Page 1

‫أحباث يف سنن‬ ‫تغيَت النفس واجملتمع‬ ‫اقرأ وربك األكرـ‬


‫جودت سعيد‬ ‫ع‪ .‬ر ‪ .‬ا‬ ‫بسم اهلل الرضبن الرحيم‬ ‫الطبعة األوىل‬ ‫‪ ٔٗٓٛ‬ىػ ‪ ٜٔٛٛ -‬ـ‬ ‫صبيع اغبقوؽ ؿبفوظة للمؤلف‬ ‫دمشق ‪ -‬ص‪.‬ب ‪٘ٓٔٙ‬‬ ‫طبع دبوافقة اإلفتاء العاـ والتدريس الديٍت بدمشق‬ ‫رقم ‪ ٜٓٙ‬تاريخ ٔ‪ٜٔٛٙ/ٔٓ/‬‬ ‫وموافقة وزارة اإلعبلـ ‪ -‬مديرية الرقابة‬ ‫رقم ٘‪ ٖٜٛٔ‬تاريخ ٖٕ‪ٜٔٛٚ/ٚ/‬‬ ‫بسم اهلل الرضبن الرحيم‬ ‫اغبم ُد هللِ‬ ‫َْ‬ ‫وسبلـ علَى ِعب ِاده الَّ ِ‬ ‫ين اصط َفى‬ ‫ذ‬ ‫ََ ٌ َ َ‬ ‫َ‬ ‫َربػَّنَا تَػ َقبَّ ْل ِمنَّا‬ ‫ك أنْت َّ ِ‬ ‫العليِ ُم‬ ‫إِنَّ َ َ‬ ‫يع َ‬ ‫السم ُ‬


‫الرِحي ِم‬ ‫الر ْضبَ ِن َّ‬ ‫بِ ْس ِم اللَّ ِو َّ‬ ‫ك الَّ ِذي َخلَ َق (ٔ) َخلَ َق ِْ‬ ‫نسا َف‬ ‫اإل‬ ‫اس ِم َربِّ َ‬ ‫اقْػَرأْ بِ ْ‬ ‫َ‬ ‫ك ْاألَ ْكَرُـ (ٖ) الَّ ِذي‬ ‫ِم ْن َعلَ ٍق (ٕ) اقْػَرأْ َوَربُّ َ‬ ‫َّ ِ ِ‬ ‫َّ ِ‬ ‫نسا َف َما ََلْ يَػ ْعلَ ْم (٘)‬ ‫َعل َم بالْ َقلَم (ٗ) َعل َم ْاإل َ‬ ‫مقدمة‬ ‫بسم اهلل ‪ ،‬واغبمد هلل ‪ ،‬وسبلـ على عباده الذين اصطفى ‪..‬‬ ‫قػػاـ موعػػوع ىػػذا ال تػػاب يف ذىػػٍت منػػذ وقػػت بعيػػد ‪ ،‬وَل أزؿ أقلبػػو وأعارعػػو وأعػػرض‬ ‫عليو خبلؿ سنوات ‪ .‬وقد استقر يف نفسي بنتيجة الثقافة اليت تشيع بيننا أف العلم ينبغي أف‬ ‫ي وف موعوع حبث حىت ت وف لو معاَل واعػةة ‪ ،‬وقػد الح ػت أف كثػَتاً مػن سػلطاف ىػذا‬ ‫العلػػم يرجػػع إىل االعتقػػاد (األيديولوجيػػة) والتسػػليم والرىبػػة واؽبيبػػة أكثػػر فبػػا يرجػػع إىل الف ػػم‬ ‫والتةليػػل الػػدقيق ‪ ،‬حبيػػث يب ػػن أف نػػلعم أف العلػػم يػػؤدي دوراً أسػػطورياً أكثػػر منػػو علمي ػاً ‪،‬‬ ‫فػػر م اسػػم العلػػم فػ ف الػػدور والوظيفػػة أسػػطورية (ٔ) ـبتلطػػة ربمػػل اػبرافػػات وكػػل الػًتاث‬ ‫البشري اؼبختلط ‪.‬‬ ‫لذلك رأيت أف من اؼبفيد التوجو إىل دراسة العلػم ‪ -‬مػع اعػًتايف دبةدوديػة مػا أملػك ‪-‬‬ ‫وأنو ال بد من البدء بطرح اؼبوعوع لنتوجو إىل العقوؿ بتةديد معٌت العلػم وسبةيهػو ‪ .‬ولقػد‬ ‫كػاف ىػذا يف ذىػٍت حػػُت بػدأت ال تابػة ‪ ،‬ول ػن أينػػاء اؼبعػي يف اؼبوعػوع تبػُت أف قػػانوف‬ ‫سػػَت العلػػم مػرتبط بػػالقراءة ‪ ،‬فمػػن يتأمػػل كيػػف نشػػأ العلػػم وكيػػف بػػدأ ‪ ،‬يبلحػػل أف العلػػم َل‬ ‫يأخ ػػذ دوره الواس ػػع إال م ػػع اكتش ػػاؼ ال تاب ػػة ‪ ،‬ألف التج ػػارب كان ػػت تع ػػيع وسب ػػوت دب ػػوت‬ ‫أصةاهبا ‪ ،‬وألف الذاكرة ليست مأمونػة للةفػل ‪ ،‬ا اكتسػبت التجػارب واؼبعػارؼ اػبلػد مػع‬ ‫(ٔ) صار العلم ش ادات وألقابػاً ‪ ،‬كمػا أف الػدين صػار طقوسػاً وأظبػاء ‪ ،‬ف ثػَت فبػا نسػميو علمػاً لػيس بعلػم ‪ ،‬ويقػوـ بػدور أسػطوري‬ ‫ووبمل اػبرافات ( ما ؽبم بو من علم إف يتبعوف إال ال ن وما هتوى األنفس ) ‪.‬‬


‫ظ ػػور ال تابػػة ‪ ،‬ف ػػأف اإلنسػػاف ملػػك ذاكػػرة ػػَت قابلػػة للمػػوت ‪ ،‬وىػػذا شػػيء م ػػم يف حيػػاة‬ ‫العلم ‪ .‬كما أف ما ي شفو فرد من العلم صار يعمم بيسر إىل سائر األفراد فػبل وبتػاجوف إىل‬ ‫ػف مل ػاً لئلنس ػػانية ‪ .‬وإف‬ ‫ج ػػود وحبػػوث إلعػػادة ال ش ػػف ‪ ،‬فقػػد صػػار ىػػذا ال ػػذي أُكتُشػ َ‬ ‫لتقييد ال شف وتعميمو الهدارة يف مبو العلم ‪ ،‬ونبػا ال يتمػاف إال بال تابػة ‪ ،‬وبعبػارة أخػرى‬ ‫ال وبفل ما عرؼ واكتشف وال ينتقل إىل اآلخرين إال بال تابة ‪ .‬وؽبذا يب ػن أف نقػوؿ إ إف‬ ‫ال شف واغبفل والتعميم متممات للعلم ومولدات لو ‪ ،‬ف ذا كػاف العلػم يػتم بال شػف ف نػو‬ ‫ينمػػو بػػاغبفل والتعمػػيم ويػػؤدي وظيفتػػو ‪ ،‬وكمػػا أف ال شػػف قػػد صػػار متوقف ػاً علػػى اغبفػػل‬ ‫والتعم ػػيم ف ػ ف العل ػػم ‪ -‬وإف ب ػػدأ قب ػػل التس ػػجيل واإلش ػػاعة ‪َ -‬ل يرسػػخ ؾب ػػده إال بالتس ػػجيل‬ ‫واإلشػػاعة ‪ ،‬وَل يعػػرب أطنابػػو إال هبمػػا ‪ ،‬وسػػوؼ ي ػػل مرتبطػاً هبمػػا ‪ .‬ومػػن ىنػػا صػػار العلػػم‬ ‫بػػالقلم والقػراءة ال ف ػػاؾ لػػو ‪ ،‬ومػػن ىنػػا وجػػدت أف ي ػػوف عنػواف ىػػذا ال تػػاب ( اقػرأ وربػػك‬ ‫األكرـ الذي علم بالقلم ) ‪.‬‬ ‫إف اؽبدؼ ىو العلم ول ن متوقف على القراءة ‪ ،‬ف ي رحم العلم اليت هبا ينمػو ويتطػور‬ ‫‪ ،‬وإف العلػػم اظفػػوظ اؼبعمػػم ىػػو الػػذي يولػػد العلػػوـ اعبديػػدة ‪ ،‬وإف العلػػم يػػلداد دبقػػدار مػػا‬ ‫يتسػػنمو مػػن ىػػرـ واسػػع مرتفػػع مػػن العلػػم اظفػػوظ اؼبعمػػم ‪ .‬وؽبػػذا كػػاف أوؿ مػػا نػػلؿ يف خػػر‬ ‫رسػػالة مػػن السػػماء كلمػػة ( اقػرأ ) قبػػل أي كلمػػة أخػػرى يف العقيػػدة أو اإليبػػاف أو العبػػادة ‪.‬‬ ‫وؽبػػذا أيع ػاً حػػدد اهلل ربهػػيل العلػػم بػػالقلم ( علَّػػم بػػالقلم ) ‪ .‬وىػػذا التهػػور ىػػو مػػا جعلػػٍت‬ ‫أعدؿ عن جعل عنواف ال تاب ( العلم ) إىل العنواف اعبديد‪.‬‬ ‫أجل األعمػاؿ الػيت علػى أىػل العلػم أف يقومػوا هبػا أف يسػ لوا مػا يقػرأ ويبسػطوه‬ ‫وإف من ّ‬ ‫ويوجلوه لتتةقق فائدة القراءة‪.‬‬ ‫وعلػػى الػػر م مػػن أف ال تابػػة ظ ػػرت منػػذ طبسػػة الؼ عػػاـ ‪ ،‬إال أف فائػػدهتا َل تعػػم إال‬ ‫مػػع اخػًتاع الػػورؽ منػػذ ألػػف وطبػػس معػػة عػػاـ ‪ ،‬ا مػػع الطباعػػة منػػذ أقػػل مػػن طبػػس معػػة عػػاـ‬ ‫حي ػػث ح ػػدث انفج ػػار برك ػػاي اجتم ػػاعي ال يػ ػلاؿ ؽبيب ػػو يته ػػاعد ح ػػىت اته ػػل ى ػػذا الل يػ ػ‬ ‫بػػاآلالت اغباسػػبة منػػذ بعػػعة عقػػود ‪ ،‬وال يػلاؿ العلػػم ينت ػػر التبسػػيط والتقلػػيم ليأخػػذ ؾبػػده ‪،‬‬


‫وليػػؤدي اإلنسػػاف م متػػو ووبقػػق إنسػػانيتو بالقعػػاء علػػى الفسػػاد وتط ػػَت األرض مػػن الػػدماء‬ ‫والدمار ‪ .‬وىذا من أقدس األعماؿ اليت هب أف توجو إلي ا نبة البشر ‪.‬‬ ‫إف االستفادة من العلم الذي ربقق ‪ ،‬ذبعل سَت اغبياة متوازناً وسوياً ال يعًتيو ظلع ومن‬ ‫ىػػذا اؼبنطلػػق كػػاف القػػوؿ اؼبػػوروث إ ( مػػن عمػػل دبػػا علػػم أوريػػو اهلل علػػم مػػا َل يعلػػم ) ‪ .‬وإذا‬ ‫كانػت األميػػة اؼبنتشػػرة يف ؾبتمعاتنػػا وصػػمة عػػار علينػػا فػ ف عػػدـ ت ػػوف القمػػة اؼبف ػػرة اؼببدعػػة‬ ‫الطُّلَعِ ػةَ الػػيت تتةسػػس علػػم العػػاَل أخطػػر مػػن األميػػة البسػػيطة ‪ ،‬ألف مش ػ لتنا مش ػ لة أميػػة‬ ‫مركبػػة ‪ ،‬ومػػن ىنػػا كػػاف اعتبػػار القػػر ف أف األميػػة ليسػػت فقػػط أميػػة القػراءة وال تابػػة \بػػل أميػػة‬ ‫األف ػػار ‪ ،‬ولػػك يف قولػػو تعػػاىل إ ( ومػػن م أميػػوف ال يعلمػػوف ال تػػاب إال أمػػاي ) ‪ .‬سػػورة‬ ‫البقػػرة ‪ ، ٚٛ /‬أي ال يعلمػػوف ال تػػاب إال تػبلوة فقػػط علػػى أحػػد وجػػوه التفسػػَت « قػػاؿ ابػػن‬ ‫تيميػػة عػػن ابػػن عبػػاس وقتػػادة يف قولػػو ومػػن م أميػػوف أي ػػَت عػػارفُت دبعػػاي ال تػػاب يعلمو ػػا‬ ‫حف اً وقراءة بػبل ف ػم وال يػدروف مػا فيػو ‪ .‬وقولػو ( إال أمػاي ) أي تػبلوة ‪ ،‬فَػ ُ ْػم ال يعلمػوف‬ ‫فقو ال تاب إمبا يقتهروف على ما يسمونو يتلى علي م » اعبػلء السػابع عشػر مػن الفتػاوي ‪/‬‬ ‫ص ٖٗٗ ‪.‬‬ ‫إف مش ػ لة الق ػراءة ىػػي مش ػ لتنا األساسػػية ‪ ،‬الق ػراءة اؼبطلقػػة واؼبوج ػػة أو اجملػػردة فبػػا ال‬ ‫فائدة منو ‪ ،‬اليت تراجع نفس ا دائماً فتةذؼ ما فػات أوانػو وال ربمل ػا صػاراً وأ ػبلالً ‪ .‬إف‬ ‫إنتػػاج مػػا يق ػرأ ىػػدؼ أساسػػي ‪ ،‬والق ػراءة تهػػنع نفس ػ ا وذبػػدد نفس ػ ا ‪ ،‬ىػػي بػػذاهتا تهػػة‬ ‫أخطاءىػػا وتتقػػدـ بوسػػائل ا ‪ ،‬وإف العػػاَل الػػذي تعلَّػػم القػراءة مػػن طبسػػة الؼ عػػاـ ينت ػػر أف‬ ‫يقدـ إليو ما يست ويو ‪ .‬إنو يستةث ال تاب ‪ ،‬فتةت س ّػن القلػم يػاز اؼبسػتقبل اإلنسػاي ‪،‬‬ ‫وكأننا هبذا نعيد ‪ -‬ول ػن بأسػلوب خػر ‪ -‬األسػطورة الشػعبية الػيت تقػوؿ إ إف العلػم كلػو يف‬ ‫الن اية ينةهر يف النقطة اليت ربت باء بسم اهلل الرضبن الرحيم ‪.‬‬ ‫وأنشد من ىذا ال تاب مطمةُت أساسيُت أعدنبا من أىػم األمػور وأنبل ػا فيمػا أكتػ‬ ‫‪.‬‬


‫أوؽبما إ وعػع اإلنسػاف علػى طريػق العلػم ‪ ،‬وذلػك ينقػل مل ػة العلػم إىل النػاس ونشػرىا‬ ‫بيػن م ‪ .‬وىػذا ‪ -‬كمػا أرى ‪ -‬مػن أقػدس الواجبػات الػيت ينبغػي أف تُسػخر الطاقػات لتيسػػَتىا‬ ‫وتس يل ا حىت يػتم ن النػاس مػن أف يعيشػوا يف جػو العلػم ‪ ،‬وينعمػوا دبػا ينشػره مػن طمأنينػة‬ ‫ورزانة وصةة عقلية ‪.‬‬ ‫وياني ما إ السبلـ ‪ ،‬وىو وليد العلم ‪ ،‬فعن طريق العلم يدرؾ اإلنسػاف إم انيػة إصػبلح‬ ‫اإلنساف دوف إعطابو وتدمَته ‪ ،‬ألف قليل العلم الػذي أعيتػو اغبيػل ىػو الػذي يلجػأ إىل اؽبػدـ‬ ‫علي وعلػى أعػدائي ) بػدؿ أف يتجػو إىل العلػم الػذي سػيةوؿ‬ ‫والتدمَت ‪ ،‬وأحياناً إىل ف رة ( َّ‬ ‫العدو إىل و ضبيم(ٔ) ‪.‬‬ ‫وما نراه من احًتاـ سطةي للعلم عند من فقدوا مل تو يتبلشى ويتبخر إذا جد اعبد ‪،‬‬ ‫ونرى الت شَت عن األنياب لتمليق العلم ‪ ،‬حيث يسود االنفعاؿ ويغطي العقل ويبطل‬ ‫مفعولو ‪ ،‬فيعود السلوؾ لبلستجابة إىل الدوافع الغريلية ‪ ،‬دوافع ما قبل العقل والعلم ‪،‬‬ ‫وبدث ىذا ويتن ر اإلنساف للعلم انسياقاً وراء تعميم ذميم(ٕ) ال يبيل اػبطأ من الهواب ‪،‬‬ ‫وال العلم من اعب ل ‪ ،‬ويف ىذا خطأ جسيم وىدـ للطريق اؼبستقيمة ‪ ،‬كما أف ىذا مناؼ‬ ‫ؼبن ج القر ف الذي يلكي العلم وال يتن ر لو ‪ ،‬ويهف من يتن روف لو وينبذونو وراءىم‬ ‫ظ رياً بأ م ال يفق وف وال يعلموف وال يعقلوف ‪ .‬وإدانة العلم أو سة الثقة منو إتباعاً‬ ‫لؤلوىاـ وال نوف خطأ جسيم ‪ ،‬حاشى للعلم أف ي وف يف موعع ىجوـ وإن ار ‪ ،‬وإمبا‬ ‫الذي هب أف ي وف يف موعع اؽبجوـ واإلن ار ىو اعب ل واؽبوى وال ن ‪ .‬وكاف األجدر‬ ‫أف نبُت العلم ونقدسو ونعلي من شأنو وأف نبُت أف ما اصبو ليس علماً وال ىو بسبيل‬ ‫العلم وإمبا ىو اػبطأ واعب ل ‪.‬‬

‫(ٔ) إف هتمة اؼببلئ ة لئلنساف حُت أراد اهلل استخبلفو يف األرض ‪ ،‬بأنو يفسد في ا ويسفك الدماء ىي مش لة السبلـ اليت ما تلاؿ‬ ‫قائمة سواء على مستوى األفراد أو العاَل أصبع ‪.‬‬ ‫(ٕ) يقهد بالتعميم الذميم إ توسيع دائرة العلم ليشمل ال ن وما ليس بعلم ‪.‬‬


‫إف التسػػرع يف إدانػػة العلػػم وبمػػل إىل صػػاحبو خسػػارة كػػاى ألنػػو لػػن ينقػػذه ػػَت العلػػم ‪،‬‬ ‫وألف مػػا يدنيػػو إمػػا أف ي ػػوف علمػاً فيُقبػػل أو ج ػبلً فػػَتفل ونعػػرض عنػػو ‪ ،‬وعلينػػا أال لبلػػط‬ ‫بين مػػا فػػن ن اعب ػػل علم ػاً واػبطػػأ ص ػواباً فنن ػػر العلػػم ونهػػوب اػبطػػأ ‪ ،‬فنجػػٍت علػػى العلػػم‬ ‫والهواب ‪ ،‬وكبن نتوىم أننا لبدـ راءنا وكبمي عقائػدنا ونبػٍت دعػائم اؼبسػتقبل لنػا وألجيالنػا‬ ‫ولبػػٍت دـ عامػػة ‪ ،‬بينمػػا كبػػن يف الواقػػع ػػدـ أنفسػػنا ونبلبػػل أف ػػاـ األجيػػاؿ ونعػػع العقبػػات‬ ‫أمام م ‪.‬‬ ‫وما يشيع يف كتابات بعل اؼبسلمُت ‪ ،‬أو يقدَّـ من يقافة عامة للجيل توحي بأف العلم‬ ‫عػػاجل عػػن حػػل مش ػ بلتنا ‪ ،‬وتسػػة الثقػػة مػػن العلػػم وتشػػعو يف موعػػع اإلدانػػة ‪ ،‬منػػاقل‬ ‫ؼبػن ج القػر ف الػذي يقػرر إ (ويػرى الػذين أوتػوا العلػم الػذي أنػلؿ إليػك مػن ربػك ىػو اغبػق )‬ ‫سبأ ‪ ، ٙ /‬ويقوؿ إ ( وال تقف ما ليس لك بو علم ) اإلسراء ‪. ٖٙ /‬‬ ‫وال أدعي أي سأقدـ تعريفاً س بلً للعلم يوصػلو إىل التمييػل بينػو وبػُت ال ػن وبػُت العقػل‬ ‫واؽبوى ‪ .‬ولي ن ُج َّل مطمةي أف أسب ن من تسليط بعل األعواء على العلم ذبعل اؼبتأمػل‬ ‫ىبرج بادراؾ أوسع أو إدراؾ جديد ‪.‬‬ ‫وإي أرى أف مف ػػوـ العلػػم سػواء عنػػد اؼبسػػلمُت أو عنػػد مػػن نقػرأ ؽبػػم مػػن ػػَت اؼبسػػلمُت‬ ‫وخاصة يف الغرب ‪ ،‬ليس ىو الذي أطمعن إليو ‪.‬‬ ‫فتهور اؼبسلمُت للعلم وخاصة اؼبعاصرين من م ليس كالتهور الذي أف مو من القر ف ‪،‬‬ ‫وىػػو أف العلػػم ىػػو الػػذي ي شػػف اغبػػق ف ػػؤالء يػػروف أف العلػػم ال ي ػػدي إىل اغبػػق ‪ ،‬وال‬ ‫ىبدعنك حػديث م الطلػي يف مػدح العلػم وسػوؽ اآليػات واألحاديػث اؼبػأيورة مػن اغب ػم الػيت‬ ‫ترفػػع شػػأف العلػػم ‪ ،‬ألف ىػػذا اؼبوقػػف يتغػػَت يف أمػػاكن أخػػرى مػػن حبػػوي م حيػػث ين ػػروف إىل‬ ‫العلم بريبة ‪.‬‬ ‫وأمػػا يف العػػاَل الغػػر فيقهػػروف العلػػم علػػى ظ ػواىر الطبيعػػة أو بعع ػ ا ‪ ،‬وحػػُت يتهػػل‬ ‫العلم بالقيم والدين أو اإلنسانيات يروف أف ىذه اؼبواعيع َت علميػة ‪ ،‬ف ػأف العلػم ؿبهػور‬ ‫يف مواعػػع معينػػة وال يشػػمل كػػل أمػػور اغبيػػاة ‪ .‬وىػػذه الن ػرات القاصػػرة ربػػط مػػن قيمػػة العلػػم‬


‫وربد من مشولو وفاعليتو ‪ .‬وحبس يقافيت القر نية أرى أف كلتػا الن ػرتُت قاصػرة ‪ ،‬فاؼبسػلموف‬ ‫ينبغي أف يهلوا إىل درجة الثقة ال املة بػالعلم ‪ ،‬وبأنػو يف خدمػة اغبقيقػة دائمػاً ‪ ،‬كمػا هبػ‬ ‫علػى الغػربيُت أف يػػدركوا أف دور العلػم يف ؾبػػاؿ الػدين والقػيم واإلنسػػانيات واألخػبلؽ كػػدوره‬ ‫يف ؾباؿ الطبيعة ‪.‬‬ ‫فةُت كاف العػاَل هب ػل عوامػل األوبعػة الػيت ذبتػاح العػاَل ‪َ ،‬ل ي ػن مػن اغبػق أف يقػاؿ إ‬ ‫إف الوباء ال ىبعع للعلم ‪ ،‬بل كػاف علػى الػذي لػو صػلة صػةيةة بػالعلم أف يقػوؿ إف الوبػاء‬ ‫وعواملو خاعػعة للعلػم ‪ ،‬وإف َل نعلػم ذلػك ونسػيطر عليػو ‪ ،‬وعلينػا أف قبت ػد لتةقيػق ذلػك‬ ‫وكػػذلك الشػػأف مػػع األخػػبلؽ والقػػيم والػػدين ‪ ،‬فلػػيس مػػن اؼبوقػػف العلمػػي أف نقػػوؿ إ ػػا ال‬ ‫زبعع للعلم ‪ ،‬بل نقوؿ إ إف العلم ‪ -‬وإف َل نتم ن من كشف قوانينو يف األخبلؽ والدين‬ ‫والقػػيم ‪ -‬ىػػو الػػذي سيوعػ الغمػػوض ويليلػػو ‪ ،‬وسػػيمةا اغبػػق يف ؾبػػاؿ األخػػبلؽ والقػيم‬ ‫والدين ‪ .‬وىذا الدور الذي نراه للعلم ىو مػا ر ه اؼبسػلموف األوائػل يف عهػر ازدىػارىم حػُت‬ ‫منوا بوحدة العلم والدين ‪ ،‬وذلك ما ي ر يف قػوؿ اعبػاحل إ ( قػاؿ األوائػل إ حيػاة اغبلػم‬ ‫بػػالعلم ‪ ،‬وحيػػاة العلػػم بالبيػػاف ) ‪ .‬وإف كلمػػة اعبػػاحل أيػػارت يف نفسػػي مبلح ػػة ؽبػػا أنبيػػة (‬ ‫فةياة اغبلم بالعلم ) تعبَت عن مف وـ حعارة وذوؽ خاص لف م العلم ‪.‬‬ ‫إف كلمػػة (حيػػاة اغبلػػم بػػالعلم) يب ػػن أف نف م ػػا بأسػػلوب خػػر أي أف حيػػاة األخػػبلؽ‬ ‫بالعلم ‪ ،‬وحياة القيم بالعلم ‪ ،‬وحياة اغب مة والدين بالعلم ‪ .‬فبالعلم تستقيم األخبلؽ وربيا‬ ‫القيم ويرسخ الدين اغبق … وعندما تهب األخبلؽ والدين والقيم علماً ترسخ يف النفوس‬ ‫وربيا يف واقع اغبياة ‪.‬‬ ‫وك ػػبلـ اعب ػػاحل ى ػػذا من ػػاقل للةع ػػارة الغربي ػػة ‪ ،‬وللف ػػر اإلس ػػبلمي ال ػػذي ظ ػػر بع ػػد‬ ‫اتهاؿ اؼبسلمُت بالغرب ‪.‬‬ ‫وللداللػة علػػى ف ػػم الغػػرب للعلػػم نػػذكر قػػوؿ (راسػػل) يف كتابػػو (الن ػػرة العلميػػة) يف ايػػة‬ ‫مقدمتو إ‬


‫خَتة بقدر اغب مة اليت يتميل هبا اإلنساف ‪ ،‬فبل بد إذاً من‬ ‫(فالقوة اعبديدة للعلم ت وف ّ‬ ‫زيادة اغب مة اليت ىي اإلدراؾ السػليم لغايػة اغبيػاة ‪ ،‬وىػذا ال يقدمػو العلػم ‪ ،‬فالليػادة منػو ال‬ ‫ت في ) ‪.‬‬ ‫ىذا ال ػبلـ مػوجل ول نػو واعػ وىػو خطػَت ومشػوش يف ف واحػد ‪ ،‬ألنػو يقهػر العلػم‬ ‫على ما يتعلق بالطبيعة ( يات االفاؽ) وال يعتا ما يتعلق بػاألنفس واألخػبلؽ علمػاً ‪ .‬وىػذا‬ ‫موقػػف مبتػػور ‪ .‬بينمػػا كلمػػة اعبػػاحل كانػػت دقيقػػة إذ ربطػػت القػػيم واغب مػػة و ايػػات اغبيػػاة‬ ‫بالعلم ‪ .‬إف كلمة راسل واعةة يف فهػل العلػم عػن اغب مػة ‪ ،‬بينمػا كلمػة اعبػاحل واعػةة‬ ‫أيعاً يف جعل حياة اغب مة بالعلم ‪.‬‬ ‫إف ف ر اؼبسلمُت بعد اتهػاؽبم بػالغرب قػد اكبػرؼ عػن مف ػوـ القػر ف الػذي يعتػا العلػم‬ ‫اغبقيقي علن األنفس ‪ ،‬ومعرفة العواقػ واغب مػة مػن التػاريخ ‪ ،‬وعػن مف ػوـ اعبػاحل الػذي‬ ‫ربط اغبلم بالعلم ‪ ،‬والعلم بالبياف ‪ ،‬واذبو ىذا الف ر وج ة راسل ‪.‬‬ ‫يف كتػػاب العػػر الػػذي تهػػدره ؾبلػػة العػػر ال ويتيػػة وىػػو إ (مراجعػػات حػػوؿ العروبػػة‬ ‫واإلسبلـ وأوروبا) صفةة (ٗ٘ٔ) ‪ ،‬يقوؿ الدكتور ؿبمػود السػمرة عػن كتػاب (ذبديػد الف ػر‬ ‫العر ) للدكتور زكي قبي ؿبمود ما يلي إ ( عند قراءة ال تاب ينتابنا إحساس بأف اؼبؤلف‬ ‫يؤمن بالعلم وال شيء َته ‪ ،‬ول ن سرعاف ما ي دئ من خواطرنػا حػُت يتةػدث عػن القػيم‬ ‫اليت ذبعل من اإلنساف إنساناً)(ٔ) ‪.‬‬ ‫ىػذا ال ػػبلـ نسػػخة م ػػررة مػن ف ػػر راسػػل ‪ ،‬ف ػػأف اإليبػاف بػػالعلم ي ػػدد خواطرنػػا ‪ ،‬فػػبل‬ ‫هتػػدأ حػػىت ي ػػوف اغبػػديث عػػن شػػيء ػػَت العلػػم ليعطينػػا الطريػػق الهػػةيةة ‪ .‬واؼبػػت لم ىنػػا ‪،‬‬ ‫واؼبػت لم عنػو مػن اؼبف ػرين العهػريُت وليسػا مػن اؼبشػايخ التقليػديُت ‪ ،‬وىػذا النػوع مػن الف ػػر‬ ‫ىو النوع الراقي الذي يقدـ للثقافة العربية واإلسبلمية ‪ .‬وإف القارئ اؼبرتبط بعاَل األشػخاص‬ ‫ىبرج من ىذا الف ر ‪ ،‬وقد سة يقتو من العلم ‪ ،‬ورسخ يف ذىنو أف العلم ليس ىو الذي‬ ‫وبل مش بلتنا ومش بلت العاَل صبيعاً ‪.‬‬ ‫(ٔ) أكتوبر ٗ‪. ٜٔٛ‬‬


‫‪.‬‬

‫واغبقيقة أف العلم إف عاع مف ومو ‪ ،‬واحتيج إىل شيء خر َته ‪ ،‬يفقد مليتو اغبقيقية‬

‫إف اعبراييم اليت كانت تندس يف أ ذيػة النػاس ‪ ،‬كانػت تفسػد علػي م صػةت م اعبسػمية‬ ‫‪ ،‬ول ن اعبراييم الف رية أشد من ا فت اً ف ػي مػا تػلاؿ تنػدس يف الغػذاء الف ػري الػذي يقػدـ‬ ‫لبلمػػة مسػػببة اآلالـ يف عبلقػػات النػػاس ‪ ،‬فمػػا ن ػلاؿ حػػىت اليػػوـ نػػدفع ع ػرائ ج لنػػا بػػأنواع‬ ‫اعبػراييم الف ريػة الػيت تنقل ػا وسػائل إعبلمنػػا وكتػ مف رينػا وصػةافة وج ائنػا ‪ ،‬وإف وسػػائل‬ ‫الن افة الف رية ؾب ولة يف البلداف اؼبتخلفػة كمػا كانػت وسػائل الن افػة والتعقػيم عػد اعبػراييم‬ ‫ؾب ولة قبل معرفة اعبراييم ‪.‬‬ ‫إف أف ارنػػا عػػن العػػاَل اإلنسػػاي وتارىبػػو وكيػػف بػػدأ العلػػم والف ػػر واإلنسػػاف والسػػلطاف‬ ‫والتسخَت يات االفاؽ واألنفػس ‪ ،‬ملويػة باػبرافػات الػيت ربمػل جػواز اؼبػرور وحػق االحتفػاظ‬ ‫بالهدارة واليت ال ي دأ لنا باؿ إال إذا أعطيت ؽبا اؼب انة اؼبرموقة لت ل تفسد أجواءنا ‪.‬‬ ‫ولق ػػد الح ػػل ج ػػارودي انفه ػػاؿ اغب م ػػة ع ػػن العل ػػم ح ػػُت نق ػػل يف كتاب ػػو (م ػػا يع ػػد ب ػػو‬ ‫اإلسػػبلـ) ص ٗٗٔ عػػن حسػػُت نهػػر ؿبػػدداً العبلقػػة بػػُت العلػػوـ العهػرية والعلػػوـ اإلسػػبلمية‬ ‫وانقبلب العبلقات بُت العلوـ (الوسائل) واغب مة (الغايات) فقاؿ إ‬ ‫« … لو قدر لعلماء اؼبسلمُت يف القروف الوسطى أف يبعثوا إىل اغبياة ‪ ،‬ف ف دىشػت م‬ ‫لن ت وف من التقدـ يف األف ػار الػيت ولػدت أصػبلً يف أحعػا م ‪ ،‬بػل إف دىشػت م سػت وف‬ ‫مػػن أف ن ػػاـ القػػيم قػػد قلػ رأسػاً علػػى عقػ ‪ ،‬وسػػَتوف أف مركػػل الر يػػة الػػيت انطلقػوا من ػػا‬ ‫صار ىامشياً ‪ ،‬وإف اظيط قد صار ىو اؼبركػل ‪ ،‬وإف العلػوـ الػيت كانػت يف الدرجػة الثانيػة قػد‬ ‫تهػػدرت االىتمػػاـ يف الغػػرب ‪ ،‬وأمػػا علػػم اغب مػػة اػبالػػد فسػػوؼ يػػروف أنػػو قػػد تعػػاءؿ حػػىت‬ ‫كاد ينعدـ » ‪.‬‬ ‫واػببلصػػة أنػػٍت حػػن أعمػػم اإلدانػػة السػػابقة علػػى العػػاؼبُت اإلسػػبلمي والغػػر ‪ ،‬فػػبل يعػػٍت‬ ‫ذلك أنو ال توجد يف كبل العاؼبُت أصوات ال تهل إىل درجة الوعوح يف شارع الثقافة العامة‬ ‫‪ ،‬ول ن أعٍت أف السيطرة لبلذباىُت اللذين ذكرهتما …‬


‫جودت سعيد‬ ‫مدخل‬ ‫بك األ َكرـ‬ ‫ور َ‬ ‫اقرأ َ‬ ‫القارئوف يف العاَل تارىبياً وجغرافياً ىم األكرموف إ‬ ‫إف أوؿ كلمػػة يف خػػر رسػػالة ىػػي كلمػػة ( اقػرأ ) ‪ ،‬وَل ت ػػن كلمػػة أخػػرى مػػن ال لمػػات‬ ‫األخبلقية أو العبادية التقليدية ‪ .‬والعبارة اليت بػدأ هبػا إقبيػل يوحنػا إ ( يف البػدء كػاف ال لمػة‬ ‫) إشارة إىل أنبية نقل اػباات بال بلـ ‪ ،‬نل العلم بال بلـ ‪ ،‬نقل العلم بقراءة اػبط ‪.‬‬ ‫إف الػػنا ( اق ػرأ وربػػك األكػػرـ ) ينػػاؿ التقػػديس مػػن اؼبسػػلمُت ألنػػو كػػبلـ اهلل تعػػاىل ‪،‬‬ ‫ول ن ىذه القداسة سػتلداد وتتعػلز وتتوظػف عمليػاً عنػدما يػرى اؼبسػلم ىػذا الػنا يف يػات‬ ‫اهلل يف االفاؽ واألنفس ‪.‬‬ ‫إف النا يدؿ على األمر بالقراءة ‪ ،‬ويعق األمر بأف الػرب أكػرـ ‪ ،‬فهػار ىنػا اجتمػاع‬ ‫بػػُت القػراءة وكػػرـ الػػرب ‪ ،‬أي أف القػراءة وكػػرـ الػػرب اقًتنػػا يف م ػػاف واحػػد ‪ .‬وحػػُت نن ػػر إىل‬ ‫العاَل جغرافياً ‪ -‬أي م انياً ‪ -‬سنرى ىذا االقًتاف متبلزمػاً ‪ ،‬أي أف الػذين ينػالوف كػرـ الػرب‬ ‫و ناه ىم القراء أو أكثر الناس قراءة يف العاَل ‪ .‬ويب ن أف نسوؽ أمثلة إ‬ ‫اؼبثػػل األوؿ إ إف اليونػػاف كػػانوا أكثػػر النػػاس قػراءة وكتابػػة أيػػاـ حعػػارهتم وال يلالػػوف نتػػاج‬ ‫فبلسفت م وشعرائ م وح مائ م يش د على أ م كانوا ىم اؼبنتجُت أكثر واؼبتهلُت بالقراءة‬ ‫يف عاؼب م اتهاالً أويػق ‪ ،‬وىػم الػذين نػالوا كػرـ الػرب وكرامتػو بػُت العػاَل ‪ ،‬فقػد سػيطروا علػى‬ ‫أكا رقعة يف العاَل ‪ ،‬من اؽبند إىل مهر زمن االس ندر الذي كاف تلميذاً الرسػطوا اؼبسػمى‬ ‫باؼبعلم األوؿ ‪.‬‬


‫اؼبثل الثاي إ اؼبسلموف الذين كلما كت كات يف األرض عن تارىب م ال يقعي عجبػاً‬ ‫من سرعة ما مل وا العاَل اؼبعاصر ؽبم ‪ ،‬انطلقوا من ال لمة (اقرأ) إ م يف عهرىم كانوا أقػرأ‬ ‫الناس وأشدىم اتهاالً بالقراءة وال تاب والعلم الذي يطلبونو يف كل م اف ومن كل مهدر‬ ‫‪ ،‬لقد ناوؿ كرـ الرب وكرامتو من سعة يف الػدنيا وم انػة يف العػاَل ‪ .‬ولسػنا يف حاجػة إىل أف‬ ‫نػػذكر اؼبسػػلم هبػػذا فقػػد قيػػل لػػو ىػػذا ال ػػبلـ كثػَتاً ‪ ،‬ول ػػن ردبػػا َل يشػػعر اؼبسػػلم بارتبػػاط ىػػذا‬ ‫اغبديث بالتوحيد وارتباط التوحيد بالعلم وارتباط العلم بالقراءة ؛ ( اقرأ وربػك األكػرـ ) ويف‬ ‫عهػػرىم َل ي ػػن عنػػد أحػػد يف العػػاَل مػػا عنػػدىم م ػن العلػػم واالتهػػاؿ بوسػػائلو ق ػراءة وكتابػػة‬ ‫وم ات …‬ ‫اؼبثػل الثالػػث إ إذا ن رنػػا حولنػػا يف ىػػذا العهػػر الػذي نعػػيذ فيػػو قبػػد أف الػػذين يتمتعػػوف‬ ‫خبَتات العاَل وينالوف ال رـ وال رامة ىم قػراء ىػذا العهػر وأكثػرىم صػلة بػالقراءة ومػا يتهػل‬ ‫هبا ‪ ،‬كما تبينو اإلحهاءات اليت ُّ‬ ‫تعد اؼبؤلفُت وال ت واعبرائد واجملبلت واؼب تبػات ونهػي‬ ‫كل فرد من الورؽ اؼبطبوع ‪ ،‬حىت لقد اعطر توينيب أف يقرر إ (إف ارتفاع نسبة قػراء ال لمػة‬ ‫اؼبطبوع ػػة ى ػػو األس ػػاس اغبع ػػاري لته ػػنيف البل ػػداف يف الع ػػاَل إىل دوؿ متخلف ػػة أو نامي ػػة أو‬ ‫متقدمة ) ‪.‬‬ ‫اؼبثػػل الرابػػع إ إنػػو اليابػػاف ‪ -‬ىػػذا العمػػبلؽ القػػلـ ‪ -‬حيػػث ؿبيػػت فيػػو األميػػة منػػذ القػػرف‬ ‫التاسػػع عشػػر (وإف نسػػبة تعلػػيم الفتيػػات ازدادت يف اليابػػاف ‪ ،‬فقػػد وصػػلت نسػػبة مػػن ين ػػُت‬ ‫الثانويػػة العامػػة (٘‪ .. )%ٜ‬ويلعػ ال تػػاب دوراً بػػارزاً يف حيػػاة الفػػرد اليابػػاي ‪ ،‬فمؤسسػػات‬ ‫ػعفي مػا ينشػر يف‬ ‫النشر اليابانية تهدر (ٖ٘ ألف) عنواف جديػد سػنوياً تقريبػاً ‪ ،‬وىػا يبثػل ع ّ‬ ‫الواليات اؼبتةدة األمري ية ‪ ،‬كما أف الياباف ياي أع م قوة صناعية يف العاَل)(ٔ) ‪.‬‬ ‫إف اإلنس ػػاف ليته ػػا ر أم ػػاـ م ػػن ى ػػو أق ػرأ منػػو ‪ ،‬س ػػنة اهلل (ى ػػل يس ػػتوي ال ػػذين يعلم ػػوف‬ ‫والذين ال يعلموف ) سورة اللمر ‪ ، ٜ /‬حسػبك مػن صػدؽ ىػذا مػا عنػد النػاس مػن ن ػر إىل‬ ‫العاَل أو من وبمل ش ادة أعلى ‪ ..‬إف ىذا الن ر التقديري يرتفع إىل درجة اػبرافة أحياناً ‪.‬‬ ‫(ٔ) ان ر ؾبلة العر حليراف ٘‪ ، ٜٔٛ‬كتاب الش ر ‪.‬‬


‫أجػػل إف مػػن يقػرأ أكثػػر ينػػل أكثػػر ‪ ..‬إنػػو قػػانوف اهلل ‪( ..‬لػػيس بأمػػاني م وال أمػػاي أىػػل‬ ‫ال ت ػػاب ‪ .‬م ػػن يعم ػػل س ػػوءا هب ػػل ب ػػو ) (النس ػػاء ‪ )ٕٖٔ/‬وإف اهلل ال ين ػػر إىل أقػ ػواؿ الن ػػاس‬ ‫وصػػورىم وأظبػػائ م ‪ ،‬وإمبػػا مػػن يتبػػع سػػنة اهلل ينػػل وعػػد اهلل ‪ ( ،‬ك ػبلً مبػػد ىػػؤالء وىػػؤالء مػػن‬ ‫عطاء ربك وما كاف عطاء ربك ؿب وراً ) (اإلسراء ‪. )ٕٓ/‬‬ ‫وقد يبيل بعل الناس إىل إعطاء الػذكاء درجػة أظبػى مػن القػراءة ‪ ،‬بػل إنػو ؼبػا بػدأ النػاس‬ ‫يبلح ػػوف إم ػػاف التػػدخل يف ورايػػة الهػػفات الوراييػػة ‪ ،‬كػػاف أوؿ مػػا خطػػر ؽبػػم عمػػل نسػػخ‬ ‫م ررة من العباقرة األذكياء أو نقل موريات ذكائ م إىل اآلخرين ‪ .‬لقد فل ىؤالء أف الذي‬ ‫هبعل اإلنساف إنساناً ليس فقط مػا يعػاؼ إليػو قبػل أف ىبػرج مػن بطػن أمػو وإمبػا مػا يعػاؼ‬ ‫إليػػو بعػػد خروجػػو مػػن عػػاَل األجنػػة إىل عػػاَل الطفولػػة والًتبيػػة ‪ ،‬ولػػيس الػػذكاء ىػػو الػػذي كػػاف‬ ‫يػػنقا األطفػػاؿ الػػذين كػػانوا يولػػدوف مػػن ع ػػد نػػوح ‪ ،‬فنسػػبة الػػذكاء يف اؼبواليػػد الثابتػػة علػػى‬ ‫مدى التاريخ ‪ ،‬ول ن َت الثابت ىو هتيعة ال روؼ والبيعة اليت تهنع اإلنساف ‪.‬‬ ‫إف الفرؽ بُت كافة علمائنػا اؼبعاصػرين يف صبيػع فػروع العلػم ‪ ،‬والعلمػاء الػذين عاشػوا مػن‬ ‫قبػػل ل ػيس يف مسػػتوى الػػذكاء ‪ ،‬وإمبػػا امتػػاز العلمػػاء اؼبعاصػػروف بػػأف أمػػام م خػاات مًتاكمػػة‬ ‫أكثػػر مػػن األجيػػاؿ اؼباعػػية حف ػػت بال تابػػة ‪ ،‬واسػػتفيد من ػػا بػػالقراءة ‪ .‬إف ذكػػاء اإلنسػػاف‬ ‫ل ػػيس ب ػػذي قيم ػػة ب ػػدوف سبث ػػل اػب ػاات البش ػرية اؼبًتاكم ػػة اظفوظػػة بواس ػػطة ال تابػػة اؼبس ػػتغلة‬ ‫واؼبسػػتفاد من ػػا بػػالقراءة ‪ ،‬فػػأرقى النػػاس إنسػػانية أكثػػرىم إحهػػاء ؼبػػا حػػدث يف العػػاَل بشػ ل‬ ‫مهفى ومركل ‪.‬‬ ‫ىذا اؼبوعوع ىو الذي هبعل القراءة قبل الذكاء وقبل العبقرية ‪ ،‬وىو الذي جعػل القػوؿ‬ ‫أو التمثيػػل يقػػرب اغبقيقػػة القائلػػة بػػأف اؼبتػػأخر (اػبلػػف) مثػػل القػػلـ الػػذي هبلػػس علػػى رقبػػة‬ ‫العمػػبلؽ ( السػػلف ) ‪ ،‬فيشػػاىد كػػل مػػا يشػػاىده العمػػبلؽ ‪ ،‬كمػػا يشػػاىد شػػيعاً ال يشػػاىده‬ ‫العمػػبلؽ ‪ .‬إف الق ػراءة ىػػي الػػيت تقعػػد األق ػلاـ علػػى رقػػاب العمالقػػة ‪ ،‬فًتفػػع االخػػبلؼ فػػوؽ‬ ‫أبراج األسبلؼ فيأخذوف كل ما عند األسبلؼ بػدوف مؤونػة إال مؤونػة القػراءة ‪ ،‬ا ىػم بعػد‬ ‫ذلك تفت ؽبم أيعاً على قدر قراءهتم ر ى جديدة ‪.‬‬


‫وإف ؾبػػرد إلقػػاء ن ػػرة علػػى تػػاريخ العلمػػاء يف العػػاَل يبػػُت لػػك أف القػراءة الدائمػػة والت ػػاـ‬ ‫ال ت والتةايل للةهوؿ علي ا وعلى الػدخوؿ إىل اؼب تبػات … دأب العلمػاء ‪ .‬أن ػر ‪-‬‬ ‫مػػثبلً ‪ -‬كتػػاب كليلػػة ودمنػػة ومػػا وعػػع يف مقدمتػػو مػػن اعب ػػود الػػيت بػػذلت يف ربهػػيل ىػػذا‬ ‫ال تػػاب ‪ .‬لق ػد كػػاف ال تػػاب يف أوؿ األمػػر كالسػػر مػػن أس ػرار الدولػػة واؼب نػػة ‪ .‬واآلف أيع ػاً‬ ‫توجػد معلومػػات عاؼبيػة ؿبجػػوزة ال يفػػرج عن ػا إال بعػػد سػػنوات تطػوؿ أو تقهػػر حسػ ر ى‬ ‫أصةاهبا ‪ .‬إ ا بقية موقف األقدمُت من ال تاب ‪.‬‬ ‫ول ػػن العلػػم بػػدأ ينتشػػر ويعػػم حػػُت خػػرج مػػن أف ي ػػوف سػراً يف أيػػدي ال نػػة ‪ ،‬وحػػُت‬ ‫كشفت صناعة الورؽ وبدأت الطباعة وبدأ التوجو إىل ؿبػو األميػة ‪ .‬ول ػن بعػل اجملتمعػات‬ ‫كما تعجل عن ؿبو األمية ‪ ،‬تعجل أيعاً عن تقػد العلػم أو تقػد العمػبلؽ لػيجلس األقػلاـ‬ ‫على رقبتو ‪.‬‬ ‫وإذا كػػاف مػػن نهػػيةة أيػػَتة أقػػدام ا للشػػباب الػػذي تعلػػق األمػػة علػػي م ماؽبػػا ‪ ،‬ف ػػي‬ ‫أف يتطلعوا إىل مهادر للعلم َت اؼبهػادر الػيت كنػا نسػتقي من ػا ‪ ،‬ألف اؼبهػادر الػيت أخػذنا‬ ‫من ػػا العل ػػم َل تعطن ػػا إال م ػػا يش ػػاىدوف م ػػن نتائج ػػو اؼبرئي ػػة اؼبلموس ػػة ال ػػيت سب ػػس جل ػػودىم‬ ‫وع ػػمائرىم ‪ ،‬وى ػػذا م ػػا ع ػػا عن ػػو ؿبم ػػد الط ػػاليب بأس ػػلوب خ ػػر ح ػػُت ق ػػاؿ إ ( إف إخف ػػاؽ‬ ‫(ٔ)‬ ‫السياسة يف معاعبة شؤوف اليػوـ ‪ ،‬إمبػا ىػو إىل حػد بعيػد إخفػاؽ اعبامعػة قبػل كػل شػيء )‬ ‫وىو يعٍت ب بلمو إخفاؽ مؤسسة تعليم القراءة ‪ ،‬اؼبؤسسة اليت ينبغي أف تعلمنا كيف قبلس‬ ‫على رقبػة العمػبلؽ ‪ ،‬اؼبؤسسػة الػيت ذبعػل صػلتنا بػاػباات البشػرية اؼبًتاكمػة صػلة صػةيةة ‪.‬‬ ‫إنو ليس شيء مثل القراءة يعلم التجاوز ‪ ،‬ويهػة اػبطػأ ويػدؿ علػى اؼبراحػل القادمػة ‪ .‬إف‬ ‫الػػن م يف الق ػراءة يػػا لنػػا مػػاذا نق ػرأ ومػػاذا نػػًتؾ ‪ ..‬وإنػػو ؼبػػا ىبجلنػػا أشػػد اػبجػػل أف كبػػاوؿ‬ ‫ال تابة يف موعوع ما ‪ ،‬وكبن َل نطّلع على مػا قيػل يف ىػذا اؼبوعػوع ‪ ،‬وكبػن ىنػا ردبػا ن ػوف‬ ‫أمناء أماـ أجيالنا القادمة ‪ ،‬حُت ال كبمل م اآلصار واأل بلؿ اليت كبمل ا ‪ ،‬ون وف صػرحاء‬ ‫(ٔ) ؾبلة عاَل الف ر ‪ ،‬اجمللد اػبامس ‪ ،‬العدد األوؿ ٗ‪. ٜٔٚ‬‬


‫أمام م وأمنػاء علػى عػرض اغبقيقػة بػأال ن ػتم م اغبػق ليتػدبروا أمػرىم وليخرجػوا مػن القمقػم‬ ‫الذي نعيذ فيو ‪.‬‬ ‫ودراسة سَت العلماء ترشد إىل أ م كانوا قراء مُت ‪ ،‬واسم كتاب اؼبسلمُت القر ف من‬ ‫استةر‬ ‫وقرا ه ىم الذين زينوا القر ف بفعاؽبم ‪ ،‬والتف َت جبمع القر ف إمبا ظ ر حُت‬ ‫َّ‬ ‫القراءة ‪ّ ،‬‬ ‫القتل بالقراء يف حروب الردة ‪.‬‬ ‫واعباحل لو مقاـ يف اغبعػارة اإلسػبلمية يتػألق قبمػو علػى مػر الػلمن ‪ ،‬وقػد كانػت وفاتػو‬ ‫ربت ركاـ ال ت اليت هتػدمت عليػو ‪ ،‬إنػو شػ يد ال تػاب والقػراءة ‪ .‬لقػد كػاف قارئػاً دبسػتوى‬ ‫حع ػ ػػاري إنس ػ ػػاي ع ػ ػػاؼبي ‪ ،‬ول تب ػ ػػو طع ػ ػػم خ ػ ػػاص وذوؽ مع ػ ػػُت وذل ػ ػػك لعاؼبيت ػ ػػو يف الق ػ ػراءة‬ ‫وإلنسانيتو يف الثقافة ‪ ..‬إنو يتناوؿ األمور برحابة صدر بعيداً عػن ال ػلازة ‪ ،‬ويرجػع ذلػك إىل‬ ‫أف اعبػػاحل كػػاف يتػػذوؽ مػػع يػػات ال تػػاب يػػات االفػػاؽ واألنفػػس ‪ .‬ومػػن ىنػػا قػػاؿ ابػػن‬ ‫العميد عن كتبو إ (إف كتػ اعبػاحل تعلػم العقػل أوالً واألدب يانيػاً) ‪ .‬وىػو وإف كػاف إمامػاً‬ ‫يف األدب إال أنو أيعاً صاح مذى يف العقيدة ‪.‬‬ ‫واإلمػػاـ الغػلا ىجػػر األسػػتاذية ورئاسػػة العلػػم إىل التفػػرغ للتف ػػَت ودراسػػة علػػوـ عهػػره ‪،‬‬ ‫حىت قاؿ عن نفسو إ إنو تف م الفلسفة حىت صارت عليو أس ل من شػرب اؼبػاء ‪ ،‬وكشػفت‬ ‫مقاصد الفبلسفة وأظ رىا ووعة ا أكثر من أىل ا ‪.‬‬ ‫واإلمػػاـ البخػػاري كػػاف يقػػوـ يف الليلػػة الواحػػدة أكثػػر مػػن أربػػع عشػػرة مػػرة ليوقػػد الس ػراج‬ ‫وليتأكد من حديث شريف ‪.‬‬ ‫وإىل يومنا ىذا لن ذبد إنسػاناً ذا وزف إال ووجػدت وراءه مػاً يف القػراءة ‪ .‬والشػيخ بػدر‬ ‫الػػدين الدمشػػقي حػػبس نفسػػو تسػػع سػػنوات يف اؼب تبػػة ‪ ،‬وكثػػَت مػػن علمػػاء اؼبسػػلمُت و ػػَت‬ ‫اؼبسلمُت كانوا شديدي الن م للقراءة ‪.‬‬ ‫إف ال ػػن م يف القػ ػراءة وال ػػاوز يف العل ػػم ؾب ػػاؿ دراس ػػة م م ػػة ل ش ػػف األس ػػباب والنت ػػائج‬ ‫ومساعدة الناس على التوجو بوعي إىل الدراسة والقراءة ليتبُت ؽبػم أف اإلنسػاف بػالقراءة ينػاؿ‬ ‫كرـ اهلل وكرامتو ‪.‬‬


‫القراءة والعلم إ‬ ‫من ػػذ أف ب ػػدأ اإلنس ػػاف يق ػرأ وي تػ ػ ب ػػدأ العل ػػم ينم ػػو ‪ .‬فنم ػػاء العل ػػم وس ػػعتو ب ػػالقراءة ‪،‬‬ ‫وسي ل األمر كذلك ‪ ..‬وكوف النيب صلى اهلل عليو وسلم أميػاً معنػاه أف أحػداً مػن البشػر لػن‬ ‫يػػأب بشػػيء وىػػو أمػػي ‪ .‬وأمػػر اهلل النػػيب األمػػي بػػالقراءة يف أوؿ كلمػػة إليػو إلغػػاء لبلميػػة وفػػت‬ ‫لع د جديد ع د ( اقرأ ) و ( علّم بالقلم ) و ( ف ‪ .‬والقلم وما يسطروف ) وع د ( الػرؽ‬ ‫اؼبنشور ) ‪ .‬ىذه ال لمات ىي اليت ربطت العلم بالقراءة وال تابة ‪ ،‬والقلم وما يسطروف ‪.‬‬ ‫إف دليل العلم العاقبة ‪ ،‬والعلم والعاقبة إمبا وبف ػاف وينميػاف مػن خػبلؿ القلػم ‪ ،‬والػدليل‬ ‫على أف العلم من القلم واع يف قولو تعاىل إ ( علّم بالقلم ) ‪ .‬إذاً العلم بالقلم ‪ ،‬بال تابة‬ ‫‪ ،‬باغبفل ‪ ،‬بتسجيل ذبارب البشر والن ر في ا ‪ ..‬وبذلك يػتمةا العلػم ‪ .‬ولػو فقػد النػاس‬ ‫كل شيء وبقيت ال ت ألم ن إعادة كل شيء ‪ ،‬ول ن لو فقدوا كل شيء مع ال تػ ‪،‬‬ ‫الحتػػاجوا مػػرة أخػػرى إىل الػػلمن الػػذي احتاجػػو تقػػدـ العلػػم ‪ ..‬وكػػوف اقػرأ أوؿ كلمػػة يف خػػر‬ ‫رسالة إشارة إىل ع د جديد يف النبوة ويف أسلوب جديد يف التلقي عن اهلل ‪ .‬إ ػا يػات اهلل‬ ‫يف االفاؽ والنفس اليت ستُ ر للناس اغبق ‪ ،‬وىذه اآليات إمبا ربفل دالالهتا بالعلم والقراءة‬ ‫‪ .‬فبػػالقراءة وبهػػل اإلنسػػاف علػػم األولػػُت صبيعػاً ‪ .‬وبػػالقراءة يرقػػى اإلنسػػاف الػػدرجات العػػبل ‪،‬‬ ‫ويف ىذا يقوؿ عليو الهبلة والسبلـ إ « اقرأ وارؽ » ؛ أي على قدر القراءة تنػاؿ الػدرجات‬ ‫العػػبل وتنػػاؿ الرقػػي والعلػػو واالرتفػػاع ‪ .‬واالسػػتعماؿ التقليػػدي للةػػديث الشػريف يقهػػره علػػى‬ ‫القر ف ال ػر ‪ ،‬وعلػى الرقػي يف اليػوـ اآلخػر فقػط ‪ .‬ول ػن ‪ -‬كمػا يقػاؿ يف علػم األصػوؿ ‪-‬‬ ‫األمػػر لػػيس خبهػػوص السػػب بػػل بعمػػوـ اغبػػاؿ ‪ ،‬وهبػػذا االعتبػػار يب ػػن أف يعمػػم اؼبوعػػوع‬ ‫فيشمل قراءة القر ف ال ػر و ػَته ‪ ،‬ألف القػر ف يأمرنػا بالسػَت يف األرض ‪ ،‬والن ػر كيػف بػدأ‬ ‫اػبلػق ‪ .‬ويب ػػن ربهػػيل نتػػائج السػَت والن ػػر بػػالقراءة ‪ ،‬فػػالقر ف يوسػع لنػػا ؾبػػاؿ القػراءة ‪ ،‬وإف‬ ‫ق ػراءة أي كتػػاب تفػػت البػػاب لق ػراءة ػػَته ‪ .‬ولػػيس الرقػػي للقػػارئ يف اآلخػػرة فقػػط ‪ ،‬بػػل إف‬ ‫يات االفاؽ واألنفس تدؿ على أف القارئ ىو الذي يرقى ويرتفع يف الدنيا أيعاً ‪.‬‬


‫وكثَتاً ما نعطل اؼبعموف االجتماعي آليات القر ف هبذا النوع من اغبهر والبًت والفهػل‬ ‫عػػن واقػػع اغبيػػاة ‪ .‬وىػػذا مػػا جعػػل مالػػك بػػن نػػيب يقػػوؿ عػػن يػػة ( إف اهلل ال يغػػَت مػػات بقػػوـ‬ ‫حػػىت يغػػَتوا مػػا بأنفس ػ م ) إ ولقػػد أشػػادت أيع ػاً اغبركػػات التغيَتيػػة الػػيت سػػبقت يف العػػاَل‬ ‫اإلسبلمي هبذه اآلية كشعار ‪ ،‬ول ن يبدو أ ػا َل تعػع يف ىػذا الشػعار سػوى التػاؾ ب ػبلـ‬ ‫اهلل والتفػػا ؿ حبيػػث َل ي ػػن بيػػدىا يف حقيقػػة األمػػر وسػػيلة تغيػػَت ‪ ،‬أو إذا شػػعنا قلنػػا إ إ ػػا‬ ‫وعػ ػػعت يف اآليػ ػػة ال ريبػ ػػة ؾبػ ػػرد اظتػ ػػوى الغيػ ػػيب ‪ .‬حػ ػػىت أنػ ػػو يب ننػ ػػا القػ ػػوؿ ‪ ،‬بػ ػػأف اؼبفعػ ػػوؿ‬ ‫االجتماعي لآلية قد عطل هبذه الطريقة(ٔ) ‪.‬‬ ‫وإف الق ػراءة الواسػػعة العميقػػة الشػػاملة ل ػًتاث البش ػرية الػػيت عناىػػا قولػػو تعػػاىل إ ( إئتػػوي‬ ‫ب تػػاب مػػن قبػػل ىػػذا أو أيػػارة مػػن علػػم ) (األحقػػاؼ ‪ )/ٗ /‬ىػػي الػػيت ذبعػػل اإلنسػػاف عاؼبيػاً‬ ‫يتجػػاوز األل ػواف واللغػػات واؼبعتقػػدات ‪ ،‬فالػػذين يع ػربوف يف عػػاَل الق ػراءة بس ػ اـ وافػػرة ‪ ،‬ىػػم‬ ‫الذين يب ن م أف يتساؿبوا مع الباحثُت واؼبخالفُت ‪ ،‬وىم الذين يقػدروف علػى ر يػة اعبوانػ‬ ‫ويغعوف الطرؼ علػى اعبوانػ السػلبية ‪ .‬فالدراسػة ذبعػل صػدر صػاحب ا‬ ‫اإلهبابية ويلكو ا ‪ّ ،‬‬ ‫واسػػعاً وقلبػػو كبػَتاً ‪ ،‬وحلمػػو عامػاً وأسػػلوبو قويػاً يف بيػػاف اغبػػق مػػع رضبػػة اػبلػػق ‪ .‬إف التسػػام‬ ‫ػػٍت وكػػرـ ‪ ،‬وَل ي ػػتم ن فقػػَت وخبي ػػل أف ي ػػوف ج ػواداً كريب ػاً مػػع النػػاس ‪ .‬وبػػالقراءة الواسػػعة‬ ‫الشػاملة لػًتاث البشػرية يتةلػػى اإلنسػػاف بالوقػػار والرضبػػة واغبلػػم والعفػػو ‪ .‬عػػن الهػػا والغفػراف‬ ‫والرضبػػة واإلحسػػاف ‪ ..‬ىػػي الثم ػرات اليانعػػة للق ػراءات الواسػػعة للسػػَت يف األرض والن ػػر إىل‬ ‫سنن الذين خلو مػن قبػل ‪ .‬وأي يقػدر علػى التسػام مػن َل يتطلػع علػى مواقػف اؼبتػاظبةُت‬ ‫يف العاَل ! وؽبػذا يقػوؿ اهلل لنبيػو ( وكػبلً نقػا عليػك مػن أنبػاء الرسػل مػا نثبػت بػو فػؤادؾ )‬ ‫(ىود ‪. )ٕٔٓ /‬‬ ‫القراءة واالجت اد إ‬ ‫(ٔ) أن ر مقدمة كتابنا حىت يغَتوا ما بأنفس م ‪.‬‬


‫كثػػر يف العهػػور األخػػَتة اغبػػث علػػى االجت ػػاد يف العػػاَل اإلسػػبلمي ‪ ،‬االجت ػػاد بػػاؼبعٌت‬ ‫األصػػو ‪ ،‬االجت ػػاد السػػتنباط أح ػػاـ جديػػدة تناسػ الوقػػائع اعبديػػدة يف اإلسػػبلـ ‪ ،‬كمػػا‬ ‫كثر الذين زبوفوا من االجت اد ‪ ،‬والذين تأسفوا من إ بلؽ باب االجت اد ‪..‬‬ ‫وحبس ما أرى أف االجت اد لن يتةقق باألسف على توقفو ‪ ،‬وال باغبث على فبارستو‬ ‫‪ ،‬وإمبا يتةقق على وج و الهةي ب ثرة القراءة واالطػبلع ‪ ،‬ور يػة مػوارد األدلػة ومهػادرىا‬ ‫‪ .‬فالذي اطلع على كل ما قالو النػاس يف موعػوع مػا سػواء مػن أىػل األديػاف ‪ ،‬أو أصػةاب‬ ‫العق ػػوؿ عل ػػى اخ ػػتبلؼ العه ػػور ‪ ..‬ال يب ػػن أف ُيبن ػػع م ػػن االجت ػػاد ‪ .‬كم ػػا أف م ػػن كان ػػت‬ ‫قراءاتو قليلة ال يب نو أف هبت د وال بهر مواطن الف م والرشاد ‪ ،‬أو مواطن اػبطػأ والفسػاد ‪،‬‬ ‫وإف الػػذين ال يدرسػػوف علػػم اؼبقارنػػة يف اآلداب والش ػرائع والت ػواريخ ‪ ،‬وال يدرسػػوف أح ػػداث‬ ‫العاَل وال يقارنوف فيما بين ا ‪ ،‬ال يب ن أف يلكو العلم على أيدي م ‪.‬‬ ‫واإلنساف ال يب ن أف يتجاوز قدره ‪ ،‬وقدره إمبا ىو حبسػ علمػو ومعارفػو وشخهػيتو ‪.‬‬ ‫وكل واحد منا إمبا ىو ؿبهلة ما صبع من خاات يف ىذا العاَل الذي يعػيذ فيػو ‪ .‬واػبػاات‬ ‫إمبا ىي اػباات البشرية اؼبًتاكمة اليت حهل ا بالقراءة ‪.‬‬ ‫وإف ال ػػذي سب ػػن م ػػن اإلحاط ػػة بع ػػاَل األف ػػار ‪ ،‬يب ن ػػو أف وب ػػدد مس ػػتوى أي كات ػ ‪،‬‬ ‫ودبجػػرد أف يطلػػع علػػى عن ػواف أو ف ػػرس أو فهػػل مػػن كتػػاب ‪ ،‬فانػػو يعلػػم مسػػتوى ودرجػػة‬ ‫ومقدار ما حهل صاحبو من علم ‪ .‬مثاؿ ذلك ما ذكره ابن الند يف الف رست عن العتا‬ ‫أنو إ (لو قيل ألشاعره ارجعي إىل أصةابك ؼبا بقي لو شيء) ‪ .‬وكل واحد منا ال يب نػو أف‬ ‫يعػػدو قػػدره ‪ ،‬وال أف يعػػدو اطبلعاتػػو ومػػا ىعػػم مػػن أف ػػار ‪ ،‬ف ػػو ؿبػػدود هبػػذا اغبػػد شػػاء أـ‬ ‫أىب ‪ ..‬وكل واحد منا لو مقاـ معلوـ ال يب ن أف يتجاوزه ‪ ،‬فاظهي لؤلف ار سيعلم من أي‬ ‫إنػػاء ننع ػ ‪ ،‬وعنػػد أي مف ػػوـ زمػػٍت نقػػف ‪ ،‬بػػل ويب ػػن أف وبػػدد مهػػادر معلوماتنػػا زماني ػاً‬ ‫وم انياً ‪ ،‬ويهفنا حبس مراجعنا اليت ال زبفى على البهَت اؼبطلع ‪.‬‬ ‫إف الػػذين يقومػػوف بػػدور الش ػ ادة ( وت ون ػوا ش ػ داء علػػى النػػاس ) (اغبػػج ‪ )ٚٛ /‬ىػػم‬ ‫الذين يب ن م أف يقوموا هبذا الدور يف التهنيف والتةجيم ‪ .‬وكبػن أمػة ( اقػرأ وربػك األكػرـ‬


‫) أنبلنا ىذا الواج وزبلينػا عػن ىػذه ال رامػة ‪ ،‬فهػرنا موعػوع دراسػة لغَتنػا ‪ ،‬ولػيس َتنػا‬ ‫موع ػػوعاً لدراس ػػتنا ‪ ،‬و َتن ػػا ى ػػم ال ػػذين يقوم ػػوف بش ػػرؼ الش ػ ادة عل ػػى الع ػػاَل ‪ ( .‬وت ون ػوا‬ ‫ش ػ داء علػػى النػػاس ) ‪ .‬إ ػػا وظيفػػة ال يب ػػن أف يؤدي ػػا مػػن َل وبمػػل نفسػػو علػػى اكتسػػاهبا‬ ‫س العاَل ‪.‬‬ ‫ويَػعُ َّ‬ ‫واكتساب مثل ىذه الوظيفة ‪ ،‬أو التطلع الكتساهبا ‪ ،‬يتطل من اإلنساف منطلقات يف‬ ‫تهور بدء التاريخ ( بدء اػبلق ) واؼبهػَت ‪ ،‬وسػلطاف اإلنسػاف ‪ ،‬والقػدرة التسػخَتية ‪ ،‬ومعػٌت‬ ‫اغبق وسنن اػبلق ‪ ،‬كما يتطل نوعاً جديداً من الػوعي للمبػدأ واؼبهػَت وللوسػائل والغايػات‬ ‫‪ .‬وكبػػن َل نرتفػػع ؽبػػذا اؼبسػػتوى ‪ ،‬وؾبتمعنػػا ال تفػػوح منػػو مثػػل ىػػذه الرائةػػة ‪ ،‬النشػػغالو بػػأمور‬ ‫أخرى ‪ -‬ىػي يف ن ػره ‪ -‬ملةػة أكثػر وعاجلػة ‪ ،‬كانػت ؿبػط اىتمػاـ اإلنسػاف قبػل أف يػرتبط‬ ‫بػػاجملتمع ويتنػػازؿ عػػن حقوقػػو القبليػػة والعشػػائرية ليوسػػع مػػن نطػػاؽ إنسػػانيتو ‪ .‬وإف إدراؾ مثػػل‬ ‫ىذه النقبلت النوعية وبتاج إىل لغة جديدة للخطاب نفتقد أجبدية سنن ا ‪ ،‬فثقافتنا اؼبتداولة‬ ‫إمبا ىي يف اإلشادة ب رامات األوليػاء ‪ ،‬ومقامػات سػادتنا ‪ ،‬واغب مػة كػل اغب مػة أف ن ػوف‬ ‫بُت أيدي م كاؼبيت بُت يدي الغاسل ‪ ،‬إف كاف مثل ىػذا اؼبيػت وبتػاج إىل تط ػَت ‪ .‬وال عػاة‬ ‫بتغَت أظباء األولياء واؼبشايخ بألقاب جديدة ‪ ،‬فعبلقػة اؼبريػد بالشػيخ ال تػلاؿ كمػا كانػت مػع‬ ‫ك ػػل ش ػػعاراتنا الفخم ػػة ‪ ،‬ومػ ػػن ق ػػاؿ لش ػػيخو إ َل ال يفل ػ ػ أبػ ػػداً ‪ ،‬ى ػػي مع ػػموف اغبريػ ػػة‬ ‫والديبقراطية عندنا ‪ ،‬ومن ىنا ينبغي أف يعلم شبابنا أننا َل نبدأ بعد بالن عة وال بالف م ‪.‬‬ ‫ط‬ ‫إف من ين ر إىل إنتاجنا الف ري ‪ ،‬وبعاعتنا اؼبتداولة اليت ؽبا الهدارة ‪ ،‬يعرؼ أننا زبػ ُ‬ ‫خطوة واحدة منذ معيت عاـ ‪ ،‬بل يب ن أف يرى تراجع األىػداؼ والغايػات ‪ ،‬وتثبيػت دعػائم‬ ‫التخلف والتشتت ‪ .‬فالذين ليس ؽبم بهر بسنن التاريخ وكيف بدأ اػبلق ‪ ،‬يهػابوف بػاغبَتة‬ ‫والي ػػأس م ػػن الع ػػيذ يف التن ػػاقل ‪ ،‬واخ ػػتبلط ال ػػدنس باؼبق ػػدس والعل ػػم باعب ػػل ‪ ،‬والش ػػرؼ‬ ‫بالوعاعة ‪ ،‬واألمانة باػبيانة والعمالة ‪.‬‬ ‫القراءة وعاَل األشخاص إ‬


‫يتةػػدث الػػدكتور ؿبمػػد عابػػد اعبػػابري يف كتابػػو (اػبطػػاب العػػر اؼبعاصػػر دراسػػة ربليليػػة‬ ‫نقدية) عن موقف اإلنساف العر اؼبعاصر إزاء مش لة الن عة أو التنميػة أو ذبػاوز التخلػف‬ ‫‪ ،‬حيػػث عػػرض فيػػو بش ػ ل مبسػػط واع ػ للمش ػ لة ووصػػل يف ايػػة البةػػث إىل خبلصػػة‬ ‫ىامة يقوؿ إ (السلفي واللياا وصبيع األظباء األيديولوجيػة العربيػة األخػرى ال نسػتطيع كبػن‬ ‫العػػرب صبيعػاً ‪ ،‬أف نف ػػم ‪ ،‬وال أف نعػػي ‪ ،‬وال أف مبػػارس األصػػالة واؼبعاصػػرة ‪ .‬ال نسػػتطيع أف‬ ‫قبػػدد ف رن ػػا ‪ ،‬وال أف نش ػػيد حلم ػاً للن ع ػػة مطابق ػاً م ػػا دمن ػػا ؿب ػػومُت بس ػػلطة النم ػػوذج ‪-‬‬ ‫السلف ‪ -‬سواء كاف الًتاث أو الف ر اؼبعاصر أو شيعاً من ما ‪.‬‬ ‫نعػػم ؛ اإلنسػػاف بطبيعتػػو يف ػػر مػػن خػبلؿ مبػػوذج ‪ ،‬ول ػػن فػػرؽ بػػُت مبػػوذج يؤخػػذ كرفيػػق‬ ‫مبوذج يؤخذ كأصيل يقاس عليو ‪ ،‬النموذج حينما يتخذ أصبلً سػلفاً ‪،‬‬ ‫لبلستعناس بو ‪ ،‬وبُت ٍ‬ ‫يهػػب سػػلطة مرجعيػػة عػػا طة قػػاىرة ربتػػوي الػػذات احت ػواء وتفقػػدىا شخهػػيت ا واسػػتقبلؽبا‬ ‫… إذف فبػػا هبػ البػػدء بػػو ىػػو معرفػػة الػػذات أوالً ‪ ،‬ىػػو فػػك أسػػارىا مػػن قبعػػة النمػػوذج ‪-‬‬ ‫السػػلف ‪ -‬حػػىت تسػػتطيع التعامػػل مػػع كػػل النمػػاذج تعػػامبلً نقػػدياً ‪ ،‬وذلػػك طريقػػة األصػػالة‬ ‫واؼبعاصرة معاً) (ص ‪. )٘ٚ - ٘ٙ‬‬ ‫ما يسميو الدكتور اعبابري ىنػا النمػوذج والسػلف ‪ ،‬ىػو مػا نطلػق عليػو يف ىػذه الدراسػة‬ ‫عػاَل األشػخاص مقابػػل عػاَل األف ػػار ‪ ،‬أو مػا نعػػا عنػو أيعػاً بالتعامػل مػػع الوجػود اػبػػارجي‬ ‫بػػدؿ التعامػػل مػػع الهػػور الذىنيػػة ‪ ،‬أو مػػا يب ػػن أف يعػػا عنػػو باالجت ػػاد مقابػػل التقليػػد …‬ ‫وكمػػا يب ػػن أف نقػػوؿ إ إف مػػا يطلػػق عليػػو القػػر ف حػػُت يُنطػػق الػواقعُت ربػػت أسػػار السػػلف ‪.‬‬ ‫النموذج ‪ -‬بقوؽبم ( وإذا قيل ؽبم إ اتبعوا ما أنلؿ اهلل ‪ ،‬قالوا إ بل نتبع ما ألفينا عليػو باءنػا‬ ‫) (البقػػرة ‪ ( ، )ٔٚٓ /‬بػػل قػػالوا إ إنػّػا وجػػدنا باءنػػا علػػى أمػػة وإنػػا علػػى يػػارىم م تػػدوف )‬ ‫(اللخػػرؼ ‪ . )ٕٕ /‬وكبػػن إف أرجعنػػا اؼبعػػٌت اغبقيقػػي لنقػػد أو إدانػػة الػػذين يتبعػػوف اآلبػػاء بغػػَت‬ ‫علم ‪ ،‬ن وف قد أحيينا من ج القر ف ومن ج العلم يف كل عهر وأواف ‪.‬‬ ‫ول ن الذي أريد أف أقولو ىنا ‪ ،‬وردبا َل يقلو الدكتور اعبػابري صػراحة ‪ ،‬وإف كػاف يب ػن‬ ‫أف يتعمنو كبلمو ‪ ،‬وَل يقلو أيعػاً دعػاة التجديػد ‪ ،‬أو دعػاة االجت ػاد والنػاىوف عػن التقليػد‬


‫ى ػػو إ أف اػب ػػروج م ػػن النم ػػوذج ‪ ،‬وم ػػن ع ػػاَل األش ػػخاص ‪ ،‬إىل ع ػػاَل األف ػػار ‪ ،‬ال ي ػػتم إال‬ ‫بػػاػبروج مػػن عػػاَل الهػػور الذىنيػػة إىل اغبقػػائق اػبارجيػػة للتعامػػل مع ػػا بػػدؿ النمػػاذج والهػػور‬ ‫واألشخاص ‪ .‬ول ن ىذا القوؿ أيعاً َت كاؼ ‪ ،‬وال يليد عن أف ي وف أسلوباً للتعبػَت عػن‬ ‫اؼبش لة بلفل خر ‪.‬‬ ‫إننػػا ال يب ػػن أف نهػػنع مػػن إنسػػاف مقلػػد ؾبت ػػداً بقولنػػا لػػو إ إجت ػػد ‪ ،‬أو أف مبػػدح لػػو‬ ‫االجت اد ونذـ لو التقليد م ما أوتينا من ببل ة يف الًت ي والًتىي فقولنػا إ كػن ؾبت ػداً ‪،‬‬ ‫كػػن سػػلفياً ‪ ،‬كػػن تقػػدمياً ‪ ،‬كػػن علميػاً ‪ ..‬وال ت ػػن مقلػػداً وال وصػولياً وال ديبا وجيػاً ‪ ،‬ىػػذه‬ ‫األمور اليت كبب ا أو ن رىا لن تتةقق هبذه األوامر أو الوصايا أو اؼبواعل …‬ ‫وى ػذا أرى الػػدكتور اعبػػابري مػػع مالػو مػػن قػػدرة علػػى التةليػل الػػذي يغػػبط عليػػو ‪ ،‬ومػػع‬ ‫ربديد اؼبش لة اعبامعة بُت السلفي واللياا والتقدمي إ َل يقل لنا كيف لبرج مػن النمػوذج‬ ‫والسلف ‪ ،‬وإمبا قػاؿ لنػا بأسػلوبو البليػس السػابق الػذي ىػو مبػوذج بليػس إلدانػة أكثػر ألسػالي‬ ‫معاعبػػة اليمػػُت واليسػػار واؼبتوسػػط ‪ ،‬يف أ ػػم أصبعػػُت مقلػػدوف بػػائيوف مبوذجيػػوف ‪ ،‬وإف كػػاف‬ ‫ل ل من م سلفو اػباص ‪ ،‬و با ه اػباصػوف ‪ ،‬ومباذجػو اؼبفعػلة ‪ ..‬ويف الواقػع إف اعبػابري قػد‬ ‫لنػػا شػػيعاً م مػاً ‪ ،‬يف أنػػو صبػػع كثػَتاً مػػن األمػراض الػػيت كنػػا ن ن ػػا أمراعػاً متعػػددة ومشػ بلت‬ ‫متباين ػػة ‪ ،‬رب ػػت م ػػرض واح ػػد ومشػ ػ لة واح ػػدة ‪ ،‬وى ػػي إ عب ػػادة األش ػػخاص ‪ ،‬والنم ػػاذج ‪،‬‬ ‫والسلف واآلباء ‪ ..‬وىذا تقدـ يف طريػق اغبػل وتعػييق مػن سػاحة اؼبشػ لة ‪ ،‬وربديػد ؼبوعػع‬ ‫الػػداء ‪ ..‬وؽبػػذا قيمػػة كػػاى يف حبػػث وحػػل اؼبش ػ بلت ‪ .‬ول ػػن مػػا الطريػػق للخػػروج مػػن ىػػذا‬ ‫اؼبرض الواحػد إنػو َل وبػدينا مباشػرة ‪ .‬ويب نػٍت أف أقػوؿ ىنػا إ إف السػبيل إىل اػبػبلص مػن‬ ‫األبائية والتقليد والنموذج والسلف واألشخاص ‪ ،‬ىي القراءة الواسعة العميقػة ‪ ..‬ىػي ( اقػرأ‬ ‫ورب ػػك األك ػػرـ ‪ ،‬ال ػػذي عل ػػم بػػالقلم ‪ ،‬عل ػػم اإلنسػػاف م ػػا َل يعلػػم ) ‪ .‬إف الق ػراءة اظ ػػدودة ‪،‬‬ ‫العػػةلة اؼبرعوبػػة ‪ ،‬ال زبلػػا مػػن التقليػػد واألبائيػػة ‪ .‬إف مػػن َل يػػر إال مبوذج ػاً واحػػداً وردبػػا‬ ‫مشوىاً أيعاً ‪ ..‬كيػف يب ػن لػو أف يبػدع ويعػيف جديػداً َل يسػبق لػو مثيػل ‪ .‬فاالجت ػاد يف‬ ‫حقيقتو زيادة على اية بناء سابق ‪ .‬إف الذي يرى مباذج كثَتة ‪ ،‬وبتأمػل عميػق ‪ ،‬ىػو الػذي‬


‫يسػػتطيع أف يسػػتخلا النمػػوذج أو اؼبثػػاؿ الػػذي هبمػػع اغبسػػنات ‪ ،‬أو اؼبثػػاؿ الػػذي َل ي ػػر‬ ‫بعد ‪ .‬إنو ىو الذي يستطيع أف هبٍت الورد يف جوؼ الشجر كما قاؿ إقباؿ ‪.‬‬ ‫ومػػع إي أقػػوؿ إف الق ػراءة الواسػػعة العميقػػة اؼبلةػػة ‪ ،‬يف التتبػػع واالستقهػػاء ‪ ،‬ىػػي الػػيت‬ ‫زبلا من النموذج والتقليد وعاَل األشخاص ‪ ..‬ال أظن أنٍت أعفت شػيعاً كبػَتاً ‪ ..‬فػالقراءة‬ ‫الواسػػعة العميقػػة ‪ ،‬ينبغػػي أف توعػػع ربػػت أعػواء سػػاطعة وؾبػػاىر مو لػػة يف البيػػاف والتوعػػي‬ ‫ألنػػو لػػيس مػػن السػ ل ضبػػل اإلنسػػاف ال سػػي ‪ ،‬والبةػػر الػػذي تعػػوزه اؼبراكػ الػػيت ؽبػػا مناعػػة‬ ‫عػػد الغػػرؽ يف األم ػواج أو اؼبتاىػػات ‪ .‬واآلف إذا قلػػت للػػدكتور اعبػػابري إ كيػػف اػبػػروج مػػن‬ ‫النم ػػوذج والس ػػلف فية ػػق للق ػػارئ أيعػ ػاً أف يق ػػوؿ إ ول ػػن كي ػػف الس ػػبيل إىل القػ ػراءة‬ ‫الواسػػعة العميقػػة الػػيت تنهػ هبػػا أيػػن اػبريطػػة والبوصػػلة ‪ ،‬وأيػػن اؼبرك ػ للػػدخوؿ إىل العػػاَل‬ ‫ال بَت الفسي الذي تشتبو فيو اؼبعاَل‬ ‫أقػػوؿ للمتسػػائل إ إي ال أزعػػم أي أقػػدـ لػػك خريطػػة واعػػةة اؼبعػػاَل ‪ ،‬وال بوصػػلة دقيقػػة‬ ‫حساس ػػة ‪ ..‬وإمب ػػا ك ػػل عمل ػػي أف أتق ػػدـ خط ػػوة يف ذبدي ػػد اؼبشػ ػ لة ‪ .‬فػ ػ ذا اتفقن ػػا عل ػػى أف‬ ‫النمػػوذج ال وبػػل مش ػ لتنا ‪ ،‬ف ػ ي أقػػوؿ ىنػػا إ إف اغبػػل يف الق ػراءة الواسػػعة اؼباسػػةة اظهػػية‬ ‫لتجارب البشر ‪ ،‬ومعاناهتم بالسَت يف األرض والن ر إىل سنن الذين خلوا مػن قبػل ‪ ،‬لنخػرج‬ ‫بالعاة ولنمنع ت رار اػبطأ ‪ ،‬ونبهر ما يليد اهلل يف خلقو ‪ ،‬وما يبدع يف ظباواتو وأرعو ونتبع‬ ‫القػػوؿ ال ػػر إ ( قػػل ىػػذه سػػبيلي أدعػػو إىل اهلل علػػى بهػػَتة أنػػا ومػػن اتبعػػٍت ‪ ،‬وسػػبةاف اهلل‬ ‫ومػػا أنػػا مػػن اؼبشػػركُت ) (يوسػػف ‪ . )ٔٓٛ /‬والبهػػَتة ىػػي ر يػػة كػػل مػػا يتهػػل باؼبش ػ لة ‪،‬‬ ‫وذبميع اآلراء ‪ ،‬ا اختلاؿ الهواب واقتناص دالئل اؼبستقبل وإشارهتا ‪ ،‬ف ػذه ىػي البهػَتة ‪،‬‬ ‫وىذا ىو االىتداء للةق فيما اختلفوا فيو حىت ال نلدغ من جةر مرتُت وقوؿ الرسوؿ صػلى‬ ‫اهلل عليػػو وسػػلم إ « ال يلػػدغ اؼبػػؤمن مػػن جةػػر واحػػد م ػرتُت » حػػُت نأخػػذه علػػى ـبتلػػف‬ ‫مس ػػتوياتو ‪ ،‬نػػرى يف مس ػػتوى من ػػا أف اجملتم ػػع اؼب ػػؤمن والبشػػرية الواعي ػػة الػػيت ت ػػتعلم م ػػن ع ػػا‬ ‫التاريخ ‪ ،‬ال ينبغي ؽبا أف ت رر اػبطأ الػذي حػدث مػرة مػع البشػرية يف تارىب ػا ‪ ،‬فػ ف فعلػت‬ ‫وكررت اػبطأ ولد ت مػن اعبةػر الواحػد مػرتُت ودفعػت عػريبة اػبطػأ مػرتُت ‪ ،‬ت ػوف بػذلك‬


‫قد نفت عن نفسػ ا صػفة اإليبػاف الػذي يعطػي نتائجػو االجتماعيػة ‪ ،‬أل ػا َل تعتػا باؼباعػي‬ ‫الذي يل القر ف على التةديق فيو ألخذ العاة ‪.‬‬ ‫أي ػػا الفػػىت الناشػػت ‪ ،‬انتبػػو إىل ىػػذا وتأملػػو ‪ ..‬إنػػو مػػن اؼبفيػػد جػػداً أف تف ػػم ىػػذا ‪ ،‬وأف‬ ‫نسعى صبيعاً لن يت أنفسنا للقياـ دبثػل ىػذه الوظيفػة الػيت تتطلػ منػا أف نقػوـ بػدور العسػس‬ ‫ حراس الليل ‪ -‬الػذين يسػ روف بيق ػة حػىت وبف ػوا اجملتمػع مػن أف يلػدغ مػن جةػر واحػد‬‫مرتُت ‪ ،‬وحىت ال ندفع عريبة فلتنا عن لد ة حديت يف التاريخ ‪.‬‬ ‫وإف اجملتمػػع الػػذي لػػيس لػػو رواده البػػار الػػذين يقػػدموف لػػو أحػػداث العػػاَل بوقػػار وجديػػة‬ ‫وصدؽ ‪ ،‬والذي يعيذ عاَل الثقافة بػبل بوصػلة ‪ ..‬إنػو يعػطر أف يقػرأ ثػاً كبػَتاً ‪ ،‬حػىت يعثػر‬ ‫على شيء نافع ‪ ،‬أو بعع صفةات أو أسطر من كتاب يف ألف صفةة ‪..‬‬ ‫الفهل األوؿ‬ ‫الو ُجود‬ ‫َمَرات ُ ُ‬ ‫الو ُجود‬ ‫َمَرات ُ ُ‬ ‫يذكر ابن تيمية ومن بلو اإلماـ الغلا ‪ ..‬وسوانبا أف مرات الوجود أربع إ‬ ‫ٔ‪ -‬الوجود العيٍت أو الوجود اػبارجي ‪.‬‬ ‫ٕ‪ -‬ا الوجود الذىٍت أو الهورة الذىنية للوجود اػبارجي ‪.‬‬ ‫ٖ‪ -‬ا الوجود اللف ي ‪.‬‬ ‫ٗ‪ -‬ا الوجود الرظبي ( ال تا ) ‪.‬‬ ‫فالوجود العيٍت اػبارجي ىو وجود الشيء يف الواقع كوجود الرعد والاؽ والبةار وسػائر‬ ‫اؼبوجودات من الذرة إىل اجملرة ‪.‬‬


‫وأمػػا الوجػػود الػػذىٍت ف ػػو الهػػورة الذىنيػػة الػػيت ربػػدث لئلنسػػاف عػػن ىػػذه اؼبوجػػودات‬ ‫اػبارجية ‪.‬‬ ‫وأما الوجود اللف ي ‪ ،‬ف و اللفل الذي يطلقو اإلنساف على الهورة اليت حهلت عنده‬ ‫عػػن الواقػػع اػبػػارجي ‪ ،‬وىػػو وعػػع األظبػػاء والرمػػوز علػػى الهػػورة الذىنيػػة ( وعلػػم دـ األظبػػاء‬ ‫كل ا ‪( ) ..‬سورة البقرة ‪. )ٖٓ /‬‬ ‫وأما الوجود الرابع ف و الوجود الرظبي ال تا ‪ ،‬ويقهد بو وعع رمل موسوـ ليدؿ على‬ ‫اللفػػل الػػذي ينطػػق بػػو اإلنسػػاف ‪ ،‬فػػاللفل ي غب ػػي يػػت لم بػػو اإلنسػػاف فينتشػػر يف اؽب ػواء‬ ‫موجات صوتية تتبلشى ‪ ،‬وأما الرسم ال تا الذي يػدؿ علػى اللفػل ‪ ،‬فيبقػى موسػوماً علػى‬ ‫الػػورؽ أو اغبجػػر أو أي شػػيء خػػر ‪ ،‬ومعرفػػة ىػػذا الرسػػم نػػوع مػػن الق ػراءة ‪ ،‬أو ىػػي الق ػراءة‬ ‫ذاهتا ‪.‬‬ ‫وقػػد ذكػػر الغػلا ىػػذا اؼبوعػػوع يف مقدمػػة كتابػػو (اؼبستهػػفى مػػن علػػم األصػػوؿ) واعتػػا‬ ‫ىذه اؼبقدمة مقدمة العلوـ كل ا ‪ ،‬ال مقدمة علم األصوؿ وحػده ‪ ،‬واعتػا أف الػذي ال وبػيط‬ ‫هبا ال يقة بعلومو أصبلً ‪ ،‬فقاؿ إ‬ ‫« اعلم أف كل من طل اؼبعاي من األلفػاظ عػاع وىلػك ‪ ،‬وكػاف كمػن اسػتدبر الغػرب‬ ‫وىػػو يطلبػػو ‪ ،‬ومػػن قػػرر اؼبعػػٍت أوالً يف عقلػػو ‪ ،‬ا أتبػػع اؼبعػػاي األلفػػاظ فقػػد اىتػػدى ‪ .‬فلنقػػر‬ ‫اؼبعاي أوالً فنقوؿ إ الشيء يف الوجود لو أربع مرات إ‬ ‫ٔ‪ -‬حقيقتو يف نفسو ‪.‬‬ ‫ٕ‪ -‬يبوت مثاؿ حقيقتو يف الذىن ‪ ،‬وىو الذي يعا عنو بالعلم ‪.‬‬ ‫ٖ‪ -‬تأليف صوت حبروؼ تدؿ عليو ‪ ،‬وىو العبارة الدالة على اؼبثاؿ الذي يف النفس ‪.‬‬ ‫ٗ‪ -‬تأليف رقوـ تدرؾ حباسة البهر دالة على اللفل وىو ال تابة ‪.‬‬ ‫فال تابة تبع للفل إذ تدؿ عليو ‪ ،‬واللفل تبع للعلم إذ يػدؿ عليػو ‪ ،‬والعلػم تبػع للمعلػوـ‬ ‫إذ يطابقػػو ويوافق ػػو ‪ .‬وى ػػذه األربع ػػة متطابق ػػة متوازي ػػة ‪ ،‬إال أف األ ََّول ػ ْػُت وج ػػوداف حقيقي ػػاف ال‬


‫ىبتلفاف يف األعهار واألمم ‪ ،‬واآلخراف اللفػل وال تابػة ىبتلفػاف أل مػا موعػوعاف باالختيػار‬ ‫‪. » ..‬‬ ‫كما ذكر الغلا تعريف اؼبعتللة للعلم بأنو إ « اعتقاد الشيء علػى مػا ىػو بػو » فنػاقذ‬ ‫اعتق ػػاد فق ػػاؿ إ « العل ػػم يس ػػتةيل بق ػػا ه م ػػع تغ ػػَت اؼبعل ػػوـ ‪ ،‬ألف العل ػػم كش ػػف وانشػ ػراح ‪،‬‬ ‫واالعتقاد عقدة على القل ‪ ،‬والعلػم عبػارة عػن اكبػبلؿ العقػد ‪ ،‬ف مػا ـبتلفػاف ‪ ،‬ولػذلك لػو‬ ‫أصغى اؼبعتقد إىل اؼبش ك لوجد لنقيل معتقده ؾباالً يف نفسو ‪ ،‬والعاَل ال هبد ذلك أصبلً‬ ‫وإف أصغى إىل الشبو اؼبش ِّ ة ‪ ،‬ول ن إذا ظبع شب ة ال وبهػل لػو شػك يف بطػبلف الشػب ة‬ ‫خببلؼ اؼبقلد ‪ .‬وبعد ىذا التقسيم ي اد ي ػوف العلػم مرتسػماً يف الػنفس دبعنػاه وحقيقتػو مػن‬ ‫َت ت لف ربديد ‪. » ..‬‬ ‫ويف ال ػػبلـ الػػذي يػػذكره الغػلا معػػٌت أرى أف كبػػرص عليػػو يف ؾبػػاؿ تعريػػف العلػػم وىػػو‬ ‫قولػػو إ « لػػو أصػػغى اؼبعتقػػد إىل اؼبشػ ك لوجػػد لنقػػيل معتقػده ؾبػػاالً يف نفسػػو ‪ ،‬والعػػاَل ال‬ ‫هب ػػد ذل ػػك أص ػبلً » ‪ .‬وى ػػذا مع ػػٌت ش ػريف يب ػػن أف كب ػػس ب ػػو يف أعماقن ػػا ‪ ،‬فاؼبعتق ػػدات أو‬ ‫اؼبسػلمات بغػػَت قابلػػة لللعلعػػة يف أعمػػاؽ نفػػس اؼبعتقػػد وإف كػػابر وسبػػادى يف اؼبمػػاراة ‪ ،‬ول ػػن‬ ‫العػػاَل ال يتلعػػلع مػػا يف نفسػػو م مػػا عػػرض عليػػو مػػن شػػب ات وش ػ وؾ ‪ ،‬ف ػػو راس ػخ يابػػت‬ ‫كالطود ‪ ،‬ول ن قد ي تدي لنقل ما عنده من علم لآلخرين وقد ال ي تدي ‪.‬‬ ‫فجاليلو مثبلً ‪ ،‬بعد أف أقسم ويده على ال تاب اؼبقدس أنو يشج ‪ ،‬ويعلن ‪ ،‬ووبتقػر‬ ‫ما قيل ‪ ،‬أو ُكت من خطأ وبدعة حوؿ حركة األرض ‪ ،‬كاف مثلو كمػن أُكػره وقلبػو مطمػعن‬ ‫باإليباف ‪ ،‬وذلك ألنو أدرؾ بالدليل العلمي صةة ما وصل إليو ‪ ،‬وإف كاف مػع يقتػو سيشػعر‬ ‫بػػاؼبرارة لعجػػله عػػن نقػػل علمػػو إىل اآلخ ػرين ‪ ،‬وردبػػا يشػػعر بعػػرورة التف ػػَت يف تػػوفَت الشػػروط‬ ‫الػػيت ذبعػػل أف ػػاره الهػػةيةة تنػػاؿ قبػػوؿ اؼبن ػرين ‪ ،‬وىػػذا موعػػوع خػػر يػػدور حػػوؿ أسػػلوب‬ ‫التعلػػيم ومش ػ بلتو وتػػذليل العوائػػق الػػيت ربػػوؿ بػػُت النػػاس وقبػػوؿ اغبقػػائق الػػيت اىتػػدى العلػػم‬ ‫إلي ا ‪ ،‬ويف ىذا ورد يف مقدمة صةي مسلم عن ابن مسعود قاؿ إ‬ ‫« ما أنت دبةدث قوماً حديثاً ال تبلغو عقوؽبم إال كاف لبعع م فتنة » ‪.‬‬


‫ف ف اإلن ار الشديد الذي ُهبابو بو أصةاب اغبق والعلم كثَتاً ما يرجع إىل أف اؼب تػدي‬ ‫إىل اغبػػق تدفعػػو ضباسػػتو فػػيعلن اغبقػػائق الػػيت وصػػل إلي ػػا علػػى قػػوـ بيػػن م وبػػُت ىػػذه اغبقػػائق‬ ‫درجػػات منقطعػػة ‪ ،‬ومراحػػل مفقػػودة ‪ ،‬وبػػُت علم ػػم القػػد والعلػػم اعبديػػد فجػوات واسػػعة ‪،‬‬ ‫عج ػػل ى ػػذا الع ػػاَل اؼب ػػتةمس ع ػػن س ػػدىا ‪ ،‬في ػػذبوف ى ػػذه اغبق ػػائق وين رو ػػا ‪ ،‬وال تقبل ػػا‬ ‫أف ػػام م ‪ .‬والتػػاريخ ملػػيء دبثػػل ى ػذه اؼبواقػػف اؼبؤؼبػػة ‪ .‬وإف تطػػور اؼبعرفػػة مػػع الػػلمن سػػيةل‬ ‫اؼبش لة حُت ترتقي مفاىيم الناس حوؿ اؼبوعػوع ( ولػتعلمن نبػأه بعػد حػُت ) (سػورة ص ‪/‬‬ ‫‪. )ٛٛ‬‬ ‫ول ػػن مػػع ذل ػػك تبقػػى مأسػػاة اؼبقابلػػة األوىل مايلػػة يف عػػةايا م ػػن العلمػػاء وأص ػػةاب‬ ‫األف ار ‪ ،‬الذين استبد هبم ضباس م للجديد الذي وصلوا إليو ‪ ،‬مع سوء تقديرىم لل ػروؼ‬ ‫وموانع ف م العلم اعبديد ‪ .‬أو يف عةايا من الناس الذين جاهبوا العلم ‪ ،‬وأعرعوا عن اغبػق‬ ‫‪ ،‬لقل ػػة علم ػػم يف موع ػػوع مع ػػُت ‪ ،‬أو إلخبلص ػ ػ م ل ػػبعل الق ػػيم ‪ ،‬وس ػػيطرة اؽب ػػوى عل ػػى‬ ‫نفوس م ف انوا جدار ظبلـ يف وجو النور ‪ ،‬وأداة إساءة إىل العلماء ‪.‬‬ ‫وىذه اؼبوعوعات ت ر أ ػا واعػةة كن ريػات حػُت نفرعػ ا ‪ ،‬ول ػن اؼبمارسػة العلميػة‬ ‫ؽبا تُ ر أف اؼبش لة ما تلاؿ قائمػة ‪ ،‬وأف كثػَتاً مػن العلمػاء اغبػاذقُت الػذين يشػعروف بػالف م‬ ‫الػدقيق ‪ ،‬يقعػوف يف سػػوء التقػدير ‪ ،‬وتػأتى النتػػائج لتؤكػد أف اؼبشػ لة ليسػػت هبػذه السػ ولة ‪،‬‬ ‫وأف كشػػف العلػػم لػيس كافيػاً لقبػػوؿ النػػاس لػػو واسػػتفادهتم منػػو ‪ .‬ألف إيهػػاؿ العلػػم باغب مػػة‬ ‫واؼبوع ة اغبسنة واعبداؿ باليت ىي أحسن ‪ ،‬ال تلاؿ يف مركل الهػدارة يف مشػ بلت البشػرية‬ ‫‪.‬‬ ‫والقػػر ف يعػػيف إىل الػػببلغ كلمػػة اؼببػػُت ‪ ،‬ليةػػدد الشػػروط الػػيت ينبغػػي أف يتهػػف هبػػا‬ ‫اؼبوعوع الذي يراد نقلو إىل اآلخرين ‪ ،‬إذ ال بد أف يتهف ىذا اؼبنقوؿ أو ىذا اؼببلػس بػاؼببُت‬ ‫والبينػػات ‪ ،‬فتػػوفَت ىػػذه الشػػروط للػػببلغ ىػػو واجػ العلمػػاء واآلمػرين بالقسػػط مػػن النػػاس ‪.‬‬ ‫وقػػد وبػػذؼ وصػػف اؼببػػُت أحيانػاً مػػن كلمػػة الػػببلغ ‪ ،‬إال أف ىػػذا اغبػػذؼ ال يعػػٍت االسػػتغناء‬ ‫عنػػو ‪ ،‬ألف ال ػػببلغ ال ي ػػوف ُمللم ػاً إال إذا كػػاف مبين ػاً إىل درجػػة أف يه ػػل اؼبخاط ػ إىل أف‬


‫ين ر الشيء وقد علمو وف مو ‪ ،‬أي أف يهػل إىل درجػة ( وجةػدوا هبػا واسػتيقنت ا أنفسػ م‬ ‫ظلماً وعلواً ) (سورة النةل ‪ . )ٔٗ /‬ويف الواقع إف اؼببلَّس إف َل يهل إىل ىذه الدرجة ‪ ،‬ال‬ ‫يشعر أنو ىبوف عمَته وي ابر يف قبوؿ اغبق ‪ ،‬ف ف اؼبعارض مػا داـ يشػعر أنػو علػى حػق فػبل‬ ‫ُ‬ ‫يلاؿ معذوراً يف معارعتو ‪ ،‬وردبا جػاء الػنقا مػن أف صػاح اغبػق َل يسػتطع أف يوعػةو ‪،‬‬ ‫وىػذه مشػ لة البػد مػن العػػودة إلي ػا ( بػل أكثػرىم ال يعلمػػوف اغبػق ف ػم معرعػوف ) (سػػورة‬ ‫األنبياء ية ٕٗ) ‪.‬‬ ‫وكلم ػػة اعب ػػاحل ال ػػيت س ػػبق ذكرى ػػا تش ػػَت إىل أف حي ػػاة العل ػػم البي ػػاف ‪ ،‬وردب ػػا أى ػػم مي ػػلة‬ ‫لئلنسػػاف قدرت ػػو عل ػػى البي ػػاف ‪ ،‬واؼبتم ن ػػوف يف البي ػػاف ىػػم ال ػػذين سيةهػػروف العل ػػم واللم ػػاف‬ ‫بالبياف ( خلق اإلنساف علمو البياف ) (الرضبن ية ٗ) ‪.‬‬ ‫حوؿ قوؿ اإلماـ الغلا إ‬ ‫(من طل اؼبعاي من األلفاظ عاع وىلك وكاف كمن استدبر الغرب وىو يطلبو)‬ ‫ىذا معػٌت شػريف وبسػن أف نبةثػو مػرة أخػرى بأسػلوبنا ‪ -‬حسػ طاقتنػا ‪ -‬وذلػك ألف‬ ‫نشػػرح اؼبرتبػػة األوىل مػػن مراتػ الوجػػود الػػذي ظبػػاه الغػلا إ (حقيقػػة يف نفسػػو) ‪ ،‬أو الوجػػود‬ ‫اػبارجي أو العيٍت حس تعبَت شيخ اإلسبلـ ابن تيمية ‪.‬‬ ‫فالرعد ‪ -‬مثبلً ‪ -‬لو وجود خارجي ي ر يف اعبلجلة اليت نسمع ا بعد وميل الاؽ يف‬ ‫السةاب ‪ .‬ف ذا الوجود اػبػارجي ىػو حقيقػة الرعػد ‪ .‬ومثلػو الشػمس والقمػر والنجػوـ واؼبػاء‬ ‫والنبػػات واغبي ػواف ‪ ،‬وعػػادات اجملتمعػػات ‪ ..‬ف ػػذه كل ػػا ؽبػػا حقػػائق خارجيػػة موجػػودة بش ػ ل‬ ‫مستقل عن الهورة الذىنية اليت ربهل لئلنساف عند أوؿ اتهالو هبا ‪.‬‬ ‫فاإلنساف األوؿ ظبع الرعد ‪ ،‬ورأى الاؽ كما نسمع ونرى ‪ ،‬ول ن الهورة الذىنيػة الػيت‬ ‫ربهػػل لئلنسػػاف مػػن ىػػذا االتهػػاؿ ال يب ػػن أف ت ػػوف واحػػدة عنػػد اعبميػػع ‪ ،‬إال إذا جردنػػا‬ ‫اإلنساف من تفسَت األحداث واعتاناه لة تهوير ‪ ،‬أو لة تسجيل فقط ‪.‬‬


‫لو سألنا التاريخ إ كيف فسر اإلنساف وف م حقيقػة الرعػد والػاؽ وأسػباب حػدوي ما‬ ‫ف ننػا قبػد التفسػَتات ـبتلفػة جػداً ‪ ،‬وال يػلاؿ النػاس يسػعوف للوصػوؿ إىل إدراؾ أقػرب غبقيقػػة‬ ‫كل من الرعد والاؽ ‪ ،‬وما ينتج عن ما ‪ ،‬وما يؤدياف من وظيفة ‪..‬‬ ‫إذاً ق ػػوؿ الغ ػ ػلا إ (إف الوج ػػودين األول ػػُت ‪ -‬الوج ػػود اػب ػػارجي والوج ػػود ال ػػذىٍت ‪ -‬ال‬ ‫ىبتلفػػاف يف األعهػػار واألمػػم) ‪ ،‬قػػوؿ صػػةي إذا كػػاف اإلنسػػاف ؾبػػرد لػػة تسػػجيل أو تهػػوير‬ ‫واإلنساف ليس كذلك ‪.‬‬ ‫إف كػػل النػػاس شػػاىدوا الشػػمس تشػػرؽ كػػل صػػباح ‪ ،‬ول ػػن ف ػػم حقيقػػة وكيفيػػة شػػروق ا‬ ‫كاف من االختبلؼ والتباين إىل درجة تباين النقػيل للنقػيل ‪ .‬وىػذا مثػل م ػم عػن إم ػاف‬ ‫حػػدوث اػبطػػأ يف تفسػػَت الهػػور الذىنيػػة الػػيت ربهػػل لئلنسػػاف مػػن اغبقػػائق اػبارجيػػة ‪ .‬وإف‬ ‫تقدـ البشرية يف إدراؾ حقائق األشياء ‪ ،‬وكيفيػة حػدوي ا وبػدء خلق ػا ‪ ،‬ال يػلاؿ بطيعػاً بػر م‬ ‫ما يبذلو اإلنساف من ج د إلدراؾ ذلك ‪.‬‬ ‫إف م ػػا وبه ػػل عن ػػد الن ػػاس م ػػن ص ػػور ذىني ػػة ع ػػن ال ػػاؽ والرع ػػد ‪ ،‬والش ػػمس ‪ ،‬والنب ػػات‬ ‫واغبيواف ‪ ،‬متفاوت تفاوتاً كبَتاً عريعػاً وطػويبلً وعميقػاً ‪ ،‬فل ػذا لبتػار أف نقػوؿ إ إف الوجػود‬ ‫اػبارجي ل ل من الفيلياء واجملتمع لو حقيقة واقعة ‪ ،‬أما تهور الناس ؽبا ف و الػذي يتفػاوت‬ ‫النػػاس في ػػو ‪ ،‬ف ػػل ي ػػرى حس ػ خلفيت ػػو الف ري ػػة ‪ .‬وىػػذا م ػػا يبي ػػل الن ػػاس ع ػػن ل ػػة الته ػػوير‬ ‫والتسػػجيل ‪ ،‬وهبعل ػػم ىبتلف ػػوف يف ف ػػم األم ػػور علػػى مػػر العه ػػور ‪ .‬ى ػػذه ىػػي العبلقػػة ب ػػُت‬ ‫الوجػػود اػبػػارجي والهػػور الذىنيػػة ‪ ،‬فػػالوجود اػبػػارجي ىػػو الثابػػت الػػذي كلمػػا اختلفنػػا يف‬ ‫تفسَته رجعنا إليػو ‪ ،‬ودققنػا الن ػر والبةػث والتعامػل معػو ‪ ،‬لنهػة الهػور الذىنيػة ‪ .‬وىػذا‬ ‫ما أردنا إيباتو ىنا يف حديثنا عن كبلـ الغلا يف ىذا اؼبوعوع ‪.‬‬ ‫فالوجود اػبارجي إ ىو اغبقيقة الثابتة اليت نرجع إلي ا عند االختبلؼ ‪ ،‬والهور الذىنية‬ ‫قابلة للليادة والنقهاف ‪.‬‬ ‫فعل ػػم الفل ػػك ‪ ،‬والط ػ ‪ ،‬وال يمي ػػاء وس ػواىا ‪ .‬حق ػػائق خارجي ػػة يابت ػػة الس ػػنن ‪ ،‬ول ػػن‬ ‫الهور الذىنية عن ا تتفاوت تفاوتاً كبَتاً على مر اللمن ‪ .‬وكم ي وف مفيداً إدراؾ ىػذا جيػداً‬


‫ليم ن االنتقاؿ إىل موعوعات أخػرى وعلػوـ أخػر ‪ ،‬كػي ال تت ػرر النلاعػات اؼبريػرة ‪ ،‬حيػث‬ ‫ك ػػاف النػػاس يفق ػػدوف أس ػػلوب البة ػػث والتةقيػػق ‪ ،‬وال ن ػلاؿ نق ػػع يف مثػػل ى ػػذا إىل اآلف يف‬ ‫ؾبػػاالت أخػػرى مػػن العلػػوـ ألننػػا نفقػػد االعتبػػار وال نعقػل األمثػػاؿ ‪ ( .‬وتلػػك األمثػػاؿ نعػرهبا‬ ‫للناس وما يعقل ػا إال العػاؼبوف ) (سػورة العن بػوت يػة ٖٗ) ‪ ( ،‬فػاعتاوا يػا أو األبهػار )‬ ‫(سورة اغبشر ية ٕ) ‪ .‬إذاً ىنػاؾ فػرؽ بػُت الهػور الذىنيػة واغبقػائق اػبارجيػة ‪ ،‬واؼبرجػع عنػد‬ ‫النلاع ىو اغبقائق اػبارجية وليس الهور الذىنية ‪.‬‬ ‫اؼبرتبة الثالثة‬ ‫(الوجود اللف ي)‬ ‫واؼبرتبة الثالثة ىي اليت شػرح ا الغػلا بقولػو إ (تػأليف صػوت حبػروؼ تػدؿ عليػو ‪ ،‬وىػو‬ ‫العبػػارة الدالػػة علػػى اؼبثػػاؿ الػػذي يف الػػذىن) ‪ .‬ىػػذه اؼبرتبػػة ىػػي مرتبػػة إطػػبلؽ األظبػػاء علػػى‬ ‫اؼبوج ػػودات الفيليائي ػػة ‪ ،‬ك ػػاألرض ‪ ،‬والس ػػماء ‪ ،‬وال ػػذرة ‪ ،‬واجمل ػػرة ‪ ،‬واالجتماعي ػػة ‪ ،‬كاغبػ ػ ‪،‬‬ ‫والػ ػػبغل ‪ ،‬واله ػ ػػداقة ‪ ،‬والع ػ ػػداوة ‪ ،‬وال ػ ػػا ‪ ،‬والعق ػ ػػوؽ ‪ ،‬واغبي ػ ػػاء ‪ ،‬والوقاح ػ ػػة ‪ ،‬واله ػ ػػدؽ ‪،‬‬ ‫وال ذب ‪ ،‬واألمانة ‪ ،‬واػبيانة ‪.‬‬ ‫فاؼبرتبة الثالثة من مرات الوجود ىي الوجػود االظبػي اللغػوي ‪ ،‬مرتبػة ( علػم دـ األظبػاء‬ ‫كل ا ) وىي إطبلؽ أصوات معينة على موجودات فيليائيػة ‪ -‬فاقيػة ‪ -‬وؾبػودات اجتماعيػة‬ ‫ أنفسية(ٔ) ‪ -‬وىػذه ىػي الوسػيلة الفػذة الػيت يبتػاز هبػا اإلنسػاف وامتػاز هبػا دـ عػن اؼببلئ ػة‬‫حُت أعلنوا أ م ال علم ؽبػم إال مػا علم ػم اهلل وذلػك يف قهػة اسػتخبلؼ دـ يف األرض ‪.‬‬ ‫(وإذ قاؿ ربػك للمبلئ ػة إي جاعػل يف األرض خليفػة ‪ .‬قػالوا إ أذبعػل في ػا مػن يفسػد في ػا‬ ‫ويسفك الدماء ‪ ،‬وكبن نسب حبمدؾ ونقدس لك قاؿ إ إي أعلػم مػا ال تعلمػوف ‪ .‬وعلػم‬ ‫دـ األظباء كل ا ‪ ،‬ا عرع م على اؼببلئ ة فقاؿ إ أنبعوي بأظباء ىؤالء إف كنتم صادقُت ‪.‬‬ ‫قػػالوا س ػػبةانك ال عل ػػم لنػػا إال مػػا علمتن ػػا إنػػك أن ػػت العلػػيم اغب ػػيم ‪ .‬ق ػػاؿ يػػا دـ أنب ػػع م‬ ‫(ٔ) إشارة إىل قولو تعاىل إ ( سنري م ياتنا يف اآلفاؽ ويف أنفس م حىت يتبُت ؽبم أنو اغبق ) سورة فهلت ية (ٖ٘) ‪.‬‬


‫بأظبائ م ‪ ،‬فلما أنبأىم بأظبائ م قاؿ إ أَل أقل ل م إ إي أعلم ي السماوات واألرض ‪،‬‬ ‫وأعلم ما تبدوف وما كنتم ت تموف ) ( البقرة ية ٖٓ ‪. )ٖٖ -‬‬ ‫يف ىػػذا اغب ػوار ‪ -‬ال ػػدائر ب ػػُت اهلل عػػل وج ػػل ومبلئ تػػو ‪ -‬إشػػارة إىل أنبيػػة ( وعل ػػم دـ‬ ‫األظب ػػاء كل ػػا ) ‪ ،‬إذاً (علَّ ػػم األظب ػػاء) س ػػيةقق دـ وذريت ػػو م ػػا عل ػػم اهلل ف ػػي م و ػػاب ع ػػن‬ ‫اؼببلئ ػػة ‪ ،‬وبػ ػ (علػػم دـ األظبػػاء) سػػيتم ن دـ وذريتػػو مػػن نفػػي هتمػػة اؼببلئ ػػة لػػو ولذريتػػو‬ ‫بالفسػػاد يف األرض ‪ ،‬وسػػفك الػػدماء ‪ ،‬وىػػي هتمػػة كبػػَتة ال تػلاؿ ملتهػػقة باإلنسػػاف ‪ ،‬ول ػػن‬ ‫ىذا اإلنساف يبلك وسيلة اػببلص وىي العلم ‪.‬‬ ‫إف وعػػع االسػػم يػػأب بعػػد إدراؾ موعػػوعو ‪ .‬فالبشػػر يف األصػػل ال يعػػعوف اظب ػاً ؼبػػا ال‬ ‫يعلمػػوف أو ؼبػػا َل يهػػل إىل إدراك ػػم ‪ ،‬ف ػػل مػػا َل يهػػل إىل إدراك ػػم لػػو اسػػم واحػػد وىػػو‬ ‫اجمل وؿ ‪ ،‬وأما إذا وصل اإلنساف إىل إدراؾ الوجػود الفيليػائي ‪ -‬اؼبػادي األفقػي ‪ -‬أو الوجػود‬ ‫االجتم ػػاعي اإلنس ػػاي ‪ -‬األنف ػػس ‪ -‬ف ن ػػو يع ػػع االس ػػم ل ػػو بع ػػد الته ػػور األوؿ ‪ ،‬وال يػ ػلاؿ‬ ‫اإلنساف يتعامل مع ىػذا الوجػود وذاؾ حػىت يهػة ن ػره ووبػذؼ اػبطػأ مػن إدراكػو ويثبػت‬ ‫الهواب ‪ ( .‬فأما اللبد فيذى جفاء ‪ ،‬وأما ما ينفع النػاس فيم ػث يف األرض ) (الرعػد ‪/‬‬ ‫‪ ( )ٔٚ‬يليػػد يف اػبلػػق مػػا يشػػاء ) (فػػاطر يػػة ‪ ( . )- ٔ -‬وقػػل رب زدي علم ػاً ) ( طػػو ‪/‬‬ ‫ٗٔٔ ) فبعػػد الف ػػم والتهػػور يعػػع اإلنسػػاف االسػػم ‪ ،‬أي أنػػو بعػػد دخػػوؿ الشػػيء إىل عػػاَل‬ ‫الوعي يثبتو اإلنساف بوعع اسم لو ‪ ،‬عنواف والدتو ووجوده يف ذىن اإلنساف إ فالشيء كاف‬ ‫موجػوداً ول ػن َل ي ػػن لػو اسػم ‪ ،‬ألنػػو َل ي ػن دخػػل بعػد يف وعػي اإلنسػػاف وإدراكػو ‪ ،‬فلمػػا‬ ‫دخل وعػي اإلنسػاف وإدراكػو وعػع لػو االسػم ‪ ،‬فعلَّػم اإلنسػاف ىػذا الشػيء الػذي أدركػو بػأف‬ ‫عػ ُػع األظبػػاء ‪ ،‬أو قػػدرة اإلنسػػاف علػػى التعامػػل بػػالرمل اللف ػػي‬ ‫وعػػع لػػو عبلمػػة سبيػػله ‪ .‬إذ َو ْ‬ ‫(االسم) إ ىي القدرة اعبديدة اؼب مة اليت تؤىػل اإلنسػاف ألف ي ػوف مسػتخلفاً يف األرض ‪.‬‬ ‫والواقػػع ‪ ،‬إف القػػدرة اللف يػػة أو قػػدرة وعػػع األظبػػاء أو تعلػػيم دـ عليػػو السػػبلـ ‪ -‬األظبػػاء ‪-‬‬ ‫ىي القدرة األوىل يف ىذا اػبلق اآلخر ( ا أنشأناه خلقاً خر فتبارؾ اهلل أحسن اػبالقُت )‬ ‫( اؼبؤمنوف ‪ ) ٔٗ /‬إف قدرة تعلم األظباء وأنبيت ا ىي اليت جعلت األقدمُت يعرفوف اإلنساف‬


‫بأنػػو حي ػواف نػػاطق ‪ ،‬وإف كػػاف اؼبناطقػػة فسػػروا النطػػق بػػالتف َت إال أف التف ػػَت ال ينتقػػل مػػن‬ ‫صػػاحبو إىل اآلخػرين إال بػػالنطق وال ػػبلـ ‪ ،‬أو ال تابػػة الػػيت ىػػي ترميػػل للنطػػق وال ػػبلـ ‪ ،‬فػػبل‬ ‫حرج أف نقوؿ إ إف النطق والبياف أىم صفات اإلنساف ( الرضبن علم القػر ف خلػق اإلنسػاف‬ ‫علمو البياف ) ( الرضبن ‪. ) ٗ-ٔ /‬‬ ‫إف قػدرة ال ػبلـ جعلػػت يف اإلم ػاف إدخػاؿ عامػػل تربػوي زيػادة علػػى الورايػة الععػػوية ‪،‬‬ ‫إذ صػػارت اػب ػاات البشػرية فب نػػة االنتقػػاؿ مشػػاف ة ‪ .‬وإف مػػا يعرفػػو العلػػم عػػن بدايػػة ظ ػػور‬ ‫اللغة ‪ ،‬والنطق وال بلـ عند اإلنساف عػةل ؿبمػد ‪ ،‬مػع أف إنسػانية اإلنسػاف قػد بػدأت مػع‬ ‫سجل‬ ‫ال لمة واللغة إ فبال لمة ارتفع اإلنساف إىل مرتبة اإلنساف ‪ ،‬كما بدأ تاريخ اإلنساف يُ َّ‬ ‫ويُعرؼ ‪ ،‬وتنتقل خاات السابق إىل البلحق مع اخًتاع ال تابة والقراءة الػيت أعػاءت مسػَتة‬ ‫اإلنساف ‪ .‬وبقدرة تعلم األظباء صػار دـ وذريتػو خلقػاً خػر ‪ ،‬وىػذه القػدرة اعبديػدة جعلػت‬ ‫خطػػاب اهلل تعػػاىل آلدـ ‪ -‬عليػػو السػػبلـ ‪ -‬مػػن نػػوع خػػر ‪ ،‬فػ ف وحيػػو ‪ -‬جػػل جبللػػو ‪ -‬إىل‬ ‫البشػر ‪َ ،‬ل ي ػن كوحيػػو إىل النةػل ‪ .‬وبػػذلك أيعػاً صػػار دـ مسػتأىبلً اػببلفػػة يف األرض ‪،‬‬ ‫ألف تعلم األظبػاء فػت مواىبػو وقدراتػو ال امنػة ‪ .‬فقػد تعلػم األظبػاء ‪ ،‬وسػيتعلم بعػد ذلػك أف‬ ‫يقػرأ ‪ ،‬وسػػيقرأ باسػػم ربػػو األكػػرـ ‪ ،‬الػػذي علػػم بػػالقلم ‪ ،‬علػػم اإلنسػػاف مػػا َل يعلػػم ‪ .‬وسيهػػل‬ ‫ىذا اإلنساف إىل ما علم اهلل فيو وج لتو اؼببلئ ة من التغلػ علػى الفسػاد وسػفك الػدماء ‪،‬‬ ‫وهبذا العلم أقرت اؼببلئ ة بقهور علم ػم عػن اإلنسػاف حػُت ح مػوا عليػو دبػا ح مػوا ‪ .‬إف‬ ‫اللغػػة والبيػػاف وظػػائف ل يػػاف اإلنسػػاف إ ف ػػي يػػات علػػى الف ػػر والسػػلطاف وقػػدرة اإلنسػػاف‬ ‫علػػى التسػػخَت ‪ .‬وإف اللغػػة والبيػػاف ألجػػل اغبقيقػػة والهػػدؽ ‪ ،‬ال للػػوىم وال ػػذب ‪ ،‬فاالسػػم‬ ‫الػػذي لػػيس عبلمػػة علػػى واقػػع اعتػػاه اهلل تعػػاىل زيفػاً وهبتانػاً ‪ .‬فينبغػػي أف يُهػػاف االسػػم واللغػػة‬ ‫والبياف عن ال ذب والليف ‪ ،‬ؽبذا قاؿ عن األصناـ ‪ ،‬البلت والعلى ومنػاة الثالثػة األخػرى إ‬ ‫(إف ىػػي إال أظبػػاء ظبيتموىػػا أنػػتم و بػػا كم مػػا أنػػلؿ اهلل هبػػا مػػن سػػلطاف ) (الػػنجم ‪، ) ٕٖ /‬‬ ‫فال بلـ ليس جملرد ال بلـ وال للخػداع والػدجل ‪ ،‬وإمبػا لنقػل اغبػق والواقػع ‪ ،‬لتثبيػت الهػدؽ‬ ‫والعػػدؿ (وأنللنػػا مع ػػم ال تػػاب واؼبي ػلاف ليقػػوـ النػػاس بالقسػػط ) ( اغبديػػد ‪ ) ٕ٘ /‬فػػال بلـ‬


‫الػػذي ال يعػػا عػػن واقػػع وصػػدؽ عملػػة مػػلورة ‪ ،‬وصػػك ال رصػػيد لػػو « مػػن كػػاف يػػؤمن بػػاهلل‬ ‫واليػػوـ اآلخ ػػر ‪ ،‬فليق ػػل خ ػَتاً أو ليهػػمت » (البخ ػػاري كت ػػاب األدب) ويف ت ػراث اله ػػاغبُت‬ ‫حديث طويل عن قدسية ال بلـ وصونو عن أف ىبػرج عمػا خلػق لػو مػن بيػاف اغبػق (يػا أي ػا‬ ‫الذين منوا اتقوا اهلل وقولوا قوالً سديداً ‪ ،‬يهػل ل ػم أعمػال م ويغفػر ل ػم ذنػوب م ‪ ،‬ومػن‬ ‫يطع اهلل ورسولو فقد فاز فوزاً ع يماً ) ( األحػلاب ‪( ) ٚٔ /‬يػا أي ػا الػذين منػوا َل تقولػوف‬ ‫مػػا ال تفعلػػوف كػػا مقتػاً عنػػد اهلل أف تقولػوا مػػا ال تفعلػػوف ) ( الهػػف ‪ ) ٖ /‬فمػػن ىنػػا تػػأتى‬ ‫قدسية ال لمة اليت ترفع صاحب ا إىل مرات الهديقُت ‪ ،‬أو هتوي بو يف نػار اعبةػيم ‪ ،‬ومػن‬ ‫ىنػػا كػػاف قػػوؿ أصػػدؽ النػػاطقُت ؿبمػػد صػػلى اهلل عليػػو وسػػلم وىػػو هبي ػ مػػن قػػاؿ إ ( وإنػػا‬ ‫ؼبؤاخذوف دبا نت لم بو ) فقاؿ إ « ي لتك أمك يا معاذ وىل ي الناس على وجوى م‬ ‫يف الن ػػار إال حه ػػائد ألس ػػنت م » ( مس ػػند اإلم ػػاـ أضب ػػد ‪ ،‬ج ػ ػ ٘ ‪ ،‬ص ٖٕٔ ) ف ػػذا م ػػن‬ ‫يستخدـ لة الهدؽ للغذ ‪.‬‬ ‫يبدأ عمل اللغة بعد تش ل الهور الذىنية عن الوجود اػبارجي ‪ ،‬فالبياف واللغة يفيداف‬ ‫على قدر وعوح األف ار والهور الذىنية عن ـبلوقات اهلل ‪.‬‬ ‫ف لما وعةت األف ار ‪ ،‬تشػققت فنػوف البيػاف ‪ ،‬واتسػعت اللغػة ‪ ،‬وسب نػت مػن األداء‬ ‫‪ ،‬وجعلػػت لل لمػػات رشػػاقة ورصػػانة كأ ػػا البنيػػاف يشػػد بععػػو بععػاً ‪ ،‬وىػػذا مػػا عنػػاه الناقػػد‬ ‫ال بلسي ي ‪ .‬بوالو إ ( إف ما قبيد ف مو ‪ ،‬قبيد التعبَت عنو ) ‪.‬‬ ‫ػار الػػيت تفتقػػد الوعػػوح ‪ ،‬تفتقػػد األلفػػاظ الػػيت تعػػا عن ػػا ؛ فعػػةالة األف ػػار‬ ‫بينمػا األف ػ ُ‬ ‫ذبعػػل اإلنسػػاف عيي ػاً ال يقػػدر أف وبػػَت جواب ػاً ‪ ،‬وعػػةل األف ػػار وإف تشػػدؽ وأطلػػق العنػػاف‬ ‫لهف مػن األلفػاظ ‪ ،‬ف بلمػو مثػل كػبلـ النػائم ‪ ،‬أو كػبلـ ذي يبوبػة ال صػلة بػُت أجلائػو ‪.‬‬ ‫وىػػذا مػػا وبػػدث للغػػة يف عهػػور التخلػػف حيػػث تهػػب األف ػػار عػػةلة فتفتقػػد اللغػػة دورىػػا‬ ‫اإلهبا ‪ ،‬وتهب قوال ببل ية ؿبنطة فار ة ‪ .‬ف ذا معٌت قوؿ اإلماـ الغػلا إ ( مػن طلػ‬ ‫اؼبعاي من األلفاظ ‪ ،‬عاع وىلك ‪ ،‬وكاف كمن استدبر الغرب وىو يطلبو ) ‪.‬‬


‫ويبػػُت تػػوينيب أيع ػاً ‪ ،‬أف ىنػػاؾ بعػػل الثقافػػات ذبعػػل ال لمػػة مهػػدر اؼبعػػاي بػػدؿ أف‬ ‫ت وف ال لمات إمارات على اؼبعاي ‪.‬‬ ‫فالثقافػػة الػػيت ذبعػػل ال لمػػات أمػػارات علػػى اؼبعػػاي ‪ ،‬ال تعطػػي القدسػػية لل لمػػات إال‬ ‫دبقػػدار داللت ػػا الواعػػةة علػػى اظتػػوى اػبػػارج ‪ ،‬بينمػػا الثقافػػة الػػيت ذبعػػل القدسػػية لل لمػػات‬ ‫رباوؿ أف تفسر اغبقائق اػبارجيػة العهػية لتوافػق ال لمػات ‪ ،‬وىػذا ع ػس القعػية وانت ػاس‬ ‫للوظائف ‪.‬‬ ‫وىذا االنت اس وبدث حينما وبل التخلف باغبعارة ‪ ،‬وذلك بأف يقل العلم ‪ ،‬ويذى‬ ‫ضبلتو ‪ ،‬فيخلف من بعدىم خلف يعيعوف الوظائف واغبقائق ‪ ،‬ويتبعوف األوىاـ ‪ ،‬وىذا ما‬ ‫كػػاف وبػػدث للتػػاريخ والػػدوؿ سػػابقاً ‪ ،‬وعلػػى ىػػذا بػػٌت ابػػن خلػػدوف ن ريتػػو يف ربديػػد أعمػػار‬ ‫الدوؿ بأربعػة أجيػاؿ إ اعبيػل اػبشػن اؼبتةمػل ‪ ،‬ا اعبيػل الػذي يتمتػع بالثمػار ‪ ،‬وإف َل تعػد‬ ‫ل ػػو ق ػػدرة التةم ػػل ‪ ،‬ا اعبي ػػل اؼبخع ػػرـ ال ػػذي فق ػػد األس ػػباب ‪ ،‬وبق ػػوة ال ػػدفع الس ػػابق يبق ػػى‬ ‫مستمراً على ظبعة األجياؿ ‪ ،‬ا اعبيل الرابع الذي تأكل دابة األرض منسأتو ‪ ،‬فيخر صػريعاً‬ ‫لليدين وللجن ؛ وىو الذي عيع الوظائف واغبقائق ‪ ،‬واتبع األوىاـ ‪.‬‬ ‫وهبػػذا القلػ اؼبع ػػوس ‪ ،‬كانػػت وال تػلاؿ ربػػتفل البيوتػػات بالشػػرؼ الػػذي كػػاف موجػػوداً‬ ‫يوماً ما لآلباء ‪ ،‬وإف َل يعد ىناؾ وجود حقيقي للشرؼ واألعماؿ اليت أكسبت م الشرؼ ‪.‬‬ ‫وؽبذا جاء الشرع بأف من بطأ بو عملو َل يسرع بو نسبو ‪ ( ،‬إف أكرم م عند اهلل أتقػاكم )‬ ‫( اغبجػ ػرات ‪ ( ) ٖٔ /‬فػ ػ ذا نف ػػخ يف اله ػػور ف ػػبل أنس ػػاب بي ػػن م يومع ػػذ وال يتس ػػاءلوف ) (‬ ‫اؼبؤمنوف ‪. ) ٔٓٔ /‬‬ ‫ومثػػل ىػػذا االنع ػػاس وبػػدث أيع ػاً يف الشػػرع والق ػوانُت ‪ .‬ففػػي اإلقبيػػل يػػرى عيسػػى ‪-‬‬ ‫عليػػو السػػبلـ ‪ -‬لػػو الي ػػود يف تع ػػيم السػػبت ‪ ،‬فيقػػوؿ ؽبػػم القاعػػدة الػػيت تعيػػد األمػػور إىل‬ ‫نهاهبا إ (اإلنساف ىو رب السبت أيعػاً (مػىت إصػةاح ‪ ٕٔ -‬لوقػا ‪ )ٙ -‬أي أف اإلنسػاف‬ ‫ليس من أجل السبت ‪ ،‬وإمبا السبت من أجل اإلنساف ‪ .‬ووبدث مثل ىػذا االنت ػاس أيعػاً‬ ‫للقػػانوف الػػذي يوعػػع يف األصػػل مػػن أجػػل البشػػر ‪ ،‬ول ػػن الػػبعل الػػذي تغي ػ عنػػو ىػػذه‬


‫اغبقيقػػة ‪ ،‬هبعػػل البشػػر مػػن أجػػل القػػانوف ‪ ،‬فيعقػػد األمػػور ويعػػيع مهػػار البشػػر الػػيت وعػػع‬ ‫القانوف من أجل توفَتىا وتس يل ا ‪ ،‬وى ذا ‪ ..‬وى ذا ‪.‬‬ ‫والػػذين عارع ػوا كػػوبر ني ػػوس يف ن ريتػػو الفل يػػة كػػانوا يستش ػ دوف علػػى خطػػأ كشػػف‬ ‫بػػالوقوؼ عنػػد حرفيػػة مػػا ورد يف التػػوراة مػػن أمػػر يوشػػع للشػػمس أف تقػػف عػػن اؼبغيػ ‪ ،‬ولػػو‬ ‫كان ػػت األرض ى ػػي ال ػػيت تتة ػػرؾ ل ػػاف ق ػػاؿ ل ػػؤلرض إ قف ػػي ‪ ،‬وَل يق ػػل للش ػػمس إ قف ػػي ‪.‬‬ ‫وى ذا دواليك ‪.‬‬ ‫ؽبػػذا كػػاف األنبيػػاء يهػػدؽ بعع ػ م بععػاً ‪ ،‬ول ػػن كػػانوا ي ػػذبوف ش ػ ل التػػدين اللائػػف‬ ‫خرفو االتباع ‪ ،‬فتةولت الدعوات اليت كرمت اإلنسػاف وأخرجتػو مػن عبوديتػو اإلنسػاف‬ ‫الذي ّ‬ ‫لئلنساف إىل أ بلؿ ‪ ،‬وربوؿ األنبيػاء واؼبهػلةوف إىل أويػاف ‪ ،‬علػى أف النػيب كػاف يػأب ليعػع‬ ‫عن م إصرىم واأل بلؿ اليت كانت علػي م ‪ ،‬وكػاف ؿبمػد صػلى اهلل عليػو وسػلم وبػر أمتػو مػن‬ ‫أف ربذو حذو األمم السػابقة إ « لتتػبعن سػنن مػن كػاف قػبل م شػااً بشػا وراعػاً بػذراع » (‬ ‫البخػاري كتػػاب االعتهػػاـ ) ‪ .‬ىػذا التةػػذير لػػيس إيباتػاً للجػػا ‪ ،‬ولػػيس نفيػاً عب ػػد البشػػر يف‬ ‫الق ػػدرة عل ػػى التغي ػػَت ‪ ،‬وإمب ػػا إلرش ػػاد الن ػػاس إىل أ ػػم ح ػػُت يفق ػػدوف اإلمس ػػاؾ بلم ػػاـ األم ػػور‬ ‫وتسخَتىا ‪ ،‬ف ف لؤلمور سنناً طبيعية تأخذ ؾبراىا على أساس اؼبسخرات وليس على أسػاس‬ ‫اؼبسػػخرين ‪ ،‬وأف اإلنسػػاف إف َل يقػػم بػػدور التسػػخَت ك نسػػاف فسػػيدخل إىل عػاَل اؼبسػػخرات‬ ‫كسائر ال ائنػات الػيت رفعػت ضبػل األمانػة الػيت عرعػت علػى السػموات واألرض واعببػاؿ ‪،‬‬ ‫فأبُت أف وبملن ا وأشفقن من ا وضبل ا اإلنسػاف ‪ ،‬إنػو كػاف ظلومػاً إف زبلػى عػن ضبػل األمانػة‬ ‫‪ ،‬وج والً إف َل هبت د يف تلكية نفسو ‪ ،‬وَل يتعلم علم التسخَت وتقرير اؼبهَت ‪..‬‬ ‫ف ػػذا نقػػع يف اػبطػػأ ‪ ،‬حػػُت نطل ػ اؼبعػػاي مػػن األلفػػاظ ‪ ،‬و تػػدي حػػُت نقػػرر اؼبعػػاي‬ ‫ونتبع اؼبعاي األلفاظ ‪ ،‬ما قرر اإلماـ الغلا ‪.‬‬ ‫اؼبرتبة الرابعة‬ ‫(مرتبة التعليم بالقلم)‬


‫ معٌت التعليم بالقلم إ‬‫مرتبة التعليم بالقلم ‪ ،‬وىي تػأليف رقػوـ تػدرؾ حباسػة البهػر ‪ ،‬وتػدؿ علػى الفػل ‪ ،‬وىػي‬ ‫ال تابة ‪ ،‬فال تابة تبع للفل ‪ ،‬واللفل تبع للعلم ‪ -‬الهػورة الذىنيػة ‪ -‬والعلػم تبػع للمعلػوـ‬ ‫أي أف الهورة الذىنية تبع للةقيقة اػبارجية ‪.‬‬ ‫اعتانا اللغة أو القدرة على وعػع األظبػاء ‪ ،‬اؼبقػاـ الػذي رفػع اهلل دـ ‪ -‬عليػو السػبلـ ‪-‬‬ ‫إليو حُت علّمو األظباء كل ا ؛ وىػذا مػا جعػل اؼببلئ ػة يعًتفػوف بنقهػاف علم ػم عنػو ‪ ،‬ومػن‬ ‫ىنػػا تطػػرؽ اػبلػػل إىل ح م ػػم علػػى دـ بأنػػو ال يسػػتأىل خبلفػػة األرض ‪ ،‬ف ػػو يفسػػد في ػػا‬ ‫ويس ػػفك ال ػػدماء ‪ .‬والق ػػدرة ال ػػيت نتة ػػدث عن ػػا ى ػػي اللغ ػػة ؛ أي نق ػػل األف ػػار والتج ػػارب‬ ‫باأللفػػاظ واغبػػديث ‪ .‬فةػػُت وعػػع دـ الرمػػوز اللف يػػة ‪ -‬األظبػػاء ‪ -‬لؤلش ػياء واألحػػداث ‪،‬‬ ‫اعًتفت اؼببلئ ة بنقهاف علم م ‪ .‬فاللغة مو لة يف القدـ معات اآلالؼ مػن السػنُت ‪ ،‬وردبػا‬ ‫اؼببليُت ‪ ،‬بينما قدرة وعع الرموز الدالة على األلفاظ ‪ -‬ال تابػة ‪ -‬متػأخرة وحديثػة يف حيػاة‬ ‫البش ػػر ‪ ،‬ال تتع ػػدى بع ػػعة الؼ م ػػن الس ػػنُت ‪ ،‬واعت ػػا اؼبؤرخ ػػوف ظ ػػور ى ػػذه الق ػػدرة عن ػػد‬ ‫اإلنساف بدءاً للتاريخ ‪ .‬وم ما حاولنا أف ن ر أنبية ىذه القدرة ‪ ،‬ف ننا لن نوفي ا حق ػا ‪..‬‬ ‫إ ػػا قػػدرة الق ػراءة ‪ ،‬قػػدرة القػػدرات و يػػة الت ػػر ‪ ،‬وم ػػر كػػرـ اهلل ( اق ػرأ ورب ػػك األكػػرـ )‬ ‫(العل ػػق ‪ ، )ٖ /‬إ ػػا التعل ػػيم بػػالقلم ‪ ..‬إ ػػا ( ف ‪ .‬والقلػػم ) ‪ ..‬إ ػػا الرمػػل ‪ ،‬األداة ‪ ..‬الرم ػػل‬ ‫اػبال ػػد الب ػػاقي ‪ ..‬الرم ػػل ال ػػذي يق ػػي اإلنس ػػاف م ػػن أف يل ػػدغ م ػػن جة ػػر مػ ػرتُت ح ػػُت وبس ػػن‬ ‫اسػػتخدامو ‪ ،‬فاإلنسػػاف وبمػػي نفسػػو مػػن الشػػر باالعتبػػار وال يػػتم االعتبػػار إال بػػالرمل الػػذي‬ ‫وبفل اؼبثبلت ‪ .‬وأكاد أف أقوؿ إ إف ال تابة سبن اإلنساف القدرة على اجتناب اػبطأ الذي‬ ‫وقع فيو السابقوف حُت نقلت ال تابة خااهتم ‪ ،‬وسجلت أخطاءىم ‪.‬‬ ‫اقرأ يا إنساف باسم ربك الذي خلػق ‪ ،‬خلػق اإلنسػاف مػن علػق ‪ ،‬فهػار قػاببلً أف يػتعلم‬ ‫بالقلم ‪ .‬اقرأ ورب األكرـ ‪.‬‬


‫إف القراءة ينبوع العطاء ‪ ..‬ينبوع كل اؼب اس ‪ ..‬ينبوع التسخَت إىل األفعػل دائمػاً ‪..‬‬ ‫بػ ػ نػػوف والقلػػم ومػػا يسػػطروف إ دخػػل اإلنسػػاف ع ػػداً جديػػداً ‪ ،‬وهبػػذا أعػػيفت إىل اإلنسػػاف‬ ‫خلائن معلومات … أعػيفت ذاكػرة جديػدة ػَت قابلػة للعطػ والنفػاذ ‪ .‬واكتسػ كػرـ اهلل‬ ‫اػبلػػود واالسػػتمرار … اقػرأ وربػػك األكػػرـ … اقػرأ … فػ ف مػػن أعطػػاؾ القػراءة قػػد أعطػػاؾ‬ ‫سلطاناً واستخداماً وتسخَتاً ‪ ،‬فيما لو من عطاء ‪ ،‬ؼبن تأمل ‪ ،‬وتف ر ‪ ،‬وتدبر ‪.‬‬ ‫تأمػػل اإلنسػػاف ‪ ،‬والقػػدرة علػػى القػراءة وال تابػػة كامنػػة فيػػو(ٔ) ‪ ،‬وقػػد عػػاش الؼ السػػنُت‬ ‫ؿبروماً من أف تاز ىذه القدرة ال امنة فيو إىل الواقع ‪ . .‬فسًتى بذلك تأخر ظ ور سػلطاف‬ ‫اإلنساف ‪ ،‬وظ ور مقاـ إ ( سخر ل م ) ( إبراىيم ‪. ) ٖٕ /‬‬ ‫وحُت كاف بعػل اؼبسػلمُت يقولػوف ‪ -‬وىػم يسػتمطروف رضبػة اهلل ‪ -‬بسػر ( كػاؼ ىػا يػا‬ ‫عػُت صػاد ) َل ي ونػوا يػدركوف إىل أي درجػة َّ‬ ‫أف رمػػل الرمػل ىػذا كامنػة فيػو رضبػة اهلل وكرمػػو ‪،‬‬ ‫وعطػ ػػا ه الػ ػػذي ال ينقطػ ػػع ‪ .‬إف اغبػ ػػروؼ اؼبقطعػ ػػة يف ف ػ ػوات سػ ػػور القػ ػػر ف ال ػ ػػر ‪ ،‬تناوؽبػ ػػا‬ ‫اؼبفسروف دبا تيسر ؽبم ‪ ،‬وال يلالوف يتناولو ا ‪ . .‬وكػل واحػد مػن ىػؤالء اؼبفسػرين قػد رأى يف‬ ‫ىػػذه الفػوات السػّػر الػػذي يناسػػبو وينسػػجم مػػع ف ػػره وف مػػو ‪ ،‬وإي أرى أف سػػر القػػدرة علػػى‬ ‫اسػػتخداـ الرمػػل علػػى ـبلوقػػات اهلل كل ػػا ‪ ،‬مػرتبط بػػالقراءة ( اقػرأ باسػػم ربػػك الػػذي خلػػق )‬ ‫فالقراءة رمل على اؼبخلوقات اؼبادية واؼبعنوية ‪ .‬وإف إم اف وعع الرمل على اؼبخلػوؽ ‪ ،‬جعػل‬ ‫ػخرىا ‪ .‬بػػالرمل أمسػػك اإلنسػػاف زمػػاـ اػبلػػق ‪ -‬اؼبخلوقػػات ‪-‬‬ ‫اإلنسػػاف سػػيد اؼبخلوقػػات ومسػ ِّ‬ ‫وبالرمل قنا اإلنساف اؼبػادة واؼبعػٌت ‪ ،‬وجعل ػا طػوع أمػره ( سػخر ل ػم مػا يف السػموات ومػا‬ ‫يف األرض صبيعاً منػو ) ( اعباييػة ‪ . ) ٖٔ /‬ا انتقػل اإلنسػاف مػن وعػع الرمػل اللف ػي ‪ ،‬إىل‬ ‫وعع الرمل على الرمل ‪ ،‬أي وعع اغبرؼ الذي يدؿ على األصوات اؼبختلفة ‪.‬‬

‫(ٔ) يف علم اؼبنطق يعربوف اؼبثل بالقدرة على ال تابة وذلك للتمييل بُت القدرة ال امنة والقدرة اليت ظ رت إىل الوجود ‪ .‬فيقولوف إ‬ ‫اإلنساف كات بالقوة وإف َل ي ن كاتباً بالفعل ‪ ،‬أي أف فيو قوة سب نو من أف يتعلم ال تابة وإف َل ي ن كاتباً اآلف ‪،‬وبعد أف يتعلم‬ ‫ال تابة نقوؿ إ إنو كات بالفعل ‪.‬‬


‫إف وعع رمل على ـبرج حػرؼ معػُت ‪ ،‬وجعػل القػراءة علػى ىػذا األسػاس ‪ ،‬ايػة لعهػر‬ ‫الرموز بالهور على اؼبعاي ‪.‬‬ ‫وكأف اللغة الهينية واليابانية ال تلاالف يف مرحلة متخلفة عن جعػل ال تابػة بػالرموز علػى‬ ‫اؼبقاطع الهوتية ‪ ،‬وكأف اللغة اؽبرو لوفية كاف بد ىا كذلك ‪.‬‬ ‫إف علمنػػا ببدايػػة تعلػػم اإلنسػػاف إطػػبلؽ األلفػػاظ واألص ػوات علػػى اؼبخلوقػػات اؼباديػػة أو‬ ‫اؼبعنويػػة ‪ -‬أي نشػػوء اللغػػة ‪ -‬علػػم قليػػل قابػػل للليػػادة ‪ ،‬ول ػػن علمنػػا بوعػػع الهػػور ال تابيػػة‬ ‫عل ػػى اله ػػور الذىني ػػة ‪ -‬أي ال تاب ػػة ‪ -‬أكث ػػر ‪ ،‬سػ ػواء ك ػػاف الرم ػػل ص ػػوراً لؤللف ػػاظ أو ص ػػوراً‬ ‫للمخلوقػػات ‪ -‬اغبقػػائق اػبارجيػػة ‪ -‬ويسػػتخدـ ىػػذا النػػوع مػػن الرمػػل اآلف يف إشػػارات اؼبػػرور‬ ‫وإشارات الفنادؽ واؼبطاعم لتأخذ معٌت العاؼبية ‪.‬‬ ‫إنػٍت أطيػل البةػث يف شػيء ال يبػدو متهػبلً بتعريػف العلػم ‪ ،‬أو دبعػٌت العلػم كمػا ي ػػر‬ ‫ألوؿ وىلػػة ‪ ،‬ول ػػن إدراكػػي ؼبعػػٌت العلػػم ‪ ،‬هبعلػػٍت معػػطراً لبةػػث ىػػذا الرمػػل ؛ ألف الرمػػل ‪،‬‬ ‫وقػػدرة اإلنسػػاف علػػى حػػبس اؼبعػػٌت يف الرمػػل ‪ ،‬وإبػراز ىػػذه القػػدرة إىل الواقػػع ‪ ،‬أعطػػى اػبلػػود‬ ‫للعلػػم ‪ .‬لقػػد كانػػت التجػػارب تعػػيع ويعػػاي اإلنسػػاف دفػػع األشبػػاف الغاليػػة ‪ ،‬ب عػػادة التجػارب‬ ‫الػػيت كانػػت سبػػوت مػػع مػػن قػػاـ هبػػا ‪ ،‬إذ َل ي ػػن يف اإلم ػػاف توريث ػػا للخلػػف بشػ ل دقيػػق ‪.‬‬ ‫وإف تغل الوينيات على األدياف السابقة لئلسبلـ واكبراؼ ىذه األدياف عن مبدأ الوحدانية‬ ‫‪ ،‬راجع يف الدرجة األوىل إىل أف تعاليم تلػك األديػاف َل تسػجل يف حين ػا ‪ ،‬وإف قولػو تعػاىل‬ ‫إ ( إن ػا كبػػن نللنػػا الػػذكر وإنػػا لػػو غبػػاف وف ) (اغبجػػر ‪ ، )ٜ /‬والتنفيػػذ العملػػي مػػن الرسػػوؿ‬ ‫األمي ‪ ‬يف األمر بتسجيل اآليات فور نلوؽبػا ‪ ،‬ومػا يعػرؼ يف السػَتة النبويػة وتػاريخ القػر ف‬ ‫ب تّاب الوحي ‪ ،‬دليل على تسجيل األحداث بالرموز ‪ ،‬اليت تعطي معٌت اػبلػود إ ( وإنػا لػو‬ ‫غبػػاف وف ) ؛ موعػػوع التويي ػػق والويائقيػػة ‪ .‬فم ػػن ىنػػا كانػػت ميػػلة وم انػػة القػػر ف يف ت ػػاريخ‬ ‫األدياف ‪.‬‬ ‫وحهنو من التةريف ‪ ،‬والعياع والنسػياف ‪ ،‬ؽبػذا‬ ‫إف الرمل بالقلم ‪ ،‬جعل العلم خالداً ‪َّ ،‬‬ ‫وصػػف القػػر ف السػػابقُت بػػأ م إ ( فنس ػوا ح ػاً فبػػا ذكػػروا بػػو ) (اؼبائػػدة ‪ ، )ٔٗ /‬حيػػث َل‬


‫ي ػػن التسػػجيل فػػور ن ػلوؿ األحػػداث ‪ ،‬وكػػاف ىػػا سػػبباً إل ػراء العػػداوات والبغعػػاء بيػػن م ‪،‬‬ ‫بسب قلة البياف ‪ .‬إف البياف وبػدث بػرد اليقػُت الػذي يليػل األحقػاد ‪ ،‬فبػالعلم تػلاؿ األحقػاد‬ ‫وأسباب النلاع يف العاَل ‪.‬‬ ‫إف يػػار اإلنسػػاف قبػػل ال تابػػة مو لػػة يف القػػدـ الؼ ٍ‬ ‫الؼ مػػن السػػنن ‪ ،‬ول ػػن ع ػػد‬ ‫ال تابة قهَت يف تاريخ اإلنساف يرجع إىل بععة الؼ فقط ‪ ،‬وإف ىذا الع د القهَت حافل‬ ‫بتقػػدـ اإلنسػػاف ‪ ،‬بتقػػدـ العلػػم ‪ ،‬بتقػػدـ التسػػخَت ‪ ،‬ب ػًتاكم اؼبعلومػػات ‪ ،‬ب ػًتاكم الرمػػوز علػػى‬ ‫اػبلق ‪ ( .‬اقرأ باسم ربك الذي خلق ) ‪.‬‬ ‫إف التاريخ من دـ إىل النبوات ال تابية تػاريخ ػامل ‪ ،‬ألنػو تػاريخ قبػل ع ػد ال تابػة ‪،‬‬ ‫ول ػػن النػػور اؼبسػػلط علػػى نب ػوات ع ػػد ال تابػػة أكػػا مػػع قهػػر اؼبػػدة ‪ ،‬إف صػػةف إب ػراىيم‬ ‫وموسى ‪ -‬علي ما السبلـ ‪ -‬ال ترجع إىل أكثر من طبسة الؼ عػاـ وإف اؼبػدة مػن دـ إىل‬ ‫إبػراىيم ‪ -‬علي مػػا السػػبلـ ‪ -‬الؼ الؼ مػػن السػػنُت ‪ ،‬بينمػػا الفػػًتة اللمنيػػة مػػن إب ػراىيم ‪-‬‬ ‫عليػػو السػػبلـ ‪ -‬إىل اآلف وجيػػلة بالنسػػبة للتػػاريخ وبالنسػػبة أليػػاـ اهلل ‪ .‬وإف إقبػػاالً حػػُت قػػاؿ إ‬ ‫(اللمن حاؿ اإلنساف ‪ ،‬وليس دورة الفلػك) ردبػا كػاف يقهػد أف حػاؿ اإلنسػاف مػن السػلطاف‬ ‫والتسخَت خبلؿ ىذه الفًتة القهَتة جعل ؽبا القيمة ال بػَتة ‪ ،‬بينمػا دورات للفلػك بػاؼببليُت‬ ‫ابػػت يف ال لمػػات(ٔ) ‪ .‬وإذا كػػاف عمػػر الس ػ ُت سػػنة الؼ سػػنة فقػػط ‪ -‬حس ػ اآليػػار‬ ‫اؼبتػػوفرة ‪ -‬فػ ف الع ػػد مػػن السػ ُت إىل القمػػر الهػػناعي ع ػػد عػػعيل بالنسػػبة لػػدورات الفلػػك‬ ‫واألرقاـ الفل ية ‪.‬‬ ‫إنػ ػػٍت حػ ػػُت أذكػ ػػر ىػ ػػذه األشػ ػػياء ‪ ،‬كػ ػػأنٍت أحبػ ػػث أسػ ػػاس العلػ ػػم ‪ ،‬وتارىبػ ػػو ومعايشػ ػػتو ‪،‬‬ ‫ومعاصرتو ‪ ،‬وكيف كس العلم اػبلود ‪ .‬إف اهلل حُت يقوؿ لنا إ ( سَتوا يف األرض فان روا‬ ‫بدأ اػبلق ) (العن بػوت ‪ ، )ٕٓ /‬يعػعنا علػى طريػق العلػم اغبقيقػي ‪ .‬إف معرفػة جػلء عػعيل‬ ‫من تاريخ العلم كمعرفة جلء ععيل من تاريخ إنساف معُت ‪ ،‬ال تعطي معلومات كافية عنو ‪.‬‬ ‫إف العلم الذي يغفل عن التطلع إىل كيف بدأ خلق اؼبخلوقات اؼبادية واؼبعنوية ‪ ،‬ال ىبلو من‬ ‫(ٔ) و َّ‬ ‫كأف قولو تعاىل « ىل أتى على اإلنساف حُت من الدىر َل ي ن شيعاً مذكوراً » تلمي ؽبذا الع د ‪.‬‬


‫األوى ػػاـ واألىػ ػواء ‪ ،‬في ػػوف مش ػػتب اً باػبراف ػػات ‪ .‬وك ػػم أشػ ػ و يف الع ػػاَل اإلس ػػبلمي والع ػػاَل‬ ‫اؼبعاصػػر عامػػة مػػن اخػػتبلط العلػػم باألوىػػاـ واألى ػواء ‪ ،‬أي ال نػػوف والر بػػات ‪ .‬إف العلػػم ال‬ ‫يتةرر من األوىػاـ واألىػواء ‪ ،‬إال إذا ُحهػن بػ دراؾ كيػف بػدأ اػبلػق إ مػادة ومعػٌت ‪ ،‬طبيعػة‬ ‫واجتماع ػاً ‪ ،‬فاق ػاً وأنفس ػاً ‪ .‬وب ػػدخوؿ ق ػػدرة الق ػراءة إىل ع ػػاَل اإلنس ػػاف ‪ ،‬اكتس ػ اإلنس ػػاف‬ ‫سلطاناً جديداً ‪ ،‬واسػتأىل اػببلفػة ‪ ،‬وملػك قػدرة وأداة للقعػاء علػى الفسػاد والسػفك ‪ .‬إف‬ ‫ت ػػذوؽ وإدراؾ أنبي ػػة القػ ػراءة يف حي ػػاة البش ػػر ‪ ،‬وإدراؾ م ػػا أعط ػػي اإلنس ػػاف م ػػن خ ػػَت وبرك ػػة‬ ‫وسلطاف ينفذ بو من فاقو اظدودة ‪ ،‬إف ىذا التذوؽ واإلدراؾ التارىبي ‪ -‬أي كيػف دخلػت‬ ‫ىذه القوة إىل حياة اإلنساف الذي كاف خالياً من ا ‪ -‬وبمل على التأمل ويفت فاقاً جديدة‬ ‫أماـ اإلنساف وقدراتو على حل اؼبش بلت ‪ ،‬وإمساؾ زماـ سلطاف التسخَت ؼبا خلق لو ‪.‬‬ ‫إف أنبيػػة الق ػراءة تبػػدو يف معجػػلة النػػيب األمػػي ‪ ،‬ف ػػوف خػػا النبيػػُت أمي ػاً إشػػارة إىل أف‬ ‫أحػػداً مػػن النػػاس بعػػد خػػا النبيػػُت لػػن ي ػػوف مهػػلةاً وىاديػاً يف النػػاس بػػدوف قػراءة ‪ ،‬وخبػػا‬ ‫النبيُت النيب األمي ؿبمد ‪ُ ، ‬ختم ع د األمية ‪ ،‬وفُت ع د القراءة يف اغبياة البشرية ‪.‬‬ ‫ب ػ ػػالقراءة يب ػ ػػن اخت ػ ػلاؿ الت ػ ػػاريخ ‪ ،‬ب ػ ػػالقراءة يب ػ ػػن أف ىبت ػ ػػلؿ اإلنس ػ ػػاف عه ػ ػػور اؼبعرف ػ ػػة‬ ‫والتجارب ‪ .‬إف الفرؽ بُت اإلنساف الذي يولد يف ؾبتمع القراءة وال تابة ‪ ،‬وبُت من ولد قبل‬ ‫ذلك الع د ‪ ،‬أف إنساف ع د القراءة قادر على حيازة ذبارب الؼ السنُت آلالؼ البشػر ‪.‬‬ ‫فبػػالقراءة يبتلػػك اإلنسػػاف طاقػػة ـبتللػػة مركػػلة مليعػػة بػػالعلم ‪ ،‬ـبتللػػة يف حجػػم إنسػػاف اختػػلؿ‬ ‫حجم الؼ السنُت يف عمر إنساف واحد ‪.‬‬ ‫إف اؼبس ػ ػػلم وب ػ ػػًتـ ويق ػ ػػدس ال تاب ػ ػػة ‪ ،‬ومازلن ػ ػػا نش ػ ػػاىد بقاي ػ ػػا ن ػ ػػوع م ػ ػػن الن ػ ػػاس يرفع ػ ػػوف‬ ‫القهاص ػػات ع ػػن قارع ػػة الطري ػػق ‪ ،‬وال يع ػػوف جي ػػداً القدس ػػية اؼبعني ػػة اؼبوج ػػودة يف ال تاب ػػة ‪،‬‬ ‫ػرؽ اؼبنشػور ‪ .‬إف ىػذا اعبلػل وىػذه القدسػية ‪ ،‬وىػذه ال رامػة ‪،‬‬ ‫واغبػرؼ ‪ ،‬واػبػط والقلػم ‪ ،‬وال ّ‬ ‫وىػػذا العطػػاء ػػَت اؼبمنػػوف لئلنسػػاف ‪ ،‬يب ػػن أف يف مػػو بش ػ ل واع ػ جػػداً كػػل مػػن أدرؾ‬ ‫وظيفة القراءة ‪ ،‬وما يب ن أف تعطيو لئلنساف لبلوغ منللة أحسن تقو ‪.‬‬


‫لق ػػد اخنُػػلؿ العل ػػم باس ػػتخداـ الرم ػػل ‪ -‬اػب ػػط ب ػػالقلم ‪ ( -‬ف ‪ .‬والقل ػػم وم ػػا يس ػػطروف )‬ ‫(القلػػم ‪ . )ٕ /‬وإف وعػػع اؼبعػػاجم واؼبوسػػوعات ودوائػػر اؼبعػػارؼ ‪ ..‬قػػد رفػػع مػػن معػػٌت قػػدرة‬ ‫الرمػػل وأعطػػاه فاعليػػة وكفػػاءة وسػػرعة ‪ ،‬وبػػذلك سب ػػن اإلنسػػاف مػػن مراجعػػة مػػا يريػػده بسػ ولة‬ ‫ويس ػػر ‪ ،‬س ػ ػواء يف معرف ػػة األظب ػػاء ‪ ،‬أو الت ػػاريخ ‪ ،‬أو ش ػػىت اغبق ػػائق ‪ ..‬ومث ػػل ذل ػػك اآلالت‬ ‫اغباسبة وبنوؾ اؼبعلومات ‪ ،‬ف ي يف حقيقت ا استمرار الختػلاؿ اؼبعلومػات وتقػديب ا بسػرعة ‪،‬‬ ‫وىػػذه إحػػدى نعػػم اهلل ال ػػاى الػػيت ارتبطػػت بػػالقلم وال تابػػة ( ف ‪ .‬والقلػػم ومػػا يسػػطروف مػػا‬ ‫أنت بنعمة ربك دبجنوف ) (القلم ‪ )ٖ-ٕ /‬وإف الذين يتعػاملوف مػع يػات اآلفػاؽ واألنفػس‬ ‫‪ ،‬ويسػػتغلوف الرمػػوز الػػيت تتةػػوؿ بسػػرعة إىل حقػػائق ومعطيػػات علميػػة ‪ ..‬ىػػم الػػذين يتسػػخر‬ ‫ؽبم ما يف السماوات واألرض ‪.‬‬ ‫إف مشػ لة األميػػة ‪ ،‬ومػػا ىبسػػره اإلنسػػاف بفقدانػػو الق ػراءة وال تابػػة ‪ ،‬شػػيء ال يعػػوض ‪،‬‬ ‫وإف البلداف اليت تعػاي مػن األميػة تعػاي مػن نقػا يف فاعليػة اإلنسػاف ‪ .‬إف اإلنسػاف األمػي‬ ‫منلوع منو الشرياف الذي يبده بالسلطاف ‪ ،‬ألنو مفهوؿ عن ذبارب البشر ‪ ،‬بل يب ن القػوؿ‬ ‫إ إنو َت قابل أف يبلس الرشد ‪.‬‬ ‫إف الهػػلة بال تػػاب تغػػَت مػػن سػػةنة اإلنسػػاف ‪ ،‬ومػػن تػػوتر ععػػبلتو ‪ ،‬وظبػػات وج ػػو ‪،‬‬ ‫والػػذين يفقػػدوف الهػػلة بال تػػاب يفقػػدوف السػػلطاف ( كػػأ م خشػ مسػػندة ) (اؼبنػػافقوف ‪/‬‬ ‫تفعػل اهلل هبػا ‪ ،‬ال يػتم إال عػن طريػق‬ ‫ٗ) ذلك أف بلوغ مرحلة التقو اغبسػن لئلنسػاف الػيت َّ‬ ‫الهلة بال تاب ‪ .‬فيا أي ا اإلنساف أف ربك ال ر ‪ ،‬الذي خلقػك فسػواؾ فعػدلك ‪ ،‬يف أي‬ ‫صػػورة م ػػا شػػاء ركب ػػك ‪ ..‬إف ربػػك ال ػػر رف ػػع م ػػن قػػدرؾ ‪ ،‬وم ػػن خلقػػك وم ػن تس ػػويتك ‪،‬‬ ‫وتعػػديلك ‪ ،‬ػػَت مػػن شػػأنك بػػالقلم وال تػػاب ( قػػل ىػػل يسػػتوي الػػذين يعلمػػوف والػػذين ال‬ ‫يعلموف ) (اللمر ‪. )ٜ /‬‬ ‫إف حػػل مش ػ بلت اإلنسػػانية ‪ ،‬ونفػػي هتمػػة اؼببلئ ػػة لبػػٍت دـ ‪ ،‬وإخ ػراج اإلنسػػاف مػػن‬ ‫الفساد والسفك … ال يتم إال بالتسخَت اغبق لقدرة القراءة ‪.‬‬


‫إف التسػػخَت اغبػػق لق ػدرة الق ػراءة ‪ ،‬هبعػػل اإلنسػػاف يطػػَت جبنػػاح الق ػراءة ‪ ،‬ويتغل ػ علػػى‬ ‫اؼبش بلت ‪ .‬ال يغرنك شػيوع الفسػاد والسػفك يف العػاَل ‪ .‬إف إنسػاناً أدرؾ كيػف بػدأ خلقػو‬ ‫وكيف وصل إىل ما وصل إليو ‪ ،‬وذباوز ما ذباوز ‪ ،‬سيعلم كيف سيهل إىل ما َل يهػل إليػو‬ ‫بعد ‪ ،‬وكيف يتجاوز العقبات اليت أمامو ‪ ،‬كما ذباوز العقبات اليت خلف ا ‪.‬‬ ‫إف ال اتػ ‪ ،‬والقػػارئ ‪ ،‬والطػػابع وال تػػاب ‪ ..‬إف كػػم وكيػػف كػ ٍػل مػػن ىػػذه األمػػور ىػػي‬ ‫الػيت تعطػػي للمجتمػػع صػػورتو التارىبيػة ومركػػله بػػُت معاصػريو ‪ ..‬إف ىػذا ال ػػم وال يػػف مؤشػػر‬ ‫صادؽ لعدالة الهورة واػبلق اؼبسواة ‪ ،‬والرصيد من اغبق ‪.‬‬ ‫إف االسػػتخبلؼ يف األرض ىػػو ؼبػػن يقػػوـ هبػػذا النسػػك أفعػػل قيػػاـ ‪ ،‬إف مػػن يقػػوـ هبػػذا‬ ‫النسك على أحسن وجو ي وف ح و أوفر من موجبات استخبلؼ دـ يف األرض ‪.‬‬ ‫كيف تتةوؿ النعمة إىل نقمة‬ ‫إف من يراق الطفل كيف ينمو ليػتم ن مػن القعػود ‪ ،‬ا الوقػوؼ ا اؼبشػي ‪ ،‬هبػد سػنة‬ ‫اهلل يف الت ػػدرج ‪ ،‬وهب ػػد أف الطفػ ػل ال ػػذي يبش ػػي ‪ ،‬يتعث ػػر أوؿ األم ػػر ويس ػػقط ‪ ..‬ح ػػىت تق ػػوى‬ ‫ععبلتو ‪ .‬إف وقوعو أمر متوقع ‪ ،‬ول ن َت اؼبتوقع أف ي ل يسقط دوف أف يتةسن يف مبوه‬ ‫‪.‬‬ ‫إف عثػػرة الطفػػل السػػليم ػػَت عثػػرة اؼبشػػلوؿ ‪ .‬وإذا كػػاف ىػػذا األمػػر واعػػةاً يف مسػػتوى‬ ‫الطفل ومبوه ‪ .‬ف ف األمور تشتبو كثَتاً يف مبو اجملتمعػات وتطورىػا ‪ ..‬وخاصػة حػُت ال يبةػث‬ ‫اإلنسػػاف يف األسػػباب الػػيت تػػؤدي إىل ت ػرار تعثػػره وسػػقوطو وعػػدـ سػػَته سػػوياً علػػى ص ػراط‬ ‫مس ػػتقيم ‪ ،‬وى ػػذه أم ػػور يػػدرك ا م ػػن يعل ػػم مس ػػارات التػػاريخ ‪ ،‬ويبه ػػر بعم ػػق وإدراؾ عث ػرات‬ ‫اؼبسافرين ‪.‬‬ ‫إف نعمة القراءة من أج ِّػل الػنعم ‪ ،‬ول ػن يب ػن أف تتةػوؿ عنػد قػوـ معينػُت أو يف عهػر‬ ‫معػػُت ‪ ،‬إىل مػػا يشػػبو النقمػػة ‪ ،‬فػ ف كػػاف مػػن شػػأف القػراءة أف تسػػارع يف النمػػو ‪ ،‬فقػػط ت ػػوف‬


‫عنػػد قػػوـ ويف عهػػر ُمعػػُت ‪ ،‬إبطػػاء للنمػػو لسػػوء التعامػػل مع ػػا ‪ ،‬كمػػا يب ػػن أف ي ػػوف الربيػػع‬ ‫سبباً لل بلؾ بالتخمة عند ـبلوؽ معُت ‪ ،‬كما ورد يف حديث عن رسػوؿ اهلل صػلى اهلل عليػو‬ ‫وسػػلم ؼبػػا حػػذر اؼبسػػلمُت مػػن أف تفػػت علػػي م الػػدنيا فيتنافسػػوىا كمػػا تنافسػ ا مػػن قػػبل م ‪،‬‬ ‫فت ل م كما أىل ت من قبل م ‪ .‬سألو سائل يا رسوؿ اهلل إ وىل يأب اػبػَت بالشػر قػاؿ‬ ‫ػت الربي ُػع‬ ‫رسوؿ اهلل صلى اهلل عليو وسلم إ « أما إنو ال يأب اػبػَت بالشػر ‪ ،‬ول ػن إ ّف فبػا يُنب ُ‬ ‫م ػا يقتػ ُػل َحبَط ػاً أو يُلػػم » ( البخػػاري كتػػاب اعب ػػاد ) ‪ .‬إف الربيػػع خػػَت ‪ ،‬ول ػػن ي ػػوف ش ػراً‬ ‫لبعل اغبيوانات ‪ ،‬وى ذا كل نعمة يب ن يف ظروؼ معينة ‪ ،‬أف تؤدي إىل نقمة أو عثرة ‪.‬‬ ‫إف القػراءة وال تابػػة ‪ ،‬نعمػػة مسػػتمرة دائمػػة متواصػػلة ‪ ،‬هبػػا ال بغَتىػػا تػػلو اغبيػػاة ‪ ،‬وتنمػػو‬ ‫ال فػػاءات ‪ ،‬والقػػدرات ‪ ،‬ول ػػن قػػد تسػػتخدـ ىػػذه النعمػػة أحيان ػاً ‪ ،‬اسػػتخداماً سػػيعاً يػػؤدي‬ ‫للعطالػػة وطبػػود اغبيػػاة ‪ ،‬مثػػل اسػػتخداـ اؼبسػػلمُت سػ َّػر ( كػػاؼ ‪ ،‬ىػػا ‪ ،‬يػػا ‪ ،‬عػػُت ‪ ،‬صػػاد ) ‪.‬‬ ‫فبدؿ أف يستخدـ لي وف وسيلة ؼبعرفة التجارب البشػرية ‪ ،‬وكيػف بػدأ اهلل اػبلػق ‪ ،‬صػار س ّػر‬ ‫(ك ػػيعا) سبيمػػة لػػدعوة ملػػوؾ اعبػػاف األضبػػر واألزرؽ ‪ ،‬لفػػك السػػةر ‪ ،‬أو تركيبػػو ‪ .‬كمػػا أف‬ ‫بسر‬ ‫تقديس م لػ (ف والقلم) ربوؿ إىل صبع قهاصات األوراؽ من الطرقات ‪ ،‬بدؿ االطبلع ّ‬ ‫(نػػوف والقلػػم) علػػى ذبػػارب اجملتمعػػات واغبعػػارات ‪ ،‬ومعرفػػة كيػػف بػػدأ اػبلػػق لر يػػة سػػنن اهلل‬ ‫الػػيت ال تتغػػَت وال تتبػػدؿ ‪ ،‬ولر يػػة قػػردة اإلنسػػاف علػػى تقريػػر مهػػَته ( إف اهلل ال يغػػَت مػػا بقػػوـ‬ ‫حىت يغَتوا ما بأنفس م ) (الرعد ‪ )ٔٔ /‬واإلماـ الغلا حُت قاؿ إ (مػن طلػ اؼبعػاي مػن‬ ‫األلفاظ عاع وىلك وكاف كمن استدبر الغػرب وىػو يطلبػو) ‪ ،‬كػاف يستشػعر بوعػوح وظيفػة‬ ‫اللفػػل وم انػػة الرمػػل ‪ ،‬وَل ي ػػن مػػن قهػػده أف القػراءة واأللفػػاظ الدالػػة علػػى اؼبعػػاي ال تػػؤدي‬ ‫وظيفػػة ول ػػن كػػاف يقهػػد أف مػػن فقػػد الهػػلة بػػالوجود اػبػػارجي ‪ -‬باآلفػػاؽ واألنفػػس ‪ ،‬أي‬ ‫باؼبوعػػوع الػػذي ُوعػػع عليػػو الرمػػل ‪ -‬فػ ف الرمػػل ال يفيػػده شػػيعاً ‪ ،‬وي ػػوف جػػديراً بػػأف يوصػػف‬ ‫بأنو عاع وىلك ‪ ،‬وكاف كمن استدبر اؼبغرب وىو يطلبو ‪.‬‬ ‫وأذكر بعل التجارب اليت عايشت ا حُت كنػت طالبػاً ا ؾبنػداً ‪ ،‬تتهػل هبػذا اؼبوعػوع ‪.‬‬ ‫لقػػد كانػػت بعػػل أسػػاتذب اؼبخلهػػُت الطيبػػُت بعبػػارات كتػ الفقػػو وشػػروح اغبػػديث ‪ ،‬صػػلة‬


‫الوقوؼ عند األلفاظ ‪ ،‬والت ي الشديد لر ية القداسة يف كبلـ الشراح ‪ ،‬ا رأيت وأنا ؾبنػد‬ ‫اؼبوق ػػف نفس ػػو ح ػػُت ىبتل ػػف اؼب ػػدربوف يف ش ػػرح وظيف ػػة س ػػبلح م ػػا ‪ ،‬فق ػػد ك ػػانوا ين ػػروف إىل‬ ‫ال راس اؼبًتجم بنفس القداسة ‪ .‬إف ىذين اؼبوقفُت متشاهباف إذ َل ي ن التعامل الواقعي ىو‬ ‫الذي وبدد ما ينبغي أف يقاؿ يف اؼبوعوع ‪ ،‬وإمبا كاف تقديس األشخاص ‪ ،‬و رائ م اؼب توبة‬ ‫ىي اليت ربدد اؼبوقف ‪.‬‬ ‫إف تق ػػديس األش ػػخاص و رائ ػػم اؼب توب ػػة ‪ ،‬ك ػػاف وب ػػوؿ ال ش ػػعورياً ‪ ،‬دوف التعام ػػل م ػػع‬ ‫الوق ػػائع اػبارجي ػػة ‪ ،‬للتةق ػػق م ػػن ص ػػةة ى ػػذه اآلراء ‪ .‬فال ػػذين يقدس ػػوف أرس ػػطو ‪ -‬م ػػثبلً ‪-‬‬ ‫ذبمدوا على رأيو يف سقوط األجساـ ‪ ،‬وَل ىبطر ؽبم أف يثبتػوا مػن صػةة أقوالػو ‪ ،‬بينمػا كػاف‬ ‫جػػاليلو يبيػػل إىل إمتػػاع نفسػػو ‪ ،‬بتػػدبَت مواقػػف تُبػػدي زمػػبلءه يف م ػػر اغبمقػػى ‪ ،‬إذ ك ػػاف‬ ‫األساتذة يقرروف أف الذي زنتو عشرة أرطاؿ ‪ ،‬أسػرع يف السػقوط مػن الػذي زنتػو رطػل واحػد‬ ‫بعشر مرات ‪ ،‬فأخذ جرمُت ـبتلفي الوزف وقعد على بػرج بيػلا علػى طريػق األسػاتذة وعنػدىم‬ ‫مرورىم أسقط ما فوصبل معاً تقريباً ‪.‬‬ ‫لقػػد ظػػل رأي أرسػػطو سػػائداً يف سػػقوط األجسػػاـ مػػدة ألفػػي سػػنة دوف أف يتةمػػل أحػػد‬ ‫مشقة التثبت من صةتو ‪ .‬ف اف التف َت يف التثبػت أمػراً جديػداً أو تطػاوالً وت ػذيباً للثقػات‬ ‫وعمبلً مرذوالً ‪ ،‬فةُت كاف جاليلو يبػتةن قػوؿ أرسػطو يف سػقوط األجسػاـ األيقػل وزنػاً مػن‬ ‫نوع واحد بسرعة أكثػر وحػُت قػاؿ جػاليلو إ يسػقط مسػمار كبػَت و خػر صػغَت فيهػبلف معػاً‬ ‫بسػرعة واحػدة ‪ ،‬كػاف األسػاتذة يسػخروف منػو ألنػػو وبػاوؿ إظ ػار خطػأ أرسػطو ( يػا للوقاحػػة‬ ‫وال اياء )(ٔ) ‪.‬‬ ‫وم ػػن ى ػػذا القبي ػػل م ػػا ي ػػذكره ول ػػد يوران ػػت يف قه ػػة اغبع ػػارة(ٕ) إ ( يف س ػػنة ٔٗ٘ٔـ ‪.‬‬ ‫اش ػًتاؾ فيسػػاليوس مػػع خ ػرين يف نشػػر طبعػػة جديػػدة مػػن الػػنا اليونػػاي عبػػالينوس ‪ ،‬وقػػد‬ ‫أدىشػػتو أخطػػاء نػػدَّت ع ػػن جػػالينوس وكانػػت خليقػػة ب ػػأف يدحع ػ ا أبسػػط تش ػري عبس ػػم‬ ‫(ٔ) أن ر كتاب الن رة العلمية ‪ ،‬راسل ‪ ،‬ص ٖٔ ‪.‬‬ ‫(ٕ) أن ر كتاب قهة اغبعارة ‪ ،‬اعبلء السادس من اجمللد السادس أو اعبلء ‪ ٕٚ‬ص ٗ٘ٔ ‪. ٔ٘ٚ ،‬‬


‫اإلنساف ‪ ،‬كقولو مثبلً إ « إف الفك السػفلي قسػماف ‪ » ..‬وىػذا يػدؿ علػى أف جػالينوس َل‬ ‫يشػػرح قػػط دميػػُت بػػل حيوانػػات ‪ ،‬وشػػعر أنػػو قػػد حػػاف الوقػػت ؼبراجعػػة علػػم تشػري اإلنسػػاف‬ ‫بتشري اآلدميُت ‪.‬‬ ‫وقػػاؿ دوب ػوا إ « إف جػػالينوس َل ىبطػػت ‪ ،‬ول ػػن جسػػم اإلنسػػاف ع ػراه تغيػػَت مػػن ع ػػد‬ ‫جػػالينوس ‪ » ..‬ا قػػاؿ وؿ ديورانػػت بعػػد ذلػػك إ « َل ي ػػن لشػ ادة اغبػواس كبػػَت وزف أمػػاـ‬ ‫كلم ػػة ج ػػالينوس واب ػػن س ػػينا ‪ ،‬ال ب ػػل إف فيس ػػاليوس نفس ػػو ق ػػاؿ عن ػػدما ن ػػاقل تش ػػروبو رأي‬ ‫جػػالينوس إ « َل أكػػد أصػػدؽ عيػػٍت » ‪ ،‬وكان ػت طبعػػات وترصبػػات جػػالينوس تثػػبط القيػػاـ‬ ‫بالتجارب اعبديدة) ‪.‬‬ ‫واػببلصة ‪ ،‬أف القراءة وال تابة نعمػة ‪ ،‬وىػي الطريػق األساسػية للنمػو والتقػدـ لئلنسػانية‬ ‫‪ ،‬ول ن ػ ػػا تػ ػػؤدي إىل اعبمػ ػػود والركػ ػػود ‪ ،‬وتقػ ػػف عائق ػ ػاً يف سػ ػػبيل التقػ ػػدـ ‪ ،‬حػ ػػُت تسػ ػػتخدـ‬ ‫استخداماً سيعاً ‪.‬‬ ‫ال تاب صورة ذىنية‬ ‫إف صبي ػع اؼبؤلفػػات مػػا ىػػي إال صػػورة ؼبؤلفي ػػا ‪ ،‬ألف ال تػػاب إمبػػا يػػدور حػػوؿ موعػػوع‬ ‫مع ػػُت ل ػػو وج ػػود خ ػػارجي س ػواء ك ػػاف ع ػػن الطبيع ػػة أو اإلنس ػػاف ‪ .‬ول ػػذلك ف ػ ف اؼبتعام ػػل م ػػع‬ ‫اغبقائق اػبارجية يهة ويليد من إدراكو ؽبػا ‪ .‬وعلػى ىػذا األسػاس هبػ أف يػتم الن ػر إىل‬ ‫ال تاب والتعامل معو ليلوؿ ما يب ن أف يؤدي إليػو مػن دعػم اػبطػأ واالسػتمرار عليػو ‪ .‬ومػن‬ ‫أدرؾ ىػػذا جيػػداً ف نػػو ال يتعامػػل مػػع ال ت ػ علػػى أسػػاس القدسػػية ؽبػػا ‪ ،‬بػػل تهػػَت ال ت ػ‬ ‫إشػػارات وعبلمػػات تػػدؿ علػػى مقػػدار مػػا توصػػل إليػػو تهػػور إنسػػاف يوم ػاً ‪ ،‬وبػػذلك ربمػػل‬ ‫ال ت اؼبعٌت اإلهبا وال تقوـ بدور التعطيل للبةث يف الوجود اػبارجي ‪.‬‬ ‫واإلنسػػاف بتوسػػعو يف القػراءة ي تس ػ موقفػاً إهبابي ػاً فيعػػع ال تػػاب يف م انػػو اؼبناس ػ‬ ‫ويعػػًتؼ باعبان ػ اؼبقػػدس منػػو ألف ال تػػاب جعػػل اإلنسػػانية كائن ػاً واحػػداً خالػػداً ‪ ،‬واختػػلؿ‬ ‫التػػاريخ ‪ ،‬وقػػدـ للبشػػر التجػػارب الػػيت عػػاي من ػػا اإلنسػػاف الؼ السػػنُت يف غب ػػات مػػوجلة‬


‫… ف أف اػبلف ‪ -‬هبذا ‪ -‬يعيذ مع السلف ‪ .‬فالذي يدرس جيداً تاريخ الفراعنة ‪ -‬مثبلً‬ ‫ ويتخها فيو ‪ ،‬ردبا يدرؾ من أمر ىذه اغبعارة مػا َل يدركػو مػن عاصػرىا وعػاش في ػا ‪.‬‬‫كما أف عمػر الفػرد صػار بال تػاب طػويبلً ال ينت ػي بوفاتػو ‪ ،‬بػل ويبتػد يف اؼباعػي إىل العمػق‬ ‫السةيق ‪ ،‬وصارت كل التجارب اؼباعية ملك يديو …‬ ‫وحػػُت ين ػػر إىل ال تػػاب علػػى ىػػذا األسػػاس ‪ ،‬ىبػػرج اإلنسػػاف مػػن عػػاَل األشػػخاص إىل‬ ‫عاَل األف ار ‪ ،‬أي من الهور الذىنية إىل اغبقائق اػبارجية ‪.‬‬ ‫إف ما يسمى مرحلة توقف االجت اد أو عهور التقليد يف العاَل اإلسبلمي ىػو االنتقػاؿ‬ ‫من عاَل األف ار إىل عاَل األشخاص ‪ ،‬من عاَل اغبقائق اػبارجيػة إىل الهػور الذىنيػة ‪ ،‬ىػو‬ ‫االنتقاؿ من اؼبعٌت اإلهبا لل تاب إىل اؼبعٌت السليب لو ‪.‬‬ ‫إجراء التهةي‬ ‫وليػػؤدي ال تػػاب دوره ‪ ،‬البػػد أف تػػلوؿ عنػػو الهػػور الذىنيػػة اػباطعػػة ‪ ،‬فػػال بلـ الطويػػل‬ ‫الػػذي ال يب ػػن ربقيقػػو يف الوقػػائع اػبارجيػػة تعػػييع لؤلوق ػات وإبعػػاد لؤلىػػداؼ ‪ ،‬فبلبػػد مػػن‬ ‫القيػػاـ بعمليػػات اختػلاؿ واختهػػار وتبسػػيط ‪ ..‬وىػػي م مػػة كبػػَتة علػػى العػػاَل صبيعػاً التنػػافس‬ ‫في ػػا غبمايػػة األجيػػاؿ ‪ ..‬فمعرفػػة تػػاريخ علػػوـ ال يميػػاء والفلػػك وال ػ وسػواىا … يُ تفػػى‬ ‫في ا باإلشارة إىل مباذج فقط ‪ ،‬لنعرؼ كيف بدأ خلق ا ومبوىا لنهل هبا إىل درجػة التسػخَت‬ ‫… حبيث ي وف ف م اؼباعي سبباً لف م اغباعر والتنبؤ باؼبستقبل ‪.‬‬ ‫إف اعبراييم ‪ -‬مثبلً ‪ -‬كانت تفتك بأجساـ البشر وىي يف حهن م لم ال تطالػو أعػُت‬ ‫البشػػر وال أيػػدي م لتػػؤير علي ػػا ‪ ،‬ول ػػن بعػػد أف كشػػفت أسػػباب العػػدوى والتعقػػيم والتطعػػيم‬ ‫… توقفت األوبعة عند حدِّىا ‪.‬‬ ‫كذلك اليوـ نرى األمراض االجتماعية الػيت تفتػك بالبشػر فيسػفك بععػ م دمػاء بعػل‬ ‫… فةػػُت ن شػػف أسػػباب ىػػذا الػػدمار الػػذي يقػػوـ بػػو النػػاس عػػد بععػ م ون شػػف ىػػذه‬ ‫اعبراييم أو اؼبفاىيم اليت ربمل النػاس علػى أف يػذيق بععػ م بػأس بعػل كمػا كانػت اعبػراييم‬


‫تفتك هبم ‪ ،‬ف ننا نقي اجملتمع من الدمار واؽببلؾ ‪ .‬فعلم الثقافة وعلم السلوؾ البشػري شػبيو‬ ‫بعلم اعبراييم قبل كشف الوسائل اليت أظ رت للعياف اعبراييم وأيرىا ‪.‬‬ ‫ف ما سب ن اإلنسػاف مػن معرفػة تػاريخ األوبعػة واعبػراييم ‪ ،‬وكيػف كانػت تفتػك يف صػةة‬ ‫البشر ‪ ..‬فيم ننا اليوـ نقل ىػذه اؼبعرفػة التارىبيػة إىل معرفػة أسػباب سػلوؾ البشػر الػيت تفتػك‬ ‫بالناس وتُغري بين م العداوة والبغعاء ‪ .‬إف كشف أسباب أحقادنا وعداوتنا وج لنا بوسائل‬ ‫التغيػػَت ‪ ،‬وج لنػػا باؼباعػػي وعػػدـ اسػػتفادتنا وقػػدرتنا علػػى القيػػاس واالعتبػػار ‪ ،‬إف كشػػف كػػل‬ ‫ذلك ‪ ،‬يشَت إىل بداية تذوقنا كنػو العلػم وشػم ن ػة الف ػم واإلحسػاس بػاد اليقػُت ‪ ..‬وىػذا‬ ‫ما أشار إليػو اإلمػاـ الغػلا بقولػو إ « لػو أصػغى اؼبعتقػد إىل اؼبشػ ك لوجػد لنقػيل معتقػده‬ ‫ؾبػػاالً يف نفسػػو ‪ ،‬والعػػاَل ال هبػػد ذلػػك أص ػبلً وإف أصػػغى إىل الشػػبو اؼبش ػ ة ‪ ..‬وبعػػد ىػػذا‬ ‫التقسيم ي اد ي وف العلم مرتسماً يف النفس دبعناه وحقيقتو من َت ت لف ربديد » ‪.‬‬ ‫وىذه اغبهانة اليت عنػد العػاَل نتيجػة إلجرائػو التهػةي بتعاملػو مػع اغبقػائق اػبارجيػة ‪،‬‬ ‫ال دبجرد وقوفو عند حرفية النا ‪.‬‬ ‫وىػػذا التػػذوؽ واإلحسػػاس ل ُ نػػو العلػػم ىػػو الػػذي جعػػل جػػورج ‪ .‬أ ‪ .‬لنػػدبرغ يقػػوؿ عػػن‬ ‫العلم إ (إف ؾبرد توفر اؼبعرفة العلمية وعادات التف َت العلمي ‪ ..‬يبعث يف نفوسنا الراحػة يف‬ ‫عاَل مليء باؼبخاوؼ واالنفعاالت و ػَت ذلػك مػن اؼبشػاعر الػيت تبػدد الطاقػة وهتػدر اعب ػد ‪،‬‬ ‫فاؼبعرف ػػة العلمي ػػة تشػ ػ ل عػ ػرباً م ػػن اله ػػةة العقلي ػػة)(ٔ) ‪ .‬فم ػػا يق ػػوؿ عن ػػو الغ ػلا إ (الش ػػبو‬ ‫اؼبش ة) ىو ما يقوؿ عنو لندبرغ إ (اؼبخاوؼ واالنفعاالت) ‪.‬‬ ‫وما يقوؿ عنو الغػلا (والعػاَل ال هبػد ذلػك أصػبلً) ىػو مػا يقػوؿ عنػو لنػدبرغ إ (التف ػَت‬ ‫العلمي يبعث يف نفوسنا الراحة وىو عرب من الهةة العقلية) ‪.‬‬ ‫إف ع ػػدـ الق ػػدرة عل ػػى االنتق ػػاؿ م ػػن معرف ػػة م ػػا ح ػػدث يف ت ػػاريخ اله ػػةة اعبس ػػدية م ػػن‬ ‫كشػػوؼ وضبايػػة أرواح ‪ ،‬إىل مػػا يب ػػن أف وبػػدث يف تػػاريخ الهػػةة النفسػػية والعقليػػة واؼبعرفيػػة‬ ‫مػػن كشػػوؼ وضبايػػة أرواح مػػن النلاعػػات البشػرية اعباىليػػة ‪ .‬إف عػػدـ القػػدرة ىػػذا العقبػػة الػػيت‬ ‫(ٔ) أن ر كتاب ىل ينقذنا العلم ‪ ،‬ص ٓٔ ‪.‬‬


‫ربوؿ دوف تعميم معٌت العلم يف العاَل مشالو وجنوبو و ربو وشرقو ‪ ،‬ف م يروف أف ىناؾ أمػوراً‬ ‫ال زبعػػع للعلػػم بػػل وال يب ػػن أف تػػدخل يف ؾبػػاؿ العلػػم ‪ .‬وفػػرؽ كبػػَت بػػُت مػػن يف ػػم أمػراً ‪-‬‬ ‫مثل الػروح ‪ -‬لػيس ؾبػاؿ العلػم ‪ ،‬وبػُت مػن يف ػم أنػو ؾبػاؿ للعلػم ‪ ،‬ول ػن مػا يػلاؿ العلػم فيػو‬ ‫قليبلً ‪ ،‬والعلم قابل للليادة ‪ ( ،‬ويسألونك عن الروح ‪ ،‬قل الروح من أمر ر ومنا أوتيتم من‬ ‫العلم إال قليبلً ) (اإلسراء ‪. )ٛ٘ /‬‬ ‫وقد عقد لندبرغ يف كتابو (ىل ينقذنا العلػم) فهػبلً م مػاً يف ىػذا اؼبوعػوع وقػاؿ إ (إف‬ ‫اؼبن ج العلمي يف التف َت َل وبرز بعد تقدماً يذكر ‪ ،‬إذ ال ن اد قبد أحداً يواجو اؼبش بلت‬ ‫االجتماعية اليوـ بروح علمية ؾبردة ‪ ،‬أما القوؿ بأف ىذه اؼبش بلت قد ُربل إذا كػاف ؽبػا أف‬ ‫ربل بواسطة أج لة دقيقة ال ينتاهبا اػبوؼ أو الغع أو حىت اغب ‪ ،‬ف و أمر يبدو أنو َل‬ ‫ىبطر بباؿ أحد حىت ال ثَتين من الذين يعتاوف علماء ي العلوـ االجتماعية)(ٔ) ‪.‬‬ ‫ومن أسباب جعػل السػلوؾ البشػري خػارج العلػم وخػارج السػيطرة عليػو وخػارج التسػخَت‬ ‫وخارج السنن أمراف إ‬ ‫أوالً إ ف م العقيدة الدينية ف ماً خاطعاً ‪ ،‬وىو أف اهلل يفعل ما يشػاء ( ومػا تشػا وف إال‬ ‫أف يشػاء اهلل ) (اإلنسػاف ‪ . )ٖٓ /‬إف تػاريخ النػلاع طويػل بػُت الػذين يػروف اعبايػة يف سػلوؾ‬ ‫البشر وبُت من يروف اإلنساف ـبَتاً يف سلوكو ‪ ،‬بُت من يرى اإلنساف ؾبااً ر م أنفو علػى مػا‬ ‫قعاه اهلل وقدره وال قدرة لو على اػبروج منو ‪ ،‬وبػُت مػن يػرى أف اهلل يغػَت مػا بػو إف ىػو ّػا‬ ‫م ػػا بنفس ػػو ‪ .‬ب ػػل إف ال ػػبعل يق ػػوؿ إ إنن ػػا ال نع ػػرؼ قع ػػاء اهلل وق ػػدره ‪ ،‬إذاً ال دخ ػػل لن ػػا يف‬ ‫مهائر الناس وسلوك م الذي يرجػع إىل اإلرادة الطليقػة هلل رب العػاؼبُت ‪ ،‬إىل مػا ىنالػك مػن‬ ‫أقػواؿ تػػدؿ علػػى الغمػػوض واالشػػتباه وظػػبلـ الر يػػة ‪ .‬إف مشػػيعة اهلل ال تسػػل البشػػر قػػدرهتم‬ ‫علػػى التغيػػَت وعػػع مهػػائرىم ‪ ،‬بػػل مشػػيعة اهلل إ ( إف اهلل ال يغػػَت مػػا بقػػوـ حػػىت يغػػَتوا مػػا‬ ‫بأنفس ػ م ) (الرعػػد ‪ ، )ٔٔ /‬وإف مهػػائرىم بيػػدىم(ٔ) ‪ ..‬ولػػيس ىنػػا م ػػاف تفهػػيل ذلػػك‬ ‫(ٔ) أن ر كتاب ىل ينقذنا العلم ‪ ،‬ص ‪. ٖٙ‬‬ ‫(ٔ) تفهيل ىذا يف كتاب حىت يغَتوا ما بأنفس م ‪.‬‬


‫ول ن أردنا التنبيو إىل أف ىػذا العتقػاد والن ػر الػذي يسػل اإلنسػاف االختيػار والقػدرة علػى‬ ‫تقرير اؼبهَت ‪ ،‬هبعل اإلنساف ومهَته َت خاعع للعلم والتسخَت والتنبؤ ‪.‬‬ ‫يانياً إ والسب الثاي الذي جعل السلوؾ البشػري خػارج نطػاؽ العلػم والتنبػؤ والتسػخَت‬ ‫‪ ،‬يرجػػع إىل التػػاريخ اؼب لػػم واإللػػف الطويػػل الػػذي عاشػػو النػػاس ‪ ،‬وىػػم ال يػػروف بهيهػاً مػػن‬ ‫األمػػل يف السػػيطرة عل ػى سػػلوؾ اإلنسػػاف وإدراؾ السػػنن فيػػو ‪ .‬وىنػػا ‪ -‬مػػرة أخػػرى ‪ -‬يفيػػدنا‬ ‫تػػاريخ العلػػوـ الطبيعيػػة يف توعػػي كيػػف عػػاش النػػاس طػػويبلً يف ال لمػػات وألفوىػػا ‪ ،‬وىػػم ال‬ ‫عل ػػم عن ػػدىم وال س ػػيطرة وال تنب ػػؤ ‪ ..‬ف ػػذا الت ػػاريخ الطوي ػػل يف ال ػػبلـ جع ػػل الن ػػاس أيعػ ػاً‬ ‫ين ػػروف يوم ػاً مػػا وال يهػػدقوف دخػػوؿ العلػػم ؾب ػاؿ الفلػػك وال يميػػاء والط ػ ‪ ،‬ول ػػن تعلػػم‬ ‫اإلنساف شيعاً فشيعاً حىت أصب يرى ىذه األمور حقائق ال ينػاقذ بهػةت ا ‪ .‬وىػذا الشػيء‬ ‫نفسو يطبق على علم السلوؾ البشػري ‪ ..‬وسػيأب وقػت يهػب فيػو علػم االجتمػاع والعمػراف‬ ‫ أو السػػلوؾ البشػػري ‪ -‬علم ػاً خاعػػعاً للسػػنن وقػػاببلً للتسػػخَت وؾبػػاالً يف زبفيػػف اآلصػػار‬‫واأل ػػبلؿ الػػيت ضبل ػػا اإلنسػػاف ألنػػو كػػاف ظلومػاً ج ػػوالً ‪ .‬وىنػػا البػػد مػػن إعػػادة التنبيػػو إىل أف‬ ‫اعب ل البسيط َت اعب ل اؼبرك ‪ ،‬فقديباً كانوا يقولوف إ اعباىل الػذي يعلػم أنػو جاىػل ىػو‬ ‫جاىل بسيط ‪ ،‬ول ن اعباىل الذي ال يعلم أنو جاىل ف و جاىل مرك ‪.‬‬ ‫وكػػذلك يب ػػن القػػوؿ إ إف ج ػػل اؼبوقػػف العلمػػي ‪ ،‬وج ػػل اؼبعرفػػة بتػػاريخ بػػدء اػبلػػق ‪،‬‬ ‫هبعل اإلنساف يف موقف اعباىل اؼبرك ‪ ،‬حيث يلعم أف العلم لػن يػلداد ‪ ،‬وأف اإلنسػاف لػن‬ ‫يقػػدر أف يبسػػط سػػلطانو وتسػػخَته إال علػػى مػػا وصػػل إليػػو ‪ ،‬وىػػذا اؼبوقػػف يػػدؿ علػػى عػػدـ‬ ‫تػػذوؽ العلػػم أو إدراؾ تارىبػػو الطويػػل الػػذي قطػػع اإلنسػػاف فيػػو مراحػػل حػػُت خػػرج مػػن حيػػاة‬ ‫اله ػػيد إىل الرع ػػي ا اللراع ػػة ‪ .‬إف تقس ػػيم ت ػػاريخ البش ػػر إىل عه ػػور حجري ػػة قديب ػػة وحديث ػػة‬ ‫وعهػػر الاونػػل واغبديػػد ‪ ..‬كػػل ذلػػك يػػدؿ علػػى ‪ ،‬كيػػف بػػدأ خلػػق العلػػم ‪ ،‬وخلػػق السػػيطرة‬ ‫والتسخَت ‪ .‬ففي القر ف ال ر إ ( وسخر ل م ما يف السموات وما يف األرض ) (اعبايية ‪/‬‬ ‫ٖٔ) ‪ ،‬ويف التوراة إ (أخععوىا وتسلطوا) (سفر الت وين إصةاح أوؿ فقرة ‪. )ٕٛ‬‬


‫إف معرفة تاريخ العلم عرورية ( كيف بدأ اػبلػق ) ليقػف اإلنسػاف اؼبوقػف العلمػي حػىت‬ ‫من الذي هب لو ‪ .‬لػيس اؼبشػ ل أف قب ػل شػيعاً مػا ‪ ،‬و نمػا اؼبشػ ل أف ال نقػف مػن اعب ػل‬ ‫موقفاً علمياً بل موقف اعباىل ج بلً مركباً ‪.‬‬ ‫وقػػد تػػازر الف ػػم اػبػػاطت للعقيػػدة الدينيػػة والف ػػم اػبػػاطت للموقػػف العلمػػي ؛ يف اعتبػػار‬ ‫علم االجتماع والعمراف خارجاً عن العلم وأنو َت قابل للدخوؿ إىل ؾباؿ العلم ‪.‬‬ ‫إف االىتمػػاـ اػبػػاص الػػذي يوليػػو القػػر ف لعلػػم السػػلوؾ البشػػري هبعلػػو يف مركػػل الهػػدارة‬ ‫للعل ػػم ‪ ،‬ف م ػػا يلػ ػ الق ػػر ف عل ػػى الن ػػر إىل الش ػػمس والقم ػػر والنج ػػوـ وال واكػ ػ واعبب ػػاؿ‬ ‫واأل ػػار والنبػػات والػػدواب ‪ ،‬يلػ أكثػػر علػػى الن ػػر إىل سػػلوؾ األمػػم وسػػنن الػػذين خلػوا مػػن‬ ‫قبل واالعتبار واالستفادة مػن كشػف األسػباب والنتػائج يف التػاريخ لتجنػ اػبطػأ واإلمسػاؾ‬ ‫بالهواب ‪.‬‬ ‫مرتبة خامسة للوجود‬ ‫(الوجود السنٍت)‬ ‫ذكػػرت أف اإلمػػاـ الغ ػلا وشػػيخ اإلس ػػبلـ اب ػػن تيميػػة قسػػما مرات ػ الوج ػػود إىل أرب ػػع ‪،‬‬ ‫وذكػػرت تفهػػيل كػػل مرتبػػة ‪ ،‬إال أنػػو يبػػدو أف ىنػػاؾ مرتبػػة خامسػػة للوجػػود ىػػي الوجػػود‬ ‫السنٍت ‪.‬‬ ‫يق ػػاؿ ‪ -‬أحيانػ ػاً ‪ -‬إف ى ػػذا ال ػػذي نس ػػميو صب ػػاؿ الطبيع ػػة ‪ ،‬م ػػن عػ ػياء الش ػػمس وزرق ػػة‬ ‫السػػماء وضبػػرة الشػػفق وخعػػرة النبػػات ‪ ،‬ال وجػػود ؽبػػا يف اػبػػارج ‪ ،‬وإمبػػا اؼبوجػػود يف اػبػػارج‬ ‫موج ػػات ع ػػوئية فق ػػط ‪ ،‬واإلنس ػػاف ى ػػو ال ػػذي يفس ػػرىا ‪ .‬ف ػػدماغ اإلنس ػػاف ال يفس ػػر م ػػاىر‬ ‫الطبيعػػة كأرقػػاـ فقػػط ‪ -‬كػػأف يقػػوؿ إ إف يفسػػرىا بش ػ ل خػػر بػػأف يعػػفي علي ػػا صبػػاالً ‪،‬‬ ‫فػػيف م الػػرقم كهػػورة ‪ ،‬وىػػو نػػوع مػػن التةويػػل والًتميػػل ‪ .‬ؽبػػذا يقولػػوف يف اؼبنطػػق إ إف اللػػوف‬


‫َع ػ َػرض ول ػػيس ج ػػوىراً ‪ ،‬ول ػػن يب ػػن أف يق ػػاؿ ع ػػن اعب ػػوىر أيع ػاً ‪ -‬ط ػػوؿ اؼبوج ػػة يف مثالن ػػا‬ ‫ض للسنة ؛ أي للقانوف الذي ىبعع لو اؼبوجود ‪.‬‬ ‫السابق ‪ -‬مثبلً ‪ -‬إنو َعَر ٌ‬ ‫فالقعاء والقدر يف مف وـ اإليباف ىو أف اهلل تعػاىل قػدر األشػياء قبػل أف ىبلق ػا ‪ ،‬فعلػم‬ ‫اهلل وقدره سابق على اػبلق ‪ ،‬وىذا العلم والقدر ىو القانوف الػذي قػاـ الوجػود علػى أساسػو‬ ‫‪ .‬وإف الوجود اػبارجي الذي اعتاناه أساس مرات الوجود راجع إىل ىػذا الوجػود السػنٍت ‪-‬‬ ‫القانوف ‪ ( -‬ذلك تقدير العليل العليم ) (يس ‪. )ٖٛ /‬‬ ‫ويب ن القوؿ عن الوجود السنٍت إنو إ (كلمػة اهلل) ف ػو سػابق للوجػود اػبػارجي حسػ‬ ‫عقل اإلنساف ( إمبا أمره إذا أراد شيعاً ا يقوؿ لو كن في وف ) (يس ‪. )ٕٛ /‬‬ ‫فرمل اؼباء ال يمياوي يب ن أف يقاؿ إ إنو رمل السػنة ‪ -‬رمػل قػانوف اؼبػاء ‪ -‬ف ػو لػيس لػو‬ ‫وجػػود خػػارجي إال يف م ػػر اؼبػػاء ‪ ،‬ول ػػن لػػو وجػػود سػػنٍت ونعػػع لػػو رمػلاً ‪ .‬فم ػػاىر ال ػػوف‬ ‫كل ا تابعة للسنن ‪ ،‬ول ن ىنػاؾ سػنناً َل تنتقػل بعػد إىل الوجػود اػبػارجي ‪ ،‬وأكثػر مػا يب ػن‬ ‫أف ي ػوف ىػذا واعػةاً يف عػاَل ال يميػاء ‪ ..‬فعناصػر الوجػود اؼبػادي األوىل تتػألف أصػبلً مػن‬ ‫زوجػػُت اينػػُت ‪ -‬بروتػػوف وإل ػػًتوف ‪ -‬اؼبتمثػػل يف ذرة اؽبيػػدروجُت ‪ ،‬وإىل اخػػتبلؼ عػػدد ىػػذه‬ ‫الاوتونات واإلل ًتونات وتربيت ػا يرجػع تنػوع العناصػر اؼب ونػة للوجػود ‪ .‬واربػاد عنهػرين مػع‬ ‫بععػ ػ ما أو أكث ػػر ي ػػؤدي إىل تشػ ػ ل مركػ ػ جدي ػػد ل ػػو مواص ػػفات جدي ػػدة أيعػ ػاً َل ي ػػن‬ ‫موجوداً ‪ ..‬وقد رت مدلييف جدولو حبس تلايد ال تلة الذرة ‪ ،‬ف شف التسلسػل الرقمػي‬ ‫التعرؼ على الوجود اػبػارجي لبععػ ا ‪ ..‬كمػا تنبػأ بوجػود عناصػر أوليػة‬ ‫السنٍت للعناصر قبل ّ‬ ‫َت معروفة ‪ ،‬وترؾ م ا ا شا راً يف جدولػو ‪ ،‬وقػ ّدر ؽبػا مواصػفاهتا ‪ ،‬ا جػاء اكتشػاؼ ىػذه‬ ‫العناصر بعد ذلك مؤكداً صةة ما قػدره ‪ .‬وىػذا يقػرب لنػا معػٌت الوجػود السػنٍت للشػيء قبػل‬ ‫اكتشاؼ وجوده ‪.‬‬ ‫وأكثر ما يتع ىذا األمر اليوـ يف عاَل ال يمياء ‪ ،‬حيػث ت ػر مركبػات جديػدة ذات‬ ‫صفات جديدة َل ت ن قد ربققت فيما معى من اللماف كوجود خارجي ‪ -‬مثل األدوية ‪-‬‬ ‫ول ن ا كانت موجودة وجوداً سننياً ألف صبيع عناصرىا متوفرة ‪.‬‬


‫ىذا الوجود السنٍت ىو نوع خر من مرات الوجود ‪ ،‬وردبا ي وف مدخبلً لتهوير وجود‬ ‫الروح ‪ ،‬واهلل تعاىل لو اػبلق واألمر ‪ .‬والروح من أمر اهلل ( قل الروح من أمػر ر ) (اإلسػراء‬ ‫‪ . )ٛ٘ /‬وأمػػر اهلل ‪ ،‬وكلمػػة اهلل ‪ ،‬وسػػنة اهلل ‪ ،‬ألفػػاظ قػػد ت ػػوف متقاربػػة يف مػػدلوؽبا ‪ ،‬ول ػػن‬ ‫سنة اهلل توصف بأ ا ال تتبدؿ وال تتةوؿ ‪.‬‬ ‫ٔ‪ -‬يبات السنن إ‬ ‫ويف موع ػػوع الس ػػنن أم ػراف م مػػاف ‪ .‬األوؿ إ أف الس ػػنن يابتػػة ال تتب ػػدؿ ‪ .‬والثػػاي إ أف‬ ‫السنن اليت يعني ا القر ف ال ر ىي سنن اجملتمع واألنفس ‪ ،‬وليست سنن اآلفاؽ ‪ ،‬وىذا ما‬ ‫تشػػَت إليػػو اآليػػة ال ريبػػة إ (سػػنة اهلل يف الػػذين خل ػوا مػػن قبػػل ولػػن ذبػػد لسػػنة اهلل تبػػديبل )‬ ‫(األحلاب ‪ . )ٕٙ /‬وىػذاف األمػراف يلتػبس ف م مػا علػى اؼبسػلم ‪ ،‬فبلبػد مػن تهػةي ىػذا‬ ‫الف ػػم ‪ .‬فاؼبسػػلم أوالً إ ال يػػرى للعلػػم يباتػاً ‪ ،‬وإمػػا يػػرى تغيػَتاً مسػػتمراً (فمػػا يثبتػػو العلػػم اليػػوـ‬ ‫ينفيػػو ػػداً) ‪ .‬والػػذي يوقػػع اؼبسػػلم يف ىػػذا أف ىنػػاؾ فرعػػيات شػػاعت بػػُت النػػاس علػػى أ ػػا‬ ‫حقائق ا اكتشفت خطؤىا ‪ ،‬في ن أف ذلك نفي للعلم أو تغيَت للسنة وىػو لػيس كػذلك ‪.‬‬ ‫كمػػا أف ىنػػاؾ حقػػائق اكتشػػفت جػػلء من ػػا ‪ ،‬ا اكتُشػػفت ‪ -‬بعػػد حػػُت ‪ -‬مػػا يػػتمم ىػػذه‬ ‫اغبقيقػة ‪ ..‬فػالعلم ىنػا َل ينتػف ‪ ،‬ول نػو ت امػل ‪ ،‬وىػذا لػيس تبػديبلً للسػنة وإمبػا انتقػاؿ مػن‬ ‫سػػنة إىل سػػنة ومػػن قػػدر إىل قػػدر ‪ ..‬واؼبسػػلم ياني ػاً ال يػػرى ‪ -‬أيع ػاً ‪ -‬أف العلػػم يػػدخل يف‬ ‫األمور االجتماعية مثلما يدخل يف األمػور الطبيعيػة ‪ .‬وىاتػاف العقبتػاف ال بَتتػاف تقفػاف أمػاـ‬ ‫تذوؽ اؼبسلم ؼبعٌت العلم ‪.‬‬ ‫ػدخ َل السػنة يف العقػل ‪ ،‬ودبػا أف السػنة ال تتبػدؿ وال‬ ‫إف معٌت العلػم ب هبػاز شػديد إ أف ت ُ‬ ‫تتةوؿ ف ذلك العلم ال يتبدؿ وال يتةوؿ ‪ .‬فسنة ت وف اؼباء ؽبا يبات وعدـ تبدؿ وربوؿ ‪،‬‬ ‫وكػػذلك حػػُت تهػػَت ُسػػنة ت ػ ّػوف اؼبػػاء علم ػاً بػػدخوؽبا يف األذىػػاف ‪ ،‬يبقػػى ىػػذا العلػػم حػػامبلً‬ ‫صفة الثبات وعدـ التةوؿ والتبدؿ ‪.‬‬


‫وى ذا يف األمور االجتماعية ‪ ،‬فاجملتمع الذي يفقد العدؿ يفقد االستقرار « إمبا أىلك‬ ‫من كاف قبل م أ م كانوا يقيموف اغبد على الوعيع ويًتكػوف الشػريف ‪ ،‬والػذي نفسػي بيػده‬ ‫لو أف فاطمة فعلت ذلك لقطعت يدىا » (البخاري كتاب اغبدود) ‪.‬‬ ‫واهلل تعاىل حُت يػذكر السػنة يف القػر ف ال ػر ‪ ،‬يػذكرىا متهػلة بػاجملتمع وبػاألنفس ‪ ،‬ال‬ ‫بالطبيعػػة واآلفػػاؽ ‪ .‬والنػػاس ال يعرفػػوف السػػنة إال يف الطبيعػػة ‪ ،‬وال يعًتفػػوف هبػػا يف األنفػػس ‪،‬‬ ‫ويعتػػاوف عػػاَل األنفػػس خػػارج الثبػػات أو خػػارج السػػنة ‪ ،‬وىػػذا منػػاقل ؼبػػن ج القػػر ف ‪ ،‬بػػل‬ ‫وؼبنػػاىج اؼبسػػلمُت السػػابقُت ‪ ،‬ولقػػد جػػاء ‪ -‬إىل العػػاَل اإلسػػبلمي ‪ -‬قهػػر معػػٌت العلػػم علػػى‬ ‫اآلفاؽ من اؼبف وـ الغر للعلم ‪.‬‬ ‫إف مثل ىذه التهةيةات عرورية ‪ ،‬وال بد من التنبيو إلي ا ألف أمراً دبثل ىػذا الوعػوح‬ ‫يف القػػر ف ال ينبغػػي أف ي ػػوف امع ػاً يف األذىػػاف إىل ىػػذا اغبػػد ‪ ،‬فبلبػػد مػػن التغل ػ علػػى‬ ‫ىذه العقبات وإزالت ا ‪.‬‬ ‫وإي حُت زبطر يف با األف ار عن العلم ويباتو وعمومو ‪ ،‬أجد يف ىذه اآليات دعمػاً‬ ‫كبَتاً وعوءاً ىادياً وجرأة على تبٍت الف رة وإبرازىا وتوعية ا وؿباولة تعميم ا ‪.‬‬ ‫إف السػػنة يابتػػة ‪ .‬ىػػذه حقيقػػة أوليػػة ‪ ،‬بػػل ويب ػػن أف نقػػوؿ إ إ ػػا فطريػػة ‪ .‬إذ ال معػػٌت‬ ‫للعلم إف َل ي ن مستمراً ويابتاً ودائماً ‪ ،‬واإلنساف ال يتةرؾ وال يقعي من أمػره شػيعاً ‪ ،‬وال‬ ‫ىبطػػو خطػػوة واحػػدة إال علػػى أسػػاس يبػػات السػػنن ‪ .‬فمػػثبلً لػػو أف إنسػػاناً وعػػع علػػى عينيػػو‬ ‫من اراً مقرباً أو مبعداً ا أراد أف يبشي يف األرض أو يهعد جببلً لتعثر يف مشيتو وؼبػا أم نػو‬ ‫أف يتة ػػرؾ ‪ .‬فل ػػوال يق ػػة اإلنس ػػاف بثب ػػات س ػػنة الر ي ػػة ؼب ػػا خط ػػا خط ػػوة واح ػػدة ‪ .‬فاإلنس ػػاف‬ ‫مهػػطة ؼبعػػٌت يبػػات السػػنة والن ػػاـ والقػػانوف يف اغبيػػاة ‪ ،‬وعلػػى أساسػػو يتةػػرؾ ‪ ،‬ول ػػن‬ ‫ينبغي أف يوع لئلنساف ىا الثبات حىت ي وف تعاملو مػع األشػياء علػى بينػة ‪ .‬وؽبػذا ع ّػرؼ‬ ‫شيخ اإلسبلـ ابن تيمية السنة تعريفاً حسناً حُت قاؿ إ (السنة إ أف يػُ ْفعل يف الثاي مػا فُعػل‬ ‫يف األوؿ) ‪ .‬أي إذا ت ررت الشروط نفس ا أعطت النتائج نفس ا يف اآلفػاؽ واألنفػس ‪ ،‬يف‬


‫الطبيعة واجملتمع ‪ .‬في وف األمر علماً إذا أم ن إعادتو عنػد تػوفر شػروطو ‪ ،‬فمػا حػدث مػرة‬ ‫قابل أف وبدث مراراً إذا توفرت الشروط ؛ إذ ربتفل السنة دب ا ا وشروط ا ‪.‬‬ ‫ويعيػػد برترانػػد راسػػل كلمػػات ابػػن تيميػػة بأسػػلوب عهػػري فيقػػوؿ إ (الطريقػػة العلميػػة يف‬ ‫جوىرىا يف اية البساطة وىي إ مبلح ة وكشف قانوف يسري على حقائق من النوع نفسو‬ ‫‪ .‬واؼببلح ة واستخبلص القانوف قاببلف للت ذي إىل َت حد ‪ .‬وأوؿ من قاؿ إ النار ربرؽ‬ ‫‪ ،‬اس ػػتخدم ا ‪ ،‬وم ػػع ذل ػػك ل ػػيس لديػػو اؼب ػػن ج العلم ػػي ‪ ..‬والطريقػػة العلميػػة َل ت تس ػ إال‬ ‫دبشقة وقليل من استخدم ا ‪ ،‬ويف قليل من اؼبسائل)(ٔ) ‪.‬‬ ‫ٕ‪ -‬السنة واؼبعجلة إ‬ ‫إف اإلسػػبلـ ‪ -‬كمػػا يقػػوؿ إقبػػاؿ ‪ -‬وإف كػػاف نبػػت يف بيعػػة ػػَت علميػػة ‪ ،‬إال أنػػو انتقػػل‬ ‫باإلنسػػاف إىل اغبيػػاة العلميػػة ‪ .‬ىػػذا الن ػػر ن ػػر فػػاحا للتػػاريخ ‪ ،‬ور يػػة جيػػدة لؤلحػػداث ‪.‬‬ ‫فالقر ف وصف معجػلات السػابقُت مػن عهػا موسػى ‪ ،‬وخلػق عيسػى للطػَت مػن الطػُت وناقػة‬ ‫وبُت أف ىذه اؼبعجلات كانت تؤدي دورىا يف عهر معُت تسيطر فيػو‬ ‫صار إىل سواىا … ّ‬ ‫عقلية معينة كانت تطال بر ية معجلات خارقة للسنن ‪ .‬ول ػن القػر ف وإف قػا مثػل ىػذه‬ ‫القها إال أنو َل يعد يتعامل مع الناس على ىذا األساس ‪ .‬وىذا فيو ارتقاء يف نوع الدليل‬ ‫‪ ،‬ويف ىػػذا قػػاؿ رسػػوؿ اهلل صػػلى اهلل عليػػو وسػػلم « مػػا مػػن األنبيػػاء نػػيب إال وقػػد أعطػػي مػػن‬ ‫اآليػػات مػػا مثلػػو مػػن عليػػو البشػػر ‪ ،‬وإمبػػا كػػاف الػػذي أوتيتػػو وحي ػاً أوحػػاه اهلل عػػل وجػػل إ ّ ‪،‬‬ ‫وأرج ػوا أف أكػػوف أكثػػرىم تبع ػاً يػػوـ القيامػػة » مس ػند اإلمػػاـ أضبػػد ‪ ،‬جػ ػ ٕ ‪ ،‬ص ٖٔٗ رواه‬ ‫مسلم) ‪.‬‬ ‫يف ىذا اغبديث ربديد لاىاف الرسوؿ صلى اهلل عليو وسػلم علػى نبوتػو واتبػاع النػاس لػو‬ ‫‪ .‬إنو القر ف الذي يب ن أف يشاىده كػل أحػد ‪ ،‬والقػر ف لػيس مثػل عهػا موسػى الػيت كانػت‬ ‫برىانػاً ؼبشػػاىدي ا فقػػط ‪ .‬ومػػا ورد يف ىػػذا اغبػػديث مػػن قهػػر برىػػاف الرسػػوؿ صػػلى اهلل عليػػو‬ ‫(ٔ) أن ر كتاب الن رة العلمية ‪ ،‬راسل ‪ ،‬ص ‪. ٙ‬‬


‫وسلم علػى القػر ف ‪ ،‬ورد أيعػاً يف القػر ف مػا يؤكػد ذلػك بأسػلوب خػر ‪ ،‬حينمػا طلػ أىػل‬ ‫م ة من ؿبمد رسوؿ اهلل براىُت مثل براىُت األنبياء (وقالوا لوال أنلؿ عليو يات من ربو قػل‬ ‫إمبا اآليات عنػد اهلل وإمبػا أنػا نػذير مبػُت أوَل ي ف ػم أنػا أنللنػا عليػك ال تػاب يتلػى علػي م )‬ ‫(العن بوت ‪ )٘ٔ /‬ف ذا ما أشار إليػو إقبػاؿ مػن أف اإلسػبلـ نبػت يف عهػر مػا قبػل العلػم ‪،‬‬ ‫ول نو انتقل باإلنساف إىل عهر العلم وإىل ية العلم ‪ .‬وىػذا اؼبوعػوع م ػم يف ترقػي اآليػات‬ ‫والااىُت ‪ .‬واإلماـ الغلا يف كتابو (اؼبنقذ من العبلؿ) حُت حبث علم اليقُت الثابت الذي‬ ‫ال يتغػػَت قػػاؿ إ (لػػو قػػاؿ أحػػد إ إف دليلػػي علػػى صػػدؽ أف الواحػػد أكثػػر مػػن الثبليػػة إي‬ ‫سأقل ىذه العها حية ‪ .‬ولو قل العها حية ؼبا تغَت يقيٍت من أف الواحد أقل من الثبليػة‬ ‫‪ ،‬ول ٍت سأتعج كيف قل العها حية) ‪.‬‬ ‫لو حللنا قوؿ اإلماـ الغلا ‪ ،‬ألدى بنا إىل أف مثل عقلية الغلا َل تعد ترى اآلية علػى‬ ‫صدؽ النبوة قل العها حية ‪ ،‬ألف دعوة النبوة إذا ن ر إلي ػا باألسػلوب العلمػي فينبغػي أف‬ ‫ي وف برىاناً يف اؼبوعوع نفسو الذي جاء بو النيب ‪ .‬فما جاء بو النيب نوع من العلم والعمػل‬ ‫يسعد الناس يف الػدنيا واآلخػرة إذا سػل وا طريقػو ‪ .‬فالاىػاف علػى صػدؽ مػا جػاء بػو تُشػاىد‬ ‫نتائجو عند التطبيق يف واقع اجملتمع وليس يف أف يقل العها حية ‪.‬‬ ‫واؼب نػػدس دليػػل علمػػو أف ىبطػػط وينفػػذ عم ػبلً ىندسػػياً كبنػػاء جسػػر أو نفػػق أو سػػد أو‬ ‫صاروخ … وليس أف يفعل شيعاً خارقاً يهدؽ دعواه ‪ ..‬فمثػل ىػذا التةػوؿ يف ربديػد نػوع‬ ‫اآلية انتقاؿ إىل الن ر العلمي …‬ ‫كػػاف اؼبعاصػػروف للنػػيب ؿبمػػد صػػلى اهلل عليػػو وسػػلم يطالبونػػو بايػػات مثػػل مػػات أرسػػل‬ ‫األولػػوف ‪ ،‬والرسػػوؿ والتوجيػػو القػػر ي يػػردىم بأسػػالي متعػػددة إىل الن ػػر العلمػػي إ فعػػن ابػػن‬ ‫عبػػاس قػػاؿ أتػػت ق ػريذ الي ػػود فقػػالوا إ جػػاءكم موسػػى مػػن اآليػػات قػػالوا عهػػاه ويػػده‬ ‫بيعػػاء للنػػاظرين ‪ ،‬وأت ػوا النهػػارى فقػػالوا إ كيػػف كػػاف عيسػػى قػػالوا إ كػػاف يػػائ األكمػػة‬ ‫واألبرص ووبي اؼبوتى ‪ .‬فأتوا النيب صلى اهلل عليػو وسػلم فقػالوا ادع لنػا ربػك هبعػل لنػا الهػفا‬ ‫ذىب ػاً ف ػػدعا رب ػػو فنلل ػػت اآلي ػػة إ (إف يف خل ػػق الس ػػماوات واألرض واخ ػػتبلؼ اللي ػػل والن ػػار‬


‫آليػػات ألو األلبػػاب(ٓ‪)ٜٔ‬الػػذين يػػذكروف اهلل قيامػػا وقعػػودا وعلػػى جنػػوهبم ويتف ػػروف يف‬ ‫خلق السماوات واألرض ربنا ما خلقت ىذا باطبل ) فليتف روا في ا ‪.‬‬ ‫ويقوؿ ‪ ‬أيعاً إ (ما هبػذا بعثػت ‪ ،‬وإمبػا هبػذا الػدين ‪ .‬فػ ف أخػذ بػو ف ػذا ح ػم يف‬ ‫الدنيا واآلخرة ‪ ،‬وإف أبيػتم أصػا) ‪( .‬أن ػر تفسػَت ابػن كثػَت لآليػات إ ( لػن نػؤمن لػك حػىت‬ ‫تفجػػر لنػػا األرض ينبوعػاً ) (اإلسػراء ‪ . ) )ٜٓ /‬إنػػو موقػػف علمػػي صػػارـ بعيػػد الن ػػر يابػػت‬ ‫يب ػػات الس ػػنة ‪ ،‬غبم ػػل الن ػػاس عل ػػى الن ػػر الت ػػارىبي يف س ػػلوؾ اجملتمع ػػات ‪ .‬وإف ك ػػاف ى ػػذا‬ ‫األسػػلوب لػػيس س ػريع النتػػائج يف ضبػػل النػػاس علػػى اإليبػػاف ‪ ،‬إال أنػػو علػػى اؼبػػدى البعيػػد ىػػو‬ ‫الذي سيجعل الرسوؿ صلى اهلل عليو وسلم أكثر األنبياء تابعاً ‪..‬‬ ‫واؼبس ػػلموف ‪ -‬إىل اآلف ‪ -‬إال م ػػن رح ػػم رب ػػك يعيش ػػوف عه ػػر م ػػا قب ػػل العل ػػم وم ػػا قب ػػل‬ ‫اإلسبلـ ‪ ،‬ف م وإف َل يطالبوا دبعجلات كمعجلات األنبياء السابقُت إال أ ػم يف احتفػاالهتم‬ ‫دبناسبات تتعلق حبياة الرسوؿ صلى اهلل عليو وسلم يلةوف يف اغبديث عن معجلات فبايلة ‪،‬‬ ‫ويرددو ا ك كثار الطعاـ واؼباء ونطق اغبجر ‪ ..‬ويغفلوف عن العهر العلمػي اآلفػاقي النفسػي‬ ‫الذي أطلعو القر ف على العاَل ‪.‬‬ ‫« يروي مسلم يف صةيةو يف فعائل الهةابة عن أنس قاؿ إ قػاؿ أبػو ب ػر ‪ -‬رعػي‬ ‫اهلل عنو ‪ -‬بعد وفاة رسوؿ اهلل صلى اهلل عليو وسلم ‪ --‬لعمػر بػن اػبطػاب إ انطلػق بنػا إىل‬ ‫أـ أيبػػن نلورىػػا كمػػا كػػاف رسػػوؿ اهلل صػػلى اهلل عليػػو وسػػلم يلورىػػا فلمػػا انت يػػا إلي ػػا ب ػػت ‪،‬‬ ‫فقاال ؽبا ما يب يك ما عند اهلل خَت لرسوؿ اهلل صلى اهلل عليو وسلم ‪ ،‬فقالت إ ما أب ػي‬ ‫أف ال أكوف أعلم أف مػا عنػد اهلل خػَت لرسػولو صػلى اهلل عليػو وسػلم ول ػن أب ػي أف الػوحي‬ ‫قد انقطع من السماء ‪ ،‬ف يجت ما على الب اء ‪ ،‬فجعبل يب ياف مع ا » ‪.‬‬ ‫إف ىذا اغبديث كبَت ‪ ،‬وفيو توجيو وجيو ؼبعٌت عميق ‪ ،‬ومػع ذلػك يب ػن أف يػرى النػاظر‬ ‫إ وإف كاف باب السماء أُ لق من جان ‪ ،‬إال أف باباً خر قد فتةو القػر ف لي ػوف الرسػوؿ‬ ‫أكثػػر تابعػاً ‪ ،‬وىػػذا البػػاب ىػػو بػػاب اآلفػػاؽ واألنفػػس ‪ ،‬إنػػو بػػاب سػػنعرؼ منػػو صػػدؽ القػػر ف‬


‫علػػى مػػر الػػلمن ‪ ،‬وبػػو نهػػة أف امنػػا للقػػر ف (سػػنري م ياتنػػا يف اآلفػػاؽ ويف أنفس ػ م حػػىت‬ ‫يتبُت ؽبم أنو اغبق ‪ .‬أوَل ي ف بربك أنو على كل شيء ش يد ) (فهلت ‪. )ٖ٘ /‬‬ ‫إننا معشر اؼبسلمُت َل نػدخل بعػد ىػذا العهػر الػذي أشػار إليػو إقبػاؿ ‪ ،‬وَل نقػم بالنقلػة‬ ‫العلمية بعد ‪ ،‬وَل نرتفع إىل مسػتوى القػر ف و ياتػو لي ػوف الرسػوؿ أكثػر تابعػاً ‪ .‬وَل نرتفػع إىل‬ ‫ابن تيمية ‪ -‬كما نقلت عنو يف كتا العمل ‪ -‬يبُت أف هلل يات أفقية و يات نفسية ‪ .‬وىذا‬ ‫ما عا عنو إقباؿ بأسلوب خر يف كتابو (ذبديد التف َت الديٍت) حُت ذكر معٌت خػتم النبػوة‬ ‫‪ ،‬وبُت أف القػر ف ال ػر اػبػا لل تػ السػماوية لػو خاصػية التجػدد ؛ ف ػل عهػر يػرى فيػو‬ ‫يتػػو اؼبناسػػبة ‪ .‬وكبػػن علػػى مشػػارؼ عهػػر يػػات اآلفػػاؽ واألنفػػس ‪ ،‬علمػػو مػػن َعلِ َمػػوُ وج لػػو‬ ‫من ج لو ‪ ،‬استقبلو بتل ف وشوؽ من استقبلو ‪ ،‬وأعرض عنو حبذر وخوؼ من أعرض عنػو‬ ‫‪ .‬ودخػػوؿ عهػػر يػػات اآلفػػاؽ واألنفػػس لسػػتم ببالغيػػو إال بشػػق األنفػػس ‪ .‬إف مػػن ال يعػػيذ‬ ‫أحداث العاَل وعلمو وال وبدؽ يف مل وت اهلل يف اآلفاؽ واألنفس ‪ ،‬ال يب ػن أف يشػرؽ لػو‬ ‫مثػػل صػػب ىػػذا العػػاَل اعبديػػد الػػذي اطلعػػو القػػر ف ‪( .‬يػػا أي ػػا النػػاس قػػد جػػاءكم برىػػاف مػػن‬ ‫رب م ‪ ،‬وأنللنا إلي م نوراً مبيناً ‪ .‬فأما الذين منوا باهلل واعتهموا بو فسيدخل م يف رضبة منو‬ ‫وفعل ‪ ،‬وي دي م إليو صراطاً مستقيماً ) (النساء ‪. )ٔٚ٘ /‬‬ ‫كرس نفسو ليجعل‬ ‫وطوىب ؼبمسك عناف فرسو ‪ ،‬كلما ظبع ىيعة طار إلي ا ‪ ،‬وطوىب ؼبن ّ‬ ‫تػذوؽ يػات اآلفػػاؽ واألنفػس مسػػا اً ورضبػة ‪ .‬ف ػػل لػك أف تعػػع لنفسػك أي ػػا الناشػت مثػػل‬ ‫ىػػذا اؽبػػدؼ ‪ ،‬وت ػػل مسػػتنفراً فبسػ اً بعنػػاف فرسػػك كلمػػا ظبعػػت ىيعػػة طػػرت وجعػػت بػػاػبا‬ ‫اليق ػػُت لتنش ػػر األم ػػن والطمأنين ػػة ‪ .‬ى ػػذا أملػػي يف اعبي ػػل اؼبس ػػلم ال ػػذي أرى نفس ػػي يف مر ت ػػو‬ ‫وأشعر بالغٌت من حهاده ‪.‬‬ ‫زاف بستاي عش ما ظ ر‬ ‫وجنيت الورد يف جوؼ الشجر‪.‬‬ ‫ػلوب الػػذي يعػػرض بػػو القػػر ف يػػة البعػػث (‬ ‫مػػن أمثلػػة األسػػلوب العلمػػي اؼبتطػػور األسػ ُ‬ ‫وعػػرب لنػػا مػػثبلً ونسػػي خلقػػو ) (يػػس ‪ )ٚٛ /‬قولػػو إ ( ونسػػي خلقػػو ) إ ػػا اآليػػة األفقيػػة ‪،‬‬


‫إ ػػا ال لم ػػة اله ػػارمة ‪ ،‬ال لم ػػة القاطع ػػة ‪ ،‬ال لم ػػة ال ػػيت ربت ػػوي اؼبعادل ػػة الدقيق ػػة اؼب ػػوجلة يف‬ ‫حػػرفُت إ ( ونسػػي خلقػػو ) ‪ ،‬وأحيانػاً يوجلىػػا يف كلمػػات أكثػػر ‪ ،‬ومػػع االحتفػػاظ باإلهبػػاز (‬ ‫ب ػػل ى ػػم يف لَػ ْػبس م ػػن خل ػػق جدي ػػد ) ( ؽ ‪ ( ، ) ٔ٘ /‬ولق ػػد علم ػػتم النش ػػأة األوىل فل ػػوال‬ ‫تذكروف ) (الواقعة ‪. )ٕٙ /‬‬ ‫مػػن شػػأف النػػاس قػػديباً وحػػديثاً أف يتسػػاءلوا عػػن البعػػث ( كالػػذي مػػر علػػى قريػػة وىػػي‬ ‫خاويػة علػػى عروشػ ا ‪ .‬قػػاؿ إ أي وبيػي ىػػذه اهلل بعػد موهتػػا ! فأماتػو اهلل مائػػة عػاـ ا بعثػػو )‬ ‫(البقرة ‪( )ٕٜ٘ /‬وإذ قاؿ إبػراىيم إ رب أري كيػف ربػي اؼبػوتى قػاؿ إ أوَل تػؤمن قػاؿ إ‬ ‫بلى ‪ ،‬ول ن ليطمعن قليب ‪ .‬قاؿ إ فخذ أربعة من الطػَت فهػرىن إليػك ‪ ،‬ا اجعػل علػى كػل‬ ‫جب ػػل م ػػن ن ج ػػلءاً ) (البق ػػرة ‪( ، )ٕٙٓ /‬أوَل ي ػػر اإلنس ػػاف أن ػػا خلقن ػػاه م ػػن نطف ػػة ف ػ ذا ى ػػو‬ ‫خهيم مبُت وعرب لنا مثبل ونسي خلقو ‪ ،‬قاؿ إ من وبي الع اـ وىي رميم قل إ وبيي ا‬ ‫الذي أنشأىا أوؿ مرة ‪( ) ..‬يس ‪. )ٜٚ-ٚٚ /‬‬ ‫ففػػي قهػػة الػػذي مػػر علػػى قريػػة أراه اآليػػة مػػن نفسػػو ب ػ جراء التجربػػة عليػػو ‪ ،‬ويف قهػػة‬ ‫إبػراىيم ‪ -‬عليػػو السػػبلـ ‪ -‬أراه اآليػػة يف مثػػل خػػارج عػػن نفسػػو ويف قهػػة أ بػػن خلػػف ‪ ،‬رد‬ ‫الناس إىل تذكر العلم والسنة وعدـ نسيا ا ‪ .‬والسنة كما قاؿ ابن تيمية إ أف يفعل يف الثاي‬ ‫مػػا فُعػػل يف األوؿ ‪ .‬والقػػر ف يػػرد إىل األوؿ ليسػػتنبط اإلنسػػاف أف مػػا فُعػػل يف األوؿ يُفعػػل يف‬ ‫الثػػاي (ويقػػوؿ اإلنسػػاف أإذا مػػا مػػت لسػػوؼ أخػػرج حيػػا … أوال يػػذكر اإلنسػػاف أنػػا خلقنػػاه‬ ‫من قبل وَل ي ن شيعاً ) ( مر ‪. )ٙٚ-ٙٙ /‬‬ ‫الفهل الثاي‬ ‫العِْلم‬ ‫الع ْلم‬


‫ليس للعلم تعريف يف ؾبتمعاتنا ‪ ،‬ؽبذا البد من إعادة القوؿ وتفهيل جوانبو ليتةدد لنا‬ ‫معٌت العلم فيلوؿ االلتباس الذي يؤدي إىل فقداف شبرات العلم ‪ .‬وإذا كاف التوحيد علماً ف ف‬ ‫العلػػم توحيػػد أيع ػاً ال يقبػػل الشػػرؾ ‪ ،‬دبعػػٌت أنػػو يشػػتبو بالباطػػل ‪ ،‬ؽبػػذا البػػد مػػن ربريػػر العلػػم‬ ‫وتهفيتو من األباطيل واػبرافات ‪ ،‬حىت ينعم اإلنساف بثمرات العلم الهايف اػبالا ‪ .‬وكمػا‬ ‫أف الػػدين اػبػػالا هلل ال بػ َػد أف يتةهػػن مػػن البػػدع ‪ ،‬كػػذلك العلػػم البػػد أف يتةهػػن مػػن‬ ‫اؼبغالط ػػات يف نس ػػبة النت ػػائج إىل ػػَت أس ػػباهبا ‪ .‬يق ػػوؿ ويل ػػل يف مقدم ػػة كتاب ػػو (مع ػػاَل ت ػػاريخ‬ ‫اإلنسانية) إ‬ ‫(واؼبؤرخ ػػوف يف عه ػرنا ى ػػذا أن ػػاس ذوو عل ػػم واس ػػع ىبش ػػوف اؽبف ػوات الهػػغَتة أكثػػر فب ػػا‬ ‫ىبشوف عدـ التماسك بُت اؼبقػدمات والنتػائج ‪ ،‬وىػم دائمػاً يف فَػ َػرؽ ‪ -‬خػوؼ ورعػ ‪ -‬فبػا‬ ‫يه ػػيب م م ػػن س ػػخرية مؤك ػػدة إف أخط ػػؤوا يف أح ػػد الت ػواريخ ‪ ،‬أكثػػر فبػػا ىبػػافوف إس ػػناد قيم ػػة‬ ‫خاطعة لعمل ال يستةق ا ‪ ..‬ولذا ‪ ..‬هب يف ىػذا العهػر الػذي يبتػاز بالسػرعة واإلقػداـ أف‬ ‫تقوـ بالعاَل طبقػة كاملػة مػن العلمػاء اؼبتفػانُت يف العلػم ي ػوف واجب ػا االحتفػاظ دبعيػار ؿبػتم‬ ‫من اؼبعايَت اظ مة العبط)(ٔ) ‪.‬‬ ‫ما ىذا الذي نسميو علماً‬ ‫البد قبل اػبوض يف ىذا اؼبوعوع من تسليط بعل األعواء على أسس معينة إ‬ ‫األساس األوؿ ‪ -‬ال عبلقة بُت السب والنتيجة عقبلً إ‬ ‫وللتسػػليم دبةتػػوى ىػػذه اعبملػػة ‪ ،‬البػػد مػػن معرفػػة كػ ٍػل مػػن السػػب والنتيجػػة والعقػػل ‪،‬‬ ‫وسوؼ قبعل ل ل من ا طرفاً من اغبػديث يف ىػذا ال تػاب ‪ .‬والػذي نقهػده ىنػا مػن القػوؿ‬ ‫(ال عبلق ػػة ب ػػُت الس ػػب والنتيج ػػة عق ػبلً) إ ى ػػو أف العق ػػل ال ق ػػدرة ل ػػو عل ػػى رب ػػط األس ػػباب‬ ‫(ٔ) معاَل تاريخ اإلنسانية ‪ ،‬اجمللد األوؿ ‪ ،‬الطبعة الثانية ‪ - ٜٔ٘ٙ ،‬ص ٘‪. ٗ،‬‬


‫بالنتػائج أو الع ػس قبػل أف يشػاىد ىػذا االرتبػاط يف الواقػع اػبػارجي ‪ .‬فمػثبلً ال ارتبػاط بػػُت‬ ‫أي دواء وأيره أو نتيجة عقبلً ‪ ،‬وإال كاف العقل يب ن أف يف ػم ىػذا السػب قبػل أف يشػاىد‬ ‫النتيجػػة ول ػػن ىػػذا ال وبػػدث وإمبػػا فقػػط يػػدرؾ اإلنسػػاف العبلقػػة بػػُت السػػب والنتيجػػة بر يػػة‬ ‫االرتبػػاط بين مػػا سػػلباً وإهبابػاً ‪ .‬توجػػد النتيجػػة إذا وجػػد السػػب وتفقػػد إذا فقػػد ‪ .‬كػػذلك ال‬ ‫عبلقػػة ب ػػُت ص ػػفة اؼب ػػاء وصػػفيت اؽبيػػدروجُت واألوكس ػػجُت الل ػػذين ينػػتج عن مػػا اؼبػػاء بنس ػ‬ ‫وشروط معينة ‪ ،‬وكػذلك ال عبلقػة بػُت صػفة اؼبلػ وصػفة كػل مػن ال لػور والهػوديوـ اللػذين‬ ‫ينتج عن ما ‪ .‬فالعبلقة ال ت ر لنا إال باؼبشاىدة الدائمة اؼبت ػررة ‪ .‬وقولنػا إ إف اؼبلػ نتيجػة‬ ‫لًتكي عنهرين معينُت بش ل معُت يعٍت أنو قػانوف يابػت ال يتغػَت وال يتبػدؿ ‪ ،‬ف ػذا نقػوؿ‬ ‫إنو علم ف ما وجد السب وجدت النتيجة ‪ .‬وىذا اؼبثاؿ يعطي صورة للعلم إىل حد ما ‪.‬‬ ‫فاألس ػػباب اؼبعين ػػة ت ػػؤدي إىل نت ػػائج معين ػػة ‪ ،‬وإذا ربققن ػػا ع ػػن طري ػػق اؼببلح ػػة والتجرب ػػة م ػػن‬ ‫ارتبػػاط األسػػباب بالنتػػائج بدقػػة ‪ ،‬حهػػل العلػػم وارتػػبط يف العقػػل السػػب بالنتيجػػة ‪ ،‬إذ قبػػل‬ ‫ر يػػة السػػب والنتيجػػة ال قػػدرة للعقػػل علػػى ربديػػد ارتبػػاط األسػػباب مثػػل األوبعػػة الػػيت كػػاف‬ ‫اإلنسػػاف يشػػاىد نتائج ػػا اؼبروعػػة ‪ ،‬وَل تعػػرؼ األسػػباب إال بعػػد أف يػػأب مػػن يقػػوؿ ىػػذا ىػػو‬ ‫السب ويبُت باؼبشاىدة والتجربة ‪ ،‬ارتباط ىػذه النتيجػة بسػب معػُت ‪ ،‬فَتتػبط ىػذا السػب‬ ‫بالنتيجة في وف علماً ‪.‬‬ ‫ولػػو كػػاف العقػػل يب ػػن أف ي ػربط األسػػباب بالنتػػائج لف ػػم النػػاس أسػػباب الوبػػاء قبػػل أف‬ ‫يشػػاىدوىا يف الواقػػع ‪ ،‬ول ػػن العقػػل الػػذي يػػؤمن أف لؤلحػػداث أسػػباباً يبػػدأ يف البةػػث عػػن‬ ‫األسػػباب حس ػ خاتػػو يف قعػػايا أخػػرى شػػاىد أسػػباهبا مػػن قبػػل ‪ ،‬وي ػػل يبةػػث حػػىت إذا‬ ‫اىتػػدى إىل السػػب اعبػػامع اؼبػػانع يقػػوؿ إ اآلف عقلػػت حػػىت إذا اىتػػدى إىل السػػب فهػػار‬ ‫بين مػػا ارتبػػاط باؼبشػػاىدة اظػػددة ‪ .‬وإف كػػاف العقػػل ‪ -‬حس ػ تعػػوده ‪ -‬يف م ػػاىر ال ػػوف‬ ‫يػػرفل أسػػباباً لؤلحػػداث ‪ ،‬إال أف ربديػػد األسػػباب وربط ػػا بنتائج ػػا ال يػػأب إال باؼبشػػاىدة‬ ‫والتجربػػة ‪ ،‬س ػواء يف ذلػػك األمػػور اؼباديػػة ‪ -‬مثػػل اؼبركبػػات ال يماويػػة واؼب ػواد الععػػوية ‪ -‬أو‬ ‫األمور االجتماعية ‪ -‬ك ػور اؼبشػ بلت يف اجملتمػع الػذي يفقػد العػدؿ مػثبلً فػيم ن ربديػد‬


‫األسباب ؼبش بلت اجملتمع ‪ ،‬مثل ربديد األسباب ؼبش بلت الععو اغبي ‪ .‬ويف اعبانبُت ال‬ ‫وبدد األسباب إال من ين ر ويرى ‪.‬‬ ‫إف ر ي ػػة األس ػػباب يف م ػػاىر ال ػػوف الطبيعي ػػة أسػ ػ ل م ػػن ر يت ػػا يف م ػػاىر اجملتم ػػع‬ ‫حس ػ الًتتي ػ الػػذي ورد يف القػػر ف ال ػػر ( سػػنري م ياتنػػا يف اآلفػػاؽ ويف أنفس ػ م حػػىت‬ ‫يتبػػُت ؽبػػم أنػػو اغبػػق ) (فهػػلت ‪ .. )ٖ٘ /‬فر يػػة األسػػباب يف اآلفػػاؽ أيسػػر مػػن ر يت ػػا يف‬ ‫األنفس ف ذا كاف ىناؾ علم فلك وكيمياء ‪ ،‬ف ناؾ علم ؾبتمع ونفس وأخبلؽ ‪ ،‬وكػوف علػم‬ ‫ما قليبلً يف جان ما ليس معناه أف نتائج ىذا اؼبوعوع ليست مرتبطة بأسبابو ‪ ،‬ول ن كبن‬ ‫َل نػػدقق يف ر يػػة ربػػط األسػػباب بالنتػػائج ‪ .‬والػػذي ي ػربط ىػػذا ىػػو الػػذي يبةػػث دائم ػاً يف‬ ‫األحػػداث ال ونيػػة واالجتماعيػػة ويراقب ػػا ‪ ،‬فت ػػر لػػو أسػػباب النتػػائج ف ػَتبط بعع ػ ا بػػبعل‬ ‫فيهَت االرتباط عقلياً ويهَت اؼبوعوع علماً ‪.‬‬ ‫ىػػذه األف ػػار ليسػػت صػػعبة ‪ ،‬بػػل تنسػػجم مػػع الفطػػرة ‪ ،‬ول ػػن الػػذي وبػػدث أف سػػادتنا‬ ‫وكااءنػػا إذا ق ػػالوا إ إف الفلػػك وال يميػػاء عل ػػم بينم ػػا اجملتم ػػع واألخ ػػبلؽ ليسػػا بعل ػػم ‪ ،‬نقل ػػد‬ ‫ونقبػ ػػل وال نتش ػ ػ ك ‪ ،‬ألننػ ػػا ال نتعامػ ػػل مػ ػػع اغبقػ ػػائق اػبارجيػ ػػة وإمبػ ػػا نتعامػ ػػل مػ ػػع ال ت ػ ػ‬ ‫واألشػػخاص ‪ ،‬وىػػذا مػػا قػػاؿ عنػػو الغ ػلا إ (اؼبعتقػػد يتش ػ ك عنػػد الشػػب ات ‪ ،‬أمػػا اؼبػػوقن‬ ‫صاح العلم فبل هبد ذلك) ‪ .‬وال بػد أف يهػَت البةػث مػع اغبقػائق اػبارجيػة فػوؽ ال تػ‬ ‫واألشػػخاص ‪ ،‬وأف ت ػػوف ال ت ػ واألشػػخاص عون ػاً علػػى التعامػػل مػػع اغبقػػائق اػبارجيػػة ال‬ ‫عقبة دو ا ‪.‬‬ ‫وفبػػا يتهػػل باألسػػاس األوؿ إ تػػذوؽ كنػػو العلػػم ‪ .‬وأنػػا أقهػػد مػػن ىػػذا ال تػػاب إلقػػاء‬ ‫أعواء أوع على معٌت العلم وربديد كن و ‪ ،‬ف ذا عرفنا ذلػك فلػن ىبػتلط علينػا مػا ىػو علػم‬ ‫دبا ىو ظن أو وىم أو ىوى ‪ ،‬وأعتا ىذا أمراً جوىرياً ‪ ،‬ف ذا ف منا قعية واحدة ‪ -‬فبا يقاؿ‬ ‫عنػػو إنػػو علػػم ‪ -‬ف مػاً صػػةيةاً وبدقػػة تامػػة ‪ ،‬فيم ننػػا أف نبةػػث يف أيػػة قعػػية أخػػرى علػػى‬


‫أساس الشروط نفس ا اليت جعلت ىذه القعية علماً(ٔ) ‪ .‬ودبجرد أف نفقد العلػم نػدخل إىل‬ ‫ميداف ال ن واؽبوى ‪ ،‬واغب واؽبوى يُبطل السػمع والبهػر « حبُّػك الشػيء يعمػي ويهػم »‬ ‫(رواه أضبد وأبو داوود) ‪.‬‬ ‫وإذا ف منػػا العلػػم باألسػػلوب الػػذي شػػرحناه سػػابقاً ‪ ،‬مػػن ارتبػػاط األسػػباب بالنتػػائج وأنػػا‬ ‫ليست عقبلً بل مشاىدة ور ية الواقع ‪ ،‬فيم ن القوؿ إ إف اإليباف باهلل واليوـ اآلخر علم ‪،‬‬ ‫أي أف إيباننا باهلل واليػوـ اآلخػر يقػوـ علػى أسػاس أسػباب ؽبػا نتػائج معينػة ‪ ،‬وىػذه األسػباب‬ ‫والنتائج اؼبًتتبػة علي ػا ال ارتبػاط بين مػا عقػبلً كػأي موعػوع علمػي خػر ‪ ،‬وإمبػا باؼبشػاىدة ؛‬ ‫أي إذا شاىدت اإليباف بػاهلل واليػوـ اآلخػر يف واقػع األرض ‪ -‬عػاَل الشػ ادة ‪ -‬يعطػي نتػائج‬ ‫إهبابية كاف ذلك دليل صةة اإليباف باهلل واليوـ اآلخر ‪ ،‬وتعطر أف تسػلم باالرتبػاط بين مػا‬ ‫‪ ،‬ف ذا االرتباط علم كعلمية أي دواء حبس نتائجو ‪.‬‬ ‫ولو قلت لئلنساف ‪ -‬مثبلً ‪ -‬ما مقدار التفسَت العلمي إليبانك بالشخا الذي يت لم‬ ‫‪ ،‬الرتبك أوؿ األمر لشعوره بالبداىة يف ىذا اؼبوعوع ‪ ،‬ول ن إعادة ذىنو إىل شروط علمية‬ ‫ىػذه ال ػاىرة يف وقػػوع أمػواج العػوء اؼبنبعثػػة عػن الشػػخا الػذي أمامػك علػػى حاسػة البهػػر‬ ‫وتفسػػَت الػػدماغ ألم ػواج العػػوء ‪ ،‬ووقػػوع أم ػواج صػػوت اؼبػػت لم علػػى ظبعػػو وتفسػػَت الػػدماغ‬ ‫ألمػواج الهػػوت ‪ ..‬ىػػو مػػا يليػػل ارتباكػػو ‪ .‬وكػػذلك ؼبػػا نػػذوؽ اؼبلػ وقبػػد طعمػػو فػ ف الػػدماغ‬ ‫يفسر أير اؼبل على حاسة الذوؽ ‪ ،‬كما يفسر الدماغ أير العوء ‪ ..‬وكذلك سػائر مػا كبػس‬ ‫بو ونشعر ‪.‬‬ ‫(ٔ) يعػػرض القػػر ف ال ػػر أمثلػػة ؿبػػددة بدىيػػة لت ػػوف دبثابػػة مػػوطن انطػػبلؽ إىل أمػػور أخػػرى ( ومػػا يسػػتوي األعمػػى والبهػػَت ‪ ،‬وال‬ ‫ال لمػػات وال النػػور ‪ ،‬وال ال ػػل وال اغبػػرور ‪ ،‬ومػػا يسػػتوي األحيػػاء وال األمػوات ) (فػػاطر) ف مػػا أف ال ػػائن اغبػػي ‪ -‬يف مثػػاؿ ال ػػل‬ ‫واغبرور ‪ -‬وبتاج الستمرار حياتو إىل درجة معينة من اغبرارة ‪ ،‬وأنو ال يب ن أف يقػوؿ اإلنسػاف إ إف ال ػل واغبػرور سػواء ‪ ،‬ف ػذلك‬ ‫يب ػػن وبالقناعػػة نفسػ ا أف يهػػل اؼبػػرء إىل أف سػػعادة اإلنسػػانية ال تػػتم إال بتةقػػق العػػدؿ وأف ال لػػم والعػػدؿ ال يسػػتوياف … ف ػػذا‬ ‫اؼبثل القر ي ينفي منطلق السفسطائية وأف كل أمور اغبياة مثل قبل الري وأنو ليس ىناؾ حق ‪ ،‬ويف ىذا يقوؿ شيخ اإلسبلـ ابن‬ ‫تيمية إ (ومن أع م صفات العقل معرفة التمايل واالخػتبلؼ فػ ذا رأى الشػيعُت اؼبتمػايلُت علػم أف ىػذا مثػل ىػذا فجعػل ح م مػا‬ ‫واحداً … ) ‪( .‬الفتاوى ‪ -‬اجمللد التاسع ص ‪. )ٕٖٜ‬‬


‫إف الػػذي نقػػوؿ عنػػو إنػػو علػػم إ ىػػو ارتبػػاط اغبقيقػػة اػبارجيػػة ‪ -‬اؼبتمثلػػة بػػأمواج صػػوتية‬ ‫وعػػوئية واحساسػػات ذوقيػػة ‪ -‬بتفسػػَت الػػدماغ ؽبػػا ‪ .‬ومػػن التسػػليم هبػػذا يب ػػن أف نقػػوؿ إ إف‬ ‫ال ػػوف ظػػبلـ وسػ وف مطبػػق فيليائيػاً ‪ ،‬ولػػيس ىنػػاؾ إال األمػواج ‪ ،‬والػػدماغ ىػػو الػػذي يعطػػي‬ ‫ؽبذه األمواج معٌت العوء ‪ -‬اللوف ‪ -‬والهوت ‪ -‬النغم ‪ -‬فاعبماؿ الػذي يف ال ػوف إمبػا ىػو‬ ‫من تفسَت الدماغ ‪ ،‬واعبماؿ األخبلقي يب ن أف نرى نتائجو كاللوف والهوت يف واقع اغبياة‬ ‫‪.‬‬ ‫وليسػػت مشػػاىدتنا نتػػائج اإليبػػاف بػػاهلل واليػػوـ اآلخػػر يف واقػػع األرض بأقػػل وعػػوحاً مػػن‬ ‫حقيق ػػة اله ػػوت والل ػػوف ‪ .‬وى ػػذا األس ػػلوب يعرع ػػو الق ػػر ف يف تعم ػػيم العل ػػم ‪ ،‬فيع ػػرب مث ػػل‬ ‫اإليباف باهلل واليوـ اآلخر باإليباف بالشخا ينطق أمامك ؛ فةقيقة ىذا مثػل حقيقػة ذاؾ ‪.‬‬ ‫يقػوؿ اهلل تعػاىل يف سػورة الػػذاريات بعػد عػرض مشػاىد اآلفػػاؽ مػن الريػاح والسػة والفلػػك‬ ‫واختبلؼ اآلراء يف الدين إ (ويف األرض يات للموقنُت ‪ .‬ويف أنفس م أفبل تبهروف ‪ .‬ويف‬ ‫السماء رزق م وما توعدوف ‪ .‬فورب السماء واألرض إنو غبق مثل مػا أن ػم تنطقػوف ) فبعػد‬ ‫اغب ػػديث ع ػػن م ػػاىر الطبيع ػػة النفس ػػية م ػػن االخ ػػتبلؼ يف اآلراء واإليب ػػاف وال ف ػػر واله ػػدؽ‬ ‫وال ذب ويوـ الدين ‪ ..‬بعد كل ىذا يبُت تعاىل أف اغبق اؼبوجػود يف ر يػة األشػخاص وظبػاع‬ ‫األص ػوات … موجػػود يف األف ػػار النفسػػية ‪ ،‬مػػن اإليبػػاف وال فػػر ‪( .‬ورب السػػماء واألرض‬ ‫إنػػو غبػػق مثػػل مػػا أن ػػم تنطقػػوف ) ‪ .‬وإذا كػػاف تركيػ معػػُت للعناصػػر يػػؤدي إىل اغبيػػاة كاؼبػػاء‬ ‫واأل ذيػػة ‪ ،‬وتركيػ خػػر يػػؤدي إىل الوفػػاة كأكسػػيد النةػػاس وبقيػػة السػػموـ… فػ ف اإليبػػاف‬ ‫بقي معينػة يػؤدي إىل اغبيػاة ال ريبػة وتلكيػة الػنفس واغبيػاة االجتماعيػة ‪ ،‬واإليبػاف بقػيم أخػرى‬ ‫يؤدي إىل اػبراب وتدسية النفس وفساد اجملتمع ‪ .‬وى ػذا يهػب اإليبػاف علمػاً عنػدما ت ػوف‬ ‫طريقػػة إيباننػػا بػػالقيم السػػماوية ك يباننػػا بػػأي شػػيء ؿبسػػوس (ورب السػػماء واألرض إنػػو غبػػق‬ ‫مثػػل مػػا أن ػػم تنطقػػوف ) (سػػورة الػػذاريات ‪ )ٕٖ /‬والقػػر ف ال ػػر يلػ دائمػاً علػػى التأمػػل يف‬ ‫ال وف لت وف أدلة اإليباف باهلل من عاَل الش ادة ‪..‬‬


‫وإف العػػاَل يؤكػػد ن ػػاـ القػػانوف ويباتػػو ‪ -‬أي عػػدـ تغيػػَته مػػع اللمػػاف واؼب ػػاف ‪ -‬نتيجػػة‬ ‫مشاىدة استمرار السنن ويباهتا ‪ .‬واؼبػؤمن حػُت يػؤمن بػاهلل يعػفي علػى الن ػاـ والسػنن معػٌت‬ ‫أعمق وأقدس ألنو ينفي عن ربو أي ربديد أو تهور معُت ‪ ،‬ف و ملك قدوس سبلـ م يمن‬ ‫… واإليبػػاف بػػأف اهلل لػػيس كمثلػػو شػػيء وَل ي ػػن لػػو كفػواً أحػػد ‪ -‬كمػػا يػػأمر بػػو اإلسػػبلـ ‪-‬‬ ‫يعػػع اإليبػػاف يف م انػػة ترتفػػع إىل ال مػػاؿ يف التنليػػو حػػُت ينفػػي عنػػو التهػػور ‪ .‬وىػػذا هبعػػل‬ ‫اإليباف باهلل تعاىل بعيداً عن اظاكمة واؼبماح ة كما حدث يف علم ال بلـ ألف مػا ىػو فػرؽ‬ ‫التهػػور ال ي ػػوف فيػػو جػػداؿ ‪ /‬وإمبػػا اعبػػداؿ يف السػػلوؾ اإلنسػػاي اؼبوافػػق للمثػػل األعلػػى أو‬ ‫البعد عنو ‪ ،‬فمن ىنا ال تؤدي الشب ات العارعة إىل ال فػر وإمبػا ىػو « ؿبػل إيبػاف » كمػا‬ ‫جػػاء يف صػػةي مسػػلم جوابػاً ؼبػػن تسػػاءؿ مػػن خلػػق اهلل ول ػػن السػػلوؾ ىػػو ال ػػافر « مػػن‬ ‫تػػرؾ الهػػبلة فقػػد كفػػر » ‪ .‬واؼبسػػلموف ع س ػوا القعػػية ‪ ،‬فع م ػوا التش ػ ك يف االعتقػػاد ‪،‬‬ ‫وهتػػاونوا يف التقهػػَت باألعمػػاؿ ‪ ،‬وقػػاؿ إقبػػاؿ إ (التوحيػػد لػػيس عػػد ال ثػػرة فقػػط ‪ ،‬وإمبػػا ىػػو‬ ‫عد الشػرؾ) ‪ .‬ؽبػذا فاإليبػاف لػيس ؾبػرد إيبػاف بػاهلل ‪ ،‬وإمبػا توحيػد اهلل يف العبػادة والعمػل وفػق‬ ‫سػػننو ‪ ،‬ويف عػػيذ اإلنسػػاف مػػع النػػاس يف اغبيػػاة باإليثػػار حيػػث ذبػػد اهلل عنػػد اؼب ػريل الػػذي‬ ‫الا) ‪.‬‬ ‫تعوده واعبائع الذي تطعمو كما ورد يف اغبديث القدسي (رواه مسلم يف كتاب ّ‬ ‫واإليباف ليس ؾبرد إيباف وإمبػا ىػو توحيػد ‪ ،‬أي جعػل اإلنسػاف مرتبطػاً باغبقػائق اػبارجيػة‬ ‫وربريره من عاَل األشخاص والهور الذىنية ‪.‬‬ ‫إف العلم ػػاء يش ػ وف م ػػن أف العل ػػم كمل ػػة يف البش ػػر وكمعرف ػػة ل ن ػػو وتعميم ػػو ؿب ػػدود‬ ‫االنتشػػار بػػُت النػػاس ‪ ،‬كمػػا أف ظ ػػوره بػػُت البشػػر تارىبيػاً ؿبػػدود أيعػاً وحػػديث النشػػأة ‪ .‬إف‬ ‫التوحيػػد يف مبدئػػو ومنت ػػاه إمبػػا ىػػو إيقػػاظ مل ػػة العلػػم ‪ ،‬واػبػػروج مػػن الوقػػوؼ عنػػد األصػػناـ‬ ‫واألويػػاف وعبػػادة التقليػػد ‪ ،‬وتوحيػػد اهلل يػػأمر بػػالن ر إىل الوقػػائع اػبارجيػػة لبلتهػػاؿ باغبقػػائق‬ ‫اػبارجية وإعطاء معٌت أقدس ل اىرة ال وف كعملية إبداع ‪.‬‬ ‫وعندما يتذوؽ اإلنساف كنو األمػور يهػب العلػم يف ايػة األمػر ىػو اإليبػاف واإليبػاف ىػو‬ ‫العلم ‪ ،‬والشرؾ ىو اعب ل واعب ل ىو الشرؾ ( ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنلؿ إليك من‬


‫رب ػػك ى ػػو اغب ػػق وي ػػدي إىل صػ ػراط العلي ػػل اغبمي ػػد ) (س ػػبأ ‪ )ٙ /‬وكم ػػا أف العل ػػم واإليب ػػاف‬ ‫فريعتاف ‪ ،‬ف ف اعب ل والشرؾ ذنباف ال يغفراف ‪ ،‬عقاهبما حتمي ‪.‬‬ ‫وإف اؼب ػػؤمن والع ػػاَل ليتق ػػلزاف م ػػن مش ػػاىد التلل ػػف إىل األش ػػخاص وعب ػػادهتم ‪ ،‬س ػواء يف‬ ‫م اىرىػػا الدينيػػة أو السياسػػية ‪ ،‬وإف َل يتػػذوؽ حػػبلوة العلػػم والتوحيػػد ‪ .‬وقػػد يقػػع البشػػر يف‬ ‫الرجس الويٍت الذي أمر الدين باجتنابو ‪ ،‬ويتنله العلػم ومتػذوقو العلػم مػن اقًتافػو ‪ .‬وإذا كػاف‬ ‫اؼبتللفوف ي نوف أ م معذوروف غبماية القرىب ولطل الرزؽ ‪ ،‬ف ف اهلل ى عن الوقوع يف مثل‬ ‫ى ػ ػػذا الش ػ ػػرؾ اإليب ػ ػػاي واعب ػ ػػل العلم ػ ػػي ‪ ،‬يق ػ ػػوؿ اهلل تع ػ ػػاىل إ ( ف ػ ػػابتغوا عن ػ ػػد اهلل ال ػ ػػرزؽ )‬ ‫(العن بوت ‪ )ٔٚ /‬والعلم يػرى رزقػاً حسػناً مػن سػعي حسػن ‪ ،‬يب ػن أف وبهػلو اإلنسػاف يف‬ ‫ؾبتمع يبنيو على أساس العلم والتوحيد ‪ ،‬وليس رزقاً مغتهباً من دمػاء اؼبعػط دين اعبػاىلُت‬ ‫‪ .‬والذين أوتوا العلم واإليباف يروف العفة ويربعوف بأنفس م عن الشرؾ ‪ ،‬فيخرجوف عن عبادة‬ ‫العباد ‪ ،‬ويبقوف مع النػاس ول ػن ال يشػاركوف النػاس يف وينيػت م ‪ .‬وىنػا تلتقػي صػفات العلػم‬ ‫مػػع صػػفات التوحيػػد ‪ -‬كمػػا وردت يف القػػر ف ال ػػر ‪ -‬حػػث يؤديػػاف إىل موقػػف واحػػد ذبػػاه‬ ‫األحػػداث االجتماعيػػة ( ويػػرى الػػذين أوت ػوا العلػػم الػػذي أنػػلؿ إليػػك مػػن ربػػك ىػػو اغبػػق ) (‬ ‫سبأ ‪. )ٙ /‬‬ ‫إذا أدركنا معٌت ربط األسباب بالنتائج وأ ػا ليسػت عقليػة وإمبػا مشػاىدية ‪ ،‬نسػتطيع أف‬ ‫نربط اإليباف بالنتائج ف ذا شاىدنا اإليباف ونتائجو ن ػوف حهػلنا شػروط العلػم ب ػل ؿبتوياتػو‬ ‫يف موعوع اإليباف أيعاً ‪ ،‬وىذا األسلوب ىو األسلوب الذي يعرض بو القر ف اإليباف علػى‬ ‫أنو علم ‪ ،‬وإف العلماء يدركوف ىذا حيث يقوؿ إ ( وتلك األمثاؿ نعرهبا للناس وما يعقل ا‬ ‫إال العاؼبوف ) (العن بوت ‪. )ٖٗ /‬‬ ‫إف وظيفػػة العقػػل ‪ ،‬ىػػي مبلح ػػة ارتبػػاط األسػػباب بالنتػػائج ‪ ،‬وأ ػػا ليسػػت عقليػػة وإمبػػا‬ ‫مشاىدية وتسليمية اعطرارية ‪ ،‬ال دخل للعقل في ا إال التسليم واإلقرار ‪ ،‬وإف عدـ التسليم‬ ‫هبا بعد اؼبشاىدة نفي للعقػل ‪ .‬ولقػد ف ػرت يف ىػذا اؼبوعػوع مػدة طويلػة ‪ ،‬ودبػا أي َل أجػد‬ ‫فيما قرأتػو ىػذا األسػلوب يف التةليػل ‪ ،‬عرعػت ىػذه الف ػرة علػى األسػتاذ مالػك بػن نػيب ‪-‬‬


‫رضبو اهلل ‪ -‬ؼبا زار دمشق يف اؼبرة األخػَتة ٕ‪ - ٜٔٚ‬فقػاؿ (إف ىػذا يػورة يف التف ػَت) ‪ .‬وقػد‬ ‫ي وف كذلك إذا أدى ىذا الف ر إىل مثل قولو تعاىل(ٔ) إ ( إف يف خلق السماوات واألرض‬ ‫واختبلؼ الليل والن ار آليات ألو األلباب الػذين يػذكروف اهلل قيامػاً وقعػوداً وعلػى جنػوهبم‬ ‫ويتف روف يف خلق السماوات واألرض ربنا ما خلقت ىذا باطبلً سبةانك فقنا عذاب النار‬ ‫) ( سورة ؿ عمراف ‪ -‬اآليات ٓ‪. ) ٜٔٔ - ٜٔ‬‬ ‫العلم ىو اؼبعجلة إ‬ ‫وحُت يهب الدين علماً مثلما صارت ال يمياء علمػاً ‪ ،‬فػ ف النػاس سػوؼ ي فػوف عػن‬ ‫التنازع ‪ ،‬ألف العلم يقطع اعبدؿ ‪ ،‬وسي وف األمر كما قاؿ اهلل تعاىل إ ( فأما اللبد فيذى‬ ‫جفاء وأما ما ينفع الناس فيم ث يف األرض ) (سورة الرعد ‪. )ٔٚ /‬‬ ‫وكما بسط العلم سلطانو على الفلػك ‪ ،‬وال يميػاء ‪ ،‬والطػ ‪ ،‬فسيبسػط سػلطانو أيعػاً‬ ‫علػػى الػػدين ‪ ،‬وي ػػوف ذلػػك يف صػػار الػػدين اغبػػق ‪ ،‬وسػػتنت ي ن ريػػات النػػاس الفاسػػدة عػػن‬ ‫الدين ‪ ،‬كما انت ت ن ريات البشر قديباً عن الفلك وال يمياء ‪ ،‬وستبقى حقائق الدين كمػا‬ ‫بقيػػت حقػػائق الفلػػك وال يميػػاء وسػػنن ا الثابتػػة ‪ ،‬وصػػدؽ اهلل إ ( ويػػرى الػػذين أوت ػوا العلػػم‬ ‫الذي أنلؿ إليك من ربك ىو اغبق وي دي إىل صراط العليل اغبميد ) ( سبأ ‪. ) ٙ /‬‬ ‫والعلػػم ال جنسػػية لػػو ‪ ،‬ف ػػل شػػيء إذا ص ػػار علم ػاً فقػػد أخػػذ طريقػػو إىل العاؼبي ػػة ‪ .‬إف‬ ‫اإلنسػػاف ال ي ػرفل اسػػتعماؿ الػػدواء الػػذي كشػػفو عػػدو ‪ ،‬وال وبمػػل اغبقػػد وال راىيػػة للػػدواء‬ ‫الذي صار علماً ‪ ،‬وكذلك ستهَت القيم اليت تدخل بوتقة العلم قيماً عاؼبية ‪ ،‬وإف أصةاب‬ ‫القيم الذين ىبافوف من أف يثبت العلم فساد قيم م ىػم (معتمػدوف حسػ تعبػَت الغػلا ) ‪،‬‬ ‫ويب ن أف نقوؿ عن م إ (إيديولوجيوف حس اؼبهطل العهري) ‪.‬‬ ‫إف اآلبائيػػة تػػاز بأظبػػاء جديػػدة تش ػػوش عل ػػى النػػاس اؼبفػػاىيم ‪ ،‬فاله ػراع األي ػػديولوجي‬ ‫واالعتقػػادي ‪ ،‬واؼبنازعػػات الدينيػػة اؼببنيػػة علػػى اآلبائيػػة وعلػػى عػػاَل األشػػخاص ‪ ،‬كل ػػا تقػػع‬ ‫(ٔ) أن ر السيوطي يف أسباب نلوؿ ىذه اآلية يف كتاب أسباب النلوؿ ‪.‬‬


‫خػارج العلػػم ‪ .‬وإف كثػَتاً مػن اؼبؤسسػػات االجتماعيػػة علػػى مػر التػػاريخ ‪ ،‬تتةػػوؿ إىل عقائديػػة‬ ‫وأيدويولوجيػػة ( بائيػػة) ؛ أي عػػاَل أشػػخاص وبػل ؿبػػل عػػاَل األف ػػار والقػوانُت ‪ .‬فالديبقراطيػػة‬ ‫ومؤسسػ ػػاهتا يف الغػ ػػرب ‪ ،‬كالاؼبانػ ػػات ‪ ،‬فقػ ػػدت روح ػ ػػا ‪ ،‬ف ػ ػػي كمػ ػػا يقػ ػػوؿ ويلػ ػػل إ (تػ ػػأب‬ ‫الديبقراطية إىل السلطة برجاؿ ال يتميلوف عن أي ا ٍز يتسلط على الببلد أو وريث للة م)‬ ‫‪ ،‬ومع ذلك فل ا قدسية األيديولوجية ‪.‬‬ ‫إف العلم طريق التوحيد للعاَل ‪ ،‬كما ىو طريق توحيد اهلل ‪ ،‬بينما طريق عاَل األشخاص‬ ‫‪ ،‬طريػػق للشػػرؾ ولتمليػػق العػػاَل وتفتيػػت اجملتمعػػات أيعػاً ؛ فالنلاعػػات والعهػػبيات الػػيت سبػػلؽ‬ ‫اجملتمعات دليػل علػى بعػد اغبقيقػة العلميػة عػن تلػك اجملتمعػات ‪ ،‬وحلػوؿ األوىػاـ واػبرافػات‬ ‫واآلباء واألشخاص والسػلف واألحػلاب والاؼبانػات وسػواىا ؿبػل اغبقيقػة العلميػة ‪ .‬ومػن ىنػا‬ ‫أخذ العلم وظيفة اإلعجاز ‪ ،‬وظيفة توحيد الناس وتوحيد اهلل وؿبو األوىاـ ‪.‬‬ ‫األساس الثاي ‪ -‬العقل ليس لة وإمبا وظيفة إ‬ ‫يروى أف أحد أباطرة الهُت ؼبا و اغب م استشار فيلسوؼ زمانػو فيمػا هبػ أف يعمػل‬ ‫فق ػػاؿ ل ػػو الفيلس ػػوؼ إ (أوؿ عم ػػل ينبغ ػػي أف تق ػػوـ ب ػػو ى ػػو ته ػػةي األظب ػػاء) ‪ .‬أي ربدي ػػد‬ ‫ؿبت ػػوى األظب ػػاء ح ػػىت ال زبل ػػو م ػػن معاني ػػا وال تفق ػػد ال لم ػػات س ػػلطا ا ‪ -‬أي مع ػػامين ا‬ ‫السننية ‪ -‬وال تتةوؿ اغبياة إىل وينية ( إف ىي إال أظباء ظبيتموىا انػتم و بػا كم مػا انػلؿ اهلل‬ ‫هبا من سلطاف ) (سورة النجم ٖٕ) ‪.‬‬ ‫وكلم ػػة العق ػػل م ػػن ى ػػذه ال لم ػػات أو األظب ػػاء ال ػػيت ربت ػػاج إىل ته ػػةي وربدي ػػد أل ػػا‬ ‫تستخدـ كثَتاً يف حبوث الف ر والعلم ‪ ،‬وألف لبلذباه العقبلي م انو يف العاَل اؼبعاصر ‪.‬‬ ‫إف العقل وظيفة وليس لة أو أداة ‪ ،‬إذ َل ترد اللف ة يف القػر ف ال ػر إال للداللػة علػى‬ ‫عمل وفعل ‪ ،‬فلم ينعت ال افرين بأ م ال عقل ؽبم ‪ ،‬بل قاؿ إ ( ال يعقلوف ) ‪ ( ،‬وقالوا إ‬ ‫لو كنا نسمع أو نعقل ) (اؼبلك ‪. )ٔٓ -‬‬


‫إف العقػػل كال تابػػة والقػراءة أو كأيػػة وظيفػػة أخػػرى ي تسػػب ا اإلنسػػاف باؼب ػػارة والػػتعلم ‪.‬‬ ‫وحػػُت نقػػوؿ إ (ال تابػػة) ‪ ،‬ال ىبطػػر يف بالنػػا أ ػػا لػػة يف اإلنسػػاف ‪ ،‬بػػل ينهػػرؼ الف ػػر سبامػاً‬ ‫إىل أ ا وظيفة قػد وبهػل ا اإلنسػاف أو ال وبهػل ا ‪ ،‬فػبل نقػوؿ عػن زيػد مػن النػاس إ ليسػت‬ ‫عنده كتابة ‪ .‬بل نقوؿ إ إنو ال ي ت ‪ ،‬وكذلك العقل َل يػرد يف القػر ف ال ػر إال علػى انػو‬ ‫وظيفة وفعل ‪ ،‬وإمبا يطلق القر ف لفل القل ‪ ،‬أو الفؤاد ‪ ،‬أو الل أو الن ى علػى األداة أو‬ ‫اآللة ‪ ،‬اليت تقوـ بوظيفة العقػل أو الػربط ‪ ،‬وإهبػاد العبلقػة بػُت األسػباب والنتػائج ‪ .‬وإذا فقػد‬ ‫فقد الوظيفة األساسية لئلنساف ‪.‬‬ ‫اإلنساف وظيفة ربط األسباب بالنتائج َ‬ ‫(يقػػوؿ ابػػن تيميػػة " ف ػ ف العقػػل يف لغػػة اؼبسػػلمُت عػػرض مػػن األع ػراض قػػائم بغػػَته وىػػو‬ ‫ريػلة أو علػػم أو عمػػل بػػالعلم ‪ .‬لػػيس العقػػل يف لغػػت م جػػوىراً قائمػاً بنفسػػو ‪ ..‬أمػػا اؼبتفلسػػفة‬ ‫ففي اصطبلح م أنو جػوىر قػائم بنفسػو ولػيس ىػذا اؼبعػٌت ىػو معػٌت العقػل يف لغػة اؼبسػلمُت‬ ‫… ) ‪( .‬اعبلء الثامن عشر من الفتاوى ص ‪. )ٖٖٛ‬‬ ‫وف م العقل على أنو وظيفة مثل ال تابة والسباحة وسائر اؼب ػارات األخػرى ‪ ،‬يػؤدي بنػا‬ ‫إىل أف نرت ن اماً الكتساب ىذه الوظيفة بأقل اعب ود واألزمنة وعلى أحسن الدرجات ‪.‬‬ ‫ف ما أننا يف تطويرنا ألسالي تعليم اللغات ‪ -‬وىػي لػوف مػن اكتسػاب اؼب ػارة ‪ -‬نن ػر‬ ‫إىل ما تقدمو من ج د وماؿ ووقت ‪ ،‬ومدى تناسب ا مع ما ربهل عليو من نتائج ‪ ،‬كذلك‬ ‫هب أف نفعل يف أسلوب تطويرنا الكتساب العقل والعلم ‪ .‬وعن فبا يؤسف لو أف مناىجنػا‬ ‫اليػػوـ تقػػدـ نتف ػاً مػػن مسػػائل العلػػم ال ي تس ػ اؼبػػتعلم هبػػا روح العلػػم ‪ ..‬ومػػن خػػبلؿ ىػػذه‬ ‫اؼبناىج يقدـ الدين على أنو معارض للعلم ‪.‬‬ ‫وقد تذوؽ بعل علماء اؼبسلمُت كنو العلم وأدرؾ أف حقيقتو ليست ؾبرد مسائل كثػَتة‬ ‫ُربفل ‪ ،‬فاإلماـ مالك ‪ -‬رعي اهلل عنو ‪ -‬يف قولو إ (ليس العلم كثػرة حفػل اؼبسػائل ‪ ،‬وإمبػا‬ ‫ىو نور يقذفو اهلل يف قل اؼبرء) ‪ .‬يستشرؼ فاؽ العلم وإف َل ي ن يفهل يف من ج دقيػق‬ ‫طُرؽ ربهيل ىذا النور الذي ظ ر لو ‪ .‬والذين يدرسوف اإلبداع وعواملو ‪ ،‬يسعوف إىل جعلو‬


‫علماً مسخراً لهار اجملتمع ‪ ،‬ومن ىنػا نستشػرؼ كيػف يب ػن أف نعطػي اإلنسػاف ىػذا النػور‬ ‫الذي يهَت بو اإلنساف عاؼباً ومبدعاً ‪ ،‬وى ذا ي وف ربهيل وظيفة (التعقل) ‪.‬‬ ‫األساس الثالث ‪ -‬عدـ وعع عاَل األشخاص ؿبل السنن إ‬ ‫ي ػػذكر مال ػػك ب ػػن ن ػػيب يف كتاب ػػو (مش ػ لة األف ػػار يف الع ػػاَل اإلس ػػبلمي) أف الطف ػػل يب ػػر‬ ‫بثبلث مراحل ‪ ،‬مرحلة األشياء حُت ي وف الطفل يف حالة ال يبيل في ا زجاجة الرعاعة مػن‬ ‫يدي أمو ف و يف عاَل األشياء واغباجات الععوية ‪ ،‬ا يدخل الطفل عاَل األشػخاص حػُت‬ ‫يبػػدأ يبيػػل وجػػو أمػػو عػػن سػػائر الوجػػوه … كمػػا ذكػػر األسػػتاذ مالػػك كيػػف أف الطفػػل يشػػعر‬ ‫بالغربة أماـ باب داره ‪ ،‬واؼبعاناة اليت يبلقي ا الطفل يف األياـ األوىل من دخولو اؼبدرسة ‪.‬‬ ‫وإذا كانػػت اػبليػػة ربمػػل يف جيناهتػػا كػػل قػػدرات ومي ػلات األجيػػاؿ اؼباعػػية يف الن ػواحي‬ ‫الوراييػػة الععػػوية ‪ ،‬واالسػػتعدادات يف الن ػواحي الثقافيػػة بش ػ ل ـبتػػلؿ ‪ ..‬ف ػ ف الطفػػل كػػذلك‬ ‫ىبتلؿ تاريخ البشرية يف اؼبراحل اليت مر هبا اإلنسػاف مػن العػواَل الثبليػة ‪ ،‬عػاَل األشػياء وعػاَل‬ ‫األشخاص وعاَل األف ار ‪ ،‬كما يبر الطفل يف مراحلػو اعبنينيػة دبراحػل اػبلػق الععػوي ـبتػلالً‬ ‫تاريخ الوجود وكيف بدأ اػبلق للدخوؿ إىل ف م ىذه العواَل …‬ ‫عػػن الطفػػل يشػػعر بنفسػػو أمػػاـ فػػيل مػػن اظػػيط اؼبعقػػد أمامػػو ‪ ،‬ف ػػو يسػػتعُت دبةيطػػو‬ ‫وأسعلتو ال ثَتة اليت ال تنقطع ليأخذ صورة ومف وماً عن ىذا العاَل وليليػد مػن إدراكػو ظيطػو‬ ‫‪ ،‬وىذا يدؿ على أف عػاَل الطفػل عػاَل حافػل فيػاض بػالت يف والتلقػي والػتعلم ‪ ،‬وكػل طفػل‬ ‫هبػػدد ىػػذه ال ػػاىرة الفػػذة ‪ .‬إف عػػاَل الطفػػل عػػاَل معػػروض للدراسػػة والتعػػرؼ علػػى اإلنسػػاف‬ ‫وكيػػف يهػػَت إنسػػاناً وكيػػف يأخػػذ وينطبػػع الطفػػل ولي ػػوف مهػػنوع اجملتمػػع وصػػنع أبويػػو ‪،‬‬ ‫فأبواه يهنعانو ‪ ،‬ا ىو يشارؾ يف صنع اجملتمع بدوره قلّت أو كثرت ىذه اؼبشاركة …‬ ‫ىػػذه الدراسػػة ىػػي العلػػم اؼبتعلػػق باإلنسػػاف ومعرفػػة السػػنن الػػيت تهػػنع اإلنسػػاف ‪ ،‬وشػػعور‬ ‫الطفػػل اؼبل ػ ألخػػذ صػػورة ومف ػػوـ عػػن العػػاَل اظػػيط بػػو هبعلػػو يسػػتعُت باألشػػخاص الػػذين‬ ‫سػػبقوه وعايش ػوا ىػػذه اغبيػػاة الػػيت يسػػتقبل ا ىػػو في ػ ِّػوف األسػػبلؼ واآلبػػاء عػػاَل األشػػخاص‬


‫الػػذين يسػػتعُت هبػػم يف أخػػذ العلػػم ‪ ،‬فيةػػل عػػاَل األشػػخاص م ػػاف السػػنن ‪ ،‬ووبػ ُػل تهػػورات‬ ‫اآلبػاء الذىنيػة ؿبػل سػنن اغبقػائق اػبارجيػة ‪ ،‬وهبػػذا ُوبػل الرجػاؿ ؿبػل السػنن سػنة اهلل ‪ ،‬وىػػذا‬ ‫نوع من الوينية الدينية ‪ ،‬فبلبػد مػن تأمػل ىػذا اؼبوعػوع ‪ .‬ؽبػذا ي ػرر القػر ف حجػة اؼبعارعػُت‬ ‫لؤلنبياء بأ م وجدوا باءىم كذلك يفعلػوف ‪ ،‬فاآلبػاء صػاروا حجػة وبرىانػاً … وهبػذا انتقػل‬ ‫الاىاف مػن البةػث يف اغبقػائق اػبارجيػة إىل التهػورات الذىنيػة لؤلشػخاص … فالشػخا‬ ‫الػػذي َل يػػتعلم التعامػػل مػػع اغبقػػائق اػبارجيػػة يتةػػوؿ بس ػ ولة إىل جعػػل األشػػخاص مهػػدر‬ ‫اإلؽبػػاـ للتعػػرؼ علػػى اغبقػػائق اػبارجيػػة … ودبػػا أف اإلنسػػاف حباجػػة إىل العلػػم ‪ ،‬والعلػػم ػػَت‬ ‫معػػروؼ أو ػػَت متػػوفر لديػػو ف نػػو يعػػع األشػػخاص م ػػاف العلػػم ‪ ،‬وال تػ م ػػاف السػػنن ‪،‬‬ ‫فيعع اظراث أماـ الثور كما يف األمثاؿ …‬ ‫والقر ف ال ر يعتا ىذا شركاً يف العقيدة ‪ ،‬ويعتا األشخاص يف ىذه العملية أنداداً هلل‬ ‫حيث يهَتوف مهػدر األح ػاـ الشػرعية ‪ ،‬وىػذه األح ػاـ خاصػة بػاهلل ال هبػوز لؤلشػخاص‬ ‫أف يتدخلوا بػأىوائ م ‪ ،‬ألف أح ػاـ اهلل وسػننو ىػي اغبقيقػة الثابتػة الػيت ال تتغػَت وال تتبػدؿ ‪،‬‬ ‫ووعع األشخاص م اف سنة اهلل وشرعو وشرؾ يف التوحيد ‪.‬‬ ‫إف ىػػذا الف ػػم م ػػم وعػػروري السػػتقامة اغبيػػاة واسػػتقامة الػػدين ‪ ،‬فػػاالكبراؼ عػػن العلػػم‬ ‫يقػػود إىل الوقػػوع يف الشػػرؾ‪ ،‬بينمػػا توحيػػد اهلل يػػؤدي إىل توحيػػد السػػنة يف كػػل مػػا هبػػري يف‬ ‫ال ػػوف ‪ .‬إف وعػػع األشػػخاص م ػػاف اهلل وم ػػاف السػػنة إفسػػاد للعلػػم وإفسػػاد للتوحيػػد وؽبػػذا‬ ‫ف ف الناس يف اجملتمعات اؼبتخلفة والبعيدة عن الذوؽ العلمي يقعوف يف عبادة األشخاص يف‬ ‫م اىرىػػا السياسػػية وم اىرىػػا الدينيػػة ‪ .‬فعبػػادة األشػػخاص وينيػػة علميػػة ووينيػػة دينيػػة ‪ .‬وكػػل‬ ‫اإلن ار الذي يهبو القر ف على اؼبشركُت الدينُت موجو إىل عبادة األشخاص حػىت ال يتخػذ‬ ‫بععنا بععػاً أربابػاً ‪ .‬إف التللػف واػبعػوع واالسػتبعاد الػذي يبارسػو اجملتمػع الفاقػد للمعرفػة ‪،‬‬ ‫يدعو إىل القرؼ والتقلز عند أىل العلم وأىل التوحيد ‪ .‬إف عاَل األوياف الذي نعيذ فيو ال‬ ‫قبد فيو ال رامة اليت تلين أىل العلػم ‪ ،‬وال التوحيػد الػذي ينػله الػدين عػن األويػاف ( فػاجتنبوا‬ ‫الرجس من األوياف واجتنبوا قوؿ اللور حنفاء هلل َت مشركُت بو ) (اغبج ‪. )ٖٔ - ٖٓ /‬‬


‫إف العلػم والعلمػاء حػػُت ي ػوف ؽبػم م ػػاف يف ؾبتمعنػا وسبتػد ؽبػػم جػذور وقػدـ راسػػخة يف‬ ‫تذوؽ العلم ‪ ،‬فستاز مباذج من العلم واغبلم والعلة والتواعع ‪ ،‬مباذج من الغٌت واللىد تنعذ‬ ‫األرواح وتشػػفي اعب ػػروح والق ػػروح ‪ ،‬وتنق ػػذنا م ػػن األوحػػاؿ واألق ػػذار أوح ػػاؿ اعباىلي ػػة وأق ػػذار‬ ‫الوينية ليتألق قبم العلم وتسطع مشس التوحيد ‪ ،‬فنخرج من اؼبسخ وتعود اؼبعاي لل لمات ‪،‬‬ ‫فتتةهػػن مػػن التػػدليس والتمويػػو ‪ ،‬وبػػذلك ن ػػوف قػػد أنقػػذنا أنفسػػنا ‪ ،‬وزكيناىػػا ‪ ،‬واكتسػػبنا‬ ‫صػػةة نفسػػية وف ريػػة واسػػتقامة لغويػػة ‪ ،‬فيػػدب االنتعػػاش يف سػػائر ن ػواحي حياتنػػا ‪ ،‬وت ػػوف‬ ‫ن راتنا معاة وكلماتنا موحية ‪ ،‬فةيثمػا وبػل العلػم وبػل التوحيػد وتػلوؿ الثنائيػة واالزدواجيػة ‪،‬‬ ‫في وف لنا وجو واحد ال وج اف ورب واحد ي رـ بٍت دـ ويستقيموف إليو ال أرباب وشركاء‬ ‫متشاكسوف يليدوننا طغياناً ورىقاً ‪..‬‬ ‫ىػػذه بعػػل اؼبشػ بلت الػػيت تػػنجم مػػن جعػػل عػػاَل األشػػخاص م ػػاف سػػنن العلػػم ‪ .‬فيػػا‬ ‫حبػػذا لػػو كشػػف اغبجػػاب وتيسػػرت ق ػراءة مػػا سػػي ت يف ىػػذا اؼبوعػػوع حػػُت يتعػػا‬ ‫ؾبتمعنػػا مػػن اعب ػػل ومعابػػدنا مػػن األويػػاف ‪ .‬إف نفوسػػنا القاحلػػة مػػن نػػور العلػػم تعجػػل عػػن‬ ‫إعاءة أسباب مش بلتنا اليت أزمنت وتعفنت ‪ ،‬وإف كلماتنا تش و قلة رصيدىا من العلم ‪،‬‬ ‫فتأىب أف ربمل معٌت شريفاً ‪.‬‬ ‫إف لغػػة العلػػم شػػفاء للنفػػوس اظطمػػة ‪ ،‬للنفػػوس ال مػػأى إىل العافيػػة ‪ ..‬فش ػ ادة العػػاَل‬ ‫مقرونة بش ادة اهلل ومبلئ تو ‪ ،‬ألف ش ادة العاَِل ش ادة لسنة اهلل ( ش د اهلل أنػو ال إلػو إال‬ ‫ىو واؼببلئ ة وأولوا العلم قائماً بالقسط … ) ( ؿ عمراف ‪. )ٔٛ -‬‬ ‫ويق ػػوؿ اهلل لل ػػذين يسػ ػ روف يف ج ػػوؼ اللي ػػل دارس ػػُت مف ػ ػرين يف مل ػػوت الس ػػموات‬ ‫واألرض ومػػا بػػث في مػػا … يقػػوؿ ؽبػػؤالء اؼبتتبعػػُت ؼبسػػَتة كيػػف بػػدأ اػبلػػق ‪ ،‬للػػذين يقلبػػوف‬ ‫أبه ػػاره يف يات ػػو يف اآلف ػػاؽ واألنف ػػس ‪ -‬يق ػػوؿ ؽب ػػم كم ػػا ورد يف اغب ػػديث القدس ػػي ‪( -‬م ػػن‬ ‫يدعوي فأستجي لو ومن يسألٍت فأعطيو ‪ ،‬ومن يستغفري فأ فر لو) (متفق عليو) ‪.‬‬ ‫أي ا اإلنساف ‪ ،‬ىناؾ أىداؼ كريبة … ىناؾ أشواؽ وأذواؽ … ىناؾ عدؿ وإحساف‬ ‫… ىناؾ علم وتوحيد … ولدى ربنا مليد ‪.‬‬


‫جانبا عاَل األشخاص إ‬ ‫إف األشخاص ىم الذين يقدموف العلػم ف يػف نعتػا عػاَل األشػخاص عقبػة أمػاـ العلػم‬ ‫إف األمر ي اد ي وف متناقعاً ‪ ،‬فبلبد من ر ية اعبانبُت بدقة لنعطي كل جان حقو ‪.‬‬ ‫إف إعطاء عاَل األشػخاص حقػو أمػر جػوىري جػداً ‪ ،‬ول ػن اػبطػر أف نعطػي م كثػر مػن‬ ‫حق ػػم ‪ .‬إف العػػاَل جػػدير بػػاالحًتاـ والتقػػدير ‪ ،‬ول ػػن البػػد أف يقػػف ىػػذا االحػًتاـ والتقػػدير‬ ‫عنػػد حػ ٍػد وال يتجػػاوزه ‪ .‬فالػػذين يقلػػدوف عػػاَل األشػػخاص وينلىػػو م ردبػػا ال يػػدركوف اعبانػ‬ ‫اإلهبا الذي على أساسو ينالوف التقديس ‪.‬‬ ‫إي أعت ػػا اإلنس ػػاف ص ػػفراً ب ػػدوف اػب ػاات البش ػرية الس ػػابقة ‪ ،‬وردب ػػا ى ػػذا ل ػػو يف التعب ػػَت‬ ‫ول ن ا اغبقيقة إال مع قليل جداً من اؼببلح ة … وألقرب ىذا األمػر أنقػل ىػذه ال لمػات‬ ‫التالية من كتاب (اإلنساف واغبعارة واجملتمع) إ‬ ‫(إف ؾبموعة من بيوض النمل ربعن بش ل صةي مع ياب مبل يافع عن ػا ‪ ،‬سػتنتج‬ ‫حشػػداً مػػن النمػػل الػػذي بعػػدما ي ػػا سػػيمثل مػػن جديػػد ‪ ،‬وب ػػل التفاصػػيل ‪ ،‬كػػل سػػلوؾ‬ ‫األجياؿ اليت ال ربهى من النوع الذي سبقو … ف ل سيةدث الشيء نفسو إذا انفهلت‬ ‫ؾبموع ػػة م ػػن األطف ػػاؿ ع ػػن رقاب ػػة الي ػػافعُت وعن ػػايت م وت ػػدريب م إذا افًتع ػػنا أ ػػم س ػػوؼ‬ ‫يسػػتطيعوف البقػػاء ‪ -‬ولػػن يسػػتطيعوه ‪ -‬فػػبل هب ػ أف نتوقػػع مػػن م أف ي ػػروا أيػاً مػػن مي ػلات‬ ‫السلوؾ اػباصة اليت كانت سبيل باءىم من قبل م ‪ ،‬إ م سػي ونوف بػبل لغػة ‪ ،‬وبػبل أدوات ‪،‬‬ ‫وببل نار وببل فنوف ‪ ،‬وببل دين ‪. ) ..‬‬ ‫إف الورايػػة االجتماعيػػة الًتبويػػة الػػيت تتمثػػل يف نقػػل اػبػاات اؼبًتاكمػػة عنػػد اإلنسػػاف ىػػي‬ ‫َت الوراية الغريلية عند اغبيواف ‪ ،‬وىذا االختبلؼ ىو الذي هبعل اإلنساف إنساناً ‪.‬‬ ‫إف أي متخها يف علم ما ‪ ،‬وبهػل يف سػنوات معػدودة خػاات تعبػت في ػا األجيػاؿ‬ ‫الؼ السػػنُت ‪ ،‬وقػػد يعػػيف بعػػل اؼبتخههػػُت أشػػياء جديػػدة إىل ىػػذا اعب ػػد اؼب ػًتاكم ‪،‬‬ ‫وم ما كانت اإلعافة ععيلة بالنسبة إىل ذلػك اؽبي ػل العػخم ‪ ،‬فػ ف مبػو اػبػاات يػتم هبػذه‬


‫الطريقة ‪ .‬وىذا ما يبيػل اجملتمػع البشػري عػن ؾبتمعػات النمػل والنةػل … وإننػا لػو َل نعتمػد‬ ‫علػػى خ ػاات األجيػػاؿ السػػابقة وأردنػػا أف ن شػػف بأنفسػػنا كػػل تلػػك اػب ػاات الحتجنػػا إىل‬ ‫عمػػر البش ػرية ب ػػل أكث ػػر ألف ى ػػذه اػب ػاات خ ػاات عق ػػوؿ كثػػَتة ‪ .‬إذ الب ػػد م ػػن قب ػػوؿ ى ػػذه‬ ‫اػباات ؛ ول ن قبوؽبا ليس على أساس عاَل األشخاص وإمبا على أساس عاَل السنن …‬ ‫واػببلصػػة أف عػػاَل األشػػخاص لػػو دور إهبػػا و خػػر سػػليب ؛ وىػػو إهبػػا حػػُت ين ػػر إىل‬ ‫األشخاص على أ م درجة يف سلم اؼبعرفة الطويل ‪ ،‬وسليب حُت ين ر إلي م على أ م اية‬ ‫السلم وأنو قد توقف عندىم عطاء اهلل ػبلقو …‬ ‫ويف أيامنا ىذه يدور حديث طويل حوؿ الػًتاث والتجديػد واألصػالة واؼبعاصػرة مػن قبػل‬ ‫مف ػرين يشػػعروف بعػػرورة االىتػػداء إىل اؼبوقػػف السػػليم ‪ ،‬ولعػػل مػػا قلنػػاه يلقػػي علػػى اؼبوعػػوع‬ ‫شيعاً من النور وإف كاف خافتاً ‪.‬‬ ‫دليل العلم‬ ‫ما الاىاف على أف ف رة ما ‪ ،‬علم‬ ‫الاىاف على ذلك أمراف إ التنبؤ والتسخَت ‪.‬‬ ‫أ‪ -‬أما التنبؤ ف و إ أف يُفعل يف الثاي مػا فُعػل يف األوؿ ‪ ،‬كمػا ذكػر شػيخ اإلسػبلـ ابػن‬ ‫تيمية ‪ .‬ف ذا علمنا ما سيُفعل يف الثاي على أساس معرفة الفعػل األوؿ ‪ ،‬كنػا علػى علػم …‬ ‫ف ذا عرفت الشروط اؼباعية وبدأت ىذه الشروط تتةقػق مػرة يانيػة فػنةن نتنبػأ بػأف مػا سػبق‬ ‫أف ح ػػدث س ػػيةدث م ػػرة ياني ػػة ‪ .‬وإذا صػ ػ التنب ػػؤ فوق ػػع الث ػػاي كم ػػا توقعن ػػاه عل ػػى أس ػػاس‬ ‫مبلح اتنا السابقة ‪ ،‬فذلك دليل على أف األمر علم ‪.‬‬ ‫ففي عاَل الفيلياء ‪ -‬مثبلً ‪ -‬كب م على اغبديد بأنو يتمػدد بارتفػاع درجػة اغبػرارة وذلػك‬ ‫بناء على ر ية سابقة للموعوع ‪ .‬ويف عاَل اجملتمع ‪ -‬وىو ما ي تم بو القر ف وي رر اغبديث‬ ‫عنػػو ‪ -‬كب ػػم علػػى اجملتمػػع بأنػػو سػػيفقد االسػػتقرار والنمػػو ‪ ،‬وسػػتةل بػػو الن بػػات واؼبهػػائ‬ ‫حػػن ينةػػرؼ عػػن الهػراط السػػوي ‪ ،‬وتفتقػػد فيػػو العدالػػة ويقتهػػر تطبيػػق القػػانوف علػػى بعػػل‬


‫النػػاس فقػػط ‪ ،‬وىػػذا اغب ػػم إمبػػا كػػاف بن ػاء علػػى معرفػ ٍػة للتػػاريخ وأح ػواؿ اجملتمعػػات واألمػػم ‪،‬‬ ‫وذلػػك مػػا يل ػ عليػػو القػػر ف ال ػػر حػػُت يقػػا أخبػػار األمػػم السػػابقة ‪ ،‬وأح ػواؿ ال فػػار ‪،‬‬ ‫وأحداث اجملتمعات اليت يذكرىا أحياناً موجلة أو مفهلة ‪ .‬و اية القر ف من ذلك أف تًتسخ‬ ‫السػػنة يف نفػػوس اؼبػػؤمنُت ‪ ،‬وأف يف ػػم النػػاس أف اآلخػػر سػػيُفعل فيػػو مػػا فُعػػل يف األوؿ حػػُت‬ ‫يسػػَت يف طريقػػو ‪ .‬وكػػل تلػػك القهػػا واألخبػػار تتلوىػػا تعقيبػػات تؤكػػد ىػػذه السػػنة والقاعػػدة‬ ‫الػػيت صػػارت علم ػاً إ ( وىػػل قبػػازي إال ال فػػور ) (سػػبأ ‪ ( )ٔٚ /‬ىػػل ج ػلاء اإلحسػػاف إال‬ ‫اإلحساف ) (الرضبن ‪ ( )ٙٓ /‬أ كفركم خَت من أولع م أـ ل م بػراءة يف اللبػر ‪( ) ..‬القمػر‬ ‫‪ ( )ٖٗ /‬أَل لك األولُت ا نتبع م اآلخػرين ‪ ،‬كػذلك نفعػل بػاجملرمُت ) (اؼبرسػبلت ‪ٔٙ /‬‬ ‫ ‪ ( )ٔٛ‬وكذلك ننجي اؼبؤمنُت ) (األنبياء ‪ ( )ٛٛ /‬ف ػل ين ػروف إال سػنة األولػُت ‪ ،‬فلػن‬‫ذبد لسنة اهلل تبديبل ولن ذبد لسنة اهلل ربويبلً ) (فاطر ‪. )ٖٗ /‬‬ ‫وىذه اآليات اليت تؤكد حتمية قانوف اهلل وسنتو ‪ ،‬هب أال يف م من ا أ ا تنفي سلطاف‬ ‫البشر علػى الػتة م بسػَت اجملتمعػات ‪ .‬فسػنة اهلل يف اجملتمعػات قائمػة علػى مبػدأ أساسػي يف‬ ‫قولػػو تعػػاىل إ ( إف اهلل ال يغػػَت مػػا بقػػوـ حػػىت يغػػَتوا مػػا بأنفس ػ م ) (الرعػػد ‪ . )ٔٔ /‬وىػػذا‬ ‫اؼببدأ هبعل مهػَت البشػر بأيػدي م وشبػرة ألعمػاؽبم ( وإف تهػب م سػيعة دبػا قػدمت أيػدي م إذا‬ ‫ىػم يقنطػػوف ) (الػروـ ‪ ( . )ٖٙ /‬كػػل امػػرئ دبػا كسػػبت رىػػُت ) (الطػور ‪ ( )ٕٔ /‬تلػػك أمػػة‬ ‫قد خلت ؽبا ما كسبت ول م ما كسبتم ) (البقرة ‪. )ٖٔٗ /‬‬ ‫ب‪ -‬وأما التسخَت إ فيتم حُت يعلم اإلنساف السنة وأ ا تت رر وال تتبدؿ فيسػتطيع أف‬ ‫يتدخل في ا ويوج ا إىل حيث تفيده ‪ .‬وكلما كاف التسػخَت عامػاً وتامػاً كػاف العلػم يف ىػذا‬ ‫اؼبوعوع عاماً وتاماً ‪ ..‬إف برىاف العلم التنبؤ والتسخَت ‪..‬‬ ‫وال نقهػد بػػالتنبؤ الن ريػػة اجملػػردة ؛ فالن ريػػة أو الفرعػية إ ىػػي وعػػع احتمػػاؿ يتبػػادر إىل‬ ‫الذىن أنو سب ال اىرة اليت ندرس ا ‪ ،‬ف ذا ربقق ذلك االحتماؿ يف الواقع صارت الفرعية‬ ‫علماً ‪ ،‬وىذا ىو التنبؤ الذي ىو دليل العلم ‪ .‬واؼبوعوع درجات إ‬


‫فرعية ا يبوت الفرعية يف الواقع وربوؽبا إىل علم ‪ ،‬ا بسط السػيطرة علػى العلػم عبعلػو‬ ‫يف خدمة اإلنساف وصاغبو ‪.‬‬ ‫إف التنبػػؤ قبػػل التسػػخَت ؛ فػػاؼبتنبت اعبػػوي يتنبػػأ بقػػرب اؼبتغػَتات اعبويػػة مػػن ريػػاح وأمطػػار‬ ‫ومػػا ينػػتج عن مػػا ‪ .‬إف ىػػذا التنبػػؤ الػػذي تثبػػت األحػػداث صػػدقو ‪ ،‬يسػػاعد اإلنسػػاف علػػى أف‬ ‫يت يأ الستغبلؿ منافعو وذبن معاره ‪ .‬و با نا كانت ؽبم وسائل للتنبؤ عن اعبػو مػن سػلوؾ‬ ‫اغبيوانات وكل الغيوـ إىل خره ‪ ،‬وإف َل ي ن يف تنبؤاهتم دقة إال أ م كػانوا يتلمسػوف السػنة‬ ‫‪ .‬فمثبلً كانوا يقولوف إ إذا جػاء الشػتاء قارسػاً ي ػوف الهػيف حػاراً ‪ ،‬إال أف عػدـ الػتبلزـ يف‬ ‫كػػل السػػنوات كػػاف يفقػػد التنبػؤات دقت ػػا ‪ .‬واليػػوـ حػػُت يتنبعػػوف عػػن اعبػػو قبػػل يػػوـ أو يػػومُت‬ ‫ب ػػالن ر إىل ص ػػور األقم ػػار واذب ػػاه اؼبنخفع ػػات اعبوي ػػة ومرتفعاهت ػػا وس ػػرعاهتا ‪ ،‬هب ػػد اإلنس ػػاف‬ ‫القػػرب إىل الدقػػة ‪ ،‬ويطمػػع أف يتنبػػأ بأحػػداث اعبػػو مػػدة أسػػبوع أو أسػػبوعُت ( ىبلػػق مػػا ال‬ ‫تعلم ػػوف ) (النة ػػل ‪ . )ٛ /‬ف ػػنةن ال ق ػػدرة لن ػػا عل ػػى ص ػػنع التقلب ػػات اعبوي ػػة ول نن ػػا كب ػػاوؿ‬ ‫االسػتفادة من ػا وتػػوقي معػارىا ‪ ،‬ول ػن قػػد يتةػوؿ ىػذا التنبػػؤ إىل تسػخَت كتسػػخَت األرض‬ ‫يف اللراعة والهناعة وكذلك النبات واغبيواف واؼبعادف ‪.‬‬ ‫(جػ) العاقبة إ كاىاف للعلم اؼبتعلق بسلوؾ اإلنساف إ‬ ‫كمػػا أف التنبػػؤ الػػذي يهػػدقو الواقػػع اآلب ي ػػوف دلػػيبلً للعلػػم ‪ ،‬وكمػػا أف التسػػخَت دليػػل‬ ‫للعلم ‪ ،‬ف ف العاقبة دليل للعلم ‪.‬‬ ‫التنبػػؤ والتس ػػخَت دل ػػيبلف علػػى العل ػػم يف عػػاَل الطبيعػػة ‪ ،‬يف الفلػػك والفيليػػاء وال يمي ػػاء‬ ‫والنبات واغبيواف ‪ ،‬ولػيس معػٌت ىػذا أف التنبػؤ والتسػخَت ال يػدخبلف يف اغب ػم علػى اجملتمػع‬ ‫وقيمػػو وأخبلقػػو ‪ ،‬فػػالتنبؤ والتسػػخَت يػػدخبلف كاىػػانُت أيع ػاً يف اغب ػػم علػػى اجملتمػػع وقيمػػو‬ ‫وأخبلقو ‪ ،‬ول ن العاقبة كاىاف للعلم خاصػة بػاجملتمع والقػيم واألخػبلؽ ‪ .‬فػالتنبؤ والتسػخَت‬ ‫وردا يف القر ف ال ر عن اآلفاؽ ‪ .‬فمثبلً يقوؿ اهلل تعاىل عن الشمس والقمر والليل والن ػار‬ ‫إ ( وجعلنا الليل والن ار يتُت فمةونا ية الليل وجعلنا ية الن ػار مبهػرة لتبتغػوا فعػبلً مػن‬ ‫رب م ولتعلموا عدد السنُت واغبساب وكػل شػيء فهػلناه تفهػيبلً ) (اإلسػراء ‪ . )ٕٔ /‬فػ ف‬


‫معرفة عدد السنُت واغبساب يدخل يف علم الفلك ‪ ،‬فمقادير سَتنبا الثابتة فيما معى تنبت‬ ‫عن مدة ما سيأب يف سباحت ما يف أفبلك ما ‪.‬‬ ‫وأم ػػا العاقب ػػة فخاصػ ػةٌ بق ػػيم اإلنس ػػاف واجملتم ػػع وأخبلق ػػو ‪ ،‬ؽب ػػذا ال ي ػػذكر الق ػػر ف العاقب ػػة‬ ‫كاىاف للعلم إال مع القيم واألخبلؽ مثل عاقبة اؼب ذبُت واجملرمُت واؼبفسدين وال اؼبُت كما‬ ‫يف قولو تعػاىل إ ( والعاقبػة للمتقػُت ) (القهػا ‪ ( )ٖٛ /‬والعاقبػة للتقػوى ) (طػو ‪)ٖٕٔ /‬‬ ‫‪ ( ،‬عاقبة اؼب ذبُت ) (النةل ‪. )ٖٙ/‬‬ ‫ىذه األمور اليت أُمرنػا أف نن ػر يف عواقب ػا كل ػا أمػور اجتماعيػة قيميػة أخبلقيػة وليسػت‬ ‫كيميائية وال فيليائية وال طبية وإمبا عواق قيم اجتماعية عامػة ‪ ،‬وىػذا يػدؿ علػى أف العاقبػة‬ ‫برىاف على صةة وسبلمة وعلميػة وسػننية القػيم األخبلقيػة ‪ ..‬وَل يػذكر القػر ف ال ػر عاقبػة‬ ‫اؼبػػاؿ والسػػبلح والسػػفن والنبػػات واغبيػواف واغبديػػد ‪ ..‬ألف سػػنن ىػػذه األمػػور ليسػػت بالعاقبػػة‬ ‫بػػل عاقبت ػػا ترجػػع إىل اإلنسػػاف الػػذي يسػػتخدم ا يف اػبػػَت والشػػر ‪ .‬وىػػذه نقطػػة م مػػة ألف‬ ‫اشتباه ىذه النقطة أدى ب ثَت من العلماء إىل اعتبار العلم ؿبايداً أخبلقياً ‪ ،‬وسب ذلػك ‪-‬‬ ‫كما أشرت إليو بأسلوب خر ‪ -‬أمراف إ أوؽبما اعتبار العلم مقهوراً على الطبيعة ‪ ،‬واعتبار‬ ‫ما يتعلق بالقيم ليس علماً ‪ ..‬وياني ما إ عػدـ اعتبػار العاقبػة دلػيبلً علػى العلػم وخاصػة علػم‬ ‫القيم ‪..‬‬ ‫إف الطبيعة وسنن ا ليست خَتة أو شريرة حبد ذاهتا ‪ ،‬وإمبا ت تس ىذه الهفة أو تلك‬ ‫حبس توجي ا بواسطة قيم اإلنساف ومبادئو يف اغبياة ‪ .‬ف مػا قػاؿ الرسػوؿ صػلى اهلل عليػو‬ ‫وسلم إ « نعم اؼباؿ الهار للمرء الهار » (مسند أضبد جػ ٗ ص ‪ ، )ٜٔٚ‬يب ن القوؿ إ‬ ‫بػػعس اؼبػػاؿ اغب ػراـ للرجػػل ال ػػاَل ‪ ..‬وقولػػو تعػػاىل إ ( وال ذبعػػل يػػدؾ مغلولػػة إىل عنقػػك وال‬ ‫تبسط ا كل البسط ‪( ) ..‬اإلسراء ‪ . )ٕٜ /‬ليس ياً عن الشػيء وعػده ‪ ،‬فالتبػذير والتقتػَت‬ ‫ليسػػتا سػػنناً ماليػػة وإمبػػا قيمػاً أخبلقيػػة ‪ ..‬ؽبػػذا اعػػطرت الدراسػػات االقتهػػادية مػػؤخراً لدراسػػة‬ ‫االقتهػػاد يف إط ػػار اغبع ػػارة أي إطػػار القػػيم ‪ ..‬ألف االقتهػػاد ىػػو (الطبيعػػة اإلنس ػػاف) ‪.‬‬


‫وحينمػػا يهػػَت الشػػيء متهػبلً باإلنسػػاف ف نػػو ىبعػػع لقػػيم اإلنسػػاف ‪ .‬فقػػيم اإلنسػػاف ىػػي الػػيت‬ ‫تعطي معٌت اػبَت والشر والنافع والعار وليست الطبيعة حبد ذاهتا ‪..‬‬ ‫فالقر ف ال ر هبعل القيم واألخبلؽ علماً ؽبا سنن يابتة ‪ ،‬وؽبذا يأمرنا بالن ر إىل عاقبة‬ ‫الذين خلوا من قبل وعاقبة التقوى وعاقبة اؼب ر وعاقبة ال لم …‬ ‫وإذا كاف للفيلياء وال يمياء ـبابر وأدوات إليبات سنن ا وتسخَتىا ‪ ،‬ف ف التاريخ وسنن‬ ‫الذين حلوا من قبل وعاقبة الػذين مػن قػبل م ىػي ـبتػا علػم االجتمػاع والعمػراف وعلػم القػيم‬ ‫واغبعارات ‪ ..‬ولقد تنبو ؿبمد إقباؿ إىل ىذا فقاؿ إ (وؽبذا كػاف مػن بػُت مػا ُوب ػم بػو علػى‬ ‫قيمػػة دعػػوة النػػيب ورسػػالتو ‪ ،‬البةػػث عػػن نػػوع الرجولػػة الػػيت ابتػػدعت ا ‪ ،‬والفةػػا عػػن العػػاَل‬ ‫الثقايف الذي انبعث عن روح دعوتو)(ٔ) ‪.‬‬ ‫والتاريخ الذي ىو ـبتا القيم وميلاف اغب م على اغبعارات ‪ ،‬البد من دراستو وسبةهو‬ ‫زماناً وم اناً تارىبياً وجغرافياً ‪ ..‬ف ف األمر بالسَت يف األرض ‪ ،‬والن ر إىل كيف بػدأ اػبلػق ‪،‬‬ ‫والن ر إىل سنن الذين خلوا مػن قبػل ‪ ،‬كػل ىػذا يقتعػي إحهػاء أليػاـ اهلل يف البشػر ‪ .‬ولقػد‬ ‫صػػار ألعمػػاؿ البشػػر علػػى ىػػذه األرض قيمػػة علميػػة ألف اسػػتخراج علػػم الهػػبلح والفسػػاد‬ ‫صػػار منوط ػاً بػػالن ر إىل عواق ػ األمػػور اؼباعػػية واغباعػػرة س ػواء مػػا سػػبق نػػلوؿ القػػر ف ومػػا‬ ‫عاصػػره أو مػػا جػػاء بعػػده ‪ .‬والقػػر ف فيػػو مبػػاذج مػػن االعتبػػار السػػتخراج السػػنن وق ػوانُت علػػم‬ ‫الهبلح والفساد من التاريخ الذي سبق نلوؿ القر ف ‪ ،‬وكػذلك مػن أحػواؿ البشػر اؼبعاصػرين‬ ‫لػػو ‪ .‬وحػػُت ال يتيسػػر اسػػتخراج األح ػػاـ مػػن اؼباعػػي ف ػ ف القػػر ف يعطػػي األح ػػاـ ب حالػػة‬ ‫اؼبخاطبُت إىل اؼبستقبل ألف سنن اهلل ستاز وت ر ‪ .‬ف ف َل ي ر برىاف صدؽ ىذا اغب ػم‬ ‫اآلف ف ػػانت روا ألف ال ػػلمن ُس ػػي ر ص ػػدؽ ذل ػػك ( وإف م ػػا نرين ػػك بع ػػل ال ػػذي نع ػػدىم أو‬ ‫نتوفينك ف مبا عليك الببلغ وعلينا اغبساب ) ‪ ( ،‬وسيعلم ال فار ؼبػن عقػا الػدار ) (الرعػد‬ ‫‪. )ٕٗ- ٗٓ /‬‬ ‫(ٔ) ؿبمد إقباؿ ‪ ،‬ذبديد التف َت الديٍت ‪ ،‬ص ٕٗٔ ‪ -‬القاىرة ٘٘‪. ٜٔ‬‬


‫إف االحت ػػاـ إىل الت ػػاريخ ماع ػػياً وحاع ػراً ومس ػػتقببلً لف ػػرز الق ػػيم اله ػػاغبة م ػػن الطاغب ػػة‬ ‫مػػن ج قػػر ي وعل ػػم قػػر ي ( ولػػتعلمن نب ػػأه بع ػػد ح ػػُت ) (ص ‪ ( ، )ٛٛ /‬سػػنري م ياتن ػػا يف‬ ‫اآلفاؽ ويف أنفس م حىت يتبُت ؽبم أنو اغبق ‪ .‬أوَل ي ػف بربػك أنػو علػى كػل شػيء شػ يد )‬ ‫(فهلت ‪ . )ٖ٘ /‬وكذلك يف اإلقبيل مثل ىذا ‪ ،‬ففي اإلصةاح السابع مػن إقبيػل مػىت إ (‬ ‫احًتزوا من األنبياء ال ذبة يأتون م بثياب اغبمبلف ول ن م من داخػل ذئػاب خاطفػة ‪ ،‬مػن‬ ‫شب ػػارىم تعرف ػػو م ) ‪ ،‬ويف ى ػػذا اؼبع ػػٌت أيعػ ػاً ورد يف إقبي ػػل م ػػىت ‪ -‬إص ػػةاح ٕٔ فق ػػرة ٖٗ إ‬ ‫(لذلك أقوؿ ل م إ إف مل وت اهلل ينلع من م ويعطى ألمة تعمل أشباره ) ‪.‬‬ ‫وإذا كاف القر ف ال ر يأمرنا أف ن وف ش داء على الناس بالقسط وعلى أنفسنا ‪ ،‬ف ف‬ ‫الش ػ ادة تقتعػػي اغبعػػور ‪ .‬ومػػن صػػور اغبعػػور قيػػاـ العلمػػاء واؼبػػؤرخُت بالسػػَت يف األرض‬ ‫والن ر والدراسة ‪ ..‬ألف اؼبتعمق بالدراسة وسبةيا التػاريخ يرتفػع إىل درجػة اغباعػر اؼبشػاىد‬ ‫‪ ،‬بل يفوؽ اؼبشاىد يف بعل األمور اليت يستةعرىا الدارس وَل ت ن يف متناوؿ اؼبشاىد ‪.‬‬ ‫د‪ -‬العلم ما ىو خَت وأبقى إ‬ ‫ونعيف إىل ما سبق من براىُت العلم برىاف ض ما ىو خَت وأبقى » ‪.‬‬ ‫ف ل موعوع احتوى على اػبَت واألبقى ىو علم بالقدر الذي فيو من اػبَت واألبقى ‪.‬‬ ‫ولتوعي مثل ىذه األمور البد مػن متابعت ػا إىل جػذورىا لنخػرج هبػا مػن التهػور العػائم‬ ‫إىل الف م الراسي جبذوره يف اإلدراؾ ‪.‬‬ ‫ما اػبَت حىت ننطلق إىل تعريف العلم ‪ .‬ولتعريف العلم ينبغي أف نبدأ من أوليات بينة‬ ‫واعػ ػػةة ‪ ،‬كاألوليػ ػػات الػ ػػيت ت ػ ػػر يف قولػ ػػو تعػ ػػاىل إ ( ومػ ػػا يسػ ػػتوي األعمػ ػػى والبهػ ػػَت وال‬ ‫ال لمػػات وال النػػور وال ال ػػل وال اغبػػرور ) (فػػاطر ‪ )ٕٔ /‬حيػػث يػػتم التأكيػػد علػػى ربديػػد‬ ‫منطلػػق العلػػم واغبػػق مػػن عػػدم ا و لػػة البهػػر إمبػػا اعتمادىػػا علػػى اإلحسػػاس بػػالنور ‪ .‬وبقػػاء‬ ‫البهػػر فعػػاالً ال يػػتم إال يف درجػػة معينػػة مػػن اغب ػرارة وإال عطبػػت اآللػػة ‪ .‬فاإلنسػػاف ال ت ػػوف‬ ‫فعاليتػػو إال يف درجػػة ح ػرارة مناسػػبة ‪ .‬ى ػػذا كػػل أمػػور ال ػػوف يف ت ػوازف معػػُت ‪ ،‬إف زادت أو‬


‫نقهت اختل اػبَت واختل النػافع ‪ .‬فػ ذا أن ػر أحػد أف البهػَت خػَت مػن األعمػى ف ػو جػدير‬ ‫باإلعراض عنو ألنو ي وف فقد التوازف ‪ ،‬ولوال لبة التوازف ؼبا بدأت اغبيػاة وؼبػا اسػتمرت وؼبػا‬ ‫مبػت ‪ .‬فػبل بػد لبلنطػبلؽ مػن قاعػدة لئلقػبلع يف كػل أمػور اغبيػاة ‪ ،‬فػاغبق اؼبوجػود يف ل ػػوف‬ ‫على أساسػو يػتم النمػو والليػادة يف ال فػاءات ‪ .‬فتػاريخ بػدء اػبلػق ينطػق هبػذا بلسػاف ال ػوف‬ ‫الفهي وبسنتو الثابتة الغالبة ويتخطى العقبات ‪.‬‬ ‫وى ػػذه اؼبواع ػػيع يف حاج ػػة إىل اإلبان ػػة والتوع ػػي ‪ ،‬والرج ػػوع إلي ػػا واغب ػػرص عل ػػى بق ػػاء‬ ‫االتهػاؿ هبػػا حػػىت ي ػل البػػدء واؼبهػػَت ػَت مقطػػوع األسػػباب الػيت تهػػل مػػا بين ػا ‪ .‬وردبػػا مػػن‬ ‫أكا العقبات أمػاـ العلػم والتسػخَت وهتيعػة اإلنسػاف ألداء وظيفتػو انقطػاع التسلسػل بػُت بػدء‬ ‫اػبلق وما وصل إليػو اػبلػق يف النمػاء ‪ .‬وحػُت وبهػل االنقطػاع وبػاوؿ اعب ػل أف يبػٍت قهػوراً‬ ‫وجسوراً من األوىاـ وال نوف ‪ ،‬فل ذا مػن العػروري أف ت ػل الطريػق موصػولة بػُت بػدء العلػم‬ ‫وبُت اية العلم ‪ .‬وكبن نعلم أف انقطاع تسلسل العلم وبوؿ دوف ف ػم القسػم األخػَت منػو ؛‬ ‫فػػبل ي ػػوف مبنيػاً علػػى أسػػاس م مػػا كانػػت الهػػورة اللف يػػة ؿبفوظػػة ‪ ،‬وردبػػا يب ػػن ف ػػم عػػدـ‬ ‫استفادة األمم اؼبتخلفة من التقدـ العلمي ‪ .‬ألف قسماً من طريق العلم مفقود عندىم ‪ ،‬وأف‬ ‫التسلسل َت حاصػل لػدي م ‪ .‬فمػن ىنػا كػاف الرجػوع إىل أوؿ العلػم أي كيػف بػدأ ا كيػف‬ ‫اسػتمر يف النمػو ‪ ،‬أساسػياً وعػػرورياً لبلسػتفادة مػن العلػم ‪ .‬وؽبػػذا نػرى اىتمػاـ القػر ف بػػالن ر‬ ‫إىل اػبلػػق ‪ ،‬وتتبػػع البػػدء لي ػػوف البػػدء مػػن أمػػور أوليػػة واعػػةة ‪ ،‬ا ال ينتقػػل من ػػا إىل م ػػاف‬ ‫خػػر إال بطريػػق معبػػدة ؼبتابعػػة مبػػوه ‪ .‬إف ىػػذا الف ػػم للعلػػم ذو أنبيػػة بالغػػة احػػرص عليػػو وال‬ ‫تت ػػاوف ‪ ،‬ألف أي هتػػاوف يف ذلػػك هبعػػل الػػثمن باى ػاً ‪ .‬فمػػن اؼبفيػػد أف نبػػدأ مػػن نقطػػة أوليػػة‬ ‫بدىيػة ننطلػق من ػا ‪ ،‬أال وىػي اػبػَت أو النػػافع ‪ ،‬أو األكفػأ ىػذه ىػي النقطػة األساسػية سػواء‬ ‫اس ػػتطعت أف أص ػػل إىل بي ػػاف واع ػ في ػػا أـ َل أص ػػل ‪ .‬وعل ػػى ك ػػل الب ػػاحثُت أف يتب ػػاروا يف‬ ‫توعي ىذه النقطة ؛ نقطة البداية حىت ال ي وف للشيطاف سػلطاف ‪ ،‬ألف سػلطاف الشػيطاف‬ ‫يبدأ دائماً عنػدما هب ػل اإلنسػاف طريػق اػبػَت ‪ ،‬أو يشػتبو عليػو ‪ .‬وقػديباً قػاؿ النػاس إ (البيػاف‬ ‫يط ػػرد الش ػػيطاف) ‪( ،‬والبي ػػاف يف اغبق ػػل يبن ػػع التن ػػازع يف البي ػػدر) ى ػػذه ح ػػم ش ػػعبية ‪ ،‬ول ػػن‬


‫وراءىػػا ذبػػارب عريقػػة ‪ .‬ونتػػائج مػػل ىػػذه التجػػارب الػػيت دفػػع النػػاس شبن ػػا تشػػيع بػػُت النػػاس‬ ‫ويتناقلو ػػا كة ػػم مقدسػػة ‪ ،‬ول ػػن أحيان ػاً كثػػَتة تػػدخل ىػػذه اغب ػػم يف ال لمػػات ظلمػػات‬ ‫اعب ل واألىواء فتهب فائدهتا قليلة فبا يعطر الناس إىل شرائ ا مػرة أخػرى ودفػع شبن ػا مػراراً‬ ‫بينما لو احتف وا بوعوح بدئ ا وحركت ا ؼبا اقتعى منا الثمن إال مرة واحدة ‪ ،‬بل ردبا أم ن‬ ‫التنبؤ هبا وخفل اإلنساف حىت من شبن ا األوؿ …‬ ‫إذف كػػل شػػيء أعطػػى نتػػائج أنفػػع ف ػػو حػػق وىػػو خػػَت ‪ ،‬وىػػو علػػم ‪ ،‬دبقػػدار مػػا فيػػو مػػن‬ ‫النفع ‪.‬‬ ‫ول ػػن ليتةهػػن النفػػع مػػن العػػرر ‪ ،‬والعلػػم مػػن اعب ػػل واغبػػق مػػن الباطػػل ‪ ،‬البػػد مػػن‬ ‫إدخػاؿ عنهػػر الػػلمن ‪ ،‬فػػاػبَت ال يسػػتةق ىػذا الوصػػف ‪ ،‬إال إذا صػػاحبو االسػػتمرار ‪ ،‬وكلمػػا‬ ‫كػػاف االسػػتمرار أطػػوؿ ‪ ،‬كػػاف اػبػػَت أعػػرؽ يف اغبػػق ويف العلػػم ‪ ،‬ألف صػػفة الػػدواـ واالسػػتمرار‬ ‫ىي اليت تعطي القيمة للنافع ‪ ،‬ولذلك أداف القر ف الذين ال ين روف إىل العواق على اؼبدى‬ ‫الطويػػل واؼبسػػتعجلُت ( إف ىػػؤالء وببػػوف العاجلػػة ويػػذروف وراءىػػم يومػػا يقػػيبلً ) (اإلنسػػاف ‪/‬‬ ‫‪. )ٕٚ‬‬ ‫كما أداف الذين ال يهاوف على ربمل بعل الهعوبات يف سػبيل الوصػوؿ إىل ايػات‬ ‫ربتوي على صفيت (اػبَت واألبقى) ‪.‬‬ ‫والبن اؼبقفع عبارة مشرقة يف بياف ارتباط اػبَت باللمن باألبقى قاؿ إ‬ ‫(فعلى العاقل أف يعلم أف الناس مشًتكوف مستووف يف اغب ؼبا يوافق والبغل ؼبا يؤذي‬ ‫‪ ،‬وإف ىذه منللة اتفػق علي ػا اغبمقػى واألكيػاس ‪ ،‬ا اختلفػوا بعػدىا يف خهػاؿ ‪ ،‬مػن ذلػك‬ ‫أف العاقل ين ر يف ما يؤذيو ويف ما يسره ‪ ،‬فيعلم أف أحق ذلك بالطل ‪ -‬إف كاف فبا وب‬ ‫‪ ،‬وأحق باالتقاء إف كاف فبا ي ره ‪ -‬أطولو وأدومو وأبقاه)(ٔ) ‪.‬‬ ‫وينبغػػي أف نبلحػػل ىنػػا أف ىػػذا الاىػػاف علػػى العلػػم يقهػػد بػػو العلػػم اؼبتعلػػق باإلنسػػاف‬ ‫( يات األنفس) ال العلم اؼبتعلق بالطبيعة ( يات اآلفاؽ) وهبذا اؼبعٌت ف ف القر ف هبعل العلػم‬ ‫(ٔ) من مقدمة األدب الهغَت البن اؼبقفع ‪.‬‬


‫أخبلق ػاً ‪ ،‬إذ هبعػػل دليػػل العل ػػم (العاقبػػة) ‪ ،‬العاقبػػة اظتويػػة عل ػػى مػػا ىػػو خػػَت وأبق ػػى ‪ ،‬ألف‬ ‫األخبلؽ ىي النػافع للنػاس ‪ ،‬وأرعػية األخػبلؽ يف الواقػع ىػي األمػور النافعػة للبشػر علػى مػر‬ ‫التػػاريخ واظتويػػة علػػى مػػا ىػػو خػػَت وأبقػػى ‪ .‬ودراسػػة التػػاريخ عػػرورية ؼبعرفػػة اػبػػَت واألبقػػى ‪،‬‬ ‫ػاؿ سبػػنع م مػػن أىػوائ م‬ ‫والػػذين ال يعرفػػوف التػػاريخ ي نػػوف أف األخػػبلؽ فػرائل اعتباطيػػة وأيقػ ٌ‬ ‫وش واهتم ‪ ،‬حقاً إف األخبلؽ اؼبتهفة دبا ىو خَت وأبقػى ليسػت أخػبلؽ األىػواء والشػ وات‬ ‫‪ ،‬وإمبا أخبلؽ اؼبتأمل للتاريخ وعواق األمور على اؼبدى الطويل ‪..‬‬ ‫إف الدراسػػات اؼبتأنيػػة اغبديثػػة ىػػي الػػيت كشػػفت يػػات اهلل يف اآلفػػاؽ واألنفػػس وأظ ػػرت‬ ‫أف أخػػبلؽ األديػػاف ووصػػايا اآلم ػرين بالقسػػط مػػن النػػاس ‪ ،‬ىػػي اؼبؤيػػدة بػػالعلم اؼبسػػتنبط مػػن‬ ‫عواق سلوؾ البشر على مر التاريخ ‪.‬‬ ‫ويذكر ابن اؼبقفع أيعاً (اؼبلك ‪ -‬السياسة ‪ -‬بأنو إما ملك دين أو ملك عقػل أو ملػك‬ ‫ُ‬ ‫ىػػوى) ويهػػف األخ ػػَت بأنػػو (لع ػ سػػاعة وخ ػراب دىػػر) ىػػذا ىػػو الن ػػر التػػارىبي العلم ػػي‬ ‫األخبلقػػي ‪ .‬وإذا ف مػػت ىػػذا ف ػػاعلم أف مػػا يُتػػداوؿ مػػن نف ػػي العلػػم عػػن األخػػبلؽ والق ػػيم‬ ‫واألدياف إمبا ىو اتباع لؤلىواء وج ل بالواقع والتاريخ ‪ ،‬ولذلك وصف القر ف أقواماً بأ م ال‬ ‫يعلموف وبأ م ال يفق وف وأف على أبهارىم شاوة ‪.‬‬ ‫وينبغي ىنا أيعاً يف صدد (دليل العلم) وأنو ما (ىو خَت وأبقى) إ إلقاء بعل األعواء‬ ‫على مذى الذرائعية (النفعية أو اؼبهلةية) إف ىػذا اؼبػذى لػيس خطػأ ؿبعػاً ‪ ،‬فالذرائعيػة‬ ‫حػػق إذا اتهػػفت بأ ػػا اػبػػَت واألبقػػى واألعػػم ‪ ،‬وىػػذه ىػػي ذرائعيػػة القػػر ف واألديػػاف واآلمػرين‬ ‫بالقسط من الناس والعقبلء من بٍت دـ كما ذكر ابن اؼبقفع ‪ ،‬ول ػن اؼبهػلةة العاجلػة الػيت‬ ‫مػػن بعػػدىا إيػػارة األحقػػاد وسػػفك الػػدماء وإ ػراء العػػداوة والبغعػػاء ىػػي مػػن نتػػاج الذرائعيػػة‬ ‫العاجلػػة الػػيت ال تن ػػر إىل عواق ػ األمػػور وال تن ػػر ن ػػر التػػاريخ ( كػػبل بػػل رببػػوف العاجلػػة‬ ‫وتذروف اآلخػرة ) (القيامػة ‪ . )ٕٔ - ٕٓ/‬إف ػ أمػواؿ اليتػامى والشػعوب اؼبستعػعفة يف‬ ‫العاَل والتمتع على حساب جوع م وعري م ‪ ..‬يلرع األحقػاد وال وبهػد إال اغبػروب اؼبػدمرة‬ ‫‪ ..‬ف ذه الذرائعية اليت ربقق مهلةة طائفة من الناس على حساب خرين ‪ ،‬ذرائعيػة قهػَتة‬


‫الن ر وأصةاهبا يتبعوف أىواءىم وش واهتم ‪ ،‬وليست ذرائعية اؼبهلةة الدائمة العامػة النافعػة‬ ‫اؼبؤيدة بالعلم والتاريخ وعواق األمور ‪.‬‬ ‫وكػػذلك وبسػػن ىنػػا أف نػػذكر بػػأف األخػػبلؽ ىػػي مػػا يبػػت علػػى مػػر التػػاريخ بأ ػػا السػػلوؾ‬ ‫األنفع الذي يأب خبَت أكثر وأف عاقبتو أضبد ‪ ،‬وىذا ما جعل األخبلؽ علماً ‪ ،‬بل إ ا العلم‬ ‫األكثػػر نفعػاً ‪ ،‬وإف اإلنسػػاف إف فقػػد الن ػػر إىل عواقػ األمػػور فقػػد يسػػتعمل مػػا ُسػػخر ػبػػَته‬ ‫وخَت الناس استعماالً هبل العرر ‪..‬‬ ‫وفبا يدؿ أيعاً على معػٌت أف مػا ىػو خػَت و أبقػى ىػو العلػم وىػو الػدين ‪ ،‬مػا يقػرره ابػن‬ ‫تيمية من أف إ (الواج ما ىو نافع دائماً و الباً ‪ ،‬وإف اغبػراـ مػا ىػو عػار دائمػاً أو البػاً)‬ ‫‪ .‬إف مثل ىذه األعواء واالستنباطات ىي اليت ذبعل الدين واألخبلؽ علماً ‪ ،‬وكبػن نلػ يف‬ ‫كل مناسبة على إظ ار اعبان العلمي يف األخبلؽ والدين ‪ ،‬ألف يقافة ىذا العهػر تفهػل‬ ‫بػػُت العلػػم وبػػُت الػػدين واألخػػبلؽ ‪ ،‬وىػػذا الفهػػل مبػػٍت علػػى إيثػار اػبػػَت العاجػػل علػػى اػبػػَت‬ ‫الباقي واؼبستمر ‪ ،‬وكذلك ينبغي أف نذكر بػأف سػلطاف اإلنسػاف يف التسػخَت إف اقتهػر علػى‬ ‫تسػػخَت الطبيعػػة اؼباديػػة وَل يسػػخر أيع ػاً السػػلوؾ اإلنسػػاي إهبابي ػاً بعػػبط نفسػػو و ي ػػا عػػن‬ ‫اؽبوى ‪ ..‬ف ف ىذه النعم تتةوؿ إىل نقم ‪.‬‬ ‫إف االحت ػػاـ إىل العاقب ػػة أم ػػر ى ػاـ ج ػػداً ‪ ،‬ولق ػػد أش ػػار راسػػل إىل ق ػػوؿ اإلقبي ػػل إ (م ػػن‬ ‫شبػػارىم تعرفػػو م) علػػى أنػػو أسػػلوب علمػػي تػػارىبي يف معرفػػة اغبػػق ‪ .‬ول نػػو مػػر بػػو وَل يتوقػػف‬ ‫عنده ليجعلو منطلق من ج معريف ‪.‬‬ ‫وأشار األستاذ حسُت مروة يف كتابو العخم ‪ -‬النلعة اؼباديػة ‪ -‬إشػارة خفيفػة يف بعػعة‬ ‫أس ػػطر إىل ى ػػذه الف ػػرة ‪ -‬ف ػػرة العواقػ ػ ‪ -‬ول ن ػػو أيعػ ػاً َل يس ػػتخدـ أس ػػلوبو اؼبط ػػوؿ يف‬ ‫البةػػث ل شػػف حقيقػػة ىػػذا اؼبوعػػوع يف اآلفػػاؽ واألنفػػس ‪ .‬ولعػػل مػػا وبملػػو كػػل مػػن راسػػل‬ ‫وحسػػُت مػػروة مػػن مسػػلمات سػػابقة عػػن الػػدين جعل مػػا يقف ػلاف مػػن فػػوؽ الف ػػرة حيػػث ال‬ ‫ي شػػفاف من جػاً علميػاً أصػػيبلً يف الػػدين والتػػاريخ ‪ ،‬بػػل ن ػػرا إىل ىػػذه الف ػػرة وكأ ػػا ملهػػقة‬ ‫ومدسوسة على الدين وأ ا ليست من جاً دينياً أصيبلً جاء عن قهد وتعمد وتأكيد ‪.‬‬


‫والػػذي جرأنبػػا علػػى ىػػذا اإلنبػػاؿ إ ىػػو إنبػػاؿ أىػػل ال تػػاب ؽبػػذه الف ػػرة ‪ .‬ول ػػن ؾبػػرد‬ ‫اإلشػػارة إىل وج ػػود ى ػػذا اؼبب ػػدأ يف كػػل م ػػن اإلقبي ػػل والقػػر ف لػػو مغ ػلاه وأنبيتػػو يف اؼبسػػتقبل ‪.‬‬ ‫وحس ػ راس ػػل وم ػػروة أف يشػ ػَتا ‪ -‬م م ػػا كان ػػت اإلش ػػارة خفيف ػػة ‪ -‬إذ َتنب ػػا َل زبط ػػر ل ػػو‬ ‫اإلشارة إىل ذلك ‪ .‬ويف مبػو العلػم ربػدث مثػل ىػذه التجػاوزات والوقفػات القهػَتة ا إعػادة‬ ‫كشف ذلك من جديد لي وف موعوع دراسة متعمقة ‪.‬‬ ‫إف جعػػل العاقبػػة دلػػيبلً علػػى العلػػم تًتت ػ عليػػو مواقػػف ـبتلفػػة مػػن كثػػَت مػػن القعػػايا ‪،‬‬ ‫ويل ػػلـ من ػػو ك ػػذلك إح ػػداث تعريف ػػات جدي ػػدة ومف ػػاىيم خاص ػػة للعل ػػم ‪ ،‬والعق ػػل ‪ ،‬واغب ػػق ‪،‬‬ ‫والتاريخ ‪.‬‬ ‫ذكرنا سابقاً أف ىذا الف م لدليل العلم هبعل الدين علماً ين ر إليو من حيث نتائجو ال‬ ‫من حيث ما تعودنا عليػو مػن راء النػاس ‪ .‬وهبػذه الن ػرة يػلوؿ النػلاع الػذي ي ػر يف العبلقػة‬ ‫بُت العقل والنقل ‪ ،‬فةُت يقاؿ إف العقل ال يدرؾ معقولية يف أعماؿ اغبج والهبلة والهياـ‬ ‫كرمػػي اعبم ػػار والس ػػةور … إف ال ػػذي هبع ػػل ى ػػذه األم ػػور ال ؾب ػػاؿ للعقػػل في ػػا ‪ ،‬أ ػػم ال‬ ‫يف م ػػوف العل ػػم ربطػ ػاً للنت ػػائج بأس ػػباهبا ‪ ،‬ول ػػو أ ػػم فعلػ ػوا ذل ػػك لتبين ػػت ؽب ػػم أنبي ػػة النت ػػائج‬ ‫والوظػػائف الػػيت تؤدي ػػا ىػػذه الشػػعائر ‪ ،‬ومػػا قدمتػػو ومػػا تػلاؿ تقدمػػو مػػن اربػػاد وتوحيػػد للعػػاَل‬ ‫اإلسبلمي واحتفاظو باالخوة والًتابط ويف ىذا يقوؿ إقباؿ إ‬ ‫قطرة اؼباء اليت من زملـ‬ ‫قيهر يرنو ؽبا كاػبدـ ‪.‬‬ ‫إف علمػػاء االجتمػػاع والػػذين يبةثػػوف مػػا يعطػػي للمجتمػػع صػػبلبتو وسباسػ و‪ ،‬ىػػم الػػذين‬ ‫سيدركوف أنبية ىػذه الشػعائر ‪ .‬فةػُت فقػد اؼبسػلموف السػلطاف والدولػة والعلػم ‪ ..‬فػ ف الػذي‬ ‫حفل كيا م وال يلاؿ وبفل وجػودىم ىػي ىػذه العبػادات الػيت ين ػر إلي ػا ‪ -‬مػن ال يعلػم ‪-‬‬ ‫على أ ا َت معقولة ‪ ،‬و َت موظفة لسبلمة الفرد واجملتمػع ‪ .‬يبػُت لػوتروب سػتودارد يف كتابػو‬ ‫حاع ػػر الع ػػاَل اإلس ػػبلمي ‪ ،‬أف ال ػػذي حف ػػل عل ػػى اؼبس ػػلمُت وح ػػدهتم وجعل ػػم عل ػػى ى ػػذا‬ ‫التواصل والتعاوف بعد أف فقدوا السلطاف واػببلفة ىو اغبج إىل بيت اهلل اغبراـ ‪.‬‬


‫حق ػاً لقػػد أبقػػت ىػػذه الشػػعائر رمػػق اغبيػػاة يف كيػػاف اؼبسػػلمُت إ ومػػا ؽبػػذه الشػػعائر مػػن‬ ‫م مات ال يب ن أف ينتج ا الناس بػُت عشػية وعػةاىا ‪ .‬ونػرى خطػأ مػن يػرى عػدـ تػدخل‬ ‫العقل والعلم لف م الشعائر الدينية ‪ .‬بل نرى العبادات اإلسبلمية ال أ ا َت معقولػة بػل إننػا‬ ‫نن ر إلي ا خبشوع وقداسة ؼبا ينتج عن ا من نتائج وعواق ‪ ،‬وما تقوـ بو من وظائف ‪.‬‬ ‫فمثػػل ىػػذه األعمػػاؿ رمػػوز وشػػعائر لبلتهػػاؿ الفػػردي واعبمػػاعي ؼبغػػلى الوجػػود وتفجػػَت‬ ‫الطاقات وعبط ا يف ف واحد ‪ ،‬كما ىو اتهاؿ دببدع اغبياة بديع السػموات واألرض ‪ .‬إف‬ ‫مثل ىذه األمور ال ين ر إلي ا مبتورة دوف صلة بأىداف ا ووظائف ا ‪ .‬إف ىذه ال واىر تنت ر‬ ‫من ي شف سنن ا وعواقب ا ‪ ،‬وقد عرض إقباؿ ىذا اؼبعٌت بأسلوبو الشعري إ‬ ‫درة التوحيد فاعرف ا الهبلة‬ ‫حجك األصغر فاحف ا الهبلة‬ ‫بيد اؼبسلم ىذا اػبنجر‬ ‫يقتل الفةذ بو واؼبن ر‬ ‫وأخَتاً ‪..‬‬ ‫فبا يؤخذ على العلم اليوناي أنو كاف ن رياً مفهوالً عن التجربة والعمل ‪.‬‬ ‫إف العاقب ػػة ش ػػيء ف ػػوؽ التجرب ػػة ‪ ،‬ف ػػي ذبرب ػػة وزي ػػادة ‪ ،‬إ ػػا ذبرب ػػة مع ػػاؼ إلي ػػا اػب ػػَت‬ ‫واألبقى ‪ .‬وىذا الن ر على أساس العواق ينتج عنو أيعاً زواؿ النلاع حػوؿ العلمانيػة ‪ ،‬ألف‬ ‫العلمانيػػة نشػػأت حػػُت كػػاف النػػاس ي نػػوف أف العلػػم ينػػاقل الػػدين ‪ ،‬وأف الػػدين واإليبػػاف ال‬ ‫يػػدخل إلي مػػا العلػػم ‪ ،‬فالػػدين واإليبػػاف فػػوؽ العلػػم عنػػد الػػبعل ‪ ،‬وخػػارج العلػػم عنػػد قػػوـ‬ ‫خرين ‪ ،‬وعد العلم عند فريق يالث ‪ ..‬ففي تلػك األيػاـ اسػتخدمت العلمانيػة كشػعار عػد‬ ‫اػبرافة وعد َت اؼبعقوؿ و َت اؼبنطق ‪ .‬ف ذا كانت العلمانية ىػي قبػوؿ نتػائج العلػم وعواقػ‬ ‫األمور فػ ف اؼبػؤمن لػن يتعػايق مػن ىػذا الشػعار ‪ ،‬وإمبػا سيشػعر أنػو ينبغػي أف يهػة مػن ج‬ ‫اؼبعرفة ليدخل ال ل إىل فبل ة العلم ‪ ،‬وىبعع كل شيء لسلطاف العلم الذي ال يق ر ‪.‬‬


‫ى ػػذه كلم ػػات م ػػوجلة ‪ ،‬ول ػػن إذا اس ػػتطعت أف تتعام ػػل مع ػػا عل ػػى أس ػػاس ارتباط ػػا‬ ‫بالوقػػائع والسػػنن ال علػػى أسػػاس ارتباط ػػا باألشػػخاص ‪ ،‬فسػػتنتفع من ػػا ‪ ،‬وسػػت وف منطلق ػاً‬ ‫جديداً ؼبن ج معريف جديد ‪ ،‬ون وف بذلك بدأنا طريقػاً جديػداً لتغيػَت واقعنػا الػذي ال يرعػى‬ ‫عنو أح ٌد ‪ ،‬وىذا الواقع لن يتغَت إال إذا بدأنا التغيػَت فبػا بػاألنفس ‪ ،‬وكبػن حريهػوف علػى مػا‬ ‫بأنفسػػنا مػػع أننػػا مبقػػت نتائج ػػا اؼبتمثلػػة يف واقعنػػا ‪ .‬فةػػُت نػػدرؾ الهػػلة بػػُت واقعنػػا وبػػُت مػػا‬ ‫بأنفسػػنا فسػػوؼ نقػػدر علػػى تأمػػل مػػا بػػاألنفس وعلػػى ؿباولػػة تهػػةية ا أو قلب ػػا رأسػاً علػػى‬ ‫عقػ ‪ ،‬ودبعانػػاة أقػػل ‪ ،‬ألف عػػدـ وعػػوح الهػػلة بػػُت مػػا بػػاألنفس والواقػػع ‪ ،‬ىػػو مهػػدر كػػل‬ ‫العبلؿ ‪ ،‬فةُت نتم ن من إحهاء مػا بػاألنفس ا نرجػع أو نهػل ىػذه بالنتػائج واألزمػات‬ ‫الػػيت نعاني ػػا ن ػػوف بػػدأنا بر يػػة بهػػيا مػػن النػػور ون ػػوف أزلنػػا ال ػػبلـ الػػذي ىبفػػي األسػػباب‬ ‫اغبقيقية للمشاكل ‪ ،‬عند ذلك ن ف عن البةث عن كبذ الفداء ألزمتنا فيما بيننا كبن يف‬ ‫أنفسنا ‪ ،‬وفيما بيننا وبُت العاَل اآلخر ‪.‬‬ ‫إف ىذا الف م وىذه الر ية يبنع من تشتت ج ود األمة وبعثرة طاقاهتا ‪.‬‬ ‫وحػػُت نف ػػم األمػػور بعواقب ػػا وأسػػباهبا الواعػػةة ن ػػوف أمس ػ نا بػػالعروة الػػويقى ‪ ،‬وعنػػد‬ ‫ذاؾ نتخلى عن أشياء لتذى جفاء ‪ .‬ففي قولو تعاىل إ ( أما اللبػد فيػذى جفػاء وأمػا مػا‬ ‫ينفع الناس فيم ث يف األرض ) ‪ ،‬مػن ج معػريف تػارىبي سػنٍت ألف الػذي سػيبقى يف األرض‬ ‫ىو النافع ‪ ،‬الذي ال يؤدي دوراً نافعاً سيذى جفاء م ما تشبث بو اؼبتشبثوف ‪ .‬فمػا علينػا‬ ‫إال أف كبػػدؽ يف واقػػع األرض لنػػرى كيػػف تًتسػػخ قواعػػد العلػػم ومنػػاىج اؼبعرفػػة علػػى أسػػاس‬ ‫النفع والعرر خبلؿ التاريخ ‪ ،‬إنو اػبَت واألبقى ‪ .‬فاؼببدأ الذي يردنا إىل مثل ىذا اؼبن ج يثق‬ ‫بالتػػاريخ اؼباعػػي ويثػػق يف اؼبسػػتقبل ألف اغبػػق يف ىػػذا ال ػػوف أف يػػذى اللبػػد جفػػاء ‪ ،‬وأف‬ ‫يبقى يف أيدي الناس ما ينفع م ‪.‬‬ ‫اؼبوقف العلمي‬


‫ونرى من العروري أف نقوـ ب لقاء عوء على اؼبوقػف العلمػي ‪ ،‬أي اؼبوقػف مػن اجمل ػوؿ‬ ‫‪ ،‬اؼبوق ػػف م ػػن ال ػػذي َل يه ػػر علمػ ػاً بع ػػد ‪ .‬واإلنس ػػاف ع ػػادة ىبت ػػلؿ اؼباع ػػي ويب ػػد خيال ػػو إىل‬ ‫اؼبستقبل ‪ ،‬ف أنو يطَت بُت جناحي اؼباعي واؼبستقبل ‪ ،‬بُت جناحي اؼبعلوـ واجمل وؿ ‪ .‬فعلى‬ ‫قدر ىعمو للماعي وكيف بدأ اػبلق يلقي األعواء على اؼبستقبل واجمل وؿ ‪ ،‬وعلى قدر ما‬ ‫عنػده مػن خػاات وعلػوـ مًتاكمػػة فػ ف موقفػػو مػن اجمل ػوؿ ي ػػوف متفػائبلً ‪ ،‬ويقػػيس مػا هب لػػو‬ ‫اآلف دبا كاف هب لو سابقاً ا تعلمو ‪،‬فبل ي وف عنده اليأس والقنوط والغموض إزاء اجمل وؿ ‪،‬‬ ‫و نم ػػا مع ػػو خاات ػػو وم اس ػػبو القديب ػػة وذباوزات ػػو اؼباع ػػية ‪ ،‬أي أف اؼبش ػ بلت ال ػػيت حللناى ػػا‬ ‫تساعدنا وتلقي لنا أعواء على اؼبش بلت اليت َل كبل ا ‪.‬‬ ‫وىػػذا اؼبوعػػوع متهػػل دبوعػػوع ( سػػَتوا يف األرض فػػان روا كيػػف بػػدأ اػبلػػق ) فالػػذي‬ ‫يعرؼ كيف بدأ اػبلق وبهل لده تهور ؼبهَت اػبلػق واؼبسػتقبل ولػو بشػ ل ػامل ‪ ،‬وىػذا‬ ‫التهور مستمد من السابق ‪ ،‬إنو لن يبقى كما ىو ‪ ،‬وإنو يب ن أف يتغَت كما تغَت اؼباعػي ‪،‬‬ ‫وكما ُخلق اؼباعي يب ن أف ىبلق اؼبستقبل ‪ ،‬وكما أف اػبلق اغبا لػو بدايػة ليسػت كمػا ىػو‬ ‫اآلف ف ذلك لو مستقبل ليس كما ىو اآلف … ( ويليد يف اػبلػق مػا يشػاء ) (فػاطر ‪)ٔ /‬‬ ‫‪ ( ،‬كل يوـ ىو يف شأف ) (الرضبن ‪. )ٕٜ /‬‬ ‫ومن األمور اليت َْرب ُرـ اإلنساف من اؼبوقف العلمي إ أف ي ن اإلنساف أف العاَل خلػق يف‬ ‫غب ػة واحػدة كمػا ىػػو اآلف ‪ ،‬ىػذه الهػخور واعببػاؿ والنجػػوـ واجملػرات والنباتػات واغبيوانػػات‬ ‫‪ ..‬ؽبا تواريخ وكيفية لبدء خلق ا ‪ ،‬فمعرفة ىذه ال يفية لبدء خلق ا تلقي عوءاً طػويبلً علػى‬ ‫كيفيػ ػة ص ػػَتورهتا يف اؼبس ػػتقبل ‪ ..‬وى ػػذه ال يفي ػػة اؼباع ػػية أم ػػر الق ػػر ف ب ػػالن ر إلي ػػا والس ػػعي‬ ‫هبعم ا وتأمل ا ‪ ،‬وبعد أف تتةقق ىذه ال يفية اؼباعية وبهل لنا تلقائياً التهور للمسػتقبل‬ ‫وما وبتويو من إم انات ‪ .‬إف من ال يبلك معرفػة (كيػف بػدأ اػبلػق) لػن يسػتطيع أف يتخيػل‬ ‫وأف يتهور اؼبستقبل الذي يعمره اغباعر ‪.‬‬ ‫لقد ترسخ يف أذىاف اؼبسلمُت كيفية معينة لنشػوء اػبلػق مػن خػبلؿ الوقػوؼ عنػد حرفيػة‬ ‫النه ػػوص اؼبقدس ػػة ‪ ،‬ول ػػيس م ػػن الس ػػَت يف األرض ‪ .‬وى ػػذا الرس ػػوخ ك ػػاف س ػػبباً يف موق ػػف‬


‫اؼبسػػلمُت العػػدائي مػػن ف ػػرة التطػػور الػػيت دخلػػت العػػاَل اإلسػػبلمي منػػذ معػػة عػػاـ ‪ ،‬كمػػا كػػاف‬ ‫سػػبباً يف إنبػػاؽبم وعػػدـ التفػػاهتم إىل اآليػػة الواعػػةة الػػيت ربػػدد مهػػدر معرفػػة كيػػف بػػدأ اػبلػػق‬ ‫من السَت يف األرض إ ( قل سَتوا يف األرض فان روا كيف بدأ اػبلق ) (العن بوت ‪)ٕٓ /‬‬ ‫وإنػػٍت َل أجػػد عنػػد اؼبسػػلمُت حبثػاً واحػػداً أدخػػل ىػػذه اآليػػة علػػى أ ػػا متهػػلة هبػػذا اؼبوعػػوع ‪.‬‬ ‫وكبن ىنا لسنا بهدد إيبات ف رة التطور أو نفي ا وإمبا يف ربديد من ج البةث ‪.‬‬ ‫كمػػا أف شػػعورنا باؼبش ػ بلت اغباليػػة وعػػدـ تهػػورنا جيػػداً ؼبش ػ بلت اؼباعػػي ‪ ،‬جعػػل‬ ‫وتشل ج د اإلنساف وسعيو الهةي إلزالت ا ‪.‬‬ ‫اؼبش بلت اغبالية ملمنة بل ّ‬ ‫إذف اؼبوقف العلمي (أي اؼبوقف التارىبي والسنٍت) موقف السائر واؼبتطلع إىل كيف بػدأ‬ ‫اػبلق ‪ ،‬ىو الذي يعطي اؼبوقف اؼبتماسك الفعاؿ الذي ال انفعاؿ فيو ‪ ،‬والثقة الػيت ال شػك‬ ‫في ا وال تردد ‪ ،‬وي تس اإلنساف من ىذا اؼبوقف التبهر والبهَتة ( قل ىذه سبيلي أدعػو‬ ‫إىل اهلل على بهَتة أنا ومن اتبعٍت وسبةاف اهلل وما أنػا مػن اؼبشػركُت ) (يوسػف ‪، )ٔٓٛ /‬‬ ‫فمػػن ىن ػػا نػػدرؾ أف ال ػػذين وبلػػوف مش ػ بلت اغباعػػر بفعاليػػة ‪ .‬ومػػن ىنػػا يتبػػُت لن ػػا مق ػػدار‬ ‫حاجتنا اؼبلةػة لي ػوف لنػا مػن ج واعػ ؼبعرفػة اؼباعػي خبطوطػو العريعػة الواعػةة ‪ ،‬وبشػ ل‬ ‫يعم كل الناس وخبطوطو الدقيقة الواعةة ل ل من يريد التخها ‪.‬‬ ‫إف مػػن أكػػا اػبػػدمات الػػيت تق ػدـ للعل ػػم معرفػػة اؼباعػػي وىعػػمو والقػػدرة علػػى تقديبػػو‬ ‫بش ل ميسور واع التسلسل قري اؼبناؿ ؛ فبلبد مػن معرفػة تػاريخ كػل خلػق ‪ -‬ـبلػوؽ ‪-‬‬ ‫فاقاً وأنفساً ‪ ،‬وكبن كالذين من قبلنا حهل لنػا مػا حهػل ؽبػم ‪ ..‬طػاؿ علينػا األمػد وقسػت‬ ‫قلوبنا وصبدنا عنػد ر يػة اللة ػة اغباعػرة ر يػة ال سػننية ‪ ،‬ور يػة جايػة قدريػة مبتػورة مػن عػا‬ ‫اؼباعي ‪ ،‬ومبتورة من التطلعات إىل اؼبستقبل واآلماؿ يف زبليه ا من اآلصار واأل ػبلؿ الػيت‬ ‫ترسػػف في ػػا اجملتمعػػات والبش ػرية صبيع ػاً ‪ .‬إف خػػبلص اعبميػػع إمبػػا يػػتم يف التوجػػو إىل إدراؾ‬ ‫اؼباعي ومعرفة ما كاف وكيف كاف ‪ .‬لتةهل لنا قػدرة علػى التعػاوف لبنػاء مػا سػي وف وكيػف‬ ‫ي وف ‪ .‬وعند ىذا سندرؾ كيف ت وف مساعدة اهلل لنا للقياـ باؼب مات اؼبوكولة إلينا ونف ػم‬ ‫معٌت رضبػة اهلل يف أسػلوب امتةػاف ذكائنػا ‪ ،‬ونبػدأ بعػد ذلػك بالشػ ر هلل علػى مػا بػُت أيػدينا‬


‫مػػن يػػات لنتب ػوأ مقػػاـ سػػلطاف العلػػم وسػػلطاف التسػػخَت ‪ ..‬وهبػػذا ي ػػوف لش ػ رنا وضبػػدنا هلل‬ ‫معٌت ‪ ،‬وهبذا يعود اؼبعٌت اغبي لفاربة ال تاب حُت نتوجو بالهبلة إىل اغبمن الرحيم ‪.‬‬ ‫إف من ُحرـ اؼبوقػف العلمػي يقػف موقػف اؼبغلػق اؼبتشػائم اظػروـ مػن اآلمػاؿ ومػن الرضبػة‬ ‫والتسػػام ؛ وىػػو موقػػف الفاشػػلُت اؼبغلػػق علػػي م فػػاؽ حػػل اؼبش ػ بلت ‪ .‬إ ػػم ضبلػػة اغبقػػد‬ ‫والس ػػاعوف إىل االنتق ػػاـ والن ػػاىجوف س ػػبيل (علّ ػػي وعل ػػى أع ػػدائي) ‪ ،‬وى ػػم ال ػػذين يع ػػاعبوف‬ ‫اؼبش بلت بقطع الر وس بدؿ ترشيدىا وىدايت ا ‪ ..‬ىذا إذا كانوا من اؼبست اين يف األرض‬ ‫‪ ،‬أم ػػا إف ك ػػانوا م ػػن اؼبستع ػػعفُت يف األرض في ل ػػوف هب ػػًتوف أحق ػػادىم ويتةين ػػوف الفرص ػػة‬ ‫لئلحاطػػة بػػالر وس الػػيت عجػػلوا عػػن تقػػد مػػا ي ػػدي ا ويرشػػدىا ‪ .‬إف العلػػم ىػػو الػػذي يعطػػي‬ ‫الرضبػػة ‪ ،‬والعفػػو ‪ ،‬والهػػف والتسػػام ‪ ،‬والعلمػػاء ىػػم الػػذين يبنػػوف اغبػػق ويرضبػػوف اػبلػػق كمػػا‬ ‫يقػػوؿ ابػػن تيميػػة ‪ .‬أمػػا اعب ػػل ف ػػو الػػذي يعطػػي الف اظػػة والغل ػػة ‪ ،‬وىػػو الػػذي هبعػػل النػػاس‬ ‫يتلم ػػوف إىل الس ػػةق ح ػػىت الع ػػم ‪ ،‬وى ػػم ال ػػذين ال ي ػػدأ ل ػػيلُ م وال ي ػػروي عطشػ ػ م إال‬ ‫الدماء والدمار ‪ .‬البد من أف هتدـ قرطاجنة ‪.‬‬ ‫ف ػ ذا حهػػل لػػك يوم ػاً شػػعور باالنفعػػاؿ جعلػػك تعػػرب شػػيعاً أمامػػك لعجػػلؾ عػػن حلػػو‬ ‫بسبلو الهةيةة ‪ ،‬أو رأيت من يفعل ذلك ا أتبع عملو بقولو إ ىذا أمر َت قابل للةل ‪،‬‬ ‫فػاعلم أف ىػػذا اؼبوقػػف ػَت علمػػي ‪ ،‬و ػػَت تػارىبي و ػػَت إنسػػاي ‪ ،‬ألف العلػم والتػػاريخ رضبػػة ‪،‬‬ ‫وعفو ‪ ،‬وصف ‪ ،‬وتسام ‪ ،‬وىداية ‪ ،‬وأمل مشرؽ ‪ ،‬ولػيس يأسػاً مطبقػاً ‪ .‬وىػذا معػٌت كػوف‬ ‫السموات واألرض خلقت باغبق ‪ ،‬أي قابلة غبل مش بلهتا وتسخَتىا ال ىدم ا ‪.‬‬ ‫وإذا رأيت الناس يائسُت مػن تغيػَت أوعػاع م وحػل مشػ بلهتم ‪ ،‬وإذا رأيػت النػاس ػَت‬ ‫ميا لبلستماع إىل سيت ‪ ..‬فاعلم أف سب ذلك ىو اليأس اؼببُت واليأس قرين ال فر ( إنو‬ ‫ال ييػػأس مػػن روح اهلل إال القػػوـ ال ػػافروف ) ‪ ،‬والعجػػل وال سػػل واعبػػا والبخػػل مػػن ذراري‬ ‫اعب ل ‪ ..‬وإف الفعالية ‪ ،‬والنشاط ‪ ،‬والشػجاعة ‪ ،‬وال ػرـ ‪ ،‬مػن نتػائج العلػم والف ػم ‪ .‬والعلػم‬ ‫ب ػػالتعلم ‪ ،‬واغبل ػػم ب ػػالتةلم ‪ ،‬ول ػػيس ي ػػروة ج ػػاىلة ‪ ،‬وإمب ػػا ق ػػدرات إنس ػػانية وؾب ػػاالت تس ػػخَت‬ ‫ومل وت ال اية ؽبا ‪ ..‬فالبةر ينفذ وعطاء اهلل وكلماتو ال تنفذ ‪.‬‬


‫العلم واؽبوى‬ ‫أعع ىذا العنواف وال أزعم أي موافيك دبا يشفي ليلك يف ىػذا اؼبوعػوع ‪ ،‬وإمبػا أطػرؽ‬ ‫بابػاً أشػػعر بأنبيتػػو وأيػػره البػػالس علػػى سػػلوؾ النػػاس ‪ .‬إف اسػػتمرار البةػػث والػػدرس والتأمػػل يف‬ ‫األحداث ي دي الباحث إىل أف يقًتب إىل ما ىو أوع وأبُت وأقرب إىل العلم ‪.‬‬ ‫إف وعػػع العلػػم علػػى أتػػو مقابػػل لل ػػوى يػػوحي بأ مػػا متعػػاداف ‪ ،‬ولقػػد ورد اؽبػػوى يف‬ ‫القر ف يف موعع االهتاـ والتةذير منو والن ي عن اتباعو ‪ ،‬سواء كاف االتبػاع ؽبػوى الػنفس (‬ ‫أفرأيت من ازبذ إؽبو ىواه … ) (اعبايية ‪ ( )- ٕٖ -‬ومن أعل فبن اتبػع ىػواه بغػَت ىػدى‬ ‫من اهلل ) (القها ‪ ( )٘ٓ /‬وال تطع من أ فلنا قلبو عن ذكرنا واتبع ىواه وكػاف أمػره فرطػاً‬ ‫) (ال ف ‪ . )ٕٛ /‬أو كاف االتباع ألىواء اآلخرين كقولو تعاىل إ ( ولػعن اتبعػت أىػواءىم‬ ‫من بعد ما جاءؾ من العلػم إنػك إذاً ؼبػن ال ػاؼبُت ) (البقػرة ‪ )ٔٗ٘ -‬ولقػد زكػى القػر ف مػن‬ ‫ين ى النفس عن اؽبوى ألف اتباع اؽبوى يهرؼ عن العدؿ ويوقع يف ال لم ويعل عن سبيل‬ ‫اهلل ‪ ( ..‬فبل تتبعػوا اؽبػوى أف تعػدلوا ) (النسػاء ‪ ( ، )ٖٔ٘ -‬فػاح م بػُت النػاس بػاغبق وال‬ ‫تتبع اؽبوى فيعلك عن سبيل اهلل ) (ص ‪ ( )ٕٙ /‬وإف كثَتا ليعلوف بأىوائ م بغػَت علػم )‬ ‫(األنعاـ ‪. )ٜٔٔ /‬‬ ‫ول ػػن كيػػف نعػػرؼ اؽبػػوى كيػػف نشػػعر بػػو وكبػػس بػػو يف أنفسػػنا وأنفػػس اآلخ ػرين‬ ‫وكيػػف نتع ػػرؼ علػػى مداخل ػػو ومس ػػال و كي ػػف يت ػػوف اؽب ػػوى وكيػػف ن ش ػػفو وكي ػػف‬ ‫ن ػػتخلا من ػػو ولق ػػد بل ػػس ب ػػبعل الن ػػاس أف ق ػػاؿ إ إذا أرادت النج ػػاة ف ػػاترؾ م ػػا هت ػػوى إلي ػػو‬ ‫نفسك ‪ .‬قاؿ البوصَتي يف ىذا اؼبعٌت إ‬ ‫وخالف النفس والشيطاف واعهم ما‬ ‫فاهتم‬ ‫وإف نبا ؿبعاؾ النه ّ‬ ‫ولعلماء النفس وقفات عند اؽبوى هبدر تأمل ا ‪.‬‬


‫وال أبالس إذا قلت إنو ال وبدث نلاع يف العػاَل بػُت النػاس إال ولل ػوى مقػاـ م ػُت فيػو ‪،‬‬ ‫يلوف الر ية ‪ ،‬وكل يرى اؼبوعوع على خبلؼ ما يراه اآلخر ‪ .‬واؽبوى أقوى مػا ي ػوف‬ ‫فاؽبوى ّ‬ ‫عند األطفاؿ واعباىلُت من الناس وأقل م علماً بالتاريخ وأحداث العاَل وسنن ال وف ‪ ،‬فػ ذا‬ ‫كثر اؽبػوى ‪ ..‬ومػا ينفػع اإلنسػاف ويعػره ‪ ،‬ومػا يتهػل بػو وبػأوالده وأعمالػو ومذىبػو‬ ‫قل العلم ُ‬ ‫وقومو ‪ ..‬يؤير يف موقفو ‪ ،‬حيػث يتػدخل اؽبػوى يف اغب ػم ووبجػ الر يػة اؼبوعػوعية لؤلمػور‬ ‫فػػبل يعػػود اإلنسػػاف يراىػػا كمػػا يراىػػا ػػَته ‪ ،‬وموقػػف اإلنسػػاف ىػػذا وبػػدث لديػػو بغػػَت علػػم وال‬ ‫شعور يف الغال ‪ .‬وقد أدركت الثقافات البشرية ىذا اعبان ‪ ،‬ف ل الشعوب عندىا أمثاؿ‬ ‫توع كيف يؤير اؽبوى يف اغب م على األشياء ‪ .‬ففي األمثاؿ الشعبية قبد (أكره مػن يبػدح‬ ‫نفسو وأساوي تسعة رجاؿ) ‪ .‬ويف حديقة أطفاؿ أخذ أحد الهػغار يلعػق مػن ػَت توقػف ‪،‬‬ ‫وصػػادؼ أف جدتػػو ‪ -‬وىػػي مػػديرة اؼبؤسسػػة ‪ -‬كانػػت يف الهػػف فقالػػت للخادمػػة إ (لػػو َل‬ ‫ي ن حفيدي لقلت إنو ملعج أما وىو حفيدي ! فأقوؿ إ إف لديو موىبػة قياديػة) ‪ .‬وى ػذا‬ ‫يػػرى اإلنسػػاف السػػاذج مػػا يتهػػل بػػو ػػَت مػػا يتهػػل بػػاآلخر ‪ ،‬أقػػذاره ـبتلفػػة ليسػػت كأقػػذار‬ ‫اآلخرين ‪ ..‬وردبا أكثر الناس شعوراً باألىواء القعاة أماـ اؼبتنازعُت ‪ .‬واهلل تعػاىل يقػا علينػا‬ ‫قهة اؽبوى وكيف وبرؼ قلوب النػاس ويلػوي أعنػاق م ‪ .‬ففػي قهػة داود عليػو السػبلـ يقػوؿ‬ ‫اهلل تعاىل لػداود إ ( إنػا جعلنػاؾ خليفػة يف األرض فػاح م بػُت النػاس بػاغبق وال تتبػع اؽبػوى‬ ‫فيعلك عن سبيل اهلل ) (ص ‪ ، )ٕٙ /‬ىذا توجيو من اهلل تعاىل ؼبن صار يف م اف اغباكم‬ ‫بُت الناس ‪ .‬وقهة الذين تسوروا اظراب قهة رائعة يف توعي اؽبوى يف سورة (ص) ‪ .‬وقبل‬ ‫بػػدء القهػػة يػػذكر اهلل تعػػاىل ؿبمػػداً ‪ ‬الػػذي القػػى العنػػت مػػن قومػػو الػػذين ( وعجب ػوا أف‬ ‫جاءىم منػذر مػن م ‪ ،‬وقػاؿ ال ػافروف ىػذا سػاحر كػذاب ‪ ،‬أجعػل اآلؽبػة إؽبػاً واحػداً إف ىػذا‬ ‫لشػػيء عجػػاب ) (ص ‪ )٘ /‬ويقػػوؿ اهلل تعػػاىل بعػػد ذلػػك لنبيػػو إ ( اصػػا علػػى مػػا يقولػػوف‬ ‫واذكػػر عبػػدنا داود ذا األيػػد إنػػو أواب إنػػا سػػخرنا اعببػػاؿ معػػو يسػػبةن بالعشػػي واإلش ػراؽ ‪.‬‬ ‫والطَت ؿبشػورة كػل لػو أواب ‪ .‬وشػددنا مل ػو و تينػاه اغب مػة وفهػل اػبطػاب ) (ص ‪ٔٚ /‬‬ ‫‪ . )ٕٓ -‬يه ػػف اهلل تع ػػاىل داود هب ػػذه األوص ػػاؼ اعبليل ػػة والس ػػيما إيت ػػا ه اغب م ػػة واؼبل ػػك‬


‫اؼب ػُت وفهػػل اػبطػػاب ‪ ،‬وبعػػد ىػػذا يقػػوؿ إ (وىػػل أتػػاؾ نبػػأ اػبهػػم إذ تسػػوروا اظػراب ‪ .‬إذ‬ ‫دخلػوا علػى داود ففػػلع مػن م ‪ .‬قػالوا إ ال زبػػف ‪ .‬خهػماف بغػى بععػػنا علػى بعػل فػػاح م‬ ‫بيننا باغبق وال تشطط واىدنا إىل سواء الهراط ‪ .‬إف ىذا أخي لػو تسػع وتسػعوف نعجػة و‬ ‫نعجة واحدة ‪ ،‬فقاؿ إ أكفلني ا وعلي يف اػبطاب ‪ .‬قاؿ إ لقد ظلمك بسؤاؿ نعجتػك إىل‬ ‫نعاجػػو وإف كثػَتاً مػػن اػبلطػػاء ليبغػػي بععػ م علػػى بعػػل إال الػػذين منػوا وعملػوا الهػػاغبات‬ ‫وقليل ما ىم ‪ .‬وظن داود أمبا فتناه فاستغفر ربو وخر راكعػاً وأنػاب ‪ .‬فغفرنػا لػو ذلػك وإف لػو‬ ‫عندنا لللفى وحسن ماب ‪ .‬يا داود إنا جعلناؾ خليفة يف األرض فاح م بُت الناس بػاغبق‬ ‫وال تتبع اؽبوى فيعػلك عػن سػبيل اهلل ‪ .‬إف الػذين يعػلوف عػن سػبيل اهلل ؽبػم عػذاب شػديد‬ ‫دبا نسوا يوـ اغبساب ) (ص ‪. )ٕٖ - ٕٔ /‬‬ ‫والشاىد يف القهة اػبهماف ‪ ،‬الػذي عنػده نعجػة واحػدة وىػو يعػرض القعػية مندىشػاً‬ ‫واآلخر الذي عنده تسع وتسعوف نعجة ‪ .‬فالذي عنده معػة إال واحػدة شػعر باغباجػة إىل أف‬ ‫يعػػم النعجػػة الواحػػدة إىل التسػػع والتسػػعُت لتهػػب معػػة ‪ ،‬وسػػاؽ حججػاً علػػى أنػػو ىػػو أوىل‬ ‫هبذه النعجة من صاحب ا حىت شعر صاح النعجة الواحػدة بأنػو مغلػوب إزاء ىػذه اغبجػج‬ ‫‪ ..‬إف ال ػػذين ؽب ػػم ص ػػلة بأص ػػةاب األمػ ػواؿ واألنع ػػاـ واألراع ػػي ‪ ..‬يعرف ػػوف م ػػن أم ػػورىم م ػػا‬ ‫يدىذ ‪ ،‬فالقناطَت اؼبقنطرة تفعل األفاعيػل ‪ ..‬إف ىػذه اغباديػة ‪ -‬وكثػَتاً مثل ػا يقػع يف اغبيػاة‬ ‫اليومية بُت الناس ‪ -‬ت ر مقدار ما يفعل اؽبوى بالناس ‪..‬‬ ‫إف الن ػلاع ب ػػُت النس ػػاء والرج ػػاؿ واالخ ػػوة وأص ػػةاب األس ػػرة الواح ػػدة واعب ػَتاف ‪ ،‬جػ ػَتاف‬ ‫البيوت أو جَتاف القرى واألقطار ‪ ..‬إف النلاعات سبب ا يف أف كل واحد يرى اؼبوعػوع علػى‬ ‫ػػَت مػػا يػراه اآلخػػر ‪ ،‬حػػىت إف مالػػك التسػػعة والتسػػعُت يشػػعر باغباجػػة إىل أف يسػػل مالػػك‬ ‫الواحد ليعم الواحد إىل مل و ‪..‬‬ ‫أرى أف ىػػذا مثػػل رائػػع علػػى ىػػذه اؼبش ػ لة العاؼبيػػة ‪ ،‬وعػػاة مػػن العػػا ‪ .‬واإلنسػػاف حػػُت‬ ‫يرى مثل ىذا النبػأ يراجػع نفسػو ويقػوؿ إ كلنػا نقػع يف ىػذا ‪ .‬ول ػن اؼبشػ لة أف اإلنسػاف ‪-‬‬ ‫بش ػ ل عػػاـ ‪ -‬ال يػػرى إال نفسػػو وال يػػرى إال ذاتػػو وأنػػاه ‪ ،‬وأف اآلخػػر ال شػػيء ‪ .‬ىػػذا مثػػل‬


‫على اؽبػوى كيػف يعػل عػن سػبيل اهلل ‪ ،‬وكيػف هبعػل اإلنسػاف أعمػى وأصػم ‪ ،‬ويف اغبػديث‬ ‫الشريف إ « حبك الشيء يعمي ويهم » (رواه أبو داود يف سننو) ؽبذا داود نفسو ‪ -‬عليو‬ ‫السػبلـ ‪ -‬تػػأير مػػن ىػػذا النبػأ وشػػعر كيػػف أف اإلنسػػاف معػرض ألف يػػؤير اؽبػػوى فيػػو فاسػػتغفر‬ ‫ربو وخر راكعاً وأناب ‪.‬‬ ‫ىػػذا مػػا أراه مػػن مغػػلى ىػػذه القهػػة ‪ .‬إ ػػا مشػ لة عاؼبيػػة اجتماعيػػة ‪ ،‬مشػ لة كػػل أسػػرة‬ ‫ومش لة ؾبلس األمن الدو ومش لة س اف ىذا ال وك وحيث وجد شخهاف ‪.‬‬ ‫إف منشأ اؽبوى ح الػذات ‪ ،‬وىػو وإف كػاف يػؤدي دوراً إهبابيػاً يف حفػل اغبيػاة الذاتيػة‬ ‫إال إنو البد من ذباوز ىذا الدور حىت ال يبقى ؿبهػوراً يف ىػذه الػدائرة الفرديػة وذلػك لهػار‬ ‫الذات ‪ ،‬حيث البد أف تعيذ الذات يف اغبياة االجتماعية ‪ ،‬والبد أف يعي الفػرد أـ وجػوده‬ ‫ػابع يف نفسػػو يعيػػق مبػػوه‬ ‫صػػار مرتبط ػاً بػػاجملتمع ‪ ،‬فبلبػػد أف يتنػػازؿ عػػن ى ػواه ويعتػػاه عػػدواً قػ ً‬ ‫وتطوره إىل األعلى ‪ ،‬والبد أف يػتخلا مػن نوازعػو الفرديػة لَتتقػي إىل الػدوافع االجتماعيػة ‪،‬‬ ‫وىػػذه نقلػػة مػػن األنانيػػة إىل اإليثػػار ‪ ،‬إىل الغػػَتة ‪ ،‬ألف مبػػو اغبيػػاة االجتماعيػػة يف أظبػػى صػػوره‬ ‫مبػػٍت علػػى اإليثػػار ‪ .‬ويبػػدح اهلل اؼبػػؤيرين علػػى أنفسػ م ولػػو كػػاف هبػػم حاجػػة ( ويػػؤيروف علػػى‬ ‫أنفس م ولو كاف هبم خهاصة ) (اغبشر ‪. )ٜ /‬‬ ‫إف ىذا اؼبوعوع متهل بالنلاعات بُت البشر بأسباهبا وكيفيػة حل ػا ‪ ،‬واالعتبػار بالتػاريخ‬ ‫‪ ،‬إف سػػعة وسػػائل االتهػػاؿ وسػػرعت ا تعػػرض اؼبشػ بلت العاؼبيػػة والدوليػػة بشػ ل شػػبيو جػػداً‬ ‫بالنلاعات داخل األسرة الواحدة يف توزيع اؼبغارـ واؼبغػا وأسػلوب اػبطػاب وتفسػَت اػبطػاب‬ ‫وما فيو من حرج ونقد و مط وتعخيم وربقَت ‪..‬‬ ‫إننػػا نع ػػيذ يف عم ػػق اؽب ػػوى ح ػػُت نػػرى األطف ػػاؿ يتخاص ػػموف ويتنػػازعوف عل ػػى أدوارى ػػم‬ ‫وأدواهتم وألعاهبم ‪ .‬كما نرى ذلك على مستوى قادة السياسة يف العاَل ‪.‬‬ ‫كذلك نشاىد ىذا اغبوار ‪ -‬حوار الطرشاف ‪ -‬بُت اؼبتقاتلُت باللساف أو السػناف ‪ ،‬فمػا‬ ‫يقػػوـ بػػو اآلخػػر نبجيػػة ووحشػػة وإرىػػاب وال إنسػػانية وعػػدواف ‪ ،‬ومػػا يقػػوـ بػػو ىػػو ضبايػػة وأمػػن‬ ‫للمواطنُت األبرياء وؾباؿ أـ ودفاع عن كل ما هبعل اغبياة مقبولة أف يعاش في ا ‪.‬‬


‫لق ػػد تغل ػ الع ػػاَل عل ػػى ى ػػذه اؼبش ػ لة داخ ػػل الدول ػػة الواح ػػدة بوع ػػع الق ػوانُت وتن ػػيم‬ ‫القعاء حيث يتةاكم اؼبتنازعوف إىل اظاكم ‪ ،‬ويهدر القعاة األح ػاـ بػدرجات ـبتلفػة يف‬ ‫قرهبا إىل العدؿ ‪ ،‬وىذا أفعل من أف يًتؾ ل ل فرد أخذ حقو بنفسو ‪ ،‬حىت ال تعود اغبياة‬ ‫إىل قػػانوف الغػػاب وتهػػب خاليػػة مػػن االخػػوة ‪ ،‬موزعػػة بػػُت االسػػت بار واالستعػػعاؼ ‪ .‬فيػػا‬ ‫حبذا لو تهل ؾبموعة الدوؿ إىل مثل ما وصلت إليو الدولة الواحدة ‪.‬‬ ‫إف القػػانوف الػػدو حػػا علػػى ورؽ ‪ ،‬وؿب مػػة العػػدؿ الدوليػػة ال ذبػػري علػػى األلسػػنة وال‬ ‫وظيفػػة ؽبػػا ‪ ،‬فبلبػػد مػػن جعػػل اؼبؤسسػػات العاؼبيػػة فعالػػة بتػػازر أصػػةاب اؼبهػػار اغبقيقيػػة مػػن‬ ‫مستعػػعفي الع ػػاَل ؼبنػػع اغبػػروب كم ػػا يف الدولػػة الواح ػػدة ‪ ،‬ؼبنػػع اغبػػروب العرقيػػة أو الثقافيػػة‬ ‫الطبقيػػة واإلقليميػػة النابعػػة يف ـبتلػػف األى ػواء ‪ .‬ومػػا ىػػو أقػػرب لئلنهػػاؼ ىػػو التةػػاكم إىل‬ ‫طرؼ يالث بعيد الهلة عػن الطػرفُت ألنػو أجػدر بر يػة البػا ي ‪ ،‬ألف كػبلً مػن البػا ي و ريبػو‬ ‫َت قادرين على ر ية اؼبوعوع كما ىو ‪.‬‬ ‫إف عاؼبنػػا رب مػػو األى ػواء ‪ ،‬وال ي ػلاؿ عػػاجلاً عػػن عبم ػػا ‪ ،‬وىػػي الػػيت ربػػدث الفسػػاد يف‬ ‫العاَل و(لقد حاولت من مة األمم اؼبتةدة وعع تعريف للف ة « اعتداء » ‪ .‬إال أ ا زبلػت‬ ‫عػن ىػػذه اظاولػة ‪ ،‬وأخػَتاً تقػرر أف لف ػػة اعتػػداء تعػا عػػن ف ػرة قائمػػة بػذاهتا ال تعػػَت نفسػ ا‬ ‫للتعري ػػف)(ٔ) ‪ .‬وس ػػب الفش ػػل يف التعري ػػف أف ك ػػل ط ػػرؼ يفس ػػر اؼبوع ػػوع م ػػن زاوي ػػة ر يت ػػو‬ ‫اػباصة فيفسره على ىواه ‪ .‬ولو أف القاعي يف اظ مة أخذ هبذا الػرأي ‪ -‬لتعريػف االعتػداء‬ ‫ ؼبا كاف ىناؾ إدانة ألحد باالعتداء ‪ ،‬ول ن قانوف الغاب هبعل اغبػق بػاطبلً والباطػل حقػاً‬‫‪ .‬والذي يفهل يف األمور ىو األقوى ‪ ،‬والذي يفسر االعتداء ىو اؼبنتهر ‪.‬‬ ‫ور ي ػػة اؽب ػػوى ص ػػعبة ‪ ،‬واإلحس ػػاس ب ػػو عس ػػَت ألف اؽب ػػوى يف حقيقت ػػو ظل ػػم لل ػػنفس وإف‬ ‫ك ػػانفي ظ ػػاىره حبػ ػاً ؽب ػػا ‪ ،‬وؽب ػػذا فػ ػ ف اؽب ػػوى ىب ػػدع الن ػػاس ويه ػػرع م وهبعل ػػم يف موع ػػوع‬ ‫االمتةػػاف ‪ ،‬وكشػػفو يػػة الػػذكاء … ويف التػػاريخ عػػاة والتأمػػل فيػػو يػػوقل اإلنسػػاف ويعلمػػو‬ ‫موعع اػبطأ ومسالك اؽبوى يف اػبداع ‪.‬‬ ‫(ٔ) كتاب ىل ينقذنا العلم بَتوت ٖ‪ ، ٜٔٙ‬ص ‪. ٙٙ‬‬


‫واهلل سػػبةانو وتعػػاىل يسػػمي اؼبخطػػت ظاؼبػاً لنفسػػو ‪ .‬واإلنسػػاف عػػادة ال يشػػعر أنػػو ي لػػم‬ ‫نفسو بل يشعر أف ال لم يأب من اآلخرين ‪ .‬والقر ف ينفػرد يف تسػمية الػذي يقػع يف اػبطيعػة‬ ‫بأنو ظاَل لنفسو ‪ ،‬وحػىت اؼبستعػعفُت يسػمي م ظػاؼبي أنفسػ م إ (إف الػذين تػوف م اؼببلئ ػة‬ ‫ظاؼبي أنفسػ م قػالوا إ فػيم كنػتم قػالوا إ كنػا مستعػعفُت يف األرض قػالوا إ أَل ت ػن أرض‬ ‫اهلل واسعة فت اجروا في ا ) (النساء ‪. )ٜٚ /‬‬ ‫إف سػػنن اهلل يف التغل ػ علػػى حالػػة االستعػػعاؼ كثػػَتة ‪ ،‬ول ػػن اعب ػػل يعػػيق الواسػػع‬ ‫عػل عػن سػبيل اهلل‬ ‫واألرض تعيق على رحب ػا ‪ ،‬فعػيق الػنفس يعػيق كػل شػيء ‪ .‬واؽبػوى يُ ِّ‬ ‫وسنة اهلل إ‬ ‫ومن اؼبفيد تأمل كيف بدأ خلق القانوف بُت الناس ‪ ،‬وتأمل اغباجة اؼبلةة الػيت جعلػت م‬ ‫يشػػعروف بعػػرورة القػػانوف الػػذي يػػن م أمػػور اغبيػػاة ويلجػػم األى ػواء ‪ .‬واهلل يأمرنػػا أف نسػػَت يف‬ ‫األرض ونن ر كيف بدأ اػبلق ‪ .‬ومن أشد ما أشعر أف الناس يف حاجة إليو أف يعرفػوا كيػف‬ ‫بدأ خلق القانوف والن اـ ‪ ،‬وىذا ما يسػميو الػدين إ كيػف بػدأ اغبػراـ ‪ ،‬وب لمػة علػم الػنفس‬ ‫(التػػابو) ف ػ ذا عرفنػػا ذلػػك نبػػدأ دبعرفػػة مػػىت بػػدأ اإلنسػػاف يشػػعر بعػػرورة عبػػم ى ػواه إىل توجيػػو‬ ‫رائ ػػله ؛ ف ػػل اغبع ػػارات يف الع ػػاَل إمب ػػا ك ػػاف نب ػػا توجي ػػو رائ ػػل اإلنس ػػاف وع ػػبط أىوائ ػػو‬ ‫ليتسػػامى ‪ ،‬فأكػػدت علػػى وعػػع األى ػواء الداخليػػة ربػػت اجمل ػػر ‪ ،‬لتوجي ػػا وإيقػػاؼ دورىػػا‬ ‫اؼبعطل للتسامي ‪ .‬وإذا رأينا أف العلم تسخر لل وى بسب سيطرة اعب ل ‪ ،‬ف ف ذلك مرحلة‬ ‫زائلة ألف العاقبة للعلم ‪.‬‬ ‫ومػػن ال لمػػات الػػيت تػػدؿ علػػى اؽبػػوى البلشػػعور واالنفعػػاؿ ‪ -‬حبػاً أو بغعػاً ‪ -‬والذاتيػػة‬ ‫والنرجس ػػية والغرائ ػػل وال ػػنفس األم ػػارة واألناني ػػة ‪ .‬ولق ػػد اى ػػتم اله ػػوفية وعلم ػػاء ال ػػنفس بتتب ػػع‬ ‫مػػداخل اؽبػػوى يف الػػنفس ‪ .‬ويسػػمي « راسػػل » اؽبػػوى إ ر بػػات وأمػػاالً يقػػوؿ إ (إف النػػاس‬ ‫ليشػػق علػػي م يف كػػل اؼبيػػادين أف يقيم ػوا راءىػػم علػػى الااىػػُت ال علػػى اآلمػػاؿ ‪ ،‬ف ػ ذا اهتػػم‬ ‫ج ػَتا م دبجافػػاة الفعػػيلة صػػدقوا الت مػػة وكػػاد يسػػتةيل االنت ػػار حػػىت تثبػػت ‪ .‬وإذا تأمػػل‬ ‫أحدىم نفسو اقتنع بأنو م ذب ‪ ..‬وقد ي وف األساس اؼبوعوعي ل ل ىذه اؼبعتقدات بالس‬


‫العالة ول ن ر باتنا ذبرفنا إىل التهديق جرفاً ال يقاوـ ‪ ،‬أمػا الطريقػة العلميػة فتلقػي بر باتنػا‬ ‫جانبػ ػاً ‪ ،‬فال ػػذي ت ػػذاكر الرى ػػاف علم ػػي(ٔ) وهبم ػػع ي ػػروة ‪ ،‬بينم ػػا اؼب ػراىن ػػَت علم ػػي ونه ػػيبو‬ ‫الفقر)(ٕ) ‪.‬‬ ‫ويف تراينػػا األد والهػػويف لفتػػات أخػػاذة يف إب ػراز عمػػل اؽبػػوى يف الػػنفس ‪ ،‬ولقػػد قػػاؿ‬ ‫الرسػػوؿ ‪ ‬إ « حبػػك الشػػيء يعمػػي ويهػػم »(ٔ) ‪ .‬فػػاؽبوى يعمػػي ويهػػم وال يػػرى الشػػيء‬ ‫كمػػا ىػػو وال يسػػمعو علػػى مػػا ىػػو عليػػو ‪ ،‬وإمبػػا هبػػري عليػػو التةػػويرات البلزمػػة ‪ .‬لقػػد عػػرض‬ ‫التوحيدي شيعاً من ىذا فقاؿ إ‬ ‫(إف صديقو مس ويو قاؿ لو يوماً إ أما ترى إىل خطأ صاحبنا ‪ -‬وىػو يعػٍت ابػن العميػد‬ ‫ يف إعطائو فبلناً ألف دينار عربة واحدة ! لقد أعػاع ىػذا اؼبػاؿ اػبطػَت فػيمن ال يسػتةق‬‫فقػاؿ لػػو أبػػو حيػػاف ‪ ،‬بعػػدما طػػاؿ اغبػػديث ‪ ،‬وبػػالس يف إظ ػػار أسػػفو إ أي ػػا الشػػيخ ‪ ،‬أسػػألك‬ ‫مذب لل ذب بيٍت وبينػك ‪ ،‬وال ىبػوب لػري التمويػو علينػا‬ ‫اصد ْؽ ف نو ال َّ‬ ‫عن شيء واحد و ُ‬ ‫‪ .‬لو لط صاحبك فيك هبذا العطاء وأععافو وأععاؼ أععافو ‪ ،‬أكنت تتخيلو يف نفسك‬ ‫ـبطعاً ومبػذراً ومفسػداً ‪ ،‬أو جػاىبلً حبػق اؼبػاؿ أو كنػت تقػوؿ إ مػا احسػن مػا فعػل ‪ ،‬وليتػو‬ ‫أرىب عليو ‪ ،‬ف ف كاف ما تسمع على حقيقتو ‪ ،‬فاعلم أف الذي بدد مالك ‪ ،‬وردد مقالك إمبا‬ ‫ىػػو اغبسػػد وشػػيء خػػر مػػن جنسػػو ‪ ،‬فأنػػت تػػدعي اغب مػػة وتػػت لم يف األخػػبلؽ ‪ ،‬وتليػػف‬ ‫من ا اللائف ‪ ،‬وزبتار من ا اؼبختار ‪ ،‬فال ن ألمرؾ واطلع على سرؾ وشرؾ)(ٕ) ‪.‬‬ ‫وقاؿ أبو حياف على لساف أستاذه أ سليماف إ‬ ‫(إف كثػػَت مػػن أخػػبلؽ اإلنسػػاف زبفػػى عليػػو وتطػػوى عنػػو وذلػػك جلػػي لهػػاحبو وجػػاره‬ ‫وعشَتتو ‪ ،‬وىو يدرؾ أخفى من ذلك على صاحبو وجليسو ‪ ،‬وكأنو يف عرض ىذه األحواؿ‬ ‫(ٔ) أي يعرؼ القانوف والتسخَت ‪ ،‬ول ن ليس على أساس الن ر إىل العاقبة ‪ .‬فاػبداع أساس معرفتو ‪.‬‬ ‫(ٕ) الن رة العلمية لراسل ‪ .‬ص ‪ ٖٙ‬وما قبل ا ‪.‬‬ ‫(ٔ) سنن أ داود ‪.‬‬ ‫(ٕ) زكريا إبراىيم ‪ ،‬أبو حياف التوحيدي ‪ ،‬ص ٔ‪ ٚ‬سلسلة أعبلـ العرب ‪.‬‬


‫عاَل جاىل ‪ ،‬متيقل افل ‪ ..‬وحلػيم طػائذ ‪ ،‬يرعػى عػن نفسػو يف شػيء ىػو اؼبغتػاظ علػى‬ ‫َته من أجلو)(ٔ) ‪.‬‬ ‫وقد أشار اعباحل إىل عرب من ىذا يف كتابو (البياف والتبيُت) وكيف يستعُت اإلنساف‬ ‫باغبركة واإلشارة للبياف فقاؿ إ‬ ‫(وكػػاف أبػػو مشػػر إذا نػػازع َل وبػػرؾ يديػػو وال من بيػػو وَل يقلػ عينيػػو وَل وبػػرؾ رأسػػو حػػىت‬ ‫كأف كبلمو ىبرج من صدع صخرة ‪ ،‬وكاف يقعي على صػاح اإلشػارة باالفتقػار إىل ذلػك‬ ‫بالعجل عن بلوغ إرادتو ‪ ،‬وكاف يقوؿ إ ليس من اؼبنطق أف نسػتعُت عليػو بغػَته ‪ ،‬حػىت كلَّمػوُ‬ ‫إبراىيم الن اـ عنػد أيػوب بػن جعفػر فاعػطره باغبجػة وبالليػادة يف اؼبسػألة حػىت حػرؾ يديػو ‪،‬‬ ‫وحل حبوتو ‪ .‬وحبا إليو حىت أخذ بيديو ‪ .‬ففي ذلك اليوـ انتقل أيوب من قوؿ أ مشػر إىل‬ ‫قوؿ إبراىيم ‪.‬‬ ‫وموه لو ىذا الرأي أف أصةابو كانوا يستمعوف منػو ويسػلموف لػو‬ ‫وكاف الذي ر أبا مشر َّ‬ ‫ويبيلوف إليو ‪ ،‬ويقبلوف كل ما يورده علي م ‪ ،‬ويثبتو عندىم ‪ ،‬فلما طاؿ عليو توقَتىم ‪ ،‬وترؾ‬ ‫(ٔ)‬ ‫ؾباذبت م إياه ‪ ،‬وخفت مؤونة ال بلـ عليو ‪ ،‬نسي حالة منازعة األكفاء وؾباذبػة اػبهػوـ)‬ ‫‪.‬‬ ‫وفبا يساعد على إلقاء عوء على اؽبدى أف أصل اؽبػوى مهػنوع حعػاري ‪ .‬والشػ وات‬ ‫وإف كانت اغبعارة توج ا ف ا رائلية اكثر ‪ .‬فالش وات جسدية ‪ ،‬واألىواء نفسية ‪ ،‬وإذا‬ ‫قلنػ ػػا إف اؽبػ ػػوى مهػ ػػنوع حعػ ػػاري فػ ػػذلك ألف اإلنسػ ػػاف اعتػ ػػاد أف يسػ ػػخر طاقاتػ ػػو ؼبوعػ ػػوع‬ ‫اجتماعي معُت يهع عليو أف يوسع دائرتو ‪ ،‬دائرة األسرة ا العشػَتة ا القػوـ ا اإلنسػانية‬ ‫‪ .‬فةُت كاف عدد البشر قليبلً على األرض ووسائل اتهاؽبم بطيعة ‪ ،‬كانت األسرة تسػتةوذ‬ ‫عل ػػى طاق ػػة اإلنس ػػاف ‪ ،‬وح ػػُت كث ػػر ع ػػدد التجمع ػػات يف من ػػاطق معين ػػة اقتع ػػى توجي ػػو طاق ػػة‬ ‫اإلنسػػاف وتوزيع ػػا علػػى دائػػرة أوسػػع وىػػذا يتطل ػ علم ػاً ‪ ،‬ف ػ ف الشػػعور باؼبوع ػػة والطقػػوس‬ ‫(ٔ) اؼبرجع نفسو ‪ ،‬ص ‪. ٕٔٙ‬‬ ‫(ٔ) ان ر البياف والتبيُت ‪ ،‬اعباحل ‪ ،‬طبع مهر ‪ ، ٜٕٔٙ ،‬ص ‪. ٚٛ‬‬


‫واأل ذيػػة واؼبػػدح واؽبجػػاء … إف وعػػع طاقػات اإلنسػػاف الػػيت ظلػػت ؿبهػػورة مػػدة طويلػػة يف‬ ‫العشَتة لتوظف يف ؾباؿ أوسع ال يب ن أف يتم دبوع ة تقليدية أو خطاب سياسي وبشر لػو‬ ‫الناس أو عةى ‪ ..‬بل ال بد من وعوح كيف بػدأ اػبلػق أف نعػرؼ كيػف نليػد أو نوسػع يف‬ ‫اػبلق ‪.‬‬ ‫إف صيا ة اإلنساف وفػق قػيم يشػ د التػاريخ علػى سػبلمت ا موعػوع كػاف هبػري تلقائيػاً ‪،‬‬ ‫وؼبا يبدأ العلم يتدخل لتجلية سنن ىذه العملية ‪.‬‬ ‫وقػػد بػػذؿ البشػػر ج ػػوداً كبػػَتة يف سػػبيل هتػػذي أنفسػ م للخػػروج مػػن التػػوحذ والػػدناءة‬ ‫والبذاءة ‪ ،‬ول ن شبار ىذه اعب ود كانت قليلة بسب قلة العلم ‪ ،‬و موض اؼبعرفة ‪.‬‬ ‫ومػا حققػػو اإلنسػاف مػػن قبػاح تلقػػائي يف ىػذه اؼبيػػادين ‪ ،‬إمبػا كػػاف جب ٍ‬ ‫ػود َل ينورىػػا عػػوء‬ ‫العلم وَل ي شف اإلنساف سنن ا وقوانين ا ‪.‬‬ ‫وىذا الغمػوض يعػعف األمػل يف قبػاح اعب ػود اؼببذولػة لرفػع مسػتوى النػاس ‪ ،‬وال يب ػن‬ ‫أف تشةذ نبة اؼبتفائلُت إال دبعرفػة القواعػد واألصػوؿ الػيت يػتم علػى أساسػ ا تسػخَت طاقػات‬ ‫اإلنساف للتةوؿ من حالة التوحذ إىل تلكية النفس ‪ ،‬واالرتفاع إىل اؼبرتبة اليت أرادىا اهلل ؽبم‬ ‫‪ ،‬وىػػؤالء اؼبتفػػائلوف ىػػم الػػذين يػػدركوف مغػػلى اغبػوار بػػُت رب العػػلة واؼببلئ ػػة حػػُت قػػالوا إ (‬ ‫أذبعػػل في ػػا مػػن يفسػػد في ػػا ويسػػفك الػػدماء وكبػػن نسػػب حبمػػدؾ ونقػػدس لػػك قػػاؿ إ إي‬ ‫أعلػػم مػػا ال تعلمػػوف ) (البقػػرة ‪ )ٖٓ /‬فًتتفػػع نفوس ػ م إىل اآلفػػاؽ الػػيت ارتفعػػت إلي ػػا نفػػس‬ ‫يوسػػف ‪ -‬علي ػػو السػػبلـ ‪ -‬ح ػػُت قػػاؿ إ ( معػػاذ اهلل ! إنػػو ر أحسػػن مث ػواي إنػػو ال يفل ػ‬ ‫ال اؼبوف ) (يوسف ‪. )ٕٖ /‬‬ ‫حق ػاً ‪ ،‬إف ىػػذا الثػػوب األخبلقػػي اغبعػػاري اؼب ل ػػل الػػذي ال ي ػػاد يسػػًت النػػاس يُرمػػى‬ ‫بعيػػداً عنػػد األزمػػات ‪ ،‬ويتةػػوؿ النػػاس إىل ػػابُت وسػػفاكُت ‪ ..‬أمػػا نسػػمع ونػػرى مػػع األخبػػار‬ ‫العاؼبية مػن بػروز الن ػابُت حػُت حػدوث األزمػات مػن الػلالزؿ ‪ ،‬وعنػد يػاب السػلطة يتةػوؿ‬ ‫ػت وراءىػا شػاعرين بػاألمن‬ ‫األفراد إىل ذئاب ‪ ،‬حقاً إ ا غبواجل ىشة ‪ ،‬ىذه اغبواجل اليت نَبِْي ُ‬


‫وكبػػن ال نعلػػم مقػػدار عػػالة الع ػوابط الػػيت ت ػػر النفػػوس وكأ ػػا م ذبػػة أو متةعػػرة أو أف‬ ‫األىواء ال رب م ا ‪..‬‬ ‫وأح اـ القر ف إ ( وقليل من عبادي الش ور ) (سػبأ ‪ ( ، )ٖٔ /‬فقلػيبلً مػا يؤمنػوف )‬ ‫(البقػػرة ‪ ، )ٛٛ /‬وسػواىا إمبػػا ىػػي وصػػف وقػػائع ال نػلاؿ نعيشػ ا ب ػػل واقعيت ػػا ‪ ،‬ول ػػن مػػن‬ ‫اػبطػػأ أف نهػػل مػػن ىػػذه الواقعيػػة إىل اغب ػػم بعػػرورة اسػػتمرار ىػػذا الواقػػع ‪ ،‬ألف عاؼب ػاً خػػر‬ ‫يب ػػن أف يبني ػػو العل ػػم ح ػػُت ن ػػرى ي ػػات اهلل يف اآلف ػػاؽ واألنف ػػس ‪ .‬إف الس ػػيطرة عل ػػى زم ػػاـ‬ ‫النفػػوس باإلمسػػاؾ بسػػنن اهلل ىػػي الػػيت سب ػػن اإلنسػػاف مػػن أف يعػػيذ مػػع سػػنن اهلل (اإلنسػػاف‬ ‫اؼبتقػػي) ف ػػذا الػػذي يب نػػو أف ين ػػى الػػنفس عػػن اؽبػػوى حػػُت يقػػع اآلخػػر ص ػريعاً ؽب ػواه ؛ إنػػو‬ ‫اإلنساف الذي إذا سلك فجاً سلك الشػيطاف فجػاً ػَت فجػو ‪ ..‬وال يػلاؿ البشػر بعيػدين عػن‬ ‫ىذه السيطرة سواء من م اؼبتةعروف مادياً اؼبتخلفوف نفسياً أو اؼبتخلفوف مادياً ونفسياً ‪.‬‬ ‫قػػد قبػػد مػػن يعػػل عليػػو أف نُشػػعر القػػارئ بػػأف يف اإلم ػػاف األمػػل يف تعػػييق اػبنػػاؽ علػػى‬ ‫الفساد يف األرض وتوسيع دائرة العلم يف الناس وطرد الشيطاف من طرقػاهتم ‪ ،‬وقػد ُوجػد مػن‬ ‫ع ػ َّػل علي ػػو أف زبف ػػف الـ البش ػػر يف ربس ػػُت ع ػػبلج أمراعػ ػ م بتق ػػد عل ػػم الوقاي ػػة والع ػػبلج‬ ‫لؤلمراض اعبسدية …‬ ‫فػػاألمراض األخبلقيػػة أو النفسػػية أو اغبعػػارية أو كمػػا يسػػمي ا القػػر ف األم ػراض القلبيػػة‬ ‫ىي اليت كػاف عبلج ػا موعػع اىتمػاـ القػر ف ‪ ،‬وإعطائ ػا األولويػة يف الشػفاء ‪ .‬فالهػدارة يف‬ ‫الق ػػر ف لع ػػبلج مرع ػػى القل ػػوب ب ػػاؼبعٌت ال ػػديٍت األخبلق ػػي اغبع ػػاري النفس ػػي ول ػػيس ب ػػاؼبعٌت‬ ‫اعبسدي ‪ .‬وإف القر ف يل على خطػورة اؼبعاصػي الػيت يرت ب ػا القلػ كال ػذب والنفػاؽ ‪..‬‬ ‫أكثر من اإلغباح على اؼبعاصي اليت ترت ب ا اعبوارح ‪.‬‬ ‫إف الت اىر بقبوؿ القيم واػبروج علي ا ينبوع الرياء وال ذب ‪ ،‬فاألىواء تدخل إىل زوايػا‬ ‫قلوب الناس فًتي م ـبالفػاهتم عػعيلة ‪ ،‬ول ػن الػذين يػرو م يف اػبػارج يػروف ىػذه اؼبخالفػات‬ ‫رب ػػت اجمل ػػر ‪ .‬واغبع ػػارة هتت ػػل م ػػن قواع ػػدىا ‪ ،‬والق ػػيم تن ػػت س عل ػػى ر وس ػ ا ح ػػُت ت ػػتة م‬


‫األى ػواء ( يػػا داود إنػػا جعلنػػاؾ خليفػػة يف األرض فػػاح م بػػُت النػػاس بػػاغبق وال تتبػػع اؽبػػوى‬ ‫فيعلك عن سبيل اهلل ) (ص ‪. )ٕٙ /‬‬ ‫وتهب اغبعارة يف أزمة حُت تتدحرج القيم اليت ال قياـ ؽبا يف نفوس أصػةاب األىػواء‬ ‫وخاصة الذين يتمتعوف دبغا اغبعارة دوف أف يدفعوا عريبة التلام ا ‪ ،‬اتباعاً لل وى وتسويبلً‬ ‫للنفس ‪ ،‬كدأب الذين خلوا من قبل ‪ .‬وكما يبُت توينيب إ إف اغبعارة يف صعود حُت ت وف‬ ‫األقليػػة الػػيت تقػػود ىػػي األقليػػة اؼببدعػػة ‪ ،‬ول ػػن حػػُت تفتقػػد اإلبػػداع وربػػل السػػيطرة ؿبلػػو تبػػدأ‬ ‫اغبعارة بالتةلل ‪ ،‬ألف بروليتاريا ىذه اغبعارة ت ف عن إعطاء والئ ا ‪ ،‬ف نا وبق القػوؿ (‬ ‫إف الذين يعلوف عن سبيل اهلل ؽبم عذاب شديد ) (ص ‪. )ٕٙ /‬‬ ‫وحُت يهف فرويد اغبعارة يهف الواقع الػذي أشػرنا إليػو ‪ -‬وىػو وقػت أفػوؿ اغبعػارة‬ ‫أو اكبدارىا كما يسميو شبنجلر ‪ -‬يقوؿ فرويد إ (إف اغبعػارة تػدوس برجلي ػا ف ػرة العدالػة‬ ‫األولية فيما يتعلق بتوزيع الثروات ‪ ،‬وحُت تعجل اغبعارة عن إرعاء قسم من اؼبسانبُت في ا‬ ‫إال باع ػػط اد خػ ػرين ‪ -‬وردب ػػا األ لبي ػػة ش ػػأف اغبع ػػارات الراىن ػػة ‪ -‬إنن ػػا ال يب ػػن أف نتوق ػػع‬ ‫دخوؿ القيمة الثقافية إىل نفوس ىؤالء اؼبعط دين ‪ ،‬إ م مت يعوف لرفل االعًتاؼ هبا وإىل‬ ‫ىدم ا وإن ار قواعدىا … إ م يعادو ػا ‪ ،‬إ ػا ال أمػل يف اسػتمرارىا ‪ ،‬بػل إ ػا ال تسػتةق‬ ‫ىذا االستمرار ‪. )ٔ() ..‬‬ ‫ىذه الوقائع التارىبية حالة تدعو ‪ -‬عند الن رة العجلى ‪ -‬إىل اليأس ‪ ،‬ول ػن الن ػر إىل‬ ‫ىػػذا اؼبوعػػوع مػػن خػػبلؿ إ ( إف اهلل ال يغػػَت مػػا بقػػوـ حػػىت يغػػَتوا مػػا بأنفس ػ م ) (الرعػػد ‪/‬‬ ‫ٔٔ) ‪ ،‬هبعل اؼبوعػوع داخػبلً يف صػميم العلػم ‪ .‬وليسػت القعػية قعػية تفػا ؿ أو يػأس …‬ ‫وإمبا تبهر وج ود موج ة لتوجيو الدفة إىل النجاة ‪.‬‬ ‫إف ؿبتوى قولو تعاىل إ ( ذلك بأف اهلل َل يػك مغػَتاً نعمػة أنعم ػا علػى قػوـ حػىت يغػَتوا‬ ‫ما بأنفس م ) (األنفػاؿ ‪ )ٖ٘ /‬حػُت يُن ػر إليػو علػى أسػاس التػاؾ ب ػبلـ اهلل تعػاىل ىبتلػف‬ ‫(ٔ) ان ر فرويد تأليف اد اربيذ طبع بَتوت ٗ٘‪ ٜٔ‬فهل العدالة واغبرية ص ٖٕٕ ‪.‬‬


‫عػػن الن ػػر إليػػو يف عػػوء يػػات اآلفػػاؽ واألنفػػس ويف عػػوء إ سػػَتوا يف األرض فػػان روا كيػػف‬ ‫بدأ اػبلق …‬ ‫إف التأمل يف التاريخ ؼبعرفة ما حدث وكيػف حػدث يفػت للمتأمػل فاقػاً ل شػف السػنة‬ ‫ومعرف ػػة قواع ػػد التس ػػخَت ‪ ،‬فيتة ػػوؿ اإلنس ػػاف إىل أحسػ ػن تق ػػو ويبش ػػي س ػػوياً عل ػػى صػ ػراط‬ ‫مسػػتقيم ‪ ،‬ول ػػن العجلػػى ألحػػداث التػػاريخ تػػرى عػػدـ الت ػوازف بػػُت اآلالـ واؼب اسػ ‪ ،‬كمػػا‬ ‫تػػرى أف اآلالـ الػػيت عانت ػػا البش ػرية أكثػػر مػػن اؼب اس ػ الػػيت حهػػلت علي ػػا ‪ ،‬إال أف ىػػذه‬ ‫الن ػرة العجلػػى ذب ػػل أف طريػػق السػػمو وال مػػاؿ يتطلػ ال ػػدح والعنػػاء ودفػػع العػػرائ مػػن‬ ‫الدموع والدماء ‪.‬‬ ‫إف البش ػرية عانػػت مػػن األوبعػػة الػػيت كانػػت ذبتاح ػػا ‪ ،‬وحػػُت ألقػػى العلػػم أع ػواءه علػػى‬ ‫الغمػػوض الػػذي كػػاف وبػػيط بأسػػباب اآلالـ مػػن اعب ػػل بطبيعػػة ىػػذه األسػػباب ‪ ،‬انقشػػعت‬ ‫ال لمػػة ‪ ،‬وتغػػَت موقػػف اإلنسػػاف ‪ ،‬وإف كػػأف اإلنسػػاف ال يػلاؿ ي ػػدح للتغلػ علػػى اآلالـ يف‬ ‫ى ػػذا اؼبوع ػػوع إال أف موقف ػػو تغ ػػَت ‪ ،‬ف ػػو يس ػػعى عل ػػى به ػػَتة وعل ػػى طري ػػق مس ػػتقيم غب ػػل‬ ‫مش ػ ػ بلت األم ػ ػراض اعبس ػػدية يف الع ػػاَل ‪ ..‬وح ػػُت تتوج ػػو ى ػػذه األع ػ ػواء العلمي ػػة إىل الـ‬ ‫ومش بلت األمراض الن عة اغبعارية الناذبة عن األىػواء ‪ ،‬يهػب اإلنسػاف عنػد ذلػك كمػا‬ ‫وصفو رسوؿ اهلل ‪ ‬إ « كأمبا نشط من عقاؿ » أي كاف مقيداً باغببل ففك قيػده ‪ ،‬وىػذا‬ ‫تشبيو للةالة النفسية باعبسدية ‪ ،‬إال أف الشفاء من اغبالة النفسية حُت يهي الدواءُ الداءَ‬ ‫أيسر من عبلج اؼبرض الععوي اعبسدي ‪ ،‬ف ل واحد منا يشػعر حػُت ربػل مشػ بلتو كػأف‬ ‫يقبلً كاف على كاىلو ا ُح َّ‬ ‫ط عنو … والعلم ىو الذي سي شف ىذه اغبقائق وهبلي ا ‪.‬‬ ‫العلم والتوحيد‬


‫التوحي ػػد ى ػػو لػ ػ ال ػػدين وج ػػوىر العب ػػادة ‪ ،‬وى ػػو ال ػػركن األوؿ واألساس ػػي يف اإلس ػػبلـ‬ ‫وشعاره إ ( ال إلو إال اهلل ) و ( قل ىػو اهلل أحػد ) و ( إف صػبلب ونسػ ي وؿبيػاي وفبػاب‬ ‫هلل رب العاؼبُت ال شريك لو ) (النعاـ ‪. )ٕٔٙ /‬‬ ‫وى ػػذا الش ػػيء مع ػروؼ معرف ػػة عام ػػة ل ػػدى عام ػػة اؼب ػػؤمنُت ‪ ،‬ول ػػن ال ػػذي يف حاج ػػة إىل‬ ‫إيعاح ىو أف التوحيد يب ن أف ي ر يف يبلية جوان إ توحيد الذات ‪ ،‬وتوحيد التشريع ‪،‬‬ ‫وتوحيد الر بة والرىبة ‪.‬‬ ‫ٔ‪ -‬توحيد الذات إ ونعٍت بذلك أف اػبالق واحد ‪ ( .‬ىل مػن خػالق ػَت اهلل ) (فػاطر‬ ‫‪ . )ٖ /‬وىذا النوع من التوحيد ‪ ،‬كاف كثػَت مػن اؼبشػركُت اؼبعاصػرين لرسػوؿ اهلل ‪ ‬يقػوؿ بػو‬ ‫إ ( ولػ ػػعن سػ ػػألت م مػ ػػن خلػ ػػق السػ ػػماوات واألرض وسػ ػػخر الشػ ػػمس والقمػ ػػر ليق ػ ػولن اهلل )‬ ‫(العن ب ػػوت ‪ . )ٙٔ /‬إال أف ىػػذا التوحيػػد ػػَت كػػاؼ ‪ .‬فمػػا داـ اػبػػالق واحػػداً فيج ػ أف‬ ‫ت وف الطاعة ألمره وحده ‪.‬‬ ‫ٕ‪ -‬توحيػػد التش ػريع إ وىػػو أف ت ػػوف الطاعػػة ألمػػر اهلل وحػػده ‪ .‬ولقػػد أطلػػق اؼبسػػلموف‬ ‫علػػى توحيػػد الػػذات وتوحيػػد التشػريع لف ػػة توحيػػد الربوبيػػة ‪ .‬قػػاؿ اهلل تعػػاىل إ ( أال لػػو اػبلػػق‬ ‫واألمر ) (األعراؼ ‪ . )٘ٗ /‬ف ما أف اهلل خػالق ال شػريك لػو يف اػبلػق ‪ ،‬كػذلك ال شػريك‬ ‫لو يف األمػر الػذي ىػو التشػريع ‪ .‬تػبل عػدي بػن حػا قولػو تعػاىل ( ازبػذوا أحبػارىم ورىبػا م‬ ‫أربابػاً مػػن دوف اهلل ) قػػاؿ عػػدي بػػن حػػا (َل يعبػػدوىم) ‪ ،‬فقػػاؿ لػػو رسػػوؿ اهلل ‪ ‬إ « بلػػى‬ ‫إ ػػم حرم ػوا علػػي م اغبػػبلؿ وأحل ػوا ؽبػػم اغب ػراـ فػػاتبعوىم فػػذلك عبػػادهتم إيػػاىم » رواه اضبػػد‬ ‫والًتمذي ‪.‬‬ ‫ٖ‪ -‬أما النػوع الثالػث مػن التوحيػد ف ػو إ توحيػد الر بػة والرىبػة ‪ .‬وىػذا النػوع ىػو الػذي‬ ‫ظباه اؼبسلموف توحيد األلوىية ‪ ،‬وىو الذي أن ػره اؼبشػركوف حػُت قػالوا إ ( أجعػل اآلؽبػة إؽبػاً‬ ‫واحداً إف ىذا لشيء عجاب ) (ص ‪. )٘ /‬‬ ‫فالنوع األوؿ من التوحيد ىبالفو اؼباديوف أصةاب وحػدة الوجػود ‪ ،‬والثػاي ىبالفػو الػذين‬ ‫وىبعػػعوف البشػػر لػػو‬ ‫يتخػذوف البشػػر مهػػدراً للتشػريع دوف مراعػػاة موافقػة أو ـبالفػػة أمػػر اهلل ‪ُ ،‬‬


‫كما وب ي القر ف ال ر عن فرعوف إ ( لعن ازبذت إؽبا ػَتي ألجعلنػك مػن اؼبسػجونُت )‬ ‫(الشعراء ‪. )ٕٜ /‬‬ ‫عَّر اؼبخلوقات أو يرجوف نفع ا ‪.‬‬ ‫والنوع الثالث ىبالفو عامة البشر الذين ىبافوف ُ‬ ‫إف ىػػذه اؼبعػػاي يب ػػن أف نعػػا عن ػػا بأسػػالي ـبتلفػػة ‪ ..‬واؼب ػػم ىنػػا إ مػػا عبلقػػة ىػػذا‬ ‫التوحيد بالعلم‬ ‫اعب ػواب علػػى ىػػذا التسػػا ؿ ي ػػوف دبعرفػػة أمػػر اهلل وااللت ػلاـ بػػو ‪ ،‬فعػػدـ العلػػم ىػػو الػػذي‬ ‫هبعػػل اإلنسػػاف ال يلتػػلـ بالتوحيػػد ‪ .‬إذف العل ػػم ى ػػو أسػػاس التوحيػػد ال ػػذي يق ػػوـ علي ػػو ‪ ،‬وال‬ ‫توحيد ببل علم ‪ ،‬ف ذا كاف ال قباة بدوف توحيد ‪ ،‬وال توحيد بدوف علم ‪ ،‬ف نو ال قباة بدوف‬ ‫علم ‪.‬‬ ‫ىػػذا معلػػوـ يف التوحيػػد يف أمػػر اهلل التشػريعي (اغبػػبلؿ واغبػراـ يف الػػدين) ‪ .‬أمػػا العلػػم يف‬ ‫أمػػر اهلل ال ػػوي أي معرفػػة ياتػػو يف اآلفػػاؽ واألنفػػس وتسػػخَت ال ػػوف فػػاألمر كػػذلك أي ال‬ ‫تسخَت بدوف علم ‪ .‬فعدـ العلم بسنن اهلل يف ال وف ال هبعل ال وف مسخراً لئلنساف ‪ ،‬ألف‬ ‫تسػػخَت ال ػػوف ال يػػتم إال بػػالعلم ‪ .‬وىػػذا واعػ يف ؾبػػاالت اللراعػػة والهػػناعة وتربيػػة اغبيػواف‬ ‫بػػل ويف ؾبػػاؿ اإلنسػػاف ‪ ،‬إذف إف النجػػاة والنجػػاح يف اآلخػػرة ‪ ،‬والنجػػاة والنجػػاح يف الػػدنيا ال‬ ‫تتم إال بالعلم ‪..‬‬ ‫ىػػذا األسػػلوب الػػذي قػػدمنا بػػو اؼبوعػػوع معػػروؼ إىل حػ ٍػد مػػا ‪ ،‬ول ػػن يب ػػن أف يعػػرض‬ ‫اؼبوعػػوع بأسػػلوب خػػر ربػػت عن ػواف مش ػ لة إنسػػانية زمان ػاً وم ان ػاً بػػل ربػػت عن ػواف قيمػػة‬ ‫إنسانية ‪.‬‬ ‫َلَ ىذا االىتماـ ال بَت بالتوحيػد يف الػدين ف ػل يب ػن أف نػرى أنبيػة التوحيػد يف واقػع‬ ‫الفرد واعبماعة وىل ىو شيء م م ؼبػا يعانيػو اإلنسػاف يف ىػذه اغبيػاة أيعػاً ألنػو ال قبػاة‬ ‫يف اآلخرة بدوف توحيد وعلم ‪ ،‬وال قباح يف الدنيا بػدوف علػم كمػا سنوعػ فيمػا بعػد ‪ .‬إننػا‬ ‫لػػو أعػػدنا ق ػراءة الفقػػرة السػػابقة وكبػػن نعػػع كلمػػة العلػػم م ػػاف كلمػػة التوحيػػد ل ػػاف اؼبغػػلى‬ ‫واحداً ‪.‬‬


‫سبق أف حبثنا أف العلم إمبا كبهلو بالتعامل مع الواقع اػبارجي ‪ ،‬وتهةي أف ار الناس‬ ‫ي ػػتم ب ػػالعودة إىل الواق ػػع اػب ػػارجي ال ػػذي تتة ػػدث عن ػػو تل ػػك األف ػػار ‪ .‬كم ػػا حبثن ػػا أف م ػػن‬ ‫معوقات العلم الن ر إىل عاَل األشػخاص بػأ م مهػدر العلػم ‪ ،‬وأف القػر ف يػدين ىػذا الن ػر‬ ‫ويسميو (ما وجدنا عليو باءنا) ويل على التعامل مع الواقػع اػبػارجي ور يػة عواقػ األمػور‬ ‫‪.‬‬ ‫واإلنسػػاف ال يػػتعلم الشػػك فيمػػا عليػػو اآلبػػاء واختبػػار مػػا ىػػم عليػػو بالوقػػائع اػبارجيػػة إال‬ ‫دبعانػػاة شػػديدة وأشبػػاف م لفػػة ‪ ،‬فاإلنسػػاف تعلػػق بوسػػائل العلػػم الػػيت أخػػذىا عػػن بائػػو وقبيلتػػو‬ ‫تعلقاً ذابت معو شخهيتو ‪ ..‬فلو ن رنا إىل العلم أو التوحيد كيف يتعلمو اإلنساف دبعانػاة ‪،‬‬ ‫أو ن رنػػا إىل الواقػػع كيػػف بػػدأ اإلنسػػاف يف تعلمػػو ‪ ،‬أو كيػػف بػػدأ خلقػػو ‪ ..‬ألم ننػػا أف نقػػوؿ‬ ‫مػػع الػػذين يسػػَتوف يف األرض وين ػػروف كيػػف بػػدأ اػبلػػق ‪ .‬إف اػبلػػق َل ي ػػر كمػػا ىػػو مػػرة‬ ‫واحدة ‪ ،‬وإمبا بدأ ععيفاً ويليد فيو ما يشاء ‪.‬‬ ‫وإعػػادة الن ػػر يف كيػػف بػػدأ اػبلػػق أمػػر م ػػم مثػػل التوحيػػد والعلػػم ‪ ،‬ف ػػو يػػدخل يف ل ػ‬ ‫العلػػم ‪ ..‬أي معرفػػة كػػف خلػػق اهلل مػػا خلػػق حػػىت ال ي ػػوف علمنػػا بػػاهلل مثػػل ظػػن اعباىليػػة (‬ ‫ي نوف باهلل َت اغبق ظن اعباىلية ) ( ؿ عمراف ‪. )ٔ٘ٗ -‬‬ ‫(إنن ػػا َل ن ػػألف الن ػػر إىل ظ ػػور الفردي ػػة عل ػػى ان ػػو عملي ػػة تارىبي ػػة ‪ ،‬ب ػػل إنن ػػا قب ػػن إىل‬ ‫االعتقاد بأف األفراد كانوا منذ أف كاف الناس على األرض ‪ ،‬وىذا بالطبع صةي دبعٌت مػا ‪،‬‬ ‫ف ل إنساف عاش يف ا وقػت كػاف فػرداً ‪ ،‬ل ػن اؼبلفػت للن ػر ىػو أف البيػة النػاس يف مع ػم‬ ‫التػػاريخ البشػػري َل ىبػػامرىم إال أدي شػػعور بفػػرديت م ‪ ،‬فقػػد تطػػورت ف ػػرة الفرديػػة بوصػػف ا‬ ‫حقيقة من حقائق الناس أو مثبلً أعلى وبيا من أجلو اإلنساف خبلؿ التاريخ البشري)(ٔ) ‪.‬‬ ‫وأظػػن أنػػو يب ػػن إلقػػاء عػػوء ‪ -‬م مػػا كػػاف خافت ػاً ‪ -‬علػػى ىػػذا اؼبوعػػوع حػػُت نن ػػر إىل‬ ‫الناس يف يبونا ىذا وىم يقولوف إزاء اؼبش بلت االجتماعية (شو بيطلع بأيدينا ) ‪ .‬إف مػن‬ ‫أكا األمور اليت على اؼبهل االجتمػاعي القيػاـ هبػا تبهػَت األفػراد بقػدراهتم وإم انػاهتم الػيت‬ ‫(ٔ) الغرب والعاَل ‪ ،‬تاريخ اغبعارة من خبلؿ موعوعات ‪ ،‬تأليف كافُت رايلي ‪ ،‬ص ٔ٘ٔ ‪ ،‬طبع ٘‪. ٜٔٛ‬‬


‫ي درو ا ‪ .‬وفت يق على ىػذا اغبػاجل الػونبي ‪ -‬الشػعور بعػدـ القػدرة علػى فعػل شػيء مػا‬ ‫ الػػذي يشػػل ج ػػد األفػراد يف السػػعي لتغػػَت الوعػػع إىل مػػا ىػػو أفعػػل ‪ ،‬يعػػعنا علػػى طريػػق‬‫اغبػػل ويغػػَت مواقفنػػا ‪ ،‬ألف اؼبشػ لة ليسػػت يػػاب األىػػداؼ وإمبػػا عػػدـ معرفػػة وسػػائل ربقيػػق‬ ‫األىداؼ اليت ىي ‪ -‬الوسائل ‪ -‬العلم والتوحيد ‪.‬‬ ‫فاؼبعٌت الذي يريد أف يازه صاح النا اؼبقتبس السابق من كلمة (ظ ور الفردية) ىو‬ ‫ىذا اؼبعٌت الذي أردت إبرازه هبذا العوء اػبافت ‪.‬‬ ‫إذا ألقينا الن ر على الواقع االجتماعي وقمنا بتةليلو لوجدنا أف الشعور العميق بالعجل‬ ‫من أكا اؼبش بلت اليت ال تعيق التقدـ فةس ‪ ،‬بل ذبعل البدء يف العملية أمراً مسػتةيبلً‬ ‫‪ .‬إف إبراز إم انات الفرد قدراتو على التغيَت واؼبسػانبة يف التغيػَت مػن أشػرؼ وأقػدس اعب ػود‬ ‫اليت بذؽبا البشر يف تارىب م الطويػل ‪ .‬ومػا أحوجنػا اليػوـ إىل ال تػاب والبينػات إلعػادة اغبيػاة‬ ‫إىل ىذه البذرة اؼبفقودة وفت يق يف ىذا اعبدار الػذي يهػطدـ بػو ج ػود اؼبهػلةُت فنرتػد‬ ‫خائبُت حسارى خاسعُت ‪.‬‬ ‫ػت ىػذا اؼبعػٌت وىػم ‪ -‬يف‬ ‫وحىت اعب ود التغيَتية اؼببذولة يف عاَل اليوـ قاطبػة ال تػلاؿ ت ب ُ‬ ‫أحسػػن األح ػواؿ ‪ -‬ال يريػػدوف إظ ػػار النلعػػات الفرديػػة يف القػػدرة علػػى إبهػػار كيػػف ومػػىت‬ ‫ت وف ج ودىم مثمرة ‪.‬‬ ‫وإف م ػػن أروع اللة ػػات تل ػػك ال ػػيت وب ػػس في ػػا اإلنس ػػاف بفرديت ػػو ‪ ،‬أي ين ش ػػف ل ػػو‬ ‫السػػلطاف ال ػػامن يف داخلػػو ‪ ،‬وتبػػدو م انتػػو يف ىػػذا ال ػػوف اؼبسػػخر لػػو وتفاعلػػو مػػع اغبقيقػػة‬ ‫الع مػى الػيت تنقػذه مػن الػذين ي بتػوف فيػو ىػذا اغبػق ال ػامن منػو ‪ ،‬ىػذا العلػم الػذي يعطػي‬ ‫لئلنسػػاف ىػػذا الشػػعور ىػػو الػػذي يشػػعره بفرديتػػو وتوحػػده ‪ ،‬وىبرجػػو مػػن اعب ػػل والشػػرؾ إىل‬ ‫التوحيد ‪ ،‬واؼبسؤولية وضبل األمانة اإلهبابية ‪.‬‬ ‫يذكر اح كتػاب (الغػرب والعػاَل ‪ -‬القسػم األوؿ)(ٔ) يف فهػل (التفػرد والثقافػة) كيػف‬ ‫أف التفرد وشعور اإلنساف باؼبسػؤولية اػباصػة كانػت مفقػودة يف القبائػل البدائيػة قبائػل الهػيد‬ ‫(ٔ) عاَل اؼبعرفة ع‪ ٜ.‬تأليف كافُت رايلي ‪ ،‬ترصبة إ عبد الوىاب اؼبسَتي وىدى حجازي ‪.‬‬


‫وعندما نت لم عن التفرد والنلعة الفردية يف اجملتمع اغبػديث ‪ ،‬مػن اؼب ػم أف نػدرؾ أننػا نتػأوؿ‬ ‫أف اراً ؽبا تػاريخ ؿبػدود وؿبػدد مػن اؼبعػاي ‪ ،‬ويف أقهػى حػاالت تفردنػا ال مبلػك أف نعػا عػن‬ ‫أنفسنا بغَت األلفاظ اليت أخذناىا عن تارىبنا الثقايف) ‪( .‬ص ‪. )-ٕٔ٘-‬‬ ‫واللغة ترشد إىل كيف بدأت ىذه اؼبعاي ‪ ،‬ألف اللغة توجػد بعػد أف ربلػق ىػذه اؼبعػاي ‪،‬‬ ‫ودراسة اللغات تبُت عدـ وجود ال لمات اليت تػدؿ علػى اسػتقبلؿ اإلنسػاف الفػرد ‪ ،‬ودراسػة‬ ‫اغبعػػارات ونشػػوء اؼبػػدف وانتشػػار اغبديػػد تبػػُت كيػػف سػػانبت ىػػذه األمػػور يف إبػراز شخهػػية‬ ‫اإلنساف الفردية ‪.‬‬ ‫(مػػع أف اليونػػاف كػػانوا متطػػورين بالنسػػبة لقبائػػل الهػػيد ‪ ،‬ف ػ ف سػػقراط حػػُت كػػاف يوجػػو‬ ‫نقػػده اغبػػاد لؤلسػػلوب الػػذي يتلقػػى النػػاس بػػو معػػارف م ‪ ،‬وكػػاف يطػػرح أسػػعلة ياقبػػة تعػػد ربػػدياً‬ ‫لؤلف ار التقليديػة متسػائبلً عػن الطريقػة الػيت هبػا التوصػل إىل ىػذه األف ػار … ) (ص ‪-‬‬ ‫٘‪. )ٜٔ‬‬ ‫(على الر م من أف أيينػا أقببػت سػقراط ‪ ،‬فػ ف اجملتمػع األييػٍت كػاف عػاجلاً عػن التسػام‬ ‫مع مثل ىذه النلعة الفردية ‪ ،‬واغب م باإلعداـ الذي صدر عليو يوع اغبػدود الػيت ال هبػوز‬ ‫أف تتعداىا النلعة الفردية فغي ذلك التاريخ) ص ٓ‪. ٔٙ‬‬ ‫(وكػػاف االسػػاطيوف مػػن سػػن السػػابعة يتلقػػوف تعليم ػاً يعػػدىم للن ػػاـ العس ػ ري الهػػارـ‬ ‫والطاعة اؼبطلقة للدولة) ص ‪. ٔٙٔ -‬‬ ‫ويػ ػػذكر تػ ػػوينيب كيػ ػػف اسػ ػػتقبل اليونػ ػػاف والرومػ ػػاف الف ػ ػػرة اؼبسػ ػػيةية علػ ػػى أ ػ ػػا سػ ػػرطاف‬ ‫اجتمػػاعي مسػػؤوؿ عػػن ربلػػل الدولػػة ‪ ،‬ويػػذكر عػػن شػػاعر رومػػاي أنػػو ق ػاؿ إ (إف شػػاباً كػػر‬ ‫اظتد ينتمي إىل أمتنا ‪ ،‬شاباً ال يعوزه اغبس انساؽ وراء اػببل وف رة ىجراف الػدنيا ‪ ..‬إىل‬ ‫أف جػػاء جيبػػوف ووصػػف انتهػػار الابريػػة والػػدين ‪ .‬وقػػد وسػػع الشػػرح عػػاَل يف القػػرف العشػرين‬ ‫عليع يف علم أصوؿ اإلنساف ال يقل عن جيبوف وىو فريلر وقد قػاؿ فريػلر يف كتابػو الغهػن‬ ‫الذىيب إ‬


‫فقد قاـ اجملتمع اليوناي ‪ -‬الروماي على ف رة خنوع الفرد للجماعة وسيطرة الدولة على‬ ‫اؼب ػواطن ‪ .‬وذبع ػػل ى ػػذه الف ػػرة سػػبلمة اجملتم ػػع منػػاط الس ػػلوؾ وىدفػػو األظبػػى وتؤيرىػػا عل ػػى‬ ‫سػػبلمة الفػػرد يف الػػدنيا واآلخػػرة ‪ ..‬علػػى أف انتشػػار األديػػاف الشػرقية وذيػػوع تعاليم ػػا قػػد ػ ّػَت‬ ‫ىػػذا الطػػابع بأسػػره وبػػث فػػي م اعتبػػار اػبػػبلص السػػرمدي ىػػو اؼبػػأرب الوحيػػد بت ػريس اغبيػػاة‬ ‫مػػن أجلػػو ‪ .‬ومقابػػل ىػػذا أصػػب ازدىػػار الدولػػة بػػل وحػػىت وجودىػػا يف أدي درجػػات األنبيػػة‬ ‫والتقػػدير … واسػػتمرت ىػػذه الف ػػرة تسػػيطر ألػػف سػػنة علػػى عقػػوؿ النػػاس ‪ ،‬ا كػػا إحيػػاء‬ ‫القانوف الروماي وفلسفة أرسطو والفنوف القديبة يف أواخر القروف الوسطى ‪.‬‬ ‫وى ذا انقعى التوقف الطويل الذي كابدتو اغبعارة واكبسر لو اؼبد الشرقي ومػا يػلاؿ‬ ‫يف اكبسار متهل) ‪ .‬ا يقوؿ توينيب إ‬ ‫(ول ن ما رأي النػاظر عػن بعػل األسػالي الػيت تبػدت هبػا عػودة أوروبػا إىل اؼبثػل العليػا‬ ‫إنو جيل خر من الوينية)(ٔ) ‪.‬‬ ‫نقلن ػػا ى ػػذه ال لم ػػات لت ػػدؿ عل ػػى ر ي ػػة تسلس ػػل اؼبش ػ لة اإلنس ػػانية ‪ ،‬كي ػػف أف إع ػػادة‬ ‫االعتبػػار لئلنسػػاف والتفػػرد ‪ ،‬أو إعػػادة التوحيػػد إىل اإلنسػػاف يعتػػاه فريػػلر عقبػػة أمػػاـ اغبعػػارة‬ ‫بينما يعتا توينيب فريلر عائداً للوينية ‪ .‬األمر واع من ناحية كيف ع ّػا كػل واحػد عػن رأيػو‬ ‫‪ ،‬ول ن ما مقار الهواب وأين بدأ التاريخ وأين يتجو‬ ‫واع أف اغبعػارة اليونانيػة ‪ -‬الرومانيػة اسػتبعدت اإلنسػاف للدولػة ‪ .‬واغبػق أف اؼبشػ لة‬ ‫ليس ػػت يف س ػػبلمة الف ػػرد وح ػػده أو س ػػبلمة اجملتم ػػع فق ػػط ‪ ،‬ول ػػن يف س ػػبلمة اعبمي ػػع ‪ ،‬ألف‬ ‫سبلمة اعبميع بدوف اجت اد األفراد ليست بشيء ‪ ،‬وال يتجاوز ذلك اجملتمع ؾبتمع النمل ‪،‬‬ ‫والفرد بدوف اجملتمع صفر ‪ .‬والعلم والن ر والتأمل كيف يتم اػبلق ىو الذي يعع كل شػيء‬ ‫موععو اؼبناس ‪ .‬واألفراد الذين ين روف كيف يتم اػبلق ‪ ،‬كػانوا يف موعػع االعػط اد مثػل‬ ‫سقراط ‪ .‬وىذا ما قبده يف قها األنبياء واألمم ‪ ..‬كانػت األمػم تواجػو ىػذه الن ػرات الػيت‬ ‫(ٔ) دراسة للتاريخ ‪ ،‬توينيب ‪ ،‬ج ٖ ‪ ،‬ص ٘ٗٔ ‪ ،‬طبع ٓ‪ . ٜٔٙ‬ويذكر توينيب أيعاً مباذج ؽبذه الثنية اعبديدة اليت سبثلت يف النازية‬ ‫والفاشية والعنهرية ‪.‬‬


‫يأب هبا األفراد بقوؽبم إ ( وما ظبعنا هبػذا يف بائنػا األولػُت ) (القهػا ‪ ( ، )ٖٙ -‬يريػداف‬ ‫أف ىبرجاكم من أرع م بسةرنبا ويذىبا بطريقت م اؼبثلى ) (طو ‪ ( )ٖٙ /‬لنخػرجن م مػن‬ ‫أرع ػػنا أو لتع ػػودف يف ملتن ػػا ) (إبػ ػراىيم ‪ ( ، )ٖٔ -‬وم ػػا أرس ػػلنا يف قريػ ػة م ػػن ن ػػذير إال ق ػػاؿ‬ ‫مًتفوىا إنا دبا أرسلتم بو كافروف ) (سبأ ‪. )ٖٗ /‬‬ ‫والعلػػم ينػػتج دائم ػاً مػػن اؼببػػادرات الفرديػػة الػػيت نبتػػت يف أرض اجملتمػػع ‪ ،‬ىػػذا ىػػو الواقػػع‬ ‫ول ن اجملتمع يريد أف ي بت ىػذه اؼببػادرات حػىت يف األمػور ال ونيػة التسػخَتية ‪ ،‬وىنػا البػد‬ ‫مػػن وعػػع قاعػػدة للعلػػم واغبػػق أساس ػ ا أف األفػراد الػػذين يتبػػُت ؽبػػم ىػػذا علػػي م أف يتةمل ػوا‬ ‫األمانة اليت ألقيت علي م ويتةملوا عغط اجملتمع ؛ ؽبذا على األنبيػاء واألمػرين بالقسػط مػن‬ ‫النػػاس أف يهػػاوا صػػا أو العػػلـ م ػػن الرسػػل ‪ ،‬وكمػػا يق ػػوؿ ؿبمػػد ‪ ‬إ « رحػػم اهلل أخ ػػي‬ ‫موسى إنو أوذي أكثر من ىذا فها » ‪.‬‬ ‫البػػد مػػن كشػػف السػػنة والقػػانوف ليػػتم ن اإلنسػػاف مػػن الهػػا ‪ ،‬وال يػػتم ذلػػك إال إذا‬ ‫كشف قانوف اعب د اؼب افت ‪ .‬وال وف خلق مسخراً لئلنساف شرط أف يعلػم اإلنسػاف قػانوف‬ ‫التسػػخَت ‪ ،‬ؽبػػذا ف ػ ف األمػػر لػػيس بالس ػ ولة اؼبفرطػػة وال بالتعقيػػد اؼبعجػػل ‪ ،‬وإمبػػا باؼبعانػػاة الػػيت‬ ‫ت وف العاقبة في ا جبانػ اغبػق ( فأمػا اللبػد فيػذى جفػاء وأمػا مػا ينفػع النػاس فيم ػث يف‬ ‫األرض ) (الرعد ‪ )- ٔٚ -‬فعلى أىل العلم أف يبينوا ويبلغوا ‪.‬‬ ‫إف ف ػرة التوحيػد خػروج مػن اآلبائيػة وعبػادة اآلبػاء ‪ ،‬وىػذه الف ػرة ‪ -‬اػبػروج مػن تقليػػد‬ ‫اآلبػػاء ‪ -‬ىػػي األرعػػية الػػيت نبتػػت في ػػا كػػل اإلقب ػػازات البش ػرية حػػىت الػػيت كانػػت يف ص ػػورة‬ ‫معارعػػة للػػدين إ ػػا َل ت ػػن معارعػػة عبػػوىر الػػدين وإمبػػا كانػػت معارعػػة ب ػػل وعػػوح لف ػػرة‬ ‫اآلبائية ‪.‬‬ ‫واآلباء كانوا حريهُت دائماً على ص األبناء يف قوال تسد علي م اؼبنافذ ‪ ،‬واإلنساف‬ ‫عنده مرونة كبَتة يف تقبل القوال اليت يب ن أف يُش ل علي ػا ‪ ،‬كمػا أف لػو توقػاً وتطلعػاً إىل‬ ‫اغبق ‪ .‬إف ىذه الطبيعة اؼبلدوجة لئلنساف ُسب ػن االسػتفادة من ػا بفنيػة كاملػة إلهبػاد اإلنسػاف‬ ‫الذي يلتلـ باعبماعة ‪ ،‬ول ن ال يس ت عن قوؿ اغبق ‪ .‬فالهػةا بػبلؿ ‪ -‬رعػي اهلل عنػو‬


‫ كاف يشعر هبذه اؼبسؤولية وأنو ليس صفراً وأنو يب ن ‪ ،‬بل هب أف يػؤدي دوره حػُت كػاف‬‫يعلن أحد أحد وىو ربت التعذي ‪ ،‬وَل يقل يف نفسو إ إف اؼبش لة فوؽ طاقيت ‪ ،‬فمن أنػا‬ ‫حىت أزج بنفسي يف ىذه اؼبعركة أجل ! لقد كاف عبداً ريباً طارئاً ‪ .‬كاف عبداً من الناحية‬ ‫القانونيػػة ‪ ،‬ول ػػن كػػاف يبػػارس اغبريػػة واؼبسػػؤولية بش ػ ل َل ي ػػن يف مقػػدور مػػن يعيشػػوف يف‬ ‫عػػاَل ألغيػػت فيػػو العبوديػػة قانوني ػاً بػػل إ ػػم ؿبرومػػوف مػػن غب ػػة يشػػعروف في ػػا بػػأ م يبارسػػوف‬ ‫حق م يف تبٍت ما يرونو حقاً ويلتلمونو عبلنية ‪.‬‬ ‫وعند ىذه النقطة يبدو صراع اغبعارة مع التخلف وصراع التوحيد مع الوينية ‪ .‬اغبعارة‬ ‫والتوحيد يقوالف لئلنساف إ عليك أف سبارس ىذا اغبق فأنت مسػؤوؿ أمػاـ اغبػق وحػده أمػاـ‬ ‫اهلل الذي خلق باغبق وأماـ نفسك ‪ .‬أنت الذي ربمل اغبق وتلتلـ بو ‪ ،‬وىذا اغبق لك ومن‬ ‫ينازع ػػك ف ػػو اؼبتخل ػػف اؼبش ػػرؾ ( ال إك ػراه يف ال ػػدين ) (البق ػػرة ‪( ، )ٕ٘ٙ /‬م ػػىت اس ػػتعبد‬ ‫الناس وقد ولدهتم أم اهتم أحراراً) كما قاؿ عمر رعي اهلل عنو ‪.‬‬ ‫وجاليلو وىو يعلن أنػو يػًتؾ اؽبرطقػة أمػاـ ىيعػة اإلدانػة كانػت تتقػد يف نفسػو شػعلة اغبػق‬ ‫والعلم ‪ ،‬وإف كاف ير أف يتخذ موقف الذي أكره وقلبو مطمعن باإليباف ‪.‬‬ ‫إف مػػن ال يقػػف عنػػد الرسػػوـ واألش ػ اؿ يعػػرؼ أيػػن يتمركػػل اللبػػد وأيػػن يبقػػى مػػا ينفػػع‬ ‫النػػاس ‪ ..‬إ ػػا ملػػة إب ػراىيم ‪ -‬األواه اغبلػػيم ‪ -‬الػػذي يلتػػلـ اغبػػق ويػػرحم اػبلػػق مػػع أنػػو ال‬ ‫ي ػػف عػػن إعبلنػػو يف أنػػو ال وبػ اآلفلػػُت ‪ ،‬وي ػػل ي ػػرر إ ( وكيػػف أخػػاؼ مػػا أشػػركتم وال‬ ‫زبافوف أن م أشركتم باهلل ما َل ينلؿ بو علي م سلطاناً ‪ .‬فأي الفريقُت أحق باألمن إف كنتم‬ ‫تعلم ػػوف ) (األنع ػػاـ ‪ ( ، )ٛٔ /‬ق ػػد كان ػػت ل ػػم أس ػػوة حس ػ ػنة يف إب ػ ػراىيم وال ػػذين مع ػػو )‬ ‫(اؼبمتةنة ‪. )ٗ /‬‬ ‫لقد وعع إبراىيم ‪ -‬عليو السبلـ ‪ -‬اآلبائية يف اؼبيلاف ‪ ،‬وأنػو ال هبػوز لئلنسػاف أف ىبػوف‬ ‫اغبق والعػمَت يف سػبيل اآلبػاء ‪ ،‬إنػو مػوطن الهػراع إ اغبػق والعػمَت أـ اآلبػاء واجملتمػع إف‬ ‫اغبق والعمَت ليس عد اآلباء واجملتمع وإما عد الباطل واػبطأ ‪ .‬وىذا التمييل عروري حىت‬ ‫ال لبرج عن العدؿ ‪.‬‬


‫إف اآلب ػػاء يف عه ػػر التخل ػػف يري ػػدوف م ػػن اإلنس ػػاف أف ي ػػوف مث ػػل س ػػائر األش ػػياء ال ػػيت‬ ‫يستخدم ا اإلنساف ويسخرىا ‪ ،‬بينما يقوؿ لػو العلػم والتوحيػد إ أنػت لسػت كاألشػياء …‬ ‫إنػػك خلػػق خػػر ‪ .‬ويعػػلز فريػػلر الن ػػرة السػػلبية عنػػدما يشػ و مػػن أف األديػػاف الشػػرقية قعػػت‬ ‫علػػى ديانػػة اليونػػاف والرومػػاف الػػيت كانػػت تهػػوغ الفػػرد علػػى أنػػو للدولػػة واجملتمػػع ‪ ،‬وال تبػػا‬ ‫بسػػبلمة الفػػرد يف الػػدنيا واآلخػػرة ‪ ،‬وأف الف ػػرة الشػرقية اسػػتمرت يف السػػيطرة ألػػف سػػنة علػػى‬ ‫عقوؿ الناس ‪ ،‬ا كاف إحياء القانوف الروماي وفلسفة أرسطو يف أواخر القروف الوسػطى بعػد‬ ‫الف ػػر اؼبسػػيةي ‪ .‬وإف مػػا يقػػوؿ عنػػو فريػػلر إ (ا كػػاف أحيػػاء القػػانوف الرومػػاي) ىػواف ي ػػوف‬ ‫اإلنسػػاف مثػػل سػػائر أشػػياء اجملتمػػع وكػػذلك فػ ف تػػوينيب يُسػػبو جيػػوش اإلمااطوريػػات بعػواري‬ ‫الرعاة ‪ ،‬وكما يشبو اإلنساف يف مواطن أخرى بالفرس أو القارب ‪.‬‬ ‫واآلف إ إف ف ػػرة اليونػػاف والرومػػاف عػػادت وسػػيطرت علػػى العػػاَل فجميػػع جيػػوش العػػاَل‬ ‫تلقػػن أفرادىػػا أف ينفػػذوا أوامػػر قػػادهتم بػػدوف تػػردد أو تػػذمر ‪ ،‬وأال يعًتع ػوا إال بعػػد تنفيػػذ مػػا‬ ‫أمروا بو ‪.‬‬ ‫ىػػذا الن ػػاـ هبعػػل اعبنػػدي مثػػل البندقيػػة أو اؼبػػذياع ‪ .‬إف البندقيػػة ال يب ػػن أف سبتنػػع عػػن‬ ‫االنطبلؽ حُت يعغط على اللناد ‪ ،‬وال تقوؿ إ إنٍت لن أقتل ىػذا ألنػو بػريء أو ال يسػتةق‬ ‫القتل ‪ .‬واؼبذياع ال يب ن أف يقوؿ إ سوؼ ال أنقل ىذا اػبا ألنو باطل ‪ .‬والسػوط ال سبتنػع‬ ‫عن اؽبوي على جسد إنساف ألنو َت مداف ‪ .‬وى ذا تريد اغبعارات والدوؿ يف العاَل اآلف‬ ‫أف ي ػوف جنودىػا ‪ ،‬بينمػػا التوحيػد والعلػم واألديػػاف تقػوؿ لئلنسػاف إ ال هبػػوز لػك أف ت ػػوف‬ ‫بندقية أو عها أو مي رفونػاً بأيػدي النػاس ‪ .‬أنػت خلػق خػر سبيػل اػبطػأ مػن الهػواب واغبػق‬ ‫من الباطل ‪ ،‬ؽبػذا ال هبػوز لػك أف تطيػع يف معهػية إ « ال طاعػة ؼبخلػوؽ يف معهػية اػبػالق‬ ‫» ‪ « ،‬وإمبا الطاعػة يف اؼبعػروؼ » ‪ ،‬كمػا تقػوؿ لػو إ إف العمػل الػذي تقػوـ بػو أنػت مسػؤوؿ‬ ‫عنو ‪ ،‬وال تعفيك السلطة اليت أصدرت األمر ‪ ،‬إذ ال ل مسؤوؿ ‪.‬‬ ‫ي ػػوـ القيام ػػة يقول ػػوف إ ( ربن ػػا إن ػػا أطعن ػػا س ػػادتنا وكااءن ػػا فأع ػػلونا الس ػػبيبل ‪ .‬ربن ػػا هت ػػم‬ ‫عػػعفُت مػػن العػػذاب والعػػن م لعن ػاً كب ػَتاً ) (األح ػلاب ‪ ( ، )ٙٛ /‬ربنػػا ىػػؤالء أعػػلونا فػػاهتم‬


‫عػػذاباً عػػعفاً مػػن النػػار قػػاؿ ل ػػل عػػعف ) (األع ػراؼ ‪ . )ٖٛ /‬وىػػذه الف ػػرة ىػػي الف ػػرة‬ ‫األساس ػػية ال ػػيت زب ػػالف في ػػا األدي ػػاف التوحيدي ػػة اغبع ػػارات ؛ ؽب ػػذا اعت ػػا ت ػػوينيب اغبع ػػارات‬ ‫ن وص ػاً ع ػػن األدي ػػاف العلي ػػا ‪ .‬فاألديػػاف العلي ػػا إنس ػػانية وظب ػػو ‪ ،‬فاألديػػاف العلي ػػا ليس ػػت ى ػػي‬ ‫سػػرطانات اغبع ػارات كمػػا تهػػورىا فريػػلر وأع ػرابو ‪ ،‬بػػل اغبعػػارات ىػػي سػػرطانات األديػػاف‬ ‫ون و عن ا ‪ ،‬تلد ذراري مثل النازية والفاشية والعنهرية ‪ .‬ف ذه ىي السرطانات (ٔ)‪.‬‬ ‫واألدياف إمبا تهاب بالن سات حُت تقلد اغبعارات ‪ ،‬وحُت يتةوؿ الدين إىل وينية ‪،‬‬ ‫ويلقن الناس أف العهمة لآلباء واؼبشايخ … إنو التػدحرج السػ ل للمنةػدر ولػيس الهػعود‬ ‫الشاؽ إىل تنمية العمَت وفبارسة اغبرية اليت ىي اؼبسؤولية … وكما نقلنا مػن كتػاب (العػاَل‬ ‫والغ ػػرب) أنبي ػػة ظ ػػور النلع ػػة الفردي ػػة يف الت ػػاريخ ‪ ،‬ك ػػذلك ننق ػػل م ػػن كت ػػاب (مع ػػاَل ت ػػاريخ‬ ‫اإلنسػػانية) مػػا يلقػػي علػػى ىػػذا اؼبوعػػوع عػػوءاً أيع ػاً ‪ ،‬وذلػػك للتعػػود علػػى كيػػف يب ػػن أف‬ ‫يبةػػث عػػن مسػػار التوحيػػد يف التػػاريخ يف عػػاَل الواقػػع ‪ .‬ول ػػن مػػن اؼب ػػم أيعػاً القيػػاـ بعمليػػة‬ ‫الربط بُت البةث التػارىبي ‪ -‬الػذي وبػدث يف الواقػع والػذي يأمرنػا بػو القػر ف وىػو السػَت يف‬ ‫األرض والن ػػر كي ػػف ب ػػدأ اػبل ػػق ‪ -‬وب ػػُت األس ػػلوب ال ػػذي يع ػػرض ب ػػو اؼبوع ػػوع يف ال تػ ػ‬ ‫اؼبقدسة ‪ ،‬وىذا واج اؼبوحدين والش داء بالقسط من الناس ‪ .‬يقوؿ ويلل إ‬ ‫(وقد أخعع الناس بادئ األمر فانعووا ربػت شػيء يع ػم اعبماعػات القبليػة بػوازع مػن‬ ‫اػبوؼ من اؼبلك واهلل ‪ .‬وَل وبدث إال يف خبلؿ الثبلية الؼ أو على األكثر األربعة الؼ‬ ‫األخَتة من السنُت أف أصب لدينا أي برىاف واع يػدؿ علػى أف ن ػراف الػذات االختيػاري‬ ‫يف سبيل اليػة أع ػم وبغػَت أجػر أو يػواب يُنت ػر كانػت ف ػرة مقبولػة لػدى النػاس أو أف أي‬ ‫إنساف قد قاـ بطرح ا على الناس ‪.‬‬ ‫ا إنا قبد شيعاً ينتشر على سط شؤوف اإلنسانية كما تنشر رقاع من عياء الشمس ا‬ ‫سبر فوؽ جوان التبلؿ يف يوـ رائ من أياـ الربيع ىو الف رة القائلة إ بأف ىناؾ يف ت ريس‬ ‫النفس سعادة أع م من أي إرعاء ذاب أو انتهار شخهي ‪ ،‬وحياة للبشرية ـبتلفػة وأع ػم‬ ‫(ٔ) راجع الباب السابع من كتاب دراسة للتاريخ ج ٖ ‪ ،‬طبعة ٓ‪. ٜٔٙ‬‬


‫قػػدراً وأكثػػر أنبيػػة مػػن صػػايف ؾبمػػوع حيػػاة األف ػراد الػػذين يوجػػدوف يف نطاق ػػا ‪ ،‬ورأينػػا ىػػذه‬ ‫الف ػػرة تهػػب وىاجػػة كػػالنااس ناصػػعة نهػػاعة عػػياء الشػػمس حػػُت تلتقطػػو إحػػدى النوافػػذ‬ ‫وتع سو على من ر يب ر األبهار ‪ ،‬رأيناىا يف تعاليم « بوذا » و « الوتسي » وبوجو أشػد‬ ‫ما ي وف وعوحاً يف تعاليم « يسوع » الناصري ‪.‬‬ ‫وَل تفقػػد اؼبسػػيةية قػػط سبػػاـ الفقػػداف أينػػاء كػػل مػػا أَل هبػػا مػػن التغيػػَت واؼبفاسػػد ‪ ،‬التلػوي‬ ‫باإلخبلص ؼبل وت الرب الذي هبعل البذخ للملوؾ واغب اـ ‪ ،‬والذي هبعل ما عليو األيرياء‬ ‫من أهبة وإشباع للش وات أشبو شيء بتبذير اللهوص ‪.‬‬ ‫وما من رجل يعيذ يف ؾبتمع مستو أنامل ديانة مثػل اؼبسػيةية أو اإلسػبلـ دبسػتطيع أف‬ ‫ي وف عبداً تاـ العبودية ‪ ،‬ف ف يف ىاتُت الديانتُت صفة ال يب ن أف ربمػي ذبػا الرجػاؿ علػى‬ ‫إصدار األح اـ على سادهتم وعلى ربقيق مسؤوليت م اػباصة كبو العاَل)(ٔ) ‪.‬‬ ‫ويقوؿ توينيب يف كتابو (تاريخ البشرية) يف الفهل اػبامس والعشرين إ‬ ‫(انطبلقات جديدة يف اغبياة الروحية إ من عاـ ٓٓ‪ ٗٛٓ - ٙ‬ؽ‪.‬ـ يف فػًتة ال تتجػاوز‬ ‫ٕٓٔ سػػنة مػػدة أربػػع أجيػػاؿ فقػػط ظ ػػر طبسػػة مػػن كبػػار اغب مػػاء يف العػػاَل القػػد ‪ ،‬وىػػذا‬ ‫اللمن يتسع من عاـ ٓ‪ ٔٓٙ‬ؽ‪.‬ـ إىل عاـ ٕٖ‪ ٙ‬ـ ‪ .‬وىي سنة وفاة رسوؿ اإلسبلـ ‪. ‬‬ ‫ٔ‪ -‬زرادشػػت إ أفعالػػو سبػػت يف السػػنوات اؼبب ػػرة مػػن القػػرف السػػادس قبػػل اؼبػػيبلد وؾبػػاؿ‬ ‫نشاطو حوض ري سيةوف وجيةوف ‪.‬‬ ‫ٕ‪ -‬أشػػعيا الثػػاي إ عاصػػر قػػورش الػػذي ظبػ بعػػودة الي ػػود مػػن بابػػل وكػػاف ذلػػك ‪ٖٜ٘‬‬ ‫ؽ‪.‬ـ ‪.‬‬ ‫ٖ‪ -‬بوذا إ لعلو كاف يعيذ كبو ‪ ٗٛٚ - ٘ٙٚ‬ؽ‪.‬ـ نشاطو يف بي ار اؽبند ‪.‬‬ ‫ٗ‪ -‬كونفوشيوس إ إذا ص زمنو ف و ٔ٘٘ ‪ ٜٗٚ -‬ؽ‪.‬ـ ‪ ،‬موطنو الهُت ‪.‬‬ ‫٘‪ -‬فيثا ورث إ معاصر لبوذا تقريباً ولد يف جليرة ساموس ‪.‬‬ ‫وال يلالوف حىت اليوـ يؤيروف يف اإلنسانية مباشرة أكثر من أي كائن بشري حي ‪.‬‬ ‫(ٔ) ويلل ‪ ،‬معاَل تاريخ اإلنسانية ‪ ،‬ص ‪. ٖٔٓٚ‬‬


‫أىم اػبهائا ؽبؤالء اغب ماء اػبمسػة ىػي أف يهػل ال ػائن اإلنسػاي الفػرد إىل عبلقػة‬ ‫شخهػػيتو مػػع اغبقيقػػة الن ائيػػة ‪ .‬ف ػػل ىػػؤالء اغب مػػاء اػبمسػػة خػػرج عػػن ترايػػو يف خعػػوعو‬ ‫الروحي للجماعة اليت ولد في ا ‪ ،‬ف نو بتةديػو التقاليػد رفػل كلتػا العبػادتُت ‪ ،‬عبػادة الطبيعػة‬ ‫وعبػػادة اإلنسػػاف ‪ .‬وكػػل ىػػؤالء اىػػتم أف يقػػود النػػاس الػػذين يتعػػاؿ مع ػػم إىل الطريػػق اعبديػػد‬ ‫الذي كشفو ‪ .‬بوذا وفيثا ورث كانا يشًتكاف يف عقيدة أف اؼبوت ليس اية اغبياة ‪ .‬وبسب‬ ‫دعوة ىؤالء اغب ماء تبدلت اغبقيقة والسلوؾ البشري بش ل ال يب ن الرجوع عنو ‪ .‬وأشعيا‬ ‫أوؿ موحد ي ودي وأقدـ اؼبوحدين يف أي م اف منذ أخناتوف يف ؿباولتو الفاشلة) ‪.‬‬ ‫ىذه الر ية التارىبية لتطور العقيدة والسلوؾ تتميل ب براز جانبُت ىامُت إ األوؿ إ تلمس‬ ‫اؽبػػدى خػػارج اجملتمػػع ؛ دبعػػٌت اػبػػروج عػػن التعبػػد للمجتمػػع واالسػػتنامة إىل تقاليػػد اآلبػػاء ‪.‬‬ ‫والثاي إ إف اؼبوت ليس اية اغبياة ‪.‬‬ ‫والقػػر ف ال ػػر يعػػرض ىػػذا الواقػػع التػػارىبي بشػ ل متسلسػػل بهػػرؼ الن ػػر عػػن ربديػػد‬ ‫اللمن إ ( إف اهلل اصطفى دـ ونوحاً و ؿ إبػراىيم و ؿ عمػراف علػى العػاؼبُت ) ( ؿ عمػراف ‪/‬‬ ‫ٖٖ) ‪ .‬ويف عوء يات اآلفاؽ واألنفس سيأخذ التوحيد بعداً جديداً يف عاَل اؼبستقبل ‪.‬‬ ‫والبػػد مػػن معرفػػة مػػا كابدتػػو اإلنسػػانية خػػبلؿ التػػاريخ مػػن انسػػةاؽ كرامػػة اإلنسػػاف يف‬ ‫طقػػوس العبػػادات السياسػػية منػػذ أف كػػاف يقتػػل خػػدـ اؼبلػػك عنػػد دفنػػو ‪ ،‬ومػػا كػػاف وبػػدث يف‬ ‫اؽبند من إ اء حياة اللوجة بعد وفاة زوج ا ‪ ..‬وحىت اليػوـ حيػث يعتػا اإلنسػاف مثػل العهػا‬ ‫فينفذ دوف أف ي وف لو حق االعًتاض ‪.‬‬ ‫إف من يتتبع كيف بدأ اػبلق ‪ ،‬وكيف ينمو ويلداد يأخذ ف رة جديدة عن اؼببدأ واؼبهَت‬ ‫‪ ،‬وت ػػر لػػو ف ػػرة التوحيػػد كةاجػػة إنسػػانية ال تػػتم إال برفػػع مسػػتوى النػػاس صبيعػاً إىل درجػػة‬ ‫ربمل األمانة واؼبسؤولية ‪ ،‬وأف كػل فػرد عليػو مسػؤولية مػن كػل خطػأ يقػع يف العػاَل ‪ .‬وإذا مػا‬ ‫وقع اعتداء على إنساف يف العػاَل ف أمبػا حهػل االعتػداء علػى كػل إنسػاف يف العػاَل ‪ ،‬ف مػا‬ ‫أف اػبالق واحد ‪ ،‬ف ذلك مهَت البشرية واحد ‪.‬‬


‫ووبسن ىنا أف نذكر حدياً تارىبيػاً يسػاىم يف إلقػاء العػوء علػى األىػداؼ التوحيديػة يف‬ ‫رفع مستوى اإلنساف وإشعاره باؼبسؤولية الفردية اؼبتوحدة عن مهَت الناس أصبعُت ‪ .‬وإف من‬ ‫اؼبتعارؼ عليو عند اجملتمعات البشرية أف يد من يتوىل األمػر ببيػاف وبػدد فيػو اؼبػن ج ويػذكر‬ ‫الناس باألمور ذات األنبية للمجتمع ‪.‬‬ ‫ويف أوؿ خطبػػة واجػػو هبػػا أبػػو ب ػػر الهػػديق ‪ -‬رعػػي اهلل عنػػو ‪ -‬اؼبسػػلمُت حػػُت بويػػع‬ ‫باػببلفػػة ‪ ،‬تػػاز أنبيػػة التوحيػػد دبعػػٌت ربديػػد شػػروط الطاعػػة للر سػػاء وأو األمػػر ؛ فقػػد ذ ّكػػر‬ ‫النػػاس باؼببػػدأ األساسػػي يف اإلسػػبلـ أنػػو إ « ال طاعػػة ؼبخلػػوؽ يف معهػػية اػبػػالق » ‪ .‬يقػػوؿ‬ ‫اػبليفة األوؿ أبو ب ر إ‬ ‫(أطيعوي ما أطعت اهلل ورسولو ‪ ،‬ف ف عهيت ما فبل طاعة علي م) ‪.‬‬ ‫إف إعبلف ىذا اؼببدأ من قبػل اػبليفػة يف أوؿ خطػاب يوجػو إىل اجملتمػع دليػل علػى أنبيػة‬ ‫ىػذا اؼببػػدأ بالنسػػبة للمػػت لم وللمجتمػػع الػػذي يوجػو إليػػو ىػػذا ال ػػبلـ ‪ ،‬إنػػو تػػذكَت ؽبػػم أف ال‬ ‫ي ونػ ػوا س ػػياطاً وأبواقػ ػاً ل ػػوالة األم ػػور ‪ ،‬إف مث ػػل ى ػػذا اؼبب ػػدأ وحاج ػػة الن ػػاس إلي ػػو س ػػت ر يف‬ ‫اؼبستقبل ‪ .‬والعاَل اآلف يف حاجة إىل أف بتعلم مثل ىذا الدرس وأف يستعيده ‪.‬‬ ‫إف العاَل حُت يتخلا من وينية اآلباء والسادة وال ااء سيتذكر أياماً يف تاريخ البشػرية‬ ‫أعلنت في ا مبادئ كرامة اإلنسانية ‪ ،‬ليس كةق فقط ‪ ،‬بل كواجػ ال هبػوز أف يُتنػازؿ عنػو‬ ‫وأف يعلنو أينما كاف ال ىباؼ يف اهلل لومة الئم ‪.‬‬ ‫إف ىذه األعواء اؼبب ػرة انطفػأت يف خعػم األحػداث ‪ ،‬وحػىت الػذين أعلنػت فػي م مثػل‬ ‫ىذه اؼببػادئ مػن قػد ىػم اليػوـ أبعػد النػاس مػن أف ت ػوف حيػاهتم مػذكرة بشػيء مػن ىػذا ‪،‬‬ ‫بل سرعاف مػا ربػوؿ مثػل ذلػك اػبطػاب النمػوذجي إىل نػوع خػر مػن اػبطػاب ‪ ،‬كػأف يقػوؿ‬ ‫وا األمر يف ربديد أسلوب انتقاؿ اغب م إ اػبليفة ىذا ويشَت إليػو ‪ ،‬ا يقػوؿ إ وإف ىلػك‬ ‫ىػػذا فاػبليفػػة ى ػػذا ويشػػَت إىل و الع ػػد ‪ ..‬ومػػن رفػػل ى ػػذا فلػػو ىػػذا ويل ػػوح بالس ػػيف ‪..‬‬ ‫وتعيع االحتجاجات اػبافتة اليت تقوؿ إ ويل م أتعيدو ا ىرقلية إذا ذى ىرقل جاء ىرقل‬ ‫‪..‬‬


‫ليس اؼب ػم مقػدار صػدؽ الروايػة اػباصػة هبػذا اؼبوعػوع ‪ ،‬ول ػن األحػداث واذبػاه سػلوؾ‬ ‫الناس كانت وال تلاؿ تهدؽ ىذا وتتةدى إعبلف أ ب ر والع د الذي كاف يأخذه رسوؿ‬ ‫اهلل ‪ ‬من كل من بايعو على أف يقوؿ باغبق حيثمػا كػاف ال ىبػاؼ يف اهلل لومػة الئػم ‪ ،‬وأف‬ ‫ال يطيع يف معهية وفق اإلعبلف القر ي إ ( تعالوا إىل كلمة سػواء بيننػا وبيػن م أال نعبػد إال‬ ‫اهلل وال نشرؾ بو شيعاً وال يتخذ بععنا بععاً أربابا من دوف اهلل ‪ .‬ف ف تولوا فقولوا إ اش دوا‬ ‫بأنا مسلموف ) ( ؿ عمراف ‪. )ٙٗ /‬‬ ‫إف قػػانوف ذىػػاب اللبػػد جفػػاء وأف مػػا ينفػػع النػػاس يب ػػث يف األرض ىػػو الػػذي سػػيعيد‬ ‫اغبيػػاة إىل ىػػذه اؼببػػادئ والػػذين سػػيجنوف حهػػاد ىػػذا البػػذار ىػػم الػػذين يتلقػػوف يػػات اهلل يف‬ ‫اآلفاؽ واألنفس ‪ ،‬وىم الذين يعرفػوف سػنة اهلل وقػانوف عػل اهلل يف التػاريخ ‪ ،‬وكيػف ىبلػق اهلل‬ ‫التػػاريخ ‪ ،‬وكيػػف يسػػاىم البشػػر يف صػػنع ىػػذا التػػاريخ دبػػا حبػػاىم اهلل مػػن سػػلطاف التسػػخَت ؛‬ ‫ى ػػذا الس ػػلطاف ى ػػو ال ػػذي يس ػػميو إقب ػػاؿ إ (النياب ػػة اإلؽبي ػػة) ‪ .‬أي إىل حال ػػة إدراؾ اإلنس ػػاف‬ ‫إم اناتػو كفػػرد يف قدرتػػو علػػى إنقػػاذ نفسػػو واآلخػرين ‪ ،‬واؼبسػػانبة يف إعػػاءة ىػػذا الطريػػق …‬ ‫ىػػذا مػػا كػػاف يعلمػػو األنبيػػاء للنػػاس ( يػػا أي ػػا الػػذين منػوا قػوا أنفسػ م وأىلػػي م نػػارا وقودىػػا‬ ‫الناس واغبجارة ) (التةر ‪. )ٙ /‬‬ ‫إف السػػلوؾ الػػذي ينقػػذ يف اآلخػػرة مػػن اعبةػػيم ىػػو السػػلوؾ نفسػػو الػػذي ىبلػػا األفػراد‬ ‫واجملتمعػػات مػػن جةػػيم التخلػػف واإلذالؿ الػػذي يبارسػػو اؼبسػػت اوف يف األرض وكبػػن نتجػػرع‬ ‫ألواف اإلذالؿ ههاً نتجرعو وال ن اد نسيغو ‪.‬‬ ‫إف زبليا أنفسنا من االستععاؼ وزبليا اآلخرين مػن االسػت بار طريقػو واحػدة ألف‬ ‫منشػػأنبا واحػػد ‪ ،‬وىػػو نػػلع ال رامػػة مػػن اإلنسػػاف ‪،‬ألف اؼبستعػػعف ينػػلع ال رامػػة مػػن نفسػػو‬ ‫ويغري اآلخر بأف يستمرئ نلع ال رامة ‪ .‬واؼبست ا الذي ينلع ال رامة مػن اآلخػر ىػو نفسػو‬ ‫قػػد نلع ػػا مػػن نفسػػو قبػػل ذلػػك ‪ ،‬ألف مػػن يتػػذوؽ ال رامػػة يعلػػم أ ػػا وحػػدة ال تتج ػلأ ‪ ،‬ف ػ ذا‬ ‫انتلعػػت مػػن أحػػد فأ ػػا ال تسػػلم ألحػػد ‪ ،‬ألنػػو يػػذى مػػن كرامتػػو بقػػدر مػػا انتػػلع مػػن كرامػػة‬ ‫اآلخر ‪ ،‬وبقدر ما هتُت اإلنساف يعود إليك من اؽبواف مثلو ‪.‬‬


‫والتوحيػػد الػػذي كبػػتفل بػػو هلل يعػػود علين ػػا يف اجملتمػػع بوحػػدة ال رامػػة للبش ػرية صبعػػاء ‪.‬‬ ‫فوظيفة التوحيد االجتماعية ىي تقو السلوؾ اإلنساي الذي بػو تتةقػق إنسػانية اإلنسػاف ‪.‬‬ ‫فأي إنساف تقع عليػو م لمػة ‪ ،‬ف أمبػا وقعػت ىػذه اؼب لمػة علػى النػاس صبيعػاً ‪ ،‬ألنػو مػا داـ‬ ‫ىناؾ ظلم يقع بغَت حق ف نك لست مناً أف يهيبك ما صاب ػَتؾ مػن ظلػم ؛ وؽبػذا مػن‬ ‫سػػعى إىل إحيػػاء ال رامػػة اإلنسػػانية يف إنسػػاف ‪ ،‬ف أمبػػا أحيػػا النػػاس صبيعػاً ‪ ،‬وىػػذا معػػٌت قولػػو‬ ‫تعاىل إ ( من قتل نفساً بغَت نفس أو فساد يف األرض ف أمبا قتل الناس صبيعػاً ومػن أحياىػا‬ ‫ف أمبا أحيا الناس صبيعاً ) (اؼبائدة ‪. )ٖٕ/‬‬ ‫إف ف ػػرة (مػػن قػػاؿ لشػػيخو َل ال يفل ػ أبػػداً) ال ت ػلاؿ تأخػػذ ؾبراىػػا إىل يومنػػا ىػػذا ‪،‬‬ ‫فجميع دوؿ العاَل ومؤسساتو تلقن الناس أف يطيعوا األوامر وينفذوىا من َت أف ي وف ؽبم‬ ‫اغبػػق يف االعػًتاض قبػػل تنفيػػذىا ‪ .‬إف ىػػذا اإلصبػػاع العػػاَل ىبرقػػو الػػدين حػػُت يقػػوؿ ‪ « ‬ال‬ ‫طاعة يف معهية … » وىذه الف ػرة ال يستسػيغ ا العػاَل اآلف أل ػم ال يريػدوف أف يتعػاملوا‬ ‫مع إنساف يراجع م ويلف األوامر اليت يهدرو ا إلي م ‪ ،‬إ م يروف أف إعطػاء مثػل ىػذا اغبػق‬ ‫للناس وللجنود فساد للن اـ البشري وإحداث للفوعى ‪ ،‬مع أف ىذه الف رة ىي الػيت هبػ‬ ‫أف تقوـ علي ا حعارة اإلنساف ‪.‬‬ ‫ىػػذا اؼبوعػػوع َل يطػػرح بعػػد كمش ػ لة ‪ ،‬ألف ىػػذا يقتعػػي مػػن كػػل إنسػػاف ولػػو كػػاف يف‬ ‫أدي رت اعبندية أف ي وف واعياً للدستور حىت يبيل اؼبوافق لو من اؼبخالف ‪.‬‬ ‫إف العاَل الذي تطبق فيو ن رية الدين ىبتلف كلياً عن العػاَل الػذي نعػيذ فيػو مػن أدنػاه‬ ‫إىل أع ػػبله ‪ ،‬وح ػػُت استش ػػعر أب ػػو األعل ػػى اؼب ػػودودي ‪ -‬رضب ػػو اهلل ‪ -‬ى ػػذا اؼبع ػػٌت ق ػػاؿ إ (إف‬ ‫جنراالت العاَل اآلف ال يهلةوف أف ي ونوا ؾبنػدين يف اعبػيذ اإلسػبلمي ‪ ) ..‬ألف اعبنػدي‬ ‫الذي ينفذ ما يؤمر بو دوف أف يعًتض ‪ ،‬ىو خطر على اآلمر أيعاً ‪.‬‬ ‫ىذه األف ار بدأت تعرض من جديد وت شف من قري وؼبا تأخذ ؾبراىا بعد يف أقنية‬ ‫اؼبؤسسات الثقافيػة ‪ ،‬وَل يت يػف العػاَل بعػد لتهػور إم ػاف العػاَل الػذي ينبثػق ع مثػل ىػذه‬


‫األف ػػار ‪ .‬والشػ داء بػػاغبق واآلمػػروف بالقسػػط مػػن النػػاس علػػي م أف يقومػوا بػػدورىم يف ضبػػل‬ ‫األمانة والببلغ اؼببُت ‪.‬‬ ‫وخبلصة القوؿ إ‬ ‫إف العل ػػم والتوحي ػػد يشػػًتكاف يف أم ػػور فب ػػا هبعل مػػا متة ػػدي اؼبع ػػٌت أو جانبػػاف ؼبوع ػػوع‬ ‫واحد ‪ ..‬أوالً إ ال يب ػن أف يتةقػق التوحيػد بػدوف علػم ؛ ألف التوحيػد يػأب بعػد العلػم كمػا‬ ‫يػػأب التسػػخَت بعػػد العلػػم ‪ .‬يانيػاً إ إف اػبطػػأ يف أي مػػن العلػػم والتوحيػػد تػػأب عقوبتػػو الػػيت ال‬ ‫تغتفر ولو بعد حػُت ‪ .‬ومعلػوـ يف اإلسػبلـ أف الػذن الػذي ال يغتفػر ىػو الشػرؾ إ ( إف اهلل‬ ‫ال يغفػػر أف يشػػرؾ بػػو ويغفػػر مػػا دوف ذلػػك ؼبػػن يشػػاء ) (النسػػاء ‪ . )ٗٛ /‬وكػػذلك اػبطػػأ يف‬ ‫العلػػم نتيجػػة فوريػػة وحتميػػة ‪ ،‬ف ػ ذا أخطػػأت يف اسػػتعماؿ الػػدواء أو الطاقػػة ال ربائيػػة ‪ ،‬أو‬ ‫أعطيػت معلومػات خاطعػة يف اغبيػاة االجتماعيػة ‪ ..‬تػأب العقوبػات حتميػة و ػَت متسػػاؿبة ‪..‬‬ ‫فالسػموـ تقتػػل ‪ ،‬وال ربػاء تهػػعق واؼبعلومػات اػباطعػػة يف اغبيػاة االجتماعيػػة ذبعػل عبلقػػات‬ ‫الناس مأساوية ‪..‬‬ ‫يالثاً إ إف العلم والتوحيد يتساوى موقف مػا مػن عػاَل األشػخاص ‪ -‬اآلبػاء ‪ -‬يف عػرورة‬ ‫وعع عاَل األشخاص موعع االختبار وعدـ قبوؿ ما ي ػوف عليػو عػاَل األشػخاص إال علػى‬ ‫قدر ما ي وف فيو من الهواب الذي تثبتو عواق األمور ‪ .‬وإذا كػاف عػاَل األشػخاص يقػدـ‬ ‫لنػػا العل ػم والتوحيػػد ‪ ،‬إال أف العلػػم والتوحيػػد البػػد أف ذبػػري في ػػا دائم ػاً عمليػػات التهػػةي‬ ‫والعبط ‪.‬‬ ‫الفهل الثالث‬ ‫األَجنَّة ال ُقر نيّة‬


‫األَجنَّة ال ُقر نيّة‬ ‫يذكر إقباؿ بأسى وأسف إنباؿ األجنة القر نية جملاالت العوامل اؼبؤيرة يف صناعة اجملتمع‬ ‫‪ .‬ويقػػوؿ يف رسػػالتو إىل ني لسػػوف إ ( إي مقتنػػع سبامػاً بػػأف فػػت الػػببلد َل ي ػػن مػػن الانػػامج‬ ‫ِ‬ ‫ػدـ اإلسػػبلـ ك يبػػاف‬ ‫األساسػي لئلسػػبلـ ‪ ،‬واغبػق أنػػٍت أعتػا مػػن اػبسػػارة ال ػاى أف يوقػػف تق ُ‬ ‫فػػات مبػَّػو ( أجنػػة ) التن ػػيم االجتمػػاعي والػػديبقراطي واالقته ػػادي الػػيت أجػػدىا متوزع ػػة يف‬ ‫صفةات القر ف ‪ ،‬ويف سنة النيب ) ( ٔ ) ‪.‬‬ ‫واآليات الػيت سػنعرض ؽبػا يف خاسبػة كتابنػا ىػي هبػذا اؼبعػٌت أي إلحيػاء األجنػة الػيت طاؼبػا‬ ‫بقيت يف حالة كموف ‪.‬‬ ‫وعلينػػا أف ننبػػو إىل أف األسػػلوب الػػذي نتنػػاوؿ بػػو اآليػػات ىبتلػػف كث ػَتاً عػػن األسػػلوب‬ ‫الػذي وبػاوؿ التقػاط إشػارات مػن القػر ف للداللػة علػى مسػائل وجليعػات يف العلػم اغبػػديث ‪،‬‬ ‫بينما اعبان الذي تم بو ىػو إيعػاح مبػادئ ومنػاىج ( إنتػاج اؼبعرفػة والعلػم ) ولػيس حبػث‬ ‫مسائل العلم ‪ ،‬ومن ىذا اؼبنطلق كاف اختيارنا لآليات التالية إ‬ ‫ٔ ‪ ( -‬سَتوا يف األرض فان روا كيف بدأ اػبلق ‪) ..‬‬ ‫ٕ ‪ ( -‬سنري م ياتنا يف اآلفاؽ ويف أنفس م )‬ ‫ٖ ‪ ( -‬وسخر ل م ما يف السموات وما يف األرض )‬ ‫ٗ ‪ ( -‬إف الذين منوا والذين ىادوا والنهارى والهابعُت ‪. ) ..‬‬ ‫ٔ‪-‬‬‫( سَتوا يف األرض فان روا كيف بدأ اػبلق )‬ ‫( العن بوت ‪. ) ٕٓ -‬‬ ‫كلمػػات ىػػذه اآليػػة واعػػةة ال مػػوض في ػػا ‪ ،‬ومعناىػػا ال يستعهػػي علػػى أي نػػاطق‬ ‫باللغػػة العربيػػة ‪ ،‬وحػػىت األطفػػاؿ يب ػن م أف يف م ػوا اؼبعػػٌت دوف مشػػقة ‪ .‬ول ػػن مػػع ذلػػك َل‬ ‫( ٔ ) ان ر االفرسيوية ‪ ،‬مالك بن نيب ‪ ،‬ص ( ٖٗٓ ) الطبعة الثانية ‪ -‬بَتوت ‪.‬‬


‫ىبطر يف باؿ الناس ماذا سيت شف من ىذا اؼبعٌت ومن معػموف ىػذه اآليػة ‪ ،‬وكبػن ال قػدرة‬ ‫لنا على اإلحاطػة هبػذا اظتػوى ‪ ،‬ول ػن تبػُت لنػا وُكشػف لنػا مػا َل ىبطػر علػى بػاؿ األولػُت ‪،‬‬ ‫وسَتى البلحقوف ما َل يتيسر لنػا أف نػراه كبػن ‪ . . .‬ربتػوي اآليػة ال ريبػة علػى مػن ج ؿبػدد‬ ‫للبةػػث يشػػمل جوان ػ العػػاَل اؼباديػػة من ػػا و ػػَت اؼباديػػة ‪ ،‬اعب ػواىر واألع ػراض حس ػ تعبػػَت‬ ‫األقػػدمُت ‪ .‬فاؼبوعػػوع يشػػمل كػػل ال ائنػػات مػػن الػػذرة ومػػا دو ػػا يف الهػػغر إىل اجملػػرة ‪ ،‬بػػل‬ ‫وعمػػوـ ال ػػوف ‪ .‬مػػن اؼب ػواد الععػػوية األوىل إىل اإلنسػػاف الػػذي ىػػو يف أحسػػن تقػػو ععػػوياً‬ ‫وف رياً واجتماعياً ‪ . .‬ومن األف ار األولية إىل أعقدىا ‪. .‬‬ ‫وتتعػمن اآليػة كػل شػيء يب ػن أف يدرسػػو اإلنسػاف ‪ ،‬فاآليػة موعػوع ل ػل علػم ‪ ،‬وعػػى‬ ‫مقتعى ىذه اآلية ينبغي أف يُػذكر يف مقدمػة كػل موعػوع كيػف بػدأ خلقػو ‪ ،‬حػىت مػا يتعلػق‬ ‫بطريقػػة اإليبػػاف بػػاهلل إ كيػػف بػدأ اإلنسػػاف يػػدرؾ معػػٌت األلوىيػػة ‪ . .‬إذف كػػل موعػػوع لػػو بػػدء‬ ‫خلق بالنسبة لدخولو إىل إدراؾ اإلنساف ‪. .‬‬ ‫ودبقتعى ما تطلبو اآلية ينبغي أف نعيد الن ر يف كل مػا نػراه مػن حيػث كيػف بػدأ خلقػو‬ ‫إف الن ػػر التقليػػدي كػػاف يتهػػور أف ال ػػوف ُخلػػق كمػػا ىػػو ابتػػداء ‪ ،‬وإف تهػػور نوعػاً مػػن‬ ‫البػدء والهػَتورة فػ ف ىػذا التهػور بعيػد عػن الواقػع ؛ ألف عػيذ اإلنسػاف عمػر اغبعػارات ‪-‬‬ ‫طبسػػة الؼ السػػنة اؼباعػػية ‪َ -‬ل وبػػدث يف حيػػاة النػػاس تغ ػَتاً يػػذكر يف وسػػائل عيش ػ م ‪،‬‬ ‫وىذا ما أوحى إلي م بأ م خلقوا كما ىم عليو ‪ ،‬وأف مػا ىػم عليػو َل ي ػن نتيجػة تقلػ يف‬ ‫األرض الؼ السنُت بل معات اآلالؼ واؼببليُت ‪.‬‬ ‫ولعػػل اػبيػػاؿ يسػػاعدنا علػػى تقري ػ اؼبوعػػوع ‪ ،‬وىػػذا اؼبثػػل واػبيػػاؿ اقتبسػػو مػػن األسػػتاذ‬ ‫مالػػك بػػن نػػيب ‪ -‬رضبػػو اهلل ‪ -‬يف كتابػػو االفرسػػيوية إ حيػػث تهػػور كائنػاً ريبػاً عػػن األرض ‪،‬‬ ‫لديػػو تف ػػَت يش ػػبو تف َتن ػػا يف ناحيػػة ويفارق ػػو يف ناحي ػػة أخػػرى ‪ ،‬ف ػػذا ال ػػائن ل ػػو أت ػػى إىل‬ ‫األرض وال يعرؼ من حياة البشر شيعاً ورأى األطفػاؿ وال بػار والشػيوخ وَل ي ػن يعػرؼ مػن‬


‫تػػارىب م وبػػدء خلق ػػم شػػيعاً ‪ ،‬فلردبػػا تهػػور أف البشػػر ال بػػار والهػػغار ُوجػػدوا ى ػػذا ‪ ،‬وأف‬ ‫ال بار َل ي ونوا صغاراً وأف الهغار لن ي اوا ‪.‬‬ ‫إف ىذا اؼبثل مع كل نواقهو قد يقرب إلينا أف ر ية غب ية منقطعة الهلة عن كيف بػدأ‬ ‫اػبلػػق تعطػػي صػػورة مشػػوىة للواقػػع ‪ ،‬وحػػىت يف كيفيػػة التعامػػل معػػو ‪ ،‬وحػػُت نػػرى إنسػػاناً ال‬ ‫نعػػرؼ تارىبػػو ف ننػػا نػػًتدد يف كيفيػػة السػػلوؾ الػػذي نتخػػذه إزاءه ‪ ،‬ف لمػػا عرفنػػا تارىبػػو ت يػػف‬ ‫موقفنا منو ‪ ،‬وإف لنا من كل شخا مسل اً وموقفاً خاصاً حس معرفتنا بتارىبو ‪.‬‬ ‫وإذا زرت منطقة ما يف فهل مػن فهػوؿ السػنة فػبل يب ػن أف تتهػور حػاؿ ىػذه اؼبنطقػة‬ ‫يف بقية الفهوؿ إال إذا كانت لك معرفة بالفهػوؿ والتغػَتات الػيت ربػدث خػبلؿ سػنة ‪ ،‬وإف‬ ‫بعل اؼبخلوقات ال تعرؼ من السنة إال جلءاً من ا فوالدهتا وموهتا ي وف يف فهل واحد ‪.‬‬ ‫واآلف إذا أردنػػا أف ن يػػف تهػػورنا وفػػق قولػػو تعػػاىل إ ( سػػَتوا يف األرض فػػان روا كيػػف‬ ‫بدأ اػبلق ) فقد وبدث لنػا تهػور أف اػبلػق لػيس مػن شػأنو أنػو ُخلػق وانت ػى ‪ ،‬بػل إننػا كبػن‬ ‫ُلبلق اآلف وال وف ُىبلق كما كنا صغاراً ‪ ،‬وال نلاؿ ُلبلق خلقاً من بعد خلق ‪ ،‬كذلك ال ػوف‬ ‫مر دبراحل معينػة‬ ‫ال يلاؿ ُىبلق ال أنو ُخلِق وانت ى ‪ ،‬وإمبا ىو اآلف يف بعل مراحل خلقو قد َّ‬ ‫ويعيذ يف مراحل أخرى وسيهَت إىل مراحل تالية ‪.‬‬ ‫وكذلك لو زبيلنا اإلنساف الفرد كيػف بػدأ خلقػو خليػة واحػدة ‪ ،‬ا كيػف مبػا وانت ػى إىل‬ ‫أف صػػار كائن ػاً حي ػاً عػػاقبلً يسػػعى يف مناك ػ األرض ‪ ،‬ومػػع أف خبليػػاه تتغ ػَت وتتبػػدؿ ف ػػو‬ ‫ك ػػائن واح ػػد ب ػػاؽ ‪ .‬ك ػػذلك يب ػػن ته ػػور اإلنس ػػانية ك ػػائن واح ػػد ‪ ،‬أفػ ػراد البش ػػر خبلي ػػاه‬ ‫ي ػػدخلوف إلي ػػو وىبرج ػػوف كم ػػا تول ػػد اػببليػ ػػا يف الف ػػرد وزب ػػرج من ػػو ‪ ،‬وإذا ن رن ػػا إىل البش ػ ػرية‬ ‫كمخلوؽ واحد فردبا أم ننا تهوره يف مرحلة ما يف مرحلة شبو طفوليػة أو مراىقػة ‪ .‬وردبػا ال‬ ‫ي ػلاؿ اآلف يف مقتبػػل العمػػر ف ػػو َل يهػػل بالتأكيػػد إىل مرحلػػة الرشػػد اؼبتوقػػع لػػو ف ػػو ( لّمػػا‬ ‫يقػ ِ‬ ‫ػل مػػا أمػػره ) ( عػػبس ‪ ) ٕٖ /‬وهبػػذا اؼبعػػٌت فسػػر إقبػػاؿ قولػػو تعػػاىل إ ( مػػا خلق ػػم وال‬ ‫بعث م إال كنفس واحدة ) ( لقماف ‪. ) ٕٛ /‬‬


‫ومن اؼبعاي اليت تدؿ علي ا اآلية أيعاً إ أف معرفة كيف بدأ اػبلق ‪ ،‬وف ػم األمػور علػى‬ ‫ىػػذا اؼبسػػتوى ينبػػو اإلنسػػاف إىل أف ىػػذا اػبلػػق قػػد ينمػػو ويتقػػدـ ويتةسػػن ؛ ألف مػػن عػػرؼ‬ ‫كيف بدأ اػبلق ععيفاً وعاجلاً ا مبا نواً بطيعاً ‪ ،‬وأف ىذا النمػو اقتعػى دىػوراً طويلػة ‪ .‬فقػد‬ ‫يقػوده التأمػل يف بػدء اػبلػق إىل التف ػَت يف مهػػَت اػبلػق ‪ ،‬لػيس مهػَته يف يػوـ النشػور ‪ ،‬بػػل‬ ‫مهَته الدنيوي أي اية ىذا اػبلق الذي عرفنا شػيعاً مػن بػدء خلقػو ‪ .‬وىػذا اؼبعػٌت وإف كػاف‬ ‫ريباً عن األجواء الثقافية التقليدية ‪ ،‬إال أف ف م يات اهلل يف اآلفاؽ والنفس ‪ ،‬وف م شػيء‬ ‫من كيف بدأ اػبلق ‪ . .‬يطرح ىذا اؼبوعوع على بساط البةث والتف َت والتأمػل ‪ ،‬ألف مػن‬ ‫ن ػػر إىل بػػدء اػبلػػق سػػيتخيل مهػػَته إذا أدرؾ أف اػبلػػق ينمػػو ويتقػػدـ مسػػتمراً ‪ ،‬ال أنػػو خلػ ٌػق‬ ‫ػػَت قابػػل للنمػػو أو ُخلػػق خلقػاً معاقػاً ػػَت قابػػل للتجػػاوز ‪ .‬فػ ذا ن رنػػا إىل اآليػػات الػواردة يف‬ ‫ىذا اؼبوعوع ‪ -‬حس ما يتسرب إلينا من الن ر ال ليل الععيف الذي يشت ي أف يرى ما‬ ‫سػَتاه الػػذين يػػأتوف مػػن بعػػدنا مػػن يػػات اهلل يف اآلفػػاؽ واألنفػػس فبػػا يشػػرح ويوعػ يف ىػػذا‬ ‫اؼبوعوع ‪ -‬سنرى أف اهلل ؼبا استخلف دـ وذريتػو يف األرض وأعلػن للمبلئ ػة ىػذا اؼبوعػوع‬ ‫‪ ،‬اعًتع ػوا علػػى ىػػذا بقػػوؽبم إ ( أذبعػػل في ػػا مػػن يفسػػد في ػػا ويسػػفك الػػدماء وكبػػن نسػػب‬ ‫حبمػػدؾ ونقػػدس لػػك ) ( البقػػرة ‪ ) ٖٓ /‬فأجػػاهبم رب العػػلة إ ( إي أعلػػم مػػا ال تعلمػػوف )‬ ‫واهلل سبةانو وتعاىل َل ِ‬ ‫ينف ىذه الت مة عن اإلنسػاف ‪ ،‬ول ػن أعلم ػم أف ىنػاؾ شػيعاً خػر‬ ‫عن اإلنساف ال تعلمو اؼببلئ ة ‪. . .‬‬ ‫وإذا كاف البشر ال يلالوف على توقعات اؼببلئ ة إىل يومنا ىذا ‪ ،‬ف ف ما علم اهلل يف ىذا‬ ‫اإلنسػاف صػار اآلف يػراود البشػر الػذين ن ػػروا إىل كيفيػة بػدء اإلنسػػاف إ كيػف يب ػن م ربقيػػق‬ ‫ذلػػك ‪ .‬وى ػػذا نػػرى أف يػػة اس ػػتخبلؼ دـ تػػدؿ علػػى أف ى ػػذا الػػذي علمػػو اهلل يف ش ػػأف‬ ‫اإلنسػػاف ىػػو يف ىػػذه الػػدنيا ‪ ،‬وأف علػػم اهلل ىػػذا سػػيتةقق ‪ ،‬ىػػذا العلػػم الػػذي َل ي ػػن يف‬ ‫إم اف اؼببلئ ة علمو كما َل ي ن يف إم اف البشر إدراكو حىت رأوا من يات اهلل يف اآلفاؽ‬ ‫واألنفس ما تدؿ عليو وتشَت إليو ‪.‬‬


‫وكػػذلك قولػػو تعػػاىل حػػُت ذكػػر مػػا سػػخر لئلنسػػاف مػػن اػبيػػل والبغػػاؿ واغبمػػَت لركوهب ػػا‬ ‫والت ػلين هبػػا اتبػػع ذلػػك القػػوؿ بقولػػو ال ػػر إ ( وىبلػػق مػػا ال تعلمػػوف ) ( النةػػل ‪ ) ٛ /‬أي‬ ‫ىبلػق مػػا ال تعلمػوف يف ىػػذا اؼبوعػػوع بالػذات و ػػَته مػن اؼبواعػػيع أيعػاً ‪ .‬ولقػد رأينػػا كبػػن يف‬ ‫القروف األخَتة القليلة ما َل يره الذين سبقونا فبػا سػخر اهلل لئلنسػاف وفبػا خلػق ‪ .‬وف ػم قولػو‬ ‫تعاىل إ ( وىبلق ما ال تعلموف ) مع التػاريخ اؼبشػاىد الواقػع يلقػي العػوء علػى القػوؿ ال ػر‬ ‫اآلخر إ ( أعلم ما ال تعلموف ) ‪ ،‬واؼبوعوعاف متشاهباف جداً يف اإلعراب والداللة علػى أف‬ ‫اػبلػػق يليػػد ‪ ،‬ويليػػد إىل التةسػػن والتقػػدـ ‪ ،‬والليػػادة يف التسػػخَت يف موعػػوع وسػػائل النقػػل‬ ‫واعةة جداً ‪ ،‬وإف كاف ال يلاؿ األمػر اآلف كمػا كػاف مػع مػا خلػق مػن الليػادة فبػا ال نعلػم ‪،‬‬ ‫يب ن أف ىبلق ما َل نعلم أيعاً ‪ ،‬وكذلك يف موعوع اإلفساد يف األرض وسفك الدماء ف ف‬ ‫اهلل سيخلق وععاً واقعياً كما خلق يف وسائل النقل خلقاً واقعياً خر حيث َسػيَخلُ ُق ‪ -‬جػل‬ ‫جبللو ‪ -‬سلوكاً يقل فيو الفساد والسفك إف َل نقل سينعدـ فيو الفساد والسفك ‪.‬‬ ‫وإف مػػن ال يعػػرؼ جيػػداً كي ػف بػػدأ اػبلػػق وبػػأي اؼبراحػػل مػ ّػر اإلنسػػاف وكيػػف مبػػا وتقػػدـ‬ ‫وربسػػن ‪ ،‬إف مػػن ال يعػػرؼ ذلػػك ال يعػػرؼ معػػٌت ( وىبلػػق مػػا ال تعلمػػوف ) وال معػػٌت ( إي‬ ‫أعلػػم مػػا ال تعلمػػوف ) وال معػػٌت ( ويليػػد يف اػبلػػق مػػا يشػػاء ) وال معػػٌت ( ا أنشػػأناه خلق ػاً‬ ‫خػر ) بينمػػا الػذي اكتسػ ىػػذا الن ػر مػػن السػَت يف األرض والن ػػر مػػن كيػف بػػدأ اػبلػػق ‪،‬‬ ‫س ػػيقرأ م ػػرة أخ ػػرى قول ػػو تع ػػاىل إ ( ق ػػل س ػػَتوا يف األرض ف ػػان روا كي ػػف ب ػػدأ اػبل ػػق ) بن ػػرة‬ ‫جديػػدة ‪ ،‬وخاصػػة حػػُت يتػػابع قػراءة ىػػذه اآليػػة ( ا اهلل ينشػػت النشػػأة اآلخػػرة ‪ .‬إف اهلل علػػى‬ ‫كػػل شػػيء قػػدير ) ( العن بػػوت ‪ ) ٕٓ /‬ف ػػذه النشػػأة اآلخػػرة وإف كانػػت يقافتنػػا القاصػػرة‬ ‫اظدودة تقهرىا وربدىا بالنشأة اآلخرة يف يوـ النشور ‪ ،‬إال أف ‘م اف أف ي وف اؼبعٌت عاماً‬ ‫يشػػمل الػػدنيا واآلخػػرة ؿبتمػػل وارد ‪ ،‬وخاصػػة حػػُت نتػػذكر أف اآليػػات السػػابقة تػػدؿ علػػى مبػػو‬ ‫وربسن يف اػبلق والتسخَت يف الدنيا خاصة ‪.‬‬ ‫واػببلصػػة إف ىػػذه اآليػػة تنقػػل موعػػوع حبػػث معرفػػة كيػػف بػػدأ اػبلػػق مػػن يػػات ال تػػاب‬ ‫إىل اآلفاؽ واألنفس إىل السَت يف األرض والن ر كيف بدأ اػبلق ‪ .‬ولؤلجياؿ القادمة وللذين‬


‫سَتوف يات اهلل يف اآلفاؽ واألنفس نًتؾ مهَت مثل ىذه البةوث مع سبنياتنا ؽبم أف وبققوا‬ ‫قولو تعاىل إ ( إي أعلم ما ال تعلموف ) ‪.‬‬ ‫وفبا يدؿ على البطء الشديد يف اغبركة اإلسػبلمية أي َل اطّلػع إىل اآلف علػى مػن تنػاوؿ‬ ‫أو أشار إىل ية ( سػَتوا يف األرض فػان روا كيػف بػدأ اػبلػق ) ‪ ،‬مػع أف مشػ لة بػدء اػبلػق‬ ‫مػػن أوؿ األف ػػار الػػيت صػػدمت الف ػػر الػػديٍت ‪ ،‬وحػػىت ال تػػاب الػػذي ألفػػو يف ىػػذا اؼبوعػػوع‬ ‫صبػػاؿ الػػدين األفغػػاي ( الػػرد علػػى الػػدىريُت ) يب ػػن أف يعتػػا اذباىػاً إىل الػػوراء أكثػػر مػػن أف‬ ‫ي ػوف متطلعػاً إىل األمػػاـ ‪ ،‬وعػػذره يف ذلػػك أف كتبػو يف مطلػػع شػػبابو ‪ ،‬ومػػن ذاؾ التػػاريخ إىل‬ ‫اآلف ال قبػػد َمػػن جعػػل يػػة الن ػػر إىل كيػػف بػػدأ اػبلػػق منطلق ػاً لبةػػث ىػػذه اؼبش ػ لة الػػيت‬ ‫يعاني ا الطػبلب واألسػاتذة يف العػاَل اإلسػبلمي قاطبػة ‪ ،‬وعلػى الػر م مػن أف اؼبشػ لة ملةػة‬ ‫واآلي ػػة القر ني ػػة ليس ػػت مث ػػل ال ت ػ اؼبنس ػػية فػ ػ ف الف ػػرة اؼبس ػػيطرة رب ػػوؿ دوف ر ي ػػة األم ػػور‬ ‫الواعةة اليت ت اد تفقأ العُت ( وكأين من ية يف السموات واألرض يبروف علي ا وىم عن ا‬ ‫معرعوف‬ ‫) ( يوسف ‪. ) ٔٓ٘ /‬‬ ‫( سنري م ياتنا يف اآلفػاؽ ويف أنفسػ م حػىت يتبػُت ؽبػم أنػو اغبػق أو َل ي ػف بربػك أنػو‬ ‫على كل شيء ش يد )‬ ‫( فهلت ٖ٘ ) ‪.‬‬ ‫ٔ ‪ -‬ىذه اآلية تستةق أف ي ت في ا كتاب خاص هبا على مبط كتاب حىت يغَتوا ما‬ ‫بأنفس م ‪ ،‬إف يراء مواعيع ىػذه اآليػة هبعلنػا متأكػدين أ ػا سػتناؿ مػا تسػتةق مػن الن ػرات‬ ‫الشاملة والعميقة يف الف ػر الػديٍت واإلنسػاي يف اؼبسػتقبل ‪ ،‬وأنػو سػت ر دراسػات ومؤلفػات‬ ‫كثَتة يف ىذه اآليات تفت فاقاً جديدة فسيةة ؛ وإي حُت أتناوؿ بعل معاني ػا ومرامي ػا‬ ‫أشػػعر بػػأي هبػػذا الطػػرح أجعػػل نفسػػي مػػن الػػذين بػػدأوا يتطلعػػوف إىل فػػاؽ جديػػدة سػػوؼ ال‬ ‫ت ف عن التوسع والتعمق من دارسُت يأتوف بعػدنا سػيمنةوف مػن البيػاف والقػدرة علػى حػل‬ ‫كثػػَت مػػن األ ػػبلؿ واآلصػػار الػػيت تثقػػل كواىلنػػا عػػن التقػػدـ إىل ذلػػك العػػاَل اعبديػػد ‪ ،‬وإىل‬


‫مس ػػتقبل ك ػػر لئلنس ػػاف اؼب ػػرـ ‪ ،‬اؼبس ػػتقبل ال ػػذي ي ػػعس مع ػػم البش ػػر م ػػن بلو ػػو وَل تق ػػدر‬ ‫اؼببلئ ة على تهوره وإم انو ( السبلـ العاؼبي ) ‪.‬‬ ‫ٕ ‪ -‬ىػذه اآليػة تنقػػل موعػوع الف ػر الػػديٍت الػذي تقػرره يػػات ال تػاب ‪ ،‬تنقػل مهػػدر‬ ‫األدلػػة مػػن يػػات ال تػػاب إىل يػػات اآلفػػاؽ واألنفػػس ‪ ،‬وىػػذه النقلػػة البعيػػدة اؼبػػدى َل ت ػػن‬ ‫البشرية م يأة ؽبا من قبل ‪ ،‬بل ال تػلاؿ ػَت م يػأة ؽبػا إىل اآلف ‪.‬وانعػداـ ىػذه النقلػة أو عػدـ‬ ‫القدرة على الت يف مع ا ىو الذي جعل مهدر أدلة العلم واإليباف ـبتلفة يف أذىػاف العػاَل‬ ‫اؼبعاصػػر ‪ ،‬فجعل ػوا الػػدين ػػَت العلػػم ‪ ،‬وأف مه ػػدر العلػػم مػػن الواقػػع ‪ ،‬ومهػػدر الػػدين م ػػن‬ ‫الغيػ ‪ .‬ف ػػذه اآليػػة هبػػذه النقلػػة التارىبيػػة الػػيت َل يقػػدر البشػػر علػػى تف م ػػا ‪ ،‬تػػدمج الػػدين‬ ‫دؾباً كامبلً يف العلم الواقعي يف اظيط اإلنساي ‪ ،‬لي وف موعع تأمل الناس ‪.‬‬ ‫ٖ ‪ -‬كما قل قولػو تعػاىل ( إف اهلل ال يغػَت مػا بقػوـ حػىت يغػَتوا مػا بأنفسػ م ) مف ػوـ‬ ‫الناس عن التغيَت الػذي كػانوا ينت رونػو مػن اهلل ‪ ،‬ويػرى البشػر أنفسػ م مثػل الطػُت بػُت يػدي‬ ‫اػبلاؼ تقيدىم األقدار ‪ ،‬قلبت ىذه اآلية الف رة رأساً علػى عقػ فػردت عمليػة التغيػَت إىل‬ ‫البشػػر ‪ ،‬واعتػػاهتم مسػػؤولُت عن ػػا ‪ ،‬وىػػذه ىػػي األمانػػة الػػيت وعػػعت بػػُت أيػػدي م ‪ .‬والبشػػر‬ ‫ل لم ػم أنفسػ م وعب ل ػػم بػالواقع ‪َ ،‬ل يتعلمػػا مػػا عنػدىم مػػن إم انػػات غبمػل ىػػذه األمانػػة‬ ‫اليت عجلت عن ػا السػماوات واألرض واعببػاؿ وأشػفقن من ػا وضبل ػا اإلنسػاف ضبػل اسػتعداد‬ ‫وإم ػػاف واقتػػدار ‪ ،‬وإف تباطػػأ يف ربويػػل ىػػذه القػػدرات اؼبمنوحػػة لػػو ‪ ،‬ويف إظ ارىػػا مػػن القػػوة‬ ‫ال امنة إىل الواقػع العملػي يف اغبيػاة اؼبتناميػة ‪ .‬وإف إقبػاالً كػاف يػرى مثػل ىػذه اإلبػداعات يف‬ ‫اغبي ػػاة البشػ ػرية وإم اناهت ػػا اؼبمنوح ػػة ل ػػو فع ػػا عن ػػا بالش ػػعر وجمل ػػاز واإليب ػػاء متخ ػػذاً أس ػػلوب‬ ‫الهوفية يف اإلشارات ‪ ،‬إال أف اؼبوعوع َل يعد ي فيو إيباء الشعراء وإشارت الهوفية ‪ ،‬وإمبػا‬ ‫انتقػػل ب ػػل يقلػػو وجبللػػو إىل علمػػاء التػػاريخ الػػذين يسػػَتوف يف األرض وين ػػروف كيػػف بػػدأ‬ ‫اػبلػػق فيتبػػُت ؽبػػم مػػن يػػات اآلفػػاؽ واألنفػػس مػػا هبعل ػػم يتلػػوف قولػػو تعػػاىل إ ( قػػل لػػو كػػاف‬ ‫البةػػر مػػداداً ل لمػػات ر لنفػػذ البةػػر قبػػل أف تنفػػذ كلمػػات ر ولػػو جعنػػا دبثلػػو مػػداداً ) (‬ ‫ال ف ‪ . ) ٜٔٓ /‬والف ر اؼباركسي لبو ومبتداه ومنت اه يف إدراؾ ؿبتوى ىػذه اآليػة حيػث‬


‫ظوا قدرة اإلنساف على صنع التاريخ ‪ ،‬والقياـ بعمليػة التغيػَت ‪ .‬ف ػذا العػجيج الػذي أحديػو‬ ‫الف ر اؼباركسي خبلؿ أكثر من معة عاـ إمبا كاف يف تبني م ؽبذه الف رة وإدراك م ؽبا ‪.‬‬ ‫وحػػديثي ىػػذا ال يعػػدو أف ي ػػوف مثػػل كلمػػات إقبػػاؿ بػػل دو ػػا ‪ ،‬وإمبػػا اؼب مػػة اؼبوعػػوعة‬ ‫اآلف أمػاـ الشػػباب واألمانػة الػػيت ينبغػػي أف وبملوىػا ‪ ،‬ىػػي كيػػف سػيجعلوف أنفسػ م مػػؤىلُت‬ ‫للقيػػاـ بوظيفػػة التغيػػَت اؼبوكلػػة إلػػي م ‪ ،‬ومػػا اؼبػػؤىبلت الػػيت ينبغػػي أف وبهػػلوىا حػػىت يتسػػلموا‬ ‫اؼب مة ويؤدوا الدور اؼبوكل إلي م لي ونوا جارحة القدرة اإلؽبية كمػا يقػوؿ إقبػاؿ عػن عبػد اهلل‬ ‫الػػذي يػػبطذ بيػػد اهلل ويبشػػي برجلػػو ويسػػمع ويبهػػر بسػػمعو وبهػػره علػػى مقتعػػى اغبػػديث‬ ‫القدسي عن العبد الذي يناؿ ىذه اؼبرتبة بتقربو من اهلل ( بالفرائل والنوافل ) فرائل اإليباف‬ ‫ونوافلو وفرائل العلم ونوافلو ‪.‬‬ ‫وجػبلؿ الػػدين الرومػي يقػػوؿ ( فةػػُت يعطػي السػػيد عبػده الفػػأس فقػػد أعػرب عػػن قهػػده‬ ‫بفعلو فيما ينبغي أف يقوـ بو العبد ) ‪ ،‬واهلل تعػاىل ؼبػا يقػوؿ لئلنسػاف سػوؼ ال أ ػَت وعػعك‬ ‫حىت تغَته أنت فقد أسند إليو األمانة واستخلفو على األرض ‪.‬‬ ‫واعبيبلي يقوؿ « الناس إذا وصلوا إىل القعاء والقدر أمس وا ‪ ،‬إال أنػا ‪ ،‬فانفتةػت‬ ‫فيو روزنة فنازعت أقدار اغبق باغبق للةق ‪ .‬والرجل من ي وف منازعاً للقػدر ‪ ،‬ال مػن ي ػوف‬ ‫مستسلماً مع القدر » ( ٔ ) ‪.‬‬ ‫وابػػن القػػيم يقػػوؿ إ لػػيس الرجػػل الػػذي يستسػػلم للقػػدر بػػل الػػذي وبػػارب القػػدر بقػػدر‬ ‫أح إىل اهلل ‪ ،‬وكما قاؿ أل عبيدة بن اعبراح ؼبا قاؿ لو األخَت أتفر من قدر اهلل ‪ ،‬ؼبا أراد‬ ‫عمر أف يرجع حُت ظبع بوجود الطاعوف ‪ ،‬أجابو عمر إ ويلك إمبا نفر من قدر اهلل إىل قدر‬ ‫اهلل ‪ . .‬ف ػػذه ال لمػػات وبمػػل كػػل من ػػا طػػابع عهػػره ‪ ،‬ومعاصػػرونا َل ينطق ػوا بعػػد ألننػػا يف‬ ‫عهر الهمت واؼبؤرخوف اؼبسلموف وعلماء النفس واالجتماع ‪ ،‬إ م ال علػم عنػدىم بايػات‬ ‫اآلف ػػاؽ واألنف ػػس ودالالهت ػػا وكي ػػف ب ػػدأ اػبل ػػق ‪ ،‬فم ػػا أصب ػػل ذاؾ العه ػػر ال ػػذي س ػػيتعلم في ػػو‬ ‫الشباب قراءة يات اهلل يف اآلفاؽ واألنفس ‪.‬‬ ‫( ٔ ) نقلو ابن القيم اعبوزية يف مدارج السال ُت جٔ ‪ -‬ص ‪ ٜٜٔ‬طبعة دار ال تاب العر ‪.‬‬


‫ٗ ‪ -‬ىػػذه اآليػػة يػػة اآلفػػاؽ واألنفػػس قلبػػت م ػػاف الػػدليل ومهػػدره ‪ ،‬كمػػا قلبػػت يػػة‬ ‫التغيػػَت مفػػاىيم النػػاس ‪ .‬فايػػة اآلفػػاؽ واألنفػػس حػػددت م ػػاف الػػدليل ومهػػدره بأنػػو لػػيس‬ ‫ال تاب ‪ ،‬فبل نطل كيف بدأ اػبلق من ال تاب ‪ ،‬وإمبا نطلبو من السَت يف األرض والن ػر‬ ‫‪ ،‬كما أمر بذلك ال تاب ‪ ،‬فاغب م يف ال تاب ‪ ،‬والػدليل يف الواقػع واألرض و يػات اآلفػاؽ‬ ‫واألنف ػػس ‪.‬وك ػػذلك س ػػبق أف أشػ ػرنا كي ػػف أف ال ػػذي ح ػػل النػ ػلاع يف عل ػػم الفل ػػك واإلجػ ػراـ‬ ‫السماوية َل ت ن النهوص ‪ ،‬وإمبا يات اهلل يف اآلفاؽ واألنفس ‪ ،‬ألف النهػوص ال تبةػث‬ ‫علػم الفلػػك ‪ ،‬وإمبػػا تلفػػت ن ػػر اإلنسػػاف إىل مغػلى ىػػذا ال ػػوف اؼبلػػيء باألسػرار الػػذي ينبغػػي‬ ‫أف يهل ىو يف حبثو يف الفلك وكذا سائر العلوـ ‪.‬‬ ‫وحُت أقوؿ إف قراءة يات اآلفاؽ واألنفس َل تدخل بعد ساحة مطالعاتنا ومفاىيمنا ‪،‬‬ ‫أعٍت ما أقوؿ ‪ .‬فنةن عاجلوف عن أف نُش د يػات اآلفػاؽ واألنفػس علػى أف ديػن اهلل حػق‬ ‫أو أف نعطػػي مع ػػٌت قريب ػاً مبس ػػطاً ؼبع ػػٌت يػػات اآلف ػػاؽ واألنف ػػس ‪ ،‬وأف داللت ػػا قطعي ػػة ح ػػُت‬ ‫تستويف شروط ا ‪.‬‬ ‫٘ ‪ -‬يف القع ػػاء يطلب ػػوف البين ػػة واألدل ػػة والش ػ ود ‪ ،‬واهلل تع ػػاىل يق ػػيم عل ػػى دين ػػو وكتاب ػػو‬ ‫شػػاىدي عػػدؿ ‪ ،‬ونبػػا يػػات اآلفػػاؽ واألنفػػس ‪ ،‬حػػُت يقػػوؿ ( سػػنري م ياتنػػا يف اآلفػػاؽ ويف‬ ‫أنفس م حىت يتبػُت ؽبػم أنػو اغبػق ) ونبػا شػاىداف معتػااف ؽبمػا حػق الشػ ادة ‪ ،‬وميػلة ىػذين‬ ‫الشػػاىدين أ مػػا نلي ػػاف ػػَتُ ُمت مػػُت بػػالتةيل واؽبػػوى ‪ ،‬فل ػػذا مػػن اسػػتطاع أف يُشػ د علػػى‬ ‫قعػػيتو يػػات اآلفػػاؽ واألنفػػس فقػػد اسػػتو نهػػاب الشػ ادة وأخػػرج الػػدليل مػػن عػػاَل الغيػ‬ ‫إىل عاَل الش ادة ‪.‬‬ ‫وللمجادؿ أف يهادر يات ال تاب ول ػن ال يب نػو أف يهػادر يػات اآلفػاؽ واألنفػس‬ ‫‪ ،‬فمن ىذا اعبان صار دليل الدين دليبلً عاؼبيػاً إنسػانياً علميػاً ‪ ،‬ولػيس دلػيبلً لطائفػة معينػة‬ ‫من الناس إ ( يا أي ا الناس قد جاءكم برىاف من رب م ‪) . .‬‬ ‫‪ - ٙ‬حينمػػا كانػػت اؼبعػػارؼ ظنيػػة وتابعػػة لؤلى ػواء ‪ ،‬وَل ت ػػن تش ػ د ؽبػػا يػػات اآلفػػاؽ‬ ‫واألنف ػػس ‪ ،‬ك ػػاف النػ ػلاع هب ػػري في ػػا ‪ ،‬ول ػػن ح ػػُت قام ػػت أدلت ػػا م ػػن اآلف ػػاؽ تغ ػػَت الوع ػػع‬


‫فخرجت ال يمياء من السةر لتهب علماً دقيقاً ‪ .‬وى ذا حُت بدأ علم النفس واالجتماع‬ ‫يأخذ أدلتػو مػن اآلفػاؽ واألنفػس صػار علمػاً ‪ ،‬ف مػا ال يوجػد فلػك ىنػدي وصػيٍت ومهػري‬ ‫ويوناي اآلف كما كاف موجوداً يف السابق ‪ ،‬كذلك سي وف شأف الدين حػُت يهػَت علمػاً يف‬ ‫ظل يات اآلفاؽ واألنفس ‪.‬‬ ‫والقر ف يعرض الدين كأمر واحد عاؼبي ( ال نفرؽ بُت أحد من رسػلو ) ‪ ( ،‬شػرع ل ػم‬ ‫وصى بو نوحاً ‪ ( ) . .‬الشػورى ٖٔ ) ( إف الػدين عنػد اهلل اإلسػبلـ ) ( ومػن‬ ‫من الدين ما َّ‬ ‫ير ػ عػػن ملػػة إب ػراىيم إال مػػن سػػفو نفسػػو ولقػػد اصػػطفيناه يف الػػدنيا وإنػػو يف اآلخػػرة ؼبػػن‬ ‫الهاغبُت إذ قاؿ لو ربو أسلم ‪ ،‬قاؿ أسلمت لرب العاؼبُت ‪ ،‬ووصى هبا إبراىيم بنيو ويعقوب‬ ‫إ يا بٍت إف اهلل اصػطفى ل ػم الػدين فػبل سبػوتن إال وأنػتم مسػلموف ) ( البقػرة ٕٖٔ ) وعلػى‬ ‫ج ىذه اآليات جاء قوؿ الرسوؿ ‪ « ‬األنبياء أبناء عبلت أبوىم واحػد وأم ػاهتم شػىت »‬ ‫( البخاري ) ‪.‬‬ ‫‪ - ٚ‬يػػذكر إقبػػاؿ أف ىػػذه اآليػػة جعلػػت يػػات اآلفػػاؽ واألنفػػس مهػػادر ؼبعرفػػة اغبػػق ‪،‬‬ ‫ف ػػأف ىػػذا القػػوؿ ي ػػر شػػيعاً جديػػداً يف أدلػػة أصػػوؿ الػػدين مػػن ال تػػاب والسػػنة والقيػػاس‬ ‫واإلصباع ‪ ،‬ودبقتعى ىذه اآلية ف ف يات اآلفاؽ واألنفس ؽبا حق معرفة اغبق وكشفو ‪ .‬ىذا‬ ‫اغبق كشيء مسػتنبط مػن ال تػاب ال يػؤدي دوراً كبػَتاً مثػل قولػو تعػاىل إ ( سػَتوا يف األرض‬ ‫فان روا كيف بدأ اػبلق ) ول ن حُت يبدأ الناس يتعلمػوف كيػف يتعػاملوف مػع يػات اآلفػاؽ‬ ‫واألنفػػس ف ػ ف داللػػة يػػات اآلفػػاؽ واألنفػػس تطل ػع عػػوءاً مب ػراً وبػػق معػػو أف يقػػاؿ إ طلػػع‬ ‫الهػػباح فػػأطفت القنػػديبل ‪ .‬ول ػػن الػػذين ظلػوا طػػويبلً يف ال ػػبلـ يهػػيب م العشػػى مػػن العػػوء‬ ‫الساطع ‪.‬‬ ‫وقد يرى بعل الناس يف ىذا االذباه خروجاً من الدين وتعييعاً لو ‪ ،‬ول ننا نرى ع س‬ ‫ذلػػك ‪ .‬نػػرى أف ىػػذا األسػػلوب سػػيعطي اؼبتػػدينُت هبػػاء كب ػَتاً كمػػا سػػي وف سػػبباً يف دخػػوؿ‬ ‫الناس يف دين اهلل أفواجاً ‪ .‬وإف أمثاؿ جارودي من مؤشرات ىذا االذباه وإف كػاف ال يرعػى‬


‫عػػن أف ػػاره كثػػَتوف خػػروف مػػن جوان ػ ـبتلفػػة ‪ ،‬ف نػػو ىػػو أيع ػاً يػػرى أ ػػم وبملػػوف رم ػػاد‬ ‫السلف ال شعلت م ‪.‬‬ ‫‪ - ٛ‬كثَتاً ما يواج ٍت الشباب اؼبتةرؽ إىل التعػاوف والتػالف وتوحيػد اعب ػود اإلسػبلمية‬ ‫ وحىت اإلنسػانية ‪ -‬بسػؤاؿ مػا السػبيل إىل توحيػد اؼبسػلمُت أو العػاملُت لئلسػبلـ إي قػد‬‫أشػػرت يف بعػػل كتػػيب أف اعب ػواب التقليػػدي ؽبػػذا الس ػؤاؿ ىػػو قػػوؽبم إ بػػالعودة إىل ال تػػاب‬ ‫والس ػػنة والس ػػلف اله ػػار ‪ .‬ل ػػن ى ػػذا اعب ػواب َل يع ػػد كافي ػاً عل ػػى وع ػػعو التقلي ػػدي ول ػػي‬ ‫يه ػػدؽ ى ػػذا اعب ػ ػواب وي تسػ ػ فاعليت ػػو العملي ػػة ال ب ػػد م ػػن أف ي ش ػػف اؼبس ػػلموف و ػػَت‬ ‫اؼبسػػلمُت من جػاً لف ػػم ال تػػاب والسػػنة وكػػل الػًتاث اإلنسػػاي ‪ .‬وأنػػا أسػػتبق اعبػواب اؼبفهػػل‬ ‫إىل اعبواب اؼبقتع ‪ ،‬وأقوؿ إف ىذا اؼبن ج من ج يات اآلفػاؽ واألنفػس ‪ .‬إف ىػذا اؼبػن ج‬ ‫ىػػو الػػذي سػػيةدد معػٌت ال تػػاب ومعػػٌت السػػنة ‪ ،‬ومعػػٌت ف ػػم النػػاس ؽبمػػا علػػى مػّػر التػػاريخ ‪.‬‬ ‫ولقػػد ذكػػرت يف أينػػاء مػػا أكتػ إشػػارات وظػػات إىل أنبيػػة يػػات اآلفػػاؽ واألنفػػس ‪ .‬وإ مػػا‬ ‫نوع من الوحي واألسلوب الذي يعلن بو اهلل إرادتو ػبلقو ‪ ،‬وىذا األسلوب اعبديد لو ميلات‬ ‫جديدة أيعاً ‪.‬‬ ‫أرجو أف ينتبو القارئ إىل ىػذا اؼبوعػوع ويتتبػع وهبمػع شػتات مػا كتبػت يف ىػذا اجملػاؿ ‪،‬‬ ‫ويدرب نفسػو علػى تػذوؽ يػات اهلل يف اآلفػاؽ واألنفػس وملايانبػا ‪ ،‬وإ مػا طريقػاف لتةويػل‬ ‫الدين إىل العلم والعاؼبية ‪ .‬وكلما صار شيء علماً صار عاؼبياً ‪ .‬ودبا أف اإلسبلـ يتعمن ىذا‬ ‫النػػوع مػػن اػبطػػاب الربػػاي وىػػذا التعػػمن ىػػو الػػذي جعلػػو عاؼبي ػاً ‪ ،‬وىػػو عػػاؼبي مػػن أساسػػو‬ ‫ونشأتو األوىل ( وما أرسلناؾ إال كافة للناس ) ‪.‬‬ ‫إذف إف ىذا اؼبن ج ىو الطريق الػذي سػتتوحد بػو اؼبػذاى اإلسػبلمية بػل وسػيتوحد بػو‬ ‫العاَل ( ولتعلمن نبأه بعد حُت ) ( سورة ص ‪. ) ٛٛ /‬‬ ‫واؼبسلموف يطَتوف فرحاً إذا رأوا شػيعاً مػن يػات اآلفػاؽ واألنفػس يػدعم ديػن م ‪ ،‬ول ػن‬ ‫الػػذي ال ينتب ػػوف إليػػو بدقػػة ىػػو أف يػػات اآلفػػاؽ واألنفػػس إذا صػػارت من ج ػاً ؿبػػدد اؼبعػػاَل‬ ‫راسػػخ البنيػػاف يابػػت األركػػاف يف أرعػػية يػػات ال تػػاب ‪ ،‬ىنػػاؾ يتةقػػق علػػم اهلل اؼبوعػػود يف‬


‫ذباوز الفساد يف األرض ‪ ،‬وسفك الدماء ‪ ،‬واالىتػداء إىل سػبل السػبلـ ( ي ػدي بػو اهلل مػن‬ ‫اتبع رعوانو سبل السبلـ وىبرج م من ال لمات إىل النور ) ( اؼبائدة ‪. ) ٔٙ /‬‬ ‫إف اؼبراج ػػع التقليدي ػػة ال زب ػػرج م ػػن النت ػػائج التقليدي ػػة ‪ .‬وك ػػذلك التغ ػَتات اؼبرحلي ػػة ت ػػل‬ ‫وقائع ػػا مرحليػػة ( قػػد نػػرى تقل ػ وج ػػك يف السػػماء فلنولينػػك قبلػػة ترعػػاىا ) ( البقػػرة ‪/‬‬ ‫ٗٗٔ ) ‪.‬‬ ‫وعلم الفلك مثل واع وقري يف أف يات اآلفاؽ واألنفس توحد الف م وتليل النلاع‬ ‫واػبهاـ ‪ ،‬فبعد ف ش دت يات اآلفاؽ على علم الفلك ‪َ ،‬ل يعد ىناؾ جداؿ وال خهاـ‬ ‫وتوحد ف م العػاَل لسػَت األرض والشػمس والقمػر والنجػوـ ‪ .‬وَل يعػودوا يتطػارحوف النهػوص‬ ‫يف الشد واعبذب والتعليل والتف َت ‪ .‬ف ذا إذا رأينا يات اآلفاؽ واألنفس وسب نػا مػن أف‬ ‫نري ا لغَتنا ف ناؾ يلوؿ التدابر ووبل الوئاـ ‪ ،‬ويتبُت ؽبم أين موطن اغبق ( سػنري م ياتنػا يف‬ ‫اآلفاؽ ويف أنفس م حىت يتبُت ؽبم انو اغبق ) ( فهلت ‪. ) ٖ٘ /‬‬ ‫ولقد حدث أف أبدى بعل الشػباب ب ػل إخػبلص تسػا الهتم يف أف الرسػوؿ صػلى‬ ‫اهلل عليو وسلم ‪ ،‬ىل يب ن أف يًتؾ األمة بعده من َت أف وبػدد مػن يقػودىم ويرجعػوف إليػو‬ ‫يف مش بلهتم ‪. . .‬‬ ‫وكاف جػوا بالهػدؽ واإلخػبلص نفسػو ‪ ،‬أي أريػد أف أتػرؾ األسػلوب الػذي تعودنػا أف‬ ‫نبةث بو ىذا اؼبوعوع من الرجوع إىل النهوص اليت تتجاذهبا طوائف اؼبسلمُت ويتجػادلوف‬ ‫يف ص ػػةة يبوهت ػػا أو داللت ػػا ‪ .‬وإي أش ػ ركم أف الس ػؤاؿ ط ػػرح بش ػ ل منطق ػػي ‪ ،‬ال بش ػ ل‬ ‫نهوصي ‪.‬‬ ‫وأنػػا أقػػوؿ ل ػػم مػػن ػػَت أف أدعػػي إ ػػاء اؼبوعػػوع وإعطػػاء اغب ػػم الفهػػل فيػػو ‪ .‬دبػػا أننػػا‬ ‫معشر اؼبسلمُت كبمل ديناً عاؼبياً ندعو العاَل صبيعاً إليو ‪ .‬ىذا العاَل الػذي لػو ذباربػو اؼبعػنية‬ ‫يف ىػذه اؼبواعػػيع بالػػذات ‪ .‬ىػػل فبػػا يناسػ ىػذا العػػاَل الػػذي نػػدعوه اآلف أف نقػػوؿ لػػو إ إف‬ ‫رسوؿ اهلل ‪ ‬حدد مهدر معرفة اغبق يف شخا معُت ومن سبللة معينة ‪ ،‬وإف الذي يقود‬


‫اؼبسػػلمُت يُعػػُت وىػػو ال يػلاؿ طفػبلً ‪ ،‬أـ أف نقػػوؿ إف األمػػر يف اإلسػػبلـ إ ( إف كػػرم م عنػػد‬ ‫اهلل أتقاكم ) ‪ ،‬وأف أوىل الناس بوالية قعية أكفؤىم ؽبا ‪.‬‬ ‫ػاؿ كثػَتة متطاولػػة ‪ -‬سػواء يف‬ ‫أنػا ال أزعػػم أـ مثػل ىػػذا اؼبوعػػوع الػذي لػػو مػن العمػػر أجيػ ٌ‬ ‫تاريخ اؼبسلمُت أو تاريخ البشر عامػة ‪ -‬يُن ػى دبثػل ىػذا ال ػبلـ ‪ .‬ول ػن فقػط أريػد أف ألقػي‬ ‫عػػوءاً علػػى يػػات اآلفػاؽ واألنفػػس يب ػػن أف تتػػدخل ب ػػل موعػػوعية وحياديػػة إللقػػاء أعػواء‬ ‫كاشفة على مواعػيع ظلػت تبةػث مػن منطلقػات ابػت عن ػا داللػة يػات اآلفػاؽ وذبػارب‬ ‫األمم وسنة الذين خلوا من قبل ‪. .‬‬ ‫وفبا يبعث على التفا ؿ أننا ال نعدـ اذباىات سعمت األسلوب التقليدي يف حبث ىذه‬ ‫اؼبشػ ػ بلت ‪ .‬وم م ػػا ك ػػاف ع ػػدد ى ػػؤالء قل ػػيبلً وأصػ ػواهتم خافت ػػة ‪ ،‬وج ػػودىم مبعث ػػرة ‪ ،‬فػ ػ ف‬ ‫اؼبسػػتقبل ؽبػػم ‪ ،‬و يػػات اآلفػػاؽ واألنفػػس مع ػػم ‪ ،‬وىػػم الػػذين سػػيتمتعوف بالقوامػػة بالقسػػط ‪،‬‬ ‫والش ػ ادة بػػاغبق ‪ ،‬ولػػو علػػى أنفس ػ م أو الوالػػدين واألق ػربُت ‪ ،‬أولعػػك ىػػم الػػذين سػػي ونوف‬ ‫على قدـ صػدؽ وسػيلوؿ مػا يف صػدورىم مػن ػل ‪ .‬ا إف الرسػوؿ صػلى اهلل عليػو وسػلم ‪-‬‬ ‫نفس ػػو يس ػػتخدـ ي ػػات اآلف ػػاؽ واألنف ػػس لية ػػل اؼبشػ ػ لة خ ػػارج النه ػػوص ‪ .‬وال م ػػانع م ػػن‬ ‫التذكَت باغبديث الذي أكرره كثَتاً ؼبا لو من الداللة واألنبية يف ىذا اؼبوعوع موعػوع يػات‬ ‫اآلفػػاؽ واألنفػػس ‪ .‬وذلػػك اغبػػديث الػػذي يػػًتؾ فيػػو الرسػػوؿ ‪ ‬االحتجػػاج بسػػلطانو النبػػوي‬ ‫وسلطاف ما أوحي إليو ‪ .‬ليتخذ يات اآلفاؽ واألنفس دليبلً وحجة لبياف موعوع معُت وقع‬ ‫اعبداؿ فيو مع صاحبو زياد بن لبيد ‪.‬‬ ‫( ذكر ابن كثَت يف تفسَت سورة اؼبائدة اآلية ٖ‪ ٙ‬وصةةو عن اإلمػاـ أضبػد قػاؿ إ ذكػر‬ ‫النػػيب شػػيعاً فقػػاؿ إ وذاؾ عنػػد ذىػػاب العلػػم ‪ ،‬قلنػػا يػػا رسػػوؿ اهلل إ كيػػف يػػذى العلػػم‬ ‫وكبػػن قرأنػػا القػػر ف ‪ ،‬ونقرئػػو أبناءنػػا ‪ .‬وأبنا نػػا يقرئػػوف أبنػػاءىم ‪ .‬فقػػاؿ إ ي لتػػك أمػػك يػػا ابػػن‬ ‫لبيد إ ْف كنت ألراؾ من أفقو رجل يف اؼبدينة ‪ .‬أوليس ىذه الي ػود والنهػارى بأيػدي م التػوراة‬ ‫واإلقبيل وال ينتفعوف فبا في ما بشيء ) ‪.‬‬


‫ىنػػا يلجػػأ رسػػوؿ اهلل ‪ ‬إىل يػػات اآلفػػاؽ واألنفػػس ليةسػػم الن ػلاع واعبػػداؿ يف يػػات‬ ‫ال تػػاب ‪ ،‬وإف يػػات ال تػػاب قػػد ت ػػف عػػن أدائ ػػا دور العلػػم يف ظػػروؼ معينػػة ‪ ،‬والرسػػوؿ‬ ‫‪ ‬ىنا يستش د حبدث تارىبي واقع أماـ العاَل صبيعاً ال يب ػن أف ين ػره أحػد ‪ .‬وىػذه القػوة‬ ‫آليات اآلفاؽ واألنفس أشرنا إلي ا قريباً حُت قلنا إف داللت ػا عاؼبيػة ‪ ،‬وفػوؽ العقائػد اؼبورويػة‬ ‫( اإلي ػػديولوجيات ) وَل وب ػػاوؿ ىن ػػا رس ػػوؿ اهلل ‪ ‬أف يق ػػوؿ أن ػػا رس ػػوؿ اهلل ‪ ،‬وال أنط ػػق ع ػػن‬ ‫اؽبوى وعليك أف تسلم دبا أقوؿ وال ذبادؿ فيو ‪ .‬إف ىذه اغبادية واغبوار العجي الػذي دار‬ ‫يف مطلع اغبياة اإلسبلمية لعميق الداللة ‪ ،‬وسوؼ ال ي ف عػن عطػاء مػا وبتويػو مػن مػن ج‬ ‫ال يلاؿ يتألق على مر العهور يف أنبية الوقائع يف اآلفاؽ واألنفس ‪ .‬وىذا ما أردنا أف نععو‬ ‫أم ػػاـ الش ػػباب اؼبس ػػلم ليت ػػأملوا في ػػو ‪ ،‬ل ػػيس كة ػػادث جلئ ػػي وإمب ػػا كم ػػن ج ‪ ،‬إال أف ؿباول ػػة‬ ‫االستفادة من ىذا اؼبن ج يقتعي معرفة لؤلحداث وإحهاء لوقائع التػاريخ و ربلػة ‪ ،‬وتػدقيقاً‬ ‫لػربط األسػػباب بالنتػػائج ‪ ،‬ولػػيس ؾبػػرد رقيػػة إذا تلوناىػػا شػػفينا مػػن أدوائنػػا الف ريػػة واعبسػػدية‬ ‫كما ىبيل إلي م ‪.‬‬ ‫‪ - ٜ‬قاؿ إقباؿ يف كتابو ذبديد التف َت الديٍت يف اإلسبلـ إ ( إف نيب اإلسبلـ يبدو أنو‬ ‫يقوـ بُت العاَل القد والعاَل اغبديث ‪ ،‬ف و من العاَل القػد باعتبػار مهػدر رسػالتو ‪ ،‬وىػو‬ ‫م ػػن الع ػػاَل اغب ػػديث باعتب ػػار ال ػػروح ال ػػيت انط ػػوت علي ػػا ‪ .‬فللةي ػػاة يف ن ػػرة مه ػػادر أخ ػػرى‬ ‫للمعرفة تبلئم اذباى ا اعبديػد ‪ .‬ومولػد اإلسػبلـ ‪ -‬كمػا أرجػو أف أسب ػن مػن إيباتػو ل ػم بعػد‬ ‫قليل إيباتاً تطمعنوف إليو ‪ -‬ىو مولد العقل االستدال ‪ .‬وإف النبوة يف اإلسبلـ لتبلػس كماؽبػا‬ ‫األخػػَت يف إدراؾ اغباجػػة إىل خ ػػتم النبػػوة نفس ػ ا ‪ .‬وى ػػو أمػػر ينطػػوي علػػى إدراك ػػا العمي ػػق‬ ‫السػػتةالة بقػػاء الوجػػود معتمػػداً إىل األبػػد علػػى مقػػود يقػػاد منػػو ‪ ،‬وإف اإلنسػػاف ل ػػي وبهػػل‬ ‫كماؿ معرفتو لنفسو ‪ ،‬ينبغي أف يًتؾ ليعتمد يف الن اية على وسائلو ىو ‪.‬‬ ‫إف أبطاؿ اإلسبلـ للرىبنة ‪ ،‬ووراية اؼبلك ‪ ،‬ومناشدة القر ف للعقل وللتجربة علػى الػدواـ‬ ‫‪ ،‬وإصراره على الن ر يف ال وف ‪ ،‬والوقوؼ على أخبار األولُت مػن مهػادر اؼبعرفػة اإلنسػانية‬ ‫‪ .‬كل ذلك صور ـبتلفة لف رة ختم النبوة ‪. .‬‬


‫واغبػػق أف القػػر ف يعػػد األنفػػس واآلفػػاؽ مهػػادر للمعرفػػة ‪ ،‬فالػػذات اإلؽبيػػة ترينػػا ياهتػػا يف‬ ‫أنفسػػنا ويف العػػاَل اػبػػارجي علػػى السػواء ‪ .‬وؽبػػذا وجػ علػػى اإلنسػػاف أف وب ػػم علػػى كفايػػة‬ ‫كل ناحية من نواحي التجربة يف إفادة العلم ‪ .‬وعلى ىذا فف رة ختم النبوة ينبغػي أال يف ػم‬ ‫من ا أ ا تفًتض أف مهػَت اغبيػاة يف الن ايػة ىػو إحػبلؿ العقػل ؿبػل الشػعور إحػبلالً كػامبلً ‪.‬‬ ‫فمثػػل ىػػذا لػػيس فب ن ػاً وال مر وب ػاً ‪ ،‬إمبػػا قيم ػػة ىػػذه الف ػػرة م ػػن الناحيػػة العقليػػة ‪ ،‬ى ػػي يف‬ ‫اذباى ػػا إىل خلػػق نلعػػة حػػرة يف سبةػػيا الرياعػػة الهػػوفية ‪ ،‬إذ ذبعػػل اإلنسػػاف يعتقػػد أف كػػل‬ ‫ٍ‬ ‫ػخا يػػلعم أف لػػو أصػبلً خارقػاً للطبيعػػة ‪ ،‬قػػد فػػات أوانػػو يف تػػاريخ البشػػر ‪ .‬ومثػػل‬ ‫سػػلطاف شػ ٌ‬ ‫ىذا االعتقاد قوة سي ولوجية ربوؿ دوف مبو مثل ىذا السلطاف ‪ .‬وعمل ىذه الف رة ىو أنػو‬ ‫تفػػت سػػببلً جديػػدة للمعرفػػة يف ميػػداف الرياعػػة الروحيػػة عنػػد اإلنسػػاف ‪ .‬والقػػوؿ بػػأف اآليػػات‬ ‫الدالة علػى الػذات اإلؽبيػة تتجلػى يف األنفػس ‪ ،‬قػد خلػق روح النقػد التقليػدي لعلػم اإلنسػاف‬ ‫جرد قوى الطبيعة من الهبغة اإلؽبيػة الػيت أعػفت ا علي ػا‬ ‫بالعاَل اػبارجي ‪ ،‬ووطد أركا ا بأف َّ‬ ‫الثقافات األوىل ) ( ٔ ) ‪.‬‬ ‫ويب ن الن ر إىل ف رة ختم النبوة من جان خر علػى أ ػا ف ػرة تعلػن انت ػاء الػدورات‬ ‫اغبعػػارية ‪ .‬فاغبعػػارات كانػػت تسػػَت وفػػق الػػدورات ‪ .‬أي تولػػد عػػعيفة ا تقػػوى وتشػػتد ا‬ ‫تععف وتػلوؿ ‪ ،‬ول ػن اغبعػارة ليسػت كاإلنسػاف الفػرد ‪ ،‬يتعػرض لتةلػل حياتػو الععػوية ‪،‬‬ ‫ول ن اغبعارة ربلل ا ف ري نفسي ‪ ،‬وىذا قابل للعبلج والليادة والنمو ‪ ،‬إذا عرؼ اإلنساف‬ ‫سػػننو ‪ .‬ومثػػل ذلػػك األرض اللراعيػػة كانػػت تت ػػوف سػػابقاً تلقائيػاً ا تقػػد صػػبلحيت ا ‪ ،‬ول ػػن‬ ‫تدخل ج د اإلنساف التسػخَتي الػواعي ‪ ،‬ح ّػوؿ األراعػي ػَت الهػاغبة إىل صػاغبة ‪ ،‬وجعػل‬ ‫الهاغبة تستمر يف الهبلح ‪ ،‬ف ذا فرؽ بػُت مػا وبػدث تلقائيػاً ‪ ،‬وبػُت مػا وبػدث تسػخَتياً ‪،‬‬ ‫وقاؿ مالك بن نيب يف ىذا إ « واألشياء تسَت فعبلً كذلك إف تركت لشػأ ا أي تلقائيػاً » ‪.‬‬ ‫والعاَل اإلسبلمي إمبػا خػرج عػن خػط سػَته ؽبػذا السػب ‪ .‬ول ػن بانت ػاء النبػوة وختم ػا فقػد‬ ‫انت ت الدورات وأمسك اإلنساف بسنن اغبعارة ‪ ،‬ليجعل ػا مسػتمرة ‪ ،‬وىػذا اؼبوعػوع تناولػو‬ ‫( ٔ ) ذبديد التف َت الديٍت إلقباؿ صفةة ٗٗٔ ‪ ٔٗ٘ -‬طبع القاىرة ٘٘‪ٜٔ‬‬


‫توينيب ب ثَت من الًتدد ‪ ،‬وقاؿ كػاؿ عػن ىػذا اؼبوعػوع ‪ ،‬موعػوع الػدورة اغبعػارية « إف كػل‬ ‫قانوف يفرض على العقل نوعاً من اغبتمية ‪ ،‬تقيد تهرفو يف حػدود القػانوف ‪ » . .‬ا يقػرر «‬ ‫وب ػػذلك تتغ ػػَت وج ػػة الن ػػر يف س ػػَت الت ػػاريخ إذ أف اؼبراح ػػل ال ػػيت تتقب ػػل أو ال تتقب ػػل التغي ػػَت‬ ‫حس ػ طبيعت ػػا ‪ ،‬ته ػػب مراح ػػل قابل ػػة كل ػػا للتغي ػػَت ألف اغبتمي ػػة اؼبرتبط ػػة هب ػػا ‪ ،‬أص ػػبةت‬ ‫اختياراً يتقرر يف أعماؽ النفوس ( ٔ ) ‪.‬‬ ‫فمعٌت ختم النبوة ختم الدورة اغبعارية ‪.‬‬ ‫واؼبيلة األخرى ظمد أنو للناس كافة ‪ ،‬وىػذه في ػا ف ػرة عاؼبيػة اغبعػارة ‪ ،‬وانت ػاء زمػن‬ ‫تعػدد اغبعػػارات ‪ ،‬وإف كنػػا ال نػلاؿ نعػػيذ دورة اغبعػػارة وتعػددىا ‪ ،‬إال أف إرىاصػػات زواؽبػػا‬ ‫بدأت تاز ؼبن تأمل ‪ .‬ىذه حقائق تشَت إلي ا يات اآلفاؽ واألنفػس ‪ .‬ول ػن ال ننتبػو إلي ػا‬ ‫بالقدر ال ايف من االىتماـ ‪ ،‬فالعػاَل بسػَت خبط ًػى حثيثػة إىل العاؼبيػة يومػاً بعػد يػوـ ‪ ،‬مػدفوعاً‬ ‫ػػَت ـبتػػار ‪ ،‬واللبػػد يػػذى جفػػاء ‪ ،‬ومػػا ينفػػع النػػاس سػػيبقى ‪ ،‬وسػػيف م النػػاس يف اؼبسػػتقبل‬ ‫ىذه األمور ربػت أشػعة أعػواء معينػة وإف كانػت اآلف ربػت بػار األنقػاض ‪ .‬ىػذه مؤشػرات‬ ‫يات اآلفاؽ واألنفس ‪.‬‬ ‫ٖ‪-‬‬‫( وس ػػخر ل ػػم م ػػا يف الس ػػموات وم ػػا يف األرض صبيعػ ػاً من ػػو إف يف ذل ػػك آلي ػػات لق ػػوـ‬ ‫يتف روف ) ( اعبايية ‪) ٖٔ -‬‬ ‫ىذه اآلية من اؼبقامات اظمودة اليت رفع اهلل اإلنساف إلي ا ‪ ،‬ومػن درجػات الت ػر الػيت‬ ‫وىب ا إياه حُت قاؿ إ ( ولقد كرمنا بٍت دـ وضبلناىم يف الا والبةر ورزقناىم من الطيبػات‬ ‫) ( اإلسراء ‪. ) ٚٓ /‬‬ ‫ٔ ‪ -‬يف ىذه اآلية م انة اإلنساف اغبقيقية أو كما يقوؿ إقباؿ إ ( مقاـ النيابة اإلؽبية )‬ ‫‪ ،‬ف ػ ذا كػػاف مػػا يف السػػموات واألرض صبيع ػاً مسػػخراً ػبدمػػة اإلنسػػاف ‪ ،‬ف ػ ف نائ ػ اغبػػق ‪-‬‬ ‫اإلنسػػاف ‪ -‬يػػأمر ىػػذه األشػػياء فتطيعػػو حػػُت وبقػػق شػػروط ا ‪ .‬إف اإلنسػػاف يػػأمر لػػة يهػػنع ا‬ ‫( ٔ ) مقدمة كتاب حىت يغَتوا ما بأنفس م اليت كتب ا مالك بن نيب ‪.‬‬


‫للسػػفر إىل ال واك ػ ‪ ،‬فتػػذى وتنفػػذ األوامػػر وتعطػػي اؼبعلومػػات ‪ ،‬وتعػػود ‪ ،‬إف ىػػو أمرىػػا‬ ‫بذلك ‪ .‬إ ا عينة من أجبدية التسخَت وأفق من فاؽ العلم ‪. . .‬‬ ‫ٕ ‪ -‬إف التسػػخَت ىػػو الوصػػوؿ بػػالعلم ‪ -‬اؼبعرفػػة الن ريػػة للقػػانوف والسػػنة ‪ -‬إىل أقهػػى‬ ‫اياتػػو ‪ ،‬ػبدمػػة اإلنسػػاف يف حياتػػو العمليػػة اليوميػػة ‪ ،‬ويب ػػن أف نػػرى ذلػػك يف مثػػل الق ػراءة‬ ‫وال تابة وتطورنبا ‪ .‬فقد عرف ما اإلنساف منذ طبسػة الؼ عػاـ ‪ ،‬وأخػذ تسػخَته ؽبمػا يػلداد‬ ‫م ػػع اخػ ػًتاع ال ػػورؽ من ػػذ حػ ػوا ٓٓ٘ٔ ع ػػاـ ‪ ،‬ا م ػػع اخ ػػًتاع الطباع ػػة ‪ ،‬ف ػػاخًتاع اغباسػ ػ‬ ‫اإلل ػػًتوي ووس ػػائل خ ػػلف اؼبعلوم ػػات األخ ػػرى ح ػػديثاً ‪ ،‬وم ػػع ذل ػػك ال زاؿ تس ػػخَت القػ ػراءة‬ ‫وال تابة قاصراً عن مداه ‪.‬‬ ‫وكبػػن ال نػػرى مػػا سػػخر لنػػا مػػن الػػدواب واأل ػػار والفلػػك ‪ ،‬ونػػرى كيػػف أف تسػػخَتىا‬ ‫يتنػػامى مػػع الػػلمن ‪ ،‬ومػػن رأى كيػػف بػػدأ اػبلػػق يعلػػم كيػػف يتعػػاعف التسػػخَت ‪ ،‬وتلػػوح لػػو‬ ‫مبلم النشأة اآلخرة ‪ ،‬في وف األمر كمػا قػاؿ جػبلؿ الػدين الرومػي ‪ ،‬عػن الػذي يبشػي وراء‬ ‫مسػػك الغػلاؿ إ يبشػػي حينػاً علػػى تتبػػع األيػػر ا يبػػدأ يتبػػع رائةػػة اؼبسػػك ‪ ،‬ومرحلػػة مػػن ىػػذا‬ ‫تساوي مرحلة من ذلك ‪.‬‬ ‫إف السػػلطاف ىػػو العلػػم ‪ ،‬والنفػػوذ مػػن أقطػػار اؼبسػػخرات ال يػػتم إال بالسػػلطاف ‪ .‬وكمػػا‬ ‫اخًتق ػػت الط ػػائرات ح ػػاجل اله ػػوت ‪ ،‬فبالس ػػلطاف س ػػيخًتؽ ح ػػاجل الع ػػوء ‪ ،‬ال ػػذي أقام ػػو‬ ‫انشتاين كعقبة أماـ سلطاف اإلنساف ‪ .‬يقوؿ ؿبمػد إقبػاؿ إ إي اسػتفدت مػن معػراج الرسػوؿ‬ ‫‪ ‬إ أف اإلنساف ليس بعيداً عن السماء ‪.‬‬ ‫ٖ ‪ -‬إف التسػ ػػخَت تسػ ػػخَتاف ؛ تسػ ػػخَت عػ ػػاَل اآلفػ ػػاؽ ‪ ،‬وتسػ ػػخَت عػ ػػاَل األنفػ ػػس ‪ .‬إف‬ ‫تسػػخَت عػػاَل اإلنسػػاف ‪ -‬األنفػػس ‪ -‬أصػػع التسػػخَتين ‪ ،‬وأبعػػدنبا مػػن اإلخعػػاع ‪ ،‬وؽبػػذا‬ ‫أن ر اؼبن روف ‪ ،‬وال سيما الغربيوف ‪ ،‬أف ت وف الشؤوف اإلنسانية خاععة للعلم ‪.‬‬ ‫وحىت ال يقتهر معٌت التسخَت علػى اآلفػاؽ فقػط ‪ ،‬ال بػد مػن إشػارات إىل أف التسػخَت‬ ‫اغبقيقي ‪ ،‬والعلم اليقيٍت اعبدير باسػم العلػم ‪ ،‬إمبػا ىػو العلػم اؼبتعلػق باإلنسػاف ‪ -‬األنفػس ‪-‬‬ ‫وسػػَت اجملتمعػػات ‪ ،‬وىػػذا االذبػػاه واعػ م ػػرر يف القػػر ف كثػَتاً ‪ .‬وإف أىػػداؼ اغبعػػارة اليػػوـ‬


‫تنػػاقل أىػػداؼ القػػر ف ؛ أل ػػا ال تليػػق باإلنسػػاف وال ربقػػق إنسػػانيتو ‪ ،‬فمػػثبلً يعلػػن القػػر ف‬ ‫بالوعػوح والهػراحة ال املػة إ أف كثػػرة اؼبػواؿ واألوالد ليسػت ىػػي الػػيت تقػرب مػػن اهلل ( ومػػا‬ ‫أمػوال م وال أوالدكػػم بػػاليت تقػرب م عنػػدنا زلفػػى ) ( سػػبأ ‪ ، ) ٖٚ /‬ويُسػػفو قػػوؿ القائػػل إ (‬ ‫أنػػا أكثػػر منػػك مػػاالً وأعػػل نف ػراً ) ( ال ػػف ‪ ) ٖٗ /‬؛ واؼبػػاؿ والنفػػر يف ىػػذه اآليػػة يقػػاببلف‬ ‫اعبان االقتهادي والعس ري ‪.‬‬ ‫وإىل يومنػػا ىػػذا نقػػدر درجػػة تقػػدـ اغبعػػارة دبقػػدار الػػدخل السػػنوي للفػػرد ونهػػيبو مػػن‬ ‫اغباجات األساسية وال مالية ‪ .‬ول ن الرقي اغبقيقي ( التقػوى ) ‪ ،‬أف ي ػوف اإلنسػاف قػادراً‬ ‫على ي الػنفس عػن اؽبػوى ‪ .‬وينبغػي أف ننبػو ىنػا إىل أف الػذي ين ػره القػر ف لػيس التسػخَت‬ ‫والتمتػع بالطيبػػات ( قػل مػػن ح َّػرـ زينػػة اهلل الػػيت أخػرج لعبػػاده والطيبػات مػػن الػرزؽ ‪ .‬قػػل ىػػي‬ ‫للذين منوا يف اغبياة الدنيا خالهػة ؽبػم يػوـ القيامػة ) ( األعػراؼ ‪ ( ، ) ٖٕ /‬قػل إمبػا ح َّػرـ‬ ‫ر الفواحذ ما ظ ر من ا وما بطن ) ( العراؼ ‪ . ) ٖٖ /‬وكبن نقوؿ ىنا ما قالػو إقبػاؿ إ‬ ‫لػػيس القه ػد أف ال يبلػػك اإلنسػػاف الػػدنيا ‪ ،‬ول ػػن أف ال سبلػػك الػػدنيا اإلنسػػاف ‪ ،‬أي أف ال‬ ‫تتةوؿ الوسائل إىل أىداؼ ويهف إقباؿ اؼبؤمن بقولو إ‬ ‫ل ػ ػ ػ ػػيس من ػ ػ ػ ػػا ذرة‬ ‫وتػ ػػرى ال ػ ػػدنيا انط ػ ػػوت يف‬ ‫يف قلبو‬ ‫كسبو‬ ‫ومن ىنا قوؿ الرسوؿ صلى اهلل عليو وسلم « مػا الفقػر أخشػى علػي م ‪ ،‬ول ػن أخشػى‬ ‫أف تف ػ ػػت ل ػ ػػم ال ػ ػدنيا فتنافس ػ ػػوىا كم ػ ػػا تنافس ػ ػػوىا وهتل ػ ػػم كػ ػػم أىل ػ ػػت م ػ ػػن ق ػ ػػبل م »‬ ‫فاغبعػػارات كل ػػا انتةػػرت علػػى ىػػذا اؼبنللػػق ‪ ،‬وقليػػل مػػن األفػراد ينجػػوف يف ال ػػروؼ الراىنػػة‬ ‫للبشرية ‪.‬‬ ‫قػػف عنػػد ىػػذه النقطػػة ‪ ،‬وتأمػػل جيػػداً حػػىت ال ت ػػوف كػػاليت نقعػػت لؽبػػا أن اي ػاً ‪ .‬و‬ ‫توينيب حاـ حوؿ ىذا اؼبوعوع يف أمػاكن متعػددة مػن كتابػو ( دراسػة التػاريخ ) وحبػث طبيعػة‬ ‫ارتقػػاء اغبعػػارات ‪ ،‬ربػػت عن ػواف ( الػػدروب اػبادعػػة ) ‪ .‬قػػاؿ إ ( ىػػل يقػػاس االرتقػػاء وفق ػاً‬ ‫لسيطرة متلايدة على بيعة اجملتمػع اػبػارجي إف شبػة نػوعُت مػن مثػل ىػذه السػيطرة اؼبتلايػدة ؛‬


‫سػػيطرة متلايػػدة علػػى البيعػػة البشػرية الػػيت تتخػػذ عػػادة شػ ل ػػلو الشػػعوب اجملػػاورة ‪ ،‬وسػػيطرة‬ ‫متلايدة علػى البيعػة اؼباديػة ‪ ،‬تعػا عػن نفسػ ا بتةسػينات يف األسػلوب الت نولػوجي اؼبػادي ‪،‬‬ ‫ويػػورد أمثلػػة لبيػػاف أف أيػاً مػػن ىػػاتُت ال ػػاىرتُت ‪ -‬سػواء التوسػػع السياسػػي واغبػػر أو ربسػػُت‬ ‫األسػػلوب الفػػٍت ‪ -‬ال يعتػػاه قاعػػدة مناسػػبة لقيػػاس ارتقػػاء اإلنسػػاف اغبقيقػػي ؛ ف ػ ف التوسػػع‬ ‫اغب ػػر الت نول ػػوجي ع ػػادة ‪ ،‬نتيج ػػة نلع ػػة حربي ػػة تعت ػػا ب ػػدورىا قرين ػػة للت ػػدىور ‪ ،‬وال تب ػػدي‬ ‫التةسػػينات الت نولوجيػػة س ػواء كانػػت زراعيػػة أـ صػػناعية ‪ ،‬سػػوى ارتبػػاط قليػػل ‪ ،‬أوال شػػيء‬ ‫البتة ‪ ،‬بين ا وبُت االرتقاء الهةي ) ‪.‬‬ ‫ػداره‬ ‫ويذكر توينيب أف ىذا اؼبوعوع اختلط علػى ( ويلػل ) فيقػوؿ إ ( إنػو فشػل لسػب َم ُ‬ ‫إ إخفاقػػو يف ربويػػل ركػػازه الروحػػي ‪ -‬كلمػػا اتهػػل سػػياؽ روايتػػو ‪ -‬مػػن الناحيػػة ال ونيػػة إىل‬ ‫اإلنسانية ) ‪.‬‬ ‫كما يػذكر تػوينيب ‪ ،‬الفراعنػة الػذين بنػوا األىرامػات ‪ ،‬وكيػف أف اؼبػوت ألقػى يػده البػاردة‬ ‫على حياة حعارهتم الناميػة ‪ ،‬يف اللة ػة الػيت ربػوؿ عنػدىا التةػدي ‪ ،‬مػن اؼبيػداف اػبػارجي‬ ‫إىل الػػداخلي ‪ ،‬حينمػػا اسػػتغلوا قبػػاح م االقتهػػادي اللراعػػي ‪ ،‬الفػػٍت ‪ ،‬يف بنػػاء األىرامػػات ‪،‬‬ ‫كمػػا يسػػتغل اليػػوـ التقػػدـ االقتهػػادي والفػػٍت ‪ -‬بعػػد أربعػػُت قرنػاً مػػن ذاؾ التػػاريخ ‪ -‬يف بنػػاء‬ ‫الًتسانات النووية وسباؽ التسل ( ٔ ) ‪.‬‬ ‫كما يػذكر تػوينيب أف مبػادئ انػدي ولينػُت ‪ ،‬اكبػدرت إىل طرائػق ( فػورد ) األمري ػي ‪.‬‬ ‫وفبا يدؿ على ىذا االكبدار ‪ ،‬أف وزير خارجية الهُت يف زيارتػو األوىل يف ايػة عػاـ ٘‪ٜٔٛ‬‬ ‫لبعل الببلد العربية ‪ ،‬كاف يغَت بذلتو األوروبية من يوـ آلخر ‪ ،‬بينمػا كػاف مػاو وشػوئنبلي ‪،‬‬ ‫وبتف اف ببذلة العمل الهيٍت ‪ ،‬ذات الياقة الواقفة ‪.‬‬ ‫إف موعوع التسخَت موعوع م م ‪ ،‬ومع أنبية ىذه اآلية ال ريبػة الػيت ترفػع اإلنسػاف إىل‬ ‫اؼبقاـ ال ر ‪ ،‬قبد خطورة الوقوع يف اؼبنةػدر العميػق ‪ .‬وإذا تػذكرنا أف اؼبسػؤولية تػلداد كلمػا‬ ‫ازدادت النعم ػػة ‪ ،‬نت ػػذكر أف اؼبس ػػؤولية ال ػػيت تقاب ػػل ( س ػػخر ل ػػم م ػػا يف الس ػػموات وم ػػا يف‬ ‫( ٔ ) راجع الفهل العاشر من كتاب ( دراسة للتاريخ ) ‪ ،‬توينيب ‪.‬‬


‫األرض صبيعاً منو ) مسؤولية تبدو ال ائية ‪ ،‬بل يراىػا كثػَت مػن النػاس مسػؤولية مسػتةيلة ‪.‬‬ ‫ويل ػػوح أف ت ػػوينيب م ػػن ب ػػُت م ػػن ي ػػروف ى ػػذا الػ ػرأي ‪ ،‬حي ػػث ي ػػذكر كثػ ػَتاً أن ػػو ال يب ػػن أخ ػػذ‬ ‫الت نولوجيػػا الغربيػػة بػػدوف التلػػوث دببادئ ػػا األخبلقيػػة ‪ ،‬فمػػن ىػػذا اعبان ػ قب ػد تػػوينيب يقػػف‬ ‫موقػػف عامػػة مش ػػاىبنا التقلي ػػدي مػػن اغبع ػػارة الغربي ػػة ‪ ،‬ف ػػو ي ػػاد يبي ػػل إىل اعب ػواب ال ػػذي‬ ‫أجي بو طائفة البيت العتيق وىو ينشد إ‬ ‫ف ي ػ ػ ػ ػ ػ ػ ػ ػػف هب ػ ػ ػ ػ ػ ػ ػ ػػوى‬ ‫أىػػوى ىػػوى الػػدين واللػػذات‬ ‫اللذات والدين‬ ‫تعجبٍت‬ ‫فأجابو أحدىم قائبلً إ دع ما شعت وخذ أحدنبا ‪ ،‬يعٍت ال يب ن اعبمع بين ما ‪.‬‬ ‫ول ػػن ‪ ،‬كبػػن الػػذين نتمسػػك حببػػل اهلل واألمػػل الػػذي ُوعػػع يف ىػػذا اإلنسػػاف ‪ ،‬بػػأف اهلل‬ ‫يعلػم فيػو ػَت مػا علمتػػو اؼببلئ ػة ‪ ،‬وىػذا العلػم وىػذا األمػػل ‪ ،‬هبعلنػا وايقػُت مػن أف اإلنسػػاف‬ ‫سيثبت جدارتو يف ذباوز الت مة ‪ ،‬وقػد علمنػا اهلل يف كتابػو أف التػاريخ مهػدر صػةي للعلػم‬ ‫‪ ،‬وعلمنػػا أيعػاً أف التػػاريخ لػػيس ىػػو اؼباعػػي فةسػ ‪ ،‬بػػل ىػػو اآلب أيعػاً ‪ ،‬وأف مػػا أخفػػق‬ ‫فيػػو اؼباعػػوف لػػيس للام ػاً أف ىبفػػق فيػػو اآلتػػوف ؛ ؽبػػذا القػػر ف وبػػوؿ صػػدؽ وأدلػػة أح امػػو إىل‬ ‫اؼبستقبل حُت ال ي وف اؼباعي كافياً للداللة إ ( اعملوا على م انت م إنػا عػاملوف وانت ػروا‬ ‫إنػػا منت ػػروف ) ( ىػود ‪ ( ، ) ٕٕٔ /‬سػػنري م ياتنػػا يف اآلفػػاؽ ويف أنفسػ م حػػىت يتبػػُت ؽبػػم‬ ‫أنو اغبق ) ( فهلت ‪. ) ٖ٘ /‬‬ ‫وموعوع العبلقة السليمة بُت ( يات اآلفاؽ واألنفس ) ‪ ،‬أو بُت ( الػدنيا واآلخػرة ) ‪،‬‬ ‫أو بُت ( األصالة واؼبعاصرة ) ‪ ،‬أو بػُت ( األخػبلؽ والسياسػة ) ‪ ،‬أو بػُت ( التوحيػد والشػرؾ‬ ‫) ‪ ،‬أو بػػُت ( أف تسػػيطر علػػى الػػدنيا أو تسػػيطر الػػدنيا عليػػك ) ‪ ..‬ىػػو ل ػ القػػر ف وؿبػػور‬ ‫اىتمامو ‪.‬‬ ‫يف سورة الفجر يقوؿ اهلل تعاىل إ ( أَل تر كيف فعل ربك بعاد إرـ ذات العمػاد الػيت َل‬ ‫ىبلػػق مثل ػػا يف الػػببلد وشبػػود الػػذين جػػابوا الهػػخر بػػالواد وفرعػػوف ذي األوتػػاد الػػذين طغػوا يف‬


‫الببلد فأكثروا في ا الفساد فه علي م ربك سوط عذاب إف ربك لباؼبرصػاد ) ( الفجػر ‪/‬‬ ‫ٗٔ ) ‪.‬‬ ‫ىذا ىو الذي قاؿ عنو توينيب إ « لقػد جابػو الفراعنػة اؼبععػلة نفسػ ا ‪ ..‬حػُت أخعػعوا‬ ‫اؼبػػاء والًتبػػة إلرادة البشػػر إ ىػػل اسػػتخدـ حػػاكم ىػػذه السػػيطرة يف رفػػع شػػأف رعايػػاه أـ رفػػاه‬ ‫حفنتو ‪ ..‬لقػد شػيد سػيد مهػر األىرامػات ‪ ،‬وعقابػاً ؽبػم علػى سػوء اختيػارىم ألقػى اؼبػوت‬ ‫يػػده البػػاردة علػػى حيػػاة ىػػذه اغبعػػارة الناميػػة ‪ ،‬يف اللة ػػة الػػيت ربػػوؿ عنػػدىا التةػػدي مػػن‬ ‫اؼبيداف اػبارجي إىل اؼبيداف الداخلي » من الت نولوجيا إىل سي ولوجيا العدؿ واإلحساف ‪.‬‬ ‫( كػػم ترك ػوا مػػن جنػػات وعيػػوف وزروع ومقػػاـ كػػر ونعمػػة كػػانوا في ػػا فػػاك ُت ‪ .‬كػػذلك‬ ‫أوريناىػا قومػاً خػرين ‪ .‬فمػا ب ػػت علػػي م السػػماء واألرض ومػا كػػانوا من ػرين ) ( الػػدخاف ‪/‬‬ ‫ٕ٘ ‪. ) ٕٜ -‬‬ ‫ٗ‪-‬‬‫( إف الذين منوا والذين ىادوا والنهػارى والهػابعُت مػن مػن بػاهلل واليػوـ اآلخػر وعمػل‬ ‫صاغباً ‪ ،‬فل م أجرىم عند رهبم وال خوؼ علي م وال ىم وبلنوف ) ‪.‬‬ ‫إف العػػاَل الػػذي نعػػيذ فيػػو يتهػػا ر يوم ػاً فيوم ػاً ‪ ،‬ويعػػطر أف يعػػيذ فيػػو النػػاس ‪ ،‬وقػػد‬ ‫اشػػتب ت مهػػاغب م ‪ ،‬وعمػػت األف ػػار الػػيت تػػدانب م فتوحػػدت اؼبهػػار واؼبخػػاطر ‪ ..‬وكػػأف‬ ‫ىذا العاَل يبر دبرحلة شبي ة دبا يبر بو اإلنساف حُت يولد ‪ ،‬وينفهل عن والدتو ‪ ،‬إنػو يعػطر‬ ‫أف يواجػػو مشػ بلت خطػػَتة سػريعة وت يفػػات جديػػدة لػػيس لػػو هبػػا ع ػػد ‪ ،‬فالب ػػاء الهػػارخ‬ ‫الذي يستقبل بو الوليد ىذا العاَل ‪ ،‬يعا عن ىذه األزمة ‪ .‬ف ذا اؼبولود الذي عاش يف رحم‬ ‫والدتػػو ‪ ،‬يف اعبػػو الػػدافت النػػاعم ‪ ،‬ال يتػػنفس وال يأكػػل وال يشػػرب ‪ ..‬يواجػػو فجػػأة ـبػػاض‬ ‫الػػوالدة ويػػدفع بقػػوة وعػػغط شػػديد وعنػػف َل ي ػػن لػػو بػػو سػػابق ع ػػد ‪ .‬ليمػػر دبراحػػل صػػعبة‬ ‫عػػا طة إىل ىػػذا اعبػػو البػػارد ‪ ،‬حيػػث يقطػػع اغببػػل السػػري الػػذي كػػاف بػػو يتػػنفس ويتغػػذى ‪،‬‬ ‫ويعػػطر أف يسػػتخدـ رئتػػو ألوؿ مػػرة ‪ ..‬إف ىػػذه اؼبواج ػػة الشػػديدة ىػػي الػػيت كانػػت تسػػب‬ ‫كثرة وفيات األطفاؿ ‪.‬‬


‫ويواج ػػو البش ػػر اليػ ػوـ ‪ ،‬حال ػػة ش ػػبي ة هب ػػذه اغبال ػػة ‪ ،‬وى ػػم مع ػػطروف ب ػػل م ػػدفوعوف إىل‬ ‫مواج ة ىذه اغبالة ‪ ،‬والت يف مع ا ‪ ،‬وتعلم اؼبعرفة اليت سب ن م من اجتياز اؼبخػاطر وتقليػل‬ ‫دفػع عػرائ اعب ػل ‪ ،‬والعجػل عػن اإلسػ اـ يف تسػ يل الت يػف مػع ال ػروؼ اعبديػدة هبعػػل‬ ‫األشبػػاف باى ػػة واػبسػػائر م لفػػة ‪ .‬إف مػػا اعتػػدناه مػػن أسػػالي وعبلقػػات اسػػتقرار ألحقػػاب‬ ‫طويلة ‪ -‬شبي ة حبيػاة الػرحم ‪َ -‬ل تعػد كافيػة ‪ ،‬فػبل بػد مػن أمػور جديػدة للت يػف مػع العػاَل‬ ‫اعبديد ‪ .‬وإذا كاف العلم ىػو الػذي سػاعد الطفػل علػى دخػوؿ اؼبرحلػة اعبديػدة وقلػل وفيػات‬ ‫األطفػاؿ ‪ ،‬ف ػذلك اليػػوـ ال ي ػوف حػػل مشػ لة انتقػػاؿ اإلنسػانية اعبديػػد إال بػالعلم ‪ .‬ولعػػل‬ ‫البشر واج وا مثل ىذه األزمة حُت تعلموا اللراعة ألوؿ مرة ‪ ،‬ألف ىؤالء الناس الذين عاشوا‬ ‫عل ػػى ص ػػيد اغبيوان ػػات وصب ػػع النبات ػػات ال ػػيت يقت ػػاتوف هب ػػا وَل ي ػػن ؽب ػػم بي ػػوت وال ق ػػرى وال‬ ‫ذبمعات وال تبادؿ ‪ ..‬إ م عاشوا يف ىذه اعبنة يأكلوف من ا ‪ ،‬وَل ي ن شيء من أشػجارىا‬ ‫ؿبرماً علػي م ‪ ،‬فال ػل مبػاح لل ػل ‪ ..‬ول ػن حػُت اكتشػف اإلنسػاف زراعػة النبػات ‪ ،‬ظ ػرت‬ ‫براعة اإلنسػاف وعجػله يف ف واحػد ‪ ،‬وى ػذا شػأنو مػع كػل نعمػة مسػخرة يتلقاىػا مػن ربػو ‪،‬‬ ‫ي ػػر قهػػوراً يف الت يػػف مػػع النعمػػة اعبديػػدة ‪ ،‬وإن ػػاراً للتقػػدـ اعبديػػد ‪ ،‬وحنينػاً إىل اؼباعػػي‬ ‫لػػذي كانػػت مسػػؤولياتو أقػػل ‪ ،‬حنينػاً إىل مػػا وجػػدوا عليػػو بػػاءىم ‪ ،‬حنين ػاً إىل الػػرحم الػػدافت‬ ‫ورفل اعبديد ورفل ما فت اهلل علي م وأمدىم بو ‪ .‬إنو َل يستطع أف يت يػف مػع الشػجرة‬ ‫اعبديدة اليت سػيطر علي ػا واسػتنبت ا بنفسػو ‪ ،‬إ ػا الشػجرة الػيت وعػعت ذكػاء اإلنسػاف علػى‬ ‫اظك الهع ‪ ،‬ىذه الشجرة اليت أصب تقدـ اإلنساف مرتبطاً هبا ‪ .‬ال بػد مػن الت يػف مػع‬ ‫ىػػذه الشػػجرة ‪ .‬الػػيت َل تعػػد مثػػل س ػػائر األشػػجار ‪َ .‬ل يقػػدر أف يف ػػم اؼبعػػٌت اعبديػػد ؽب ػػذه‬ ‫الشجرة ‪ ،‬فن ر إلي ا وتعامل مع ا كبقية األشجار ‪ ..‬فبدت سوءتو ‪.‬‬ ‫إف عجل اإلنساف عن الت يػف مػع اللراعػة أظ ػر عثرتػو ‪ ،‬فسػقط يف اؽبػوى ‪ .‬إف تقسػيم‬ ‫العمل الذي نتج عن اللراعة ‪ ،‬عيع عليو معرفة قيمة اعب د ‪ ،‬فأصب النػاس شػيعاً ‪ ،‬وسػقط‬ ‫اإلنس ػػاف يف ال ل ػػم ‪ ،‬وص ػػار يتمت ػػع بع ػػل الن ػػاس اؼبًتف ػػُت عل ػػى ج ػػود أن ػػاس خػ ػرين ‪ ،‬إف‬ ‫اإلنسػػاف َل يسػػتطع أف يت يػػف إىل اآلف مػػع أزمػػة الشػػجرة ‪ ،‬إنػػو َل يقػػدر أف يعػػغط علػػى‬


‫نفسػو ‪ ،‬وَل ين ػا عػن اؽبػوى ‪ ،‬فةػػق أف يقػاؿ عػن ىػذا اإلنسػػاف إ ( أذبعػل في ػا مػن يفسػػد‬ ‫في ػػا ويسػػفك الػػدماء ) وأمػػا علػػم اهلل يف ىػػذا اإلنسػػاف فلػػم وبققػػو اإلنسػػاف بعػػد ( يػػا حسػػرة‬ ‫علػػى العبػػاد مػػا يػػأتي م مػػن رسػػوؿ ‪ ) ..‬يػػأمرىم بالعػػدؿ ( إال كػػانوا بػػو يسػػت لئوف ) ( يػػس ‪/‬‬ ‫ٖٓ ) ‪.‬‬ ‫إف اللراعػ ػة رم ػػل للمجتم ػػع ال ػػذي ال يب ػػن أف يع ػػيذ إال بالق ػػانوف والشػ ػريعة ‪ ،‬واغبػ ػراـ‬ ‫واغببلؿ ‪ ،‬وبعبارة أخػرى ؛ إال بالعػدؿ الهػارـ الػذي يلجػم األىػواء ‪ « .‬إمبػا أىلػك مػن كػاف‬ ‫قبل م أنو إذا سرؽ في م الشريف تركوه ‪ ،‬وإذا سرؽ في م الععيف أقاموا عليو اغبد » ‪.‬‬ ‫واآلف بع ػػد أف دخ ػػل اإلنس ػػاف عه ػر ( وىبل ػػق م ػػا ال تعلم ػػوف ) وبع ػػد ع ػػد اغبه ػػاف ‪،‬‬ ‫دخػػل أزمػػة جدي ػػد قبػػل أف وب ػػل األزمػػة القديبػػة ؛ أزم ػػة اللراعػػة ‪ ،‬أزمػػة الشػػجرة ‪ .‬إنػػو دخ ػػل‬ ‫باللراعػػة ع ػػد القريػػة واؼبدينػػة والتجمػػع اإلنسػػاي ‪ ،‬ع ػػد اغبعػػارات ‪ ،‬ع ػػود الفسػػاد وسػػفك‬ ‫الدماء ‪ ،‬ول نو بعهر ( وىبلق ما ال تعلموف ) يُدفع دبخاض شديد إىل عرورة وحدة العاَل‬ ‫‪ ،‬ووحدة اغبعارة واؼبهَت الواحد الذي جعل النجاة الفردية ؿبالة يف ىذه الدنيا ‪.‬‬ ‫و يػػة ( إف الػػذين من ػوا ‪ ) . . .‬وأمثاؽبػػا تيسػػر الت يػػف اعبديػػد مػػع ىػػذا العػػاَل ‪ ،‬الػػذي‬ ‫يتطل ػ ت يفػػات َل ي ػػن لئلنسػػاف هبػػا ع ػػد وال ذبػػارب سػػابقة ‪ ،‬إنػػو يػػدخل ع ػػد اح ػًتاـ‬ ‫شخهية اإلنساف ‪ ،‬ليس ألف االحًتاـ َل ي ن يناسبو فيما سبق ‪ ،‬بل ألف اإلنساف َل ي ػن‬ ‫م دداً بالفناء إف َل يبارسو كما ىػو اليػوـ ‪ .‬إف الت يػف اعبديػد الػذي يفػوؽ ت يػف خروجػو‬ ‫مػػن الػػرحم والػػذي يواج ػػو اليػػوـ بهػػورة حػػادة ‪ ،‬ىػػو خروجػػو مػػن ذاتػػو وأنانيتػػو ‪ ،‬خروجػػو إىل‬ ‫ع ػػد اغب ػ واإليثػػار ‪ ،‬وإىل ع ػػد العػػدؿ واإلحسػػاف ‪ .‬إنػػو مػػدفوع إىل فبارسػػة ىػػذا النمػػوذج‬ ‫الهػػع اؼبػػر والت يػػف معػػو ‪ ،‬إنػػو اػبػػروج مػػن ع ػػد الفسػػاد وسػػفك الػػدماء والػػتلمل للثػػارات‬ ‫وإيارة األحقاد ‪.‬‬ ‫ىذه اآليػة وأمثاؽبػا تطلػ اؼبفػاىيم اؼبع ػودة اؼبتعلقػة ببػٍت دـ ‪ .‬إننػا َل نػتعلم طبيعػة ىػذا‬ ‫ال ائن العجي وطريقة استخراج أفعل مػا فيػو بالعػدؿ واإلحسػاف واغبػ واإليثػار ‪ ،‬ولػيس‬ ‫بػػالق ر واإلذالؿ ‪ .‬إ ػػا لنقلػػة ص ػػعبة تتطل ػ مػػن أف نتػػنفس بطريقػػة ػػَت مع ػػودة ‪ ،‬فنش ػػعر‬


‫باالختناؽ حُت كباوؿ أف مبارس التنفس اعبديػد واغبيػاة اعبديػدة ‪ ،‬ىػذا الػذي يقػاؿ عنػو إنػو‬ ‫مثا َت قابػل للتةقيػق يف ىػذه الػدنيا ‪ ،‬وىػذا ىػو الػذي جعػل معاصػري األنبيػاء يواج ػوف‬ ‫ىذه الدعوة بقوؽبم إ ( إنا لنراؾ يف سفاىة ‪ ،‬وإنا لن نك من ال اذبُت ) ( األعػراؼ ‪ٙٙ /‬‬ ‫) وقوؽبم إ ( لنخرجن م من أرعنا أو لتعودف يف ملتنا ) ( إبراىيم ‪. ) ٖٔ /‬‬ ‫والبشرية ‪ -‬اليوـ ‪ -‬تواجو األزمة بالطرائق العنيفة العتيقة ‪ ،‬وت ػن أ ػا تسػتطيع أف تبقػي‬ ‫ال لم بػالقوة ‪ ،‬لقػد فػاهتم أف ىػذه الطػرؽ َل تعػد تبلئػم اػبُلُػق اعبديػد النػامي والػيت ال ت ػوف‬ ‫أي تقػػدر ىػػذه اغبوصػػلة ال ػػلة العػػيقة أف تواجػػو ال راىيػػة‬ ‫يف شػػيء إال شػػانتو وأفسػػدتو ‪ ،‬و ّ‬ ‫باغبػ وال لػػم بالعػػدؿ واإلحسػػاف ‪ .‬إف مواج ػػة اؼبػػوت البػػارد ألىػػوف مػػن الػػدخوؿ إىل عػػاَل‬ ‫يقتعػػي مثػػل ىػػذه الق ػوانُت اعبديػػدة ‪ ..‬ىػػل يب ػػن أف أكػػوف مثػػل ىػػذا الػػذي ىػػو م ػػُت وال‬ ‫ي اد يبُت ‪ ،‬وىل ىؤالء األدنياء اعبػاىلوف واؼبلونػوف األرذاؿ يسػتةقوف اإلحسػاف بلػو العػدؿ‬ ‫‪ ( ..‬وما نراؾ اتبعك إال الذين ىم أرذالنا بادي الرأي ) ( ىود ‪ ) ٕٚ /‬وبلعم م إف الذين‬ ‫يس ػػل وف س ػػلوؾ الع ػػدؿ واؼبس ػػاواة ى ػػم اغبمقػػى واؼبغفل ػػوف والعػػاجلوف اؼبتػػديروف ب ػػاألحبلـ ‪،‬‬ ‫الػ ػػذين َل ىبػ ػػاوا اغبي ػػاة وَل يعرف ػ ػوا طبيع ػػة النػ ػػاس ‪ ،‬وَل يعرف ػ ػوا أف السػ ػػبلـ العتيػ ػػد ال يػ ػػتم إال‬ ‫باؼبواج ة العتيدة ‪ ،‬إنو تاريخ طويل طمس قانوف اغبيػاة اإلنسػانية وا تػاؿ معػاَل الػدخوؿ إىل‬ ‫حل األزمة واؼبش لة ‪.‬‬ ‫ىػػذه اآليػػة تفا ليػػة ور يػػة تسػػاؿبية ‪ ،‬ور يػػة ديػػن ي ػػدؼ إىل العاؼبيػػة ‪ .‬وقػػد ي ػػن ال ػػاف‬ ‫بادئ الرأي أف ىذا الن ر إبقاء على التشرذـ والتشػ ي ‪ ..‬ول ػن طبيعػة اإلنسػاف واسػتخراج‬ ‫أفعل ما فيو ليس دبطاردتو بل باالعًتاؼ ب رامتو ‪ ،‬وىذا اؼبوقف منسجم مع ( ال إكراه يف‬ ‫الػػدين ) ومنسػػجم ع التػػاريخ الػواقعي الػػذي أظ ػػر اإلسػػبلـ دينػاً لػػيس لػػو مرتػػدوف ‪ .‬قػػد يعػػل‬ ‫علػػى الػػبعل ىػػذه الر يػػا الػػيت تنػػاقل الر يػػا األعرابيػػة ‪ -‬الػػيت تقػػوؿ إ ( الل ػػم ارضبػػٍت وارحػػم‬ ‫ؿبمد وال ترحم معنا أحداً ) ‪ -‬يف ربجَت الواسع ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫إف ىػػذا الن ػػر اإلهبػػا منسػػجم مػػع قولػػو تعػػاىل إ ( ال نفػػرؽ بػػُت أحػػد مػػن رسػػلو ) (‬ ‫البقرة ‪ ) ٕٛ٘ /‬ومع قولو تعاىل إ ( نتقبل عن م أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيعاهتم ) (‬


‫األحقػػاؼ ‪ ، ) ٔٙ /‬ومػػع قولػػو تعػػاىل إ ( ادفػػع بػػاليت ىػػي أحسػػن ف ػ ذا الػػذي بينػػك وبينػػو‬ ‫عداوة كأنو و ضبيم ) ( فهلت ‪ ، ) ٖٗ /‬وينسجم مع القوة الف رية ال ال لازة الف رية ‪،‬‬ ‫وينسجم مع الغٌت واػبهوبة ال مع الفقر واعبذب الف ري ‪ .‬إف التسام ىو حاجة إنسػانية‬ ‫عاؼبيػػة ملةػػة يف ىػػذا العهػػر ‪ ،‬وظ ػػرت ياتػػو بأنػػو ىػػو الػػذي يػػرث األرض ( ومػػا يلقاىػػا إال‬ ‫الذين صػاوا ومػا يلقاىػا إال ذو حػل ع ػيم ) ( فهػلت ‪ . ) ٖ٘ /‬إف الثقافػات والعبلقػات‬ ‫يف العاَل ال تلاؿ زبعع للنرجسية واألنانية وف رة الشع اؼبختار ‪ ( ،‬أنا خَت منو ) ( ص ‪/‬‬ ‫‪ . ) ٚٙ‬قػػد ت ػػوف خ ػَتاً منػػو ول ػػن خَتتػػك يف أف ربمػػل التسػػام وتقػػدر النػػاس واآلخ ػرين‬ ‫وتبةػػث عػػن اعبوان ػ اإلهبابيػػة فػػي م ال اعبوان ػ السػػلبية ‪ ،‬والرسػػوؿ ؿبمػػد ‪ ‬الػػذي ىػػو‬ ‫خيػػار مػػن خيػػار وخػػا النبيػػُت وإمػػام م يقػػوؿ أمػػاـ الي ػػودي الػػذي عػػدا عليػػو اؼبسػػلم لقولػػو‬ ‫والػػذي فعػػل موسػػى علػػى العػػاؼبُت ‪ ،‬يقػػوؿ عليػػو الهػػبلة والسػػبلـ للمسػػلم إ « ال تفعػػلوي‬ ‫على يونس بن مىت » مع أف اهلل قاؿ لػو إ ( فاصػا غب ػم ربػك وال ت ػن كهػاح اغبػوت‬ ‫) ( القلػػم ‪ . ) ٗٛ /‬فعلػػى الػػر م مػػن أف اهلل ػػى ؿبمػػداً عػػن أف ي ػػوف مثػػل ىػػذا النػػيب أمػػر‬ ‫ؿبمد ‪ ‬أصةابو أف ال يفعلوه على يونس ؛ ألف التبشَت والعطاء وإدخاؿ الناس يف دين‬ ‫اهلل أفواج ػاً ل ػػيس بق ػػرىم وإمب ػػا بال اي ػػاء اؼبتواع ػػع والعل ػػو ال ػػداي ‪ ،‬ودبعرف ػػة حقيقي ػػة لطبيع ػػة‬ ‫اإلنساف الذي إمبا يتم أسره باإلحساف إليو ‪ ،‬واإل عاء من سيعاتو وإبراز حسناتو ‪ .‬إف ىػذا‬ ‫قانوف وسنة ون اـ علوي للبشر ‪.‬‬ ‫إف ىذه اؼبلايا السننية اؼبتوافقػة مػع علػم اهلل يف اإلنسػاف مػن ذبػاوز حالػة الفسػاد وسػفك‬ ‫ال ػػدماء ال ػػيت َل ته ػػل البش ػرية إلي ػػا كجماع ػػات وإف وص ػػل إلي ػػا بع ػػل األفػ ػراد إ إف ى ػػذه‬ ‫اؼبنطلقػػات سػػتاز كلم ػا ارتفػػع شػػأف اؼبسػػلمُت يف العػػاَل ‪ ،‬ألف مثػػل ىػػذه الن ػرات ال تليػػق‬ ‫بػػاألذلُت ‪ ،‬وإف الرفػػق الػػذي ي ػلين كػػل شػػيء يلمسػػو ال يناس ػ الغل ػػة والف اظػػة واإلغبػػاح‬ ‫اؼبقرؼ ‪ ،‬وإذا كاف اإلسبلـ ىو الدين الذي لػيس لػو مرتػدوف ف ػو كػذلك الػدين الػذي لػيس‬ ‫لػػو مبشػػروف أيعػاً ‪ .‬فػػاؼبف وـ اإلسػػبلمي بقػػدر مػػا وبػػرص علػػى نشػػر اؽبدايػػة ف نػػو وبػػرص علػػى‬


‫احًتاـ راء اآلخرين ويأنف من كل سلوؾ ينم عن تسوؿ اعتقادي فيةسػبو اعباىػل أنػو ػَت‬ ‫را يف ىداية اآلخرين ‪.‬‬ ‫إف التس ػػام والػ ػًتاحم واإليث ػػار ال ت ػػنم إال ع ػػن ػػٌت نفس ػػي ف ػػري واي ػػق ‪ ،‬ى ػػذه الق ػػوة‬ ‫النفس ػػية ى ػػي ال ػػيت ترف ػػع اإلنس ػػاف إىل أف ػػبلؾ التس ػػام والػ ػًتاحم واإليث ػػار …… إف ى ػػذا‬ ‫ػف وكػتم الفعػيلة الػيت وبمل ػا صػاحب ا وإبػراز فعػائل اآلخػرين إىل درجػة اغبيػاء‬ ‫الع ّ‬ ‫التسام َ‬ ‫مػػن إب ػراز مػػا يبتػػاز بػػو علػػي م …‪ .‬ىػػي الهػػفات الػػيت وبتاج ػػا العػػاَل ‪ .‬إف العػػاَل لػػيس يف‬ ‫حاجة إىل سوء ال ن واالهتاـ واليأس واػبداع والغراـ بػالقوة اؼباديػة أمػواالً وجنػوداً وأسػلةة (‬ ‫ومػػا أم ػوال م وال أوالدكػػم بػػاليت تق ػرب م عنػػدنا زلفػػى ) ( سػػبأ ‪ ) ٖٚ /‬إف مػػا يتسػػابق إليػػو‬ ‫النػػاس يبػػلؽ النػػاس ويػػنغا حيػػاهتم ‪ ،‬ول ػػن الػػذي سيشػػعر القلػػوب باالرتيػػاح واالطمعنػػاف ‪،‬‬ ‫ويليػػل القل ػػق والتػػوتر ‪ ،‬ى ػػو الرضبػػة واإليث ػػار واغب ػ والعػػدؿ ‪ ..‬جػػرب مػػع قلبػػك وارج ػػع إىل‬ ‫نفسك واحبث عن ينايا وطوايػا صػدرؾ ‪ ..‬مػا الػذي يشػرح ا ويب ج ػا ألػيس ىػو التواعػع‬ ‫واغب والرضبة واإليثار تعامل مع اغبقيقة واكشػف ا بنفسػك وب حساسػك وجب ػاز معرفتػك‬ ‫‪ .‬ال تعذ دائماً أسَت ف اظة اآلخرين …‪ ..‬ىذا ىو معٌت سيد الش داء الذي يقدـ نفسػو‬ ‫هلل يف سبيل اػبروج عن التقليد ‪ .‬إف اغبياة اغبقيقية إمبا ت وف يف اػبروج مػن التقليػد وعبػادة‬ ‫اآلبػػاء والتقاليػػد والتقػػاليع ‪ ،‬وأف يهػػَت اإلنسػػاف ي شػػف اغبػػق بتعاملػػو مػػع اغبػػق دبيلانػػو ولػػيس‬ ‫دبيلاف اآلخرين ‪ .‬استعمل ميلانك غب ة يف اغبياة ‪ ،‬وال تعذ ىذه اغبياة الثمينة الغالية وأنت‬ ‫َل تثبت قدرة اػبالق فيػك وَل تستشػعر لػذة التوحيػد وسػعادتو ‪ .‬يػا حسػرة علػى العبػاد ‪ ..‬إف‬ ‫أعينن ػػا ال تبه ػػر و ذانن ػػا ال تس ػػمع وقلوبن ػػا علي ػػا ل ػػف ال تفق ػػو ‪ ،‬عبي ػػد للمجتم ػػع ‪ ،‬عبي ػػد‬ ‫للتقاليد ‪ ..‬أين عياء القلم أين مػن يعلمػوف بػالقلم أيػن مػن يتعػاملوف مػع اغبيػاة دبيػلا م‬ ‫اػباص ال دبا صػنع ؽبػم األقػدموف حسػ ن ػراهتم القاصػرة ( إ ػم ألفػوا بػاءىم عػالُت ف ػم‬ ‫على يارىم ي رعوف ) ( الهافات ‪. ) ٚٓ - ٜٙ /‬‬ ‫أرى العػػاَل الػػذي نعػػيذ فيػػو قػػد نُسػػف مػػن أساسػػو ن ري ػاً وواقعي ػاً ‪ ،‬وإف كانػػت حياتنػػا‬ ‫تعػػيذ مػػع أوىػػاـ القػػروف اؼباعػػية الػػيت ال تليػػق إال بع ػػد اػبيػػل والبغػػاؿ واغبمػػَت ‪ ،‬وَل تت يػػف‬


‫بعػػد مػػع اػبلػػق اآلخػػر ‪ ..‬واؼبسػػلموف تبع ػوا مػػن قػػبل م حػػذو القػػذة بالقػػذة وىػػم يًتبعػػوف يف‬ ‫حجر الع ويعجبوف بو م ما ذاىم عيقو وأعشاىم ظبلمو ‪.‬‬ ‫إف ىناؾ تشوفاً وعواَل وطاقات ال اية تنت ر من ي شف ا ‪ ،‬إف الذي سػَتفع اإلنسػاف‬ ‫ليس كشف الطاقة اؼبادية ‪ ،‬إذ الطاقة اؼبادية قد ت وف خطػراً علػى اإلنسػاف إف جػاء كشػف ا‬ ‫قبل أف ت شف قوى النفس وسػنن ا ‪ .‬إف كػل نعػم اهلل تتةػوؿ إىل ع سػ ا حينمػا ال ت لػل‬ ‫بنفةة ال شف عن سنن النفس ‪ ،‬ف ما عاش الناس وىػم ي نػوف أف الشػمس تػدور حػوؽبم‬ ‫‪ ،‬كذلك ف ف ف رهتم عن النفس اإلنسانية أ ا تدور مع الق ر والعنف واإلكراه ‪ ،‬على الر م‬ ‫مػػن أف اآليػػات ت ػػر أف الػػنفس اإلنسػػانية تػػدور مػػع العػػدؿ واإليثػػار وحػ اآلخػرين كةػ‬ ‫النفس ‪ ..‬وأف قوى اغب واإليثػار ىػي الػيت سػًتث األرض وليسػت القػوى اؼباديػة الػيت تق ػر‬ ‫الناس ‪ .‬يقوؿ إقباؿ إ‬ ‫مػ ػػؤمن ال ُح ػ ػ َّ فيػ ػػو قػ ػػد‬ ‫اؼبؤمن باغب ق ر‬ ‫إمبا ُ‬ ‫كفر‬ ‫إف الناس حُت مل وا قوة الق ر اؼبادي تعقدت أمورىم ‪ ،‬ومن العج أف الذين ن ن م‬ ‫عقبلء ‪ ،‬ال يلالوف يتسابقوف يف زيػادة ىػذه القػوة إلحػراز التفػوؽ ‪ ،‬إف التسػابق لػيس يف ىػذا‬ ‫االذب ػػاه … أي ػػا الق ػػادة العمي ػػاف ‪ -‬حس ػ تعب ػػَت اإلقبي ػػل يف التقري ػػع ‪ ( -‬وي ػػل ل ػػم أي ػػا‬ ‫ال تبػة والفريسػػيوف اؼبػراءوف ‪ ..‬تػػركتم أيقػل النػػاموس ‪ ،‬اغبػق والرضبػػة واإليبػاف ‪ ،‬كػػاف ينبغػػي أف‬ ‫ه ُّفوف البعوعة ويبلغوف اعبمػل ) (‬ ‫تعملوا ىذه وال تًتكوا تلك ‪ ،‬أي ا القادة العمياف الذين يُ َ‬ ‫مىت ‪ ،‬إصةاح ٖٕ ‪ ،‬فقرة ٖٕ ) ‪.‬‬ ‫ويقوؿ انشتاين يف تهوير ىذا العهر إ ( معدات كاملة إمبا أىداؼ مب مة ‪ ،‬تلك ىػي‬ ‫مؤشرات عهرنا ) ( ٔ ) ‪.‬‬

‫( ٔ ) ؿبمد أركوف اإلسبلـ بُت األمس والغد ص ٘‪. ٜ‬‬


‫إنػػٍت أسػػتخدـ ىػػذه اآليػػات كمؤش ػرات إىل اذباىػػات جديػػدة ‪ ،‬ومنطلقػػات ؼببػػادئ ػػَت‬ ‫ط ما تستةق من عناية ‪ ،‬ألف مثل ىػذه اؼبواعػيع ربتػاج إىل‬ ‫عادية ‪ ،‬ومواعيع لبةوث َل تُع َ‬ ‫ر ية تارىبية صَتورية واعةة شاملة للماعي ‪ ،‬للوصوؿ إىل ر ية إبداعية للمستقبل ‪.‬‬ ‫وحُت نن ر إىل أىل ال تاب ‪ ،‬وأ م يؤمنوف خبالق ال وف ‪ ،‬ويؤمنوف بأنو أرسل رسبلً ‪،‬‬ ‫وأنلؿ مع م شرائع للعمل الهار ‪ ،‬ويؤمنوف باؼبعاد يوـ القيامة ‪ ..‬إف ىذه األصػوؿ اؼبشػًتكة‬ ‫ال بػػَتة ووظائف ػػا وعواقب ػػا ‪ ،‬ينبغػػي أف رب ػػوؿ دوف أف تتمػػلؽ أمػػة النبػػوة وأمػػة اإليبػػاف بػػاهلل‬ ‫واليوـ اآلخر ‪.‬‬ ‫ىػػذه القعػػايا ذات األصػػل اؼبوحػػد ال بػػَت ينبغػػي أف ال تعػػيع أىػػداف ا يف اتبػػاع األى ػواء‬ ‫والن رات اظدودة ‪ ،‬وعلى أىل اغبق أف ال يستفلىم من عيعُوا األصوؿ ‪ ،‬وأف يلتلمػوا كلمػة‬ ‫التق ػػوى وك ػػانوا أح ػػق هب ػػا ‪ ،‬وأف يع ػػودوا إىل ش ػػعار عب ػػاد ال ػػرضبن اغبقيقي ػػُت ( وإذا خ ػػاطب م‬ ‫اعبػاىلوف قػػالوا سػػبلماً ) ( الفرقػػاف ‪ ) ٖٙ /‬وينبغػػي أف نعلػػم حبػػق أف الػػذين يػػدر وف باغبسػػنة‬ ‫السػػيعة ‪ ،‬ىػػم الػػذين ؽبػػم عقػػا الػػدار يف الػػدنيا واآلخػػرة ‪ .‬وإف الػػذين ي نػػوف أف ىػػذا اؼبوقػػف‬ ‫نتيجة الععف ال يلالوف بعيدين عن ف م سنن اغبياة ‪ ،‬وإف من يقع يف مثل ىػذه الشػب ات‬ ‫ف ا ربوؿ بينو وبُت نتائج العفو الذي ال يلداد صاحبو إال علاً ‪.‬‬ ‫واػببلصػػة الػػيت لبػػتم هبػػا ال تػػاب يف اختبػػار الػػذكاء الػػذي قػػاـ بػػو األصػػمعي حػػُت رأى‬ ‫بلماً ف ن فيو النجابة ‪ .‬قاؿ لو إ يا بلـ ىل يعجبك أف ي وف لك معة ألف دينار وأنت‬ ‫أضب ػػق فأجاب ػػو الغ ػػبلـ إ ال واهلل ‪ ،‬إف ضبق ػػي يع ػػيع عل ػػي اؼبع ػػة أل ػػف دين ػػار وأبق ػػى أضب ػػق ‪.‬‬ ‫واعباىل أضبق ‪ ،‬والعلم بالقلم ‪ .‬واغبمد هلل رب العاؼبُت ‪.‬‬ ‫َخ ِاسبَة‬ ‫كل إنساف إذا ما قاـ بعمل ما ‪ ،‬ا التفت إىل ىذا العمل يتأمل فيو ‪ ،‬يرى فيو جوانػ‬ ‫إهبابيػػة تشػػعره بػػبعل الرعػػا ويػػرى فيػػو أيع ػاً جوان ػ سػػلبية وقهػػوراً يشػػعره بعػػدـ التمػػاـ أو‬


‫تفاىػػة مػػا قػػاـ بػػو ‪ ،‬وأنػػا حػػُت ألتفػػت إىل عملػػي ىػػذا أشػػعر أنػػٍت تناولػػت موعػػوعات ىامػػة‬ ‫ول ػػن بأسػػلوب ىػػابط وقهػػور ‪ ،‬وردبػػا يب ػػن أف أقػػوؿ زيفػػت القعػػايا ‪ ،‬وقػػد يعتػػاه الناقػػد يف‬ ‫مسػػتوى معػػُت أ ػػا خيانػػة للموعػػوعات الػػيت نريػػد الػػدفاع عن ػػا ‪ .‬مثػػل موعػػوع الق ػراءة مػػع‬ ‫أنبيت ػػا البالغػػة ‪ ،‬فػ ف التنػػاوؿ كػػاف ىػليبلً ومبتػػوراً وحػَتاً ‪ ،‬إذ كيػػف سػػي تدي إىل الهػواب يف‬ ‫طوفػاف اػبيػاالت ‪ ،‬وكيػف سػيتم ن مػن أف يبسػػك بػالنور ليشػق ال لمػات وكيػف سيمسػػك‬ ‫بػػاؼبيلاف ليميػػل اللبػػد فبػػا ينفػػع النػػاس ‪ ،‬أو ربػػت أي ؾب ػػر سي شػػف كيػػف يسػػتبعد اعب ػراييم‬ ‫اؼبتوطنة واػبياالت اػبانقة ‪ .‬إف اػببلص من ىذا التيو ال يتيسر باعب ود اؼبع ودة وال بػد مػن‬ ‫ج ود حالة الطوارئ ‪ ،‬ومػن ؿبػوالت لرفػع الطاقػات إىل أعػعاؼ معػاعفة كمػا وبػدث لبػدء‬ ‫اغبركة يف أي ؿبرؾ ٍ‬ ‫آللة ما ‪ ،‬كما ال بد أف نلتمس مراجع َت اليت تعودنا علي ا ‪ ،‬ألف تلك‬ ‫َل تعط إال ىذا الواقع الذي ال نرعى عنو ‪.‬‬ ‫إف عمػػر الق ػراءة طبسػػة الؼ عػػاـ تقريب ػاً ‪ ،‬وعمػػر الػػورؽ الػػذي أعطػػى الفعاليػػة للق ػراءة‬ ‫ألػػف وطبسػػمائة عػػاـ ‪ ،‬أمػػا عمػػر الطباعػػة فأربعمائػػة عػػاـ فقػػط ‪ .‬ول ػػن كػػم عمػػر ال ات ػ‬ ‫اغبقيقي الذي سيستغل كل ىذه النجاحات اليت تت وف ببطء متسارع ‪.‬‬ ‫صبيع دوؿ العاَل وأسر اجملتمعات هتتم ب رساؿ أوالدىا إىل اؼبدرسة لتعلم القراءة وال تابة‬ ‫‪ ،‬ولػػك أيػػن ىػػؤالء الػػذين سيسػػتغلوف ىػػذا اعب ػػد لي تبػوا مػػاذا سػػيقرأ ىػػؤالء الػػذين ُىيعػوا ألف‬ ‫يقػػر ا ‪ .‬إف مػَتاث وظيفػػة النبػػوة كػػامن يف ىػػذه النقطػػة ‪ ،‬أيػػن الػػذين يقػػدروف أف يسػػلبوا النػػوـ‬ ‫من عيوننا لنس ر على قراءة ما ي تبوف ‪ .‬كػاف ىػو مػَتوس يقػوؿ يف أسػف لقػد وجػد أبطػاؿ‬ ‫كثػَتوف ‪ ،‬ول ػن واأسػفاه َل يوجػد الشػعراء الػػذين سػيخلدوف مػايرىم وبطػوالهتم ‪ .‬وأنػا أقػػوؿ‬ ‫لقػػد وجػػدت األدوات والوسػػائل ول ػػن َل يوجػػد بعػػد مػػن ي تػ مػػا يبعػػث ػػم القػراءة أو َل‬ ‫يوجػػد مػػن ي ت ػ بعػػد مػػا يسػػتةق الق ػراءة ‪ -‬يف أسػػلوب مف ػػوـ ‪ -‬أي َل يػػأت بعػػد وريػػة‬ ‫األنبياء جبدارة ‪ .‬ىذا ما قاؿ عنو إقباؿ ‪ ،‬إف الناي يبتغي من ينفخ فيو ف ل يف صدرؾ نفس‬ ‫‪.‬‬ ‫ي ػػا شػ ػػاعر الش ػػرؽ ىػ ػػل يف‬ ‫يف اب ػ ػ ػ ػ ػػة الش ػ ػ ػ ػ ػػرؽ‬


‫صدرؾ النفس‬ ‫يبتغي نفساً‬ ‫شوىت الف رة وَل أقدر أف أبُت أنبيت ا ؼباذا ألي أفقد البياف وما يعطي البياف‬ ‫ه لقد‬ ‫ُ‬ ‫‪ ،‬والعلػػم بالبيػػاف ‪ ،‬واإلنسػػاف ىػػو البيػػاف ( خلػػق اإلنسػػاف علمػػو البيػػاف ) ى ػػذا أشػػعر أنػػٍت‬ ‫عرع ػػت أف ػػاراً يف منت ػػى األنبي ػػة بشػ ػ ل ىلي ػػل مًتوك ػػة يف ظلم ػػات اػبف ػػاء ‪ ،‬وَل ت ػػاز إىل‬ ‫العياء ‪ ،‬أَل ت ن ال رباء مبثويػة يف ال ػوف يف كػل م ػاف ‪ ،‬ول ػن َل يػتم ن اإلنسػاف مػن‬ ‫اعتقاؿ ال رباء وتسخَتىا يف ؾباالت ال ائية إال بعد أف أمسك هبػا مػن خػبلؿ ال لمػات‬ ‫إىل أف أعػػاء العػػاَل بػػالنور ‪ ،‬وى ػػذا وكػػأين مػػن يػػة يف السػػموات واألرض يبػػروف علي ػػا وىػػم‬ ‫عن ػػا معرعػػوف ‪ .‬وال ات ػ وال تػػاب اؼببػػُت ىػػو الػػذي ىبػػرج اغبػػي مػػن اؼبيػػت ‪ ،‬وىػػم الػػذين‬ ‫يتف روف يف خلق السموات واألرض ‪ ،‬وأنو ما خلق عبثاً وال باطبلً ‪ ،‬ذلك ظن الذين كفروا‬ ‫فويػػل للػػذين كفػػروا مػػن النػػار ‪ .‬إف السػػموات واألرض ربتػػوي علػػى أجنػػة سػػلطاف اإلنسػػاف ‪.‬‬ ‫اع ف على ىذا اؼبنجم واسجد على عتبة ىذا اؼبعبد ألف ىناؾ نشأة خرة ‪ ،‬وألف ىناؾ (‬ ‫ا أنشأناه خلقاً خر ) ‪.‬‬ ‫وتناولػػت … والعقػػل والعلػػم ‪ .‬ول ػػن اعتػػذاري وخجلػػي البلمتنػػاىي من مػػا كيػػف أنػػٍت‬ ‫تركت ما ال يلاالف ربت األنقاض ويُقعى يف ياهبما األم ُػر ونبػا ال يستشػاراف ‪ .‬ونبػا حعػور‬ ‫‪ .‬وإىل اآلف العل ػػم والعق ػػل ـبلوق ػػات قاص ػػرة ال يس ػػم ؽبم ػػا حبع ػػور اجملتمع ػػات إال إذا كان ػػا‬ ‫سيقوماف بدور اؼبتملق الذي يش د بػاللور وينهػرؼ ‪ ،‬تتبع مػا الن ػرات الػيت ربػدد تبعيت مػا‬ ‫لل وى اؼبًتبع على عرش التاريخ الذي َل يفقد من سلطانو شيعاً ‪ ،‬اعتذاري للعقل والعلم يف‬ ‫أي َل أكن نَهَتنبا الذي يرفع من قدرنبا ‪ .‬أين ال ات الذي يلكو العلػم والعقػل علػى يػده‬ ‫‪ ،‬ويتعاءؿ سلطاف اؽبوى يف حعرتو‬ ‫ا كيػف تركػت موعػوع التوحيػد ‪ ،‬وقيمتػو العلميػة والعقليػة ومػا يف اؼبسػؤولية الفرديػة يػػوـ‬ ‫القيامة ‪ .‬إ ا نباتات َل ت ر بعػد ‪ ،‬إ ػا كبػذور كامنػة ‪ ،‬وسػي وف ؽبمػا شػأف يف اؼبسػتقبل ‪،‬‬ ‫ف ف َل ي ن اىتم هبما أحد ليس معناه أف ال قيمة ؽبما ‪.‬‬


‫ا موعوع رب ػم الهػور الذىنيػة يف اغبقػائق اػبارجيػة وأف اغبقػائق اػبارجيػة ىػي اؼبرجػع‬ ‫الوحيد لبلىتداء إىل الهواب موعوع مطمور ‪.‬‬ ‫ا كػاف مػػروري باآلبائيػة وعػػاَل األشػخاص مػػروراً رفيقػاً حبيػػث ال يػوقل نائمػاً ‪ ،‬وال يػػلعج‬ ‫مستيق اً ‪ ،‬ولقد عرعت أظباء وشخهيات ‪ ،‬وىديف القعاء على عاَل األشخاص ‪ ،‬ول ن‬ ‫ردبا رسخت اآلبائية اليت أريد إزالت ػا ‪ .‬واآلبائيػة ؽبػا جانبػاف سػلبياف وبين مػا اعبانػ اإلهبػا‬ ‫‪.‬‬ ‫إف نبػ ػػذ اآلب ػػاء رجػ ػػوع إىل ال ػػف ‪ ،‬والوقػ ػػوؼ عنػ ػػدما وصػ ػػلوا إليػ ػػو إيق ػػاؼ للتػ ػػاريخ ‪،‬‬ ‫واعبان اإلهبا ىو االستفادة والتجاوز دائماً ‪ ،‬وىل أكوف ـبطعاً إف حاولت التخلا من‬ ‫عاَل األشخاص بعػاَل األشػخاص ألػيس يف تػاريخ األشػخاص مػا يعػُت علػى الػتخلا مػن‬ ‫سلبيات األشخاص أظن ذلك ومع ىذا أشػعر ب ػل أسػف أف مػا كتبػت إمبػا فيػو سػ وت‬ ‫وتغطي ػػة للجان ػ الس ػػليب ال ػػذي س ػػعيت إلزالت ػػو ‪ ،‬وَل ي ػػن س ػػعيي له ػػار اعبان ػ اإلهب ػػا‬ ‫بوعوح معيء ‪.‬‬ ‫أرجػػو أف أكػػوف قػػد قمػػت بػػذكر ىػػذه اؼببلح ػػات بعمليػػة مراجعػػة ذاتيػػة مقػػدماً ‪ ،‬ومػػع‬ ‫ذلك أشعر أف ىذه البذور ستؤب أكل ا حػُت تقػوـ بػدور مراكػ النجػاة مػن طوفػاف الػدمار‬ ‫‪ ،‬ألف التاريخ علمنا أف عبلجػو لػيس رفيقػاً بػل أنػو يأخػذ الػثمن باى ػاً ( وكػذلك أخػذ ربػك‬ ‫إذا أخذ القرى وىي ظاؼبة إف أخذه أليم شديد ) ‪.‬‬ ‫إف ىذا األخذ األلػيم الشػديد الػذي ظػل مبلزمػاً للتػاريخ يب ػن تفاديػو ‪ .‬والػرضبن الػرحيم‬ ‫َل ي ػػن ليجعػػل الطريػػق الوحي ػػدة لفػػت البػػاب ب سػػره فقػػط ‪ .‬ىػػذه ىػػي ع ػريبة اإلعج ػػاب‬ ‫بلمعاف الفوالذ واإلعراض عن قتامة سن القلم ‪ .‬وؽبذا فعلت األسلوب اؽبادئ و َت اؼبلعج‬ ‫‪ ،‬وذلػػك ألىيػػت اعبػػو الػػذي يب ػػن مػػن الػػتف م هبػػدوء دوف إيػػارة انفعػػاؿ ونفػػور وبغيػػة الػػتم ن‬ ‫م ػػن ـباطب ػػة أكث ػػر ع ػػدد م ػػن الق ػ ػراء ب ػػود وتف ػػاىم ‪ ،‬وَل أح ػػاوؿ أف أق ػػوؿ إ إنن ػػا حباج ػػة إىل‬ ‫ابستمولوجيا جديدة لتةمل ا انتلجنسيا رائدة لنتخلا من الد مائية اؽبابطة واؼبيثولوجيات‬ ‫اؼبتغلغلة أو الثيولوجيات اػبانقة ولطاؼبا قػرر علما نػا أف ال مسػاحة يف االصػطبلح واؼب ػم أف‬


‫نف م اؼبعٌت ا كل واحد يستعمل اللغة اليت تساعد على الف م اؼبيسر والعلم بالبياف وكل ما‬ ‫أوصل إىل ف م اغبقائق بأيسر السبل ف و األوىل ‪.‬‬ ‫َدليل األَف ار‬ ‫مقدمة‬ ‫ ينبغي أف ي ػوف العلػم موعػوع حبػث ألف كثػَتاً مػن سػلطاف العلػم يرجػع إىل االعتقػاد‬‫أكثر من الف م فيجعل وظيفة العلم أسطورية ‪.‬‬ ‫ َل يأخذ العلم دوره إال مع القراءة ومع ال تابة اليت حف ت خاات اإلنساف ومعارفو‬‫‪ ،‬فهار العلم بالقلم والقراءة وىذا سر اختيار عنواف ال تاب ‪.‬‬ ‫ اؽبػػدؼ ىػػو العلػػم ‪ ،‬والعلػػم متوقػػف علػػى الق ػراءة ‪ ،‬والعلػػم ينت ػػر التبسػػيط حػػىت تعػػم‬‫القراءة ‪.‬‬ ‫ األمية اؼبركبة ( أمية األف ار ) أخطر من األمية البسػيطة ( اعب ػل بػالقراءة وال تابػة )‬‫ومش لة القراءة مش لتنا األساسية ‪.‬‬ ‫ وللمؤلف مطمةاف إ‬‫ٔ ‪ -‬نشر مل ة العلم ونقل ا لينعم الناس يف ظبلؿ العلم ‪.‬‬ ‫ٕ ‪ -‬السبلـ الذي ينتج عن إيباف اؼبرء بأف العلم وبوؿ العدو إىل و ضبيم ‪.‬‬ ‫ االحًتاـ السطةي للعلم ال يعهم اإلنساف من العودة إىل دوافعو ( انفعاالتو ) ‪.‬‬‫ حد العلم عند اؼبسلمُت ومن نقرأ ؽبم من الغربيُت إ‬‫ٔ ‪ -‬اؼبسلموف يبنةوف العلم يقة ظاىرية ‪ ،‬ول ن م يؤمنوف بأف ىناؾ ما يعرؼ بو اغبق‬ ‫َت العلم ‪.‬‬ ‫ٕ ‪ -‬والغربيوف ينفوف خعوع القيم والدين للعلم ‪ .‬وكلتا الن ريتُت قاصرة ‪.‬‬


‫اؼبسػػلموف يف عهػػر ازدىػػارىم منػوا بوحػػدة العلػػم والػػدين وارتبػػاط القػػيم بػػالعلم ‪ ،‬ومثػػاؿ‬ ‫ذلك إ اعباحل ‪ ،‬ا تأيروا دبف وـ الغرب ‪.‬‬ ‫دخل‬ ‫َم َ‬ ‫بك األكرـ‬ ‫اقرأ ور َ‬

‫‪.‬‬

‫‪ -‬ارتباط القراءة ب رـ الرب ‪ .‬القارئوف ىم األكرموف ويؤكد ذلك التاريخ والواقػع اغبػا‬

‫ القراءة أىم من الذكاء ‪.‬‬‫ نهػػيةة للشػػباب أف يتج ػوا إىل مهػػادر جديػػدة لتةهػػيل العلػػم وأمثلػػة لػػذلك مػػن‬‫تارىبنا العلمي ‪.‬‬ ‫ الق ػراءة والعلػػم إ إف أمػػر القػػر ف بػػالقراءة إلغػػاء لؤلميػػة وفػػت لع ػػد جديػػد … ع ػػد‬‫الن ر يف يات اآلفاؽ واألنفس ‪.‬‬ ‫ القراءة توسع اآلفاؽ وزبلق التسام واغبلم و …‬‫ ال يتةق ػق فػػت بػػاب االجت ػػاد إال ب ثػػرة الق ػراءة واالطػػبلع ألف اإلنسػػاف ؿبهػػلة مػػا‬‫صبع من خاات ومعارؼ ‪.‬‬ ‫ وظيفة ( لت ونوا شػ داء علػى النػاس ) تتطلػ ج ػوداً لتةقيق ػا ‪ ،‬وإنتاجنػا الف ػري‬‫قاصر عن ذلك ‪.‬‬ ‫ الق ػراءة سبػػن قػػدرة علػػى التةػػرر مػػن عػػاَل األشػػخاص وفػػك أسػػار الػػذات مػػن قبعػػة‬‫السلف وسلطت م اؼبرجعية ‪.‬‬ ‫ عابد اعبػابري وتعمػيم مف ػوـ السػلف ويػراه عنػد كػل متبػع ويػرى أف اؼبشػ لة مػا تػلاؿ‬‫راسخة لدينا ‪.‬‬


‫ الدعوة على بهَتة ال تتم إال بر ية كل ما يتهل باؼبش لة واؼبؤمن ال يلدغ من جةر‬‫مػ ػرتُت إال إذا تعل ػػم م ػػن ذب ػػارب البشػ ػرية ‪ ،‬وى ػػذه وظيف ػػة أى ػػل الف ػػر ورواد اجملتم ػػع ال ػػذين‬ ‫يهنعوف البوصلة الثقافية ‪.‬‬ ‫الفهل األوؿ‬ ‫مرات الوجود‬ ‫مرات الوجود أربع إ‬ ‫ٔ ‪ -‬وجود خارجي عيٍت ‪.‬‬ ‫ٕ ‪ -‬ا صورة ذىنية ‪.‬‬ ‫ٖ ‪ -‬فوجود لف ي ‪.‬‬ ‫ٗ ‪ -‬فوجود كتا ‪.‬‬ ‫اؼبرات الثبلث األوىل إ‬ ‫إف ال تابة نبع للفل تدؿ عليو ‪ ،‬واللفل تبع للعلم يدؿ عليو والعلم تبع للمعلوـ ‪.‬‬ ‫ عػ َّػرؼ اؼبعتللػػة العلػػم بأنػػو اعتقػػاد الشػػيء علػػى ـ ىػػو بػػو ورد علػػي م الغػلا مفرقػاً بػػُت‬‫اؼبعتقػػد والعػػاَل ‪ ،‬فاؼبعتقػػد هبػػد التش ػ يك إليػػو سػػبيبلً ‪ ،‬وال هبػػد التش ػ يك إىل العػػاَل سػػبيبلً‬ ‫فاؼبعتقػدات بغػػَت علػم قابلػػة لللعلعػة ‪ ،‬فغػػاليلو أكػره وقلبػػو مطمػعن ‪ ،‬وإف كػػاف عػاجلاً عػػن أف‬ ‫هبعل علمو مقبوالً ‪.‬‬ ‫ مناقشة قوؿ الغلا « من طل اؼبعاي من األلفاظ عاع وىلك » ‪.‬‬‫فػػالغلا يبػػُت أف الوجػػودين اػبػػارجي والػػذىٍت ال ىبتلفػػاف يف األمػػم واألعهػػار ‪ ،‬وىػػذا‬ ‫صةي لو أف اإلنساف كاف لة تسجيل أو تهوير ‪ ،‬ومثاؿ ذلك يف اخػتبلؼ موقػف النػاس‬ ‫من الرعد ‪ ،‬أو صورة الشمس ف ف اػبطأ راجع إىل تفسَت الهورة الذىنية ‪.‬‬


‫إف الوج ػػود اػب ػػارجي للم ػػادة أو للمجتم ػػع ل ػػو حقيق ػػة واقع ػػة يتف ػػاوت ته ػػور الن ػػاس ؽب ػػا‬ ‫حس ػ خلفي ػػاهتم الف ري ػػة ‪ ،‬وعن ػػد االخ ػػتبلؼ ي ػػتم الرج ػػوع إىل الوج ػػود اػب ػػارجي ( وتل ػػك‬ ‫األمثاؿ نعرهبا للناس ) ‪.‬‬ ‫ واؼبرتب ػػة الثالث ػػة م ػػن مرات ػ ػ الوج ػػود مرتب ػػة التس ػػمية أو إط ػػبلؽ أصػ ػوات معين ػػة عل ػػى‬‫موجودات ‪ ،‬وهبا يبتاز اإلنساف عن اغبيواف كما امتاز هبػا دـ عػن اؼببلئ ػة ‪ .‬وىػذا مػا هبعػل‬ ‫اإلنسػػاف قػػادراً علػػى نفػػي هتمػػة اؼببلئ ػػة لػػو باإلفسػػاد وسػػفك الػػدماء ‪ ،‬وىػػي هتمػػة مػػا ت ػلاؿ‬ ‫الصقة بو ‪.‬‬ ‫ يثبت اإلنساف األشياء بعد دخوؽبا إىل عاَل وعيو وذلك بوعع اسم ؽبا وىذه القػدرة‬‫جعلتو أىبلً للخبلفة يف األرض حيث صارت اػباات البشرية تنقل مشاف ة ‪.‬‬ ‫إف اللغة والبياف من يات اهلل ‪ ،‬وىي دليل قدرة اإلنساف ( الرضبن خلػق اإلنسػاف علمػو‬ ‫البياف ) وىي من أجل التعبَت عن اغبقيقة والهدؽ ‪ ،‬ولذلك ينبغي أف تهػاف اللغػة واالسػم‬ ‫عن ال ذب والليف ‪ ،‬وىذا سب قدسية ال لمة « من كاف يؤمن بػاهلل واليػوـ اآلخػر فليقػل‬ ‫خَتاً أو ليهمت » ‪.‬‬ ‫ من األف ار الواعةة تتولد فنوف البياف وتتوسع فاؽ اللغة وحُت يقل العلم ويذى‬‫أىلو ووبل التخلف وبػدث االنت ػاس يف اللغػة ‪ ،‬فتهػب القدسػية لل لمػات وتفسػر اغبقػائق‬ ‫وفقػاً ؽبػػا ‪ ،‬ومثػػل ذلػػك تع ػػيم الرسػػوـ لفقػػداف اغبقػػائق كمػػا بػػُت ابػػن خلػػدوف يف حديثػػو عػػن‬ ‫أعمػػار الػػدوؿ وعػػن اعبيػػل الرابػػع من ػػا ‪ .‬ومثلػػو الغلػػو يف تع ػػيم الش ػرائع والق ػوانُت كتع ػػيم‬ ‫السبت عند الي ود ‪ ،‬أو الغلو يف التمسك حبرفية القػانوف حػىت يهػب اإلنسػاف مسػخراً لػو ‪.‬‬ ‫وقد جاء الرسوؿ صلى اهلل عليو وسلم ليعع عن الناس ىذه اآلصار واأل بلؿ ‪.‬‬ ‫التعليم بالقلم‬ ‫اؼبرتبة الرابعة‬ ‫ٔ ‪ -‬ال تابة قدرة حديثة يف تاريخ البشر ‪ ،‬وىي م ر ل رـ اهلل ( الذي علم بالقلم )‬ ‫فب ا ربفل اػباات ‪.‬‬


‫ وت وف عهمة اإلنساف من ت رار اػبطأ ‪.‬‬‫إف الرمػػل ‪ -‬ال تابػػة ‪ -‬جع ػل العلػػم خالػػداً ‪ ،‬فةهػػنو مػػن التةريػػف والعػػياع ( إنػػا كبػػن‬ ‫نللنا الذكر وإنا لو غباف وف )‪.‬‬ ‫تػػاريخ اإلنسػػاف قبػػل ظ ػػور ال تابػػة ىبػػيم عليػػو ال ػػبلـ ‪ ،‬وخبػػا النبيػػُت األمػػي خػػتم ع ػػد‬ ‫األمية وانتقلت البشرية إىل ع د جديد ىو ع د القراءة ( اقرأ باسم ربك … ) ‪.‬‬ ‫باسػػتخداـ الرمػػل اختػلاؿ العلػػم الػػذي مػػا زاؿ يتطػػور حػػىت بلػػس مرحلػػة اآلالت اغباسػػبة‬ ‫الدقيقػػة وبنػػوؾ اؼبعلومػػات وىػػذه مػػن نعػػم اهلل ال ػػاى ( ف والقلػػم ومػػا يسػػطروف ‪ .‬مػػا أنػػت‬ ‫بنعمة ربك دبجنوف ) ‪.‬‬ ‫ٕ ‪ -‬ول ػػن النعمػػة قػػد تتةػػوؿ إىل نقمػػة ‪ ،‬فتهػػب الق ػراءة سػػبباً للجمػػود وإبطػػاء النمػػو‬ ‫حػػُت يسػػوء التعامػػل مع ػػا ‪ ،‬كمػػا سػػاء التعامػػل مػػع سػػر ك ػػيعا ‪ .‬ويػػتم ذلػػك حػػُت يفقػػد‬ ‫اإلنساف صلتو بالوجود اػبارجي وبعواَل اآلفاؽ واألنفس ‪ ،‬ويسيطر عليو تقديس األشخاص‬ ‫واآلراء وال يعود لش ادة اغبواس َوز ٌف أماـ قدسية ال لمة القديبة أو األشخاص ‪.‬‬ ‫ٖ ‪ -‬إف ال ت ػ صػػور ذىنيػػة ؼبؤلفي ػػا ع ػػن العػػاَل اػبػػارجي ‪ ،‬وإف التعامػػل مػػع حق ػػائق‬ ‫العػػاَل اػبػػارجي يهػػة الن ػػر إىل ال تػػاب ‪ ،‬وي سػ القػػارئ موقفػاً إهبابيػاً مػػن ال تػػاب ‪،‬‬ ‫فبل يقوـ ال تاب بدور اؼبعطل ‪.‬‬ ‫وىػػذا اؼبوقػػف اإلهبػػا مػػن ال تػػاب ال ي تسػػبو القػػارئ إال بتوسػػعو يف الق ػراءة ‪ ،‬حيػػث‬ ‫ىبػػرج باطبلعػػو الواسػػع مػػن عػػاَل األشػػخاص إىل عػػاَل األف ػػار ‪ ،‬أو مػػن الهػػورة الذىنيػػة إىل‬ ‫اغبقائق اػبارجية ‪ ،‬وبذلك ال يتوقف االجت اد ‪.‬‬ ‫ٗ ‪ -‬إجػراء التهػػةي ب زالػػة الهػػور اػباطعػػة عػػن ال تػػاب باغبػػذؼ واالختهػػار لتسػ يل‬ ‫إدراؾ اؼبوعوع ‪.‬‬ ‫إف علػػم اإلنسػػاف بالط ػ واعب ػراييم و ‪ ..‬قػػد تطػػور كث ػَتاً ف شػػف دور اعب ػراييم و …‬ ‫بينما بقي علم اإلنساف بالسلوؾ البشري وجبراييم اجملتمع اليت تفتك بو متخلفاً وىذا يش ل‬ ‫عقبة ربوؿ دوف تعميم معٌت العلم ‪ ،‬حىت يشمل األمور اليت يعتاو ا خارج نطاؽ العلم ‪.‬‬


‫إف اؼبن ج العلمي يف مواج ة أمور اجملتمػع َل وبػرز تقػدماً كبػَتاً ‪ ،‬وبقػي السػلوؾ البشػري‬ ‫خارج منطقة العلم لسببُت إ‬ ‫ٔ ‪ -‬الن ػػر الػػديٍت اػبػػاطت الػػذي يسػػل اإلنسػػاف حريػػة االختيػػار والقػػدرة علػػى تقريػػر‬ ‫اؼبهَت ‪.‬‬ ‫ٕ ‪ -‬مػػا ذكػػر مػػن أف مػػا طبػػق يف الفلػػك والط ػ وس ػوانبا مػػن مػػن ج علمػػي هب ػ أف‬ ‫يطبق يف السلوؾ ‪ ،‬لندرؾ السنن اليت ىبعع ؽبا وهبذا توعع عػن اإلنسػاف اآلصػار واأل ػبلؿ‬ ‫اليت أراد اهلل وعع ا عنو ‪ .‬وإف القر ف لي اد يقهر معٌت العلم على علم السلوؾ البشري أو‬ ‫علم ( سنن الذين خلوا من قبل ) ‪.‬‬ ‫مرتبة خامسة للوجود‬ ‫الوجود السنٍت‬ ‫ٔ ‪ -‬إف الوجود اػبارجي راجع إىل وجود سنٍت ىػو القػوانُت أو كلمػة اهلل وأمػره وتقػديره‬ ‫‪ .‬إف قػػانوف تركيػ اؼبػػاء مػػثبلً لػػيس لػػو وجػػود خػػارجي بػػل وجػػود سػػنٍت يوعػػع لػػو رمػػل ‪ .‬وكػػل‬ ‫م ػػاىر ال ػػوف تابعػػة للسػػنن ‪ .‬إف قػػانوف الشػػيء موجػػود قبػػل وجػػود الشػػيء وىػػذا واع ػ يف‬ ‫ال يمياء ‪ .‬وىذا الوجود السنٍت يب ن أف ي وف مدخبلً لتهور وجود الروح ‪.‬‬ ‫ٕ ‪ -‬والسنن يابتة ( ولن ذبػد لسػنة اهلل تبػديبلً ‪ ،‬ولػن ذبػد لسػنة اهلل ربػويبلً ) وىػي ىنػا‬ ‫سنة اجملتمعات واألنفس ‪.‬‬ ‫إف اؼبسلم ال يرى للعلم يباتػاً ألنػو إمػا أف ي ػن اعب ػل علمػاً ‪ .‬أو ال يعلػم معػٌت النتقػاؿ‬ ‫من سنة إىل سنة ومن قدر إىل قدر ‪.‬‬ ‫كما أف اؼبسلم قد تأير دبف وـ الغرب فهار ين ػر إىل أمػور اجملتمػع وكػأف العلػم ال صػلة‬ ‫لو هبا ‪ ،‬ويعرؼ ابن تيمية السنة إ « أف يفعل يف الثاي ما فعل يف األوؿ » وشبيو بو تعريف‬ ‫راسل ‪.‬‬ ‫ٖ ‪ -‬السنة واؼبعجلة إ‬


‫إف اإلسبلـ نبت يف بيعػة ػَت علميػة ‪ ،‬وانتقػل باإلنسػاف إىل اغبيػاة العلميػة حيػث ارتقػى‬ ‫بالدليل والاىاف مػن مسػتوى اؼبعجػلة إىل العلػم ‪ .‬والقػر ف يؤكػد أف الن ػر العلمػي دليػل علػى‬ ‫صػػدؽ النبػػوة ‪ .‬وىػػذا األسػػلوب ػػَت سػريع النتػػائج تابعػاً ‪ .‬إف اؼبسػػلمُت مػػا زالػوا يف عقليػػة مػػا‬ ‫قبل العلم حُت يذكروف اؼبعجلات ك كثار الطعاـ ونبع اؼباء و …‬ ‫إف االنتقاؿ من اؼبعجلة إىل السنة ىو معٌت ختم النبوة وإف القر ف حػُت يتػدرج بالاىػاف‬ ‫مػػن مسػػتوى اؼبعجػػلة يف قهػػة الػػذي مػػر علػػى قريػػة أو قهػػة إبػراىيم إىل أفػػق العلػػم والسػػنة يف‬ ‫قهة أُ ابن خلف اؼبعاند ( أو َل ير اإلنساف أنا خلقناه مػن نطفػة ‪ . ) ..‬ليؤكػد أف السػنة‬ ‫حلت ؿبل اؼبعجلة ‪.‬‬ ‫الفهل الثاي‬ ‫العلم‬ ‫أ ‪ -‬أسس أولية إ‬ ‫ٔ ‪ -‬األساس األوؿ إ ال عبلقة بُت السب والنتيجة عقبلً ‪.‬‬ ‫ وبهػػل العلػػم حػػُت يػػتم التةقػػق مػػن ارتبػػاط السػػب بالنتيجػػة ‪ ،‬وال قػػدرة للعقػػل علػػى‬‫ربػػط األسػػباب بالنتػػائج قبػػل مشػػاىدة االرتبػػاط يف الواقػػع ‪ .‬وإف العقػػل يف حقيقتػػو ىػػو ربػػط‬ ‫السػػب بالنتيجػػة فقػػد يشػػاىد اإلنسػػاف النتػػائج وال يػػرى أو ال يػػدرؾ أسػػباهبا ‪ ،‬وحػػُت تعػػرؼ‬ ‫األسباب يهب اؼبر علماً ‪ .‬ور يػة األسػباب يف األمػور اؼباديػة أسػ ل من ػا يف أحػواؿ اجملتمػع‬ ‫واألنفس ‪.‬‬ ‫ إف قهػػد ال تػػاب ىػػو ربديػػد كنػػو العلػػم وتذوقػػو لفهػػلو عػػن ال ػػن واؽبػػوى ‪ ،‬وذلػػك‬‫بالتأكيػػد علػػى مبلح ػػة ارتبػػاط األسػػباب بالنتػػائج يف الواقػػع ‪ ،‬وبػػذلك يهػػب اإليبػػاف بػػاهلل‬ ‫واليوـ اآلخر علماً يقوـ على أسباب ؽبا نتائج إهبابية ‪.‬‬


‫والتوحيد ىو إيقاظ مل ة العلم والتةرر من التبعية لؤلصناـ والتقليد ‪ .‬إف العلم واإليباف‬ ‫مًتادفاف عند من يتذوؽ كنو األمور ‪ ،‬كما أف الشرؾ واعب ل سواء ‪.‬‬ ‫إف اهلل ى عن الشرؾ اإليباي واعب ل العلمي وعن عبادة األشخاص يف م اىره الدينية‬ ‫والسياسية ‪ ،‬إف العلم ىو طريق التوحيد ‪ ،‬توحيد اهلل ‪ ،‬وتوحيد العاَل ‪ ،‬ألف الناس سي فوف‬ ‫عن التنازع حُت يهب الدين علماً ‪ ،‬فالعلم يقطع طريق اعبدؿ ‪.‬‬ ‫ٕ ‪ -‬األساس الثاي إ العقل ليس لة بل وظيفة ‪.‬‬ ‫َل ترد كلمة عقل يف القر ف إال دبعٌت عمل أو فعل ( ال يعقلوف ) ف و عملية وليس لػة‬ ‫‪ .‬أطلق القر ف على اآللة اسم القل أو الفؤاد أو الل ‪ ..‬وىذه اآلالت وظيفت ػا العقػل أو‬ ‫ربط السب بالنتيجة ‪ .‬إف العقل وظيفة ل س سائر اؼب ارات ‪.‬‬ ‫ٖ ‪ -‬األساس الثالث إ عدـ وعع عاَل األشخاص ؿبل السنن ‪.‬‬ ‫شػػرح مالػػك بػػن نػػيب يف كتابػػو ( مش ػ لة األف ػػار ) اؼبراحػػل الػػثبلث الػػيت يبػػر هبػػا الطفػػل‬ ‫وىو ىبتلؿ تاريخ اإلنساف ‪ .‬إف دراسة الطفل الذي يتلقى من ؿبيطو ليهَت إنساناً ىي العلم‬ ‫اؼبتعلق بالسنن اليت تهنع اإلنساف ‪.‬‬ ‫ إف الطفل يستعُت بعاَل األشخاص ليةهل على العلم ‪ ،‬فيةل اآلبػاء ؿبػل السػنن ‪،‬‬‫وىذا نوع من الوينية الدينية ‪ ،‬يهاب بو من َل يتعلم التعامػل مػع اغبقػائق اػبارجيػة ‪ .‬حيػث‬ ‫هبعل األشخاص مهدر التعرؼ على ىذه اغبقائق فيعع اظراث أماـ الثور ‪ ،‬وىػذه العمليػة‬ ‫يف اعتبار القر ف شرؾ ‪ .‬وىذا الف م عروري الستقامة الػدين واغبيػاة واػبػبلص مػن اػبعػوع‬ ‫والتللف والعبودية وزواؿ االزدواجية ‪.‬‬ ‫ إف لعاَل األشخاص جانبيو اإلهبا والسليب إ‬‫هبػ إعطػػاء عػػاَل األشػػخاص حقػػو دوف تفػريط أو مغػػاالة ‪ ،‬فػػاػباات البشػرية اؼبًتاكمػػة‬ ‫تش ل األساس الذي يبٍت عليػو البلحػق فيوسػع الػدائرة ويعػيف إلي ػا درجػة جديػدة ‪ ،‬ىػذه‬ ‫اػباات هب أف تقبل على أساس السنن ال على أساس عاَل األشخاص ‪.‬‬ ‫ب ‪ -‬دليل العلم إ‬


‫التنبؤ والتسخَت برىاف على العلم ‪.‬‬ ‫أم ػػا التنب ػػؤ ف ػػو أف يفع ػػل يف الث ػػاي م ػػا فع ػػل يف األوؿ ‪ .‬والق ػػر ف يس ػػمي ذل ػػك بالنس ػػبة‬ ‫للمجتم ػػع س ػػنة ‪ ،‬وس ػػنة اهلل ى ػػذه يف اجملتمع ػػات ال تنف ػػي دور اإلنس ػػاف ف ػػي مرتبط ػػة بس ػػنة‬ ‫أساسية ( إف اهلل ال يغَت ما بقوـ حىت يغَتوا ما بأنفس م ) ا يأب التسخَت بعد التنبؤ ‪.‬‬ ‫ والعاقبػػة برىػػاف للعلػػم اؼبتعلػػق بسػػلوؾ اإلنسػػاف ‪ .‬ف ػػي برىػػاف للعلػػم خػػاص بػػاجملتمع‬‫والقيم واألخبلؽ ‪ .‬كعاقبة اؼبتقُت واؼب ػذبُت وأمػا األشػياء اؼباديػة فعاقبت ػا ترجػع إىل اإلنسػاف‬ ‫الذي يسخرىا يف اػبَت أو يف الشر ‪.‬‬ ‫واشتباه ىذا األمر دفع كثَتاً من العلماء إىل اعتبار العلم ؿبايداً أخبلقياً وىو خطأ يرجع‬ ‫إىل قهر العلم على الطبيعة دوف القيم وإىل القيم وإىل عػدـ اعتبػار العاقبػة دلػيبلً علػى العلػم‬ ‫‪.‬‬ ‫إف القػػر ف يؤكػػد علػػى أف القػػيم واألخػػبلؽ و ‪ ..‬علػػم ؽبػػا سػػنن يابتػػة ‪ ،‬ـبتاىػػا السػػَت يف‬ ‫األرض ودراسػػة سػػنن مػػن خل ػوا مػػن قبػػل واالحت ػػاـ إىل التػػاريخ اإلنسػػاي ماعػػيو وحاعػػره‬ ‫ومستقبلو ‪.‬‬ ‫ ومػػن بػراىُت العلػػم برىػػاف أف العلػػم مػػا ىػػو خػػَت وأبقػػى ‪ ..‬واػبػػَت واألبقػػى نقطػػة أوليػػة‬‫بدىية يتم االنطبلؽ من ا ‪ .‬ف ل أمر أعطى نتائج أنفع ف و حق وخػَت وىػو علػم دبقػدار مػا‬ ‫فيو من النفع ول ن ال بد من إدخاؿ عنهر اللمن يف األنفػع واألبقػى ‪ .‬وذلػك دببلزمػة صػفة‬ ‫االسػػتمرار ؽبمػػا ‪ .‬وىػػذا الن ػػر التػػارىبي إىل نتػػائج األمػػور علػػى اؼبػػدى الطويػػل ي شػػف دور‬ ‫األخػػبلؽ ويبػػُت أ ػػا ليسػػت ف ػرائل اعتباطيػػة وال أيقػػاالً سبنػػع مػػن انطػػبلؽ الش ػ وات ‪ .‬بػػل‬ ‫األخ ػػبلؽ عل ػػم ألف نتائج ػػا خ ػػَت وأبق ػػى ‪ .‬إف م ػػذى الذرائعي ػػة ش ػػر وخط ػػأ ح ػػُت ي ػػتم‬ ‫باؼبهػػلةة العاجلػػة الػػيت مػػن بعػػدىا األحقػػاد وىػػو حػػق حػػُت ي ػػتم بػػاػبَت األبقػػى واألدوـ ‪،‬‬ ‫وىذه ذرائعية القر ف واألدياف ‪.‬‬ ‫إف الن ػػر إىل العاقب ػػة ‪ -‬ال ػػذي يؤك ػػد أف األخ ػػبلؽ عل ػػم ‪ -‬ى ػػو أس ػػلوب علم ػػي ت ػػارىبي‬ ‫تعرض لو راسػل ‪ .‬وذكػره حسػُت مػروة ذكػراً عػابراً ‪ .‬إف ىػذه الن ػرة العلميػة ربسػم النػلاع بػُت‬


‫العقػػل والنقػػل ‪ ،‬وهبػػا يػػدرؾ اإلنسػػاف أسػرار العبػػادة ‪ ،‬فيمػػا زبلقػػو مػػن نتػػائج ىػػي خػػَت وأىب ‪.‬‬ ‫ومثاؿ ذلك يف اغبج والهبلة وسوانبا من عبادات زبلق ال مػاؿ عنػد اإلنسػاف والهػبلبة يف‬ ‫اجملتمع ‪ ،‬وقد أبقػت للمسػلمُت رمػق حيػاة يف كيػا م الػذي هتػدـ علػى الهػعيد السياسػي ‪،‬‬ ‫ولذلك هب أال تفهل العبادات عن أىداف ا ووظائف ا ‪.‬‬ ‫إف العاقبػػة ذبربػػة يعػػاؼ إلي ػػا اػبػػَت واألبقػػى ‪ ،‬وىػػذا الن ػػر علػػى أسػػاس العواق ػ يليػػل‬ ‫النلاع حوؿ مسألة العلمانية ‪ ،‬حيث يهة من ج اؼبعرفػة وىبعػع كػل شػيء لسػلطاف العلػم‬ ‫‪.‬‬ ‫جػ ‪ -‬اؼبوقف العلمي إ‬ ‫ ىػػو اؼبوقػػف مػػن اجمل ػػوؿ الػػذي َل يهػػر علمػاً ‪ .‬وعلػػى قػػدر معرفػػة اإلنسػػاف للماعػػي‬‫ت ػػوف معرفتػػو للمسػػتقبل أو للمج ػػوؿ ‪ .‬فمػػا سػػبق يلقػػي األعػواء علػػى مػػا سػػيأب وىػػذا أمػػر‬ ‫متهل بالسَت يف األرض والن ر إىل بداية اػبلق ‪.‬‬ ‫وفبا وبرـ من ىذا اؼبوقف أف ي ن الناس أف العاَل خلق تاماً و ػَت نػاقا يف غب ػة ‪ .‬إف‬ ‫اؼبوقػػف العلمػػي ىػػو اؼبوقػػف التػػارىبي السػػنٍت الػػذي يبػػن الثقػػة والتبهػػر ( أدعػػو إىل اهلل علػػى‬ ‫بهَتة ) ول ن طاؿ علػى اؼبسػلمُت األمػد فجمػدوا عنػد اللة ػة اغباعػرة ورأوىػا مبتػورة عػن‬ ‫اؼباعي واؼبستقبل فقست قلوهبم وابتعدوا عن اؼبوقف العلمي ‪.‬‬ ‫واالبتعاد عن اؼبوقف العلمي يدفع إىل سػلوؾ طػرؽ اغبقػد واالنتقػاـ وقطػع الػر وس بػدؿ‬ ‫اإلرشػػاد واؽبدايػػة ‪ ،‬وهبعػػل صػػاحبو يش ػػعر أف األمػػور ػػَت قابلػػة للةػػل ‪ ،‬ويدفعػػو إىل الي ػػأس‬ ‫والبعد عن اغبلم والف م ‪.‬‬ ‫د ‪ -‬العلم واؽبوى إ‬ ‫اؽبػػوى معػػاد لعلػػم ‪ ،‬وقػػد جػػاء يف القػػر ف يف موعػػع االهتػػاـ والتةػػذير منػػو ‪ ،‬سػواء كػػاف‬ ‫ىوى النفس أو ىوى اآلخرين ‪ ،‬ألنو يعل ويهرؼ عن العدؿ ‪.‬‬ ‫اؽبوى سب أكثر مػا وبػدث مػن النػلاع ‪ ،‬ألف النػلاع اخػتبلؼ يف الر يػة يسػب اؽبػوى ‪،‬‬ ‫ف و كثَت بُت األطفاؿ واعباىلُت ‪.‬‬


‫إف الذاتية تػؤير يف ظ ػور اؽبػوى وسػيطرتو علػى أح ػاـ اإلنسػاف وتهػرفاتو ‪ ،‬وقػد عػرب‬ ‫اهلل مثل داود يف القر ف ‪ .‬وىذه مش لة اجتماعية وعاؼبية ومش لة كل أحد ‪.‬‬ ‫كاف اؽبوى يؤدي دوراً يف حفل الذات ‪ ،‬ول ن تطػور اغبيػاة ربػط اؽبػوى بػاجملتمع ‪ ،‬فػبل‬ ‫بد من تهعيده ػبلق اإليثار والغَتية ‪.‬‬ ‫إف قػوانُت الدولػػة ربػػاوؿ أف تعػػبط اؽبػػوى وزبعػػع الػػذات لػػروح اجملتمػػع ‪ ،‬والعػػاَل حباجػػة‬ ‫إىل ىذا ليةل نلاعاتو ‪.‬‬ ‫لقػػد فشػػلت األمػػم اؼبتةػػدة يف تفسػػَت كلمػػة االعتػػداء ألف كػػل واحػػد يفسػػرىا مػػن وج ػػة‬ ‫ن ره ومهلةتو ‪ .‬ور ية اؽبػوى صػعبة ‪ ،‬ألف اؽبػوى ظلػم للػنفس ‪ ،‬واؼبخطػت ظػاَل لنفسػو ولػو‬ ‫كاف مستععفاً ‪ ،‬واإلنساف ال يشعر أنو ي لم نفسو ‪.‬‬ ‫مػػن العػػروري معرفػػة بدايػػة ظ ػػور القػػانوف أو ف ػػرة اغب ػراـ أو مػػىت بػػدأ اإلنسػػاف يش ػػعر‬ ‫بعرورة عبم ىوه وتوجيو رائله ‪.‬‬ ‫يف تراينا اىتماـ كبَت بتبياف يار اؽبوى وأفعالو ‪.‬‬ ‫إف اؽبػػوى مهػػنوع يف أصػػلو ‪ ،‬واألى ػواء نفسػػية وىػػي ػػَت الش ػ وات اعبسػػدية ‪ .‬وإف َل‬ ‫تثمػػر ج ػػود النػػاس لت ػػذي أنفسػ م ف ػػذا يعػػٍت قلػػة العلػػم و مػػوض اؼبعرفػػة ‪ ،‬وىػػو مػػا يػلاؿ‬ ‫النػػاس يعيشػػوف فيػػو إذ أف الػػرداء اغبعػػاري اؼب ل ػػل يرمػػى وقػػت األزمػػات ‪ ،‬وتت شػػف طبيعػػة‬ ‫التوحذ يف الناس وت ر ىشاشة القانوف ‪.‬‬ ‫وإف القر ف قدـ أح اماً واقعية لذلك حُت ح م بػ « قليبلً ما يؤمنوف » و « قليل مػن‬ ‫عبادي الش ور » و … ول ن ىذا اإلخبار يفيد اللجر والن ي ألف العلػم قػادر علػى خلػق‬ ‫اإلنساف اؼبتقي الذي ين ى النفس عن اؽبوى ‪.‬‬ ‫لقد أر القر ف علػى إبػراز أخطػار اؼبعاصػي وأمػراض القلػ الػيت ربطػم القػيم وتػؤدي إىل‬ ‫زعلعة اغبعارة ‪ ،‬وذلك ما بينو توينيب يف حديثو عن األقلية اؼببدعة وربوؽبا إىل أقلية مسيطرة‬ ‫‪ ،‬أو ما بينو فرويػد يف حديثػو عػن عػياع القػيم الثقافيػة حػُت تسػيطر األقليػة وتسػخر اجملمػوع‬ ‫لهاغب ا ‪.‬‬


‫إف إلقاء األعواء العلمية على أسباب األوبعة االجتماعية واألخبلقية أمر على اية مػن‬ ‫األنبية ‪ ،‬فبذلك وحده تنقشع ال لمة وينشط اإلنساف من عقاؿ األمراض الفتاكة ويتخلا‬ ‫من اؼبشاكل اليت ينتج ا اتباع األىواء ‪.‬‬ ‫ىػ ‪ -‬العلم والتوحيد إ ‪ -‬ي ر التوحيد يف يبلية جوان إ‬ ‫ٔ ‪ -‬توحيد الذات فبل خالق إال اهلل ‪.‬‬ ‫ٕ ‪ -‬وتوحيد التشريع فالطاعة ألمر اهلل ‪.‬‬ ‫ٖ ‪ -‬وتوحيد الر بة والرىبة أو األلوىية ‪.‬‬ ‫إف العلػػم أسػػاس التوحيػػد يف أمػػر اهلل التش ػريعي ؼبعرفػػة أوامػػره ونواىيػػو ‪ ،‬وأمػػر اهلل ال ػػوي‬ ‫ؼبعرفة ياتو وتسخَت ال وف ‪.‬‬ ‫ التوحيد قيمة إنسانية أو مش لة إنسانية ‪.‬‬‫إف ظ ور الفردية ‪ -‬كما بُت كتاب الغرب والعاَل ‪ -‬عملية تارىبية ‪ ،‬فقػد تطػورت ف ػرة‬ ‫الفردي ػػة خ ػػبلؿ الت ػػاريخ ‪ .‬ك ػػاف التف ػػرد مفق ػػوداً يف القبائ ػػل واجملتمع ػػات القديب ػػة ال ػػيت َل ت ػػن‬ ‫تتسام مع النلعة الفردية كاجملتمعات اليونانية والرومانيػة ‪ .‬ولػذلك ن ػروا إىل اؼبسػيةية علػى‬ ‫أ ا سرطاف أل ا اعتات اػببلص السرمدي أساساً وكرست اغبياة من أجلو ‪ .‬وحررت الفرد‬ ‫من اػبنوع للجماعة والدولة ‪.‬‬ ‫إف فريػػلر يػػرى أف إعػػادة االعتبػػار إىل اإلنسػػاف أو إعػػادة التوحيػػد عقبػػة أمػػاـ اغبعػػارة ‪،‬‬ ‫فيما يرى توينيب أف رأي فريلر عودة للوينية ‪ .‬واغبقيقة أف اؼبش لة كامنة يف سبلمة اعبميع ؛‬ ‫الفػػرد واجملتمػػع ‪ ،‬ووعػػع كػػل يف موعػػعو اؼبناسػ ‪ ،‬فػػالعلم ينػػتج مػػن مبػػادرات أفػراد يف أرض‬ ‫اجملتمػػع ‪ ،‬واجملتمػػع ي بػػت اؼببػػادرات وىنػػا ت ػػر قيمػػة اعب ػػد واؼبعانػػاة والتةػػرر مػػن الشػػعور‬ ‫بالعجل ‪.‬‬ ‫ إف التوحيػػد خػػروج مػػن اآلبائيػػة ‪ ،‬وتعبػػَت عػػن تػػوؽ اإلنسػػاف إىل اغبػػق وجعلػػو مسػػؤوالً‬‫أماـ اغبق ‪ ،‬إ ا ملة إبراىيم ‪.‬‬


‫اآلبػػاء يف عهػػور التخلػػف وبيلػػوف اإلنسػػاف إىل شػػيء أو أداة مسػػخرة ‪ ،‬والتوحيػػد دعػػوة‬ ‫لتةريػػره ‪ .‬إف ف ػػرة اليونػػاف أو الرومػػاف يف جعػػل النػػاس أدوات عػػادت تسػػيطر يف ن ػػم العػػاَل‬ ‫اليت ربيل اإلنساف إىل منفذ ببل اعًتاض ‪ ،‬ؽبػذا اعتػا تػوينيب اغبعػارات ن وصػاً عػن األديػاف‬ ‫العليػػا الػػيت تسػػمو باإلنسػػاف ‪ - .‬إف تتبػػع التػػاريخ اإلنسػػاي ‪ ،‬ومبلح ػػة مػػا كابدتػػو اإلنسػػانية‬ ‫مػػن انسػػةاؽ كرامػػة اإلنسػػاف يؤكػػد أف التوحيػػد حاجػػة إنسػػانية يرتفػػع هبػػا اإلنسػػاف لتةمػػل‬ ‫اؼبسؤولية ‪ ،‬مسؤولية كل فرد عػن اإلنسػانية ‪ .‬السػلوؾ الػذي يعػمن النجػاة األخرويػة يعػمن‬ ‫خبلص األفراد واجملتمعات من التخلف واإلذالؿ وسػلطاف االستعػعاؼ واالسػت بار ‪ ،‬وىنػا‬ ‫تبدو وظيفة التوحيد االجتماعية يف خلق السػلوؾ الػذي تتةقػق بػو إنسػانية اإلنسػاف ووحػدة‬ ‫ال رامة البشرية ‪.‬‬ ‫الفهل الثالث‬ ‫األجنة القر نية‬ ‫ٔ‪-‬‬‫( سَتوا يف األرض فان روا كيف بدأ اػبلق )‬ ‫ يف اآليػػة مػػن ج للبةػػث يشػػمل اعبوانػ اؼباديػػة و َتىػػا فبػػا يب ػػن أف يدرسػػو اإلنسػػاف‬‫ألف مػػل أمػػر لػػو بػػدء خلػػق ‪ .‬وإف ج ػػل بدايػػة اػبلػػق يعطػػي صػػورة مشػػوىة للواقػػع ‪ ،‬وىبلػػق‬ ‫االعػػطراب وعػػدـ الػػتم ن مػػن التعامػػل اغبسػػن مػػع الواقػػع ‪ .‬والن ػػر التقليػػدي قػػد تهػػور أف‬ ‫خلق ال وف كما ىو ابتداء وكامبلً ‪ ،‬وىذا نتيجة ر ية غب ية قاصرة ‪.‬‬ ‫ إف اػبلق مػا زاؿ مسػتمراً يف شػىت مسػتوياتو ‪ ،‬وإف اإلنسػانية كانػت كػالفرد لػو مراحػل‬‫مبو ‪ ،‬وىي َل تهل إىل الرشد بعد ‪ .‬ومعرفة « كيف بػدأ اػبلػق » ترشػد إىل أف اػبلػق ينمػو‬ ‫ويتقدـ ‪ .‬كما أ ا تقود إىل التف َت يف اؼبهَت الدنيوي ‪ .‬واآلية تنقػل البةػث عػن اؼبعرفػة مػن‬


‫يات ال تاب إىل يات اآلفاؽ واألنفس ‪ .‬إف ما علمو اهلل يف اإلنساف وج لػو اؼببلئ ػة ىػو‬ ‫سر خلقو وىو مرتبط بدوره يف اغبياة الدنيا …‬ ‫سيهل اإلنساف إىل مرحلة يأنف في ا من سفك الدماء كما صار يأنف من أكل غبػوـ‬ ‫البشر وسيبلس مرحلة « النشأة اآلخرة » ‪.‬‬ ‫إف مش لة بدء اػبلق من أوؿ ما صدـ الف ػر الػديٍت ‪ ،‬ومػع ذلػك ال قبػد مػن اؼبف ػرين‬ ‫اؼبسلمُت من جعل من ية الن ر إىل بداية اػبلق منطلقاً لبةث ىذه اؼبش لة ‪.‬‬ ‫ٕ‪-‬‬‫( سنري م ياتنا يف اآلفاؽ ويف أنفس م حىت يتبُت ؽبم أنو اغبق )‬ ‫ تنقل اآلية أدلة موعوع الدين واإليباف من يات ال تاب إىل يػات اآلفػاؽ واألنفػس‬‫‪ ،‬وىي نقلة ستجعل الدين والعلم متةدين ألف مهدرنبا واحد وىو الواقع ‪ ،‬إ ا كاية ( إف‬ ‫اهلل ال يغَت ما بقوـ … ) تاز دور اإلنساف الذي يسَت يف األرض ووبمل األمانة ‪.‬‬ ‫ سيهب الدين علماً ويغدو عاؼبياً حُت تش د لو يات اآلفاؽ واألنفس اليت ؽبػا حػق‬‫معرف ػػة اغب ػػق ‪ ،‬وس ػػي وف ذل ػػك س ػػبباً ل ػػدخوؿ الن ػػاس يف دي ػػن اهلل أفواجػ ػاً ‪ .‬وج ػػارودي م ػػن‬ ‫مؤشرات ىذا االذباه ‪.‬‬ ‫ حُت ش دت يات اآلفاؽ لعلم الفلك زاؿ ما كاف هبري فيو مػن نػلاع ‪ ،‬وسػيلوؿ مػا‬‫يف ال ػدين مػػن ن ػلاع وعػػداوة حػػُت تش ػ د لػػو يػػات اآلفػػاؽ واألنفػػس ‪ ،‬وإف ف ػػرة خػػتم النبػػوة‬ ‫تأكيد ؽبذا الدور ‪.‬‬ ‫ مول ػػد اإلس ػػبلـ مول ػػد العق ػػل االس ػػتدال ‪ ،‬ون ػػيب اإلس ػػبلـ ص ػػلة ب ػػُت الع ػػاَل الق ػػد‬‫واغبػػديث ‪ ،‬وف ػػرة خػػتم النبػػوة تعلػػن انت ػػاء الػػدورات اغبعػػارية ‪ ،‬وإمسػػاؾ اإلنسػػاف بسػػنن‬ ‫التاريخ ليجعل اغبعارة مستمرة وىبله ا مػن اغبتميػة ‪ ،‬وكػذلك ف ػرة أف ؿبمػداً للنػاس كافػة‬ ‫تؤكد ىذا ‪.‬‬ ‫ٖ‪-‬‬‫( وسخر ل م ما يف السموات وما يف األرض ) ‪.‬‬


‫اآلية من مقامات ت ر اإلنساف ‪.‬‬ ‫ٔ ‪ -‬ففي ا مقاـ النيابة اإلؽبية الذي يرتقي إليو اإلنساف حيث يأمر فيطاع ‪.‬‬ ‫ٕ ‪ -‬التسػػخَت يتنػػامى مػػع الػػلمن وي ػػر ذلػػك مػػن تأمػػل ( كيػػف بػػدأ اػبلػػق ) يف حالػػة‬ ‫القراءة وال تابة مثبلً ومع ارتقاء التسخَت تلوح مبلم ( النشأة اآلخرة ) ‪.‬‬ ‫ٖ ‪ -‬التسخَت تسخَتاف ‪ ،‬تسخَت عاَل اآلفاؽ وتسػخَت عػاَل األنفػس ‪ .‬والثػاي أصػع‬ ‫وأبعػػد ‪ ،‬والغربيػػوف أن ػػروا أف ي ػػوف الثػػاي علم ػاً ‪ ،‬علػػى ع ػػس القػػر ف ‪ .‬وىػػذا مػػا أدى إىل‬ ‫تن ػػاقل أى ػػداؼ اغبع ػػارة الغربي ػػة م ػػع أى ػػداؼ الق ػػر ف ‪ .‬ى ػػي سبج ػػد اعبان ػ اؼب ػػادي ( كث ػػرة‬ ‫األم ػواؿ واألوالد ) …‪ ..‬والقػػر ف يػػرى التقػػوى أسػػاس الرقػػي ‪ .‬وال يريػػد لئلنسػػاف أف سبل ػػو‬ ‫الدنيا وأال تتةوؿ الوسائل إىل أىداؼ ‪ .‬واغبعارات انتةرت على ىذا اؼبنللق ‪.‬‬ ‫ وتوينيب حاـ حوؿ اؼبوعوع حُت رأى أنو ال السيطرة على البيعة يف ربسػُت األسػلوب‬‫الت نولػػوجي وال التوسػػع اػبػػارجي يف إخعػػاع النػػاس يع ػااف عػػن ارتقػػاء اإلنسػػاف اغبقيقػػي ‪.‬‬ ‫ويعرب مثل الفراعنة وبناء األىراـ ‪ .‬ومثل حعارة اليوـ وبناء الًتسانات ‪.‬‬ ‫ اآلية تعع اإلنساف أماـ مسؤولية ال ائيػة ‪ ،‬يراىػا بعػل اؼبف ػرين الغػربيُت مسػتةيلة‬‫مثل توينيب الذي يرى عدـ إم اف أخذ الت نولوجيا دوف التلوث دبا قبم عن ا من أخبلؽ ‪.‬‬ ‫إف موعوع سيطرة اإلنساف علػى الػدنيا أو سػيطرة الػدنيا علػى اإلنسػاف ‪ ،‬وعبلقػة الػدنيا‬ ‫ب ػػاآلخرة واألخ ػػبلؽ بالسياس ػػة ؿب ػػور اىتم ػػاـ الق ػػر ف ال ػػذي يبػ ػن اإلنس ػػاف الثق ػػة يف االرتق ػػاء‬ ‫وإيبػػات جدارتػػو هبػػا لتجػػاوز هتمػػة اؼببلئ ػػة ‪ .‬وأمثلػػة القػػر ف عػػن عػ ٍ‬ ‫ػاد وإرـ ‪ ،‬وعػػن الفراعنػػة‬ ‫وسواىم ‪ ،‬مدارىا على ىذا االىتماـ ‪.‬‬ ‫ٗ‪-‬‬‫( إف الذين منوا والذين ىادوا والنهػارى والهػابعُت مػن مػن بػاهلل واليػوـ اآلخػر وعمػل‬ ‫صاغباً فل م أجرىم عند رهبم وال خوؼ علي م وال ىم وبلنوف ) ( البقرة ‪. ) ٕٙ /‬‬ ‫ العاَل اؼبعاصر يبر دبرحلة خطَتة من التةوؿ شبي ة دبرحلة الوالدة يف حياة اإلنساف ‪،‬‬‫وال وبل مش بلت ىذه اؼبرحلة َت العلم ‪.‬‬


‫ وقد تعرض اإلنساف ؼبثل ىذا حُت انتقل إىل مرحلة اللراعة ول نو عجل عن الت يػف‬‫مع ما تقتعيو من العدؿ واحًتاـ إنسانية اإلنساف ‪ ،‬ف ر التسلط والق ر والعبودية ‪.‬‬ ‫ واآلف دخل اإلنساف أزمة جديدة قبل أف وبل أزمات اؼبراحل السابقة ‪.‬‬‫ إف التةوؿ اعبديد دفع إىل عرورة وحدة العاَل ‪ ،‬ووحدة اؼبهَت ؛ ألف النجاة الفردية‬‫ؿبالة ‪.‬‬ ‫_ ية البةث ( إف الذين منوا ‪ ) ..‬إ تيسر الت يف اؼبطلوب وىو اػبروج من األنانية‬ ‫الذاتية إىل اغب واإليثار ‪ ،‬واػبروج من سفك الدماء والثارات ‪.‬‬ ‫ البشرية تواجو األزمة بالطرائق القديبة ‪ ،‬بال لم والق ر واالست بار يف األرض ‪.‬‬‫ اآليػػة ر يػػة تفا ليػػة لػػدين ي ػػدؼ إىل العاؼبيػػة فيؤكػػد علػػى التسػػام واإلحسػػاف و …‬‫لتتجاوز اإلنسانية حالة الفساد وسفك الدماء ‪ ،‬وربقق ما علمو اهلل في ا ‪.‬‬ ‫ إف كش ػػوؼ الطاق ػػة اؼبادي ػػة خط ػػر عل ػػى اإلنس ػػاف أل ػػا َل ترافق ػػا ق ػػوى اػب ػػَت واظب ػػة‬‫واإليثار اليت فطرت علي ا نفس اإلنساف ‪.‬‬ ‫ عاؼبنا اؼبعاصر أىداؼ مب مة ويقوده قادة عمياف وىو متخم باؼبعدات ال املة ‪.‬‬‫ األصوؿ اؼبشًتكة مع أىل ال تاب هب أف ربوؿ دوف سبلؽ اإلنسانية ‪.‬‬‫مذى ابن دـ األوؿ إ أو‬ ‫(مش لة العنف يف العمل اإلسبلمي )‬ ‫ياز اؼبؤلف يف ىذا البةث األسلوب الػذي زكػاه اهلل يف موقػف ابػن دـ األوؿ مػن أوؿ‬ ‫نلاع حدث يف مطلع البشرية ‪..‬‬ ‫لي ػػوف ى ػػذا األسػ ػلوب اؼبلك ػػى م ػػن قب ػػل اهلل نااسػ ػاً للبشػ ػرية يف خ ػػط س ػػَتىا الطوي ػػل ‪.‬‬ ‫وي ػػدؼ إىل إهبػػاد أسػػلوب خػػر غبػػل مش ػ بلت البنػػاء ‪ .‬وىػػو وإف كػػاف يوجػػو ال ػػبلـ إىل‬ ‫اإلسبلميُت ليدؽبم على الطريق ‪ ،‬إال أنو َل يقهد االقتهار علي م ‪ ،‬بل يريػد أف يعػع أمػاـ‬ ‫عمَت اآلخرين ىذا األسلوب يف العمل لي وف موعع تأمل م ‪ .‬ويبُت أف على اؼبسلمُت من‬


‫أجل استعناؼ اغبياة اإلسبلمية أف يقوموا بعملية الببلغ اؼببُت ‪ ،‬واف يؤدوا واجبػاهتم بهػرؼ‬ ‫الن ر عن اغبق الذي ؽبم ‪.‬‬ ‫اإلنساف إ حُت ي وف كبلً وحُت ي وف عدالً‬ ‫ينطلق اؼبؤلف من شػرح قولػو تعػاىل إ « وعػرب اهلل مػثبلً رجلػُت أحػدنبا أب ػم ال يقػدر‬ ‫علػػى شػػيء وىػػو كػػل علػػى مػػواله أينمػػا يوج ػػو ال يػػأت خبػػَت ‪ .‬ىػػل يسػػتوي ىػػو ومػػن يػػأمر‬ ‫بالعدؿ وىو على صراط مستقيم » ‪.‬‬ ‫وي ػػدؼ إىل بي ػػاف أف البشػػر يب ػػن م باس ػػتخداـ س ػػنن تغيػػَت الػػنفس واجملتمػػع ‪ ،‬رف ػػع أو‬ ‫خفل مستوى األفراد واجملتمعات ‪ .‬ويشرح ف رة « الفعالية » ‪ ،‬ويبُت أف أىم شروط ا ‪.‬‬ ‫_ أف نبةث أسباب األحداث ‪ ،‬ونعًتؼ جب د اإلنساف في ا ‪.‬‬ ‫_ أف يتةػرؾ اإلنسػاف بػُت حػ ّدي الرجػاء واػبػوؼ ‪ ،‬مػن أجػػل خػَت هبلبػو أو شػر يدفعػػو‬ ‫‪..‬‬ ‫العمل‬ ‫قدرة وإرادة‬ ‫إذا تػػوفرت للعمػػل اإلرادة اعبازمػػة والقػػدرة التامػػة مػػع اسػػتيفاء شػػروطو وانتفػػاء موانعػػو ‪،‬‬ ‫وج وجود الفعل عرورة ‪ ،‬و حهوؿ العمل ب ذف اهلل تعاىل ‪.‬‬ ‫إف لدى اؼبسلمُت من اإلرادة والقدرة اؼبادية ما ي في م لئلقبلع ‪ ،‬وإمبا عوزىم اغبقيقي‬ ‫قي القدرات الف مية ‪.‬‬ ‫وىذا ال تاب يتناوؿ مش لة العمل بأسلوب موعوعي على صورة قوانُت رياعية إ‬ ‫اإلرادة اعبازمة القدرة التامة = العمل الناج ‪.‬‬ ‫العقل اؼبثل األعلى = اإلرادة ‪.‬‬ ‫العقل وقائع ال وف وأحداث التاريخ = القدرة التسخَتية ‪.‬‬ ‫حىت يغَتوا ما بأنفس م‬


‫ينطلق اؼبؤلف من شرح قولو تعاىل إ « إف اهلل ال يغَت مػا بقػوـ حػىت يغػَتوا مػا بأنفسػ م‬ ‫» ‪ .‬ووب ػػاوؿ أف يوعػ ػ أف أس ػػاس مشػ ػ لة زبل ػػف اؼبس ػػلمُت ‪ ،‬ى ػػو ج ل ػػم أف مشػ ػ لت م‬ ‫زبع ػػع لقػ ػوانُت يب ػػن كش ػػف ا وتس ػػخَتىا ‪ ..‬وبالت ػػا اص ػػبةوا ألعوب ػػة بي ػػد أع ػػدائ م ال ػػذين‬ ‫يفرعوف أف اؼبش بلت زبعع لقوانُت يب ن كشف ا وتسخَتىا ‪..‬‬ ‫ويبُت اؼبؤلف أف الدعوات اليت تركت أيرىا العميق يف تاريخ البشرية ‪ ،‬إمبا بدأت تأيَتىػا‬ ‫على نفس اإلنساف وف ره فغَتهتما ؛ واف ىذا التغيَت ىبعع لقواعد وقوانُت ىي سنن اهلل يف‬ ‫النفس واجملتمع اليت يرتقي اجملتمع أو يتخلف حبسب ا …‬ ‫فقداف التوازف االجتماعي‬ ‫ي ػػدرس ال ت ػػاب إنس ػػاف ؾبتمعن ػػا ال ػػذي ي ػػًتدد ب ػػُت مبدئ ػػو وع ػػغط الواق ػػع ‪ .‬ويب ػػُت أف‬ ‫االنفه ػػاـ االجتم ػػاعي ال ػػذي يعاني ػػو مس ػػلم الي ػػوـ ‪ ،‬ى ػػو الػ ػذي يفق ػػده توازن ػػو ووبمل ػػو عل ػػى‬ ‫االنسػ ػػةاب مػ ػػن اجملتمػ ػػع أو الػ ػػذوباف فيػ ػػو ‪ .‬واف مػ ػػن الشػ ػػروط األساسػ ػػية لتةقيػ ػػق الت ػ ػوازف‬ ‫االجتماعي إ‬ ‫ أف ندخل اجملتمع وكبن نعتقد أف لدينا عقيدة تنقذه ‪.‬‬‫لنغَته ‪ ،‬ال لنقلِّده ‪.‬‬ ‫ أف ندخل اجملتمع ِّ‬‫ أف نقدـ اإليباف بأدلتو من عاَل الش ادة ‪.‬‬‫كت قيِّمة‬ ‫أوالً ‪ -‬أحباث يف سنن النفس واجملتمع‬ ‫تأليف إ األستاذ جودت سعيد‬ ‫ٔ‪ -‬مذى ابن دـ األوؿ (مش لة العنف يف العمل اإلسبلمي) ‪.‬‬ ‫ٕ‪ -‬اإلنساف حُت ي وف كبلً وحُت ي وف عدالً ‪.‬‬ ‫ٖ‪ -‬حىت يغَتوا ما بأنفس م ‪.‬‬ ‫ٗ‪ -‬فقداف التوازف االجتماعي ‪.‬‬ ‫٘‪ -‬العمل قدرة وإرادة ‪.‬‬


‫يانياُ ‪ -‬دراسات نفسية وتربوية إ‬ ‫تأليف إ الدكتور عبد اغبميد اؽبامشي‬ ‫ٔ‪ -‬الرسوؿ العر اؼبر‬ ‫يالثاً ‪ -‬ن رات يف كتاب اهلل تعاىل إ‬ ‫ٔ‪ -‬قبس من اإلعجاز‬ ‫ٕ‪ -‬توجي ات قر نية‬ ‫ٖ‪ -‬أعواء من سورة يس‬ ‫ٗ‪ -‬أعواء من سورة لقماف‬

‫لؤلستاذ إ ىشاـ اغبمهي ‪.‬‬ ‫لؤلستاذ إ ىشاـ اغبمهي ‪.‬‬ ‫لؤلخت إ حناف غباـ ‪.‬‬ ‫لؤلخت إ حناف غباـ ‪.‬‬

‫رابعاً ‪ -‬من أخبار الهةابيات إ‬ ‫تأليف إ السيدة حناف غباـ‬ ‫ٔ ظبية بنت خياط ( الش يدة األوىل ) ‪.‬‬ ‫ٕ‪ -‬أـ سليم بنت ملةاف ( اللوجة اؼبؤمنة ) ‪.‬‬ ‫اظتوى‬


‫اؼبوعوع‬ ‫مقدمة‬ ‫مدخل‬ ‫* الفهل األوؿ إ مرات الوجود‬ ‫مرات الوجود‬ ‫مرتبة التعليم بالقلم (اؼبرتبة الرابعة)‬ ‫الوجود السنٍت (مرتبة خامسة)‬ ‫* الفهل الثاي إ العلم‬ ‫ما ىذا الذي نسميو علماً‬ ‫دليل العلم‬ ‫اؼبوقف العلمي‬ ‫العلم واؽبوى‬ ‫العلم والتوحيد‬ ‫* الفهل الثالث إ األجنة القر نية‬ ‫سَتوا يف األرض‬ ‫سنري م ياتنا‬ ‫سخر ل م‬ ‫إف الذين منوا‬ ‫خاسبة‬ ‫دليل األف ار‬ ‫اظتوى‬

‫الهفةة‬ ‫٘‬ ‫‪ٜٔ‬‬ ‫ٔٗ‬ ‫ٖٗ‬ ‫ٕ‪ٙ‬‬ ‫٘‪ٛ‬‬ ‫‪ٜٜ‬‬ ‫ٖٓٔ‬ ‫‪ٕٔٙ‬‬ ‫‪ٔٗٚ‬‬ ‫ٖ٘ٔ‬ ‫ٕ‪ٔٚ‬‬ ‫‪ٜٜٔ‬‬ ‫ٖٕٓ‬ ‫ٕٔٔ‬ ‫‪ٕٕٚ‬‬ ‫ٖٕ٘‬ ‫‪ٕٗٚ‬‬ ‫ٖٕ٘‬ ‫‪ٕٛٚ‬‬


‫ىذا ال تاب‬ ‫ينطلق اؼبؤلف من قولو تعاىل إ ( اقرأ وربك األكرـ الػذي علػم بػالقلم ) ليعػع اإلنسػاف‬ ‫على طريق العلم والسبلـ ‪ ،‬الذي ي سبو اؼبوقف التػارىبي السػنٍت ‪ ،‬وىػذا اؼبوقػف يبػن الثقػة‬ ‫والتبهر وال رامة ‪ ،‬ويُبعد عن سلوؾ طرؽ اغبقد واالنتقاـ والتقليد ‪ ..‬فالذين ينالوف كػرـ اهلل‬ ‫وكرامتو ىم أكثر الناس قراءة وأشدىم اتهاالً بال تاب والعلم ‪..‬‬ ‫ويؤكػػد اؼبؤلػػف أف اعبانػ الػػذي علينػػا االىتمػػاـ بػػو إ ىػػو إيعػػاح مبػػادئ ومنػػاىج إنتػػاج‬ ‫اؼبعرفة والعلم ‪ ..‬كما يبُت أف التوحيد خروج من اآلبائية ‪ ،‬ودعوة لتةرير اإلنسػاف ‪ ،‬وحاجػة‬ ‫إنسانية يرتفع هبا اإلنساف لتةمل اؼبسؤولية ‪ ،‬وربقيق إنسانيتو وتقو سلوكو ‪..‬‬

Iqraae  
Read more
Read more
Similar to
Popular now
Just for you