬ ‫وتغريدها يف بيئة الشعر الخارجة عن حدود الجغرافيا‪.‬‬ ‫التفعيلة التي ولدت يف هذه املرحلة‪ ،‬طريقها‪ ،‬إىل جانب‬ ‫ولعلنا هنا نشري إىل مسألة الصوت الشعري اإلمارايت‪،‬‬ ‫بواكري القص��ئد النرثية التي باتت تتأصل تدريجياً‪،‬‬ ‫مهام كانت أبجدية قصائده‪ ،‬ومهام كانت أغراض الشعر‬ ‫ليكون عقد الثامنينات ملتقى لألشكال الشعرية الثالثة‪:‬‬ ‫لديه‪ ،‬والتي ميكننا بكل يرس وسهولة تطبيقها واقعاً‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪65‬‬


‫ملف‬

‫ملموساً يف قصيدة التفعيلية والقصيدة النرثية كام يف‬ ‫واملواد البحثية املختلفة وصنوف عديدة من العلوم واملعارف‪.‬‬ ‫القصيدة الكالسيكية العمودية أو ما إىل ذلك من مدارس وأوالً وأخريا ً‪ ،‬بفضل انتشار الكتاب الورقي عرب دور النرش‬ ‫الشعر وتصنيفاته‪ .‬هذا الصوت الشعري الذي كان متاحاً العديدة‪ ،‬املحلية منها والعربية‪ .‬ولعلنا نلفت االنتباه هنا إىل‬ ‫ومتواجدا ً يف املشهد الشعري الخليجي‪ ،‬وبخاصة من‬ ‫االهتامم الذي لقيته القصيدة املحلية يف بداية عهد الدولة‬ ‫االتحادية‪ ،‬بشتى صورها‪ ،‬عرب برامج تلفزيونية معنية بشعراء‬ ‫خالل الشعر املحيل ومنه العامي أو النبطي أو املوال‬ ‫القبائل أو بالشعر الشعبي‪ ،‬وكذلك من خالل ما أفردته لها‬ ‫البحري أو الشالت الشعرية البدوية‪ .‬هو اليوم موجود‬ ‫صفحات من الجرائد املحلية‪ .‬ما جعل‬ ‫أكرث من ذي قبل‪،‬‬ ‫القصيدة الشعبية يف اإلمارات تنطلق‬ ‫بفضل دعم الدولة‬ ‫إىل آفاق أرحب وأوسع‪ ،‬وجعلها‬ ‫له‪ ،‬ووسائل اإلعالم‬ ‫القصيدة اإلماراتية‪ ،‬أخذت‬ ‫تغرد خارج رسب املحلية لتطري إىل‬ ‫املختلفة واملتعددة‪،‬‬ ‫آفاق املشهد الخليجي والعريب‪ ،‬وقد‬ ‫وبفضل الربامج‬ ‫تشق لها طريق ًا واسع ًا في‬ ‫ساعد ذلك يف انتشار الشعر الغنايئ‬ ‫األدبية والثقافية‬ ‫العربي‬ ‫الشعري‬ ‫المشهد‬ ‫آفاق‬ ‫اإلمارايت يف األوساط الفنية الخارجية‪،‬‬ ‫العامة‪ ،‬وبفضل‬ ‫الخليجية منها والعربية‪ .‬وأخذت‬ ‫االنتشار الواسع‬ ‫والعالمي معا‪ .‬وقد فرضت‬ ‫القصيدة اإلماراتية بشتى أشكالها‬ ‫للشبكة اإللكرتونية‬ ‫حضورها‪ ،‬وأصبح كتابها من أبرز تصل إىل القارئ الخليجي ثم العريب‪،‬‬ ‫التي ساهمت‪،‬‬ ‫وتكشفت أسامء شعرية إماراتية مهمة‬ ‫يف نرش القصيدة‬ ‫العرب‬ ‫والشعراء‬ ‫الكتاب‬ ‫استطاعت أن تتقدم املشهد الشعري‬ ‫والقصة والرواية‬ ‫العريب‪.‬‬ ‫واملرسحية واملقالة‬ ‫‪66‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫االتحاد والشعر‬

‫املسابقة الشعرية التي تنظمها وزارة الثقافة والشباب‬ ‫نشري أيضا‪ ،‬إىل الدور الذي لعبته املؤسسات الثقافية‬ ‫وتنمية املجتمع‪ ،‬وهي «جائزة الربدة»‪ ،‬وكذلك «مسابقة‬ ‫يف الدولة بعد قيام االتحاد‪ ،‬من اجل دفع الكتاب إىل‬ ‫اللغز» التي يرشف عليها ويطرح أسئلتها الشعرية ويدير‬ ‫يدي القارئ أينام كان متواجدا عىل الخريطة الجغرافية‬ ‫دفتها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم‬ ‫العاملية‪ ،‬وهنا نذهب إىل اتحاد كتاب وأدباء اإلمارات‬ ‫نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم ديب رعاه‬ ‫كمثال ليس وحيدا ً يف ميدان العمل لدعم ونرش األدب‬ ‫املحيل‪ ،‬حيث يالحظ اهتاممه من خالل إصداره الشعري الله‪ .‬إضافة إىل الكثري من املشاريع الشعرية التي انطلقت‬ ‫من أرض اإلمارات وأسهمت يف إيصال القصيدة اإلماراتية‪.‬‬ ‫األول «قصائد من اإلمارات» لنخبة من شعراء اإلمارات‬ ‫يف منتصف الثامنينيات‪ ،‬والشعراء الذين ظهروا يف املشهد من هنا‪ ،‬ومن أشياء كثرية ال تعد وال تحىص‪ ،‬ميكننا القول‬ ‫الشعري املحيل من بعد تلك الحقبة الزمنية‪ ،‬تجاوزوا ذلك بأن القصيدة العربية اإلماراتية‪ ،‬أخذت تشق لها طريقاً‬ ‫الرقم الذي تضمنه الكتاب‪ ،‬ومن هؤالء من برز يف املشهد واسعاً يف آفاق املشهد الشعري العريب والعاملي معا‪ .‬وقد‬ ‫فرضت حضورها‪ ،‬وأصبحوا كتابها معروفني لدى جمهور‬ ‫الشعري العريب والعاملي‪ ،‬حيث ترجمت لهم قصائد إىل‬ ‫الشعر العريب‪ ،‬وقد استطاعت اإلمارات يف العقد األخري أن‬ ‫لغات عاملية حية‪ ،‬وتواجدوا بقوة الشعر يف األمسيات‬ ‫تكون منصة الشعر‪ ،‬عرب العديد من املهرجانات والجوائز‬ ‫واملهرجانات الشعرية املختلفة‪.‬‬ ‫التي تعد األهم عربيا‪ ،‬وهذا كله بفضل العمل املؤسيس‬ ‫وأؤكد عىل ما حققته الربامج واملسابقات الشعرية التي‬ ‫الذي بدأت الدولة تطبيقه بعد قيام االتحاد بني االمارات‬ ‫انطلقت من اإلمارات يف سبيل رفد املشهد الشعري‬ ‫السبع‪ .‬ولعل هذا االنجاز الذي وحد الوطن قد وحد‬ ‫وتعزيز حضور الشعري املحيل والعريب‪ ،‬وأشري هنا عىل‬ ‫سبيل املثال ال الحرص إىل برنامجني شعريني حظيا مؤخرا العمل أيضا من أجل البناء والتقدم وتقديم صورة مرشقة‬ ‫عن اإلمارات يف شتى الحقول واملجاالت‬ ‫بحضور الفت عىل مستوى الوطن العريب هام‪ :‬برنامج‬ ‫«أمري الشعراء»‪ ،‬وبرنامج «شاعر املليون»‪ .‬باإلضافة إىل‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪67‬‬


‫حوار‬

‫رفعت سالم‬

‫كنت أجيرا عند بودلير ورامبو‬ ‫ً‬ ‫عسيرة‬ ‫وترجمت نصوص ًا‬ ‫تدين الساحة الثقافية للشاعر والمترجم المصري رفعت سالم بعديد الترجمات التي كان بعضها تراجم‬ ‫أولية في مصر لشعراء كـ«بوشكين» و«ليرمونتوف»‪ ،‬فضالً عن جهده األكبر في جمع وترجمة األعمال‬

‫الكاملة ألبرز رواد الحداثة الشعرية‪« ،‬بودلير» و «كفافيس» و «رامبو»‪ .‬ويدين رفعت سالم لهذه الساحة‬ ‫بانتقادات وصلت إلى حد التشكيك في ترجماته والتهوين من شأنها‪ ،‬لكن جميعها لم يصل لحد السجال‬ ‫الثقافي‪ ،‬والتصق بخانة النمائم والشائعات‪ .‬وعلى إثر ترجمته األخيرة لألعمال الكاملة لـ«رامبو» التي‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫متوقفة عند تجربته التي بدأت‬ ‫مؤخرا بصدورها‪ ،‬تحاور «بيت الشعر» سالم «المترجم »‪،‬‬ ‫ٌاحتفت القاهرة‬

‫منذ الثمانينيات‬

‫حوار‪ :‬عزة حسين‬

‫االضطالع برتجمة الشعر عمل‬ ‫أصعب من الشعر ذاته‪ ،‬قبل‬ ‫الرشوع يف أول ترجم ٍة ومع تكرار‬ ‫املشاريع هل تتوقف أمام تلك الحقيقة؟‬ ‫■ بالطبع‪ .‬ترجمة الشعر مختلفة بدرجة كبرية‪ ،‬ألنك‬ ‫حينام تكتبني قصيد ًة فأنت حرة يف ذلك حري ًة مطلقة‪،‬‬ ‫أما يف الرتجمة فبيني وبني القارئ اتفاق ضمني‪ ،‬يقيض‬ ‫بأنني أقدم له تجربة الشاعر اآلخر وليست تجربتي أنا‪.‬‬ ‫املشكلة يف ترجمة الشعر‪ ،‬أال يستطيع املرتجم الفصل‬ ‫بني ما يريد هو أن يكتبه وبني ما كتبه الشاعر األصيل‪،‬‬ ‫فتختلط األمور ألنه مل يضبط املسافة الفاصلة بينه وبني‬ ‫النص‪ ،‬فتقرئني النص املرتجم دون أن تالحظي أنه إنتاج‬ ‫مشرتك بني االثنني‪ ،‬بينام االتفاق الضمني أن القارئ الذي‬ ‫اشرتى «رامبو» هو يف الحقيقة ال يريد أن يقرأ سوى‬ ‫«رامبو» وليكتب رفعت سالم نصه هو‪.‬‬ ‫ما رس هذا الجدل املتجدد حول ترجامتك‪ ،‬وهل ميكن‬ ‫‪68‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫أن يكون اآلخر دامئاً عىل خطأ؟‬ ‫■ أتذكر هنا اإلهداء الذي كتبه طه حسني يف صدر‬ ‫روايته «املعذبون يف األرض»‪« :‬إىل الذين ال يعملون‬ ‫ويسيئهم أن يعمل اآلخرون»‪ .‬لقد كونت نفيس بنفيس‬ ‫يف اللغتني اإلنجليزية والفرنسية‪ ،‬و عندما ترجمت‬

‫ال أمسك مسدس ًا للقارئ إلجباره‬ ‫على شراء كتبي‪ ،‬وإليك مفارقة‪،‬‬ ‫أن عمل «كفافيس» اليوناني‬ ‫المترجم عن اإلنجليزية نفدت منه‬ ‫خمسة آالف نسخة خالل ‪ 48‬ساعة‬


‫رفعت سالم‬

‫ترجمة كاظم جهاد‬ ‫لرامبو ينقصها على‬ ‫األقل ثالثون نص ًا‪ ،‬هو‬ ‫يشير إلى ذلك إشارات‬ ‫غامضة في بعض‬ ‫ٍ‬ ‫المواضع في مقدمته‬

‫«بوشكني» للمرة األوىل كنت أترجمه لنفيس كطريقة‬ ‫مثىل للتعرف عىل هذا الشاعر الكبري‪ ،‬الذي مل تكن هناك‬ ‫ترجامت عربية له ‪ ،‬وكان األيرس أن أحتفظ بتلك املعرفة‬ ‫لنفيس‪ ،‬لكن ما حدث أن الرتجمة األهم لـ«بوشكني»‬ ‫يف املكتبة العربية هي ترجمتي‪ ،‬الرتجمة الوحيدة‬ ‫لـ»مايكوفسيك» أنا صاحبها‪ ،‬وكذلك «لريمونتوف»‬ ‫الذي كان ثاين الشعراء الروس بعد «بوشكني»‪ ،‬ومل يكن‬ ‫معروفاً لدينا سوى كروايئ بروايته الوحيدة «رجل هذا‬ ‫الزمان»‪ ،‬وأخريا ً األعامل الكاملة لـ«بودلري» و«رامبو»‪،‬‬ ‫و«كفافيس» الذي تطبع أعامله الكاملة ألول مرة‪ ،‬مرفقة‬ ‫باكتشاف قصائد له تنرش ألول مرة بالعربية هي قصائد‬ ‫النرث‪ ،‬وهي نادرا ً ما تكون متاحة حتى باملراجع األجنبية‪،‬‬ ‫أي من هذه‬ ‫ثم لآلن مل يكتب أحد مقاالً رصيناً يف نقد ٍ‬ ‫الرتجامت ألفهم ما املشكلة‪ ،‬أما الشائعات فال شأن يل بها‪،‬‬ ‫حينام أرى مقاالً ميكن وقتها أن نتناقش‪ ،‬هناك حوارات‪،‬‬ ‫تغطيات صحفية‪ ،‬تهاين شخصية واحتفالية لكن ليس‬

‫هناك مقاالت نقدية‪.‬‬ ‫ليكن عىل من ينتقدون هذه الرتجامت أن يقدموا‬ ‫النقيض‪ ،‬أن يتوقفوا عند أخطايئ ويفندوها يك أستفيد من‬ ‫مالحظاتهم أو أرد عليها‪.‬‬ ‫ضمن االنتقادات املوجهة إليك أن ترجامتك تتم عن‬ ‫لغات وسيطة وليس لغات النصوص األصلية ما يرتك‬ ‫مساح ًة لاللتباس !‬ ‫■ ترجمتا «رامبو» و«بودلري» ليستا عن لغات وسيطة‪،‬‬ ‫الرتجامت الروسية واليونانية هي التي استخدمت فيها‬ ‫اإلنجليزية‪ ،‬وملن مل يعجبه ذلك‪ :‬أنا مل أمنع أحدا ً من‬ ‫الرتجمة عن اللغات األصلية‪ ،‬كام أنني ال أمسك مسدساً‬ ‫للقارئ إلجباره عىل رشاء كتبي‪ ،‬وإليك مفارقة‪ ،‬أن‬ ‫«كفافيس» اليوناين املرتجم عن اإلنجليزية نفدت منه‬ ‫خمسة آالف نسخة خالل ‪ 48‬ساعة‪ ،‬طبقاً لهيئة قصور‬ ‫الثقافة النارشة‪.‬‬ ‫أيضاً‪ ،‬ضمن ما يعزز الجدل أن بعض ترجامتك هي‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪69‬‬


‫حوار‬

‫كوين قارئ يعرف الفرنسية أوال‪.‬‬ ‫ألعامل لها ترجامت أص ًال وألسامء ليست قليلة‪ ،‬مثل‬ ‫«رامبو» الذي سبقته ترجمة وافية للشاعر العراقي كاظم إذن من أين تأيت تلك التفاوتات عىل مستوى اختيار‬ ‫املفردة ‪ /‬الجملة وترتيبها وإيقاعها الداخيل بني ترجامتك‬ ‫جهاد‪ ،‬وقبلها ترجمة خليل الخوري‪.‬‬ ‫واآلخرين؟‬ ‫■ أوالً ترجمة خليل الخوري مختارات وليست أعامالً‬ ‫■ هذه حساسية رفعت سالم‪ .‬فقد اشتغلت أجريا ً‬ ‫كاملة‪ ،‬أما ترجمة «جهاد» فينقصها عىل األقل ثالثون‬ ‫سواء عند بودلري أو رامبو خمس سنوات‪ ،‬منحته كافة‬ ‫نصاً‪ ،‬هو يشري إىل ذلك إشارات غامض ٍة يف بعض املواضع‬ ‫طاقايت وقدرايت الشخصية‪ :‬القدرة عىل االستيعاب‪،‬‬ ‫يف مقدمته‪ ،‬لكنه مل يحدد كم نصاً استبعد أو األسباب‬ ‫اإلحاطة الثقافية‪ ،‬حساسيتي اللغوية‪ ،‬استيعايب لنص‬ ‫املنهجية التي دفعت لذلك‪ ،‬وبالتايل هذه ترجمة ليست‬ ‫اآلخر‪ ،‬استيعايب ملرادفات اللغة العربية‪ ،‬فضالً عن قدرايت‬ ‫كاملة‪ ،‬هذا عىل مستوى الكم‪ ،‬أما عىل مستوى الكيف‪،‬‬ ‫الخيالية‪ ،‬واستيعايب للصورة الخيالية قبل أن أحولها إىل‬ ‫عندما يأيت مرتجم ليرتجم عمالً سبق ترجمته فهذا أمر‬ ‫صورة مكتوبة‪ ،‬هذا الخيال هو خيال رفعت سالم‪ ،‬لكني‬ ‫مرشوع وعادل‪ ،‬فهناك أكرث من عرش ترجامت لـ»األرض‬ ‫ال أخلط‪ ،‬وحريص يف نفس الوقت‪ ،‬عىل أنني إمنا أعمل‬ ‫الخراب» إلليوت‪ ،‬ود‪ .‬حسن عثامن رصد أكرث من ‪70‬‬ ‫أجريا ً بكل رضاي وبكل محبة عند بودلري‪ ،‬فال أترك ثغر ًة‬ ‫ترجمة إنجليزية لـ»الكوميديا اإللهية» لدانتي‪ ،‬لكننا‬ ‫واحدة لرفعت سالم للتدخل خارج النص الذي كتبه‬ ‫لألسف ال نفهم األمر‪ ،‬ونقول كالماً تناقضه املامرسات‪،‬‬ ‫بودلري‪ ،‬وبالتايل جاء وصف د‪ .‬سيزا قاسم يف احتفائها‬ ‫فنقول إن النص الشعري حامل أوجه ومتعدد‪ ،‬وهذه‬ ‫بكتاب بودلري‪ :‬إن رفعت سالم شف البنية اللغوية لبودلري‪،‬‬ ‫التعددية يف التلقي‪ ،‬برشط أن يكون النص ثرياً‪ ،‬تنتج‬ ‫تعددي ًة يف الرتجمة‪ ،‬ألن الرتجمة يف نهاية األمر هي تأويل‪ .‬وبالطبع كلمة شف هنا بالرضورة ال تعني الرتجمة‬ ‫الحرفية‪ ،‬ألن هذه األخرية عندما تحدث يف الشعر‪ ،‬فهي‬ ‫ترجامتك وانتقاداتها تيش أنك منارص ملقولة إن الرتجمة‬ ‫الحرفية خيانة للنص لحد أنك تفرض عىل النص حمولتك بالضبط مثل شخص ميضغ شيئاً جميالً يتخلله الحىص‪.‬‬ ‫الشعرية الخاصة‪ ،‬ما تعليقك عىل ذلك ؟‬ ‫أفهم أنك بعيد عن الرتجمة الحرفية لدرجة أن بعضهم‬ ‫يتهمك باالنحياز للشعرية أكرث‬ ‫■ مطلقاً‪ ،‬ألنه أوالً ليس مثة‬ ‫من الدقة‪..‬‬ ‫ترجمة حرفية يف الشعر‪ ،‬أما‬ ‫■ فليأتوا إذن باملواضع التي‬ ‫الخيانة كام أعرفها فهي إذا‬ ‫لآلن لم يكتب أحد‬ ‫ضبطوين خرجت فيها عن الدقة‪،‬‬ ‫كنت قارئة اشرتت «بودلري» فإن‬ ‫املسألة أن الناس اعتادت عىل‬ ‫امليثاق الرسي بيني وبينك هو‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫أي‬ ‫مقاال رصينا في نقد ٍ‬ ‫جرش الحىص راضني عىل مدى‬ ‫أن تجدي «بودلري» وال تجدي‬ ‫من ترجماتي ألفهم ما‬ ‫سنوات‪ ،‬وعندما جاءهم من يحل‬ ‫رفعت سالم‪ ،‬فإذا ما وجدت‬ ‫املشكلة فوجئوا فصار هو املتهم‪،‬‬ ‫اختالطاً بني «بودلري» ورفعت‬ ‫المشكلة‪ ،‬أما الشائعات‬ ‫من يريد القول بأنني خرجت عن‬ ‫سالم فأنا كمرتجم من سيقول إن‬ ‫نص بودلري أو رامبو أو ريتسوس‬ ‫هذه خيانة‪.‬‬ ‫فال تهمني‪ ،‬وحينما أرى‬ ‫أو غريه يقلها يل حرفياً‪ ،‬أن الشاعر‬ ‫لكن هذا املستوى من التلقي‬ ‫ذاك المقال يمكن أن‬ ‫قال هذا وأنت قلت غريه‪.‬‬ ‫يفرتض قارئاً قرأ بودلري بالفرنسية‬ ‫يلفت البعض أحياناً تصديك‬ ‫ثم العربية‪.‬‬ ‫نتناقش‬ ‫ألعامل املبدعني الفرانكوفون‪..‬‬ ‫هذا هو ما بداخيل ‪ ،‬وما أنا‬ ‫رغم أنك أقل فرانكوفونية من‬ ‫حريص عليه بغض النظر عن‬ ‫غالبية املرتجمني رمبا الذين‬ ‫‪70‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫رفعت سالم‬

‫تجربة الحداثة نقلت‬ ‫فيما نقلت التجربة‬ ‫الشعرية كلها من‬ ‫عالم إلى عالم من‬ ‫بينها اللغة‪ ،‬وغيرها‬ ‫من المعايير‬

‫مستوى آخر من العبث الشعري أن رامبو كان يعبث ضد‬ ‫شاركوك ترجمة نفس األسامء ككاظم جهاد مث ًال ؟‬ ‫شعراء آخرين عرب تبني طريقة هؤالء الشعراء والسخرية‬ ‫■ هذا ليس معيارا ً للحكم عىل يشء يف الرتجمة‪ ،‬ألن‬ ‫منهم عىل طريقتهم‪ ،‬وهذه النصوص مل يسبق ترجمتها‬ ‫املعيار يف النهاية هو مدى ما قدمه املرتجم من تجربة‬ ‫الشاعر اآلخر‪ ،‬هل ما قدمه هو األقرب إىل تلك التجربة؟ وأنا عندما حاولت ترجمتها قلت عىل األقل أبذل مجهودا ً‪،‬‬ ‫األكرث شعرية؟ األكرث سالسة أم ال؟ وهل استطاع أن يحل حتى أكون صادقا عندما أقول إنني ترجمت األعامل‬ ‫اإلشكاليات التي يف عملية الرتجمة أم وقع يف بعض هذه الكاملة لهذا الشاعر‪ ،‬وحتى أعطي فكر ًة للقارئ عن هذا‬ ‫النوع من العبث‪ ،‬وأحيطه أيضاً بإضاءات حول هذه‬ ‫اإلشكاليات؟ عىل سبيل املثال‪ ،‬ما ال يلتفت إليه الكثري‬ ‫التجربة وخصوصيتها لدى هذا الشاعر الكبري‪.‬‬ ‫من املرتجمني‪ ،‬وهذا واجهته يف ترجمتي كفافيس‪ ،‬ثم‬ ‫ً‬ ‫أخريا مالعالقة بني «إرشاقات رفعت سالم» و»إرشاقات‬ ‫بودلري‪ ،‬ورامبو بدرجة أقل‪ ،‬حينام أتصدى ألحد هؤالء‬ ‫الثالثة فال بد أن أدرك بشكل عميق أنهم مؤسسو الحداثة رامبو»؟‬ ‫■ لقد كتبت إرشاقات رفعت سالم قبل أن أقرأ إرشاقات‬ ‫الشعرية‪ ،‬وهو ما يرتتب عليه مسؤولية ان أعي أن بنية‬ ‫الصورة املستخدمة ليست رومانتيكية‪ ،‬وليست تقليدية‪ ،‬رامبو‪ ،‬وبينهام اختالف كبري‪ ،‬وقد اختلط يف ذهني يف‬ ‫وال ينبغي أن أمألها برطانة لغوية قدمية‪ ،‬وألفاظاً عيل أن ذلك الحني ما بني إرشاقات رامبو وإرشاقات الصوفية‪،‬‬ ‫هذا الحلول‪ ،‬وهذا املزج‪ ،‬وأن العامل واحد‪ ،‬وبالتايل ميكن‬ ‫أرشحها‪ ،‬أو يضطر القارئ للبحث عنها يف القاموس‪ ،‬ألن‬ ‫للمريد أن يكون الشيخ يف نفس الوقت‪ ،‬وإذن ملاذا نضع‬ ‫تجربة الحداثة نقلت فيام نقلت التجربة الشعرية كلها‬ ‫فاصلة‪ ،‬أو نقطة يف نهاية الجملة‪ ،‬فأين تبدأ الجملة وأين‬ ‫من عامل إىل عامل من بينها اللغة‪ ،‬وغريها من املعايري‪.‬‬ ‫تنتهي هذه مسألة تتوقف عىل قراءتك أنت‪ ،‬وقييس عىل‬ ‫أي أعاملك املرتجمة كان عصياً ومجهدا أكرث يف الرتجمة؟‬ ‫ذلك التفاصيل األخرى‪ ،‬وحدة العامل‪ ،‬وحدة الزمن‪ ،‬وغريها‬ ‫■ يف الحقيقة كانت هناك نصوص عسرية جدا ً عند‬ ‫من العنارص الدورانية‪ ،‬التي تشكل إرشاقات رفعت سالم‪،‬‬ ‫رامبو‪ ،‬هي تلك التي استبعدها كاظم جهاد‪ ،‬وهي تكاد‬ ‫تكون مستحيلة الرتجمة‪ ،‬ألن الشاعر كان خاللها يعبث‬ ‫التي هي بالطبع مختلفة عن إرشاقات رامبو‬ ‫باللغة‪ ،‬فيام يدخل يف التالعب بالجناس اللفظي‪ ،‬وبالتايل‬ ‫الجناس اللفظي يف الرتجمة ال ميكن نقله‪ ،‬فضالً عن‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪71‬‬


‫سجال‬

‫كاظم جهاد‬

‫الصفحات التي لم اترجمها من رامبو‬ ‫تندرج في هوامش الشعر‬ ‫الشاعر العراقي كاظم جهاد كان أول من قدم ترجمة وافية وشاملة للشاعر الفرنسي آرثر رامبو‪ ،‬وهو‬ ‫هنا يساجل مع الشاعر والمترجم رفعت سلاّ م صاحب آخر ترجمة للشاعر الفرنسي الذي تعد الكثير من‬

‫نصوصه عصية على الترجمة‬

‫كاظم جهاد‬

‫ال‬

‫يسعني وأنا أكتب هذه الكلمة لتوضيح‬ ‫ما ورد يف املحاورة املنشورة يف هذا العدد‬ ‫مع رفعت سالم بخصوص بعض عنارص ترجمتي لآلثار‬ ‫الشعريّة لرامبو إالّ أن أتو ّجه بجزيل الشكر إىل مجلّة‬ ‫«بيت الشعر» لدعوتها إيّاي إىل الر ّد يف العدد نفسه الذي‬ ‫ت ُنرش فيه املحاورة‪ .‬كام أتو ّجه بشكر مامثل إىل امل ُحاوِرة‬ ‫ع ّزة حسني ال ألنّها ذكرتني يف أكرث من سؤال‪ ،‬وهذا بح ّد‬ ‫ذاته لطف منها‪ ،‬بل ألنّها حرصت حرصاً بيّناً عىل إقامة‬ ‫موضوعي وهادئ مل تس َع فيه كام يفعل صحفيّون‬ ‫حوار‬ ‫ّ‬ ‫كثار إىل تحريض األدباء بعضهم ض ّد البعض اآلخر عمالً‬ ‫مبعايري صحافة اإلثارة القامئة بطبيعتها عىل الثلب‬ ‫والسلب‪ .‬والشكر يشمل أيضاً‪ ،‬وبطبيعة الحال‪ ،‬رفعت‬ ‫سالم نفسه‪ ،‬ألنّه يق ّر يف أجوبته بوجود اآلخرين‪ ،‬ويجهد‬ ‫يف التحليّ مبوضوعيّة وأمانة يف الكالم عنهم‪ ،‬ويع ّول يف‬ ‫استخدام الكلامت عىل نبالة كنت أو ّد له وأمت ّنى منه أن‬ ‫يذهب فيها إىل أقصاها‪ .‬فالحال أنّه‪ ،‬وراء التعبري الهادئ‬ ‫واملتوخّي الحياد واملوضوع ّية‪ ،‬مث ّة يف أجوبة سالم‪ ،‬لشديد‬ ‫األسف‪ ،‬شقوق أو مطبّات تن ّم عن قلق مسترت‪ ،‬ودفاع عن‬ ‫الذات‪ ،‬وعن رغبة ال تكاد تخفى يف محو تجارب اآلخرين‪.‬‬ ‫‪72‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫عملية تسلل‬

‫جاء يف أحد أجوبة رفعت سالم‪ ...« :‬أ ّما ترجمة «جهاد»‬ ‫فينقصها عىل األقل ثالثون نصاً‪ ،‬هو يشري إىل ذلك إشارات‬ ‫غامض ٍة يف بعض املواضع يف مقدمته‪ ،‬لكنه مل يحدد كم‬ ‫نصاً استبعد أو األسباب املنهجية التي دفعت لذلك»‪.‬‬ ‫ويف موضع آخر من املحاورة يضيف‪ « :‬يف الحقيقة‬ ‫كانت هناك نصوص عسرية جدا ً عند رامبو‪ ،‬هي تلك‬ ‫التي استبعدها كاظم جهاد‪ ،‬وهي تكاد تكون مستحيلة‬ ‫الرتجمة‪»...‬‬ ‫وعىل كونه يتكلّم عماّ يف هذه القصائد من جناس وسواه‪،‬‬ ‫ال يشخّص طبيعة املحذوفات املفرتضة وال مكانها من‬ ‫يل لرامبو‪ .‬يتكتّم‪ ،‬خصوصاً‪ ،‬عىل كوين‬ ‫العمل الكليّ ّ أو الفع ّ‬ ‫وضعت من قبل ترجمة كاملة لهذه الصفحات التي‬ ‫يضعها أغلب العارفني بشعر رامبو إن مل أقل كلّهم‬ ‫يف الهامش من عمله‪ ،‬هامش سأتوقّف أمامه يف‬ ‫ما يأيت وأعود إليه‪ .‬نعم‪ ،‬لقد ترجمتها من قبل‬ ‫كامل ًة يف ترجمتي األوىل آلثار رامبو الشعرية‪،‬‬ ‫الصادرة يف منشورات «دار املتنبي» ببريوت‬ ‫بالتعاون مع منظّمة اليونسكو بباريس يف‬


‫كاظم جهاد‬

‫‪ ،1997‬والتي جاءت ترجمتي الجديدة لآلثار نفسها‪،‬‬ ‫الصادرة يف منشورات «دار الجمل» ببريوت ومنشورات‬ ‫ترجمت‬ ‫آفاق يف القاهرة يف ‪ ،2007‬مبثابة تجاوز لها‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫العنوان «‪ » L’Album zutique ‬يومذاك إىل» األلبوم‬ ‫الخالعي» (وهو العنوان الذي يتّضح من بعض املقاالت‬ ‫ّ‬ ‫ّجهت يف‬ ‫للدفرت‬ ‫ّخذه‬ ‫ت‬ ‫ا‬ ‫سالم‬ ‫رفعت‬ ‫أ ّن‬ ‫املعني)‪ ،‬ث ّم ات ُ‬ ‫ّ‬ ‫الطبعة الجديدة‪ ،‬رغم «خالعيّة» القصائد‪ ،‬إىل صيغة‬ ‫العبثي» أل ّن اللفظة العاميّة «‪ » ! Zut ‬التي منها‬ ‫«األلبوم‬ ‫ّ‬ ‫اخرتع رامبو صفة «‪ » zutique ‬ال تتض ّمن معنى الخالعة‬ ‫بل االستخفاف والعبث‪ .‬كام يتالعب رفعت بحقيقة كوين‬ ‫استعدت يف الرتجمة الجديدة مختارات من الصفحات‬ ‫املعنيّة م ّهدت إليها بحاشية كافية ووافية‪ .‬معقّباً بادئ‬ ‫كتبت يف الحاشية األوىل‬ ‫كنت قد ُ‬ ‫ذي بدء عىل العنوان‪ُ ،‬‬ ‫الشعري الصغري (ص‬ ‫الدفرت‬ ‫هذا‬ ‫لرتجمتي لصفحات من‬ ‫ّ‬ ‫‪ 359‬من طبعة منشورات الجمل لرتجمتي آلثار رامبو‬ ‫الشعرية‪ ،‬بريوت‪:)2007 ،‬‬ ‫«عىل هذه الشّ اكلة نرتجم العنوان‪Album Zutique:‬‬ ‫املستم ّد من املفردة ‪ ،! Zut‬التي تعني «تبّاً» أو «سحقاً»‬ ‫وتتمتّع بشحنة عام ّية‪ ،‬ولك ّن‬ ‫الصفة املج َرتحة منه‬ ‫ّ‬ ‫السخرية‬ ‫تحمل معنى ّ‬ ‫والعبث‪ .‬وهو عنوان‬

‫ك ّراسة تهكميّة ومحاكاتيّة وض َع فيها رامبو وڤرلني وشعراء‬ ‫آخرون من مجموعة «البسطاء الوقحني»‪Les Villains‬‬ ‫‪ ،bonshommes‬عىل سبيل ال ّدعابة والهجاء‪ ،‬بعض‬ ‫املقطوعات الشّ عريّة عىل لسان شعراء آخرين كانوا‬ ‫مح ّط انتقادهم‪َ .‬‬ ‫شارك رامبو يف وضع هذا «األلبوم» يف‬ ‫األسابيع األخرية من ‪ ،1871‬وتغطّي مساهمته فيه دزينة‬ ‫الصفحات نرتجم منها هنا ما بدا لنا قابالً للفهم‬ ‫من ّ‬ ‫بعد الترّ جمة‪ ،‬واضطررنا إىل إهامل مقطوعات قليلة‬ ‫ترتكّز دعابتها يف تلميحات شديدة التجذّر يف فرتة رامبو‬ ‫وتوظّف أسامء أعالم مل تعد تعني للمعارصين‪ ،‬مبَن فيهم‬ ‫الصفحات الوحيدة‬ ‫الفرنسيّني‪ ،‬شيئاً ذا بال‪ .‬هذا يعني أ ّن ّ‬ ‫واملحدودة العدد التي مل نرتجمها من شعره إنمّ ا تندرج‬ ‫يف هوامش هذا الشّ عر أو يف ملحقاته‪ .‬وترينا املقطوعات‬ ‫التّالية كيف كان رامبو ال يتنازل عن مهاراته الشّ عريّة‬ ‫وطبيعته التأمل ّية حتّى يف نصوصه املكتوبة بروح دعابة‬ ‫ومن أجل املرح والتفكّه ال غري‪ .‬دعابة وتفكّه يعكسان‬ ‫أجواء امل َرح التي عاش فيها أثناء إقامته بباريس‪ ،‬والتي‬ ‫رسعان ما سيكتشف هو فراغها وعقمها عىل صعيد‬ ‫الحق‪( .‬من أجل معلومات إضاف ّية عن هذا‬ ‫اإلبداع ّ‬

‫ترجمت العمل الكلّي‬ ‫لرامبو‪ ،‬بمعنى العمل‬ ‫الناضج والذي تو ّجهه‬ ‫إرادة واعية أو صاحية من‬ ‫لدن الشاعر في التعبير‬ ‫عن ذاته والـتأسيس‬ ‫لشعر جديد‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪73‬‬


‫سجال‬

‫«األلبوم» وعن مجمل تجربة رامبو الباريس ّية‪ ،‬أنظر‬ ‫مق ّدمة املرتجم)‪».‬‬ ‫وكام يرى القارئ يف نهاية الحاشية‪ ،‬فث ّمة أيضاً يف تقدميي‬ ‫الشامل الذي يغطّي سبعني صفحة بالقطع الكبري‬ ‫معلومات أخرى عن هذا الدفرت‪ ،‬فهل هذه «إشارات‬ ‫غامض ٍة يف بعض املواضع» كام يزعم رفعت سالم؟‬ ‫ي ّدعي رفعت إذن أنّه أ ّول من ترجم هذا الدفرت الصغري‪،‬‬ ‫مع أ ّن ترجمتي األوىل‪ ،‬رغم تجاوزي لها‪ ،‬مل مت ّر مرور‬ ‫الكرام‪ ،‬ومع أنّه هو نفسه عارف بها‪ ،‬إذ سبق أن قرأت‬ ‫حوارا ً معه نُرش بعد صدورها وقبل صدور ترجمتي‬ ‫الجديدة بسنوات‪ ،‬يعلن فيه عن ن ّيته يف ترجمة أشعار‬ ‫رامبو ويعلّق بإيجاز وبدون ذكر اسمي عىل ترجمتي‬ ‫تلك‪ ،‬فكيف يريحه ضمريه إذ يقول إ ّن «هذه النصوص مل‬ ‫يسبق ترجمتها»؟‬ ‫أ ّما عن خياري يف الرتجمة‪ ،‬فقد ترجمت العمل الكليّ‬ ‫لرامبو‪ ،‬مبعنى العمل الناضج والذي تو ّجهه إرادة واعية‬ ‫‪74‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫أو صاحية من لدن الشاعر يف التعبري عن ذاته والـتأسيس‬ ‫يل‪ ،‬واملفردة‬ ‫لشعر جديد‪ .‬إىل جانب هذا العمل الفع ّ‬ ‫األخرية أساسيّة‪ ،‬هناك ما ميكن دعوته هوامش العمل شبه‬ ‫املق َحمة فيه‪ ،‬ال بل حتّى «نوافله» و«زياداته»‪ ،‬واملعذرة‬ ‫ملح ّبي عمل رامبو‪ ،‬وأنا بالطّبع منهم‪ ،‬إن كانت هذه‬ ‫حساسيتهم‪ .‬هي زيادات أو وزوائد شبيهة‬ ‫املفردات تثري ّ‬ ‫الشعري‪ ،‬والتي صنع منها‬ ‫بتلك التي لحقت عمل السيّاب‬ ‫ّ‬ ‫صاحب «دار العودة» مجلّدا ً كامالً سماّ ه املجلّد األ ّول من‬ ‫وزج فيه جميع محاوالت صباه‬ ‫أشعار الس ّياب الكاملة ّ‬ ‫الشعريّة التي ال تعدو يف أغلبها أن تكون متارين عروض ّية‬ ‫أو وجدان ّية‪ .‬أو كام يف أشعار محمود درويش األخرية التي‬ ‫مل يتس ّن له أن ينهيها أو يراجعها‪ ،‬والتي نُرشت بعد رحيله‬ ‫السجال أكرث مماّ أضافت إىل‬ ‫يف طبعة أثارت إشكاالتها من ّ‬ ‫الشعري العميق‪ .‬مثل هذه األعامل تفيد‬ ‫هدير نشيده‬ ‫ّ‬ ‫التوثيق ال غري‪ ،‬وقد بدا يل أ ّن التوثيق لصفحات رامبو‬ ‫هذه ميكن أن يتحقّق عرب اختيار أفضلها والكتابة عنها‬


‫كاظم جهاد‬

‫فإحدى مقطوعات رامبو هذه تتك ّون من سلسلة من‬ ‫نقديّاً‪ .‬قد أكون أخطأت‪ ،‬ولكن ملاذا أغفل رفعت سالم‬ ‫أسامء معارصيه من مخرتعني ومغامرين ومجرمني‪ .‬هي‬ ‫اإلشارة إىل دوافعي املعلنة‪ ،‬وكذلك إىل ترجمتي الكاملة‬ ‫معالجات ولدت يف ليايل سكر شديد تقاسمها وفرلني‪،‬‬ ‫لهذه الصفحات قبل سنوات؟ ملَ يا ترى «يتسلّل» مماّ‬ ‫الشعري بيشء يذكر وال يتوقّف‬ ‫وال يدين لها مجد رامبو‬ ‫يعتربه نواقص‪ ،‬ضارباً بعرض الحائط تعلياليت النقديّة ملا‬ ‫ّ‬ ‫عندها محلّلو عمله إالّ من باب التوثيق وملزيد من‬ ‫أقوم به وإشارايت النزيهة والواضحة املو ّجهة للق ّراء؟‬ ‫الطرافة‪ .‬ومع ذلك فسأعاود إدراجها يف الطبعة القادمة‬ ‫بقت إىل ترجمتها يف صيغة‬ ‫دمت َس ُ‬ ‫من ترجمتي‪ ،‬ما ُ‬ ‫طبعة جديدة‬ ‫كاملة منشورة قبل ما يقرب من عقد ونصف العقد من‬ ‫تعبت باألصل عىل‬ ‫قد أكون إذن أخطأت يف استبعاد ما ُ‬ ‫السنوات‪ .‬سأفعل ذلك حتّى ال يجعل اآلخرون من غياب‬ ‫يحق لرفعت‬ ‫ترجمته ونرشته يف البدء كامالً‪ ،‬ولكن ال ّ‬ ‫بعض صفحاتها كعب أخيل يتسلّلون منه لنسف ترجمتي‬ ‫رصف كام لو كنت أنا فارقت الحياة‪ ،‬أو كام‬ ‫سالم أن يت ّ‬ ‫لو مل يعد باستطاعتي وضع طبعة جديدة لرتجمتي أب ّدد لرامبو وإلسباغ صفة الكامل والسبق عىل محاوالتهم‬ ‫وحدها‪ .‬وأعرتف أ ّن يف وضعيّتي هذه قدرا ً من املأساويّة‬ ‫الصادقة بصدد هذا‬ ‫فيها إساءات الفهم املغرضة أو ّ‬ ‫كبريا ً‪ :‬إذ كان يف مقدوري أن أنسخ ترجمتي القدمية نسخاً‬ ‫والحق‪ ،‬فلقد جاء كالم‬ ‫العنرص من ترجمتي أو ذاك‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫لحظات‬ ‫ال غري‪ ،‬لك ّنني مل أشأ لهذه الصفحات املكتوبة يف‬ ‫رفعت يف لحظة مناسبة متاماً‪ ،‬هي لحظة نفاد الطبعة‬ ‫ٍ‬ ‫عبث وغري املمكنة القراءة من دون الحوايش أن تنحدر‬ ‫الثانية من ترجمتي الجديدة ألشعار رامبو‪ ،‬وها أنا أع ّد‬ ‫الع ّدة لوضع طبعة جديدة‪ ،‬أضيف إليها عديد الصفحات بعمل رامبو إىل مجال اإلسفاف‪ .‬كنت أجهل أ ّن أكرث الناس‬ ‫منادا ًة باملوضوعية ميكن أن يسعوا إىل تسويغ أعاملهم‪،‬‬ ‫الجديدة الهادفة إىل فهم رامبو بقدر أكرب من اإلحاطة‬ ‫إن مل أقل تسويقها‪ ،‬بتضخيم ما يع ّدونه «نقصاً» عند‬ ‫أو التع ّمق‪ .‬فرتجمة كهذه هي عمل ال ينتهي‪ .‬ولسوف‬ ‫اآلخرين‪.‬‬ ‫أستعيد فيها هذه الوريقات يف ترجمتها الكاملة وأعيد‬ ‫ال أقصد أ ّن رفعت سالم يسعى يف‬ ‫تعميق تأويلها مبا يتناسب‬ ‫ما يقول إىل تسويق عمله‪ ،‬إالّ أ ّن‬ ‫ومقامها يف هامش العمل‬ ‫يل‪ .‬ومن يراجع ترجمتي‬ ‫نيّة إعالء الذّات أو ّ‬ ‫الصنيع الذّايتّ‬ ‫الفع ّ‬ ‫إلى‬ ‫تعيدنا‬ ‫المسألة‬ ‫هذه‬ ‫بالغة الوضوح يف ترصيحاته‪.‬‬ ‫األوىل الكاملة والثانية‬ ‫وما أريد التأكيد عليه هو أ ّن‬ ‫الجزئية لهذه الصفحات‬ ‫أساسي‪ ،‬هو‬ ‫موضوع‬ ‫ّ‬ ‫هذه املسألة تعيدنا إىل موضوع‬ ‫يجد أنّني وضعت لهام من‬ ‫أسايس‪ ،‬هو هذا املتعلّق مبدى‬ ‫الحوايش ما يرفع عن هذه‬ ‫هذا المتعلّق بمدى حريّة‬ ‫ّ‬ ‫حريّة املرتجم وحدود مسؤوليّته‬ ‫وكل‬ ‫كل إشكال ّ‬ ‫الصفحات ّ‬ ‫ته‬ ‫ي‬ ‫مسؤول‬ ‫وحدود‬ ‫المترجم‬ ‫ّ‬ ‫النقديّة أمام ما يرتجم‪ .‬هل عليه‬ ‫غموض‪ ،‬فليس صحيحاً ما‬ ‫كل ما يجمعه النارشون‪،‬‬ ‫أن ينقل ّ‬ ‫يقوله رفعت عن استحالة‬ ‫النقديّة أمام ما يترجم‪.‬‬ ‫ألسباب توثيقية تار ًة وماديّة أو‬ ‫ترجمة هذه املقطوعات‪،‬‬ ‫هل عليه أن ينقل ّ‬ ‫انتفاعيّة تارة أخرى‪ ،‬من نصوص‬ ‫بل بالعكس هي من أوضح‬ ‫كل ما‬ ‫ِ‬ ‫كتابات أديب؟ هل‬ ‫شاعر أو‬ ‫ما تهيّأ يل أن أترجمه من‬ ‫الناشرون؟‬ ‫يجمعه‬ ‫كل ما تخطّه‬ ‫املبدع مبدع يف ّ‬ ‫شعر رامبو‪ .‬سوى أ ّن هذا‬ ‫يداه؟ هل ينبغي أن متنعنا‬ ‫الوضوح ال يتحقّق إالّ بفضل‬ ‫خطورة عمل رامبو وعظمته‬ ‫الحوايش الكثرية والطويلة‪،‬‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪75‬‬


‫سجال‬

‫يعلمون أ ّن مسألة السالسة‬ ‫من التساؤل حول أهميّة ما يُنسب‬ ‫يف الرتجمة والوضوح الكامل‬ ‫إليه من «خربشات» وزيادات؟ وما‬ ‫واالنسياب املطلق أو األقىص للغة‬ ‫معنى اآلثار الكاملة لشاعر؟ هل هي‬ ‫النص بحيث‬ ‫وترجمة‬ ‫الرتجمة‪،‬‬ ‫كل ما د ّونته يداه‪ ،‬يف لحظات الخلق‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يبدو كام لو كان األصل مكتوباً‬ ‫الشعري مثلام يف لحظات العبث‬ ‫ّ‬ ‫بالعربيّة‪ ،‬هذه كلّها بقايا فهم‬ ‫و»الغياب»؟ إذا كان ذلك كذلك‪ ،‬فلامذا‬ ‫عتيق للرتجمة تجاوزته نظريّاتها‬ ‫ومختصو النرش يف الغرب‬ ‫يفصل النقّاد‬ ‫ّ‬ ‫وأمناط مامرستها يف الغرب منذ‬ ‫يل أو الناضج وزوائد‬ ‫بني العمل الفع ّ‬ ‫للنص أن يبدو‬ ‫تريد‬ ‫كيف‬ ‫عقود‪.‬‬ ‫بالطبع‬ ‫أحد‬ ‫يقدر‬ ‫لن‬ ‫العمل أو نوافله؟‬ ‫ّ‬ ‫كام لو كان مكتوباً بالعرب ّية وهو‬ ‫أن يتّهمنا هنا بالته ّرب من الطبيعة‬ ‫مكتوب بلغة أخرى؟ وكيف تريد‬ ‫الساخرة أو من اللّغة الرجيمة لهذه‬ ‫له أن يأيت يف عربيّة سلسلة وهو‬ ‫الصفحات‪ .‬ذلك أ ّن عمل رامبو يف‬ ‫باألصل يناوئ السالسة وميارس‬ ‫أغلبه إن مل نقل كلّه ينضوي تحت لواء‬ ‫يف عباراته أو أبياته التفافات‬ ‫امل ُروق‪ .‬ولو كان األمر كذلك ملا اقرتبنا‬ ‫وتعقيدات دالّة تقف هي وعنارص أخرى وراء اعتباره‬ ‫من عمل رامبو أصالً‪.‬‬ ‫من مث ّوري لغته ومن مط ّوري اللّغة الشعرية بعا ّمة؟‬ ‫مسألة أخرى يف هذه املحاورة‪ :‬يركّز رفعت سالم عىل‬ ‫مسألة «السالسة» يف الرتجمة ويذهب به رضاه عن نفسه إ ّن الحديث بهذا الصدد ليطول‪ ،‬وسبق أن أطنبت يف‬ ‫«حصة الغريب – دراسة‬ ‫إىل ح ّد القول إ ّن «الناس اعتادت عىل جرش الحىص‬ ‫الكالم عنه أو عليه يف دراستي ّ‬ ‫يف شعرية الرتجمة وترجمة الشعر عند العرب»‪ ،‬التي‬ ‫راضني عىل مدى سنوات‪ ،‬وعندما جاءهم من يحل‬ ‫صدرت يف العام الفائت يف منشورات الجمل‪ ،‬برتجمة عن‬ ‫املشكلة فوجئوا فصار هو املتّهم»‪ .‬املقصود مبن «جاء‬ ‫الشاب مح ّمد أيت‬ ‫الفرنسية قام بها الفيلسوف املغر ّيب‬ ‫يحل املشكلة» هو رفعت نفسه طبعاً‪ .‬فهل مبقدوره‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ح ّنا وراجعها املؤلّف‪.‬‬ ‫أن يزعم بكامل ارتياح ضمريه ومبوضوعية كاملة أ ّن‬ ‫عودا ً إىل كالم رفعت سالم‪ ،‬من أجل االختتام‪ ،‬أرى أنّه لو‬ ‫العربية يف مجال الرتجمة كانت تفتقر قبله إىل مثل‬ ‫كان يتوخّى مطلق األمانة لكان بإمكانه القول‪« :‬سبق أن‬ ‫ظل جميع من سبقوه يتخ ّبطون‬ ‫هذه السالسة؟ وهل ّ‬ ‫ترجم كاظم جهاد هذه الصفحات ث ّم اكتفى يف ترجمته‬ ‫يف مجاهل املعنى ووعورة العبارة حتّى جاء هو ووجد‬ ‫الجديدة آلثار رامبو الشعريّة بانتقاء بعض منها‪ ،‬وليتَه‬ ‫السحري؟ سأكون أ ّول من يصفّق له إن كان األمر‬ ‫الحل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أعاد نرشها جميعاً!»‪ .‬هذا ما نراه يف أغلب املناقشات‬ ‫كذلك‪ ،‬لكن يبدو يل أ ّن يف هذه الدعوى تخايالً كبريا ً‪ .‬ث ّم‬ ‫ما معنى السالسة وما حدودها‪ ،‬وخصوصاً ما مثنها؟ وعىل األدبيّة الب ّناءة‪ ،‬يكمل فيها الكتّاب واملرتجمون بعضهم‬ ‫صنيع البعض بدل أن يخفوا ما ال ميكن إخفاؤه‪ ،‬أال وهو‬ ‫افرتاض أ ّن لغته سلسلة فعالً أو سلسة دامئاً‪ ،‬هل نال‬ ‫الوثيقة الناطقة واألثر املنشور‪ .‬فهم إن عملوا بإسرتاتيج ّية‬ ‫رفعت سالم هذه السالسة التي يبدو جاعالً منها عالمته‬ ‫الخاصة أو «ماركة» سلعته الرتجميّة‪ ،‬أقول هل نالها بفعل اإلخفاء والحذف هذه حكموا عىل أنفسهم وعىل صنيعهم‬ ‫ّ‬ ‫نضال دؤوب للحفاظ عىل معاين العمل وأشكاله يف آنٍ‬ ‫ذاته بالبقاء تحت طائلة الشّ بهة ومتعاظم الشّ كوك‪ .‬وهذا‬ ‫معاً أم بالتضحية بقدر منها قد يكرب أو يصغر؟ إ ّن الزميلة ما ال نرجوه ال لرفعت سالم وال لسواه‬ ‫امل ُحاوِرة تشري إىل يشء من ذلك‪ ،‬وأنا مل أطّلع عىل ترجمته‬ ‫ألديل برأيي يف هذا الشأن‪ .‬ث ّم إ ّن كثريين من ق ّراء العرب ّية‬ ‫‪76‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫مختارات‬

‫مختارات من شعر النساء‬ ‫في أميركا الالتينية‬ ‫اختارها وترجمها عن االسبانية‪ :‬وليد السويركي‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪77‬‬


‫مختارات‬

‫دولسي ماريا لويناز‬

‫(كوبا‪)1997-1902 ،‬‬

‫أحد أبرز الشاعرات يف كوبا وأمريكا‬ ‫الالتينية يف القرن العرشين‪ .‬بعد‬ ‫حصولها عىل درجة الدكتوراه‬ ‫يف القانون ‪ ،‬عملت كمحامية حتى العام ‪ . 1961‬نرشت‬ ‫مجموعتها الشعرية األوىل عام ‪ 1938‬بعنوان «أبيات»‪ .‬من‬ ‫أعاملها األخرى‪ :‬قصائد بال اسم‪ ،1953 ،‬وألعاب مائية ‪.1951‬‬ ‫حازت جائزة رسفانتس عام ‪.1992‬‬

‫امرأ ٌة من دخان‬

‫أ ّيها الرجل الذي يق ّب ّلني!‬ ‫ّمثة دخان عىل شفتيك‪،‬‬ ‫أ ّيها الرجل الذي يحضنني!‬ ‫مثة ريح بني يديك‪،‬‬ ‫أنت س َددَت الدرب‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫واصلت إىل البعيد‪،‬‬ ‫وأنا‬ ‫أنت ش ّيدت برجا‪ً،‬‬ ‫وأنا واصلت الغناء‪،‬‬ ‫أنت حفرت األرض‪،‬‬ ‫وأنا عبرَ ُت عىل مهلٍ ‪،‬‬ ‫أنت بنيت جداراً‪،‬‬ ‫وأنا طرت مح ّلق ًة‪،‬‬ ‫أنت لديك السهم‬ ‫وأنا لديّ الفضاء؛‬ ‫يدُك من فوالذ‬ ‫وقدمي من حرير‪...‬‬ ‫حبس‬ ‫يدُ َت ُ‬ ‫وقدم لَ ٌ‬ ‫دنة تهرب‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫السهم!‬ ‫لقد أطلق‬ ‫ُ‬ ‫(الفضاء شاسع)‪...‬‬ ‫أنا ما ال يبقى وال يعود‪،‬‬ ‫‪78‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫أنا ما يذوب يف ّ‬ ‫كل يشء‪،‬‬ ‫ما ال يوجد يف أيّ مكان‪...‬‬ ‫يف العتمة أضيع‪،‬‬ ‫وأضيع يف النور‪،‬‬ ‫يف ّ‬ ‫كل دقيقة مت ّر‪ ...‬يف يديك‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫دخان يتعاظم‬ ‫ٌ‬ ‫ناعم م ْمتدْ‪،‬‬ ‫دخان ٌ‬ ‫ما ْإن كبرُ حتّى انكرس‬ ‫عىل صفحة سام ٍء شاحبة‪...‬‬ ‫أ ّيها الرجل الذي يق ّب ّلني‬ ‫عبثاً تفعل!‬ ‫أ ّيها الرجل الذي يحض ُننُي!‬ ‫ال يشء بني ذراعيك‪.‬‬ ‫الحب المتأ ّ‬ ‫خر‬ ‫نشيد‬ ‫ّ‬

‫الحب الذي أىت ّ‬ ‫متأخراً‪،‬‬ ‫أ ّيها ّ‬ ‫امنحني‪ ،‬عىل األقل‪ ،‬السكينة‬ ‫الحب ّ‬ ‫املتأخر‪ ،‬أيُّ درب تائ ٍه‬ ‫أ ّيها ّ‬ ‫قادك إىل عزلتي؟‬ ‫الحب الذي سعى إ ّيل وما طلبته!‬ ‫أيها ّ‬ ‫لست أدري أيهام أمثن‪:‬‬ ‫الكالم الذي ستقول يل أم الذي لن أقول‪...‬‬ ‫الحب! أال تشعر بالربد؟‬ ‫أ ّيها ّ‬ ‫أنا القمر؛ املوت األبيض عندي‪،‬‬ ‫والحقيقة البعيدة‪...‬‬ ‫ال تهبني ورودك النرضة‪،‬‬ ‫أنا أكرث رصانة من ذلك؛ َف ْلتَه ْبني‬ ‫البحر‪...‬‬ ‫الحب الذي جاء متأخراً! أنت‬ ‫أ ّيها ّ‬ ‫مل ترين باألمس‪،‬‬ ‫حني كنت أغنّي يف حقول‬ ‫القمح‪...‬‬ ‫حب صمتي‬ ‫فال ُت ْب ِكني اليوم‪ ،‬يا َّ‬ ‫وتعبي!‬


‫شعر النساء في أميركا الالتينية‬

‫ليخاندرا بيثارنك‬

‫(األرجنتني‪)1972-1936 ،‬‬ ‫أشهَر شاعرة أرجنتينية يف القرن‬ ‫العرشين‪ .‬تح ّولت بعد موتها‬ ‫املب ّكر منتحر ًة إىل أسطورة أدبية‪.‬‬ ‫بعد دراسة األدب والفلسفة يف االرجنتني انتقلت إىل‬ ‫باريس حيث ارتبطت بصداقات مع خوليو كورتاثار و‬ ‫أكتافيو باث وايتالو كالفينو وروجيه كايوا‪ .‬تسيطر عىل‬ ‫أشعارها موضوعات االغرتاب و العجز عن التواصل مع العامل‬ ‫الخارجي‪ .‬من أعاملها‪ :‬شجرة ديانا‪ ،1962 ،‬األشغال والليايل‪،‬‬ ‫‪ ،1965‬وجحيم املوسيقى‪.1971 ،‬‬

‫اليقظة‬

‫س ّيدي!‬ ‫ً‬ ‫لقد صار القفص عصفورا وطار‪،‬‬ ‫و جنّ قلبي ؛ صار ينادي املوت‪،‬‬ ‫ويبتسم لهذياين‪ ،‬من وراء الريح‪...‬‬ ‫فامذا أفعل بخويف؟‬ ‫ماذا أفعل بخويف؟‬ ‫ما عاد ّ‬ ‫الضوء يرقص يف ابتسامتي‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫تشعل ميام أحالمي‪،‬‬ ‫وال املواسم‬ ‫يداي تع ّرتا‬ ‫ومضتا إىل هناك؛‬ ‫حيث ُ‬ ‫املوت يع ّل ُم املوىت الحياة‪...‬‬ ‫س ّيدي!‬ ‫الفضاء يح ّد وجودي‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫ومن ورائه ّمثة وحوش ترشب دمي؛‬ ‫إ ّنها الكارثة؛ ساع ُة الفراغ بال فراغ؛‬ ‫شفتي؛ ألسمع رصخات املحكومني؛‬ ‫لقد آن األوان ألطبق ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫وأتأ ّمل ّ‬ ‫كل واح ٍد من أساميئ املعلقة يف العدم‪...‬‬ ‫س ّيدي!‬ ‫أتذ ّكر طفولتي ‪،‬‬

‫آن كنت عجوزاً‪ُ ،‬تحترض األزهار بني يديْ ؛‬ ‫ّ‬ ‫ألن رقصة فرحي ال ّربية‬ ‫كانت تد ّمر منها القلب‪،‬‬ ‫شموس معتم ٍة‬ ‫أتذ ّكر صباحات‬ ‫ٍ‬ ‫آن كنت بنتاً صغرية‪،‬‬ ‫كان ذلك البارحة‪،‬‬ ‫كان ذلك منذ عصور‪...‬‬ ‫س ّيدي!‬ ‫قد صار القفص عصفوراً‬ ‫والتهم آمايل‬ ‫س ّيدي!‬ ‫صار القفص عصفوراً‬ ‫فامذا سأفعل بخويف؟‬ ‫ماذا سأفعل بخويف؟‬ ‫عتمة المياه‬

‫ُ‬ ‫يسقط يف حلمي‪ .‬تسقط الكلامت‬ ‫أصغي لصوت املاء‬ ‫َ‬ ‫عيني‪ ،‬أسبح‬ ‫كاملاء‪ ،‬وأنا أسقط‪ُ .‬‬ ‫أرسم يف َّ‬ ‫عيني شكل ْ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫فيهام‪ ،‬وأبوح يل ِب َص ْمتي‪ .‬أنتظر طيلة الليل أن تشكلني‬ ‫لغتي وأف ّكر بالريح القادمة إ ّيل‪ ،‬الريح الدامئة ّيف‪ .‬طيلة‬ ‫ُ‬ ‫مشيت تحت املطر املجهول‪ .‬لقد وهبوين صمتا‬ ‫الليل‪،‬‬ ‫محتشداً باألشكال والرؤى(تقولني)‪ ،‬وتركضني جريحةً‬ ‫ّ‬ ‫كالطائر الوحيد يف ال ّريح‪.‬‬ ‫مقاطع من «شجرة ديانا»‬ ‫‪1‬‬

‫قفزت منّي إىل الفجر‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫تركت جسدي قرب الضوء‬ ‫ّيت َ‬ ‫وغن ُ‬ ‫حزن ما يولد‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫ُ‬ ‫‪،‬أصوغ الليل‪،‬‬ ‫طيل َة الليل‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪79‬‬


‫مختارات‬

‫طيلة الليل‪ ،‬تهجرين أنت ببطء‬ ‫كام يسقط املاء ببطء‪،‬‬ ‫طيلة الليل ‪ ،‬أكتب الليل‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫ال أعرف الطيور‪،‬‬ ‫ال أعرف تاريخ النار‪،‬‬ ‫لكني أظنّ ‪ :‬كان ينبغي أن يكون لعزلتي جناحان‬ ‫ّ‬ ‫خوليا دي بورخوس‬

‫(بورتوريكو‪)1953-1917 ،‬‬ ‫أهم شاعرات أمريكا‬ ‫تع ّد إحدى ّ‬ ‫الالتينية‪ .‬مت ّيزت قصائدها مبزيج‬ ‫بارع من الغنائية املتدفقة والنزعة‬ ‫االجتامعية‪ .‬دافعت بحامس عن استقالل بورتو ريكو وعن‬ ‫الحقوق املدنية للنساء والسود و املهمشني‪ .‬من أبرز أعاملها‪:‬‬ ‫أغنية الحقيقة البسيطة ‪ ،1940‬والبحر وأنت‪ ،‬الذي صدر عام‬ ‫‪، 1953‬بعد موتها‪.‬‬

‫الفجر‬

‫تباش ُري فج ٍر‪،‬‬ ‫كجدولٍ يغوص يف النبع‪،‬‬ ‫كنجم ٍة‪،‬‬ ‫كيامم ٍة يف سام ٍء من أجنحة‪.‬‬ ‫هذه ال ّليلة مضت‪،‬‬ ‫تباش ُري فج ٍر‪ ،‬شب ُه بد ٍر بني الجبال‪،‬‬ ‫غصن‪،‬‬ ‫كإحساس ُسنو ُن َو ٍة آن تنقر وه َمها عىل ٍ‬ ‫حب يف راحت َْي‪،‬‬ ‫فج ٌر يطلع‪ ،‬ميامتا ٍّ‬ ‫بال أجنحة للهرب؛‬ ‫حب‪،‬‬ ‫تستعيد الروح شعورها‪ ،‬يف رعشة ٍّ‬ ‫فتح ّلقان طاهرتينْ ‪.‬‬ ‫أ ّيتها الليلة املنتزعة من الزمن املعاد!‬ ‫‪80‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫أ ّيتها املدينة! يا سجينة األرواح العالي ّة!‬ ‫إ ّنك تكرسين روحي كالضوء وتحبسني عاطفتي‬ ‫كالسجن‪،‬‬ ‫األبكم البعيد!‬ ‫الحب‬ ‫أيها ّ‬ ‫ُ‬ ‫يا صوت األضاليا الخجول‪ ،‬الضعيف!‬ ‫هكذا أريدك‪ :‬قريباً دون أن أعرف أ ّنك عىل باب‬ ‫الصبح‪،‬‬ ‫ِبش ْب ِه ابتسام ٍة‪ ،‬متفتّحاً بني الضحكات ويف لَ ِعب األضواء‪،‬‬ ‫قرب الفجر‪.‬‬ ‫‪ ‬إلى خوليا دي بورخوس‬ ‫‪ ‬‬ ‫يهمس الناس بأ ّنني عد ّوتك؛‬ ‫أنت؛‬ ‫ألنيّ ‪ ،‬يف شعري‪ ،‬أقدّم للعامل أناك ِ‬ ‫لكنهم يكذبون يا خوليا دي بورخوس‪ ،‬يكذبون يا خوليا‬ ‫دي بورخوس‪،‬‬ ‫ليس صوتك ما يعلو يف أشعاري‪ ،‬بل صويت أنا‪،‬‬ ‫ذاك أل ّنك الرداء وأنا الجوهر‪ ،‬وبيننا الهاوية األبعد غوراً‪،‬‬ ‫أنت دمية الكذب االجتامعي الباردة‪،‬‬ ‫وأنا رشارة حقيقة اإلنسان القو ّية؛‬ ‫أنت عسل النفاق املجامل وأنا أع ّري قلبي يف ّ‬ ‫كل‬ ‫قصائدي‪،‬‬ ‫أنان ّي ٌة كعالَمك أنت‪ ،‬وليس أنا‪ -‬التي أقامر بكل يشء‬ ‫ألكون أنا‪،‬‬ ‫لست سوى الس ّيدة الرصينة الراقية‪ ،‬وليس أنا التي هي‬ ‫ِ‬ ‫الحياة‪،‬‬ ‫القوة‪ ،‬واملرأة‪،‬‬ ‫أنت ملك زوجك‪ ،‬عشيقك‪ ،‬وليس أنا‪،‬‬ ‫أنا لست ألحد‪ ،‬أو أنا للجميع؛ وال ّنني للجميع‪،‬‬ ‫بنقي مشاعري وأفكاري‬ ‫أهب للجميع نفيس‪ِّ ،‬‬ ‫ُتج ّعدين شعرك وتصبغني وجهك‪ ،‬و ُتج ّعد الريح شعري‬ ‫أنا‪،‬‬ ‫ووحدها الشمس ت ّلوح برشيت‪،‬‬ ‫املدجنّة‪ ،‬املستسلمة‪ ،‬الخاضعة‪،‬‬ ‫أنت الس ّيدة ّ‬


‫شعر النساء في أميركا الالتينية‬

‫املق ّيدة بأحكام الرجال املسبقة‪ ،‬وليس أنا‬ ‫أنا روسينانتي‪ ،‬تعدو جامح ًة‪ّ ،‬‬ ‫تتنشق آفاق العدالة‬ ‫اإللهية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫والكل يقودك‪،‬‬ ‫لست اآلمرة يف ذاتك‪،‬‬ ‫القس‪ ،‬صانعة الق ّبعات‪،‬‬ ‫فيك يأمر الزوج‪ ،‬والداك‪ّ ،‬‬ ‫املرسح‪،‬الكازينو‪ ،‬الس ّيارة‪ ،‬الح ّ‬ ‫يل‪ ،‬الوليمة‪،‬‬ ‫السامء والجحيم‪ ،‬وما يدعونه خري املجتمع؛‬ ‫القلب وحده يأمر‪،‬‬ ‫ففي ُ‬ ‫أ ّما أنا َّ‬ ‫فكري وحده يحكم‪ ،‬من يأمر ّيف هو أنا‪،‬‬ ‫‪ ‬أنت زهرة األرستقراطية وأنا زهرة الشعب‬ ‫أنت التي متلكني ّ‬ ‫كل يشء وتدينني به للجميع‪،‬‬ ‫أما أنا فال أدين ألح ٍد بيشء‪،‬‬ ‫أنت‪ ،‬املتش ّبثة بنصيب األجداد الثابت‪،‬‬ ‫وأنا الرقم واحد؛ القاسم املشرتك للجميع‪،‬‬ ‫أنا وأنت املبارز ُة حتى املوت‪ ،‬القريبة حت ًام‪،‬‬ ‫حني ستهرع الجموع متم ّردة‪،‬‬ ‫مخ ّلفة وراءها رماد الظلم املحرتق؛‬ ‫حني ستجري الجموع مبشعل الفضائل السبع‪ ،‬بعد‬ ‫الخطايا السبع‪،‬‬ ‫ضدّك وض ّد ّ‬ ‫كل ما هو جائر وعديم اإلنسان ّية يف هذا‬ ‫العامل‪،‬‬ ‫سأكون يف القلب منها‪ ،‬واملشعل يف يدي‬ ‫‪ ‬‬

‫سيسيليا ميريليس‬

‫(الربازيل‪)1964-1901( ،‬‬ ‫ُتع ّد واحدة من أهم شعراء املرحلة‬ ‫الثانية من الحداثة الربازيلية‪ ،‬ومن‬ ‫أبرز األسامء النسو ّية يف الشعر‬ ‫املكتوب باللغة الربتغالية‪ .‬عملت يف الصحافة والتعليم‪ .‬عرفت‬ ‫بأسلوبها الذي ميزج بني تأثريات الرمز ّية األوروب ّية والروحانيات‬ ‫الرشق ّية‪ .‬من أبرز أعاملها‪ :‬أطياف‪،1919،‬و سفر‪.1939‬‬

‫سبب‬ ‫إ ّنني أغنّي؛‬ ‫ألن اللحظة حارضة‪ٌ،‬‬ ‫َ‬ ‫وحيايت كاملة‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫مبتهجة أنا وال حزينة؛ بل شاعرة‪،‬‬ ‫ال‬ ‫أخت األشياء الهاربة أنا‪،‬‬ ‫أحس وال بالفرح‪،‬‬ ‫ال بالعذاب ّ‬ ‫ويف الريح أعرب األيام والليايل‪،‬‬ ‫لست أدري لست أدري إن كنت أهدم أم أبني‪،‬‬ ‫أدوم أم أتف ّكك‪،‬‬ ‫لست أدري إن كنت باقية أم راحلة؛‬ ‫لكنّي أعرف أ ّنني أغنّي‪،‬‬ ‫واألغنية هي ّ‬ ‫كل يشء؛‬ ‫دم أبديّ ‪،‬‬ ‫فللجناح املو ّقع ٌ‬ ‫أعرف أ ّنني ذات يوم سأصاب بالخرس‪-‬ال أكرث‪.‬‬ ‫مستقبل‬

‫ال ب ّد من ساعة صفاء يف النهاية‪،‬‬ ‫آن ترتاح األجساد املستسلمة تحت الصخور‬ ‫مثل أقنعة ُطمرت تحت الرتاب‪،‬‬ ‫ولربمّ ا نرى خلل الجذور‪ ،‬بعيون مغمضة‬ ‫كام ال يقدر أحد أن يرى فوق األرض‪،‬‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪81‬‬


‫مختارات‬

‫لفرط ما تبهرنا األضواء‬ ‫وسنسأل‪ :‬أكان هذا هو صمتك‪ ،‬إذن؟‬ ‫سنسأل‪ :‬أهكذا كان ق��بك‪ ،‬إذن؟‬ ‫آه! لن نكون عندها سوى صو ٍر باطلة‪،‬‬ ‫ملقاة يف الطني‪،‬‬ ‫يف الصمت والوحدة ذاتهام‪،‬‬ ‫تتوس ّد الذكريات‬ ‫بالنكا فاريال‬

‫(البريو‪)2009-1926،‬‬ ‫مواليد ليام‪ .‬عاشت لفرتة يف فرنسا‬ ‫حيث ارتبط بصداقة قوية مع سارتر‬ ‫وسيمون دي بوفوار‪ .‬قدّم أوكتافيو‬ ‫باث ملجموعتها األوىل مشيداً برصامة‬ ‫البناء الشعري لديها وبقدرتها عىل التجديد يف آن معاً‪ .‬نالت‬ ‫العديد من الجوائز يف أمريكا الالتينية وأووربا‪ .‬من أعاملها‪:‬‬ ‫ذاك الباب موجود‪ ،1950،‬وكتاب الصلصال‪.1986 ،‬‬

‫‪82‬‬

‫ْأن أتع ّلم التفكري‬ ‫يف الصغري‪،‬‬ ‫ويف العظيم؛‬ ‫يف النجوم القص ّية‪ ،‬الثابتة‪،‬‬ ‫هارب‬ ‫يف السامء املب ّقعة كحيوان ٍ‬ ‫مذعوراً منّي‬ ‫لوث ماري خيرالدو‬

‫(كولومبيا (‪) 1950-‬‬

‫شاعرة‪ ،‬ناقدة أدبية‪ ،‬وأستاذة‬ ‫جامعية‪ُ .‬ترجمت أشعارها‬ ‫لإلنجليزية‪ ،‬والفرنسية واإليطالية‬ ‫وشاركت يف العديد من املهرجانات‬ ‫الشعرية العاملية‪ .‬أصدرت خمس‬ ‫مجموعات شعرية نذكر منها‪ :‬درب األحالم‪ ،1981 ،‬الزمن‬ ‫صار قصيدة‪ ،1994 ،‬و بطاقات بريدية‪.2007 ،‬‬

‫‏‪CV‬‬ ‫لِ َن ُق ْل أ ّن َك ربحت السباقَ‬ ‫ّ‬ ‫وأن الجائزة كانت سباقاً آخر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ترشب نخب االنتصار؛‬ ‫أنك مل ْ‬ ‫بل ملح جسدك‪،‬‬ ‫هتاف الحشود قط؛ّ‬ ‫تسمع َ‬ ‫أ ّنك مل‬ ‫ْ‬ ‫بل نباح الكالب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وأن ظ ّلك‪ ،‬ظ َّلك أنت‬ ‫كان منافسك الوحيد‪ ،‬واملخادع‪.‬‬

‫بينيلوب‬ ‫فيام تحلم يقظة‪ً،‬‬ ‫ُت ُ‬ ‫غمض عينيها وتنقض الزمن‪:‬‬ ‫ضم وترفو؛‬ ‫َت ّ‬ ‫تنسج لحاف العمر بخيط حري ٍر‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫وتنكث ثوب الغياب‪،‬‬ ‫الن ّْساجة؛‬ ‫حاممة األمل‪،‬‬ ‫تخرتع طائراً يغنّي‬ ‫حني ينتهي الضوء‪.‬‬

‫ال ّ‬ ‫أن أموت أكثر قلي ً‬ ‫كل يوم‬ ‫ْ‬

‫منظرٌ قاحل‬

‫ْأن أموت أكرث قلي ًال ّ‬ ‫كل يوم‪،‬‬ ‫أقص أظافري‪،‬‬ ‫ْأن ّ‬ ‫شعري‪،‬‬ ‫ورغبايت؛‬

‫لو ُو ِجدت امرأ ٌة يف هذا املشهد‬ ‫فستكون وحيدة‪،‬‬ ‫ولو وجد ٌ‬ ‫رجل فسيكون رج ًال وحيداً‪،‬‬ ‫ّمثة عصفو ٌر‪ ،‬أمام شجرة‪ ،‬يد ّرب العزل َة‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫شعر النساء في أميركا الالتينية‬

‫ّ‬ ‫الجاف‬ ‫بنشيده‬ ‫الرجل واملرأة‪،‬‬ ‫وحيدين‪ ،‬بال اكرتاث بالسامء وبالنجوم‪،‬‬ ‫يصغيان إىل نشيد العصفور‪.‬‬ ‫ال طائرٌ يأتي‬

‫«طائ ٌر أنا‪،‬‬ ‫أح ّلق ّيف‪».‬‬ ‫امربتو أكابال‪.‬‬ ‫ما من طائ ٍر جدي ٍد يغنّي يف الحلم‪،‬‬ ‫ما من مكانٍ بعدُ للنسيان‬ ‫ومحال أن توجد ٌ‬ ‫عتمة أشدّ‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫تصطك‪.‬‬ ‫العظام‬ ‫ال متّسع ألغني ٍة يف هذه السامء الحالكة‪،‬‬ ‫ال ّ‬ ‫قط ٌة تأيت‬ ‫وال طائ ٌر ليغنّي الحداد الحزين‬ ‫ال يأيت طائر إىل هذا املكان البارد؛‬ ‫ال يأيت‪،‬‬ ‫ال طائر يح ّلق‬ ‫أو يغنّي يف ّ أعامق أيّ أحد‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫تصطك‬ ‫العظام‬

‫ماريا مرسيدس كارّانزا‬

‫كولومبيا(‪)2003-1945‬‬

‫أبرز األصوات املعبرّ ة عن الحساسية‬ ‫الجديدة يف الشعر الكولومبي‬ ‫املعارص‪ .‬ترتدّد يف أصداء شعرها‬ ‫أجواء العنف واملوت التي فرضتها‬ ‫الحرب األهلية غري املعلنة يف بالدها‪.‬‬ ‫عاشت لفرتة يف اسبانيا صحبة والدها الذي كان دبلوماس ّياً‬ ‫حيث تع ّرفت إىل بابلو نريودا وداماسو الونسو‪ّ .‬أسست بيت‬ ‫الشعر «سيلفا» وأدارته لسنوات طويلة حيث أصبح أحد أهم‬ ‫املنابر الشعرية كولومبيا وأمريكا الالتين ّية‪ .‬من أبرز أعاملها‪:‬آالم‬ ‫وقصائد أخرى‪ ،1972،‬و مرحباً أ ّيتها العزلة‪.1987،‬‬

‫استراحة الحا ّج‬

‫ما هذه ُ‬ ‫األرض‪،‬‬ ‫حيث يتج ّول العميان‬ ‫يف قافلة سوداء‬ ‫متعثرّ ين‪ ،‬تائهني ‪،‬يتل ّمسون الدرب‬ ‫بني الحطام‪ ،‬وفوق شواهد القبور؟‬ ‫إ ّنها أريض‪ ،‬أ ّيها الس ّيد‪،‬‬ ‫هنا‪ ،‬ثمّ ة أ ّي ٌام صافية كجبني طفلٍ يحلم‪.‬‬ ‫وما هذي الجزر‪،‬‬ ‫حيث تطوف األشباح وتح ّلق لي ًال عىل وقع‬ ‫بكاء األرامل‪،‬‬ ‫اس الحزن؟‬ ‫وحيث تقرع الكنائس أجر َ‬ ‫لقد ُ‬ ‫ولدت هنا‪ ،‬أ ّيها الس ّيد‪،‬‬ ‫وهنا أح ّبتني فتا ٌة‬ ‫بجسدها املشمس‪.‬‬ ‫ما هذا الوطن‪ ،‬حيث تنحدر األنها ُر مثقل ًة باملوىت؟‬ ‫فن ترفرف فوقها راية الطاعون؟‬ ‫كس ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫الغربان‬ ‫وملاذا ‪ ،‬يف مشافيه و ساحاته‪ ،‬تحوم‬ ‫والحدآت وطيور الواق فوق قباب املقابر ود ّوارات‬ ‫الريح؟‬ ‫يل بيت هنا‪ ،‬أ ّيها الس ّيد‪،‬‬ ‫تختلط يف ّ‬ ‫كل يشء فيه األحال ُم والكلامت‪.‬‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪83‬‬


‫آنا ماريا روداس‬

‫(غواتيامال‪) 1937- ،‬‬

‫ما هذي األرض التي ما ْإن نكاد ندوسها حتى ُتك ّمم‬ ‫أفواهنا؟‬ ‫ما هذا املكان الذي ال تجرؤ عىل نطق اسمه؟‬ ‫إ ّنه مكاين‪،‬أ ّيها الس ّيد‪،‬وقدري‪.‬‬ ‫للحب‬ ‫نشي ٌد‬ ‫ّ‬

‫بعد ظهر ي ٍوم لن تنساه أبداً‬ ‫يأيت إىل بيتك ويجلس إىل مائدتك‪،‬‬ ‫و يحتل شيئاً فشيئاً مكانه يف ّ‬ ‫كل غرفة‪،‬‬ ‫ويرتك آثاره عىل األثاث‪،‬‬ ‫يبعرث املالءات ويبعج مخدّتك‪،‬‬ ‫نسيج السنوات الغايل‪،‬‬ ‫تعتنق كتبك ‪ُ ،‬‬ ‫ذو َقه حتّى تشبهه‪،‬‬ ‫و تبدّل الصور العتيقة أماكنها‪،‬‬ ‫عينان ُأخريان ترقبان عاداتك‪،‬‬ ‫مجيئك وذهابك بني الجدران واملعانقات‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫أصوات يومك وروائحه‪،‬‬ ‫وتغدو أخرى‬ ‫يوم لن تنساه‪،‬‬ ‫بعد ظهرية ٍ‬ ‫رأس‬ ‫يخرج ذاك الذي قلب بيتك عقباً عىل ٍ‬ ‫واحت ّله متاما‬ ‫من الباب دون أن يودّعك‪،‬‬ ‫فيكون عليك أن تعيد ترتيب البيت‪،‬‬ ‫أن تصلح األثاث ّ‬ ‫وتنظف الجدران‪،‬‬ ‫أن تغيرّ األقفال ومتزّق الصور‪،‬‬ ‫أن تكنس ّ‬ ‫كل يشء وتواصل الحياة‪.‬‬ ‫‪84‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫أستاذة األدب يف جامعة رافاييل‬ ‫النديفار‪ .‬عرفت كشاعرة يف البدايات‬ ‫عرب مساهامتها يف مجلة «الريو»‬ ‫عام ‪ .1970‬م ّثل شعرها املتم ّرد‬ ‫قطيعة مع كتابة املرأة التقليدية‪.‬‬ ‫ترجمت أشعارها إىل عدة لغات أوروبية‪ .‬إىل جانب‬ ‫الشعر‪ ،‬تكتب القصة القصرية واملقال الصحفي‪ .‬من أعاملها‬ ‫الشعرية‪ :‬قصائد اليسار اإليروتييك‪ ،1973،‬نهاية األحالم‬ ‫واألساطري‪،1984،‬وعصيان ماريانا‪.1993،‬‬

‫أعلم ذلك‬ ‫لن أخوض أبداً‬ ‫الحب‬ ‫حرب‬ ‫ٍ‬ ‫عصابات إال يف ّ‬ ‫فأنا لليسار االيروتي ّ‬ ‫يك أق َر ُب‬ ‫ذاك الذي يفرغ مخازن رصاصه ض ّد النظام؛‬ ‫و يجهد نفسه بالتبشري بإنجيلٍ عفا عليه الزمن‪،‬‬ ‫سينتهي يب األمر كذلك املجنون الذي ُقذف به‬ ‫يف صحراء السيرّ ا؛‬ ‫لكنّ نضايل ليس سياسياً يخدم اإلنسان ّية‬ ‫ولذا لن ُتنرش يوم ّيايت أبداً‪،‬‬ ‫ولن يجعلوا من صوري وملصقايت صناعة استهالك ّية‪.‬‬ ‫من ّ‬ ‫حق الجميع‬ ‫ْأن يعبرّ عن رأيه‪،‬‬ ‫رشط أن يتفق ذلك‬ ‫مع القوانني‪ ،‬والتقاليد‪ ،‬والزمالء‪،‬‬ ‫ورب العمل الذي يدفع الراتب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫والجار املقابل‪ ،‬والحكومة‪.‬‬ ‫السيدة هالك‬ ‫أنا امرأة عجيبة‬ ‫حني تثور أعصايب‬ ‫أغدو أكرب حج ًام‪ ،‬يخضرّ لوين‪،‬‬ ‫وأمزّق ّ‬ ‫كل يشء‪ ،‬ولكن يف داخيل‪.‬‬


‫شعر النساء في أميركا الالتينية‬

‫بيل بيكسبي‬ ‫يفعل ّ‬ ‫كل ذلك‪،‬‬ ‫لكنّه رجل‪،‬‬ ‫ولذا يفعله يف الخارج‪.‬‬ ‫حسن ًا‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫متقلبة‬ ‫نزقة أنا‪ ،‬غيورة‪،‬‬ ‫وماجنة‬ ‫ماذا كانوا ينتظرون‪:‬‬ ‫أن يكون يل عينان‪ ،‬غدد‪ّ ،‬‬ ‫مخ‪،‬‬ ‫وثالثون عاماً‪،‬‬ ‫ثم أحيا كشجرة رس ٍو يف مقربة؟‬ ‫ّ‬ ‫سوزي ديلغادو‬

‫(باراغواي‪) 1949-،‬‬

‫حصلت عىل إجازة يف اإلعالم عام‬ ‫‪ .1970‬تدير القسم الثقايف يف‬ ‫جريدة ال ناسيون الباراغوانية‪.‬‬ ‫تكتب بلغةالغواراين (لغة سكان‬ ‫البالد األصل ّيني) وترتجم شعرها‬ ‫بنفسها إىل اإلسبانية‪ .‬نرشت ما يزيد عن عرش مجموعات‬ ‫ونالت العديد من الجوائز ‪ .‬من أعاملها‪ :‬قرب النار‪،1992 ،‬‬ ‫عن قبلة الريح‪،199 ،‬و الدم املزهر‪.2002 ،‬‬

‫‪1‬‬

‫بلد مشطور ٌ الثنني أنا‬ ‫تجري يف شطره األكرب‪ ،‬عرب مياه عميقة‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫وميتات رس ّية‬ ‫حيوات‬ ‫الحلم أريض األكرث يت ًام وهشاشة‪ ،‬لكنّها‬ ‫ويسكن ُ‬ ‫صامدة ‪.‬‬ ‫حلم يقتات ع ّ‬ ‫يل؛‬ ‫ٌ‬ ‫ويف الشطر اآلخر‪ ،‬يحكم األمل ‪:‬‬ ‫سكيناً صدئة‪ ،‬لكن كم ج ّرحت!‬ ‫و مع كل جرح كانت أحدُّ نصال‪،‬‬

‫مشطورة الثنني أنا‬ ‫َك َقدري‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫الحب‬ ‫حني ال يعود ّمثة مكان للتعب‪ ،‬وينحني ُّ‬ ‫مقلعاً عن االنتظار؛‬ ‫تلك العادة العبث ّية‪،‬‬

‫حني يذوي ِّ‬ ‫الشع ُر‬ ‫ّ‬ ‫ألن للمساء لون العدم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وألن ّمثة أمل صغري ال يتذكره أحد‪،‬‬ ‫حني يأيت الليل م ّرة أخرى‬ ‫مثل برئ سوداء هائلة‪،‬‬ ‫تصمت ّ‬ ‫ُ‬ ‫كل األصوات‬ ‫حني‬ ‫وال يناديني صوتك‪،‬‬ ‫عندها‪ ،‬ال يكون بوسعي‬ ‫َ‬ ‫أخدش الصمت‪،‬‬ ‫إلاّ أن‬ ‫وأح ّبك‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫ُ‬ ‫يوم آخر‬ ‫أوصدت َ‬ ‫أبواب ٍ‬ ‫وعُ دت ألمدِّد يف الرسير الخايل‬ ‫تلك الجذوة املحكوم َة باملوت‪ ،‬ال محالة ‪،‬‬ ‫يوم آخر مىض عىل رسيري‪ ،‬عىل جسدي‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫بال ح ّبك يع ُرب بهام إىل النسيان‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫قطعت شوطاً عىل درب غيابك‪،‬‬ ‫ها قد‬ ‫فيام تلك الجذوة تشيخ‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪85‬‬


‫مختارات‬

‫لينا ثيرون‬

‫(املكسيك‪)1959-( ،‬‬

‫حاصلة عىل شهادة يف العالقات‬ ‫الدولية‪ .‬تكتب يف القسم الثقايف يف‬ ‫صحف مكسيكية مثل ‪،Financiero‬‬ ‫واإلسبانية مثل ‪، BOLIGRAFO‬‬ ‫وترشف عىل مجلة أدب ّية الكرتون ّية‬ ‫وتدير دار النرش ‪.Linajes‬اختريت امرأة العام (‪ )2002‬يف‬ ‫مدينتها تالنبالنتا احتفا ًء مبسريتها الشعر ّية ونشاطها الثفايف‪.‬‬ ‫ترجم شعرها إىل اإلنجليزية والفرنسية واألملانية والسويدية‬ ‫واإليطالية‪ ،‬والربتغالية‪ .‬من أعاملها‪:‬قمر نيسان‪ ،1997،‬ورود‬ ‫لنعش بال ج ّثة‪ ،2000،‬و فراشات بنفسجية‪.2002،‬‬ ‫سوداء ٍ‬

‫فراشات بنفسجية‬

‫كنت بذرة شمس زرعت يف األرض‪،‬‬ ‫ولدتها عاصفة مائ ّية‬ ‫نجم ورصخة أنني مل ّونة‬ ‫بني غبار ٍ‬ ‫كنت أو ّد أن أولد فراشة‪ ،‬أو نرساً‪،‬‬ ‫وأن يطلع يل ريش مل ّون‬ ‫لكني ولدت تين ًة عظيمة الجذور‪،‬‬ ‫ومنت يل أغصان‪ ،‬منها منت أور ٌاق‪،‬‬ ‫و ُولِدت يل تحت اللحاء عيون؛‬ ‫ميام‬ ‫من األوراق طلع ٌ‬ ‫هدهد أصابعي بتنهيداته‪،‬‬ ‫ش ّقت يداي الظلامت‬ ‫ُ‬ ‫وذقت ت ّفاح الجنّة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫عرفت طعم الدم وجرحتني العظا ُم‪،‬‬ ‫تع ّلمت أن أبيك مع ظ ّ‬ ‫يل‪،‬‬ ‫وأن أع ّلق عىل الصليب فاكهة مريم؛‬ ‫لكني ذقت أيضاً عسل الوردة املقدّس‪،‬‬ ‫ولحم الضأن‪،‬‬ ‫دم بك ٌر‪،‬‬ ‫وجرى يف رشاييني ٌ‬ ‫وعصار ُة آدم‪،‬‬ ‫من بطني ولدت فر ٌ‬ ‫اشات أورجوان ّي ٌة‬ ‫أغ ّذيها بنسغ النحلة الصايف‪،‬‬ ‫‪86‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫وأصري دردار ًة؛ ليك أحمي مثاري‪،‬‬ ‫ال القحط‪ ،‬وال العواصف انتزعت من األرض جذعي ‪،‬‬ ‫أكرث من ربيع بشتاءاتها غنّت‪،‬‬ ‫نضجت مثار التني وتساقطت يف الحياة‬ ‫ناسي ًة الشجرة‪ ،‬فظ ّلت أغصاين عارية؛‬ ‫مل أعد تينة وال دردار ًة‪،‬‬ ‫نبتت يل أجنحة‪ ،‬و ألوان يف رييش‪،‬‬ ‫ويف الريش مياه؛‬ ‫سنُو ُن َوة‪،‬‬‫فاستحلت سمك ًة ُ‬ ‫يب ّلل دمعي الحر َ‬ ‫اشف و تدفع الزفر ُ‬ ‫جناحي للطريان‬ ‫ات‬ ‫ّ‬ ‫حني أرى ما أعطت مثاريَ من بذور‪،‬‬ ‫‪،‬ثم رصت دردار ًة‪،‬‬ ‫سعيدة أنا‪ ،‬أل ّنني ُولدت تين ًة ّ‬ ‫سنو ُن َوة بال ٍّ‬‫مقيم وال سالسل‪.‬‬ ‫واآلن سمك ًة ُ‬ ‫عش ٍ‬ ‫بلدي‪ ،‬بل ٌد كبير‬

‫شاسع‬ ‫إ ّنني أحيا يف بلد‬ ‫ٍ‬ ‫كل يشء فيه ّ‬ ‫ح ّد أن ّ‬ ‫يظل بعيداً ج ّداً‪:‬‬ ‫التعليم‪،‬‬ ‫والقوت‪،‬‬ ‫واملأوى‪،‬‬ ‫بلدي شاسع ح ّد أن الحرية ال تصل فيه إىل الجميع‬


‫شعر النساء في أميركا الالتينية‬

‫غابرييال بالديراس‬

‫(املكسيك(‪)1963-‬‬

‫درست األدب يف جامعة مكسيكو‬ ‫الوطن ّية املستق ّلة‪.‬نرشت قصائدها‬ ‫منتخبات شعر ّيةو يف‬ ‫يف عدّة‬ ‫ٍ‬ ‫صحف دوريات يف املكسيك وأمريكا‬ ‫الالتينية‪.‬عضو هيئة تحرير مجلة ال خيكارا‪ .‬من أعاملها‬ ‫الشعرية‪:‬مواسم الريح‪.1993،‬‬

‫ميتال‬

‫(مدينة أثرية مكسيكية)‬ ‫بقلوب حافي ٍة كأقدامهن‪،‬‬ ‫متيش النسوة‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫يحمل بعضهنّ عىل رأسه سلة مليئة بالنّظرات‬ ‫يبعنها للام ّرة؛‬ ‫وكم من األشواك أسفل العيون!‬ ‫الصبار‬ ‫عم يتحدّثن يا ترى‪ ،‬بلغتهنّ التي ال يفهمها غري ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والورد والطني؟‬ ‫ً‬ ‫اشات‬ ‫ير ّبني أطفالهن مثل الرشانق فهل يصريون يوما فر ٍ‬ ‫من َي َشب؟‬ ‫ويصغن بدمعهنّ الب ّل ّوري األسود أطواقاً وأساو َر من أملٍ؛‬ ‫الصمت من جلودهن‪،‬‬ ‫تنسج األكرب س ّناً بينهن بيوت ّ‬ ‫فأيّ آلهة متنحهنّ العزمية؟‬ ‫ّ‬ ‫وكل يوم‪،‬ك ّلهن يبتلعن ال ّليل‪...‬‬ ‫إن غرق ر َ ٌ‬ ‫جل‬ ‫ْ‬

‫ْإن غرق َر ٌ‬ ‫جل يف امرأة كقارب يف ال ّرمل‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫فمحال أن ُينْتشل‪،‬‬ ‫سيغوص رويداً رويداً‪،‬‬ ‫حتّى يغزوه املا ُء‬ ‫بصدأ املوت‬

‫فيفيان لوفيّغو‬

‫( االرجنتني‪) 1964-،‬‬

‫شاعرة تكتب باإلسبانية والفرنسية‬ ‫وتعيش بني باريس وبيونس ايريس‪.‬‬ ‫باإلضافة إىل كتابة الشعر متارس‬ ‫الرتجمة حيث نقلت إىل االسبانية أعامالً للشعراء صالح‬ ‫ستيتية‪ ،‬فرانسوا المور‪ ،‬ميشيل كامو وآخرين‪.‬من بني أعاملها‬ ‫الشعرية نذكر‪:‬حجر الليل ‪ ،1997‬و شجرة آرييل‪.1999،‬‬

‫‪1‬‬ ‫ّ‬ ‫يحل الصوت وصداه‬ ‫ضيفينْ يف حجرات الب ْيت‪،‬‬ ‫يتو ّقفان ليتأ ّمال أزهار الجهنم ّية يف صحن الدار‪،‬‬ ‫فوىض األطالس عىل املنضدة‪،‬‬ ‫وصور َة املسيح بثوب دمي ٍة‪،‬‬ ‫تنبجس الطفولة ثاني ًة‪،‬‬ ‫تنادي جذورها ووجودها‪،‬‬ ‫تسحب عرب املم ّر األ َّم التي نسجت من األوراق امليتة‬ ‫ُ‬ ‫معطفاً خريف ّياً‪،‬‬ ‫ثم تخ ّبئ تحت الشجر ِة‬ ‫ّ‬ ‫الندوب‪ ،‬واألصل‪ ،‬والسنّ األوىل‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ذهب أسود‬ ‫من‬ ‫ر‬ ‫شع‬ ‫خصلة‬ ‫مع‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫نرث فيه الزمنُ الرماد‪.‬‬ ‫‪2‬‬ ‫الريح من النافذ ِة‬ ‫تدخل ُ‬ ‫تج ّر خلفها باق ًة من الخالدين‪،‬‬ ‫ثباتا أ ّيتها الروح! ُ‬ ‫قلت‪،‬‬ ‫سنحاول فهم الهمسة التي حملتها إلينا‪،‬‬ ‫ويف الفوىض التي أثارتها‬ ‫سنبحث بني األشياء عن ّ‬ ‫ظل األشياء‪،‬‬ ‫سنغلق النافذة خلفها‪،‬‬ ‫عىص يف يد ْيها‪،‬‬ ‫ثم نعصب عين ْيها‪ ،‬نضع ً‬ ‫ترضب خبط عشواء‪،‬‬ ‫و َندَعُ ها‬ ‫ُ‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪87‬‬


‫مختارات‬

‫أما كانت العقوبات هكذا زمن الطفولة؟‬ ‫رضبات حادّة تفرقع يف الهواء؛‬ ‫تلك القسوة البدائ ّية‬ ‫ألشيا َء مل ُت ْق َسم بالعدل‪.‬‬ ‫عدن‬

‫منحني ًة بأحالمها‬ ‫ترتك أصابعها تنزلق بصمت‬ ‫يف الرغوة‪،‬‬ ‫تفرك الثياب عىل حج ٍر يف حوض غسيلٍ ‪،‬‬ ‫تب ّيض شقاء البرش‬ ‫فيام الجنّة تتوارى يف املاء‪،‬‬ ‫و املالءات ّ‬ ‫تجف تحت الشمس‪.‬‬ ‫سبأ‬

‫هناك حيث ّ‬ ‫يكف كعباها املخضوبان عن الحركة‪،‬‬ ‫يغرف ّ‬ ‫الظل من ق ّمة الغسق‪،‬‬ ‫يعبرُ ُ‬ ‫الليل ‪-‬حري ُر الجس ِد‪ -‬الصحرا َء بنشيده ‪،‬‬ ‫تبحث امللكة عن ثغر سليامن‪،‬‬ ‫فيام يفتّش الشاعر يف الرمال ‪،‬‬ ‫األحجية‬ ‫من بل ٍد إىل بل ٍد‪،‬عن ذهب ْ‬

‫‪88‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫جيكوندا بيللي‬

‫( نيكاراغوا‪) 1948-،‬‬

‫شاعرة وروائية شهرية ‪.‬انخرطت يف‬ ‫نضال الساندين ّية ضد دكتاتورية‬ ‫سوموزا يف مطلع السبعينيات‪،‬‬ ‫فأجربت عىل اختيار املنفى يف‬ ‫املكسيك‪ .‬عادت عام‪ 1979 ،‬قبل‬ ‫انتصار الساندينينني بقليل‪ .‬تو ّلت‬ ‫عدة مواقع قيادية يف النظام الجديد‪ .‬تعيش متنقلة بني لوس‬ ‫أنجلوس وماناغوا منذ عام ‪ .1990‬بعد مغادرتها الجبهة‬ ‫الساندين ّية أصبحت من أبرز منتقدي نظام دانييل اورتيغا‪ .‬من‬ ‫أعاملها الشعرية‪ :‬من ضلع حواء‪،1987 ،‬املرأة املأهولة‪،1988،‬‬ ‫عني املرأة ‪ ،1991،‬واملطلق يف راحة اليد‪.2008 ،‬‬

‫قصور رمليّة‬

‫لِ َم لَ ْم تقل يل إ ّنك كنت تبني قرص الرمل ذاك‪،‬‬ ‫لكان رائعاً أن أستطيع الدخول من ب ّوابته الصغرية‬ ‫أن أذرع دهاليزه املالحة‬ ‫أن أنتظرك عىل أرض ّيته التي من محار‬ ‫وأن أحدّثك من الرشفة‬ ‫ّ‬ ‫بفم ملؤه الزبد األبيض الشفاف ككلاميت؛‬ ‫الكلامت الطائشة التي أقولها لك‬ ‫وهي ال متلك ما هو أكرث من وزن الهواء‬ ‫بني أسناين‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫ائع أن يتأ ّمل املرء البحر!‬ ‫كم هو ر ٌ‬ ‫كان سيبدو جمي ًال ج ّداً من قرصنا الرميل‪ّ،‬‬ ‫وهو يلعق الوقت بحنان املاء الهامس العميق؛‬ ‫وهو يهذي بالحكايات التي كان يرويها لنا‬ ‫آن كنّا‪ ،‬أطفاالً‪ُ ،‬سماّ ً واحداً مفتوحاً عىل الطبيعة‬ ‫واآلن‪ ،‬ها قد أطاح م ّد املاء بقرصك الرم ّ‬ ‫يل‪،‬‬ ‫والح َفر‪ ،‬والباب الصغري‬ ‫َجرف األبراج‪ُ ،‬‬ ‫الذي دلفنا منه حني انحرس املوج‬ ‫حني كان الواقع بعيداً‪ ،‬وكان عىل الشاطئ‬ ‫قصو ٌر من رمل‪...‬‬


‫شعر النساء في أميركا الالتينية‬

‫أنا التي تهواك‬

‫أنا التي تهواك‪،‬‬ ‫غزالتُك الرب ّية‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫الربق الذي ينرث الضوء عىل صدرك‪،‬‬ ‫ريح الجبال الطليقة؛‬ ‫أنا ُ‬ ‫ُ‬ ‫وميض نار الصنوبر‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫أبعث الدفء يف لياليك‬ ‫حني ُ‬ ‫احتي‪،‬‬ ‫أشعل الرباكني يف ر ّ‬ ‫فتدمع عيناك من دخانها‬ ‫ُ‬ ‫جئت َُك أرتدي املطر والذكريات‬ ‫ويل ضحكة السنوات التي ما تبدّلت‪،‬‬ ‫أنا الطريق الذي مل ُيكتشف؛‬ ‫الضوء الذي يقطع العتمة‬ ‫أضع النجوم بني جسدينا‬ ‫ُ‬ ‫ثم أعربك كام ًال ‪،‬درباً بعد درب؛‬ ‫ّ‬ ‫مح ّرر ًة ح ّبي‪،‬متح ّررة من خويف‬ ‫اسم يغن ّيك‪ ،‬ومن الجانب اآلخر للقمر‪ ،‬يغويك‬ ‫أنا ٌ‬ ‫أنا امتداد بسمتك وجسدك‬ ‫أنا يشء ما يكرب‪،‬‬ ‫يضحك ويبيك‪،‬‬ ‫أنا التي تهواك‬ ‫الرسومات ‪ :‬الفنان املكسييك دييغو ريفريا‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪89‬‬


‫حوار‬

‫أحمد عبد المعطي حجازي‬

‫حوار في الشعر والسياسة‬ ‫يعد الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي أحد أعمدة الشعرية العربية طيلة نصف قرن‪ ،‬فهو من الذين حملوا‬ ‫هموم التجديد في القصيدة العربية‪،‬ودخل من اجل ذلك مواجهات كثيرة داخل مصر وخارجها‪ ،‬ولم يتزحزح‬ ‫عن موقفه أمام موجات التجريب التي جاءت بها قصيدة النثر وظل على خصومة حادة مع كتابها‬

‫القاهرة ‪-‬حمزة قناوي‬

‫أجد شيئ ًا ناقص ًا في قصيدة‬ ‫النثر‪ ،‬وهو ليس شيئ ًا ثانوي ًا‬ ‫أو يمكن االستغناء عنه‪،‬‬ ‫بل إن هذا العنصر له اعتبار‬ ‫موضوعي‪ ،‬بمعنى أنه شرط‬ ‫أساسي من شروط اللغة‬ ‫الشعرية‬

‫‪90‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫أحمد عبد المعطي حجازي‬

‫بل إن هذا العنرص له اعتبار موضوعي‪ ،‬مبعنى أنه رشط‬ ‫أسهمت منذ نصف قرن يف إثراء‬ ‫حركة التجديد مع رفيقك صالح‬ ‫أسايس من رشوط اللغة الشعرية‪ ،‬أنت ال تستطيع مثالً أن‬ ‫معارك‬ ‫عبد الصبور مبرص‪ ،‬وخضت‬ ‫تتحدث عن قصة من دون رسد‪ ،‬وال تستطيع أن تتحدث‬ ‫من أجل التجديد وتجذير قصيدة‬ ‫عن رواية بال شخصيات‪ ،‬كذلك ال تستطيع أن تتحدث‬ ‫التفعيلة‪،‬وخصوصا مع عباس محمود العقاد ‪ .‬كيف ترى عن شعر بدون موسيقى‪ .‬املوسيقى تختلف أشكالها‪،‬‬ ‫املشهد اليوم بعد هذه الرحلة‪ ،‬خاص ًة وأن التاريخ يكرر‬ ‫لكن ال بد منها‪ ،‬وهذا هو الفرق بني تجربتنا يف التجديد‬ ‫نفسه بينك وبني شباب قصيدة النرث؟‬ ‫وتجربة شعراء قصيدة النرث‪ ،‬تجربتنا يف التجديد كانت يف‬ ‫■ مل تكُن ىل معركة مع قصيدة النرث‪ ،‬وإمنا مو ِقف‪ ،‬أوالً‬ ‫رصف يف الوزن وليس إلغاء هذا الوزن‪ .‬القصيدة‬ ‫إطار ت ُّ‬ ‫أنا لست ضد أي تجربة يف تجديد القصيدة العربية بأي‬ ‫الجديدة التي كتبناها نحن يف الخمسينيات وكتبها آخرون‬ ‫صورة من الصور‪ ،‬مبعنى أنني ال أستطيع أن أمنع أحدا ً‬ ‫قبل ذلك يف األربعينيات وحتى الثالثينيات أو عىل األقل‬ ‫من أن يجرب الشكل الذي يُفضِّ له أو عىل األقل يخترب‬ ‫قدموا محاوالت مهمة يف طريق الوصول إليها‪ ،‬ال تختلف‬ ‫هناك‬ ‫إمكاناته‪ ،‬سوا ًء نجح أم مل ينجح‪ ،‬ألن يف كل تجربة‬ ‫عن القصيدة التقليدية إال كام يختلف اإليقاع من أغني ٍة‬ ‫دامئاً االحتامالن‪ ،‬إما أن تنجح التجربة أو ال تنجح‪ .‬ونجاح إىل أغني ٍة أخرى‪ ،‬ألنها تحرتم وتلتزم األوزان‪ ،‬أو عىل األقل‬ ‫التجربة له رشوط أو عليه دالئل‪ .‬أول رشط أن يجد هذا تلتزم أوزاناً بعينها‪ ،‬ألن القصيدة الجديدة بشكل عام‬ ‫النجاح قبوالً لدى من ميكنهم أن يُقيِّموا الشعر أو يحكموا تستخدم "األوزان الصافية" كام يقال‪ ،‬أي البحور املؤلَّفَة‬ ‫عليه من النقاد والشعراء وأيضاً من الجمهور‪ .‬والفرق‬ ‫من تفعيلة واحدة تتكرر‪ .‬ففي الشعر العريب هناك بحور‬ ‫هذا‬ ‫أن الناقد يستطيع أن يُعلِّل موقفه‪ ،‬فيكتب ليقول‬ ‫ِ‬ ‫مؤلَّفة من تفعيلة واحدة مثل ال َر َجز والكامل وال َر َمد‬ ‫الشكل أو هذه القصيدة أو هذه اللغة جيدة أو ليست‬ ‫والهزج واملتدارك‪ ،‬وهناك بحور أخرى تتألف من أكرث‬ ‫جيدة لألسباب اآلتية‪ .‬أما الجمهور العادي فهو يُقبِل عىل من تفعيلة‪ ،‬أي ُمركَّ َبة أكرث مثل الطويل والبسيط ‪....‬إلخ‪.‬‬ ‫القراءة أو ال يُقبِل‪ ،‬يُقبِل عىل االستامع أو ال يُقبِل‪ ،‬يتحدث أنا شخص َّياً يل تجارب يف البحور املركَّ َبة يف إطار التجديد‪،‬‬ ‫عن الشاعر أو ال يتحدث عنه‪ ،‬يُهمله كأنه غري موجود‪.‬‬ ‫وهناك أيضاً شعراء آخرون ق َّد ُموا مثل هذه التجارب‪ ،‬مثل‬ ‫إذن ال بد من هذا االختبا��‪ ،‬وال شك يف أن الجمهور‬ ‫ال ينتظر دامئاً أن نكون "واحدا ً "‪ ،‬أي أن يُجمع النقاد‬ ‫عىل يشء‪ ،‬عىل رأي أو موقف؛ ميكن لل ُنقاد أن يقفوا إىل‬ ‫العقاد لم يكن يكتفي‬ ‫جانب التجربة‪ ،‬بينام ال يفعل الجمهور ذلك‪ ،‬والعكس‬ ‫بأن يعبر عن عدم موافقته‬ ‫صحيح‪ .‬ويف كل األحوال نستطيع أن نقبل تع ُّدد وجهات‬ ‫النظر وردود األفعال‪ .‬أنا مل أستطع حتى اآلن أن أتذوق‬ ‫على أعمالنا‪ ،‬وإنما كان‬ ‫قصيدة النرث كام أتذوق قصيدة التفعيلة‪ ،‬حيث إن هناك‬ ‫يمنعنا من حضور المؤتمرات‬ ‫أكرث من مقياس‪ .‬مبعنى أنني أستطيع أن أقول إن هذه‬ ‫والمهرجانات‪ ،‬ويقدم استقالته‬ ‫املحاولة «القصيدة» التي كتبها صاحبها يف إطار قصيدة‬ ‫النرث جيدة‪ ،‬وهذه األخرى رديئة‪ ،‬ولكن القصيدة الجيدة‬ ‫عندما نشارك في النشاط‬ ‫كذلك أحكم عليها بأن لغتها صحيحة‪ ،‬والتعبري متامسك‬ ‫الشعري بالدولة‬ ‫وشخصية الشاعر ظاهرة ونسيج القصيدة متامسك‪ .‬ولكن‬ ‫يف كل األحوال أجد شيئاً ناقصاً يف قصيدة النرث‪ ،‬وهو ليس‬ ‫شيئاً ثانوياً أو ميكن االستغناء عنه أو ل ُه اعتبار شخيص‪،‬‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪91‬‬


‫حوار‬

‫أو ذاك‪ ،‬ولكن ال ينبغي أيضاً للمجرب‬ ‫بدر شاكر السياب ورمبا أدونيس‪ ،‬لكن‬ ‫أن يعرتض عىل حقي يف التذوق‪ ،‬وأن‬ ‫أنا من أسبق الشعراء العرب يف تجربة‬ ‫أقبل أو أرفض تجريبه‪ .‬وأظن أنه يتضح‬ ‫التجديد يف البحور املركَّبَة‪ .‬أما قصيدة‬ ‫هنا بشكلٍ جيل الفارق بني موقفي من‬ ‫النرث فتتجاهل الوزن والقافية‪ .‬ليس‬ ‫قصيدة النرث وموقف األستاذ العقاد‬ ‫معنى ذلك أنها ليست شعرا ً إطالقاً‪،‬‬ ‫م َّنا‪ ،‬ألن األستاذ العقاد مل يكن يكتفي‬ ‫ال أقول هذا‪ ،‬لكن بتجاهلها ألدا ٍة‬ ‫بأن يعرب عن عدم موافقته عىل أعاملنا‪،‬‬ ‫أساسية من أدوات الكتابة الشعرية‬ ‫وإمنا كان مينعنا من حضور املؤمترات‬ ‫تفقد قيم ًة عىل مستويني‪ ،‬أوالً‪ :‬الوزن‪،‬‬ ‫واملهرجانات‪ ،‬ويقدم استقالته‬ ‫وهو يفرض عىل الشاعر أن‬ ‫عندما نشارك يف النشاط الشعري‬ ‫يستخدم لغة غري يومية‪ ،‬فلغة‬ ‫الذي تنظمه الدولة‪ ،‬وكان حوله‬ ‫الحياة اليومية لغة اتصال‪ ،‬لغة‬ ‫البحور‬ ‫في‬ ‫تجارب‬ ‫لي‬ ‫من يصل به األمر إىل حد الشتيمة‬ ‫اجتامعية‪ ،‬غري موزونة طبعاً‪.‬‬ ‫واالتهام بأننا شيوعيون وغري‬ ‫إذن فرض الشاعر عىل نفسه‬ ‫َّ‬ ‫المركبَة في إطار‬ ‫ذلك‪ ،‬كام كان يفعل األستاذ صالح‬ ‫أن يكتب لغة موزونة‪ ،‬ومعنى‬ ‫التجديد‪ ،‬وهناك شعراء‬ ‫جودت‪ ،‬بينام أنا شخصياً ظللت‬ ‫هذا أنه يستخدم الوزن يف‬ ‫هذه‬ ‫مثل‬ ‫وا‬ ‫م‬ ‫د‬ ‫ق‬ ‫آخرون‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫نحو ‪ 15‬سنة أو أكرث مقررا ً للجنة‬ ‫االنتقال باللُّغَة من مستوى أو‬ ‫الشعر يف املجلس األعىل للثقافة‪،‬‬ ‫دائرة االتصال أو التواصل إىل‬ ‫التجارب‪ ،‬لكن أنا من‬ ‫وكنت حريصاً عىل أن يكون هناك‬ ‫دائرة اإلبداع‪ ،‬وهذا ما يمُ كِّن ُه من‬ ‫أسبق الشعراء العرب‬ ‫دامئاً ممثلون لقصيدة النرث يف‬ ‫استخدام اللغة بطريقة تربر له‬ ‫في‬ ‫التجديد‬ ‫تجربة‬ ‫في‬ ‫اللجنة مثل حلمي سامل‪ ،‬وفاطمة‬ ‫البعد عن لغة االتصال‪ ،‬مبعنى أن‬ ‫قنديل وأسامة الديناصوري‪.‬‬ ‫الوزن ي ِّربر املجاز‪ ،‬وهو استخدام‬ ‫َّ‬ ‫المركبَة‬ ‫البحور‬ ‫وحتى يف أمسياتنا يف بيت الشعر‬ ‫اللغة استخداماً تشري به ألكرث‬ ‫بالقاهرة نختار دامئاً من املشاركني‬ ‫من معنى‪ ،‬بحيث ال يكون‬ ‫فيها من ميثل قصيدة النرث‪ .‬مل يكن‬ ‫املعنى املقصود هو الظاهر يف‬ ‫الجملة‪ .‬ويسمى املجاز مجازا ً‬ ‫يل أبدا ً موقف املانع أو املستغل‬ ‫ألنه يؤدّي باللغة‪ ،‬أو ينتقل بها من معنى ظاهر إىل معنى ملكانه ملنع قصيدة النرث‪ ،‬ولكني فقط أعطي لنفيس الحق‬ ‫املنطقي والطبيعي يف أن أقول رأيي يف قصيدة النرث عندما‬ ‫آخر مسترت دارج‪ ،‬ولذلك يسمى معنى مجازي‪ ،‬أي أنه‬ ‫يجتاز فاصالً بني معنيني‪ .‬يحتاج املجاز إىل املوسيقى ألننا أسمعها‪ ،‬ألنه يجب أيضاً عىل مقدمها أن يستمع إىل رأيك‬ ‫عندما نستخدم اللغة يف مجال اإلبداع‪ -‬أي خلق الجامل‪ -‬ومن حقه وواجبه أن ينتفع منه‪ ،‬وأن يعرف أن هناك من‬ ‫ال يستطيع أن يتذوق قصيدة النرث‪ .‬وعليه أن يستمع يف‬ ‫ال نقصد بهذا أن نقول ُج َمالً فعلية مفيدة‪ ،‬ولكننا‬ ‫نستخدمها لننشئ بها كائناً أو كياناً جميالً‪ ،‬األمر هنا يشبه هذه الحالة إىل أسباب ذلك‪ .‬وإذا كان هناك حل يستطيع‬ ‫أن يقدمه حتى يُق ِنع غري املقتنعني بهذه القصيدة‪ ،‬فمن‬ ‫استخدام الحجارة لبناء كوخ نحتمي به من الحر والربد‬ ‫واملطر‪ ،‬واستخدام الحجارة لصنع متثال‪ .‬إذن فكرة الوزن واجبه أن يفعل‪.‬‬ ‫هنا ليست ثانوية‪ ،‬هذا مع ترحيبي أيضاً بالتجريب وعدم وهل عدم اعتامد الوزن يف قصيدة النرث ُيقلل من املجاز‬ ‫فيها وتصبح بالتايل مفتقد ًة للعمق وتتسم باملبارشة‬ ‫اعرتايض عىل حق كل من شاء يف أن يجرب هذا اليشء‬

‫‪92‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫أحمد عبد المعطي حجازي‬

‫صالح عبد الصبور‬

‫العقاد‬

‫توجهاً بنائياً أسلوبياً الخط منذ أيام الرئيس السادات يف مجاالت السياسة‬ ‫مقارنة بالقصيدة املوزونة؟ أليس هذا ُّ‬ ‫بينام تقييمها يتع َّلق مبا تحقق يف القصيدة بالفعل؟‬ ‫واالقتصاد واالجتامع‪.‬‬ ‫■ ال‪ ..‬ال‪ ،‬أنا أرى أحياناً أن قصيدة النرث عند مجيديها‬ ‫تكتب منذ فرتة عن "الربيع العريب" الذي عصف ببعض‬ ‫تستطيع أن تكون أكرث عمقاً من القصيدة املنظومة عند البلدان العربية‪،‬وعربت عن قلقك مام يتهدده‪ ،‬مم تخىش؟‬ ‫■ ال بد أن نتوقع أن تتمكن بعض الجامعات‪ ،‬وبالذات‬ ‫غري املجيدين لها‪ .‬فمن وجهة نظري أن قصيدة النرث‬ ‫جامعات اإلسالم السيايس‪ ،‬من االستحواذ عىل كل يشء‪،‬‬ ‫الجيدة أفضل من القصيدة املوزونة الرديئة‪.‬‬ ‫أو (رسقة الثورة) "برصيح العبارة"‪ ،‬ألنها كانت تقريباً‬ ‫بعد استقالتك وفاروق شوشة ومحمد إبراهيم أبو سنة‬ ‫وحسن طلب ود‪.‬محمد عبد املطلب ومحمد سليامن‬ ‫الوحيدة التي متكنت من االستمرار والقدرة عىل الفعل‬ ‫وسيد حجاب‪ ،‬من لجنة الشعر باملجلس األعىل للثقافة‬ ‫واملحافظة عىل التنظيم‪ .‬كانت طبعاً تصطدم بالسلطة‪،‬‬ ‫هل ترى أن اللجنة ستستطيع توجيه بوصلة هذا الفن يف ولكن ألنها كانت تعمل بالدين‪ ،‬وكان الدين ميثل لها يف‬ ‫مرص بشكلٍ مغاير ملا كان يتم؟ وكيف سيختلف املشهد؟ النهاية ستارا ً تستطيع أن تتصل من ورائه بكثري من الناس‬ ‫■ أمتنى لها ولغريها من لجان املجلس واملؤسسات‬ ‫وكانت يف الواقع تتسرت وراءه‪ ،‬مل تستطع السلطة الحد من‬ ‫الثقافية بشكل عام النجاح‪ ،‬ألننا نحتاج إىل هذا النجاح‪،‬‬ ‫متددها يف املساجد‪ ،‬حيث مل يكن من املمكن للسلطة أن‬ ‫ونتمنى أن تستطيع لجنة الشعر القيام بواجبها يف رعاية تلقي القبض عىل أحد ملجرد أنه يصيل يف هذا املسجد أو‬ ‫هذا الفن الذي يحتاج إىل رعاية‪ ،‬فنحن نعيش ظروفاً‬ ‫ذاك‪ ،‬أو يقابل فيه هذا الشخص أو ذاك‪ .‬بل كان العضو‬ ‫صعب ًة من كافة النواحي ويف كافة املجاالت‪ .‬طبعاً وجود‬ ‫من الجامعات اإلسالمية يذهب إىل املسجد ليلتقي يف‬ ‫ما يصل إىل ‪ % 40‬من الشعب املرصي يعاين أم َّية القراءة صالة املغرب أو العشاء مبن يستطيع أن "يجندهم"‪ ،‬وبهذا‬ ‫والكتابة يُشري إىل وجود أزمة للُّغة يف مرص‪ ،‬خاص ًة أن‬ ‫متكنوا دامئاً من البقاء بقوة وفاعلية أكرب‪ ،‬ألنهم ظهروا‬ ‫معظم "غري األميني" أي القادرون عىل القراءة والكتابة‪،‬‬ ‫وكأنهم مضطهدون‪ ،‬يف الوقت الذي كانوا يتظاهرون‬ ‫ال يعرفون اللغة بشكل صحيح‪ .‬وهذا األمر ليس مقترصا ً فيه بالدفاع عن الدين من ناحية‪ ،‬وكان العمل يف ظل‬ ‫عىل الجمهور العادي‪ ،‬بل وحتى يف مجال من يستخدمون الخوف من املالحقة من ناحية أخرى يفرض عىل العضو‬ ‫اللغة ممن يكتبون يف الصحف ويشتغلون باإلعالم ال‬ ‫اليقظة‪ ،‬وساعد يف نفس الوقت عىل الفرز بني القادر عىل‬ ‫تجيد نسبة كبرية منهم اللغة‪ ،‬بل إن نسبة كبرية من‬ ‫العمل وغري القادر عليه‪ ،‬وبني الشجاع والخائف‪ ....‬إلخ‪،‬‬ ‫الذين يقومون بتدريس اللغة واألدب ال يجيدون اللغة‬ ‫فاضطرت السلطة التي كانت تتصادم مع هذه الجامعات‬ ‫وال يجيدون األدب‪ ،‬وهو ما يرجع إىل هبوط مستوى‬ ‫أحياناً إىل التفاهم معها يف أحيان أخرى‪ .‬هذا ما حدث يف‬ ‫التعليم بشكل عام‪ .‬وهو ما كان طبيعياً أن يحدث يف‬ ‫أيام السادات‪ ،‬وحدث أيضاً أيام مبارك‪ ،‬عندما أعطاهم‬ ‫طول‬ ‫ظل االرتداد والرتاجع العام الذي واجهته البالد عىل‬ ‫هذا األخري ربع مقاعد مجلس الشعب يف انتخابات‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪93‬‬


‫حوار‬

‫‪ .2005‬فإذا ً بعد ‪ 60‬عاماً (‪1952-‬لآلن) ُحر ِمنا خاللها‬ ‫النشاط السيايس بسبب منع تشكيل األحزاب يف أيام عبد‬ ‫النارص‪ ،‬مبا فيها األحزاب التقليدية التي كانت موجودة‬ ‫قبل ثورة ‪ 1952‬والتي حلت بعد فرتة قصرية من وصول‬ ‫عبد النارص لل ُحكم وتعرض زعامؤها للمحاكامت الثورية‬ ‫ومن ثم للسجن‪ ،‬يف نفس الوقت الذي تم فيه منع‬ ‫اإلخوان والشيوعيني اللذين مثَّلاَ وقتها القوى السياسية‬ ‫الجديدة الصاعدة‪ ،‬كان ما حدث من سيطرة للجامعات‬ ‫الدينية عىل املجال السيايس متوقعاً يف ظل بقائها كقوة‬ ‫وحيدة قادرة عىل العمل‪ ،‬خاص ًة مع استيالء السلطة عىل‬ ‫منابر الرأي وتحويلها إىل أبواق‪ .‬مل يكن منطقياً أن نتوقع‬ ‫بعد حرمان الناس ملدة ‪ 60‬سنة من العمل السيايس أن‬ ‫تحوز األحزاب املدنية والعلامنية والليربالية عىل ثقتها‪،‬‬ ‫ألن هذه الجامهري البسيطة سلطت عليها كل الوسائل‬ ‫التي ال تجعل يف حياتها شيئاً غري الدين بد ًءا من الراديو‬ ‫وإذاعة القرآن الكريم واألوقاف واملساجد والزوايا التي‬ ‫أصبحت تبُنى تحت البيوت والجسور واملباين‪ ،‬و"الدين"‬ ‫الذي كان مادة دراسية نتعلمها يف املدرسة ألننا محتاجون‬ ‫إىل الدين وتعلم الصالة والصيام والتعرف إىل العقائد‬ ‫والقيم واألخالق واألوامر والنواهي أصبح فيام بعد مادة‬

‫السياسة في مقدمة هموم‬ ‫اإلنسان المتمدن‪ .‬ثمة َقصيدة‬ ‫مباشرة ليست أكثر من خطبة‬ ‫سياسية‪ ،‬وقصيدة هي شعر‬ ‫حقيقي‪ ،‬ألن الشعر يكشف‬ ‫عن هموم اإلنسان وتصوير‬ ‫أحالمه وعواطفه‬

‫‪94‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫رسوب ونجاح يف سابقة مل يعرفها التاريخ من قبل‪.‬‬ ‫ويف الستينيات بالتحديد بدأ الفصل بني الجنسني يف‬ ‫املدارس بني البنات واألوالد‪ ،‬ويف الستينيات تح َّول أيضاً‬ ‫مجمع البحوث اإلسالمية‪ -‬الذي كان من املفرتض أن‬ ‫يتوىل فقط اإلرشاف عىل طباعة املصحف‪ -‬إىل جهة رقابة‬ ‫ومصادرة و ُع َّد ح َكامً وقاضياً يف يده السامح واملنع لك��‬ ‫إشارة تتوجه إىل الدين أو األخالق‪ .‬يف التسعينيات صدرت‬ ‫فتوى طارق البرشي يف مجلس الدولة‪ ،‬التي جعلت األزهر‬ ‫الجهة الوحيدة التي لها الحق يف قول نعم أو ال بحق أي‬ ‫ُمص َّنف أديب أو فني يتعرض للدين‪ ،‬وبالتايل ما نحن فيه‬ ‫هو النتيجة الطبيعية ملا كنا فيه بالضبط‪ ،‬فبالرغم من‬ ‫أننا ثرنا بالفعل‪ ،‬لكننا ثرنا فقط عىل رأس الدولة‪ ،‬رأس‬ ‫السلطة‪ ،‬ومل نثرُ بعد عىل أنفسنا ألننا أيضاً مشاركون يف‬ ‫وسبب من أسباب الرتاجع‪ ،‬ألن ثقافتنا الحالية ال‬ ‫الرتاجع‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫تصلح إال للقرن السابع عرش وبداية القرن الثامن عرش‪،‬‬ ‫مبعنى أنها ثقافة ميكنها أن تعطينا الحق يف أن نكون رعايا‬ ‫عثامنيني‪ ،‬أما أن نكون مواطنني مرصيني نعيش يف القرن‬ ‫العرشين والقرن الحادي والعرشين فهذا يحتاج إىل ثقافة‬ ‫أخرى نحن يف انتظارها‪.‬‬ ‫ديوانك (أوراس)‪ ،"1959" -‬مازال حارضاً يف ذاكرة الشعر‬ ‫السيايس القومي‪ ،‬ما رأيك يف التوجه السيايس للشعر‪،‬‬ ‫وهل ترى يف شعر ما بعد الثورة املرصية قيم ًة موازية‬ ‫ومواكب ًة ملستوى الحدث؟‬ ‫■ الشعر السيايس رضوري وطبيعي‪ ،‬ألن السياسة موضوع‬ ‫يهم الجميع‪ ،‬والسياسة ليست مجرد مناقشات‪ ،‬وإمنا‬ ‫أيضاً مواقف‪ ،‬ألن السياسة هي أن نحفظ بلدنا وأن‬ ‫نحبه وأن نحلم مبستقبل أفضل له بينام نحارض ونتواجه‬ ‫ونتناقش ونتصارع وننفعل وهكذا‪ ،‬فالسياسة موضوع‬ ‫أسايس من موضوعات الفن عامة؛ عندما نشاهد ونتأمل‬ ‫لوحات الفنانني الفرنسيني يف القرن التاسع عرش سنجد‬ ‫فيها مشاهد للثورة الفرنسية والحروب التي خاضها‬ ‫الفرنسيون وغري الفرنسيني من األوروبيني يف أعامل‬ ‫الفنانني واملصورين الكالسيكيني ومن ظهر بعدهم‪ .‬وما‬ ‫يقال عن التصوير يقال عن املوسيقى ‪ .‬ونحن نعرف‬ ‫مثالً أن بيتهوفن أهدى إحدى سيمفونياته إىل نابوليون‬


‫أحمد عبد المعطي حجازي‬

‫يحتاج المجاز إلى الموسيقى‬ ‫ألننا عندما نستخدم اللغة‬ ‫في مجال اإلبداع‪ -‬أي خلق‬ ‫الجمال‪ -‬ال نقصد بهذا أن‬ ‫م ً‬ ‫ال فعلية مفيدة‪،‬‬ ‫نقول ُ‬ ‫ج َ‬ ‫ولكننا نستخدمها لننشئ بها‬ ‫كائن ًا أو كيان ًا جمي ً‬ ‫ال‬

‫بونابرت‪ ،‬وتراجع عن ذلك عندما أصبح نابليون إمرباطورا ً‪ ،‬واالكتشاف لرؤى الفتى الريفي القادم من األقاليم‪ ،‬حيث‬ ‫آلة املدينة الجبارة‪ .‬هل اعتاد ذلك الصبي ضجيج املدينة‬ ‫وتنكر للجمهورية التي أقامتها الثورة فمسح بيتهوفن‬ ‫اسم بونابرت وكتب أنها "أُ ِ‬ ‫التي مل يبارحها منذ ذلك الوقت حتى كتب عن «أشجار‬ ‫هديَت إىل رجل عظيم يف‬ ‫األسمنت» و«كائنات مملكة الليل»؟ ما الرؤية والخط‬ ‫خياله مل يصادفه يف الواقع"‪ .‬ويُنتَظَر يف هذا السياق أن‬ ‫يهتم الشعر بالسياسة أكرث‪ ،‬ألن الشعر يستخدم أدا ًة هي النفيس املوحد الذي يجمع بني هذه األعامل؟‬ ‫■ "مدينة بال قلب" كان أول ديوان يل‪ ،‬وكان يضم قصائد‬ ‫بطبيعتها اجتامعية وأداة لالتصال‪ ،‬وبالتايل تستطيع أن‬ ‫تعرب اللغة عن أي شأن من شؤون اإلنسان‪ ،‬أو أي هم من بعضها كُ ِتب عام ‪ 1954‬وعمري ‪ 19‬عاماً‪ ،‬ونسيته حتى‬ ‫همومه‪ ،‬والسياسة يف مقدمة هموم اإلنسان املتمدن‪ .‬مثة أصدرته دار (اآلداب) يف بريوت عام ‪ ،1959‬أما ديواين‬ ‫"مملكة كائنات الليل" فكتبته بني عامي ‪ 1976‬و‪،1977‬‬ ‫قَصيدة مبارشة ليست أكرث من خطبة سياسية‪ ،‬وقصيدة‬ ‫ثم انتهيت من كتابة "أشجار األسمنت" عام ‪،1987‬‬ ‫هي شعر حقيقي‪ ،‬ألن الشعر قادر عىل الكشف عن‬ ‫وبالتايل فالفارق بني "مدينة بال قلب" و"أشجار األسمنت"‬ ‫هموم اإلنسان وتصوير أحالمه وعواطفه‪ ،‬ويصنع ذلك‬ ‫‪ 30‬عاماً‪ ،‬وال بد يف هذه الفرتة الزمنية أن تكون أفكاري‬ ‫بلغة راقية بديعة جميلة‪ ،‬كام تجد يف كل األعامل التي‬ ‫قد اختلفت‪ ،‬ولكن يبقى أنهام ميثالن مرحلتني يف مرشوع‬ ‫تدور حول السياسة‪ ،‬ولكنها ف ٌّن راقٍ مثل "ماكبث" مثالً‪،‬‬ ‫واحد وليسا مرحلتني يف مرشوعني‪ ،‬أي مرحلتني يف عمر‬ ‫فهي مرسحية مكتوبة بشعر راقٍ جدا ً‪ ،‬ويف نفس الوقت‬ ‫سيايس‪ ،‬حتى "روميو وجولييت" مرسحية سياسية‪ ،‬مبا أنها شاعر واحد ال شاعريْن‪ .‬يظهر ذلك من إمكانية العثور‬ ‫عىل أصول اللغة الشعرية للدواوين املتأخرة يف الدواوين‬ ‫تدور حول حرمان خالف عائيل الثنني من العشاق من‬ ‫اللقاء إال يف املوت‪ .‬نحن محتاجون إىل أن يخاطبنا الشعر الباكرة أم ال‪ ،‬وهل هناك عالقة بينهام أم ال‪ ،‬ومن يستطيع‬ ‫أن يضع يده عىل ذلك هو الناقد أو القارئ املتابع والقادر‬ ‫سياسياً ولكننا ال نريد له أن يصل يف سبيل مخاطبتنا إىل‬ ‫مستوى اللغة العادية‪ ،‬فال بد للشعر أن يظل محافظاً عىل واملجرب واملتمكن‪ .‬وبالتأكيد من تابعوا أعاميل منذ أول‬ ‫دواويني إىل ديواين األخري يجدون أن هناك خطاً يجمع‬ ‫كلمته باعتباره فناً وإبداعاً‪ .‬وأنا أرى أن قصائد محمد‬ ‫بينها‪ ،‬رمبا يكون لهم رأي إيجايب هنا أو رأي سلبي هناك‪،‬‬ ‫إبراهيم أبو سنة وفاروق شوشة وحلمي سامل وحسن‬ ‫لكن يف كل األحوال يرون أن هناك تطورا ً وأن هناك صلة‬ ‫طلب عن الثورة فيها الكثري مام سيبقى‪.‬‬ ‫ديوانك "مدينة بال قلب" كان مبثابة صدمة الوعي‬ ‫بني هذا العمل وذاك‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪95‬‬


‫في الشعر‬

‫شخص القصيدة‬ ‫يوسف عبد العزيز‬

‫كثير ًا‬

‫ما يقف الشاعر حائراً‪ ،‬بعد انتهائه من كتابة قصيدته‪ ،‬ليسأل األسئلة التّالية‪« :‬هل أنا من كتب‬ ‫هذه القصيدة؟»‪« ،‬أنا مل ّ‬ ‫أخطط لكتابة قصيدة بهذا ّ‬ ‫الشكل‪ ،‬ما الذي رسق أصابعي وجعلني أكتب‬ ‫السابقة‪ ،‬فهو ّأن الشاعر كان ّ‬ ‫نصه بهيئة مع ّينة‪ ،‬وطريقة مع ّينة‪ ،‬فإذا به‬ ‫يخطط لكتابة ّ‬ ‫ما كتبت؟»‪ .‬أ ّما مصدر الحرية ّ‬ ‫ّ‬ ‫النص‪ ،‬فيجد نفسه وقد أنجز قصيدة مختلفة عماّ كان يخطط‪.‬‬ ‫يخرج عن ذلك اإلطار الذي رسمه‪ ،‬فال ينتبه إال يف نهاية ّ‬ ‫السبب يف ذلك فهو الن ّّص نفسه‪ ،‬الذي أمىل عىل‬ ‫مثل هذا التّوصيف الذي تحدّثنا عنه‪ ،‬يحدث مع الشعراء كثرياً‪ ،‬أ ّما ّ‬ ‫نصه الذي ُيسيرّ ه‪ ،‬وبني جمهوره الذي‬ ‫كاتبه طريقة كتابته‪ ،‬فأصبح هذا الكاتب مج ّرد وسيلة للن ّّص‪ ،‬أو صلة وصل‪ ،‬بني ّ‬ ‫ينتظر ما أنجزه‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫يستقل الن ّّص عن الشاعر الذي يكتبه‪ ،‬وال يعود يتّصل به من قريب أو بعيد‪ ،‬كام ال يعود للتاريخ الشخيص للشاعر أي‬ ‫دخل يف الن ّّص‪ .‬من هنا نستغرب ممن يدرس النصوص الشعرية أن يتّكئ عىل السرية الذاتية للشاعر الذي يكتب هذه‬ ‫يتم تحميل الشاعر كل واردة أو شاردة يف الن ّّص! وال يتع ّلق األمر بالدارسني فقط‪،‬‬ ‫النصوص! ومن هنا نستغرب أيضاً أن ّ‬ ‫وميكن لدوائر األمن يف بلدان كثرية‪ ،‬أن ّ‬ ‫تتدخل وتح ّقق مع الشاعر لورود هذه العبارة أو تلك يف قصيدته‪ .‬وإذا ما تأ ّملنا‬ ‫تم البطش بهم أو قتلهم‪ ،‬فقط لوجود كلمة هنا أو إشارة هناك‪،‬‬ ‫تاريخ الشعر العريب لرأينا عدداً كبرياً من الشعراء الذين ّ‬ ‫اع ُتبرِ َت خروجاً عىل ّ‬ ‫الطاعة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫مؤخراً قرأت يف إحدى املجالت الثقافية‪ ،‬تعليقاً غريباً ألحد الكتّاب‪ ،‬حول بيت املتنبي‪:‬‬ ‫«أنا الذي نظر األعمى إىل أديب‬ ‫صمم»‪.‬‬ ‫وأسمعت كلاميت من ب ِه ُ‬ ‫يقول الكاتب ّإن املتنبي وصل إىل ذروة جنون العظمة‪ ،‬وذلك حني جعل األعمى يلتفت إىل األدب الذي يكتبه‪ ،‬كام جعل‬ ‫األصم الذي ال يسمع‪ ،‬يتحلل من صممه ويستمع إىل كلامت الشاعر‪ .‬يتابع الكاتب مع ّلقاً‪ :‬ترى ما الذي و ّرط املتن ّبي وهو‬ ‫ّ‬ ‫الشاعر الذي وصلت شهرته اآلفاق يف مثل هذه األالعيب؟‬ ‫الصوت اآلخر الذي يتحدّث داخل‬ ‫السابق ّأن الكاتب خلط بني صوت الشاعر وهو هنا (املتن ّبي)‪ ،‬وبني ّ‬ ‫نالحظ من الكالم ّ‬ ‫والصوت اآلخر داخل القصيدة يشء آخر متاماً‪.‬‬ ‫القصيدة‪ .‬والشاعر بالتّأكيد يشء‪ّ ،‬‬ ‫ال ميكن للن ّّص ّ‬ ‫الشعري عىل اإلطالق أن يكون رجعاً للسرية الذاتية للشاعر صاحب الن ّّص‪ .‬فالن ّّص هنا له استقاللية كاملة‬ ‫ثم حركتها يف‬ ‫عن كاتبه‪ ،‬كام أ ّنه يخضع لقانون داخيل يحكمه‪ ،‬سواء عىل مستوى والدة الفكرة‬ ‫ّ‬ ‫الخاصة بالنّص‪ ،‬وتط ّورها‪ّ ،‬‬ ‫هذا اال ّتجاه أو ذاك‪ ،‬وأخرياً تو ّقفها يف نقطة محدّدة‪ ،‬هي نهاية الكتابة‪.‬‬ ‫النّص الشعري هنا يشبه الواقعة السرّ د ّية‪ ،‬حيث يتناول الشاعر من خالل الن ّّص‪ ،‬حادثة ما‪ ،‬أو حكاية ما‪ ،‬ويشتغل عليها‪ .‬يف‬

‫‪96‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫داخل كل شاعر روح قاص أو روايئ يرسد الوقائع‪ ،‬أ ّما ضمري األنا الذي يتك ّرر يف الن ّّص‪ ،‬فهو ال يتّصل بالشاعر وإنمّ ا بشخص‬ ‫القصة أو الرواية‪.‬‬ ‫آخر كام قلنا‪ ،‬وميكن لنا أن نس ّميه اآلن شخص القصيدة‪ ،‬الذي هو بصورة من الصور مقابل لبطل ّ‬ ‫النص املختلفة‪ ،‬ويضبط تناغامتها‪ .‬كام‬ ‫شخص القصيدة هنا هو مندوب الشاعر يف الن ّّص‪ .‬وهو املايسرتو الذي يقود عنارص ّ‬ ‫أ ّنه هو الذي ّ‬ ‫يطل عىل الجمهور‪ ،‬ويقدّر حاجة هذا الجمهور يف درجة الغموض الالزمة للكتابة‪ .‬شخص القصيدة أيضاً هو‬ ‫َ‬ ‫الحكم والنّصائح للناس‪ .‬ولكنّ هذا الشخص ال يتح ّرك بنا ًء عىل أوامر أو نوا ٍه تصدر‬ ‫أبعد ما يكون عن الوعظ‪ ،‬وتقديم ِ‬ ‫له من قبل الشاعر‪ .‬إ ّنه يتح ّرك بكامل ح ّر ّيته‪ ،‬كام لو كان الشاعر غري موجود‪ .‬وهو يف الوقت نفسه يرفض أي مظهر من‬ ‫مظاهر االبتزاز‪ ،‬وإذا ما حدثت هناك هيمنة ما عليه من قبل الشاعر‪ ،‬وحاول الشاعر أن يح ّركه بناء عىل نزوة أو مصلحة‬ ‫غري مصلحة الن ّّص‪ ،‬فسيؤدّي ذلك إىل فساد الن ّّص‪.‬‬ ‫هل ميكن أن يقوم الن ّّص عىل التّذ ّكر؟‬ ‫لنصه‪ .‬ذلك أن إعادة رواية هذه األحداث بالكيفية التي‬ ‫ال ميكن لألحداث التي م ّرت بالشاعر أن تكون هي املش ّكل الرئيس ّ‬ ‫وقعت بها‪ ،‬هو يشء يبعث عىل ّ‬ ‫الضجر! األمر يشبه تلك املسلسالت الواقعية التي تب ّثها الفضائ ّيات ليل نهار‪ ،‬والتي تعيد‬ ‫ّ‬ ‫رسد الوقائع التي يعرفها الناس‪ ،‬وهذا ما يؤدّي يف نهاية املطاف إىل صناعة الكائن البليد ذي الحواس املعطلة‪.‬‬ ‫توحي النصوص الشعرية من جملة ما توحي به للقارئ ّأن الشاعر كان يلجأ إىل ال ّذكريات أثناء الكتابة‪ .‬وإذا ما دققنا‬ ‫يف األمر مل ّياً‪ ،‬فسوف نكتشف ّأن شخص القصيدة هو الذي يتذ ّكر‪ ،‬ال الشاعر‪ .‬أ ّما ذكريات هذا الشخص فهي ذكريات‬ ‫مفترَ َضة‪ ،‬أو متخ ّيلة‪ .‬هنا نجد ّأن شخص القصيدة يقوم بتذ ّكر تلك الوقائع التي مل تحدث! إ ّنه يخرتعها‪ ،‬أو لنقل يتخ ّيلها‪،‬‬ ‫يقيني الحدوث‪ .‬ال ب ّد من التنبيه يف هذا املقام حول تلك األفكار التي‬ ‫ويعرضها يف النّص‪ ،‬حتى لتبدو للقارئ أمراً حقيق ّياً ّ‬ ‫تخص الشاعر كاتب الن ّّص‪ ،‬وأ ّنها تعود فقط إىل‬ ‫ترد يف النص‪ .‬ينبغي أ�� يعرف القارئ أو الدّارس عىل ح ّد سواء أ ّنها ال ّ‬ ‫شخص القصيدة‪ .‬من هنا ينبغي أن نكون حذرين‪ ،‬فننأى بأنفسنا عن توجيه اال ّتهام للشاعر لورود هذه العبارة أو تلك يف‬ ‫قصيدته‪ .‬فالشاعر يف القصيدة ال يتحدّث عن نفسه‪ّ .‬مثة شخص القصيدة هو الذي يتحدّث‪ ،‬أ ّما ما يطرحه هذا الشخص‬ ‫يف الواقع فهو رضب من رضوب التّخ ّيل‪ .‬إ ّنه ينأى بنفسه عن التّص ّورات الجاهزة‪ ،‬ويفتح كوى الخيال لتتد ّفق منها الصور‪.‬‬ ‫األمر ك ّله متع ّلق بعمل ّية التّخ ّيل‪ ،‬ولعبة القصيدة يف األساس هي لعبة قامئة عىل الخيال‪.‬‬ ‫واملشاهد‪ ،‬واملخ ّيلة‬ ‫من هنا فاألفضلية يف الكتابة الشعرية هي ليست لل ّذاكرة‪ ،‬وإنمّ ا للمخ ّيلة‪ :‬الذاكرة تعيد نسخ األحداث‬ ‫ِ‬ ‫عيني الكائن عىل‬ ‫تبتكر تلك األحداث‬ ‫ِ‬ ‫واملشاهد‪ .‬ال ّذاكرة ترهق الكائن مبا تسرتجعه من صور مك ّررة‪ ،‬واملخ ّيلة تفتح ّ‬ ‫السرّ اين واملدهش‪ ،‬مبا ّ‬ ‫تضخه من صور فريدة ومبتكرة‪ .‬املخ ّيلة أيضاً ال تكتفي بابتكار األجواء الجديدة‪ ،‬وإنمّ ا ميكن لها أن‬ ‫ّ‬ ‫الخاص ّية لنا ك ّلام رجعنا إىل األمكنة التي فارقناها يف املايض‪ ،‬حيث نجدها قامئة‬ ‫تتدخل يف عمل ال ّذاكرة أيضاً‪ .‬تتّضح هذه‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عىل صورة أخرى غري صورتها املرسومة يف الرأس‪ ،‬ليست األمكنة فقط هي من ترتدي تلك الهالة النّورانية يف التّذكر‪ ،‬وإنمّ ا‬ ‫الشخوص أيضاً‪ ،‬واللحظات‪.‬‬ ‫يعتمد شخص القصيدة عىل اإليقاع كعنرص حاسم من عنارص العملية اإلبداعية‪ ،‬ووفق هذا اإليقاع تجري عمل ّية كتابة‬ ‫الن ّّص‪ .‬كل يشء يرت ّتب يف الن ّّص‪ ،‬يصطف ويحتشد‪ ،‬أو يتو ّزع بناء عىل ذلك اإليقاع الذي ينطلق فجأ ًة مع بداية الكتابة‪.‬‬ ‫بعد االنتهاء من الكتابة‪ ،‬ينفصل الشاعر عن الن ّّص‪ ،‬وميكن أن يطالعه كواحد من ق ّرائه الكثريين‪ ،‬فيام شخص القصيدة‬ ‫يواصل اإلقامة يف الن ّّص‪ ،‬كحارس دائم للجامل‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪97‬‬


‫في الشعر‬

‫الشاعر في العالَم‬ ‫مة‬ ‫َمه َ‬ ‫ِ‬ ‫معـاذ بنـي عامـر‬

‫لقد‬

‫وضع قائم‪ ،‬بأ َّن ُه ُمنْتهَك‪ ،‬فام هو قائم من حيث‬ ‫ْأش َك َل الزمن –منذ البدء– عىل الكائن البرشي‪ ،‬وشع َر إزاء ٍ‬ ‫زمن قاهر‪ ،‬يقف يف وجه طموحاته بعاملٍ أكرث تح َّرراً وانفالتاً‪ .‬وقد َ‬ ‫كان الشاعر حدثاً بارزاً يف‬ ‫هو أسري ٍ‬ ‫العالَم سوا ًء العالَم الواقعي أو العالَم االفرتايض ا ُملشتَهى‪ ،‬لناحية انشغاله أساساً بالخروج من الحالة الفيزيقية اآلدمية إىل‬ ‫الحالة امليتافيزيقية حيث يتمثل عالَ ًام بدي ًال للعالَم القائم‪.‬‬ ‫وجب أن ّ‬ ‫أفك مفاهيمية الزمن والقفز عىل إحداثيته من قبل الشاعر‪ .‬وإذا َ‬ ‫كان يل أن‬ ‫وقبل أن أتقدّم خطوة إىل األمام‪َ ،‬‬ ‫اخترص ذلك بسؤال فسيكون عىل النحو التايل‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫ليّ‬ ‫َ‬ ‫أوالً‪ -‬أي زمن هذا الذي ُيريد الشاعر تجاوزه؟ هل القفز يتم ضمن الزمن الك للعالم القائم‪ ،‬أم يتم تجاوز هذا إىل الزمن‬ ‫امليتافيزيقي‪ ،‬الزمن ا ُمل ْط َلق؟!‪.‬‬ ‫ثانياً‪ :‬ما جدوى القفز أساساً؟‪.‬‬ ‫مناذج أدبية جيدة‪ ،‬نقول‪ :‬هذي مناذج خالدة! أي فكرة ُتراود عقولنا ونحن نتلفظ بهكذا عبارات‪ ،‬وماذا نقصد‬ ‫ساعة ُنحايك َ‬ ‫بالخلود هَ هُنا؟‪.‬‬ ‫نص أديب من حيث هو نص خالد‪ ،‬يجعله عرضة‬ ‫مثة لَ ْبس يعتور مفاهيمنا تجاه الزمن واألبدية‪ ،‬فإطالق ُحكم قيمة عىل ٍّ‬ ‫لتساؤل من نوع‪ :‬أية أبدية هذه التي نقصدها؟ هل هي خارج الزمن عىل اإلطالق‪ ،‬أم داخله؟ هل هي مقولة ِبكر أم‬ ‫مقولة ملبوسة بلبوس زماين؟‪.‬‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫لنص أدبـي‬ ‫إذا كانت األبدية مقولة ال نهائية يف ُبنيتها األساسية‪ ،‬مفهوما غري ُمتعني‪ ،‬خارج نطاق العالم األريض‪ ،‬ف ِمنْ أينَ ٍّ‬ ‫ال يتجاوز عمره ألفاً أو ألفني أو أكرث من السنني أن يصري نصاً خالداً؟‪.‬‬ ‫برأيي ان مفهوم األبدية والخلود ضمن سياقاته اآلدميـة هو مفهوم ذو ُأط ٍر زمانية ليس إلاَّ !‪ .‬وأيّ تجاوز لنطاق زمني‬ ‫ُمح َّدد َنسم ُه بالخالد واألبدي أل َّن ُه قهر إحداثية وجودنا ا ُملتعينّ وتجاوزها‪ .‬وليس مثة قفز ميتافيزيقي يف عالَم الغيب‪،‬‬ ‫فاإلحداث األريض يضغط لتكبيل الخيار اآلدمي باتجاه الخروج من نطاق املشهود إىل نطاق الغيبي‪ .‬إنه ُي ْب ِقي عىل الكائن‬ ‫البرشي ضمن سياقاته الفيزيقية‪ ،‬وأي تجاو ٍز باتجاه األبدي والخالد هو تجاوز فيزيقي وليس ميتافيزيقي‪.‬‬ ‫السؤال‪ :‬هل يقتنع الشاعر بهذا؟‬ ‫قدمياً‪ ،‬رصخ املتنبي‪:‬‬ ‫ليس يبلغه من نفس ِه الزمنُ‬ ‫ُأريدُ ِمنْ زمني ذا أن ُيب ّلغني ما َ‬ ‫أفق ال نهايئ يروم قفزاً عىل قهر‬ ‫الذات – هَ هُنا – بإزا ِء الزمن‪ ،‬الزمن عىل إطالقه! والخروج من ربقته‪ .‬فالرؤية تنفتح عىل ٍ‬ ‫نصه من حيث‬ ‫الزمن ا ُملتعينّ ‪ .‬وبرأيي أن الشاعر يتمثل زمناً ميتافيزيقياً َك ُبنية داخلية‪ ،‬يف حني َّأن إطالق ُحكم قيمة عىل ّ‬

‫‪98‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫هو نص خالد يتأتىَّ ضمن سياقية الزمن الفيزيقي‪ .‬وهذا ما سأعمل عىل توضيحه هَ هُنا‪.‬‬ ‫مثة رؤيتان للزمن وجودياً فيام يتعلق باملوضوع أعاله؛ أولهام رؤية آنية متموضعة‪ ،‬وإن كانت عابرة لحدود الزمن‪ ،‬فهذا‬ ‫نص بعينه من حيث هو نص خالد‪ ،‬هو حكم – بالرضورة – فيزيقي‪.‬‬ ‫العبور هو عبور غري إطالقي‪ .‬وأي ُحكم قيمة عىل ّ‬ ‫أما ثاين الرؤى فهو يقف عىل حافة الزمن ويتطلع إىل الم َ َلكوت والالنهايئ‪ .‬حت ًام‪ ،‬هو يعي إرهاص الزمن القايس‪ ،‬لكنه يروم‬ ‫الخالص‪ .‬يرى يف ذاته ا ُملجنّحة أكرب من أن يتم تكبيلها بهذا العالَم وإحداثياته املختلفة‪ .‬والتهويم الشعري قائم أساساً‬ ‫أس «ضد – عقيل» فهو يكرس حالة املنطق والرتاتب الزمني‪ ،‬حتى ساعة يصل الرتاتب هذا إىل ‪« Infinity‬الالنهايئ‬ ‫عىل ٍّ‬ ‫اآلين»‪ ،‬وإذا َ‬ ‫كان من حدث إبداعي للشاعر فهو حدث إعجازي عن َد حدوده القصوى‪ .‬وإذا كانت الشيفرة الزمنية قد‬ ‫ّ‬ ‫أعيت العقل الفلسفي البرشي يف محاول ٍة لفكها عقلياً ومعرفياً‪ ،‬فهي كذلك بالنسبة للشاعر عىل إطالقه‪ ،‬فشيفرة الزمن‬ ‫قد أعيته جاملياً وروحياً‪.‬‬ ‫ولرمبا هذا ما وعاه أفالطون ساعة كتب يف محاورة «إيون»‪:‬‬ ‫« الشاعر يشء لطيف ومجنّح‪ ،‬وال يوجد إبداع منه حتى ُيلهم و ُيج َّرد من أحاسيسه وال يبقى فيه عقل بعد اآلن «‪.‬‬ ‫الالنهاية إحساس يت ّلمسه الشعراء‪ ،‬وهم ُيعاينون تفاصيل الحياة األرضية‪َ .‬فهم يتلمسون طريق البرشية ناحية الخالص‬ ‫األخري‪.‬‬ ‫السؤال‪ :‬إىل أي مدى يمُ كن أن يصل الشاعر‪ ،‬والحقاً ما جدوى هذا التوق إىل الخالص؟‪.‬‬ ‫بحسب ٍة بسيطة‪ ،‬سنكتشف أن الشاعر مل يغادر جمجمته‪ ،‬وكل األمنيات بعالَ ٍم ال نهايئ غري خاضع ملصفوفة الزمن الرتيبة‪،‬‬ ‫هي أمنيات ُمتجاوزة للعالَم داخلياً مع وقف التنفيذ خارجياً! ُي ْس َحب الوجود إىل الداخل‪ ،‬وهناك يتم هدمه‪ .‬فالخارج‬ ‫كذات‬ ‫الرتاتبي حالة قهر عنيف‪ُ ،‬ت ْش ِكل عىل الشاعر و ُيعاين عربها مأزقه ٍ‬ ‫تروم التح ّرر ا ُمل ْط َلق‪.‬‬ ‫نسبية «آينشتاين» تفرتض بالجسم ا ُملتسارع أن يتوقف عن الحركة يف‬ ‫ما توق الشاعر الميتافيزيقي إال‬ ‫حال تساوت رسعته مع رسعة الضوء‪ .‬بعدها يتالىش ويدخل يف مجال‬ ‫كإجتراح نهائي لمهمته الوجودية‪،‬‬ ‫عظيم‪ .‬الشاعر ُيوقف الزمن بدئاً ألنه يعي دخيلته الالنهائية – ٍّ‬ ‫كتجل لـِ ال‬ ‫فهو يعي القلق اآلدمي بإزاء‬ ‫نهائية الكائن البرشي عىل إطالقه ‪ -‬فهي أعظم من أن يتم تأطريها داخل‬ ‫العالَم‬ ‫محدودية الزمن األريض‪ ،‬لذا يقفز بالخيال إىل عالَم املاوراء!‪ .‬فالتسارع‬ ‫الداخيل تسارع ُم ْط َلق‪ ،‬والولوج – بالنسبة للشاعر – إىل األبد والالنهاية‬ ‫ليس مسألة توقيت زمني بقدر ما هو مقولة «قبلية» إذا استخدمنا‬ ‫مصطلحات «كانط»‪ .‬مقولة ُمتأصلة عىل مستوى الوجود بر ّمته‪ ،‬لذا هو يقفز عىل إحداثية النسبية اآلينشتاينية‪ ،‬ويكرس‬ ‫حاجز العقل والتمظهرات الخارجية للزمن‪ُ ،‬يد ّمر العقل ذاته ورؤاه الظاهرة‪ ،‬ويدخل يف مجال البصرية إذ ال تراتب وال‬ ‫النصية‪ ،‬ويقذف‬ ‫حساب عامودي أو أفقي للزمن‪ .‬فالجانب الالنهايئ يف الذات البرشية يضغط عىل الشاعر لحظة الوالدة ّ‬ ‫به إىل حدو ٍد قصوى خارج نطاق العالَم الزمني الواقعي‪.‬‬ ‫الشاعر يتجلىّ عرب هذه الوالدة الطقسية‪ ،‬وبالتقادم يص ُري ذبيحـة ُقربانيـة ُيفتدَى بها!‪.‬‬ ‫إ َّنه يقرتف عالَام ال ُ‬ ‫ميلك ناصيته وال دليل قطعي عىل وجوده إال يف ذهنه ا ُمل َجنِّح – بتعابري أفالطون ‪ .-‬إ َّنه يتمرأى يف الخيال‬ ‫اإلبداعي للشاعر فيبرتك األرض كام الناقة‪ ،‬ويعمل – أثناء الوالدة الطقسية للنص الشعري – عىل قطع الحبل الرسي الذي‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪99‬‬


‫في الشعر‬

‫ُيغ ّذي عقله املنطقي‪ ،‬والدفع باتجاه معاينة ومن ثم معايشة العالَم ا ُمل ْط َلق عرب قذف تهوميي‪.‬‬ ‫متأت من خلود الشاعر الم َ َلكويت‪ .‬فالبذرة الالنهائية يف ذهن الشاعر‬ ‫الحكم الق َيمي عىل نص شعري بخلوده األريض ٍ‬ ‫إذاً‪ُ ،‬‬ ‫َّ‬ ‫ُتفهم – هنا واآلن – ضمن سياقات آدمية‪ ،‬و ُتؤطر يف سياق النهايئ ُمتنا ٍه‪ .‬وال معنى – البتة – للخروج من الزمن إىل‬ ‫كتجل خارجي‪ ،‬ومنفلت ميتافيزيقاً ٍّ‬ ‫األبدية خارج نطاق التمظهرات األرضية للزمن‪ ،‬فاإلحكام قائم فيزيقاً ٍّ‬ ‫كتجل داخيل‪.‬‬ ‫وما توق الشاعر امليتافيزيقي إال كإجرتاح نهايئ ملهمته الوجودية‪ ،‬فهو يعي القلق اآلدمي بإزاء العالَم القائم وما يستتبع‬ ‫ذلك من تهالك ناحية الخروج من ربقة إحداثياته الكربى‪ ،‬سيام إحداثيتي الزمن واملكان‪.‬‬ ‫ولقد كان الشاع ُر مبلبوسه الهُديب‪ ،‬كائناً يتمثل ُبعد الكائن البرشي الالمتناهي؛ فالخربة الداخلية الهائلة للجنس البرشي‬ ‫فجر النبع ويدفق املاء من الصخرة الصماَّ ء‪.‬‬ ‫تتكثف يف ذات الشاعر‪ ،‬والحقاً يستنطق صامتها‪ُ ،‬ي ِّ‬ ‫وإذا كان من جدوى لتوق الشاعر ميتافيزيقياً‪ ،‬فهي جدوى ُأس ّية‪ ،‬أصيلة لدى الكائن البرشي عىل إطالقه يف الخروج من‬ ‫تراتبية هذا العامل املحكوم باملصفوفة الزمنية الرهيبة‪ ،‬إىل عامل ال نهايئ َط َّراً‬

‫أبيات من المتنبي‬ ‫ـــــل َوال َوطَـ ُن‬ ‫ِب َم التّ َعل ُّل ال أ ْه ٌ‬ ‫أُري�� ُد ِمن َز َمني ذا أ ْن يُ َبلّغَني‬ ‫ال تَل َْق َد ْه�� َر َك إالّ َغ َري ُمكترَ ٍِث‬ ‫فَ�َم�اَ يُدي ُم سرُ ُ و ٌر ما سرُ ِ ْرتَ ِب ِه‬ ‫ِم�ّم�اّ أضرَ ّ بأ ْهلِ ال ِعشْ قِ أنّ ُه ُم‬ ‫ت َفنى ُع ُيونُ ُه ُم َد ْمعاً َوأنْف ُُس ُه ْم‬ ‫مت عن َدكُ ُم‬ ‫لت وكم قد ُّ‬ ‫ك ْم قد قُ ِت ُ‬ ‫قد كا َن شا َه َد َدفني ق ََبل قولهِمِ‬ ‫كل ما يَتَ َم ّنى املَ�� ْر ُء يُ ْد ِركُ ُه‬ ‫َما ُّ‬

‫‪100‬‬

‫بيت الشعر‬

‫كــأس َوال َســ َك ُن‬ ‫َوال نَدي ٌم َوال‬ ‫ٌ‬ ‫َيس ي ْبلُ ُغ ُه من ن ِ‬ ‫َفس ِه ال ّز َم ُن‬ ‫َما ل َ‬ ‫ما دا َم يَ ْص َح ُب في ِه ُرو َح َك ال َبد ُن‬ ‫َوال يَ�� ُر ّد َعل ََيك الفَائِ َت ال َح َز ُن‬ ‫َه َووا َو َما َع َرفُوا ال ّدنْ َيا َوما ِ‬ ‫فطنوا‬ ‫يف إثْ�� ِر ك ُّل قَبي ٍح َوج ُه ُه َح َس ُن‬ ‫ث ّم انتَفَضْ ُت فز َال ال َق ُرب َوال َك َف ُن‬ ‫قبل َمن َدفَنوا‬ ‫َجام َع ٌة ث ّم مات ُوا َ‬ ‫الس ُف ُن‬ ‫ياح َمبا ال ت َشتَهي ّ‬ ‫تجرِي ال ّر ُ‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫تحقيق‬

‫الشاعر والعمل‬

‫ّ‬ ‫هل يعمل الشاعر؟ لماذا اليتفرغ الشعراء؟ أليس الشعر عمال للنفع العام؟ هل يؤثر العمل على االبداع‬ ‫الشعري؟‪ .‬هذه االسئلة طرحناها على عدد من الشعراء‪ ،‬وجاءت االجابات عليها متباينة إلى حد كبير‪،‬‬ ‫األمر الذي يستدعي التوقف أمام نقطتين اساسيتين‪ .‬األولى هي ان غالبية الذين شاركوا في التحقيق‬ ‫يرفضون حبس الشاعر في برج عاجي‪ ،‬ويرون في الشعر نشاطا فرديا‪ .‬والثانية ان النسبة الساحقة من‬ ‫الشعراء يعملون في الحقل االعالمي‬

‫بغداد ‪ -‬حسام السراي‪ ،‬دمشق ‪ -‬رنا زيد‪ ،‬القاهرة‪ -‬عزة حسين‪ ،‬بيروت ‪ -‬فيديل سبيتي‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪101‬‬


‫تحقيق‬

‫محمد ثامر يوسف (شاعر وصحا ّيف‪ -‬العراق)‬ ‫ال طائل من التفرغ‬ ‫يف زمن حا ّد ومكثف إىل أقىص ما ميكن مثل هذا‪ ،‬زمن‬ ‫يتداخل فيه الخاص بالعام إىل مديات بعيدة‪ ،‬ال ب ّد وأن‬ ‫تنبثق رؤية جديدة لطبيعة عمل الثقافة ومنها الشعر‬ ‫بالخصوص‪ ،‬الشاعر بهذا املعنى ليس كائناً خرافياً‪ ،‬وال‬ ‫كلامته كذلك‪ ،‬إنّه ابن أيّامه ابن هذا الواقع املرير‪« ،‬وإن‬ ‫بطريقته ومزاجه ومت ّرده»‪ ..‬هل يعمل الشاعر؟ سؤال‬ ‫يعاد بصيغة أخرى هكذا‪ ،‬ولِ َم اليعمل الشاعر؟‪ ،‬أقول‬ ‫إ ّن ذلك اليح ّده‪ -‬فيام لو كان مذهالً ح ّقاً‪ -‬من أن يكون‬ ‫مذهالً إىل األبد‪.‬‬ ‫نعي جميعاً ا ّن الواقع الثقا ّيف الصحا ّيف بات يتحمل‬ ‫نظرة أخرى غري تلك النظرة التقليديّة املتعارف عليها‪،‬‬ ‫أقصد إ ّن مث ّة نظرة اجرائية صارت أكرث نفعاً للشاعر أو‬ ‫ملن يتوجه إليه وهو يعمل يف الحقل الثقا ّيف السائح يف‬ ‫تالفيف أجناس ابداعية ورؤى مختلفة مفيدة يف الغالب‬ ‫لصالح التجربة الشعريّة ذاتها‪ .‬خصوصاً‪ ،‬فيام لو نظرنا‬ ‫إىل الثقافة مبجملها بوصفها صيغة حياة‪ ،‬أقصد أيضاً‬ ‫الحياة نفسها كثقافة‪.‬‬ ‫الصحافة بالذات اليوم ويف زمن تقاين متسارع‪ ،‬حالة‬ ‫ثقافيّة متكاملة ال تتجزأ والتنفصل عماّ حولها مبا يف ذلك‬ ‫االبداعي وإن بأشكال شتّى‪.‬‬ ‫الشعري‬ ‫العمل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لكن مع ذلك كلّه فا ّن اليشء مينع الشاعر من االصغاء اىل‬ ‫نداء نفسه‪ ،‬اىل اختالجات‬ ‫ذاته‪ ،‬واىل حرشجاته‬ ‫الخاصة‪ ،‬يف األمر‬ ‫الشعريّة‬ ‫ّ‬ ‫أجد السؤال‬ ‫كل ذلك‬ ‫ولكن ّ‬ ‫تعب ح ّقاً‪ّ ،‬‬ ‫ٌ‬ ‫في فكرة تفرّغ‬ ‫يعتمد عىل قدرة الشاعر‬ ‫الشاعر لكتابته نفسه وتحمله‪ ،‬ودرجة‬ ‫حساسيته يف تقليب األمور‬ ‫اليوم فكرة بال‬ ‫الشخيص بأمتياز‪.‬‬ ‫لصالحه‬ ‫ّ‬ ‫فائدة‬ ‫بأختصار أجد إ ّن السؤال يف‬ ‫فكرة تف ّرغ الشاعر لكتابته‬ ‫اليوم فكرة بال فائدة‪،‬‬ ‫الطائل من ورائها‪.‬‬ ‫‪102‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫عيل سفر (شاعر وصحايف‪-‬سوريا)‬ ‫الشعراء ال يعيشون من وراء‬ ‫الكتابة‬ ‫الشاعر يعمل بالتأكيد‪ ،‬ألن الشعر يف الظروف املحلية‬ ‫والعربية‪ ،‬ال يعترب عمالً‪ ،‬واذا‬ ‫اعترب عمالً فأين هي املؤسسات‬ ‫التي نجد ضمن سجالت موظفيها‬ ‫في حال أجبر‬ ‫عبارة «املهنة شاعر»‪ ،‬إال إذا اعتربنا‬ ‫الشاعر على‬ ‫الجعاالت التي يحوزها (شعراء‬ ‫هذه‬ ‫البالط) أجور مهنة الشعر‪!!..‬‬ ‫ارتكاب مهنة‬ ‫النقود تدخل ضمن بنود النفقات رديئة‪ ،‬فإنني أجزم‬ ‫اإلعالنية‪ ،‬وليس لها عالقة باحرتام‬ ‫بأن شعره سيظل‬ ‫الشعر‪ ،‬واعتباره عمالً حقيقياً‬ ‫ً‬ ‫يحفظ الكرامة‪.‬‬ ‫قلقا بالمعنى‬ ‫من‬ ‫أي‬ ‫مثل‬ ‫مثلهم‬ ‫الشعراء‬ ‫السلبي‬ ‫مبدعي هذه األمة يعانون من‬ ‫قضية التفرغ‪ ،‬الذي يقتيض وجود‬ ‫مورد مايل‪ ،‬وطباعة الكتب الشعرية‪ ،‬أو نرش الشعر ال‬ ‫يحقق صفة املورد املايل‪ ،‬وبالتايل إذا دققنا بحال الشعراء‬ ‫محمود قرين (شاعر وصحايف‪-‬مرص)‬ ‫وظيفة ذات نفع عام‬ ‫تثري فكرة العمل‪ ،‬عموما ‪ ،‬تعقيدات تاريخية عدة ألنها‬ ‫تتعلق بالتقسيم التاريخي للمجتمعات منذ بدأ متظهر‬ ‫الجامعة البرشية حتي أيامنا‪ .‬وقد تعززت التفرقة بني‬ ‫البرش طيلة هذا التاريخ الدامي عىل أسس عرقية‪،‬‬ ‫إثنية‪ ،‬وعشائرية ‪ ،‬انتهاء بالدولة الحديثة ‪ ،‬التي‬ ‫مل تنجح بدورها يف القضاء عيل هذه التاميزات‬ ‫البغيضة‪.‬‬ ‫يف املقابل فإن الوظيفة التي ناطها املجتمع بالشعر‬ ‫مل تكن مرشفة إيل حد كبري‪ .‬فالشعر مل يتم تصنيفه‬ ‫مجتمعيا باعتباره مهنة ذات «نفع عام»‪ ،‬غري أن شيئا‬ ‫من هذا القبيل حدث مع تطور العقل األورويب الذي‬ ‫أنجزته دولة الحداثة ‪ ،‬حيث تم اعتبار الشعر واحدا من‬


‫الشاعر والعمل‬

‫الذين نعرفهم نرى أن أغلبهم ال يعيشون من وراء الكتابة‬ ‫فقط‪ ،‬بل لديهم أعامل أخرى‪ ،‬فإذا ما نجحوا يف إيجاد‬ ‫املوارد رمبا يستطيعون التفرغ لكتابة الشعر والتأمل‬ ‫و خوض التجارب‪ ،‬رمبا تكون املنح التي تقدمها بعض‬ ‫املؤسسات من أجل التفرغ خيارا ً جيدا ً ولكنها منح قصرية‬ ‫األجل وال تكفي الشاعر سوى بعض الوقت‪.‬‬ ‫الشعر عمل للنفع العام ضمن رؤيا اسرتاتيجية عميقة‬ ‫طويلة املدى‪ ،‬ولكنه ضمن الظروف الراهنة واملحاطة‬ ‫بجمهور الشعراء العرب‪ ،‬وكام يراه هذا الجمهور‪ ،‬هو‬ ‫فعالية شخصية تعود عىل الشاعر باملنفعة الشخصية من‬ ‫شهرة وغري ذلك‪ ،‬ولكن ماذا عن الشعراء الذي يخلقون‬ ‫الوعي الفني الجديد‪ ،‬هل نتوقع أن يكرمهم الجمهور‬ ‫بوصفهم خالقني ومبا هو نفع عام؟ هذا ال يحصل إال‬ ‫حني يكرمون الشاعر يف األمسيات الرسمية‪ ،‬أو بعد مامته‬ ‫فيمنحونه الدروع واألوسمة‪ ،‬التي ال تفيده وال تفيد حتى‬ ‫ورثته‪.‬‬ ‫يؤثر العمل عىل االبداع‪ ،‬فإذا ما أختار الشاعر مهن ًة‬ ‫تساعده عىل الخلق واالبتكار فإن شعره سيكون غنياً‬ ‫ومنسجامً مع رؤاه وتجاربه املهنية‪ ،‬أما يف حال أجرب‬

‫الشاعر عىل ارتكاب مهنة رديئة بحق نفسه‪ ،‬فإنني أجزم‬ ‫بأن شعره سيظل قلقاً باملعنى السلبي‪ ،‬ورمبا سيعيش‬ ‫الشاعر انفصاماً بني حياته و لغته‪ ،‬وكل هذا ليس يف‬ ‫مصلحة الشعر‪ ..‬بالنسبة يل لقد أخرتت أن أعمل يف مهنة‬ ‫تغني الشعر وتغتني منه‪ ،‬وأناضل يف الظروف الراهنة من‬ ‫أجل أال أضطر للعمل يف الرداءة‬

‫أدوات اإلنتاج املعريف وإن اقترص ذلك والزال عيل قيمه السيام وأن عصورا بكاملها اقترص فيها العمل عىل‬ ‫الرعاع والدهامء ‪ ،‬لذلك فإن شعراء كبارا عرفهم التاريخ‬ ‫الجاملية ‪ .‬رمبا لذلك كابد الشعراء طيلة عصور مختلفة‬ ‫القوا هوانا الحد له قدميا وحديثا ‪ ،‬فقد عمل ابن مقلة‬ ‫يف سبيل اكتشاف وظيفة مالمئة ملا يفعلون حتى لو أىت‬ ‫كاتبا يف بالط الدولة وانتهى مقتوال ومصلوبا‪ ،‬وكذلك‬ ‫ذلك عيل نفقة الشعر نفسه يف بعض األحيان‪ .‬ويشري‬ ‫البوصريي الذي مل يكن يجد قوت يومه ‪،‬‬ ‫الناقد والشاعر اإلنجلريي ستيفن‬ ‫وامتهن تأبط رشا مهنة حطاب وقاطع طريق‪،‬‬ ‫سبندر قبل مايقرب من خمسني عاما‬ ‫وعمل جان جينيه وفرناندو بسوا كحاملني يف‬ ‫إيل أن الحروب‪ ،‬مثال‪ ،‬أفسدت الشعر‬ ‫لم يكن الشاعر‪،‬‬ ‫ميناء‪ ،‬وعمل شارل بوكوفسيك كساعي بريد‬ ‫أكرث من أي يشء آخر‪ ،‬ألنها رهنت‬ ‫في أية لحظة‪ ،‬فاشل‪ .‬وقد كانت العائالت الضاربة يف القدم‪،‬‬ ‫الشعر لصالح قضايا خارج موضوعه‪،‬‬ ‫حتى وقت قريب‪ ،‬تعترب أن امتهان أحد أبنائها‬ ‫وكان الراحل محمود درويش يري أن‬ ‫يملك ترف‬ ‫للشعر يأيت خصام من رتبتها االجتامعية ‪ ،‬رمبا‬ ‫القضية الفلسطينية أثرت بالسلب‬ ‫االختيار بين‬ ‫لذلك مل يكن الشاعر‪ ،‬يف أية لحظة‪ ،‬ميلك ترف‬ ‫عيل الشعر العريب كله‪.‬‬ ‫العمل والتفرغ االختيار بني العمل والتفرغ ملهنته‪ ،‬السيام يف‬ ‫يف املقابل مل تكن مهنة الشاعر‪،‬‬ ‫تاريخيا ‪ ،‬سوى أداة طاردة اجتامعيا‪،‬‬ ‫ظالل ثقافة تحتاج إىل الكثري من التقويم‬ ‫بل كانت متثل أداة من أدوات اإلدانة‪،‬‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪103‬‬


‫تحقيق‬

‫ولقاءات إعالمية وما إىل ذلك‪ ،‬أما يف دول العامل الثالث‬ ‫مؤمن سمري (شاعر وقانوين‪-‬مرص)‬ ‫فالصورة متاثل وتحايك الواقع واملستوى الحضاري املتدين‬ ‫الشاعر عالة على اآلخرين‬ ‫‪..‬الشاعر مثله مثل باقي أمناط املجتمعات املأزومة يعاين‬ ‫كان أيب رحمه الله يتوقف ونحن سائران ويقول «اإليد‬ ‫يف االلتحاق بعمل ثابت ثم يعاين يف رسم حياة مناسبة‬ ‫البطالة نجسة» ويف مشهد آخر يغمغم «العمل عبادة»‬ ‫ملن يعول‪ ،‬أي أنه يضطر لزحزحة الشعر إىل نهاية قامئة‬ ‫وما إىل ذلك من العبارات واألقوال املأثورة ‪ -‬ناهيك‬ ‫االهتاممات‪ ،‬باإلضافة إىل أنه يواجه التباسا يف وعي‬ ‫عن اآليات واألحاديث ‪ -‬التي تحث عىل العمل وت ُجيل‬ ‫البعض ضده وخصوصاً عند استدعاء القيم الدينية‪ ،‬أي أن‬ ‫قيمته‪ ..‬الخ ‪ ...‬حتى جاء اليوم الذي سألته فيه عن رس‬ ‫الشاعر عندنا يواجه الجهل والظروف والتهميش يف غالب‬ ‫هذا اإللحاح عىل هذا األمر بالذات فقال بأىس «ألنك‬ ‫يل أو كان واقعاً تحت العصور وعزلته النفسية املتجددة‪ ،‬يف وقت واحد‪ .‬بالطبع‬ ‫بتاع ِشعر!!»‪ ،‬وهكذا كان يخاف ع َّ‬ ‫الفكرة املتسلطة عىل الكثريين وهي صورة الشخص الحامل ال ينسحب هذا عىل الشعراء النجوم الذين يؤدون دامئا‬ ‫أدوارا ً مرسومة تجعل املجتمع يرفعهم يف مكانة تجعل‬ ‫الفوضوي الذي يح ِّوم دامئاً بعيدا ً عن كل ماهو واقعي‬ ‫الواحد منهم يكافئ العرشات يف الحظوة واملال واالنتشار‬ ‫وحقيقي‪ .‬الشاعر الشخص الذي متنعه طبيعته الهوائية‬ ‫من االنتظام يف عمل ما وبالتايل يعيش عالة عىل اآلخرين‪ ،‬الخ ‪ ..‬لكنهم يف النهاية قلة‪ ،‬وإذا كانت فكرة تفرغ‬ ‫الشعراء قد تعاطت معها مجتمعاتنا يف إطار «املنحة»‬ ‫األكرث جدية ونفعا ألنفسهم وللعامل ‪.‬‬ ‫التي تقدم للبعض فإنها بطبيعتها مؤقتة مرهونة بانتهاء‬ ‫هذه الصورة الذهنية‪ ،‬هل هي مجرد أسطورة اجتامعية‬ ‫املرشوع املتفق عليه وبهذا تكون فكرة أن‬ ‫موجودة عندنا أم أن فيها ظالً من الحقيقة‪،‬‬ ‫مينح مجتمع ما تفرغاً طويالً للكاتب أو‬ ‫األمر خاليف ولكننا إن سألنا سؤاالً مثل‪ :‬هل‬ ‫الشاعر عندنا الشاعر فكرة طوباوية أقرب للوهم‪.‬‬ ‫يعمل الشاعر؟ ال يكون أمامنا إال وأن نلجأ‬ ‫وإذا فرسنا باألساس كلمة النفع العام تبعا‬ ‫للجغرافيا ومن ثم للمستوى الحضاري ‪..‬‬ ‫يواجه الجهل‬ ‫لتقدم وتحرض مجتمع ما سنصل لجواب‬ ‫فالعامل األول األكرث تحرضا ً ووعياً يتعامل‬ ‫والظروف‬ ‫سؤال ما إذا كان الشعر عمالً مفيدا‬ ‫مع الشاعر عىل أنه إنسان مميز تحتاج‬ ‫إليه البرشية يف كل مراحلها وال تلجأ ملعيار والتهميش في للجميع أم ال حيث أن لكل مجتمع أولياته‬ ‫التي مبنتهى الرصاحة يكون الشعر يف‬ ‫األهمية إذا قارنت بينه وبني السيايس أو‬ ‫غالب العصور‬ ‫بعض األوقات خارجها وعبئا ورفاهية غري‬ ‫عامل الفضاء أو العامل أو االقتصادي‪..‬الخ‬ ‫مستساغة يف إطار غياب األساسيات مثل‬ ‫حيث تتفهم هذه املجتمعات فكرة التجاور‬ ‫الطعام والدواء والحرية ‪ ،‬لكن هل يعني‬ ‫الذي يكمل فسيفساء املجتمع فال يصح‬ ‫ذلك أن الشعر يحتاج مجتمعاً صحياً ليك‬ ‫أن يُطلق عىل أي تجمع برشي مصطلح‬ ‫ينمو؟ بالعكس فاملعاناة يف غالب األحوال تخلق اإلبداع‬ ‫املجتمع إال إذا احتوى عىل كل األمناط وهكذا تكون‬ ‫ولكن القهر كذلك والصعوبات التي تواجه املبدع تأكل‬ ‫لرتبية الروح نفس أهمية تربية الجسد‪ ،‬وبالتايل ميكن‬ ‫روحه وتحبطه وتشغله أيضاً‪.‬‬ ‫أن توفر للشاعر بعض املميزات املرتبطة أيضا بالبعد‬ ‫وإذا وصلنا لصلب عملية الكتابة وإنتاج النص الشعري‬ ‫التجاري ‪ ..‬فعندما ينجح كاتب ما ‪ -‬شاعر أو غريه ‪ -‬يف‬ ‫الوصول ملبيعات عالية توقع معه دور النرش عقودا ً إلنتاج فالعمل الذي يأخذ من الشاعر وقته وجهده وصحته‬ ‫ويُبقي له قلقه وتوتره يجعل الشاعر يف حالة دامئة من‬ ‫الكتب خالل عام مثالً وتجددها له كلام استمر نجاحه‬ ‫التدريب عىل االصطياد‪ .‬اصطياد الفكرة والصياغة من‬ ‫وتوفر له راتباً يكفيه ثم ترتب له بعد صدور الكتاب‬ ‫وسط األتون الذي يبعده عن الفعل الوحيد الذي يحقق‬ ‫الحمالت الرتويجية وحفالت توقيع يف بلدان مختلفة‬ ‫‪104‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫الشاعر والعمل‬

‫إنسانيته‪..‬اإلبداع‪.‬‬ ‫ويف األوىل واآلخرة الشاعر جزء من لحظته التاريخية‬ ‫يعاين مثلام تعاين ‪،‬ولكن بروح مفتوحة أكرث عىل النزيف‬

‫زاهر موىس (شاعر وصحايف‪ -‬العراق)‬ ‫الشعر نشاط فردي‬ ‫حني يبدأ العمل ينتهي الشعر وذاك تابع لكون الشعر‬ ‫للمؤسساتية و نقطة االختالف األوىل‪ .‬إ ّن الشعر‬ ‫نقيض‬ ‫ّ‬ ‫فردي و العمل حتّى يف أش ّد درجات استقالليته جمعي‬ ‫والنقطة الثانية لالختالف إ ّن الشعر غري تراتبي يف سياقاته‬ ‫بينام يخضع العمل دامئاً إىل تراتبية صارمة‪ ،‬وحني نبحث‬ ‫عن آلية انتاج املبدع سنجد إنّها تتجلىّ زمنياً يف األوقات‬ ‫االجتامعي‪ ،‬والعمل برغم اعتباره‬ ‫الح ّرة من نظام الحياة‬ ‫ّ‬ ‫نقيضاً للشعر من وجهة نظري ولك ّنه ال يخلو من نافذة‬ ‫تطل عىل تفاصيل العامل القابلة للشعرنة فهو بذلك من‬ ‫ّ‬ ‫ثوابت االبداع القليلة كام هو الحال مع القراءة أو العالقة‬ ‫مع اآلخر املختلف وفكرة عدم عمل املبدع فكرة خاطئة‬ ‫كام أرى‪ ،‬إذ أنّها تفرتض راع لتجربة املبدع يديم حياته‬ ‫متام تالوي (شاعر وطبيب‪ -‬سوريا)‬ ‫وينفق عليه‪ ،‬وهذا ما يجعله مرتهناً لسلطة ما تشكّل‬ ‫يحتاج الشعر حياة كاملة‬ ‫بالتايل رضرا ً يحيق بالشعر واألدب عىل مر العصور‬ ‫للشاعر حاجات‪ ،‬ليس أولها الحب وليس آخرها حاجاته‬ ‫الرضورية للعيش من مأكل ومرشب وملبس‪ .‬ناهيك عن‬ ‫نجاة عيل (شاعرة‪ -‬مرص)‬ ‫كونه يف غالب األحيان معيال ألرسته‪ .‬وال ميكن للشعر أن‬ ‫ال تعارض بين الشعر والعمل‬ ‫يؤمن نفقات الحياة‪ ،‬فليس لديوان الشعر خصوصا يف‬ ‫بالطبع البد للشاعر أن يعمل‪ ,‬وإال كيف يواجه تكاليف‬ ‫عاملنا العريب من قارئ إال يف ما ندر‪ .‬وال ميكن للشاعر أن‬ ‫الحياة ‪,‬خاصة أن العائد من الكتابة ال ميكنه أن يكفل‬ ‫ألي إنسان حياة كرمية خاصة يف ظل تراجع مبيعات كتب يحصد من كتاباته جوائز يومية كام كان يحصل يف عهود‬ ‫عربية سابقة يف بالط الخلفاء‪ .‬وكام أن الشاعر عاشق‪،‬‬ ‫الشعر‪ .‬رمبا بعض الجوائز قد تضمن أن تؤمن له بعض‬ ‫فهو يف مقابل ذلك إنسان له ما له من طبائع البرش‪،‬‬ ‫اليشء تغطية بعض النفقات التي يتكلفها الشاعر لرشاء‬ ‫وإن بعض الشعراء ال يكتفي مبا يسد حاجاته بل تراه‬ ‫كتب اإلبداع والثقافة‪ .‬أظن أنه البد أن يكون للشاعر‬ ‫يسعى لجمع ثروة صغرية أو كبرية‪ .‬لكن السؤال األهم‬ ‫عمال يتكسب منه‪ .‬وال تعارض بني العمل وكتابة الشعر‪.‬‬ ‫من وجهة نظري‪ :‬أال يظلم الشاعر حرفته الشعرية إن‬ ‫فالعمل لن يعطل اإللهام لديه‪ ،‬لكن الكثري من الكتاب‬ ‫وأنا منهم‪ ،‬يفضلون عمال له عالقة بالثقافة واألدب‪ .‬خاصة كان يعمل يف مجال آخر؟ وجوايب بال تردد‪ :‬نعم‪ .‬فالشعر‬ ‫الشعر بشكل خاص ال يكتب يف مواعيد محددة‪ ،‬أعني أنه برأيي بحاجة إىل حياة كاملة تنهل من الثقافتني الحياتية‬ ‫ال يشبه الرواية مثال‪ ،‬التي يتعامل معها الكاتب كمرشوع والقرائية‪ .‬وأعرتف أن مهنة الطب بالنسبة يل مثال حرمتني‬ ‫من أشياء كثرية كان ميكن لها أن تغني حيايت اإلبداعية‪،‬‬ ‫يحتاج للتفرغ لفرتة زمنية‪.‬‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪105‬‬


‫تحقيق‬

‫فهي حرمتني عدة مرات من تجارب السفر‪ ،‬كام أن قراءة‬ ‫املراجع الضخمة للطب أخذت وقتا عىل حساب قراءايت‬ ‫املعرفية والثقافية األخرى‪ .‬كثريون من زماليئ األطباء‬ ‫املوهوبني يف الشعر أو املوسيقى‪ ,‬تساقطوا واحدا واحدا‬ ‫من عىل صهوات املوهبة وهم يشقون طرقات املهنة‬ ‫الوعرة‪ .‬أما أنا فام زلت أكافح للبقاء شاعرا‪.‬‬ ‫نعم عىل الشعر أن يعطى حقه ليكون مهنة أو عمال من‬ ‫أعامل النفع العام‪ ،‬لكن ال أحلم بحدوث هذا يف عاملنا‬ ‫العريب تحديدا‪ ،‬فحصول هذا يتطلب عمال مؤسساتيا‬

‫ضخام ترعاه دول متقدمة جدا معرفيا وثقافيا‪ .‬فالشعراء‬ ‫كرث‪ ،‬وسياسات الدول – دولنا العربية تحديدا‪ -‬ال تنظر‬ ‫للشعر وال للشاعر تلك النظرة التي تخ ّوله أن يكون حجر‬ ‫أساس يف البناء الثقايف للمجتمع‪ .‬رمبا يكون هكذا يف‬ ‫السويد مثال أو يف أملانيا‪ ..‬لكن بالتأكيد ليس يف بالدنا‬

‫حازم العظمة (شاعر وطبيب‪ -‬سوريا)‬ ‫شعراء عاشوا بال عمل‬ ‫هناك شعراء عاشوا بال عمل غري الشعر نفسه ‪ ،‬إن اعتربنا‬

‫التف ّرغ للشعر هدفا‪ ،‬الشعر هو اللحظات الهاربة التي‬ ‫محمد بركات (شاعر صحايف‪ -‬لبنان)‬ ‫نلتقطها‪ ،‬والتف ّرغ للهامش يشبه اإلنقالب‪ .‬أنا شخصيا ال‬ ‫التفرغ للشعر ليس هدف ًا‬ ‫أحلم بالتف ّرغ للشعر‪ .‬الرواية تحتاج تف ّرغا رمبا‪ ،‬تحتاج‬ ‫أوال عىل الشاعر أن يعمل أل ّن الشعر ليس مهنة‪ ،‬وإذا‬ ‫إىل وقت وإعادة كتابة م ّرة بعد م ّرة‪ .‬السينام رمبا‪ ،‬لك ّن‬ ‫افرتضنا أنّه مهنة فهي ليست مربحة وال يكفي لتعيش‬ ‫من مردودها‪ .‬لك ّن الشعر برأيي ليس مهنة‪ .‬الشعر هو الشعر هو خالصة الرواية والسينام واملوسيقى‪ ،‬زبدة‬ ‫الفنون وقشدتها‪ ،‬وال ميكن التف ّرغ لصناعة القشدة‪.‬‬ ‫الفراشات التي تدور حول رأسك ورأيس‪ ،‬حني تلتمع‬ ‫عادي أو سعيد‪ .‬ويف املحصلة ال ميكن أن يكون الشعر مصدر رزق‪ .‬اليوم‬ ‫فكرة إعرتاضية يف نهار كئيب أو ّ‬ ‫ممل أو ّ‬ ‫أي مراهق ميكن أن‬ ‫الشعر ليس مهنة ولن يكون مهنة‪ .‬الذين عاشوا وربحوا بات الشعر عموميا إىل درجة رائعة‪ّ .‬‬ ‫يحصل عىل عدد قراء أكرث مام باع نسخا‬ ‫من الشعر هم محظوظون‪.‬‬ ‫من كتبه شوقي بزيع ويوسف ب ّزي وأنيس‬ ‫محمود درويش مثال‪ .‬كان يعمل‬ ‫الحاج مجتمعني‪« .‬الفايسبوك والتويرت»‬ ‫إضافة اىل كتابة الشعر‪ ،‬يسافر ويلقي‬ ‫الشعر ال يحتاج‬ ‫جعال من مليارات البرش كتّابا‪ ،‬وبعضهم‬ ‫محارضات وندوات شعرية ويرأس‬ ‫إلى تفرّغ‪ ،‬بل‬ ‫يكتب أفضل من كتاب مخرضمني أو‬ ‫تحرير مجالت‪ .‬الشعر ليس مهنة حني‬ ‫يحتاج إلى ثقافة‪ ،‬راحلني أو آتني‪ .‬هذا يفرض عىل الشعر‬ ‫يجد ق ّراء‪ ،‬فكيف الحال حني ال يجد‬ ‫تح ّد جديد ليس هذا هو الوقت املناسب‬ ‫قراء‪ ،‬كام يف أيامنا هذه؟‬ ‫تؤتى بالتجربة‬ ‫للحديث عنه‪ .‬الشعر دخل يف مرحلة‬ ‫كل كاتب‬ ‫أما التف ّرغ للشعر فهو حلم ّ‬ ‫وبالموارد‬ ‫يحتاج خاللها إىل عناية فائقة‪ .‬لن ميوت‪،‬‬ ‫للشعر أو قارض له‪ .‬التف ّرغ للشعر‬ ‫سيستم ّر لك ّنه يحتاج إىل ربيع مستعجل‬ ‫المعرفية‬ ‫يشبه أن تقول امرأة إنّها تريد التف ّرغ‬ ‫وغري معروف الجذور يك يعود إىل منت‬ ‫للحب‪ .‬ال مجال إال أن تكون شهرزاد‬ ‫ّ‬ ‫الفنون بعدما «زحلطه» «الفايسبوك» إىل‬ ‫وتجد لها شهريارا‪.‬‬ ‫العمومية الجميلة‪ ،‬املزعجة للشعراء فقط‪.‬‬ ‫الشعر ال يحتاج إىل تف ّرغ‪ ،‬بل يحتاج‬ ‫إنتهى زمن اإلقطاع الشعري‪ .‬الشعراء املك ّرسون‪ ،‬أو‬ ‫إىل ثقافة‪ ،‬تؤىت بالتجربة وباملوارد املعرفية‪ ،‬من إنرتنت‬ ‫شعراء ما قبل الفايسبوك والتويرت‪ ،‬هم بكاوات يناضلون‬ ‫وسينام وعيش وقراءة وأدب ولغات‪ .‬ال ميكن أن يكون‬

‫‪106‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫الشاعر والعمل‬

‫الشعر «عمالً» منهم رامبو ‪ .‬املفارقة‬ ‫أن رامبو حني انخرط يف عملٍ ما ‪-‬‬ ‫تجارةالسالح أو العبيد كام وصلنا‬ ‫عىل األقل‪ -‬مل يعد شاعرا ً ‪.‬‬ ‫دامئاً ما فكرت يف «التفرغ» الذي‬ ‫مينح أحياناً من جهة ما إىل الشعراء‬ ‫وتخيلت أن «تفرغاً» كهذا قد يعزل‬ ‫الشاعر ‪ -‬أو الكاتب عموماً ‪ -‬يف‬ ‫قفص «إبداعي» مبعنى ما فينضب‬

‫اإلبداع‪.‬‬ ‫ال أعتبر الشعر‬ ‫بالنسبة يل كنت طبيباً وكنت يومياً أقطع‬ ‫ال »‪ ،‬هو غالب ًا هذه املسافة الهائلة بني العمل والشعر يف‬ ‫«عم ً‬ ‫لحظة واحدة تستغرق حوايل ‪ 30‬كيلو مرتا ً‬ ‫طفرة حياتية‪ ،‬إن بني عميل والبيت‪ ،‬ومل اشعر مرة بتناقض ما‪.‬‬ ‫كان ال مناص من ال أعتربه تناقضاً أن يكون مثة شاعر يف رأس‬ ‫امليكانييك أو النجار‪ ،‬وقد اقول أن هذا بحد‬ ‫تسمية‬ ‫ذاته شعر‪ ،‬لكني لن أفهم مر ًة أن يكون مثة‬ ‫شاعر ‪ -‬جرنال ‪ ،‬أو كولونيل مثالً‪.‬‬ ‫ال أعترب الشعر «عمالً »‪ ،‬هو غالباً طفرة حياتية‪ ،‬إن كان ال‬ ‫مناص من تسمية‬

‫من أجل البقاء‪ ،‬لك ّنه موسم اإلنتخابات والربيع‪،‬‬ ‫والقارئ سيختار شعراءه من اليوم فصاعدا‪ ،‬وليس‬ ‫املرشفون عىل الصفحات الثقافية يف الجرائد البالية‬ ‫هم ح ّراس الهيكل بعد اليوم‪ .‬نحن يف زمن الغوغاء‬ ‫الشعريّة‪ .‬نحن يف زمن الفالحني الذين يفهمون أكرث‬ ‫من البورجوازية الشعرية النخبوية‪ ،‬ويكتبون أفضل‬ ‫منها بالتأكيد‬

‫رامي االمني (شاعر وصحايف‪ -‬لبنان)‬ ‫صرت صحافيا بفضل الشعر‬ ‫سأفكر باألمر بطريقة معكوسة‪ .‬ملاذا عىل الشاعر أن‬ ‫يكون شاعرا ً أوالً؟ هل نحن من نختار أن نكون شعراء؟‬ ‫كنت‬ ‫ال أتذكر أنني اخرتت أن أكون شاعرا ً‪ ،‬وال أعرف إذا ُ‬ ‫أصالً شاعرا ً‪ .‬لكني أتذكر جملة كان يرددها أيب عىل‬ ‫مسامعي‪ ،‬وهي التي طبعت عالقتي بالشعر‪ ،‬وجعلتني‬ ‫أقرتب أكرث فأكرث منه‪»:‬الشعر ما بطعمي خبز»‪ .‬أي أن‬ ‫يل ببدل مايل‪ ،‬وال بأجر أستطيع أن‬ ‫الشعر لن يعود ع ّ‬ ‫أعيش منه‪ .‬لكن عالقتي بالشعر يف مراهقتي‪ ،‬وقراءايت‬ ‫الكثرية‪ ،‬جعلتني امتهن الصحافة‪ ،‬ومنها إىل التلفزيون‪،‬‬ ‫والتلفزيون «يطعم خبزا ً»‪ .‬حصلت عىل عميل يف‬ ‫التلفزيون بسبب عالقتي بالشعر‪ .‬ولهذا أنا مدين له‬ ‫برزقي الحايل‪.‬‬ ‫ملاذا عىل الشاعر أن يعمل؟ ملاذا عىل العامل أن يكتب‬ ‫الشعر؟ املسألة معقدة‪.‬‬ ‫وال أعرف اذا كنت قادرا ً‪ ،‬نفسياً‪ ،‬عىل التفرغ للشعر‪ ،‬حتى‬ ‫لو كان هناك امكانية عمالنية لذلك‪ .‬التفرغ بحد ذاته أمر‬ ‫مضجر‪ .‬ميكن للشعر أن يكون هواية إىل جانب العمل‪،‬‬ ‫وميكن للعمل أن يكون هواية إىل جانب الشعر‪ .‬ال بأس‬ ‫بأن يكون الشعر عمالً‪ ،‬والعمل شعرا ً‪ .‬أنا أحب عميل‬ ‫اإلعالمي‪ ،‬وأجد يف مامرسته متعة تشبه كتابة الشعر‪.‬‬ ‫أما أن يتح ّول الشعر إىل عمل يتعلق بالنفع العام فلن‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪107‬‬


‫تحقيق‬

‫عليهم!؟ يتفرغ الشعراء عندما يكون هناك من يفرغهم؟‪.‬‬ ‫أستخدم كلمة «يجب»‪ .‬ليس هناك واجبات يف هذا‬ ‫عادة يفرغون من قبل جهة ما رسمية‪ ،‬أو مؤسسة أهلية‬ ‫املضامر‪ .‬قد يكون الشعر ذا منفعة عامة‪ ،‬وقد يكون‬ ‫مهنة‪ ،‬أو هواية‪ .‬البعض تحالفه الظروف ليعمل شاعرا ً‬ ‫داعمة‪ ،‬يهمها أن يخصص املبدع‪ ،‬الشاعر يف موضوعنا‪ ،‬كل‬ ‫وقته إلبداعه‪ ،‬يف بالدنا ال يوجد يشء كهذا عموماً‪ ،‬ولكن‬ ‫ويتقاىض أجرا ً عن قصائده من مبيع كتبه‪ .‬البعض‬ ‫يوجد ما يشبهه؟ وهو توظيف املبدعني لدى جهات عامة‬ ‫يتقاىض األجر من البالط‪ .‬ومثة من يدفع لكتابة الشعر‪.‬‬ ‫تؤمن لهم الظروف املناسبة ملتابعة عملهم‪ .‬فقد درج يف‬ ‫تجد النامذج الثالثة‪ .‬أنا لألمانة مل أدفع ألنرش قصائدي‪،‬‬ ‫سوريا توظيف الشعراء والروائيني وبقية الكتبة يف وزارة‬ ‫ومل أقبض‪« .‬كشاعر خ ّط سطرا ً يف الهوى ومحا‪( »...‬مع‬ ‫الثقافة ومديرياتها ومؤسساتها ومراكزها يف املحافظات‪،‬‬ ‫اإلعتذار من األخطل الصغري عىل تحوير بيته الشعري)‬ ‫وكذلك يف وزارة اإلعالم والصحافة‪ ،‬مع مالحظة أنه كان‬ ‫هناك فرق نسبي هو أنه يف وزراة الثقافة كانت هناك‬ ‫منذر املرصي (شاعر ‪ -‬سوريا)‬ ‫سياسة توظيف ومل املعارضني‪ ،‬ويف وزارة اإلعالم سياسة‬ ‫نجح العمل في ابعاد شعراء عن‬ ‫تجنيد وضم املوالني‪ ،‬ومرة ثانية أكرر أنه كان فرقاً نسبياً‬ ‫الشعر‬ ‫وليس مطلقاً‪ .‬وقد لفت هذا نظر عدة مثقفني عرب زاروا‬ ‫بالنسبة يل‪ ،‬عملت موظفاً يف مديرية تخطيط الالذقية‪،‬‬ ‫حيث كان يعمل معي أيضاً‪ ،‬بوعيل ياسني‪ ،‬املفكر اليساري سوريا وكتبوا عنه‪ ،‬كالشاعر اللبناين بول شاؤول عندما‬ ‫فاجأه كون ممدوح عدوان موظفاً يف مديرية املسارح!؟‬ ‫املعروف‪ .‬من عام ‪ 1976‬إىل ‪ ،2009‬منها ‪ /25/‬سنة يف‬ ‫وكذلك املفكر والناقد املرصي غايل شكري يف كتابه‬ ‫ذات املبنى‪ ،‬ذات الغرفة‪ ،‬وعىل ذات املكتب والكريس‪.‬‬ ‫«ثقافتنا بني ال ونعم»‪ ،‬وهناك قصة رواها يل حنا مينة‬ ‫كيف ملن يدعي أنه شاعر أن يقيض عمره عىل هذا‬ ‫الذي عمل مستشارا ً يف وزارة الثقافة لسنوات طويلة‪،‬‬ ‫النحو!؟‪ .‬ولكن نوع عميل‬ ‫أنه عندما أصدر املثقفون السوريون بياناً احتجاجياً عىل‬ ‫املكتبي‪ ،‬الذي ال عالقة‬ ‫مشاركة القوات السورية يف عملية تحرير الكويت‪ ،‬اتصل‬ ‫اجعات‬ ‫له مبعامالت ومر‬ ‫نفتقر للذين‬ ‫بوزيرة الثقافة السيدة نجاح العطار ال أدري أي وزير‬ ‫الناس‪ ،‬والذي تكرث به‬ ‫كرسوا حياتهم آنذاك وصاح بها‪« :‬قويل لكالبك أن يبتعدوا»‪!.‬؟‬ ‫ساعات الفراغ‪ ،‬ساعدين‬ ‫حول سؤال‪ :‬أليس الشعر عمال للنفع العام؟‪ ،‬يقول‬ ‫عىل القراءة والكتابة‬ ‫بمجملها‬ ‫املرصي‪« :‬نعم‪ ،‬أستطيع أن أدعي هذا‪ ..‬نوع الشعر الذي‬ ‫وسامع املوسيقى والتأمل‬ ‫لشعرهم‬ ‫آمنت به‪ ،‬وحاولت كتابته‪ ،‬أستطيع وضعه تحت عنوان‪:‬‬ ‫من النافذة‪ ...‬بآن‪ ،‬كام أنه‬ ‫وإلبداعهم‬ ‫«خلق الشعر ملساعدة البرش»‪ .‬وذلك إلمياين‪ ،‬لرغبتي أن‬ ‫وفر يل الوقت خارجه‪ ،‬يك‬ ‫أؤمن بأنه ليس من األشياء التي تذهب هباء‪ ،‬بل من‬ ‫أرسم‪ ،‬وأصادق‪ ،‬وأتابع‬ ‫األشياء التي تبقى وتنفع البرش»‪.‬‬ ‫السينام عىل نحو هلويس‪،‬‬ ‫وال أفوت شمساً ساطعة إال وأذهب للبحر‪ ..‬وهكذا عندما هل يؤثر العمل عىل اإلبداع الشعري ؟ نعم يؤثر‪..‬‬ ‫تقاعدت منذ ثالث سنوات‪ ،‬وماعدت مضطرا ً ألن أستيقظ بالتأكيد‪ ،‬إن كان سلباً أم إيجاباً‪ ،‬سلباً إن كان يأخذ جل‬ ‫كل يوم الساعة السابعة والنصف صباحاً وأذهب للعمل وقته‪ ،‬أو يأخذه كله بعيدا ً عن الشعر‪ ،‬فقد عرفت شعراء‬ ‫موهوبني كثريين‪ ،‬نجح عملهم يف أن يطووا قصائدهم‬ ‫بتلك الروح الوثابة‪ ،‬تخلخلت تلك املعادلة التي كانت‬ ‫ودفاترهم ويتوجهوا بكل مقدراتهم للعمل ذاك‪ .‬وإيجاباً‬ ‫تقوم عليها حيايت‪ .‬وأعرتف أنه لآلن مل أستطع متاماً أن‬ ‫عندما ال مينع العمل‪ ،‬أي عمل‪ ،‬من أن يخصصوا ما يكفي‬ ‫أتالءم مع حريتي‪.‬‬ ‫ملاذا اليتفرغ الشعراء؟ أي سؤال هذا‪ ،‬وكأن األمر يتوقف من الوقت للكتابة‪ ،‬ورمبا العكس‪ ،‬حيث أنه يساعد‪،‬‬ ‫‪108‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫الشاعر والعمل‬

‫بكونه مصدر إلهام‪ ،‬مصدر مواضيع‪ ،‬ومصدر أفكار‪ ،‬بكونه‬ ‫تجربة حياتية‪ ،‬وعالقات حية مع األشياء والناس‪.‬‬ ‫ما أفتقر له يف األسامء والتجارب الشعرية السورية‪،‬‬ ‫وخاصة ما خربته جيدا ً منها‪ ،‬منذ عقد السبعينات يف‬ ‫القرن املايض لليوم‪ ،‬أننا نفتقر لهؤالء الذين كرسوا حياتهم‬ ‫مبجملها لشعرهم‪ ،‬إلبداعهم‪ .‬أستطيع بالتأكيد أن أستثني‬ ‫اسامً أو اسمني أو ثالثة لهم هذه الصفة‪ ،‬أي كانوا شعراء‬ ‫أوالً وأخريا ً‪ ..‬أما الكرثة الباقية فلم يكن الشعر بالنسبة‬ ‫لهم إال محاولة إثر محاولة‪ ،‬لشق ذلك الجدار السميك‬ ‫من العدم‪ ،‬الذي وقف يف وجه الجميع وأطبق عليهم‬

‫عبد الرحيم الخصار (شاعر ومدرس وصحايف‪ -‬املغرب)‬ ‫العمل المناسب للكاتب هو‬ ‫الالعمل‬ ‫عادة ما يطرح عليك بعض األصدقاء سؤاال حول طبيعة‬ ‫عملك‪ ،‬إنني أشتغل يف التدريس منذ ‪ 13‬سنة‪ ،‬ال أتجاوز‬ ‫أربع ساعات من العمل كل يوم‪ .‬قد يبدو هذا لكثريين‬ ‫عمال جيدا ومناسبا للكتابة‪ ،‬و الحقيقة أنني باستثناء‬ ‫السنوات الخمس األوىل رصت أحس بأن هذا العمل‬ ‫ثقيل و يحول دون التفكري يف الكتابة بشكل عميق وأكرث‬ ‫إتقانا‪ .‬ليست املسألة مسألة‬ ‫وقت فحسب‪ ،‬إنها باألساس‬ ‫مسألة مزاج‪ .‬الجهد و الرتكيز‬ ‫حين أفكر في‬ ‫يذهبان مع عرشات الطلبة‬ ‫األصدقاء الذين‬ ‫الذين يغادرون القاعة كل‬ ‫ساعة و يحل آخرون محلهم‪ .‬يشتغلون ساعات‬ ‫هناك يشء آخر هو السهر‬ ‫كثيرة في مهن‬ ‫الذي ال يتالءم مع االستيقاظ‬ ‫أخرى أدرك أنني‬ ‫املبكر من أجل العمل‪،‬‬ ‫يجلس‬ ‫فبالنسبة لكائن لييل‬ ‫ربما محظوظ‬ ‫أمام الحاسوب لساعات‬ ‫طويلة يسمع املوسيقى‬ ‫ويكتب نصوصا شعرية‬ ‫ونرثية قليلة و مقاالت صحفية كثرية‪ ،‬يبدو الصحو الباكر‬ ‫شيئا معذبا بالفعل‪ ،‬و أنا هنا أتذكر جملة ألحد أصدقايئ‬

‫الشعراء يقول فيها‪« :‬الثامنة صباحا دامئا تعذبني»‪.‬‬ ‫باملقابل حني أفكر يف األصدقاء الذين يشتغلون ساعات‬ ‫كثرية يف مهن أخرى أدرك أنني رمبا محظوظ‪ ،‬سيام يف‬ ‫أيام العطل‪ ،‬معظم النصوص الشعرية كتبتها يف الصيف‪،‬‬ ‫حني يذهب اآلخرون لشواطئ البحر أتجه أنا رأسا إىل‬ ‫شاطئ الكتابة‪.‬‬ ‫هناك يشء آخر يبدو أنني أخصص له تقريبا نفس‬ ‫الوقت الذي أخصصه للتدريس وهو الكتابة الصحفية‪،‬‬ ‫أكتب مبعدل مقالتني كل أسبوع‪ ،‬و أعد ملفات ثقافية‬ ‫لبعض املجالت العربية‪ ،‬وأنا ال أعترب هذا األمر كتابة‪ ،‬إذ‬ ‫أدرجه يف خانة العمل‬ ‫الرسومات ‪ :‬الفنان األمرييك جوي براديل‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪109‬‬


‫حائط أبيض‬

‫‪.‬‬

‫ّ‬ ‫الجراح‬ ‫نوري‬ ‫‪.............................................................................................................‬‬

‫أن‬

‫الشاعر رسول الحرية‬

‫تكون سوريا اليوم‪ ،‬وقبل أن تكون شاعرا‪ ،‬فأنت مطالب بأن تكون جنديا يف معركة ضد قوى الظالم والطغيان‪ ،‬ومحاربا ألجل‬ ‫الحرية‪ .‬من دون أن يخطر يف بالك أبدا أن متجد سفك الدم‪ ،‬أو أن تكون مساندا ألعامل القتل‪ .‬أو أن تكون محايدا كام فعل‬ ‫البعض‪ ،‬أو غاضا طرفا عم يجري من مآس‪ ،‬كام اختار آخرون‪ .‬الشاعر بأي لغة تكلم هو صوت الحرية‪ .‬وهو أوال وأخريا‪ ،‬صوت الحياة‬ ‫ضد املوت‪.‬‬ ‫ال مساومة ابدا عىل قضية الحرية بالنسبة إىل الشاعر‪ .‬فالشاعر صوتها‪ ،‬وهو رسول الحرية‪ ،‬ولهذا السبب هو‪ ،‬بالرضورة‪ ،‬صوت يأيت‬ ‫من املستقبل‪.‬‬ ‫عندما تكون شاعرا‪ ،‬عىل هذا النحو‪ ،‬وعىل هذا امليل من الواقعة املأسوية ألمة‪ ،‬البد ان تجد نفسك يف قيص من األمل‪ .‬وبينام شعبك‬ ‫يخط بدمه كلمة الحرية‪ ،‬عليك‪ ،‬أقله‪ ،‬أن تردد بصوتك الكلامت التي رددها بدمه يف الشوارع‪ .‬أي أن تكون ابنا أمينا للحظة الجامعية‬ ‫األكرث مأساوية واألكرث حقيقية معا‪ ،‬ولكونها لحظة وجودية فارقة هي لحظة شعرية أيضا‪ .‬لكن شعريتها ال يكتبها الشاعر بكلامته‬ ‫املفردة‪ ،‬وإمنا يكتبها الناس بدمائهم املبدعة‪ ..‬أنا ال أميل أبدا ً ألن أكون ىف مقعد الضحية‪ .‬والسوريون ال يعبرتون أنفسهم‪ ،‬يف أي وقت‪،‬‬ ‫ضحايا‪ ،‬ليس يف مزاج السوري شعور الضحية‪ ،‬بل شعور املكافح ألجل كرامته وحريته‪ ،‬وألجل العدالة والرقي املدين‪ ،‬ألجل مستقبل يليق‬ ‫بإنسانية اإلنسان‪ .‬أما الشهيد السوري املحمول عىل األكتاف فهو يف قاموس السوريني املنتفضني املقلة التي واجهت املخرز‪ ،‬والبطل يف‬ ‫موقعة الحرية‪.‬‬ ‫يف معركة الحرية ميكن للكلمة أن تواجه املدفع‪ ،‬رمبا بالطريقة نفسها التي أمكن للعني أن تواجه املخرز‪ ..‬الكلامت بالنسبة للشاعر هي‬ ‫كل أسلحته‪ ،‬ومن ثم ال شعر وال شاعر بال عالقة من نوع خاص مع الكلامت‪ .‬وهي عندي عالقة وجودية جوهرية جارحة ومتطرفة‪.‬‬ ‫والشاعر ال يكتب إال ىف حالة تطرف‪ ،‬ألن العالقة مع الكلامت عالقة قصوى تؤخذ من األبعد‪ ،‬وليس من األقرب فهي أرض الحلم وسامؤه‪.‬‬ ‫والكلمة‪ ،‬بداهة‪ ،‬تساوي وجود اإلنسان‪ ،‬ال أريد أن استشهد فقط بالكتب املقدسة‪ ،‬التي رفعت الكلمة إىل مصاف املقدس‪« :‬يف البدء‬ ‫كانت الكلمة»‪ .‬و«إقرأ»‪ ،‬ولكنني أميم شطر اإلنسان وهو بفطرته ومرانه مولع بالكلامت‪ ،‬مرة يف شعر ينشد وجدانه‪ ،‬ومرة يف حكاية‬ ‫تخاطب فطرته وخياله‪ ،‬ومرة يف حكمة تؤجج عقله‪ ،‬ومرة يف خرب ينعش ذاكرته‪ .‬ويف مواقفه تؤخذ عليه كلمة‪ .‬فيقال‪ :‬هذا شخص‬ ‫صاحب كلمة‪ .‬مبعنى أنه رجل‪ .‬فالرجل عند كلمته‪ .‬وإال فهو ليس رجال‪.‬‬ ‫ولطاملا كانت الكلامت‪ ،‬عرب العصور‪ ،‬صديق اإلنسان‪ ،‬صوته‪ ،‬ورسوله‪ ،‬ورسالته‪ ،‬عزاؤه وأفقه‪ .‬بالكلامت صار اإلنسان إنسانا‪ .‬فكيف ال‬ ‫تكون الكلمة امىض أسلحته يف كل معركة‪ ،‬وكذا يف معركة الحرية‪.‬‬ ‫يغادر الشاعر بيت طفولته بحثا عن الذات وطلبا للحرية‪ .‬لكن ما الفرق بني البحث عن الذات والبحث عن القصيدة؟ أنا ال أجد فرقا‪.‬‬ ‫عىل كل حال أنا مل أغادر سورياً قبل ثالثني عاما طائعاً‪ ،‬وإن بدا أن طريقي إىل املنفى كان اختيارا‪ ،‬فغالبا ما ال يكون اختيارك الطوعي‬ ‫إرادة خالصة‪ ،‬بل خالصة ظروف وضغوطات ورمبا إحباطات‪ .‬مل يكن مبقدوري أن أكون حرا ً هناك يف دمشق مدينة حيايت التي ابتالها‬ ‫الديكتاتور بشتى املحن واآلالم‪ .‬وقتام قررت املغادرة كنت أشعر أنني أغادر مدينة محتلة‪ .‬وقد أدركت أنني خرست املعركة‪ ،‬فقد كنت‬ ‫حتى سنوات قليلة أحلم بسوريا أخرى‪ .‬أما وقد ادركت خساريت‪ ،‬فقد قالت يل امي وأنا احمل حقيبة كتفي الصغرية مودعا‪ :‬انت لن‬ ‫تعود‪ .‬وقلت لها قويل الصدقايئ إنني خارج ألتنفس قليال‪ ...‬وبعد عرشين سنة جاءين صوتها الهش يف الهاتف حزينا معاتبا‪ :‬أمل أقل لك‬ ‫إنك لن تعود‪ .‬ويف نهاية املكاملة قالت يل‪ :‬سامحني يا بني‪ ..‬ومل افهم إىل اليوم كيف ميكن ملذنب مثيل هارب من بيت عائلته أن يطلب‬ ‫منه ذلك؟!‪.‬‬ ‫عندما التقيتها لسنة قبل رحيلها عن عاملنا قلت لها‪ :‬أمي‪ ..‬كان املنفى كرمياً معي‪ ،‬أعطاين رمبا أكرث مام أستحق‪.‬‬ ‫أما قصيديت التي كتبت يف املنفى فهي الوثيقة األكرث مطابقة لحيايت‬ ‫‪110‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫جدل‬

‫مهرجانات الشعر‪ ‬‬ ‫والدكاكين الشخصية‬

‫الفنان أبرو‬

‫لطالما تركت مهرجانات الشعر مساحة للجدل والنقاش الذي يدور حول مكانتها ومشاركة الشعراء فيها‪،‬‬ ‫وقد ُسجلت حولها الكثير من المالحظات من قبل الشعراء والنقاد والمهتمين بالحركة الشعرية العربية‬

‫خلدون عبد اللطيف‬

‫رغم‬

‫أ ّن الكالم عن املهرجات الشعرية‬ ‫مرهو ٌن بصيغٍ تقليدية يف الطّرح وقد‬ ‫تعريض بها‪،‬‬ ‫ينظر إليه عىل أنه دفا ٌع بالرضورة عنها أو‬ ‫ٌ‬ ‫ورغم أ ّن هكذا تصنيف له ما ي ّربره يف كثري من األحيان‪،‬‬ ‫لكنه ال يغفل أو يلغي حقيقة أن حضور املهرجانات‬ ‫واامللتقيات الشعرية يف تضاعيف حياتنا بدع ٌة ثقافي ٌة‬ ‫حسنة تستأهل وقفات مع ّمقة‪ ،‬واستقصاءات تخرتق‬ ‫اللب‪ ،‬نظري اضطالعها بدور التعريف عىل‬ ‫القشور إىل ّ‬ ‫مناذج عدة من النتاج الشعري وأبعاد املتحقّق الثقايف‪.‬‬ ‫ولعل من‪ ‬معدود فضائلها اإلجتامعية يف هذا الفضاء أنها‬ ‫ّ‬

‫تنتقل بالشعراء من عوامل الورق واإللتحاف بالكلامت إىل‬ ‫عامل الحقيقة الجسدية والشخوص املجبولة من دم ولحم‬ ‫وروح‪ ،‬وتطلقهم بالدرجة األوىل من أرس الكتابة برفقة‬ ‫الذات الشعرية واإلنسانية إىل فسحة العالقات وكيمياء‬ ‫التواصل بني بعضهم‪ ،‬إىل جانب‪ ‬توطيد العالقة التفاعلية‬ ‫بني الشاعر واملتلقي مبارشة بدون وسائط‪ ،‬واحتضانها‬ ‫للتجارب‪ ‬الشعرية التي‪ ‬متتد عىل ٍ‬ ‫قوس واسعٍ من التن ّوع‬ ‫واإلختالف‪.‬‬ ‫سوى أ ّن تلك ليست أهدافاً وغايات رئيس ًة أو وحيدة‬ ‫مبعنى الكلمة ل ُيحكم لها أو عليها‪ ،‬فاألكرث أهم ّية هو‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪111‬‬


‫جدل‬

‫أي‪ ‬دعوة‬ ‫والدوافع الحقيقية التي تحول دون تلقيه ّ‬ ‫رسمية أو حتى غري رسمية‪ ،‬بصفته شاعرا ً‪ ،‬لحضور‬ ‫شعري يف الدولة العربية التي يقيم ويكتب‬ ‫مهرجان‬ ‫ٍّ‬ ‫عمدت بعض المهرجانات‬ ‫ويعمل فيها‪ ‬منذ نحو عقد من السنوات عىل وجه‬ ‫التي تدار بعقلية مافيوزية إلى‬ ‫التقريب‪ .‬أيضاً‪ ،‬يستغرب الشاعر ذاته من انعدام وجود‬ ‫أي التفاتة مامثلة يتوالها املعنيّون بالشأن الثقايف‬ ‫تكريس أسماء شعرية بعينها‪،‬‬ ‫والقامئون عليه يف وطنه‪ ‬الذي غادره إبّان حقب ٍة سياسي ٍة‬ ‫وساهمت إلى ح ٍّد كبير في‬ ‫بائد ٍة‪.‬‬ ‫تلميعها‪ ،‬بينما تجاهلت أخرى‬ ‫اإلستنكاري‪ ،‬واملشوب مبا يفوق العتب‬ ‫بهذا التساؤل‬ ‫ّ‬ ‫الفردي املج َّرد‪ ،‬يُشخ ُِّص شاعرنا ظاهر ًة مريرة و َم َرض ّية‬ ‫ّ‬ ‫أثقل وزن ًا في ميزان الشعر‬ ‫ما انفكّت‪ ‬تل ّوث البيئة الثقافية بال هوادة‪ ،‬وذلك عرب‬ ‫مالمسته عصباً حساساً‪ ‬يف واقع وطبيعة املهرجانات‬ ‫الشعرية التي تقام ضمن محيطنا العريب‪ ‬عىل امتداد‬ ‫جغرافيته‪ ،‬وتحكمها عىل‪ ‬األغلب شبكة العالقات القامئة‬ ‫تدشني فاعلية الحضور عرب تدريب الذائقة االستامعية‬ ‫ُ‬ ‫يصدف كثريا ً أن ال‬ ‫بني املنظّمني واألسامء املدع ّوة التي‬ ‫ال السمعية لدى املتلقي‪ ،‬واالرتقاء بالعملية من مستوى‬ ‫الفت يف بالدها‪ ،‬فتتو ّهم يف نفسها تبعاً‬ ‫يكون لها حضو ٌر ٌ‬ ‫اإلصغاء إىل مستوى القدرة عىل مقاربة نسيج متباين‬ ‫لذلك ه َّمة الشّ عر ‪.‬‬ ‫من ال ّنصوص الشعريّة‪ ،‬واستيعاب دالالتها اإليحائية‬ ‫‪ ‬ليس القصد من وراء ما استهلينا به وما سوف نطرقه‬ ‫وخصوصيتها التعبريية ضمن فسحة زمنية ضيقة عىل‬ ‫إهدا َر دم املهرجانات الشعرية العربية عىل ح ٍّد سواء‪،‬‬ ‫األغلب‪ ،‬ودائرة تفاعلية ومشهدية مغلقة‪ ،‬مام ال ضامنة‬ ‫فال صوابية قطعاً يف اإلختزال أو التعميم عىل إطالقهام‪،‬‬ ‫لتحققه عىل أكمل وجه يف هذا املنظور بال أضالع ثالثة‪:‬‬ ‫شاعر مجيد‪ ،‬ومستمع فاعل‪ ،‬وحاضنة حقيقية للطرفني ال كام قد يبدو الكالم مكرورا ً عليها وعىل مسألة خيباتها‬ ‫لجهة النقائص الكثرية التي‪ ‬تشوبها‪ .‬لكن‪ ،‬والحالة هذه‪،‬‬ ‫تنفصل عنهام‪.‬‬ ‫وجب أن نتص ّدى ألكرث من مفصلٍ ‪ ،‬وأن نقف بره ًة‬ ‫لك ّن الواحد‪ ‬بات‪ ‬يقرأ أو يسمع بني حني وآخر عن‬ ‫مهرجان شعري هنا وثانٍ هناك‪ ،‬فتضع ُه الحالة واطّرادها للتساؤل‪ :‬هل تستحق هكذا مهرجانات أن توصف حقاً‬ ‫عىل إطالقها بالـ»شعريّة»‪ ،‬وكيف لها أن ترتقي بفاعلية‬ ‫رس استرشاء‬ ‫يف مواجهة سؤال يتعلق بأصل الحكاية‪ ،‬و َّ‬ ‫ال ّدور وامله ّمة‪ ،‬ال بوصفها‪ ‬منطاً استهالكياً بل حدثاً خالقاً‬ ‫هذه «الصرّ عة» أو «املوضة» التي ال تخلو من تسليعٍ‬ ‫الحقيقي‪ ،‬ويغني القصيدة‬ ‫يعنى باستقطاب الشاعر‬ ‫ّ‬ ‫لإلبداع‪ ،‬فضالً عن املعايري التي خضعت لها األسامء‬ ‫الشعرية املشاركة والحارضة‪ ،‬وعىل أي أرضي ٍة تم اختيارها‪ ،‬العربية ومسار تحوالتها؟ ما هي القواعد واألسس التي‬ ‫سواء عىل املستوى املحيل الضيق أو ما هو أبعد وأرحب‪ ،‬ال يعرفها سوى منظ ّمي املهرجانات ولجانها التحضريية‪،‬‬ ‫ّ ّ‬ ‫ويرتكنون إليها يف دعوة الشعراء‪ ،‬س ّيام أن تلك القواعد‬ ‫ٍ‬ ‫بصيت‬ ‫س ّيام وأ ّن املهرجانات الشعرية مل تعد تحظى‬ ‫جل الشعراء املدعوين وفق‬ ‫مفصلة عىل مقاس ّ‬ ‫واألسس ّ‬ ‫السابق‪ ،‬وأن الصفعة تأيت‪ ،‬لألسف‪ ،‬من‬ ‫حسن كام يف ّ‬ ‫درجة حرارة العالقة‪ ،‬وليس أهون من تغيريها احتكاماً إىل‬ ‫تعامل الكثريين معها كأنها دكاكني شخصية‪.‬‬ ‫املزاجية وسياسة اإلقصاء واملحاصصة‪.‬‬ ‫‪ ‬مؤخرا ً‪ ،‬ويف صفحته عىل موقع التواصل اإلجتامعي‬ ‫‪ ‬أوالً‪ ،‬قلّ ٌة هي املهرجانات الشعرية الجادّة‬ ‫«فيسبوك»‪ ،‬تساءل أحد الشعراء العرب‪ ،‬الذين ناهز‬ ‫باملعنى‪ ‬الشامل‪ ،‬سوا ٌء ما حفل بتاري ٍخ ٍ‬ ‫وإرث طويلني أو ال‬ ‫عمرهم الشعري خمسة وثالثني عاماً‪ ،‬عن األسباب‬ ‫‪112‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫مهرجانات الشعر‬

‫وأقل منها تلك التي ال تأيت بالفضيحة عىل السخرية إشاع ُة املنظمني والقامئني عىل املهرجانات‬ ‫يزال يدرج يف مهده‪ّ ،‬‬ ‫للشّ عر أو تنجو من تهمة‪ ‬الشللية واملحسوبية والتبعية‪ .‬ما توخي الدقة والحيادية وأكرب نسبة من العدالة‬ ‫واملوضوعية يف دعوة الشعراء املشاركني‪ ،‬كأ ّن املسألة‬ ‫نعنيه هنا بالدرجة األوىل أن املهرجانات ليست خلوا ً يف‬ ‫استباقي عن تهمٍ ‪ ‬وتف ّوهات طاملا اعتُربت جاهزة‪،‬‬ ‫ع‬ ‫دفا‬ ‫شهرته‬ ‫الغالب من شبهات‪ ،‬فمهرجان املربد الشعري عىل‬ ‫ٌ‬ ‫ٌّ‬ ‫فيام ال يرعوي اإلعالم ال ّرسمي عن تسويق هكذا دفاعات‪،‬‬ ‫مل يتخلص بع ُد من أدران صبغته السياسية بامتياز قبل‬ ‫وظل ينظر حتى هذه اللحظة إىل ماضيه والعمل عىل ترويج صخب مفتعل حولها‪ ،‬كام حصل‬ ‫سقوط العراق‪ّ ،‬‬ ‫مؤخرا ً يف مهرجان جرش للثقافة والفنون باألردن‪.‬‬ ‫القريب واملتوسط باعتباره مظلة أيديولوجية وحمل ًة‬ ‫ثالثاً‪ ،‬من الواضح أن املهرجانات‪ ‬الشعرية‪ ‬ال تأخذ‬ ‫لحزب حاكمٍ ونظام سابق‪ .‬بطبيعة الحال‪ ،‬مثة‬ ‫تعبوية ٍ‬ ‫العربة من بعضها أو من تجاريها السابقة‪ ،‬بل تدعي‬ ‫إستثناءات قليلة ونادرة تش ّذ عن القاعدة مثلام ن ّوهنا‪،‬‬ ‫بيد أنها ال متحو البتة أو تقلّل من غلبة الظاهرة‪ ‬وعمومها‪ .‬مراكمة الخربة وتب ّني التجديد‪ ،‬لكن الحقيقة األكرث‬ ‫مدعاة للتأمل عكس ذلك متاماً‪ ،‬فهي تظاهرات‬ ‫‪ ‬ثانياً‪ ،‬عطفاً عىل ما سبق وارتباطاً به‪ ،‬فقد عمدت بعض‬ ‫املهرجانات التي تدار بعقلية مافيوزية إىل تكريس أسامء مستنسخة وتتقّنع بالشعر‪ ،‬وما زالت مسكونة بال ّريبة‬ ‫من األصوات الشعرية‪ ‬الطالعة‪ ‬ومشكّك ًة يف‪ ‬مقدرتها‪،‬‬ ‫شعرية بعينها‪ ،‬وساهمت إىل ح ٍّد كبري يف تلميعها‪ ،‬بينام‬ ‫ولهذا تجدها‪ ‬عاجزة عن مواكبة التجارب‪ ‬الجديدة‪،‬‬ ‫تجاهلت أخرى أثقل وزناً يف ميزان الشعر‪ ،‬وذلك كله‬ ‫ومسايرة تراكامت وتسارع الكتابة اليومية بنفس الوترية‪.‬‬ ‫لحسابات معينة‪ ،‬وغايات ومآرب وتوازنات هي أبعد ما‬ ‫أما‪ ‬وسطاؤها ومنظ ّموها وكذلك شعراؤها‪ ،‬فهم قريبوا‬ ‫تكون عن حقيقة الثقافة وجوهر الشعر‪ .‬ال نعني هنا‬ ‫الشبه من أبطال خوسيه ساراماغو يف روايته «العمى»‪،‬‬ ‫أن املهرجانات الشعرية مؤدلجة يف مامرساتها ومتويالتها‬ ‫ويقتاتون عىل قناعات نهائية تزيدهم تط ّرفاً‪.‬‬ ‫املشبوهة باملطلق‪ ،‬وال نع ّم ُم كذلك أ ّن جميع الشعراء‬ ‫ترتسم‬ ‫مهرجانات‬ ‫مثة‬ ‫الفاعلية‪،‬‬ ‫انعدام‬ ‫عن‬ ‫ال‬ ‫ً‬ ‫فض‬ ‫عاملني‬ ‫املشاركني هم بالرضورة أتباع أو نشطاء أو أعضاء‬ ‫ّ‬ ‫خطى بعضها أو خطى مثيالتها قلباً وقالباً‪ ،‬فتفقد‬ ‫يف خاليا شللية‪ ،‬فهناك من يرفض اإلنسياق وراءها‬ ‫مدركاً‪ ‬املسافة الواجب تركها والتي تتيح له حرية اإلبداع الخصوصية والتاميز‪ ،‬ال فيام بينها فحسب‪ ،‬وإمنا بني‬ ‫دوراتها ام��تعاقبة‪ .‬ال يقترص األمر هنا عىل خصوصية‬ ‫والحفاظ عىل بياض صفحته‪ .‬لكن هكذا محسوبيات‬ ‫ولعل‪ ‬أكرث ما يبعث الشكل‪ ‬الخارجي‪ ‬والتنظيم‪ ،‬وإمنا خصوصية الجوهر‬ ‫وشلليات ور ٌم خبيث يتحتّم اسئصاله‪ّ ،‬‬ ‫واملضمون اللذين تكمن فيهام روحية الشعر وفرادته‪.‬‬ ‫هذا عدا أن شعاراتها املعلنة نادرا ً ما تعبرّ عن حقيقة‬ ‫المهرجانات الحقيقية التي‬ ‫جوهرها‪ ،‬فهي غالباً فضفاضة‪ ،‬ومتباعدة يف املأىت‪ ،‬وخالية‬ ‫والمسخرة ّ‬ ‫َّ‬ ‫للشعر‬ ‫نعنيها‬ ‫من املحتوى مثل أسطوانة مرشوخة‪ ،‬إذ ال متيل إىل البحث‬ ‫عن مواطن املرض والكشف عليه وتشخيصه حسبام‬ ‫فقط هي التي تتعمق في‬ ‫يجب‪ ،‬وإمنا تكتفي بالسري يف سياق املوجة السائدة‪،‬‬ ‫نفسها أو ً‬ ‫ال‪ ،‬حالها في ذلك‬ ‫وتنزع فيام تنزع نحو اإلستعراض والبحث دامئا عن‬ ‫حال القصيدة المتجددة‬ ‫ترصيحات بيضاء‪ ،‬أي ال تدين هذا أو تشجب ذاك‪ ،‬وال‬ ‫غرابة يف األمر‪ ،‬إذ أن ابتذال البدايات يفيض حتام إىل‬ ‫والمشحونة بالتغيير وهاجس‬ ‫فداحة الخواتيم‪ .‬يف هذا املقام‪ ،‬نعود للتساؤل مرة أخرى‬ ‫التجاوز‬ ‫عطفاً عىل مفارقة مضحكة مبكية‪ :‬ملاذا تشهد املهرجانات‬ ‫نزعة ذكورية ج ّراء تهميش املرأة الشاعرة؟ وملاذا ال تنال‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪113‬‬


‫جدل‬

‫الفنان م‪.‬د‪ .‬توكون‬

‫ٍ‬ ‫منقوص من املشاركة يف‬ ‫املرأة الشاعرة نصيبها كامالً غري‬ ‫املهرجانات الشعرية أسوة بالشاعر «الرجل» الذي يهيمن‬ ‫عىل املنابر؟‬ ‫‪ ‬رابعاً‪ ،‬تفقد املهرجانات الشعرية مداها وفاعليتها‪ ‬يف‬ ‫مستوى الخلق واملامرسة الفنية‪ ‬خارج حدثها‪ ‬وسياقها‬ ‫الزمني‪ ،‬مبعنى أنها تقوم عىل الشّ عارات‪ ،‬وتتوقف عند‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ما‪ ‬ينفض‬ ‫حدود التظاهرة الشعرية كاحتفالية رسعان‬ ‫ّ‬ ‫سامرها‪ ‬بانتهاء دورتها القصرية‪ ،‬من دون امتداد أو تواصل‬ ‫عىل مستوى الفعل الشعري إلستيعاب الخارج‪ ،‬وهي‬ ‫بذلك تفر ُغ من محتواها رسيعاً‪ ،‬ويصبح الشعر يف هذه‬ ‫الحالة صادرا ً عن الحدث وتابعاً له‪ ،‬كام تفقد زخم الحالة‬ ‫ج ّراء السقوط يف فخ املناسباتية‪ ،‬مكتفية بالوالدة واإلنتهاء‬ ‫ضمن دائرة ضيقة وبعيدة عن سياقات التلقي األخرى‪،‬‬ ‫كأنها جلسات مغلقة ورسيّة‪ ‬لتحضري الشعراء‪ .‬ناهيك عن‬ ‫حقيقة عجزها عن مواكبة الحدث اإلجتامعي والسيايس‬ ‫واإلقتصادي‪ ،‬ال من منطلق التبعية له‪ ،‬وإمنا ارتكازا ً عىل‬ ‫متالزمة تل ّمس األثر وإسترشاف القادم‪.‬‬ ‫باملحصلة‪ ،‬ومن دون أن يفهم من كالمنا باعتباره مصادر ًة‬ ‫للمهرجانات الشعرية عىل إطالقها‪ ،‬ميكن اعتبار هذه‬ ‫‪114‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫املهرجانات صورة مكرورة للواقع املأزوم أكرث من كونها‬ ‫مصالحة توفيقية معه‪ ،‬واحتفاء بأصحابها وضيوفهم ال‬ ‫بالشعر‪ ،‬وأرضاً خصبة لتطبيق قوانني العالقات اإلجتامعية‬ ‫عىل أصولها‪ .‬بالتايل‪ ،‬فهي ال تخدم الشعر العر ّيب ومسار‬ ‫تحوالته وخطوطه التطورية يف يشء‪ ،‬بل لعلها متارس‬ ‫ظل‬ ‫تشويهاً له من حيث ال تدري رغم قلّتها راهنياً يف ّ‬ ‫األوضاع السياسية الراهنة‪ ،‬وال غرابة أن تجد جمهور‬ ‫الشّ عر مدفوعاً إىل الصدود واإلنكامش رغامً عنه بحكم‬ ‫رداءة املعروض وتقليديته التي تلغي التفاعل وتهمل‬ ‫وقائع الحارض‪.‬‬ ‫املهرجانات الحقيقية التي نعنيها واملسخَّرة للشّ عر‬ ‫فقط هي التي تتعمق يف نفسها أوالً‪ ،‬حالها يف ذلك‬ ‫حال القصيدة املتجددة واملشحونة بالتغيري وهاجس‬ ‫التجاوز‪ ،‬فال تحتفي بإلقاء القصيدة كمامرسة آلية‬ ‫مكرورة فقدت نكهتها‪ ،‬وإمنا تواصل باستمرار طرح أسئلة‬ ‫كل مرة مامرسة شعرية‬ ‫تفيض إىل مفرتقات‪ ،‬وتخلق يف ّ‬ ‫جديدة‪ ،‬وعىل مهرجاناتنا الشعرية بالتايل أن تخرج من‬ ‫مستنقعاتها اآلسنة كماّ ً ونوعاً‪ ،‬وأن تتح ّرر من كونها مج ّرد‬ ‫دوائر مفرغة تنفجر يف محيطها القنابل الصوتية‬


‫نقد‬

‫عبد الزهرة زكي‬

‫خطاب الصوت والصورة‬ ‫في ديوانه "كتاب اليوم ‪..‬كتاب الساحر" آخى الشاعر العراقي عبد الزهرة زكي بين نصوص التفعيلة‬ ‫ونصوص النثر‪ ،‬وحينها كان هذا الكتاب‪ ،‬يمثل مرحلة تحول مهمة في تجربته‪ ،‬كونه حاول أن يماهي‬ ‫بين خطابي الصوت والصورة‪ ،‬وتخفيف حدة موسيقى الوزن الشعري‪ ،‬في نصوص التفعيلة‪ ،‬وخلق غنائية‬ ‫سحيقة في إيقاعات نصوصه النثرية‬

‫علي شبيب ورد‬

‫طقس الحب‪ /‬مجس أول‬

‫يحفل كتاب الساحر بنصوص الحب الرعوي بني فتاة‪-‬‬ ‫حارضة‪ -‬وساردة ملجريات ولهها بفتى –غائب‪ -‬إالّ يف نص‬ ‫واحد هو «حكمة الصمت»‪ .‬وتتضح هيمنة طقس الحب‬ ‫السحري ابتدا ًء بعناوين النصوص مثل‪ :‬غزل كثري‪ /‬ديوان‬ ‫غزل قديم‪ /‬رائحة الحب‪ /‬طائر القلب‪ /‬مجنون ليىل‪/‬‬ ‫روحي التي تحبك‪ /‬سحر العشق‪ /‬فعل العشق‪ .‬وتنكشف‬ ‫الهيمنة أكرث يف متون النصوص من خالل‪ :‬مفردات‪ /‬رموز‪/‬‬ ‫صور‪ /‬أحداث‪ /‬تداعيات‪ /‬وسواها‪ .‬وهذا الطقس يستمد‬ ‫حضو َره االتصايل‪ ،‬عرب تناصات متنوعة‪ ،‬مع مرجعيات‬ ‫طبيعية أو مكانية أو طقوسية أو أسطورية‪ .‬وميكن لنا‬ ‫تلمس تلك املرجعيات يف العناوين‪ :‬وأنا أحلب البقرة‪/‬‬ ‫عند العني‪ /‬تحت شجرة التفاح‪ /‬صارت البنت نجمة‪/‬‬ ‫ف َُّك سحري‪ /‬يوم العيد‪ .‬أو يف الشفرات الرمزية املبثوثة‬ ‫يف متون النصوص مثل‪ :‬املرعى‪ /‬قطف التفاحة‪ /‬النجمة‪/‬‬ ‫السحابة‪ /‬الشياه‪ /‬الناي‪ /‬الجدول‪ /‬القمر‪ /‬الجبل‪ /‬وسواها‪.‬‬ ‫ولدى انعطافنا عىل ٍ‬ ‫واحد من نصوص هذا الكتاب‪،‬‬ ‫نكتشف عالقة الحب بني الفتاة والفتى الراعي املفتقد‪،‬‬ ‫وشدة ولهها وهيامها به‪ .‬ولعلنا نتعرف منذ الجملة األوىل‬ ‫للنص‪ ،‬عىل أنها منرصفة لرسد وكشف كنه هذه العالقة‬ ‫ألي أحد‪،‬‬ ‫بينهام‪ .‬فهي ال تتوقف عن وصف مزايا حبيبها ٍّ‬

‫عبد الزهرة زيك‬

‫والبحث عن أية وسيلة أو إمياء ٍة تشري إليه‪ .‬والشاعر‬ ‫املتقمص لدور الحبيبة‪ ،‬آثر البساطة اللغوية‪ ،‬لخلق‬ ‫الصور الشعرية املنتجة لتقابالت مشهدية‪ ،‬موحية ومثرية‬ ‫اتصاليا‪:‬‬

‫«أيها الغريب الذاهب يف الطريق إىل املرعى‪..‬‬ ‫سيصادفك هناك حبيبي يف املرعى‪.‬‬ ‫عيني سرتاه فتعرفه‪».‬‬ ‫حدق يف َّ‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪115‬‬


‫نقد‬

‫الفنانة مايا فينوكورف‬

‫غري أن الفتاة املنرصفة متاما عن العامل‪ ،‬للتفكر يف تداعيات‬ ‫حالة العشق الجنوين الذي حل بها نتيجة غياب حبيبها‪،‬‬ ‫تواصل هذيان الوجد‪ .‬فتعرض عىل أي غريب هو يف‬ ‫طريق الذهاب إىل املرعى‪ ،‬اقرتاحا آخر‪ ،‬يك يهتدي للتعرف‬ ‫عىل حبيبها‪:‬‬

‫«أو حدّق يف عينيه‪ ..‬سرتاين لتعرفه‪».‬‬

‫فيام يحيلنا نص آخر إىل أغوار امليثيولوجيا‪ ،‬حيث شجرة‬ ‫الحكمة يف األساطري السومرية وما تالها‪ ،‬من أساطري‬ ‫وديانات برشية‪ .‬فالنص يشري بوضوح لهذا التناص‬ ‫التعالقي مع األسطورة بدءا ً بالعنوان وانتها ًء باملنت الذي‬ ‫يتكون من مشهدين شعريني جرى تشكيلهام نسقيا عىل‬ ‫فكرة قطف التفاحة‪:‬‬

‫«تحت شجر ِة التفاح التي يف الطريق ‪..‬‬ ‫َ‬ ‫ليقطف التفاح َة الوحيدة‬ ‫يهم‬ ‫كان فتى ُّ‬ ‫للفتا ِة التي يحب‪».‬‬

‫فيام تقوم فكرة القطف يف املشهد الثاين‪ ،‬عىل أن الفتاة‬ ‫قامت بفعل القطف للتفاحة من نفس الشجرة‪ ،‬يك‬ ‫تهديها لحبيبها الفتى‪ .‬وهكذا ينتهي النص مفتوحا عىل‬ ‫نهايات محتملة له‪ ،‬تلك االحتامالت تستدعي أسئلة‬ ‫شتى حولها‪ .‬ويف مقدمتها‪ :‬هل أهدت الحبيبة التفاحة‬ ‫لحبيبها؟! أم ال؟!‬

‫«تحت شجرة التفاح التي يف الطريق‬ ‫كانت فتا ٌة قد قطفت التفاح َة الوحيدة‬ ‫لتهديها للفتى الذي تحب‪».‬‬

‫ثان‬ ‫طقس الرعب‪ /‬مجس ٍ‬

‫تعمل نصوص كتاب اليوم‪ ،‬عىل كشف هول معاناة‬ ‫اإلنسان العراقي من حيا ٍة ال تطاق‪ ،‬حيث بات مسجونا‬ ‫جب معتم‪ .‬وذلك بعد القصف املرعب واملهول للبنى‬ ‫يف ٍّ‬ ‫التحتية وما خلقه من تداعيات يف تدمري البنى الفوقية‪.‬‬ ‫وبانتباهة م ّنا ألحد النصوص‪ ،‬تنكمش أبداننا ونحن‬ ‫نتعرف عىل الزاوية املنتقاة من قبل الشاعر لتصوير‬ ‫مشاهده الشعرية‪ .‬إ ْذ يبدأ الرشوع يف التصوير عرب كامريا‬ ‫مثبّتة يف قاع البرئ‪:‬‬

‫«أنا يف قاع البرئ‬

‫‪116‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫أرى العامل‬ ‫ليس سوى أدوا ِر د َولٍ‬ ‫ظالم وضياء‪».‬‬ ‫بني ٍ‬

‫ومييض الشاعر يف عرض ما يراه من أحداث فوقه‪ ،‬ليصل‬ ‫إىل نتيجة مفادها أن ال أهمية لحياة مملة مقيتة‪ ،‬تتوالد‬ ‫فيها األيام املتشابهة يف حلكتها وغموضها ورضاوتها‪ .‬كيف‬ ‫ال وهو يرى حراك العامل من فوقه‪ ،‬يتبدل من حال إىل‬ ‫حال أكرث تقدما ومتدنا‪ ،‬ولكن دون أن يهتم للمحنة التي‬ ‫يعاين منها دون نهاية؟ وبال أمل؟‬

‫«ما قيمة هذي األشياء‬ ‫وأنا أبرص أيامي‬ ‫تعرب ف ّوه َة البرئ‬ ‫ويجرفها النسيان‪».‬‬

‫والشاعر يف نص جديد‪ ،‬يلعب دور واحدة من ثكاىل البالد‬ ‫اللوايت تعج به َّن بيوتها ودروبها واملقابر‪ ،‬فينوب عنها يف‬ ‫دعاء مثري للشجن‪ .‬ولكنه يذكرنا بأدعية أوىل األساطري‪،‬‬ ‫تلك املحملة بالوجع السومري املتوارث عرب العصور‪،‬‬ ‫والذي ينطوي عىل فداحة كوارث األولني‪ .‬والدعاء هنا‬ ‫يجري عرب مقاربة بني بيوت القتلة ورسير امليت‪ ،‬فالدعاء‬


‫عبد الزهرة زكي‬

‫يف املشهد األول يتشكل وفق أمنية تح ّول بيوت القتلة اىل‬ ‫خرائب كخواء رسير طفلها الفقيد‪:‬‬

‫َ‬ ‫سمعت أغني َة البنات؟‬ ‫«هل‬ ‫حينام َ‬ ‫نزلت من الجبل‬ ‫َ‬ ‫سمعت أغنية البنات؟‬ ‫هل‬ ‫الحب‬ ‫عن ٍ‬ ‫بنت خبلها ُّ‬ ‫فصارت نجم ًة‬ ‫وصارت النجمةُ‬ ‫ناي َمن تحب‪.‬‬ ‫ال تطلع إىل عىل ِ‬ ‫صوت ِ‬ ‫صوت َ‬ ‫لقد ُب َّح ُ‬ ‫نايك‬ ‫فلم ترين بني البنات‬ ‫َ‬ ‫فحزنت‬ ‫َ‬ ‫فرميت إىل الجدول بنايك‬ ‫فام عادت النجمة‬ ‫لتطلع ثانية‪..‬‬ ‫َ‬ ‫سمعت أغنية البنات؟»‬ ‫أما‬

‫فولكلورية النص‪ /‬استدراك أول‬

‫ثان‬ ‫شعرية املهمل‪ /‬استدراك ٍ‬

‫«ولتكن البيوت‪ ،‬بيوتهُم‪،‬‬ ‫ائب كرسيرك الخاوي‪...‬‬ ‫خر َ‬ ‫إال من زفرات دمك‪».‬‬

‫بينام يقارن املشهد الثاين بني أنهار القتلة وثدي األم‬ ‫الثكىل بابنها‪ ،‬ألنها تراه خذل ابنها‪ ،‬كونه مل يد ّر الحليب‬ ‫الذي ينقذه من املوت‪ .‬واملالحظ أن الشاعر كتابيا عمل‬ ‫عىل هندسة النسق البنايئ للمشاهد واالعتامد عىل‬ ‫شعرية التكرار‪ ،‬وتحقيق دراما الدهشة لدى املتلقي عرب‬ ‫هكذا مقابالت بني صور من أماكن متباينة‪:‬‬

‫«ولتكن األنهار‪،‬‬ ‫أنها ُرهم‪ ،‬جاف ًة‬ ‫كثديي الذي خذلك‪».‬‬

‫فاتنا أن نتوقف عند واحدة من أهم اللعب االشتغالية‬ ‫يف «��تاب الساحر» أال وهي االنفتاح عىل النص‬ ‫الفولكلوري(الشفاهي‪ /‬املدون) ‪،‬ونعني هنا نصوص‬ ‫السحر‪ ،‬التي امتدت تأثرياتها عىل كل املامرسات‬ ‫االجتامعية‪ ،‬ومنها الحب‪ ،‬فجاءت رسديات وأغاين وترانيم‬ ‫هذه الغريزة‪ ،‬مح ّملة بشطحات سحرية شتى‪ .‬تقوم تلك‬ ‫الشطحات‪ ،‬بدور املوجهات املؤثرة لشبكة الرسد الحكايئ‪،‬‬ ‫وبفعلها تحدث االنقالبات والحلول املحتملة يف العقد‬ ‫الدرامية لتلك النصوص‪ .‬ومع الزمن توارث الناس شفرات‬ ‫هذه املرويات‪ ،‬وجرى تضمينها يف تراتيل أو ترانيم‬ ‫أو أغانٍ شعبية‪ ،‬كموجهات قيمية لشتى االهتاممات‬ ‫واملواضيع البرشية‪.‬‬ ‫واحد من نصوص كتاب الساحر‪ ،‬يتناول موضوعة الخبل‬ ‫يف الحب بفعل السحر‪ ،‬من خالل أغنية ترددها البنات‪.‬‬ ‫حيث تتحول البنت إىل نجمة ال تظهر إالّ عىل صوت‬ ‫ناي الحبيب الذي فقد نايه‪ ،‬ألنه رماه يف الجدول لحظة‬ ‫غضب‪ .‬إن هكذا سبك بنايئ ملوضوعة الحب‪ ،‬كان يراد‬ ‫منه‪ -‬وفق الدرس امليثيولوجي‪ -‬تحويل هذه العالقة إىل‬ ‫مامرسة مقدسة‪:‬‬

‫بهذا االستدراك‪ ،‬نقف عند واحدة من أهم كشوفات‬ ‫كتابة النص الشعري الحديث‪ ،‬والتي أبانتها لنا أغلب‬ ‫نصوص «كتاب اليوم»‪ .‬وهذه التقانة الكتابية ميكن‬ ‫تسميتها «شعرية املهمل» وعربها يحرص ال ّناص (القاص‪/‬‬ ‫الشاعر) عىل االرتقاء باليومي واملستهلك واملهمل‪ ،‬إىل‬ ‫مشارف األبدي والجديد واملدهش‪ .‬وال يحدث هذا‪ ،‬دون‬ ‫دربة مشغل ونباهة رؤية ومران مخيلة وجعبة معرفة‪،‬‬ ‫وكل ما يتطلب من اشرتاطات يفرتض توفرها‪ ،‬يك تشري إىل‬

‫تعمل نصوص كتاب اليوم‪،‬‬ ‫على كشف هول معاناة‬ ‫اإلنسان العراقي من حياة ال‬ ‫تطاق‪ ،‬حيث بات مسجون ًا في‬ ‫جب معتم‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪117‬‬


‫رش مع النص‪ .‬فالشاعر‬ ‫متتع الناص بحسن طوية وطول مع ٍ‬ ‫يف نصوص هذا الكتاب كان راصدا حاذقا ملجريات‬ ‫األحداث اليومية خالل زمن املحنة‪ .‬فزاوية اللقطة‬ ‫الشعرية‪ ،‬نجحت يف تجميع أفضل اللقطات املجدية‬ ‫إلنتاج صور شعرية أخّاذة ومثرية النتباه املتلقي‪ .‬ألنه‬ ‫عمل عىل تطويع املفردات املتداولة للتكيف مع النسيج‬ ‫البنايئ للصورة الشعرية‪ ،‬مانحا تلك املفردات حياة جديدة‬ ‫تتالءم ودورها ضمن النسق العام للمشهد الشعري‪.‬‬ ‫ولسوف نتوقف عند نص «هذا خبز» بوصفه واحدا من‬ ‫أهم نصوص الشعرية العراقية والعربية‪ ،‬وذلك لكفاءته‬ ‫االتصالية عىل املستويني العالمي والداليل‪ .‬فهو يكتنز‬ ‫عىل غنائية الرتاتيل األوىل‪ ،‬ملا يتميز به من لغة منسابة‬ ‫ونسق بنايئ يتامهى مع الرتانيم السومرية‪ .‬فالشاعر رمى‬ ‫حنطة الكلامت‪ ،‬يف مطحنة املخيلة‪ ،‬وعجن طحني ال ُج َملِ ‪،‬‬ ‫مباء الروح‪ ،‬وشوى الخبز النص عىل مجامر الجسد‪.‬‬ ‫وفيه ينترص للمرأة العراقية التي ب ّددت عطور جاملها‬ ‫عىل لهب مواقد الفجيعة‪ ،‬وأفنت خرضة مشاعرها عىل‬ ‫تضاريس الكروب‪ ،‬وغيّبت لهاث أشواقها يف عواصف‬ ‫الكارثة‪ .‬ويواصل الشاعر مناجاته للمرأة املستلبة‬ ‫واملهملة‪ ،‬والتي يشبه حالة النسيان لها‪ ،‬باألمنية واملراد‬ ‫والرجاء‪ ،‬الذي توارثنا طقسه املايئ عرب الذاكرة الجمعية‪:‬‬

‫أضعت خا َمتك يف السوق‪،‬‬ ‫«يا من‬ ‫ِ‬ ‫كيس الطحني‪،‬‬ ‫يا من‬ ‫ِ‬ ‫نسيت مسا َءك يف ِ‬ ‫أهرقت أنوثتك يف التنور‪،‬‬ ‫يا من‬ ‫ِ‬ ‫كوين أنت أنا‬ ‫ُ‬ ‫سأكون حينَها أنا أنت‬ ‫يا غريبةُ‬ ‫يا حبيب ُة‬ ‫يا مل ِهمة‬ ‫يا نامئة‪..‬‬ ‫يا منس ّية يف أمني ٍة مرمي ٍة‬ ‫يف قنين ٍة مرمي ٍة‬ ‫مرمي‬ ‫يف بح ٍر ٍّ‬ ‫يف حب ِة قمح»‬

‫لقد نجح الشاعر ليس فقط يف تفجري طاقات مفردة‬

‫‪118‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫نتوقف عند نص «هذا خبز»‬ ‫بوصفه واحدا من أهم‬ ‫نصوص الشعرية العراقية‬ ‫والعربية‪ ،‬وذلك لكفاءته‬ ‫االتصالية على المستويين‬ ‫العالمي والداللي‬

‫«خبز» بوصفها يومية‪ /‬مستهلكة‪ /‬مهملة‪ ،‬من خالل‬ ‫استعادة بعدها األسطوري واملقدس‪ .‬بل منحها شحنات‬ ‫مضافة‪ ،‬عندما جعلها إسم إشارة‪ ،‬فح ّولها إىل خطاب‬ ‫أبدي‪ ،‬هو وثيقة دامغة عن الوضع الكاريث الذي شح فيه‬ ‫الخبز آنذاك‪ .‬إن الرتكيب اللغوي «هذا خبز» هو ندا ٌء‬ ‫إنساين‪ ،‬خلق بعدين دالليني األول الدهشة والغرابة‪،‬‬ ‫لوجود الخبز رغم ش ّحته‪ ،‬والثاين السخرية والتهكم‪ ،‬ألن‬ ‫الخبز هو من أبسط متطلبات الحياة‪.‬‬

‫مجس استنتاجي‬

‫بعد هذه النزهة الفاحصة (املقلوبة) عىل خارطة‬ ‫املعامل الجاملية للكتاب املاثل أمامنا‪ ،‬نود تحريك مجس‬ ‫استنتاجنا املوجز والنهايئ إلجرائنا الفاحص هذا‪ ،‬مبتدئني‬ ‫باإلشارة إىل أن الشاعر عبد الزهرة زيك سوا ًء يف هذا‬ ‫الكتاب أو يف كتبه األخرى‪ ،‬يعرض لنا صورا شعرية‬ ‫موحية‪ ،‬تتشكّل عرب لغة بسيطة اتسمت برشاقة مفرداتها‬ ‫وداللة تراكيبها املنتقاة بعناية‪ .‬كام أن املشهد الشعري‬ ‫لديه‪ ،‬تتبارى صوره يف أداء وظائفها السيميائية والداللية‬ ‫ضمن النسق العام للمشهد أو املقطع الشعري‪ .‬باإلضافة‬ ‫إىل نزوحه املتواصل‪ ،‬صوب الجملة الشعرية املوجزة‬ ‫واملكثفة لغويا‪ ،‬والتي تتسم برسدية شعرية كفوءة يف‬ ‫لفت اهتامم املتلقي‬


‫جدل‬

‫محاكمات شعرية باطلة‬ ‫عبد هللا أبوبكر‬

‫في‬

‫واحد من لقاءات عماّ ن الثقافية عندما تو ّجهت إحدى الشاعرات بسؤال للشاعر التونيس يوسف رزوقة حول قصيدة‬ ‫ملحمود درويش «البنت ‪ /‬الرصخة» التي مطلعها مأخوذ من قصيدة لرزوقة‪ ،‬عن رأيه بهذا الفعل‪ ،‬رد رزوقة‪« :‬محمود‬ ‫درويش شاعر كبري‪ ،‬ومثل هذه ال تقلل منه»‪.‬‬ ‫هكذا يرد الشعراء الكبار بالطبع‪ ،‬أما الشاعر املتواضع‪ ،‬فسيحاول يف مثل هذا الظرف الركوب عىل هذه القضية‪ ،‬ويحل ويرتحل وهو‬ ‫يحملها يف حقيبته‪ ،‬لرتويج اسمه وتسليط األضواء عليه ‪.‬‬ ‫تحرض هذه الحادثة‪ ،‬يف مناسبة تلك الهجمة التي يتعرض لها إرث درويش الشعري‪ ،‬الذي أعاد للشعر والشاعر العريب حضوره يف زمن‬ ‫كادت الذائقة العربية أن تتجاوزه وتقفز عنه‪ .‬هذا اإلرث الذي يكافأ اليوم بسيل من التشكيك‪ ،‬واالتهامات التي ال محل لها من الفهم‪،‬‬ ‫وال يبدو أنها ذات بعد نقدي‪ ،‬فهي تتغذي بأحقاد وأهواء أصحابها‪ ،‬الذين ينهون عن فعل ويأتون مبا هو أكرب منه‪.‬‬ ‫قبل عام تقريبا كتب الشاعر الشاب محمد عريقات مقالة يف احدى الصحف‪ ،‬تحدث فيها عن مسألة «الهضم الشعري» لكبار الشعراء‪،‬‬ ‫الذي اتكأؤوا عىل جمل وعبارات شعرية لشعراء آخرين‪ ،‬مستشهدا بأمثلة عدة‪ ،‬ومتحدثا عن درويش وأدونيس ونزار قباين الذين‬ ‫«هضموا» لغريهم‪ .‬ويفهم من هذا الكالم عىل أنه بحث من شاعر شاب عن بعض املرجعيات لكبار الشعراء‪ ،‬وتقيص أثرهم يف أعامل‬ ‫غريهم من الشعراء‪ .‬ولكن كيف ميكن فهم أن «يهضم» كاتب آخر هذه املقالة‪ ،‬ويتكئ عليها يف شن هجوم ضد واحد من هؤالء‬ ‫الشعراء؟ وان يحاكم اآلخر وينهاه عام يقوم به هو! ثم يتحدث عن بعض الجمل والعبارات التي استخدمها درويش يف قصائده وهي‬ ‫لغريه‪ ،‬عىل الرغم من أنها عبارات تكاد تكون أقل من عادية‪ ،‬وميكن أن تستخدم حتى يف حديث املجالس العادي؟!‬ ‫وبعد ذلك يأيت آخر لرمي حجارة الكالم عىل تجربة درويش الشعرية‪ ،‬ويحاول أن يتعربش عىل أسوارها ليرتك يف كل محاولة بعضا‬ ‫من الخربشات التي ال ترض وال تنفع‪.‬‬ ‫اليوم‪ ،‬يصعد الحديث عىل لسان بعض املثقفني الفلسطينيني والعرب إىل عناوين املقاالت و«األقاويل»‪ ،‬وتبدأ التهم بالسري عىل‬ ‫ثالثة أقدام‪ ،‬ويصبح درويش سارقا‪ ،‬ومتواطئا مع العدو! هذا ما وصلت إليه أحدث التحليالت «النقدية» يف العاصمة عماّ ن‪ ،‬وهذا‬ ‫ما افرتضته أقالم يبدو أنها استبدلت كتابة الشعر بكتابة الشعوذة النقدية‪ .‬وكعادة البعض‪ ،‬عندما يتابع شيئا من هذه التحليالت‬ ‫يجد لنفسه مساحة فيسري مع من سار خلفها‪ ،‬ويبدأ بإطالق ما يريد من نظريات وآراء وتحليالت قارصة وغري صادقة‪ ،‬وليست سوى‬ ‫«فزعة» من أجل تحقيق غايات شخصية تبدو مفهومة وواضحة‪.‬‬ ‫ليست هذه الكتابة من أجل الدفاع عن درويش‪ ،‬وتقديم شهادة بحقه‪ ،‬أو القول إن مرشوعه الشعري ال ميكن تناوله نقديا‪ ،‬أو قراءته‬ ‫من جديد‪ ،‬بل من أجل وضع عالمات تعجب أمام ما يحدث‪ ،‬ودعوة بعض املحللني إىل ضبط النفس حني يكون الحديث عن منجز‬ ‫أديب عريب كبري‪ ،‬ال يقلل من تجربة أحد‪ ،‬أو يأخذ مكانه‪ ،‬ألنه يف حقيقة األمر حامل ملا ننجزه نحن أبناء الجلدة الواحدة‪.‬‬ ‫إن درويش الذي قال عرب أكرث من لقاء إنه يتابع بحرص ما يكتبه الشعراء الشباب يف فلسطني‪ ،‬ويتأثر بهم‪ ،‬ال ميكن أن يكون متعاليا‪.‬‬ ‫كام ال ميكن الحكم عىل مرشوع شعري من خالل بعض الجمل والعبارات‪ .‬وال بد ملن يتهم درويش باستغالل قضيته أن ينظر ملا قدمه‬ ‫مرشوع درويش الشعري للقضية وكيف حملها كبريا بعد ان حملته صغريا‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪119‬‬


‫بورتريه‬

‫مالك المطلبي‬

‫عقالني بمخيّلة سومرية‬ ‫مالك المطلبي أحد أدباء العراق البارزين الذين أغنوا الساحة العراقية والعربية بآرائهم وأعمالهم‪ ،‬شاعر‬ ‫وناقد واستاذ جامعي‪ ،‬وعاشق للغة العربية التي يعد أحد عباقرتها‬

‫صالح حسن‬

‫يسخر‬

‫املعلم‪ ،‬وال يكتب مالك املطلبي عن شاعر أو كاتب أو‬ ‫من نفسه إذا تطلّب األمر من‬ ‫لغوي إال بعد أن يكون قد قرأ كل ما كتبه هذا الشاعر أو‬ ‫أجل أن يكون واضحا مع مح ّدثه‬ ‫ذاك الكاتب من أجل أن يقدم عنه دراسة بانورامية تلم‬ ‫أو طالّبه وهو أول طفل يف الحلفاية_قرية يف مدينة‬ ‫العامرة‪ ،‬يرتدي «بنطلونا» سيكون حكاية تروى يف املجالس بتجربة املبدع الذي يتناوله بالنقد‪.‬‬ ‫واملدارس ويتناقلها الناس يف القرى الجنوبية النائية ومحل ال يحل مالك املطلبي عىل مكان دون أن ينرش الحبور‬ ‫تندر الكبار والصغار‪« ،‬بنطلون» خاطه خياط ال يعرف إال فيه‪ ،‬التقيناه يف كلية الفنون الجميلة يف بغداد محاطا‬ ‫بطالبه‪ ،‬هذا املتفائل العجيب بالحياة‪ ،‬تراه مبتسام وهو‬ ‫خياطة الدشاديش ومل ميسك بيده «بنطلونا» أبدا‪ .‬شاعر‬ ‫وناقد وناثر وكاتب دراما وأستاذ اللغة العربية أبا عن جد‪ ،‬يستخرج الضوء من حزمة الظلمة يف كل املشاكل مثل‬ ‫صانع األمل‪ .‬انخرط يف وقت مبكر بالسياسة من اجل‬ ‫وبنيوي ال يشق له غبار وأخريا ساخر ال يخدش أحدا يف‬ ‫سخريته‪ ،‬معلم الجميع وسيد نفسه ومريديه يف كل مكان‪ .‬الفقراء لكنه تخىل عنها عندما جاء الطاغية وظل يتخفى‬ ‫ويراوغ من اجل أن ال يكون رشيكا يف الجرمية ونجح‪.‬‬ ‫إذا تحدث عن الشعر يتألق وإذا دخل يف تخوم اللغة‬ ‫تخلص من ذلك اإلرث الدموي باملواظبة عىل الدرس‬ ‫يذهل وإذا تناول مادة أدبية يفككها مببضعه الدقيق‬ ‫اللغوي فأصاب واستمر بالنجاح وصار له طالب كرث يف‬ ‫حتى يبسطها كل البسط‪ .‬معلم من الطراز األول يحن‬ ‫إىل مجالسه يف املقاهي‪ ،‬ألصدقائه قبل طلاّ به ومريديه يف الجامعة‪ ،‬هم سبب مهم يف انشغاله عن ترهات السياسة‬ ‫الرعناء‪.‬‬ ‫اتحاد األدباء قبل قرائه‪ ،‬ثري حني يتعمق ومقتصد حني‬ ‫عقالين مبخلية سومرية وهذا الوصف يحتاج إىل تفسري‬ ‫يعز الوقت‪ ،‬وال يخلو حديثه من دعابة مفيدة وملسة‬ ‫لكنه مع مالك بالنسبة للقراء العراقيني ال يحتاج إىل‬ ‫مؤثرة‪ .‬يكتب يف مجاالت كثرية كلها قريبة من الشعر أو‬ ‫تفسري والسبب يف ذلك ان مالك ينهل من هذا الرتاث‬ ‫تنطلق منه مع أثر للدراما الشكسبريية من اجل أن ال‬ ‫ويعيد إنتاجه يف مختربه الخاص‪ ،‬وألن مالك املطلبي ال‬ ‫يضيع املعنى‪ .‬ال يلحقه أحد يف النحو وما يقوله يف هذا‬ ‫يفكر كثريا خارج درسه اللغوي فهو يرتك كل ذلك للتاريخ‬ ‫املجال يعد قانونا ال يجرؤ عىل رده مجادلوه‪ .‬يلعب يف‬ ‫وال ينتظر دعوة من احد لتقييم هذا املنجز‪ ،‬فهو بالنسبة‬ ‫اللغة العربية ويعشقها أو يتنفسها وله فيها دراسات‬ ‫اجتهادية‪ ،‬عبقري لغة‪ .‬مل مينعه حبه العظيم للغة العربية له يف نهاية األمر جلسة إمتاع وتعميم للفائدة تنتقل من‬ ‫من تعلم اللغة االنكليزية رغم مشاغله الكثرية يف الجامعة هذا املحفل ومحسن من يستطيع أن ينقلها إىل مكان‬ ‫أبعد من هذا الحيز‪ ،‬الجامعة أو القاعة أو املقهى‪.‬‬ ‫ومتابعة أطاريح املاجستري والدكتوراه التي يرشف عليها‬ ‫عن الذي حل يف العراق من كوارث وحروب وزالزل يوجه‬ ‫فنال فيها درجة البكالوريوس‪ ،‬ال يتوقف عن التعلم وهو‬ ‫‪120‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫املعهود استطاع أن يعرب الحاجز بأهزوجة جنوبية ناقصة‪.‬‬ ‫مالك املطلبي رسالة إىل غونرت غراس الذي كتب رسالة‬ ‫التغيري أعاده إىل الشعر والكتابة وهو سعيد بذلك رغم‬ ‫«وثيقة» إىل كينزابرو – اوي الياباين‪ ،‬فهذان الرجالن‬ ‫ان مشاغله أصبحت أكرث من السابق فقد عاد يزور شارع‬ ‫أرادا أن يقيّام ما حل ببلديهام بعد نهاية الحرب ورسالة‬ ‫املتنبي يوم الجمعة ويحرض أصبوحات وأمسيات اتحاد‬ ‫املطلبي التي أراد لها أن تكون وثيقة أيضا ليك ال تضيع‬ ‫الحقيقة تشبه إىل حد كبري الرسائل التي تبادلها اثنان من األدباء يوم األربعاء‪ .‬ال ينفك يردد عبارة «أصبح القطار‬ ‫عىل السكة» متفائال بالقادم من األيام وبفرحها الذي‬ ‫اكرب الروائيني يف العامل‪.‬‬ ‫ينمو يف عيون العراقيني الذين مل يجربوه منذ دهور‪.‬‬ ‫ملاذا هذه الرسالة الوثيقة وهل رد عليك غونرت غراس؟‬ ‫هل يستطيع مالك املطلبي أن يطري ؟‬ ‫يوضح مالك املطلبي «عندما قرأت ما كتبه غونرت غراس‬ ‫إن مثن كل ذلك يظل أمرا جديرا بالقبول‪ ،‬فلقد بدأ ظهور‬ ‫عن أملانيا من خالل رسالة له موجهة إىل الروايئ الياباين‬ ‫كينزايرو – أوي والرد الذي كتبه أوي إىل غراس وجدت أن زغب الجرأة يف إرادتنا‪ ،‬تلك اإلرادة التي اضمحلت حتى‬ ‫الرجلني قد رسقا أفكاري ثم عميا ذلك بنفوذهام اللغوي! كادت تفقد تعريفها‪ .‬إن هذا الزغب إشارة ما إىل الطريان‬ ‫لقد كانا أنا‪ ،‬ومل يكونا يكتبان عن أملانيا واليابان‪ ،‬بل كانا املمكن مرة أخرى‪ ،‬وإذا ما تسنى يل أن أطري ذات يوم‬ ‫يكتبان عن العراق! اسمي ذلك التامثل املدهش‪ .‬اذهب إىل اليابان أو إىل أملانيا فليك أبرهن عىل ان كل ما عانيناه‬ ‫إىل قول غونرت غراس «يف أملانيا اآلن نقاش مسكني ساذج‪ :‬يستحق دفع هذا الثمن الباهظ «‪ .‬نعم استطيع أن احلق‬ ‫اآلن يف ساموات كثرية ‪.‬‬ ‫االحتفال بالثامن من أيار بصفته تاريخ انتهاء الحرب أم‬ ‫ولد الدكتور مالك املطلبي يف مدينة العامرة يف العام‬ ‫بصفته يوم التحرير» بإمكاننا أن نستبدل فقط (التاريخ‬ ‫‪ 1943‬وأول ديوان شعري صدر له يف عام ‪ 1965‬تحت‬ ‫األملاين) بالتاريخ العراقي لتظل العبارة هي ذاتها‪ ،‬يف‬ ‫عنوان «سواحل الليل» ويف العام ‪ 1984‬حاز شهادة‬ ‫العراق اآلن نقاش مسكني ساذج‪ :‬االحتفال بالتاسع من‬ ‫نيسان بصفته تاريخ انتهاء الحرب أم بصفته يوم تحرير؟ الدكتوراه يف اللغة العربية‪ .‬أصدر العديد من املؤلفات‬ ‫النقدية والدراسات اللغوية مثل السياب ونازك والبيايت‬ ‫لن يرد عيل غونرت غراس الن كتايب (ذاكرة الكتابة) الذي‬ ‫الذي صدر يف العام ‪ 1986‬ويستعد اآلن إلصدار عدد‬ ‫ضمنته هذه الرسالة مل يصله حتى اآلن»‪.‬‬ ‫مل يغادر مالك املطلبي بغداد منذ أزمنة غابرة‪ ،‬كرب أوالده من الدراسات النقدية مع مجموعة شعرية جديدة بعد‬ ‫توقف دام سنوات طويلة‪ ،‬ومن بني هذه الدراسات كتاب‬ ‫وأصبحوا أساتذة مثله ولهم الرصامة األكادميية نفسها‪،‬‬ ‫يف تجربة العالمة عيل الوردي اسمه «تأمل املقدس» وهو‬ ‫ما حدث يف ‪ 2003‬كان معجزة بالنسبة له وكاد يفقد‬ ‫حياته أمام حاجز يف لحظات الفوىض العارمة لكنه بذكائه بحث يف سوسيلوجيا األدب‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪121‬‬


‫شعر وتشكيل‬

‫لغة ولون‬ ‫يرسمان القيروان‬

‫تبدو العالقة بين الشعر والتشكيل وثيقة‪ ،‬لذلك قرأ الشعراء بعض اللوحات شعرا‪ ،‬وهذا ما فعله الشاعر‬ ‫التونسي المنصف الوهايبي مع لوحة التشكيلي بول كلي «عند أبواب القيروان»‪ ،‬وهنا حديث عن تلك‬ ‫العالقة التي قدمت لنا الجمال على طبق القصيدة والفن‬

‫أحمد الدمناتي‬

‫بول كلي‬ ‫م ّجد بول كيل بلوحته «عند أبواب القريوان» مدينة‬ ‫القريوان‪ ،‬وانخرط يف مساءلتها باللون والخيال والحواس‬ ‫واإلنصات لذاكرة املكان‪ ،‬فاللوحة هي نص آخر يكتب‬ ‫بالعني والقلب معا‪ ،‬والتوحد مع األمكنة والفضاءات هو‬ ‫ما تراهن عليه لوحة بول كيل‪.‬‬ ‫الفن التشكييل يف عمقه وعي وإنصات عمـيق للعامل‬ ‫الخارجي والداخيل بقــوة األلوان‪ ،‬محاورة للذات املبدعة‬ ‫يف عالقتها بالكائنات واألشياء والعامل‪ .‬ولهذا تتجسس‬ ‫اللوحة والقصيدة عىل الخفي واملجهول يف الكون ويف‬ ‫أعامقنا أيضا‪.‬‬ ‫حني يضع بول كيل قدميه عىل أرض تونس وهو ما يزال‬ ‫مسحورا بالطابع األسطــوري للمكان‪ ،‬يشعر أن مثة‬ ‫شيئا يتحرك تدريجيا بداخله للحد الذي يشعره بانغامر‬ ‫فيض السعادة‪ .‬وتزداد تأثريات الشخوص التي يالقيها‬ ‫‪122‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫ومشاهد الناس وعاداتها وتقاليدها لترثي روحه فيقول‬ ‫يف يومياته‪« :‬و صلنا الحاممات‪ ،‬مازالت هناك بعض من‬ ‫الطريق يجب قطعها سريا عىل األقدام‪ .‬ياله من يوم‪،‬‬ ‫الطيور تغرد يف كل مكان‪ .‬يف إحدى الحدائق هناك جمل‬ ‫يعمل إىل جانب برئ‪ ،‬إنها لوحة بديعة بكامل أوصافها‪.‬‬ ‫ال بد أن ميكانيكية العمل بقيت عىل حالها‪ ،‬فاملدينة‬ ‫تقع عىل البحر‪ ،‬ولها أسطوريتها‪ .‬النساء يف الخارج أكرث‬ ‫عددا من النساء فـــي تونس العاصمة‪ ،‬فتيات صغريات‬ ‫دون حجاب‪ ،‬متاما كام هو عندنا‪ ،‬وهناك ميكن الدخول‬ ‫إىل املقابر بحرية تامة‪ ،‬وتوجد مقربة يف موقع رائع‬ ‫الجامل يطل علــى البحـــــــر‪ ،‬أنتهز الفرصة وأحاول‬ ‫الرسم‪ ،‬القصب والشجريات تشكل بقعا متناغمة‪ ،‬تحيط‬ ‫باملرء حدائق رائعة الجامل‪ ،‬النباتات الصبارية الضخمة‬ ‫تشــكل جدرانا‪ ،‬وحني مييش املرء فإن طريقه تحدده‬ ‫أشجار الصنوبر عىل الجانبني‪ ،‬لقد متتعت و رسمت كثريا‪،‬‬


‫أبواب القيروان‬

‫ويف املساء جلسنا يف مقهى‪ ،‬كان هناك رجل رضير يغني املتميز جاذبية عنيفة‪.‬‬ ‫سيظل بول كيل الفنان الشاعر من الخالقني العظام يف‬ ‫وبرفقته فتى ينقر عىل الطبل‪ ،‬إنه لحن ال ينىس»‪.‬‬ ‫الفن التشكييل املعارص إىل جانب فان كوخ وخوان مريو‬ ‫إذا كان الشاعر يسعى لخلق حياة العامل باللغة والخيال‬ ‫وسيزان وبيكاسو وسلفادور دايل‪ .‬كان مسكونا باملوسيقى‬ ‫فإن الفنان التشكييل يبتكرها بالعني واللون‪ ،‬ألن ثقافته‬ ‫البرصية العميقة تؤهله الحتواء جاذبية املكان و سحره‪ .‬والشعر والفلسفة والعلوم‪ ،‬ورث عن أبيه أستاذ املوسيقى‬ ‫تجواله ورحالته املتعددة يف العامل أغنت ثقافته البرصية‪ ،‬حب اإلبداع كتابة وسامعا ورؤية‪.‬‬ ‫إن لوحة «عند أبواب القريوان» هي يف العمق إعادة‬ ‫وأعطته رصيدا غنيا من الخيال وقوة الرؤية ملقاربة‬ ‫األشياء والكائنات‪ .‬يف زيارته القصرية إىل تونس‪ ،‬التي تعترب خلق مكان مارس سلطته وجاذبيته عىل النفس فتم‬ ‫انتهاك فداحته باللون والريشة‪ .‬إنها حرب ضد مكر الزمن‬ ‫تجربة برصية هامة بالنسبة إليه‪ ،‬سيتعرف عىل سحر‬ ‫وفتنة املكان‪ ،‬والفنان محارب من ساللة تتبنى اإلبداع‬ ‫الرشق‪ ،‬وعىل املعامر امللون‪ ،‬وكثافة الضوء يف هذا البلد‬ ‫سالحا‪ ،‬والعزلة عنوانا‪ ،‬وتصبح اللوحة مكانا بديال عن‬ ‫املتوسطي‪ ،‬حتى املواضيع الطبيعية التي كان يشتغل‬ ‫عليها يف لوحاته كانت تحبل برؤية شعرية شفافة يالمس املكان الواقعي الهارب‪.‬‬ ‫إعادة اكتشاف املكان بالتشكيل هو ما راهنت عليه لوحة‬ ‫فيها فتنة الفضاء وسحر األمكنة‪.‬‬ ‫«عند أبواب القريوان» و رسخت‬ ‫جمع الفنان بول كيل بني‬ ‫البحث عن صداقة جديرة باإلنصات‬ ‫املامرسة التشكيلية والتنظري‬ ‫النص الشعري واللوحة إىل القريوان فضاء‪ ،‬ومكانا‪ ،‬وحلام‪،‬‬ ‫الفني‪ ،‬و أدرك جيدا العالقة‬ ‫ودهشة للعني أيضا‪.‬‬ ‫التشكيلية يقتسمان‬ ‫الوطيدة بني العامل والنص‬ ‫البرصي بوعي جاميل‪ .‬كام أنه‬ ‫معا غبطة الصورة‬ ‫كتب قصصا وأشعار ومرسحيات‬ ‫منصف الوهايبي‬ ‫اإلبداعية عبر خيال‬ ‫ونصوصا نقدية عديدة‪ ،‬بل‬ ‫النص الشعري واللوحة التشكيلية‬ ‫مغايرة‬ ‫وطريقة‬ ‫مختلف‬ ‫وكان عازفا ماهرا للقيثار‪ .‬هكذا‬ ‫يقتسامن معا غبطة الصورة‬ ‫في قراءة الكائنات‬ ‫يجتمع اللون واملوسيقى يف‬ ‫اإلبداعية عرب خيال مختلف وطريقة‬ ‫حياة فنان مارست عليه القريوان‬ ‫مغايرة يف قراءة الكائنات ومقاربة‬ ‫ومقاربة األشياء‬ ‫بفضاءاتها العتيقة و معامرها‬ ‫األشياء‪ ،‬وهام معا يعتمدان عىل‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪123‬‬


‫شعر وتشكيل‬

‫حاسة العني والقلب والخيال الكتشاف العامل املريئ‪ .‬فإذا‬ ‫كان الشاعر يسعى لخلق حياة العامل ونبض الكون باللغة‬ ‫والقصيدة فإن الفنان يبتكرها باللوحة واللون‪ .‬يقول‬ ‫منصف الوهايبي يف قصيدة «عند أبواب القريوان»‪:‬‬

‫قل لنا من أي باب جئتها‬ ‫كيف تناهيت إىل أسوارها‬ ‫كيف قلت اللون‪ ..‬رصت اللون‪،‬‬ ‫حتى استسلم الضوء‬ ‫و أغفى يف يديك الجمرتني‪! ‬‬ ‫آه‪ ! ‬أعمى يف بساتني أيب‬ ‫فلتكن ريشتك الضوء الذي يقتاد‬ ‫هذا املغريب‪! ‬‬

‫تصبح بالغة اللون والضوء حافزا عميقا يف إثارة منصف‬ ‫الوهايبي ليكتب عىل هذه اللوحة شعريا‪ .‬إنه البحث عن‬ ‫أفق شعري يستند إىل سلطة اللوحة التشكيلية كمرجعية‬ ‫تخييلية تساهم يف بناء الخطاب الشعري‪ ،‬حيث تتفاعل‬ ���الذات املبدعة مع العامل الخارجي‪ /‬اللوحة الفنية لتؤسس‬ ‫نصا شعريا يقتسم غبطة العني والقلب يف آن معا‪.‬‬ ‫باللوحة والقصيدة يستعيد الكائن كينونته‪ ،‬و يكتشف‬ ‫ببهجة كم الحياة ساحرة وتستحق أن تعاش باإلبداع‪.‬‬ ‫االشتغال عىل املعامر واملكان يف لوحة «عند أبواب‬ ‫القريوان»‪ ،‬هو انتقال من سرية العتمة يف لوحاته املرسومة‬ ‫بقلم الرصاص إىل تجربة سحر الرشق عرب السفر يف أدغال‬ ‫األلوان الحارة والدافئة‪ .‬إن لوحة بول كيل يف صداقتها‬

‫باملكان ‪ /‬القريوان أيقظت يف روح الشاعر قوة الكتابة‬ ‫عنها ولها شعريا من باب االحتفاء باملكان واللون خصوصا‬ ‫إذا اعرتفنا بأن لوحة كيل هي قصيدة برصية ناطقة بقوة‬ ‫اإلبداع‪.‬‬ ‫يشتغل الشاعر منصف الوهايبي عىل لوحة الفنان بول‬ ‫كيل بدافع العالقة الوطيدة و القدمية بني التشكيل‬ ‫والشعر اللذين يراهنان كل من زاويته الجاملية‬ ‫واإلنسانية بحثا عن ضوء أرحب لحياة داخل النص وبني‬ ‫سرية اللون أيضا‪ .‬وهذا يدفعنا إىل التأمل يف عالقة الشاعر‬ ‫بالتشكيل‪ .‬عىل أن االشتغال عىل اللوحة شعريا تعززه قوة‬ ‫الثقافة البرصية التي متتلكها الذات املبدعة يف مقاربتها‬ ‫وإنصاتها إىل الحياة والكائنات معا‪.‬‬ ‫سف ُر بول كيل إىل تونس مع أوغست ماك سنة ‪1914‬‬ ‫سيفتح عينيه وتجربته البرصية عىل عمق الثقافة‬ ‫الرشقية‪ ،‬وجامليات مكانها‪ ،‬وسحر مدنها‪ ،‬وأناقة معامرها‪.‬‬ ‫كل هذه العوامل ستدفع هذا الفنان الشاعر إىل رسم‬ ‫مدينة عربية وتخليدها يف لوحاته‪ ،‬لتصبح القريوان عمال‬

‫بول كلي‪:‬‬ ‫سويرسي ولد سنة ‪ 1897‬يف مونشنبوسيس قريبا من برن‪ .‬ترعرع يف عائلة موسيقية‪ .‬و ما بني ‪1897‬و ‪ 1900‬درس الفن يف‬ ‫أكادميية ميونيخ يف محرتف فرانز فون ستوك ( ‪ .)1928 – 1863‬متثل أعامله األوىل باألساس املناظر والفضاءات املرسومة بقلم‬ ‫الرصاص‪ ،‬ثم بعد ذلك باأللوان املائية القوية باألبيض واألسود‪.‬‬ ‫اشتغل يف لوحاته عىل األكواريل والزيت قبل الحرب‪ ،‬كام أقحم فيها الرسائل و الرموز الغرافيكية‪ .‬ويف سنة ‪ 1921‬نودي عليه‬ ‫للتدريس مبدرسة «الباوهاوس» و ستكون فرصة قوية بالنسبة له لتعميق آرائه النظرية التشكيلية وتطوير بيداغوجية الفن‬ ‫الحديثة يف زمنه آنذاك‪ .‬وإىل جانب إنتاجه الفني عمل بالتدريس يف أكادميية «دوسلدورف» حيث درس تقنية التصوير‪ .‬تجول‬ ‫بول كيل يف أنحاء العامل بني سويرسا وفرنسا وأملانيا وأمريكا وموناكو وبريطانيا ومرص وتونس وإسبانيا وإيطاليا‪ .‬واصل نشاطه‬ ‫عارضا وباحثا ومدرسا للفن‪ .‬و زاد إنتاجه الفني بغزارة حتى أصيب باملرض عام ‪ ،1935‬فانخفض إنتاجه الفني حتى بدأ يتوقف‬ ‫تدريجيا‪.‬‬ ‫‪124‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫أبواب القيروان‬

‫تشكيليا بعدما كانت فضاء ومساحة مكانية فقط‪ .‬يقول‬ ‫منصف الوهايبي يف قصيدة «عند أبواب القريوان»‪:‬‬

‫قريوان‬ ‫تقف الشمس عىل رأس جدار‬ ‫هو ذا األبيض يستعيص‬ ‫فال تفتحه إال النجوم‪.‬‬ ‫يستوي يف األفق األزرق باب‬ ‫يعرب الطفل إليه‬ ‫ينحني ضوء عىل مؤتلق الزيت‪،‬‬ ‫و يصفر الرخام‪.‬‬ ‫ أيها الطفل الذي يخبط يف الصحن وحيدا‪! ‬‬‫ما الذي تفعله يف هذا الظالم ؟‬ ‫أيهااألعمى الذي رصت‬ ‫إىل أي مهواة‬ ‫سيقتادك هذا الجسد؟‬

‫كل من الشاعر والفنان يواجهان فداحة البياض باإلبداع‪،‬‬ ‫الشاعر بقصيدته ولغته‪ ،‬و الفنان بلوحته وألوانه‪ .‬وبهذا‬ ‫تصبح القصيدة واللوحة نجمتني تضيئان ليل البياض‪.‬‬ ‫إن الكتابة بالقلب والحواس عن املريئ املحسوس ‪ /‬اللوحة‬ ‫هو ما راهنت عليه قصيدة منصف الوهايبي «عند‬ ‫أبواب القريوان» لتدخل الذات املبدعة أوال واملتلقي ثانيا‬ ‫يف غبطة الشعر والتشكيل‪ ،‬وكيف أن كليهام يقتسامن‬ ‫بحرارة مختلفة ضوء اإلنسانية وسحر األشياء‪ .‬بهذه األلفة‬ ‫العميقة بني القصيدة واللوحة تتجدد مسرية اإلبداع‬

‫اإلنساين يف البحث عن ضوء الفرح والكتابة وبهجة‬ ‫الخطوط وسرية األلوان‪.‬‬ ‫أن يرتد شاعر إىل داخله‪ ،‬إىل عمق عامله الباطني ليحفر‬ ‫يف خياله ويسائل ما جدوى أن يقيم يف مكان يعشقه‪،‬‬ ‫ويعتربه رحم طفولته‪ ،‬وسرية تجربته يف الحياة والواقع‪،‬‬ ‫معناه أنه يتشبث بالفضاء ليملكه بالكتابة وعربها‪ ،‬حتى‬ ‫ينترص ولو جزئيا عن سلطته الرمزية‪.‬‬ ‫إن استعادة املكان باللون والقصيدة قياس حقيقي ملدى‬ ‫اختبار قدرة اإلبداع عىل امتالك سحر األشياء والفضاءات‪.‬‬

‫قريوان‬ ‫حائط خضبه النسوة بالحناء‪..‬‬ ‫بار مقفل‪..‬‬ ‫سيدة تجنح يف زينتها‬ ‫منزل أخرض مفتوح عىل الجامع‪..‬‬ ‫(هل ينتظر العاشق حتى يهدأ الشارع‬ ‫أم يدخل مأخوذا بريح العود و الصندل؟)‬

‫تنصت هذه القصيدة لتفاصيل الحياة اليومية للمدينة‪،‬‬ ‫وتؤسس باللغة صداقتها مع املكان املفتوح عىل الطفولة‪،‬‬ ‫وعىل لوحة «عند أبواب القريوان» لبول كيل‪ ،‬فأيهام‬ ‫يتجسس عىل اآلخر القصيدة أم اللوحة؟ اللوحة تستعيد‬ ‫مجد املكان باللون والخيال‪ ،‬والقصيدة تحاور لفضاء‪/‬‬ ‫املكان باللغة والرؤية‪ ،‬ألن التشكيل والكتابة امتداد عميق‬ ‫لحالة حب وافتتان بهذه الفضاءات التي ننصت ألرسارها‬ ‫وسلطتها باللغة واللون‬

‫يف ‪ 1940‬أقام معرضا خاصا به يف أملانيا عرض خالله ‪ 213‬لوحة أهدى عددا كبريا منها إىل‬ ‫األشخاص الذين تابعوه خالل فرتة مرضه‪ ،‬ويف التاسع والعرشين من يونيو ‪ 1940‬مات الفنان‬ ‫بول كيل مبورالتو يف سويرسا وبقيت لوحاته شاهدة عىل عبقرية فنان تشكييل أحدث ثورة‬ ‫كبرية يف الفن الحديث آنذاك‪ ،‬بلوحاته العميقة وبنظرياته يف التشكيل والفن أيضا‪ .‬غزارة‬ ‫إنتاجه زاوجت بيت الغرافييك والزيتي الذي كون به مدرسته الخاصة التي شق بها لنفسه‬ ‫طريقا واضحا و هاما داخل حركة الفن العاملي‪.‬‬ ‫تشبع بول كيل بقراءات متعددة أغنت نظرته للفن والحياة معا‪ ،‬منها‪ :‬اآلداب‪ ،‬الفلسفة‪،‬‬ ‫العلوم الطبيعية‪ ،‬املوسيقى‪ ،‬الشعر‪ . ...‬كل هذا يجعل من الصعب تصنيف هذا «الفنان ‪/‬‬ ‫الشاعر»الذي سيبقى شخصية إبداعية هامة ومرجعا أساسيا يف التفكري الجاميل للفن الحديث‬ ‫ ‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪125‬‬


‫خارج السرب‬

‫رياض الصالح الحسين‬

‫ثالثون برتقالة قاحلة‬ ‫من العبث مالحقة سيرة الشاعر إال من خالل قصائده‪ ،‬فقصيدته هي النافذة الوحيدة الصريحة‪ ،‬والمطلة‬

‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫حقيقيا‪،‬‬ ‫عالما‬ ‫وهما‪ ،‬إلى درجة الشك في وجوده‪ ،‬لكنه كان‬ ‫على عالم مراوغ‪ ،‬عالم صنع رياض من يومياته‬

‫رنا زيد‬

‫ستُنصف شاعر السبعينات‪ ،‬ألن انتشار‬ ‫رس الشاعر‬ ‫غرفة صغرية ض ّيقة‪ ،‬هي ّ‬ ‫دواوينه األربعة سيأخذ شكالً من املالذ‬ ‫السوري الراحل رياض الصالح الحسني‬ ‫سوري نرض‪،‬‬ ‫الشعري لجيل‬ ‫الفكري‬ ‫خفي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫(‪ ،)1982 1954-‬وما من يشء ّ‬ ‫مل يتغيرّ بالنسبة إليه كثري من واقع‬ ‫غري ذلك؛ الغرفة ذاتها كانت صالحة‬ ‫رياض البائس‪ ،‬فبائعة املانغا والجانرك‪،‬‬ ‫للحياة واملوت والبكاء والكتابة‪ ،‬وليست‬ ‫ستُلمح يف باب توما إال أنها أكرث كهولة‬ ‫صالحة ليشء يف الوقت ذاته‪ ،‬وهذه‬ ‫من أن تكون الحبيبة‪ .‬وألن أحدا ً مل‬ ‫الغرفة لن متكّنه من كتابة وصيته‬ ‫يق ّرر أن يوثق تفاصيل عيشة الصالح‬ ‫األخرية‪ ،‬متاماً كام خ ّمن يف ديوانه‬ ‫الحسني‪ ،‬فمن العبث مالحقة سرية‬ ‫«بسيط كاملاء؛ واضح كطلقة مس ّدس»‬ ‫الشاعر إال من خالل قصائده‪ ،‬فقصيدته‬ ‫(دار الجرمق‪ ،)1982 ،‬إنها متثّل إطاللته‬ ‫هي النافذة الوحيدة الرصيحة‪ ،‬واملطلة‬ ‫عىل الزمن واملكان السوري‪ ،‬لكنها‬ ‫ستحيل يف نهاية املطاف إىل خالصة شعرية شخصية حول عىل عامل مراوغ‪ ،‬عامل صنع رياض من يومياته وهامً‪ ،‬إىل‬ ‫درجة الشك يف وجوده‪ ،‬لكنه كان عاملاً حقيقياً‪ ،‬وقد‬ ‫الكون الضيّق‪ ،‬واململوء بالظلم‪ ،‬وهي أيضاً مكان املوت‪،‬‬ ‫موته‪ ،‬يُحشرَ فيها العمر الفتي للشاعر‪ ،‬لتتقلص السنوات‪ .‬تأمل فيه الشاعر «كوحش جريح يف الفالة» كام يقول يف‬ ‫قصيدة «نتفق أو ال نتفق»‪ ،‬من ديوانه «وعل يف الغابة»‬ ‫والغرفة هي األرض الكلّية الض ّيقة‪ ،‬تعلّق عىل أحد‬ ‫جدرانها الخمسة صورة ليش غيفارا‪ ،‬ولوحة سوداء للشاعر (وزارة الثقافة‪ ،)1983 ،‬ويف هذه القصيدة رؤيا إنسانية‬ ‫عميقة حول البرشية‪ ،‬رؤيا تتوزّع يف باقي قصائده فائض ًة‬ ‫السوري منذر مرصي‪ .‬الغرفة تشهد عىل أصدقاء كرث‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بالرصاص والقتل والقنابل‪ ،‬بالقبالت والحب‪ ،‬بأسامء‬ ‫من يحب منهم ال يدع لرياض فرصة للموت‪ ،‬ومن يكره‬ ‫وقصص غرائبية من قصاصات الجرائد‪ ،‬وبتحديد أكرث‪ ،‬هي‬ ‫ال يدع له فرصة للحياة‪ ،‬وكمحصلة للحقيقة واملفرتض‪،‬‬ ‫رؤيا تعرتف بجامل الحياة‪ ،‬لك ْن بوجود طرفني أحدهام‬ ‫قلّ ٌة هم من أحبوا رياض‪ ،‬ألنه غادر يف ‪ 21‬ترشين الثاين‬ ‫دال عىل الخري‪ ،‬واآلخر ّ‬ ‫ّ‬ ‫دال عىل الرش‪ ،‬لك ّن هذا املعيار‬ ‫(نوفمرب)‪ ،‬عىل غفلة من الجميع‪ ،‬ج ّراء خطأ ط ّبي يف‬ ‫مشفى «املواساة» يف دمشق‪ ،‬بعد أن راقب العامل املرت ّهل ليس فيه ثبات مطلق‪ ،‬ألن رياض ذاته يتق ّمص يف بعض‬ ‫جندي أو ذئب‪ ،‬ويل ّمح إىل أن هناك ضحايا‬ ‫قصائده «أنا»‬ ‫من نافذة صغرية‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫أرشارا ً‪ ،‬أو جالدين أخيارا ً‪ ،‬كام أنه يعيد صياغة أحالم‬ ‫وبعد ثالثني عاماً‪ ،‬من الغياب‪ ،‬وحدها شبكة اإلنرتنت‬

‫‪126‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫رياض الصالح الحسين‬

‫رشدون‬ ‫املوىت‪ ،‬وكأنه ّ‬ ‫يؤسس ملدينة طوباوية يجول فيها امل ُ ّ‬ ‫والجوعى مع العشّ اق والقتىل‪ .‬وميكن الجزم أن الصمم‬ ‫الذي أصاب الصالح الحسني يف عام ‪ ،1967‬هو نتيجة‬ ‫اهتزاز صورة الحياة أمامه‪ ،‬ورفضه نطق الكالم العادي‬ ‫عن حياة اعتيادية رتيبة‪ ،‬إذ كتب يف مثانية وعرشين عاماً‬ ‫ما ميكن أن يس ّمى دستورا ً شعرياً للعدالة األخالقية‪،‬‬ ‫التي من املمكن أن يص ّورها تباعاً‪ ،‬شاع ٌر يف قصيدة‪ ،‬ردا ً‬ ‫عىل الحبوب املن ّومة التي ت ُهيّئها املطابع للق ّراء‪ ،‬بدالً من‬ ‫األناشيد‪ .‬ويقال إن رياض كان ينطق بضع كلامت أو‬ ‫ُج َمل‪ ،‬حفظها قبل إصابته‪ ،‬ومنها‪« :‬الحياة حلوة»‪.‬‬ ‫ويبدو الشاعر أيضاً‪ ،‬كام لو أنه طفل مذعور من تقنية‬ ‫العامل املتسارعة املتجهة نحو القتل والدمار‪ ،‬وعىل‬ ‫األخص يف وعيه لطبيعة املكان الذي هو فيه‪ ،‬وقراءته‬ ‫الدقيقة لحالة وطن مأزوم عىل املستويات كافة‪ ،‬يقول‪:‬‬ ‫«قالت املرأة بعد أن فتحت شاشتَي عينيها‪« :‬كان مثة‬

‫عاشق يرعى فيهام شجراً ومعتقالت)‪ /‬يداك قاسيتان‬ ‫ووديعتان‪ /‬وأصابعك نحيفة ومع ّذبة‪ /‬فهل ملست‬ ‫بهام الرغيف الثمني أو الشفاه الرماد َّية املرتعشة؟‪/‬‬ ‫هل قبضت عىل العامل؟» ‪ -‬من ديوانه «خراب الدورة‬

‫ومبنى‪ ،‬وأثر بنهج صفايئ‪،‬‬ ‫معنى‬ ‫ً‬ ‫يف صياغة قصيدة النرث ً‬ ‫يف لغة القصيدة الحرة‪ ،‬إال أنه يحاول التخفف مرغامً من‬ ‫الكالم الشعري املوزون‪ ،‬الذي الحقه يف القصائد األربع‬ ‫األوىل من مجموعته «وعل يف الغابة»‪ ،‬وهي‪« :‬غرفة‬ ‫الشاعر‪ ،‬غرفة املحارب‪ ،‬غرفة السائح‪ ،‬غرفة مهدي محمد‬ ‫عيل»‪ ،‬والقصائد موزونة كلها عىل تفعيلة البحر املتدارك‬ ‫(فعلن)‪ ،‬إال أنها موزونة فقط‪ ،‬من دون قواف‪ ،‬ويف بعض‬ ‫مقاطعها مثة كسور خفيفة يف الوزن‪ ،‬وقد استخدم الشاعر‬ ‫وزناً تسهل الكتابة عليه‪ ،‬إذ تألفه األذن برسعة‪ ،‬كام تربز‬ ‫عىل نح ٍو متقطع بعض األوزان‪ ،‬مجتزأ ًة وطافي ًة يف بعض‬ ‫قصائده‪ ،‬ومندمجة مع املسار النرثي املتصاعد‪.‬‬ ‫تعرب الدبابة يف طريق شخوص الشاعر الشعرية‪ ،‬أو عىل‬ ‫الصدور مبجنزراتها‪ ،‬إنها دبابة محتدة‪ ،‬وهي قادمة غالباً‬ ‫من زمن حرب قريبة‪ ،‬كاللبنانية‪ ،‬التي عايشها‪ ،‬وكان رياض‬ ‫يف عام ‪ ،1979‬عمل يف مكتب الدراسات الفلسطينية حتى‬ ‫وفاته‪ ،‬ويف إحدى رسائله إىل صديقه منذر مرصي‪ ،‬كتب‪:‬‬ ‫«الحرب (يف لبنان) قامئة منذ بداية الشهر الحايل‪ ،‬وأنا‬ ‫أعمل– كام تعلم– يف مكتب للمقاومة‪ ،‬أعمل ليالً نهارا ً»‪.‬‬ ‫كام نقع عىل يشء ملموس أكرث‪ ،‬عن ذلك يف قصيدته‬ ‫«بني يديك أيُّها العامل»‪ ،‬محتارا ً من «أنا» جامعية تذهب‬ ‫إىل الحروب واملصانع واملراعي‪ ،‬بالشغف نفسه‪ ،‬وتبتكر‬ ‫باليدين ذاتهام‪( :‬الرصاص والخبز‪ ،‬السجون والحرية‪،‬‬ ‫السجائر وأقالم الرصاص‪ ،‬السكاكني والورق واألغاين‪،‬‬ ‫األلعاب والقيود واملبيدات الحرشية)‪ ،‬يقول‪« :‬إ َّننا نردِّد‬

‫الدمويّة» طبعته وزارة الثقافة يف عام ‪.1979‬‬ ‫هناك إشارات رصيحة إىل معرفة الشاعر ب ِقصرَ سنوات‬ ‫عمره‪ ،‬وكأن مجمل قصائده حالة هذيان قبيل املوت‬ ‫املحتوم‪ ،‬إنها طريقته الرسيعة يف قول ما يريد عن‬ ‫األشياء‪ ،‬مستخدماً ُجمالً طويلة أشبه بالكالم املتداعي‬ ‫الكلامت‪ /‬منذ توت عنج آمون‪ /‬وحتَّى آخر ج َّثة يف‬ ‫يف مونولوغ مرسحي‪ ،‬إنه يقف عىل خشبة واقعية‪ ،‬قد‬ ‫بريوت الرشق َّية‪ /‬الخبز أ َّيتُها‬ ‫تكون هي الغرفة الصغرية الضيّقة‬ ‫األمم املتَّحدة واملتف ِّرقة‪ /‬الحب‬ ‫(يف حي الديوانية يف دمشق‪ ،‬آخر‬ ‫شعر‬ ‫في‬ ‫يجذب‬ ‫ما‬ ‫أ ُّيها الله‪ /‬الحر َّية أ َّيتُها األصفاد‬ ‫غرفة استأجرها)‪ ،‬قائالً‪« :‬أنا الرجل‬

‫السيئ‪ /‬كان ع ّ‬ ‫يل أن أموت صغرياً‪/‬‬ ‫قبل أن أعرف األشجار اإلرهابية‬ ‫ومافيا السالم‪ /‬وفاة بائع املرطبات‬ ‫عىل س ّكة القطار‪ /‬والغجرية التي‬ ‫أهدتني تعويذة وقبلة»‪ .‬وعىل‬

‫الرغم من أن الصالح الحسني‬ ‫أصبح يف قصيدته منوذجاً يُحتذى‬

‫الصالح الحسين‪ ،‬يفوق‬ ‫السالسة التي تقرأ بها‬ ‫قصائده‪ ،‬في حجة أنها‬ ‫قصائد ذاتية– جمعية‬

‫واألسالك الشائكة‪ /‬والحياة‪...‬‬ ‫الحياة‪ /‬بني يديك أ ُّيها العامل»‪.‬‬

‫ما يجذب يف شعر الصالح الحسني‪،‬‬ ‫يفوق السالسة التي تقرأ بها‬ ‫قصائده‪ ،‬يف حجة أنها قصائد‬ ‫ذاتية– جمعية‪ ،‬إنها لعبة الكلمة‬ ‫التي تتناوب مع أخرى عىل‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪127‬‬


‫خارج السرب‬

‫رشيرة‪ ،‬أو وجودها‬ ‫وجودها املأزوم يف مساحة خيرّ ة و ّ‬ ‫املتنقل ودورها املوارب يف الحياة‪ ،‬فالسكني ذاتها‪ ،‬أو‬ ‫الخنجر ذاته‪ ،‬هو أداة القتل‪ ،‬ويشء لتذكّر فعل القتل‪،‬‬ ‫أي يصبح الخنجر صديق القتيل‪ ،‬يحاوره يف وحدته‪ ،‬يف‬ ‫القرب‪ ،‬فهو «ذكرى عزيزة من الذين يف األعىل»‪ ،‬والجملة‬ ‫املأخوذة من ديوان «وعل يف الغابة» تصبح بدورها‬ ‫اختزاالً ملعنى املوت‪ ،‬وأحالم املوىت املؤجلة زمنياً‪ ،‬التي‬ ‫يتم التفكري فيها‪ ،‬بعد املوت يف القبور‪ ،‬فكام لو أن فتاة‬ ‫جميلة تحلم بالفستان األزرق الذي مل ترتده‪ ،‬يك تذهب‬ ‫لزيارة خالتها‪ ،‬ألنها ماتت‪ ،‬قبيل ذلك‪ .‬ورمبا يحلم رياض‬ ‫بعد موته‪ ،‬اآلن‪ ،‬بكل ما مل يستطع تحقيقه يف حياته‪ ،‬رمبا‬ ‫يعيش يف مكانه القديم ذاته سورية‪ ،‬حاملاً مبا يريد‪ ،‬أي‬ ‫الحب‪ ،‬املخلّص الوحيد من زمن الدم‪« :‬الحب‪ /..‬شهادة‬

‫والدة دامئة‪ /‬نحملها برأس مرفوع‪ /‬لنخرتق شارع‬ ‫املذبحة»‪ .‬إن رياض يلعب مع اللصوص‪ ،‬ويقود األوغاد‬

‫إىل دروب مسدودة بجدران عالية‪ ،‬كام لو أنه يصنع من‬ ‫الكلامت عاملاً جديدا ً‪« :‬أريد أن أخطف غيمة‪ /‬وأخ ّبئها‬

‫يف رسيري‪ /‬أريد أن يخطف اللصوص رسيري‪ /‬و ُيخ ِّبئوه‬ ‫يف غيمة»‪.‬‬ ‫وبغض النظر عن الحب املتكرر يف حياة رياض‪ ،‬واملقرتن‬ ‫مع حنني طفويل هائل‪ ،‬وترصفات تقرتن بعدم العقالنية‪،‬‬ ‫وترسخ لذة الفعل الحر‪ ،‬تهيمن اآلنسة «س» التي‬ ‫تبيع‪( ‬الشيكلس) يف املحطات حتى الغروب‪ ،‬عىل ذات‬

‫‪128‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫الشاعر‪ ،‬فهي مبتكرة أو أسطورية‪ ،‬إنها داللة عىل زمن‬ ‫غري متكرر‪ ،‬وامرأة وهمية‪ ،‬تنفض عن شعرها الخرنويب‬ ‫ست مد ّرعات محطمة‪ ،‬إنها مشوبة بالكثري من الواقعية‬ ‫الشعرية‪ ،‬يقول عنها يف قصيدة «اآلنسة س»‪« :‬س‪،‬‬

‫اململكة املفتوحة للجميع‪ /‬بجسدها املتني وقلبها‬ ‫الطيب كالدراق‪ /-‬سألتني م ّر ًة بخبث‪ :‬ما األرض؟‪ /‬قلت‪ُ:‬‬ ‫األرض جرح متوهج ودم غزير‪/‬وأمل مرتبك»‪.‬‬

‫يخلص رياض لذكر أصدقائه يف قصائده‪ ،‬كام يخلص‬ ‫لصياغة الحياة والسرية الشخصية‪ ،‬بحزن مفرط‪ ،‬وقد‬ ‫يهدي قصيدة إىل الشاعر نزيه أبو عفش أو يكتب عن‬ ‫غرفة الشاعر العراقي مهدي محمد عيل‪ ،‬أو يذكر شخوص‬ ‫التشكييل السوري سعد يكن امللتوية الرؤوس‪ ،‬ويبدو أن‬ ‫رياض كان الدال األكرث صدقاً عىل تشتّت العامل املحيط‬ ‫به‪ ،‬إنه يراقب من نافذته الصغرية‪ ،‬حتى األطفال الذين‬ ‫يلعبون بالكرة‪ ،‬وهم يتحدثون عن األسعار املرتفعة‬ ‫للبيبيس كوال والبسكويت‪.‬‬ ‫ال فرق بني قصائد رياض الطويلة أو القصرية جدا ً‪ ،‬إنها‬ ‫متتلك اللذعة الصورية ذاتها والحس املتنامي ذاته‪ ،‬ونادرا ً‬ ‫ما يستطيع شاعر ضبط إيقاع جميع قصائده عىل الرتم‬ ‫النفيس والتخييل واللفظي ذاته‪ .‬إن أسلوب الشاعر هذا‪،‬‬ ‫يحمل متفردا ً املعاين إىل مواقع غريبة عن املتداول‪ ،‬رغم‬ ‫البساطة واللمعان يف املعنى‪.‬‬ ‫املوت الذي الحق رياض يف قصائده هو منطقي كون‬


‫رياض الصالح الحسين‬

‫األكرث حساسية بني الشعراء يغادر رسيعاً‪ ،‬ويبقى األكرث‬ ‫رضاً بالواقع‪ ،‬واألكرث ماديةً‪ ،‬ورمبا يكون الشاعر قد كتب‬ ‫نهايته بيده دون إدراك منه‪ ،‬إنه الوعيه الذي انتفض‬ ‫دفعة واحدة من الحياة‪ ،‬يقول يف قصيدة «املهدورة»‪:‬‬

‫« ُتنبئني امرأة كربيتية‪ /‬فمها وكر للخفافيش واألسالك‬ ‫الشائكة‪ -/:‬زمنك املتقدم عىل قدمني من زجاج‪،‬‬ ‫سينكرس قبل أن يصلك‪ ،».‬ويف النهاية‪ ،‬مات الصالح‬

‫الحسني دون رصاصة يف صدره أو خنجر يف ظهره‪ ،‬لكنه‪،‬‬ ‫كان ميوت مرةً‪ ،‬كلام تكلم عن ميت‪ ،‬ومات بكل الطرق‬ ‫املتخيلة‪ ،‬منه‪ ،‬ومبا نبئته به املرأة الطائشة حول زمنه‬ ‫املنكرس‪ ،‬املحمل يف التوابيت وبطاقات التعزية‪ ،‬إنها‬ ‫ثيمة املوت املتكرر يف جميع اللحظات الشعرية‪ ،‬املوت‬ ‫املخيف‪ ،‬بعيدا ً عن قدومه التقليدي‪ ،‬مع تقدم سن‬ ‫اإلنسان‪ ،‬فهو يأيت الشاعر بطريقة غادرة‪ ،‬ونلحظ أن من‬ ‫يتحدث عنهم الشاعر يف معظم قصائده يشكلون ذاتاً‬ ‫إنسانية واحدة‪ ،‬متحولة‪ ،‬ومتقلبة‪ ،‬من صفة دموية إىل‬ ‫أخرى مرهفة أو بالعكس‪.‬‬ ‫يتحدث الشاعر عن قلبه األسطوري يف ديوانه «خراب‬ ‫الدورة الدموية»‪ ،‬كام لو أنه كائن ال ينتمي إىل صنف‬ ‫البرش‪ ،‬إنه يعارك األخاديد والرصاص‪ ،‬ككائن هش‪ ،‬يعيش‬ ‫معطوباً منذ والدته‪ ،‬وهو يعتقد يف ديوانه «بسيط كاملاء»‬ ‫أنه مثرة أمه الوحيدة‪ ،‬كأنه ميتلكها أرضاً مل تنجب غريه‪،‬‬ ‫وال يبدي رياض ميوالً أوديبية‪ ،‬فهو ضد انتحار هاملت‪،‬‬ ‫أو قتله أباه‪ ،‬إنه يرفض حتى أن يكون هناك صانع‬ ‫للتوابيت؛ باحثاً عن مدينته الفاضلة‪ ،‬يقول يف قصيدة‬ ‫«رقصة تانغو تحت سقف ضيّق»‪:‬‬

‫«قلبي سائغ للقضم‪ /‬ملجأ‬ ‫لألرانب الزرقاء‪ /‬سمكة قرش‬ ‫بزعانف من ص ّبار رشس‪ /‬قلبي‬ ‫سائغ للقضم‪ /‬ويتحرك ببطء عىل‬ ‫بالطك الشو ّيك أيتها األرض‪ /‬أيتها‬ ‫األرض املمتدة من املوت‬ ‫بجدارة»‪.‬‬

‫مل يكف الشاعر (القادم إىل دمشق‬ ‫من حلب‪ ،‬يف عام ‪ ،)1978‬عن‬

‫السؤال حول ماهية الوجود‪ ،‬وتناقضات الحياة املادية‪،‬‬ ‫إنه متأفف من دول العامل النامية أبدا ً دون نضوج‪ ،‬وهو‬ ‫يتساءل بإلحاح يف قصيدته «أسئلة» عن مآل األحوال‪،‬‬ ‫إنه سؤال كوين عن جدوى أرض ال تنقسم ثروتها بعدل‪:‬‬

‫«أيتها البالد املصفحة بالقمر والرغبة واألشجار‪ /،‬أما آن‬ ‫لك أن تجيئي؟!‪ /..‬أيتها البالد املعبأة بالدمار والعمالت‬ ‫ِ‬ ‫لك أن‬ ‫آن‬ ‫أما‬ ‫والشحاذين‪/،‬‬ ‫بالجثث‬ ‫املمتلئة‬ ‫الصعبة‪/‬‬ ‫ِ‬ ‫ترحيل؟!‪ .»..‬إن صورة رياض الصالح الشخصية كشاعر‬

‫ال تختلف كثريا ً عن صورة أي إنسان عريب مهمش وحامل‪،‬‬ ‫صورة لشخص أسطوري يعيش حياته كلها يف غرفته‬ ‫الضيقة‪ ،‬يعيش أروع قصص دون كثري من امللكية‪ ،‬أو مع‬ ‫بعض امللكية لألشياء‪ .‬إنه ينتظر ما يقلب حياته‪ ،‬رأساً‬ ‫عىل عقب‪ ،‬ليعيده إىل توازنه البرشي‪ ،‬فهو منذ والدته‬ ‫مييش باملقلوب‪ ،‬متعباً‪ ،‬عىل يديه‪ ،‬أو يركض عىل حد تعبري‬ ‫الشاعر و»يف عينيه بحر من النيون‪ /‬ومحيط من العتمة‬ ‫الطبقية»‪ ،‬أحالم هذا اإلنسان بسيطة‪ ،‬ألن يف عينيه مدلوالً‬ ‫عىل رغبته يف الحياة‪ ،‬رغبة إضافية‪ ،‬آتية مع حب صبية‬ ‫جميلة بقدمني حافيتني‪ ،‬يقول يف قصيدة «صورة شخصية‬ ‫لـ ر‪ .‬ص‪ .‬ح»‪ ،‬مستخدماً األحرف األوىل من اسمه‪ ،‬كأنه‬ ‫مشهور جدا ً‪ ،‬أو مغمور‪ ،‬برغبة من أحدهم‪« :‬يغنّي‪/:‬‬

‫لقد كانت طر ّية‪ ..‬طر ّية‪ /‬كالثلج والينابيع‪ /‬لقد كانت‬ ‫سنبلة طر ّية‪ /‬ولذلك التقطتها مبناقريها العصافري‪ /‬لقد‬ ‫كانت طر ّية‪ ..‬طر ّية‪ /‬تركض بقدمني حافيتني فوق سهل‬ ‫أجرد»‪ .‬ما فعله الصالح الحسني كشاعر‪ ،‬أنه عاش حقيقة‬

‫صمته البيولوجي وقهره املكاين‪ ،‬ثم ذهب إىل شخصانيته‬ ‫كإنسان‪ ،‬كاتباً إياها بكل تفاصيلها‪،‬‬ ‫بعد أن حفظ كذبة العامل عن‬ ‫ربما يكون الشاعر قد‬ ‫ظهر قلب‪ ،‬فكتب قصيدته دون‬ ‫كتب نهايته بيده دون تحفظ أو حذر‪ ،‬إذ مل يكن يخىش‪،‬‬ ‫إدراك منه‪ ،‬إنه الوعيه‬ ‫من أن ت ُوجه إليه أسئلة بقدر ما‬ ‫امتلك السؤال‪ ،‬وأجاب يف حياته‬ ‫الذي انتفض دفعة‬ ‫الوامضة عن سبب شقاء الكثري‬ ‫واحدة من الحياة‬ ‫منا‪ ،‬إنه رغيف الخبز املستدير يف‬ ‫يد جائع‪ ،‬يراقبه جائع آخر خاوي‬ ‫اليدين‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪129‬‬


‫حاشية‬

‫‪.‬‬

‫حسن نجمي‬ ‫‪.............................................................................................................‬‬

‫ب ُّ ْ‬ ‫اص‬ ‫وستي ْر و َقلَم الرَّ َ‬ ‫ول أ ُ ْ‬ ‫ص ْ‬

‫رغم‬

‫أن بُّ ْ‬ ‫ول أُوست ْري أصبح اليوم من أشهر ال ُكتَّاب األَمريكيني يف ال َعالَم‪ ،‬وأكرثهم انتشارا ً و»تعرضاً» للرتجمة إِىل‬ ‫يحق يل أَن أقول إِنه أيضاً من أبرز الشُّ َعراء ال ُجدد يف الواليات املتحدة األمريكية‪.‬‬ ‫اللُّغات االنسانية‪ ،‬مع ذلك ُّ‬ ‫ولكن‪ ،‬إِن كان البد أن أفاضل بني الشاعر والكاتب فيه‪َ ،‬عليَ َّ أن أقول إِنه أكرث أهمية ككاتب روايئ منه كشاعر‪ .‬فال أحد يذكُ ُره‬ ‫ولعل الكثري من القراء الشَّ غُوفني بأَ ْعاملِ ِه الروائية‬ ‫كاسمٍ ِش ْعري ضمن كوكبة الشعراء الكبار اليوم يف خريطة الشعر األَمرييك‪َّ ،‬‬ ‫ْ‬ ‫اليعرفون أنه شاعر باألساس‪ ،‬وأنه بَدأَ مشواره األَديب كشَ اع ٍر وكمرتجمٍ للشِّ ْعر الفرنيس إِىل األَمريكية من خالل أبرز مناذجه‬ ‫وأسامئه وتجاربه‪َ ،‬ماالَ ْرمي خصوصاً‪.‬‬ ‫َ‬ ‫وإذن‪ ،‬مل يَ ُعد يُ ْذكَ ُر بُّ ْ‬ ‫بوص ِف ِه أحد كبار الرواية األمريكية املعارصة‪ .‬ورغم انْصرِ افه عن الشِّ ْعر إىل الكتابة‬ ‫وس ِت ْري‪ ،‬اليوم‪ ،‬إِالَّ ْ‬ ‫ول أُ ْ‬ ‫ظل يحمل معه (يف داخله‪ ،‬يف متخيَّله ِ‬ ‫الخ ْصب وجملته ال َّنـثرْ ية) الكثري من روحه الشِّ عرية‪ .‬بقي الشِّ ْعر كامناً‬ ‫الروائية‪ ،‬فقد َّ‬ ‫يف الصوت والصمت‪.‬‬ ‫يتذكر أوستري الكثري من املصادفات والطرائف التي مهدت ملساره ككاتب وكشاعر‪ ،‬وقد كتب ونرش الكثري منها يف كتبه‬ ‫الرسدية والنقدية‪،‬وإن كان يل أن أتذكر تفصيالً مؤثرا يف حياة بُّ ْ‬ ‫ول أوستري كشاعر وككاتب‪ ،‬فسأتذكر أوال عالقته بقلم الرصاص‪.‬‬ ‫ذلك القلم الرمادي الذي قاده من اندهاش وذعر البدايات إىل األكروبول األديب الكوين‪.‬‬ ‫كان بُّ ْ‬ ‫ول طفال يف سن الثامنة‪ .‬آنذاك‪ ،‬مل يكن شغوفا ومتعلقا بيشء أكرث مام كانت تتب ّدى له لعبة «البيزبول» كأهم ما يف‬ ‫حياته‪ .‬فريقه املفضل بال منازع‪ ،‬كان هو «كبار نيويورك» بأقمصتهم السوداء الربتقالية‪ .‬وإىل اليوم‪ ،‬ظ ََّل يَذكُر أسام َء الالَّعبني‬ ‫الذين كانوا يصنعون مجد الفريق إسامً إسامً‪ ،‬وإن مل يعد هناك وجود للفريق وال حتى للملعب نفسه‪.‬‬ ‫ابتعدت الذكريات والوجوه وتفاصيل املقابالت‪ ،‬لكنه بقي يذكر من أبرز الالعبني الذين كانوا يأخذون بكل كيانه الالعب ِويليِ‬ ‫َمايْ ْز‪ .‬مل يكن هناك أحد له نفس األهمية لدى الطفل بٌّ ْ‬ ‫ول أوستري أكرث من مايز هذا‪.‬‬ ‫حدث أن رافق الطفل والديه مع أرسة صديقة توفرت لها‪ ،‬مرة‪ ،‬بطائق دخول إىل امللعب ملشاهدة إحدى أهم املباريات التي‬ ‫دساً بني أفراد األرستني‪ ،‬وهم يغادرون من‬ ‫خاضها فريقه املفضل ضد خصم عنيد له «ولوويك برافز»‪ .‬وحني كان الطفل م ْن ّ‬ ‫بوابة الخروج التي كانت تقع تحديدا ً تحت مستودع مالبس الفريقني‪ ،‬صادف العبه النجم وهو يغادر‪ .‬ضغط الطفل عىل‬ ‫ساقيه صوب الالعب الشهري‪ ،‬وأرغم شفتيه عىل ارتجال بضع كلامت‪ ،‬وقَ َّوى يديه قليال‪ ،‬وتقدم ‪ :‬السيد مايز‪ ،‬هل ميكنني أن‬ ‫أحظى بتوقيع منك ؟ وتفاعل الالعب الكبري بروح إيجابية رسيعة ‪:‬بالطبع‪ ،‬يا صغريي‪ ! ‬وكان يبتسم مغمورا ً بالحياة وروح‬ ‫الشباب الوثاب‪.‬‬ ‫ومل يكن مع الطفل قلم رصاص وال أي قلم عىل االطالق‪ .‬سأل والده‪ ،‬ووالدته‪ ،‬وعمه (جارهم‪ ،‬صديق األرسة) وزوجة عمه‪،‬‬ ‫ال أحد كان ميلك قلام يف تلك اللحظة الذهبية السانحة‪ .‬فقال الالعب وقد حرك كتفيه آسفا ‪« :‬هاأنت ترى‪ ،‬يا صغريي‪ ،‬ليس‬ ‫هناك قلم‪ ،‬وإذن ليس هناك توقيع‪.»! ‬‬ ‫ورغم أن الطفل حاول أن يتامسك قليالً‪ ،‬لكن دموعه خانته‪.‬لقد أدرك أنه أخفق يف أول اختبار أمام الحياة‪.‬ومنذ ذلك املساء‪،‬‬ ‫مل يعد قلم الرصاص يفارق بُّ ْ‬ ‫ول أوستري‪ .‬صارت له عادة أن يضع يف جيبه هذا القلم الصغري الساحر‪ ،‬أينام حل وارتحل‪ .‬ليس‬ ‫ألنه يعرف ما سيفعله به‪ ،‬ولكن ليك ال يحرم نفسه من نعمة يشء أو فكرة أو صورة بإمكان قلم الرصاص وحده أن يحققها‬ ‫أو يصونها‪ .‬ال يلذ ُغ الشاعر من ال ُج ْح ِر مرتني‪! ‬‬ ‫تعلم بول أوستري هذا الدرس‪ .‬طاملا كان هناك قلم يف الجيب‪ ،‬هناك بالتأكيد حظوظ قوية الستعامله واالستفادة من خدماته‪.‬‬ ‫وإىل اليوم‪ ،‬مازال أوستري يقول ألبنائه ‪« :‬هكذا‪ ،‬رصت كاتبا»‪ .‬درس حياة‪ ،‬درس كتابة أيضا‬ ‫‪130‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫الجوا ِء َت َك َّل ِمـي أم َه ْل َع َر ْف َت الدَّا َر بع َد‬ ‫َيا دَا َر َع ْبلـ َة ِب َ‬ ‫ديوان ً العرب‬ ‫َ‬ ‫َو ِع ِّمي َص َباحا دَا َر ع ْبلة و‬ ‫َف َو َّق ْف ُ‬ ‫ـت فيها َنا َقتي و َكأ َّن َهـا‬ ‫َفـد ٌَن َأل ْقيض َح َاج َة ا‬ ‫الج َوا ِء وأَ ْه ُلنَـا‬ ‫و َت ُح ُّـل َعب َل ُة ِب َ‬ ‫ـان َفا‬ ‫الص َم ِ‬ ‫بالح ِ‬ ‫ـزن َف َّ‬ ‫َ‬ ‫ُح ِّي ْي َت ِمنْ َط َل ٍل َتقا َد َم َع ْهـدُ هُ‬ ‫َح َّل ْت ِبأَرض الزَّا ِئرينَ َفأَ ْص َب َح ْت أَ ْقـوى وأَ ْق َفـ َر َبع َد ُأ ِّم‬ ‫تل َق ْو َم َهـا عسرِ اً ع َّ‬ ‫ُع ِّل ْق ُت َهـا َع ْرضاً وأ ْق ُ‬ ‫يل ِط َال ُب ِك اب َن َة‬ ‫ولقـد َن َز ْل ِت َفال َت ُظنِّي َغ ْيـر ُه زع ًام ل َعم ُر َ‬ ‫يس‬ ‫أبيك لَ َ‬ ‫َك َ‬ ‫ِمنّـي بمِ َنْـ ِزلَ ِة ا ُمل ِح ِّب‬ ‫ـيف املَزا ُر وقد َتر َّبع أَ ْه ُل َهـا‬ ‫ْإن ُكن ِْت أ ْز َم ْع ِت ال ِفر َ‬ ‫ـن وأَ ْه ُلنَـا ِبا‬ ‫اق َفإِنمَّ َـا‬ ‫ِب ُع َن ْيـ َز َت ْي ِ‬ ‫َز َّمـت ِر َكا ِئ ُب ُك ْم ِب َل ْي ٍل‬ ‫َمـا َرا َعنـي إ َّال َحمول ُة أَ ْه ِل َهـا‬ ‫َتان وأَ ْر َ‬ ‫وس َط ال ِّد َيا ِر َت ُس ُّف َح َّب ال‬ ‫بعون َح ُلو َبـ ًة‬ ‫ْ‬ ‫ِفي َهـا ا ْثن ِ‬ ‫ُسوداً َكخافي ِة ُ‬ ‫اب األ‬ ‫اض ٍح‬ ‫الغ َر ِ‬ ‫روب َو ِ‬ ‫إ ْذ َت ْس َت ِب ْي َك ِب ِذي ُغ ٍ‬ ‫العرب َعـ ْذ ٍب ُم َق َّب ُلـ ُه لَ ُ‬ ‫ذيذ امل‬ ‫ديوان ِب َق ِس ْي َمـ ٍة‬ ‫و َكـأَ َّن َفا َر َة َت ِاج ٍر‬ ‫َس َب َق ْت ع َوا ِر َضها َ‬ ‫إليك ِمن‬ ‫أ ْو ر ْوضـ ًة ُأ ُنفاً َت َض َّمنَ َن ْب َت َهـا‬ ‫َغ ْي ٌث ُ‬ ‫ليس‬ ‫َجـاد َْت ع َلي ِه ُك ُّل ِبك ٍر ُحـ َّر ٍة‬ ‫قليل الد ِ‬ ‫َّمن َ‬ ‫َفترَ َ ْكنَ ُك َّل َق َرا َر ٍة َكال‬ ‫َس ّحـاً و َت ْسكاباً َف ُك َّل َع ِش َّيـ ٍة‬ ‫الفنان ضياء العزاوي‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪131‬‬


‫ديوان العرب‬

‫الخطاط عبد الله عكر‬

‫سقاية الطلل‬ ‫ورمزية الماء‬ ‫ليس القصد من بحث دالالت شعرية الماء التركيز أو اإلشارة إلى الجانب العلمي‪،‬‬ ‫ذلك ألن هذا الجانب ال يدخل في اعتبارنا‪ ،‬وله من يقوم على تمحيصه وتدقيق‬ ‫النظر فيه‪ .‬وتنبع قيمة هذا المبحث من أهمية توظيف الماء في القصيد الشعري‪،‬‬ ‫بغية تحميله ألبعاد مختلفة تعضد النص وتضيف إلى محتواه‬

‫صدوق نورالدين‬

‫‪132‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫سقاية الطلل‬

‫للنص الجاهيل استهالله‪ ،‬االستهالل مفتتح النص‪ ،‬ويتمثل‬ ‫فيام اصطلح عليه بالوقوف عىل األطالل‪ ،‬بكاء الديار‪،‬‬ ‫أو رثاء األحبة‪ .‬فالطلل هو بقايا أثر تهدم وانهار بفعل‬ ‫عوادي الزمن‪ .‬النص الجاهيل اقرتن بالطلل‪ ،‬ذلك أن‬ ‫املتحدث عن الشعر الجاهيل سواء أقصد النصوص‬ ‫املسامة باملعلقات بحكم كونها خري ما يعرب عن املرحلة‪،‬‬ ‫أم غريها من متفرقات النصوص‪ ،‬ال ريب سيلمح لهذه‬ ‫املطالع‪.‬‬ ‫إن بكاء الطلل منوذج سلطة عىل الشاعر الجاهيل االقتداء‬ ‫بها والخضوع إليها‪ .‬إنها تفعل فيه من حيث يشعر‬ ‫أو ال يشعر‪ .‬يشعر حني يكون قد عاش املعرب عنه يف‬ ‫الطلل‪ .‬وال يشعر حالة االحتذاء وقتل السؤال عن دواعي‬ ‫هذا االستهالل‪ .‬يسوقنا هذا إىل القول بأن هناك الطلل‬ ‫الواقعي‪ ،‬والطلل املتخيل‪ .‬الواقعي يتمخض عن املعايشة‬ ‫وصدقها‪ ،‬أما املتخيل فنسج عىل املنوال‪ ،‬دون أن تحدث‬ ‫املعايشة‪.‬‬

‫نسخ عىل منوال‬

‫ال يفوتنا كون فعل الخيال يف النص فعل إبداعي تجمييل‬ ‫يضيف ملا هو واقعي ‪ ..‬النسج عىل املنوال من باب إعادة‬ ‫السابق‪ ،‬الجاهز‪ ،‬ولنئ كان يف شكل مخالف‪ .‬فاملطلع‬ ‫ينسخ املطلع‪ .‬ال أقول بالرسقة‪ .‬أقول بالنسخ لكأننا أمام‬ ‫مطلع واحد ونص واحد‪ .‬عىل أن ما تبقى تنويع عىل‬ ‫ذات النص مثة من يقول ‪ « :‬إن امرأ القيس أول من بىك‬ ‫واستبىك» التأكيد والخرب يشريان لنموذج عرف به شاعر‬ ‫من دون الشعراء‪ .‬أما البقية الباقية فانساقت وراء نفس‬ ‫النمط‪.‬‬ ‫يف مواجهة هذا مثة رأي المرئ القيس‪ .‬يقول يف بيت له‪:‬‬

‫«عوجا عىل الطلل املحيل ألننا‬ ‫نبيك الديار كام بىك ابن حزام»‬

‫ويف رواية أخرى ترى‪:‬‬

‫«عوجا عىل الطلل املحيل لعلنا‬ ‫نبيك الديار كام بىك ابن خدام»‬

‫ليس امرأ القيس أول من وقف عىل الطلل إذ وبشهادته‬ ‫هناك « ابن حزام‪ /‬خذام» وهو شاعر طايئ‪ .‬إال أن هذه‬

‫النصوص مل يصلنا منها أي يشء عىل ضوء ما جاءت به‬ ‫كتب األدب والنقد‪ .‬ما نخلص إليه كون الوقوف عىل‬ ‫الطلل مبثابة منط تعارف عليه وتم نهجه واعتامده‪ .‬هذا‬ ‫الزعم‪ ،‬أو القول ال يغيب عن ذاكرتنا نصوصا جاهلية‬ ‫أسهمت يف إغفال عنرص الطلل كمكون للقصيد الجاهيل‪.‬‬ ‫من هذه النصوص نص ل«عبدة بن الطبيب» وآخر‬ ‫ل«عمرو بن كلثوم»‪ ،‬ومثة من يعترب نص هذا األخري‬ ‫معلقة والعكس‪.‬‬ ‫لكن‪ ،‬ما جدوى الطلل كنمط‪ ،‬أو كمكون ؟‬ ‫الطلل ذكرى تصل الشاعر بحياة انرصمت‪ ،‬أو بحضارة‬ ‫انقرضت‪ .‬الحياة والذكرى فرتتا خصب‪ ،‬مناء وعيش‪،‬‬ ‫إنهام املاء حني كان املاء يهب الحياة‪ .‬لذا‪ ،‬فالوقوف‬ ‫عىل الذكرى‪ ،‬عىل الطلل‪ ،‬هو وقوف عىل غياب املاء‪،‬‬ ‫واستحضار لفرتة عاين خاللها الشاعر‪ ،‬كام مجتمعه‬ ‫أسباب حضارة هامة‪ .‬إذن هي الذكرى واالستعادة‪ ،‬تلكم‬ ‫ثنائية أحكمت فعاليتها حول القصيد الجاهيل‪ ،‬كام‬ ‫اخترصت مساراته وتوجهاته‪.‬‬ ‫يف وقوف الشاعر عىل الطلل يتوسل بدموعه‪ ،‬أي باملاء‪،‬‬ ‫إنه نداء املاء للامء‪ ،‬ماء الحزن ينادي ماء الخرضة واليناعة‬ ‫الغائب‪ .‬وذلك يف محاولة ألن يتم ابداع املايض ويتحقق‬ ‫ابداع الحارض واملستقبل‪.‬‬ ‫املاء يف النص الجاهيل هو الحياة‪ .‬إنه السيولة‪ .‬ويف‬ ‫السيولة حركة‪ ،‬إذن فيها حياة‪ .‬من ثم احتوى النص‬ ‫الجاهيل ما يلمح إىل القحط‪ ،‬وما يحيل عىل الحياة‪ ،‬وهي‬ ‫الثنائية املشار إليها سابقا‪ .‬فالسكون املتمخض عن اليباس‬

‫ليس امرؤ القيس أول من‬ ‫وقف على الطلل إذ وبشهادته‬ ‫هناك « ابن حزام‪ /‬خذام»‬ ‫وهو شاعر طائي‪ .‬إال أن هذه‬ ‫النصوص لم يصلنا منها أي‬ ‫شيء‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪133‬‬


‫ديوان العرب‬

‫تعقبه الحركة‪ .‬حركة املاء كام جسدها النص الجاهيل‪.‬‬ ‫يقول «يوسف اليوسف» يف «مقاالت يف الشعر الجاهيل»‪:‬‬ ‫«ليس من قبيل املصادفة أن يستهل امرؤ القيس معلقته‬ ‫بالوقوف عىل الرسوم وأن ينهيها بوصف املطر‪ .‬وليس‬ ‫مصادفة أن يتحدث لبيد عن املطر أيضا‪ .‬وما هو فصيح‬ ‫الداللة كذلك أن تجد معجم معلقة عبيد بن األبرص‬ ‫غاصا مبفردات كهذه ‪ :‬أقفر‪ ،‬الجدب‪ ،‬املحل‪ ،‬مخلوس‪،‬‬ ‫مسلوب‪ ،‬محروب‪ ،‬سلب‪ ،‬جديب‪ ،‬ماء‪.‬‬ ‫قسيب (خرير)‪ ،‬سكوب‪ ،‬رسوب‪ ،‬جدول‪ ،‬واد‪ ،‬فلج (نبع)‪،‬‬ ‫ويف هذه املعلقة تتكرر كلمة «ماء» ثالث مرات‪ ،‬أما‬ ‫كلمة «جذب» ومشتقاتها فخمس» إذا كان امرؤ القيس‬ ‫يف مستهل معلقته قد ابتدأ ببكاء الطلل‪ ،‬فإنه ختمها‬ ‫بالحديث عن املطر‪ .‬فنصه من حيث املبتدأ والختام نص‬ ‫ينهض عىل التضاد ‪ :‬القحط يف تقابل مع البعث والحياة‪.‬‬ ‫لكن كيف يتضح حضور املاء؟‬ ‫يقول امرؤ القيس يف معلقته‪:‬‬

‫«أصاح ترى برقا أريك وميضه‬ ‫كلمع اليدين يف حبي مكلل‬ ‫ييضء سناه أو مصابيح راهب‬ ‫أمال السليط بالذبال املفتل‬ ‫قعدت له وصحبتي بني ضارج‬ ‫وبني العذيب بعد ما متأمل‬ ‫عىل قطن بالشيم أمين صوبه‬ ‫وأيرسه عىل الستار فيذبل‬ ‫فأضحى يسبح املاء حول كتفيه‬ ‫يكب عىل األذقان دوح الكنهبل‬ ‫ ‬ ‫ومر عىل القنان من نفيانه‬ ‫فأنزل منه العصم من كل منزل‬ ‫وتيامء مل يرتك بها جذع نخلة‬ ‫وال أطام إال مشيدا بجندل»‬

‫االشارة للامء تتم من خالل وميض الربق‪ .‬هذا يحمل‬ ‫الداللة عىل سقوط املطر‪ .‬فالشاعر وصحبه يرتقبون‬ ‫السقوط ليال‪ .‬علام بأن الليل يحيل عىل السكون والهدوء‪.‬‬ ‫وهو سكون سيخرقه هطول املطر‪ .‬لكأين بهم يتوسلون‬ ‫االستسقاء واالستمطار ولعل حضور الراهب مبصابيحه‬ ‫‪134‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫كذلك يجسد التبتل واللهفة إىل املاء العذب‪ .‬املاء الذي‬ ‫يف حالة سقوطه سيلغي البكاء الذي طالعنا يف مفتتح‬ ‫املعلقة‪ .‬لكن السقوط جاء عنيفا‪ ،‬حيث جرف الشجر‬ ‫والحيوان‪ .‬إنه أشبه ما يضيف إىل الدمار املرتبط بالطلل‪.‬‬ ‫لوال أن الطلل افتقر ككل إىل املاء‪ .‬من ثم فامليسم الذي‬ ‫يتسم به مطر امرئ القيس قوته وعنفه يرى «مصطفى‬ ‫ناصف»‪:‬‬ ‫« املطر يف شعر امرئ القيس قيامة غري عادية‪ ،‬أو هو هزة‬ ‫كربى تنسخ التجارب اليومية املألوفة ‪»...‬‬ ‫ينجيل أثر هذا املطر العنيف فيام أضفاه عىل الحيوان‪.‬‬ ‫فالطيور أحست بالراحة واالستقرار والنشوة‪ ،‬بينام فارق‬ ‫الخوف والرعب السباع‪ .‬وتحقق هذا بعد أن توقف‬ ‫سقوط املطر‪ .‬يدل عىل ذلك ‪:‬‬

‫«كأن مكايك الجواء عذية‬ ‫صبحن سالفا من رحيق مفلفل‬ ‫كأن السباع فيه غرقى عشية‬ ‫بأرجائه القصوى أنابيش عنصل»‬

‫ومن املالحظ أن امرأ القيس مهد للحديث عن املاء‪ ،‬يف‬ ‫الحالة التي وصف فيها فرسه الخارق‪ .‬إنه يف رسعته‪،‬‬ ‫إقباله‪ ،‬ويف إدباره كصخرة عنيفة رمى بها السيل من عل‪.‬‬ ‫وهو تأكيد مجدد عن عنف مطر الشاعر‪:‬‬

‫«مكر مفر مقبل مدبر معا‬ ‫كجلمود صخر حطه السيل من عل»‬

‫حركة املاء‬

‫الوقوف عىل معلقة لبيد بن ربيعة يقود بشكل مغاير‬ ‫نحو نتائج بخصوص املاء عىل عكس ما اهتدينا إليه‬


‫سقاية الطلل‬

‫يف مالمسة معلقة امرئ القيس‪ .‬ولنئ كان املنطلق يف‬ ‫املعلقتني واحدا ‪ :‬أي بكاء الطلل الدارس‪ .‬فامرؤ القيس‬ ‫ختم معلقته باستحضار املطر‪ ،‬أما لبيد فأكد ذلك يف‬ ‫مطلع النص ‪:‬‬

‫«عفت الديار محلها فمقامها‬ ‫مبنى تأبد غولها فرجامها‬ ‫فمدافع الريان عري رسمها‬ ‫خلقا كام ضمن الوحي سالمها»‬

‫يرصد لبيد يف املفتتح الطلل الدارس الذي مل يعد قامئا كام‬ ‫كان يف السابق‪ .‬إنه بناء انهدم وتالىش‪ .‬يوازي هذا الرصد‬ ‫ما يغايره‪ ،‬أي سقوط املاء‪ .‬فالطلل الدارس يحمل داللة‬ ‫الجفاف والقحط‪ ،‬يف حني نلفي سقوط املاء مبثابة تجديد‬ ‫لهذا الطلل كيام يستمر ويدوم‪ .‬إن املاء واهب ومانح‬ ‫الحياة ملن يفتقدها‪ ،‬ويفقدها‪.‬‬ ‫« فعال فروع االيهقان وأطفلت‬ ‫بالجهلتني ظياؤها ونعامها»‬ ‫«أطفلت الظياء‪ ،‬والنعام» إشارة إىل اإلخصاب واإلنجاب‪.‬‬ ‫وهو إخصاب يحدث نتيجة للامء الساقط‪ .‬كام ميس‬ ‫النبات الباحث عن النامء والعلو‪ .‬ومن ثم فإن كان للزمن‬ ‫من فعالية فهي تتضح يف وظيفتني ‪ :‬األوىل للتعرية حني‬ ‫يبقى الرسم مجرد أطالل‪ ،‬والثانية للدميومة ملا مينح املاء‬

‫المطر في شعر امرئ القيس‬ ‫قيامة غير عادية‪ ،‬أو هو هزة‬ ‫كبرى تنسخ التجارب اليومية‬ ‫المألوفة‬

‫هذا العراء سامت البعث والتجديد‪.‬‬ ‫ونالحظ بأن االخصاب واالنجاب يرتبطان ب»الظباء»‬ ‫و»النعام»‪ .‬أي باألنثى الولود حسب «أبو ديب»‪:‬‬ ‫« اإلناث وحدها هناك‪ ،‬وهي القوى املبارشة للتوالد‬ ‫وتجديد الحياة»‪.‬‬ ‫مثة مظهر آخر للتجديد واالستمرار‪ .‬ويتمثل ذلك يف صلة‬ ‫املاء بالكتابة‪:‬‬

‫«وجال السيول عن الطلول كأنها‬ ‫زبر تجد متونها أقالمها»‬

‫السيل يغسل الطلل ويبعث فيه حياة مفتقدة‪ ،‬وذلك يك‬ ‫يستمر ويدوم‪ .‬هذه الصورة تعادل ما يحدثه القلم من‬ ‫تجديد لحقل املامرسة الكتابية‪ .‬يف الصورتني هنالك حركة‬ ‫املاء‪ .‬يتحرك وهو يسيل‪ .‬والقلم يتحرك وهو يحظ سطورا‬ ‫أو حروفا‪ .‬ومتى ماتوفر السيل إال وتوفر التجديد وقد‬ ‫سبق للشاعر أن أشار لسحر الكلمة بالوحي‪.‬‬ ‫«وكام شارك مسيل املاء من مدافع الريان يف صنع معنى‬ ‫التجدد والخلود والحياة‪ ،‬برزت قوة روحية أخرى‪ ،‬ليست‬ ‫غريبة علينا‪ ،‬معينة للامء‪ ،‬هي قوة الكلامت وسحرها‪.‬‬ ‫ومن هناك تبزغ كلمة «الوحي» ناهضة قوية بني سائر‬ ‫الكلامت»‪.‬‬ ‫يطيع حضور املاء يف املعلقتني مستوى من التباين‬ ‫والتباعد‪ ،‬نتيجة للتصور الذي يصدر عنه الشاعر يف رؤيته‬ ‫إىل األشياء ويف توظيفه للرموز‪ .‬فباإلضافة ملا أسلفنا قوله‬ ‫من كون املطر يف معلقة امرئ القيس اختتم به النص‪،‬‬ ‫بينام جاء ذكر املاء لدى لبيد يف مفتتح املعلقة‪ ،‬نجد ماء‬ ‫امرئ القيس يتسم بالقوة والعنف‪ ،‬كام يتجسد يف األرضار‬ ‫التي ألحقها مبعامل الطبيعة‪ ،‬حيث جرف معه عدة أشياء‪،‬‬ ‫وكأنه يستهدف طمس ما تبقى عوض املحافظة عليه‬ ‫وبعث الحياة فيه‪ ،‬لينتهي بسقوطه إىل نشوة عربت عنها‬ ‫الطيور‪ ،‬وإىل تبديد للخوف امنحى عن السباع‪.‬‬ ‫يختلف هذا املستوى لدى لبيد‪ ،‬إذ املاء يقوم عىل‬ ‫اإلخصاب وتجديد الحياة‪ ،‬يك تستمر وال تؤول إىل االنتهاء‪.‬‬ ‫ولعل الصور التي مدنا بها لبيد كافية للتعبري عن تصوره‪،‬‬ ‫وإدراكه مليزات وخصوصيات املاء كمصدر للبعث‬ ‫واالخصاب‪.‬‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪135‬‬


‫ديوان العرب‬

‫ميكن القول كام جاء بذلك «غاستون باشالر» يف مؤلفه‬ ‫« املاء واألحالم» بأن املاء مبجرد سيالنه ميوت بفعل هذا‬ ‫السقوط مانحا الحياة لغريه‪ .‬ففي موته يستعيد حياته‬ ‫من ثم فهو يف سيل وسقوط دائم‪ .‬أي يف موت هو الحياة‬ ‫فاملاء عنرص حياة وعنرص موت‪ .‬عىل أن ماء امرئ القيس‬ ‫كام جسدته معلقته هو ماء ذكوري‪ .‬ماء يتسم بسلطته‬ ‫املتجلية يف رغبة إلحاق األذى مبا هو جوهر البعث‬ ‫والنامء‪ .‬يف املقابل يبقى ماء لبيد أموميا‪ ،‬ألنه يهدف إىل‬ ‫اإلخصاب والتناسل‪ ،‬وهو ما يتأىت عن األم كمصدر للحياة‪.‬‬ ‫املاء واألم ينبوعا االستمرار‪.‬‬ ‫إن ما أرق الشاعر الجاهيل ثنائية الحياة واملوت‪ .‬إذ‪ ،‬وليك‬ ‫يستمر‪ ،‬بحث عام ميكنه من تجاوز املوت‪ .‬يف هذا املنحى‬ ‫انساق «كلكامش» متلهفا لزهرة الخلود‪ .‬كام عبدت‬ ‫الشعوب القدمية «متوز» كاله للخصب والنامء‪ ،‬فاعترب‬ ‫موت الطبيعة يف الخريف نهاية ل «متوز»‪ ،‬يف حني أن‬ ‫الربيع بعث وإحياء له‪ .‬بل إن نساء «بابل» كن ميارسن‬

‫الجنس مع األغراب بهدف عودة الحياة إىل «متوز» امليت‪.‬‬ ‫هذه املالمح تقودنا إىل البعد امليثي الكامن خلف النص‬ ‫الجاهيل‪ ،‬إميانا منا بأن النصوص تنضام وتتعانق وال يلغي‬ ‫سابقها الحقها‪ ،‬وإمنا لتتكامل ومتتد يف إطار من االختالف‬ ‫والتفاوت‪.‬‬ ‫إن باإلمكان رصد التفاوت بخصوص داللة رمز املاء‪ ،‬بني‬ ‫نصوص أخرى متثل ذات الحقبة‬

‫‪ - 1‬كتاب « مدخل إىل األدب الجاهيل» «إحسان رسكيس» دار‬ ‫الطليعة بريوت ص‪20 :‬‬ ‫‪ - 2‬مجلة « املعرفة» السورية‪ .‬الدكتور «كامل أبو ديب» يف بحثه «‬ ‫نحو منهج بنيوي يف دراسة الشعر الجاهيل» العدد‪ .195 :‬أيار (مايو)‬ ‫‪ 1978‬ص‪.44:‬‬ ‫‪ - 3‬كتاب « مدخل إىل األدب الجاهيل» «إحسان رسكيس» دار‬ ‫الطليعة بريوت ص‪.20 :‬‬ ‫‪ -4‬بخصوص « عبدة بن الطبيب» يرجع إىل «تاريخ الشعر حتى‬ ‫القرن الثالث الهجري» د‪ .‬نجيب محمد البهبيتي‪ .‬دار الفكر ص‪:‬‬ ‫‪.419‬‬ ‫‪ -5‬كتاب «مقاالت يف الشعر الجاهيل» ل « يوسف اليوسف» دار‬ ‫الحقائق بريوت ص‪ 121 ،120 :‬و‪.122‬‬ ‫‪ - 6‬نفسه‪ .‬ص‪.143 :‬‬ ‫‪ - 7‬مجلة «فصول» العدد الخاص ب» تراثنا الشعري» بحث نحو‬ ‫منهج بنيوي يف تحليل الشعر الجاهيل‪ .‬معلقة امرؤ القيس‪ ،‬الرؤية‬ ‫الشبقية‪ .‬كامل أبو ديب املجلد الرابع العدد الثاين يناير‪ ،‬فرباير‪،‬‬ ‫مارس ‪ 1984‬من ص ‪ 92 :‬إىل ص‪.130 :‬‬ ‫‪ - 8‬كتاب «قراءة ثانية لشعرنا القديم» «مصطفى ناصف» دار‬

‫األندلس بريوت ص‪ 127 :‬و‪.128‬‬ ‫‪ - 9‬مجلة « املعرفة» العدد ‪ 195 :‬املشار إليه كامل أبو ديب ص‪:‬‬ ‫‪.39‬‬ ‫‪ - 10‬نفسه‪ .‬ص‪.41 :‬‬ ‫‪ - 11‬مجلة «فصول» العدد الخاص ب» تراثنا الشعري» مبحث‬ ‫«التحليل الدرامي لألطالل» معلقة لبيد‪ .‬محمد صديق غيث ص‪:‬‬ ‫‪.170‬‬ ‫‪Gaston Bachelard « L’eau et les rêves » CORTI. - 12‬‬ ‫‪.PARIS. P : 9 et 99‬‬ ‫‪.Bachelard. P : 21 - - 13‬‬ ‫‪.Bachelard. P : 99 14‬‬‫* وتحسن العودة بخصوص «با شالر» كذلك إىل ‪:‬‬ ‫‪Margaret R. Higonnet. Métaphores mortelles : l’eau et‬‬ ‫‪les rêves » cahiers internationaux de symbolisme. N°‬‬ ‫‪Bachelrad et la métaphore. 1986 P : 42, 43 et .55/54/53‬‬ ‫‪.44‬‬ ‫‪ 15‬كتاب «أسطورة املوت واالنبعاث يف الشعر العريب الحديث»‬‫ريتا عوض‪ .‬املؤسسة العربية للدراسات والنرش ص‪ 42 :‬و‪.43‬‬ ‫‪ - 16‬كتاب « مقاالت يف الشعر الجاهيل» يوسف اليوسف‪ .‬ص‪.138 :‬‬

‫املراجع‪:‬‬

‫‪136‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫«وقوف» عنترة‬ ‫هَ ْل َغا َد َر ُّ‬ ‫الش َع َرا ُء منْ ُمتَـ َرد َِّم‬ ‫الجوا ِء َت َك َّل ِمـي‬ ‫َيا دَا َر َع ْبلـ َة ِب َ‬ ‫َف َوق ْف ُ‬ ‫ـت فيها َنا َقتي و َكأ َّنهَـا‬ ‫الج َوا ِء وأَهْ ُلنَـا‬ ‫و َت ُح ُّـل عَب َل ُة ِب َ‬ ‫ُح ِّي ْي َت ِمنْ َط َللٍ َتقا َد َم َع ْهـدُ هُ‬ ‫َح َّل ْت ِبأَرض الزَّا ِئرينَ َفأَ ْص َب َح ْت‬ ‫عُ ِّل ْق ُتهَـا َع ْرضاً وأ ْق ُ‬ ‫تل َق ْو َمهَـا‬ ‫ولقـد َن َز ْل ِت َفال َت ُظنِّي َغ ْيـر ُه‬ ‫َك َ‬ ‫ـيف املَزا ُر وقد َتر َّبع أَهْ ُلهَـا‬ ‫ْإن ُكن ِْت أ ْز َم ْع ِت ال ِفر َ‬ ‫اق َفإِنمَّ َـا‬ ‫َمـا َراعَنـي إ َّال َحمول ُة أَهْ ِلهَـا‬ ‫ِفيهَـا ا ْثنَتانِ وأَ ْر َ‬ ‫بعون َح ُلو َبـ ًة‬ ‫اض ٍح‬ ‫روب َو ِ‬ ‫إ ْذ َت ْس َت ِب ْي َك ِب ِذي ُغ ٍ‬ ‫و َكـأَ َّن َفا َر َة َت ِاج ٍر ِب َق ِس ْي َمـ ٍة‬ ‫أ ْو ر ْوضـ ًة ُأ ُنفاً َت َض َّمنَ َن ْب َتهَـا‬ ‫َجـاد َْت ع َلي ِه ُك ُّل ِبك ٍر ُحـ َّر ٍة‬ ‫َس ّحـاً و َت ْسكاباً َف ُك َّل ع َِش َّيـ ٍة‬ ‫َو َخلىَ ُّ‬ ‫يس ِب َبـا ِر ٍح‬ ‫الذ َب ُ‬ ‫اب ِبهَا َف َل َ‬ ‫هَ ِزجـاً َي ُح ُّ‬ ‫ـك ِذرا َع ُه ب ِذرا ِعـ ِه‬

‫أم هَ ْل َع َر ْف َت الدَّا َر بع َد َت َوهُّ ِـم‬ ‫َو ِع ِّمي َص َباحاً دَا َر ع ْبل َة واس َل ِمي‬ ‫َفـد ٌَن َأل ْقيض َح َاج َة ا ُمل َت َلـ ِّو ِم‬ ‫الص َمـانِ َفا ُمل َت َث َّل ِـم‬ ‫بالحـزنِ َف َّ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫أَ ْقـوى وأ ْق َفـ َر َبع َد أ ِّم ال َه ْي َث ِـم‬ ‫عسرِ اً ع َّ‬ ‫يل ِط َال ُب ِك اب َن َة َم ْخـ َر ِم‬ ‫زع ًام ل َعم ُر َ‬ ‫َـم‬ ‫أبيك لَ َ‬ ‫يس بمِ َ ْزع ِ‬ ‫ِمنّـي بمِ َنْـ ِزلَ ِة ا ُمل ِح ِّب ا ُمل ْكـ َر ِم‬ ‫ـن وأَهْ ُلنَـا ِبال َغ ْي َل ِـم‬ ‫ِب ُع َن ْيـ َز َت ْي ِ‬ ‫َز َّمـت ِر َكا ِئ ُب ُك ْم ِب َل ْيلٍ ُم ْظ ِل ِـم‬ ‫الخ ْم ِخ ِم‬ ‫وس َط ال ِّد َيا ِر َت ُس ُّف َح َّب ِ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ُسودا كخافي ِة ُ‬ ‫اب األ ْس َح ِـم‬ ‫الغ َر ِ‬ ‫عَـ ْذ ٍب ُم َق َّب ُلـ ُه لَ ُ‬ ‫ذيذ املَ ْط َع ِـم‬ ‫َس َب َق ْت ع َوا ِر َضها َ‬ ‫إليك ِمن ال َف ِم‬ ‫َغ ْي ٌث ُ‬ ‫ليس بمِ َ ْع َل ِـم‬ ‫قليل الد ِ‬ ‫َّمن َ‬ ‫َفترَ َ ْكنَ ُك َّل َق َرا َر ٍة َكال ِّد ْرهَ ِـم‬ ‫َي ْجـ ِري َع َليها املَا ُء لَم َيت ََصـ َّر ِم‬ ‫َغ ِرداً َك ِف ْعل َّ‬ ‫ارب ا ُملترَ َ ّن ِـم‬ ‫الش ِ‬ ‫َقد َْح ا ُمل َك ِّب عىل ال ِّز َنا ِد َ‬ ‫األ ْجـ َذ ِم‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪137‬‬


‫ديوان العرب‬

‫عنترة في تأويل الزمان والمكان‬

‫ؤال ِّ‬ ‫الس ُ‬ ‫عري وام ِتداداتُه‬ ‫الش‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫خالد بلقاسم‬

‫َ‬ ‫قال عنرتة بن شداد‪:‬‬

‫هَ ْل غا َد َر ُّ‬ ‫الشـــ َع َرا ُء ِمنْ ُمترَ َد َِّم‬ ‫يا دَا َر َع ْب َلة بالج َوا ِء َتك َّل ِمــــي‬

‫ال‬

‫يَ ْنقا ُد ال َب ْي ُت األ َّو ُل ِم ْن ُمعلَّق ِة عنرتة للف ْهمِ‬ ‫والتَّأويل ب ُيسرْ ‪ .‬إنَّها أوىل خَصائِ ِص ِه الشِّ ْعريَّة‪،‬‬ ‫التي تَتَق َّوى كلَّام ال َم َس الشِّ ْع ُر ِ‬ ‫ويصة‪،‬‬ ‫قض ّية َع َ‬ ‫أي ِ‬ ‫كري أ ْن تَبْقى منطقة َمفتُو َحة‬ ‫قضيّة يَكو ُن َمص ُريها ال ِف ُّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫هِ‬ ‫األسئلة‪ .‬فالبَيْ ُت يَ ْنطَوي‪ ،‬م ْن هذ ال َّزاوية‪،‬‬ ‫للتَّأ ُّملِ وإنتا ِج ْ‬ ‫عىل ُمقا َو َم ٍة تمَ ْ َن ُع ِم َن ال ُعبور إىل ما ت َال ُه ِم ْن غيرْ قلق‪،‬‬ ‫وتمَ ْ َن ُع‪ ،‬أيْضاً‪ِ ،‬م َن االط ِمئنان للشرَّ ْ ح الذي َخلَّ َف ُه الق َدما ُء‬

‫‪138‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫أ ْم هـَ ْ‬ ‫ـل َع َر ْف َ‬ ‫ــم‬ ‫ــت الدَّا َر َب ْع َد َت َوهُّ ِ‬ ‫واس َل ِمي‬ ‫َو ِع ِمي َص َباحاً دَا َر َع ْبلة ْ‬ ‫ع ْن ُه ِم ْن غيرْ شَ ِّق أفُقٍ آخَر لل َم ْعنى‪ .‬عبرْ َ ِ‬ ‫هذهِ امل ُقا َو َمة‪،‬‬ ‫يل‪ ،‬وعبرْ َها أيْضاً يَ ْد ُعو‬ ‫يَتَ َولَّ ُد التَّفك ُري مبا هو ِف ْع ٌل ت َأوي ٌّ‬ ‫البَيْ ُت ال ِقرا َء َة إىل َسام ِع ا ْح ِتامالتِ ِه البَعي َدة‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫السام ُع إالّ ب َع ِّد البَيْ ِت‪ ،‬يف البَ ْدء‪ْ ،‬است ْهالالً‬ ‫ال يَبْ َدأ هذا َّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ئيس يف التّأويل‪،‬‬ ‫شَ دي َد ال ُغ ُموض‪ .‬التَّ َنبُّ ُه إىل غُموضه أ ْم ٌر َر ٌ‬ ‫إذ كثريا ً ما ت َ َولَّ َد ِت ال ِقرا َء ُة َونمَ َْت ِ‬ ‫انطالقاً ِم َن ال ُعثور عىل‬ ‫غ ٍ‬ ‫ُموض َخ ِف ٍّي يف ثنايا ال َّن ّص‪ ،‬أ ْو حتَّى يف ِعبا َر ٍة قص َري ٍة‬


‫تأويل عنترة‬

‫َح َّولَها التَّدا ُو ُل إىل ِعبا َر ٍة ِ‬ ‫واض َحة‪ .‬التَّ ُ‬ ‫أويل ال يُ ِق ُّر بال ُوضُ وح‪ .‬قيمة املايض‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫«الواض َحة» التي ْاستَعادَتْ غُموضَ ها‬ ‫األقوال‬ ‫َع ِدي َد ٌة هي‬ ‫ئيسة لِ ِ‬ ‫هذهِ‬ ‫ِع ْن َدما ْاستَضافَتْها ال ِقرا َءة‪ .‬ول ُربمَّ ا ِم َن امل َها ّم ال َّر َ‬ ‫االس ِتضافة ال ُعثو ُر عىل ال ُغ ُم ِ‬ ‫وب ب ُوضُ و ٍح ال‬ ‫وض امل َ ْح ُج ِ‬ ‫ْ‬ ‫وح فيه‪.‬‬ ‫ُوضُ َ‬ ‫لِلغ ِ‬ ‫ُموض‪ ،‬يف بَيْ ِت عنرتة‪ ،‬أكرثُ ِم ْن َو ْج ٍه‪ .‬ل َع َّل أبْرزَها‪ِ ،‬م ْن‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫حيْثُ ما يُ َولِّ ُده م ْن قضايا‪ ،‬ال َو ْج ُه الذي يَتَكشَّ ُف م َن‬ ‫اال ْح ِت ِ‬ ‫امالت التي يَفترَ ضُ ها التَّ ُ‬ ‫أويل للعالق ِة بينْ َ شَ طْ َر ْي‬ ‫ال َب ْيت‪ .‬ق ْب َل االقترِ َاب ِم ْن ِ‬ ‫هذهِ اال ْح ِتامالت‪ ،‬البُ َّد ِم ْن‬ ‫إن ٍ‬ ‫ْصات ُج ْز ٍّيئ لِماَ َح َّف مبَ ْعنى الشّ طر األ ّول يف شرُ و ٍح‬ ‫سابقة‪.‬‬ ‫قف القدما ُء عند ّ‬ ‫دال «املُترَ َدَّم»‪ ،‬و َر َّج ُحوا معنى الترَّ قيع‬ ‫تَ َو َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫يف ف ْهمه‪ ،‬انطالقاً م ْن َع ِّد هذا امل ْعنى تمَ ْثيالً‪ ،‬أي ُمشابَ َهة‬ ‫ت َْستَ ْحضرِ ُ ُصو َر َة ث ْو ٍب ُم َرقّع‪ .‬يف ال ُعبور من التَّ ْمثيلِ إىل‬ ‫قصودا ً ِمن الشَّ طْر األ ّول‪ ،‬ت َ َه َّيأ ل ُهم إعادَة‬ ‫ما افترَ َضو ُه َم ُ‬ ‫َص ْوغ ُسؤا ِل عنرتَة عىل ال َّن ْحو اآليت‪َ :‬ه ْل ت َ َر َك الشّ َعراء‬ ‫«مقاالً لِقائِلٍ ‪ ،‬أي ف ّناً ِم َن الشِّ ْعر ملْ يَ ْسلكوه؟»‪ ،‬أو كالماً‬ ‫لص ُق بعضُ ُه ببَ ْع ٍض ويُلبَّق»‪ .‬هكذا بَلْ َو َر الشرَّ ْ ُح القدي ُم‬ ‫«يَ َ‬ ‫ً‬ ‫«هل بَقّى‬ ‫ري‪ ،‬هو‪ْ :‬‬ ‫ع‬ ‫الشِّ‬ ‫طر‬ ‫الشّ‬ ‫هذا‬ ‫بشأن‬ ‫ا‬ ‫ي‬ ‫إشكال‬ ‫ال‬ ‫ً‬ ‫سؤا‬ ‫ْ ّ‬ ‫ّ‬ ‫الشُّ عرا ُء أل َح ٍد َم ْع َنى‪ ،‬إالّ َو َس َبقو ُه إل ْيه‪َ ،‬و َه ْل يَتَ َه َّيأ أل َح ٍد أ ْن‬ ‫يَأتيِ َ مبَ ْعنى ملْ يُ ْسبَق إليْه؟»‪.‬‬

‫ء عند ّ‬ ‫ت َ َو َ‬ ‫دال‬ ‫قف القدما ُ‬ ‫حوا معنى‬ ‫متَر َ َّدم»‪ ،‬ور َ َّج ُ‬ ‫«ال ُ‬ ‫انطالق ًا‬ ‫التَّرقيع في ْ‬ ‫فهمِ ه‪ِ ،‬‬ ‫م ْعنى ت َ ْمثي ً‬ ‫ال‪ ،‬أي‬ ‫ِم ْ‬ ‫ن َع ِّد هذا ال َ‬ ‫ب‬ ‫ُمشاب َ َ‬ ‫صور َ َة ْ‬ ‫ضر ُ ُ‬ ‫هة ت َ ْ‬ ‫ست َ ْح ِ‬ ‫ثو ٍ‬ ‫ُمر َ ّقع‬

‫لق ْد ِ‬ ‫وح‪ ،‬يف الغالب العا ّم‪ ،‬إىل تَ ْرجيح دالل ِة‬ ‫مالت الشرُّ ُ‬ ‫ري‪ .‬غيرْ َ أ َّن ت َ َو ُّس َل عنرتة في ِه‬ ‫الشّ طر عىل نفا ِد الق ْول الشِّ ْع ّ‬ ‫االس ِتفهام َو َج َد َصدا ُه يف بَ ْعض الشرُّ وح التي صاغَها‬ ‫ببنيَ ِة ْ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫هِ‬ ‫أصحابُها اعتامدا ً عىل هذ البنيَة نفسها‪ .‬وهو ما يَتَ َعينَّ ُ‬ ‫ْ‬ ‫عىل ال ِقرا َء ِة أالَّ ت َ ْنساه‪.‬‬ ‫يح َمب ْو ِق ِف ِه‬ ‫ل ُجو ُء عنرتة إىل ْ‬ ‫االس ِتفهام يف املَطْلَع َج َّن َب ُه التَّصرْ َ‬ ‫ِم َن القديم و ِم ْن عالق ِة القديم مبا أتىَ بَ ْع َده‪ .‬ال يُ ِ‬ ‫فص ُح‬ ‫عنرتة عن هذا امل َ ْو ِقف‪ .‬لك َّن ُه يُبَلْو ُر بشأنه َج َواباً ِض ْمنيّاً‬ ‫ري الذي نَ َهضَ ت به امل ُ َعلَّقة‪ ،‬أي أنَّ ُه‬ ‫يف اإلنجاز الشِّ ْع ِّ‬ ‫يَ ْد ُعو‪ ،‬عىل نَ ْح ٍو ُمضْ َمر‪ ،‬إىل ِقرا َء ِة امل ُ َعلّقة يف ضَ ْو ِء ُسؤال‬ ‫االس ِت ْهالل‪ ،‬وإىل اإلن ِ‬ ‫ْصات لتفاصيلِها ِم ْن غيرْ الك َِّف عن‬ ‫ْ‬ ‫السؤال‪.‬‬ ‫التَّفكري يف هذا ُّ‬ ‫السؤال ب َو ْص ِف ِه بَذ َر ًة لِتَخلّقِ القصيدة‬ ‫‪ُّ .1‬‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ليِ‬ ‫الس ِتهالل الق ْول الشِّ ْع ّ‬ ‫ري ُ‬ ‫ْ‬ ‫بسؤال ُم ْنط ٍو عىل قلقٍ َج ٍّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ترِ‬ ‫اب ِم ْن هذا‬ ‫ق‬ ‫اال‬ ‫ن‬ ‫كأ‬ ‫عنرتة‪.‬‬ ‫ت‬ ‫ي‬ ‫ب‬ ‫ة‬ ‫ء‬ ‫ا‬ ‫ر‬ ‫ق‬ ‫ه‬ ‫جي‬ ‫و‬ ‫ت‬ ‫يف‬ ‫ه‬ ‫ت‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ُسلط ُ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ ْ‬ ‫الب ْيت ال يَتَحق َُّق‪ ،‬كام هو بَينِّ ٌ ِم ْن َمسار شرَ ْ ِح ِه‪ ،‬إالَّ عبرْ َ‬ ‫بَلْ َو َر ِة ْأسئل ٍة بشأنِ ِه‪ .‬الشرَّ ْ ُح القدي ُم هو الذي أ ْرسىَ هذا‬ ‫كل‬ ‫تآويل َحديث ٍة‪ُّ .‬‬ ‫امل َ ْن َحى ال ِقرا َّيئ قبْ َل أ ْن تمَ ْتَ َّد َع ْدوا ُه إىل َ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫األسئلة‪،‬‬ ‫نفس ُه يف ِ‬ ‫قلب ِسل ِْسلة م َن ْ‬ ‫َم ْن تأ َّو َل البيْ َت َو َج َد َ‬ ‫ٍ‬ ‫أي تفكريٍ‬ ‫جديد يف ت َأويلِ الب ْي ِت ُملْزِماً لل ُم َؤ ِّو ِل‪،‬‬ ‫حتّى َغ َدا ُّ‬ ‫بص ْو ِغ‬ ‫َص ْوناً لِشرَ ْ ِع َّي ِة االن ِْخ َر ِاط يف إضا َء ِة هذا املَطْلع‪َ ،‬‬ ‫ُسؤا ٍل جديد‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫عبد الفتّاح كيليطو واح ٌد ِم َن امل ُ َؤ ِّولني الذين َسلكوا‪ ،‬يف‬ ‫ال َّز َمن الحديث‪ ،‬هذا امل َ ْنحى‪ .‬ذلك ما ل َجأ إليه وهو يَتَأ َّم ُل‬ ‫التناسخ يف الكتابة‪ ،‬إذ بَل َو َر ْأس ِئلة َع ْن ُس َؤال عنرتة‪،‬‬ ‫قضايا ُ‬ ‫«س ُي َح ِّد ُد لنا امل َعنى املضبوط‬ ‫صاغها عىل ال َّن ْحو اآليت‪َ :‬م ْن َ‬ ‫أس أو ت َش ُّو ٌق‪ ،‬أ ْم‬ ‫الس ِت ْهاللِ ِه ْ‬ ‫لِ ُسؤالِه‪ْ ،‬‬ ‫فهامي؟ أهو يَ ٌ‬ ‫االس ِت ّ‬ ‫نَ َد ٌم عىل كونِ ِه ملْ ِ‬ ‫يأت إالّ واألوا ُن ق ْد فات؟ أ ُه َو اعترِ ٌاف‬ ‫بال َّديْن وتمَ ْجي ٌد للترّ اث القديم؟ أهو َحثٌّ أ ْم ت َ َح ٍّد؟ أ ْم إنّ ُه‬ ‫تفك ٌري فيام يَ ْن َبغي أ ْن يُ َ‬ ‫قال ع ْن قي َم ِة املايض وعن القصي َد ِة‬ ‫الشِّ ْعريَّة؟»‪.‬‬ ‫االس ِتفهامِ املُتَ َسل ِْسل يف ق ْو ِل كيليطو تَتَكشَّ ُف ِم ْن‬ ‫قي َمة ْ‬ ‫االس ِت ْهالل ع ْن يق ٍني ب َعيْ ِنه‪ ،‬بغايَ ِة‬ ‫َز ْع َز َع ِة امل َ ْعنى وإبْعا ِد ْ‬ ‫ِ‬ ‫ناسخ‪ ،‬أي إىل ما‬ ‫ا ْج ِتذاب ِه إىل قضايا‬ ‫التقليد وال َّن ْسخ والتّ ُ‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪139‬‬


‫ديوان العرب‬

‫تط َر ُح ُه العالقة مع املايض ب َو ْج ٍه عا ّم‪ .‬وق ْد ت َ َهيَّأ لكيليطو‪،‬‬ ‫با ْع ِتبار ِه شَ غوفاً بال َحفْر َعن الغرابَ ِة يف األلفة و َعن‬ ‫ال ُغ ُموض يف ال ُوضُ وح‪ ،‬أ ْن يُف ِّك َر‪ ،‬انطالقاً ِم ْن ُسؤا ِل عنرتة‪ ،‬يف‬ ‫بس عىل نَ ْح ٍو َخالّق‪.‬‬ ‫مفهوم الترَّ كة‪ ،‬مبا هو مفهو ٌم ُملتَ ٌ‬ ‫االس ِتفها ُم‬ ‫ال ُّ‬ ‫يكف َم َسا ُر بَ ْي ِت عنرتة َع ْن ف ْر ِض ت َ َح ٍّد ُمتَنامٍ ‪ْ .‬‬ ‫يف ْاس ِت ْهاللِ ِه يُلز ُم قارئ ُه ببَلْ َو َر ِة ُسؤا ٍل َجديد‪ ،‬وإالّ بَط ََل‬ ‫اإلسها َم فيه انطالقاً ِم ْن‬ ‫ُم َس ِّوغ ال ِقرا َءة‪ .‬ذلك ما نَ ُرو ُم ْ‬ ‫إضا َء ٍة ُمكثفة خ ََّص بها اب ُن رشيق َمطْلَ َع عنرتة‪.‬‬ ‫الس ِت ْهال ِل امل ُ َعلَّقة‪ ،‬ملْ يتَ َو َّس ْل يف‬ ‫يف ْاس ِتجال ِء ��بن رشيق ْ‬ ‫االس ِتفهام‪ْ ،‬بل غل ََّب َم ْع َنى نفا ِد الق ْول‪ ،‬الذي‬ ‫الشرَّ ْ ِح ببني ِة ْ‬ ‫َع َّن ل ُه ثاوياً يف املَطْلع‪ .‬هكذا َرأى أ َّن البَيْ َت يَ ُد ُّل عىل‬ ‫نفس ُه ُمحدثاً‪ ،‬ق ْد أ ْد َر َك الشِّ ْع َر بَ ْع َد أ ْن‬ ‫أ َّن عنرتة « يَ ُع ُّد َ‬ ‫الناس من ُه وملْ يُغا ِدروا ل ُه ش ْيئاً»‪ .‬إالَّ أ َّن اب َن رشيق‬ ‫فرغ ُ‬ ‫عا َد ف َن َس َخ هذا امل َ ْعنى‪ ،‬الذي ْاستَنتَ َج ُه ِم ْن ِقرا َءتِ ِه لل َب ْيت‪،‬‬ ‫ب ُحكمٍ يَ ُ‬ ‫طول ُم َعلَّقة عنرتة بكا ِملِها‪ .‬يقول‪« :‬وق ْد أىت يف‬ ‫‪140‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫ِ‬ ‫هذ ِه القصي َد ِة مبَا ملْ يَ ْسبق ُه إليْ ِه ُمتَق ِّد ٌم‪ ،‬وال نا َز َع ُه إيّا ُه‬ ‫ُمتَأخِّر»‪.‬‬ ‫الالفت أ َّن اب َن رشيق يَ ْع ُزو مسألة امل ُحدث‪ ،‬يف إشا َرتِ ِه‬ ‫ُ‬ ‫األوىل‪ ،‬إىل َز َمنٍ بَعيد‪ِ ،‬خالفاً لِماَ ت َك َّر َس يف ال ّنقد القديم‪.‬‬ ‫وهو‪ِ ،‬م ْن ث ّم‪ ،‬يُ ِق ُّر أ َّن الف َرتةَ‪ ،‬التي إليها يَ ْنتَ ِس ُب عنرتة‪،‬‬ ‫ش ِهدَتْ هي أيضاً‪ ،‬عىل ال ّرغم من ك ْونِها ت َجسيدا ً للبدايات‪،‬‬ ‫القلق املُتَولِّ َد ِم ْن ن ِ‬ ‫ُهوض ق ْو ٍل ف ْو َق آخَر أو ِم ْن بنا ِء الق ْول‬ ‫َ‬ ‫وأس ُسه‪ .‬ل ْي َس ْت ِ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫هذهِ اإلشا َرةُ‪،‬‬ ‫ه‬ ‫م‬ ‫ل‬ ‫معا‬ ‫َت‬ ‫د‬ ‫د‬ ‫ح‬ ‫ت‬ ‫جنس‬ ‫فق‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ َّ‬ ‫َو َ‬ ‫ُ ُ‬ ‫عىل أ َه ّمي ِتها‪ ،‬هي ما يَ ْع ِنينا يف سياقِ َص ْو ِغ ْأس ِئل ٍة َعن‬ ‫ْاس ِت ْهال ِل عنرتة‪ْ ،‬بل يَ ْعنينا أساساً ال ُحك ُم الذي صا َغ ُه اب ُن‬ ‫َرشيق َعن امل ُ َعلَّقة َجمي ِعها‪ُ .‬ح ْك ٌم نَتَ َو َّس ُل ب ِه ِ‬ ‫لالنخر ِاط يف‬ ‫ن َْس ِج ْأس ِئل ٍة أخ َرى تمَ َُّس َمطْل َع عنرتة‪.‬‬ ‫املطل ُع‪ ،‬يف الشِّ ْعر الجاهيل‪ُ ،‬عنْصرُ ٌ بنا ٌّيئ و ِدال ٌّيل يف آن‪ .‬فيه‬ ‫يَ ِت ُّم ت َ ْوجي ُه االه ِتامم إىل ما يَجتَ ِذ ُب امل ُتلقي ق ْب َل االن ِتقال‬ ‫فق ما يُتي ُح ُه‬ ‫إىل ال َغ َرض‪ .‬غيرْ َ أ َّن امل ُ َر َّج َح يف ب ْي ِت عنرتة‪َ ،‬و َ‬


‫تأويل عنترة‬

‫ُحك ُم ابن رشيق ِم ْن ت َأويل‪ ،‬أنَّ ُه ملْ يُبنْ َ بغايَ ِة االن ِتقال‪،‬‬ ‫ختلف أطوار بناءِ‬ ‫ْبل بغايَ ِة االح ِت ِ‬ ‫فاظ لِ ِظلِّ ِه بسرَ َ يانِه يف ُم ِ‬ ‫امل ُ َعلَّقة‪ .‬لِ ُن َوضِّ ح هذا ال َّز ْعم‪.‬‬ ‫يف ُم ْنتَ َص ِف امل ُ َعلَّقة‪ ،‬تَ َو َّج َه بنا ُء امل َ ْعنى إىل ال َفخْر‪ ،‬الذي‬ ‫يُشك ُّل َغ َرضَ ها ال َّرئيس‪ .‬فيه يَ ْعتَ ُّد الشاع ُر بالعناصرِ التي‬ ‫الصوتُ ال َج ْم ِع ُّي ِصفَة ُمثلٍ ُعليا‪ .‬إالّ أ َّن عنرتَة ال‬ ‫َم َن َحها َّ‬ ‫ِ‬ ‫كانت‪ ،‬فرتَت َ ِئذ‪ٍ،‬‬ ‫يُضَ ِّم ُن ال َف ْخ َر اال ْع ِتدا َد بالشاعريَّة‪ ،‬التي ْ‬ ‫ِ‬ ‫أ َح َد بَ َوا ِع ِث اال ْح ِتفال والف َرح الجَماَ عيَّينْ ‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬يُح ُّس‬ ‫غياب هذا ال ُعنصرُ يف ال َفخْر ال يُلْ ِغيه‪ْ ،‬بل عىل‬ ‫القارئُ أ َّن َ‬ ‫بصو َر ٍة سرِ ِّ يَّ ٍة ِم ْن ُحضُ ور ال ِف ٍت‪ .‬إنَّ ُه ُحضُ و ُر‬ ‫العكس‪ ،‬يمُ َ ّك ُن ُه ُ‬ ‫السرَّ َ يان ال َخ ِف ِّي الذي أ َّم َن ُه ما بُثَّ يف املطلع‪ ،‬عىل نَ ْح ٍو‬ ‫االس ِت ْه َ‬ ‫الل بَذ َر َة فَ ْخ ٍر ُمق َّنعٍ‪.‬‬ ‫َج َع َل ْ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ري‪ ،‬يف املطْلع‪،‬‬ ‫أملْ يَكُن التَّساؤُل َع ْن نَفَاد الق ْول الشِّ ْع ِّ‬ ‫ا ْع ِتدادا ً بشا ِعريَّ ٍة تَ ْد َح ُض هذا ال َّنفَاد؟ أل ْي َس ِت امل ُ َعلَّقة‪،‬‬ ‫بالصو َر ِة التي ْاستَ َوتْ عل ْيها‪ ،‬ت َشْ كيكاً يف هذا ال َّنفاد؟ أملْ‬ ‫ُّ‬ ‫تَكُن امل ُ َعلَّقة‪ ،‬وهي ت َنبَني‪َ ،‬جواباً ذاتِيّاً َع ْن ُسؤا ِل املَطْلع؟‬ ‫أملْ ت َك ْن‪ ،‬يف ت َ َح ّق ِقها ويف ُمختلف أطْ َوار هذا التَّ َحقّق‪ ،‬تمُ َ ِّد ُد‬ ‫ِظ َّل ُسؤالِها وت ُؤ ِّم ُن سرَ َ يانَ ُه يف َم ِ‬ ‫فاصلِها؟ أال يَتكف َُّل املَطْل ُع‬ ‫ب َوظي َف ٍة صا ِمتَ ٍة ُم َب َّد َد ٍة يف بنا ِء امل ُ َعلَّقة؟ أل ْي َس املَطْل ُع هو‬ ‫امل َل َم ُح األ َّو ُل ال ّد ُّال عىل ال َفخْر؟ أال يُ َج ِّس ُد املَطْل ُع نُ ُزو َع‬ ‫عي إىل َع ِّد الشَّ ا ِعريَّة أ َه َّم َعناصرِ ال َفخْر‪،‬‬ ‫الالشُ عور ال َج ْم ِّ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫بسؤا ٍل شائك عن الشِّ ْعر‬ ‫وإالّ لِ َم َص َّد َر عنرتة ُمعلّقتَ ُه ُ‬ ‫و َح َّول ُه إىل بَذر ِة بناء؟‬

‫المطلعُ‪ ،‬في ِّ‬ ‫الش ْعر الجاهلي‪،‬‬ ‫اللي في آن‪.‬‬ ‫بنائي و ِد‬ ‫ٌّ‬ ‫ٌّ‬ ‫صرٌ‬ ‫ُع ْن ُ‬ ‫م ت َ ْوجي ُه االه ِتمام إلى ما‬ ‫فيه ي َ ِت ُّ‬ ‫متلقي ق ْب َ‬ ‫ل االن ِتقال‬ ‫يَجت َ ِذ ُ‬ ‫ب ال ُ‬ ‫إلى ال َ‬ ‫غرَض‬

‫محاورة املكان‬

‫امل ُ َو ِّج ُه العا ُّم لِ ِ‬ ‫األس ِئلة يُ َه ِّي ُئ لِ ِقرا َء ِة بَ ْع ِض أبْ ِ‬ ‫يات‬ ‫هذهِ ْ‬ ‫امل ُعلَّقة يف ضَ ْو ِء السرَّ َ يان املُفترَ َض لل َمطْلعِ يف َم ِ‬ ‫فاصل‬ ‫القصي َد ِة َجمي ِعها‪ .‬ثمَ َّة أبْياتٌ ت َْس َم ُح بتَأويلِها ِ‬ ‫انطالقاً ِم ْن‬ ‫مثيل‬ ‫َعالق ِتها ال مبَ ْوضُ و ِعها امل ُباشرِ ‪ْ ،‬بل بالشِّ ْعر‪ .‬يمُ ْ ِك ُن التّ ُ‬ ‫لذلك بق ْول عنرتة‪:‬‬

‫ُح ِّي َ‬ ‫يت ِمنْ َط َللٍ َتقا َد َم َع ْهدُ ُه‬ ‫أق َوى وأق َف َر َب ْع َد أ ِّم ال َه ْي َث ِم‬

‫أشا َر اب ُن األنباري إىل أ َّن ال ُّدعا َء‪ ،‬يف الكلِ َم ِة األوىل ِم ْن هذا‬ ‫نى ف ُم َو َّج ٌه إىل َم ْن‬ ‫الب ْيت‪ُ ،‬م َو َّج ٌه إىل الطَّلَل ظا ِهرا ً‪ ،‬أ ّما َم ْع ً‬ ‫كا َن يَ ْسك ُن ُه ِم ْن أ ْهلِ الشاعر‪ .‬أال يمُ ْ ِك ُن أ ْن نَتَ َوغ ََّل بإشا َر ِة‬ ‫أفص َح ْت ع ْن ُه يكْ نَ ْز ُع َم أ َّن املقصو َد‬ ‫ابن األنباري أبْ َع َد ِمماّ َ‬ ‫بالطَّلَل هو الشِّ ْعر؟ ف َم ْع َنى التَّقادُم واإلقواء واإلقفار‬ ‫ِم ْن ُم َح ِّد ِ‬ ‫دات الحقل ال ّدال ّيل لِ ِّ‬ ‫دال «الترَّ َدُّم» امل ُْستَ ْن َب ِت يف‬ ‫الس َؤ ُال‪ ،‬عىل نَ ْحو ُمتَشَ ِّعب‪ ،‬إىل تأ ُّملِ‬ ‫امل َطلع‪ .‬يَقو ُد هذا ُّ‬ ‫العالقة بينْ َ شَ طْ َر ْي املَطْلع الذي َوضَ َع ُه عنرتة لِ ُمعلّق ِت ِه‪.‬‬ ‫وهي عالقة ُمنطوية عىل غ ٍ‬ ‫ُموض بَعيد‪.‬‬ ‫شائج ُمفترَ َضَ ة بينْ َ شَ طْ َر ْي املطلع‬ ‫‪َ .2‬و ُ‬ ‫وض‬ ‫باالن ِتقال إىل ال َعالقة بَينْ َ الشَّ طْ َريْن‪ ،‬يَتَضَ ا َع ُف ال ُغ ُم ُ‬ ‫يف بَيْ ِت عنرتة‪ ،‬إذ تَتَكشَّ ُف ُخيُو ٌط َد ِقيقة تُغْري ال ِقرا َء َة‬ ‫اض ال َوشَ ائ ِج وببنائِها عبرْ َ التّأويل‪ِ .‬‬ ‫بافترِ ِ‬ ‫وح ْرصاً عىل الترّ كيز‪،‬‬ ‫نقتَصرِ ُ عىل َوشي َجتَينْ ‪.‬‬ ‫‪ .2.1‬الوشيجة األوىل‪ُ ،‬متَ َعلِّقة مبا ت َ َبقّى؛ أي ما ملْ‬ ‫يَ ْستَ ْن ِف ْد ُه الشُّ َعرا ُء ِم ْن ق ْول وما ملْ يَ ْستَ ْن ِف ْدهُ ال َّز َم ُن يف َم ْحو‬ ‫المس ِة التّقاطُع بينْ َ ما ملْ‬ ‫ال ِّديار‪ .‬وَيمُ ْ ِك ُن أ ْن نُ َر ِّج َح‪ ،‬قبْ َل ُم َ‬ ‫يَطُلْ ُه النفا ُد يف الحالَتَينْ ‪ ،‬أ َّن ما ت َ َبقّى ِش ْعرا ً أشَ ُّد ال ِت َباساً ِمماّ‬ ‫ت َ َبقّى من ال ّديار‪.‬‬ ‫يف الحال ِة الشِّ ْعريَّ ِة‪ ،‬يَ ْحتَ ِم ُل ما ت َ َركَ ُه الشُّ عرا ُء َم ْع َن َيينْ ؛‬ ‫األ َّول يمَ َ ُّس ما َخلَّفو ُه ِم ْن ط ٍ‬ ‫قص َد االق ِتفاء واالق ِتداء‬ ‫ُروس ْ‬ ‫أ ْو ما َخلَّفو ُه ِم ْن أ ْجزا ٍء تَتَطَل َُّب َرت ْقاً َو َج ْمعاً‪ ،‬عىل نَ ْح ِو ما‬ ‫يَفترَ ضُ ُه الترَّ ْقيع الذي ت َ َو َّس َل ب ِه الق َدما ُء يف ف ْهمِ «الترَّ َدُّم»‪،‬‬ ‫ُمضَ ِّمن َني شرَ ْ َح ُه ْم إ ْمكا َن ِقرا َء ِة الق ْول الشِّ ْعري ب َو ْص ِف ِه‬ ‫لت‬ ‫ث ْوباً‪ .‬وهي صو َر ٌة ُمتجذ َر ٌة يف الثقافة اإلنسان ّية‪َ ،‬ج َع ْ‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪141‬‬


‫ديوان العرب‬

‫ال َعدي َد ِم َن امل ُ َؤ ِّولني يَ ْنتَبهو َن إىل ما يَ ْج َم ُع الكتابة ب ِف ْعلِ‬ ‫الخياطة‪ .‬أ ّما امل َ ْع َنى الثاين فيَ َم ُّس امل َ ْج َ‬ ‫هول الذي ملْ تَطُلْ ُه‬ ‫الت ت َنتَظ ُرِ‬ ‫أي املناطق ال َعذراء التي ما ز ْ‬ ‫قصائِ ُد الشُّ عراء‪ْ ،‬‬ ‫بس‪ ،‬عىل ح ِّد‬ ‫َم ْن يَتَ َوغ َُّل فيها‪ .‬ذلك أ َّن مفهو َم الترّ كة ُملتً ٌ‬ ‫ُمال َحظ ِة كيليطو الثا ِق َبة‪.‬‬ ‫بح األ ْم ُر ُمتَ َعلِّقاً‬ ‫يف الحال ِة‬ ‫َّ‬ ‫الخاصة مبا تَبَقّى ِم َن ال ّديار‪ ،‬يُ ْص ُ‬ ‫ِ‬ ‫مبا َسماّ ُه القدما ُء بال َّدار امل ُ ْحلِفة‪ ،‬أي التي َغدَتْ ه َي وال‬ ‫تياب يف‬ ‫ِه َي‪ ،‬بحيثُ يَ ْستَ ْعيص ت َ َع ُّرفُها‪ ،‬لِام ت ُث ُريهُ ِمن ا ْر ٍ‬ ‫ُهويَّ ِتها‪ .‬ولكن‪ ،‬ما العالقة بَينْ َ ديا ٍر ا َّم َح ْت وق ْو ٍل نَ ِف َد؟‬ ‫السؤال‪ ،‬أ َّن ت َشابُكاً أصيالً‬ ‫يَ ْبدو‪َ ،‬و َ‬ ‫فق ما يَفتَ ُح ُه هذا ُّ‬ ‫ري وال ِّديار‪.‬‬ ‫ت َ َحق َّق‪ ،‬يف القصيد ِة الجا ِهلية‪ ،‬بَينْ َ الق ْو ِل الشِّ ْع ّ‬ ‫ما ملْ يَتَ َع َّر ِف الشَّ ا ِع ُر ِديا َر ُه ال يمُ ْ ِك ُن للقصي َد ِة أ ْن تَبْ َدأ‪.‬‬ ‫خاص‪ ،‬كا َن ا ْمر ُؤ القيس ضَ َّم َن ُه‬ ‫القصيد ُة تَبْ َدأ ِم ْن َم ْجهو ٍد ّ‬ ‫يف األ ْمر بال ُوقوف‪َ .‬م ْجهو ٌد يَتَ َو َّج ُه إىل ْاس ِت ْجال ِء ال َّزمان‬ ‫واملكان يف آن‪ .‬اِ ْس ِتنادا ً إىل ذلك‪ ،‬يمُ ْ ِك ُن للتَّأويل أ ْن يَفترَ َض‬ ‫أ َّن تَ َع ُّر َف ال ِّديار يَقتَيض ج ْهدا ً هو عيْ ُن ُه الذي َيتَطَلَّبُ ُه‬ ‫ري‪ .‬ول َع َّل ِظ َّل هذا امل َ ْع َنى هو ما يُ ِط ُّل ِم ْن‬ ‫الق ْو ُل الشِّ ْع ّ‬ ‫ِ‬ ‫ق ْو ِل ُزهيرْ بن أيب سلمى يف ُم َعلَّقته‪:‬‬

‫َو ُ‬ ‫قفت بها ِمنْ َب ْع ِد ِعرشينَ ِح َّجة‬ ‫فألياً َع َر ُ‬ ‫فت الدَّا َر َب ْع َد َت َوهُّ ِم‬

‫حيل‪ ،‬من حيث امل َ ْعنى‪،‬‬ ‫الألي‪ ،‬الذي يَتَطَلَّ ُب ُه التَّ َع ُّرف‪ ،‬يُ ُ‬ ‫ُ‬ ‫ائص ذات ُها التي‬ ‫عىل ال ُعسرْ واإلبْطاء والج ْهد‪ .‬إنَّها الخ ََص ُ‬ ‫اح باب الق ْول الشِّ ْعري و ُمطا َو َعتُ ُه للشاعر‪.‬‬ ‫يَقتَضيها ان ِفتَ ُ‬ ‫والال ِف ُت أ َّن بَيْ َت ُزهيرْ يُ َو ِّس ُع داللة ال َوق َف ِة التي ن ََّص عليْها‬ ‫ا ْمرؤ القيس‪ .‬زُهري يُ ْد ِم ُج التَّ َحق َّق ِم َن ال ِّديار يف ال َوقفة‪.‬‬ ‫بهذا اإلشرْ َ ِ‬ ‫ُ‬ ‫الخيال ويَ ِت ُّم ت َنشيط الذاكِرة‪ ،‬ت َ ْهييئاً‬ ‫اك‪ ،‬يَ ْنتَ ِع ُش‬ ‫ِ‬ ‫النطالقِ الق ْول‪ .‬ول ْي َس َع َبثاً أ ْن يَتَقاطَ َع عنرتة و ُزهيرْ يف‬ ‫ّ‬ ‫حيل‪ِ ،‬م ْن حيثُ امل َ ْع َنى‪ ،‬عىل التّخيُّل‬ ‫دال التَّ َو ُّهم‪ .‬فهو يُ ُ‬ ‫حيل‪ ،‬أبْ َع َد من‬ ‫والس ْهو والغلط واإلنكار والظ ّن‪ ،‬ويُ ُ‬ ‫والتَّ َمثل َّ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ذلك‪ ،‬عىل الطريقِ الواسع‪ ،‬مبا يَ ْج َعل هذا امل ْع َنى البعي َد‬ ‫يتقاطَ ُع مع َمعنى الطّريق الخ ِف ّي الذي َس َبق أن أشرَ ْنا‬ ‫ارس من ال ّديار يف الشِّ ْعر‬ ‫إل ْيه يف ف ْهم «األثر» مل ّا تأ َّولنا‪ ،���ال ّد َ‬ ‫الجاهيل‪.‬‬ ‫ما يَ ِص ُل بَينْ الألي‪ ،‬مبا هو َس ُ‬ ‫بيل التَّ َع ُّرف‪ ،‬وبَينْ َ الق ْو ِل‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ابق ل ُزهري‪ .‬فيه يقول‪:‬‬ ‫الس َ‬ ‫الشِّ ْع ِّ‬ ‫ري َجليِ ٌّ ِمماّ تَال البَيْ َت َّ‬ ‫‪142‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫فت الدَّا َر ُ‬ ‫فلماّ َع َر ُ‬ ‫قلت لِ َر ْب ِعها‬ ‫واس َل ِم‬ ‫أال ا ْن َع ْم َصباحاً أ ُّيها ال َّر ْب ُع ْ‬

‫بالتَّ َع ُّر ِف انْط ََلق الق ْو ُل‪ .‬فالتَّ َو ُّج ُه ِش ْعرا ً إىل ال َّربْع ُمتَ َح ِّص ٌل‬ ‫ِم ْن ت َع ُّر ِف ال َّدار‪ .‬مث ّة‪ ،‬أبْ َعد ِم َن الب ْن َي ِة الشرَّ ْط َّي ِة يف ت َ ْعبري‬ ‫اض أ َّن التَّ َع ُّر َف هو ج ْه ُد‬ ‫تيح افترِ َ‬ ‫ُزهيرْ ‪ ،‬تمَ ا ٍه بَينْ َ ال ِف ْعلَينْ يُ ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ان ِْطالقِ القصيدة‪ ،‬هو ُعثو ُر الشاعر عىل البَذ َرة األوىل يف‬ ‫اض بتَأويلٍ َج ٍ‬ ‫ديد‬ ‫ُمحا َو َر ِة املكان‪ .‬أال يَ ْس َم ُح هذا االفترِ ُ‬ ‫لِ ِح ْر ِص الشا ِعر الجاهيل عىل َحثِّ ال ِّديار عىل الكالم‪ ،‬مبا‬ ‫يَ ْج َع ُل كال َم ال ِّديار هو َع ْي ُن ُه ت َ َخلُّق القصي َدة‪ .‬أملْ يَكُن عنرتة‪،‬‬ ‫رج‬ ‫وهو يَ ْستَه ُِّل ُم َعلَّقتَ ُه باإلشا َر ِة إىل نفا ِد الق ْول‪ ،‬يَ ْستَ ْد ُ‬ ‫ال ِّديا َر يكْ ت ُ ْن ِت َج الق ْول؟ يف ال َع ِ‬ ‫ديد ِم َن األشْ عار‪ ،‬ت َ َح َّو َل‬ ‫حديثُ الشُّ عراء عن ت َ َعذر الق ْول بَذ َر ًة إلنتاجه‪.‬‬


‫تأويل عنترة‬

‫األس ِئلة‬ ‫‪ .2.2‬الوشيجة الثانية‪ .‬نُلْ ِم ُح إليْها ا ْع ِتامدا ً عىل ْ‬ ‫التالية‪َ :‬ه ْل اتّخَذ بنا ُء عنرتة للقصي َد ِة‪ ،‬إنِ ْاستَ ْحضرَ ْنا‬ ‫التَّ َداخ َُل بينْ َ هذا البناء وبينْ َ ت َ ْرميم ال ِّديار‪ ،‬داللة امل َْسكن؟‬ ‫أل ْي َس التَّ َو ُّه ُم يف الترَّ ْميم هو‪ِ ،‬شعريّاَ‪ ،‬ما يتطلَّ ُب ُه البنا ُء‬ ‫باللغة‪ ،‬الذي أبْ َد َع عنرتة يف تشبي ِه ِه برتقيعِ الث ْوب؟ أال‬ ‫ت ُضْ ِم ُر العالقة بينْ َ الشَّ طْ َريْن ت َشْ بيهاً بينْ َ ت َ ْرميمِ القصي َد ِة‬ ‫ِم ْن بقايا ملْ يَطُلْها ال َّنفاد وت َ ْر ِميمِ ِديا ٍر ملْ تمَ َّ ِح ب َو ْج ٍه تا ّم؟‬ ‫إ َّن تَ َو ُّس َل مطلع عنرتة باملجاز ِ‬ ‫يكش ُف عن تص ّور القصيدة‬ ‫مبا هي بناء‪ُ .‬‬ ‫يقول ال ّزمخرشي يف ُمعجم «أساس البالغة»‪،‬‬ ‫الذي أ ْد َم َج املجاز يف شرَ ْ ِح الكلامت‪َ « :‬ر َّد َم كال َمه وت َ َر َّد َمهُ‪:‬‬ ‫وس َّد َخلَلَهُ»‪َ .‬س ُّد ال َف َج ِ‬ ‫وات بينْ َ أ ْجزاء‬ ‫تَتَبَّ َع ُه حتّى ْ‬ ‫أصل َح ُه َ‬ ‫الق ْول هو ذات ُ ُه ت َرمي ٌم لل ّديار‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫فق ما ت َْس َم ُح هذه ال َوشي َجة‬ ‫إ َّن َمطْلَ َع امل ُ َعلّقة ُمضْ ِم ٌر‪َ ،‬و َ‬ ‫بتَأ ُّولِ ِه‪ ،‬لِتَ َخ ُّيلِ الشِّ ْعر مبا هو َسك ٌن‪ ،‬ان ِْسجاماً َم َع العالق ِة‬ ‫ري‪.‬‬ ‫تأس َس ْت بينْ َ الجا ِهيل والق ْو ِل الشِّ ْع ّ‬ ‫ال ُو ُجو ِديَّ ِة التي َّ‬ ‫ليْ َس املَطْل ُع‪ِ ،‬م ْن ِ‬ ‫هذ ِه ال ّزاوية‪ ،‬إالَّ ُعنْصرُ ا ً يف بنا ِء هذا‬ ‫ٍ‬ ‫جودي‪.‬‬ ‫الق ْول ِم ْن بَينْ َعناصرِ َ َعدي َدة دالّ ٍة عىل امل ُك ِّونِ ال ُو ّ‬ ‫الخطاب ِ‬ ‫الواص ِف ل َدى‬ ‫ُمك ِّو ٌن ت ََسل ََّل ِم َن القصي َد ِة إىل‬ ‫ِ‬ ‫ال ّنقا ِد الق َد َماء‪ ،‬الذين ت َ َو َّسلوا‪ ،‬يف ما بَ ْعد‪َ ،‬مبف ُه ٍ‬ ‫ومات‬ ‫السكَنِ بغايَ ِة ف ْهمِ الشِّ ْعر وت َأويلِه‪.‬‬ ‫ُم ْستَ َم َّد ٍة ِم َن َّ‬ ‫َصيب لِ َمعانٍ تمَ َُّس‬ ‫وبال ُج ْملة‪ ،‬فإ َّن بَيْ َت عنرتة خ َّزا ٌن خ ٌ‬ ‫قضايا إشكاليَّة؛ تأيت يف ُمق ِّد َم ِتها إشكاليّة الكتابة‪ُّ .‬‬ ‫فدال‬ ‫«الترَّ َدُّم» ُم ْنطَوٍ‪ ،‬كام ت َق َّد َم مع شرُ ُ و ِح القدماء‪ ،‬عىل معاين‬ ‫اإلل َْصاق والتَّل ِفيق والتَّلبيق وال َّرت ْق‪ ،‬التي يَتَ َعينَّ ُ ف ْه ُمها عىل‬

‫هود‬ ‫القصيد ُة ت َ ْب َدأ ِم ْ‬ ‫ن َم ْج ٍ‬ ‫امر ُؤ القيس َ‬ ‫ض َّمن َ ُه‬ ‫خاص‪،‬‬ ‫كان ْ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫األمر بال ُوقوف‪َ .‬م ْجهو ٌد‬ ‫في ْ‬ ‫الء الزَّمان‬ ‫يَت َ َو َّج ُه إلى ْ‬ ‫اس ِت ْج ِ‬ ‫والمكان في آن‬

‫أي نُزو ٍع يف ْاس ِت ْسهالِها‪ .‬فهي دالّة عىل‬ ‫نَ ْح ٍو إيجا ّيب إلبْعا ِد ِّ‬ ‫لت عن بَ ْع ِضها وتَ َخل ّْت َع ْن‬ ‫ن َْس ِج َوشَ ائِ َج بينْ َ أجزاء انْف ََص ْ‬ ‫السابقة‪ .‬وال َّن ْس ُج‪ ،‬كام هو َم ْعلو ٌم‪ ،‬يَقتَيض َحذفاً‬ ‫عالقاتِها َّ‬ ‫فق تَ َوهُّمٍ ذايتّ‪.‬‬ ‫وخلْطاً َجديدا ً وت َ ْركيباً وإعادَة َص ْوغٍ‪َ ،‬و َ‬ ‫ِ‬ ‫أليْ َست هذ ِه اآللياتُ ‪َ ،‬متَى ف ِه ْمناها يف سياق البناء النَّصيّ ّ ‪،‬‬ ‫كل ِف ْعلٍ كِتا ٍّيب؟‬ ‫هي ما يُ َح ِّد ُد َّ‬ ‫الغائب يف املَطْلع‪ ،‬الذي‬ ‫يَن َبغي‪ِ ،‬ختاماً‪ ،‬أالَّ نَ ْنسىَ ال َّد َّال‬ ‫َ‬ ‫دال «الترَّ َدُّم»‪ِ .‬‬ ‫زا َح َم‪ ،‬يف ال ِّر ِ‬ ‫نقص ُد َّ‬ ‫وايات‪َّ ،‬‬ ‫دال «الترَّ َنُّم»‪،‬‬ ‫«ص ْوتٌ‬ ‫الذي َو َر َد يف روايَ ٍة أخرى لِبَيْ ِت عنرتة‪ .‬فالترَّ َنُّ ُم َ‬ ‫ِ‬ ‫َخ ِف ٌّي‪ ،‬ت ُ َر ِّج ُع ُه بَيْ َن َك وبَينْ َ ن ِ‬ ‫َفسك»‪َ .‬ص ْوتٌ حاضرِ ٌ غائ ٌب‪،‬‬ ‫يتقاطَ ُع‪ِ ،‬م ْن حيث امل َعنى‪َ ،‬م َع األثر‪ .‬إنَّ ُه َص ْوتٌ غا ِم ٌض يأيت‬ ‫ِم ْن منظق ٍة بَعي َد ٍة يف الذات‪ .‬فيها يَترَ َا َج ُع ال َج ْم ِع ُّي لِ َينفلِ َت‬ ‫الخاص ال َخ ِف ّي‬ ‫ُّ‬ ‫الرسومات ‪ :‬الفنان السوري أبو صبحي التيناوي (القرن التاسع عرش)‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪143‬‬


‫ديوان العرب‬

‫لبيد بن ربيعة‬

‫اح ٍد‬ ‫ِل َ‬ ‫سانَان في ن َ ٍّ‬ ‫ص َو ِ‬

‫لبيد بن ربيعة واحد من الشعراء الذين وجدنا‬ ‫أسماءهم في أعلى هرم الشعر العربي‪ ،‬وتركوا‬ ‫لنا سيرة حافلة شغلت أهل الشعر واألدب‪،‬‬ ‫وهذه إضاءة على حياة بن ربيعة وشعره‬

‫صــالح بوســريف‬

‫في‬

‫الباب الخمسني من كتاب الحامسة‪،‬‬ ‫قيل يف اختالف الَّليل وال َّنها ِر‬ ‫«فيام َ‬ ‫َ‬ ‫اآلجال»‪ ،‬اختار البُحرتي‬ ‫والشُّ هو ِر واأل ْحوا ِل وتقريبهم‬ ‫ري‪ ،‬هذه األبيات‪ ،‬وهي من‬ ‫لِلَبيد بن ربيعة العا ِم ّ‬ ‫(الكامل)‪:‬‬ ‫َغل ََب ال َّزما ُن وكُ ْن ُت َغيرْ َ ُم َغل ٍَّب‬ ‫ِيــل دَائِــ ٌم َم ْمـــــدُو ُد‬ ‫َد ْهـــ ٌر طَو ٌ‬ ‫يَــ ْو ٌم إذا يَأْتِــــي َعليََّ َولَيْلَــــ ٌة‬ ‫َوكِال ُهمــا بَ ْعــ َد املَضَ ــا ِء يَ ُعــو ُد‬ ‫َو أَرا ُه يَأتيِ ِمث َْـل يَـ ْومِ َرأَيْتُـــ ُه‬ ‫ْت َو ْه َو شَ ِـدي ُد‬ ‫ملْ يَ ْنتَ ِق ْص َوضَ ُعف ُ‬

‫‪144‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫عدد األبيات يف الديوان‪ ،‬خمسة عرش بيتاً‪ ،‬فيها َذكَ َر لبيد‬ ‫طول عمره‪ ،‬وما أَ َح َّسه من سأم الحياة‪.‬‬ ‫يف القصيدة يستعي ُد لبيد ما كان عليه من شجاعة‬ ‫و ُمرو َءة‪ ،‬وما َح ِظ َي به من مكانة‪ ،‬يف قبيلته‪ ،‬ويف غريها من‬ ‫القبائل التي كانت يف مواجهة مع قبيلته‪ ،‬مبا فيها مكانته‬ ‫عند بعض ملوك زمانه‪ .‬فهو بقدر ما فخر بقيم الفروسية‬ ‫والنبالة‪ ،‬بقدر ما كان ينعي نفسه للزمن الذي ال ميوت‬ ‫فاتك ُم ِ‬ ‫وال يَبْلىَ ‪ ،‬وهو زم ٌن قاه ٌر ٌ‬ ‫وح ٌش‪َ « ،‬ع َّرا ُر»‪.‬‬

‫شاعر معمر‬

‫ولبيد من الشعراء امل ُ َع َّمرِين‪ ،‬وهو شاعر عاش ماقبل‬ ‫اإلسالم‪ ،‬وشَ ِه َد ال َّد ْع َوةَ‪ ،‬كام شهد انتشار الدين الجديد‪،‬‬


‫لبيد بن ربيعة‬

‫مثة يف القصيدة‪ ،‬رغم ما يبدو فيها من ْاس ِت ْسالمٍ لِ َسطْ َو ِة‬ ‫وكان بني من دخَلوا فيه‪ .‬يقال إ ّن وفاته كانت يف أول‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫خالفة معاوية‪ ،‬ما يعني أنه مات وهو اب ُن مائة وخمسني ال َّز َمنِ وقَ ْه ِرهِ ‪ ،‬فَ ْخ ٌر بال َعيْش امل َديد الطويل‪ ،‬وهو فخر ُمبَطَّ ٌن‬ ‫كا ِم ٌن‪َ ،‬ع ِمل الشاعر عىل ث َ ْو ِريَ ِت ِه‪ ،‬بدليل بداية البيت األول‬ ‫سنة‪ ،‬كام جاء يف أكرث من مصدر قديم‪.‬‬ ‫من األبيات املختارة بالفعل « َغلَب»‪ ،‬وهو ما ييش بال ِعراك‪،‬‬ ‫وقد ذهبت بعض الروايات إىل أنه مل يقل يف اإلسالم إالّ‬ ‫بامل ُقارعة وامل ُواجهة‪ ،‬أو بوضع الحرب والقتال‪.‬‬ ‫بيتاً واحدا ً‪ُ ،‬م ْستَعيضاً عن الشِّ عر بالقرآنِ ‪ ،‬بدليل جوابه‬ ‫فالشاعر كان املنتصرِ َ الغالِ َب‪ ،‬وكان‪ ،‬يف تقدير نفسه‪ ،‬أنه ال‬ ‫لعمر بن الخطاب‪ ،‬حني طلب منه ان يُ ْن ِش َده شعرا ً‪« ،‬ما‬ ‫كنت َ‬ ‫يُ ْغلَب‪ ،‬وال يُ ْه َزم‪ ،‬مبا فيه من جسارة‪ ،‬و ُج ْرأة‪ .‬فام اكْتَشَ فَه يف‬ ‫ألقول شعرا ً بع َد إ ْذ علَّمني الله سورة البقرة وآل‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫الزمان من ا ْمت َداد واستطالة وأبَد و ُخلُود‪ ،‬نَبَّ َه ُه إىل أن ُع ُم َر‬ ‫عمران‪.‬‬ ‫اإلنسان‪ ،‬مهام ْاستَ َ‬ ‫طال‪ ،‬كام سيخلص إىل هذا كل الشُّ عراء‪،‬‬ ‫ما يف حيا ِة لبيد‪ ،‬عىل طُولِ َها‪ ،‬وما عاشَ ُه من أحداث‬ ‫وانقالب يف امل ُ ْعتَ َق َد ِ‬ ‫ات‪ ،‬ويف من زمن لبيد‪ ،‬ومن غري زمنه‪ ،‬فهو ناف ٌذ ُم ْنق ٍَض‪ ،‬وال يقبل‬ ‫ووقائع‪ ،‬وما شَ ِه َد ُه من انْ ِتقَا ٍل‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫االس ِتزادَة‪ .‬ما دفع متيم بن مقبل يف متَ ِّني ِه ال َعبَ ِثي! أن يرى يف‬ ‫ال ِقيَمِ ‪ ،‬وانتقال امل ُجتمع‪ ،‬من وضع القبيلة إىل وضع التَّ َو ُّحد‬ ‫ْ‬ ‫واالختالط‪ ،‬كان كافياً ليضع الشَّ ا ِع َر يف مواجهة ال َّز َمن‪ .‬فهو املوت إفْسادا ً لطيب العيش‪ ،‬أل ّن اإلنسان ليس َح َجرا ً‪ ،‬فهو‬ ‫«من ُعو ِده» يف مواجهة الزمن له « َو ٍ‬ ‫اف َمثْلُو ُم»‪.‬‬ ‫يف تأَ ُّملِه لِماَ جرى من حوله‪َ ،‬وضَ َع يَ َدهُ عىل َمكْر الزمان‬ ‫واستبداده بالبقاء والخُلود‪ ،‬دون اإلنسان‪ ،‬الذي هو‪ ،‬يف‬ ‫اعتبار الزمن وصريورته‪َ ،‬م ْحض ري ٍح عابر ٍة‪.‬‬ ‫ماء النص‬ ‫فمن صفات اإلنسان‪ ،‬يف مواجهة الزمان‪ ،‬ال ِبلىَ ‪ ،‬والضّ عف‪ ،‬يف اختيار البحرتي‪ ،‬يبدو الجانب املوضوعايت هو ُم َو ِّجه‬ ‫واالن ِْحدار‪ .‬ما يُ ْفضيِ ‪َ ،‬مهْماَ ط ََال عمر هذا اإلنسان‪ ،‬إىل‬ ‫ذهب إىل املعاين‪ ،‬تابعاً يف ذلك ما كان‬ ‫االختيار‪ ،‬فهو َ‬ ‫التاليش والهالك‪ .‬فأين هي األمم التي كانت قبل لبيد‬ ‫فعلَه قبله أستاذه أبومتام‪ .‬فاملوضوع أو املعنى هو أساس‬ ‫ِ‬ ‫وغريه ممن ُهم يف زمنه؟ أين إرم وعاد‪ ،‬وأين مثود؟‬ ‫االختيار‪ ،‬لكن البحرتي‪ ،‬رغم طابعه امل ُحافظ‪ ،‬قياساً بأيب‬ ‫ٍ‬ ‫بيت لِلَبِيد‪ ،‬سوى اعرت ٍ‬ ‫ليس السؤال يف ٍ‬ ‫وتأكيد متام‪َ ،‬ذ َه َب لِ ِش ْع ِريَ ِة ما ا ْختَا َرهُ من ٍ‬ ‫اف بال ِّنهاي ِة‪،‬‬ ‫أبيات‪ .‬والذين يعرفون‬ ‫لها من موقع إميانيٍِّ‪ ،‬ينسجم ما طبيعة الرؤية الدينية التي شعر البحرتي‪ ،‬يُدركون أنّه كان يَ ْحر ُِص عىل َسلاَ َس ِة لُ َغ ِت ِه‪،‬‬ ‫هو ِ‬ ‫داخ ٌل فيها‪.‬‬ ‫ور َهافَ ِتها‪ ،‬أي عىل ما يختاره من عبارت تَر ُِّق يف اللسان‪.‬‬ ‫تبدأالقصيد ُة بالتَّ ْسليمِ بالقَضاء‪« ،‬قُضيِ َ األُ ُمور وأُنْ ِج َز‬ ‫نفسه الذي نجده يف‬ ‫فالبُ ْعد‬ ‫الشفاهي يف شعره‪ ،‬هو ُ‬ ‫ّ‬ ‫امل ْو ُعودُ»‪ .‬فالتسليم سابق يف القصيدة عىل االستذكار‬ ‫مختاراته‪ .‬ويف األبيات التي اختارها‪َ ،‬حر َِص عىل «ما ِء» النص‬ ‫واالسرتجاع‪ ،‬واستعادة املايض‪ .‬فكأن لبيد‪ ،‬يف ما َذكَره عن‬ ‫وعىل ُس ُيولَ ِته و« َر َوائِ ِه»‪ ،‬بتعبري القدماء‪.‬‬ ‫نفسه‪ ،‬كان يكتب بعض سريته‪ ،‬باقتصاره فيها عىل ما كان ووضوح العبارة‪ ،‬يف أبيات لبيد‪ ،‬وقرب املعاين‪ ،‬ال ت َ ْبعي َد‬ ‫له من مزايا‪ ،‬وما َسيَترْ ُكُه يف ِذ َّمة غريه ممن سيلُونَه‪.‬‬ ‫وال «ت َ َق ُّع َر»‪ ،‬هي بني ما أكَّ َد عليه املرزوقي يف انتصاره لـ‬ ‫ِ‬ ‫فهو‪ ،‬يف لحظة ما‪ ،‬يَتَ َو َّج ُه بالخطاب البنته بُرسة‪ ،‬التي‬ ‫«عمود الشِّ عر»‪ ،‬الذي كان البحرتي مثَالَه‪ ،‬بعكس أيب متام‪،‬‬ ‫عنده‪،‬‬ ‫ناداها بصيغة الترَّ ْخيمِ «بُسرْ ُ »‪ ،‬للداللة عىل مكانتها‬ ‫ْ‬ ‫الذي «فارق» العمود‪ ،‬و «انْفَردَ» بـ « َمذ َه ٍب» يف الشعر‪،‬‬ ‫ل ُيثْب َِت لها براءة ِذ َّم ِته‪ ،‬ليس بإزائها‪ ،‬بل بإزاء الزمن الذي‬ ‫هو غري مذهب العرب‪ ،‬هذا ما سيجعل من اسرتاتيجيات‬ ‫استطال عليه‪ ،‬وبلغ به َ‬ ‫«أرذل العمر»‪ ،‬ال أردأَه‪ ،‬وفق‬ ‫اختيار البحرتي‪ ،‬مثاالً لِام يكت ُبه‪ ،‬ويقوله من ِش ْعرٍ‪ ،‬وهذا ما‬ ‫أصرْ َا ِرهِ عىل ر َجا َح ِة ُعو ِده وفكره‪.‬‬ ‫ميكن تَلَ ُّم ُسه يف قصيدة لبيد بن ربيعة هذه‪ ،‬فهي بقدر ما‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫فلبيد عاش كرمياً‪ ،‬عظيامً يف قومه‪ ،‬مل يُ َهن يف ع ْرضه‪ ،‬وال‬ ‫ت ُ َعبرِّ موضُ وعاً وفك َر ًة عن لبيد بن ربيعة‪ ،‬فهي تُعبرِّ ش ْعرِياً‬ ‫وفارسها‪ ،‬ما كان يكفي عن البحرتي‪ .‬لِ َسانَانِ يف ن ٍَّص ِ‬ ‫واحدٍ‬ ‫يف شجاعتة‪ ،‬ألنه كان شاع َر القبيلة َ‬ ‫الواح َد‪ ،‬يف زمنه ذاك‪ ،‬أن يكون «بريئاً من ال َه َنات َسعي ُد»‪.‬‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪145‬‬


‫ديوان النبط‬

‫أحمد الزرعوين‬ ‫محد معك‬ ‫شـ الـذي ربّـع أحاسيـــــسك ف كوين؟‬ ‫اسأل التفكري وش ســــ ّوى بـجفوين‬ ‫دام ودك تستـمر وح��دك بـدوين‬ ‫ج ّمد اسلوبـك أحاســيســي وشـجــوين‬ ‫شــاعـ ٍر والكـبت فـتّق لك سكـــونــي‬ ‫ت��دري ليش الناس ح��ويل وطوقون‬ ‫ألن مـا قـد شـفـت قــدر الخلق دوين‬ ‫رغـم هـذا الفـرق مـا ب ّدلـت لـونـــي‬ ‫مشـكلـتْك أ ْن حـبك لنــفسـك جنــوين‬ ‫كنت طريي ورصت بتفارق غصوين‬ ‫راح تذكر بسمـة شفاي و عيونـي‬ ‫وراح تلقــى ناس غيــرك يعــشقـوين‬

‫‪146‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫أســألـك بـالله شــ اللـــي ربّـــعــــك ؟‬ ‫مو مـهـم باليل جـرايل أقــنــعــــــك‬ ‫ابتعـد مســموح ‪ ..‬روح الله معـك‬ ‫مايل خلق أودع��ك أو أمـــنــعــــك‬ ‫يلـهـب احساسك ‪ ..‬ويصـدم مسمعك‬ ‫ونفـس ذوال النـاس فجـأه تقـاطعــك؟‬ ‫وانـت مـن نفسيـّـتــك مـا تبلـــــعــك‬ ‫أو أفـكــّـر مـن علــــ ّو أطـــالعـــــك‬ ‫تحسب ان الخلق رهــن إلصــبعك‬ ‫شفت عـمرك غـصـن مـ ّره يتبعـك ؟‬ ‫وراح تبكـي د ّم يجـــرح مدمـــعك‬ ‫وانت مستغرب بأن ‪ :‬مـــ ّحد معــك‬


‫سعيد بن طميشان‬ ‫علبه االلوان‬ ‫تغيرّ الوضْ ع ‪ ..‬ما هو ِمثل ما تْحيِده‬ ‫كنت أكتب اليل أريده و ا ْنشرِ ه ِسيده‬ ‫أوصل آخر أمل ‪ ..‬و ا ْسعى لـ تجديده‬ ‫كنت َ‬ ‫أكتب عن الحزن و ا ْنت تقول ‪ ( :‬ما ا ْريده )‬ ‫كنت البعيد و ح��دود آم��ايل بْعيده‬ ‫و الحني خَذت الفراق و خذين ب ْـ إيده‬ ‫ما يش م ِثل حظّنا تقهر مواعيده‬ ‫فضّ لتك بعيد دام الوصل ما يعيده‬ ‫يا اليل رسمتك بـ حلم أصبحت ما ا ْجيده‬ ‫تم البياض ال��ذي حاولت تسويده‬ ‫لكن من يع ْرف ٍمثلك غصب بـ يْزيده‬ ‫وش حبّب القلب فيك ؟ و يف يدك ‪ ..‬قيده !‬ ‫وش ط ّهرك و ا ْنت ذنبي ؟ غري تجريده ‪..‬‬ ‫وش ج ّملك لني صرِ ت أحيك بـ تنهيده ؟‬ ‫ألقى لْـ جاملك مكان يْجوز تفنيده‬ ‫ال تلومني لو قصيدي خف ترديده‬ ‫يحرجني الحزن ‪ ..‬كيف أقدر عىل كَيده ؟‬ ‫و الشا ِعر أقىص ا ْحتياجه ُملهم يفيده‬ ‫أدرِسك و البعض يدرسني بـ تقليده‬ ‫و ا ْن ع ّود الحال ‪ ..‬و الوضع اليل تحيده‬

‫غديت أخاف أكتب اليل م ْنه تِـقراين‬ ‫كنت أه��رِب ْم��ن التشتّت ي��وم ميالين‬ ‫و ا ْلقى مساحة ْ فرح يف زحمة ْ أحزاين‬ ‫و ا ْق��ول ‪ :‬هذا هو آخر بيت وجداين‬ ‫مو ِقن بـ فرقاك بس الشك يحداين‬ ‫ي��ا لـيته ل��ـ ويـن م��ا و ّداك وداّن��ـ��ي‬ ‫ق�� ّرب��ك م��ن داري و ال زل��ت وح��داين‬ ‫إال سبب واح��د و م��ا ل��ه سبب ثاين‬ ‫من قبل أل ّونك ضاعت علبة ْ ألواين‬ ‫عل و عىس عن طريق الحب ينهاين‬ ‫ْم��ـ��ن املـحبة و ال بيـكون متواين‬ ‫غري أنّك أط َهر من تقيّد بـ أشجاين ‪!..‬‬ ‫من كل اآلثام ‪ ..‬يا ا ْجمل ذنب غطّاين‬ ‫ىل م��ن ملست ال��ج�مال ال�لي ت��ب�لاّين !‬ ‫و ا ْن جيت أش ّبه عليه ‪ ..‬يجوز ما ا ْلقاين‬ ‫بعض الكتابات صعب تقال بـ لساين‬ ‫ك��ي��ف آت���ع��� ّداه دام����ه م��ا ت��ع�� ّداين‬ ‫وص��اين‬ ‫ي��ا خ�ير ُملهم ع�لى ا ْإلب����داع ّ‬ ‫يف وق��ت م��ا ع��اد ب��ه ت��دري��س م ّجاين‬ ‫بهـْـدا ‪ ..‬و بكـتب لك اليل م ْنه تقراين‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪147‬‬


‫ديوان النبط‬

‫هشام بن ابراهيم‬ ‫ثمان شهور‬ ‫ق��د يل مث��ان شهور وان��ا أح�تري بك‬ ‫شفني ع�لى ك�ثر ال��ت��ول��ـّ��ه غريبك‬ ‫ذقتك وال عي ّــا الغرام ايهذي بك‬ ‫مت�شي ع�لى ص��در ال���وداد وحبيبك‬ ‫وات��ذوب يف عوقي دوا وانتيش بك‬ ‫ق�لي اذا ض���اع ال��ه��وا م��ن يثيبك‬ ‫م��ا ي��س��أل اال م��ن ي���روح ويجيبك‬ ‫ح��ت��ى ال��ح��ن��اي��ا ت��ول��ه وت��خ��ت�لي بك‬ ‫ت��دري ع�لى ق��ل ال��وص��ل م��ا أسيبك‬ ‫تذكر من اول سالفه عن نصيبك‬ ‫واين مشيتك ل�ين جيت ابتديبك‬ ‫وان���ك ت��رش��ف��ت ال���غ���رام ولهيبك‬ ‫واين اح��ب��ك وان��ط��رك وانتخي بك‬ ‫مشتاق اضمك وانظرك واهتني بك‬ ‫حتى اذا ن��ام ال��ول��ه م��ن مغيبك‬ ‫يكفي مث��ان شهور وان��ا اح�تري بك‬

‫‪148‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫ال م��ل ش��وق��ي قلت ل��ه ب��اك��ر تهون‬ ‫أح��ن لك واش��ت��اق وان كنت مرهون‬ ‫يسامرك ليل الظام وي��ن م��ا اتكون‬ ‫وي��ح��ر ص���دري م��ن م�لام��اك وامت��ون‬ ‫فرعون شوقي لكن الشوف يل عون‬ ‫غري ان قلبي عايش الحب ويصون‬ ‫مي�شي وال تقوى الخطاوي وميشون‬ ‫قلبي ي��س��ول��ف وامل��ش��اع��ر يغنون‬ ‫طيفك ي���زاورين دف��ا وش��وق وشجون‬ ‫ش�لي جمع يف الحب ليىل ومجنون‬ ‫نبت لك عمري وص��ل ورد وغصون‬ ‫يف غيبتي م��ا ذق��ت ل���ذات لجفون‬ ‫قضيت عمري من قبل وصلك سجون‬ ‫وات��رك لك احضاين جفن دمع وعيون‬ ‫خله ي��ن��ام ولح ّــفه غيم وام���زون‬ ‫يهون شوقي لكن الشوف ما يهون‬


‫عبدالرحمن املرييس‬ ‫الـــحـــاجـــه‬ ‫فصلت جلباب‬ ‫من باب كتم الضيق ّ‬ ‫تجربين الحاجه عىل كتم االتعاب‬ ‫حتى لقصيدي عني ورموش واهداب‬ ‫شعري جروح وظاهر الصدر ترحاب‬ ‫مثل ال��ذي يخفي بياضه ليا شاب‬ ‫يا كرث ما عندي من وجوه واصحاب‬ ‫ٍ‬ ‫وصف أو معاذير واسباب‬ ‫من دون‬ ‫ويا كرث ما تلقى من الناس أحباب‬ ‫جيت اسالك لو رصت عاشق ومنصاب‬ ‫وشلون تنىس وداخلك جرح ما طاب‬ ‫الحزن عمره ما عرف طرقة الباب‬ ‫قريب جاب لك ضيق واتعاب‬ ‫كم من‬ ‫ٍ‬

‫واظ��ه��رت��ن��ي ل��ل��ن��اس ش��اع��ر ِ‬ ‫ب��ح�� ّرف��ه‬ ‫وك���ل ع�لى ال��ح��اج��ات واق���ف بصفّه‬ ‫ٍّ‬ ‫يخفي دم��وع ال��وق��ت ويغض طرفه‬ ‫ما ي��دروا ان الشعر مخنوق َح ّرفه‬ ‫ي��ظ��ه��ر ش��ب��اب��ه واب��ت��س��ام��ه بشفّه‬ ‫ك�ثرت وجيه وم��ا ٍ‬ ‫ح��د شفت عطفه‬ ‫صعب عىل الناس وصفه‬ ‫الجرح يب‬ ‫ٍ‬ ‫وأح�لى اللقا لو ج��اك يف ي��وم صدفه‬ ‫وال��ج��رح االول داخ��ل��ك زاد رجفه‬ ‫وال��وق��ت مي�ضي والعمر ض��اع نصفه‬ ‫وال��دم��ع مبطي م��ا ع��رف ي��وم رأف��ه‬ ‫غريب مد لك طيب كفّه‬ ‫وك��م من‬ ‫ٍ‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪149‬‬


‫ديوان النبط‬

‫طارق الشحي‬ ‫القشه اللي كاسره ظهر البعير‬ ‫مـا لـوم قلبـي يوم يعلـن عـن خطــر‬ ‫ما كـل صايـم عنـد أذانـه قــد فـطــر‬ ‫أفتيت يف صومي و فطري ع العطر‬ ‫مــدري تـغـلـي أو كـبــر واال بـطـــر‬ ‫االرض تطلـب م السمـا قطــرة مطـر‬ ‫من شهــر خمسـه الحال بعده منفطر‬ ‫إذا بـغيـت القول بختصـره بــشـطــر‬ ‫تقرى عىل كيفك سطر ‪ ..‬ترتك سطر‬

‫و يلومني من شاف حايل هو خطيـر‬ ‫من شهرخمسة الصوم ظني ما يصري‬ ‫من طـرف ثوبـه مسـك بناتـه عبيــر‬ ‫علـي ما ادري كيف حايل وين أسيـر‬ ‫ْ‬ ‫ماظن يـروى من ظمى حاله عسـري‬ ‫الهـــم حاكــم والوزى عنـده وزيـــر‬ ‫الحي مـا هـوحـي مـع موت الضميـر‬ ‫«هالقشة اليل كاســــرة ظهــر البعيــر»‬ ‫اختار القصائد‪ :‬محمد البريكي‬

‫الرسومات ‪ :‬الفنان اإلمارايت عبد الرحيم سامل‬ ‫‪150‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫أدب البدو‬

‫أدب البدو في كتابات الرحالة والمستشرقين‬

‫األلمان يشدون الرحال‬ ‫سعد العبد هللا الصويان‬

‫‪2‬‬

‫تنشر "بيت الشعر" في هذه المساحة الحلقة الثانية من أدب البدو في كتابات المستشرقين بعنوان‬ ‫" األلمان يشدون الرحال"‪ ،‬بعد أن نشرت في العدد السابق الحلقة األولى بعنوان "بدايات التدوين‬

‫الشفوي" وستنشر في األعداد القادمة الفصول الجديدة التي تتحدث حول موضوع البدو وأدبهم‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪151‬‬


‫أدب البدو‬

‫على‬

‫إثر أوغست والني يأيت قنصل بروسيا يف مكتبة جوتا مجموعة خطية من القصائد التي جلبها‬ ‫من رشق األردن‪ ،‬وخصوصا من منطقة السلط والبلقاء‬ ‫«أملانيا الغربية» يف دمشق يوهان‬ ‫حيث تلتقي البادية مع الحارضة ويرتعرع فن الشعر‪.‬‬ ‫جوتفريد فيتشتاين ‪Johann Gottfried Wetzstein‬‬ ‫وكان سيتزين يجيد التحدث بالعربية لكنه مل يكن متمكنا‬ ‫الذي جمع بعض املخطوطات الشعرية مبا فيها نصا‬ ‫من القراءة والكتابة بها لذا مل تكن تتوفر لديه الكفاءة‬ ‫نرثيا جمعه عام ‪١٨٦٠‬م ونرشه عام ‪١٨٦٨‬م تحت‬ ‫لنرش القصائد التي جمعها وال دراستها‪ .‬وقد اطلع الربت‬ ‫عنوان «مالمح لغوية من مضارب البادية السورية»‬ ‫سوسني ‪ Albert Socin‬عىل هذه املخطوطة وقال عنها‬ ‫‪Sprachliches aus den Zeltlagern der syrischen‬‬ ‫إنها كتبت بعدة خطوط وأنها سيئة جدا وال تتضمن أي‬ ‫‪ .Wuste‬يبدأ فيتشتاين مقالته بالحديث عن والني‬ ‫واإلشادة بجهوده مع إبداء بعض املالحظات عليها والتي قصائد من نجد‪ .‬كام يزعم سوسني الذي زار الشام وبالد‬ ‫الرافدين بأنه ال يوجد رواة جيدون يف مناطق البلقاء‬ ‫ميكن تلخصيها كام ييل‪:‬‬ ‫وحوران‪.‬‬ ‫ما نرشه والني ال ميثل إال جزءا ضئيال من املادة الشعرية‬ ‫املخطوطة التي ج ّمعها أثناء إقامته يف معان وتيام وحائل بعد هذه املقدمة يبدأ فيتشتاين بالحديث عن القطعة‬ ‫النرثية «السالفة» التي دونها يف مضارب قبيلة ولد عيل‬ ‫ودومة الجندل ومشهد عيل وعاد بها إىل أوروبا «ترى‬ ‫أين هذه املخطوطات؟»‪ .‬وكانت إقامة والني يف حائل بعد من عنزة ويف بيت عقيدهم صالح الطيار‪ ،‬حفيد كنعان‬ ‫الطيار‪ ،‬من عجوز رشاري كان يحل ويرحل مع هذه‬ ‫الحروب التي جرت بني حائل والقصيم والتي قيل فيها‬ ‫القبيلة منذ ثالثني عاما‪ .‬يروي فيتشتاين إنه يف أواخر‬ ‫قصائد كثرية جمع والني بعضا منها‪ .‬ويرى فيتشتاين أن‬ ‫صيف ‪١٨٦٠‬م جفت الغدران القريبة من دمشق بسبب‬ ‫تلك الفرتة التي استتب فيها األمر البن رشيد يف حائل‪،‬‬ ‫قلة نزول األمطار وتحولت يف نهاية سبتمرب إىل مراتع‬ ‫وخصوصا بعد انتصاراته عىل أهل القصيم «القصامن»‬ ‫خصبة‪ .‬وكانت تلك السنة سنة عجفاء بالنسبة للبادية‬ ‫التي ألهبت حامس الشعراء‪ ،‬ازدهر الشعر كثريا يف‬ ‫نفق فيها معظم حاللهم مام حدا بهم للقدوم من‬ ‫جبل طي وبشكل ليس له مثيل‪ .‬كام يؤكد أن النامذج‬ ‫بعيد وقريب إىل ذلك املوقع الذي امتأل يف شهر أكتوبر‬ ‫الشعرية التي نرشها والني ليست ذات قيمة فنية كبرية‬ ‫باملخيامت واملوايش من مختلف القبائل التي جاءت لرتتع‬ ‫ومن املشكوك فيه أنه كان يفهمها فهام جيدا‪ .‬ويرجح‬ ‫يف مراعيه‪ .‬وعىل الرغم من أن‬ ‫فيتشتاين أن عدم نرش والني‬ ‫تلك القبائل كانت يف نزاع مستمر‬ ‫للقصائد األخرى هو أنه جمعها‬ ‫مع بعضها البعض ولسنني طويلة‬ ‫عىل شكل مخطوطات عارية من‬ ‫والين‬ ‫إقامة‬ ‫كانت‬ ‫إال أنها اضطرت يف تلك السنة إىل‬ ‫الرشوح والتعليقات لذلك فهو ال‬ ‫التصالح والتعايش لتتمكن من‬ ‫يفهمها وال يستطيع التعامل معها‪.‬‬ ‫في حائل بعد الحروب‬ ‫الرعي يف أحواض تلك الغدران‬ ‫ومع ذلك يعرتف فيتشتاين لوالني‬ ‫التي جرت بين حائل‬ ‫التي تحولت إىل حقول خرضاء‬ ‫برشف الريادة ويقر بأن النامذج‬ ‫قيل‬ ‫والتي‬ ‫والقصيم‬ ‫«هذا يذكرنا بفيضة األديان‬ ‫التي نرشها هي أول معلومات‬ ‫فيها قصائد كثيرة جمع التي قطنت عليها قبائل شمر‬ ‫لغوية يتلقاها الغرب من الصحراء‬ ‫وعنزة والظفري وفيها متكن ماجد‬ ‫العربية‪ .‬إال أنه يشري إىل أن‬ ‫منها‬ ‫بعضا‬ ‫والين‬ ‫الحرثيب من األخذ بثأره من مفوز‬ ‫الدكتور بريتش ‪ W Pertsch‬أمني‬ ‫التجغيف»‪ .‬ويضيف فيتشتاين‬ ‫مكتبة جوتا ‪ Gotha‬ذكر له أن‬ ‫أن الفضول حدا به إىل الذهاب‬ ‫فون سيتزين ‪ von Seetzen‬أودع‬

‫‪152‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


‫هناك ملشاهدة ذلك التجمع القبيل الضخم الذي شكل‬ ‫مشهدا عجيبا ملفتا للنظر ومثريا للدهشة‪ .‬ويف الثامن‬ ‫والعرشين من أكتوبر خرج من دمشق إىل ح ّران ويف‬ ‫التاسع والعرشين منه نزل ضيفا عىل صالح الطيار يف‬ ‫خيمته‪ ،‬حيث كان أوالد عيل ضاربني خيامهم يف بحرية‬ ‫عتيبة «اسم املكان وليس القبيلة املعروفة»‪ .‬وهناك‬ ‫التقى بالشيخ الرشاري الذي دون منه السالفة إضافة إىل‬ ‫سوالف وقصائد أخرى منها قصيدة كنعان الطيار وقصة‬ ‫عشقه لبنت ابن طواله‪ .‬ويقول فيتشتاين إن شيخة أوالد‬ ‫عيل يف بيت ابن سمري بينام تحتفظ عائلة الطيار مبركز‬ ‫ال ْعـقاده‪ ،‬أي قيادة القبيلة يف الحروب‪ .‬كام يضيف أن‬ ‫قبيلة الرشارات آنذاك تنترش من تبوك إىل الجوف‪ .‬لكن‬ ‫جدب منطقتهم ال تسمح لهم بحياة رغيدة لذا يضطر‬ ‫الكثري من رجالهم إىل ترك منطقتهم وقبيلتهم للعيش مع‬ ‫قبائل عنزة والبلقاء وحوران الذين يقدرونهم ويحرتمونهم‬ ‫لشجاعتهم ومهارتهم يف استخدام السالح وإجادتهم‬ ‫الشعر والسوالف‪ ،‬أي رسد الحكايات والقصص‪ .‬كام‬

‫يتميزون بخفة الروح والظرف وطيب املعرش يف السفر‪.‬‬ ‫ينرش فيتشتاين السالفة التي تقع يف سبعة عرش صفحة‬ ‫مكتوبة باألبجدية العربية ويتبع ذلك برتجمة أملانية‬ ‫وتعليقات لغوية وإثنولوجية لكنه ال يكتبها باألبجدية‬ ‫الصوتية‪.‬‬ ‫والسالفة التي دونها فيتشتاين من الرشاري ليست‬ ‫قصة واقعية‪ .‬لكن لغتها بدوية كام أنها مليئة بالعبارات‬ ‫الجميلة والصور الشاعرية التي تعكس حياة البدو‬ ‫وذوقهم‪ .‬ملخص السالفة أن شمريا وخالديا جار عليهام‬ ‫الزمان وتنكر لهام األهل واألصحاب مام اضطرهام إىل‬ ‫الجالء عن قبيلته‪ .‬وحينام ذهب الخالدي يرتاد مكانا‬ ‫ألهله تقابل يف أحد الرياض املعشبة مع الشمري الذي‬ ‫كان هناك لنفس الغرض‪ .‬وبعد أن عرف كل منهام مأساة‬ ‫اآلخر اتفقا عىل الجوار والنزول معا يف تلك الروضة‬ ‫الخصبة‪ .‬ومل يكن للشمري من األوالد إال بنتا اسمها‬ ‫حمدة أما الخالدي فله ابن واحد اسمه هباس‪ .‬ولرغبة‬ ‫الخالدي يف مجاورة الشمري كذب عليه وقال له إنه مثله‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪153‬‬


‫أدب البدو‬

‫ليس له إال بنتا اسمها حمدة أيضا‪ ،‬ألنه خاف لو علِـم‬ ‫الشمري بأن عنده ولدا ملا قبل مجاورته خوفا عىل بنته‪.‬‬ ‫وأمر الخالدي ابنه هباس أن يتزيا بزي البنات ويترصف‬ ‫مع حمدة كام لو كان فتاة مثلها‪ .‬لكن الحقيقة دوما‬ ‫ال بد وأن تظهر‪ .‬فقد صادف ذات يوم أن أغار قوم من‬ ‫الغزاة عىل إبل الشمري والخالدي ونهبوها‪ .‬وملا عجز‬ ‫األبوان عن اسرتداد اإلبل اضطر هباس إىل أن يأخذ سالحه‬ ‫ويركب الفرس ويسرتد اإلبل‪ .‬وملا علم الشمري بحقيقة‬ ‫األمر غاضب جاره الخالدي ورحل عنه‪ .‬لكن الحب كان‬ ‫قد متكن من قلب حمدة وهباس وصار كل منهام يحن‬ ‫إىل اآلخر ويتحرق لرؤياه‪ .‬وبعد مغامرات عديدة ومعاناة‬ ‫طويله تتحقق اآلمال ويلتئم الشمل ويقرتن هباس‬ ‫بحمدة‪.‬‬ ‫ويف العقد الثامن من القرن التاسع عرش كان الربت‬ ‫سوسني ‪ Albert Socin‬يتجول يف الشام وبالد الرافدين‬ ‫ويقوم بجمع الشعر من البلقا وحوران ودمشق وحلب‬ ‫وبغداد وسوق الشيوخ‪ ،‬وحتى من ماردين عىل الحدود‬ ‫السورية الرتكية‪ .‬ونرش حصيلته الضخمة عام ‪1900‬م‬ ‫والتي هي مبثابة أول ديوان يطبع يف الشعر النبطي‬ ‫مع ترجامت ودراسات لغوية واثنولوجية مفصلة ويقع‬ ‫الكتاب يف حوايل مثامنائة صفحة ويتضمن مائة وإثنا عرش‬ ‫قصيدة‪ .‬قابل سوسني يف طريقه من دمشق إىل بغداد‬ ‫حملة من تجار العقيالت الذين أرشدوه يف بغداد إىل‬ ‫مهاجر من أهايل بريدة اسمه محمد ويلقب باألفندي‬ ‫ألنه يجيد القراءة والكتابة‪ .‬وأمىل محمد عىل سوسني‬ ‫الكثري من القصائد التي كان يحفظها عن ظهر قلب‪.‬‬ ‫وقابل سوسني شخصا من مدينة عنيزة اسمه مسفر كتب‬ ‫عنه بعض القصائد لكن روايته مل تكن بجودة رواية‬ ‫محمد‪ .‬ومحمد الحساوي من األحساء هو الراوية الثالث‬ ‫الذي قابله سوسني يف سوق الشيوخ ووصفه بالغباء‬ ‫وعدم الفهم لكنه اكتتب منه بعض القصائد واشرتى‬ ‫منه ديوانا مخطوطا يحتوي عىل الكثري من القصائد‪ .‬ويف‬ ‫ماردين جمع سوسني بعض النصوص الركيكة من فالح‬ ‫قال له إنه من قبيلة طي‪ .‬ويقول سوسني إنه رأى الكثري‬ ‫من مخطوطات الشعر النبطي‪ ،‬من ضمنها ديوان منر بن‬

‫‪154‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫ألويس موسيل‬

‫عدوان‪.‬‬ ‫يف عام ‪1908‬م بدأ أالويس موزيل ‪ Alois Musil‬رحالته‬ ‫االستكشافية يف شامل الجزيرة العربية‪ .‬وأمىض بعض‬ ‫الوقت يحل ويرحل مع قبيلة الرولة تحت حامية الشيخ‬ ‫نوري بن شعالن وتسمى باسم موىس الروييل‪ .‬وموزيل‬ ‫تشيكوسلوفايك األصل شغل منصب أستاذ الدراسات‬ ‫الرشقية يف جامعة تشارلز يف براغ‪ .‬ونرش نتائج أبحاثه‬ ‫يف سلسلة من الكتب باللغة األملانية التي ترجمت فيام‬ ‫بعد إىل اإلنجليزية‪ ،‬ومن أهمها كتابه عن قبيلة الرولة‬ ‫الذي نرش باإلنجليزية عام ‪1928‬م‪ .‬ويحتوي هذا الكتاب‬ ‫عىل كم وافر من السوالف والقصائد واألحديات ويزخر‬ ‫باملعلومات الرثية عن حياة البدو‪ .‬ومن الذين استعان‬ ‫بهم موزيل يف الحصول عىل مادة كتابه الشيخ النوري‬ ‫بن شعالن وكاتبه جواد ابو عيل العاين وعبده حامر ابو‬ ‫عواد وكذلك عوده ابو بركان الكويكبي ومنديل القطعي‬ ‫ومحمد القضيب وعبدالله املطرود وكلهم من الرولة‪،‬‬ ‫باإلضافة إىل بليهان بن ابراهيم بن داغر بن رضي بن‬ ‫مرصب من القمصة من السبعة‪( .‬ومنديل القطعي الذي‬


‫ذكره موزيل يرد إسمه يف السوالف التي جمعتها أنا من‬ ‫واثنوغرافية وأدبية ومعلومات أخرى تلقي بعض الضوء‬ ‫رواة شمر خالل الفرتة ‪1405-1403‬هـ)‪ .‬واآلن أصبح‬ ‫عىل حياة البادية‪ .‬استقى هس مادته مشافهة من اثنني‬ ‫كتاب الرولة متاحا لقراء العربية بفضل الرتجمة التي‬ ‫من البدو الذين التقى بهام يف القاهرة أحدهام عتيبي‬ ‫من‬ ‫أعدها الدكتوران محمد السديس وعبدالله الزيدان‬ ‫اسمه موهق بن عايض بن عجاج الغنامي واآلخر قحطاين‬ ‫جامعة امللك سعود‪ .‬ورغم نفاسة هذا العمل فإنه ال يخلو اسمه مسفر‪ .‬وميتدح هس موهق ويشيد بفصاحته‬ ‫من بعض الهنات التي نبه لها املرتجامن يف تعليقاتهام‬ ‫وبراعته يف الرسد والرواية وقدرته عىل توصيل املعلومات‬ ‫عىل الرتجمة‪.‬‬ ‫وتفسريها‪ ،‬ويقول إنه أمىض معه قرابة خمس سنوات يف‬ ‫ومنذ بداية القرن العرشين استحوذت قبيلة الرولة‬ ‫القاهرة تعلم منه خاللها كل ما يعرفه عن لهجة عتيبة‬ ‫مطولة‬ ‫عىل اهتامم الرحالة األجانب فكتبوا عنها كتبا‬ ‫وعاداتها وتقاليدها‪ .‬عمل موهق مع محمد البسام‪ ،‬الذي‬ ‫ومفصلة منها باإلضافة إىل كتاب موزيل كتاب نرشه كارل يعد من أكرب تجار عقيل‪ ،‬يف جلب اإلبل إىل مرص والشام‪.‬‬ ‫رسوان ‪ Carl Raswan‬سنة ‪1935‬م تحت عنوان ‪The‬‬ ‫وخالل عمله مع ابن بسام تردد موهق عىل القاهرة‬ ‫‪ Black Tents of Arabia‬وهو مزود بالصور املعربة‬ ‫وعرفها جيدا‪ .‬وخالل الحرب العاملية األوىل عمل جنديا‬ ‫منها صورة للشيخ النوري ابن شعالن وحفيده فواز بن‬ ‫يف جيش الرشيف حسني‪ .‬وبعد فتح الحجاز واشتداد‬ ‫نواف وصور أخرى عن حياة الرولة يف حلهم وترحالهم‬ ‫وطأة اإلخوان فضل موهق االنتقال إىل مرص عام ‪1930‬م‬ ‫ويف حاالت السلم والحرب‪ .‬ويف عام ‪1981‬م نرش ويليام‬ ‫واإلقامة هناك حيث عمل خفريا يف عزبة عزيز عزة باشا‪.‬‬ ‫النكاسرت ‪ William Lancaster‬كتابا بعنوان ‪ The Rwala‬ومن املؤسف أن القصائد القليلة التي يتضمنها كتاب‬ ‫‪ Bedouin Today‬وهو دراسة أنرثوبولوجية لقبيلة الرولة هس ترد بالرتجمة األملانية دون األصل العريب‪.‬‬ ‫وما طرأ عليها من تغريات يف وقتنا الحارض‪.‬‬ ‫ومن النامذج الضعيفة فنيا تلك السوالف والقصائد‬ ‫‪J.‬‬ ���‪J.‬‬ ‫‪Hess‬‬ ‫هس‬ ‫ويف عام ‪1938‬م نرش املسترشق األملاين ج‬ ‫التي جمعها هـ‪ .‬هـ‪ .‬سبور ‪ H. H. Spoer‬مع زميله‬ ‫كتيبا يحتوي عىل حكايات وقصائد وعادات وتقاليد البدو إلياس نرصالله حداد من جنوب فلسطني ورشق األردن‬ ‫يف قلب الجزيرة العربية‪ .‬يحتوي الكتاب عىل مواد لغوية واملنسوبة عىل حد قولهام لنمر بن عدوان‪ .‬وتساؤلنا‬ ‫حول القيمة الفنية لهذه النامذج ال يضري الباحث يف‬ ‫يشء‪ .‬والقيمة الفنية عىل كل حال ليست هي التي تحدد‬ ‫القيمة العلمية للامدة وال أهمية النتائج التي تتمخض‬ ‫عن دراستها ألن األساس الذي تقوم عليه فلسفة العلم‬ ‫في العقد الثامن من القرن‬ ‫هو أن أي يشء وكل يشء قابل للدراسة‪ ،‬والهدف األسايس‬ ‫التاسع عشر تج ّول سوسين‬ ‫الذي يرمي إليه سبور وحداد هو هدف لغوي قبل أن‬ ‫يكون هدفا أدبيا أو فنيا‪ ،‬والنتائج التي توصال إليها يف‬ ‫في الشام وبالد الرافدين‬ ‫هذا الصدد مهمة جدا‪ .‬أما من حيث الدراسات األدبية‬ ‫وجمع الشعر ونشر حصيلته‬ ‫املقارنة فإن املادة التي جمعها هذان الباحثان تفيدنا يف‬ ‫عام ‪١٩٠٠‬م و هي بمثابة أول‬ ‫رصد التحوالت التي تطرأ عىل السوالف والقصائد شكال‬ ‫ومضمونا حينام تهاجر من موطنها األصيل إىل بيئة غريبة‬ ‫ديوان في الشعر النبطي‬ ‫عنها لغويا وثقافيا واألسباب التي تساهم يف تحول هذا‬ ‫األدب من مادة تاريخية إىل مادة أسطورية‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪155‬‬


‫الشعر الشعبي‬

‫الشعر «الملحون» في الجزائر‬

‫تراث روحي ووطني‬

‫لطالما اختصر ال ّدارسون موسيقى «الرّ اي» الجزائرية‪ ،‬في ﺃسماء نجومها‪ ،‬أمثال فضيلة‪ ،‬صحراوي‪ ،‬مامي‪،‬‬

‫والشاب خالد‪ ،‬وتناسوا ﺃصولها‪ ،‬وبداياتها‪ ،‬التي ّ‬ ‫وقعتها مجموعة من الشعراء المحليين‪ ،‬يطلق عليهم ﺇسم‬ ‫«شعراء الملحون»‬

‫عام‬

‫سعيد خطيبي‬

‫‪ ،1982‬برز‪ ،‬ألول م ّرة‪ ،‬نجم الشاب‬ ‫مامي»‪ ،»1966‬بأداء اغنية «املرسم»‪،‬‬ ‫املستوحاة من قصيدة مط ّولة‪ ،‬كتبها الشاعر «امليلود»‬ ‫عام ‪ ،1928‬جاء يف مطلعها‪« :‬يا ذا املـَرسـَ ْم عـِيد يل ما‬ ‫ْ‬ ‫بحديث‬ ‫كان ‪ِ ..‬ويـن املَر ْو اَلل ّـي ق ْـبيل اهْ نا ‪ /‬ناديتـَك ْ‬ ‫لـَفظ الل ِّـ ْ‬ ‫سان ‪ ..‬بك ّـ ُـوش أبكم ما ت ْـواجب ْـنا ‪ /‬يا ذا‬ ‫املرسم زدت يل تـَ ْ‬ ‫شطان ‪ ..‬فيك أنا والـ ِّريم ج َّمع ْـنا‪/ ‬‬ ‫من عهدك ما ريتـ ْـها بـَع ْـ ْ‬ ‫يان‪ ..‬حـَ ْجروا ميينة الحبنانة ‪/‬‬ ‫ناس أختي وال ْوا يل ع ْ‬ ‫َديان ‪ُ ..‬و ْعىل تاج الغـِيد كـ ْرهونا‬ ‫‪ /‬ما نـَعشق من دون ْـها نسوان ‪..‬غري كان اَنا عرشت‬ ‫الجب ّـانة»‪.‬‬ ‫هي قصيدة تجمع بني الغزل ورثاء الحال‪ ،‬لحنها وغ ّناها‬ ‫بالوي الهواري «‪ ،»1926‬وﺃدرجها الشاب خالد يف ﺃلبومه‬ ‫ما قبل االخري «ليربيت_ ‪.»2009‬‬ ‫مل تكن موسيقى ال ّراي‪ ،‬يف صبغتها الحديثة‪ ،‬التي برزت‬ ‫مطلع السبعينيات «خصوصا مع املغنني قاسم بوثلجة‬

‫‪156‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫وبوطيبة الصغري»‪ ،‬تعتمد يف بداياتها عىل فئة كتّاب‬ ‫الكلامت‪ ،‬وظلّت‪ ،‬حوايل عرشين سنة‪ ،‬تستعيد ﺇرث شعراء‬ ‫امللحون‪ ،‬الذين عانوا طويال من التّهميش‪ ،‬واالهامل من‬ ‫طرف الجهات الراعية للفعل الثقايف يف البالد‪ ،‬باعتبار‬ ‫شعرهم شعرا هجينا‪.‬‬ ‫يشري الباحث مصطفى بوتفنوشت ﺇىل ﺃن السنوات االوىل‬ ‫من االستقالل «‪ »1962‬عرفت عودة قوية للمكونات‬ ‫الثقافية الشعبية يف الجزائر‪ ،‬التي اصطدمت برسعة‬ ‫بتعنت وعدم مباالة السلطة الرسمية‪ ،‬التي سعت اىل‬ ‫تهميش املوروث الشفوي إجامال‪ ،‬والشعر «امللحون»‬ ‫خصوصا‪ ،‬وتكريس اآلداب املكتوبة بالعربية الفصحى‪.‬‬ ‫وانتظر الشعر «امللحون»‪ ،‬حوايل ثالثني سنة «اىل غاية‬ ‫بداية التسعينيات»‪ ،‬ليجد موطئ قدم له بني األوساط‬ ‫األكادميية واإلعالمية‪ ،‬ويعاد تصنيفه يف الخانة نفسها‪،‬‬ ‫جنبا اىل جنب مع الشعر الفصيح‪.‬‬ ‫يف السبعينيات والثامنينيات‪ ،‬ويف ظل سياسة «تعريب»‬


‫الجزائر‪ ،‬التي بدﺃها الرئيس هواري بومدين وواصلها‬ ‫الرئيس الشاذيل بن جديد‪ ،‬كان بعض الباحثيني‬ ‫األكادمييني يصف الشعر «امللحون» بالشعر‬ ‫االرتجايل واملفتقد لوعي الكتابة‪ .‬وكان‬ ‫الكتّاب يبدون حالة عدم استلطاف‬ ‫لهذا النوع الشعري‪ ،‬كام نالحظه مثال‬ ‫يف مقدمة كتاب «الشعر امللحون يف‬ ‫الجزائر‪ ،‬ﺇيقاعه وبحوره وﺃشكاله» ‪/‬‬ ‫احمد الطاهر‪ ،‬الجزائر ‪ .1975‬حيث‬ ‫نقرﺃ‪« :‬لست من محبذي ترقية اللهجات‬ ‫العربية العامية اىل مستوى لغات وطنية‬ ‫متعددة للبالد» ويضيف املؤلف‪« :‬اللّهجات العربيّة‬ ‫املحليّة يف الجزائر ميكن ﺃن تعترب كاملحكوم عليها باإلعدام‬ ‫يف حالة وقف التنفيذ»‪ .‬حالة االعدام التي عبرّ عنها‬ ‫املتحدث مل تزد ﺃنصار ومحبي الشعر «امللحون» سوى‬ ‫اإلرصار عىل مواصلة الطريق‪ ،‬والتأكيد عىل حضورهم‪،‬‬ ‫واملساهمة الحقا يف وضع بعض ﺃساسات تجربة «الراي»‪.‬‬ ‫أهم النقاط املشرتكة بني شعراء «امللحون» ومغني الراي‪،‬‬ ‫تتمثل يف الصفات الحياتية‪ ،‬باعتبارهم إجامال أبناء أوساط‬ ‫اجتامعية جد بسيطة‪ ،‬إضافة اىل انتامئهم اىل الرقعة‬ ‫الجغرافية الواحدة‪ ،‬وهي الغرب الجزائري‪ ،‬ذو اللهجة‬ ‫املشرتكة‪ ،‬حيث يستبدل الناس هناك حرف القاف بحرف‬ ‫«ڤ»‪ ،‬مع تضمني كالمهم اقتباسات من اللغتني الفرنسية‬ ‫واالسبانية‪.‬‬ ‫تعترب كثري من املصادر التاريخية سيدي لخرض بخلوف‪،‬‬

‫السنوات االولى من االستقالل‬ ‫عرفت عودة قوية للمكونات‬ ‫الثقافية الشعبية في الجزائر‪،‬‬ ‫اصطدمت بتعنت وعدم مباالة‬ ‫السلطة الرسمية‬

‫الذي عاش خالل القرن السادس عرش‪ ،‬بالقرب‬ ‫من مدينة مستغانم الساحلية‪ ،‬مؤسس الشعر‬ ‫«امللحون» يف الجزائر‪ .‬عاش بخلوف حياة متقلبة‪،‬‬ ‫تيه وصعلكة سنوات الشباب‪ ،‬قبل أن يغري‬ ‫مساره اىل التصوف وكتابة أشعار يف مديح‬ ‫الرسول صىل الله عليه وسلم‪ ،‬ويصري يف النهاية‬ ‫وليا صالحا يزور مقامه املريدون كل عام‪.‬‬ ‫عرفت عليه البطولة‪ ،‬والروح النضالية‪ ،‬خصوصا‬ ‫بعد مشاركته يف معركة مازغران الشهرية‪ ،‬ضمن‬ ‫االسطول العثامين‪ ،‬يف مواجهة اإلسبان‪ ،‬عام ‪،1558‬‬ ‫وهي معركة خلدها يف قصيدة مط ّولة‪ ،‬تضمنت تفاصيل‬ ‫ما جرى‪ .‬اىل جانب بخلوف‪ ،‬يعترب مصطفى بن براهيم‬ ‫«‪ ،»1867-1800‬من فحول الشعر «امللحون» باملغرب‬ ‫العريب إجامال‪ ،‬حيث اشتهر بقصائد حامسية‪ ،‬اقتبس منها‬ ‫الشاب خالد قصيدة «يامنة» التي نظمها الشاعر يف حب‬ ‫عشيقته التي تحمل االسم نفسه‪ ،‬وجاء فيها‪« :‬هذا اليوم‬

‫سعيد مبارك ‪ /‬فيه وافيتك يا يامنة ‪ /‬يا تاج الخودات‬ ‫ﺃخبارك ‪ /‬املرض اليل بيك هلكنا‪ /‬مايل طاقة عليك‬ ‫نشوفك ‪ /‬ونسقيس يف الناس خيالة»‪.‬‬

‫واقتبس منه الراحل احمد وهبي «‪ »1993-1921‬قصيدة‬ ‫«طويل الرقبة» التي يقول فيها‪« :‬يا طويل الرقبة فيك‬ ‫ريت العجب ‪ /‬محاينك صعيبة واثرت يف العرب»‪ .‬شيخ‬ ‫آخر ترك بصمته عىل أغنية الراي هو عبد القادر الخالدي‬ ‫«‪ »1964-1896‬الذي اشتهر بقصائده الغزلية‪ ،‬وعالقته‬ ‫الرسية مع محبوبته «بختة» التي كتب فيها ما اليقل‬ ‫عن خمسني قصيدة مختلفة‪ ،‬شكّلت إحداها واحدة من‬ ‫نجاحات الشاب خالد‪.‬‬ ‫إضافة اىل األسامء سابقة الذكر‪ ،‬شعراء ﺁخرون تركوا‬ ‫ﺃثرا يف ﺃغنية الراي‪ ،‬منهم الشيخ الجياليل عني تادلس‪،‬‬ ‫الهاشمي بسمري‪ ،‬صاحب قصيدة «يب ضاق املور»‪ ،‬بن‬ ‫مسايب‪ ،‬صاحب القصيدة الشهرية «يالوشام» وهواري‬ ‫هناين صاحب قصيدة «ﺃصحاب البارود»‪ ،‬التي كتبها ردا‬ ‫عىل احتفال فرنسا مبرور مائة عام من احتالل الجزائر‬ ‫«‪ ،»1930‬وغناها عدد من نجوم الراي‪ ،‬مثل الشاب خالد‬ ‫والزهوانية‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪157‬‬


‫شعر وفلك‬

‫أحمد رامي‬

‫قـراءة فلكية‬ ‫ً‬ ‫اسيرا لحب امرأة واحدة ‪ ،‬سرقت قلبه‬ ‫يفسر لنا علم الفلك شفافية رامي ورقة مشاعره التي اوقعته‬ ‫وارتهنت مشاعره‪ ،‬وجعلته يكتب فيها ولها عصارة فكره وحشاشة قلبه ووجدانه‪ ،‬ومن اجل تلك المرأة‬ ‫رهن حياته وابداعه‪ ،‬والرضائها تنازل حتى عن الشعر لصالح األغنية‬

‫ياسين الزبيدي‬

‫حمل‬

‫عام ‪ 1892‬والدة ثالثة من عاملقة‬ ‫املوسيقى والشعر‪ ،‬ففي هذا العام ولد‬ ‫امللحن وعازف العود محمد القصبجي‪ ،‬الذي تتلمذ عىل‬ ‫يديه محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي‪ ،‬كام شهد‬ ‫العام نفسه والدة سيد درويش باعث النهضة املوسيقية‬ ‫يف مرص وملحن نشيدها الوطني يف بدايات القرن املايض‪.‬‬ ‫بيد اننا لن نسري مع هوى التلحني والعزف‪ ،‬بل مع وقع‬ ‫الشعر وزجليات االغنية‪ ،‬سنذهب اىل حي السيدة زينب‬ ‫حيث ابرص النور الشاعر احمد رامي‪ ،‬وذلك من اجل‬ ‫تزويد الحاسوب بزمان ومكان الوالدة لتتكفل خوارزمياته‬ ‫وبرمجياته الحديثة من رسم مالمح خارطة ميالد الشاعر‬ ‫أحمد رامي‪.‬‬ ‫خارطة امليالد هي رسم توضيحي دقيق لقبة السامء يف‬ ‫لحظة الوالدة‪ ،‬ت ُـنشئها عمليات حاسوبية دقيقة‪ ،‬من‬ ‫اجل ان تخربنا عن مواقع كواكب املجموعة الشمسية‬ ‫يف املكان والزمان املحددين‪ ،‬حيث ان ملواقع الكواكب‬ ‫هذه اهمية كبرية يف علم الفلك الحديث يف جانبه‬ ‫النفيس‪،‬كونها ترشح الزوايا الناشئة بني الكواكب والجانب‬ ‫الخفي من االنسان‪ ،‬وتطلعنا عىل الكثري من تفاصيله‬ ‫الفكرية والعاطفية التي قد يرتدد صاحبها عن الترصيح‬ ‫بها اوالحديث عنها‪.‬‬ ‫اذا سألنا كواكب رامي عنه‪ ،‬وطلبنا منها ان ترصح عن‬ ‫ٍ‬ ‫بعض من جوانبه البعيده‪ ،‬عن محبيه وجمهوره‪ ،‬سنجد‬ ‫‪158‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫ان للشمس التأثري االكرب يف خارطة امليالد‪ ،‬والوزن االكرب‬ ‫فيزيائيا فهي اكرب من االرض مبليون مره‪ .‬تخربنا الشمس‬ ‫ان رامي من مواليد برج االسد‪ ،‬ففي التاسع من اغسطس‬ ‫عام ‪ 1892‬حل رامي ضيفا عىل كوكب االرض‪ ،‬ومواليد‬ ‫هذه الفرتة من السنة ميتازون بالخلق الكريم وبدفئ‬ ‫املشاعر وذلك ما يجعل صحبتهم طيبة ورفقتهم مؤنسة‪.‬‬ ‫كام ميتاز موليد برج االسد بقلوبهم الكبرية‪ ،‬فعندما‬ ‫يحبون فانهم يحبون بعمق‪ ،‬وعندما يكرهون يترصفون‬ ‫بنبل وشهامة حتى مع من اساء اليهم اوآذاهم‪ ،‬اال ان‬


‫فكر رامي يف ابتكار لغة جديدة تستطيع ان ترفع ذوق‬ ‫هناك خوفا فطريا يف دواخلهم‪ .‬خوف عىل مشاعرهم‬ ‫مستوى راقٍ يتحسس فيه مشاعر الحب‬ ‫واحاسيسهم من ان متس‪ ،‬فاكرث ما يخشونه هو ان يُرفضوا املستمع اىل‬ ‫ً‬ ‫النبيلة‪ ،‬ويف تعاونه مع ام كلثوم استطاع ان يربهن ان‬ ‫من قـِبل من يحبون‪ .‬اما يف امور العائلة والبيت فانهم‬ ‫يسعون ا��ل تقديم افضل ما لديهم اىل زوجاتهم وابنائهم اللغة الوسطية التي كتب بها نجحت يف ان تجمع عىل‬ ‫‪ .‬ورامي كان نبيال و راقيا يف كل تعامالته‪ ،‬يف خارج البيت حبها علية القوم ومثقفيهم متاما مثلام اطربت الفالح‬ ‫واملصنعي‪ ،‬وقد كتب الم كلثوم حوايل نصف ما غنته من‬ ‫وداخله حتى ان ابنه توحيد يقول بان والده اعطى‬ ‫اشعار يف حني تقاسم ‪ 52‬شاعرا كتابة اغنياتها االخرى‪،‬‬ ‫لعائلته من الرعاية والحب مثلام اعطى فنه وجمهوره‪،‬‬ ‫وكان رس امتالكة لحصة االسد مام غنته ام كلثوم هو‬ ‫وانه كان االب الحاين والصديق املقرب‪ ،‬ومل يجرب ابناءه‬ ‫حتى عىل ما يظنه انه خري ملستقبلهم‪ ،‬فلم يقل يف حياته قدرته التحليلية يف دراسة ما يكتب‪ ،‬فقد استطاع ان‬ ‫يركز يف كل اغنية كتبها عىل جانب انساين معني وحالة‬ ‫لواحد من منهم ‪»:‬تعال يا ولد ادرس»‪.‬‬ ‫عاطفية تختلف عام سواها ‪ ،‬لذلك نجح نجاحا باهرا يف‬ ‫حل املعالة الصعبة يف اخضاع القصيدة اىل تنوع املوضوع‬ ‫املعادلة الصعبة‬ ‫والغرضية يف الكتابة‪ .‬كام ان صفة التحليل املتأتية من‬ ‫كيف ميكن للشعر ان يخضع لسطان العقل واملنطق‪،‬‬ ‫موقع عطارد‪ ،‬خدمته يف بعثته اىل فرنسا فعندما درس‬ ‫وهل بستطاعة الشاعر ان يتحكم يف سيل وجدانه؟ تلك‬ ‫اللغات الرشقية وتخصص يف اللغة الفارسية‪ ،‬راح ينقب‬ ‫هي املعادلة الصعبة التي اظهرها موقع كوكب عطارد‬ ‫يف خارطة ميالد رامي‪ .‬فقد تواجد عطارد يف برج العذراء عن اثار عمر الخيام بعد ان قرأ ترجمتها باللغة االنكليزية‬ ‫ومل تقنعه‪ ،‬فقرر ان يقوم بنفسه مبهمة البحث عن ما‬ ‫الرتايب‪ ،‬برج العقل واملنطق والتحليل العلمي‪ ،‬لذا فان‬ ‫تركه الخيام‪ ،‬ومن بني حوايل الف مقطوعة شعرية اختار‬ ‫اسلوب تفكري رامي هو اسلوب علمي حتى عندما‬ ‫يتعامل مع لغة الشعر لغة الروح والوجدان‪ ،‬فعندما قرر فقط ‪ 175‬رباعية‪ ،‬اختارها بعقله وتحليله لنفسية‬ ‫الشاعر مثلام اختارها بحسه الفني‪ ،‬حتى انه شعر بتامزج‬ ‫الولوج اىل عامل االغنية يف العرشينيات من القرن املايض‪،‬‬ ‫غريب بني شخصه وبني الخيام‪ ،‬فام فهمه املرتجمون‬ ‫كانت هناك هوه سحيقة بني نبل الشعر ورقي الكلمة‬ ‫االخرون عن الخيام وغرامياته املاجنة‪ ،‬حلله رامي‬ ‫املمثلة بشعراء كبار مثل احمد شوقي وحافظ ابراهيم‬ ‫وما بني االدب املكشوف واالغنية االباحية الدارجة‪ ،‬لذلك ادباً راقياً وتصوفا‪ ،‬وعندما نقرأ الرتجمة نحتار يف ايهام‬ ‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪159‬‬


‫شعر وفلك‬

‫االجمل‪،‬عذوبة كلامت رامي ام رؤية الخيام العميقة‪:‬‬ ‫ال تشغل البال مبايض الزمان‬ ‫وال بآيت العيش قبل األوان‬ ‫واغنم من الحارض لذّاته‬ ‫فليس يف طبع الليايل األمان‬

‫صورة البطل‬

‫عاد رامي من بعثته يف فرنسا وهو يف الثالثني من العمر‪،‬‬ ‫كان يف اوج عطائه الشعري فقد اصدر ثالثة دواويني‬ ‫وترجم رباعيات الخيام‪ ،‬وقد ق ُـدمت دوواينه مبقدمات‬ ‫لكبار الشعراء أحمد شوقى ‪ -‬خليل مطران ‪ -‬حافظ‬ ‫إبراهيم ‪ -‬و كتب حافظ ىف مقدمة احد الدواوين‪:‬‬ ‫«أدمنت النظر ىف شعر رامى فإذا به من ذلك النوع‬ ‫الحسن الذى يعجزك تقليل حسنه‪ ..‬وشعر رامى هو شعر‬ ‫النفس وهو أرقى مراتب الشعر‪ ...‬ورامى شاعر موفق‬ ‫الشيطان إذا تغزل أو وصف ‪ ..‬رقيق حواس األلفاظ بعيد‬ ‫مرامى املعاىن يقول الشعر لنفسه وىف نفسه»‪ .‬ومل يكن‬ ‫رامي حتى ذلك الحني قد كتب اغنية واحدة ومل يزجل‬ ‫حتى بكلمة واحدة‪ ،‬ولكنه كان مع لقاء غيرّ مسريته‬ ‫االدبية متاما‪ .‬فعند عودته من فرنسا سمع ان هناك فتاة‬ ‫قروية تدعى ام كلثوم غنت له قصيدة «الصب تفضحه‬ ‫عيونه»‪ ،‬وان الناس ترددها يف كل مكان فذهب بنفسه‬ ‫اىل تلك الفتاة التي كانت ترتدي مالبس الرجال بكوفية‬ ‫وعقال وقال لها ‪«:‬عايز أسمع قصيدىت ياست ألىن كنت‬

‫عاد رامي من بعثته في فرنسا‬ ‫وهو في الثالثين من العمر‪،‬‬ ‫كان في اوج عطائه الشعري‬ ‫فقد اصدر ثالثة دواويين وترجم‬ ‫رباعيات الخيام‬

‫‪160‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬

‫مسافر ومل أسمعها»‪ ،‬فردت عليه بذكاء ودالل‪« :‬أهال‬ ‫بيك يا ىس رامى»‪ ،‬وغنت له ام كلثوم بعيون ملؤها‬ ‫االعجاب وراحت تنظر اليه كاعجاب الريفي باهل املدنية‬ ‫والحضارة‪ ،‬وكأنه بطل اسطوري جاء من بني صفحات‬ ‫الكتب‪ .‬هذا اللقاء هو الذي اشعل رشارة الحب‪ ،‬ومأل‬ ‫قلب رامي سعادة وحبا‪ ،‬وهو يرى بانه البطل يف عيون‬ ‫هذه الفتاة الذكية‪ .‬ان لعب دور البطولة هو احد‬ ‫مميزات برج الحوت‪ ،‬وملا كان القمر يف خريطة ميالد‬ ‫رامي يف اول درجات برج الحوت‪ ،‬جعله ذلك محبا‬ ‫للتضحية يف سبيل ان يحافظ عىل صورته امام من يحب‪،‬‬ ‫فهذا البطل استطاع ان يساهم يف تحول هذه الفتاة‬ ‫القروية اىل سيدة مجتمع‪ ،‬سيدة ثقافة وادب‪ ،‬فمن اجلها‬ ‫تنازل عن عرش الشعر وراح يكتب االغنية والزجل‪ ،‬واخذ‬ ‫يلعب دور املعلم واملرشد‪ ،‬فقد خصص يوما واحدا من‬ ‫االسبوع وهو يوم اجازته من اجل ان يحمل اليها كتابا‬ ‫جديدا تقرأه ثم يناقشها فيه يف االسبوع التايل‪ ،‬فقدم‬ ‫لها ابرز شعراء الغزل والعشق الصويف بل وحتى شعراء‬ ‫املجون ومغني املدائح‪ .‬وهكذا تخرجت ام مكثوم من‬ ‫مدرسة رامي االدبية‪ ،‬ومل يكتف بهذ القدر بل اقنع عازف‬ ‫العود وامللحن الالمع محمد القصبجى من ان يقدم لها‬ ‫بعض الحانه‪ ،‬وحتى بعد ان بلغت ام كلثوم شهرتها ظل‬ ‫احمد رامي مستشارها االديب لكل ما كانت تغنيه من‬ ‫اشعار وقصائد‪ .‬بيد ان ارتقاءه باالغنية ال يشفع اهامله‬ ‫للشعر‪ ،‬ويقول الشاعر صالح جودت عن صديقه املقرب‬ ‫رامي‪ »:‬أضاع زهرة عمره يف نظم األغنية الدارجة‪ ،‬وهي‬ ‫رضب من الزجل‪ ،‬حتى عرفه الناس بها أكرث مام عرفوه‬ ‫شاعرا ً‪ ،‬عىل حني ان الله قد خلقه شاعرا وأجزل له العطاء‬ ‫يف موهبة الشعر‪ ،‬وملع اسمه يف أواخر العرشينيات حتى‬ ‫خيل للناس أال خليفة ألمري الشعراء غريه» ‪ .‬بيد ان رامي‬ ‫كان سعيدا ً وهو يحرق ايامه امام من يحب فاملهم عنده‬ ‫ان يبقى هو امامها املرشد واملعلم واالهم ان يصون‬ ‫امامها صورة البطل‪:‬‬

‫أصون كرامتي من أجل حبي‬ ‫فإن النفس عندي فوق قلبي‬ ‫رضيت هوانها فيام تقايس‬


‫وما اذاللها ىف الحب دأيب‬ ‫فام هانت لغريك ىف هواها‪ ‬‬ ‫وال مالت لغريك ىف التصبي‬ ‫ولكني سمحت بها ألين‬ ‫رايتك مثل نفيس يف التأيب‬

‫بني الرغبة والحب‬

‫يخربنا الجانب النفيس من علم الفلك‪ ،‬ان هناك امرأة‬ ‫يرغب بها الرجل وامرأة اخرى هي من يطلب يدها‬ ‫للزواج‪ ،‬فرغبة الرجل يحددها موقع كوكب املريخ‪،‬‬ ‫واملرأة املناسبة للزواج يحددها موقع كوكب الزهرة‪.‬‬ ‫وقد كان املريخ لحظة ميالد رامي يف برج الدلو الهوايئ‪،‬‬ ‫ولهذا كانت الفتاة التي تثري اخيلته هي الفتاة الغريبة‬ ‫االطوار‪،‬املختلفة عن اقرانها‪ ،‬املتمردة عىل واقعها‪ ،‬والتي‬ ‫تنشد دوما الحرية واالستقالل‪ ،‬وبهذه العني راى رامي‬ ‫ام كلثوم واستقرت يف ذاكرته ورشايينه‪ ،‬فرغب بوصالها‬ ‫واالرتباط بها‪،‬ولكنها كانت بعيدة املنال ال تصغي اال‬ ‫لصوت املجد والشهرة‪ .‬واذا اردنا ان نعرف موقع كوكب‬ ‫الزهرة‪ ،‬كوكب الحب والزواج‪ ،‬فقد كان موجودا يف برج‬ ‫الرسطان املايئ‪ ،‬ولذلك فرامي بالفطرة يحب االرتباط‬ ‫باملرأة البيتوتية‪ ،‬او كام يقال «ست بيت»‪،‬التي تستطيع‬ ‫ان تعتني بشؤون االرسة‪ ،‬املرأة املدبرة التي بوسعها ان‬ ‫تدير مركب العائلة اىل بر االمان ‪ ،‬وهكذا ارتبط رامي‬ ‫بالسيدة عطيات التي استطاعت ان متنحه بيتا سعيدا‬ ‫وابناء نجباء نالوا شهادات عليا يف الطب والهندسة‪ ،‬ورغم‬ ‫زواجه الناجح اال ان رغبته العميقة يف ام كلثوم بقيت‬ ‫متأججة حتى اصبحت مثارا للقول يف اوساط الفن وحتى‬

‫داخل ارسة رامي ‪ ،‬ويتحدث ابنه توحيد اىل ابيه قائال‪:‬‬ ‫«الناس تقول إنك تحب أم كلثوم فهل هذا صحيح؟!»‪.‬‬ ‫ويرد رامي ‪»:‬نعم»‪.‬فيسأله ابنه مستغربا‪ »:‬ملاذا مل‬ ‫تتزوجها؟»‪.‬فيقول رامي‪ »:‬لو تزوجتها سيكون الزواج سبباً‬ ‫ىف اعتزالها الغناء ألننى رجل رشقى ولن أسمح لها بالغناء‪،‬‬ ‫ومل أكن أستطيع أن أقول فيها ‪،‬سهران لوحدى أناجى‬ ‫طيفك السارى‪ ،‬وهى بجانبى ىف بيت واحد»‪ .‬هكذا كان‬ ‫جواب رامي عىل اسئلة ابنه توحيد‪ ،‬وحتى بعد االرتباط‬ ‫ضل رامي متارجحا بني الرغبة والحب‪ ،‬حتى تحولت‬ ‫الرغبة اىل تقديس وهو اسمى من ان تصوغه اي كلامت‪،‬‬ ‫وعندما رحلت ام كلثوم دخل رامي يف صومعته ومل يكتب‬ ‫شعرا او يقابل احدا‪ ،‬وقال يف رثائها‪:‬‬

‫ما جال يف خاطري أنيّ سأرثـيها‬ ‫بعد الذي ُص ُ‬ ‫غت من أشجى أغانيها‬ ‫قد ُ‬ ‫كنت أسـمعها تشدو فتُطربني‬ ‫واليو َم أسـمعني أبيك وأبـكيهــا‬

‫بني الحب والرغبة والتقديس دار رامي يف فلك ام كلثوم‬ ‫كام تدور االرض حول الشمس‪ ،‬ودار حوله كل عشاق‬ ‫الفن االصيل واالغنية العذبة والقصيدة املغناة‪ ،‬فرامي‬ ‫صاحب املفردة السهلة التي تدخل القلب دون استئذان‪،‬‬ ‫ورامي ذاكرة الرنجس والياسمني‪ ،‬عاشق الوصل والهجران‪،‬‬ ‫فيه اصالة الرتاب املرصي وعذوبة النيل‪ .‬شاعر الشباب‬ ‫الدائم حتى قبل ان يتسلم ميدالية الخلود من اكادمية‬ ‫الفنون الفرنسية‪ ،‬حضوره عذب كنسمة‪ ،‬وروحه ِصبى‬ ‫متجدد‪ ،‬حتى انه عندما بلغ الثامنني سأله احد الصحفني‬ ‫عن عمره‪ ،‬فاجاب مبتسام‪ ،‬اربع مرات‪ ،‬عرشين عاما ً‬

‫‪issue (7)- December - 2012‬‬

‫‪161‬‬


‫كاميرا‬

‫عدسة املصور خالد حامد‬ ‫‪162‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


163

issue (7)- December - 2012


‫‪164‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )7‬كانون األول‪/‬ديسمبر‪2012/‬‬


bayt_alshier_7